الکتابة التاریخیة لکتب المقتل الحسینی حتى أواخر القرن السابع الهجری

ghaemiyeh.com

اشارة

العنوان: الكتابة التاريخية لكتب المقتل الحسيني حتى أواخر القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي: دراسة نقدية تحليلية/

بيان المسؤولية: تأليف: د. عباس محيسن حريجة اللامي.

بيانات الطبع: الطبعة الأُولى.

بيانات النشر: النجف، العراق: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة وارث الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية، 2018 م/1439ﻫ.

الوصف المادي: 562 صفحة ؛ 24 سم.

سلسلة النشر : (العتبة الحسينية المقدسة ؛ 476).

سلسلة النشر : (مؤسسة وارث الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية).

تبصرة عامة: جاء في المقدمة عنوان الكتاب (منهج الكتابة التاريخية لكتب المقتل الحسيني حتى أواخر القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي).

تبصرة عامة: أصل الكتاب اُطروحة جامعية مقدمة لنيل درجة دكتوراه فلسفة في التاريخ الإسلامي.

تبصرة ببليوجرافية: يتضمن هوامش، لائحة المصادر (الصفحات 509 - 547).

مصطلح موضوعي: واقعة كربلاء، 61 للهجرة - تاريخ - دراسة.

مصطلح موضوعي: واقعة كربلاء، 61 للهجرة - المصادر - دراسة.

مصطلح موضوعي: التاريخ عند المسلمين.

اسم هيئة اضافي: العتبة الحسينية المقدسة (النجف، العراق). مؤسسة وارث الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية - جهة مصدرة.


تمت الفهرسة قبل النشر في مكتبة العتبة الحسينية المقدسة

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق ببغداد (3400) لسنة (2018م)

اشارة

الكتابة التاريخية لكتب المقتل الحسيني حتى أواخر القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي دراسة نقدية تحليلية

تألیف: د. عباس محيسن حريجة اللّامي

الإشرافُ العِلمِیُّ مؤسسة وارث الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية

جمیع الحقوق المحفوظة

للعتبة الحسينية المقدسة

العطبعة الاولی

1440ﻫ - 2019 م

إصدار مؤسسة وارث الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية

بسم الله الرحمن الرحیم

تنويه: هذا الكتاب هو جزء من متطلبات نيل درجة

دكتوراه فلسفة في التاريخ الإسلامي

وهي بعنوان: الكتابة التاريخية لكتب المقتل الحسيني

حتى أواخر القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي (دراسة نقدية تحليلية)

تقدم بها الطالب عباس محيسن حريجة اللام-ي

قدمت إلى مجلس كلية التربية - جامعة واسط

بإشراف الأستاذ الدكتور عطا سلمان جاسم

1437ه- - 2016م

مراجعة وتدقيق

اللجنة العلمية في قسم الرسائل الجامعية في مؤسسة وارث الأنبياء

د. الشيخ عبد الرحمن الربيعي، د. السيد محمد المدني، الشيخ فضيل الجزائري

هوية الكتاب

عنوان الكتاب الكتابة التاريخية لكتب المقتل الحسيني

حتى أواخر القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي (دراسة نقدية وتحليلية)

المؤلفد.عباس محيسن حريجة اللامي

الإشراف العلمي اللجنة العلمية في مؤسسة وارث الأنبياء

الإخراج الفنيحسين المالكي

الطبعةالأُولى

سنة الطبع1440ه- / 2019م

عدد النسخ1000

«مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا»

صدق الله العلي العظيم

(الأحزاب: آية 23).

الإﻫداء

إلى من أنار لي طريق العلم..

وحبّب إليَّ الارتشاف من منهله العذب..

وحثني على مواصلة التحصيل ومهَّد لي الطريق..

إلى روح أبي وإلى والدتي وإخواني وأخواتي..

وجميع أصدقائي أهدي هذه الأُطروحة.

الباحث

شكر وتقدير

بعد حمد الله وشكره على نعمه التي لا تحصى ومنها إتمام الأطروحة يسرني أن أتقدم بعظيم شكري وبالغ احترامي وتقديري لأستاذي المشرف الأستاذ الدكتور عطا سلمان جاسم الذي واكب الأطروحة، وكان خير عون لي باستكمال متطلباتها، وقد أمدَّني بالتوجيهات السديدة والآراء الصائبة المفيدة، وكان من عوامل الوصول إلى إكمال الأطروحة وإخراجها في هذه الصورة.

كما أتقدَّم بالشكر لجميع أساتذتي في المرحلة التحضيرية من الدراسة وهم: السيد رئيس القسم سابقاً الدكتور رحيم كاظم الهاشمي، ورئيس القسم الحالي الدكتور حسين سيد نور الأعرجي، والأستاذ الدكتور فاضل جابر ضاحي، والدكتور طالب محيبس الوائلي، والدكتور مهدي علوان، والأستاذة الدكتورة ناهضة مطير حسن، والدكتورة سادسة حلاوي.

وأحسُّ بأنَّ من واجب العرفان بالفضل والجميل أن أقدِّم وافر شكري وعظيم امتناني إلى الدكتور هادي عبد النبي التميمي، في كلية الآداب، جامعة الكوفة، إذ كان له الفضل لما أبداه من مساعدة كبيرة للباحث في ملاحظاته القيمة وآرائه السديدة.

ومن واجب الوفاء أن أشكر الأستاذ الدكتور جواد كاظم النصر الله في كلية الآداب/جامعة البصرة لجهوده الكبيرة في إبداء ملاحظاته وآرائه السديدة، وتوجيهاته العلمية التي أغنت الأطروحة، وكذلك الشكر موصول إلى الدكتور

علي موسى الكعبي، في كلية التربية، جامعة ميسان، لما قدَّمه لي من مساعدة كبيرة خاصة في ترجمة بعض النصوص الفارسية.

كما أشكر الأخوة العاملين في مكتبات العتبات المقدسة؛ لما أبدوه لي من تسهيل كبير في الحصول على المصادر والدراسات حول الأطروحة، ولا يفوتني أن أشكر العاملين في المكتبة المركزية في محافظة ميسان ومكتبة كلية التربية في جامعة ميسان، ومؤسسة الهدى للدراسات الاستراتيجية وأخصُّ بالذكر رئيسها الشيخ حسين جلوب الساعدي؛ لمساعدتهم لي خدمة للعلم.

وأخيراً أشكر جميع من مدَّ لي يد المساعدة والعون ولم يبخل بنصيحة، فجزاهم الله تعالى عني خير الجزاء ووفقهم لما فيه الخير والمحبة.

وأسأل الله أن يوفِّق الجميع لكلِّ خير، والحمد لله أوّلاً وأخيراً، وبه العون ومنه التوفيق، وصلى الله على رسوله وآله وصحبه وسلم تسليماً.

الباحث

مقدمة المؤسّسة

اشارة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

إنّ العلم والمعرفة مصدر الإشعاع الذي يهدي الإنسان إلى الطريق القويم، ومن خلالهما يمكنه أن يصل إلى غايته الحقيقية وسعادته الأبدية المنشودة، فبهما يتميّز الحقّ من الباطل، وبهما تُحدد اختيارات الإنسان الصحيحة، وعلى ضوئهما يسير في سبل الهداية وطريق الرشاد الذي خُلق من أجله، بل على أساس العلم والمعرفة فضّله الله عز وجل على سائر المخلوقات، واحتج عليهم بقوله: «وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ»((1))، فبالعلم يرتقي المرء وبالجهل يتسافل، وقد جاء في الأثر «العلمُ نورٌ»((2))، كما بالعلم والمعرفة تتفاوت مقامات البشر ويتفوّق بعضهم على بعض عند الله عز وجل، إذ «يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ»((3))، وبهما تسعد المجتمعات، وبهما الإعمار والازدهار، وبهما الخير كلّ الخير.


1) البقرة: آية31.

2) الريشهري، محمّد، العلم والحكمة في الكتاب والسنّة: ص36، نقلاً عن قرّة العيون للفيض الكاشاني: ص 438.

3) المجادلة: آية11.

ومن أجل العلم والمعرفة كانت التضحيات الكبيرة التي قدّمها الأنبياء والأئمةوالأولياء(علیهم السلام)، تضحيات جسام كان هدفها منع الجهل والظلام والانحراف، تضحيات كانت غايتها إيصال المجتمع الإنساني إلى مبتغاه وهدفه، إلى كماله، إلى حيث يجب أن يصل ويكون، فكان العلم والمعرفة هدف الأنبياء المنشود لمجتمعاتهم، وتوسّلوا إلى الله عز وجل بغية إرسال الرسل التي تعلّم المجتمعات فقالوا: «وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ»((1))، و«لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ»((2))، ما يعني أنّ دون العلم والمعرفة هو الضلال المبين والخسران العظيم.

بل هو دعاؤهم(علیهم السلام) ومبتغاهم من الله عز وجل لأنفسهم أيضاً، إذ طلبوا منه تعالى بقولهم: «وَاملأ قُلُوبَنا بِالْعِلْمِ وَالمَعْرفَةِ»((3)).

وبالعلم والمعرفة لا بدّ أن تُثمّن تلك التضحيات، وتُقدّس تلك الشخصيات التي ضحّت بكلّ شيء من أجل الحقّ والحقيقة، من أجل أن نكون على علم وبصيرة، من أجل أن يصل إلينا النور الإلهي، من أجل أن لا يسود الجهل والظلام.

فهذه هي سيرة الأنبياء والأئمة(علیهم السلام) سيرة الجهاد والنضال والتضحية والإيثار لأجل نشر العلم والمعرفة في مجتمعاتهم، تلك السيرة الحافلة بالعلم والمعرفة في كلّ جانب من جوانبها، والتي ينهل منها علماؤنا في التصدّي لحلّ مشاكل مجتمعاتهم على مرّ العصور والأزمنة والأمكنة، وفي كافّة المجالات وشؤون البشر.


1) البقرة: آية129.

2) آل عمران: آية164.

3) الكفعمي، إبراهيم، المصباح: ص280.

وهذه القاعدة التي أسسنا لها لا يُستثنى منها أيّ نبي أو وصي، فلكلّ منهم(علیهم السلام) سيرته العطرة التي ينهل منها البشر للهداية والصلاح، إلّا أنّه يتفاوت الأمربين أفرادهم من حيث الشدّة والضعف، وهو أمر عائد إلى المهام التي أنيطت بهم(علیهم السلام)، كما أخبر عز وجل بذلك في قوله: «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ»((1))، فسيرة النبي الأكرم(صلی الله علیه و آله) ليست كبقية سير الأنبياء، كما أنّ سيرة الأئمة(علیهم السلام) ليست كبقية سير الأوصياء السابقين، كما أنّ التفاوت في سير الأئمة(علیهم السلام) فيما بينهم مما لا شك فيه، كما في تفضيل أصحاب الكساء على بقية الأئمة(علیهم السلام).

والإمام الحسين(علیه السلام) تلك الشخصية القمّة في العلم والمعرفة والجهاد والتضحية والإيثار، أحد أصحاب الكساء الخمسة التي دلّت النصوص على فضلهم ومنزلتهم على سائر المخلوقات، الإمام الحسين(علیه السلام) الذي قدّم كلّ شيء من أجل بقاء النور الرباني، الذي يأبى الله أن ينطفئ، الإمام الحسين(علیه السلام) الذي بتضحيته تعلّمنا وعرفنا، فبقينا.

فمن سيرة هذه الشخصية العظيمة التي ملأت أركان الوجود تعلَّم الإنسان القيم المثلى التي بها حياته الكريمة، كالإباء والتحمّل والصبر في سبيل الوقوف بوجه الظلم، وغيرها من القيم المعرفية والعملية، التي كرَّس علماؤنا الأعلام جهودهم وأفنوا أعمارهم من أجل إيصالها إلى مجتمعات كانت ولا زالت بأمس الحاجة إلى هذه القيم، وتلك الجهود التي بُذلت من قبل الأعلام جديرة بالثناء والتقدير؛ إذ بذلوا ما بوسعهم وأفنوا أغلى أوقاتهم وزهرة أعمارهم لأجل هذا الهدف النبيل.


1) البقرة: آية253.

إلّا أنّ هذا لا يعني سدّ أبواب البحث والتنقيب في الكنوز المعرفية التي تركها(علیه السلام) للأجيال اللاحقة - فضلاً عن الجوانب المعرفية في حياة سائر المعصومين(علیهم السلام) - إذ بقي منها من الجوانب ما لم يُسلّط الضوء عليهبالمقدار المطلوب، وهي ليست بالقليل، بل لا نجانب الحقيقة فيما لو قلنا: بل هي أكثر مما تناولته أقلام علمائنا بكثير، فلا بدّ لها أن تُعرَف ليُعرَّف، بل لا بدّ من العمل على البحث فيها ودراستها من زوايا متعددة، لتكون منهجاً للحياة، وهذا ما يزيد من مسؤولية المهتمين بالشأن الديني، ويحتّم عليهم تحمّل أعباء التصدّي لهذه المهمّة الجسيمة؛ استكمالاً للجهود المباركة التي قدّمها علماء الدين ومراجع الطائفة الحقّة.

ومن هذا المنطلق؛ بادرت الأمانة العامة للعتبة الحسينية المقدّسة لتخصيص سهم وافر من جهودها ومشاريعها الفكرية والعلمية حول شخصية الإمام الحسين(علیه السلام) ونهضته المباركة؛ إذ إنّها المعنيّة بالدرجة الأولى والأساس بمسك هذا الملف التخصصي، فعمدت إلى زرع بذرة ضمن أروقتها القدسية، فكانت نتيجة هذه البذرة المباركة إنشاء مؤسّسة وارث الأنبياء للدراسات التخصّصية في النهضة الحسينية، التابعة للعتبة الحسينية المقدّسة، حيث أخذت على عاتقها مهمّة تسليط الضوء - بالبحث والتحقيق العلميين - على شخصية الإمام الحسين(علیه السلام) ونهضته المباركة وسيرته العطرة، وكلماته الهادية، وفق خطة مبرمجة وآلية متقنة، تمّت دراستها وعرضها على المختصين في هذا الشأن؛ ليتمّ اعتمادها والعمل عليها ضمن مجموعة من المشاريع العلمية التخصصية، فكان كلّ مشروع من تلك المشاريع متكفّلاً بجانب من الجوانب المهمّة في النهضة الحسينية المقدّسة.

كما ليس لنا أن ندّعي - ولم يدّعِ غيرنا من قبل - الإلمام والإحاطة بتمام جوانب شخصية الإمام العظيم ونهضته المباركة، إلّا أنّنا قد أخذنا على أنفسنا بذل قصارى جهدنا، وتقديم ما بوسعنا من إمكانات في سبيل خدمة سيّد الشهداء(علیه السلام)، وإيصال أهدافه السامية إلى الأجيال اللاحقة.

المشاريع العلمية في المؤسسة

اشارة

بعد الدراسة المتواصلة التي قامت بها مؤسَّسة وارث الأنبياء حول المشاريع العلمية في المجال الحسيني، تمّ الوقوف على مجموعة كبيرة من المشاريع التي لميُسلَّط الضوء عليها كما يُراد لها، وهي مشاريع كثيرة وكبيرة في نفس الوقت، ولكلٍّ منها أهميته القصوى، ووفقاً لجدول الأولويات المعتمد في المؤسَّسة تمّ اختيار المشاريع العلميّة الأكثر أهميّة، والتي يُعتبر العمل عليها إسهاماً في تحقيق نقلة نوعية للتراث والفكر الحسيني، وهذه المشاريع هي:

الأوّل: قسم التأليف والتحقيق

اشارة

إنّ العمل في هذا القسم على مستويين:

أ - التأليف

ويُعنَى هذا القسم بالكتابة في العناوين الحسينية التي لم يتمّ تناولها بالبحث والتنقيب، أو التي لم تُعطَ حقّها من ذلك. كما يتمُّ استقبال النتاجات القيِّمة التي أُلِّفت من قبل العلماء والباحثين في هذا القسم؛ ليتمَّ إخضاعها للتحكيم العلمي، وبعد إبداء الملاحظات العلمية وإجراء التعديلات اللازمة بالتوافق مع مؤلِّفيها يتمّ طباعتها ونشرها.

ب - التحقيق

والعمل فيه قائم على جمع وتحقيق وتنظيم التراث المكتوب عن مقتل الإمام الحسين(علیه السلام)، ويشمل جميع الكتب في هذا المجال، سواء التي كانت بكتابٍ مستقلٍّ أو ضمن كتاب، تحت عنوان: (موسوعة المقاتل الحسينيّة). وكذا العمل جارٍ في هذا القسم على رصد المخطوطات الحسينية التي لم تُطبع إلى الآن؛ ليتمَّ جمعها وتحقيقها، ثمّ طباعتها ونشرها. كما ويتمُّ استقبال الكتب التي تمّ تحقيقها خارج المؤسَّسة، لغرض طباعتها ونشرها، وذلك بعد إخضاعها للتقييم العلمي من قبل اللجنة

العلمية في المؤسَّسة، وبعد إدخال التعديلات اللازمة عليها وتأييد صلاحيتها للنشر تقوم المؤسَّسة بطباعتها.

الثاني: مجلّة الإصلاح الحسيني

وهي مجلّة فصلية متخصّصة في النهضة الحسينية، تهتمّ بنشر معالم وآفاق الفكر الحسيني، وتسلِّط الضوء على تاريخ النهضة الحسينية وتراثها، وكذلك إبراز الجوانب الإنسانية، والاجتماعية والفقهية والأدبية في تلك النهضة المباركة، وقد قطعت شوطاً كبيراً في مجالها، واحتلّت الصدارة بين المجلات العلمية الرصينة في مجالها، وأسهمت في إثراء واقعنا الفكري بالبحوث العلمية الرصينة.

الثالث: قسم ردّ الشُّبُهات عن النهضة الحسينية

إنّ العمل في هذا القسم قائم على جمع الشُّبُهات المثارة حول الإمام الحسين(علیه السلام) ونهضته المباركة، وذلك من خلال تتبع مظانّ تلك الشُّبُهات من كتب قديمة أو حديثة، ومقالات وبحوث وندوات وبرامج تلفزيونية وما إلى ذلك، ثُمَّ يتمُّ فرزها وتبويبها وعنونتها ضمن جدول موضوعي، ثمّ يتمُّ الردُّ عليها بأُسلوب علميّ تحقيقي في عدَّة مستويات.

الرابع: الموسوعة العلمية من كلمات الإمام الحسين(علیه السلام)

وهي موسوعة علمية تخصصية مستخرَجة من كلمات الإمام الحسين(علیه السلام) في مختلف العلوم وفروع المعرفة، ويكون ذلك من خلال جمع كلمات الإمام الحسين(علیه السلام) من المصادر المعتبرة، ثمّ تبويبها حسب التخصّصات العلمية مع بيان لتلك الكلمات، ثمّ وضعها بين يدي ذوي الاختصاص؛ ليستخرجوا نظريات علميّة ممازجة بين كلمات الإمام(علیه السلام) والواقع العلمي.

الخامس: قسم دائرة معارف الإمام الحسين(علیه السلام) أو (الموسوعة الألفبائية الحسينية)

وهي موسوعة تشتمل على كلّ ما يرتبط بالإمام الحسين(علیه السلام) ونهضته المباركة من

أحداث، ووقائع، ومفاهيم، ورؤى، وأعلام وبلدان وأماكن، وكتب، وغير ذلك، مرتّبة حسب حروف الألف باء، كما هو معمول به في دوائر المعارفوالموسوعات، وعلى شكل مقالات علميّة رصينة، تُراعَى فيها كلّ شروط المقالة العلميّة، مكتوبة بلغةٍ عصرية وأُسلوبٍ حديث.

السادس: قسم الرسائل والأطاريح الجامعية

إنّ العمل في هذا القسم يتمحور حول أمرين: الأوّل: إحصاء الرسائل والأطاريح الجامعية التي كُتبتْ حول النهضة الحسينية، ومتابعتها من قبل لجنة علمية متخصّصة؛ لرفع النواقص العلمية، وتهيئتها للطباعة والنشر، الثاني: إعداد موضوعات حسينيّة من قبل اللجنة العلمية في هذا القسم، تصلح لكتابة رسائل وأطاريح جامعية، تكون بمتناول طلّاب الدراسات العليا.

السابع: قسم الترجمة

يقوم هذا القسم بمتابعة التراث المكتوب حول الإمام الحسين(علیه السلام) ونهضته المباركة باللغات غير العربية لنقله إلى العربية، ويكون ذلك من خلال تأييد صلاحيته للترجمة، ثمَّ ترجمته أو الإشراف على ترجمته إذا كانت الترجمة خارج القسم.

الثامن: قسم الرَّصَد والإحصاء

يتمُّ في هذا القسم رصد جميع القضايا الحسينيّة المطروحة في جميع الوسائل المتّبعة في نشر العلم والثقافة، كالفضائيات، والمواقع الإلكترونية، والكتب، والمجلات والنشريات، وغيرها؛ ممّا يعطي رؤية واضحة حول أهمّ الأُمور المرتبطة بالقضية الحسينية بمختلف أبعادها، وهذا بدوره يكون مؤثّراً جدّاً في رسم السياسات العامّة للمؤسّسة، ورفد بقيّة الأقسام فيها، وكذا بقية المؤسّسات والمراكز العلمية في شتّى المجالات.

التاسع: قسم المؤتمرات والندوات العلمية

ويتمّ العمل في هذا القسم على إقامة مؤتمرات وملتقيات وندوات علميّة فكريةمتخصّصة في النهضة الحسينية، لغرض الإفادة من الأقلام الرائدة والإمكانات الواعدة، ليتمّ طرحها في جوٍّ علميّ بمحضر الأساتذة والباحثين والمحقّقين من ذوي الاختصاص، كما تتمّ دعوة العلماء والمفكِّرين؛ لطرح أفكارهم ورؤاهم القيِّمة على الكوادر العلمية في المؤسَّسة، وكذا سائر الباحثين والمحققين وكلّ من لديه اهتمام بالشأن الحسيني، للاستفادة من طرق قراءتهم للنصوص الحسينية وفق الأدوات الاستنباطية المعتمَدة لديهم.

العاشر: قسم المكتبة الحسينية التخصصية

وهي مكتبة حسينية تخصّصية تجمع التراث الحسيني المخطوط والمطبوع، أنشأتها مؤسَّسة وارث الأنبياء، وهي تجمع آلاف الكتب المهمّة في مجال تخصُّصها.

الحادي عشر: قسم الموقع الإلكتروني

وهو موقع إلكتروني متخصِّص بنشر نتاجات وفعاليات مؤسَّسة وارث الأنبياء، يقوم بنشر وعرض كتبها ومجلاتها التي تصدرها، وكذا الندوات والمؤتمرات التي تقيمها، وكذا يسلِّط الضوء على أخبار المؤسَّسة، ومجمل فعالياتها العلمية والإعلامية.

الثاني عشر: القسم النسوي

يعمل هذا القسم من خلال كادر علمي متخصص وبأقلام علمية نسوية في الجانب الديني والأكاديمي على تفعيل دور المرأة المسلمة في الفكر الحسيني، كما يقوم بتأهيل الباحثات والكاتبات ضمن ورشات عمل تدريبية، وفق الأساليب المعاصرة في التأليف والكتابة.

الثالث عشر: القسم الفني

إنّ العمل في هذا القسم قائم على طباعة وإخراج النتاجات الحسينية التي تصدر عن المؤسَّسة، من خلال برامج إلكترونية متطوِّرة يُشرف عليها كادر فنيّ متخصِّص، يعمل على تصميم الأغلفة وواجهات الصفحات الإلكترونية، وبرمجة الإعلانات المرئية والمسموعة وغيرهما، وسائر الأمور الفنيّة الأخرى التي تحتاجها كافّة الأقسام.

وهناك مشاريع أُخرى سيتمّ العمل عليها إن شاء الله تعالى.

قسم الرسائل الجامعية في مؤسسة وارث الأنبياء

اشارة

يتكفّل قسم الرسائل الجامعية بمهمّة نشر الفكر الحسيني المبارك، من خلال تفعيل الدراسات والأبحاث العلمية الحسينية في الأوساط الجامعية والأكاديمية بمستوياتها الثلاثة: البكالوريوس، والماجستير، والدكتوراه، مضافاً إلى الرُقي بالمستوى العلمي والتحقيقي للكفاءات الواعدة المهتمّة بالنهضة الحسينية في جميع مجالاتها. وقد تصدّى لهذه المسؤولية نخبة من الأساتذة المحقِّقين في المجال الحوزوي والأكاديمي.

أهداف القسم

الغاية من وراء إنشاء هذا القسم جملة من الأهداف المهمّة، منها:

1- إخضاع الدراسات والأبحاث الحسينية لمناهج البحث المعتمَدَة لدى المعاهد والجامعات.

2- إبراز الجوانب المهمّة وفتح آفاق جديدة أمام الدراسات والأبحاث المتعلّقة بالنهضة الحسينية، من خلال اختيار عناوين ومواضيع حيوية مواكبة للواقع المعاصر.

3- الارتقاء بالمستوى العلمي للكوادر الجامعية، والعمل على تربية جيل يُعنَىبالبحث والتحقيق في مجال النهضة الحسينية الخالدة.

4- إضفاء صبغة علمية منهجية متميزة على صعيد الدراسات الأكاديمية، المرتبطة بالإمام الحسين(علیه السلام) ونهضته المباركة.

5- تشجيع الطاقات الواعدة في المعاهد والجامعات؛ للولوج في الأبحاث والدراسات العلمية في مختلف مجالات البحث المرتبطة بالنهضة الحسينية، ومن ثَمّ الاستعانة بأكفّائها في نشر ثقافة النهضة، وإقامة دعائم المشاريع المستقبلية للقسم.

6- معرفة مدى انتشار الفكر الحسيني في الوسط الجامعي؛ لغرض تشخيص آلية التعاطي معه علمياً.

7 - نشر الفكر الحسيني في الأوساط الجامعية والأكاديمية.

8 - تشخيص الأبعاد التي لم تتناولها الدراسات الأكاديمية فيما يتعلّق بالنهضة الحسينية، ومحاولة العمل على إبرازها في الدراسات الجديدة المقترحة.

9- التعريف بالرسائل الجامعية المرتبطة بالإمام الحسين(علیه السلام) ونهضته المباركة؛ والتي تمّت كتابتها ومناقشتها في الجامعات.

آليات عمل القسم

إنّ طبيعة العمل في قسم الرسائل الجامعية تكون على مستويات ثلاثة:

المستوى الأوّل: العناوين والمواضيع الحسينية

يسير العمل فيه طبقاً للخطوات التالية:

1- إعداد العناوين والموضوعات التخصّصية، التي تُعنَى بالفكر الحسيني طبقاً للمعايير والضوابط العلمية، مع الأخذ بنظر الاعتبار جانب الإبداع والأهمية لتلك العناوين.

2- وضع الخطّة الإجمالية لتلك العناوين والتي تشتمل على البحوث التمهيدية

والفصول ومباحثها الفرعية، مع مقدّمة موجَزَة عن طبيعة البحث وأهميته والغاية منه.

3- تزويد الجامعات المتعاقد معها بتلك العناوين المقترَحَة مع فصولها ومباحثها.

المستوى الثاني: الرسائل قيد التدوين

يسير العمل فيه على النحو التالي:

1- مساعدة الباحث في كتابة رسالته من خلال إبداء الرأي والنصيحة.

2- استعداد القسم للإشراف على الرسائل والأطروحات فيما لو رغب الطالب أو الجامعة في ذلك.

3- إنشاء مكتبة متخصِّصة بالرسائل الجامعية؛ لمساعدة الباحثين على إنجاز دراساتهم ورسائلهم، فضلاً عن إتاحة الفرصة أمامهم للاستفادة من مكتبة المؤسَّسة المتخصّصة بالنهضة الحسينية.

المستوى الثالث: الرسائل المناقشة

يتمّ التعامل مع الرسائل التي تمّت مناقشتها على النحو التالي:

1- وضع الضوابط العلمية التي ينبغي أن تخضع لها الرسائل الجامعية، تمهيداً لطبعها ونشرها وفقاً لقواعد ومقرَّرات المؤسَّسة.

2- رصد وإحصاء الرسائل الأكاديمية التي تمّ تدوينها حول النهضة الحسينية المباركة.

3- استحصال متون ونصوص تلك الرسائل من الجامعات المتعاقَد معها، والاحتفاظ بها في مكتبة المؤسَّسة.

4- قيام اللجنة العلمية في القسم بتقييم الرسائل المذكورة، والبتِّ في مدى صلاحيتها للطباعة والنشر من خلال جلسات علمية يحضرها أعضاء اللجنة المذكورة.

5- تحصيل موافقة صاحب الرسالة لإجراء التعديلات اللازمة، سواء أكان ذلك من قبل الطالب نفسه أم من قِبل اللجنة العلمية في القسم.

6- إجراء الترتيبات القانونية اللازمة لتحصيل الموافقة من الجامعة المعنِيَّة وصاحب الرسالة على طباعة ونشر رسالته التي تمّت الموافقة عليها بعد إجراء التعديلات اللازمة.

7- فسح المجال أمام الباحث؛ لنشر مقال عن رسالته في مجلة (الإصلاح الحسيني) الفصلية المتخصِّصة في النهضة الحسينية التي تصدرها المؤسَّسة.

8 - العمل على تلخيص الرسائل الجامعية، ورفد الموقع الإلكتروني التابع للمؤسَّسة بها، ومن ثَمَّ طباعتها تحت عنوان: دليل الرسائل الجامعية المرتبطة بالإمام الحسين(علیه السلام) ونهضته المباركة.

هذه الرسالة

إنّ حادثة كربلاء وما جرى في واقعة الطف كان له التأثير البالغ على مجريات التاريخ منذ ذلك اليوم وإلى زماننا المعاصر، وذلك لما لهذه الواقعة من عظمة اكتسبتها من قائدها العظيم ومبادئها وقيمها الأصيلة، فلولاها لما انحفظ الدين ولحرّفت آخر رسالة سماوية لهداية البشر، قال رسول الله(صلی الله علیه و آله): «حسين منّي وأنا من حسين».

من أجل ذلك فإنّ نقل تلك الواقعة بجزئياتها وأحداثها وكلماتها أمر في غاية الأهمية، فمن خلاله تنشر مبادئ وقيم تلك النهضة الإلهية، لذلك دوّنت كتب عديدة في هذا المجال اصطلح عليها بكتب المقتل، أو المقتل الحسيني، وهي عديدة ومتنوّعة، وقد كتبت في أزمان متفاوتة، متقاربة ومتباعدة، تتحد في نقل معيّن وتختلف في آخر، بعضها واسع وبعضها مختصر، بعضها يشير إلى الجزئيات وبعضها في الكليات، وبعضها متخصص في نقل المقتل وبعضها أوسع من ذلك.

وبعضها بل أكثرها كتبت بيد الطرف المخالف، وغيرها من الخصوصيات الكثيرة التي يشترك فيها بعض المقاتل ويختلف عنها البعض الآخر.ومن المؤسف جدّاً أنّ بعضها أتلفته يد الزمان أو يد الخيانة وبعضها وصل إلينا.

هذه المقاتل جميعاً يشترك بعضها في كيفيّة معيّنة للكتابة ويختلف بعضها الآخر، ومن تلك الكيفيّات المهمّة هو الكتابة التاريخية لكتب المقتل الحسيني، والذي بحثته هذه الرسالة من القرن الأوّل وحتّى القرن السابع الهجري بدراسة نقدية تحليلية.

نسأل الله تعالى للمؤلِّف دوام السَّداد والتوفيق لخدمة القضية الحسينية، ونسأل الله تعالى أن يبارك لنا في أعمالنا إنَّه سميع مجيب.

اللجنة العلمية في

مؤسسة وارث الأنبياء

للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية

مقدِّمة قسم الرسائل الجامعية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلائق محمد وآله الطاهرين.

لا شكّ أنّ التعرّف على تجليات النهضة الحسينية هو تعرّف على السنن التاريخية والسنن الإلهية التي تتعلّق برسالة السماء، وسيرة المعصومين(علیهم السلام)، فنهضة الإمام الحسين(علیه السلام) هي أهمّ محطات الإصلاح التي تركت بصماتها خالدة على جبين التاريخ، غير متأثّرة بعامل الزمان والمكان؛ ما جعل عطاءها دائماً ومستمرّاً.

لقد عاين الإمام الحسين(علیه السلام) من خلال نهضته في وجه الظلم سرّ الخلود الأبدي وفتح بدمائه ودماء أنصاره أبواب الملكوت، حتى تجلّى على رمضاء كربلاء الكمال الإنساني بأعظم بهائه وجماله.

إنّ النهضة الحسينية تتعالى عن كلِّ نظرة تعبوية ومذهبية؛ إنَّما هي مجمع المبادئ الإنسانية ومنتهى كمالات البشرية، لهذا تجد الكلَّ يفتخر بالانتماء إليها لا فرق في ذلك بين المسلم وغيره، وهذا شاهد وجداني صريح على أنَّها تراث عالمي وقيمة حضارية عليا، وأمانة إنسانية.

من هنا تعيَّن على الذين وعوا حكمة تلك النهضة الحسينية، وعقدوا العزم على أن يعيشوا نهج سيد الشهداء(علیه السلام) الحفاظ على رايته الإنسانية والمعرفية، فانقدحت ذهنا، وانعقدت عزما وعملا فكرة هذا المشروع المبارك الذي أخذ أصحابه على عاتقهم مهمة تفعيل الفكر الحسيني بجميع أبعاده العقدية والتاريخيةوالفقهية

والأخلاقية و... في الوسط الجامعي بمستوياته الثلاث: البكالوريوس والماجستير والدكتوراه. حيث لا شكَّ أنَّ الرسائل الجامعية الحسينية من شأنها أن تلعب دوراً ريادياً في نشر الوعي الحسيني، و تنشئة جيل من الأقلام الواعية ترفد فكر النهضة الحسينية علميا، خصوصا أنَّ الوسط الجامعي هو محلٌّ لتجاذب الأفكار، وتلاقح الثقافات المختلفة، وبتفعيل تلك الأبحاث الحسينية في دائرة البحث المنهجي الأكاديمي نكون قد خطونا خطوة واعية على طريق الإرتقاء بالفكر الحسيني الأصيل.

وانطلاقا من هذه الرؤية الواعية والواقعية سطَّر قسم الرسائل الجامعية في مؤسسة وارث الأنبياء(علیهم السلام) خطَّة المشروع بدءا من رصد عناوين الرسائل الجامعية المتعلِّقة بالنهضة الحسينية وتجميعها، ثمّ إخضاعها للمعايير والضوابط التي يتبناها القسم المذكور؛ حيث يتسنَّى من خلال تلك القوانين التي تعتبر أسسا معرفية ومعيارية يوظّفها المقيّم في تعاطيه مع مكوِّنات الرسالة لغة وصيانة وتقريراً بأن يتعيَّن كلُّ مكوَّن بنظم مناسب، فضلا عن تعيُّن مجموع الرسالة بنظم عام كلي، وصولا إلى المرحلة التي يتمُّ فيها إدخال التعديلات اللازمة بالتنسيق المباشر مع صاحب الرسالة؛ لأنَّ المؤسسة لا تريد أن تكون بديلا عن الباحث، وبانتهاء هذه المرحلة تكون الرسالة جاهزة للطبع والنشر.

وممّا جادت به أقلام الباحثين الجامعيين هذه الرسالة الجامعية الموسومة ب-(منهج الكتابة التاريخية لكتب المقتل الحسيني) التي وقع عليها الإختيار من جانب قسم الرسائل الجامعية. حيث تناولت موضوعاً مهماً من مواضيع النهضة الحسينية يرتبط بمصادر المقتل الحسيني، وما دوّنه المؤرِّخون عن الأحداث التي حصلت في كربلاء وما بعدها مما جرى على السبايا حتى عودتهنَّ إلى المدينة المنورة، واختار من تلك المصادر ما دوّن منها من القرن الأول إلى أواخر القرن السابع،أي اختار أهمَّ المصادر

وأكثرها اعتباراً؛ نظرا لقربها الزماني من تلك الأحداث، وما لهذا القرب من دور أساسي في اعتبار المصادر التاريخية، وقد بدأ بحثه في تلك المصادر بتوثيقها والتعريف بها، ولم يكتفِ بالمصادر المتداولة والموجودة منها، بل شمل ذلك التوثيق والتعريف حتى المصادر المفقودة، وهذه من حسنات الرسالة، ثم تناول المادَّة التاريخية التي تضمنتها تلك المصادر بالتحليل والنقد التاريخي المقارن، وقد استوعب ذلك أغلب بحوث الرسالة واظهر في ذلك جهدا علمياً لافتاً، وكانت له محاولة جادَّة في إثبات عدم صحة بعض كتب المقاتل المتداولة، وهو عمل علمي له أهميته البالغة، بالإضافة إلى بحوث علمية أخرى ضمَّتها الرسالة لا تقلُّ أهمية عن سابقاتها، حتى إذا اكتملت سلسلة المقاربات العلمية للرسالة خلصت إلى نتائج علمية لافتة عكست قدرة كاتبها على البحث والتحقيق وأهلية رسالته للنشر والمطالعة.

وبما أنَّ أيَّ عطاء علمي لا يخلو من نقد - ولولا النقد البنّاء لما ارتقت المسيرة العلمية للبشرية - فقد رأت إدارة قسم الرسائل الجامعية في مؤسسة وارث الأنبياء أنَّ وسم الرسالة المذكورة ب-(الكتابة التاريخية لكتب المقتل الحسيني حتى أواخر القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي (دراسة نقدية تحليلية)) هو أقرب لما تضمنته الرسالة من فصول ومباحث حيث لم يتعاطَ الباحث مع محورية مفردة (المنهج) في عنوانه المختار إنمّا كان جلُّ سعيه هو النقد والتحليل لكتب المقتل؛ فكان حريَّاً أن تتوافق اللجنة العلمية في وارث الأنبياء على ذلك مع الكاتب؛ لكي تحصل الموافقة والمواءمة بين العنوان ومضامين الرسالة.

قسم الرسائل الجامعية

في

مؤسسة وارث الأنبياء

المقدّمة: نطاق البحث وتحليل أهمِّ المصادر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الهادي المعين الذي به أستهدي وبه أستعين، والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين، إمام المرسلين وخاتَم النبيِّين سيدنا محمد وعلى آله الطيِّبين الطاهرين، وبعدُ:

يُعدُّ موضوع «منهج الكتابة التاريخية لكتب المقتل الحسيني حتى أواخر القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي» من الموضوعات المهمَّة من الناحيتين التاريخية والعقائدية على حدّ سواء، التي تستحقُّ الدراسة والتحقيق والتحليل، لسبب وآخر حتى أنَّها ارتبطت ارتباطاً وثيقاً ومؤثِّراً بدفع عجلة النشاط الديني والثقافي والسياسي عند المسلمين عامة، وأتباع مذهب أهل البيت(علیهم السلام) خاصَّة.

أُحيط هذا الموضوع (المقتل) وعلى مرِّ العصور التاريخية ببعض الشكوك والغموض والملابسات من قبل بعض المؤرخين، خصوصاً وإنَّ لهؤلاء توجُّهاتٍ وميولاً مذهبيةً وسياسية مختلفة فمن المؤكَّد أنَّها تؤثّر في كتاباتهم التاريخية عن المقتل، وتحرفها عن مساره الحقيقي، والمصادر التاريخية ملآى بالأخبار والروايات التي تتحدَّث بشأن ﻫذا الموضوع إثباتاً وتشكيكاَ، ومن منطلقات عقائدية ومذهبية وحتى سياسية وعاطفية، أثرّت على مادة المقتل التاريخية وحرفتها عن حقيقتها، فضلاً عن الإضافات التي وضعها بعض المؤرخين؛ لأسباب مختلفة والتي أثَّرتعلى حقيقة الرواية التاريخية عن المقتل وشوَّهتها.

وفضلاً عن ذلك فإنَّ الموضوع بحث في تعريف مناهج المؤرخين، الذين صنَّفوا مؤلفاتهم لعرض المقتل الحسيني وتفاصيله، سواء في مصنفات متخصصة عن المقتل، أو ضمن مصنفاتهم التاريخية، وتدقيق تلك الروايات التي أوردوها وتعريضها للنقد التاريخي، ولم تغفل الدراسة عن مناقشة الروايات الضعيفة أو المشكوك بصحتها على وفق الأسس المنهجية التاريخية والدليل العقلي، ولهذه المبرِّرات والأسباب جاء اختيار موضوع الأطروحة، عسى أن نضيف من خلالها جهداً متواضعاً إلى جهود من سبقونا في مثل هذه الدراسة؛ لإغناء المكتبة التاريخية.

ومما لا شكَّ فيه أنَّ موضوع الدراسة يشكِّل أهمية كبيرة؛ لما تركه استشهاد الإمام الحسين(علیه السلام) وواقعة الطفِّ من أثر في قلوب المسلمين حتى الوقت الحاضر، وأنَّ أكثر ما أستأثر باهتمام الناس في ثورة الإمام الحسين(علیه السلام) هو جانب الرواية التاريخية فيها؛ لما أشتمل عليها من مظاهر البطولة والتضحية والسموِّ الإنساني لدى الثائرين وقائدهم العظيم، المتمثِّل بالتضحية بكلِّ عزيز على النفس من الولد والمال والأمن في سبيل المبدأ، وتحقيق العدالة بكل مظاهرها.

من جهة أخرى اشتمل هذا الجانب على مظاهر الإنحطاط الإنساني لدى التيار الأموي، الذي تفنَّن في تنفيذ جريمته الوحشية باستئصال الثائرين، وعلى رأسهم الإمام الحسين(علیه السلام) بصورة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً على مرِّ العصور.

حدَّدت الأطروحة المدَّة الزمنية التي تدرسها، وهي من القرن الأول حتى أواخر القرن السابع الهجري، وذلك لجملة من المبِّررات والأسباب، منها:إنَّ كلَّ دراسة أكاديمية متخصصة لابَّد وأن تُحدَّد بمدة زمنية وتاريخية معينة، فضلاً عن ذلك أنَّ كتب المقتل التي صُنِّفت بعد هذه المدة ابتعدت كثيراً عن المنهج التاريخي وبشكل كبير جداً، واحتوت متونها على المرويات الضعيفة التي لا سند تاريخيلها، والتي عرضت حادثة المقتل بشكل قصصي خيالي من قبيل: روضة الشهداء، لحسين

الكاشفي (ت910ﻫ/أ1504م)، وكتاب المنتخب في جمع المراثي والخطب، لفخر الدين الطريحي (ت 1085ﻫ/1674م) الذي وصفه أحد الباحثين قائلاً: «بأنَّه ألَّفه بهدف إبكاء المؤمنين وحثِّهم على إقامة العزاء، وقد ألَّفه في صورة موسوعة، وليس تأليفاً تاريخياً علمياً عن حياة الإمام الحسين(علیه السلام) أو ثورته؛ فقد جاءت معظم موضوعات الكتاب دون ذكر المصدر، وذكرت أحاديثه بشكل مُرسَل، وامتزج فيه الغثُّ بالسمين...»((1)) هذا فيما يخصُّ بعض مؤلفات كتب المقتل الحسيني المتخصِّصة.

أمّا المصنَّفات التاريخية، فإنَ أغلبها قد اعتمد في إيراد أخبار المقتل على المؤلَّفات التي سبقته من الناحية الزمنية ونقلته بنصِّه، دون أن تطرحه بشكل جديد، أو أن تضيف لها تعليلاً أو تحليلاً، أو أن تتناوله بالنقد والتحقيق.

ركَّزت الأطروحة بشكل مستفيض على المؤلَّفات المشرقية دون المؤلَّفات الأندلسية إلا بشكل محدود؛ وذلك لوجود دراسة أكاديمية متخصِّصة تناولت المؤلَّفات الأندلسية تحت عنوان «ثورة الإمام الحسين(علیه السلام) في المصنَّفات الأندلسية (422ﻫ/897ﻫ) دراسة تاريخية»((2)).

أمّا المصادر والدراسات الأكاديمية، والبحوث والمؤلَّفات الحديثة التي اعتمدت عليها الأطروحة والتي كان لها أثرٌ في إغنائها بالمعلومات القيِّمة، فهي عديدة ومثبتة في قائمة المصادر والمراجع، ولعلَّ في مقدِّمتها كتب المقتل الحسينيالسبعة محور الأطروحة، وهي مقتل الإمام الحسين(علیه السلام)، لأبي مخنف (ت157ﻫ/759م)، وقد اشملت الدراسة فيه على محورين الأول خُصِّص لدراسة المقتل المنسوب إليه والذي أثبتت الأطروحة ذلك وفق الأدلَّة والقرائن التاريخية والعلمية، بينما كُرِّس


1) الريشهري، الصحيح من مقتل سيد الشهداء(علیهم السلام): ص37.

2) للباحثة حوراء كاظم عزيز، كلية التربية، جامعة واسط: 2013م.

المحور الثاني لبيان منهج أبي مخنف في مروياته في تاريخ الطبري والمصنَّفات الأخرى، وتسمية مَن قُتل مع الإمام الحسين(علیه السلام)، للفضيل بن الزبير الرسَّان (المتوفى في القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي) والذي أورد فيه المؤلف بعض الروايات التي انفرد بها عن المصادر الأخرى.

أمَّا كتاب نور العين في مشهد الحسين(علیه السلام) المنسوب للأسفراييني (ت417ﻫ/ 1026م)، فقد أثبتت الدراسة أنّ هذا المقتل لم يكن للأسفراييني، وإنما نسب إليه بعد تحليل مروياته ونقدها والتحقق منها، ومقتل الإمام الحسين(علیه السلام) للخوارزمي (ت568 ﻫ/1172م)، إذ قدَّم معلومات مهمة وقيِّمة أفادت جميع فصول الأطروحة، وتميَّز هذا المقتل بسعته عن بقية كتب المقتل؛ إذ يقع في جزأين، فضلاً عن تضمينه العديد من الروايات ذات الطابع السياسي والعسكري، يضاف إلى ذلك ذكره للعديد من الروايات في الحادثة الواحدة، ودُرَر السِّمط في خبر السِّبط لابن الأبار (ت658ﻫ/1260م)، الذي أورد المقتل بأسلوب أدبي نثري معتمداً على الرواية التقليدية للمقتل التي أوردتها أغلب المصادر، واللهوف في قتلى الطفوف، لابن طاووس (ت664ﻫ/1266م)، الذي وردت فيه العديد من الروايات المهمة عن حادثة استشهاد الإمام الحسين(علیه السلام)، وقد اتبع ابن طاووس منهجاً متميزاً في عرض مادته التاريخية، فضلاً عن انفراده ببعض الروايات، ومثير الأحزان لابن نَما الحلي (ت685ﻫ/1287م).

كما شكَّلت بعض المصادر أهمية كبرى لا تغني عنها سابقاتها، منها:

1- كتب التاريخ العام: يأتي في مقدِّمتها كتاب (الإمامة والسياسة) المنسوبلابن قتيبة الدينوري (ت276ﻫ/879م)، وقد فصّل فيه خبر أحداث طلب البيعة ليزيد في زمن معاوية بن أبي سفيان أكثر من غيره من المؤرخين الذين جاؤوا بعده، فضلاً عن إيراده بعض الروايات المنفردة والمضطربة الخاصة بالمقتل، والأخبار

الطوال للدينوري (ت282ﻫ/895م) والذي انفرد في بعض الروايات عن الرواية التقليدية للمقتل، وتاريخ الرسل والملوك، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، (ت310ﻫ/922م)، ويُعدُّ المصدر الأساس في رفد الأطروحة بالمعلومات التاريخية المهمة، خاصة وأنَّهُ حفظ لنا بعض روايات وأخبار كتب المقتل المفقودة؛ مثل مرويات أبي مخنف، وهشام بن محمد الكلبي، والمدائني وغيرها، وهذا الكتاب اعتمد عليه كلُّ من كتب عن المقتل وجعله المصدر الأساس؛ لأنَّه أورد الأحداث بدقَّة وفصَّلها، وذكر أبرز سماتها ومعالمها الأساسية، وكتاب مروج الذهب ومعادن الجوهر لأبي الحسن علي بن الحسين المسعودي (ت346ﻫ/974م) الذي ذكر بعض الروايات المشكوك بصحتها والتي تستحقُّ الوقوف والمناقشة، من قبيل إشارته إلى أنَّ الذين حضروا لحرب الإمام الحسين(علیه السلام) لم يكن فيهم شامي ولا حجازي ولا مصري بل جميعهم من أهل الكوفة، وهذا مخالف للحقائق ولأغلب النصوص التاريخية.

2- كتب الفتوح: لعلّ كتاب الفتوح، لأحمد بن أعثم الكوفي، (المتوفى في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي)، هو المصدر الوحيد من بين تلك الكتب؛ إذ فصّل في المقتل وحيثياته على الرغم من انعدام السند في رواياته، وقد اعتمد الباحث عليه في الموضوعات التي أغفلها الطبري، وابن الأثير، وابن كثير، وقد عقدنا مقارنة علمية بين ابن اعثم والطبري في عرضهما لمادة المقتل، وطبيعة الروايات التي أورداها.

3- استفادت الدراسة أيضاً من بعض كتب الأنساب: مثل نسب معد واليمن الكبير، وجمهرة النسب لابن الكلبي (ت204ﻫ/819م)، وأنساب الأشراف للبلاذري (ت 279ﻫ/892م) الذي كانت أغلب مادته عن المقتل موافقة للرواية التقليدية، كما احتفظ لنا ببعض مرويات أبي مخنف والمدائني، وجمهرة أنساب العرب

لابن حزم الأندلسي (ت456ﻫ/1064م)، والأنساب للسمعاني (ت562ﻫ/ 1167م)، واللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير، (630ﻫ/1232م)، ونهاية الإرب في معرفة أنساب العرب للقلقشندي (821ﻫ/1423م)، ولب اللباب في تحرير الأنساب للسيوطي (ت911ﻫ/1513م).

4- كتب التراجم: كان لها دورٌ مهمٌ في إنجاز الأطروحة منها: الطبقات لابن سعد (ت230ﻫ/844م)، وطبقات ابن خياط (ت240ﻫ/842م)، واختيار معرفة الرجال، لأبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، (ت460ﻫ/1062)، ويعتبر المصدر الأساس الذي اعتمدت عليه الأطروحة خصوصاً في الكشف عن أسماء مؤلِّفي كتب المقتل المفقودة، والإستيعاب لابن عبد البر (ت463ﻫ/1065م)، وأسد الغابة لابن الأثير (ت630ﻫ/1232م)، ورجال ابن داود (ت707ﻫ/1309م)، وخلاصة الأقوال للعلَّامة الحلي (ت726ﻫ)، وتهذيب الكمال للمزي (ت742ﻫ/1344م)، وسير أعلام النبلاء، وتذكرة الحفاظ، وميزان الإعتدال للذهبي (ت748ﻫ/1350م)، والإصابة، وتقريب التهذيب، وتهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني (ت852ﻫ/1454م).

5- وكان لكتب البلدانيات: دورٌ أساسيٌّ في معرفة الأماكن من المدن والقرى والمنازل وغيرها؛ ككتاب مختصر كتاب البلدان لأبي بكر أحمد بن محمد الهمداني (ت نحو 365ﻫ/975م)، ومعجم البلدان لياقوت الحموي (ت626ﻫ/1228م).

6- أمّا كتب اللغة: فكان لها الأثر البالغ في تعريف بعض المعاني والمفرداتالتي تحتاج الى توضيح من قبيل بيان مفردة المقتل، وبعض النقاط المهمة، ومنها كتاب العين للفراهيدي (ت175ﻫ)، والصحاح للجوهري (ت373ﻫ/975م)، ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس (ت395ﻫ/997م)، ولسان العرب لابن منظور (ت711ﻫ/1313م)، وتاج العروس للزبيدي (ت1205ﻫ/1807م).

وفرضت طبيعة موضوع الدراسة تقسيمها على خمسة فصول، سُبقت بمقدِّمة، وانتهينا بخاتمة لأهمِّ النتائج التي توصَّلت إليها الأطروحة، تناول الفصل الأول أخبار المقتل الحسيني في المصنفات التاريخية من القرن الأول حتى القرن السابع الهجريين، وتمَّ عرض مادته في مبحثين الأول تناول أخبار المقتل في كتب التاريخ العام والأنساب، والثاني في كتب الفتوح والطبقات والتراجم، بينما خُصِّص الفصل الثاني إلى كتب المقتل المفقودة، وقُسِّم إلى مبحثين أساسيين، تضمَّن الأول بيان كتب المقتل الحسيني المفقودة خلال القرون الثلاثة الأولى الهجرية، في حين اشتمل الثاني على كتب المقتل المفقودة خلال القرون الرابع والخامس والسادس والسابع الهجرية.

أمّا الفصل الثالث فقد تضمَّن موارد كتب المقتل، وقُسِّم على مبحثين الأول خُصِّص لموارد كتب المقتل خلال القرنين الثاني والخامس الهجريين، والثاني تعرَّض لموارد كتب المقتل خلال القرنين السادس والسابع الهجريين.

على حين اقتصر الفصل الرابع على دراسة وتحليل المتون الروائية لكتب المقتل الحسيني، وعلى وفق خطة الدراسة قُسِّم أيضاً إلى مبحثين الأول كُرِّس لدراسة المتون الروائية لكتب المقتل خلال القرن الثاني الهجري، بينما خُصِّص المبحث الثاني لدراسة المتون الروائية لكتب المقتل خلال القرن الخامس الهجري.

أمّا الفصل الخامس فقد قُسِّم إلى مبحثين تناولا دراسة وتحليل المتون الروائية لكتب المقتل خلال القرنين السادس والسابع الهجريين.

الباحث

الفصل الأوّل: أخبار المقتل الحسيني في المصنَّفات التاريخية من القرن الأول حتى أواخر القرن السابع الهجري/ السادس والثالث عشر الميلاديين

اشارة

المبحث الأول: أخبار المقتل الحسيني في كتب التاريخ العام والأنساب

المبحث الثاني: أخبار المقتل الحسيني في كتب الفتوح والطبقات والتراجم

المقتل في اللغة والاصطلاح

أ- المقتل لغة

وردت مفردة (مقتل) في المعاجم اللغوية بشكل واسع وبمعان مختلفة، فمادة مقتل على وزن مفعل، وهو اسم مكان من مادة (قتل) بمعنى مكان القتل، (والقتل) جمع قتول كصبور لكثرة القتل، من أبنية المبالغة((1)).

أمّا إذا قلنا هذا (مقتل) فلان فهو إشارة إلى الموضع الذي ضُرب فيه ضرباً شديداً، أو مرقد فلان لقبره((2))، كما أشار الزبيدي((3)) إلا أنَّ مقاتل الإنسان هي المواضع التي إذا اصيبت منه قتلته واحداها مقتل، على حين حدَّد الفيروزآبادي((4)) مادة (مقتل) بأنَّها تُطلق على كلِّ قوم قُتلوا في بقعة واحدة.

ب - المقتل اصطلاحاً

وتعني كتب المقتل في الإصطلاح: بأنَّها الكتب الّتي تروي أحداث واقعة استشهاد، أو قتل إحدى الشخصيات المهمة والمعروفة، خاصةً واقعة كربلاء، وتُطلَق أحياناً على مجالس العزاء أيضاً، هذا ويُعَدُّ رواة واقعة كربلاء في الدرجة الأولى سبايا واقعة الطّف، في طليعة أرباب المقاتل في تاريخ التشيّع، كما يُعَدّ الّذين


1) ابن عقيل، شرح ابن عقيل: ج2، ص538؛ الزبيدي، تاج العروس: ج15، ص607.

2) التفتازاني، مختصر المعاني: ص232.

3) تاج العروس: ج15، ص607.

4) القاموس المحيط: ج2، ص231.

تمكّنوا من تدوين ما رأوه أو سمعوه عن تلك الواقعة من أوائل كتّاب المقاتل((1))، وأشار أحد الباحثين إلى أنَّ كتب المقاتل هي الكتب التي تخصَّصت بدراسة واقعة الطف وسردها التاريخي((2)).

ولابدَّ من الإشارة إلى مسألة مهمة وهي أنَّ تأليف وتصنيف كتب المقاتل لم تقتصر على الإمام الحسين(علیه السلام) أو واقعة الطف أو أحد المعصومين(علیهم السلام)، بل امتدَّ إلى أبعد من ذلك؛ بدليل وجود العديد من المؤرخين الذين ألَّفوا كتباً عن مقتل بعض الشخصيات المهمة والمشهورة ذات المكانة المرموقة في المجتمع، منها مقتل عثمان بن عفان (ت35ﻫ/656م) ومقتل الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب(علیه السلام) (ت50ﻫ/670م)، ومقتل حجر بن عدي(رضی الله عنه) (ت51ﻫ/671م)، وهي بلا شكّ تسبق من الناحية الزمنية تأريخ استشهاد الإمام الحسين(علیه السلام)، ويتضح لنا أنَّ أكثر شخصية أُلّفت عنها كتب بعنوان (المقتل) هي شخصية الإمام الحسين(علیه السلام)، فضلاً عن أنّ الأحداث المأساوية التي تعرَّض لها الإمام الحسين(علیه السلام) وأهل بيته وأصحابه هي من أكسبت الشهرة والإنتشار الواسع للمقتل على بقية المقاتل الأخرى، فضلاً عن ذلك فقدان أغلب المقاتل التي أُلِّفت عن تلك الشخصيات وعلى مرِّ العصور مقابل بقاء بعض كتب المقتل التي تناولت مقتل الإمام الحسين(علیه السلام)((3)).


1) لجنة الحديث، موسوعة شهادة المعصومين: ج1، ص5.

2) الحسين، ليلة عاشوراء في الحديث والادب: ص8.

3) للوقوف أكثر على كتب المقاتل التي أُلِّفت من قبل المؤرخين في مقتل الشخصيات التي سبقت الإمام الحسين(علیه السلام) من الناحية الزمنية، ينظر، ابن النديم، الفهرست: ص59، 125؛ النجاشي، رجال النجاشي: ص17، 18، 244، 297، 320، 347؛ الطوسي، الفهرست: ص37، 97، 188، 204؛ ابن شهر اشوب، معالم العلماء: ص39، 121، 129.

حفلت المصادر التاريخية بأخبار المقتل الحسيني، وإن اختلفت في عرض تلك المرويات، تبعاً لمنهج المؤرخ وطبيعة مصنَّفه، وسنبين في هذا الفصل طبيعة المنهج المعتمد من قبل المؤرِّخ في هذه الروايات - وإن كان ذلك المنهج لم يخرج عن السياق العام للمؤرِّخ في مصنَّفه - فضلاً عن ذلك سنحدِّد رواة مؤرخي المقاتل، وبيان ومناقشة بعض تلك المرويات ومقارنتها مع ما جاء في بقية المصادر التاريخية الأخرى، وسنركِّز على أهمِّ تلك المؤلَّفات وإن كان من الصعب حصرها جميعاً، فضلاً عن أنَّ بعضها لم يتطرق للمقتل سوى إشارة بسيطة، وتُصنَّف هذه المؤلفات إلى كتب أنساب، وكتب طبقات وتراجم، وكتب تاريخ عام وغيرها من التصنيفات الأخرى.

المبحث الأول: أخبار المقتل الحسيني في كتب التاريخ العام والأنساب

أولاً: كتب التاريخ العام

اشارة

صنَّف المؤرخون المسلمون كتباً تميَّز أغلبها بالضخامة، أُطلِق عليها من قبل بعض الباحثين مصطلح (كتب التاريخ العام)؛ لأنها حوت مادة تاريخية عن الأحداث منذ بدء الخليقة وحتى السنة التي يتوقف فيها المؤلِّف عن متابعة الكتابة، وهي في الغالب قبل وفاته بمدة قصيرة، ورُتِّبت فيها الأحداث التاريخية التي وقعت قبل البعثة النبوية ترتيباً موضوعياً، أو حسب تعاقب الأحداث، أما الفترة الإسلامية فقد اعتُمِد في تنظيمها حسب تعاقب السنين، وتُعرف عند بعض الباحثين بالحوليات، أو كما تُسمَّى بالمصطلح الغربي (Chronicles) وهي تسمية قد لا تصحُّ على المادة التي حواها الكتاب عن أحداث الفترة قبل الإسلام، ولهذا فإنَّ التسمية الأصحَّ هي الأولى؛ وذلك لأنَّ مصطلح التاريخ العام - ينسجم مع طبيعة المادة التي تضمنتها تلك الكتب وتنوِّعها؛ إذ تشمل الجوانب السياسية والعسكرية والإدارية والإجتماعية والإقتصادية والعلمية وغرائب الأحداث، ولكن بنسب متفاوتة من حيث حجم المادة المقدمة، فضلاً عن ذكر الوفيات لمشاهير الأشخاص وأغلبهم من الرجال((1))، وسنقف على أهمِّ المؤلَّفات التي صُنِّفت في التاريخ العام التي منها:


1) ضاحي، محاضرات في منهج البحث التاريخي: ص29.

1- تاريخ خليفة بن خياط، ابن خياط (ت240ﻫ/854م)

تناول ابن خياط مادة المقتل ضمن حديثه عن ولاية يزيد بن معاوية، وقد تحدَّث عنه بشكل مقتضب بحدود ثلاث صفحات، أورد إشارة بسيطة عن إقدام والي المدينة الوليد بن عتبة((1)) لأخذ البيعة من الإمام الحسين(علیه السلام) وابن الزبير، بقوله: «فأتاه ابن الزبير فنعى له معاوية وترحَّم عليه، وجزاه خيراً، فقال له: بايع، قال: ما هذه ساعة مبايعة ولا مثلي يبايعك ها هنا، فترقى المنبر فأبايعك ويبايعك الناس علانية... فجاء الحسين بن علي على تلك الحال فلم يُكلَّم بشيء حتى رجعا جميعاً...»((2))، ثم أشار إلى خروج الإمام الحسين(علیه السلام) إلى الكوفة والتقائه بالشاعر الفرزدق، وحديث الأخير عن الأوضاع في الكوفة مع الإمام(علیه السلام)، ثم بعد ذلك ختم حديثه بذكر أسماء من قتل من آل أبي طالب(علیه السلام) معه((3)).

ونميل إلى رأي المرعبي عن ابن خياط قائلاً: «حاول تسليط الضوء على عبد الله ابن الزبير في أخذ البيعة منه وإعطاءه الدور البارز، بل يبدو أنَّ ابن الزبير هو المستهدف الأول في طلب البيعة، مخالفاً بذلك أغلبالروايات التي تشير إلى أنَّ هذا الحوار أو قريباً منه دار بين الإمام الحسين(علیه السلام) والوليد بن عتبة بحضور مروان بن الحكم»((4)).


1) الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، ولي لعمه معاوية المدينة سنة 59ﻫ/678م، ولما جاء نعي معاوية وبيعة يزيد لم يشدِّد على الإمام الحسين(علیه السلام) وابن الزبير فخرجا من المدينة وانتقده مروان بن الحكم على ذلك وقال: «ما كنت لأقتلهما ولا أقطع رحمهما وقد أرادوه على الخلافة بعد معاوية بن يزيد فأبى ومات بعد معاوية سنة 64ﻫ» ابن سعد، الطبقات: ج4، ص283؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء: ج3، ص631.

2) تاريخ:ص177.

3) المصدر نفسه: ص177-180.

4) واقعة الطف: ص106-107.

2- الإمامة والسياسة، (المنسوب) لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (ت276ﻫ/889م)

قسَّم ابن قتيبة تأريخه على أساس الموضوعات، إذ جعل الشخصيات من أنبياء وخلفاء وملوك، والأحداث ذات الطابع السياسي والديني والعسكري محاور لدراسته، وجاءت مادة المقتل وفق هذا المنهج، مع اتصاف أغلب رواياته بالإضطراب والضعف والتناقض.

ومن الأخبار المضطربة التي تستوقفنا تحديده لشخص والي المدينة الذي أقدم على إستدعاء الإمام الحسين(علیه السلام) لأخذ البيعة منه، فيذكره بأنَّه خالد بن الحكم((1))((2))، وهذا خلاف ما ذكرته أغلب المصادر التاريخية((3))، باستثناء البري (المتوفى في القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي) الذي أشار إلى هذه الرواية مع أنَّه ضعّفها بقوله: «وقيل: إنَّ الوالي كان على المدينة عند بيعة يزيد بن معاوية خالد بن الحكم أخو مروان، ثم عُزل وولَّاها عثمان بنمحمد بن أبي سفيان»((4))، ويُحتمل أنّ البري نقلها عن ابن قتيبة، بوصفه الراوي الأول لها بحسب إطلاعنا.

أشار ابن قتيبة بعد ذلك إلى أنَّ يزيد بن معاوية قد عزله ونصَب مكانه عثمان بن محمد((5))، ونصُّ ذلك: «إنَّ يزيد بن معاوية عزل خالد بن الحكم عن المدينة، وولاها


1) خالد بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، لم تترجم له كتب التراجم، لكن أشار البلاذري إلى أن الخليفة عبد الملك بن مروان عينه قائداً لمقاتلة عمرو بن سعيد الاشدق، ينظر، أنساب الاشراف: ج5، ص449، ج6، ص302.

2) ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: ج1، ص174-176.

3) الطبري، تاريخ: ج5، ص227؛ ابن أعثم، الفتوح: ج5؛ المفيد، الارشاد: ج2، ص32؛ ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج14، ص206؛ ابن نما، مثير الاحزان: ص13؛ ابن العماد الحنبلي، شذرات الذهب: ص67.

4) الجوهرة: ص42.

5) لم نجد ترجمة له في المصادر المتوافرة لدينا.

عثمان بن محمد بن أبي سفيان الثقفي، وخرج الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير إلى مكة، وأقبل عثمان بن محمد من الشام والياً على المدينة ومكة وعلى الموسم في رمضان، فلما استوى على المنبر بمكة رعف، فقال رجل مستقبله: جئت والله بالدم، فتلقاه رجل آخر بعمامته. فقال: مه، والله عمَّ الناس. ثم قام يخطب، فتناول عصا لها شعبتان، فقال: مه: شعب والله أمر الناس، ثم نزل. فقال الناس للحسين: يا أبا عبد الله، لو تقدَّمت فصليت بالناس؟ فإنَّه لَيَهمُّ بذلك إذ جاء المؤذِّن، فأقام الصلاة، فتقدم عثمان فكبر، فقال للحسين: يا أبا عبد الله، إذا أبيت أن تتقدَّم فاخرج. فقال: الصلاة في الجماعة أفضل. قال: فصلَّى، ثم خرج، فلما انصرف عثمان بن محمد من الصلاة، بلغه أنَّ الحسين خرج. قال: اركبوا كلَّ بعير بين السماء والأرض فاطلبوه، فطُلب، فلم يُدرك»((1)).

وتحدَّث ابن قتيبة بعد ذلك قائلاً: «إنه لما بُويع يزيد بن معاوية خرج الحسين حتى قدم مكة، فأقام هو وابن الزبير. قال: وقدم عمرو بن سعيد بن العاص في رمضان أميرا على المدينة وعلى الموسم، وعزل الوليد بنعقبة فلما استوى على المنبر رعف((2)) فقال أعرابي مستقبله: مه مه! جاءنا والله بالدم فتلقاه رجل بعمامته، فقال مه! عمَّ والله الناس، ثم قام يخطب، فناوله آخر عصا لها شعبتان. فقال: مه! شعب والله الناس. ثم خرج إلى مكة، فقدمها يوم التروية، فصلى الحسين ثم خرج. فلما انصرف عمرو بلغه أنَّ الحسين خرج، فقال: اركبوا كلَّ بعير بين السماء والأرض فاطلبوه. قال: فكان الناس يعجبون من قوله هذا. قال: فطلبوه فلم يدركوه»((3)). التناقض واضح على هاتين الروايتين، وذلك لعدَّة أسباب، منها:


1) الإمامة والسياسة: ج1، ص176.

2) الرُّعاف: الدم الخارج من الأَنف، ابن منظور، لسان العرب: ج9، ص123؛ الزبيدي، تاج العروس: ج12، ص233.

3) الامامة والسياسة: ج2، ص3.

أ - إنَّها تخالف أغلب المصادر، فضلاً عن ذلك لم نجدها في المصادر المتوافرة لدينا باستثناء إيرادها من قبل الباعوني الشافعي (ت871ﻫ/1466م)((1)).

ب - لم تحدِّثنا المصادر المتوافرة لدينا أنَّ أربعة ولاة قد أُسند إليهم منصب والي المدينة، وكلُّ ذلك وقع في عام ستين للهجرة، فكيف حصل ذلك؟

ت - السرد التاريخي تطابق بشكل حرفي ونصي (بين الروايتين) في آلية تنصيب الولاة وصلاتهم وموقفهم من الإمام الحسين(علیه السلام)، وطريقة تعامل أهل المدينة معهم، مما يدلُّ على أنّ تلك الأخبار موضوعة.

ث - الروايتان تشيران إلى دخول الإمام الحسين(علیه السلام) إلى مكة مرتين الأولى في عهد عثمان بن محمد والثانية في عهد عمرو بن سعيد، وكلاهما طلبا الإمام(علیه السلام) ولم يدركاه، فكيف حصل ذلك؟ ومتى؟

ح - تطابق النصّ الحرفي للروايتين في المواقف باستثناء تغيير أسماء الولاة،وهذا غير ممكن تاريخياً ومنطقياً.

وقد انفرد ابن قتيبة بروايتين بخصوص مسلم بن عقيل(علیه السلام)، الأولى تشير إلى أنَّ مسلماً دخل دار هانئ ابن عروة بعد أن خذله الناس بقوله: «وبايع له مسلم بن عقيل وأكثر من ثلاثين ألفا من أهل الكوفة، فنهضوا معه يريدون عبيد الله بن زياد، فجعلوا كلما أشرفوا على زقاق أنسلَّ عنه منهم ناس، حتى بقي مسلم في شرذمة قليلة. قال: فجعل أناس يرمونه بالآجر من فوق البيوت، فلما رأى ذلك دخل دار هانئ بن عروة المرادي»((2)).

أمّا الثانية فقد انفرد فيها بتحديده للشخصية التي أوصى لها مسلم بن عقيل،


1) جواهر المطالب: ج2، ص256.

2) ابن قتيبة، الامامة والسياسة: ج2، ص4.

فأغلب المصادر((1)) أشارت إلى أنَّه عمر بن سعد، على حين أشار هو((2)) إلى عمرو بن سعيد الاشدق((3)). ونحن نميل إلى رأي أغلب المصادر بكونه عمر بن سعد وليس الأشدق.

ومن الروايات الأخرى التي أختصَّ بها هي تحديده لقائد الجيش الأموي الذيحارب الإمام الحسين بواقعة الطفِّ بأنَّه عمرو بن سعيد أيضاً، وهذا خلاف ما أجمعت عليه المصادر((4)).

ومن الملاحظ أنَّ ابن قتيبة أعطى دور عمر بن سعد في واقعة الطف لعمرو بن سعيد الاشدق بشكل كامل، ولعلَّ ذلك ناجم عن وهم وخلط قد وقع فيه المؤرخ، على حين فسَّر أحد الباحثين ذلك بأنَّه يرجع إلى: «نشأة المؤرخ في عائلة كانت على الدوام الى جانب الامويين، واعتلت مناصب بارزة في ظل خلافتهم، اضافة إلى أنَّه قد تتلمذ في بغداد، ودرس على يد كبار علمائهم، في حقبة ساد فيها التعتيم عن تاريخ آل


1) الطبري، تاريخ: ج4، ص282؛ أبو الفرج الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص66-67؛ ابن أعثم، الفتوح: ج5، ص57-58؛ المفيد، الارشاد: ج2، ص61؛ ابن الاثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص33؛ ابن نما، مثير الاحزان: ص25-26.

2) ابن قتيبة، الامامة والسياسة: ج2،ص5.

3) عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، أبو أمية الأموي المعروف بالأشدق، ولَّاه معاوية ويزيد المدينة ثم إنه بعد ذلك طلب الخلافة وزعم أن جعل ولي عهده بعد عبد الملك ابنه، وغلب على دمشق ثم قتله عبد الملك بعد أن أعطاه الأمان، ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج46، ص29؛ المزي، تهذيب الكمال: ج22، ص35.

4) ابن سعد، الطبقات الكبرى: ج5، ص168-169؛ ابن قتيبة، المعارف: ص213؛ البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص176؛ الطبري، تاريخ: ج4، ص292؛ ابن حبان، الثقات: ج2، ص167؛ المسعودي، التنبيه والاشراف: ص262؛ القاضي النعمان، شرح الاخبار: ج3، ص149؛ مسكويه، تجارب الامم: ج2، ص69؛ ابن الاثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص52؛ ابن عنبة، عمدة الطالب: ص192.

البيت(علیهم السلام)؛ لذا لا نستبعد أن يكون هذا اللبس في الأسماء جاء من قلَّة اطلاع المؤرِّخ في ما يتعلَّق بواقعة الطفِّ وما دُوِّن عنها»((1)). وهذه أهمُّ الروايات التي وجدناها جديرة بالوقوف عندها ومناقشتها ونقدها.

3- الأخبار الطوال، لأبي حنيفة الدينوري (ت282ﻫ/884م)

قَسَّمَ الدينوري تأريخه على أساس الموضوعات، جاعلاً من الشخصيات من أنبياء وخلفاء وملوك، وبعض الأحداث ذات الطابع السياسي والعسكري والإجتماعي محاور لدراسته، وأورد أخبار المقتل من ضمن حديثه عن يزيد بن معاوية، مقسِّماًإياه على موضوعات عدَّة جزئية مثل: أهل الكوفة والحسين(علیه السلام)، مسلم بن عقيل في الكوفة، قتل مسلم بن عقيل، خروج الحسين إلى الكوفة، نهاية الحسين((2)).

ومجمل مادته عن المقتل كانت على وفق الرواية التقليدية التي أوردتها أغلب المصادر التاريخية، وتحديداً لمادة الطبري بإشارة أحد الباحثين قائلاً: «أما بخصوص المادة التاريخية التي ذكرها الدينوري، فإنها لا تختلف كثيراً عما جاء بها الطبري، فبالرغم من أنَّ الدينوري سبق الطبري في وفاته إلا أنهما ينتميان إلى نفس العصر تقريباً، وبالرغم من أنَّ الدينوري لم يذكر سلسلة سند لرواياته إلا أنَّ بعضها يكاد يكون مطابقاً لروايات الطبري التي نقلها عن أبي مخنف، واختلف مع الطبري في أنَّه حدَّد مقتل هانئ بن عروة قبل مقتل مسلم بن عقيل(علیه السلام)»((3)).

وثمَّة اختلاف آخر بين الدينوري والطبري لم يشر إليه الباحث يتعلَّق بعدد الشخصيات التي نجت في واقعة الطف من أصحاب الإمام الحسين(علیه السلام)، فبينما


1) المرعبي، واقعة الطف: ص111.

2) الاخبار الطوال: ص216-251.

3) عبد عميش، الحركات العلوية: ص149.

حدَّدها الطبري بثلاث، ذكر الدينوري بأنَّ الذين نجوا اثنان فقط بقوله: «لم يسلم من أصحابه إلا رجلان، أحدهما المرقع بن ثمامة الأسدي، بعث به عمر بن سعد إلى ابن زياد فسيره إلى الربذة((1))، فلم يزل بها حتى هلك يزيد، وهرب عبيد الله إلى الشام، فانصرف المرقع إلى الكوفة، والآخر مولى للرباب أم سكينة، أخذوه بعد قتل الحسين، فأرادوا ضرب عنقه،فقال لهم: إني عبد مملوك. فخلَّوا سبيله»((2)).

كما أورد بعض الروايات المخالفة، فضلاً عن الأخبار المتناقضة، وفيما يخصُّ الأخبار التي خالف بها مجمل المصادر ذكرهُ أنَّ المجير لمسلم بن عقيل(علیه السلام) هو هانيء بن ورقة بقوله: «حتى أتى دار هانئ بن ورقة المذحجي، وكان من أشراف أهل الكوفة...»((3)).

بينما ذكر في رواياته الأخرى الاسم صحيحاً هانئ بن عروة((4))، ولعلَّ الخلط في الأسماء قد وقع من النساخ.

بينما فسَّرَ أحد الباحثين ذلك من أنَّ: «الدينوري أخطأ في الاسم فقط، إذ لم نجد لهاني بن ورقة ذكراً عند غيره من المؤرخين»((5)).

ونميل إلى السبب الأول لكونه أكثر قبولاً، لاسيما وأنَّ هانئ بن ورقة لا وجود له ولا أثر في المصادر، فمن غير الممكن أن يورده الدينوري وهو شخصية لا وجود لها، فضلاً عن ذلك أنَّ الدينوري قد أورد هانئ ابن عروة فهل غفل عن ذلك أم أنَّ


1) الربذة: من قرى المدينة على ثلاثة أيام، قريبة من ذات عرق على طريق الحجاز، وبهذا الموضع قبر أبي ذر الغفاري(رضی الله عنه)، ياقوت الحموي، معجم البلدان: ج3، ص24.

2) الدينوري، الاخبار الطوال: ص259.

3) المصدر نفسه: ص233.

4) الدينوري، الاخبار الطوال: ص233-238.

5) المرعبي، واقعة الطف: ص113.

هناك شخصيتين؟ مما نتج عن ذلك أنَّ احتمال وقوع النساخ في الخطأ هو الأقرب للصواب.

وأورد الدينوري تضارباً واضحاً في عدد أصحاب الإمام الحسين(علیه السلام) فذكر في رواية أنَّ عددهم: «اثنين وثلاثين فارساً وأربعين راجلاً»((1))، على حين خالف هذا العدد برواية تقسيم الرؤوس بين القبائل من أنَّ مجموعها بلغالخمسة والسبعين رأساً((2))، وهذا خلاف الرواية الأولى التي أشارت إلى أنَّ العدد اثنان وسبعون رأساً، وفضلاً عن ذلك أنَّه ذكر أنَّ اثنين من أصحابه(علیه السلام) قد نجا((3))، مما يجعل الفارق بحدود الخمسة فأين مصير هؤلاء؟ هذا ما لم يكشفه لنا الدينوري.

4- تاريخ اليعقوبي، لأحمد بن اسحاق بن جعفر اليعقوبي (ت292ﻫ/894م)

اعتمد اليعقوبي منهج التاريخ بحسب الموضوعات في كلا قسميه: تاريخ ما قبل الإسلام والتاريخ الإسلامي، فضلاً عن ذلك اتبع إسقاط الأسانيد، ونظَّم الأخبار في نسق واحد متصل، والإكتفاء في مقابل ذلك بذكر المصادر في مقدِّمة الكتاب((4)).

وعلى هذا المنهج عرض مادته عن المقتل، التي اتصفت بالإقتضاب وعدم الإسهاب؛ إذ شغل بحدود خمس صفحات((5))، ولم يقسِّم اليعقوبي حديثه عن المقتل كبقية المؤرخين على عنوانات وموضوعات وإنَّما اقتصر فقط على عنوان عام هو (مقتل الحسين بن علي)، ومن ثَمَّ شرعَ بالحديث عن التفاصيل مبتدئها بمسلم بن


1) الدينوري، الاخبار الطوال: ص256.

2) المصدر نفسه: ص259.

3) المصدر نفسه: ص259.

4) عبد الحميد، علم التاريخ: ص159-160؛ مصطفى، التاريخ العربي والمؤرخون: ج1، ص251-253.

5) اليعقوبي، تاريخ: ج2، ص242-246.

عقيل وهانئ بن عروة(علیه السلام) ومقتلهما، بعدها تحدَّث عن مسير الإمام الحسين(علیه السلام)، دون أن يتتبع المواقع الجغرافية التي سار بها الركب باستثناء ذكره لمنطقة القطقطانية((1)) التي جاء بها خبر مقتل مسلم بن عقيلللحسين(علیه السلام)، ثم ينتقل بعد ذلك إلى الإلتحام العسكري بين الطرفين، وختم حديثه عن الأسر والسبي الذي تعرَّض له أهل البيت في الشام((2)).

ومن الجدير بالذكر أنَّ اليعقوبي اهتمَّ بالجانب الفلكي كثيراً في تاريخه وربطه بالأحداث، ولم يستثنِ المقتل من ذلك، فقد حدَّد اليوم الذي استُشهِد فيه الإمام الحسين(علیه السلام) من الناحية الفلكية ووضعية الأبراج ودرجاتها((3)).

ومن الملاحظ أنَّ أغلب ما أورده اليعقوبي عن المقتل لم يخرج عن سياق الرواية التقليدية باستثناء الرواية التي انفرد بها عن ولادة ولد للإمام الحسين(علیه السلام) في واقعة الطف بقوله: «حتى بقي وحده ما معه أحد من أهله، ولا ولده، ولا أقاربه، فإنَّه لواقف على فرسه إذ أُتي بمولود قد وُلد له في تلك الساعة، فأذَّن في أذنه، وجعل يحنِّكه، إذ أتاه سهم، فوقع في حلق الصبي، فذبحه، فنزع الحسين السهم من حلقه، وجعل يلطِّخه بدمه ويقول: والله لأنت أكرم على الله من الناقة، ولمحمد أكرم على الله من صالح! ثم أتى فوضعه مع ولده وبني أخيه»((4)).

وأشار أحد الباحثين إلى هذه الرواية، بقوله: «وربما نجد في هذه الرواية التفسير


1) القطقطانية: موضع قرب الكوفة من جهة البرية بالطف، كان به سجن النعمان بن المنذر، وقيل: بينهما وبين الرهيمة نيف وعشرون ميلا مغربا إذا خرجت من القادسية تريد الشام، ياقوت الحموي، معجم البلدان: ج4، ص374.

2) اليعقوبي، تاريخ: ج2، ص242-246.

3) المصدر نفسه،:ج2، ص245.

4) المصدر نفسه: ج2، ص245.

المنطقي لمعنى وجود الطفل الرضيع بين يدي الحسين(علیه السلام) في ساحة المعركة، والسهام تنهال عليه، والتي فسحت المجال أمام المؤرخين لتصوير الإمام(علیه السلام) وكأنه يحمل الطفل ليطلب بهالماء، ولا نعلم كيف ممكن أن يتجهوا إلى مثل هذا الإتجاه، وهل ينتظر الإمام الحسين(علیه السلام) رحمتهم بالطفل...»((1)).

وتعليقاً على رأي الباحث نقول إن لم يكن الإمام الحسين(علیه السلام) قد أخرج طفلاً في واقعة الطف ليطلب له الماء، وإنَّما ولد له في تلك الساعة فأخرجه، فنحن نتساءل لماذا أتى بالطفل الذي وُلد له في تلك الساعة إلى أرض المعركة ولم يبقَ مع أُمِّه؟ ثم لعلَّ طلب الماء لطفله من باب إلقاء الحجة على أعدائه مع علمه المسبق بعدم حصوله على الماء، وليكشف للعالم مدى وحشية هؤلاء وابتعادهم عن الإنسانية.

5- تاريخ الرسل والملوك، لمحمد بن جرير الطبري (ت310ﻫ/912م)

يُعَدُّ تأريخ الطبري من أهمِّ المصادر التاريخية في رواية مجمل الأحداث التي تناولها، ويأتي في مقدمة ذلك مادة المقتل الحسيني، إذ أورده بشكل كامل متبعاً في ذلك منهج سلسلة الأسناد في إيراد الروايات((2)).

ومن الجدير بالذكر أنَّ المقتل الذي أورده الطبري قد أعتمد في نقله بنسبة عالية على مرويات أبي مخنف، ومن ثَمَّ على هشام الكلبي، وبعدها على النصِّ الروائي الذي نقله عمار الدهني((3)) عن الإمام محمد الباقر(علیه السلام)، وتأتي أهمية تاريخالطبري من


1) المرعبي، واقعة الطف: ص118.

2) للمزيد من التفاصيل بشأن منهج الطبري وطريقته في كتابة تأريخه، ينظر، ترحيني، المؤرخون والتاريخ: ص78-87؛ مصطفى، التاريخ العربي والمؤرخون: ج1، ص253-263.

3) عمار بن أبي معاوية أبو معاوية البجلي الدهني، دهن قبيلة من بجيلة، كوفي، روى عن سعيد بن جبير، وروى عنه الأجلح وسفيان الثوري، وزهير بن معاوية، وعنبسة بن سعيد قاضي الري، وأبو صخر حميد بن زياد، وكان ثقة في العامة، يكنى أبا معاوية وأبا القاسم وأبا حكم، توفى سنة مائة وثلاث وثلاثين للهجرة، أبي حاتم الرازي، الجرح والتعديل: ج6، ص390؛ ابن حبان، الثقات: ج5، ص268؛ الذهبي، ميزان الاعتدال: ج2، ص172.

كونه حفظ لنا بعضاً من كتب المقاتل المفقودة والتي لم تصلنا.

وبخصوص مرويات كلٍّ من أبي مخنف وهشام الكلبي سنركِّز عليهما بالدراسة والتحليل، بشكل مفصل في الفصل الثاني والثالث والرابع من هذه الأطروحة، على حين ستتركز دراستنا في هذا الفصل على النص الروائي لعمّار الدهني.

يشكِّل النصُّ الروائي عن المقتل المروي عن الإمام محمد الباقر(علیه السلام) والمنقول عن عمّار الدهني، محوراً مهماً في رفد المقتل بالمادة التاريخية المهمة، فضلاً عن ذلك فمرويات الإمام الباقر(علیه السلام) حول معركة الطف غاية في الأهمية؛ لأنَّه نقل أحداثها عن أبيه الإمام زين العابدين(علیه السلام) الذي تابع تلك الأحداث، وبذلك اكتسبت أهمية تاريخية من حيث الزمان والمكان؛ لأنَّ الإمام زين العابدين(علیه السلام) عاصر الأحداث وشاهد جميع فصولها، ورواها بأمانة وثقة((1)).

وقبل الدخول في دراسة النصِّ لا بدّ من الإشارة إلى أنَّ الطبري يُعَدُّ الناقل الأول من الناحية الزمنية لنصِّ عمار الدهني، والذي شغل تقريباً ثمان صفحات((2)).

شرع الطبري بنقل النصِّ بقوله: «حدثني زكرياء بن يحيى الضرير((3)) قالحدثنا أحمد بن جناب المصيصي، ويُكنَّى أبا الوليد((4)) قال حدثنا خالد بن يزيد بن أسد بن عبد


1) الطائي، الإمام الباقر(علیه السلام) ومروياته التاريخية: ص144.

2) الطبري، تاريخ: ج4، ص257-260، 292-294.

3) زكرياء بن يحيى الكندي الحميري الأعمى، روى عن الشعبي وأبيه وحبيب بن يسار، وعبد الله بن يزيد، وعكرمة روى عنه جرير بن عبد الحميد، وحاتم بن إسماعيل، وأبو أسامة، وجعفر بن عون، ليس بشئ، أبي حاتم الرازي، الجرح والتعديل: ج3، ص601.

4) أحمد بن جناب بن المغيرة، أبو الوليد المصيصي: قدم بغداد وحدَّث بها عن عيسى بن يونس. روى عنه أحمد بن حنبل، وابنه عبد الله بن أحمد، وعباس بن محمد الدوري، وغيرهم، توفى سنة ثلاثين ومئتين، ابن حبان، الثقات: ج8، ص17؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد: ج4، ص297؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء: ج11، ص25.

الله القسري((1)) قال حدثنا عمار الدهني قال قلت لأبي جعفر حدثني بمقتل الحسين حتى كأني حضرته قال...»((2)).

هنا يجب أن يخضع هذا النصُّ لدراسة سند سلسلته الروائية؛ لكونه نصَّاً مهماً لاحتوائه على مادة تاريخيه متسلسلة بنصٍّ واحد عن المقتل من ناحية، وينتهي سنده بالإمام المعصوم(علیه السلام) وهو الإمام الباقر(علیه السلام) من ناحية أخرى، وعند تتبع مدى وثاقة هذه السلسة التي بموجبها وصل إلينا هذا النصّ تتضح لنا جملة من النقاط المهمة والأساسية في بيان مدى وثاقة النصِّ وسلسلة رواته، منها:

أ - يبدأ النصُّ بالراوي زكرياء بن يحيى، والذي قال عنه أبو حاتم الرازي بأنَّه: «ليس بشيء»((3)) ولعلَّ هذه أولى نقاط الضعف في السلسة.

ب - أمّا الراوي الثاني أحمد بن جناب، فقد وثَّقه بعض المؤلفين وعدوه منالرواة الموثوق بهم((4)).

ت - أمّا الراوي المباشر عن عمار الدهني للنصِّ فهو خالد بن يزيد القسري،


1) البجلي القسري، الدمشقي، روى عن: هشام بن عروة، ومحمد بن سوقة، وعمار الدهني، وإسماعيل بن أبي خالد، وأبي حيان التيمي، وابن عون، وأبي حمزة الثمالي، وأبي روق، وسليمان بن علي العباسي، وأمي الصيرفي وغيرهم، وكان صاحب حديث ومعرفة، وليس بالمتقن، ينفرد بالمناكير روى عنه: الوليد بن مسلم، وهو من طبقته، ابن عدي، الكامل: ج3، ص13، 16؛ الذهبي، سير اعلام النبلاء: ج9، ص410.

2) الطبري، تاريخ: ج4، ص257.

3) الجرح والتعديل: ج3، ص600.

4) المصدر نفسه: ج3، ص45؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد: ج4، ص297؛ المزي، تهذيب الكمال: ج1، ص283-284؛ الذهبي، سير اعلام النبلاء: ج11، ص25.

الذي ضعَّفه العديد من المؤرخين، ووصفوه بعدم تمتعه بالوثاقة، وأنَّ أحاديثه لا يمكن الأعتماد عليها، منهم:

أ- العقيلي (ت322ﻫ/924م): «خالد بن يزيد القسري لا يُتابع على حديثه»((1)).

ب - ابن عدي (ت365ﻫ/967م): «خالد بن يزيد... أحاديثه كلُّها لا يُتابع عليها لا إسناداً ولا متناً ولم أرَ للمتقدمين الذين يتكلمون في الرجال لهم فيه قول، ولعلَّهم غفلوا عنه، وقد رأيتهم تكلموا في من هو خير من خالد هذا، فلم أجد بدّاً من أن أذكره وأن أبيِّن صورته عندي، وهو عندي ضعيف، إلا أنَّ أحاديثه إفرادات ومع ضعفه كان يُكتب حديثه»((2)).

ت - ابن الجوزي (ت597ﻫ/1199م): «أحاديثه كلُّها لا يُتابَع عليها لا متناً ولا إسنادا»((3)).

ث - الذهبي (ت748ﻫ/1350م): «لا يُتابَع على رواياته»((4)).

ج - ابن العجمي (ت841ﻫ/1343م): فقد نقل مجمل الآراء آنفة الذكر التي ضعَّفته مما يشير إلى ذهابه للطعن به أيضاً بقوله: «خالد بن يزيد بن أسدالقسري، قال ابن عدي هو عندي ضعيف، وقال ابن أبي حاتم سألت أبي عنه فقال ليس بقوي، وقد ذكره الذهبي وذكر تعقيب ابن أبي حاتم في كونه جعلهما اثنين، وذكر العقيلي أنه لا يُتابع على حديثه، ثم ذكر الحديث المشار إليه، وقد ذكر بن الجوزي حديثاً في باب موت المرأة، ثم قال موضوع والمتهم به خالد بن يزيد بن أسد القسري، ثم ذكر ابن عدي


1) الضعفاء: ج2، ص15.

2) الكامل: ج3، ص16.

3) الموضوعات: ج3، ص237.

4) المغنى في الضعفاء: ج1، ص313.

أحاديثه كلَّها لا يُتابع عليها لا متناً ولا سنداً»((1)).

ونستنتج من ذلك كلّه أنَّ السند الروائي لنصِّ عمار الدهني يشوبه كثير من الشكِّ والضعف؛ لورود رواة فيه لا يتمتعون بالوثاقة والأمانة في النقل في طريقه السندي، مما ينتج عن ذلك التعامل بحذر مع الروايات التي أوردها وعدم التسليم المطلق لها.

أمّا من ناحية مضمون رواياته وطبيعتها فيبدأ النَّصُّ بالحديث عن إقدام والي المدينة الوليد بن عتبة بمحاولة أخذ البيعة من الإمام(علیه السلام)، بعدها انتقل إلى مراسلة أهل الكوفة له(علیه السلام)، ثم استعرض دور مسلم بن عقيل(علیه السلام) في نهضة الحسين(علیه السلام)، واسترسل بعد ذلك ليتحدث عن دخول عبيد الله بن زياد إلى الكوفة والأحداث التي رافقت ذلك، ثمَّ عرَّج بحديثه عن مقتل كلٍّ من مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة(علیه السلام)، بعدها تناول مسير الإمام الحسين(علیه السلام) إلى العراق، ليختم حديثه عما جرى لآل البيت(علیه السلام) في الأسر إلى الشام حتى رجوعهم للمدينة المنورة((2)).ومن الجدير بالذكر أنَّ الطبري أجرى مقارنة بين رواية عمار الدهني وأبي مخنف بخصوص المادة التاريخية عن حادثة مسلم بن عقيل(علیه السلام)، مرجِّحاً مادة أبي مخنف، بقوله: «وأما أبي مخنف فإنه ذكر من قصة مسلم ابن عقيل وشخوصه إلى الكوفة ومقتله قصة هي أشبع وأتم من خبر عمار الدهني عن أبي جعفر»((3)).

وقد نقل نصَّ عمار الدهني أكثرُ من مؤرخ بعد الطبري منهم المزي


1) الكشف الحثيث: ص108.

2) الطبري، تاريخ: ج4، ص257-260، 292.

3) الطبري، تاريخ: ج4، ص260.

(ت742ﻫ/1344م)((1))، والذهبي((2))، وابن كثير (ت774ﻫ/1376م)((3))، وابن حجر (ت 852ﻫ/1454م)((4)).

وعند دراسة النصِّ بشكل دقيق تتضح لنا عدَّة أمور نستبعد فيها أن يكون النصُّ صادراً عن الإمام الباقر(علیه السلام)، فينتج عن ذلك نتائج مفيدة منها: إمّا أن يكون النصُّ قد نُقل بالمعنى وليس باللفظ، وحصل التحريف والتغيير فيه، وإمّا أن يكون الناقل وهو عمار الدهني قد حرَّف فيه، أو أن يكون الطبري - بوصفه الناقل الأول للنصِّ من الناحية الزمنية - قد غيَّر في ألفاظه وتعابيره ورواياته، وهنا أشار أحد الباحثين إلى هذا المعنى بقوله: «ولذا فإنَّ مما يبعث على الدهشة أن نجد في الرواية تحريفاً منكراً لوقائع التاريخ، فهي تخالف من عدة وجوه، بعض الحقائق الهامة المتصلة بمعركة كربلاء، ونرجِّح أنَّ ذلك ناشئ منتلاعب الرواة...»((5))، ومن جملة تلك الامور:

أ - رواية البيعة ونصّها: «مات معاوية والوليد بن عتبة بن أبي سفيان على المدينة، فأرسل إلى الحسين بن علي ليأخذ بيعته، فقال له أخِّرني، وأرفق به فأخَّره، فخرج إلى مكة...»((6)).

وأشار أحد الباحثين إلى أنَّه عند مقابلة هذه الرواية مع ما نقله الصدوق عن الإمام الباقر(علیه السلام) نجدها خلاف ذلك بقوله: «فإنَّه لم يذكر طلب الإمام الحسين(علیه السلام)


1) تهذيب الكمال: ج6، ص423-429.

2) سير اعلام النبلاء: ج3، ص306-310.

3) البداية والنهاية: ج8، ص214-215.

4) الاصابة: ج3، ص70-71.

5) شمس الدين، أنصار الحسين(علیه السلام): ص45.

6) الطبري، تاريخ: ج4، ص257.

من والي المدينة تأخيره، بل يؤكِّد أنَّ الإمام الحسين(علیه السلام) قد رفض أن يبايع ليزيد عند والي المدينة، فكتب الأخير إلى يزيد: فإنَّ الحسين بن علي(علیه السلام) ليس يرى لك خلافة ولا بيعة، فرأيك في أمره والسلام، ويضيف قائلاً: وإذا صحَّت رواية المزي بطلب الإمام الحسين(علیه السلام) التأخير عن البيعة، فيبدو أنَّها محاولة منه للتمويه وكسب الوقت، فموقف الإمام الحسين(علیه السلام) من البيعة ليزيد واضح منذ أيام معاوية»((1)).

أ - التعبير عن السيدة العلوية التي أراد الشامي أخذها بأنَّها وصيفة، ونصُّ ذلك: «وحملهم إلى يزيد فلما قدموا عليه جمع من كان بحضرته من أهل الشام، ثم أدخلوهم فهنأوه بالفتح، قال رجل منهم أزرق أحمر ونظر إلى وصيفة من بناتهم فقال يا أميرالمؤمنين هب لي هذه، فقالت زينب لا والله ولا كرامة لك ولا له إلا أن يخرج من دين الله، قال فأعادهاالأزرق فقال له يزيد كفَّ...»((2)).

نستبعد أن يصف الإمام الباقر(علیه السلام) تلك العلوية سليلة آل البيت(علیه السلام) بهذا الوصف الذي لا يتوافق مع أخلاق وسموِّ ومكانة الإمام(علیه السلام) من جانب، ولا يليق بسيدة علوية طاهرة من جانب آخر.

ب - رواية تراجع الإمام الحسين(علیه السلام) ما نصُّها: «فتوجَّه إليه عمر بن سعد فلما أتاه قال له الحسين اختر واحدة من ثلاث إمَّا أن تدعوني فانصرف من حيث جئت، وإمَّا أن تدعوني فأذهب إلى يزيد، وإمَّا أن تدعوني فألحق بالثغور، فقبل ذلك عمر، فكتب إليه عبيد الله لا ولا كرامة حتى يضع يده في يدي، فقال له الحسين لا والله لا يكون ذلك أبداً، فقاتله فقتل أصحاب الحسين كلُّهم...»((3)).

سنترك نقاش الرواية هذه للفصل الرابع من هذه الأطروحة، إلا أنَّه يمكن


1) الطائي، الإمام الباقر(علیه السلام) ومروياته التاريخية: ص145-146.

2) الطبري، تاريخ: ج4، ص293؛ ينظر، المزي، تهذيب الكمال: ج6، ص429.

3) الطبري، تاريخ: ج4، ص293.

الإشارة إلى أنَّها لا يمكن أن تصدر من الإمام الحسين(علیه السلام) الذي أراد تغيير الأوضاع الفاسدة، والثورة ضدَّها أن ينزل على حكم يزيد ابن معاوية الذي وصفه(علیه السلام) بأنَّه«رجل فاسق شارب الخمر قاتل النفس المحرمة»((1)).

فضلاً عن ذلك فقد ناقش أحد الباحثين هذه الرواية بشكل مستفيض بقوله: «وهذه الخيارات الثلاثة لم يذكرها الشيخ الصدوق في روايته عن الإمام الباقر(علیه السلام)، وهي تبدو ضعيفة التطلع ولا تتماشى وطروحات الإمام الحسين(علیه السلام) في هذه المرحلة، فهل يُعقل أنَّ الإمام(علیهالسلام) يطلب منه السماح له بالإلتحاق بالثغور بأهل بيته والأطفال التي معه والنساء، وهو القائل: وإنِّي لم أخرج أشراً ولا بطراً... فهل طلب الإصلاح الذي دعا إليه الإمام الحسين(علیه السلام) في عنوان نهضته يتحقَّق بالإلتحاق بالثغور؟ أو أن يطلب منه الذهاب إلى يزيد؟ وهو الشخص الذي رفض بيعته منذ أيام معاوية... أمَّا الخيار الثالث فهو طلب العودة إلى المدينة، وهذا الطلب يبدو أيضاً ضعيف ولا يوجد له مبرِّرٌ، فمتى خرج الإمام الحسين(علیه السلام) قسراً من المدينة حتى يطلب العودة إليها، والدلائل كلُّها تشير إلى أنَّه خرج بإرادته»((2)).

ت - رواية تفرُّق أنصار مسلم بن عقيل(علیه السلام) ولجوئهِ إلى دار طوعة ونصّها: «أشرفوا على عشائرهم فجعلوا يكلمونهم ويردونهم، فجعل أصحاب مسلم يتسلَّلون حتى أمسى في خمسمائة فلما اختلط الظلام ذهب أولئك أيضاً، فلما رأى مسلم أنَّه قد بقي وحده يتردَّد في الطرق حتى أتى بابا فنزل عليه فخرجت إليه امرأة، فقال لها اسقيني فسقته، ثم دخلت فمكثت ما شاء الله، ثم خرجت فإذا هو على الباب قالت يا عبد الله إنَّ مجلسك مجلس ريبة فقم، قال إنِّي أنا مسلم بن عقيل فهل عندك مأوى؟


1) ابن أعثم، الفتوح: ج5، ص14؛ ابن طاووس، اللهوف: ص17.

2) الطائي، الإمام الباقر(علیه السلام) ومروياته التاريخية: ص155-156.

قالت نعم ادخل...»((1))، لا يمكن الركون إلى هذه الرواية، لعدة أسباب منها اختلافها مع خبر أبي مخنف - والتي سنفصِّل الحديث عنه في الفصل الرابع من هذه الأطروحة - من حيث إنَّها مقتضبة، ولم ترد فيها التفاصيلالدقيقة، فضلاً عن أنَّها اختلفت معها في عدد الذين بقوا مع مسلم بن عقيل(علیه السلام) ومراحل تفرُّقهم، يضاف إلى ذلك أنّ الرواية لم تشر إلى اسم طوعة؟ ولم تذكر المسجد وصلاة مسلم فيه، ولم تتطرق لحديث مسلم وطوعة في الباب، والذي فيه كشف لها أسراره وشخصه، فضلاً عن ذلك تحمل تلك الرواية بعض التشكيكات والتي سنناقشها بشكل أوسع عند التعرض لها ضمن مرويات أبي مخنف.

ويتضح لنا من خلال ذلك كلّه، أنَّ نصَّ عمار الدهني الذي يسنده إلى الإمام الباقر(علیه السلام)، لا يتمتع بالوثاقة من ناحية السند والمتن على حدٍّ سواء، وأنَّ الروايات الواردة فيه بعضها ضعيفة وتثير الشكَّ؛ لذا لا يمكن الإعتماد على هذا النصِّ والتسليم به؛ بكونه صادراً عن الإمام المعصوم(علیه السلام)، ولعل هذه أهمّ النقاط التي استوقفتنا في دراسة هذا النصِّ.

6- البدء والتاريخ، المنسوب لأبي زيد أحمد بن سهل البلخي (ت322ﻫ/924م)

6- البدء والتاريخ، المنسوب لأبي زيد أحمد بن سهل البلخي (ت322ﻫ/924م)((2))

يُلاحَظ أنَّ البلخي استعمل الإسناد الجمعي الذي سبقه إليه في ذلك اليعقوبي في تاريخه، وقد قسَّم البلخي مصنَّفه على أساس الموضوعات والعناوين، ولم يستثنِ


1) الطبري، تاريخ: ج4، ص260.

2) وتجدر الإشارة بنا هنا إلى ملاحظة مهمَّة هي اعتمادنا، ومن جملة ما اعتمدنا عليه في هذه الدراسة كتاب (البدء والتاريخ) غير المتفق على اسم مؤلِّفه، إذ ورد مرة أنَّه مطهر بن طاهر المقدسي (ت 387ﻫ/990م)، وفي طبعة أخرى أنه أبو زيد أحمد بن سهل البلخي، وبما أنَّنا اعتمدنا على النسخة المثبَّت بها اسم هذا المؤلف - البلخي - فقد أوردناه كما هو على أنَّنا لم يتسنَّ لنا التأكُّد والتحقُّق من مؤلِّفه الحقيقي.

إيراده للمقتل عن منهجه العام الذي اتبعه، إلا أنَّ السِّمة الغالبة التي امتاز بهاالمقتل هو الاقتضاب الشديد، إذ لم يتجاوز الصفحتين، مبتدئاً بحادثة مقتل مسلم بن عقيل(علیه السلام) ومنتهياً بحادثة الأسر والسبي التي تعرَّض له الركب الحسيني في الشام((1)).

لم يُشر البلخي إلى ذكر أيٍّ من المصادر التي اعتمد عليها في نقل رواياته عن المقتل، وإنَّما أوردها بصيغة الجمع «قالوا»((2)) دون أن يحدِّد لنا مصادره.

وشكَّك البلخي ببعض الروايات التي أوردها مستعملاً لفظ: (وزعم)؛ منها الرواية التي أشارت إلى إقدام الوالي عبيد الله بن زياد بتكليف عمر بن سعد لحرب الإمام الحسين(علیه السلام) وقتله، وكذلك تشكيكه بروايات ضرب ثنايا الإمام الحسين(علیه السلام)، مع أنَّه أشار إلى حصول حادثة ضرب الثنايا مرتين: الأولى في مجلس عبيد الله بن زياد في الكوفة، والثانية عند يزيد بن معاوية في الشام((3))، أي أنَّه رجَّح وقوع الحادثة مرتين وليس مرة واحدة، فضلاً عن ذلك فهو يميل إلى تبرئة يزيد بن معاوية من قتل الإمام الحسين(علیه السلام).

وهنا تجدر الإشارة إلى أنَّ تشكيك البلخي بحادثة ضرب ثنايا الإمام الحسين(علیه السلام) سواء من قبل الوالي عبيد الله بن زياد، أو يزيد بن معاوية لا يصمد أمام القرائن والأدلَّة والروايات التي أثبتت تلك الواقعة وبشكل متواتر((4)).


1) البلخي، البدء والتاريخ: ج2، ص241-242.

2) المصدر نفسه: ج2، ص241-242.

3) المصدر نفسه: ج2، ص242.

4) البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص214؛ الطبري، تاريخ: ج4، ص356؛ المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص61؛ ابن أعثم، الفتوح: ج5، ص129؛ ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج62، ص84-85؛ ابن شهر اشوب، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص261؛ ابن الجوزي، المنتظم: ج5، ص342؛ الطبرسي، اعلام الورى: ج1، ص471؛ ابن حجر، فتح الباري: ج7، ص75.

وختم البلخي حديثه عن المقتل بتوجيه اتهامه للروافض (الشيعة)؛ لكونهم أضافوا كثيراً من الروايات والأخبار للمقتل دون أن يذكرها، أو يشير إليها بقوله: «إنَّ للروافض في هذه القصة من الزيادات والتهاويل شيئاً غير قليل»((1)).

وهنا لا بدّ من القول أنَّ البلخي وجَّه اتهاماً لمؤرخي الشيعة بتحريف رواية المقتل، لكن دون أن يحدِّد لنا من هم هؤلاء المؤرخون الشيعة؟ وماهي المادة التاريخية التي أضافوها للمقتل؟ كلُّ ذلك لم يجبنا عليه البلخي، مما يجعل اتهامه هذا لا قيمة علمية له، بل مجرَّد تصريح لا نصيب له من الصحة.

7- مروج الذهب ومعادن الجوهر، لعلي بن الحسين المسعودي (ت346ﻫ/948م)

التزم المسعودي تقسيمه للتاريخ بحسب الموضوعات، فجعل الأمم والأنبياء والملوك والأسر محاورلدراسته، وهو المنهج الذي سبقه إليه أبو حنيفة الدينوري في الأخبار الطوال، كما تابع المنهج الذي اعتمده اليعقوبي قبله بإسقاط الأسانيد ووصل الأخبار والإكتفاء بذكر مصادره في مقدمة الكتاب((2)).

بالمنهجية نفسها هذه عرض المسعودي مادته التاريخية عن المقتل، إذ أوردها ضمن حديثه عن حكم يزيد بن معاوية، وقد قسَّمه إلى عدَّة محاور مبتدئها بعنوان عام للموضوع وهو: (ذكر مقتل الحسين بن علي ابن أبي طالب(علیه السلام) ومَن قُتِل معه من أهل بيته وشيعته)، بعدها تناول المقتل وفق المواضيع التي حدَّدها وبالشكل الآتي: «ذكر مقتل الحسين بن علي بن أبي طالب(علیه السلام) ومَن قُتِل معه من أهل بيته وشيعته،


1) البلخي، البدء والتاريخ: ج2 ص242.

2) عبد الحميد، علم التاريخ: ص180.

أهل الكوفة يدعون الحسين، مسلم بن عقيل يتقدم الحسين إلى الكوفة، ابن عباس((1)) ينصح الحسين، يزيد يستعدُّ، مقتل هانئ بن عروة، الحسين يقاتل جيش ابن زياد، أسماء ولد علي وأمهاتهم، رثاء قتيل الطف»((2)). ومن الملاحَظ أنَّ المسعودي لم يسهب كثيراً في تفاصيل المقتل ومقدِّماته وحيثياته، إذ شغلت مجمل المادة التاريخية عنه عشر صفحات تقريباً((3))، ولم نلحظ فيها أيّ نقد تاريخي، أو تحليل قد مارسه المسعودي.

ولابدَّ من التركيز على أمرين مهمَّين تعرَّض لهما المسعودي، الأول: إنَّ جميع مَن شارك بحرب الإمام الحسين(علیه السلام) في واقعة الطف هم من أهل الكوفة بقوله: «وكان جميع من حضر مقتل الحسين من العساكر وحاربه وتولَّى قتله من أهل الكوفة خاصة، لم يحضرهم شامي»((4))، وهو أمر لا يمكن قبوله؛ فهناك العديد من العناصر غير الكوفية التي اشتركت في حرب الإمام الحسين(علیه السلام).

وفي تحليل لأحد الباحثين عن سبب إيراد المسعودي لهذه الرواية، قال: «قد يكون دافع المسعودي إلى حصر قتلة الإمام الحسين(علیه السلام) بأهل الكوفة، هو سعيه لتبرئة أبناء كبار الصحابة في المدينة المنورة ومكة، وتبرئة أهل الشام والمدينة من قتل الإمام الحسين(علیه السلام)، علماً أنَّ مَن اشترك في قتل الحسين(علیه السلام) هم من المدينة المنورة ومكة والشام أيضاً ونستدلُّ على ذلك من الشخصيات التي كانت في جيشيزيد بن معاوية، ومن كان منهم من المدينة مثل الحصين بن النمير وعمر بن سعد... ونستغرب أيضاً من إلقاء المسعودي اللائمة على أهل الكوفة فقط، فحقيقة النصوص التاريخية تقودنا إلى القول أنَّ قتل الحسين(علیه السلام) شاركت به شخصيات من بلدان عدَّة لم تكن الكوفة المغلوبة


1) عبدالله بن عباس بن عبد المطالب ابن عمِّ الرسول(صلی الله علیه و آله)، البخاري، التاريخ الكبير: ج5، ص3؛ ابن خياط، طبقات: ص507.

2) المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص54، 56، 57، 59، 63، 64.

3) المصدر نفسه: ج2، ص54-64.

4) المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص61.

على أمرها يومئذ هي مَن تتحمَّل المسؤولية وحدها في ذلك»((1)).

ومما يجدر التنويه إليه أنَّ الباحث أشار في نصِّه أعلاه إلى أنَّ الحصين بن نمير من شخصيات المدينة، وهو غير صحيح؛ فهو شخصية شامية وتحديداً من أهل حمص((2))، وليس من رجالات المدينة.

أمّا الأمر الثاني: فهو التناقض في عدد من كان مع الإمام الحسين(علیه السلام) ففي رواية له ما نصُّها: «فعدل إلى كربلاء - وهو في مقدار خمسمائة فارس من أهل بيته وأصحابه ونحو مائة راجل - فلما كثرت العساكر على الحسين أيقن أنَّه لا محيصَ له...»((3))، على حين نجد خبراً آخر يناقض تلك الرواية بقوله: «وكان جميع من قُتل مع الحسين في يوم عاشوراء بكربلاء سبعة وثمانون»((4)).

ويميل أحد الباحثين إلى صحَّة هذه الرواية في تحديدها لعدد أنصار الإمام(علیه السلام) بقوله: «إنَّ هذه الرواية تختلف عن كلِّ الروايات المعروفة التي أُحصيت لنا، أو قدَّرت لنا العدد الكلي لأنصار الحسين(علیه السلام) فيواقعة الطف. ولربما تكون رواية المسعودي صحيحة إذا كان في إطارها الجغرافي، أي قبل أن يتفرَّق الناس عن الإمام الحسين(علیه السلام) في موقع زُبالة((5)) عندما علموا بمقتل مسلم بن عقيل وأصحابه وخطب بهم الحسين(علیه السلام) وأذِن لهم بالإنصراف»((6)).


1) جاسم، الرواية التاريخية لمعركة الطف: ص11-12.

2) اليعقوبي، تاريخ: ج2، ص251؛ الطبري، تاريخ: ج4، ص385؛ الزركلي، الاعلام: ج2، ص262.

3) المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص61.

4) المصدر نفسه: ج3، ص61.

5) زُبالة: منزل معروف بطريق مكة من الكوفة، وهي قرية عامرة بها أسواق بين واقصة والثعلبية، وزبالة بعد القاع من الكوفة وقبل الشقوق، فيها حصن وجامع لبنى غاضرة من بني أسد، ياقوت الحموي، معجم البلدان: ج3، ص129-130.

6) الناصري، أنصار الإمام الحسين(علیه السلام): ص13.

ولعلَّ هذا التناقض يدلُّ على أنَّه لا يوجد رقم ثابت لعدد أنصار الإمام(علیه السلام)، وهناك تعتيم إعلامي حول العدد الحقيقي للأنصار، فضلاً عن ذلك فقد طرح أحد الباحثين جملة من التشكيكات حول هاتين الروايتين منها أنَّ المسعودي «لا يسعفنا بمعلومة عن مصير الباقين هل نجوا من المعركة؟ وكيف؟ ومتى؟ لذا تبقى هذه الرواية ضمن الروايات المنفية من المؤرِّخ نفسه»((1)).

ونختم حديثنا عنه ببيان روايتين متضاربتين له في تحديده للقاتل المباشر للإمام الحسين(علیه السلام)، فقد أشار في الأولى أنَّ «الذي تولّى قتله رجل من مذحج واحتزَّ رأسه، وانطلق به إلى ابن زياد...»((2))، على حين حدَّد في الثانية الشخصية بقوله: «وطعنه سنان بن أنس النخعي، ثم نزل فاحتزَّ رأسه...»((3)).

وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنَّ المسعودي قد أورد المقتل أيضاً في كتابه إثباتالوصية، لكن بشكل مقتضب جداً، ولم يشر إلى أيٍّ من المصادر التي أستعملها، وإنَّما ذكرها بصيغة مجهولة: «ورُوي»((4)).

وخصَّص عنواناً عاماً للحديث عنه هو «قصة كربلاء»((5)) وقد أستهلَّ حديثه برواية حديث أمِّ سلمة عن القارورة، ثم ذكر بعد ذلك بقية الأحداث حتى استشهاد الإمام(علیه السلام)((6)).

ونختم حديثنا عنه بعرضنا لرواية نشكُّ بصحتها - لأنَّها لا تنسجم مع المنطق


1) المرعبي، واقعة الطف: ص123.

2) المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص61.

3) المصدر نفسه: ج3، ص62.

4) المسعودي، اثبات الوصية: ص175-178.

5) المصدر نفسه: ص175.

6) المصدر نفسه: ص175-178.

العقلي - بما نصّها: «ورُوي أنَّه - أي الإمام الحسين(علیه السلام) - قتل بيده ذلك اليوم ألفاً وثماني مائة مقاتلاً»((1)). ويمكن تسجيل عدَّة نقاط عنها؛ لمخالفتها الموازين العقلية والنواميس الطبيعية.

أ - الرواية لا يُعتمد عليها من الناحية التاريخية، لكون المسعودي أوردها بصيغة مجهولة ومبهمة وهي (ورُوي) فمن هو الذي رواها؟ وما مصدرها؟

ب - كيف لشخص واحد أن يقدم على قتل هذا العدد الكبير من المقاتلين العسكريين المدرَّبين والمجهَّزين بكافة العدد العسكرية؟ وكم يحتاج من الوقت لذلك لو قارناه مع واقعة الطف التي استمرت لساعات محدودة؟ ولنفترض أنَّ كلَّ مقاتل يحتاج إلى قتله دقيقة واحدة - وإن كان الأمر غير ممكن عقلاً - فهذا يتطلب ثلاثين ساعة، أي يوماً كاملاً وستّ ساعات، بدون أيّ توقف أو انقطاع، وهذا أمر محال عقلاً.

8- تجارب الأمم وتعاقب الهمم، لأحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه (ت421ﻫ/1023م)

اتَّبع مسكويه منهجية خاصة لطرح مادته التاريخية في مصنَّفه هذا، وقد أشار إلى منهجه في مقدمة كتابه قائلاً: «وإنّى لمّا تصفّحت أخبار الأمم، وسير الملوك، وقرأت أخبار البلدان، وكتب التواريخ، وجدت فيها ما تُستفاد منه تجربة لا تزال يتكرّر مثلها، ويُنتظَر حدوث شبهها وشكلها: كذكر مبادئ الدول، ونشء الممالك، وذكر دخول الخلل فيها بعد ذلك، وتلافى من تلافاه وتداركه إلى أن عاد إلى أحسن حال، وإغفال من أغفله واطَّرحه إلى أن تأدّى إلى الإضمحلال والزوال، وذكر ما يتّصل بذلك من السياسات في عمارة البلدان، وجمع كَلِم الرعيّة...»((2)).


1) المصدر نفسه: ص178.

2) تجارب الامم: ج1، ص49.

فأشار مسكويه إلى الأساطير والخرافات، بقوله: «ووجدت هذا النمط من الأخبار مغموراً بالأخبار التي تجرى مجرى الأسمار والخرافات التي لا فائدة فيها غير استجلاب النوم بها، والإستمتاع بأنس المستطرف منها، حتى ضاع بينها، وتبدّد في أثنائها، فبطل الإنتفاع به، ولم يتصل لسامعه وقارئه اتصالاً يربط بعضه بعضاً، بل تُنسَى النكتة منها قبل أن تجيء أختها، وتتفلَّت من الذهن قبل أن تقيّدها نظيرتها، ويشتغل الفكر بسياقة خبرها دون تحصيل فائدتها...»((1)).

أمّا بخصوص موقفه من معجزات الأنبياء والرسل(علیهم السلام) فقال: «لم نتعرّض لذكر معجزات الأنبياء(علیهم السلام) وما تمّ لهم من السياسات بها؛ لأنّ أهل زماننا لا يستفيدون منها تجربة فيما يستقبلونه من أمورهم،اللَّهمّ إلَّا ما كان منها تدبيرا بشريّا لا يقترن بالإعجاز»((2)).

حدَّد مسكويه منهجه اتجاه المصادفة في التاريخ، بقوله: «وقد ذكرنا أشياء مما يجرى على الإتّفاق والبخت وإن لم يكن فيها تجربة، ولا تُقصد بإرادة. وإنّما فعلنا ذلك لتكون هي وأمثالها في حساب الإنسان وفي خلده ووهمه، لئلَّا تسقط من ديوان الحوادث عنده وما ينتظر وقوع مثله، وإن لم يستطع تحرّزاً من مكروهه إلَّا بالإستعانة بالله، ولا توقّعا لمحبوبه إلَّا بمسألته التوفيق، وهو(عزوجلّ) خير موفّق ومعين»((3)).

وبخصوص عرضه لمادة المقتل، يُلاحَظ أنَّه أوردها ضمن حديثه عن حكم يزيد بن معاوية، واستعرض الأحداث الأساسية للمقتل المتمثلة بوصية معاوية لولده يزيد، ثم تعرَّض لذكر مجمل الذين أبدوا المشورة على حدِّ تعبيره للإمام


1) المصدر نفسه: ج1، ص49.

2) المصدر نفسه: ج1، ص50.

3) مسكويه، تجارب الامم: ج1، ص50.

الحسين(علیه السلام)، بعد ذلك عرّج إلى مكاتبة أهل الكوفة للإمام(علیه السلام)((1)).

وخصَّص مساحة واسعة لحادثة مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة(علیه السلام) ومقتلهما والأحداث التي ارتبطت بهما((2)).

وفضلاً عن ذلك تطرَّق لمجمل الأحداث السياسية والعسكرية التي تخصُّ دخول الإمام الحسين(علیه السلام) إلى العراق حتى إستشهاده(علیه السلام)((3)).

ومن الجدير بالذكر أنَّ مسكويه لم يذكر الأحداث ذات الطابع الإعجازي التيوقعت عقب استشهاد الإمام(علیه السلام)، ولعلَّ ذلك واضح، لأنَّ هذا يتعارض مع منهجيته القائمة على أساس تجنُّب ذكر الحوادث التي تحمل طابعاً إعجازياً، وتعليل ذلك بعدم استفادة البشرية من المعاجز بصورة عامة بكونها خاصَّة بمن وقعت لهم((4)).

ولم نجد أيّ نقدٍ أو تحليل استخدمه مسكويه في طرحه لمادة المقتل، أو ذكره لروايات منفردة، وإنَّما أورد الرواية التقليدية للمقتل.

9- كتاب عيون المعارف وفنون أخبار الخلائف - المعروف ب-: تاريخ القضاعي، لمحمد بن سلامة بن جعفر المعروف ب-: القضاعي (ت454ﻫ/1056م)

اتَّبع القضاعي في تاريخه المنهج الموضوعي في طرح الأحداث التاريخية، فجعل الخلفاء والشخصيات ذات المكانة، وبعض الأحداث ذات الطابع السياسي والديني والعسكري محاور لدراسته، وتطرَّق إلى المقتل من خلال حديثه عن


1) المصدر نفسه: ج2، ص37-42.

2) المصدر نفسه: ج2، ص43-56.

3) المصدر نفسه: ج2، ص56-82.

4) المصدر نفسه: ج1، ص50.

شخصية يزيد بن معاوية.

اتسمت أخبار المقتل عنده بالإقتضاب الشديد، حيث شغلت صفحتين((1))، ابتدأها بحديثه عن توجُّه الركب الحسيني للكوفة، فضلاً عن تعرضه بإشارة بسيطة لحادثة السبي لآل البيت(علیهم السلام) في الشام التي ختم بها حديثه((2)).

10- الكامل في التاريخ، لعلي بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري المعروف بابن الأثير (ت630ﻫ/1232م)

اعتمد ابن الأثير المنهج الحولي بشكل عام - في تاريخ الإسلام - فرتَّب كتابه بحسب السنين وهو المنهج الذي سبقه إليه الطبري في تاريخه، لكنَّه عالج نواقصهذا المنهج أحيانا، فحاول جمع ما يتصل بالحادثة الواحدة في موضع واحد، كما صنع مثل هذا مع الحكام الذين لم تطل مدَّة حكمهم((3)).

ولتسليط الضوء أكثر حول منهجيته لا بدّ أن نورد المنهج الذي اتَّبعه في عرض كتابه، والذي أورده في مقدمة مصنَّفه، إذ يقول: «ورأيتهم أيضاً يذكرون الحادثة الواحدة في سنة، ويذكرون منها في كل شهر أشياء فتأتي الحادثة مقطَّعة لا يحصل منها على غرض، ولا تُفهم إلا بعد إمعان النظر، فجمعت أنا الحادثة في موضع واحد وذكرت كلَّ شيء منها في أيّ شهر أو سنة كانت؛ فأتت متناسقة متتابعة قد أخذ بعضها برقاب بعض»((4)).

وبخصوص عرضه للأحداث قال: «وذكرت في كلِّ سنة لكلِّ حادثة كبيرة مشهورة ترجمة تخصُّها، فأمَّا الحوادث الصغار التي لا يُحتمل منها كلّ شيء ترجمة فإنَّني


1) القضاعي، تاريخ القضاعي: ص329-330.

2) المصدر نفسه: ص329-330.

3) عبد الحميد، علم التاريخ: ص200.

4) الكامل في التاريخ: ج1، ص4.

أفردت لجميعها ترجمة واحدة في آخر كلِّ سنة، فأقول ذكر عدة حوادث، وإذا ذكرت بعض مَن تبع وملك في قطر من البلاد ولم تطل أيامه فإنِّي أذكر جميع حاله من أوله إلى آخره عند ابتداء أمره؛ لأنَّه إذا تفرَّق خبره لم يُعرف؛ للجهل به، وذكرت في آخر كلِّ سنة مَن تُوفي فيها من مشهوري العلماء والأعيان والفضلاء، وضبطت الأسماء المشتبهة المؤتلفة في الخطِّ، المختلفة في اللفظ، الواردة فيه بالحروف ضبطاً يُزيل الإشكال، ويغني عن النقاط والأشكال...»((1)).وقال أحد الباحثين بخصوص المنهج الذي اتَّبعه ابن الأثير في عرض مادته التاريخية ما نصُّه «يقوم على أساس إسقاط الأسانيد، وحذف الروايات المتكرّرة والمتعدِّدة على الأغلب، ولم يذكر للحادثة الواحدة روايتين أو أكثر إلا قليلاً، كما أنَّه اعتمد أسلوباً جديداً في عرض الأحداث، فبدلاً من أن يتناول الحدث على الطريقة التقليدية منذ بداياته الأُولى، اعتمد اختيار العنوان المعبِّر عن جوهر الحدث ونتيجته...»((2)).

عرض مادة المقتل: استعرض ابن الأثير مادته التاريخية عن المقتل على وفق المنهج الذي حدَّده في بداية مصنَّفه؛ إذ تحدَّث عن المقتل ضمن حديثه عن حكم يزيد بن معاوية مقسِّماً إيّاها على عدَّة عناوين بعضها أساسية، وأخرى جزئية وبالشكل الآتي:

1- بيعة يزيد بن معاوية.

2- ذكر الخبر عن مراسلة الكوفيين الحسين بن علي ليسير إليهم وقتل مسلم بن عقيل.

3- ذكر مسير الحسين إلى الكوفة.


1) المصدر نفسه: ج1، ص4.

2) عبد الحميد، علم التاريخ: ص202-203.

4- ذكر مقتل الحسين(علیه السلام).

5- ذكر أسماء مَن قتل معه((1)).

وبصورة عامة فإنَّ ابن الأثير تطرَّق إلى المقتل وبشكل كامل ومُسهَب إلى حدٍّ ما، فضلاً عن ذلك فقد تعرَّض إلى السبي والأسر الذي تعرَّض له أهل البيت، سواءفي الكوفة أو الشام، والأحداث التي رافقت ذلك((2)).

أمّا المصادر التي اعتمدها ابن الاثير في إيراده لأخبار المقتل فلم يُشِر إلى أيٍّ منها إلا أنَّ مجمل أخباره تتطابق بشكل كبير مع مادة الطبري، لاسيما وإنَّه أشار إلى اعتماده عليه في مقدمة كتابه، بقوله: «فابتدأتُ بالتاريخ الكبير الذي صنَّفه الإمام أبو جعفر الطبري إذ هو الكتاب المُعَّول عند الكافة عليه، والمرجوع عند الإختلاف إليه، فأخذتُ ما فيه من جميع تراجمه، لم أخلَّ بترجمة واحدة منها، وقد ذكر هو في أكثر الحوادث روايات ذوات عدد، كلُّ رواية منها مثل التي قبلها، أو أقلّ منها، وربّما زاد الشيء اليسير أو نقصه، فقصدتُ أتمَّ الروايات فنقلتها وأضفتُ إليها من غيرها ما ليس فيها، وأودعت كلَّ شيء مكانه، فجاء جميع ما في تلك الحادثة على اختلاف طرقها سياقاً واحداً على ما تراه، فلما فرغت منه أخذت غيره من التواريخ المشهورة فطالعتها وأضفت منها إلى ما نقلته من تاريخ الطبري ما ليس فيه، ووضعت كلَّ شيء منها موضعه...»((3)). وقد عرض ابن الأثير المقتل الحسيني ومقدماته وحيثياته، فابتدأ بذكر مقدِّمات المقتل السياسية التي تتعلَّق بمحاولة أخذ البيعة من الإمام الحسين(علیه السلام) وبعض الشخصيات المؤثِّرة في المجتمع آنذاك، وقد أورد نصاً روائياً في


1) الكامل في التاريخ: ج4، ص14، 19، 27، 46، 91.

2) المصدر نفسه: ج4، ص14-94.

3) المصدر نفسه: ج4، ص3.

حادثة البيعة يستحقُّ الوقوف وهو: «فقال الحسين: أظنُّ أنَّ طاغيتهم قد هلك فبعث إلينا ليأخذنا بالبيعة قبل أن يفشو في الناس الخبر، فقال عبد الله بن الزبير وأنا ما أظنُّ غيره فما تريد أن تصنع؟ قال الحسين: أجمع فتياني الساعة ثم أمشي إليهوأجلسهم على الباب وأدخل عليه، قال: فإنِّي أخافه عليك إذا دخلت، قال: لا آتيه إلا وأنا قادر على الإمتناع، فقام فجمع إليه أصحابه وأهل بيته، ثم أقبل على باب الوليد وقال لأصحابه إني داخل فإذا دعوتكم أو سمعتم صوتي قد علا فادخلوا عليَّ بأجمعكم وإلا فلا تبرحوا حتى أخرج إليكم...»((1)).

يثير هذا النصُّ عدَّة تساؤلات تجعله في دائرة الشكِّ والريبة، منها كيف للإمام الحسين(علیه السلام) أن يفكِّر في اقتحام مقرِّ الوالي آنذاك بمجموعة من الفتيان على حدِّ تعبير الرواية، وهل السلطة في المدينة منهارة في ذلك الوقت أم في أوجِّ قوتها؟ فضلاً عن ذلك أنَّ جلوس الفتيان على الباب بحسب الرواية أمر مشكوك فيه فأين حرس الوالي أو الشرطة؟ إذ بمجرد أن يُنادى عليهم يقتحمون مقرَّ الوالي، وينقذون الإمام(علیه السلام)، ثم إنَّ استدعاء الوالي للإمام كان بشكل طبيعي لا يثير الريبة أو الشكَّ أو التخوُّف، بحيث يلجأ الإمام إلى أخذ حرس له؛ تخوّفاً من أن تعتقله السلطة، ولعلَّ آخر تشكيك يمكن أن نورده ما هي المسافة بين مكان جلوس الوالي والباب؟ أي الخارج الذي بمجرد أن يناديهم الإمام يسمعونه ويلبُّون نداءه، كلُّ هذه الأمور تجعل هذه الرواية مشكوكاً فيها.

ومن الجدير بالذكر أنَّ البلاذري((2)) أسبق من الناحية الزمنية من ابن الأثير، قد أورد هذه الحادثة، لكن بدون ذكر التفاصيل التي وردت في النصِّ أعلاه.


1) ابن الاثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص15.

2) البلاذري، انساب الاشراف: ج5، ص302.

ويلاحظ أنَّ ابن الأثير قد وجَّه انتقاداً تاريخياً وتحليلاً لبعض فقرات الرواية التي ذكرت وصية معاوية بن أبي سفيان لولده يزيد، ونصُّها: «أمّا الحسين بن عليفهو رجل خفيف ولن يتركه أهل العراق حتى يخرجوه، فإن خرج وظفرت به فاصفح عنه؛ فإنَّ له رحماً ماسَّة وحقاً عظيماً، وقرابة من محمد، وأمّا ابن أبي بكر((1)) فإن رأى أصحابه صنعوا شيئاً صنع مثله، ليس له همة إلا في النساء واللهو...»((2)).

إذ أشار ابن الأثير إلى أنَّ عبد الرحمن بن أبي بكر لم يكن على قيد الحياة آنذاك، الأمر الذي دفعه إلى انتقاد تلك الرواية بقوله: «هكذا في هذه الرواية ذكر عبد الرحمن ابن أبي بكر، وليس بصحيح؛ فإنَّ عبد الرحمن بن أبي بكر كان قد مات قبل معاوية»((3))، وقد اختلفت المصادر في تحديدها لتأريخ وفاة عبد الرحمن، فبعضها أشارت إلى سنة ثلاث وخمسين للهجرة، على حين رجّحت الأخرى سنة الثمان والخمسين((4)).أشار ابن حجر برواية تؤكِّد وفاته قبل حصول عملية البيعة ليزيد بن معاوية، إذ قال: «وخرج إلى مكة فمات بها قبل أن تتمَّ البيعة ليزيد، وكان موته فجأة من نومة نامها


1) عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة شقيق عائشة بنت أبي بكر، حضر بدراً مع المشركين: ثم أسلم وهاجر قبل الفتح، وكان أكبر أولاده، وهو من الرماة المذكورين والشجعان، قتل يوم اليمامة سبعة من كبارهم، له أحاديث نحو الثمانية، روى عنه ابناه: عبد الله، وحفصة، وابن أخيه القاسم بن محمد، وأبو عثمان النهدي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعمرو بن أوس الثقفي، وابن أبي مليكة، وآخرون، وهو الذي أمره النبي(صلی الله علیه و آله) في حجة الوداع أن يعمر أخته عائشة من التنعيم، ابن قتيبة، المعارف: ص174؛ ابن الجوزي، المنتظم: ج5، ص300-301؛ الذهبي، سير اعلام النبلاء: ج2، ص472.

2) ابن الاثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص6.

3) الكامل في التاريخ: ج4، ص6.

4) ابن قتيبة، المعارف: ص174؛ ابن الجوزي، المنتظم: ج5، ص301؛ الذهبي، سير اعلام النبلاء: ج2، ص472.

بمكان على عشرة أميال من مكة، فحمل إلى مكة ودفن بها، ولما بلغ عائشة خبره خرجت حاجَّة فوقفت على قبره فبكت...»((1)).

عقَّب ابن حجر بعد هذه الرواية إلى ذكر الآراء المختلفة في تحديد تأريخ وفاة عبد الرحمن، مرجِّحاً إيّاها بين سنة الثلاث والخمسين إلى الثمان والخمسين للهجرة((2)).

وعند مقارنة رواية ابن الأثير مع رواية الطبري((3)) نجدها طبق الأصل، مما يشير إلى أنَّ ابن الأثير قد نقلها اعتماداً على تاريخ الطبري.

ولعلَّ نقد ابن الأثير للرواية والإختلاف بين المصادر في تاريخ وفاة عبد الرحمن، أكان موجوداً في عهد وصية معاوية أم لا، ينتج عدة احتمالات ونتائج مفيدة، منها:

1- الإحتمال الأول: أنَّ عبد الرحمن لم يكن على قيد الحياة إبّان وصية معاوية وإنّما توفى قبلها، ويمكن قبول هذا الإحتمال لكن بعد تضعيف رواية ابن قتيبة والطبري وابن الأثير؛ ليصبح الإحتمال مقبولاً.

2- الإحتمال الثاني: وهو ما ذهب إليه أحد الباحثين، بقوله: «إنَّ ابن الأثير أراد من تأكيده وفاة عبد الرحمن أن يتخلَّص من التشكيك بشرعية ما فعله معاوية عن طريق الموقف المعارض لعبد الرحمن بن أبي بكر، فهو ابن الخليفة الأول على كلِّ حال، فلا يبقى موقف أحد مشكلاً بالنسبة إليه إلا موقف ابن عمر وهو هين؛ لأنَّ أمره سيؤول إلى الموافقة في نهاية المطاف، أمّا ابن الزبير فتعساً له؛ منبوذ عند الجميع، فليس هو بمرضي عند أنصار موقف الحسين، ولا عند أنصار الموقف الآخر الذي مثَّله الإتجاه


1) الاصابة: ج4، ص276.

2) المصدر نفسه: ج4، ص276.

3) تاريخ: ج4، ص238.

الآخر الغالب في التاريخ»((1)).

3- الإحتمال الثالث: أنَّ عبد الرحمن كان موجوداً، وبعد الوصية بمدة وجيزة توفي، ويبدو هذا الإحتمال هو الأقرب للقبول، وهذا ما نجده في رواية البلاذري، بقوله: «وأمّا عبد الرحمن فشيخ عشمة، هامة اليوم أو غد وهو مشغول عنك بالنساء، وأمّا الذي يجثم لك جثوم الأسد، ويراوغك مراوغة الثعلب فإن أمكنته فرصة وثب، فهو عبد الله بن الزبير، فإذا فعلها فاستمكنت منه فلا تبقِ عليه، قطَّعه إربا إربا إلَّا أن يلتمس منك صلحا، فإن فعل فاقبل منه، واحقن دماء قومك ما استطعت، ولم يمكث إلَّا يسيراً حتّى أتاه موت عبد الرحمن بن أبي بكر فدعا يزيد فبشّره بذلك...»((2)).

ونفى ابن الأثير حضور يزيد في مرض معاوية ووصيته بقوله: «وقيل:إنَّ يزيد كان غائباً في مرض أبيه وموته... وهو الصحيح»((3))، ويتفق ابن الأثير مع منسبقه من المؤرِّخين((4)) في هذا الرأي.

ويورد ابن الأثير بعض الروايات التي نشكِّك بمصداقيتها، منها حديث الإمام الحسين(علیه السلام) مع أخته زينب بنت علي(علیهما السلام) قائلاً: «يا أخية لا يذهبن بحلمك الشيطان، قال بأبي أنتِ وأمي استقلت نفسي لنفسك الفداء فردَّد غصته وترقرقت عيناه، ثم قال: لو تُرك القطا ليلاً لنام، فلطمت وجهها وقالت وا ويلتاه أفتغصبك نفسك اغتصابا فذلك أقرح لقلبي، وأشدُّ على نفسي، ثم لطمت وجهها وشقَّت جيبها، وخرَّت مغشياً


1) الحسناوي، الإمام الحسين(علیه السلام) تاريخياً: ص48.

2) البلاذري، انساب الاشراف: ج5، ص144.

3) الكامل في التاريخ: ج4، ص6.

4) الجاحظ، البيان والتبين: ص280؛ البلاذري، انساب الاشراف: ج5، ص146؛ ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج21، ص41؛ النويري، نهاية الارب: ج20، ص366؛ القلقشندي، مآثر الانافة: ج1، ص111.

عليها، فقام إليها الحسين فصبَّ الماء على وجهها، وقال اتقِ الله وتعزَّي بعزاء الله، واعلمي أنَّ أهل الأرض يموتون، وأهل السماء لا يبقون وأنَّ كلَّ شيء هالك إلا وجه الله...»((1)).

ومن الجدير بالذكر أنَّ هذه الرواية قد أوردها مسكويه((2)) لم ترد فيها العبارات التي لا تليق بالسيدة زينب(علیها السلام) من قبيل (شقَّت جيبها)، مما يشير إلى أنَّ تلك الفقرات أضيفت إلى الرواية لاحقاً من قبل بعض المؤرخين، ولعلَّ سبب ذكرها هو للطعن بالسيدة زينب(علیها السلام)، والتقليل من مكانتها وأثرها في النهضة الحسينية.

استخدم ابن الأثير أحياناً منهج تعدُّد الروايات في أخبار المقتل، وإن كان بشكلمحدود، من قبيل تحديده لحاملي رأس الإمام الحسين(علیه السلام) وأصحابه إلى الوالي عبيد الله بن زياد، فأورد هنا روايتين الأولى:تشير إلى أنَّ حاملي هذه الرؤوس هما كلٌّ من «خولي بن يزيد وحميد بن مسلم الأزدي»((3))، على حين ذكرت الرواية الثانية:أنَّ حاملي الرؤوس هم «شمر بن ذي الجوش وقيس بن الأشعث وعمرو بن الحجاج وعروة بن قيس»((4))، ومن الملاحظ أنَّ الرواية الأولى تتفق مع ما ذهب إليه الطبري والنويري((5)).

وبالمنهج نفسه أورد ابن الأثير روايتين في تحديده للوفد الذي رافق السبي إلى


1) الكامل في التاريخ: ج4، ص59.

2) تجارب الامم: ج2، ص67.

3) الكامل في التاريخ: ج4، ص80.

4) المصدر نفسه: ج4، ص80.

5) تاريخ: ج4، ص348؛ نهاية الارب: ج20، ص463.

الشام بقوله: «ثمّ أرسل ابن زياد رأس الحسين ورؤوس أصحابه مع زحر بن قيس((1)) إلى الشام إلى يزيد ومعه جماعة، وقيل: مع شمر بن ذيالجوشن وجماعة معه، وأرسل معه النساء والصبيان...»((2))، وهنا يرجح ابن الأثير الرواية الأولى ويوردها بكلِّ تفاصيلها ويعتمدها((3))، ولعلَّ هذه الإشارات المنهجية التي عرضناها هي أهمُّ النقاط التي عرضها ابن الأثير لمادة المقتل.

ثانياً: كتب الأنساب

اشارة

تُعدُّ كتب الأنساب من المصادر المهمة في التاريخ الإسلامي؛ إذ تزود الباحث بمادة تاريخية خصبة لما تحويه من معارف شتَّى، كمعرفة أسماء الرجال وأحوالهم وأقوالهم ومراتبهم((4))، ومن هنا تأتي أهمية هذه الكتب في ذكر مَنْ شارك في معركة


1) زحر بن قيس الجعفي الكوفي شهد صفين مع علي بن أبي طالب(علیه السلام) كان فارسا وخطيباً بليغاً وفد على يزيد بن معاوية أنزله علي المدائن في جماعة جعلهم هنالك رابطة، ثم إنَّ عبيد الله بن زياد نصب رأس الحسين في الكوفة فجعل يدار به ثم دعا زحر بن قيس فسرّح معه برأس الحسين ورؤوس أصحابه إلى يزيد وكان مع زحر أبو بردة بن عوف الأزدي وطارق ابن أبي ظبيان الأزدي، فخرجوا حتى قدموا بها الشام على يزيد، فقال له يزيد: ويلك ما وراءك؟ فقال أبشر يا أميرالمؤمنين بفتح الله ونصره، ورد علينا الحسين بن علي في ثمانية عشر من أهل بيته وستين من شيعته، فسرنا إليهم فسألناهم أن يستسلموا وينزلوا على حكم الأمير عبيد الله بن زياد أو القتال، فاختاروا القتال، فعدونا عليهم مع شروق الشمس فأحطنا بهم من كل ناحية حتى إذا أخذت السيوف مأخذها من هام القوم جعلوا يهربون إلى غير وزر ويلوذون منا بالآكام والحفر لواذا كما لاذ الحمام من صقر، فوالله يا أميرالمؤمنين ما كان إلا جزر جزور أو نومة قائل حتى أتينا على آخرهم، البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص212؛ الطبري، تاريخ: ج4، ص351-352؛ الصفدي، الوافي بالوفيات: ج14، ص127.

2) الكامل في التاريخ: ج4، ص82.

3) المصدر نفسه: ج4، ص84.

4) للمزيد من التفاصيل بشأن أهمية كتب الانساب وتاريخها وموضوعاتها، ينظر، ترحيني، المؤرخون والتاريخ: ص165-166؛ المراغي، دراسات في المكتبة العربية: ص17-27.

الطفِّ، ومعرفة أثرهم في ذلك، وسنعتمد في عرض آراء أبرز المؤرِّخين الذين صنَّفوا في هذا المجال وفق التسلسل الزمني:

1- جمهرة النسب ونسب معد اليمن الكبير لابن الكلبي (ت204ﻫ/819م)

أورد ابن الكلبي تفاصيل مَن شارك في ثورة الإمام الحسين(علیه السلام)، وذكر منهم قيس بن مسهر الصيداوي((1)) الذي أرسله الإمام الحسين(علیه السلام)إلى أهل الكوفة وكتب إليهم كتاباً، فلما وصل إلى القادسية((2))، تمَّ اعتقاله من قبل أعوان السلطة الأموية((3)).

وفي رواية أخرى ذكر فيها الحرَّ بن يزيد((4)) بقوله: «لما عرض الإمام الحسين على ابن مرجانة ما عرض فلم يقبل منه وصار الحرُّ إلى الحسين(علیه السلام) فقاتل معه حتى قُتل»((5)) ومن هنا يتضح لنا بأنَّ الحرَّ بن يزيد التحق مع بعض الأنصار من معسكر الجيش الإموي إلى معسكر الإمام الحسين(علیه السلام) وقاتلوا بين يديه حتى استُشهِدوا.


1) قيس بن مسهر من بني أسد، كان مبعوث الإمام الحسين(علیه السلام) إلى أهل الكوفة وقد ألقى القبض عليه عبيد الله بن زياد ورماه من أعلى القصر سنة 60ﻫ/679م، البلاذري، انساب الإشراف: ج11، ص164؛ ابن حبان، الثقات: ج2، ص273.

2) وهي قرب الكوفة وبين القادسية والكوفة خمسة عشر فرسخاً، وبينهما وبين العذيب أربعة أميال، ياقوت الحموي، معجم البلدان: ج4، ص291.

3) ابن الكلبي، جمهرة النسب: ج1، ص242؛ الطبري، تاريخ: ج4، ص297.

4) الحرُّ بن يزيد الرياحي التميمي، من الشخصيات البارزة في الكوفة، وأحد قادة الجيش الأموي الخارج لحرب الإمام الحسين(علیه السلام)، وكان يقود ربع تميم وهمدان وقد انحاز إلى الإمام الحسين بعد أن قُتل عدد من أصحابه واستُشهِد هو وأخوه مصعب وابنه علي وغلام له تركي، الطبري، تاريخ: ج5، ص427-428؛ ابن ماكولا، الإكمال: ج2، ص93؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص177؛ الزركلي، الأعلام: ج2، ص173.

5) ابن الكلبي، جمهرة النسب: ج1، ص242؛ الطبري، تاريخ: ج4، ص297.

أمّا في كتابه نسب معد واليمن الكبير فهو من عنوانه يعرض لنا أنساب القبائل اليمنية، إلا أنَّه أورد فيه أسماء مَن كان مع الإمام الحسين(علیه السلام) في واقعةالطفِّ بقوله: «اخرج النفر المذحجيون إلى الحسين بن علي(علیه السلام) بالكوفة»((1))، والملاحَظ على الرواية أنَّها لم تحدِّد عدد هؤلاء الرجال، ومَن هم، على حين نجد أنَّ الطبري أورد رواية قريبة إلى هذا المعنى، إذ ذكر بأنَّ هناك أربعة فتيان من اليمن جاؤوا إلى أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب(علیه السلام)، وعرضوا له قضية تتعلَّق بأختهم فقام الإمام(علیه السلام) بحلها، فتعجبوا من ذلك، وبقوا في الكوفة مرافقين للإمام علي(علیه السلام)، ثم للإمام الحسن(علیه السلام)، ثم جاؤوا مع الإمام الحسين(علیه السلام) إلى كربلاء واستُشهِدوا معه((2)).

ومن الملاحظ أنَّ هؤلاء الفتية لم تذكرهم المصادر الأولية - بحسب اطلاعنا - وقد انفرد الطبري بذكرهم دون الإشارة إلى أسمائهم، ويُحتمل من خلال المقارنة بين الروايتين أنَّ المذحجيين المشار إليهم من قبل ابن الكلبي الذين خرجوا مع الإمام الحسين(علیه السلام) هم الفتية أنفسهم الذين ذكرهم الطبري، وقد استُشهِدوا في معركة الطف.

2- نسب قريش، لعبد الله بن مصعب الزبيري (ت226ﻫ/850م)

تركَّزت معظم رواياته على مادة المقتل من خلال ذكره لقتلى بني هاشم، وعرض أنسابهم ووفياتهم((3)).

ومن الروايات التي تستحقُّ الوقوف والتأمل التي ذكرها مصعب الزبيري


1) ابن الكلبي، نسب معد: ج1، ص234.

2) الطبري الشيعي، المعجزات: ج1، ص32.

3) مصعب الزبيري، نسب قريش: ج2، ص57.

قوله: «لما قُتل الحسين قال عمر بن سعد لا تعرضوا لهذا المريض، قال عليبن الحسين فغيبني رجل منهم، وأكرم نزلي، واحتضنني وجعل يبكي كلما خرج ودخل، حتى كنت أقول: إن يكن عند أحد من الناس وفاءٌ فعند هذا! إلى أن نادى منادي ابن زياد: ألا من وجد علي بن حسين فليأتِ به، فقد جعلنا فيه ثلاثمائة درهم! قال: فدخل والله عليَّ وهو يبكى وجعل يربط يديَّ إلى عنقي وهو يقول: أخاف، فأخرجني والله إليهم مربوطاً حتى دفعني إليهم، وأخذ ثلاثمائة درهم وأنا أنظر إليها فأخذت وأدخلت على ابن زياد، فقال ما اسمك؟ فقلت علي بن حسين، قال أو لم يقتل الله عليا؟ قلت كان لي أخ يقال له علي أكبر مني قتله الناس، قال بل الله قتله، قلت الله يتوفى الأنفس حين موتها...»((1)).

يمكن تسجيل عدَّة ملاحظات نقدية حول هذه الرواية، منها: محاولتها بشكل غير مباشر النيل من مكانة وشخصية الإمام علي بن الحسين(علیه السلام)، ثم هل من المعقول أن يلجأ الإمام السجاد(علیه السلام) الذي ضَربَ أروع صور البطولة والتضحية إلى الاختباء خوفاً من السلطة الأموية؟ فضلاً عن ذلك أنَّ الرواية ذكرت أنَّ عمر بن سعد قد عفا عنه، فما الداعي إلى الإختباء أو الخوف؟ وإن كان الجواب أنَّ تصرف عمر بن سعد شخصي ولا علم للسلطة فيه، فهذا غير ممكن؛ لكون عمر بن سعد من أبرز رجالات السلطة الأموية، ومن المطيعين لأوامرها، وقد قتل الإمام الحسين(علیه السلام) وأهل بيته من أجل الدنيا وتنفيذ رغبات تلك السلطة، فكيف يخالفها ويعصي أوامرها من أجل العفو عن الإمام السجاد(علیه السلام)؟ يضاف إلى ذلك أنَّها لم تحدِّد شخصية الرجل الذي غيَّب الإمام(علیه السلام) عنده، وإنماجعلته مجهولاً وهذا ما يثير


1) المصدر نفسه: ج2، ص58.

الشكَّ، ثم كم استمر اختفاء الإمام(علیه السلام) وهل ترك حرم رسول الله خلال مدة الإختباء؟ فضلاً عن ذلك أنَّ ميول وتوجهات المؤلف لا تنسجم مع أهل البيت؛ لكونه من آل الزبير، كلُّ هذا يجعلنا نشكِّك في مصداقية هذه الرواية ونجعلها في عداد الروايات الموضوعة التي لا يمكن الإعتماد عليها والركون إليها مطلقاً.

كما أورد مصعب الزبيري رواية في طلب البيعة ليزيد بعد وفاة معاوية؛ إذ أرسل والي المدينة الوليد بن عتبة إلى الإمام الحسين(علیه السلام) وعبد الله بن الزبير وطلب بيعتهما، فقالا: «نصبح ويجتمع الناس فنكون منهم، فقال مروان بن الحكم إن خرجا من عندك لن ترهما فنازعه ابن الزبير الكلام وتغالظا، حتى قام كلُّ واحد منهما إلى صاحبه فتناصيا، فقام الوليد فحجز بينهما حتى خلَّص كلَّ واحد منهما من صاحبه...»((1)) وعند مقارنة هذه الرواية مع المصادر التاريخية نجدها تتعارض معها في مسألة مهمة ألا وهي خروج الإمام الحسين(علیه السلام) مع عبد الله بن الزبير لمقابلة والي المدينة، فقد نفى الدينوري أنَّ ابن الزبير كان مع الإمام الحسين(علیه السلام) في طريقه إلى مكة((2)) ويتفق معه الطبري في هذا المعنى بقوله: «إن ابن الزبير خرج قبل الحسين(علیه السلام) بليلة...»((3)) ويؤيد هذه الرواية المفيد في نفيه مصاحبة ابن الزبير للإمامالحسين(علیه السلام) في مقابلته لوالي المدينة((4)).

لعلَّ السبب الذي دفع مصعب الزبيري لإيراد هذه الرواية هو العامل ألقبلي،


1) نسب قريش: ج4، ص133.

2) الدينوري، الإخبار الطوال: ص228.

3) تاريخ: ج5، ص341.

4) الإرشاد: ص222.

المتمثِّل بالقرابة النسبية التي تربطه مع عبد الله بن الزبير؛ إذ أراد أن يُظهره بموقف مُشرِّف ومُناصر للإمام الحسين(علیه السلام)، على حين كان هدف ابن الزبير حصوله على السلطة، ومن الملاحَظ أيضاً أنَّ هذه الرواية أوردها ابن عساكر((1)) عن طريق الزبير ابن بكار (ت 256ﻫ/858م)((2))، مما يؤيِّد أنَّ تلك الرواية قد نظَّر لها رواة آل الزبير وهم مصدرها الأساس، وعلَّق أحد الباحثين حول هذه الرواية بقوله: لو كان الاثنان قد ذهبا فما موقف الإمام الحسين(علیه السلام) من هذا النزاع؟ ولماذا بقي متفرِّجاً ولم يسند صاحبه ولو بكلمة؟»((3))، ومن هنا نستبعد هذه الرواية ونشكِّك بمصداقيتها.

3- أنساب الأشراف، لأحمد بن جابر البلاذري (ت279ﻫ/892م)

يُعدُّ كتاب أنساب الأشراف((4)) من المصادر الأساسية والمهمة عن المقتل؛ لأنَّ مادته التاريخية قد استوعبت مساحة واسعة من مقدمات وأحداث ونتائج المقتل، إذذكر البلاذريّ عدداً من الأخبار حول الإمام الحسين(علیه السلام) بخصوص ولادته(علیه السلام) وأولاده، ثم شرع ببيان واقعة كربلاء، وكانت الروايات الأولى التي أوردها تتحدّث عن علاقة الشيعة بالإمام الحسين(علیه السلام) منذ صلح الإمام الحسن(علیه السلام) مع معاوية بن أبي سفيان.

ويلاحظ أنَّ البلاذري قسَّم المقتل على أربع مراحل هي:


1) تاريخ مدينة دمشق: ج63، ص210.

2) أبو عبد الله بن ابي بكر القرشي الأسدي المكي، كان عالماً بالنسب وأخبار المتقدمين. له مصنفات عدة، منها، نسب قريش وأخبارها، وكتاب الموفقيات، ابن النديم، الفهرست: ص123؛ ابن خلكان، وفيات الاعيان: ج2، ص311؛ الذهبي، سير اعلام النبلاء: ج2، ص528.

3) المرعبي، واقعة الطف: ص76.

4) عن الأهمية التاريخية لكتاب أنساب الأشراف، ينظر، ترحيني، المؤرخون والتاريخ عند العرب: ص74-76.

أولاً: شخوص الإمام الحسين(علیه السلام) إلى مكة.

ثانياً: مراسلات أهل العراق له(علیه السلام).

ثالثاً: خروجه(علیه السلام) إلى الكوفة.

رابعاً: إستشهاده(علیه السلام)، وبعد مقارنة مرويات تلك المحاور وجدناها مطابقة مع ما موجود عند الطبري في تاريخه((1)).

أما المنهج التاريخي الذي اتبعه البلاذري في إيراده أحداث المقتل، فيمكن تلخيصه بعدة نقاط أساسية هي:

1- استعمل في إيراد روايات المقتل منهج التركيب مثلما فعل اليعقوبيّ والدينوريّ، لذا نراه بدلاً من ذكر سند مستقلّ لكلّ خبر، كان في أغلب الحالات يكتفي بنقله مكتفياً بعبارة: «قالوا»((2))، ويعلِّل أحد الباحثين سبب استعمال البلاذريلهذه الصيغة: (قالوا) في مصادره، بقوله: «ويظهر أنَّ بعض الروايات كانت مقبولة لدى عامة المؤرخين كما يظهر من بعض أخباره التي تبدأ ب-(قالوا)»((3)).

2- أشار في بعض مروياته إلى سندها كما في نقله عن أبي مخنف((4))، وعوانة بن


1) ونجد تلك العنوانات مطابقة إلى حد ما مع محاور الطبري التي سار عليها في بيان حادثة الطف، تاريخ: ج5، ص347، 381، 399، 400، 467، 470.

2) أورد البلاذري، في أنساب الأشراف، عدَّة روايات عن المقتل الحسيني معتمداً على السند الجمعي بصيغة: (قالوا)، ينظر: ج3، ص158، 161، 163، 174، 178، 182، 188، 194، 197، 200، 201، 205، 207، 210، 214، 224، 225.

3) الدوري، نشأة علم التاريخ: ص57.

4) اعتمد عليه البلاذري في عدَّة روايات تخص المقتل، وعند مقارنتها مع ما موجود في تاريخ الطبري وجدت مطابقة بشكل تامٍّ، ينظر، انساب الاشراف: ج3، ص156، 207.

الحكم((1))، والهيثم بن عدي((2)) وعمر بن شبه((3))((4)) والواقدي((5)) والمدائني((6)).وغيرهم((7)).

استعرض البلاذري مجمل الأحداث الخاصة بالمقتل، منها حديثه لبيان بعض أسباب خروج الإمام الحسين(علیه السلام) إلى العراق((8)

لاذعرت السوام في وضح الصب- *** -ح مغيرا ولادعيت يزيدا

يوم اعطي مخافة الموت ضيما *** والمنايا ترصدنني أن أحيدا

وكذلك أورد قول الامام(علیهما السلام) لعبد الله بن الزبير: «لان اقتل خارجا من مكة بشبر أحبُّ إليَّ من أن أُقتل فيها»، انساب الاشراف: ج3، ص164، 165.

)، ومن الروايات التي أوردها

1) أورد البلاذري عدداً من المرويات اعتماداً على عوانة، منها: قوله، قتل الحسين بكربلاء، قتله سنان ابن أنس، واحتزَّ رأسه خولي بن يزيد، وجاء به إلى ابن زياد فبعث به إلى يزيد مع محفز بن ثعلبة - وقال: «لما وضع رأس الحسين بين يدي يزيد تمثَّل ببيت الحصين بن حمام المري: يفلقن هاما من رجال أعزَّة - علينا وهم كانوا أعقَّ واظلما»، ينظر، انساب الاشراف: ج3، ص213، 219.

2) البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص213، 23، 322.

3) عمر بن شبة بن عبيدة بن ريطة، البصري النميري، أبو زيد مولى بني نمير، كان راوية للأخبار، عالماً بالآثار، أديباً فقيهاً صدوقاً، له العديد من التصانيف منها: كتاب الكوفة، وكتاب البصرة، وكتاب أمراء المدينة، وكتاب أمراء مكة، وكتاب تاريخ المدينة المنورة، توفى سنة اثنتين وستين ومائتين للهجرة بسامراء، أبو حاتم الرازي، الجرح والتعديل: ج6، ص116؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد: ج11، ص208-210؛ ياقوت الحموي، معجم الادباء: ج16، ص60؛ الصفدي، الوافي بالوفيات: ج22، ص302.

4) تركزت مروياته: ج3، ص193، 209، 227.

5) لم نجد روايات للواقدي سوى هذه الرواية التي نصها: «قتل الحسينَ شمرُ بن ذي الجوشن وقد فصل خضاب لحيته وكان يخضب بسواد. وأوطأ شمر فرسه وذلك في يوم عاشوراء سنة إحدى وستين وهو ابن ثمان وخمسين سنة، ويقال: ابن ست وخمسين»، البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص219.

6) ذكر البلاذري، في أنساب الأشراف، عدد أًمن مروياته نقلا عن المدائني: ج3، ص223.

7) منهم: هشام الكلبي وابو خيثمة: ج3، ص219، 227.

8) إذ ذكر ما انشده الامام الحسين(علیه السلام) من الشعر:

وتستحقُّ الوقوف عليها هي أنَّ عبد الله بن عباس قال: «استشارني الحسين في الخروج فقلت: والله لولا أن يزري((1)) بي وبك لنشبت يدي في رأسك، فقال والله لأن أُقتل بمكان كذا وكذا أحبُّ إليّ من أن يُستحلَّ بي هذه الحرمة غداً»((2)).وهنا عدَّة إشكالات نقدية يمكن تسجيلها ضدَّ هذه الرواية منها:هل من المعقول أن يستشير الإمام الحسين(علیه السلام) ابن عباس في مسألة مفصلية ألا وهي الجهاد ضد السلطة الأموية الحاكمة وهو إمام زمانه؟ ثم هل إنَّ ابن عباس أعرف بمصلحة الإمام الحسين(علیه السلام) من نفسه لكي يعمل على منعه؟ ثم كيف لابن عباس أن يسلك أُسلوباً عنيفاً مع إمام معصوم بهذه الطريقة؟

من خلال دراستنا لمرويات البلاذري الخاصة بالمقتل نجده قد انفرد بجملة من الأخبار والأحداث منها قوله إنَّ الوالي عبيد الله بن زياد بعث برأس عمارة بن صلخب((3)) مع رأسي مسلم بن عقيل(علیه السلام) وهانئ بن عروة(علیه السلام) إلى يزيد بن معاوية((4)).

ومن الأخبار الأخرى التي أوردها البلاذري موقف الإمام الحسين(علیه السلام) من الرسول((5)) الذي أبلغه بمقتل مسلم بن عقيل(علیه السلام) فصور البلاذري ذلك الموقف،


1) يزري فلان على صاحبه أمراً إذا عابَه وعنَّفه ليرجع، الفراهيدي، العين: ج7، ص381.

2) انساب الاشراف: ج3، ص147.

3) عمارة بن صلخب الأسدي، كوفي نصر مسلم بن عقيل(علیه السلام) في الكوفة، قبضت عليه السلطة الأموية بعد مقتل مسلم وهانئ وضربت عنقه، ينظر، الطبري، تاريخ: ج5، ص249-256؛ الامين، اعيان الشيعة: ج1، ص611.

4) انساب الاشراف: ج2، ص85.

5) وهو الرسول الذي أرسله محمد بن الأشعث الكندي الكوفي إلى الإمام الحسين(علیه السلام) ليبلغه بمقتل مسلم بن عقيل والأحداث التي جرت عليه ويطلب منه العودة، ينظر، البلاذري، انساب الاشراف: ج2، ص81؛ المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص70؛ المفيد، الارشاد: ج2، ص59.

بقوله: «فلم يلتفت إلى قوله وأبى إلا القدوم إلى العراق»((1)).

وانفرد أيضاً بقول للإمام الحسين(علیه السلام) موجِّهاً أصحابه ليلة العاشر منالمحرم: «ما كانت كتب مَن كتب إليَّ - فيما أظنُّ - إلا مكيدة لي وتقرباً إلى ابن معاوية بي»((2)).

وهذه الرواية يمكن أن تُسجل عليها عدة نقاط سلبية، منها:هل إنَّ خروج الإمام الحسين(علیه السلام) ضدَّ السلطة الأموية كان بدافع مراسلة أهل العراق له ولولاها لما خرج؟ هذا ما أرادت الرواية إيصاله مع أنَّ هذا الأمر مردود؛ لأنَّ استعدادات الإمام الحسين(علیه السلام) للخروج ضدَّ السلطة الأموية ومقدمات ذلك، سبقت مراسلة الكوفيين له((3))، كما أنَّ الرواية توحي بتحميل أهل العراق وتحديداً أهل الكوفة مسؤولية ما جرى للإمام الحسين(علیه السلام) من الأحداث المؤلمة، لأنَّهم هم من كاتبوه(علیه السلام).

يبدو أنَّ سبب إيراد البلاذري لمثل هذه الروايات وأشباهها كونه كتب مصنّفه أنساب الأشراف في عصر الدولة العباسية، ومن المؤكَّد أنَّ الحكّام العباسيين أرادوا الطعن بالكوفة والنيل منها؛ لكونها رمزاً ومقرَّاً للحركات والثورات العلوية، لكي لا تشكِّل خطراً عليهم، لا سيما وأنَّ البلاذري كانت له علاقات وثيقة مع بعض الحكام العباسيين((4))، هذا من جانب ومن جانب آخر أنَّ البلاذري وعلى حدِّ تعبير أحد الباحثين كان عثمانيَّ الهوى((5)).


1) البلاذري، انساب الاشراف: ج2، ص85.

2) المصدر نفسه: ج3، ص185.

3) أبو مخنف، مقتل الحسين: ص14؛ الطبري، تاريخ: ج4، ص261.

4) ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج6، ص75؛ ابن العديم، بغية الطلب: ج3، ص1222؛ ياقوت الحموي، معجم الادباء: ج5، ص89-102؛ عبد الفتاح، البلاذري ومنهجه: ص27، 28.

5) الاميني، الغدير: ج8، ص455-457.

المبحث الثاني: أخبار المقتل في كتب الفتوح والطبقات والتراجم

اشارة

يركِّز هذا المبحث على أخبار المقتل التي وردت في كتب الفتوح والطبقات والتراجم العامة والخاصة بتراجم أئمة آل البيت(علیه السلام)، ويتناول تلك الروايات بالنقد والتحليل، مع بيان مناهج مؤلفيها.

أولاً: كتب الفتوح

اشارة

تُعدُّ من المصادر المهمة والأساسية في إثراء التراث الاسلامي بالأحداث والأخبار التأريخية، وكان اهتمامها الأوَّل منصبَّاً على الفتوحات الإسلامية سواء في الشرق أم في الغرب((1))، ويلاحَظ أنَّه باستثناء كتاب الفتوح لابن أعثم، لم تستعرض أيّ روايات أو اخبار واقعة الطف، ولعلَّ ذلك يعود إلى طبيعة تلك المؤلَّفات، إذ ركَّزت اهتمامها على الفتوحات ومتعلقاتها، وعلى هذا النحو سيكون تركيزنا على كتاب الفتوح لابن أعثم، ودراسة رواياته ومقارنتها بالمصادر التاريخية الأخرى.

كتاب الفتوح لابن أعثم (المتوفى في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي)

كتاب الفتوح لابن أعثم (المتوفى في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي)((2))

صنَّف ابن أعثم كتابه الفتوح (وفق التسلسل الزمني للأحداث)؛ لبيان وقائعالتاريخ الإسلاميّ منذ وفاة النبيّ(صلی الله علیه و آله) لاسيما الحروب والفتوحات التي خاضها


1) فرغلي، الحركة التاريخية: ص271.

2) اخُتلف في تحديد تاريخ وفاة ابن أعثم بشكل كبير جداً، وقد ناقش أحد الباحثين هذا الموضوع بشكل مستفيض، ينظر، جاسم، دراسات في التاريخ والمؤرخين: ص63-65.

الخلفاء والولاة المسلمون، وعندما وصل إلى أحداث سنة (60-61 ﻫ/679-680م) ابتدأها بتناول واقعة الطف ومقدماتها التي خصّص لها مساحة واسعة من صفحات كتابه، قُدِّرت ب- مائة وخمسين صفحة((1))، وهذا ما يؤكِّد أهمية وغزارة المادة التاريخية لواقعة الطف عند ابن أعثم، وقد أجمل ابن أعثم المحاور الأساسية التي استعرضها في فتوحه، وفق النحو الآتي:

1- ذكر أخبار الكوفة وما كان من كتبهم إلى الحسين(علیه السلام).

2- ذكر خروج مسلم بن عقيل(علیه السلام) نحو العراق.

3- ذكر نزول مسلم بن عقيل الكوفة واجتماع الشيعة إليه للبيعة.

4- ذكر مسير عبيد الله بن زياد ونزوله الكوفة وما فعل بها.

5- ذكر هانئ وعبيد الله بن زياد.

6- ذكر مسلم بن عقيل وخروجه على عبيد الله بن زياد.

7- ذكر دخول مسلم بن عقيل على عبيد الله بن زياد وما كان من كلامه وكيف قُتِل.

8- ذكر هانئ بن عروة ومقتله.

9- ابتداء أخبار الحسين بن علي(علیه السلام).

10- ذكر الحرِّ بن يزيد الرياحي.

11- ذكر نزول الحسين(علیه السلام) أرض كربلاء.

12- ذكر اجتماع العسكر إلى حرب الحسين(علیه السلام).

13- ذكر ابتداء الحرب بين الحسين وبين القوم.


1) ج4، ص9-137، ج5، ص322-347.

14- ذكر كلام زينب بنت علي(علیهما السلام).

15- ذكر دخول القوم على عبيد الله بن زياد.

16- ذكر عبد الله بن عفيف الأزدي(رحمة الله) ومقتله على يد عبيد الله بن زياد((1)).

هذه أبرز المحاور التي سار على وفقها ابن أعثم، وقد اتَّبع في إيرادها المنهج الموضوعي بأسلوب قصصي هو أقرب إلى منهج اليعقوبيّ والدينوريّ، الذي كان عماده الأساسي عدم ذكر الأسانيد، وبنحوٍ تركيبيّ إذ إنَّه يسمِّي رواته بصورة جمعية، ويتمحور هذا المنهج عند ابن أعثم من خلال ذكره لأخبار واقعة الطف بذكر من أخذ عنهم، ويبدأ بالقراءة المباشرة عن رواته، وينتهي بأسماء كثيرة، وتمثل ذلك.

في قوله: «حدثني أبو الحسن أحمد بن الحسين النيسابوري((2)) قال: حدثني محمد بن القاسم المديني((3)) عن أبي حازم((4)) مولى ابن عباسعن ابن عباس، قال:وحدثني علي ابن عاصم((5)) عن الحصين بن عبد الرحمن((6)) عن أبيه عن مجاهد((7)) عن ابن عباس... عن


1) ابن أعثم، الفتوح: ج5، ص27، 32، 34، 38، 45، 49، 55، 61، 64، 69، 76، 84، 101، 122، 123.

2) اورده الخطيب البغدادي هكذا: «أحمد بن الحسين بن أحمد بن الخليل النيسابوري»، وليس «ابن الحسين» كما ورد، ولعل تصحيفاً وقع في الاسم، «قدم بغداد وحدَّث بها عن جعفر بن محمد المعروف ب-:المبرك، وروى عن العافي بن زكريا» ، ينظر، تاريخ بغداد: ج4، ص310.

3) لم نجد له ترجمة في المصادر المتوافرة لدينا.

4) اسمه نبتل أبو حازم مولى ابن عباس روى عن ابن عباس وروى عنه، البخاري، التاريخ الكبير: ج8، ص132؛ ابي حاتم الرازي: ج8، ص508.

5) علي بن عاصم بن صهيب بن سنان الواسطي، سكن بغداد وحدَّث بها، الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد: ج11، ص446-457؛ ابن الجوزي، المنتظم: ج10، ص103؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء: ج9، ص244-262.

6) الحصين بن عبد الرحمن السلمي، أبو الهذيل الكوفي، كان ثقة حافظاً عالي السند، روى عن الإمام علي(علیه السلام)، الطوسي، رجال: ص62؛ الصفدي، الوافي بالوفيات: ج13، ص58-59؛ الخزرجي، خلاصة تهذيب: ص86.

7) مجاهد بن جبر أبي الحجاج المكي، روى عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري واخرون، ابن سعد، الطبقات الكبرى: ج5، ص466؛ البخاري، التاريخ الكبير: ج7، ص411.

رجاله كلِّهم قد حدَّث بهذا الحديث وبعضهم أوعما له من بعض وزيادته ونقصانه على من نقله إلينا وقرأه علينا»((1))، والقائمة طويلة، وقد ضمَّت في رواتها بعضاً من الرواة المشهورين((2)).

أمّا الميول المذهبية لابن أعثم فيشير أحد الباحثين إلى ذلك بقوله: «وتظهر الميول العلوية أيضاً قوية جداً عند ابن أعثم في قصة استشهاد الحسين بن علي(علیه السلام)، حيث تناولها بشيء من التفصيل، ولم يحاول ابن أعثم نقد أو إلغاء أو إبراز رواية دون أخرى من مروياته عن العصر الأموي بصورة عامة، وحركات العلويين وأنصارهم بصورة خاصة، ونادراًما نرى روايات في صالح الأمويين، أو دفعها مسؤولية بعض الأعمال عنهم، ونرى فكرة حرية الإرادة ومسؤولية البشر عما يقترفون واضحة في بعض ما كتبه الرواة ذوو الميول العلوية مثل أبي مخنف، وخاصة فيما يورده عن حركة الحسين بن علي(علیه السلام)، وحركة التوابين، وحركة المختار، وحركة زيد بن علي(رضی الله عنه). وابن أعثم في تناوله لهذه الحركات كلها لم يستطع أن يكبت حقده لقتلة آل البيت وأنصارهم ونعتهم بأشنع الألقاب، مثل زياد (لعنه الله)، وشمر بن ذي جوشن (لعنه الله)، وتارة أخرى (عدوّ الله)، وتظهر ميول ابن أعثم العراقية أيضاً واضحة في أخبار العصر هذا، فهو


1) ابن أعثم، الفتوح: ج4، ص322.

2) أمثال أبي المنذر هشام بن محمد بن الكلبي، وأبي مخنف لوط بن يحيى، وعوانة بن الحكم، و الهيثم بن عدي، وآخرين، ابن أعثم، الفتوح: ج4، ص322.

يقول: «فحمل أهل العراق على أهل الشام، فانهزموا وقد ألقى الله الرعب في قلوبهم»»((1)).

وأضاف الباحث قائلاً: «إنَّه ومن خلال مقابلة بعض روايات ابن أعثم عن العصر الأموي مع مثيلاتها في المصادر الأخرى، يظهر الوهن واضحاً عليها، منها بعث الوليد ابن عتبة (أميرالمدينة ليزيد) لأربعة نفر من قريش بينهم عبد الرحمن بن أبي بكر، لمبايعة يزيد. ولكنَّ مصادرنا الأخرى تشير إلى أنَّ عبد الرحمن مات بمكة قبل أن تتمَّ البيعة ليزيد، وذلك في عهد معاوية سنة ثمان وخمسين للهجرة، وذُكِر أنَّه مات سنة قدوم معاوية إلى المدينة لأخذ البيعة ليزيد. وفي مكان آخر ذكر ابن أعثم أنَّ مسلم بن عقيل ضرب بكير بن حمران الأحمري وقتله، في حين أنَّ المصادر تشير إلى أنَّ مسلماً ضرب بكير فأصابه، ولما أُسِر مسلم طلب عبيد الله بنزياد من بكير قتل مسلم فقتله»((2)).

سارت دراستنا لروايات ابن أعثم الخاصة بالمقتل باتجاهين، الأول:المقارنة (وتحديداً مع روايات الطبري)، والثاني:مناقشة الروايات المنفردة أو المتناقضة، أمّا الإتجاه الأول من الدراسة فيتركَّز حول بيان أوجه الإختلاف بين مرويات ابن أعثم ومادة الطبري التاريخية عن المقتل، فضلاً عن دراسة الروايات التي أوردها ابن أعثم وأحجم عنها الطبري أو العكس.

أشار أحد الباحثين إلى المقارنة بين روايات الطبري وابن أعثم وبيانه لأهميتها قائلاً: «إنَّ المدقِّق المتتبع لما جاء في المادة التاريخية عن حركة الإمام الحسين(علیه السلام) في كتب التاريخ الإسلامي، يجد أنَّ مادة الطبري التاريخية عنها لا يمكن مقارنتها من حيث الكم والمضمون مع أيٍّ من المؤرخين باستثناء المادة التاريخية التي جاء بها ابن أعثم


1) جاسم، دراسات في التاريخ والمؤرخين: ص80-81.

2) المرجع نفسه: ص81.

الكوفي المعاصر((1)) للطبري»((2)).

وبعد دراسة كلا المصدرين تأريخ الطبري والفتوح يلاحَظ أنَّ ابن أعثم أورد روايات وأخباراً تخصُّ المقتل ومقدماته، قد غفل عنها الطبري، أو أورد بعضها بإشارات بسيطة ومشوَّشة، وسنذكر أبرز تلك الروايات وبشكل نقاط منها:1- بدأ ابن أعثم أخباره عن المقتل برؤيا الإمام الحسين(علیه السلام) قائلا: «وخرج الحسين بن علي من منزله ذات ليلة وأتى إلى قبر جدِّه(صلی الله علیه و آله) فقال: السلام عليك يا رسول الله أنا الحسين بن فاطمة، أنا فرخك وابن فرختك وسبطك في الخلف الذي خلَّفت على أمَّتك فاشهد عليهم يا نبي الله أنَّهم قد خذلوني وضيعوني وأنَّهم لم يحفظوني... ثم رجع الحسين إلى منزله مع الصبح، فلما كانت الليلة الثانية خرج إلى القبر أيضاً فصلَّى ركعتين، فلما فرغ من صلاته جعل يقول: اللهمَّ! إنَّ هذا قبر نبيك محمد، وأنا ابن بنت محمد، وقد حضرني من الأمر ما قد علمت، اللهم! وإنِّي أحبُّ المعروف وأكره المنكر...»((3)).

ويستمرُّ النصُّ «ثم جعل الحسين يبكي حتى إذا كان في بياض الصبح وضع رأسه على القبر فأغفى ساعة، فرأى النبي قد أقبل في كبكبة من الملائكة... حتى ضمَّ الحسين إلى صدره وقبَّل بين عينيه وقال: يا بني! يا حسين! كأنك عن قريب أراك مقتولا مذبوحا بأرض كرب وبلاء من عصابة من أمتي، وأنت في ذلك عطشان لا تُسقى وظمآن لا تروى وإنَّ لك في الجنة درجات لن تنالها إلا بالشهادة. قال: فجعل الحسين


1) هنا لا بدّ من الاشارة إلى أنَّ الباحث كيف تحقَّق من كون الطبري كان معاصراً لابن أعثم لاسيما وإنَّ تاريخ وفاة ابن أعثم غير متفَق عليها ولم يُحدَّد، بخلاف تاريخ وفاة الطبري (310ﻫ)، لكن يمكن أن نقول إنَّ الاثنين من مؤرخي القرن الرابع الهجري دون أن نجزم بمعاصرتهما.

2) عبد عميش، الحركات العلوية في تاريخ الطبري: ص130-131.

3) ابن أعثم، الفتوح: ج5، ص18-19.

ينظر في منامه إلى جده ويسمع كلامه وهو يقول: يا جداه! لا حاجة لي في الرجوع إلى الدنيا أبدا فخذني إليك، واجعلني معك إلى منزلك. قال: فقال له النبي: يا حسين! إنه لا بدَّ لك من الرجوع إلى الدنيا حتى تُرزق الشهادة، وما كتب الله لك فيها من الثواب العظيم... قال: فانتبه الحسينمن نومه فزعا مذعورا، فقصَّ رؤياه على أهل بيته وبني عبد المطلب، فلم يكن ذلك اليوم في شرق ولا غرب أشدَّ غماً من أهل بيت الرسول ولا أكثر منه باكياً وباكية»((1)).

إنَّ هذه الرواية لا تخلو من بعض الإشكالات النقدية والمناقشة لها مما يجعلها في دائرة الشكِّ، ومن أبرزها:

أ - إنَّها تعد من المرويات التي انفرد بها ابن أعثم دون بقية المؤرخين، ولم يوردها من سبقه من المؤرخين من الناحية الزمنية أمثال الدينوري في الأخبار الطوال، والبلاذري في أنساب الأشراف، والطبري في تاريخه، على الرغم من أنَّ الأخير قد أورد مادة تاريخية جيدة عن المقتل ومقدماته من ناحية الكم والمضمون، ومن ثم تُعدُّ هذه الرواية من الروايات المنفردة.

ب - الرواية تصوّر الإمام الحسين(علیه السلام) وقد غفا على قبر جده الرسول محمد(صلی الله علیه و آله)، وبعدها دخل في مرحلة النوم، فرأى جدَّه ونحن نتساءل ما الحكمة من نوم الإمام(علیه السلام)؟ ويا ترى كم استغرق ذلك النوم من وقت لكي تكتمل فصول الرؤيا؟

ج - والرواية توحي أيضاً بأنَّ الإمام الحسين(علیه السلام) كان خائفاً من مصيره ومستقبله بحيث طلب من جده(صلی الله علیه و آله) أن لا يرجعه إلى الدنيا - ومن ثَمَّ لا يكون وجود لواقعة الطف - وأن ينقله إلى منزله؛ لكي يتخلَّص من الأحداث العصيبة التي تنتظره،


1) المصدر نفسه: ج5، ص18-19.

وهذا يتنافى مع إيمان وعقيدة ومبادئ الإمام الحسين(علیهالسلام) - كما أنَّ هذا يتعارض مع ما أخبر به رسول الله من الأخبار المستقبلية التي تحدَّثت عن مقتل الإمام الحسين(علیه السلام) - ثم ترجع الرواية مرة أخرى لتؤكد خوف الإمام الحسين(علیه السلام) لتقول (فانتبه الحسين من نومه فزعاً مذعوراً)، ولا شكَّ أنَّ الإمام(علیه السلام) لم يكن مذعوراً، لأنَّه كان يعرف ما سيجري عليه من القتل والسبي والمتاعب في دار الدنيا، وقد أثبت هذا المعنى العديد من النصوص التاريخية((1)).

وبعد مقارنة هذه الرواية مع مادة المقتل التي أوردها الطبري((2)) يتضح لنا أن هذه الرواية لم ترد بهذه التفاصيل الدقيقة إطلاقاً، وإنما أشار إليها الطبري بشكل بسيط دون ذكر أيّ من التفاصيل التي أوردها ابن أعثم.

2- روى ابن أعثم خبراً يتعلَّق بوصية الإمام الحسين(علیه السلام) لأخيه محمد بن علي بن ابي طالب(علیه السلام)، المعروف ب-(ابن الحنفية) والتي نصُّها: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب لأخيه محمد بن الحنفية ولد علي بن أبي طالب: إنَّ الحسين بن علي يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنَّ محمدا عبده


1) هناك العديد من الأخبار الصادرة عن الرسول محمد(صلی الله علیه و آله) التي تطرقت لموضوع استشهاد الإمام الحسين(علیه السلام) منذ أن كان صغيراً، وتحديد مكان التربة التي سيُستشهَد عليها(علیه السلام)، فضلاً عن تحديد الفئة أو الجهة التي ستقتله وهم بنو أمية، ينظر، الطبراني، المعجم الكبير: ج3، ص107؛ القاضي النعمان، شرح الاخبار: ج3، ص135؛ ابن قولويه، كامل الزيارات: ص128؛ الصدوق، الامالي: ص199؛ الفتال النيسابوري، روضة الواعظين: ص155؛ ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج14، ص191؛ ابن نما، مثير الاحزان: ص12؛ الذهبي، سير اعلام النبلاء: ج3، ص289.

2) تتركز تلك الرواية بكون الإمام الحسين(علیه السلام) قال: «إني رأيت رؤيا فيها رسول الله وأُمرت فيها بأمر أنا ماضٍ له عليّ كان أو، لي فقالا له: فما تلك الرؤيا قال: ما حدَّثت أحداً بها، وما أنا محدِّث بها حتى ألقى ربي»، تاريخ: ج4، ص291.

ورسوله، جاء بالحق من عنده، وأنَّ الجنة حقٌّ والنار حقٌّ. وأنَّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنَّ الله يبعث من في القبور، وإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنَّما خرجت لطلب النجاح والصلاح في أمة جدي محمد أريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي محمد وسيرة أبي علي بن أبي طالب، وسيرة الخلفاء الراشدين المهديين(رضی الله عنهم)، فمن قبلني بقبول الحقِّ فالله أولى بالحق، ومن ردَّ عليَّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، ويحكم بيني وبينهم بالحق وهو خير الحاكمين، هذه وصيتي إليك يا أخي وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، والسلام عليك وعلى من اتبع الهدى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم: ثم طوى الحسين الكتاب وختمه بخاتمه ودفعه إلى أخيه محمد بن الحنفية، ثم ودَّعه وخرج في جوف الليل يريد مكة بجميع أهله»((1)).

يُلاحَظ أنَّ الطبري لم يورد هذه الرواية بكلِّ تفاصيلها، ولعلَّ ذلك مدعاة إلى نقده لعدم إيراده لهذه الوصية، لكونها مهمة من جهتين: الأولى لأنَّها تشكِّل مادة تاريخية مهمة في بناء رواية المقتل وتحدِّد معالمه الأساسية، أما الجهة الأخرى فتتمثَّل باحتواء تلك الوصية على نقاط أساسية في بيان جزء من الأسباب الحقيقيةالتي دفعت بالإمام الحسين(علیه السلام) إلى الثورة ضدَّ الحكم الإموي المستبدّ والمتمثلة بالإصلاح بكافة أشكاله، ولعلَّ أحد الإحتمالات التي دفعت الطبري إلى عدم ذكر تلك الوصية هو النظرة التي تبناها في مصنَّفه من كون خروج الإمام الحسين(علیه السلام) ضدَّ السلطة الأموية لم يكن بدافع ديني عقائدي (أمر بالمعروف ونهي عن المنكر)، وإنَّما كان لظروف قد استجدَّت سواء على الصعيد السياسي أم المجتمعي، والتي حرَّكت


1) الفتوح: ج5، ص21.

الإمام الحسين(علیه السلام) للقيام بثورة ضدَّ الحكم الأموي، منها كما أشار إليها أحد الباحثين مراسلة الكوفيين له((1)).

3- وقد ورد اختلاف عند كلا المؤرِّخَين في معرض بيان نصيحة محمد بن الحنفية للإمام الحسين(علیه السلام) إذ ذكر الطبري وصية محمد لأخيه الإمام الحسين(علیه السلام) بقوله: «يا أخي أنت أحبّ الناس إليَّ وأعزَّهم عليَّ ولست أدّخر النصيحة لأحد من الخلق أحقّ بها منك تنحَّ بتبعتك عن يزيد بن معاوية وعن الأمصار ما استطعت، ثم ابعث رسلك إلى الناس فادعُهم إلى نفسك... قال له الحسين فإني ذاهب يا أخي، قال فأنزل مكة فإن اطمأنَّت بك الدار فسبيل ذلك، وإن نَبَتْ بك لحقتَ بالرمال وشعوف الجبال، وخرجتَ من بلد إلى بلد حتى تنظر إلى ما يصير أمر الناس...»((2)).

في حين يُلاحَظ أنَّ الرواية تلك قد أوردها ابن أعثم لكن مع بعض الزيادات فيها، إذ أورد فيها أنَّ ابن الحنفية قد أشار للإمام الحسين(علیه السلام) بالذهاب إلىبلاد اليمن؛ إذ يقول: «وإن تكن الأخرى خرجت إلى بلاد اليمن؛ فإنَّهم أنصار جدِّك وأخيك وأبيك، وهم أرأف الناس وأرقَّهم قلوبا، وأوسع الناس بلاداً، وأرجحهم عقولاً، فإن اطمأنَّت بك أرض اليمن وإلا لحقت بالرمال وشعوب الجبال، وصرت من بلد إلى بلد لتنظر ما يؤول إليه أمر الناس ويحكم بينك وبين القوم الفاسقين...»((3)).

وقد علَّق أحد الباحثين على هذا الإختلاف بقوله «ويكشف ابن أعثم عن ميوله اليمنية عندما يذكر نصيحة محمد بن الحنفية للإمام الحسين(علیه السلام) باختياره بلاد


1) عبد عميش، الحركات العلوية: ص133.

2) تاريخ: ج4، ص253.

3) الفتوح: ج5، ص20.

اليمن»((1))، ونحن لا نتفق مع هذا الرأي؛ لأنَّنا لا نجد أيَّة علاقة بين ابن أعثم وبلاد اليمن؟ لكي تكون هناك ميولٌ يمانية لديه، لكن نرجِّح وجود ميول علوية دفعته إلى إيراد مثل هكذا خبر، بوصفه بلاد اليمن بأنَّها قاعدة موالية لأهل البيت على حدِّ تعبير الرواية على لسان ابن الحنفية.

وفي تحليل لأحد الباحثين عن سبب امتناع الإمام الحسين(علیه السلام) من التوجُّه نحو اليمن معلِّلاً ذلك بقوله «لموقعها الجغرافي حيث كانت اليمن بعيدة عن الرأي العام الإسلامي آنذاك، وبالتالي سوف يؤدي ذلك إلى طمس معالم ثورته التي أراد أن يسمع بها القاصي والداني فيحقِّق بذلك أهداف هذه الثورة، علاوة على ذلك أنَّ أهل اليمن لم يكاتبوه ولم يبايعوه»((2)).4- ومن المواد التاريخية التي أغفلها الطبري في بناء رواية المقتل والتي شكَّلت خللاً في المادة التاريخية لديه، هي خطبة السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب(علیه السلام) أمام والي الكوفة عبيد الله بن زياد، تلك الخطبة التي أوردها ابن أعثم بنصِّها وبتفاصيلها الدقيقة((3))، ولعلَّ عدم إيراد الطبري لتلك الخطبة يُعدُّ من أبرزالمآخذ


1) الربيعي، الحركات والثورات العلوية: ص92.

2) الكنعاني، المواقف السياسية للائمة الاثني عشر(علیه السلام): ص155.

3) ونص الخطبة: «الحمد لله وصلواته على أبي محمد رسول الله وعلى آله الطاهرين الأخيار، أما بعد! يا أهل الكوفة! يا أهل الختل والخذل! أتبكون فلا رقأت لكم دمعة، إنما مثلكم كمثل التي (نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم) ألا بئس ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم، وفي العذاب أنتم خالدون أتبكون وتنتحبون! إي والله فابكوا كثيرا واضحكوا قليلا، كل ذلك بانتهاككم حرمة ابن خاتم الأنبياء وسيد شباب أهل الجنة غدا وملاذ حضرتكم ومفزع نازلتكم ومنار حجتكم ومدرة سنتكم، ألا ساء ما تزرون، وبعداً لكم وسحقا! فلقد خاب السعي، وتبَّت الأيدي، وخسِرت الصفقة، وتوليتم بغضب الله، وضُربت عليكم الذلَّة والمسكنة، أتدرون ويلكم يا أهل الكوفة! أيَّ كبد لرسول الله(صلی الله علیه و آله) فريتم وأيَّ دم له سفكتم، وأيَّ حريم له ورثتم! وأيَّ حرمة له انتهكتم (لقد جئتم شيئا إدّاً تكاد السماوات يتفطرنَ منه وتنشقُّ الأرض وتخرُّ الجبال هدّاً) لقد جئتم بها خرقاء شوهاء طلاع الأرض أفعجبتم أن أمطرت السماء دما! ولعذاب الآخرة أخزى وأنتم لا تُنصَرون. فلا يستخفنكم المهل ولا يحفزه البدار، ولا يخاف عليه فوت الثأر، كلا! إنَّ ربك لبالمرصاد. قال خزيمة: فو الله! لقد رأيت الناس يومئذ حيارى قد ردُّوا أيديهم في أفواههم، قال: ونظرت إلى شيخ من قدماء أهل مكة وقد بكى حتى اخضلَّت لحيته وهو يقول: قد صدقت المرأة! كهولهم خير كهول، وشبابهم خير شباب»، الفتوح: ج5، ص121؛ وقد روت تلك الخطبة مصادر عدة منها، ابن الفقيه الهمذاني، البلدان: ص224؛ المفيد، الامالي: ص322؛ الطوسي، الامالي: ص92.

التي تُسجَّل ضدَّه، لا سيما وأنَّ خطبة بهذا الحجم لا يمكن التغافل عنها، لأنَّها تحمل في طياتها جملة من الحقائق منها أنَّ السيدة زينب(علیها السلام)، قد حمَّلت المجتمع الكوفي بصورة عامة مسؤولية ما جرى عليهم، لا كما يدَّعي البعض من أنَّ شيعته في الكوفة هم من خذله وقتله، وذلك لكون المجتمع الكوفي يضمُّ عناصر وأطيافاً وشرائح اجتماعية وقبلية وسياسية ومذهبية مختلفة ومتباينة فيما بينها، فضلاً عن السياسات التي اتَّبعتها السلطة الحاكمة، كلُّ ذلك أدى إلى خلق مجتمع معقَّد يكون على استعداد للغدر بعترة آل الرسول(صلی الله علیه و آله)، ومن ثَمَّ لم يكن شيعة الإمام الحسين(علیه السلام) هم مَن قتلوه((1)).

5- ويستمرُّ الطبري بالإحجام عن إيراد بعض الروايات التاريخية المهمة في تحديد معالم ومقدِّمات المقتل، ومن تلك الحوار الذي جرى بين الإمام علي بن الحسين زين العابدين(علیه السلام) والحاكم الأموي يزيد بن معاوية في الشام، والذي حمّل


1) للوقوف أكثر على طبيعة المجتمع الكوفي وعناصره التي يتكون منها، ينظر، العاملي، الانتصار: ص136-140؛ الشريفي، الأوضاع السياسية في العراق: ص99-100؛ القرشي، حياة الامام الحسين(علیه السلام):ص419-454؛ القزويني، رجال تركوا بصمات: ص124-125؛ آل ياسين، صلح الحسن(علیه السلام): ص68-73.

فيه الإمام زين العابدين(علیه السلام) يزيد بن معاوية مسؤولية ما جرى للإمام الحسين(علیه السلام) وأهل بيته، ثم صعود الإمام زين العابدين(علیه السلام) المنبر وتعريفه للناس بمقامه السامي ومكانته الرفيعة، ثم محاولة يزيد إسكات الإمام(علیه السلام) والتي كان مصيرها الفشل، على حين نجد ابن أعثم قد أولى هذا الحوار أهمية بالغة، إذ خصّص له مساحة واسعة قُدِّرت بثلاث صفحات((1)).وبعد أن أوردنا أبرز الروايات التي أغفلها الطبري أو تغافلها على حين أثبتها ابن أعثم، وبيَّنا مدى خطورة منهج الطبري في إحجامه عن تلك الروايات في بناء مادة المقتل، أوضحنا ذلك وفق المنهج الذي حدَّدناه، الذي تركَّز على الإتجاه الأول، وهو المقارنة بين روايات كلا المؤرِّخين الطبري وابن أعثم، أمّا الإتجاه الثاني فيتمحور حول تناقضات مرويات ابن أعثم عن المقتل الحسيني ومقدماته، فضلاً عن إيراد الروايات والأخبار التي انفرد بها عن بقية المؤرخين، ويمكن إجمال ذلك بعدة نقاط منها:

1- من الروايات المتناقضة عند ابن أعثم هي ما يخصُّ عبد الله بن مطيع العدوي((2))، ولعلَّ هذا التناقض ناجم عن الفارق الزمني، إذ إنَّ ابن مطيع تمَّ زجُّه في السجن بسبب أحداث رفض بيعة الحاكم الأموي يزيد بن معاوية، ثم تمَّ إطلاق سراحه، وفي تلك المدة مازال الإمام الحسين(علیه السلام) موجوداً في المدينة المنورة((3)).


1) الفتوح: ج5، ص130-133.

2) عبد الله بن مطيع العدوي القرشي من أشراف قريش وكان أميراً على أهل المدينة المنورة عندما خلع أهلها بني أمية، هرب من المدينة أثناء انهزام قواته في واقعة الحرة عام 63 ه- ولحق بعبد الله بن الزبير في مكة وقتل معه، البلاذري، أنساب الأشراف: ج10، ص480-481؛ المزي، تهذيب الكمال: ج16، ص152-155.

3) الفتوح: ج5، ص16.

وأورد رواية أخرى مفادها أنَّ ابن مطيع استقبل الإمام الحسين(علیه السلام) بين المدينة ومكة((1)) والإشكال هنا حول هذه الرواية يخصُّ المدة الزمنية التي استغرقها ابن مطيع من خروجه من السجن في المدينة المنورة حتى ذهابه لمكة ثم عودتهمنها، واستقباله للإمام الحسين(علیه السلام) بلا شكٍّ يحتاج ذلك إلى مدة زمنية طويلة جداً، لا تتناسب مع طلب البيعة وخروج الإمام الحسين(علیه السلام) من المدينة، التي تتطلب مدة أقل بكثير من تلك التي قطعها ابن مطيع.

2- وفي خبر منفرد أشار إليه ابن أعثم هو أنّ بكيراً بن حمران قد قتله مسلم بن عقيل، بقوله: «وضربه مسلم بن عقيل ضربة فسقط إلى الأرض قتيلاً»((2))، في حين نجد أنَّ أغلب المصادر التاريخية أثبتت العكس من ذلك، من كون بكير بن حمران هو من باشر عملية إعدام مسلم بن عقيل(علیه السلام) بأمر من عبيد الله بن زياد((3)).

3- ومن الروايات المنفردة والخطيرة التي أوردها ابن أعثم التي شكَّلت محوراً جديداً عن بقية المؤرِّخين هو مراسلة أهل الشام للإمام الحسين(علیه السلام)، ونقف على هذا المعنى من خلال هذه الرواية: «التفت الحسين إلى غلام له يقال له عقبة بن سمعان فقال: يا عقبة! هاتِ الخرجين((4)) اللذين فيهما الكتب: فجاء عقبة بكتب أهل الشام


1) المصدر نفسه: ج5، ص22.

2) الفتوح: ج5، ص54.

3) البلاذري، أنساب الأشراف: ج2، ص83؛ الطبري، تاريخ: ج4، ص283؛ أبو الفرج الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص67؛ ابن طاووس، اللهوف: ص36؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص169.

4) يقصد بالخرجين الوعاء الذي تحفظ فيه الأشياء، ينظر، ابن منظور، لسان العرب: ج2، ص224.

والكوفة فنثرهما...»((1)).

ونحن نشكِّك بصحة هذه الرواية ونجعلها في عداد الروايات الضعيفة؛ لجملةمن الأسباب التي تدفعنا إلى ذلك، منها:

أ - الرواية أشارت بشكل بسيط إلى مكاتبة أهل الشام للإمام الحسين(علیه السلام)، ولم تبيِّن كم عدد تلك الكتب التي بعثها أهل الشام، ومن هي الشخصيات التي كتبت تلك الكتب؟ وما عدد الذين وردت بيعتهم للإمام الحسين(علیه السلام) في تلك الكتب؟ ومتى وصلت تلك الكتب؟ ومن الذي أوصلها وكيف؟ ولو قارنا بين مراسلة أهل الكوفة ومراسلة أهل الشام لوجدنا فرقاً شاسعاً إذ إنَّ مراسلة أهل الكوفة حقيقة تاريخية، على الرغم من اختلافها في عدد المبايعين للإمام(علیه السلام)، في حين أنَّ مراسلة أهل الشام لا أساس لها، بل هي مجرد إشارة أوردها ابن أعثم((2)).

ب - إنَّ طبيعة أهل الشام وميولهم الأموية لا تتفق ومسألة مراسلتهم ومكاتبتهم للإمام الحسين، وذلك بحكم السياسة التي اتبعها معهم معاوية بن أبي سفيان وإعلامه المُضلِّل، بحيث جعل منهم مجتمعا لا يعرف سوى بني أمية وتبجيلهم، على الرغم من أنَّ هذا لا يعني أنَّ المجتمع الشامي بأجمعه موالٍ لبني أمية وإنَّما بصورة عامة أو الأعمّ الأغلب منهم، وهذا يكفي في عدم مراسلتهم.

ت - فضلاً عن ذلك أنَّ الرواية لم ترد في المصادر الأولية، التي كوَّنت بناء مادة


1) الفتوح: ج5، ص78.

2) للوقوف على دراسة معمقة ومفصلة لحقيقة مراسلة الكوفيين للإمام الحسين(علیه السلام) وعدد الكتب التي بعثوها إليه ومضمونها، ينظر، البهادلي، كتب الكوفيين إلى الإمام الحسين(علیه السلام): ص4-15.

المقتل بكل حيثياته، وإنَّما أوردها فقط ابن أعثم مما يسهم بشكل كبير فيإضعافها وعدم قبولها.

ث - من الملاحَظ أنَّ الدور الشامي كان سلبياً تجاه مقتل الإمام الحسين(علیه السلام)؛ حيث أشارت بعض المصادر إلى مشاركة العديد من العناصر الشامية في الجيش الأموي الذي شنَّ الحرب على الإمام الحسين(علیه السلام) وأهل بيته الأطهار بواقعة الطف((1)).

ه- - أضاف أحد الباحثين احتمالاً بخصوص تلك المراسلة بما نصه: «إنَّ من راَسلَ الإمام الحسين(علیه السلام) كان يعمل تقرباً إلى يزيد بن معاوية، وإنَّهم مدسوسون فعلاً من قبل السلطة الأموية لإغراء الإمام بالخروج إلى الكوفة، فهل مثل الإمام الحسين(علیه السلام) ليغفل عن ذلك؟ ولو صحَّت مراسلة أهل الشام للإمام لأيقن الإمام بأنَّها دسيسة وخديعة، وتنتفي بعد ذلك الحاجة لأن يعاتبهم»((2))، ويمكن أن نضيف توضيحاً آخر هو: هل كان سبب خروج الإمام الحسين(علیه السلام) نتيجة لمكاتبة أهل الكوفة له؟ وهل تلك المكاتبة أغرت الإمام بالخروج على الحكم الأموي؟ والجواب بكل تأكيد: كلا؛ لأنَّ الحسين(علیه السلام) خرج ثائراً ضدَّ الظلم والإستبداد المتمثِّل بالحكم الأموي سواء أكاتبه أهل الكوفة أم لم يكاتبوه.


1) الطبري، تاريخ: ج4، ص277؛ الكليني، الكافي: ج4، 147؛ الطوسي، الامالي: ص667؛ الصدوق، الامالي: ص226.

2) المرعبي، واقعة الطف: ص97.

ثانياً: كتب التراجم والطبقات

اشارة

ثانياً: كتب التراجم((1)) والطبقات((2))

جاء ذكر المقتل بشكل متفاوت في تلك الكتب؛ إذ أسهبت بعضها، مثل: كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد، في حين وردت إشارات بسيطة عنه في المعجم الكبير للطبراني، ولعلَّ ذلك يرجع إلى طبيعة الكتاب والمؤلف وتوجهاته وميوله الدينية والسياسية.


1) التراجم جمع ترجمة وهي سيرة مختصرة لشخص معين وهذه السيرة قد تطول وقد تقصر، أو تكون بين هذا وذاك حسب ما يراه مؤلِّف الكتاب وحسب أهمية أصحاب التراجم عنده، وهذه السير تجمع في كتاب واحد قد يقع في عدة أجزاء فيطلق عليها اصطلاحاً «تراجم» ولكن ذلك الكتاب قد يكون في الطبقات أو الوفيات، أو حسب القرون، أو معاجم شيوخ أو في الأنساب، هذه وغيرها هي من أنواع كتب التراجم، وفي أغلب الأحيان تكون الترجمة للأشخاص العظماء والمهمين، كما أنَّ كتب التراجم مهمة لمعرفة الأصول التاريخية ودراستها لما تحويه من التعريف برواة الأخبار وبيان أحوالهم وعقائدهم واتجاهاتهم ودوافعهم، ينظر، ترحيني، المؤرخون والتاريخ: ص167-168؛ حمادة، المصادر العربية: ص271؛ السلمي، منهج كتابة التاريخ: ص284-287؛ ضاحي، منهج البحث التاريخي: ص34.

2) ظهرت كتب الطبقات منذ بداية القرن الثالث الهجري على أيدي بعض كبار المؤلفين مثل الهيثم ابن عدي (ت207ﻫ) وابن سعد (ت230ﻫ) وخليفة بن خياط (ت240ﻫ) أيضاً، ومصطلح الطبقة يعني مجموعة من الأشخاص ينتمون إلى فترة زمنية واحدة ويشتركون في صفة معينة، وأُلِّفت هذه الكتب في أول أمرها لخدمة علم الحديث النبوي الشريف ولكنها تطوَّرت فيما بعد وتعدَّدت أنواعها، فظهرت كتب في طبقات الأطباء والأدباء والفقهاء والشعراء والمغنين… الخ، وهذه الكتب وإن كانت تُسمَّى كتب الطبقات فإنَّ التقسيم الثانوي لها مختلف من كتاب إلى آخر، فهناك من رتَّب تراجم كتابه حسب المدن كمحمد بن سعد في طبقاته الكبرى، أما خليفة ابن خياط فقد رتَّب طبقاته حسب أنسابهم آخذاً بنظر الإعتبار الترتيب حسب طبقاتهم داخل النسب الواحد، والتاريخ حسب الطبقات إسلامي أصيل لم تكن له علاقة في الأصل بطريقة التاريخ حسب السنين، ينظر، حمادة، المصادر العربية: ص271؛ ضاحي، منهج البحث التاريخي: ص32-33؛ فرغلي، الحركة التاريخية: ص150.

1- الطبقات الكبرى لابن سعد (ت230ﻫ/818م)

أورد ابن سعد في طبقاته بعض الروايات التي تخصُّ المقتل الحسيني((1)) بصورة مقتضبة، أمَّا ما حقَّقه الباحث عبد العزيز الطباطبائي من كتاب الطبقات الكبرى من غير القسم المطبوع تحت عنوان ترجمة الإمام الحسين(علیه السلام) ومقتله من كتاب الطبقات الكبرى((2))، فقد وردت فيه مادة تاريخيه مهمة عن مجريات المقتل وحيثياته، التي ستتركَّز دراستنا فيها حول الروايات التي تستحقُّ الوقوف والمناقشة والنقد التاريخي، لكن قبل البدء بذلك لابَّد من معرفة رواته في هذا المجال، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال ما تحدَّث به في مقدمة حديثه عن المقتل، إذ أورد سلسلة طويلة من الرواة، من أبرزهم: أبو مخنف لوط بن يحيى، ثم عقّب بعد ذلك بقوله:«وغير هؤلاء أيضاً قد حدثني في هذا الحديث بطائفة، فكتبت جوامع حديثهم في مقتل الحسين»((3)).من خلال ذلك يتضح لنا أنَّ ابن سعد استعمل الإسناد الجمعي في عرضه لروايات المقتل، إذ استعرض مجمل رواته في مقدِّمة حديثه عن المقتل، وهذا المنهج أقرب إلى منهج اليعقوبي في تاريخه الذي جاء بعده.

أمّا بخصوص المادة التاريخية التي تخصُّ المقتل وما يتعلَّق به، التي استعرضها ابن سعد، فيمكن إجمالها بالمحاور والموضوعات الآتية:

1- استهلَّ المقتل بخبر رفض الإمام الحسين(علیه السلام) بيعة يزيد بن معاوية، ومكاتبة أهل الكوفة له((4)).


1) الطبقات: ج4، ص42، ص292، ج5، ص168، 211.

2) ابن سعد، ترجمة الإمام الحسين(علیه السلام): ص7-9.

3) ابن سعد، ترجمة الإمام الحسين(علیه السلام): ص50-54.

4) المصدر نفسه: ص54.

2- تطرَّق إلى مغادرة الإمام الحسين(علیه السلام) إلى مكة، وبعدها استعرض عدداً كبيراً من النصحاء الذين أبدوا مواقفهم المعُارضة من توجُّه الإمام(علیه السلام) إلى العراق((1)).

3- حادثة الشاعر المعروف الفرزدق بن غالب مع الإمام الحسين(علیه السلام)((2)).

4- خبر مسلم بن عقيل(علیه السلام) وإرساله إلى العراق، وما جرى لهانئ بن عروة(علیه السلام) ومقتلهما((3)).

5- توجُّه الإمام الحسين(علیه السلام) نحو كربلاء والأحداث التي تلتها حتى استشهاده(علیه السلام)((4)).6- بيان شهداء آل أبي طالب(علیه السلام)، وتحديد قاتليهم((5)).

7- السبي الحسيني في الكوفة والأحداث التي رافقته((6)).

8- السبي الحسيني في الشام والأحداث التي رافقته((7)).

9- الروايات ذات الطابع الغيبي التي تحدَّثت عن الكرامات التي حصلت للإمام الحسين(علیه السلام) عقب استشهاده((8)).

من خلال استعراض هذه المحاور تتضح لنا عدَّة أمور، منها: إنَّ ابن سعد أورد مادة تاريخية جيدة من ناحية الكم والمحتوى، كما إنَّها من الناحية الزمنية مهمة جداً؛


1) المصدر نفسه: ص55-61.

2) المصدر نفسه: ص63-64.

3) المصدر نفسه: ص65-67.

4) المصدر نفسه: ص68-76.

5) المصدر نفسه: ص76-77.

6) المصدر نفسه: ص، 79-82.

7) المصدر نفسه: ص82-85.

8) المصدر نفسه: ص90-92.

لكونه متوفى بحدود (230ه- أو 231ﻫ) ولعلَّه الأقرب زماناً بعد أبي مخنف (ت157ﻫ) من حوادث المقتل وحيثياته، إضافة إلى أنَّ مرويات ابن سعد لم تتوقف عند مقتل الإمام الحسين(علیه السلام) من الناحية الزمنية، بل امتدَّت لتشمل ما تعرَّضت له سبايا أهل البيت سواء في الكوفة أم في الشام، مما كان له أثر مهمٌّ في بناء الرواية التاريخية للمقتل، ورفدها بالأحداث والأخبار التي تسهم في اكتمالها التاريخي والروائي.

وبعد دراستنا لتلك الروايات التي عرضها ابن سعد، أتضح لنا أنَّ هناك العديد منها يستحقُّ المناقشة والنقد، فضلاً عن مقارنتها مع مصادر أخرى؛ للكشف عن مدى مصداقيتها ومقبوليتها من الناحية التاريخية، منها:

1- الرواية التي نصُّها: «كان الحسن والحسين يصليان خلف مروان بنالحكم يبتدران الصف، وكان الحسين ليسبّه وهو على المنبر حتى ينزل...»((1)). لا شكَّ أنَّ تلك الرواية لا يمكن قبولها من الناحية التاريخية بل وحتى الشرعية والإخلاقية، ولعدَّة أسباب:

أ - كيف لإمامين معصومين أن يكونا ضمن المأمومين، بل لا يجوز تقدمهما من الناحية الشرعية وحتى الأخلاقية.

ب - كيف لإمامين معصومين يصليان خلف رجل هو من الفاسقين - والصلاة خلف الفاسق غير جائزة من الناحية الشرعية، أمّا الواقع فهو غيرذلك؛ فالخليفة في مركزه والوالي في ولايته هو الذي يتقدَّم الصفَّ - مع أنّ غالبية ولاة بني أمية هم من الفساق والفجرة، ولنا حادثة صلاة والي الكوفة في عهد الحاكم عثمان بن عفان


1) ابن سعد، ترجمة الإمام الحسين(علیه السلام): ص38.

بأهل الكوفة وهو سكران((1))، فلا يمكن شرعياً ولا أخلاقياً أن يصليان خلف طريد رسول الله(صلی الله علیه و آله)((2))، بوصفهما إمامين معصومين، ولهما مركزهما وثقلهما في المجتمع.

ج - ما أوجه العلاقة التي تربط الإمامين الحسن والحسين(علیه السلام) بمروان بن الحكم الذي كانت مواقفه على مرِّ التاريخ مع أهل البيت تتسم بالعداء والكره؟

د - ورد في ذيل الرواية دسٌّ آخر حيث تُصوِّر الإمام الحسين(علیه السلام) رجلاً سبَّاباً شتَّاماً وأنَّه كان يسبُّ مروان بن الحكم بدون سبب أو حتى مع وجود السبب، هذا بلا شكّ لا يتفق مع سيرة وأخلاق الإمام الحسين(علیه السلام) وسموّ نفسه، ثم إذا كان الإمام(علیه السلام) يسبُّ مروان ويشتمه فلماذا يا ترى يصلي خلفه؟ هذه ازدواجية في الشخصية، والإمام(علیه السلام) أكرم من هكذا فعل شنيع.

ه - فضلاً عن ذلك كلّه أنَّ ابن سعد قد انفرد بتلك الرواية، إذ لم نعثر عليها في المصادر التي عاصرته أو التي كانت قريبة الظهور منه - بحسب اطلاعنا((3)) - ويلاحَظ أنَّ ابن عساكر((4)) قد أورد تلك الرواية وبالسند نفسه الذي اعتمده ابن سعد، مما يدلِّل على أنه اقتبسها منه، - مما يجعلنا نشكِّك فيها ونستبعدها بشكل قطعي.


1) صلى والي الكوفة الوليد بن عقبة بأهل الكوفة صلاة الصبح أربع ركعات، ينظر، المسعودي، مروج الذهب: ج2، ص334؛ ابو الفرج الاصفهاني، الاغاني: ج5، ص86؛ ابن الاثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص106.

2) ابن قتيبة، المعارف: ص353؛ البلاذري، انساب الاشراف: ج4، ص121؛ المسعودي، مروج الذهب: ج2، ص334؛ الطبري الشيعي، المسترشد: ص426؛ الكوراني، جواهر التاريخ: ج2، ص259، ج3، ص434.

3) ومن الأدلة على انفراد ابن سعد بتلك الرواية، أنَّ بعض المصادر التاريخية المتأخرة قد نقلت تلك الرواية ولكن عن طريق ابن سعد أيضاً، الذهبي، تاريخ الاسلام: ج5، ص9؛ المزي، تهذيب الكمال: ج6، ص415.

4) تاريخ مدينة دمشق: ج54، ص291.

2- مما لا شكَّ فيه أنَّ ابن سعد أورد روايات تنال من شخصية ومكانة الإمام الحسين(علیه السلام)، منها ما نصُّه: «كان الوليد بن عتبة - والي المدينة - قد أغلظ للحسين، فشتمه الحسين وأخذ بعمامته فنزعها من رأسه، فقال الوليد: إن هجنا بأبي عبد الله إلا أسدا. فقال له مروان - أو بعض جلسائه -: اقتله، قال: إنَّ ذاك لدم مظنون في بني عبد مناف. فلما صار الوليد إلى منزله قالت له امرأته: أسببت حسينا؟! قال: هو بدأ فسبَّني، قالت: وإن سبَّك تسبُّه؟ وإن سبَّ أباك تسبُّ أباه؟»((1))، الرواية فيها الكثير من المآخذونقاط الضعف والنقد، ولعلَّ من أبرزها:

أ - إنَّ أغلب المصادر((2)) التي روت تلك الحادثة - استدعاء والي المدينة للإمام الحسين(علیه السلام) لأخذ البيعة منه - لم تذكر تلك الرواية والتفاصيل التي أوردها ابن سعد، مما يجعل هذه الرواية من الروايات الضعيفة والمنفردة التي أنفرد بها ابن سعد عن بقية المؤرِّخين، وهذا يسهم في تضعيفها إلى حدٍّ ما.

ب - وفضلاً عن ذلك أنَّ الرواية لم تبين ما السبب الذي أدى إلى غضب الوالي من الإمام الحسين(علیه السلام) بحيث جعل الإمام يشتمه ويعتدي عليه؟ هل لمجرد عرض البيعة عليه ومطالبته بها، أم هناك أسباب أخرى؟ وهل من المعقول أن يتصرَّف الإمام(علیه السلام)، بهذا الشكل ويقدم على شتم الوالي، بل والإعتداء عليه وهو صاحب الخلق الرفيع؟ والأغرب من ذلك أنَّ الرواية تصوِّر أنَّ هذا الوالي يحمل خلقاً أرفع وأنبل من خلق الإمام الحسين(علیه السلام)، لكون الذي بدأ السبَّ هو الإمام الحسين(علیه السلام)


1) ترجمة الإمام الحسين(علیه السلام): ص57.

2) الدينوري، الاخبار الطوال: ص277-228؛ البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص154-156؛ اليعقوبي، تاريخ: ص241-242؛ الطبري، تاريخ: ص241-242؛ المفيد، الارشاد: ج2، ص33-35؛ ابن نما، مثير الاحزان: ص12-15؛ ابن عنبة، عمدة الطالب: ص91.

وليس الوالي على حدِّ تعبير الرواية؟ أولم يكن هناك حرسٌ للوالي يمنع الإمام(علیه السلام) من الاعتداء عليه لدرجة انتزاع عمامته؟

ت - فضلاً عن ذلك أنَّ من الممكن أن تؤثِّر الميول السياسية والفكرية على المؤرخ في كتاباته، كما أشار روزنثَال إلى ذلك بقوله: «استخدم المؤرِّخون المسلمون في كتبهم... الأحكام التأريخية التي كانت نتيجة الأهواء السياسية بصورة واضحة... والحقيقة أنَّ اتجاه تفكيرهم كان يعبر عن نفسهفي كلِّ عملهم، وكانت مكانتهم في المحيط الفكري لعصرهم تقرِّر اختيار صور ومحتويات التواريخ التي كتبوها...»((1)). ولعلَّ ابن سعد لا يخرج عن تلك التأثيرات، مما دفعه إلى إيراد الروايات التي تنال من مكانة أهل البيت.

3- ومن الإشارات المهمة التي أشار إليها ابن سعد، ولعلَّ له السبق الزمني فيها هي ما نصُّه: «إنَّ محمد بن الحنفية أدرك حسيناً بمكة وأعلمه أنَّ الخروج ليس له برأي يومه هذا، فأبى الحسين أن يقبل، فحبس محمد ابن علي ولده، فلم يبعث معه أحداً منهم، حتى وجد الحسين في نفسه على محمد، قال: ترغب بولدك عن موضع أصاب فيه؟ فقال محمد: وما حاجتي أن تصاب ويصابون معك، وإن كانت مصيبتك أعظم عندنا منهم؟»((2)).

ومن الجدير بالذكر أنَّ هذا النصَّ يخرج عن سياق مجمل الأخبار التي فسَّرت امتناع ابن الحنفية عن الإلتحاق بأخيه الإمام الحسين(علیه السلام) بداعي المرض، وإنَّما علَّلته بدافع شخصي.

من خلال هذه الرواية نستشفُّ أنّ محمد بن الحنفية لم يشرك أولاده في واقعة


1) علم التأريخ: ص90، 93.

2) ترجمة الإمام الحسين(علیه السلام): ص61.

الطفِّ، الأمر الذي يقودنا إلى التساؤل عن السبب في ذلك، وللإجابة على هذا التساؤل يجب أن نطرح عدَّة احتمالات وإشكالات منها:

أ - إنَّ محمد بن الحنفية ليس له أولاد ليزجَّهم بواقعة الطف ليشتركوا فيها، وهذا الإحتمال مردود؛ وذلك لأنَّ المصادر التاريخية أثبتت أنَّ لابن الحنفية أولاداًوعقباً((1)).

ب - هنالك احتمال آخر، هو: إنَّ أولاد ابن الحنفية كانوا صغار السن ولم يبلغوا التكليف، وهذا الإحتمال هو الآخر لا يمكن قبوله؛ لأنَّ هناك من اشتركوا في واقعة الطفِّ وهم صغار السنِّ، فضلاً عن أنَّه من غير المعقول أن يكون أولادهُ جميعاً صغار السنِّ أو بنفس العمر؛ وذلك لأنَّ ابن حزم قد أورد له عدداً من الأولاد الذكور، بقوله: «وهؤلاء ولد محمّد بن الحنفيّة، وهو محمّد بن علىّ بن أبى طالب، ولد محمّد هذا: جعفر، وعلى، وعون وإبراهيم، والقاسم والعقب لهؤلاء، ولا عقب لسائر ولده، وكان له من الولد غير هؤلاء: عبد الله أبو هاشم، والحسن، لم يعقبا»((2))، فكيف يكونون بعمر واحد؟ هذا من غير الممكن. إذاً هذا الإحتمال ساقط أيضاً، ولنفرض جدلاً حصول هذا الإحتمال ألا كان الأجدر به أن يقدِّمهم للإمام الحسين(علیه السلام) ومن ثم يرجعهم الإمام(علیه السلام) لصغر سنهم؟ لكن هذا لم تذكره المصادر الأخرى.

ت - ولعلَّ الخبر الذي ورد في متن الرواية هو الأقرب للقبول لتفسير هذا المنع من قبل ابن الحنفية لأولاده من الإشتراك في واقعة الطف وهو«وما حاجتي أن


1) أبو الفرج الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص432؛ ابن حزم، جمهرة انساب العرب: ص66؛ فخر الدين الرازي، الشجرة المباركة ص36.

2) جمهرة انساب العرب: ص66.

تُصاب ويصابون معك، وإن كانت مصيبتك أعظم عندنا منهم»، فضلاً عن ذلك ومن خلال سياق الرواية أنَّ ابن الحنفية لم يكن مقتنعاً بخروج الإمام الحسين(علیه السلام) أو على أقلِّ تقدير باختيار العراق، ويُستشفُّ ذلك من خلالالنصائح التي قدَّمها للإمام(علیه السلام)((1)).

وهنا قد يُطرح إشكالٌ آخر هو لماذا لم يشترك ابن الحنفية مع الإمام الحسين(علیه السلام) في واقعة الطف بدلاً من أن يقدمَّ النصائح له في اختيار المكان المناسب، أو أن يكتفي بتحذيره من أهل الكوفة؟ وقد يرد على ذلك بأنَّه كان مريضاً ولم يستطع المشاركة بسبب مرضه، ولكن قد يكون هذا الإحتمال ضعيفاً؛ لأنّ العديد من المصادر الأولية لم تُشر إلى مرضهِ، ومنهم البلاذري إذ قال: «وخرج الحسين إلى مكة في بنيه وإخوته وبني أخيه وجلّ أهل بيته غير محمد بن الحنفيّة فإنّه قال له: يا أخي أنت أعزّ الناس عليّ... ابعث رسلك إلى الناس فإن أجمعوا عليك حمدت الله على ذلك، وإن أجمع الناس على غيرك لم ينقص الله دينك ومروءتك وفضلك، إنّي أخاف أن تدخل بعض الأمصار ويختلف الناس فيك ويقتتلون... فإذا خير الناس نفساً وأمّاً وأباً قد ضاع دمه وذلّ أهله، قال: وأين أذهب يا أخي؟ قال: تنزل مكة فإن اطمأنّت بك الدار وإلَّا لحقت باليمن، فإن اطمأنّت بك وإلَّا لحقت بشعف الجبال حتى تنظر إلى ما يصير أمر الناس ويفرق لك الرأي...»((2)).

وصرَّح الطبرسي بهذا الخصوص، قائلاً: «خرج الإمام الحسين(علیه السلام)... متوجهاً نحو مكة ومعه بنوه وبنو أخيه الحسن وإخوته وجلُّ أهل بيته، إلا محمد بن الحنفية فإنَّه


1) اليعقوبي، تاريخ: ج2، ص261؛ ابن أعثم، الفتوح: ج5، ص21-22؛ ؛ ابن طاووس، اللهوف: ص39.

2) انساب الاشراف: ج5، ص303؛ الطبري، تاريخ: ج4، ص253.

لم يدرِ أين يتوجَّه، وشيَّعهوودَّعه»((1))، لعلَّ الطبرسي أراد أن يقول إنَّ ابن الحنفية كان متحيِّراً في اتخاذ قراره من الإلتحاق بالركب الحسيني أم لا. فاختار عدم الإلتحاق.

4- من خلال بعض الروايات يُستنتَج أنَّ ابن سعد على وفق تنظيره علَّل سبب خروج الإمام الحسين(علیه السلام) بدافع مكاتبة أهل العراق له - وهو عامل سياسي - وأنَّه(علیه السلام) قد ندم على استجابته لتلك المكاتبات والمراسلات التي بعثها إليه أهل العراق، والتي على أثرها خرج(علیه السلام) ضدَّ السلطة الحاكمة وذلك من خلال الروايتين الآتيتين.

أ - الرواية الأولى: «وبعث أهل العراق إلى الحسين الرسل والكتب يدعونه إليهم، فخرج متوجِّهاً إلى العراق في أهل بيته وستين شيخاً من أهل الكوفة...»((2)).

ب - أمّا الثانية:فتؤكِّد أنَّ الإمام الحسين(علیه السلام) قد تمَّ خداعه من خلال المكاتبة من قبل أهل العراق ونستنتج ذلك من قوله(علیه السلام) «اللهمَّ إنَّ أهل العراق غرُّوني وخدعوني وصنعوا بحسن بن علي ما صنعوا، اللهمَّ شتِّت عليهم أمرهم وأحصهم عددا...»((3)).

من خلال اطلاعنا على ما تيسر لنا من المصادر، يتضح لنا أنَّ الرواية الثانية، لم ترد في مصادرنا((4))، وأنَّها من الروايات التي انفرد بها ابن سعد عن بقية المؤرِّخين.

يضاف إلى ذلك أنَّ الهدف الحقيقي لخروج الإمام الحسين(علیه السلام) ليسمراسلة أهل العراق، وإنَّما لتغيير الأوضاع الفاسدة في المجتمع الإسلامي وإصلاحها لقوله(علیه السلام): «وأني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنَّما خرجت لطلب الإصلاح في أمَّة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي


1) اعلام الورى: ج1، ص435.

2) ابن سعد، ترجمة الامام الحسين(علیه السلام): ص61.

3) المصدر نفسه: ص72.

4) باستثناء ايرادها من قبل الذهبي، سير اعلام النبلاء: ج3، ص302، نقلا عن ابن سعد.

طالب(علیه السلام)؛ فمن قبلني بقبول الحقِّ فالله أولى بالحقِّ، ومن ردَّ عليَّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحقِّ وهو خير الحاكمين...»((1)).

ونستنتج من هذا النصِّ أنَّ خروج الإمام الحسين(علیه السلام) كان مُعَدَّاً له ومدروساً من قبله، أما مكاتبة أهل العراق له، فقد جاءتْ كجزء من مشروع الإمام الثوري القائم ضدَّ كلِّ أنوع الظلم والجور وتلبية لنداء العديد من المسلمين الذين عانوا من الإضطهاد الأموي - بالرغم من تغيير موقفهم اتجاه الإمام بفعل سياسات السلطة الحاكمة انذآك.

5- ومن الروايات الخطيرة التي أوردها ابن سعد، ولعلَّه من الناحية الزمنية له السبق في إيرادها((2))، مانصُّها: «لما رأى الحسين عمر بن سعد قد قصد له فيمن معه قال: يا هؤلاء اسمعوا يرحمكم الله، ما لنا ولكم! ما هذا بكم يا أهل الكوفة؟! قالوا: خفنا طرح العطاء، قال: ما عند الله من العطاء خير لكم، يا هؤلاء دعونا فلنرجع من حيث جئنا، قالوا: لا سبيل إلى ذلك،قال فدعوني أمضي إلى الري فأجاهد الديلم، قالوا: لا سبيل إلى ذلك، قال دعوني أذهب إلى يزيد بن معاوية فأضع يدي في يده، قالوا: لا، ولكن ضع يدك في يد عبيد الله بن زياد، قال: أما هذه فلا، قالوا: ليس لك غيرها وبلغ ذلك عبيد الله، فهمَّ أن يخلِّي عنه، وقال: والله ما عرض لشئ من عملي، وما أراني إلا مخلٍّ سبيله يذهب حيث شاء. قال شمر بن ذي الجوشن الضبابي: إنَّك والله إن فعلت وفاتك الرجل لا تستقيلها أبداً، وإنَّما كان همُّ عبيد الله أن يثبت على العراق،


1) ابن أعثم، الفتوح: ج5، ص8؛ المجلسي، بحار الانوار: ج44، ص330؛ ال درويش، المجالس العاشورية: ص61؛ القرشي، النظام السياسي: ص273.

2) وردت تلك الرواية في مصادر اخرى، بعضها نقلتها عن ابن سعد، القاضي النعمان، شرح الاخبار: ج3، ص149؛ ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج14، ص230؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء: ج3، ص311؛ الصفدي، الوافي بالوفيات: ج12، ص265.

فكتب إلى عمر بن سعد: الآن حين تعلَّقتهُ حبالنا يرجو النجاة ولات حين مناص فناهضه، وقال لشمر بن ذي الجوشن: سِرْ أنت إلى عمر بن سعد فإن مضى لما أمرته وقاتل حسيناً وإلا فاضرب عنقه، وأنت على الناس...»((1)).

هذه الرواية لا يمكن قبولها، بل نستبعد مثل هذا الكلام من الإمام الحسين(علیه السلام)، لعدَّة أسباب، منها:

أ- كون الإمام خرج ليغيِّر الإنحراف الذي أحدثه يزيد بن معاوية - كما بينا ذلك قبل قليل في العالم الإسلامي، فكيف يضع يده بيده وهو فاسق شارب الخمر قاتل النفس المحرمة كما وصفه الإمام الحسين(علیه السلام) بذلك((2))؟ ونحن نتساءل إذا كان الإمام(علیه السلام) قد وضع يده بيد يزيد بن معاوية فما المانع من وضع يده بيد عبيد الله بن زياد إن صحَّت تلك الرواية؟

ب - لم تحدِّد الرواية إلى من وجَّه الإمام الحسين(علیه السلام) خطابه؟ هل إلى أهل الكوفة أم إلى غيرهم؟ فإذا كان لأهل الكوفة، فهل لهم الحقُّ والقرار فيتوجيه الإقتراحات؟ وهل يمتلكون تلك الصلاحيات للتفاوض مع الإمام الحسين(علیه السلام)؟ ثم من الذي اقترح على الإمام أن يضع يده في يد عبيد الله بن زياد إذ لم تحدِّدهُ الرواية وجعلته مبهماً بصيغة (قالوا)؟

ت - من خلال تحليل الرواية نستنتج بأنَّها توحي بأنَّ الإمام الحسين(علیه السلام) يرضى بكلِّ شيء إلا بإعطاء البيعة للوالي عبيد الله بن زياد، وإنَّ المشكلة تتركَّز حول عبيد الله بن زياد وليس مع يزيد بن معاوية وهذه خطوة لتبرئة يزيد من قتل الإمام الحسين(علیه السلام) - ولعلَّ الرواية تُنظِّر لمسألة وجوب الخضوع للحاكم حتى وإن كان


1) ترجمة الإمام الحسين(علیه السلام): ص69-70.

2) ابن أعثم، الفتوح: ج5، ص14.

ظالماً، لا سيما وأنَّ الكتاب قد تمَّ تأليفه في عصر الدولة العباسية وهي بحاجة الى هذا التنظير، ونحن نتساءل ما الفرق بين عبيد الله بن زياد ويزيد بن معاوية، لكي يرفض الإمام الحسين(علیه السلام) التعامل معه - بحسب فرض الرواية - لاسيما وان عبيد الله بن زياد يمثل جزءاً من منظومة الدولة الإموية التي يترأسها يزيد بن معاوية؟

ث - إنَّ حكم عبيد الله بن زياد هو نفس حكم يزيد بن معاوية، ويستمدُّ سلطته منه، فمن غير المعقول أن ينزل الإمام الحسين(علیه السلام) على حكم يزيد ولا يقبل أن يبايع عبيد الله بن زياد.

ج - توحي الرواية بإنّ شمر بن ذي الجوشن هو من عارض مقترحات الإمام الحسين(علیه السلام)، مما ترتب على ذلك من تغيير وجهة نظر عبيد الله بن زياد في إخلاء سبيل الإمام الحسين(علیه السلام)، ونحن نتساءل ماهي الصلاحيات الممنوحة للوالي ابن زياد لكي يخلي سبيل الإمام الحسين(علیه السلام)؟ وهل مشكلة الإمام الحسين(علیه السلام) كانت مع ابن زياد أم مع الحاكم يزيد بن معاوية، أم مع المنهج الأموي بأجمعه؟

ح - الرواية بكلِّ فقراتها تُنظِّر لمسألة مهمة وخطيرة ألا وهي تحميل أهل الكوفةمسؤولية قتل الإمام الحسين(علیه السلام) والغدر به، وهذا يصبُّ في صالح الدولة العباسية التي تنظر إلى الكوفة بأنَّها مركزعلوي كبير مُعاِرض لها، ولا بدَّ من التخلُّص منه، وأحد سبل ذلك وصف أهل الكوفة بالخونة وأنَّهم غدروا بالإمام الحسين(علیه السلام) والكوفة ليس فيها قواعد شيعية كبيرة، ويسهم ذلك في تحجيم التحرك الثوري في الكوفة من خلال ذلك التنظير، لاسيما وأنَّ أغلب المصادر كُتِبت في عهد الدولة العباسية.

ولهذا أشار أحد الباحثين المعاصرين إلى حقيقة موقف أهل الكوفة ببحث مستقلٍّ، بقوله: «إنَّ الجمهور العام في الكوفة كان شيعياً مخلصاً، وهم من كتب للإمام الحسين(علیه السلام) يستحثونه للإسراع في المجيء إلى الكوفة وهو(علیه السلام) يدرس الموقف، وقد

توافدت عليه بعد ذلك كتب أهل الكوفة وتكاثرت... وإنَّ أغلب المؤشِّرات تدلُّ على أنَّ الكوفيين صادقون في طلبهم...»((1))، ثم أورد الباحث الأدلة التاريخية التي توضِّح السبب في تغيير موقفهم والتحليلات والإستنتاجات التي تؤكِّد ذلك((2)).

6- وبخصوص دفن الأجساد الطاهرة أشار ابن سعد برواية شاذة، إذ قال: «قال ذكوان أبو خالد لعبيد الله بن زياد: خلِّ بيني وبين هذه الرؤوس فأدفنها، ففعل فكفَّنها ودفنها بالجبَّانة، وركب إلى أجسادهم فكفَّنهم ودفنهم، وكان زهير بن القين قد قُتِل مع الحسين، فقالت امرأته لغلام له يقال له شجرة: انطلق فكفِّن مولاك، قال: فجئت فرأيت حسيناً ملقى، فقلت: أكفِّن مولاي وأدع حسيناً؟ فكفَّنت حسيناً، ثم رجعت فقلت ذلكلها، فقالت: أحسنت، وأعطتني كفنا آخر، وقالت: انطلق فكفِّن مولاك، ففعلت»((3)).

الرواية تحمل في طيَّاتها عدداً من التساؤلات والتشكيكات التي تجعلها في عداد الروايات الضعيفة منها:

أ- من هو ذكوان أبو خالد؛ إذ لم نجد له ترجمة في المصادر المتوافرة لدينا؟ وما علاقته بالسلطة الأمويةوتحديداًبالوالي عبيد الله بحيث سمح له بدفن الأجساد الطاهرة؟ أو له علاقة بآل البيت(علیه السلام) أو لسبب آخر؟

ب - أشارت الرواية إلى حصول فاصل زمني بين عملية دفن الرؤوس ودفن الأجساد من قبل القائم بهذه العملية، مما يترتَّب على ذلك أنّ الأجساد لم تُدفن مع الرؤوس، وهذا مالم تؤيده المصادر التي ذكرت حادثة الدفن.


1) دخيل، الثورة الحسينية: ص164.

2) المرجع نفسه: ص157-175.

3) ترجمة الإمام الحسين(علیه السلام): ص81.

ج - كيف استطاع (شجرة) - غلام زهير بن القين - أن يحدِّد ويتعرَّف على الشخصيات أمثال زهير بن القين والإمام الحسين(علیه السلام)؟ لاسيما وأنَّ الإمام(علیه السلام) كان مقطوع الرأس، وهل كان للإمام الحسين(علیه السلام) جسد كامل أم مقطع بفعل رضِّ الخيول وسحقها له؟ فضلاً عن تأثير الأحوال المناخية ودورها في تغيير معالم الشخص، كلُّ ذلك يجعل من الصعوبة، بل من غير الممكن التعرُّف على أصحاب تلك الأجساد وتحديد شخصياتها.

ه - لو قابلنا تلك الرواية مع المصادر الأخرى التي عرضت حادثة الدفن لوجدناها تتعارض معها بشكل جذري، مما يترتب على ذلك أنّ تلك الرواية تُعدُّ شاذَّة ولا قيمة لها، فقد ذكرت أغلب المصادر أنَّ حادثة الدفن كانت بالشكلالآتي: «ودَفَنَ الحسينَ وأصحابه أهلُ الغاضرية من بني أسد...»((1))، وبهذا يتضح ضعف رواية ابن سعد، لكن قد يرد إشكال آخر في هذا الموضوع، هو كيف تسنَّى لبني أسد تحديد الشخصيات والتعرُّف عليها، ومن ثَمَّ دفنها، لاسيما ونحن قد بيَّنا في معرض نقدنا لرواية ابن سعد بأنَّ ملامح ومعالم الشخصيات قد تغيَّرت وأصبحت من الصعوبة تحديدها، وللإجابة على هذا الإشكال نوضِّح ما يلي:

أ - إنَّ بني أسد دفنوا الأجساد بدون تحديد شخصياتها، هذا الإحتمال ساقط من الإعتبار؛ لأنّ عملية الدفن التي قام بها بنو أسد اعتمدت على تحديد الشخصيات، وهذا التحديد موجود منذ ذلك الوقت وحتى اليوم، ولأنَّ عملية دفن الأجساد وتحديدها قد حصلت مرة واحدة على يدي بني أسد منذ ذلك الوقت بدليل قول ابن طاووس: «لما انفصل عمر بن سعد عن كربلاء خرج قوم بنى أسد فصلُّوا على


1) البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص209؛ الدينوري، الاخبار الطوال: ص260؛ الطبري، تاريخ: ج4، ص348؛ المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص63؛ ابن شهر اشوب، مناقب ال أبي طالب: ج3، ص259؛ ابن الاثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص80؛ ابن العديم، بغية الطلب: ص2631؛ النويري، نهاية الارب: ج20، ص463؛ المجلسي، بحار الانوار: ج45، ص62.

تلك الجثث الطواهر المرمَّلة بالدماء ودفنوها على ما هي الآن عليه»((1))، لاسيما وأنَّ ابن طاووس من جيل القرن السابع الهجري، ولاشكَّ أنَّهُ يتحدَّث عن ذلك القرن ومشاهداته له.

ب - إنَّ هناك جانباً غيبياً إعجازياً يكمن وراء عملية الدفن، ويتمثَّل ذلك بحضور الإمام علي بن الحسين(علیه السلام) وتوليه عملية تحديد الشخصيات ومن ثَمَّ دفنها، بيدَ أنّ الأدلة التاريخية لا تساعدنا كثيراً على تأييد هذا الجانب، ولعلَّالإشارة التاريخية الوحيدة بهذا الخصوص هي ما نقله الطوسي من مناظرة جرت بين الإمام علي بن موسى الرضا(علیه السلام) وعلي بن أبي حمزة((2)) بما نصُّه «قال له علي: إنَّا روينا عن آبائك أنَّ الإمام لا يلي أمره إلا إمام مثله؟ فقال له أبو الحسن(علیه السلام): فأخبرني عن الحسين بن علي(علیه السلام) كان إماما أو كان غير إمام؟ قال: كان إماما، قال: فمن ولي أمره؟ قال: علي بن الحسين، قال: وأين كان علي بن الحسين(علیه السلام)؟ قال: كان محبوساً بالكوفة في يد عبيد الله بن زياد، قال: خرج وهم لا يعلمون حتى ولي أمر أبيه ثم انصرف، فقال له أبو الحسن(علیه السلام):ان هذا أمكن علي ابن الحسين(علیه السلام) أن يأتي كربلا فيلي أمر أبيه، فهو يمكِّن صاحب هذا الامر أن يأتي بغداد فيلي أمر أبيه ثم ينصرف وليس في حبس ولا في أسارٍ»((3))، يتضح لنا من خلال تلك المناظرة أنَّ حضور الإمام زين العابدين(علیه السلام) لدفن شهداء الطف كان بطريق إعجازي، فضلاً عن ذلك فقد ذهب أحد الباحثين إلى هذ الرأي بقوله: «إنّ التنظيم الذي ساد عملية الدفن يثبت بما لا يقبل الشك أنّ الإمام السجاد (علیه السلام) هو الذي خطَّط مواضع القبور الشريفة، إذ إنّه أفرد قبراً للإمام


1) اللهوف: ص85.

2) علي بن أبي حمزة، كوفي، واقفي المذهب، صنف كتباً عدة، منها: كتاب الصلاة، وكتاب الزكاة، وكتاب التفسير، النجاشي، رجال: ص250؛ الطوسي، الفهرست: ص161.

3) اختيار معرفة الرجال: ص764.

الحسين ودفن ابنه علي الأكبر مما يلي رجلي أبيه، ودفن العباس بن علي في موضعه الذي استُشهِد فيه، كما أنّ حبيب بن مظاهر حُمل ناحية عنالشهداء الذين دُفنوا مما يلي رجلي الإمام الحسين»((1)).

وأضاف هذا الباحث تساؤلاً مهماً عن كيفية تمكُّن الإمام السجاد(علیه السلام) من إتمام عملية الدفن، وكيف استطاع مع بني أسد دفن حوالي اثنتين وسبعين جثَّة، بقوله: «اتضح من خلال الروايات التاريخية أنّ الجثث لم تكن متناثرة؛ لأنّ الإمام الحسين كان يحمل الشهداء من أهل بيته وأصحابه بمساعدة من لم يستشهد بعد، فعندما استُشهِد علي الأكبر بن الحسين أقبل إليه أبوه وأقبل فتيانه فقال: «احملوا أخاكم فحملوه من مصرعه حتى وضعوه بين يدي الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه»، ولما استُشهِد القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب(علیه السلام) حمله الإمام الحسين وجاء به حتى ألقاه مع ابنه علي بن الحسين، وقتلى قد قُتِلت حوله من أهل بيته، وفي النهاية فإنّ معظم الشهداء كان قد جمعهم الإمام الحسين، وهذا مما ساعد وسهّل في عملية الدفن»((2)).

2- كتاب الثقات، لمحمد بن أحمد المعروف ب-:ابن حبان (ت354ﻫ/965م)

أورد ابن حبان المقتل وما يتعلَّق به في كتابه (الثقات) بشكل مختصر، وقد تمَّ الإطلاع عليه ودراسته، ويمكن إجمال أبرز معالم تلك الدراسة بعدد من النقاط الأساسية، منها:

أ - إنَّ ابن حبان قد استعرض أخبار المقتل بشكل مختصر جداً دون التطرق إلى التفاصيل المهمة بحسب منهجيته التي اتبعها في إيراده لمادة المقتل، والتي شغلت ما يقارب الخمس صفحات، على الرغم من أنَّ المقتل ضمَّ في رواياته أخباراً تتعلَّق بالسبي في الكوفة والشام((3)).


1) علي، الحائر الحسيني - دراسة تاريخية -: ص29.

2) المرجع نفسه: ص29-30.

3) الثقات: ج2 ص307-312.

ب - لم يذكر ابن حبان أيَّاً من المصادر أو الرواة الذين اعتمد عليهم في إيراده لروايات المقتل، ولعلَّ هذه من أبرز المآخذ التي تُسجَّل عليه، وتُعدُّ خللاً في المنهج الذي اتَّبعه في تدوينه لحادثة المقتل.

ويمكن ملاحظة أنَّ ابن حبان قد أورد بعض الروايات التي انفرد بها وتستحقُّ الوقوف والدراسة منها:

أ - أورد في مستهلِّ حديثه عن المقتل رواية نصُّها: «ولما بايع أهل الشام يزيد بن معاوية واتصل الخبر بالحسين بن علي جمع شيعته واستشارهم، وقالوا إنَّ الحسن لما سلَّم الأمر لمعاوية سكت وسكت معاوية، فالآن قد مضى معاوية ونحبُّ أن نبايعك، فبايعته الشيعة ووردت على الحسين كتب أهل الكوفة من الشيعة يستقدمونه إياها...»((1)).

إنَّ تحليل الرواية يشير إلى أنَّ الإمام الحسين(علیه السلام) قد سبق من الناحية الزمنية السلطة الأموية بالتحرُّك ضدَّها، ولعلَّ ابن حبان كان معتقداً بهذه الفكرة؛ لكونه لم يورد حادثة استدعاء الإمام الحسين(علیه السلام) من قبل والي المدينة لأخذ البيعة منه، هذا من جانب، ومن جانب آخر، نجد أنَّ ابن حبان علَّل خروج الإمام الحسين(علیه السلام) إلى أسباب سياسية، تتعلَّق بنقض معاوية بن أبي سفيان بنود الصلح التي عقدها مع الإمام الحسن بن علي(علیه السلام) وجعل الخلافة تقوم على أساس وراثي؛ بدليل مبايعة أهل الشام ليزيد بن معاوية، وهذا خلاف بنود الإتفاق المعقود بينهما((2)).


1) الثقات: ج2، ص307.

2) للاطلاع أكثر بشأن بنود الصلح المعقود بين الإمام الحسن بن علي(علیه السلام) ومعاوية بن أبي سفيان، ينظر، البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص41؛ الاربلي، كشف الغمة: ج2، 193؛ ابن الصباغ المالكي، الفصول المهمة: ج2، ص728، المجلسي، بحار الانوار: ج44، ص65، فضلاً عن الدراسات الاكاديمية منها: الجابري، الطالبيون في العصر الأموي: ص23-63؛ العقابي، شهادات الأئمة المعصومين(علیه السلام): ص46-50.

ب - أشار ابن حبان إلى مسألة - ولعلَّه انفرد بها - هي: أنَّ السلطة الأموية ِلم تقدم على قتل الإمام علي ابن الحسين(علیه السلام) في واقعة الطفِّ؛ لسبب يتعلَّق بصغر سنِّه لقوله: «استُصغِر علي بن الحسين بن علي فلم يُقتل، انفلت في ذلك اليوم من القتل، لصغره وهو والد محمد بن علي الباقر...»((1)).

والرواية تنُظِّر إلى مسألة مهمة ألا وهي أنَّ السلطة الأموية لم تقدم على قتل الإمام زين العابدين(علیه السلام) لصغر سنه فقط، وهذا لا يمكن قبوله من الناحية التاريخية؛ لعدَّة اعتبارات منها: إنَّ العديد من المصادر التاريخية((2)) أكدت أنَّ سبب عدم قتل الإمام(علیه السلام) لمرض ألمَّ به في وقت حدوث واقعة الطف ومنعه من المشاركة في الجهاد، باستثناء ما أنفرد به الرسان من مشاركته(علیه السلام) في القتال((3))، مما ترتَّب على ذلك عدم اشتراكه بالقتال لوجود سبب مانع هو المرض، هذا من جهة، ومن جهة أخرى نتساءل هل أنَّ السلطة الأموية استثنت قتل كلّ من كان صغير السِّنِّ لكي لا تقتل الإمام زين العابدين(علیه السلام) لهذا السبب؟ هذا الأمر لا يمكن قبوله تاريخياً لسببين، الأول:إنَّ السلطة الأموية قد قتلت العديد منالأطفال في واقعة الطف((4)) ودليل ذلك قتلها طفل الحسين(علیه السلام) الرضيع عبد الله، أما السبب الثاني فلأنَّ الإمام زين العابدين(علیه السلام) لم يكن صغير السِّنِّ في واقعة الطف، لكي تستثنيه من القتل،


1) الثقات: ج2، ص310.

2) الطبري، تاريخ: ج4، ص348؛ المسعودي، اثبات الوصية: ص181؛ القاضي النعمان، شرح الاخبار: ج3، ص250؛ المفيد، الارشاد: ج2، ص114؛ الطبرسي، اعلام الورى: ج1، ص470؛ ابن الاثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص81؛ ابن العبري، تاريخ مختصر الدول: ص110؛ النويري، نهاية الارب: ج20، ص464.

3) الرسان، تسمية من قتل مع الحسين(علیه السلام): ص23.

4) الطبري، تاريخ: ج4، ص359؛ ابو الفرج الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص59، ابن الصباغ المالكي، الفصول المهمة: ج2، ص845.

لكون ولادته(علیه السلام) كانت سنة ثمان وثلاثين من الهجرة((1)) وواقعة الطف سنةإحدى وستين للهجرة، فيكون عمره حينئذ ثلاثاً وعشرين سنة، وفي مقابل ذلك ذكر ابن عساكر رأياً آخر بخصوص تأريخ ولادته(علیه السلام) فقال: «وفي سنة ثلاث وثلاثين ولد علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب»((2))، وعلى هذا الرأي يكون عمر الإمام في واقعة الطف ثمان وعشرين سنة، وعلى كلا الرأيين لم يكن الإمام صغيراً، فكيف يعدُّه ابن حبان صغيراً جاعلاً من صغر سنِّه سبباً في نجاته من القتل، ومما يترتب على ذلك أنَّه لا يمكن قبول هذه الرواية التي ذكرها ابن حبان التي علَّلت سبب بقاء الإمام زين العابدين(علیه السلام) على قيد الحياة في واقعة الطف لصغر سنِّه.

من المؤكَّد أنَّ بقاء الإمام زين العابدين(علیه السلام) على قيد الحياة في واقعة الطف، كان لمصلحة ربانية وتدبير إلهي، ومما يؤيِّد هذا التفسير ما أورده المجلسي وهو يشرح حال الإمام الحسين(علیه السلام) في العاشر من المحرَّم، قائلاً: «التفت الحسين عن يمينه فلم يَرَ أحداً من الرجال، والتفت عن يساره فلم يرَ أحداً، فخرج علي بن الحسين زين العابدين(علیه السلام) وكان مريضاً لايقدر أن يقلَّ سيفه، وأمُّ كلثوم تنادي خلفه: يا بنيَّ ارجع فقال: يا عمتاه ذريني أقاتل بين يدي ابن رسول الله، فقال الحسين(علیه السلام): يا أمَّ كلثوم خذيه؛ لئلا تبقى الأرض خالية من نسل آل محمد»((3)).

وفضلاً عن ذلك أنّ السبب الظاهري الأساس في حفظه من القتل(علیه السلام)، يرجع إلى الموقف الجهادي، الذي قامت به السيدة زينب بنت علي(علیهما السلام)؛ إذ تعلّقت به وانقذته من القتل، في مجلس الوالي عبيد الله بن زياد بقولها له حينما أراد قتله(علیه السلام):


1) الكليني، أصول الكافي: ج1، ص467؛ المفيد، الارشاد: ج2، ص138؛ الطبري الشيعي، دلائل الامامة: ص191؛ ابن الخشاب البغدادي، تاريخ مواليد الائمة: ص22.

2) تاريخ مدينة دمشق: ج41، ص361؛ ويتفق معه ابن عنبة، عمدة الطالب: ص193.

3) المجلسي، بحار الانوار: ج45، ص46.

«حسُبك من دمائنا! والله، لا أُفارقه، فإن قتلته فاقتلني معه»((1)) أو قولها(علیه السلام): «لا يُقتَل حتّى تقتلوني...»((2)).

3- المعجم الكبير، لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، (ت 360ﻫ/970م)

يُعَدُّ كتاب المعجم الكبير من كتب التراجم المهمة والزاخرة بالمعلومات التاريخية للمترجَم لهم، وقد رتَّبه على أساس حروف المعجم العربي، ويُلاحَظ أنَّ منهج الطبراني في مصنَّفه هذا قد اتسم في ترجمة وجيزة للشخصيات المترجم لها، وروى عن كلِّ واحد منها بعض أحاديثهم أو جميعها، كما ذكر في المقدمة وأنَّهم حضروا المشاهد والمواقع، أو يكتفي بذكر أسمائهم أحياناً أخرى((3)).

وفيما يخصُّ المقتل فتُلاحَظ عليه عدَّة نقاط أساسية، يمكن من خلالها التعرُّفعلى منهجيته في انتقاء نوع الروايات في معجمه الكبير، منها:

أ- استعرض الطبراني روايات المقتل وما يتعلَّق به من خلال ترجمته للإمام الحسين(علیه السلام).

2- امتازت روايات المقتل التي أوردها من ناحية المساحة بالإقتضاب والإختصار فيها، إذ نلحظ أنَّ الطبراني خصَّص للحديث عن الإمام الحسين(علیه السلام) ما يقارب من اثنتين وأربعين صفحة بصورة عامة، وإذا ما دقَّقنا في الروايات التي خصَّصها للمقتل وحيثياته نجدها بحدود الثلاثين صفحة، وبالشكل الآتي:


1) البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص206؛ القاضي النعمان، شرح الاخبار: ج3، ص157؛ المفيد، الارشاد: ج2، ص116؛ ابن الجوزي، المنتظم: ج5، ص344؛ ابن نما، مثير الاحزان: ص71.

2) الطبري، تاريخ: ج4، ص293؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء: ج3، ص309؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص215.

3) الطبراني، المعجم الكبير: ج1، ص51.

مسند الحسين بن علي(علیه السلام).

ذكر مولده وصفته وهيأته.

ما أسند للحسين بن علي.

ما أسنده علي بن الحسين عن أبيه.

ما أسندته فاطمة بنت الحسين عن أبيها.

ما أسندته سكينة بنت الحسين عن أبيها، فضلاً عن بعض الشخصيات التي أسندت أحاديث للإمام الحسين(علیه السلام)((1)).

من خلال دراستنا لتلك المحاور، وجدنا أنَّ مجمل الروايات التي أوردها الطبراني عن المقتل، قد تركَّزت في المحور الثالث (وما أسند للحسين بن علي).

3- أما المنهج الذي اتَّبعه الطبراني فهو المنهج الإسنادي في ذكر الأخبار والروايات من خلال كلمة (حدَّثنا)، ومن أبرز الرواة الذين اعتمد عليهم في ذكر روايات المقتل هم الليث بن سعد (ت 165ﻫ)((2))، وأبو الزنباع روح بن الفرج (ت282ﻫ/884م)((3))، وعمار الدهني، والزبير بن بكار((4)) والإمام الصادق(علیه السلام) والواقدي وآخرون.


1) المصدر نفسه: ج3، ص94-136.

2) الليث بن سعد ويُكنَّى أبا الحارث، وُلد سنة ثلاث أو أربع وتسعين، وكان ثقة كثير الحديث صحيحه، استقلَّ بالفتوى في زمانه بمصر، ابن سعد، الطبقات الكبرى: ج7، ص517؛ الذهبي، تذكرة الحفاظ: ج1، ص224.

3) روح بن الفرج القطان أبو الزنباع المصري، ثقة، محدث مكثر مقبول، الذهبي، تاريخ الاسلام: ج21، ص177؛ ابن حجر، تقريب التهذيب: ج1، ص305.

4) الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام، أبو عبد الله، مولده في سنة اثنتين وسبعين ومائة، كان عالماً بالأنساب، قاضي مكة وعالمها، أبي حاتم الرازي، الجرح والتعديل: ج3، ص585؛ ابن حبان، الثقات: ج8، ص257؛ الذهبي، سير اعلام النبلاء: ج12: ص311-316.

4- من خلال دراسة المعجم لم نلحظ أنَّ الطبراني قد خصَّص مساحة لحادثة تاريخية معينة بحجم تلك التي خصَّصها للمقتل، مما يدلُّ على مدى اهتمام المؤرخين في حادثة المقتل وعلى اختلاف مذاهبهم وتوجهاتهم السياسية والدينية.

5- بعد دراستنا لروايات المقتل اتضح لنا أنَّ الطبراني خصَّص بعضاً منها للنبوءات المستقبلية التي تحدَّث عنها الرسول(صلی الله علیه و آله) والإمام علي بن أبي طالب(علیه السلام) من قبيل تحديد الأمَّة التي ستقتله، وتعيين الأرض التي سيُستَشهد عليها(علیه السلام)((1)).

6- إنَّ الطبراني خصَّص القسم الأكبر من روايات المقتل للحديث عن الروايات ذات الطابع الغيبي والأحداث الكونية، التي حدثت عقب مقتل الإمام الحسين(علیه السلام) والتي منها:أ- «لما قُتل الحسين بن علي(رضی الله عنه) لم يُرفع حجر ببيت المقدس إلا وُجِد دمٌ عبيط»((2)).

ب - «ما رُفع بالشام حجر يوم قُتل الحسين بن علي إلا عن دم»((3)).

ت - «لما قُتل الحسين بن علي(رضی الله عنه) انكسفت الشمس كسفة حتى بدت الكواكب نصف النهار...»((4)).

ث - «لم يكن في السماء حمرة حتى قُتل الحسين»((5))، ولم يقتصر الطبراني على إيراد الأحداث الكونية فقط بل ذكر أحداثاً أخرى ذات طابع إعجازي وقعت بعد مقتل الحسين(علیه السلام)((6)).


1) المعجم الكبير: ج3، ص104، 105، 107، 108، 110، 111، 117، 121.

2) المصدر نفسه: ج3، ص113.

3) المصدر نفسه: ج3، ص113.

4) المصدر نفسه: ج3، ص114.

5) المصدر نفسه: ج3 ص114.

6) المصدر نفسه: ج3، ص119، 121، 122، 124.

كما نقل لنا الطبراني الحادثة الإعجازية التي وقعت في أرض الطف قائلاً: «قام رجل فقال أفيكم حسين؟ قالوا نعم، فقال أبشر بالنار، فقال أبشر بربٍّ رحيم وشفيع مطاع، قال من أنت؟ قال: انا بن جويز أو حويزة،: فقال(علیه السلام): اللهمَّ حزْهُ إلى النار، فنفرت به الدابة فتعلَّقت رجله في الركاب، قال فوالله ما بقي عليها منه إلا رجله»((1)).

ولعلَّ كثرة الروايات ذات الطابع الغيبي عند الطبراني تنمُّ عن إيمانه بفلسفة الغيب، وأثرها في تفسير حركة التاريخ وتعليلها.

7- ومن أبرز الروايات التي استوقفتنا، والتي بلا شكٍّ تستحقُّ الدراسة والمناقشةهي:

أ - «قُتل الحسين بن علي(رضی الله عنه) وعليه دين كثير، فباع فيها علي بن حسين عين كذا وعين كذا»((2))، وعند التمعُّن في هذه الرواية نستنتج جملة من المآخذ والتشكيكات التي تجعلها في دائرة الروايات الموضوعة.

أ- لم ترد هذه الرواية في المصادر التاريخية الأخرى بحسب اطلاعنا((3)) مما يدلُّ أنَّها من الروايات الشاذة التي انفرد بها الطبراني دون بقية المؤرِّخين، مما يؤكِّد ضعفها من الناحية التاريخية.

ب - لم تحدِّد الرواية سبب الدين؟ ومن هم الذين استدان منهم الإمام(علیه السلام)؟ وإنما جعلت الأمر مبهماً عاماً.

ت - وبعد أن أورد الطبراني هذه الرواية أورد بعدها مباشرة رواية تناقضها وتخالفها من حيث المضمون، بما نصُّه «قال أمر الحسين منادياً فنادى: لا يُقبل معنا


1) المصدر نفسه: ج3، ص116.

2) المعجم الكبير: ج3، ص123.

3) من الملاحظ ان هذه الرواية قد أوردها الهيثمي في، مجمع الزوائد: ج9، ص198، نقلاً عن الطبراني من معجمه الكبير.

رجل عليه دين، فقال رجل:إنَّ امرأتي ضمنت ديني فقال حسين(رضی الله عنه) وما ضمان امرأة؟»((1))، ونحن نتساءل إذا كان الإمام الحسين(علیه السلام) عليه دين فكيف له أن يسأل الآخرين عن دينهم؟ وهذا لا ينسجم مع أخلاقه ومبادئه؟ ثم كيف له أن لا يقبل أيّ رجل عليه دين دين ويقبلها على شخصه الكريم؟

ت - فضلاً عن ذلك أنَّ أحد الباحثين قد ضعَّف هذه الرواية، بإثارته جملة من التشكيكات ضدَّها، بقوله: «لماذا الإمام الحسين(علیه السلام) لم يفِ دينهوهو في مكة، وكان مكوثه بها لمدة ليست بالقصيرة ويترك الأمر لولده الإمام علي بن الحسين(علیه السلام)؟ وماذا لو لم يسلم الإمام علي بن الحسين من أحداث كربلاء؟ أكان سيرضى بضمان امرأة؟ وهو ما رفضه بالرواية الثانية... وبذلك نضعِّف تلك الرواية والتي لا تتناسب مع أهداف مسير الإمام الحسين(علیه السلام) في طلب الإصلاح، ومنها ردُّ حقوق الناس إلى أهلها...»((2)).

يضاف إلى ذلك أنَّهُ من الناحية الفقهية والشرعية لا يجوز الخروج للجهاد لأيِّ إنسان مسلم وعليه دين إلا بعد موافقة غريمه (دائنه)، أو تسديد ما بذمته((3)) كلُّ ذلك يجعل منها رواية ضعيفة ومشكوك فيها.

ب - ومن الأخبار المتناقضة التي أوردها الطبراني قوله: «رأس الحسين(علیه السلام) أول رأس حُمل في الإسلام»((4)).

هنالك جملة من المصادر التاريخية((5)) اختلفت مع الطبراني من الناحية الزمنية في


1) المعجم الكبير: ج3، ص123.

2) المرعبي، واقعة الطف: ص103-104.

3) جاسم، العقيدة العسكرية: ص54.

4) الطبراني، المعجم الكبير: ج3، ص124.

5) ابن قتيبة، المعارف: ص292؛ البلاذري، انساب الاشراف: ج5، 273؛ الطبري، المنتخب: ص46؛ أبي الفرج الاصفهاني، الاغاني: ج17، ص97؛ ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ج2، ص290.

ذكرها أنَّ رأس عمرو ابن الحمق((1)) هو أول رأس حُمل في الإسلام، وليسرأس الإمام الحسين(علیه السلام)، ولاحظ أحد الباحثين((2)) أنَّ الطبراني قد وقع في تناقض من خلال إيراده رواية في كتابه الأوائل((3)) أنَّ أول رأس حُمل في الإسلام هو رأس عمرو ابن الحمق.

ت - ومن باب الإنفراد((4)) نسب الطبراني القصيدة التي نظمها الشاعر الفرزدق بحقِّ الإمام علي بن الحسين السجاد(علیه السلام) إلى الإمام الحسين(علیه السلام) ومطلعها:

هذا الذي تعرفُ البطحاءُ وطأتهُ *** والبيتُ يعرفهُ والحلُّ والحرمُ

هذا ابنُ خيرِ عبادِ الله كلهمُ *** هذا التقي النقي الطاهرُ العلمُ((5)).

4- تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر (ت 571ﻫ/1175م)

يُعدُّ كتاب تاريخ مدينة دمشق من أوسع الكتب التي صُنِّفت في مجال كتب التراجم من حيث الكم والمادة التاريخية التي ضمَّها، وقد وصفه أحد الباحثين بقوله «وهو أضخم معجم للتراجم ظهر بعد تاريخ بغداد، وهو مصدر لتاريخ رجال الشام كلّه، لا دمشق وحدها، ويُستفاد من خلاله أمور كثيرة تتعلَّقب التاريخ السياسي


1) عمرو بن الحمق بن الكاهن الخزاعي، صحب النبي(صلی الله علیه و آله)، كان من شيعة الإمام علي بن أبي طالب(علیه السلام)، ومن المشتركين مع حجر بن عدي الكندي في حركته، غادر إلى الموصل فقُتل وحُمل رأسه في عهد معاوية بن أبي سفيان وبأمر منه، ابن سعد، الطبقات الكبرى: ج6، ص25؛ ألبلاذري، انساب الاشراف: ج5، ص273، ابن حبان، الثقات: ج3، ص275.

2) المرعبي، واقعة الطف: ص105.

3) الطبراني: ص107.

4) أبو الفرج الاصفهاني، الاغاني: ج15، ص127؛ التنوخي، المستجاد: ص87؛ المفيد، الارشاد: ج2، ص149؛ المرتضى، الامالي: ج1، ص48؛ ابن المغازلي، مناقب علي بن أبي طالب: ص311؛ ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج41، ص399.

5) المعجم الكبير: ج3، ص101؛ ينظر، الفرزدق، ديوان: ص511.

والعلمي والحضاري للشام»((1)).

اتبع ابن عساكر منهج الأسناد في مروياته التاريخية، فضلاً عن تكراره الروايات للحادثة الواحدة مما انعكس ذلك على حجم المادة التاريخية، وترتَّب على ذلك تضخُّم حجم الكتاب، وللوقوف أكثر على منهجيته لا بدّ من إيراد ما أوضحه هو في مقدمته، بقوله: «هو كتاب مشتمل على ذكر مَن حلَّها من أماثل البرية أو اجتاز بها أو بأعمالها من ذوي الفضل والمزيد من أنبيائها وهُداتها وخلفائها وولاتها وفقهائها وقضاتها... وذكر ما لهم من ثناء ومدح، وإثبات ما فيهم من هجاء وقدح، وإيراد ما نُقل عنهم من جدٍّ ومزح، وبعض ما وقع إليَّ من رواياتهم، وتعريف ما عرفت من مواليدهم ووفياتهم...»((2)).

أمّا تنظيم وترتيب المُترجَم لهم في الكتاب فقد كان على المنوال الذي ذكره قائلاً: «وبدأت بذكر مَن اسمه منهم أحمد؛ لأن الإبتداء بمن وافق اسمه اسم المصطفى، ثم ذكرتهم بعد ذلك على ترتيب الحروف مع اعتبار الحرف الثاني والثالث تسهيلاً للوقوف، وكذلك أيضاً اعتبرت الحروف في أسماء آبائهم وأجدادهم، ولم أرتِّبهم على طبقات أزمانهم أو كثرة أعدادهم، وعلى قدر علوهم في الدرجات والرتب، ولا لشرفهم في الأفعال والنسب وأردفتهم بمن عُرف بكنيته ولم أقف على حقيقة تسميته ثم ذكر تنسيبه، وبمن لم يُسمَّ في روايته وأتبعتهم بذكر النسوة المذكورات والإماء الشواعر المشهورات...»((3)).ولعلَّ هذه أبرز المعالم الأساسية للمنهج الذي سار وفقها ابن عساكر، أمّا


1) المنجد، المؤرخون الدمشقيون: ص82-83.

2) تاريخ مدينة دمشق: ج1، ص5.

3) المصدر نفسه: ج1، ص5.

مصادره فهي متنوعة وعديدة، وقد قسّمها أحد الباحثين((1)) على الشكل الآتي: السماع من الشيوخ، والمكاتبة معهم، الكتب المخطوطة، مؤلفات السابقين.

هذه أبرز سمات منهجه العام في مؤلَّفه، أما منهجه في إيراد روايات المقتل، فهو لم يخرج عن أطار منهجه العام، وبعد دراستنا لها، تمَّ الوقوف على جملة من النقاط الأساسية، منها:

1- استعرض ابن عساكر مجمل روايات وأحداث المقتل من خلال ترجمته للإمام الحسين(علیه السلام)((2))، والتي استوعبت مائة وخمسين صفحة تقريباً، وقد شغلت أخبار المقتل ما يقارب من الخمس والخمسين صفحة، ويمكن تقسيم أبرز المحاور التي تحدَّث عنها بالشكل الآتي:

أ- ولادة الإمام الحسين(علیه السلام) ومكانها((3)).

ب - فضائل الإمام الحسين(علیه السلام) وشمائله، ومكانته عند رسول الله(صلی الله علیه و آله)((4)).

ت - الأخبار المستقبلية التي أخبر عنها الرسول والتي تتعلَّق بمقتل سبطه الإمامالحسين(علیه السلام) وموضع قتله((5)).

ث - النصحاء الذين أبدوا مواقفهم بشأن خروج الإمام الحسين(علیه السلام) وجواب الإمام لهم((6)).


1) مصطفى، التاريخ العربي والمؤرخون: ص242.

2) افرد الباحث المحمودي كل ما يتعلق بالإمام الحسين(علیه السلام) من كتاب تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر، بكتاب مستقل، تحت عنوان: (ترجمة ريحانة رسول الله المفدى في سبيل الله الإمام الحسين(علیه السلام) من تاريخ مدينة دمشق).

3) تاريخ مدينة دمشق، ج14: ص115-116.

4) ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج14، ص116-185.

5) المصدر نفسه: ج14، ص190-200.

6) المصدر نفسه: ج14، ص201-203.

ج - أخبار المقتل الحسيني ومقدماته((1)).

2- استعمل ابن عساكر في إيراد روايات المقتل منهج إسناد الروايات بصيغ عدة أبرزها «حدَّثنا((2))، أخبرنا((3))، انبأنا»((4)).

3- من ضمن منهجه ذكر أكثر من رواية لبعض الأحداث التاريخية، منها، تحديد عُمر الإمام الحسين(علیه السلام) حين استشهاده أو الإختلاف في سنة استشهاده، أو تحديد اليوم الذي استُشهِد فيه، ونجد أنَّ ابن عساكر ذكر العديد من الروايات بهذا الخصوص ومن مصادر مختلفة((5)).

4- أمّا مصادر رواياته عن المقتل فنلحظ أنَّ ابن عساكر قد اعتمد على النقل التاريخي الحرفي وبشكل كبير جداً في إيراد روايات المقتل الحسيني، وقد ابتدأ في نقله عن ابن سعد بقوله: «قال ابن سعد وغير هؤلاء أيضاً قد حدَّثني في هذا الحديث بطائفة فكتبتُ جوامع حديثهم في مقتل الحسين(علیهالسلام)»((6))، ثم استمرَّ ابن عساكر في النقل التاريخي النصِّي حتى أورد الخبر كاملاً والذي بلغ سبع صفحات تقريبا، وتضمَّن الخبر إجراءات معاوية بن أبي سفيان في إسناد الحكم لولده يزيد ووصيته له، فضلاً عن مكاتبة أهل الكوفة للإمام الحسين(علیه السلام) للخروج، ثم استعرض محاولات والي المدينة لأخذ البيعة من الإمام الحسين(علیه السلام)، ثم ذكر كلام النصحاء الذين أبدوا رأيهم للإمام(علیه السلام) من مسألة توجُّهه نحو العراق وجوابه لهم((7)).


1) المصدر نفسه: ج14، ص155-261.

2) وردت هذه الصيغة في رواية بعض أخبار المقتل في: ج14، ص223، 228، 229، 242، 245.

3) وردت هذه الصيغة بشكل كبير في رواية أخبار المقتل في: ج14، ص155-261.

4) وردت هذه الصيغة في رواية بعض أخبار المقتل في: ج14، ص217، 230، 240، 244.

5) تاريخ مدينة دمشق: ج14، ص245-261.

6) المصدر نفسه: ج14، ص205.

7) المصدر نفسه: ج14، ص205-213.

واعتماد ابن عساكر بالدرجة الثانية من حيث المادة التاريخية الخاصة بالمقتل على جملة من الرواة والمؤرِّخين، منهم ابن سيرين((1)) الذي نقل منه ابن عساكر روايتين: الأولى حول وضع رأس الإمام الحسين(علیه السلام) في الطست((2)) بينما كانت الرواية الثانية ضمن الروايات ذات الطابع الغيبي، والتي تناولت معجزة من معاجز السماء التي وقعت عقب استشهاده(علیه السلام)((3)). كما اعتمد ابن عساكر على الواقدي في بعض مرويات المقتل، والتي كانت بحدود ستِّ روايات، وقد تركَّزت حول عمر الإمام(علیه السلام) وتاريخ استشهاده((4))، فضلاً عن ذلك فقد اعتمد على غير هؤلاء المؤرِّخين ولكن بشكل ضئيل جداً((5)).وفيما يخصُّ الروايات التي ذكرها ابن عساكر التي تستحقُّ الوقوف فقد ناقشناها في معرض حديثنا عن مروِّيات ابن سعد والطبراني التي نقلها ابن عساكر((6)) ويُستشفُّ من عرض منهج ابن عساكر الخاص بالمقتل، أنَّه خصَّص مادة تاريخية واسعة لفضائل الإمام الحسين(علیه السلام) مقارنةً بالمادة التاريخية ذات الطابع السياسي، التي نجد أنَّه أغفل الكثير من جوانبها لاسيما مقدماتها، فضلاً عن أنَّ ابن عساكر لم


1) محمد بن سيرين، أبو بكر، فقيه محدث تابعي، ولد بالبصرة، مولى انس بن مالك الأنصاري، أشتهر بتفسير الرؤيا (الاحلام)، البخاري، التاريخ الكبير: ج1، ص90؛ العجلي، معرفة الثقات: ج2، ص240.

2) تاريخ مدينة دمشق: ج14، ص126.

3) وهي ظهور حمرة في السماء، ينظر، المصدر نفسه: ج14، 228.

4) المصدر نفسه: ج14، ص240، 250، 251، 255، 256، 257.

5) منهم وكيع بن الجراح الكوفي، على نص روائي في: ج14، ص190، والمدائني: ج14، ص255.

6) للوقوف أكثر بشأن الروايات أو المحاور التي تطرَّق إليها ابن عساكر والتي تخصُّ المقتل وحيثياته، ينظر، العذاري، أخبار الحسن والحسين(علیه السلام): ص327-399.

يبدِ أيَّ نقدٍ تاريخي أو مناقشة لأيٍّ من الأحداث، إذا استثنينا مناقشته لتأريخ استشهاد الإمام الحسين(علیه السلام) ونقله لآراء المؤرخين((1)).

مصادر تراجم أخرى

اشارة

هناك نوع آخر من التراجم خُصِّص لترجمة حياة أئمة آل البيت(علیه السلام) والعلويين، مع أنَّها لا تحمل عنوان التراجم إلا أنَّ محتواها يشير إلى أنَّها من هذا النوع، منها:

أ - مقاتل الطالبيين، لأبي الفرج علي بن الحسين الأصفهاني (ت 356ﻫ/958م)

تناول أبو الفرج أحداث المقتل من خلال تراجمه للشخصيات التي اشتركت فيه، وقد أوضح منهجه في عرض مادته التاريخية، فمن حيث المدَّة الزمنية لمصنَّفه فقد حدَّدها بقوله: «ونحن ذاكرون في كتابنا... أخبار من قُتل من ولد أبي طالب منذ عهد رسول الله إلى الوقت الذي ابتدأنا فيه هذا الكتاب، وهوفي جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة للهجرة»((2)).

أمّا مَن يشمله موضوع مصنفه من شخصيات آل أبي طالب فهم: «مَن احتِيل في قتله منهم بسَمٍّ سُقِيه وكان سبب وفاته، ومَن خاف السلطان وهرب منه فمات في تواريه، ومَن ظفر به فحبس حتى هلك في محبسه... ووفاة مَن تُوفى بهذه الأحوال، لا على قدر مراتبهم في الفضل والتقدُّم... وعلى أنَّا لا ننفي من أن يكون الشئ من أخبار المتأخرين منهم فاتنا ولم يقع إلينا، لتفرُّقهم في أقاصي المشرق والمغرب، وحلولهم في نائي الأطراف وشاسع المحال التي يتعذَّر علينا استعلام أخبارهم فيها، ومعرفة قصصهم لاستيطانهم إيَّاها سيما مع قصور زماننا هذا وأهله، وخلوِّه من مدوَّن الخبر،


1) تاريخ مدينة دمشق: ج14، ص248-250.

2) أبو الفرج الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص2.

أو ناقل الأثر كما كان المتقدِّمون قبلهم يدوِّنون ويصنِّفون وينظِّمون ويرصفون... وجاعلون ما نؤلِّفه في هذا الكتاب ونأتي به، على أقرب ما يمكننا من الإختصار، ونقدر عليه من الإقتصار، وجامعون فيه ما لا يُستغنَى عن ذكره من أخبارهم وسيرهم ومقاتلهم وقصصهم...»((1)).

امتازت ترجمة الأصفهاني لتلك الشخصيات المشاركة في المقتل تحديداً بالإقتضاب والإختصار، حيث تضمَّنت الترجمة الاسم الكامل للمترجَم له والكنية مع ذكر اسم الأم، وتحديد الشخصية التي قتلته، ومن أمثلة ذلك: «عثمان بن علي بن أبي طالب(علیه السلام) وأُمُّه أمُّ البنين... قُتِل عثمان بن علي وهو ابن إحدى وعشرين سنة... إنَّ خولي بن يزيد رمى عثمان بن عليبسهم... وشدَّ عليه رجل من بني أبان بن دارم فقتله وأخذ رأسه...»((2)).

وفي معرض ترجمته لعبد الله بن الإمام الحسن(علیه السلام) إذ قال: «عبد الله بن الحسن بن علي ابن أبي طالب(علیه السلام)، وأمُّه بنت السليل بن عبد الله أخي جرير بن عبد الله البجلي. وقيل: إنَّ أمَّه أمُّ ولد... إنَّ حرملة بن كاهل الأسدي قتله، وذكر المدائني... أنَّ رجلاً منهم قتله»((3)).

وعلى هذا المنهج سار الأصفهاني في إيراد تراجمه للشخصيات المشاركة في المقتل مع التفصيل في بعضها مثل ترجمته للإمام الحسين(علیه السلام)((4)) وأخيه أبي الفضل العباس(علیه السلام)((5)).

وفي أثناء ترجمته للإمام الحسين(علیه السلام) تطرَّق الأصفهاني إلى أحداث المقتل السياسية


1) المصدر نفسه: ص2.

2) المصدر نفسه: ص55.

3) المصدر نفسه: ص59.

4) مقاتل الطالبيين: ص51، 63-80.

5) المصدر نفسه: ص55.

والعسكرية من قبيل قصة مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة(علیه السلام) حتى استشهادهما، بعدها استعرض الأحداث التي جرت للإمام(علیه السلام) منها موقفه من الحرِّ بن يزيد الرياحي وما جرى بينهما، ثم استرسل بالحديث حتى ذكر الإصطدام العسكري بين الطرفين الذي أدَّى إلى استشهاد الإمام(علیه السلام) والسَّلَب الذي تعرَّض له، ثم انتقل إلى السبي والأسر الذي تعرَّض له أهل البيت في الشام، والأحداث التي جرت لهم هناك((1)).

واتبع أبو الفرج الأصفهاني مع بعض الروايات النقد التاريخي، منها: تحديده لليوم الذي استُشهِد فيه الإمام الحسين(علیه السلام) إذ حدَّده الأصفهاني بيوم الجمعة لعشر خلونَ من المحرم، سنة إحدى وستين من الهجرة، ثم أورد بعد ذلكالآراء المختلفة بقوله «وقيل: إنَّ مقتله كان يوم السبت، روي ذلك عن أبي نعيم الفضل بن دكين والذي ذكرناه أولاً أصحُّ، فأمَّا ما تقوله العامة إنَّه قُتل يوم الاثنين فباطل، وهو شئ قالوه بلا رواية»((2)).

دافع الأصفهاني عن روايته بدليل منطقي باستناده إلى أنَّ: «أول المحرَّم الذي قُتل فيه يوم الأربعاء، أخرجنا ذلك بالحساب الهندي من سائر الزيجات، وإذا كان ذلك كذلك فليس يجوز أن يكون اليوم العاشر يوم الاثنين، وهذا دليل صحيح واضح تنضاف إليه الرواية... فأمَّا ما تعارفه العوام من أنَّه قُتل يوم الاثنين فلا أصل له ولا حقيقة ولا وردت به رواية»((3)).

وشكَّك الأصفهاني باستشهاد إبراهيم بن علي بن أبي طالب(علیه السلام) في واقعة الطف، بقوله: «وما سمعت بهذا، ولا رأيت لإبراهيم في شيء من كتب الأنساب ذكراً»((4)).


1) المصدر نفسه: ص63-80.

2) المصدر نفسه: ص51.

3) المصدر نفسه: ص51.

4) المصدر نفسه: ص57.

على حين استبعد مقتل عبيد الله بن علي(علیه السلام) مع الحسين(علیه السلام)، واصفاً إيَّاه «بالخطأ وإنَّما قُتل عبيد الله يوم المذار((1))، قتله أصحاب المختار بن أبي عبيد الثقفي»((2)).

ومن الجدير بالذكر أنَّ العديد من المؤرخين قد ذهبوا إلى هذا الرأي من أنَّ عبيدالله ابن علي(علیه السلام) قد قُتل مع المختار بن أبي عبيد الثقفي، ومنهم ابن سعد((3)) والجاحظ((4)) وابن قتيبة((5)) واليعقوبي((6)) والطبري((7)) والمسعودي((8)) وابن أعثم الكوفي((9)) ومسكويه((10)) وابن الأثير((11))، والذهبي((12)).

وفضلاً عن ذلك فقد ردَّ ابن إدريس الحلي على رواية المفيد((13)) التي أشارت إلى استشهاد عبيد الله في واقعة الطف بقوله: «وقد ذهب أيضاً شيخنا المفيد في كتاب الإرشاد إلى أنّ عبيد الله بن النهشلية قُتل بكربلاء مع أخيه الحسين(علیه السلام)، وهذا خطأ محض بلا مراء؛ لأنّ عبيد الله بن النهشلية كان في جيش مصعب بن الزبير، ومن جملة


1) المذار: منطقة في ميسان بين واسط والبصرة وهي قصبة ميسان، بينها وبين البصرة مقدار أربعة أيام، ياقوت الحموي، معجم البلدان: ج5، ص88.

2) ابو الفرج الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص57.

3) الطبقات الكبرى: ج5، ص119.

4) العثمانية: ص96.

5) المعارف: ص401.

6) تاريخ: ج2، ص263.

7) تاريخ: ج4، ص567.

8) مروج الذهب: ج3، ص99.

9) الفتوح: ج6، ص288.

10) تجارب الامم: ج2، ص207-208.

11) الكامل في التاريخ: ج4، ص277.

12) تاريخ الاسلام: ج5، ص181.

13) الارشاد: ج1، ص354. ، وقد أورد هذه الرواية أيضاً، الطبرسي، تاريخ المواليد: ص19.

أصحابه قتله أصحاب المختار بن أبي عبيد بالمذار، وقبره هناك ظاهر، والخبر بذلك متواتر»((1))، ونستنتج من مجمل تلك الدلائل والقرائن عدم مشاركة عبيد الله في واقعة الطف، وإنَّما قُتل مع المختار بن أبي عبيد الثقفي.وآخر ما تستوقفنا من روايات الأصفهاني إشارته إلى وجود أخ للإمام الحسين(علیه السلام) قد استُشهِد معه في كربلاء يكنى بأبي بكر، ولم يحدِّد اسمه ولا اسم قاتله، قائلاً: «قتله رجل من همدان»((2))، على حين ذكره القاضي النعمان بإنَّه ابن الإمام الحسين(علیه السلام) وليس أخاه((3)).

ونميل إلى ضعف هذه الرواية لاضطراب الروايتين في تحديد انتسابه من كونه أخاً للإمام الحسين(علیه السلام) أو ابنه، يُضاف إلى ذلك مجهولية الاسم لأبي بكر واسم قاتله، فضلاً عن تفنيد أحد الباحثين المتأخرين لهذه الرواية بشكل مستفيض على وفق الأدلة والقرائن العلمية والمصادر التاريخية((4)).

ب - شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار(علیهم السلام)، لأبي حنيفة النعمان بن محمد بن منصور بن أحمد بن حيون المعروف بالقاضي النعمان (ت363ﻫ/965م)
اشارة

ابتدأ القاضي سرده لمادة المقتل بحديثه عن الأخبار المستقبلية التي أخبر بها كلٌّ من الرسول محمد(صلی الله علیه و آله) والإمام علي بن أبي طالب(علیه السلام) عن مقتل الإمام الحسين(علیه السلام) مكاناً وزماناً، وبعد ذلك تسلسل بالحديث عن الأحداث السياسية والعسكرية عن المقتل؛ ليركِّز على قصة مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة(علیه السلام)، ثم توجُّه الإمام(علیه السلام) إلى


1) ابن أدريس الحلي، السرائر: ج2، ص493.

2) مقاتل الطالبيين: ص56-57.

3) شرح الاخبار: ج3، ص179.

4) العاملي، الانتصار: ج8، ص325-329.

كربلاء، حتى استشهاده(علیه السلام)، ثم استعرض بعد ذلك الوقائع التي حصلت بعد استشهاد الإمام سواء في الكوفة أو في بلاد الشام، ليختم حديثه بعد ذلك بإيراد أسماء مَنقُتل مع الحسين(علیه السلام)((1)).

أشار القاضي إلى مسالة مهمة تتعلَّق بآلية وطريقة مبايعة أهل الكوفة لسفير الإمام الحسين(علیه السلام) مسلم ابن عقيل(علیه السلام)، بأنَّها كانت بسريِّة تامَّة، بقوله: «وكان مسلم ابن عقيل(علیه السلام) قد بايع له جماعة من أهل الكوفة في استتارهم»((2)).

وقد خالف القاضي بهذا النص الرواية التقليدية للمقتل((3)) التي صوَّرت عملية البيعة تلك بأنَّها علنية وأمام الأنظار، فقد أشار الدينوري إلى هذا المعنى بقوله: «فسار مسلم حتى وافى الكوفة، ونزل في الدار التي تُعرف بدار المختار بن أبي عبيد، ثم عُرفت اليوم ب-:دار المسيَّب، فكانت الشيعة تختلف إليه، فيقرأ عليهم كتاب الحسين، ففشا أمره بالكوفة...»((4)) ومنها ما أورده المسعودي: «فخرج مسلم من مكة في النصف من شهر رمضان، حتى قدم الكوفة لخمس خلونَ من شوال، والأمير عليها النعمان بن بشير الأنصاري، فنزل على رجل يُقال له عَوْسَجة مستتراً، فلما ذاع خبر قدومه بايعه من أهل الكوفة اثنا عشر ألف رجل، وقيل: ثمانية عشر ألفاً...»((5))، ووصف ابنأعثم البيعة بقوله: «وجعلت الشيعة تختلف إلى دار مسلم وهو يقرأ


1) للتفاصيل يراجع، القاضي النعمان، شرح الاخبار: ج3، ص134-196.

2) المصدر نفسه: ج3، ص143.

3) ابن خياط، تاريخ: ص176؛ الدينوري، الاخبار الطوال: ص231؛ اليعقوبي، تاريخ: ج2، ص242؛ الطبري، تاريخ: ج4، ص258؛ ابو الفرج الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص63؛ المفيد، الارشاد: ج2، ص31؛ الطبرسي، اعلام الورى: ج1، ص437؛ ابن الجوزي، المنتظم: ج5، ص325.

4) الاخبار الطوال: ص231.

5) مروج الذهب: ج3، ص54.

عليهم كتاب الحسين والقوم يبكون شوقا منهم إلى قدوم الحسين...»((1)).

ويقترب مسكويه من النَّصَّين السابقين كثيراً، قائلاً «فسار مسلم إلى الكوفة، وبها النعمان بن بشير الأنصاري أميراً من قبل يزيد. فلما تحدّث الناس بمقدمه دبّوا إليه، فبايعه منهم اثنا عشر ألفا...»((2)).

وعند مقارنة هذه النصوص مع رواية القاضي النعمان نقدِّم عدَّة احتمالات ونتائج مفيدة منها:

أ - إنَّ نصّ القاضي النعمان يخالف أغلب النصوص أعلاه بخصوص شكل وطريقة مبايعة الشيعة لمسلم بن عقيل(علیه السلام) إذ أكَّدت تلك النصوص علنية البيعة، وبحضور جمع كبير من المبايعين مع اختلافها في العدد إلا أنَّها أشارت إلى حضور الآلاف من الشيعة وإعلان ولائهم لمسلم(علیه السلام)، بينما أشارت رواية القاضي إلى سرِّيَّة البيعة وكتمانها.

ب - في حال احتمال علنية البيعة تواجهنا إشكالات عدَّة، منها: لماذا جعل مسلم البيعة علنية مع أنَّ تعليمات الإمام الحسين(علیه السلام) أكَّدت على كتمان الأمر، ثم إنَّ علنية البيعة تؤدي إلى فشل الثورة في بداياتها؟ فما الداعي إلى العلنية والسلطة الحاكمة تبحث عنهم؟ ثمَّ إذا كان عددهم يتجاوز الآلاف فأين السلطة الحاكمة، من هؤلاء؟ ولماذا لم تلقِ القبض عليهم؟

ت - في حال سرِّيَّة المبايعة: نرى أنّ هذا أقرب للقبول والتفسير المنطقي - وإن كان مخالفاً لمجمل النصوص - وأنَّ انفراد مؤرخ برواية عن بقية المؤرِّخين لا يعنيعدم وقوعها أو مقبوليتها؛ إذ من المنطق أن يجعل مسلم تحركاته التنظيمية ذات


1) الفتوح: ج5، ص34.

2) تجارب الامم: ج2، ص41.

طابع سرِّي بموجب الوضع في الكوفة الذي يحتِّم عليه ذلك بوصفه معارضاً للحكم الأموي، فضلاً عن التزامه بوصايا إمامه وقائده الحسين(علیه السلام).

ويورد القاضي النعمان إشارة تأريخية مهمة تؤكِّد حضور الإمام محمد الباقر(علیه السلام) في واقعة الطف بعمر سنتين، والظاهر من الخبر أنَّه يضعِّفه بقرينة قوله: «وقيل: إنَّ ابنه محمداً بن علي(علیه السلام) يومئذ كان مع الحرم ابن سنتين»((1)).

وهنا لا بدّ من التأكُّد من حقيقة وجود الإمام الباقر(علیه السلام) في واقعة الطفِّ أوعدمها، ولتسليط الضوء أكثر على ذلك هناك عدَّة أدلة وقرائن تثبت حضوره في تلك الواقعة منها:

أ- اختلف المؤرِّخون((2)) في تحديدهم لتأريخ ولادة الإمام الباقر(علیه السلام) إلا أنَّ ذلك الإختلاف يمكن تحديده من أنَّ أقلَّ تأريخ ذكروه هو (سنة 56ﻫ/676م)، وأقصاه (سنة 59ﻫ/677م)، ينتج عن هذا أنَّ كلا التأريخين لولادته(علیه السلام) يؤكد أنَّه موجود في واقعة الطف، ويتراوح عمره ما بين (3 إلى 5 سنوات) تقريباً.

ب - تصريح الإمام الباقر(علیه السلام) نفسه بقوله: «قُتل جدِّي الحسين ولي أربع سنين، وإني لأذكر مقتله، وما نالنا في ذلك الوقت»((3))، يدلُّ هذاالنصُّ على أنَّ الإمام(علیه السلام) قد شاهد أحداث واقعة الطفِّ ومأساتها.

ت - إشارة المسعودي الصريحة، بقوله: «حمل علي بن الحسين مع الحريم، وأُدخل على اللعين يزيد وكان لابنه أبي جعفر(علیه السلام) سنتان وشهور فأدخل معه...»((4)).


1) شرح الاخبار: ج3، ص156.

2) الخصيبي، الهداية الكبرى: ص237؛ المفيد، الارشاد: ج2، ص158؛ التنوخي، فرق الشيعة: ص53؛ الصفدي، الوافي بالوفيات: ج4، ص102؛ ابن عنبة، عمدة الطالب: ص195.

3) اليعقوبي، تاريخ: ج2، ص320.

4) اثبات الوصية: ص182.

ث - وردت بعض الروايات والأخبار عن المقتل مسندة عن طريق الإمام الباقر(علیه السلام)؛ وهي بذلك تدلُّ على أنَّه شاهد عيان للحدث آنذاك، منها أنَّه عندما رفع الحسين(علیه السلام) رضيعه، وطالب أعداءه أن يسقوه الماء، رماه حرملة بن كاهل الأسدي بسهم فأصابه في نحره: «تلقى الحسين(علیه السلام) الدم بكفيه فلما امتلأتا رمى بالدم نحو السماء قائلاً: هَوَّنَ عليَّ ما نزل بي أنه بعين الله»((1)) وبهذا الصدد قال الإمام الباقر(علیه السلام): «فلم يسقط من ذلك الدم قطرة إلى الأرض»((2))، وقوله(علیه السلام): «أُصيب الحسين بن علي(علیه السلام)، ووجد به ثلاثمائة وبضعة وعشرون طعنة برمح أو ضربة بسيف أو رمية بسهم»((3)).

من خلال تلك النصوص والقرائن نستنتج أنَّ الإمام الباقر(علیه السلام) كان موجوداً في واقعة كربلاء، على اختلاف تحديد عمره الشريف(علیه السلام).

وفي جانب آخر حلَّل القاضي النعمان من الناحية النفسية والتأريخية سبب استبشار مروان بن الحكم (ت 65ﻫ/685م) بقتل الإمام الحسين(علیه السلام) معلّلها بدافع قبلي جاهلي بقوله: «هذه العداوة المحضة الأصيلة، وطلب القديم منثأر الجاهلية، لم يستطع مروان اللعين أن يخفيه، وبعثه السرور بقتل الحسين على أن أخذه بيده، وقال ما قاله. وقد كان علي(علیه السلام) أسره يوم الجمل، فمنَّ عليه وأطلقه، فما راعى ذلك ولا حفظه، بل قد شاور معاوية اللعين في نبش قبر علي(علیه السلام) لما غلب على الأمر... ويذكِّره قتلى بدر من بني عبد الشمس، ومن قُتل منهم على الكفر غير موسَّد ولا مدفون»((4)).


1) ابن طاووس، اللهوف: ص70.

2) المصدر نفسه: ص70.

3) الفتال النيسابوري، روضة الواعظين: ص189.

4) شرح الاخبار: ج3، ص161.

وآخر ما يستوقفنا في منهجيته استعمالهُ للنقد والتحقيق في بعض الأحداث، من قبيل تحقيقه في علي الأكبر(علیه السلام) بقوله: «واختُلف القول فيهما، فقيل: إنَّ المقتول هو علي الأصغر، إنَّه قُتل يومئذ وفي أذنه قرط، وإنَّ علياً الأكبر هو الباقي يومئذ، وكان(علیه السلام) عليلاً... وإنَّه يومئذ ابن ثلاث وعشرين سنة، وكان معه ابنه محمد بن علي(علیه السلام) ابن سنتين، وإنَّه كان وصي أبيه الحسين(علیه السلام)، وهذه الرواية هي الرواية الفاشية الغالبة، وقال آخرون: المقتول هو علي الأكبر وصي أبيه. فلما قُتل عهد إلى علي الأصغر الذي هو لأُمِّ ولد، فأما المقتول يومئذ فأمُّه ليلى بنت مرة بن عروة بن مسعود الثقفي، وعلي الباقي لأمِّ ولد فيما أجمعوا عليه»((1)).

بعدها لجأ القاضي النعمان إلى تقسيم آراء المؤرخين التي تناولت موضوع علي الأكبر بقوله: «وكان للحسين(علیه السلام) ابنان، يدعى كل واحد منهما علياً. فالعامة تزعم أنَّ المقتول منهما معه هو الأكبر، وأهل العلم منأوليائهم وشيعتهم وغيرهم من علماء العامة العارفين بالأنساب والتواريخ يقولون: إنَّ المقتول مع الحسين(علیه السلام) هو الأصغر وإنَّ الباقي منهما هو الأكبر، وإنَّه كان يوم قُتل الحسين(علیه السلام)... شديد العلَّة، فذلك كان سبب بقائه»((2)).

وعند تتبعنا لبعض المصادر التاريخية نجد روايتي القاضي مخالفة لها وتتعارض مع بعضها بشكل كبير، وسندرج نصوص قول المؤرخين وفق التسلسل التاريخي وهم:

أ - الدينوري: «لم يزل أصحاب الحسين يقاتلون ويُقتلون، حتى لم يبقَ معه غير أهل بيته، فكان أول من تقدم منهم، فقاتل علي بن الحسين، وهو علي الأكبر، فلم يزل يقاتل


1) المصدر نفسه: ج3، ص153.

2) المصدر نفسه: ج3، 265.

حتى قُتل، طعنه مرة بن منقذ العبدي، فصرعه»((1)).

ب - اليعقوبي: «وكان للحسين من الولد: علي الأكبر، لا بقية له، قُتل بالطف، وأمُّه ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي، وعلي الأصغر»((2)).

ت - الطبري: «وكان أوَّل قتيل من بنى أبى طالب يومئذ على الأكبر بن الحسين بن علي وأُمُّه ليلى ابنة أبى مرة ابن عروة بن مسعود الثقفي»((3)).

ث - الكاتب البغدادي (ت322ﻫ/924م): «ولد للحسين بن علي(علیهالسلام) على الأكبر الشهيد مع أبيه وعلى سيد العابدين»((4)).

ج - المسعودي: «وكان جميع مَن قُتل مع الحسين في يوم عاشوراء بكربلاء سبعة وثمانين، منهم ابنه علي بن الحسين الأكبر...»((5)).

ح - أبو الفرج الأصفهاني: «وعلي بن الحسين وهو علي الأكبر... وهو أول من قُتل في الواقعة»((6)).

خ - المفيد: «وكان للحسين(علیه السلام) ستة أولاد: علي بن الحسين الأكبر، كنيته أبو محمد، وأمُّه شاه زنان بنت كسرى يزدجرد وعلي بن الحسين الأصغر، قُتل مع أبيه بالطف... وأمُّه ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفية»((7)).

د - الطبري الشيعي: «علي الأكبر قُتل معه، وعلي الإمام زين العابدين، وعلي الأصغر»((8)).


1) الدينوري، الاخبار الطوال: ص256.

2) تاريخ: ج2، ص246.

3) تاريخ: ج4، ص340.

4) تاريخ الائمة: ص18.

5) مروج الذهب: ج3، ص61.

6) مقاتل الطالبيين: ص52.

7) الارشاد: ج2، ص135.

8) دلائل الامامة: ص181.

ذ - العمري، نجم الدين أبو الحسن علي بن أبي الغنائم (المتوفى في القرن الخامس الهجري/الحادي عشرالميلادي): وجَّه العمري انتقاداً لاذعاً لكلِّ مَن يروي بأنَّ علياً الأصغر هو مَن قُتل في واقعة الطف بقوله: «وزعم مَن لا بصيرة له أنَّ علياً الأصغر هو المقتول بالطف، وهذا خطأ ووهم»((1)).

ر - الطبرسي: «علي بن الحسين الأكبر زين العابدين(علیه السلام)، أُمُّه شاه زنان بنت كسرى يزدجرد بن شهريار، وعلي الأصغر، قُتل مع أبيه،أُمُّه ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفية، والناس يغلطون ويقولون: إنَّه علي الأكبر»((2)).

ز - ابن الخشاب البغدادي (ت 567ﻫ/1169م): «على الأكبر الشهيد مع أبيه، وعلى الإمام سيد العابدين، وعلى الأصغر»((3)).

س - أبو عبد الله محمّد بن عليّ بن شهر آشوب (ت 588 ﻫ/1190م): «علي الأكبر الشهيد، أُمُّه برَّة بنت عروة بن مسعود الثقفي، وعلي الإمام وهو علي الأوسط، وعلي الأصغر»((4)).

ش - ابن الجوزي: «وخرج علي بن الحسين الأكبر... فطعنه مرة بن منقذ فصرعه»((5)).

وعند مقارنة هذه النصوص مع بعضها البعض، ومقابلتها مع روايتي القاضي النعمان آنفتا الذكر، نصل إلى جملة من النتائج، منها:

أ - إنَّ إدعاء القاضي النعمان من أنَّ أغلب مؤرخي الشيعة أشاروا إلى كون


1) المجدي في انساب الطالبين: ص129.

2) اعلام الورى: ج1، ص478.

3) تاريخ مواليد الائمة: ص21.

4) مناقب ال أبي طالب: ج3، ص231.

5) المنتظم: ج3، ص340.

المقتول في واقعة الطف هو علي الأصغر، أمر فيه نظر وتأمل؛ وذلك لأنَّ جميع المؤرخين أعلاه - الذين أغلبهم من أعلام الشيعة - قد أشاروا إلى أنَّ علياً الأكبر هو من استُشهد في واقعة الطف، وليس علياً الأصغر بإستثناء روايتي المفيد و الطبرسي، وكلاهما متأخران عنه من الناحية الزمنية.

ب - إنَّ رواية القاضي النعمان تخالف مجمل المصادر أعلاه، إذ إنَّه أشار إلى وجود ولدين للإمام الحسين(علیه السلام) باسم علي، أحدهما الإمام السجاد(علیهالسلام)، على حين أشارت تلك المصادر إلى وجود ثلاثة أولاد للإمام(علیه السلام) متسمَّين باسم علي.

ت - أشار القاضي النعمان إلى أنَّ رواية استشهاد علي الأصغر هي (الفاشية الغالبة)، ولم تكن كذلك، لكونها تتعارض مع المصادر التي أوردناها، لاسيما وإنَّ بعضها أقدم من الناحية الزمنية من عصر القاضي النعمان، بل إنَّ الرواية الغالبة هي التي أشارت إلى استشهاد علي الأكبر وليس علياً الأصغر.

ث - أشار بعض الباحثين((1)) إلى أنَّ علياً الاكبر هو أسنُّ عمراً من الإمام السجاد(علیه السلام)، وبالتالي فإنَّ رواية القاضي التي تشير إلى استشهاد علي الأصغر والتي وصفته (في أُذنه قرط) - ولعلَّ لبس القرط فيها دلالة على صغر عمره - تتعارض بشكل كبير مع الرواية التقليدية للمقتل.

ج - إنَّ روايات كلٍّ من القاضي النعمان والمفيد والطبرسي التي أشارت إلى استشهاد علي الأصغر في الطف تُعدُّ ضعيفة؛ وذلك لوجود مصادر أقدم منها من الناحية الزمنية، قد أشارت إلى خلاف ذلك مبيّنة أنَّ علياً الأكبر هو من استشهد وهم: اليعقوبي، والطبري، والكاتب البغدادي، والمسعودي، وأبو الفرج الإصفهاني.


1) حيدر، مع الحسين(علیه السلام) في نهضته: ص260؛ الشاكري، شهداء أهل البيت(علیه السلام): ص111؛ المقرم، مقتل الامام الحسين(علیه السلام): ص232.

ح - ثَمَّة تساؤل قد يُطرح، مَن هو علي الأصغر؟ وما مصيره؟ الجواب نجا من واقعة الطف بنصِّ تصريح الدينوري إذ قال: «ولم ينجُ من أصحاب الحسين(علیه السلام) وولده وولد أخيه إلا ابناه، علي الأصغر، وكان قد راهق...»((1)).من خلال هذه الرواية نستنتج أنَّ علياً الأصغر هو الإمام السجاد(علیه السلام)، ومن ثَمَّ فإنَّ أغلب المصادر التي أشارت إلى ذلك كانت تقصد به الإمام السجاد(علیه السلام)، وسلَّط القندوزي (ت 1294ﻫ/1896م) الضوء أكثر حول هذا المعنى بقوله: «وكان للحسين(رضی الله عنه) ثلاثة أبناء وبنتان: علي الأصغر، وهو الإمام زين العابدين، لُقِّب بالأصغر، لأنَّه وُلِد في حياة جدِّه، وعند وفاة جدِّه كان ابن سنتين، فجدُّه أميرالمؤمنين، سعلي الأكبر وهو الأصغر، وفي حادثة كربلا كان ابن اثنتين وعشرين سنة، وكان عليلاً بالإسهال، فلم يقدر أن يخرج إلى الحرب»((2)).

ح - يُستنتَج من ذلك كلّه أنَّ للإمام الحسين(علیه السلام) ثلاثة أولاد يحملون اسم علي، وأنَّ الذي استُشهد في واقعة الطف هو علي الأكبر وليس الأصغر، وأنَّ رواية القاضي النعمان، والمفيد، والطبرسي مخالفة لأغلب المصادر التأريخية.

وهذه هي أهمُّ معالم القاضي النعمان المنهجية التي تمَّ تسجيلها في عرض مادته التاريخية عن المقتل ورواياته التي انفرد بها.

ت - الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، لمحمّد بن محمّد بن النعمان المعروف ب-:المفيد (ت413ﻫ/1015م).

أورد المفيد مادة المقتل من خلال حديثه عن حياة الإمام الحسين(علیه السلام) في فصلٍ مستقلّ بحسب منهجه في ترجمته لأئمة أهل البيت في مصنَّفه((3)).

وأمّا مصادره عن المقتل فقد صرَّح بأنَّه نقلها عن هشام الكلبي والمدائنى، فضلاً


1) الاخبار الطوال: ص259.

2) ينابيع المودة: ج3، ص151.

3) الارشاد: ج2، ص27-140.

عن مصادر أخرى لم يسمِّها بقوله: «ما رواه الكلبي والمدائني وغيرهما من أصحاب السيرة...»((1)).

إنّ متابعة مادة المقتل التي أوردها المفيد ومقارنتها ولو بصورة إجمالية مع المصادر الأخرى، تظهر لنا أنَّ معظمها مطابق للرواية التقليدية للمقتل، وتحديداً لما أورده تأريخ الطبري مع حذف السند الروائي وبنحوٍ مختصر، فالمقارنة بين ما موجود في تأريخ الطبريّ مع الأسانيد وبين ما نقله المفيد يثبت هذا التطابق، وقد أشار أحد الباحثين إلى ذلك بقوله: «إنَّ المتتبِّع لحركة الإمام الحسين(علیه السلام) لدى الشيخ المفيد مقارنة بما أورده الطبري، ذلك التوالي والتشابه في المضمون الذي وصل في بعض الأحيان إلى حدِّ التطابق التامِّ... وهذا يبعث على التساؤل: ماذا إذا كانت هذه الروايات تعود في مصدرها الأساسي إلى شخص واحد نقل عنه الأخباريون جميعهم، استفاد منه الطبري والمفيد»((2))، إلا أنَّ للمفيد زيادات في بعض الأخبار على مادة الطبري، من قبيل تحديده لمكان دفن عليّ الأكبر والعبّاس(علیه السلام) والشهداء الآخرين((3)).

ث - مناقب آل أبي طالب، لأبي عبد الله محمّد بن عليّ بن شهر آشوب (ت588ﻫ/ 1190م).

تناول ابن شهرآشوب المقتل في فصل مستقلٍّ ضمن ترجمة سيرة الإمام الحسين(علیه السلام) وفضائله ومناقبه على وفق منهجيته التي اتَّبعها في مصنَّفه، فبعد أن بيّن في عدّة فصول روايات من كرامات الإمام(علیه السلام) ومحاسن أخلاقه ومعاجزه التي حصلت عقب استشهاده(علیه السلام)، فضلاً عن بعض الأخبار التي بيّنت منزلة ومكانته


1) المصدر نفسه: ج2، ص32.

2) عبد عميش، الحركات العلوية: ص141.

3) الارشاد: ج2، ص125.

عند جدِّه المصطفى، وتطرُّقه أيضاً إلى تأريخ ولادتهوألقابه(علیه السلام)، بعدها عرض مادة المقتل وتفاصيله ومقدماته((1)).

من الملاحَظ أنّ ابن شهرآشوب، وبحسب منهجه في عرض المقتل القائم على أساس الإختصار واجتناب التفصيل في بعض الأخبار لم يتطرَّق للمسائل الدقيقة والمفصلة لبعض مرويات المقتل، إلا أنَّه تناولها بالإجمال، بل لم يتعرّض أصلاً لكثير من الوقائع بسبب اختياره بعضها دون البعض الآخر، ومن المآخذ التي تُسجَّل عليه أنَّه لم يراعِ كثيراً الترتيب الزمنيّ بين الأحداث وتسلسلها، فقد أورد فصلاً تحدَّث فيه عن الكرامات التي تحقَّقت للإمام الحسين(علیه السلام) بعد استشهاده، ثم تناول أيضاً فصلاً في بيان مكارم أخلاقه(علیه السلام)، ثم أورد بعد ذلك فصلاً بعنوان معالي أُموره... ثم أورد فصلاً آخر خاصاً بمقتله(علیه السلام)، وهذا واضح من خلال تتبُّع الفصول أنَّه لم يراعِ التسلسل الزمني للأحداث((2)).

اعتمد المؤلِّف في عرض مادته هذه على بعض مرويات الأئمة(علیهم السلام) منهم الإمام السجّاد(علیه السلام) والإمام الصادق(علیه السلام) والإمام الرضا(علیه السلام)((3))، فضلاً عن اعتماده مصادر متعدّدة من قبيل: أنساب الأشراف للبلاذريّ، وتاريخ الطبريّ، ومقتل ابن بابويه، وفضائل العشرة لأبي السعادات، وحلية الأولياء لأبي نعيم الأصفهانيّ، وأمالي الطوسي، وعن رواة مثل أبي مخنف، وعن القاسم بن الأصبغ - ومن المحتمل أنَّه اعتمد على مقتله المفقود - مما يترتب على ذلك أنَّ كتاب المقتل قد فُقد بعد عصر ابن شهر آشوب((4)).


1) لتفاصيل اكثر، يراجع مناقب ال أبي طالب: ج3، ص206، 273.

2) ابن شهر اشوب، مناقب ال أبي طالب: ج3، ص206، 273.

3) المصدر نفسه: ج3، ص237-239، 258.

4) المصدر نفسه.

ومن الروايات الجديرة بالوقوف عليها إخباره عن عدد القتلى، والتي لا تتفق معالعقل والمنطق، من قبيل قوله عن الإمام الحسين(علیه السلام): «وجعل يقاتل حتى قتل ألفاً وتسعمائة وخمسين سوى المجروحين، فقال عمر بن سعد لقومه: الويل لكم أتدرون من تبارزون؟! هذا ابن الأنزع البطين، هذا ابن قتَّال العرب، فاحملوا عليه من كلِّ جانب، فحملوا بالطعن مائة وثمانون، وأربعة آلاف بالسهام»((1)).

إنَّ المبالغة واضحة جداً في الرواية، فكيف تمكَّن الإمام الحسين(علیه السلام) من قتل هذا العدد من الجنود المدرَّبين والمجهَّزين بكامل عُدَدهم العسكرية؟ فضلاً عن ذلك لم يحدِّد لنا ابن شهر آشوب مصدر هذه الرواية ومن أين جاء بها.

أو قوله عن عبد الله بن مسلم بن عقيل(علیه السلام): «فقاتل حتى قتل ثمانية وتسعين رجلاً بثلاث حملات»((2)).

وآخر ما نختم به حديثنا هو أنّ ابن شهر اشوب قد ذكر بعض الأراجيز التي أطلقها أبو الفضل العبّاس والإمام الحسين(علیه السلام) في واقعة الطف، والتي لم نطَّلع عليها في المصادر المتوافرة لدينا، مما يدلُّ على انفراده بها((3)).

ح - تذكرة خواص الأمَّة في خصائص الأئمة(علیهم السلام)، ليوسف بن فرغلي بن عبد الله المعروف ب-(سبط ابن الجوزي)، (ت654ﻫ/1256م).

ترجم فيه المؤلِّف لأئمة أهل البيت ابتداءً من الإمام علي بن أبي طالب(علیه السلام) حتى الإمام محمد المهدي(علیه السلام) وبخصوص الإمام الحسين(علیه السلام) فقد ابتدأ حديثه عنه ببيان منزلته وفضله عند رسول الله(صلی الله علیه و آله) ثم استعرض بعد ذلك مقدّمات المقتل وحيثياته.وهناك جملة من الخصائص المنهجية التي اتَّبعها المؤلِّف في إيراده لأخبار المقتل


1) المصدر نفسه: ج3، ص258.

2) المصدر نفسه: ج3، ص254.

3) مناقب ال أبي طالب: ج3، ص256، 258.

والتي منها:

1- الشمول الزماني والمكاني للمقتل

أورد سبط ابن الجوزي المقتل كجزء من ترجمته لسيرة الإمام الحسين(علیه السلام)، وقد خصَّص للمقتل حدود ثمانين صفحة، تناولت المقتل بشكل متسلسل من الناحية التاريخية إذ ابتدأه بوصية معاوية بن أبي سفيان لولده يزيد بن معاوية، التي تضمَّنت بعض المعالم الأساسية في إدارة دفَّة الحكم لولده يزيد، ومطالبة والي المدينة للإمام الحسين(علیه السلام) بالبيعة، ثم استعرض الأحداث التي تعاقبت على ذلك، وكيفية خروج الإمام الحسين(علیه السلام) من المدينة، ووصول كتب أهل الكوفة له وجوابه لهم((1)).

بعدها استعرض حادثة مقتل كلٍّ من مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة(علیه السلام)، والأحداث التي ارتبطت بهما((2))، ثم انتقل ليركّز حديثه عن وصول الركب الحسيني إلى العراق والإستعدادات العسكرية التي اتخذتها السلطة الحاكمة لمواجهته، فضلاً عن المواجهة العسكرية بين الطرفين حتى استشهاد الإمام الحسين(علیه السلام) في كربلاء((3)).

أورد السبط إحصاءً دقيقاً بأسماء مَن قُتل من آل أبي طالب(علیه السلام)، ثم عرَّج بعد ذلك إلى السبي والأسر الذي تعرَّض له أهل البيت في الكوفة والشام،بعدها ختم حديثه عن المقتل بالجزاء والعقوبة الدنيوية التي تعرَّض لها بعض قتلة الإمام الحسين(علیه السلام)((4)) جزاءاً لجريمتهم النكراء.


1) سبط ابن الجوزي، تذكرة الخواص: ص235-242.

2) المصدر نفسه: ص242-245.

3) المصدر نفسه: ص245-254.

4) المصدر نفسه: ص254-284.

2- المصادر والموارد

اعتمد سبط ابن الجوزي على العديد من المصادر في ذكره لروايات وأخبار المقتل، ومنها ما أشار إليه بشكل صريح من قبيل الواقدي((1)) ومحمد بن هشام الكلبي((2)) ومحمد بن سعد((3)) والبلاذري((4)) ومحمد بن جرير الطبري((5)) وعلي بن الحسين المسعودي((6))، وابن الجوزي((7)).

فضلاً عن ذلك نجد أنَّ سبط ابن الجوزي أورد بعض الروايات ولم يشر إلى مصادرها التي استقاها منها مستعملاً في ذلك عبارات وصيغاً مختلفة من قبيل «قال علماء السير((8))، وفي رواية»((9)).

اتبع السبط في منهجيته أسلوب المقارنة بين المصادر، فبخصوص المادةالتاريخية عن حادثة مسلم بن عقيل(علیه السلام) يقارن السبط بين مادة الواقدي عن تلك الحادثة، ومادة ابن هشام الكلبي وابن إسحاق قائلاً: «وذكر ابن هشام بن محمد وابن إسحاق في قصة مسلم بن عقيل ما هو أتمُّ من هذا»((10)).


1) تذكرة الخواص: ص237، 240، 249، 254، 258، 260، 268.

2) المصدر نفسه: ص238، 246، 250، 254، 257، 258، 263، 264، 270.

3) المصدر نفسه: ص250، 254، 259، 263، 268.

4) المصدر نفسه: ص262.

5) المصدر نفسه: ص249، 265، 266.

6) المصدر نفسه: ص239.

7) المصدر نفسه: ص249، 273، 280.

8) المصدر نفسه: ص235، 241، 245، 282.

9) المصدر نفسه: ص250، 261.

10) المصدر نفسه: ص243.

3- انفرد سبط ابن الجوزي بالرواية الآتية

إنّ مسلم بن عقيل(علیه السلام) قد طلب من الإمام الحسين(علیه السلام) إعفاءه من مهمة الذهاب للكوفة لدراسة أوضاعها، ونصُّها: «ثم بعث الحسين قبل خروجه من مكة إلى الكوفة مسلم بن عقيل، وقال له انظر ما كتبوا به إلينا فإن كان حقاً فأخبرني، فاستعفاه مسلم، فلم يعفه فقال له يا ابن عمّ الناس كثير فبالله لا تلقى الله بدمي، فقال له لا بدّ من مسيرك، فسار حتى أتى الكوفة»((1)).

إنّ موقف مسلم في هذه الرواية لا يتفق مع سيرته وإخلاصه العقائدي تجاه إمامه الحسين بن علي(علیهما السلام)، ويلاحظ أنَّ الرواية تحاول تصوِّر أنَّ مسلماً خرج مجبراً من قبل الإمام الحسين(علیه السلام)، وهذا غير ممكن لأنَّ مسلماً كان معتقداً تماماً بإمامة الحسين(علیه السلام) ويعرف أنّ هذا هو جزء من تكليفه الشرعي، ولا يمكن أن يعترض على ذلك، فضلاً عن أنَّ سبط ابن الجوزي قد نقلها عن طريق الواقدي، ولم نطلع عليها في بقية المصادر التاريخية المتوافرة لدينا.

وفضلاً عن ذلك فإنَّ هذه الرواية تخالف مجمل ما ذكره المؤرخون الذين لم يشيروا في روايتهم لقصة مسلم بن عقيل(علیه السلام) لهذه الرواية وتردّد الأخيرفي إسناد المهمة إليه من قبل الإمام الحسين(علیه السلام)، ومنهم ابن قتيبة((2))، والبلاذري((3))، واليعقوبي((4)) والطبري((5)) والمسعودي((6))، وأبو الفرج الإصفهاني((7))، والقاضي


1) المصدر نفسه: ص240.

2) الاخبار الطوال: ص230.

3) انساب الاشراف: ج2، ص77.

4) تاريخ: ج2، ص242.

5) تاريخ: ج4، ص257.

6) مروج الذهب: ج3، ص54.

7) مقاتل الطالبيين: ص63.

النعمان((1))، وما أشار إليه الفتّال النيسابوري في إيراده لقصة مسلم((2))، وما أورده ابن نما((3)) وغيرها، وهذا يجعل الرواية في دائرة الشكِّ والضعف، ومن الأخبار المنفردة.

4- النقد والمنهج العلمي

لجأ سبط ابن الجوزي إلى نقد وتحليل بعض الروايات - وإن كان في حالات محدودة - منها، انتقاده لرواية قول الحسين(علیه السلام) إلى عمر بن سعد بأنَّه سوف يتراجع عن موقفه والذهاب للمدينة، أو النزول على حكم يزيد بن معاوية، فقال منتقداً هذا النصَّ: «وقد وقع في بعض النسخ أنَّ الحسين(علیه السلام) قال لعمر بن سعد دعوني أمضي إلى المدينة أو إلى يزيد فأضع يدي في يده، ولا يصحُّ ذلك؛ لأنَّ عقبة ابن سمعان قال:صحبت الحسين من المدينة إلى العراق ولم أزل معه إلى أن قُتل والله ما سمعته قالذلك»((4)).

وجَّه سبط ابن الجوزي انتقاداً تاريخياً إلى البلاذري بخصوص حضور أنس بن مالك في مجلس يزيد بن معاوية في الشام ومشاهدته ضرب الأخير لثنايا الإمام الحسين(علیه السلام)، قائلاً: «وهو غلط لأنَّ أنس بن مالك كان بالكوفة عند ابن زياد ولما جيء بالرأس بكى»((5)).

وأحياناً يرجِّح السبط بعض الروايات المتعدِّدة للحادثة الواحدة، كما هو الحال في عدد أصحاب الإمام الحسين(علیه السلام)، فقد أورد عدة أخبار مختلفة منها أنَّ «عددهم


1) شرح الاخبار: ج3، ص147.

2) روضة الواعظين: ص173-174.

3) مثير الاحزان: ص16.

4) تذكرة الخواص: ص248.

5) سبط ابن الجوزي، تذكرة الخواص: ص262.

سبعون فارساً ومائة راجل، وقيل كان معه ثلاثون فارساً، وذكر المسعودي: أنَّه كان معه ألف»((1))، ويرجِّح السبط الرأي الأول بقوله: «والأول أصحُّ»((2))، ولعلَّ سبب ترجيحه هذا يرجع إلى شهرة هذا الرقم عند المؤرخين.

وذكر أيضاً روايات عدَّة بخصوص الشخصية التي أقدمت على قتل وذبح الإمام الحسين(علیه السلام) مرجِّحاً سنان بن أنس وبمشاركته من قبل شمر بن ذي الجوشن((3)).

ومن منهجه العلمي أيضاً أنَّه أورد عدة مصادر تاريخية لنقل خبر واحد اتفقت عليه، من قبيل إيراده لحادثة إرسال الرؤوس والسبايا إلى الوالي عبيد الله بن زياد، بقوله: «قال هشام بن محمد، والواقدي، وابن إسحاق: ثم بعث عمر بنسعد إلى ابن زياد...»((4)).

وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنَّ سبط ابن الجوزي نقل بعض الروايات الضعيفة التي لا يمكن قبولها من قبيل، نقله لرواية المسعودي بقوله: «ولم يحضر قتال الحسين أحد من أهل الشام، بل كلُّهم من أهل الكوفة ممن كاتبه وكانوا ستة آلاف مقاتل...»((5))، وعند التدقيق بهذه الرواية ومقابلتها مع رواية المسعودي((6)) لم نجدها مطابقة لها، وإنَّ سبط بن الجوزي قد أضاف عليها بعض الزيادات، منها ذكره للعدد ستة آلاف الذين كاتبوا الإمام الحسين(علیه السلام) ومن ثَمَّ قاتلوه، مما يدلُّ على أنَّ


1) سبط ابن الجوزي، تذكرة الخواص: ص251.

2) المصدر نفسه: ص251.

3) المصدر نفسه: ص253.

4) المصدر نفسه: ص256.

5) المصدر نفسه: ص251.

6) مروج الذهب: ج3، ص61.

السبط قد تلاعب بهذه الرواية ولم يتّبع الأمانة العلمية في نقلها.

وفضلاً عن إيراده لرواية ابن شهر آشوب بخصوص عدد الذين قتلهم الإمام الحسين(علیه السلام) والضربات التي تعرَّض لها والتي فيها مبالغة واضحة ومخالفة للمنطق بقوله: «وجعل يقاتل حتى قتل الفاً وتسعمائة وخمسين سوى المجروحين، فقال عمر بن سعد لقومه: الويل لكم أتدرون من تبارزون! هذا ابن الأنزع البطين، هذا ابن قتَّال العرب، فاحملوا عليه من كلِّ جانب. فحملوا بالطعن مائة وثمانون وأربعة آلاف بالسهام»((1)). وقد ناقشنا هاتين الروايتين في معرض حديثنا عن كلا المؤرِّخينِ، وبهذا نختم حديثنا عن مرويات سبط ابن الجوزي.


1) ابن شهر آشوب، مناقب ال أبي طالب: ج3، ص258.

الفصل الثاني: كتب المقتل الحسيني المفقودة من القرن الأول حتى أواخر القرن السابع الهجري/ السادس والثالث عشر الميلاديين

اشارة

المبحث الأول: كتب المقتل الحسيني المفقودة من القرن الأول حتى القرن الثالث الهجري

المبحث الثاني: كتب المقتل الحسيني المفقودة من القرن الرابع حتى أواخر القرن السابع الهجري

المبحث الأوّل: كتب المقتل الحسيني المفقودة من القرن الأول حتى القرن الثالث الهجري

اشارة

إنَّ ظاهرة فقدان الكتب وتلفها من الظواهر التي برزت في التاريخ الإسلامي، وعند مختلف الأمم الأخرى وعلى مرِّ العصور، والتي تسبَّبت بفقدان الكثير من المصادر الأساسية والقيِّمة، وهنالك عدة عوامل ودوافع أدَّت إلى فقدان تلك الكتب، بعضها سياسي وآخر ديني مذهبي، فضلاً عن العوامل الإجتماعية والإقتصادية الأخرى.

تعرَّض الكثير من الباحثين إلى الخوض بشكل تفصيلي في بيان أسباب ودوافع ضياع الكتب وحرق المكتبات وإتلافها((1))، والذي يبدو أنَّ كتب المقتل الحسيني شكَّلت جزءاً من تلك الكتب التي تعرَّضت للفقدان، ومن أدلَّة ذلك أنَّ بعض كتب المقاتل قد وُجدت في حِقَب زمنية معيَّنة وقد اعتمد عليها بعض المؤرخين في ذكر رواياتهم عن مقتل الحسين بن علي(علیه السلام)، في حين فُقِدت فيما بعد وأصبحت في عداد الكتب المفقودة.

ومن الجدير بالذكر أنَّ العديد من المصادر التاريخية اعتمدت على بعض كتب المقاتل المفقودة والتي لم تصلنا، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، ما اعتمده أبوالفرج الأصفهاني في كتابه مقاتل الطالبيين على بعض مرويات المدائني((2))، كما نقل


1) الحزيمي، حرق الكتب: ص17-67؛ الطائي، من وراء المحرقة الكبرى لكتب البشرية: ص103-185؛ ، ضاحي، أغرب الاخبار في ضياع الحقائق والكتب والآثار: ص66-112؛ نوري، اتلاف الكتب في الحضارة الاسلامية: ص41-45.

2) مقاتل الطالبيين: ص51، 56، 59.

ابن عساكر في كتابه تاريخ مدينة دمشق جزء من مرويات الواقدي((1))، الخاصة بالمقتل، وكذلك أورد الذهبي بعض الأخبار التي تخصُّ مقتل الحسين(علیه السلام) استناداً إلى روايات الواقدي((2)).

إنَّ ما ذكرناه يدلُّ على أنَّ كتب المقاتل المشار إليها آنفاً كانت موجودة أو قريبةً زمانياً من عصر هؤلاء المؤرخين وتناقلها بعض المحدِّثين؛ وذلك لأنَّ بعض المؤرخين اعتمد على تلك الكتب عن طريق سلسلة من الأسناد بعبارة (حدَّثنا).

أسماء مؤلِّفي كتب المقتل الحسيني بحسب التسلسل الزمني

1- الأصبغ بن نُباته (ت100ﻫ/702م)

1- الأصبغ بن نُباته (ت100ﻫ/702م)((3))

من أصحاب وخواصِّ الإمام علي بن أبي طالب(علیه السلام) وعمَّر بعده، وأورد عنه الطوسي أنَّه روى عن مقتل الحسين(علیه السلام)((4)).

لكن لم نُوفَّق - بحدود اطلاعنا - للتعرُّف على أيِّ رواية تخصُّ المقتل فيالمصنفات التاريخية مروية عن الأصبغ بن نُباتة، على حين هناك ثلاث روايات وردت في بعض المصادر عن طريق القاسم بن الأصبغ بن نُباته، وهي: الأولى مفادها: «أنَّ رجلاً من بني أبان بن دارم دعا قومه إلى منع الحسين(علیه السلام) من الوصول إلى


1) تاريخ مدينة دمشق: ج14، ص240، 241.

2) تاريخ الاسلام: ج4 ص171، ج5، ص10، 13، 20.

3) الأصبغ بن نباتة بن الحارث بن عمرو بن فاتك بن عامر بن مجاشع بن دارم من بني تميم، كان الأصبغ من خاصة علي بن أبي طالب أميرالمؤمنين(علیه السلام) وعمَّر بعده، روى عهد مالك الأشتر الذي عهده إليه أميرالمؤمنين(علیه السلام) لما ولَّاه مصر، وروى وصية أميرالمؤمنين(علیه السلام) إلى ابنه محمد بن الحنفية، ابن سعد، الطبقات الكبرى: ج6، ص225؛ الطوسي، الفهرست: ص85؛ الحلي، خلاصة الاقوال: ص77.

4) الطوسي، الفهرست: ص86.

الماء، فدعا عليه الإمام(علیه السلام) بالظمأ حتى صبَّ الله عليه الظمأ»((1)) الثانية أوردها أبو الفرج الأصفهاني: «عن القاسم بن الأصبغ بن نباتة قال: رأيت رجلاً من بني أبان بن دارم أسود الوجه، وكنت أعرفه جميلاً شديد البياض فقلت له: ما كدت أعرفك قال. إني قتلت شاباً أمرد مع الحسين بين عينيه أثر السجود، فما نمت ليلة منذ قتلته إلا أتاني فيأخذ بتلابيبي((2)) حتى يأتي جهنم فيدفعني فيها، فأصيح فما يبقى في الحي أحد إلا سمع صياحي، قال: والمقتول العباس بن علي(علیه السلام)»((3)).

أمّا الثالثة فقد أوردها القندوزي عن طريق هشام بن محمد الكلبي ونصُّها: «عن القاسم بن الأصبغ... قال: لما أُتي بالرؤوس إلى الكوفة إذ فارساً منأحسن الناس وجهاً قد علق في لبب فرسه رأس... كأنه القمر ليلة تمامه والفرس طوح فإذا طأطأ رأسه لحق الرأس بالأرض. فقلت له: رأس من هذا قال: رأس العباس بن علي(رضی الله عنه) قلت: وأنت؟ قال: حرملة بن كاهل الأسدي، قال: فلبث أياما وإذا بحرملة فصار وجهه أشد سواداً من القار، فقلت له: لقد رأيتك يوم حملت الرأس وما في العرب أنضر وجها منك وما أدري اليوم إلا أقبح وإلا أسود وجها منك! فبكى، وقال: والله منذ حملت الرأس والى اليوم ما تمر علي ليلة إلا واثنان يأخذاني... ثم ينتهيان بي إلى النار فيدفعاني فيها وأنا أنكص فتسفعني، ثم مات على أقبح حال»((4)).


1) الطبري، تاريخ: ج4، ص343؛ ابن حمزة الطوسي، الثاقب في المناقب: ص341.

2) اتلأبَّ الطريق اطَّرد واستقام، ومروا فاتلأبَّ بهم الطريق، فأخذت بتلبيبه وجررته، يُقال لبَّبه وأخذ بتلبيبه وتلابيبه إذا جَمعت ثيابه عند صدره ونحره ثم جَررتَه، وكذلك إذا جعلتَ في عنقه حبلا أو ثوبا ثم أمسكته به، والمتلبب موضع القلادة. والَّلبة: موضع الذبح، والتاء في التلبيب زائدة وليس بابه، الفراهيدي، العين: ج8، ص126؛ الزمخشري، اساس البلاغة: ص81؛ ابن الاثير، النهاية في غريب الحديث: ج1، ص193.

3) مقاتل الطالبيين: ص79؛ ينظر، الصدوق، ثواب الاعمال: ص218؛ ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص216؛ المجلسي، بحار الانوار: ج45، ص308.

4) القندوزي، ينابيع المودة: ص44.

بعد إيرادنا لهذه الروايات يبدو لنا أنَّ القاسم بن الأصبغ بن نُباتة هو من ألَّف كتاب مقتل الحسين(علیه السلام) لا والده الأصبغ، بقرينة الروايات الثلاث آنفة الذكر، فضلاً عن ذلك وحسب اطلاعنا لا توجد أيَّة رواية للأصبغ تخصُّ المقتل، أمّا من ترجم للأصبغ وذكر أنَّه ألَّف كتاب مقتل الحسين(علیه السلام)، كما أشار إلى ذلك الطوسي((1))، فلعله ناجم عن الإشتباه بين الأصبغ وولده القاسم، و ما شاكل ذلك.

ومن الجدير بالذكر أنَّ الروايات الثلاث التي أسُندت للقاسم بن الأصبغ كانت ذات طابع غيبي إعجازي حيث تحدَّثت عن الجزاء الدنيوي الذي طال قتلة الإمام الحسين(علیه السلام).

2- جابر بن يزيد الجعفي (ت 138ﻫ/745 م)

2- جابر بن يزيد الجعفي (ت 138ﻫ/745 م)((2))

وقد ذكر النجاشي له عدَّة مؤلفات منها كتاب مقتل الحسين(علیه السلام)((3)).

أثرى جابر بن يزيد المصادر التاريخية((4)) بالعديد من الروايات، وفي مختلف


1) الطوسي، الفهرست: ص86؛ وأشار أيضاً الباحث آغا بزرك الطهراني: إلى أنَّ الأصبغ بن نباتة هو أوَّل من ألَّف في مقتل الإمام الحسين(علیه السلام) وكتابه أسبق كتب المقاتل، ينظر، الذريعة: ج22، ص23.

2) جابر بن يزيد بن الحارث بن عبد يغوث بن كعب بن الحارث بن معاوية بن وائل بن مرار بن جعفي، من أهل الكوفة ومن كبار محدِّثيها، يكنى أبو عبد الله، وقيل أبو محمد، والجعفي نسبه، لقي الإمامين محمد الباقر و جعفر بن محمد الصادق(علیهما السلام)، ثِقةٌ في نفسِهِ، لكنْ جُلُّ مَنْ يَروي عنهُ ضَعِيْفٌ، فمِمّنْ أكْثَرَ عنه من الضُعفاء، عَمْرُو بنُ شمر الجُعْفيُّ، ومُفَضَّلُ بنُ صالِح، والسَكُونيّ، ومُنْخَّلُ بنُ جميل الأسَديّ، توفى سنة ثمان وعشرين ومائة، أبو حاتم الرازي، الجرح والتعديل: ج4، ص497؛ النجاشي، رجال: ص128؛ الطوسي، الفهرست: ص95، رجال، ص129؛ ابن الغضائري، رجال: ص110؛ ابن داود الحلي، رجال: ص235؛ ابن حجر، تقريب التهذيب: ج1، ص154.

3) رجال النجاشي: ص130.

4) حول مرويات جابر بن يزيد في المصادر، ينظر، ابن حنبل، العلل: ص197؛ البلاذري، أنساب الأشراف: ج5، ص60؛ الخصيبي، الهداية: ص41، 65، 70؛ العقيلي، الضعفاء: ج4، ص297؛ الصدوق، الامالي: ص73، 133، 180، 341؛ المفيد، الارشاد: ج1، ص24، 37، 41، 123؛ الطبري الشيعي، دلائل الامامة: ص212، 221.

المجالات والتخصُّصات والأحداث، إلا أنَّه لم يورد لنا روايات أو أخباراً تخصُّ المقتل في المصادر المتوافرة لدينا.

3- الواقدي (ت207ﻫ/822م)

3- الواقدي (ت207ﻫ/822م)((1))

أخباري معروف، له عدَّة مؤلفات في السير والتاريخ، منها كتاب مقتل الحسين(علیه السلام). وهو كتاب مفقود((2))، وقد اعتمد على مروياته الخاصة بالمقتل جملة من المؤرخين الذين اقتبسوا بعض النصوص التاريخية الخاصة بالمقتل عنه، أمثال ابن سعد (مؤلف الطبقات الكبرى) إذ ذكر اللقاء الذي دار بين الإمام الحسين بن علي(علیه السلام) وابن مطيع عندما خرج من المدينة باتجاه مكة نقله استنادً إلى ما رواه الواقدي((3)).


1) عبد الله محمد بن عمر الواقدي مولى الأسلميين بنى سهم بن أسل، كان يتشيع، حسن المذهب، يلزم التقية. ، وهو الذي روى أنَّ علياً(علیه السلام) كان من معجزات النبي، مثل العصا لموسى(علیه السلام)، وإحياء الموتى لعيسى بن مريم(علیه السلام)، وغير ذلك من الأخبار، وكان من أهل المدينة انتقل إلى بغداد وولى القضاء بها للرشيد، وله من الكتب المصنفة، كتاب التاريخ والمغازي والمبعث، كتاب أخبار مكة. كتاب الطبقات، كتاب الجمل، كتاب السيرة، كتاب أزواج النبي(صلی الله علیه و آله)، كتاب الرِّدَّة والدار، كتاب حرب الأوس والخزرج، كتاب صفين، كتاب، وفاة النبي(صلی الله علیه و آله)، كتاب أمر الحبشة والفيل. كتاب المناكح، كتاب السقيفة وبيعة أبى بكر، كتاب ذكر الأذان، كتاب سيرة أبى بكر ووفاته، كتاب مداعي قريش والأنصار، كتاب الترغيب في علم المغازي وغلط الرجال، كتاب مولد الحسن والحسين(علیه السلام)، البخاري، التاريخ الكبير: ج2، ص283؛ ابن النديم، الفهرست: ص111؛ السمعاني، الانساب: ج5، ص567؛ الحموي، معجم الادباء: ج18، ص283.

2) ابن النديم، الفهرست: ص111؛ الصفدي، الوافي بالوفيات: ج4، ص169؛ مصطفى، التاريخ العربي والمؤرخون: ج1، ص97، 163.

3) ابن سعد، الطبقات الكبرى: ج5، ص145.

واعتمد الطبري هو الآخر على بعض مرويات الواقدي في أخبار المقتل نقلاً عن ابن سعد، منها ما يخصُّ تاريخ استشهاد الإمام(علیه السلام)؛ إذ ذكر مروياً عن الواقدي فقال: «قُتل الحسين لعشر خلون من المحرم عام 61هجرية، قال الواقدي هذا أثبت»((1))، ولعلَّ قول الواقدي (هذا أثبت) تشير إلى أنَّ هناك آراء مختلفة قد تناولت تأريخ استشهاد الإمام الحسين(علیه السلام) وقد رجَّح الواقدي هذا التأريخ.

وأشار البلاذري إلى بعض مصادره التي اعتمدها في رواية المقتل، منها مرويات الواقدي، إذ ذكر مروياً بما نصه: «قتل الحسينَ شمرُ بن ذي الجوشن، وقد فصَّل خضاب لحيته وكان يخضب بسواد، وأوطأ شمر فرسه وذلك في يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، وهو ابن ثمان وخمسين سنة. ويقال: ابن ست وخمسين»((2)).

ولم يذكر ابن عساكر روايات عن المقتل منقولة عن الواقدي سوى تاريخ استشهاد الإمام الحسين(علیه السلام) وحديث يخصُّ أمَّ سلمة((3)).

من خلال استقراء وتتبع المصادر يتضح لنا أنَّ سبط ابن الجوزي هو من أكثر المؤرخين الذين نقلوا روايات مسندة للواقدي تخصُّ مادة المقتل، وهي أشبه بمقتل كامل للواقدي، وقد ابتدأ بنقله عنه فيما يخصُّ نزول الإمام الحسين(علیه السلام) في مكة بقوله: «قال الواقدي: ولما نزل الحسين مكة كتب يزيد بن معاوية إلى ابن عباس أمّا بعد فإنَّ ابن عمك حسيناً وعدوَّ الله ابنالزبير التويا ببيعتي ولحقا بمكة مرصدين للفتنة...»((4)).

وأورد كذلك عنهُ رواية بخصوص النصيحة أو المشورة التي وجَّهها عبد الله بن


1) الطبري، تاريخ: ج4، ص297.

2) انساب الاشراف: ج3، ص219.

3) تاريخ مدينة دمشق: ج14، ص240، 241، 258.

4) تذكرة الخواص: ص237.

عمر للإمام الحسين(علیه السلام) ونصّها: «قال الواقدي ولما بلغ عبد الله بن عمر ما عزم عليه الحسين دخل عليه... فلامه ووبَّخه ونهاه عن المسير، وقال يا أبا عبد الله سمعت جدَّك رسول الله يقول مالي وللدنيا، وما للدنيا ومالي وأنت بضعة منه»((1)).

وهنا لا بدّ أن نشير إلى بعض النقاط السلبية التي حملتها هذه الرواية، منها: إنَّ تلك الرواية قد تمَّ التلاعب بألفاظها؛ وذلك من غير المعقول أن يوجِّه عبد الله بن عمر كلاماً وانتقاداً بهذا المستوى تجاه الإمام الحسين(علیه السلام)، وفضلاً عن ذلك فإنَّ سياقها وأسلوبها يشيران إلى أنَّها نُقلت بالمعنى وليس باللفظ، ومن المؤكَّد أن يحصل تغيير وتحريف في العبارات والألفاظ، وكيفما يشاء الناقل يُعبِّر - تحكمه في ذلك منظومته العقائدية والمذهبية والسياسية - هذا من جانب، ومن جانب آخر كيف يحقُّ لشخص مثل عبد الله بن عمر أن يوبِّخ إماماً معصوماً مفترض الطاعة مثل الإمام الحسين(علیه السلام)، أضف إلى ذلك أنَّ رواية إبداء النصيحة أو المشورة من قبل عبد الله بن عمر للإمام(علیه السلام) قد أوردها البلاذري((2)) وعند مقارنتها مع رواية الواقدي وجدناها تختلف عنها، وبشكل جذري، ولا تتفق معها بشكل أو بآخر، مما يدلُّ على أنَّ هذه الرواية من نسج وتأليف الناقل لها سواء الواقدي أو سبط ابن الجوزي.ونقل سبط بن الجوزي عن الواقدي أيضاً الروايات ذات الطابع الإعجازي، بقوله: «وقال الواقدي وغيره لمَّا رحل الحسين(علیه السلام) من القادسية وقف يختار مكاناً ينزل فيه واذا سواد الخيل قد أقبل كالليل، وكأنَّ راياتهم أجنحة النسور... فنزلوا مقابلهم ومنعوهم الماء ثلاثة أيام، فناداه عبد الله بن حصن الأزدي يا حسين ألا تنظر إلى الماء كأنَّه كبد سماء والله لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشا، فقال الحسين اللهم اقتله


1) سبط ابن الجوزي، تذكرة الخواص: ص240.

2) البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص161.

عطشاً ولا تغفر له أبداً فكان بعد ذلك يشرب الماء ولا يروي حتى سقي بطنه فمات عطشا»((1)).

وذكر أخرى أشارت إلى حصول لقاء بين الإمام الحسين(علیه السلام) وبين عمر بن سعد بين العسكرين وهي تصوّر تراجع الإمام(علیه السلام) عن مشروعه الإصلاحي الثوري، مطالباً السلطة الأموية باختيار أيّ مكان يلجأ إليه، وإنَّه انخدع بأهل الكوفة ويريد التراجع، ويطلب من عمر بن سعد مكاتبة الوالي عبيد الله بذلك، وتحاول الرواية أن تعطي لشمر بن ذي الجوشن دوراً كبيراً في منع الوالي عبيد الله من الإنصياع لمطلب الإمام الحسين(علیه السلام) ووجوب الرضوخ لحكم الوالي عبيد الله أو القتل، وبدوره - أي عبيد الله - كتب إلى القائد عمر ابن سعد بذلك((2))، هذه الرواية من المؤكَّد هي ضمن الموضوعات التي تحاول أن تشوِّه نهضة الإمام(علیه السلام).

وحدَّد الواقدي أنَّ أول من رمى معسكر الإمام الحسين(علیه السلام) بسهم، هو:عمر بن سعد، وهو يتفق مع العديد من المصادر((3)) التي أشارت إلى هذا الأمر.

وذكر السبط رواية بأسلوب الإسناد الجمعي ومن بينهم الواقدي، تتعلَّق بحمل الأسرى والسبايا إلى الكوفة ونصُّ الرواية: «ثم بعث عمر بن سعد إلى ابن زياد برأس الحسين ورؤوس أصحابه وبناته ومن بقى من الأطفال مع خولي بن يزيد الأصبحي، وفيهم علي بن الحسين الأصغر وكان مريضاً...»((4)).


1) تذكرة الخواص: ص247.

2) المصدر نفسه: ص248-249.

3) البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص190؛ الطبري، تاريخ: ج4، ص326؛ المفيد، الارشاد: ج2، ص101؛ الطبرسي، اعلام الورى: ج1، ص461؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص195.

4) سبط ابن الجوزي، تذكرة الخواص: ص257.

ولم تقتصر روايات الواقدي التي نقلها لنا سبط بن الجوزي عن المقتل فقط، بل تعدَّت إلى أكثر من ذلك فقد أوردت لنا الأخبار التي تحدَّثت عن الرأس الشريف للإمام الحسين(علیه السلام) والسبي والأسر الذي تعرَّض له أهل البيت في الشام ونصُّ الرواية: «قال الواقدي: ثم دعا ابن زياد زحر بن قيس الجعفي وسلَّم إليه الرؤوس والسبايا وجهَّزه إلى دمشق... فحكى ربيعة بن عمر((1)) وقال كنت جالساً عند يزيد بن معاوية في بهو له إذ قيل له زحر بن قيس بالباب وأذن له في الحال، فدخل فقال ما وراءك؟ فقال ما تحبُّ ابشربفتح الله ونصره؛ ورد علينا الحسين في سبعين راكباً من أهل بيته وأصحابه، حتى أخذت السيوف مأخذها من هام الرجال فهاتيك أجسامهم مجرَّدة وهم صرعى في الفلاة...»((2))، إلى آخر الرواية التي تصوِّر أنَّ يزيد بكى وحَمّلَ أهل العراق وخصوصاً عبيد الله مسؤولية ما جرى يوم عاشوراء.

وذكر الواقدي رواية عن عاقبة المتخاذلين عن نصرة الإمام الحسين(علیه السلام) والذين لاقوا جزاءهم في الدنيا قبل الآخرة، والرواية أشارت إلى أنَّ رجلاً لم تسمِّه أو تحدِّد هويته، قد حضر واقعة الطف ولم ينصر الإمام الحسين(علیه السلام) بأيِّ شكل من الأشكال، وإنَّ الله عاقبه بعمى بصره في الدنيا؛ لتخاذله عن المشاركة في نصرة الإمام الحسين(علیه السلام)((3)).

ونقل الذهبي أيضاً العديد من النصوص الخاصة بالمقتل عن ابن سعد الذي


1) ربيعة بن عمر الجرشي، أبو الغاز، أدرك النبي(صلی الله علیه و آله)، وقيل له صحبة. وله رواية عن النبي(صلی الله علیه و آله)، وعن سعد بن أبي وقاص، وأبي هريرة، وعائشة، روى عنه: خالد بن معدان، وعلي بن رباح، وكان فقيه الناس في زمن معاوية. ، وقيل:فُقِئت عينه يوم صفين مع معاوية، وقتل يوم مرج راهط مع الضحاك بن قيس، الذهبي، تاريخ الاسلام: ج5، ص114.

2) تذكرة الخواص: ص260-261.

3) المصدر نفسه: ص281.

بدوره يسندها إلى الواقدي، منها:خبر مسلم بن عقيل(علیه السلام) وكيفية خروجه واشتباكه مع عناصر السلطة الأموية، والأحداث الأخرى التي تلتها حتى استشهاده(علیه السلام)((1)).

أوردَ الذهبي رواية بنفس إسناده آنف الذكر ما نصُّها: «إنّ عمر بن سعد بن أبي وقاص أرسل رجلاً على ناقة إلى الحسين، يخبره بقتل مسلم بن عقيل، وكان قد بعثه الحسين إلى الكوفة كما مرَّ في سنة ستين، فقال للحسين ولده علي الأكبر: يا أبه ارجع، فإنهم أهل العراق وغدرهم، وقلَّةوفائهم، ولا لك بشيء، فقالت بنو عقيل: ليس هذا حين رجوع، وحرَّضوه على المضي»((2)).

الرواية لا تخلو من الإشكالات النقدية والتساؤلات التي تجعلها بدائرة الأخبار الموضوعة، منها:

1- ما الدافع الذي جعل عمر بن سعد يرسل رسولاً لإبلاغ الإمام الحسين(علیه السلام) بقتل سفيره مسلم بن عقيل(علیه السلام)؟ هل حبّاً بالإمام الحسين أم خوفاً من التورط بقتله؟ ومن خلال الوقائع والتصرفات التي أقدم عليها عمر بن سعد تجاه الإمام(علیه السلام) وأهل بيته الأطهار تؤكِّد أنَّ عمر بن سعد لم يكنْ لديه دافع الحبِّ للإمام الحسين أو الخوف من التورط في قتله، فيا ترى أيّ دافع أو أيّ سبب حرَّضه على هذا التصرف؟

2- تبيِّن الرواية أنّ علياً الأكبر(علیه السلام) إنسان لا يمتلك أيّ عقيدة راسخة، ومتخوِّف من السلطة الأموية وأنَّه تراجع بمجرد سماعه نبأ قتل مسلم بن عقيل(علیه السلام)، كما وتشير إلى أنَّ علياً الأكبر هو أعرف وأدرى بأهل العراق ونفسياتهم من الإمام الحسين(علیه السلام)، كما تصوِّر أنَّ خروج الإمام الحسين(علیه السلام) كان بسبب أهل


1) تاريخ الاسلام: ج4، ص171.

2) تاريخ الاسلام: ج5، ص13.

العراق ودعوتهم ومكاتبتهم له، وهذا بعيد جداً.

3- تحاول الرواية أن تبيِّن أنَّ موقف بني عقيل أكثر ثباتاً ورسوخاً من موقف علي الأكبر، وهذا خلاف الحقيقة؛ لما بذله الأكبر من تضحية وفداء في سبيل الدين ونصرة إمام زمانه.

4- وبحسب فرض الرواية: لماذا جاءت نصيحة على الأكبر لوالده الإمام الحسين(علیه السلام) متأخِّرة؟ ولماذا لم ينصحه قبل خروجه من المدينة؟ ولماذافي هذا الوقت؟ كلُّ هذا يؤكِّد أنّ الرواية تريد الطعن بعلي الأكبر(علیه السلام).

4- يضاف إلى ذلك تشكيك أحد الباحثين المعاصرين بهذه الرواية بقوله: «إنَّ القراءة الخاطئة للرواية تظهر عجز الإمام الحسين(علیه السلام) عن الإستمرار في المسير، وإنَّه - بحسب الرواية - لأجل إرضاء أخوة مسلم»((1)) نستنتج من خلال ذلك كلّه أنَّ هذه الرواية تحاول التنظير لثلاث نقاط أساسية:

أ - الطعن بنهضة الإمام الحسين(علیه السلام) وإنَّها لم يخطّط لها مسبقاً وإنَّما جاءت لظروف استُجدّت آنذاك، وإنَّ بني عقيل هم من حرَّضوه على المضي، وتوحي إلى حصول تراجع من الإمام الحسين(علیه السلام).

ب - الطعن بعلي الأكبر(علیه السلام) وإنَّه تراجع بمجرد سماعه خبر استشهاد مسلم بن عقيل(علیه السلام)، بل إنَّه أخذ يحثُّ أباه الإمام الحسين(علیه السلام) على التراجع.

ت - الطعن بأهل العراق وإنَّهم لا وفاء لهم وأهل غدر.

ويشير الذهبي إلى رواية دفن رأس الإمام الحسين بن علي(علیه السلام) في منطقة البقيع في المدينة المنورة استناداً إلى ما نقله الواقدي((2))، والرواية تحتاج للمناقشة والدراسة؛


1) الخفاجي، تأملات في رواية تلقي الامام الحسين(علیه السلام): ص16.

2) تاريخ الاسلام: ج5، ص20.

لكونها تتعارض مع عدَّة مصادر في تحديدها لمكان دفن رأسالإمام الحسين(علیه السلام)((1)).

ويبدو أنَّ الرواية الوحيدة التي اعتمدها ابن كثير بخصوص المقتل عن الواقدي هي ما تخصُّ مناقشته لتأريخ استشهاد الإمام الحسين(علیه السلام)؛ إذ أشار إلى أنَّ هناك من يذكر أنَّ الإمام الحسين(علیه السلام) استشهد في شهر صفر، ويضعِّف ابن كثير رأي من يذهب إلى هذا القول، وذلك بعبارته «وزعم بعضهم أنَّه قُتل في صفر»((2)) ويرجِّح رأي الواقدي القائل باستشهاده(علیه السلام) في يوم عاشوراء من شهر المحرم من سنة (61ﻫ) على المشهور((3)).

4- هشام بن محمد بن السائب الكلبي (ت206 ﻫ/819 م)

4 - هشام بن محمد بن السائب الكلبي (ت206 ﻫ/819 م)((4))

عالم بالأنساب والأخبار، وله مؤلَّفات عدَّة، وقد استعرض كتبه ابن النديم((5)) ولكنه أهمل كتابه مقتل الحسين(علیه السلام) وبعض كتبه، في حين أثبت النجاشيفي معرض ترجمته له كتاب مقتل الحسين(علیه السلام) ضمن مصنََّفاته((6)).

اعتمد على ابن الكلبي عدد من المؤرخين في بعض الروايات الخاصة بالمقتل


1) وقد ناقش أحد الباحثين بشكل مستفيض مسألة دفن رأس الإمام الحسين(علیه السلام) مثبتاً دفنه مع الجسد الطاهر في كربلاء، ينظر، علي، الحائر الحسيني - دراسة تاريخية -: ص31-38.

2) البداية والنهاية: ج8، 185.

3) المصدر نفسه: ج8، 185.

4) من الحفاظ والنسابين والرواة الذين ذكر هم المؤرخون في كتبهم وأسندوا إليه رواياتهم، كان مشهوراً بالعلم والفضل ومعرفة الأنساب والأيام، وكان الإمام الصادق(علیه السلام) يقربه ويدنيه منه، و كان أعلم الناس بعلم الأنساب، وله كتاب الجمهرة في النسب، وله العديد من التصانيف قيل: إنَّها تبلغ المائة والخمسين تصنيفاً، ينظر، ابن قتيبة، المعارف: ص23؛ ابن النديم، الفهرست: ص109؛ النجاشي، رجال النجاشي: ص434؛ ابن خلكان، وفيات الاعيان: ج4، ص309؛ الصفدي، الوافي بالوفيات: ج26، ص53.

5) الفهرست: ص109.

6) رجال النجاشي: ص434.

الحسيني، ويأتي في مقدمتهم ابن سعد الذي لم يذكر سوى خبر يخصُّ شمر بن ذي الجوشن كونه اشترك في قتل الإمام الحسين(علیه السلام)، وإنَّه كان يكنى ب-:أبي السابغة((1)).

أمّا الطبري فقد اعتمد على ابن الكلبي بشكل واسع جداً، وقبل الدخول في بيان طبيعة وماهية رواياته، لا بدّ من الإشارة إلى أنَّ هناك ثلاثة طرق روائية استعملها ابن الكلبي في نقل أخبار المقتل، الأول: بوساطة شيخه أبي مخنف، أمّا الثاني: فبوساطة عوانة بن الحكم((2))، على حين نقل بقية أخباره بطرق مختلفة ومتعددة سنوضّحها بعد قليل.

نقل عن ابن الكلبي ثماني روايات خاصَّة بالمقتل عن طريق شيخه أبي مخنف، الأولى تناولت الكتاب الذي كتبه الإمام الحسين(علیه السلام) إلى أشراف البصرة والذي فيه: «أنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه(صلی الله علیه و آله)؛ فإنَّ السنَّة قد أُميتت وإنَّ البدعة قد أُحييت، وأن تسمعوا قولي وتطيعواأمري أهدكم سبيل الرشاد والسلام عليكم ورحمة الله»((3))، أمّا الرواية الثانية فتناولت خطبة الوالي عبيد الله بن زياد في أهل الكوفة، والتي احتوت على التهديد والوعيد((4))، على حين أشارت الرواية الثالثة إلى محاولة عمر بن عبد الرحمن((5)) إبداء النصيحة للإمام الحسين(علیه السلام) بعدم الذهاب إلى العراق وتحذيره


1) الطبقات الكبرى: ج6، ص47.

2) عوانة بن الحكم بن عياض بن وزر بن عبد الحارث الكلبي، يكنى أبا الحكم، من علماء الكوفيين، راوية للأخبار، عالم بالشعر والنسب وكان فصيحاً ضريراً، قيل إنَّه كان عثمانياً فكان يضع الأخبار لبني أمية، توفى سنة ثمان وخمسين ومائة، ابن النديم، الفهرست: ص103؛ ابن حجر، لسان الميزان: ج4، ص386.

3) الطبري، تاريخ: ج4، ص266.

4) المصدر نفسه: ج4، ص266.

5) عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي المدني، وهو أحد النصحاء الذين أبدوا نصيحتهم للإمام الحسين(علیه السلام) بعدم التوجه للعراق، ولد يوم مات عمر بن الخطاب فعاش إلى أن ولّاه عبد الله بن الزبير الكوفة ثم صار مع الحجاج بن يوسف الثقفي، وتوفى بعد السبعين، البلاذري، انساب الاشراف: ج6، ص416؛ الطبري، تاريخ: ج4، ص278؛ ابن حجر، تقريب التهذيب: ج1، ص722.

من ذلك، فأجابه الإمام قائلاً له: «جزاك الله خيرا يا ابن عم فقد والله علمت أنَّك مشيت بنصح، وتكلمت بعقل، ومهما يقضِ من أمر يكن أخذت برأيك أو تركته فأنت عندي أحمد مشير وأنصح ناصح...»((1)).

نشكِّك بمصداقية الرواية الرابعة والتي أشارت إلى أنَّ الإمام الحسين(علیه السلام) جاء إلى العراق بسبب مكاتبة أهل الكوفة له، وأنَّه بعد أن غدروا به أراد الإنصراف، وطلب من القائد عمر بن سعد مكاتبة الوالي عبيد الله بن زياد بذلك، والأخير رفض ذلك((2))، على حين اختصت الرواية الخامسة ببيان مقتل نافع بن هلال((3))، أمّا السادسة فتصوِّر لنا الأحداث التاريخية التي جرت للأسرى والسبايا فيمجلس يزيد ابن معاوية في دمشق((4))، بينما ذكرت الرواية السابعة إجراء مراسيم العزاء من قبل عبد الله بن جعفر بن أبي طالب(رضی الله عنه) بعد وصوله نبأ استشهاد ولديه((5)).

أمّا الرواية الثامنة فسردت لنا حصص القبائل من عدد رؤوس الشهداء من أهل بيت الإمام الحسين(علیه السلام) وأصحابه الأطهار، ثم أشارت إلى أسماء الشهداء من آل أبي طالب(علیه السلام)، وأسماء أمهاتهم، وتحديد أسماء قاتليهم((6))، وهنا لا بدّ من القول


1) الطبري، تاريخ: ج4، ص287.

2) المصدر نفسه: ج4، ص311.

3) الطبري، تاريخ: ج4، ص331.

4) المصدر نفسه: ج4، ص355.

5) المصدر نفسه: ج4، ص357.

6) الطبري، تاريخ: ج4، ص358-359. ؛ ونقل هذه الرواية أيضاً عن ابن هشام، سبط ابن الجوزي، تذكرة الخواص: ص254-255.

بأنَّ الرواية أعلاه والتي اتَّسمت بتعداد أسماء الشهداء وأسماء أمهاتهم وأسماء قاتليهم هو منهج خاص اتَّبعه بشكل أوسع في مصنفه أبو الفرج الأصفهاني، وسبقه إلى ذلك أبو مخنف.

ونقل ابن الكلبي سبع روايات عن طريق عوانة بن الحكم تناولت الأولى وصية معاوية بن أبي سفيان لولده يزيد التي رسم فيها المعالم الأساسية في إدارة دفَّة الحكم، وأوجد معاوية فيها منهجاً للتعامل مع كلِّ شعب وبلد وفق المنظور العقائدي والنفسي لسكان البلد قائلاً له: «انظر أهل الحجاز فإنَّهم أصلك فأكرم من قدم عليك منهم، وتعاهد من غاب، وانظر أهل العراق فإن سألوك أن تعزل عنهم كلَّ يوم عاملاً فافعل فإنَّ عزل عامل أحبُّ إليَّ من أن تُشهر عليك مائة ألف سيف، وانظر أهل الشأم فليكونوا بطانتك وعيبتك فإن نابك شئ من عدوك فانتصر بهم...»((1))، ثم تستمرُّ الوصية فيتحذيره من الشخصيات التي لها تأثير في الرأي العام ومنها شخصية الإمام الحسين(علیه السلام).

وأوردت لنا الرواية الثانية استشارة يزيد بن معاوية لمستشاره الخاص سرجون الرومي بتحديد والٍ جديد للكوفة، واقتراحه له بتنصيب عبيد الله بن زياد((2)). أمّا الثالثة فأشارت إلى اللقاء الذي جرى بين الإمام الحسين(علیه السلام) والشاعر الفرزدق والحديث الذي جرى بينهما((3)).

وسردت لنا الرواية الرابعة استعدادات القائد عمر بن سعد لحرب الإمام الحسين(علیه السلام) وارساله الرسل للاستفسار عن سبب قدومه للعراق((4))، والخامسة


1) الطبري، تاريخ: ج4، ص239.

2) المصدر نفسه: ج4، ص265.

3) المصدر نفسه: ج4، ص290.

4) الطبري، تاريخ: ج4، ص311.

أوردت في متنها حادثة تجهيز الأسرى والسبايا إلى الشام بقيادة محفِّز بن ثعلبة((1)) وشمر بن ذي الجوشن، ودخولهما مجلس يزيد بن معاوية والأحداث التي جرت في ذلك المجلس((2)).

أمّا الروايتان السادسة والسابعة فقد أشارت الأولى: إلى إرسال الوالي عبيد الله ابن زياد رسولاً لأهل المدينة المنورة لينبأهم بمقتل الإمام الحسين(علیه السلام)، أمّا الثانية فمطالبة عبيد الله بن زياد بعد قتل الإمام الحسين(علیه السلام) للقائد عمر بنسعد بالكتاب الذي كتبه له بخصوص قتل الإمام الحسين(علیه السلام) وجواب الأخير له بإنَّه فقده((3)).

وأورد ابن الكلبي عشر روايات مع اختلاف الوسائط الروائية في نقلها، الأولى أسندها ابن الكلبي إلى أبي بكر بن عياش الكوفي((4)) والذي بدوره نقلها عن جهة مجهولة لم يسمِّها أو يحدِّد هويتها، بقوله: «قال هشام حدثنا أبو بكر بن عياش عمَّن أخبره قال...»((5)).


1) محفِّز بن ثعلبة بن مرة بن خالد بن عامر بن قنان بن عمرو بن قيس بن الحارث بن مالك بن عبيد ابن خزيمة بن لؤي بن غالب بن فهر العائذي القرشي، هو الذي ذهب برأس الحسين(علیه السلام) إلى الشام ليزيد بن معاوية، فقال جئتك برأس ألأم العرب، فقال يزيد:ما ولدت أمُّ محفِّر ألأم وأوضع منك، ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج57، ص96-98.

2) الطبري، تاريخ: ج4، ص354-355.

3) الطبري، تاريخ: ج4، ص356-357.

4) أبو بكر بن عياش، كوفي، مولى بني أسد، اختلف في اسمه، قال بعضهم اسمه وكنيته واحد، وقال آخرون: اسمه سالم. ورجَّح آخرون: اسمه شعبة، وقال بعضهم: اسمه عبد الله. وثَّقه بعضهم وضعَّفه آخرون، توفى سنة مائة وثلاث وتسعين للهجرة، العجلي، معرفة الثقات: ج2، ص289؛ أبي حاتم الرازي، الجرح والتعديل: ج9، ص349؛ الذهبي، سير اعلام النبلاء: ج8، ص494-507.

5) الطبري، تاريخ: ج4، ص300، من الملاحظ ومن خلال التقارب الزمني لتأريخ الوفاة وبإيحاء من عبارة (حدثنا) نستشفُّ أنَّ أبا بكر بن عياش كان شيخاً لهشام ابن الكلبي، لاسيما وأنَّ أبا بكر من العلماء والمحدِّثين الكبار آنذاك.

أشارت تلك الرواية إلى مسألة مهمة، هي: أنَّ أنصار الإمام الحسين(علیه السلام) الذين استشهدوا معه في كربلاء لم يكونوا هم منذ البداية العدد الحقيقي الثابت، وإنَّما كانوا أعداداً كبيرة إلا أنَّهم تفرَّقوا عن الركب الحسيني في منطقة زبالة على إثر إبلاغهم من قبل الإمام الحسين(علیه السلام) نبأ استشهاد مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة(علیها السلام).

ويبدو أنَّ السبب في إبلاغهم بخبر استشهاد مسلم وهانئ في منطقة زبالة وبهذا الوقت هو لاختبارهم بعد أن درس الإمام(علیه السلام) نفسيتهم وعقيدتهم، بقرينةنصِّ الرواية: «فأتى ذلك الخبر حسيناً وهو بزبالة فأخرج للناس كتابا فقرأ عليهم بسم الله الرحمن الرحيم أمَّا بعدُ فإنَّه قد أتانا خبر فظيع؛ قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة، وعبد الله بن بقطر، وقد خذلتنا شيعتنا؛ فمن أحبَّ منكم الإنصراف فلينصرف، ليس عليه منَّا ذمام قال فتفرَّق الناس عنه تفرقا، فأخذوا يمينا وشمالا حتى بقي في أصحابه الذين جاؤوا معه من المدينة؛ وإنمَّا فعل ذلك لأنَّه ظنَّ أنمَّا اتبعه الأعراب لأنَّهم ظنوا أنَّه يأتي بلدا قد استقامت له طاعة أهله، فكره أن يسيروا معه إلا وهم يعلمون علامَ يقدمون، وقد علم أنَّهم إذا بيَّن لهم لم يصحبه إلا من يريد مواساته والموت معه....»((1)).

الرواية الثانية أوردها ابن الكلبي عن طريق لقيط((2)) مسندة إلى أحد شهود العِيان آنذاك وهو (علي بن الطعان المحاربي) - الذي كان أحد أفراد جيش الحر بن يزيد الرياحي - وتتمحور الرواية حول حادثة التقاء الإمام الحسين(علیه السلام) مع الحر بن يزيد الرياحي


1) الطبري، تاريخ: ج4، ص301.

2) لم يبيِّن ابن الكلبي الاسم كاملاً أو حتى الكنية، وإنمَّا اكتفى باسم(لقيط)، مما يشكِّل ذلك صعوبة في التعرف على الشخصية التي قصدها، وذلك لكون كتب التراجم أوردت العشرات من التراجم بهذا الاسم ومن الصعب تحديدها، لكن نحتمل أنَّه لقيط بن قبيصة الكوفي؛ وذلك لكونه من الكوفة وابن الكلبي كوفي أيضاً، ينظر، البخاري، التاريخ الكبير: ج7، ص249؛ أبي حاتم الرازي، الجرح والتعديل: ج7، ص177؛ أبن حبان، الثقات: ج5، ص344.

والأحداث التي جرت بينهما((1))، ونقل ابن هشام الكلبي الرواية الثالثة عبر واسطتين روائيتين الأولى عن رجل من السكون كناه بأبي الهذيل ولم يسمِّه أو يحدِّده لنا، والثانية عن شاهد عِيان هو هانئ بن ثبيت الحضرمي - كان ضمن معسكر عمر بن سعد - والرواية أشارت إلى قيام أحد عناصر الجيش الأموي بقتل غلام من آل الحسين(علیه السلام)((2)).

على حين أورد الرواية الرابعة عن طريق عمرو بن شمر((3)) بوساطة جابر الجعفي،وفيها دعاء للإمام الحسين(علیه السلام) على أعدائه وهو: «اللهمَّ أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تذرعلى الأرض منهم أحداً»((4)).

إنَّ هذا الدعاء الوارد في هذه الرواية قد أوردته العديد من المصادر، لكن دون الإشارة إلى مصدر راويه هشام بن الكلبي، وبعضها أوردته بصيغة الجمع «قالوا»((5)).

بينما أورد هشام بن الكلبي الروايتين الخامسة والسادسة المسندتين عن طريق أبيه (محمد بن السائب الكلبي) تناولت الأولى محاولة عسكر الأعداء منع الإمام الحسين(علیه السلام) من الوصول إلى ماء الفرات ونجاحهم بذلك، والثانية تطرَّقت إلى الرأس الشريف الذي وضعه خولي بن يزيد الأصبحي في داره، والكرامات التي


1) الطبري، تاريخ: ج4، ص303-304.

2) المصدر نفسه: ج4، ص343.

3) عمرو بن شمر الجعفي، أبو عبد الله، روى عن عمران بن مسلم والسدى وجابر الجعفي، روى عنه أحمد بن يونس، وقيل إنَّ عمرو بن شمر مُنكَر الحديث حدَّث بأحاديث مُنكَرة، وليس بثقة، ضعيف الحديث لا يشتغل به تركوه، البخاري، التاريخ الكبير: ج6، ص344؛ النسائي، الضعفاء والمتروكين: ص220؛ العقيلي، ضعفاء العقيلي: ج2، ص275.

4) الطبري، تاريخ: ج4، ص343.

5) البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص201؛ مسكويه، تجارب الامم: ج2، ص79؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص203؛ الباعوني الشافعي، جواهر المطالب: ج2، ص288.

حصلت داخل الدار، وقد نقلت هذه الرواية بوساطة زوجة خولي (النوار بنت مالك)، وتُعَدُّ شاهدة عِيان لهذه الرواية((1)).

استعرضت الرواية السابعة الأحداث التي رافقت وصول الأسرى والسبايا من أهل البيت إلى دمشق ودخولهم إلى مجلس يزيد بن معاوية، ومحاولة الأخير تبرئة نفسه من الجريمة النكراء التي اقترفها بحق أهل البيت، وتحميله واليه عبيد الله بنزياد مسؤولية ذلك((2))، مع أنَّه من الواضح تاريخياً أنَّ ما حصل لآل البيت كان بإيعاز مباشر من قبله ووفق تعليماته.

ومن الجدير بالذكر أنَّ هذه الرواية قد تناقلتها العديد من المصادر عن هشام أيضاً وبنصِّها الكامل((3)).

أمّا الروايتان الأخيرتان الثامنة والتاسعة التي نقلهما لنا الطبري عن هشام بن الكلبي فتركِّزان على حصول نداء أوسماع صوت في السماء صبيحة استشهاد الإمام الحسين(علیه السلام) بترديد أبيات من الشعر تدين الأمَّة التي أقدمت على قتل إمامها الحسين(علیه السلام) وتنذرهم بالويل والعذاب((4)).

الرواية الأولى التي أوردها ابن الكلبي بوساطة ثلاث طرق روائية للوصول إلى الحدث ونقله، وهي الطريق الأول قوله: «حدَّثنا بعض أصحابنا»((5)) ولم يحدِّدهم أو يسمِّهم، وإنَّما بصورة جمعية، وهذا يضعف من الرواية، الطريق الثاني عمرو بن أبي


1) الطبري، تاريخ: ج4، ص343، 348.

2) الطبري، تاريخ: ج4، ص351.

3) ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج18، ص445؛ ابن العديم، بغية الطلب: ج8، ص3784؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص308.

4) الطبري، تاريخ: ج4، ص358.

5) الطبري، تاريخ: ج4، ص357.

المقدام((1))، أما الطريق الثالث والناقل للحدث فهو عمرو بن عكرمة((2)).وليؤكِّد ابن الكلبي هذه الرواية أكثر أورد رواية ثانية عن طريق مختلف عن الرواية السابقة، وهذا ينمُّ عن امتلاكه منهجاً تاريخياً علمياً في طرح الروايات وتثبيتها، ونصُ ذلك: «قال هشام: حدثني عمر بن حيزوم الكلبي((3)) عن أبيه قال سمعت هذا الصوت»((4)).

وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنَّ هذه الرواية التي أوردها هشام بن الكلبي قد ذكرها أيضاً وبنصِّها الكامل ابن قولويه، لكن من طريق آخر غير طريق هشام((5))، مما يثبت صحتها ووثاقتها.

أما الرواية التي أوردها ابن عساكر عن ابن الكلبي فهي مخالفة لمجمل المصادر، ولعلَّها من الروايات المنفردة والشاذة التي رواها ابن الكلبي وتتعلَّق بتأريخ سنة استشهاد الإمام(علیه السلام)؛ إذ يذكر ابن الكلبي أنَّ الإمام الحسين(علیه السلام) استشهد سنة 62هجرية((6))، وهذا يناقض أغلب المصادر التي ذكرت أنّ سنة 61ه- هي السنة التي استُشهِد فيها الإمام الحسين(علیه السلام).


1) عمرُو بن ثابت بن هرمز، الكوفي، كان متشيعاً، روى عن أبيه، روى عنه العراقيون، توفى سنة مائة واثنتين وسبعين للهجرة، البخاري، التاريخ الكبير: ج6، ص319؛ العجلي، معرفة الثقات: ج2، ص173؛ ابن حبان، المجروحين: ج2، ص76؛ المزي، تهذيب الكمال: ج21، ص553.

2) عُمر بن عِكْرِمة الكُوفِيّ: من أصحاب الإمام الصادق(علیه السلام) روى عنه: معاوية بن عمّار، في الكافي، في باب حقّ الجوار، الطوسي، رجال: ص254؛ النوري الطبرسي، خاتمة المستدرك: ج8، ص266، الخوئي، معجم رجال الحديث: ج14، ص130.

3) لم نجد له ترجمة في المصادر المتوافرة لدينا.

4) الطبري، تاريخ: ج4، ص358.

5) كامل الزيارات: ص197.

6) تاريخ مدينة دمشق: ج14، ص249، ص255.

وقد فنَّد ابن عساكر هذه الرواية من خلال نقله لرواية أخرى عارضت ما أورده ابن الكلبي، مفادها أجمع أكثر أهل التاريخ أنَّه استُشهِد في المحرم سنة إحدىوستين إلا هشام بن الكلبي فإنَّه قال سنة اثنين وستين وهو وهم((1)).

ونقل لنا سبط ابن الجوزي العديد من الروايات الخاصة بالمقتل((2)) عن طريق هشام بن الكلبي وهي مطابقة لما أورده الطبري، باستثناء رواية واحدة ما نصُّها: «قال هشام: لما وُضِع الرأس بين يدي ابن زياد، قال له كاهنه قم فضع قدمك على فم عدوك، فقام فوضع قدمه على فيه، ثم قال لزيد بن أرقم كيف ترى؟ فقال والله لقد رأيت رسول الله واضعاً فاه حيث وضعت قدمك»((3)).

من خلال اطلاعنا المحدود نرجِّح كون هذه الرواية من المنفردات التي أختصَّ بها هشام بن الكلبي، ولم تُشِر إليها المصادر المتوافرة لنا لتوثيق تلك الحادثة، ومن ثَمَّ فإنَّ نسبة الشكِّ فيها قائم.

على حين يورد ابن كثير عدة روايات منقولة عن ابن الكلبي؛ منها الرسالة التي أرسلها الإمام الحسين بن علي(علیه السلام) إلى أشراف البصرة والتي نصُّها: «أما بعد فإنَّ الله اصطفى محمداً على خلقه وأكرمه بنبوته، واختاره لرسالته، ثم قبضه إليه وقد نصح لعباده وبلَّغ ما أُرسِل به، وكنَّا أهله وأولياءه وورثته، وأحقَّ الناس به وبمقامه في الناس، فاستأثر علينا قومنا بذلك، فرضينا وكرهنا الفرقة، وأحببنا العافية، ونحن نعلم أنَّا أحقُّ بذلك الحقّ المستَحقِّ علينا ممن تولاه، وقد أحسنوا وأصلحوا، وتحروا


1) تاريخ مدينة دمشق: ج14، ص249. كما أورد هذه الرواية، الخطيب البغدادي في تاريخ: بغداد، ج1، ص153؛ وابن كثير الدمشقي، في كتابه البداية والنهاية، نقلاً عن ابن الكلبي: ج8، ص216.

2) تذكرة الخواص: ص238، 239، 243، 245، 249، 252، 253، 258، 262.

3) المصدر نفسه: ص257.

الحقَّ فرحم الله وغفر لنا ولهم، وقد بعثت إليكم بهذا الكتاب، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنَّة نبيه، فإنَّ السنَّة قد أُمِيتت، وإنَّ البدعة قد أُحييت، فتسمعوا قولي وتطيعوا أمري، أهدكم سبيل الرشاد، والسلام عليكم ورحمة الله»((1)).

وبعد ان أورد ابن كثير الرسالة هذه علَّق عليها بقوله: «وعندي في صحة هذا عن الحسين نظر، والظاهر أنَّه مطرَّز بكلام مزيد من بعض رواة الشيعة»((2)).

وهنا يلاحظ أنَّ كلام ابن كثير فيه اتهام واضح لمؤرخي الشيعة بوضع الزيادات على تلك الرسالة، ولكن علينا أن نتساءل ما الذي وضعه هؤلاء لكي يعترض عليها ابن كثير؟ ثم إنَّ الرسالة لا تحتوي أموراً منفردة أو شاذة، أو جاءت بشيء غريب أو مخالف للمنهج الاسلامي، إذ إنّ المغزى الحقيقي للرسالة هو الدعوة إلى كتاب الله وسنَّة نبيه؛ وذلك لأنَّ سنَّة النبي قد أُمِيتت بفعل السلطة الأموية التي أرادت محو معالمها، فأين الزيادة في ذلك؟ فضلاً عن ذلك أنَّ تلك الرسالة قد أوردها كلاً من الطبري((3)) والدينوري((4)) وهما ليسا من مؤرخي الشيعة، الأمر الذي ينتج عنه صحة الرسالة والوثوق بها، وإنَّها ليست من موضوعات الشيعة - بحسب فرض ابن كثير -.

ذكر ابن الكلبي وفق ما نقله ابن كثير خطبة الوالي عبيد الله بن زياد إلى أهل البصرة، قبل أن يخرج منها بيوم واحد، وقد اشتملت تلك الخطبة على الوعيدوالتهديد بإنزال أقصى العقوبات بحقِّ المخالفين للسلطة الأموية((5)).


1) البداية والنهاية: ج8، ص171.

2) ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص171.

3) تاريخ: ج4، ص266.

4) الاخبار الطوال: ص231.

5) البداية والنهاية: ج8، ص171.

ولا شكَّ أنَّ ابن الكلبي نقل بعض الأخبار الخاصة بالمقتل عن بعض شهود العِيان، ومنها الخبر الذي نقله عن طريق عوانة بن الحكم، عن ليطة بن غالب بن الفرزدق عن أبيه، والحديث مشهور فيما يخصُّ لقاء الشاعر المعروف الفرزدق بالإمام الحسين(علیه السلام) وما دار بينهما من كلام((1)).

أكَّد ابن الكلبي بطريقين مختلفين في السند رواية تتحدَّث عن سماع نداء من السماء صبيحة مقتل الإمام الحسين بن علي(علیه السلام) تقول:

أيها القاتلون ظلماً حسيناً *** ابشروا بالعذاب والتنكيلِ

كلُّ أهل السماء يدعو عليكم *** من نبي ومالك وقبيلِ

لقد لُعْنتم على لسان ابن داودَ *** وموسى وحامل الإنجيلِ

والطريقان هما، الأول: «قال هشام: حدثني بعض أصحابنا عن عمرو بن أبي المقدام((2))، قال: حدثني عمرو بن عكرمة((3))... أمّا الثاني: قال هشام:حدثني عمرو بن حيزوم الكلبي((4)) عن أُمِّه، قالت: سمعت هذا الصوت»((5)).


1) ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص180.

2) عمرو بن أبي المقدام العجلي توفى في خلافة هارون، واسم أبي المقدام ثابت وليس عمراً وكان شيعياً، ابن سعد، الطبقات: ج6، ص383.

3) روى عن الإمام الصادق(علیه السلام)، وروى عنه معاوية بن عمار، الخوئي، معجم رجال الحديث: ج14، ص130.

4) ورد اسمه في تاريخ الطبري باسم عمر، وكذلك اختلاف الرواية في مصدر سماع الصوت إذ قال: سمعت الصوت عن أبي، تاريخ: ج4، ص385.

5) ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص216.

5- معمر بن المثنى (ت209ﻫ/811م)

5- معمر بن المثنى (ت209ﻫ/811م)((1))

أشار ابن طاووس بأنَّ لمعمر كتاباً بعنوان مقتل الحسين(علیه السلام)، واعتمد عليه، ويبدو أنَّها الإشارة الوحيدة التي ذكرت بأنَّ لمعمرٍ مصنَّفاً في مقتل الحسين بقوله: «وروى معمر بن المثنى في مقتل الحسين(علیه السلام)، فقال: ما هذا لفظه، فلما كان يوم التروية قدم عمر بن سعد بن أبي وقاص إلى مكة في جند كثيف قد أمره يزيد أن يناجز الحسين القتال إن هو ناجزه أو يقاتله إن قدر عليه. فخرج الحسين(علیه السلام) يوم التروية»((2)).

ويبدو من خلال نقل ابن طاووس لهذه الرواية أنّ كتاب المقتل لمعمر كان موجوداً لديه بدليل نقل الرواية بصورة مباشرة عن معمر من دون وسائط روائية، مع أنّ الفارق الزمني بينهما كبير، فكيف حصل ذلك والكتاب لم يكن موجوداً عنده؟فضلاً عن ذلك أنَّ الرواية نُقلت بلفظها وليس بمعناها بقوله (ما هذا لفظه) فكيف تمَّ ذلك إن لم يكن الكتاب موجوداً عنده؟ لكن يرد احتمال آخر هو أنَّهُ نقلها من كتاب آخر دون أن يسمِّيه لنا، يمكن أن نحتمل ذلك، لكن يبدو هذا الإحتمال ضعيف؛ وذلك لماذا لم يسمِّ الكتاب ويحدِّده؟ مع أنَّهُ عرّف في بعض الأحيان أسماء الكتب التي نقل عنها كما سنوضِّح ذلك بشيء من التفصيل في الفصل الخامس من هذه الأطروحة.

روى الطبري عن معمر رواية واحدة تخصُّ المقتل، وهي تبيِّن مدى ازدواجية


1) أبو عبيدة التيمي البصري، النحوي العلامة: يُقال: إنَّه وُلد في سنة عشر ومائة، وقيل: لم يكن في الأرض خارجي ولا جامعي أعلم بجميع العلوم منه، وقدم بغداد في أيام هارون الرشيد وقرئ عليه بها أشياء من كتبه، روى عنه من البغداديين وغيرهم، ينظر، أبي حاتم الرازي، الجرح والتعديل: ج8، ص259؛ ابن حبان، الثقات: ج9، ص196؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد: ج13، ص252.

2) اللهوف: ص39.

يزيد بن معاوية مع أنَّها مشكوك فيها؛ وذلك لأنَّها تحاول أن تبرّئ يزيد من جريمته النكراء التي ارتكبها بحقِّ أهل البيت، ونصُّها: «قال أبو جعفر: وحدثني أبو عبيدة معمر بن المثنى أنَّ يونس بن حبيب الجرمي((1)) حدَّثه قال: لما قتل ابن زياد الحسين ومن معه بعث برؤوسهم إلى يزيد، فسُرَّ بقتله وحسنت بذلك منزلة ابن زياد عنده، ثم لم يلبث إلا قليلاً حتى ندم! فكان يقول: وما كان عليّ لو احتملت الأذى وأنزلته في داري وحكمتهفيما يريده، وإن كان عليَّ في ذلك وكف ووهن في سلطاني، حفظاً لرسول الله ورعاية لحقه وقرابته، ثم يقول: لعن الله ابن مرجانة فإنَّه أخرجه واضطرَّه، وقد كان سأله أن يخلي سبيله، أو يأتيني، أو يكون بثغر من ثغور المسلمين حتى يتوفاه الله، فلم يفعل، بل أبى عليه وقتله، فبغَّضني بقتله إلى المسلمين، وزرع لي في قلوبهم العداوة، فأبغضني الَبرُّ والفاجر بما استعظم الناس من قتلي حسيناً، مالي ولابن مرجانة قبَّحه الله وغضب عليه»((2)).

وعند التدقيق في هذه الرواية تظهر لنا عدَّة ملاحظات نقدية تجعلها مشكوكاً فيها وضعيفة، منها:

أ - لو درسنا الرواية من ناحية السند للاحظنا أنّ الطبري قد نقل هذه الرواية


1) يونس بن حبيب، أبو عبد الرحمن، البصري صاحب علوم العربية، المعروف النحوي، سمع زياد بن عثمان بن زياد بن أبي سفيان، روى عنه النضر بن شميل، وعلم النحو غلب عليه، وروى سيبويه عنه كثيراً، وسمع منه الكسائي والفراء، وله قياس في النحو ومذاهب ينفرد بها، وكان من الطبقة الخامسة في الأدب، وكانت حلقته بالبصرة يرتادها الأدباء وفصحاء العرب وأهل البادية، له من الكتب التي صنفها كتاب معاني القرآن الكريم وكتاب اللغات، والأمثال، والنوادر الصغير، البخاري، التاريخ الكبير: ج8، ص413؛ أبي حاتم الرازي، الجرح والتعديل: ج9، ص237؛ ابن حبان، الثقات: ج9، ص290؛ ابن خلكان، وفيات الاعيان: ج7، ص244.

2) الطبري، تاريخ: ج4، ص388-389.

وفق منهجه عن طريق معمر بن المثنى، والأخير نقلها بوساطة يونس بن حبيب - الناقل المباشر لها - و في سند سلسلة هذه الرواية خلل وشكٌّ، ولعلَّ هناك قطعاً روائياً، لكون صيغة الرواية تزيدها ضعفاً وشكاً من جانب، ومن جانب آخر أنَّ وفاة الطبري كانت سنة (310ﻫ)، ووفاة معمر بن المثنى كانت سنة (209ﻫ)، ويونس بن حبيب كانت ولادته سنة (90ﻫ) ووفاته (183ﻫ)، وعاش (93سنة)((1)).

من خلال تواريخ هؤلاء الأعلام يتبيَّن لنا عدَّة إشكالات وانتقادات منها: كيف يقول الطبري حدثني معمر بن المثنى والفارق الزمني بينهما يقارب المائة عام؟ لاسيما دلالة حدثني تعطي معنى المحادثة وجهاً لوجه أي المعاصرة، وأنَّهُ حدثه بمفرده وليس معه آخرون - فكيف حصل ذلك؟يضاف إلى ذلك، كيف نقل يونس بن حبيب هذه الرواية؟ والفرق بينه وبين واقعة الطف كبير جداً كما هو واضح، وقد يقول قائل:إنَّه نقل هذه الرواية عن طريق واسطة أخرى، يمكن أن نحتمل ذلك، لكن لماذا لم يسمِّها لنا أو يحدِّدها؟ وما درجة وثاقتها وقربها من الحدث؟ وما اتجاهاتها السياسية والمذهبية؟ حتى نستطيع أنْ نطمئن على صحتها وحياديتها من حيث النقل.

ب - رواية الطبري هذه تحمل تناقضا واضحاً في سلوك يزيد بن معاوية؛ إذ تبيِّن أنَّ يزيد قاتل أولاد الأنبياء في حين تبيِّن أنّه حافظ لحرمة رسول الله، وهذا يؤدي إلى الشكِّ بصحتها؛ لأنَّها تتعارض مع أفعال وتصرفات يزيد مع أهل البيت.

ومن الجدير بالذكر أنَّ هذه الرواية قد نقلها عن الطبري بنصِّها الكامل كلٌّ من


1) ابن خلكان، وفيات الاعيان: ج7، ص244.

ابن عساكر((1))، والذهبي((2))، وابن كثير((3)).

ولعلَّ تواترها بهذا الشكل بين هذه المصادر لا قيمة له؛ إذ نقلوها عن الطبري، الذي اتضح لنا ضعف روايته وأنَّها موضوعة، لاسيما وإنَّ الناقل المباشر لها على حدِّ تعبير الطوسي أنَّهُ ذو ميول عثمانية((4)).

6- نصر بن مزاحم المنقري (ت212ﻫ/827 م)

6- نصر بن مزاحم المنقري (ت212ﻫ/827 م)((5))

مؤرِّخ مشهور، له مصنَّفات عدَّة منها كتاب مقتل الحسين(علیه السلام) الذي أشارت إليه بعض المصادر((6))، ويرى أحد الباحثين بأنَّ تشيُّع ابن مزاحم قد انعكس على مؤلَّفاته، من ضمنها كتاب المقتل بقوله: «هو أول أخباري شيعي، ونجد كتبه تدور حول موضوعات تهمُّ الشيعة - مثل كتاب الجمل، وكتاب صفين، وكتاب مقتل الحسين(علیه السلام)، ومقتل حجر بن عدي، وأخبار المختار...»((7))، ولم يصل إلينا كتاب المقتل إلا أنَّه وردت له العديد من الروايات الخاصة بالمقتل في بطون المصنَّفات التاريخية، والتي منها مافي كتاب مقاتل الطالبيين؛ إذ وردت فيه عدَّة مرويات مسندة عن نصر


1) تاريخ مدينة دمشق: ج10، ص94.

2) تاريخ الاسلام: ج5، ص20؛ سير اعلام النبلاء: ج3، ص317.

3) البداية والنهاية: ج8، ص254.

4) الامالي: ص608.

5) أبو الفضل نصر بن مزاحم بن يسار المنقري، من طبقة أبى مخنف، من بنى منقر وكان عطارا، كوفي، سكن بغداد، كان مستقيم الطريقة، صالح الأمر غير أنَّه يروي عن الضعفاء، له من الكتب، كتاب الغارات، كتاب صفين، و كتاب الجمل، وكتاب مقتل حجر بن عدي، ابو حاتم الرازي، الجرح والتعديل: ج8، ص468؛ ابن النديم، الفهرست: ص106؛ النجاشي، رجال النجاشي: ص428، الطوسي، الفهرست: ص254.

6) ابن النديم، الفهرست: ص254؛ النجاشي، رجال النجاشي: ص428؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد: ج13، ص283-285؛ ابن شهر اشوب، معالم العلماء: ص161.

7) الدوري، نشأة علم التاريخ: ص43-44.

ابن مزاحم منها: «أنَّ خولي بن يزيد الأصبحي - لعنه الله - قتل جعفر بن علي»((1)).

ونقل ابن مزاحم رواية عن أبي مخنف سنذكرها بنصِّها؛ لأنَّها تستحقُّ المناقشةقائلاً: «حدثنا نصر بن مزاحم عن أبي مخنف، عن الحرث بن كعب((2)) عن علي بن الحسين(علیه السلام) قال: إني والله لجالس مع أبي في تلك الليلة وأنا عليل، وهو يعالج سهاماً له، وبين يديه جون - مولى أبي ذر الغفاري - إذ ارتجز الحسين(علیه السلام):

يا دهر أُفٍّ لك من خليلِ *** كم لك في الإشراقِ والأصيلِ

من صاحب وماجد قتيلِ *** والدهرُ لا يقنعُ بالبديلِ

والأمرُ في ذاك إلى الجليلِ *** وكلُّ حيّ سالكٌ السبيلِ

قال: وأمَّا أنا فسمعته ورددت عبرتي. وأمَّا عمتي فسمعته دون النساء فلزمتها الرِّقَّة والجزع، فشقَّت ثوبها ولطمت وجهها، وخرجت حاسرة تنادي: وا ثكلاه! وا حزناه! ليت الموت أعدمني الحياة، يا حسيناه يا سيداه يا بقية أهل بيتاه استقلت ويئست من الحياة، اليوم مات جدي رسول الله وأمي فاطمة الزهراء وأبي علي وأخي الحسن يا بقية الماضين وثُمال الباقين. فقال لها الحسين: يا أختي «لو تُرك القَطا لنام». قالت: فإنَّما تغتصب نفسك اغتصاباً فذاك أطول لحزني، وأشجى لقلبي، وخرَّت مغشياً عليها، فلم يزل يناشدها واحتملها حتى أدخلها الخباء»((3)).الرواية فيها بعض الفقرات التي لا يمكن أن تصدر عن بيت النبوة؛ إذ أشار


1) أبو الفرج الاصفهاني: ص54.

2) الحارث بن كعب، روى عنه لوط بن يحيى، عن مجاهد، عن أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب(علیه السلام)، ولعلَّه هو الذي عدَّه الطوسي من أصحاب الإمام السجاد(علیه السلام)، ووصفه بالأزدي الكوفي، الطوسي، رجال: ص112؛ الشاهرودي، مستدركات علم رجال الحديث: ج2، ص275.

3) أبو الفرج الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص75.

النصُّ إلى أنّ الإمام السجاد علي بن الحسين(علیه السلام) قال بخصوص عمته السيدة زينب إنَّها سمعته دون باقي النساء، فكيف حصل ذلك والرواية تدلُّ على وجود نساء أخريات؟ ولماذا لم يسمعنَه باقي النساء، فضلاً عن ذلك كيف يمكن للسيدة زينب(علیها السلام) أن تشقَّ ثوبها وهي التي كان لا يُرى ظلُّها؟ كما أنَّ الرواية أشارت إلى خروجها من خيمتها بدليل قوله: «وخرَّت مغشيا عليها فلم يزل يناشدها، واحتملها حتى أدخلها الخباء». وهذا لا ينسجم مع المنهج الإسلامي والتربوي الذي تربى عليه آل بيت النبوة، فالرواية مشكوك فيها، أو على أقلّ تقدير في هذه الفقرة التي ذكرت شقِّ ثوب السيدة زينب(علیها السلام).

أمّا ابن قولويه، جعفر بن محمد (ت 368ﻫ/978م)((1)) فقد نقل هو الآخر روايات عن ابن مزاحم لكن الروايات التي نقلها عنه لم تكن ذات طابع سياسي وعسكري، ولعلَّ السبب في ذلك يرجع إلى طبيعة الكتاب الذي فرض عليه ذلك، إذ إنّ الكتاب لم يكن ذا طابع تأريخي، إنما كان عقائدياً يتناول بعض الأدعية والزيارات، والرواية الأولى التي وردت فيه هي رواية تتحدَّث عن تنبؤات ستحدث في المستقبل؛ أيْ ضمن الأخبار التي أخبر عنها الإمام أميرالمؤمنين(علیه السلام) التي ستحدث في المستقبل؛ إذ قال: «ليُقتَل الحسين قتلاً، وإنِّي لأعرف تربة الأرض التي يُقتَل عليها قريباً من النهرين»((2)).

على حين تحدَّثت الرواية الثانية عن إحدى الظواهر الكونية التي حصلت عقباستشهاد الإمام(علیه السلام) ومفادها أنَّه لما قُتِل الحسين(علیه السلام) أمطرت السماء تراباً أحمر((3)).


1) جعفر بن محمد بن جعفر بن موسى بن قولويه أبو القاسم، من الثقات، له عدة مصنفات في الفقه والحديث، النجاشي، رجال النجاشي: ص7؛ الطوسي، الفهرست: ص91.

2) كامل الزيارات: ص250.

3) ابن قولويه، كامل الزيارات: ص183.

أمّا الثالثة فقد أوردها ابن مزاحم نقلاً عن أمِّ سلمة((1))، تتعلَّق ببكاء الجنِّ على مقتل الحسين(علیه السلام)((2)).

وحفظ لنا الصدوق((3)) بعض أخبار ابن مزاحم، ويأتي في مقدِّمتها الرواية التي تحدَّثت عن بكاء الجنِّ على الإمام الحسين(علیه السلام) نقلاً عن أمِّ سلمة((4)) وهي عينها التي نقلها ابن قولويه((5)).

ويفسِّر أحد الباحثين روايات بكاء الجنِّ على الإمام الحسين(علیه السلام) بكونها موضوعة بقوله: «لا يُستبعَد أن تكون مراثي الجنِّ قد نُظمت من قِبل المحبين والشيعة خاصة، وأنَّها تعبِّر عن حنين وعمق في الإحساس والعواطف، ولكن لما كان الوضع لا يحتمل التصريح بتلك العلاقة فيزمن الحكومات التي كانت تطارد الشيعة والمحبين لآل البيت(علیه السلام) فإنَّ أصحابها كانوا ينشرونها على أنَّها من أشعار الجن، وبهذا كانوا يخفون على النظام الجهات الحقيقية الناظمة لها»((6))، ومما سبق تولدت لنا بعض الملاحظات التي تضعف هذا الرأي منها:

أ - إذا كان هناك خوف من السلطة الحاكمة في التصريح باسم قائل تلك


1) أمُّ سلمة زوج النبي(صلی الله علیه و آله) واسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، تُوفيت سنة 61 ه- ودُفنت في البقيع، ابن سعد، الطبقات الكبرى: ج8، ص86؛ ابن خياط، الطبقات: ص52؛ ابن حبيب البغدادي، المحبر: ص85.

2) ابن قولويه، كامل الزيارات: ص189.

3) محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، يُكنَّى أبا جعفر، جليل القدر حفظة، بصير بالفقه والأخبار والرجال، له مصنَّفات كثيرة، لم يُرَ في القميين مثله في الحفظ وفي كثرة علمه، له نحو من ثلاثمائة مصنَّف، مات بالري سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، الطوسي، رجال: ص429؛ ابن داوود الحلي، رجال: ص179.

4) الصدوق، الامالي: ص203.

5) كامل الزيارات: ص189.

6) مطهري، الملحمة الحسينية: ج3، ص344.

الأبيات الشعرية، فالأجدر إخفاء اسم مؤلف الكتاب الذي وردت فيه تلك الأبيات، وهذا الأمر لم يحصل.

ب - إنَّ تأليف كتاب يتناول ثورة الإمام الحسين(علیه السلام) ومقتله والتصريح باسم مؤلِّفه، أخطر من نظم بضع أبيات شعرية وعدم التصريح باسم قائلها - لاسيما وإنَّ جميع مؤلفي كتب المقتل معروفون ومُصرَّح بأسمائهم، وبحدود اطلاعنا على المصادر المتوافرة لنا لم نلحظ وجود كتاب عن المقتل لمؤلف مجهول وعلى مرِّالعصور.

ت - إنَّ أغلب موضوعات أبيات نوَح الجنِّ التي وردت في المصادر((1)) ذات طابع عاطفي ولم تتطرَّق إلى موضوع سياسي أو ثوري؛ لكي يخشى أصحابها من السلطة الحاكمة.

ث - هناك الكثير من الأبيات الشعرية والقصائد قد أُلفت حول مقتل الإمامالحسين(علیه السلام) وأصحابُها معروفون على مرِّ العصور، فلماذا لم يخفوا أسماءهم وينسبونها للجنِّ أيضاً.

ج - إذ اكان هناك مانع سياسي - بفرض رأي الباحث - من التصريح باسم قائل تلك الأبيات، فلماذا لم يجعلوا قاءلها مجهولاً بدلاً من أن ينسبوها للجنِّ، مثلما هناك العديد من المؤلفات لمؤلف مجهول؟

ح - أشار ابن أبي الدنيا((2)) إلى ابيات من الشعر يقول: إنَّ الجنَّ قالتها بحقِّ مقتل


1) ابن أبي الدنيا، الهواتف: ص87؛ الطبراني، المعجم الكبير: ج3، ص122؛ القاضي النعمان، شرح الاخبار: ج3، ص167؛ ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص160؛ ابن نما الحلي، مثير الاحزان: ص87؛ السيوطي، تاريخ الخلفاء: 227؛ الهيتمي، الصواعق المحرقة: ص196.

2) الهواتف: ص87.

الخليفة عثمان بن عفان فهل هناك عامل سياسي يخصُّ الخليفة عثمان منع من التصريح باسم قائل تلك الأبيات؟

وذكر لنا ابن مزاحم نقلاً عن أبي مخنف رواية مروية عن فاطمة بنت علي بن أبي طالب(علیهما السلام)((1)) تشرح فيها حالة السبي التي تعرَّض لها آل البيت(علیه السلام) من قبل السلطة الأموية بوصفها إحدى النساء المعاصرات لواقعة الطف، ولحالة السبي التي تعرَّضت له إذ تقول: «إنَّ يزيد (لعنه الله) أمر بنساء الحسين(علیه السلام) فُحبسْنَ مع علي ابن الحسين(علیه السلام) في مَحبَس لا يكنّهم من حرٍّ ولا قرٍّ حتى تقشَّرت وجوههم»((2)).

وكشف ابن مزاحم برواية تاريخية، أنَّ رأس الإمام الحسين(علیه السلام) تمَّ إرجاعه إلى كربلاء، ودُفن مع الجسد الشريف من قبل الإمام علي بن الحسين(علیهالسلام)((3)).

ونقل أيضاً حديثا لميثم التمار((4)) عن الإمام علي بن أبي طالب(علیه السلام) الذي أخبره به - وهو يقع ضمن الأخبار الغيبية التي أخبر بها أميرالمؤمنين والتي ستحدث في


1) فاطمة بنت علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمية، أمُّها أمُّ ولد، روت عن أسماء بنت عميس وأخيها محمد بن الحنفية، وقدم بها دمشق في عيال الحسين(علیه السلام)، توفيت سنة 117ﻫ، ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج70، ص35؛ المزي، تهذيب الكمال: ج35، ص261.

2) الصدوق، الامالي: ص232.

3) المصدر نفسه: ص232.

4) ميثم بن يحيى الأسدي الكوفي من خواصِّ أصحاب أميرالمؤمنين(علیه السلام) نزل الكوفة وله بها ذرية، كان ميثم التمار عبداً لامرأة من بني أسد فاشتراه الإمام علي بن أبي طالب منها، وأعتقه وقال له: ما اسمك؟ قال سالم، قال:أخبرني رسول الله(صلی الله علیه و آله) أنَّ اسمك الذي سمّاك به أبواك في العجم ميثم، قال:صدق الله ورسوله وأميرالمؤمنين، والله إنَّه لاسمي، قال فارجع إلى اسمك الذي سمَّاك به رسول الله(صلی الله علیه و آله) ودع سالماً، استشهد سنة 60ه- بعد قطع يديه ورجليه وصلبه وقطع لسانه بأمر يزيد ابن معاوية، كما أخبره به مولاه أميرالمؤمنين(علیه السلام)، وتفسيره بعض ما تعلَّمه من أميرالمؤمنين(علیه السلام)، الطوسي، الفهرست: ص150؛ ابن حجر، الاصابة: ج6، ص249.

المستقبل - قائلاً: «والله لَتقتل هذه الأُمَّة ابن نبيها في المحرم لعشرٍ يمضين منه، وليتخذنَّ أعداء الله ذلك اليوم يوم بركة، وإنَّ ذلك لكائن قد سبق في علم الله تعالى ذكره أعلم ذلك بعهد عهده إليَّ مولاي أميرالمؤمنين(علیه السلام)، ولقد أخبرني أنَّه يبكي عليه كلُّ شيء حتى الوحوش في الفلوات والحيتان في البحر والطير في السماء...»((1)).

لاشكَّ أنَّ بعض رموز السلطة الأموية اتخذت إجراءات في المجال العقائدي والفكري، في محاولاتها الرامية إلى دثر معالم الثورة الحسينية، منها: الترويج لوصف يوم مقتل الحسين(علیه السلام) يوم عيد وبركة، كما ناقش ذلك جملة من الباحثينوالمحقِّقين((2)).

وقد نُظِّرَ لتلك الفكرة بأحاديث وروايات موضوعة، وهذا المعنى نقله ابن مزاحم بأنَّ بني أمية ستتخذ يوم مقتل الحسين(علیه السلام) عيداً بوصف هذا اليوم: «الذي تاب الله فيه على آدم وإنَّما تاب الله على آدم في ذي الحجة، ويزعمون أنَّه اليوم الذي قبل الله فيه توبة داود وإنَّما قبل الله(عزوجلّ) توبته في ذي الحجة، ويزعمون أنَّه اليوم الذي أخرج الله فيه يونس من بطن الحوت وإنَّما أخرج الله(عزوجلّ) يونس من بطن الحوت في ذي الحجة...»((3))، فضلاً عن ذلك فقد أشار الطوسي بنصٍّ صريح قائلاً: «إنَّ آل أمية (عليهم لعنة الله) ومن أعانهم على قتل الحسين من أهل الشام، نذروا نذراً إن قُتل الحسين(علیه السلام) وسلم من خرج إلى الحسين، وصارت الخلافة في آل أبي سفيان أن يتخذوا ذلك اليوم عيداً لهم، وأن يصوموا فيه شكرا...»((4)).

وهكذا أخبر الإمام علي(علیه السلام) بما ستقدم عليه السلطة الأموية من إجراءات في


1) الصدوق، علل الشرائع: ص228.

2) التبريزي، الانوار الالهية: ص152؛ حامد النقوي، عبقات الانوار: ج4، ص246-247؛ ابو الفضل الطهراني، شفاء الصدور: ج2، ص272؛ الامين، اعيان الشيعة: ج1، ص584.

3) الصدوق، علل الشرائع: ص228.

4) الطوسي، الامالي: ص667.

سبيل محو معالم ومنهج ثورة الإمام الحسين(علیه السلام)، إلا أنّ تلك المحاولات لم يكن نصيبها سوى الفشل.

7- المدائني، علي بن محمد (ت 225ﻫ/840م)

7- المدائني، علي بن محمد (ت 225ﻫ/840م)((1))

مؤرخ مشهور له مصنَّفات عديدة منها، كتاب مقتل الحسين بن علي(علیه السلام) حسب ما ذكره الطوسي((2)) على حين ذكر ابن شهر آشوب الكتاب باسم (السيرة في مقتل الحسين(علیه السلام))((3))، وبحسب اطلاعنا على المصادر نجد أنَّ معظم روايات المقتل عنه قد استقرَّت في كتاب مقاتل الطالبيين، وأنَّ أغلبها كانت تقتصر على تحديد هوية الأشخاص القتلة الذين قتلوا رجالات آل أبي طالب(علیهم السلام)، ومن بينهم محمد الأصغر ابن علي بن أبي طالب(علیهم السلام)، فلم يحدِّد المدائني القاتل بشكل دقيق، وإنَّما حدَّد قبيلته بقوله: «رجلاً من تميم، من بني أبان بن دارم قتله»((4))،أمّا أبو بكر بن الحسين بن علي بن أبي طالب(علیهم السلام) فقد ذكر المدائني عن أبي مخنف أنَّ قاتله هو عبد الله بن عقبة الغنوي.


1) يُكنَّى: أبا الحسن. وهو: علي بن محمد بن عبد الله بن أبي سيف، والأغلب عليه رواية الأخبار، عامي المذهب، مولى عبد الرحمن بن سمرة القرشي، وهو بصري سكن المدائن، ثم انتقل عنها إلى بغداد فلم يزل بها إلى حين وفاته. وهو صاحب الكتب المصنَّفة. روى عنه الزبير بن بكار، وأحمد ابن أبي خيثمة بن أحمد بن الحارث الخزاز، والحارث بن أبي أسامة والحسن بن علي بن المتوكل، وغيرهم، وله كتب كثيرة منها تسمية المنافقين، خطب النبي، كتاب فتوحه، كتاب عهوده، كتاب، أخبار قريش، أخبار أهل البيت، من هجاها زوجها، تاريخ الخلفاء، خطب علي وكتبه، أخبار الحجاج، أخبار الشعراء، قصة أصحاب الكهف، سيرة ابن سيرين، أخبار الأكلة، كتاب الزاجر والفأل، كتاب الجواهر، ابن قتيبة، المعارف: ص538؛ الطوسي، الفهرست: ص159؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد: ج12، ص54-56؛ الذهبي، سير اعلام النبلاء: ج10، ص400-403.

2) الفهرست: ص159.

3) معالم العلماء: ص107.

4) أبو الفرج الأصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص56. ، وكذلك ذكر ابن شهر آشوب، في مناقب ال أبي طالب: ج3، ص260، بأنَّ القاتل رجل من تميم من بني أبان بن دارم.

ومن خلال استقراء المصادر فيما يخصُّ مسألة أنّ عبد الله الغنوي قد قتل أبا بكر ابن الحسين(علیه السلام) كما ذكر أبو الفرج الأصفهاني ذلك نقلاً عن المدائني بواسطة أبي مخنف، يتضح أنَّ هؤلاء قد وقعوا في اشتباه، أو أنَّ الأمر يرجع إلى حصول تصحيف في الاسم؛ وذلك لأنَّ جملة من المصادر ذكرت أنَّ عبد الله الغنوي قد قتل أبا بكر بن الإمام الحسن الزكي(علیه السلام)، وليس ابن الإمام الحسين الشهيد(علیه السلام)((1))، وحدَّد المدائني قاتل عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب(علیه السلام) بأنَّه عقبة بن بشر((2))، على حين لم يذكر الطوسي هوية قاتله، وإنَّما اكتفى بذكر أنَّهُ قُتل مع أبيه الحسين(علیه السلام)((3))، إلا أنّ ابن الاثير حدَّد هوية قاتله مع اختلافه مع المدائني: فقال قتله هانئ بن ثبيت الحضرمي((4)) كما وذكر المدائني أنَّ عبد الله بن عقيل بن أبي طالب(علیه السلام) قتله عمرو بن صبيح ولعلَّ نسبة قاتل عبد الله بن عقيل إلى عمرو بن صبيح على وفق قول المدائني صحيح؛ وذلك لأنَّ هناك عدة مصادر تاريخية قد أثبتت ذلك واتفقت معقوله((5)).

وأشار المدائني إلى مسألة مكاتبة أهل الكوفة للإمام الحسين(علیه السلام) للبيعة له، وخلع الحاكم الأموي يزيد بن معاوية، وقد حدَّد بعض الزعماء الذين كاتبوه، وهم


1) ابن قتيبة الدينوري، الاخبار الطوال: ص257؛ البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص201؛ المفيد، الارشاد: ج2، ص109؛ الطبرسي، اعلام الورى: ج1، ص466؛ ابن الاثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص57؛ المشهدي، المزار: ص490.

2) أبو الفرج الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص59.

3) رجال: ص102.

4) ابن الاثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص92.

5) البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص200؛ الطبري، تاريخ: ج4، ص359؛ المفيد، الارشاد: ج2، ص107؛ ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص254؛ ابن الاثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص74؛ المشهدي، المزار: ص491.

أبو عبد الله الجدلي((1)). وابن صرد((2)) وشبث بن ربعي((3)) وآخرين((4))، وعلى أثرتلك المكاتبة التي قدَّمها زعماء الكوفة يذكر بأنَّ الإمام الحسين قد استجاب لهم وأرسل سفيره وابن عمِّه مسلم بن عقيل(علیه السلام)؛ للتحقُّق من الأوضاع وتقييمها وإبلاغه بذلك.

حدَّد المدائني أول من استُشهِد من آل أبي طالب(علیه السلام) هو:علي الأكبر بن الحسين(علیه السلام) الذي قتله مرة بن منقذ بن النعمان العبدي((5))، وقد اتفقت العديد من


1) أبوعبد الله الجدلي واسمه عبدة بن عبد بن عبد الله بن أبي يعمر بن حبيب، وكان شديد التشيع، ويزعمون أنَّه كان على شرطة المختار، فوجَّهه إلى عبد الله بن الزبير في ثماني مائة من أهل الكوفة ليوقع بهم ويمنع محمد بن الحنفية مما أراد به عبد الله بن الزبير، ابن سعد، الطبقات: ج6، ص228؛ الذهبي، ميزان الاعتدال: ج4، ص544.

2) سليمان بن صرد بن الجون بن أبي الجون، وهو عبد العزى بن منقذ بن ربيعة، أسلم وصحب النبي(صلی الله علیه و آله)، وشهد مع علي بن أبي طالب(علیه السلام) معركتي الجمل وصفين، كان فيمن كتب إلى الحسين ابن علي أن يقدم الى الكوفة فلما قدم إليها أمسك عنه ولم يقاتل معه، كان كثير الشكِّ والوقوف، فلما قُتل الحسين ندم هو والمسيب بن نجية الفزاري وجميع من خذل الحسين ولم يقاتل معه، فقالوا ما المخرج والتوبة مما صنعنا؟ فخرجوا فعسكروا بالنخيلة سنة خمس وستين، وولَّوا أمرهم سليمان بن صرد، وقالوا نخرج إلى الشام فنطلب بدم الحسين؛ فسُمُّوا بالتوَّابين، وكانوا أربعة آلاف، فخرجوا فأتوا إلى عين الوردة وهي ناحية في قرقيسياء فلقيهم جمع من أهل الشام وهم عشرون ألفا، عليهم الحصين بن نمير فقاتلوهم فترجل سليمان ابن صرد فقاتل، فرماه يزيد بن الحصين بن نمير بسهم فقتله فسقط وقُتل، ابن سعد، الطبقات: ج4، ص293؛ ابن حبان، مشاهير علماء الامصار: ص81.

3) سيد تميم شبث بن ربعي بن حصين بن عثيم بن ربيعة من بني تميم، يُكنَّى أبا عبد القدوس، كان أول من أعان على قتل عثمان بن عفان، وهو أول من حرَّر الحرورية، وأعان على قتل الحسين بن علي(علیه السلام)، ابن سعد، الطبقات: ج6، ص216؛ العجلي، معرفة الثقات: ج1، ص448؛ البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص158.

4) ابو الفرج الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص65.

5) المصدر نفسه: ص79.

المصادر على هذا الرأي((1)). كما ذكرناه سابقاً.

ونقل الذهبي روايتين عن المدائني، الأولى تتحدَّث عن وصية معاوية بن أبي سفيان لولده يزيد بخصوص الحسين(علیه السلام) إذ قال فيها: «انظر حسين بن فاطمة، فإنَّه أحبُّ الناس إلى الناس، فصِل رحمه، وارفق به، فإنَّ بك منه شيء، فإني أرجو أن يكفيكه الله بمن قتل أباه وخذل أخاه»((2)).ولعلَّ هذه الوصية تكشف عن أمورٍ عدَّة منها محاولة معاوية استصغار الإمام الحسين(علیه السلام) من خلال حذف الألف واللام من اسمه وتسميته باسم أُمِّه فاطمة(علیها السلام) وفق اعتقاده أنَّ ذلك يقلِّل من شأن وعلوِّ منزلته(علیه السلام)، أمّا الأمر الآخر فهو يشير إلى الشعبية التي كان يتمتع بها الإمام الحسين(علیه السلام) من خلال قوله «أحبُّ الناس إلى الناس»، ولعلَّ الأمر الآخر في غاية الخطورة؛ يشير إلى الذين سيغدرون بالإمام الحسين(علیه السلام) ليسَ شيعته كما يزعم البعض، إنَّما فئات وعناصر خارجية سبق وأن اشتركت في قتل أبيه الإمام علي بن أبي طالب(علیه السلام)، وخذل أخيه الإمام الحسن(علیه السلام) وهم الخوارج الفئة الباغية، وهم ليسوا من الشيعة ولا من القواعد الموالية لهم. وهذا يشير بدلالة واضحة على أنَّ الذين اشتركوا في حرب الإمام الحسين(علیه السلام) فئات وتحزّبات ليسوا من شيعته أو من الموالين لهم - بحسب ما ورد في رواية الوصية - لا كما تنظر لها الرواية التقليدية من أنّ شيعته هم من قتله.

وقد ركَّزت الرواية الثانية على العلامات الكونية التي وقعت عقب استشهاد


1) البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص200؛ ابن قتيبة، الاخبار الطوال: ص256؛ الطبري، تاريخ: ج4، ص340؛ ابن الجوزي، المنتظم: ج5، ص340؛ ابن العديم، بغية الطلب: ج6، ص2628؛ ابن طاووس، اقبال الاعمال: ج3، ص59؛ المجلسي، بحار الانوار: ج45، ص45.

2) تاريخ الاسلام: ج5، ص7.

الإمام الحسين(علیه السلام) منها: «احمرَّت آفاق السماء بعد قتل الحسين ستة أشهر»((1)).

8- أبو عبيد القاسم بن سلام (ت244ﻫ/839م)

8- أبو عبيد القاسم بن سلام (ت244ﻫ/839م)((2))

أشار الذهبي أنّ لأبي عبيد كتاباً، بعنوان: مقتل الحسين(علیه السلام)((3))، وقد أورد ذلك في معرض ترجمته لأبي علي الحداد((4)).

وقد نقل ابن عبد ربه الأندلسي من مقتله العديد من الأخبار، منها أخذ البيعة من الإمام الحسين(علیه السلام) بقوله: «لما مات معاوية بن أبي سفيان وجاءت وفاته إلى المدينة وعليها يومئذ الوليد بن عتبة، فأرسل إلى الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير، فدعاهما إلى البيعة ليزيد فقالا: بالغد إن شاء الله على رؤوس الناس...»((5)).

بعدها تعرَّض لقضية لقاء الإمام الحسين(علیه السلام) بعبد الله بن مطيع العدوي، ويبدو أنَّ هذه الرواية تخالف أغلب المصادر، ونصُّها: «ومرَّ حسين حتى أتى على عبد الله بن مطيع وهو على بئر له فنزل عليه فقال له... أين تريد؟ قال العراق، قال سبحان الله لمِ؟ قال: مات معاوية وجاءني أكثر منحمل صحف... فخرج الحسين حتى قدم مكة فأقام


1) المصدر نفسه: ج5، ص15.

2) القاسم بن سلام، يُكنَّى أبا عبيد، وهو من أبناء أهل خراسان، كان مؤدباً صاحب نحو وعربية، طلب الحديث والفقه وولي قضاء طرسوس أيام ثابت بن نصر بن مالك، قدم بغداد ففسَّر بها غريب الحديث، وصنَّف كتباً، وسمع الناس منه، توفى بمكة، ابن سعد، الطبقات الكبرى: ج7، ص355؛ أبو حاتم الرازي، الجرح والتعديل: ج7، ص110؛ أبو يعلي، طبقات الحنابلة: ص259-262.

3) سير أعلام النبلاء: ج19، ص303.

4) أبو علي الحسن بن أحمد بن الحسن بن محمد بن علي بن مهرة الأصبهاني، الحداد، شيخ أصبهان في القراءات والحديث جميعاً، وُلد في شعبان سنة تسع عشرة وأربعمائة، توفى سنة خمس عشرة وخمسمائة، الذهبي، سير اعلام النبلاء: ج19، ص304-307.

5) العقد الفريد: ج5، ص125.

بها هو وابن الزبير»((1)).

من الملاحظ على هذه الرواية أنَّها تحدِّد تاريخ مراسلة أهل الكوفة للإمام(علیه السلام) قبل دخوله مكة وإقامته بها فكيف حصل ذلك؟ ومتى راسل هؤلاء الإمام(علیه السلام)؟ وكم استغرق من الوقت والإمام لم يصل إلى مكة بعد؟ بدليل (فخرج الحسين حتى قدم مكة)، فضلاً عن ذلك أنَّ الرواية التقليدية لهذه الحادثة تخالف ذلك إذ تشير إلى أنَّ مراسلة أهل الكوفة قد جاءت بعد إقامة الإمام بمكة((2)).

ويبدو أنَّ هذه الرواية قد انفرد بها القاسم بن سلام، ونصُّها: «لما بلغ يزيد - انحياز الوالي لمسلم بن عقيل - فقال يا أهل الشام اشيروا عليّ منْ استعمل على الكوفة؟ فقالوا ترضى من رضي به معاوية؟ قال: نعم، قيل له فإنَّ الصكَّ بإمارة عبيد الله بن زياد على العِراقين قد كُتب في الديوان، فاستعمله على الكوفة فقدمها»((3)).الرواية تخالف أغلب المصادر((4)) التي أَشارت إلى أنّ يزيد بن معاوية استشار مستشاره الشخصي سرجون الرومي في قضية ولاية الكوفة، ولم يستشر أهل الشام الذي أشار بدوره إلى معاوية بتولية عبيد الله ابن زياد عليهم.


1) المصدر نفسه: ج5، ص125.

2) ابن قتيبة، الاخبار الطوال: ص229؛ البلاذري، أنساب الأشراف: ج2، ص157؛ اليعقوبي، تاريخ: ج2، ص242؛ ابن أعثم، الفتوح: ج5، ص27؛ المفيد، الإرشاد: ج2، ص36؛ ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص240-242؛ ابن نما، مثير الأحزان: ص15؛ ابن كثر، البداية والنهاية: ج8، ص162-163؛ ابن خلدون، العبر: ج3، ص21؛ ابن الصباغ، الفصول المهمة: ج2، ص786.

3) ابن عبد ربه، العقد الفريد: ج5، ص126.

4) البلاذري، أنساب الأشراف: ج5، ص379؛ الطبري، تاريخ: ج4، ص258؛ ابن أعثم، الفتوح: ج5، ص36؛ المفيد، الإرشاد: ج2، ص42؛ مسكويه، تجارب الأمم: ج2، ص41؛ الفتال النيسابوري، روضة الواعظين: ص173؛ الطبرسي، إعلام الورى: ج1، ص437؛ المزي، تهذيب الكمال: ج6، ص423.

ثم استرسل القاسم بن سلام في ذكر أخبار المقتل، فذكر حادثة مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة(علیها السلام) ومقتلهما، حتى نزول الإمام(علیه السلام) في كربلاء((1)).

وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ أبا العرب محمد بن أحمد بن تميم (ت333ﻫ/935م) قد نقل مجمل الروايات تلك عن القاسم بن سلام، وهي مطابقة بشكل تام مع ما نقل ابن عبد ربه من روايات آنفة الذكر((2)).

كما أنَّ ابن كثير نقل جزءاً من تلك المرويات((3))، كذلك الباعوني الشافعي هو الآخر قد نقل نصاً مروياً عن القاسم بن سلام اعتماداً على ابن عبد ربه الأندلسي((4))، ولعلَّ ذلك يدلُّ على أنَّ ابن عبد ربه الأندلسي هو الناقل الأول لمرويات القاسم بن سلام عن المقتل.

9- أبوالفضل سلمة البرواستاني (ت270ﻫ/872م)

9- أبوالفضل سلمة البرواستاني (ت270ﻫ/872م)((5))

وقد ذكر النجاشي له مصنَّفاً باسم «مولد الحسين(علیه السلام) ومقتله»((6))، في حين أورد الطوسي مصنَّفه بعنوان مقتل الحسين(علیه السلام)((7))، ولم نطلع له على روايات تخصُّ المقتل في المصادر المتوافرة لدينا.


1) ابن عبد ربه، العقد الفريد: ج5، ص127-129.

2) المحن: ص129-133.

3) ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص182-183.

4) الباعوني، جواهر المطالب: ص263-269.

5) سلمة بن الخطاب أبو الفضل البراوستاني، منسوب إلى براوستان قرية قريبة من قم، كان ضعيفا في حديثه، له عدة كتب، منها: كتاب ثواب الأعمال، كتاب نوادر، كتاب السهو، كتاب القِبلة، كتاب المواقيت، كتاب وفاة النبي(صلی الله علیه و آله)، النجاشي، رجال: ص187؛ الطوسي، الفهرست: ص140.

6) رجال النجاشي: ص187.

7) الفهرست: ص140.

10- عبد الله بن عمرو الوراق (ت 274ﻫ/876م)

10- عبد الله بن عمرو الوراق (ت 274ﻫ/876م)((1))

بحسب المصادر المتوافرة عندنا، لم نجد للوراق مرويات عن المقتل سوى إشارة سبط ابن الجوزي الذي ذكر اسم كتابه (المقتل) مع إيراده لرواية واحدة عنه فقط ونصُّها: «وذكر عبد الله بن عمرو الوراق في كتاب المقتل، أنَّه لما حضر الرأس بين يدي عبيد الله بن زياد أمر حجاما فقال قوِّره فقوَّرهوأخرج لغاديده ونخاعه وما حوله من اللحم، واللغاديد ما بين الحنك وصفحة العنق من اللحم»((2)).

11- ابو جعفر محمد الأشعري المعروف ب-:دبة شبيب (ت280ﻫ/882 م)

11- ابو جعفر محمد الأشعري المعروف ب-:دبة شبيب (ت280ﻫ/882 م)((3))

أشار النجاشي من ضمن ترجمته له وذكر مصنَّفاته أنَّ له كتاباً بعنوان مقتل الحسين(علیه السلام)((4))، ولم نجد له مرويات تخصُّ المقتل الحسيني في المصنفات التاريخية المتوافرة لدينا.


1) عبد الله بن عمرو بن عبد الرحمن بن بشر بن هلال الأنصاري، بلخي الأصل، ولد سنة تسع وتسعين ومائة، سكن بغداد، وروى عنه: ابن أبي الدنيا، والبغوي، وابن المرزبان، والكوكبي، والمحاملي، وكان ثقة صاحب أخبار وآداب وملح، توفى بواسط، ودفن بها، وقد بلغ سبعاًوسبعين سنة، الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد: ج10، ص27؛ السمعاني، الانساب: ج1، ص94-95؛ ابن الجوزي، المنتظم: ج12، ص263؛ الذهبي، تاريخ الاسلام: ج20، ص376.

2) سبط ابن الجوزي، تذكرة الخواص: ص259.

3) ثقة جليل القدر كثير الروايات له مصنَّفات منها كتاب الملاحم، وكتاب الطب، وكتاب الإمامة، وكتاب المزار وكتاب نوادر الحكمة، يعرفه القميون بدبَّة شبيب، النجاشي، رجال: ص349؛ الطوسي، الفهرست؛ ابن شهر اشوب، معالم العلماء: ص138؛ النقرشي، نقد الرجال: ج4، ص129.

4) النجاشي، رجال: ص349.

12- ابن أبي الدنيا (ت281ﻫ/883م)

12- ابن أبي الدنيا (ت281ﻫ/883م)((1))

له مؤلَّفات عديدة منها كتاب مقتل الحسين(علیه السلام) وفق ما ذكرهالطوسي((2)) وابن شهر آشوب((3)).

وردت له روايتان عند ابن عساكر الأولى: «استيقظ ابن عباس من نومه فاسترجع وقال قُتل الحسين والله فقال له أصحابه كلا يا ابن عباس كلا، قال:رأيت رسول الله(صلی الله علیه و آله) ومعه زجاجة من دم فقال ألا تعلم ما صنعت أمتي من بعدي؟ قتلوا ابني الحسين، وهذا دمه ودم أصحابه أرفعها إلى الله(عزوجلّ)، قال فكُتب ذلك اليوم الذي قال فيه وتلك الساعة، قال فما لبثوا إلا أربعة وعشرين يوما حتى جاءهم الخبر بالمدينة أنَّه قُتل ذلك اليوم وتلك الساعة»((4)).

اقتصرت الثانية على مكان وتاريخ استشهاد الإمام الحسين(علیه السلام) وعمره الشريف، إذ قال: «قُتل الحسين بنهر كربلاء يوم عاشوراء في المحرم سنة إحدى وستين، وهو ابن ست وخمسين سنة»((5)).

على حين نقل ابن الجوزي عنه رواية واحدة بقوله: «وذكر ابن أبي الدنيا أنَّهم وجدوا في خزانة يزيد رأس الحسين، فكفنوه، ودفنوه بدمشق عند باب


1) عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس القرشي مولى بني أمية يعرف ب-:ابن أبي الدنيا، عامي المذهب، وكان يؤدِّب المكتفي بالله في حداثته، وهو أحد المصنِّفين للأخبار والسير، وله كتب كثيرة تزيد على مائة كتاب، كتب إلى المعتضد وابنه المكتفي وكان مؤدِّبهما، ابن النديم، الفهرست:ص236؛ الطوسي، الفهرست: ص170، الكتبي، فوات الوفيات: ج1، 578.

2) الفهرست: ص170.

3) معالم العلماء: ص111.

4) ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج14، ص232.

5) ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج14، ص254.

الفراديس...»((1))، وقد أشار ابن حبان إلى هذه الرواية وأنَّه ضعّفها وأورد معها أقوال وآراء أخرى((2))، في حين ضعّف ابن كثير الراوي الذي نقل عنه ابن أبيالدنيا هذه الرواية((3))، كما أورد السخاوي (ت902ﻫ/1504م) هذه الرواية دون الإشارة إلى مصدرها بصيغة (وزعم) مما يدلِّل على عدم قناعته بها وتشكيكه لها، ذاكراً آراء أخرى في تحديد مصير الرأس الشريف((4))، فضلاً عن ذلك أنَّ هذه الرواية تتعارض مع الروايات المُعتمدة التي تشير إلى إلحاق الرأس الشريف مع الجسد الطاهر في كربلاء، وهذا ما يجعلها من الروايات الضعيفة والمشكوك بها.

وذكر لنا سبط ابن الجوزي بعض مرويات ابن أبي الدنيا التي تتعلَّق بالأحداث التي جرت للأسرى والسبايا في الكوفة عند الوالي عبيد الله بن زياد، وفي مجلس يزيد بن معاوية وتطاوله وضربه للرأس الشريف واعتراض بعض من حضر إلى المجلس على تصرُّف يزيد وانتقاده((5)).

وناقش ابن تيمية((6)) بشكل مستفيض المواضع والأماكن التي يُعتَقد أنَّ رأس الإمام الحسين(علیه السلام) دُفن فيها ومنها الشام، وعسقلان، وأثبت بطلانها وعدم صحتها، وأنَّ الرأس أُرجع إلى أهله ودُفن بالمدينة((7))، على أنَّنا لا نتفق مع هذا


1) المنتظم: ج5، ص344.

2) الثقات: ج3، ص69.

3) البداية والنهاية: ج8، ص222.

4) التحفة اللطيفة: ج1، ص296.

5) تذكرة الخواص: ص259، 262.

6) تقى الدين أبو العباس أحمد شهاب الدين عبد الحليم، ولد في سنة(661ﻫ)، بلغت تصانيفه ثلاثمائة مجلد، حدَّث بدمشق ومصر، توفى سنة (728ﻫ)، الذهبي، تذكرة الحفاظ: ج4، ص1497

7) رأس الحسين(علیه السلام): ص33-38.

الرأي، بل إنَّ الرأس الشريف دُفن مع الجسد الطاهر في كربلاء كما هو متفق عليه((1)).

13- إبراهيم الثقفي (ت283ﻫ/893م)

13- إبراهيم الثقفي (ت283ﻫ/893م)((2))

له مؤلفات عدة، ومنها كتاب مقتل الحسين(علیه السلام)، وقد ذكره عدد من المؤرخين((3))، ولم نطلع له على أية مرويات تخصُّ المقتل الحسيني في بطون المصنفات التاريخية المتوافرة لدينا.

14- أبو عبد الله الغلابي (ت 298ﻫ/908م)

14- أبو عبد الله الغلابي (ت 298ﻫ/908م)((4))

راوية للأخبار والأحداث، له مصنفات ذكرها بعض المؤرخين، منها كتاب مقتلالحسين(علیه السلام)((5))، والكتاب مفقود، ولم نعثر له على أيّ روايات تخصُّ المقتل


1) تطرق لهذا الموضوع بشكل مفصل، علي، الحائر الحسيني - دراسة تاريخية -: ص31-38.

2) إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال الثقفي، أصله كوفي، كان زيدياً أولاً ثم انتقل إلى القول بالإمامة، انتقل من الكوفة إلى أصفهان، وكان سبب انتقاله هذا أنه عمل كتاب المعرفة، وفيه المناقب المشهورة والمثالب، فاستعظمه الكوفيون وأشاروا عليه بأن يتركه و لا يخرجه، فقال: أي البلاد أبعد من الشيعة فقالوا: أصفهان، فحلف لا أروي هذا الكتاب إلا بها فانتقل إليها. وله مصنَّفات كثيرة منها كتاب المبتدأ، كتاب السيرة، كتاب معرفة فضل الأفضل، كتاب أخبار المختار، كتاب المغازي، كتاب السقيفة، كتاب الغارات، كتاب مقتل أميرالمؤمنين(علیه السلام)، النجاشي، رجال: ص18؛ الطوسي، الفهرست: ص37؛ الذهبي، تاريخ الاسلام: ج21، ص112.

3) النجاشي، رجال: ص17؛ الطوسي، الفهرست: ص37، ابن شهر آشوب، معالم العلماء: ص39؛ ابن حجر، لسان الميزان: ج1، ص103.

4) محمد بن زكريا بن دينار مولى بني غلاب، أبو عبد الله، وبنو غلاب قبيلة بالبصرة، أحد الرواة للسير والأحداث والمغازي وغير ذلك، كان ثقة صادقا وله من الكتب، وصنَّف كتبا كثيرة، منها: كتاب الجمل الكبير، والجمل المختصر، وكتاب صفين الكبير، ومقتل أميرالمؤمنين(علیه السلام)، ابن النديم، الفهرست: ص121؛ النجاشي، رجال: ص347، النراقي، درجات الرجال: ص308.

5) الجوهري، السقيفة وفدك: ص16؛ ابن النديم، الفهرست: ص121؛ النجاشي، رجال: ص347

باستثناء الرواية التي أوردها ابن العديم عنه، والذي بدوره رواها عن ابن عائشة((1)) قال: «وقف سليمان بن قتة((2)) بمصرع الحسين وأصحابه بكربلاء فاتكأ على قوسه وجعل يبكي ويقول:

إنَّ قتيلَ الطفِّ من آل هاشمٍ *** أذلَّ رقاباً من قريشٍ فذلَّتِ

مررتُ على أبياتِ آلِ محمدٍ *** فلم أرَها أمثالهَا يومَ حلَّتِ

فلا يبعد اللهُ الديارَ وأهلَها *** وإن أصبحت منهم برغمي تخلَّتِ

ألم ترَ أنَّ الأرضَ أمست مريضةً *** لفقدِ حسينٍ والبلادَ اقشعرَّتِ

وكانوا رجاءً ثم عادوا رزيةً *** لقد عظمتْ تلك الرزايا وجلَّتِ»((3)).

15- أبو الحسين زيد الأصغر(علیه السلام) (المتوفى في القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي)

15- أبو الحسين زيد الأصغر(علیه السلام)((4)) (المتوفى في القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي)

أشار ابن عنبه إلى أنَّهُ صنف كتاباً في المقتل بعنوان مقتل الحسين(علیه السلام)((5))، وهو الآخر ليس لديه مرويات عن المقتل في المصادر المتوافرة لدينا.


1) عبيد الله بن محمد بن حفص التميمي البصري، الذي يقال له ابن عائشة، توفى سنة 228ﻫ، ابن سعد، الطبقات الكبرى: ج7، ص301؛ خليفة ابن خياط، الطبقات: ص401، البخاري، التاريخ الكبير: ج1، ص65.

2) سليمان بن قتة التميمي البصري، وقتة اسم أُمِّه، وكان مع روايته للحديث شاعرا، ابن قتيبة، المعارف: ص487؛ ابن حبان، الثقات: ج4، ص311؛ ابن حجر، تعجيل المنفعة: ص167.

3) ابن العديم، بغية الطلب: ج6، ص2669، من الملاحظ أنَّ تلك الأبيات قد وردت في مصادر أخرى، ولكن من غير سند عبد الله الغلابي، منها: ابو الفرج الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص81، ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج14، ص259، العاملي، الدر النظيم: ص573؛ الذهبي، سير اعلام النبلاء: ج3، ص318.

4) أبو الحسين زيد الأصغر(علیه السلام) بن علي بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(علیه السلام)، لُقِّب ب-:الشيبة وبذي العبرة، له كتاب المبسوط في النسب، المزي، تهذيب الكمال: ج10، ص98؛ ابن عنبة، عمدة الطالب: ص285؛ ابن حجر، تهذيب التهذيب: ج3، ص362؛ الامين، اعيان الشيعة: ج7، ص106.

5) ابن عنبة، عمدة الطالب: ص285.

المبحث الثاني: كتب المقتل الحسيني المفقودة من القرن الرابع حتى أواخر القرن السابع الهجري

اشارة

ألَّف مؤرِّخو تلك القرون العديد من كتب المقاتل، لكنّها تعرَّضت كسابقاتها للفقدان والضياع، ولعلَّ من أهمِّ مؤلِّفيها:

1- إبراهيم الأحمري (المتوفى في القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي)

1- إبراهيم الأحمري (المتوفى في القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي)((1))

وذكر الطوسي عن طرقه وأسانيده بأنَّها كلَّها ضعيفة، بجهالة ظفر بن حمدون((2)) وأحمد بن نصر بن سعيد((3)) وأحمد بن هوذة((4))، أمّا طريقه إلى كتابه في مقتلالحسين(علیه السلام) فهو صحيح((5))، ويُحتمل من خلال كلام الطوسي أنَّه اطلع على كتاب


1) إبراهيمُ بنُ إسْحاق، الأحْمريُّ، يُكنّى أبا إسْحاق، النَهاوَنْديّ. في حديثِهِ ضَعْفٌ، وفي مذهبِهِ ارْتِفاعٌ، ويَروي الصحيحَ والسقيمَ، وأمْرُهُ مُخْتَلِطٌ، ابن الغضائري، رجال: ص36؛ الطوسي، رجال: ص414.

2) ظَفَرُ بنُ حَمْدُون بن شَدّاد، البادِرائيّ، أبُو مَنْصُور، روى عن إبْراهيم الأحْمَريّ. كانَ في مذهبِهِ ضَعْفٌ، ابن الغضائري، رجال: ص72؛ ابن داود الحلي، رجال: ص113.

3) أحمد بن نصر بن سعيد الباهلي، المعروف ب-:ابن أبي هراسة، يُلقَّب أبوه هوذة، سمع منه العكبري سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، وله منه إجازة، توفى في ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، يوم التروية بجسر النهروان ودفن بها، الطوسي: رجال، ص410.

4) أبو سليمان أحمد بن محمد بن هوذة بن هراسة الباهلي، روى عن إبراهيم بن إسحاق الأحمري، وروى عنه أبو محمد هارون بن موسى التلعكبري، الخوئي، معجم رجال الحديث: ج18، ص344.

5) الفهرست: ص287.

المقتل ومن ثم درس طرقه فوجدها صحيحة. أمّا مروياته عن المقتل لم نجدها في المصنفات التاريخية المتوافرة لدينا.

2- عمارة بن زيد الخيواني

2- عمارة بن زيد الخيواني((1))

ذكر النجاشي له مصنَّفاً بعنوان مقتل الحسين(علیه السلام)((2))، ولم نعثر على أيّ روايات مُسْنَدة إليه تخصُّ المقتل.

3- عبد العزيز الجلودي (ت332ﻫ/942م)

3- عبد العزيز الجلودي (ت332ﻫ/942م)((3))

ذكر العديدُ من المؤرِّخين أنّ له مصنَّفاً بعنوان: مقتل الحسين(علیه السلام)((4))،ووفق المصادر المتوافرة لدينا لم نجد له أيّة روايات في المصنَّفات التاريخية.

وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنَّ كتاب المقتل الذي صنَّفه الجلودي كان موجوداً في حدود القرن الثامن الهجري، بدليل قول العلامة الحلي: «رأيت على مقتل الحسين(علیه السلام) الذي صنفه أبو أحمد الجلودي(رحمة الله) ما هذه حكايته: توفى أبو أحمد عبد العزيز


1) أبو زيد الخيواني الهمداني، شُكِّك في أصل وجوده، ونُسبت مصنَّفاته اليه، النجاشي، رجال: ص303؛ الحلي، خلاصة الاقوال: ص384.

2) رجال: ص303.

3) أبو أحمد عبد العزيز بن يحيى بن أحمد بن عيسى الجلودي. من أكابر الشيعة الإمامية، والرواة للآثار والسير، له من المصنَّفات كتاب المرشد والمسترشد، كتاب الحكمين، كتاب الغارات، كتاب الخوارج، كتاب بني ناجية، كتاب حروب علي(علیه السلام)، كتاب ما نزل في الخمسة(علیه السلام)، كتاب الفضائل، كتاب نسب النبي(صلی الله علیه و آله)، كتاب تزويج فاطمة(علیها السلام)، كتاب ذكر علي(علیه السلام) في حروب النبي(صلی الله علیه و آله)، كتاب محبّ علي(علیه السلام) ومن ذكره بخير، كتاب من أحبَّ علياً(علیه السلام) وأبغضه، كتاب ضعائن في صدور قوم، كتاب من سبَّه من الخلفاء، كتاب الكناية عن سبّ علي(علیه السلام)، كتاب التفسير عنه، كتاب القراءات، كتاب ما نزل فيه من القرآن، كتاب خطبه(علیه السلام)، ابن النديم، الفهرست: ص246، النجاشي، رجال: ص242.

4) ابن النديم، الفهرست: ص264؛ النجاشي، رجال: ص242؛ الطوسي، الفهرست: ص191.

ابن يحيى بن عيسى الجلودي(رحمة الله) يوم الاثنين لسبع عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، ودُفن(رحمة الله)، في اليوم الثامن عشر وهو يوم الغدير»((1))، ونرجِّح أنَّ هذا المقتل فُقِد بعد القرن الثامن الهجري.

4- أبو الحسين عمر بن الحسن المعروف ب-:ابن الأشناني (ت339ﻫ/941م)

4- أبو الحسين عمر بن الحسن المعروف ب-:ابن الأشناني (ت339ﻫ/941م)((2))

أشار الطباطبائي((3)) بأنَّ له كتاب مقتل الحسين(علیه السلام)، ولم نجد له مرويات في المصادر المتوافرة لدينا.

5- محمد بن علي الصدوق (ت381ﻫ/991م)

5- محمد بن علي الصدوق (ت381ﻫ/991م)((4))

صنَّف الصدوق العديد من المؤلَّفات، ومن بينها كتاب مقتل الإمام الحسين(علیه السلام)((5)).

أشار الصدوق نفسه أنَّ لهُ مصنَّفاً بعنوان مقتل الحسين(علیه السلام) في أكثر من مناسبة، ففي معرض حديثه عن منزلة ومقام أبي الفضل العباس بن علي بن أبي طالب(علیه السلام) قال: «وإنَّ للعباس عند الله تبارك وتعالى لمنزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة،


1) ايضاح الاشتباه: ص245.

2) أبو الحسين عمر بن الحسن بن علي بن مالك بن أشرس بن عبد الله بن منجاب الشيباني، من أهل بغداد، كان صاحب حديث مجوداً كثير العلم فيه، حدثّ الكثير وأخذوا عنه، وهو من جلَّة الناس، ومن أصحاب الحديث المجوّدين، وأحد الحفاظ، وتمتع بحسن المذاكرة بالأخبار، التنوخي، نشوار المحاضرة: ج4، ص155؛ السمعاني، الانساب: ج1، ص170؛ ابن الجوزي، المنتظم: ج12، ص301.

3) الطباطبائي، أهل البيت(علیه السلام) في المكتبة: ص539.

4) محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، يُكنَّى أبا جعفر، جليل القدر، بصير بالفقه، والأخبار، والرجال، له مصنَّفات كثيرة، له نحو ثلاثمائة مصنَّف، توفى بمدينة الري سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، الطوسي، رجال: ص439؛ ابن داود الحلي، رجال: ص179.

5) الصدوق، الهداية: ص182.

والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة، وقد أخرجته بتمامه مع ما رويته في فضائل العباس بن علي(علیه السلام) في كتاب مقتل الحسين بن علي(علیه السلام)»((1))، وذكر أيضاً - إلى أنه ضمن كتاب المقتل - أنواعاً متعددة من الزيارات قائلاً: «وقد أخرجت في كتاب الزيارات، وفي كتاب مقتل الحسين(علیه السلام) أنواعاً من الزيارات...»((2)).

وعند تتبع مؤلَّفات الصدوق((3)) نجد العديد من الروايات التي تخصُّ مادة المقتل، لكنَّه لم يُشِر إلى أنَّه أخذها من كتاب المقتل المفقود الذي ألَّفه، ونرجِّحأنَّ تلك الروايات التي ضمنّها الصدوق في مؤلفاته كان الجزء الأكبر منها من كتاب المقتل المفقود؛ وذلك أنّ رواية المقتل التي أوردها الصدوق في مؤلفاته هي مقاربة للرواية التي وضعها في كتاب المقتل (المفقود)، ومنْ غيرِ المعقول أن يأتي الصدوق برواية جديدة للمقتل تغاير تلك التي ضمَّنها مصنَّفاته، خاصة وأنَّه قد عرض مساحة واسعة من المادة التاريخية لرواية المقتل في مصنفاته، فيا ترى ما المادة الجديدة التي ضمَّنها في كتاب المقتل المفقود؟ من المحتمل لم تكن هناك مادة جديدة، إلا أنَّ الفارق بين المادة الموجودة في المصنَّفات وكتاب المقتل المفقود هو احتواؤه على تفاصيل دقيقة وموسَّعة للإرهاصات ومقدِّمات وحيثيات المقتل بوصفه يركِّز في المقتل، بخلاف المؤلَّفات العامة التي صنَّفها والتي تضمَّنت بعض روايات المقتل.

من الملاحظ أنّ ابن شهر آشوب قد نقل العديد من الروايات الخاصة بالمقتل من الصدوق، وتحديداً من كتاب الأمالي((4))، ولم يُشِر إلى أيّ روايات قد نقلها عن المقتل المفقود، مما يرجِّح لنا أنّ كتاب المقتل للصدوق قد فُقِدَ في وقت قريب من تأليفه؛


1) الخصال: ص68.

2) الصدوق، من لا يحضره الفقيه: ج2، ص598.

3) الامالي: ص215-227، عيون اخبار الرضا: ج1، ص69، كمال الدين: ص533.

4) مناقب آل أبي طالب: ج3، ص239-245.

ودليلنا على ذلك أنَّه لو كان موجوداً على سبيل المثال في القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي لاعتمده ابن شهر آشوب بدلاً من الإعتماد على كتاب الأمالي.

6- محمد بن علي بن سكين (المتوفى في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي)

6- محمد بن علي بن سكين (المتوفى في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي)((1))

ذكر النجاشي بأنَّ له مصنَّفات عدَّة منها كتاب مقتل الحسين(علیه السلام)((2))، هو الآخر لم نجد لمروياته عن المقتل أثراً في بطون المصنَّفات التاريخية المتوافرة لدينا.

7- أبو جعفر العطار القمي (المتوفى في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي)

7- أبو جعفر العطار القمي((3))(المتوفى في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي)

من مصنَّفاته، كتاب مقتل الحسين(علیه السلام) وهو في عداد الكتب المفقودة، فضلاً عن عدم وجود أيّة روايات له في المصادر تخصُّ المقتل باستثناء واحدة أوردها الكليني عنه تشير إلى فضل وأهمية زيارة الإمام الحسين(علیه السلام)((4)).

8- أبو سعيد التستري(المتوفى في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي)

8- أبو سعيد التستري((5))(المتوفى في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي)

هناك العديد من الإشارات التأريخية التي تدلُّ على تصنيفه كتاباً عن مقتل


1) محمد بن علي بن الفضل بن تمام بن سكين بن بنداذ بن داذ مهر بن فرخ زاذ بن مياذر ماه بن شهريار الأصغر، أصله من الكوفة، لُقِّب ب-:سكين بسبب إعظامهم له. وكان ثقة، صحيح الاعتقاد، جيد التصنيف. له كتب، منها: كتاب الكوفة، كتاب موضع قبر أميرالمؤمنين(علیه السلام)، كتاب مختصر الفرائض، ابن النديم، الفهرست: ص122؛ النجاشي، رجال: ص385؛ الحلي، ايضاح الاشتباه: ص290؛ الجواهري، المفيد في معجم الحديث: ص555.

2) رجال النجاشي: ص385.

3) أحمد محمد بن يحيى، أبو جعفر العطار القمي، ثقة، روى عنه الكليني، كثير الرواية، النجاشي، رجال: ص353؛ الحلي، رجال: ص186؛ المازندراني، منتهى المقال: ج6، ص227.

4) الكليني، الكافي: ج4، ص589.

5) الحسن بن عثمان بن زياد بن حكيم، أبو سعيد التستري، كان ضعيفاً، يضع الحديث، الجرجاني، الكامل: ج2، ص345؛ ابن حجر، لسان الميزان: ج2، ص219.

الإمام الحسين(علیه السلام)((1))، منها: ما أورده الصدوق وهو أشبه بمقتل متكامل لأبي سعيد بقوله: «حدثنا أبو سعيد الحسن بن عثمان بن زياد التستري من كتابه قال: حدثنا إبراهيم بن عبيد الله بن موسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي قاضي بلخ((2))... حدثتني صفية بنت يونس ابن أبي إسحاق الهمدانية((3)) وكانت عمتي عن خالها عبد الله ابن منصور، وكان رضيعا لبعض ولد زيد بن علي(علیه السلام)، قال: سألت جعفر بن محمد بن علي بن الحسين(علیه السلام)، فقلت: حدثني عن مقتل ابن رسول الله فقال: حدثني أبي، عن أبيه....»((4))، واورد المقتل بنصِّه والذي شغل بحدود اثنتي عشرة صفحة.

وهنا لا بدّ من القول أنَّ الصدوق حفظ لنا الجزء الأكبر من مقتل أبي سعيد منالضياع والإندثار((5))، ويمكننا تسليط الضوء على بعض ما ورد في هذا المقتل وعلامَ ركَّز، ابتدأ أبو سعيد مقتله بوصية معاوية بن أبي سفيان لولده يزيد بن معاوية، والتي تضمنت تحديده للبرنامج السياسي الذي يجب أن يسير عليه وتحذيره من بعض الشخصيات، ومنها الإمام الحسين بن علي(علیه السلام)((6)). ثم استعرض الظروف والإجراءات التي اتخذتها السلطة الحاكمة في سبيل أخذ البيعة من الإمام الحسين(علیه السلام)، وموقف الإمام من ذلك، بعدها انتقل مباشرة إلى الأماكن والمناطق


1) منها إشارة الشاهرودي، ينظر، مستدركات علم رجال الحديث: ج2، ص429.

2) إبراهيم بن عبيد الله بن موسى بن يونس بن أبي إسحاق، قاضي بلخ، لم يذكروه، وقع في طريق الصدوق - في الأمالي في حديث مقتل الحسين(علیه السلام) المفصل، الشاهرودي، مستدركات علم رجال الحديث: ج1، ص174.

3) لم نجد لها ترجمة في المصادر المتوافرة لدينا.

4) الامالي: ص215.

5) وتجدر الإشارة إلى أنَّ هذا المقتل نُقل بنصِّه الكامل أيضاً من قبل، المجلسي، عن الصدوق، بحار الانوار: ج44، ص310-323.

6) الصدوق، الامالي: ص215-216.

التي مرَّ بها الركب الحسيني منها الثعلبية((1)) والرهيمة((2)) والقطقطانية((3)).

ثم يورد سرداً تاريخياً للاستعدادات العسكرية بين الطرفين، وخطب ولقاءات الإمام الحسين(علیه السلام) مع أصحابه وأهل بيته، ثم تقدُّمهم للمبارزة العسكرية الواحد تلو الآخر حتى استشهادهم(علیهم السلام)، ثم يتناول حادثة استشهاد الإمام الحسين(علیه السلام) والمباشرة في قتله، ويختم أبو سعيد حديثه عن حمل رأس الإمام(علیه السلام) إلى الوالي عبيد الله بن زياد من قبل سنان بن أنس الإيادي الذي تمَّ قتله من قِبل الوالي عبيد الله بن زياد((4)).وهنا تجدر الإشارة إلى أنَّ منهج أبي سعيد في سرد مروياته كان مقارباً لجملة من المؤرِّخين الذين ذكروا المقتل في مصنَّفاتهم التاريخية، مع الإنتباه إلى أنَّ رواية أبي سعيد للمقتل كان أصلها ومنبعها مصدراً واحداً وهو ما نقله عن أحد الزيدية عن الإمام جعفر بن محمد الصادق(علیه السلام)((5))، ولعلَّه أرادها أن تكون سِمَة يتميز بها مقتله عن بقية المقاتل الأخرى، أمّا الحديث عن حجم المقتل فمن المتعذر تحديده بشكل دقيق؛ لكونه مفقوداً وإنَّ ما نقلهُ الصدوق كان جزءاً منه وليس بأكمله، وإن كان الجزء الأكبر وليس كلّ المقتل بقرينة «حدثنا أبو سعيد الحسن بن عثمان بن زياد التستري من كتابه»، فالإشارة واضحة أنَّ الذي أورده الصدوق يمثِّل جزءاً من كتاب المقتل لأبي سعيد وليس بأكمله.


1) من منازل طريق مكة من الكوفة بعد الشقوق وقبل الخزيمية، ياقوت الحموي، معجم البلدان: ج2، ص78.

2) الرهيمة: ضيعة قرب الكوفة، ياقوت الحموي، معجم البلدان: ج3، ص109.

3) الصدوق، الامالي: ص218-219.

4) المصدر نفسه: ص221-227.

5) المصدر نفسه: ص216.

9- سليمان بن محمد الكوفي(المتوفى في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي)

9- سليمان بن محمد الكوفي((1))(المتوفى في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي)

ذُكِر أنَّهُ ألَّفَ كتاباً بعنوان مقتل الحسين(علیه السلام)((2))، ولم نجد له روايات في المصادر المتوافرة لدينا.

10- محمد بن إبراهيم الكاتب، المعروف بالشافعي(المتوفى في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي)

10- محمد بن إبراهيم الكاتب، المعروف بالشافعي((3))(المتوفى في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي)

ذكر النجاشي مُصنَّفاً له بعنوان مقتل الحسين(علیه السلام)((4))، ولم نجد مرويات لهذا المقتل في المصادر المتوافرة لدينا.

11- الحاكم النيسابوري (ت405ﻫ/1007م)

11- الحاكم النيسابوري (ت405ﻫ/1007م)((5))

أشار الحاكم إلى مصنَّف له بعنوان:مقتل الحسين(علیه السلام) بقوله: «وقُتل الحسين يوم الجمعة يوم عاشوراء، لعشر مضين من المحرم سنة إحدى وستين، وهو ابن أربع


1) محدِّث و مؤرِّخ من أهل اليمن، ممن عاصر الإمام الهادي الزيدي (ت309 ﻫ/911م) وناصره، وهو من علماء الهادوية، وهو جامع كتاب المنتخب مما أملاه الهادي، ذكره في شرح الفتح، وكتاب الإجازة، وهو صاحب ألقاب الفنون والبراهين في معجزات النبي(صلی الله علیه و آله)، وقد وصفه ابن عساكر بأنَّه (قاضي صعدة باليمن)، ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج41، ص292؛ الجلالي، فهرس التراث: ج1، ص335؛ كحالة، معجم المؤلفين: ج10، ص54.

2) سليمان بن محمد الكوفي، مناقب علي بن أبي طالب(علیه السلام)، المقدمة: ج1، ص12.

3) محمد بن إبراهيم بن يوسف، الكاتب يكنى أبا الحسن، المعروف بالشافعي، له كتب، منها كتاب كشف القناع، كتاب الاستعداد، كتاب العدة، كتاب الاستبصار، كتاب نقض العباسية، كتاب المفيد في الحديث، النجاشي، رجال: ص372؛ الخوئي، معجم رجال الحديث: ج15، ص234.

4) رجال النجاشي: ص372.

5) محمد بن عبد الله بن حمدويه بن نعيم الضبي النيسابوري، الشهير بالحاكم ويعرف بابن البيع، أبو عبد الله، من أكابر علماء الحديث والمصنِّفين فيه. مولده ووفاته في نيسابور، وهو من أعلم الناس بصحيح الحديث وتمييزه عن سقيمه صنَّف كتباً كثيرة منها: تاريخ نيسابور، المستدرك على الصحيحين، الإكليل المدخل في أصول الحديث، تراجم الشيوخ، الصحيح في الحديث، الباجي المالكي، التعديل والتجريح: ج1، ص180؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج11، ص409؛ الزركلي، الاعلام: ج6، ص227.

وخمسين سنة، وقد ذكرت هذه الأخبار بشرحها في كتاب مقتل الحسين(علیه السلام)، وفيه كفاية لمن سمعه ووعاه»((1)).

12- الطوسي (ت460ﻫ/1062م)

12- الطوسي (ت460ﻫ/1062م)((2))

ألَّفَ العديد من المصنَّفات ومنها ما أشار إليه ابن شهر آشوب بأنّه ألَّفَ ضمن مؤلفاته كتاباً بعنوان مختصر في مقتل الحسين(علیه السلام)((3))، ويبدو أنّ سببَ فقدان مقتله هذا يعود إلى ما ذكره الذهبي من أنّ مصنَّفاته قد تعرَّضت للحرقِ((4))، ولعلَّ كتاب المقتل من ضمن الكتب التي تعرَّضت للحرق والضياع، أمّا ما يخصُّ مروياته عن المقتل فلم نطلع عليها في المصادر المتوافرة لدينا.

13- نجم الدين القوسيني (ت 585ﻫ/1187م)

13- نجم الدين القوسيني (ت 585ﻫ/1187م)((5))

ذكر ابن بابويه منتجب الدين((6)) (ت585ﻫ/1187م)، فضلاً عن إشارة بعض الباحثين أنَّ له مؤلَّفاً بعنوان مقتل الحسين(علیه السلام)((7))، أمّا ما يخصُّ مروياته في المصنَّفات التي تخصُّ المقتل فلم نطلع على أيّ من تلك الروايات في المصادر المتوافرة لدينا.


1) المستدرك على الصحيحين: ج3، ص177.

2) أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي، فقيه الشيعة، ورئيس الطائفة جليل القدر، عارف بالأخبار والرجال والفقه والأصول، له عدة مصنَّفات وفي علوم شتَّى، النجاشي، رجال: ص403؛ ابن شهر آشوب، معالم العلماء: ص149؛ الحلي، خلاصة الاقوال: ص249.

3) معالم العلماء: ص149.

4) العبر: ج18، ص335.

5) نجم الدين محمد بن أبي الفضل الجعفري، القوسيني، فاضل، له كتاب مقتل الحسين(علیه السلام)، ونظم رائق، منتجب الدين ابن بابويه، الفهرست: ص1190؛ المجلسي، بحار الانوار: ج102، ص283.

6) الفهرست: ص119.

7) المجلسي، بحار الانوار: ج102، ص283، آغا بزرك الطهراني، الذريعة: ج22، ص27.

14- محمود بن المبارك المعروف ب-:المجير البغدادي (ت 592ﻫ/1194م)

14- محمود بن المبارك المعروف ب-:المجير البغدادي (ت 592ﻫ/1194م)((1))

أشار أحد الباحثين((2)) بأنَّ له مصنَّفاً في المقتل، تحت عنوان مقتل الحسين(علیه السلام) ولم نطلع له على مروياته في المصنَّفات التاريخية المتوافرة لدينا.

15- أبو المفاخر الرازي (المتوفى في القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي)

15- أبو المفاخر الرازي (المتوفى في القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي)((3))

أشار بعض الباحثين((4)) بأنّ لأبي المفاخر مصنَّفاً بعنوان مقتل الشهداء(علیه السلام)، ذكر فيه شهداء واقعة الطف، وأنَّ بعض مرويات هذا المقتل نقلها


1) محمود بن المبارك بن علي بن المبارك بن الحسن ابن بقيرة بفتح الباء الواسطي، أبو القاسم بن أبي الفتح العراقي المجير البغدادي، من أجلّاء الأئمة، برع في الأصول والفروع والخلاف والجدل، وعلم الكلام، وعلم المنطق، حتى صار شيخ وقته وعلامة عصره، يقصده الطلبة من البلاد البعيدة، صنَّف كتبا كثيرة في الأصول والجدل وغيرهما، وعلق عنه الناس تعاليق كثيرة، ودرس بالنظامية وهو شاب، ثم سافر إلى الشام وأقام بدمشق مدة يدرس في عدة مواضع، ثم عاد إلى بغداد وخرج إلى بلاد فارس ونزل شيراز فأقام بها مدة يدرس بها، ثم قدم واسط في آخر سنة (587ﻫ) فأقام بها نحواً من أربع سنين يدرس ويحضر عنده الفقهاء، ثم عاد إلى بغداد وتولى تدريس النظامية في شهر رمضان سنة (592ﻫ) ثم ندب إلى الخروج في رسالة من الديوان إلى خوارزم شاه وكان بأصبهان فخرج من بغداد إلى همذان وبقى فيها إلى أن توفى، الذهبي، سير اعلام النبلاء: ج21، ص255-256؛ السبكي، طبقات الشافعية: ج7، ص288.

2) الطباطبائي، أهل البيت(علیه السلام) في المكتبة: ص547.

3) أبو المفاخر الرازي من الشعراء المجيدين في عصر غياث الدين محمّد بن ملك شاه (ت511ه)، والسلطان مسعود بن محمّد بن ملك شاه السلجوقي (ت: 547 ه). كما أنّ مؤلف الذريعة ذكر كتاباً آخر باللّغة الفارسيّة أيضاً تحت عنوان (مقتل الشهداء) لشخص يعرف ب(العاصي)، يُعزَى تأريخ استنساخه إلى سنة 887 ﻫ، وقدّمه على (الروضة) ويُحتَمل أن يكون اشتهار قرّاء المصيبة ب(روضة خوان) واشتهار كتاب الملاّ حسين الكاشفي راجعاً إلى اقتران تأليف الكتاب بمجئ الصفويّين واستبدال قراءة (الشاهنامه) بقراءة المقتل في المجالس الليليّة، خاصّة وأنّ هذا الكتاب يحتوي نثراً جميلاً ولحناً حماسيّاً، ينظر، لجنة معهد باقر العلوم(علیه السلام)، موسوعة شهادة المعصومين(علیه السلام): ج1، ص8.

4) آغا بزرك الطهراني، الذريعة: ج11، ص295، ج22، ص32؛ لجنة معهد باقر العلوم(علیه السلام)، موسوعة شهادة المعصومين(علیه السلام): ج1، ص8.

الكاشفي((1)) (ت910ﻫ/1512م) في مقتله المعنون (روضة الشهداء).

تركَّزت أغلب الروايات التي نقلها الكاشفي عن أبي المفاخر حول الأراجيز الشعرية في مختلف المناسبات، منها ما نظمه أهل الكوفة في كتبهم للإمام الحسين(علیه السلام)، وأبيات قالها الإمام الحسين(علیه السلام) في رثاء الحر بن يزيد الرياحي، فضلاً عن الأراجيز التي نظمها أبو المفاخر في رثاء بعض الشخصيات العلوية من قبيل علي الأكبر بن الإمام الحسين(علیه السلام)، وعبد الله بن الإمام الحسن(علیه السلام)، وعون بن عبد الله ابن جعفر الطيار(علیه السلام)((2)).

أمّا الروايات ذات الطابع التاريخي التي أوردها الكاشفي عن أبي المفاخر، فيمكن إجمالها بثلاث روايات الأولى: حدَّدت مصير فرس الإمام الحسين(علیه السلام) بأنَّه أمَّ البادية ولم يقع أحد له على أثر((3))، أمّا الثانية والتي انفرد أبو المفاخر بها عن بقية المصادر فكان نصُّها «أنَّ ابن زياد لما وضع الرأس الشريف على فخذه قطرت منه قطرة دم على ثيابه فأحدثت ثقباً في الثياب حتى وصلت إلى لحم فخذه ونفذت من الطرف الآخر فخرقت الفراش والسرير ووقعت على الأرض، وغابت عن العيون وبقي الجرح فاغراً في فخذ ابن زياد، وعُولج فلم يبرأ ونتن نتناً شديداً، فكان مجلسه لا يستطيع تحمل ذلك النتن المزعج، وكان يضع عليه ابن زياد نافجة المسك فلم يفلح لأنَّ


1) حسين بن علي البيهقي السبزواري الواعظ، المفسِّر المحدِّث، كان جامعاً للعلوم الدينية، متبحراً خبيراً، له تفسير: المواهب العلية، وكتاب: الرسالة العلية في الأحاديث النبوية، وبدائع الأفكار في صنايع الأشعار فارسي، وغيرهما من المؤلَّفات المفيدة، حاجي خليفة، كشف الظنون: ج1، ص37؛ حامد النقوي، عبقات الابرار: ج4، ص81؛ اسماعيل البغدادي، هدية العارفين: ج1، ص317؛ كحالة، معجم المؤلفين: ج4، ص34؛ القمي، الكنى والالقاب: ج3، ص105.

2) الكاشفي، روضة الشهداء: ص412، 547، 612، 613، 614، 655، 664.

3) المصدر نفسه: ص685.

رائحة الجرح غلبت رائحة المسك، وظلَّ ملازماً له حتى قتل...»((1))، وقد ركَّزت الرواية الثانية على المحاورة التي جرت بين يزيد بن معاوية والتاجر اليهودي الذي كان حاضراً في مجلسه آنذاك والتي انتقد فيهااليهودي يزيد لإقدامه على قتل الإمام الحسين(علیه السلام) لاسيما بعد أن أعلن اليهودي إسلامه واعتقاده بإمامة الإمام الحسين(علیه السلام)((2)).

أمّا الرواية الثالثة فقد نقلت لنا المعاجز التي حدثت للإمام الحسين(علیه السلام) عقب استشهاده، التي نقلها أبو المفاخر عن أحد العناصر المشاركة في قتال الإمام(علیه السلام)((3)).

16- عبد الرزاق الرسعني (ت661ﻫ/1263م)

16- عبد الرزاق الرسعني((4)) (ت661ﻫ/1263م)

ذكر الذهبي أنهّ ألَّف كتاباً في مقتل الحسين(علیه السلام)((5)) بينما ذكر له عبد الرحمن الدمشقي اسم الكتاب مع اختلاف بسيط في العنوان هو: مصرع الحسين(علیه السلام)((6)) ومع اختلاف كلا العنوانين فإنَّ الكتاب يخصُّ مقتل الحسين(علیه السلام)، وهو من الكتب المفقودة، ولم نطلع له على أيّ روايات منقولة عنه في المصنَّفات التاريخية المتوافرة لدينا، وبهذا نختم دراستنا لكتب المقتل المفقودة.


1) المصدر نفسه: ص707.

2) الكاشفي، روضة الشهداء: ص732-733.

3) الكاشفي، روضة الشهداء: ص756-759.

4) عزّ الدين أبو محمّد عبد الرزّاق بن رزق الله بن أبي بكر بن خلف الجزري، الفقيه المحدث المفسر، كان إماماً متقناً ذا فنون وأدب، ويُعدُّ من كبار علماء الحنابلة، الذهبي، تذكرة الحفاظ: ج4، ص274؛ تاريخ ابن الدبيثي: ص337؛ الصفدي، الوافي بالوفيات: ج3، ص206؛ السيوطي، طبقات المفسرين: ص55.

5) تذكرة الحفاظ: ص274.

6) الذيل على طبقات الحنابلة: ج4، ص274.

الفصل الثالث: موارد كتب المقتل الحسيني المطبوعة من القرن الثاني حتى أواخر القرن السابع الهجري/ الثامن و الثالث عشر الميلاديين

اشارة

المبحث الأول:موارد كتب المقتل الحسيني بين القرنين الثاني والخامس الهجريين/ الثامن و الحادي عشر الميلاديين.

المبحث الثاني:موارد كتب المقتل الحسيني خلال القرنين السادس و السابع الهجريين/ الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين.

تمهيد

المورد لغةً: استعرضت المعاجم اللغوية هذه المفردة وأرجعت معناها إلى الطريق والورود، إذ قال ابن فارس (ت395ﻫ/997م) في معرض حديثه عن الفعل ورد: «المورد الطريق الموفاة إلى الشيء»((1))، ولم يخرج أبو الفضل ابن منظور (ت711ﻫ/1313م) عن هذا المعنى كثيراً فقال: «الموارد: المناهل، أحدها مورد وورد مورداً أيّ وروداً. والمورد: الطريق إلى الماء»، وأحدها مورد، وهو مفعل من الورود، «يقال: ورَدْتُ الماءَ أَرِدُه وُرُوداً إذا حضرته لتشرب. والوِرد: الماء الذي ترد عليه»((2)) ويتفق معهم بهذا المعنى محمد أبو بكر الرازي (ت721ﻫ/1323م)، بقوله: «والوارد الطريق وكذا المورد»((3)).

أمّا الموارد اصطلاحاً: يقُصد بها مصادر الروايات، فهي المنبع أو الأصل((4)) وقد تنوعت الموارد التي اعتمدت عليها روايات كتب المقاتل الحسينية منها: الإعتماد على المصادر السابقة المدوَّنة، ومنها الإعتماد على الرواية الشفوية، فضلاً عن ذلك فقد اعتمدت تلك الكتب على أخبار مُسنَدة وأخرى غير مُسنَدة.


1) معجم مقاييس اللغة: ج6، ص105.

2) لسان العرب، مادة (ورد): ج3، ص456-457.

3) مختار الصحاح: ص366.

4) مؤنس، التاريخ والمؤرخون: ص54.

المبحث الأول: موارد كتب المقتل الحسيني بين القرنين الثاني والخامس الهجريين

اشارة

حفلت تلك القرون بظهور العديد من كتب المقاتل، إلا أنَّها فُقِدت - كما أوضحنا فيما سبق - ومن الملاحظ أنَّه لم تصلنا كتب عن المقتل من القرنين الأول والرابع الهجريين، وإنمَّا فُقِدت جميعها، أمَّا كتب المقاتل التي وصلتنا والتي أصبحت متداولة ومطبوعة عن هذه المدة الزمنية فهي من القرن الثاني الهجري وتشمل المقتل المنسوب لأبي مخنف، وتسمية من قُتل مع الإمام الحسين(علیه السلام) للرسان، ومن القرن الخامس الهجري كتاب نور العين في مشهد الحسين(علیه السلام) المنسوب للإسفراييني، وسنتناول موارد تلك الكتب في هذا الفصل.

1 - موارد أبي مخنف، لوط بن يحيى (ت157ﻫ/759م) في إيراد روايات المقتل المتضمن في تأريخ الطبري وبقية المصادر الأخرى

أ - تعريف ب-: المؤلِّف

هو أبو مخنف لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف بن سُليم بن الحارث بن عوف ابن ثعلبة بن عامر بن ذهل الأزدي، الغامدي، الكوفي، كان أبوه من أصحاب

أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب والإمامين الحسن والحسين(علیهم السلام)((1)).

ويُعدُّ أبو مخنف من العلماء المؤرِّخين، بل هو شيخ المؤرِّخين وعميدهم بالكوفة، روى عنه هشام بن محمد السائب الكلبي، ونصر بن مزاحم، ومحمد بن موسى وغيرهم، له كتب كثيرة منها: مقتل الحسين(علیه السلام)، ومقتل محمد بن أبي بكر(رضی الله عنه)، ومقتل عثمان بن عفان، وخطبة الزهراء(علیها السلام) وكتاب الردة، وكتاب فتوح الشام، وكتاب فتوح العراق، وكتاب الجمل، وكتاب صفين، وكتاب النهروان، وكتاب الغارات((2)).

ولابدَّ من الفحص والتحقيق عن هذه الشخصية لدى المؤرِّخين، ومن أوليات التحقيق التحقُّق من درجة وثاقته في النقل وأقوال وآراء المؤلِّفين فيه، على الرغم من أنَّ هناك أختلافاً شديداً في توثيقه أو تضعيفه، ومن هذه الآراء والأقوال التي تضعِّفه وتطعن في رواياته:

1- ابن معين (ت233ﻫ/835م): «قال عنه ليس بثقة»((3)).

2- العقيلي (ت322ﻫ/924م): وصفه بأنَّه: «ليس بشيء وفي موضع آخر ليس بثقة»((4)).3- أبو حاتم الرازي (ت 327ﻫ/929م) قال عنه: «متروك الحديث»((5)).

4- ابن عدي (ت356ﻫ/958م) قال عنه: «حدَّث بأخبار من تقدَّم من السلف


1) ابن النديم، الفهرست: ص105؛ النجاشي، رجال: ص320؛ الطوسي، الفهرست: ص204؛ الذهبي، تاريخ الاسلام: ج9، ص57؛ الصفدي، الوافي بالوفيات: ج24، ص305.

2) ابن النديم، الفهرست: ص105؛ النجاشي، رجال: 320؛ الطوسي، الفهرست: ص204؛ الذهبي، تاريخ الاسلام: ج9، ص57؛ الصفدي، الوافي بالوفيات: ج24، ص305.

3) تاريخ ابن معين: ج1، ص269.

4) ضعفاء العقيلي: ج4، ص18.

5) الجرح والتعديل: ج7، ص182.

الصالحين، ولا يبعد منه أن يتناولهم وهو شيعي محترق صاحب أخبارهم وإنَّما وصفته لا يُستغنى عن ذكر حديثه فإني لا أعلم له من الأحاديث المسنَدة ما أذكره وإنما له من الأخبار المكروه الذي لا أستحب ذكره»((1)).

5- الذهبي قال عنه: «أخباري تالف، لا يوثق به»((2)).

6- وصفه الصفدي بإنه «يروي عن المجاهيل»((3)).

وفي مقابل الإنتقاد الشديد الذي تعرَّض له أبو مخنف من قبل هؤلاء المؤلِّفين نجد أن هناك قسماً منهم من لم يطعن به:

1- النجاشي (ت450ﻫ/1052م) وفي معرض ترجمته له قال: «شيخ أصحاب الأخبار بالكوفة ووجههم، وكان يسكن إلى ما يرويه»((4)).

2- الطوسي (ت460ﻫ/1062م)، ذكر أنَّه من أصحاب أميرالمؤمنين(علیه السلام)، ومن أصحاب الحسن والحسين(علیه السلام)، على ما زعم الكشي (ت340ﻫ/942م)((5))، والصحيح أنَّ أباه كان من أصحاب الإمام علي(علیه السلام)،وهو لم يلقَه((6)).

ويُلاحَظ أنّ الطوسي قد مارس النقد التاريخي تجاه الكشي في تصحيحه للرواية التي أوردها فيما يخصُّ أبا مخنف، وقال عنه إنَّه معاصر للإمام علي بن أبي طالب(علیه السلام)


1) الكامل: ج6، ص93.

2) ميزان الاعتدال: ج3، ص413.

3) الوافي بالوفيات: ج24، ص305.

4) رجال: ص320.

5) محمد بن عمر بن عبد العزيز، أبو عمرو، الكشي، فقيه إمامي، نسبته إلى (كش) من بلاد ما وراء النهر، اشتهر بكتابه (معرفة أخبار الرجال) اقتصر به على بعض ما قيل فيهم أو روي عنهم، كان ثقة، عيناً، وروى عن الضعفاء كثيراً، وصحب العياشي وأخذ عنه وتخرج عليه وفي داره التي كانت مرتعاً للشيعة وأهل العلم، النجاشي، رجال: ص372؛ الطوسي، رجال: ص440.

6) الفهرست: ص204.

والحسنين(علیه السلام)، وقد ذكر الطوسي أنَّ والد أبي مخنف هو من عاصر الإمام علياً(علیه السلام) لا أبا مخنف نفسه، وحلّل أحد الباحثين هذا الموضوع بقوله: «إنَّ لوط بن يحيى لم يثبت دركه أميرالمؤمنين(علیه السلام)، بل إنَّ روايته لخطبة فاطمة الزهراء(علیهما السلام) عنه(علیه السلام) بواسطتين، يدلُّ على عدم دركه إياه(علیه السلام)، وكذلك روايته خطب أميرالمؤمنين(علیه السلام) بواسطتين»((1)).

3- ابن شهر آشوب قال عنه: «أبوه من أصحاب أميرالمؤمنين والحسن والحسين(علیهم السلام)، له كتب كثيرة في السير كمقتل الحسين(علیه السلام)، ومقتل محمد بن أبي بكر، ومقتل عثمان والجمل وصفين»((2)).

وفضلاً عن ذلك أنَّ تاريخ وفاته (157ﻫ) توضِّح الفرق الشاسع بينه وبين الإمام علي بن أبي طالب(علیه السلام) من حيث المدة الزمنية، كما أنَّ المصادر لم تُشِر إلى أنَّه من المُعمَّرين، وبالتالي يُستبعد أن يكون من أصحاب أميرالمؤمنين(علیه السلام).ولعلَّ سبب الإختلاف في تحديد وثاقة أبي مخنف من عدمها بين المؤرخين يرجع إلى أسباب مذهبية، ويتضح ذلك من خلال عدة قرائن: أولها أنَّ الذين ضعَّفوه واتهموه أغلبهم من علماء أهل السنة، على حين أغلب من لم يضعِّفه هم من علماء الشيعة، كما مبين أعلاه بدليل أنَّ بعض من اتّهمُه بالضعف وصفه بأنَّه رافضي وعلى أساسها ضعَّفوه، أمثال الذهبي((3)).

وفضلاً عن ذلك فإنَّ أغلب من جرحَ أو ضعَّفَ أبا مخنف لم يُشِر إلى السبب أو العلة التي على أساسها تمَّ تضعيفه، وإنَّما جعل ذلك مطلقاً بلا قرينة، مما يجعل تلك الأقوال والآراء مشكوكاً فيها ولا تستند إلى أدلة علمية، وهناك من أشار إلى أنَّ أبا


1) الخوئي، معجم رجال الحديث: ج15، ص142.

2) معالم العلماء: ص129.

3) تاريخ الاسلام: ج9، ص581.

مخنف يُعدُّ من الشيعة الإمامية أمثال الفيروزآبادي (ت817ﻫ/1419م)((1))، كذلك بعض الباحثين((2))، ونحن لا نتفق مع هذا الرأي لعدة أسباب، منها: إنّ جملة من المؤرخين لا سيما الشيعة منهم لم يشيروا صراحةً إلى هذا الأمر أمثال: النجاشي((3)) والطوسي((4)) وابن شهر آشوب((5))، كما إنّ ابن النديم وضمن منهجه من يريد الترجمة لسيرته الذاتية يبين مذهب المترجم لهُ، كما في ترجمته للواقدي الذي بيَّن مذهبه بأنّه تشيع((6)) لم يُشِر إلى أبي مخنف بذلك، لا من قريب ولا منبعيد.

وقد بيَّن ابن أبي الحديد المعتزلي (ت 656ﻫ/1258م) بشكل صريح مذهب أبي مخنف قائلاً: «وأبو مخنف من المحدِّثين وممن يرى صحة الإمامة بالإختيار، وليس من الشيعة ولا معدودا من رجالها»((7))، فأشار أحد الباحثين((8)) إلى أنّ لأبي مخنف ميولاً علوية وعراقية، ونحن نتفق مع هذا الرأي من كون أبي مخنف يحمل ميولاً شيعية وليس شيعياً.

وبعد أنْ تبيَّن لنا أنّ أبا مخنف لم يكن متروكاً أو ضعيفاً على حدِّ قول بعض المؤرخين، وإنَّما كان يتصف بالإعتدال الى حدٍّ ما، نود أن نوضح أنَّ هناك عوامل


1) القاموس المحيط: ج3، ص139.

2) البغدادي، هدية العارفين: ج1، ص842؛ الزركلي، الاعلام: ج5، ص245؛ الشبستري، الفائق: ج2، ص625؛ القمي، الكنى والالقاب: صج1، ص155؛ يحيى، مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري: ص41.

3) رجال النجاشي: ص320.

4) الفهرست: ص204.

5) معالم العلماء: ص129.

6) الفهرست: ص120.

7) شرح نهج البلاغة: ج1، ص147.

8) مصطفى، التاريخ العربي والمؤرخون: ج1، ص172.

واهية دفعت هؤلاء المؤرخين الى شنِّ جملة من الإنتقادات عليه، ويأتي في مقدمتها العامل المذهبي، فضلاً عن مؤلفاته التي صنفها بحقِّ أهل البيت، وكلا العاملين لا يجيزان لهم أنْ يصنفوه ضمن الضعفاء أو المتروكين.

وفضلاً عن ذلك فقد أوضح أحد الباحثين وبشكل مفصَّل لمجمل الآراء والأقوال للعلماء المتقدمين والباحثين في تحديد مذهب أبي مخنف مثبتاً فيه بكونه لم يكن إمامياً من الناحية الإعتقادية((1)).

ب - موارده عن المقتل
اشارة

تبوّأ أبو مخنف مكانة متميزة لدى أكثر الأخباريين والمؤرخين، وقد شغلت رواياته عن المقتل مساحة مكانية وزمانية أسهمت بشكل كبير في بناء المادةالتاريخية للمقتل، كما أنهّ يُعدُّ القاعدة الأساسية من الناحية التاريخية والزمانية لروايات المقتل.

أمّا الموارد التي استقى منها مادته عن المقتل فتتركَّز بالدرجة الأولى من شيوخه الذين كان جلُّهم من أهل الكوفة - موطنه الذي نشأ فيه - لكن هذا لا يلغي عدم وجود شيوخ له من مناطق أخرى غير الكوفة، مثل: بغداد والشام والبصرة واليمن.

وسنذكر أسماء أبرز الشيوخ الذين اعتمد عليهم أبو مخنف في مرويات وأخبار المقتل، وطبيعة المادة التاريخية التي استقاها منهم، كذلك الوسائط الروائية التي اعتمدها بعض الشيوخ في رواية وتثبيت الحدث التاريخي الخاص بالمقتل، وهم:


1) الشرهاني، روايات أبي مخنف: ص42-47.

1- أبو زهير، النضر بن صالح

1- أبو زهير، النضر بن صالح((1))

نقل عنه أبو مخنف أربع روايات تخصُّ أحداث المقتل، الأولى تتركز في الكتب الرسمية التي دارت بين الوالي عبيد الله بن زياد والقائد عمر بن سعد حول أخذ البيعة من الإمام الحسين(علیه السلام)((2))، على حين أورد النضر الرواية الثانية عن طريق قرَّة ابن قيس - شيخ وزعيم النضر((3)) وأحد شهود العيان آنذاك عندخول السبايا الى الوالي عبيد الله بن زياد في الكوفة مع اثنين وسبعين رأساً((4))، وروايتان عن المختار ابن أبي عبيدة الثقفي ودوره في نصرة مسلم بن عقيل، وإخفاقه في ذلك، ومن ثَمَّ إلقاؤه في السجن من قبل سلطة الكوفة آنذاك((5)).


1) النضر بن صالح العبسي، يُكنَّى أبا زهير، روى عن سنان بن مالك عن علي بن أبي طالب(علیه السلام) حول قضايا معركة صفين (37ﻫ)، روى عنه أبو مخنف، أبو حاتم الرازي، الجرح والتعديل: ج8، ص477؛ الذهبي، ميزان الاعتدال: ج4، ص258؛ ابن حجر، لسان الميزان: ج6، ص163.

2) الطبري، تاريخ: ج4، ص311.

3) قرَّة بن قيس أشارت المصادر إلى أنَّه خرج مع أميره الحرّ بن يزيد الرياحي التميمي عن الجيش الاموي، وهو الذي أرسله عمر بن سعد إلى الإمام الحسين(علیه السلام) سلّم عليه، فدعاه حبيب بن مظاهر الأسدي إلى نصرة الحسين(علیه السلام) فامتنع، وهو الذي يروي أنّ الحرّ قال له: ألاتريد أنْ تسقي فرسك؟ فتنحّى عنه حتّى سار إلى الحسين ع. وهو يدّعي أنّ الحرّ لو كان يطلعه على الذي أراد لكان يخرج معه إلى الحسين، ينظر، البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص177، الطبري، تاريخ: ج4، ص311؛ ابن أعثم، الفتوح: ج5، ص87؛ الطبرسي، اعلام الورى: ج1، ص451.

4) الطبري، تاريخ: ج4، ص348.

5) المصدر نفسه: ج4، ص444.

2- فضيل بن خديج الكندي

2- فضيل بن خديج الكندي((1))

نقل عنه أبو مخنف رواية تتحدث عن أسماء زعماء القبائل التي شاركت في قتال الإمام الحسين(علیه السلام) وأسماء قادة جيش عمر بن سعد بن أبي وقاص((2)).جاءأبو مخنف بهذه الرواية بوساطتين هما محمد بن بشر((3)) عن عمرو الحضرمي (أحد شهود العيان) ورواية ثانية ينتهي سندها بفضيل نفسه، تتحدَّث عن قتال يزيد بن زياد، وهو أبو الشعثاء الكندي وعدد من أصحاب الإمام الحسين(علیه السلام) في معركة الطف((4)).

ومن الملاحَظ أنّ الرواية الأخيرة التي أسندها أبو مخنف للفضيل مباشرة بلا واسطة كان نصُّها: «قال أبو مخنف حدثني فضيل بن خديج الكندي...»((5))، تثير التساؤل؛ إذ كيف نقل فضيل هذه الرواية وهو لم يعاصر الحدث؟ ولعلَّ مَرَدَّ ذلك لاحتمالين الأول: إنَّ الطبري قد أسقط الواسطة، والثاني:إنّ أبا مخنف أسقط


1) لم نجد له ترجمة في المصادر المتوافرة لدينا، لكن هناك إشارات وردت في بعض المصادر، وهي تروي عنه أخباراً تخصُّ الإمام علي بن أبي طالب(علیه السلام) مما يحتمل أنُه كان شيعياً أو يميل للشيعة، ينظر، الطبري، تاريخ: ج4، ص7، 13؛ الثقفي، الغارات: ج1، ص265؛ أبو الفرج الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص25؛ الصدوق، كمال الدين: ص293؛ المفيد، الامالي: ص247؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد: ج6، ص376.

2) الطبري، تاريخ: ج4، ص320.

3) محمد بن بشر الهمداني، وقع في طريق الصدوق في التوحيد باب معنى الحجزة، عن أبي الجارود، عنه، عن محمد بن الحنفية، عن أميرالمؤمنين(علیه السلام) وكان في الكوفة في جمع قرأ عليهم مسلم كتاب الحسين(علیه السلام) ولم يقل شيئاً، وكذلك نقل خبر اجتماع الشيعة في دار سليمان بن صرد الخزاعي، ينظر، الطبري، تاريخ: ج4، ص261، الشاهرودي، مستدركات من علم الرجال: ج6، ص480.

4) الطبري، تاريخ: ج4، ص339؛ ونقل هذه الرواية عن فضيل أيضاً، ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص201.

5) الطبري، تاريخ: ج4، ص339.

الواسطة الروائية المعاصرة للحدث، وذلك لأنَّه من غير الممكن أن ينقل فضيل حدثاً عن واقعة الطف بصورة مباشرة؛ لكونه لم يكن معاصراً للحدث آنذاك.

3- عبد الرحمن بن جندب الازدي

3- عبد الرحمن بن جندب الازدي((1))

نقل أبو مخنف عن شيخه هذا، أربع روايات تخصُّ المقتل، ثلاث منها مُسنَدة عن عقبة بن سمعان (بوصفه شاهد عيان)((2)).

أ - الأولى: عن مغادرة الإمام الحسين(علیه السلام) المدينة المنورة إلى مكة المكرمة بعد اعتلاء يزيد بن معاوية سدَّة الحكم، ووصف الطبري هذه الرواية بأنَّها «أشبع وأتمّ من خبر عمار الدهني»((3)) بكونها مختصرة.

ب - الثانية: تتحدّث عن ملازمة الحر بن يزيد الرياحي للإمام الحسين(علیه السلام)، ومسير القائد عمر بن سعد لحرب الإمام(علیه السلام)((4)).

ت - الثالثة: نقلت قول الإمام الحسين(علیه السلام): «دعوني أذهب في هذه الأرض العريضة حتى ننظر ما يصير أمر الناس»((5)).

وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنَّ ما ذهب إليه بعض الباحثين((6)) من أنّ عقبة بن سمعان قد استشهد مع الإمام الحسين(علیه السلام) في واقعة الطف، لكن الحقيقة أنّانرجِّح


1) لم نطلع على ترجمة له في المصادر المتوافرة لدينا، وذكر أحد الباحثين بأنَّه من شيوخ أبي مخنف البارزين، وروى عنه أبو مخنف إحدى وثلاثين رواية، ينظر، العلي، أبو مخنف: ص37.

2) مولى الرباب بنت امرئ القيس، زوج الإمام الحسين(علیه السلام)، وهو من جملة أصحابه، ينظر، البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص206؛ الطوسي، رجال الطوسي: ص104.

3) الطبري، تاريخ: ج4، ص260.

4) المصدر نفسه: ج4، ص309-310.

5) المصدر نفسه: ج4، ص313.

6) الجواهري، المفيد من معجم رجال الحديث: ص375؛ الخوئي، معجم رجال الحديث: ج12، ص169.

عدم دقة هذا الرأي؛ وذلك لتعارضه مع العديد من المصادر((1)) التي أشارت وبشكل صريح إلى أنَّ عقبة بن سمعان قد نجا من القتل في واقعة الطف.

وفضلاً عن ذلك أنَّ أغلب منْ يعتقد باستشهاد عقبة بن سمعان مع الإمام الحسين(علیه السلام) يستدلُّ على ذلك بوجود اسمه بالزيارة المسماة (زيارة الناحية المقدسة)((2)) مع جملة الشهداء(علیه السلام) الذين استُشهِدوا في واقعة الطف وخُصُّوا بالتسليم عليهم((3)).

ث - أمّا الرواية الرابعة فهي غير مُسنَدة، وتدور حول الحوار الذي جرى بين الوالي عبيد الله بن زياد وأحد أشراف الكوفة عبيد الله بن الحر((4))، ونُقِلت مباشرة عن عبد الرحمن بن جندب((5)).


1) البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص205؛ الطبري، تاريخ: ج4، ص347؛ ابن الاثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص80؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص205؛ النويري، نهاية الارب: ج20، ص463.

2) وهي الزيارة المروية عن الإمام محمد بن الحسن المهدي(علیه السلام)، وقد أشار بعض الباحثين إلى ضعف سندها وعدم صحة انتسابها للإمام(علیه السلام)، ينظر، الخوئي، معجم رجال الحديث: ج4، ص354؛ الجواهري، المفيد من معجم رجال الحديث: ص102؛ القطيفي، جاء الحق: ص70؛ الناصري، انصار الإمام الحسين(علیه السلام): ص22-25.

3) ابن طاووس، اقبال الاعمال: ص344؛ الشهيد الأول، المزار: ص151.

4) الطبري، تاريخ: ج4، 359.

5) عبد الرحمن بن جندب بن عبد الله الفزاري، لم يذكروه، روى عن أميرالمؤمنين(علیه السلام)، وعدَّه الطوسي من أصحاب أميرالمؤمنين(علیه السلام) مكتفياً باسم أبيه، وروى أبو مخنف، عنه، عن أبيه، عن أميرالمؤمنين(علیه السلام)، خطبة يوم الأضحى، وله روايات في كتاب الغارات، وروى عنه أبو مخنف عن أبيه كتاب خطبة الزهراء(علیها السلام) وخطبة أميرالمؤمنين(علیه السلام)، وروى أبو حمزة الثمالي، عنه، عن كميل، حديث أنَّ هذه القلوب أوعية، وروى الحارث بن حصيرة، عنه، عن أبيه، خطبة الحسن المجتبى(علیه السلام) بعد وفاة أميرالمؤمنين(علیه السلام)، الشاهرودي، مستدركات علم رجال الحديث: ج4، ص390.

4- سليمان ابن أبي راشد الأزدي

4- سليمان ابن أبي راشد الأزدي((1))

من خلال تتبعنا لمرويات أبي مخنف عنه نجد أنَّه اعتمد عليه في الكثير من الروايات الخاصة بالمقتل والتي قُدِّرت بعشرين رواية، بوسائط وطرق روائية مختلفة:

أ - رواية مُسنَدة إلى عبد الله بن خازم - رجل من بني كثير الذين كانوا مع مسلم ابن عقيل(علیه السلام) - عن قيام كثير بن شهاب - أحد أشراف الكوفة الموالين للسلطة الأموية((2))، ببثِّ الإشاعات لتفريق أنصار مسلم ابن عقيل(علیه السلام) وتحذيرهم غضب السلطة الحاكمة وأجهزتها العسكرية((3))، وأشار أحد الباحثين((4)): «بأنَّ ابن الأثير قد نقل هذه الرواية وروايات أخُر دون أن يصرِّح بنقلها عن أبي مخنف»، ولعلَّ السبب في ذلك يرجع إلى اعتقاد ابن الأثير بأنّ رواياتأبي مخنف تَتَّسم بالضعف، أو أنَّ هناك عاملاً مذهبياً منعه من التصريح بذلك.

ب - هناك سبع عشرة رواية نقلها سليمان بن أبي راشد مسندة إلى حميد بن مسلم (بوصفه أحد شهود العيان)، وكان من جانب السلطة الحاكمة((5))، الأولى: عن عطش الإمام الحسين(علیه السلام) وأصحابه وأمره لأخيه العباس(علیه السلام) بجلب الماء((6))، والثانية: تتناول كتاب ابن زياد لابن سعد جوابا على كتابه يأمره بضرورة نزول


1) روى حديثاً مرسَلاً روى عنه سعيد بن أبي هلال، البخاري، التاريخ الكبير: ج4، ص117.

2) البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص178؛ مسكويه، تجارب الامم: ج2، ص49.

3) الطبري، تاريخ: ج4، ص277.

4) العلي، أبو مخنف: ص41.

5) الدينوري، الاخبار الطوال: ص260.

6) الطبري، تاريخ: ج4، ص311.

الإمام الحسين(علیه السلام) على حكمه((1))، والثالثة تتحدَّث عن أول سهم رماه عمر بن سعد في معسكر الإمام الحسين(علیه السلام)، والرابعة عن استحياء شمر بن ذي الجوشن من حميد ابن مسلم وشبث بن ربعي لتوبيخهما إيّاه لمحاولته حرق فسطاط الإمام الحسين(علیه السلام)((2))، كما نقل سليمان عن حميد رواية فيها تألُّم الإمام الحسين(علیه السلام) وحزنه على ولده الذي استُشهِد في المعركة، وحزن السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب(علیه السلام) عمته عليه((3)).

وثمان روايات أُخَر عن استشهاد أهل بيت الإمام الحسين(علیه السلام)((4))، ورواية عن دعاء الإمام(علیه السلام) على أعدائه، ثم تتطرَّق إلى السلب والنهب الذي تعرَّض له(علیه السلام) على يد بعض عناصر الجيش الأموي عقب استشهاده(علیه السلام)((5))، ورواية مُسنَدة تتناول مسير أصحاب عمر بن سعد برأسالإمام الحسين(علیه السلام) إلى والي الكوفة عبيد الله بن زياد((6))، ورواية بالسند نفسه عن دخول رأس الإمام الحسين(علیه السلام) والسبايا إلى مجلس الوالي عبيد الله بن زياد((7))، ورواية تتحدَّث عن الحوار الذي دار بين الوالي عبيد الله ابن زياد والإمام علي بن الحسين(علیه السلام) ومحاولة الوالي قتل علي بن الحسين ومن ثَمَّ عدوله عن ذلك على إثر تدخُّل عمَّته السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب(علیه السلام)((8)).


1) المصدر نفسه: ج4، ص314.

2) المصدر نفسه: ج4، ص334.

3) المصدر نفسه: ج4، ص340.

4) المصدر نفسه: ج4، ص336، 341.

5) المصدر نفسه: ج4، ص342، 344.

6) المصدر نفسه: ج4، ص341.

7) المصدر نفسه: ج4، ص349.

8) المصدر نفسه: ج4، ص350.

ت - ونقل سليمان بن أبي راشد رواية مُسنَدة عن عبد الرحمن بن عبيد أبى الكنود((1)) تتناول مقالة عبد الله بن جعفر بن أبي طالب حينما بلغه استشهاد ولديه مع الإمام الحسين(علیه السلام) في معركة الطف، وخروج ابنة عقيل بن أبي طالب(رضی الله عنه) لرثاء الإمام الحسين(علیه السلام) بعد استشهاده((2)).

وأشار بعض المؤرِّخين((3)) إلى أنّ ابنة عقيل - اسمها (زينب الصغرى) - هي التي رثتْ الإمام الحسين(علیه السلام) في المدينة المنورة.

5- الصقعب بن زهير الكوفي

5- الصقعب بن زهير الكوفي((4))

أحد شيوخ أبي مخنف البارزين، روى عنه خمساً وعشرين رواية، تناولت أحداثاً تاريخية مهمة من سنة (11ﻫ/632م)، وحتى عام (66ﻫ/685م)((5))، وكان عدد الروايات التي نقلها عنه أبو مخنف فيما يخصُّ المقتل سبعاً وبطرق روائية مختلفة:


1) أحد الرواة الذين رووا العديد من الأخبار والروايات التاريخية عن الإمام علي بن أبي طالب(علیه السلام) لاسيما أحداث معركة صفين، ينظر، المنقري، وقعة صفين: ص3، 92، 131؛ ابو الفرج الأصفهاني، الاغاني: ج14، ص406.

2) الطبري، تاريخ: ج4، 357.

3) القاضي النعمان، شرح الاخبار: ج3، ص199؛ ابن طاووس، اللهوف: ص99؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص215.

4) الصقعب بن زهير بن عبد الله بن زهير بن سليم الأزدي، الكوفي، أخو العلاء بن زهير، وخال أبي مخنف لوط بن يحيى الأخباري، روى عن: زيد بن أسلم، وعبد الرحمان بن الأسود بن يزيد، وعطاء بن أبي رباح، وعمرو بن شعيب، ومحمد ابن مخنف بن سليم، الأزدي، والمهاجر بن صيفي العدوي أو العذري، روى عنه: جرير بن حازم، وحماد بن زيد، وعباد ابن عباد المهلبي، وعبد الله بن محمد بن ربيعة القدامي، وابن أخته أبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي، وأبو إسماعيل محمد بن عبد الله الأزدي البصري مؤلف فتوح الشام، ينظر، الذهبي، تاريخ الاسلام: ج8، ص451؛ المزي، تهذيب الكمال: ج13، ص219؛ ابن حجر، تهذيب التهذيب: ج4، ص379.

5) العلي، أبو مخنف: ص44.

أ - رواية مُسنَدة إلى أبي عثمان النهدي((1)) عن كتاب الإمام الحسين(علیهالسلام) إلى أهل البصرة يدعوهم فيه إلى نصرته ثم قدوم الوالي عبيد الله بن زياد إلى الكوفة((2)).

ب - رواية مُسنَدة إلى عبد الرحمن بن شريح((3))، روى فيها خروجه إلى اتِّباع قبيلة مذحج الذين جاؤوا لإنقاذ زعيمهم - هانئ بن عروة المرادي - وقد أبلغهم بأنَّه على قيد الحياة، وأنَّ السلطة الحاكمة لم تقتله((4)).

ت - روايتان مُسنَدتان إلى عون بن أبي جحيفة((5)): الأولى تتناول الحوار الذي دار


1) عبد الرحمن بن مل، ويقال ابن ملي بن عمرو بن عدي بن وهب بن ربيعة بن سعد، أبو عثمان النهدي، من أكابر التابعين، أدرك حياة النبي(صلی الله علیه و آله) وصدَّق به ولم يره، سكن البصرة، وغزا غزوات كثيرة، روى عن عمرو، وعلي، و ابن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وأُبَي بن كعب، وبلال، وأسامة بن زيد، وعمران بن حصين، وأبي هريرة، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وأبي برزة الأسلمي، وسعد بن أبي وقاص، وأبي بكرة، وسعيد بن زيد، وحذيفة، وسلمان الفارسي، وابن عباس، من ساكني الكوفة ولم يكن له بها دار لبني نهد، فلما قُتِل الحسين بن علي(علیه السلام) تحوَّل فنزل البصرة، وقال لا أسكن بلداً قُتِل فيه ابن بنت رسول الله(صلی الله علیه و آله)، وشهد اليرموك سنة ثلاث عشرة للهجرة وهو ابن ثلاثين ومائة سنة، وكان قد أدرك الجاهلية، ينظر، ابن سعد، الطبقات الكبرى: ج7، ص97-98؛ ابن حبان، مشاهير علماء الامصار: ص159؛ الخطيب البغدادي: ج10، ص200-204؛ ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج25، ص460-487؛ الذهبي، سير اعلام النبلاء: ج4، ص174-179.

2) الطبري، تاريخ: ج4، ص265.

3) وردت بخصوصه بعض الإشارات التاريخية التي تدلُّ على أنَّه كان من وجوه الشيعة، وكان من مناصري المختار بن أبي عبيد الثقفي في حركته ضدَّ قتلة آل البيت(علیه السلام)، البلاذري، انساب الاشراف: ج6، ص384-385؛ ابن مسكويه، تجارب الامم: ج2، ص138-142.

4) الطبري، تاريخ: ج4، ص274.

5) عون بن أبي جحيفة، كوفي، واسم أبى جحيفة وهب بن عبد الله السوائي، من بنى عامر بن صعصعة، روى عن أبيه، وروى عنه الثوري وشعبة، ثقة، توفى سنة ست عشرة ومائة، ابن خياط، طبقات: 269؛ البخاري، التاريخ الكبير: ج7، ص15؛ أبي حاتم الرازي: ج6، ص385.

بين الوالي عبيد الله ابن زياد وبكير بن حمران - أحد عناصر السلطة الأمويةوقاتل مسلم بن عقيل(علیه السلام)((1))، والثانية: تذكر تأريخ خروج مسلم بن عقيل(علیه السلام) والإمام الحسين(علیه السلام) من المدينة نحو مكة ومنها إلى العراق((2)).

ث - رواية نقلها أبو مخنف عن طريق الصقعب بن زهير بوساطة عمر بن عبد الرحمن المخزومي((3))، تتحدَّث عن نصيحة الأخير للإمام الحسين(علیه السلام) بعدم الخروج والتوجه إلى العراق، لكونهم أهل غدر، بحسب التعبير الذي وصفهم به((4)).

ج - هناك روايتان مُسنَدتان عن الصقعب بوساطة حميد بن مسلم، الأولى: تشير إلى أول سهم رماه عمر بن سعد باتجاه معسكر الإمام الحسين(علیه السلام)((5))،والثانية ذكرت الجنود الذين بدأوا بعملية قتل الإمام الحسين(علیه السلام)((6)).

ح - رواية مُسنَدة ذكرها أبو مخنف عن الصقعب بوساطة القاسم بن عبد


1) نقل الصقعب بن زهير هذه الرواية بوساطة عوف ابن أبي جحيفة، الطبري، تاريخ: ج4، ص283

2) الطبري، تاريخ: ج4، ص286.

3) عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، المخزومي، المدني، أخو أبي بكر، وُلد يوم وفاة عمر ابن الخطاب، فعاش إلى أن ولّاه ابن الزبير الكوفة ثم صار مع الحجاج، وتوفى بعد السبعين، كان ممن نهى الإمام الحسين(علیه السلام) في مكة عن الخروج إلى العراق، معلِّلاً سبب ذلك بقوله: «لأنّك تأتي بلداً فيه عماله وأمراؤه ومعهم بيوت الأموال، وإنمَّا الناس عبيد الدينار والدرهم ! فلا آمن عليك أن يقاتلك من وعدك نصره ومن أنت أحبُّ إليه ممن يقاتلك معه ! فقال له: قد نصحت ويقضي الله»، البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص161؛ ابن الاثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص37؛ ابن حجر، تقريب التهذيب: ج1، ص722.

4) الطبري، تاريخ: ج4، ص287.

5) المصدر نفسه: ج4، ص326.

6) المصدر نفسه: ج4، ص346.

الرحمن((1)) (شاهد عيان آنذاك) تضمن أبياتاً شعريةً استشهد بها يزيد بن معاوية في مجلسه بالشام، حينما أدخلوا عليه رؤوس أهل بيت الإمام الحسين(علیه السلام) وأصحابه قائلاً:

يفلقنَ هاماً من رجالٍ أعزَّةٍ علينا *** وهم كانوا أعقَّ وأظلما((2)).

ومن الجدير بالذكر أنَّ الأبيات السابقة الذكر ذكرتها بعض المصادر((3)) ليس عن طريق أبي مخنف الأزدي وإنَّما من طرق روائية مختلفة.

6- أبو جناب يحيى الكلبي

6- أبو جناب يحيى الكلبي((4))

أحد شيوخ أبي مخنف، نقل عنه ثلاثاً وعشرين رواية، لأحداث تاريخية مختلفة، منها عشر روايات تخصُّ المقتل، بعضها مسندة وأخرى غير مسندة، وهي:

أ - رواية عن أمر الوالي عبيد الله بن زياد ومسلم بن عقيل(علیه السلام) ومحاصرة الأخير قصر الأمارة، ومحاولة بعض العناصر الموالية للسلطة تفتيت وتشتيت أنصار مسلم بن عقيل(علیه السلام).


1) القاسم بن عبد الرحمن، كنيته أبو عبد الرحمن الدمشقي، كان من المقرَّبين ليزيد بن معاوية، وهو مولى آل معاوية بن أبي سفيان، من فقهاء أهل دمشق، كان يزعم أنه لقي أربعين بدرياً، روى عنه أهل الشام، البخاري، التاريخ الكبير: ج6، ص207؛ ابي حاتم الرازي، الجرح والتعديل: ج7، ص113؛ ابن حبان، المجروحين: ج2، ص212؛ الذهبي، ميزان الاعتدال: ج3، ص373.

2) الطبري، تاريخ: ج4، ص352.

3) البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص213؛ ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج65، ص395؛ ابن الجوزي، المنتظم: ج5، ص324؛ ابن الاثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص84.

4) يحيى بن أبي حية، أبو جناب الكلبي الكوفي، روى عن جماعة من التابعين، وروى عنه أهل الكوفة، كان ضعيفاً في الحديث، توفي سنة خمسين ومائة، وقيل:أربع وأربعون ومائة، البخاري، التاريخ الكبير: ج8، ص267؛ أبو حاتم الرازي، الجرح والتعديل: ج9، ص138؛ ابن حبان، الثقات: ج7، ص597؛ الجرجاني، الكامل: ج7، ص212؛ ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج64، ص138.

ب - رواية غير مُسنَدة لم يُشر أبو جناب الكلبي إلى الوساطة الروائية التي اعتمدها في نقله، تتحدَّث عن إرسال والي الكوفة رأسي مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة(علیه السلام) إلى يزيد بن معاوية((1)).

ت - رواية غير مُسنَدة أوردها تتعلَّق بكتاب الوالي عبيد الله بن زياد إلى القائد عمر بن سعد فيه تعليمات الوالي لابن سعد بتعجيل قتل الإمام الحسين(علیه السلام) وأصحابه، والتمثيل بهم إن رفضوا الاستسلام والنزول على حكم الأمير((2)).

ث - أربع روايات مُسنَدة إلى عدي بن حرملة((3)) بوساطة عبد الله بن سليم والمذري بن المشمعل الأسديين - كانا شهود عيان في نقل الحدث - الأولى:ذكرت الحوار الذي وقع بين الإمام الحسين(علیه السلام) وعبد الله بن الزبير بمكة وسبب مغادرة الإمام مكة((4))، أمّا الرواية الثانية فتتعلَّق بالتقاء الشاعر الفرزدق بالإمام الحسين(علیه السلام) وإبلاغه بحال وموقف أهل العراق((5))، على حين ركَّزت الرواية الثالثة على مسير الإمام الحسين(علیه السلام) نحو العراق، ووصول نبأ مقتل مسلم وهانئ إليه(علیه السلام)((6))، وذكرت تلك الرواية أيضاً الحرَّ بن يزيد الرياحي وجيشه البالغ عددهم ألف فارس ومسايرتهم للإمام الحسين(علیه السلام)((7)).


1) الطبري، تاريخ: ج4، ص285.

2) المصدر نفسه: ج4، 314.

3) لم نجد له ترجمة في المصادر المتوافرة لدينا، باستثناء الإشارة التي فيها نقل أبو مخنف عنه بعض روايات المقتل التي تعرضنا إليها والتي أوردها الطبري، تاريخ: ج4، ص288، 290، 299، 300، 302، 324.

4) الطبري، تاريخ: ج4، ص289.

5) المصدر نفسه: ج4، ص290.

6) المصدر نفسه: ج4، ص299-300.

7) المصدر نفسه: ج4، ص302.

ج - رواية مُسنَدة بوساطة هانئ بن ثبيت الحضرمي((1)) - وهو أحد شهود العيان وكان ضمن المعسكر الأموي((2))- تحدَّثت عن التقاء الإمام الحسين(علیه السلام) مع عمر بن سعد بين العسكرين((3)).

ح - رواية مُسنَدة ينتهي إسنادها إلى عدي بن حرملة الأسدي عن انقلاب موقفالحر بن يزيد((4)). وانحيازه إلى جانب الإمام الحسين(علیه السلام)((5)).

خ - رواية غير مُسنَدة وتنتهي بأبي الجناب نفسه: عن مشاركة عبد الله بن عمير الكلبي((6)) في القتال مع الإمام الحسين(علیه السلام)((7)).


1) هو الذي قتل عبد الله بن علي بن أبي طالب(علیه السلام)، وأشار الطبري أيضاً إلى أنَّه قتل عبد الله بن الإمام الحسين(علیه السلام) ولد الرباب بنت امرئ القيس، البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص201؛ الطبري، تاريخ: ج4، ص358؛ ابو الفرج الأصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص54.

2) البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص201؛ ابو الفرج الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص54؛ ابن الاثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص68.

3) الطبري، تاريخ: ج4، ص312.

4) للوقوف أكثر بشأن موقف الحر بن يزيد الرياحي الانقلابي في واقعة الطف، ينظر، علي، المواقف الانقلابية في واقعة الطف: ص232-234.

5) الطبري، تاريخ: ج4، ص325.

6) من أصحاب الإمام الحسين(علیه السلام)، الذين استُشهِدوا في الحملة الأولى في واقعة الطف التحق بالإمام الحسين(علیه السلام) من الكوفة هو وزوجته، برز إليه يسار مولى زياد بن أبي سفيان، فقال له يسار: من أنت؟ فانتسب له فقال: لست أعرفك حتى يخرج إليَّ زهير بن القين أو حبيب بن مظاهر، فقال له عبد الله بن عمير: يا ابن الفاعلة وبك رغبة عن مبارزة أحد من الناس؟ ثم شدَّ عليه فضربه بسيفه، وإنه لمشغول بضربه إذ شدَّ عليه سالم مولى عبيد الله بن زياد، فصاحوا به قد رهقك العبد فلم يشعر حتى غشيه، فبدره بضربة اتقاها ابن عمير بيده اليسرى فأطارت أصابع كفه، ثم شدَّ عليه فضربه حتى قتله، وأقبل وقد قتلهما جميعاً وهو يرتجز ويقول: إن تنكروني فأنا ابن الكلبي * إنِّي امرؤ ذو مرة وعصب، البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص190؛ المفيد، الارشاد: ج2، ص101؛ ابن الاثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص260.

7) الطبري، تاريخ: ج4، ص327.

7- أبو نوفل عبد الملك العامري المدني

7- أبو نوفل عبد الملك العامري المدني((1))

روى عنه أبو مخنف إحدى وعشرين رواية في مختلف القضايا التاريخية((2))،وكانت حصة المقتل منها روايتين الأولى مُسنَدة عن طريق أبي سعيد المقبري((3)) بخصوص الأبيات الشعرية التي قالها الإمام الحسين(علیه السلام) في المدينة المنورة، والثانية أسندها أبو نوفل إلى أبيه بقوله: «عن عبد الملك بن نوفل قال حدثني أبي...»((4))، وهي تشير إلى خطبة عبد الله بن الزبير في أهل مكة بعد استشهاد الإمام الحسين(علیه السلام) وهو ينتقد قاتليه ويُحمِّل أهل العراق المسؤولية في ذلك وتحديدا أهل الكوفة ويصفهم بأهل الغدر والشرار((5)).

وهنا لا بدّ من الإشارة إلى الرواية الأولى التي نقلها أبو مخنف عن طريق شيخه أبي نوفل كانت بإسناد ينتهي بأبي سعيد المقبري، وتوهَّم أحد الباحثين((6))، حينما خلط بين أبي سعيد المقبري وبين أبي سعيد دينار في أسناد الرواية إليه، إذ إنَّ أبا سعيد دينار كان من أصحاب أميرالمؤمنين(علیه السلام)، اشترك معه في موقعة صفين، وهو


1) عبد الملك بن نوفل بن مساحق بن عبد الله بن مخزمة بن عبد العزى بن أبي قيس، القرشي العامري، أبو نوفل المدني. روى عن: ربيعة العنزي، وكيسان أبي سعيد المقبري، وأبيه نوفل بن مساحق، وكذلك روى عن الحجازيين، ابن خياط، طبقات: ص430؛ أبي حاتم الرازي، الجرح والتعديل: ج5، ص372؛ ابن حبان، الثقات: ج7، ص107.

2) العلي، أبو مخنف: ص50.

3) أبو سعيد المقبري، واسم أبى سعيد كيسان، سُمِّي به لأنَّه سكن المقابر، كان من أصحاب علي بن الحسين(علیه السلام)، وكان صدوقاً، ينظر، البخاري، التاريخ الكبير: ج2، ص474؛ أبي حاتم الرازي، الجرح والتعديل: ج4، ص57؛ الطوسي، رجال: ص115.

4) الطبري، تاريخ: ج4، 364.

5) المصدر نفسه: ج4، ص364.

6) الغروي، واقعة الطف: ص43.

ليس أبا سعيد المقبري((1)) ناقل هذه الرواية.

8- المجالد بن سعيد الهمداني

8- المجالد بن سعيد الهمداني((2))

يُعدُّ من أبرز مشايخ أبي مخنف، والذي بدوره نقل عنه ثماني عشرة رواية في مختلف الأحداث، منها:مقتل الإمام الحسين(علیه السلام) الذي كان حصته منها ستَّ روايات انتهى إسنادهنّ بالمجالد نفسه دون الإشارة إلى أسماء الوسائط الروائية التي نقل عنها باستثناء رواية واحدة. أما الروايات الخمس غير المسنَدة فهي:

أ- الأولى: تحدَّثت عن إرسال الوالي عبيد الله بن زياد عدداً من الشخصيات المقرَّبة منه إلى هانئ بن عروة؛ لبيان سبب عدم حضوره للوالي بخلاف حضور أشراف وزعماء أهل الكوفة الآخرين((3)).

ب - الثانية: تتعلَّق بتشتُّت الأنصار عن مسلم بن عقيل(علیه السلام)؛ بفعل إشاعة قدوم جيش الشام، وعلم السلطة الحاكمة بمكان تواجد مسلم واجتهادها بإحضاره((4)).

ت - الثالثة: أشارت إلى الخصال الثلاث التي عرضها الإمام الحسين(علیه السلام) على قائد الجيش الأموي عمر بن سعد((5)).


1) أبو حاتم، الجرح والتعديل: ج3، ص430؛ ابن حبان، الثقات: ج5، ص286؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد: ج12، ص301.

2) مجالد بن سعيد بن عمير بن ذي مران الهمداني، كوفي كان يحيي القطان يضعِّفه، توفي سنة أربع وأربعين ومائة، وكان ردئ الحفظ، يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، لا يجوز الاحتجاج به، البخاري، التاريخ الكبير: ج8، ص9؛ ابن حبان، المجروحين: ج3، ص10؛ الجرجاني، الكامل: ج6، ص420.

3) الطبري، تاريخ: ج4، ص272.

4) المصدر نفسه: ج4، ص277.

5) المصدر نفسه: ج4، ص313.

ث - الرابعة: أوضحت كتاب القائد عمر بن سعد إلى الوالي عبيد الله بن زيادبخصوص الشروط التي أعلنها الإمام الحسين(علیه السلام) والتي رفضها الوالي((1)).

ج - الخامسة: تحدَّثت عن محاولة الوالي عبيد الله بن زياد قتل الإمام علي بن الحسين(علیه السلام) بعد دخوله إلى مجلس الوالي مع السبايا، وتراجع الوالي عن قرار القتل((2)).

ح - الرواية السادسة: مُسنَدة عن عامر الشعبي((3)) ركَّزت الرواية على الحوار الذي دار بين الإمام الحسين(علیه السلام) وعبد الله بن الحرِّ الجحفي((4)).

ورجَّح أحد الباحثين((5)) أنّ عامر الشعبي يُعدُّ من شيوخ المجالد، كما يتجلَّى ذلك من خلال عدد من الروايات التي ينتهى فيها السند إليه.

9- الحارث بن كعب الوالبي

9- الحارث بن كعب الوالبي((6))

تبيَّن لنا من خلال عدد الروايات التي نقلها أبو مخنف عن الحارث والبالغة سبععشرة رواية عن مختلف الأحداث التاريخية بأنهّ أحد شيوخه المهمِّين((7))، وقد


1) المصدر نفسه: ج4، ص313.

2) المصدر نفسه: ج4، ص350.

3) عامر بن شراحيل بن عبد ذي كبار، الشعبي الحميري (أبو عمرو) محدِّث، راوية، فقيه شاعر، وُلِد ونشأ بالكوفة، اتصل بعبد الملك بن مروان، واستقضاه عمر بن عبد العزيز، رأى علي بن أبي طالب(علیه السلام)، وروى عن الإمامين الحسن والحسين(علیهما السلام)، وعبد الله بن جعفر وأسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر - وعبد الله بن عباس، وآخرين، تُوفى فجأة سنة مائة وثلاث للهجرة، البخاري، التاريخ الكبير: ج6، ص450؛ أبو حاتم الرازي، الجرح والتعديل: ج6، ص322؛ العجلي، الثقات: ج2، ص12؛ كحالة، معجم المؤلفين: ج5، ص54.

4) الطبري، تاريخ: ج4، 307.

5) العلي، أبو مخنف: ص57.

6) لم نجد له ترجمة في المصادر المتوافرة لدينا.

7) العلي، أبو مخنف: ص57.

خصَّص الحارث للمقتل ستَّ روايات بأسانيد وطرق روائية مختلفة: وبالشكل الآتي:

أ - روايتان مُسنَدتان إلى عقبة بن سمعان - شاهد عيان -: الأولى عن عزم الإمام الحسين(علیه السلام) الخروج إلى العراق، وتحذير عبد الله بن عباس له((1))، أمّا الثانية فتتعلَّق بمحاولة السلطة الحاكمة في مكة المكرمة منع الإمام الحسين(علیه السلام) من الخروج ورفض الإمام ذلك((2)).

ب - روايتان مُسنَدتان عن الإمام علي بن الحسين(علیهما السلام) (شاهد عيان)، الأولى تحدَّثت عن كتاب عبد الله بن جعفر بن أبي طالب للإمام الحسين(علیه السلام) يحذِّره من المسير نحو العراق، ثم كتاب والي مكة إليه يسأله الرجوع عمَّا قرره، ثم كتاب الإمام الحسين للأخير جواباً على كتابه((3))، والرواية الثانية تضمَّنت أبياتاً شعرية أنشدها الإمام الحسين(علیه السلام) قبل استشهاده((4)).

ت - روايتان مُسنَدتان عن السيدة فاطمة بنت علي بن أبي طالب(علیه السلام)((5))(شاهد عيان للحدث) الأولى ذكرت الحوار الذي دار بين السيدة زينببنت علي بن أبي


1) الطبري، تاريخ: ج4، ص287.

2) المصدر نفسه: ج4، 289.

3) المصدر نفسه: ج4، ص291.

4) المصدر نفسه: ج4، 318.

5) فاطمة بنت علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمية، كانت تُعرف ب-:فاطمة الصغرى، أمُّها أمُّ ولد، روت عن أسماء بنت عميس وأخيها محمد بن الحنفية، روى عنها الحارث بن كعب الكوفي ورزين بياع الأنماط وآخرون، قدم بها دمشق في عيال الحسين(علیه السلام) بعد استشهاده على يزيد بن معاوية، توفيت سنة مائة وسبع عشرة بالمدينة، ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج70، ص35-39؛ المزي، تهذيب الكمال: ج35، ص261؛ ابن حجر، تقريب التهذيب: ج2، ص654.

طالب(علیه السلام) ويزيد بن معاوية في الشام((1))، والثانية: تحدَّثت عن إحسان السيدتين زينب وفاطمة ابنتي علي بن أبي طالب(علیه السلام) للرجل الشامي الذي بعثه معهم يزيد بن معاوية لحسن صحبته لهم((2)).

10- أبو معشر يوسف بن يزيد العطار

10- أبو معشر يوسف بن يزيد العطار((3))

روى عنه أبو مخنف سبع عشرة رواية عن مراحل زمنية تاريخية مختلفة وقضايا متنوعة، منها أخبار المقتل الذي حدَّد له روايتين بسندين مختلفين، هما:

أ - الرواية الأولى: مُسنَدة إلى عبد الله بن خازم - شاهد عيان للحدث وكان رسول مسلم بن عقيل لقصرالإمارة((4)) تدور حول تطويق قوات مسلم بن عقيل قصر عبيد الله بن زياد((5)).

ب - الرواية الثانية ينتهي إسنادها إلى عفيف بن زهير - (شاهد عيان للحدث)، وكان قد شهد مقتل الحسين(علیه السلام) - وهي تورد الحوار الذي دار بين يزيد بن معقل - أحد عناصر جيش عمر بن سعد - وبرير بن خضير الهمداني - أحدأصحاب الإمام الحسين(علیه السلام) - ثم ذكرت مقتل برير وكيفيتها((6)).


1) الطبري، تاريخ: ج4، ص352-353.

2) المصدر نفسه: ج4، ص353-354.

3) يوسف بن يزيد أبو معشر البراء العطار البصري، كان يبري العود، سمع موسى بن دهقان وخالد بن ذكوان، بصري يكتب حديثه، روى عن موسى بن دهقان وجماعة من التابعين، وروى عنه محمد بن أبي بكر المقدمي وأهل البصرة، البخاري، التاريخ الكبير: ج8، ص385؛ أبي حاتم الرازي، الجرح والتعديل: ج9، ص235؛ ابن حبان، الثقات: ج7، ص638.

4) المفيد، الارشاد: ج2، ص51.

5) الطبري، تاريخ: ج4، ص275.

6) المصدر نفسه: ج4، ص328-329؛ وأورد هذه الرواية البلاذري بأسلوب الإسناد الجمعي (بصيغة: قالوا)، وهي مطابقة لرواية أبي مخنف، ولعلَّ البلاذري نقلها عن أبي مخنف دون أن يصرِّح بذلك، ينظر، انساب الاشراف: ج3، ص191-192.

11- الحارث بن حصيرة الأزدي

11- الحارث بن حصيرة الأزدي((1))

أشار أحد الباحثين إلى أنَّ أبا مخنف روى عنه ثلاث عشرة رواية((2))، منها ثلاث روايات مُسنَدة تخصُّ المقتل، هي:

أ - الأولى: مُسنَدة عن عبد الله، عن شريك العامري((3)) تتعلَّق بكتاب الوالي عبيد الله بن زياد إلى القائد عمر بن سعد يخصُّ الإمام الحسين(علیه السلام)، وكتاب الأمان الذي كتبه شمر بن ذي الجوشن للعباس بن علي بن أبي طالب وإخوته(علیهم السلام) ورفضهم ذلك الأمان، وإصرارهم على الشهادة مع إمامهمالحسين(علیه السلام)((4)).

ب - الثانية والثالثة: بالسند نفسه آنف الذكر عن علي بن الحسين(علیه السلام) (شاهد عيان للحدث) تناولت الأولى موعد بدء الحرب بين المعسكرين معسكر الإمام الحسين(علیه السلام) ومعسكر ابن سعد((5))، والثانية سردت لنا خطبة الإمام الحسين(علیه السلام) بأصحابه((6)).


1) الحارث بن حصيرة الأزدي الكوفي، ثقة، كان شيعياً، وعُدَّ من أصحاب الإمام علي بن أبي طالب(علیه السلام) روى عنه العديد من الروايات التاريخية، وقيل كان من أصحاب الإمام محمد الباقر والإمام جعفر الصادق(علیه السلام)، ينظر ابن معين، تاريخ ابن معين: ج1، ص342؛ العجلي، الثقات: ج1، ص277؛ الطوسي، رجال الطوسي: ص62؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد: ج12، ص302.

2) العلي، أبو مخنف: ص66.

3) عبد الله بن شريك العامري، كوفي، ثقة، يُكنَّى أبا المحجل، روى عن علي بن الحسين، وأبي جعفر(علیها السلام)، وكان عندهما وجيهاً مقدَّماً، روى عن ابن عمر وبشر بن غالب وعبد الرحمن بن عدي، وروى عنه الثوري وشريك وأبو الأحوص وابن عيينة، وقيل أيضاً إنَّه من حواري الإمامين الباقر والصادق(علیهما السلام)، البخاري، التاريخ الكبير: ج5، ص115؛ أبي حاتم الرازي، الجرح والتعديل: ج5، ص80؛ الطوسي، رجال: ص265؛ الحلي، خلاصة الاقوال: ص197.

4) الطبري، تاريخ: ج4، ص315.

5) المصدر نفسه: ج4، ص317.

6) المصدر نفسه: ج4، ص317.

12- نمير بن وعلة

12- نمير بن وعلة((1))

بلغ مجموع الروايات التي رواها عنه أبو مخنف ثلاث عشرة رواية في أحداث تاريخية مختلفة((2))، خصَّص من مجموعها أربعاً عن المقتل بأسانيد متعدِّدة وبالشكل الآتي:

أ - روايتان مُسنَدتان إلى أبي الوداك((3))، الأولى سردت لنا خطبة والي الكوفة النعمان بن بشير، تضمَّت عدم خلع أهل الكوفة بيعتهم ونصُّها: «قال أبو مخنف: حدثني نمر بن وعلة عن أبي الوداك قال خرج إلينا النعمان ابن بشيرفصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه...»((4))، أمّا الثانية فهي تخصُّ الأحداث التي جرت بين الوالي عبيد الله بن زياد وهانئ بن عروة، وحبس الأخير من قبل الوالي((5)).

ب - الرواية الثالثة: ينتهي سندها إلى أيوب بن مشرح الخيواني - من معسكر عمر بن سعد - التي استعرضت عقر فرس الحر بن يزيد الرياحي من قبله وحديث أبي الوداك معه((6)).

وهنا لا بدّ من الوقوف على الروايات الثلاث أعلاه؛ إذ ورد في سند الروايتين الأُولتين، أبو الوداك الناقل لهما، وفي الرواية الثالثة كان حديث الحر مع أبي الوداك،


1) نمير بن وعلة روى عن الشعبي، وروى عنه أبو مختف، وهو مجهول، ينظر، أبي حاتم الرازي، الجرح والتعديل: ص327؛ الذهبي، ميزان الاعتدال: ج4، ص273.

2) العلي، أبو مخنف: ص69.

3) جبر بن نوف بن ربيعة الهمداني، البكالي، الكوفي، صدوق مشهور، وثقه بعض المؤرخين وضعَّفه آخرون، روي عن أبي سعيد الخدري(رضی الله عنه)، ابن سعد، الطبقات الكبرى: ج6، ص299.

4) الطبري، تاريخ: ج4، ص264.

5) المصدر نفسه: ج4، ص270-272.

6) المصدر نفسه: ج4، ص333.

وبهذا تبيِّن تلك الروايات أنَّ أبا الوداك كان شاهداً ومشاركاً في أحداث واقعة الطف.

ومن الملاحظ أنَّ كتب التراجم التي ترجمت لأبي الوداك لم تذكر مشاركته في واقعة الطف من جانب، ومن جانب آخر أنَّ المصادر التي ذكرت الروايات أعلاه - والتي نقلها لنا أبو الوداك - لم تذكر اسمه إطلاقاً، وهذا يقودنا إلى الشكِّ بمشاركته في أحداث واقعة الطف.

ت - والرواية الرابعة مُسنَدة إلى ربيع بن تميم((1)) التي أشارت إلى مقتل أحد أصحاب الإمام الحسين(علیه السلام)((2)).

13- يونس بن أبي إسحاق

13- يونس بن أبي إسحاق((3))

روى عنه أبو مخنف ثلاث عشرة رواية موزَّعة على أحداث مختلفة، كانت حصة المقتل منها روايتين هما:

أ - الأولى: مُسنَدة إلى عباس الجدلي((4)) تتعلَّق بسياسة الوالي عبيد الله بن زياد


1) لم نجد ترجمة له في المصادر المتوافرة لدينا، باستثناء إشارة الطبري إليه بأنَّه شهد مقتل الإمام الحسين(علیه السلام)، تاريخ: ج4، ص339.

2) الطبري، تاريخ: ج4، ص338.

3) يونس بن أبي إسحاق السبيعي الهمداني واسم أبى إسحاق عمرو بن عبد الله بن أبي شعيرة، ويكنى أبا إسرائيل، كوفي روى عن العيزار بن خريث وناجية بن كعب وجرى النهدي وأبيه، روى عنه الثوري ويحيى بن سعيد القطان ووكيع وأبو نعيم وقبيصة، لم يكن به بأس، وذكر أنَّ حديثه فيه زيادة على حديث الناس، توفي سنة تسع وخمسين ومائة، العجلي، معرفة الثقات، ج2، ص377؛ العقيلي، الضعفاء، ج4، ص457؛ أبي حاتم الرازي، الجرح والتعديل، ج5، ص372.

4) من الشيعة المخلصين في الولاء. وبايع مسلم بن عقيل(علیه السلام) وكان أحد قيادييه، كان يأخذ البيعة للإمام الحسين(علیه السلام)، ولما تخاذل الناس عن مسلم بن عقيل(علیه السلام)، أمر ابن زياد بالقبض عليه وحبسه، ثم بعد شهادة مسلم بن عقيل، قتله عبيد الله بن زياد، الطبري، تاريخ، ج4، ص275؛ الشاهرودي، مستدركات علم رجال الحديث، ج4، ص334.

بتشتيت وتفريق أنصار مسلم بن عقيل(علیه السلام)، الذين كانوا متواجدين حول القصر((1)).

ب - الثانية: ينتهي إسنادها بعباس الجدلي أيضاً دون أن يذكر لنا الواسطة التي نقل عنها الرواية وهي تتحدَّث عن إجراءات السلطة بوضع المسالح العسكرية في طريق موكب الإمام الحسين(علیه السلام)((2)).

14- أبو المخارق الكوفي

14- أبو المخارق الكوفي((3))

ومجموع روايات أبي مخنف عنه تبلغ اثنتي عشرة رواية، توزَّعت على مختلف الأحداث التاريخية، باستثناء واحدة عن المقتل تتعلَّق باجتماع الشيعة في البصرة وإجراءات الوالي عبيد الله بن زياد تجاه ذلك، وأمر مسلم بن عقيل(علیه السلام)((4)).

15- عبد الله بن عاصم الفائشي

15- عبد الله بن عاصم الفائشي((5))

أشار أحد الباحثين((6)) إلى أنَّ مجموع الروايات التي نقلها عنه أبو مخنف بلغت عشراً، سبع منها خصَّصها للمقتل وبالشكل الآتي:

أ - ثلاث تناولت خطب وكلام الإمام الحسين(علیه السلام) تجاه أصحابه، وإنَّهم في حِلٍّ


1) الطبري، تاريخ، ج4، ص275.

2) الطبري، تاريخ، ج4، ص297.

3) أبو المخارق، روى عن عبد الله بن عمر، وروى عنه الفضل بن يزيد الثمالي، روى له الترمذي، وقال: ليس بمعروف، أبو المخارق مغراء العيذي، ويقال: العبدي، حديثه في الكوفيين، روى عن عبد الله بن عمر بن الخطاب. روى عنه أبو إسحاق السبيعي، والحسن بن عبيد الله النخعي، المزي، تهذيب الكمال: ج34، ص265؛ الذهبي، ميزان الاعتدال: ج4، ص571.

4) الطبري، تاريخ: ج4، ص263-264.

5) لم نجد ترجمة له في المصادر المتوافرة لدينا، الفائشي: بكسر التحتية ومعجمة نسبةً إلى: فائش بطن من همدان، السيوطي، لب اللباب: ص192.

6) العلي، أبو مخنف: ص76.

من بيعته، وموقف أبنائه وإخوته وبني عمِّه من ذلك((1)).

ب - ورواية تحدَّثت عن صلاة الإمام الحسين(علیه السلام) وأصحابه في الليلةالتي قامت الحرب فيها، والحوار الذي دار بين برير بن خضير - من أصحاب الإمام الحسين وأبي حرب السبيعي - أحد عناصر الجيش الأموي -((2)).

ت - رواية سردت لنا خطبة الإمام الحسين(علیه السلام) بمعسكر الأعداء، مذكِّراً إيَّاهم بنسبه الشريف ورفضه لحكمهم الظالم((3)).

ث - رواية أشارت إلى نجاة أحد أصحاب الإمام(علیه السلام) من الموت وهو:الضحاك ابن عبد الله المشرفي، ومن ثَمَّ أذن له الإمام بالإنصراف إن استطاع((4)).

ج - رواية سردت قصة استشهاد كلٍّ من:عبد الله وجعفر وعثمان أبناء الإمام علي بن أبي طالب(علیه السلام)، بين يدي أخيهم أبي الفضل العباس(علیه السلام)((5)).

وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنَّ الطبري لم ينقل هذه الرواية عن عبد الله بن عاصم، وإنَّما أوردها بصيغة مجهولة بقوله: «وزعموا أنَّ العباس بن علي قال لأخوته من أُمِّه عبد الله وجعفر وعثمان يا بنى أُمِّي تقدَّموا حتى أرثكم فإنَّه لا ولد لكم»((6))، خاطب العباس أخاه عبد الله قائلاً «تقدم بين يديَّ حتى أراك وأحتسبك فإنه لا ولد لك»((7)).


1) الطبري، تاريخ: ج4، ص317، 318، 339.

2) المصدر نفسه: ج4، ص320.

3) المصدر نفسه: ج4، ص322-323.

4) المصدر نفسه: ج4، ص318.

5) أبو الفرج الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص54.

6) تاريخ: ج4، ص342.

7) أبو الفرج الاصفهاني، مقاتل الطالبيين، ص 54.

وشكك أحد الباحثين بهذه الرواية بقوله: «ان رواية مقولة أبي الفضل العباس اعلاه ذكرها الطبري في تاريخه لكن دون ان يصرح بأسم الشيخوربما كان هذا لسببين: أولها إما أن يكون غير متأكد من أسم الشيخ أو شاكاً به وأما انْ يكون غير مقتنع بمتن الرواية، هذا فضلاً عن ذلك كيف يقول العباس لأخوته ارثكم وهو يعلم إنه وابناءه سيلحقون بهم»((1)).

ونحن نتفق مع رأي الباحث بضعف هذه الرواية، خاصة وان قول أبي الفضل العباس(علیه السلام) فيه نظر وتأمل؛ لأنه لا ينسجم مع اخلاق وسمو نفسه الطاهرة، فضلاً عن ذلك ان اجواء الحرب آنذاك لا تساعد في التفكير بمثل هذه المسائل فكيف تصدر من أبي الفضل العباس(علیه السلام) الذي دافع عن إمامه حتى استشهد.

16- قدامة بن سعيد الثقفي

16- قدامة بن سعيد الثقفي((2))

أورد عنه أبو مخنف ثلاث روايات غير مُسنَدة، الأولى:عن القتال الذي وقع بين رجال السلطة الأموية ومسلم بن عقيل(علیه السلام) والذي انتهى بأسر الأخير((3))، والثانية: تتعلَّق بالحديث الذي دار بين مسلم بن عقيل ومسلم بن عمرو الباهلي (أحد عناصر السلطة الأموية) وطلب مسلم للماء((4))، أمّا الثالثة: فتتعلَّق بإرسال عمرو بن

خاطب العباس أخاه عبد الله قائلاً «تقدم بين يديَّ حتى أراك وأحتسبك فإنَّه لا ولد لك»((5)).


1) العلي، ابو مخنف، ص 77.

2) لم نجد ترجمة له في المصادر المتوافرة لدينا.

3) الطبري، تاريخ: ج4، ص279.

4) المصدر نفسه: ج4، ص281.

5) أبو الفرج الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص54.

وشكَّك أحد الباحثين بهذه الرواية بقوله: «إنَّ رواية مقولة أبي الفضلالعباس أعلاه ذكرها الطبري في تاريخه لكن دون أيصرِّح باسم الشيخ وربما كان هذا لسببين: أولها إمَّا أن يكون غير متأكِّد من اسم الشيخ أو شاكّاً به وإمَّا انْ يكون غير مقتنع بمتن الرواية، هذا فضلاً عن ذلك كيف يقول العباس لأخوته أرثكم وهو يعلم أنَّه وأبناءه سيلحقون بهم»((1)).

ونحن نتفق مع رأي الباحث بضعف هذه الرواية، خاصَّة وإنَّ قول أبي الفضل العباس(علیه السلام) فيه نظر وتأمل؛ لأنَّه لا ينسجم مع أخلاق وسموِّ نفسه الطاهرة، فضلاً عن ذلك أنَّ أجواء الحرب آنذاك لا تساعد في التفكير بمثل هذه المسائل، فكيف تصدر من أبي الفضل العباس(علیه السلام) الذي دافع عن إمامه حتى استُشهِد.

حريث (أحد عناصر السلطة الأموية)((2)) غلامه ليسقي مسلم بن عقيل(علیه السلام)((3)).

الروايات الثلاث غير مُسنَدة، وتنتهي بقدامة بن سعيد الذي لم تترجم له كتب الرجال والتراجم، فضلاً عن كتب التاريخ العام وِفق اطلاعنا، أمّا ما أشار إليه أحد الباحثين بأنّه محتمل أن يكون قدامة ممن شهد الأحداث في واقعة الطف((4))، فنحنلا نتفق مع هذا الرأي؛ وذلك لعدم وجود أدلّة تثبت ذلك، وعليه فإنَّ رواياته أعلاه تعد ضعيفة من الناحية التاريخية، لمجهولية ناقلها (قدامة بن سعيد)،


1) العلي، ابو مخنف: ص77.

2) عمرو بن حريث بن عمرو بن عثمان المخزومي القرشي، أبو سعيد، من الصحابة ولي إمرة الكوفة لزياد، ثمَّ لابنه عبيد الله ابن زياد وتوفي بها، له ثمانية عشر حديثاً، له عقب بالكوفة، أبو حاتم الرازي، الجرح والتعديل: ج6، ص226؛ الذهبي، سير اعلام النبلاء: ج3، ص418.

3) الطبري، تاريخ: ج4، 218.

4) العلي، أبو مخنف: ص110.

وإنّها تحتوي في متونها أموراً لا يمكن أن تصدر من مسلم بن عقيل(علیه السلام) الذي عُرِفَ عنه الفداء والتضحية في سبيل العقيدة من قبيل التوسُّل بالأعداء لطلب الماء، وغيرها من المسائل التي لا تليق بمكانته وسموِّ نفسه.

17- أبو عتبة عبد الرحمن الداراني الدمشقي

17- أبو عتبة عبد الرحمن الداراني الدمشقي((1))

روى عنه أبو مخنف روايتين إحداهما تتعلَّق بالمقتل وينتهي إسنادها إلى حميد بن مسلم عن استشهاد علي الأكبر بن الإمام الحسين(علیه السلام)((2)).

18- محمد بن قيس

18- محمد بن قيس((3))

روى عنه أبو مخنف روايتين انتهى إسنادهما إليه دون الإشارة إلى أيّ واسطة روائية:الأولى تتعلَّق بإرسال الإمام الحسين(علیه السلام) مبعوثاً لأهل الكوفة ومقتله على يد السلطة الحاكمة، أمّا الثانية فتسرد لنا قصة استشهاد عدد من أصحاب الإمام الحسين(علیه السلام)((4)).


1) عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي، أحد العلماء الثقات، سمع مكحولاً والزهري وسليم بن عامر، توفي سنة ثلاث وخمسين ومائة، وقيل:سنة أربع وخمسين ومائة للهجرة، ابن خياط، طبقات: ص571؛ البخاري، التاريخ الكبير: ج5، ص365؛ أبو حاتم الرازي، الجرح والتعديل: ج6، ص226؛ الذهبي، سير اعلام النبلاء: ج3، ص418.

2) ينظر، أبو الفرج الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص76.

3) أشار أحد الباحثين إلى ترجمته قائلاً: «لم ترد في الروايتين التي نقلها عنه أبو مخنف كنية اشتهر بها هذا الشيخ يمكننا التعرف من خلالها على الشيخ المقصود، خاصة وأنَّه ورد في كتب التراجم العديد من الشخصيات بهذا الاسم، وعلى الرغم من ذلك فإنَّ قيس بن محمد النخعي الكوفي هو الأرجح لموضوع ترجمتنا لاسيما وأنَّ ابن حجر ذكر أثناء ترجمته له في لسان الميزان: بأنَّه ممن رأى الإمام الحسين(علیه السلام) مخضوباً بالوسمة» العلي، أبو مخنف: ص117.

4) الطبري، تاريخ: ج4، ص326-328.

19- أبو داود يحيى بن هانئ الكوفي

19- أبو داود يحيى بن هانئ الكوفي((1))

نقل عنه أبو مخنف روايتين ينتهي إسنادهما إليه الأولى محور موضوعنا عنالمقتل، تناولت قتال أحد أصحاب الإمام الحسين(علیه السلام)، فضلاً عن نصيحة أحد قيادات الجيش الأموي لجنوده بعدم البروز لأصحاب الإمام الحسين(علیه السلام) وأنصاره؛ لشجاعتهم((2)). أمَّا الرواية الثانية فهي خارج أطار موضوعنا.

20- زهير بن عبد الرحمن بن زهير الخثعمي

20- زهير بن عبد الرحمن بن زهير الخثعمي((3))

مجموع الروايات التي نقلها عنه أبو مخنف روايتين تتعلَّقان بالمقتل الأولى:عن مقتل علي الأكبر بن الإمام الحسين(علیه السلام)((4))، والثانية:تسرد لنا قصة مقتل سويد بن عمرو بن أبي المطاع - وهو آخر مَن قُتل من أصحاب الإمام الحسين(علیه السلام)((5)).

21- سويد بن حية الأسدي

21- سويد بن حية الأسدي((6))

نقل عنه أبو مخنف روايتين أحدهما تتعلَّق بالمقتل الحسيني، ومفادها أنَّ عبد الله ابن حوزة - أحد عناصر الجيش الأموي - جمحت به فرسه فسقط منها، وبقيت


1) يحيى بن هانئ بن عروة بن قعاص المرادي الكوفي، كان أبوه مع مسلم بن عقيل(علیه السلام) ممن قتله عبيد الله بن زياد في شأن الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب(علیه السلام)، يُعدُّ من أشراف العرب، روى عن عبد الحميد بن محمود ورجاء الزبيدي وأبيه ونعيم بن دجاجة وأبي حمير، روى عنه الثوري وشعبة وشريك بن عبد الله، كان سيد أهل الكوفة، أبو حاتم الرازي، الجرح والتعديل: ج9، ص195؛ ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج65، ص46-51؛ المزي، تهذيب الكمال: ج32، ص19؛ الذهبي، الكاشف: ج2، ص377.

2) الطبري، تاريخ: ج4، ص313-332.

3) لم نجد ترجمة له في المصادر المتوافرة لدينا.

4) الطبري، تاريخ: ج4، ص240.

5) المصدر نفسه: ج4، ص346.

6) لم نجد ترجمة له في المصادر المتوافرة لدينا.

رجله عالقة في الركاب ولم تتوقَّف فرسه حتى مات((1)).

ويعلِّق أحد الباحثين((2)) على هذه الرواية بقوله: «وهذه الرواية تبيِّن عدم تحيُّز أبي مخنف فقد وردت بالشكل الآتي: وأمَّا سويد بن حية فزعم لي أنَّ عبد الله بن حوزة؛ وكلمة زعم لي تدلُّ على عدم اقتناعه بما سمعهمن شيخه، أو عدم اقتناع شيخه نفسه بما رواه».

22- جميل بن مرثد من بني معن

22- جميل بن مرثد من بني معن((3))

روى عنه أبو مخنف روايتين مُسنَدتين بوساطة الطرماح بن عدي (شاهد عيان)((4)) الأولى تتعلَّق بنصيحة الطرماح للإمام الحسين(علیه السلام) بعدم الذهاب إلى الكوفة((5))، والرواية الثانية تحدَّثت عن استئذان الطرماح من الإمام الحسين(علیه السلام) للذهاب إلى قومه، ثمَّ الرجوع إليه للقتال بقوله: «أنه دنا - أيّ الطرماح - من الحسين فقال له والله إني لأنظر فما أرى معك أحداً، ولو لم يقاتلك إلا هؤلاءِ الذين أراهم ملازميك لكان كفى بهم، وقد رأيت قبل خروجي من الكوفة إليك بيوم ظهر الكوفة وفيه من الناس ما لم ترَ عيناي في صعيد واحد جمعاً أكثر منه فسألت عنهم، فقيل اجتمعوا ليعرضوا ثم يسرحوا إلى الحسين؛ فأنشدك الله إن قدرت على ألا تقدم عليهم شبراً إلا فعلت، فإن


1) الطبري، تاريخ: ج4، ص328.

2) العلي، أبو مخنف: ص125-126.

3) لم نجد ترجمة له في المصادر المتوافرة لدينا، روي عنه أبو مخنف وهشام بن محمد بن السائب الكلبي بعض الأخبار، ابن سعد، الطبقات الكبرى: ج1، ص، 280، 322؛ الطبري، تاريخ: ج4، ص307.

4) الطرماح بن عدي الطائي، كان رجلاً مفوَّهاً، من أصحاب الإمام أميرالمؤمنين(علیه السلام) وكان رسولُهُ إلى معاوية بن أبي سفيان، على حين أشار بعض المؤرخين إلى التقائه بالإمام الحسين(علیه السلام)، ينظر، البلاذري، انساب الأشراف: ج3، ص171-172؛ الطبري، تاريخ: ج4، ص305؛ المفيد، الاختصاص: ص138؛ الطوسي، رجال: ص70.

5) الطبري، تاريخ: ج4، ص307.

أردت أن تنزل بلداً يمنعك الله به حتى ترى من رأيك ويستبين لك ما أنت صانعٌ. فسر حتى أنزلك مناع جبلنا الذي يدعى أجأ امتنعنا والله به من ملوك غسان وحمير ومن النعمان ابن المنذر ومن الأسود والأحمر، واللهإن دخل علينا ذلٌّ قطُّ فأسير معك حتى أنزلك القرية، ثم نبعث إلى الرجال ممن بأجأ وسلمى من طيئ فو الله لا يأتي عليك عشرة أيام حتى يأتيك طيئ، رجالاً وركبانا، ثمَّ أقم فينا ما بدا لك فإنْ هاجك هيج فأنا زعيم لك بعشرين ألف طائي يضربون بين يديك بأسيافهم والله لا يوصل إليك أبدا ومنهم عين تطرف، فقال له جزاك الله وقومك خيراً؛ إنَّه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قولٌ لسنا نقدر معه على الإنصراف، ولا ندري علام تنصرف بنا وبهم الأمور في عاقبه...»((1))، ثمَّ تستمرُّ الرواية والتي تشير إلى عدم اشتراك الطرماح بواقعة الطف «حدثني الطرماح بن عدي قال:فودَّعته وقلت له: دفع الله عنك شرَّ الجن والإنس إني قد إمترت لأهلي من الكوفة مِيرة ومعي نفقة لهم فآتيهم فأضع ذلك فيهم، ثم أقبل إليك إن شاء الله فإن ألحقك فوالله لأكونن من أنصارك قال: فإن كنت فاعلاً فعجِّل رحمك الله، قال فعلمت أنَّه مستوحش إلى الرجال حتى يسألني التعجيل، قال فلما بلغت أهلي وضعت عندهم ما يصلحهم وأوصيت، فأخذ أهلي يقولون إنَّك لتصنع مَرَّتَك هذه شيئا ما كنت تصنعه قبل اليوم، فأخبرتهم بما أريد، وأقبلت في طريق بني ثعل حتى إذا دنوت من عذيب الهجانات استقبلني سماعة بن بدر فنعاه إليَّ فرجعت»((2)).

من خلال التدقيق بكلام الطرماح بن عدي الطائي مع الإمام الحسين(علیه السلام) تتضح لنا عدة ملاحظات تثير الشكَّ والريبة في كلامه وتضعف من مصداقيته، منها:

أ - الرواية تصف الطرماح بأنَّه زعيم أو سيد قبيلته، وتأثيره في قبيلته يصل إلىعشرين ألف مقاتل، ونحن هنا نتساءل بأنَّ الروايات التاريخية أشارت إلى أنَّ


1) المصدر نفسه: ج4، ص308.

2) المصدر نفسه: ج4، ص308.

وظيفة الطرماح أنَّه كان دليلاً للنفر الذين قدموا من الكوفة((1))، فكيف يمكنه العمل بين الزعامة القبلية والدليل والتوفيق بينهما؟

ب - هل قبيلة طيء((2)) لم تكن على علم بمجمل تحرُّكات الإمام الحسين(علیه السلام) من بدايتها إلى زمان التقاء الطرماح بالإمام الحسين(علیه السلام)؛ لكي تنصره وتعدُّ رجالها للإنضمام إلى ركبه؟ نستبعد عدم علم قبيلة طيئ بموقف الإمام الحسين(علیه السلام) من السلطة الأموية، ومن ثَمَّ يصبح كلام الطرماح ضعيفاً، ولا نصيب له من الصحة، هذا وقد شكَّك أحد الباحثين((3)) بهذه الرواية، بقوله: «إنًَّ الطرماح بن عدي، ليس أكثر من رجل واحد، ومن المحال أن تكون له القدرة على جمع عشرين ألفا بعشرة أيام، ومن جهة أخرى فإنَّ قومه قد علموا بخروج الإمام الحسين(علیه السلام) من المدينة، وبامتناعه عن البيعة منذ أكثر من شهرين، فما الذي منعهم خلال هذه المدة من الإلتحاق بالحسين ومن نصره وحمايته؟! فلو وقف من عشرين ألف الطرماح ألفان مع الإمام الحسين لكان بإمكان الحسين أن يهزم جيش فرعون، وأن يغِّير موازين القوى وحركة التاريخ».ت - ما حجم الطرماح لكي يؤثِّر على عشرين ألف شخص على حدِّ تعبير الرواية أعلاه؟ وكيف جمع هذا العدد في مدة زمنية قدرها عشرة أيام وفق كلامه، لاسيما وأنَّ الدلائل لا تشير إلى كونهِ زعيماً لقبيلته آنذاك؟

ث - ونحن نتساءل لماذا لم ينضمَّ الطرماح للركب الحسيني؟ وهل إيصال الميرة


1) البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص172؛ الطبري، تاريخ: ج4، ص305؛ ابن الاثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص49.

2) طيء: قبيلة عظيمة من كهلان من القحطانية، تنسب إلى طيء بن ادد بن زيد بن يشجب بن زيد ابن كهلان، كانت أغلب منازلهم في اليمن وأرض نجد، لهم الكثير من الوقائع المشهورة، للمزيد من المعلومات ينظر، ابن الأثير، اللباب في تهذيب الأنساب: ج2، ص271؛ العوادي، قبيلة طيء وأثرها في الحياة العامة: ص1-28؛ كحالة، معجم القبائل: ج2، ص689-692.

3) يعقوب، كربلاء الثورة والمأساة: ص178.

على حدِّ تعبير الرواية - يُعدُّ مسوّغاً شرعياً للطرماح لترك الجهاد مع الإمام(علیه السلام)؟ ثم لماذا لم يرسل تلك الميرة أو نفقة عياله مع أيِّ شخص آخر ويلتحق هو بالإمام إن كان يريد الإنضمام للركب الحسيني؟

ح - وعلى هذا ينتج من كلام الطرماح في هذه الرواية أمران، الأول: إنَّ هذه الرواية موضوعة ولا تمتُّ إلى الحقيقة بصلة، ولعلَّ هذا الإحتمال يتعارض مع المصادر التاريخية التي أوردت هذه الرواية والتي أشرنا إليها في معرض سردنا للرواية، والإحتمال الثاني:إنّ كلام الطرماح لا يستند إلى الحقيقة، وقد ابتدع من مخيلته هذا الكلام نثراً وشعراً، فمزج بين انتمائه الشيعي في نصرته للإمام الحسين(علیه السلام) وعاطفته الشعرية ليخرج لنا هذا الكلام الذي لا أثر له على أرض الواقع، وهذا ما دفع أحد الباحثين((1)) إلى تحليل ذلك بقوله: «إنَّ أقوال الطرماح ليست أكثر من تصورات شاعر، وما كان ينبغي للإمام الحسين(علیه السلام) أو لأيِّ عاقل أن يترك ما بينه وبين القوم، ويتبع تلك التصورات النظرية دون أن يعرف عاقبة أو مآل ما تمَّ عليه الإتفاق بينه وبين أهل الكوفة».

ويمكن استنتاج احتمالٍ آخر بشأن رواية الطرماح وهو أنَّ الطبري حاول تشويه حقيقة الطرماح ورفاقهِ وأنَّهم كانوا من ضمن معسكر الإمام الحسين(علیه السلام)، وكانت مهمَّتهم تقتصر على العمل اللوجستي في إيصال الميرة لمعسكر الإمام(علیهالسلام)، ولعلَّ الذي يسند هذا الإحتمال عدَّة أدلَّة منها:

أ- إحجام الطبري عن تحديد شخصية وهوية النفر الأربعة((2)) الذين كانوا مع الطرماح وتصريح البلاذري بأسمائهم، فضلاً عن دفاع الإمام الحسين(علیه السلام) عنهم، ووصفهم (بالأصحاب والانصار)، بقوله: «وكان الأربعة النفر: نافع بن هلال


1) يعقوب، كربلاء الثورة والمأساة: ص178.

2) باستثناء إشارته إلى مجمع بن عبد الله العائذي، الطبري، تاريخ: ج4، ص306.

المرادي، وعمرو بن خالد الصيداوي، وسعد مولاه، ومجمع بن عبد الله العائذي من مذحج((1)). فقال الحرُّ: إنَّ هؤلاء ليسوا ممن أقبل معك فأنا حابسهم أورادُّهم. فقال الحسين: إذاً أمنعهم مما أمنع منه نفسي إنَّما هؤلاء أنصاري وأعواني وقد جعلتَ لي أن لا تعرّض لي حتى يأتيك كتاب ابن زياد. فكفَّ الحرُّ عنهم»((2)).

ب - أورد الخوارزمي((3)) موقف الطرماح لكنَّه لم يُشِر إلى أنَّه كان دليلاً للنفر الأربعة الذين ذكرتهم رواية الطبري آنفة الذكر.

ت - اختلاف رواية الطبري عن الخوارزمي في عدد العناصر التي ضمَّنها الطرماح للإمام الحسين(علیه السلام) من المقاتلين، فبينما أشارت رواية الطبري إلىالعشرين ألف، على حين قلَّلت رواية الخوارزمي من هذا العدد وحدَّدته بخمسة الآف((4)).

ث - توحي رواية الخوارزمي إلى أنَّ الطرماح كان من ضمن المعسكر الحسيني؛ بقرينة نصِّ الرواية: «أقبل الحسين على أصحابه فقال: هل فيكم أحد يخبر الطريق على غير الجادة؟ فقال الطرماح بن عدي الطائي: أنا يا ابن رسول الله أخبر الطريق، فقال الحسين: فسر إذن بين إيدينا، فسار الطرماح واتبعه الحسين واصحابه...»((5)).

نستخلص من ذلك كلّه أنَّ حقيقة الطرماح ورفاقه قد تناثرت بين المصادر التي عرضناها آنفاً وأنَّه لم يكن عابر سبيل أو دليلاً - بحسب تنظير رواية الطبري - وإنَّما


1) وعند تتبع سيرة وتاريخ هؤلاء النفر الأربع وجدنا أنَّهم من أبرز القيادات الشيعية الموالية للإمام الحسين(علیه السلام)، وقد استُشهِدوا معه في واقعة الطف، ينظر، الدينوري، الاخبار الطوال: ص255؛ ابو الفرج الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص78؛ المفيد، الارشاد: ج2، ص102؛ الطبرسي، اعلام الورى: ج1، ص462؛ المشهدي، المزار: ص152، 493؛ ابن طاووس، اللهوف: ص65؛ ابن نما، مثير الاحزان: ص45.

2) البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص172.

3) مقتل الحسين(علیه السلام): ج1، ص333، 334، 339.

4) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج1، ص339.

5) المصدر نفسه: ج1، ص333-334.

كان من جملة أنصار الإمام الحسين(علیه السلام) هو ورفاقه، وكانت لهم مهمة خاصة تتعلَّق بتقديم التموين لمعسكر الإمام الحسين(علیه السلام)، والذي يؤكِّد لنا ذلك اختلاف رواية الطبري مع رواية البلاذري وتضاربها مع ما أشار إليه الخوارزمي، فضلاً عن ذلك الإشكالات التي سُجِّلت ضدَّ رواية الطبري آنفة الذكر.

23- الإمام أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق(علیه السلام)

نقل عنه أبو مخنف رواية واحدة ينتهي إسنادها به دون أن يذكر أيّ واسطة روائية، تتعلَّق بعدد الطعنات والضربات التي ُوجِدت في جسم الإمام الحسين(علیه السلام)، والسلب الذي تعرَّض له الإمام الحسين(علیه السلام) وحرق الخيام، فضلاً عن أمر عمر بن سعد بعدم قتل الإمام علي بن الحسين(علیه السلام)((1)).

24- عوانة بن الحكم

24- عوانة بن الحكم((2))

وهو تلميذ أبي مخنف((3)) وروى عنه رواية واحدة مُسنَدة تخصُّ المقتل الحسيني ينتهي إسنادها به، تتناول موقف أهل الكوفة وأشرافها من حكم يزيد بن معاوية، وخلعه ومبايعتها للإمام الحسين(علیه السلام)، الأمر الذي ترتَّب عليه إرسال الإمام(علیه السلام) سفيره مسلم بن عقيل(علیه السلام) إليهم لدراسة الأوضاع العامة في الكوفة وتقييمها((4)).


1) الطبري، تاريخ: ج4، ص346.

2) عوانة بن الحكم بن عياض بن وزر بن عبد الحارث الكلبي، يُكنَّى أبا الحكم، من علماء الكوفيين، راوية للأخبار، عالم بالشعر والنسب، كان فصيحاً ضريراً، من تصانيفه كتاب التاريخ كتاب سيرة معاوية وبنى أمية، يروي عنه هشام بن الكلبي، يذكرأ نَّه كان عثمانياً، فكان يضع الأخبار لبني أمية، توفى سنة (147ﻫ)، ابن النديم، الفهرست: ص103؛ الذهبي، سير اعلام النبلاء: ج7، ص201؛ ابن حجر، لسان الميزان: ج4، ص368.

3) هناك خلاف بين الباحثين حول عوانة بن الحكم هل هو شيخ لأبي مخنف أو تلميذه؟ ويرى العلي أن بعض الدراسات قد اثبتت أنهُ تلميذه، ينظر، العلي، أبو مخنف: ص140.

4) أبو الفرج الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص63.

25- أبو حمزة الثمالي

25- أبو حمزة الثمالي((1))

نقل عنه أبو مخنف رواية مُسنَدة بوساطة عبد الله الثمالي عن القاسم بن بخيت((2)) تضمَّنت إدخال رأس الإمام الحسين(علیه السلام) وأهل بيته إلى مجلس يزيد بن معاوية، وبقية الأحداث التي وقعت في ذلك المجلس((3)).

26- أبو ابراهيم عمرو بن شعيب المدني

26- أبو ابراهيم عمرو بن شعيب المدني((4))

نقل عنه أبو مخنف رواية واحدة مُسنَدة تخصُّ المقتل، تتحدَّث عن الجزاء الدنيوي الذي تعرَّض له أحد قتلة الإمام الحسين(علیه السلام)((5)).


1) ثابت بن أبي صفية، واسم أبى صفية دينار، أبو حمزة الثمالي، كوفي، مولى المهلب روى عن زاذان وعكرمة وأبى جعفر، سمع منه أبو نعيم ووكيع، روى عن الإمام علي بن الحسين السجاد، و محمد بن علي الباقر، والصادق(علیهم السلام)، له كتاب النوادر والزهد، وتفسير القرآن، توفي سنة ثمان وأربعين ومائة، ابن سعد، الطبقات الكبرى: ج6، ص364؛ البخاري، التاريخ الكبير: ج2 ص165؛ العقيلي، الضعفاء: ج1، ص172؛ الجرجاني، الكامل: ج2، ص93؛ النجاشي، رجال النجاشي: ص115؛ ابن شهر اشوب، معالم العلماء: ص66.

2) لم نجد ترجمة له في المصادر المتوافرة لدينا.

3) الطبري، تاريخ: ج4، 356؛ ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج62، ص84؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص209.

4) عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، أبو إبراهيم السهمي القرشي، سمع أباه وسعيد بن المسيب وطاووس بن كيسان، حدَّث عن زينب بنت أبي سلمة، وأبيه، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعمته زينب بنت محمد، روى عنه أيوب، وابن جريج، وعطاء بن أبي رباح، والزهري، والحكم، ويحيى بن سعيد، وعمرو بن دينار، سكن مكة، وكان يخرج إلى الطائف إلى ضيعة له، توفى بالطائف سنة ثماني عشرة ومائة، البخاري، التاريخ الكبير: ج6، ص343؛ أبي حاتم الرازي، الجرح والتعديل: ج6، ص238؛ ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج46، ص75-95.

5) الطبري، تاريخ: ج4، ص345.

27- أبو علي الأنصاري

27- أبو علي الأنصاري((1))

نقل عنه أبو مخنف رواية مسندة إلى بكر بن مصعب المزني((2)) تتعلَّق بانضمام بعض الناس إلى الإمام الحسين(علیه السلام)، فضلاً عن إقدام السلطة على قتل رسول الحسين وأخيه من الرضاعة عبد الله بن يقطر، الذي أُرسل لتقصِّي خبر مسلم بن عقيل(علیه السلام)((3)).

28- أبو الحكم يزيد بن عياض بن جعدبة الحجازي

28- أبو الحكم يزيد بن عياض بن جعدبة الحجازي((4))

نقل عنه أبو مخنف رواية ينتهي إسنادها به، دون أن يذكر لنا أيّ واسطة روائية نقل عنها الحدث، والرواية التي رواها تتضمَّن إعلان بعض سادات أهل الكوفة بيعتهم للإمام الحسين(علیه السلام) في مقابل خلع بيعة يزيد بن معاوية، وإرسال الإمام الحسين(علیه السلام) سفيره مسلم بن عقيل(علیه السلام) إليهم؛ لمعرفة الوضع العام في الكوفة وتقييمه ودراسته((5)).


1) لم نجد ترجمة له في المصادر المتوافرة لدينا.

2) لم نجد ترجمة له، باستثناء ما ذكره ابن عساكر بقوله: «بكر بن مصعب دخل دمشق وسُئِل عنها فقال:هي جنة الدنيا للمطيع لله إذا مات بها لا يقال عنه:استراح من الدنيا يعني أنَّه كان في جنة فانتقل إلى جنة»، تاريخ مدينة دمشق: ج10، ص388.

3) الطبري، تاريخ: ج4، ص300، ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص182.

4) يزيد بن عياض بن يزيد بن جعدبة، الليثي الحجازي، وقال بعضهم يزيد بن جعدبة، سمع منه يحيى بن واضح بن وهب، وهو مُنكَر الحديث، يكنى أبا الحكم، انتقل إلى البصرة وتوفى بها، البخاري، التاريخ الصغير: ج2، ص84؛ النسائي، الضعفاء والمتروكين: ص252؛ أبي حاتم الرازي، الجرح والتعديل: ج9، ص282؛ السبط بن العجمي، الكشف الحثيث: ص281.

5) أبو الفرج الأصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص63؛ أورد هذه الرواية الطبري لكن بسند مختلف، وهو حدثني زكريا بن يحيى الضرير قال:حدثنا أحمد بن جناب المصيصي ويكنى أبا الوليد قال:حدثنا خالد بن يزيد بن أسد بن عبد الله القسري قال حدثنا عمار الدهني قال:قلت لأبي جعفر... الخ، الطبري: تاريخ، ج4، 258.

ت - منهجية أبي مخنف في توظيف موارده عن المقتل الحسيني

في ختام حديثنا عن موارد أبي مخنف التي استسقى منها مادته التاريخية عن المقتل، تتضح لنا بعض معالم منهجه التاريخي في سرده لمرويات المقتل، منها:

1- اهتمامه بالسند الروائي (سلسلة الرواية)، حيث يُلاحَظ أنَّ أبا مخنف يذكر الروايات في الكثير من الأحيان بسلسة إسناد كاملة، لكن وردت بعض الحالاتأسند فيها أبو مخنف الروايات إلى شاهد العيان للحدث دون المرور عبر سلسة السند، وإنمَّا النقل بصورة مباشرة عنه - اي شاهد العيان - كقوله «حدثتني دلهم بنت عمرو امرأة زهير بن القين...»((1))، أو قوله: «حدثني لوذان أحد بنى عكرمة أنَّ أحد عمومته...»((2))، وقد أشارت بعص المصادر((3)) إلى أنَّ (لوذان) الذي اعتمد عليه أبو مخنف هو لوذان بن عمرو وأنَّه نفسه الذي التقى بالإمام الحسين(علیه السلام) وليس أحد عمومته.

2- تميَّزت سلسلة السند الروائية عند أبي مخنف بكونها مطوَّلة في بعض المرويات، وقصيرة في أحيانٍ أخرى، فضلاً عن ذلك احتوت سلسة السند عند أبي مخنف بعض المجاهيل، الذين لا أثر لهم في كتب التراجم والتاريخ العام((4)).

3- التنوع الزمني في المصادر التي أخذ مادته منها، فهنالك رواة سبقوه زمنياً، أو كانوا قريبين منه، أمثال: عامر الشعبي، وأبي المخارق، والمجالد وآخرين.

4- من خلال استقراء الروايات التي أوردها أبو مخنف عن المقتل نلحظ أنّ


1) الطبري، تاريخ: ج4، ص298.

2) المصدر نفسه: ج4، ص301.

3) المفيد، الارشاد: ج2، ص76؛ الطبرسي، اعلام الورى: ج1، ص447.

4) الطبري، تاريخ: ج4، ص240، 274، 287، 289، 328، 300.

مصدره لتلك الروايات كان على صنفين، الصنف الأول: شهود عيان للحدث ينتمون للسلطة الأموية الحاكمة من أمثال: حميد بن مسلم، وكثير بن عبد الله الهمداني، وأيوب بن مشرح الخيواني، وقرة بن قيس التميمي، وآخرين((1))، أمَّا الصنف الثاني فهم شهود عيان للحدث من معسكر الإمام الحسين(علیه السلام)حيث نجا بعض منهم، من أمثال: الإمام زين العابدين علي بن الحسين(علیه السلام)، وعقبة بن سمعان (مولى الرباب زوجة الإمام الحسين)، أو دلهم بنت عمرو (زوجة زهير بن القين)، وآخرين((2))، ويدلُّ اعتماد أبي مخنف على هذين الصنفين من الموارد على حياديته وأمانته العلمية، وتطبيقه لشروط المنهج التاريخي التوثيقي العلمي، القائم على أساس نقل وتوثيق الحقيقة، بغضِّ النظر عن المنظومة العقائدية والمذهبية والسياسية التي يحملها الراوي.

5- امتاز أبو مخنف في بعض الأحيان بالتوثيق الدقيق للأحداث التاريخية، وعلى سبيل المثال ما يخصُّ موضوع دراستنا عن أخبار المقتل؛ إذ حدَّد خروج سفير الإمام الحسين(علیه السلام) مسلم بن عقيل(علیه السلام) باليوم والشهر والسنة، كقوله: «كان مخرج مسلم بن عقيل بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان ليال مضين من ذي الحجة سنة 60ويقال يوم الأربعاء لسبع مضين سنة 60من يوم عرفة...»((3))، وكذلك تحديده لتحرك الإمام الحسين(علیه السلام) من المدينة إلى مكة المكرمة «وكان مخرج الحسين من المدينة إلى مكة يوم الأحد لليلتين


1) للوقوف أكثر بشأن اعتماد أبي مخنف على مرويات هؤلاء، ينظر، الطبري، تاريخ: ج4، ص312، 333، 334، 341، 347، 349.

2) للوقوف أكثر بشأن اعتماد أبي مخنف على مرويات هؤلاء، ينظر، الطبري، تاريخ: ج4، ص290، 291، 298، 308، 309، 317، 318.

3) الطبري، تاريخ: ج4، ص286.

بقيتا من رجب سنة 60، ودخل مكة ليلة الجمعة لثلاث مضين من شعبان...»((1)).

6- اتَّبع في بعض مروياته أسلوب الإسناد الجمعي لشيوخه، إذ أورد أكثر من شيخ لرواية واحدة أو خبر معين، ولعلَّ السبب الذي دفع أبا مخنف إلى هذاالأسلوب يرجع إلى إجماع شيوخه واتفاقهم على حدث معين، ومن أبرز مرويات هذا المنهج هي:

أ - «ما حدثنا به المجالد بن سعيد، والصقعب بن زهير الأزدي، وغيرهما من المحدِّثين فهو ما عليه جماعة المحدِّثين...»((2)).

ب - قال أبو مخنف: «حدثني المجالد بن سعيد الهمداني، والصقعب بن زهير...»((3)).

ت - «قال أبو مخنف: عن الصقعب بن زهير، وسليمان بن أبي راشد.»((4))، وهناك بعض الحالات الروائية التي أوردها أبو مخنف، والتي تنتهي بصيغ مجهولة غير محدَّدة، وهذه من الناحية التاريخية ضمن أطار المنهج التاريخي تُعدُّ خللاً في عمل الإخباري أو المؤرِّخ؛ لكونها تسهم في تضعيف الرواية أو الخبر الى حدٍّ ما، ومن تلك الحالات:

أ - قال أبو مخنف: «عن أبي سعيد عقيصى، عن بعض أصحابه...»((5)).


1) المصدر نفسه: ج4، ص286.

2) المصدر نفسه: ج4، ص313.

3) المصدر نفسه: ج4، ص313.

4) الطبري، تاريخ: ج4، ص326.

5) المصدر نفسه: ج4، ص289.

ب - قال أبو مخنف: «عن بعض أصحابه، عن أبي خالد الكاهلي...»((1)).

ت - هناك حالات يكون شاهد العيان للحدث لدى المحدِّث الذي نقل عنه أبو مخنف غير محدَّد (مجهول) مثل قوله: «حدثني علي بن حنظلة بن أسعدالشامي، عن رجل من قومه شهد مقتل الحسين...»((2)).

وفي تعليقة لأحد الباحثين بشأن السبب في اعتماد بعض الإخباريين منهج الإسناد الجمعي فيقول: «ولعلَّ هذا النهج الذي اتَّبعه الإخباريون والرواة للتخلص من تكرار الأسانيد، أو ربما كان الغرض منه زيادة توثيق الرواية والتأكُّد من مدى صحتها»((3)).

ولعلَّ هذه الملاحظات هي الأبرز في بيان معالم منهج أبي مخنف وتحديداً في موارده، أمّا الروايات وطبيعة عرضها ومناقشة متونها والتفصيل في ذلك فسيترك إلى الفصل القادم من هذه الدراسة.

2 - موارد الفضيل بن زبير بن عمر الكوفي الأسدي الرَسَّان (المتوفى في القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي) في كتابه المعنون (تسمية من قُتِل مع الحسين(علیه السلام) مِنْ ولده وأخوته وأهل بيته وشيعته)

أولاً: تعريف ب-: المؤلِّف

قبل الدخول في تفاصيل كتابه السند الروائي لتسمية مَن قُتِل، لا بدّ من التعريف بشخصية الفضيل، والبحث عن بعض جزئياتها وتفاصيلها.


1) المصدر نفسه: ج4، ص321.

2) المصدر نفسه: ج4، ص323.

3) العلي، ابو مخنف: ص265.

الفضيل بن الزبير الأسدي، الكوفي الرَسّان((1))، عُدَّ من أصحاب الإمام محمدالباقر(علیه السلام) والإمام جعفر الصادق(علیه السلام) على رأي الطوسي، قائلاً: «الفضيل بن الزبير الأسدي، مولاهم، كوفي، الرسان»((2))، على حين عدَّه ابن النديم من أصحاب الإمام محمد الباقر(علیه السلام)((3)).

أمّا بعض الباحثين المتأخرين فقد رجَّحوا((4)) أنّ الفضيل بن الزبير من جملة أصحاب الإمامين الباقر والصادق(علیه السلام).

ونلحظ أنَّ للفضيل بن الزبير العديد من الروايات التاريخية بعضُها مُسنَد عن الإمام محمد الباقر(علیه السلام)، وأخرى عن مشايخه، وقد جمعتها بعض المصنَّفات((5))، وأغلبها تخصُّ عصر الرسالة والأحداث التي وقعت فيها، كما أورد قسماً كبيراً من رواياته عن أخبار الإمام علي بن أبي طالب(علیه السلام)، والأحداث التي عاصرها.

أمّا مروياته عن المقتل في المصنَّفات التاريخية، فكانت محدودة وبحدود


1) ترجم له العديد من المؤرخين والباحثين منهم، الطوسي، رجال: ص269؛ البرقي، الرجال: ص34؛ البروجردي، طرائف المقال: ج1، ص558؛ الجلالي، فهرست التراث: ج1، ص147؛ الخوئي، معجم رجال الحديث: ج14، ص346-348؛ الاردبيلي، جامع الرواة: ج2، ص9؛ الشاهرودي، مستدركات علم رجال الحديث: ج6، ص221؛ المازندراني، منتهى المقال: ج4، ص183.

2) الطوسي، رجال: ص269.

3) ابن النديم، الفهرست: ص227.

4) البروجردي، طرائف المقال: ج1، ص558؛ الجواهري، المفيد: ص458؛ الشاهرودي، مستدركات علم رجال الحديث: ج6، ص221؛ الامين، اعيان الشيعة: ج1، ص125؛ المازندراني، منتهى المقال: ج4، ص183.

5) الكليني، الكافي: ج8، ص189؛ الخصيبي، الهداية الكبرى: ص160؛ الصفار، بصائر الدرجات: ص38؛ المفيد، الارشاد: ج1، ص330، الامالي: ص، 207، 125؛ الطوسي، الامالي: ص289؛ الغيبة: ص189؛ ابن البطريق، عمدة عيون صحاح الاخبار: ص75.

الروايتين، الأولى: تناولت حديث الإمام الحسين(علیه السلام) مع عبد الله بن الزبيرفي ضرورة مغادرته(علیه السلام) مكة؛ لئلا تراق فيها دماؤه الزاكية الطاهرة((1)) على حين ركَّزت الرواية الثانية على مكانة ومنزلة الإمام الحسين(علیه السلام) وبكاء كلِّ شيء عليه، وذلك يوم استشهاده في العاشر من محرم الحرام حتى الوحوش والطير والشمس والنجوم وغيرها((2)).

أمّا مذهب الفضيل فهو على الأرجح كان يعتنق المذهب الزيدي((3)

أولاً: أن يكون من ولد فاطمة بنت الرسول من غير فرق بين ولد الحسن وولد الحسين.

ثانياً: أن يكون عالما بالشريعة.

ثالثاً: أن يكون زاهداً.

رابعاً أن يكون شجاعاً.

خامساً: أن يدعو إلى دين الله بالسيف.

وأكثرهم يأخذ بفقه أبي حنيفة إلا في مسائل قليلة، ابن قتيبة، المعارف: ص623؛ المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص208؛ مغنية، الشيعة في الميزان: ص36-38.

) ويُعدُّ منْ أبرز المتكلمين عندهم كما صرَّح بذلك ابن النديم، قائلاً: «ومن متكلميالزيدية، فضيل الرسان...»((4)).

أشار أيضاً الأشعري إلى نسبة الرسّان إلى مذهب الزيدية قائلاً: «من فرق الزيدية


1) ابن قولويه، كامل الزيارات: ص151.

2) الصدوق، الامالي: ص189.

3) يُنسَب هذا المذهب إلى زيد بن علي بن الحسين(علیه السلام)، يقولون بإمامة علي والحسن والحسين(علیه السلام)، ولم يقولوا بإمامة زين العابدين، لأنَّه لم يقم بالسيف، وقالوا بإمامة ولده زيد، لأنَّه ثار على الباطل، وهم لا يشترطون العصمة بالإمام، ويجوز عندهم قيام إمامين في بقعتين متباعدتين، وكلُّ من جمع خمسة شروط فهو إمام:

4) ابن النديم، الفهرست: ص227.

يسمَّون (السرحوبية) ويسمَّون (الجارودية)((1)) وهم أصحاب أبي الجارود زياد بن منذر، وإليه نُسِبت الجارودية، وأصحاب أبي خالدالواسطي، وأصحاب فضيل بن الزبير الرسَّان»((2))، وقد قُسِّمت الزيدية إلى ضعفاء وأقوياء، ثم قال: وأمَّا الأقوياء منهم: فهم أصحاب أبي الجارود، وأصحاب أبي خالد الواسطي، وأصحاب فضيل الرسَّان((3)).

لم يقتصر الأمر في إثبات انتماء واعتقاد الرسّان بالزيدية على آراء هؤلاء مؤلفي الفرق والملل والنحل أعلاه، بل رجَّح بعض الباحثين صحة اعتقاد الرسّان بالزيدية، فقد أشار حسن الأمين إلى هذا المعنى مع مناقشة مستفيضة للروايات بهذا الخصوص بقوله: «أقول: مجرد الخروج مع زيد ليس دليلا على الزيدية كما ذُكِر، لكن


1) الجارودية:هم أصحاب أبي الجارود زياد بن أبي زياد، زعموا أنَّ النبي(صلی الله علیه و آله) نصَّ على علي(علیه السلام) بالوصف دون التسمية، وهو الإمام بعده، والناس قصَّروا حيث لم يتعرَّفوا الوصف، ولم يطلبوا الموصوف، وإنَّما نصبوا أبا بكر باختيارهم؛ فكفروا بذلك. وقد خالف أبو الجارود في هذه المقالة إمامة زيد بن علي، واختلفت الجارودية في التوقف والسوق. فساق بعضهم الإمامة من علي إلى الحسن، ثم إلى الحسين، ثم إلى علي بن الحسين زين العابدين، ثم إلى ابنه زيد بن علي، ثم إلى محمد [ذي النفس الزكية] بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وقالوا بإمامته، وكان أبو حنيفة على بيعته ومن جملة شيعته، ومحمد بن عبد الله مات بحبس المنصور. والذين قالوا بإمامة محمد بن عبد الله اختلفوا، فمنهم من قال: إنه لم يُقتَل وهو بعد حي وسيخرج فيملأ الأرض عدلاً، ومنهم من أقرَّ بموته وساق الإمامة إلى محمد بن القاسم بن علي بن عمر ابن علي ابن الحسين بن علي صاحب الطالقان، وحبسه المعتصم في داره حتى مات، ومنهم من قال بإمامة يحيى بن عمر صاحب الكوفة، قتل في أيام المستعين. وأمَّا أبو الجارود فكان يُسمَّى سرحوباً، سمَّاه بذلك أبو جعفر محمد بن علي الباقر، وسرحوب: شيطان أعمى يسكن البحر، عبد القاهر البغدادي، الفرق بين الفرق: ص39؛ الشهرستاني، الملل والنحل: ج1، ص157؛ الشاكري، نشوء المذاهب والفرق: ص55-58

2) المقالات والفرق: ص71.

3) النوبختي، فرق الشيعة: ص58؛ الاشعري، المقالات والفرق: ص71.

تصريح علماء الفرق والرجال - كالأشعري وابن النديم - وضمّ الروايات الأخرى التي تلائم زيدية الرجل، حجة للإستظهار المذكور، فهو زيدي على الأظهر، وما ذكره الشيخ المامقاني - بعد ما نُقل عن الشيخ الطوسي، ذكر الرجل في بابي أصحاب الباقر والصادق(علیه السلام) - من: أنَّ ظاهره كونه إماميا لا وجه له أصلا؛ وذلك: أولا: لما عرفت من أنَّ الأظهر كونه زيدي المذهب، وثانيا: أنَّ مجرد ذكر الشيخ الطوسي للراوي في كتاب رجاله لا يدلُّ على كونه إمامياً؛ لأنَّ الشيخ لم يلتزم في الرجال بذكر من كان إمامياً، بل هو بصدد جمع أسماء الرواة عن الأئمة، بمجرّد عثوره على رواية له عن أحدهم، فكتابه في الحقيقة فهرس لأسماء الرواة، من دون نظر له فيه إلى توثيق أو جرح، ولا إلى تعيين مذهب أو غير ذلك من الإهتماماتالرجالية، وهذا واضح لمن راجع كتاب الرجال، نعم التزم الشيخ الطوسي في الفهرست بأن يذكر فيه المؤلفين من الإمامية عدا من يصرِّح بمذهبه من غيرهم»((1))، كذلك ذهب إلى هذا الرأي الشاهرودي((2)) من كون الرسّان يعتقد مذهب الزيدية.

ثانياً: موارده

يُعدُّ كتاب التسمية من الناحية التاريخية كتاباً مُسنَداً، إذ وردت فيه سلسلة الإسناد الروائي كاملة، إذ ذكر مجمل الرواة الذين نقل عنهم الكتاب وبالشكل الآتي: «قال الإمام المرشد بالله((3)): أخبرنا الشريف أبو عبد الله، محمد بن علي بن الحسن


1) مستدركات اعيان الشيعة: ج1، ص128.

2) مستدركات علم رجال الحديث: ج6، ص221.

3) يحيى بن الحسين بن إسماعيل بن زيد، أبو الحسين الحسني الزيدي الشجري الرازي، كان مفتي طائفته على مذهب زيد بن علي، كان مفتي الزَّيدية ومقدّمهم وعالمهم. وكان متفنناً في العلم، والأدب، واللّغة، له معرفة بالأصول والحديث، سمع الصوري والعتيقي وابن غيلان وابن زيدة بأصبهان وغيرهم، روى عنه: محمد بن عبد الواحد الدقاق، ونصر بن مهدي وأبو سعيد يحيى ابن طاهر السمان، وكان ممن عنى بالحديث، توفى سنة أربعمائة وتسع وسبعين للهجرة، ابن الجوزي، المنتظم: ج16، ص266؛ الذهبي، تاريخ الاسلام: ج32، ص286؛ ابن حجر، لسان الميزان: ج6، ص247؛ الكناني، تنزيه الشريعة: ج1، ص126.

البطحاني((1))، بقراءتي عليه((2))، بالكوفة، قال أخبرنا محمد بنجعفر التميمي((3)) قراءة،


1) أبو عبد الله محمّد بن عليّ بن الحسن بن عبد الرّحمن، العلوي الحسني، ألَّف العديد من المصنَّفات منها، كتاب فضل الكوفة، وكتاب التعازي، ينظر، ابن طاووس، فرحة الغري: ص58؛ التستري، قاموس الرجال: ج9، ص433؛ الاشتهاري، مدارك العروة: ج9، ص195؛ العاملي، وسائل الشيعة: ج2، 833.

2) القراءة على الشيخ، وتُسمَّى عند أكثر قدماء المحدِّثين العرض؛ لأنَّ القارئ يعرض على الشيخ ما يقرأه كما يُعرَض القرآن على المقرئ، وقيل: إنَّ القراءة أعمُّ مطلقاً من العرض؛ لأنَّ الطالب إذا قرأ كان أعمَّ من العرض وغيره، ولا يصدق العرض إلا بالقراءة؛ لأنَّ العرض عبارة عما يعرض به الطالب أصل شيخه معه، أو مع غيره بحضرته، فهو أخصُّ من القراءة. قلت: إن ثبت لهم اصطلاح خاصٌّ في المقام، وإلا أمكن دعوى أنَّ بينهما عموما من وجه؛ إذ كما يمكن القراءة من غير عرض فكذا يمكن العرض من غير قراءة، كما لا يخفى. ثم، إنَّ هنا مطالب: الأول: إنَّ هذا الطريق أيضاً على أنحاء: أحدها: قراءة الراوي على الشيخ من كتاب بيده، وفي يد الشيخ أيضاً مثله مع الصحة، ثم يقترن بالموافقة وبكونه روايته. ثانيها: قراءته على الشيخ من كتاب بيده والشيخ يستمع عن حفظه، ثم يقرُّ بصحته. ثالثها: قراءته لما يحفظه والأصل بيد الشيخ فيسمع فيقرُّ بصحة ما حفظه، رابعها: قراءته عن حفظه واستماع الشيخ أيضاً عن حفظه وإقراره بصحته. خامسها: قراءته من كتاب بيده والأصل بيد ثقة غيره، فيسمع الشيخ ويقرُّ بصحته، سادسها: قراءة غيره من كتاب بيده لما يحفظه الراوي، فيسمع الشيخ من كتاب بيده ويقرُّ بصحته. ، سابعها: هو السادس مع سماع الشيخ حفظا من دون أن يكون الأصل بيده، أو يد ثقة، إلى غير ذلك من الأقسام المختلفة في مراتب العلو والنزول بالبعد عن السهو والخطأ والقرب منه، الشهيد الثاني، الرعاية في علم الدراية: ص234، 242؛ البابلي، رسائل في دراية الحديث: ج1، ص138، 234، 237؛ غفاري، دراسة في علم الدراية: ص172.

3) محمد بن جعفر بن محمد بن هارون بن فروة التميمي، من أهل الكوفة، الفقيه أبو الحسن النحوي، المعروف ب-:ابن النجار الكوفي، أحد كبار مشايخ أبي العباس النجاشي، ولد في الكوفة سنة - ثلاث وثلاثمائة، وقيل: إحدى عشرة، واختصَّ بالمحدِّث الكبير أحمد بن محمد بن عقدة، إذ روى عنه كتب طائفة من أعلام الشيعة في الفقه والحديث والسنن، وغيرها، وروى عن محمد بن جعفر الهذلي كتاب المناقب لَابي عبد الله جعفر بن أحمد بن يوسف الأودي، وكان من مجوِّدي القرَّاء، أديباً، نحوياً، مؤرخاً، كثير الرواية، روى عنه: أبو العباس النجاشي كثيراً، والشيخ المفيد في أماليه، وعلي بن محمد الخزاز في «كفاية الأثر»، وأبو عبد الله محمد بن علي بن الحسن الحسيني الشجري. ، صنف العديد من الكتب منها، كتاب القراءات، وكتاب مختصر في النحو، وكتاب روضة الاخبار ونزهة الابصار، وكتاب تاريخ الكوفة، وقدم بغداد وحدّث بها عن محمد بن الحسين الأشناني، وأبي بكر بن دريد، ونفطويه، ومحمد بن يحيى الصولي، توفّى سنة - اثنتين وأربعمائة، الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد: ج2، ص156؛ ابن الجوزي، المنتظم: ج15، ص88؛ القفطي، انباه الرواة: ج3، ص83؛ الذهبي، تاريخ الاسلام: ج28، ص67؛ اللجنة العلمية، موسوعة طبقات الفقهاء: ج5، ص274.

قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد((1))، قال:أخبرني الحسن بن جعفر بن مدرار((2)


1) أحمد بن محمد بن سعيد بن عبد الرحمن بن زياد بن عبد الله بن زياد بن عجلان، مولى عبد الرحمن ابن سعيد بن قيس السبيعي الهمداني، رجل جليل من أصحاب الحديث، مشهور بالحفظ، كان كوفيا زيدياً جارودياً على ذلك حتى مات، وعظم محله وثقته وأمانته، له كتب، منها: كتاب التاريخ وذكر من روى الحديث، وكتاب السنن، كتاب من روى عن أميرالمؤمنين(علیه السلام)، كتاب من روى عن الحسن والحسين(علیه السلام)، كتاب من روى عن علي بن الحسين(علیه السلام)، كتاب من روى عن أبي جعفر(علیه السلام)، كتاب من روى عن زيد بن علي، كتاب الرجال - وهو كتاب من روى عن جعفر بن محمد(علیه السلام)، كتاب الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، كتاب أخبار أبي حنيفة ومسنده، كتاب الولاية و من روى غدير خم، كتاب فضل الكوفة، كتاب من روى عن علي(علیه السلام)، وتسمية من شهد مع أميرالمؤمنين(علیه السلام) حروبه، وكتاب الشيعة من أصحاب الحديث، وكتاب صلح الحسن(علیه السلام) ومعاوية،. توفى أبو العباس بالكوفة سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، النجاشي، رجال: ص94؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد: ج5، ص217-226؛ الحلي، ايضاح الاشتباه: ص107؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء: ج15، ص340-356.

2) لم تذكره كتب التراجم بحسب اطلاعنا، لكنه وقع في طريق ابن عقدة عن عمه طاهر بن مدرار في إيراد عدة روايات، الدارقطني، سنن: ج3، ص16، ج4، ص94؛ الطوسي، الامالي: ص245، ص271؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد: ج1، ص215؛ ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج42، ص217.

قراءة، قال: حدثني عمي طاهر بن مدرار((1))، قال: حدثني فضيل ابن الزبير، قال: سمعت الإمام أبا الحسين، زيد بن علي(علیه السلام)((2))، ويحيى بن أمِّ الطويل((3)) وعبدأخبرني الحسن بن جعفر بن مدرار((4))، قراءة، قال: حدثني عمي طاهر بن مدرار((5))، قال: حدثني فضيل ابن الزبير، قال: سمعت الإمام أبا الحسين، زيد بن علي(علیه السلام)((6))، ويحيى بن أمِّ الطويل((7)) وعبدالله بن شريك العامري((8)) يذكرون: - تسمية من قُتِل مع الحسين بن علي(علیه السلام)، من ولده وإخوته وأهله، وشيعته - وسمعته - أيضاً - من آخرين سواهم....»((9)).

وبهذا تتضح لنا عدَّة ملاحظات حول السند الروائي لكتاب التسمية منها:

1- إنَّ سلسلة السند الروائي لهذا الكتاب اتسمت بقلَّة العدد؛ إذ إنَّ عدد


1) لم تذكره كتب التراجم بحدود اطلاعنا، ورد ذكره في طريق ابن عقدة الروائي في إيراد بعض الروايات،؛ الدارقطني، سنن: ج2، ص236؛ الطوسي، الامالي: ص217؛ ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج42، ص217.

2) زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(علیه السلام)، أبو الحسين، مدني تابعي، استُشهِد سنة إحدى وعشرين ومائة على يد الحاكم الأموي هشام بن عبد الملك، صلبه في الكوفة بالكناسة، كان عمره اثنتين وأربعين سنة،. الدينوري، الاخبار الطوال: ص344؛ ابن حبان، مشاهير علماء الامصار: ص104؛ الطوسي، رجال: ص206؛ ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج19، ص451-481.

3) يحيى بن أمِّ الطويل، المطعمي، من حواري الامام علي بن الحسين(علیه السلام) وقال الفضل بن شاذان لم يكن في زمن علي بن الحسين(علیه السلام) في أول أمره إلا خمسة أنفس وذكر من جملتهم يحيى بن أمِّ الطويل، وروى عن الصادق(علیه السلام) أنَّه قال: ارتدَّ الناس بعد الحسين(علیه السلام) إلا ثلاثة: أبو خالد الكابلي ويحيى بن أمِّ الطويل وجبير بن مطعم، ثم إنَّ الناس لحقوا وكثروا، وفى رواية أخرى مثله وزاد فيها جابر بن عبد الله الأنصاري. وروى عن أبي جعفر(علیه السلام) أنَّ الحجاج طلبه، وقال: تلعن أبا تراب وأمر بقطع يديه ورجليه وقتله، ودُفن بواسط، الكليني، الكافي: ج2، ص379؛ المفيد، الاختصاص: ص8؛ الطبري الشيعي، دلائل الامامة: ص193؛ العاملي، وسائل الشيعة: ج30، ص507.

4) لم تذكره كتب التراجم بحسب اطلاعنا، لكنه وقع في طريق ابن عقدة عن عمه طاهر بن مدرار في إيراد عدة روايات، الدارقطني، سنن: ج3، ص16، ج4، ص94؛ الطوسي، الامالي: ص245، ص271؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد: ج1، ص215؛ ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج42، ص217.

5) لم تذكره كتب التراجم بحدود اطلاعنا، ورد ذكره في طريق ابن عقدة الروائي في إيراد بعض الروايات،؛ الدارقطني، سنن: ج2، ص236؛ الطوسي، الامالي: ص217؛ ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج42، ص217.

6) زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(علیه السلام)، أبو الحسين، مدني تابعي، استُشهِد سنة إحدى وعشرين ومائة على يد الحاكم الأموي هشام بن عبد الملك، صلبه في الكوفة بالكناسة، كان عمره اثنتين وأربعين سنة،. الدينوري، الاخبار الطوال: ص344؛ ابن حبان، مشاهير علماء الامصار: ص104؛ الطوسي، رجال: ص206؛ ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج19، ص451-481.

7) يحيى بن أمِّ الطويل، المطعمي، من حواري الامام علي بن الحسين(علیه السلام) وقال الفضل بن شاذان لم يكن في زمن علي بن الحسين(علیه السلام) في أول أمره إلا خمسة أنفس وذكر من جملتهم يحيى بن أمِّ الطويل، وروى عن الصادق(علیه السلام) أنَّه قال: ارتدَّ الناس بعد الحسين(علیه السلام) إلا ثلاثة: أبو خالد الكابلي ويحيى بن أمِّ الطويل وجبير بن مطعم، ثم إنَّ الناس لحقوا وكثروا، وفى رواية أخرى مثله وزاد فيها جابر بن عبد الله الأنصاري. وروى عن أبي جعفر(علیه السلام) أنَّ الحجاج طلبه، وقال: تلعن أبا تراب وأمر بقطع يديه ورجليه وقتله، ودُفن بواسط، الكليني، الكافي: ج2، ص379؛ المفيد، الاختصاص: ص8؛ الطبري الشيعي، دلائل الامامة: ص193؛ العاملي، وسائل الشيعة: ج30، ص507.

8) عبد الله بن شريك العامري، يُكنَّى أبا المحجل، من أهل الكوفة، روى عن الإمامين الباقر وجعفر الصادق(علیهما السلام)، وكذلك روى عن ابن عمر وبشر بن غالب وعبد الرحمن بن عدى، روى عنه الثوري وشريك وأبو الأحوص وابن عيينة، أبو حاتم الرازي، الجرح والتعديل: ج5، ص80؛ الطوسي، رجال: ص265؛ الحلي، خلاصة الاقوال: ص196.

9) الرسان، تسمية من قتل مع الحسين(علیه السلام): ص19-20.

الوسائط الروائية الناقلة عن الفضيل ستُّ وسائط فقط، بينما نقل الفضيل روايات الكتاب عبر واسطة روائية واحدة مع تعدُّد روافدها؛ فتارة من زيد بن علي، وأخرى من يحيى بن أمِّ الطويل، وثالثة مجهولة لم يسمِّها لنا مكتفيا بقوله من (آخرين سواهم).

2- أغلب الوسائط الروائية التي وردت في طريق الفضيل من الناحية العقائدية كانت من الشيعة الزيدية، بحسب التراجم التي أثبتناها لهم، مما يزيد من احتماليةانتساب الفضيل إلى المذهب الزيدي.

4- وتجدر الإشارة إلى أنَّ ثقافة الرسّان واتجاهه المذهبي قد أثَّرت تأثيراً بالغاً في طبيعة تلكم الموارد، وبإمكان القارئ أن يلاحظ بسهولة أنه استقى معلوماته في هذا المجال - من أئمة المذهب الزيدي.

3- موارد أبي إسحاق الأسفراييني (ت418ﻫ/1020م) للمقتل المنسوب إليه المعنون (نور العين في مشهد الحسين(علیه السلام))

أولاً: تعريف ب-: المؤِّلف

هو أبو إسحاق، إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران، الأسفراييني الأصولي الشافعي، الملقَّب ب-:ركن الدين، أحد المجتهدين في عصره، وصاحب المصنَّفات الباهرة، بلغ حدَّ الإجتهاد؛ لتبحره في العلوم واستجماعه شرائط الإمامة من العربية والفقه والكلام والأصول ومعرفة الكتاب والسنة، رحل إلى العراق في طلب العلم وحصل ما لم يحصله غيره، وأخذ في التدريس والتصنيف والإفادة، وكان ذا فنون بالغاً في كلِّ فنٍّ درجة الإمامة، وكان طراز ناحية الشرق، فضلاً عن نيسابور وناحيته التي كان منها، ثم كان من المجتهدين في العبادة المبالغين في الورع والتحرج، أخذ الكلام والأصول من عامة شيوخ نيسابور، وبنى له أهل نيسابور مدرسة

كبيرة، فدرّس بها إلى أن توفى - سنة ثماني عشرة وأربعمائة، ونُقل إلى أسفرايين((1))،ودُفن بها((2))، وصفه السبكي قائلاً: «أحد أئمة الدين كلاماً وأصولاً وفروعاً، جمع أشتات العلوم واتفقت الأئمة على تبجيله وتعظيمه وجمعه شرائط الإمامة...»((3)).

وللأسفراييني رحلة علمية واسعة الأرجاء؛ إذ ارتحل إلى العديد من المناطق والبلدان بغية استحصال العلوم والمعارف العلمية، ومنها نيسابور وخراسان وبغداد وأسفرايين((4)).

أمّامصنَّفاته فقد وصفها المؤرِّخون ب-: المفيدة، وأخرى ب- الباهرة، وكانت في مختلف المجالات والتخصُّصات: كتاب، جامع الحَلْي في أصول الدين والردّ على الملحدين (يقع في خمسة مجلدات)، وتعليقة في أصول الفقه، وشرح فروع ابن الحدّاد، ومسائل الدور((5)).


1) أسفرايين: بالفتح ثم السكون، وفتح الفاء، وراء، وألف، وياء مكسورة، وياء أخرى ساكنة، ونون: بليدة حصينة من نواحي نيسابور على منتصف الطريق من جرجان، واسمها القديم: مهرجان، سمَّاها بذلك بعض الملوك لخضرتها ونضارتها، ومهرجان قرية من أعمالها، وقال أبو القاسم البيهقي: أصلها من أسبرايين، بالباء الموحدة، وأسبر بالفارسية هو الترس، وايين هو العادة فكأنهم عُرِفوا قديما بحمل التراس فسُمِّيت مدينتهم بذلك، وقيل: بناها اسفنديار فسُمِّيت به، وتشتمل ناحيتها على أربعمائة وإحدى وخمسين قرية، الادريسي، نزهة المشتاق: ص693،؛ ياقوت الحموي، معجم البلدان: ج1، ص177؛ عبد المنعم الحميري، الروض المعطار: ص57.

2) الفارسي، تاريخ نيسابور: ص151-153؛ السمعاني، الانساب: ج1، ص144؛ ابن خلكان، وفيات الاعيان: ج1، ص28؛ الذهبي، سير اعلام النبلاء: ج17، ص353؛ ابن العماد الحنبلي، شذرات الذهب: ج3، ص209.

3) طبقات الشافعية: ج4، ص256.

4) السمعاني، الانساب: ج1، ص144؛ ابن خلكان، وفيات الاعيان: ج1، ص28؛ الذهبي، سير اعلام النبلاء: ج17، ص353؛ ابن العماد الحنبلي، شذرات الذهب: ج3، ص209.

5) الفارسي، تاريخ نيسابور: ص151-153؛ السمعاني، الانساب: ج1، ص144؛ ابن خلكان، وفيات الاعيان: ج1، ص28؛ الذهبي، سير اعلام النبلاء: ج17، ص353؛ ابن العماد الحنبلي، شذرات الذهب: ج3، ص209.

ثانياً: موارده

لم نلحظ اعتماد مؤلِّف نور العين على أيٍّ من المصادر، أو الروايات الشفوية، أو على رواة ذكرهم أو اعتمد عليهم، وإنَّما اكتفى بقوله: «قال الراوي»((1)) في جميع الروايات التي أوردها في المقتل، ولم يحدِّد لنا من هو هذا الراوي المجهول، الأمر الذي يجعل رواياته لا سند تاريخي لها، فضلاً عن ضعفها، وعدم مطابقتها لمجمل المصادر التي ذكرت روايات المقتل، ويتضح لنا ذلك بعد مقارنتها مع تلك المصادر ومناقشتها منطقياً وتاريخياً.


1) ونجد تلك العبارة قد اعتمدها المؤلف في جميع رواياته التي أوردها في كتابه، وعلى سبيل المثال لا الحصر، ينظر، نور العين: ص6، 7، 10، 16، 19، 3، 31، 33، 42، 48، 52، 54، 64، 73.

المبحث الثاني: موارد كتب المقتل الحسيني خلال القرنين السادس والسابع الهجريين/الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين

1- موارد الخوارزمي (ت568ﻫ/1270م) في كتابه الموسوم (مقتل الحسين(علیه السلام))

أولاً: تعريف ب-: المؤلِّف

هو أبو المؤيد وأبو محمد موفق بن أحمد((1)) بن أبي سعيد إسحاق، ابن المؤيد المكي الحنفي، المعروف ب-:أخطب خوارزم (ولد سنة 484ﻫ/1086م) كان فقيهاً غزير العلم، حافظ، محدِّثاً، خطيباً، متمكناً في العربية، خبيراً في السيرة والتاريخ، أديباً شاعراٌ، له خطب و شعر مدوَّن((2)).اعتمد على الخوارزمي كبار العلماء ونقلُوا عنه، كما وصفوه بأوصافٍ حميدة وألقاب جميلة، منها الشيخ والإمام، وصاحب جامع مسانيد أبي حنيفة، فقد روى عنه في الكتاب المذكور في مواضع عديدة، مع وصفه ب-«العلَّامة، أخطب خطباء


1) يُلاحظ وجود اختلاف في اسم الخوارزمي، فقد عرَّفه كلٌّ من ابن عساكر وابن العديم، بأنَّه (أحمد بن مكي)، على حين أنَّ أغلب المصادر التي ترجمت له والتي أثبتناها في هامش ترجمته عرفته بأنَّه: (موفق بن أحمد)، تاريخ مدينة دمشق: ج13، ص97؛ بغية الطلب: ج5، ص2353.

2) ترجم له، القفطي، أنباه الرواة: ج3، ص332، الذهبي، تاريخ الاسلام: ج4، السيوطي، بغية الوعاة: ج2، ص308؛ ص223؛ الجلالي، فهرس التراث: ج1، ص582؛ الزركلي، الاعلام: ج1، ص215؛ اللكنهوي، نفحات الازهار: ج4، ص99؛ المغربي، فتح الملك: ص18؛ القمي، الكنى والالقاب: ج2، ص15؛ الاميني، الغدير: ج4، ص398-399؛ الميلاني، نفحات الازهار: ج19، ص162.

خوارزم، صدر الأئمّة »ونحو ذلك((1)).

يُعدُّ الخوارزمي من أبرز العلماء الكبار في القرنين الخامس والسادس الهجريين، وقد تخرّج على يد الزمخشري حتى قيل له: خليفة الزمخشري، رحل في طلب العلم إلى العديد من البلدان كالحجاز والعراق، ولقيَ العلماء الكبار وأخذ عنهم وأجاز لهم، وبالجملة فإنَّه من فقهاء الحنفيّة، ومن علماء الدين، ومن رجال الأدب((2)).

مذهب المؤلِّف: يظهر الغموض في مذهب الخوارزمي، فالذهبي((3)) يدَّعي أنَّه على المذهب الحنفي، وفي قوله دليل، فالمذهب كان منتشراً في عصر الخوارزمي - وتحديداً في بلاد خراسان، والتي من ضمنها منطقة خوارزم، وأنَّه كان على المذهب الحنفي في الفروع، ومن الأدلة الواضحة على ذلك كتابه تأليف (مناقب أبي حنيفة) الذي تضمَّن فضائل أبي حنيفة النعمان، وقد أورد في الكتاب مدحاً كبيراً له في قصيدة طويلة، وفي الأصول العقائديّة هو أشعريّ((4)).

ويذهب أحد الباحثين((5)) إلى هذا الرأي من كون الخوارزمي حنفي المذهب مستدلاً بقرائن عدَّة تدلُّ على ذلك بقوله: «فقد ترجم له في (الجواهر المضيّةفي طبقات الحنفية) و (الطبقات السنية في تراجم الحنفية) و (الفوائد البهيّة في تراجم الحنفيّة)، وقد ألّف الخوارزمي كتاباً في مناقب أبي حنيفة، طبع في حيدرآباد سنة 1321ﻫ، وفي (جامع مسانيد أبي حنيفة) تأليف محمد بن محمود الخوارزمي فيه نقل كثير عن الموفق بن أحمد، واحتجاج بأقواله وأشعاره في مدح أبي حنيفة وغير ذلك...»


1) المظفر، دلائل الصدق: ج1، ص98.

2) الميلاني، شرح منهاج الكرامة: ج2، ص293.

3) تاريخ الاسلام: ج4، ص223؛ واشار أبن طاووس أيضاً إلى أنَّه من علماء المذاهب الاربعة، الطرائف: ص138.

4) للوقوف أكثر بشأن انتشار المذهب الأشعري في خراسان، ينظر، البياتي، تطور المذهب الاشعري في خراسان: ص121-192.

5) الميلاني، شرح منهاج الكرامة: ج2، ص296.

ولكن تظهر على الخوارزمي أحياناً ميول شيعية من خلال مؤلَّفات أخرى صنَّفها بحقِّ أهل البيت منها فضلاً عن كتابهِ الذي يُعدُّ محور الدراسة (مقتل الحسين(علیه السلام))، فقد صنّف في فضائل أميرالمؤمنين(علیه السلام) كتاباً تحت عنوان: المناقب وكتاب ردّ الشمس لأميرالمؤمنين(علیه السلام) وكتاب قضايا أميرالمؤمنين(علیه السلام) والأربعين في مناقب النبيّ الأمين ووصيّة أميرالمؤمنين(علیه السلام).

وقد يكون هذا التناقض في مذهبه راجعاً إلى أنَّه على المذهب الحنفي عقائدياً لكنَّه محبٌّ لآل البيت(علیهم السلام) عاطفياً.

ثانياً: موارده
اشارة

للخوارزمي موارد كثيرة استعملها في انتقاء مادَّته التاريخية عن المقتل، وإنْ كانت أغلبها من طريق شيوخه وبطرق مختلفة ومتعدِّدة، وهي:

1- المصادر السابقة

إنَّ استعمال الخوارزمي للمصادر التاريخية السابقة (المكتوبة) كان قليلاً مقارنةً مع حجم الكتاب والمادة التاريخية الموجودة فيه، ومن المصادر التي اعتمدها الخوارزمي، هي:

أ- أبو مخنف، على الرغم من أنَّ أبا مخنف هو أول من روى بشكل تفصيليأحداث المقتل من الناحية الزمنية، إلا انَّنا نلحظ أنَّ العديد من المؤرِّخين الذين صنَّفوا كتاباً متخصصاً في المقتل لم يعتمدوا بشكل أساس على مقتل أبي مخنف المُضَمَّن في تاريخ الطبري، أو وجوده قبل ضياعه، ولعلَّ ذلك يرجع إلى أسباب عدَّة سنأتي على تفصيلها في موضعها، والخوارزمي واحد من أولئك الذين كان اعتمادهم عليه محدوداً للغاية وبحدود الستِّ روايات هي:

الأولى: تتحدَّث عن التحاق الحرِّ بن يزيد الرياحي بمعسكر الإمام

الحسين(علیه السلام)((1)).

الثانية: تتعلَّق بدخول السبايا في دار يزيد بن معاوية والأحداث التي رافقتها((2)).

الثالثة: تتركَّز حول أخذ خولي بن يزيد الأصبحي رأس الإمام الحسين(علیه السلام) إلى داره((3)).

الرابعة: استعرضت حبس المختار بن أبي عبيدة الثقفي من قبل والي الكوفة عبيد الله بن زياد، ومن ثم تدخُّل بعض الوسطاء لإطلاق سراحه والإفراج عنه((4)).

الخامسة: تناولت حديث الشعبي عن دور المختار بن أبي عبيد وأنصاره في الإقتصاص من قتلة الإمام الحسين(علیه السلام)((5)).

السادسة: أشارت إلى تتبع المختار للإقتصاص من قتلة الإمام الحسين(علیه السلام)((6)).ب - كما يُلاحَظ اعتماده بشكل محدود على كُلٍّ من ابن إسحاق، وأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (ت 458ﻫ/1060م) وبحدود ثلاثة نصوص((7)).

ت - ابن أعثم: اعتمد الخوارزمي على نسبة كبيرة من المادة التاريخية الخاصة بالمقتل على ابن أعثم الكوفي، ونقل العديد من النصوص المطوَّلة والكاملة عنه هي:

1- النصُّ الروائي الأول: نقل الخوارزمي نصَّاً مطوَّلاً عن الأخبار المستقبلية التي أخبر عنها رسول الله(صلی الله علیه و آله) بخصوص قتل ولده الحسين(علیه السلام) والأرض التي


1) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج1، ص11-13.

2) المصدر نفسه: ج1، ص81.

3) المصدر نفسه: ج1، ص114.

4) المصدر نفسه: ج1، ص204.

5) المصدر نفسه: ج1، ص239.

6) المصدر نفسه: ج1، ص255.

7) المصدر نفسه: ج2، ص205، 210.

سيُقتَل عليها((1)).

2- النصُّ الروائي الثاني: نقل فيه الخوارزمي نصَّاً مهمَّاً مبتدءاً الكلام فيه بقوله: «وذكر الإمام أحمد بن أعثم الكوفي...» والنصُّ يتحدَّث عن وصية معاوية بن أبي سفيان والسياسة التي رسمها لولده يزيد لتطبيقها في إدارة سدة الحكم، ثم تطرَّق إلى وفاته والأحداث التي أفرزتها((2)).

3- النصُّ الروائي الثالث: وفي هذا النصِّ الكتاب الذي أرسله يزيد بن معاوية إلى والي المدينة الوليد ابن عتبة، والذي يطلب فيه أخذ البيعة من الإمام الحسين(علیه السلام) وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبدالله بن عمر، ثم استعرض كيفية دخول الإمام الحسين(علیه السلام) على الوليد والأحداث الأخرى التي جرت، وموقف الوالي ويزيد ابن معاوية من الإمام الحسين(علیه السلام)، وبعدها عرَّج على توجُّه الإمام الحسين(علیه السلام) نحو مكة والحوار الذي دار بين الإماموأخيه محمد بن الحنفية(علیه السلام)((3)).

4- النصُّ الروائي الرابع: يتعلَّق في بيان أحوال الإمام الحسين(علیه السلام) في مكة المكرمة وما ورده من كتب أهل الكوفة، وإرسال سفيره مسلم بن عقيل(علیه السلام) للكوفة؛ لتقييم ودراسة أوضاعها حتى استشهاده فيها((4)).

5- النصُّ الروائي الخامس: يتعلَّق بتتبع مسيرة الإمام الحسين(علیه السلام) والمناطق التي مرَّ بها، والشخصيات التي التقى بها أثناء تلك المسيرة((5)).


1) المصدر نفسه: ج1، ص236-241.

2) المصدر نفسه: ج1، ص254-263.

3) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج1، ص262-274.

4) المصدر نفسه: ج1، ص277-303.

5) المصدر نفسه: ج1، ص323-338.

2- مشايخه الذين اعتمد عليهم في رواية المقتل

انتقى الخوارزمي جزءاً كبيراً من أخبار المقتل اعتماداً على بعض مشايخه وعلمائه، وهم:

1- أبو القاسم الزمخشري

1- أبو القاسم الزمخشري((1))

يُعدُّ من أبرز المشايخ والعلماء الذين نقل عنهم الخوارزمي العديد من الرواياتوالأخبار المُسنَدة، منها:منزلة ومكانة الإمام الحسين(علیه السلام) عند رسول الله، فضلاً عن روايات تأريخية عدَّة عن رأس الإمام الحسين(علیه السلام)((2)).

2- أبو منصور الديلمي

2- أبو منصور الديلمي((3))

نقل الخوارزمي عن الديلمي بعض الروايات التي تخصُّ المقتل منها، انتقادات


1) اللغوي المفسر المعتزلي أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي، صاحب الكشاف والمفصل، عاش إحدى وسبعين سنة، متفنِّناً في التفسير والحديث والنحو واللغة وعلم البيان، إمام عصره في فنونه. له التصانيف البديعة الكثيرة الممدوحة الشهيرة، عدَّد بعضهم منها نحو ثلاثين مصنَّفاً في التفسير والحديث والرواة وعلم الفرائض والنحو والفقه واللغة والأمثال والأصول والعروض والشعر، وكان قد جاور بمكة زماناً؛ فصار يقال له: جار الله؛ لذلك حتى صار هذا اللقب علماً عليه، توفى سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، ينظر، الذهبي، ميزان الاعتدال: ج4، ص78؛ اليافعي، مرآة الجنان: ج3، ص206؛ ابن قنفذ، الوفيات: ص279.

2) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج1، ص231، ج2، ص49، 50، 66.

3) شيرويه بن شهردار بن شيرويه بن فنا خسره الديلمي، أبو منصور بن المحدِّث المؤرِّخ أبي شجاع الهمذاني، كان حافظاً عارفاً بالحديث، فهماً عارفاً بالأدب، ظريفاً خفيفاً لازماً مسجده، متبعاً أثر والده في كتابة الحديث وسماعه وطلبه، رحل إلى أصبهان مع والده، ثم إلى بغداد سمع أباه وأبا الفتح عبدوس بن عبد الله ومكي بن منصور الكرجي وحمد بن نصر الأعمش وفيد بن عبد الله الشعراني وأبا بكر أحمد بن محمد بن زنجويه، وله إجازة من أبي بكر بن خلف الشيرازي وأبي منصور بن الحسين المقومي، توفي في رجب سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، ينظر، السبكي، طبقات الشافعية: ج7، ص111.

كلٍّ من رسول الله(صلی الله علیه و آله)، وعبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة، والسيدة عائشة بنت أبي بكر للحكم الأموي، فضلاً عن حديث أمِّ سلمة عن نوح الجن وبكائه لاستشهاد الإمام الحسين(علیه السلام)((1)).

ولابدَّ من الإشارة إلى أنَّ الخوارزمي نقل هذه الروايات عن الديلمي بطريقة الكتابة بقرينة قوله «وأخبرني أبو منصور الديلمي... فيما كتب إليَّ من همدان...»((2)).

3- أبو الحسن علي بن أحمد الكرباسي الخوارزمي

3- أبو الحسن علي بن أحمد الكرباسي الخوارزمي((3))

نقل عنه روايتين، الأولى: تتعلَّق برجل كلَّفه يزيد بن معاوية بحمل رأس الحسين(علیه السلام)، وذكر الأحداث الإعجازية التي رآها، والثانية تدور حول مصير وعاقبة أحد الرجال الذين منعوا الإمام الحسين(علیه السلام) من شرب الماء((4)).

4- أبو الحسن علي بن أحمد العاصمي

4- أبو الحسن علي بن أحمد العاصمي((5))

هو أحد شيوخ الخوارزمي الذي نقل عنه عدَّة روايات بأسانيد مختلفة هي:

أ - الأولى: تتناول إخبار رسول الله(صلی الله علیه و آله) عن الأحداث المستقبلية للإمام الحسين(علیه السلام) ومنها مقتله((6)).

ب - الثانية: تتحدَّث عن إخبار الإمام علي بن أبي طالب(علیه السلام) عن المكان الذي سيُقتَل فيه ولده الإمام الحسين(علیه السلام) وأصحابه((7)).


1) مقتل الحسين(علیه السلام): ج1، ص245، 251، 252، 253، 254، ج2، ص108.

2) المصدر نفسه: ج2، ص96، 108.

3) هو أحد مشايخ الخوارزمي، ينظر، الخوارزمي: المناقب، ص19.

4) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج2، ص99-111، 116، 117،

5) لم نجد ترجمة له في المصادر المتوافرة لدينا.

6) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج1، ص232-233.

7) المصدر نفسه: ج1، ص241.

ت - الثالثة: مُسندَة إلى عمرو بن دينار((1)) وهي تتحدَّث عن قوة وشجاعةمسلم بن عقيل(علیه السلام)((2)).

ث - الرابعة: مُسندَة إلى بشر بن غالب (من أصحاب الإمام الحسين(علیه السلام))((3)) تتعلَّق بنصيحة عبد الله بن عباس للإمام الحسين(علیه السلام)((4)).

ت - الخامسة: تتحدَّث عن تحذير عبد الله بن الزبير للإمام الحسين(علیه السلام)((5)).

ث - السادسة: مُسندَة إلى الشعبي: ذكرت نصيحة عبد الله بن عمر للإمام الحسين(علیه السلام)((6)).

ج - السابعة: مُسندَة إلى الفرزدق (شاهد عيان للحدث) تتعلَّق بالتقاء الأخير مع الإمام الحسين(علیه السلام) والحوار الذي دار بينهما((7)).

ح - الثامنة: مُسندَة إلى مجاهد «لم تحدِّد لنا الرواية من هو مجاهد وما اسمه أو كنيته»((8)) وهي تتحدَّث عن دخول رأس الإمام الحسين(علیه السلام) ورؤوس أهل بيته على


1) عمرو بن دينار، مولى آل باذان، ويُقال باذان عامل كسرى على اليمن، أحد الأعلام وشيخ الحرم في زمانه، وُلد في إمرة معاوية بن أبي سفيان سنة خمس أو ست وأربعين، سمع من ابن عباس وجابر بن عبد الله، وابن عمر، وأنس بن مالك، وعبد الله بن جعفر، وغيرهم من الصحابة، يكنى أبا محمد، توفى سنة ست وعشرين ومائة، ابن سعد، الطبقات الكبرى: ج5، ص479-480؛ ابن خياط، طبقات: ص494؛ البخاري، التاريخ الصغير: ج1، ص363؛ الذهبي، سير اعلام النبلاء: ج5، ص300-308.

2) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج1، ص307-308.

3) بشر بن غالب الأسدي روى عن الحسين بن علي وأبي هريرة، وروى عنه عبد الله بن شريك، وابن أشوع، ويزيد بن أبي زياد، أبو حاتم الرازي، الجرح والتعديل: ج2، ص363.

4) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج1، ص314.

5) المصدر نفسه: ج1، ص314.

6) المصدر نفسه: ج1، ص319.

7) المصدر نفسه: ج1، ص319-320.

8) هناك العديد من الرواة حملوا هذا الاسم، ومن الصعب تحديد الشخصية لموضوع ترجمتنا، لكن نحتمل بأنَّه: مجاهد بن رومي لكونه كوفياً، أبو حاتم الرازي، الجرح والتعديل: ج8، ص319-320؛ ابن حبان، الثقات: ج7، ص499؛ الباجي، التعديل والتجريح: ج2، ص828.

يزيد بن معاوية((1)).

خ - التاسعة: تتناول العقاب الدنيوي لقتلة الإمام الحسين(علیه السلام)((2)).

د - هناك خمس عشرة رواية نقلها الخوارزمي عنه، تتحدَّث عن الأمور الغيبية الإعجازية التي حدثت عقب استشهاد الإمام الحسين(علیه السلام) التي منها مطر السماء دماً، كما أنَّ الأعداء حينما أقدموا على مهاجمة معسكر الإمام الحسين(علیه السلام) سرقوا إبلاً فنحروها وطبخوها، فكانت مثل العلقم((3)) فما استطاعوا أن يسيغوا منها شيئاً((4)).

5- أبو العلاء الحسين بن أحمد الهمداني

5- أبو العلاء الحسين بن أحمد الهمداني((5))

يُعدُّ من أبرز مشايخ الخوارزمي، نقل عنه روايات عديدة تخصُّ المقتل وهي:أ - أورد سبع روايات تتحدَّث عن إخبارات الرسول محمد(صلی الله علیه و آله) المستقبلية عن


1) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج1، ص65- 66.

2) المصدر نفسه: ج2، ص101.

3) العلقم - الحنظل وقيل شجرته، واحدته علقمة، وبها سمّي الرجل، وكلُّ مرّ علقم، وفيه علقمة - أي مرارة، الفراهيدي، العين: ج2، ص300؛ ابن منظور، لسان العرب: ج12، ص422.

4) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج2، ص101-106.

5) أبو العلاء الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن سهل بن سلمة بن عثكل بن إسحاق ابن حنبل العطار، مولده في ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وأول سماعه سنة خمس وتسعين، وبعدها سمع من عبد الرحمان بن حمد الدوني، وخلق بهمذان. وسمع ببغداد من أبي القاسم بن بيان، وأبي علي بن نبهان، وأبي علي بن المهدي، وطبقتهم. وبأصبهان من أبي علي الحداد، ومحمود الأشقر، وخلق. وقرأ بالروايات الكثيرة على الحداد، وعلى أبي عبد الله البارع، وأبي بكر المزرفي، وجماعة. ، وارتحل إلى خراسان، فسمع من محمد بن الفضل الفراوي صحيح مسلم، وما زال يسمع ويرحل ويسمع أولاده. وآخر قدومه إلى بغداد كان بعد الأربعين، فقرأ لأولاده على أبي الفضل الأرموي، وابن ناصر، وابن الزاغوني، توفى سنة تسع وستون وخمسمائة، الذهبي، سير اعلام النبلاء: ج21، ص40-45.

الأمَّة التي ستقتل ولده الإمام الحسين(علیه السلام)، وعن كيفية انتقام الله من قاتليه، ونوح وبكاء الجنِّ عليه((1)).

ب - الرواية الخامسة: تسرد لنا خطبة الإمام الحسين(علیه السلام) في أصحابه قبيل بدء المعركة((2)).

ت - الرواية السادسة: رواية مسندَة إلى أنس بن مالك((3))(شاهد عيان للحدث) تتعلَّق بإقدام الوالي عبيد الله بن زياد على ضرب رأس الإمام الحسين(علیه السلام) بالقضيب((4)).

ث - الرواية السابعة وقد أسندها الخوارزمي عنه بوساطة مشايخه دون أن يحدِّدهم، أو يشير إليهم وتتعلَّق بمصير رأس الإمام الحسين(علیه السلام)، وأنَّه كُفِّن ودُفِن في البقيع((5)).

وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الخوارزمي لم يكن مقتنعاً بهذه الرواية؛ لذا أورد عدَّة روايات مختلفة في بيان موضع دفن الرأس الشريف، ومنها إرجاعه إلى كربلاءودفنه مع الجسد الطاهر((6)).

ج - الرواية الثامنة وينتهي إسنادها إلى حاجب عبيد الله بن زياد والذي لم تُسمِّه


1) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج1، ص234-236، ج2، ص107-109.

2) المصدر نفسه: ج2، ص7.

3) أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، الإمام، المفتي، المقرئ، المحدِّث، راوية الإسسلام، أبو حمزة الأنصاري الخزرجي النجاري المدني، خادم رسول الله(صلی الله علیه و آله)، وقرابته من النساء، وتلميذه، وتبعه، وآخر أصحابه، توفى سنة ثلاث وتسعين للهجرة، ابن خياط، طبقات: ص316؛ البخاري، التاريخ الكبير: ج2، ص27؛ الذهبي، سير اعلام النبلاء: ج3، ص396-405.

4) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج2، ص50.

5) المصدر نفسه: ج2، ص83.

6) مقتل الحسين(علیه السلام): ج2، ص83-84.

أو تحدِّده لنا الرواية والتي تتحدَّث عن أمر إعجازي يتعلَّق بالتهام النار لوجه عبيد الله بن زياد عند دخوله القصر((1)).

ويبدو لنا ضعف سند هذه الرواية فهي لم تُسمِّ لنا من هو حاجب الوالي عبيد الله؟ ثم هل أثَّرت النار في وجه عبيد الله؟ الذي نستشفُّه من خلال الرواية أنَّ النار لم تؤثِّر في وجهه، بدليل استمرار حديثه مع حاجبه، إذ ما الحكمة والمغزى من تلك الرواية أو ما الفائدة المرجوَّة منها؟

ح - الرواية التاسعة وينتهي سندها إلى (عمار)، ولا نعرف من هو عمار؟ إذ لم تشر الرواية إلى اسمه الكامل أو حتى كنيته، ليتسنَّى لنا معرفته وتشخيصه، وهي تتحدَّث عن رؤية شاهد فيها عبد الله بن عباس الرسول محمداً(صلی الله علیه و آله) وبيده قارورة فيها دم الإمام الحسين(علیه السلام)((2)).

خ - نقل أبو العلاء رواية عن طريق سلسلة من المشايخ تنتهي بشاهد عيان للحدث هو عبد الملك بن عمير((3)) وتتعلَّق بتقديم رأس الإمام الحسين(علیهالسلام) للوالي عبيد الله بن زياد في الكوفة((4)).


1) المصدر نفسه: ج2، ص99.

2) المصدر نفسه: ج2، ص107.

3) عبد الملك بن عمير بن سويد بن حارثة القرشي، ويقال: اللخمي أبو عمرو، ويقال: أبو عمر الكوفي الحافظ، ويُعرَف ب-:القبطي، رأى علي بن أبي طالب(علیه السلام) وأبا موسى الأشعري، وحدَّث عن جندب البجلي، وجابر بن سمرة، وجبر بن عتيك، وعمرو بن حريث، وعطية القرظي، والنعمان بن بشير، وأمِّ عطية، وجرير بن عبد الله البجلي، وخلق من الصحابة وكبار التابعين، عمَّر دهراً طويلاً، وصار مسند أهل الكوفة، وحدَّث عنه من القدماء شهر بن حوشب، وذلك في صحيح مسلم مقروناً بآخر، نحو مئتي حديث. صالح الحديث، ليس بحافظ، تغيَّر حفظه قبل موته، توفى سنة مائة وثلاث سنين في الكوفة، ابن سعد، الطبقات الكبرى: ج6، ص316؛ البخاري، التاريخ الكبير: ج5، ص426؛ الذهبي، سير اعلام النبلاء: ج5، ص438-445.

4) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج2، ص292.

6- أبو القاسم منصور بن نوح الشهرستاني

6- أبو القاسم منصور بن نوح الشهرستاني((1))

يُعدُّ من أبرز شيوخ الخوارزمي، أخذ منه الحديث في رجوعه من حجه سنة أربع وأربعين وخمسمائة بشهرستان((2))، نقل عنه روايتين بخصوص موضوعنا، تناولتا صيام يوم عاشوراء، ومناقشتهما من قبل الخوارزمي((3)).

7- محمد بن منصور بن علي المقرئ المعروف ب-:الديواني

7- محمد بن منصور بن علي المقرئ المعروف ب-:الديواني((4))

لقيه بالري، وسمع منه بداره في محلَّة نصرآباد: نقل فيما يخصُّ موضوعنا رواية واحدة فقط تتعلَّق بصيام يوم عاشوراء((5)).

8- أبو جعفر محمد بن عمر الجمحي

8- أبو جعفر محمد بن عمر الجمحي((6))

نقل عنه رواية واحدة ينتهي سندها إلى علي بن الحسين(علیه السلام) (شاهد عيان للحدث)، تضمَّنت خُطبة الإمام الحسين(علیه السلام) بأصحابه وبدايتها: «أيها الناس خُطَّ الموت على بني آدم كما خُطَّ القلادة على جيد الفتاة. وما أولعني بالشوق إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف...»((7)).


1) لم نجد ترجمة له في المصادر المتوافرة لدينا.

2) شهرستان: بأرض فارس، وربَّما سمَّوها شرستان تخفيفاً، وهم يريدون بالإستان الناحية، والشهر المدينة، كأنَّها مدينة الناحية، وشهرستان أيضاً مدينة حي بأصفهان، وشهرستان مدينة في خراسان، ياقوت الحموي، معجم البلدان: ج3، ص376-377.

3) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج2، ص3-5.

4) لم نجد ترجمة له في المصادر المتوافرة لدينا.

5) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج2، ص5-6.

6) لم نجد ترجمة له في المصادر المتوافرة لدينا.

7) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج2، ص7-8.

9- مجد الأئمة السرختكي

9- مجد الأئمة السرختكي((1))

نقل عنه روايتين متضاربتين بسند منقطع، لم ينتهيا إلى شاهد عيان للحدث، تناولتا وهب بن عبد الله النصراني ومقتله، إذ ذكرت الأولى أنّ عمر بن سعد هو من قتل وهب النصراني((2))، على حين أشارت الرواية الثانية إلى أنّ القاتل هو الوالي عبيد الله بن زياد((3)) بينما لم يحدِّد ابن أعثم القاتل؛ مكتفياً بإشارته إلى مقتله في أثناء المعركة((4)).

10- سعيد بن محمد بن أبي بكر الفقيمي

10- سعيد بن محمد بن أبي بكر الفقيمي((5))

نقل عنه الخوارزمي بالإجازة رواية واحدة، تناولت قصة قتل كلٍّ من محمد وابراهيم (من ولد جعفر بن أبي طالب المعرف بجعفر الطيار) اللذين نجيا من واقعة الطف، إلا أنَّ السلطة الأموية تتبعتهما، وألقت القبض عليهما وقتلتهما((6)).

11- مسعود بن أحمد الدهستاني

روي عنه بطريقة المكاتبة((7))، ويُعدُّ من أبرز تلامذته والرواة عنه((8))، نقل عنه


1) لم نجد ترجمة له في المصادر المتوافرة لدينا.

2) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج2، ص16.

3) المصدر نفسه: ج2، ص81.

4) الفتوح: ج5، ص104.

5) لم نجد ترجمة له في المصادر المتوافرة لدينا.

6) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج2، ص54-58؛ كما ونقل هذه الحادثة، الصدوق أيضاً بسند ينتهي إلى أحد رجالات الكوفة، الامالي: ص143-147؛ والمجلسي باختصار شديد، في بحار الانوار: ج45، ص105-106.

7) المكاتبة: هي أن يكتب الشيخُ مرويّة لغائب أو حاضر بخطّه، أو يأذَنه، لثقة يعرف خطَّه بِكَتْبه له أو مجهول، ويكتب الشيخُ بعده ما يدلّ على أمره بكتابته، وهي أيضاً ضربان أحدهما: أن تقعَ مقرونةً بالإجازة بأن يكتبَ إليه ويقول: أجزتُ لك ما كتبتُه لك أو كتبتُ به إليك ونحو ذلك من عبارات الإجازة، وهي أي المكاتبة بهذه الصفة في الصحّة والقوّة كالمناولة المقرونة بها؛ أي بالإجازة، الشهيد الثاني، الرعاية في علم الدراية: ص287-291؛ البابلي، رسائل في دراية الحديث: ج1، ص254

8) الاميني، الغدير: ج4، ص401.

الخوارزمي رواية واحدة مطوَّلة بالمكاتبة ينتهي أسنادها بشيخ من بني تميم من أهل الكوفة، ولعله كان شاهداً للحدث، تناولت إقدام يزيد بن معاوية على ضرب ثنايا الإمام الحسين(علیه السلام) حينما أُحضِر الرأس الشريف له في مجلسه، ثم خطبة السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب(علیهما السلام) في ذلك المجلس بقولها: «أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، وأصبحنا نُساق كما تُساق الأسارى أنَّ بنا على الله هواناً وبك عليه كرامة، وأنَّ ذلك لعظم خطرك عنده فشمختَ بأنفك...»((1)) وتضمنت الخطبة رداً ساطعاً على تصرفات السلطة الحاكمة عموماً، ويزيد بن معاوية خصوصاً، الرامية إلى محو معالم الدين وذكر أهل البيت((2)).

12- أبو بكر محمد بن عبد الله بن نصر بن الزاغوني

12- أبو بكر محمد بن عبد الله بن نصر بن الزاغوني((3))

أحد مشايخ الخوارزمي نقل عنه ثلاث روايات ينتهي أسنادها بالإمام علي بن أبي طالب(علیه السلام) تناولت عذاب الله وعقابه لمن ظلم أهل بيت رسول الله(صلی الله علیه و آله)((4)).

13- أبو الفتح عبد الملك الكروخي

13- أبو الفتح عبد الملك الكروخي((5))

نقل عنه الخوارزمي رواية تبيِّن العقوبة الإلهية التي نالها عبيد الله بن زياد بعد موته في الدنيا((6)).


1) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج2، ص72؛ ينظر، الطبرسي، الاحتجاج: ج2، ص35؛ ابن طاووس، اللهوف.

2) المصدر نفسه: ج2، ص71-74.

3) لم نجد له ترجمة في المصادر المتوافرة لدينا.

4) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج2، ص95-96.

5) عبد الملك بن أبي القاسم، عبد الله بن أبي سهل بن القاسم بن أبي منصور بن ماح، الكروخي الهروي، ولد بهراة في ربيع الأول سنة اثنتين وستين وأربعمائة، وكروخ: على يوم من هراة، كان ثقة صالحاً، راوي جامع الترمذي، توفي سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، الذهبي، سير أعلام النبلاء: ج20، ص274، ج23، ص242؛ ابن ناصر الدين، توضيح المشتبه: ج8، ص6.

6) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج2، ص96.

14- أبو الحسن علي بن أحمد الكرباسي

14- أبو الحسن علي بن أحمد الكرباسي((1))

نقل عنه روايتين مُسنَدتين، الأولى: مُسنَدة إلى ابن لهيعة الذي نقلها بدوره عن أحد قتلة الإمام الحسين(علیه السلام) وهو يروي أحداثاً إعجازية وقعت لهم أثناء حملهم لرأس الإمام الحسين(علیه السلام) إلى الشام((2))، أمّا الرواية الثانية: فينقلها الحسن البصري عن أحد العناصر الذين شاركوا في قتل الإمام الحسين(علیه السلام)ومنعه من شرب الماء، والعاقبة السيئة التي أُصيب بها في حياته((3)).

نستنتج من خلال عرضنا لمجمل المشايخ الذين اعتمد عليهم الخوارزمي في نقله للروايات والطرق التي اتَّبعها في ذلك، مدى اهتمامه بعلم الحديث وإتقانه له.

منهجية الخوارزمي في توظيف موارده

لابدَّ من التطرُّق إلى بعض المعالم المنهجية التي استعملها الخوارزمي، في إيراده لموارده في نقل المقتل والتي من أبرزها:

1- أولى مسألة السند الروائي أهمية كبيرة، وحرص على عرض سلسلة السند كاملة عن مشايخه في ذكره للأخبار والروايات((4)).

2- استعماله عدَّة ألفاظ للسماع من شيوخه في نقل الرواية، مثل:- أخبرنا((5)


1) لم نجد ترجمة له في المصادر المتوافرة لدينا.

2) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج2، ص99-101.

3) المصدر نفسه: ج2، ص116-117.

4) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج2، ص41، 51، 65، 67.

5) عن الروايات التي نقلها الخوارزمي في مقتله بهذا اللفظ، ينظر: ج1، ص231، 252، 307، ج2، ص3، 7، 41، 50، 65، 71، 101.

حدثني((1))، أخبرني((2)) حدثنا((3))، هذه من الألفاظ التي استعملها الخوارزمي في نقل الروايات والأخبار الخاصة بالمقتل من شيوخه.

وهنا لا بدّ من التنبيه إلى موضوع مهمٍّ، ألا وهو: لماذا تعدَّدت الإستعمالاتاللفظية من قبل الخوارزمي؟ وهل ثَمَّة اختلاف في صيغ الألفاظ أعلاه؟ ولعلَّ الإجابة على هذا التساؤل تكمن في عدَّة نقاط منها:

أ - يُلاحَظ أنّ هناك اختلافاً بين لفظ (أخبرني) أو (حدَّثني) ولفظ (أخبرنا أو حدَّثنا)، من كون لفظ أخبرني أو حدَّثني يدلُّ على المفرد، وأنّ هذا الإخبار كان منحصراً للخوارزمي فقط دون غيره، وأمَّا لفظ أخبرنا أو حدَّثنا فيدلُّ على الجمع، وأنّ هناك حلقة دراسية أو مجموعة من الطلاب وأنَّ الخوارزمي كان أحد هؤلاء، ويعلِّل أحد المختصين في مجال دراسة علم الحديث((4)) بأنّ استعمال لفظ حدَّثنا بدل حدَّثني يدلُّ على حصول الشكِّ.

ب - فصّل المختصُّون في علم الحديث هذا المجال بالقول: «إنَّ المتحمل بالسماع أو الاستماع من الشيخ إذا أراد أن يروي الحديث المسموع لغيره يقول: سمعت فلاناً، أو حدَّث فلان، أو حدَّثني أو حدَّثنا، أو أخبرنا أو أنبأنا أو روى، أو ذكر لنا أو سمعته يروي أو يحدِّث أو يخبر أو نحو ذلك، وقد وقع الخلاف في تعيين أعلى العبارات في تأدية المسموع على قولين: أحدهما: ما عن الأكثر من أنَّ أعلاها هو قول: سمعت فلاناً


1) عن الروايات التي نقلها الخوارزمي في مقتله بهذا اللفظ، ينظر: ج1، ص242.

2) عن الروايات التي نقلها الخوارزمي في مقتله بهذا اللفظ، ينظر: ج1، ص245، 253، 263، ج2، ص96، 97، 99، 106، 107.

3) عن الروايات التي نقلها الخوارزمي في مقتله بهذا اللفظ، ينظر: ج2، ص67، 99، 116.

4) الشهيد، الثاني، الرعاية في علم الدراية: ص248.

يقول، أو يحدِّث، أو يروي، أو يخبر لدلالته نصَّاً على السماع الذي هو أعلى الطرق، ثم بعدها في المرتبة أن يقول: حدَّثني أو حدَّثنا لدلالته أيضاً على قراءة الشيخ عليه، وإنَّما جعلوا هذا دون سمعت في المرتبة لاحتمال حدث الإجازة من كون إجازة بعضهم هذه العبارة في الإجازةوالمكاتبة بخلاف سمعت، فإنَّه لا يكاد أحد يقول: سمعت في أحاديث الإجازة والمكاتبة، ولا في تدليس ما لم يسمعه»((1)).

3- يُلاحَظ من خلال استقراء لمجمل الروايات التي نقلها الخوارزمي عن شيوخه الإختلاف في الطريقة التي تمَّ عن طريقها نقل الرواية من الشيخ، ويُستدلُّ على ذلك من خلال الألفاظ التي استعملها الخوارزمي، والتي عن طريقها نقل الروايات والأخبار هي: الإجازة((2))، المكاتبة((3)


1) الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية: ص390، 401؛ الشهيد الثاني: ص234-246؛ البابلي، رسائل في دراية الحديث: ج1، ص138، 145، 235، 237، 238، 252، 255؛ غفاري، دراسات في علم الدراية: ص170، 171، 179، 198.

2) الإجازة: بما لم يتحمله المجيز من الحديث بعد بوجه، ليرويه عنه المجاز إذا تحمله المجيز بعد ذلك، وفي جواز ذلك وجهان: فالأكثر على المنع منه؛ لأنَّ الإجازة في حكم الإخبار بالمجاز أو إذن ولا يُعقل أن يخبر بما لم يُخبَر به، ولا أن يأذن فيما لم يملك، كما لو وُكِّل في بيع ما لم يملكه ويريد أن يشتريه، وذهب بعضهم إلى جوازه؛ بناء على جواز الإذن كذلك حتى في الوكالة. وعلى الأول يتعيَّن على من أراد أن يروي عن شيخ أجاز له جميع مسموعاته أن يبحث حتى يعلم أنَّ هذا مما تحمله شيخه قبل الإجازة له ليرويه، وأما لو قال: «أجزتُ لك ما صحَّ وما يصحُّ عندك من مسموعاتي» مثلا، فيصحُّ أن يروي بذلك عنه ما صحَّ عنده بعد الإجازة أنه سمعه قبل الإجازة، ينظر، غفاري، دراسات في علم الدراية: ص176، والروايات التي نقلها الخوارزمي في مقتله، بهذه الطريقة، ينظر: ج2، ص7، ص50.

3) المكاتبة: وهي أن يكتبَ مسموعَه لغائب أو حاضر؛ بخطّه أو بأمره لثقة. وهي ضربان: مجرّدة عن الإجازة، ومقرونة ب-(أجزتُك ما كتبتُ إليك)؛ بأن يكتبَ إليه أيضاً ذلك، وهذه في الصحّة والقوّة كالمناولة المقرونة بالإجازة. وأمّا المجرّدة، فمنع الرواية بها قومٌ؛ لأنّ الكتابةَ لا تقتضي الإجازةَ؛ لأنّها إخبارٌ أو أذنٌ، وكلاهما لفظيٌّ، والكتابةُ ليست لفظاً، ولأنّ الخطوطَ تشتبهُ، فلا يجوزُ الاعتمادُ عليها. وأجازها الأكثرُ؛ ولهذا يُوجدُ في مصنّفاتهم: «كَتَبَ إليّ فلانٌ قال: حدّثنا فلان»، وهو معمولٌ به عندهم، معدودٌ في الموصول؛ لإشعاره بمعنى الإجازة وإن لم يقترنْ بها لفظاً، ولأنّ الكتابةَ للشخص المعيّن وإرساله إليه قرينةٌ قويّةٌ على الإجازة للمكتوب، ينظر، البابلي، رسائل في دراية الحديث: ج1، ص440؛ الصدر، نهاية الدراية: ص170، والروايات التي نقلها الخوارزمي في مقتله بهذه الطريقة، ينظر: ج1، ص253، 254، 262.

الإذن((1))، الإملاء((2))، ويبدو لنا أنّ هذه الألفاظ تدلُّ على العلمية العالية والثقةالكبيرة التي يتمتع بها الخوارزمي عند مشايخه وأساتذته في نقله للروايات، وهذا يترتب عليه من الناحية المنهجية الإطمئنان في النقل والتوثيق إلى حدٍّ ما.

4- لم يكرِّر الخوارزمي سلسلة الأسناد التي روى من خلالها الروايات عن مشايخه، وإنمَّا استعمل ألفاظاً وعباراتٍ تدلُّ على ذلك، منها ما ذكره عن شيخه


1) ومعناها جعل الإجازة أذناً، أن يقول الشيخ لطالبه: «أجزت له رواية مسموعاتي» ومتى قال: «أجزت له مسموعاتي» فعلى الحذف، وأنّها لا تجوز إلاّ لماهر بالصناعة في معيّن لا يشكل إسناده، ينظر، البابلي، رسائل في دراية الحديث: ج2، ص168، والروايات التي نقلها الخوارزمي في مقتله بهذه الطريقة، ينظر: ج2، ص54.

2) يقصد بالإملاء: سماعُ لفظ الشيخ من حِفظه أومن كتاب وهو «الإملاء» وهو أرفع الأقسام عند الجماهير؛ لأنّ الشيخَ أعرفُ بوجوه تأدية الحديث، ولأنّه خليفةُ النبيّ، والأخذ منه كالأخذ منه، والنبيّ قد أسمعَ الناسَ، ولأنّ السامعَ أوعى قلباً، وتَوَزُّعُ الفكر إلى القارئ أسرعُ. ولا خلافَ أنّه يجوز للسامع حينئذ أن يقول: (حَدَّثَنا) و(أَخْبَرنا) و(أَنْبَأَنا) و(نَبَّأَنا) و(سمعتُهُ يقولُ) و(قالَ لنا) و(ذَكَرَ لنا). هذا في الصدر الأوّل، ثمّ شاعَ تخصيص (أَخْبَرَنا) بالقراءة على الشيخ، و(أَنْبَأَنا) و(نَبَّأَنا) بالإجازة. وقال بعضهم: (حَدَّثَنا) و(أَخْبَرَنا) أرفعُ من (سمعتُ)؛ إذْ ليس في (سمعتُ) دلالةٌ على أنّ الشيخَ رَوَّاهُ إيّاه، وأمّا (قالَ لنا) و(ذَكَرَ لنا) فك(حَدَّثَنا)، غير أنّه لائقٌ بسماع المُذاكرة، وهو به أشبهُ، وأوضعُ العبارات (قالَ) و(ذَكَر) من غير (لي) أو (لنا)؛ لأنّه أعمُّ من كونه سمعه منه بواسطة أو وسائط، لكنّهُ محمولٌ على السماع منه إذا تَحَقَّقَ لقاؤُه، ينظر، البابلي، رسائل في دراية الحديث: ج1، ص431، والروايات التي نقلها الخوارزمي في مقتله، بهذه الطريقة، يراجع: ج2، ص67.

الزمخشري، وحينما ذُكِر له روايات أخرى لم يكرِّر سندها، وإنَّما استعمل صيغاً تدلُّ على ذلك من قبيل: «وبهذا الأسناد عن الزمخشري»((1))، أو «وبهذا الأسناد الذي مرَّ عن أحمد بن الحسين»((2))، أو قوله «بإسناده الذي مرَّ آنفا»((3)) أو عبارته «وبهذا الاسناد»((4)) إشارة إلى تكرار الروايات عن شيخه، وعدم تكراره للسند.

5- في كثير من الروايات التزم الدقَّة في ذكر أسماء مشايخه وتحديده لمكان وتاريخ نقل الرواية عنهم باليوم والشهر والسنة، لكنَّه في بعض الحالات يقتصر على ذكر المكان دون التفاصيل الأخرى:

أ - «أخبرنا أبو القاسم منصور بن نوح... بها وقت رجوعي من السفرة الحجازية غُرَّة شهر جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة...»((5)).ب - «أخبرنا محمد بن منصور... بمحلَّة نصر آباد بمدينة الري»((6)).

ت - «أخبرنا الثقة أبو بكر محمد بن عبد الله بمدينة السلام، منصرفي عن السفرة الحجازية»((7)).

ث - «وأخبرني أبو منصور الديلمي فيما كتب إليَّ من همدان»((8)).


1) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج2، ص48-50.

2) المصدر نفسه: ج2، ص51-52.

3) المصدر نفسه: ج2، ص80.

4) المصدر نفسه: ج1، ص232-233.

5) المصدر نفسه: ج2، ص3.

6) المصدر نفسه: ج2، ص5.

7) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج2، ص95.

8) المصدر نفسه: ج2، ص96.

ج - «أخبرنا مسعود بن أحمد فيما كتب إليَّ من دِهِستان»((1))((2)).

6- قام بتحديد مواضع ابتداء الرواية وانتهائها: نلحظ أنّ الخوارزمي قد طبَّق العديد من القواعد المنهجية في مقتله، ومنها تحديده مواطن ابتداء وانتهاء الرواية، مستعملاً ألفاظاً وعبارات تدلُّ عليها، ففي معرض سرده لروايات ابن أعثم والتي أحياناً يقطِّعها ويتخلَّلها أسانيد عدَّة لمرويات مشايخه، ثم يعود مرة أخرى ليكمل حديثه عن مرويات ابن أعثم((3)) مشيراً إلى ذلك بعبارات منها: «قوله: رجعنا الى حديث ابن أعثم الكوفي»((4))، أو «عدنا إلى الحديث»((5))، وهكذا انتهج الخوارزمي منهجاً علمياً في مقتله وطبَّق العديد من خطوات المنهج التاريخي التوثيقي على موارده.

أمّا بخصوص مادته التاريخية حول المقتل وطبيعتها وصحتها فسوف نتركها إلى الفصل القادم من دراستنا هذه.

2- موارد ابن الأبار (ت658ﻫ/1260م) في كتابه (درر السمط في خبر السبط)

أولاً: تعريف ب-: المؤلِّف

هو محمد بن عبد الله بن أبي بكر بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أحمد بن أبي بكر


1) دِهِستان بكسر أوله وثانيه: بلد مشهور في طرف مازندران قرب خوارزم وجرجان، تقع على الضفة الشرقية من بحيرة طبرستان، وهي من أبسكون على مائة وخمسين ميلاً، وليس في الضفة الشرقية من هذا البحر إلا دهستان، ياقوت الحموي، معجم البلدان: ج2، ص492؛ عبد المنعم الحميري، الروض المعطار: ص244.

2) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج2، ص71.

3) المصدر نفسه: ج1، ص254-270.

4) المصدر نفسه: ج1، ص270.

5) المصدر نفسه: ج2، ص58، 62.

القضاعي المعروف ب-:ابن الأبار((1)).

أما عن كنيته فيُكَنَّى «أبا عبد الله»((2))، ومن خلال نسبه الواضح يتضح لنا انتسابه إلى قبيلة قضاعة((3)) العربية التي سكنت في الأندلس، أمّا تسميته بابن الأبار فهو لقبه((4)).وُلِد ابن الأبار بمدينة بلنسية شرقي الأندلس سنة (595ﻫ/1196م)((5)) تلك المدينة التي أنجبت كثيراً من الشخصيات العلمية والسياسية، وقد انحدر ابن الأبار من أسرة ذات مستوى علمي كبير، فضلاً عن مكانتها الإجتماعية المرموقة التي حظيت بها في المجتمع الأندلسي آنذاك((6)).


1) المراكشي، الذيل والتكملة: ج6، ص253؛ الغبريني، عنوان الدراية: ص309؛ ابن رشيد، ملء العيبه: ج5، ص228؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء: ج3، ص310؛ الصفدي، الوافي بالوفيات:ج3، ص283؛ الكتبي، فوات الوفيات: ج3، ص404؛ ابن الأحمر، مستودع العلامة: ص28؛ ابن قنفذ، الفارسية في مبادئ الدولة الحفصية: ص126-127؛ السيوطي، المحاضرات: ص395؛ الزركشي، تاريخ الدولتين: ص27؛ المقري، نفح الطيب: ج2، ص589؛ حاجي خليفة، كشف الظنون: ج1، ص142؛ كحالة، معجم المؤلفين: ج3، ص432.

2) ابن سعيد، رايات المبرزين: ص205؛ الغبريني، عنوان الدراية: ص309.

3) قضاعة: من أبرز القبائل العربية، وقد اختلف المؤرخون في نسبها؛ فمنهم من أرجعه إلى مالك ابن حمير بن سبأ، وآخر إلى حمير من القحطانية، على حين أرجعه بعضهم إلى مالك بن عمرو بن مرة بن زيد بن مالك بن حمير فولد قضاعة الحافي ولم يكن لقضاعة ولد غيره، ينظر، البلاذري، انساب الأشراف: ج1، ص15-16؛ ابن حزم، جمهرة انساب العرب: ص440؛ السمعاني، الأنساب:ج1، ص32؛ ابن الأثير، اللباب في تهذيب الأنساب: ج3، ص105.

4) الغبريني، عنوان الدراية: ص309؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء: ج23، ص366؛ الكتبي، فوات الوفيات: ج3، ص404؛ الأمين، اعيان الشيعة: ج9، ص384.

5) الذهبي، سير أعلام النبلاء: ج23، ص336؛ الصفدي، الوافي بالوفيات: ج3، ص283؛ الكتبي، فوات الوفيات: ج3، ص404.

6) ابن الأبار، الصلة: ج2، ص291؛ ابن الكلاعي، الذيل والتكملة: ج4، ص180.

أمّا نشأته فقد نشأ بمدينة بلنسية المشهورة بجمال طبيعتها، واعتدال مناخها، وبين أهلها الذين عُرفوا بحسن الطباع، وكرم النفوس، وأناقة الأزياء، وفي عائلة معروفة بالعلم والدين، فنشأ نشأةً صالحة محاطاً برعاية عائلته التي وفَّرت له ظروفاً ساعدته على النبوغ والتفوق العلمي؛ إذ والده كان من علماء بلنسية وكانت له علاقات وصلات علمية بعدد من علماء الأندلس عموماً وشرقها خصوصاً، فنهل من معارف والده، زيادة على ذلك مجالسته للعلماء واعتمادهُ على ذكائه ونباهته في تحصيل العلوم والمعارف المتاحة في عصره آنذاك، وفي مختلف المجالات والاختصاصات((1)).

تفاعلت العديد من العوامل في بناء وتطوير وصقل شخصية ابن الأبار، منها العوامل البيئية والنفسية والمكانية المتمثلة بالأندلس وما تمتلكه من رصيد ثقافي وعلمي معرفي، كلاُ ذلك جعل منه موسوعة ثقافية نالت إعجاب العديد منالمؤرخين والأدباء والذين أبدعوا في توصيفهم واطرائهم عليه منهم شهادة معاصره ابن المرابط المرادي (ت663ﻫ/1265م) إذ وصفه: «ب-:الفقيه الأديب الأجلّ»((2))، أمَّا ابن سعيد المغربي (ت685ﻫ/1287م) فقد مدحه قائلاً: «كان فاضلاً في النظم والنثر والتاريخ وملح الآداب»((3))، وقد تعدَّدت مواهبه العلمية فهو: «كاتب مشهور وشاعر مذكور»((4)).


1) الطوكي، جهود ابن الابار: ص32.

2) زواهر الفكر: ج1، ص108.

3) المغرب: ج2، ص309.

4) ابن خليل، اختصار القدح المعلى: ص191.

ولعلَّ قول ابن عبد الملك المراكشي (ت703ﻫ/1305م) الأكثر دقَّة وتفصيلاً؛ لكونه يكشف فيه الكثير من الجوانب العلمية والنقدية والأدبية الخاصة بابن الأبار؛ إذ قال عنه: «كان آخر رجال الأندلس براعة واتقاناً وتوسُّعاً في المعارف، محدِّثاً مكثراً ضابطاً عدلاً ثقة، ناقداً يقظاً ذاكراً للتواريخ على تباين أغراضها، مستبحراً في علوم اللسان نحواً ولغة وأدباً، كاتباً بليغا، شاعراً مفلقاً مجيداً، عُنِي بالتأليف وأُعين عليه بوفور مادته وحسن التهدي لسلوك جادته، فصنَّف في ما كان ينتحله مصنفات برز في إجادتها وأعجز عن الوفاء بشكر إفادتها»((1)).

هذه أهمُّ آراء وأقوال المؤرخين في ابن الأبار والتي تمثِّل وجهة نظر مؤرخي بيئته التي عاش فيها - البيئة الإندلسية - أمّا أبرز آراء المؤرخين المشرقيين فيمكن الإقتصار فيها على رأي الصَّفدي؛ إذ يقول عنه في معرض ترجمته له: «الحافظ العلامة الكاتب الأديب... عُني بالحديث وجال في الأندلس، وكتب العالي والنازل وكان بصيراً بالرجال، عارفاً بالتاريخ، إماماً في العربية،فقيها مقرءاً إخبارياً فصيحاً، له يد في البلاغة والإنشاء في النظم والنثر كامل الرياسة ذا جلالة وأبهة وتجمل وافر»((2)).

ومما سبق ذكره يتضح أن ابن الأبار تمتع بعلمية وُصفت ب-:الموسوعية، وفي مختلف المجالات العلمية من قبيل الأدب، والحديث، واللغة، والشعر، وضروبه، فضلاً عن ذلك له العديد من التلاميذ والآثار العلمية والمصنَّفات ذات الإختصاصات المتعددة التي منها: (التكملة لكتاب الصلة)((3)) (الحلة


1) ابن الأبار، الذيل والتكملة: ج6، ص258.

2) الوافي بالوفيات: ج3، ص283.

3) المراكشي، الذيل والتكملة: ج6، ص258؛ الغبريني، عنوان الدراية: ص310؛ الصفدي، الوافي بالوفيات:ج3، ص283؛ الكتبي، فوات الوفيات: ج3، ص405؛ أرسلان، الحلل السندسية: ج3، ص530؛ بالنثيا، الفكر الأندلسي: ص279؛ الدجيلي، أعلام العرب: ج2، ص80؛ زيدان، تاريخ آداب اللغة العربية: ج3، ص84؛ الطناحي، الموجز: ص78.

السيراء في أشعار الأمراء)((1)) (الوشي القسي في اختصار الفتح القسي)((2)) (وكتاب التاريخ)((3)) (وأعتاب الكتاب)((4)) (وإفادة الوفادة)((5)) (والإيماء إلىالمنجبين من العلماء)((6)) وغيرها من المصنَّفات الأخرى((7)).

ثانياً: موارده

بعد الإطلاع على كتاب (درر السمط في خبر السبط) والذي كُتِب بطريقة أدبية نثرية، لم نلحظ استعمال المؤلف أياً من المصادر التاريخية، بل وحتى غير التاريخية، سواء الأدبية أو اللغوية، فضلاً عن كتب الحديث والتراجم، إنما استشهد بعدد كبير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والأبيات الشعرية والحكم والأمثال دون أن يوثّقها((8))، إن اتِّباعه لهذا النوع من المنهج في إيراده للروايات وسرده للأحداث التاريخية، يترتَّب عليه عدَّة ملاحظات مفيدة منها:


1) المراكشي، الذيل والتكملة: ج6، ص258؛ الصفدي: الوافي بالوفيات: ج3، ص284؛ المقري، نفح الطيب: ج2، ص592؛ فنديك، اكتفاء القنوع: ج1، ص373.

2) المراكشي، الذيل والتكملة: ج6، ص258.

3) الذهبي، سير أعلام النبلاء: ج23، ص337؛ المقري، نفح الطيب: ج2، ص592؛ ارسلان، الحلل السندسية: ج3، ص530.

4) ابن الأبار، الحلة السيراء: ج1، ص94؛ المراكشي، الذيل والتكملة: ج6، ص258؛ المقري، إزهار الرياض: ج3، ص206؛ خفاجي، الأدب الأندلسي: ص700؛ الصوينع، الكتب العربية النادرة: ص106.

5) ابن الأبار، التكملة: ج1، ص147؛ البغدادي، إيضاح المكنون: ج3، ص107.

6) المراكشي، الذيل والتكملة: ج6، ص258.

7) للوقوف أكثر بشأن الجوانب الثقافية والأدبية والتاريخية لابن الأبار، ينظر، الخفاجي، ابن الأبار واسهاماته في حقل التأليف والأدب: ص57-110؛ الطوكي، جهود ابن الابار: ص1-141.

8) ابن الأبار، درر السمط: ص، 135، 136، 137، 138، 141، 143، 147، 148، 159، 164، 168، 169، 170، 171.

1- اتسمت مادته عن المقتل بموافقتها للرواية التقليدية التي روتها معظم المصادر.

2- لم يتبع المؤلف أهمَّ الأسس المنهجية ألا وهي التوثيق للأخبار والأحداث، ومن ثَمَّ يكون فاقداً لأهمِّ شرط من شروط الكتابة التاريخية وهو التوثيق.

3- لم نجد أيّ مناقشة أو نقد للمؤلِّف، وإنَّما اقتصر عمله على السرد التاريخي ذي الطابع الأدبي (النثري)، ولعلَّ السبب في ذلك يرجع إلى عوامل عدَّة منها طبيعة الكتاب وأسلوب كتابته وخلوُِّه من المصادر والإشارات التوثيقية.

4- أهمل المؤلِّف العديد من التفاصيل المهمة التي تتعلَّق بالمقتل ومقدِّماته منقبيل تحركات الإمام الحسين(علیه السلام) من مكة إلى المدينة ومن ثَمَّ إلى العراق، كما أغفل الكتب والرسائل التي دارت بين السلطة الأموية بالشام وولاتها، ولم يتطرق إلى الخطب المهمة التي ألقاها الإمام الحسين(علیه السلام) في كلّ مراحل تحركاته، وكذلك خطب الإمام السجاد(علیه السلام)، والسيدة زينب(علیها السلام)، وعقائل الوحي(علیه السلام).

ونختم حديثنا بشأن هذا الموضوع بالإشارة إلى أنّ المؤلف لم يذكر الوحشية التي استعملتها السلطة الأموية ضدَّ الإمام الحسين(علیه السلام) في العاشر من المحرَّم، ولم يتطرَّق إلى المقتل ومجرياته؛ ويعلِّل ذلك كونه أندلسياً بعيداً عن أجواء وظروف العراق عامة، وكربلاء خاصة، ومعركة الطف وما رافقتها من وحشية بصورة أخصّ، ولعلَّه لم يتصوَّر حجم المأساة وحرارتها.

5- قسَّم ابن الأبار كتابه إلى فصول، لكنه لم يسمِّ هذه الفصول، أو يعطها عنوانات أو موضوعات مستقلة، وإنمَّا جعل البعض يكمِّل البعض الآخر، وهذا أيضاً يُعدُّ خللاً في ترتيب هيكلية الكتاب.

6- لعلَّ طبيعة منهج ابن الأبار وأسلوب كتابته قد فرضا عليه أن لا يتبع منهج تعدد الروايات، أو نقده لبعض الأخبار ومناقشتها.

3- موارد ابن طاووس (ت664ﻫ/1266م) في مقتله الموسوم (اللهوف في قتلى الطفوف)

أولاً: تعريف ب-: المؤلف

هو السيد النقيب رضي الدين أبو القاسم علي((1)) بن سعد الدين أبي إبراهيم موسى بن جعفر بن محمد ابن أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي عبد الله محمد الطاووس ابن إسحاق بن الحسن بن محمد بن سليمان بن داود ابن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب(علیه السلام)، كني ب-:ابن طاووس نسبة إلى جدِّه الأعلى أبي عبد الله محمد بن إسحاق، أمَّا والده فهو أبو إبراهيم موسى بن جعفر بن طاووس، من الرواة المحدِّثين، كتب رواياته لكن لم يسعفه الزمن لجمعها، فجمعها ولده رضي الدين في أربعة مجلدات وسماه (فرحة الناظر وبهجة الخاطر)، مما رواه والدي موسى ابن جعفر، روى عنه ولده رضي الدين علي((2)).أمّا مسيرته ودراسته العلمية فقد تحدَّث عنها بشكل شخصي؛ إذ قال: «أول ما نشأت بين جدي ووالدي... وتعلَّمت الخط والعربية، وقرأت في علم الشريعة المحمدية، وقرأت كتباً في أصول الدين... واشتغلت بعلم الفقه، وقد سبقني جماعه إلى


1) ترجم له العديد من المؤرخين والباحثين منهم، ابن عنبة، عمدة الطالب: ص190؛ المجلسي، بحار الأنوار: ج104، ص42؛ البحراني، لؤلؤة البحرين: ص235-241؛ الحر العاملي، أمل الآمل: ج2، ص205-207؛ الخوانساري، محمد باقر، روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات: ج4، ص325-339؛ البروجردي: ج1، ص102؛ النوري: ج2، ص438-465؛ البغدادي، هدية العارفين: ج1، ص710-711؛ القمي، الكنى والألقاب: ج1، ص339-340؛ سفينة البحار: ص96؛ العاملي، أعيان الشيعة: ج13، ص6-12؛ الطهراني، الأنوار الساطعة: ص116-117؛ الذريعة: ج1، ص58؛ ، ص297-303؛ المامقاني، تنقيح المقال: ص310.

2) المجلسي، بحار الأنوار: ج104، ص39؛ كحاله، معجم المؤلفين: ج13، ص37.

التعليم بعدة سنين، فحفظت في نحو سنة ما كان عندهم وفُضِّلت عليهم... وابتدأت بحفظ الجمل والعقود… وكان الذين سبقوني ما لأحدهم إلا الكتاب الذي يشتغل فيه، وكان لي عدة كتب في الفقه من كتب جدي انتقلت إليَّ من والدتي(رضی الله عنه) بأسباب شرعية في حياتها... فصرت أطالع بالليل كلَّ شيء يقرأ فيه الجماعة الذين تقدموني بالسنين، وأنظر كلَّ ما قاله مصنَّف عندي وأعرف ما بينهم من الخلاف على عادة المصنفين، وإذا حضرت مع التلامذة بالنهار أعرف ما لا يعرفون وأناظرهم... وفرغت من الجمل و العقود وقرأت النهاية. فلما فرغت من الجزء الأول منها استظهرت على العلم بالفقه حتى كتب شيخي محمد بن نما خطَّه لي على الجزء الأول وهو عندي الآن. فقرأت الجزء الثاني من النهاية أيضاً ومن كتاب المبسوط، وقد استغنيت عن القراءة بالكلية. وقرأت بعد ذلك كتبا لجماعة بغير شرح، بل للرواية المرضية… وسمعت ما يطول ذكر تفصيله»((1)).

وبهذا الشكل صُقِلت شخصية ابن طاووس، ومن خلال هذا النصِّ نلحظها قد اتسمت بالموسوعية في كسب المعارف العلمية، زيادة على ذلك له العديد من التلاميذ والرواة والذين يشار إليهم بالبنان، وهذا يدلُّ على سعة أفقه وموسوعيتهالمعرفية ومن أبرز أؤلئك:

1- بهاء الدين أبو الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح الأربلي((2)) (ت692ﻫ/ 1294م)، كان عالماً محدِّثاً وشاعراً أديباً منشئاً((3)).

2- سديد الدين يوسف بن علي بن المطهر - والد العلامة الحلي - كان من كبار


1) كشف المحجة: ص109،129،130.

2) القمي، الكنى والألقاب: ج2، ص18؛ الطهراني، الأنوار الساطعة: ص117.

3) الحر العاملي، أمل الأمل: ج2، ص195.

علماء الشيعة الإمامية في وقته((1))، روى عن ابن طاووس بعض الروايات ذات الطابع الإعجازي((2)).

3- جمال الدين الحسن بن يوسف المطهر الذي عُرف بالعلامة الحلي((3)) من كبار علماء الشيعة الإمامية، صنَّف العديد من المؤلَّفات وفي مختلف الإختصاصات، روى عن ابن طاووس بعض الأخبار ذات الطابع الإعجازي((4)).

4- النسابة أحمد بن محمد العلوي((5)).

5- النقيب نجم الدين محمد الموسوي((6)).6- صفي الدين محمد بن بشير العلوي الحسيني، كان عالما فاضلاً((7)).

7- جعفر بن نما الحلي((8)).

ويضاف إلى ذلك امتازه بسعة التأليف والنتاج العلمي الغزير من مؤلَّفاته، وفي مختلف الإختصاصات وجوانب المعرفة، منهاإغاثة الداعي وإعانة الساعي((9)) وكتاب


1) ابن داود، الرجال: ص78؛ الحر العاملي، أمل الأمل: ج2، ص350؛ الحسن، مناظرات في الإمامة: ص413، الخوئي، معجم رجال الحديث: ج21، ص184؛ كحاله، معجم المؤلفين: ج13، ص319.

2) الخوانساري، روضات الجنات: ج4، ص328.

3) العلامة الحلي: ج1، ص5 وما بعدها؛ ص5-11؛ العلامة الحلي، خلاصة الأقوال: ص5؛ الخوئي، معجم رجال الحديث: ج6، ص170-175؛ الخاقاني، شعراء الحلة أو البابليات: ج2، ص88-94؛ الاردبيلي، مجمع الفائدة والبرهان: ص11.

4) المجلسي، بحار الأنوار: ج104، ص63-64.

5) الطهراني، الأنوار الساطعة: ص117.

6) المصدر نفسه: ص117.

7) الحر العاملي، أمل الأمل: ج2، ص250؛ الطهراني، الأنوار الساطعة: ص153.

8) الخوانساري، روضات الجنات: ج4، ص337.

9) الإقبال: ج1، ص346و 347؛ مهج الدعوات: ص134و 184و 351و 383.

الإقبال بالأعمال الحسنة فيما يُعمل مرَّة في السنة((1))، والبشارات بقضاء الحاجات على يد الأئمة بعد الممات((2))، كما وصنَّف كتاب (البهجة لثمرة المهجة) يبحث في مهمات الأولاد وهو يختلف عن (كشف المحجة) أشار إليه في كشف المحجة((3)).

ولم تقتصر مصنَّفاته على المعارف الدينية فحسب، بل شملت التاريخية أيضاً؛ إذ ألَّفَ (التحصيل من التذييل) - وهو تذييل شيخه ابن النجار على تاريخ بغداد((4)) - وبحث ابن طاووس أيضاً في المذاهب والملل فصنَّف كتاباً في هذا المجال أسماه (الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف)((5)). وغيرها من المؤلفات التي انتجها ابن طاووس والتي تجاوزت الخمسة والخمسين مؤلَّفاً((6)).ولعلَّ آخر ما يمكن الإشارة إليه هو علاقته بالسلطة السياسية في عصره آنذاك، والمتمثلة بالخلافة العباسية، وتحديداً بالحاكم المستنصر بالله (623-640ﻫ/ 1226-1242م)، والذي يبدو ومن خلال جملة من القرائن والأدلة التاريخية أنَّ العلاقة بينهما كان يسودها الود والوئام المتبادل، ومن أبرز أدلة ذلك إنعام الحاكم عليه بدار يسكن فيها عند المأمونية((7))((8)) ثم أصبحت من أملاكه الشخصية، ويُضاف


1) كشف المحجة: ص156؛ الأمان: ص91؛ سعد السعود: ص69و294.

2) الأمان: ص91.

3) كشف المحجة: ص17، 86، 111، 138.

4) محاسبة النفس: ص43؛ إقبال الأعمال: ج3، ص295و 323؛ الملاحم والفتن: ص126و 162و 168.

5) سعد السعود: ص294و 298؛ الإقبال: ج2، ص249و 265و 266و 267و 268و 370و ج3، ص109؛ كشف المحجة: ص36، 41، 52، 53، 62.

6) للوقوف أكثر على مؤلفات ابن طاووس ونتاجه العلمي، ينظر، الطائي، ابن طاووس، عصره، مؤلفاته، خزانة كتبه: ص106-128.

7) المأمونية: منسوبة إلى المأمون عبد الله ابن هارون الرشيد: وهي محلة كبيرة ببغداد بين نهر المعلى وباب الأزج، ياقوت الحموي، معجم البلدان: ج5، ص44.

8) ابن طاووس، اليقين: ص280.

دليل آخر حول صفاء العلاقة بين الطرفين، وهو عندما توسَّط بين أصحاب الحاجات وبين الخليفة المستنصر لسدِّ حاجاتهم والنظر في عوزهم((1))، ولم تقف العلاقة بين الجانبين بحدود الودِّ والإحترام المتبادل بل شمل ذلك تبوُّء المناصب السياسية؛ إذ أقدم الحاكم المستنصر على مفاتحة ابن طاووس في مسألة تسليم الوزارة له بعد محاولاته السابقة بتسليمه منصب الإفتاء ونقابة الطالبيين. ويبدو أنَّ حبَّ المستنصر كأبيه للعلويين وعطفه عليهم واهتمامه بشؤونهم هو السبب في هذه العلاقة القوية واستمرارها((2)).

ويسلِّط ابن طاووس الضوء أكثر على العلاقة الودِّية بينهما قائلاً: «طلبني الخليفة المستنصر- جزاه الله عنا خير الجزاء - للفتوى على عادة الخلفاء، فلما وصلت إلى باب الدخول إلى من استدعاني لهذه الحال تضرعت إلى الله(عزوجلّ) وسألته أن يستودع مني ديني وكلَّ ما وهبنيه، ويحفظ عليَّ كلَّما يقربني من مراضيه… فحضرت فاجتهد بكلِّ جهد بلغ توصله إليه أنني أدخل في فتواهم، فقواني الله جل جلاله على مخالفتهم والتهوين بنفسي»((3))، هذا فضلاً عن العديد من الحوادث التاريخية التي وقعت بين الطرفين، والتي تدلُّ على حسن العلاقة ومتانتها بينهما، وكونها تتسم بالودِّ والإحترام((4)).

ثانياً: موارده
اشارة

تنوَّعت المصادر والموارد التي استعملها ابن طاووس في مقتله الموسوم (اللهوف) في عرضه الروايات والأخبار وهي:


1) ابن طاووس، فرج المهموم: ص126-127.

2) الطائي، ابن طاووس: ص84.

3) كشف المحجة: ص111.

4) ولتسليط الضوء أكثر بشأن طبيعة العلاقة السياسية بين ابن طاووس والسلطة العباسية، ينظر، الطائي، ابن طاووس، عصره، مؤلفاته: ص83-90.

1- المصادر التاريخية

اعتمد ابن طاووس في كتابه (اللهوف) في ذكره روايات المقتل على جملة من المصادر التي استقى منها مادته التاريخية، وقد أشار إلى بعض أسماء تلك المصادر ومؤلِّفيها، وحتى يؤكِّد على دقَّة معلوماته يشير أكثر الأحيان إلى أجزائها، وبالشكل الآتي:

أ- محمد بن جرير الطبري الإمامي((1)) أشار ابن طاووس إلى الطبري الإماميولكن بشكل ضئيل جداً إذ اعتمد عليه في نصٍّ واحد من كتابه المعنون ب-(دلائل الإمامة) وهو ينقله عن زرارة بن خلج((2)) بقوله: «لقينا الحسين بن علي(علیه السلام) قبل أن يخرج إلى العراق فأخبرناه ضعف الناس بالكوفة، وإنَّ قلوبهم معه، وسيوفهم عليه، فأومى بيده نحو السماء ففُتِحت أبواب السماء ونزلت الملائكة عددا لا يحصيهم إلا الله(عزوجلّ)، فقال: لولا تقارب الأشياء وحبوط الأجر لقاتلتهم بهؤلاء، ولكن أعلم يقيناً أنَّ هناك مصرعي ومصرع أصحابي لا ينجو منهم إلا ولدى علي(علیه السلام)»((3))، وعند رجوعنا للكتاب الأصل للطبري الإمامي((4)) وجدنا النصَّ مطابقاً معنى ومضموناً مع مانقله ابن طاووس، وهذا يدلُّ على دقَّته وأمانته في نقل النصِّ.

ب - معمر بن المثنى:أشار ابن طاووس أيضاً إلى أنّ لمعمر كتاباً بعنوان مقتل


1) محمد بن جرير بن رستم الطبري الآملي أبو جعفر، جليل القدر كثير العلم حسن الكلام ثقة في الحديث، له مصنفات عدة منها المسترشد في الإمامة والرواة عن أهل البيت، ينظر، النجاشي، رجال النجاشي: ص376؛ الطوسي، اختيار معرفة الرجال: ص449؛ الذهبي، سير اعلام النبلاء: ج14، ص282؛ الخوئي، معجم رجال الحديث: ج16، ص158-159.

2) زرارة بن خلج، لم يذكروه، من أصحاب الإمام الحسين(علیه السلام)، رأى معجزته وإخباره إياه بشهادته وشهادة أصحابه، ينظر، الشاهرودي، مستدركات علم رجال الحديث: ج3، ص425.

3) دلائل الامامة: ص182.

4) المصدر نفسه: ص182.

الحسين(علیه السلام) اعتمد عليه، وهي الإشارة الوحيدة التي أشارت إلى أنَّ لمعمر مصنَّفاً في مقتل الحسين بقوله: «وروى معمر بن المثنى في مقتل الحسين(علیه السلام)، فقال: ما هذا لفظه، فلما كان يوم التروية قدم عمر بن سعد بن أبي وقاص إلى مكة في جند كثيف قد أمره يزيد أن يناجز الحسين القتال إن هو ناجزه، أو يقاتله إن قدر عليه، فخرج الحسين(علیهالسلام) يوم التروية»((1)).

ت - أحمد بن الحسين بن عمر((2)): ويُستَشفُّ من كلام ابن طاووس أنَّه من كتب الأصول((3))، إذ قال في معرض حديثه في اعتماده عليه «ورويتُ من كتاب أصل أحمد


1) ابن طاووس، اللهوف: ص39.

2) أحمد بن الحسين بن عمر بن يزيد الصيقل أبو جعفر، كوفي، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(علیه السلام)، له كِتابٌ في الإمامة، ينظر، النجاشي، رجال النجاشي: ص83؛ ابن الغضائري، رجال ابن الغضائري: ص122؛ الكرباسي، اكليل المنهج: ص110؛ المازندرني، منتهى المقال: ج1، ص257.

3) وقد فُسِّرت معنى الأصول أو الأصل بمعانٍ مختلفة، منها: إنّ الأصل في اصطلاح المحدّثين بمعنى الكتاب المعتَمد لم يُنتزَع من كتاب آخر، وقيل معناه: مجمع عبارات الحجة(علیه السلام) بعينها فقط، من غير أن يكون معنا اجتهاد واستنباط وغير ذلك، كما عُرِّف الأصل بأنَّه عنوان صادق على بعض كتب الحديث خاصة. كما أنَّ الكتاب عنوان يصدق على جميعها. فيقولون له كتاب أصل، أوله كتاب وله أصل، أو قال في كتاب أصله، أو له كتاب واصل، وغير ذلك وإطلاق الأصل على هذا البعض ليس بجعل حادث من العلماء بل يطلق عليه الأصل بما له من المعنى اللغوي. ذلك لأنَّ كتاب الحديث إن كان جميع أحاديثه سماعا من مؤلفه عن الإمام(علیه السلام)، أو سماعا منه عمن سمع عن الإمام(علیه السلام) فوجود تلك الأحاديث في عالم الكتابة من صنع مؤلفها وجود أصلي بدوي ارتجالي غير متفرع من وجود، آخر فيقال له الأصل لذلك، وإن كان جميع أحاديثه أو بعضها منقولاً عن كتاب آخر سابق وجوده عليه ولو كان هو أصلاً وذكر صاحبه لهذا المؤلف أنه مروياته عن الإمام(علیه السلام)، وإذن له كتابتها وروايتها عنه لكنه لم يكتبها عن سماع الأحاديث عنه، بل عن كتابته وخطِّه فيكون وجود تلك الأحاديث في عالم الكتابة من صنع هذا المؤلف فرعا عن الوجود السابق عليه، فالأصل من كتب الحديث هو ما كان المكتوب فيه مسموعا لمؤلفه عن المعصوم، أو عمن سمع منه لا منقولا عن مكتوب فإنه فرغ منه. ويشير إلى اعتبار السماع كلام النعماني الآتي في أصل سليم كما أنَّ أصل كلِّ كتاب هو المكتوب الأولي منه الذي كتبه المؤلف، وكلُّ ما يُنتسَخ منه فهو فرع له فيطلق عليه النسخة الأصلية أو الأصل لذلك، ينظر، اغا بزرك الطهراني، الذريعة: ج2، ص125-126؛ غفاري، دراسات في علم الدراية: ص160.

ابن الحسين بن عمر بن يزيد الثقة، وعلى الأصل أنَّه كان لمحمد بن داود القمي((1))»((2))، ويُحتمَل من كلامه الأخير أنَّه كان موجوداً عنده، وكان مكتوباً عليه أنَّه كان ملك محمد بن داود القمي.

ومما تقدَّم نستنتج أنَّ ابن طاووس اعتمد عليه في رواية مهمة (سنناقشها في الفصل القادم) تتعلَّق بالحِوار الذي دار بين الإمام الحسين(علیه السلام) وأخيه محمد بن الحنفية، ووجهة نظره بالنهضة الحسينية((3)).

ث - محمد بن يعقوب الكليني((4)) (ت 328ﻫ/930م).

نقل ابن طاووس رواية مهمة من كتابه المعنوَن ب-:الرسائل، مروية عن الإمامجعفر بن محمد الصادق(علیه السلام) كونها تبيِّن وجهة نظر الإمام الحسين(علیه السلام) تجاه كلِّ من تخلَّف عن نصرته.

ج - ابن عبد ربه الأندلسي، تتجلَّى في بعض الأحيان دقَّة ابن طاووس في ذكر تفاصيل المصدر الذي يعتمده منها العقد الفريد لابن عبد ربه وقد حدَّد بها الجزء الذي نقل منه الرواية.


1) لم نجد ترجمة له سوى الإشارة التي أشار إليها ابن طاووس من كونه له كتاب بعنوان (الزيارات والفضائل)، ينظر، إقبال الاعمال: ج3، ص64.

2) اللهوف: ص39.

3) المصدر نفسه: ص39-40.

4) محمد بن يعقوب الكليني، يكنى أبا جعفر، ثقة، عارف بالأخبار، له كتب منها: كتاب الكافي، وكتاب الرسائل، وكتاب الرد على القرامطة، وكتاب تفسير الرؤيا. قرأ جميع كتبه ورواياته الشيخ المفيد أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان، ينظر، النجاشي، رجال النجاشي: ص377-378؛ الطوسي، الفهرست: ص210-211؛ ابن شهر اشوب، معالم العلماء: ص134.

«وذكر ابن عبد ربه في الجزء الرابع من كتاب العقد، قال: قيل لعلي بن الحسين(علیهما السلام) ما أقلَّ وَلَدَ أبيك، فقال: العجب كيف ولدت له! كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، فمتى كان يتفرغ للنساء؟»((1)).

ح - المفيد، ولا شكَّ أنْ يعتمد ابن طاووس على بعض المؤلِّفين الموثوقين، والمفيد أحد هؤلاء والذي نقل عنه رواية تُعدُّ ضمن الروايات ذات الطابع الغيبي، وهي مُسنَدَة عن الإمام جعفر بن محمد الصادق(علیه السلام) تتحدَّث عن نزول الملائكة لنصرة الإمام الحسين(علیه السلام)((2)).

خ - ابن بابويه القمي الملقب ب-: الصدوق، نقل عنه خبرين من كتابه المعنوَن (عقاب الأعمال) يتعلَّقان بجزاء قتلة الإمام الحسين(علیه السلام) يوم القيامة وكيفية عذابهم((3)).

وهنا يتبادر إلى أذهاننا تساؤل مهمٌّ، هو: لماذا اعتمد ابن طاووس على كتاب عقاب الأعمال للصدوق، ولم يعتمد على كتاب مقتل الحسين(علیه السلام)للصدوق الذي ذكرته بعض المصادر؟((4))، يبدو أنَّ السبب في ذلك يرجع إلى كون كتاب مقتل الحسين(علیه السلام) للصدوق لم يكن موجوداً عند ابن طاووس، أو كانَ مفقوداً في عصره.

2- المؤلَّفات التي لم يُشِر إلى مؤلِّفيها

اعتمد ابن طاووس على رواية من كتاب دون الإشارة إلى اسم مؤلِّفه، بقوله:


1) اللهوف: ص57.

2) المصدر نفسه: ص41.

3) المصدر نفسه: ص82-83.

4) النجاشي، رجال النجاشي: ص187؛ الطوسي، الفهرست: 140؛ ابن شهر اشوب، معالم العلماء: ص146.

«رويتُ من كتاب المصابيح»((1))، وهذه من المآخذ التي تُسجَّل ضدَّه؛ لكونها تسبِّب إرباكاً في المنهج التاريخي؛ لأنَّ هناك العديد من المؤلَّفات التي تتطابق في الأسماء لمؤلِّفين كثُر، الأمر الذي يتطلَّب جهداً كبيراً للتوصل إلى معرفة اسم المؤلِّف الذي قصده ابن طاووس، والرواية تدور حول الحسن بن الحسن المثنى،وعدد الذين قتلهم وجرحهم في واقعة الطف، إضافة إلى ذلك إيراده قولاً للإمام علي بن الحسين(علیه السلام) وفيه ينتقد أهل الكوفة ويصفهم بأنَّهم قتلة آل الرسول(صلی الله علیه و آله)((2)).

3- المؤلِّفون الذين لم يُشِر إلى مؤلَّفاتهم

ولعلَّ المأخذ الآخر الذي يُسجَّل على منهج ابن طاووس هو ذكره لأسماء بعض الرواة والمؤرِّخين دون الإشارة إلى أسماء مؤلَّفاتهم، مما يشكِّل صعوبة بالغة في توثيق تلك النصوص إلى مصادرها، منها اعتماده في ذكر بعض الروايات على ابن لهيعة((3))


1) اللهوف: ص86؛ عند مراجعتنا لبعض المصادر وجدنا أنَّ هناك العديد من المؤلِّفين والمؤرِّخين ممن ألَّفوا كتاباً، بعنوان: (المصابيح) وفي موضوعات مختلفة، ولعلَّ كتاب المؤلِّف أحمد بن علي بن العباس السيرافي هو الأقرب إلى ما قصده ابن طاووس في ذكر كتابه؛ السبب في ذلك يرجع إلى عاملين مهمِّين الأول: كون كتاب المصابيح الذي ألَّفه السيرافي يتناول ذكر من روى عن الأئمة(علیه السلام) لكلِّ إمام، وهو يتفق مع الرواية التي أوردها ابن طاووس التي تتحدَّث عن الإمامين الحسين وولده زين العابدين(علیه السلام)، أمَّا السبب الثاني فيكمن في أنَّ السيرافي من الشيعة كما ذكر ذلك النجاشي، ينظر، النجاشي، رجال النجاشي: ص86، 93؛ الطوسي، الفهرست: ص72؛ ابن شهر اشوب، معالم العلماء: ص52؛ الذهبي، سير اعلام النبلاء: ج19، ص439.

2) اللهوف: ص86.

3) عبد الله بن لهيعة بن عقبة بن فرعان، عالم الديار المصرية وقاضيها ومفتيها ومحدِّثها، كان مكثراً من الحديث والأخبار والرواية، ينظر، ابن خلكان، وفيات الاعيان: ج3، ص38؛ الذهبي، العبر: ج1، ص264؛ الصفدي، الوافي بالوفيات: ج17، ص223.

الذي لم يحدِّد لنا أسماء الكتب التي نقل عنها((1)).

وكذلك إشارته لأبي عمرو الزاهد((2)) الذي نقل عنه رواية تتحدَّث عن الأشخاص العشرة، الذين أقدموا على سحق صدر الإمام الحسين(علیه السلام) فيواقعة الطف، وبيان حقيقة نسبهم((3)).

4- المصادر المجهولة

ومن أبرز النقاط السلبية الأخرى في منهجية ابن طاووس هو إشارتُه للعديد من الروايات والأخبار ذات المصادر المجهولة، مستعملاً ألفاظاً وعبارات شتَّى تدلُّ على ذلك، منها: «رُوي، رُوي أيضاً، قال رواة الحديث، وفي رواية، ورُوي من طريق آخر، قال بعض الرواة، قال الراوي»((4)).

5- أقوال الائمة المعصومين الاثني عشر(علیهم السلام)

أورد ابن طاووس العديد من الأقوال والروايات عن أئمة أهل البيت، منها ما ذكره الإمام علي بن الحسين زين العابدين(علیه السلام)، والإمام الباقر(علیه السلام)، والإمام جعفر بن


1) اللهوف: ص100، 110.

2) هو محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم المطرز، المعروف ب-:الزاهد، العلامة اللغوي المحدِّث، البغدادي، المعروف ب-:غلام ثعلب، وُلد سنة إحدى وستين ومائتين، وتُوفى سنة خمس وأربعين وثلاثمائة، وله ست وثمانون سنة، من مصنَّفاته: الياقوت في اللغة، كتاب شرح كتاب الفصيح، كتاب فائت الفصيح، كتاب المرجان، كتاب غريب الحديث على الكلمات، ينظر، ابن النديم، الفهرست، ص83؛ الذهبي، سير اعلام النبلاء: ج15، ص508.

3) اللهوف: ص80.

4) ابن نما، مثير الاحزان: ص9، 10، 13، 38، 50، 65، 68، 69، 72، 73، 75، 77، 79، 80، 82، 86، 91، 93، 95، 97، 99، 109.

محمد الصادق(علیه السلام)، ولكن لم يُسنِد ابن طاووس تلك الأقوال والأخبار الصادرة عن الإمام المعصوم، إلى أيٍّ من المصادرٍ، وإنَّما اكتفى بذكر اسم الإمام(علیه السلام) ونصِّ الرواية((1)).

وتجدر الإشارة إلى أنَّ ثقافة ابن طاووس واتجاهه المذهبي أثَّرت تأثيراً بالغاً في طبيعة تلكم الموارد، إذ إنَّ القارئ يستطيع أن يجد بسهولة أنَّه استقى أغلب معلوماته من مؤرِّخي وعلماء الشيعة، ولكن ينبغي أن نذكِّر بأنَّه استقى معلومات - وإن كانت نسبتها قليلة إلى حدٍّ ما - من مصادر أخرى غير شيعية.

4- موارد ابن نما الحلِّي (ت 685ﻫ/1287م) في مقتله الموسوم (مثير الأحزان ومنير سبل الأشجان)

أولاً: تعريف ب-: المؤلِّف

هو الفقيه نجم الدين جعفر بن محمد بن هبة الله بن نما الحلِّي((2))، كان عظيم الشأن، جليل القدر، من مشايخ آية الله العلاّمة الحلّي المتوفّى (726ﻫ/1328م) والولد من مشايخ العلاّمة الحلّي((3))، وهو يروي عن الشيخ نجيب الدين يحيى بن سعيد الحلي، ويروي عنه الشيخ الشهيد، ولعله بالوساطة وإلاّ فالشهيد متأخِّر الطبقة عنه((4))، له


1) اللهوف: ص9، 10، 18، 76، 81، 110، 121.

2) ترجم له: البروجردي، طرائف المقال: ج1، ص105؛ التبريزي، مراة الكتب: ص433؛ اللجنة، موسوعة طبقات الفقهاء: ج2، ص31؛ الشاهرودي، مستدركات علم رجال الحديث: ج8، ص506؛ الجلالي، فهرست التراث: ج2، ص541؛ الخوئي، معجم رجال الحديث: ج5، ص78؛ عباس القمي، الكنى والالقاب: ج6، ص442؛ العاملي، امل الامل: ج2، ص54؛ الأفندي الاصبهاني، تعليقة امل الامل: ص110؛ الامين، اعيان الشيعة: ج4، ص156؛ كحالة، معجم المؤلفين: ج3، ص150.

3) اللجنة العلمية، موسوعة طبقات الفقهاء: ج2، ص31.

4) الأفندي الاصبهاني، تعليقة امل الامل: ص110.

العديد من المصنَّفات، منها كتاب (مثير الأحزان) - موضوع دراستنا - وكتاب (شرح الثأر المشتمل على أحوال المختار)، ولعلَّ مثير الأحزان بعينه هو (التهاب نيران الأحزان ومثير اكتئاب الأشجان) فيما جرى على آل الرسول(صلی الله علیه و آله)((1)).

ومن الجدير بالذكر أنّ المجلسي أشار إلى أنّ ابن نما الحلي أورد سند رواية كتاب الإستبصار للطوسي بقوله: «قد وجدت هذا الكلام مرقوما خلفالإستبصار بخطِّ الشيخ ابن نما نوَّر الله ضريحه: يقول جعفر بن محمد ابن هبة الله بن نما: إنِّي أروي هذا الكتاب عن أبي، عن جدي هبة الله، عن أبي عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن طحال المقدادي، عن الشيخين أبي الوفاء عبد الجبار بن عبد الله المقري الرازي وأبي علي الحسن بن أبي جعفر عن مصنِّف الكتاب أبي جعفر الطوسي رحمهم الله جميعا»((2)).

ثانياً: موارده
اشارة

يُعدّ كتاب (مثير الأحزان) من المصادر المهمة للمقتل؛ لأنَّه استوعب مساحة تاريخية واسعة عن أحداث ومجريات المقتل، ويمتدُّ ليشمل السبي الذي تعرَّض له آل بيت رسول الله(صلی الله علیه و آله) والأحداث التي مرَّت عليهم وعاصروها.

وقد تعدَّدت الموارد التي اعتمدها ابن نما بين المصادر التاريخية السابقة له، فضلاً عن الموارد الشفوية وأخرى مجهولة، وغير ذلك.

أ - المؤلَّفات التاريخية السابقة

اعتمد ابن نما الحلي على جملة من المصادر المهمة التي تعرَّضت لذكر المقتل الحسيني وبشكل مفَصَّلٍ، منها:


1) المرجع نفسه: ص110.

2) بحار الانوار: ج104، ص33.

1- البلاذري((1)) نلحظ أنّ ابن نما اقتبس أربع روايات من البلاذري، الروايةالأولى كانت تبيِّن منزلة الإمام الحسين(علیه السلام) عند جدِّه رسول الله(صلی الله علیه و آله)، والثانية تتعلَّق برأس الإمام الحسين(علیه السلام) من كونه أول رأس في الإسلام حُمِل على خشبة، بينما أوردت الرواية الثالثة حديث القارورة الشهير، على حين كانت الرواية الرابعة تشير إلى الجانب الغيبي، وهو مطر السماء دماً في يوم مقتل الإمام الحسين(علیه السلام)((2)).

2- الطبري، من المصادر التي اعتمدها ابن نما، لكن كان اعتماده عليه محدوداً جداً، إذ نقل من تاريخه خبرين: الأول: يتعلَّق بلقاء الفرزدق بركب الإمام الحسين(علیه السلام)((3)) بينما تَرَكَّز الخبر الثاني حول خبر رأس الجالوت بن يهوذا ومروره بكربلاء((4)).

3- الخطيب البغدادي((5)) اعتمد عليه ابن نما في نصٍّ واحد، يتعلَّق بحديث القارورة


1) أبو الحسن ويقال أبو جعفر ويقال أبو بكر البغدادي البلاذري الكاتب صاحب التاريخ، كان أديباً راوية، له كتب جياد مدح المأمون بمدائح، وجالس المتوكل، توفى أيام المعتمد، وله من الكتب كتاب البلدان الصغير، كتاب البلدان الكبير، ولم يتمَّه، كتاب الأخبار والأنساب، كتاب عهد أردشير ترجمه بشعر. وكان أحد النقلة من الفارسي إلى اللسان العربي، ينظر، ابن النديم، الفهرست: ص126؛ ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج6، ص74-75؛ الذهبي، سير اعلام النبلاء: ج13، ص163.

2) مثير الاحزان: ص64، 338، 353.

3) المصدر نفسه: ص28؛ وعند الرجوع إلى تاريخ الطبري كانت الرواية مقاربة بشكل تام، تاريخ: ج4، ص290.

4) ابن نما، مثير الاحزان: ص63؛ وعند الرجوع إلى تاريخ الطبري كانت الرواية متقاربة بشكل تام، تاريخ: ج4، ص296.

5) أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي أبو بكر بن أبي الحسن الخطيب البغدادي الفقيه الحافظ أحد الأئمة المشهورين والمصنِّفين المكثرين، والحفاظ المبرزين، ينظر، ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج5، ص31-40؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء: ج18، ص271-295.

التي وُضِع فيها دم الإمام الحسين(علیه السلام)((1)) وهي من الروايات ذات الطابع الغيبي.

4- ابن عساكر، اقتبس ابن نما نصّاً تاريخياً مهماً من تاريخ مدينة دمشق، تحدَّث عن دخول آل بيت رسول الله(صلی الله علیه و آله) على يزيد بن معاوية والأحداث التي جرت في ذلك المجلس((2)).

5- ابن الجوزي، اقتبس ابن نما النصوص القليلة من المصادر، كما هو الحال في اعتماده على ابن الجوزي في نقله لنصٍّ تأريخي من كتابه الموسوم (النور في فضائل الأيام والشهور)، والنصُّ ذا طابع غيبي تحدَّث فيه عن نوح وبكاء الجن على قتل الإمام الحسين(علیه السلام)((3)).

6- أبو عمرو الزاهد، امتاز ابن نما في بعض توثيقاته بالدقَّة، ومنها ذِكره لاسم المصدر ومؤلِّفه كما هو الحال في ذكره لأبيات من الشعر نقلها عن كتاب الياقوت لأبي عمر الزاهد، وفيها وعيد وتهديد لقتلة السبط الإمام الحسين(علیه السلام)((4)).

7- النطنزي((5))، نظراً لسعة اطلاع ابن نما نلحظ أنَّه نقل - رواية للنطنزي من


1) مثير الاحزان: ص62؛ وعند الرجوع إلى تاريخ بغداد كانت الرواية مقاربة بشكل تام: ج1، ص152.

2) ابن نما، مثير الاحزان: ص78؛ وعند الرجوع إلى تاريخ مدينة دمشق كانت الرواية مقاربة بشكل تام: ج57، ص98.

3) مثير الاحزان: ص87.

4) المصدر نفسه: ص419.

5) أبو عبد الله محمد بن أحمد النطنزي، عامي المذهب، مؤلف كتاب: (الخصائص العلوية على سائر البرية والمآثر العلية لسيد الذرية)، كان من بلغاء أهل النظم والنثر، سافر إلى البلاد ولقي الأكابر، كان كثير الحفظ يحب العلم والسنة ويكثر الصدقة والصيام، كان متواضعاً لأهل العلم، سمع الكثير بأصبهان وخراسان وبغداد، الحلي، خلاصة الاقوال: ص405، الصفدي، الوافي بالوفيات: ج4، ص17؛ الامين، مستدركات اعيان الشيعة: ج6، ص292.

كتابه(الخصائص) - أبياتاً من الشعر، قيل:سُمِعتْ بالهواء في المدينة المنورة، ويذكر ابن نما أنّ هذه الرواية هي من الروايات التي انفرد بها النطنزي عن سائر المؤرِّخين((1))، كما ونقل ابن نما نصَّاً تاريخياً مهمّاً آخر عن النطنزي حول إحدى المعاجز والكرامات لرأس الإمام الحسين(علیه السلام)((2)).

ب - ذكر أسماء المؤلِّفين دون ذكر مؤلَّفاتهم

أورد ابن نما بعض الروايات اعتماداً على بعض المصادر، التي اكتفى بذكر أسماء مؤلِّفيها دون ذكر أسماء المؤلَّفات التي وردت بها تلك الروايات والأخبار، ومنها قوله: «نقلت عن الترمذي»((3)) أو «حدَّث المرزباني((4))(ت384ﻫ/987م)»((5)).

ت - ذكر المؤلَّفات دون ذكرأسماء مؤلِّفيها

وبلا شكٍّ أنَّ فقدان أحد العناصر التوثيقية للمصدر، يسبِّب إرباكاً في المنهج


1) مثير الاحزان: ص76.

2) المصدر نفسه: ص76.

3) مثير الاحزان: ص48.

4) أبو عبد الله محمد بن عمران بن موسى بن سعيد بن عبيد الله المرزباني الخراساني الأصل البغدادي المولد، صاحب التصانيف المشهورة، قيل هو من مشايخ المفيد. له كتاب: ما نزل من القرآن في علي(علیه السلام)، وكتاب: المفصل في علم البيان قيل: هو أول من أسس علم البيان، ودونه كان راوية للأدب، صاحب أخبار، واسع المعرفة بالروايات، وتآليفه كثيرة وكان ثقة في الحديث، ميّالاً إلى التشيع في المذهب، وهو أول من جمع ديوان يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، واعتنى به وهو صغير الحجم، ينظر، ابن النديم، الفهرست: ص146؛ ياقوت الحموي، معجم الادباء: ج18، ص268؛ ابن خلكان، وفيات الاعيان: ج4، ص354.

5) مثير الاحزان: ص89.

التأريخي ويُعدُّ خللاً كبيراً للأسباب التي بيناها مسبقاً، ونجد هذا الموضوع قد تكرَّر عند ابن نما حينما ذكر أسماء مؤلَّفات دون الإشارة إلى أسماء مصنفيها منها قوله: «نقلت من كتاب أحداق العيون في أعلاق الفنون...»((1))، أو قوله: «وذكر صاحب الذخيرة عن المحشر»((2)).

ث - مصادر مجهولة

وعلى منهاج بعض المؤرِّخين في ذكر بعض الروايات والأخبار دون الإشارة إلى مصادرها، سار ابن نما على هذه الطريق، وأورد عدداً كبيراً من تلك الروايات غير الموثَّقة بأيّ مصدرٍ، مستعملاً عبارات وأوصاف عديدة تدلُّ على ذلك منها، «قال أصحاب الحديث»((3))، فهو لم يحدِّد لنا من هم أصحاب الحديث وبلاشك أنّ عدد أصحاب الحديث كثيرون، وبالتالي من الصعب تحديدهم أو تشخيصهم أو تشخيص منْ قصدهم ابن نما، أو عبارة «رُوي، أو قال الراوي، أو قالت الرواة، أو عن مشايخ طي»((4)) فمن هم هؤلاء المشايخ ومن أين انتقوا رواياتهم؟ وما مصدرها؟


1) لم نتوصل إلى اسم مؤلَّف هذا الكتاب في المصادر المتوافرة لدينا، سوى الإشارة التي أشار إليها ابن نما في كتابه مثير الاحزان: ص32.

2) ابن نما، مثير الاحزان: ص86.

3) المصدر نفسه: ص8.

4) المصدر نفسه: ص52، 57، 63، 75، 86، 89.

الفصل الرابع: دراسة تحليلية للمتون الروائية لكتب المقتل الحسيني خلال القرنين الثاني والخامس الهجريين/ الثامن والحادي عشر الميلاديين

اشارة

المبحث الأول: دراسة تحليلية للمتون الروائية لكتب المقتل الحسيني

خلال القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي

المبحث الثاني: دراسة تحليلية للمتون الروائية لكتب المقتل الحسيني

خلال القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي

المبحث الأوَّل: دراسة تحليلية للمتون الروائية لكتب المقتل الحسيني خلال القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي

اشارة

يدرس هذا المبحث المتون الروائية لكتب المقاتل خلال ذلك القرن، ويبيِّن مناهج مؤلِّفيها، كذلك مناقشة وتحليل مروياتها ومحاولة نقدها تاريخياً.

1- المقتل المنسوب لأبي مخنف

اشارة

قبل دراسة وتحليل روايات المقتل المنسوبة لا بدّ من بيان أهمية روايات مقتل أبي مخنف، المُضمَّنة في تاريخ الرسل والملوك للطبري والمؤلفات الأخرى.

يُعدُّ مقتل الإمام الحسين(علیه السلام) للإخباري أبي مخنف من المقاتل المهمة والأساسية لرواية واقعة الطف، وتكمن تلك الأهمية من جهتين: الأولى الناحية الزمنية؛ إذ إنَّه أول مقتل وصلنا (عن طريق تاريخ الطبري) لرواية المقتل بشكل كامل، فضلاً عن احتوائه على تفاصيل تخصُّ المقتل ومقدماته وحيثياته التي ابتدأ تدوينها من (مراسلة الكوفيين للإمام الحسين(علیه السلام)، ومن ثَمَّ إرساله(علیه السلام) لسفيره مسلم بن عقيل لدراسة وتقييم الوضع العام في الكوفة، وبعدها متابعة الأحداث التي جرت لمسلم وهانئ بن عروة ومقتلهما، ومن ثَمَّ الإجراءات التي اتخذتها السلطة الأموية على أثر ورودها معلومات بتحرك الإمام الحسين(علیه السلام) المعارض للحكم الأموي ونهجه، ثم استعرض بعدها الأحداث التي تتعلَّق بخروج الإمام الحسين(علیه السلام) من المدينة إلى

مكّة ثم العراق، وحتى مقتله بكربلاء((1))، وهو ما تفتقده المؤلَّفات الأخرى من ناحية حجم المادة التاريخية وتفاصيلها من جهة، واستقائها من المنابع الأصلية - عن طريق شيوخه - من جهة أخرى.

والمسألة المهمَّة الأخرى أنّ جملة من المؤرِّخين قد اعتمدوا عليه في رواية المقتل، فقد تبنَّى روايته محمد ابن سعد (ت230ﻫ/833م) في (الطبقات الكبرى)، والبلاذري في (أنساب الأشراف)، والمسعودي في (مروج الذهب ومعادن الجوهر)، وابن أعثم (المتوفى في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي) في (الفتوح)، ثم أخذ كلٌّ من ابن الأثير في (الكامل في التاريخ)، والذهبي في (سير أعلام النبلاء) (وتاريخ الاسلام)، وأبي الفدا إسماعيل الدمشقي المعروف ب-:ابن كثير (ت 774ﻫ/1376م)، في (البداية والنهاية)، من الطبري لكونه أورد الواقعة كاملة، وعلى هؤلاء اعتمد المؤرِّخون الآخرون في القرون اللاحقة المتأخِّرة. وبذلك يتضح لنا أنَّ رواية أبي مخنف للمقتل قد اعتمدت عليها أغلب المصادر وبدرجات متفاوتة، ونسب مختلفة من حيث عدد الروايات وحجمها.

مناقشة وتحليل ونقد

مناقشة وتحليل ونقد مقتل الإمام الحسين(علیه السلام) المنسوب لأبي مخنف بالمقارنة مع ما ورد من روايات لأبي مخنف عن المقتل في المصادر التاريخية:

هناك مقتل لأبي مخنف مطبوع ومتداول في المكتبات العامة، تحت عنوان:مقتل


1) للوقوف بشأن التفاصيل الدقيقة لأحداث المقتل لأبي مخنف الموجودة في (تاريخ الرسل والملوك، للمؤرخ الطبري) الذي شغل بحدود مائة وتسع صفحات، ينظر، الطبري، تاريخ: ج4، ص252-361.

الحسين(علیه السلام)((1))، وفي الحقيقة أنَّ هذا المقتل لا يمتُّ لأبي مخنف بصلة؛ وذلك لكون الروايات الموجودة فيه تتعارض مع الروايات الحقيقية لأبي مخنف، والمتركزة بشكل كبير في تاريخ الطبري((2)) ومقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني وغيرهما من المصادر، وأشار بعض الباحثين إلى انتساب المقتل لأبي مخنف، منهم الأمين بقوله: «ولما تأملت بعض هذا المقتل المطبوع المنسوب إلى أبي مخنف علمت أنَّه ليس لأبي مخنف وأنَّه منه برئ، وإنَّما ألَّفه رجل ونسبه إلى أبي مخنف. وربما يكون فيه شئ من مقتل أبي مخنف، بأن يكون هذا الرجل عمد إلى مقتل أبي مخنف فمسخه، وغيَّره وحرَّفه تحريفاً قبيحاً، فزاد عليه ونقص منه وغيَّر وبدَّل. وأبو مخنف من رؤساء أهل الأخبار، وكلُّ من ألَّف في التاريخ نقل عنه وأخذ منه، وأكثر ما في هذا المقتل لا يمكن صدوره من أبي مخنف»((3))، وهنا نجد تعليق الأمين على مقتل أبي مخنف واضحاً في عدم صحَّة انتساب المقتل المتداول لأبي مخنف.

وأضاف أحد الباحثين تعليقاً قيِّماً بشأن المقتل المنسوب فيقول: «وأما ما يُنسَبإلى أبي مخنف تحت عنوان مقتل الحسين(علیه السلام) الذي طُبِع عدة مرات في العراق وإيران والهند، فمن اليقين أنَّه ليس له، وأفضل دليل على زيف هذه النسبة (نسبة الكتاب إلى أبي مخنف) - هو هذه المواضيع الواهية والروايات الكاذبة، ونحن نجلُّ أبا مخنف - بمقامه الشامخ - عن كتابة مثل هذه السفاسف»((4))، ولكن الكلام المجرد من الدليل


1) مقتل الحسين ومصرع أهل بيته وأصحابه في كربلاء، طبع هذا المقتل، الطبعة الثانية في الكويت، (سنة 1987م)، في مكتبة الألفين، وكذلك طبع الطبعة الرابعة في إيران، الناشر، منشورات المكتبة الحيدرية، (ايران -1428ﻫ/2007م)، وهي الطبعة المعتمدة في هذه الأطروحة.

2) حول روايات أبي مخنف المُضمَّنة في تاريخ الطبري، والتي استُلَّت على شكل كتاب مستقلٍّ، ينظر، الغروي، واقعة الطف؛ وكتاب مقتل الحسين(علیه السلام)، بتحقيق: الحسن الغفاري.

3) أعيان الشيعة: ج4، ص614.

4) حسن الامين، مستدركات اعيان الشيعة: ج6، ص255.

والقرائن لا يكفي أو يكسب الكلام طابعاً تاريخياً علمياً منطقياً، الأمر الذي دفعنا إلى دراسة ومراجعة المقتل المنسوب لأبي مخنف ومناقشة وتحليل رواياته ومقارنتها مع المقتل المُضمَّن في أمهات المصادر التاريخية أمثال: تاريخ الطبري ومقاتل الطالبيين وغيرهما، لكي تتضح لنا من خلال المقارنة مدى صحة المقتل المنسوب لأبي مخنف من عدمها، وستوضِّح تلك المقارنة والدراسة النقاط الأساسية والجوهرية في المقارنة والتحليل لها، منها: -

1- من الأخطاء الكبيرة الموجودة في المقتل اعتماد أبي مخنف على رواية للكليني التي نصُّها: «روى الكليني في حديث أنّ معاوية لما حضرته الوفاة مرض مرضا شديداً، وكان يزيد لعنه الله غائبا عنه....»((1))، ولا توجد هذه الرواية في مقتل أبي مخنف المُضمَّن في تاريخ الطبري، والإشكال الزمني التاريخي واضح في هذه الرواية من خلال عملية حسابية هي أنَّ تأريخ وفاة أبي مخنف (157ﻫ/759م) على حين تأريخ وفاة الكليني (329ﻫ/931م) فيكون الفارق الزمني شاسعاً جداً بحدود (172 سنة) فكيف حصل ذلك؟ وكيف روى أبومخنف عن الكليني وهو لم يُولَد بعدُ؟

وعليه فيدلُّ - اعتماد الرواية أعلاه المنسوبة لأبي مخنف في روايتها عن الكليني - على أنّ هذا المقتل قطعاً ليس لأبي مخنف من جهة، ومن جهة أخرى أنَّه أُلِّف ما بعد القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، من كونها أوردت اسم الكليني، وهو من أعلام القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي.

2- حادثة استشهاد مسلم بن عقيل(علیه السلام) هي الأخرى تعرَّضت لتشويه وتحريف،


1) أبو مخنف، مقتل الحسين ومصرع أهل بيته: ص36.

لا سيما فيما يخصُّ عدد القتلى الذين قتلهم(علیه السلام)، إذ تجاوز المائة والثمانين قتيلاً((1))، وفي الحقيقة أنّ هذا العدد لا يمكن قبوله؛ إذ من غير المعقول أن يقدم شخص واحد على قتل هذا العدد، مع العلم أنَّ أفراد الجيش الأموي كانوا مسلَّحين ومجهَّزين بكافة العدد العسكرية، ولاسيما أنّ القتال قد جرى وفق المعايير الطبيعية، ولم يتدخل الإعجاز الإلهي في ذلك، بل في كلِّ واقعة الطف، فضلاً عن ذلك أنّ هذه الرواية لا أصل لها في مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري أو المصادر الأخرى التي أوردت مرويات أبي مخنف، وهذا ما دفعنا إلى مناقشة الرواية وتسجيل عدَّة ملاحظات نقدية ضدَّها، منها:

أ- الرواية أشبه بالقصة الأسطورية في أسلوب طرحها.

ب - هل من المعقول أنْ يعَجَز الجيش الأموي عن محاصرة مسلم بن عقيل(علیه السلام)، واقتحام الدار التي يتواجد فيها وإلقاء القبض عليه؟

ت - هل من المنطقي أنْ تَفكِّر أيُّ قوات بحفر بئر، وكان بإمكانها أن تستدعي قوات أخرى بدل تلك الفكرة البدائية؟ ثُمَّ كم من الوقت استغرق حفر البئر؟ وهلكان عميقاً جداً بحيث وقع فيه مسلم بن عقيل(علیه السلام)؟ ثم هل أنَّ مسلماً شاهد أمامه آثاراً تدلُّ على وجود مخطط للمكر به، أم أنّه لم يشاهد؟

ث - فضلاً عن ذلك أنّ المعركة كانت تسير بشكل سريع بحيث إنّ جنود السلطة الحاكمة عندما أقبلوا تأكَّدوا أنّهم سيقبضون عليه بسهولة، لكنّ قتال مسلم بن عقيل(علیه السلام) العنيف بقرينة طلب محمّد بن الأشعث المدد من السلطة الحاكمة لا يشير إلى أنّهم أقدموا على حفر حفرة، خصوصاً وأنّ المعركة دارت بين الأزقّة والطرقات، وليست في منطقة مكشوفة حتّى تتقدّم فرقة للقتال، وأُخرى للحفر مثلاً.


1) المصدر نفسه: ص36.

ج - إنّنا وبحسب اطلاعنا لم نجد ذكراً لهذه الرواية في المصادر، وهذا كلّه يدفعنا إلى الطعن فيها لمجهولية مصدرها وسندها.

3- ومن الأخبار التي تستحقُّ الوقوف والمناقشة - التي وردت في المقتل المنسوب لأبي مخنف - ما نصُّه: «لمّا قُتل مسلم وهانئ انقطع خبرهما عن الحسين(علیه السلام)، فقلق قلقاً عظيماً فجمع أهله... وأمرهم بالرحيل إلى المدينة، فخرجوا سايرين بين يديه إلى المدينة حتّى دخلوها، فأتى قبر رسول الله (صلی الله علیه و آله) وبكى بكاءً شديداً، فهوّمت عيناه بالنّوم...»((1)).

وتحليل الرواية يشير إلى عدَّة نقاط، منها:أنّ الإمام الحسين(علیه السلام) لم يكن يتابع تحركات وأخبار سفيره مسلم بن عقيل(علیه السلام)، ولم يعرفْ أيّ شيء عن تنظيمه ونشاطه السياسي، فضلاً عن ذلك أنّ الإمام(علیه السلام) في حالة ارتباك وقلق؛ إذ لم يعرف مصير مبعوثه مسلم بن عقيل، وعند مطابقتها مع ما موجود في تاريخ الطبري من مرويات أبي مخنف لم نجد لها أثراً لا من قريب ولا من بعيد،مما يدلِّل على ضعفها وعدم صدورها عن أبي مخنف.

4- ورد في المقتل المنسوب خبر في غاية الغرابة جاء فيه ما نصُّه: «إنَّ الإمام الحسين(علیه السلام) لما أتى أرض كربلاء، وقف فرسه فنزل عنها، وركب أخرى، فلم تنبعث خطوة واحدة، ولم يزل يركب فرساً بعد فرس حتى ركب سبعة أفراس وهنَّ على هذه الحال...»((2))، لو راجعنا تاريخ الطبري لما وجدنا لهذه الرواية أثراً ولا حتى في أيِّ مصدر آخر، فضلاً عن أنَّ الطبري أورد مسألة نزول الإمام الحسين(علیه السلام) أرضَ كربلاء، لكنه لم يذكر قضية الأفراس السبع، أو حتى توقُّف فرس الإمام(علیه السلام)،


1) أبو مخنف، مقتل الحسين ومصرع اهل بيته: ص42.

2) المصدر نفسه: ص51.

وكذلك لم تذكرمصادر أخرى تلك الرواية وأشارت فقط إلى نزول الإمام(علیه السلام) أرض كربلاء((1)).

5- ومن الأخبار الضعيفة التي وردت في المقتل المنسوب هي قول الإمام الحسين(علیه السلام) حينما اشتدَّ به العطش لأخيه أبي الفضل العباس بن علي «يا أخي اجمع أهل بيتك واحفروا بئراً، ففعلوا ذلك فلم يجدوا فيها ماء»((2)).

وتُعدُّ هذه الرواية من الأخبار المنفردة والموضوعة، كونها لم يروِها أبو مخنف في مقتله المُضمَّن في تاريخ الطبري، كما لم ترد في بقية المصادر الأخرى المتوافرة لدينا.

6- وورد في هذا المقتل المنسوب أيضاً خطأٌ تاريخي يتركَّز حول أنّ الطرماحبن عدي قُتل مع الإمام الحسين(علیه السلام) في واقعة الطف((3))، ومن خلال مقارنة هذه الرواية مع مقتل أبي مخنف في تاريخ الطبري نجد أبا مخنف أشار إلى وجود الطرماح في كربلاء، وأنَّه لم يُستشهَد مع الإمام الحسين(علیه السلام)، فتُعدُّ تلك الرواية كسابقاتها من حيث عدم صدورها عن أبي مخنف قطعاً.

7- ويرد خبر منفرد لأبي مخنف من خلال اعتماده على راوٍ لم نرَ له أثراً في تاريخ الطبري، ولا حتى في بقية المصادر الأخرى هو سهل بن سعيد الشهرزوري، ومن ثَمَّ يُعدّ من الرواة المُختلقين الذين لا وجود لهم في كتب التراجم والرجال.

أمّا الروايات التي أسندها أبو مخنف للشهرزوري، فتتركَّز في خبرين مهمَّين سنذكرهما مع مناقشتهما ومقارنتهما مع المصادر الأخرى، ولكن قبل إيرادهما لا بدّ من مطابقتهما مع تاريخ الطبري - بوصفه المصدر المُضمَّن لمقتل أبي مخنف - وللتأكُّد


1) الطبري، تاريخ: ج4، ص308؛ ابن أعثم، الفتوح: ج5، ص83؛ ابن طاووس، اللهوف: ص48؛ ابن نما، مثير الاحزان: ص35.

2) أبو مخنف، مقتل الحسين ومصرع اهل بيته: ص54.

3) المصدر نفسه: ص54.

من صحتهما، وعند مراجعتنا لتاريخ الطبري لم نجد أثراً لهذين الخبرين، فضلاً عن ذلك لم نجد راوياً من رواة أبي مخنف في تاريخ الطبري باسم سهل بن سعد الشهرزوري.

أ - يُنسب الخبر المعروف الذي دار بين سهل بن سعد الساعدي مع السيدة سكينة بنت الإمام الحسين(علیهما السلام) في الشام((1))، إلى سهل الشهرزوري((2))،مع أنَّ هناك اختلافاً شديداً في بعض فقرات الرواية، فمثلاً ورد في المقتل المنسوب لأبي مخنف أنَّ السيدة أمَّ كلثوم هي من تحدَّثت مع سهل الساعدي على حين ذكر المجلسي أنَّها السيدة سكينة بنت الإمام الحسين(علیهما السلام) وليس أمَّ كلثوم.

ب - أمّا الخبر الثاني فيهتمُّ بمشاهدات سهل الشهرزوري في الكوفة من مباهج


1) أصل الحادثة: «إنَّ سهل بن سعد قال: خرجت إلى الشام، فإذا أنا بمدينة مطَّردة الأنهار، كثيرة الأشجار، قد علَّقوا الستور والحجب والديباج، وهم فرحون مستبشرون، فقلت في نفسي: لا نرى لأهل الشام عيداً لا نعرفه نحن فرأيت قوما يتحدَّثون، فقلت: يا قوم لكم بالشام عيد لا نعرفه نحن؟ قالوا: يا شيخ نراك أعرابيا فقلت: أنا سهل بن سعد قد رأيت محمداً قالوا: يا سهل ما أعجب السماء لا تمطر دماً، والأرض لا تنخسف بأهلها؟ قلت: ولِمَ ذاك؟ قالوا: هذا رأس الحسين(علیه السلام) عترة محمد يُهدَى من أرض العراق، فقلت: واعجباه يُهدَى رأس الحسين والناس يفرحون؟ قلت: من أي باب يدخل؟ فأشاروا إلى باب يُقال له باب الساعات قال: فبينا أنا كذلك، حتى رأيت الرايات يتلو بعضها بعضا، فإذا نحن بفارس بيده لواء منزوع السنان عليه رأس من أشبه الناس وجها برسول الله، فإذا أنا من ورائه رأيت نسوة على جمال بغير وطاء، فدنوت من أولاهم فقلت: يا جارية من أنت؟ فقالت: أنا سكينة بنت الحسين فقلت لها: ألك حاجة إلي؟ فأنا سهل بن سعد ممن رأى جدَّكِ وسمعت حديثه، قالت: يا سهل قل لصاحب هذا الرأس أن يقدِّم الرأس أمامنا حتى يشتغل الناس بالنظر إليه، ولا ينظروا إلى حرم رسول، قال سهل: فدنوت من صاحب الرأس فقلت له: هل لك أن تقضي حاجتي وتأخذ مني أربعمائة دينار؟ قال: ما هي؟ قلت: تقدِّم الرأس أمام الحرم، ففعل ذلك فدفعت إليه ما وعدته»، المجلسي، بحار الانوار: ج45، ص127-128؛ البحراني، العوالم: ص427-428.

2) ابو مخنف، مقتل الحسين ومصرع اهل بيته: ص131.

الفرح ودلائل الحزن، ثم مشاهداته دخول رأس الإمام الحسين(علیه السلام) للكوفة وما رافقها من أحداث أخرى((1)).

وثَمَّة سؤال في غاية الأهمية هو أنّ الشهرزوري إذا كان موجوداً بالكوفة وتعرَّف على سبايا الحسين(علیه السلام) بشكل واضح، وبعدها انتقل إلى الشام،فلماذا لم يعرفهم حينما وصلوا الشام؟ هذا ما يدلُّ على عدم وجود راوٍ بهذا الاسم.

8- من المسائل التاريخية المهمة التي تستحقُّ المناقشة والوقوف على حقيقتها هي ما نُسِب لأبي مخنف قوله بخصوص العناصر التي تشكَّل منها الجيش الذي أقدم على حرب الإمام الحسين(علیه السلام) قائلاً: «كانوا من أهل الكوفة ليس فيهم شامي ولا حجازي...»((2))، هذه الرواية لم نجدها قطعاً في تاريخ الطبري؛ مما يشير إلى نسبتها لأبي مخنف.

يبدو أنَّ هذه الرواية تتعارض مع كثير من الحقائق التي أشارت إليها بعضُ المصادر والتي أكَّدت وجود عناصر عديدة من المقاتلين الذين شاركوا في حرب الإمام الحسين(علیه السلام)، وأنّ تلك العناصر قد تمَّ جمعها وتجنيدها من بلدان مختلفة منها الشام واليمن، مما يدلُّ بشكل واضح على أنَّ الجيش الذي أقدم على حرب الإمام الحسين(علیه السلام) لم يكن كوفياً خالصاً كما يُنظِّر البعض بأنَّ شيعته مَنْ قتله، وسنورد النصوص كما هي:

أ- ما كشفهُ يزيد بن معاوية في خطابه لأهل الشام عن حقيقة ما جرى في كربلاء، وأنَّ أهل الشام هم من تولوا محاربة الإمام الحسين(علیه السلام) بقوله: «فابشروا يا أهل الشام فإنَّ الخير لم يزل فيكم، وسيكون بينكم وبين أهل العراق ملحمة؛ فإنِّي


1) المصدر نفسه: ص110.

2) المصدر نفسه: ص54.

رأيت في منامي قبل ثلاث ليالٍ كأنّ بيني وبين أهل العراق نهراً يطَّرد بالدم العبيط... وجعلت أجهد في منامي أن أجوز ذلك النهر فلم أقدر على ذلك حتى جاءني - عبيد الله ابن زياد - فجازه بين يدي وأنا أنظر إليه، فأجابه أهل الشام وقالوا: أمضِ بنا يا أميرالمؤمنين حيث شئت، فنحن بين يديك، وسيوفنا هي التي عرفهاأهل العراق في يوم صفين...»((1)).

ويُستنتَج من خلال هذه الوثيقة عدَّة نتائج مفيدة منها:

1- إنَّ يزيد كان عازماً على حرب الإمام الحسين(علیه السلام)، وإنَّه كان مخطِّطاً لهذه المسألة مسبقاً.

2- استند يزيد في حربه ضدَّ الإمام(علیه السلام) بخصوص الدعم العسكري على أهل الشام، ومن ثَمَّ فإنّ أهل العراق بريئون من تهمة مشاركتهم في الحرب ضدَّ الإمام الحسين(علیه السلام)، وإنْ كانت المشاركة فبنسبةٍ قليلةٍ.

3- كشف أهل الشام عن طبيعتهم الحاقدة على أهل العراق من الموالين للإمام على بن أبي طالب(علیه السلام) من خلال إشارتهم لواقعة صفين، واستعدادهم لمحاربتهم مرة أخرى، وهو الذي حصل في واقعة الطف.

ب - ذكر الطبري - في معرض حديثه عن تفرُّق أنصار مسلم بن عقيل عنه - أنّ منْ جملة أسباب تفرُّق أنصاره: «أنَّ المرأة كانت تأتي ابنها أو أخاها فتقول:انصرف الناس يكفونك، ويجئ الرجل إلى ابنه أو أخيه فيقول غدا يأتيك أهل الشام فما تصنع بالحرب والشرِّ؟ انصرف فيذهب به، فما زالوا يتفرقون ويتصدَّعون»((2)).

أشارت الرواية إلى أنَّ السلطة الأموية كانت تروِّج لفكرة قدوم جيش من


1) ابن أعثم، الفتوح، ج5، ص7؛ الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج1، ص261.

2) تاريخ: ج4، ص277.

الشام؛ للمشاركة في ردع الخارجين عن السلطة بحسب ادعائها، بل إنّ هناك نصوصاً أوضحت بشكل صريح حضور العناصر الشامية لمحاربة الإمام الحسين(علیه السلام)منها:

ت - ما رواه الكليني عن الإمام الصادق(علیه السلام) قوله: «تَاسُوعَاءُ يَوْمٌ حُوصِرَ فِيه الْحُسَيْنُ(علیه السلام) وأَصْحَابُه(رضی الله عنهم) بِكَرْبَلَاءَ واجْتَمَعَ عَلَيْه خَيْلُ أَهْلِ الشَّامِ وأَنَاخُوا عَلَيْه وفَرِحَ ابْنُ مَرْجَانَةَ وعُمَرُ بْنُ سَعْدٍ بِتَوَافُرِ الْخَيْلِ وكَثْرَتِهَا واسْتَضْعَفُوا فِيه الْحُسَيْنَ صَلَوَاتُ الله عَلَيْه وأَصْحَابَه(رضی الله عنهم) وأَيْقَنُوا أَنْ لَا يَأْتِيَ الْحُسَيْنَ نَاصِرٌ ولَا يُمِدَّه أَهْلُ الْعِرَاقِ»((1)).

النصُّ واضح عن مشاركة أهل الشام بشكل فعَّال في قتال الإمام الحسين(علیه السلام)، وأشارت الرواية إلى كثرة عددهم بدليل (وفرح ابن مرجانة وعمر بن سعد بتوافر الخيل وكثرتها).

ث - أشار أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت460ﻫ/1062م) إلى مشاركة الجيش الشامي في واقعة الطف من خلال حديثه عن اتخاذ يوم عاشوراء يوم عيد وفرح من قبل بني أُمية، قائلاً: «إنَّ آل أمية (عليهم لعنة الله) ومن أعانهم على قتل الحسين من أهل الشام، نذروا نذرا إن قُتِل الحسين(علیه السلام) وسلم من خرج إلى الحسين(علیه السلام)، وصارت الخلافة في آل أبي سفيان، أن يتخذوا ذلك اليوم عيدا لهم، وأن يصوموا فيه شكراً ويُفرِحون أولادهم، فصارت في آل أبي سفيان سنة إلى اليوم في الناس، واقتدى بهم الناس جميعا، فلذلك يصومونه ويدخلون على عيالاتهم وأهاليهم الفرح ذلك اليوم. ثم قال: إنَّ الصوم لا يكون للمصيبة، ولا يكون إلا شكراً للسلامة، وإنَّ الحسين(علیه السلام) أصيب، فإن كنت ممن أُصِبت به فلا تصم، وإن كنت شامتاً ممن سرَّك


1) الكافي: ج4، ص147.

سلامةبني أمية فصم شكرا لله تعالى»((1)).

ج - أمّا أبو جعفر محمد بن علي الملقب ب-:الصدوق (ت381ﻫ/983م): فقد بيَّن أنّ أهل الشام لم يكونوا مجرد مقاتلين عسكريين بل أشرفوا بشكل مباشر على ذبح الإمام الحسين(علیه السلام)، وكان لهم الأثر الكبير في ذلك إذ يقول: «ونظر الحسين(علیه السلام) يميناً وشمالاً ولا يرى أحداً، فرفع رأسه إلى السماء، فقال: اللهمَّ إنَّك ترى ما يصنع بولد نبيك، ورُمِي بسهم فوقع في نحره، وخرَّ عن فرسه... صريعا، وأقبل عدوُّ الله سنان بن أنس الأيادي، وشمر بن ذي الجوشن العامري (لعنهما الله) في رجال من أهل الشام حتى وقفوا على رأس الحسين(علیه السلام)، فقال بعضهم لبعض: ما تنتظرون؟ أريحوا الرجل. فنزل سنان (لعنه الله) وأخذ بلحية الحسين(علیه السلام) وجعل يضرب بالسيف في حلقه وهو يقول: والله إني لأحتزُّ رأسك، وأنا أعلم أنَّك ابن رسول الله وخير الناس أباً وأماً»((2)).

ح - وفي إشارة لأبي جعفر محمد بن جرير بن رستم الطبري الشيعي: ذكَر اشتراك عناصر من أهل اليمن ومصر في الجيش الذي حارب الإمام الحسين(علیه السلام) في الطفِّ؛ إذ قال: «وكان في تلك الخيل والله أعلم قوم من أهل مصر وأهل اليمن»((3)).

خ - ويحدِّد ابن شهر آشوب عدد العناصر الشامية المشاركة في حرب الإمام الحسين(علیه السلام) والبالغة أربعة آلاف شامي بقوله: «وجهَّز ابن زياد عليهخمسا وثلاثين ألفاً... وشمر بن ذي الجوشن السلولي في أربعة آلاف من أهل الشام»((4)).

أشارت هذه الرواية إلى مسألة خطيرة، وهي العدد الكبير للجيش الشامي


1) الامالي: ص667.

2) الصدوق، الامالي: ص226.

3) ذخائر العقبى: ص146.

4) مناقب ال أبي طالب: ج2، ص248.

المشارك بواقعة الطفِّ الذي بحسب الرواية يشكِّل العمود الفقري للجيش العام آنذاك.

بعد إيرادنا لهذه النصوص الصريحة في بيان أنّ الجيش الذي أقدم على حرب الإمام الحسين(علیه السلام) في واقعة الطف لم يكن مقتصراً على أهل العراق وتحديداً الكوفة، بل اشتركت فيه عناصر شامية ويمنية ومصرية، وهذا يدلُّ على أنّ السلطة الحاكمة كانت متخوِّفة من أهل العراق، والسبب في ذلك يرجع إلى معرفة أهل العراق بمكانة الإمام(علیه السلام) بوصفه سبط رسول الله(صلی الله علیه و آله) وأحد الأئمة المعصومين(علیهم السلام)، وأنَّ له في العراق قاعدة جماهيرية شيعية واسعة موالية؛ لذا اعتمدت على عناصر غير عراقية، وزيادة على ذلك أنّ بيئة الشام كانت آنذاك تميل للأمويين بفعل الإعلام الأموي المضلِّل لهم، ولعلَّ هذا الرأي هو أحد الإحتمالات التي دفعت السلطة إلى اتخاذ هذا القرار العسكري المتمثل بإشراك عناصر غير عراقية.

9- من الروايات الضعيفة التي وردت في المقتل المنسوب لأبي مخنف هي: إنَّه لما عبر موكب سبايا آل محمد(صلی الله علیه و آله) شوارع الكوفة، أعطى لهم أهل الكوفة بعض الجوز والتمر صدقة، لكنَّ أُمَّ كلثوم بنت علي(علیهما السلام) رفضت ذلك، وقالت: «الصدقة علينا حرام»((1)).الرواية لا تناسب مقام أهل البيت بشكل أو بآخر هذا من جانب، ومن جانب آخر أنَّها لم ترد في مصادرنا التي عرضت حادثة السبي والأسر، منها أنساب الأشراف للبلاذري، وتاريخ اليعقوبي، وتاريخ الطبري، ومروج الذهب للمسعودي، ومقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني، والإرشاد للمفيد، ومقتل الحسين للخوارزمي، والمنتظم لابن الجوزي، واللهوف لابن طاووس، ومثير


1) ابو مخنف، مقتل الحسين ومصرع اهل بيته: ص110.

الأحزان لابن نما، مع أنَّها وردت عند الاسفراييني((1)) وفخر الدين الطريحي (ت1058ﻫ/1660م)((2)) وبخصوص الأول يحتوي مقتله على العديد من الروايات الضعيفة والمحرَّفة والتي لا يمكن قبولها، وسنناقش هذا المقتل لاحقاً من هذه الأطروحة، أمَّا الطريحي فهو من المصادر المتأخرة، ولا شكَّ أنَّه اعتمد في نقلها على ما نُسِب لأبي مخنف و ما ذكرُه الاسفراييني في مقتله.

10- وسنذكر الروايات التي ذُكرت في المقتل المنسوب والتي لا يمكن قبولها لعدم تناسبها مع مقام ومكانة نساء أهل البيت، بل من غير الممكن أن تصدر مثل هذه التصرفات التي تخدش العفَّة والحشمة عن نساء الأطهار، ولاسيما ونحن نتحدَّث عن نساء أهل البيت، اللواتي ضربنَ أروع صور العفة والطهارة، ألم يُذكر في الروايات أنَّ السيدة زينب بنت علي بن ابي طالب(علیهم السلام) لم يكن يُرى ظلُّها؟ ألم تكن السيدة سكينة بنت الحسين(علیهما السلام) منقطعة إلى الله سبحانه وتعالى؟ وبهذا تُعدُّ تلك الأخبار ضمن الموضوعات والتحريفات التي طالت ملحمة الخلود في كربلاء؛ هدفها تشويه صورة نساء أهل البيت(علیهم السلام)، ومن الروايات الضعيفة التي لا تتوافق مع أخلاق وآداب بنات الرسالة، هي:أ - «إنَّ السيدة أُمَّ كلثوم(علیها السلام) صرخت وهتكت خمارها»((3)) أو إنَّ السيدة زينب «تقول جاء رجل وأخذ القناع من رأسي»((4))، كما وردت رواية تخصُّ السيدة سكينة بنت الحسين(علیهما السلام)، وهي «إنَّ السيدة سكينة عندما رأت رجوع جواد أبيها الحسين(علیه السلام) عارياً، والسرج خالياً من راكبه هتكت خمارها، ونادت واابتاه واحسيناه...»((5)).


1) نور العين: ص56، مع اختلاف يسير كونه وضع بدل كلمة الجوز والتمر - كلمة: الخبز.

2) المنتخب: ج2، ص478.

3) ابو مخنف، مقتل الحسين ومصرع أهل بيته: ص103.

4) المصدر نفسه: ص106.

5) المصدر نفسه: ص103.

11- موت يزيد بن معاوية. أشار أبو مخنف إلى موت يزيد بن معاوية بثلاث روايات تتسم بالأسطورية، وبالشكل الآتي:

أ - الأولى: «إنّ يزيد (لعنه الله) بقي بعد الحسين(علیه السلام) أياماً قليلة وخرج ذات يوم إلى الصيد في عسكره فلاحت له ظبية، فطلبها وقال لأصحابه لا ينبغي منكم أحد، فركض شديداً حتى وصل إلى مكان لا يهتدي فيه طريقا، فلقيه أعرابي وقال له: أضالٌّ فأرشدك أم جائع فأطعمك أم عطشان فاسقيك؟ فقال يزيد (لعنه الله) لو عرفتني لزدت كرامتي، فقال الأعرابي: من أنت؟ أنا يزيد (لعنه الله)، فقال الأعرابي: لا مرحبا بك ولا أهلا، ما أقبح طلعتك وما اشنع سمعتك، والله لا قتلنَّك كما قتلت الحسين(علیه السلام)، وجذب سيفه وهمَّ أن يعلوه فذعرت فرس يزيد لعنه الله من بريق السيف، فطرحته تحتها وقطَّعت أمعاءه»((1)).

ب - الثانية: «قال بعضهم هلك عطشا»((2)).ت - الثالثة: «قيل ورد على قليب ماء وقلبه يلهب عطشا، وعلى القليب طائر عظيم الجثة فأراد أن يشرب فابتلعه الطير وطار به نحو السماء، ورجع إلى ذلك الماء فتقيأه خلقا سويا، فهمَّ أن يشرب ثانية فأهوى إليه الطير فقطَّعه بمنقاره، ولم يزل يلتقمه ويتقيأه إلى يوم القيامة، ثم الإنتقام منه في جهنم»((3)).

ومن الملاحظ على هذه الروايات اتسامها بالطابع الأسطوري، ويمكن تسجيل عدة ملاحظات نقدية وإشكالات ضدَّها منها:

أ - الروايات من ناحية السند: لا تحتوي تلك الروايات على سند روائي، ولم تُشِر


1) المصدر نفسه: ص152.

2) المصدر نفسه: ص152.

3) المصدر نفسه: ص152.

إلى أيّ مصدر، أو راوٍ اعتمدت عليه في إيرادها لتلك الأخبار، والذي ينتج عن ذلك ضعفها وإهمالها من الناحية التاريخية، ومن ثَمَّ لا يمكن الإعتماد عليها.

ب - مقارنة تلك الروايات مع بعض المصادر((1))، تعرَّضت الكثير من المصادر إلى موضوع وفاة يزيد بن معاوية ولم تُشِر إلى ما أوردته تلك الروايات من أخبار، وإنمَّا اكتفت بتحديد تاريخ وفاته، وهو سنة أربع وستين للهجرة، ومكانها في قرية حوارين - من قرى حمص في الشام - مما يشير إلى أنّ تلك الروايات قد جاءت من نسج خيال واضعها وتصوراته.

ومن الجدير بالذكر أنّ الطبري الذي اعتمد بشكل كبير على أبي مخنف فينقل العديد من الأخبار عنه وفي مختلف الأحداث نلحظه لم يعتمد عليه في نقل رواية موت يزيد بن معاوية، وإنَّما اعتمد على الزُهري وهشام بن محمد الكلبي، فضلاً عن أنَّه لم يُشِر إلى أيٍّ من تلك الروايات أعلاه وإنمَّا اكتفى فقط بتحديد تأريخ وفاته((2))، وهذا يدلُّ على أنّ أبا مخنف لم يتطرَّق في مروياته إلى وفاة يزيد بن معاوية، ولو كان روى ذلك لاعتمد عليه الطبري ونقلها لنا - لكونه أكثر من نقل مروياته وفي مختلف الأحداث.

ت - ورد في الرواية الأولى أنّ المدة الزمنية بين استشهاد الإمام الحسين(علیه السلام) وبقاء يزيد في الحكم (أيام قليلة) وهذا خلاف المنطق والتأريخ، لكون استشهاد الإمام(علیه السلام) كان سنة إحدى وستين للهجرة، ووفاة يزيد سنة أربع وستين للهجرة


1) ابن خياط، تاريخ: ص195-196؛ البلاذري، انساب الاشراف: ج5، ص354؛ الطبري، تاريخ: ج4، ص383؛ المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص53؛ ابن حبان، الثقات: ج2، ص314؛ ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج37، ص438؛ ابن الاثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص125؛ الدميري، حياة الحيوان الكبرى: ج1، ص94.

2) الطبري، تاريخ: ج4، ص384.

فالمدة بينهما ثلاث سنوات وليس أياماً، ولعلَّ واضع هذه الرواية لم يتقنها بشكل جيد أو خانه التعبير.

ث - أمّا ما ورد في الرواية الثالثة فهو أشبه بالحكاية الشعبية، حيث تقول إنّ الطائر الذي التقم يزيد بقي يلتقمه إلى يوم القيامة؟ كيف عرف واضع هذه الرواية أنّه باقٍ وسيستمرُّ إلى يوم القيامة؟ وكيف حدَّد ذلك؟ ومن هذا الطائر؟ وما الحكمة من تكرار العملية التي قام بها الطائر أكثر من مرة؟ ومن شاهد ذلك ونقله؟ إضافة إلى ذلك هل الراوي كان موجوداً في يوم القيامة أو حضر هذا اليوم ورأى فعل الطائر بيزيد؟

ويُستشفُّ من ذلك كلّه أنّ الروايات الثلاث مخالفة لأغلب المصادر التاريخية كما مرَّ آنفاً، وبحدود اطلاعنا قد انفرد بهنَّ مؤلف هذا المقتل، ويغلب الطابع القصصي والخيالي عليهنَّ، ولا سند تأريخي لهن؛ ومن ثَمَّ فهنَّ في عداد الرواياتالموضوعة.

بعد أنْ بيَّنا بأنّ مقتل الحسين(علیه السلام) لأبي مخنف المنسوب إليه، وأنّ أغلب رواياته لم ترد في تاريخ الطبري المُضمّن للمقتل الصحيح، كما أنّها كانت تتسم بالأسطورية والإرتباك التاريخي؛ لذلك يتضح لنا بأنّ هذا المقتل ليس لأبي مخنف وإنَّما نُسب إليه، أو تمَّ تحريفه عن المقتل الأصل، وهذا ما أشار إليه أحد الباحثين بقوله: «من المرجَّح أنّ كُتبَ أبي مخنف كانت من الكتب التي كثر قراؤها بين الشيعة، وهناك مؤلفات وصلت إلينا منسوبة إليه، غير أنَّها تبدو بتعديلات متأخرة، فيها تصرف في النصِّ زاد بمضي الوقت زيادة مطردة حتى أصبحت نصوصها بعيدة عن أصل المؤلف...»((1)).

وهنا لا بدّ من السؤال عن تأريخ كتابة هذا المقتل المنسوب لأبي مخنف، في


1) سزكين، تاريخ التراث العربي: مج1، ج2، ص128.

الحقيقة لم تشر لنا المصادر بذلك، لكن نستطيع أن نرجِّح بأنَّه وُضِع بعد القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي - من خلال الإستناد إلى قرينتين أساسيتين هما:

1- القرينة الأولى أو الدليل الأول: لقد ورد في هذا المقتل اسم الشيخ الكليني((1)) كما أوضحنا ذلك آنفاً، وبما أنَّه من أعلام القرن الرابع الهجري، فوجود اسمه في المقتل يشير إلى أنَّه صُنِّف بعد القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي.

2- القرينة الثانية أو الدليل الثاني: إنَّ المؤرخ المسعودي أورد رواية موضوعة كما بينا ذلك آنفاً - قد انفرد بها المقتل المنسوب لأبي مخنف، وهي تتحدَّث عن تحديد العناصر التي شاركت في حرب الإمام الحسين(علیه السلام) وتحدِّدهم فقطبأهل الكوفة((2)) - وهذه الرواية وردت فقط في المقتل المنسوب، فيُستنتَج من ذلك كلّه، أنّ من المحتمل أنْ يكون المقتل المنسوب لأبي مخنف قد أُلِّف بعد القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي.

معالم منهج الكتابة التاريخية
اشارة

معالم منهج الكتابة التاريخية لابي مخنف في المقتل الحسيني المُضمَّن في تاريخ الطبري والمؤلَّفات الأخرى.

يُعدُّ أبو مخنف أحد أعمدة المدرسة الكوفية (العراقية)، التي امتازت بالتدوين التاريخي في القرن الثاني الهجري/السابع الميلادي، لذا يتبوَّأ أبو مخنف أهمية تاريخية في تدوين الأحداث، ومنها المقتل الحسيني، ولم يخرج عن سياق منهجه التاريخي العام بشكل كبير في سرده وتدوينه للمقتل، وسنركِّز في دراستنا هذه وتحديداً في هذا الفصل على منهج أبي مخنف بالمقتل حصراً دون أحداث التاريخ الإسلامي


1) ابو مخنف، مقتل الحسين ومصرع اهل بيته: ص36.

2) مروج الذهب: ج3، ص61.

الأخرى((1))، ومن أهمِّ معالم ذلك المنهج ما يلي:

1- اهتمامه بالسند

ويقصد به رفع الحديث إلى قائله بالتناقل((2)) أو بتعبير آخر هو طريق المتن: وهو جملة من الرواة مأخوذ من قولهم وأمّا المحدثون - وأبو مخنف أحدهم - فقداستعملوا السند والإسناد بمعنى واحد، أي الطرق الموصلة إلى المتن، فهو عبارة عن الرواة، وقد يكون بمعنى حكاية طريق المتن((3))، لذلك نرجِّح من خلال عرض أبي مخنف لمرويات المقتل اهتمامه بالسند الروائي، وقد أشار أحد الباحثين إلى أهمية السند لدى المحدِّثين بقوله: «إنّ المحدِّثين قد أدركوا في مرحلة مبكرة ما للإسناد من أهمية بالغة في الصناعة الحديثية إذ هو دعامتها الأساسية ومرتكزها في أبحاث العدالة والضبط»((4))، بهذا يتضح لنا أنّ أبا مخنف أهتمَّ بطريقة المحدِّثين في الإسناد لاسيما وأنَّ أبا مخنف من أبرز أولئك وأشهرهم.

2- التشكيك ببعض الروايات وتضعيفها

لعلَّ من المقوِّمات الأساسية التي يجب أن يمتلكها المؤرِّخ هي الملكة النقدية للأحداث والروايات والتشكيك بها، ونجد أنَّ أبا مخنف أوردَ بعض الإشارات النقدية لبعض الروايات الخاصة بالمقتل (وإنْ كانت محدودة)، التي لم يكن مقتنعاً


1) هناك دراسة أكاديمية تناولت منهج أبي مخنف بشكل عام دون التركيز على المقتل الحسيني، العلي، ابو مخنف: ص257-325.

2) البابلي، رسائل في دراية الحديث: ج1، ص121؛ الشهيد الثاني، الرعاية في علم الدراية: ص53؛ الشيرازي، الفوائد الرجالية: ص181؛ الصدر، نهاية الدراية: ص94؛ العاملي، ثلاثيات الكليني: ص17.

3) البابلي، رسائل في دراية الحديث: ج2، ص133. ، عبد الله، الاسناد واهميته: ص95.

4) عبد الله، الاسناد واهميته: ص97.

بها ومشككاً فيها، مستعملاً لفظاً يدلُّ على ذلك، وهو (زعم) والروايات هي:

أ - تشكيكه بعدم معرفة وعلم حسان بن أسماء بن خارجة، وهو ابن أخ هانئ ابن عروة؛ بسبب استدعاء هانئ من قبل السلطة المتمثلة بوالي الكوفة عبيد الله بن زياد الذي أرسل بطلبه للإيقاع به وإلقاء القبض عليه((1))، ونصُّ الرواية: «وزعموا أنّ أسماء لم يعلم في أيّ شيء بعث إليه عبيد الله...»((2))، على حين أشارتبعض المصادر والمراجع التاريخية((3)) إلى أنّ حسان بن أسماء لم يكن على علم بالمؤامرة ضدَّ هانئ، إلا أنّ أبا مخنف يفنِّد تلك المزاعم ويرجِّح علمه ومعرفته بتلك المؤامرة.

ب - ونجد أبا مخنف ضعَّف وفنّد ما أجمع عليه العديد من المحدِّثين بخصوص الإقتراحات التي طرحها الإمام الحسين(علیه السلام) للسلطة الحاكمة، قال أبو مخنف: «وأما ما حدّثنا به المجالد بن سعيد والصقعب بن زهير الأزدي وغيرهما من المحدِّثين فهو ما عليه جماعة المحدِّثين قالوا إنَّه قال - أي الإمام الحسين - اختاروا مني خصالا ثلاثاً إمّا أن أرجع إلى المكان الذي أقبلت منه، وإمّا أن أضع يدي في يد يزيد بن معاوية فيرى فيما بيني وبينه رأيه، وإما أن تُسيِّروني إلى أي ثغر من ثغور المسلمين شئتم، فأكون رجلا من أهله لي ما لهم وعليَّ ما عليهم»((4)).

وبعد أنْ ذكر أبو مخنف هذه الرواية - التي لم يكن مقتنعاً فيها - فنَّدها برواية أخرى، بقوله: «فأمّا عبد الرحمن بن جندب فحدثني عن عقبة بن سمعان قال صحبت


1) الطبري، تاريخ: ج4، ص272-273؛ المفيد، الارشاد: ج2، ص47-48؛ المجلسي، بحار الانوار: ج44، ص344-345.

2) الطبري، تاريخ: ج4، ص272.

3) ابن أعثم، الفتوح: ج5، ص49؛ ابن نما، مثير الاحزان: ص22؛ الشاهرودي، مستدركات علم الرجال: ج2، ص329؛ شرف الدين، المجالس الفاخرة: ص198؛ القرشي، حياة الامام الحسين(علیه السلام): ج2، ص372.

4) الطبري، تاريخ: ج4، ص313.

حسيناً، فخرجت معه من المدينة إلى مكة ومن مكة إلى العراق، ولم أفارقه حتى قتل، وليس من مخاطبته الناس كلمة بالمدينة ولا بمكة ولا في الطريق ولا بالعراق ولا في عسكر إلى يوم مقتله إلا وقد سمعتها، ألا والله ما أعطاهم ما يتذاكر الناس وما يزعمون من أن يضعيده في يد يزيد ابن معاوية، ولا أن يسيِّروه إلى ثغر من ثغور المسلمين، ولكنه قال دعوني فلأ ذهب في هذه الأرض العريضة حتى ننظر ما يصير أمر الناس»((1)).

ومن الملاحَظ أنّ أبا مخنف اتَّبعَ في هذه الرواية منهج المقارنة بين الروايات وترجيحه للرواية التي يعتقد بصحتها، وقد اعتمد بتفنيده للرواية أعلاه باستدلاله برواية أقوى منها من الناحية التاريخية التي أوردها عن طريق شاهد عيان للحدث، ومعاصرا له هو - عقبة بن سمعان مولى الرباب زوجة الإمام الحسين(علیه السلام) - الذي كان ملازماً للركب الحسيني.

ولابدَّ من القول هنا أنّ بعض المؤرخين((2)) أوردوا هذه الرواية إمّا عن طريق أبي مخنف، أمثال: ابن حجر العسقلاني، أو عن طريق آخر، ولم يعلِّقوا عليها، أو يضعِّفوها أو يشكِّكوا فيها، وهذا يدلُّ على أمر مهمِّ، هو أنّ عدم تفنيدها وتضعيفها يرجع إلى عوامل سياسية ومذهبية، فضلاً عن التوجهات والميول التي حملها هؤلاء المؤرِّخون، ومن جانب آخر عدم تمتع بعضهم بالأمانة العلمية وتحيّزهم أمثال ابن حجر الذي أورد هذه الرواية ولم يورد الرواية التي من خلالها فنَّد أبو مخنف تلك الرواية وضعَّفها.


1) المصدر نفسه: ج4، ص313.

2) البلاذري، انساب الاشراف: ج2، ص182؛ ابن الاثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص54؛ النويري، نهاية الارب: ج20، ص429؛ ابن حجر، الاصابة: ج2، ص71.

ت - تضعيفه لقضية عبد الله بن حوزة الذي دعا عليه الإمام الحسين(علیه السلام)، ونال عاقبته في ساحة المعركة حتى مات، من خلال تشكيكه برواية سويدبن حية بقوله: «وأمّا سويد بن حية فزعم لي أنَّ عبد الله بن حوزة حين وقع فرسه بقيت رجله اليسرى في الركاب، وارتفعت اليمنى فطارت، وعدا به فرسه يضرب رأسه كلَّ حجر وأصل شجرة حتى مات»((1))، مع العلم أنَّ أبا مخنف أورد الرواية نفسها لكن عن طريق شيخه (حسين أبي جعفر) ولم يضعّفها((2))، على حين شكَّك بالرواية التي أوردها عن طريق سويد بن حية، ولعلَّ من خلال المقارنة بين الروايتين نجد أنَّ رواية سويد زادت بعض الشيء عن رواية أبي جعفر من قبيل: «أنَّ عبد الله بن حوزة حين وقع فرسه بقيت رجله اليسرى في الركاب وارتفعت اليمنى فطارت...»، هذه الزيادة لم توردها رواية أبي جعفر، ومن المحتمل أنّ هذه الزيادة في رواية سويد هي التي دفعت أبا مخنف إلى تضعيفها والتشكيك فيها، وهذا يدلُّ على الدقة العالية التي يتمتع بها في تدقيقه برواياته.

ث - تشكيكه بقول أبي الفضل العباس(علیه السلام) لأخوته، بما نصُّه: «زعموا أنَّ العباس بن علي قال لأخوته من أمِّه عبد الله وجعفر وعثمان يا بنى أمي تقدموا حتى أرثكم؛ فإنَّه لا ولد لكم ففعلوا فقُتِلوا...»((3)).

وقد أشار القاضي النعمان إلى اعتقاده بصحة الرواية أعلاه من قوله «وورثهم العباس وقُتِل بعدهم...» وكذلك ابن الاثير بقوله: «وقال العباس بن علي لأخوته من أمِّه عبد الله وجعفر وعثمان تقدموا حتى أرثكم؛ فإنَّه لا ولد لكم ففعلوا فقُتِلوا...»((4)


1) الطبري، تاريخ: ج4، ص328.

2) المصدر نفسه: ج4، ص328.

3) المصدر نفسه: ج4، ص342.

4) الكامل في التاريخ: ج4، ص76.

ونحن نتساءل أيّ إرث ورثه العباس(علیه السلام)؟لاسيما وأنّهم - أي من أورد رواية الإرث - أشاروا إلى مقتل العباس(علیه السلام)، ثمَّ هل بالإمكان التفكير بمسائل الإرث لشخص بمستوى إيمان أبي الفضل العباس وعقيدته، كذلك الأجواء كانت آنذاك مملوءة بالرعب والحرب والخوف، ثم إنَّه يعلم يقيناً أنَّه مستشهدٌ لا محالة، وقد رفض رفضاً قاطعاً الإنسحاب والأمان الذي مُنِح له ولأصحابه.

3- توضيح وشرح بعض المفردات والأماكن والشخصيات وتحديد وظيفتها

لجأ أبو مخنف إلى تقديم توضيح بعض المفردات والأشخاص ممَّا يحتاج إلى توضيح؛ لكي يستقيم معنى الرواية، ومن الملفت للنظر أنَّ التوضيح جاء ملائماً للموضوع الذي وردت فيه تلك المفردة، ومن أمثلة ذلك ما يلي:

ا- من الشخصيات التي قام أبو مخنف بتعريفها وتوضيح مهمَّتها، أبو ثمامة الصائدي إذ قال عنه: «وهو الذي كان يقبض أموالهم (أي الشيعة) وما يعين به بعضهم بعضا، يشترى لهم السلاح، وكان به بصيراً وكان من فرسان العرب ووجوه الشيعة»((1))، فحدَّد أبو مخنف مهمة الصائدي بأنّها كانت ذات طابع عسكري؛ لكونه خبيراً بهذا المجال.

ب - تعريفه لشخصية طوعة أثناء ورود اسمها في الرواية بقوله: «حتى انتهى - أي مسلم بن عقيل - إلى باب امرأة يقال لها طوعة أمَّ ولد كانت للأشعث بن قيس فأعتقها، فتزوَّجها أسيد الحضرمي، فولدت له بلالا»((2))، وكذلك حدَّد وظيفة شخصية الحصين بن نمير بأنَّه قائد شرطة الوالي عبيد الله بن زياد((3)).


1) الطبري، تاريخ: ج4، ص271.

2) المصدر نفسه: ج4، ص278.

3) المصدر نفسه: ج4، ص279.

ت - تعريفه لعبد الله بن عمير وتحديد مكان سكنه قائلاً: «كان رجل يُدعَى عبد الله بن عمير من بنى عُليم كان قد نزل الكوفة، واتخذ عند بئر الجعد من همدان داراً، وكانت معه امرأة له من النمر بن قاسط يُقال لها أمّ وهب بنت عبد»((1)).

ث - من خلال استقرائنا لروايات المقتل، نجد أنَّ أبا مخنف اهتمَّ بالجغرافية التاريخية بشكل دقيق وحدَّد المنازل والمناطق التي مرَّ الركب الحسيني بها أو التي نزلَ فيها((2)).

4- ومن ضمن منهجيته إيراده للكتب الرسمية بنصوصها الكاملة

والتي تمَّ مراسلتها بين القيادة المركزية في الشام وولاتها سواء في المدينة أو الكوفة، أم بين الولاة أنفسهم، أو التي أرسلها الإمام الحسين(علیه السلام) لشيعته، فضلاً عن الخطب التي نُقلت بنصِّها الكامل أيضاً سواء كانت لرجال السلطة الحاكمة أو للإمام الحسين(علیه السلام) وأهل بيته وأصحابه(علیه السلام)((3)).

5- التعليل والتفسير التاريخي للأحداث

من أبرز معالم المنهج التاريخي هو تفسير الأحداث وطريقة سيرها وايجاد تعليل لها؛ لكي تصبح الحقيقة التاريخية واضحة ومعلومة، ونجد أنّ أبا مخنف استخدم التعليل لبعض الأحداث المتعلِّقة بالمقتل، وهذا ينمُّ عن امتلاكه حسَّاً تأريخياً كبيراً، كذلك تطبيقه لشرط التعليل من شروط المنهج التاريخي، والروايات التي تتعلَّقبهذا الموضوع هي:


1) المصدر نفسه: ج4، ص327.

2) للوقوف أكثر بشأن تفاصيل هذا الموضوع، ينظر، الطبري، تاريخ: ج4، ص297، 300، 302، 304، 305، 307، 309.

3) للوقوف أكثر بشأن تفاصيل هذا الموضوع، ينظر، الطبري، تاريخ: ج4، ص277، 297، 304، 308، 317.

أ - علَّل أبو مخنف سبب إقدام الوالي عبيد الله بن زياد بتكليف قوة تقوم بإلقاء القبض على مسلم بن عقيل(علیه السلام) بعد تحديد مكانه بقيادة محمد بن الأشعث، أنْ يكونَ جميع رجالها من قيس حصراً، وقد فسَّر أبو مخنف ذلك بقوله: «وإنَّما كره - ابن زياد - أن يبعث معه قومه لأنَّه قد علم أنَّ كلَّ قوم يكرهون أن يصادف فيهم مثل ابن عقيل فبعث معه عمرو بن عبيد الله بن عباس السلمي في ستين أو سبعين من قيس حتى أتوا الدار التي فيها ابن عقيل...»((1)).

ب - وعلَّل سبب انضمام عمر بن سعد لحرب الإمام الحسين(علیه السلام) إلى عامل سياسي، يتعلَّق بالبحث عن المناصب الرفيعة في الدولة الأموية، ومنها تسلميه ولاية الري((2))، بقوله: «وكان سبب خروج ابن سعد إلى الحسين(علیهالسلام) أنَّ عبيد الله بن زياد بعثه على أربعة آلاف من أهل الكوفة يسير بهم إلى دستبى((3)) وكان الديلم قد خرجوا إليها، وغلبوا عليها، فكتب إليه ابن زياد عهده على الري، وأمره بالخروج،


1) الطبري، تاريخ: ج4، ص297.

2) الري: مدينة مشهورة من أمهات البلاد وأعلام المدن، كثيرة الفواكه والخيرات، وهي محطُّ الحاج على طريق السابلة وقصبة بلاد الجبال، وقيلت عدة تفسيرات واراء بخصوص السبب في تسميتها وتأريخ بنائها؛ منها إنَّها بلد بناه فيروزبن يزدجرد وسماه رام فيروز، أمّا سبب تسميتها فقيل:سُمِّيت الريّ برويّ من بني بيلان بن إصبهان بن فلوج بن سام. قال: وكان في موضع المدينة بستان. فخرجت بنت روي يوما إليه فإذا هي بدراجة تأكل تينا فقالت: بورأنجير. يعني أن الدراجة تأكل تينا. فاسم المدينة في القديم بورأنجير. وغيره أهل الري فقالوا بهزويد، ولما قدم المهدي الريّ في عهد المنصور، بنى مدينة الري وجعل حولها خندقا، وبنى فيها مسجدا جامعاٌ، ابن الفقيه الهمذاني، البلدان: ص537-554؛ ياقوت الحموي، معجم البلدان: ج3، ص116-121.

3) كورة كبيرة كانت مقسومة بين الري وهمذان، قسم منها يُسمَّى دستبى الرازي وهو يقارب التسعين قرية، والقسم الآخر منها يُسمَّى دستبى همذان وهو عدة قرى، وربما أُضيف إلى قزوين في بعض الأوقات لاتصاله بعملها، ابن الفقيه الهمداني، البلدان: ص556؛ ياقوت الحموي، معجم البلدان: ج2، ص454.

فخرج معسكراً بالناس بحمّام أعين((1)) فلما كان من أمر الحسين ما كان وأقبل إلى الكوفة دعا ابن زياد عمر بن سعد، فقال سر إلى الحسين فإذا فرغنا مما بيننا وبينه سرت إلى عملك...»((2)).

هذه أبرز معالم المنهج التأريخي لدى أبي مخنف في عرضه لمادة المقتل، والتي تُعدُّ القاعدة الأساسية لرواية واقعة الطف، وبعد دراستنا لمتون تلك الروايات وجدنا عدم ملائمتها لبعض الشخصيات وانتقاصها منها، زيادة على بعض القضايا التي تثير التساؤل التاريخي والإستفسار عنها، كما أنّ هناك بعض الأحداث والروايات التي تحتاج إلى توضيح وتفسير وترتيب لكي تكون أقرب للقبول والتفسير المنطقي لها.

مناقشة وتحليل بعض مرويات أبي مخنف

مناقشة وتحليل بعض مرويات أبي مخنف المُضمَّنة في تأريخ الطبري والمصادر الأخرى.

سنركِّز حديثنا في هذا المحور حول مايستحقُّ المناقشة والتحليل من الرواياتالتي أوردها ابو مخنف؛ لكون بعضها مشكوكاً بصحتها؛ لمخالفتها العقل والمنطق، ولعلَّ سبب تركيزنا على روايات أبي مخنف لكونه القاعدة الأساسية في بناء مادة المقتل التي استقى منها أغلب المؤرِّخين مادَّتهم - وأصبحت الرواية التقليدية للمقتل - أمّا جمع جميع روايات أبي مخنف وترتيبها فقد سبقنا إلى ذلك بعض الباحثين والمحققين من قبيل حسن الغفاري((3)) والغروي((4)) فكان لهما الفضل في


1) حمّام أعين: بتشديد الميم بالكوفة... منسوب إلى أعين مولى سعد بن أبي وقاص، ياقوت الحموي، معجم البلدان: ج2، ص299.

2) الطبري، تاريخ: ج4، ص309.

3) حسن بن عبد الحميد، كتاب مقتل الحسين(علیه السلام) للمؤرخ الشهير لوط بن يحيى الازدي الغامدي.

4) هادي اليوسفي، وَقعَة الطَّف، للوط بن يحيى الأزدي الغامدي الكوفي.

استخراج مجمل الروايات بكتاب مستقلٍّ، لذا سيقتصر منهجنا حول تحليل ونقد بعض تلك الروايات، منها:

1- مسألة خروج الإمام الحسين(علیه السلام) وعبد الله بن الزبير من المدينة نحو مكة المكرمة: إذ ذكر أبو مخنف أنّ عبد الله بن الزبير وأخاه جعفر قد غادرا المدينة بعد أنْ طلب واليها ببيعته باتجاه مكة المكرمة من خلال طريق الأفرع متجنباً الطريق الأعظم مخافة الطلب((1)).

هذه الرواية فيها عدَّة نقاط تثير التساؤل، منها أنَّ ابن الزبير اتخذ في مغادرته المدينة طريق الأفرع متجنباً الطريق الأعظم - الذي هو طريق الدولة - فقد علَّلَ أبو مخنف ذلك بمخافة الطلب من قبل السلطة الحاكمة، ولو قارنا هذه الرواية مع الرواية التي تتحدَّث عن طريقة مغادرة الإمام الحسين(علیه السلام) ونصُّها: «عن عقبة بن سمعان مولى الرباب ابنة امرئ القيس الكلبية امرأة حسين، وكانت مع سكينة ابنة حسين، وهو مولى لأبيها وهي إذ ذاك صغيرةقال:خرجنا فلزمنا الطريق الأعظم، فقال للحسين أهل بيته لو تنكبت الطريق الأعظم كما فعل ابن الزبير لا يلحقك الطلب، قال لا والله لا أفارقه حتى يقضي الله ما هو أحبُّ إليه»((2)).

ولدى المقارنة بين الروايتين تقودنا إلى نقطة مهمَّة ألا وهي لماذا اختار ابن الزبير طريق الأفرع واختار الإمام الحسين(علیه السلام) الطريق الأعظم؟ وهنا يشير أحد الباحثين إلى الدلالات التي يحملها الإمام(علیه السلام) بسلوكه الطريق الأعظم، بقوله: «حرص أبو عبد الله على أن تكون ثورته جماهيرية التأثير والإستمرار... إذ لم يكن خروج الإمام الحسين(علیه السلام) مع جماعته من المدينة فراراً من مطالبة الوالي إيَّاه بالبيعة ليزيد... إذ لو كان


1) الطبري، تاريخ: ج4، ص252.

2) الطبري، تاريخ: ج4، ص260.

الخروج فراراً لسلك مسلك عبد الله بن الزبير في الذهاب إلى مكة من خلال اتباعه الطرق الفرعية؛ ليفوِّت على السلطة الأموية فرصة اللحاق به»((1))، نعم هذه الأطروحات لعلَّها كانت في فكر الإمام الحسين(علیه السلام)، ولكن لماذا لم تتخذ السلطة الأموية إجراءات بحقِّ الركب الحسيني وخروجه كمعارض سياسي له؟ ولماذا سمحت له بالمرور دون أيِّ اعتراض؟ أمَّا بخصوص ابن الزبير فالسبب واضح من خلال الرواية (مخافة الطلب) أي أنّ السلطة الحاكمة سوف تلاحقهم وتمنعهم باستخدام القوة؛ لذا لجأ إلى اتخاذ طريق الأفرع البعيد عن أنظار السلطة، هذا ينتج عنه عدَّة احتمالات منها:

أ - الاحتمال الأول: إنّ الإمام الحسين(علیه السلام) له مركز ديني واجتماعي كبير في المجتمع، ليس أفضل منه مكانة ابن الزبير، ومن ثَمَّ لا تستطيع السلطة الحاكمةاعتراض طريق الركب الحسيني. هذا الإحتمال فيه التباس كبير، فابن الزبير له مكانة دينية واجتماعية في المجتمع كذلك من خلال منزلة أبيه الزبير بن العوام، أما تخوّف السلطة الحاكمة من الإمام الحسين(علیه السلام) فهو مردود أيضاً، من كون السلطة الحاكمة لا تتورع باستعمال القوة ضدَّ أيّ معارض لها مهما كانت مكانته حتى لو كان الإمام الحسين(علیه السلام)؛ بدليل الكتاب الذي أرسله يزيد بن معاوية إلى والي المدينة، والذي جاء فيه ما نصُّه: «أمَّا بعد فخذ حسينا وعبد الله بن عمر وعبد الله ابن الزبير بالبيعة أخذاً شديداً ليست فيه رخصة حتى يبايعوا والسلام...»((2))، فضلاً عن ذلك أنّ السلطة الأموية قد أقدمت فعلاً على قتل الإمام الحسين(علیه السلام) ومن ثَمَّ أسر عياله وسبيهم، وبالتالي فإنّ هذا الإحتمال لا يمكن أنْ يصمد أمام المنطق العقلي والتاريخي.


1) التميمي، لماذا اختار الإمام الحسين(علیه السلام) العراق: ص271.

2) البلاذري، انساب الاشراف: ج5، ص299؛ الطبري، تاريخ: ج4، ص250؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص157.

ت - الاحتمال الثاني: إنّ والي المدينة الوليد بن عتبة كان متعاطفاً مع الإمام الحسين(علیه السلام)، وقد خالف أوامر السلطة العليا المتمثلة بيزيد بن معاوية، وغضَّ النظر عن خروج الإمام(علیه السلام) بدون أيّ عرقلة أو اعتراض لطريقه، ورفض مقترح مروان ابن الحكم القاضي بقتل الإمام الحسين(علیه السلام)، بقوله له: «إنَّك اخترت لي التي فيها هلاك ديني، والله ما أحبُّ أنَّ لي ما طلعت عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها وأنّي قتلت حسينا، سبحان الله أقتل حسيناً إن قال لا أبايع؟ والله إنِّي لأظنُّ امرءاً يُحاسب بدم حسين لخفيف الميزان عند الله يوم القيامة»((1)) لكن هذا الإحتمال ضعيف لعدَّة أسباب منها: إنّ التاريخ لم يورد لنا أنَّ والي المدينة كان متعاطفاً معأهل البيت، أو محباً لهم بحبِّ العقيدة والإيمان، نعم لعله لا يريد أنْ يتورط بقتل الإمام الحسين(علیه السلام) كما يُستشفُّ ذلك من الرواية، لكن هذا غير كافٍ كي يخالف الوالي أوامر السلطة العليا في دمشق، ولو تعاطف مع الركب الحسيني وسمح لهم بالخروج لحدَّثنا التاريخ بذلك، كلُّ ذلك يجعل هذا الإحتمال ضعيفاً.

ب - الاحتمال الثالث: إنّ الإمام الحسين(علیه السلام) كان يمتلك قوة بحيث تمنع السلطة الحاكمة في المدينة من اعتراضه، ولعلَّ هذا الإحتمال هو الأكثر ترجيحاً وقبولاً، لاسيما وأنَّ التعليمات لدى سلطة المدينة تسمح لها باستعمال القوة والشدة مع الإمام الحسين كما بيَّنه كتابُ يزيد أعلاه، لكن لم تستعملها؛ هذا ما يفسِّر سلوك الركب الحسيني الطريق الأعظم؛ إذ لو كان الإمام الحسين(علیه السلام) لا يمتلك قوة لقضت سلطة المدينة على الركب الحسيني وقائده الإمام الحسين(علیه السلام) مباشرة، بوصفه معارضاً سياسياً للحكم الأموي، ويشكِّل خطراً عليها في حال خروجه من المدينة، لكن ذلك لم يحدث.


1) الطبري، تاريخ: ج4، ص352.

ومما تجدر الإشارة إليه أنَّ السلطة الأموية قد استعملت القوة العسكرية ضدَّ أهل المدينة في واقعة الحرَّة سنة (63ﻫ/682م) مع أنَّ المعارضين للحكم كانوا بحدود ألف شخص، إلا أنَّها قضت عليهم وقتلت أعداداً كبيرة منهم((1))، فمن المنطقي إذ لوكان عدد الذين خرجوا مع الإمام الحسين(علیه السلام) قليلاً لاتخذت معهم السلطة الأموية الموقف ذاته الذي اتبعته مع أهل المدينة، وقضت عليهم قبلخروجهم بوصفهم معارضين للسلطة الحاكمة.

وفضلاً عن ذلك هنالك قرينة أخرى تدلُّ على أنَّ سلطة المدينة كانت عاجزة سياسياً وعسكرياً عن مواجهة الركب الحسيني؛ لكونها قد لجأت إلى إرسال الجند لإلقاء القبض على عبد الله بن الزبير، حينما وصلتها أخبار هروبه عبر سلوكه طريق الأفرع، إلا أنَّها لم تستدلَّ عليه((2))، فلو كان الركب الحسيني بموقف الضعف وفي متناول السلطة لمنعته من الخروج، وألقت القبض على أفراده جميعاً.

2- مناقشة الروايات التي تخصُّ مسلم بن عقيل(علیه السلام) والأحداث التي جرت له

اشارة

يورد أبو مخنف عدَّة روايات تخصُّ سفير الإمام الحسين(علیه السلام) وطريقة دخوله الكوفة وغيرها من الأحداث، لكن استوقفتنا بعض الروايات التي تثير الشكَّ بعدم واقعيتها وحقيقتها، منها:


1) للمزيد من التفاصيل بشأن واقعة الحرة وظروفها وأسبابها، ينظر، ابن خياط، تاريخ: ص181-192؛ البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص319-334؛ الطبري، تاريخ: ج4، ص370-381؛ المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص69-70؛ ابن الجوزي، المنتظم: ج6، ص12-16؛ ابن الاثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص111-122.

2) البلاذري، انساب الاشراف: ج5، ص300؛ الدينوري، الاخبار الطوال: ص228؛ الطبري، تاريخ: ج4، ص252؛ ابن الاثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص16؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص158؛ ابن خلدون، العبر: ج3، ص20.

أ - استئجار مسلم لدليلين ليرشداه الطريق نحو الكوفة

أورد أبو مخنف رواية الدليلين وهذا نصُّها: «ثم دعا مسلم بن عقيل فسرَّحه مع قيس بن مسهر الصيداوي وعمارة بن عبيد السلولي، وعبد الرحمن بن عبد الله بن الكدن الأرحبي، فأمره بتقوى الله وكتمان أمره واللطف فإن رأى الناس مجتمعين مستوثقين عجَّل إليه بذلك فأقبل مسلم حتى أتى المدينة فصلَّى في مسجد رسول الله(صلی الله علیه و آله) وودَّعمن أحبَّ من أهله ثم استأجر دليلين من قيس، فأقبلا به فضلَّا الطريق وجارا وأصابهم عطش شديد، وقال الدليلان هذا الطريق حتى ينتهي إلى الماء وقد كادوا أن يموتوا عطشا، فكتب مسلم بن عقيل مع قيس بن مسهر الصيداوي إلى حسين وذلك بالمضيق من بطن الخبيت أمّا بعدُ فإني أقبلت من المدينة معي دليلان لي فجارا عن الطريق وضلَّا واشتدَّ علينا العطش فلم يلبثا أن ماتا، وأقبلنا حتى انتهينا إلى الماء فلم ننجُ إلا بحشاشة أنفسنا، وذلك الماء بمكان يدعى المضيق من بطن الخبيت، وقد تطيَّرت من وجهي هذا، فإن رأيت أعفيتني منه وبعثت غيري والسلام، فكتب إليه حسين أمّا بعدُ فقد خشيت ألا يكون حملك على الكتاب إليَّ في الإستعفاء من الوجه الذي وجَّهتك له إلا الجبن فامض لوجهك الذي وجَّهتك له والسلام عليك...»((1)).

بعد دراستنا لهذه الرواية تولَّدت لدينا عدَّة شكوك، مما يحتمل عدم واقعيتها وتعارضها مع المنطق العقلي، وهي:

أ- لماذا أقدم مسلم بن عقيل على استئجار الدليلَين؟ وهل مسلم بن عقيل لا يعرف مسالك الطريق نحو الكوفة وأراد الاهتداء بهما للطريق؟

ب - أشارت الرواية إلى أنّ مسلم بن عقيل لم يذهب وحده إنمَّا رافقه كلٌّ من: قيس بن مسهر الصيداوي، وعمارة بن عبيد السلولي، وعبد الرحمن بن عبد الله بن


1) الطبري، تاريخ: ج4، ص263.

الكدن الأرحبي، وهؤلاء من أهل الكوفة وهم على علم بمسالكها وطرقها بقرينة أنَّ أهل الكوفة هم من أرسلوا هؤلاء، وهذا يدلُّ على أنَّهم كانوا في الكوفة، وهو ماأشارت إليه العديد من المصادر((1))، فما الحاجة إلى أنْ يأخذ مسلم معه دليلين مع وجود من يدلُّه إلى طريق الكوفة؟

ت - لم تحدّد الرواية هوية هذين الدليلَين، من هما؟ وإنّما اكتفت بالقول من (قيس) على حين زاد عليها ابن أعثم بقوله من«قيس عيلان»((2))، وبكلا الروايتين يُعدُّ الدليلان مجهولان غير معروفين، وهذا يعزِّز من ضعفها وارتباكها تاريخياً واحتوائها على ثغرات.

ث - لماذا ضلَّا الطريق ولم يعرفاه؟ والمعلوم أنّ الأدلّاء لهم خبرة واضحة في الطرق والمسالك ويحفظانها جيداً.

ج - والإشكال الآخر: إنَّ الرواية تعزو سبب موت الدليلَين إلى العطش، والسؤال لماذا لم يمُتْ من كان معهما أمثال مسلم بن عقيل ورفاقه؟ ثم هل من المعقول أنْ يموت كلاهما؟ ثُمَّ هل بُعد المسافة التي قطعها الدليلان كافية لموتهما؟ يتطلب هذا الأمر أن تكون المسافة طويلة جداً، ومن المفترض أنْ يموت رفاق السفرة جميعاً دون تمييز بينهم.

ح - أمّا رواية الكتاب الذي أرسله مسلم إلى الإمام الحسين(علیه السلام) ليعلمه بخبر موت الدليلَين وتطيّره من ذلك، فينقدها أحد الباحثين بقوله: «إنّ الإمام اتهم مسلماً - في رسالته - بالجبن، وهو يناقض توثيقه له من أنه ثقته وكبير أهل بيته، والمبَّرز


1) الطبري، تاريخ: ج4، ص262-263؛ المفيد، الارشاد: ج3، ص37؛ الفتال النيسابوري، روضة الواعظين: ص172؛ ابن شهر اشوب، مناقب ال أبي طالب: ج3، 341، 345؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص162؛ المجلسي، بحار الانوار: ج44، ص323.

2) الفتوح: ج5، ص32.

بالفضل عليهم، ومع اتصافه بهذه الصفات كيفيتَّهمه بالجبن، ثمَّ إنَّ اتهام مسلم بالجبن يتناقض مع سيرته، فقد أبدى هذا البطل العظيم من البسالة والشجاعة النادرة ما يبهر العقول فإنَّه حينما انقلبت عليه جموع أهل الكوفة قابلها وحده من دون أن يعينه أو يقف إلى جنبه أيُّ أحد، وقد أشاع في تلك الجيوش المكثفة القتل مما ملأ قلوبهم ذعرا وخوفا، ولما جيء به أسيراً إلى ابن زياد لم يظهر عليه أيُّ ذلٍّ أو انكسار، إنَّ هذا الحديث من المفتريات الذي وضع للحطِّ من قيمة هذا القائد العظيم الذي هو من مفاخر الأمة العربية والإسلامية»((1)).

ويمكن أنْ نضيف إلى ذلك أنّ الرواية لم تُشِرْ إلى أنّ الإمام الحسين(علیه السلام) كان على علم باستئجار الدليلين، وعليه فإنَّ مسلم هو من عمل ذلك، ولم يُشر عليه الإمام بهذا الأمر، وهذا يخالف طاعة مسلم لإمامه وسيده، ففي سياق الرواية أنّ الإمام الحسين(علیه السلام) لا علم له بالدليلين، ولم يكلِّف مسلم باصطحابهما، بقرينة قول مسلم للإمام: «أمّا بعد فإنِّي أقبلت من المدينة معي دليلان... »، اذاً ما الداعي إلى أنْ يرسل مسلم كتاباً إلى الإمام ليبلغه بموت الدليلَين وتشاؤمه من ذلك، ولكن قد يُفسَّر ذلك بإنّ مسلماً بكتابه إلى الإمام الحسين(علیه السلام) قد أبلغه باستئجار دليلَين؛ ليرشداه الطريق، ولو كان الإمام الحسين(علیه السلام) على علم بالدليلَين لأرسل كتاباً يسأله فيه عن حالهما. لكن الكتاب جاء ليوجِّه الإتهام لمسلم بالجبن والتراجع دون التطرق لموضوع الدليلَين، أو حتى السؤال والإستفسار عنهما.

ويضيف أحد الباحثين تشكيكاً آخر بقوله: «إنَّ مضيق الخبت يقع بين مكة والمدينة كما ذكره الحموي، وقد نصَّت الرواية على أنَّه استأجر دليلينمن المدينة، وخرجوا من المدينة إلى العراق وأنَّه راسل الإمام من مضيق الخبت وذكر ما حلّ


1) القرشي، حياة الإمام الحسين(علیه السلام): ج3، ص344.

بالدليلين، أي قبل وصوله إلى المدينة، وهذا تناقض واضح، فكيف يستأجر مسلم الدليلين وهو لم يكن قد التقى بهما أصلاً؛ لأنَّه لم يصل إلى المدينة بعد... لو سلَّمنا أنَّ هناك مكاناً يُسمَّى مضيق الخبت يقع ما بين المدينة والكوفة لم يذكره الحموي، فإنَّ السفر منه إلى مكة لمقابلة الإمام يستوعب زماناً يزيد على عشرة أيام، في حين أنَّ سفر مسلم من مكة إلى العراق مع مروره بالمدينة وتوديعه أهله قد حدَّده المؤرخون بعشرين يوماً، وهي أسرع مدة يقطعها المسافر، فإذا استثنينا مدَّة سفر رسول من ذلك المكان ورجوعه إليه وهو يقارب عشرة أيام على الأقلّ فيكون مجموع المدة في سفر مسلم عشرة أيام، ويستحيل أن يقطع الطريق من مكة إلى الكوفة بعشرة أيام»((1)).

وتجدر الإشارة هنا إلى اضطراب المصادر في تحديدها للشخصية التي بعث معها مسلم بن عقيل(علیه السلام) الكتاب ليبلِّغ الإمام الحسين(علیه السلام) بخبر موت الدليلَين وتراجعه عن مهمته، إذ ذكر الدينوري بأنَّ مسلم بن عقيل(علیه السلام) استأجر رسولاً ليبلِّغ الإمام(علیه السلام) بذلك دون أن يحدِّد لنا هويته((2)) في حين لم يصرِّح كلٌّ من البلاذري((3)) وابن أعثم((4)) وابن الجوزي((5)) وابنالأثير((6)) والذهبي((7)) وابن كثير((8)) وابن خلدون((9)) باسم الواسطة التي بموجبها أبلغ مسلم بن عقيل الكتاب للإمام(علیه السلام)، بينما حدَّده كلٌّ من


1) الشريفي، الاوضاع السياسية في العراق والحجاز: ص44-45.

2) الاخبار الطوال: ص230.

3) انساب الاشراف: ج3، ص159.

4) الفتوح: ج5، ص32.

5) المنتظم: ج5، ص325.

6) الكامل في التاريخ: ج4، ص21.

7) سير اعلام النبلاء: ج3، ص306.

8) البداية والنهاية: ج8، ص162.

9) العبر: ج3، ص22.

الطبري((1)) والمفيد((2)) بأنَّه قيس بن مسهر الصيداوي، ولعلَّ هذا الإختلاف كاشف عن ضعف الرواية واضطرابها.

وفيما يخصُّ سندها وجدنا أبا مخنف يسندها إلى أبي المخارق الراسبي((3)) (وهو لم يكن شاهد عيان للحدث أو معاصراً له)، ولم يُشِر أبو المخارق إلى مصدر حصوله على المعلومات، وَمنْ هي الشخصية التي نقل عنها تلك الرواية؟ وما مدى مصداقيتها؟ وعليه فإنَّ هذه الرواية تُعدُّ ضعيفة ومشكوكاً بصحتها، بعد أن بيَّنا مواطن ضعفها من ناحية السند والمتن، وإنَّها لا تمتُّ للحقيقة بصلة، ولعلَّ المراد من وضعها للنيل من شخصية مسلم بن عقيل(علیه السلام)، والتقليل من دوره في الثورة الحسينية.

ب - مناقشة روايات نشاط وتحرُّك مسلم بن عقيل(علیه السلام) وتفرُّق أنصاره عنه في الكوفة
اشارة

هناك تعارض بين بعض الروايات من ناحية تطبيقها على أرض الواقع، فمثلاً إنّ الإمام الحسين(علیه السلام) حينما أرسل سفيره مسلم بن عقيل(علیه السلام) إلى الكوفة؛ لدراسة أوضاعها وتقييمها أوصاه بعدَّة أمور، منها: «تقوى الله وكتمانأمره واللطف، فإن رأى الناس مجتمعين مستوثقين عجَّل إليه بذلك»((4)) نلاحظ أنّ الوصية واضحة وأشارت إلى كتمان الأمر، وأنْ يكون بشكل سري ومنظَّم وبعيداً عن أنظار السلطة الحاكمة؛ لكي لا يُكشَف الأمر في البداية ويفشل التخطيط الذي خطَّط له الإمام


1) تاريخ: ج4، ص263.

2) الارشاد: ج2، ص40.

3) المزي، تهذيب الكمال: ج34، ص265؛ الذهبي، ميزان الاعتدال: ج4، ص571.

4) الطبري، تاريخ: ج4، ص263؛ المفيد، الارشاد: ج2، ص39؛ الفتال النيسابوري، روضة الواعظين: ص173؛ ابن الاثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص21؛ النويري، نهاية الارب: ج20، ص387.

الحسين(علیه السلام)، وأمر مسلم بن عقيل برسمه وتطبيقه في الميدان.

نستخلص من خلال المقارنة التاريخية بين رواية الوصية للإمام الحسين(علیه السلام) وبين الإشارات التي وردت في بعض الروايات، أنّ نشاط مسلم في الكوفة لم يكن بمستوى الوصية، ولم يلتزم بالسريَّة والكتمان في التنظيم الثوري وفي دراسته لوضع الكوفة، الأمر الذي ترتَّب عليه التشكيك بتلك الإشارات الروائية من جهة، واحتياج بعضها إلى التفسير والتوضيح؛ لكي يستقيم المعنى وتتضح الحقيقة الروائية من جهة أخرى، ومن تلك الإشارات التي أوردها أبو مخنف هي: «أقبل مسلم حتى دخل الكوفة فنزل دار المختار بن أبي عبيد، وهى التي تدعى اليوم دار مسلم بن المسيب، وأقبلت الشيعة تختلف إليه فلما اجتمعت إليه جماعة منهم قرأ عليهم كتاب حسين فأخذوا يبكون...»((1)) وكذلك قول أبي مخنف: «واختلفت الشيعة إليه حتى عُلِم مكانه فبلغ ذلك النعمان بن بشير»((2))، أو كتاب يزيد بن معاوية إلى واليه عبيد الله بن زياد والذي نصُّه: «كتب إليَّ شيعتي من أهل الكوفة يخبرونني أنّ ابن عقيل بالكوفةيجمع الجموع لشقِّ عصا المسلمين فَسِرْ حين تقرأ كتابي هذا حتى تأتي أهل الكوفة، فتطلب ابن عقيل كطلب الخرزة حتى تثقفه، فتوثقه أو تقتله أو تنفيه والسلام»((3)).

أمّا الرواية الأخرى فتخصُّ عدد الذين بايعوا مسلماً ونصُّها: «وقد بايعه ثمانية عشر ألفا، وفى الدور أربعة آلاف رجل، فقال لي نادِ يا منصور أمت، فناديت يا منصور أمت وتنادى أهل الكوفة فاجتمعوا إليه...»((4)).


1) الطبري، تاريخ: ج4، ص264؛ ابن أعثم، الفتوح: ج5، ص34.

2) الطبري، تاريخ: ج4، ص264.

3) المصدر نفسه: ج4، ص265.

4) المصدر نفسه: ج4، ص275.

ومن خلال عرضنا لهذه الروايات نتساءل هل عبارة (أقبلت الشيعة إليه) أو (اختلفت الشيعة إليه) تشير إلى أنّ الشيعة كانت تأتي وبجماعات كبيرة وتدخل الدار التي كان يتواجد فيها مسلم لتعلن ولاءها وبيعتها له؟ وجوابنا على ذلك تدلُّ عليه قرينة سياق الروايات أعلاه، فضلاً عن ذلك أنّ كتاب يزيد بن معاوية يدلُّ على أنَّ أمر مسلم بن عقيل ومبايعته من قبل الشيعة كان معلناً للجميع وحتى السلطة الحاكمة على علم بذلك، وهذا يشير إلى أنّ مسلم بن عقيل لم يتبع الأسلوب السري في تنظيم الثوار لدراسته لأوضاع الكوفة، ومن المؤكَّد أنَّ هذا يتعارض مع وصية الإمام الحسين(علیه السلام) لمسلم بضرورة الكتمان والسرية في نشاطه السياسي.

ويرد إشكال آخر هو:بعد أن عرفنا أنّ نشاط مسلم بن عقيل(علیه السلام) كان بشكل علني، وأنَّ السلطة أو أتباعها قد علموا بذلك، فلماذا يطلب يزيد من واليه أن يبحث عن مسلم كالبحث عن (الخرزة)؟ ولعلَّ سبب تعبير يزيد عن مسلم بالخرزة يدلُّ على أنّ أمر مسلم مخفي، ومكانه غير محدَّد ولم يطلع عليه أحد. اذاً هناكتناقض في الروايات، كيف علمت السلطة بإنَّ مسلماً يجمع الجموع ويهيئها، وأنَّ الشيعة تختلف اليه؟ وبعدها تطلب البحث الدقيق عنه والتي وصفته كالبحث عن الخرزة؟

نستنتج من الروايات أعلاه أنَّ مسألة تحديد مكان مسلم لدى السلطة الحاكمة لم يكن أمراً معلوماً إطلاقاً، وإنّ توافد الشيعة عليه لم يكن علنياً، وأمره لم يُكشَف بشكل علني، وإنَّما اتبع الوصية وتقيَّد بها والتي تدعوه إلى العمل بشكل سري ومنظَّم ودقيق.

أمّا الأعداد الكبيرة التي بايعت مسلم بن عقيل التي أشارت إليها الرواية، فيُحتمل أنْ يكون الزعماء والقادة وأشراف القوم هم من بايعوا سفير الحسين(علیه السلام) نيابة عن عشائرهم، والأفراد الواقعين تحت سلطتهم وإدارتهم وزعامتهم، أي أنَّه ليس مَن ذكرتهم الرواية المبايعين لمسلم هم الذين جاؤوا بأشخاصهم، وإنمَّا جاءت

قياداتهم نيابة عنهم فبايعت مسلماً(علیه السلام).

ولعلَّ مسألة (نشاط معقل وتجسّسه على مسلم) تدلُّ على أنَّ السلطة الحاكمة لم تحدِّد مكان مسلم، فلجأت إلى استعمال الجهد الإستخباري في الكشف عن مكانه، وهذا يتعارض مع الروايات التي أشارت إلى أنَّ الشيعة كانت تتوافد على مسلم بن عقيل، وأنَّ أمره يعرفه الجميع، في المقابل هناك عدَّة استفسارات نثيرها ضدَّ معقل ونشاطه التي تجعل رواياته ودوره في دائرة الشكِّ والضعف، وقبل الإشارة إلى تلك الإنتقادات لا بدّ من إيراد نصِّ الرواية وهو: «دعا ابن زياد مولى يُقال له معقل، فقال له:خذ ثلاثة آلاف درهم، ثم اطلب مسلم بن عقيل واطلب لنا أصحابه، ثمَّ أعطهم هذه الثلاثة آلاف، فقال لهم:استعينوا بها على حرب عدوكم وأعلمهم أنَّك منهم فإنَّك لو قد أعطيتها إياهم اطمأنوا إليك، ووثقوا بك، ولم يكتموك شيئا من أخبارهم ثم اغدُ عليهم ورُحْ،ففعل ذلك فجاء حتى أتى إلى مسلم بن عوسجة الأسدي من بني سعد ابن ثعلبة في المسجد الأعظم وهو يصلي، وسمع الناس يقولون إنَّ هذا يبايع للحسين، فجاء فجلس حتى فرغ من صلاته، ثم قال يا عبد الله إنِّي امرؤ من أهل الشام مولى لذي الكلاع أنعم الله عليَّ بحبِّ أهل هذا البيت وحبِّ من أحبَّهم فهذه ثلاثة آلاف درهم أردت بها لقاء رجل منهم، بلغني أنَّه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول الله(صلی الله علیه و آله) وكنت أريد لقاءه فلم أجد أحداً يدلُّني عليه ولا يعرف مكانه، فانِّي لجالس آنفا في المسجد إذ سمعت نفراً من المسلمين يقولون هذا رجل له علم بأهل هذا البيت، وإنِّي أتيتك لتقبض هذا المال وتدخلني على صاحبك فأبايعه، وإن شئت أخذت بيعتي له قبل لقائه...»((1))، ومن أبرز الإنتقادات والإشكالات التي توجَّه لهذه الرواية هي:


1) أورد أبو مخنف هذه الرواية، ونقلها عنه كلٌّ من: الطبري، تاريخ: ج4، ص270؛ ابو الفرج الأصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص65؛ على حين ذكرها كلٌّ من الدينوري، الأخبار الطوال: ص235-236؛ والبلاذري، انساب الاشراف: ج2، ص79-80، مع اختلاف في بعض العبارات، لكن لم ينقلاها عن طريق أبي مخنف، وإنَّما أسنداها بصيغة الإسناد الجمعي: (قالوا).

أ- من خلال سياق الرواية يُستشفُّ أنّ السلطة الحاكمة لم تعرف مكان مسلم بن عقيل ولا تحركاته ونشاطه السياسي في الكوفة، وقد أشار الدينوري بشكل صريح إلى هذا المعنى قائلاً: «إنّ عبيد الله بن زياد خفي عليه حديث مسلم، دعا مولى يُقال له معقل فأعطاه أربعة آلاف درهم... وأمره بحسن التوصُّل إلى من يتولى البيعة»((1))، وهذا النصُّ صريح من أنّ أمر مسلم كان مخفياً عنالسلطة، الأمر الذي دفعها إلى بثِّ الجواسيس في الأوساط العامة لكشف مكانه، ويُستدلُّ على ذلك بالكتاب الذي أرسله الوالي عبيد الله بن زياد إلى يزيد ابن معاوية بشأن قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة، والذي أشار فيه إلى صعوبة كشف أمر مسلم، ونصُّ ذلك «إنَّ مسلم بن عقيل لجأ إلى دار هانئ بن عروة المرادي، وإنِّي جعلت عليهما العيون ودسست إليهما الرجال وكدتهما حتى استخرجتهما»((2))، فعبارة استخرجتهما تشير إلى تنظيمهم وسرية عملهم، الأمر الذي جعل الروايات التي أشارت إلى توافد الشيعة إليه وعلنية تنظيمه، وأخذ البيعة من الشيعة بشكل علني وأمام أنظار عامة الناس، كلُّ هذه لا نصيب لها من الصحة.

ب - إذا كانت السلطة الحاكمة تعرف الشخصيات المقرَّبة من مسلم بن عقيل أمثال مسلم بن عوسجة، وهي من أرسلت معقل للتجسس عليهم، فلماذا لم تُلقِ القبض على مسلم بن عوسجة؟ وبحسب الرواية فإنّ الجميع يعرف مسلم بن عوسجة يبايع للإمام الحسين(علیه السلام).


1) الدينوري، الاخبار الطوال: ص235.

2) الطبري، تاريخ: ج4، 286. ، وقد أورد هذه الرواية أيضاً المفيد، ولم يُشر إلى أنَّه أخذها عن طريق أبي مخنف، ولكن تطابق الروايتين بشكل تام في المعنى واللفظ يدلان على أنَّ المفيد قد اقتبسها من أبي مخنف، ينظر، الإرشاد: ج2، ص66.

ت - حدَّد معقل لمسلم بن عوسجه (أنَّه رجل من أهل الشام)، والمعروف أنَّ أهل الشام كانوا من أشياع وأتباع بني أمية وإنْ لم يكن جميعهم، إلا أنَّ الغالب عليهم ميول أموية بحكم سياسة ودهاء معاوية بن أبي سفيان فيهم((1))، فكيف لميتوخَّ ابن عوسجة الحذر والتدقيق في هويته وميوله وتوجّهاته؟ أو على أقل تقدير يسأله ويستفسر منه؛ لكي يطمئن إليه ويثق به، لكن ذلك لم يحصل وإنَّما اطمئن إليه ابن عوسجة بمجرد أخذ المواثيق ومن ثَمَّ الإطمئنان منه، وهذا ما يثير الشكَّ في هذه الرواية؛ إذ كيف اطمأنَّ مسلم بن عوسجة كلَّ هذا الإطمئنان بعد أن أخبره أنَّه من أهل الشام؟

ث - لماذا أصَرَّ معقل على الدخول ومقابلة مسلم بن عقيل؟ ولِمَ لم يشكَّ ابن عوسجة في ذلك؟ ولِمَ لم يستلم الأموال منه دون أنْ يسمح له بمقابلة مسلم بن عقيل؟

ج - أشارت الرواية إلى أنّ معقل قدَّم أموالاً لابن عوسجة، ونحن نتساءل ماذا يفعل ابن عوسجة بالأموال؟ ولماذا لم تحدِّثنا المصادر عن إقدام مسلم بن عقيل وأعوانه على استلام أموال من الشيعة الذين بايعوه؟ وهل كان محتاجاً للأموال في تمويل تنظيمه؟ ولماذا استلمها ابن عوسجة من معقل فقط؟ ثم ماذا يفعل مسلم بن عقيل في الأموال؟ وما مدى مساحة تحرُّكه التي كانت ضيقة وهو مراقَب من قبل السلطة والجميع يبحث عنه؟ قد يُحتمل أنّ مسلماً كان يريد الأموال لشراء السلاح، وهذا احتمال ضعيف لكون عملية شراء السلاح وتوزيعها على المقاتلين تحتاج وقتاً، إذا أخذنا بنظر الإعتبار أنّ مسلماً ينوي التحرُّك العسكري ضدَّ السلطة الحاكمة في


1) حسن، تاريخ عمرو بن العاص: ص245، 248، 254؛ الشاكري، علي(علیه السلام) في الكتاب: ج5، ص484؛ العاملي، الصحيح من سيرة النبي(صلی الله علیه و آله): ج2، ص236-241.

الكوفة ومن ثم إسقاطها، مع العلم أنَّ إسقاط الكوفة عسكرياً يتعارض مع تعليمات الإمام الحسين(علیه السلام) الرامية إلى التعامل بالسرية والكتمان ودراسة أوضاع الكوفة وتقييمها، ولم يرد في توجيهات الإمام لمسلم باستعمال الأسلوب العسكري لإسقاط الكوفة، لذا يكون هذا الإحتمال مستحيلاً لتعارضه مع بعض الروايات التي أوردناها آنفاً.

ح - يضاف إلى ذلك أنّ المبلغ المالي الذي دفعه معقل إلى مسلم بن عوسجةاختلفت المصادر في تحديد مقداره، فذكرت بعض المصادر أنّ مقداره ثلاثة آلاف درهم((1))، على حين ذكر ابن نما أنّ مقداره أربعة آلاف درهمٍ((2))، وعلى كلا الرقمين فإنَّ المبلغ لا يشكِّل أهمية مالية لتمويل حركة ثورية عسكرية تنوي إسقاط سلطة الكوفة بحسب فرضية الإحتمال العسكري، وعليه فإنَّ المبلغ المالي الذي استلمه ابن عوسجة من معقل لا قيمة له وفق الحسابات العسكرية، ومن ثَمَّ لا داعي أنْ يغترَّ به ابن عوسجة ليستلمه من معقل الذي أصبح من أصدقائه الخلص، والذي اطَّلع على كلِّ الأسرار والمعلومات بسرعة لا يمكن تصوُّرها أو توقعها إلا نتيجة قلة خبرة وحنكة سياسية، وعدم المعرفة بأمور السياسة والتنظيم الثوري من قبل مسلم بن عقيل وأتباعه والمقربين منه.

خ - والذي يثير الشكَّ ماذا يفعل مسلم بن عوسجة بالمسجد، والوضع بالكوفة مضطرب أمنياً وسياسياً، وهو شخصية معروفة لها مكانة في المجتمع ومن كبار قيادات الشيعة؟


1) الدينوري، الاخبار الطوال: ص235؛ الطبري، تاريخ: ج4، ص270؛ أبو الفرج الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص64.

2) مثير الاحزان: ص21.

بعد أنْ بيَّنا نقاط الضعف والإشكالات حول (نشاط معقل) نضيف إشكالاً آخر، له أهمية كبرى في جعل تلك الروايات موضع الشكِّ والنقد، ألا وهو مَن هو معقل؟ وما اسمه الكامل؟ وما هي شخصيته؟ ومن أين جاء؟ وما دوره؟ هذا ما لم تجبنا عنه كتب التراجم وكتب التاريخ المتوافرة لدينا، فضلاً عن ذلك أنّ شخصية معقل مُبهمة وغير معروفة، ولم نعرفْ عن تاريخها شيئاً سوى ما ورد عنه في حدود الرواية التي أوردناها، والتي تتعلَّق بتجسّسه على مسلم بن عقيل بعد تكليفه من قبلالسلطة الحاكمة في الكوفة كما أشارت إليه الرواية.

الرواية تصوِّر مسلم بن عوسجة بأنّه أُغري وانخدع بالأموال وأنّ همَّه الحصول عليها، مما أوقعه في شباك تجسس السلطة الحاكمة، وهذا لا ينسجم ولا يتوافق مع شخصية وعقيدة مسلم بن عوسجة إطلاقاً.

تحاول الرواية أنّ تحمِّل مسلم بن عوسجة مسؤولية مقتل مسلم بن عقيل، وكشف تحركه ونشاطه السياسي، وأنّ الإثنين لا يصلحان للحكم وإدارة القيادة السياسية.

كلّ تلك الإنتقادات والتساؤلات تجعلنا نشكِّك بدور ونشاط معقل وطريقة خداعه لمسلم بن عوسجة، وسرعة إطمئنان الأخير إليه، وإفشاء الأسرار التنظيمية له وإطلاعه عليها؛ لذا نعدُّها من الروايات الموضوعة للنيل من شخصيات الشيعة المقرَّبة من الإمام الحسين(علیه السلام) التي كان لها دور في النهضة الحسينية أمثال سفير الإمام مسلم بن عقيل وأحد مقربيه وخواصَّه مسلم بن عوسجة.

ب - تناول أبو مخنف قصة مسلم بن عقيل(علیه السلام) بتفصيل واسع، وقدَّم تفاصيل دقيقة عن تلك الحادثة، منها ما يتعلَّق بإلقاء القبض عليه، والأمان الذي أُعطي له، وأخذه أسيراً للقصر، وطريقة قتله منها:

- رواية تفرُّق أنصار مسلم بن عقيل(علیه السلام) عنه

نقل الطبري عن أبي مخنف رواية تخاذل وغدر المبايعين لمسلم بن عقيل(علیه السلام) حتى أصبح وحيداً، ونصُّ الرواية: «قال أبو مخنف فحدثني المجالد بن سعيد أنَّ المرأة كانت تأتي ابنها أو أخاها فتقول انصرف؛ الناس يكفونك، ويجيء الرجل إلى ابنه أو أخيه فيقول غدا يأتيك أهل الشأم فما تصنع بالحرب والشر انصرف، فيذهب به، فما زالوا يتفرَّقونويتصدَّعون حتى أمسى ابن عقيل وما معه ثلاثون نفسا في المسجد، حتى صليت المغرب فما صلَّى مع ابن عقيل إلا ثلاثون نفسا، فلما رأى أنَّه قد أمسى وليس معه إلا أولئك النفر خرج متوجها نحو أبواب كندة، فلما بلغ الأبواب ومعه منهم عشرة، ثم خرج من الباب وإذا ليس معه إنسان، والتفت فإذا هو لا يحسُّ أحدا يدلُّه على الطريق ولا يدلُّه على منزل، ولا يواسيه بنفسه إن عرض له عدوٌّ، فمضى على وجهه يتلدَّد في أزقة الكوفة لا يدرى أين يذهب حتى خرج إلى دور بنى جبلة من كندة، فمشى حتى انتهى إلى باب امرأة يقال لها طوعة... فسلَّم عليها ابن عقيل فردَّت عليه، فقال لها يا أمة الله اسقيني ماءً فدخلت فسقته، فجلس وأدخلت الإناء ثم خرجت فقالت يا عبد الله ألم تشرب؟ قال بلى قالت فاذهب إلى أهلك فسكت، ثم عادت فقالت مثل ذلك فسكت، ثم قالت له... يا عبد الله فمر إلى أهلك عافاك الله فإنه لا يصلح لك الجلوس على بابى ولا أحلُّه لك، فقام فقال يا أمة الله مالي في هذا المصر منزل ولا عشيرة فهل لك إلى أجر ومعروف ولعلي مكافئك به بعد اليوم؟ فقالت يا عبد الله وما ذاك؟ قال أنا مسلم ابن عقيل كذبني هؤلاء القوم وغرُّوني، قالت أنت مسلم؟ قال نعم، قالت ادخل، فأدخلته بيتا في دارها غير البيت الذي تكون فيه...»((1)).

لعلَّ دراسة هذا النصِّ بشكل متمعن ودقيق يكشف لنا عدَّة ملاحظات نقديه وإشكالات تاريخية، منها:


1) تاريخ: ج4، ص277.

1- السند الروائي للنصِّ: نقله أبو مخنف عن طريق المجالد بن سعيد، وهنا لا بدّ من التركيز حول مدى وثاقة المجالد في كتب الجرح والتعديل وغيرها؛ للاطمئنانعلى نقله للروايات:

أ- البخاري (ت 256ﻫ/858م)، قال عنه: «مجالد بن سعيد بن عمير الكوفي كان يحيى القطان يضعِّفه، قال أحمد بن سليمان عن إسماعيل مجالد مات سنة أربع وأربعين ومائة وقال أحمد بن حنبل مجالد ليس بشئ»((1)).

ب - العقيلي (ت 322ﻫ/924م): «مجالد... ضعيف»((2)).

ت - ابن حبان (ت 354ﻫ/956م): «مجالد بن سعيد بن عمير الهمداني، من أهل الكوفة... روى عنه أهل العراق مات سنة ثلاث أو أربع وأربعين ومائة، وكان رديء الحفظ، يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل لا يجوز الاحتجاج به»((3)).

ث - الجرجاني (ت 365ﻫ/967م): «مجالد بن سعيد بن عمير ذي مران ضعيف»((4)).

ج - ابن النديم (ت 438ﻫ/1040م): «مجالد بن سعيد بن عمير، من همدان ويكنى أبا عمير.. وكان ضعيفاً عند المحدثين، وتوفي سنة أربع وأربعين ومائة»((5)).

نستنتج - من خلال تقييم النصوص هذه لمجالد بن سعيد - أنَّه لا يتمتع بالوثاقة والأمانة في النقل التاريخي، فضلاً عن ذلك أنّ تاريخ وفاته سنة مائة وأربع وأربعينللهجرة، وعمره ستٌّ وتسعون سنة((6))، وهذا يكشف لنا أنّ مجالد لم يعاصر أحداث


1) الضعفاء الصغير: ص116.

2) الضعفاء: ص233.

3) المجروحين: ج3، ص10.

4) الكامل: ج6، ص421.

5) الفهرست: ص103.

6) الضعفاء: ج4، ص234.

واقعة الطف، وإنَّما نقلها عن طريق وسطاء، وهذا لم يكشفه لنا في سنده الروائي، فمن هم الذين نقل عنهم هذه الرواية؟ وما قربهم من واقعة الطف؟ هل هم شهود عيان أولا؟ كلُّ هذه التحليلات والأسئلة تجعل الرواية ضعيفة ومشكوكاً بصحتها.

2- إنّ الرواية تشير إلى أنَّ سبب تفرُّق أنصار مسلم بن عقيل(علیه السلام) يرجع إلى الدعاية التي بثَّتها الدولة الأموية، بقدوم جيش الشام((1))، فيرجع عامل تفرُّق هؤلاء الأنصار إلى العامل العسكري، وليس إلى عامل الغدر والخيانة - على فرض صحة الرواية -.

3- هل من المعقول أن يتفرَّق العدد الكبير من هؤلاء الأنصار إلى درجة لم يبقَ منهم أحد، لمجرد وجود إشاعة بقدوم جيش الشام؟ أوليس لهم مقدرة عسكرية لمواجهتم؟ فلماذا خرجوا مع مسلم؟ أولم يعلموا أنَّ خروجهم تشوبه الأخطار لكي يتراجعوا؟ .

4- إنّ الرواية أوردت أرقاماً دقيقة لا يمكن تسجيلها إلاّ بوجود شخص ما، كان يراقب بشكل دقيق تحركاتهم ويدوِّنها على الفور، من قبيل ذكر عددهم في أول الأمر ثلاثين، ثم أصبح عددهم عشرة وبعدها لم يبقَ أحد، فيا ترى من وثَّق هذه الأرقام؟ وكيف تحقَّقوا من صحتها؟

5- كيف استطاع الراوي أنْ يعرف ويتابع تحركات مسلم من تفرُّق أنصاره حتى وصوله دار (طوعة)؟ هل كان هذا الراوي أو الناقل لهذا النص يراقبه؟ فإنَّ تلك التفاصيل من المؤكَّد تحتاج إلى من تكون مهمته فقط مراقبة مسلم ورصدتحركاته، فكيف حصل ذلك؟


1) واضاف إليها البلاذري «ومنع الأعطية وأخذ البريء بالسّقيم، والشاهد بالغائب»، انساب الاشراف: ج2، ص81.

6- لماذا لم تْقِدْم السلطة الحاكمة على اعتقال مسلم عندما كان في المسجد ومعه ثلاثون رجلاً فقط؟ وهذا الرقم لا يشكِّل أيّ خطر عسكري ضدَّ السلطة الأموية، وبإمكانها السيطرة عليهم بسهولة، لا سيما أنّهم لم يكونوا في الوضع والإستعداد العسكري، حيث كانوا في المسجد، أو عندما خرج من المسجد أوعندما يتلدَّد في أزقة الكوفة - بحسب تعبير الرواية.

أضف إلى ذلك تشكيك أحد الباحثين بتلك الرواية بقوله: «كيف يستطيع مسلم ابن عقيل أنْ يخرج بمفرده وجواسيس ابن زياد تلاحقه؟ فكيف غفلوا عنه؟ ويخرج سائرا في أزقة الكوفة ولا يعرفه أحد»((1)).

7- ثم كيف اطمأنَّ مسلم بن عقيل(علیه السلام) لطوعة ودخل بيتها؟ وكيف تأكَّد من كونها موالية لآل البيت(علیهم السلام) وأفشى سرَّه لها وكشفه؟ ولمَ لم يجعلْ في ذهنه احتمال كونها من الموالين لآل أمية، وكلُّ هذا قد جرى في باب دار طوعة، إنّ هذا يتعارض مع بقية الرواية التي أشارت إلى خوفه وهروبه من السلطة والبحث عن مكان آمن.

8- اورد ابن قتيبة رواية - وإن انفرد بها عن الرواية التقليدية للمقتل - بخصوص مسلم بن عقيل(علیه السلام) واستشهاده، تنفي بشكل كامل وقطعي وجود شخصية طوعة وإيوائها لمسلم بن عقيل(علیه السلام)، وكامل تفاصيل رواية أبي مخنف آنفة الذكر، التي أشارت إلى دخول مسلم بن عقيل بعد تفرُّق أنصاره عنه إلى دار هانئ ابن عروة، ثم إعلام السلطات بمكانه واقتحامه، ومن ثَمَّ أسره بعد مقاومتهلهم(علیه السلام)((2)) ومن الجدير بالذكر أن ليست كلُّ رواية منفردة تعتبر غير صحيحة أو لا يمكن قبولها، اللهمَّ إلّا إذا كانت تتعارض مع العقل والمنطق.


1) حيدر، مع الحسين(علیه السلام) في نهضته: ص111.

2) ابن قتيبة، الامامة والسياسة: ج2، ص9-10.

- مقارنة رواية أبي مخنف مع بقية المصادر التاريخية

عند مقابلة هذه الرواية مع بقية المصادر الأولية الأساسية، ينتج مايلي:

أ - رواية عمار الدهني التي نقلها الطبري((1))، ونصُّها: «أشرفوا على عشائرهم فجعلوا يكلمونهم ويردونهم فجعل أصحاب مسلم يتسلَّلون حتى أمسى في خمسمائة، فلما اختلط الظلام ذهب أولئك أيضاً، فلما رأى مسلم أنَّه قد بقى وحده يتردَّد في الطرق حتى أتى بابا فنزل عليه، فخرجت إليه امرأة فقال لها: اسقيني، فسقته ثم دخلت فمكثت ما شاء الله، ثم خرجت فإذا هو على الباب، قالت: يا عبد الله إن مجلسك مجلس رِيبة فقم، قال: إني أنا مسلم ابن عقيل فهل عندك مأوى؟ قالت نعم ادخل...»((2))، تختلف هذه الرواية عن خبر أبي مخنف آنف الذكر من حيث إنَّها مقتضبة ولم ترد فيها التفاصيل الدقيقة، فضلاً عن أنَّها اختلفت معها في عدد الذين بقوا مع مسلم ابن عقيل(علیه السلام) ومراحل تفرّقهم، يضاف إلى ذلك أنّ الرواية لم تُشِر إلى اسمطوعة، ولم تذكر المسجد وصلاة مسلم فيه، ولم تتطرَّق إلى الحديث الذي جرى بين مسلم وطوعة في باب بيتها والذي فيه كشف لها أسراره الشخصية، إضافة إلى ذلك فقد تعرضنا لنص عمار الدهني بالدراسة والتحليل واتضح لنا ضعفه من ناحية السند والمتن في الفصل الأول من هذه الأطروحة.

أ - ابن حبيب (ت 245ﻫ/846م)، أورد رواية تفرُّق أنصار مسلم عنه بشكل


1) نشكِّك بالنصِّ الروائي الكامل الذي نقله الطبري عن عمار الدهني والذي بدوره نقله عن الإمام الباقر(علیه السلام)، لورود روايات فيه نستبعد صدورها عن الإمام الباقر(علیه السلام)، فضلاً عن مخالفتها بعض المصادر، مما يدلُّ على حصول تلاعب وتغيير وإضافة في النصِّ، وقد ناقشنا ذلك في الفصل الأول من هذه الأطروحة في تعرّضنا لمرويات الطبري.

2) الطبري، تاريخ: ج4، ص260.

مقتضب ولم يُشر إلى المصدر الذي نقله عنه، أو الراوي الذي أوردها((1)).

ب - البلاذري، ذكرها ولم يُشر إلى مصدره الذي اعتمده في نقلها وإنَّما ذكر ذلك بصيغة مجهولة هي «قالوا»((2)).

ت - المسعودي، ذكرها دون التصريح باسم المصدر أو الراوي الذي نقلها عنه((3)).

ث - أبو الفرج الأصفهاني، هو الآخر نقلها، لكن عن طريق أبي مخنف((4)).

ج - ابن أعثم، أوردها بشكل مفصَّل((5)) وفق منهجه في ذكر مصادره في بداية حديثه عن المقتل، والتي من بينها رواية أبي مخنف((6)).

ح - المفيد، نقلها دون الإشارة إلى مصدرها أو الراوي الذي نقله عنها((7)) وهي تطابق رواية أبي مخنف.خ - الطبرسي، نقلها((8)) كما نقل بقية روايات المقتل بصيغة مجهولة بقوله: «قال أصحاب السير...»((9)).

وبعد عرضنا لجملة من المصادر التي أوردت رواية تفرُّق أنصار مسلم بن عقيل(علیه السلام)، نحصل على جملة من النتائج منها:


1) المحبر: ص245.

2) انساب الاشراف: ج2، ص80-81.

3) مروج الذهب: ج3، ص57-58.

4) مقاتل الطالبيين: 71.

5) الفتوح: ج5، ص50-53.

6) المصدر نفسه: ج4، ص322.

7) الارشاد: ج2، ص53-54.

8) اعلام الورى: ج1، ص442-444.

9) المصدر نفسه: ج1، ص434.

أ - نقل هذه الرواية كلٌّ من أبي الفرج الأصفهاني - عن أبي مخنف - وابن أعثم حدَّد جملة من المصادر والرواة، منهم أبو مخنف في بداية حديثه عن المقتل.

ب - بعض المصادر نقلت عن الطبري أمثال المفيد، ومن المؤكَّد أنَّ هذه الرواية نقلها أيضاً عنه.

ت - إنّ المصادر التي أوردت هذه الرواية بصيغة مجهولة ومبهمة لم تُشر إلى مصدرها، لذا ينتج عنها أمران، الأول: إنَّها نُقلت عن أبي مخنف لكن دون التصريح باسمه، لاسيما وأنَّ جميع مؤرخي تلك المصادر قد سبقهم أبو مخنف من الناحية الزمنية، فضلاً عن ذلك تطابقها مع رواية أبي مخنف في مجمل تفاصيلها باستثناء بعض المتغيرات في الصياغة - والتي من المحتمل أن تكون من المؤرِّخ - و الأمر الثاني:تُعدُّ هذه الرواية الواردة بالصيغة المجهولة ضعيفة من الناحية التاريخية لعدم بيان مصدرها واسم راويها أو ناقلها.

ث - نستنتج من ذلك كلّه أنّ الراوي المصرِّح باسم الناقل لهذه الرواية - رواية تفرُّق أنصار مسلم بن عقيل(علیه السلام) المفصلة - هو: أبو مخنف - وأورد عمار الدهني الرواية المقتضبة -، ولم تحدِّد المصادر التي أوردت هذه الرواية بكل تفاصيلها راوياً أو ناقلاً آخر، فبعضها نقلتها عن طريق أبي مخنف نفسه، والبعضالآخر بصيغة مجهولة، والذي ينتج عن ذلك أنْ يكون أبو مخنف الراوي الأول لهذه الرواية، وبقية المصادر نقلت عنه سواء عن طريق تاريخ الطبري أو غيره، وبما أننا أوضحنا ضعف رواية أبي مخنف، فينطبق ذلك على جميع المصادر التي أوردتها - ومن الجدير بالذكر أنَّ مُجمل المصادر التي نقلت هذه الرواية تنطبق إلى حدٍّ ما مع رواية أبي مخنف، ولم نجد اعتماد أيّ مصدر في نقله لهذه الرواية على رواية عمار الدهني المقتضبة، وبالتالي فلا قيمة لتواترها في أغلب المصادر مادام الناقل والراوي لها واحد، وحتى إنْ وجد راوٍ آخر لها فيمكن أن تطبق عليه الإشكالات والملاحظات النقدية نفسها التي

طُبِّقت على رواية أبي مخنف وعمار الدهني وتكون ضعيفة أيضاً؛ لكونه سيوردها بالتفاصيل والسياق نفسه.

كلّ تلك الأدلة والقرائن والأحداث الأخرى التي تمَّ مناقشتها، تشير إلى ضعف هذه الرواية والتشكيك بصحتها، ويبدو أنّ السبب في وضعها يرجع إلى عاملين مهمين، هما:

أ - الطعن بمسلم بن عقيل(علیه السلام) - ومن الراجح أنَّها تطعن بشكل غير مباشر بالإمام الحسين(علیه السلام) لكون مسلم سفيره الذي اختاره لهذه المهمة - حيث صوَّرته الرواية بأنَّه قائد فاشل، وأنَّه هرب بنفسه خوفا من السلطة الحاكمة، وذهب يبحث عن مخبأ له للحفاظ على حياته، علاوة على ذلك عدم امتلاكه الخبرة في تقدير الأمور عسكرياً وسياسياً، وعدم امتلاكه أسلوباً تنظيمياً يحافظ فيه على أنصاره ومؤيديه.

ب - الرواية تنظِّر للطعن بشيعة أهل الكوفة، وإنَّهم غدرة وخونة، بقرينة تفرُّق الأنصار عنه - وهم جلّهم من الشيعة - وإنّ مسلماً لم يجد له بيتاً يأويه في الكوفة، فلماذا لم يجد داراً من دور الشيعة تأويه؟ فاين ذهبت شيعة الكوفة؟

- رواية الهجوم على الدار التي تحصَّن فيها مسلم بن عقيل(علیه السلام) واشتباكه مع رجال السلطة

نصُّ الرواية: «جاء عمرو بن عبيد الله بن عباس السلمي في ستين أو سبعين من قيس حتى أتوا الدار التي فيها ابن عقيل، فلما سمع وقع حوافر الخيل وأصوات الرجال عرف أنَّه قد أُتي، فخرج إليهم بسيفه واقتحموا عليه الدار، فشدَّ عليهم يضربهم بسيفه حتى أخرجهم من الدار، ثم عادوا إليه فشدَّ عليهم كذلك، فاختلف هو وبكير بن حمران الأحمري ضربتين، فضرب بكير فم مسلم فقطع شفته العليا

وأسرع السيف في السفلى ونصلت لها ثنيتاه، فضربه مسلم ضربة في رأسه منكرة وثنّى بأخرى على حبل العاتق كادت تطلع على جوفه، فلما رأوا ذلك أشرفوا عليه من فوق ظهر البيت، فأخذوا يرمونه بالحجارة ويلهبون النار في أطنان القصب، ثم يقلبونها عليه من فوق البيت فلما رأى ذلك خرج عليهم مصلتا بسيفه في السِّكَّة فقاتلهم»((1)).

ولعلَّ دراسة هذا النص بشكل دقيق يكشف لنا عن عدَّة ملاحظات نقديه وإشكالات تاريخية أبرزها:

1- النصُّ يصوّر انقلاب المجتمع الكوفي على مسلم بن عقيل(علیه السلام) بشكل سريع وكبير - بقرينه بقائه وحده، ونحن نتساءل: أين الأعداد الغفيرة التي بايعته والتي قُدِّرتْ بالآلاف؟ وهل من المعقول لم يبقَ منهم أحد ولا حتى جماعة صغيرة تقاتل إلى جنبه، ونذكر تحليلاً مفيداً لأحد الباحثين وهو يشكِّك بهذهالحادثة بقوله: «ننفي المبالغة في تألُّب الناس ضدَّ مسلم بن عقيل(علیه السلام)، وذلك أنَّه جمع الناس في أحد الأيام كجيش محارب وزوَّدهم بالأسلحة وأمَّر عليهم الأمراء... واجتمعت الكوفة إليه برمَّتها، حتى إذا كان المساء نفسه تفرَّقوا عنه حتى بقى وحده يتلدَّد في أزقَّة الكوفة، فلما كان الصباح نفسه تألَّبوا جميعا ضدَّه وقاتلوه... هذه خريطة ذهنية غير معقولة ولئن يمكن حصولها في مدة طويلة، فلا يمكن حصولها في مدة قصيرة في عشية واحدة، فلئن كان يمكن تفرُّق الناس عنه لمدى الضغط والمكر الذي مارسه ابن زياد وأصحابه غير أنَّه لا يمكن تألُّبهم ضدَّه إلى هذه الدرجة، فإذا علمنا أنَّه كان يحارب وحده حين هجموا عليه في الدار بقصد إلقاء القبض عليه إذن لم يكن الحاكم في حاجة إلى جيش عرمرم ضدَّه مهما كان شجاعاً ومقاتلاً بارعاً...»((2)).


1) الطبري، تاريخ: ج4، ص280، أبو الفرج الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص69.

2) الصدر، أضواء على ثورة الإمام الحسين(علیه السلام): ص144.

2- إنّ عدد العسكر الذي ذهب لقتاله قرابة سبعين رجلاً، ونحن نتساءل هل من المعقول أنّ سبعين رجلاً مسلحاً ومجهزاً لم يستطيعوا أنْ يسيطروا على رجل واحد مساحة تحركه قليلة جداً كونه داخل الدار؟

3- الرواية تقول إنّ مسلماً خرج إليهم بسيفه أي من الدار، ولعلَّه لا يريد أنْ يسبِّب خراباً لدار طوعة - ولكن بعد ذلك تقول الرواية اقتحموا الدار، فإن كان مسلم قد خرج من الدار، وهو الهدف المطلوب لهم فما الداعي من اقتحامها ومسلم غير موجود فيها؟ كما أشار إلى هذا المعنى ابن أعثم الكوفي((1))، ولكن قد يفسَّر تفسيراً آخر هو أنَّ مسلماً خرج من الحجرة التي كان متواجداً فيها داخل الدار،ويبدو هذا الإحتمال ضعيفاً؛ إذ كم هي مساحة دار طوعة لكي تستوعب الأعداد الكبيرة من العساكر والإقتتال في داخلها.

3- هل من المعقول أنّ مسلماً بقى يقاتل والعسكر خائف منه لاسيما بعد تعرضه لضربة بحسب الرواية «فضرب بكير فم مسلم فقطع شفته العليا وأشرع السيف في السفلى ونصلت لها ثنيتاه»؟ وكذلك تعرَّضه للرمي بالحجارة والقصب المشتعل بالنار من فوق القصر وهو لازال يقاتل، ونحن نؤكِّد بموجب الموازين الطبيعية: لا يمكن لشخص تحمل كلّ هذه الضربات وهو مستمرٌّ بالقتال.

4- ويُوجَّه انتقاد آخر مهمٌّ يتعلَّق باقتراح سلطة الكوفة بإعطاء الأمان لمسلم بعد أن قتل منهم مقتلة عظيمة على أثر مكاتبة محمد بن الأشعث لهم وتوبيخ السلطة لهم، علماً بأنّ هذه الرواية لم يذكرها أبو مخنف في مقتله، وإنَّما أوردتها بعض المصادر((2))، ونحن نتساءل إذا كان السبعون رجلاً الذين أُرسلوا لمسلم لم يتمكنوا


1) ابن أعثم، الفتوح: ج5، ص53.

2) ابن أعثم، الفتوح: ج5، ص53؛ ابن شهر اشوب، مناقب ال أبي طالب: ج2، ص244؛ المجلسي، بحار الانوار: ج44، ص354.

من إلقاء القبض عليه كان الأحرى بالسلطة تعزيزهم بقوات إضافيه لا أنْ تقترح الأمان، فهل عجزت كلُّ قوات السلطة لمواجهة مسلم كي تقترح فكرة الأمان؟

5- والنقطة الأهمُّ هو الإختلاف الروائي الكبير، والزيادات الروائية بين المصادر التاريخية التي لم يُشر إليها أبو مخنف في مقتله التي تتركَّز في إبلاغ محمد بن الأشعث الوالي عبيد الله بأنَّ مسلماً قد قتل منهم جماعة، واقتراح الوالي بإعطاء مسلم الأمان، ثم امتداح ابن الأشعث لمسلم بن عقيل، بقوله: «أيُّها الأمير إنَّك بعثتني إلى أسد ضرغام وسيف حسام في كفِّ بطل همام من آل خيرالأنام»((1)).

هذه الرواية ومدح ابن الأشعث لمسلم لم يذكرها أبو مخنف في مقتله، لكن أوردها ابن أعثم الكوفي((2)) دون أنْ يشيرَ إلى مصدرها وسندها، أمَّا ابن شهر آشوب((3)) فقد أوردها ضمن سياق إيراده للمقتل والذي اعتمد في سرده على الإسناد الجمعي الذي أخذه من جملة من مشايخه أمثال أبي جعفر بن بابويه، وابن مهدي المامطيري((4)) وآخرين دون إعطاء مصدر وسند لكلِّ رواية أو بيان للطريقة التي نقل منها الرواية.

وهنا لا بدّ من القول أنّ الزيادة الروائية التي أوردتها المصادر أعلاه تُعدُّ ضعيفة من الناحية التاريخية، لكونها لم تحدِّد لنا ممن تمَّ نقل هذه الزيادات، ومن الراوي المباشر الذي نقلها، وما سندها، كلُّ ذلك يجعلنا نشكِّك بهذه الروايات؛ لعدم نقلها


1) ابن أعثم، الفتوح: ج5، ص53؛ ابن شهر اشوب، مناقب ال أبي طالب: ج2، ص244؛ المجلسي، بحار الانوار: ج44، ص354.

2) الفتوح: ج5، ص54.

3) مناقب ال أبي طالب: ج3، ص240.

4) أبو الحسن علي بن مهدي المامطيري، زيدي، له كتاب نزهة الابصار ومحاسن الآثار، ابن شهر اشوب، معالم العلماء: ص106.

من قبل أبي مخنف الذي يُعدُّ الراوي الأول من الناحية الزمنية لمجمل أحداث المقتل بتفاصيله الدقيقة؛ وعليه ينتج عن ذلك أنّ هناك احتمالين بشأن الروايات أعلاه هما:

الإحتمال الأول: إنّ الروايات أعلاه وبكلِّ تفاصيلها لا صحة لها، وإنّ أصل الحادثة يكمن في أنّ مسلم بن عقيل(علیه السلام) تمَّت محاصرته وبعدها أُلقي القبضُ عليه في الدار من دون التفاصيل الدقيقة التي أوردتها الروايات التي تمَّتمناقشتها سلفاً.

الإحتمال الثاني: إنَّ مسلم بن عقيل(علیه السلام) لم يكن وحده حينما حصل الإشتباك مع رجال سلطة الكوفة، وإنمَّا كان معه أنصاره وأتباعه، مما صعب الأمر لدى رجال السلطة، وهذا دفعهم إلى استخدام شتَّى أنواع الهجوم البري والرمي من أعلى المنازل بالحجارة وإشعال النيران، وإنّ الوالي عبيد الله بن زياد قد وبَّخ ابن الأشعث بسبب الخسائر الجسيمة التي تعرَّض لها رجاله((1))، والتي قدَّرها ابن شهر آشوب((2)) بواحد وأربعين رجلاً، هذه القرائن كلُّها تجعلنا نرجِّح الإحتمال الثاني من أنّ مسلماً حينما اشتبك مع رجال ابن الأشعث كان معه أنصار وأعوان.

ج - الروايات التي تحدَّثت عن قبول مسلم بالأمان واقتياده إلى القصر والأحداث التي جرت حتى استشهاده(علیه السلام)
اشارة

هناك العديد من الملاحظات النقدية التي تمَّ تسجيلها على بعض النصوص، كما هو منهجنا الذي اتَّبعناه سنورد الروايات بنصوصها ومن ثَمَّ مناقشتها:

نصُّ الرواية: «فلما رأى ذلك خرج عليهم مصلتا بسيفه في السكة فقاتلهم، فأقبل عليه محمد بن الأشعث فقال يا فتى لك الأمان لا تقتل نفسك فأقبل يقاتلهم... فقال له

1) ابن أعثم، الفتوح: ج5، ص53؛ ابن شهر اشوب، مناقب ال أبي طالب: ج2، ص244؛ المجلسي، بحار الانوار: ج44، ص354.

2) مناقب ال أبي طالب: ج2، ص244.

محمد بن الأشعث: إنَّك لا تُكذب ولا تُخدع ولا تُغرَّ إنَّ القوم بنو عمِّك وليسوا بقاتليك ولا ضاربيك، وقد أُثخن بالحجارة وعجز عن القتال وانبهر، فأسند ظهره إلى جنب تلك الدار فدنا محمد بن الأشعث فقال لك الأمان فقال آمن أنا؟ قال:نعم،وقال القوم: أنت آمن غير عمرو ابن عبيد الله بن العباس السلمي فإنَّه قال:لا ناقة لي في هذا ولا جمل وتنحَّى، وقال ابن عقيل: أما لو لم تؤمِّنوني ما وضعت يدي في أيديكم، وأُتي ببغلة فحُمل عليها، واجتمعوا حوله وانتزعوا سيفه من عنقه، فكأنه عند ذلك آيس من نفسه فدمعت عيناه...»((1)).

يحمل النصُّ عدَّة إشكالات وملاحظات نقدية مهمّة منها:

1- وأورد ابن قتيبة رواية - وإن انفرد بها عن الرواية التقليدية للمقتل - بخصوص مسلم بن عقيل(علیه السلام) واستشهاده، تنفي بشكل كامل وقطعي وجود شخصية (طوعة) وإيوائها لمسلم بن عقيل، ومسألة قبوله الأمان وكامل تفاصيل هذه الرواية، وأشارت إلى دخول مسلم بن عقيل(علیه السلام) بعد تفرُّق أنصاره عنه دار هانئ بن عروة، ثم إعلام السلطات بمكانه واقتحامه، ومن ثَمَّ أسره بعد مقاومته لهم(علیه السلام)((2)).

2- إنّ هذه الرواية أو المقطع الروائي هو مرتبط بالروايات التي تمَّت مناقشتها سلفاً والتي توصلنا إلى عدم دقَّتها وصحتها ومطابقتها للواقع؛ لاحتوائها على ثغرات تاريخيه كبيرة.

3- أشارت الرواية إلى أنّ محمد بن الأشعث حدَّث مسلم بن عقيل أثناء القتال،


1) الطبري، تاريخ: ج4، 280؛ أبو الفرج الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص69؛ ونقلت هذه الرواية بعض المصادر من غير طريق أبي مخنف: المفيد، الارشاد: ج2، ص58؛ ابن شهر اشوب، مناقب ال أبي طالب: ج3، ص244؛ الطبرسي، اعلام الورى: ج2، ص32.

2) الامامة والسياسة: ج2، ص9-10.

وهل توقَّف ابن عقيل عن القتال حينما تحدث معه ابن الأشعث وبعدها استأنفالقتال؟ ثم إذا توقَّف عن القتال لماذا لم يبادروا إلى إلقاء القبض عليه؟ وذكرت الرواية أيضاً أنَّ محمد بن الأشعث اقترب من مسلم وجرى بينهما حديث، فلماذا لم يقدم ابن الأشعث على الغدر به؟ كذلك يُستنتَج من الرواية أنَّ القتال كان خارج الدار ومن المؤكد أنّ الأعداء كانوا يحيطون بمسلم من كلِّ الجهات، فلماذا لم يتمكّنوا عليه من إحدى الجهات؟ نقول: ماهي المسافة بين مسلم وبين رجال ابن الأشعث حتى يكلمه ابن الأشعث ويرجع بعدها يقاتلهم مرة أخرى؟

4- كيف لمسلم بن عقيل الذي غدر به أهل الكوفة وجعلوه وحيداً - بحسب الرواية التقليدية للمقتل - أن يطمئنَّ ويثق بهم، بل بسلطتها وهم أعداءٌ له؟

5- هناك إشكال آخر، هو: إنّ الرواية أشارت إلى انهيار وضع مسلم العسكري بشكل كامل، وأصبح لا يقوى على القتال بقرينة القول: «وقد أُثخن بالحجارة وعجز عن القتال»((1))، وعليه فبإمكان رجال ابن الأشعث أن يلقوا القبض عليه - بعد عجزه عن قتالهم - بصورة سهلة ولا حاجة إلى توسُّلهم به وخديعته بالأمان من أجل السيطرة عليه.

6- الرواية تحاول أنْ تضفي على قتال مسلم بن عقيل مع رجال محمد بن الأشعث نوعاً من النزاع القبلي ذا طابع اجتماعي بقرينة: «إنَّ القوم بنو عمِّك وليسوا بقاتليك ولا ضاربيك...».

7- الرواية تحاول أنْ تصوِّر بدائية مسلم في القتال وأنَّه لا يملك مبدأ، وإنَّه من تسبب في مقتل الإمام الحسين(علیه السلام) وأهل بيته، وإنَّه لا يملك أيَّ خبرة وحنكة سياسية في تنظيم العمل الثوري، وإنّه ركَنَ إليهم؛ بسبب الأمان الذي منحوه إيَّاه.


1) الطبري، تاريخ: ص280.

8- نصٌّ مكمِّل لهذا النصِّ أورده أبو مخنف وهو «يا عبد الله إنِّي أراك والله ستعجز عن أماني، فهل عندك خير تستطيع أن تبعث من عندك رجلاً على لساني يبلِّغ حسينا؟ فإني لا أراه إلا قد خرج إليكم اليوم مقبلاً أو هو يخرج غداً هو وأهل بيته، وإنَّ ما ترى من جزعي لذلك فيقول:إنَّ ابن عقيل بعثني إليك وهو في أيدي القوم أسير لا يرى أن تمشى حتى تُقتل، وهو يقول ارجع بأهل بيتك ولا يغرك أهل الكوفة فإنَّهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل، إنَّ أهل الكوفة قد كذبوك وكذبوني وليس لمكذوب رأى... قال دعا محمد بن الأشعث إياس بن العثل الطائي من بنى مالك بن عمرو بن ثمامة - وكان شاعرا وكان لمحمد زواراً - فقال له إلقَ حسينا فأبلغه هذا الكتاب، وكتب فيه الذي أمره ابن عقيل، وقال له هذا زادك وجهازك ومتعة لعيالك، فقال من أين لي براحلة فإنَّ راحلتي قد أنضيتها؟ قال هذه راحلة فاركبها برحلها، ثم خرج فاستقبله بزبالة لأربع ليال فأخبره الخبر وبلَّغه الرسالة...»((1)).

هناك بعض نقاط الضعف بالنصِّ منها:إنّ الشخصية التي بعثها محمد بن الأشعث لإخبار الإمام الحسين(علیه السلام) بعدم القدوم للعراق على أثر طلب مسلم بن عقيل ذلك هي (إياس بن العتل أو العثل الطائي) والتي لم نجد لها ذكراً في كتب التراجم - بحدود اطلاعنا - وبالتالي تُعدُّ شخصية مجهولة ومبهمة من الناحية التاريخية، وهذا يسهم بشكل أو بآخر بإضعاف الرواية وزيادة نسبة الشكِّفيها.

فضلاً عن ذلك هل من المعقول أن يفكِّر مسلم بن عقيل بأنْ يعفو عنه الوالي عبيد الله وهو الذي جاء للبحث عنه؟ ومن ثمَ يسمح له بالذهاب إلى إبلاغ الركب الحسيني بالرجوع؛ لكي يقول ذلك، والأكثر غرابة من ذلك هل يُعقل أنَّ أحد


1) المصدر نفسه: ج4، ص281؛ واوردها عن أبي مخنف أيضاً، ينظر، أبو الفرج الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص66-76.

عناصر السلطة الحاكمة وأبرز رجالاتها وهو (محمد بن الأشعث) يقوم بتقديم الدعم والعون لأكبر معارضي الدولة هو الإمام الحسين(علیه السلام) ويستجيب لطلب مسلم بن عقيل بدون علم الوالي عبيد الله بن زياد؟ فضلاً عن ذلك أنَّ الدينوري ذكر رواية تؤكِّد أنّ مسلم بن عقيل حينما أُدخل إلى قصر الإمارة طلب من عمر بن سعد وأوصاه: «إنَّ الحسين ومن معه وهم تسعون بين رجل وامرأة في الطريق فارددهم، واكتب إليهم بما أصابني»((1))، وهنا يأتي التساؤل والإشكال المهمُّ وهو إن صّحت رواية أبي مخنف آنفة الذكر التي مفادها أنَّ ابن الأشعث بعث من يخبر الإمام الحسين(علیه السلام) بما أراده مسلم بعدم القدوم إلى الكوفة، فما هي الحاجة لأن يكرِّر ذلك مسلم مرة أخرى لو حصل فعلاً؟ ونتيجة لهذا التعارض بين الروايتين يجعلهما موضع الشكِّ والضعف.

- روايات دخول مسلم بن عقيل إلى قصر الإمارة:

بعد دراستنا للأحداث التي وقعت لمسلم بن عقيل في قصر الإمارة، هنالك العديد من الروايات التي جاءت ببعض الأحداث البعيدة عن الواقع والمنطق العقلي والتي منها: «إنَّ مسلم بن عقيل حين انتهى إلى باب القصر فإذا قُلَّة باردةموضوعة على الباب، فقال ابن عقيل اسقوني من هذا الماء، فقال له مسلم بن عمرو: أتراها ما أبردها، لا والله لا تذوق منها قطرة أبدا حتى تذوق الحميم...»((2))، نعم الإرتواء من الماء شيء ضروري لديمومة الحياة وبقائها، لكن تصوير الرواية لطلب


1) ابن قتيبة، الامامة والسياسة: ج2، ص10، كذلك ذكر هذه الرواية: الشافعي، جواهر المطالب: ج2، ص168.

2) الطبري، تاريخ: ج4، ص281؛ أبو الفرج الاصفهاني مقاتل الطالبيين: ص67.

مسلم فيه نوع من الذلَّة وبالخصوص البحث عن الماء والتوسل بالأعداء لكي يعطوه ماء، ونحن نعرف أنّ مسلماً بذل نفسه في سبيل الدين والعقيدة ولم يرضخ للأعداء، هذا من جانب، ومن جانب آخر أنَّ الرواية غير مسندة، وتنتهي بشخصية قدامة بن سعيد والتي كما تطرقنا إليها في الفصل الثاني من هذه الأطروحة، شخصية مجهولة ومبهمة ولم تترجم لها كتب التاريخ.

كذلك ذكر أبو مخنف رواية مشكوكاً بها تتعلَّق بدخول مسلم بن عقيل إلى القصر بقوله: «وأُدخل مسلم على ابن زياد فلم يسلِّم عليه بالإمرة فقال له الحرس ألا تسلِّم على الأمير؟ فقال له: إن كان يريد قتلى فما سلامي عليه؟ وإن كان لا يريد قتلي فلعمري ليكثرن سلامي عليه...»((1)).

حاولت هذه الرواية تصوير مسلم بن عقيل(علیه السلام) بأنَّه لا عقيدة له، وأنَّه على استعداد أن يتعاون مع السلطة ويركن إليها مقابل إبقائه على قيد الحياة، ثم ما العلاقة والربط بين كثرة السلام والقتل بحسب الرواية؟ وهل عبيد الله بن زياد يحتاج إلى تحية وسلام مسلم بن عقيل(علیه السلام)؟ فضلاً عن ذلك أنّ مسلم بنعقيل أوضح أنّ سلامه على الأمير عبيد الله مرهون بالإبقاء على حياته، وهذا يتعارض مع تأريخ مسلم بن عقيل(علیه السلام) وعقيدته الراسخة.

أما من ناحية السند فالرواية غير مُسنَدة، وتنتهي بشيخ أبي مخنف: (سعيد بن مدرك بن عمارة) الذي لم تترجم له كتب التراجم بحسب المصادر المتوافرة عندنا، وبالتالي يُعدُّ شخصية مجهولة، ولا نعرف من الذي نقل له هذه الرواية؟ وما طريق


1) الطبري، تاريخ: ج4، ص282؛ أبو الفرج الاصفهاني مقاتل الطالبيين: ص67.

السند الروائي لها؟ وقد ذكرت هذه الرواية بعض المصادر((1)) لكن دون الإشارة إلى سندها والمصدر الذي نقلت منه؛ مما يجعل هذه الرواية موضع الشكِّ والضعف.

3- رواية أبي مخنف عن رأس الإمام الحسين(علیه السلام) في مجلس يزيد بن معاوية في دمشق والأحداث التي جرت للرأس الشريف

اشارة

تطرَّق أبو مخنف في مقتله إلى حادثة حمل رأس الإمام الحسين(علیه السلام) والسبايا إلى يزيد بن معاوية، ولكن بعد دراسة هذه الرواية اتضحت لنا عدَّة ملاحظات نقدية تجاهها، مما يترتب عليها الشكُّ والضعف والإرباك التاريخي، ونصُّ ذلك: «عن أبي مخنف قال حدثني أبو حمزة الثمالي، عن عبد الله الثمالي، عن القاسم بن بخيت قال لما أقبل وفد أهل الكوفة برأسالحسين دخلوا مسجد دمشق، فقال لهم مروان بن الحكم كيف صنعتم قالوا ورد علينا منهم ثمانية عشر رجلاً فأتينا والله على آخرهم، وهذه الرؤوس والسبايا، فوثب مروان فانصرف وأتاهم أخوه يحيى بن الحكم فقال ما صنعتم؟ فأعادوا عليه الكلام، فقال حُجِبتم عن محمد يوم القيامة لن أجامعكم على أمر أبدا، ثم قام فانصرف، ودخلوا على يزيد فوضعوا الرأس بين يديه وحدَّثوه الحديث، قال فسمعت دور الحديث هند بنت عبد الله... وكانت تحت يزيد بن معاوية، فتقنَّعت بثوبها وخرجت، فقالت يا أميرالمؤمنين أرأس الحسين بن فاطمة بنت رسول الله؟ قال: نعم فاعولي عليه وحدي على ابن بنت رسول الله(صلی الله علیه و آله) وصريحة قريش عجَّل عليه ابن زياد فقتله قتله الله، ثم أذن للناس فدخلوا، والرأس بين يديه ومع يزيد قضيب فهو


1) وذلك لأنَّ بعض المصادر التي أوردتها اتبعت في عرضها لروايات المقتل الأسلوب الجمعي في ذكر المصادر التي اعتمدتها في بداية حديثها عن المقتل، وأخرى مصادر مجهولة بصيغة (وروي) دون تحديدها للمصادر أو الرواة، ينظر، المفيد، الارشاد: ج2، ص61؛ الطبرسي، اعلام الورى: ج1، ص444؛ الفتال النيسابوري، روضة الواعظين: ص177.

ينكت به في ثغره ويقول:

يفلُقْنَ هاماً من رجال أحبةٍ *** إلينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما

قال:فقال رجل من أصحاب رسول الله يُقال له أبو برزة الأسلمي((1)):أتنكت بقضيبك في ثغر الحسين؟ أما لقد أخذ قضيبك من ثغره مأخذا لربمَّا رأيت رسول الله يرشفه، أما إنَّك يا يزيد تجيء يوم القيامة وابن زياد شفيعك، ويجيء هذا يوم القيامة ومحمد شفيعه، ثم قام فولَّى»((2)).

وأشارت بعض المصادر((3)) إلى أنّ يزيد قد استشهد بأبيات عبد الله بن الزبعرى((4)) وهو يقول:

ليتَ أشياخي ببدر شَهدوا *** جَزَعَ الخزْرجِ من وَقع الأسلْ((5)).


1) نضلة بن عبيد بن الحارث، أبو برزة الأسلمي. غلبت عليه كنيته، واختُلِف في اسمه، فقيل: نضلة بن عبيد بن الحارث. واخرى: نضلة بن عبد الله بن الحارث. وتارة اسمه: عبد الله بن نضلة، وقيل: سلمة بن عبيد، والصحيح ما قدمنا ذكره. وعليه فاسم أبى برزة: نضلة بن عبيد. أسلم قديماً، وشهد فتح مكة، ثم تحول إلى البصرة، وولده بها، ثم غزا خراسان، مات بها أيام يزيد بن معاوية أو في آخر حكم معاوية بن أبي سفيان، ابن سعد، الطبقات الكبرى: ج7، ص9؛ البخاري، التاريخ الكبير: ج8، 118؛ ابن عبد البر، الاستيعاب: ج4، ص1495.

2) الطبري، تاريخ: ج4، ص356؛ ونقلها أيضاً ابن عساكر عن طريق أبي مخنف، ينظر، تاريخ مدينة دمشق: ج62، ص85.

3) ابن طيفور، بلاغات النساء: ص21؛ ابن أعثم، الفتوح: ج5، ص129؛ ابو الفرج الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص80؛ الصدوق، الامالي: ص231؛ الطبرسي، الاحتجاج: ج2، ص34؛ ابن شهر اشوب، مناقب ال أبي طالب: ج3، ص261؛ ابن الجوزي، المنتظم: ج5، 343.

4) عبد الله بن الزّبعري بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم بن عمرو بن كعب بن لؤيّ بن غالب ابن فهر بن مالك بن النّضر ابن كنانة، أحد شعراء قريش المعدودين، كان يهجو المسلمين ويحرّض عليهم كفَّار قريش في شعره، ثم أسلم بعد ذلك فقبل النبيّ(صلی الله علیه و آله) إسلامه وأمّنه يوم الفتح، ابو الفرج الاصفهاني، الاغاني: ج15، ص121-137.

5) ابن أعثم، الفتوح: ج5، ص129؛ ينظر، ابن الزبعرى، ديوان: ص42.

أهمُّ الملاحظات النقدية بشأن هذه الرواية:

1- الرواية من ناحية السند: فهي تنتهي بالقاسم بن بخيت، وهل كان القاسم شاهداً للحدث ومعاصراً لأحداث المقتل بحيث نقل لنا هذه الرواية؟ وبنظرة شاخصة للمصادر التي تطرَّقت للمقتل لم يُلاحظ أيُّ ذكر أو دور لهذه الشخصية، أو حتى الإشارة إليها، ومن ثَمَّ لا دور لهذه الشخصية، فكيف نقل لنا هذه الرواية؟نعم هناك إشارة في تاريخ الطبري باسم (القاسم بن بخيت المراغي) وكان قائداً عسكرياً للحاكم هشام بن عبد الملك (105-125ﻫ/724-743م) إذ تولَّى عام (119ﻫ/721م) مهمة عسكرية في قمع بعض المتمردين((1))، ولا سبيل لنا لمعرفة هل إنَّ القاسم الذي نقل لنا هذه الرواية هو نفسه الذي كان قائدا في عهد هشام بن عبد الملك؟ وعلى كلا التقديرين فإنَّ وجوده في موقعة الطف لا دليل عليه ولا يوجد ما يثبت ذلك، بل إنَّه لا ذكر له في كتب التراجم وفق اطلاعنا؛ الأمر الذي يجعلنا نُشكِّك بهذه الشخصية المبهمة والمجهولة التي نقلت هذه الرواية؟ وما هو الطريق الذي اعتمده في نقلها؟ وما مصدر نقله لها؟

2- إنّ الوفد الكوفي الذي يحمل الرأس الشريف والسبايا مهمته إيصال السبايا إلى يزيد بن معاوية فما الغاية والسبب من دخول الوفد إلى مسجد دمشق؟ ثم أين بقيت السبايا؟ أكان هذا التصرُّف بعلم من قبل السلطة العليا في دمشق أم اجتهاد شخصي من قبل زعماء الوفد؟ وكيف لهم أن يفعلوا ذلك بدون أيّ أوامر من قبل سلطة دمشق بقيادة يزيد بن معاوية؟ ولماذا لم يذهب الوفد بصورة مباشرة إلى يزيد ابن معاوية؟ لاسيما وإنَّهم يحملون السبايا وهي مهمة خطيرة من الناحية الأمنية.

3- الرواية تحاول أن تعطي مكانة دينية لمروان وأخيه يحيى، فضلاً عن إبعاد


1) الطبري: ج5، ص443-456.

إشراكهم في التخطيط والترتيب لقتل الإمام الحسين(علیه السلام) كونهم لم يقبلوا على ما جرى على آل البيت، لاسيما قول يحيى لهم: «حُجِبتم عن محمد يوم القيامة، لن أجامعكم على أمر أبدا...».

4- تنُظِّر الرواية لمسألة خطيرة تتعلَّق بتبرئة يزيد بن معاوية من قتل أهل البيت، وتوجيه الإتهام إلى واليه عبيد الله بن زياد، من خلال كلامه مع زوجته هند بنت عبدالله بن عامر بن كريز بأن تقيم المأتم على مقتل الإمام الحسين(علیه السلام)، وقوله على واليه «عجَّل عليه ابن زياد فقتله قتله الله»، ونحن نتساءل من الذي أعطى الأوامر بقتل الإمام الحسين(علیه السلام)، وسبي آل البيت ونقلهم إلى الشام؟ ألم يكن يزيد بن معاوية من فعل ذلك؟

5- كذلك تحمل تناقضاً في المواقف ليزيد بن معاوية؛ فهي من جهة تبرئ يزيد وتنسب قتل الإمام إلى الوالي عبيد الله، ثم بعد قليل تشير إلى إقدامه على إهانة الرأس الشريف للإمام الحسين(علیه السلام)، وفي مجلس عام أعِدَّ لهذا الغرض، وضربه للرأس بالقضيب والإستهانة به، فضلاً عن الشعر الذي قالَهُ يزيد والذي يتبيَّن فيه عدم ندمه على مقتل الإمام الحسين(علیه السلام)، فكيف يمكن التوفيق بين هذين الموقفين المختلفين والمتعارضين في رواية واحدة وسياق واحد؟

وهنا تجدر الإشارة إلى مسألة غاية في الأهمية تتعلَّق بمرويات أبي مخنف المضمَّنة في تاريخ الطبري، وهو: كيف استطاع الطبري الوصول إليها؟ وهل كان مقتل الحسين(علیه السلام) لأبي مخنف موجوداً عند الطبري ونقل منه تلك الروايات؟ أو هناك طريقٌ آخر نقل منه؟ وتكمن الإجابة على هذا التساؤل في طرح احتمالٍ مهمٍِّ يتلخَّص بأنَّ مقتل الحسين(علیه السلام) لأبي مخنف - المفقود - كان موجوداً عند الطبري وفُقِدَ بعد ذلك، استناداً إلى قرينتين أساسيتين، هما:

الأولى: نقله الكامل للمقتل عن أبي مخنف بخلاف بقية المؤرِّخين((1)) الذين نقلوا بعض تلك المرويات.

الثانية: طريقتُهُ في النقل: توحي طريقة نقل الطبري لمرويات أبي مخنف عن وجود كتاب المقتل لديه؛ إذ إنَّه نقل جميع مروياته بصورة مباشرةٍ وبدون سلسة روائية بقوله: «قال أبو مخنف»((2)) باستثناء ثلاث حالات نقلها عنه بوساطة هشام بن محمد الكلبي((3))، وذلك لأنَّ التعبير بمثل هذا الأسلوب يشير إلى أمرين إمَّا أن يكون معاصراً له، وهذا محال للفارق الزمني الكبير بينهما؛ لأنَّ وفاة أبي مخنف (157ﻫ) والطبري (310ﻫ)، وإمّا أن يكون كتاب المقتل موجوداً لديه، وهو احتمال مرجَّح.

د - مقارنة مرويات الطبري عن أبي مخنف في المقتل الحسيني مع بقية مرويات أبي مخنف في المصادر التاريخية ومناقشتها

بعد أن اتضح أنّ مجمل مرويات المقتل الحسيني لأبي مخنف قد نقلها لنا الطبري في تاريخه لا بدّ من إجراء مقارنة تاريخية بين تلك التي أوردها الطبري مع بقية المصادر الأخرى؛ للكشف عن مدى المطابقة والإختلاف، منها:

أ- البلاذري: - أورد رواية نقلاً عن عبد الملك بن نوفل، عن أبي سعيد المقبري الذي شاهد الإمام الحسين(علیه السلام) وهو ينشد أبياتاً من الشعر، فايقن المقبري أنّ الإمام الحسين لا يلبث إلا قليلاً وقد تحقق ذلك((4))، وعند مقارنة الرواية مع تاريخ الطبري


1) البلاذري، انساب الاشراف: ج2، ص85، ج3، ص156، 207؛ أبو الفرج الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص54، 63، 67، 76؛ الطبري الشيعي، دلائل الامامة: ص181؛ الصفدي، الوافي بالوفيات: ج14، ص127.

2) الطبري، تاريخ: ج4، ص23، ص261-358.

3) المصدر نفسه: ج4، ص265، 267، 358.

4) انساب الاشراف: ج3، ص156.

نجدها مطابقة من ناحية السند والمتن((1)).

2- حادثة مقتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة(علیه السلام) أوردها البلاذري((2))نقلاً عن أبي مخنف، وعند مقارنتها مع رواية الطبري((3)) وجدناها تتفق معها مع وجود تفاصيل أكثر في رواية الطبري.

3- ونقل البلاذري((4)) عن أبي مخنف رواية تقسيم رؤوس أصحاب الإمام الحسين وأهل بيته بين القبائل، وتحديد كلِّ قبيلة عدداً من تلك الرؤوس، ومن خلال مقارنتها مع تاريخ الطبري((5)) وجدنا الرواية تتفق وبشكلٍ كامل مع رواية الطبري، من حيث ذكر القبائل، وعدد الرؤوس التي حصلت عليها.

وخلاف هذه الروايات لم نجد إشارات صريحة للبلاذري أشار فيها إلى أبي مخنف، لكن من خلال الإطلاع على كلا المصدرين اتضح أنّ البلاذري اعتمد على العديد من النصوص التي رواها أبو مخنف ولكن دون الإشارة إلى مصدرها، وإنَّما اكتفى بعبارة: (قالوا)، وقد اتضح لنا ذلك من خلال المقارنة بين مرويات البلاذري التي تُروى بصيغة: (قالوا) وبين ما موجود عند الطبري مروياً عن أبي مخنف. ولعلَّ أحد الإحتمالات التي دفعت إلى عدم ذكر أبي مخنف من قبل البلاذري - في نصوص عديدة - يرجع إلى عامل سياسي لاسيما وإنَّ البلاذري كتب مؤلَّفه أنساب الأشراف في العصر العباسي.

ب - ابن أعثم: وبخصوص المرويات التي اعتمدها ابن اعثم على أبي مخنف


1) تاريخ: ج4، ص282-284.

2) انساب الاشراف: ج2، ص85.

3) تاريخ: ج4، ص282-284.

4) انساب الاشراف: ج3، ص207.

5) تاريخ: ج4، ص358.

الخاصة بالمقتل الحسيني، فلم نجد أنَّه أشار إليه بمروياته التي أوردها عن المقتل، لكنَّه ذكره في جملة الرواة الذين اعتمد عليهم دون أن يذكر أو يحدِّد الروايات التي اعتمدها عليه؛ وفقاً لمنهجه بذكر مصادره في مقدمة حديثه عن المقتل الحسيني بقوله: «قال الواقدي أيضاً وحدَّثني محمد بن عبيد الله بن عنبسة، عن محمد بن عبيد الله، عن عمرو، عن أبيه، وعبد الله بن بجير السهمي، عن سعيد بن قيس الهمذاني ومحمد بن خالد الهاشمي، عن يعقوب بن سليمان من بني عبد الله الأوسي، عن عبد الرحمن بن المنذر من بني عدي بن النجار، عن العلاء بن يعقوب العجلاني وأبي المنذر هشام بن محمد بن السائب، عن أبي مخنف لوط بن يحيى بن سعيد الأزدي، عن الحسين ابن كثير الأزدي، عن أبيه..»((1))، ويبدو أنَّ منهج ابن أعثم هذا يسبِّب إرباكاً تاريخياً في تخريج الروايات التي اعتمد في نقلها عن أبي مخنف أو غيره في مسألة مقارنتها مع مرويات أبي مخنف في بقية المصادر، أو التأكد من صحة انتسابها إليه.

ت - نقل أبو الفرج الأصفهاني((2)) عن أبي مخنف بعض الروايات التي تخصُّ مسلم بن عقيل، وتحديداً مسألة دخوله قصر الإمارة والأحداث التي جرت له هناك، فضلاً عن الروايات التي تطرقت لسرد قصة استشهاد علي الأكبر بن الإمام الحسين(علیه السلام)، وكذلك استشهاد كلٍّ من عبد الله وجعفر وعثمان أبناء الإمام علي بن أبي طالب(علیه السلام).

وهنا لا بدَّ من القول إنّ بعض الروايات التي أوردها أبو الفرج الأصفهاني بإسناد أبي مخنف قد انفرد بروايتها - تحديداً - عن الطبري، على حين اتفق بروايات أخرى مع الطبري مع اختلاف في سندها((3)).


1) الفتوح: ج5، ص323.

2) مقاتل الطالبيين: ص54، 63، 67، 76.

3) الطبري، تاريخ: ج4، ص258.

ث - الطوسي: نقل عن أبي مخنف - وبحسب اطلاعنا - رواية بوساطة واحدةمباشرة هي عن الحارث ابن كعب نقلاً عن السيدة فاطمة بنت علي بن أبي طالب(علیه السلام)، وهي تتحدَّث عن أحد فصول مأساة السبي في الشام قائلة: «إنَّ يزيد(لعنه الله) أمر بنساء الحسين(علیه السلام) فحُبِسنَ مع علي بن الحسين(علیه السلام) في محبس لا يكنُّهم من حرٍّ ولا قرٍّ حتى تقشَّرت وجوههم»((1)).

عند مقارنتنا لهذه الرواية مع تاريخ الطبري وجدناها مروية عن أبي مخنف، وبالوساطة نفسها (الحارث بن كعب)، والناقل نفسه وهي فاطمة بنت علي لكن في متنها اختلاف شديد عن هذه الرواية، إذ احتوت إضافات وزيادات عديدة وخطيرة كقولها أي فاطمة: «لما أُجلِسنا بين يدي يزيد بن معاوية رقَّ لنا وأمر لنا بشيء وألطفنا»((2))، نحن الآن بين نصَّين مختلفين، ويبدو لنا أنّ سبب الإختلاف ناشئ من المؤرخ - أي الطبري -، ونحن نرجِّح الرواية التي أوردها الطوسي، وذلك لكون سياسة وتصرُّفات يزيد بن معاوية تدلُّ على ذلك كونه هو المسؤول الأول عن قتل الإمام الحسين(علیه السلام)؛ لأنَّ إساءة معاملة السبايا شيء طبيعي عنده، وأنَّ بعض المصادر التاريخية((3)) قد أشارت إلى الحالة اللاإنسانية التي تعرَّض لها سبايا آل البيت(علیهم السلام) لا سيما في الشام، ولم يشيروا إلى تعامل السلطة الأموية برفق أولين مع هؤلاء السبايا.

ج - ابن جرير الطبري الشيعي: نقل خبراً واحداً بسنده عن أبي مخنف ما نصُّه:«حدثنا محروز بن منصور((4))، عن أبي مخنف لوط بن يحيى الأزدي قال: حدَّثنا عباس بن


1) الامالي: ص232.

2) الطبري، تاريخ: ج4، ص353. البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص212-220؛ اليعقوبي، تاريخ: ج2، ص243-253.

3) البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص212-220؛ ابن حبان، الثقات: ج2، ص310-315؛ اليعقوبي، تاريخ: ج2، ص243-253.

4) لم نجد ترجمة له في المصادر المتوافرة لدينا.

عبد الله، عن عبد الله بن عباس، قال: لقيت الحسين بن علي وهو يخرج إلى العراق، فقلت له: يا بن رسول الله، لا تخرج. قال: فقال لي: يا بن عباس، أما علمت أنَّ منيتي من هناك، وأنَّ مصارع أصحابي هناك؟ فقلت له: فأنَّى لك ذلك؟ قال: بسرٍّ سُرَّ لي، وعلم أُعطيته»((1)).

نلحظ أنّ الجهة التي نقلت هذه الرواية عن طريق أبي مخنف هي (محروز بن منصور)، ولم نجد له على ترجمة في المصادر المتوافرة لدينا، أو أيّ إشارت تحدد لنا هويته فمن هو؟ وما علاقته بأبي مخنف؟ مما يُدخل هذه الرواية في دائرة الشك من الناحية التاريخية وتحديداً من ناحية سندها لوجود شخصية مجهولة في طريقها، وإن وردت في مصادر أخرى لكن ليست بالألفاظ نفسها وإنما تقترب منها بالمضمون.

وعند مقارنتها بنصِّها مع تاريخ الطبري((2))، نجد أنَّ الطبري لم يذكرها عن أبي مخنف، وإنما ذكرها فيما يخصُّ اعتراض ابن عباس (ت68ﻫ/687م) لخروج الإمام الحسين(علیه السلام) إلى العراق مع تفاصيل لا توجد في هذه الرواية، من قبيل توضيح ابن عباس للإمام الحسين(علیه السلام) طبيعة المجتمع الكوفي وتحذيره منهم، كما أنّ الطبري ذكر هذه الرواية عن أبي مخنف عن وسائط روائية تختلف عن التي أوردها الطبري الإمامي.ح - الصفدي (ت764ﻫ/1366م): يُلاحَظ أنَّ الصفدي نقل عن أبي مخنف رواية دون الإشارة إلى سندها، تتعلَّق بحمل السبايا من الكوفة إلى الشام، وإبلاغ يزيد عن أوضاعهم، وما تعرَّض له أهل البيت من القتل والظلم على أيدي جلاوزته، فتذكر الرواية بعد سماع يزيد هذه الأخبار دمعت عيناه، وحمَّل الوالي


1) دلائل الامامة: ص181؛ كما ذكر هذه الرواية عن أبي مخنف وبالوسائط الروائية نفسها، العاملي، الدر النظيم: ص530.

2) الطبري، تاريخ: ج4، ص287.

عبيد الله بن زياد مسؤولية ذلك((1)).

وعند مقابلة هذه الرواية مع رواية أبي مخنف التي أوردها الطبري((2)) اتضح لنا أنَّه أورد تلك الرواية عن أبي مخنف فيما يخصُّ حمل رأس الإمام الحسين(علیه السلام) وأصحابه من الكوفة إلى يزيد في الشام، أمَّا تكملة الرواية - أي فيما يتعلَّق ببكاء يزيد وتحميله المسؤولية للوالي عبيد الله بن زياد على ما جرى في كربلاء - فنقلها عن طريق هشام الكلبي دون الإشارة لأبي مخنف.

ولعلَّ سبب سلوك يزيد هذا وأنَّه دمعت عيناه، وتحميله للوالي عبيد الله مسؤولية قتل الإمام الحسين(علیه السلام) هو لكسب الرأي العام، والتظاهر بأنَّه ليس له علاقة بقتل الحسين لاسيما بعد أنْ حقَّق هدفه السياسي، ونفَّذ مخططه في قتل آل الرسول(علیه السلام)، وهذا جزء من سياسة المكر والخداع التي اتبعها يزيد بن معاوية.

ولعلَّ في ذكرنا لهذه المصادر التي اعتمدت في نقل بعض مرويات المقتل عن أبي مخنف، تتضح لنا الصورة عن مدى صحة بعض روايات أبي مخنف منعدمها، فضلاً عن أهمية مروياته في هذا الجانب، ولا بدَّ من الإشارة إلى أنّ بعض المؤرِّخين((3)) وبحسب منهجهم المتبع في مصنفاتهم في ذكر مصادرهم في مقدمة حديثهم، ولاسيما فيما يخصُّ موضوعنا (المقتل)، قد أشاروا إلى اعتمادهم على أبي مخنف في نقلهم التاريخي لبعض مرويات المقتل، لكن دون أنْ يحدِّدوا لنا الروايات التي نقلوها عن أبي مخنف.


1) الوافي بالوفيات: ج14، ص127. كذلك أورد هذه الرواية: الدينوري مع إختلاف يسير دون الإشارة إلى مصدرها وإنما ذكرها بصيغة: (قالوا)، ولعلَّه نقلها عن أبي مخنف أيضاً، الاخبار الطوال: ص261.

2) تاريخ: ج4، ص118.

3) ابن العديم، بغية الطلب: ج6، ص2606؛ المزي، تهذيب الكمال: ج6، ص412.

4- تسمية مْن قُتِل مع الإمام الحسين(علیه السلام) من ولده وإخوانه وأهل بيته وشيعته، للمحدِّث الفضيل بن الزبير الرسان

سنركِّز على الكتاب بشيء من التفصيل: ويمكن ملاحظة بعض معالم المنهج الذي اتبعه الفضيل في مصنَّفه ومنها:

أولاً: إنَّ الكتاب لا يحتوي على فصول أو أبواب أو مسالك أو مقاصد، وإنَّما صنَّف الرسان أسماء الذين استُشهِدوا في واقعة الطفِّ على أساس قَبَلي باستثناء شهداء أهل البيت وشهداء أصحاب الإمام الحسين(علیه السلام).

ثانياً: قدَّم ترجمة موجَزَة لشهداء أهل البيت، فمثلاً في ترجمته للإمام الحسين(علیه السلام) قال: «الحسين بن علي، ابن رسول الله(صلی الله علیه و آله) قتله سنان بن أنس النخعي وحمل رأسه، فجاء به خولي بن يزيد الأصبحي»((1)) كما أنَّ ترجمته لبعض شهداء أهل البيت تميَّزت بذكر اسم والدة الشهيد كما هو الحال في ترجمته لجعفر: «وجعفر بن علي بن أبي طالب(علیهالسلام): واُمّه - اُمّ البنين بنت حزام، قتله هانئ بن ثبيت الحضرمي»((2))، واتَّبع المنهج نفسه مع شهداء أصحاب الإمام الحسين(علیه السلام)، أمّا بقية الشهداء(رضی الله عنه) فقد اقتصر على ذكر أسمائهم فقط مع بيان القبيلة التي ينتمون إليها.

ومن أمثلة ذلك ذكره لشهداء قبيلة كندة بقوله: «وقُتل من كندة:

(1) الحارث بن امرئ القيس.

(2) ويزيد بن بدر بن المهاصر.

(3) وزاهر، صاحب عمرو بن الحمق، وكان صاحبه حين طلبه معاوية»((3)).


1) الرسان، تسمية من قتل مع الحسين(علیه السلام): ص22.

2) المصدر نفسه: ص22.

3) المصدر نفسه: ص29.

ثالثاً: أمّا المواضيع التاريخية التي استعرضها الكتاب: فضلاً عن ذكره أسماء الشهداء الذين استُشهِدوا في واقعة الطف، فقد ذكر بعض أحداث السبي التي تعرَّض لها أهل البيت بالكوفة والشام، ولكن باختصار شديد جداً.

رابعاً: يُعدُّ كتاب تسمية من قُتل مع الحسين(علیه السلام) من الناحية المنهجية التاريخية، ومن ناحية تصنيف المصادر من كتب التراجم؛ لأنَّه يورد أسماء الرجال الخاصة بالموضوع الذي يتطرق إليه الكتاب.

خامساً: يُصنَّف كتاب تسمية من قُتل مع الحسين(علیه السلام) كنوع من التأليف الخاص إلى جانب تصانيف أخرى مثل الطبقات التراجم، وكتب التاريخالمحلي وغيرها((1))، وإنّ اتّباع منهج التسميات لم يكن الرسان هو أول من طبَّقه وأوجده، وإنَّما سبقه إلى ذلك عبيد الله بن أبي رافع كاتب أميرالمؤمنين(علیه السلام)؛ إذ ألَّف كتاباً بعنوان «تسمية من شهد مع أميرالمؤمنين(علیه السلام) الجمل وصفين والنهروان من الصحابة»((2)).

سادساً: يُعَدُّ هذا المصدر من المصادر الأولية لواقعة الطف - بوصفه من مؤلِّفي القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي - ويُعدُّ حسب التسلسل الزمني أول كتاب


1) هناك العديد من المؤرخين وفي مختلف العصور قد ألَّفوا مصنَّفاتهم على أساس منهج التسمية (مع اختلاف المواضيع التي تطرّقوا إليها) مما يجعله منهجا خاصا في التأليف، وقد ذكرهم بشكل واسع ابن النديم (وذلك بوصفه من كتب البيوغرافيا التي تركِّز على أسماء المؤلِّفين ومصنفاتهم) ومنهم هشام الكلبي، ألَّف كتاباً بعنوان (تسمية من بالحجاز من أحياء العرب)، وله أيضاً كتاب عنوانه (تسمية ما في شعر امرؤ القيس من أسماء الرجال والنساء وأنسابهم وأسماء الأرضين والجبال والمياه)، وبالمنهج نفسه ألَّف الهيثم بن عدي كتاباً بعنوان (تسمية الفقهاء والمحدِّثين)، كما ألَّف ابن سعد كتاب (تسمية ولد عبد المطلب)، وصنَّف أيضاً أبو عبيدة معمر بن المثنى كتاباً في ِهذا المجال أسماه (تسمية من قتلت بنو أسد)، ابن النديم، الفهرست: ص85، 109، 111، 112.

2) النجاشي، رجال: ص94؛ الطوسي، الفهرست: ص175؛ ابن شهر اشوب، معالم العلماء: ص112.

تناول واقعة الطف وصل إلينا لاسيما وأنَّ مقتل أبي مخنف لم يصلنا - لكون المقتل المتداول هو منسوب له، كما أثبتنا ذلك في هذه الأطروحة، وقد احتوى على العديد من المعلومات المهمة التي لم تُذكَر في بقية المصادر.ومن المسائل التي انفرد بها الرسان هو ذكره الشهداء الذين استُشهِدوا في واقعة الطف، ولم تذكرهم المصادر الأخرى. وهم:

أ - واضح الرومي وهو غلام جنادة بن الحارث السلماني

ب - يزيد بن بدر بن المهاصر - من كندة -

ت - عمار بن سلامة الدالابي - من همدان -

ث - همام بن سلمة القانصي - من همدان -

هؤلاء الأربعة قد انفرد بهم الرسان بأنَّهم من أنصار الإمام الحسين(علیه السلام) والذين استُشهِدوا في واقعة الطف - ولم نجد لهم تراجم في المصادر التاريخية المتوافرة لدينا-.

فضلاً عن ذلك انفرد الرسان برواية ولادة ولد للإمام الحسين(علیه السلام) في ساعة الحرب بقوله: «وعبد الله ابن الحسين(علیه السلام)، وأمُّه الرباب بنت امرئ القيس بن عدي بن أوس بن جابر بن كعب بن حكيم الكلبي، قتله حرملة ابن الكاهل الأسدي الوالبي، وكان وُلِد للحسين بن علي(علیه السلام) في الحرب، فأتى به وهو قاعد، وأخذه في حجره ولبَّاه بريقه، وسمَّاه عبد الله، فبينما هو كذلك إذ رماه حرملة بن الكاهل بسهم فنحره، فأخذ الحسين(علیه السلام) دمه، فجمعه ورمى به نحو السماء، فما وقعت منه قطرة إلى الأرض»((1)).

ومن القضايا التأريخية المهمة التي انفرد بها الرسان هو إشارته إلى مشاركة الإمام علي بن الحسين السجاد(علیه السلام) في القتال بكربلاء، ونصُّ قوله: «وكانعلي بن


1) الرسان، تسمية من قتل مع الحسين(علیه السلام):ص23.

الحسين(علیه السلام) عليلاً، وارتثَّ يومئذ، وقد حضر بعض القتال فدفع الله عنه، وأُخذ مع النساء...»((1))، والنصُّ فيه عدَّة ملاحظات منها:

أ- النصُّ أشار إلى أنّ الإمام السجاد(علیه السلام) كان عليلاً، ومع علَّته ومرضه شارك في بعض القتال، ولعلَّ النصَّ يوحي الى أنّ مشاركته كانت محدودة بسبب مرضه.

ب - ورود مفردة (وارتُثَّ) والتي بيَّن معناها ابن سلام قائلاً: «هو أن يُحمَل من المعركة وبه رَمَق، فإن حمُل ميتا فليس بارتثاث»((2))، ووضَّحها ابن فارس بشكل دقيق بقوله: «أمَّا قولهم ارتُثَّ في المعركة فهو من هذا وذلك أنَّ الجريح يسقط كما تسقط الرَّثَّة ثم يُحمَل وهو رثِيث»((3)).

وبهذا يتضح أنّ الرسان أراد التصريح بمشاركة الإمام السجاد(علیه السلام) في المعركة وأنَّه تعرَّض إلى جراح قد أصابته. أمّا المصادر التاريخية لا سيما التي تطرَّقت لذكر واقعة الطف فلم تُشِر إلى مشاركة الإمام السجاد(علیه السلام)، فضلاً عن جراحه، ونحن نرجِّح أنَّ سكوت المصادر عن قضية تاريخية، أو خبر معيَّن لا يعني عدم وقوعه، فلعلَّ الإمام السجاد(علیه السلام) قد اشترك بشكل بسيط في المعركة من باب تلبية نداء الإمام الحسين(علیه السلام) «أَمَا من مغيث يغيثنا لوجه الله؟ أما من ذابٍّ يذبُّ عن حرم رسول الله»((4)).فضلاً عن إشارة أحد الباحثين إلى مشاركة الإمام السجاد(علیه السلام) في معركة الطف


1) المصدر نفسه: ص23.

2) غريب الحديث: ج4، ص377. وكذلك أشار إلى هذا المعنى: الزمخشري، اساس البلاغة: ص322؛ ابن منظور، لسان العرب: ج2، ص151.

3) مقاييس اللغة: ج2، ص384.

4) ابن أعثم، الفتوح: ج5، ص101؛ ابن طاووس، اللهوف: ص61؛ الاربلي، كشف الغمة: ج2، ص261.

مستنداً إلى تحليل بعض النصوص التاريخية((1)).

وقد انفرد الرسان أيضاً بحادثة استشهاد الهفهاف بن المهند((2)) بقوله: «خرج الهفهاف بن المهند الرسان من البصرة، حين سمع بخروج الحسين(علیه السلام)، فسار حتّى انتهى إلى العسكر بعد قتله فدخل عسكر عمر بن سعد، ثمّ أنتضى سيفه، وقال: يا أيّها الجند المجنّد، أنا الهفهاف بن المهنّد، أبغي عيال محمّد. ثمّ شدّ فيهم، فتداعوا عليه خمسة نفر فاحتوشوه حتّى قتلوه»((3)).

الرواية تثير عدَّة تساؤلات، منها:إنَّ الهفهاف خرج من البصرة حينما سمع بخروج الحسين(علیه السلام) ولم تُحدِّد الرواية مكان خروج الإمام الحسين(علیه السلام) من أين، أمن مكة أو المدينة أو مكان آخر؟ ثم إنّ المسافة بين البصرة وكربلاء ليست بالطويلة حتى لم يتمكَّن الهفهاف من الإلتحاق بركب الإمام الحسين(علیه السلام) لو قارنا مسافتها مع المكان الذي تحرَّك منه الإمام(علیه السلام) حتى وصوله إلى كربلاء، لا سيما والرواية توحي بخروج الإمام(علیه السلام) متوجهاً إلى العراق، وإنَّ الرجل الواحد يقطع مسافة أطول مثل الهفهاف مقارنةً بموكب الإمام(علیه السلام) الذي كان يحمل الرجال والنساء والأطفال والإحتياجات الأخرى التي يتطلبها السفر، فيحتاج إلى وقت أطول. هذه الملاحظات تجعلنا نشكِّك في هذه الرواية ومدى مصداقيتها. وهذه أهم الأخبارالتي استوقفتنا عن الرسان وبها نختم حديثنا عنه.


1) الجلالي، جهاد الإمام السجاد(علیه السلام): ص43.

2) لم نجد ترجمة له في المصادر المتوافرة لدينا.

3) تسمية من قتل مع الحسين(علیه السلام): ص30.

المبحث الثاني: دراسة تحليلية للمتون الروائية لكتب المقاتل خلال القرن الخامس الهجري

اشارة

يقتصر هذا المبحث على كتاب نور العين في مشهد الحسين(علیه السلام) لأبي إسحاق الأسفراييني، بوصفه المصدر الوحيد المطبوع الذي وصلنا من ذلك القرن.

يُعدُّ الأسفراييني من كبار علماء الشافعية، من ضمن مؤلَّفاته نور العين في مشهد الحسين(علیه السلام) موضوع دراستنا، وقد انقسم الباحثون بين من يؤيِّد بأنَّ مؤلَّف (نور العين) للأسفراييني((1))، وبين مشكِّك في نسبة الكتاب إليه معلِّلين ذلك بأنّ الكتاب منسوب إليه ومنحول، وأسلوبه لا يلائم عصر الأسفراييني((2)).

وعلى الرغم من ذلك فلابدَّ من مناقشة ودراسة الروايات في هذا الكتاب، وبيان مدى مصداقيتها وحقيقتها بشكل منطقي وعلمي، مستندين إلى التحليلات التاريخية والمصادر المعتبرة والمقارنة بين النصوص، للتأكُّد من نسبته للأسفراييني من عدمها.

1- سبب تأليف الكتاب

أوضح الأسفراييني سبب تأليف مصنَّفه، قائلاً: «طُلِب مني أن أروي ما ورد في


1) سركيس، معجم المطبوعات العربية: ج1، ص321؛ الشاكري، العقيلة والفواطم: ص62؛ الطهراني، الذريعة: ج17، ص72.

2) البغدادي، هدية العارفين: ج1، ص8؛ الجلالي، فهرس التراث: ج1، ص482؛ الريشهري، الصحيح من مقتل سيد الشهداء: ص35؛ الطباطبائي، أهل البيت في المكتبة العربية: ص654.

مصرع الحسين(رضی الله عنه) فألَّفت هذا الكتاب، وسمَّيته نور العين في مشهد الحسين»((1)) والمسألة واضحة؛ إذ إنَّ سبب تأليف الكتاب هو على أثر طلب، لكن لم يبيِّن من هو الذي طلب منه تأليف الكتاب أعامة الناس أو علماء أو حكام أو جهات أخرى؟ لم يوضح ذلك في كتابه.

2- نسخ الكتاب وطبعاته

أشارَ العديد من الباحثين إلى طبعات الكتاب، والأماكن التي وُجِدت فيها نسخ هذا الكتاب، فبالنسبة إلى طبعاته فقد طُبِع الكتاب عدَّة مرات منها الطبعة الحجرية لعام (1299ﻫ/1882م)، وطُبع في مكتبة التعاون في بيروت بدون تاريخ، وطُبع في القاهرة سنة (1302ﻫ/1885م)، وكذلك طُبع سنة (1315ﻫ/1897م)، وطُبع في القاهرة طبعة ثالثة سنة (1374ﻫ/1955)، مطبعة البابي الحلبي، وفي آخره كتاب قرّة العين في أخذ ثار الحسين، لكاتب سمّى نفسه عبد الله ابن محمّد، يبدأ كتاب قرّة العين من ص 85 في هذه الطبعة. ونور العين هو في مصرع الحسين(علیه السلام)، وطُبع في بومباي سنة (1299ه/1882م)((2)).

أمّا أبرز المكتبات التي تتواجد فيها نسخ هذا الكتاب فهناك نسخة في مكتبةسپهسالار في طهران رقم 451، أولها: الحمد لله الذي خلق محمّداً قبل خلق الأولين... ، فهرس سپهسالار 5/731، وكذلك توجد نسخة في جامعة كمبردج، رقم 1198، ذكرها براون في فهرسها المطبوع: 240، ونسخة في دار الكتب


1) نور العين: ص2.

2) لجنة معهد باقر العلوم، موسوعة شهادة المعصومين(علیه السلام): ص1016؛ الجلالي، الفهرست: ج1، ص482؛ الطباطبائي، أهل البيت في المكتبة العربية: ص655-656، العاملي، الصحيح: ج20، ص322.

الوطنية في طهران رقم 1357/ع، كتبت سنة 1296، ومعها قرّة العين لعبد الله بن محمّد، فهرسها 9/352، كما توجد نسخة في المكتبة المركزية بجامعة طهران رقم 1689، كتبت سنة 1296 في 89 ورقة، ذكرت في فهرسها 8/247((1)).

3- مصادر الكتاب

بعد اطلاعنا على الكتاب لم نلاحظ اعتماده على أيّ مصدر، أو راوٍ سوى أنَّه كرَّر عبارته على طول الكتاب (قال الراوي)، ولا نعرف من هو الراوي الذي يقصده المؤلف؟ كما ذكر بعض الأقوال عن الإمام جعفر الصادق(علیه السلام) غير مسندة، وروى خبراً يخصُّ رأس الإمام الحسين(علیه السلام) مروياً عن طائفة الفاطمية في مصر، وخبراً ايضاً عن أحمد الباني، عن الأعمش، وما عدا هذا، فقد جاءت كلُّ رواياته بصيغة (قال الراوي)، ومن ثَمَّ فإنَّ الكتاب فاقد للمصادر المعتبرة والرواة الموثوقين، مما جعل رواياته تتسم بالضعف والإنتحال، وهذا ما سنوضِّحه من خلال مناقشة ودراسة رواياته ونقدها.

4- عنوان الكتاب

من الملاحظ أنّ عنوان الكتاب لا يتطابق مع محتواه، لكون العنوان يشير إلى المشهد (أيّ الضريح أو المقام) في حين أنّ مضمون الكتاب يتناول المقتل الحسيني لا المشهد وتأريخه، لا سيما وإنّ عدداً من المؤرخين قد أشاروا إلى هذاالمعنى، أي أنّ المشهد هو المقام أو الضريح؛ أي أنَّ هذا المعنى كان متداولاً عند المؤرِّخين بهذا المضمون((2)) فلماذا اختار المؤلِّف هذا العنوان؟ ولم يختر عنوان مقتل أو مصرع الإمام


1) الطباطبائي، أهل البيت في المكتبة العربية: ص655-656.

2) القفطي، انباه الرواة: ج3، ص346؛ ياقوت الحموي، معجم الادباء: ج2، ص110، العيني، عقد الجمان: ج1، ص133، 201، 252، ج2، ص308، 368.

الحسين(علیه السلام)، كما فعل العديد من المؤلِّفين الذين تحدَّثنا عنهم في هذه الأطروحة؟ ويبدو أنّ هذه أولى الملاحظات التي أغفلها مؤلِّف هذا الكتاب، مما يدلِّل على أنَّه لم يكن بمستوى مؤرِّخي القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، بل لم يكن مؤلَّفه بمستوى مؤرِّخ يمتلك إمكانية اختيار العنوان، بالرغم منْ محتواه الذي يتسم بالضعف والإرتباك التاريخي والأخطاء التي لا تُغتفَر.

بعد بيان مصادر الكتاب وعنوانه نأتي الآن لمناقشة مضمونه ومحتواه، وهل يتوافق مع المصادر التي أوردت رواية المقتل التقليدية؟ وهل فيه روايات منفردة أو شاذة؟

وبعد دراسة رواياته وجدناها تخالف مجمل المصادر وكتب المقاتل الحسينية، وإنَّ المقتل بصورة عامة أشبه بالقصة أو الحكاية الخيالية التي عُرضت بأسلوب أُسطوري خرافي لا أساس تأريخي له، وسنذكر النصوص والروايات التي وردت في هذا الكتاب؛ لدراستها ومناقشتها، وبيان زيفها وشذوذها وتحريفها:

1- رواية تتحدَّث عن وجود الإمام الحسين(علیه السلام) وأهل بيته في دمشق بما نصُّها: «إنّ معاوية بن أبي سفيان أخذ معه الحسين وإخوته وأولاده وأولاد أخيه وجميع عشيرته وقرابته وارتحل بهم جميعاً، وأتى إلى ناحية دمشقبأرض الشام...»((1)).

هذه الرواية غير مسندة ولم يُشر المؤلِّف إلى مصدرها، علماً أنَّها لم تُذكَر في أيّ مصدر تأريخي بحسب اطلاعنا، ثم ما وجه العلاقة بين معاوية والإمام الحسين(علیه السلام)؟ ولماذا يرحل الحسين(علیه السلام) إلى الشام؟ وما الدافع في ذلك؟ ولماذا يحمل عشيرته معه؟ كلُّ هذه التساؤلات تحملنا إلى جعل هذه الرواية من الموضوعات والمنفردات التي لا حقيقة ولا وجود لها.


1) الاسفراييني: ص5.

2- وصية معاوية بن أبي سفيان إلى ولده يزيد:أشار مؤلِّف (نور العين) إلى وصية قد أختلقها وابتدعها، ولا أصل لها في المصادر، ونصُّها: «وأوصيك يا بني بالحسين وأولاده وإخوته وأولاد إخوته وجميع عشيرته وجميع بني هاشم الوصية التامة، ويا يزيد لا تفعل في الرعية شيئاً حتى تشاور الحسين ولا أمر عندك فوق أمره ولا يد عندك فوق يده، لا تأكل حتى يأكل هو ولا تشرب يا بني حتى يشرب هو وأهل بيته...»((1)).

من خلال مقابلة تلك الوصية مع بعض المصادر لا نجد لها ذكراً، بل نجدها مختلفة تماماً لاسيما فيما يخصُّ الإمام الحسين(علیه السلام) إذ أوصاه قائلاً: «وأما الحسين بن علي فإنَّ أهل العراق لن يدعوه حتى يخرجوه فإن خرج عليك فظفرت به فاصفح عنه فإنَّ له رحما ماسة وحقاً عظيماً...»((2))، كما أورد ابن أعثم الوصية باختلاف قليل فقال: «أما الحسين بن علي فأوّه أوّه يايزيد! ماذا أقول لك فيه! فاحذر أن لا يتعرَّض لك، ومدَّ له حبلاً طويلاً وذره يضرب في الأرض حيث شاء ولا تؤذِه، ولكن ارعد له وأبرق، وإيَّاك والمكاشفة له في محاربة سل سيف أو محاربة طعن رمح، ثم أعطه ووقِّره وبجِّله...»((3))، هذا ما ذكرته المصادر التاريخية بخصوص الوصية، أمّا ما ذُكر في نور العين فلا صحة له لو قارنا بين النصِّ الذي أورده مؤلِّف نور العين مع النصِّ الذي أوردته المصادر لاتضح لنا الإختلاف الكبير بين النصين.

3- وردت ضمن الوصية فقرة فيها خطأٌ تاريخي كبير فيما يخصُّ مدَّة تنصيب يزيد على سدَّة الحكم إذ قال: «ولا تستخلف يا يزيد إلا مدة يسيرة حتى يبلغ الحسن


1) المصدر نفسه: ص5-6.

2) البلاذري، انساب الاشراف: ج5، ص144، الطبري، تاريخ: ج4، ص238؛ ابن الجوزي، المنتظم: ج5، ص320؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص123.

3) ابن أعثم، الفتوح: ج4، ص350.

مبالغ الرجال ويمضي إلى مكة في أحسن حال، ويكون هو الخليفة أو من يشاء من أهل بيته، وترجع الخلافة إلى أهلها؛ لأنَّنا يا بني ليس لنا خلافة، بل نحن عبيد له ولأبيه وجدهm»((1)).

يبدو أنّ مصادرنا تخلو من هذا الخبر، فمن أين جاء به مؤلِّف كتاب نور العين؟ لا بّد أنَّه أطلق العنان لمخيلته؛ لكي يختلق مثل هذه الأخبار، هذا من جانب ومن جانب آخر أنَّه ورد في الرواية أنَّ معاوية قد تنبأ بمدة حكم يزيد القصيرة وأنَّ الإمام الحسن(علیه السلام) أو أيّ شخص من أهل البيت سيتولى الخلافة بعده، كما وأنّ الرواية علَّلت سبب عدم تولي الإمام الحسن(علیه السلام) للخلافة بأنَّه لم يبلغ مبلغ الرجال، ونحن سنجري مقارنة حسابية تاريخية لنكشف زيف وبطلان هذه الرواية، وكيف أنَّ الإمام الحسن(علیه السلام) لم يبلغ مبلغ الرجال في تلك المدة الزمنية.من الملفت للنظر أنّ الإمام الحسن(علیه السلام) لم يكن موجوداً في هذه المدة إذ سَمَّه معاوية واستُشهِد سنة خمسين للهجرة((2))، فكيف يبلِّغ معاوية ابنه يزيد من خلال وصيته له في سنة ستين للهجرة بأنَّ الخلافة ستكون من بعده للإمام الحسن(علیه السلام) وقد مضى على استشهاده(علیه السلام) قرابة عشر سنوات؟ وكيف لمؤلِّف هذا الكتاب أن يغفل هذه المعلومات التاريخية البديهية؟

وبحسب افتراض روايات نور العين فإنَّ الإمام الحسين(علیه السلام) قد سكن في دمشق


1) الاسفراييني، نور العين: ص6.

2) أشارت بعض المصادر إلى شهادة الإمام الحسن(علیه السلام) سنة تسع وأربعين للهجرة، ينظر، اليعقوبي، تاريخ: ج2، ص225؛ الخصيبي، الهداية الكبرى: ص184؛ أبو الفرج الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص31؛ الفتال النيسابوري، روضة الواعظين: ص168؛ الطبرسي، تاريخ المواليد: ص26؛ ابن خلكان، وفيات الاعيان: ج2، ص66؛ البري، الجوهرة: ص32؛ الذهبي، سير اعلام النبلاء: ج3، ص246.

مع أهل بيته(علیه السلام)، إلاّ أنَّه قرَّر بعد ذلك الرحيل ومغادرة دمشق، ويعلِّل صاحب المقتل سبب الرحيل بعامل مادي اقتصادي بقوله: «إنّ يزيد بن معاوية أعطى العطايا وأولم الولائم، وأعطى جميع عساكره وجنده إلاّ الحسين وأهل بيته فإنَّه لم يعطِهم شيئاً، وجميع رواتب والده التي كان مرتبها لهم قطعها في مدَّة ولايته، وصار لم يعطهم ولم يخرج لهم من بيت المال شيئاً من يوم مات والده معاوية، وتمرَّد على الحسين، وقسا قلبه عليه ولم ينظر إليه، وضاعت وصية والده عليه وصار لا يذكر الحسين ولا أحداً من أهل بيته ولا قرابته على لسانه ولا في مجلسه، ومن ذكره في مجلسه مقته ونهره وطرده من عنده، قال فلما رأى الحسين ذلكمن يزيد أتى إلى أخته سكينة ودموعه جارية، وقال لها يا أختي امضِ بنا إلى مكة أو المدينة، وحكى لها جميع ما هو ناظره من يزيد وأحواله من قساوة قلبه وتغير حاله وعدم عمله بوصية أبيه عليهم، فقالت يا أخي نعم لا مقام لنا عنده، ولكن الرأي أن تستأذنه ونمضي إلى حال سبيلنا، فقال لها يا أختي نِعْمَ الرأي»((1)).

الرواية لا تخلو من المناقشة والنقد - وإنْ كانت في حقيقتها وأصلها رواية خيالية أسطورية لا سند تأريخي لها - إنَّها صوَّرت الإمام الحسين(علیه السلام) رجلاً صاحب مصالح دنيوية، وإنَّه غادر دمشق - على فرض الرواية، وإلا فإنَّها مختَلَقة من أصلها - على أثر قطع يزيد بن معاوية الأموال والعطايا، وسوء معاملته لهم على عكس ما أوصاه أبيه، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإنَّ الإرباك التاريخي في نسبة الشخصيات واضح إذ جعل السيدة سكينة بنت الحسين(علیه السلام) أختاً للإمام الحسين(علیه السلام) بدلاً من ابنته، ويبدو أنّ هذا لا يتفق مع المتعارف عليه من أنَّها بنت الإمام الحسين(علیه السلام)


1) الاسفراييني، نور العين: ص7.

وليست أخته((1)) كما ورد بحسب فرض الرواية آنفة الذكر، ونجد أنَّ صاحب المقتل الموسوم ب-(نور العين) قد كرَّر في أكثر من مناسبة على أنَّ السيدة سكينة أخت للإمام الحسين(علیه السلام) في مقتله((2)).4- ومن الروايات الموضوعة والمحرَّفة تلك التي تتحدَّث عن دخول الحسين(علیه السلام) مكة، والرواية فيها الكثير من المغالطات التاريخية ونصُّها: «وكان عبد الله بن الزبير(رضی الله عنه) خليفة مكة حينئذ، وهو أخو الحسن من الرضاعة، وبعد أنْ لاقاه وسلَّم عليه وعلى جميع عشيرته أدخلهم داره، وأنزلهم أحسن منزل، وأكرمهم غاية الإكرام وعمل لهم وليمة عظيمة ليلة دخولهم كفى بها جميع أهل مكة...»((3)).

إنَّ كلّ المعلومات الواردة في هذه الرواية لا تمتُّ للحقيقة التاريخية بصلة وليست بصحيحة، فهل من المعقول أنَّ عبد الله بن الزبير أصبح خليفة في مكة قبل عام إحدى وستين للهجرة ولم تحدِّثنا المصادر بذلك قطعاً؟ ولم يُشر أيّ مصدر إلى أنَّ الإمام الحسين(علیه السلام) سكن في دار عبد الله بن الزبير، ثم كيف أصبح الإمام الحسن(علیه السلام) أخاً لعبد الله بن الزبير من الرضاعة؟ والملاحظة الأخرى ما الوليمة التي تتحدَّث عنها الرواية وما حجمها؟ وكم استغرق إعدادها؟ وكم عدد العاملين فيها لكي تستوعب جميع أهل مكة؟ إنَّ المبالغة والأخطاء التاريخية واضحة جداً على هذه الرواية، بل على جميع روايات هذا المقتل.

5- روايات مكاتبة أهل الكوفة للإمام الحسين(علیه السلام): أورد المؤلف حادثة مكاتبة


1) البلاذري، انساب الاشراف: ج2، ص195؛ الحميري القمي، قرب الاسناد: ص26؛ ابو الفرج الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص59؛ القاضي النعمان، شرح الاخبار: ج3، ص177؛ الخزار القمي، كفاية الاثر: ص318؛ ابن نما، مثير الاحزان: ص84.

2) الاسفراييني، نور العين: ص7، 8، 13، 15.

3) المصدر نفسه: ص9.

أهل الكوفة للإمام الحسين(علیه السلام) بشكل مختلف جذرياً عما ذكرتْهُ المصادر((1))، ولا يوجد مصدر واحد يتفق مع مؤلِّف نور العين، علماً أنّ الكثير منالتصرفات التي أوردتها تلك الروايات لا تنسجم بشكل أو بآخر مع أخلاق ومكانة ومنزلة الإمام الحسين(علیه السلام)، ويذكر المؤلف تلك الروايات وفيها إرباك تأريخي واضح، يتضح منها أنّ أهل الكوفة قد أجمعوا على مكاتبة الإمام بسبب ظلم الحكم الأموي؛ فكاتبوه بما نصُّه: «قال الراوي ثم إنَّهم طووا الكتاب وأرسلوه بصحبة رجل من أهل الكوفة، فأخذه وسار به من عندهم ولم يزل يجدُّ في السير إلى أن دخل مكة المشرفة، وأتى إلى دار الحسين(رضی الله عنه) فوجده فيها، فاستأذنه في الدخول فأذن له وسلَّم عليه وقبَّل يديه وأخرج الكتاب وناوله له(رضی الله عنه) فأخذه وقرأه وفهم معناه، فلما عرف ما فيه رماه من يده وطرد الرسول، ولم يردَّ له جوابا، ولم يبدله خطابا فذهب رسول أهل الكوفة خائبا، ولم يزل سائراً إلى أن أتى أهل الكوفة، وحكى لهم ما جرى له مع الحسين، وإنَّه لم يلتفت إليه ولا ردَّ له جوابا ولم يبدله خطابا، فأرسلوا له ثانياً وثالثاً ورابعاً، وهو لا يلتفت إلى ذلك...»((2)).

الرواية تختلف تماماً عما أوردته المصادر التي تطرَّقت إلى ذكر تلك الحادثة، ثمَّ لم تحدِّد الرواية من هو رسول أهل الكوفة للإمام الحسين(علیه السلام)؟ وما هو الداعي الذي دفع الإمام الحسين(علیه السلام) إلى طرد الرسول؟ وهل هذه أخلاق الإمام(علیه السلام)؟ ثم لماذا لم يستجب الإمام الحسين(علیه السلام) لنداء أهل الكوفة وفق فرض الرواية وقد تكرَّرالطلب


1) ابن قتيبة، الامامة والسياسة: ج2، ص7؛ البلاذري، أنساب الاشراف: ج3، ص157؛ الطبري، تاريخ: ج4، ص261؛ ابن أعثم، الفتوح: ج5، ص27؛ المفيد، الارشاد: ج2، 36؛ ابن شهر اشوب، مناقب ال أبي طالب: ج3، ص241؛ أبن الجوزي، المنتظم: ج5، ص327؛ أبن طاووس، اللهوف: ص23.

2) الاسفراييني، نور العين: ص11.

أربع مرات والإمام(علیه السلام) يرفض ذلك؟

واستمرَّ أهل الكوفة بالطلب من الإمام الحسين(علیه السلام) وهو يقابل ذلك بالرفض، معلِّلاً ذلك بالبقاء في مكة؛ لكونها حرم الله، ثم بعد ذلك يستجيب لطلبهم ونصُّ الرواية: «فبينما الحسين(رضی الله عنه) جالس في بيته وما من الأيام وإذا بفارس من الكوفة أتى إلى بابه فطرقه، فقال الحسين(رضی الله عنه) من بالباب؟ فقال له الرسول يا أبا عبد الله فأذن له بالدخول، فدخل عليه وسلم عليه وقبَّل يديه، وأخرج الكتاب وناوله له، فأخذه وقراه وفهم معناه فإذا هو من أهل الكوفة يقولون فيه... يا حسين يابن بنت رسول الله إنَّ يزيد بن معاوية ظلم وجار وقتل الرجال ونهب الأموال وطغى وتمرَّد وولَّى علينا رجلاً اسمه عبيد الله بن زياد بن مرجانة، وهو ظالم جبار ومعتد غدّار، وقد عمَّ ظلمه سائر الأقطار، يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف ويشرب الخمر... وإنَّنا قد أرسلنا إليك يا أبا عبد الله سابقاً نحو ألف كتاب نطلبك أن تحضر عندنا، ونحن نساعدك على يزيد ونقتله، وتأخذ خلافة أبيك وجدِّك وتتولَّى علينا أنت أو أحد من أهل بيتك... (قال الراوي) فلما قرأ الحسين(رضی الله عنه) المكتوب اقشعرَّ جلده خوفاً من الله وتقطَّعت احشاؤه على ظلم خلق الله وإقسامه عليه بجده رسول الله، فقام من وقته وساعته قائما على قدميه، ودموعه تجري على خديه، وأتى بدواة وقرطاس وقلم من نحاس، وكتب إلى أهل الكوفة والعراق: بسم الله الرحمن الرحيم، من عند الحسين بن علي بن أبي طالب إلى أهل الكوفة والعراق أعلمكم أنَّكم أرسلتم لنا ألف كتاب ونحن ما نلتفت إليها وأنا ما مرادي إلا الجوار بكعبه الله أقيم فيها إلى انقضاء الأجل، والآن ظهر منه الشكوى من ظلم يزيد وغيره وإنِّي حاضر إليكم عن قريب إن شاء الله، والواصل لكم مسلم بن عقيل بكتابي وهو يصلي بكم في مسجد الكوفة، ويقضي بينكم والنعمان يحكم

بينكم إلى أن أحضر لكم...»((1))، الرواية تحوي العديد من التناقضات والتحريف التاريخي الواضح، ومن ذلك:

أ - الرواية كسابقتها غير مُسنَدة ولا أصل تاريخي لها، فهي لم تحدِّد لنا أسماء الرسل الذين بعثهم أهل الكوفة للإمام الحسين(علیه السلام)، ونحن نتساءل لماذا لم تحدَّد أسماء الرسل وتسمِّيهم لنا كبقية المصادر التي تطرقت لهذه الحادثة؟ .

ب - لم تحدِّد الرواية الجهة التي أقدمت على الإمام(علیه السلام) بكتب أهل الكوفة، وإنمَّا حصرتها برجل مجهول لم تُسمِّه (ووصفتُه ب-:الفارس)، وهذا مخالف للرواية التقليدية للمقتل التي حدَّدت أسماء رسل أهل الكوفة للإمام(علیه السلام) وشخَّصتهم((2)).

ت - ورد في الرواية خطأ تاريخي وتناقض كبير من كون أهل الكوفة قد شكَوا للإمام الحسين(علیه السلام) ظلم وتجبُّر عبيد الله بن زياد عليهم، في حين أشارت أغلب المصادر((3)) إلى أنَّ تنصيب عبيد الله والياً على الكوفة جاء بعد مكاتبتهمللإمام(علیه السلام) وليس قبلها، وكان عليهم حينئذ النعمان بن بشير الأنصاري.

ت - ثم إنّ الرواية علَّلت سبب استجابة الحسين(علیه السلام) لمطلب أهل الكوفة في الخروج ضدَّ الحكم الأموي إلى ثلاثة عوامل الأول: مكاتبة أهل الكوفة له، والثاني:


1) الاسفراييني، نور العين: ص11-13.

2) ابن قتيبة، الامامة والسياسة: ج2، ص7؛ البلاذري، أنساب الاشراف: ج3، ص157؛ الطبري، تاريخ: ج4، ص261؛ ابن أعثم، الفتوح: ج5، ص27؛ المفيد، الارشاد: ج2، 36؛ ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص241؛ ابن الجوزي، المنتظم: ج5، ص327؛ أبن طاووس، اللهوف: ص23.

3) ابن قتيبة، الامامة والسياسة: ص4-5؛ البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص157-158؛ الطبري، تاريخ: ج4، ص261-262؛ المفيد، الارشاد: ج2، ص36-37؛ ابن شهر اشوب، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص240-241؛ ابن الاثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص19-20؛ ابن طاووس، اللهوف: ص22-23؛ ابن نما، مثير الاحزان: ص14-15.

خوفه من الله، أمَّا العامل الثالث: فيتعلَّق بقَسَم أهل الكوفة عليه بجدِّه رسول الله(صلی الله علیه و آله)، ولولا تلك العوامل لما خرج الإمام الحسين(علیه السلام) ضدَّ الحكم الأموي، وهذا يتقاطع ويتعارض مع الهدف الأساس الذي خرج من أجله الإمام الحسين(علیه السلام)، وهو الإصلاح في أُمَّة جدِّه النبي محمد(صلی الله علیه و آله).

ت - الرواية تصوِّر الإمام الحسين(علیه السلام) بأنَّه رجل طالب للسلطة والحكم، ولا علاقة لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في نهضته ضدَّ الحكم الأموي.

ث - وهنا نتساءل هل أنَّ الإمام الحسين(علیه السلام) لم يعرفْ شخصية يزيد بن معاوية وظلمه وفسقه؟ وهو الذي رفض بيعته قائلاً: «إناّ أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة، ويزيد فاسق شارب الخمر، وقاتل النفس ومثلي لا يبايع لمثله...»((1)).

ج - الرواية نصَّت على اختيار مسلم بن عقيل من قبل الإمام الحسين(علیه السلام) لكي يكون قاضياً في الكوفة والنعمان بن بشير حاكماً، وهذا ما لم تحدِّثنا به المصادر، وهل أنَّ اختيار مسلم بن عقيل لأجل القضاء فقط أم لمهمة أعظم من هذه المهمة؟ أمّا النعمان فكيف يكون هو الوالي وقد عزله يزيد واستبدله بعبيد الله بنزياد بنصِّ الرواية؟ فأصل الرواية فيها تناقض واضح فيما يخصُّ الوالي.

6- من خلال مقارنة بعض الروايات الواردة في هذا الكتاب مع المقتل المنسوب لأبي مخنف وجدنا أنّ بعض تلك الروايات قد تمَّ اقتباسها منه بنصِّها، منها:

أ - رواية حفر بئر لنصب كمين للإيقاع بمسلم بن عقيل(علیه السلام) فيه، بعد أنْ عجز الجيش الأموي من إلقاء القبض عليه((2)).

ب - أمّا الرواية الأخرى ٍفتحدَّثت عن السيدة زينب وهي تروي حال الهجوم


1) ابن نما، مثير الاحزان: ص14.

2) الاسفراييني، نور العين: ص29.

على الخيام وتقول: «دخل رجل أزرق العيون فأخذ كلَّ ما كان في خيمتنا التي كنَّا مجتمعين فيها، ثم نظر إلى علي الصغير بن الحسين وهو مطروح على قطعة من الأديم، فجذبها من تحته ورماه على الأرض، ثم أخذ قناعي من رأسي ونظر إلى قرط كان في أذني فعالجه وقرضه بأسنانه»((1)).

ج - كذلك تمَّ اقتباس رواية الصدقة التي نقلها سهل الشهرزوري - بحسب افتراض رواية المقتل المنسوب لأبي مخنف - وهي الأخرى اقتُبِست أيضاً((2)).

إنّ تطابق هذه الروايات مع ما موجود في المقتل المنسوب لأبي مخنف يدلُّ على أنّ مؤلف نور العين قد اعتمد على هذا المقتل في الكثير من الأخبار التي أوردها والتي كانت بصيغة (قال الراوي) لا سيما وإنّ تلك الأخبار قد انفرد بها المقتل المنسوب لأبي مخنف دون بقية المصادر.

7- ومن الشخصيات الخيالية المختلقة التي أوردها المؤلِّف هي مارد بنصديق((3))، الذي صوَّره المؤلف بأنَّه بارز أبا الفضل العباس بن علي بن أبي طالب(علیهم السلام) وجاء بقصَّة مطوَّلة هي أشبه بالحكايات الشعبية، ثم نسب المؤلف لأبي الفضل العباس أقوالاً لا تلائم شخصيته ومكانته وتضحيته وإيمانه وتقواه، ونصُّ ذلك «أقبل المارد إلى نحو العباس وهو منفرد بنفسه متدرِّع بدرعه وعلى رأسه بيضة عمادية وهو راكب على فرس أشقرَ وبيده رمح طويل، فلما نظره العباس قد انفرد بنفسه تأهَّب له حتى دنا منه وصاح به يا غلام ارمِ حسامك وأظهر للناس استسلامك، فإنَّ الذين برزوا إليك كانوا رفيقين بك وأنا رجل قد نُزِعت من قلبي الرحمة ونزل مكانها


1) الاسفراييني، نور العين: ص53.

2) المصدر نفسه: ص56.

3) المصدر نفسه: ص39-41.

النقمة، وما سمتى أن أحتوى على كبير إلا وأتركه حقيراً غير أنَّي لما نظرت إلى حداثة سنك وملاحة وجهك رقَّ لك قلبي، فارجع ولا تباهِ بنفسك، وفي هذا كفاية للعاقل، وإنِّي لم أسمح به لأحد غيرك»((1)).

8- الروايات الأخرى التي لا يمكن أن يقبلها العقل ولا المنطق، والتي ليس لها وجود في مصادرنا التاريخية، ومن المؤكَّد تضاربها مع المصادر التي تطرَّقت إلى ذكر تلك الأخبار، هي:

أ- الأعداد الخيالية والمبالَغ فيها من أنّ مسلم بن عقيل قتل ألفاً وخمسمائة فارس من الجيش الأموي، وأنَّ أبا الفضل العباس قتل بحدود الخمسمائة فارس، وأنَّ علياً الأكبر بن الإمام الحسين(علیه السلام) قتل بحدود الخمسمائة فارس((2))، ونحن نتساءل كيف يمكن لشخص مهما كانت قوّته أنْ يقتل هذه الأعداد ولاسيما أنَّهممن الفرسان، وكان كلُّ واحد يحمل التجهيزات العسكرية الكاملة بوصفه جندياً وفارساً مقاتلاً، وكم يحتاج من الوقت لقتل هذه العساكر؟

ب - إنّ الإمام الحسين(علیه السلام) قتل من الأعداء ألفاً وستمائة شخص((3))، كما أنّ المؤلف حاول إضفاء الصفة الأسطورية الخيالية على الإمام(علیه السلام) بقتاله تلك الأعداد الكبيرة بقوله: «وكان يحمل على القوم كحملة والده ويأخذ الفارس بيده ويضرب به الآخر فيموت الإثنان، ويأخذ الإثنين باليدين ويضرب بهما الإثنين فيموت الأربعة»((4)).

ت - إنّ قوماً من الجنِّ تولَّوا عملية دفن شهداء كربلاء((5))، على حين أشارت


1) المصدر نفسه: ص39.

2) الاسفراييني، نور العين: ص30، 41، 42، 44.

3) المصدر نفسه: ص49.

4) المصدر نفسه: ص37.

5) المصدر نفسه: ص55.

أغلب المصادر إلى خلاف ذلك من أنّ قوماً من بني أسد هم من تولَّوا عملية الدفن((1)).

ث - إنّ الجيش الذي حارب الحسين(علیه السلام) ليس فيه حجازي ولا شامي ولا مصري((2)).

9- أمّا أبو الفضل العباس بن علي(علیه السلام) فقد نسب إليه صاحب نور العين، «بأنَّ له زوجة وولدين، وأنَّهما شاركا في القتال، وقتل أحدهما وهو القاسم ثمانمائة رجل من الأعداء»((3)).هذه الرواية لم تذكرها المصادر والتي لا صحَّة لها؛ إذ كيف لشخص أن يقتل هذا العدد الكبير من الفرسان، ونحن نعرف أن واقعة الطف جرت وفق النواميس الطبيعية، ولم تتدخل المعجزة الإلهية فيها؟ وقتل هذا العدد مخالف للقوانين الطبيعية، فكم يحتاج من الوقت لقتل هؤلاء المقاتلين؟ وواقعة الطف جرت بوقت قياسي جداً.

10- تضارب بعض الروايات من قبيل إشارة المؤلف إلى أنّ عدد أصحاب وأنصار الإمام الحسين(علیه السلام) سبعة وسبعون رجلاً((4))، ثم يرجع ويقول بأنّ عدد الرؤوس التي ذهبتْ إلى الكوفة قد بلغت ثمانية عشر رأساً((5)) - وهذا الرقم لم يرد في مصادرنا التاريخية - فيكون الفارق تسعةً وخمسين رأساً، وهذا الفارق قد أهمله


1) ابن شهر اسوب، مناقب ال أبي طالب: ج3، ص259؛ ابن الاثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص80؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص205.

2) الاسفراييني، نور العين: ص34.

3) المصدر نفسه: ص42.

4) المصدر نفسه: ص16.

5) المصدر نفسه: ص55.

المؤلف ولم يبيِّن لنا مصيره.

نستنتج من عرضنا للروايات والأخبار الواردة في كتاب نور العين في مشهد الحسين(علیه السلام) ودراستها ومناقشتها ومقارنتها مع بقية المصادر التاريخية، وبيان مدى ضعفها وانتحالها، ومخالفتها للنصوص التاريخية المعتبرة، بل وجدنا روايات كتاب نور العين لا أساس تأريخي لها، كما أنّ الأخبار والروايات التي وردت فيه قد نُقِلتْ بالمعنى وليس بالنصِّ واللفظ، مما يسهم في جعله ضعيفاً من الناحية التاريخية، ومن ثَمَّ لا يمكن الإعتماد عليه أو الأخذ من رواياته، كما أنَّنا نشكِّك في نسبة الكتاب للأسفراييني، وذلك لعدِّة اعتبارات منها:أ - إنّ الكثير من المصادر وكتب التراجم((1)) التي تعرَّضت لذكر الأسفراييني وترجمت له وذكرت مصنَّفاته لم تُشر إلى مصنَّف له بعنوان (نور العين في مشهد الحسين) مما يجعل نسبة الكتاب إليه ضعيفة جداً.

ب - لم يكن الكتاب بمستوى مؤلَّفات القرنين الرابع والخامس الهجريين/العاشر والحادي عشر الميلاديين التي امتازت بالتوثيق والرصانة في الأسلوب والكتابة، وكتاب نور العين جاء مخالفاً وفاقداً لهاتين الميزتين.

ت - احتواء الكتاب على مفردات هي من اللغة العربية الدارجة - وبعضها ذات مفردات مبهمة - وليس من لغة مؤرِّخي القرنين الرابع والخامس الهجريين/العاشر والحادي عشر الميلاديين من قبيل «وأطاعه جميع العربان، وقلوبنا عليك بالأشواق ملهوفة، بغلة زرورية، نزلوا على الشوارع... الخ»((2)).


1) الفارسي، تاريخ نيسابور: ص151؛ السمعاني، الانساب: ج1، ص144؛ القفطي، انباه الرواة: ج2، ص186؛ ابن خلكان، وفيات الاعيان: ج1، ص28؛ الذهبي، سير اعلام النبلاء: ج17، ص353.

2) الاسفراييني، نور العين: ص10، 14، 15، 22، 35.

ث - استعمال مصطلح (مكة المشرَّفة أو المدينة المشرَّفة) هو من استعمال المؤلِّفين المتأخرين((1))، وليس من مؤرِّخي القرنين الرابع والخامس الهجريين، في حين استعمل في كتاب نور العين هذا المصطلح بشكل متكرِّر((2))، مما يدلِّل على أنّ هذا الكتاب ليس من مؤلَّفات هذين القرنين، كما ويدلُّ على أنّ المقتل لم يؤلَّف في القرن الرابع أو الخامس، وإنَّما في القرون المتأخرة، وهذا يرجِّح بشكلأو بآخر بكون المقتل ليس من مصنَّفات الأسفراييني، ولا يمتُّ له بصلة لا من قريب ولا من بعيد.


1) القلقشندي، صبح الاعشى: ج1، ص382، ج3، ص252، ج4، ص254؛ الدميري، حياة الحيوان: ج1، ص172، ج2، ص85، 193؛ ابن العماد الحنبلي، شذرات الذهب: ج7، 105، ج8، ص36.

2) الاسفراييني، نور العين: ص5، 9، 10، 11.

الفصل الخامس: دراسة تحليلية للمتون الروائية لكتب المقتل الحسيني خلال القرنين السادس والسابع الهجريين/ الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين

اشارة

المبحث الأول: دراسة تحليلية للمتون الروائية لكتب المقتل الحسيني

خلال القرن السادس الهجري

المبحث الثاني: دراسة تحليلية للمتون الروائية لكتب المقتل الحسيني

خلال القرن السابع الهجري

المبحث الأول: دراسة تحليلية للمتون الروائية لكتب المقتل الحسيني خلال القرن السادس الهجري

اشارة

يركِّز هذا المبحث على دراسة المتون الروائية لكتاب مقتل الحسين(علیه السلام) للخوارزمي بوصفه المقتل الوحيد المطبوع الذي وصلنا، ولم يتعرض للضياع والفقدان خلال هذا القرن، ويُعدُّ هذا المقتل من المصادر المعتبرة والمهمِّة في عرض واقعة الطف وتفاصيلها، ولابدََّ من تسليط الضوء على بعض النقاط التي تتعلَّق بالمؤلِّف ومنهجيته في عرضه للمقتل وتفاصيله.

1- سبب تأليف الكتاب

يُستدَلُّ من خلال قوله الذي أورده في مقدمة مصنَّفه أنَّ سبب تأليفه لمقتل الإمام الحسين(علیه السلام) هو دافع ديني عقائدي قائلاً: «وأنا لما عجزت لتأخير زماني عن المناضلة دونه، وإراقة دمي والمثول بين يديه على قدمي، أحببت أنْ أجمع مقتله بلعاب قلمي، وأطاعن دونه ودون ذريته باللسان... وليكون لي حظ في شفاعة جدِّهم محمد المجتبى من بريته»((1)) ولعلَّ دافعه هذا يُضاف إلى الأسباب التي يُستدلُّ بها على ميوله الشيعية.

2- الشمول الزماني والمكاني للمقتل

يُلاحَظ أنّ مقتل الإمام الحسين(علیه السلام) للخوارزمي قد شمل الإمتداد الزماني


1) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج1، ص19.

للمقتل بشكل واسع، واستوعب المساحة التي تحرَّك بها الركب الحسيني من حيث إرهاصاته ومجرياته ونتائجه؛ كونه استعرض الأحداث أو مقدِّمات المقتل التي وقعت عام (60ﻫ/680م) وتحديداً السياسية((1))، وبعدها استعرض الأحداث التي جرت للإمام الحسين(علیه السلام) مسلِّطاً الأضواء على الأمور السياسية أيضاً((2))، ثم استعرض مجمل أحداث عام (61ﻫ/681) ومنها أحداث المقتل، ولم يكتفِ بذلك، بل تطرَّق إلى واقع الأسْر والسبي الذي تعرَّض له آل البيت(علیهم السلام)، سواء في الكوفة أوفي الشام((3))، ومن المؤكَّد أنّ الخوارزمي قد جعل ثأر المختار بن أبي عبيد الثقفي امتداداً لآثار المقتل وإفرازاته السياسية والعسكرية((4)).

أمَّا العامل المكاني فهو الآخر وجد اهتماماً لدى الخوارزمي؛ حيث تتبَّعه بشكل متسلسل ومنظَّم مبتدئاً بالأحداث التي وقعت في مكة المكرمة، ثم انتقل بعدها إلى أحداث المدينة، لاسيما السياسية منها، ثم يفصِّل في أحداث العراق والمواقع الجغرافية التي سلكها الركب الحسيني، والأحداث التي واجهتهم.

3- أهمية الكتاب والمواضيع التي وثَّقها

يُعَدُّ كتاب مقتل الحسين(علیه السلام) للخوارزمي من المصادر المعتبرة والمهمة، وتكمن أهميته بكونه كتاباً تاريخيّاً روائيّاً، إذ ذَكرَ في معظم أخباره السلسلة السنديّة للروايات التي أوردها في كتابه (مقتل الحسين(علیه السلام)). أمّامنهجيته في ترتيب مقتله فقد قسَّم الكتاب على خمسة عشر فصلاً، تناول كلُّ فصلٍ موضوعاً معيَّناً، وقد جاء الكتاب - بجزئيه - على الشكل الآتي:


1) المصدر نفسه: ج1، ص252-274.

2) المصدر نفسه: ج1، ص278-282.

3) المصدر نفسه: ج2، ص252-293.

4) المصدر نفسه: ج2، ص252-293.

الجزء الاول: يتضمَّن الجزء الأول من الفصل الأول إلى الفصل الخامس ذكر فضائل النبي(صلی الله علیه و آله) والسيدة خديجة والإمام أميرالمؤمنين والسيدة فاطمة الزهراء(علیهم السلام)، على حين ركَّزت الفصول من السادس إلى الفصل الثامن على فضائل الإمامين الحسن والحسين(علیهما السلام)، ومكانتهما عند الرسول محمد(صلی الله علیه و آله).

بينما خُصِّص للحديث عن ثورة الإمام الحسين(علیه السلام) ومقدِّماتها ومقتله من الفصل التاسع إلى الفصل الحادي عشر، وبالشكل الآتي:

الفصل التاسع: ما جرى بين الحسين(علیه السلام) والوليد بن عتبة ومروان بن الحكم في المدينة على عهد معاوية وبعد مماته.

الفصل العاشر: عرض الخوارزمي في هذا الفصل الأحداث التي جرت للإمام الحسين في مدة إقامته بمكّة، والرسائل التي وصلت إليه من أهل الكوفة، وإرسال مسلم بن عقيل(علیه السلام) إلى الكوفة وشهادته هناك.

الفصل الحادي عشر: خروج الحسين بن عليّ من مكّة إلى العراق، والحوادث التي حصلت أثناء المسير، ونزوله في أرض الطفّ.

أمّا الجزء الثاني: فقد تضمَّن من الفصل الثاني عشر إلى الفصل الخامس عشر، وبالشكل الآتي:

الفصل الثاني عشر: تطرَّق فيه إلى بيان عقوبة قاتل الحسين(علیه السلام) وخاذله وما له من الجزاء.

الفصل الثالث عشر: ذكر ما قِيل من المراثي بحقِّ الحسين(علیه السلام).

الفصل الرابع عشر: في زيارة تربته(علیه السلام).

الفصل الخامس عشر: في ذكر انتقام المختار بن أبي عبيدة الثقفي من قاتليالحسين(علیه السلام).

وبحسب موضوع دراستنا فسيكون التركيز بلا شكٍّ من الفصل التاسع إلى الفصل الحادي عشر بشكل أساسي؛ لكونه محور دراستنا.

4- موارده

اعتمد الخوارزمي على جملة من المصادر في مقتله، لكننا سنركِّز على المصادر التي تخصُّ الفصول التي حدَّدناها والتي لها علاقة بمقتل الإمام الحسين(علیه السلام) وحيثياته.

ويُلاحَظ أنّ معظم الروايات - التي تخصُّ موضوع دراستنا ممَّا يقع ضمن الفصول التي حدَّدناها - تتركَّز على ما جاء عن ابن أعثم وصيغته (قال أحمد بن أعثم الكوفيّ)، وكان ينقل معظم هذه الأخبار المضافة مسنَدة عن مشايخه، وفي مقدِّمتهم: جار الله بن عمر الزمخشريّ (ت 538 ﻫ)((1))، وأبو منصور الشهردار بن شيرويه الديلميّ (ت 558 ﻫ/1160م)((2))، والحسن بن أحمد العطّار الهمدانيّ(ت544 ﻫ/1146م)((3))، وأبو الحسن عليّ بن أحمد العاصميّ.

وبما أنّ أغلب الأخبار التي جاءت في المقتل للخوارزمي تمَّ الإعتماد في إيرادها على ابن أعثم الكوفي، فلابدَّ من التحقُّق من تلك الروايات، ومطابقتها لما هو موجود في الفتوح لابن أعثم.

وبعد دراسة ومقارنة روايات ابن أعثم في الفتوح مع تلك التي اعتمدها


1) محمود بن عمر بن محمد بن عمر، أبو القاسم الزمخشري، صاحب الكشاف في التفسير، والمفصل في النحو، وغير ذلك من المصنفات المفيدة، وقد سمع الحديث وطاف البلاد، وجاور بمكة مدَّة، وكان يظهر مذهب الإعتزال ويصرِّح بذلك في تفسيره، ويناظر عليه، ابن كثير، البداية والنهاية: ج12، ص272؛ الخطيب، الوفيات: ص279؛ أبن العماد الحنبلي، شذرات الذهب: ج4، ص118.

2) شيرويه بن شهردار بن شيرويه الديلمي الهمذاني، الحافظ صاحب كتاب الفردوس، وتاريخ همذان، وغير ذلك، توفي في رجب عن أربع وسبعين سنة، وكان صلباً في السنة، الذهبي، العبر: ج4، ص18.

3) الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن سهل الحافظ، أبو العلاء الهمذاني، العطار، المقرئ، المحدث، شيخ مدينة همدان، الذهبي، العبر: ج39، ص334.

الخوارزمي عن ابن أعثم، تبيَّن أنّ الكثير منها تطابقت مع روايات الفتوح لابن أعثم مع وجود بعض الإختلافات والزيادات في بعضها، ومنها:

أ- ذكر الخوارزمي أنّ مسلم بن عقيل(علیه السلام) اتخذ بعد دخوله الكوفة دار مسلم بن المسيب((1)) على حين ذكر ابن أعثم بأنَّه نزل دار سالم بن المسيب، وهي دار المختار بن أبي عبيد الثقفي((2)). وهذا الإختلاف بين سالم ومسلم قد يكون خطأ وقع في النسخ، لتقارب الاسمين في النداء والتسمية لهما.

ولم يقتصر الخوارزمي على حذف بعض الروايات وإنَّما شمل الزيادة في بعضها، فمثلا أضاف الخوارزمي لرواية ابن أعثم((3)) بخصوص استشارة يزيد بنمعاوية لسرجون الرومي - مستشاره - بعض الزيادات إذ يقول: «إنّ يزيد دعا بغلام كان كاتباً عند أبيه - يقال له سرجون - فأعلمه بما ورد عليه بخصوص أوضاع الكوفة فقال: أشير عليك بما تكره، قال: وإنْ كرهت، قال استعمل عبيد الله بن زياد على الكوفة، قال إنَّه لا خير فيه، وكان يبغضه فأشير بغيره، قال لو كان معاوية حاضرا أكنت تقبل بقوله؟ قال: نعم، قال: فهذا عهد عبيد الله على الكوفة أمرني معاوية أكتبه، فكتبته وخاتمه عليك فمات وبقي العهد عندي، قال ويحك فأمضه»((4)) ويُلاحَظ من خلال


1) مقتل الحسين(علیه السلام): ج1، ص86.

2) الفتوح: ج5، ص33.

3) ونصُّ الرواية هو: «يزيد بن معاوية دعا بغلام أبيه، وكان اسمه سرجون، فقال: يا سرجون ! ما الذي عندك في أهل الكوفة فقد قدم مسلم بن عقيل وقد بايعه الترابية للحسين بن علي(رضی الله عنه)؟ فقال له سرجون: أتقبل مني ما أشير به عليك؟ فقال يزيد: قل حتى أسمع! فقال: أشير عليك أن تكتب إلى عبيد الله بن زياد فإنه أمير البصرة فتجعل له الكوفة زيادة في عمله حتى يكون هو الذي يقدم الكوفة؛ فيكفيك أمرهم. فقال يزيد: هذا لعمري هو الرأي»، الفتوح: ج5، ص36.

4) مقتل الحسين(علیه السلام): ج1، ص287.

المقارنة بين الروايتين أنَّ هناك اختلافاً واضحاً في إيراد تفاصيلها، وأنَّ رواية الخوارزمي هي أقرب إلى رواية الطبري((1)).

ويُلاحَظ وجود اختلاف في الرسالة التي أرسلها يزيد بن معاوية إلى عبيد الله بن زياد بخصوص تطورات الوضع في الكوفة؛ فإنَّ ما ذكره ابن أعثم يختلف عما ذكره الخوارزمي؛ إذ ذكرها بالشكل الآتي: «أمَّا بعد فإنَّ الممدوح مسبوبٌ يوماً، وإنَّ المسبوب ممدوحٌ يوماً... وقد ابتلى بالحسين زمانُك من بين الأزمان، وبلدك من بين البلدان وابتُليتَ به من بين العمال، وعندها يُعتَقُ أو يعود عبدا كما تعبد العبيد لي بالحسين...»((2)) ومن خلال مراجعتنالبعض المصادر وجدنا أنَّ رواية الخوارزمي هذه هي أقرب إلى رواية البلاذري((3)).

ب - أمّا مسيرة الإمام الحسين(علیه السلام) ووصوله إلى هدفه فقد مرّت بعدة طرق، وقد تتبَّعها ابن أعثم بشكل دقيق، ونقل الخوارزمي ذلك عنه، لكنَّه أهمل بعض ما ذكره ابن أعثم، ومنها مرور الإمام ب-:ذات عرق((4)) وملاقاته لرجل من بني أسد، وحديثه معه بخصوص موقف أهل العراق منه.

ت - روى الخوارزمي خبراً عن ابن أعثم يتعلَّق بملاقاة الإمام الحسين بن


1) تاريخ: ج4، ص165.

2) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج1، ص287-288.

3) أنساب الاشراف: ج3، ص160، ج5، ص379.

4) وهي في طريق الكوفة إلى المدينة، وتقع بين الغمرة وبين بستان بني عامر القريب من مكة، بينهما وبين الغمرة برك وأبار على مسافة ثمانية عشر ميلا، وإذا جزت ذات عرق إلى البحر فأنت في تهامة، ويُذكَر أنَّ ذات عرق هي منهل أهل العراق، وهي الحدُّ بين نجد وتهامة، وقيل:عرق جبل بطريق مكة ومنه ذات عرق، ابن خرداذبة، المسالك والممالك: ص132؛ البكري، معجم ما استعجم: ج1، ص9؛ ياقوت الحموي، معجم البلدان: ج4، ص107-108.

علي(علیه السلام) لزهير بن القين((1)) وأنَّ الإمام(علیه السلام) دعاه إلى نصرته فأجابه زهير، وأقدم على طلاق زوجته وصرفها إلى أهلها وسرد بقية الحادثة((2))، ومن خلال الرجوع إلى كتاب الفتوح لابن أعثم لم نجد ذكراً لهذه الرواية، ومما يثير التساؤل كيف ذكره الخوارزمي بأنَّه نقلها عن ابن أعثم وهو لم يذكرها؟ث - ذكر الخوارزمي أيضاً كتاباً((3)) أرسله عمر بن سعد إلى أميره عبيد الله بن زياد على حين لم يرد هذا الكتاب عند ابن أعثم الكوفي.

ج - أمّا القيادات التي قادت الجيش المشارك في حرب الإمام الحسين(علیه السلام) فقد أغفل الخوارزمي أسماء تلك القيادات باستثناء بعضها((4)) على حين لم نجد ذلك في الفتوح؛ إذ ذكر أسماء القيادات كاملة. ولعلَّ سبب تلك الإختلافات يعود إلى جملة من العوامل منها:

أ - اختلاف النسخ الموجودة فعلاً عن النقل الذي ذكره الخوارزميّ، ولعلَّ النسخة الموجودة عند الخوارزمي أثناء عملية النقل منها هي غير النسخة المتداولة الآن.

ب - اعتماد الخوارزمي على النقل بالمعنى، الذي كان أحد أسباب الإختلاف وكثيراً ما اعتمد على التغيير بالمعنى؛ لتكون أقرب وأوضح للقارئ مع التنويه على أنّ التغيير بالمعنى لم يؤدِّ إلى الإخلال بالأصل التاريخي للوقائع.


1) ينسب إلى أنمار بن أراش بن كهلان، وهم بنو بجلة، وكان رجلاً شريفاً في قومه نازلاً منهم بالكوفة، له في المغازي مواقف مشهودة، وكان أولاً عثمانياً، فحج سنة ستين من الهجرة مع أهله، ثم عاد من الحج فوافق الحسين(علیه السلام) في طريقه ومال إليه، ابن سعد، الطبقات: ج6، ص247؛ الطوسي، الرجال: ص101.

2) مقتل الحسين(علیه السلام): ج1، ص323.

3) ونصُّ الكتاب: «أمَّا بعد فإنِّي نزلت بالحسين ثم بعثت إليه رسولاً أساله عما أقدمه إلى هذا البلد، فذكر أنَّ أهل الكوفة أرسلوا إليه....» مقتل الحسين(علیه السلام): ج1، ص334.

4) فلان المازني في ثلاثة آلاف، ونصر بن فلان في ألفين، مقتل الحسين(علیه السلام): ج1، ص344.

ت - الفارق الزمني بين المؤرِّخينِ جعل الخوارزمي يغيِّر بعض مفردات الروايات.

ث - اعتماد الخوارزمي على بعض النسخ من كتاب الفتوح وسقوط بعض العبارات والأسماء منها، الأمر الذي جعل المؤلِّف يذكرها بصيغة مجهولة، كما هو الحال في ذكر أسماء القيادات العسكرية التي اشتركت في الحرب ضدَّ الإمام الحسين(علیه السلام).

5- لم يُلاحَظ للخوارزمي أيّ نقد أو تصحيح للأخطاء التاريخية الخاصة بالمقتل التي وقع فيها ابن أعثم

منها نسبة القصيدة التي نظمها الشاعر المعروف الفرزدق بحقِّ الإمام علي بن الحسين السجاد(علیه السلام) والتي مطلعها.

هذا الذي تعرفُ البطحاءُ وطأتَهُ *** والبيتُ يعرفُه والحِلُّ والحرمُ

هذا ابنُ خيرِ عباد ِاللهِ كلِّهُمُ *** هذا التقيُّ النقيُّ الطاهرُ العلمُ

فقد ذكرها على أنّ الفرزدق أنشدها بحقِّ الإمام الحسين(علیه السلام)، على حين أغلب المصادر قد أشارت إلى أنّ الشاعر نظمها بحقِّ الإمام علي بن الحسين(علیه السلام) في عهد هشام بن عبد الملك والقصة مشهورة((1)).

6- لم يصرِّح الخوارزمي عن مصادره في بعص الروايات التي نقلها

واستعمل العبارات الآتية: «وذكر غيره، وفي رواية - ورُوي - وقال غيره»((2)).


1) أبو الفرج الاصفهاني، الاغاني: ج15، ص127؛ التنوخي، المستجاد: ص87؛ المفيد، الارشاد: ج2، ص149؛ المرتضى، الامالي: ج1، ص48؛ ابن المغازلي، مناقب علي بن أبي طالب: ص311؛ ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج41، ص399.

2) مقتل الحسين(علیه السلام): ج1، ص320، 323، 338، 348.

7- لم يستعمل مصادر متعدِّدة في مقتله

ولعلَّ الغالبية العظمى من الروايات الخاصة بالمقتل اعتمد فيها على ابن أعثم، هذا يجعلنا نطرح تساؤلاً مهماً، هو لماذا لم يعتمد الخوارزمي على المصادر الأولية التي تحدَّثت عن المقتل أمثال:أبي مخنف (الموجود في تاريخ الطبري) والبلاذري، وأبي الفرج الاصفهاني (مقاتل الطالبيين) وغيرها؟

8- يقطع الخوارزمي حكمه أحياناً بالإعتماد على بعض

الروايات كقوله: «قُتِل الحسين(علیه السلام) باتفاق الرواة - يوم عاشوراء - في العاشر من المحرم سنة 61ه- وهو ابن أربع وخمسين سنة وستة أشهر ونصف»((1)).

9- منهج تعدُّد الروايات

اشارة

اتَّبع الخوارزمي منهج تعدُّد الروايات للحادثة الواحدة وبشكل مستفيض منها:

- الأخبار المستقبلية التي أخبر عنها الرسول(صلی الله علیه و آله) بشأن مقتل الحسين(علیه السلام)

يُلاحَظ أنَّ الخوارزمي اهتمَّ بشكل واسع بهذا الموضوع حتى أنَّه خصَّص له فصلاً مستقلاً استعرض فيه إحدى وعشرين روايةً بطرق مختلفة، ولو قارنا من حيث المساحة التي خصَّصها الخوارزمي لهذا الموضوع مع أصحاب كتب المقاتل المتخصِّصة السابقين له أو المتأخِّرين عنه، لوجدنا فرقاً شاسعاً لكون الخوارزمي الأكثر من بين هؤلاء المؤرخين الذين فصّلوا في هذا الموضوع، حيث ذكر العديد من الروايات في هذا المجال، ومن طرق روائية مختلفة، منها:

أ - رواية عن طريق شيخه علي بن أحمد العاصمي، وهذا نصُّها: «عن أمّ الفضل بنت الحرث أنّها دخلت على رسول الله فقالت: يا رسول الله! إنّي رأيت حلماً منكَراً


1) المصدر نفسه: ج2، ص42.

الليلة، قال: وما هو؟ قالت: إنّه شديد. قال: وما هو؟ قالت: رأيت كأنّ قطعة من جسدك قُطِعت ووُضِعت في حجري، فقال رسول الله: رأيت خيراً ; تلد فاطمة إن شاء الله غلاماً فيكون فيحجرك، فولدت فاطمة الحسين فكان في حجري كما قال رسول الله، فدخلت يوماً على رسول الله فوضعته في حجره، ثمّ حانت منّي التفاتة فإذا عينا رسول الله تهريقان الدموع، فقلت: يا نبيّ الله! بأبي أنت وأمّي مالك؟ فقال: أتاني جبرئيل فأخبرني أنّ أمّتي ستقتل ابني هذا، فقلت: هذا؟ فقال: نعم، وأتاني بتربة من تربته حمراء»((1)).

ب - كما أنَّه أورد رواية عن طريق أمِّ سلمة زوج الرسول بقوله: وفي رواية أمّ سلمة «أخبرني جبرئيل أنّ هذا يقتل بأرض العراق، يعني الحسين، فقلت: يا جبرئيل! أرني تربة الأرض التي يُقتَل بها، قال: فهذه تربتها»((2)).

ونقل الخوارزمي أيضاً روايات عن الإمام علي بن أبي طالب(علیه السلام) بقوله: «إنّ أميرالمؤمنين(علیه السلام) لمّا سار إلى صفّين نزل بكربلا وقال لابن عبّاس: أتدري ما هذه البقعة؟ قال: لا. قال: لو عرفتها لبكيت بكائي، ثمّ بكى بكاء شديداً ثمّ قال: مالي ولآل أبي سفيان، ثمّ التفت إلى الحسين وقال: صبراً يا بنيَّ فقد لقي أبوك منهم مثل الذي تلقى بعده»((3)).


1) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج1، ص232؛ وقد أوردت بعض المصادر السابقة من الناحية الزمنية للخوارزمي هذه الرواية، منها، الحاكم النيسابوري، المستدرك: ج3، ص177؛ المفيد، الارشاد: ج2، ص130؛ البيهقي، دلائل النبوة: ج6، ص469؛ الطبري الشيعي، دلائل الإمامة: ص180.

2) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج1، ص232-233؛ وقد أوردت بعض المصادر السابقة من الناحية الزمنية للخوارزمي هذه الرواية، منها، الطبراني، المعجم الكبير: ج3، ص110؛ الحاكم النيسابوري، المستدرك: ج4، ص398؛ البيهقي، دلائل النبوة: ج6، ص468.

3) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج1، ص236.

وقد أورد هذه الرواية ابن أعثم((1)) لكن بشكل أطول مما أوردها الخوارزمي؛ إذ تجاوزت الصفحتين تقريباً.

- حادثة مسلم بن عقيل(علیه السلام)

ينقل الخوارزمي روايتين مختلفتين في كيفية القضاء على مسلم بن عقيل(علیه السلام) بعد أن علمت السلطة بمكان تواجده، الأولى: أشارت إلى أنَّه بعد أن تجمَّعوا عليه وأخذ العطش مأخذه منه ضعف عن القتال وضربه بكير بن حمران الأحمري وبعدها تمَّ أسره((2))، على حين كانت الرواية الثانية مغايرة لهذه الرواية التي مفادها: أنّ محمد بن الأشعث - قائد القوة التي كُلِّفت بإلقاء القبض على مسلم - قد خدع مسلم بن عقيل(علیه السلام) بإعطائه الأمان له، ومن ثَمَّ تمَّ إلقاء القبض عليه((3)).

ويبدو أنّ سبب إيراد الخوارزمي لهاتين الروايتين المختلفتين ناشئ من اختلاف المصادر التاريخية، فقسم من تلك المصادر لم تُشِر إلى أنّ مسلم بن عقيل(علیه السلام) استسلم بسبب أمان ابن الأشعث وانخداعه بتلك الحيلة والمكيدة، وإنَّما قاتل حتى النهاية((4)).

أمّا القسم الآخر من المصادر((5)) فقد أشار إلى أنَّهُ عن طريق الأمان وفيها تمَّخداع مسلم، ومن ثَمَّ سهلت عملية القبض عليه.

ولعلَّ سبب الإختلاف الشديد بين تلك الروايات وفي التفاصيل الأخرى،


1) ابن أعثم، الفتوح: ج2، ص552-555.

2) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج1، ص302.

3) المصدر نفسه: ج1، ص303.

4) البلاذري، انساب الاشراف: ج2، ص81؛ ابن أعثم، الفتوح: ج5، ص54؛ ابن شهر اشوب، مناقب ال أبي طالب: ج3، ص244.

5) الطبري، تاريخ: ج4، ص280؛ ابن حبان، الثقات: ج2، ص308؛ ابن الاثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص33.

يكشف عن ضعف تلك الروايات من الناحية التأريخية، لا سيما تلك التي تقلِّل من شأن مسلم بن عقيل(علیه السلام) التي أشارت إلى انخداعه بالأمان، بل إنّ مكانة مسلم ومنزلته وقول الإمام المعصوم الإمام الحسين(علیه السلام) فيه (أنت ثقتي)، وتكليفه بمهمة استطلاع أوضاع الكوفة ودراستها، لا تنسجم مع الروايات التي أشارت إلى استسلامه لأمان السلطة واحد أركانها، وهو محمد بن الاشعث.

واستعرض الخوارزمي حادثة إبلاغ القائد عمر بن سعد من قبل الوالي عبيد الله ابن زياد بتعجيل حرب الإمام الحسين(علیه السلام) روايتين مختلفتين، الأولى ما نصُّها: «ورد عليه كتاب من ابن زياد يؤنّبه ويضعّفه ويقول: ما هذه المطاولة، انظر إن بايع الحسين وأصحابه ونزلوا عند حكمي فابعث بهم إليّ سلماً، وإن أبوا ذلك فازحف إليهم حتّى تقتلهم وتمثّل بهم، فإنّهم لذلك مستحقّون، فإذا قتلت الحسين فأوطئ الخيل ظهره وبطنه، فإنّه عاقّ شاقٌّ قاطعٌ ظلومٌ، فإذا فعلت ذلك جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أبيت ذلك فاعتزل خيلنا وجندنا وسلّم الجند والعسكر إلى شمر بن ذي الجوشن، فإنّه أشدّ منك حزماً، وأمضى منك عزماً»((1)).

وذكر الرواية الثانية بتفاصيل أكثر دقَّة من سابقتها ونصُّها: «إنّ عبيد الله بن زياد دعا حويرة بن يزيد التميمي وقال: إذا وصلت بكتابي إلى عمر بن سعد، فإن قام من ساعته لمحاربة الحسين... وإن لم يقم فخذه وقيّده، واندب شهر بن حوشب ليكون أميراً على الناس، فوصل الكتاب، وكان في الكتاب: إنّي لم أبعثك يا بن سعد لمنادمة الحسين، فإذا أتاك كتابيفخيّر الحسين بين أن يأتي إليّ وبين أن تقاتله، فقام عمر بن سعد من ساعته وأخبر الحسين بذلك، فقال له الحسين(علیه السلام): أخّرني إلى غد، ثمّ قال عمر بن سعد للرسول: اشهد لي عند الأمير أنّي امتثلت أمره»((2)).


1) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج1، ص348.

2) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج1، ص348.

من خلال المقارنة بين الروايتين نجد أنَّهما يشيران إلى أصل الحادثة مع اختلافهما في بعض التفاصيل، على أنّ الرواية الأولى أوردتها العديد من المصادر، في حين لم نلحظ إيراد الرواية الثانية في المصادر بحسب اطلاعنا، لاسيما وإنّ الخوارزمي لم يُشِر إلى المصدر الذي نَقل منه تلك الرواية، وإنَّما أوردها بصيغة مجهولة «وقال غيره»((1)).

- عدد المتقدِّمين للإستشهاد بين يدي الإمام الحسين(علیه السلام)

وبالمنهجية نفسها نقل الخوارزمي ومن طرق روائية مختلفة عدَّةَ نصوص عن عدد الذين قُتِلوا مع الإمام الحسين(علیه السلام) من أهل بيته الأطهار(علیهم السلام) منها:

الأولى: نقلها من كتاب (نزهة الطرف وبستان الظرف) مسنَدَة إلى الحسن البصري أشارت إلى أنَّ عددهم ستة عشر رجلاً((2)).

الثانية: عن طريق شيوخه، وينتهي أسنادها إلى الحسن البصري أيضاً، وهي تخالف سابقتها؛ إذ ذكرت أنّ عددهم سبعة عشر رجلاً((3)).بعد إيراد الخوارزمي لهاتين الروايتين عقَّبهما برواية عن طريق شيخه علي بن أحمد العصامي مسنَدة إلى الليث بن سعد((4)) عدَّد بها أسماء الذين قُتِلوا مع الإمام الحسين(علیه السلام) من أهل بيته(علیهم السلام) وعددهم سبعة عشر رجلاً((5))، مما يدلِّل على أنَّ


1) المصدر نفسه: ج1، ص348.

2) المصدر نفسه: ج2، ص52.

3) المصدر نفسه: ج2، ص52.

4) أبو الحارث الليث بن سعد بن عبد الرحمن، إمام أهل مصر في الفقه والحديث، كان مولى قيس ابن رفاعة، وهو مولى عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهمي، وأصله من أصبهان، كان ثقة سخياً، ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج50، ص341؛ ابن الجوزي، المنتظم: ج9، ص12؛ ابن خلكان، وفيات الاعيان: ج4، ص127.

5) مقتل الحسين(علیه السلام): ج2، ص52-53.

الخوارزمي قد رجَّح هذه الرواية والرواية التي سبقتها التي أشارت إلى أنّ عددهم سبعة عشر رجلاً، ويُلاحَظ أنَّ المصادر هي الأخرى اختلفت في تحديدها للعدد، ففريق منها ذكر أنَّ الذين قُتِلوا كانوا ستة عشر رجلاً((1))، على حين أشارت بعضها إلى أنَّهم سبعة عشر رجلاً((2))، بينما عدَّت بعض المصادر الإمام الحسين(علیه السلام) من ضمنهم ليرتفع عددهم إلى ثمانية عشر رجلاً((3)).

كما عرض الخوارزمي روايتين في تحديد الشخصية التي أقدمت على قتل أبي بكر ابن علي بن أبي طالب أخي الإمام الحسين(علیه السلام) بقوله: «فبرز أبو بكر... فحمل عليه زُحَر بن قيس النخعي فقتله، وقيل رماه عبد الله بنعقبة الغنوي فقتله»((4)).

ومن جانب آخر شكَّك الطبري بمقتله((5))، بينما حدَّده ابن أعثم بأنَّه زُحَر بن قيس((6))، أمَّا ابن شهرآشوب فقد اتفق مع الخوارزمي في تعيين الروايتين نفسهما في قاتل أبي بكر بن علي بن أبي طالب(علیه السلام)((7)).

وأشار أيضاً إلى اختلاف الروايات في تحديدها لعدد أنصار الإمام الحسين(علیه السلام)، فرواية أشارت إلى أنَّ عددهم اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلاً، وأخرى


1) الطبراني، المعجم الكبير: ج3، ص118؛ العلوي، المجدي في انساب الطالبين: ص15؛ الذهبي، تاريخ الاسلام: ج5، ص14؛ الشافعي، جواهر المطالب: ج2، ص273؛ المجلسي، بحار الانوار: ج45، ص64.

2) ابن خياط، تاريخ: ص179؛ ابن عبد البر، الاستيعاب: ج1، ص396؛ البري، الجوهرة: ص44؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص205.

3) المفيد، الارشاد: ج2، ص125؛ الطبرسي، اعلام الورى: ج1، ص476.

4) مقتل الحسين(علیه السلام): ج2، ص32-33.

5) تاريخ: ج4، ص358.

6) الفتوح: ج5، ص112.

7) مناقب ال أبي طالب: ج3، ص255.

ذكرت خلاف ذلك، وتحصرهم باثنين وثمانين راجلاً((1)).

ويبدو أنَّ السبب في عدم الدقَّة في تحديد عدد أنصار الإمام الحسين(علیه السلام) يرجع إلى كونه غير ثابت منذ خروج الإمام الحسين(علیه السلام) من مكة حتى استشهاده(علیه السلام)، وذلك لأنَّ بعض العناصر قد انضمَّت لاحقاً للركب الحسيني، بقرينة بعض النصوص، منها ما أورده الطبري، بقوله: «كان الحسين لا يمرُّ بأهل ماء إلا اتبعوه...»((2))، ولعلَّ ما أشار إليه المسعودي يسلِّط الضوء أكثر على هذا الموضوع حينما ذكر أنّ الأنصار بدأت تلتحق بالركب الحسيني حتى بلغوا خمسمائة فارس، ومائة راجل من أهل بيته وأصحابه((3)).

واختلفت المصادر في تحديد الشخصية التي باشرت قتل الإمام الحسين(علیهالسلام)، وعدم وجود دليل على ترجيح وتحديد القاتل، لهذا نجد الخوارزمي يورد ثلاث روايات بهذا الخصوص الأولى:لم تحدِّد الاسم مطلقاً وجعلتُه مجهولاً بقوله: «فغضب عمر بن سعد، فقال لرجل كان عن يمينه: أنزل ويحك إلى الحسين فأرحه فنزل إليه»((4))، على حين حدَّدته الرواية الثانية:بأنَّه خولي بن يزيد الأصبحي((5))، بينما ذكرت الرواية الثالثة:بأنَّ الشمر بن ذي الجوشن هو من أقدم على قطع رأس الإمام الحسين(علیه السلام)((6))، والمتمعِّن في هذه المسألة يجد أنَّ هؤلاء جميعاً قد اشتركوا في قتل الإمام الحسين(علیه السلام)، وسبي حرمه الأطهار.


1) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج2، ص6.

2) تاريخ: ج4، ص300.

3) مروج الذهب: ج3، ص72.

4) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج2، ص41.

5) المصدر نفسه: ج2، ص41.

6) المصدر نفسه: ج2، ص41.

ورجَّح أحد الباحثين أنَّ الشمر هو من باشر عملية القتل، لعدَّة مبرِّرات منها: «إنَّ دلالة قول الرسول(صلی الله علیه و آله) أو رؤيا الحسين(علیه السلام) أن شمراً كان أشدَّ الناس في التحريض عليه(علیه السلام) فهو الذي دعا ابن زياد إلى رفض مشورة ابن سعد بتركه(علیه السلام) وحسّن إليه أن ينزل على حكمه، وهو يعلم إباء الإمام(علیه السلام) ورفضه لذلك، ثم إنَّ شمراً كان على مدار المعركة قاسياً جبَّاراً، يحاول حرق فسطاط الحسين على أهله»((1)).

وقد جمع الخوارزمي عدَّة روايات؛ إذ كانت متفقة على حادثة معيَّنة، كما هو الحال في تأريخ استشهاد الإمام(علیه السلام) بقوله: «وقُتل الحسين(علیه السلام) يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، وهو ابن أربع وخمسين سنةوستة أشهر ونصف»((2)).

وذكر الخوارزمي عدَّة روايات عن حادثة ضرب ثنايا الإمام الحسين(علیه السلام) في مجلس يزيد بن معاوية عن طريق سلسلة من مشايخه منها:

الأولى: نقلها عن شيخه أبي الحسن علي بن أحمد العاصمي وتنتهي بمجاهد «إنّ يزيد حين أُتى برأس الحسين بن علي ورؤوس أهل بيته، قال ابن محفز يا أميرالمؤمنين: جئناك برؤوس هؤلاء الكفرة اللئام، فقال يزيد ما ولدت أمُّ محفز أكفر وألأم وأذمَّ ثم كشف عن ثنايا رأس الحسين بقضيبه ونكته وأنشد... فقال له بعض جلسائه: ارفع قضيبك فو الله ما أُحصي ما رأيت شفتي محمد (صلی الله علیه و آله) في مكان قضيبك يقبِّله فأنشد يزيد...

يا غرابَ البينِ ما شئتَ فُقل *** إنَّما تندبُ أمراً قد فُعِلْ»((3)

ياغراب البين أسمعت فقل *** إنما تنطقُ شيئاً قد فُعل

ينظر، ابن الزبعرى، ديوان: ص41.

).

الثانية: عن طريق شيخه أبي العلاء الحسن بن أحمد بن الحسن، بطريق الإجازة


1) التميمي، ثورة الإمام الحسين(علیه السلام): ص300.

2) مقتل الحسين(علیه السلام): ج2، ص42.

3) المصدر نفسه: ج2، ص65-66، والبيت في الديوان:

عنه، وتنتهي الرواية بسند أنس بن مالك (ت92ﻫ/711م) قال: «لما أُتي برأس الحسين إلى عبيد الله بن زياد جعل ينكته بقضيب في يده ويقول: إنَّه لحَسنُ الثغر...»((1)).

الثالثة: «أُتي بالرأس حتى وُضِع بين يدي يزيد في طست من ذهب... ثم دعا بقضيب خيزران، فجعل ينكت به ثنايا الحسين(علیهالسلام) وهو يقول: لقد كان أبو عبد الله حَسنَ المضحك، فاقبل عليه أبو برزة الأسلمي أو غيره من الصحابة، وقال له يا يزيد لقد أخذ قضيبك هذا مأخذا من ثغره...»((2)).

ويمكن تسجيل عدَّة نقاط وإشكالات من الروايات أعلاه منها:

1- ورد في الأولى إنّ الذي جلب الرؤوس إلى يزيد بن معاوية هو أبو محفز، وهذا ما لم تذكره بقية المصادر، كذلك لم تحدِّد الشخصية التي طلبت من يزيد أنَّ يرفع قضيبه عن ثنايا الإمام الحسين(علیه السلام)، وهذا خلاف الروايتين اللتين ذكرهما - الثانية والثالثة - آنفتي الذكر، واللتين حدَّدتا الشخصية مع اختلافهما فيها.

2- علَّق الخوارزمي على رواياته وعلى الزيادات التي وُضِعت فيها معتبرها مرسلة((3)).

3- ما أورده الخوارزمي بخصوص هذا الموضوع فيه اختلاف كبير، فبعضها حصرت الحادثة بالوالي عبيد الله بن زياد، وأخرى بيزيد بن معاوية، والذي يُستنتَج من خلال استقراء المصادر أنَّ الحادثة قد وقعت مرَّتين الأولى في الكوفة((4)) والثانية


1) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج2، ص50.

2) المصدر نفسه: ج2، ص63-64.

3) المصدر نفسه: ج2، ص51.

4) الدينوري، الاخبار الطوال: ص259؛ البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص207؛ المفيد، الارشاد: ج2، ص114-115؛ الطوسي، الامالي: ص252؛ الطبرسي، اعلام الورى: ج1، ص471؛ ابن نما، مثير الاحزان: ص72؛ ابن حجر، فتح الباري: ج7، ص75.

في الشام((1)).

4- ورد في الرواية الثانية أنَّ الشخصية التي اعترضت على الوالي عبيد الله بن زياد هو الصحابي أنس ابن مالك، لكن بعد الرجوع إلى مصادرنا التي ترجمت له((2)) لم تذكر لنا مغادرة أنس بن مالك إلى الكوفة ودخوله مجلس الوالي عبيد الله بن زياد، بل لم تُشِر إلى الحادثة من أصلها، وعلى الرغم من أهميتها الكبيرة في مقابل ذلك أوردت دقائق الأمور وصغائرها، مما يرجَّح لنا عدم مشاركة أنس بن مالك وحضوره واعتراضه على تصرُّف الوالي عبيد الله بخصوص ضرب ثنايا الإمام الحسين(علیه السلام) كما أشارت إليه الرواية.

وفي حادثة مصير رأس الحسين(علیه السلام) الشريف ذكر الخوارزمي ثلاث روايات في أصل الموضوع، الأولى تذكر أنَّه دُفن في البقيع، على حين أشارت الثانية إلى بقائه في خزائن بني أمية في دمشق، أمّا الثالثة فقد رجَّحها الخوارزمي، ومفادها أنَّ الرأس دُفن مع الجسد الطاهر في كربلاء((3)).


1) البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص214؛ الطبري، تاريخ: ج4، ص356؛ المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص61؛ ابن أعثم، الفتوح: ج5، ص129؛ ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج62، ص84-85؛ ابن شهر اشوب، مناقب ال أبي طالب: ج3، ص261؛ ابن الجوزي، المنتظم: ج5، ص342؛ ابن الاثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص84؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء: ج3، ص309؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص208؛ ابن الصباغ المالكي، الفصول المهمة: ص834-835.

2) ابن سعد، الطبقات الكبرى: ج7، ص17-26؛ ابن خياط، طبقات: ص160؛ العجلي، معرفة الثقات: ج1، ص237؛ السمعاني، الانساب: ج5، ص460؛ الباجي المكي، التعديل والجرح: ج1، ص371؛ ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج9، ص332-386؛ المزي، تهذيب الكمال: ج2، ص353-377؛ ابن حجر، الاصابة: ج1، ص276-278.

3) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج2، ص84.

2- التعليل والمنهج العلمي

اشارة

من خلال دراستنا للمقتل يُلاحَظ أنَّ الخوارزمي وفي بعض الحالات - وإن كانت محدودة - قد حلَّل وفسَّر بعض الروايات تحليلاً علمياً ومن ذلك:

- المتقدِّمون للإستشهاد أمام الإمام الحسين(علیه السلام)

في معرض حديثه عن تسلسل من تقدَّم للإستشهاد أمام الإمام الحسين(علیه السلام) وتحديداً من أهل بيته الأطهار(علیهم السلام)، ذكر أسماءهم واحداً تلو الآخر، فبعد أن برز عون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وقاتل حتى قُتِل، أخذ الخوارزمي يورد عدداً من الروايات؛ لتحديد الشخصية التي تلت عوناً في التقدُّم نحو ميدان القتال، فقال خرج من بعده عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب في بعض الروايات، وفي أخرى أنّ القاسم بن الإمام الحسن(علیه السلام) خرج، ثم خرج بعده عبد الله بن الإمام الحسن(علیه السلام)، ورجَّح الخوارزمي أنّ عبد الله خرج بعد القاسم، ثم يعلِّق الخوارزمي بعد ذلك على كلتا الروايتين فيقول: وهاتان الروايتان وقع فيهما الشكُّ بالسابق منهما((1)).

- رواية نطق رأس الإمام الحسين(علیه السلام)

عرض الخوارزمي رواية نطق الرأس الشريف لرجل يهودي ونصُّها: «إنّ رأس الحسين(علیه السلام) لمّا حُمل إلى الشام، جنّ عليهم الليل، فنزلوا عند رجل من اليهود، فلمّا شربوا وسكروا قالوا له: عندنا رأس الحسين، فقال لهم: أروني إيّاه، فأروه إيّاه بصندوق يسطع منه النور إلى السماء، فعجب اليهودي، واستودعه منهم، فأودعوه عنده، فقال اليهودي للرأس وقدرآه بذلك الحال: اشفع لي عند جدّك، فأنطق الله


1) المصدر نفسه: ج2، ص32.

الرأس وقال: إنّما شفاعتي للمحمّديين ولست بمحمّدي، فجمع اليهودي أقرباءه ثمّ أخذ الرأس ووضعه في طست وصبّ عليه ماء الورد وطرح فيه الكافور والمسك والعنبر، ثمّ قال لأولاده وأقربائه: هذا رأس ابن بنت محمّد، ثمّ قال: وا لهفاه! لم أجد جدّك محمّداً فأسلم على يديه، ثمّ وا لهفاه! لم أجدك حيّاً فأسلم على يديك وأقاتل دونك، فلو أسلمت الآن أتشفع لي يوم القيامة؟ فأنطق الله الرأس فقال بلسان فصيح: إن أسلمت فأنا لك شفيع، قالها ثلاث مرّات وسكت. فأسلم الرجل وأقرباؤه»((1)).

الرواية بلا شكٍّ تحدَّثت عن إعجاز إلهي واضح من خلال نطق الرأس المقطوع، ففي الأمور الطبيعية لا يمكن أنْ يحصل ذلك إطلاقاً، إلا بالأمور الإعجازية الإلهية، ولعلَّ التشكيك في هذه الرواية كان في حسبان الخوارزمي؛ لذا ساقَ أدلَّة روائية لنفي الشكِّ عن هذه الحادثة بعد أن حدَّد هوية ذلك اليهودي بقوله: «لعلّ هذا الرجل اليهودي كان راهب قنسرين((2))، لأنّه أسلم بسبب رأس الحسين(علیه السلام)، وجاء ذكره في الأشعار، وأورده الجوهري والجرجاني في مراثي الحسين. ومثل هذا يجوز إذ أخبر به النبي أنّه سيكون بعدي كذا وكذا، كما أخبر عن بقيلة بنت الشماء الأزديّة صاحبة الحيرة، وكما أخبر سفينة مولاه أنّه يكلّمه الأسد، وكما أخبر عن تبليغ صوت عمر من المدينة إلى نهاوند حين افتتحوها وفي حربها صاح عمر:يا سارية الجبل في أخبار له(علیه السلام) كثيرة»((3)).

من خلال هذا النصِّ استدلَّ الخوارزمي على إمكانية تحقُّق هذه الحادثة بتحقُّق


1) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج2، ص115-116.

2) هي كورة بالشام منها حلب، وكانت قنسرين مدينة بينها وبين حلب مرحلة من جهة حمص بقرب العواصم، وبعض يدخل قنسرين في العواصم، ياقوت الحموي، معجم البلدان: ج4، ص404.

3) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج2، ص116.

حوادث مثلها سابقة لها، فبالإمكان وقوعها أيضاً؛ لذا سرد الأدلة التي تثبت ذلك، وهو أسلوب منهجي علمي قائم على المقارنة والإستدلال بها.

ومن أساليب نقده للرواية الإستدلال بالقرائن والروايات التي تُضعِّفها، مثال ذلك: فبعد أنْ يذكر رواية طويلة تُعدِّد الأحداث التي وقعت منذ أن خلق الله آدم في يوم عاشوراء، ينقل بعدها رأياً لأحد مشايخه؛ تعليقاً على رواية حديث فضيلة صوم عاشوراء والأحداث التي وقعت فيه بقوله: «هذا حديث مُنكَر وأسناده ضعيف، وفي متنه ما لا يستقيم، وهو ما رُوي فيه من خلق السموات والأرضين والجبال كلِّها في يوم عاشوراء والله يقول: («إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ»((1))، ومن المحال أن تكون هذه السنة كلُّها يوم عاشوراء، فدلَّ ذلك على ضعف هذا الخبر، والله أعلم»((2)).

ومن الملاحظ أنّ روايات استحباب صيام يوم عاشوراء تُعدُّ من ضمن الموضوعات والمشكوك بصحتها، وقد ناقش أحد المختصين في المجال الفقهي والعقائدي تلك الروايات نقاشاً مستفيضاً من ناحية السند والمتن، وبيَّن مدى ضعفها، وبكونها مختلقة ولا نصيب لها من الصحة((3)).

3- التوظيف والتوثيق الشعري لأحداث المقتل

يُعدُّ الشعر أحد المصادر المهمة في توثيق الأحداث التاريخية وحفظها، ومن ضمن منهج الخوارزمي اهتمامه الأدبي والشعري الخاصُّ بالرثاء الحسيني، وقد


1) يونس: آية3.

2) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج2، ص4-5.

3) فاضل المالكي، الموسوعة الفقهية: ص218-234.

خصَّص فصلاً كاملاً عن الرثاء الحسيني تحت عنوان (في ذكر بعض ما قيل فيه من المراثي)، وأورد فيه العديد من القصائد الشعرية التي وثَّقت بعض أحداث المقتل، منها: قصيدة الشاعر دعبل بن علي الخزاعي((1)) والتي مطلعها:

بكيتُ لرسم الدار من عرفات *** وأذريتُ دمعَ العين بالعبراتِ

أبانَ عرى صبري وهاجتْ صبا *** بتي رسومُ ديار قد عفت بشتاتِ

مدارسُ آياتٍ خلتْ من تلاوةٍ *** ومنزلُ وحي مقفرُ العرصاتِ

لآلِ رسول الله بالخِيفِ من منى *** وبالبيت والتعريف والجمراتِ

ديارُ علي والحسين وجعفر *** وحمزة والسجّاد ذي الثفناتِ

منازل كانت للصلاة وللتقى *** وللصوم والإعطاء للزكواتِ((2)).


1) دعبل بن علي بن رزين بن عثمان بن عبد الله بن بديل بن ورقاء، أبو علي الخزاعي الشاعر، أصله من الكوفة - ويقال من قرقيسيا - وكان يتنقَّل في البلاد، وأقام ببغداد مدة، ثم خرج منها هارباً من الخليفة المعتصم لما هجاه، وعاد إليها بعد ذلك، شاعر متقدّم مطبوع، لم يسلِّم عليه أحد من الخلفاء ولا من وزرائهم ولا أولادهم ولا ذو نباهة، أحسن إليه أو لم يحسن، كان شديد التعصب على النّزارية للقحطانيّة، قال قصيدة يردّ فيها على الكميت بن زيد، ويناقضه في قصيدته المذهَّبة الَّتي هجا فيها قبائل اليمن، وكان من مشاهير الشيعة وقصيدته التائية في أهل البيت من أحسن الشعر وأسنى المدائح قصد بها أبا الحسن علي بن موسى الرضا(علیه السلام) بخراسان، فأعطاه عشرة آلاف درهم، وخلع عليه بردة من ثيابه فأعطاه بها أهل قم ثلاثين ألف درهم فلم يبعها، فقطعوا عليه الطريق؛ ليأخذوها فقال لهم:إنَّها تُراد لله(عزوجلّ)، وهي محرَّمة عليكم، فدفعوا إليه ثلاثين ألف درهم، فحلف ألا يبيعها أو يعطوه بعضها؛ ليكون في كفنه، فأعطوه كما واحداً فكان في أكفانه، ويُقال إنَّه كتب القصيدة في ثوب وأحرم فيه، وأوصى بأن يكون في أكفانه، أبو الفرج الاصفهاني، الاغاني: ج20، ص294-340؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد: ج8، ص378-380؛ ياقوت الحموي، معجم الادباء: ج11، ص99-112.

2) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج2، ص147؛ ينظر، الخزاعي، ديوان: ص58-59؛ المرزباني الخراساني، مختصر اخبار شعراء الشيعة: ص100-101.

وكذلك وظَّف الخوارزمي قصيدة الشاعر الصاحب بن عباد((1))، والتي منها:

ورأى زينبَ إذ شمرٌ *** أتاها وسباﻫا

لشكَا الحالَ إلى الله *** وقد كان شَكاﻫا

وإلى الله سَيأتي *** وهو أوْلى مَن جزاﻫا((2)).

كماوظَّف الخوارزمي أبياتاً من الشعر للكميت بن زيد الأسدي((3)) من قصيدةانتُخِبت منها:

أضحكني الدهرُ وأبكاني *** والدهرُ ذو صِرف وألوانِ

لتسعة بالطفِّ قد غُودِروا *** فيها جميعاً رهنُ أكفانِ


1) اسماعيل بن عباد، أبو القاسم الصاحب، أديب بارع، شيعي معتزلي، له رواية قليلة، ونظمه لا بأس به، وشعره حسن، وبتشبيهاته يُضرَب المثل بها، ولُقِّب: كافي الكفاة الصاحب، وزير لمؤيد الدولة، قصده أبو الفتح ابن ذي الكفايتين، فأزاله عن الوزارة، ثم نُصِر عليه وعاد إلى الوزارة، ابن الجوزي، المنتظم: ج14، ص375-377؛ الذهبي، ميزان الاعتدال: ج1، ص212.

2) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج2، ص158؛ ينظر، الصاحب بن عباد، الديوان: ص118-119.

3) الكميت بن زيد بن خنيس بن مجالد بن وهيب بن عمرو بن سبيع. وقيل: الكميت بن زيد بن خنيس بن مجالد بن ذؤيبة ابن قيس بن عمرو بن سبيع بن مالك بن سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار. شاعر مقدّم، عالم بلغات العرب، خبير بأيامها، من شعراء مضر وألسنتها، والمتعصّبين على القحطانية، المقارنين المقارعين لشعرائهم العلماء بالمثالب والأيام، المفاخرين بها. وكان في أيام بني أميّة، ولم يدرك الدولة العبّاسيّة، ومات قبلها. كان معروفا بالتشيّع لبني هاشم، مشهورا بذلك، وقصائده الهاشميّات من جيّد شعره ومختاره، مناقضة دعبل وابن أبي عيينة لقصيدته المذهبة، ولم تزل عصبيّته للعدنانية ومهاجاته شعراء اليمن متّصلة، والمناقضة بينه وبينهم شائعة في حياته وبعد وفاته، حتى ناقض دعبل وابن أبي عيينة قصيدته المذهبة بعد وفاته، أبو الفرج الاصفهاني، الاغاني: ج17، ص5-32؛ ابن الجوزي، المنتظم: ج7، ص255.

وستّة لا يُتمارَى بهم بنو *** عقيلٍ خيرُ فرسانِ

وابن علي الخيرٍِا مولاهم *** فذِكرُهم هيّجَ أشجاني((1)).

4- الجغرافية التاريخية

اهتمَّ الخوارزمي بالمواقع الجغرافية والمناطق التي مرَّ بها الموكب الحسيني عبر مسيرته الطويلة، التي ابتدأها من المدينة وانتهت بكربلاء موطن الإستشهاد، ومن تلك المناطق التي استعرضها الخوارزمي التنعيم والصفاح((2)) والخزيمية والثعلبيةوقصر بني مقاتل، والقادسية والقطقطانية وحفان وزرود وزُبَالة التي فيها وصله نبأ استشهاد أخيه من الرضاعة عبد الله بن يقطر، والتي أشار فيها الخوارزمي إلى أنّ أنصار الإمام(علیه السلام) فيها كانوا كثيرين، إلا أنَّهم تفرقوا عنه بعد خطاب الإمام الحسين(علیه السلام) فيهم بنصِّ قوله: «ثم سار الحسين حتى انتهى إلى زبالة... وكان قد تبع الحسين خلق كثير من المياه التي يمرُّ بها معلِّلاً ذلك بأنَّهم كانوا يظنون استقامة الأمور له(علیه السلام)، فلمّا صار بزبالة قام فيهم خطيباً فقال: ألا إنّ أهل الكوفة وثبوا على مسلم بن عقيل وهاني بن عروة فقتلوهما، وقتلوا أخي من الرضاعة، فمن أحبّ منكم أن ينصرف فلينصرف من غير حرج، وليس عليه منّا ذمام. فتفرّق الناس، وأخذوا يميناً وشمالاً حتّى بقي في أصحابه الذين جاؤوا معه من مكّة، وإنّما أراد أن لا يصحبه إنسان إلاّ على بصيرة»((3)).

ونلحظ في ذيل الرواية هذه تعليلاً لطيفاً للخوارزمي للخطبة التي ألقاها الإمام


1) مقتل الحسين(علیه السلام): ج2، ص172.

2) المصدر نفسه: ج1، ص318، 319، 323، 324، 327، 328.

3) الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج1، ص328.

الحسين(علیه السلام) في هذه المنطقة، من أنّ الإمام أراد أن يجعل جميع أتباعه في مرحلة الإختبار والتحمُّل؛ لكي يختار منهم الخلصاء دون غيرهم، وهو تعليل منطقي منهجي للخوارزمي.

وتابع الخوارزمي المسيرة الجغرافية للركب الحسيني بشكل متسلسل، مشيراً إلى أنَّ الركب تحرَّك من منطقة (زبالة) باتجاه منطقة ذي حسم، ثم بعدها وصل إلى منطقة عُذيب الهجانات حتى وصلوا إلى كربلاء أرض الشهادة((1))، التي كانت موطن الشهادة للإمام الحسين(علیه السلام) وأصحابه وأهل بيته الأطهار(علیهمالسلام).

وبعد أنْ أوردنا بعض المعالم الأساسية في منهج الخوارزمي في مقتله لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الخوارزمي أورد بعض الروايات التي نرجِّح عدم صحتها أو المبالغة فيها، لكن دون أنْ ينقدها أو يضعِّفها، ولكون تلك الروايات لا تنسجم مع الشخصيات التي تتحدَّث عنها ومكانتها الدينية والإجتماعية ومنزلتها السامية، ومن تلك الروايات الرواية التي أوردها الخوارزمي، وهي بطريقة النقل بالمعنى وليس باللفظ والتي تصف السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب(علیه السلام) على لسان الإمام علي بن الحسين زين العابدين(علیه السلام) بأنَّها «ضعيفة القلب»((2))، ونحن نقول كيف كانت السيدة زينب ضعيفة القلب وهي التي تحمَّلت العديد من المصاعب والآلام وبصبرها رسمت المعالم الثورية للنهضة الحسينية؟ والإمام زين العابدين نفسه وصفها بأنَّها «عالمة غير معلَّمة، وفهِمَة غير مُفَهَّمَة»، ومن ثَمَّ فإنَّ ذلك لا ينسجم بين كونها عالمة وفهمة وبين أنّها ضعيفة القلب.

أما الروايات التي أوردها الخوارزمي والتي فيها نوع من المبالغة فهي تلك التي


1) المصدر نفسه: ج1، ص334، 337.

2) المصدر نفسه: ج1، ص338.

تخصُّ أعداد القتلى، لاسيما أنَّ واقعة الطف قد سارت وفق النواميس الطبيعية، ومنها ما ذكره الخوارزمي دون أن يحدِّد لنا مصدره بما نصُّه «من أن علياً الأكبر قد قتل تمام المائتين رجل»((1)).

الرواية فيها نوع من المبالغة؛ لأنّ قتلَ مثل هذا العدد وفق الأمور الطبيعية ليس بالأمر السهل، لعدَّة اعتبارات، منها: إنَّ قتل مثل هذا العدد يحتاج إلى وقت طويل لا يتوافق مع الوقت القصير الذي شغلته واقعة الطف، وتحديدا الوقت الذي يخرج فيهالمقاتل للمبارزة، فضلاً عن ذلك أنَّ هؤلاء المائتين الذين قتلهم علي الأكبر من المؤكَّد أنَّهم كانوا من الجنود العسكريين والفرسان المدرَّبين، فكيف يتمُّ قتلهم بهذه السرعة؟

وفضلاً عن ذلك أنَّ الرواية لم تُسَمِّ ولو جزءاً بسيطاً من هذا العدد، وكيف تمَّ إحصاؤهم وحسابهم؟ ومن الذي قام بذلك؟ كلُّ هذه الإشكالات والأسئلة تجعل هذه الرواية ونظائرها من الروايات المشكوك بها والضعيفة.


1) المصدر نفسه: ج2، ص35.

المبحث الثاني: دراسة تحليلية للمتون الروائية لكتب المقتل الحسيني خلال القرن السابع الهجري

اشارة

يتناول هذا المبحث كتب المقاتل التي برزت خلال القرن السابع الهجري التي وصلتنا، لكون العديد من كتب المقاتل قد فُقِدت في هذه الحقبة، كما بيَّنا ذلك في الفصل الثاني من هذه الأطروحة، ولم يصلنا عن هذه المدة الزمنية إلا ثلاثة مقاتل مطبوعة هي:

1- (دُرَر ُالسِّمط في خبر السِّبط) لابن الأبار القضاعي

اشارة

يُعدُّ كتاب ابن الأبار (دُرَرُ السِّمط) من الكتب المهمة التي تطرَّقت لمأساة المقتل الحسيني؛ لكونها احتوت على أخبار وروايات عن المقتل، فقد صُنِّف الكتاب بأسلوب أدبي رفيع؛ لأنَّه أخرج الروايات التاريخية بقالب أدبي نثري، ولعلَّ في اطار تصنيف كتب المقاتل يُعدُّ الأسبق من الناحية الزمنية بحدود دراستنا.

أولاً: سبب تأليف الكتاب

لم يصرِّح المؤلِّف في مقدمة كتابه عن سبب تأليف مصنَّفه هذا، وإنَّما أشار في خاتمة الكتاب إلى ذلك بقوله: «وهذا التأمين عما في الضمير يبين، ورُبَّ لسان أشفى من سَنان، ومقولٍ أمضى من مفصَّل، إلى علمك المحيط أكل صفاءه، وعلى فضلك البسيط أقف رجاءه، فأكرمْه اللهم بقبولك، ولا تحرمه شفاعة رسولك، واجعله لي بين يديك حجة لا تُدحَض،وحسنة لديك تمحو سيئاتي وترحض حتى أنعم في دار القرار، بمجاورة الأبرار، ولا أندم يوم السؤال على الإعلان والإسرار. إنَّك ذو الصفح

الجميل، والمنح الجزيل...»((1)).

من خلال هذا النصِّ يُستشَفُّ أنَّ سبب التأليف كان ذا طابع ديني عقائدي بحت، ولم يُشر المؤلِّف إلى سبب آخر، ولعلَّ طبيعة الكتاب تفصح عن ذلك من حيث حجمه وأسلوب كتابته وطرحه للروايات والأخبار على إنّ دافع التأليف ديني، إلا أنَّ أحد الباحثين أشار إلى أسباب أخرى قد دفعتْ ابن الأبار إلى التأليف، منها:إنَّه أراد من خلاله إظهار مظلومية أهل البيت، والنقص الذي اعترى مصنَّفات من سبقه من أهل المغرب والأندلس عن التأليف في هذا الموضوع، ومآخذه على مناهج بعضهم سبباً آخر لتأليفه، وأخيراً فإنَّ الدافع العلمي من جملة الأسباب المهمة التي تركت أثرها في التأليف((2)).

ثانياً: منهج المؤلِّف

اتبع ابن الأبار منهجاً خاصاً في تأليف كتابه هذا؛ إذ قسَّمه على فصول قصيرة متتابعة الواحد تلو الآخر بأسلوب أدبي رفيع، والكتاب من حيث تقويمه وترتيبه وأسلوبه يُعدُّ كتاباً نثرياً أدبياً فنياً، لكنَّه يركِّز حول قضية تاريخية (مقتل الإمام الحسين(علیه السلام))، ومن هنا جاء الكتاب متميزاً بخصيصتين: الأولى الروايات والأخبار التاريخية، والثانية التعبير الأدبي المؤثِّر وقد مزج المؤلِّف الروايات التاريخية بالعاطفة الجيّاشة في مجمل فصوله.

ولئن لم يكن الكتاب من حيث موضوعه وفكرته بدعاً من الآثار الأندلسية فإنَّهمتميز من حيث طريقة عرضه، ومستقلٌّ بأسلوبه وصياغته، خاصة من حيث الشحنة العاطفية الغامرة التي غلبت على جوانبه وفصوله.


1) ابن الابار، درر السمط: ص126.

2) الطوكي، جهود ابن الأبار: ص160.

ثالثاً: محتوى الكتاب

يتألَّف الكتاب على صغر حجمه من مقدِّمة، وأربعين فصلاً، والمقدِّمة قصيرة مهمَّتها ربط الكلام بالفصل الأول الذي تتلوه الفصول الأخرى، دون مشقَّة في تتابع وتسلسل الفصول، وعنوان (الفصل) الذي يفصل فقرة عن أخرى هو لتنبيه القارئ بانتقال المؤلِّف من جانب من جوانب الموضوع إلى آخر جديد، فكأنَّها حلقات متسلسلة متواصلة متناسقة.

خصَّص المؤلِّف من الفصل الأول إلى الفصل العشرين لعرض الأحداث السياسية والدينية والإجتماعية الخاصة بعصر الرسالة، مركِّزاً على أثر كلٍّ من الإمام علي بن أبي طالب(علیه السلام) والسيدة خديجة بنت خويلد زوج الرسول(صلی الله علیه و آله) في بعض الأحداث التي عرضها، كما أشار إلى المبعث النبوي والأحداث الخاصة به، وبعدها خصَّص الفصل العشرين للحديث عن صلح الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب(علیه السلام) والمؤامرة التي تعرَّض لها من قبل زوجته جعدة بنت الأشعث والتي أدَّت إلى استشهاده(علیه السلام)((1)).

ووفق تقسيم المؤلِّف وترتيبه خصَّص لحادثة مقتل الإمام الحسين(علیه السلام) تسعة عشر فصلاً، تبتدئ من من الفصل الحادي والعشرين إلى الفصل الأخير، وهو الأربعون، مستعرضاً فيها وبشكل مقتضب بعض مقدِّمات المقتل من قبيل قدوم مسلم بن عقيل(علیه السلام) إلى الكوفة ومقتله فيها مع هانئ بن عروة، ثم ينتقل بشكل سريع مهملاً المواقع الجغرافية التي سلكها الركب الحسيني، لينتقل مباشرةإلى كربلاء موطن الحدث والشهادة، ويستعرض أحداث العاشر من المحرم، بعدها


1) ابن الأبار، درر السمط: ص63-90.

يتطرَّق إلى السبي والأسر في الكوفة والشام بشكل مقتضب((1)).

إنّ مجمل عبارات الكتاب ذات تأثير بليغ في النفوس بسبب قوة العبارة ورصانتها وبلاغتها، ولكونها تحاكي العاطفة والوجدان، مثال ذلك: وصفه لما جرى يوم العاشر من المحرم، بقوله: «عاشر المحرم أُبِيحت الحرمات، وأفيضت على النور الظلمات. فتفاقم الحادث، وحمل على الطيبين الأخابث. وضرب السبط على عاتقه ويسراه، وما أجرأ من أسال دمه وأجراه! ثم قُتِل بعقب ذلك ذبحا، يبكى حتى العاديات ضبحا. أجزاء حائلة الحلى، وأشلاء كرمن على البلى، ومال الغواة على المتاع والثياب، ونازعوا النساء ما عليهن في النهاب، إلى خدود خدوها، وقدود قدوها، ومحارم استحلوها وانتهكوها، وأكارم أبقوا جثثهم وتركوها...»((2)).

لقد أبدع المؤلف في وصف حالات الأسر والسبي التي تعرَّض لها أهل البيت بقوله: «وهب الرجال تُجَزُّ رؤوسهم وتبيد نفوسهم... لا ينقضي العجب من يزيد، يعير عبيد الله حملهن على الأقتاب مسافرات، ويقعد هو وبطانته لرؤيتهن سافرات، بعد أن بعث بالرأس للبعيد والقريب، وعبث في قرع الأسنان بالقضيب أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ((3))»((4)).

ومن الملاحظ أنّ المؤلِّف استرسل في جميع فصول كتابه على هذا النمط من التعبير والأسلوب، موظِّفاً معلوماته الأدبية والتاريخية في طرح فصوله ورفدهاوصياغتها، ليخرجها بإطار نثري ممزوج بألوان من الشعر والأمثال والحكم والتاريخ.


1) المصدر نفسه: ص91-126.

2) ابن الأبار، درر السمط: ص106.

3) البقرة: آية44.

4) ابن الأبار، درر السمط: ص111.

رابعاً: التوظيف القرآني

وظَّف ابن الأبار في العديد من المناسبات والأحداث التي درسها بعض الآيات القرآنية، وقد جاءت تلك الآيات منسجمة مع الحادثة التي وصفها أو قريبة منها، ولعلَّ المؤلِّف في طرحه هذا يريد من المقارنة التاريخية بين الأحداث التي يدوِّنها في مؤلَّفه هذا وبين والأحداث التي دوَّنها القرآن الكريم، منها: مقارنته(رحمة الله) بين أهل مصر وأهل الكوفة في غفلتهم، فأهل مصر قد دخل عليهم النبي موسى(علیه السلام) وهم في شغل وغفلة عنه، كما صرَّحت بذلك جملة من التفاسير((1))، وأهل الكوفة كذلك قد دخل عليهم الوالي عبيد الله بن زياد وهم لم يعرفوه، وإنمَّا تصوَّروه الإمام الحسين(علیه السلام) وهم في غفلة عن ذلك، هذه المقارنة بين هذين الحدثين التاريخيين قد وظَّفهما ابن الأبار((2)) حينما وجد لهما وصفاً دقيقاً في القرآن الكريم لقوله تعالى: «وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا»((3)).

واستدلَّ ابن الأبار((4)) بالآية القرآنية: («لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ»((5))، بشكل جيد، وفي المكان المناسب؛ إذ كان سبب توظيفها لردِّه على مزاعم يزيد بن معاوية في تبرئة شخصه، و تحميل واليه عبيد الله بن زياد مسؤوليةقتل الإمام الحسين(علیه السلام).


1) الطبري، جامع البيان: ج20، ص53-55؛ الرضي، حقائق التأويل: ص186؛ ابو حيان الاندلسي، تفسير البحر المحيط: ج7، ص104؛ الطريحي، غريب القران: ص473.

2) درر السمط: ص97.

3) القصص: آية15.

4) درر السمط: ص111.

5) المؤمنون: آية100-101.

وعلَّل ابن الأبار((1)) استناداً إلى القرآن الكريم سبب إقدام الأعداء على حرب الإمام الحسين(علیه السلام) وبكافة الأشكال والأساليب لقوله تعالى: «إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا»((2)).

خامساً: الشمول الزماني والمكاني

من الملاحظ أنَّ ابن الأبار لم يتناول بشكل واسع المساحة الزمانية والمكانية للمقتل، بل تناول إشارات سريعة مرَّ عليها مرور الكرام، ولعلَّ أسلوب ومنهج المؤلِّف قد فرضا عليه ذلك.

سادساً: التعليل التأريخي

لم نجد حالات تعليلية للروايات عند ابن الأبار سوى تلك التي تتعلَّق بالمقارنة بين سياسة يزيد بن معاوية وسياسة عبد الملك بن مروان؛ إذ علَّل ابن الأبار((3)) سبب تجنُّب عبد الملك بن مروان لدماء أهل البيت واحترامهم على حدِّ تعبير المؤلِّف لسلب الملك والحكم، وهو الولوغ في دماء أهل البيت؛ لذا تجنَّبها عبد الملك.

وإضافة إلى ذلك فإنَّه أضفى نوعاً من الصفة القبلية على مقتل الإمام(علیه السلام) من كونه حمَّل عمر بن سعد مسؤولية مقتله(علیه السلام) وذلك بقوله: «وقبل قتل مسلم حرص على ملمح بخبره معلم، فأسرَّ إلى ابن سعد بن أبي وقاص مقدم الحسين في الخيول القلاص، رجاء أن يرجع أدراجه،ويدفع إلى موقفه استدراجه. فباح لعبيد الله بذلك، وارتاح لإشعاره بما هنالك، وقد أمره بالكتمان، وحذَّره خون الإئتمان. فمن أجلها أخرجه لقتاله، وجهَّزه في أربعة آلاف من رجاله... ثم كن بالقرابة شديد الإسترابة،


1) درر السمط: ص107.

2) الانسان: آية27.

3) درر السمط: ص118.

فالمدخر الشفيق لا الشقيق، والمعتبر الوداد لا الولاد... هذا ابن الرسول قتله ابن خاله، وحال في حفظ العهد عن حاله...»((1)).

وفي الحقيقة نحن لا نتفق مع هذا النصِّ الذي يحاول أن يصوِّر النهضة الحسينية بأنَّها نزاع قبلي بين الأقارب، لكون الملحمة الحسينية مشروعاً إلهياً رسم طريق الحرية والعدالة ضدَّ كلِّ مظاهر التخلُّف والظلم السياسي والإجتماعي والديني والإقتصادي، ومن ثَمَّ فإنَّ نهضته(علیه السلام) هي نزاع وصراع بين الحقِّ والباطل وبين العدل والظلم؛ لكون مشروع الإمام الحسين(علیه السلام) يرمي إلى إصلاح أوضاع المجتمع وإنتشاله من حالة الركون والتخلف إلى الإصلاح والتغيير، لا كما يُصوَّر بأنَّه صراع قبلي.

سابعاً: التوظيف الشعري في المقتل

نجد أنّ ابن الأبار قد وظَّف العديد من الأبيات الشعرية واستشهد بها؛ لأجل توصيف وتقريب الأحداث التاريخية التي سردها في مؤلَّفه هذا، والتي تدلُّ على امتلاكه ثقافة واسعة في الجانب الأدبي والتاريخي، إلا أنَّه لم يُشِر إلى مصادر تلك الأبيات، ومنها التي أوردها بخصوص مقتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة، والتي منها:

إن كنتِ لا تدرينَ ما الموتُ فانظري *** إلى هانئ في السوق وابنِ عقيلِ

تَرَي جسداً قد غيَّر الموتُ لونَه *** ونضحَ دمٍ قد سال كلَّ مسيلِ((2)).


1) المصدر نفسه: ص97.

2) ابن الابار، درر السمط: ص97؛ والبيتان للشاعر عبد الله بن الزبير الاسدي، وقيل للشاعر الفرزدق، ينظر، الجوهري، الصحاح: ج2، ص726؛ البلاذري، انساب الاشراف: ج2، 83؛ ابن الاثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص36.

وكذلك استشهاده بالبيت الشعري للشاعر سليمان بن قتة((1)) الذي وصف حالة الذلِّ التي أصابت المسلمين باستشهاد الإمام الحسين(علیه السلام) بقوله:

وإنَّ قتيلَ الطفِّ من آل هاشمٍ *** أذلَّ رقاب المسلمين فذلَّتِ((2)).

وفي الختام:فإنّ ابن الأبار في روايته للمقتل اتَّبع الرواية التقليدية التي أوردتها كتب المقاتل التي تطرَّقنا إليها، ومجمل المصادر الأخرى التي تعرَّضت للمقتل، باستثناء بعض الإشارات التي أوردها منها تعليلهُ لسبب خروج الإمام الحسين(علیه السلام) أنَّه كان بدافع مكاتبة أهل الكوفة له((3))، وفي الحقيقة فإنّ هذا الرأي يتعارض مع العديد من الحقائق والتي منها أنّ خروجه(علیه السلام)، وإعلان رفضه للظلم، وللمنهج الأموي قد سبق - من الناحية الزمنية - مكاتبة أهل الكوفة له.

2- (اللهوف في قتلى الطفوف) لابن طاووس

اشارة

من خلال دراسة المقتل لابن طاووس وجدنا بعض المعالم المنهجية التاريخية التي طبَّقها في منهجه التاريخي من ناحية إيراده للروايات المنفردة، أو بيانه لبعض الأحداث، فضلاً عن اعتماده بشكل كبير على أقوال أئمة أهل البيت(علیهم السلام)، وإعطاء تعليل تاريخي منطقي لبعض الأخبار التي تستوجب التحليل والتفسير، وغيرها من المعالم المنهجية التي وظَّفها والتي تنمُّ على امتلاكه شروط المؤرخ التاريخي وقدرته على تطبيق المنهج التاريخي، وتوظيفه في إيراد وسرد روايات وأخبار المقتل، والتي


1) سليمان بن قتة، وقتة أُمُّه، مولى بنى تميم من أهل البصرة، كان شاعراً، روى عن أبي سعيد الخدري، وابن عباس، وعمرو ابن العاص، ابن قتيبة، المعارف، ص487؛ أبي حاتم الرازي، الجرح والتعديل: ج4، ص136؛ ابن حبان، الثقات: ج4، ص311.

2) البيت الشعري، لسليمان بن قتة، ينظر، ابن عبد البر، الاستيعاب: ج1، ص394؛ ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج14، ص259؛ الذهبي، سير اعلام النبلاء: ج3، ص318.

3) ابن الابار، درر السمط: ص95.

سنتناولها بشئ من التفصيل خلال هذا الفصل:

أولاً: السبب في تأليف المقتل

أوضح ابن طاووس في مقدمته سبب تأليفه بقوله: «إنَّ من أجَلِّ البواعث لنا على سلوك هذا الكتاب، أنَّني لما جمعت كتاب مصباح الزائر وجناح المسافر، ورأيته قد احتوى على أقطار محاسن الزيارات، ومختار أعمال تلك الأوقات فحامله مستغن عن نقل مصباح لذلك الوقت الشريف، أو حمل مزار كبير أو لطيف، أحببت أيضاً أن يكون حامله مستغنيا عن نقل مقتل في زيارة عاشوراء إلى مشهد الحسين(علیه السلام) فوضعت هذا الكتاب؛ ليُضَمَّ إليه، وقد جمعت هاهنا ما يصلح لضيق وقت الزوّار، وعدلت عن الإطالة والإكثار وفيه غنية لفتح أبواب الأشجان، وبغية لنجح أرباب الإيمان، فإنَّنا وضعنا في أجساد مغناه روح ما يليق بمعناه، وقد ترجمته ب-:كتاب اللهوف على قتلى الطفوف»((1)).

من خلال هذا النصِّ تتضح دوافع التأليف ومنها: الباعث العقائدي هوالدافعالأساس في تصنيف وتأليف هذا المقتل، كما أنّ الإختصار الشديد هو السِّمة البارزة في سرد روايات هذا المقتل؛ ليسهل حملهُ من ناحية الحجم - لاسيما إذا عرفنا أنَّ السفر في ذلك الوقت صعب ويتطلب عناءً كبيراً - فضلاً عن قراءته وتحديداً في العاشر من المحرم على حدِّ تعبيره.

ثانياً: خطَّة تصنيف المقتل

من الملاحظ أنّ ابن طاووس اعتمد منهجاً تاريخياً في تقسيم مادته العلمية الخاصة بالمقتل، حيث قسَّمه على أساس المسالك؛ إذ تضمَّن المسلك الأول: الأمور


1) اللهوف: ص11.

المتقدِّمة على القتال والتي هي ولادة الإمام الحسين(علیه السلام)، وأخذ البيعة منه، وكتب أهل الكوفة له، وخبر مسلم وهانئ ومقتلهما، وخروج الحسين(علیه السلام) من مكة وصولاً إلى كربلاء((1)).

على حين خصَّص المسلك الثاني: لمقتل الإمام الحسين(علیه السلام) وأهل بيته وأصحابه الأبرار((2))، فيما كرَّس المسلك الثالث والأخير: على تناول أوضاع الأسرى والسبايا من آل الحسين(علیه السلام) وخطبهم في الكوفة، ومن ثَمَّ في بلاد الشام أيضاً((3)).

1- الشمول الزماني والمكاني للمقتل

على الرغم من صغر حجم المقتل - والذي يقع بحدود مائة وخمس عشرة صفحة - إلّا أنَّه تنوَّع في ذكره الأحداث مع الإختصار الشديد؛ فقد ذكر مقدِّمات المقتل السياسية في المدينة المنورة، وبعدها تطرَّق إلى العراق والأحداث التي وقعت فيه، ثمانتقل إلى الشام واستعرض الأحوال التي مرَّ بها الأسرى والسبايا من آل محمد(صلی الله علیه و آله).

2- التوثيق التاريخي لابن طاووس

لعلَّ أهمَّ صفة يتصف بها المؤرخ هي صفة التوثيق التاريخي، والذي نلاحظه عند ابن طاووس أنَّه اعتمد في بعض رواياته على جملة من المصادر((4)) إلا أنّ هناك العديد من الروايات لم يذكر فيها المصادر التي اعتمدها، وإنَّما استعمل عبارات وألفاظاً مجهولة من قبيل: قال «الراوي أو ورُوي»((5))، مما تشكِّل نقطة ضعف في


1) ابن طاووس، اللهوف: ص12-49.

2) المصدر نفسه: ص52-72.

3) المصدر نفسه: ص86-116.

4) أشرنا بشكل مفصل إلى موارد ابن طاووس في الفصل الثالث من هذه الدراسة.

5) ابن طاووس، اللهوف: ص33، 37، 43، 45، 47، 48، 52، 53، 54، 73، 75.

منهجيته، على الرغم من أنّ أغلب الروايات التي أوردها بهذه الطريقة هي ضمن الروايات التقليدية التي روتها المصادر التاريخية التي سبقته زمنياً.

3- النقد والتحليل عند ابن طاووس

لم يتعرَّض مؤلِّفنا هذا لنقد وتحليل رواياته التاريخية، إلا في حالات محدودة، منها رواية الإمام الحسين(علیه السلام) وعلمه لما يؤول إليه مشروعه الإصلاحي ونهايته بقوله: «والذي تحقَّقناه أنَّ الحسين(علیه السلام) كان عالماً بما انتهت حاله إليه، وكان تكليفه ما اعتمد عليه»((1)).

بعد أن أورد المحاورة التي جرت بين الإمام الحسين(علیه السلام) وأخيه محمد بن الحنفية ذكر بعدها مباشرة رواية نقلها من الكليني تبيِّن موقف الإمام(علیه السلام) من المتخلِّفين عن الركب الحسيني والتي نصُّها: «عن حمزة بنحمران((2)) قال ذكرنا خروج الحسين(علیه السلام) وتخلُّف ابن الحنفية عنه، فقال أبو عبد الله(علیه السلام) ياحمزة إني سأحدِّثك بحديث لا تسأل عنه بعد مجلسنا هذا، إنَّ الحسين(علیه السلام) لما فصل متوجهاً أمر بقرطاس، وكتب بسم الله الرحمن الرحيم - من الحسين بن علي إلى بنى هاشم. أما بعد فإنَّه من لحق بي منكم استُشهِد، ومن تخلَّف عنى لم يبلغ الفتح والسلام»((3)).

ومن خلال عرض ابن طاووس للروايتين الخاصتين بابن الحنفية لا سيما الرواية الثانية، نجد أنَّه قد حمَّل محمد بن الحنفية جزءاً من تخلُّفه عن الإلتحاق بالركب الحسيني، وأنَّه لم يبلغ الفتح، وأنَّ ابن طاووس كان معتقداً بذلك، أي كون ابن


1) المصدر نفسه: ص18.

2) حمزة بن حمران بن أعين، مولى بني الشيباني، الكوفي، من جملة أصحاب الامامين محمد الباقر وجعفر الصادق(علیها السلام) النجاشي، رجال: ص140؛ الطوسي، رجال: ص132، 190؛ ابن شهر آشوب، معالم العلماء: ص81.

3) ابن طاووس، اللهوف: ص41.

الحنفية قد تخلَّف عن الركب لسبب أو لآخر.

كما نجد تعليلاً آخر له في بيان السبب الذي دفع الإمام الحسين(علیه السلام) لحمل عياله ونسائه معه بقوله: «ومما يمكن أن يكون سبباً لحمل الحسين(علیه السلام) لحرمه وعياله؛ إنَّه لو تركهنَّ(علیه السلام) بالحجاز أو غيرها من البلاد كان يزيد ابن معاوية عليهما لعائن الله قد أنفذ ليأخذهنَّ إليه وصنع بهن من الاستيصال وسيئ الأعمال ما يمنع الحسين(علیه السلام) من الجهاد والشهادة، ويمتنع(علیه السلام) بأخذيزيد بن معاوية لهنَّ عن مقامات السعادة»((1)).

يتضح لنا من هذا النصِّ بأنَّ الإمام الحسين(علیه السلام) بخروجه إلى الكوفة ومعرفته المطلقة بقتله وسبي عياله ونسائه، أراد إثبات الحجة على الذين يقاتلونه ممن يدَّعون الإسلام، لذلك أراد أن يعلمهم بأنَّ الذي يقاتلونه هو ابن بنت رسول الله (صلی الله علیه و آله) وأنَّ هؤلاء الحرم والعيال هم حرم رسول الله(صلی الله علیه و آله) وعياله. وفي حمل الإمام الحسين(علیه السلام) لحرمه وعياله مغزى آخر، وهو معرفته بسبي ذراريه ودخولهم إلى الكوفة والشام، وإنَّ ذلك سوف يشكِّل حملة دعائية كبيرة ضدَّ حكم يزيد، وتوعية المسلمين ضدَّ حكم هذا الطاغية، وتعريفهم بأعماله التي كانت تغيب عنهم، إضافة إلى ذلك تأجيج الرأي العام للمسلمين ضدَّ حكم يزيد، ولو لم يأخذ الإمام الحسين(علیه السلام) معه حرمه وعياله لأثار الأمويون ضدَّه دعاية: بأنَّهم من الخوارج كما روّجوا لهذه الفكرة أو من قطّاع الطرق، أو اللصوص الذين قضى عليهم جيش الخلافة في الكوفة، وعندها تذهب شهادة الإمام الحسين(علیه السلام) وأصحابه دون أن تعطي ثمارها ونتائجها التي خطَّط لها.

وتعزيزاً لهذا التحليل الصائب لفكر الإمام الحسين(علیه السلام) البعيد المدى، نورد تحليلاً معاصراً واستنتاجاً قيِّماً قدَّمته إحدى الباحثات عن هذا الموقف قائلة: «إنَّ الرؤيا


1) المصدر نفسه: ص51.

العميقة والتحليل الدقيق، أوجب على الإمام الحسين(علیه السلام) أن يصطحب هؤلاء النسوة معه، وذلك لدورهنَّ في كشف الحقائق، التي ستبرز على أرض الواقع؛ لأنَّ الإمام الحسين(علیه السلام) بخبرته يعرف أنَّ السياسة الأموية ستتنكَّر لتلك الجريمة التي سترتكبهابحقِّه، وأنَّها ستُسجَّل ضدَّ مجهول، بعد أن تمهِّد لذلك بالدعاية، كما أنَّ بقاء سيدات البيت العلوي في المدينة سيصبحن في قبضة السلطة الأموية، وبذلك ستكون ورقة ضغط ومساومة عليه حيث لا يستسلم لضغطهم، أو ستبقى حرمه في حوزتهم، وهذا غير مستبعد من الأمويين، لأنَّ مؤسس دولتهم معاوية استخدم هذا الأسلوب مع المنكرين له، ومنهم عمرو بن الحمق الخزاعي الذي سُجنت زوجته لمدة سنتين وحتى قُبِض عليه وقُطِع رأسه، وزُجَّ إليها وهي في السجن»((1))

نستنتج من خلال هذا النصِّ أنّ لابن طاووس بُعد نظر تاريخي، وله قدرة تحليلية مميزة، بحيث علَّل سبب حمل الإمام الحسين(علیه السلام) عياله معه لكيلا يستعملهم يزيد بن معاوية كورقة ضغط ضدَّ الامام(علیه السلام) مما يؤثِّر على حركته ومشروعه الإصلاحي على حدِّ تعبيره.

4- الروايات المنفردة عند ابن طاووس
اشارة

انفرد ابن طاووس بعدد من الروايات والأخبار الخاصة بالمقتل الحسيني، وحيثياته التي لا ذكر لها في المصادر التي تعرَّضت لسرد المقتل ومنها:

أ- رواية خطبة الإمام الحسين(علیه السلام) بأصحابه: «جلس الحسين(علیه السلام) فرقد ثم استيقظ، فقال: يا أختاه إني رأيت الساعة جدي محمد اًوأبى علياً وأمي فاطمة الزهراء وأخي الحسن، وهم يقولون:يا حسين إنَّك رائح إلينا عن قريب قال الراوي: فلطمت زينب وجهها وصاحت وبكت، فقال لها الحسين: مهلاً لا تشمتي القوم بنا، ثم جاء الليل


1) الكرد، أثر المرأة العلوية في أحداث العصر الأموي: ص57.

فجمع الحسين(علیه السلام) أصحابه فحمد الله وأثنى عليه، ثم أقبل عليهم فقال: أمّا بعدُ. فإنِّي لا أعلم أصحابا أصلح منكم ولا أهل بيت أبرَّ، ولا أفضل من أهل بيتي، فجزاكم الله جميعا عني خيراً، وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا وليأخذ كلُّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، وتفرَّقوا في سواد هذا الليل، وذروني وهؤلاء القوم فإنَّهم لا يريدون غيري»((1)).

أورد ابن طاووس هذه الرواية كما ذكرتها العديد من المصادر، وعند مقارنتها مع المصادر الأخرى((2)) وجدنا فيها بعض الإختلاف؛ لأنَّ ابن طاووس أضاف بعض المقاطع الروائية التي لا أصل لها في المصادر التاريخية التي سبقته من الناحية الزمنية، مما يدلُّ على أنّ ابن طاووس قد زاد في هذه الرواية عن رواية الأصل، وتكمن الزيادة في الرواية بعدِّة فقرات منها:إنّ المصادر التي تعرَّضت لهذه الرواية لم تحدِّد بأنّ السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب(علیه السلام) هي التي خاطبها الإمام الحسين(علیه السلام)، وإنَّما أشارت إلى عبارة (أخته) دون أنْ تسميها أو تعرّفها، بينما حدَّدتها رواية ابن طاووس من كونها السيدة زينب(علیها السلام).

أمّا المقطع الروائي الذي أضافه ابن طاووس إلى هذه الرواية فهوقول الإمام الحسين(علیه السلام) للسيدة زينب(علیها السلام) حينما أقدمت على لطم وجهها والبكاء: «مهلا لا تشمتي القوم بنا...»، فهذا المقطع لا يوجد في المصادر التيأشرنا إليها والتي ذكرت تلك الرواية، وإنما أضافها ابن طاووس في روايته بحسب اطلاعنا.

أمّا هذا المقطع الذي أورده ابن طاووس عن الرواية الأصل، فنحن لا نتوقع


1) ابن طاووس، اللهوف: ص55.

2) الطبري، تاريخ: ج4، 315؛ المفيد، الارشاد: ج2، ص90؛ ابن الجوزي، المنتظم: ج5، ص337؛ الطبرسي، اعلام الورى: ج1، ص454؛ ابن الاثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص56.

صدوره عن الإمام بحقِّ أخته السيدة زينب(علیها السلام)؛ لعدة اعتبارات، منها:إنَّ الإمام الحسين(علیه السلام) لا يهمه رأي القوم وشماتتهم، أيْ لا يجعل للإعتبار الإجتماعي وزناً في مقابل الإعتبار الإلهي، كما من غير المعقول أنْ يجعل الإمام الحسين(علیه السلام) في حسبانه شماتة الأعداء به وأنَّه يحاول أنْ لا يبين لهم ذلك، فضلاً عن ذلك فإنّ هذا القول لايتلاءم إطلاقاً مع مقام السيدة زينب(علیها السلام)، وهي التي قال بحقِّها الإمام زين العابدين علي بن الحسين(علیه السلام) «وأنت بحمد الله عالمة غير معلَّمة، فهِمَة غير مُفَهَّمة...»((1))، أضف إلى ذلك بأنَّ تلك الزيادة من إضافات ابن طاووس، إذ لم توردها المصادر التي أشرنا إليها، ومن ثَمَّ تُعدُّ ساقطة تاريخياً، ومخالفة لأخلاق وسيرة كلٍّ من الإمام الحسين(علیه السلام) وأخته السيدة زينب(علیها السلام).

ب - رواية امرأة من بني بكر بن وائل: «وروى حميد بن مسلم قال: رأيت امرأة من بنى بكر بن وائل كانت مع زوجها في أصحاب عمر بن سعد، فلما رأت القوم قد اقتحموا على نساء الحسين وفسطاطهن، وهم يسلبونهنَّ أخذت سيفا وأقبلت نحو الفسطاط، وقالت: يا آل بكر بن وائل أُتسلَب بنات رسول الله(صلی الله علیه و آله) لا حكم إلا لله يا لثاراترسول الله(صلی الله علیه و آله) فأخذها زوجها وردَّها إلى رحله»((2)).

من خلال هذه الرواية التي انفرد فيها ابن طاووس وفق اطلاعنا عليها هي مجهولة المصدر عنده، من وجود نساء في معسكر الجيش الأموي، أو أن بعض العناصر العسكرية كانوا يصحبون معهم نساءهم.

ج - رواية أخرى عن أصحاب الإمام الحسين(علیه السلام): «وبات الحسين وأصحابه تلك


1) الطبرسي، الاحتجاج: ج2، ص31؛ العلوي العمري، المجدي في انساب الطالبيين: ص48؛ المجلسي، بحار الانوار: ج45، ص164.

2) ابن طاووس، اللهوف: ص78.

الليلة، أي ليلة العاشر من محرم.. ولهم دويٌّ كدويِّ النحل ما بين راكع وساجد وقائم وقاعد، فعبر إليهم في تلك الليلة من معسكر عمر بن سعد اثنان وثلاثون رجلاً»((1)). يجب أن نتعامل مع هذه الرواية بحذر ونظر وتحقيق؛ وذلك لعدم ذكرها في مصادرنا التاريخية المتوافرة لدينا.

ت - رواية حال الأسرى والسبايا في الكوفة: «قال الراوي: فأشرفت امرأة من الكوفيات، فقالت:من أيِّ الأسارى أنتنَّ؟ فقلن نحن أسارى آل محمد فنزلت المرأة من سطحها فجمعت لهنَّ مُلاءً وأُزُراً ومقانع وأعطتهنَّ فتغطينَ. قال الراوي: وكان مع النساء علي بن الحسين(علیه السلام) قد نهكته العلَّة والحسن بن الحسن المثنى وكان قد واسى عمَّه وإمامه في الصر على ضرب السيوف وطعن الرماح وإنما أُرتَثَّ وقد أُثخِن بالجراح. وروى مصنِّف كتاب المصابيح أنَّ الحسن بن الحسن المثنى قتل بين يدي عمِّه الحسين(علیه السلام) في ذلك اليوم سبع عشرة نفساً، وأصابه ثماني عشرة جراحة فوقع، فأخذه خاله أسماء بن خارجة فحمله إلى الكوفة، وداواه حتى برأ وحمله إلى المدينة، وكان معهم أيضاً زيدوعمر ولدا الحسن السبط(علیه السلام) فجعل أهل الكوفة ينوحون ويبكون. فقال علي بن الحسين(علیه السلام): تنوحون وتبكون من أجلنا فمن ذا الذي قتلنا؟ قال بشير بن خزيم الأسدي: ونظرت إلى زينب بنت على يومئذ ولم أرَ خَفِرة والله أنطق منها كأنَّها تفرغ من لسان أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب(علیه السلام)، وقد أومأت إلى الناس أن اسكتوا فارتدَّت الأنفاس وسكنت الأجراس ثم قالت: الحمد الله والصلاة على أبي محمد وآله الطيبين الأخيار. أمّا بعدُ: يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والغدر، أتبكون؟ فلا رقأت الدمعة ولا هدأت الرنَّة إنَّما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثا...»((2)).


1) المصدر نفسه: ص41.

2) المصدر نفسه: ص86-87.

وقبل الخوض في مناقشة هذه الرواية لا بدَّ من الإشارة إلى أنّ مصدرها مجهول، ولا تحتوي على سند روائي، ولم يشخِّص لنا ابن طاووس مَنْ هذا الراوي الذي أورد هذه الرواية؟ الأمر الذي يجعلها من ناحية السند ضعيفة ومشكوكاً فيها.

وبهذا الشكل صوَّر ابن طاووس دخول الأسارى إلى الكوفة والأحداث التي رافقت عملية دخولهم للكوفة كما هو مذكور في الرواية أعلاه، ولكن بعد مراجعتنا لجملة من المصادر التي تصدَّت لهذه الحادثة وجدنا فيها اختلافاً شديداً بين تلك الرواية التي أوردتها المصادر وبين رواية ابن طاووس، ومنها يتضح مقدار الإضافة والزيادة في رواية ابن طاووس، ونذكرها كالاتي:

- رواية أحمد بن محمد ابن الفقيه الهمذاني (ت340ﻫ/942م)

أورد ابن الفقيه تلك الحادثة ونصُّها: «وقال جرير بن سيير((1)): قدمت الكوفة وقد انصرف علي بن الحسين من كربلاء، فرأيت نساء أهل الكوفة يلتدمنَ مُهتَّكات الجيوب. فسمعت علي بن الحسين يقول بصوت صبي وقد نهكته العلة: ألا إنّ هؤلاء قتلونا. ورأيت زينب بنت علي(رضی الله عنها) وقد أومأت إلى الناس أن انصتوا. فارتدَّت الأنفاس وسكنت الأجراس، ثم قالت: الحمد لله والصلاة على نبيه. أمّا بعدُ يا أهل الكوفة. يا أهل الختل والخذل. فلا رقأت العبرة ولا هدأت الرنّة. إنَّما مثلكم كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً...»((2)).

- رواية ابن أعثم

وبهذا الصدد قال: «قال: وساق القوم حرم رسول الله(صلی الله علیه و آله) من كربلاء كما تُساق


1) لم نجد ترجمة له في المصادر المتوافرة لدينا.

2) البلدان: ص224.

الأسارى، حتى إذا بلغوا بهم إلى الكوفة خرج الناس إليهم، فجعلوا يبكون وينوحون، قال: وعلي بن الحسين في وقته ذلك قد نهكته العلَّة فجعل يقول: ألا! إنَّ هؤلاء يبكون وينوحون من أجلنا فمن قتلنا؟ قال خزيمة الأسدي: ونظرت إلى زينب بنت علي(رضی الله عنها) يومئذ ولم أرَ خَفِرة قطُّ أفصح منها، كأنَّها تنطق عن لسان أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب(رضی الله عنه)، فأومأت إلى الناس أن اسكتوا! فارتدَّت الأنفاس، ثم قالت: الحمد لله وصلواته على أبي محمد رسول الله وعلى آله الطاهرين الأخيار، أمَّا بعدُ! يا أهل الكوفة! يا أهل الختل والخذلأتبكون؟ فلا رقأت لكم دمعة، إنمَّا مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً...»((1)).

- رواية أبي الفضل أحمد بن أبي طاهر ابن طيفور (ت380ﻫ/982م)

هو الآخر تعرَّض لهذه الحادثة من خلال إيراده لخطب النساء فذكر ما نصُّه: «عن حذام الأسدي، وقال مرة أخرى حذيم قال قدمت الكوفة سنة إحدى وستين وهي السنة التي قُتل فيها الحسين(علیه السلام)، فرأيت نساء أهل الكوفة يومئذ يلتدمنَ مُهتَّكات الجيوب، ورأيت علي بن الحسين(علیه السلام) وهو يقول بصوت ضئيل وقد نحل من المرض: يا أهل الكوفة إنَّكم تبكون علينا فمن قتلنا غيركم؟ ثم ذكر الحديث... عن جعفر بن محمد عن آبائه(علیهم السلام) قال لما أدخل بالنسوة من كربلاء إلى الكوفة كان علي بن الحسين(علیه السلام) ضئيلاً قد نهكته العلَّة ورأيت نساء أهل الكوفة مشقَّقات الجيوب على الحسين بن علي(علیه السلام) فرفع علي بن الحسين بن علي(علیه السلام) رأسه فقال:ألا إنّ هؤلاء يبكين فمن قتلنا؟ ورأيت أمَّ كلثوم(علیها السلام) ولم أرَ خَفِرة والله أنطق منها كأنما تنطق وتفرغ على لسان


1) الفتوح: ج5، ص121.

أميرالمؤمنين(علیه السلام)، وقد أومأت إلى الناس أنْ اسكتوا فلما سكنت الأنفاس وهدأت الأجراس قالت: أبدأ بحمد الله والصلاة والسلام على نبيه أمَّا بعدُ يا أهل الكوفة، ياأهل الختل والخذل ألا فلا رقأت العبرة ولا هدأت الرنَّة إنَّما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا...»((1)).

- رواية أبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي (ت 548ﻫ/1160م)

مانصُّها: «عن حذيم بن شريك((2)) قوله: لما أتى علي بن الحسين زين العابدين بالنسوة من كربلاء، وكان مريضا، وإذا نساء أهل الكوفة ينتدبنَ مشقَّقات الجيوب، والرجال معهنَّ يبكون. فقال زين العابدين(علیه السلام) - بصوت ضئيل وقد نهكته العلة -: إنَّ هؤلاء يبكون علينا فمن قتلنا غيرهم؟ ، فأومت زينب بنت علي بن أبي طالب(علیه السلام) إلى الناس بالسكوت. قال حذيم الأسدي: لم أرَ والله خَفِرة قطُّ أنطق منها، كأنَّها تنطق وتفرغ على لسان علي ع، وقد أشارت إلى الناس بأن انصتوا فارتدَّت الأنفاس وسكنت الأجراس، ثم قالت - بعد حمد الله تعالى والصلاة على رسوله(صلی الله علیه و آله) - أمّا بعدُ يا أهل الكوفة يا أهل الختل والغدر، والخذل!! ألا فلا رقأت العبرة، ولا هدأت الزفرة، إنَّما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها...»((3)).

- رواية يوسف بن حاتم المشغري العاملي (ت 664ﻫ/1266م)

ذكر الحادثة بشكل مقارب للمصادر أعلاه مع العلم أنَّه معاصر لابن طاووس


1) بلاغات النساء: ص24-25.

2) حذيم بن شريك الاسدي، من أصحاب الامام علي بن الحسين(علیه السلام)، الطوسي، رجال: ص113؛ ابن حجر، لسان الميزان: ج2، ص182.

3) الاحتجاج: ج2، ص29.

وكلاهما متوفى سنة (664ﻫ) ونصُّ روايته: «عن حذيم الأسدي، قال: دخلت الكوفة سنة إحدى وستين ورأيت نساء أهل الكوفة يلتدمنَ قائمات، مُهتَّكات الجيوب، وسمعت عليا - يعني علي بن الحسين(علیه السلام) - وهو يقول بصوت ضئيل قد أنحله المرض: وإنكم لتبكون علينا فمن قتلنا غيركم؟! ورأيت زينب بنت علي(علیهما السلام) فلم أرَ والله خَفِرة أنطق منها كأنَّما تنزع عن لسان أبيها، فأومأت إلى الناس أن اسكتوا، فسكتت الأنفاس، وهدأت الأجراس، فقالت: الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على محمد خاتم المرسلين، أمَّا بعدُ يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والخذل، أتبكون؟ فلا سكتت العبرة، ولا هدأت الرنَّة، إنَّما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا...»((1)).

من خلال مقارنة رواية ابن طاووس مع روايات المصادر التي أشرنا إليها آنفاً خلا رواية المشغري العاملي المعاصر له، تكون سابقة لابن طاووس من الناحية الزمنية، وعليه فمن خلال إجراء المقارنة يتضح لنا ما يلي:

أ - إنّ ابن طيفور ذكر أنّ المرأة التي خطبت في الكوفة هي أمُّ كلثوم، على حين أجمعت بقية المصادر التي أوردناها على أنَّها السيدة زينب بنت أميرالمؤمنين(علیه السلام).

ب - يُلاحَظ من خلال المقارنة أنّ رواية ابن طاووس احتوت على إضافات روائية اختلفت عن بقية المصادر المارَّة الذكر من قبيل: «فأشرفت امرأة من الكوفيات، فقالت من أيِّ الأسارى أنتنَّ؟ فقلن:نحن أسارى آل محمد،فنزلت المرأة من سطحها فجمعت لهنَّ ملاءً وأُزراً ومقانع وأعطتهن فتغطين» هذه الرواية أضافها ابن طاووس على أصل الحادثة، ولا وجود لها في المصادر كما بينا ذلك آنفاً، وهل كانت النساء بلا مقانع ولا أزر لكي تعطيهن تلك المرأة ويتغطينَ بهنَّ؟ ثم ألا تُعدُّ


1) الدر النظيم: ص560.

هذه العطية صدقة، والصدقة محرَّمة على أهل البيت؟ إنَّ هذه الأسئلة والإشكالات تجعل هذه الرواية في دائرة الشكِّ والضعف، فضلاً عن عدم ذكرها في المصادر التي تعرَّضت لهذه الحادثة، وإنمَّا أضافها ابن طاووس ولم يذكر لنا مصدرها.

ت - إنّ الرواية التي أوردتها بعض المصادر كما أشرنا لذلك قد سبقت ابن طاووس من الناحية الزمنية، لم تُشِر إلى المرأة الكوفية التي عطفت على سبايا آل محمد(صلی الله علیه و آله) فكيف تمَّ إضافتها ولماذا؟ ومن أين جاء بها ابن طاووس؟

ث - أمّا ورود رواية ابن طاووس في بقية المصادر، فيلاحَظ أنّ بعض المصادر المتأخرة أوردتها بنقلها عن طريق ابن طاووس، أمثال: ابن نما((1)) والمجلسي((2))، وهذا يدلُّ على أنَّ المصدر الوحيد لها هو ابن طاووس.

ت - رواية حامل رأس الحسين(علیه السلام) وكلام أمِّ كلثوم له: أورد ابن طاووس حادثة حمل الرأس الطاهر والأحداث التي رافقته ونصُّ ذلك: «قال الراوي: وسار القوم برأس الحسين ونسائه والأسرى من رجاله فلمّا قربوا من دمشق دنت أُمُّ كلثوم من شمر - وكان من جملتهم - فقالت له: لي إليك حاجة: فقال: ما حاجتك؟ قالت: إذا دخلت بنا البلد فاحملنا فيدرب قليل النظَّارة وتقدِّم إليهم أن يخرجوا هذه الرؤوس من بين المحامل، وينحُّونا عنها؛ فقد خُزِينا من كثرة النظر إلينا ونحن في هذه الحال، فأمر في جواب سؤالها أن يجعل الرؤوس على الرماح في أوساط المحامل؛ بغياً منه وكفراً، وسلك بهم بين النظَّارة على تلك الصفة حتى أتى بهم باب دمشق، فوقفوا على درج باب المسجد الجامع حيث يُقام السبي»((3)).


1) مثير الاحزان: ص66.

2) بحار الانوار: ج45، ص108.

3) اللهوف: ص101.

وبحسب اطِّلاعنا أنّ هذه الرواية قد أختصَّ بها ابن طاووس، بل هي من الروايات التي انفرد بها، وكان كلٌّ من ابن نما((1)) والمجلسي((2)) قد نقلاها عنه، مما يدلِّل على أنّ المصدر الوحيد لها هو ابن طاووس، ولم يُشر ابن طاووس إلى مصدر هذه الرواية وإنَّما اكتفى بقوله: (قال الراوي)، ومن ثَمَّ تكون هذه الرواية من الروايات التي انفرد بها.

5- توظيف أقوال أئمة أهل البيت ومروياتهم في المقتل
اشارة

استند ابن طاووس في العديد من الأخبار وبشكل واسع على أقوال ومرويات أئمة أهل البيت لاسيما وأنّ الذين سبقوه لم يوظِّفوا مرويَّات أهل البيت بمستوى توظيفه واستناده على تلك المرويات إلا في حالات قليلة، ومن ثَمَّ كان لابن طاووس السبق الزمني بهذا المجال؛ أيْ في توظيف أقوال الأئمة ورواياتهم التاريخية في المقتل، وتحديدا في كتب المقاتل الحسينية، ومن أمثلة ذلك:

- أعداد أصحاب الإمام الحسين(علیه السلام)

نجد أنّ ابن طاووس أورد رواية عن الإمام محمد الباقر(علیه السلام) تحدِّد عدد أصحاب الإمام الحسين(علیه السلام)، مع أنَّه أشار إلى وجود روايات أخرى تذكر خلاف العدد الذي حدَّدته الرواية الصادرة عن الإمام الباقر(علیه السلام) بقوله: «فرُوي عن الباقر(علیه السلام) أنَّهم كانوا خمسة وأربعين فارساً ومائة راجل، وروي غير ذلك»((3)).


1) مثير الاحزان: ص77.

2) بحار الانوار: ج45، ص127.

3) اللهوف: ص60.

- الإعجاز الإلهي لنصر الإمام الحسين(علیه السلام)

أورد ابن طاووس رواية صادرة عن الإمام جعفر الصادق(علیه السلام) تشير إلى أنّ التأييد الإلهي لنصر الإمام الحسين(علیه السلام) كان موجوداً ألا أنّ الإمام اختار لقاء الله سبحانه وتعالى عن تحقيق النصر بالإعجاز الالهي، ونصُّ الرواية مع إشارته لقائلها: «فرُوي عن مولانا الصادق(علیه السلام) أنَّه قال: سمعت أبي يقول لما التقى الحسين(علیه السلام) وعمر بن سعد لعنة الله عليه وقامت الحرب أنزل الله تعالى النصر حتى رفرف على رأس الحسين (علیه السلام)، ثم خُيِّر بين النصر على أعدائه وبين لقاء الله، فاختار لقاء الله. رواها أبو طاهر محمد بن الحسين النرسي في كتاب معالم الدين»((1)).

- عظمة دم طفل الحسين(علیه السلام)

من روايات ابن طاووس التي نقلها عن أئمة أهل البيت (علیهم السلام)هي مايتعلَّق بدم طفل الإمام الحسين(علیه السلام)، إذ رُوي عن الإمام محمد الباقر(علیه السلام) قوله: «فلم يسقط من ذلك الدم قطرةٌ إلى الأرض»((2)).

- تحديد عدد الطعنات والضربات التي تعرَّض لها الإمام الحسين(علیه السلام)

ومما يشار إليه هنا أنّ ابن طاووس ينقل رواية مجهولة المصدر، بقوله: «ورُوى أنَّه وُجِد في قميصه مائة وبضع عشرة ما بين رمية وطعنة سهم وضربة «ثم يُقرنُها بأخرى صادرة عن الإمام جعفر الصادق(علیه السلام) بقوله: «وُجِد بالحسين(علیه السلام) ثلاث وثلاثون طعنة، وأربع وثلاثون ضربة...»((3)).


1) ابن طاووس، اللهوف: ص61.

2) المصدر نفسه: ص69.

3) المصدر نفسه: ص76.

والجدير بالذكر أنَّ عدَّة مصادر نقلت هذه الرواية عن الإمام جعفر الصادق(علیه السلام)((1))، على حين ذكرتها بعض المصادر دون إسنادها للإمام الصادق(علیه السلام)((2)).

- مجلس يزيد بن معاوية ورأس الإمام الحسين(علیه السلام)

وصف ابن طاووس ما كان يجرى في مجالس يزيد بن معاوية والأحداث التي جرت فيها، ومنها: إدخال الرأس الشريف إلى المجلس، وما رافق ذلك منأحداث، كلُّ ذلك رواه ابن طاووس عن طريق رواية للإمام علي بن الحسين زين العابدين(علیه السلام) - بوصفه شاهد عيان آنذاك - ونصُّ الرواية: «ورُوي عن زين العابدين(علیه السلام) قال: لما أُتي برأس الحسين(علیه السلام) إلى يزيد كان يتخذ مجالس الشرب، ويأتي برأس الحسين(علیه السلام) ويضعه بين يديه ويشرف عليه، فحضر ذات يوم في مجلسه رسول ملك الروم، وكان من أشراف الروم وعظمائهم، فقال يا ملك العرب هذا رأس مَنْ؟ فقال له يزيد: مالك ولهذا الرأس؟ فقال إنِّي إذا رجعت إلى ملكنا يسألني عن كلِّ شيء رأيته فأحببت أن أخبره بقصَّة هذا الرأس وصاحبه حتى يشاركك في الفرح والسرور، فقال يزيد: عليه اللعنة هذا رأس الحسين بن علي بن أبي طالب(علیه السلام)... فقال النصراني أُفٍّ لك ولدينك...»((3)).


1) الطبري، تاريخ: ج4، ص346؛ الطبري الشيعي، دلائل الامامة: ص178؛ ابن نما، مثير الاحزان: ص57؛ اليافعي، مرآة الجنان: ج1، ص107.

2) البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص203؛ المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص62؛ ابن الاثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص79.

3) ابن طاووس، اللهوف: ص111.

- جزاء قتلة الإمام الحسين(علیه السلام)

تعرَّض ابن طاووس إلى الجزاء الأخروي الذي ينتظر كلَّ من ساهم وباشر واشترك في قتل الإمام الحسين(علیه السلام) مستنداً في ذلك إلى رواية عن الإمام جعفر الصادق(علیه السلام) بقوله: «إذا كان يوم القيامة نُصِب لفاطمة(علیه السلام) قُبَّة من نور، ويقبل الحسين(علیه السلام) ورأسه في يده، فإذا رأته شهقت شهقة لا يبقى في الجمع مَلَك مقرَّب ولا نبيٌّ مُرسَل إلا بكىلها فيمثِّله الله(عزوجلّ) لها في أحسن صورة وهو يخاصم قتلته بلا رأس، فيجمع الله(عزوجلّ) لها قتلته والمُجهِزين عليه ومن شركهم في قتله فأقتلهم حتى آتي على آخر هم، ثم يُنشَرون فيقتلهم أميرالمؤمنين(علیه السلام)، ثم يُنشَرون فيقتلهم الحسن(علیه السلام) ثم يُنشَرون فيقتلهم الحسين(علیه السلام)، ثم يُنشَرون فلا يبقى أحد من ذريتنا إلا قتلهم قتلة. فعند ذلك يُكشَف الغيظ ويُنسَى الحزن»((1)). غير أنَّه وبالاطلاع على مصادرنا التاريخية المتوفرة لنا لا نكاد نعثر على هذه الرواية.

ويختتم ابن طاووس ذلك بحديث للإمام الصادق(علیه السلام) يخصُّ شيعة أهل البيت المواسين لهم بقوله: «رحم الله شيعتنا هم والله شيعتنا المؤمنون فقد والله شركونا في المصيبة بطول الحزن والحسرة»((2)).

6- تعدد الروايات والأخبار للحادثة الواحدة
اشارة

إنّ منهج تعدُّد الروايات التزمه الكثير من المؤرخين، منهم ابن طاووس في المقتل، إذ نجده أورد أكثر من رواية للحادثة الواحدة، ومن ذلك:


1) المصدر نفسه: ص81-82.

2) المصدر نفسه: ص82.

- حادثة توديع الإمام الحسين(علیه السلام) لعياله

تُعدُّ هذه الحادثة من الحوادث المؤلمة التي مرَّت على الإمام الحسين(علیه السلام)، وقد أورد ابن طاووس روايتين لهذه الحادثة هما:

الأولى: بعد أنْ سمعت زينب بنت فاطمة(علیهما السلام) كلام الإمامالحسين، والأبيات الشعرية التي قالها والتي مطلعها

يا دهرُ أُفٍّ لكَ من خليلِ *** كم لكَ بالإشراقِ والأصيلِ

من طالبٍ وصاحبٍ قتيلِ *** والدهرُ لا يقنعُ بالبديلِ

وكلُّ حيٍّ سالكٌ سبيلِ *** ما أقربَ الوعدَ من الرحيلِ((1)).

«قالت له: يا أخي هذا كلام من أيقن بالقتل، فقال(علیه السلام):نعم يا أختاه، فقالت زينب:وا ثكلاه ينعى الحسين(علیه السلام) إليَّ نفسه، قال: وبكى النسوة ولطمنَ الخدود وشقَّقن الجيوب، وجعلت أُمُّ كلثوم تنادي وا محمداه، وا علياه، وا أماه، وا أخاه، وا حسيناه، وا ضيعتنا بعدك يا أبا عبد الله. قيل:فعزَّاها الحسين وقال لها: يا أختاه تَعزَّي بعزاء الله؛ فإنَّ سكّان السماوات يفنون، وأهل الأرض كلّهم يموتون، وجميع البرية يهلكون، ثم قال: يا أختاه يا أُمَّ كلثوم، وأنت يا زينب وأنت يا فاطمة وأنت يا رباب انظرنَ إذا أنا قُتِلت فلا تشقُقنَ عليَّ جيباً ولا تخمشنَ عليَّ وجهاً ولا تقلنَ هُجراً»((2)).


1) اوردت العديد من المصادر التاريخية هذه الأبيات للإمام الحسين(علیه السلام) دون ذكر للروايتين اللتين أوردهما ابن طاووس، وبعض المصادر أوردتها بوساطة الإمام علي بن الحسين زين العابدين(علیه السلام)، الطبري، تاريخ: ج4، ص319؛ ابو الفرج الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص75؛ الصدوق، الامالي: ص221؛ المفيد، الارشاد: ج2، ص93؛ ابن شهر آشوب، مناقب آل ابي طالب: ج3، ص249؛ الفتال النيسابوري، روضة الواعظين: ص184.

2) ابن طاووس، اللهوف: ص49.

نقل هذه الرواية ابن أعثم((1)) على حين أوردها كلٌّ من الطبرسي((2))، وابن الجوزي((3))، وابن الأثير((4)) وابن كثير((5)) بتصرُّف قليل في بعض الألفاظ والزيادات.

الرواية الثانية: «وروى من طريق آخر أنَّ زينب لما سمعت مضمون الأبيات وكانت في موضع آخر منفردة مع النساء والبنات خرجت حاسرة تجرُّ ثوبها حتى وقفت عليه، وقالت واثكلاه ليت الموت أعدمني الحياة اليوم ماتت أمي فاطمة، وأبي علي، وأخي الحسن، يا خليفة الماضين وثمال الباقين فنظر إليها الحسين(علیه السلام) فقال:يا أختاه. لا يذهبَنَّ بحلمك الشيطان، فقالت: بأبي وأمي أستقتل؟ نفسي لك الفداء فردَّت غصته وترقرقت عيناه بالدموع، ثم قال:لو تُرِك الَقطَا ليلا لنام، فقالت: يا ويلتاه أفتغتصب نفسك اغتصاباً؟ فذلك أقرح قلبي وأشدُّ على نفسي، ثم أهوت إلى جيبها فشقَّته وخرَّت مغشياً عليها، فقام(علیه السلام) فصبَّ عليها الماء حتى أفاقت، ثم عزَّاها(علیه السلام) بجهده وذكَّرها المصيبة بموت أبيه وجده صلوات الله عليهم أجمعين»((6))، وقد سبق اليعقوبي((7)) ابن طاووس في إيراد هذه الرواية، كما أنّ ابن نما بدوره نقل هذه الرواية عن ابن طاووس أيضاً.الملاحظات النقدية حول الروايتين اللتين أوردهما ابن طاووس فضلاً عن بعض المصادر التي سبقته، والتي جاءت بعده من الناحية الزمنية، والتي كما أشرنا إليها أعلاه.


1) الفتوح: ج5، ص84.

2) اعلام الورى: ج1، ص456.

3) المنتظم: ج5، ص338.

4) الكامل في التاريخ: ج4، ص58.

5) البداية والنهاية: ج8، ص192.

6) ابن طاووس، اللهوف: ص49-50.

7) تاريخ: ص244.

أ - الرواية الأولى: تحمل تناقضاً واضحاً من كون الإمام الحسين(علیه السلام) قد أوصى النساء بعدم شقِّ الجيوب وخدش الخدود على حين نجد في متن الرواية أنّ النسوة لطمنَ الخدود وشققنَ الجيوب، وهل نساء الإمام الحسين(علیه السلام) لا يلتزمن بكلام الإمام المعصوم ومن ثَمَّ يخالفْنَه في ذلك؟ نعم المصيبة كانت تستحقُّ ذلك ولكن عفَّة وأخلاق نساء أهل البيت أكبر من ذلك.

ب - ما ورد من كلام للإمام الحسين(علیه السلام) بحقِّ السيدة زينب(علیها السلام) - من قبيل «لا يذهبَنَّ بحلمك الشيطان» وغيره - لا يتناسب مع مقام السيدة ومنزلتها وصبرها وعلمها، بل لا يمكن أنْ يصفها الإمام الحسين(علیه السلام) بهذا الوصف؛ لكونه يعرفها حقَّ المعرفة، وأنّها «عالمة غير معلَّمة، وفهِمَة غير مُفَهَّمة»، وهذا يتعارض مع ما ورد في تلك الرواية. ومن ثَمَّ فإنَّ مثل هذه الروايات هي من الروايات التي دُسَّت إلى أخبار المقتل بفعل التحريف والوضع الذي تعرَّض له تاريخ أهل البيت.

ويورد ابن طاووس روايتين بخصوص كلام السيدة زينب(علیها السلام) حينما شاهدت مصرع أخيها الإمام الحسين(علیه السلام)، الأولى: «يا محمداه صلى عليك ملائكة السماء، هذا حسين مرمَّل بالدماء، مقطَّع الأعضاء، وبناتك سبايا، إلى الله المشتكى وإلى محمد المصطفى وإلى علي المرتضى وإلى فاطمة الزهراء وإلى حمزة سيد الشهداء، يا محمداه هذا حسين بالعراءتسفي عليه الصبا، قتيل أولاد البغايا وا حزناه، وا كرباه...»((1)).

ثم يعقِّبها برواية ثانية دون أن يحدِّد مصدرها بالموضوع نفسه بقوله: «وفى رواية: يا محمداه بناتك سبايا وذريتك مقتَّلة تسفى عليهم ريح الصبا، وهذا حسين محزوز الرأس من القفا، مسلوب العمامة والرداء، بأبى مَن أضحى عسكره في يوم الاثنين نهبا،


1) ابن طاووس، اللهوف: ص79، ينظر، الطبري، تاريخ: ج4، ص348؛ ابن الاثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص81؛ النويري، نهاية الارب: ج20، ص464.

بأبي مَن فسطاطه مقطَّع العرى، بأبي من لا غائب فيُرتَجى، ولا جريح فيُدَاوى، بأبي مَن نفسي له الفداء، بأبي المهموم حتى قضى...»((1)).

أشار ابن طاووس إلى حادثة السلب التي قام بها الجيش الأموي لممتلكات الإمام الحسين(علیه السلام)، وبشكل دقيق في تحديده للأسماء التي قامت بذلك، فضلاً عن نوعية الحاجات المسلوبة، ومنها العمامة المباركة للإمام(علیه السلام)، وقد رجَّح في تحديد الجهة التي أقدمت على سلبها هي شخصيتان بقوله: «وأخذ عمامته أخنس بن مرثد ابن علقمة الحضرمي، وقيل جابر بن زيد الأزدي لعنه الله فاعتمَّ بها فصار معتوهاً...»((2))، ونلحظ أنَّ المصادر التاريخية قد انقسمت إلى فريقين فريق يشير إلى الأخنس بن مرثد هو من أقدم على سلبعمامة الإمام الحسين(علیه السلام)((3))، بينما أشارت بعض المصادر((4)) إلى الشخصية الثانية وهو جابر بن زيد الأزدي بكونه هو من أقدم على سلب عمامة الحسين(علیه السلام).

ومن الجدير بالذكر أنّ ابن طاووس أشار إلى مسألة مصير رأس الإمام الحسين(علیه السلام) فيرجِّح أنَّه أُعيد إلى كربلاء ودُفِن مع الجسد مع أنَّه أشار إلى وجود روايات عدَّة مختلفة في تحديدها لمصير الرأس، إلا أنّه عزف عن ذكرها لالتزامه بمنهج الإختصار في المقتل بقوله: «فأمَّا رأس الحسين(علیه السلام) فروى أنَّه أُعيد فدُفِن


1) ابن طاووس، اللهوف: ص79؛ وقد أشارت العديد من المصادر التاريخية لهذه الرواية لكن لم توردها بصورة كاملة وإنَّما جزء منها بخلاف ابن طاووس الذي أوردها بشكل كامل، ومن تلك المصادر، البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص206؛ الطبري، تاريخ: ج4، ص348؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص210؛ النويري، نهاية الارب: ج20، ص465.

2) ابن طاووس، اللهوف: ص76.

3) المفيد، الارشاد: ج2، ص112؛ الطبرسي، اعلام الورى: ج1، ص469.

4) ابن أعثم، الفتوح: ج5، ص119؛ ابن شهر آشوب، مناقب ال أبي طالب: ج3، ص315، المجلسي، بحار الانوار: ج45، ص301.

بكربلاء مع جسده الشريف(علیه السلام)، وكان عمل الطائفة على هذا المعنى المشار إليه، ورُويت آثار كثيرة مختلفة غير ما ذكرناه تركنا وضعها؛ كيلا ينفسخ ما شرطناه من اختصار الكتاب»((1))، واستعرض ابن طاووس أيضاً روايتين تتعلَّقان بالسيدة فاطمة الزهراء(علیها السلام) وأنَّها ستنتقم من قتلة ولدها الإمام الحسين(علیه السلام) يوم القيامة((2)).

ولعلَّ منهج ابن طاووس في تعدُّده للروايات للحادثة الواحدة ينمُّ عن سعة اطلاعه على المصادر، وإنّه حريص على نقل الروايات المختلف فيها وإن كان اختلافها يسيراً، ولكن ليس في كلِّ الحالات نجد منهجه بهذا المستوى، فهناك الكثير من الحوادث التي من المفترض أن يورد فيهاعدَّة روايات إلّا أنّه اقتصر على رواية واحدة من قبيل الرواية التي تشير إلى أنّ الجهة التي أقدمت على حملالرؤوس والأسرى إلى يزيد ابن معاوية، حدَّدها ابن طاووس بمحفز بن ثعلبة((3)). على حين نجد المصادر قد اختلفت في تحديدها لتلك الشخصية((4)).

وأورد ابن طاووس رواية واحدة بخصوص ضرب يزيد بن معاوية ثنايا الإمام الحسين(علیه السلام) في مجلسه واعتراض أبي برزة الأسلمي على ذلك، بينما نجد المصادر التاريخية((5)) التي تعرَّضت لهذه الحادثة قد اختلفت في تحديد مكان الحادثة، فبعضها


1) ابن طاووس، اللهوف: ص114.

2) المصدر نفسه: ص82.

3) ابن طاووس، اللهوف: ص99-100.

4) البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص214؛ الطبري، تاريخ: ج4، ص351. ؛ ، ابن اعثم الكوفي، الفتوح: ج2، ص180؛ المفيد، الارشاد: ج2، ص118؛ الخوارزمي، المقتل: ج2، ص55. ؛ الطبرسي، اعلام الورى: ج1، ص473. ؛ ابن الاثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص83؛ الذهبي، سير اعلام النبلاء: ج3، ص315.

5) البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص208. ؛ الطبري، تاريخ: ج4، ص356؛ ابن اعثم الكوفي، الفتوح: ج5، ص129؛ ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج62، ص85؛ ابن الجوزي، المنتظم: ج5، ص342.

أشارت إلى وقوعها في الكوفة في مجلس الوالي عبيد الله بن زياد، وخرى في دمشق في مجلس يزيد بن معاوية، فضلاً عن الإختلاف في الشخصية المعترضة.

أمّا رواية عدد رؤوس أصحاب وأنصار الإمام الحسين(علیه السلام) التي اقتسمتها القبائل الموالية للسلطة الأموية فيما بينها نجد أنّ ابن طاووس استند على رواية واحدة في هذا الجانب، وتختصُّ بعدد محدَّد دون الإشارة إلى الروايات التي ذكرت هذه الحادثة، والتي تختلف عن روايته بشكل واضح. وقد حدَّد ابن طاووس عدد الرؤوس بقوله: «ورُوي أنَّ أصحاب الحسين(علیه السلام) كانت ثمانية وسبعين رأساً، فاقتسمتها القبائل لتقرب بذلك إلى عبيد الله بن زياد وإلى يزيد بن معاوية لعنة الله عليه فجاءت كندة بثلاثة عشر رأساًوصاحبهم قيس بن الأشعث، وجاءت هوازن باثني عشر رأساً وصاحبهم شمر بن ذي الجوشن لعنة الله عليه، وجاءت تميم بسبعة عشر رأساً، وجاءت بنو أسد بستة عشر رأساً، وجاءت مذحج بسبعة رؤوس، وجاء باقي الناس بثلاثة عشر رأساً»((1)) .

وهنالك اختلاف بين المصادر، سواء في أصل العدد، أو في تقسيمات أو حصة كلِّ قبيلة من عدد الرؤوس، منها:

رواية البلاذري: «لما قُتِل الحسين جيء برؤوس مَنْ قُتِل معه من أهل بيته وأصحابه إلى ابن زياد، فجاءت كندة بثلاثة عشر رأساً وصاحبهم قيس بن الأشعث، وجاءت هوازن بعشرين رأسا وصاحبهم شمر بن ذي الجوشن، وجاءت بنو تميم بسبعة عشر رأساً، وجاءت بنو أسد بستة عشر رأساً، وجاءت مذحج بسبعة رؤوس، وجاءت قيس بتسعة رؤوس»((2)).

رواية الطبري: «لما قُتِل الحسين بن علي(علیه السلام) جئ برؤوس من قُتل معه من أهل بيته


1) اللهوف: ص85.

2) البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص207.

وشيعته وأنصاره إلى عبيد الله بن زياد فجاءت كندة بثلاثة عشر رأساً وصاحبهم قيس ابن الأشعث، وجاءت هوازن بعشرين رأساً وصاحبهم شمر بن ذي الجوشن، وجاءت تميم بسبعة عشر رأساً، وجاءت بنو أسد بستة أرؤس، وجاءت مذحج بسبعة أرؤس وجاء سائر الجيش بسبعة أرؤس فذلك سبعون رأساً»((1)) ويتفق مع رواية الطبري كلٌّ من ابن الجوزي((2)) وابن الأثير((3)) والنويري((4)).- رواية ابن شهر آشوب: «جاءت كندة إلى ابن زياد بثلاثة عشر رأساً وصاحبهم قيس بن الأشعث، وجاءت هوازن بعشرين رأساً وصاحبهم شمر بن ذي الجوشن، وجاءت بنو تميم بتسعة عشر رأساً، وجاءت بنو أسد بتسعة رؤوس، وجاء سائر الجيش بتسعة رؤوس، فذلك سبعون رأساً»((5)).

من خلال هذه الروايات المختلفة في أصل العدد وتقسيمات القبائل وحصَّتها يتضح لنا ما يلي:

1- إنّ لابن طاووس روايته الخاصَّة بهذه الحادثة، وهي تخالف رأي الأغلبية من خلال مقارنتها مع المصادر الأخرى.

2- يُلاحَظ وجود اختلاف جوهري بين المصادر في هذه الحادثة، مما ينتج عنه عدم التحديد الدقيق لأنصار الإمام(علیه السلام)، وهذا ينتهي بنا إلى فكرة أنّ أنصاره(علیه السلام) ليس بالعدد الذي ذكرته المصادر، وإنمَّا أكثر من ذلك.

3- كان على ابن طاووس أنْ يشير على أقلّ تقدير إلى وجود روايات مختلفة في


1) الطبري، تاريخ: ج4، ص358.

2) المنتظم: ج5، 341.

3) الكامل في التاريخ: ج4، ص91.

4) نهاية الارب: ج30، ص461.

5) مناقب ال أبي طالب: ج3، ص259.

هذه الحادثة كما فعل في تحديده لمصير رأس الإمام الحسين(علیه السلام) والذي أشرنا إليه.

هذه أبرز النقاط الأساسية التي حدَّدناها في منهج ابن طاووس في تناوله لروايات وأحداث وأخبار المقتل، والتي تعرفنا من خلالها على البعد التاريخي لابن طاووس، ومواطن القوة والضعف في منهجه التاريخي الذي سلكه في مصنفه الموسوم باللهوف.

3- مقتل الإمام الحسين(علیه السلام) المسمى (مثير الأحزان ومنير سبلالأشجان)، لابن نما.

يُعدُّ هذا المقتل من المقاتل المهمة والمعتبرة؛ لاحتوائه على روايات ومضامين موثَّقة، إضافة إلى انفراده ببعض الروايات، وسنركِّز على بعض النقاط التي تستحقُّ الوقوف، وبيان منهج وطريقة المؤلف في عرض مادته التاريخية عن المقتل.

نسبة الكتاب: وقع بعض الباحثين((1)) في اشتباه في نسبة المقتل إلى غير مؤلِّفه الحقيقي (نجم الدين جعفر بن محمد) إذ نسبوه إلى والد المؤلِّف وهو نجيب الدين.

وقد طُبِع المقتل عدَّة مرات، وهو يحمل اسم المؤلِّف نجيب الدين محمد بن جعفر، إذ طُبع في المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف عام 1950م وهو يحمل هذا الاسم للمؤلِّف، وكذلك طُبع في قم الطبعة الثالثة عام (2006م)((2)).

ويبدو أنّ هذا المقتل هو من تصنيف المؤلِّف نجم الدين جعفر بن محمد، وليس لغيره وفق الأدلة والقرائن الآتية:


1) الجلالي، فهرست التراث: ج1، ص638؛ الرشيهري، موسوعة العقائد: ج5، ص397؛ شمس الدين، انصار الحسين(علیه السلام): ص27؛ العاملي، الصحيح من سيرة النبي(صلی الله علیه و آله): ج35، ص357، عباس الحائري، بلاغة الإمام علي(علیه السلام): ص295؛ هادي الاميني، معجم المطبوعات: ص299.

2) العاملي، الصحيح من سيرة النبي(صلی الله علیه و آله): ج35، ص357؛ عباس الحائري، بلاغة الإمام علي(علیه السلام): ص95؛ هادي الاميني، معجم المطبوعات: ص299.

1- تصريح المؤلِّف نجم الدين نفسه: صرَّح (نجم الدين جعفر بن محمد) في أحد مصنَّفاته بأنّ (مثير الاحزان) هو من تصنيفه وتأليفه بقوله: «فإنّي لما صنَّفت كتاب المقتل الذي سميته (مثير الأحزان ومنير سبل الأشجان)،وجُمِع فيه من طرائف الأخبار، ولطائف الآثار ما يربى على الجوهر والنَّضار...»((1)).

2- تصريح المجلسي: أشار المجلسي إلى أنّ (مثير الأحزان) من تصنيف المؤلِّف نجم الدين جعفر بن محمد((2)). ونجد أنّ المجلسي أورد العديد من الروايات والأخبار من هذا المقتل، وأشار إلى مؤلِّفه الحقيقي ومن ذلك قوله: «وروى ابن نما في مثير الأحزان من تاريخ البلاذري...»((3))، أو نقله لرواية ابن نما بخصوص ولادة الإمام الحسين(علیه السلام) ونصُّها: «وقال الشيخ ابن نما في مثير الأحزان: وُلد(علیه السلام) لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة، وقيل الثالث منه، وقيل: أواخر شهر ربيع الأول سنة ثلاث، وقيل: لخمس خلون من جمادى الأولى سنة أربع من الهجرة، وكانت مدة حمله ستة أشهر، ولم يُولد لستة سواه وعيسى، وقيل يحيى(علیه السلام)»((4)).

ونقل المجلسي رواية نَوح الجِنِّ وبكائهم على مقتل الحسين(علیه السلام) عنه إذ قال: «وقال ابن نما(رحمة الله) في مثير الأحزان: ناحت عليه الِجنُّ وكان نفر من أصحاب النبي(صلی الله علیه و آله)منهم المسور بن مخرمة((5)) يستمعون النوح ويبكون»((6)).


1) ابن نما، ذوب النضار: ص50.

2) بحار الانوار: ج1، ص18.

3) المصدر نفسه: ج43، ص316.

4) المجلسي، بحار الانوار: ج44، ص202.

5) المسور بن مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، القرشي الزهري، كنيته أبو عبد الرحمن، ولد بمكة لسنتين بعد الهجرة وقدم به المدينة في النصف من ذي الحجة سنة ثمان عام الفتح وهو ابن ست سنين، توفى سنة أربع وستين وقيل أربع وسبعين، ينظر، ابن خياط، طبقات: ص46؛ ابن حبان، الثقات: ج3، ص395.

6) بحار الانوار: ج45، ص235.

وهناك العديد من الروايات والأخبار التي نقلها المجلسي والتي أشار إليها بشكل صريح إلى أنّ مصنَّف مثير الأحزان هو من تأليف جعفر بن محمد وبتعابير مختلفة((1)).

3- شهادات بعض الباحثين((2)) إذ ذهب بعض الباحثين إلى أنّ مصنَّف (مثير الأحزان) من تأليف نجم الدين جعفر بن محمد، ومن أبرزآثاره العلمية.

4- إشارة في متن المقتل: وردت في متن المقتل إشارة تدلُّ على أنَّه من تأليف نجم الدين جعفر بن محمد وليس لغيره، وهي: «قال جعفر بن محمد بن نما مصنِّف هذا الكتاب وقد رثيتها بأبياتي هذه للدار وجعلتها خاتمة ما قلته من الأشعار

وقفتُ على دار النبي محمدٍ *** فألفيتُها قد أقفرتْ عرصاتُها

وأمستْ خلاءً من تلاوة قارئ *** وعُطِّلَ منها صومُها وصلاتُها

وكانت ملاذاً للعلوم وجُنَّةً *** من الخطب يغشى المعتقين صلاتُها

فأقوت من الساداتِ من آلِ هاشمٍ *** ولم يجتمع بعدَ الحسينِ شتاتُها

فعيني لِقتلِ السِّبطِ عَبْرَى ولوعَتِي *** على فقده ما تنقضي زفراتُها»((3)).

ومن خلال هذه القرائن نستطيع أن نرجِّح نسبة مثير الأحزان إلى نجم الدين


1) المصدر نفسه: ج44، ص224، 246، 266، 310، ج45، ص107، ص346.

2) اسماعيل البغدادي، هدية العارفين: ج1، ص428؛ التستري، قاموس الرجال: ج11، 646؛ لجنة الحديث، موسوعة شهادة المعصومين(علیه السلام): ج1، ص455؛ السبحاني، موسوعة طبقات الفقهاء: ج2، ص310؛ علي الطباطبائي، رياض المسائل: ج2، ص77؛ اغا بزرك الطهراني، الذريعة: ج19، ص349؛ النوري الطبرسي، خاتمة المستدرك: ج2، ص348.

3) ابن نما، مثير الاحزان: ص93.

جعفر بن محمد وليس لوالده نجيب الدين محمد بن جعفر أو لغيره.

- سبب تأليف المقتل

ومن ضمن المنهج التاريخي أنْ يقدم المصنِّف إلى بيان سبب تأليف كتابه والغاية منه، ولم يخرج ابن نما الحلي عن هذا المنهج؛ إذ بيَّن سبب تأليفه لهذا المقتل بقوله: «إنّ الذي بعثني على عمل هذا المقتل أنّي رأيت المقاتل قد احتوى بعضها على الإكثار والتطويل، وبعضها على الإختصار والتقليل، فهي بين طويل مُسْهَب، وقصير قاصر عن الفوائد غير معرب، والنُّكَت فيها قليلة، ومرابعها من الطرف والغرائب محيلة، فوضعت هذا المقتل متوسطا بين المقاتل، قريباً من يد المتناول، لا يُقصَى لملالَة وهذر، ولا يُجفَى لنزارة وقِصَر. ترتاح القلوب إلى عذوبة ألفاظه، ويوقِظُ الراقد من نومه وإغماظه، وتسرح النواظر في رياضه وينبِّه الغافل عن هذا المصاب والذاهل عن الجزع والاكتئاب، وأودعته ما أهمله كثير من المصنِّفين، وأغفلتْهُ خواطر المؤلِّفين وسمَّيته «مثير الأحزان أو منير سبل الأشجان»((1)).نستنتج من خلال كلام ابن نما أنّ هناك سببين أساسيين دفعاه إلى تأليف هذا المقتل، الأول:يتعلَّق بحجم المقاتل التي تتسم بعضها بالإختصار والأخرى بالإطالة فجاء مقتله وسطاً بين الاثنين، أمّا السبب الثاني الذي يقف وراء تأليف المقتل لديه:فهو أنّ بعض المقاتل أهملت العديد من الحقائق والأحداث فجاء هذا المقتل ليثبِّتها.

معالم منهجه التاريخي في إيراده للمقتل

اشارة

اتَّسم ابن نما الحلي بجملة من الميزات الخاصة بالمنهج التاريخي في سرد وإيراد


1) المصدر نفسه: ص6.

الروايات والأخبار التي طبَّقها في مقتله - وإن كان أغلبها قد طبَّقها المؤرِّخون الذين سبقوه - ويمكننا أنْ نورد منهجه على شكل نقاط أساسية ومحورية منها:

1- الشمول الزماني والمكاني للمقتل

نلحظ - من خلال دراستنا لمقتل ابن نما - بأنَّه امتاز من حيث المساحة التاريخية بالشمول الزماني والمكاني لأحداث ومقدِّمات ومجريات المقتل، ويمكن توضيح ذلك بالشكل الآتي:

أ - الشمول الزماني: استوعب كتاب المقتل لابن نما البُعدَ الزماني بشكل متسلسل ومنظَّم وفق تسلسل وقوع الأحداث وترتيبها؛ إذ نجد أنّه ابتدأ بذكر الأحداث الخاصة ببيان منزلة الإمام الحسين(علیه السلام) ومكانته عند الرسول محمد(صلی الله علیه و آله)((1))، ثم انتقل بعد ذلك للحديث عن الأوضاع السياسية التي سبقت مقتله(علیه السلام)، والمتمثلة بمحاولة السلطة الحاكمة في أخذ البيعةمنه(علیه السلام)((2)) ثم - بشكل متسلسل - ينتقل إلى مكاتبة أهل الكوفة للإمام(علیه السلام) والأحداث التي شملتها((3))، وبعدها استعرض أحوال كلٍّ من مسلم بن عقيل وهانئ ابن عروة المرادي وتفصيل ذلك((4))، ومن ثَمَّ تابع ابن نما التسلسل الزمني للأحداث وعرض الشخصيات التي التقى بها الركب الحسيني ومحاوراته معهم، والأماكن التي تمَّ فيها اللقاء((5)).

تابع ابن نما تلك الأحداث بتسلسل مرتَّب زمنياً حتى يدخل في تفاصيل المقتل


1) ابن نما، مثير الاحزان: ص7-13.

2) المصدر نفسه: ص13-15.

3) المصدر نفسه: ص15-20

4) المصدر نفسه: ص20-26.

5) المصدر نفسه: ص26-36.

العسكرية والإلتقاء بين الطرفين، والوقائع التي حصلت بينهما ويفصِّل في ذلك((1))، بعدها يختم حديثه بما أسماه (الوقائع المتأخِّرة عن المقتل) والتي قصد بها ماتعرَّض له أهل البيت من الأسر والسبي، وخطبهم ومواقفهم وأسلوب مواجهتهم للسلطة الحاكمة((2))، وبذلك يكون قد استوعب المساحة الزمانية التاريخية الكاملة للمقتل من حيث المقدِّمات والمجريات (الأصطدام العسكري).

ب - الشمول المكاني: امتاز كتاب المقتل لابن نما - على صغر حجمه - بشموله المكاني لأحداث المقتل التي توزَّعت بين مناطق شاسعة وعديدة، حيث أورد الأحداث التي وقعت في المدينة، ثم انتقل إلى سرد أحداث مكة المكرمة، بعدها تابع المسيرة الجغرافية بشكل منظَّم، ثم انتقل إلى بلاد الشام وأورد ما وقعت فيها من حوادث تخصُّ المقتل منها الأسر والسبي وهو ما اصطلح عليه ب-:الوقائعالمتأخِّرة عن المقتل((3))، وبذلك اتضح لنا أنَّ ابن نما قد استوعب - وإن كان بشكل موجَز- مجمل المناطق التي وقعت فيها أحداث المقتل.

2- التوظيف الشعري لأحداث المقتل
اشارة

إنّ توظيف الشعر في توثيق الحادثة التاريخية يُعدُّ من سِمات المنهج التاريخي الرصين، لأنَّه يُقدِّم للحادثة التاريخية قوّةً في التوثيق والتثبيت، لذا نلحظ أنّ ابن نما الحلي وظَّف العديد من الأبيات الشعرية منطلقا من دوافع عدَّة بعضها ماأشرنا إليه، وأخرى تتعلّق بتوصيل الفكرة أو المعنى أو شرح الحادثة، في حين ركَّز بعضها على مخاطبة المشاعر والأحاسيس وإثارة العواطف لبعض أحداث المقتل.

هناك نوعان من التوثيق الشعري لدى ابن نما النوع الأول:يعتمد فيه على


1) المصدر نفسه: ص36-64.

2) المصدر نفسه: ص64-94.

3) المصدر نفسه: ص13، 15، 26، 36-64، 77.

الشعراء والأدباء الذين أجادوا في نظم بعض الأبيات الشعرية، وهم إمّا سابقون لعهده، وإمّا معاصرون له، أو قريبو العهد به، أمّا النوع الثاني:فيتعلَّق بالأشعار التي كان ينظمها في تعليقه على بعض أحداث المقتل.

- اعتماد ابن نما على أشعار بعض الشعراء والأدباء

اعتمد ابن نما على جملة من الشعراء والأدباء ومن مختلف العصور ووظَّف أشعارهم في بعض أحداث المقتل، من ذلك:

- حادثة استشهاد مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة المرادي

وظَّف ابن نما في مناسبة استشهاد مسلم وهانئ شعر عبد الله بن الَزبِير((1)) وهويذكر فيها بعض ما جرى لهما، ومن ثَمَّ تُعدُّ هذه القصيدة وثيقة تاريخية مهمّة في تثبيت الأحداث وتوثيقها، وقد جاء فيها:

إذا كنتِ لا تدرينَ بالموتِ فانظري *** إلى هانئٍ بالسوقِ وابنِ عقيلِ

إلى بطلٍ قد هشَّم السيفُ وجهَهُ *** وآخرَ يهوى من طمار قتيلِ

أصابَهما أمرُ الأمير فأصبحا *** أحاديثَ مَن يسعى بكلِّ سبيلِ

أيركبُ أسماءُ الهماليج آمناً *** وقد طلبته مذْحجٌ بذُحولِ


1) عبد الله بن الزبير بن سليم، ويُقال بن الأسلم بن الأعشى بن بجرة بن قيس بن منقذ بن طريف ابن عمرو، أبو كثير، ويُقال أبو سعد الأسدي، شاعر معروف من أهل الكوفة، من شعراء بني أسد ونبلائهم، له صلات وعلاقات متذبذبة مع بعض رجالات السلطة سواء أمويين كانوا أم زبيريين، تتسم بالعداء، وأخرى بالوفاق، تُوفي سنة سبع وخمسين للهجرة، ينظر، البلاذري، انساب الاشراف: ج11، ص163؛ أبو الفرج الاصفهاني، الاغاني: ج14؛ ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج28، ص258-263؛ البغدادي، خزانة الادب: ص233.

ترى جسداً قد غيَّر الموتُ لونَهُ *** ونضخَ دمٍ قد سالَ كلَّ مسيلِ

تُطيفُ حواليه مرادٌ وكلُّهم *** على رِقبةٍ من سائلٍ ومسولِ

فإنْ أنتمُ لم تثأروا بأخيكم *** فكونوا بغايا أُرضِيتْ بقتيلِ((1)).

كما وظَّف شعر عبد الله بن المعتز((2)) في وصف شدَّة قتال عبد الله بن عميرالكلبي بقوله:

ولي صارمٌ فيه المنايا كوامنٌ *** فما يُنتَضَى إلا لِسفك دماءِ

ترى فوقَ متنَيهِ الفرندَ كأنَّهُ *** بقيةُ غيمٍ رقَّ دونَ سماءِ((3)).

ويلاحظ أنَّه اختار الأشعار التي لها وقع في النفس؛ ليجعل القارئ في قلب الحدث، ولكي يتفاعل معه كما هو الحال في توظيفه لشعر الحسين بن الضحاك((4)) في


1) ابن نما، مثير الاحزان: ص26؛ ينظر، الزبير، عبد الله، ديوان: ص116-117.

2) أبو العباس عبد الله بن المعتز بن المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور بن محمد بن علي عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي، أخذ الأدب عن أبي العباس المبرد وأبي العباس ثعلب وغيرهما، كان أديباً بليغاً شاعراً مطبوعاً مقتدراً على الشعر، قريب المأخذ سهل اللفظ، جيد القريحة حسن الإبداع للمعاني، مخالطا للعلماء والأدباء معدوداً من جملتهم، له من التصانيف كتاب الزهر والرياض، وكتاب البديع، وكتاب مكاتبات الإخوان بالشعر، وكتاب الجوارح والصيد، وكتاب السرقات، وكتاب أشعار الملوك، وكتاب الآداب، وكتاب حلى الأخبار، وكتاب طبقات الشعراء، وكتاب الجامع في الغناء، تُوفي سنة ست وتسعين ومائتين، الصولي، الاوراق: ج3، ص107؛ أبو الفرج الاصفهاني، الاغاني: ج10، ص434؛ ابن خلكان، وفيات الاعيان: ج3، ص76.

3) ابن نما، مثير الاحزان: ص42، ينظر، ابن المعتز، ديوان: ص20؛ القيرواني، زهر الادب: ج1، ص220؛ ابن حمدون، التذكرة الحمدونية: ج5، ص374.

4) الحسين بن الضحاك بن ياسر، أبو علي الشاعر البصري المعروف بالخليع، مولى لولد سليمان بن ربيعة الباهلي الصحابي، أصله من خراسان، وهو شاعر ماجن حسن الافتنان في ضروب الشعر وأنواعه، وسُمِّي بالخليع لكثرة مجونه، يُعرَف بحسين الأشقر، بلغ سناً عالية قارب التسعين أو جاوزها، يُقال إنَّه وُلد سنة اثنتين وستين ومائة، ومات سنة خمسين ومائتين للهجرة، أبو الفرج الاصفهاني، الاغاني: ج7، ص107-165؛ ياقوت الحموي، معجم الادباء: ج10، ص5-23.

وصف حال عيال الإمام الحسين(علیه السلام) وتعرّضهم للسلبمن قِبَلِ السلطة الأموية ورجالاتها قائلاً في ذلك:

ومما شَجَا قلبي وكفكفَ عبرتي *** محارمٌ من آلِ النبيِّ استُحلَّتِ

ومهتوكة بالطفِّ عنها سجونها *** كعابٌ كقرنِ الشمسِ لمّا تبدَّتِ

إذا حفَّزتْها وزعةٌ من منازعٍ *** لها المرطُ غارتْ بالخضوعِ ورَنَّتِ

وسِربُ ظباءٍ من ذؤابةِ هاشمٍ *** هتفْنَ بدعوى خيرِ حيٍّ ومَيِّتِ

أردُّ يداً منِّى إذا ما ذكرتُهُ *** على كبدٍ حَرَّى وقلبٍ مُفتَّتِ

فلا باتَ ليلاً شامتين بغبطةٍ *** ولا بلغتْ آمالهُا ما تمنَّتِ((1)).

وقد استشهد ابن نما بشعر أكثر من شاعر في عرضه موقفاً معيَّناً، كاستشهاده بشعر الشاعر الحميري((2)) في تصوير موقف النسوة اللاتي مررنَ بمصرع الحسين(علیه السلام)، وذلك بقوله:

امرُرْ على جدَثِ الحسينِ *** وقُلْ لأعظُمِهِ الزكيَّه

يا أعظُما لا زِلتِ منْ *** وطْفاءَ ساكبةٍ رويّه


1) مثير الاحزان: ص58، ينظر. التنوخي، الفرج بعد الشدة: ج1، ص74؛ ابن حمدون، التذكرة الحمدونية: ج4، ص211.

2) إسماعيل بن محمد الحميري السيد الشاعر، يُكنَّى أبا عامر، من أصحاب الصادق(علیه السلام)، ثقة، جليل القدر، عظيم الشأن والمنزلة، المفيد، الفصول المختارة: ص298؛ الطوسي، رجال: ص160.

وإذا مررتَ بقبرِه *** فأطلْ به وقفَ المطيَّه

وابكِ المطهَّرَ للمُطَهَّرِ *** والمطهَّرةِ التقيَّه

كبُكاءِ مُعوِلَةٍ أتتْ *** يوماً لواحدِها المنيَّه((1)).

وشعر عقبة بن عمر السهمي((2)) الذي وظَّفه أيضاً ابن نما لهذا الغرض بقوله:

إذا العينُ قرَّتْ في الحياة وأنتُمُ *** تخافون في الدنيا فأظلمَ نورُها

مررتُ على قبر الحسين بكربلاءَ *** ففاضَ عليه من دموعي غزيرُها

فما زلتُ أرثيه وأبكي لِشجوِهِ *** ويُسعدُ عيني دمعُها وزفيرُها

وبكيتُ من بعدِ الحسينِ عصائبا *** أطافتْ به من جانبيها قبورُها

سلامٌ بآصالِ العشيِّ وبالضُّحى *** تؤدِّيهِ نكباءُ الرياحِ ومورُها

ولا بَرِحَ الوفادُ زوَّار قبرِهِ *** يفوحُ عليهم مِسْكُها وعبيُرها((3)).

- اعتماد ابن نما على بعض أشعاره التي نظمها

لم يقتصر ابن نما على توظيفه لأشعار الأدباء والشعراء والشخصيات التي سبقته، وإنَّما وظَّف قريحته الشعرية والعاطفية في رسم بعض الصور لبعض المواقف التيفرضت قريحته وإحساسه الشعري كما نظم بعض الأبيات من الشعر، فمن


1) ابن نما، مثير الاحزان: ص64، ينظر، الحميري، ديوان: ص226؛ أبو الفرج الاصفهاني، الاغاني: ج7، ص175.

2) عقبة بن عمرو السهمي، من بني سهم بن عوف بن غالب، قيل:أوّلُ شعر رُثِي به الحسين بن علي(علیه السلام) شعره، المفيد، الامالي: ص324؛ الطوسي، الامالي: ص93؛ يوسف العاملي، الدر النظيم: ص574.

3) مثير الاحزان: ص65.

قوله في سلب آل أمية لحقوق أهل البيت(علیهم السلام).

ولما طعنتم نازحينَ وضمَّكم *** مقامٌ به الجَلْدُ العزيزُ ذليلُ

وصرتم طعاماً للسيوفِ ولم يكنْ *** لما رمتُموهُ منهجٌ ووصولُ

وأموالكم فئٌ لآلِ أميةَ وبدرُكُم *** قد حانَ منه أُفولُ

تيقَّنْتُ أنَّ الدِّينَ قد هانَ خطبُهُ *** وأنَّ المُرَاعِى للنبيِّ قليلُ((1)).

كما نجده قد نظم بيتين في مصرع الحسين(علیه السلام) بقوله:

يُصلِّي الإلهُ على المرسَلِ *** ويُذكَرُ في المحكَمِ المنزَلِ

ويُغزَى الحسينُ وأبناؤُهُ *** وهذا من المُعجَبِ المعضِلِ((2)).

وينتقد ابن نما تصرُّف الوالي عبيد الله بن زياد من فرحه بقتل الإمام الحسين(علیه السلام) في مجلسه وأمام سبايا أهل البيت(علیهم السلام)، ويرسم انتقاده بصورة أدبية شعرية بقوله:

يا أيُّها المتشفِّي في قتلِ أئمتِهِ *** قلبي من الوَجْدِ على مثلِ الجَمُرْ

لا بلَّغتْكَ الليالي ما تُؤمِّلُه *** منها وبلَّ سداكَ المالحَ المقرّ

قومٌ هُمُ الدينُ والدنيا فَمَن *** قَلاهُم فمأواهم إذنْ سَقَرْ

لهم نبيُّ الهدى جدٌّ وجدُّهُمُ *** يومَ المعادِ بنصرِ اللهِ تنتصرْ((3)).وصوَّر ابن نما موقف السَّبِي الذي تعرَّض له آل الحسين(علیه السلام) بأبيات شعرية عبَّرت عن عمق المأساة والألم، وعبَّر عما أقدمت عليه السلطة الأموية تجاه أهل البيت(علیهم السلام) بالغزو بقوله:


1) ابن نما، مثير الاحزان: ص55.

2) المصدر نفسه: ص65.

3) المصدر نفسه: ص71.

فَوَا أسفاً يُغزَى الحسينُ ورهطُهُ *** ويُسبَى بتطوافِ البلادِ حريمُهُ

ألم يعلموا أنَّ النبيَّ لِفقدِهِ *** له عزبُ جفنٍ ما يخفُّ سجومُهُ

وفي قلبِهِ نارٌ يَشبُّ ضِرامُها *** وآثارُ وَجْدٍ ليس تُرسَى كلومُهُ((1)).

وبذلك اتضح لنا أنّ ابن نما لم يكن مؤرِّخاً فحسبُ، بل كان شاعراً وأديباً، وظَّف شعره في توثيق وتصوير بعض أحداث المقتل الحسيني في مصنَّفه.

3- الإهتمام بالجغرافية التاريخية

اهتمَّ ابن نما بما يُصطلَح عليه ب-:الجغرافية التاريخية، وذلك من خلال تتبعه للمناطق والأماكن التي مرَّ بها الموكب الحسيني، وتحديده الدقيق لها، فمن المناطق الجغرافية التي ذكرها: التنعيم، ووادي العقيق، والحاجر من بطن الرمة، والقادسية والتي أشار فيها إلى مسألة تنظيم الخيل لمعسكر الأعداء بقوله: «ونظم الخيل بين القادسية إلى خفان وما بين القطقطانية إلى القلع»((2)) والثعلبية، وطريق عذيب الهجانات، وغيرها من المناطق الجغرافية((3)).

4- تعدُّد الروايات

نلحظ في بعض الحالات أنّ ابن نما يورد أكثر من رواية أو معلومة للحادثة الواحدة، من قبيل الرواية التي أوردها بخصوص الكتاب الذي وجَّهه الإمامالحسين(علیه السلام) إلى وجهاء أهل البصرة، فقد ذكر ابن نما شخصيتين للمبعوث الذي جاء بكتاب الإمام لأهل البصرة بقوله: «وبعث الكتاب مع ذراع السدوسي((4)


1) المصدر نفسه: ص77.

2) ابن نما، مثير الاحزان: ص30.

3) المصدر نفسه: ص30.

4) لم نجد ترجمة له في المصادر المتوافرة لدينا.

وقيل: مع سليمان المكنَّى بأبي رزين فيه أنّي أدعوكم إلى الله وإلى نبيِّه فإنَّ السنة قد أُمِيتت، فإن تجيبوا دعوتي وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد»((1))

ومن الملاحظ أنّ بعض المصادر((2)) التي تعرَّضت لهذه الرواية لم تُشِر إلى شخصية ذراع السدوسي بكونه مبعوث الإمام الحسين(علیه السلام) لأهل البصرة، وإنَّما أشار بعضها إلى شخصية سليمان، فضلاً عن ذلك فإنّ شخصية (ذراع السدوسي) لم نجد لها ذكراً في المصادر أو كتب التراجم؛ مما يجعلها في عداد الشخصيات الوهمية المجهولة.

أمّا مسألة تحديد مكان مقتل هانئ بن عروة المرادي فيُورِدُ ابن نما روايتين في هذا الجانب، ولعلَّ السبب في ذلك هو اختلاف المؤرِّخين الذين سبقوه في هذه الحادثة، فعمد ابن نما إلى إيراد الروايتين معاً، الرواية الأولى التي أشار إليها ذكرت أنّ هانئ ابن عروة سُحِب إلى الكناسة فقُتِل وصُلِب هناك، أما الرواية الثانية والتي نلحظ أنّ ابن نما ضعَّفها بقرينة: (وقيل) وهي التي تحدِّد مكان تنفيذ القتل بحقه في السوق بقوله: «وقيل:ضرب عنقه في السوق غلام لعبيد الله اسمه رشيد»((3)).

وقد رجَّح ابن نما الرواية الأولى القائلة بسحب هانئ إلى الكناسة، وهناككانت شهادتُهُ(رضی الله عنه) على الرواية الثانية، ومن الجدير بالذكر أنّ الرواية الأولى أشارت إليها بعض المصادر التي سبقته((4)).

وأحياناً ولتأكيد بعض الروايات لجأ ابن نما إلى اختيار عدَّة روايات ومن طرق مختلفة (كشهود عيان للحادثة) من قبيل الروايات التي تحدَّثت عن إقدام الوالي


1) ابن نما، مثير الاحزان: ص16.

2) الدينوري، الاخبار الطوال: ص231؛ البلاذري، انساب الاشراف: ج2، ص78؛ ابن اعثم الكوفي، الفتوح: ج5، ص37؛ ابن الاثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص23؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص170.

3) مثير الاحزان: ص26.

4) الطبري، تاريخ: ج4، ص260؛ ابن الجوزي، المنتظم: ج5، ص326.

عبيد الله بن زياد على ضرب ثنايا الإمام الحسين(علیه السلام) في مجلسه، والرواية الأولى عن طريق أنس بن مالك بقولة: «شهدت عبيد الله بن زياد وهو ينكت بقضيب على لسان الحسين ويقول إنَّه كان حسن الثغر، فقلت أَمَ والله لأسؤنَّك لقد رأيت رسول الله يقبِّل موضع قضيبك من فيه»((1)).

والرواية الثانية ذكرها عن طريق كلٍّ من سعيد بن معاذ وعمر بن سهل؛ إذ ذكرا ما نصُّه «إنَّهما حضرا عبيد الله يضرب بقضيبه أنف الحسين وعينيه، ويطعن في فمه، فقال له زيد بن أرقم:ارفع قضيبك إنّى رأيت رسول الله(صلی الله علیه و آله) واضعا شفتيه على موضع قضيبك ثم انتحب باكيا، فقال له أبكى الله عينيك يا عدوَّ الله لولا أنَّك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك، فقال زيد لأحدثنَّك حديثا هو أغلظ عليك من هذا، رأيت رسول الله(صلی الله علیه و آله) أقعد حسناً على فخذه اليمنى وحسيناً على فخذه اليسرى فوضع يده على يافوخ كلِّ واحد منهما وقال إنِّي أستودعكما وصالح المؤمنين، فكيف كانت وديعتك لرسول الله...»((2)).

ومن الجدير بالذكر أنَّ ابن نما قد أورد الروايتين السابقتين في حادثة ضربثنايا الإمام الحسين(علیه السلام) دون الإشارة إلى وقوعها في الشام بمجلس يزيد بن معاوية، التي أشارت إليها العديد من المصادر((3)).


1) ابن نما، مثير الاحزان: ص72.

2) المصدر نفسه: ص72.

3) البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص214؛ الطبري، تاريخ: ج4، ص356؛ المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص61؛ ابن أعثم، الفتوح: ج5، ص129؛ ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج62، ص84-85؛ ابن شهر اشوب، مناقب ال أبي طالب: ج3، ص261؛ ابن الجوزي، المنتظم: ج5، ص342؛ ابن الاثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص84؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء: ج3، ص309؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص208؛ ابن الصباغ المالكي، الفصول المهمة: ص834-835.

وإنَّما حدَّد وقوعها بالكوفة بمجلس الوالي عبيد الله بن زياد((1))، مما يرجِّح اعتقاده بوقوع الحادثة في الكوفة وليس في الشام.

وذكر ابن نما روايتين مختلفتين بخصوص الشخصية التي أبلغت أهل المدينة المنورة بمقتل الإمام الحسين(علیه السلام) والجهة الرسمية التي أرسلتها، فالرواية الأولى ذكرت أنّ عبيد الله بن الحرث السلمي هو من أبلغ أهل المدينة والجهة الرسمية أو الحكومية التي أرسلته التي تمثَّلت في الوالي عبيد الله بن زياد، على حين أنّ الرواية الثانية تذكر خلاف ذلك؛ إذ تشير إلى أنّ يزيد بن معاوية قد أرسل محرز بن حريث ابن مسعود الكلبي ليخبر أهل المدينة بنبأ استشهاد الإمامالحسين(علیه السلام)((2)).

وهنا مسألة لا بدّ من الإشارة إليها وهي أنّ ابن نما قد رجَّح أنّ رأس الإمام الحسين(علیه السلام) ورؤوس أصحابه الأطهار قد تمَّ حملها إلى يزيد بن معاوية، والذي تولَّى ذلك محفز بن ثعلبة العائذي، على حين نلحظ أنَّ المؤرِّخين اختلفوا اختلافاً شديداً في تحديد الشخصية التي حملت الرؤوس إلى يزيد بن معاوية، فمثلاً روى كلٌّ من الطبري((3)) والمفيد((4)) وابن أعثم((5)) والخوارزمي((6)) والطبرسي((7)) وابن


1) إذ تشير بعض المصادر إلى وقوع حادثة ضرب ثنايا الإمام الحسين(علیه السلام) بمجلس عبيد الله بن زياد في الكوفة، ينظر، الدينوري، الاخبار الطوال: ص259؛ البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص207؛ المفيد، الارشاد: ج2، ص114-115؛ الطوسي، الامالي: ص252؛ الطبرسي، اعلام الورى: ج1، ص471؛ ابن حجر، فتح الباري: ج7، ص75.

2) مثير الاحزان: ص75.

3) تاريخ: ج4، ص351.

4) الارشاد: ج2، ص118.

5) الفتوح: ج2، ص180.

6) مقتل الحسين(علیه السلام): ج2، ص55.

7) اعلام الورى: ج1، ص473.

الأثير((1)) أنّ زحر ابن قيس الجعفي هو من حمل تلك الرؤوس، وهو الرأي الأغلب بين المؤرِّخين، بينما أشار البلاذري((2)) وابن عساكر((3)) والذهبي((4))، إلى أنّ محفز بن ثعلبة هو من حمل تلك الرؤوس وليس زحر.

ومن هنا يتضح لنا أنَّ ابن نما قد خالف الأغلبية في تحديده لحامل الرؤوس دون أن يفصِّل لنا في ذلك.

3- التوضيحات والتعريفات والتعليلات: من ضمن منهج المؤرِّخ أنْ يوضِّح بعض المفردات والمصطلحات التي ترد في مؤلَّفه لاسيما التي تحتاج إلىذلك، كما عليه أنْ يفسِّر ويعلِّل بعض الأحداث والأخبار التي تحتاج إلى تعليل تاريخي منطقي. وهذا ما فعله وطبَّقه ابن نما في بعض الحالات والأخبار والروايات التي أوردها في مقتله والتي منها:

حديثهُ عن الشخصيتين اللتين بعث معهما الوالي عبيد الله بن زياد رأسي مسلم ابن عقيل وهانئ بن عروة، نجد أنَّه عرَّف أحدهما نسباً وهي شخصية الزبير بن الأروح التميمي - أحد بني مالك بن سعد((5)).

وفي معرض حديثه عن شخصية عامر بن نهشل (من معسكر الأعداء) سمَّاه بأنَّه أحد بني تيم اللات من ثعلبة، على حين وصف إحدى الشخصيات من معسكر الإمام الحسين(علیه السلام)، وهو أبو عمر النهشلي من الناحية العسكرية قائلاً: «يقاتل قتالاً شديداً لا يحمل على قوم إلا كشفهم...»((6))، أما من الناحية الدينية فأشار


1) الكامل في التاريخ: ج4، ص83.

2) انساب الاشراف: ج3، ص214.

3) تاريخ مدينة دمشق: ج57، ص97-98.

4) سير أعلام النبلاء: ج3، ص315.

5) ابن نما، مثير الاحزان: ص27.

6) ابن نما، مثير الاحزان: ص43.

إليه بأنَّه كان: «متهجدا كثير الصلاة...»((1))، كذلك وصفه «لبرير بن خضير، وكان زاهداً يُقالُ له سيِّد القرَّاء...»((2))، وفي ذكره ليزيد بن المهاجر- الذي التحق بمعسكر الإمام الحسين متأخِّراً - قال عنه:«وكان يُكنَّى أبا الشعثاء من بني بهدلة من كندة»((3)).

التعليلات والإنفرادت الروائية: لم نلحظ الكثير من التعليلات والتفسيرات التاريخية في كتاب (مثير الأحزان) لابن نما باستثناء تعليل يتعلَّق بحجِّ الإمام الحسين(علیه السلام) الذي جعله عمرةً، فقد علّل ابن نما ذلك بقوله: «ولما أرادالخروج من مكة طاف وسعى وأحلَّ من إحرامه، وجعل حجَّه عمرة؛ لأنَّه لم يتمكَّن من إتمام الحجِّ مخافة أن يُقبَض عليه»((4)).

أمّا الروايات التي انفرد بها فهي الأخرى كانت محدودة، منها إشارته((5)) إلى أنَّ الطرماح بن عدي الذي التقى بالإمام الحسين(علیه السلام) هو ابن الحكيم((6)) وليس ابن عدي الذي صرَّحت به أغلب المصادر((7))، مع أنَّ الطرماح بن الحكيم كان شامياً ومعتقداً


1) المصدر نفسه: ص43.

2) المصدر نفسه: ص45.

3) المصدر نفسه: ص46.

4) المصدر نفسه: ص27.

5) المصدر نفسه: ص28.

6) الطرماح بن حكيم بن الحكم بن نقر بن قيس بن جحدر الطائي (أبو نفر، أبو ضبيعة) من فحول الشعراء الإسلاميين وفصحائهم، وهو شاميٌّ قحطاني، وُلِد ونشأ في الشام، وانتقل إلى الكوفة، وكان معلماً فيها، اعتقد مذهب الخوارج الشراة من الأزارقة، واتصل بخالد بن عبد الله القسري، فكان يكرمه ويستجيد شعره، وكان معاصراً للكميت، صديقا له، الجاحظ، البيان والتبين: ص39؛ ابن حمدون، التذكرة الحمدونية: ج2، ص47؛ البغدادي، خزانة الادب: ج8، ص75.

7) البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص172؛ الطبري، تاريخ: ج4، ص305؛ ابن أعثم، الفتوح: ج5، ص79؛ الخوارزمي، مقتل الحسين(علیه السلام): ج1، ص333-334؛ ابن الاثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص50؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص187.

بالمذهب الخارجي؛ فمن غير الممكن التقاؤه بالإمام(علیه السلام)، ويبدو أنَّ ابن نما قد وقع في اشتباه.

وأشار إلى أنّ الإمام الحسين(علیه السلام) أراد التراجع عن محاربة آل أمية - لفقد أحبته - والرجوع إلى بلده لقوله: «ثم أراد(علیه السلام) الرجوع حزنا وجزعا؛ لفقد أحبته، والمضي إلى بلدته، ثمَّ ثاب إليه رأيه الأول وقالعلى ما كنت عليه المعوَّل، وقال متمثِّلاً:

سأمضي وما بالموت عارٌ على الفتى *** إذا ما نوى حقاً وجاهدَ مسلما

وواسى الرجالَ الصالحين بنفسِهِ *** وفارقَ مثبوراً وخالفَ مجرما

فإن متُّ لم أندم وإن عشتُ لم أُلَم *** كفى بك موتاً أن تُذلَّ وتُرغَما»((1)).

ولعلَّ هذه الزيادة من ابن نما هي تحليله الشخصي لموقف الإمام(علیه السلام)؛ وذلك لكون أغلب المصادر((2)) التي أوردت تلك الأبيات الشعرية لم تذكر هذه الزيادة، وحدَّدت سبب إلقاء تلك الأبيات الشعرية هو الحوار الذي جرى بين الإمام الحسين(علیه السلام) والحرِّ بن يزيد الرياحي.

كما أنّ هذه المقولة من غير المعقول أنْ تصدر من شخص الإمام الحسين(علیه السلام)؛ لكونها لا تتفق مع أخلاق ونبل وسُمُوِّ روحه الطاهرة، وثباته على العقيدة، وتضحيته بكلِّ ما يملك في سبيل الدين والمبدأ. فضلاً عن أنّ هذه المقولة لا أصل تاريخي لها، ولا سند روائي؛ لذا تُعتَبر ساقطة تاريخياً، ولا يترتَّب عليها أيُّ أثر، بل


1) ابن نما، مثير الاحزان: ص33.

2) البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص171؛ الطبري، تاريخ: ج4، ص305؛ ابن اعثم الكوفي، الفتوح: ج5، ص79؛ الصدوق، الامالي: ص218؛ ابن قولويه، كامل الزيارات: ص193؛ المفيد، الارشاد: ج2، 81؛ مسكويه، تجارب الامم: ج2، ص64؛ الفتال النيسابوري، روضة الواعظين: ص179؛ الطبرسي، اعلام الورى: ج1، ص450.

هي أشبه بالتحليل الشخصي لابن نما.

الروايات الضعيفة والمشكوك بها: أورد ابن نما بعض الأخبار والروايات التي فيها نوع من الشكِّ والضعف، منها:أ- رواية الإقتراحات التي طرحها الإمام الحسين(علیه السلام) لعمر بن سعد، بخصوص إنهاء الصراع الدائر بينهما، ونصُّها: «إنَّ الحسين(علیه السلام) لما علم أنَّهم مقاتلوه، وسأل عمر ابن سعد المهادنة وترك القتال بواحدة من ثلاث أنْ يرجع إلى موضعه الذي جاء منه، أو يمضى إلى بعض البلاد يكون كأحدهم، أو يمضى إلى يزيد فيرى فيه رأيه، فقال عمر ابن سعد أخاف أن تُهدَم داري...»((1)).

هذه الرواية أوردتها بعض المصادر((2)) ومنها ابن نما في مؤلَّفه، لكنَّه لم يعلِّق عليها. ونحن نشكُّ بصحتها؛ إذ كيف للإمام الحسين(علیه السلام) أن يضع يده بيد الحاكم الجائر الظالم وقدخرج من أجل تغيير وإصلاح أوضاع الأمَّة الإسلامية آنذاك؟ فضلاً عن ذلك أنَّ أبا مخنف قد أورد هذه الرواية ولكن شكَّك في صحتها قائلاً: «فأما عبد الرحمن بن جندب فحدثني عن عقبة بن سمعان قال صحبت حسينا فخرجت معه من المدينة إلى مكة، ومن مكة إلى العراق ولم أفارقه حتى قُتِل، وليس من مخاطبته الناس كلمة بالمدينة ولا بمكة ولا بالطريق ولا بالعراق ولا في عسكر إلى يوم مقتله إلا وقد سمعتها، ألا والله ما أعطاهم ما يتذاكر الناس وما يزعمون من أن يضع يده في يد يزيد ابن معاوية، ولا أن يسيِّروه إلى ثغر من ثغور المسلمين،ولكنَّه قال دعوني فلأ ذهب في


1) ابن نما، مثير الاحزان: ص36.

2) ذكرت بعض المصادر هذه الرواية مع اختلاف يسير في بعض جزئياتها، ينظر، البلاذري، انساب الاشراف: ج3، ص182؛ الطبري، تاريخ: ج4، ص313-314؛ ابن أعثم الكوفي، الفتوح: ج5، ص92-93؛ ابن الاثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص54-55.

هذه الأرض العريضة حتى ننظر ما يصير إليه أمر الناس...»((1))، وكان الأجدر بابن نما أن يُشكِّك في هذه الرواية كما فعل أبو مخنف إلا أنَّه ترك ذلك.

ب - رواية تخصُّ السيدة زينب بنت عقيل(علیه السلام) والتي فور سماعها بنبأ مقتل الحسين(علیه السلام) «خرجت امرأة من بنات عبد المطلب قيل: هي زينب بنت عقيل، ناشرة شعرها، واضعة كمَّها على رأسها تتلقاهم، وهي تبكي وتقول: ماذا تقولون إذ قال النبي لكم ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم

بعترتي وبأهلي بعد مفتقَدي *** منهم أسارى ومنهم ضُرِّجوا بدمِ»((2)).

ومن خلال مراجعتنا لبعض المصادر التي تعرضت لهذه الرواية نجدها قد اختلفت في سردها لتلك الرواية فمثلاً ابن قتيبة((3)) وابن عساكر((4)) والزمخشري((5)) وأبو الفداء((6)) لم يشيروا إلى أنَّ تلك العلوية قد نشرت شعرها، أمّاالمسعودي((7)) والمفيد((8)) والفتال النيسابوري((9)) وابن الجوزي((10))، فقد وصفوها بأنَّها خرجت(حاسرة الرأس)، على حين نرى أنَّ ابن أعثم((11)) نسب تلك الأبيات إلى الإمام علي


1) الطبري، تاريخ: ج4، ص313.

2) ابن نما، مثير الاحزان: ص75.

3) عيون الاخبار: ج1، ص311.

4) تاريخ مدينة دمشق: ج69، ص178.

5) ربيع الابرار: ج4، ص129.

6) المختصر في اخبار البشر: ج1، ص191.

7) مروج الذهب: ج3، ص68.

8) الارشاد: ج2، ص124.

9) روضة الواعظين: ص192.

10) المنتظم: ج5، 344.

11) الفتوح: ج5، ص131.

ابن الحسين(علیه السلام) وليس لبنت عقيل ابن أبي طالب، وعلى كلا التقديرين من المصادر واختلافهما نستبعد صدور مثل هذا التصرف من قبل بنت عقيل(علیه السلام) التي تربَّت في بيت الطهارة والعفَّة، لاسيما ومن خلال اختلاف الروايات في التعبير نرى انّ هذه الرواية قد نُقِلت بالمعنى وليس باللفظ، ومن المؤكَّد أن يحصل تغيير في التعبير والمحتوى العام للرواية.

ت - روى ابن نما روايةً وصفت تعرُّض نساء وبنات الحسين(علیه السلام) إلى هجوم الأعداء بقوله: «وبقينَ عرايا تراوحهنَّ رياح النوائب...»((1)).

لعلَّ القريحة الشعرية لابن نما الممزوجة بالعاطفة قد لعبت دوراً كبيراً في تصويره حال نساء الحسين(علیه السلام)، وإلّا فمن غير الممكن أنْ يصلنَ بنات آل الرسول إلى هذه الحال - على الرغم من أنّ آل أميَّة لادين لهم إلاّ أنّ الإرادة الإلهية تأبى ذلك - التي فيها مذلَّة ومهانة كبيرة لهنَّ.

وهذه أبرز النقاط الأساسية في منهج ابن نما في مصنَّفه (مثير الأحزان)، وفي سرده لأخبار وأحداث المقتل، علماً بأنَّ مقتله اتَّسم بالإختصار وعدم الإسهاب، ولعلَّ ذلك يعود إلى ما أوضحه مؤلِّفه في المقدِّمة من أنَّه جاء ليشير إلى ما أهمله المؤرِّخون الذين سبقوه في تصنيف كتب المقاتل الحسينية.


1) مثير الاحزان: ص58.

الخاتمة وأهم النتائج

في ختام دراستنا هذه لا بدَّ من الإشارة إلى بعض النتائج التي توصّلنا إليها منها:

1- كشفت الدراسة عن انتساب بعض كتب المقاتل إلى مؤلِّفين لم يكونوا قد صنَّفوها أو ألَّفوها مثل:مقتل الإمام الحسين(علیه السلام) المنسوب لأبي مخنف، ونور العين في مشهد الحسين(علیه السلام) المنسوب للإسفراييني، وقد ثبت ذلك بالأدلَّة والقرائن العلمية والتاريخية.

2- إنَّ موضوع هذه الدراسة بيَّن أنَّ كتب المقاتل لها مناهج ومحاور خاصة مثل بقية الإختصاصات والتقسيمات من قبيل كتب الطبقات و التراجم وكتب التاريخ المحلي وغيرها.

3- سلَّطت هذه الدراسة الأضواء على العديد من أسماء كتب المقاتل الحسينية المفقودة، وبحثت عن مروياتها المتناثرة في بطون المصنَّفات التاريخية، وجمعتها بعد مناقشة رواياتها التي تطلَّبت التحقيق والتحليل.

4- اتضح لنا من خلال استعراض مؤلِّفي كتب المقاتل الحسينية المفقودة أو التي وصلت إلينا، أنَّها لم تقتصر على مؤلِّفي الشيعة الإمامية فقط، بل شملت عدداً من مؤلِّفي المذاهب والطوائف الإسلاميةالأخرى.

5- لا يوجد قرن من القرون - بحدود المدَّة الزمنية للأطروحة أي حتى القرن السابع الهجري - إلا وألَّف المؤرِّخون فيه كتاباً عن المقتل الحسيني، وهذا يدلُّ على عدم توقُّف عجلة التأليف والإبداع والتصنيف في موضوع المقتل الحسيني، وأنَّها سارية في وجدان المجتمع وتتفاعل معه.

6- اختلفت احجام كتب المقاتل؛ وذلك يعود إلى ثقافة وعصر المؤلِّف وطبيعةالظرف التي دفعته للتأليف، فهناك الصغيرة مثل: كتاب تسمية فيمن قُتِل مع الإمام

الحسين(علیه السلام) لفضيل الرسان، وهناك المتوسطة الحجم مثل: اللهوف لابن طاووس، ومثير الأحزان لابن نما، وهناك الكبيرة مثل: كتاب مقتل الخوارزمي الذي يقع في جزأين.

7- مناقشة وتحليل العديد من الروايات والأخبار منها:حادثة الدليلَيين اللذين استأجرهما مسلم بن عقيل؛ ليدلّاه على الطريق إلى الكوفة، وحادثة تجسُّس معقل وكشف مكان مسلم بن عقيل، وخبر ضرب ثنايا الإمام الحسين(علیه السلام) في مجلس يزيد ابن معاوية، وغيرها.

8- التركيز على الروايات التي انفرد بها بعض مؤلِّفي كتب المقاتل، أو مؤرِّخي المصنَّفات الأخرى ومناقشتها وتحليلها وبيان مدى مصداقيتها.

9- توصَّلت الدراسة بالقرائن والأدلَّة التاريخية إلى وجود العديد من العناصر غير الكوفية التي اشتركت في حرب الإمام الحسين(علیه السلام)، ومنها الشامية واليمنية والمصرية والحجازية، ولم تكن الكوفة وحدها هي التي شنَّت الحرب وقاتلت الإمام(علیه السلام)، وإنَّما كان للإعلام الأموي والعباسي دور فعَّال ومؤثِّر في نشر فكرة أنَّ الكوفة هي من قتلت الإمام الحسين(علیه السلام) وأهل بيته الأطهار(علیهم السلام)، وأنَّ شيعته من قتلته(علیه السلام).

10- تفنيد بعض الروايات الضعيفة التي لا تليق بمكانة أهل البيت من قبيل إقدام النساء على (شقِّ الجيوب وهتك الخمور ولطم الوجوه)، أو الروايات التي فيها مبالغة في الأرقام والأعداد في عدد القتلى.

11- ناقشت الدراسة أيضاً - في بعض جوانبها - الروايات ذات الطابع الإعجازي التي أوردها بعض مؤلِّفي كتب المقاتل، أو المصنَّفات التاريخية، بوصف تلك الروايات من الدلائل الباهرة على مظلومية الإمام الحسين(علیه السلام)، وإشارتهاإلى الإمداد الغيبي الإلهي له؛ بوصفه إماما ربانيا للأمة مؤيَّداً من الله جلا وعلا، مما

يكسب نهضته(علیه السلام) طابعاً دينياً محضاً خالصاً لوجه الله تعالى.

12- ومن النتائج التي توصَّلت إليها الدراسة أنَّ التأثيرات الدينية المذهبية والسياسية لها أثر في حركة التدوين التاريخي مما أدَّى إلى حدوث نوع من التباين في المناهج والإتجاهات بين المراكز العلمية المختلفة في البلدان الإسلامية، الأمر الذي سبَّب نشأة مدارس تاريخية عدَّة، تميَّزت كلُّ مدرسة منها بمميزات خاصة، تبعاً للبيئة الفكرية والسياسية والمذهبية التي نشأت فيها، فانعكس ذلك على تدوين المقتل الحسيني بشكل واضح؛ إذ انتجت تلك التأثُّرات اتجاهاً خاصاً في تأليف المقتل الحسيني، ولُوحِظ أنَّ مدرسة العراق كانت الأكثر إنتاجاً في هذا النوع من التأليف، ولعلَّ العوامل الدينية، وثقافة وميول المؤرِّخين لها الأثر الأكبر في ذلك، لذلك تميَّزت المدة الواقعة بين القرنين الثاني والسابع الهجريين تميَّزت بغزارة التأليف في كتب المقاتل مقارنة مع القرون المتأخرة.

13- نستنتج من خلال عرضنا لمؤرِّخي ومؤلِّفي كتب المقتل الحسيني المفقودة أنَّ معظمها من الناحية الجغرافية كانت من نتاج العراق، أمّا من الناحية العقائدية فهم يميلون إلى الشيعة أو من مؤرخي الشيعة، مما يدلُّ على مدى تأثير الثقافة العقائدية على حركة التأليف والتدوين في هذا المجال، إلا أنَّ هذا لا ينفي وجود مؤلِّفين آخرين من مختلف البلدان والأقاليم، وهم يحملون توجُّهات مذهبية متباينة، قد ألَّفوا كتباً في هذا المجال، إلا أنَّهم قليلون مقارنةً بالمذهب الشيعي، ولعلَّ السبب في ذلك أنَّ العراق يمثِّل مركزاً لأهمِّ القواعد الشيعية مقارنة مع البلدان الأخرى، الأمر الذي جعل مؤرِّخيه يصنِّفوا في هذا المجال؛ تلبية لرغبة الرأي العام في العراق، فضلاً عن النزعة المذهبية التي تفرض على هؤلاء المؤرِّخين التأليف في هذا الجانب.

14- هناك العديد من المصنَّفات التاريخية على اختلاف زمانها قد حفظت لنا

أغلب روايات كتب المقاتل المفقودة، منها على سبيل المثال، تأريخ الطبري الذي حفظ لنا مقتل أبي مخنف، وبعض أخبار محمد بن هشام الكلبي، كما تضمَّن كتاب (تذكرة الخواص) للسبط ابن الجوزي بعض مرويات تلك المقاتل من قبيل مرويات محمد بن هشام الكلبي، والواقدي، والمدائني، وغيرها.

15- إنَّ روايات كتب المقاتل المفقودة التي أُلِّفَت من القرن الثاني الهجري وحتى القرن السابع الهجري تُعدُّ من الأخبار الموثوق بها والتي يمكن الإعتماد عليها - باستثناء بعضها - لمحدودية التلاعب والتحريف فيها؛ وسبب ذلك اتباعها منهج السند الروائي في عرض الروايات، بخلاف مرويات وأخبار القرون المتأخِّرة التي اتَّسمت بالضعف والإنتحال والوضع.

وتجدر الإشارة إلى أنَّ أغلب كتب المقاتل المفقودة فُقِدت في القرنين السادس والسابع الهجريين، مما يرجَّح أنَّ للغزو المغولي أثراً كبيراً في ذلك من؛ لتعرُّض الكتب والمكتبات إلى الدمار والحرق آنذاك((1)).الملاحق: أسماء كتب المقتل الحسيني المطبوعة والمفقودة من القرن (1 إلى 7) ه-


1) للوقوف على الآثار السلبية التي خلَّفها الغزو المغولي للمكتبات العلمية في بغداد، ينظر، ابن خلدون، العبر: ج3، ص537؛ ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة: ج7، ص51؛ درويش، عبد علي، تأثير الغزو المغولي على الحياة العلمية: ص494-510.

الملاحق: أسماء كتب المقتل الحسيني المطبوعة والمفقودة من القرن الأول حتى القرن السابع الهجري

ملخَّصُ الأطروحَة

يُعدُّ موضوع الأطروحة الموسوم ب-(تطوّر منهج الكتابة التاريخية لكتب المقتل الحسيني) من أهمِّ الموضوعات التاريخية، بل حتى العقائدية التي تستحقُّ الدراسة والتحليل والتحقيق، على طول الفترة الزمنيه، لسبب وآخر حتى أنَّها ارتبطت ارتباطاً وثيقا ومؤثِّراً لدفع عجلة النشاط الديني والثقافي والسياسي عند المسلمين عامة، وأتباع مذهب أهل البيت(علیهم السلام) خاصة، وقد أُحيط هذا الموضوع (المقتل) وعلى مرِّ الحُقَب التاريخية ببعض الشكوك والغموض والملابسات من قبل بعض المؤرِّخين، خصوصاً وأنَّ لهؤلاء توجُّهاتٍ وميولاً مذهبية وسياسية مختلفة؛ فمن المؤكَّد أنَّها تؤثِّر على كتاباتهم التاريخية عن المقتل وتحرفها عن مسارها الحقيقي.

وقد حاولتْ هذه الدراسة تسليط الضوء على العديد من الروايات والأخبار التي لا تتلاءم مع منهج النهضة الحسينية والمرتكزات التي سارت عليها، فضلا عن مخالفتها للحقائق التاريخية والمنطق العقلي.

كما خرجت الأطروحة ببعض النتائج المهمة والمفيدة والتي منها:

1- كشفت عن نسبة بعض كتب المقاتل إلى غيرمصنِّفيها أومؤلِّفيها، كمقتل الإمام الحسين(علیه السلام) المنسوب لأبي مخنف، ونور العين في مشهد الحسين(علیه السلام) المنسوب للأسفراييني، وقد أُثبِت ذلك بالأدلَّة والقرائن العلمية والتاريخية.

2- كما بيَّن موضوع هذه الأطروحة أنَّ كتب المقاتل لها منهج ومحور خاصٌّ كبقية الإختصاصات والتقسيمات من قبيل كتب الطبقات و التراجم، وكتب التاريخ المحلي وغيرها.

3- سلَّطتْ هذه الدراسة الأضواء على العديد من أسماء كتب المقاتل الحسينية المفقودة، وبحثت عن مروياتها المتناثرة في بطون المصنَّفات التاريخية، وجمعتْها بعد مناقشة رواياتها التي تتطلَّب التحقيق والتحليل.

4- اتضح لنا أنَّ المقاتل - ومن خلال استعراض مؤلِّفي كتب المقاتل الحسينية المفقودة أو التي وصلت إلينا - لم تقتصر على مؤلِّفي الشيعة الإمامية فقط، بل شملت مجمل مؤلِّفي المذاهب والطوائف الاسلامية الأخرى.

ملخص الاطروحة

5- لا يوجد قرن من القرون - بحدود المدة الزمنية للأطروحة، أي حتى القرن السابع الهجري - إلا وألَّفَ المؤرِّخون كتابا عن المقتل الحسيني، وهذا يدلُّ على عدم توقُّف عجلة التأليف والإبداع والتصنيف في حادثة المقتل الحسيني؛ لأنَّها تسري في وجدان المجتمع وتتفاعل معه.

6- اختلفتْ أحجام كتب المقاتل - وذلك يعود لثقافة وعصر المؤلِّف، وطبيعة الظرف الذي دفعه للتأليف - فهناك الصغيرة؛ كالتسمية فيمن قُتل مع الإمام الحسين(علیه السلام) لفضيل الرسان، وهناك المتوسطة الحجم كاللهوف لابن طاووس، ومثير الأحزان لابن نما، وهناك الكبيرة كمقتل الخوارزمي الذي يقع في جزئين.

7- لكلِّ مؤرِّخ من مؤلِّفي كتب المقاتل منهجٌ وأسلوبٌ خاصٌّ في مصنَّفه في عرضه للمادة التاريخية الخاصة بالمقتل وحيثياته ومقدِّماته.

8- مناقشة وتحليل العديد من الروايات والأخبار كحادثة الدلِيلَين اللذين استأجرهما مسلم بن عقيل ليدلَّاه على الطريق إلى الكوفة، وحادثة تجسُّس معقل وكشف مكان مسلم بن عقيل، وخبر ضرب ثنايا الإمام الحسين(علیه السلام) فيمجلس يزيد ابن معاوية وغيرها.

9- أشارت الدراسة بالقرائن والأدلّة التاريخية إلى وجود العديد من العناصر

غير الكوفية التي اشتركت في حرب الإمام الحسين(علیه السلام)، والتي منها الشامية واليمنية والمصرية والحجازية، ولم تكن العناصرالكوفية وحدها مَن شنَّت الحرب وقاتلت الإمام(علیه السلام)، ولكنَّ الإعلام الأموي والعباسي هو مَن بثَّ فكرة أنَّ العناصرالكوفية هي التي قتلتْ الإمام الحسين(علیه السلام) وأهل بيته الأطهار(علیهم السلام)، وبالتالي فإنَّ شيعته هم الذين قتلوه(علیه السلام).

المصادر والمراجع

أولاً: المصادر الأولية

القرآن الكريم.

ابن الأبار، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي بكر القضاعي، (ت658ﻫ/ 1260م).

1- درر السمط في خبر السبط، تحقيق:عز الدين عمر موسى، ط1، دار الغرب الإسلامي، (بيروت -1987 م).

ابن الأثير، عزُّ الدين أبو الحسن علي ابن أبي الكرم محمد بن عبد الكريم (ت: 630ﻫ/1232م).

2- اللباب في تهذيب الأنساب، دار صادر، (بيروت - د.ت).

3- الكامل في التاريخ، دار صادر، (بيروت - 1966م).

ابن الأثير، المبارك بن محمد (ت 606ﻫ/1209م).

4- النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي، محمود محمد الطناحي، ط4، (قم المقدسة - 1364 ش).

ابن الأحمر، إسماعيل بن يوسف أبو الوليد، (ت 807ﻫ/1404م).

5- مستودع العلامة و مستبدع العلامة، تحقيق محمد التركي التونسي ومحمد بن تاويت التطواني، جامعة محمد الخامس، (د.ت).

ابن إدريس الحلي، أبو عبد الله محمد بن إدريس، (ت598ﻫ/1202م).6- السرائر، تحقيق: لجنة التحقيق، ط2، مؤسسة النشر الإسلامى، (قم المقدسة -1989م).

الإدريسي، أبو عبد الله محمد، (ت560ﻫ/1165م).

7- نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، عالم الكتب، (بيروت -1989م).

الأردبيلي، أحمد (ت 993ﻫ/1603م).

8- مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان، تحقيق: الحاج آغا مجتبى العراقي، الشيخ علي پناه الاشتهاردي، الحاج آغا حسين اليزدي الأصفهاني، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة.

الأسفراييني، إبراهيم بن محمد (ت 418ﻫ/1027م).

9- نور العين في مشهد الحسين، مطبعة المنار، (تونس – د ت).

الأشعري، أبو الحسن علي بن إسماعيل (ت 324 ﻫ/935 م).

10. مقالات الإسلاميين واختلاف المصلِّين، تح: هلموت ريتر، ط3، دار إحياء التراث العربي، (بيروت – د ت).

الأصفهاني، أبو الفرج علي بن الحسين (ت 356 ﻫ/966 م).

11- الأغاني، دار إحياء التراث العربي، (د.ت).

12- مقاتل الطالبيين، تحقيق: كاظم المظفر، ط2، المكتبة الحيدرية، (النجف - 1974م).

ابن أعثم، أبو محمد احمد بن أعثم الكوفي (توفي بعد350ﻫ/926م).

13- الفتوح، تحقيق: علي شيري، دار الاضواء، (بيروت: 1991م).

ابن بابويه، منتجب الدين (ت585ﻫ/1187م).

14- الفهرست، تحقيق: سيد جلال الدين محدث الأرموي، (قم المقدسة - 1366 ش).الباجي، سليمان بن خلف بن سعد (ت 474ﻫ/1081 م).

15- التعديل والتجريح لمن خرج عنه البخاري في الجامع الصحيح، تحقيق: أحمد البزار.

الباعوني الشافعي، شمس الدين أبو البركات محمد بن احمد (ت 87ﻫ/ 1466م).

16- جواهر المطالب في مناقب علي بن أبي طالب(علیه السلام)، تحقيق: محمد باقر المحمودي، مجمع إحياء الثقافة الإسلامية، (قم المقدسة -1994م).

البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل (ت 256 ﻫ/869 م).

17- التاريخ الصغير، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، ط1، (بيروت - 1985م).

18- التاريخ الكبير، ط1، جمعية دائرة المعارف العثمانية، (حيدر اباد دكن - 1361 ﻫ).

19- الضعفاء الصغير، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، ط1، (بيروت - 1986م).

البرقي، ابو جعفر أحمد بن أبي عبد الله (ت 274ﻫ/884م).

20- الرجال، (طهران - د.ت).

البري، محمد بن أبي بكر التاهساني (توفى في القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي) -21- الجوهرة في نسب الإمام علي وآله، تحقيق، محمد التونجي، مكتبة النوري، (دمشق - د.ت).

ابن البطريق، شمس الدين يحيى بن الحسن الأسدي (ت 600 ﻫ/1203 م).

22- عمدة عيون صحاح الأخبار في مناقب إمام الأبرار، مؤسسة النشر الاسلامي، (قم المقدسة - 1986م).

البغدادي، عبد القادر بن عمر (ت 1090ﻫ/1693م).23- خزانة الأدب ولبُّ لباب لسان العرب، تحقيق: محمد نبيل طريفي/إميل بديع اليعقوب، ط1، دار الكتب العلمية، (بيروت - 1998م).

البلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر (ت 279 ﻫ/892م).

24- أنساب الأشراف، تحقيق: محمد حميد الله، دار المعارف بمصر، (د.ت).

البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين (ت 458ﻫ/1060م).

25- دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، تعليق: عبد المعطي قلعجي، ط1 دار الكتب العلمية، (بيروت - 1985م).

ابن تغري بردي، جمال الدين أبو المحاسن يوسف (ت874ﻫ/1469م).

26- النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، (المؤسسة المصرية العامة، للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، د.ت).

التنوخي، علي المحسن بن علي (ت 384ﻫ/986م).

27- الفرج بعد الشدة، ط2، (قم المقدسة -1364ش).

28- المستجاد من فعلات الأجواد، تحقيق: محمد كرد علي، 1970م.

التفتازاني، أسعد الدين (ت792ﻫ/1410م).

29- مختصر المعاني، ط1، (قم المقدسة -1411ﻫ).

ابن تيمية، تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية (ت 728ﻫ/1338م).

30- رأس الحسين(علیه السلام)، تحقيق: السيد الجميلي، ط1، (بيروت -1985م).

الثقفي، أبو إسحاق إبراهيم بن محمد (ت283ﻫ/896م).

31- الغارات، تحقيق: جلال الدين المحدث، مطبعة بهمن، (قم: د.ت).

الجاحظ، عمرو بن بحر بن محبوب (ت 255ﻫ/868 م).32- البيان والتبيين، ط1، المكتبة التجارية الكبرى، (القاهرة -1926 م).

33- العثمانية، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الكتاب العربي، (القاهرة - د.ت).

الجرجاني، أحمد بن عدي (ت 365 ﻫ/975 م).

34- الكامل في ضعفاء الرجال، تحقيق: يحيى مختار غزاوي ط3، دار الفكر، (بيروت -1988م).

ابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي بن محمد (ت 597 ﻫ/1200م).

35- المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، ط1، دار الكتب العلمية، (بيروت – 1991م).

36- الموضوعات، تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان، ط1، (المدينة المنورة -1966م).

الجوهري، إسماعيل بن حماد (ت393 ﻫ/995م).

37- الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية تحقيق: أحمد عبد الغفور العطار، ط4، دار العلم للملايين (بيروت -1987م).

الجوهري، أبو بكر أحمد بن عبد العزيز (ت 323ﻫ/925م).

38- السقيفة وفدك، تحقيق: محمد هادي الأميني، ط2، (بيروت -1993م).

أبو حاتم الرازي، عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر (ت327ﻫ/929م).

39- الجرح والتعديل، ط1، دار إحياء التراث العربي، (بيروت -1952م).

ابن حبان، محمد بن أحمد بن أبي حاتم البستي (ت 354ﻫ/965م).40- الثقات، ط1، مجلس دائرة المعارف العثمانية، (الهند -1313ﻫ).

41- المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، (د.ت).

42- مشاهير علماء الأمصار أعلام فقهاء الأقطار، تحقيق: مرزوق علي إبراهيم، ط1، دار الوفاء، 1990م.

الحاكم النيسابوري، أبو عبد الله محمد بن عبد الله (ت405 ﻫ/1014م).

43- المستدرك على الصحيحين، تحقيق: يوسف عبد الرحمن المرعشلي، (بيروت - د.ت).

ابن حبيب البغدادي، محمد (ت 245ﻫ/847م).

44- المحبر، مطبعة الدائرة، (د.ت).

ابن حجر، شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر، (ت852ﻫ/1448م).

45- الإصابة في تمييز الصحابة، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، وعلي محمد معوض، ط1، دار الكتب العلمية، (بيروت - 1994م).

46- تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة، دار الكتاب العربي (بيروت - د.ت)

47- تهذيب التهذيب، ط1، دار الفكر للطباعة (بيروت -1984م).

48- تقريب التهذيب، دراسة وتحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، الطبعة: الثانية، سنة الطبع: 1995 م، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت.

49- لسان الميزان، ط2، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، (بيروت -1971م).

الحلي، ابن داود (ت707ﻫ/1307م).

50- رجال ابن داود، المطبعة الحيدرية، (النجف الاشرف -1972م).ابن أبي الحديد، عبد الحميد بن هبة الله (ت 656ﻫ/1258م).

51- شرح نهج البلاغة للإمام علي(علیه السلام)، تحقيق: نخبة من الأفاضل، ط1، (قم المقدسة -1362ش).

ابن حزم، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد (ت: 456ﻫ/1063م).

52- جمهرة أنساب العرب، تحقيق: لجنة من العلماء، ط1، (بيروت -1983م).

ابن حمدون، محمّد بن الحسن بن محمّد بن علي (ت 562ﻫ/1165م).

53- التذكرة الحمدونية، تحقيق: إحسان عبّاس و بكر عبّاس، ط1، (بيروت -1996م).

ابن حمزة، عماد الدين أبو جعفر محمد بن علي (ت 560ﻫ/1162م).

54- الثاقب في المناقب، تحقيق: الأستاذ نبيل رضا علوان، ط2، (قم المقدسة -1991م).

الحميري القمي، أبو العباس عبد الله بن جعفر الحميري (متوفى في القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي).

55- قرب الإسناد، تحقيق: مؤسسة آل البيت(علیه السلام) لإحياء التراث، ط1، (قم المقدسة -1413ﻫ/1993م).

الحميري، محمد بن عبد المنعم (ت: 911ﻫ/1505م).

56- الروض المعطار في خبر الأقطار، تحقيق: إحسان عباس، ط3 (بيروت 1984 م).

الحنبلي، أبو الفلاح عبد الحي بن العماد (ت 1089ﻫ/1678م).57- شذرات الذهب في أخبار من ذهب، دار إحياء التراث العربي - (بيروت، د.ت).

ابن خرداذبة، أبو القاسم عبيد الله (ت300ﻫ/912م).

58- المسالك والممالك (ليدن، يريل، 1889).

الخزاز القمي، أبو القاسم علي بن محمد بن علي (متوفى في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي).

59- كفاية الأثر في النصِّ على الأئمة الاثني عشر، تحقيق: السيد عبد اللطيف الحسيني الكوهكمري الخوئي، (قم المقدسة -1401ﻫ).

ابن الخشاب البغدادي، أبو محمد عبد الله بن النصر (ت 567ﻫ/1169م).

60- تاريخ مواليد الأئمة (المجموعة)، (قم المقدسة/1985م).

الخصيبي، الحسين بن حمدان (334ﻫ/936م).

61- الهداية الكبرى، مؤسسة البلاغ، ط4 (بيروت – 1991م).

الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي (ت463ﻫ/1070م).

62- تاريخ بغداد، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، ط1 (بيروت - 1997م).

63- الكفاية في علم الدراية، تحقيق: أحمد عمر هاشم، ط1، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1405 - (بيروت - 1985 م).

ابن خلدون، عبد الرحمن (ت 808ﻫ/1410م).

64- العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، دار احياء التراث العربي، (بيروت - د.ت)

ابن خلكان، شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر (ت 681ﻫ/1282م).

65- وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق: إحسان عباس، دار الثقافة، (بيروت - د ت).

ابن خليل، محمد بن عبد الله بن خليل، (توفي بعد سنة 685ﻫ/1286م).

66- اختصار القدح المعلى في التاريخ المحلى، تحقيق إبراهيم الأبياري، اختصره محمد بن عبد الله بن خليل،د0ط، دار الكتاب اللبناني، (بيروت، د.ت).

الخوارزمي، أبو المؤيد الموفق بن أحمد المكي، (ت: 568ﻫ/1172م).

67- مقتل الحسين(علیه السلام)، تحقيق: محمد السماوي، انتشارات أنوار الهدى، ط5، (قم - 2010م).

ابن خياط، أبو عمرو خليفة بن خياط العصفري، (ت: 240ﻫ/854م).

68- تاريخ خليفة بن خياط، تحقيق: سهيل زكار، دار الفكرللطباعة والنشر والتوزيع، (بيروت - 1993 م).

69- طبقات، تحقيق: سهيل زكار، دار الفكر، (بيروت 1414 - 1993 م).

الدارقطني، علي بن عمر، (ت 385ﻫ/995م).

70- سنن الدارقطني، تحقيق: مجدي بن منصور سيد الشوري، ط1، دار الكتب العلمية، (بيروت - 1996م).

الدميري، كمال الدين (ت 808ﻫ/1411م)

71- حياة الحيوان الكبرى، ط2، دار الكتب العلمية، (بيروت - 1424ﻫ/2003م).

ابن أبي الدنيا، عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان (ت281ﻫ/883م).

72- الهواتف، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، ط1، (بيروت - 1413ﻫ/ 1992م).

الدينوري، أحمد بن داود، (ت 282ﻫ/895م).

73- الأخبار الطوال، تحقيق عبد المنعم عامر، مراجعة جمال الدين الشيال، ط1، دار أحياء التراث العربي، (القاهرة، 1960م).

الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان (ت 748 ﻫ/1347م).

74- تاريخ الإسلام، تحقيق: د. عمر عبد السلام تدمري، ط1، دار الكتاب العربي (بيروت - 1987م).

75- سير أعلام النبلاء، تح: شعيب الارنؤوط وآخر، ط9، مؤسسة الرسالة، (بيروت – 1993م).

76- الكاشف في معرفة من له رواية في كتب الستة، ط1، دار القبلة الثقافية الإسلامية، (جدة – 1992).

77- المختصر المحتاج من تاريخ ابن الدبيثي، دراسة وتحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، ط1، (بيروت - 1997م).

78- المغني في الضعفاء، تحقيق: أبي الزهراء حازم القاضي ط1، دار الكتب

العلمية، (بيروت - 1997م).

79- ميزان الإعتدال في نقد الرجال، تحقيق: علي محمد البجاوي، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1382 - 1963 م، الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر - (بيروت - 1963م).

الرسان، فضيل بن الزبير بن عمر بن درهم (توفي في القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي).

80- تسمية من قُتل مع الحسين بن علي(علیه السلام) من ولده وأخوته وأهل بيته وشيعته، تحقيق: محمد رضا الحسيني الجلالي، مجلة تراثنا، س1، ع2، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، قم، 1406ﻫ/1986م.

ابن رشيد، أبو عبد الله محمد بن عمر بن رشيد الفهري، (ت721ﻫ/1347م).

81- ملء العيبة بما جمع بطول الغيبة في الوجهة الوجيهة، تقديم وتحقيق محمد الحبيب بن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، (بيروت، 1988م).

ابن الزبعرى، عبد الله بن الزبعرى بن قيس (ت15ﻫ/618م).

82- ديوان، تحقيق: يحيى الجبوري، مؤسسة الرسالة، (بيروت - د.ت).

الزبيدي، محمد مرتضى الحسيني (1205ﻫ/1807م).

83- تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق: علي شيري، دار الفكر

(بيروت - 1994م).

الَزبِير، عبد الله بن الأشيم (ت 75ﻫ/678م).

84- ديوان، جمع وتحقيق: يحيى الجبوري، دار الحرية للطباعة (بغداد - 1975م).

الزبيري، مصعب بن عبد الله (ت: 236ﻫ/850م).

85- نسب قريش، تحقيق: ليفي بروفنسال، دار المعارف، (القاهرة - د.ت).

زكريا، أبو الحسين أحمد فارس (ت395ﻫ/1004م).

86- معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، مكتبة الاعلام الإسلامي 1983م.

الزمخشري، محمد بن عمر (ت 538ﻫ/1143م).87- ربيع الأبرار ونصوص الأخبار، تحقيق: عبد الأمير مهنا، ط1، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، (بيروت - 1992م).

88- أساس البلاغة، دار ومطابع الشعب (القاهرة - 1960م).

سبط بن الجوزي، يوسف بن عبد الله البغدادي (ت654ﻫ/1256م).

89- تذكرة الخواص، تقديم: محمد صادق بحر العلوم، (طهران. د.ت).

السبكي، تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي، (ت771ﻫ/1369م).

90- طبقات الشافعية الكبرى، تحقيق محمود محمد الطناحي و عبد الفتاح محمد الحلو، دار أحياء الكتاب العربي، (د.ت).

السخاوي، شمس الدين (ت 902 ﻫ/1496م).

91- التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة، ط1، دار الكتب العلمية، (بيروت - 1993).

ابن سعد، محمد بن سعد بن منيع البصري، (ت: 230ﻫ/844م).

92- الطبقات الكبرى، دار صادر (بيروت - 1957م).

93- ترجمة الإمام الحسين(علیه السلام)، تحقيق، عبد العزيز الطباطبائي، مؤسسة آل البيت قم -، 1993م).

ابن سعيد، علي بن موسى بن محمد بن عبد الملك، (ت685ﻫ/1286م).

94- رايات المبرزين وغايات المميزين، تحقيق وتعليق محمد رضوان الداية، ط1، دار طلاس، 1987م.

السيد الحميري، إسماعيل بن محمد بن يزيد (ت173ﻫ/776م).

95- ديوان، شرحه وضبطه وقدَّم له: ضياء حسين الأعلمي، مؤسسة الأعلمي، (بيروت - 1999م).

ابن سلام، لأبي عبيد القاسم (ت224ﻫ/838م).

96- غريب الحديث، تحقيق: محمد عبد المعيد خان، ط1، دار الكتاب العربي، بيروت.

السمعاني، ابو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي (ت 562ﻫ/1165م).

97- الأنساب، تقديم وتعليق: عبد الله عمر البارودي، ط1، (بيروت - 1988م).

السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (ت 911ﻫ/1505م).

98- تاريخ الخلفاء، تحقيق: لجنة من الأدباء، مطابع معتوق اخوان - (بيروت - د.ت).

99- طبقات المفسرين، راجع النسخة وضبط أعلامها: لجنة من العلماء بإشراف الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت.

100- المحاضرات والمحاورات، تحقيق: يحيى الجبوري، الطبعة: الأولى، سنة الطبع 2003 م، الناشر: دار الغرب الإسلامي.

101- لب اللباب في تحرير الأنساب، د ط، مط: دار صادر، (بيروت - د.ت).

الشريف الرضي، (ت 406ﻫ/1009م).

102- حقائق التأويل في متشابه التنزيل، تحقيق: محمد رضا آل كاشف الغطاء، دار المهاجر، بيروت.

ابن شهر آشوب، أبو جعفر محمد بن علي (ت: 588ﻫ/1192م).

103- معالم العلماء، (قم - د.ت).

104- مناقب آل أبي طالب، قيق: تصحيح وشرح ومقابلة: لجنة من أساتذة النجف الأشرف، سنة الطبع: 1376 - 1956 م، المطبعة: الحيدرية - النجف الأشرف.

الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم (ت 548ﻫ/1153م).

105- الملل والنحل، تحقيق: محمد سيد كيلاني، المطبعة: دار المعرفة، الناشر: دار المعرفة - بيروت – لبنان.

الشهيد الثاني، زين الدين بن علي بن أحمد الجبعي العاملي (ت 965ﻫ/ 1575م).

106- الرعاية في علم الدراية، تحقيق: عبد الحسين محمد علي بقال، ط2، (قم المقدسة - 1408ﻫ).

الصاحب بن عباد، إسماعيل بن عباد بن العباس (ت385ﻫ/989م).

107- ديوان، تحقيق: محمد حسن آل ياسين، ط1، دار القلم (بيروت - د.ت).

ابن الصباغ المالكي، علي بن محمد بن أحمد المالكي (ت 855ﻫ/1457م).

108- الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة، تحقيق: سامي الغريري، ط1، (ايران - 1422ﻫ).

الصدوق، محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (ت381 ﻫ/983م).

109- الأمالي، تحقيق: قسم الدراسات الإسلامية، ط1، مؤسسة البعثة – (قم المقدسة - 1417ﻫ).

110- ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، تحقيق: محمد مهدي السيد حسن الخرسان، ط2، (قم المقدسة - 1368 ش).

111- الخصال، تحقيق: علي أكبر الغفاري، (قم المقدسة - 1403ﻫ/1982م).

112- علل الشرائع، تحقيق: محمد صادق بحر العلوم، المكتبة الحيدرية، (النجف الأشرف - 1966 م).

113- عيون أخبار الرضا(علیه السلام)، تحقيق: حسين الأعلمي، مؤسسة الأعلمي، (بيروت - 1984م).

114- الهداية، تحقيق: مؤسسة الإمام الهادي(علیه السلام)، ط4، (قم المقدسة - 1418ﻫ/1987م).

الصفار، أبو جعفر محمد بن الحسن بن فروخ (ت 290ﻫ/903م).

115- بصائر الدرجات الكبرى في فضائل آل محمد(علیهم السلام)، تصحيح وتعليق وتقديم: الحاج ميرزا حسن كوچه باغي، (طهران - 1404ﻫ).

الصولي، محمد بن يحيى (ت 335ﻫ/937م).

116- كتاب الأوراق، تحقيق: ج. هيورث. دن، (القاهرة - 2004م).

الصفدي، صلاح الدين خليل بن ايبك (ت 764ﻫ/1362م).

117-الوافي بالوفيات، تحقيق: أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى (بيروت - 1420 - 2000م).

ابن طاووس، رضي الدين علي بن موسى (ت 664ﻫ/1265م).

118- الإقبال بالأعمال الحسنة، مكتب الأعمال الاسلامي، (قم: د.ت).

119- سعد السعود، د.ط، منشورات الرضى، (قم، 1363ﻫ).

120- الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف، ط1، (قم، 1393ﻫ).

121- فرج المهموم في تاريخ علماء النجوم، منشورات الرضي، (قم - 1363ش).

122- كشف المحجة لثمرة المهجة، د0ط،المطبعة الحيدرية، (النجف، 1950م).

123- اليقين، تحقيق: الأنصاري، دار الكتاب الجزائري، مؤسسة الثقلين.124- اللهوف على قتلى الطفوف، ط1، (قم المقدسة 1417ﻫ/1996م).

125- مهج الدعوات ومنهج العبادات، (د.ت).

ابن طاووس، السيد عبد الكريم بن طاووس الحسني، (ت693ﻫ/1298م).

126- فرحة الغري في تعيين قبر أميرالمؤمنين علي، تحقيق تحسين آل شبيب الموسوي، ط1، مركز الغدير، (د.م، 1998م).

الطبراني، سليمان بن أحمد (ت 360ﻫ/962م).

127- الأوائل، تحقيق: محمد شكور بن محمود الحاجي أمرير، ط1، (بيروت - 1403ﻫ).

128- المعجم الكبير، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، ط2، (بيروت - د.ت).

الطبرسي، أبو علي، الفضل بن الحسن (ت 548ﻫ/1053م).

129- إعلام الورى بأعلام الهدى، تحقيق: مؤسسة آل البيت، (د.ت).

الطبرسي: أبو منصور، أحمد بن علي (توفي في القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي).

130- الإحتجاج، النجف (د.ت).

الطبري، أبو جعفر جرير بن رستم الطبري (الشيعي) (توفي في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي).

131- دلائل الإمامة، تحقيق: قسم الدراسات الإسلامية، ط1، - مؤسسة البعثة - (قم - 1413ﻫ/1992م).

132- نوادر المعجزات في مناقب الأئمة الهداة، تحقيق (مؤسسة الإمام المهدي(عج))، (قم المقدسة - 1410ﻫ/1989م).

الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير (ت310ﻫ/922م).

133- تاريخ الرسل والملوك، تحقيق (نخبة من العلماء) مؤسسة الاعلمي، (بيروت - 1983).

134- جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق: الشيخ خليل الميس/ضبط وتوثيق وتخريج: صدقي جميل العطا، (بيروت - 1995م).

الطبري، محب الدين أحمد بن عبد الله (ت694ﻫ/1294م).

135- ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى، مكتبة القدس، (القاهرة - 1356ﻫ).

الطوسي، أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي (ت 460ﻫ/1067م).

136- اختيار معرفة الرجال، تحقيق: ميرداماد وآخرين، مؤسسة آل البيت(علیهم السلام)، (قم: 1404ﻫ).

137- الأمالي، تحقيق: قسم الدراسات الإسلامية - مؤسسة البعثة، ط1، (قم المقدسة - 1414ﻫ).

138- الفهرست، تحقيق: الشيخ جواد القيومي، ط1، (قم المقدسة - 1417ﻫ/1997م).

الطريحي، فخر الدين النجفي، (ت 1085ﻫ/1674م).

139- المنتخب، منشورات مكتبة الشريف (قم - 1423ﻫ/2003م).

ابن طيفور، احمد بن أبي طاهر (ت 280ﻫ/893م).

140- بلاغات النساء، مكتبة بصيرتي، (قم المقدسة - د.ت).

ابن عبد ربه، أبو عمر أحمد بن محمد (ت 328ﻫ/939م).

141- العقد الفريد، تحقيق: عبد المجيد الترحيني، ط1، دار الكتب العلمية، (بيروت - 1983م).

عبد الرحمن الدمشقي، زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بنشهاب الدين (ت 795ﻫ/1410م).

142- الذيل على طبقات الحنابلة، دار المعرفة، (بيروت - د.ت).

ابن العبري، غريغوريوس الملطي (ت 685ﻫ/1287م).

143- تاريخ مختصر الدول، دار الميسرة، (بيروت - د.ت).

144- الكشف الحثيث عمَّن رُمي بوضع الحديث، تحقيق: صبحي السامرائي، ط1، عالم الكتب، (بيروت - 1987م).

العجلي، أحمد بن عبد الله بن صالح أبو الحسن الكوفي (ت261ﻫ/874م).

145- معرفة الثقات، ط1، تحقيق:عبد العليم عبد العظيم البستوي، مكتبة الدار (المدينة المنورة - 1405ﻫ/1985م).

أبو العرب، محمد بن أحمد بن تميم التميمي (ت 333ﻫ/935م).

146- المحن، تحقيق يحيى وهيب الجبوري، ط3، (بيروت - 2006م).

ابن عساكر، أبو القاسم علي بن الحسين بن هبة الله (ت 571 ﻫ/1175م).

147- تاريخ مدينة دمشق، تحقيق: علي شيري، دار الفكر، (بيروت - 1415 ﻫ/1994م).

148- ترجمة الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق، تحقيق محمد باقر المحمودي، ط1،مؤسسة المحمودي، (بيروت، 1980م).

ابن عقيل، بهاء الدين عبد الله بن عقيل (ت 769ه- 1371م)

149- شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، ط14، (القاهرة - 1964م).

العقيلي، أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حماد، (ت322ﻫ/933م).

150- كتاب الضعفاء الكبير، تحقيق عبد المعطي أمين قلعجي، ط2، دار الكتب العلمية، (بيروت، 1418ﻫ/1998م).

العمري، أبو الحسن نجم الدين علي بن محمد العلوي (توفي في القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي).

151- المجدي في أنساب الطالبين، تح: احمد المهداوي الدامغاني، ط1، مط: سيد الشهداء، (قم – 1409 ﻫ/1989م).

ابن العديم، كمال الدين عمر بن أحمد بن أبي جرارة (ت 660ﻫ/1261م).

152- بغية الطلب في تاريخ حلب، تحقيق: سهيل زكار، مؤسسة البلاغ، (بيروت - 1988).

ابن عنبة، جمال الدين أحمد بن علي الحسيني (ت 828ﻫ/1424م).

153- عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب، تحقيق: محمد حسين آل الطالقاني، ط3، (النجف – 1380ﻫ/1960م).

العلامة الحلي، أبو منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الأسدي (ت726ﻫ/1329م).

154- خلاصة الأقوال في معرفة الرجال، تحقيق: جواد القيومي، ط1، 1417ﻫ.

العيني، بدر الدين محمود (ت 855 ه/1451 م).

155- عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان، تحقيق: محمد محمد أمين، (القاهرة - 1987م).

الغبريني، أبو العباس أحمد بن أحمد بن عبد الله، (ت714ﻫ/1323م).

156- عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية، تحقيق عادل نويهض، ط2، منشورات دار الآفاق الجديدة، (بيروت، 1979م).

ابن الغضائري، أحمد بن الحسين (ت 450ﻫ/1058م).

157- رجال ابن الغضائري، ط2، مط: مؤسسة إسماعيليان، (قم -1364ﻫ).

الفارسي، أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل (ت 529ﻫ/1131م).

158- تاريخ نيسابور (المنتخب من السياق)، (1403ه- - 1362 ش/1983م).

الفتال النيسابوري، محمد بن الفتال (ت508ﻫ/1114م).

159- روضة الواعظين، تقديم: محمد مهدي - حسن الخرسان، منشورات الشريف الرضي (قم المقدسة - د.ت).

الفراهيدي، أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد (ت175ﻫ/791م).

160- العين، ط2، تحقيق (مهدي المخزومي - إبراهيم السامرائي)، مطبعة صدر، (مؤسسة الهجرة - 1409ﻫ/1989م).

الفرزدق، همام بم غالب (ت 114ﻫ/718م).

161- ديوان الفرزدق، شرحه وضبطه: علي فاعور، ط1، دار الكتب العلمية (بيروت - 1987).

ابن الفقيه، أبو بكر أحمد بن محمد الهمداني (ت نحو 340ﻫ/951م).

162- مختصر كتاب البلدان، تحقيق: يوسف الهادي، ط1، عالم الكتب، (بيروت - 1996م).

الفيروز آبادي، مجد الدين محمد بن يعقوب الشيرازي (ت817ﻫ/1414م).

163- القاموس المحيط والقابوس الوسيط في اللغة. (د.ت).القاضي النعمان، أبو حنيفة النعمان محمد بن تميم المغربي، (ت363ﻫ/973م).

164- شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار، تحقيق: محمد الحسيني الجلالي،ط2، مؤسسة النشر الإسلامي، (قم، 1414ﻫ/1994م).

ابن قتيبة، أبو محمد عبد الله بن مسلم، (ت276ﻫ/889م).

165- الإمامة والسياسة، تحقيق محمد الزيني، د0ط، مؤسسة الحلبي، (د.ت).

166- المعارف، تحقيق ثروت عكاشة، ط2، دار المعارف، (القاهرة،1969م).

القضاعي، محمد بن سلامة بن جعفر (ت 454ﻫ/1056م).

167- عيون المعارف وفنون أخبار الخلائف - المعروف بتاريخ القضاعي، تحقيق: جميل عبد الله المصري، 1995 م.

القفطي، جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف، (ت624ﻫ/1266م).

168- إنباه الرواة على أنباه النحاة، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم،ط1،المكتبة العصرية، (بيروت - 2004م).

القلقشندي، أحمد بن عبد الله (ت: 821ﻫ/1418م).

169- صبح الأعشى في صناعة الإنشا، تحقيق: محمد حسين شمس الدين، دار الكتب العلمية، (بيروت - د.ت).

170- مآثر الأنافة في معالم الخلافة، تحقيق: عبد الستار أحمد فراج، سلسلة التراث العربي، (الكويت - 1964).

ابن قنفذ القسنطيني، أبو العباس أحمد بن علي الخطيب، (ت810ﻫ/1407م).

171- الفارسية في مبادئ الدولة الحفصية، تحقيق محمد الشاذلي وعبد المجيدالتركي، د.ط، الدار التونسية للنشر، (تونس، 1968م).

172- كتاب الوفيات، تحقيق عادل نويهض، ط4،دار الآفاق الجديدة، (بيروت، 1987م).

ابن قولويه، أبو القاسم، جعفر بن محمد (ت 368ﻫ/978م).

173- كامل الزيارات، تحقيق: الشيخ جواد القيومي، ط1، (قم المقدسة - 1417ﻫ/1997م).

القيرواني، أبو إسحاق إبراهيم بن علي الحصري، (ت453ﻫ/1062م).

174- زهر الآداب وثمر الألباب، حقَّقه وزاد في تفصيله وضبطه وشرحه محمد

محي الدين عبد الحميد، ط4،مكتبة المحتسب، (عمان، 1972م).

الكاتب البغدادي، محمد بن أحمد بن عبد الله (ت 322ﻫ/924م)

175- تاريخ الأئمة (المجموعة)، (ايران - 1406ﻫ).

الكتبي، صلاح الدين محمد (ت764ﻫ/1362م).

176- فوات الوفيات، تحقيق: علي محمد بن يعوض الله/عادل أحمد عبد الموجود، ط1، (بيروت - 2000م).

الكاشفي، حسين بن علي (ت 910ﻫ/1512م).

177- روضة الشهداء، تحقيق: محمد شعاع فاخر، ط1، (ايران - 1388ش).

ابن كثير، أبو الفدا إسماعيل بن عمر (ت 774ﻫ/1372م).

178- البداية والنهاية، تحقيق: علي شيري، ط1، دار إحياء التراث العربي (بيروت - 1988 م).

ابن الكلبي، أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب (ت 204ﻫ/819م).179- جمهرة النسب، تحقيق: محمود فردوس العظم، ط2، دار اليقظة العربية، (دمشق - د.ت).

180- نسب معدّ واليمن الكبير، تحقيق: ناجي حسن، ط1، (بيروت - 1988م).

الكليني، محمد بن يعقوب الرازي (ت 329ﻫ/940م).

181- الكافي، تحقيق: علي أكبر غفاري، ط5، دار الكتب الاسلامية، (طهران 1363ش).

الكناني، علي بن محمد بن عراق (ت 963ﻫ/1565م).

182- تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة، تحقيق: عبد الله بن الصديق الغماري - عبد الوهاب عبد اللطيف، ط1، (القاهرة - د.ت)

ابن ماكولا، علي بن هبة الله (ت 475ﻫ/1082م).

183- الإكمال في رفع الإرتياب عن المؤتلِف والمختَلِف في الأسماء والكنى والأنساب، دار احياء التراث العربي، (د.ت).

أبو مخنف، لوط بن يحيى بن سعد بن مسلم الأزدي الغامدي (ت157ﻫ/ 773م).

184- مقتل الحسين، تحقيق، ميرزا حسن الغفاري (قم، المطبعة العلمية، 1398ﻫ/1978م).

185- مقتل الحسين(علیه السلام) ومصرع أهل بيته وأصحابه في كربلاء، دار الزهراء، ط1، (ايران - 1428ﻫ/2008م).

186- مقتل الحسين(علیه السلام) ومصرع أهل بيته وأصحابه في كربلاء، ط2، مكتبة الألفين، (الكويت - 1987م).

ابن المرابط، أبو العلاء محمد بن علي المرادي، (ت663ﻫ/1261م).187- زواهر الفكر وجواهر الفقر، دراسة وتحقيق أحمد المصباحي،د.ط، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، (المغرب،د.ت).

المراكشي، أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الملك، (ت703ﻫ/1303م).

188- الذيل والتكملة لكتاب الموصول والصلة، تحقيق محمد بن شريفة وإحسان عباس، ط1،دار الثقافة، (بيروت، 1973م).

المرزباني، أبو عبد الله محمد بن عمران (ت 384ﻫ/987م).

189- مختصر أخبار شعراء الشيعة، تقديم وتحقيق وتعليق: محمد هادي الأميني، ط2، (بيروت - 1993م).

المزي جمال الدين أبو الحجاج يوسف بن زكي (ت 742ﻫ/1341م).

190- تهذيب الكمال في أسماء الرجال، تحقيق: بشار عواد معروف، مؤسسة

الرسالة، (بيروت - د.ت).

المسعودي، أبو الحسن، علي بن الحسين بن علي (ت 346ﻫ/957م).

191- مروج الذهب ومعادن الجوهر، ط3، دار الهجرة، (ايران - 1404ه- - 1363 ش - 1984م).

192- إثبات الوصية للإمام علي بن أبي طالب(علیه السلام)، اعتنى بنشره: مسلم حميد الدجيلي، ط1، (لبنان - 2009م).

مسكويه، أبو علي أحمد بن محمد الرازي، (ت421ﻫ/10031م).

193- تجارب الأمم، تحقيق أبو القاسم إمامي، ط2، دار سروش، 2001م.

المشهدي، محمد بن جعفر (توفي في القرن السادسالهجري/الثاني عشر الميلادي).

194- المزار، تحقيق: جواد القيومي، ط1، (قم - 1419ﻫ/1999م).

المشغري العاملي، جمال الدين يوسف بن حاتم الشامي (متوفى في القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي).

195- الدرُّ النظيم في مناقب الأئمة اللهاميم، مؤسسة النشر الإسلامية، (قم المقدسة - د.ت).

ابن المعتز، أبو العباس عبد الله بن المعتز بن المتوكل (ت 296ﻫ/908م).

196- ديوان، تحقيق: كرم البستاني، دار صادر (بيروت - د.ت).

المفيد، أبو عبد الله محمد بن النعمان العكبري (ت 413ﻫ/1022م).

197- الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، تحقيق مؤسسة آل البيت لتحقيق التراث، ط2، دار المفيد، (بيروت، 1993م).

198- الأمالي،تحقيق حسين الإستاد ولي وعلي أكبر الغفاري، ط2،دار المفيد، (بيروت - 1993م).

199- الفصول المختارة، تحقيق:علي مير شريفي، ط2، دار المفيد (بيروت - 1993م).

ابن منظور، جمال الدين محمد بن مكرم (ت 711ﻫ/1313م).

200- لسان العرب، (قم المقدسة - 1405ﻫ/1985م).

ابن معين، عثمان بن سعيد (ت 233ﻫ/835م).

201- تاريخ ابن معين، تحقيق: أحمد محمد نور سيف، دار المأمون للتراث (دمشق - د.ت).ابن المغازلي، علي بن محمد بن محمد الواسطي (ت 483ﻫ/1085م).

202- مناقبُ علي بن أبي طالب(علیه السلام)، ط1، (ايران - 1426ﻫ).

المقري، أحمد بن محمد بن أحمد، (ت 1041ﻫ/1631م).

203- نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، تحقيق إحسان عباس،د.ط، دار صادر، (بيروت، 1988م).

المنقري: نصر بن مزاحم (ت 212ﻫ/827م).

204- وقعة صفين، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، المؤسسة العربية للطبع والنشر، (بيروت – 1382ﻫ/1962م).

ابن ناصر الدين، محمد بن عبد الله القيسي الدمشقي (ت842ﻫ/1452م).

205- توضيح المشتبه، تحقيق: محمد نعيم العرقسوسي، ط2، (بيروت - 1993م).

النجاشي، أبو العباس أحمد بن علي الأسدي (ت 450ﻫ/1058م).

206- رجال النجاشي، ط5، (قم المقدسة - 1416ﻫ/1996م).

ابن النديم، محمد بن إسحاق (ت438ﻫ/1040م).

207- الفهرست، تحقيق: رضا تجدد، (د.ت).

النسائي، أحمد بن علي بن شعيب (ت 303ﻫ/905م).

208- الضعفاء والمتروكين، تحقيق محمود إبراهيم زايد، ط1، (بيروت - 1986م).

ابن نما الحلي، نجم الدين محمد بن جعفر (ت 685ﻫ/1287م).

209- ذوب النضار في شرح الثار، تحقيق: فارس حسون كريم، ط1، (ايران - 1416ﻫ/1996م).210- مثير الأحزان ومنير سبل الأشجان، (النجف الاشرف - 1950م).

النويري، شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب (ت 733ﻫ/1332م).

211- نهاية الارب في فنون الأدب، مطابع گوستاتسوماس وشركاه

الناشر: وزارة الثقافة والارشاد القومي المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، د.ت.

الهيتمي، أحمد بن حجر (ت 974ﻫ/1576م).

212- الصواعق المحرقة في الردِّ على أهل البدع والزندقة، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، ط2، (القاهرة - 1965م).

ياقوت الحموي، أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي (ت: 626ﻫ/ 1228م).

213- معجم الأدباء، ط3، دار الفكر، (بيروت - 1979م).

214- معجم البلدان، دار إحياء التراث العربي، (بيروت - 1979م).

اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب (ت 292ﻫ/894م).

215- تاريخ اليعقوبي، دار صادر، (بيروت: د.ت).

ثانياً: المراجع الثانوية

أرسلان، شكيب.

216- الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية،دار مكتبة الحياة، (بيروت، د.ت).

الإشتهاري، علي پناه.

217- مدارك العروة، ط1، (طهران - 1417ﻫ).الأمين، حسن.

218- مستدركات أعيان الشيعة، دار التعارف للمطبوعات، (بيروت - 1987م).

الأمين، محسن.

219- أعيان الشيعة، تحقيق: حسن الأمين،: دار التعارف للمطبوعات (بيروت - د.ت).

الأميني، عبد الحسين أحمد النجفي.

220- الغدير في الكتاب والسنة والأدب، عُنِي بنشره: حسن إيراني، ط4، (بيروت –1977م).

الأميني، محمد هادي.

221- معجم المطبوعات النجفية، ط1، (النجف الاشرف - 1966).

البابلي، أبو الفضل حافظيان.

222- رسائل في دراية الحديث، ط1، دار الحديث للطباعة، 1424 - 1382ش/2004م).

بالنثيا، انخل جنثالث.

223- تاريخ الفكر الأندلسي، ترجمة حسين مؤنس، د.ط،مكتبة الثقافة الدينية، (القاهرة، 1955م).

اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق(علیه السلام).

224- موسوعة طبقات الفقهاء، إشراف: جعفر السبحاني، ط1، (قم المقدسة - 1418ﻫ/1998م).

البحراني، عبد الله بن نور.

225- عوالم العلوم والمعارف والأحوال من الآيات والأخبار والأقوال، نشر مدرسة الإمام المهدي، (قم: د.ت).

البروجردي، علي.226- طرائف المقال في معرفة طبقات الرجال، تحقيق: مهدي الرجائي، ط1، (قم المقدسة - 1410ﻫ/1990م).

التبريزي، الميرزا جواد.

227- الأنوار الإلهية في المسائل العقائدية، ط1، دار الصديقة الشهيدة(علیها السلام) (ايران - 1422 ﻫ/2002م).

التبريزي، علي بن موسى بن محمد.

228- مرآة الكتب، تحقيق: محمد علي الحائري، ط1، (قم - 1414ﻫ/1994م).

التستري، محمد تقي.

229- قاموس الرجال، تحقيق: مؤسسة النشر الإسلامي، ط1، (ايران - 1419 ﻫ/1999م).

ترحيني، محمد أحمد.

230- المؤرِّخون والتاريخ، دار الريف، دار الكتب العلمية، بيروت (د.ت).

التفرشي، مصطفى بن الحسين.

231- نقد الرجال، ط1، (قم المقدسة - 1418ﻫ/1998م).

الجابري، عامر.

232- دفن شهداء واقعة الطف، ط1، دار الضياء، 2013م.

جاسم، عطا سلمان.

233- دراسات في التاريخ والمؤرِّخين المسلمين.

234- العقيدة العسكرية عند العرب والمسلمين، ط1، دار تموز - (سوريا - 2013).

الجلالي، محمد رضا.

235- جهاد الإمام السجاد(علیه السلام) (د.ت).236- فهرس التراث، ط1، (ايران - 1422 - 1380ش/2002م).

الجواهري، محمد.

237- المفيد من معجم رجال الحديث، ط2، (قم المقدسة - 1424ﻫ).

الحائري، جعفر عباس.

238- بلاغة الإمام علي بن الحسين(علیه السلام)، ط1، (قم - 1425ﻫ/2005م).

الحر العاملي، محمد بن الحسن.

239- وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، تحقيق: مؤسسة آل البيت(علیهم السلام) لإحياء التراث، (د.ت).

الحزيمي، ناصر.

240- حرق الكتب في التراث العربي، منشورات الجمل، (د.ت).

حسن، حسن إبراهيم.

241- تاريخ عمرو بن العاص، مكتبة مدبولي – (القاهرة - 1996م).

الحسن، عبد الله.

242- ليلة عاشوراء في الحديث، ط1، 1418ﻫ.

الحسناوي، باسم الماضي.

243- الإمام الحسين(علیه السلام) تاريخيا بين القراءة الفلسفية والسرد الإعتباطي عند ابن الأثير، 2012م.

الحمد، عبد الله خلف.

244- الإسناد وأهميته في نقد مرويات التاريخ الاسلامي، (د.ت).

حيدر، أسد.

245- مع الحسين(علیه السلام) في نهضته، ط3، دار التعارف للمطبوعات،(بيروت - 1399ﻫ/1979م).

الخوانساري، محمد باقر.

246- روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات، تحقيق: أسد الله إسماعيليان، (طهران - 1392ﻫ/1972م).

الخوئي، أبو القاسم الموسوي.

247- معجم رجال الحديث، ط5، 1992م.

الدجيلي، عبد الصاحب عمران.

248- أعلام العرب في العلوم والفنون، ط2، (النجف، 1966م).

الدوري، عبد العزيز.

249- نشأة علم التاريخ عند العرب، مركز زايد للتراث والتاريخ، د.ت.

الزركلي، خير الدين.

250- الأعلام، ط5، دار العلم للملايين، (بيروت – 1980).

سزكين، فؤاد.

251- تاريخ التراث العربي، ترجمة: محمد فهمي حجازي وآخرين، (السعودية - 1991م).

آل درويش، عبد الله بن الحاج حسن.

252- المجالس العاشورية في المآتم الحسينية، ط1، (قم المقدسة - 1428ﻫ/2008م).

روزنثَال، فرانز.

253- علم التاريخ عند المسلمين، ترجمة: صالح أحمد العلي، ط2، مؤسسة الرسالة، (بيروت -1993م).

الريشهري، محمد.254- الصحيح من مقتل سيد الشهداء وأصحابه(علیهم السلام)، بمساعدة: محمود الطباطبائي - وروح الله السيد طبائي، تحقيق، مركز بحوث دار الحديث، ط2، (ايران - 1232ق - 1391ش).

255- موسوعة العقائد الإسلاميّة، تحقيق: مركز بحوث دار الحديث، ط1، (قم المقدسة - 1425ﻫ/2005م).

زيدان، جرجي.

256- تاريخ آداب اللغة العربية، مراجعة وتعليق شوقي ضيف، د.ط، دار الهلال، (د.م، د.ت).

سركيس، إليان.

257- معجم المطبوعات العربية، (قم المقدسة - 1410ﻫ/1990م).

الشاكري، حسين.

258- شهداء أهل البيت (علیهم السلام)، قمر بني هاشم، ط1، (ايران - 1420ﻫ/ 2000م).

259- علي في الكتاب والسنة والأدب، تحقيق: فرات الأسدي، ط1، 1418ﻫ.

260- نشوء المذاهب والفرق الإسلامية، ط1، (ايران - 1418ﻫ/1998م).

الشيرازي، الشيخ مهدي الكجوري.

261- الفوائد الرجالية، تحقيق: محمد كاظم رحمان ستايس، ط1، (قم المقدسة - 1424ﻫ).

شرف الدين، عبد الحسين.

262- المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة، تحقيق: محمود بدري، ط1، (قم المقدسة - 1421ﻫ/2001م).

شمس الدين، محمد مهدي.263- أنصار الحسين(علیه السلام)، ط2، الدار الإسلامية (ايران -1401- 198م).

الصدر، حسن.

264- نهاية الدراية، تحقيق: ماجد الغرباوي، المطبعة اعتماد، (د.ت).

الصدر، محمد صادق.

265- أضواء على ثورة الإمام الحسين(علیه السلام)، تحقيق: كاظم العبادي الناصري، مركز الدراسات التخصصية في فكر السيد الشهيد محمد الصدر، (د.ت).

266- أضواء على ثورة الإمام الحسين(علیه السلام)، ط1، مؤسسة الكتاب العربي، (ايران - 2006م).

ضاحي، فاضل جابر.

267- أغرب الأخبار في ضياع الحقائق والكتب والآثار، (بغداد - 2006م).

268- محاضرات في منهج البحث التاريخي، ط 5، (دمشق - 2013).

الطائي، نجاح.

269- من وراء المحرقة الكبرى لكتب البشرية، ط1، دار الهدى، (ايران - 2009م).

الطباطبائي، عبد العزيز.

270- أهل البيت(علیهم السلام) في المكتبة العربية، ط1، (قم المقدسة - 1417 ﻫ/1997م).

الطباطبائي، علي.

271- رياض المسائل، تحقيق: مؤسسة النشر الإسلامي ط1، (قم - 1412ﻫ).

الطناحي، محمود محمد.

272- الموجز في مراجع التراجم والبلدان والمصنفات وتعريفات العلوم،ط1،مكتبة الخانجي، (القاهرة، 1985م).الطهراني، آغابزرك.

273- الأنوار الساطعة في المائة السابعة المعروف بطبقات أعلام الشيعة، تحقيق علي تقي، ط1، دار الكتاب العربي، (بيروت،1972م).

274- الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ط3، دار الأضواء، (بيروت 1983م).

العاملي، أمين ترمس.

275- ثلاثيات الكليني وقرب الإسناد، تحقيق: السيد أحمد المددي، ط1، مؤسسة دار الحديث الثقافية، 1417ﻫ.

العاملي.

276- الإنتصار، ط1، دار السيرة، (بيروت – 2000م).

العاملي، جعفر مرتضى.

277- الصحيح من سيرة النبي الأعظم(صلی الله علیه و آله)، ط1، دار الحديث للطباعة والنشر، (ايران - 1426ق1385 ه. ش. /2006م).

عبد الحميد، صائب.

278- علم التاريخ ومناهج المؤرِّخين، ط2، (بيروت - 2010م).

علي النمازي.

279- مستدركات علم رجال الحديث، ط1، (طهران - 1412ﻫ/1992م).

الغروي، هادي اليوسفي.

280- وقعة الطف، ط1، مؤسّسة النّشر الإسلامي، قم المقدسة.

غفاري، علي أكبر.

281- دراسات في علم الدراية، ط1، (ايران - 1369 ش).

فرغلي، إبراهيم.

282- الحركة التاريخية في مصر وسوريا خلال القرن السابع الهجري، (القاهرة -1997م).

القرشي، باقر شريف.

283- حياة الإمام الحسين(علیه السلام)، ط1، (النجف الاشرف: 1394-1974م).

284- النظام السياسي في الإسلام، ط2، دار التعارف للمطبوعات، (بيروت - 1978م).

القزويني، لطيف.

285- رجال تركوا بصمات على قسمات التاريخ، (د.ت).

القطيفي، محمد أبو السعود.

286- جاء الحق، ط2، دار السيرة، (بيروت - 1998م).

القمي، عباس.

287- الكنى والألقاب، مكتبة الصدر، (طهران د.ت).

القندوزي، سليمان بن إبراهيم، (ت 1294ﻫ/1876م).

288- ينابيع المودة لذوي القربى، تحقيق سيد علي جمال أشرف الحسيني، ط1، دار الأسوة، (د.م، 1416 ﻫ).

كحالة، عمر رضا.

289- معجم قبائل العرب، ط2، دار العلم للملايين، (بيروت - 1388 - 1968م).

290- معجم المؤلِّفين، دار إحياء التراث العربي، (بيروت - د.ت).

الكرباسي، محمّد جعفر بن محمّد طاهر الخراساني.

291- كليل المنهج في تحقيق المطلب، تحقيق: السيد جعفر الحسيني الاشكوري، ط1، (قم المقدسة - 1425ﻫ).

الكوراني، علي.

292- جواهر التاريخ، ط1، (ايران - 1426ﻫ/2006م).المازندراني، محمد بن إسماعيل.

293- منتهى المقال في أحوال الرجال، تحقيق: مؤسسة آل البيت(علیه السلام) لإحياء التّراث، ط1، (قم - 1416ﻫ/1996م).

مطهري، مرتضى.

294- الملحمة الحسينية، تعريب: محمد صادق الحسيني، ط2، (بيروت - 1992م).

المظفر، محمد حسن.

295- دلائل الصدق لنهج الحق، تحقيق: مؤسسة آل البيت(علیهم السلام) لإحياء التراث، (دمشق 1380 ﻫ/1960م).

معهد باقر العلوم(علیه السلام)، لجنة الحديث.

296- موسوعة شهادة المعصومين(علیهم السلام)، ط1، (قم - 1380ش).

المغربي، أحمد بن محمد.

297- فتح الملك العلى بصحة حديث باب مدينة العلم علي، حققه وعلَّق على

حواشيه وصحَّح أسانيده: محمد هادي الأميني، مكتبة الإمام أميرالمؤمنين(علیه السلام) العامة، أصفهان، إيران.

المقرم، عبد الرزاق.

298- مقتل الإمام الحسين(علیه السلام)، ط1، مؤسسة التاريخ العربي، (بيروت - 2009م).

الميلاني، علي الحسيني.

299- شرح منهاج الكرامة والردّ على منهاج ابن تيميّة، ط1، (قم المقدسة - 1428ﻫ/2008م).

المنجد، صلاح الدين.300- المؤرخون الدمشقيون وآثارهم المخطوطة من القرن الثالث الهجري إلى القرن العاشر، (د.ت).

النوري، ميرزا حسين.

301- خاتمة مستدرك الوسائل، تحقيق: مؤسسة آل البيت(علیه السلام) لإحياء التراث، ط1، (قم المقدسة - 1415ﻫ/1995م).

آل ياسين، راضي.

302- صلح الإمام الحسن(علیه السلام)، د.ت.

اليحيى، يحي بن إبراهيم بن علي.

303- مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري - عصر الخلافة الراشدة - دراسة نقدية -، دار العاصمة، الرياض.

يعقوب، أحمد حسين.

304- كربلاء الثورة والمأساة، ط1، (بيروت - 1418 - 1997م).

ثالثاً: الرسائل والأطاريح الجامعية

305- البياتي، نور سعد محسن، تطور المذهب الأشعري في خراسان (334ﻫ/485ﻫ)، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الآداب، جامعة بغداد، 2006م.

306- التميمي، هادي عبد النبي، ثورة الإمام الحسين(علیه السلام) في المصنَّفات المصرية في القرن العشرين الميلادي، أطروحة دكتوراه منشورة، كلية الآداب، جامعة الكوفة، 2007م.

307- الجابري، ستار جبار نعمة، الطالبيون في العصر الأموي، دراسة سياسية، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية التربية، الجامعة المستنصرية، 2008م.

308- الخفاجي، عباس كريم عبد سالم، ابن الأبّار (595-658ﻫ/1199-1260م)، وإسهاماته في حقل التأليف والأدب، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية التربية/ابن رشد - جامعة بغداد، 2005م.

309- الربيعي، فرحان كاظم علوان، الحركات والثورات العلوية والمؤيِّدة للعلويين في العصر الأموي من خلال كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية التربية، جامعة واسط، 2013م.

310- الشريفي، حيدر حسين حمزة سلمان، الأوضاع السياسية في العراق والحجاز من (60ه- - 65ﻫ)، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية التربية، جامعة بابل، 2006 م.

311- عبد عميش، سعد كاظم، الحركات العلوية في تاريخ الطبري (41ﻫ/302ﻫ)، أطروحة دكتوراه غير منشورة، كلية التربية، جامعة القادسية، 2008م.

312- العذاري، محمد عبد الرضا شنيتر، أخبار الحسن والحسين(علیهما السلام)، في كتاب

مدينة دمشق لابن عساكر (ت 571ﻫ)، دراسة تاريخية، أطروحة دكتوراه غير منشورة، كلية التربية، الجامعة المستنصرية، 2013م.

313- الكرد، زينب كاظم جمعة، أثر المرأة العلوية في أحداث العصر الأموي، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الآداب، جامعة الكوفة، 2010م.

314- الطائي، ورقاء يونس يحيى، ابن طاووس (589- 664 ﻫ) عصره، مؤلفاته، خزانة كتبه، رسالة ماجستير غير منشورة كلية الآداب، جامعة بغداد، 2006م.

315- الطائي، محمد عبيس حميد، الإمام الباقر ومروياته التاريخية 56 – 114 ﻫ، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية التربية، جامعة بابل، 2005م.

316- الطوكي، محمد عويد غليم ناصر، ابن الأبار ومروياته عن أهل البيت(علیهم السلام) (ت 595- 658ﻫ)، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية التربية،جامعة واسط، 2014م.

317- عزيز، حوراء كاظم، ثورة الإمام الحسين(علیه السلام) في المصنَّفات الأندلسية (422ﻫ/897ﻫ) دراسة تاريخية، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية التربية، جامعة واسط، 2013م.

318- العقابي، حامد عبد الصاحب خليف، شهادات الأئمة المعصومين(علیهم السلام) دراسة تاريخية، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية التربية، الجامعة المستنصرية، 2009م.

319- علي، امير جواد كاظم، الحائر الحسيني دراسة تاريخية (61-656ﻫ/ 680- 1258 م) رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الآداب، جامعة الكوفة، 2007م.

320- العلي، كفاية طارش، أبو مخنف ودوره في التدوين التاريخي، رسالة

ماجستير غير منشورة، كلية الآداب، جامعة البصرة، 1997م.

321- العوادي، محمد حسين إدريس سلمان، قبيلة طيِّئ وأثرها في الحياة العامة حتى نهاية العصر الراشدي (40ﻫ/660م) دراسة تأريخية، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية التربية، جامعة بابل، 2007م.

322- الكنعاني، نغم حسن عبد النبي، المواقف السياسية للأئمة الاثنى عشر(علیهم السلام)، أطروحة دكتوراه غير منشورة، كلية الآداب، جامعة البصرة، 2005م.

323- المرعبي، إسراء محسن، واقعة الطف في كتب التراث الإسلامي خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية التربية للعلوم الإنسانية، جامعة كربلاء، 2013م.

324- الناصري، عماد تالي، أنصار الإمام الحسين(علیه السلام) في واقعة الطف، دراسة تاريخية، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية التربية، الجامعة المستنصرية،2009م.

رابعاً: البحوث والدراسات

325- البهادلي، حسين داخل، كتب الكوفيين إلى الإمام الحسين(علیه السلام) دراسة نقدية، مجلة كلية الآداب، جامعة بغداد، العدد (101).

326- التميمي، هادي عبد النبي، لماذا اختار الإمام الحسين(علیه السلام) العراق موطنا للشهادة، مجلة دراسات إسلامية معاصرة، العدد (8)، 2013م.

327- جاسم، سامي حمود، نضال حميد سعيد، الرواية التاريخية لمعركة الطف دراسة في مصادر الجمهور، كلية التربية، الجامعة المستنصرية.

328- الخفاجي، إياد عبد الحسين صيهود، محمد حسين إدريس، تأملات في رواية تلقي الإمام الحسين(علیه السلام) خبر استشهاد السفير مسلم بن عقيل(علیه السلام)، دراسة تحليلية، جامعة كربلاء.

329- دخيل، محمد حسن، الثورة الحسينية دراسة في أبعادها السياسية والعسكرية وأسباب اختيار الكوفة منطلقا للتحرك، ودلالات الرسائل الكوفية للإمام الحسين(علیه السلام)، مركز دراسات الكوفة، العدد (28)، 2013م.

330- درويش، عبد الستار مطلك، عبد علي، عبد المنعم حامد، تأثير الغزو المغولي على الحياة العلمية في بغداد، مجلة مداد الآداب، العدد (5).

331- الشرهاني، حسين علي، روايات أبي مخنف بين آراء المؤرِّخين وأصحاب الحديث (رواية الطف نموذجا)، مجلة كلية التربية، جامعة ذي قار، العدد (3) المجلد الثاني، 2012م.

332- علي عبد، زينب، المواقف الإنقلابية في واقعة الطف (دراسة تحليلية)، مجلة دراسات إسلامية معاصرة، العدد (8)، السنة الرابعة 2013م.333- نوري، محمد نوفل، إتلاف الكتب في الحضارة العربية الإسلامية دراسة تاريخية في أسبابها في العصر العباسي (132-656ﻫ)، مجلة التربية والعلم، العدد (4)، المجلد (17)، 2010م.

المحتويات

الإﻫداء. 9

شكر وتقدير. 11

مقدمة المؤسّسة. 13

مقدِّمة قسم الرسائل الجامعية. 27

المقدّمة: نطاق البحث وتحليل أهمِّ المصادر. 31

الفصل الاول

أخبار المقتل الحسيني في المصنَّفات التاريخية

من القرن الأول حتى أواخر القرن السابع الهجري/السادس والثالث عشر الميلاديين

المقتل في اللغة والاصطلاح.. 41

أ- المقتل لغة. 41

ب - المقتل اصطلاحاً 41

المبحث الأول: أخبار المقتل الحسيني في كتب التاريخ العام والأنساب... 45

أولاً: كتب التاريخ العام. 45

1- تاريخ خليفة بن خياط، ابن خياط (ت240ﻫ/854م) 46

2- الإمامة والسياسة، (المنسوب) لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (ت276ﻫ/889م) 47

3- الأخبار الطوال، لأبي حنيفة الدينوري (ت282ﻫ/884م) 51

4- تاريخ اليعقوبي، لأحمد بن اسحاق بن جعفر اليعقوبي (ت292ﻫ/894م) 53

5- تاريخ الرسل والملوك، لمحمد بن جرير الطبري (ت310ﻫ/912م) 55

6- البدء والتاريخ، المنسوب لأبي زيد أحمد بن سهل البلخي (ت322ﻫ/924م) 63

7- مروج الذهب ومعادن الجوهر، لعلي بن الحسين المسعودي (ت346ﻫ/948م) 65

8- تجارب الأمم وتعاقب الهمم، لأحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه (ت421ﻫ/1023م) 69

9- كتاب عيون المعارف وفنون أخبار الخلائف - المعروف ب-: تاريخ القضاعي، لمحمد بن سلامة بن جعفر المعروف ب-: القضاعي (ت454ﻫ/1056م) 71

10- الكامل في التاريخ، لعلي بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري المعروف بابن الأثير (ت630ﻫ/1232م) 72

ثانياً: كتب الأنساب... 80

1- جمهرة النسب ونسب معد اليمن الكبير لابن الكلبي (ت204ﻫ/819م) 81

2- نسب قريش، لعبد الله بن مصعب الزبيري (ت226ﻫ/850م) 82

3- أنساب الأشراف، لأحمد بن جابر البلاذري (ت279ﻫ/892م) 85

المبحث الثاني: أخبار المقتل في كتب الفتوح والطبقات والتراجم. 91

أولاً: كتب الفتوح.. 91

كتاب الفتوح لابن أعثم (المتوفى في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي) 91

ثانياً: كتب التراجم والطبقات... 107

1- الطبقات الكبرى لابن سعد (ت230ﻫ/818م) 108

2- كتاب الثقات، لمحمد بن أحمد المعروف ب-:ابن حبان (ت354ﻫ/965م) 123

3- المعجم الكبير، لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، (ت 360ﻫ/970م) 127

4- تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر (ت 571ﻫ/1175م) 132

مصادر تراجم أخرى.. 137

أ - مقاتل الطالبيين، لأبي الفرج علي بن الحسين الأصفهاني (ت 356ﻫ/958م) 137

ب - شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار(علیهم السلام)، لأبي حنيفة النعمان بن محمد بن منصور بن أحمد بن حيون المعروف بالقاضي النعمان (ت363ﻫ/965م) 141

1- الشمول الزماني والمكاني للمقتل.. 154

2- المصادر والموارد. 155

3- انفرد سبط ابن الجوزي بالرواية الآتية. 156

4- النقد والمنهج العلمي.. 157

الفصل الثانی

كتب المقتل الحسيني المفقودة

من القرن الأول حتى أواخر القرن السابع الهجري/السادس والثالث عشر الميلاديين

المبحث الأوّل: كتب المقتل الحسيني المفقودة من القرن الأول حتى القرن الثالث الهجري 163

أسماء مؤلِّفي كتب المقتل الحسيني بحسب التسلسل الزمني.. 164

1- الأصبغ بن نُباته (ت100ﻫ/702م) 164

2- جابر بن يزيد الجعفي (ت 138ﻫ/745 م) 166

3- الواقدي (ت207ﻫ/822م) 167

4 - هشام بن محمد بن السائب الكلبي (ت206 ﻫ/819 م) 174

5- معمر بن المثنى (ت209ﻫ/811م) 186

6- نصر بن مزاحم المنقري (ت212ﻫ/827 م) 189

7- المدائني، علي بن محمد (ت 225ﻫ/840م) 196

8- أبو عبيد القاسم بن سلام (ت244ﻫ/839م) 200

9- أبوالفضل سلمة البرواستاني (ت270ﻫ/872م) 202

10- عبد الله بن عمرو الوراق (ت 274ﻫ/876م) 203

11- ابو جعفر محمد الأشعري المعروف ب-:دبة شبيب (ت280ﻫ/882 م) 203

12- ابن أبي الدنيا (ت281ﻫ/883م) 204

13- إبراهيم الثقفي (ت283ﻫ/893م) 206

14- أبو عبد الله الغلابي (ت 298ﻫ/908م) 206

15- أبو الحسين زيد الأصغر(علیه السلام) (المتوفى في القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي) 207

المبحث الثاني: كتب المقتل الحسيني المفقودة من القرن الرابع حتى أواخر القرن السابع الهجري 209

1- إبراهيم الأحمري (المتوفى في القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي) 209

2- عمارة بن زيد الخيواني.. 210

3- عبد العزيز الجلودي (ت332ﻫ/942م) 210

4- أبو الحسين عمر بن الحسن المعروف ب-:ابن الأشناني (ت339ﻫ/941م) 211

5- محمد بن علي الصدوق (ت381ﻫ/991م) 211

6- محمد بن علي بن سكين (المتوفى في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي) 213

7- أبو جعفر العطار القمي(المتوفى في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي) 213

8- أبو سعيد التستري(المتوفى في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي) 213

9- سليمان بن محمد الكوفي(المتوفى في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي) 216

10- محمد بن إبراهيم الكاتب، المعروف بالشافعي(المتوفى في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي) 216

11- الحاكم النيسابوري (ت405ﻫ/1007م) 216

12- الطوسي (ت460ﻫ/1062م) 217

13- نجم الدين القوسيني (ت 585ﻫ/1187م) 217

14- محمود بن المبارك المعروف ب-:المجير البغدادي (ت 592ﻫ/1194م) 218

15- أبو المفاخر الرازي (المتوفى في القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي) 218

16- عبد الرزاق الرسعني (ت661ﻫ/1263م) 220

الفصل الثالث

موارد كتب المقتل الحسيني المطبوعة

من القرن الثاني حتى أواخر القرن السابع الهجري/الثامن و الثالث عشر الميلاديين

تمهيد.. 223

المبحث الأول: موارد كتب المقتل الحسيني بين القرنين الثاني والخامس الهجريين.. 225

1 - موارد أبي مخنف، لوط بن يحيى (ت157ﻫ/759م) في إيراد روايات المقتل المتضمن في تأريخ الطبري وبقية المصادر الأخرى 225

أ - تعريف ب-: المؤلِّف.... 225

ب - موارده عن المقتل.. 230

1- أبو زهير، النضر بن صالح.. 231

2- فضيل بن خديج الكندي.. 232

3- عبد الرحمن بن جندب الازدي.. 233

4- سليمان ابن أبي راشد الأزدي.. 235

5- الصقعب بن زهير الكوفي.. 237

6- أبو جناب يحيى الكلبي.. 240

7- أبو نوفل عبد الملك العامري المدني.. 243

8- المجالد بن سعيد الهمداني.. 244

9- الحارث بن كعب الوالبي.. 245

10- أبو معشر يوسف بن يزيد العطار. 247

11- الحارث بن حصيرة الأزدي.. 248

12- نمير بن وعلة. 249

13- يونس بن أبي إسحاق.. 250

14- أبو المخارق الكوفي.. 251

15- عبد الله بن عاصم الفائشي.. 251

16- قدامة بن سعيد الثقفي.. 253

17- أبو عتبة عبد الرحمن الداراني الدمشقي.. 255

18- محمد بن قيس.... 255

19- أبو داود يحيى بن هانئ الكوفي.. 256

20- زهير بن عبد الرحمن بن زهير الخثعمي.. 256

21- سويد بن حية الأسدي.. 256

22- جميل بن مرثد من بني معن.. 257

23- الإمام أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق(علیه السلام) 262

24- عوانة بن الحكم.. 262

25- أبو حمزة الثمالي.. 263

26- أبو ابراهيم عمرو بن شعيب المدني.. 263

27- أبو علي الأنصاري.. 264

28- أبو الحكم يزيد بن عياض بن جعدبة الحجازي.. 264

ت - منهجية أبي مخنف في توظيف موارده عن المقتل الحسيني.. 265

2 - موارد الفضيل بن زبير بن عمر الكوفي الأسدي الرَسَّان (المتوفى في القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي) في كتابه المعنون (تسمية من قُتِل مع الحسين(علیه السلام) مِنْ ولده وأخوته وأهل بيته وشيعته). 268

أولاً: تعريف ب-: المؤلِّف.... 268

ثانياً: موارده 272

3- موارد أبي إسحاق الأسفراييني (ت418ﻫ/1020م) للمقتل المنسوب إليه المعنون (نور العين في مشهد الحسين(علیه السلام)) 276

أولاً: تعريف ب-: المؤِّلف.... 276

ثانياً: موارده 278

المبحث الثاني: موارد كتب المقتل الحسيني خلال القرنين السادس والسابع الهجريين/الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين 279

1- موارد الخوارزمي (ت568ﻫ/1270م) في كتابه الموسوم (مقتل الحسين(علیه السلام)). 279

أولاً: تعريف ب-: المؤلِّف.... 279

ثانياً: موارده 281

1- المصادر السابقة. 281

2- مشايخه الذين اعتمد عليهم في رواية المقتل.. 284

1- أبو القاسم الزمخشري.. 284

2- أبو منصور الديلمي.. 284

3- أبو الحسن علي بن أحمد الكرباسي الخوارزمي.. 285

4- أبو الحسن علي بن أحمد العاصمي.. 285

5- أبو العلاء الحسين بن أحمد الهمداني.. 287

6- أبو القاسم منصور بن نوح الشهرستاني.. 290

7- محمد بن منصور بن علي المقرئ المعروف ب-:الديواني.. 290

8- أبو جعفر محمد بن عمر الجمحي.. 290

9- مجد الأئمة السرختكي.. 291

10- سعيد بن محمد بن أبي بكر الفقيمي.. 291

11- مسعود بن أحمد الدهستاني.. 291

12- أبو بكر محمد بن عبد الله بن نصر بن الزاغوني.. 292

13- أبو الفتح عبد الملك الكروخي.. 292

14- أبو الحسن علي بن أحمد الكرباسي.. 293

منهجية الخوارزمي في توظيف موارده. 293

2- موارد ابن الأبار (ت658ﻫ/1260م) في كتابه (درر السمط في خبر السبط). 298

أولاً: تعريف ب-: المؤلِّف.... 298

ثانياً: موارده 302

3- موارد ابن طاووس (ت664ﻫ/1266م) في مقتله الموسوم (اللهوف في قتلى الطفوف). 304

أولاً: تعريف ب-: المؤلف.... 304

ثانياً: موارده 308

1- المصادر التاريخية. 309

2- المؤلَّفات التي لم يُشِر إلى مؤلِّفيها 312

3- المؤلِّفون الذين لم يُشِر إلى مؤلَّفاتهم. 313

4- المصادر المجهولة. 314

5- أقوال الائمة المعصومين الاثني عشر(علیهم السلام) 314

4- موارد ابن نما الحلِّي (ت 685ﻫ/1287م) في مقتله الموسوم (مثير الأحزان ومنير سبل

الأشجان). 315

أولاً: تعريف ب-: المؤلِّف.... 315

ثانياً: موارده 316

أ- المؤلَّفات التاريخية السابقة. 316

ب - ذكر أسماء المؤلِّفين دون ذكر مؤلَّفاتهم. 319

ت - ذكر المؤلَّفات دون ذكرأسماء مؤلِّفيها 319

ث - مصادر مجهولة. 320

الفصل الرابع

دراسة تحليلية للمتون الروائية

لكتب المقتل الحسيني

خلال القرنين الثاني والخامس الهجريين/الثامن والحادي عشر الميلاديين

المبحث الأوَّل: دراسة تحليلية للمتون الروائية لكتب المقتل الحسيني خلال القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي 323

1- المقتل المنسوب لأبي مخنف.... 323

مناقشة وتحليل ونقد. 324

معالم منهج الكتابة التاريخية. 340

1- اهتمامه بالسند. 341

2- التشكيك ببعض الروايات وتضعيفها 341

3- توضيح وشرح بعض المفردات والأماكن والشخصيات وتحديد وظيفتها 345

4- ومن ضمن منهجيته إيراده للكتب الرسمية بنصوصها الكاملة. 346

5- التعليل والتفسير التاريخي للأحداث... 346

مناقشة وتحليل بعض مرويات أبي مخنف.... 348

2- مناقشة الروايات التي تخصُّ مسلم بن عقيل(علیه السلام) والأحداث التي جرت له. 352

أ - استئجار مسلم لدليلين ليرشداه الطريق نحو الكوفة. 353

ب - مناقشة روايات نشاط وتحرُّك مسلم بن عقيل(علیه السلام) وتفرُّق أنصاره عنه في الكوفة. 357

رواية تفرُّق أنصار مسلم بن عقيل(علیه السلام) عنه. 365

مقارنة رواية أبي مخنف مع بقية المصادر التاريخية. 369

رواية الهجوم على الدار التي تحصَّن فيها مسلم بن عقيل(علیه السلام) واشتباكه مع رجال السلطة. 372

ج - الروايات التي تحدَّثت عن قبول مسلم بالأمان واقتياده إلى القصر والأحداث التي جرت حتى استشهاده(علیه السلام) 376

روايات دخول مسلم بن عقيل إلى قصر الإمارة: 380

3- رواية أبي مخنف عن رأس الإمام الحسين(علیه السلام) في مجلس يزيد بن معاوية في دمشق والأحداث التي جرت للرأس الشريف 382

د - مقارنة مرويات الطبري عن أبي مخنف في المقتل الحسيني مع بقية مرويات أبي مخنف في المصادر التاريخية ومناقشتها 386

4- تسمية مْن قُتِل مع الإمام الحسين(علیه السلام) من ولده وإخوانه وأهل بيته وشيعته، للمحدِّث الفضيل بن الزبير الرسان 392

المبحث الثاني: دراسة تحليلية للمتون الروائية لكتب المقاتل خلال القرن الخامس الهجري 397

1- سبب تأليف الكتاب... 397

2- نسخ الكتاب وطبعاته. 398

3- مصادر الكتاب... 399

4- عنوان الكتاب... 399

الفصل الخامس

دراسة تحليلية للمتون الروائية

لكتب المقتل الحسيني

خلال القرنين السادس والسابع الهجريين/الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين

المبحث الأول: دراسة تحليلية للمتون الروائية لكتب المقتل الحسيني خلال القرن السادس الهجري.. 417

1- سبب تأليف الكتاب... 417

2- الشمول الزماني والمكاني للمقتل.. 417

3- أهمية الكتاب والمواضيع التي وثَّقها 418

4- موارده 420

5- لم يُلاحَظ للخوارزمي أيّ نقد أو تصحيح للأخطاء التاريخية الخاصة بالمقتل التي وقع فيها ابن أعثم..424

6- لم يصرِّح الخوارزمي عن مصادره في بعص الروايات التي نقلها 424

7- لم يستعمل مصادر متعدِّدة في مقتله. 425

8- يقطع الخوارزمي حكمه أحياناً بالإعتماد على بعض.... 425

9- منهج تعدُّد الروايات... 425

الأخبار المستقبلية التي أخبر عنها الرسول(صلی الله علیه و آله) بشأن مقتل الحسين(علیه السلام) 425

حادثة مسلم بن عقيل(علیه السلام). 427

عدد المتقدِّمين للإستشهاد بين يدي الإمام الحسين(علیه السلام) 429

2- التعليل والمنهج العلمي.. 435

المتقدِّمون للإستشهاد أمام الإمام الحسين(علیه السلام) 435

رواية نطق رأس الإمام الحسين(علیه السلام) 435

3- التوظيف والتوثيق الشعري لأحداث المقتل.. 437

4- الجغرافية التاريخية. 440

المبحث الثاني: دراسة تحليلية للمتون الروائية لكتب المقتل الحسيني خلال القرن السابع الهجري 443

1- (دُرَر ُالسِّمط في خبر السِّبط) لابن الأبار القضاعي.. 443

أولاً: سبب تأليف الكتاب... 443

ثانياً: منهج المؤلِّف.... 444

ثالثاً: محتوى الكتاب... 445

رابعاً: التوظيف القرآني.. 447

خامساً: الشمول الزماني والمكاني.. 448

سادساً: التعليل التأريخي.. 448

سابعاً: التوظيف الشعري في المقتل.. 449

2- (اللهوف في قتلى الطفوف) لابن طاووس... 450

أولاً: السبب في تأليف المقتل.. 451

ثانياً: خطَّة تصنيف المقتل.. 451

1- الشمول الزماني والمكاني للمقتل.. 452

2- التوثيق التاريخي لابن طاووس... 452

3- النقد والتحليل عند ابن طاووس... 453

4- الروايات المنفردة عند ابن طاووس... 455

رواية أحمد بن محمد ابن الفقيه الهمذاني (ت340ﻫ/942م) 459

رواية ابن أعثم. 459

رواية أبي الفضل أحمد بن أبي طاهر ابن طيفور (ت380ﻫ/982م) 460

رواية أبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي (ت 548ﻫ/1160م) 461

رواية يوسف بن حاتم المشغري العاملي (ت 664ﻫ/1266م) 461

5- توظيف أقوال أئمة أهل البيت ومروياتهم في المقتل.. 464

أعداد أصحاب الإمام الحسين(علیه السلام) 464

الإعجاز الإلهي لنصر الإمام الحسين(علیه السلام) 465

عظمة دم طفل الحسين(علیه السلام) 465

تحديد عدد الطعنات والضربات التي تعرَّض لها الإمام الحسين(علیه السلام) 465

مجلس يزيد بن معاوية ورأس الإمام الحسين(علیه السلام) 466

جزاء قتلة الإمام الحسين(علیه السلام) 467

6- تعدد الروايات والأخبار للحادثة الواحدة 467

حادثة توديع الإمام الحسين(علیه السلام) لعياله. 468

سبب تأليف المقتل.. 478

معالم منهجه التاريخي في إيراده للمقتل.. 478

1- الشمول الزماني والمكاني للمقتل.. 479

2- التوظيف الشعري لأحداث المقتل.. 480

اعتماد ابن نما على أشعار بعض الشعراء والأدباء. 481

حادثة استشهاد مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة المرادي.. 481

اعتماد ابن نما على بعض أشعاره التي نظمها 484

3- الإهتمام بالجغرافية التاريخية. 486

4- تعدُّد الروايات... 486

الملاحق: أسماء كتب المقتل الحسيني المطبوعة والمفقودة من القرن الأول حتى القرن السابع الهجري.. 501

ملخَّصُ الأطروحَة. 505

المصادر والمراجع.. 509

أولاً: المصادر الأولية. 509

ثانياً: المراجع الثانوية. 534

ثالثاً: الرسائل والأطاريح الجامعية. 544

رابعاً: البحوث والدراسات... 546

المحتويات... 549