ghaemiyeh.com
عنوان و نام پديدآور:أم مقامات فاطمة الزهراء علیها السلام فی الکتاب و السنه/ محاضرات محمد سند؛ بقلم حسن العالی ؛ اعداد ممدوح العالی
مشخصات نشر: تهران : نشر کوخ ، 1436 ه = 2015م = 1394 ش
مشخصات ظاهری:ص 496
وضعیت فهرست نویسی:فهرستنویسی قبلی
يادداشت:عربی.
یادداشت:کتابنامه به صورت زیرنویس
موضوع:فاطمه زهرا(س)، 8؟ قبل از هجرت - ق11
شناسه افزوده:سند، محمد، . - 1340
رده بندی کنگره: 1394 ، 73 م 9 س / 27/2 Bp
رده بندی دیویی:297/973
شماره کتابشناسی ملی: 3881496
بسم الله الرحمن الرحيم
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (19)بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (20)فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (21)يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ (22) (1)
1) سوره 55 - آیه 19
مقدمة المقرر
هذا هو الجزء الثالث من كتاب مقامات فاطمة(عليها السلام) في الكتاب والسنة ماثل بين يدي القارئ الكريم، وهو عبارة عن دروس وأبحاث عقائدية عالية ألقاها الشيخ الأستاذ آية الله محمد السند حفظه الله على جمع من فضلاء الحوزة العلمية في مسجد عمران بن شاهين بجوار مرقد باب مدينة علم النبي(صلی الله علیه و آله).
وقد جاء الكتاب في بابين:
الباب الأول: في ضوابط وقواعد دينية جليلة تتصل بأكثر من أصل من أصول الدين لكنها تتمركز حول المقامات العامة لأهل البيت(عليهم السلام) والتي تمثل الحدود المشتركة بينهم وإن كانوا متفاوتين في الموقعية صعودا ونورية فيما هو مشترك.
وتبرز أهمية تلك الحدود المشتركة بعمق في بحثنا حول مقامات البضعة الطاهرة(عليها السلام)، وذلك لوجود سطحية في الفهم لدى كثيرين حول شراكتها في المقام والدور للنبي والائمة(عليهم السلام) لإشكالية كونها امرأة.
ولذا تنقّح من مجموع ما طرحه الشيخ الأستاذ في الضوابط مدى ما للزهراء(عليها السلام) من موقع أصيل في دائرة أهل البيت(عليهم السلام) بل تبوؤها موقع صدارة بينهم.
وفي الباب الثاني: فتح الشيخ الأستاذ الباب على مصارعيه في
البحث العقائدي والمعرفي الدقيق حول مقاماتها مبينا رتب مقاماتها(عليها السلام)، والمقام الأم بين تلك المقامات، بل تصب نتيجة كل الأبحاث والمقالات في الدليلية على أم مقاماتها وهيمنتها على مقامات الأئمة من ولدها(عليهم السلام).
وتناول الأستاذ الكثير مما خفي على المتكلمين ولم يذكروه في كلماتهم الا ارتكازا مما لفاطمة البتول(عليها السلام) من مقام حجية وولاية، متوسعا في بيان ولايتها بلحاظ عالم الدنيا وبقية العوالم العالية.
ولذا كان البحث كالبحر المتلاطم كلما عبرنا منه موجا استقبلتنا أمواج وأمواج فتأكد اليقين أن البحث في شخصية ومقام البضعة الطاهرة(عليها السلام) لا يتوقف عند أفق ولا ينتهي عند حد.
والأمل معقود أن يتلو هذا الجزء أجزاء بقدر طاقتنا من الاغتراف من بحر النبوة ولبوة الرسالة.
ويحدونا الأمل أن يفتح هذا الكتاب الطريق للباحثين المجيدين ليشمروا عن سواعد التنقيب في روايات الوحي وبالخصوص في روايات مقامات فاطمة(عليها السلام) لتأخذ العقيدة بها(عليها السلام) موقعها الديني المناسب، ويرتفع شيء من القصور والتقصير العلمي لدى النخب وجمهورالمسلمين.
النجف الأشرف
رجب الأصب 1436ه-
الضابطة الأولى: المحكمات وطبقاتها الضابطة لمعرفتها.
...* كيف نتعرف عَلَى طبقات المحكمات.
...* ولاية أهل البيت(عليهم السلام) مثبتة في أم الكتاب.
...* وقفة مَعَ السِّيّد المرتضى....
بادئ ذي بدء ثمة مجموعة مِنْ الأسئلة:
أوَّلاً: كيف نتعرف عَلَى محكمات القُرآن الكريم؟
ثانياً: وكيف نُميِّز بين طبقات محكماته؟
إذْ لا يخفى أنه بَعْدَ التمييز والفرز بين المحكمات والمتشابهات لابُدَّ أنْ نعقد بحثاً آخر تعميقاً لهذه الحقيقة وتجلية لأبعادها.
وخلاصته هو أنَّ كُلّ محكم بالقياس إلى ما فوقه مِنْ المحكمات يعتبر مُتشابهاً محكمه المحكم الذي فوقه.
بمعنى أنَّ المحكم الفوقي يزيح ويكشف تشابه المحكم الذي دونه، إذْ أنَّ إحكام المحكم إنَّما هُوَ صفة لَهُ باعتبار ما تحته، لكنَّهُ وبالنظر لما فيه مِنْ مساحات تمتزج بالتشابه أحتيج فِي كشف منطقة تشابهه إلى إرجاعه إلى ما فوقه مِنْ المحكمات.
وإيضاحا لهذا المطلب يمكن أنْ نمثِّل بدرجات النُّور، إذْ هُوَ بمستوى معيّن نور وَلَيْسَ ظلمة، وَهَذَا النُّور إذا ما قايسناه بنور أكبر منه يكون بالقياس والمقابلة نوراً مُمتزجاً بظلمة.
فلو قست النُّور فِي درجة الخمسين إلى النُّور فِي درجة المئة لاضمحل الأوَّل فِي الثَّانِي، بحيث لا يطلق على نوريته اسم النُّور بالقياس بالثاني.
وَقَدْ أيّدت الاكتشافات العلمية الحديثة ما وَرَدَ عَنْ الإمام زين العابدين(علیه السلام) فِي قوله:
«سبحانك تعلم وزن الظلمة والنور»(1).
إذْ نسب للظلمة وزنا؛ ولذا اكتشفوا أنَّ الظلمة ليست عدماً مطلقاً، وَإنَّما هِيَ نور ضعيف، وإطلاق وصف الظلمة عَلَيْهَا إنَّما هُوَ بالقياس للنور الأقوى منها.
ومما يُؤكِّد وجود نوريّة ضعيفة فِي الظلمة أنَّ العدسات الليلية المستعملة فِي الرؤية آناء الظلام وظيفتها الفيزيائية استثمار ذَلِكَ النُّور الضعيف المصاحب للظلمة فتتحقق به الرؤية.
وَعَلَى ذَلِكَ تقاس الأنوار بعضها إلى بَعْض.
وَبِهَذَا المثال يتقرب للأذهان الاختلاف فِي درجات المحكمات،4.
1) ( (الصحيفة السجادية (الابطحي) الإمام زين العابدين 24.
فَكَمَا أنَّه فوق كُلّ ذي نور نور أكبر وأقوى فكذلك فوق كُلّ ذي محكم محكم.
وَالنُّور فِي درجاته النهائية يطلق عَلَيْهِ نور الأنوار، ويطلق على المحكم فِي درجاته النهائية عنوان أحكم المحكمات.
وَعَلَى هَذَا الأساس أطلق الباري في القُرآن عنوان (أمِّ الكتاب) عَلى بَعْض درجات آياته.
ولخطورة بحث طبقات المحكمات فقد نزلت أكثر من آية من آيات القُرآن الكريم لبيانها، كما اعتنى أهل البيت(عليهم السلام) وتشددوا فِي الدلالة عليها، مما يؤكد مدى تأثيرها في معارف الإنسان وفهمه للقُرآن.
وفي غَيْر موضع طرحت آيات القُرآن الكريم حقيقتين مهمتين:
الأولى: ضرورة الإيمان بالحجج الإلهية بشكل عام.
الثانية: التمييز فِي الإيمان بين درجات الحجج ومقاماتها.
فَعَلَى صعيد الاعتقاد بالأنبياء(عليهم السلام) نزل قوله تَعَالَى: ( قُولُوا آمَنّا بِاللّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَ ما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ وَ ما أُوتِيَ مُوسى وَ عِيسى وَ ما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ )(1)(2)6.
فأمر بالإيمان بهم جميعاً، لكنَّهُ لَمْ يكتفي بِهَذَا المقدار فأنزل قوله تَعَالَى: ( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللّهُ وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ )(1)(2)
فدلَّت الآية الأخيرة عَلَى وجوب الإيمان بهم عَلَى طبقات ودرجات، ففي حين أن بعض الآيات نهت عن التفريق بين الرسل فِي صراطهم الحَقّ ونهجهم القويم ودينهم الواحد، أمرت آيات أخرى بالاعتقاد بوجود طبقات فِي ذَلِكَ الصراط، وبوجود تفاوت في ذَلِكَ المنهاج، وَهَذَا معنى التحفظ فِي الإيمان عَلَى الطبقات والوحدة، أي وحدة في الكثرة وكثرة فِي الوحدة.
فلو اعتقدت بالوحدة بلا اكتراث بالكثرة كفرت وجحدت، ولو اعتقدت بالكثرة بلا وحدة لكفرت وجحدت، إذْ معنى (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ ) (3)هُوَ القول بالوحدة، ومعنى (فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ) (4)هُوَ القول بالكثرة.
وكذلك جمع القُرآن الكريم بين نغمة الوحدة ونغمة الكثرة فِي محكمات القُرآن.
فشدَّد مِنْ جهة عَلَى وجود المحكمات، وشدَّد مِنْ جهة أُخرى عَلَى طبقات المحكمات، فمحكم هُوَ لما دون ومتشابه بالنسبة إلى ما53
فوق إلى أنْ نصل إلى أم المحكمات، وفي ذَلِكَ وَرَدَ قوله تَعَالَى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ )(1)(2)
وأُمّ الكتاب هِيَ محكم لِكُلِّ المحكمات.
بات مِنْ الوضوح بمكان لدى المحققين مِنْ المفسرين بطلان التعريف القديم الدارج الذي يفرّق بين المحكمات والمتشابهات بأنَّ المتشابه ما كَانَ لفظه مجملا ومغلقا، وأنَّ المحكم ما كَانَ لفظه بيناً واضحاً.
ووجه البطلان ما وصف الله به جميع آيات قُرآنه بقوله تَعَالَى: (وَ هذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ) (3). (4)
الدَّالَّة عَلَى أنَّه لَيْسَ بين آيات القرآن لفظ مجمل عَلَى صعيد المعنى.
وبالتالي لابُدَّ مِنْ التفريق بين المحكم والمتشابه بوجه آخر.
وَقَدْ بُيِن فِي التحقيقات الأخيرة فِي علم التفسير أنَّ التشابه
والإحكام لا محل لهما عَلَى صعيد اللفظ ودلالته الأولية، وَإنَّما يتطرّق التشابه والإحكام للقرآن عَلَى صعيد المعنى وطبقاته، بَلْ عَلَى صعيد ما هُوَ أعظم مِنْ المعنى وطبقاته وَهُوَ الحقائق وطبقاتها.
وبعبارة أُخرى: بَعْدَ أنْ ينتقل السامع للألفاظ منها إلى معانيها ينشأ لديه فِي واحة المعاني وضوح وإبهام، وَلَيْسَ السبب فِي الوضوح والإبهام نفس القُرآن الكريم وَإنَّما هُوَ مُسبب عَنْ درجة علم البشر بالمعاني ودرجة علمهم بالحقائق.
فيخطأ مِنْ يظن أنَّ التقسيم والتنويع لآيات القُرآن سببه الألفاظ أو المعاني بما هِيَ مدلولات للألفاظ، والسرّ فِي ذَلِكَ وصف القُرآن كُلّ آياته بالعربي المبين، وإنما نشأ التقسيم بَعْدَ مغادرة منصّة الألفاظ إلى منصّة المعاني وطبقاتها.
وَبَعْدَ التعرف عَلَى اشتمال القُرآن عَلَى محكم ومتشابه وأن نفس محكماته عَلَى طبقات ينبثق هَذَا السُّؤال:
كيف نُميّز طبقات المحكمات، وما هِيَ المحكمات الأشد إحكاماً والمحكمات الأدنى إحكاماً؟
وجوابه: إنَّ الحقيقة كلما كانت ذَاتَ موقعية كبيرة فِي الدِّين، وكذا المعنى كلمَا كَانَ ذا موقعية مُتَقَدِّمَة بين المعاني الدينية اعتبر ذَلِكَ المعنى أشدّ إحكاماً مِنْ المعاني والحقائق الأنزل مِنْهُ.
وبعبارة أوضح: إنَّ الآيات المُتعرِّضة للمعارف الَّتِي هِيَ مِنْ أصول الدِّين وعقائده تعتبر أشد إحكاماً مِنْ الآيات الَّتِي تتعرض إلى فروع الدِّين، والسرّ فِي ذَلِكَ هُوَ أنَّ المعنى فِي العقائد وفي أصول الدِّين أعلى مرتبة وجودية وحقائقية مِنْ المعنى فِي فروع الدِّين.
وَبِهَذَا يتبيَّن أنَّ أشد آيات القُرآن إحكاماً هِيَ الآيات الَّتِي تتعرض إلى التوحيد ومعارفه.
والسُّؤال لِمَ ذَلِكَ؟
قَدْ مَرَّ آنفاً أنَّ آيات العقائد أشدّ إحكاماً مِنْ آيات الفروع، ولمّا كَانَ التوحيد أساس كُلّ الدِّين وأساس كُلّ معارف القُرآن فلا محالة أنْ يوزن به غيره لا أنَّ غيره يزنه، لِأنَّ معنى المحكم هُوَ الأم، والأم معناها الميزان والمدار، ولا يعقل أنْ يكون شيء مِنْ الأصول فوق أصل التوحيد ليوزن به.
وتأتي فِي الرتبة اللاحقة الآيات الَّتِي تتعرض للنبوة فَهِيَ أعظم وأشدّ إحكاماً مِنْ الآيات الَّتِي تتعرّض لبقية أصول الدِّين، لِأنَّ موقعية النبوة موقعية مدارية بَعْدَ موقعية التوحيد.
والمعاد إذَا ما لاحظناه فِي قسمه المرتبط بالتوحيد يكون بِهَذَا المعنى أعظم مِنْ النبوة، وإذا لاحظناه في قسمه الذي لا يرتبط بالتوحيد تكون النبوة أعظم مِنْهُ، وَبَعْدَ النبوة تأتي موقعية الإمامة،
فتكون الآيات المتعرضة لها أشد إحكاماً مِنْ الآيات المتعرضة لما هُوَ دونها.
وما أثبتناه مِنْ أنَّ محكم الآيات نازلة فِي بيان أحكم العقائد يتجلى بوضوح فِيما بينته الزيارات المأثورة الناصّة عَلَى أنَّ ولاية أهل البيت(عليهم السلام) مثبتة فِي محكمات الآيات:
منها ما وَرَدَ فِي زيارة أمير المُؤْمِنِين(علیه السلام):
«وأشهد أنَّكَ أمير المُؤْمِنِين الحقّ الذي نطق بولايتك التنزيل»(1).
ومنها ما ورد في زيارة الحسن(علیه السلام) وَرَدَ:
«والذي نطق بفضله التنزيل»(2).
وَهَذَا البند اللطيف واللغة العظيمة مما غفل عنه جملة مِنْ المتكلمين فظنّوا أنَّ ولاية أهل البيت(عليهم السلام) ثابتة بالتأويل للآيات، بَيْنَمَا نصوص الزيارات تثبت أنَّ إمامته وفضله نزل بها التنزيل، بمعنى أنَّ الله نصَّ عَلَى ولايته وإمامته فِي التنزيل، وأحد معاني الإحكام هُوَ التنزيل.
ولو تتبعنا أكثر نصوص الزيارات لوجدنا ما هُوَ أرقى مما مَرَّ، إذْ وَرَدَ فِي زيارة أمير المُؤْمِنِين (علیه السلام) قولهم: «الذي ذكره الله فِي محكم الآيات فَقَالَ تَعَالَى: (وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ) (1). (2)
وورد في زيارته(علیه السلام):
«السَّلامُ عَلى مَنْ أَنْزَلَ الله فِيهِ وَإِنَّهُ فِي امِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيُّ حَكِيمٌ».
ففضلاً عَنْ نزول القُرآن بالولاية فِي التأويل، وفضلاً عَنْ نزوله بالولاية فِي التنزيل، فَإنَّهُ نصّ عَلَى ولايته فِي أم محكمات الآيات.
وَعَنْد هَذَا البيان لابُدَّ أنْ تستوقف الأقلام وتعمّل العقول فِي هذا المُدّعى الخطير، إذْ لَيْسَ ثمة آيات دلّت عَلَى ولاية علي(علیه السلام) وولاية فاطمة(عليها السلام) وولاية الحسنين(عليهم السلام) وانتهى الأمر، وليست ولايتهم مورد تنزيل الكتاب وكفى، كَمَا أنَّها ليست منصوصة فِي المحكمات فحسب، بَلْ تكفل بالنصّ عَلَيْهَا والنطق بوجوبها أم المحكمات.
وَعَلَى أساس ذَلِكَ نحن مطالبون بإقامة الدلائل عَلَى إمامة علي(علیه السلام) وولاية الزهراء(عليها السلام) وأولادهما(عليهم السلام) لا فِي تأويل الكتاب وحسب، ولا فِي تنزيل الكتاب وكفى، ولا بالمحكمات وانتهى الأمر.
بَلْ مطالبون بإقامة الدلائل عَلَى إمامتهم وولايتهم(عليهم السلام) بالآيات الَّتِي تتصدر قائمة المحكمات ولا أمومة عَلَيْهَا من آيات أخرى، أيّ18
الآيات الأكثر إحكاماً فِي القُرآن.
وانعقاد أم المحكمات فِي إثبات الولاية أدلّ دليل عَلَى كونها مِنْ أمهات أصول الدِّين وأحكم محكماته الَّتِي يدور عَلَيْهَا جملة كثيرة مِنْ أصوله وعقائده.
ومما تَقَدَّمَ مِنْ بيان دلالة القُرآن في أم محكماته عَلَى إمامة علي وولايته(علیه السلام) يتبيَّن وجه المناقشة فيما قاله السِّيّد المرتضى مِنْ أنَّ دلالة القُرآن عَلَى الولاية بيِّنة عَلَى مستوى الظاهر الخفي وَلَيْسَ الظاهر الجلي، فَإنَّ ما تَقَدَّمَ يوضِّح أنَّ الولاية فِي القُرآن ليست مِنْ الظاهر الخفي، أيّ ظاهر بالمعنى الأعم، كَمَا أنَّهُ لَيْسَ مِنْ الظاهر الجلي بَلْ أعظم مِنْ ذَلِكَ، إذْ لا يناسب الولاية الَّتِي هِيَ مِنْ أحكم محكمات المعارف إلَّا أنْ تكون ظاهرة وجلية وواضحة بدرجات فائقة فِي الوضوح في أمهات آيات القرآن.
وفي صدارة ولاية أهل البيت(عليهم السلام) بَعْدَ الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) والوصي(علیه السلام) تأتي ولاية فاطمة(عليها السلام) لا سيما وعنوان القربى فِي آيات الولاية أوَّل انطباقها عَلَيْهَا(عليها السلام)، وبتوسطها ينطبق عَلَى الأئمة الأحد عشر(عليهم السلام).
وكذلك عنوان (أهل البيت) فَإنَّهُ خاصّ ابتداء ونزولاً بالخمسة أصحاب الكساء.
وبعبارة أُخرى: إنَّ انتشار الشبهات والالتباسات وإنَّ سبّب احتجاب أنوار القُرآن عَنْ أنْ يبصرها عموم المسلمين المستضعفين لكنَّ ذَلِكَ لا يوجب تزلزل الضياء البرهاني فِي دلالة الآيات عما هُوَ عَلَيْهِ نظير الحال فِي أدلّة التوحيد، فَإنَّ شبهات الإلحاد والملحدين قَدْ يُفرض لها انتشار ورواج وبالتالي يكون لها تعمية عَلَى عقول البسطاء لكنَّ ذَلِكَ لا يعني زوال بينات وأدلة التوحيد عمّا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ بداهة.
وبعبارة ثالثة:
تارة يعرّف البديهي والظاهر كوصف إدراكي للأشخاص والأفراد فَهَذَا يكون نسبيا ومتغيرا، وَأُخرى يعرّف بلحاظ مقدمات الاستدلال ومناشىء الدلائل فَهَذَا لا يطرأ عَلَيْهِ أي تغيير.
*الاعتقاد والمعرفة بمقامات الزهراء(عليها السلام) حَيْثُ إنَّهُ مِنْ أصول الدِّين وَلَيْسَ مِنْ الفروع فَهُوَ مقام اعتقادي.
*لذا فَإنَّهُ لا تنحصر تداعياته وآثاره وتأثيره على الحياة الدنيا فقط، بل يسع ويتسع إلى جميع العوالم بل الى ما فوق الجنة الابدية من عوالم النور.
لأصول الدِّين وعقائده موقعية وجودية عالية كَمَا أنَّ لفروع الدِّين موقعية نازلة.
فَأمَّا موقعية الفروع فمحصورة فِي النشأة الدنيوية بقسميها الأولى مِنْ الدُّنْيَا والآخرة منها، وأمَّا العقائد الدينية والمعارف الاعتقادية والأصول المعرفية فنشأتها الوجودية تعم وتستوعب عوالم سابقة وعالم لاحقة.
ولا شك أنَّ عظمة وخطورة العقائد مُتَقَدِّمَة عَلَى فروع الدِّين لاختلاف الموقعية؛ ولذا فَكُلّما كبر الموقع الوجودي للشيء فِي ما
يتعرّض لَهُ القُرآن يصبح الشيء أشدّ إحكاماً.
وبعبارة أُخرى:
ثمة فرق بل فروق بين الدِّين والشريعة، فَإنَّ الشريعة خاصّة بالنشأة الأرضية، بَيْنَمَا للدين عموم وعمومية لِكُلِّ عوالم الخلقة؛ ولذا فَالدِّين لا تقف حدوده عِنْدَ نشأة مضت أو بتاريخ مضى أو بوضع راهن بَلْ هُوَ مرتبط بكُلِّ العوالم.
ويخطأ الكثير عِنْدَمَا يظنون أنَّ الدِّين لَيْسَ داخلاً فِي اهتمام المُؤْمِنِين بعدما يذهبون إلى الجنّة، بَلْ الصحيح أنَّ الدِّين حاكم عَلَى كُلّ العوالم بما فيها عالم الجَنّة الأبدية.
كَمَا أنَّ للدين نظاما حاكما عَلَى أهل النيران فِي النَّار، وللدين أيضا نظام حاكم فِي عالم الذر وعالم الميثاق الذي مضى.
وعلى ضوء ما تأسس فإن الاعتقاد والمعرفة بمقامات الزهراء(عليها السلام) حيث إنه من أصول الدين وليس من الفروع فهو مقام اعتقادي لا تنحصر تداعياته وآثاره وتأثيره على الحياة الدنيا فقط، بل يسع ويتسع إلى جميع العوالم بل الى ما فوق الجنة الابدية من عوالم النور.
وبالتالي يكون نورا ومنهاجا وضياء وصراطا يعرج به فيها .
*مدى خطورة العمى في العوالم الآتية تتحدد وفق خطورة الاعتقاد في عالم الدنيا..
*فما هو العمى الأخروي الذي سينجم عن تضييع معرفة مقامات الصديقة فاطمة(عليها السلام).
قَدْ تضمّنت آيات القُرآن هذه الضابطة بصراحة ووضوح كما فِي قوله تَعَالَى: (وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَ أَضَلُّ سَبِيلاً) (1). (2)
ومعنى العمى وأعمى هُوَ الخلو مِنْ المعارف، فَكُلّ مَنْ هُوَ غَيْر عارف فِي نشأة الدُّنْيَا فَهُوَ أعمى وَغَيْر عارف فِي الآخرة، بل وأضلّ سبيلاً.
فعلى السالكين لله أنْ يكونوا بصراء وبصيرين وذو بصيرة هُنَا كي لا يضلّوا السبيل فِي القيامة.
وثمة نص معرفي يتداوله الفلاسفة والمتكلمون كثيرا وَهُوَ قولهم «المعرفة بذر المشاهدة» فبغض النظر عن قائله فَهُوَ مطابق لمضمون الآية، فَإنَّ للآية منطوقا ومفهوماً، ومنطوقها إنَّ مَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أعمى فَهُوَ فِي الآخرة أعمى وأضل سبيلاً.
ومفهومها أيّ عكسها مَنْ كَانَ فِي هَذِهِ بصيراً فَهُوَ فِي الآخرة أكثر بصيرة وأشدّ رشداً وهداية، وَهَذَا هُوَ مضمون الحديث السابق؛ إذْ معنى (المعرفة بذر المشاهدة) هُوَ كون المعرفة فِي الدُّنْيَا بوابة نافذة لأجل المشاهدة فِي الآخرة.
فالآية وَالرِّوَايَة يتضمنان بيان نقطة معرفية مِنْ جهة، وَمِنْ جهة أُخرى يشتملان عَلَى إنذار كبير للبشر وتخويف مِنْ القصور والتقصير فِي المعرفة فِي دار الدُّنْيَا.
ولنا أنَّ نتوغّل أكثر فِي معنى الآية وَالرِّوَايَة فنقول إنَّ العمى فِي هَذِهِ الدُّنْيَا والعمى والضلال فِي الآخرة إمَّا أنْ يكون عَنْ أصل الحقيقة أو يكون عَنْ طبقات الحقيقة، فَمِنْ عمي وتاه عَنْ أصل الحقيقة فِي دار الدُّنْيَا عمي وضلّ عَنْ أصل الحقيقة فِي عالم الآخرة، وَمَنْ ضلّ وعمي عَنْ طبقات الحقيقة وشؤونها وأبعادها عمي وضل عَنْ درجات الحقيقة فِي عالم الآخرة.
فبقدر ما يتعامى عنه وينكره ويجحده فِي عالم الدُّنْيَا يتعامى وينكر ويضل عنه فِي عالم الآخرة.
ولذا قَدْ يهتدي إلى الجنان فِي الآخرة لكنَّهُ يتعامى ويضل عَنْ أعالي الجنان فيها، لأنَّهُ لا يدرك مِنْ الآخرة إلا ما أدركه فِي الدُّنْيَا، فَمَنْ لَمْ يبصر أعالي المعارف مِنْ ها هُنَا عمي عنها وضل سبيلها هُنَاك.
وَهَذَا هُوَ معنى القاعدة القرآنية المودعة فِي قوله تَعَالَى: (إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (1)(2)، والكسب هُوَ درجات المعرفة.
فإذا كان هذا حال الاعتقادات الواجبة المعتادة فكيف بالاعتقاد بأصل من أصول الدين ومدى خطورة العمى الذي سينجم منه كمعرفة مقامات الصديقة فاطمة(عليها السلام).
وقد ورد في روايات الرجعة في ذيل الآية المتقدمة أن من كان ضالا في الحياة الأولى من الدنيا يبعث في الرجعة أشد ضلالا.
فعن أبي بصير، عن أحدهما (علیه السلام)، في قول الله عز وجل: (وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَ أَضَلُّ سَبِيلاً) (3)قال: في الرجعة) (4).9.
*لفاطمة(عليها السلام) من الولاية في مستقبل الدنيا وهي الرجعة وما يلحقها من رجعات وعوالم لاحقة كعالم القيامة، وعند الحساب تكون(عليها السلام) آمرة وناهية وهو يوم الأهوال وتنصاع اليها جميع الملائكة.
يتوهّم كثيرون أنَّ العقائد تراث لتاريخ مضى ورؤية لتاريخ غابر، بَيْنَمَا الصحيح أنَّ العقيدة هِيَ رؤية لحاضر راهن ولمستقبل واعد، وَهِيَ بذلك لها تداعيات خطيرة وأمواج وانعكاسات عَلَى الوضع الراهن والوضع المستقبلي وبه يتبين أنَّ العقيدة أمر مصيري وليست أمراً اختيارياً أو ندبياً.
وهذا ما يستبين أن لفاطمة(عليها السلام) من الولاية في مستقبل الدنيا وهي الرجعة وما يلحقها من رجعات وعوالم لاحقة كعالم القيامة، وعند الحساب
تكون(عليها السلام) آمرة وناهية وهو يوم الأهوال وتنصاع اليها جميع الملائكة.
فتبين ثمة ملكها للأمر ومقامها وليس ذلك الا انكشاف لما كانت عليه من ولاية في دار الدنيا وما قبل ذلك من عوالم وإن لم تكن محسوسة ومعروفة لنا، فإن ولايات المعصومين الأربعة عشر(عليهم السلام) هي ذات مراتب ورتب متسلسلة يقوم كل منهم بالولاية عمن قبله ممن يفوقه رتبة.
*ثمة موازاة ومحاذاة بين لغة العقل العملي ولغة العقل النظري، أيّ كُلّ لغة من لغات العقل العملي لها ما يوازيها فِي لغة العقل النظري.
للوحي مناهج وطرق لبيان العقائد، وإحدى تلك المناهج ما يعرف بلغة العقل العملي أو لغة الفضائل والمديح وفي قبالها لغة الذم، فَإنَّ الفضائل الَّتِي تنسب فِي لسان الوحي لأهل المقامات العقائدية تعني إسناد الحجية لهم، بَيْنَمَا الذم فِي لغة العقائد يعني عدم الحجية.
فالمواطن القرآنية الَّتِي يذم فيها القُرآن أفعال بَعْض زوجات الْنَّبِيّ كَمَا فِي سورة التحريم تمثل إشارة مِنْ القُرآن مفادها أنَّ زوجات الْنَّبِيّ لسن حجة مِنْ الله.
بَيْنَمَا تشير المواطن الَّتِي مدح القُرآن فيها أهل البيت(عليهم السلام) بمدح
إلهي ناموسي - لَيْسَ عَلَى مُقْتَضَى العادة والعرف - إلى إثبات الحجية لهم(عليهم السلام).
فثمة موازاة ومحاذاة بين لغة العقل العملي ولغة العقل النظري، أيّ كُلّ لغة من لغات العقل العملي لها ما يوازيها فِي لغة العقل النظري.
وَقَدْ أجمع المسلمون اكتعون عَلَى أنَّ أهل البيت(عليهم السلام) المخصوصين قَدْ مدحهم القُرآن الكريم بأوصاف خاصّة كَمَا فِي سورة الدهر وسورة الحشر وسور أُخر عديدة، وبيَّن فضائلهم عِنْدَ الله وكرامتهم لديه، وَهَذِهِ اللغة مِنْ لغات العقل العملي لها ما يوازيها فِي لغة العقل النظري، وَهُوَ ثبوت الحجية والاصطفاء ووجوب الطاعة لهم(عليهم السلام).
وبعبارة أُخرى:
سلك القُرآن الكريم مسالك عِدَّة لبيان ما لأهل البيت(عليهم السلام) مِنْ مقام فمرّة قَالَ تعالى: (أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ )(1)(2)، وَمَرَّة سلك لغة أُخرى، فَقَالَ مادحاً للنبي(صلی الله علیه و آله): (ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى )(3)(4)، وَقَالَ مادحاً لأهل البيت(عليهم السلام): (إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(5)(6)3.
إذْ لا معنى لهذه الحفاوة وَذَلِكَ التكريم وتلك الوجاهة مِنْ الخالق الأزلي وبموازين إلهية غَيْر بشرية إلَّا إسناد الحجية والاصطفاء ووجوب الطاعة ووجوب الولاية.
وَمِنْ ثمّ فلا فرق بين المسلكين واللغتين القرآنيتين إلَّا أنَّ الأولى «أطيعوا» لغة للعقل النظري، والثانية «المدح» لغة للعقل العملي.
فلغة الكرامة والفضائل فِي منظور العقائد هِيَ لغة حجيّة وليست نظير المدح والمديح الشعري.
ولأجل أنَّ ينبّه القُرآن الكريم البشر عَلَى مفادات لغاته أَكَّدَ المرة بَعْدَ الآخرين عَلَى أنَّهُ لَيْسَ بشعر شاعر، وَإنَّما هُوَ نور كاشف للحقائق الكونية، فإذا ما اعترف البشر بأنَّ القُرآن الكريم وَالْنَّبِيّ الأكرم(صلی الله علیه و آله) قَدْ مدحا أهل البيت(عليهم السلام) بفضائل خاصّة وَلَمْ يشركا أحداً مِنْ هَذِهِ الأُمَّة فِي فضيلة مِنْ تلك الفضائل بَلْ خصّوا بخصوصهم، فَهَذَا التخصيص بتلك الفضائل تذكير بالحقائق الثابتة والواقعية، وَلَمْ يمدحهم ليُترنم بتلك المدائح ويداعب بها الخيال.
ولذلك لابُدَّ أنْ يؤخذ ما مَرَّ دليلاً وبرهاناً عظيماً عَلَى حجية الزهراء(عليها السلام) لِأنَّ القُرآن الكريم فِي مواطن عديدة ركّز عَلَى خصوص مديح البضعة، بينها ذم زوجات الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) فِي مواطن وموارد عديدة.
فَمِنْ جانب يُعلي مِنْ شأن فاطمة(عليها السلام) بخصوصها، وَمِنْ جانب
يؤنِّب ويعاتب ويذم زوجات الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله)، والمغزى مِنْ ذَلِكَ تنبيه وتفهيم المسلمين عَلَى حجيّة الزهراء(عليها السلام) مِنْ جهة وَعَلَى عدم حجية زوجاته مِنْ جهة أُخرى.
وَهَذَا هُوَ معنى ما قلناه مِنْ أنَّ المديح لغة مِنْ لغات الحجية والاصطفاء، والذم لغة مِنْ لغات إسقاط الحجية والاصطفاء.
وَعَلَى وجه عام ينبغي أنْ لا نغفل ونحن نتتبع منظومة معارف القُرآن والوحي عَنْ مفاد لغة المدح ولغة الذم.
وَمِنْ هَذَا القبيل وصف القُرآن لموسى وعيسى(عليهما السلام) بالوجيه في قوله تعالى: (إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) (1). (2)
وقوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللّهُ مِمّا قالُوا وَ كانَ عِنْدَ اللّهِ وَجِيهاً) (3). (4)
إذْ لا يحتمل المسلم أنَّ المُراد مِنْ نعت الوجيه هُوَ محاباة رحم أو قرابة، إذْ لَيْسَ بين الله تَعَالَى وبين أحد صلة رحم وقرابة، كَمَا لا يحتمل مسلم أنَّ وزان توصيف القُرآن هُوَ زان التوصيف الشعري، إذْ لَيْسَ عِنْدَ الله تَعَالَى عجز عَنْ التوصيف المطابق.9.
وَمِنْ ثمّ فَالمُراد مِنْ المديح بالوجاهة والوجيه هُوَ الاصطفاء.
وَعَلَى هَذَا الأساس إذَا تبدّه لدينا أنَّ أهل البيت(عليهم السلام) بخصوصهم مكرّمين وممدوحين فِي منطق الوحي (الخصوصية تعني لا لأجل شرطية عمل أو صفة مفروغ عنها فيهم بَلْ هُمْ بشخصهم الشخيص مكرمون ) فَهُمْ حينئذ مصطفون ذاتاً.
ولنا أنَّ نقرِّب دلالة لغة المديح عَلَى الحجية بما وَرَدَ فِي القُرآن مِنْ مديح الله لمريم بالطهارة، وَقَدْ جاء عَلَى لسان الوحي قوله تَعَالَى (لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ )(1)(2)
وَمِنْ أعظم قصص القُرآن ما حدَّثت به الآيات مِنْ تأريخ مريم؛ لذا ففي مريم للمسلمين عبرة، والعبرة تعني العبور، أيّ خذوا مِنْ مريم معبراً؛ ولذا جسَّد رَسُوُل الله(صلی الله علیه و آله) الآية فأشار للمسلمين بضرورة العبور مِنْ مريم إلى مريم الكبرى، أيّ إذَا ما وصفت مريم بمريم حَيْثُ أنَّهُ اسم علم مأخوذ بمعنى الطاهرة والبتول، فإذا كانت مريم طاهرة متبتلة فثمة مَنْ هِيَ أطهر مِنْ مريم، وَهِيَ فاطمة(عليها السلام) وبنصّ القُرآن.1.
وما مَرَّ يسترعي التساؤل فَيُقَال:
سلمنا أنَّ لغة الفضائل والمناقب ذَاتَ بُعد تشريعي وعقائدي وقانوني وأنَّ القراءات عديدة فِي منطق القُرآن.
والسُّؤال: لم اعتمدها القُرآن الكريم فعبَّر عَنْ الحجّيّة بلغة مناقبية بدلاً عَنْ وصفهم بالحجّية بلغة مُبَاشَرَة وواضحة؟
إنَّ أحد أسرار ذَلِكَ هُوَ وقاية مقامات أهل البيت(عليهم السلام) عَنْ الطمس والتغييب مِنْ قبل أعدائهم وخصومهم، إذْ لو بُيّنت تلك الحقائق وأُبرزت بلغة قانونية صرفة أو بلغة عقائدية واضحة فإنه لا يستبعد أنْ تمتد يد التحريف وأقلام الطمس لتلك الفضائل والمناقب، إذْ لصراحتها يتحسس منها الخصوم والحسّاد أكثر، بَيْنَمَا لغة الفضائل فيها نوع مِنْ الاستتار والخفاء فِي الإفصاح عَنْ الحجية، وأهل التعقل وحدهم يدركون أن اللغة القانونية واللغة العقائدية هِيَ لب ولباب لغة المديح والفضائل وليست هِيَ السطح الظاهر فيها.
إنَّ الأدعية والزيارات مِنْ أعظم مصادر المعارف، وَمِنْ أحكم محكمات أدلة المعارف.
أشار الشَّيْخ المجلسي الأب إلى أنَّ درجات المعرفة المحكية بالنصوص الواردة عَنْ أهل البيت(عليهم السلام) متفاوتة، فالمعارف المودعة فِي الأدعية والزيارات يختلف مستواها عَنْ سائر رواياتهم.
فما هُوَ السر فِي ذَلِكَ؟
سره أن المخاطب في الأدعية الشريفة هُوَ الله، وَمِنْ شأن ووزان الخطاب مَعَ الله أنْ يصعد ويرتقي جزالة فِي المعنى والبلاغة علماً ورمزاً.
والمخاطب فِي الزيارة هُوَ المعصوم لا عموم الناس، وَمِنْ شأن، ووزان الخطاب للمعصوم أنْ يتميز فِي علو العلوم والمعارف وفي البلاغة وجزالة الكلام عَنْ سائر الروايات.
وما أشار إليه المجلسي مِنْ فائدة ينم عَنْ بصيرة وفطنة بلغات الكلام الصادر عَنْ أهل البيت، إذْ مفاده أنَّ جلّ إنْ لَمْ يكن كُلّ العقائد المبيّنة فِي الأدعية والزيارات لا تحتمل التقيّة، فَإنَّ الإمام إذَا ما سئل مِنْ سائل عَنْ مسألة فقهية أو عقيدية فَإنَّهُ قَدْ يواري فِي الجواب فلا يبين الحَقّ بشكل صريح، أو قَدْ يعرّض لأجل أنَّ المقام يقتضي التقية، فيرعى ويحفظ المُؤْمِنِين عَنْ شراسة الظالمين بالتعريض فِي الجواب أو بإخفاء الحقيقة فيه، إلَّا أنَّ المقام فِي الدُّعاء أو فِي الزيارات مختلف تماما.
وَقَدْ عبَّر المجلسي الأوَّل بتعبير دقيق فقال: إنَّ محفل الدُّعاء محفل خاص بين المعصوم والله، كَمَا أنَّ المخاطب فِي الزيارات هُوَ المعصوم، واللغة فِي الخطابين وإنْ كانت مشفّرة لكنّها مشتملة عَلَى حقائق عالية وبطون خفية.
وبذلك يتبين أنَّ الأدعية والزيارات مِنْ أعظم مصادر المعارف، وَمِنْ أحكم محكمات أدلة المعارف.
فلو لاحظنا مثلا دعاء الندبة بشيء من التأمل لأدركنا ما فيه مِنْ منظومة معادلات يتلو بعضها بعضاً فِي علم المعارف والعقائد يعجز عَنْ التفطن لها المفسرون والعرفاء والمتكلمون إلَّا بالاستعانة بنصوصهم وكلامهم(عليهم السلام).
ومن سديد القول الإعتقاد بأنَّ الزيارة الواحدة لأي مِنْ
المعصومين(عليهم السلام) عبارة عَنْ دورة لمنظومة عقائدية.
وَقَدْ قال كبار علماء الإمامية جيلاً بَعْدَ جيل أن مَنْ أراد إدراك وفهم منظومة عقائدية كاملة فعليه بسبر زياراتهم، كزيارة عاشوراء وزيارة وارث وزيارة أمين الله.
ومما يؤسف لَهُ أنَّ الكثير مِنْ المُؤْمِنِين المتعلمين عَلَى سبيل نجاة، بَلْ كثير مِنْ أهل الفضل والفضيلة فِي غفلة وسبات عَنْ المصادر الأم الَّتِي يُستقى منها منظومة العقائد الإيمانية، إذْ ربما يتوهّم كثير مِنْ أهل الفضل أنَّ بإمكانه أنْ يقتنص عقائد الدين مِنْ كتاب باب الحادي عشر للعلامة الحلي أو مِنْ كتاب التجريد للخواجة وشرح العلامة أو مِنْ أيّ كتاب آخر ألَّفه فحول العُلَمَاء- وَهُمْ شكر الله سعيهم وقدس الله أسرارهم - وإن قدّموا خدمات جليلة فِي هَذَا المجال إلَّا أنَّه لا يقايس بما يمكن أنْ يغترف مِنْ الوحي عَلَى قدر السعة والطاقة البشرية.
ولذا فالعكوف والاقتصار عَلَى مصدر أو مصدرين مما ألَّفه أهل العلم لا ريب أنَّهُ يوجب الغفلة والبعد عَنْ حقائق عالية يتقوّم بها الإيمان.
والسر فِي ذَلِكَ أنَّ ما كتبه فحول العُلَمَاء لَمْ يستوعب بناء تمام المنظومة العقيدية.
ولذا فَكُلّ سلسلة كتب العقائد الَّتِي ألفها الشَّيْخ الصَّدُوق، بَلْ
كل ما أنتجته بَقيَّة الأقلام العلمية فِي طبقة واحدة وفِي قرن واحد لا يمكن أنْ تستوفي مجموع منظومة عقائد الإمامية، بَلْ أنَّ منظومة العقائد الإمامية الكاملة لا تستوفى مِنْ جيلين بَلْ مجموعة أجيال من علماء الإمامية مُنْذُ عهد الأئمة(عليهم السلام) إلى يومنا هَذَا.
وحينئذٍ فمِنْ أين تستقى الحقيقة المعرفية الكاملة لمذهب الإمامية؟
إنَّ السبيل إلى ذَلِكَ هو بالأخذ بما صدر عَنْ مجموع علماء الإمامية، بَلْ إنَّ سيرة أتباع أهل البيت(عليهم السلام) مُضافاً لعلماء الإمامية، أيّ مجموع سيرتهم عبر الأجيال المختلفة يمثل جسراً واصلاً بيننا وبين أهل البيت(عليهم السلام).
فإنَّ مَنْ عرف أن مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) هِيَ بحر طمطام يُدرك أنَّ ذَلِكَ البحر لا يمكن أنْ يغرفه عالم أو اثنان أو جيل أو أجيال.
وَقَدْ ذكرنا فِي علم الرجال ثمرة للحقيقة الآنفة، وَهِيَ أنَّهُ لا يمكن أنْ يجعل القيم عَلَى تراث أهل البيت(عليهم السلام) شخصية واحدة أسمها النجاشي أو شخصيات متعدّدة.
وَمِنْ يتبع ذَلِكَ المنهج الخاطئ فِي علم الرجال فَقَدْ سلك منهجاً منكوساً يضيّع عَلَيْهِ كثيراً مِنْ حقائق مدرسة أهل البيت(عليهم السلام).
والمنهج الصحيح هُوَ أنَّ كُلّ مجموع علماء الإمامية مأمونون عَلَى
تراث مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وَلَيْسَ لأحد بخصوصه أو جماعة بعينها أيّ صفة وصاية في أنْ تكون هُي الجسر الوحيد الواصل بيننا وبين تراث أهل البيت(عليهم السلام).
وَمِنْ المنبّهات عَلَى ما نحن فيه قاعدة الإجماع، حَيْثُ يُقَال (أجمعت العصابة عَلَى تصحيح ما يصحّ عنهم)، فيتبيّن بها أنَّ لقول الجماعة دور؛ ولذا لا يمكن بحال أنْ نشطب قاعدة الإجماع فِي الرجال ليكون البديل الاكتفاء بقول النجاشي مثلا، وَإنَّما المنهج العلمي أنْ يكون لِكُلِّ مشاركة فِي إيصالنا لتراث أهل البيت(عليهم السلام).
وقد ذكرنا فِي الإجماع فِي علم الأصول أنه لا يمكن الاقتصار فيه عَلَى طبقة أو طبقتين وَإلَّا لا يكون إجماعاً.
وَعَلَى ضوء ما مَرَّ فَلَيْسَ مِنْ الصحيح أنْ يأتي أحدهم فيقول لَمْ أجد فِي كتب علم الكلام ذكراً لمقامات فاطمة(عليها السلام) وَإنَّما ذكرت مقامات الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) والنبوة ومقامات الإمامة والأئمة فحسب..
فإنا نقول: إنَّ مصدر معارفنا هُوَ الكتاب وَالسَّنَة قبل تأليفات البشر، إذْ لا يشك أنَّ كتاب الله أعظم مِنْ كتب البشر وَأنَّهُ المصدر الأوَّل، ونصوص القُرآن فِي مقامات فاطمة(عليها السلام) عديدة وَذَاتَ مغازي عظيمة هَذَا أوَّلاً، وثانياً لَيْسَ مِنْ المنهج العلمي كَمَا مَرَّ بنا لاستلهام منظومة المعارف دراسة كتاب أو كتابين، بَلْ المنهج العلمي يسوقنا
لمراجعة كتب كُلّ علماء الإمامية وَالَّتِي منها كتب المحدثين المختصّة بالعقائد وَفيها قَدْ أثبتت موقعية فاطمة(عليها السلام) بأنَّها ولية الأمر، وَهُوَ مقام يعدّ مِنْ العقائد الأساسية فِي مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، إذْ إنَّ مقامات المعصومين(عليهم السلام) لا تقتصر عَلَى مقامي النبوة والإمامة.
وَمِنْ الغرائب أنْ تستشهد لِمَنْ يسأل عَنْ مقامات فاطمة(عليها السلام) بنصوص قرآنية فِي فضلها فيردّ مستشكلا بخلو كتاب المتكلم الفلاني عَنْ ذكر مقام لفاطمة(عليها السلام) غافلاً عَنْ أنَّ مقام العقائد مقام تحقيق لا مقام تقليد، وَمِنْ المجمع عَلَيْهِ عدم جواز التقليد فِي العقائد وأنَّ التعلم والتحقيق والبحث والتنقيب هُوَ المبرئ للذمة.
وبضرس قاطع نقول إنَّ معارف أهل البيت(عليهم السلام) ليست حكراً عَلَى مشرب واحد، بَلْ المشارب بمجموعها هِيَ الموصلة للمنظومة العقائدية الكاملة، وبالتالي يجب أنْ نستقيها مِنْ كتب مجموع المشارب مِنْ محدثين وأصوليين ومفسرين ومتكلمين وفلاسفة وعرفاء.
وفي هَذَا السياق مِنْ الخطأ أنْ أتعرّف عَلَى مقامات الزهراء(عليها السلام) أو على مصحفها مِنْ كتاب واحد، فلا الكافي لوحده حوى كل المنظومة العقدية، بَلْ ولا الكتب الأربعة تمثل كُلّ تراث أهل البيت(عليهم السلام).
وَمِنْ الفوائد الَّتِي ينبغي أنْ لا نغفل عنها هِيَ أنَّ تناول العقائد والمعارف لَيْسَ مقصوراً عَلَى المتكلمين، وإنما تناولها مجموعة كثيرة مِنْ
رواد المدارس والتخصصات، فللمفسرين شاكلة ولون ومزاج فِي تناول بحث المعارف، لأن التفسير مدرسة للعقائد، والمقصود مِنْ المدرسة هِيَ الشاكلة والمنهجية.
وللمحدثين منهج ومدرسة ونمط فِي دراسة العقائد سواءً كَانَ مبنى ذَلِكَ المحدث إخبارياً أو أصولياً أو كلامياً أو فلسفياً، فلكل محدث لون وشاكلة إلَّا أنها تتلون بلغة حديثية.
وَقَدْ جرت مداولة فِي جملة مِنْ الندوات العلمية حول ما لدى مدرسة أهل سنة الخلافة مِنْ المعتقدات الضرورية المسلَّمة بحسب كتب التفسير والحديث عندهم وَقَدْ تنكّر لها المتكلمون منهم، وفي ذَلِكَ دلالة عَلَى أنَّ الكثير مِنْ حقائق الدِّين الَّتِي أبداها الوحي الإلهي فِي القُرآن وَعَلَى لسان الرسول(صلی الله علیه و آله) وَقَدْ تنبّه لها المفسرون والمحدثون، وَمِنْ ثمّ أرسلوها إرسال المسلمات والضروريات بَيْنَمَا تنّكر لها جملة كتّاب المدرسة الكلامية لديهم والمدرسة الفلسفية لديهم، لعدم إطلاع المتكلمين والفلاسفة عَلَى ما أفاضه الوحي مِنْ معارف وحقائق.
ولذا إذَا ما أردنا أنْ نحيط علماً بمدرسة معيّنة أو بمذهب معين أو بديانة معيّنة فَلابُدَّ مِنْ الإلمام بالمشارب المختلفة عِنْدَ علمائها ومفكريها.
وبناءً عَلَى ما قرّرناه نفهم أنَّ ما درج عَلَيْهِ لدى علماء مدرسة أهل
البيت(عليهم السلام) مِنْ حصر الأصول الاعتقادية فِي الأصول الخمسة هُوَ مُجَرَّد تنظيم تبويبي فني محض وَإلَّا فالأصول الاعتقادية عِنْدَ القدماء لا تنحصر فِي عشرة أو عشرين أو ثلاثين فضلاً عَنْ الخمسة، أيّ حصرها فِي الخمسة لمجرد التعليم وَالتّربية العقائدية، ولمجرد التبويب الفني مِنْ قبل العلّامة الحلي وغيره وَإلَّا فالأصول العقائدية كثيرة.
ومما يشهد عَلَى كثرة أصول العقائد فِي مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) كثرة الكتب الَّتِي تناولت العقائد منها كتاب الهداية للصدوق المشتمل عَلَى قسمين، والقسم الأوَّل مِنْهُ مخصص لتناول العقائد بلغة حديثية، بينما القسم الثَّانِي مِنْهُ فِي الفقه، وَمِنْ الخطأ أنْ يصنّف كتاب الهداية بأنَّه كتاب متمحض في الفقه.
ومنها كتاب الاعتقادات للشيخ الصَّدُوق وَقَدْ شرحه المفيد، وَقَدْ كَانَ مدارا للتدريس عِنْدَ علماء الإمامية وَإلى يومنا هَذَا.
ومنها كتاب أوائل المقالات للشيخ المفيد، ومنها كتاب حق اليقين للسيد عبدالله شبر وغيرها، بَلْ نفس كتب الملل والنحل مشتملة عَلَى نمط آخر مِنْ العقائد، وممن كتب فِي الملل والنحل سعد بن عبدالله الأشعري، وكذا النوبختي كتب فِي فرق الشيعة وذكر كثيراً مِنْ ضروريات الإمامية الَّتِي لا أثر لها فِي كتاب التجريد ولا شرح التجريد ولا فِي باب الحادي عشر.
وكذا تتلمس فِي كتاب الغيبة للشيخ الطوسي كثيراً مِنْ ضروريات معتقدات مدرسة أهل البيت(عليهم السلام).
بَلْ فيه بيان لكثير مِنْ معالم الاعتقادات الإمامية لَمْ يثبتها الشَّيْخ نفسه فِي كتبه العقائدية الأُخرى ككتاب الاقتصاد، بَلْ كثير مِنْ المباني العقائدية الأصيلة العميقة ذكرها الشَّيْخ الطوسي فِي تفسير التبيان ولَمْ يذكرها فِي كتب أُخرى.
وَعَلَى هَذَا الأساس فالذي يقتضيه الإلمام العلمي بالعقائد هُوَ مدارسة مختلف كتب المعارف والعقائد بمدارسها ومشاربها الكثيرة بَعْدَ الاطلاع عَلَى المصدرين الأصليين وَهُمَا الكتاب وَالسَّنَة المطهرة للنبي(صلی الله علیه و آله) ولأهل بيته(عليهم السلام).
وَمِنْ باب التقريب لضرورة أخذ العقائد مِنْ مختلف المصادر نمثل بمقام المحدث الذي هُوَ مِنْ المقامات المسلمة عِنْدَ المسلمين وأنه يتلو مقام النبوة والرسالة، فَقَدْ أثبت هَذَا المقام كضرورة عِنْدَ محدثي السَّنَة، وحَتّى البخاري يعتقد أنَّهُ لَيْسَ مِنْ الصحيح حصر المقامات العقائدية فِي الرسول وفي الْنَّبِيّ، بَلْ وراء هذين المقامين مقام المحدث المعصوم.
بَلْ أثبت هَذَا المقام فِي الصحاح السَّتة، وكذا أثبته ابن حجر العسقلاني فِي شرح الباري وغيرهم مِنْ محدثي ومفسري السَّنَة فِي حين
أنَّ المتكلمين من أهل السنة في كتبهم يجحدون ذَلِكَ المقام، غَيْر أنَّ إنكارهم لا ينفي الحقيقة ولا يعتم عَلَيْهَا، إذْ لا يمكن أنْ نصادر مسار أهل السَّنَة ونختصره فِي كتب المتكلمين والحال أنَّ المتكلمين عندهم قَدْ غفلوا وقصّروا واعتمدوا عَلَى كثير مِنْ المباحث بخلاف المفسرين والمحدثين عندهم.
والباحث فِي كتب الكلام لدينا ولدى العامّة يتلمس عدم الرحابة والسعة فيها، فِي مقابل رحابة وسعة كتب الحديث والتفسير.
وسرّ ذَلِكَ أنَّ همّ المتكلم عادة هُوَ الجدل الكلامي، والجدل يقوقعه ويحبسه فِي أفق الطرف الآخر بدلاً مِنْ أنْ يحلّق فِي سماء الحقيقة بسعتها الرحبة، أيّ أنَّ آفة الخصومة فِي الدِّين أنَّها تصرفك عَنْ سعة الحقيقة إلى أفق ضيِّق يجادل فيه الطرف الآخر؛ ولذا مَعَ حسن المداراة إلَّا أنَّ أحد آفاتها أنَّها تلوّن الطرف الأوَّل بالطرف الآخر مِنْ حَيْثُ لا يشعر.
وَمِنْ ثمّ نجزم أنَّ المتكلمين- شكر الله مساعيهم- أخفقوا إخفاقاً كبيراً حينما لَمْ يفرزوا بحثاً مستقلاً لمقامات فاطمة(عليها السلام) الاعتقادية فِي علم الكلام وإنْ كَانَ جملة منهم ذكروا بَعْض مقاماتها مِنْ باب الاستطراد.
وَقَدْ أخفقوا فِي ذَلِكَ أيضاً إذْ كيف يكون البحث فِي الركن الركين بحثاً استطرادياً، وَهَذَا ما أوجب الغفلة والوهم لدى بَعْض
الفضلاء أو ربما بَعْض الأجلة، فقالوا أنَّ الاعتقاد بمقامات فاطمة(عليها السلام) وعصمتها حسب كلمات المتكلمين لَيْسَ مِنْ الأصول الاعتقادية - نعوذ بالله مِنْ ذَلِكَ -.
ونعود للتأكيد على أنَّ المتكلمين قصّروا فِي تدوين وبلورة مقاماتها(عليها السلام) وإنْ كانوا ارتكازاً ليسوا بنافين لها ولا منكرين ولا جاحدين.
وعدم عقدهم فصلاً مستقلاً فِي مقاماتها يمثل مآخذة حضارية دينية عَلَيْهِم إذْ لَمْ يراعوا نفس القولبة الموجودة فِي منظومة الكتاب ومنظومة الحديث مما أوجب التشويش عِنْدَ عامة المُؤْمِنِين فِي مقاماتها وموقعيتها رغم أنَّ موقعيتها ليست محل جدل فِي الإيمان بحسب ما يرسمه القُرآن الكريم وَهُوَ العمدة فِي البيانات والأدلة الوحيانية الضرورية، وَهُوَ أكبر بيان وبرهان ونور وهداية لتبيان تلك الحقائق.
كَمَا أنَّ موقعيّتها وحجّيتها ليست محل إبهام بحسب ما ترسمه بيانات أهل البيت(عليهم السلام) الكثيرة وَالمُسْتَفِيضَة وَالَّتِي منها أنَّ الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) لقّن حمزة سَيِّد الشهداء ليلة استشهاده الشهادة الأولى والشهادة الثانية والشهادة بإمامة الأئمة، والشهادة بمقام فاطمة(عليها السلام) وَأنَّهُ سيُسأل عنه فِي القبر.
فقد ورد عن موسى بن جعفر عن أبيه(عليهما السلام)قال:
«ولما كانت الليلة التي أصيب حمزة في يومها دعا به رسول الله(صلی الله علیه و آله) فقال: يا حمزة يا
عم رسول الله، يوشك أن تغيب غيبة بعيدة، فما تقول لو وردت على الله تبارك وتعالى، وسألك عن شرائع الإسلام وشروط الإيمان؟ فبكى حمزة وقال: بأبي أنت وأمي أرشدني وفهمني، فقال: يا حمزة تشهد أن لا إله إلا الله مخلصا، وأني رسول الله تعالى بالحق قال حمزة: شهدت، قال: وأن الجنة حق، وأن النار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الصراط حق، والميزان حق، ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره وفريق في الجنة، وفريق في السعير، وأن عليا أمير المؤمنين، قال حمزة: شهدت وأقررت وآمنت وصدقت وقال: الأئمة من ذريته الحسن والحسين، وفي ذريته قال حمزة: آمنت وصدقت، وقال: فاطمة سيده نساء العالمين قال: نعم صدقت، وقال: حمزة سيد الشهداء وأسد الله وأسد رسوله وعم نبيه، فبكى حتى سقط على وجهه وجعل يقبل عيني رسول الله(صلی الله علیه و آله)، وقال: جعفر ابن أخيك طيار في الجنة مع الملائكة، وأن محمد وآله خير البرية تؤمن يا حمزة بسرهم وعلانيتهم وظاهرهم وباطنهم، وتحيى على ذلك وتموت، توالي من والا هم، وتعادي من عاداهم قال: نعم يا رسول الله، أشهد الله وأشهدك وكفى بالله شهيدا، فقال رسول الله(صلی الله علیه و آله): سددك الله ووفقك»(1).0.
1) بحار الأنوار، العلامة المجلسي 22 / 278 ، 280.
*إنَّ لِكُلِّ معنىً عقائدي وراء كونه حقاً موقعية حقائقية وجودية.
*وإذا ما قلنا أنَّ أصل النبوة أعظم الأصول بَعْدَ أصل التوحيد فَلَيْسَ المقصود نبوة بدن الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) أو بعثته للرسالة فِي الأرْض، بَلْ المقصود بعثة الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) حَتّى فِي العوالم الأُخرى.
*والإيمان بالنبوة بهذه الحدود بلا أدنى شك أعظم مِنْ الاعتقاد بالجنة وَالنَّار.
يغفل كثير مِنْ المتكلمين عَنْ حقيقة أنَّ الاعتقاد بالجنة وَالنَّار لَيْسَ بأعظم مِنْ الاعتقاد بالنبوة، وَلَيْسَ بأعظم مِنْ الاعتقاد بالإمامة.
وَقَدْ يتوهم البعض مِنْ مصطلح النبوة هِوَ بدن الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) إلَّا أنَّ
حقيقة الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) ليست ببدنه، وحينما نقول أنَّ أعظم الخلائق خلقة بحسب بيانات القُرآن والعترة هُوَ سَيِّد الأنبياء(صلی الله علیه و آله)، فَلَيْسَ المقصود بدنه الأرضي وإنْ كَانَ بدنه مقدساً وعظيماً وَإنَّما مرادنا مِنْ عظمة الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) هُوَ عظمة نوره الأطهر، وحينئذٍ فأين الجَنّة وَالنَّار مِنْ نور سَيِّد الأنبياء عظمة وقدسية؟!
وَمِنْ الأعاجيب ما يؤمن به البعض مِنْ أنَّ الشهادة بأن الجَنّة حق وَالنَّار حق ذكر لله وأمَّا الشهادة لعلي(علیه السلام) بالولاية فليست بذكر لله تَعَالَى رغم أنَّ الجَنّة وَالنَّار مِنْ فروع الولاية لعلي(علیه السلام).
بمعنى أنَّ التولي لَهُ باب للجنة وعدم توليه باب النَّار.
وَمِنْ ثمّ فَإنَّ نور الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) ونور الوصي(علیه السلام) قبل عالم السَّماء وعالم الأجسام، وبهذه الحقيقة تترتب منظومة العقائد والمعارف، فَعَلَى صعيد الاعتقاد بالأنبياء(عليهم السلام) لا يمكن أنْ يقارن أحد منهم بسيد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) كَمَا فِي قوله تَعَالَى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ )(1). (2)
كَمَا أنَّ كون الجَنّة وَالنَّار حق لا يعني تقدمهما عَلَى نبوة الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) وولاية الوصي(علیه السلام).
وَمِنْ الأهمية بمكان بَعْدَ معرفة الحقائق الاعتقادية مِنْ أنَّ الجَنّة حق وَالنَّار حق والصراط حق والميزان حق والحساب حق والحشر3.
حق أن نتعرف عَلَى طبقات تلك الحقائق، إذْ أنَّ القُرآن وبوضوح شديد قَدْ أشار إلى أنَّ معرفة الحقائق تمثل نصف المعرفة، بَيْنَمَا تمثل طبقات المعرفة النصف الآخر، وَمِنْ شواهد ذَلِكَ قوله تَعَالَى: (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ )(1). (2)
فَهَذَا نصف ومنتصف الطريق وَلابُدَّ أنْ ينظم إليه قوله تَعَالَى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ) (3)لتكون منظومة المعرفة بمقام النبوة كاملة متكاملة.
والمقصود بطبقات المعرفة هُوَ معرفة الموقعية الوجودية للأمر الاعتقادي، إذْ أنَّ لِكُلِّ معنىً عقائدي وراء كونه حقاً موقعية حقائقية وجودية، وإذا ما قلنا أنَّ أصل النبوة أعظم الأصول بَعْدَ أصل التوحيد فَلَيْسَ المقصود نبوة بدن الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) أو بعثته للرسالة فِي الأرْض، بَلْ المقصود بعثة الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) حَتّى فِي العوالم الأُخرى.
والإيمان بالنبوة بهذه الحدود بلا أدنى شك أعظم مِنْ الاعتقاد بالجنة وَالنَّار.
وربما مِنْ المسلمات أنَّ مِنْ آمن بالإسلام وَلَمْ يستطع أنْ يتعلم معارف الجَنّة وَالنَّار فلا يضر ذَلِكَ بنجاته أخروياً لكنَّهُ إذَا لَمْ يتعلم ويتفقّه فِي معارف أصل النبوة فلا سبيل لَهُ للنجاة أُخروياً.5.
ومما يشهد عَلَى كون النبوة والإمامة أعظم طبقة مِنْ معارف الحساب وَالجَنّة وَالنَّار أنَّ الأخيرة بتمامها نتائج وفروع وثمار الأصول الثلاثة وأولها التوحيد، وكيف تكون الفروع أعظم مِنْ الأصول؟!
وَمِنْ الشواهد الأُخرى تَقَدَّمَ خلقة الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) والوصي(علیه السلام) النورية، بَلْ دلّت الروايات الكثيرة أنَّ الجَنّة خلقت مِنْ نورهم كَمَا فِي الرِّوَايَة القائلة أنَّ الجَنّة خلقت مِنْ نور الحسين(علیه السلام)، فعن رسول الله(صلی الله علیه و آله) في رواية طويلة:
«وفتق نور الحسين فخلق منه الجنان والحور العين والحسين والله أجل من الجنان والحور العين»(1).
وأيُّ معنى لاستلال خلق الجَنّة مِنْ أنوار المعصومين(عليهم السلام)غَيْر تقدمهم فِي الطبقة العقائدية المحكمةوهو مدلول ذيل المقطع السابق.
والقول بطبقات العقائد لَيْسَ مِنْ الاعتقادات الترفيّة أو مِنْ المعارف الهامشيّة، إذْ لو كانت كَذَلِكَ لما قَالَ تَعَالَى فِي قرآنه: (يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَ لا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً)(2)(3)، وقوله تَعَالَى: (وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَ أَضَلُّ سَبِيلاً)(4). (5)
فالضلال والعمى عَنْ موقع الإمامة وإنْ كَانَ ممن اهتدى فِي2.
الدُّنْيَا لمعرفة شؤون المعاد موّلد للعمى فِي الآخرة، بَلْ وأضل سبيلاً.
وَلَقَدْ ضلَّ كثير مِنْ أهل الفرق الباطنية وعلماء الصوفية حين خلطوا معارفهم الحقّة الصحيحة بتفسيرات خاطئة، أيّ اعتقدوا بالعنوان الصحيح ولكنّهم ضمّنوه معنىً باطلاً، فقالوا أنَّ لسيد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) ولسيد الأوصياء(علیه السلام) ولسيدة النساء(عليها السلام) ولسيدي شباب أهل الجَنّة تقرر ووجود فِي عوالم مخلوقة سابقة عَلَى عالم الدُّنْيَا، وإنَّ ذَلِكَ مِنْ التناسخ فِي حين أنَّ الموقعية الوجودية لهم فِي تلك العوالم لا صلة لَهُ بالتناسخ الباطل، إذْ أنَّهُ سنخ وجود نوري لا بجسم ومادة.
وَهَذِهِ مِنْ البحوث الَّتِي لَمْ يستطع الفلاسفة أنْ يتعرّفوا عليها، بَلْ لَمْ يخوضوا فيها لافتقار المعرفة بها إلى بيانات الوحي فِي حين تكثّرت الروايات الكاشفة عَنْ وجودات مجرّدة فِي عالم الأظلّة وعالم الأنوار وأوضحت أنَّ الأنوار عَلَى طبقات.
وَمِنْ هُنَا انفتح الباب للجزم بأنَّ وجود الخمسة أصحاب الكساء غَيْر محصور فِي الأجسام الخاصة بهذه النشأة الدنيوية، بَلْ لهم تواجد ووجود فِي نشاءات أخرى مهيمنة على نشأة الأرض وعالم الدنيا، ولهم شؤون وصلاحيات فيما سبق مِنْ العوالم كَمَا أنَّهم لهم شؤون وأدوار فِي القادم مِنْ العوالم.
وَمِنْ الشواهد عَلَى تَقَدَّمَ معرفتهم فِي طبقات المعارف هُوَ أنَّ أعظم حدث استعرضه القُرآن الكريم بَعْدَ أصل التوحيد هُوَ حدث
استخلاف خليفة الله فِي الأرْض فِي قوله تَعَالَى: (إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً )(1). (2)
حَيْثُ إنَّ ذَلِكَ الحدث يمثل مطلع عالم الخلقة ومطلع عالم الدُّنْيَا، وبيَّن القُرآن مضافاً إلى ذَلِكَ ارتباط تلك الخلافة بتلك الأنوار.
وَقَدْ يشكل مَنْ لا أنس لَهُ بالنصوص قرآناً ورواية ويقول مِنْ أين جئتم بلفظ عالم الأنوار؟
وَهُوَ سؤال سيّال يواجه به أهل المعرفة، ففضلاً عَنْ اتهام معارفهم بالبطلان تتهم ألفاظ وعناوين معارفهم بالغرابة والشذوذ عَنْ تعبيرات أهل العلم.
وَالحَقّ أنَّهُ ما مِنْ لفظ أو عنوان رائج فِي علوم المعارف إلا وله أصل فِي روايات أو زيارات المعصومين، بَلْ الكثير مِنْ مصطلحاتهم مُستلّة مِنْ آيات القُرآن لفظاً ومعنىً، وَمِنْهُ ما نحن فيه مِنْ التعبير عَنْ تقرّر وجودات أهل البيت(عليهم السلام) فِي نشأة المجرّدات بعالم الأنوار، فَقَدْ صدح القُرآن بتلك اللفظة فِي سورة النُّور فِي قوله تَعَالَى: (اللّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللّهُ (3)0.
لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ) (1). (2)
فبيَّن تقرر وجود أنوار خمسة، وَمِنْ بعدها أنوار أُخرى متعاقبة «نور على نور» أيّ نور يشتق مِنْ نور، ونور يعمل عَلَى أثر نور.
وللباحث القرآني أنْ يتأمَّل فِي كون تلك الأنوار خمسة، فَهَلْ الله واحد أو خمسة، وَمِنْ ثمَّ يتبيّن أنَّها أنوار مخلوقة لَهُ تَعَالَى مناسبة فِي وجودها لتجرّدها فِي تلك النشأة.
وبناء عَلَيْهِ فما يذكر للنبي(صلی الله علیه و آله) مِنْ أوصاف كوصف النبوة والرسالة والعبودية ليست ثابتة لَهُ فِي النشأة الأرضية فحسب، فوصف الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) بأنه عبد وَرَسُوُل لله يستوعب عوالم فوق نشأة الأرْض، فَهُوَ عبد لله فِي الجَنّة وفي عالم الذر وسائر العوالم، وَهُوَ رَسُوُل وواسطة بين الله وخلقه فِي كُلّ النشاءات والعوالم الوجودية، وإذا كَانَ مولد وجوده البدني فِي عام الفيل فَلَيْسَ لوجوده النوري وقت زمني أرضي.
وَمِنْهُ يتبيّن ما يرسمه القُرآن الكريم لفاطمة(عليها السلام) مِنْ موقعية عظيمة تتخطى الموقع الأرضي إلى الموقع الوجودي النوري.
والشاهد عَلَى ما للزهراء(عليها السلام) مِنْ مواقع وجودية عليا ما يبيِّنه أئمة أهل البيت(عليهم السلام) مِنْ الملفات المودعة فِي مصحف فاطمة(عليها السلام)، وَمِنْ تلك الملفات ملف الحكومات فِي الأرْض، أيّ الإحاطة بكُلِّ مِنْ5.
سيحكم ويملك فِي الأرْض إلى قيام الساعة.
وَقَدْ عرَّفوا مصحفها بكونه صحفاً وحيانية، وليس وحي نبوة، وَلَهُ نظير فِي القُرآن وَهُوَ قوله تَعَالَى: (وَ إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفاكِ )(1). (2)
ومعنى الآية تمثِّل جبرائيل لمريم، ولمّا كانت فاطمة(عليها السلام) أعظم شأناً ومقاماً مِنْ مريم فلا غرابة فِي ثبوت هَذَا السنخ مِنْ الوحي لفاطمة(عليها السلام).
والسُّؤال كيف لمصحف فاطمة(عليها السلام) أنَّ يحيط علماً بالماضي والحاضر والمستقبل؟
السِّر فِي ذَلِكَ هُوَ كونه موحى ببركات الاتصال بباطن سيّد الأنبياء(صلی الله علیه و آله)، أيّ أنَّ نور سَيِّد الأنبياء هُوَ الوسيط فِي فيض ذَلِكَ الوحي، فَهُوَ تنزل مِنْ باطن الْنَّبِيّ عَلَيْهَا، لِأنَّ ارتباط أهل البيت(عليهم السلام) بالنبي(صلی الله علیه و آله) لَيْسَ مِنْ سنخ الارتباط الحسّي فحسب، فَإنَّ أقوى رابطة بينهم وبينه هِيَ الرابطة النورية بنصّ دلالات آيات وروايات كثيرة.
وبنصّ الحديث القدسي المتواتر لدى الفريقين فِي ذيل سورة براءة حَيْثُ قال تَعَالَى
«لا يبلغ عنك إلَّا أَنْتَ أو رجل منك»(3).
إذْ مِنْ حق الباحث أنْ يتساءل تحت قوله تَعَالَى:
«لا يبلغ عنك إلَّا98
أنت» فَهَلْ للنبي(صلی الله علیه و آله) شخصيتان؟
وَهَلْ يُعقل أنْ يبلغ الشخص عَنْ نفس الشخص؟
الجواب: إنَّ لوجود الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) طبقتين مِنْ الوجود طبقة نورية يُبلّغ عنها ويُستمد منها، وطبقة بدنية مستمدة ومبلّغة، أيّ أنَّ جوارح بدنه الشريف تُبلِغ عَنْ مرتبة نوره الأقدس.
وَمِنْهُ يُعرف نوع نيابة علي(علیه السلام) عَنْ الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) إذْ مِنْ الخطأ أنْ يُحصر تبليغ علي(علیه السلام) للنبي(صلی الله علیه و آله) فيما يتلقاه مِنْ بدن الْنَّبِيّ كَمَا هُوَ شأن سائر الصحابة، بَلْ ثمة تلقي مِنْ الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) يختص به علي(علیه السلام) وَهُوَ تلقيه مِنْ طبقة نور الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) كَمَا يتلقى بدن النبي من طبقة نوره.
وَمِنْه يعرف وجه عظمة الحديث القدسي المتواتر لدى الفريقين، وبه يثبت أنَّ علياً(علیه السلام)يستمد مِنْ مقام نور وقلب وروح الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله)، وسنخ تلك الرابطة والاستمداد ثابتة لفاطمة(عليها السلام) حَيْثُ تتلقى مِنْ باطن النبوة وَمِنْ نور الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله).
ولذا وَرَدَ فِي رواياتنا أنَّ مصحف فاطمة(عليها السلام) إملاء مِنْ رَسُوُل الله(صلی الله علیه و آله) .
فكيف يكون ذَلِكَ وَقَدْ ارتحل مِنْ عالم الدُّنْيَا؟
والجواب: إنَّ لها نحو ارتباط بأبيها نوراً وروحاً.
*لَيْسَ مِنْ الضروري فِي الحجج أنْ يكون لها ارتباط مباشر بالبشر.
*بَلْ يستعاض عَنْ ذَلِكَ بحجج معصومين آخرين.
*وكثيراً ما يكون الحجة الإلهية لعلو مقامه غَيْر مرتبط بالبشر بالمباشرة لكنَّهُ يرتبط بهم بحجج آخرين يتلونه فِي الحجية.
لَيْسَ مِنْ الضروري فِي الحجج أنْ يكون ثمة تماس مباشر بينها وبين البشر، وَلَيْسَ مِنْ الضروري أداء المسؤولية فِي كُلّ الأحوال بالمباشرة.
فقَدْ ثبت أنَّ بَعْض الحجج ممن لهم مقامات عظيمة وأوكل إليهم إدارة ومسؤولية فِي ضمن الحجج اقتصر دورهم عَلَى الإشراف فِي ضمن دائرة الحجج.
ويمكن أنْ نمثل لذلك بأمثلة كثيرة، منها نحو ارتباط سَيِّد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) بالأُمم السابقة كقوم نوح وإبراهيم وموسى(عليهم السلام) فلا تكاد تجد أحداً مِنْ أهل العلم ينفي ارتباط الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) بالأُمم السابقة عَلَيْهِ، كَمَا لا يقول أحد بتأثيره بالمباشرة فيمن سبقه مِنْ الأمم.
فكيف نجمع بين تبليغه وتأثيره فيهم مَعَ عدم حضوره الجسدي معهم؟
وَلَقَدْ أثبت القُرآن بلاغ الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) وتأثيره فِي الأُمم السابقة فِي قوله تَعَالَى: (وَ إِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ )(1). (2)
ففيها يخاطب الله أنبياءه بقوله: (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ) (3)بمعنى أنكم تابعون لَهُ، فتكون الآية مبيّنة لشأن عظيم فِي سَيِّد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) وَهُوَ أنَّ جميع الرسل السابقين كانوا رسلاً لَهُ عَلَى الأمم السابقة.
وَمِنْ ثمَ يثبت حجية لرسول الله(صلی الله علیه و آله) عَلَى تلك الأمم بواسطة رسل تلك الأمم وَلَيْسَ بالمباشرة.
ومما تَقَدَّمَ ينحل إشكال مفاده: كيف تؤثر فاطمة(عليها السلام) فِي الأُمَّة1.
وَلَيْسَ لها حالة اتصال مباشر بها؟
وجوابه: إنَّ لفاطمة(عليها السلام) وَكَمَا سيتبين مِنْ جملة مِنْ الشواهد ولاية الأمر وَهِيَ مفترضة الطاعة عَلَى أئمة أهل البيت(عليهم السلام) بدءً مِن الحسن ومروراً بالحسين وانتهاءً بالتسعة مِنْ ولده فضلاً عَنْ سائر الأنبياء والمرسلين، وعبر تأثيرها ودورها فِي ضمن دائرة الحجج تؤثر وترتبط بالبشر، فَلَيْسَ مِنْ الضروري فِي الحجج أنْ يكون لها ارتباط مباشر بالبشر، بَلْ يستعاض عَنْ ذَلِكَ بحجج معصومين آخرين، وكثيراً ما يكون الحجة لعلو مقامه غَيْر مرتبط بالبشر بالمباشرة لكنَّهُ يرتبط بهم بحجج آخرين يتلونه فِي الحجية.
*ينبغي التنبيه إليه هُوَ أن استعراض المقامات المشتركة والصلاحيات المتحدة بين الخمسة أصحاب الكساء لَيْسَ المقصود مِنْهُ إلغاء التراتبية فِي المقام بينهم.
*بَلْ بيان أنهم قرنوا فِي مرتبة مِنْ المراتب وإنْ كانت هِيَ المرتبة الأولى مَعَ التحفظ عَلَى التراتبية بينهم.
*وَلا بُدَّ مِنْ التنبّه إلى أنَّ ذَلِكَ الاقتران والمشاركة ليست عَلَى نحو التشريف والمجاملة والفضيلة العامّة، بَلْ عَلَى نحو الحقيقة.
معلوم أنَّ كتاب الله لَيْسَ فيه خطل ولا خلل، بَلْ كُلّ كلام فيه موزون بميزان إلهي دقيق كَمَا أنَّ كُلّ آياته حقائق، بَلْ مِنْ أدق وأعمق الحقائق الوحيانية بحيث يهيمن عَلَى ما بُيِّن مِنْ درجات الوحي فِي
التوراة والإنجيل والزبور.
وَقَدْ وقع من لا حظّ لَهُ فِي العلم بالمعارف فِي الإشكال عِنْدَ المقارنة بين معارف الوحي القرآني وبين معارف التوراة.
فَقَالَ ما مفاده: إنَّ الفرق الملاحظ بينهما هُوَ أنَّ الأحداث والبيانات المودعة فِي التوراة جاءت فِي نسق مُرتّب ونظام متسلسل كَمَا هِيَ العادة فِي التأليفات والكتابات.
بَيْنَمَا تميّز القُرآن بعدم التسلسل والترابط فِي الأحداث والقضايا والمعارف، ونص كلام المستشكل هُوَ «السور القرآنية لا تخضع لوحدة موضوع كمن يدخل بستاناً ينتقل بين أزهاره، والتوراة خاضعة لشروط التأليف المتعارف فِي وحدة الموضوع وتسلسل الأحداث».
ويمكن الإجابة عليه بَعْدَ ملاحظة أنَّ ترتيب السور والآيات متلقى مِنْ المعصومين(عليهم السلام) وَلَيْسَ باقتراح أحد، بأن يُقَال أنَّ ما توهّمه القائل ميزة للتوراة عَلَى القُرآن ليست كَذَلِكَ فَإنَّ التراتبية الواضحة عادة ما يلاحظ فيها متوسطي العقول والأفهام بغية إلقامهم الحقائق المبسطة، بَيْنَمَا ما يلوح مِنْ عدم ترابط موضوعات وأحداث القُرآن هُوَ وليد النظرة السطحية وَهِيَ غَيْر مؤهلة لفهم الترابط والمنظوميّة بين الحقائق العالية الَّتِي يختصّ بها الوحي القرآني.
وبعبارة أُخرى:
إنَّ الملحوظ والمراعى في تسلسل موضوعات القُرآن وأحداثه هو المعادلات والحقائق الاعتقادية المُهِمَّة، إذْ لَيْسَ الغرض مِنْهُ أنْ يفهم المتلقين تلك المعارف بنموذج القصص المسلّية، وَإنَّما ما ألقي فِي القُرآن شبيه بالمعادلات النهائية فِي المحاكم القانونية، إذْ لا تطرح النتائج والمعادلات بحسب تسلسل أحداث القضايا وَإنَّما يُفصح عَنْ المعادلة النهائية بَعْدَ الموازنة بين الأحداث.
ثمَّ أنَّهُ مِنْ أهم دلالات الإشكال السابق هُوَ جهل قائله بأصل مفروغ مِنْهُ فِي علم المعارف وَهُوَ أنَّ بيانات الوحي قَدْ تنزّلت عَلَى قدر سعة الإفهام لدى أجيال البشرية، وحين بلغت البشرية مبالغ الرشد العقلي تنزّلت عَلَيْهَا آخر أطروحة إلهية.
ثمَّ إنَّ المعادلات القرآنية المودعة فِي الآيات لَمْ تتنزل وفق درجة واحدة، وإنما عَلَى درجات، فمنها:
(1) محكمات.
(2) ومتوسطات المحكمات.
(3) وأحكم المحكمات.
والأخيرة هِيَ الَّتِي تتكفل ببيان أحكم محكمات العقائد كالتوحيد والنبوة، وفي أحكم المحكمات قرن الله تَعَالَى بسيد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) أصحاب الكساء وَلَمْ يقرن به أحداً مِنْ الأنبياء، بَلْ تشير بيانات
الإمام الصَّادِق(علیه السلام) إلى أنَّ ذَلِكَ الاقتران بين الخمسة أصحاب الكساء فِي مرتبة مِنْ مراتبه لَمْ يقرن بهم بَقيَّة الأئمة التسعة مِنْ أهل البيت، وَإنَّما قرنوا بهم فِي رتبة لاحقة.
وبعبارة أُخرى:
وَرَدَ فِي جملة مِنْ بيانات أهل البيت(عليهم السلام) أنَّ مقامات سَيِّد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) ذَاتَ مراتب، وفي المرتبة الأولى منها قرن الله به بَقيَّة أصحاب الكساء، وفي المرتبة الثانية منها قرن بالنبي(صلی الله علیه و آله) التسعة مِنْ ولد الحسين(علیه السلام).
وَلا بُدَّ مِنْ التنبّه إلى أنَّ ذَلِكَ الاقتران والمشاركة ليست عَلَى نحو التشريف والمجاملة والفضيلة العامّة، بَلْ عَلَى نحو الحقيقة.
وَمِنْهُ يعرف الحظوظ العالية فِي المقامات لفاطمة(عليها السلام) حَيْثُ يقرن ويشارك الله تَعَالَى فِي قرآنه موقعية الصديقة(عليها السلام) بموقعية الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) فِي مواقع لَمْ يشارك فيها بين الأنبياء مِنْ أولي العزم وَالْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) فضلاً عَنْ بَقيَّة الأنبياء وسائر المرسلين.
وسيأتي فِي مقالات هَذَا الكتاب بيان جملة مِنْ المقامات المشتركة.
ومما ينبغي التنبيه إليه هُوَ أن استعراض المقامات المشتركة والصلاحيات المتحدة بين الخمسة أصحاب الكساء لَيْسَ المقصود مِنْهُ إلغاء التراتبية فِي المقام بينهم، بَلْ بيان أنهم قرنوا فِي مرتبة مِنْ المراتب
وإنْ كانت هِيَ المرتبة الأولى مَعَ التحفظ عَلَى التراتبية بينهم، أيّ أنَّ الخصائص المشتركة للمجموعة لا تنافي التَقَدُّم والتأخر بقياس بعضهم للبعض الآخر.
وبعبارة أُخرى:
إنَّ اشتراكهم فِي المقامات بلحاظ عالم الأرْض وبلحاظ عوالم أُخرى ينسجم مَعَ القول بالتفاوت المقامي بينهم وبلحاظ كُلّ العوالم.
*الجدير ذكره أنَّ مبحث الإمامة لا يبتدأ مِنْ إمامة علي(علیه السلام) وَإنَّما بدأت وانبثقت مِنْ رَسُوُل الله(صلی الله علیه و آله)، أيّ أنَّهُ بتنصيب إلهي وحياني كَانَ للنبي(صلی الله علیه و آله) إمامة إلهية إلى جانب ما لَهُ مِنْ رسالة ونبوة.
*وإذا ثبت لَهُ منصب الإمامة يكون قوله(صلی الله علیه و آله): «إلَّا أنَّهُ لا نبي بعدي»(1)مِنْ براهين وأدلة دوام منصب الإمامة بَعْدَ رحلته، إذْ لَمْ يقل (لا إمامة بعدي) بَلْ قَالَ (لا نبي بعدي)، فأثبت للنبوة صفة الخاتمية وأثبت للإمامة صفة الديمومة.
مما يُؤسف لَهُ أنَّ البحث عَنْ الإمامة فِي المدارس الكلامية قَدْ هبط إلى مستوى متدن بحيث اقتصر عندهم البحث عَنْ الإمامة فِي حدود الأرْض، وبنوا عَلَى هَذَا البحث تعريفاً قاصراً للإمامة يُخلّ
1) المحاسن، احمد بن محمد بن خالد البرقي 1 / 159
بحقيقتها وسعة أدوارها.
وَعَلَى ضوء ذَلِكَ التعريف شديد الاقتضاب والقصور ترتبت شبهات عديدة، منها شبهات حداثوية عصرية لَمْ يستند أصحابها عَلَى التحقيقات فِي أصل الإمامة، وَإنَّما انبثقت تساؤلاتهم وإشكالياتهم بسبب ضمور وقصور التعريف الكلامي للإمامة.
وَقَدْ تبيَّن مما سبق أنَّ للإمامة كَمَا للنبوة ثلاثة أبعاد:
الأوَّل: دور الأئمة فِي دار الدُّنْيَا.
الثَّانِي: دور الأئمة فِي عالم الرجعة.
الثَّالِث: دورهم فِي عالم الآخرة.
وفي مباحث الإمامة ربما يغفل الكثير عَنْ عقيدة مسلمة وَهِيَ عقيدة إمامة رَسُوُل الله(صلی الله علیه و آله) فَهُوَ فِي درجة مِنْ الإمامة يكون فيها إمام الأئمة الاثني عشر(عليهم السلام).
ورغم التسالم بين محدثيّ الفريقين وجُلّ مفسري المسلمين على ذلك إلَّا أنَّ المتكلمين مِنْ الفريقين لَمْ يثبتوا هَذَا المبحث وإنْ ذكروه بشكل ضمني.
ولكن الجدير ذكره أنَّ مبحث الإمامة لا يبتدأ مِنْ إمامة علي(علیه السلام) وَإنَّما بدأت وانبثقت مِنْ رَسُوُل الله(صلی الله علیه و آله)، أيّ أنَّهُ بتنصيب إلهي وحياني
كَانَ للنبي(صلی الله علیه و آله) إمامة إلهية إلى جانب ما لَهُ مِنْ رسالة ونبوة.
وإذا ثبت لَهُ منصب الإمامة يكون قوله(صلی الله علیه و آله):
«إلَّا أنَّهُ لا نبي بعدي»(1)مِنْ براهين وأدلة دوام منصب الإمامة بَعْدَ رحلته، إذْ لَمْ يقل ( لا إمامة بعدي ) بَلْ قَالَ (لا نبي بعدي)، فأثبت للنبوة صفة الخاتمية وأثبت للإمامة صفة الديمومة.
وبعبارة أُخرى:
لَقَدْ قَالَ الله فِي سورة البقرة: (إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ) (2). (3)
فثبت بها دوام واستمرار قاطرة الإمامة، وَالْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) فِي قوله: «لا نبي بعدي» بيَّن ختم النبوة بعده فيتشكّل بذلك برهان نتيجته ديمومة الإمامة بَعْدَ رَسُوُل الله(صلی الله علیه و آله) بمعناها القرآني والروائي لا بما ذكره فقهاء الظاهر وعلماء الكلام.
إذْ بمراجعة آيات الإمامة فِي القُرآن يتبيَّن أنَّها منظومة مقامات وَذَاتَ أبعاد وزوايا مختلفة، وبتلك المعرفة الواسعة لمقامات الإمامة تنجلي كثير مِنْ الشبهات والتساؤلات والإثارات والتشكيكات والإنكارات الَّتِي نشأت بسبب قصور التعريفات فِي كتب الأعلام.4.
والسُّؤال هَلْ للصديقة فاطمة(عليها السلام) حظ من مقامات الإمامة؟
إن رتبة البضعة الطاهرة(عليها السلام) في الولاية تأتي في المرتبة الثالثة بعد النبي(صلی الله علیه و آله) وعلي(علیه السلام) في ضمن سلسلة هذه المرابت، كما دلت عليه الأدلة المتعددة والكثيرة.
المقالة الأولى: موقع الزهراء عَلَيْهَا السَّلامُ فِي أصول العقائد:
*الشاهد الأوَّل: ملكها فِي العوالم الآتية.
*الشاهد الثَّانِي: تلقين الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) لحمزة(علیه السلام).
*الشاهد الثَّالِث: اعتراف أبي بكر بمقامات فاطمة عَلَيْهَا السلام
تقسَّم العقائد الدينية إلى أصول وتفاصيل، وَقَدْ يصطلح عَلَيْهَا بأسس العقائد وتفريعاتها، والفرق بينهما أنَّ الأسس والأصول:
أوَّلاً: يجب عَلَى كُلّ مكلف تعلّمها والإيمان بها.
ثانياً: النجاة الأخروية مرهونة بها.
ثالثاً: يُساءل كُلّ مكلف عنها.
ربعاً: تستوعب تداعياتها مسير الإنسان فِي راهنه ومستقبله.
بَيْنَمَا تفاصيل العقائد وتفريعاتها:
أوَّلاً: شرط وجوب الاعتقاد بها مُعلَّق على حصول العلم بها، فإنْ لَمْ يحصل فلا وجوب فِي ذمّة المكلف للسعي نحو تحصيله.
ثانياً: تحصيل العلم بالتفاصيل ندبي، والسعي للعلم بها مستحب فإنْ حصل العلم بها وجب الاعتقاد بها.
ثالثاً: لها تداعيات وآثار عَلَى راهن الإنسان ومستقبله لكنَّهُ لَيْسَ بوزان ومستوى تداعيات أصول العقائد.
وما ذكرناه مِنْ تقسيم هُوَ التقسيم الرئيسي وَإلَّا فالعقائد درجات ومراتب وأقسام.
والسُّؤال ها هُنَا: هَلْ أنَّ المعرفة الاعتقادية بمقام الزهراء(عليها السلام) داخل فِي أساسيات وأصول العقائد أم أنَّهُ مِنْ تفاصيلها ؟
وبصياغة أُخرى:
هَلْ أنَّ ما يرسمه الدِّين الحنيف فِي نصوص القُرآن وحديث الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) وروايات المعصومين لفاطمة(عليها السلام) مِنْ موقعية فِي العقيدة يُعدّ مِنْ العقائد التفصيلية التفريعية أو مِنْ أسس الدِّين وأصول العقائد؟
وجوابه: إنَّ المعرفة الاعتقادية بمقام الزهراء(عليها السلام) هُوَ واحد مِنْ جملة الأُسس والأصول الدينية، بَلْ الإيمان بها معتقد ركني مِنْ جملة أركان الدِّين.
وإليك مجموعة مِنْ الشواهد والأدلّة عَلَى ذَلِكَ:
روى في الاحتجاج عن موسى بن جعفر عن أبيه عن آبائه(عليهم السلام) عن الحسين بن علي(علیه السلام) قال: إنَّ يهودياً من يهود الشام وأحبارهم كان
قد قرأ التوراة والإنجيل والزبور وصحف الأنبياء(عليهم السلام) وعرف دلائلهم، جاء إلى مجلس فيه أصحاب رسول الله(صلی الله علیه و آله) وفيهم علي بن أبي طالب، وابن عباس، وابن مسعود، وأبو سعيد الجهني، فقال: يا أمة محمد ما تركتم لنبي درجة، ولا لمرسل فضيلة إلا أنحلتموها نبيكم، فهل تجيبوني عما أسألكم عنه؟ فكاع القوم عنه.
فقال علي بن أبي طالب(علیه السلام): نعم ما أعطى الله نبيا درجة، ولا مرسلا فضيلة إلا وقد جمعها لمحمد(صلی الله علیه و آله) وزاد محمدا على الأنبياء أضعافا مضاعفة.
فقال له اليهودي: فهل أنت مجيبي؟ قال له: نعم سأذكر لك اليوم من فضائل رسول الله(صلی الله علیه و آله) ما يقر الله به عين المؤمنين، ويكون فيه إزالة لشك الشاكين في فضائله(صلی الله علیه و آله) ... قال له اليهودي: فإن هذا سليمان أعطي ملكا لا ينبغي لأحد من بعده؟ فقال علي(علیه السلام): لقد كان كذلك ومحمد(صلی الله علیه و آله) أعطي ما هو أفضل من هذا إنه هبط إليه ملك لم يهبط إلى الأرض قبله وهو: ميكائيل فقال له: يا محمد عش ملكا منعما وهذه مفاتيح خزائن الأرض معك، ويسير معك جبالها ذهبا وفضة، ولا ينقص لك مما ادخر لك في الآخرة شيء، فأومى إلى جبرئيل- وكان خليله من الملائكة - فأشار عليه أن تواضع فقال له: بل أعيش نبيا عبدا آكل يوما ولا آكل يومين والحق بإخواني من الأنبياء فزاده الله تبارك وتعالى الكوثر، وأعطاه الشفاعة، وذلك أعظم من ملك الدنيا من أولها إلى آخرها سبعين مرة،
ووعده المقام المحمود، فإذا كان يوم القيامة أقعده الله عز وجل على العرش، فهذا أفضل مما أعطي سليمان)(1).
وروى في بصائر الدرجات عن محمد بن سليمان الديلمي عن أبيه قال سألت أبا عبد الله(علیه السلام)عن قول الله عز وجل (إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَ جَعَلَكُمْ مُلُوكاً) (2)فقال الأنبياء رسول الله(صلی الله علیه و آله) وإبراهيم وإسماعيل وذريته والملوك الأئمة(عليهم السلام) قال فقلت وأي ملك أعطيتم فقال ملك الجنة وملك الكرة ) (3).
ومفاد الرِّوَايَة مُستلّ مِنْ أوصاف الآخرة فِي القُرآن الكريم فَإنَّه وصف عرض الجَنّة كعرض السموات والأرض في قوله تعالى: (سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَ رُسُلِهِ )(4). (5)
وبأنّ الأرْض وَالسَّماء فيها غَيْر الأرْض وَالسَّماء فِي الدُّنْيَا، وَمِنْ الطبيعي أنْ يكون الحكم والملك الأخروي أعظم منهما فِي عالم الدُّنْيَا لاختلاف العالمين فِي المساحة والطاقات والقدرات.
وَقَدْ أُشير فِي الروايات أنَّ لفاطمة(عليها السلام) مقامات فِي العوالم الآتية1.
ومنها عالم الآخرة الذي لا مُصانعات ولا مُجاملات فيه، وَهُوَ يَوُم لا يتكلم فيه إلَّا مِنْ أذن لَهُ الرَّحْمَن وَقَالَ صوابا، وَهُوَ يَوُم يتبيَّن فيه التجلي الإلهي كأعظم ما يكون ...
والسُّؤال: أيُّ معنى للإفصاح عَنْ مقام للزهراء(عليها السلام) فِي ظل ذَلِكَ العالم؟
والذي يزيد العقل حيرة أنَّ القُرآن الكريم لَمْ يفصح عَنْ دور للأنبياء العظام فِي ذَلِكَ العالم، فَلَمْ يعطي دوراً لإبراهيم الخليل ولا لموسى الكليم، ولا لعيسى روح الله، ولا لنوح صفي الله، بيد أنَّهُ يعطي للزهراء(عليها السلام) دوراً بَلْ أدواراً.
ألا يكفي هَذَا شاهدا عَلَى كونها مِنْ الأصول الاعتقادية!!
ومما يؤسف لَهُ أنَّ تجعل المناصب الإلهية فِي الدُّنْيَا للمصطفين دليلاً دافعاً عَلَى موقعيتهم فِي الدِّين، بَيْنَمَا تهمل دلالة الأوسمة الإلهية الأخروية لبعض المصطفين عَلَى موقعيتهم الركنية فِي الدِّين، إذْ أن ذلك لا يصحّ إلَّا بأنْ نعتقد فِي المرحلة السابقة بكون ملك الدُّنْيَا أعظم مِنْ ملك الآخرة ولا يقول به أحد.
كَانَ مِنْ ديدن الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الروايات تلقينه العقائد الحقّة للأبعدين مِنْ سائر الناس فضلا عن الأقربين مِنْ ذويه.
وَقَدْ وَرَدَ أنَّهُ قَدْ لقَّن عمه حمزة سَيِّد الشهداء وأسد الله العقائد الحقّة مَرَّة قبل واقعة بدر وَأُخرى قبل واقعة أحد الَّتِي استشهد فيها.
فعن موسى بن جعفر عن أبيه (علیه السلام) قال: ..ولما كانت الليلة التي أصيب حمزة في يومها دعا به رسول الله(صلی الله علیه و آله) فقال: يا حمزة يا عم رسول الله، يوشك أن تغيب غيبة بعيدة فما تقول لو وردت على الله تبارك وتعالى وسألك عن شرائع الإسلام وشروط الإيمان؟
فبكى حمزة وقال: بأبي أنت وأمي أرشدني وفهمني.
فقال: يا حمزة تشهد أن لا إله إلا الله مخلصا، وأني رسول الله تعالى بالحق، قال حمزة: شهدت، قال: وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الصراط حق، والميزان حق، ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره وفريق في الجنة، وفريق في السعير، وأن عليا أمير المؤمنين.
قال حمزة: شهدت وأقررت وآمنت وصدقت وقال: الأئمة من ذريته الحسن والحسين وفي ذريته .
قال حمزة: آمنت وصدقت، وقال: فاطمة سيده نساء العالمين، قال: نعم صدقت، وقال: حمزة سيد الشهداء وأسد الله وأسد رسوله وعم نبيه، فبكى (حتى سقط على وجهه وجعل يقبل عيني رسول الله(صلی الله علیه و آله) وقال: جعفر ابن أخيك طيار في الجنة مع الملائكة، وأن محمد وآله خير البرية تؤمن يا حمزة بسرهم وعلانيتهم وظاهرهم وباطنهم، وتحيى على ذلك
وتموت، توالي من والاهم، وتعادي من عاداهم.
قال: نعم يا رسول الله، أشهد الله وأشهدك وكفى بالله شهيدا، فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله): سددك الله ووفقك) (1).
ومما يُستفاد مِنْ سيرة رَسُوُل الله(صلی الله علیه و آله) أنَّ ثمة سنة مؤكَّدة مفادها استحباب تجديد العهد بالعقائد الحقّة وأصول الدِّين كُلّما حفّت بالإنسان المخاطر وصار فِي معرض الانتقال مِنْ دار إلى دار.
ومما علمه رَسُوُل الله(صلی الله علیه و آله) عمه الحمزة ولقّنه به الشهادة الأولى والشهادة الثانية والشهادة بإمرة أمير المُؤْمِنِين(علیه السلام) والأئمة المعصومين، ثمَّ أردف ذَلِكَ بالشهادة للزهراء(عليها السلام) بكونها سيدة نساء العالمين(عليها السلام).
وَهَذَا معناه أنَّ مِنْ جملة الأُمُور الَّتِي يجب تعلمها وَالَّتِي يُساءل عنها فِي القبر والبرزخ وَعِنْدَ الميزان والحساب الاعتقاد بمقام فاطمة(عليها السلام) فِي الدِّين وبكونها سيدة نساء العالمين.
فوضح مِنْ هَذَا التلقين النبوي الشريف انطباق خصائص الأصول الاعتقادية الَّتِي قررناها فِي أوَّل المقالة عَلَى الاعتقاد بمقام فاطمة(صلی الله علیه و آله).
ولا يغيب عَنْ ذهن القارئ الكريم أنَّ مما يوثّق ركنية الاعتقاد بمقام فاطمة(عليها السلام) أنَّ الذي يُساءل عنه لَيْسَ عموم الناس فحسب، بَلْ يُساءل أمثال حمزة مِنْ عبد المطلب الذي لَهُ تلك المكانة و المقام العظيم.0.
1) بحار الأنوار ، العلامة المجلسي 22 / 278 ، 280.
وَمِنْ الشواهد عَلَى أنَّ معرفتها ركن فِي الدِّين ما أفصح عنه أبو بكر فِي مواجهته وسجاله مَعَ الزهراء(عليها السلام).
فقد ورد في الاحتجاج فأجابها أبو بكر عبد الله بن عثمان وقال: يا بنت رسول الله ... وأنت يا خيرة النساء، وابنة خير الأنبياء،... وأنت سيدة أمة أبيك، والشجرة الطيبة لبنيك، لاندفع مالك من فضلك، ولا يوضع في فرعك وأصلك، حكمك نافذ فيما ملكت يداي ..
فقال أبو بكر: أنت معدن الحكمة وموطن الهدى والرحمة، وركن الدين، وعين الحجة، لا أبعد صوابك ..)(1).
فَقَدْ أقرَّ لها بعدد طائل من المقامات العقيدية العظيمة أحدها أنَّها ركن الدِّين، وَهَذَا مثبوت فِي مصادر الفريقين.
وَمِنْ البيِّن إنَّ ما وصف به موقعية الزهراء(عليها السلام) إنَّما هُوَ رواية عَنْ الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) إمَّا رواية لنصّ ما وَرَدَ عَنه(صلی الله علیه و آله) أو رواية لمفادات ومضامين هي بمثابة الترجمان لنصوص نبوية مسلمة.
وتلك النصوص تمثِّل كليات مِنْ الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) فِي شأن فاطمة(عليها السلام) كقوله(صلی الله علیه و آله) تارة وَهُوَ يصفها بأنَّها (سيدة نساء العالمين) وتارة أنها (سيدة نساء أهل الجَنّة).
1) الاحتجاج ، الشيخ الطبرسي 1 / 141 ، 145.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله(صلی الله علیه و آله):
«أنا سيد الأنبياء والمرسلين، وأفضل من الملائكة المقربين، وأوصيائي سادة أوصياء النبيين والمرسلين،...وابنتي فاطمة سيدة نساء العالمين»(1).
وعنه، قال: إن رسول الله(صلی الله علیه و آله) كان جالسا ذات يوم وعنده علي وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام)، فقال: اللَّهُمَّ إنك تعلم أن هؤلاء أهل بيتي وأكرم الناس علي فأحبب من أحبهم، وأبغض من أبغضهم، ووال من والاهم ... وإنها لسيدة نساء العالمين.
فقيل له: يا رسول الله، أهي سيدة نساء عالمها ؟ فقال النبي(صلی الله علیه و آله): ذاك لمريم بنت عمران، فأما ابنتي فاطمة فهي سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، وإنها لتقوم في محرابها فيسلم عليها سبعون ألف ملك من الملائكة المقربين، وينادونها بما نادت به الملائكة مريم فيقولون: يا فاطمة «إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين»(2).
وروى في الخصال عن رسول الله (صلی الله علیه و آله):
«...هنيئا لك يا علي فإن الله عز وجل زوجك فاطمة سيدة نساء أهل الجنة»(3).3.
*هل النصوص بصدد إيجاب فريضة مودتها وحبها كَمَا هُوَ فَهُمْ العامّة لسائر الآيات المادحة لأهل البيت(عليهم السلام)؟
أم أنَّها بصدد رسم موقعية خاصة؟
ثمَّة آيات كثيرة نزلت للإشادة بفضائل فاطمة(عليها السلام)، وثمة أحاديث نبوية كثيرة رواها رواة الفريقين، وثمة أحاديث كثيرة للمعصومين(عليهم السلام) فِي شأنها.
وَكُلّ ذَلِكَ بمجموعه يستدعي التساؤل عَنْ ما ترسمه لنا النصوص مِنْ شأن ومكانة لها(عليها السلام).
فَهَلْ هِيَ بصدد إيجاب فريضة مودتها وحبها كَمَا هُوَ فَهُمْ العامّة لسائر الآيات المادحة لأهل البيت(عليهم السلام)؟
أم أنَّ النصوص بصدد رسم موقعية خاصة ومقام استثنائي
لها(عليها السلام) ضمن خريطة مواقع المصطفين مِنْ الله؟
ونجيب بضرس قاطع أنَّ الآيات الكريمة فِي مقام رسم ما لها مِنْ موقع ديني بَلْ ما لها مِنْ مواقع إلهية، وهي كثيرة:
أحدها: موقع الحقيبة الوزارية فِي حكومة دولة رَسُوُل الله(صلی الله علیه و آله) السياسية حال حياته(صلی الله علیه و آله).
وَهُوَ موقع متسالم عَلَيْهِ بين الفريقين بنحو ارتكازي، وبلورته أنَّ لها شأنا وولاية عَلَى الأموال العامة فِي الدولة الإسّلاميَّة كَمَا فِي سورة الحشر وسورة الروم وسورة الإسراء، أيّ أن الله أمر رسوله(صلی الله علیه و آله) بتفعيل دورها فِي حكومته، بَلْ وأنذر بلزوم تفعيله قبل أمره وإنذاره بولاية علي(علیه السلام) فِي آية الغدير، وإنْ كَانَ قَدْ أنذر(صلی الله علیه و آله) بنصب علي(علیه السلام) إماماً وزيراً فِي بني هاشم مِنْ أوَّل أيام البعثة النبوية بقوله تَعَالَى: (وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ )(1). (2)
وَقَدْ نصّت عَلَى ذَلِكَ كتب الفريقين فِي حديث الدار يَوم الإنذار.
ثانيها: مقام الولاية العظمى والحجّية الكبرى، ويقصد به الولاية العظمى للنبي(صلی الله علیه و آله) وأصحاب الكساء عَلَى الخلائق فِي الدولة الإلهية الَّتِي لا تقتصر عَلَى الحاكمية فِي الأرْض، بَلْ هِيَ ظل حاكمية الله فِي كُلّ العوالم وعَلَى كُلّ الخلائق.
وَقَدْ بيَّنا ذَلِكَ فِي غَيْر واحدة مِنْ الضوابط السابقة.4.
*مِنْ الخطأ أنَّ تفسَّر النورية واشتقاق الأنوار عَلَى المعنى الشرفي.
*بَلْ هُوَ بيان لعظمة الخلقة وعظمة الكمال، وَمِنْ ثمَّ عظمة درجة الحجّية، وعظمة التمثيل لدور القدوة والأُسوة، وَمِنْهُ تبني خريطة كُلّ جوانب الكمال.
*إنَّ الزهراء(عليها السلام) تسبق أولادها عَلَى كُلّ صعيد، فعلمها يكبر علمهم، ومقامها فوق مقامهم، وهكذا فِي بَقيَّة الكمالات تتصدر موقع الأصل والمعصومون مِنْ أولادها فِي موقع الفرع.
المتتبع لروايات الفريقين يقف عَلَى مفاد متفق عَلَيْهِ فيما يخص الوجود النوري لأهل البيت(عليهم السلام)، وَمِنْ تلك الروايات روايات اشتقاق نور فاطمة(عليها السلام) مِنْ نور الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) ونور علي(علیه السلام)، وأنَّ الأنوار الثلاثة خلقت مُتعاقبة باشتقاق المتأخر مِنْ المتقدم بنحو متسلسل.
فأوَّل ما خلق هُوَ نور الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) واشتق مِنْهُ نور علي(علیه السلام) وَمِنْهُ اشتق نور فاطمة(عليها السلام).
ففي الرواية عن سلمان الفارسي قال: دخلت على رسول الله (صلی الله علیه و آله) ... قال: يا سلمان خلقني الله من صفاء نوره فدعاني فأطعته وخلق من نوري عليا فدعاه إلى طاعته فأطاعه، وخلق من نوري ونور علي(علیه السلام) فاطمة فدعاها فأطاعته، وخلق مني ومن علي ومن فاطمة الحسن والحسين ....)(1).
فما هُوَ المُراد مِنْ النورية وتعاقب الأنوار؟
ثمّةَ قراءة فلسفية وعرفانية ومعرفية تبيِّن معنى الخلقة النورية، فَعِنْدَمَا يُقَال أوَّل ما خلق الله نوّر نبيك يا جابر فَهُوَ إشارة إلى أوَّل وأعظم مخلوق خلقه الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وذاك هُوَ نور الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) أيّ الْنَّبِيّ بطبقته النورية، وَعِنْدَمَا يُقَال خلق مِنْ نور الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) نور علي(علیه السلام) فَإنَّ المشار إليه بأنّه المخلوق الثَّانِي لَيْسَ هُوَ بدن علي(علیه السلام) وَلَيْسَ هُوَ روحه وَإنَّما هُوَ نوره، أيّ علي(علیه السلام) بوجهه النوري فِي العوالم السابقة.
وحينما يُقَال أنَّ نور فاطمة(عليها السلام) اشتقّ ثالثاً وقبل اشتقاق أنوار المعصومين فَهُوَ إشارة إلى أنَّ ثالث المخلوقين عظمة هُوَ نور فاطمة، ونورها يكبر أنوار المعصومين(عليهم السلام).6.
1) بحار الأنوار ، العلامة المجلسي 25 / 6.
وما مَرَّ هُوَ التحليل الفلسفي والعرفاني والعقلي للأنوار، وترجمانه بالقراءة الكلامية اختلاف الحجج فِي المراتب، وأنَّ حجّيّة فاطمة(عليها السلام) فوق حجيّة أولادها المعصومين(عليهم السلام).
وَمِنْ الخطأ أنَّ تفسَّر النورية واشتقاق الأنوار عَلَى المعنى الشرفي، بَلْ هُوَ بيان لعظمة الخلقة وعظمة الكمال، وَمِنْ ثمَّ عظمة درجة الحجّية، وعظمة التمثيل لدور القدوة والأُسوة، وَمِنْهُ تبني خريطة كُلّ جوانب الكمال، بمعنى أنَّ الزهراء(عليها السلام) تسبق أولادها عَلَى كُلّ صعيد، فعلمها يكبر علمهم، ومقامها فوق مقامهم، وهكذا فِي بَقيَّة الكمالات تتصدر موقع الأصل والمعصومون مِنْ أولادها فِي موقع الفرع.
وَقَدْ أثبت فِي غَيْر واحدة مِنْ الروايات لفاطمة(عليها السلام) مقام الوساطة العلمية الغيبية بين غيب الغيوب والأئمة المعصومين(عليهم السلام)، وتلك الوساطة تطبيق مِنْ تطبيقات تَقَدَّمَ خلقتها النورية الَّتِي ذكرت فِي روايات مستفيضة عِنْدَ الفريقين.
والمتتبع لأوصافها(عليها السلام) الَّتِي وصفها بها الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) يلحظ أنَّها أوصاف يؤيد بعضها البعض الآخر، وَمِنْ أوصافها الوحيانية الَّتِي تقرب مِنْ معنى ما نحن فيه وصف «أم أبيها» الذي وَرَدَ عَلَى لسان الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله).
فقد روى في المناقب عن كثير بن يزيد عن جعفر بن محمد عن
أبيه قال: كنية فاطمة بنت ر سول الله (صلی الله علیه و آله) أُمُّ أَبِيها)(1).
وَهُوَ وصف ينطوي عَلَى عِدَّة معاني وتفسيرات:
أحدها: أنَّها سيدة الأُمَّة أو سيدة نساء الأُمَّة أو سيدة نساء الجَنّة أو سيدة نساء العالمين.
والآخر: يفهم مِنْ تفسير معنى «الأم» وَهُوَ الأصل، فَقَدْ سميت الأم إماً لأنَّها أصل الأولاد فيكون معنى «أم أبيها» أنَّها هِيَ الأصل لوالدها رَسُوُل الله(صلی الله علیه و آله).
وبالمعنى العرفاني الفلسفي اشتقاق وتنزّل وجود رَسُوُل الله(صلی الله علیه و آله) مِنْ وجودها(عليها السلام) وَهَذَا لا يعني التدافع مَعَ ما مَرَّ مِنْ اشتقاق وجودها من وجود النبي(صلی الله علیه و آله)، إذ هو اشتقاق طبقتها النورية من طبقته النورية أمَّا الآخر فَهُوَ اشتقاق وخلق الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) بطبقته البدنية مِنْ طبقتها النورية.
وَالثَّالِث: يعرف بالمقايسة بين وصفها بأمِّ أبيها عَلَى لسان الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) وبين وصف القُرآن لنساء الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) بأمهات المُؤْمِنِين فِي قوله تَعَالَى (وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ ) (2). (3)
فَقَدْ فُسِّرت أمومتهم للمؤمنين بحرمة زواج المُؤْمِنِين منهنّ6.
فِي قوله تَعَالَى: (وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللّهِ وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً)(1). (2)
وَلَيْسَ فِي الآية ما يَدُلّ عَلَى المعنى التشريفي والتكريمي، لأن التشريف والاحترام لَهُنَّ مشروط بالتقوى ودرجاتها لقوله تعالى: (يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَ قُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً) (3). (4)
وَمَعَ سقوط هَذَا الشرط لا يكون لَهُنَّ أيّ فضل عَلَى الآخرين، وكم فرق بين تلك الأمومة بما لها من معنى مبين فِي القُرآن وبين أمومة فاطمة(عليها السلام)لأبيها، بَيْنَمَا هُنَاك أمومة عَلَى المُؤْمِنِين، فما هُوَ المقصود مِنْ أم أبيها؟
يتوقف معرفة واحد مِنْ أعمق معاني وصفها «أم أبيها»عَلَى إيضاح مقدمة معرفية مجهولة وَهِيَ كون أنوارهم فِي العوالم العلوية عَلَى طبقات وَلَيْسَ عَلَى طبقة واحدة، فطبقة مِنْ نور الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) هِيَ الأساس فِي اشتقاق نور علي والزهراء(عليهما السلام) والمعصومين(عليهم السلام)، وتلك الطبقة هِيَ الأساس لاشتقاق نور الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) فِي طبقة نورية أدون.
وَمِنْهُ يكون معنى «أم أبيها» أنَّ فاطمة(عليها السلام) فِي طبقة نورية مِنْ2.
وجودها يشتق منها نور الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) ونور علي(علیه السلام)بلا تدافع ولا تهافت لحفظ الرتبة النورية واختلافها شدةً وضعفاً.
وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ أحد معاني ما وَرَدَ عَنْ الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) فِي علي(علیه السلام):
«علي مني وأنا من علي»(1).
وفي الحسن(علیه السلام):
«حسن مني وأنا منه»(2)، وفي الحسين(علیه السلام):
«حسين مني وأنا من حسين»(3).
ومما يشهد عَلَى طبقات الأنوار ما وَرَدَ مَرَّة مِنْ كون نورهم(عليهم السلام) فوق العرش، وَمَرَّة تحت العرش .6.
*أنحاء القرابة والقربى.
*إجمال مقامات فاطمة(عليها السلام) في كتب المتكلمين
مما يؤسف لَهُ هُوَ اعتقاد كثير مِنْ المسلمين أنَّ كُلّ الشأن فِي خصوصية أهل البيت(عليهم السلام) كونهم قربى الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) بمعنى القربي الطينية والتوالد البدني والنسب الدموي والنسبة الجسدية، لكنه وإنْ كَانَ هَذَا النوع مِنْ الصلة ذا شأن إلَّا أنَّ جلَّ مراتب الشأن فيهم فِي واد آخر يُعبَّر عنه بالقربى النورية والتوالد المعنوي والنسبة الروحية.
وَمِنْ ثمَّ فَإنَّ قربى الرسول(صلی الله علیه و آله) عنوان يشير إلى الصلة النورية والتي هي أصل الصلة البدنية.
والقربى الدينية المعنوية موازية للقربى الاصطفائية، أيّ أنَّهُ
اصطفاهم بَعْدَ اصطفاء الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) عَلَى أساس قويم هُوَ صلتهم ووصالهم الروحي الدِّيني مِنْهُ، وَلَيْسَ على أساس مجرّد قرباهم مِنْ بدنه.
ومقام فاطمة(عليها السلام) مِنْ الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) كَمَا أنَّهُ مقام متقدم ورابط لغيرها بالنبي(صلی الله علیه و آله) عَلَى مستوى القربى البدنية، فكذلك لها مقام متقدم بالنبي(صلی الله علیه و آله) عَلَى مستوى القربى الدينية الاصطفائية.
ومما يشهد عَلَى موقعها الرائد والمتقدم فِي دائرة القربى الدينية قوله(صلی الله علیه و آله)
«فاطمة بضعة مني»(1).
وَقَدْ شطّ وجاوز الحقيقة مَنْ فسَّر عنوان «بضعة النبوة» بالبضع البدني، وكذا مِنْ حمل معنى البضعية عَلَى صرف الحنان الأبوي العاطفي وقرأها قراءة ساذجة وهابطة، بَلْ إنَّ عنوان البضعة خصوصاً مَعَ ما تلاها مِنْ قول الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله):
«هِيَ روحي الَّتِي بين جنبيّ»(2)فيه دلالة صريحة عَلَى كونها بيانا نوريا دينيا أديانيا.
وَقَدْ أجاد الآلوسي فِي تفسيره روح المعاني تحت السُّؤال الذي مفاده: هَلْ فاطمة أفضل أم عائشة؟
فأجاب: «والذي أميل إليه أن فاطمة البتول أفضل النساء المتقدمات والمتأخرات من حيث إنها بضعة رسول الله(صلی الله علیه و آله)...إذ5.
البضعية من روح الوجود وسيد كل موجود لا أراها تقابل بشيء، وأين الثريا من يد المتناول، ومن هنا يعلم أفضليتها على عائشة رضي الله تعالى»(1).
ولا يفوتنا تسجيل فائدة معرفية لطيفة، وفيها جواب عَلَى سؤال مقدَّر وَهُوَ: لَمْ لا تحمل البضعية الواردة فِي أحاديث الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) عَلَى البضعية البدنية وكونها قطعة مِنْ جسده الشريف؟
فنقول: إنَّهُ كُلّما وَرَدَتْ كلمة «مني» عَلَى لسان رَسُوُل الله(صلی الله علیه و آله) فِي التعريف بواحد مِنْ أهل بيته(عليهم السلام) فمعناها الاشتقاق النوري، وَهَذَا الاستظهار يُؤيّد بالتأمل فِي تلك الروايات الَّتِي وَرَدَتْ فيها لفظة «مني» جميعاً، ليتبيِّن أنَّها تتوافق فِي الإفصاح عَنْ ذَلِكَ المعنى النوري.
وَقَدْ وقع العديد مِنْ الباحثين فِي الشبهة والإشكال عَنْد تحليل تلك الروايات لغفلتهم عَنْ المقام النوري الذي تشير إليه لفظة «مني».
وفيما نحن فيه يكون معنى «بضعة مني» نظير قوله(صلی الله علیه و آله): «حسين مني» وقوله تَعَالَى فِي الحديث القدسي: «لا يبلغ عنك إلَّا أَنْتَ أو رجل منك».
هَذَا مضافاً إلى أنَّ حمل البضعية عَلَى معنى التوالد البدني لفاطمة(عليها السلام) مِنْ رَسُوُل الله(صلی الله علیه و آله) فيه تسطيح للمعنى وبيان للواضحات5.
1) تفسير الآلوسي ، الآلوسي 3 / 155.
مَعَ عدم وجود شبهة نفي الصلة بينهما مِنْ أحد، فلا موجب لتأكيدها وبيانها حينئذٍ.
وَقَدْ ينكر علينا البعض فيقول: مِنْ أين لكم أنَّ تنسبوا لفاطمة(عليها السلام) موقعاً نورياً قربياً استثنائيا مِنْ رَسُوُل الله(صلی الله علیه و آله) فِي حين أنَّ المتكلمين فِي كتبهم الكلامية والفلاسفة فِي أبحاثهم العقلية لَمْ يشيروا إلى ذَلِكَ المقام الاعتقادي لها؟
وفي الجواب ننبِّه عَلَى عِدَّة نقاط مُهمّة يحسن أنْ تكرّر فِي ثنايا البحث بصياغات مختلفة:
أوَّلاً: إنَّ أصل الدِّين ومقامات الأولياء الاعتقادية مودع فِي الكتاب وَالسَّنَة، وما كتب المتكلمين إلَّا نتاج بشري فيه استفادات مِنْ الوحي، لكنَّهُ لَيْسَ الوحي المقدس بعينه.
ولذا تعارف بين أهل التحقيق قولهم «كم ترك الأول للآخر» ومقصودهم أنَّ الفهم البشري وإنْ واكب بَعْض حقائق الوحي إلَّا أنَّ غفلاته عَنْ الحقائق كثير.
ثانياً: لم نحصر المقامات الاعتقادية فيما أثبته المتكلمون فِي كتبهم!!
أليس في هَذَا إغفال لمشارب ومدارس العلوم الأُخرى ذَاتَ المكانة الرفيعة مثل مدرسة التفسير والحديث وغيرها!!
وَهَلْ يظن مِنْ يتحرى مظان الحقيقة أنَّ بالإمكان الوقوف عَلَيْهَا بقراءة صنف واحد مِنْ الكتب والمؤلفات.
ثالثاً: يتعصب الكثير لعلم الفلسفة والمعقول وينكرون أيّ حقيقة لَمْ يُشر إليها الفلاسفة، بيد أنَّ هَذَا التعصب للفلسفة مخالف لشعار الفلسفة والفلاسفة أنفسهم فِي نبذ التعصب، فَإنَّ الفلسفة قائمة عَلَى التحقيق والاجتهاد بلا وقوف ولا تلكأ.
وَلَيْسَ للتقليد قدم ولا أثر فِي حقل الفلسفة، بَلْ المدار عَلَى تحري الدَّليل، كَمَا أنَّهُ لَيْسَ مِنْ سوء الأدب والتطاول مناقشة الكبار ونقد جهودهم العلمية بفتح الحوار العلمي فِي آثارهم ونتائجهم، فَإنَّ الاحترام والتوقير لهم شيء والبحث العلمي لمظان الحقيقة شيء آخر.
فلو رأى أجيال الفلاسفة أنَّ فِي التحقيق لنتائج مِنْ سبقهم سوء أدب وَمِنْ ثمَّ أحجموا عَنْ التفكير فيها وأخذوها أخذ المسلمات لما وصل الفكر الفلسفي لما هُوَ عليه أخيرا مِنْ الانبساط والتوسع.
-1 -
*المقامات الاصطفائية فِي القُرآن.
*المحدثة وسام إلهي عظيم لفاطمة(عليهما السلام).
*فاطمة(عليها السلام) محدثة مِنْ الملائكة والرُّوُح الأمري.
قَالَ الله تَعَالَى: (وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ ) (1). (2)
وَقَدْ وَرَدَ فِي قراءة أهل البيت(عليهم السلام) وَهِيَ قراءة معروفة فِي القراءات المشهورة أن الآية بهذا النحو «و ما أرسلنا من قبلك من رسول و لا نبي و لا محدث» فقد روي عن أبي عبد الله(علیه السلام) أن رسول الله(صلی الله علیه و آله) أصابه خصاصة فجاء إلى رجل من الأنصار فقال له: هل عندك من طعام؟ فقال: نعم يا رسول الله وذبح له عناقا وشواه فلما أدناه منه تمنى رسول الله(صلی الله علیه و آله) أن يكون معه علي وفاطمة والحسن
والحسين (عليهم السلام) فجاء منافقان ثم جاء علي بعدهما فأنزل الله في ذَلِكَ: «و ما أرسلنا من قبلك من رسول و لا نبي و لا محدث»(1).
ولا صلة لهذه القراءة بالتحريف فِي القُرآن الكريم بَلْ هِيَ قراءة مِنْ القراءات، وَقَدْ أشار إليها البخاري فِي صحيحه، بَلْ واعترف بها المحدِّثون مِنْ الفريقين عَلَى أنَّها إحدى القراءات المعتبرة.
وَقَدْ بحثنا فِي محلّه فِي الوثائق والمصادر الدَّالَّة عَلَى صحة هَذِهِ القراءة وَقَدْ تبين أنها مذكورة فِي شروح البخاري وكذا شروح مسلم وشروح الصحاح الأُخرى.
فكونها قراءة مِنْ القراءات أمر مفروغ مِنْهُ، وطبقاً لها يثبت أنَّ مقام المحدث مقام لدني مِنْ الله وَهُوَ مغاير لمقام النبوة ومغاير كَذَلِكَ لمقام الرسالة.
وَقَدْ دَلَّتْ آيات قُرآنية أخرى عَلَى وجود مقامات اصطفائية لدنية أُخرى ليست بنبوة وليست برسالة، كَمَا فِي قوله تَعَالَى: (إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً)(2). (3)
فَلَمْ يقل نبياً ولا رسولاً وَإنَّما ملكاً، أيّ أنَّ الله اصطفاه باصطفاء لَيْسَ هُوَ عَلَى حدّ اصطفاء النبوة، وبعثه بعثة ليست هِيَ عَلَى حدّ الرسالة، وَإنَّما بعثه ملكاً إماماً لتدبير الأُمُور، حَيْثُ إنَّ بعثته كانت جواباً عَنْ طلبهم لما طلبوا مِنْ الله: (إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ) (1). (2)
وَهَذَا يناسب مقام القيادة، والقيادة هِيَ الإمامة، وجعل آية ملكه وملك إمامته أنْ يأتي بمعجزة ودليل برهاني غيبي إلهي عَلَى إمامته، وفيه يقول تَعَالَى: (إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ بَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَ آلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (3). (4)
فتلخص أنَّ الإرسال فِي منظومة السَّماء لا يقتصر عَلَى النبوة والرسالة، وَقَدْ دَلَّتْ الآيات فِي قالب وحياني آخر عَلَى اتّحاد بعثة القيادة وبعثة الملك مَعَ بعثة الإمامة كَمَا فِي قوله تَعَالَى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً)(5)(6)، والملك هُوَ ملك تدبير الأُمُور4.
وَهُوَ تعبير آخر عَنْ ولاية الأمر.
وَقَدْ ذكرنا فِي بحوث قواعد التفسير أحدى آليات اعتماد قراءة مِنْ القراءات والإيقان بصحتها، وَهُوَ تطابق تلك القراءة لمحكمات قرآنية أُخرى، وَهَذَا المعيار والآلية ينطبق فِي موردنا فَإنَّ قراءة الآية موضع البحث بهذه الصورة «و ما أرسلنا من قبلك من رسول و لا نبي و لا محدث)(1)متطابق مَعَ ما فِي آية سورة البقرة وآية سورة النساء، وكذلك مَعَ آيات سور أُخرى.
وَمِنْ الجدير بالذكر أنَّ المذهب الوحيد الذي ترجم هَذِهِ العقيدة الأصيلة القرآنية هُوَ مذهب أهل البيت(عليهم السلام) دون بَقيَّة مذاهب المسلمين.
وَقَدْ حبا الله فاطمة(عليها السلام) بوسام عظيم لكنَّهُ مغاير لوسام الرسالة ووسام النبوة ووسام الإمامة فدلّت الأدلة عَلَى أنَّ أحد ألقابها هُوَ أنَّها(عليها السلام) (محدثة).
ومضافا إلى أنه قد ثبت لها بالروايات عنوان المحدّثة، فَقَدْ ثبت لها بالآيات روح هَذَا العنوان ولبه وإنْ لَمْ يعنون بنفس الألفاظ، بَلْ دلَّت على أنَّها محدثة ممن هُوَ أعظم مِنْ جبرائيل.
1) تفسير القمي، علي بن ابراهيم القمي 2 /86.
وَهَذَا أحد الشواهد عَلَى علو مقامها عَلَى مقام مريم، فَإنَّ مريم محدثة مِنْ جبرائيل أو من طبقات أخرى من الملائكة بنصّ القُرآن الكريم فِي قوله تَعَالَى: (وَ إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفاكِ وَ طَهَّرَكِ وَ اصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ ) (1). (2)
وأمّا فاطمة(عليها السلام) فَهِيَ محدثة وبنص الأدلة تارة مِنْ قبل الملائكة وتارة مِنْ قبل جبرائيل وَأُخرى مِنْ قبل ممن هُوَ أعظم مِنْ جبرائيل.
فإنْ قلت: وأين ذَلِكَ النصّ فِي القُرآن؟
وجوابه أن القرآن قد رسم في آياته ذَلِكَ المقام لفاطمة(عليها السلام) بوضوح، لكن يتوقف فهمه على ضم مجموعة نصوص قرآنية بعضها لبعض تتآلف في تكوين مضمون واحد.
فقد دلت الآيات فِي سورة الواقعة (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77)فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (78)لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (79)(3)(4)عَلَى وجود جانب غيبي للقرآن، بَلْ عَلَى مقامات ومنازل غيبية لَهُ لا ينالها إلا المطهرون.
ودلَّت َلَى ذَلِكَ سورة الشورى فِي قوله تَعَالَى: (وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لاَ الْإِيمانُ وَ لكِنْ جَعَلْناهُ (5)9.
نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ )(1)(2)والموجود المعبّر عنه «بالروح» أعظم مِنْ جبرائيل، لأنَّ القُرآن لَمْ يصف جبرائيل أنَّهُ مِنْ عالم الأمر وَهُوَ عالم كُنْ فيكون.
وَأنبأت سورة النحل أنَّ جبرائيل(علیه السلام) يعرج وينزل بالروح الأمري فِي قوله تَعَالَى: (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ )(3)(4)، والملائكة عنوان عام يدخل فيه جبرائيل، بَلْ يعم إسرافيل أيضاً.
وإنَّ هَذَا الرُّوُح الأمري الذي به اقتدار إسرافيل وجبرائيل وعزرائيل وميكائيل(عليهم السلام) ذكره القُرآن الكريم فِي سورة الشورى بوصف أنَّهُ حقيقة القُرآن، فَقَالَ تَعَالَى: (كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا). (5)
فالموحى لَيْسَ هُوَ مُجَرَّد كلام وقول كَمَا أنَّهُ لَيْسَ مُجَرَّد طرد بريدي، بَلْ هُوَ روح أمري أودع فِي ذَاتَ الموحى إليه.
ولو قلت ما هُوَ الدَّليل عَلَى كون الموحى هُوَ نفس الرُّوُح الأمري؟
فجوابه فِي نفس الآية فِي قوله تَعَالَى: (وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لاَ الْإِيمانُ وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ (6)2.
مِنْ عِبادِنا وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (1). (2)
إذْ مفادها أنَّ ذَلِكَ الرُّوُح هُوَ عين الكتاب وَإلَّا لا يكون فِي صلة ولا ارتباط بين مقطع (أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً ) (3)ومقطع (ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ ) (4).
وفي المقطع الأخير (لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً ) (5)وصف للروح الأمري بأنه مِنْ عالم النُّور وَلَيْسَ وَلَيْسَ مِنْ عالم الخلق، وَهُوَ نفسه المشار إليه فِي قوله تَعَالَى: (فَآمِنُوا بِاللّهِ وَ رَسُولِهِ وَ النُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَ اللّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)(6). (7)
وَهَذَا الوصف للروح لَمْ يوصف به جبرائيل فِي القُرآن فَلَمْ ينزل جبرائيل مِنْ عالم النُّور.
وإذا تنقّح هَذَا المطلب القُرآني كمقدمة لما نحن فيه فَإنَّ الفصل الثَّانِي فِي خريطة القُرآن هُوَ ما أشير إليه فِي الآيات مِنْ أنَّ فاطمة(عليها السلام) مِنْ أهل آية التطهير وَهُوَ ما يعتقد به كافة المسلمين ضرورة.
فتكون النتيجة أنَّها ممن ينال ويخص بذلك النُّور والرُّوُح الأمري، أيّ أنَّها تحيط علماً بالكتاب النوري، وَهَذَا هُوَ لُبّ ولباب مقام المحدثة.8.
بيَّن القُرآن نزولين لآياته؛ الأول نزول نازل وَهُوَ شأن جبرائيل الذي كَانَ ينزل بالكلمات والأصوات والمعاني وعبَّر عَنْه بالنزول النجومي، وكانت بدايته فِي السَّابِع والعشرين مِنْ رجب.
ومعنى مصطلح نجومي هُوَ المؤقت كَمَا فِي قوله تَعَالَى: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ) (1)(2)فيعبّر عَنْ أحد مراتبه النازلة بالقول.
والآخر نزول دفعي عالي.
وَالقُرآن خلافاً للمفسرين مِنْ الفريقين لا يطلق عَلَى الدفعي العالي مصطلح النزول، وتسمية المفسرين لَهُ بالنزول مِنْ الخطأ، لِإنَّهُ لَيْسَ مِنْ النازل، بَلْ يسميه القُرآن فِي سورة الشورى: (وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لاَ الْإِيمانُ وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ )(3)(4)، فعبّر ب- «أوحينا» وَلَيْسَ أنزلنا.
ولذا لا يعبّر عنه لا نزول ولا تنزيل.
وَهَذَا الأخير الذي نعبِّر عنه بالنزول مسامحة هُوَ أعظم مِنْ جبرائيل والملائكة(عليهم السلام)، وَقَدْ نالته البضعة الطاهرة(عليها السلام)، فكانت بذلك محدّثة.
وَهَذَا لا ينفي كونها(عليها السلام) محدّثة بالمقام النازل مِنْ جبرائيل وإسرافيل، بَلْ دَلَّتْ النصوص المعتبرة لدينا أنَّ إسرافيل آتاها بَعْدَ شهادة المصطفى ورحيله(صلی الله علیه و آله) إلى الرفيق الأعلى ومعه جملة مِنْ الملائكة فِي ليلة وَهِيَ تتهجد إلى الله وَلَمْ يقطعوا عَلَيْهَا وردها ثمَّ حدثوها بقسم مِنْ المصحف وَهُوَ المرتبة النازلة مِنْ مقام المحدثة والمرتبة الصاعدة مِنْهُ هُوَ تحديث الرُّوُح الأمري.
بَلْ وَرَدَ فِي بَعْض الروايات أنَّ لفاطمة(عليها السلام) النصيب الأعلى مِنْ الرُّوُح الأمري بَعْدَ علي(علیه السلام) ولذا سميت بليلة القدر لِأنَّ مدار ليلة القدر هُوَ الرُّوُح المنزل فيها.
وإذا رمنا أنْ نستوضح هَذَا المقام الخطير لفاطمة(عليها السلام) فثمة باب رسمه لنا القُرآن فِي قصة مريم، والغوص فيه يفتح الطريق لمعرفة ذَلِكَ المقام الخطير فِي فاطمة(عليها السلام).
فَقَدْ بيَّن القُرآن أنَّ مريم محدّثة فِي قوله تَعَالَى: (وَ إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفاكِ وَ طَهَّرَكِ وَ اصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ )(1)(2)فَهِيَ محدثة مَعَ أنها ليست بنبية ومحدثها الملائكة وجبرائيل.
وبذلك يثبت أنَّ مريم(عليها السلام) ما كانت تتلقى ما تتلقاه مِنْ أمر إلهي2.
وبيان رباني عبر لسان الْنَّبِيّ زكريا(علیه السلام) والصلة البدنية به، وَإنَّما مضافاً إلى ذَلِكَ تتلقى مُبَاشَرَة مِنْ الملائكة وَمِنْ جبرائيل(علیه السلام).
وَلَقَدْ أفاض القُرآن فِي بيان تفاصيل تحديث الملائكة لمريم وَأنَّهُ جرى ذَلِكَ مرات ومرات وَلَيْسَ مَرَّة واحدة.
هَذَا مضافاً إلى أنَّها كانت تتجاوب مَعَ مَنْ يحدثها، أيّ كَانَ التفاعل مِنْ الطرفين إلقاءً وسؤالاً وجواباً، ففي سورة آل عمران بيان أنَّ تحديثها بدأ مِنْ بشارة الله لها بكلمته فِي قوله تَعَالَى: (إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) (1)(2)، ونلاحظ أنَّ هَذِهِ البشارة الملكوتية مِنْ الله مَعَ كونها كَذَلِكَ لكنَّها تشتمل عَلَى مأمورية إلهية خطيرة وَعَلَى دور عظيم عصيب قَدْ أوكل إلى مريم، وَمِنْ شأنه أنْ تتزلزل فيه الأقدام وتخار دونه العزائم.
وفي سورة مريم يقول تَعَالَى: (فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا(17)قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا(18)قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا(19)قالَتْ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَ لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَ لَمْ أَكُ بَغِيًّا(20)قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَ لِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ وَ رَحْمَةً مِنّا وَ كانَ أَمْراً (3)5.
وفي المقطع الأخير مِنْ الآيات يذكرها الملك بقول الله لها سابقاً.
وتشير الآيات إلى تحديث آخر لها لما رفعت حملها فِي قوله تَعَالَى: (فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا(24)وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا(25)فَكُلِي وَ اشْرَبِي وَ قَرِّي عَيْناً فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا(26) (3). (4)
فتبيّن الآيات أنَّ العبء الكبير الذي تتطلبه حصول البعثة الجديدة لنبي مِنْ أولي العزم كله قَدْ وقع عَلَى مريم وَلَمْ يقع عَلَى زكريا وَعَلَى عَلَى يحيى(عليهما السلام).
وأنَّ أول مِنْ تحمّل مسؤولية الإعلان الإلهي عَنْ بدء نبوة ناسخة لشريعة سابقة وفي ظل دجل وعقد بني إسرائيل هِيَ مريم وَلَيْسَ غيرها، وأنَّ الَّتِي خاطرت بشرفها وعرضها للإعلان عَنْ سطوع برهان نور النبوة الجديدة وكابدت فِي جهاد قلَّ نظيره وكثرة تبعاته هِيَ مريم، وَلَمْ يكن ايفاؤها بتلك المأمورية بتوسّط بدن زكريا ولا بوحي أتاها عَنْ لسانه.6.
وفي ذَلِكَ وَرَدَ قوله تَعَالَى: (فكلى و اشربى و قرى عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولى إنى نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا)(1)أي أفصحي عَنْ وجود أمر ومأمورية، وتلك المأمورية غَيْر مرتبطة بفروع الدِّين لقوله تَعَالَى: (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا(27)يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَ ما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا(28)فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا(29)قالَ إِنِّي عَبْدُ اللّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا(30)(2)(3)، فالمأمورية مرتبطة بأصل متقدم فِي منظومة أصول الدِّين وَهُوَ النبوة.
وتشير الآيات إلى وجود ما يشبه التواطئ وتكامل الأدوار ووجود نوع مِنْ النظم والبرمجة فِي المسؤولية، حَيْثُ يقول الله تَعَالَى: (فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا)(4)(5)، أيّ استنطقوه عَنْ دوره وَعَنْ مأموريته الإلهية.
بَلْ كانت المأمورية الإلهية عَلَى مريم ضخمة ومعقدة، بحيث أنَّ ما تقوم به لَمْ يكن مرتبطاً بفروع الدِّين ولا مرتبطاً بأصول الدِّين فحسب، بَلْ أوكل إليها تدشين وتأسيس نبوة نبي مِنْ أولي العزم ناسخة لشريعة الْنَّبِيّ موسى(علیه السلام).9.
وللباحث ها هُنَا أنْ يتصوَّر حجم المرارة الَّتِي ستكابدها مريم جراء إعلانها عَنْ تلك المأمورية، فَمِنْ جهة كَانَ أوَّل مَنْ أعلن عَنْ الأمر الإلهي الجديد هِيَ مريم المرأة، وَمِنْ جهة كَانَ المعلن إليهم والمكلف بالتحوّل مِنْ شريعة إلى شريعة هُمْ بنو إسرائيل الَّذِيْنَ قصّ لنا القُرآن فِي سورة البقرة عَنْ لجاجهم وحجاجهم للساحة الربوبية فِي أكثر مِنْ تشريع واكثر مِنْ تكليف، وقصّ علينا كَذَلِكَ إجهادهم للأنبياء السابقين مِنْ يعقوب إلى يوسف ثمَّ موسى وهارون وزكريا ويحيى(عليهم السلام)، وكذا أنبياء عديدون قَدْ نالهم الإعياء والإجهاد جرَّاء تكليفهم بهداية بني إسرائيل.
وَمِنه يتبيّن ما يمكن أنْ ينال مريم منهم، وَمَعَ كُلّ ذَلِكَ كانت هِيَ المأمورة بالخطاب الإلهي المباشر أنْ تكون واسطة بين شريعتين.
ونفس جعل المأمورية عَلَى عاتق مريم يشهد بما لها مِنْ مقام وسُؤدد، حَيْثُ كانت حلقة رابطة وناقلة للبشر مِنْ نبوة موسى إلى نبوّة عيسى فِي حين أنَّهُ لَمْ يوكل ذَلِكَ الدور لزكريا أو يحيى أو غيرهما مِنْ الأنبياء(عليهم السلام).
وَقَدْ اعتقد بنو إسرائيل أنَّ العدوان عَلَى مريم كَانَ سهلاً لكونها امرأة وَغَيْر موصوفة بنبوة ولا برسالة، فَكَانَ خطابهم كَمَا حكاه القُرآن في قوله تعالى: (يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَ ما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا)(1). (2)8.
وفي هَذَا اللِّسَان تعد صارخ وإعدام للشخصية، وكم فِي المرأة مِنْ نقاط تغري عدوها بالعدوان والعتو والطغيان عَلَيْهَا، وَمَعَ كُلّ ذَلِكَ تختارها السَّماء لهذا الدور العصيب، وكأنه إفصاح عَنْ عدم صلاحية أحد مِنْ الرجال للقيام بهذه الوظيفة.
وَمِنْهُ ندرك أنَّ قوله تَعَالَى: (وَ إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفاكِ وَ طَهَّرَكِ وَ اصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ )(1)(2)لَيْسَ هبة مجانية وَإنَّما فِي قبالها امتحان عصيب ومسؤولية عظيمة كانت يمكن أنْ تطيح بمريم وتصفي وجودها بمنطق بني إسرائيل.
وما كَانَ منها فِي مقابل تطلعهم لتصفيتها وإعدامها جسدياً ومعنوياً إلَّا تطلعها لما هُوَ أعظم مِنْ الدفاع عَنْ وجودها الجسدي وموقعها المعنوي وَهُوَ استئصال كُلّ مسارهم الضال والباطل وتبديل نسيج ديني متراكم.
وكم كَانَ لها مِنْ همة ومغالبة لَمْ يتجرأ عَلَيْهَا زرافات مِنْ الأنبياء(عليهم السلام)، فَلَمْ يتصدّ داود(علیه السلام) لنسخ شريعة موسى(علیه السلام)، وَلَمْ يتصد سليمان(علیه السلام) كَذَلِكَ لنسخها، وما كَانَ مِنْ المؤمل والخيال أنْ يحيد بنو إسرائيل عَنْ شريعة الْنَّبِيّ موسى(علیه السلام)، ولذا قتلوا كثيراً مِنْ الأنبياء وخُوُّنوهم واتّهموهم بكونهم غَيْر مأمونين عَلَى شريعة موسى وَغَيْر2.
مؤتمرين بالتوراة مَعَ أنَّهُم كانوا مِنْ أتباع موسى(علیه السلام) ومنهاجهم التوراة.
لكنَّ كُلّ هَذَا المخزون مِنْ العناد واللجاج والغرور المعجون فِي هوية بني إسرائيل ينسخ أمده وينتهي بقاؤه عَلَى يد إمرأة، فَقَدْ كَانَ همتها وهمها استئصال الغي المتراكم فيهم، وَكَانَ همهم وهمتهم استئصال مريم وجودياً ومعنوياً.
وما مَرَّ في الصورة القرآنية بكُلِّ حيثياتها تحقق بما هو أعظم منها فِي دور لبوة النبوة البضعة الطاهرة(عليها السلام)، فَقَدْ كابدت:
أوَّلاً: زلزال تصفية الرَّسُول(صلی الله علیه و آله) ورأت سلسلة المؤامرات والتخطيطات ضد أبيها جسدياً ومعنوياً، وَهِيَ تشبّ فِي الشهر ما تشبّ فِي السَّنَة وبدأت عَلَيْهَا ملامح البلوغ فِي السن وَهِيَ فِي سنيها المبكرة، وَلَمْ يكن ذَلِكَ مِنْ العبث والجزاف وَإنَّما كَانَ ذَلِكَ إعدادا لها لإنجاز مأمورية عظيمة عَلَى وفق قوله تَعَالَى: (وَ لَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ )(1). (2)
فمسؤوليتها الملقاة عليها مَعَ أبيها وقبل زواجها تتطلب أنْ تشب سريعاً في كل الجهات والنواحي لتكون سكنا وكهفا للنبي(صلی الله علیه و آله) سكن تدبير وعضيد مسؤولية.
ومن يقرأ مذكرات حياة الشخصيات ذات الطابع الأمني يدرك2.
أن من ترتبط به من النساء إذا لم تكن على مستوى من الوعي السياسي والأمني والوعي الاستيراتيجي بدرجة مناسبة لزوجها فإنها تكون الباب لاختراقه سياسيا وأمنيا لأن الشبكة العدوانية المناؤة له لن توفر أي ثغرة يمكن منها اختراقه وافشال مهمته.
ولقد كانت البضعة الطاهرة(عليها السلام) وفي ظل وجود والدتها خديجة راعية للنبي(صلی الله علیه و آله) على مستوى يكبر ويغاير رعاية خديجة له لما لها من عظيم علم وحكمة ودراية وتدبير.
ففي التسع سنين لقطات عصيبة زلزل فيها النبي(صلی الله علیه و آله) ووقفت فيها فاطمة(عليها السلام) مدافعة وراعية وحاضنة، فكان للنبي(صلی الله علیه و آله) يدان، يد قاضمة وهي يد أمير المؤمنين(علیه السلام) ويد حانية وهي يد فاطمة(عليها السلام).
وكان دورها مع النبي(صلی الله علیه و آله) هو الفصل الأول من أداء المأمورية الخطيرة، وكان الفصل الأخير وقوفها في وجه مشروع السقيفة إلى جانب أمير المؤمنين(علیه السلام) وهو الآخر لا يقل خطورة وزلزالا للدين ولحامله عن الفصل الأول، فقد اجتمعت فيه من الملابسات ما يمكن أن يمرر من خلالها المشروع الجديد على الناس بأن يصوروا عليا(علیه السلام) طالب ملك وساع للرئاسة، فكان بمثل هذه الملابسات والتلبيسات والاهامات امكانية تمرير الخطة والحيلة على المسلمين في شأن علي(علیه السلام) لكنه لم يكن في الإمكان أن تمرر مثل تلك الملابسات في شأن
فاطمة(عليها السلام).
فقد كان موقفها(عليها السلام) شبيه موقف مريم(عليها السلام) التي خاطرت بشرفها وعرضها ولم يكن بيد بني اسرائيل أن يمرروا على الناس فكرة أنها طالبة للزعامة في حين أنه لو تصدى لتلك المأمورية يحيى أو زكريا أو أي نبي من الأنبياء لأمكن الطعن عليهم بتلك التدليسات والتحريفات.
-2 -
*أهل البيت(عليهم السلام) رواة عن كل طبقات وجود النبي(صلی الله علیه و آله)...
*المحدث مرتبط بروح من أرواح النبي(صلی الله علیه و آله)...
ثمة عدة من الآيات بينت أن الروح الأمري الذي هو حقيقة الكتاب - الكتاب هو المقام العلوي الوجودي الذي لا يتجافى عن موقعه وهو الروح الأمري- أورث لثلة بشرية خاصة بعد رسول الله(صلی الله علیه و آله).
منها ما في سورة الشورى: (وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لاَ الْإِيمانُ وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا)(1). (2)
ومفادها الجمع بين مقام النبوة ومقام الثقلين.
ومنها مافي سورة النحل وهي قوله تعالى: (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ) (1). (2)
والمعادلة في هذه الآيه عين المعادلة في الآية السابقة ومفادها تنزل الروح الأمري على مجموعة من عباده وليس على من يشاء من أنبيائه ورسله، أي على ثلة من عباده المصطفين باصطفاء وراء اصطفاء النبوة.
ونفس المعادلة بينت في سورة غافر في قوله تعالى: (يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ ) (3)(4).
ونفس العنوان أشير إليه في سورة الواقعة في قوله تعالى: (فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (78)لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (79)(5). (6)
وصرح بهذا المطلب في سورة فاطر في قوله تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) (7). (8)
وحيث إن فاطمة(عليها السلام) واحدة من أؤلئك المصطفين المطهرين بنص القرآن وتعاليم روايات الفريقين، فيثبت لها أنها محدثة من الروح2.
الأمري.
ثم إن وزان مقام المحدث كوزان مقام الرسالة والنبوة فكما أن القرآن صرح بأن الرسل والأنبياء على طبقات كما في قوله تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللّهُ وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ ) (1)(2)فكذلك الأمر في المحدثين فهم على طبقات ودرجات.
وهنا تثبت لأهل البيت(عليهم السلام) خصيصة على بقية أصحاب النبي(صلی الله علیه و آله) ومن أخذ عنه من الرواة وهي الجواب عن سؤال مكرر، فلطالما طُرح تساؤل مفاده:
ماهي خصيصة علي وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام) في تلقيهم عن النبي(صلی الله علیه و آله)؟
فإن كانوا هم رواة عن النبي(صلی الله علیه و آله) فإن سلسلة من الصحابة كانوا يروون عنه؟
وجوابه:
إن النقل عن النبي(صلی الله علیه و آله) على نحوين: فتارة يكون نقلاَ عن بدن النبي(صلی الله علیه و آله) وتارةَ يكون نقلا عن روح النبي(صلی الله علیه و آله) ونوره، وأهل البيت(عليهما السلام)
لهم خصيصة على غيرهم في كلا النحوين، فإن نقلهم عن بدن النبي(صلی الله علیه و آله) لا يشابهه نقل أحد من الصحابة عن بدنه الشريف ضبطا ودقة وإدراكا لمحل عصمتهم، ويتجلى تميزهم وخصيصتهم بوضوح في النحو الثاني إذ لا يشاركهم أحد في النقل عن نفس النبي(صلی الله علیه و آله) وروحه ونوره وسائر طبقاته الغيبية.
ولم يدع أحد من الرواة مهما وسمت نقولاته بالصحة والمطابقة أنه كان يتلقى من هذا الباب الغيبي إلا أهل البيت(عليهما السلام)، فلم يقتصر ارتباطهم بالنبي(صلی الله علیه و آله) على الاتصال ببدنه، بل لهم ارتباط ببدنه البرزخي وارتباط بنفسه وروحه، وارتباط بنوره وطبقات ذاته.
وأحد طبقات ذوات النبي(صلی الله علیه و آله) هو ما بينه الله تعالى في سورة الشورى في قوله: (وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لاَ الْإِيمانُ وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا ) (1)(2)ففيها تصريح أن أحد أرواح النبي(صلی الله علیه و آله) هو نفس الروح الأمري، وفي المقطع الأخير تصريح بأن من (يشاء من عباده) يمسون وينالون ويتصلون ويرتبطون بذلك الروح الأمري، أي هم على دوام في الإرتباط بطبقات متعددة من ذات النبي(صلی الله علیه و آله) علاوة على ارتباطهم بالبدن الدنيوي له.2.
وعلى هذا الأساس يتبين معنى أن فاطمة(عليها السلام) محدثة، وبيانه أن القرآن صرّح بأن الروح الأمري قوة من قوى النبي(صلی الله علیه و آله) وروح من أرواحه الخادمة في ذاته، فإذا قيل أن فاطمة(عليها السلام) محدثة فمعناه أنها مرتبطه بقوة وروح من أرواحه الخادمة.
والروح الأمري المحدث لفاطمة(عليها السلام) هي الروح النازل في ليلة القدر كما ورد في نصوص الآيات والروايات، فمحدثها على هذا البيان طبقة من طبقات ذات النبي(صلی الله علیه و آله).
ولذا فعنعنة الرواة عن النبي(صلی الله علیه و آله) عنعنة بدنية فقط، بينما عنعنة علي وفاطمة والحسن والحسين والتسعة المعصومين(عليهم السلام) عن النبي(صلی الله علیه و آله) عنعنة نورية، وتسمى هذه العنعنه بالأداء والإبلاغ عن النبي(صلی الله علیه و آله) ولا تسمى نقلا عنه.
وقد صرّح بذلك الحديث القدسي الذي مر علينا سابقا: «لا يبلغ عنك إلَّا أَنْتَ أو رجل منك»(1).
فيثبت لفاطمة(عليها السلام) ببركة مقام المحدثة أنها ممن يؤدي ويبلغ عن نور وقلب النبي(صلی الله علیه و آله).
ولذا ورد في روايات مصحف فاطمة(عليها السلام) التعبير تارة بأنه إملاء
1) معاني الأخبار ، الشيخ الصدوق298
رسول الله(صلی الله علیه و آله) أي أن الذي حدثها هو رسول الله(صلی الله علیه و آله)، وتارة أنه إملاء أوحى الله به إليها، ولا تباين بين الأمرين فإن وصال واتصال فاطمة(عليها السلام) لم ينقطع برهة بالنبي(صلی الله علیه و آله) بعد رحيله البرزخي لكنه ليس وصالا بالبدن النبوي.
وبعبارة آخرى:
كان لفاطمة(عليها السلام) من الأول وقبل موت النبي(صلی الله علیه و آله) وصالان واتصالان به(صلی الله علیه و آله) أحدهما بدني والآخر نوري، وبموته وانقطاع بدنه عن الدنيا انقطع الوصال البدني الدنيوي وبقي الوصال النوري على حاله لعدم موت ورحيل طبقات نوره بموت بدنه.
والوصال الثاني قائم في كل برهة بين أهل البيت(عليهم السلام) ومنهم الإمام الثاني عشر(علیه السلام) ورسول الله(صلی الله علیه و آله) كما صورناه سابقا، وهو وصال على درجات، وصال ببدنه البرزخي ووصال بروحه ونفسه ووصال بروحه الكلية ووصال بنوره وطبقات متعددة من ذاته.
وهذا الوصال والإرتباط هو نوع تأييد واداء وإملاء من الرسول(صلی الله علیه و آله) لهم وهو مختلف بالكلية عن شبهة التناسخ التي يهلوس بها بعض الفرق الباطنية المنحرفة.
وأحد الشواهد على عظمة مقام المحدثة الثابت لفاطمة(عليها السلام) ما رواه في بصائر الدرجات عن علي بن أبي حمزة عن أبي عبد الله(علیه السلام) قال
قيل له إن عبد الله بن الحسن يزعم أنه ليس عنده من العلم الا ما عند الناس فقال:
«صدق والله ما عنده من العلم الا ما عند الناس ولكن عندنا والله الجامعة فيها الحلال والحرام وعندنا الجفر أفيدري عبد الله أمسك بعير أو مسك شاة وعندنا مصحف فاطمة اما والله ما فيه حرف من القرآن ولكنه املاء رسول الله صلى الله عليه وآله وخط علي عليه السلام كيف يصنع عبد الله إذا جائه الناس من كل فن يسألونه اما ترضون ان تكونوا يوم القيمة اخذين بحجزتنا ونحن اخذون بحجزة نبينا ونبينا اخذ بحجزة ربه»(1)وهذا يدل على هيمنتها(عليها السلام) على أولادها(عليهم السلام) وإلا فما معنى أنها تقرر الوظائف لهم غير كونها ذات هيمنة!!
فقد كانت علاوة على كونها بنت بدن النبي(صلی الله علیه و آله) هي بنت نور النبي(صلی الله علیه و آله) فلها هيمنة علمية نورية ولها ولاية أعظم من ولايتها على البشر وهي ولايتها على الأصفياء وولايتها على الأئمة الأحد عشر(عليهم السلام).
فمقام المحدثة يثبت لها ولاية الأمر لإدارة الدولة الإلهية، ولعل أحد تفاسير ما ورد: «على معرفتها دارت القرون الأولى»(2)هو دوران القرون الأولى في الدولة الالهية السابقة على معرفتها وولايتها، ولها8.
ولاية عظمى بلحاظ النشاءات الآتية.
وقد قيل إن الكثير من أهل التشرف وأهل المعنى رأوا رأي العين هيمنة فاطمة(عليها السلام) على أولادها(عليهم السلام) وكونهم تحت إمرتها، والمدار كله في الاثبات على ما قدمناه من دليل.
المطلب الأوَّل: مراسيم تسليم المصحف لفاطمة(عليها السلام)...
المطلب الثاني: العلوم المودعة فِي مصحفها...
نهج فاطمة(عليها السلام) قدوة...
المطلب الثَّالِث: إشراف فاطمة(صلی الله علیه و آله) عَلَى الإمامة الإلهية...
البعد الأول: الوساطة النورية...
البُعد الثَّانِي: الوساطة النورية تثبت الحجية...3
تحت عنوان مصحف فاطمة(عليها السلام) يقف الباحث عَلَى مطالب جليلة تصبّ كُلَّهَا فِي تقريب ما لها من مقام إلهي خطير وموقع ديني خاص، منها:
قَالَ أحد المحققين الكبار مِنْ علماء الإمامية بعد أن اطّلع عَلَى بَعْض فقرات روايات المصحف: إنَّ المصحف الشريف نزل عَلَى
فاطمة(عليها السلام) بكوكبة وهالة إلهية ملكوتية خاصة. انتهى
فلو أنَّهُ اطّلع عَلَى المقاطع الأُخرى فِي الروايات فماذا يمكنه أنْ يقول!!
إذْ الهيئة الاحتفالية والكوكبة الإلهية حين نزول الوحي الإلهي عليها(عليها السلام) نادراً ما نجدها فِي الأنبياء أولي العزم إلَّا سَيِّد الأنبياء(صلی الله علیه و آله).
فتذكر في تسليم المصحف لفاطمة(عليها السلام) ما لَمْ يذكر فِي نزول الوحي عَلَى الأنبياء، فَقَدْ أنزل عَلَيْهَا المصحف فِي ليلة الجمعة في الثلث الثالث من الليل وكان النزول بأمر من الله تعالى وبتوسط جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، وَهُوَ أمر غريب ونادر، إذْ غالباً ما كَانَ نزول الوحي عَلَى سَيِّد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) بتوسط نزول جبرائيل وفي بعض الحالات النادرة بتوسط إسرافيل أو بالوحي الذي هو أعظم من ذلك إذا لم يكن بين الله وبين سيد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) وسيط مِنْ الملائكة.
والملك الذي كان نزوله للتوسّط فِي الوحي عَلَى رَسُوُل الله(صلی الله علیه و آله) نادراً وَهُوَ إسرافيل كَانَ هُوَ مِنْ وسائط إنزال المصحف الشريف عَلَى فاطمة(عليها السلام).
ويخطأ مِنْ يظن أنَّ مقامات الملائكة عَلَى مستوى موحَّد، بَلْ الروايات بينت أنهم عَلَى طبقات، فَإنَّ إسرافيل فِي وصف الروايات ذا
شأن عظيم بحيث أنَّ جبرائيل بالنسبة إليه كعصفور فِي بحر، بَلْ كان يتخوّف ويذعر مِنْ قدرة إسرافيل وقوته ذعراً شديداً بحيث يلوذ بسيد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) هَذَا مع ما وَرَدَ فِي الروايات مِنْ وصف جبرائيل بذي القوة المتين بحيث يقلب قرى قوم لوط بطرفٍ مِنْ جناحه.
فقد روى في تفسير القمي عن جابر عن أبي جعفر(علیه السلام) قال: بينا رسول الله (صلی الله علیه و آله) جالس وعنده جبرئيل إذ حانت من جبرئيل(علیه السلام) نظرة قبل السماء فامتقع لونه حتى صار كأنه كركمة ثم لاذ برسول الله(صلی الله علیه و آله).
فنظر رسول الله إلى حيث نظر جبرئيل فإذا شئ قد ملا ما بين الخافقين مقبلا حتى كان كقاب من الأرض ثم قال:
يا محمد إني رسول الله إليك أخبرك أن تكون ملكا رسولا أحب إليك أو تكون عبدا رسولا.
فالتفت رسول الله(صلی الله علیه و آله) إلى جبرئيل وقد رجع إليه لونه.
فقال جبرئيل: بل كن عبدا رسولا.
فقال رسول الله(صلی الله علیه و آله): بل أكون عبدا رسولا، فرفع الملك رجله اليمنى فوضعها في كبد السماء الدنيا ثم رفع الأخرى فوضعها في الثانية ثم رفع اليمنى فوضعها في الثالثة ثم هكذا حتى انتهى إلى السماء السابعة كل سماء خطوة وكلما ارتفع صغر حتى صار آخر ذلك مثل
الذر - الصر ( ك ).
فالتفت رسول الله(صلی الله علیه و آله)إلى جبرئيل فقال: لقد رأيتك ذعرا وما رأيت شيئا كان أذعر لي من تغير لونك.
فقال: يا نبي الله لا تلمني أتدري من هذا ؟
قال: لا، قال: هذا إسرافيل حاجب الرب ولم ينزل من مكانه منذ خلق الله السماوات والأرض، فلما رأيته منحطا ظننت انه جاء بقيام الساعة، فكان الذي رأيت من تغير لوني لذلك، فلما رأيت ما اصطفاك الله به رجع إلي لوني ونفسي أما رأيته كلما ارتفع صغر انه ليس شيء يدنو من الرب إلا صغر لعظمته، ان هذا حاجب الرب وأقرب خلق الله منه واللوح بين عينيه من ياقوتة حمراء فإذا تكلم الرب تبارك وتعالى بالوحي ضرب اللوح جبينه فنظر فيه ثم يلقيه الينا فنسعى به في السماوات والأرض انه لأدنى خلق الرحمن منه وبينه وبينه سبعون حجابا من نور تقطع دونها الابصار ما لا يعد ولا يوصف واني لأقرب الخلق منه وبيني وبينه مسيرة الف عام)(1)
ومنها أنه سيد الملائكة فقد روى في شرح الاخبار عن النبي: النبي: ما خلق الله عز وجل شيئا إلا جعل له سيدا ، فالنسر سيد الطيور والثور سيد البهائم والأسد سيد السباع وإسرافيل سيد الملائكة ويوم الجمعة سيد الأيام وشهر رمضان سيد الشهور وأنا سيد الأنبياء وعلي سيد الأوصياء. شرح الأخبار، القاضي النعمان المغربي223/1.
.1.1) تفسير القمي، القمي2/ 28. بحار الانوار عنه. كتاب العرش، محمد بن عثمان ابن أبي شيبه/88 مع اختلاف يسير. ويدل على علو مقام إسرافيل على جبرائيل عدة شواهد منها ما ورد في روايات كثيرة أن جبرئيل يحدث عن اسرافيل وأسرافيل عن الله أو عن اللوح ومثاله ما رواه في معاني الأخبار بسنده عن علي بن موسى الرضا عن آبائه عن النبي ، عن جبرئيل ، عن ميكائيل، عن إسرافيل، عن اللوح، عن القلم، قال: يقول الله تبارك وتعالى: «ولاية علي بن أبي طالب - صلوات الله عَلَيْهِ - حصني، فمن دخل حصني أمن ناري». معاني الأخبار، الصدوق/371.
وإذا كان جبرائيل مَعَ ما لَهُ مِنْ مقام هُوَ الذي كَانَ ينزل عَلَى مريم فَإنَّ إسرافيل كَانَ مِنْ جملة مِنْ ينزل عَلَى فاطمة(عليها السلام) فِي حالة خاصّة وطقوس ملكوتية واحتفالية إلهية، وَهُوَ ما لَمْ يعهد فِي أحد مِنْ الأئمة(عليهم السلام) حسب بياناتهم، هَذَا بالالتفات إلى أنَّ تلك الهالة الملكوتية ليست تشريفات شكلية إذْ أنَّ كُلّ شيء عِنْدَ الله بقدر وميزان.
ومما تَدُلُّ عَلَيْهِ تلك المراسيم بدقائقها ما لدى فاطمة(عليها السلام) مِنْ قدرة وأهليّة عَلَى تحمل نزول الوحي الإلهي، إذْ أنَّ نزول الوحي بكيفياته المختلفة يتطلب مِنْ متلقيه قدرة اصطفائية خاصة، فَهُوَ مما لا يمكن حتى للشياطين مَعَ ما لها مِنْ نفوذ بإذن الله أنْ تدخل فيه، إذْ يرافقه حصانة خاصة ليصل لمتلقيه كَمَا أراده الله؛ ولذا يتطلب قدرة خاصة وأهليّة استثنائية.
فما كَانَ مِنْ قدرة للنبي موسى(علیه السلام) لتحمل نزول وتنزل التوراة وما كَانَ لعيسى(عليها السلام) مِنْ أهلية لتلقي الإنجيل وما كَانَ مِنْ قابلية لدى سَيِّد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) لتلقي القُرآن، كُلّ ذَلِكَ زوّدت به فاطمة(عليها السلام).
ومما وَرَدَ فِي روايات مصحفها أنَّ فيه خبر ما كَانَ وما يكون، وخبر كُلّ سماء فسماء.
ولكي نقف عَلَى سعة هَذَا العلم وعظمته لابُدَّ أنَّ نستعلم مِنْ الروايات عدد السموات وأصنافها، فَقَدْ نظن أنَّ عدد السموات محصور فِي سبع، فَهَلْ هُوَ كَذَلِكَ فحسب؟
إنَّ ما تشير إليه الروايات هُوَ وجود آلاف وآلاف مِنْ السموات السَّبع، فَإنَّ ما يطلق عَلَيْهِ سبع سموات عادة هُوَ بحسب بيانات الوحي ما فِي العالم الجسماني وَإلَّا فَهِيَ فيما لا يتناهى مِنْ الجسم اللطيف الذي فوق السموات السَّبع، إذَا ثمة جبال مِنْ بردي وماء الذهب وغيرها، فالعوالم الجسمانية فوق بعضها البعض، وما هُوَ فوق لا يقاس لما هُوَ دون.
وَمِنْهُ ندرك ما معنى أنَّ تعطي فاطمة(عليها السلام) خبر كُلّ سماء فسماء، فليس المعنى أنَّها أعطيت خبر سبع سموات إذْ عدد السموات غَيْر معلوم لدينا.
ولذلك انذهل أبو بصير حين سمع كلام الإمام الصَّادِق(علیه السلام)، وَقَالَ متسائلاً هَلْ كُلّ هَذَا العلم فِي المصحف؟ فَقَالَ ويحك هَذَا فِي ورقتين مِنْ المصحف.
ومما وَرَدَ أيضاً أنَّ مِنْ علوم مصحفها خبر الحكومات فِي كُلّ الأرْض وخبر كُلّ ملوكها وحكّامها.
ففي مصححة أبي بصير في دلائل الامامة وقد رواها عن أعلام زعماء الإمامية قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي(علیه السلام) عن مصحف فاطمة(عليها السلام) فقال: انزل عليها بعد موت أبيها.
فقلت: ففيه شيء من القرآن؟ قال: ما فيه شيء من القرآن.
قال: قلت: فصفه لي، قال: له دفتان من زبرجدتين على طول الورق وعرضه حمراوين .
قلت له: جعلت فداك صف لي ورقه، قال: ورقه من در أبيض قيل له: ( كن ) فكان .
قلت: جعلت فداك، فما فيه؟
قال: فيه خبر ما كان، وخبر ما يكون إلى يوم القيامة، وفيه خبر سماء سماء، وعدد ما في سماء سماء من الملائكة، وغير ذلك، وعدد كل من خلق الله مرسلا وغير مرسل، وأسماؤهم، وأسماء الذين أرسلوا إليهم، وأسماء من كذب ومن أجاب منهم، وفيه أسماء جميع من خلق الله من المؤمنين والكافرين، من الأولين والآخرين، وأسماء البلدان، وصفة كل بلد في شرق الأرض وغربها، وعدد ما فيها من المؤمنين، وعدد ما فيها من الكافرين، وصفة كل من كذب، وصفة القرون
الأولى وقصصهم، ومن ولي من الطواغيت ومدة ملكهم وعددهم، وفيه أسماء الأئمة وصفتهم، وما يملك واحدا واحدا، وفيه صفة كراتهم، وفيه صفة جميع من تردد في الأدوار من الأولين والآخرين.
قال: قلت: جعلت فداك وكم الأدوار؟ قال: خمسون ألف عام، وهي سبعة أدوار، وفيه أسماء جميع من خلق الله من الأولين والآخرين وآجالهم، وصفة أهل الجنة، وعدد من يدخلها، وعدد من يدخل النار، وأسماء هؤلاء وأسماء هؤلاء، وفيه علم القرآن كما أنزل، وعلم التوراة كما أنزلت، وعلم الإنجيل والزبور، وعدد كل شجرة ومدرة في جميع البلاد.
قال أبو جعفر(علیه السلام): فلما أراد الله تعالى أن ينزله عليها، أمر جبرئيل وميكائيل وإسرافيل أن يحملوا المصحف فينزلوا به عليها، وذلك في ليلة الجمعة من الثلث الثاني من الليل، هبطوا به عليها وهي قائمة تصلي، فما زالوا قياما حتى قعدت، فلما فرغت من صلاتها سلموا عليها، وقالوا لها: السلام يقرئك السلام، ووضعوا المصحف في حجرها.
فقالت لهم: الله السلام، ومنه السلام، وإليه السلام، وعليكم يا رسل الله السلام، ثم عرجوا إلى السماء، فما زالت من بعد صلاة الفجر إلى زوال الشمس تقرأه، حتى أتت على آخره .
ولقد كانت طاعتها مفروضة على جميع من خلق الله من الجن والإنس، والطير والبهائم، والأنبياء والملائكة.
فقلت: جعلت فداك فلما مضت إلى من صار ذلك المصحف؟ فقال: دفعته إلى أمير المؤمنين(علیه السلام)، فلما مضى صار إلى الحسن، ثم إلى الحسين، ثم عند أهله حتى يدفعوه إلى صاحب هذا الأمر .
فقلت: إن هذا العلم كثير!
فقال: يا أبا محمد، إن هذا الذي وصفته لك لفي ورقتين من أوله، وما وصفت لك بعد ما في الورقة الثالثة، ولا تكلمت بحرف منه»(1).
وَهَذَا يثير السُّؤال عَنْ صلة فاطمة(عليها السلام) بِهَذَا الصنف مِنْ الأخبار والعلوم.
فلم يطلع الله تَعَالَى فاطمة(عليها السلام) عَلَى ملوك الأرْض وملفات حكوماتها، وما شأن فاطمة(عليها السلام) بذلك، وما هَذَا الملف السياسي الذي يكشف لفاطمة(عليها السلام)؟.
ألا يَدُلّ ذَلِكَ عَلَى ما لها مِنْ شأن فِي مثل تلك الموضوعات والأحداث؟
وألا يَدُلّ عَلَى كونها مسؤولة مِنْ المسؤولين الكبار فِي الدولة الإلهية وفي الملكوت الإلهي فِي الظاهر والباطن؟6.
1) دلائل الإمامة ، محمد بن جرير الطبري ( الشيعي ) 104 ، 106.
وكيف يعزى لها كُلّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يكن لها ولاية عظمى عَلَى العوالم المختلفة؟
وأعظم مِنْ ذَلِكَ ما وَرَدَ فِي الروايات مِنْ خبر اللوح الأخضر، والذي لَمْ يودع فيه علم حكّام الأرْض بَلْ ضمّن علم حكّام الدولة الإلهية وأسماء الأئمة الاثني عشر، ذَلِكَ اللوح عِنْدَمَا ينزله الله عَلَى الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) يخصّه بفاطمة(عليها السلام)، أيّ أنَّ علم دولة الإمامة الإلهية واقع تحت إشراف فاطمة، فَأيّ ولاية لها، وَأيّ موقع صدارة خصّت بها.
فقد روى في الإمامة والتبصرة عن أبي بصير عن أبي عبد الله(علیه السلام) قال: قال أبي(علیه السلام) لجابر بن عبد الله الأنصاري: إن لي إليك حاجة، فمتى يخف عليك أن أخلو بك فأسألك عنها ؟
فقال له جابر: في أي الأوقات شئت، فخلى به أبو جعفر(علیه السلام)، قال له: يا جابر، أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد أمي فاطمة بنت رسول الله(صلی الله علیه و آله) وما أخبرتك به أنه في ذلك اللوح مكتوبا، فقال جابر: أشهد بالله، أني دخلت على أمك فاطمة(عليها السلام) في حياة رسول الله(صلی الله علیه و آله) أهنئها بولادة الحسين(علیه السلام)، فرأيت في يدها لوحا أخضر، ظننت أنه من زمرد، ورأيت فيه كتابة بيضاء شبيهة بنور الشمس، فقلت لها: بأبي أنت وأمي يا بنت رسول الله ما هذا اللوح ؟
فقالت: هذا اللوح أهداه الله عز وجل إلى رسوله(صلی الله علیه و آله) فيه اسم
أبي، واسم بعلي، واسم ابني، وأسماء الأوصياء من ولدي، فأعطانيه أبي ليسرني بذلك»(1).
ولو أردنا تعميق هَذَا المطلب وبيان دورها وتأثيرها فِي سلسلة الحكّام فِي الأرْض فَلابُدَّ أنْ نطرح هَذِهِ المقدمة، وهي:
إنَّ سلسلة الأحداث فِي الأرْض ليست جبراً عَلَى البشر كَمَا أنَّها غَيْر مفوّضة لهم، وَإنَّما هِيَ جارية عَلَى وفق نظام الأمر بين الأمرين.
إذْ أن هَذَا النظام كَمَا هُوَ حاكم عَلَى صعيد الفِعْل الفردي إذْ لا جبر ولا تفويض فِي فعل الإنسان الواحد، كَذَلِكَ هُوَ حاكم عَلَى الفِعْل الاجتماعي بنفس المقدار.
فلا تفويض للبشر فِي صنع وبلورة وصياغة أحداث الأرْض كَمَا أنَّهُ لا جبر ولا إلزام مِنْ طرف الله تَعَالَى، أي أنَّ لله فعلاً ودوراً وللبشر فعلاً ودوراً، فَمِنْ جانب البشر فعلهم هُوَ الإعداد لاتّجاهات الحدث وَمِنْ جانب الله يكون دور العطاء غَيْر المحظور.
وَعَلَى هَذَا الأساس فلا يظن أنْ أمر الحكومات فِي الأرْض موكول فَقَطْ وَفَقَطْ لإرادة البشر، بَلْ مِنْ الحتمي أن لقضاء الله وقدره تأثيرا.
والسُّؤال: مَنْ هُوَ الذي ولّاه الله تقدير أمر الحكّام فِي الأرْض؟1.
1) الإمامة والتبصرة، علي ابن بابويه القمي 103 ، 109. الامالي، الطوسي/ 291.
أو قل مَنْ هُوَ المخلوق الذي يتجلّى فيه فعل الله المبيّن فِي قاعدة «لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين»؟
وَجوابه: إنَّ ما وَرَدَ فِي روايات المصحف مِنْ كون فاطمة(عليها السلام) معنيّة بأمر مَنْ يملك فِي الأرْض وَمَنْ يحكم فيها سواء فِي الزمن الذي تكون فيه فاطمة(عليها السلام) عَلَى قيد الحياة أو بعده فيه إشارات إلى عموم ولايتها، وأنَّ لها مسؤولية إلهية مستمرة بلا توقّف.
ومعنى أنَّ فاطمة(عليها السلام) تجلّي لفعل الله فِي سلسلة الأحداث عَلَى المستوى الفردي والمستوى الاجتماعي لَيْسَ هُوَ الحتم والجبر وَإنَّها مسؤولة عَنْ تسيير الأحداث بقالب جبري، بل هِيَ معنيّة ومسؤولة عَنْ حتم الأحداث مَعَ اشتمالها عَلَى البداء وبقاء مسؤولية البشر.
وبعبارة أُخرى:
إنَّ الله تَعَالَى لَمْ يخلق الكون ثمَّ اعتزل عَنْ مملكته وترك الأُمُور عَلَى عواهنها ففوض أمر الأفراد للأفراد، وأمر المجتمعات للإرادة الجمعيّة!!
وَإنَّما لله إرادة وفعل فِي كُلّ حدث، والمعني بالجانب الإلهي فِي أفعال البشر هُوَ فاطمة(عليها السلام).
حَيْثُ لَمْ يُعط أحدا مسؤولية الاطّلاع عَلَى مَنْ سيتقلّد الحكم والملك فِي الأرْض سواء كَانَ مِنْ المسلمين أو غيرهم إلَّا فاطمة(عليها السلام).
وَعَلَى هَذَا الأساس نتلمس التطابق والتشاهد بين المفاد الروائي الوارد فِي مصحفها وبين ما سيأتي مِنْ شهادة القُرآن لها بولاية أحوال الأرْض فِي قوله تَعَالَى: (ما أَفاءَ اللّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَ اتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ )(1). (2)
وبَعْدَ كل ما بين مِنْ أدوار ومسؤوليات لفاطمة(عليها السلام) مِنْ حقنا أنَّ نستغرب مِنْ سيرة الكثير مِنْ المسلمين الَّذِيْنَ يبنون عَلَى الاستغاثة والتوسل بأهل البيت(عليهم السلام) أو صحابة الرَّسُول(صلی الله علیه و آله) لكنّهم يهجرون التوسل علماً وجهلاً بمنهاج فاطمة(عليها السلام) رغم أنَّ منهاجها غوث وغياث فِي القرب مِنْ الله، فَلَيْسَت الزفى محصورة فِي التحبب لأهل البيت(عليهم السلام) وإنْ كَانَ حبهم مِنْ أعظم الزلفى، لكنَّ أحد أسباب التقرب والقرب إلى الله هو المثابرة فِي فهم نهج فاطمة(عليها السلام) وأدوارها بَعْدَ أبيها إلى جنب أدوار أمير المُؤْمِنِين(علیه السلام).
فَقَدْ كَانَ مِنْ منهجها أنَّها استنهضت الأنصار عسكرياً فِي خطبتها لتثور ضد المستولي الأوَّل، وَلَمْ يجرؤ بحضرتها(عليها السلام) أنْ يُبدي أيّ
اعتراض، وهكذا سائر أركان السقيفة لَمْ يجرؤا أمام مرأى المسلمين أنْ يبدوا صوت اعتراض عَلَى منطق فاطمة(عليها السلام).
وإنْ دلّ ذَلِكَ عَلَى شيء فَهُوَ يَدُلّ عَلَى ارتكاز لدى المسلمين والصحابة بثبوت صلاحيات لفاطمة(عليها السلام) وموقع إلهي فِي المسؤولية عَنْ ملوك وحكّام الأرْض.
كَمَا أنَّها أفصحت عَنْ دور المُؤْمِنِين والمجتمع الإيماني فِي تغيير الحكومات والأحداث بمقتضى قاعدة «لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين».
وستظل الحقيقة الكاملة فيما يخص معارف الدِّين وأحداث الصراع الأوَّل ضائعة وخفيّة ما لَمْ يسترجع الباحثون البحث المركّز فِي منهاج فاطمة(عليها السلام).
إذْ أنَّهُ لولا موقفها لما وصلت الحقيقة الكاملة للأجيال، فَقَدْ كَانَ دورها نبراساً لأساس الدِّين ومنهاجاً لإصلاح ما فسد مِنْ أُمُور المسلمين.
مِنْ أعظم ما وَرَدَ فِي مقام بيان الولاية الكبرى لفاطمة(عليها السلام) ما في المأثور: «ما تكاملت النبوة لنبي حتى أقر بفضلها ومحبتها » (1).
1) مجمع النورين، أبو الحسن المرندي/40 عن السيد في مدينة المعاجز، ويشهد له ما رواه في بصائر الدرجات بسند عال عن حذيفة بن أسعد قال قال رسول الله: «ما تكاملت النبوة لنبي في الأظلة حتى عرضت عليه ولايتي وولاية أهل بيتي ومثلوا له فأقروا بطاعتهم وولايتهم» . 93.
ويمكن أنْ نُعبِّر عَنْ مفاد هَذِهِ الرِّوَايَة بإشراف فاطمة(عليها السلام) عَلَى النبوة ومقام الإمامة الإلهية فما مِنْ صاحب مقام - عدا سَيِّد الأنبياء - إلَّا وَهُوَ واقع تحت إشرافها ومباركتها لمقامه.
وما نحن بصدد الحديث عنه وَهُوَ مصحف فاطمة(عليها السلام) بيان بيَّن لما لها مِنْ إشراف عَلَى الإمامة الإلهية وَمِنْ أكثر مِنْ بَعْدَ.
مِنْ أجلى المعارف الَّتِي أفصحت عنها روايات المصحف هِيَ كونه(عليها السلام) مِنْ مصادر علوم أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، وبذلك يثبت لها(عليها السلام) بالنسبة لأولادها دور المعلِّم الإلهي، أيّ مقام الوسيط بين الغيب والأئمة فِي تلقي العلوم الخاصّة.
أي أنَّ علوم المصحف لَمْ تتلقاها فاطمة(عليها السلام) مِنْ تعليم الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) مِنْ خلال نطقه وتلفّظه، وَهَذَا لا يعني أنَّ ثمة علم يُتلقى مِنْ غَيْر وساطة الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله)، ولو افترض أنَّ سنخاً مِنْ العلم لَمْ يتوسّط الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) فيه لنُزعت عنه صفة الحجية والوحيانبة.
وَعَلَى هَذَا الأساس تكون وساطة الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) فِي وصول علوم المصحف لفاطمة(عليها السلام) وساطة روحيّة نورية، وَهَذَا معنى ما قلناه مِنْ
أنَّها لَمْ تتلقَ العلم اللّدني الإلهي مِنْ شفتي الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) بينما تلقته مِنْ روح الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله).
وَهَذِهِ قاعدة معرفية عامة مفادها أنَّ كُلّ واحد مِنْ أئمة أهل البيت(عليهم السلام) وإنْ لَمْ يلتقِ بجسد الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) ويسمع مِنْ شفتيه المباركتين إلَّا أنَّهُ يتلقى العلوم مِنْ نور الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) بَلْ هُمْ عَلَى اتّصال دائم بطبقة نوره.
وَقَدْ مَرَّ بيان هذا السنخ مِنْ الاتّصال عِنْدَ الكلام حول الحديث القدسي فِي تبليغ سورة البراءة.
وعلى هذا الأساس يثبت لها وساطة فيما بين الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) والأئمة(عليهم السلام) نظير الوساطة النورية للنبي(صلی الله علیه و آله) بين الله والأئمة، فَهِيَ وسيط علمي لهم بما توسطت فيه مِنْ علوم المصحف، بل هِيَ دائمة الوساطة حَتّى وَهِيَ فِي عالم برزخها.
وبتصور هَذِهِ الوساطة العلمية يتبيَّن نحو مِنْ إشراف فاطمة(عليها السلام) عَلَى مقام الإمامة الإلهية.
مِنْ الخطأ أنْ تفهم الوساطة العلمية فِي سنخها النوري عَلَى أنَّها مجرَّد نقل للعلوم مِنْ الأصل إلى الفرع كنقل علوم العالم للمتعلمين عبر الكتب المؤلفة، بَلْ الصحيح أنَّ للواسطة العلمية الإلهية مقاما أعلى
وأشرف مِنْ مقام المتلقين عنها، ولأجل ذَلِكَ جعلت واسطة، وَهَذَا ما يَدُلّ على أنَّ إيمان المؤمن لا يَتِمُّ بالاعتقاد بإمامة الأئمة الإلهيين مقطوعاً عَنْ الإقرار لفاطمة(عليها السلام) بالحجيّة.
وبذلك يثبت حجيتها(عليها السلام) بدليل مصحفها وما فيه مِنْ علوم، ويثبت أنَّها صاحبة مقام ملكوتي أعلى، وَهُوَ معنى إشرافها عَلَى الإمامة الإلهية.
فإنْ قَالَ قائل:
إنَّها لَمْ تكن إماماً ولا قائداً عسكرياً، فكيف يثبت لها إشراف حقيقي ومقامي عَلَى الإمامة الإلهية؟
وجوابه: إنَّ المقامات التنفيذية والعسكرية شيء وأهلية الأمانة عَلَى الوحي ومعارفه شيء آخر، فَكَمَا أنَّ جبرائيل قَدْ ثبت لَهُ مقام الأمين عَلَى الوحي ويجب الاعتقاد لَهُ بذلك مِنْ غَيْر أنْ يكون قائداً عسكرياً ولا ذا إمامة تنفيذية فكذلك لفاطمة(عليها السلام) إشراف عَلَى الإمامة الإلهية لما لها مِنْ أهلية الأمانة عَلَى الوحي، أيّ أمانة مِنْ سنخ عالم النُّور.
وَقَدْ مَرَّ بنا سابقاً أنَّهُ لَيْسَ مِنْ الضروري فِي الحجج وتمييز مراتبها أنْ يكون لها تماس مباشر بالبشر، فَإنَّ بَعْض الحجج ممن ثبتت لهم مقامات عظيمة هِيَ ثابتة لهم بما لهم مِنْ إدارة وتدبير فِي دائرة
المصطفين، وبما لهم مِنْ إشراف فِي ضمن حلقة الحجج الإلهية.
ومما يشير ويُؤكِّد عَلَى موقع إشراف لفاطمة(عليها السلام) ما وَرَدَ فِي روايات الخمس تحت قوله تَعَالَى: ( (وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ إِنْ )(1). (2)
فَإنَّ بين القربى وَهُمْ (الحسن والحسين والتسعة المعصومين) وبين رَسُوُل الله(صلی الله علیه و آله) همزة وصل ببركتها يرث الحسنان(عليهما السلام) ويرث التسعة المعصومون(عليهم السلام) مِنْ رَسُوُل الله(صلی الله علیه و آله)، أيّ أنَّ الوراثة تمر بحلقة واصلة، فَلَمْ يثبت للأئمة(عليهم السلام) ولاية عَلَى الخمس وَلَمْ تسند لهم ولاية الفيء إلَّا عبر الوساطة والوراثة مِنْ فاطمة(عليها السلام)، فَكُلّ واحد مِنْ الأئمة المعصومين(عليهم السلام) حَتّى آخرهم وَهُوَ الحجة المهدي(علیه السلام) إنَّما هُوَ الآن في كنف ولاية جدته فاطمة(عليها السلام) وينفّذ ما يكون فِي دائرة آمريتها.
وهذه المضامين بألفاظ مُتعدّدة قَدْ قُرِّرت فِي الروايات الشريفة.
وإنْ سألت عَنْ مقام علي(عليها السلام)، فمقامه فِي التوسّط فِي الوراثة مقام الشراكة مَعَ الزهراء(عليها السلام).1.
*كلام المجلسي في هذا المقام.
*النقطة الأولى: فاطمة(عليها السلام) ثالثة الحجج....
*النقطة الثانية: البيت بيت الرُّوُح.
*النقطة الثالثة: الارتباط بين أرواحهم والعرش.
*النقطة الرابعة: ارتباطهم بالعرش معراج.
*النقطة الخامسة: امتداد صرح بيوت أرواحهم....
قد ورد في روايات متعددة تصريحا وتلويحا أن فاطمة(عليها السلام) هي ليلة القدر، أو أنها روح القدس، وغير ذلك من الأوصاف التي تشير إلى أنها واسطة فيض علمي للائمة من ذريتها(عليها السلام).
ولا يخفى أن تنزل الملائكة ورح القدس لا يقتصر على ليلة في شهر رمضان، بل قد ورد أنه في كل ليلة جمعة، بل في كل ساعة بعد ساعة يتنزل الأمر.
وقد ورد عن الصادق(علیه السلام) في صحيحة أبي بصير:
«أن هذا العلم هو أعظم علومهم وأنه أعظم من علمهم بالجامعة وعلمهم بالجفر ومن علمهم بالف باب يفتح منه الف باب ومن علمهم بمصحف فاطمة»(1).
فهذا العلم وإن كان أعظم من علمهم بمصحف فاطمة(عليها السلام) إلا أنه في هذه الرواية بيان أن هذا العلم هو الآخر يستفيضه الائمة من ذريتها بواسطتها(عليها السلام)، مع أن علمهم بمصحف فاطمة(عليها السلام) قد جعل في هذه الصحيحة أعظم من العلم الذي علمه رسول الله(صلی الله علیه و آله) لعلي(علیه السلام) الذي هو ألف باب يفتح من كل باب ألف باب، وأعظم من علم الجامعة الذي هو املاء رسول الله(صلی الله علیه و آله) وخط علي(علیه السلام)، وأعظم من علم الجفر الذي فيه علم كل النبيين وكل الأوصياء من الأمم السابقة بل كل علم علماء الماضين .
والعمدة أن هذا المقام من كونها ليلة القدر جعل في صحيحة أبي بصير أعظم من مقامها(عليها السلام) في تلقي المصحف ووساطتها لعلم الائمة(عليهم السلام) بتوسط مصحفها.
ويشير إلى ذلك عدة روايات:
1) الكافي، الشيخ الكليني 1 / 239.
عبد الله (علیه السلام) أنه قال: (إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) (1)الليلة فاطمة والقدر الله فمن عرف فاطمة حق معرفتها فقد أدرك ليلة القدر، وإما سميت فاطمة لان الخلق فطموا عن معرفتها وقوله: ( وَ ما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ(2)لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ(3) ) (2)يعني خير من ألف مؤمن وهي أم المؤمنين.
( تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِيها ) (3)والملائكة المؤمنون الذين يملكون علم آل محمد (صلی الله علیه و آله) والروح القدس هي فاطمة (عليها السلام) (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ(4)سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ(5) (4)يعني حتى يخرج القائم (عج)(5).
قال: لا توصف قدرة الله إلا أنه قال (فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ) (6)فكيف يكون حكيما إلا ما فرق، ولا توصف قدرة الله سبحانه، لأنه يحدث ما يشاء .
وأما قوله ( لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) (7)يعني فاطمة (عليها السلام)،وقوله ( تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِيها ) (8)والملائكة في هذا الموضع المؤمنون الذين يملكون علم آل محمد (صلی الله علیه و آله) والروح روح القدس وهو في فاطمة (عليها السلام) (مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ ) (9)يقول: من كل أمر مسلمة) (حَتّى (10)2.
مَطْلَعِ الْفَجْرِ) (1)حتى يقوم القائم (علیه السلام)(2).
ومفاد الروايتين على تأويل الآية الكريمة بنمط من التأويل أخفى مما ورد في بقية الروايات فقوله(علیه السلام) في الروايتين: (والملائكة في هذا الموضع المؤمنون الذين يملكون علم آل محمد(عليهم السلام) لعل ظاهره الائمة من آل محمد(عليهم السلام) إذ أحد العناوين التي أشار بها القرآن لأئمة أهل البيت(عليهم السلام) في القرآن هو عنوان (المؤمنون) كما أشارت إليه جملة من الروايات في عدة مواضع من السور القرآنية.
فعن يعقوب بن شعيب قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن قول الله عز وجل: (وَ قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ ) (3)قال: هم الأئمة»(4).
وعن عبد الله بن أبان الزيات وكان مكينا عند الرضا(علیه السلام) قال: قلت للرضا(علیه السلام): ادع الله لي ولأهل بيتي فقال: أو لست أفعل ؟ والله إن أعمالكم لتعرض علي في كل يوم وليلة، قال: فاستعظمت ذلك، فقال لي: أما تقرء كتاب الله عز وجل: ( وَ قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ ) (5)
؟قال: هو والله علي بن أبي طالب(علیه السلام)(6).9.
وعلى ضوء ذلك فتكون نسبة مقام فاطمة(عليها السلام) مع الائمة من ولدها نسبة الروح إلى الملائكة، وقد ورد أن الفارق بين الروح والملائكة أي روح القدس وجبرائيل(علیه السلام) وأخوته من الملائكة المقربين هو فارق شاسع جدا في القدرة والعلم والشأن.
فإذا كان تأويل الآية بارادة فاطمة(عليها السلام) من الروح وارادة الائمة(عليهم السلام) من الملائكة فهذا يبين الفارق بين مقامها(عليها السلام) ومقام الائمة من ولدها(عليهم السلام) .
فهي(عليها السلام) تكون بمثابة الأم لهم أي الأصل النوري والمرجع والمآل لهم، وأنهم منها انشعبوا ومنها اشتقوا، وأنها المحكم والأمومة المحكمة لتفصيل أنوارهم وعلومهم وهداياتهم.
وهذا مطابق لما ورد في القرآن وروايات الفريقين من أنها وعلي(عليهما السلام) البحران الذان يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان من أئمة أهل البيت(عليهم السلام).
ويعاضد هذا الاحتمال في استظهار الائمة من أهل البيت(عليهم السلام) أن الامامة قد ورد التعبير عنها بالملك في القرآن الكريم في موارد عديدة، كما في قوله تعالى: ( أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً ) (1)(2)و4.
ملك العلم هو ملك القدرة والولاية.
وقوله تعالى: ( وَ ما جَعَلْنا أَصْحابَ النّارِ إِلاّ مَلائِكَةً ) (1). (2)
قال: فالنار هو القائم (علیه السلام) الذي قد أنار ضوءه وخروجه لأهل الشرق والغرب .
و «الملائكة» هم الذين يملكون علم آل محمد (صلی الله علیه و آله) (3).
وعلى ضوء هذه الاحتمال في الرواية يحتمل كون المراد من المؤمنين هم الشيعة الحواريون لأهل البيت(عليهم السلام) نظير أصحاب القائم .
بل يقوى احتمال كونهم ائمة أهل البيت(عليهم السلام)، وأصحاب القائم(علیه السلام) شركاؤه في امامة أهل البيت(عليهم السلام) من بقية الائمة، كما ورد التعبير في الحديث النبوي عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) فقد روى في بصائر الدرجات عن جعفر عن أبيه(عليهما السلام) أن رسول الله(صلی الله علیه و آله) قال: ما وجدتم في كتاب الله فالعمل به لازم لا عذر لكم في تركه وما لم يكن في كتاب الله وكانت فيه سنة منى فلا عذر لكم في ترك سنتي، وما لم يكن فيه سنة منى فما قال أصحابي فخذوه، فإنما مثل أصحابي فيكم كمثل النجوم فبأيها اخذ اهتدى وبأي أقاويل أصحابي أخذتم اهتديتم،د.
واختلاف أصحابي لكم رحمة قيل: يا رسول الله (صلی الله علیه و آله) ومن أصحابك قال أهل بيتي»(1).
وعلى كلا التقديرين فيظهر لها(عليها السلام) الشأن والمقام والهيمنة في الولاية على تدبير الأمور.
قال المجلسي(ره) في شرح الرواية الأولى:
وأما تأويله(علیه السلام) ليلة القدر بفاطمة(عليها السلام) فهذا بطن من بطون الآية، وتشبيهها بالليلة إما لسترها وعفافها، أو لما يغشاها من ظلمات الظلم والجور.
وتأويل الفجر بقيام القائم بالثاني أنسب فإنه عند ذلك يسفر الحق وتنجلي عنهم ظلمات الجور والظلم، وعن أبصار الناس أغشية الشبه فيهم، ويحتمل أن يكون طلوع الفجر إشارة إلى طلوع الفجر من جهة المغرب الذي هو من علامات ظهوره.
والمراد بالمؤمنون الأئمة(عليهم السلام) وبيّن (علیه السلام) أنهم إنما سموا ملائكة لأنهم يملكون علم آل محمد(عليهم السلام) ويحفظونها ونزولهم فيها كناية عن حصولهم منها موافقا لما ورد في تأويل آية سورة الدخان أن الكتاب
1) بصائر الدرجات، الصفار: 31.
المبين أمير المؤمنين(علیه السلام) والليلة المباركة فاطمة(عليها السلام) وفيها يفرق كل أمر حكيم» أي حكيم بعد حكيم وإمام بعد إمام .
وقوله: (مِنْ كُلِّ أَمْرٍ(4)سَلامٌ هِيَ) (1)على هذا التأويل هي مبتدأ، وسلام خبره، أي ذات سلامة، ومن كل أمر متعلق بسلام، أي لا يضرها وأولادها ظلم الظالمين، ولا ينقص من درجاتهم المعنوية شيئا، أو العصمة محفوظة فيهم فهم معصومون من الذنوب والخطاء والزلل إلى أن تظهر دولتهم ويتبين لجميع الناس فضلهم»(2).
إني أسألك - أصلحك الله - قال: سل، قال: أخبرني عن كتاب الله تعالى الذي انزل على محمد ونطق به، ثم وصفه بما وصفه به، فقال: (حم (1)وَ الْكِتابِ الْمُبِينِ (2)إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ (3)فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) (3)ما تفسيرها في الباطن؟
فقال: أما حم فهو محمد (صلی الله علیه و آله) وهو في كتاب هود الذي انزل عليه وهو منقوص الحروف وأما «الكتاب المبين» فهو أمير المؤمنين علي (علیه السلام) وأما الليلة ففاطمة وأما قوله: «فيها يفرق كل أمر حكيم» يقول: يخرج9.
منها خير كثير فرجل حكيم ورجل حكيم»(1).
وهذه الرواية هي الأخرى دالة على تقدم رتبة الصديقة(عليها السلام) على الائمة(عليهم السلام) من ذريتها وأن رتبتها بعد النبي(صلی الله علیه و آله) وعلي(علیه السلام)، وأن مقامها مقام التدبير والتقدير وأن الائمة(عليهم السلام) من ذريتها أعوان وأعضاد ووزراء لها(عليها السلام)، وأنها واسطة فيض العلم من النبي وأمير المؤمنين(عليهم السلام) إلى الائمة من ذريتها(عليهم السلام) ومثلها دلالة الرواية السابقة.
ومفاد هذه الرواية يطابق ما مرّ من روايات الفريقين من تأويل البحرين ببحر علي وفاطمة(عليهما السلام)، وأن الائمة(عليهم السلام) من ذريتها هم ثمار وجواهر مستخرجة من بحر علي وبحر فاطمة(عليهما السلام).
وكذلك هذه الرواية تبين أن من الخير الكثير الذي يخرج من فاطمة(عليها السلام) الائمة(عليهم السلام) من ذريتها رجل حكيم بعد رجل حكيم وامام بعد امام.
سمعت أبا جعفر(علیه السلام) يقول:
«بيت علي وفاطمة من حجرة رسول الله(صلی الله علیه و آله)، وسقف بيتهم عرش رب العالمين، وفي قعر بيوتهم فرجة مكشوطة إلى العرش معراج الوحي، والملائكة تنزل عليهم بالوحي صباحا ومساء، وفي كل ساعة9.
1) الكافي، الشيخ الكليني 1 / 479.
وطرفة عين، والملائكة لا ينقطع فوجهم، فوج ينزل وفوج يصعد.
وإن الله تبارك وتعالى كشط لإبراهيم(علیه السلام) عن السماوات حتى أبصر العرش وزاد في قوة ناظره.
وإن الله زاد في قوة ناظر محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام)، وكانوا يبصرون (العرش) ولا يجدون لبيوتهم سقفا غير العرش فبيوتهم مسقفة بعرش الرحمن، ومعارج: معراج الملائكة، والروح فوج بعد فوج لا انقطاع لهم.
وما من بيت من بيوت الأئمة منا إلا وفيه معراج الملائكة لقول الله عز وَجَلَّ «تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم بكل أمر سلام». قال: قلت: «من كل أمر»؟ قال: بكل أمر، قلت: هذا التنزيل؟ قال: نعم»(1).
بيان الرواية في نقاط:
مفاد الرواية هو الآخر يبين أن رتبة فاطمة(عليها السلام) هي الثالثة في الاصطفاء بعد الرسول(صلی الله علیه و آله) وأمير المؤمنين(علیه السلام) حيث بدأ بالثلاثة واشتراكهم في بيت
1) تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة ، السيد شرف الدين علي الحسيني الاسترابادي 818.
واحد، حيث إن التعبير أن البيت المشترك لعلي وفاطمة(عليهما السلام) هو من حجرة رسول الله(صلی الله علیه و آله)، أي أن البيت المشترك بينهما ناشئ من حجرة رسول الله(صلی الله علیه و آله)، ثم جمع(علیه السلام) الثلاثة في عنوان واحد وهو قوله (وسقف بيتهم).
لا يخفى إن المراد بالبيت هنا ليس هو الذي من حجر ومدر وطين كما بين الباقر(علیه السلام) في رواية أخرى لقتادة(1)، بل المراد طبقات أبدانهم لأن البدن بيت للروح، والروح جسم رقيق، فالروح ذات الجسم الرقيق بيت لروح الروح وهلم ما جرى.
ومن ثم نلاحظ أنه(علیه السلام) أفرد عنوان البيت ابتداءا وأسنده إلى علي وفاطمة(عليهما السلام) ثم أفرده وأسنده إلى الثلاثة ثم ذكره بصيغة الجمع وأسنده إلى الثلاثة، وعلى ذلك فكون سقفهم عرش رب العالمين يراد اتصال وارتباط أرواحهم الشريفة بالعرش.
قوله(علیه السلام) أن سقف بيتهم عرش رب العالمين، ليس يفيد الارتباط فقط بل يفيد حملهم للعرش.
1) الكافي، الكليني256/6.
ولعله أكثر من الحمل أيضا، وأما بيان كيفية نسبة هذا الحقيقة من الارتباط بين أرواحهم والعرش من كونه سقفا لبيوتهم أي بيوت أرواحهم أو أن قعر بيوتهم أي وسط أرواحهم وهو كناية عما بطن وأبطن من طبقات الأرواح التي فيهم، أن فيها فرجة مكشوطة أي باب مفتوح إلى العرش، وهذا غير أبواب السماوات، مع - حملة العرش - في قوله تعالى: ( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَ اتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَ قِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ ) (1). (2)
وكذا مع قوله تعالى: ( وَ انْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ )(3). (4)
وقوله تعالى: ( وَ الْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ ) (5)(6)، لا سيما مع قوله(علیه السلام):
«وإن الله زاد في قوة ناظرة محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين وكانوا يبصرون العرش ولا يجدون لبيوتهم سقا غير العرش فبيوتهم مسقفة بعرش الرحمن».
ثم إنه(علیه السلام) بيّن الرابطة بينه وبين العرش بأن هذا الارتباط معراج للوحي والملائكة والروح فوج بعد فوج لا ينقطع لا صباحا ولا مساءا
ولا ساعة ولا طرفة عين.
ثم إنه(علیه السلام) شارك بيوت الأئمة(عليهم السلام) بهذا الوصف أيضا وأنه مفاد قوله تعالى:
«تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم بكل أمر سلام» وأن هذا التنزل وهو مفاد السورة دائم دائب لا ينقطع.
أن قوله(علیه السلام):
«لا يجدون لبيوتهم سقفا غير العرش فبيوتهم مسقفة بعرش الرحمن» يدل على امتداد صرح بيوت أرواحهم، والروح جسم رقيق في طبقات أرواحهم، أي طبقات الأجسام الرقيقة المشتدة لطافة بطبقات ممتدة في اللطافة إلى العرش بناءا على أن العرش من الروحانيين كما بسطنا بحثه في الجزء الرابع من كتاب الرجعة.
والمحصلة:
قد مرّ وجوه دلالة الرواية في صدرها على كونها(عليها السلام) في الرتبة الثالثة في أهل البيت(عليهم السلام) اصطفاءا وأن لها(عليها السلام) نحو مشاركة لأمير المؤمنين(علیه السلام) ولرسول الله(صلی الله علیه و آله)، وفي وسط الرواية أيضا قوله(علیه السلام) الذي مر «إن الله زاد في ناظرة محمد وعلي وفاطمة..» جعلت فاطمة(عليها السلام) في الرتبة الثالثة .
*الأمر الأول: تكرر نزول الملائكة العظام عليها...
*الأمر الثاني: التعبير عما تتلقاه بالنزول...
*الأمر الثالث: تسالم المسلمين على الخصائص الاصطفائية لفاطمة(عليها السلام)...
*الأمر الرابع: التولد من النبي(صلی الله علیه و آله) ممزوج بالجينات النبوية.
*الأمر الخامس: توصيفها ببنوة أوصاف مقامات النبي(صلی الله علیه و آله)...
*الأمر السادس: مصحف فاطمة(صلی الله علیه و آله) فيه تنزيل وتأويل القُرآن.
*علم جمع الجمع النبوي لدا فاطمة(عليها السلام)...
*ارهاصات الوحي...
*ذكر شؤونها وصلاحياتها من المصحف...
*مسألة: هل المصحف أكبر من القرآن...
دلت على وجود إرهاصات للنبوة في فاطمة(عليها السلام) عدة نصوص وروايات، منها:
ما في زيارة عظيمة من زياراتها رواها بن طاووس في الإقبال والتي منها «.. وسللت منها أنوار الأئمة، وأرخيت دونها حجاب النبوة) (1).
وما رواه في الاحتجاج من قول أمير المؤمنين(علیه السلام) لها(عليها السلام): «لا ويل لك بل الويل لشانئك، ثم نهنهي عن وجدك يا ابنة الصفوة، وبقية النبوة»(2).
وما رواه في المناقب عن النبي(صلی الله علیه و آله): فأنزل الله: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ)، يقول [الله]: أنا أرسلت البحرين علي بن أبي طالب بحر العلوم، وفاطمة بحر النبوة) (3).
إن الملاحظ فيما يرتبط بشؤون مقام العلم اللدني لفاطمة(عليها السلام) ورود التعبير المتعدد من أئمة أهل البيت(عليهم السلام) بما يبين أن فاطمة(عليها السلام) وإن لم تكن نبية لكنها وعاء لنبوة أبيها، وأنها اختصت بشؤون نبوة أبيها وورثت تلك الشؤون عنه (صلی الله علیه و آله)، فهي وإن لم تكن نبية إلا أن جملة من شؤون الأنبياء والوحي النبوي النازل عليهم قد تحقق لها(عليها السلام)، فهي01
وإن لم تكن نبية إلا أنها واجدة لكمالات النبوة .
وقد أشير إلى هذه الشؤون في الروايات المستفيضة بألفاظ وعناوين عديدة، ونظيره المقام ما حررناه في الجزء الثاني من أن فاطمة(عليها السلام) وإن لم تكن إماما إلا أنها واجدة لكل مقامات الإمامة الإلهية بنص القرآن والسنة النبوية وسنة المعصومين القطعية، فكذلك الحال بالنسبة إلى مقام النبوة والوحي النبوي.
ولبيان ذلك نذكر عدة أمور مرتبطة بشؤونها في هذا المقام توضح معنى ارخاء حجاب النبوة عنها ومعنى كونها بقية النبوة ومعنى كونها بحر النبوة.
إن المستفاد من الروايات المستفيضة في مصحف فاطمة(عليها السلام) تعدد وتكرر نزول جبرئيل عليها بعد موت أبيها كما في قول الصادق(علیه السلام) في شرح مصحف فاطمة(عليها السلام): ( وكان جبرئيل يأتيها فيحسن عزاها على أبيها ويطيب نفسها ويخبرها عن أبيها ومكانه ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها وكان على يكتب ذلك فهذا مصحف فاطمة) (1).
وهذا الحديث يبين أن مجيء جبرائيل ونزوله عليها كان باستمرار
1) بصائر الدرجات، الصفار174.
وأن قسما مهما من مصحفها كان نزوله تدريجيا وبنحو مستمر لا دفعة كما في قسم آخر من المصحف كما بينته رواية الباقر(علیه السلام).
وهذا التعبير بحد نفسه أيضا مما يناسب شؤون الوحي النبوي وإن لم تكن بنبية.
بل في بعض الروايات نزول إسرافيل وميكائيل عليها، بل في بعض الروايات جملة من الملائكة العظام.
وهذا الشأن من تكرر نزول جبرئيل والملائكة العظام لا يتحقق إلا للأنبياء أولي العزم ومن يتلو تلوهم من الأنبياء لا لسائر الأنبياء كما نبّه إلى ذلك المحقق الشاه آبادي(ره) حسب ما نقل عنه.
وقد شذّ المحقق القرطبي في (الجامع لأحكام القرآن) فذهب إلى كون مريم نبية لتحديث الملائكة لها وتمثل جبرائيل وتكلمه لها(1)، مع أنه لم يحصل لمريم ما حصل لفاطمة(عليها السلام) من تكرر نزول جبرائيل فضلا3.
1) (وإذا تقرر هذا فقد قيل: إن الكمال المذكور في الحديث يعني به النبوة فيلزم عليه أن تكون مريم(عليها السلام) و آسية نبيتين، وقد قيل بذلك، والصحيح أن مريم نبية، لأن الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك كما أوحى إلى سائر النبيين حسب ما تقدم ويأتي بيانه أيضا في (مريم)، وأما آسية فلم يرد ما يدل على نبوتها دلالة واضحة بل على صديقيتها وفضلها، على ما يأتي بيانه في التحريم..... فظاهر القرآن والأحاديث يقتضي أن مريم أفضل من جميع نساء العالم من حواء إلى آخر امرأة تقوم عليها الساعة، فإن الملائكة قد بلغتها الوحي عن الله عز وجل بالتكليف والاخبار والبشارة كما بلغت سائر الأنبياء ، فهي إذا نبية والنبي أفضل من الولي ). الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) 4 / 83.
عن اسرافيل وميكائيل ولا أنزل عليها مصحف ومع ذلك استدعى هذا الشأن في مريم القرطبي إلى القول بأنها نبية.
وهذا القول وإن كان خاطئا عن الحقيقة وشاذا بين علماء الأمة إلا أنه ينبه على أنه تحقق لمريم بعض شؤون النبوة وإن لم يكن نبوة حقيقية فكيف بما تحقق لفاطمة(عليها السلام) مما هو أعظم.
إنه ورد في روايات أهل البيت(عليهم السلام) في بيان مصحف فاطمة(عليها السلام) تعبير الباقر (علیه السلام) بقوله: «انزل عليها بعد موت أبيها»(1).
وهذا التعبير نظير ما ينزل على الأنبياء(عليهم السلام) من كتب وكذلك نظير قوله(علیه السلام): «فلما أراد الله تعالى أن ينزله عليها، أمر جبرئيل وميكائيل وإسرافيل أن يحملوا المصحف».
وهذا التعبير إنما يرد في وصف الوحي النبوي على عظام الأنبياء(علیه السلام)، فهذه الارهاصات ارهاصات شؤون الوحي النبوي وإن لم تكن نبية.
ونظيره قوله(علیه السلام): «فهبطوا به وهي قائمة تصلي، فما زالوا قياماً حتى قعدت، ولما فرغت من صلاتها سلموا عليها وقالوا: السلام
1) دلائل الامامة، محمد بن جرير الطبري (الشيعي) 105.
يقرئك السلام، ووضعوا المصحف في حجرها»(1).
فهذا تعبير عن شؤون نزول الوحي النبوي ثم كيفية تعظيمهم لها وتسليمهم لها المصحف نظير نزول الألواح على النبي موسى(علیه السلام) ثم نقلهم قول الله لها بالسلام ولاسيما أنه(علیه السلام) ذيّل هذا الشأن لها بوصفه: «ولقد كانت مفروضة الطاعة على جميع من خلق الله من الجن والإنس والطير والوحوش والأنبياء والملائكة»(2).
فبيّن(علیه السلام) ولايتها(عليها السلام) على جميع الأنبياء(عليهم السلام) وعلى جميع الملائكة وهذا إنما هو مقام خليفة الله في الأرض بل أعلى خلفاء الله في الأرض.
الملفت للنظر أن ائمة أهل البيت(عليهم السلام) رغم تسترهم في بيان أسرار الإمامة الإلهية وطريق الارتباط الوحياني بينهم وبين الغيب والسماء وتعبيرهم عن قناة ارتباطهم بألفاظ وعناوين بعيدة عن الايهام بأنها وحي نبوي، بينما نراهم(عليهم السلام) في شأن مصحف فاطمة(عليها السلام) وكيفية نزوله عليها لا يتحاشون هذه التعبيرات التي هي خاصة بشؤون الأنبياء.
وهذا مما ينبّه على اصرار أئمة أهل البيت(عليهم السلام) على بيان عظمة
شؤون مقام العلم الوحياني لفاطمة(عليها السلام) كما أن ذلك يؤشر على تسالم المسلمين على خصائص اصطفائية إلهية في فاطمة(عليها السلام) فلا يستطيع المخالفون الانكار على أئمة أهل البيت(عليهم السلام) ما يبينونه من عظائم شؤون علم فاطمة(عليها السلام) ولا يتخوفون من ايهام ذلك بالقول بنبوتها بعد بداهة أنها ليست بنبية .
إن خصوصية الوراثة والولادة من النبي(صلی الله علیه و آله) تعطي خصائص متميزة وراثيا، وقد أكد القرآن وأهل البيت(عليهم السلام) على خصوصية الوراثة وتأثيرها في النسل والسلالة نظير قوله تعالى: ( ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (1). (2)
ونظير ذكر القرآن آل ابراهيم وآل موسى وآل هارون وآل داود فضلا عن ذكر آل ياسين وهم آل محمد.
وكذلك قوله تعالى: ( وَ تَقَلُّبَكَ فِي السّاجِدِينَ ) (3). (4)
وكذلك قوله تعالى على لسان زكريا: ( فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا(5)يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا(6) (5). (6)
وقوله تعالى: (وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ) (1). (2)
فضلا عما ورد في متواتر الزيارات المروية من نعت أئمة أهل البيت(عليهم السلام) بكينونتهم في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة.
والحاصل إن تركيز الوحي على العامل الوراثي الحاضن شيء كبير لسنا في صدد الخوض والبسط فيه.
وقد ورد عن النبي(صلی الله علیه و آله) في توصيف عمه أبي طالب(علیه السلام): «لو أن أبا طالب ولد الناس لكانوا شجعانا»(3).
وفي كشف الغمة «لله در أبى طالب لو ولد الناس كلهم كانوا شجعانا»(4).
وورد عنه قوله(صلی الله علیه و آله) في شأن ابنه ابراهيم: «ولو عاش إبراهيم لكان نبيا»(5).
وهذا يعطي الميزة الوراثية للنبي(صلی الله علیه و آله) في سلالته أنها انبائية .5.
1) سورة النمل: الآية 16.
2) سوره 27 - آیه 16
3) ربيع الأبرار ونصوص الأخيار، الزمخشري 2 / 204 / شرح نهج البلاغة، ابن ابي الحديد 78/10.
4) كشف الغمة في معرفة الائمة، الاربلي 2/ 235.
5) كنز جامع الفوائد / تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة، السيد شرف الدين علي الحسيني الاسترابادي 832 / تفسير فرات الكوفي، فرات بن ابراهيم الكوفي 586 / حلية الأبرار، السيد هاشم البحراني 2 / 409 فتح الباري، ابن حجر 10 / 477 / كنز العمال، المتقي الهندي12 /455.
وقد ورد في شأن القاسم والطاهر ابنائه من خديجة ما يدل على اصطفائهما، فعن حذيفة قال: خرج علينا رسول الله(صلی الله علیه و آله) حاملا للحسن على عاتقه والحسين على صدره،... ثم قال: هذا الحسن والحسين خير الناس جدا وجدة، وهذا الحسن والحسين خير الناس أما وأبا، وهذا الحسن والحسين خير الناس عما وعمة، وهذا الحسن والحسين خير الناس خالا وخالة.
أما جدهما فرسول الله (صلی الله علیه و آله) وجدتهما خديجة وهما في الجنة .
وأما أبوهما فعلي وأمهما فاطمة (عليها السلام) وهما في الجنة .
وأما عمهما فجعفر بن أبي طالب وعمتهما أم هانئ ابنة أبي طالب وهما في الجنة .
وأما خالهما فإبراهيم والقاسم ابنا رسول الله (صلی الله علیه و آله) وخالتهما رقية وزينب وأم كلثوم وهم في الجنة)(1).
وروى في كشف الغمة عن يونس بن عبيد قال لمّا حضرت الحسن بن عليّ(عليهما السلام) الوفاة كأنّه جزع عند الموت! فقال له الحسين(علیه السلام)-2.
1) مناقب الإمام أمير المؤمنين، محمد بن سليمان الكوفي 2 /411 شرح الأخبار، القاضي النعمان المغربي 1 / 120 / مناقب علي بن ابي طالب ، بن المغازلي 241 / الروضة في فضائل أمير المؤمنين ، شاذان بن جبرئيل القمي ( بن شاذان) 90 / الطرائف في معرفة مذهب الطوائف ، السيد بن طاووس 92 / حلية الابرار، السيد هاشم البحراني 2 / 145 / مدينة المعاجز، السيد هاشم البحراني 3 / 282.
كأنّه يعزّيه -: يا أَخي! ما هذَا الْجَزَعُ؟ إِنَّكَ تَرِدُ عَلى رَسُولِ الله(صلی الله علیه و آله) وَعَليّ(علیه السلام)، وَهُما أبواكَ، وَعَلى خَديجَةَ وَفاطِمَةَ وَهُما أُمّاكَ، وَعَلَى الْقاسِمِ وَالطّاهِرِ وَهُما خالاكَ، وَعَلى حَمْزَة وَجَعْفَر وَهُما عَمّاكَ»(1).
وهذا مما يدل على أن السلالة الوراثية عن سيد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) ممزوجة بالجينة النبوية والطينة الإنبائية.
يلاحظ في زيارة البضعة الصديقة(عليها السلام) - التي من فقراتها:
«السلام عليك يا بنت رسول الله، السلام عليك يا بنت نبي الله، السلام عليك يا بنت حبيب الله، السلام عليك يا بنت خليل الله، السلام عليك يا بنت صفي الله، السلام عليك يا بنت أمين الله، السلام عليك يا بنت خير خلق الله، السلام عليك يا بنت أفضل أنبياء الله ورسله وملائكته، السلام عليك يا بنت خير البرية»(2)- التركيز على توصيفها ببنوة أوصاف مقامات النبي(صلی الله علیه و آله) .
فكيف يكون شأنا ومقاما لها (عليها السلام)؟
ولبيان ذلك نقول: إن كل مقام من مقامات النبي(عليها السلام) لا محالة ينعكس عليها وراثة، ولاسيما وأنها وريثة له بوراثة اصطفائية، أي ترث مقاماته الاصطفائية باصطفاء الله لها كوارث، وما اعظمه من مقام وشأن.
ومن ثم قد يعد هذا المقام من أعظم مقاماتها، وهذا ما نراه بوضوح في رواية المفاضلة بينها وبين أمير المؤمنين(علیه السلام).
فهذا المقام يفتح عموم اتصافها بمقامات أبيها تبعا ويا له من مقام.
روى في الكافي عن أبي بصير قال: بينا رسول الله (صلی الله علیه و آله) ذات يوم جالسا... ثم أتى الوحي إلى النبي(صلی الله علیه و آله) فقال: سأل سائل بعذاب واقع * للكافرين (بولاية علي) ليس له دافع * من الله ذي المعارج» قال: قلت: جعلت فداك إنا لا نقرؤها هكذا، فقال: هكذا والله نزل بها جبرئيل على محمد(صلی الله علیه و آله) وهكذا هو والله مثبت في مصحف فاطمة »(1).
وروى في شرح الأخبار عن أبي بصير، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد، عن أبيه، إنه قال في قول الله عز وجل:
«سأل سائل بعذاب واقع، للكافرين ليس له دافع، من الله ذي المعارج»، قال: نزلت والله
1) الكافي، الشيخ الكليني 8 / 58 ، تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة، السيد شرف الدين علي الحسيني الاسترابادي724 / ما رواه محمد البرقي.
بمكة للكافرين بولاية علي(علیه السلام)، وكذلك هي في مصحف فاطمة»(1).
وفي البحار عن تأويل الآيات عن أبي عبد الله(علیه السلام) أنه قال: والله ما كنى الله في كتابه حتى قال: «يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا» وإنما هي في مصحف فاطمة(عليها السلام) «يا ويلتي ليتني لم أتخذ - الثاني - خليلا» وسيظهر يوما»(2).
وهذا مما يعطي عظمة أخرى لمصحف فاطمة(عليها السلام) أنه يضاهي مصحف علي(علیه السلام) الذي جمعه بخط يده وزياد.
ومن ثمة ورد في روايات أخرى أن في مصحف فاطمة(عليها السلام) علم القرآن كما أنزل وعلم التوارة كما أنزل وعلم الانجيل كما أنزل وعلم الزبور كما انزل فضلا عن الأبواب الأخرى في مصحفها (عليها السلام).
وهذا المفاد بنفسه يبيّن هيمنة فاطمة(عليها السلام) على الأنبياء من أولى العزم علما، بل على الأئمة(عليهم السلام) من ذريتها علما وقدرة وولاية .
وإن علمها من جوامع العلوم النبويّة وإلى هذا يشير وصفها ببقية النبوة أو بحر النبوة أو أرخت دونها حجاب النبوة وليس المقصود نبوءات الأنبياء بل نبوة سيد الأنبياء.
وروى في بصائر الدرجات عن الصادق(علیه السلام) أنه قال:
«إن الله تبارك وتعالى لما قبض نبيه(صلی الله علیه و آله) دخل على فاطمة من وفاته من الحزن ما لا يعلمه الا الله عز وجل فأرسل إليها ملكا يسلى عنها غمها ويحدثنا فشكت ذلك إلى أمير المؤمنين(علیه السلام) فقال لها إذا أحسست بذلك فسمعت الصوت فقولي لي فأعلمته فجعل يكتب كلما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفا.
قال ثم قال أما أنه ليس فيه من الحلال والحرام ولكن فيه علم ما يكون»(1).
وروى بصائر الدرجات عن أبي عبدالله(علیه السلام) قال: «وإن عندنا لمصحف فاطمة (عليها السلام) وما يدريهم ما مصحف فاطمة قال مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلت مرات والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد إنما هو شئ املاها الله وأوحى إليها»(2).
وروى في بصائر الدرجات عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: مصحف فاطمة ما فيه شئ ما كتاب الله وإنما هو شئ القى عليها بعد موت أبيها (صلی الله علیه و آله)» (3).
وروى في دلائل الامامة عن أبي بصير، قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي(علیه السلام) عن مصحف فاطمة(عليها السلام) فقال: انزل عليها بعد موت أبيها»(1).
وهذه النصوص تبيّن مدى قابلية الزهراء(عليها السلام) لتنزل الملك عليها واحساسها به، ومن ثم تعلم أمير المؤمنين علي(علیه السلام)، وهذا نظير ما في الخطبة:
«ولَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الإِسْلَامِ غَيْرَ رَسُولِ اللَّه (صلی الله علیه و آله) وخَدِيجَةَ وأَنَا ثَالِثُهُمَا أَرَى نُورَ الْوَحْيِ والرِّسَالَةِ وأَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ، ولَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْه (صلی الله علیه و آله) فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّه مَا هَذِه الرَّنَّةُ، فَقَالَ هَذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِه، إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ وتَرَى مَا أَرَى إِلَّا أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ ولَكِنَّكَ لَوَزِيرٌ وإِنَّكَ لَعَلَى خَيْرٍ»(2).
وقد يثار تساؤل وهو إن التعبير بنزول أو بإلقاء مصحف لفاطمة(عليها السلام) من الله تعالى هل هو نظير نزول القرآن على محمد(صلی الله علیه و آله) أو إلقاء التوراة لموسى(علیه السلام) والإنجيل لعيسى(علیه السلام) والزبور على داود(علیه السلام)؟
وهل فاطمة(عليها السلام) في عداد الأنبياء ينزل عليها كتاب ويلقى عليها مصحف؟
وكيف يتم التعبير من أئمة أهل البيت(عليهم السلام) إن المصحف«املاها1.
الله وأوحى إليها، انزل عليها، القى عليها»؟
وهذه التعابير نظير نزول الكتب على الأنبياء لا سيما وأن المصحف كما بينّت الروايات فيه علم القرآن كله وعلم التوراة كله وعلم الزبور كله، أي علم الكتب السماوية كلها غير ما فيه من أمور عظام كبيرة وكثيرة ومهولة، فأي كتاب هذا ؟
وكيف أصبحت فاطمة(عليها السلام)من أصحاب الكتب في عداد وصف الأنبياء وإن لم تكن بنبية بالبديهية لكنها وصفت في الروايات في طرق الفريقين أنها بحر النبوة.
والتعبير ب- (بحر النبوة) فيه من الاشارة والتلويح الشيء العظيم حيث إنه يشير إلى أنها معدن النبوة والنبواءات لسائر الأنبياء، وأنها مخزن نبوة أبيها الذي له أعظم النبوءات .
وقد مرّ أن أمير المؤمنين(علیه السلام) وصف أنه (بحر العلم) بينما وصفت هي ب-(بحر النبوة)، وفي ذلك اشارة واضحة إلى أن سنخ مستقى علم أمير المؤمنين(علیه السلام) هو علم الولاية، بينما سنخ مستقى الصديقة(عليها السلام) هو علم النبوة فمن ثم شوهد فيها ارهاصات النبوة ونزول هذا الكتاب العظيم عليها وإن لم تكن بنبية.
ومن الملفت للنظر أن هذا المصحف ليس علمه لعموم الناس، بل ولا لعموم العلماء، بل ولا لعموم الأنبياء، بل هو خاص خصيص
بأئمة أهل البيت(عليهم السلام) .
فما السِّر السّار في علم هذا الكتاب الذي حجب عن جميع الأنبياء وخص به أئمة أهل البيت(عليهم السلام) ومن ثم ورد في شأنها أن الخلق فطموا عن معرفتها بما فيهم الأنبياء والرسل «وأن على معرفتها دارت القرون الأولى»(1).
ولعل أحد أهم معاني ( دارت) الحيرة والتحير.
ففي مصححة أبي بصير في دلائل الإمامة وقد رواها عن أعلام زعماء الإمامية قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي(علیه السلام) عن مصحف فاطمة(عليها السلام)، فقال: انزل عليها بعد موت أبيها.
فقلت: ففيه شيء من القرآن؟ قال: ما فيه شيء من القرآن.
قال: قلت: فصفه لي، قال: له دفتان من زبرجدتين على طول الورق وعرضه حمراوين .
قلت له: جعلت فداك صف لي ورقه، قال: ورقه من در أبيض قيل له: (كن) فكان .
قلت: جعلت فداك، فما فيه؟
1) الأمالي ، الشيخ الطوسي 668.
قال: فيه خبر ما كان، وخبر ما يكون إلى يوم القيامة، وفيه خبر سماء سماء، وعدد ما في سماء سماء من الملائكة، وغير ذلك، وعدد كل من خلق الله مرسلا وغير مرسل، وأسماؤهم، وأسماء الذين أرسلوا إليهم، وأسماء من كذب ومن أجاب منهم، وفيه أسماء جميع من خلق الله من المؤمنين والكافرين، من الأولين والآخرين، وأسماء البلدان، وصفة كل بلد في شرق الأرض وغربها، وعدد ما فيها من المؤمنين، وعدد ما فيها من الكافرين،وصفة كل من كذب، وصفة القرون الأولى وقصصهم، ومن ولي من الطواغيت ومدة ملكهم وعددهم، وفيه أسماء الأئمة وصفتهم، وما يملك واحدا واحدا، وفيه صفة كراتهم، وفيه صفة جميع من تردد في الأدوار من الأولين والآخرين.
قال: قلت: جعلت فداك وكم الأدوار؟ قال: خمسون ألف عام، وهي سبعة أدوار، وفيه أسماء جميع من خلق الله من الأولين والآخرين وآجالهم، وصفة أهل الجنة، وعدد من يدخلها، وعدد من يدخل النار، وأسماء هؤلاء وأسماء هؤلاء، وفيه علم القرآن كما أنزل، وعلم التوراة كما أنزلت، وعلم الإنجيل والزبور، وعدد كل شجرة ومدرة في جميع البلاد .
قال أبو جعفر(علیه السلام): فلما أراد الله تعالى أن ينزله عليها، أمر جبرئيل وميكائيل وإسرافيل أن يحملوا المصحف فينزلوا به عليها، وذلك في ليلة الجمعة من الثلث الثاني من الليل، هبطوا به عليها وهي قائمة
تصلي، فما زالوا قياما حتى قعدت، فلما فرغت من صلاتها سلموا عليها، وقالوا لها: السلام يقرئك السلام، ووضعوا المصحف في حجرها .
فقالت لهم: الله السلام، ومنه السلام، وإليه السلام، وعليكم يا رسل الله السلام، ثم عرجوا إلى السماء، فما زالت من بعد صلاة الفجر إلى زوال الشمس تقرأه، حتى أتت على آخره .
ولقد كانت(عليها السلام) طاعتها مفروضة على جميع من خلق الله من الجن والإنس، والطير والبهائم، والأنبياء والملائكة.
فقلت: جعلت فداك فلما مضت إلى من صار ذلك المصحف؟ فقال: دفعته إلى أمير المؤمنين (علیه السلام)، فلما مضى صار إلى الحسن، ثم إلى الحسين، ثم عند أهله حتى يدفعوه إلى صاحب هذا الأمر .
فقلت: إن هذا العلم كثير!
فقال: يا أبا محمد، إن هذا الذي وصفته لك لفي ورقتين من أوله، وما وصفت لك بعد ما في الورقة الثالثة، ولا تكلمت بحرف منه) (1).
وفي هذه الرواية بيان لما يتضمنه المصحف وهو في الحقيقة بيان لمواطن ولاية فاطمة(عليها السلام) وهيمنتها في التدبير.6.
1) دلائل الإمامة ، محمد بن جرير الطبري ( الشيعي ) 104 ، 106.
وكتابة هذه الحقائق العظيمة المهمولة في مصحفها ليس مجرد إنباء وإخبار، وإنما هو بيان مواطن وموارد مسؤولياتها ومحال رعايتها لتلك الأمور وتدبيرها لها وصلاحياتها الموكلة لها من الله تعالى، ولاسيما مع ما تمت الإشارة إليه من أن مصحف فاطمة(عليها السلام) ليس مجرد ورق منقوش بل أصله روح من عالم الأمر وإنما هذا المتنزل تنزيل له وهذا شأن جميع الكتب السماوية النازلة، وبالتالي فإن هذا الروح من عالم الأمر هو مقام وقدرة تكوينية مهيمنة على أرواح الكتب السماوية.
وقد يعترض أن هذا الشأن المهمول العظيم لمحصف فاطمة(عليها السلام) ولا سيما أنه حقيقة ملكوتية تفوق بقية الكتب السماوية، فهل هذا يعني أنه قد أنزل على فاطمة(عليها السلام) مالم ينزل على سيد الرسل(صلی الله علیه و آله)، وهل يعني ذلك أن كتابها يعظم كتاب أبيها، وكيف يصار إلى ذلك؟
والجواب:
ولا منافاة بين ما ورد من أنه إملاء الله إليها وأوحي إليها وبين ما ورد أنه إملاء من رسول الله(صلی الله علیه و آله) لكنه إملاء منه بعد رحيله إلى الرفيق الأعلى.
والحاصل أن ما نزل على فاطمة(عليها السلام) إنما هو من فيوضات النبي(صلی الله علیه و آله)، أي أنه فيض الله على فاطمة(عليها السلام) بتوسط النبي(صلی الله علیه و آله).
وقد قرر أهل البيت(عليهم السلام) قاعدة في معارفهم قد عقد لها الكليني بابا في أصول الكافي وهي أن ما ينزل على عترة النبي(صلی الله علیه و آله) من علوم وكمالات وفيوضات إنما هي من الله بتوسط وواسطة من النبي(صلی الله علیه و آله)، فهو الشافع التكويني لنزول الفيض لهم من الله تعالى.
وقد ورد نظير هذه المقامات والشؤون لمنازل ومقامات القرآن الغيبية.
وأما ما ورد في عدة روايات أن مصحف فاطمة(عليها السلام) ليس فيه (شيء من قرآنكم) فالمراد به تنزيل القرآن وهو المصحف الشريف، ومن ثم(علیه السلام) أضاف القرآن إلى الناس( قرآنكم).
ومن ثم قدمت مقامات النبي(صلی الله علیه و آله) الغيبة المشار اليها بالحروف المقطعة في بديات السور على اسم الكتاب نظير قوله تعالى: ( يس (1) (1)
1) سوره 36 - آیه 1
وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (1)(2)(3)، ونحو ذلك .
وقد اشار إلى ذلك زين العابدين(علیه السلام) في الصحيفة السجادية في ذكر الصلوات وهي: (وقلت جل قولك له حين اختصصته بما سميته من الأسماء: ( طه (1)ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (2) ) (4)وقلت عز قولك: ( يس (1)وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) (5)وقلت تقدست أسماؤك ( صور القرآن ذى الذكر) وقلت عظمت آلاؤك ( قو القرآن المجيد ) فخصصته أن جعلته قسمك حين أسميته وقرنت القرآن به، فما في كتابك من شاهد قسم والقرآن مردف به إلا وهو اسمه، وذلك شرف شرفته به، وفضل بعثته إليه، تعجز الألسن والأفهام عن وصف مرادك به» (2).
وقد ذكر(علیه السلام) في الرواية السابقة جملة مواطن لولايتها وهيمنتها ومقام تدبيرها:
والظاهر أن المراد من ذلك مستقبل العوالم من البرزخ والرجعة والرجعات إلى يوم القيامة.ر.
عدد كل سماء سماء.
وعدد ما في سماء سماء من الملائكة، وغير الملائكة.
وعدد الأنبياء المرسلين وغير المرسلين، وأسماء الذين أرسلوا إليهم، وأسماء من كذب ومن أجاب منهم.
وهذه احاطة عظيمة بمسؤوليات الأنبياء(عليهم السلام).
وهذا ديوان حساب الخلائق يوم القيامة مما يبين أنها(عليها السلام) ولية الحساب.
وهذا مما يدلل على ولايتها(عليها السلام) على كل أهل الأرض ورعايتها وتدبيرها لهم.
وهذا ما يدل على أن ولايتها(عليها السلام) قبل ولادتها، وأنها شاهدة على كل الخلق، وأنها وليّة الحساب على الإنس والجن والملائكة وغيرهم
من المخلوقات.
ومن ولي من الطواغيت ومدة ملكهم وعددهم.
وفيه أسماء الأئمة وصفتهم، وما يملك واحد واحد، وفيه صفة كراتهم.
وكون مصحفها(عليها السلام) حاويا لأسماء أئمة أهل البيت(عليهم السلام) نظير ما ورد من نزول اللوح الأخضر المدوّن فيه أسماء الأئمة(عليهم السلام) واسم النبي(صلی الله علیه و آله) واسم الوصي(علیه السلام) ليس شأن هذا التدوين لأسمائهم يقف عند كونه سجل ملكوتي دوّن فيه مقامات سادات الأوصياء فحسب، بل إن في ذلك اطلاع وإنباء عن أخطر أسرار المقامات الإلهية، وهو بيان أسماء أئمة العترة(عليهم السلام) .
وهذا مما يبين أنها(عليها السلام) ذات صلة وشأن بتعيين وجعل الله لإمامة أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، فإن لاطلاع الله تعالى لها(عليها السلام) على هذا الجعل الإلهي العظيم دلالة واضحة أنها معنيّة بشؤون الإئمة من ذريتها كما أنها معنيّة بنبوة أبيها(صلی الله علیه و آله) وإمامة بعلها(علیه السلام) شراكة تبعية لسيد الأنبياء وسيد الأوصياء.
وكذلك أنها(عليها السلام) مهيمنة على إمامة ذريتها(عليهم السلام)، ففي صحيحة سليمان بن خالد الواردة حول منازعة بني الحسن وادعائهم الإمامة في زمان الصادق(علیه السلام) قال سمعته يقول: (إن في الجفر الذي يذكرونه لما
يسؤهم لأنهم لا يقولون الحق والحق فيه فليخرجوا قضايا علي(علیه السلام) وفرايضه إن كانوا صادقين، وسلوهم عن الخالات والعمات وليخرجوا مصحف فاطمة فإن فيه وصية فاطمة ومعه سلاح رسول الله(صلی الله علیه و آله)، إن الله يقول إيتوني بكتاب من قبل هذا أو إثارة من علم أن كنتم صادقين) (1)، وكذا صحيحة هشام بن سالم.
ومفاد هذا الصحيح كما بيناه في الجزء الأول من كتاب المقامات دال بوضوح على أن مقام الإمامة في ذريتها هو من شؤون وصيتها، ووصية الموصي إنما تتعلق بموارد وشؤون ولايته.
فهذا المفاد دال بوضوح على أنها(عليها السلام) ذات مقام ولائي مشرف ومهيمن على إمامة الأئمة(عليهم السلام) من ذريتها.
وهذا مما يدلل على أن ولاية فاطمة(عليها السلام) محيطة بدورات الخلق السابقة نظير ما ورد أن جابر بن يزيد قال: سألت أبا جعفر(علیه السلام) عن قول الله عز وجل: (أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ) (2)فقال: يا جابر تأويل ذلك أن الله عز وجل إذا أفنى هذا الخلق وهذا العالم وأسكن أهل الجنة الجنة وأهل النار النار جدد الله عز وجل عالما غير هذا7.
العالم وجدد عالما من غير فحولة ولا إناث يعبدونه ويوحدونه، وخلق لهم أرضا غير هذه الأرض تحملهم وسماء غير هذه السماء تظلهم، لعلك ترى أن الله عزوجل إنما خلق هذا العالم الواحد، وترى أن الله عز وجل لم يخلق بشرا غيركم، بل والله لقد خلق الله تبارك وتعالى ألف ألف عالم وألف ألف آدم أنت في آخر تلك العوالم وأولئك الآدميين»(1)، إلى غير ذلك مما يشير في الروايات إلى دورات الخلق السابقة.
وهذا يبيّن ولايتها(عليها السلام) على الحساب نظير ما ذكر من مقام لأمير المؤمنين(علیه السلام) أنه قسيم الجنة والنار فقد روى في الأمالي عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله): (معاشر الناس، إن عليا قسيم النار، لا يدخل النار ولي له، ولا ينجو منها عدو له، إنه قسيم الجنة، لا يدخلها عدو له، ولا يزحزح عنها ولي له» (2).
وقال(علیه السلام):
«أنا قسيم الجنة والنار ادخل أوليائي الجنة و ادخل أعدائي النار»(3).
وورد في زيارته(علیه السلام):
«السلام عليك يا قسيم الجنة والنار»(4).0.
وهذا اشارة إلى هيمنة مصحفها(عليها السلام) على الكتب السماوية وهي ما تلقته عن نور النبي(صلی الله علیه و آله) وقلبه الذي هو البيت المعمور وليس عن بدنه، إذ قد انزل عليها وأوحي اليها بعد شهادة أبيها.
ومصحفها مهيمن على تنزيل القرآن، إذ قد مر أن هذا المصحف الشريف متطابق مع باطن القرآن.
فكيف لا يكون ما اوحي إليها من المصحف مشتمل على هذه المقامات والشؤون العظيمة من الصلاحيات والولايات في العوالم كُلَّهَا!.
«له دفتان من زبرجدتين على طول الورق وعرضه حمراوين، وورقه من در أبيض»،
وأنه مشتمل على ورق وأن ما حكاه(علیه السلام) إنما هو ورقتين.
فيه اشارة إلى أن فيه أمور عظام لم يتحملها أبو بصير وهي من الأسرار الخاصة بأئمة أهل البيت(عليهم السلام) والظاهر ارتباطها بشؤون إمامتهم.
ومن ثم ورد في الرواية أن من علامات إمامة الإمام قبضه لمصحف فاطمة(عليها السلام)، فعن أبي بصير قال سمعت أبا عبد الله(علیه السلام) يقول:
«ما مات أبو جعفر(علیه السلام) حتى قبض مصحف فاطمة(عليها السلام)»(1).
وكل ما ذكره الإمام(علیه السلام) من شؤون وصلاحيات لفاطمة(عليها السلام) في العوالم مذكور في ورقتين من مصحفها، فكم بقي من ورق؟8.
1) بصائر الدرجات، محمد بن الحسن ( الصفار) 178.
*منهج الاستدلال على المقامات...
*حديثا الثقلين والكفؤية قرآنيان...
*فوائد من حديث الكفوئية...
*الفائدة الأولى: المديح الشخصي في القرآن اصطفاء إلهي...
*الفائدة الثانية: ضرورة إرجاع معادلات الروايات للقرآن...
*الفائدة الثالثة: علم فاطمة(عليها السلام) أسمائي جامع...
*الفائدة الرابعة: علو رتبتها على الأنبياء ما عدا الخاتم...
*لفتة معرفية...
*اشكالية الكفؤية الاجتماعية...
*تقريب ثالث لحديث الكفاءة...
*سؤال حول الكفؤية...
*تنافسهما قربي لا قبلي...
*وصيتها لعلي (علیه السلام) وشراكتهما في الأمر...
من عظيم مقاماتها وأعالي شؤونها(عليها السلام) ما ورد في الرواية المستفيضة:
«لولا أن أمير المؤمنين(علیه السلام) تزوجها لما كان لها كفو إلى يوم القيامة على وجه
الأرض آدم فمن دونه»(1).
ويحسن في البداية أن ننبه على مطلب مغفول عنه عند الخاصة فضلا عن العامة في منهج الاستدلال على مقامات أهل البيت(عليهم السلام).
وهو أن أكثر مقاماتهم(عليهم السلام) إذا ما كان كلها ورد دليلها في القرآن فضلا عن السنة المطهرة، وعليه فما جاء في السنة ليس تأسيسا لأمر ليس في القرآن، وإنما هو شرح وبسط بلغة معرفية يفهمها الناس.
فلو وضع الباحث يده على كل رواية حكت مقاما لهم(عليهم السلام) وتذرع بالتنقيب العلمي بلا كلل لوجد أن القرآن قد طرح ذلك في معادلة من معادلاته الجزلة.
خذ مثالاً على ذلك معادلة ملازمة الثقلين في الحديث المشهور، فقد دار الجدل العلمي كررا بين الشيعة وأهل الخلاف في أن المعادلة الروائية النبوية هل هي ملازمة (الكتاب والسنة) أم هي ملازمة (الكتاب والعترة)؟
1) الخصال، الشيخ الصدوق/414.
وبغض النظر عن امكانية الجمع بين المعادلتين وعن كثرة ورود المعادلة في كتب الفريقين بهذا النحو (كتاب الله وعترتي)(1)إنه بغض النظر عن كل ذلك فإن الشيعة فضلا عن السنة لم يتوسلوا لرفع النزاع ببيان أن احدى المعادلتين قرآنية في الأصل.
والحال أن المحققين أخيرا يعبرون عن بعض الآيات بأنها حديث الثقلين القرآني، أي أنه بالتتبع و التعمق تبين أن الملازمة بين الثقلين ( الكتاب والعترة) ملازمة قرآنية قبل أن تكون روائية، والقرآن هو من أسسها وما في الروايات إنما هو صياغة أخرى لما في القرآن، وواحدة من آيات الثقلين في القرآن قوله تعالى: (وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) 2 . (2)
ونظيره ما نحن فيه فإن مقام الكفوئية بين فاطمة وعلي(عليهما السلام) تأسيسه من القرآن في آيات كثيرة وتبيانه روائي، فإن آيات الولاية وآيات القربى أسست لكفؤية فاطمة وعلي(عليهما السلام) قبل حديث المفاضلة وحديث7.
1) روى في البصائرعن أبي جعفر* أنه قال: «دعا رسول الله أصحابه بمنى قال يا أيها الناس انى تارك فيكم الثقلين اما ان تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي فإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض ...». بصائر الدرجات، الصفار/ 434. وروى في فضائل الصحابة عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله: «إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدي واحد منهما أكبر من الآخر كتاب حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي إلا وأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض » فضائل الصحابة، أحمد بن حنبل585/2 .
2) سوره 3 - آیه 7
الكفؤية، وبالتالي فهما صدى وانعكاس عن ما في القرآن الكريم، وسيجيء ذلك تحت قوله تعالى: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ) (1). (2)
وكم لهذا المنهج في الاستدلال من ثمار جليلة سواء على مستوى تقوية اليقين بمقاماتهم(عليهم السلام) أو على مستوى توضيح الحق في الحواريات المذهبية.
إذ أن الاستدلال بالقرآن وحده عادة مايواجه بالاحتمالات الكثيرة تأويلا، كما أن الاستدلال بالسنة المطهرة وحدها يواجه إما بأنها روايات خاصة وإما برميها بالضعف السندي رغم رواية رواة الفريقين لها، ولا يمكن التخلص من هذه الاشكالات الا بمنهج معية الثقلين، وببيان المعادلات القرآنية بمحكمات معادلاته وبولاية أهل البيت(عليهم السلام).9.
وفي حديث الكفؤية عدة فوائد:
إن المدح في لسان الوحي على نحوين:
أولهما: أن ينصب المدح في لسان الوحي على وصف عام وعنوان عام ينطبق على أفراد كما في قوله تعالى: ( لَقَدْ رَضِيَ اللّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَ أَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً) (1). (2)
وثانيها: أن ينصب المدح الوحياني على العنوان الشخصي والهوية الشخصانية لواحد بعينه، أو على عنوان مشير لشخصه.
وهذا النمط من المدح في لسان الوحي يعني الاصطفاء ويشير
للمقام و المنصب الالهي والموقعية الدينية، وليس من عادة الوحي أن يمدح بالعنوان الشخصي ويكون المشار إليه في الشخص من قبيل الكمالات المعتادة .
وحديث الكفوئية من قبيل الثاني، أي مدح بلسان وحياني لفاطمة وعلي(عليهم السلام) وسيتبين أنه يحكي عن مقام اصطفاء لهما وعن كمال وسؤدد غير اعتيادي فيهما.
إن معادلات الروايات كما هي معادلات القرآن إذا ما أرجعت لمطالب ومعادلات محكمة وواضحة فيهما فإنه يتبين عمق الدلالة المطروحة، فإذا قورن في روايات لسان الوحي بين علي وهارون(عليهما السلام) أو بين فاطمة ومريم(عليهما السلام) فهذا بالتالي ارجاع للقرآن في معادلات شبيهة توخيا للتوضيح والتبيين، أي على الباحث أن ينقب قرآنيا عن مقامات هارون ليتعرف علي سنخ المقامات التي تثبت لعلي(علیه السلام)، وليفتش عن سؤدد مريم في القرآن ليعرف أي سؤدد وعلو لفاطمة(عليها السلام)، ولهذا الارجاع غايات مهمة:
منها: بيان أن ما في القرآن من مقامات الأولياء السابقين إنما هي أمثلة ضربت لبيان مقامات الأولياء في أمة الخاتم(صلی الله علیه و آله).
ومنها: إن الإرجاع خير وسيلة لدفع الاستنكار والاستبعاد
الذي يخالج أذهان الكثيرين عند تعداد مقامات أهل البيت(عليهم السلام)، إذ أن وجود نظائرها في القرآن ينتج أنها ليست بدعا وليست أمرا منكرا.
وفي حديث الكفؤية جعلت موقعية آدم صفي الله دون موقع فاطمة(عليها السلام)، فيكون لهذا الحديث لوازم وأبعاد وإشارات مهمة لا تقرأ في سطحه بل تقرأ في اللغة الاشارية له، فكأنه يعزو الباحث للقرآن ليتعرف على موقعية آدم فيه ليكون دليلا له في استيعاب مقامات فاطمة(عليها السلام).
وفي قراءة عبدالله بن عباس (وآل محمد على العالمين) فعن هشام بن سالم قال: سألت أبا عبد الله(علیه السلام) عن قول الله ( إِنَّ اللّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً ) (3)فقال: هو آل إبراهيم وآل محمد على العالمين، فوضعوا اسماً مكان اسم) (4).
فأول الأصفياء في سلسلة النبوات زمانا وليس رتبة هو آدم، وبحسب رواية البحث يكون اصطفاء فاطمة(علیه السلام) فوق اصطفاء آدم8.
رتبة.
كما أن أحد مقامات آدم أنه نبي، أي له علم من جهة النبوة، فيكون العلم الذي لفاطمة(عليها السلام) من جهة النبوة فوق ما لآدم.
وإذا ثبتت الخلافة عن الله لآدم في الأرض فكيف بمن كان فوق آدم، فيثبت بدلالة الحديث النبوي والتأمل القرآني أن فاطمة(عليها السلام) خليفة الله في الأرض بل ويثبت أن خلافتها أعظم من خلافة آدم.
ولو سأل سائل: إن ما لآدم من مقامات قد نص عليه القرآن، والقرآن لم ينص على ما تقولونه في فاطمة(عليها السلام)؟
فجوابه إنه بعد ثبوت حديث الكفؤية وشهرته يكون بنفسه تنصيص على كون فاطمة(عليها السلام) خليفة الله وولية الأمر.
وأيضا مما دل عليه القرآن أن ولاية آدم وطاعة أمره افترضت على جميع الملائكة وطبقاتهم أي على جبرائيل واسرافيل وميكائيل ورضوان خازن الجنان ومالك خازن النيران، ومن فوقهم.
حَيْثُ إنَّ الآيات المتعددة تفيد فرض طاعة آدم على عموم0.
الملائكة بلا استثناء ( فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ )(1). (2)
فَقَدْ دَلَّتْ الآية على التعميم بدوال متعددة، بل طبيعة الأمر بالخضوع لولاية آدم أخذت بنحو صارم على الملائكة ( فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ) (3). (4)
فليس المطلوب السجود حتى لو كان عن تراخ بل سجود فوري وقهري وصارم فضلا عن أنه منتهى الخضوع والتسليم.
فلآدم ولاية تكوينية وولاية تشريعية لا بمعنى أنه يفعل بهواه وبمشيئته بل ضمن برنامج المشروع الإلهي فهو القائد والملائكة اتباعه وتحت إمرته.
وملف أنشطة الملائكة في القرآن عظيم ومبسوط فما من مجال إلا ولهم فيه نشاط وفعل، فما من أمر في الأرض أو في السماء أو في الهواء أو أمر من الموت أو أمر من الحياة الا ولهم فيه النشاط الأكبر وفيه يقول تعالى: (وَ الذّارِياتِ ذَرْواً(1.)فَالْحامِلاتِ وِقْراً(2.)فَالْجارِياتِ يُسْراً(3.)فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً(4.)(5). (6)
ولا تقتصر أنشطتهم على عالم الدنيا بل عظيم نشاطهم سيكون4.
في يوم القيامة (ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31)ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ (32)(1). (2)
وتعداد أنشطة الملائكة بحسب القرآن خارج عن إحاطتنا، غير أن كل الملائكة بأنشطتهم تحت نظام قيادة خلفاء الله، وخلافة الله طبقات وآدم طبقة من الخلافة وتتلوه سلسلة من طبقات الخلافة.
ويتحصل أن كل ما ثبت لآدم من ولاية تكوينية في الدنيا والآخرة وما ثبت له من حكومة على الملائكة بنص القرآن تكون بنمط أعلى وأشرف ثابتة لفاطمة(عليها السلام) بنص حديث الكفؤية.
ثم إن ولاية آدم لم يثبتها القرآن الكريم لمريم، لكننا استفدنا من خلال الجمع بين السنة والقرآن ثبوت سنخ ولايته لفاطمة(عليها السلام)، إلا أن ما لفاطمة(عليها السلام) من ولاية مشابهة لولاية آدم نحوها أعلى وأشرف لكونه ليس كفؤا لها، فآدم ومن تحت إمرته وفي ولايته تحت طاعة وولاية فاطمة(عليها السلام).
ونفس سورة البقرة تدل على أن الخلافة طبقات وأنه فوق خلافة آدم طبقات باعتبار أن تشرف آدم بالخلافة كان نتيجة توسل آدم بما هو أكبر منه كما في قوله تعالى: (وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى (3)32
الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ )(1). (2)
ولم يقل (عرضها) مما يدلل على أنها أسماء حية وغير جامدة وأنها شاعرة وغير ساكنة.
فما هي تلك الأسماء؟؟
لقد أفصح الحديث الشريف بأن تلك الموجودات الحية الشاعرة العاقلة الموجودة قبل آدم بوجود نوري واضح في ملكوت السماء هم أهل البيت(عليهم السلام) وفيهم فاطمة(عليها السلام)(3).
وبالتالي فإن الحديث يدل على أن ولاية آدم وبما يندرج تحتها مندرجة تحت ولاية فاطمة(عليها السلام).
وفي نفس السورة عندما يحاسب الباري ويعاتب ابليس يخاطبه بهذا الخطاب: (قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ ) (4). (5)
ولفظة (العالين) في الآية تشير إلى العالين على آدم عن أن يطيعوه، أي لهم علو حقيقي مقامي على الملائكة بل على آمر الملائكة وهو أدم، فهم فوق أن يسجدوا ويخضعوا له، وفاطمة من العالين على5.
آدم الذين اندرج آدم بما تحته تحت ولايتهم(1).
فيدل وينص حديث الكفؤية على أن فاطمة(عليها السلام) من العالين، أي أنها من الأسماء الإلهية النورانية الحية الشاعرة قبل وجودها البدني، فهي وجود ملكوتي مفترض الطاعة ومن ذلك العالم.
ومن فوائد حديث الكفؤية أن لفاطمة(عليها السلام) سنخا خاصا من العلم، إذ إن قوله تعالى: ( وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ) (2)يشير إلى العلم المعبر عنه بالعلم الاسمائي وهو علم جامع وبه استحق آدم الخلافة، فيثبت أن لفاطمة(عليها السلام) علما اسمائيا جامعا وبنحو أعلى مما ثبت لآدم ببركة حديث الكفوئية.
1) روى في صفات الشيعة عن أبي سعيد الخدري قال كنا جلوسا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ أقبل إليه رجل فقال يا رسول الله اخبرني عن قوله عز وجل لإبليس ( أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ ) فمن هو يا رسول الله الذي هو أعلى من الملائكة فقال رسول الله انا وعلى وفاطمة والحسن والحسين كنا في سرادق العرش نسبح الله وتسبح الملائكة بتسبيحنا قبل ان يخلق الله عز وجل آدم بألفي عام فلما خلق الله عز وجل آدم أمر الملائكة ان يسجدوا له ولم يأمرنا بالسجود فسجد الملائكة كلهم الا إبليس فإنه أبي (و) لم يسجد فقال الله تبارك وتعالى ( أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ ) عني من هؤلاء الخمسة المكتوبة أسماؤهم في سرادق العرش فنحن باب الله الذي يؤتى منه بنا يهتدى المهتدى فمن أحبنا أحبه الله وأسكنه جنته ومن أبغضنا أبغضه الله وأسكنه ناره ولا يحبنا الا من طاب مولده. صفات الشيعة، الصدوق/8.
2) سوره 2 - آیه 31
ومن الفوائد العالية لحديث الكفؤية - الذي لا ينتهي رفده ونميره الصافي - علو وتعالي رتبة فاطمة(عليها السلام) على رتب الأنبياء والمرسلين(عليهم السلام)، لأن في الحديث صدرا وذيلا، وصدره هو قوله تعالى: (لولا أن أمير المؤمنين) وبهذه الفقرة والضابطة يكون الصدر أعظم من الذيل وهو قوله: (آدم فمن دونه) لأن عليا(علیه السلام) ميزان كبير وأكبر من ميزانية آدم ومن دونه في الرتبة إلا أن نرجع قوله ( آدم فمن دونه) إلى الحيثية الزمانية لا إلى الحيثية الرتبية أي دونه زمانا فيشمل كل الأنبياء عدا سيد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) وحينئذ تتطابق الضابطتان.
وعلى كل حال فإن حصر الكفؤية في علي(علیه السلام) - بنص القرآن وبيانات أهل البيت(عليهم السلام) وتعليمهم - يدل على أن عليا(علیه السلام) يفوق مقام بقية الأنبياء من أولى العزم والرسل، لأنه جعل عدلا لمن لا يكافؤها آدم ومن دونه، هذا مضافا إلى أن القرآن وصفه بأوصاف لم يصف بها ابراهيم وموسى وعيسى(عليهم السلام) وغيرهم، منها أنه(علیه السلام) بمنزلة نفس النبي(صلی الله علیه و آله) وهو وصف لم يصف به القرآن أحدا من النبيين.
بل حصر الكفؤية في علي(علیه السلام) دون البقية هو دليل أعظمية على(عليها السلام) على سائر الأنبياء عدا الخاتم(صلی الله علیه و آله) من جهة، ومن جهة أخرى هو بنفسه دليل أعظمية فاطمة(عليها السلام) على الحسنين(عليهما السلام) وعلى الحجة
وبقية المعصومين(عليهم السلام) لأن مرتبة ومقام عدلها وهو علي(علیه السلام) فوق رتب المعصومين.
ولأن أولاد أمير المؤمنين(علیه السلام) في عالم الأنوار هم أولاد فاطمة(عليها السلام) فلا يمكن أن يكونوا لها كفوا في الزواج، والمسألة قبل ترتيب النسل والترتيب في النسل بيد الله هو المقدم وهو المؤخر.
وقد اعترضت إحدى زوجات النبي(صلی الله علیه و آله) على وصفه عليا(علیه السلام) بالأخوة، فقد روى في المناقب عن علي(علیه السلام) قال: جاء رسول الله(صلی الله علیه و آله) ذات ليلة يطلبني فقال: يا أم أيمن أين أخي؟
قال: فقالت له: من أخوك ؟
قال: علي .
قالت: أخوك وتزوجه ابنتك؟ قال: نعم أما والله لقد زوجتها كفوا شريفا في الدنيا والآخرة ومن المقربين»(1).
ومضمون جوابه(صلی الله علیه و آله) هو أنه أخي في النور وليس أخا في البدن، وأخوة البدن مانعة عن الزواج دون أخوة النور.
إن إخبار النبي(صلی الله علیه و آله) عن الأخوة النورية يفتح بابا ينفتح منه ألف
1) مناقب الإمام امير المؤمنين، محمد بن سليمان الكوفي 1 / 310.
باب، منها إن قول النبي(صلی الله علیه و آله): «كنت نبيا وآدم بين الماء والطين»(1)محصله أنه حسب عالم النور يكون سيد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) أبا لآدم وأبا لعبدالله والده وأبا لإبراهيم، والأب هنا بمعنى المنشأ.
وقوله(صلی الله علیه و آله): «يا علي، أنا وأنت أبوا هذه الأمة»(2)يشمل الأنبياء لأن كل النبيين من أمة سيد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) وتابعون ومنقادون له ورسل عنه، وفي الرجعة تكون الأمم أمة واحدة تحت سلطانه ومنقادين له ومتعبدين بشريعته.
والأبوة هي أبوة نور لكل الأنبياء وأحكام عالم النور مغايرة لأحكام عالم البدن.
ولذا فقولهم(عليهم السلام) «لولا أمير المؤمنين» لا يشير إلى خلقه بحسب الولادة والبدن بل بحسب عالم النور، أي لو لم يخلق نور علي(علیه السلام) لم يكن لفاطمة(عليها السلام) كفؤ، ليس بحسب البدن والتزاوج البدني، بل حتى بحسب تزاوج عالم الأنوار لأن آدم ها هنا وبحسب البدن أب .
1) مناقب آل ابي طالب، بن شهر اشوب 1 / 183،عوالي اللئالي، ابن ابي جمهور الاحسائي121/4. ويؤيده قوله «نبئت وآدم بين الروح والجسد» الاحتجاج، الطبرسي2 /248، الفضائل، شاذان بن جبرئيل القمي34 ، وقوله:( كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد ) المستدرك ، النيشابوري609/2، كنز العمال، المتقي الهندي 11/ 409، ويؤيده قول أمير المؤمنين*: «صدقته وآدم بين الروح والجسد» الأمالي، المفيد 6 . الأمالي، الطوسي/626.
2) الأمالي، الشيخ الصدوق/ 755، علل الشرائع، الصدوق 1/ 127، روضة الواعظين، النيسابوري/ 322 .
لفاطمة(عليها السلام) فلو كان بحسب البدن فكيف يتم الحديث؟
ولذا ورد حتى في علاقتها بعلي(علیه السلام): «يا محمد زوج النور من النور».
وعليه فقوله(عليهم السلام): «لو لا أمير المؤمنين» هذا ليس ملحوظ فيه عالم البدن بل وقبل تقدير وقضاء عالم البدن وهندسة عالم الدينا وفي عالم الأنوار، فليس لها كفؤ إلا علي(علیه السلام) بعد سيد الأنبياء(صلی الله علیه و آله)، وسيد الأنبياء ليس كفؤا لفاطمة(عليها السلام) بل أعلى منها.
كما أن هذا الحديث الشريف دليل على أن رتبة فاطمة(عليها السلام) رتبة مشاركة لرتبة علي(علیه السلام) في الولاية، وإن كان لها مرتبة تتلو مرتبته في حيثيات معينة.
وهذا دليل على أن موقع فاطمة(عليها السلام) في الكائنات وفي الملكوت وفي الأنوار وفي الخلائق وفي الحجية وفي الدين وفي الصلاحية وفي المنصب بعد الله ورسوله(صلی الله علیه و آله) قرن بأمير المؤمنين(علیه السلام).
فلا يتأتي لأحد من المعصومين(عليهم السلام) غير علي(علیه السلام) أن يعدل فاطمة(عليها السلام)، وقد بينا سابقا في آية الفيء أن لها آمرية على أولادها.
وسيجيء في مقالة مستقلة حول مقامها الأم أن لها ولاية على الأحد عشر(عليهم السلام).
ونفس هذه المعادلة والرسم المعرفي والتسلسل المقامي مبين في حديث الكفاءة.
قد يقول قائل لقد شرقتم وغربتم واطلتم وافضتم في بسط معارف حديث الكفؤية إلا أننا يمكن أن نعالج مفاد الحديث بالالتفات إلى مسالة فقهية واضحة وهي مسألة الكفوء في باب الزواج ومرادهم الكفؤ في باب الحسب والنسب والرتبة الاجتماعية.
وهذا هو المقصود من الكفوئية ولا دخل لعالم الأنوار وعالم الحجية وعالم الاصطفاء وغيره ولا موجب لهذا البسط والغور وإنما المسألة وبكل وضوح تختصر في باب الكفؤية الاجتماعية.
والجواب:
نقبل من السائل تفسيره الكفؤ بهذا المعنى لكن هذا المعنى للكفؤ منطو فيه كل شيء، لأن الكفؤ الاجتماعي بحسب توصيات الدين ليس بحسب المال بالأصل لأن المؤمن كفؤ المؤمنة، وإنما هو بحسب ديني ولا تنفي الشؤون الاجتماعية التي أدرجها جملة من الفقهاء، لكن الشؤون المادية الدنيوية لا مانع فيه لكن الأصل فيها هو الدين أي الدين ودرجات الدين والإيمان هو الكفؤية في الأصل.
وعليه ما هو دين آدم(علیه السلام) ؟
إن دينه دين النبوة والاصطفاء ودين عصمة وخلافة الهية، وإذا كان تدين وعصمة وطهارة واصطفاء آدم ليس بدرجة ما لفاطمة(عليها السلام)
من دين وعصمة وطهارة واصطفاء، وإنما بدرجة دينها وطهارتها واصططفائها وعلمها درجة علي(علیه السلام) فقط وفقط فهو رجوع لنفس روح المطلب الذي قررناه.
هذا مضافا إلى أن الحسب والشرف في منطق الدين غير الحسب والشرف لدا البشر، وحسب وشرف الدين أشير إليه في قوله تعالى: ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)(1). (2)
وهذا هو المرعي توصيته في الروايات.
وحسب علي(علیه السلام) ليس في نسبه القبلي وإن كان نسبه اصطفائيا وإنما حسب علي(علیه السلام) في الاصطفاء نفسه.
وهناك تقريب ثالث لأصل مفاد الحديث يعرف بملاحظة مساجلات الصحابة مع بني هاشم، وهي نوع من المنازلة تجري دائما بين قبائل العرب أو بين قريش وبني هاشم، ومنها وهي متواترة عند المسلمين ما رواه علي بن إبراهيم: أن صفية بنت عبد المطلب مات ابن لها فأقبلت، فقال لها الثاني غطي قرطك فإن قرابتك من رسول الله(صلی الله علیه و آله) لا تنفعك شيئا، فقالت له هل رأيت لي قرطا يا بن اللخناء، ثم دخلت
على رسول الله(صلی الله علیه و آله) فأخبرته بذلك وبكت، فخرج رسول الله(صلی الله علیه و آله) فنادى الصلاة جامعة، فاجتمع الناس.
فقال ما بال أقوام يزعمون أن قرابتي لا تنفع لو قد قربت المقام المحمود لشفعت في أحوجكم، لا يسألني اليوم أحد من أبواه إلا أخبرته، فقام إليه رجل فقال من أبي فقال أبوك غير الذي تدعى له أبوك فلان بن فلان، فقام آخر فقال من أبى يا رسول الله؟
فقال أبوك الذي تدعى له، ثم قال رسول الله(صلی الله علیه و آله) ما بال الذي يزعم أن قرابتي لا تنفع لا يسئلني عن أبيه، فقام إليه الثاني فقال له أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله اعف عني عفى الله عنك فأنزل الله تعالى ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ (1)الى قوله - ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ (102) 1) (2).
ومفادها في نقاط:
ومن شأنها أن النبي(صلی الله علیه و آله) غطى الحمزة سيد الشهداء لكي لا تراه صفية.8.
أحاديث واقعة استهزاء ذلك الصحابي بصفية متواترة ومرصودة في كتب الفريقين.
إن غضب النبي(صلی الله علیه و آله) لا يكون إلا غضبا وحيانيا ولا يكون إلا غضبا إلهيا، بل لا يكون غضبه عقليا كما في موسى فقد كان غضبه عقليا قال تعالى: ( وَ لَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ )(1)(2)سكت مقابل نطق أي هو عقلي، لكن غضب نبينا(صلی الله علیه و آله) وحياني، وهو منزه حتى عن الغضب العقلي لقوله تعالى: (وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ )(3). (4)
إن الغضب الذي أبداه النبي(صلی الله علیه و آله) كان لأجل الاستهزاء بمقام اصطفائي لبني هاشم، ومقام الأصطفاء مرة يكون في الدائرة الأولى وتارة يكون للدائرة الثانية، وقد حققناه في بحوث تحت الطبع.
فهو فعل من الله وتقدير واعداد رباني.3.
وسواء ثبتت قراءة بن عباس (وآل محمد على العالمين) أم لم تثبت ففي القرآن آية أخرى وهي قوله: (سَلامٌ عَلى إِلْياسِينَ )(1)(2)والمقصود آل محمد.
فقد روى في الأمالي عن الريان بن الصلت، قال: حضر الرضا(علیه السلام) مجلس المأمون بمرو، وقد اجتمع في مجلسه جماعة من علماء أهل العراق وخراسان،...قالت العلماء: فأخبرنا هل فسر الله عز وجل الاصطفاء في الكتاب؟
فقال الرضا(علیه السلام): فسر الاصطفاء في الظاهر سوى الباطن في اثني عشر موضعا وموطنا، فأول ذلك قوله عز وجل: (وأنذر عشيرتك الأقربين ورهطك المخلصين) هكذا في قراءة أبي بن كعب، وهي ثابتة في مصحف عبد الله بن مسعود، وهذه منزلة رفيعة وفضل عظيم وشرف عال حين عنى الله عز وجل بذلك الآل، فذكره لرسول4.
الله(صلی الله علیه و آله)، فهذه واحدة)(1).
وهذه القراءة سواء كانت قرانية أو تأويلا نبويا فهي تدل على أن رهط النبي(صلی الله علیه و آله) مخلصين له وللدين.
والغريب أنهم لا يثبتونها في القرآن وهي موجودة في أكثر القراءات.
وأحد أعمدة بني هاشم أبو طالب، فلو سألت أين يشهد القرآن لأبي طالب بالاصطفاء؟
جوابه في آية الانذار السابقة، وفي موضع آخر يشهد القرآن لأبي طالب بمقام الاصطفاء في قوله تعالى: (أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى ) (2). (3)
فالله يسند فعل أبي طالب لنفسه وهو فعل منه أجراه على يد أبي طالب، وهذا معناه أنه فعل اصطفائي، فهو نظير قوله تعالى: ( وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللّهَ رَمى )(4). (5)
وقوله تعالى: (قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11)(6). (7)
فدوما يسند الله الفعل الاصطفائي إلى جنده ويسنده إلى نفسه1.
لأنهم لا يفعلون إلا بأمر منه تعالى.
والمحصلة أن هناك أحاديث متواترة عديدة دلت على اصطفاء بني هاشم، وبالتالي لو اخذنا كفؤية فاطمة(عليها السلام) في بعدها الاجتماعي والحسب والنسب فإن اصطفاء الله لها في الحسب والنسب والفخار والشرف أعظم من اصطفاء آل ابراهيم وغيرهم وهذا مثبت في الروايات، فقد بين (صلی الله علیه و آله) أن الله لازال يصطفيه من اصفياء، فقد روى في الأمالي عن جابر قال رسول الله(صلی الله علیه و آله): ياجابر
«إن الله تعالى لما أحب أن يخلقني، خلقني نطفة بيضاء طيبة، فأودعها صلب أبي آدم(علیه السلام)، فلم يزل ينقلها من صلب طاهر إلى رحم طاهر إلى نوح وإبراهيم(عليهم السلام)، ثم كذلك إلى عبد المطلب، فلم يصبني من دنس الجاهلية، ثم افترقت تلك النطفة شطرين: إلى عبد الله وأبي طالب، فولدني أبي فختم الله بي النبوة، وولد علي فختمت به الوصية...الحديث»(1).
يعني تطهير بعد تطهير، أي أطهر فاطهر وأصفى فاصفى، فصفاء آل ابراهيم دون بني هاشم فكيف بغير آل براهيم؟
والاصطفاء الأعظم لبني هاشم ومن هو أعظم في الاصطفاء لا كفؤ له إلا أن يكون من دائرة اصطفاؤهم أعظم .
فتبين أن الكفؤ حتى بحسب النسب والشرف والفخر الاجتماعي .
1) الامالي، الطوسي/ 501 .
يكون في لبة الاصطفاء .
وسيجيء زيادة في بيان الكفؤية بين علي وفاطمة(عليهما السلام) في آية (مرج البحرين).
سؤال حول الكفؤية:
ما هو المقصود من حجية فاطمة(عليها السلام) وكيف تكون حجة على علي(علیه السلام)؟ ألا يتعارض مع ما له من كمال؟
الجواب:
لا يخفى أن مقام أميرالمؤمنين علي(علیه السلام) مقدم على مقام فاطمة(عليها السلام) من جهات، وإن كان بينهما اشتراك تكافؤ في الحجية من جهات.
وهكذا حال الولاية بينهما، والتكافئ مقتضاه المعية في الولاية والحجية كوزيرين لسيد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) كما ورد في نصوص الفريقين أنهما البحران في قوله تعالى (مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لايبغيان يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) وهذه الصورة التي يرسمها القرآن كأصل لهندسة بنيان الولاية والحجية بين علي وفاطمة(عليهما السلام) ومن بعدهما الائمة(عليهم السلام) من ذريتهما وبينما البرزخ المهيمن عليهما هو النبي(صلی الله علیه و آله).
وغير ذلك من الدلائل القرآنية والسنة القطعية الدالة على التكافؤ من جهات وأفضلية علي(علیه السلام) من جهات أخرى.
والمعية التكافؤية لا تستلزم نقص في الحجج وإلا استلزم تفضيل الرسل والأنبياء بعضهم على بعض نقصا فيهم.
كما أن تقدم الخضر(علیه السلام) من جهة على موسى النبي(علیه السلام) من أولي العزم وتقدم موسى على الخضر من جهة لا يستلزم نقص فيهما كما لم يستلزم تساويهما في المحصلة النهائية فإن موسى(علیه السلام) في المحصل المجموعي أفضل من الخضر(علیه السلام) كما بعض الروايات.
ولباب المطلب:
وأما في الأول فتكافؤ من جهات وأفضلية وتقدم لعلي(علیه السلام) من جهات .
وأما تعاضد الجهاز بعضه ببعض فلايستلزم نقصا في أي منهم.
أليس جبرئيل(علیه السلام) ينزل بالوحي على النبي(صلی الله علیه و آله) مع أن النبي(صلی الله علیه و آله) أفضل من جبرئيل في كل الكمالات بلحاظ مرتبة نور النبي(صلی الله علیه و آله) لا بدنه أو نفسه النازلة.
وهذه الشؤون لابد من الالتفات إليها.
قد يقال: الا إن تعبير الحجية على علي(علیه السلام) معناه ماهو؟ فهل هو بحاجة لمصحفها؟
الجواب:
ليس الحجية على علي(علیه السلام) بنسق مافي بقية الأئمة(عليهم السلام) كما مرّ مفصلاً.
أما أخذه(علیه السلام) بما أنزل عليها فهو مفاد روايات مصحفها التي روتها طائفة الإمامية.
وهذا على نسق أخذ النبي(صلی الله علیه و آله) مايوحيه إليه جبرئيل(علیه السلام) الزاما مع أنه(صلی الله علیه و آله) أفضل من جبرئيل.
فلو قيل: هل المراد والمقصود من الحجية كونها منبع علم وواسطة ليس أكثر؟
الجواب:
العلم اللدني الوحياني ليس وساطة رواية كالرواة بل وساطة فيض كمالات وولاية لكن بالمعنى غير المنافي للأفضلية إذا كما إذا قايسنا نور النبي(صلی الله علیه و آله) مع جبرئيل بخلاف جسده ونفسه النازلة .
روى في المناقب عن عائشة أنه قال علي(علیه السلام) للنبي(صلی الله علیه و آله) لما جلس بينه وبين فاطمة(عليها السلام) وهما مضطجعان: أينا أحب إليك أنا أو هي؟
فقال(صلی الله علیه و آله): هي أحب إلي وأنت أعز علي منها)(1).
وفي المناقب في خبر عن جابر بن عبدالله: أنه افتخر علي وفاطمة بفضائلهما، فأخبر جبرئيل للنبي(صلی الله علیه و آله) أنهما قد أطالا الخصومة في محبتك فاحكم بينهما، فدخل وقص عليهما مقالتهما ثم أقبل على فاطمة(عليها السلام) وقال: لك حلاوة الولد، وله عز الرجال، وهو أحب إلي منك.
فقالت فاطمة(عليها السلام): والذي اصطفاك واجتباك وهداك وهدى بك الأمة لا زلت مقرة له ما عشت)(2).
والسؤال من سيد الأوصياء(علیه السلام) وسيدة النساء(عليها السلام) ليس تفاخر عصبيات قبلية أو عنصرية ولا مجرد تغالب، بل تنافس في القرب من رسول الله(صلی الله علیه و آله)، وهذا القرب لا محالة اصطفائي ومرتبط بالمقامات.
كما أن جوابه(صلی الله علیه و آله) ليس عاطفة بشرية طبعية نازلة كغرائز طبعية نفسانية بل جوابه بحسب القرب الاصطفائي من مقامه(صلی الله علیه و آله) النوري الاصطفائي، فعندما تخص فاطمة(عليها السلام) بالأكثر حبا ويتميز أمير المؤمنين(علیه السلام) بالأكثر عزا فهذا يعني تكافئهما(عليهما السلام)من جهات.
روى في معاني الأخبار عن علي بن أبي طالب(علیه السلام) قال: لما حضرت فاطمة(عليها السلام) الوفاة دعتني فقالت: أمنفذ أنت وصيتي وعهدي؟ قال: قلت: بلى، أنفذها.
فأوصت إلي وقالت: إذا أنا مت فادفني ليلا ولا تؤذنن رجلين ذكرتهما ) (1).
وفي نسخة أخرى في أنوار اليقين أنه لما حضرت فاطمة(عليها السلام) الوفاة، دعت عليا(علیه السلام) فقالت: أمنفذ أنت وصيتي وعهدي، أو والله لأعهدن إلى غيرك، فقال(علیه السلام): بلى أنفذها، فقالت(عليها السلام): إذا أنا مت فادفني ليلا ولا تؤذنن بي أبا بكر وعمر)(2).
فكانت إرادتها(عليها السلام) أن تنجز وصيتها بنحو الحتم، وهذه الإرادة الحتم منها كمسؤولية تقع على عاتقها لبناء صرح الدين، ولا تريد أن تفرط في القيام بهذه المسؤولية الملقاة على عاتقها وإن كان أمير المؤمنين(علیه السلام) معذورا في عدم القيام بها، فكان اللازم عليها(عليها السلام) على هذا التقدير لو فرض أن توصي وتعهد لغير أمير المؤمنين(علیه السلام) لانجاز ذلك.
وهذا مما يشير إلى أن فاطمة(عليها السلام) كانت تتشاطر مع أمير
المؤمنين(علیه السلام) في القيام بمسؤوليات حفظ الدين كلا منهما في عرض الآخر وإن كان كل منهما قد أختص بوظائف مسؤول عنها، ولا بد له من القيام بها وإن كان الآخر معذورا أو ممنوعا عن القيام بها.
ثم إن مضمون ومفاد هذا الخطاب من فاطمة(عليها السلام) لأمير المؤمنين(علیه السلام) إنما هو من الكفؤ للكفؤ في الولاية ولو في بعض المساحات المشتركة، بخلاف بقية الأئمة الأحد عشر(عليهم السلام) فإنه لم يكن لهم هذا الشأن مع أبيهم أمير المؤمنين(علیه السلام).
فإذا كان هذا شأنها(عليها السلام) مع أمير المؤمنين(علیه السلام) فتبين بوضوح هيمنتها بوضوح على أولادها(عليهم السلام).
*التوازن والعدل بين اقتضاء البحرين وآثارهما هو ببرزخ الهيمنة النبويّة.
*رتبة فاطمة (عليها السلام) بعد النبي(صلی الله علیه و آله) وعلي (علیه السلام) ثم الحسنين ثم التسعة (عليهم السلام)....
قال تعالى: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (19)بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (20)فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (21)يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ (22)(1). (2)
هذه الآية الكريمة من الطوائف الدالة على مرتبتها(عليها السلام) ودرجة مرتبتها، وقد ذكرت هذه الفضيلة لها(عليها السلام) في مصادر عديدة من الفريقين وبأسانيد كثيرة.
فقد روى بن شهر آشوب في مناقبه: (وفي الحديث ان آسية بنت
مزاحم ومريم بنت عمران وخديجة يمشين أمام فاطمة(عليها السلام) كالحجاب لها إلى الجنة، وفي الحساب من سيدة الحور من ولد آدم كلهم، وزنه أم الحجج فاطمة البتول»(1).
وروى علي بن إبراهيم في تفسيره موثقة يحيى بن سعيد القطان (العطار خ ل) قال: سمعت أبا عبد الله(علیه السلام) يقول في قول الله تبارك وتعالى ( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (19)بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (20) ) (2)قال علي وفاطمة بحران عميقان لا يبغي أحدهما على صاحبه «يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان» قال الحسن والحسين(عليهما السلام)، وقال علي بن إبراهيم في قوله: «مرج البحرين يلتقيان» أمير المؤمنين وفاطمة(عليهم السلام) «يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان» الحسن والحسين (عليهما السلام)»(3).
وفي طريق الصدوق في الخصال قال: «علي وفاطمة (عليهما السلام) بحران من العلم عميقان»(4).
وروى قريبا منه بهذا التأويل بطرق أخرى محمد بن العباس بن مهيار عن الصادق(علیه السلام) تارة بطرق مسندة وعن أبي سعيد الخدري وعن بن عباس وعن أبي ذر(5).2.
وفي المناقب ذكر بن شهر آشوب ثمان مصادر من كتب الحديث والتفسير أنهم رووا عن سعيد بن جبير، وسفيان الثوري، وأبو نعيم الأصفهاني مسندا عن أنس وعن بن عباس والقاضي النطنزي عن سفيان بن عيينه بهذا المضمون .
وفي المناقب لابن المغازي(1).
وروى الثعلبي بسنده إلى سفيان الثوري في ذيل الآية(2).
وروى بن شهر آشوب في مناقبه عن أبي معاوية الضرير عن الأعمش عن أبي صالح عن ابن عباس إن فاطمة(عليها السلام) بكت للجوع والعرى، فقال النبي(صلی الله علیه و آله): اقنعي يا فاطمة بزوجك فوالله إنه سيد في الدنيا سيد في الآخرة، وأصلح بينهما فأنزل الله: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ) (3)يقول: أنا الله أرسلت البحرين: علي بن أبي طالب بحر العلوم، وفاطمة بحر النبوة، يلتقيان يتصلان، أنا الله أوقعت الوصلة بينهما.
ثم قال: (بينهما برزخ) مانع رسول الله(صلی الله علیه و آله) يمنع علي بن أبي طالب(علیه السلام) أن يحزن لأجل الدنيا، ويمنع فاطمة(عليها السلام) أن تخاصم بعلها لأجل الدنيا (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما) (4)يا معشر الجن والإنس (تكذبان) بولاية أمير المؤمنين وحب فاطمة الزهراء ( فاللؤلؤ ) الحسن(علیه السلام) (والمرجان)2.
الحسين(علیه السلام)، لأن اللؤلؤ الكبار، والمرجان الصغار، ولا غرو أن يكونا بحرين لسعة فضلهما وكثرة خيرهما، فإن البحر سمي بحرا لسعته، وأجرى النبي (صلی الله علیه و آله) فرسا فقال: وجدته بحرا)(1).
ولا يخفى سر التعبير عنهما بالبحرين في الآية الكريمة فإنه مطابق لما في بيانات الوحي المستفيضة في الآيات والرويات عن عوالم الملكوت مما دون العرش أو فوقه بالبحر والبحور، فالتقاء البحرين إلتقاء واقتران وتناسب وتناسق وتوافق وتوازن وترابط شأنين ملكوتيين ذوي هول عظيم.
وبعبارة أخرى:
إن تكيّف موجودين جوهريين ماديين عن التزاحم والتدافع والتنافر إلى التواؤم والتلاؤم والتأثير المشترك الموحّد يتوقف على إعدادات تكوينية وكونية عديدة، فكيف الحال بموجودين من عالم الملكوت، وكيف الحال بموجودين من أعلى مراتب الملكوت، ألا ترى إلى صعوبة انقياد الملائكة لجعل خليفة لله تعالى إلى أن أطوعهم الله عز وجل إلى ذلك الخليفة والملائكة من عالم الملكوت، وكذلك لاحظ قوله تعالى: (ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (69)إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (70)إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (71)(2)(3)، ولعله1.
يشير إلى ما ذكرناه من اختصام الملائكة في شأن استخلاف خليفة الله وجعل آدم خليفة، ونظير اعتراض النبي إبراهيم(علیه السلام)وهو من أولي العزم على إهلاك قوم لوط فقال تعالى: (إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوّاهٌ مُنِيبٌ (75)يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَ إِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ(76)(1)(2)، ونظير ما جرى بين الخضر وموسى إلى غير ذلك من الموارد التي يستعرضها القرآن والروايات لبيان احتياج الملائكة المقربين أو الأنبياء المرسلين إلى هاد موفق بينهم مما يدلل على أن شؤون عوالم الملكوت والموجودات الملكوتية تحتاج توفيق بينها بمهيمن عليهم.
وهذا شأن ملحوظ حتى في الأسماء الإلهية فإن لكل إسم إلهي حكما وآثارا واقتضاءا لا بد من التوفيق والتوافق بينه وبين حكم إسم آخر وتأثيره وآثاره واقتضائه .
ومن ثم يلاحظ في الآيات والروايات أن الأسماء الإلهية المركبة الشفع أكبر رتبة من إنفراد تلك الأسماء، وأما الإسم الفرد المهيمن عليها فهو وتر أعلى رتبة من الشفع، فالشفع في الأسماء أعلى من وتر الأسماء المشفوعة، ولكن الوتر المهيمن عليها أعلى من شفعها، نظير السميع العليم فإن السميع بوتره والعليم بانفراده دون الشفع في السميع العليم، بينما (الله) الإسم الوتر المهيمن على السميع العليم أعلى6.
رتبة منهما، وكذلك الحال فيما بين (الله) و (تبارك) و (تعالى) بالمقارنة مع (هو) أي أن الثلاثة منفردة دون الثلاثة الشفع لكنها شفعا دون وتر(هو)، وهذا يستفاد من أوائل آيات سورة الحديد وأواخر آيات سورة الحشر كما بينته روايات أهل البيت(عليهم السلام).
فإذا تقرر ذلك فيتبين خطورة وأهمية مفاد قوله تعالى: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ * بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ) (1)، ولا سيما وأن التعبير ورد بلفظة (مرج) والمروج في كل بحر يزيد هول الحقيقة، فالبحر من جهة أنه بحر فيه هول العظمة، وإذا أسند إليه المرج والمروج إزداد هول العظمة أكثر، وإذا التقى هول عظمة كل بحر مع الآخر ازداد الهول هولا والعظمة عظمة، لكن التوازن والعدل بين اقتضاء البحرين وآثارهما هو ببرزخ الهيمنة النبويّة، وهذا سر عظمة خطب هذه الآية الكريمة في شأن علي وفاطمة(عليهما السلام)، وهو سر هول خطب تزويج علي من فاطمة(عليهما السلام).
روى في المحتضر عن بن عباس قال: سمعت النبي(صلی الله علیه و آله) يقول: (ليلة عرج بي إلى السماء .. فرآيت سرير علي وعلي واقف يصلي وفاطمة عن يمينه والحسن والحسين عن شماله يصلون بصلاته والملائكة تنزل عليهم أفواجا أفواجا تقف في نورهم وتسمع
1) سوره 55 - آیه 19
قراءتهم..)(1).
فوقوفها(عليها السلام) عن يمين أمير المؤمنين(علیه السلام) دون خلفه مع أن الحكم في بقية الناس أن تقف في الخلف، كما أن وقوفها عن اليمين والحسنان عن الشمال لا العكس هو مؤشر ومنبه على تقدم رتبتها على الحسنين(عليهما السلام)، كما أن وقفها على يمينه دون خلفه دال على أن مقام علي(علیه السلام) وإن تقدم عليها(عليها السلام) إلا أن بينهما نحو من المشاركة والكفوئية كما هو مقتضى الحديث عن رسول الله(صلی الله علیه و آله) في حديث قال: هبط علي جبرئيل فقال: يا محمد إن الله عز وجل يقول: لو لم أخلق عليا، لم يكن لفاطمة بنتك كفو على وجه الأرض، من آدم ومن دونه)(2).
وقد أشرنا فيما تقدم من الأجزاء المطبوعه في مقاماتها أن مستفيض روايات النور الدالة على صدور نورها ثالثا، ولا ينافي ما في لسان البعض الآخر من صدور نورها بعد الاثني عشر، فإنه لا تعرض فيه لوساطة أنوار الاثني عشر في إيجاد وصدور نورها، بخلاف اللسان الأول الأكثر استفاضة، والأول محمول على خلقة أنوارهم قبل العرش بينما الثاني يتعرض إلى طبقات أنوارهم الأخرى ما دون العرش.
وفي رواية الروضة والفضائل بالإسناد - يرفعه - إلى عبد الله بن8.
أبي أوفى عن رسول الله (صلی الله علیه و آله) أنه قال: لما خلق الله إبراهيم الخليل كشف له عن بصره، فنظر إلى جنب العرش نورا، فقال: إلهي من هذا النور؟ فقال: هذا محمد صفوتي.
فقال: إلهي وسيدي إني أرى بجانبه نورا آخر؟
فقال: يا إبراهيم هذا علي ناصر ديني.
فقال: إلهي وسيدي ومولاي إني أرى بجانبه نورا آخر ثالثا؟
فقال: يا إبراهيم، هذه فاطمة تلي أباها وبعلها، فطمت محبيها عن النار.
فقال: إلهي وسيدي إني أرى نورين يليان الثلاثة الأنوار؟
قال: يا إبراهيم، هذان الحسن والحسين، نوراهما يليان أباهما وأمهما وجدهما.
قال: إلهي وسيدي إني أرى تسعة أنوار، فقد أحدقوا بالخمسة الأنوار؟
قال: يا إبراهيم، هذه الأئمة من ولدهم...)(1).
فإن الرواية صريحة في أن مرتبتها(عليها السلام) الثالثة في مراتب أهل البيت(عليهم السلام).8.
1) الروضة في فضائل أمير المؤمنين بن شاذان/ 186، الفضائل، بن شاذان / 158.
*سر هول وعظمة تزويج علي من فاطمة (عليهما السلام)...
*النقطة الأولى: ولاية أمر زواجها(عليها السلام) بيد الله خاصة...
*النقطة الثانية: الحفاوة الملكوتية لزواجهما(عليهم السلام)...
*الأمر الأول: ولاية زواج علي(علیه السلام) أيضا بيد الله...
*الأمر الثاني: اقترانهما (عليهم السلام) تمّ في الجنة الابدية قبل الدنيا...
*الأمر الثالث: الحفاوة بزواجها(عليها السلام) ذو صلة بولايتها...
*الأمر الرابع: مهرها توليّة الهية لها على شؤون العالم كله...
*تبرّك الملائكة المباركين ببركات زواجها(عليها السلام)...
*محورية فاطمة(عليها السلام) كفؤ لعلي(علیه السلام) في الرتبة...
*انفعال العرش وما دونه بزواجها(عليها السلام) ارتباط الداني بالعالي...
*تولي الله لزواجهما لكونه اقتران نظم وتدبير الهي...
*النقطة الثالثة: التزويج و المؤاخاة...
*التراتبية بين الثلاثة...
*قران كفؤية في عالم الملكوت...
*زواجهما نظير القران الأسمائي...
*المؤاخاة بين النبي(صلی الله علیه و آله) والوصي(علیه السلام) نورية...
*النقطة الرابعة: حديث الكساء...
*التآلف في الولايات الاصطفائية سر عظمة أهل البيت (عليهم السلام)...
*تفوق علي(علیه السلام) في امتحان الولاية تدبير الملائكة...
*أهل البيت نبراس في تدبير الولاية لكل طبقات الملكوت وطبقات الملك...
*اختصام أصحاب الولايات الإلهية في الملكوت والملك...
*النقطة الخامسة: الولادة في الكعبة والتزويج...
الملاحظ في روايات التزويج بين فاطمة وعلي(عليهما السلام) أنه لم يكن كبقية الزيجات بين البشر، بل إنه زواج اصطفائي من الله ويحمل أسرارا في المقامات والمراتب في شؤون الولاية الإلهية.
ولتوضيح نبذة من حقيقته نذكر النقاط التالية:
إنه قد ورد عنه (صلی الله علیه و آله) أن ولاية تزويج فاطمة(عليها السلام) ليست بيده مع
أنه(صلی الله علیه و آله) سيد الخلائق وإمام الأئمة وأولى بالناس من أنفسهم وأعظم الخلق ولاية بعد الله، ومع كل ذلك فإن تزويج فاطمة(عليها السلام) خاص بيد الله.
وهذا سر عظيم الشأن في مقامها(عليها السلام) نظير ما مرت الإشارة إليه في بعض الروايات من أنها(عليها السلام) تحفة إلهية لرسوله(صلی الله علیه و آله) لم تدرج في الأصلاب بل في خصوص صلب النبي(صلی الله علیه و آله) نزولا من الجنة وفي رحم المطهرة خديجة(عليها السلام).
فقد روى في المناقب عن أم سلمة وسلمان الفارسي وعلي بن أبي طالب(علیه السلام) قال: لما أدركت فاطمة بنت رسول الله مدرك النساء، خطبها أكابر قريش من أهل السابقة والفضل في الإسلام والشرف والمال، وكان كلما ذكرها رجل من قريش لرسول الله اعرض رسول الله عنه بوجهه حتى كان الرجل منهم يظن في نفسه أن رسول الله ساخط عليه، أو قد نزل على رسول الله(صلی الله علیه و آله) فيه وحى من السماء، ولقد خطبها من رسول الله (صلی الله علیه و آله) أبو بكر الصديق فقال له رسول الله: يا أبا بكر أمرها إلى ربها، وخطبها بعد أبي بكر عمر ابن الخطاب فقال له كمقالته لأبي بكر.
وإن أبا بكر وعمر كانا ذات يوم جالسين في مسجد رسول الله(صلی الله علیه و آله) ومعهما سعد بن معاذ الأنصاري، ثم الأوسي فتذاكروا أمر
فاطمة بنت رسول الله(صلی الله علیه و آله) فقال أبو بكر: لقد خطبها من رسول الله(صلی الله علیه و آله) الأشراف فردهم رسول الله(صلی الله علیه و آله) وقال: أمرها إلى ربها إن شاء أن يزوجها زوجها ...) (1).
إن الباري تعالى قد أعد لهذا الزواج حفلا وحفاوة في الملكوت لم يذكر في الوحي زواجا مثله، وحضّار هذا الحفل كما في جملة من الروايات حملة العرش جبرئيل وميكائيل واسرافيل وعزرائيل(2)واللوح المحفوظ والقلم ونون، وهذا الإعداد الإلهي ليس لهوا ولعبا إذ لا مسرح له في أفعاله تعالى بل الحق هو الحكمة وتمام الجد.
فقد روى في الهداية الكبرى عن أبي بصير عن الصادق(علیه السلام) قال: (خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(علیه السلام) فاطمة، فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله): يا علي ما خطبتها إلا والله زوجك إياها في السماء لأن الله وعد ذلك فيك وفي ابنتي فاطمة.
فقام إليه أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري وقال: يا رسول الله وقد زوج الله عليا في السماء بفاطمة(عليها السلام)؟ فقال له(صلی الله علیه و آله): نعم يا ابن
أيوب أمر الله الجنة أن تتزخرف وشجرة طوبى أن تنشر أغصانها في السبع سماوات إلى حملة العرش، وأن تحمل بأغصانها درا وياقوتا ولؤلؤا ومرجانا وزبرجدا وزمردا أصكاكا مخطوطة بالنور، هذا ما كان من الله للملائكة وحملة عرشه وسكان السماوات كرامة لحبيبة وابنته فاطمة ووصيه علي وأمر لجبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل واللوح المحفوظ والقلم ونون، وهي مخازن وحي الله وتنزيله على أنبيائه ورسله وان يقفوا في السماء الرابعة، وأن يخطب جبريل بأمر الله، ويزوج ميكائيل عن الله، ويشهد جميع الملائكة وانتثرت طوبى من تحت العرش إلى السماء الدنيا فالتقط الملائكة ذلك النثارة الصكاك فهو عندهم مذخور....)(1).
وفي الرواية أمور:
فقوله (صلی الله علیه و آله): (يا علي ما خطبتها إلا والله زوجك إياها في السماء).
فيه دلالة على أن تزويج علي من فاطمة(عليهما السلام) كان بولاية من الله على علي(علیه السلام) وعلى فاطمة(عليها السلام)، فكما أن ولاية تزويجها ليس بيد رسول الله(صلی الله علیه و آله) بل بيد الله، فكذلك تزويج علي من فاطمة هو الآخر ليس بيد علي ولا بيد فاطمة، ويدل عليه ما في رواية أخرى: ( إن الله يأمرك أن
1) الهداية الكبرى، الحسين بن حمدان الخصيبي 113.
تزوج النور من النور).
وما سيأتي في الرواية الآتية: (فكان الخاطب جبرائيل(علیه السلام)، والولي الله، والشاهد الملائكة) هي صريحة في أن الولاية عليها(عليها السلام) في أمر تزويجها بيد الله.
إن قوله(صلی الله علیه و آله): (أمر الله الجنة ان تتزخرف وشجرة طوبى أن تنشر أغصانها في السبع سماوات إلى حملة العرش ) دال على أن هذا التزويج جناوي قد تمّ في الآخرة الأبدية .
وأما أنه كيف يتم أمر في الآخرة الأبدية قبل الدنيا مع أن المعروف فيما هو مقرر في العلوم الرسمية في المعارف أن الآخرة بعد الدنيا لا قبل الدنيا فهذا مبحث قد بسطنا الكلام فيه في الجزء الرابع من كتاب الرجعة، وملخصه أن الآخرة الأبدية كما تقع في قوس الصعود فهي قد وقعت في قوس النزول.
بل في رواية فرات الكوفي قوله(صلی الله علیه و آله): «زوجك الرحمن فوق عرشه»(1).
إنه(صلی الله علیه و آله) قد علل هذا الاستنفار في ملكوت السماوات والجنة
1) تفسير فرات الكوفي، فرات بن ابراهيم الكوفي 415 ح 552 في ذيل سورة الاحقاف.
وطبقات الملائكة بأنه كرامة من الله في قوله: «كرامة لحبيبه وابنته فاطمة ووصيه علي»، وهذا التكريم في محفل عظام الملائكة الذين بيدهم إدارة ما دون العرش من الجنة والنار والسماوات السبع والأرض ليس مجاملات وحفاوة صورية منه تعالى، بل إشارة إلى مقامات وولايات تكوينية نظير ما في المحفل الإلهي الذي أقامه الله تعالى لآدم .
فإن المدح بالفضائل والتعاطي بالكرامات في لغة العقل العملي بيان لحقائق الكمالات بتلك اللغة في قبال لغة العقل النظري كما مر في الباب الأول في الضوابط، فهذا التكريم يدل على أن مقام فاطمة(عليها السلام) ذو صلة وولاية على كل من هم دون العرش من الملائكة العظام.
إن جعل مهر فاطمة(عليها السلام) في التزويج خمس الدنيا وما فيها والنيل والفرات وسيحان وجيحان، وكل باب الخمس وأقسامه نحلة من الله وحباء لا يحل لأحد أن يظلمها فيه بورقة، وهذا المهر ليس نظير مهر النساء، وإنما هو ولاية وتولية إلهية لها على مقدرات الأرض وعلى شؤون البشر وشؤون الشعوب والدول، لأن الخمس ليس ضريبة فردية فقط بل ضريبة على ثروات الدول وما تغنمه في الحروب.
كما أن هذه الرواية في هذا المقطع دالة بوضوح على أن ولاية الخمس والفيء للأئمة(عليهم السلام) من ذريتها وراثة اصطفائية من ولايتها.
وهذا ما قررناه في الجزئين السابقين من أن مقتضى جعل الخمس والفيء لعنوان ذوي القربى، فإنها أول القربى وولدها إنما يرثون رسول الله(صلی الله علیه و آله) بتوسطها(عليها السلام).
وروى في شرح الأخبار أن النبي(صلی الله علیه و آله) قال لفاطمة(عليها السلام): (يا فاطمة والذي بعث أباك بالحق واصطفاه بالرسالة ما زوجتك عليا حتى زوجك الله إياه من فوق عرشه.
اعلمي يا فاطمة إنه لما أراد الله عز وجل تزويجك عليا أوحى إلى جبرائيل أن ناد في السماوات السبع، فنادى جبرائيل(علیه السلام)، فاجتمع الملائكة إلى السماء الرابعة بإزاء البيت المعمور، ثم أمر جبرائيل فنصب منبرا من نور عرشه وأمره أن يخطب، ويزوجك عليا، فكان الخاطب جبرائيل(علیه السلام)، والولي الله، والشاهد الملائكة .
ثم أوحى جل ثناؤه إلى رضوان -خازن الجنان- أن زخرف الجنان، وزين الحور.
وأمر الله عز وجل شجرة طوبى أن احملي، فحملت، وأمرها أن تنثر على الحور من عجائب ما انتثر عليهم، فكل حورية خلقت بعد ذلك، فالتي خلقت قبلها تفتخر عليها بما عندها من نثار ملاكك)(1).
وهذه الرواية فيها ما تقدم في الرواية السابقة وتمتاز بالآتي:6.
1) شرح الأخبار، القاضي النعمان المغربي2 / 376.
أولاً: بما بين(صلی الله علیه و آله) أن من بركات زواجها(عليها السلام) تنزل خيرات وبركات من شجرة طوبي، وهي شجرة الجنة الأبدية، وأنها تنثر على ما دونها من عالم السماوات.
وقد ذكر(صلی الله علیه و آله) أن الملائكة المباركين تتبرك بذلك النثار، وكذلك الحور العين في الجنة، مع أن الملائكة والحور العين في الأصل هم عين البركة، والبركة إشارة إلى الكمال والتكامل القدسي التكويني.
ثانيا: قوله(صلی الله علیه و آله): «يا فاطمة إن الله نظر إلى الأرض نظرة فاختار منها عليا فجعله لك بعلاً» بيان أن محورية فاطمة(عليها السلام) كفؤ لعلي(علیه السلام) في الرتبة حيث قال(صلی الله علیه و آله): «فجعله لك بعلاً» ولم يقل(صلی الله علیه و آله): «فجعلك له زوجاً» وجعل الأمير لها إشارة إلى الكفوئية.
وفي دلائل الإمامة عن علي بن أبي طالب(علیه السلام) أنه قال: هممت بتزويج فاطمة حينا، ولم أجسر على أن أذكره لرسول الله(صلی الله علیه و آله)، وكان ذلك يختلج في صدري ليلا ونهارا، حتى دخلت يوما على رسول الله(صلی الله علیه و آله) فقال: يا علي، فقلت: لبيك يا رسول الله.
فقال: هل لك في التزويج؟
فقلت: الله ورسوله أعلم، فظننت أنه يريد أن يزوجني ببعض نساء قريش، وقلبي خائف من فوت فاطمة، ففارقته على هذا، فوالله ما شعرت حتى أتاني رسول رسول الله، فقال: أجب يا علي وأسرع.
قال: فأسرعت المضي إليه، فلما دخلت نظرت إليه، فلما رأيته ما رأيته أشد فرحا من ذلك اليوم، وهو في حجرة أم سلمة فلما أبصرني تهلل وتبسم، حتى نظرت إلى بياض أسنانه لها بريق، قال: يا علي هلم فإن الله قد كفاني ما همني فيك من أمر تزويجك.
فقلت: وكيف ذلك يا رسول الله ؟
قال: أتاني جبرئيل، ومعه من قرنفل الجنة وسنبلها قطعتان، فناولنيها، فأخذتهما وشممتهما، فسطع منها رائحة المسك، ثم أخذها مني، فقلت: يا جبرئيل، ما شأنهما؟
فقال: إن الله أمر سكان الجنة أن يزينوا الجنان كلها بمفارشها ونضودها وأنهارها وأشجارها، وأمر ريح الجنة التي يقال لها (المثيرة) فهبت في الجنة بأنواع العطر والطيب، وأمر الحور العين بقراءة سورتي طه ويس، فرفعن أصواتهن بهما.
ثم نادى مناد: ألا إن اليوم يوم وليمة فاطمة بنت محمد، وعلي بن أبي طالب رضى مني بهما.
ثم بعث الله (تعالى) سحابة بيضاء، فمطرت على أهل الجنة من
لؤلؤها وزبرجدها وياقوتها، وأمر خدام الجنة أن يلقطوها، وأمر ملكا من الملائكة يقال له: (راحيل) فخطب خطبة لم يسمع أهل السماء بمثلها .
ثم نادى (تعالى): يا ملائكتي وسكان جنتي باركوا على نكاح فاطمة بنت محمد وعلي بن أبي طالب، فإني زوجت أحب النساء إلي من أحب الرجال إلي بعد محمد.
ثم قال(صلی الله علیه و آله): يا علي أبشر أبشر، فإني قد زوجتك بابنتي فاطمة على ما زوجك الرحمن من فوق عرشه، وقد رضيت لها ولك ما رضي الله لكما، فدونك أهلك »(1).
ولا يخفى أن صورة لفظ الحديث هي بحسب متنها في دلائل الإمامة للطبري، وهو يختلف في الجملة عن صورة المتن في رواية الصدوق في الآمالي وتمتاز هذه الرواية:
أولاً: ظاهر الرواية والروايات المتقدمة بوضوح أن العرش وما دونه من الجنة الأبدية والسبع سماوات والسبع أرضين وكل من يسكن تلك العوالم قد تأثر وانفعل ابتهاجا بهذا الحدث الذي يقع في
1) دلائل الامامة، محمد بن جرير الطبري الشيعي 87 ، الأمالي ، الشيخ الصدوق 654.
بيت النبوة، مما يدل بوضوح على الارتباط الروحي لهذه العوالم وأهلها من العرش فما دونه بأهل البيت، وهو من ارتباط الداني بالعالي، وهذا مؤشر على مقام الولاية للنبي(صلی الله علیه و آله) وعلي(علیه السلام) وفاطمة(عليها السلام) تكوينا ودينا.
ثانيا: قوله(صلی الله علیه و آله) بحسب صورة الحديث في الأمالي:
«ألا إني أشهدكم أني قد زوجت فاطمة بنت محمد من علي بن أبي طالب رضا مني، بعضهما لبعض»(1).
وفي هذا المقطع دلالة بوضوح على أن ولاية هذا التزويج سواء من طرف فاطمة أو من طرف علي ليس بتولية من النبي(صلی الله علیه و آله) ولا من علي ولا من فاطمة بل منه تعالى، وهذا المفاد مستفيض في روايات تزويجهما.
وقد تقدم أن هذا يفيد عظم شأنهما(عليهما السلام) وعظم حدث الاقتران بينهما، وأنه ليس اقتران أبدان ولا مجرد اقتران أرواح بل هو اقتران نظم وتدبير إلهي في مقام الولاية وشؤونها، وأنه تتشاطر فاطمة وعلي(عليهما السلام) شؤون الولاية الإلهية في العوالم العلوية بعد مرتبة النبي(صلی الله علیه و آله) وأنهما يتشاطران المقامات النبوية اصطفاءا وراثيا.
1) الأمالي، الشيخ الصدوق 654، تفسير فرات الكوفي، فرات بن ابراهيم الكوفي 415.
وهذا هو سر لغز هذا الهول والخطب في كل عالم الملكوت حتى ارتج ارتجاجا في هذا الاقتران، وإليه الإشارة في ما مر من قوله تعالى: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (19)بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (20) (1)فإن بحر العلم وهو بحر علي هو بحر الولاية، وبحر النبوة وهو بحر فاطمة هو بحر الوراثة الاصطفائية لها من أبيها، وهما بحران عظيمان من الملكوت من سنخين متعددين وإلتقاؤهما في التأثير والتدبير لما دونهما من شؤون العوالم يتطلب توازنا تكوينيا في غاية اللطافة والدقة، وليس هذا التوازن إلا بهيمنة المقام النوري للنبي(صلی الله علیه و آله)، وإلتقاء البحرين اقتران وتقارن.
وروى في المناقب عن عبد الرزاق باسناده إلى أم أيمن في خبر طويل عن النبي(صلی الله علیه و آله):
«وعقد جبرئيل وميكائيل في السماء نكاح علي وفاطمة، فكان جبرئيل المتكلم عن علي وميكائيل الراد عني»(2).
وروى في المناقب أيضا حديث خباب بن الأرت:
«إن الله تعالى أوحى إلى جبرئيل أن زوج النور من النور»(3).
ومفاد هاتين الروايتين بوضوح:
أولا: أن طبقات التزويج بينهما(عليهما السلام) العمدة فيه اقتران نوريهما.ر.
ثانيا: هذا التزويج جرى بتولية من الله على أمير المؤمنين(علیه السلام) وعلى فاطمة(عليها السلام) سواء، وأن الولي هو الله تعالى.
وكان قوّام الزواج وشهوده من الملائكة، كما أن قوّام العقد كانوا هم الملائكة المقربين وشهوده ملائكة السماوات، مما يبين أن الاقتران بينهما أصل بيئته في طبقات الملكوت، فكانت الملائكة ممن لهم ارتباط بهذا القران .
قال رسول الله(صلی الله علیه و آله) لعلي(علیه السلام):
«وقد أمرني الله يخبرني مشافهة - حيث أسري بي إليه - أمرني أن أو أخيك وأزوجك بفاطمة بنتي سيدة نساء العالمين في الأرض بعد أن زوجك الله في السماء»(1).
وبيان الرواية في نقاط:
أولا: ردف المؤاخاة بين علي(علیه السلام) وبين النبي(صلی الله علیه و آله) وفرّع على ذلك تزويج فاطمة(عليها السلام) به(علیه السلام)، وهذا مما يعطي عظم شان فاطمة(عليها السلام) بعد كون التزويج منطوي في ماهيته الكفوئية والكفاءة والاقتران.
1) الهداية الكبرى، الحسين بن حمدان الخصيبي 64.
مما يدل على المشاركة والترتب بين الثلاثة حيث بدأ أولا بالمواخاة وهي دالة على المشاركة بين أمير المؤمنين(علیه السلام) والنبي(صلی الله علیه و آله) مع كون النبي(صلی الله علیه و آله) هو الأصل ورتبة أمير المؤمنين(علیه السلام) الثانية، ثم فرّع على المؤاخاة بينهما تزويج علي بفاطمة(عليهما السلام)، والتزويج نحو مقارنة واشتراك، وحيث كان فرع المؤاخاة كان فيه إشارة إلى تأخر رتبة فاطمة(عليها السلام) عنه(علیه السلام) في حين الكفوئية والمشاركة.
ثانيا: ثم إن هذا الاقتران قد بدأ في السماء قبل كونه في الأرض أي أنه اقتران وكفوئية في عالم الملكوت والنور ومن ثم أردف ذلك في بعض الرويات: ان الله تعالى أوحى إلى جبرئيل: زوج النور من النور، وكان الولي الله، والخطيب جبرئيل، والمنادي ميكائيل، والداعي إسرافيل، والناثر عزرائيل، والشهود ملائكة السماوات والأرضين )(1).
وفي الرواية: ( نزل جبرائيل على النبي(صلی الله علیه و آله) فقال: يا محمد، إن الله يأمرك أن تزوج فاطمة من علي)(2).
وفي شرح الأخبار عن موسى بن جعفر(علیه السلام) انه قال: بينا رسول الله (صلی الله علیه و آله) جالس إذ دخل عليه ملك له أربعة وعشرون وجها، فقال له
رسول الله: حبيبي جبرئيل لم أرك في مثل هذه الصورة فقال الملك لست بجبرئيل أنا محمود بعثني الله تعالى أن أزوج النور من النور قال من ومن؟ قال: فاطمة من علي)(1).
وروى في كشف الغمة قال الخوارزمي وأنبأني أبو العلا الحافظ الهمداني يرفعه إلى الحسين بن علي(علیه السلام) قال: بينا رسول الله(صلی الله علیه و آله) في بيت أم سلمة إذ هبط عليه ملك له عشرون رأسا، في كل رأس الف لسان يسبح الله ويقدسه بلغة لا تشبه الأخرى، راحته أوسع من سبع سماوات وسبع أرضين، فحسب النبي(صلی الله علیه و آله) أنه جبرئيل(علیه السلام) فقال: يا جبرئيل لم تأتني في مثل هذه الصورة قط؟ قال: ما أنا جبرئيل، أنا صرصائيل بعثني الله إليك لتزوج النور من النور، فقال النبي(صلی الله علیه و آله): من من من قال؟ ابنتك فاطمة من علي بن أبي طالب(علیه السلام)، فزوج النبي(صلی الله علیه و آله) فاطمة من علي بشهادة جبرئيل وميكائيل وصرصائيل...)(2).
ثالثا: إن التزويج بين الأبدان وبين النفوس النازلة أمر معهود معروف، وأما التزويج بين الأنوار فهو سنخ ونمط من القران
والشفاعة يقترب من بحث الشفاعة الذي هو اقتران في الأسماء الإلهية ويحتاج إلى مزيد بحث وبسط، كما أوضحناه في بحث مرج البحرين.
رابعاً: وحيث كان التزويج سماويا ونورانيا ومتفرعا على المؤاخاة كشف ذلك عن كون المؤاخاة نورية برتبة أعلى.
إن عظمة هذا الحفل والتزويج لم يرد في تزويج سيد الرسل(صلی الله علیه و آله) بخديجة فضلا عن بقية الأنبياء(عليهم السلام)، مع كون النبي(صلی الله علیه و آله) أفضل منهما وسيدهما، بل إن فضل وعظمة تزويجهما منشؤها عظمة النبي(صلی الله علیه و آله).
فما لهذا الاهتمام في الإرادة والمشيئة الإلهية بهذا التزويج، أي لتكوين هذه النواة من بيت النبوة والأسرة النورية .
وهذا عين المفاد الوارد في حديث الكساء أن نواة أصحاب بيت الكساء وبيت النور الذي هو مفاد سورة النور أنه محور لوحي الاصطفاء.
فهذا البيت وهذه الأسرة ليست قدويتها في جانب عيشها الاجتماعي الدنيوي فحسب كنبراس للأنبياء والمرسلين والأوصياء
من ذريتهما(عليهما السلام) في تكوين الأسرة في المعيشة الاجتماعية الدنيوية، بل الأعظم من ذلك هو التآلف والتوازن والتوافق في الولايات الاصطفائية بعضها مع البعض الآخر مع اختلافها رتبة من جهة وتشاركها من جهة أخرى.
فإن هذا أعظم شأنا أي أسروية وبيت الولايات الاصطفائية.
فأصحاب الكساء الخمسة(عليهم السلام) قدوة للملائكة المقربين في التنسيق في شؤون الولايات الملكوتية في المقامات الخطيرة من تدبير الأمر الإلهي.
ومن ثم ورد من مباهاة الله عزوجل بأمير المؤمنين علي(علیه السلام) ليلة المبيت على فراش النبي(صلی الله علیه و آله).
روى في المناقب عن كثيرين من العامة وجماعة من أصحابنا ومن ينتمي إلينا بأسانيدهم عن ابن عباس وأبي رافع وهند بن أبي هالة: أنه قال رسول الله(صلی الله علیه و آله): «أوحى الله عز وجل إلى جبرئيل وميكائيل أني آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر أيكما يؤثر صاحبه بالحياة ؟
فاختار كلاهما الحياة فأوحى الله عز وجل أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب صلوات الله على نبينا وعليه آخيت بينه وبين محمد فبات على فراشه ففديه بنفسه وآثره بالحياة اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه،
فكان جبرئيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه وجبرئيل ينادي بخ بخ من مثلك با ابن أبي طالب يباهي تعالى بك الملائكة، فأنزل الله عز وجل «ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد»(1).
وهذه بالدقة ليست مباهاة الله على صعيد البعد الشخصي بين أحد الأدميين واثنين من الملائكة المقربين، بل هو في الحقيقة تعليم من الله وتربية منه لعظام الملائكة المقربين على أن مسؤولية التدبير للأمر الإلهي والتنسيق تتطلب درجة من تفاني الذات والتخلص من الذاتية والذوبان في الأمر الإلهي الدرجة الكبيرة كي ينتظم الفعل الإلهي في التنزل من القدس الأعلى إلى العوالم النازلة.
ومن ثم في هذا الحديث هنّأ جبرئيل وميكائيل عليا(علیه السلام) بأنه فاق في امتحان تدبير الولاية كلا من جبرئيل وميكائيل، فكيف لا يكون علي(علیه السلام) معلما وقدوة لجبرئيل وميكائيل في تدبير الولايات الملكوتية وشؤون الأمر الإلهي.
فعظمة بيت أصحاب الكساء في الأساس والأصل هي تعاظم نسق الولاية بين سيد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) وسيد الأوصياء(علیه السلام) وسيدة النساء(عليها السلام)
1) مناقب آل أبي طالب، بن شهر آشوب 1/ 339.
وسيدي شباب أهل الجنة(عليهما السلام) حيث إن الله جعلهم سادات الولايات الإلهية في العوالم والأكوان في أعلى علو عوالم الملكوت ونزولا إلى سابع أرضين، فهي بمثابة الهيئة الحاكمة العليا في دولة الشأن والأمر الإلهي وغرفة التحكم في مقامات الولايات للملائكة المقربين وحملة العرش وللأنبياء والمرسلين والأصفياء والصديقين.
فهذه الإلفة بين أركان أصحاب الكساء(عليهم السلام) البالغة غايتها ولاسيما وأن هذه الإلفة لم تقتصر على الملكوت الأعلى بل هي بالغة غايتها أيضا في عالم الملك الأدنى الذي هو مثار التزاحم والتضاد والتناقض على أشد ما يمكن، فيكون ذلك البيت وأصحابه نبراسا عظيما وقدوة في الإدارة والتدبير والولاية لكل طبقات الملكوت وطبقات الملك، فضلا عن الحياة الإجتماعية السياسية للبشر في نظام الإدارة وفضلا عن نظام الأسرة المعيشية التي هي لبنة المجتمع.
فالأصل في عظمة الجلوس تحت الكساء من أصحاب الكساء وتكوينهم كينونة البيت النبوي أساسه أن ولايتهم نظام للولايات الإلهية سواء في عالم الأرواح الأمرية أو للملائكة المقربين أو للأنبياء والمرسلين والأوصياء والمصطفين(عليهم السلام)، وأن نظم الولاية في ما بين
أصحاب الكساء(عليهم السلام) أمان من فرقة وتزاحم أصحاب الولايات الإلهية في الملكوت والملك.
ألا ترى ما جرى بين موسى والخضر(عليهما السلام) وكان أحدهما نبي من أولي العزم والآخر من أعاظم الأولياء في زمرة العلماء بأمر الله، فلم يصبر أحدهما على الآخر، فقال الخضر لموسى كراراً: ( قالَ أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً(72)(1)(2)فلم يصبر موسى(علیه السلام) على الخضر كما أن الخضر لم يصبر على موسى في قوله تعالى: ( قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَ بَيْنِكَ )(3)(4)فلم يرتضي مصاحبة موسى ولم يصابر الخضر على عدم مصابرة موسى وفوق كل ذي صبر صبور.
وقد بين أن الصبر في الإدارة والولاية منشؤها العلم كما في قول الخضر: ( وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً) (5). (6)
مما يدلل على أن صبر الأولياء في الإدارة والتدبير للأمر الإلهي وليد أو متأثر بدرجة العلم لذلك الولي وذلك الصفي، فكلما اتسع علمه وتنوّع وتبحّر وترامى خبرا كلما ازداد تحمله وكفاءته في الولاية
والتدبير للشأن والامر الإلهي .
ومن ثم فإن الإلفة التي بين أصحاب الكساء(عليهم السلام) إلى منتهى الغاية ولا يقول أحدهما للآخر «هذا فراق بيني وبينك» كما لا يقول بعضهم لبعض «إنك لن تستطيع معي صبرا»، كما أنهم لا يختصم بعضهم مع البعض كما هو حال من هم في الملأ الأعلى، كما أنه لا يقول أحدهم للآخر: ( قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَ لا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (150)(1)(2)ولا: ( قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَ لا بِرَأْسِي )(3). (4)
وليس هذا البيت نظير بيت آدم وحواء حيث أخرجهما الشيطان مما كانا فيه ( فَدَلاّهُما بِغُرُورٍ)(5)(6)رغم أنها صفية وآدم صفوة الله ( وَ قُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ (35)(7)(8)( فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ )(9). (10)
ولا نظير الذي جرى بين هاجر وسارى وإبراهيم الخليل(علیه السلام) حتى اضطر إبراهيم إلى ما قاله تعالى: ( رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي (11)6.
بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ )(1)(2)وإن كان ذلك مشتملا على حكمة إلهية عظيمة في تدبير الله تعالى.
وليست الإلفة بين أصحاب الكساء(عليهم السلام) تحت وطأت صرامة القانون وتحت مظلة التشارط والتعاقد والتعاوض كالذي بين موسى وشعيب(عليهما السلام) كما في قوله تعالى: ( قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَ ما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللّهُ مِنَ الصّالِحِينَ (27) ) (3)(4)بل إن الإلفة بينهم معرفية ونورية وروحية وخلقية قبل أن تكون قانونية في مادة البدن.
ولا التنسيق فيما بينهم فيه وقفة تروّي وفترة تدبر كالذي جرى بين إبراهيم وإسماعيل(عليهما السلام) في قوله تعالى: ( فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللّهُ مِنَ الصّابِرِينَ (102)(5). (6)
والحاصل أنه رغم عظم مقام ولاياتهم لم يوجب ذلك تمحور كل ذات منهم حول نفسه مع أن طبيعة الإنسان بل كل مخلوق أنه يطغى أن رآه استغنى، فانظر إلى منشأ الاعتراض لدى الملائكة: ( قالُوا (7)2.
أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ )(1). (2)
فوصفوا أنفسهم بالتسبيح والتقديس الذي أوجب كونه مدعاة للإعتراض على جعل الله .
ونظيره ورد في قبض روح إبراهيم الخليل(علیه السلام)، فقد أخرج في الدر المنثور: أن ملك الموت جاء إلى إبراهيم(علیه السلام) ليقبض روحه فقال إبراهيم يا ملك الموت هل رأيت خليلا يقبض روح خليله فعرج ملك الموت إلى ربه فقال قل له هل رأيت خليلا يكره لقاء خليله)(3).
ونظيره ماورد أنه إذا نفخ في الصور يأمر الله بقبض روح ملك الموت، فيقول:( إلهي وسيدي ارحم عبدك ملك الموت فإنه ضعيف، فيقول الله عز وجل له: يا ملك الموت، ضع يمينك تحت خدك الأيمن بين الجنة والنار ومت.. فيضطجع ملك الموت على يمينه ويضع يده اليمنى تحت خده الأيمن، ويده الشمال على وجهه ويصرخ صرخة فلو أن أهل السماوات والأرض أحياء لماتوا لشدة صرخته) (4).
فنلاحظ في قبض روح إبراهيم(علیه السلام) وملك الموت وكذا جبرئيل وميكائيل واسرافيل(عليهم السلام) تترائى لهم مكانة أنفسهم في مقامات الولاية8.
فلا ينطلق منهم التسليم الذي لدى أصحاب الكساء(عليهم السلام) عند قبض أرواحهم بينما نرى أن سيد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) أول ما أخذ الله عليه أن يكابد طول حياته طعم موت والاغتيال، وكذلك في سيد الأوصياء(علیه السلام) حيث ورد في مصباح الزائر:
«السلام على من عجب من حملاته في الحروب ملائكة سبع سماوات»(1).
ونظير ما ورد في شأن سيد الشهداء(علیه السلام)
«وقد عجبت من صبرك ملائكة السماء»(2).
ونظير ما في شأن صاحب العصر(علیه السلام)
«عزيز علي أن تحيط بك دوني البلوى، ولا ينالك مني ضجيج ولا شكوى ... عزيز علي أن يجري عليك دونهم ما جرى»(3).
وروى الطوسي عن أبي بصير عن أبي عبدالله(علیه السلام):
«ذو الغيبة الشريد الطريد»(4).
وروى النعماني في الغيبة عن الباقر(علیه السلام)وصف صاحب الأمر: الشريد الطريد الفريد الوحيد)(5).4.
فرغم عظمة شؤون مقامات الولاية التي أعطيت لهم بأعلى مما لدى الملائكة والأنبياء والمرسلين(عليهم السلام) إلا أنهم كما ورد في زيارتهم(عليهم السلام):
«لا يسبقهم ثناء الملائكة في الإخلاص والخشوع ولا يضادكم ذو ابتهال وخضوع أنى ولكم القلوب التي تولّى الله رياضتها بالخوف والرجاء.. الفترة»(1).
ومن ثم بلغوا في مقامات الولاية درجة كبراء الصديقين وأمراء الصالحين وقادة المحسنين وأنوار العارفين وشموس الأتقياء وبدور الخلفاء ودعائم الأخيار ...وركن الأولياء.
ورد في زيارة أمير المؤمنين(علیه السلام):
«السَّلامُ عَلَيكَ يا مَنْ وُلِدَ فِي الكَعْبَةِ وَزُوِّجَ فِي السَّماء بِسَيِّدَةِ النَّساءِ وَكانَ شُهُودُها المَلائِكَةُ الأصْفِياء»(2).
ولا يخفى أن أدنى ما يفيده الجمع بين الولادة في الكعبة والتزويج في السماء هو كون شؤون علي(علیه السلام) كلها إلهية وتحت ولاية الله، فما هو واقع تحت اختياره أو ليس بواقع تدبيره بولاية الله، مما يشير إلى أنه وجود إلهي محض.
*كفؤيته(علیه السلام) لفاطمة(عليها السلام) وتقدمه على اولاده(عليهم السلام)...
*اللون المشترك في دائرة الحجج لا ينافي التفاضل...
*دائرة التسعة تتلو دائرة الحسنين(عليهما السلام)...
*شواهد تقدم مقام الزهراء(عليها السلام) على أولادها(عليهم السلام)...
*أيّهما أقرب للنبي(صلی الله علیه و آله) فاطمة أم علي(عليهم السلام)...
نبدأ الشروع فِي هَذِهِ المقالة بذكر قواعد وأصول، وَمِنْ ثمَّ نصل إلى المقصود بنحو سلس.
لعلي وفاطمة(عليهما السلام)خصوصيات مشتركة ودائرة يحلّقان فيها لوحدهما بَعْدَ رَسُوُل الله(صلی الله علیه و آله).
وَقَدْ مَرَّ فِي المقالة السابقة أنَّ لها(عليها السلام) علماً خاصاً وتكافئا مَعَ علم أمير المُؤْمِنِين(علیه السلام).
ويبين بوضوح الدائرة الخاصّة بهما(عليهم السلام) قول رَسُوُل الله(صلی الله علیه و آله) فِي رواية الفريقين، فنص ما في الكافي عن أبي عبد الله(علیه السلام) قال: لولا أن الله تبارك وتعالى خلق أمير المؤمنين(علیه السلام) لفاطمة، ما كان لها كفو على ظهر الأرض من آدم ومن دونه)(1).
وفي الفصول المهمة عن رسول الله(صلی الله علیه و آله) في حديث قال: (هبط علي جبرئيل فقال: يا محمد إن الله عز وجل يقول: لو لم أخلق عليا، لم يكن لفاطمة بنتك كفو على وجه الأرض، من آدم ومن دونه)(2).
وبتلك الخصوصيات المشتركة يتقدمان فِي الفضل والفضيلة عَلَى سائر الأئمة مِنْ أولادهم(عليهم السلام).
ومما يشهد لهذا الأصل ما في تفسير العسكري عَنْ الإمام الرضا(علیه السلام): (... إنما شيعته الحسن والحسين وأبو ذر وسلمان والمقداد وعمار و محمد بن أبي بكر الذين لم يخالفوا شيئا من أوامره، ولم يركبوا شيئا من فنون زواجره)(3).3.
فَلَيْسَ هُمَا(عليهما السلام) بكفوين لَهُ(علیه السلام).
وَقَدْ وَرَدَ عَلَى لسان عِدَّة مِن الأئمة كالباقر وَالصَّادِق والكاظم(عليهم السلام) نظير ما رواه في الروضة عن الصادق(علیه السلام):
(ولايتي لعلي بن أبي طالب(علیه السلام) أحب إلى من ولادتي منه، لأن ولايتي لعلي بن أبي طالب فرض، وولادتي منه فضل)(1).
أيّ أنَّ النسب المعنوي والتبعيّة الروحيّة والمشاكلة الدينيّة خير مِنْ النسبة البدنية التوالدية.
وبالتالي فَهَذَه شهادة منهم(عليهم السلام) أنَّهُم ليسوا بكفؤ.
وَقَدْ أصاب مِنْ قَالَ أنَّ علياً(علیه السلام) قَدْ أتعب أولاده مِنْ بعده فَلَمْ يستطيعوا بلوغ نحو عبادته ومقامه الخاص مَعَ ما كانوا عَلَيْهِ مِنْ عبادة لا توصف ومقام لا يُدرك وجهد وجهاد لا يُجارى.
وَمِنْ ثمَّ فَلَمْ يوصف أحد بأنه كفؤ لعلي(علیه السلام) إلَّا فاطمة(عليها السلام).
إن الحكم عَلَى مجموعة مِنْ الحجج بكونهم فِي دائرة واحدة يعني أنَّ لهم لوناً مشتركاً مِنْ المقامات، أو أقل إنَّ ثمة حداً أدنى مِنْ المقامات قَدْ اشتركوا فِي بلوغه، لكنَّ هَذَا لا يعني ولا ينافي أنْ يحكم عَلَيْهِم
1) الروضة في فضائل امير المؤمنين، شاذان بن جبرئيل القمي 103.
بالتفاضل والتمايُز مَعَ اشتراكهم فِي اللون الواحد، لِأنَّ الاشتراك مصبّه الحدّ الأدنى والتفاضل مصبّه الخصوصيات بلحاظ الحدّ الأعلى.
وَعَلَى هَذَا الأساس فَهُنَاك دائرة مِنْ الفضل يشترك فيها الحسنان(عليهما السلام) ويتقاربان ويتمايزان فيها عَنْ سائر المعصومين(عليهم السلام) مِنْ بعدهم، وَهُوَ لا ينافي امتياز الحسن(علیه السلام) عَلَى الحسين(علیه السلام) فِي بَعْض الخصوصيات.
وتتلو دائرة الحسنين(عليهما السلام) في الكمال والتكامل دائرة ثالثة جامعة لِكُلِّ الأئمة(عليهم السلام) الثمانية مِنْ علي بن الحسين إلى الإمام العسكري(عليها السلام)، فلهم لون فِي دائرة واحدة مَعَ عدم منافاة تقدم كُلّ أب عَلَى ابنه فِي بَعْض الخصوصيات.
وَقَدْ أفرد أهل التحقيق دائرة مِنْ الفضل يسبق بموجبها الإمام الحجة(عج) آباءه الثمانية ويتلو بموجبها دائرة الحسنين(عليهما السلام).
ثمة شواهد توضِّح سبق الزهراء(عليها السلام) فِي المقام عَلَى مقام أولادها(عليهم السلام) جميعاً.
وَمن هَذِهِ الشواهد ما مَرَّ فِي مصحفها، إذْ تَقَدَّمَ أنْ لها اطّلاعا عَلَى
ملك الأئمة(عليهم السلام) فِي أدوار الإمامة الإلهية، إذْ لو ترجمنا هَذَا العلم بلغة عصرية لتبيَّن ما لها مِنْ خطورة خاصّة فِي المقام بيسر وسهولة، فإنّه لو حبي شخص من رئاسة الدولة باطلاعه عَلَى أسماء الوزراء والمدراء وملفاتهم ومدة ملكهم وتراتبيتهم وما يجري عَلَيْهِم مِنْ الشؤون فَأيّ شيء يعني ذَلِكَ؟
وَهَلْ يمكن أنْ تفتح سجلات الخصوصيات الخاصّة بالوزراء لِمَنْ هُوَ دونهم في المقام والتمثيل فِي الدولة؟
ألا يؤشر ذَلِكَ عَلَى أنَّ مِنْ يعطى ويُحبى ذَلِكَ العلم يتمتع بصفة المراقب والمشرف والمهيمن!
وَهَلْ يصح أنْ يتصوّر أحد فِي حق أيّ واحد مِنْ الأئمة الأحد عشر(عليهم السلام) أنْ يفتح باب السُّؤال والحساب ليُقدم تقريرا أو ما يشابهه فيما يخص أدوار إمامة أمير المُؤْمِنِين(علیه السلام) ولو على نحو الحساب الصوري؟
لكن هذا بنحو ما صدر من فاطمة (عليها السلام) فيما يخص أمير المؤمنين(علیه السلام) فِي قولها(عليها السلام):
«يا بن أبي طالب، اشتملت شملة الجنين، وقعدت حجرة الظنين، نقضت قادمة الأجدل فخانك ريش الأعزل»(1).
وليكن واضحا أنَّ حمل ما وَرَدَ عنها(عليها السلام) عَلَى معنى الحساب الصوري ومسؤلياتها فِي المراقبة لَيْسَ هُوَ بمعنى استنقاص أمير5.
1) الاحتجاج، الشيخ الطبرسي 1/ 145.
المُؤْمِنِين(علیه السلام)، بَلْ هُوَ رقابة وحساب شكلي لإفهام الآخرين بأنَّ علياً(علیه السلام) لَمْ يفرّط فِي شيء مِنْ الحرمات والمسؤوليات.
وحاشا للصديقة(عليها السلام) أنْ تخطو خطوة أو تلفظ قولاً لا مناسبة لَهُ بالحوادث ومقام الإمامة الإلهية.
وَمِنْ ثمَّ ولأجل مجاراة عتابها والإفصاح عَنْ كونه مناسبا للشأن وخطورة المقام أتت استجابة أمير المُؤْمِنِين(عليها السلام) سريعا، فقد روى أن فاطمة(عليها السلام) حرضته يوما على النهوض والوثوب فسمع صوت المؤذن (اشهد أن محمدا رسول الله) فقال لها أيسرك زوال هذا النداء من الأرض قالت لا قال فإنه ما أقول لك)(1).
وَمِنْ ثمَّ تبين أنَّ اطّلاع فاطمة(عليها السلام) عَلَى ملفات الإمامة الإلهية مِنْ أدلّ الإدلة عَلَى كونها(عليها السلام) ذات صلة حيّة وموقعيّة تعلو الأئمة مِنْ أولادها(عليهم السلام).
ويزيد ذَلِكَ وضوحاً ما يسمى بالكتاب الذي يفتحه كُلّ إمام لنفسه لكنّه لا يفتح كتاب إمام آخر فِي حين أنَّ كتب الأئمة تعطى للزهراء(عليها السلام) بما فيها مِنْ أسرار عالم الغيب، وما أعدّه الله للبشر فِي كُلّ المحطّات والملاحم الغيبية.3.
1) شرح نهج البلاغة، ابن ابي الحديد 11 / 113.
بَعْدَ كُلّ ما اثبتناه مِنْ تربّع علي وفاطمة(عليها السلام) عَلَى عرش مشترك مِنْ الكمالات والفضائل وتقدمهما عَلَى أولادهما المعصومين(عليهم السلام) يصل المقام للسؤال عَنْ ميزة أحدهما عَلَى الآخر برغم ما لهما مِنْ الدرجات المُتقاربة، فَهَلْ مقام فاطمة(عليها السلام) أقرب لمقام أبيها مِنْ مقام علي مِنْهُ؟
ومما أوضحه القُرآن الكريم بشكل جلي أنَّ مِنْ أقرب المُقربين للرسول(صلی الله علیه و آله) علي ابن أبي طالب(علیه السلام)، بَلْ عبّر عَنْ شدة القرب بأنَّ جعله بمنزلة نفس الرَّسُول(صلی الله علیه و آله) كَمَا فِي آية المباهلة فِي قوله تَعَالَى: ( فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ) (1). (2)
ودلَّ عَلَى المنزلة القريبة المعنوية بينهما فِي آية الولاية وَهُوَ قوله تَعَالَى: ( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ (55) (3). (4)
بَيْنَمَا فِي آيات أُخرى كآية المودة وآية الفيء الَّتِي هِيَ آية ولاية بيَّن القُرآن أنَّ أقرب المُقربين من رسول الله(صلی الله علیه و آله) فاطمة(عليها السلام).
فَهَلْ هُنَاك تدافع بين آيات القُرآن؟
وجوابه: إنَّ الجمع بين تلك الآيات يكون مِنْ خلال القول
بكفؤية فاطمة لعلي(عليهما السلام) وكفؤية علي لفاطمة(عليهما السلام) وكونهما لونا واحدا بلا أيّ منافاة فِي تَقَدَّمَ علي(علیه السلام) عَلَيْهَا فِي بَعْض الخصوصيات.
وفي القُرآن شاهد أنَّ الولاية بَعْدَ الله ورسوله(صلی الله علیه و آله) لعلي وفاطمة(عليهما السلام) فِي الدرجات الأولى قبل الحسن والحسين(عليهما السلام) وقبل التسعة المعصومين(عليهم السلام)فضلاً عَنْ سائر الأنبياء(عليهم السلام)، ففي آية المودة وَهِيَ قوله تَعَالَى: ( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) (1)(2)بيان ما قلناه، إذْ هِيَ دالّة عَلَى أنَّ أساس الدِّين مودة القربى، وأقرب القربى هِيَ فاطمة(عليها السلام).
وَلابُدَّ مِنْ التدقيق أنَّ مودة القربى لَمْ تجعل أساساً للشريعة، بَلْ أساس للدين، والدِّين قَدْ بعث به جميع الأنبياء(عليهم السلام)، فسائر النبيين يدينون إلى الله بولاية الله وبطاعة خاتم الأنبياء(صلی الله علیه و آله) وبطاعة قربى خاتم الأنبياء.
أيّ أنَّ قوله تَعَالَى: ( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ ) (3)فالضمير فِي كلمة «عليه» لا يرجع إلى الشريعة، بَلْ يرجع إلى الدِّين أو إلى جهود الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) فِي تبليغ الدِّين، وبالتالي فَهُوَ راجع إلى الدِّين، والدِّين كَمَا هُوَ معلوم واحد بين الأنبياء فِي نظامه ومنظومته، وإنْ كَانَ فيه تفاضل فِي العمق مِنْ شريعة إلى أخرى.
وَمِنْ ثمَّ فَإنَّ الدِّين الموحَّد بين الأنبياء(عليهم السلام) مرتّب فِي القُرآن عَلَى3.
درجات والرتبة الأولى مِنْهُ لله بلا أن يكافئه أحد، والرتبة الأولى فيه بحسب دائرة المخلوقين وفي العباد المقربين المكرمين هُوَ سَيِّد الأنبياء وبعده قرباه(عليهم السلام).
وخلاصة المطلب أنَّهُ ثبت لفاطمة(عليها السلام) كُلّ ما للأئمة(عليهم السلام) مِنْ صلاحيات وولايات وحجية واصطفاء ولزوم طاعة، وزادت عَلَيْهِم فِي أنَّ رتبتها تتلو أمير المُؤْمِنِين(علیه السلام).
وفي بيانات وشواهد كثيرة أنَّ الأنبياء(عليهم السلام) إنَّما أوتوا النبوة بإقرارهم بالولاية لسيِّد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) والولاية لأهل بيته(عليهم السلام) مِنْ أولهم وَهُوَ أمير المُؤْمِنِين(علیه السلام) ثمَّ فاطمة(عليها السلام) ثمَّ الحسن والحسين والتسعة من ذريته(عليهم السلام)، وقد مرّ ذلك.
ولا يتوهّم أحد أنَّ الإقرار بهم مخصوص ببعثة سَيِّد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) لِأنَّ ذَلِكَ عقيدة، والعقيدة لا نسخ ولا تبدّل فيها مِنْ نبي إلى نبي، والدِّين منظومته ثابتة بعث بها آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وسائر الأنبياء(عليهم السلام).
وما للقرآن مِنْ هيمنة عَلَى علم موسى «التوراة» وَعَلَى علم عيسى «الإنجيل» وَعَلَى علم إبراهيم «الصحف» ثابت للنبي(صلی الله علیه و آله) ولأهل بيته المطهّرين(عليهم السلام)، وبالتالي فلفاطمة(عليها السلام) مهيمنة عَلَى أولادها المعصومين(عليهم السلام) وَهِيَ مُهيمنة عَلَى علوم الأنبياء(عليهم السلام).
*ثبوت ما وراء الإمامة السياسية لفاطمة(عليها السلام)
*ولاية أمر الأئمة(عليهم السلام) وراثة من فاطمة(عليها السلام)
*إنعكاس ولاية فاطمة(عليها السلام) الملكوتية في الشؤون الخطيرة
*الأبعاد الثابتة من ولاية الأمر لفاطمة(عليها السلام)
*سؤدد وطهارة وحجية فاطمة مأخوذ في الدين
*أدلّة ولايتها الأمريّة
*خلو كتب الكلام عن نسبة عنوان ولاية الأمر لفاطمة
*دليل ولايتها للأمر بمعناه الأرضي...
*الفرق بين الآمرية الدينية والفرعونية الدكتاتورية...
*تروّي الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) فِي إسناد ولاية إلى لفاطمة(عليها السلام)...
لقد ثبت لفاطمة(عليها السلام) بأدلة قُرآنية محكمة وأدلة روائية متينة كُلّ ما ثبت للأئمة(عليهم السلام) من مقامات عدا الإمامة السياسية ومباشرة أُمُور الرجال، وما فِي معنى ذَلِكَ مِنْ المناصب التنفيذية.
وأمَّا ما وراء الإمامة السياسية مِنْ مقامات خطيرة كمقام ولاية الأمر المشار إليه فِي قوله تَعَالَى: ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ )(1)(2)فَهِيَ ثابتة بحسب كُلّ معادلات القُرآن ومعادلات السَّنَة النبوية والمعادلات العلمية الرصينة للصديقة(عليها السلام)، بَلْ ثبوت مقام ولاية الأمر لها بحسب الدَّليل مقدّم عَلَى ثبوته للحسنين(عليهما السلام) والأئمة التسعة(عليهم السلام).
وَمِنْ أوضح الشواهد عَلَى ذَلِكَ قوله تَعَالَى: ( ما أَفاءَ اللّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى ) (3)(4)،إذْ أنَّ أوَّل القُربى هِيَ فاطمة(عليها السلام).
ومما يستفاد هاهُنَا مِنْ قاربتها القريبة أنَّها تورّث أولادها المعصومين(عليهم السلام) مقام ولاية الأمر، ففضلاً عَنْ كونها ولية أمر بحسب
القاعدة القرآنية المبدّهة فإنّها زيادة عَلَى ذَلِكَ تتوسّط فِي توريث ذَلِكَ المقام بما لَهُ مِنْ طبقات ودرجات لبقية المعصومين(عليهم السلام).
وَمِنْ الوهم أنْ يعتقد بانحصار ولاية الأمر فِي البُعد السياسي والقيادة السياسية فيُفسَّر قوله تَعَالَى: ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ)(1)(2)عَلَى أنَّها نازلة فِي بيان الحاكمية السياسية للأئمة(عليهم السلام)، بَلْ الصحيح أنَّ الحاكمية السياسية بعد نازل بمراتب مِنْ ولاية الأمر، وَإلَّا فَإنَّ لمقام ولاية الأمر أصل وبُعد متجذّر وَهُوَ ولاية الأمر الملكوتي الأعلى، وما الحاكمية السياسية فِي الأرْض إلَّا ظل وظلال مِنْ ذَلِكَ الأصل.
وَقَدْ بيَّن القُرآن الكريم حقيقة الأمر فِي قوله تَعَالَى ( وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا)(3). (4)
وأفصح فِي سورة الواقعة أنَّ ذَلِكَ الرُّوُح يمسه المطهرون، وبيَّن مصداق المطهرين فِي سورة الأحزاب، وَهُمْ أهل البيت الخمسة وأحدهم فاطمة(عليها السلام)، فيثبت لها مقام ولاية الأمر بذلك المعنى الأصل الذي تتفرع عَلَيْهِ ولاية الأمر فِي عالم الأرْض، إذْ مِنْ الخطأ انسباق المعنى الأرضي مِنْ الأمر حَيْثُ إنَّ القُرآن قسَّم العوالم إلى خلقية وأمرية، وعالم الأمر هُوَ عالم الإبداع، وعالم (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ (5)2.
يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ )(1)(2)، وعالم (وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً)(3)(4)، فالمعنى الأوَّل والأصل لقولنا إنَّ فاطمة(عليها السلام) وليّة الأمر أنَّها تلي عالم الأمر.
ولو سأل سائل عَنْ صدى ومقابل ما لها مِنْ ولاية أمرية ملكوتية عَلَى عالم الخلق وعالم الأرْض؟
فلو قيل: هَلْ انعكس ما تثبتونه لها مِنْ مقام أمري عَلَى دورها فِي عالم الدُّنْيَا، إذْ أنَّ الأدوار الأرضية كيفاً ومساحة منعكسة عَنْ سعة المقام الأمري؟
وقبل الإجابة يحسن أنْ نشير إلى اشتباه البعض فِي وزن المقامات الأمرية للحجج بما ينعكس عنها لهم فِي عالم الدُّنْيَا بنحو ظاهر وواضح، فلو لَمْ يُشهد لهم احتكاك مباشر بعالم الخلق والأرض لكان ذَلِكَ ذريعة لإنكار ما لهم مِنْ مقام فِي عالم الأمر!!
أيّ أنَّهُ مَعَ القول بضرورة انعكاس ما هُنَاك عَلَى ما هُنَا إلَّا أنَّ الاشتباه هُوَ فِي وضوح الانعكاس الذي هُوَ المهم لدى المشتبه.
وَمِنْ ثمَّ فنحن نقول بضرورة كون الزهراء(عليها السلام) وليّة للأمر فِي عالم الدُّنْيَا انعكاساً عمّا لها مِنْ ولاية للأمر فِي عالم الأمر لكنَّهُ لَيْسَ بنحو ما لأولادها(عليهم السلام) حرفياً لخصوصية الأنثى فيها.
ولنضرب مثالاً لإيضاح المطلب وَهُوَ أنَّ القُرآن يلزمنا بالاعتقاد بجرائيل(علیه السلام) وبمقام أمين الله عَلَى وحيه فِي قوله تَعَالَى: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ )(1)(2)، والمقصود به جبرائيل ويصفه القُرآن بذي قوة وَأنَّهُ مكين لذي العرش.
ويترتب عَلَى ذَلِكَ ضرورة الإيمان بأمانة جبرائيل(علیه السلام) فِي نقل الوحي وَإلَّا تتلاشى العقيدة بالقرآن.
ولا شك أنَّ مَنْ يسأل عَنْ انعكاس مقامات الزهراء(عليها السلام) الأمرية عَلَى وجودها الدنيوي يؤمن بحجّية جبرائيل(علیه السلام) برغم أنَّهُ لا يتعاطى مَعَ البشر وَلَيْسَ لَهُ تماس مباشر معهم.
فلنا أنْ نتساءل هُنَا أيضاً أين هُوَ انعكاس مقام جبرائيل(علیه السلام) الأمري وَهُوَ الوساطة بين المقام الصاعد والمقام النازل لسيّد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) فِي عالم الأرْض وفي حركة البشر!!
وبعبارة أُخرى:
إنَّهُ لا تستتم لدى أيّ مسلم الشهادة لرسول الله(صلی الله علیه و آله) بالرسالة إلَّا9.
بالاعتقاد بإن جبرائيل أمين الله عَلَى وحيه، ولا يبرر عدم كونه إماماً ولا قائداً بشرياً وأنه لَيْسَ لَهُ تماس بالبشر رفع أحد اليد عما لَهُ مِنْ مقامات واجبة الاعتقاد.
ونظير ذَلِكَ فِي فاطمة(عليها السلام) فعدم كونها إماماً أو قائداً بشرياً عَلَى حدّ ما للأئمة(عليهم السلام) من قيادة تنفيذية لا يزعزع الاعتقاد بولايتها الأمرية ومقامها الأمري.
وَقَدْ انعكس ما ثبت لها هُنَاك عَلَى وجودها الأرضي فكانت معلّمة وملهمة لخاصة أولياء الله، وهذا أعظم أثرا من أن يكون لها نشاط فِي تعليم عموم البشر.
ولنخوض أكثر فِي أبعاد ولاية الأمر الثابتة للزهراء(عليها السلام)، فَإنَّهُ مقام لا يضاهيه مقام ولاية الأمر للأنبياء(عليهم السلام) وولاية الأمر لمريم(عليها السلام).
ودليله آيات قرآنية عظيمة لا يخطأ مفادها العقل لو تسلّح بسلاح التدبر مقروناً بإشارات روايات أهل البيت(عليهم السلام).
فَإنَّ تلك الآيات الناصّة عَلَى مقام فاطمة(عليها السلام) سلكت منهاجاً وأسلوباً غَيْر ما هُوَ معهود مِنْ أسلوب قرآني فِي آيات مريم وسائر الأنبياء(عليهم السلام)، فَإنَّهُ فِي مريم وسائر الأنبياء أثبت لهم المقامات بأسلوب
مباشر وبالتنصيص عَلَى الأسماء، غَيْر أنَّهُ أثبت مقام ولاية الأمر وغيرها مِنْ المقامات لفاطمة(عليها السلام) فِي ضمن إثباتها لأهل البيت(عليهم السلام)، فشارك الله فِي ولاية وطهارة وسؤدد رَسُوُل الله(صلی الله علیه و آله) وعلي وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام)، وَلَمْ يشارك غيرهم مِنْ المصطفين لا مِنْ الأنبياء والمرسلين ولا مِنْ النساء الطاهرات.
ومعلوم سلفاً أنَّ سائر مقامات سَيِّد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) لا يشاكلها ولا يجانسها ولا يشابهها ما لدى الأنبياء والمرسلين مِنْ مقامات.
فإشراك أهل البيت(عليهم السلام) مع سيّد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) فِي بيان لما لَهُ مِنْ مقامات كَمَا فِي قوله تَعَالَى: (إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً..)(1)(2)يوضح أنَّ ما ثبت لهم(عليهم السلام) يكبر ويعظم ما ثبت للنبيين.
وإذا كَانَ القُرآن لا يفتأ مِنْ المناداة بسيادة مريم(عليها السلام) وطهارتها وحجيتها وولايتها فمناداته بسيادة وطهارة وحجية وولاية فاطمة(عليها السلام) أكبر وأعظم.
وإذا ما فتأ عَنْ الإشادة بخصال ومقام واصطفاء وسؤدد أولي
العزم مِنْ الأنبياء فإشادته باصطفاء وسؤدد فاطمة(عليها السلام) أكبر وأعظم.
وَمِنْ ثمَّ إذَا كَانَ سؤدد رَسُوُل الله(صلی الله علیه و آله) عَلَى الأنبياء مؤخوذا فِي دين الله فسؤدد فاطمة(عليها السلام) مؤخوذ عَلَى مريم وحواء وسارة وسائر الأنبياء(عليهم السلام) فِي دين الله.
وَلَقَدْ حرص رَسُوُل الله(صلی الله علیه و آله) عَلَى بيان أنَّ سؤددها ثابت لها فِي الدُّنْيَا والآخرة، فبقوله(صلی الله علیه و آله):
«فاطمة سيدة نساء العالمين»(1)أفصح عَنْ سؤددها فِي عالم الدُّنْيَا، وبقوله: «
فاطمة سَيِّد نساء أهل الجنة»(2)أثبت سؤددها عَلَى غيرها فِي عالم الآخرة.
ولا ينحصر معنى السؤدد الأخروي فِي الفضيلة والتفضيل، وَإنَّما هُوَ بما تُعطى فِي ذَلِكَ العالم مِنْ صلاحيات وحاكمية ومقام تدبير وسلطة إدارة بإذن مِنْ الله تَعَالَى سواء قبل دار الجَنّة أو فيها، إذْ فِي الجَنّة مراتب مِنْ منظومة الإدارة ومنظومة الصلاحيات وما شابه ذَلِكَ مما لَيْسَ فِي دار الدُّنْيَا.
فَكَمَا أنَّ عالم الملائكة فيه آمر ومأمور وسَيِّد ومسود ونظام وتراتبية صلاحيات، فكذلك الحال فِي عالم الجَنّة، فمع كونها دار نعيم3.
لا يتخللها أيّ تسيّب أو فوضوية بَلْ يحكمها نظام الإمام والمأموم وَالسِّيّد والمسود ونظام الإدارة والحاكمية.
وَقَدْ مَرَّ فِي ضوابط البحث أنَّ الدِّين وَلَيْسَ الشريعة موجود فِي كُلّ العوالم أرضية أو سماوية ودنيوية أو أخروية وبشرية أو ملائكية وآدميّة أو جنيّة وظاهرية أو برزخيّة.
وتقدم أنَّ مَنْ لَهُ موقعية فِي الدِّين لَهُ موقعية فِي كُلّ العوالم الَّتِي يحكمها الدِّين.
ومما يوضح أن الولاية مِنْ الدِّين قوله تَعَالَى: (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ ...)(1)(2)حَيْثُ أسند الولاية الحقيقية لله تَعَالَى وما لله دين عام مستمر وَلَيْسَ شريعة متبدلة، فكذلك ما أُسند لأهل البيت(عليهم السلام) مِنْ ولاية ظليّة هِيَ مِنْ الدِّين الثابت فلهم ولاية في التكوين وولاية فِي التشريع وولاية فِي سائر العوالم.
وَمِنْ الخطأ القول أنَّ مفاد قوله تَعَالَى: (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ ...) (3)هُوَ مفاد تشريعي بَلْ هُوَ مفاد اعتقادي، أيّ مرتبط بجانب الدِّين وَلَيْسَ بجانب الشريعة.
وَمِنْ ثمَّ فكون فاطمة(عليها السلام) وليّة الأمر يعني أنَّ لها ولاية دينية وسيعة بسعة العوالم، وعلى اختلافها وتنوعها.5.
روى في الكافي عن أبي عبدالله (علیه السلام) أنه قال: «إن الله عز وجل لما عرج بنبيه (صلی الله علیه و آله) إلى سماواته السبع... ثم أوحى الله عز وجل إليه اقرأ يا محمد نسبة ربك تبارك وتعالى: «قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ * اَللّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ * وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ»... (1)ثم أوحى الله عز وجل إليه اقرأ إنا أنزلناه فإنها نسبتك ونسبة أهل بيتك إلى يوم القيامة)(2).
فما هُوَ معنى النسب، وما هو معنى إضافتهم لسورة القدر؟
وجوابه: إنَّ الحديث القدسي يخط المسار الذي ينبغي أن يتوجّه مِنْ خلاله للتعرف عَلَى هوية أهل البيت(عليهم السلام)، فإذَا أراد الباحث أنْ يتعرّف عَلَى الهوية الحقيقية لهم(عليهم السلام) فلا سبيل لَهُ لذلك فِي المسار التأريخي العائلي، فليست حقيقة تعريف الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) أنَّهُ مُحمَّد بن عبدالله بن عبدالمطلب، وليست حقيقة علي(علیه السلام) أنَّهُ علي بن أبي طالب، وليست هوية فاطمة(عليها السلام) أنَّها فاطمة بنت مُحمَّد بن عبدالله بن عبدالمطلب، بَلْ التعريف الحقيقي في هويتهم القرآنية الإلهية أعظم بمراتب مِنْ انتمائهم العائلي وإنْ كَانَ نسبهم فِي الشرف والسؤدد لا يُجارى ولا يضاهى،
لكنه لا يجاري نسب هوياتهم القرآني والإلهي.
وبكلمة أدقّ:
إن نسب الله تَعَالَى فِي رتبة مِنْ رتب آيات القُرآن وبالتحديد فِي سورة التوحيد، أيّ أنَّها المنظار المُقرِّب للمعرفة التوحيدية.
ونسب أهل البيت(عليهم السلام) فِي رتبة مِنْ رتب آيات القُرآن وبالتحديد فِي سورة القدر.
فَأيّ باحث أراد أنْ يُسلِّط الأضواء ليقترب مِنْ هوياتهم الحقيقة فلا سبيل لَهُ إلَّا الغوص الفكري والسباحة العقلية بين طيّات آيات سورة القدر، فلُبَّ هويتهم ولُباب حقيقتهم كامن فِي (إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ )(1). (2)
وختام آيات سورة القدر قوله تَعَالَى: (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ ...)(3). (4)
والسُّؤال مَنْ هُمْ أصحاب الأمر، والَّذِيْنَ لا يتنزّل الأمر إلَّا عَلَيْهِم؟
ذَلِكَ ما توضحه سورة النحل فِي قوله تَعَالَى: ( يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ..)(5). (6)2.
فَلَمْ يقل مِنْ أنبيائه أو رسله إنَّما قَالَ مِنْ عباده، أيّ أنَّ أصحاب الأمر ليسوا هُمْ بالخصوص مِنْ الأنبياء والرسل وَإنَّما هُوَ فِي الدرجة الأولى لسيّد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) وَمِنْ ثمَّ لعترته(عليهم السلام).
ويتجلى نفس هَذَا المعنى فِي سورة الدخان فِي قوله: (إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ * فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ ) (1). (2)
وفي قوله تَعَالَى: ( يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ )(3). (4)
وقوله تَعَالَى: (وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لاَ الْإِيمانُ وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ )(5). (6)
فتلاحظ أنَّ الله تَعَالَى قَدْ ذكر فِي كُلّ تلك الآيات أصحاب الأمر بلفظ عبادنا وَلَمْ يذكرهم بلفظ أنبياء أو رسل، فيكون معناه أنَّ للقُرآن حقيقة عظيمة وَهُوَ ذَلِكَ الأمر الملكوتي وَهُوَ ذَلِكَ الرُّوُح الأمري، وَأنَّهُ يُلقى ويستودع عَنْد مَنْ يشاء الله مِنْ عباده مِنْ بَعْدَ رَسُوُل الله(صلی الله علیه و آله).
فثمة مَنْ يورّثهم الله ذَلِكَ الأمر الملكوتي.2.
وَفي خطوة معرفية أخرى أفصح القُرآن الكريم عَنْ أصحاب ذَلِكَ الأمر المقرونين بالقرآن والمستودع عندهم الرُّوُح فِي سورة الواقعة فِي قوله تَعَالَى: ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ *فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ *لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (79)(1)(2)وَلَمْ يقل المتطهرون الَّذِيْنَ تطهروا بالتوبة، وَإنَّما المطهرون الَّذِيْنَ طُهروا مِنْ قبله تَعَالَى، وَهُمْ الَّذِيْنَ أفصح عنهم القُرآن فِي سورة الأحزاب فِي قوله تَعَالَى: ( إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(3). (4)
ومحصل تلك المعادلات هو أنَّ أصحاب الأمر فِي الدرجة الأولى هُمْ الخمسة أصحاب الكساء(عليهم السلام)، وفي الدرجة الثانية هُمْ التسعة المعصومون مِنْ ذريّة الحسين، وفاطمة(عليها السلام) ثالث أفراد الدرجة الأولى فيثبت لها كُلّ صلاحيات ولي الأمر.
وإذا قلت: إنَّ ما وصلتم إليه مِنْ نتيجة عقائدية في مقامات فاطمة(عليها السلام) لم يثبتها المتكلمون فِي كتبهم الكلامية برغم تعدّدها؟
فنقول: إنَّ النتيجة الَّتِي وصلنا إليها نتيجة قطعيّة مِنْ ضمن معادلات قرآنية، فكيف يجوز أنْ نحيد عَنْ الدَّليل وَهُوَ ماثل أمام
أعيننا، فيثبت أنها(عليها السلام) ولية أمر، بل من أعظم مقاماتها أنها ولية أمر في الدين وبما للدين مِنْ رحب وسيع فِي كُلّ العوالم.
هَذَا فضلاً عَنْ الروايات الشريفة الَّتِي أثبتت لها أنَّها ولية أمر، بَلْ أنَّها تسبق أولادها فِي هَذَا المقام، وَمِنْ ثمَّ يُدين كلهم بطاعتها وولايتها.
وما مَرَّ هو دليل ولايتها للأمر بمعناه الملكوتي، وأمَّا دليل ولايتها للأمر بمعناه الأرضي فلتوضيحه نمهّد بهذه المقدمة:
فَإنَّهُ لا يرتاب عاقل فِي أنَّ العلم والقوة والثروة مِنْ الأركان الَّتِي تقوم عَلَيْهَا الحكومات فِي الأرْض.
وَهِيَ العوامل الرئيسية للحاكمية فِي الأرْض، وَهِيَ الآثار الَّتِي يقوم عَلَيْهَا الحكم السياسي.
والثروة باعتبارها أحد الأركان ليست عنوانا للصلاحية فِي جانب المال وَإنَّما هِيَ عنوان للحاكمية السياسية.
وَلَقَدْ أفصح القُرآن عَنْ توافر تلك الأسباب للحاكمية فِي أهل البيت(عليهم السلام)، وفاطمة(عليها السلام) ممن جُعل لهم الولاية عَلَى الأمول العامة فِي الأرْض كُلَّهَا، حَيْثُ عزى وأسند وولّى الحاكمية والإدارة والتدبير لها(عليها السلام) كَمَا فِي سورة الحشر فِي قوله تَعَالَى: ( ما أَفاءَ اللّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ (1)
1) سوره 59 - آیه 7
أَهْلِ الْقُرى فَلِلّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى ..)(1). (2)
والفيء فِي تعريف كافة مذاهب المسلمين عَلَى اختلاف تعابيرهم هُوَ عبارة عَنْ كُلّ ثروات الأرْض باستثناء الملكيات الخاصّة، أو قل هُوَ خاص بالثروات العامّة، وَهُوَ نفسه متّحد ومنطبق عَلَى الأنفال الوارد فِي قوله تَعَالَى: ( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَ الرَّسُولِ )(3). (4)
وفي قراءة قرأ بن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وعلي بن الحسين، وأبو جعفر بن محمد بن علي الباقر، وزيد بن علي، وجعفر بن محمد الصادق(علیه السلام)، وطلحة بن مصرف: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ )(5). (6)
فَهِيَ تسند أمر الثروات العامّة أو تنقل ما زاد وما خرج عَنْ الملكيات الخاصّة مِنْ الثروات العامّة لله والرسول(صلی الله علیه و آله)، وَلَيْسَ أمرها مسنوداً لسائر المسلمين، هَذَا بحسب آية الأنفال.
وأمَّا آية الفيء فِي سورة الحشر فتضيف قوله تَعَالَى: (وَ لِذِي الْقُرْبى ) (7)وَحَيْثُ إنَّ كُلّ لفظ فِي القُرآن بحساب ووزن، فَالسُّؤال هُنَا عَنْ تكرر اللام ثلاث مرات فِي نفس السياق، حَيْثُ مَرَّة دخلت عَلَى لفظ الجلالة وَمَرَّة عَلَى لفظ الرَّسُول(صلی الله علیه و آله) وَأُخرى عَلَى ذي القربى، بَيْنَمَا جرَّدت ألفاظ «اَلْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ » (8)عَنْ سبقها بالام، مما3.
يعطي حقيقة مفادها أنَّ كُلّ ما وَرَدَ فِي الآية لَهُ صلة وعلاقة بالأنفال لكنَّها تختلف وتتفاوت نوعاً وسنخاً، فإنَّ دخول اللام عَلَى قوله: (فَلِلّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى) (1)يوحي بالهيمنة مِنْ الله وَالرَّسُول وذي القربى عَلَى ثروات الأرْض.
وليست «اللام» مُجَرَّد تعبير عَنْ ملكية متواضعة عَلَى حدّ ما فِي الملكية الخاصّة، وَإنَّما هِيَ لام الولاية، وفرق بين الملكية الخاصّة الَّتِي لا شأن فيها وبين ملكية الولاية عَلَى الأموال والثروات، فَإنَّ أمرها أعظم وشأنها أجل.
إذْ مِنْ الفوارق بينهما أنَّ الملكية الخاصّة إذَا ما تعارضت مَعَ الصالح العام للمجتمع ولعمران المدن وحاجات العباد فَإنَّها تسقط، كَمَا إذَا استلزمت المصالح المدنية العامة شق طريق يمر عَلَى أرض مملوكة بملكية خاصّة فَإنَّ الصالح العام يتغلّب عَلَى الملكية الخاصّة وتزال الأرْض عَنْ صفتها الأولى ويشق الطريق العام.
بَيْنَمَا الملكية بالولاية لا يمكن أنْ تُزال أو تتزلزل، فالولاية ملكية أعظم لاشتمالها عَلَى التدبير والتصرّف المتصل بالانتفاعات الخطيرة.
أو قل إنَّ ملكية الولاية تعني ملكية التدبير والإدارة والحاكمية.
ولنضرب مثلاً توضيحيا للفرق بينهما فِي ملكية الرقبة، فَإنَّ ملك المالك لرقبة العبد ملك بحسب الواقع لمنافع محدودة فِي العبد، فَهِيَ
1) سوره 59 - آیه 7
وإن عُبّر عنها بملك الرقبة لكنها بالدقة ملك لمنافع خاصّة.
وَقَدْ يغفل مَنْ يخالف الإسلام فِي بحث العبيد والرقيق فيتصور أنَّ الإسلام يُبيح بالرق إنسانا لآخر بشكل مُطلق، وَمِنْ هَذَا المنطلق يُشكل وسيتفهم، بَيْنَمَا ملك العبيد فِي دين الإسلام شبيه بالدقة بالأجير والمستأجر، فَكَمَا أنَّ المُستأجر لَهُ دائرة خاصّة يحق له فيها أن يتحكم في الأجير لكنها ليست مطلقة، ولا يتحكم فيه كيفما يشاء، بَلْ لَهُ الحاكمية فِي منافع خاصّة فكذلك في ملك العبيد.
وَهَذَا بخلاف منْ ملّكه الله طاعة البشر بدائرة مُطلقة فَهُوَ يملك مِنْ البشر الكثير والكثير مِنْ المنافع.
أو قل ملكية الولي للإنسان وسيعة بسعة الدِّين، فَلَيْسَ لطاعة الرَّسُول(صلی الله علیه و آله) حد محدود كَمَا لَيْسَ لطاعة الإمام(علیه السلام) حدّ أو قيد.
ومما ينبغي الإلفات إليه أنَّ آمرية الرَّسُول(صلی الله علیه و آله) مختلفة سنخاً عَنْ الديكتاتورية والفرعونية الَّتِي هِيَ ناتجة عَنْ تضخم الأنا والزهو بفعل إغراء إبليس الرجيم، بَلْ إنَّ ملاك وأساس طاعته وولايته(صلی الله علیه و آله) كونه أعبد الخلق وأطوعهم لله تَعَالَى، وولايته عَلَى الناس تعكس تجليات ومشيئات الله، فمعنى آمريته(صلی الله علیه و آله) هُوَ أنَّهُ أجلى مِنْ يتجلى فيه أمر الله تَعَالَى لعبوديته كأعظم مخلوق لله.
وَهَذَا بعينه يجري فِي ولاية أهل البيت(عليهم السلام) عَلَى الخلق وولاية فاطمة(عليها السلام) فلأنَّهم أعبد الخلق وأجلى تجليات الله فِي نزول آمريته ومشيئته وربوبيته لخلقه وجب طاعتهم.
وبما مَرَّ يتبيَّن معنى ملكية الولاية المُبيَّنة فِي آية الفيء إذْ مفادها إسناد الفيء للرسول(صلی الله علیه و آله) ولذي القُربى(عليهم السلام)، أيّ أنَّهم أولياء ثروات الأرْض وأنَّهم الحاكمون فِي الأرْض.
وَقَدْ مَرَّ بنا القول أنَّ الثروة ها هُنَا عنوان للحاكمية الَّتِي هِيَ حاكمية مُتولِّدة ومنشعبة وممتدة مِنْ حاكمية الله وحاكمية الرَّسُول(صلی الله علیه و آله).
ولأن فاطمة(عليها السلام) أوَّل مصداق لقربي الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله)، فالنتيجة أنَّ الآية وبصريح العبارة تسند الحاكمية بَعْدَ الله وَالرَّسُول(صلی الله علیه و آله) لعلي وفاطمة(عليهما السلام) عَلَى السواء.
وَهَذَا معنى ما مَرَّ بنا غَيْر مَرَّة مِنْ أنَّ النصوص القُرآنية قَدْ فعّلت الحقيبة الوزارية للزهراء(عليها السلام) - إنْ صحَّ التعبير - فِي حكومة الرَّسُول(صلی الله علیه و آله)، بَلْ المعنى فِي ولاية الزهراء(عليها السلام) أعظم وأكبر شأناً مما يسمى بالحقيبة الوزارية.
وأعجب ما فِي الأمر أنْ تُسند لها تلك الوزارة فِي ضمن حكومة أبيها(صلی الله علیه و آله) وتحت ظل حاكميته هَذَا مَعَ التحفظ عَلَى عدم إطلاق عنوان الإمامة عَلَى موقعية فاطمة(عليها السلام) مَعَ ما لها مِنْ ولاية أرضية وحاكمية
عَلَى ما بيّناه؛ وَذَلِكَ لعدم إسناد عنوان الإمامة لها فِي لسان الوحي؛ ولأجل ذَلِكَ فإننا نتقيّد بالقوالب والأوسمة الوحيانية، إذْ أنَّ لِكُلِّ وسام وحياني أساسا تكوينيا غيبيا وحقيقة غيبية لا نُدرك عمقها ولا نتلمس شأوها.
ولذا لا نُطلق عَلَيْهَا(عليها السلام) عنوان الإمام ولكن تسند لها ولاية الأمر لورود هَذَا العنوان فِي ألفاظ الوحي وإنْ كانت الشؤون المختصّة بالرجال لَمْ تُسند لها.
مِنْ الجدير بالذكر إنَّ إجماع المُفسرين وإجماع روايات الفريقين قائم عَلَى أنَّ الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) قَدْ تروّى فِي تفعيل ذَلِكَ المنصب لفاطمة(عليها السلام).
وَكَانَ ذَلِكَ التروّي إشفاقا مِنْهُ ودرءا لفتنة أهل الشقاق والنفاق، وَحَتّى لا يُقَال أنَّهُ رتَّب الشؤون الدينية لذويه وحسبه، أو يُثار فِي وجهه نعرات الجاهليّة فَيُقَال كيف أسند مثل تلك الصلاحيات لإمرأة، فلأجل تلك الأسباب وغيرها تروّى الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) فِي إسناد ذَلِكَ المقام لفاطمة(عليها السلام) كَمَا تروّى فِي إسناد الإمامة لعلي(عليها السلام) إلى بيعة الغدير.
وَكَمَا أتته(صلی الله علیه و آله) النذارة الخاصّة مِنْ الله بضرورة التفعيل للإمامة وإسنادها لعلي(علیه السلام) بقوله تَعَالَى: (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إِنَّ اللّهَ لا (1)
1) سوره 5 - آیه 67
يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ )1، (1)ومعناها العصم مِنْ فتنة الناس، فكذا وَرَدَ الإنذار وباتفاق أكثر المفسرين مِنْ الفريقين واتفاق روايات الفريقين فِي تفعيل منصب فاطمة(عليها السلام).
فالمشهد القرآني الذي حث في الرَسُول(صلی الله علیه و آله) عَلَى سرعة الإفصاح عَنْ إمامة علي(علیه السلام) لَهُ نظير فِي ما يتصل بمنصب فاطمة(عليها السلام)، حَيْثُ إنَّ الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) قَدْ تروَّى فِي تفعيل صلاحيات فاطمة(عليها السلام) فِي العلن فأتته نذارة مِنْ الله فِي سورتين قرآنيتين فِي الروم قوله تَعَالَى: (فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَ الْمِسْكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ )(2)(3)، وفي الإسراء فِي قوله تَعَالَى :(وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَ الْمِسْكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ وَ لا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً)(4). (5)
فَقَدْ وَرَدَ فِي روايات الفريقين أنَّ جبرائيل نزل بها عَلَى الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) ليُعط لفاطمة(عليها السلام) ما أُسند إليها مِنْ قبل الله تَعَالَى.
وَلَيْسَ ما أُسند إليها مِنْ قبل الله تَعَالَى هُوَ ما تبادر مِنْ معنى للمفسرين مِنْ الفريقين عَلَى أنَّهُ إسناد للملكية الخاصّة والذي بيّنا أنَّهُ معنىً هابط وضحل، فليس ما أُسند لفاطمة(عليها السلام) في آية سورة الحشر هُوَ الملكية الخاصّة وما يترتب عَلَيْهَا مِنْ لذائذ ونزوات نفسانية، وَإنَّما هُوَ ملكية ولاية الأمر وَهُوَ عبارة عَنْ الحاكمية.6.
فيكون معنى قوله تَعَالَى: (وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ ) (1)هُوَ ضرورة أن يفعِّل الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) فِي حياته ذَلِكَ المنصب الولائي لفاطمة(عليها السلام)، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ تروّى الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) رأفةً بالعباد وبغية ترويضهم عَلَى استيعاب ما لفاطمة(عليها السلام) مِنْ منصب، فنزلت مَرَّة أُخرى آية ثالثة تدفع الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) للتعجيل والإسراع فِي تفعيل ذَلِكَ المقام لفاطمة(عليها السلام)، فَقَدْ أجمع المفسرون واتفقت روايات الفريقين أنَّ قوله تَعَالَى: (وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ ) (2)نزلت فِي سورة الروم بحسب التسلسل الزمني للآيات.
ومما يُؤسف لَهُ أنَّ ما بيّناه مِنْ مقام لها(عليها السلام) لَمْ يبلور حَتّى الآن لا فِي بحوث الفقه ولا فِي بحوث الكلام رغم أنَّهُ مِنْ العقائد الخطيرة والواجبة الاعتقاد.
وَقَدْ قامت عَلَى إثباته مواد قُرآنية ومواد الحديث النبوي ومواد حَديْثُ العترة، وَهُوَ المُعوَّل عَليه فِي تكامل المعرفة ورصد العقائد وتطوير الجانب العلمي، وَلَيْسَ المُعوّل على النتاج العلمي البشري.
*تعريف أهل البيت(عليهم السلام) على وجه الحقيقة...
*حقيقة الإنسان لا في بدنه ولا في عقله بل في كماله النهائي
*التعريف الوحياني لفاطمة(عليها السلام)
لَعَلَّهُ يستغرب الكثير إذَا ما قلنا أنَّ لفاطمة(عليها السلام) أدواراً وتأثيراً فِي عوالم عديدة، وَهِيَ عوالم قوس الصعود وعوالم قوس النزول.
ونظير هَذَا الاستغراب يبديه البعض اتّجاه البحث عَنْ أدوار المعصومين(عليهم السلام) قبل الأرْض وفيها وبعدها.
وسبب هَذَا الاستغراب يكمن فِي التعريف الناقص بحقيقة المعصومين(عليهم السلام)، إذْ أنَّ الاقتصار فِي تعريف حقيقتهم عَلَى الدِّين
وشؤونه الدنيوية يُفضي إلى إنكار سعة أدوارهم وتأثيرهم فِي بَقيَّة العوالم.
إلَّا أنَّ هَذَا الاستغراب لا محل لَهُ إذَا ما عرفنا واقتربنا مِنْ فَهُمْ حقيقتهم(عليهم السلام) عَلَى ما هِيَ عَلَيْهِ، وعندها سنُؤمن بما لهم مِنْ منظومة أدوار مِنْ البدء إلى الختم، أيّ فِي الدنيا وما قبلها وفي البرزخ وما بعده وفي القيامة وما يتلوها.
ولذا فَكَمَا أنَّ حقيقة الإنسان وحقيقة كُلّ شيء بفصله الأخير لا بمادته ولا بصورته، أيّ حقيقته بكماله الأخير، وَلَيْسَ بكماله النازل الذي ابتدأ فِي أطوار وجوده، فليست حقيقته بالنطفة وإنْ كانت هِيَ مِنْ مبادئه، وليست حقيقته برجله ويده وسائر أعضائه ولا ببدنه كله، كَمَا أنَّهُ ليست حقيقته بروحه أيّ بغرائزه النازلة كغريزة الشَّهْوَة، إذْ أنَّ الشَّهْوَة مَرَّة تكون مَعَ الإنسان وتارة تكون مجمّدة وَغَيْر مفعّلة.
وليست حقيقته بغريزة الغضب إذْ هِيَ كَذَلِكَ ربما تفعّلت لديه وربما سكنت وجمدت.
فالبحث عَنْ الحقيقة للشيء هُوَ بحث عَنْ الهوية المفعّلة فيه دائماً؛
ولذا قالوا فِي مباحث المعارف: إنَّ حقيقة الإنسان فضلاً عن أنها ليست ببدنه فَهِيَ أيضاً ليست بعقله بَلْ شيء وراء عقله، وخلصوا إلى أنَّ حقيقته تكمن بكماله الأخير.
وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ الإشارة الخفيّة فِي قول النبي(صلی الله علیه و آله):
«من عرف نفسه فقد عرف ربه »(1).
إذْ معرفة النفس بحقيقتها كَمَا أسلفنا بمعرفة كمالها الأخير وَلَيْسَ هُوَ إلَّا غايتها وخالقها ومرجعها.
وَعَلَى ضوء هَذَا التقريب يصحّ القول مَنْ عرف نفسه عرف نبيه(صلی الله علیه و آله) وَمَنْ عرف نفسه عرف إمامه(عليهم السلام)، وَمَنْ عرف نفسه عرف الصديقة(عليها السلام)، فَهُمْ أبواب الكمال الأخير وَهُمْ تجليه وآياته.
وَمِنْهُ تعرف معنى قوله تَعَالَى: ( نَسُوا اللّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ )(2). (3)أيّ نسوا الهوية والكنه والغاية، فترتّب عَلَيْهِ تضييع النفس والغفلة عنها.
وفي آيات القُرآن إشارات معرفية توضح كيفية تعريف الأشياء بحقيقتها ففي قوله تَعَالَى: ( قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ )(4)(5)إفصاح0.
عَنْ حقيقة الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) لا بإنه ناطق عاقل بَلْ بما هُوَ فوق العقل وَهُوَ أنَّهُ المدد الدائم لوحي الله، ففي الآية اغضاض عَنْ الجنبة البشرية وشؤونها وتعريف لَهُ(صلی الله علیه و آله) بالجنبة الَّتِي يتميز بها عَنْ سائر المخلوقات وَهِيَ أنَّهُ «وحي يوحى».
وَعَلَى هَذَا جرت الروايات فِي تعريف فاطمة(عليها السلام) فعرّفتها بالنور والحورية وبأنَّ حقيقتها ليلة القدر مما لا يتصل بشؤون البدن فِي شيء.
فَلَيْسَ تعريفها كامن فِي بدنها وفي سنة ولادتها وإنْ كَانَ لبدنها شرافة، لكنَّ حقيقتها(عليها السلام) بطبقات مِنْ ذاتها مخلوقة قبل بدنها.
ولإيضاح المطلب بنحو أجلى نطرح هَذَا المثال:
وَهُوَ أنَّ القصد لزيارة شخص عزيز يتطلب التوسل بمعرفة عنوانه ومحل سكنه والطريق المؤدي إلى بيته، فإذا ما وصل القاصد إلى باب بيت مقصوده فَإنَّه يعرض عَنْ كُلّ شيء ويقبل عَلَى الشخص الساكن ولا يُعير أهمية للبيت المسكون.
وَهَذَا نظير ما نحن فيه مِنْ تعريف الأشياء، فَإنَّ الوقوف عِنْدَ أبدان وغلاف الأشياء هُوَ اعتناء بالبيت المسكون وتمسك به، بَيْنَمَا فِي داخله تكمن الهوية والرُّوُح، وفي داخل بيت الرُّوُح يسكن النُّور، وفي
بيت النُّور يسكن نور النُّور.
وَعَلَى هَذَا الأساس فَإنَّ تعريف الرَّسُول(صلی الله علیه و آله) أو أمير المُؤْمِنِين(علیه السلام) أو فاطمة(عليها السلام) إذَا لَمْ يلحظ فيه تلك الطبقة النورية وَذَلِكَ الكنه الروحاني فَهُوَ شط وابتعاد عن الحقيقة وَلَيْسَ قرباً منها.
ولذا وَرَدَتْ التوصية الوحيانية بالتعرف عَلَيْهِم بالنورانية، بَلْ أشارت كثير مِنْ الروايات بمعرفتهم بالنوارنية، أيّ تعريفهم بأوَّل طبقة فِي خلق ذواتهم، فَهِيَ كنههم وغايتهم.
ففي البحار عن جابر بن عبد الله قال: قلت لرسول الله(صلی الله علیه و آله): (أول شئ خلق الله تعالى ما هو؟
فقال: نور نبيك يا جابر، خلقه الله ثم خلق منه كل خير »(1).
وَوَرَدَ عنه(صلی الله علیه و آله):
«كنت نبيا وآدم بين الماء والطين»(2).
وَلَمْ يقل كُنْت بدناً لِأنَّ نبوة الْنَّبِيّ ليست ببدنه أو روحه أو قلبه وَإنَّما بنوره.
ونظيره سارٍ فِي تعريف فاطمة(عليها السلام) فَإنَّ تعريفها بالنور هُوَ التعريف المظهر لحقيقتها.1.
وبما ذكرناه يتقرّب للأذهان ما فِي بيانات الآيات والروايات مِنْ أنَّ لفاطمة(عليها السلام) منظومة أدوار فِي مبدأ الخلقة ووسطها ومنتهاها، كَمَا أنَّ لها أدواراً فِي البرزخ والرجعة وفي القيامة بمواطنها المختلفة مِنْ موطن الشفاعة وَحتى دخول الجَنّة.
وبذلك يثبت لها شأنٌ فِي الحجية لا يقتصر عَلَى عالم الدُّنْيَا، بَلْ يدوم لها ما دامت الخلقة، وبذلك تشترك مَعَ النبوة والإمامة فِي تأبيد الحجية وما يترتب عَلَيْهَا.
*النقطة الأولى: الدَّليل عَلَى ظلامتها...3
*تحليل السياقات الطبيعية للحدث وسيلة لفهمه
*اهمال القصاصات المحتملة تغريد خارج سرب فطرة البشر
*الحجج المجموعية دون الحجج المستقلة نبع الحقيقة
*بعض أنماط تنقية التراث تعمية على الحقائق
*تراكم وتوزّع قصاصات ظلامتهم في كتب المسلمين...
*التسرّع في نفي الأحداث مناقض للمنهج العلمي
*النقطة الثانية: فلسفات إثبات ظلامتها(عليها السلام)
*الفلسفة الأولى: إحياء المظلومية إحياء للمنهج القويم
*الفلسفة الثانية: التعرّف على الظلامات تمييز للقدوات
*علل تصفية الزهراء(عليها السلام)
*العلة الأولى: حيلولة وجود الزهراء(عليها السلام) عن البيعة
*العلة الثانية: تصفيتها لمصادرة حقها
*العلة الثَّالثة: شرعيتها المحكمة(عليها السلام) اسقاط لشرعيتهم
*الشاهد الأوَّل
*الشاهد الثَّاني
*الفرية على الزهراء(عليها السلام) فرية على الدين
*اشتراك الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) وبضعته(عليها السلام) فِي شدة الظلامة
وها هُنَا نستعرض نقطتين:
إنَّ المصادر الَّتِي تثبت وقوع الظلامات عَلَى فاطمة(عليها السلام) مصادر مستفيضة وكثيرة، فوقوعها لَمْ يخرجه مصدر واحد أو اثنين أو ثلاثة.
كَمَا أنَّ مصادر ظلامتها غَيْر مختصة بكتب الشيعة الإمامية أو كتب فرق الشيعة الأُخرى، وإنما هِيَ مثبتة فِي بطون كتب المسلمين جميعاً.
فلو تحلى الباحث بالتتبع والاستقصاء لظفر بمصادر إثبات غَيْر
متوقعة عدداً.
ولربما تتلبد الرؤية وتضمر القناعة بذلك عِنْدَ بَعْض الخاصّة ومنشؤها السُبات والغفلة والقصور المنهجي فِي التتبع للقصاصات المُبَاشَرة وَغَيْر المُبَاشَرة، وَإلَّا فما مِنْ صحيح مِنْ كتب الحديث لدى الجمهور وأهل سنة السلطان إلَّا وفيها بصمات عديدة وزوايا كثيرة وشواهد غَيْر خفيّة مِنْ ظلامتها(عليها السلام).
ويتساوى فِي ذَلِكَ صحيح البخاري وصحيح مسلم ومسند الترمذي وغيرها.
والعجب ممن يقرأ عبارات مفعمة بالإشارة إلى ظلاماتها ولكن مِنْ غَيْر تنبّه والتفات إلى دلالتها كعبارة «ماتت وَهِيَ واجدة»(1)أو عبارة «وددت أني لم اكشف بيت فاطمة»(2)فَلَيْسَ المقصود مِنْ العبارة الأولى التأثر النفساني لخلاف دنيوي، كَمَا أنَّهُ لَيْسَ المقصود مِنْ عبارة «كشف عَنْ بيتها» مُجَرَّد إزاحة الستار.
فإن أمثال تلك القراءات هِيَ وليدة الفهم البارد والذهن الفاتر فَإنَّهُ لا يتوقع أنَّ يُنقل تفاصيل التفاصيل فِي شق ظلامتها، ولكن كَمَا قِيلَ «الحر تكفيه الإشارة».8.
فالذهن المنفتح والمقتنص لِكُلِّ شوارد ما جرى مَعَ وضع أسس الخلاف القائم آنذاك نصب العين يكفي لفهم ما جرى عَلَيْهَا مِنْ ظلامة بعمق وحرارة.
فماهو المتوقع مِنْ الأحداث والتجاوزات والتعديات إذَا كَانَ أصل الحدث هُوَ الصدام حول الرئاسة بحيث تداخلت فيه جملة مِنْ القوى والتوازنات، فَهَلْ يُظن أنَّ أجواء مِنْ الرفق واللين والأسلوب الديمقراطي لها أيّ فرصة أو مجال؟
ويمكن أنْ نعطي ها هُنَا إشارات تُبيّن نمط الأسلوب الذي واجهوا به الزهراء(عليها السلام) لنفهم شدة ما وقع عَلَيْهَا مِنْ ظلامة.
أوَّلاً: افتراض أنَّهُم قَدْ واجهوا تخلّف علي والزهراء(عليها السلام) عَنْ تأييد الخلافة القائمة بحضارية ونمط مِنْ الديمقراطية يكذبه الهجوم عَلَى بيتها رغم أنَّ معارضة علي وفاطمة(عليهما السلام) لَمْ تسلك أسلوب الخروج للشارع وتحشيد الجموع وتأليب الجماهير، وَمَعَ ذَلِكَ هجموا بأعداد غَيْر قليلة عَلَى بيت علي وفاطمة(عليهما السلام).
ولو أردنا أنَّ نحلّل بَعْض دلالات هَذَا الأسلوب فَإنَّ أوضح دلالة هِيَ أنَّهُم يرون فِي ذَلِكَ البيت أنَّهُ يمثل عنوان المعارضة ومركز القيادة فإذا لَمْ يُقتحم لا تستتب عملية التغيير ولا تضمن السيطرة الكاملة.
ومن الواضح أنَّ نفس الهجوم عَلَى بيتها(عليها السلام) يُبيّن أنَّ الأحداث كانت ذَاتَ طابع إرهاب وعنف وَلَمْ تكن مخملية أو ناعمة.
وبنحو القاعدة لابُدَّ أنْ تقرأ النصوص التأريخية بنحو مستوعب بحيث يُقتنص تفاصيلها الطبيعية والمنطقية.
ومما يستدعي الاستغراب أنَّ غير المنصفين علمياً سواء مِنْ الوسط الداخلي أو الخارجي يقفون عَلَى اللقطات التأريخية بما هِيَ، أيّ كَمَا وَرَدَتْ فِي التأريخ مبتورة ومقطوعة عمّا قبلها وعمّا بعدها، ويرون لأنفسهم عذراً وتبريراً بحجة خلو مصادر التأريخ عَنْ التفاصيل، إلا أنَّ مِنْ حق الباحث المنقّب أنْ يسلط منظار القوة التحليلية عَلَى نفس تلك اللقطة الَّتِي يثبتها التأريخ ليفهم السياقات الطبيعية الَّتِي لابُدَّ أنْ ترافق الحدث التأيخي بحسب نوعه وطبيعته.
وَمِنْ باب المثال إنَّ التأريخ قَدْ أثبت وقائع عديدية حدثت فِي كربلاء، وجاء الكثير منها مبتوراً عما قبله وعما بعده، فَهَلْ يمنع ذَلِكَ مِنْ التحليل لنفي لمستلزمات الحدث.
فإذا نصَّ فِي المصادر أنَّ الخيام فِي كربلاء حُرقت ولنفترض أنَّ التفاصيل السابقة واللاحقة لَمْ تذكر لكنَّ السُّؤال يظل قائماً عمّا يمكن أنْ يستتبع ذَلِكَ الحدث.
فإذا كَانَت الخيام قَدْ حُرقت فما هُوَ حال ومصير مِنْ يبقى فيها مِنْ النساء والأطفال، وما هُوَ حال ومصير مِنْ يفرّ منها عَلَى وجهه إذْ أنَّ جيشاً دموياً فتّاكاً يدور حول الخيام.
أفهل يمكن القول أنَّ تلك الدلالات مُجَرَّد اختلاقات، ومصادر التاريخ عارية عنها، أو أنَّ الاختلاق والتزوير هُوَ نكران تلك الدلالات بأنْ يفهم أنَّ متن ما جرى هُوَ حرق الخيام وأمَّا ما قبل الحدث وما بعده فَهِيَ أُمُور هادئة ليّنة؟
أيكون مِنْ الاختلاق القول أنَّ بَعْض الأطفال قَدْ سُحقوا تحت سنابك الخيول وَهُوَ أمر سياقي منطقي لأصل الحدث، أو أنَّ الاختلاق هُوَ إلصاق صفة البرود والهدوء لما قبل ولما بَعْدَ الحدث الوحشي الدامي؟
وبعبارة أُخرى:
لو اعترف الجاني بلقطة مِنْ لقطات الجريمة المنسوبة إليه فَهَلْ يكتفي المحقق الجنائي بالمقطع الذي اعترف به الجاني أم أنَّهُ يتوسّل بالثابت مِنْ اللقطات لفهم مقاطع أُخرى مِنْ الجناية والحدث؟
إنَّ الاستقصاء الجنائي قائم الآن عِنْدَ كُلّ البشر عَلَى التحفّظ على كُلِّ قصاصة وخيط مِنْ خيوط الحدث والتوسّل بها لفهم كُلّما جرى.
وَهَذَا منهج فطري لا يمكن أنَّ يُفرّط فيه بأي حال مِنْ الأحوال فَإنَّ تراكم الاحتمالات يوصل إلى الصورة الواضحة الكاملة.
بَلْ يُعدُّ الإهمال لأي معلومة وإنْ كانت ضئيلة تفريطاً وتضييعاً للحدث، بَلْ يُعدُّ مِنْ ضروب الجنون أنْ تترك رؤوس خيوط الحدث ولو كانت ضئيلة.
فَإنَّ الحدث ما هُوَ إلَّا صورة كبيرة تبعثرت فِي قصاصات، ووظيفة الباحث بحسب علمه - الباحث فِي الآثار أو الباحث الجنائي أو الباحث عَنْ الحقيقة- أنْ يستثمر كُلّ قصاصة ليعبر مِنْ خلالها لغيرها، وَحَتّى لو فرض عدم مقدرة الجيل الأوَّل مِنْ الباحثين عَلَى استثمار ما وقع بأيديهم مِنْ خيوط فَهُوَ لا يبرر إهمال وتضييع تلك القصاصات، إذْ أنَّ الاحتمال قائم باقتدار الجيل الثَّانِي أو الثَّالِث مِنْ الباحثين عَلَى الربط والتحليل والاستنتاج.
ومما يُؤكِّد ذَلِكَ أنَّ الكثير مِنْ تقارير المستندات العلمية حول الجنايات لا سيما فِي الأحداث الكبيرة كالأحداث الَّتِي تخصّ علاقات الشعوب وعلاقات الدول بعضها ببعض وبالأخصّ الَّتِي ترتبط بالديانات والدِّين لَمْ تكتشف حقائقها إلَّا بَعْدَ قرون.
ومما يدعم ما نحن فيه أنَّ طبيعة النتائج الموضوعية لا سيما فِي الأُمُور المعقدة تتطلب تظافر جهود أجيال، فيكون دور الباحث الجنائي فِي الجيل الأوَّل مقتصراً عَلَى جمع القصاصات والقرائن غَيْر أنَّهُ لا يقتدر عَلَى ترتيبها وتأليفها بما يطابق واقع الحقيقة.
فتكون تلك المُهِمَّة موكولة إلى الجيل الثَّانِي ليستنتج صورة أولية وربما تكون باهة عَنْ واقع الحقيقة.
بَيْنَمَا قَدْ يقتدر الجيل الثَّالِث وببركة البناء عَلَى جهود الجيلين السابقين مِنْ أنْ يظهروا الحقيقة الكاملة بتمام أبعادها.
وكم لذلك مِنْ نظير وخصوصاً عَلَى صعيد عالم الآثار إذْ دأب البشرية عَلَى تحصيل العلم بحقائقه عَلَى تراكم الجهود والنتائج.
ولذا يكون حال مَنْ يطالب بعدم الاكتراث بالقصاصات المتناثرة بحجة أنَّها ضئيلة فِي الاحتمال حال مِنْ يغرّد خارج سرب البشر.
ولذا يعتمد المشهور الأعظم مِنْ الفقهاء عَلَى صعيد الفقه عَلَى الحجج المجموعية وَلَيْسَ عَلَى الحجج المستقلة، أيّ أنَّ مجموع الحجج هِيَ الحجة ومجموع الأدلة هِيَ منبع الاستنتاج، فدأبهم عَلَى حشد عِدَّة
روايات كُلّ منها مُعْتَبَر ولا يكتفون برواية واحدة رغم اعتبارها، إذْ أنَّ الالتفات إلى مجموع ما هُوَ حجة وَمُعْتَبَر فيه زيادة فِي الحجية وزيادة وثوق وَهُوَ المسلك الذي يُعبّر عنه الشَّيْخ الأنصاري والوحيد البهبهاني بمسلك تجميع القرائن.
وتكمن ثمرة هَذَا المسلك فِي الحجج الكثيرة المبتلى كُلّ واحد منها بزاوية مِنْ الضعف فِي إراءة الحقيقة بحيث أنَّهُ لو اعتمد عَلَى كُلّ واحد بالاستقلال لكان أقصى ما يَدُلّ عَلَيْهِ هُوَ احتمال مطابقته للواقع إلَّا أنَّهُ لو ضُمَّ بعضها للبعض لأوجب ترميم زاوية الضعف فِي الأوَّل بجانب القوة فِي الثَّانِي وهكذا، فتنتج بمجموعها النتيجة الواضحة بضم القرائن وترميم بعضها للبعض.
وفي الحقيقة أنَّ مسلك تجميع القرائن هُوَ مسلك بشري متبع فِي كُلّ العلوم والتخصصات لا سيما العلوم الإنسانية والنقلية والتأريخية والأثرية.
بَيْنَمَا مسلك إهمال القرائن وعدم الاكتراث بها وشطبها تأسيس للجهل والجهالة فِي الوسط العلمي.
ومن هنا يتأكَّد ضرورة الحفاظ والاحتفاط بالأدلة والقرائن مهما تضاءل احتمالها فِي الأحداث والفجائع الكبرى أو ذَاتَ التأثير العقيدي والديني، فحتى لو كَانَ احتمالها مِنْ الضآلة إلى الواحد بالمائة فَإنَّها تمثل نافذة للانفتاح عَلَى كبد الحقيقة.
وَمِنْهُ تعرف سخف دعوى مِنْ ينادي بحذف قصاصات كثيرة سواءً فِي مسيرة الرَّسُول(صلی الله علیه و آله) أو مسيرة الزهراء(عليها السلام) أو مسيرة علي(علیه السلام) أو فِي مقتل سَيِّد الشهداء(علیه السلام).
فَأيّ عقل يُجيز هكذا مسلك بأن تتقصد القرائن فِي المجاميع الحديثية كموسوعة البحار لتُهدم وتُخفى بحجة تنقية التراث؟!
والمحصلة أنْ لا ننخدع ولا نخادع بجهالات ترفع باسم العلم وتضيّع علينا الخيوط الموصلة للحقائق ولو بَعْدَ أجيال.
ونحن هُنَا لا نحاكم النيات ولا شأن لنا بالشخوص، ولكن كُلّ ما يُعنينا هُوَ تسليط الأضواء عَلَى زوايا الخطأ فِي بَعْض المناهج، وَهُوَ مِنْ الدأب العلمي الذي درج عَلَيْهِ مشهور علماء الإمامية ومشهور علماء المسلمين.
بَلْ نترقى فِي القول بضرورة حفظ القصاصات والقرائن حَتّى فِي كتب المخالفين فضلاً عَنْ كتبنا فبها جميعاً تترابط الأحداث وتتكامل الصورة.
وخذ مثالاً عَلَى ذَلِكَ الذهبي صاحب كتاب سير أعلام النبلاء إذْ بغض النظر عمّا يُقَال من أنه ناصبي إلَّا أنَّهُ فِي ذَلِكَ الكتاب أثبت
وسجّل كُلّ الأحداث الأليمة الَّتِي وقعت عَلَى الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) بسوء مواقف الصحابة، وجرت عَلَى علي وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام)، لكنَّهُ أثبتها بنحو موزّع ومشتت ومنتشر؛ ولذا فحفظ القصاصات الواردة فِي كتابه وأمثاله بمكان مِنْ الأهمية لكون كُلّ قصاصة مبعثرة تلقي بضوئها عَلَى فَهُمْ الحقيقة الكاملة.
وَمِنْ الجدير ذكره أنَّ الذهبي فِي سير أعلام النبلاء قَدْ ذكر ما جرى عَلَى الزهراء(عليها السلام) مِنْ إسقاط الجنين وضرب البطن وكسر الضلع والهجوم عَلَى الدار وتلويعها يَوم أنْ خرجت حَتّى عدّ بَعْض المتتبعين عشرة مواطن تَمَّ فيها الهجوم عَلَى الزهراء(عليها السلام)، فلو جمعت كُلّ تلك القصاصات لوصلت إلى اليقين بحقيقة أنَّهُم أفرغوا كُلّ الأحقاد النفسيّة اتّجاه سَيِّد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) عَلَى ابنته سيدة النساء(عليها السلام).
وبالغور فِي التحليل يبان أنَّ تشفيهم مِنْ سيدة النساء(عليها السلام) لَيْسَ قصة أحقاد، وَإنَّما هُوَ اختلاف منهجيّة وديانة عَنْ ديانة سَيِّد الأنبياء(صلی الله علیه و آله).
ونكرر القول أنَّ ما نقله الذهبي فِي شأن ما جرى عَلَى الزهراء(عليها السلام) لا يعثر عَلَيْهِ الباحث فِي موضع ترجمته للزهراء(عليها السلام) فَقَطْ أو فِي ترجمته لسيرة الصحابة فحسب، كَمَا أنَّهُ لَيْسَ الاقتصار فِي البحث عَلَى موضوع واحد يعدّ مِنْ المراجعة العلمية بَلْ هِيَ شبيهة بعمل
المحقق الجنائي الذي لا يكلّ مِنْ مراجعة كُلّ زوايا الحادثة ولا يفرِّط فِي أيّ معلومة مهما تضاءلت نسبتها للحدث.
وَقَدْ أدرك الوهابية والسلفية ما يحتويه كتاب سير أعلام النبلاء بين طيّاته مِنْ معلومات وقضايا تأريخيّة غاية فِي الأهمية وَالَّتِي فيها ذكره لِكُلِّ الاغتيالات الَّتِي دبّرها الصحابة للنبي(صلی الله علیه و آله)، فلمّا أرادوا أنْ يجددوا طبع الكتاب تحسسوا الخطر وضرورة حذف كثير مما فيه مِنْ شواهد تدين مهندسي تلك الاغتيالات، لكنَّهم وجدوا أنَّ حذف تلك المواضع كاملة لا يُبقي مِنْ الكتاب شيئاً.
وكذلك فعل الذهبي فِي كتابه الرجالي ميزان الاعتدال فضمّنه ملفات خطيرة فيما يخصّ ظلامة الزهراء(عليها السلام) وما يخص سم الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) ومثله فعل البخاري فِي بَعْض أبواب صحيحه، كَمَا فِي كتاب الطب(1)
والمحصل مِنْ كُلّ ذَلِكَ أنَّ بصمات الأحداث الخطيرة وقصاصات المسائل موضع النزاع بين المذاهب الإسّلاميَّة مبثوثة وموزّعة فِي مصادر المسلمين ولو جُمعت لتبيَّن بها حقائق ما جرى فِي التأريخ؛ ولذا وجب أنْ يتحفظ كُلّ جيل عَلَى ما يصل مِنْ معلومات ليستثمرها الجيل الآتي مَعَ ما يجده ويظفر به مِنْ معلومات لتطلع شمس الحقيقة فِي يَوُم مِنْ الأيام.17
1) صحيح البخاري، البخاري 7 / 17
ونقدم ها هُنَا ثمة شاهد يشهد عَلَى ما قلناه مِنْ كون بصمات الحقيقة التأريخية مبثوثة فِي الكتب، فَقَدْ كُنْت اتصفح يوماً كتاباً مِنْ الكتب المطبوعة بملايين النسخ فِي مَكَّة والمدينة والرياض وَهُوَ كتاب (وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى للسمهودي)، وَكَانَ الغرض مِنْ مطالعته البحث فِي مطلب إلَّا أنني عثرت مصادفة عَلَى عِدَّة مصادر روائية لدى العامّة يذكرها فِي ذَلِكَ الكتاب مضمونها أنَّ الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) كَانَ يدخل عَلَى أصحاب الكساء فيُسرّ بهم فما يلبث أنْ ينزل عَلَيْهِ جبرائيل فيُخبره بما يلقونه مِنْ بعده، فيخاطبهم(صلی الله علیه و آله) بقوله وَهَذِهِ عبارة مستفيضة فِي طرقهم ومستفيضة فِي طرقنا - وَهِيَ: (أنَّكم قتلى ومصارعكم شتى»(1).
وفي البحار روى الحاكم أبو عبد الله الحافظ بإسناده عن سيد العابدين علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده قال: زارنا رسول الله (صلی الله علیه و آله) فعملنا له خزيرة وأهدت إليه أم أيمن قعبا من زبد وصحفة من تمر، فأكل رسول الله(صلی الله علیه و آله) وأكلنا معه ثم وضأت رسول الله(صلی الله علیه و آله) فمسح رأسه ووجهه بيده، واستقبل القبلة فدعا الله ما شاء، ثم أكب إلى الأرض بدموع غزيرة مثل المطر، فهبنا رسول الله(صلی الله علیه و آله) أن نسأله، فوثب الحسين (علیه السلام) فأكب على رسول الله(صلی الله علیه و آله) فقال: يا أبه رأيتك تصنع ما لم تصنع مثله قط، قال: يا بني سررت بكم اليوم سرورا لم أسر بكم مثله، وإني.
1) وفاء الوفاء وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ، السمهودي.
حبيبي جبرئيل أتاني وأخبرني أنكم قتلى ومصارعكم شتى)(1).
ولندقِّق فِي العبارة كالمدقق الجنائي ونتساءل: هَلْ معنى العبارة الإخبار عَنْ قتلهم أو عَنْ القتل بخصوصيات معيّنة؟!
إنَّ معنى المصرع هُوَ الطريقة الشرسة فِي القتل، مما يعني أنَّ لِكُلِّ واحد مِنْ الأربعة مصرعاً وقتلاً بشراسة ورعونة، وَهُوَ ما يثبت صحة الخصوصيات الَّتِي ذكرت فِي كُلّ مصرع مِنْ مصارع الأربعة، فلو استبعد أحد بَعْض الخصوصيات لعدم ظفره بمستند واضح عَلَيْهِ فَإنَّ ما وَرَدَ مستفيضاً عَنْ الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) يُلقي الضوء ويرفع الاستبعاد.
وَمِنْ الجدير ذكره أيضاً أنَّ السعي العلمي للظفر بالشواهد عَلَى الأحداث المؤلمة لا ينحصر فِي البحث والتفتيش فِي كتب التراجم وإنْ كانت هِيَ المعين الأوَّل لذلك، بَلْ حسّ التحقيق يتطلب التتبع فِي قصاصات الأحداث المطوّية فِي جميع كتب المسلمين بما فيها الكتب التفسيرية والرجالية والحديثية، بَلْ أنَّ بَعْض الإشارات البديعة واللفتات السريعة الَّتِي تشهد عَلَى الظلامات قَدْ يظفر بها فِي كتب اللغة القديمة وَالَّتِي قَدْ ترسل بعض العبارات إرسال المسلمات فِي الاستشهادات اللغوية لكنّها مِنْ زاوية التحقيق ذَاتَ فائدة فِي الإثبات أو التأييد أو التوضيح لعبائر ذكرت فِي كتب التراجم أو غيرها.5.
1) بحار الأنوار، العلامة المجلسي 18 / 125.
وَمِنْ المنطقي أنَّ هَذَا النمط مِنْ الاستقصاء يتوقف عَلَى اجتماع سواعد علمية وتظافر جهود تحقيقية، وإذا لَمْ يتوفّر ذَلِكَ فِي زمان فلا يحق لعلماء ذَلِكَ الزمان أنْ ينفوا بَعْض ما وَرَدَ فِي التاريخ لعدم الشواهد عَلَيْهِ، لِأنَّهُ فِي الحقيقة لا يمكن لأحد أنْ يجزم بعدم وجود الشواهد ما دام البحث يتطلّب توسع الاستقصاء بالنمط الذي ذكرناه.
ويتحصل بما مَرَّ أيضاً أنَّ المنهج المُتسرِّع فِي شطب الأحداث أو إنكارها لعدم وضوح الدَّليل لا يمت للمنهج العلمي بصلة بَلْ موجب لعرقلة المسير العلمي والتحقيقي لدى الأجيال المستقبلية.
إذْ ثمة فرق بين أنْ يقول الباحث فِي الجيل الأوَّل لَمْ أظفر بدليل وشواهد كافية عَلَى الظلامة الكذائية وبين أنْ يقول أجزم بكذبها، فَإنَّ العبارة الأولى مُضافاً لكونها عبارة علمية منهجيّة هِيَ تفتح الطريق للباحثين فِي الجيل الثَّانِي وَالثَّالِث، بَيْنَمَا العبارة الثانية مضافاً لكونها غَيْر علمية وَغَيْر منهجية هِيَ تصفية وعرقلة لمسير البحث العلمي لدى الأجيال المستقبلية.
قَدْ يظن البعض أنَّ فلسفة التأكيد عَلَى ظلامات فاطمة(عليها السلام) تنحصر في أمرين:
هدفها شحن الصدور بالكراهية وإشعال فتيل الخلاف والنزاع بين المسلمين.
إثارتها لأجل التأثر والحزن والتألم والمواساة.
وهاتان الفلسفتان وإنْ كانتا مطلوبتين بمعنى مِنْ المعاني إذْ أنَّ شحن الصدور بالكراهية جرّاء رواية ظلامتها مطلوب اتّجاه المباشرين للحدث باعتبار أن الانكار القلبي من مراتب الأمر بالمعروف، ولا شأن له بإثارة الخلاف والنزاع بين المسلمين، بَلْ التأثر النفسي مِنْ مقدمات التبري كَمَا أنَّ الحزن والمواساة أمران عظيمان.
إلا أنه مَعَ كُلّ ذَلِكَ فثمة فلسفات وأبعاد عظيمة منها:
إنَّهُ لا فرق بين استعراض مظلومية الزهراء(عليها السلام) ومظلومية أمير المُؤْمِنِين(علیه السلام) وأهل البيت(عليهم السلام) وبين إحياء المنهج والصراط القويم ووقاية المسلمين عَنْ السير فِي صراط الجحيم وَعَنْ الاستمساك بمنهج الزيغ والتزييف.
وَهَذَا ما يغفل عَنْه الكثير مِنْ المسلمين، فيظن أنَّ التاريخ صفحة زائلة وَأنَّهُ واقع منصرم وَأنَّهُ حلقة مقطوعة لا أثر لها فِي الأجيال الآتية، ولا تداعيات لَهُ عَلَى العصر الراهن، فضلاً عَنْ المستقبل الواعد.
وَعَلَى هَذَا الأساس ثمة دعوى لتجديد تقويم تأريخي يبتدأ مِنْ عصرنا أو يبتدأ مِنْ المستقبل بالنسبة للأجيال اللاحقة، أيّ كُلّ جيل وطبقة تأريخية تدشن لها تقويما تاريخيا مقطوع الصلة عَنْ الطبقة السابقة.
إنَّ رفع مثل هَذَا الشعار فيه استئصال للمنهج العلمي وانقلاب عَلَى المسير البشري ودفن لمقتضيات الفطرة الإنسانية، لِأنَّ العصر الراهن والمستقبل الواعد ما هُوَ إلَّا تداعيات لما حدث فِي السابق، بَلْ هُمَا أمواج طوفان الماضي، ولا يمكن للنسيج الحضاري أنْ يُبنى فِي المستقبل بلحاظ كُلّ زوايا الحياة إذَا ما انقطع الحاضر والمستقبل عَنْ الماضي.
وَهُنَاك شاهدان عَلَى سُخف مِنْ ينادي بشعار الفصل بين الماضي والحاضر:
أولهما: ما يُعرف بتداخل الطبقات، إذْ أنَّ التاريخ البشري قائم عَلَى أجيال وطبقات إلَّا أنَّ التداخل بين الطبقات أمر لازم أي اجتماع بَعْض مَنْ كَانَ في طبقة سابقة وَبَعْض مِنْ سيكون مِنْ طبقة لاحقة، ولا شكَّ أنَّ ذَلِكَ تلقائياً يوصل الطبقات بعضها ببعض مما يوجب تأثير وتأثر بعضها ببعض.
وثانيهما: نسأل مَنْ يرفع شعار الفصل بين الماضي والحاضر والمستقبل الواعد هَلْ تريد به الفصل الكلي؟ وَهُوَ كَذَلِكَ فَهُوَ بالتالي
مناداة بدفن الإنتاج العلمي والحضاري الماضي وقطعه عَنْ التأثير فِي النتاج العلمي الحاضر.
وَهَذَا يعني الانقطاع عَنْ تاريخ العلم وعلم التاريخ وَهُمَا شيء واحد، والمناداة بذلك هُوَ شبيه بالقول أنَّ عَلَى البشرية أنْ تصفّر العلم وَهُوَ شبيه كَذَلِكَ بالقول أنَّ عَلَى البشرية أنْ تلغي الهوية العقلية وَهُوَ ما يسمى بالمصطلح الحديث فِي علم الحاسوب (الفورمات).
وَعَلَيْهِ نسأل عَلَى وفق أيّ برنامج ونظام علمي تسير البشرية لو ألغت تاريخها العلمي، وَأيّ إنتاج لها سيتطور إذَا ابتدأت مِنْ الصفر، وكيف ستتبلور لها حضارة إذَا هدّت دعامات الماضي.
إنَّ التأريخ عبارة عَنْ مخزن علمي عظيم ومنظار للبصيرة والرؤية العلمية وما بُنيت الحضارة فِي كُلّ جيل إلَّا عَلَى ثروات الماضي، فكيف يمكن للبشرية أنْ تبتدأ بتقويم جديد!!
ولذا وَعَلَى ضوء ما تَقَدَّمَ مِنْ الإشكاليات لَمْ يكن أمام المنادين بالانقطاع عَنْ الماضي إلَّا رفع مقولتهم كشعار عام لكنّهم يمارسون عملاً الانتقائية التأريخية المزاجية، أيّ فِي الوقت الذي فيه يقطعون أنفسهم عَنْ صفحات مِنْ التأريخ ينسبونها إلى صفحات أُخرى إمَّا بميزان المزاجية أو بميزان العصبية أو بميزان السياسة أو غيرها إلَّا ميزان العلم وميزان البُرْهَان.
مما لَهُ دخاله فِي تمييز المنهج القويم عَنْ المنهج الغوي هُوَ أنْ نعرف مَنْ كَانَ عَلَى المنهج القويم وَمَنْ كَانَ عَلَى المنهج الغوي فِي تاريخ الإسلام، إذْ أنَّ الأشخاص فِي التأريخ لهم دور الإيصال للمنهج، فلو لَمْ يُمحّصوا ويُميِّزوا لكانت تبعيتهم بعمياوية موجبة للضلال والانحراف، وَقَدْ يظن متبعهم أنَّهُ يُحسن صُنعا.
وَعَلَيْهِ لا تظن أنَّ ما تقوم به التيارات والمنظمات المنحرفة كالقاعدة ومسمياتها الأُخرى وليد تاريخها الحاضر، وَإنما وليد تبعية وأتمام لرجال تأريخيين قاموا بنفس أنماط الأعمال البشعة الَّتِي يقومون بها الآن.
فأصحاب الفتنة فِي حرب الجمل قاموا بسفك دماء المسلمين وهتك حرماتهم، وبكل رعونة وعنجهية وتحت لافتة شعار مِنْ الشعارات الأصيلة فِي الدِّين، وَكُلّ ذَلِكَ انعكس فِي التأريخ الراهن عَلَى الاتباع والمشايعين.
فما يجري اليوم مِنْ إشعال النيران الَّتِي تكاد أنْ تحرق بلاد الإسلام والشعوب المسلمة، وكذا قتل الأبرياء والتعدي عَلَى حرمات النساء والتمثيل والتنكيل بالأطفال وأكل لحوم البشر لَيْسَ كُلّ ذَلِكَ مِنْ باب الصدفة وَإنَّما هِيَ وليد ثقافة أخذوها مِنْ التأريخ وانعكاس
لمنهج مِنْ ظلموا الزهراء(عليها السلام) وأهل البيت(عليهم السلام).
ولا مبالغة إذَا ما قلنا أنَّ الكثير مِنْ المسلمين فِي الوقت الراهن يقتات عَلَى أفكار ومناهج تأريخية سرطانية وَهِيَ بطبيعتها لا تفرز إلَّا غدداً خطيرة تفت فِي جسم الأُمَّة وبنية المسلمين وعقيدة التوحيد.
ومما ذكر فِي التأريخ ابتلاء المسلمين بالمغول وفي مصادر أهل السَّنَة ذكر أنَّ الذي جاء بالمغول ودعاهم للهجوم عَلَى بلاد المسلمين فِي إيران وأتوا بما أتوا به مِنْ سفك الدماء إنَّما هُوَ الخليفة العباسي وَهُوَ نفس الخليفة الذي يُتباكى عَلَيْهِ ويُتباكى عَلَى خلافته الَّتِي تنعت بالخلافة الإسّلاميَّة برغم أنَّ صاحبها هُوَ الذي حرّش المغول عَلَى بلاد الإسلام الشيعية.
ذَلِكَ ما كتبه اثنان مِنْ علماء السَّنَة أحدهما يدعى بالهمداني والآخر يُدعى بالطباطبائي، ومما أثبتاه فِي كتابيهما أنَّ الذي أغرى المغول بالهجوم عَلَى بغداد قاضي القضاة الشافعي، وَهُوَ الذي دخل بغداد سراً مَعَ المغول متأخراً ومتواطئاً.
ولا يظن أحد أنَّ التركيز عَلَى هَذِهِ الأمثلة هدفه خلق التشنج وإثارة القلاقل بين المسلمين، بَلْ المقصود هُوَ الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، فَإنَّ نبذ الفتنة بين المسلمين وضرورة المداراة بينهم لا يعني أنْ نتعامى عَنْ الحقيقة بَلْ ينسجم ذَلِكَ مَعَ
الإفصاح عَنْ الحقيقة بأسلوب ليِّن وطريقة هادئة وحوار برهاني.
وَإلَّا لو أغضضنا عَنْ الحقيقة لبقت المواد التأريخية المسرطنة تبث غددها فِي الأُمَّة لتهدد وجودها بين آونة وَأُخرى.
كَمَا أنَّهُ لابُدَّ أنْ يُتنبه إلى أنَّ إثارة ما فِي التأريخ مِنْ ظلامات لا لتعميمها إلى جماعات بريئة وَإنَّما المُراد خلق الوعي بأنَّ المفردات التأريخية هِيَ ظاهرة منهج، وَأنَّ ما يقع فِي الراهن الحاضر هُوَ بسبب الامتداد الفكري لتاريخ معيّن.
وَعَلَى هَذَا الأساس إذَا ما رفعت ظلامة الزهراء(عليها السلام) جلية واضحة كانت عبارة عَنْ صرخة فِي ضمير الأُمَّة بضرورة الرجوع إلى منهج المظلومين مِنْ أهل البيت(عليهم السلام) وَإلَّا يترتب ما أخبرت عنه بقولها(علیه السلام):
«ثم احتلبوا ملاء القعب دماً عبيطا»(1).
وَقَدْ وقعت الأُمَّة فِي المحذور الذي أنبأت به الزهراء(عليها السلام) ولا زالت ملحمتها قائمة فاعلة، فَإمَّا أنْ ترجع الأُمَّة عَنْ أصحاب المنهج الغوي إلى أصحاب الصراط المستقيم أو يكون مصيرها تعاقب المشاريع الدموية، فَمَرَّة واقعة الحرة وهدم الكعبة، وَإلى الوصول لفتنة المغول والاستعمار والآن فتنة القاعدة وداعش، ولن تتوقف الفتن الدموية إلَّا بالرجوع إلى دواء الخلاص ومرهم الشفاء وَهُمْ آل8.
1) الاحتجاج، الطبرسي 1 / 148.
مُحمَّد(عليهم السلام)، وبالخصوص إلى ظلامات الزهراء(علیه السلام) تحليلا واستيعابا وعبرة، وَكُلّما ابتعدنا عَنْ توصيات الزهراء(عليها السلام) ازداد السرطان تفشياً فِي الأُمَّة ويتحقق ما أنذرت به(عليها السلام).
فَقَدْ رسمت(عليها السلام) فِي خطبتها الشريفة الخريطة الحضارية وبيَّنت عوامل وأسباب النهوض الحضاري وعوامل وأسباب السقوط الحضاري، فَقَدْ أجادت فِي قراءة تاريخ الأجيال مِنْ منظور إلهي محكم.
وما لَمْ ترعو الأُمَّة إلى وصيتها ووصاياها فَإنَّها تقترب مِنْ زمن يأجوج ومأجوج كَمَا في تسمية الوحي، أيّ أنَّ الابتعاد عَنْ صراطها وصراط أهل البيت(عليهم السلام) لا يؤثر فحسب فِي حظوظ الإنسان مِنْ الإسلام وَإنَّما يصيّره إلى واقع يأجوج ومأجوج، أيّ يتأجج بالفتنة ويؤجج الفتنة والدمار والفساد فِي الأرْض تحت شعار مِنْ شعارات الإسلام.
وَمِنْ ثمَّ يمكننا أنْ نعنون ذكرى الزهراء(عليها السلام) بذكرى الخلاص وصراط النجاة ودواء الشفاء لِكُلِّ ما تعانيه وتأنّ مِنْهُ الأُمَّة.
وَقَدْ عقلت البشرية غرباً وشرقاً أنْ منشأ مصائبها إنَّما هُوَ مِنْ الحكم والقيادة وَمِنْ فكر يأجوج ومأجوج الذي يستبيح الحرمات ويقوّض كُلّ ثوابت الإسلام تحت شعار مِنْ شعارات الإسلام.
وفي ذيل هَذِهِ المقالة نتساءل حول الأسباب والعلل الَّتِي دفعت خصوم أهل البيت لتصفية الزهراء(عليها السلام)؟
ونكتفي ها هُنَا بتسجيل أهم تلك العلل وَهِيَ ثلاث:
لَقَدْ كَانَ مِنْ أهم الخطوات لإحكام سلطة المستولي عَلَى الخلافة أخذ البيعة مِنْ الممثل الشرعي للخلافة، إذْ لو تمت البيعة وسوقت عَلَى أنَّها بيعة عَنْ رضا وقبول وانسجام مَعَ العهد الجديد لانساقت مجاميع المسلمين وبلا أدنى تردد للمبايعة والرضوخ.
وَلَقَدْ كَانَ لوجود فاطمة(عليها السلام) أكبر الأثر فِي الحيلولة دون حصول البيعة ولو صورة، إذْ أنَّها دافعت عَنْ مقام علي ومانعتهم مِنْ إرغامه عَلَى البيعة.
وَمِنْهُ يُفهم أنَّ أوَّل علة لتصفيتها هُوَ إخفاء دورها والتفرّد بعلي(علیه السلام).
إنَّها(عليها السلام) بنفسها بُنيان للولاية لأنَّها متشاطرة مع علي(علیه السلام) فيها، وَمِنْ ثمَّ كَانَ مطالبتها بفدك باعتبار حق ولايتها(عليها السلام) وحق ولاية
علي(علیه السلام)، ولأنَّهم أرادوا غصب ذَلِكَ الحَقّ، فَكَانَ لابُدَّ مِنْ تصفية صاحبه وَهِيَ فاطمة(عليها السلام).
لقد كان وجودها(عليها السلام) إسقاطا لشرعيتهم، فَإنَّ قرابتها مَعَ ما لها مِنْ مقامات وسؤدد يكشف أقنعة الشرعية الَّتِي تلبّسوا بها ولما لها مِنْ مخزون مقام شرعية محكم لا تشابه فيه ولا ضبابية عَلَيْهِ.
وَعَلَى هَذَا الأمر شواهد:
استنهاضها(عليها السلام) للمسلمين عسكرياً مرتين جهاراً نهاراً أمام المستولي الأوَّل عَلَى الخلافة وَمِنْ دون أنْ يُنكر عَلَيْهَا هَذَا الاستهاض والإعلان للحرب، إذْ أنَّ إعلانها للحرب إسقاط لِكُلِّ حرمات مجموعة السقيفة دماً ومالاً.
وَمِنْ مقاطع خطبتها الدَّالَّة عَلَى استنهاضها قولها(عليها السلام): « أيها بني قيلة أأهضم تراث أبي؟ وأنتم بمرأى مني ومسمع، ومنتدى ومجمع تلبسكم الدعوة، وتشملكم الخبرة، وأنتم ذوو العدد والعدة، والأداة والقوة وعندكم السلاح والجنة توافيكم الدعوة فلا تجيبون، وتأتيكم الصرخة فلا تغيثون، وأنتم موصوفون بالكفاح، معروفون بالخير
والصلاح، والنخبة التي انتخبت، والخيرة التي اختيرت لنا أهل البيت، قاتلتم العرب، وتحملتم الكد والتعب، وناطحتم الأمم، وكافحتم البهم، لا نبرح أو تبرحون نأمركم فتأتمرون...)(1).
كَمَا أنَّ خروجها لمدة أربعين ليلة تدور عَلَى بيوت أهل المدينة تدعوهم للرجوع إلى البيعة الشرعية استنهاض لهممهم ودفعهم للتمرد والاستعصاء عَلَى الحكم القائم .
ففي الاختصاص: (حملها علي على أتان عليه كساء له خمل، فدار بها أربعين صباحا في بيوت المهاجرين والأنصار والحسن والحسين(عليهما السلام) معها وهي تقول: يا معشر المهاجرين والأنصار انصروا الله فإني ابنة نبيكم وقد بايعتم رسول الله(صلی الله علیه و آله) يوم بايعتموه أن تمنعوه وذريته مما تمنعون منه أنفسكم وذراريكم ففوا لرسول الله(صلی الله علیه و آله) ببيعتكم، قال: فما أعانها أحد ولا أجابها ولا نصرها)(2).
وهو ما ذكره ابن أبي الحديد مِنْ أنَّها لما خطبت أشعلت ضمائرهم وأذكت فيهم حسّ المسؤولية فهتف الأنصار بولاية علي(علیه السلام) واسمه.
وَكَانَ ذَلِكَ بحضور المستولي الأوَّل عَلَى الخلافة ولكنَّهُ لَمْ يستطع أنْ ينبس ببت شفة يدين بها الزهراء(عليها السلام) مما يَدُلّ عَلَى رصيد ضخم مِنْ الشرعية لديها بحيث لا يمكن أنْ يواجه به، فضلاً عَنْ أن يقلب الأُمُور لصالحه ويداين الزهراء(علیه السلام).
وعكس هَذَا الأمر حصل بين علي وعائشة فِي المواجهة إذْ لمّا خرجت وألّبت البعض كذباً وزوراً ضد إمام زمانها واجهها الإمام(علیه السلام) بكُلِّ ثبات فَلَمْ تستطع أنْ تقلب وجه الشرعية؛
ولذا قَالَ(علیه السلام):
«( فأنا فقأت عين الفتنة)(1).
إذْ لما واجهوه بشرعية مقنّعة مدلّسة غَيْر مَرَّة واجههم برصيد أكبر مِنْ الشرعية، فأقسط كُلّ العناوين مِنْ سابقة للإسلام للبعض أو هجرة وجهاد أو زوجية للنبي(علیه السلام).
فلمّا تذرّع طلحة والزبير بما لهما مِنْ عناوين كالهجرة والجهاد وأشعلا فتنة ضد حكم علي(علیه السلام)، وكذا لمّا استغلت عائشة عنوان زوجيتها للنبي(صلی الله علیه و آله) وعنوان أمومتها للمسلمين فحرّضت عَلَى حرب علي(علیه السلام) ما كَانَ لذلك أنْ يصمد أمام شرعيته الإلهية.
فثبت مِنْ الصراع الأوَّل والصراع الثَّانِي ما لعلي وفاطمة(عليهما السلام) مِنْ مقام ورصيد فِي الشرعية.2.
1) نهج البلاغة، خطب الامام علي 1/ 182.
وَنُؤكِّد ها هُنَا عَلَى علو مقام الزهراء(عليها السلام) فِي المسلمين خلافاً لما يصوّره بَعْض المذاهب مِنْ أنَّ مقامها فِي الأُمَّة مقام عادي متعارف، إذْ أنَّ وجودها بنفسه هُوَ مدار الشرعية فلا تستقيم لأحد خلافة مِنْ رجالات السقيفة فضلاً عَنْ بني أمية مَعَ وجودها وعدم تصفيتها واغتيالها وترحيلها عَنْ دار الدُّنْيَا.
فلو طال بقاؤها لما استقامت أيّ شرعية مغلّفة ولكانت محطّ استقاء الشرعية فِي نظر كُلّ مِنْ يدخل الإسلام مِنْ أقاصي الديار، حيث يُشاهد ويُلاحظ ما عَلَيْهِ ريحانة النبي(صلی الله علیه و آله) من اعتقاد ديني أو سياسي فينتزع بذلك أيّ ادعاء شرعية فِي مسار السقيفة.
فرحيلها(عليها السلام) السريع فِي غضون أربعين يوماً أو سبعين يومأً أو تسعين يوماً عَلَى اختلاف الروايات تصفية متعمدة واخفاء قسري لوجودها لما تمثله فِي نفسها مِنْ مقام شامخ وحضور رائد قادر عَلَى تقويض كُلّ جهودهم وإفشال كُلّ تخطيطاتهم، إذْ لَمْ ينفعهم مقارعتها بالإرهاب السقيفي أو استدعاء المرتزقة إلى داخل المدينة، حَيْثُ أتوا بقبيلة بني أسلم كمرتزقة لتقوية الحكم كَمَا جاء ذَلِكَ فِي الزيارة الجامعة لأئمة المُؤْمِنِين(عليهم السلام):
فحشر سفلة الأعراب، وبقايا الأحزاب، إلى دار النبوة والرسالة..)(1).7.
1) المزار، محمد بن جعفر المشهدي297.
وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ كُلّ الأُمَّة فِي جانب ولبوة النبوة فِي جانب لا تحيد ولا تحاد عَنْ خط أبيها تحت أيّ ظرف وتحت أيّ ترهيب .
ومما يشد لمقامها فِي الأُمَّة وصية الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) لأمير المُؤْمِنِين(علیه السلام) بقوله(صلی الله علیه و آله):
(يا علي انفذ لما أمرتك به فاطمة) (1)وَهِيَ وصية عظيمة إذْ مفادها أمر أمام الأُمَّة والوصي المنصوب مِنْ قبل الله بالإئتمار بأمر فاطمة(عليها السلام).
وبالتحليل للمواد التأريخية مضمومة لمواد روائية وحيانية مَعَ المبالغة فِي المقابلة والمقارنة والتحليل بنظام الشبكية تتجلى لنا المسألة بنحو واضح، ويظهر معنى أنَّ الزهراء(عليها السلام) قَدْ صفيّت واغتيلت واختُلست إذْ أنَّ بقاءها يلغي أيّ فرصة لاستتباب حكم الجور والغي.
فَيَدُلّ ذَلِكَ عَلَى كونها فِي القوة والمنعة كالجبال مِنْ العظمة والشرعية.
وثمة مثل قرآني يوضح ما نحن فيه، فلو لاحظنا سورة النساء فِي المقاطع القرآنية الَّتِي يشرح فيها القُرآن سبب كفر اليهود، فيقول تَعَالَى فِي تعداد الملفات الَّتِي يؤاخذ عَلَيْهَا اليهود: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ (2)
وَ كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللّهِ وَ قَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَ قَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً * وَ بِكُفْرِهِمْ وَ قَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً)(1). (2)
فذكرت الآيات عِدَّة أسباب:
أولها: كفرهم بنقض ميثاقهم مَعَ الله.
ثانيها: قتلهم الأنبياء بغير حق.
ثالثها: الإضلال الإلهي لهم جزاءً ونتيجة.
رابعها: فريتهم عَلَى مريم(عليها السلام).
وها هُنَا يساوي القُرآن الكريم فريتهم عَلَى مريم(عليها السلام) بكفرهم بالله، ويساوي قتلهم للأنبياء بفريتهم عَلَى مريم.
وَهَذَا يستثير السُّؤال عَنْ حجم التمثيل الذي تمثله مريم(عليها السلام) بحيث تكون الفرية عَلَيْهَا كفر بالله وقتل للأنبياء(عليهم السلام)؟
وما هُوَ وجه الربط بين الفرية عَلَى مريم وبين الدِّين؟
إنَّ فِي الآيات تصريحاً بأنَّ فرية اليهود عَلَى مريم مِنْ جهة طهارتها مربوطة بالنبوة، وإنَّ لها موقعاً ببركته تكون الفرية عَلَيْهَا افتراء عَلَى6.
الدِّين.
وإذا كَانَ هَذَا الشأن فِي مريم(عليها السلام) فكيف بمن هِيَ أعظم مِنْ مريم، أليست الأولوية القطعية حاكمة بإن فريتهم عَلَى مريم الكبرى فرية عَلَى موقع الأنبياء(عليهم السلام) وفرية عَلَى الدِّين وأصوله، وَإلَّا فكيف يقرن الله تَعَالَى بين شيء مِنْ أصول الدِّين وآخر لَيْسَ مِنْ أصوله، بَلْ السياق كله منعقد عَلَى أصول دينية وَأُمُور اعتقادية.
ولذا فالفرية عَلَى فاطمة(عليها السلام) لَيْسَ طابعها فردياً، وَلَيْسَ وزانها أُسرياً، وَلَيْسَ شأنها شأن الفرية عَلَى عموم المُؤْمِنِين، وَإنَّما الفرية عَلَيْهَا سواء فِي فدك أو فِي غَيْر فدك فريّة عَلَى ولايتها وَعَلَى موقعيتها، إذْ أنَّ فدك هِيَ رمز لولايتها وموقعيتها بنص سورة الحشر وسورة الإسراء، وَقَدْ تَقَدَّمَ الحديث فيهما، فالفرية عَلَيْهَا فِي فدك إنكار لولايتها عَلَى الفيء وبالتالي فَهُوَ إنكار لولايتها فِي الدِّين وأموره.
لا يخفى عَلَى مَنْ لَهُ أدنى تتبع شدة ما وقع مِنْ التفاصيل المؤلمة والشدائد الأمنية والظلامات المقرحة عَلَى أهل البيت(عليهم السلام).
وَقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ تفاصيل ما جرى عَلَى الزهراء(عليها السلام) موزّعة فِي كتب المسلمين وَهِيَ تنبأ عَنْ فوادح كبيرة لاقتها بَعْدَ رحلة الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله)، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ خفي عَلَى كثيرين ما لاقى الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) نفسه مِنْ الشدائد الأمنية
وَمِنْ حرب شرسة مزلزلة بحيث لو وزن ما جرى عَلَيْهِ بما جرى عَلَى آله لكان ما جرى عَلَى آل البيت(عليهم السلام) فِي كفّة وما جرى عَلَى الرَّسُول(صلی الله علیه و آله) مِنْ مؤامرات اغتيال فِي كفّة أُخرى.
ولذا مِنْ الأُمُور الَّتِي أخذ الله عَلَى رسوله(صلی الله علیه و آله) ميثاقها فِي أوائل بعثته وفي المعراج تحمل شدة الخوف أيّ أنَّهُ سيلاقي مِنْ الظروف ما فيها إرهاب وشدة عَلَى أصل حياته.
بَلْ بحسب ما وَرَدَ فِي الحديث القدسي فَإنَّما لاقاه الرَّسُول(صلی الله علیه و آله) طيلة حياته بَلْ حَتّى فِي أصلاب آبائه وأجداده مِنْ أسباب الاغتيال لَمْ يلاقيه أحد مِنْ البشر، وَقَدْ اشتدت وكثرت سلسلة الاغتيالات والمؤامرات عَلَى حياته بَعْدَ بعثته خلال الثلاثة والعشرين سنة.
وَمِنْ الشواهد الَّتِي لا زالت ماثلة وشاهدة عَلَى شدة الاحتياطات الأمنية لدى الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) وجود اسطوانة مِنْ الاسطوانات القريبة مِنْ قبره تسمى بأسطوانة الحرس، وَكَانَ الحارس لَهُ طيلة حياته فِي المدينة فِي الغالب هُوَ علي ابن أبي طالب(عليها السلام).
وَهُوَ أمر يثير التساؤل والاستفهام، فَلِمَ لَمْ يكن حارسه سلمان أو أبو ذر أو المقداد أو الحمزة، وَلِمَ لَمْ يكن إلَّا أمير المُؤْمِنِين(علیه السلام)؟
إنَّ أوضح دلالات ذَلِكَ هُوَ أنَّ الحالة الأمنية صاعدة بشكل استثنائي بحيث يتطلب أنْ يكون أشجع وأأمن وأثبت مِنْ حول
النبي(صلی الله علیه و آله) هُوَ المتكفل بحراسته بشكل مباشر.
والغريب أنَّ ما لاقاه وعاناه الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) مِنْ شدائد أمنية ظلَّ مغموراً فِي التأريخ ومكتماً عَلَيْهِ.
وَقَدْ انبرى أخيراً بَعْض الباحثين مِنْ تلامذة العلامة الطباطبائي فألَّف كتاباً تحت عنوان (المواجهة بين الْنَّبِيّ وبين المنافقين رصد قرآني) وَهُوَ العلامة الشَّيْخ عبدالكريم النيري، وقد طبع أخيرا في ثلاثة أجزاء.
وَقَدْ رصد فيه شيئاً مِنْ سلسلة الاغتيالات الَّتِي تعرَّض لها الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) وبنص القُرآن.
وثمة تشابه بين ما لقيه الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) وما عانته البضعة الطاهرة(عليها السلام)، فَقَطْ جرى عَلَيْهَا مِنْ العدوان الشرس ما يَدُلّ عَلَى منتهى الشقاق والعناد لدى مِنْ هجم عَلَى بيتها وآذاها بَعْدَ رحلة أبيها(صلی الله علیه و آله).
وَلَيْسَ ما جرى عَلَيْهِ(صلی الله علیه و آله) وَعَلَيْهَا(عليها السلام) مِنْ قبيل الصدفة، وَإنَّما كَانَ لما يمثله وتمثله مِنْ شرعية ومشروع إلهي عَلَى الأرْض، إذَا ما قاما به يهدد عروش طواغيت وفراعنة البشر كَمَا أنَّهُ يهدد كُلّ حضاراتهم البالية.
ولذا تواطأت وتحالفت قريش مَعَ الأكاسرة وملوك الأقاصرة وَمَعَ اليهود والنصارى فِي تآلبهم عَلَى رَسُوُل الله(صلی الله علیه و آله) فكانت مؤامرة
عالمية وحلفاً إبليسياً وتنظيماً شيطانياً عفريتياً وَهِيَ أعظم مِنْ شيطنة وشرر البشر.
وكذا لَمْ يكن تصفية واغتيال الزهراء(عليها السلام) صدفة وَإنَّما هو اغتيال صريح هدفه اسكاتها وجودياً حَتّى لا يستمد المسلمون مِنْ شرعيتها، فَلَمْ يكن هجومهم لمجرد المجابهة كَمَا لَمْ يكن عدوانهم لمجرد الانتقام، وَإنَّما كَانَ عدواناً للتصفية.
وَقَدْ رصد بَعْض المحققين عشرة مواطن واجهوا فيها الزهراء(عليها السلام) فكَانَ نمط تكالبهم نمط مِنْ يريد القتل والتصفية.
بَلْ أنَّهُ لخطورة دورها(عليها السلام) أرادوا تصفيتها عَلَى مراحل، أي تصفية وجودها فِي حياتها، وتصفية ذكرها بَعْدَ مماتها، وإخفاء ما لها مِنْ شأن وموقعية حَتّى لا يفضحهم إشعاع نورها ونفحات شرعيتها بأيّ مستوى مِنْ المستويات.
*معنى زيارته(علیه السلام) النبي(صلی الله علیه و آله) نيابة عن النازلة ببقعته...
*أسرار سرعة لحوق الزهراء(عليها السلام) بأبيها(صلی الله علیه و آله)...3
*فقد النبي(صلی الله علیه و آله) خسارة لا تعوض
*رجوع النبي وفاطمة(عليهما السلام) مرهون باستحقاق البشرية.
*صرعت الزهراء(عليها السلام) عن عمد ومكابرة ومباغتة... ...
سجّل لنا التاريخ رثاءا حارا ذا أبعاد وأسرار متعددة قاله أمير المؤمنين(علیه السلام) بعد دفنه الصديقة الطاهرة(عليها السلام).
فلما نفض يده من تراب القبر هاج به الحزن وأدار طرفه إلى قبر رسول الله(صلی الله علیه و آله) وتلى رثاءه، وروى ذلك الرثاء الكليني في أصول الكافي واخرجته مصادر أخرى.
(السلام عليك يا رسول الله عني والسلام عليك عن ابنتك وزائرتك والبائتة في الثرى ببقعتك والمختار الله لها سرعة اللحاق بك، قل يا رسول الله عن صفيتك صبري وعفا عن سيدة نساء العالمين تجلدي، إلا أن لي في التأسي بسنتك في فرقتك موضع تعز، فلقد وسدتك في ملحودة قبرك وفاضت نفسك بين نحري وصدري، بلى وفي كتاب الله لي أنعم القبول، إنا لله وإنا إليه راجعون، قد استرجعت الوديعة واخذت الرهينة وأخلست الزهراء، فما أقبح الخضراء والغبراء يا رسول الله.
أما حزني فسرمد و أما ليلي فمسهد وهم لا يبرح من قلبي أو يختار الله لي دارك التي أنت فيها مقيم، كمد مقيح، وهم مهيج سرعان ما فرق بيننا وإلى الله أشكو وستنبئك ابنتك بتظافر أمتك على هضمها فأحفها السؤال واستخبرها الحال، فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثه سبيلا، وستقول ويحكم الله وهو خير الحاكمين.
سلام مودع لا قال ولا سئم، فإن أنصرف فلا عن ملالة، وإن أقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين، واه واها والصبر أيمن وأجمل، ولولا غلبة المستولين لجعلت المقام واللبث لزاما معكوفا ولا عولت إعوال الثكلى على جليل الرزية، فبعين الله تدفن ابنتك سرا وتهضم حقها وتمنع إرثها ولم يتباعد العهد ولم يخلق منك الذكر وإلى الله يا رسول الله المشتكى وفيك يا رسول الله أحسن العزاء صلى الله
عليك وعليها السلام والرضوان)(1).
وكان رثاؤه(علیه السلام) مشتملا على مقاطع:
أولا: قوله(علیه السلام) (السلام عليك يا رسول الله عني والسلام عليك عن ابنتك وزائرتك والبائتة في الثرى ببقعتك).
وبهذا المقطع يفتح الإمام(علیه السلام) بابا معنويا عظيما حيث يزور النبي(صلی الله علیه و آله) نيابة عن ابنته فاطمة(عليها السلام) وهي توا قد انتقلت إلى البرزخ وإلى عالم أبيها، وهذا فتح لباب من الأدب الإلهي بين المعصومين، وإذا كان المعصوم يزور عن المعصوم والحال أن المزور عنه منتقل إلى عالم البرزخ فمطلوبية هذا الأدب في الزيارة أوضح وأولى في غير المعصومين.
وبعبارة أخرى:
إن عليا(علیه السلام) قد وقف زائرا للنبي(صلی الله علیه و آله) أصالة عن نفسه ونيابة عن زائرته(صلی الله علیه و آله) إذ هو القائل: (والسلام عليك عن ابنتك وزائرتك) وفي هذا بيان لخصائص عالم الأرواح وكيف يمكن النيابة فيها من الحي عن الميت، فإنه يمكن للحي أن ينوب عن طبقة من طبقات الميت رغم
1) الكافي، الشيخ الكليني 459/1، نهج البلاغة، خطب الامام علي319، روضة الواعظين، النيسابوري/152، دلائل الامامة، الطبري الشيعي/ 138.
أنه بطبقة أخرى راحل إلى ذلك العالم.
وها هنا وصف أمير المؤمنين(علیه السلام) فاطمة(عليها السلام) بالزائرة لرسول الله(صلی الله علیه و آله) ومع ذلك ينوب عنها في الزيارة له، فلعل المعنى هو أنها زائرة وحالّة ومنتقلة لعالم رسول الله(صلی الله علیه و آله) بطبقة من طبقات وجودها وهو ينوب عنها في الزيارة بلحاظ طبقة أخرى من طبقات وجودها.
إذ أن بدنها الساكن في التراب والبائت في الثرى عاجز عن تأدية مراسيم الزيارة في حين أن بدنها البرزخي وطبقات وجودها الأخرى زائرة لرسول الله(صلی الله علیه و آله) ومنتقلة إليه.
وهذا نظير نيابة الحي القريب من قبر المعصوم عن الحي البعيد عن قبره، فرغم قدرة الحي البعيد على الزيارة بروحه وإن كان نائيا إلا أن الحي الحاضر ينوب عنه في الزيارة البدنية الروحية عن قرب لعجزه عن بعض مراتب الزيارة بسبب البعد.
وبلحاظ مقام أهل البيت(عليهم السلام) وبرغم حضورهم جميعا عند رسول الله(صلی الله علیه و آله) بالأبدان البرزخية والطبقات الأخرى فثمة داع آخر غير ما قلنا يفسر زيارة علي(علیه السلام) للرسول(صلی الله علیه و آله) نيابة عن الزهراء(عليها السلام) وهو النيابة في الخطاب عنها وبلسانه الشريف، فهي نيابة في الوفود على الرسول مع كونهما وافدين عليه(صلی الله علیه و آله) في كل حين كتقدم الإمام في الصلاة على المأموم في الوفود على الله رغم كونهما وافدين.
ثانيا: قوله(علیه السلام) (والمختار الله لها سرعة اللحاق بك) ومفاد هذا المقطع أن الله اختار بلطفه سرعة لحاق والتحاق الزهراء(عليها السلام) بأبيها.
والسؤال: ماهي الأسرار المرتبطة بسرعة لحاقها بأبيها؟ إذ أن مثل هذه المطالب لا تكون بلا سر وأسرار.
وهذه الأسرار لا تخلو منها اشارات الروايات، بل بعض الصوفية في مكة يشيرون إليها في أشعارهم التي يتلونها في ميلاد الزهراء(عليها السلام) وتلك الأسرار ترتبط بعلوها وعلو مقامها وشدة قربها.
ولا يقال ها هنا أن شدة القرب القريب من رسول الله(صلی الله علیه و آله) يتصف به كل واحد من الأربعة أصحاب الكساء ولا تختص به فاطمة(عليها السلام)، لأن الأمر وإن كان كذلك لكن الجانب الأكثر خصوصية في فاطمة(عليها السلام) هو شدة تعاظم الجانب العاطفي المادي والنوري بينها وبين أبيها.
ولعل ذلك هو أحد اشارات ما ورد في المقايسة بينها وبين علي(علیه السلام) بالنسبة للرسول(صلی الله علیه و آله) من أن عليا أعز وفاطمة أحب، فإنه فرق بينهما في الهالة العاطفية فإن ما بينها وبين رسول الله(صلی الله علیه و آله) من رحم عاطفي مادي ومعنوي لا يدركه إلا الله، ومثل هذا الإتصال والقرب يحتم رحيلها السريع فلا يتصور لها البقاء بدونه(صلی الله علیه و آله)، ولو عاشت عمرا
مديدا لقضته غارقة في أحزانها وندبتها.
وعلى هذا الأساس فإن من الخطأ بمكان قياس حزن وألم أي بنت فقدت أباها بحزن وألم فقد فاطمة(عليها السلام) لأبيها، فمن له معرفة بأبيه كما لفاطمة(عليها السلام) من معرفة بأبيها، لذا فالله وحده يعلم أي مرارة ومكابدة عاشتها فاطمة(عليها السلام) في أيامها القليلة قبل رحيلها إلى عالم أبيها.
فهي لم تكن تتحمل فراقه على مستوى نظر العين واتصال البدن والإحساس بالأنفاس المادية برغم اتصالها البرزخي والنوري به في كل آن.
وإن قلت: إن فاطمة(عليها السلام) كانت زوجة وزوجها على قيد الحياة، ومن طبع الرجل والمرأة أن يهون عليهما فقد أحد أفراد الأسرة الأولى بعد تكون أسرة الزوجية ولا سيما وأن للزوج ولاية على زوجته، فلم لم تقدر فاطمة(عليها السلام) على مفارقة أبيها، ولم لا يفترض أنها لو عاشت بعد أبيها مدة لأوجب طول العهد تخفيف المصاب وهون المصيبة.
جوابه:
إن القياس بين شؤون أهل البيت(عليهم السلام) وشؤون غيرهم بما فيها الشؤون العادية المستمرة بين البشر قياس لا يصح.
وهاهنا نمثل بمثال واضح ليتقرب لنا ما نحن فيه، فقد ورد في روايات الفريقين أن البضعة الزهراء(عليها السلام) قد خطبت من أبيها عدة
مرات وكان رسول الله يعتذر في كل مرة بنفس العذر وقبل الرجوع لمشاورة ابنته، وعذره هو أن أمرها ليس بيدي وإنما هو بيد الله تعالى .
وهذا الجواب منه يستدعي السؤال وهو أن سيد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) أولى بالمؤمنين من أنفسهم مضافا إلى أنه والد للزهراء(عليها السلام) بالولادة البدنية والولادة الروحية فكيف يعتذر بأن ولاية أمر نكاح فاطمة(عليها السلام) ليس بيده؟
وبعبارة أخرى:
للنبي(صلی الله علیه و آله) ولايتان على الزهراء(عليها السلام) ولاية كونه أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهي ولاية خاصة له بجعل الله، وولاية الأبوة وهي ولاية عامة فقهية لموقع الأبوة.
ومع هذا التنوع في ولايته كيف يخرج شيء من أمور فاطمة(عليها السلام) عن حيطته(صلی الله علیه و آله)؟
وبهذا يتبين أن لا منافاة بين عموم ولايته بلحاظ موقع النبوة وولايته بلحاظ موقع الأبوة وبين خروج شيء من أمور ابنته عن تصرفه ليكون المتصرف مباشرة هو الله تعالى.
وهذا يفيد أن فاطمة(عليها السلام) خلقة إلهية ذات مقام وشأن خاص بحيث إن تدبير بعض شؤونها من الله مباشرة.
ولا نشط بعيدا إذا قلنا بأن وجودها لما كان وجودا الهيا محضا
مضافا إلى أنه لما كان زواجها بيئة لدفع عجلة الدين وترعرع أصوله ومقوماته كان تدبير ذلك بجعل وتدبير الله مباشرة.
ونلاحظ هذا الاستثناء في شؤونهم حتى على مستوى جعل الأسماء فلما يولد مولود لهم ذو شأن خاص كانوا ينتظرون تسمية الله له ولا يتقدمون على الله تعالى، حتى في مثل زينب(عليها السلام)، فقد ورد أن فاطمة(عليها السلام) قالت لا أتقدم في تسميتها على أبيها أمير المؤمنين(علیه السلام) وأن عليا(علیه السلام) قال لا أتقدم في تسميتها على رسول الله(صلی الله علیه و آله)، ورسول الله(صلی الله علیه و آله) قال ما كنت أسبق ربي بتسميتها.
فإن هذه الشؤون ليست من الجزاف والاعتباط في شيء وإنما لها دلالات، منها أن لهذه المولودة درجة اصطفاء خاص وإن لم يصل إلى شأو درجة اصطفاء المعصومين في الدائرة الأولى.
وعلى هذا الأساس فلا منافاة بين أن تكون فاطمة(عليها السلام) أماً في أسرة وزوجة تحت ولاية زوجها وبين عدم تحملها فراق النبي(صلی الله علیه و آله) وسرعة التحاقها به فكما خرج بعض شؤونها عن هيمنة النبي(صلی الله علیه و آله) إلى هيمنة الله كذلك خرجت حالات وشؤون منها من هيمنة الأسرة الخاصة إلى
هيمنة رسول الله(صلی الله علیه و آله).
وليس بالأمر الهين أن تكون بعد أبيها تحت إمامة وولاية أمير المؤمنين(علیه السلام) بحسب أمر الولاية العامة الا أنها مع ذلك تكون تحت هيمنة الله وهيمنة رسول الله(صلی الله علیه و آله) .
وقد ذكر أمير المؤمنين(علیه السلام) وهو يؤبنها سرعة لحاقها للإشادة بمقامها وعلو مقاماتها ومدى ما لها من عظمة.
ولولا الخوف من أن تتلبد المعاني لدقة السر وخفاء الأمر لأفضنا في البيان والتحليل.
والخلاصة:
إن سرعة اللحاق بأبيها ذو سر بديع في شخصية فاطمة(عليها السلام)، فمع ما لبعلها(علیه السلام) من مقام وخصوصيات يتميز بها عنها ومع كونهما كفؤين، ومع كونهما يعيشان في سعادة زوجية تامة وهناء زوجي متكامل لكنه يجب أن تبقى هيمنة سيد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) وهيمنة الله عليها حتى بعد الرحلة النبوية.
وها هنا لفتة بديعة تتمة لمحل بحثنا، فقد ورد أن النبي(صلی الله علیه و آله) في موطن من المواطن قال لأصحابه سيأتيكم من يعلمكم كيف تدعون فقالوا يا رسول الله، من يأتي ويعلمنا قال هو اويس القرني.
فلما سئل ماذا كنت ستدعو: قالت كنت ادعو أن يبقي الله رسول الله(صلی الله علیه و آله) حيا إلى يوم القيامة.
وفي روايات مستفيضة كما في الوسائل في أبواب الميت تبيان أنه لم تصب البشرية ولم يصب كل آحاد البشرية بمصاب وخسارة أعظم فداحة من فقد رسول الله(صلی الله علیه و آله) .
وهذا أمر عظيم وإشارة بديعة فبرغم وجود الأربعة أصحاب الكساء بعد رحلة رسول الله(صلی الله علیه و آله) وبرغم استمداد الأمة منه بعد رحيله عبرهم إلا أن فقدان الشخص الشخيص لرسول الله(صلی الله علیه و آله) خسارة عظيمة وفادح أليم.
وإذا كان أهل البيت(عليهم السلام) ومع بقاء اتصالهم ووصالهم بطبقات رسول الله(صلی الله علیه و آله) يقولون ما أصابنا مصاب كمصابنا برسول الله(صلی الله علیه و آله) فكيف بالأمة!!
ومن ثم أشارت الروايات إلى أن كل واحد من الأمة بل من البشر مصاب بمصيبة فقد النبي(صلی الله علیه و آله) وإلى هذه اللحظة.
وستبقى البشرية تعاني من ألم هذا الفقدان وألم تلك الخسارة العظيمة وغياب الرحمة المتفجرة والكمال الحضاري العالي برحيل رسول الله(صلی الله علیه و آله) حتى يجيء زمان آخر دولة في عالم الرجعة وهي دولة الدول بحاكمية رسول الله(صلی الله علیه و آله) وبحضور مبارك عظيم لفاطمة البتول(عليها السلام).
ومن العجيب أن يسخر بعض أهل الحداثة من خلود نبوة
النبي(صلی الله علیه و آله) المعنوية والدينية وبقاء وصايتها مع أنهم في ذاتهم يعانون من خسارة رحيله وفقدان شخصه من غير أن يعلموا بذلك.
ثالثا: قوله(علیه السلام) (قل يا رسول الله عن صفيتك صبري وعفا عن سيدة نساء العالمين تجلدي).
وهذه لفتة لطيفة أخرى في بيان مقامها وعظمتها فإن رحيلها خسارة فادحة أخرى تتلو الخسارة برحيل الشخص الشخيص لرسول الله(صلی الله علیه و آله) ومعروف أنه في اليوم الذي استشهدت فيه الزهراء(عليها السلام) ضجت المدينة كيوم مات فيه رسول الله(صلی الله علیه و آله).
وسره أنها اللون المركز العظيم من النبي(صلی الله علیه و آله) ونخبة وجوده، وخفوتها يزلزل العالم والموجودات على حد سواء فكيف بأمير المؤمين(علیه السلام) وهو العارف بها وبمقاماتها وبظلامتها .
ومما يفيده رحيلها السريع أن البشرية كما أنها لم تستحق البقاء الطويل لرسول الله(صلی الله علیه و آله) لا تستحق ولا تستأهل البقاء الطويل لفاطمة(عليها السلام).
وستبقى البشرية عاجزة عن احتضان الرسول(صلی الله علیه و آله) من جديد وغير مستحقة لوجوده حتى في عصر الظهور ومع وجود حكومة
الامام الحجة(علیه السلام)، ولذا لا بد من تكامل التمهيد ليكون الاستحقاق فعليا، ومن الممهدات دولة الحجة(علیه السلام) ثم تتلوها دولة الحسين(علیه السلام) في الرجعة فتكون رجعة الحسين(علیه السلام) الخطورة الممهدة الثانية.
وهذا التمهيد هو جار كذلك حتى ظهور دولة أمير المؤمنين(علیه السلام).
وإذا استحقت البشرية ظهور دولة أمير المؤمنين(علیه السلام) يكون لدولته كرات ومرات وجولات كي تستأهل وتستحق البشرية أعظم دولة وآخر دولة وهي دولة رسول الله(صلی الله علیه و آله).
وسيكون عمر مكوث الدولة النبوية أربعة وأربعون ألف سنة مع العلم أن البشرية منذ دولة آدم وإلى الآن حسب دراسات بشرية غربية وشرقية وأديانية لم يمضي عليها أكثر من سبعة آلاف سنة إلى عشرة آلاف سنة.
بل تشير الروايات إلى أن المعصومين كالحجة والحسين(عليهم السلام) لهم رجعات كرات ومرات، وأمير المؤمنين(علیه السلام) أكثرهم كرورا ورجوعا وكلها تمهيدات وتقديمات وتوطئة لأعظم دولة وأعظم مرحلة وهي رجوع النبي(صلی الله علیه و آله)، وعندها تستأهل البشرية رجعته(صلی الله علیه و آله) ورجعة ابنته الزهراء(عليها السلام).
وهذا مطلب نفيس عظيم، فالبشرية إما أن تفقد استحقاقها من حضور الاثنين الرسول وفاطمة(عليهما السلام) أو تستحق فيرجع الاثنان، فهذا
القرب بينهما رحيلا ورجوعا فيه من الدلالات العظيمة على مقامها وسؤددها وعظم ولاية أمرها.
ومن هنا يقول أمير المؤمنين(علیه السلام):
(قل يارسول الله عن صفيتك صبري) وهذه العبارة منه مقرونة بسرها، فلو سئل لم هذا التلاشي للصبر، فجوابه أنه(علیه السلام) فقد المصطفاة التي صفاها أبوها، فلا صبر ولاتجلد عن رحيل الجوهرة العرشية والدرة الإلهية.
رابعا: قوله(علیه السلام)
(وستنبئك ابنتك بتظافر أمتك على هضمها).
وهنا لم يتظلم أمير المؤمنين(علیه السلام) بظلامة نفسه برغم أن الظلم والحيف قد وقع عليه وعلى فاطمة(عليهما السلام) فقد تمردت الأمة عليهما ولم تنصاع لإرادتهما.
ويرى الإمام(علیه السلام) كل ظلاماته هي ظلامات بضعة الرسالة ويشكو لرسول الله(صلی الله علیه و آله) مافعلته الأمة بها، فإنها ما تحملت تربية الزهراء(علیه السلام) ولم تنصاع لإرادتها بل صبت عليها أنحاء من الظلم عن عمد وتخطيط وتدبير.
خامسا: قوله(علیه السلام)
«فأحفها السؤال واستخبرها الحال، فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثه سبيلاً».
فيخبر(علیه السلام) أن هذه الدنيا لم تبقي لفاطمة(عليها السلام) كهفا تودع عنده سرها وتشكو إليه اهتضامها، وحتى زوجها غرق في أحزانه وآلامه،
وليس من شأن الزهراء(عليها السلام) أن تبث شكواها إليه لتزيده هما ونكدا، فما بقى لها من كهف ولا سند إلا أنت يارسول الله، ولذا أسرعت في اللحوق بك.
سادسا: قوله(علیه السلام)
«فبعين الله تدفن ابنتك سرا».
ويبين(علیه السلام) في هذا المقطع كيف أن الفاصلة بين الزهراء(عليها السلام) والأمة فاصلة كبيرة جدا حيث إن الاقتراب من جثمانها لموارته بعد الموت حرام عليها، لأنها أمة غير مؤهلة ولا مستحقة لهذا الشرف العظيم.
وقد تتبعنا روايات الرجعة فوجدنا أن الأمة غير مؤهلة لأن تربى على يد الزهراء(عليها السلام) إلا بمعية رسول(صلی الله علیه و آله)، وهذا سر عظيم ينبأ عن مقام كبير للصديقة(عليها السلام).
سابعا: قوله(علیه السلام)
«قد استرجعت الوديعة واخذت الرهينة».
وهذا يؤكد ما مر سابقا من أن الزهراء(عليها السلام) جوهرة ثمينة لم تودع عند الأمة ولم تودع حتى عند الحسنين(عليهما السلام)، وانما بالكاد اودعت أياما عند أمير المؤمنين(علیه السلام) والا فمحل هذا الطائر القدسي يكون دوما تحت جناح رسول الله(صلی الله علیه و آله) ومقرونا بعالمه وولاية أمره مباشرة تحت هيمنة الله ورسوله.
ثامنا: قوله(علیه السلام)
«واُخلست الزهراء».
وعبارة (اخلست) موجودة في الكافي فما معنى اخلاس الشيء؟
في كتاب العين للخليل يقول الاخلاس هو الأخذ مباغة ومكابرة نظير الاختلاس اي الاغتيال(1).
والمرحوم الطريحي لم يقف على ظرافة المعنى ففسرها بالأخذ مفاجئة(2)
ومن كلام علي* في خطاب النبي وقد دفن الزهراء(عليها السلام) قد استرجعت الوديعة وأخذت الرهينة وأخلست الزهراء. مجمع البحرين، الطريحي66/4.
، لكنه وفاقا لكلام الخليل فإن الخلس يأتي بمعنى القتل والمصارعة، وهذا يعني أنها(عليها السلام) صرعت في القتل بالاغتيال أي أن رحيلها كان عن صرع وقتل ومباغتة ومفاجئة وفيه طغيان ومكابرة.وقد مرّ ما يشهد على هذا المعنى فيما يرويه الفريقان ورواه السمهودي في وفاء الوفاء من أن النبي(صلی الله علیه و آله) قال لأصحاب الكساء
(أنكم قتلى ومصارعكم شتى) فليس قتلا فحسب وإنما نوع عنف في القتل وشدة فيه.
والخطاب كان للجميع وهذا معناه أن الزهراء(عليها السلام) قتلت
1) خلس: الخلس والاختلاس: أخذ الشيء مكابرة، تقول: اختلسته اختلاسا واجتذابا. والخلس والاختلاس: النهزة، والاختلاس أوحاهما وأخصهما. والخلسة: النهزة. والقرنان يتخالسان، أيهما يقدر على صاحبه [ويناهز كل واحد منهما قتل صاحبه ]. والخلس في القتال والصراع. كتاب العين، الفراهيدي197/4 .
2) يقال خلست الشيء خلسا من باب ضرب: اختطفته بسرعة على غفلة ، واختلسته كذلك. والخلسة بالفتح المرة وبالضم: ما يخلس .وفي الحديث الدغارة وهي الخلسة.
وصرعت واغتيلت.
ويخطأ من يظن أن ما وقع على الزهراء(عليها السلام) من أذى أدّى بها إلى الموت هو نظير ما يقع خطأ من قتل علي الأبرياء المدنيين في الحروب فيذهبون ضحايا من غير أن يكونوا مقصودين! إنه ليس كذلك بل كانت تصفيتها عن تخطيط وتدبير وعمد متعمد.
فإذا كان أمر علي(علیه السلام) بحسب الخطة دائرا بين القتل أو البيعة فلم يكن في تدبير خطتهم تخيير بالنسبة للزهراء(عليها السلام)، فلا يتم لهم الأمر إلا بتصفيتها.
أي من الاستحالة أن تبايعهم البضعة النبوية، وليس بيدهم أن يفبركوا بيعة لها(عليها السلام) بأن يضربوا على يدها كما فعلوا لأمير المؤمنين(علیه السلام) فبالتالي لا طريق للتخلص من معارضتها إلا اختلاسها واغتيالها.
*الوجه الأول: نزولها(عليها السلام) من الجنة لصلب النبي(صلی الله علیه و آله)
*الوجه الثاني: تفعّل كمالاتها(عليها السلام) في بدء وجودها
*آثار الكمالات الملكوتية على بدنها المادي...
*الوجه الثالث: جسمها الظلي لم يودع في الأصلاب...
*عرض نورها لآدم تقدم لخلقتها نورا وولاية عليه...
*مقام المنصورة وولايتها في الملكوت ومقامها في الرجعة...
روى في معاني الأخبار عن رسول الله(صلی الله علیه و آله) قال: خلق نور فاطمة(عليها السلام) قبل أن تخلق الأرض والسماء.
فقال بعض الناس: يا نبي الله فليست هي إنسية؟ فقال(صلی الله علیه و آله): فاطمة حوراء إنسية قال: يا نبي الله وكيف هي حوراء إنسية؟ قال: خلقها الله عز وجل من نوره قبل أن يخلق آدم إذ كانت الأرواح فلما
خلق الله عز وجل آدم عرضت على آدم .
قيل: يا نبي الله وأين كانت فاطمة؟ قال: كانت في حقة تحت ساق العرش، قالوا: يا نبي الله فما كان طعامها؟ قال: التسبيح، والتهليل، والتحميد.
فلمّا خلق الله عز وجل آدم وأخرجني من صلبه أحب الله عز وجل أن يخرجها من صلبي جعلها تفاحة في الجنة وأتاني بها جبرئيل (علیه السلام) فقال لي: السلام عليك ورحمة الله وبركاته يا محمد، قلت: وعليك السلام ورحمة الله حبيبي جبرئيل.
فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام، قلت: منه السلام وإليه يعود السلام.
قال: يا محمد إن هذه تفاحة أهداها الله عز وجل إليك من الجنة فأخذتها وضممتها إلى صدري.
قال: يا محمد يقول الله جل جلاله: كلها، ففلقتها فرأيت نورا ساطعا ففزعت منه فقال: يا محمد مالك لا تأكل؟ كلها ولا تخف، فإن ذلك النور المنصورة في السماء وهي في الأرض فاطمة، قلت: حبيبي جبرئيل، ولم سميت في السماء المنصورة وفي الأرض فاطمة؟ قال: سميت في الأرض فاطمة لأنها فطمت شيعتها من النار وفطم أعداءها عن حبها، وهي في السماء المنصورة، وذلك قول الله عز وجل:
(وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ *بِنَصْرِ اللّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ) (1)يعني نصر فاطمة لمحبيها(2).
وروى في فرات الكوفي عن رسول الله(صلی الله علیه و آله) قال: معاشر الناس تدرون لما خلقت فاطمة ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم .
قال: خلقت فاطمة حوراء إنسية لا إنسية، قال: خلقت من عرق جبرئيل ومن زغبه، قالوا: يا رسول الله أشكل علينا تقول: حوراء إنسية لا إنسية ثم تقول من عرق جبرئيل ومن زغبه ؟! قال: إذا أنا أنبئكم أهدى إلي ربي تفاحة من الجنة أتاني بها جبرئيل فضمها إلى صدره فعرق جبرئيل(علیه السلام) وعرقت التفاحة فصار عرقهما شيئا واحدا ثم قال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، قلت: وعليك السلام يا جبرئيل فقال: إن الله أهدى إليك تفاحة من الجنة فأخذتها فقبلتها ووضعتها على عيني وضممتها إلى صدري ثم قال: يا محمد كلها، قلت: يا حبيبي جبرئيل هدية ربي تؤكل؟ قال: نعم قد أمرت بأكلها فأفلقتها فرأيت منها نورا ساطعا ففزعت من ذلك النور قال: كل فإن ذلك نور المنصورة فاطمة.
قلت: يا جبرئيل ومن المنصورة؟ قال: جارية تخرج من صلبك اسمها في السماء المنصورة وفي الأرض فاطمة.7.
فقلت يا جبرئيل ولم سميت في السماء منصورة وفي الأرض فاطمة؟ قال: سميت فاطمة في الأرض لأنه فطمت شيعتها من النار وفطمت أعداؤها عن حبها وذلك قول الله في كتابه (يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ *بِنَصْرِ اللّهِ ) (1)ينصر فاطمة(عليها السلام)(2).
لقد وردت روايات مستفيضة فيها توصيف لفاطمة(عليها السلام) بأنها حوراء انسية، وفي كتب الفريقين.
فما هو وجه توصيفها بذلك؟
وفي الحقيقة ثمة مسألتان في تلك الروايات تسترعي الانتباه والتساؤل:
الأولى: دمج الوصفين في توصيفها فإن المعلوم في خلق البشر هو تكوينهم من عنصر واحد وهو البشرية والإنسية، كما أن قول أهل الفلسفة بتركب الإنسان من روح وبدن ومن عنصر مجرد وآخر مادي لا يخرجه عن دائرة الإنسية والبشرية .
ومنه يعرف أنه ليس معنى توصيف فاطمة(عليها السلام) بالحوراء الإنسية بيان تركبها من روح وبدن كما هو المتعارف في جميع البشر إذ لو كان المعنى كذلك فما هو الداعي من بيانه فيها على نحو الخصوص، وما هو الداعي في استفاضت الروايات في هذا المعنى؟2.
فتحصل أنه لدمج الوصفين معنى آخر، فما هو ؟
الثانية: ما هو الوجه في تقديم وصف الحوراء على وصف الانسية بينما في سيد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) ذكر وصف البشرية أولا فيه وعقّب ذلك بوصف أنه يوحى إليه في قوله تعالى: ( قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ )(1). (2)
فلم ها هنا تؤصل الروايات كينونة الحورية على كينونة الإنسية في فاطمة(عليها السلام)؟
فيحتمل في ذلك عدة وجوه:
من القوانين العامة الجارية في كل البشر تقلبهم في الأصلاب والأرحام، وقد خرج من هذا القانون آدم(علیه السلام) فلم يتقلّب في صلب ولا في رحم، وإنما خلق كما اخبر القرآن في قوله تعالى: (نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي)(3). (4)
كَمَا خرج من ذلك القانون العام عيسى(علیه السلام) فما تقلّب في الأصلاب ولا في الأرحام بل كان كما اخبر القرآن قي قوله تعالى: (وَ مَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي (5)
أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا)(1). (2)
وقوله تعالى: ( وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَ رُوحٌ مِنْهُ )(3). (4)
والمقصود من الكلمة هي الكلمة الوجودية.
وعليه فلعل معنى توصيفها(عليها السلام) بالحوراء الإنسية هو أنها لم تتقلب في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة، بل حسب الروايات العديدة المستفيضة كما سيأتي نزولها من عالم الجنة إلى صلب النبي(صلی الله علیه و آله) مباشرة من دون توسيط الآباء والأجداد وهذا بخلاف بقية المعصومين(عليهم السلام).
وبذلك يتقرر أن نشأتها(عليها السلام) في الأصل جناوية متنزلة إلى العالم الجسماني .
ثمة قانون آخر يشترك فيه البشر وهو تفعّل وظهور كمالات وطاقات الجانب البدني قبل تفعّل كمالات الجانب الروحي، ففي بدء الولادة تكون بعض الكمالات البدنية بالفعل بينما تكون سائر الكمالات الروحية بالقوة .
ومنه يعرف ما للزهراء(عليها السلام) من خصوصية وهي أنها منذ ولادتها تختلف عن بقية البشر من كون الجسم الجناوي فيها متكامل متفعل، فلم تكن تتعاطى بالجسم الإنساني فحسب بل بالجسم الجناوي الأخروي.
ومن ثم ظهر من بدنها(عليها السلام) آثار عديدة لا تتناسب مع البدن الطيني، كالنور الذي يبزغ منها في الصباح بلون وفي آخر النهار بلون بحيث تضيء لأمير المؤمنين(علیه السلام).
فقد روى في العلل عن أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد الله(علیه السلام) يا بن رسول الله لم سميت الزهراء(عليها السلام) زهراء؟
فقال: لأنها تزهر لأمير المؤمنين(علیه السلام) في النهار ثلاث مرات بالنور، كان يزهر نور وجهها صلاة الغداة والناس في فرشهم فيدخل بياض ذلك النور إلى حجراتهم بالمدينة فتبيض حيطانهم فيعجبون من ذلك فيأتون النبي(صلی الله علیه و آله) فيسألونه عما رأوا فيرسلهم إلى منزل فاطمة(عليها السلام) فيأتون منزلها فيرونها قاعدة في محرابها تصلي والنور يسطع من محرابها من وجهها فيعلمون أن الذي رأوه كان من نور فاطمة(عليها السلام).
فإذا نصف النهار وترتبت للصلاة زهر وجهها(عليها السلام) بالصفرة فتدخل الصفرة حجرات الناس فتصفر ثيابهم وألوانهم فيأتون
النبي(صلی الله علیه و آله) فيسألونه، عما رأوا فيرسلهم إلى منزل فاطمة(عليها السلام) فيرونها قايمة في محرابها وقد زهر نور وجهها(عليها السلام) بالصفرة فيعلمون أن الذي رأوا كان من نور وجهها، فإذا كان آخر النهار وغربت الشمس أحمر وجه فاطمة(عليها السلام) فأشرق وجهها بالحمرة فرحا وشكرا لله عز وجل فكان يدخل حمرة وجهها حجرات القوم وتحمر حيطانهم فيعجبون من ذلك ويأتون النبي(صلی الله علیه و آله) ويسألونه عن ذلك فيرسلهما إلى منزل فاطمة(عليها السلام) فيرونها جالسة تسبح الله وتمجده ونور وجهها يزهر بالحمرة فيعلمون أن الذي رأوا كان من نور وجه فاطمة(عليها السلام) فلم يزل ذلك النور في وجهها حتى ولد الحسين(علیه السلام) فهو يتقلب في وجوهنا إلى يوم القيامة في الأئمة منا أهل البيت إمام بعد إمام)(1).
وروى في المناقب عن أبي هاشم العسكريّ: سألت صاحب العسكريّ(علیه السلام): لم سمّيت فاطمة الزهراء؟
فقال: كان وجهها يزهر لأمير المؤمنين(علیه السلام) من أوّل النّهار كالشمس الضاحية، وعند الزوال كالقمر المنير، وعند غروب الشّمس كالكوكب الدّريّ)(2).
وفي كتاب سليم بن قيس عن جعفر بن محمد بن عمارة عن أبيه قال: سألت أبا عبد الله(عليها السلام) عن فاطمة لم سميت الزهراء ؟ فقال لأنها0.
كانت إذا قامت في محرابها زهر نورها لأهل السماء كما تزهر نور الكواكب لأهل الأرض)(1).
وقد روت عائشة أننا نستضيء بنور وجه فاطمة، وفي الروايات أن الوجه في تسميتها بالزهراء هو ذلك.
كما أن الأثر الآخر لاشتداد كمالات الجسم الجناوي فيها هو ما ذكر في جملة من الروايات من قوة مدافعتها ضد المهاجمين لبيتها سواء عند فتح الباب أو عند شدهم الحبال لأخذ أمير المؤمنين(علیه السلام) حيث لم يستطيعوا فتح الباب إلا بعد ضرب أناملها بالسياط كما في البحار أنها قالت: يا عدو الله وعدو رسوله وعدو أمير المؤمنين فضربت فاطمة يديها من الباب تمنعني من فتحه، فرمته، فتصعب علي، فضربت كفيها بالسوط فآلمها، فسمعت لها زفيرا وبكاء فكدت أن ألين وانقلب عن الباب)(2).
كما لم يستطيعوا جذب الحبل من يدها بشدهم رغم كثرة عددهم إلا بضرب السياط وغمد السيف فيها ففي كتاب سليم بن قيس: (وثار علي(علیه السلام) إلى سيفه فسبقوه إليه وكاثروه وهم كثيرون، فتناول بعضهم سيوفهم فكاثروه وضبطوه فألقوا في عنقه حبلا، وحالت بينهم وبينه3.
فاطمة(عليها السلام) عند باب البيت، فضربها قنفذ الملعون بالسوط)(1).
والحاصل أن آثار جسمها الجناوي هو الأصل المفعّل في تكوينها وهذا يتناسب من كون تكوينها متنزل من الجنة.
ولا يخفى التشابه بين هذا الوصف فيها ونمط بدن النبي(صلی الله علیه و آله) الذي عرج به إلى الجنة فبدن النبي(صلی الله علیه و آله) هو الآخر ذو خصائص تختلف تماماً عن بقية أبدان البشر حيث لا يرى له ظل، ويرى من خلفه كما يرى من أمامه، وتنام عينه ولا ينام قلبه، والقلب هنا هو البدن غير الأرضي، أي الجسم الروحي الرقيق.
وعدم نومه(صلی الله علیه و آله) كناية عن عدم احتياجه في العروج إلى انفصاله عن تدبير البدن الأرضي فإنه لا يشغله العروج عن تدبير ما دونه كما لا يشغله تدبير ما دونه عن الاتصال الدائم كما هو الحال في سائر الأرواح.
ومن ثم تختلف قوة الحضور والتدبير العقلي في المنام من روح إلى روح بحسب قوة وضعف الروح.
كما اختلف عروج عيسى(علیه السلام) إلى السماء الأولى أو الثانية ولم يقوى على ذلك ألا أن توفّاه الله ثم رد عليه روحه بعد العروج به كما هو مفاد قوله تعالى: ( إِذْ قالَ اللّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَ رافِعُكَ إِلَيَّ )(2). (3)5.
وهذا بخلاف سيد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) فإنه لم يرد عنه لا في القرآن ولا في روايات المعراج التعبير بالتوفي.
والظريف في هذا الشأن أن البراق لم يتحمّل صعود النبي(صلی الله علیه و آله) عليه في البدء بل وقف عروجه إلى سدرة المنتهى والجنة ثم استبدل بالرفرف وهو الآخر لم يواصل إلى طبقات العروج الأخرى وهي طبقات العروج الأخرى وهي طبقات العروج القلبي بعد ذلك.
ومما يؤكد هذا المعنى في بدن فاطمة(عليها السلام) ما في الرواية من أن بعض الناس استغرب من كلام النبي بأن نور فاطمة(عليها السلام) خلق قبل الأرض والسماء وبيّن سبب استغرابه (هذا البعض) باستفهامه عن الأصل في فاطمة(عليها السلام) وأنها أنسية فقال: يا رسول الله أفليس هي إنسية فأجاب النبي (صلی الله علیه و آله) بأنها حوراء إنسية.
إن ثمة اختلاف لها(عليها السلام) عن بقية الأدميين ونظيره في القرآن قوله تعالى: ( إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59)(1)(2)، فكذلك الشأن فيها فقد اقتصرت نشأتها على صلب أبيها ورحم أمها خديجة.
فجسمها الظلي والشبحي الذي هو من الأجسام الأخروية والجناوية لم يوضع كبقية ذرية بني آدم في صلب آدم والآباء، وإنما اودع مباشرة في صلب النبي(صلی الله علیه و آله).
ورغم تشابه خلقها وتكوينها بآدم وعيسى إلا أن وصف حوراء إنسية لم يطلق على أحد من البشر حتى على مريم فهي ميزة لها دون بقية نساء العالمين.
ومن ثم وصفت أزواج المؤمنين في الجنة إما أنها حورية أو مؤمنة آدمية بينما في فاطمة(عليها السلام) لا هي حوراء ولا هي مؤمنة آدمية بل هي مؤمنة حوراء إنسية.
يستفاد من صدر رواية معاني الأخبار الموثقة أن نور فاطمة(عليها السلام) عرض على آدم، أي ولايتها(عليها السلام) عرضت على آدم(علیه السلام) وأنها من ضمن الأسماء التي علّمت لآدم وعرضت عليه والمذكورة في سورة البقرة.
ثم إن التعليل في الرواية لأخذ ولايتها وعرض نورها على آدم هو تقدم خلقة نورها على خلقة آدم، وهذا التعليل يعمم على سائر الأنبياء والأوصياء، ويفتح بابا لتفسير وترجمة الخلقة النورية التي وردت فيها روايات مستفيضة أن مقتضاها أخذ ولايتها وعرض نورها على جميع من دونها في الخلقة، وأن الخلقة النورية قاعدة ولغة
معرفية وبيان المقام والدرجة والرتبة في الولاية.
تبين الرواية أن ولايتها(عليها السلام) في السماء أعظم ظهورا منها في الأرض، وأن لقب المنصورة إشارة إلى مقام نفوذ ولايتها في الملكوت.
ولا يخفى أن هذا اللقب هو أيضا للنبي(صلی الله علیه و آله) وأن تأويل الآية: ( وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4)بِنَصْرِ اللّهِ ) (1)المراد من اليوم هو عالم الآخرة والملكوت، وفيه بيان أن في مقام من مقامات الرجعة مما يرتبط بالسماء يتجلى ويظهر في تلك المرحلة ولايتها فضلا عن يوم عالم القيامة ويوم عالم الجنة الأبدية.
وقد ورد أن مقام الحسين(علیه السلام) في الرجعة المنصور في روايات الفريقين.
وأما مقام فاطمة(عليها السلام) فإن ولاءها وتولي شيعتها لها فاطم لهم عن فتن الدنيا.
1) سوره 30 - آیه 4
*الأدب الملتزم في حواريات الأولياء إظهار للمقامات
*أدب الأطفياء لا نظير له في المواقع الاعتبارية...
*تشابه وفوارق حوارية علي وفاطمة(عليهما السلام)لحوارية موسى وهارون(عليهما السلام)...
*نبرة الأدب بين الأئمة(عليهم السلام) افصاح عن تفاوت الصلاحيات
قبل الدخول فِي صُلب البحث نطرح أمراً استقرَّ عَلَيْهِ المحققون مِنْ المُتكلمين والمُفسرين والمتضطلعون مِنْ أهل المعارف.
وَهُوَ أنَّ الأدب الملتزم به فِي خطاب الله لأصفيائه أو فِي خطاب الأصفياء لله تَعَالَى أو فِي خطاب الأصفياء بعضهم لبعض لَيْسَ مُجَرَّد تعارفات وصرف مجاملات، وإنما يرجع الأدب فِي حقيقته إلى مقامات
دينية وينبأ عَنْ تمايزات فِي الصلاحيات الشرعية والمواقع العقائدية.
وَمِنْ أوضح الأمثلة عَلَى ذَلِكَ ما حدَّث به القُرآن الكريم مِنْ أدب فِي حوارية موسى للخضر(عليهما السلام)، فَقَدْ عبَّرت الآيات بتعابير وألفاظ تحمل مِنْ الأدب والتخاضع ما هُوَ غَيْر خافٍ كما في قوله تَعَالَى: ( هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْداً)(1). (2)
وقوله: ( قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللّهُ صابِراً وَ لا أَعْصِي لَكَ أَمْراً)(3). (4)
فَإنَّها تَدُلُّ:
أوَّلاً: عَلَى الاستئذان فِي الاتّباع وَلَيْسَ عَلَى الحتم والحزم فِي الإتّباع.
وثانياً: فيها طلب للعلم والتعلم.
وثالثاً: نفي المعصية عَنْ نفسه فِي حال الإتّباع.
ورابعاً: نسبت الآمرية للخضر.
والسُّؤال: هَلْ وصف نفسه بالتابع والمتعلم وَغَيْر العاصي، ووصف الخضر بالآمر مِنْ قبيل الشعر والتعارف أم أنَّها حقائق؟
بمعنى أنَّ للخضر موقعية غيبية لَيْسَ للنبي موسى(علیه السلام) مثيلها،9.
وإنَّ كَانَ لِكُلٍٍٍٍّ موقعا متميّزا كَمَا هو مدلول الجمع بين آيات القرآن فللخضر فضل و لموسى فضل .
ولا تنافي بين أنْ يكون لِكُلِّ واحد جنبة مِنْ الفضل وأنْ يتخاضع أحدهما تأدباً وَعَلَى نحو الحقيقة للآخر بلحاظ جنبة فضله وتقدّمه.
كَمَا أنَّهُ لو لاحظنا الحوارية مِنْ جانب الخضر لأدركنا قبوله للأدب الصادر مِنْ موسى(علیه السلام): ( قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً(70)(1)(2)، فنسب التابعية والتابع لموسى ونسب المتبوعية لنفسه، وَمَعَ ذَلِكَ تأدب فِي خطابه فَلَمْ يقل «اتبعني» وَإنَّما قَالَ: «فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي» (3)بجعل الخيار للنبي موسى فِي الإتباع.
فندرك بذلك التحفظ مِنْهُ عَلَى موقعه مِنْ جهة وَعَلَى موقع موسى مِنْ جهة أخرى، إذْ بجعله الخيار لموسى فِي الإتباع ينفي ولايته عَلَيْهِ، فتكون النتيجة أنَّ ثمة مشاركة ولائية بينهما وتوزّع أدوار ومواقع.
ولا مبالغة فِي القول إنَّ ما فِي الآية مِنْ أدب بين الأصفياء بنحو متبادل بديع جداً ولا نجد مثيله فِي المواقع الاعتبارية الدنيوية بين الدول والحكومات والرؤساء، مما يَدُلّ عَلَى النظم الدقيق فِي عالم
الأصفياء صفاء ودقة فِي الحقائق والمواقع والمأموريات والمناصب والصلاحيات والمقامات، فلا ينطق ولا يتحرك أحد إلَّا حسب قدره وشأنه موقعه.
وربما صدر الأدب مِنْ واحد لآخر مِنْ جهة وبادله الأخير الأدب مِنْ جهة أخرى.
ولذا فثمة قاعدة ها هُنَا مفادها أنَّ الأدب الإلهي بين الأصفياء المصطفين ينبأ عَنْ المواقع الرسميّة الإلهية وَعَنْ نمط ودرجات الولاية، فلربما كَانَ الأدب بالمطلق مِنْ طرف لآخر فَيَدُلّ عَلَى علوّ مقام الثَّانِي عَلَى الأوَّل، وربما كَانَ الأدب متبادلاً بلحاظ جهات الفضل المختلفة فَيَدُلّ عَلَى مدارية ومحورية الأثنين بلحاظين.
وتأسيساً عَلَى ما مَرَّ ندقق النظر فِي الحوارية الَّتِي جرت بين أمير المُؤْمِنِين وفاطمة(عليهما السلام)سواء مِنْ فاطمة لعلي أو مِنه لفاطمة وسنتلمس أنَّها قريبة الأفق مِنْ الحوارية الَّتِي جرت بين موسى وهارون فَإنَّ بينهما مِنْ التشابه الشيء الكثير فِي لحن الكلام ونبرته وتوازنه.
فَمِنْ حوارية موسى وهارون(عليهما السلام) بحسب بيانات القُرآن ندرك النقاط التالية:
أوَّلاً: الشراكة بينهما فِي الأمر، وَيَدُلّ عَلَيْهِ قوله تَعَالَى: (هارُونَ أَخِي (30)اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31)وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32)(1). (2)
ثانياً: عتب موسى عَلَى هارون بَعْدَ ضلال بني إسرائيل كَمَا فِي قوله تَعَالَى: (أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي)(3). (4)
وفهم أهل التحقيق مِنْ المفسرين أنَّ هَذَا اللحن مِنْ الخطاب بينهما جارٍ وفق ما يدور فِي خلد الناس، وَإلَّا فَإنَّ الْنَّبِيّ موسى يعلم باصطفاء هارون وشراكته، وَقَدْ أخبره الله بافتتان قومه، وَمَعَ ذَلِكَ عاتب موسى أخاه وأجابه هارون بقوله: (قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَ لا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94)(5). (6)
فَكَانَ السائل والمجيب والعاتب والمعاتب هُمَا الشريكان فِي المسؤولية الإلهية بُغية دفع الالتباس الذي ربما يخالج أفكار البعض وأذهانهم فَكَانَ الهدف مِنْ الحوارية تبيان أنَّ الالتباس الذي يدور فِي خلجهم فِي غَيْر محله.
كَمَا أنَّ الحوارية مُشتملة عَلَى هدف آخر وَهُوَ استعظام ما جرى مِنْ الناس وإدانته والاستنكار عَلَيْهِ وإنْ كَانَ بلغة التعاتب بين الأصفياء.4.
ونفس ما جرى بين موسى وهارون(عليهما السلام) جرى فِي الحوارية بين فاطمة وأمير المُؤْمِنِين فِي قولها(عليها السلام):
«يا بن أبي طالب، اشتملت شملة الجنين، وقعدت حجرة الظنين، نقضت قادمة الأجدل فخانك ريش الأعزل»(1).
فلا يجوز والعياذ بالله أنَّ تفهم هَذِهِ الحوارية عَلَى أنَّها عتب وادانة من الصديقة(عليها السلام) لما قام به أمير المؤمنين(علیه السلام) وإنما الأمر جار على ما بيّناه فِي حوارية فِي موسى لهارون، فَإنَّ عتبها ها هُنَا يرجع إلى مساءلة عَلَى لسان المحبين فضلاً عَنْ المناوئين.
إذْ أنَّ كُلّ مَنْ يقرأ الموقف الذي ألتزمه أمير المُؤْمِنِين(علیه السلام) يتبادر لذهنه هَذَا التساؤل وَهُوَ ما هُوَ سر اختلاف دور أمير المُؤْمِنِين عَنْ دور فاطمة(عليها السلام)؟
وما السر فيما سلكه أمير المُؤْمِنِين(علیه السلام) اتّجاه ما وقع عَلَى فاطمة(عليها السلام)؟
وَقَدْ وَرَدَ فِي الروايات أنَّ نحو هَذِهِ التساؤلات وَرَدَتْ عَلَى خواص الخلص مِنْ أصحاب أمير المُؤْمِنِين كسلمان وعمّار، إلَّا المقداد فَلَمْ تخالج خاطره عَلَى نحو ما مَرَّ.
فانعقدت الحوارية بين فاطمة وعلي(عليهما السلام) لتترجم ما يمكن أنَّ يرد عَلَى الخواطر، وَمِنْ نظائره فِي القُرآن قول الباري تَعَالَى لعيسى(علیه السلام):1.
1) الاحتجاج، الشيخ الطبرسي 145/1.
( أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّهِ )(1). (2)
فمع علم الله بفرية وتدليس النصارى عَلَى عيسى وَمَعَ أمانته فِي تحمّل أعباء الرسالة يخاطبه الله تَعَالَى بعبارة توحي بالريبة والتهمة لَهُ، بَلْ يبدأ الخطاب «أأنت» أيّ أنطلاقاً مِنْ موقعك وَهُوَ موقع المخلوق وكأنما فيه تصغير لَهُ إلَّا أنَّ الحقيقة أنَّ الله تَعَالَى بصدد تفنيد فرية النصارى عَلَى المسيح.
وَهَذَا ما يسمونه حواريّة تسجيل ما يدور بين طرفين عَلَى نحو تقمص الأدوار، أيّ حوار بين طرفين يعكسان ما يدور عِنْدَ الأطراف الأُخرى بغية رفع اللبس والالتباس عَنْ أذهان الآخرين.
وفي حوارية أُخرى لها مَعَ أمير المُؤْمِنِين(علیه السلام) فِي أواخر حياتها تقول فيها(عليها السلام):
(يا بن عم ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ولا خالفتك منذ عاشرتني)(3).
وإذا كَانَ المقصود مِنْ الحوارية السابقة دفع خواطر إدانة أمير المُؤْمِنِين(علیه السلام) فَهَذِهِ الحوارية إدانة لأي جهة؟ إذْ مِنْ غَيْر المعقول أنَّها لدفع خواطر فِي نفس أمير المُؤْمِنِين(علیه السلام) والعياذ بالله.
كيف وَقَدْ شهد لها أمير المُؤْمِنِين(علیه السلام) فِي جوابه بمقامات عالية؛1.
ولذا فَإنَّ المخاطب فِي الحوارية وإنْ كَانَ هُوَ أمير المُؤْمِنِين ولكنّها بصدد دفع الالتباسات عَنْ الآخرين، فقولها(عليها السلام)
«ما عهدتني كاذبة ولا خائنة» نفي لتوصيف الزهراء(عليها السلام) بذلك فِي خلد الآخرين، ولأنّها تفصح عَنْ اتهامات وإهانات وجهها القوم لها لما دفعوها عَنْ حقها وَلَمْ يقبلوا شهادتها، فَهِيَ التباسات تدور فِي فكر الآخرين لا فِي ما يخص البُعد الفردي أيّ بُعد الزوجية، فَقَدْ كان زواجها مِنْ أمير المُؤْمِنِين(علیه السلام) زواج ولاية بولاية وزواج نور مِنْ نور ومشاركة واقتران نوري، إذْ قد وَرَدَ فِي الرِّوَايَة
«زوّج النُّور مِنْ النور».
وكيف يُتوهّم صدور تعد منها وتجاوز أسري وَقَدْ وصفها القُرآن الكريم في قوله تعالى: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ، بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ )(1). (2)
وَقَدْ مَرَّ بنا نمط الأدب الإلهي السائد بين الأصفياء، فَقَدْ شهد القُرآن أنَّ موسى لَمْ يتعد فِي صلاحياته عَلَى صلاحيات الخضر، كَمَا لَمْ يتعد الخضر فِي صلاحياته عَلَى صلاحيات موسى، ونفسه جارٍ فِي علي وفاطمة(عليهما السلام)، فَقَدْ كَانَا بحرين مِنْ الملكوت وَالنُّور، وَالْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) برزخٌ بينهما،، فالمسؤوليات محددة والصلاحيات كَذَلِكَ فلا محل لتجاوز أحد عَلَى الآخر.
ولذا فقولها(عليها السلام):
«ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ولا خالفتك منذ0.
عاشرتني» نظير قول موسى للخضر ( قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللّهُ صابِراً وَ لا أَعْصِي لَكَ أَمْراً(69)(1)(2)، فَلَمْ تتخلّف عَنْ أمر عالم الولاية وَلَمْ يكن ما قامت به الصديقة(عليها السلام) وأشادته مِنْ بنيان عقائدي مخالف للمسار والبنيان العقائدي لأمير المُؤْمِنِين(علیه السلام)، وَلَمْ يصدر منها أيّ خيانة فِي الدِّين لمواثيق الله ورسوله.
بَلْ ثمة فارق بين حوارية موسى والخضر(عليهما السلام)وحوارية فاطمة وعلي(عليهما السلام)فَقَدْ حكم الخضر عَلَى موسى بقوله: (قالَ أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً)(3)(4)، عِدَّة مرات إلى أنْ اعترف موسى بذلك، فَقَالَ: ( قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً)(5). (6)
ولذا في الجامع للطبري قال: قال رسول الله(صلی الله علیه و آله) يوما:
رحمة الله علينا وعلى موسى لو صبر على صاحبه لرأى العجب ولكنه قال: ( فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً(76). (7)
والذي في صحيح مسلم قال رسول الله (صلی الله علیه و آله):
«رحمة الله علينا وعلى موسى لولا أنه عجل لرأى العجب ولكنه أخذته من صاحبه ذمامة ولو صبر لرأى العجب»(8).
وأمَّا جواب أمير المُؤْمِنِين(علیه السلام) لحوارية فاطمة(عليها السلام) فَهُوَ:
«معاذ الله1.
أنت أعلم بالله وأبر وأتقى وأكرم وأشد خوفا من الله ان أوبخك غدا بمخالفتي»(1)، أي أنَّك أرفع مِنْ أنْ ينالك عتب ظريف لطيف.
وَمِنْهُ يُفهم أنَّ واحدا مِنْ غايات الأمثال فِي القُرآن إلفات النظر لما هُوَ أعظم مِنْ الأدب وما هُوَ أظرف فِي المشاركة العقائدية، فمثل فاطمة وعلي(عليهما السلام) أعظم مِنْ مثل موسى والخضر(عليهما السلام)، فقَدْ أثمر اقتران ومشاركة فاطمة لعلي(عليهما السلام) ما فِي قوله تَعَالَى: ( يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ (22)(2). (3)
فلما كَانَا أعظم مثالاً فِي الأدب الإلهي وحفظ المواقع والصلاحيات كَانَا أعظم أثراً.
ويشهد جواب علي(علیه السلام) لعتاب الزهراء(عليها السلام) قولاً وفعلاً عَلَى ما لفاطمة(عليها السلام) مِنْ صلاحيات فِي الدِّين، فَأمَّا عَلَى مستوى الفِعْل فَقَدْ وَرَدَ أنَّهُ لبس القباء الأصفر وأخذ حمائل السيف.
وأمَّا عَلَى مستوى القول فأجابها بهذه اللغة بَعْدَ سماعه الأذان
«أيسرك زوال هذا النداء من الأرض قالت لا قال فإنه ما أقول لك»(4).
فقوله(علیه السلام) لها إنْ شئت أفصاح بصلاحيتها فِي أصل كيان الدِّين، بَلْ كَانَ جوابه لها بالموقف والقول تنفيذا لقول الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله):
«يا علي انفذ3.
لما أمرتك به فاطمة»(1)فلمحل أمره(صلی الله علیه و آله) بوجوب تنفيذ أمرها سارع(علیه السلام) فِي ندبتها وإجابتها وعلَّق الأمر عَلَى مشيئتها.
وَلَيْسَ الأمر محمولاً عَلَى الهيجان العاطفي، وَهَلْ يُتصور فِي حق علي(علیه السلام) أنْ ينساق ويهيج لمجرد حماسة لإمرأة بما هِيَ امرأة والحال أنْ حماسته وانبعاثه كَانَ فِي أُمُور تمس أصل الدِّين، بَلْ كَانَ انبعاثه عَنْ أمر وليّة الأمر(عليها السلام) وَكَانَ تحركه جواباً لِمَنْ لها مشيئة مرتبطة بأصل الدِّين.
وَمِنْهُ ندرك أنَّ انتقاء سَيِّد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) فِي وصيته لعلي(علیه السلام) عبارة «أنفذ ما تأمرك به» دالٌّ عَلَى ما لها مِنْ مسؤولية فِي إشادة الدِّين، وإنْ كَانَ لعلي(علیه السلام) موقع الإمامة عَلَى فاطمة(عليها السلام)، أيّ لَهُ تفاوت عنها لكنَّهُ لَيْسَ نظير التفاوت بينه وبين الحسنين(عليهما السلام)، بَلْ بالنمط الذي رسمه القُرآن ونبّه عَلَيْهِ أئمة أهل البيت(عليهم السلام) تحت قوله تَعَالَى: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ). (2)
ولا نبالغ إذَا ما قلنا أنَّ حواريتها تمثل ملحمة عقائدية عظيمة، وَهِيَ مِنْ أدلة صلاحياتها، بَلْ لا يتلكأ الباحث فِي القول أنَّ مشيئتها مشيئة الله ومشيئة رسوله(صلی الله علیه و آله) وذلك لتعليق أمير المُؤْمِنِين(علیه السلام) أصل ثابت الدِّين وبقائه عَلَى مشيئتها، وَلَيْسَ فِي كلامه أيّ مجاملة أو محاباة، بَلْ قائم عَلَى قواعد الأدب الإلهي الَّتِي تَقَدَّمَ بيانها.5.
ذكرنا أنَّ مِنْ لوازم الأدب حفظ المواقع والصلاحيات والمقامات؛ ولذا مع ما للحسن(علیه السلام) مِنْ شيء مِنْ التَقَدُّم عَلَى الحسين(علیه السلام) لكنَّ نبرة الأدب بين الحسنين وسائر الأئمة(عليهم السلام) تختلف، فلها مستوى آخر ينمّ عَنْ التفاوت فِي الصلاحيات والمواقع والمقامات.
وَيَدُلّ عَلَيْهِ التعبير النبوي عَنْ الحسن والحسين بال- «الفرقدين» وتعبير القُرآن عَنْ علي وفاطمة(عليهما السلام) بالبحرين ويجمعهما بيان تشاطر المسؤولية وتشارك الصلاحية.
وَمِنْ شواهد نمط الأدب الخاص بين الحسنين(عليهما السلام) والذي هُوَ نظير الأدب بين علي وفاطمة(عليهما السلام) ما كَانَ مِنْ بيعة الحسن(علیه السلام) وهدنته لمعاوية وتبعية كُلّ الأُمَّة لَهُ لكنَّ الحسين(علیه السلام) بمفرده لم يدخل فِي التزام الصلح مَعَ معاوية ولا مهادنته وبشرط مِنْ الإمام الحسن(علیه السلام).
إذْ قَدْ يُقَال أليس للحسن(علیه السلام) إمامة عامة واجبة الإتباع مِنْ قبل كُلّ الأُمَّة ويجب الإنقياد لها مِنْ قبل كُلّ الأطراف، فكيف يختلف ها هُنَا موقف الإمام الحسين(علیه السلام)؟!
إنَّ لهذا البحث فلسفة فقهية وعقائدية ومعرفية وسياسية، وفيه عبرة لنا عَلَى طول التأريخ.
فيظل التساؤل ماثلاً لِمَ قدر الله أنْ تكون ثمة مزاوجة ومقاربة
بين المعصومين كعلي وفاطمة(عليهما السلام) وكالحسن والحسين(عليهما السلام) لا بين السجاد والباقر(عليهما السلام) ولا بين الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) وباقي أصحاب الكساء(عليهم السلام).
وَلَعَلَّ أحد وأسرار ذَلِكَ أنَّ التوازن فِي الدِّين لا يحصل إلَّا بوجود لون حسني ولون حسيني بالتقارن والتزامن فِي زمان واحد واتّجاه موضوع واحد وشرائط واحدة، ووجود لون فاطمي ولون علوي فِي آن واحد واتّجاه موضوع واحد، لكنَّ ذَلِكَ غَيْر موجود فِي زمان الباقر وَالصَّادِق(عليهما السلام) أو الحسين والسجاد(عليها السلام) فلا يجتمع لون باقري ولون صادقي فِي زمان واحد واتّجاه موضوع واحد.
وَإنَّما تتنوّع ألوان الأدوار وبحسب مصلحة الدِّين مَعَ التقارب فِي الرتبة بالنحو الذي بين علي وفاطمة(عليهما السلام) والحسن والحسين(عليهما السلام).
فإذا توقّف قوام الدِّين بالموازنة والمزامنة لذينيك المقامين جرت الحكمة الإلهية بذلك.
واللطيف أنَّهُ مَعَ تعدد اللونين مِنْ متقاربي الرتبة لمصلحة فِي أصل بقاء الدِّين تكون الغالبية مِنْ الاتباع منقادة لطرف، فقد كانت غالبية الأتباع فِي زمن علي وفاطمة(عليهما السلام) مَعَ علي والقلة مَعَ فاطمة(عليها السلام) مَعَ ضرورة اللون والدور الفاطمي.
وكذا كانت الغالبية مَعَ الإمام الحسن(علیه السلام) مَعَ ضرورة وجود اللون الحسيني فِي نفس الشرائط.
*مقامات الزهراء(عليها السلام) مغيبة في الاوساط العلمية
*أم مقاماتها هو هيمنة كل فضائها على فضائل أولادها
*آل محمد دائرة متمايزة عن النبيين وبين أفرادها تمايز
*المنبة الأول: هيمنتها العلمية على علم أولادها(عليهم السلام)
*قصور البحوث الكلامية عن استيعاب منظومة العقائد
*المنبة الثاني: تفوقها على مسرح الشجاعة والجرأة...
*التراتبية في الفضل في دائرة أهل البيت(عليهم السلام)
*مأمورية علي(علیه السلام) في جملة من الموارد بإنفاذ أمر فاطمة(عليها السلام)
*أدلة هيمنة مقامها(عليها السلام)على مقام الحسنين(عليهما السلام)
*الدليل الأول: حديث الكفؤية
*الدليل الثاني: روايات النور
*الطبقة النورية باللغة الفلسفية
*الدليل الثالث: هيمنة مصحفها الشريف
*السؤال تحر عن الحقيقة لا إنكار لها
*الدليل الرابع: آمريتها في عالم الآخرة...
*فاطمة(عليها السلام) لسان الميزان والحسنان(عليهما السلام) الكفتان
*الدليل الخامس: كونها بحر علم النبوة
*علي وفاطمة(عليهما السلام) رافدان للمعرفة الكاملة بالنبي(صلی الله علیه و آله)
*منهاج فاطمة(عليها السلام) محكم على مناهج الأئمة(عليهم السلام)
لا نبالغ في القول بأن مقام الزهراء(عليها السلام) مغيّب فِي الأوساط العلمية تدويناً وخطابة وثقافة، فضلاً عَنْ الأوساط غير العلمية.
وأعظم شؤونها المغيّبة هو كون مقاماتها(عليها السلام) فِي كُلّ شيء تتلو مقامات الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) والوصي(علیه السلام) وتعلوا مقامات أولادها(عليهم السلام).
وَهَذِهِ الغفلة العلمية عن إدراك مقاماتها(عليها السلام) لا تضر بالحقيقة في نفسها وواقعها شيئاً، لكنها تعني تمادي تقصيرنا عَنْ إدراك الحقيقة.
والتمادي في الجهل بالمعارف يولد سلبيتين مهمتين:
الأولى: انقلاب الأدلة على الحقيقة من بديهية واضحة إلى نظرية غامضة في عقول الناس، وبالتالي فلا يقف على الحقيقة وما يترتب عليها من فوائد إلا البصيرين بالأدلة النظرية، وهذا لا يؤخر موقع
الحقيقة في سلم المعارف، بل تظل في موقعها وتبقى المسؤولية العلمية على عاتق الناس بلزوم الاعتقاد بها عن دليل.
الثانية: إن أي جهل وضبابية تصيب العقول بأي حلقة من حلقات المعارف الدينية تلقي بتأثيرها على الحلقات الأخرى سواء الحلقات التي فوقها والحلقات التي تحتها.
فلا يظن من يؤمن بالتوحيد والنبوة ويجهل الولاية أنه بلغ علما بالتوحيد والنبوة أو أنه أعطى الاعتقاد حقه في الحلقات التي تلي الولاية، كما أن من يجهل مقامات تالية النبي (صلی الله علیه و آله) والوصي(علیه السلام) لا يتوقع أنه بلغ علما في معرفة الوصي(علیه السلام) والنبي(صلی الله علیه و آله) والتوحيد أو أنه أعطى العقيدة بالأحد عشر(عليهم السلام) حقها المناسب بشأنها.
وَهَذَا المبحث (كون فاطمة(عليها السلام) تالية للنبي(صلی الله علیه و آله) والوصي(علیه السلام) وتعلو الأحد عشر معصوما(عليهم السلام) مغيّب كذلك فِي كتابات الكثير مِنْ المتكلمين وكتابات المحدثين، لكنه بحسب الأدلة - والمدار عَلَيْهَا ولا سيما الأدلة المرتكزة عِنْدَ علماء المذهب- بديهي، أي أن هيمنة مقام الزهراء (عليها السلام) عَلَى مقام الإمامين الحسنين(عليهما السلام) فضلا عن التسعة المعصومين(عليهم السلام) من ولد الحسين من البداهة بمكان.
بَلْ هَذَا المبحث مِنْ أمهات المباحث فِي سلسلة مقامات فاطمة(عليها السلام)، وإذا قرر هَذَا المبحث فَإنَّها ستكون واجدة لِكُلِّ مقامات
الأحد عشر وزيادة.
وَلابُدَّ من إلفات النظر إلى أن هذا المبحث ورغم أنَّهُ غَيْر مجمع عَلَيْهِ، بَلْ قلة مِنْ الأعلام مِنْ تنبه إليه إلا أن الأدلة عليه متكاثرة بل هي أدلة قطعية بل ندّعي دعوى زائدة وهي بداهة الأدلة على هيمنتها.
كما لابد أن نلتفت إلى أن كونها تالية علي(علیه السلام) في المقام لَيْسَ معناه أنَّها دونه فِي كُلّ شيء، بَلْ مِنْ جانب كفؤية ومن جانب تتلوه، كما أن المقام الأم (هيمنتها على أولادها) لَيْسَ بلحاظ الولاية العامة بَلْ بلحاظ ولايتها عَلَى الأئمة الأحد عشر(عليهم السلام).
ولهذا المبحث تداعيات كثيرة منها تأثيره على النتائج المهمة في جملة مهمة من أبواب الفقه وسيأتي في ضمن البحث.
ويمكن أن نلخص نقاط البحث في التالي:
أوَّلاً: إن أم مقاماتهابحسب تتبعنا وبحسب علمنا القاصر وتحليلنا وإدراكنا والعلم بالواقع عند الله فلربما كان هناك أعظم من هذا المقام- هو هيمنة وتقدم مقامها عَلَى مقامات الأئمة مِنْ بنيها(عليهم السلام).
وَهَذَا بحسب قوالب الأدلة.
ومعنى أم مقاماتها هو المقام المهيمن عَلَى مقامات أولادها، وهو مقامها العظيم الأعظم.
ثانياً: مشاركتها(عليها السلام) فِي الجملة لمقامات علي(علیه السلام) وإنْ كانت تتلوه وَهُوَ إمامها.
ثالثاً: إنَّ هَذَا المقام الأم لمقاماتها مبدّه لا بحسب كلمات العُلَمَاء وَإنَّما بحسب الأدلة المتسالم عَلَيْهَا، فَهُوَ لَيْسَ فَقَطْ قطعي بَلْ مبدّه.
وحينئذ فنحن مطالبون أنَّ نطرح أدلة مبدّه فضلاً عَنْ أنَّها قطعية.
رابعاً: رغم تسالم علماء الإمامية عَلَى حجيتها وعصمتها(عليها السلام) إلَّا أنَّهُم لَمْ يخضوا في تحرير المقام الأم تفصيلا وبلورته تصريحا وإنْ كَانَ موجوداً لديهم ارتكازاً.
خامساً: لهَذَا المبحث العظيم نتائج صناعية وعلمية تلون منظومة العقائد، وَلَهُ تأثير عَلَى أبواب هامة في الفقه.
سادساً: إنه ما لَمْ تتم وتستكمل دراسات فقهية وعقائدية عَنْ توصيات ما وَرَدَ عَنْ الزهراء(عليها السلام) فِي خطبتها الَّتِي هِيَ دستور الإسلام، وأنْه ما لَمْ تحكّم توصياتها عَلَى أبواب الفقه وَعَلَى مسار الأُمَّة في العصر الراهن، فلن يَتِمُّ بناء خارطة للظهور والفرج، فالأخذ بمنهج فاطمة(عليها السلام) يفتح الطريق للظهور وقيام المنجي، أي أن هجران التوصيات المأثورة التي صدرت من فاطمة(عليها السلام) يعرقل مسيرة الفحص الكامل عن مرام نهج أهل البيت(عليهم السلام).
وقد أودعت تلك التوصيات في خطبتها التي هي بحق عبارة
عن ديباجة دستور الإسلام، فما لم تحكّم توصياتها كعمومات في أبواب الفقه وفي المشاكل الراهنة للعصر الحاضر لم يتم رسم خارطة طريق للظهور وقيام المشروع المهدوي.
فإن واحدة من الزوايا المهمة الركنية لمشروع المنجي هو تدشين نهج فاطمة(عليها السلام) على ضوء ما استفدناه من معارف أئمة أهل البيت(عليهم السلام).
وإذا تمت هذه الفهرسة فنشرع في تفاصيلها.
أول سؤال ينبثق في خضم هذا المبحث الخطير هو كيف يكون المقام المذكور هُوَ أم مقاماتها؟!
وجوابه هو ِإنَّهُ إذَا تقرر واستفيد من الأدلة المبدّهة القطعية بحسب الإرتكاز والإجمال أنَّ مقامها مهيمن في كل الأصعدة عَلَى مقامات الأحد عشر(عليهم السلام) فستكون آمريتها وناهويتها وحاكميتها مهيمنة عَلَى آمرية وحاكمية وناهوية الحسن والحسين(عليهما السلام) فِي كُلّ العوالم، أي كُلّ عوالم الخلقة سابقة ولاحقة، وَلَيْسَ فِي الأرض فحسب ولا في البرزخ ولا في الرجعة ولا في القيامة ولا في الجنة.
فهي بَعْدَ الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) والوصي(علیه السلام) في المقدمة والصدارة، وهِيَ الحاكم وَهِيَ الأشجع وهي الأعلم، وهذا التفاوت بينهم هو مقتضى
البيان العقلي، وإن كان كلهم واحد في العلم والنور والشجاعة.
وَهَذَا ما دل عليه القُرآن الكريم في تراتبية النبيين مقاما، فمن جهة يقول تعالى: ( لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)(1)(2)، ويقول من جهة أخرى: ( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ )(3)(4)، بلا أي تدافع ولا تناقض.
ونظيره ما نزل في آيات الإمامة حيث بيّن أنَّ الإمامة على درجات، كَمَا أشير إليه فِي سورة البقرة في قصة إبراهيم الخليل(علیه السلام) فبعد أن نال أصل مقام الإمامة بمقتضى قوله تعالى: ( قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ (124)(5)(6)طمع فِي مقام آخر ونور أعلى فطلب بقوله: ( رَبَّنا وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ )(7)(8)، ومفادها أنه دعا باصطفاء أعلى في درجات الإمامة مِنْ إصطفاء الإمامة الأوَّل، فأوضح ما دلّ على تعدد درجات الإمامة دعاء وطلب إبراهيم بعد أن نال طبقة منها الاستزادة والرقي لطبقة أخرى.
وهذا ما بيّنه أئمة أهل البيت(عليهم السلام) تحت آيات النبوة وآيات الإمامة8.
فأكدوا أن النبوة والإمامة على درجات.
والمحصلة أن النبيين والمرسلين(عليهم السلام) مسار واحد وماركة واحدة، إلا أن دولة آل مُحمَّد(صلی الله علیه و آله) تتفاوت عَنْ دولة آل إبراهيم ودولة آل داوود ودولة آل هارون ودولة آل يعقوب..
ونفس دولة آل مُحمَّد(صلی الله علیه و آله) لها لون واحد يتميز عَنْ لون البيوتات النبوية الأخرى، فهم في العلم سواء أي لهم لون علمي هم فيه سواء وهو متميز عَنْ علم آل إبراهيم وعلم آل يعقوب، فهم سواء فِي اللون المتميز والشجرة الواحدة.
وفِي عين هَذِهِ الوحدة فِي كُلّ المقامات وتميزهم عَنْ سائر ألوان النبيين والمرسلين لكونهم الوارثين للكتاب كما في قوله تعالى: ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ(32)(1)(2)إلا أنهم في ظل المجموعة ذَاتَ اللون الواحد والخصائص الواحدة متفاوتين على طبقات.
فمرة تكون المقارنة بين دائرة آل محمد(عليهم السلام) والدوائر الأخرى
للنبيين(عليهم السلام) فتكون النتيجة أن لدائرة آل محمد(عليهم السلام) لونا واحدا خاصا ولهم سوائية واحدة، وقد عبّر عنها في ألسنة وحيانية متعددة نظير ما رواه في الغيبة بسنده إلى زيد الشحّام قال: قلت لأبي عبد الله(علیه السلام): أيّما أفضل: الحسن أم الحسين(عليهما السلام)؟
فقال: إنّ فضل أوّلنا يلحق بفضل آخرنا وفضل آخرنا يلحق بفضل أوّلنا، فكلّ له فضل .
قلت: جعلت فداك! وسّع عَلَيّ في الجواب فإنّي والله ما سألتك الأمر تادّاً.
فقال: نحن من شجرة طيّبة، برأنا الله من طينة واحدة، فضلنا من الله، وعلمنا من عند الله، ونحن امنائه على خلقه، والدعاة إلى دينه، والحجاب فيما بينه وبين خلقه .
أزيدك يا زيد ؟ قلت: نعم.
فقال: خلقنا واحد، وعلمنا واحد، وفضلنا واحد، وكلّنا واحد عند الله عزّ وجلّ.
قلت: فأخبرني بعدّتكم.
فقال: إثنا عشر، هكذا حول عرش ربّنا في مبتدأ خلقنا: أوّلنا محمّد وأوسطنا محمّد وآخرنا محمّد)(1).7.
1) غيبة النعماني: 87.
وما رواه في الخصال عن أبي الحزور عن أبي جعفر(علیه السلام) قال: قال رسول الله(صلی الله علیه و آله):
«خلق الناس من شجر شتى، وخلقت أنا وابن أبي طالب من شجرة واحدة، أصلي علي وفرعي جعفر»(1).
وما رواه في مقاتل الطالبيين عن عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر عن أبيه عن جده قال: خرج رسول الله(صلی الله علیه و آله) وهو يقول:
«الناس من شجر شتى وانا وجعفرمن شجرة واحدة»(2).
ومفاد هذه النصوص كون كل شجرة بني هاشم شجرة اصطفائية فلا تقارن أنوارهم بأنوار غيرهم، ولا يساوى علمهم بعلم غيرهم، ولا يقارن كتابهم الذي هو تحفة سيد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) لآله بصحف إبراهيم أو صحف موسى أو إنجيل عيسى، وهو معنى هيمنة القرآن على سائر الكتب والصحف.
ومرة تكون المقارنة بين أفراد دائرة آل محمد(عليهم السلام) وبهذا اللحاظ لا تناقض بين الحكم عليهم باللون الواحد في المقارنة الأولى والحكم بالتفاوت بينهم بلحاظ المقارنة الثانية، وبلحاظ المقارنة الثانية تختلف رتبة الحجية والنورية والهيمنة.
وهذا نظير ما ذكره الفقهاء في الفرق بين فرض الله والسنن التي1.
سنّها سيد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) فبرغم كون الحجية فيهما بمعنى سواء أي سواء في الحجية والالزام لقوله تعالى: ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ )(1)(2)لكن مراتب الهيمنة مختلفة، لذا روى في الخصال عن زرارة عن أبي عبد الله(علیه السلام) قال:
«... ولا تنقض السنة الفريضة»(3).
وفي المقارنة في النوع الثاني أي بين افراد دائرة آل محمد(عليهم السلام) يكون لفاطمة(عليها السلام) تميز وتمايز ولها مقامات خاصة، وأم مقاماتها هو كون شجاعتها أرفع ونورها أنور وطهرها أطهر وعلمها أعلم وولايتها أعظم وآمريتها أأكد وناهويتها أبلغ وحجيتها أكثر هيمنة من شجاعة ونور وطهر وولاية وآمرية وناهوية وحجية أولادها الأحد عشر(عليهم السلام).
وعلى هذا الأساس يثبت لها نظير ما ثبت لأمير المؤمنين(علیه السلام) بالنسبة لأولاده المعصومين(عليهم السلام) فقد ورد عن الرضا(علیه السلام):
«إنما شيعته الحسن والحسين.. الحديث»(4)فضلاً عَنْ الأئمة التسعة، وهو صادق في الزهراء(عليها السلام) فالحسن والحسين(عليهما السلام) فضلا عن التسعة من شيعتها وأتباعها.
ويصدق في حقها ما ورد عن الصادق(علیه السلام) في فخاره الديني أنه قال:
«ولايتي لعلي بن أبي طالب(علیه السلام) أحب إلى من ولادتي منه...»(5)بَلْ3.
مِنْ المظنون به أنَّ كُلّ الأئمة قالوا ذَلِكَ، أي أن هذا اللسان من الفخار بالانتساب للولاية العظمى سيال لدا أئمة أهل البيت(عليهم السلام) .
ومعناه أنَّ ولاية علي(علیه السلام) أكمل فِي كَمَالهم من نسبهم لعلي(علیه السلام)، فولاية السجاد والباقر والصادق(عليهم السلام) لأمير المؤمنين(علیه السلام) أحب وأعز إليهم وأكمل في كمالاتهم وتكاملهم واصطفائهم وعلو مقامهم من نسبهم له رغم أن نسبهم اصطفاء واحتباء.
والمحصلة أن هذا النمط من الفخار الديني من قبل الأئمة الأحد عشر(عليهم السلام) اتجاه ولاية علي(علیه السلام) بعينه ونفسه لديهم اتجاه امهم فاطمة(عليها السلام) وهو معنى الهيمنة عليهم من قبلها وهو أم مقاماتها، أي أن أم مقاماتها كون الحسن والحسين(عليهما السلام) شيعة لها وانهم يفتخرون بحجيتها عليهم.
وكونهما(عليهما السلام) شيعة لفاطمة(عليها السلام) ليس من التخرص والتكلف وإنما هو مستلّ من روح أقوالهم وتعاليمهم كما أنه ليس من الدلالات الظنية بل من الدلالات القطعية بل من الدلالات المبدهة.
ونسجل هاهنا بعض المؤشرات والمنبهات على هذا المبحث:
لقد روى كبار المحدثين روايات كثيرة في مصحف فاطمة(عليها السلام)، ومما روي في أوصافه أنه مصدر علم أئمة أهل البيت(عليهم السلام)،
فقد رووا عن الصادق(علیه السلام) افتخاره بكون أحد مصادر علومهم هو مصحف فاطمة(عليها السلام) كما تقدم في مقالة مصحفها.
وهذا بلغة عقائدية يعني أن فاطمة(عليها السلام) واسطة علمية بين السماء وأئمة أهل البيت(عليهم السلام).
وليس من السهل ثبوت هذا الدور لها بل هو من القول الثقيل، فقد ثقل هضمه واستيعابه على علماء الإمامية فضلا عن علماء العامة.
بل هو ثقيل الهضم والاستيعاب على الأنبياء(عليهم السلام) كما هو مفاد الروايات، فقد أكدت الروايات على أن معرفة فاطمة(عليها السلام) معرفة ثقيلة الوزن على الأنبياء(عليهم السلام) غامضة المعاني مبهمة صعبة، بل من الصعب المستصعب.
هذا فضلا عن علماء العامة، فقد استعصى عليهم واستصعب أن يكتبوا ترجمة تفسيرية وترجمة كلامية لمقام مريم الصغرى برغم توفّر الآيات ووضوح دلالاتها، حتى نسب القرطبي مقام النبوة لها لعدم وجود سعة في الفهم والإطلاع لديهم على ما في منظومة المعارف الدينية من مقامات غير مقام النبوة.
وإذا استعصى عليهم فهم مقامات مريم الصغرى وهي مثال
صغير لفاطمة الكبرى(عليها السلام) في القرآن، بل بنص تعبير سيد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) أن مريم هي مريم الصغرى وفاطمة(عليها السلام) هي فاطمة الكبرى- هذا وقد نص القرآن والنصوص الوحيانية على أن الفاصلة بين مريم وفاطمة(عليها السلام) كبيرة جدا- فإذا استعصى عليهم استيعاب مقامات مريم الصغرى مع كون الفاصلة كبيرة بينها وبين مقامات مريم الكبرى فأنّى لهم ومن أين السبيل لديهم ليهضموا شيئا من مقامات فاطمة(عليها السلام).
وهم إذا لم يستطيعوا أن يهضموا مقامات الإمامة برغم كثرة الآيات الشارحة لها فأنّى لهم أن يقفوا على مقام المهيمنة على مقام الإمامة.
بل وهذه كتب علم الكلام الشيعي ببابك فنقب فيها فإنك لن تجد بابا مستقلا لشرح مقام مريم، وليس حال محدثي علماء الإمامية ومفسريهم بأفضل حالا من متكلميهم، فلم يخصص هؤلاء ولا هؤلاء بحثا مستقلا لبيان مقام مريم في منظومة العقائد.
ونحن هاهنا لا ننسب لهم النكران لمقامها -والعياذ بالله- فإنهم أجل من ذلك، وإنّ ما نقوله بضرس قاطع أنهم لم ينجزوا كل شيء، فإن جواهر أنوار القرآن والسنة لازالت مكمكمة.
بل العالم الواحد منهم كالشيخ الطوسي وهو فقيه ومحدث ومتكلم ومفسر أنجز في العقائد على صعيد الحديث أكثر مما أنجزه في كتبه الكلامية.
وفي هذا تنوير علمي للباحثين مفاده أن منظومة العقائد لدا علماء الإمامية في كتب الحديث أوسع منها لديهم في كتب الكلام.
ولذا بات من غير المقبول موضوعيا وعلميا أن يقول الباحث بتسالم علماء الإمامية على تعداد أصول عقائدية قليلة لا تتجاوز عدد أصابع الكف الواحدة وأنّ ما عداها لم يذكروه ولم يثبتوه، وإذا سألته عن المصادر التي راجعها يجيب بأن ذلك هو ما وجده في كتب الكلام لديهم، برغم أنهم ذكروها في علم الحديث أو في علم التفسير.
ولذا فالبناء على أن كل علوم وأبحاث وآراء علماء الإمامية في العقائد قد أثبتت في علم الكلام شطط عن الحقيقة، بل الواقع العلمي يشهد على أن الكثير من الأصول والتفاصيل قد بثوها في علوم وكتب أخرى.
بل الموضوعية تقتضي التفتيش والتنقيب في سائر كتبهم بما فيها كتب المزارات والأدعية فضلا عن كتب الحديث والتفسير والفقه للوقوف على منظومة أقوالهم وآرائهم.
فهذا أستاذ الشيخ المفيد بن قولويه المدفون عند رجل الإمام الكاظم(علیه السلام) وبجنب تلميذه المفيد والذي يعبر عنه النجاسي بأنه زعيم الفقه في زمانه(1)وهو كذلك محدث نحرير، والكتاب الذي بقي لابن3.
1) قال في رجال النجاشي: (وكل ما يوصف به الناس من جميل وثقة وفقه فهو فوقه) رجال النجاشي/ 123.
قولويه الآن - وعظمة بن قولوية فيه أعظم من عظمته في كتبه الفقهية التي لم تصل إلينا - هو كتاب (كامل الزيارات) ورغم أن اسمه (كامل الزيارات) لكنه بحق من أوله إلى آخره كتاب معارف، بل هو مصدر فقهي لفقه الشعائر الحسينية والدينية، ومصدر فقهي عظيم لفقه العتبات.
وتأسيسا على ذلك فإنه قد تسالم علماء الإمامية على رصد بعض آرائهم وأفكارهم العقائدية في كتب الكلام وثمة تسالمات أخرى لديهم في علوم الأخرى.
والغاية من إثبات هذا المطلب هو توسعة الأفق العلمي للتتبع الصحيح في البحوث العلمية بغية الحصول على نتائج علمية واقعية.
ومن المقامات المهمة التي لم يسلطوا الضوء عليها في كتب علم الكلام هو المقام الذي نعبر عنه بأم مقامات فاطمة(عليها السلام)، وهو أنها(عليها السلام) مهيمنة على الأئمة الأحد عشر(عليهم السلام) في كل الفضائل والكمالات والآثار.
بل ثمة حيص وبيص في مصحف فاطمة(عليها السلام) عند الإمامية فقهيا وكلاميا وأصوليا، وكلهم يعترفون باستفاضة الروايات فيه لكنهم إلى الآن ما وضعوا تصويرا عقليا وكلاميا له، ولم يوضحوا تفسيره الفقهي
ولم يبلوروا تفسيره الأصولي، ولم يكن فيهم من دنى وتدلى من هذا البحث فكان قاب قوسين من حقيقته، وهو المصحف الذي يثبت هيمنتها العلمية، أي أنها أم لأولادها في العلم إذ إن الواسطة في العلم لها هيمنة علمية على من يستقي منها.
ويشير إلى عظمة شجاعتها برغم كونها أنثى ما أبدته من شجاعة مهيمنة على شجاعة العديد من الرجال وفي مواقف مختلفة، فقد كان لها من الرجولة بمعنى الصلابة ما يعجز عن وصفه البيان أو يحيط بتفسيره البنان، كيف لا وهي لبوة النبوة وبضعة الرسالة.
وتجلت شجاعتها في مواطن:
منها: ما ذكرناه سابقا من صدها للعصابة التي هجمت على باب بيتها، ورغم عددهم وعدتهم لم يستطيعوا أن يفتحوا الباب فعمدوا إلى ضربها..
ومنها: ما ذكرناه أيضا من أن القوم لما لببوا أمير المؤمنين(علیه السلام) بالحبال بحمائل سيفه أخذت فاطمة(عليها السلام) طرفا من الحبال وكان الطرف الآخر بيد الأراذل فلم يستطيعوا أن يزحزحوا أمير المؤمنين(علیه السلام) مع لزوم فاطمة(عليها السلام) الحبل بيدها، فلجؤا لضرب متنها ويدها بالسياط وإلى غمد السيف في جنبها.
فهذه القوة المتميزة لفاطمة(عليها السلام) وهذه الشجاعة لإمراة هي رجل في الصلابة والاستقامة تُقرِِِِّب ما قلناه من هيمنة لها على الأئمة الأحد عشر(عليهم السلام) فضلا عمن دونهم هيمنة وشجاعة وقوة وصلابة واستقامة.
تبيّن سابقا وجود تفاوت في الفضل بين المعصومين الأربعة عشر(عليهم السلام) ونضيف أن بعدية فاطمة(عليها السلام) لعلي(علیه السلام) ليست كبعدية السجاد للحسين(عليهما السلام) فهي من جهة بعدية ومن جهة كفوئية بحسب النصوص الوحيانية بلا تنافي بين الأمرين.
ونظيره بين الإمامين الحسنين(عليهما السلام) إذ بينهما مشاركة متقاربة في المقام والحجية مع تقدم فضل الحسن المجتبى(علیه السلام) على الحسين (علیه السلام).
لكن الفاصلة بين الحسنين(عليهما السلام) ليست كالفاصلة بين سيد الشهداء والحجة(عليهما السلام)، فمع كون رتبته(علیه السلام) تالية لرتبة الحسنين(عليهما السلام) إلا أن الفاصلة بين الحسنين(عليهما السلام) أقل من الفاصلة بين الحسين والحجة(عليهما السلام).
كما دلّت الأدلة الوحيانية على وجود مشاركة في الجملة بين أمير المؤمنين(علیه السلام) ورسول الله(صلی الله علیه و آله) إلا أنها ليست بقدر المشاركة بين علي وفاطمة(عليهما السلام) أي أن الفاصلة بين فاطمة وعلي(عليهما السلام) أقل مع كون أمير المؤمنين(علیه السلام) نفس رسول الله(صلی الله علیه و آله) وباب علمه.
كما دلّت الأدلة أيضا على أن الفاصلة بين الحجة والإمام زين العابدين(علیه السلام) غير الفاصلة بين الحسن والحسين(عليهما السلام)، فالفاصلة بين الحسن والحسين(عليهما السلام) أقل، كما أن السجاد(علیه السلام) مقدم على الباقر(علیه السلام) والباقر(علیه السلام) مقدم على الصادق(علیه السلام) والصادق(علیه السلام) مقدم على موسى(علیه السلام) إلى آخره.. كما التزم بذلك السيد المرتضى لوجود روايات ناصة على تقدم فضل كل إمام أب على كل إمام إبن عدا ما خرج بالدليل وهو الحجة، فمع أنه ابن للثمانية(عليهم السلام) لكنه يتقدمهم فضلا ومقاما كما نص على ذلك سيد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) في خطبة الغدير وروايات أخرى عن الأئمة(عليهم السلام) من أن الحجة أفضل التسعة(عليهم السلام)، وأن تاسعهم قائمهم وهو ظاهرهم وهو باطنهم وهو أفضلهم.
روى في كمال الدين بسنده عن أبي بصير، عن أبي عبد الله(علیه السلام) عن آبائه(عليهم السلام) قال: قال رسول الله(صلی الله علیه و آله):
«إن الله عز وجل اختار من الأيام الجمعة، ومن الشهور شهر رمضان، ومن الليالي ليلة القدر، واختارني على جميع الأنبياء، واختار مني عليا وفضله على جميع الأوصياء، واختار من علي الحسن والحسين، واختار من الحسين الأوصياء من ولده، ينفون عن التنزيل تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل المضلين، تاسعهم قائمهم و(هو) ظاهرهم وهو باطنهم»(1).
وروى في مقتضب الأثر عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال:1.
1) كمال الدين وتمام النعمة، الصدوق/281.
قال رسول الله(صلی الله علیه و آله):
«ان الله اختار من الأيام يوم الجمعة، ومن الليالي ليلة القدر ومن الشهور شهر رمضان، واختارني وعليا، واختار من على الحسن والحسين، واختار من الحسين حجج العالمين تاسعهم قائمهم اعلمهم أحكمهم»(1).
فمقام الحجة مقام عظيم بالقياس للتسعة(عليهم السلام) إلى درجة أن الإمام الصادق(علیه السلام) يخاطبه بعبارة (سيدي) فقد روى في كمال الدين بسنده عن سدير الصيرفي قال: دخلت أنا والمفضل بن عمر وأبو بصير وأبان بن تغلب على مولانا أبى عبد الله الصادق(علیه السلام) فرأيناه جالسا على التراب وعليه مسح خيبري مطوق بلا جيب، مقصر الكمين، وهو يبكي بكاء الواله الثكلى، ذات الكبد الحري، قد نال الحزن من وجنتيه، وشاع التغيير في عارضيه، وأبلى الدموج محجريه وهو يقول: «سيدي غيبتك نفت رقادي، وضيقت علي مهادي، وابتزت مني راحة فؤادي سيدي غيبتك أوصلت مصابي بفجايع الأبد.. الحديث»(2).
كما أن الإمام الرضا(علیه السلام) يقوم اجلالا لذكره(3).
ويخاطبه أبوه العسكري(علیه السلام) بقوله (يا سيد أهل بيته)(4)في ظل3.
وجوده، أي أن للحجة(علیه السلام) سؤددا في ظل وجود أبيه.
ونظيره في القرآن تفاوت مقام يوسف الإبن عن مقام يعقوب الأب، ودلّ على هذا التفاوت من نصوص القرآن مقاطع عديدة منها قوله تعالى: ( اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَ أْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93)(1)(2)وقوله تعالى في ذيل الآية: ( أْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ )(3)(4)فأمر يوسف بهجرة يعقوب دون العكس دليل ثبوت ولاية وآمرية ليوسف، ولا يخلو تأثير القميص المنسوب ليوسف بقوله (بِقَمِيصِي هذا)(5)(6)على ناظر يعقوب من دلالة على تقدم فضل له.
وكذا قوله تعالى: ( وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّداً) (7)(8)(9).
ومنه يتبين أن الفاصلة في المقام بين الإمام الإبن والإمام الأب ليست تأسيسا في شريعة الإسلام.1.
1) سورة يوسف: الآية 93.
2) سوره 12 - آیه 93
3) سورة يوسف: الآية 93.
4) سوره 12 - آیه 93
5) سورة يوسف / 93
6) سوره 12 - آیه 93
7) سورة يوسف: الآية 100.
8) سوره 12 - آیه 100
9) قال في الميزان: (انما اخذوا يوسف آية لله فاتخذوه قبلة في سجدتهم وعبدوا الله بها لا غير كالكعبة التي تؤخذ قبلة فيصلى إليها فيعبد بها الله دون الكعبة ومن المعلوم ان الآية من حيث إنها آية لا نفسية لها أصلا فليس المعبود عندها الا الله سبحانه وتعالى ).الميزان، السيد الطبأطبائي247/11.
وعلى ضوء ما مرّ من تقدم الإمام الأب على الإمام الإبن وتقدم الحجة(علیه السلام) على الثمانية يتبيّن أن الفاصلة بين الإمام الأب والإمام الإبن أقل من الفاصلة بين الإمام الجد والإمام الحفيد وتكبر الفاصلة كلما ابتعدت طبقة الحفيد.
وعلى ضوئه أيضا يتبيّن أن الفاصلة بين الحجة(علیه السلام) والأئمة الثمانية(عليهم السلام) ليست على نسق واحد وبرهانه تقدم كل إمام أب على كل إمام إبن.
فإذا قلنا بتقدم الحجة(علیه السلام) على الجميع فهو تقدم عن دائرة فيها تفاضل وتمايز فتكون نسبته لأولهم في الفضل أقل فاصلة من نسبته لمن يليه، وتقدمه في الفضل على من يلي الذي يليه أقل ممن بعده وهلم جرا.
ونعود إلى ما نحن فيه وهو أنه في حين أن فاطمة(عليها السلام) مأمورة بطاعة علي(علیه السلام) وهو ما يثبت إمامته عليها فكذلك فإن أمير المؤمنين(علیه السلام) في جملة من الموارد حسب النصوص الوحيانية مأمور بطاعة الزهراء(عليها السلام) كما مرّ اثباته سابقا.
ولا يتوهم أحد أن مأمورية الزهراء(عليها السلام) بطاعة علي(علیه السلام) دينية، بينما الوصية بطاعته للزهراء(عليها السلام) ذات طابع شخصي، إذ ليس للزهراء(عليها السلام)
شأن خاص منفك عن موقعيتها في الأمة، بل كل شأنها مرتبط بأبيها وبعلها ودين الإسلام.
وقد تفطن أعداؤها بارتباط وصيتها(عليها السلام) بأصل الدين فراموا نبش قبرها، فلو كان المرتكز عندهم أن توصياتها ذات طابع شخصي فماذا يهيجهم لو منعتهم من الصلاة عليها وشهود جنازتها وحضور تشييعها، فهيجانهم وغضبهم من أدل الأدلة على وجود ارتكاز لديهم في أن استثناءهم من وصاياها اسقاط ديني لهم عن الموقعية.
ومن شواهد ارتباط شؤونها(عليها السلام) بأصل الدين أنها لما أوشكت أن ترفع القناع عن رأسها وهمّ العذاب بالنزول عليهم طلب منها أميرالمؤمنين(علیه السلام) الكف عنهم بنحو الالتماس وليس بنحو الأمر وهو المفاد الدقي لقوله(علیه السلام):
«ان أباك بعث رحمة»(1).
ثم إن استجابة السماء والإرادة الإلهية لها مع وجود أمير المؤمنين(علیه السلام) يوضح أن لها شأنا مغايرا لشأن الحسنين(عليهما السلام) في ظل إمامة6.
1) روى في المسترشد أنه قول سلمان، (قال سلمان : وكنت قريب منها ، فرأيت والله حيطان مسجد رسول الله انقلعت من أسفلها، حتى لو أراد الرجل أن ينفذ من تحتها لنفذ ! فقلت: يا سيدتي ومولاتي، إن الله تبارك وتعالى بعث أباك رحمة فلا تكوني نقمة.. ) المسترشد، الطبري الشيعي/ 382. وروى في الاختصاص أن عليا* بعث سلمانا، فقال علي* لسلمان : يا سلمان أدرك ابنة محمد صلى الله عليه وآله فإني أرى جنبتي المدينة تكفئان، فوالله لئن فعلت لا يناظر بالمدينة أن يخسف بها وبمن فيها، قال: فلحقها سلمان فقال: يا بنت محمد إن الله تبارك وتعالى إنما بعث أباك رحمة فانصرفي..) الاختصاص، المفيد/ 186.
وولاية أمير المؤمنين(علیه السلام) وهو دليل على الشراكة بينهما(عليهما السلام).
فقد روى في الاحتجاج (قال سلمان رضي الله عنه: كنت قريبا منها، فرأيت والله أساس حيطان مسجد رسول الله(صلی الله علیه و آله) تقلعت من أسفلها حتى لو أراد رجل أن ينفذ من تحتها لنفذ، فدنوت منها فقلت: يا سيدتي ومولاتي إن الله تبارك وتعالى بعث أباك رحمة فلا تكوني نقمة، فرجعت ورجعت الحيطان حتى سطعت الغبرة من أسفلها فدخلت في خياشيمنا)(1).
وما سنستعرضه من الأدلة لاحقا كله يصب في رسم قالب الشراكة بينهما، فبرغم كونه إمامها وله تقدم في الفضل عليها لكنها تشاركه في الجملة.
وشراكتها(عليها السلام) في جملة من الموارد لأمير المؤمنين(علیه السلام) يرسم لنا في المقابل الفاصلة بينها وبين الأئمة الأحد عشر(عليهم السلام).
وقد وعدنا أن يكون اعتمادنا على الأدلة القطعية وليس الأدلة الظنية، فإن موضوع بحثنا لا يمكن اثباته والركون إليه إلا بالقطع دون الظن، وسيتبين أن الأدلة التي سنطرحها مبدهة ارتكازا وإن لم تبسط وتشقق تداعياتها ومعانيها، وجملة منها مثبت لدى الفريقين.
1) الاحتجاج، الطبرسي1/ 114.
وسنحيل القارئ الكريم في بعض الموارد إلى ما تقدم بيانه تفاديا للتكرار.
وتقدم الحديث عنه مفصلا في مقالة مستقلة(1)وهو حديث ثابت بثبوت قطعي لا بثبوت ظني، والحكم بكفؤيتها لعلي(علیه السلام) يثبت تقدمها على أولادها(عليهم السلام) لتقم علي(علیه السلام) عليهم جزما وقطعا وكون مقاماته مهيمنة على مقاماتهم(عليهم السلام).
ولو قيل: إن عدم كفؤية الحسنين(عليهما السلام) لإمهما باعتبار البنوة؟
لأجبنا أن جعل البنوة إنما هو لاحق على التقدير، أي أن التقدير والإصطفاء سابق على تحديد من يكون الأب ومن يكون الأبن بحسب سلسلة الشرف.
فهم(عليهم السلام) غير كفؤ لها من عالم النور وقبل تحديد النسب الدنيوي.
وهي من الروايات القطعية الصدور عند الفريقين، ولروايات النور لسانان لسان أكثر ورودا ولسان أقل ورودا.
أما اللسان الأول فهو لسان أن أول ما خلق الله نور النبي(صلی الله علیه و آله) ثم
1) المقالة العاشرة من هذا الكتاب.
خلق منه نور الوصي(علیه السلام) ثم خلق من نورهما نور فاطمة(عليها السلام) ثم خلق من نور الثلاثة نور الحسنين(عليهما السلام)ثم خلق من نور الحسين(علیه السلام) نور التسعة(عليهم السلام)(1)ثم خلق من نور الأربعة عشر نور الدائرة الإصطفائية الثانية، ومنهم أبو طالب وعبدالله وحمزة وجعفر وأبو الفضل العباس والعقيلة زينب(عليهم السلام)..
ولابد هاهنا من بيان مطلب أساسي ومؤثر في عالم المعارف وهو أن خلقة نور النبي(صلی الله علیه و آله) على طبقات، أي أن النبي(صلی الله علیه و آله) يُخلق من طبقات من نوره بلا تناقض ولا تهافت، أي أن نور النبي(صلی الله علیه و آله) يُخلق منه طبقة نورية ثم من هذه الطبقة النورية يخلق نور النبي(صلی الله علیه و آله) في طبقة أخرى بحسب العوالم المتعددة.
ففي جملة من الروايات أن العرش خلق من نور النبي(صلی الله علیه و آله) وعلي(علیه السلام)5.
1) روى في الهداية الكبرى بسنده عن سلمان قال دخلت على رسول الله فنظر إلي وقال يا سلمان الله تبارك وتعالى لم يبعث نبيا ولا رسولا الا جعل له اثني عشر نقيبا قال قلت له يا رسول الله قد عرفت هذا من أهل الكتابين التوراة والإنجيل قال يا سلمان فهل علمت من نقبائي ومن الاثني عشر الذين اختارهم الله للأمة من بعدي فقلت الله ورسوله اعلم فقال يا سلمان خلقني الله من صفوة نوره ودعاني فاطعته وخلق من نوري عليا ودعاه فاطاعه وخلق من نوري ومن نور عليا فاطمة ودعاها فأطاعته وخلق مني ومن علي وفاطمة الحسن ودعاه فاطاعه وخلق مني ومن علي وفاطمة والحسن والحسين ودعاه فاطاعه فسمانا الخمسة الأسماء من أسمائه الله محمود وانا محمد والله العلي وهذا علي والله فاطر وهذه فاطمة والله الاحسان وهذا الحسن والله المحسن وهذا الحسين ثم خلق منا ومن صلب الحسين تسعة أئمة .. الحديث) الهداية الكبرى، الخصيبي/ 375.
وثمة روايات أن نور النبي(صلی الله علیه و آله) خلق من العرش، والرافع للتناقض والتدافع البدوي هو ما أشرنا إليه من أن نور النبي(صلی الله علیه و آله) على طبقات.
وكذلك الحال في نور علي(علیه السلام) ونور فاطمة(عليها السلام) وسائر أنوار المعصومين(عليهم السلام) فهي على طبقات.
وَهُمْ يتلقون مِنْ بعضهم فِي الطبقات النورية، لِأنَّ أوَّل ما نزل القُرآن فِي السَّماء الرَّابعة أيّ البيت المعمور، وفي روايات أنَّهُ قلب الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) أيّ طبقة مِنْ طبقات وجوده العلوي، فَهُمْ رواة عَنْ مقام النُّور، وغيرهم رواة عِنْ طبقة البدن، ولذا فأول من يتلقى عن النبي(صلی الله علیه و آله) هو الإمام علي(علیه السلام) ولو نزل شيء عَلَى الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) وهو مسافر فهو يتلقاه قبل مِنْ هُوَ حاضر عِنْدَ الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله)، كما أنه يتلقاه بتلقي أعظم مما يتلقاه مِنْ هُوَ حاضر عِنْدَ الجسد، لِإنَّ تلقيه نوري مطابق وأكثر شفافية ولطافة.
وإذا صار هذا المطلب واضحا فإن جملة كثيرة من الروايات بينت أن موقع نور الزهراء(عليها السلام) هو في المرتبة الثالثة، بل دلّت سورة النور على درجتها الثالثة أيضا في قوله تعالى: ( اللّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها) (1). (2)5.
فلا يظن أحد أن الخلقة النورية هي مفاد روايات قطعية فحسب، بل هي في الأصل معرفة قرآنية وأصل أصيل في القرآن .
وبعبارة أخرى:
إن حديث الخلقة النورية نظير حديث الثقلين وحديث الكفاءة فقد بينّا سابقا أنهما في الأصل قرآنيان، فكذلك حديث النور تأسيسه قرآني بل اللسان الأوفر والأكثر ورودا من روايات النور تأسيسه أيضا قرآني وهو اللسان الذي ذكر فيه أن خلقة فاطمة(عليها السلام) النورية ثالثة الأنوار.
وأمّا اللسان الأقل ورودا في روايات خلقة النور فمضمونه أن الله خلق نور النبي(صلی الله علیه و آله) ثم نور أمير المؤمنين(علیه السلام) ثم نور الحسنين(عليهما السلام) ثم نور فاطمة(عليها السلام) أو نور الاثني عشر(عليهم السلام) ثم نور فاطمة(عليها السلام)(1).
والجدير بالذكر أن هذا اللسان غير مشتمل على كون نور فاطمة(عليها السلام) منشعب من نور الاثني عشر(عليهم السلام)، وإنما هو مشتمل على عكس ذلك وهو أن نور فاطمة(عليها السلام) ليس منشغبا من نور الإثني عشر(عليهم السلام).
وهذا أمر دقيق وفيصل في بيان عدم التهافت بين اللسانين، وبيان عدم التدافع بينهما في نقطتين:
الأولى: إن اللسان الثاني بُيّن فيه انشعاب نور علي(علیه السلام) من نور1.
1) الخصال ، الصدوق/481.
النبي(صلی الله علیه و آله) وانشعاب نور الحسنين(عليهما السلام) من نور النبي(صلی الله علیه و آله) ونور علي(علیه السلام) وانشعاب نور التسعة(عليهم السلام)من نور الحسين(علیه السلام) واستثنت نور فاطمة(عليها السلام) فلم تنص على انشعابه من نور أولادها(عليهم السلام).
ومفاد ذلك أنها(عليها السلام) ليست متأخرة رتبة.
الثانية: علاوة على عدم ذكر انشعاب نورها(عليها السلام) من أنوار الإثني عشر وعدم النص في هذا اللسان على تأخرها رتبة فإن ما يرفع التدافع مضافا إلى ذلك ما ذكرناه من أن طبقات أنوار المعصومين(عليهم السلام) متعددة.
واللسان الثاني يشير إلى الخلقة النورية في السبع سماوات حيث إن لهم في كل سماء طبقة نورية غير ما لهم مما هو قبل العرش ودون العرش وفوق الجنة ومع الجنة.
فإذا لاحظنا طبقة نور الزهراء(عليها السلام) في السبع سماوات فهي متأخرة رتبة عن أنوار الاثني عشر(عليهم السلام) بلحاظ طبقة أنوارهم فوق السبع سموات(1).5.
1) قال في البحار: (والاختلافات الواردة في أزمنة سبق الأنوار يمكن حملها على اختلاف معاني الخلق ومراتب ظهوراتهم في العوالم المختلفة فإن الخلق يكون بمعنى التقدير، وقد ينسب إلى الأرواح وإلى الأجساد المثالية وإلى الطينات ولكل منها مراتب شتى، مع أنه قد يطلق العدد ويراد به الكثرة لا خصوص العدد، وقد يراعى في ذلك مراتب عقول المخاطبين وأفهامهم ، وقد يكون بعضها لعدم ضبط الرواة) بحار الأنوار، المجلسي25/25.
والمحصلة هي أن البناء على كون نور فاطمة(عليها السلام) هو الثالث رتبة سيّما في الطبقات الأولى وسبقه على نور الحسنين(عليهما السلام) وأنوار التسعة(عليهم السلام) ينتج تقدمها عليهم رتبة.
وباللغة الفلسفية هي علة وواسطة فيض لنور الحسنين(عليهما السلام) وأنوار التسعة(عليهم السلام)، ومعنى واسطة الفيض هي العلة المهيمنة في كل الكمالات على من يستقي فيضها.
ويعبر في البحوث العقلية عن المخلوق الأسبق والذي ينشعب منه ويترشح عنه مخلوق متأخر بالعلة، بينما يعبر عن المخلوق المنشعب بالمعلول.
وفي العقليات إذا قيل صادر أوَّل وصادر ثاني وصادر ثالث فهو إشارة إلى أن كل متأخر معلول، والمعلول رشحة مِنْ رشحات العلة وتجل نازل عن علته، وهو ظهور مِنْ ظهورات علته، كما أنه اسم لظهور الصادر المتقدم عليه.
وبرهن فلسفيا على حقيقة مفادها لو بقي المعلول أبد دهره في صراط التكامل فإنه لن يرقى إلى كمال علته، فما دامت العلة علة والمعلول معلول فدوما ستكون العلة مستوعبة والمعلول مستوعبا.
ويعبر فلسفيا أيضا عن المعلول بالرقيقة وعن العلة بالحقيقة،
فالعلة بالنسبة للمعلول حقيقة والمعلول بالنسبة لعلته رقيقة، أي تجل نازل عنها.
وعلى هذا الأساس فإن ترجمة آيات النور باللغة العقلية الفلسفية والكلامية والعرفانية هو أن فاطمة(عليها السلام) في كل الكمالات مهيمنة على الأحد عشر(عليهم السلام) وإن الأحد عشر(عليهم السلام) رقيقة نازلة عن الحقيقة الفاطمية.
والتعبير عن فاطمة في بعض المرويات بأنها حجة على الحجج هو لغة فقهية وكلامية، وَهِيَ بلغة عقلية اشتقاق أنواهم مِنْ نور فاطمة(عليها السلام).
وَهَذَا برهان كونها فِي عوالم علوية أعلى، وَأنهم إنما صاروا أولادها فِي الدُّنْيَا لأنهم اشتقاقات منها فِي عالم الأنوار.
بل التعبير في آيات وروايات النور بانشعاب نور الحسنين(عليهما السلام) وأنوار التسعة(عليهم السلام) من نور فاطمة(عليها السلام) أعظم بمراتب من التعبير بأنهم حجج الله وفاطمة(عليها السلام) حجة عليهم، لأن ما في آيات وروايات النور بيان تكويني، بينما المنظور في التعبير الآخر هو البيان التشريعي والمعرفي.
فالأئمة(عليهم السلام) أسماء وظهورات وآيات لظهور علي وفاطمة(عليهما السلام)، وعلي وفاطمة أسماء وظهور وآيات لظهور سَيِّد الأنبياء(صلی الله علیه و آله).
والحسن والحسين آية لظهور فاطمة(عليها السلام).
فدليل الأنوار بصياغة وترجمة عقلية هو هيمنة فاطمة(عليها السلام) عَلَى الأئمة(عليهم السلام).
والمفاد الدقي للبيان التكويني لنصوص النور هو أن كمالات فاطمة(عليها السلام) أصل ومنشأ لكمالات الحسنين(عليهما السلام)، بل أصل لكل كمالات الحسنين(عليهما السلام) العلمية والعملية والجهادية والعبادية.
وللتقريب نطرح هذا المثال تنبيها لما قلناه فقد وصف الحسن البصري عبادة الزهراء قائلا: (ما كان في هذه الأمة اعبد من فاطمة، كانت تقوم حتى تورم قدماها)(1).
وروى في علل الشرائع عن الإمام الحسن(علیه السلام) في وصف عبادة أمه فاطمة(عليها السلام) أنه قال:
«رأيت أمي فاطمة(عليها السلام) قائمة في محرابها ليلة الجمعة، فلم تزل راكعة ساجدة حتى انفجر عمود الصبح، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسميهم وتكثر الدعاء لهم ولا تدعو لنفسها بشئ، فقلت: يا أماه، لم لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك ؟
فقالت: يا بني، الجار ثم الدار» (2).
ومفاد الرواية أن سيد شباب أهل الجنة(علیه السلام) يرى نفسه متصاغرا1.
أمام هول عبادة أمه فاطمة(عليها السلام)، وهذا يفسر جانبا من هيمنتها في كافة الكمالات على كمالات أولادها(عليهم السلام) وهيمنة عبادتها في الرواية مثال.
وفي روايات مصحفها أكبر الأدلة على هيمنة علمها(عليها السلام) على علم أولادها(عليهم السلام)، كما أن نزول المصحف عليها تعبير وترجمة لما ورد في الزيارات
«إرادة الرب في مقادير أموره تهبط إليكم وتصدر من بيوتكم والصادر عما فصل من أحكام العباد»(1)فهم المركزية والقطبية وبالتحديد أمهم فاطمة(عليها السلام).
وقد بسطنا الحديث في مفادات مصحفها الشريف في مقالة مستقلة، وهنا نركز على مفاد آخر وهو أن روايات المصحف تبين أن طبقات الملائكة كانت تنزل بالعلم على فاطمة(عليها السلام) من دون أن يمرّ بأمير المؤمنين(علیه السلام)، فكأنما الزهراء(عليها السلام) هي اللاقط النبوي وأمير المؤمنين(علیه السلام) يأخذ ما تنزل عليها وانعكس منها، وهو ما رواه في الكافي من قول علي(علیه السلام):
«إذا أحسست بذلك وسمعت الصوت قولي لي فأعلمته بذلك، فجعل أمير المؤمنين(علیه السلام) يكتب كلما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفا)(2)ومفاده أنه(علیه السلام) يسمع مصحف فاطمة(عليها السلام) ويكتبه
بتبع ما يتنزل على فاطمة(عليها السلام) فهي المبلّغ عن المقام النوري لأبيها(صلی الله علیه و آله).
وروايات المذهب الاثني عشر قائمة على هذه الحقيقة وهي من ثوابت المدرسة الإمامية .
وهذا من أوضح الشواهد على المشاركة بين الزهراء وأمير المؤمنين(عليهما السلام) في إدارة الدين.
وهاهنا لفتة لا بد من التأكيد عليها وهي أن البعض يخول لنفسه أنكار الحقيقة بمجرد أن ينبثق لذهنه سؤال حولها، ومن هذا القبيل تساؤل البعض عن ما تنسبه الشيعة لفاطمة(عليها السلام) من مقامات، فحيث يطرأ على أذهانهم التساؤل فمباشرة يتهمون الشيعة بأنهم ينسبون لفاطمة(عليها السلام) بدعا من الأمر، والحال أن السؤال في حد ذاته كاشف عن الجهل ودليل على تدني المعرفة وشاهد عجز علمي عن تفسير ظواهر الكتاب فضلا عن بواطنه وتأويلاته.
ولذا فلابد أن نفخر بامتلاكنا الحقيقة والمعلومة أمام من يزدري عقائدنا، بل حتى مقابل من يسأل ويستشكل مرتابا، فبدلا من أن نكون في موقع المتهم لا بد أن نتحسس شعور المتعزز بنيل الحقيقة وتجليها من سطوح القرآن وتنزيلاته فضلا عن تأويلاته.
وبعبارة أخرى:
ما يفعله الكثير من السائلين والمستشكلين على العقائد أو آراء العلماء من مجابهتهم بلغة حدية ولهجة قوية هو خلاف مقتضى كونهم سائلين وطالبين للمعلومة، فإن تحمل شعور ذل المسألة في العلم أمر ممدوح وهو المقتضى الطبيعي لموقع السائل، فتقمصه لشخصية العالم وواجد الحقيقة حين سؤاله لبس لثوب غير ثوبه.
ويتأكد الأمر فيما نحن فيه فمن يتهم الشيعة بالبدعة والخرافة في عقيدتهم بمقامات فاطمة(عليها السلام) لمجرد وجود أسئلة في ذهنه، هذا منه خروج عن حال السائل المستفهم، فكيف إذا كان ما نقوله في فاطمة(عليها السلام) قد أثبته القرآن في ظواهر آياته لمن هي دون فاطمة(عليها السلام) مقاما وشأنا!!
فثمة جملة من الآيات نازلة في شأن مريم تنبأ عن تنزل مأموريات عليها من الله بلا توسط نبي زمانها، وهذا مثبوت في ظاهر القرآن.
وتنزل الملك مباشرة عليها ايذان وافصاح عن شراكتها في إقامة أمر الله.
وهو ما نقوله في فاطمة(عليها السلام) بنحو أعلى وأشرف، فمن يستصعب فهم ذلك أو يلح عليه السؤال فحاله حال الجاهل الفاحص عن العلم لا حال العالم الناقد للعلوم والمعارف.
ثم إنه إذا ما أخبر القرآن بتنزل الملك على مريم عدة مرات فإن ما ورد في مصحف فاطمة(عليها السلام) - وبينا شواهده سابقاً - هو كثرة تردد طبقات الملائكة على فاطمة(عليها السلام) مما يؤكد على أنها بحر علم النبوة.
وهذا ما التفت إليه بعض كبار المحققين كالمرحوم الشاه آبادي(ره) وقد مر سابقا.
ومن شواهد هيمنتها ما مرّ في مقالة آمريتها في يوم القيامة، فقد ورد النص بهذا التعبير «أما تحبين أن تأمرين غدا فتطاعين في هذا الخلق عند الحساب» فإن هذا التعبير بالتخصيص والاسم لم يرد لأحد المعصومين من أولادها(عليهم السلام) إلا النبي(صلی الله علیه و آله) وعلي(علیه السلام).
وما ورد في بقية الأئمة(عليهم السلام) مما يثبت مقام آمرية لهم في الآخرة وارد بصيغة الجمع أي ورد أنهم أمرون وناهون، وأما صيغة التخصيص في لسان الوحي فلم ترد إلا في النبي(صلی الله علیه و آله) وعلي(علیه السلام) وفاطمة(عليها السلام).
وهذا شاهد على أن الهيمنة الثابتة للنبي(صلی الله علیه و آله) ولعلي(علیه السلام) على الأئمة(عليهم السلام) ثابتة لفاطمة(عليها السلام) على أولادها المعصومين.
والرواية التي تثبت مقام الآمرية لها في عالم الآخرة تثبت لها أنها بحر علم النبوة، فكونها آمرة في يوم يوضع فيه الموازين بالقسط، أي
تكون فيه المحاسبة بلا ظلم يثبت أن لها علما بالدين وعلما بالشريعة وعلما بالموضوعات وعلما بالأحوال، وأنها تلم بكافة ملابسات ومتعلقات قضايا العباد بلا طروء أي شبهة من الشبهات على علمها، فلا شبهة موضوعية ولا شبهة حكمية ولا شبهة برزخية ولا شبهة اجتماعية.
بل الأمر والنهي في ذلك العالم لا يكفي فيه الإحاطة بعلم التشريع وعلم التنظير وعلم الموضوعات وإنما يتطلب العلم بمقتضى الأسماء الإلهية، ومقتضى الجمال والجلال الالهي، ومقتضى العوالم الصاعدة والنازلة، أي أن الإنصاف المناسب لهوية عالم الآخرة يتطلب الإحاطة بجوامع العلم كلها.
ولذا لم يوصف جبرائيل بلحاظ ذلك العالم بأنه أمر وناه، ولم يوصف إسرافيل ولا عزرائيل ولا آدم ولا إبراهيم ولا موسى ولاعيسى، فغاية ما وصفوا به هو آمرية وناهوية الدنيا، وأما آمرية وناهوية الآخرة فمدارها وشرطها علم جمع الجمع.
وبذلك يثبت أن التدبير الكلي للعوالم بعد النبي(صلی الله علیه و آله) والوصي(علیه السلام) ثابت لفاطمة(عليها السلام).
وثمة رواية ذات مفاد عجيب رواها في المحتضر وكشف الغمة عن أمير المؤمنين(علیه السلام) أنه قال:
(دخلت يوماً منزلي فإذا رسول الله(صلی الله علیه و آله) جالس والحسن عن يمينه والحسين عن يساره وفاطمة بين يديه وهو يقول:
يا حسن ياحسين! أنتما كفّتا الميزان وفاطمة لسانه ولا يعتدل الكفّتان إلاّ باللسان، ولا يقوم اللسان إلاّ بالكفّتين.
أنتما الإمامان ولاُمّكما الشفاعة.
ثمّ التفت إليّ فقال: يا أبا الحسن! أنت توفّي المؤمنين اجورهم وتقسّم الجنّة بين أهلها ) (1).
ورواه من العامة بألفاظه الشيخ عبد الرحمن بن عبد السلام بن عثمان الصفوري الشافعي مؤرخ أديب من أهل مكة(2).
ومعلوم أن تعادل كفتي الميزان مرهون بلسان الميزان، فوصف فاطمة(عليها السلام) بلسان الميزان في قبال وصف الحسنين(عليهما السلام) بكفتيه يفيد أن نهج الحسنين(عليهما السلام) وهدايتهما ونورهما وعلمهما وسننهما لا تفهم بنحو متوازن الا بهيمنة علم فاطمة(عليها السلام) وهيمنة تربيتها وهدايتها وسننها ونورها.
وذيل الرواية هو (أنتما الإمامان ولاُمّكما الشفاعة) ومفاد هذا).
التقابل الذي يذكره النبي(صلی الله علیه و آله) هو أن للحسنين(عليهما السلام) خصوصية في الأمور الإجرائية في عالم الدنيا لكونهما إمامين، ولأمهما فاطمة(عليها السلام) فوقهما خصوصية تحديد الحساب النهائي وتقدير المعدل النهائي، فهي بالقياس لهما ذات مقام مهيمن، إذ معنى الشافعة هي من بيدها تعيين النتيجة النهائية.
وصلاحيتها(عليها السلام) في تحديد النتيجة النهائية بما لها مقام الشفاعة دليل مستقل على هيمنتها في كل الفضائل على أولادها(عليهم السلام)، بل يصلح هذا الدليل لإثبات هيمنتها المطلقة وفي كل عوالم الولاية عليهم باعتبار أنها الغاية والنهاية.
ومن أدلة هيمنتها ومثبتات أم مقاماتها ما طرحناه في مقالة مستقلة تحت قوله تعالى: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (19)(1)(2)فوصفها القرآن بالبحر.
بينما وصف أولادها(عليهم السلام) بقوله: ( يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ )(3)(4)أي أن الحسنين(عليهما السلام) ثمرة من ثمرات بحر علي(علیه السلام) وبحر فاطمة(عليها السلام).
ولم يعبر عن الأئمة(عليهم السلام) بالبحر أو البحار وإن كانوا بحورا
بالنسبة لمن دونهم.
وخصوصية هَذَا الدَّليل:
أوَّلاً: أصله قرآني وَلَيْسَ بيان حديثي فحسب.
وثانيا: الحديث رواه رواة الفريقين.
وهذا المقام بنفسه يستحق أن يدون فيه موسوعة كاملة لأنه بوابة وباب عظيم في مقامات علي وفاطمة(عليهما السلام).
وها هُنَا نكتة تفسيرية بينها الإمام الصَّادِق(علیه السلام) ببرهان عقلي، وقد فصلناه في مباحث التفسير.
وهي أن ما يذكره القُرآن مِنْ جبال وأوتاد وبحر ولؤلؤ ومرجان وسحاب ومطر وشمس وقمر وظل وسماء وما هو من هذا القبيل، لا يريد بها الموجودات الأرضية فحسب، وَإنَّما المُراد مِنْ هَذِهِ العناوين جبال الملكوت ومطر الملكوت وعالم الأرواح وأرض الأنوار وأرض العوالم الأخرى، والبحر في الآية لَيْسَ هُوَ البحر المعهود، وَإنَّما هو بحر العلم.
وعليه فعلي وفاطمة(عليهما السلام) لَيْسَا بحرا وبحراً عَلَى كوكب الأرْض.
وإذا رجعنا إلى تسلسل الآيات في ذكر الآلاء الرحمانية يتبين المراد من عنوان البحر حيث يقول: ( الرَّحْمنُ (1)عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) (1)
1) سوره 55 - آیه 1
خَلَقَ الْإِنْسانَ (3)عَلَّمَهُ الْبَيانَ ... (1)مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (19)بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (20)فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (21)يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ ..... (2)سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ ... (3)فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ (37)فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (38)فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَ لا جَانٌّ 1 ). (4)
فأول شيء ذكره تعليم القُرآن وهو أعظم نعمة من النعم وأعظم من نعمة الإنسان نفسه، ثمَّ ذكر خلقة الإنسان أي أصل الخلقة وطبيعة خلقة الإنسان والأفراد الكمل منه، ثمَّ ذكر تعليمه البيان، ثمَّ أردف الكلام حول البحرين، وَبَعْدَ ذَلِكَ ذكر الجَنّة وَالنَّار.
فَأيّ بحر هَذَا الذي هو أعظم مِنْ الجَنّة وَالنَّار؟!!
من المقطوع به أن الآلاء التي تفوق وتهيمن على الجنة والنار ليست هي الآلاء بعناوينها المادية وإنما بعناوينها الملكوتية.
وعلى هذا الأساس فالمراد من البحر كوصف لفاطمة(عليها السلام) والبحر كوصف لعلي(علیه السلام) والبرزخ المهيمن العادل الناظم بين البحرين كوصف لرَسُوُل الله(صلی الله علیه و آله) واللؤلؤ والمرجان كوصف للحسن والحسين(عليهما السلام) تصوير الفارق في المراتب بينهم بحسب التسمية والتوصيف.
فكم فرق بين البحرين والبرزخ الناظم بينهما، وكم فرق وفاصل8.
بين البحر ونتاجات البحر وهما الحسنان(عليهما السلام) فضلا عن بقية الأئمة التسعة(عليهم السلام) وفضلا عن بقية الأنبياء والرسل(1)
فقال: هذه فاطمة بنت محمّد نبيّ من ولدك يكون في آخر الزمان .
قال: فما هذا التاج الذي على رأسها ؟ قال: بعلها عليّ بن أبي طالب.
قال: فما القرطان اللذان في اذنيها ؟قال: ولداها الحسن والحسين .
قال: حبيبي جبرئيل ! أخُلقوا قبلي ؟ قال: هم موجودون في غامض علم الله - تعالى - قبل أن تخلق بأربعة آلاف سنة. المحتضر، الحسن بن سليمان الحلي/ 232 .
.ومن حقنا أن نتساءل لم يريد القُرآن أنْ يعطينا صورة منابع الغيب فِي علي وفاطمة(عليهما السلام) بينما يصور شأن البقية كثمار ونتائج؟
ولم هذا الافخام والتفخيم من القرآن لمقام علي وفاطمة(عليهما السلام) تحت هيمنة سيد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) وفوق مستوى مقامات بقية الأئمة(عليهم السلام) ؟
أليس هذا هو أفضل بيان وترجمان لهيمنة علي وفاطمة(عليهما السلام) عَلَى الأئمة الأحد عشر(عليهم السلام).
ولا يظن أحد أن الهيمنة تعني التفوّق في درجة، فليس الأمر بهذه .
1) ويشبه هذا التوصيف توصيف علي بالتاج على* رأس الزهراء(عليها السلام) وتوصيف الحسن والحسين بالقرطين في اذنيها، وهو ما رواه في المحتضر في فضائل الصديقة(عليها السلام) وروي عن رسول الله أنّه قال: لمّا خلق الله - تعالى آدم وحوّا تبخترا في الجنّة . فقال آدم لحوّاء: ما خلق الله خلقاً أحسن منّا. فأوحى الله - عزّ وجلّ - إلى جبرئيل: ائتني بعبدتي التي في جنّة الفردوس الأعلى . فلمّا دخلا الفردوس نظرا إلى جارية على درنوك من درانيك الجنّة ، على رأسها تاج من نور، وفي اذنيها قرطان من نور، وقد أشرقت الجنان من حسن وجهها. فقال آدم: حبيبي جبرئيل! من هذه الجارية التي قد أشرقت الجنان من حسن وجهها ؟
البساطة والسهولة.
ويمكن تصوير الفاصلة في المراتب بما ذكر في بعض الروايات عن سيد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) في المقارنة بين عوالم الخلقة والفاصل بين عالم وعالم، مبينا أن السماء الأولى عند السماء الثانية كالقطرة في المحيط اللامتناهي وكحلقة في فلاة قي(1).
ومعنى(قي)هو انتهاء الصوت في الصحراء المفتوحة اللامتناهية، أي بعد ابتعاد الصوت تحدث النغمة شبيهة ب- (قيييي)، فلا يفهم منها شيء، و(قي) اسم فعل يعني لا متناهي.
وعليه إذا كان حال السماء الأولى عند السماء الثانية هكذا فما هي النسبة في التصاعد في السماء السادسة والسابعة، وما هي النسبة عند عوالم ما فوق السابعة.
وهذا هو تصوير مقام الحسنين(عليهما السلام) في الكمالات العلمية وفي كل شيء من الفضائل بالقياس إلى مقام علي وفاطمة(عليهما السلام)، فهما وبقية الأئمة(عليهم السلام) عند أمهما كحلقة في فلاة قي .
وقد بينا سابقا أن الفاصل بين علي وفاطمة(عليهما السلام) وبقية الأئمة(عليهم السلام) ليس على حد الفاصل في الرتب بين الأئمة(عليهم السلام)، فكما أن الفاصل كبير جدا بين سيد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) وعلي وفاطمة(عليهما السلام) فكذلك الفاصل كبير8.
1) الكافي، الشيخ الكليني153/8.
جدا بين علي وفاطمة(عليهما السلام) وباقية الأئمة(عليهم السلام).
وترجم الإمام الصادق(علیه السلام) ذلك في بعض الروايات البيانية فكان إذا ذكر اسم النبي(صلی الله علیه و آله) ذكره باجلال واعظام حتى يكاد يسجد كما في روايات العقيقة في الكافي، فقد روى الكليني بسنده عن أبي هارون مولى آل جعدة قال: كنت جليسا لأبي عبد الله(علیه السلام) بالمدينة ففقدني أياما ثم إني جئت إليه فقال لي: لم أرك منذ أيام يا أبا هارون، فقلت: ولد لي غلام، فقال: بارك الله فيه فما سميته؟ قلت: سميته محمدا قال: فأقبل بخده نحو الأرض وهو يقول: (محمد محمد محمد حتى كاد يلصق خده بالأرض ثم قال: بنفسي وبولدي وبأهلي وبأبوي وبأهل الأرض كلهم جميعا الفداء لرسول الله(صلی الله علیه و آله).. الحديث)(1).
وهكذا حاله في الخضوع والإجلال إذا ذكر اسم فاطمة(عليها السلام) بحضرته.
وهذا أدب حقيقي لترجمان الفاصلة والفرق في الرتب.
وهنا يأتي هذا السؤال:
لم أختار القرآن التعددية في توصيف علي وفاطمة(عليهما السلام) فعبر عن علي(علیه السلام) أنه بحر وعبر عن فاطمة(عليها السلام) أنها بحر؟
أي أن فيض رسول الله(صلی الله علیه و آله) ينشعب إلى بحر علي وبحر1)
فاطمة(عليهما السلام)، فما هو المعنى والمغزى من ذلك؟
إن لذلك دلالات عديدة وهي كالتالي:
أولا: بيان الكفوئية، وقد مرّ بيانه تفصيلا.
ثانيا: يفسر التعددية وصايا النبي(صلی الله علیه و آله) لعلي(علیه السلام) بالائتمار بوصايا فاطمة(عليها السلام) وإن كان لعلي(علیه السلام) تقدم في الرتبة كما بينا.
ومؤدى ذلك هو أن الطريق لمعرفة رسول الله(صلی الله علیه و آله) تتوقف على التعرف عليه بعلي(علیه السلام) والتعرف عليه بفاطمة(عليها السلام)، فالتعرف عليه بفاطمة فقط غير ممكن كما أن التعرف عليه بعلي فقط غير ممكن، فهما بابان لمعرفة النبي(صلی الله علیه و آله) فمن رام أن يفهم سنة النبي(صلی الله علیه و آله) بالخوض في بحر علي(علیه السلام) فحسب لم يعرف النبي(صلی الله علیه و آله) معرفة كاملة، ومن رام أن يفهم سنة النبي(صلی الله علیه و آله) بالخوض في بحر فاطمة(عليها السلام) فحسب لم يعرفه معرفة كاملة، بل المعرفة الكاملة بسنة النبي(صلی الله علیه و آله) ونهجه وصراطه ودينه يكون بالخوض والسباحة والسياحة الفكرية السلوكية في بحر علي(علیه السلام) وفي بحر فاطمة(علیه السلام).
ولا نطرح هذه الإطروحة على سبيل المجاملات أو لمجرد التفنن الأدبي، بل هو بيان لحقائق واقعية ومراتب تكوينية على ضوء أدلة
قطعية مبدهة.
ولو تساءل البعض لأي مغزى يكون لفاطمة(عليها السلام) دور وأثر بوجود علي(علیه السلام)؟
لأجبنا إن إيكال الدور لها ليس لمجرد التقاسم الإعتباري أو المعونة والمساعدة الجسدية أو عدالة إرث مادي، وإنما هو تقاسم على ضوء الواقع التكويني الرتبي، فلما كانا بحرين على نحو التعادل والكفوئية لزم فيهما تقاسم الأدوار والمسؤوليات والوظائف لإقامة دين الله.
ومن أهم النتائج المترتبة على هذا البحث ضرورة أن يصطبغ الفقه الجعفري بمنهج ومنهاج فاطمة(عليها السلام) وإلا لن يكون على الموازين.
أي أن الأثر الفقهي لما نحن فيه هو لابدية أن يسير الفقه الجعفري وسنن أهل البيت(عليهم السلام) على قاعدة التوازن بين نهج علي(علیه السلام) ونهج فاطمة(عليها السلام) لرسم خريطة للظهور على الموازين الإلهية، فلو غيب نهج فاطمة(عليها السلام) فلن يكون ثمة صراط هداية سوي .
وعلى هذا الأساس فالصورة المتزنة والمنتظمة والعادلة عن النبي(صلی الله علیه و آله) والنبوة لها رافدان أساسيان، أولهما بحر علي(علیه السلام) وثانيهما بحر فاطمة(عليها السلام).
والمحصلة أن الأدلة والشواهد والمنبهات المزبورة تؤكد جانب
شراكة ومشاركة فاطمة(عليها السلام) لعلي(علیه السلام)في إقامة أمر الدين مع التحفظ على خصوصية تقدم أمير المؤمنين(علیه السلام)، فيثبت بالجنبة الأولى أن الفاصلة بين فاطمة وعلي(عليهما السلام) ليست مطابقة للفاصلة بين علي(علیه السلام) والحسنين(عليهما السلام)، كما يثبت مقام أم مقاماتها ومقامها العظيم الأعظم وهو هيمنة كمالاتها(عليها السلام) على كافة الأصعدة على كمالات أولادها(عليهم السلام).
ومِنْ النتائج الخطيرة لهَذَا المقام أنه لا يمكن الاحتجاج بمنهج أيّ إمام مِنْ الأئمة الأحد عشر(عليهم السلام) فِي أيّ باب فقهي مِنْ دون الاعتماد والارتكاز عَلَى منهج ونهج فاطمة(عليها السلام)، فمع كونهم نورا واحدا إلا أنه لا يمكن رسم نهج أهل البيت(عليهم السلام) بلون نهج إمام واحد.
فلو قال قائل: أليس كل إمام هو الكل في الكل؟
لقلنا ذلك صحيح لكن الكلام هاهنا في فهم عقولنا لنهج الإمام الواحد.
وبعبارة أصرح:
إن كلامنا في قدرتنا على استيعاب نهج أهل البيت(عليهم السلام) المتكامل كمنظومة من خلال ما ينطبع لدينا من فهم سيرة ونهج إمام واحد.
وبعبارة ثالثة:
إذا أردنا أن نحتج بما ورد عن المعصوم الواحد فلابد من جمع كل كلماته، أي أن مغزى ومرام أي واحد من الائمة(عليهم السلام) لا يمكن فهمه من رواية أو روايتين .
وإن قيل: أوليس الإمام المعصوم(علیه السلام) هو معصوم في الرواية الواحدة؟
فجوابه إن فهمنا للمعصوم بكله لا يكون من خلال الاعتماد على كلام واحد، فلا نقص من ناحية المعصوم لكن النقص في رؤيتنا، إذ ليس في قدرتنا وقابليتنا أن نرسم رؤية متكاملة عن المعصوم من كلام واحد.
وهذا نظير ما دأب عليه الفقهاء والأصوليون والمتكلمون من القول أن العام والخاص ليس بحجة إلا بعد الفحص، وذلك لأن الدين منظومة واحدة فبرغم أن كل آية من القرآن حق إلا أن قابلية البشر لا تتسع لهضم المنظومة من حقيقة واحدة .
ونظير هذا نقوله في العلاقة بين نهج فاطمة(عليها السلام) ومنهاج الأئمة(عليهم السلام) من أولادها، فإن ما يفهم من نهجها وخطبتها وفعلها وسننها محكّم على سنن وكلمات ومناهج من بعدها من الأئمة، فلا تنضبط الرؤية لمنهج أي معصوم إلا بالمراجعة لنهج فاطمة
*عدد خطب الزهراء(عليها السلام)
*تعدد خطبها تعبير عن مدوامة مقاومتها
*الخطبة الثانية: بيان مقام ولايتها على رجال الأمة والمهاجرين والأنصار
*الخطبة الثالثة: مسؤوليتها(عليها السلام) حفظ الرسالة وكفالة المؤمنين
*الخطبة الرابعة: علي وفاطمة ركنا الولاية وأخا تيم وعدي ركنا الظلم
من الملفت للنظر لمن أخذ بشيء من السبر والتتبع أن خطبها(عليها السلام) لم تقتصر على اثنتين كما هو معروف ومشهور، بل هناك خطبتان أخريتان فيكون المجموع أربع خطب لها(عليها السلام)، ولعل المتتبع يجد أكثر من ذلك.
قال الشيخ الحر العاملي أن فاطمة(عليها السلام) خطبت مرارا...
وروى فيه: أن فاطم(عليها السلام) ادعت ثلاثة أشياء: الميراث والنحلة وسهم ذوي القربى وأن أبا بكر لم يقبل شيئا منها بل منعها وأن فاطمة خطبت في ذلك مرة بعد أخرى، وأنشدت شعرا واظهرت من التظلم والشكاية والتأذي والغضب على من غصبها وعلى من ساعده وعلى من خذلها ولم ينصرها شيئا كثيرا بليغا لم أنقله خوفا من الاطالة، وجميع تلك الروايات من طرق السنة لا من طرق الشيعة)(1).
والخطبة الثالثة هي التي رواها ابن شهرآشوب عند عيادة خصوص أم مسلمة لفاطمة(عليها السلام).
كما أن هناك خطبة رابعة رواها الشيخ الطوسي في الأمالي وهي عند زيارة عائشة بنت طلحة لفاطمة(عليها السلام).
والملاحظ في هذه الخطب الأربع أنها ذات اتجاه وهدف ونبرة واحدة وهي مواجهة أصحاب السقيفة والانحراف الذي حصل في الخلافة، وغصبها والاستيلاء عليها ولكن من زوايا مختلفة ولكن المحاور الأساسية واحدة.
وتعدد خطبها مؤشر على استمرار نهج معارضتها المعلن بنحو
1) إثبات الهداة، الحر العاملي2 / 358 حديث 160.
صارخ في قبال أصحاب السقيفة وقبال تخاذل المهاجرين والأنصار، فلم تهدأ مجلجلة الخطاب في الإدانة للمتواطئين من جهة واستفزاز وعتاب للمتخاذلين من جهة أخرى.
وأكدت(عليها السلام) في خطبها على التوحيد والنبوة والقرآن وأصل دين الإسلام والمعاد، أي الثوابت لبنى الإسلام لئن لا تهدم وتزلزل وتزال كما ارادوا صنع ذلك بالامامة والولاية.
فكان ذلك منها درءا من التحريف وقطعا لأطماعهم عن المزيد من الإحداث في الدين، ومن ثم حاججت أبا بكر بالكتاب والسنة فعيّ عن جوابها ولم يكن له مجال للتذرع الا برضا الصحابة بما صنعوا.
ومن ثم عاتبتهم(عليها السلام) على نبذ الكتاب ونبذ سنة النبي(صلی الله علیه و آله) وعهده وظلمهم للعترة وتواردهم على آل الرسول(عليهم السلام) وأنذرتهم عن الردة عن ذلك
روى في الاحتجاج، قال سويد بن غفلة: لما مرضت فاطمة(عليها السلام) المرضة التي توفيت فيها دخلت عليها نساء المهاجرين والأنصار يعدنها، فقلن لها: كيف أصبحت من علتك يا بنت رسول الله ؟
فحمدت الله، وصلت على أبيها، ثم قالت: أصبحت والله: عائفة لدنياكن، قالية لرجالكن، لفظتهم بعد أن عجنتهم، وسئمتهم بعد أن سبرتهم، فقبحا لفلول الحد، واللعب بعد الجد، وقرع الصفات وصدع القناة، وختل الآراء، وزلل الأهواء، وبئس ما قدمت لهم أنفسهم: أن سخط الله عليهم، وفي العذاب هم خالدون.
لا جرم لقد قلدتهم ربقتها وحملتهم اوقتها وشننت عليهم غاراتها فجدعا، وعقرا وبعدا للقوم الظالمين(1).
1) الاحتجاج، الشيخ الطبرسي:146/1، 149، المطالب المهمة في تاريخ النبي والزهراء والأئمة 20، أعيان النساء عبر العصور المختلفة 442 وللوقوف على مزيد من المصادر راجع الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء 13 / 405.
وفي نسخة أخرى: عن عبد الله بن الحسن، عن أمه فاطمة بنت الحسين(علیه السلام) قال: لما اشتدت علة فاطمة بنت رسول(عليها السلام) اجمتع عندها نساء المهاجرين والأنصار فقلن لها: يا بنت رسول الله كيف أصبحت من علتك؟
فقالت: أصبحت والله عائفة لدنياكم قالية لرجالكم، لفظتهم قبل أن عجمتهم، وشنأتهم بعد أن سبرتهم، فقبحا لفلول الحد وخور القناة، وخطل الرأي، وبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون، لا جرم لقد قلدتهم ربقتها وشننت عليهم عارها فجدعا وعقرا وسحقا للقوم الظالمين)(1).
وفي هذه الخطبة الشريفة برمتها قد جعلت فاطمة(عليها السلام) محور كلامها حول ولاية أهل البيت(عليهم السلام) في الخلافة، وتقريع رجال المهاجرين والأنصار حول مهادنة أصحاب السقيفة وانقيادهم وبيعتهم لهم.
ثم إن الخطبة على مقاطع:
المقطع الأول: بينت الزهراء(عليها السلام) ولايتها من موقع الآمر والناهي للمهاجرين والأنصار ورجال الأمة .5.
1) معاني الأخبار، الشيخ الصدوق 354 ، 355.
فكل كلماتها(عليها السلام) كانت من موقع هيمنة ولايتها على المهاجرين والأنصار فضلا عن بقية رجال الأمة وهو يطابق ما أقر به أبو بكر على ما نقله ابن أبي الحديد بعد خطبتها في مسجد النبي(صلی الله علیه و آله).
وهذا مطابق لفحوى خطبتها في مسجد رسول الله(صلی الله علیه و آله) من موقع المحاكم والمحاسب للمهاجرين والأنصار ولرجال الأمة في أمر الخلافة والبيعة، والمهاجرين والأنصار كلهم وبما فيهم أصحاب السقيفة كلهم أذن صاغية لا ينبسون ببنت شفة بل لم يعترضوا عليها حتى أبي بكر بأنها تدخلت في أعظم شأن في الأمة.
بل كانت أجوبة أبي بكر لفاطمة(عليها السلام) كجواب الرعية لمحاسبة الوالي يبرر ويعذر ما قام به في السقيفة مع اعتراف منه بموقع الولاية والحجية لفاطمة(عليها السلام).
فقال لها: (وأنت سيدة أمة أبيك)، فسؤددها على الأمة رجالا ونساء أي ولايتها عليهم.
كما وصفها أنها (عين الحجية) إلى بقية الأوصاف التي كلها إقرار منه لولاية فاطمة(عليها السلام).
وقولها(عليها السلام): (أصبحت والله عائفة لدنياكم) من الواضح أن المراد من دنياكم أي الإدارة لشؤونكم، وهذه الإعافة إعافة الرئيس عن موقع مديريته، لأن إسناد الدنيا إليهم يدل على كون حديثها عن إسناد
الدنيا إليهم كمجموع، فيكون المراد هو حياتهم الاجتماعية والسياسية جميعا.
كما أن قولها(عليها السلام): (قالية لرجالكم) يدل على أن لها شأنا من الهيمنة على رجال المهاجرين والأنصار بمجموعهم، فالقلاء لمجموع الرجال في مقابل عنايتها لهم، وإنما هو شان الولي على الرعية .
ويشهد لهذا المفاد قولها(عليها السلام): ( لفظتهم قبل أن عجنتهم، وشنأتهم بعد أن سبرتهم)، فيدل هذا على أنها تمتحن الرجال من المهاجرين والأنصار فضلا عن بقية الرجال وأنها في مقام الممتحن لنخبة الأمة، وأنها أبعدتهم وطردتهم عن شأنية جدارة القيام بالمسؤولية المصيرية للدين والأمة كنخبة في الأمة.
ثم أنها(عليها السلام) أدانتهم بقولها(عليها السلام) (فقبحا لفلول الحد، واللعب بعد الجد، وقرع الصفات وصدع القناة، وختل الآراء، وزلل الأهواء) لخذلانهم أمير المؤمنين(علیه السلام) والإخلاد إلى الخفض والدعة والغدر الذي خامر قلوبهم وإسراعهم للباطل واغضاضهم عن الفعل الهالك الملك للأمة ونكصوا بعد الإقدام وأشركوا بعد الإيمان، كما أشارت إلى ذلك في خطبتها في مسجد النبي وارتابوا بعد البيان ومال بهم الهوى وما أقدموا عليه يوجب الخلود في العذاب.
وقولها(عليها السلام) (لقد قلدتهم ربقتها) فهو مداينة للمهاجرين والأنصار
بأثم الانحراف في الخلافة والإحداث والتبديل في الزعامة عما أمر الله تعالى وسن النبي(صلی الله علیه و آله) كما أنها داينت رجال الأمة بفعلها وألزمتهم عار هذا الانحراف.
وهذا واضح أنها تبين مقام ولايتها ومسؤوليتها على المهاجرين والأنصار ورجال الأمة في الأمر المصيري لمسير الدين والأمة.
المقطع الثاني: قد تصدت فاطمة(عليها السلام) إلى بيان إمامة علي(عليها السلام) وحقه في الخلافة ودلائل نصب الله ورسوله له وليا وزعيما للأمة.
وبيّنت عظمة الكمالات والسعادة التي تصل إليها الأمة من تولي أمير المؤمنين(علیه السلام) زمام الخلافة.
وأشارت(عليها السلام) إلى أن تخليهم عن أمير المؤمنين(علیه السلام) هو الخسران المبين، وأن دواعيهم من الإنحراف عنه هو تبرؤهم من الإستقامة، وأن انحرافهم عن أمير المؤمنين(علیه السلام) تبرما وخوفا من قوة حزمه ورعب سطوته في ذات الله والصرامة في حدود الله مع زهده في الدنيا وتعففه عن نهب الثروات، ونصحه لما هو صالح للدين والأمة.
فقالت(عليها السلام):
«ويحهم أنى زعزعوها عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوة والدلالة، ومهبط الروح الأمين، والطبين بأمور الدنيا والدين ؟! ألا ذلك هو الخسران المبين! وما الذي نقموا من أبي الحسن(علیه السلام)؟! نقموا والله منه نكير سيفه، وقلة مبالاته لحتفه، وشدة وطأته، ونكال
وقعته، وتنمره في ذات الله»(1).
وأن توليهم لأبي بكر من الأعاجيب والمهازل وأنه لبئس البدل، وأنهم تكالبوا على الغدر بأهل البيت وأقدموا على التآمر عليهم، فقالت(عليها السلام):
«ليت شعري إلى أي إسناد استندوا؟! وإلى أي عماد اعتمدوا؟! وبأية عروة تمسكوا؟! وعلى أية ذرية أقدموا واحتنكوا لبئس المولى ولبئس العشير، وبئس للظالمين بدلا».
المقطع الثالث: ذكرت(عليها السلام) النتائج المدمرة لمصير الأمة من غصب الخلافة بتوسط مشروع السقيفة والهول الذي ينتظر الأمة نتاج ذلك، وما سينجم عن ذلك من وصول أشرار الأمة إلى السلطة وطمعهم فيها وسفك الدماء وهتك الأعراض واستمرار سلسلة الحكومات الظالمة الجائرة المستبدة على رقاب الأمة عبر القرون حتى يفرّج الله بأهل البيت(عليهم السلام) .
المقطع الرابع: تكفلت(عليها السلام) ببيان وحدة ولاية أهل البيت(عليهم السلام) وأنهم لا يقومون بالأمر بإلجاء الأمة وجبرها لأن الامتحان اختياري وليس جبريا بمنطق القرآن في قوله تعالى: ( إِنَّ اللّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ )(2)(3)، وذلك باستشهادها بقوله تعالى: ( أَ نُلْزِمُكُمُوها وَ أَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (28)(4). (5)8.
فهنا جمعت بين شأن ولايتها وولاية أمير المؤمنين(علیه السلام) وولاية أهل البيت(عليهم السلام).
والملفت في الخطبة أنها ابتدأت من موقع ولايتها والمسؤوليات التي اضطلعت بها اتجاه الدين والأمة والمهاجرين والأنصار ثم ثنّت بولاية وإمامة أمير المؤمنين(علیه السلام)، ثم ذكرت ثالثا فادحة استيلاء أبي بكر على الخلافة وتمايل المهاجرين والأنصار إلى ذلك، ثم العواقب الوخيمة الناتجة من ذلك على مستقبل الدين والأمة، وأن أهل البيت(عليهم السلام) وولايتهم كولاية الله ورسوله ليست بالإلجاء والإكراه والجبر التكويني للأمة، بل قائمة على امتحان الأمة بالاستجابة لذلك.
وفي جملة من المصادر أن النساء أعادت قولها(عليها السلام) على رجالهن فجاء إليها قوم من المهاجرين والأنصار معتذرين وقالوا:
«يا سيدة النساء، لو كان أبو الحسن ذكر لنا هذا لأمر قبل أن يبرم العهد، ويحكم العقد، لما عدلنا عنه إلى غيره، فقالت(عليها السلام): إليكم عني فلا عذر بعد تعذيركم، ولا أمر بعد تقصيركم»(1).9.
1) الاحتجاج ، الشيخ الطبرسي 1 / 149.
قال ابن شهر آشوب في ذكر عيادة أم سلمة:
ودخلت أم سلمة على فاطمة(عليها السلام) فقالت لها: كيف أصبحت عن ليتك يا بنت رسول الله؟ قالت أصبحت بين كمد وكرب فقد النبي(صلی الله علیه و آله) وظلم الوصي هتك والله حجبه أصبحت إمامته مقتصة على غير ما شرع الله في التنزل وسنها النبي في التأويل ولكنها أحقاد بدرية وترات أحدية كانت عليها قلوب النفاق مكتمنة لإمكان الوشاة، فلما استهدف الأمر أرسلت علينا شآبيب الآثار من مخيلة الشقاق.
فيقطع وتر الإيمان من قسي صدورها وليس عليّ ما وعد الله من حفظ الرسالة وكفالة المؤمنين أحرزوا عائدتهم غرور الدنيا بعد انتصار ممن فتك بآبائهم في مواطن الكروب ومنازل الشهادات)(1).
1) مناقب آل أبي طالب، اين شهرآشوب: 49/2.
وفي مطلعها تبين(عليها السلام) هدفين مهمين تركز عليهما وتعبأ الأمة اتجاههما من خلال ثورتها في البكاء وزلزال جزعها ومعالم حركتها بنحو دائم:
الأول: خسارة فقد النبي(صلی الله علیه و آله) لتنشد الأمة بالذكرى الحية للرسول(صلی الله علیه و آله) ويظل ماثلا أمام عقولهم وأرواحهم ومنشدة إليه قلوبهم لتتبع سنته ويؤخذ بهديه فلا تنحرف الأمة بالمستولين على الخلافة من بعده.
الثاني: بناء الوعي والمعرفة في عقل وروح الأمة بإمامة الوصي(علیه السلام) واستحقاقه الخلافة، وأن سعادة ونجاة الأمة دنيا وآخرة به.
ثم بيّنت أنه قد هتك حجاب الوحي بتجرئهم على غصب الخلافة والتطاول عليه وزحزحته عن مقامه، وأن الأمة لم تتبع شرع الله ولا سنة النبي(صلی الله علیه و آله) في إمامته، وأن سبب انحراف الغاصبين للخلافة ومن يقف ورائهم ويساندهم امتلاؤهم بالأحقاد والعداوات نتيجة ما كبّدوا من ضربات واستئصال في بدر وأحد فشاقوا أهل البيت(عليهم السلام) في ولايتهم ومقامهم.
وأمّا قولها(عليها السلام): (فليس عليّ) فالظاهر أن المراد هو ليس علي ضير أو خسران بعدما وعد الله من حفظ الرسالة وكفالة المؤمنين.
وفي هذا إشارة إلى مقام ولايتها وأن المسؤولية الملقاة على عاتقها هي حفظ الرسالة وكفالة المؤمنين فهي الحافظة للرسالة والكافلة للمؤمنين.
فلفظة (عليّ) أي المسؤولية علي، والتقدير وإن كان الضير والضرر والبأس هو حفظ الرسالة إلا أن المتعلق المرتبط بشأنها من نفي الضرر والضير أو البأس هو حفظ الرسالة وكفالة المؤمنين، مما يدلل على أن عمدة اهتماماتها هي حفظ الرسالة وهو الذي مرّ بيان المحورين في صدر كلامها (فقد النبي وحزن الوصي) وهذا هو حفظ الرسالة، ثم أضافت إلى ذلك كفالة المؤمنين، والكافل للمؤمنين ليس إلا مسؤولية الوالي، فهذا يبين مقامها وولايتها بجنب ولاية أمير المؤمنين(علیه السلام) ومسؤوليته.
وتبين(عليها السلام) سبب عدم خوفها من المآل والعواقب أنه تعالى بالغ أمره وسيظهر الدين ولو كره الكافرون والمشركون، وأن غاية ما قام به الغاصبون في السقيفة ومن ورائهم إنما هو غرور متاع قليل للدنيا، وهذا لا يضر بما أنجزه أمير المؤمنين(علیه السلام) من الانتصار بإقامة قواعد الرسالة وذلك عبر تطهير البلاد والعباد من فراعنة قريش وطغاة العرب وطغام الناس، فهذا الصرح المشيد قائم لا يتزلزل بغصب الخلافة من أصحاب السقيفة مؤقتا.
أنه وجده في كتاب لأبي غانم المعلم الأعرج، وكان مسكنه بباب الشعير، وجد بخطه على ظهر كتاب له حين مات: وهو أن عائشة بنت طلحة دخلت على فاطمة(عليها السلام) فرأتها باكية، فقالت لها: بأبي أنت وأمي، ما الذي يبكيك؟
فقالت لها(عليها السلام): أسائلتي عن هنة حلق بها الطائر، وحفي بها السائر، ورفع إلى السماء أثرا، ورزئت في الأرض خبرا، أن قحيف تيم وأحيوك عدي جاريا أبا الحسن في السباق، حتى إذا تقربا بالخناق، أسرا له الشنآن، وطوياه الإعلان، فلما خبا نور الدين، وقبض النبي الأمين، نطقا بفورهما، ونفثا بسورهما، وأدلا بفدك، فيا لها لمن ملك، تلك أنها عطية الرب الأعلى للنجي الأوفى، ولقد نحلنيها للصبية السواغب من نجله ونسلي، وأنها ليعلم الله وشهادة أمينه، فإن انتزعا
مني البلغة، ومنعاني اللمظة، واحتسبتها يوم الحشر زلفة، وليجدنها آكلوها ساعرة حميم، في لظى جحيم )(1).
وفي الخطبة جهرت(عليها السلام) بالإدانة لأبي بكر وعمر وأنهما كان يحيكان هذه الفتنة من زمن رسول الله(صلی الله علیه و آله) وأنهما غصباها فدك.
ففي الخطبة ترسيم لكونهما مركز الفتنة وأنهما المحور للظلم الذي وقع على أمير المؤمنين(علیه السلام) وعليها كما أنها بينت بأن مشروع السقيفة استهدف كلا من علي وفاطمة(عليهما السلام) بنحو سواء، مما يدلل ويثبت بوضوح أن كيان الولاية قائم بعلي وبفاطمة(عليهما السلام) في الدرجة الأولى.
وهذا مما يشير إلى تكافئهما وتشاطرهما المسؤولية وأن ما قام به الخصوم خطر عظيم وفيه مطاولة لعظمة علو الله تعالى، وهو مما يبين أن ولاية علي وفاطمة(عليهما السلام) بتلك المكانة من تجلي شأن عظمة الله.5.
1) الأمالي، الشَّيْخ الطوسي: 204، 205.
*ذكره لشؤون مقاماتها إرادة منه لدفع ما قد يعترض عليه في مجادلته لفاطمة(عليها السلام) فأراد اظهار صورة للمهاجرين والأنصار أنه غير ناكر ولا جاحد ولا ناس لشأن من شؤونها ولا لمقام من مقاماتها وأنه رغم ذلك يتعذر في شرعية ما يدعيه إلى الرواية التي يزعم روايتها عن النبي(صلی الله علیه و آله): ( ما تركناه صدقه).
*أي شرعية وموضوعية للخليفة المنصب بالشورى إذا دافع ضرورة الكتاب والسنة!
*فوصول المحاججة لهذا الموضع قدرة عظيمة من فاطمة(عليها السلام) لكشف زيغ أهل السقيفة وزيغ وانقلاب الصحابة على اعقابهم.
*شرح المقامات
قال أبو بكر: يا بنت رسول الله(صلی الله علیه و آله) أنت عين الحجة(1)، ومنطق الرسالة،..)(2).
وفي بلاغات النساء فأجابها أبو بكر عبدالله بن عثمان وقال: «فأنتم عترة رسول الله الطيبون، الخيرة المنتجبون، على الخير أدلتنا، وإلى الجنة مسالكنا(3)، وأنت يا خيرة النساء، وابنة خير الأنبياء، صادقة في قولك، سابقة في وفور عقلك، غير مردودة عن حقك، ولا مصدودة عن صدقك، والله ما عدوت رأي رسول الله، ولا عملت إلا بإذنه».
«وأنك وأنت سيدة أمة أبيك، والشجرة الطيبة لبنيك، لاندفع مالك من فضلك، ولا يوضع في فرعك وأصلك، حكمك نافذ فيما ملكت يداي».
فقال أبو بكر: صدق الله ورسوله، وصدقت ابنته، أنت معدن الحكمة وموطن الهدى والرحمة، وركن الدين، وعين الحجة»(4).
وفي شرح النهج: لما كلمت فاطمة(عليها السلام) أبا بكر بما كلمته به حمد4.
أبو بكر الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ثم قال: يا خيرة النساء، وابنة خير الاباء، ...»(1).
وقد يطرح تساؤل هل هذه الأوصاف التي هي مقامات خطيرة في الدين وصف بها أبو بكر فاطمة(عليها السلام) كانت انشاء من عند نفسه أم هي اقرار ورواية بما سمعه من رسول الله(صلی الله علیه و آله) في شأنها؟
الجواب:
لبيان حقيقة الحال وأنها رواية بما سمعه من رسول الله(صلی الله علیه و آله) وإقرار به نذكر النقاط التالية:
أولا: أن جوابه هذا كان في محضر ملأ المسلمين ولم يعترض عليه أحد بما قاله حتى أولئك المناؤون لأهل البيت وفاطمة(عليها السلام) .
ثانيا: إن ما ذكره كان بمثابة اقرار منه بهذه الشؤون والمقامات لفاطمة(عليها السلام) أمام ملأ المسلمين أيضا.
ثالثا: أن أبا بكر كان في مقام منازعة ومجادلة لفاطمة(عليها السلام) لا سيما وأن هذا النزاع لم يقف على فدك وأنما احتجاج الطرفين على أصل الخلافة وحق أهل البيت(عليهم السلام) فيها.
فمع هذا الحال يكون الاقرار منه بهذه الشؤون لفاطمة(عليها السلام) لا3.
1) شرح ابن ابي الحديد، ابن ابي الحديد 16 / 213.
يخلو إما هي مقامات لم يسمعها المسلمون من قبل فيكون اقراره بها دحضا لحجته امام حجة فاطمة(عليها السلام)، وكيف وهو يريد أن لا يسقط أمام المهاجرين والأنصار عن الشرعية .
فهذا الاحتمال لا يمكن تعقله ولا امكانية له.
والاحتمال الآخر أن هذه الشؤون والمقامات حيث إنها كانت مسلمة عند المسلمين ثبوتها لفاطمة(عليها السلام) سمعا من رسول الله(صلی الله علیه و آله) وتنزيلا من الذكر الحكيم في شأنها بما بينه النبي(صلی الله علیه و آله) في ذلك أراد أبو بكر في محاججته أن يفهم ملأ المهاجرين والأنصار أنه غير منكر لشؤون ومقامات فاطمة(عليها السلام)، وأن رغم هذه الشؤون والمقامات هو يستند في ما يزعمه من شرعية موقفه إلى حديث رواه عن النبي(صلی الله علیه و آله) في شأن فدك.
فذكره لشؤون مقاماتها إرادة منه لدفع ما قد يعترض عليه في مجادلته لفاطمة(عليها السلام) أنها حيث كانت ذات هذه الشؤون والمقامات فكيف ينازعها هذا الأمر، فأراد اظهار صورة للمهاجرين والأنصار أنه غير ناكر ولا جاحد ولا ناس لشأن من شؤونها ولا لمقام من مقاماتها وأنه رغم ذلك يتعذر في شرعية ما يدعيه إلى الرواية التي يزعم روايتها عن النبي(صلی الله علیه و آله): ( ما تركناه صدقه)، ( نحن معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا ولا فضة ولا دارا ولا عقارا وإنما نورث الكتاب والحكمة
والعلم والنبوة وما كان لنا من طعمة فلولي الأمر بعدنا أن يحكم فيه بحكمه ).
رابعا: لا يخفى أن فيما روي عن محاججة فاطمة(عليها السلام) لأبي بكر أنها قطعت الطريق عليه في كل ذرائعه بالآيات وضرورات الدين، فلم يركن بعد ذلك أبو بكر لأي احتجاج إلا بأن هؤلاء المسلمون نحكمهم في النزاع بيني وبينك بأنهم نصبوه خليفة وبأنهم اتفقوا على أخذ فدك والخلافة من أهل البيت، حيث قال: (ولكن المسلمون بيني وبينك، هم قلدوني ما تقلدت، وأتوني ما أخذت وتركت)(1).
(هؤلاء المسلمون بيني وبينك، قلدوني ما تقلدت، وباتفاق منهم أخذت ما أخذت غير مكابر ولا مستبد، ولا مستأثر، وهم بذلك شهود)(2).
وهذا الكلام مرة أخرى منه اعتراف وتسليم منه بشؤون ومقامات فاطمة(عليها السلام) وأنه لا يريد أن يكابرها، ففاطمة(عليها السلام) ليست ممن يكابر، أي ممن ينقاد اليها ويسلم إليها.
ولا يصح منازعتها الأمر وإنما يستند في شرعية ذلك إلى اتفاق المسلمين وأنه خليفة.4.
خامسا: لا يخفى أن أبا بكر بعد ما افحم بالحجج وانقطع به الاحتجاج واستند إلى اتفاق المسلمين على تقلده خليفة وعلى أن يأخذوا الأمر من أهل البيت(عليهم السلام) وفدك دليل عيّه عن منطق الجواب وعجزه عن الاستناد إلى أي شرعية من الكتاب والسنة، بل الكتاب والسنة بما بينت فاطمة(عليها السلام) داحضا لما ارتكب.
وأي شرعية في اتفاق الأمة المناقض لكتاب الله وسنة نبيه.
وأي شرعية وموضوعية للخليفة المنصب بالشورى إذا دافع ضرورة الكتاب والسنة، فوصول المحاججة لهذا الموضع قدرة عظيمة من فاطمة(عليها السلام) لكشف زيغ أهل السقيفة وزيغ وانقلاب الصحابة على اعقابهم كما اخبر بذلك القرآن بعد موت رسول الله(صلی الله علیه و آله).
ومن ثم ادارت خطابها(عليها السلام) بعد ذلك إلى المسلمين بعتابهم وتقريعهم وإدانتهم على الباطل الذي يرتكبونه والشر الذي يقيمونه واغتصاب الحق الذي يقدمون عليه.
سادسا: ولا يخفى أن هذه المحاججة بينها وبين أبي بكر قد نقلت في مصادر كثيرة وعديدة مع اختلاف في اختصار المتن وتوسطه أو نقله مبسوطا، وعلى أي تقدير ففي جملة من المصادر الكثيرة التي نقلت هذه المحاججة قد اعترف وروى أبو بكر هذه المقامات المتعددة موزعة في ثلاثة مواطن.
سابعا: لا يخفى أن جملة من المصادر منها شرح أبن أبي الحديد وغيره وقد اشرنا إلى غيره من المصادر قد نقلوا أن المهاجرين والأنصار هاجوا بعد هذه الخطبة والمحاججة وخاف أبو بكر انقلاب الأمر عليه فصعد المنبر وشتم أمير المؤمنين(علیه السلام) وعرض بالزهراء(عليها السلام) أنها من النساء قد دفعها إلى ذلك زوجها أمير المؤمنين بقوله: ( كلا بل هو ثعالة شهيده ذنبه لعنه الله، وقد لعنه الله، مرب لكل فتنة، يقول: كروها جذعة، ابتغاء الفتنة من بعد ما هرمت، كأم طحال أحب أهلها الغوى...يستعينون بالصبية، ويستنهضون النساء)(1).
وهذا المشهد يظهر أن أبا بكر قد فقد توازنه في الخطاب وعجز عن تغطية نواياه الأصلية في ما قام به من الإستيلاء على الخلافة.
وهذا يناقض ما اقرّ به من شؤون من مقامات فاطمة(عليها السلام)، ومن ثم اعترضت عليه أم سلمة فأطلعت رأسها من بابها وقالت: ألمثل فاطمة بنت رسول الله يقال هذا، وهي الحوراء بين الإنس، والإنس للنفس، ربيت في حجور الأنبياء، وتداولتها أيدي الملائكة، ونمت في حجور الطاهرات، ونشأت خير منشأ، وربيت خير مربى.
أتزعمون أن رسول الله حرم عليها ميراثه ولم يعلمها؟! وقد قال الله له: (وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) (2)؟ أفأنذرها وجاءت تطلبه وهي4.
خيرة النسوان، وأم سادة الشبان، وعديلة مريم ابنة عمران، وحليلة ليث الأقران، تمت بأبيها رسالات ربه، فوالله لقد كان يشفق عليها من الحر والقر، فيوسدها يمينه، ويلحفها بشماله، رويدا فرسول الله بمرأى لغيكم، وعلى الله تردون، فواها لكم وسوف تعلمون)(1).
قال: فحرمت أم سلمة تلك السنة عطاءها، ورجعت فاطمة(عليها السلام) إلى منزلها فتشكت.
وفي مصدر آخر قالت أم سلمة حيث سمعت ما جرى لفاطمة(عليها السلام): ألمثل فاطمة بنت رسول الله(صلی الله علیه و آله) يقال هذا القول، هي والله الحوراء بين الإنس، والنفس للنفس.... )(2).
فبدأت أم سلمة تذكر بقية شؤون ومقامات فاطمة(عليها السلام) دحضا لأبي بكر عندما انقلب على وعن ما اقرّ به من شؤون ومقاماتها.
والملفت أنها تقسم بالله أن هذه مقامات وشؤون لفاطمة(عليها السلام) وهذا القسم كما هو واضح تأكيد لبداهة هذه الشؤون سمعا من رسول الله(صلی الله علیه و آله) بل وبحسب تنزيل القرآن على ما ذكره من فضائلها.
ويستفاد من كلامها روايتها لجملة أخرى من مقامات وشؤون فاطمة(عليها السلام).0.
سابعا: لا يخفى أن اسلوب اعتراف ابو بكر بهذه الأوصاف التي تمثل شؤون ومقامات فاطمة(عليها السلام) ذكرها أمام ملأ المهاجرين والأنصار بنمط أنه أمر مفروغ منه متسالم عليه واضح بديهة من المسلمين .
وهذا هو أيضا شاهد آخر أن هذه الأوصاف هي حقائق دينية متلقاة من النبي(صلی الله علیه و آله) والأحاديث القدسية وموارد تنزيل القرآن العظيم.
ثامنا: لا يخفى أن جملة هذة المقامات المذكورة في كلام أبي بكر وكلام أم سلمة سيتبين أنها مدلول جملة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المستفيضة وإن اختلف اللفظ إلا أن المعنى متحد.
تاسعا: لا يخفى أن ما سنبينه من دلائل في شرح هذه الأوصاف والعناوين والقوالب من شؤونها ومقاماتها(عليها السلام) بمقتضى محكمات الآيات والمستفيض من الروايات ليس بمعنى أن هذه المعاني والحقائق الشامخة اختلجت وخطرت على ذهن أبي بكر بما لها من خطورة بل لا نحتمل ذلك لأن هذه القوالب والعناوين فوق أن يمكنه تصور حقائقها فضلا عن أن ينشأ ألفاظها وقوالبها.
بل من البديهي أن هذه العناوين والقوالب كلها من مصطلحات الوحي الالهي، وليس لها أثر ولا عين في لغة العرب ولا في الكلمات المنثورة في الأدب أو شعر الشعراء في الجاهلية.
وهذا هو أحد البراهين أن هذه الأوصاف من مسموعات
الوحي وإن ذكره واقراره بها في ملأ المهاجرين والأنصار كشيء متسالم بمثابة اجماع الأمة على رواية هذه المقامات لها(عليها السلام) عن النبي(صلی الله علیه و آله) والوحي الإلهي.
(إنها منبع الحجية في الدين وهيمنتها على كل الحجج)
ولا يخفى أن هذا العنوان والقالب ليس يحمل تقرير الحجية الدينية الاصطفائية لفاطمة(عليها السلام) بل هذا العنوان والقالب يحمل في مفاده ومقتضاه:
أولاً: أنها(عليها السلام) مصدر ومبدأ تفرّع الحجج في الدين، فهي بمثابة الحجة المهيمنة على بقية حجج الدين.
ثايناً: يحمل هذا القالب معنى آخر وهو إرادة الحجة الواقعية التي لا تقبل الخطأ بل عين الصواب وهذا مقتضاه العصمة الكبرى.
وكلا المعنيين مما اشارت إليه الآيات والروايات كما بيناه في مقالات هذا الجزء والجزئين السابقين من مقامات فاطمة(عليها السلام).
وواضح من مجموع هذه القوالب التي ستأتي في شؤونها ومقاماتها(عليها السلام) أنها مهيمنة في المقامات بعد الله ورسوله ككفؤ مشاطر لعلي أمير المؤمنين(علیه السلام) وإن كان التقدم لأمير المؤمنين(علیه السلام)، كما تعرضنا له في مقالة كفئيتها لعلي(علیه السلام).
وروى في تفسير فرات الكوفي في ذيل سورة الاحقاف حديث قدسي عن رسول الله(صلی الله علیه و آله) عن الله تعالى في شأن تزويج علي من فاطمة(عليهما السلام): «أني أجمعهما على محبتي وأجعلهما معدنين لحجتي إلى يوم القيامة»(1).
وهذا المقام قريب من الحديث القدسي الوارد في تبليغ سورة براءة (التوبة) الذي رواه الفريقان: «لا يبلغ عنك إلَّا أَنْتَ أو رجل منك»(2).
وقد ورد في الحديث النبوي
«فاطمة بضعة مني»(3).
1) تفسيرات فرات الكوفي، فرات بن ابراهيم الكوفي 414.
2) معاني الأخبار، الشيخ الصدوق298
3) الأمالي، الشيخ الصدوق 165، روضة الواعظين ، الفتال النيسابوري 150 ، كتاب سليم بن قيس، سليم بن قيس الهلالي الكوفي 391 ، دلائل الامامة ، الطبري ( الشيعي) 135 ، مسند احمد ، الامام احمد بن حنبل 4 / 5 ، صحيح البخاري 4 / 210 ، سنن الترمذي 5 / 259 ، السنن الكبرى، البيهقي 7 / 307 ، فضائل الصحابة، النسائي 78.
فالناطق الإلهي عن الرسالة صلاحية الهية عظيمة ولا سيما عن سيد الرسل(صلی الله علیه و آله)، وعلي وفاطمة والائمة من ذريتهم(عليهم السلام) لا ينطقون عن بدن النبي(صلی الله علیه و آله) فحسب بل يتلقون عن روحه وقلبه ونوره الشريف.
وهذا الوصف والعنوان والمقام من الواضح فيه عدم اختصاص سؤددها لكونها قمة اصطفائية على النساء المصطفيات الكاملات فضلا عن سائر النساء بل يفيد سؤددها على رجالات الأمة أيضا .
وهذا هو الذي بيّنه القرآن الكريم من ولايتها على جميع الأمة، بل قد بيّنا جملة من دلالات الآيات وإشاراتها على ولايتها على بقية الأنبياء والمرسلين(عليهم السلام) بل بيّنا في هذا الجزء والجزئين السابقين هيمنة ولايتها على الحسنين والتسعة من ولد الحسين(عليهم السلام).
وهذا الوصف ورد مستفيضا في الروايات، فقد روى في تفسير مجمع البيان عن ابن عباس قال: قال جبريل(علیه السلام) للنبي(صلی الله علیه و آله): أنت الشجرة وعلي غصنها، وفاطمة ورقها، والحسن والحسين ثمارها)(1).
وروى ابن عقدة عن أبي جعفر(علیه السلام) أن الشجرة رسول الله(صلی الله علیه و آله)،
1) تفسير مجمع البيان ، الشيخ الطبرسي 6 /74.
وفرعها علي(علیه السلام)، وعنصر الشجرة فاطمة(عليها السلام)، وثمرتها أولادها، وأغصانها وأوراقها شيعتنا»(1).
وروى في مناقب أمير المؤمنين عن رسول الله(صلی الله علیه و آله): (قال لي ربي ليلة أسري بي: من خلفت على أمتك يا محمد ؟ فقلت: أنت يا رب أعلم.
فقال: يا محمد (إني) انتجبتك لرسالتي واصطفيتك لنفسي فأنت نبيي وخير خلقي ثم الصديق الأكبر الذي خلقته من طينتك وجعلته وزيرك (وهو) أبو سبطيك الشهيدين سيدي شباب أهل الجنة وزوجته خير نساء العالمين أنت شجرتها وعلي أغصانها وفاطمة ورقها والحسن والحسين ثمارها»(2).
وفي أحدى زيارات أمير المؤمنين(علیه السلام):
«السَّلامُ عَلى شَجَرَةِ طُوبى»(3).
وهو إشارة إلى الاصطفاء، وأن ببركة المقام الاصطفائي لها(عليها السلام) تفرّع اصطفاء ذريتها وبنيها.
وهو أيضا يعطي مقام الهيمنة لها على الحسنين والتسعة من ذرية الحسين(عليهم السلام).7.
وهذا الوصف ورد نظيره في رسول الله(صلی الله علیه و آله) بالقياس لعترته الطاهرة(عليهم السلام) فعن الحسن بن محبوب عن أبي جعفر الأحول عن سلام بن المستنير عن أبي جعفر عليه(علیه السلام) قال سألته عن قول الله «مثل كلمة طيبة الآية».
قال الشجرة رسول الله(صلی الله علیه و آله) أصلها نسبه ثابت في بني هاشم وفرع الشجرة علي بن أبي طالب(علیه السلام) وغصن الشجرة فاطمة(عليها السلام)وثمرتها الأئمة من ولد علي وفاطمة(عليها السلام) وشيعتهم ورقها»(1).
والمجيء في كلامه بعنوان ومادة الحكم والحاكمية باسناد ذلك إليها ثم جعل مقام حاكميتها فوق المقام الذي يتقلده هو بزعمه كخليفة وبزعم من بايعه من المسلمين نطق واقرار عظيم بهيمنة ولايتها(عليها السلام) على مقاليد الدين والامة، وأن لها الولاية على من يتقلد الخلافة على المسلمين.
وهذا القالب والعنوان يقارب ما مرّ بنا من عنوان ( عين الحجة ) إلا أن اللفظ هاهنا اسندت إلى الحكمة .
1) تفسير القمي، علي بن ابراهيم القمي1 /369.
وهذا يبيّن مدى تسالم هذا المقام لها(عليها السلام) عند المهاجرين والأنصار وجلال ما تقوم به وعظم كل خطوة تخطوها في شؤون الدين والأمة.
ولا يخفى أن الحكمة يلحظ فيها جانب التدبير والإدارة للشؤون العامة بخلاف مقام (عين الحجة) فهو في جانب التنظير والتشريع وتبيانه وإن كان يشمل أيضا جانب التنفيذ.
وهذا فيه إشارة إلى الارتباط الوحياني لها(عليها السلام) وراثة للوحي النبوي بغض النظر عن التفات أبي بكر لذلك أم غفلته، فإن هذا القالب والعنوان يعني في بيانات الوحي هذا المقام.
فإن الموطن يعني محل وموضع نزول الهدى كما استعمل ذلك في مستفيض الروايات والزيارات، كما أن اسناد الموطن للرحمة هو الآخر يشير إلى أنها أمان للأمة والبشرية.
فقد ورد الحديث النبوي وصف العترة بذلك:
«إن أهل بيتي الهداة بعدي أعطاهم الله فهمي وعلمي وخلقوا من طينتي فويل للمنكرين حقهم من بعدي القاطعين فيهم صلتي لا أنالهم الله شفاعتي»(1).
وعنه(صلی الله علیه و آله):
«النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لامتي»(2).
وهذا التعبير هو الآخر عنوان وقالب يفيد أن مقامها وشؤونها ركن الدين الأوحد بعد الله ورسوله، وأنها(عليها السلام) ولية الأمر بعد الله ورسوله(صلی الله علیه و آله) وأمير المؤمنين(علیه السلام).
والمهم الالتفات إليه أن وصفها (ركن الدين) يغاير التعبير أنها من أركان الدين، بل توحيد الوصف يفيد المحورية المركزية والهيمنة، ثم اضافة هذا الركن للدين دون الشرعية يفيد أن هذا المقام ومقاماتها من أصول العقيدة التي هي المساحة الأصلية في الدين بخلاف الشريعة التي هي في تفاصيل الفروع وهو أعظم من ركن الملة، لأن الدين أعظم من الملة والشريعة والحكمة والطريقة بل يشمل كل ذلك والحقيقة.
وهذا العنوان والقالب هو الآخر اصطلاح وحياني توقيتي توقيفي من الوحي دال على الاصطفاء بل على الدرجات العليا منه .
وهذا العنوان هو الآخر دال على ما قررناه في الجزء الثاني من مقاماتها من أنها(عليها السلام) لها سائر مقامات الإمامة من الولاية والهداية
الإيصالية وغيرها والوراثة الإصطفائية لمقام النبي(صلی الله علیه و آله) عدا بعض الشؤون المرتبطة بمباشرة الحرب ونحوها مما يتطلب المباشرة في السلطة التنفيذية.
وهذا العنوان مطابق لما ورد في الأحاديث النبوية في وصف العترة الطاهرة أنهم السبيل إلى الله كما ورد في دعاء الندبة:
«فكانوا هم السبيل إليك، والمسلك إلى رضوانك»(1).
وقال تعالى: ( قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً(57)(2). (3)
وبأنهم الصراط المستقيم، وهذا المقام يشير إلى امتداد مقاماتهم إلى ما وراء عالم الدنيا من العوالم الاتية ونشأة القيامة والآخرة الأبدية وأنه لا تنحصر ولاية العترة(عليهم السلام) بدار الدنيا بل ما سيأتي أعظم وأعظم.
وهذا مطابق لعنوان (سيدة المؤمنين) ففي وصول الأخيار قال: وروى في الجمع بين الصحاح أن رسول الله(صلی الله علیه و آله) قال بطريق آخر ( ألا
ترضين ان تكوني سيدة المؤمنين)(1).
ومطابق كذلك لعنوان (سيدة نساء العالمين)(2)الوارد عند الفريقين.
وعن عماد الدين الطبرسي في أسرار الإمامة عن جابر بن عبدالله الانصاري قال رسول الله(صلی الله علیه و آله): (يا فاطمة انت سيدة نساء امتي وسيدة نساء أمم النبيين قبلي )(3).
وهذا المقام لأعظم وراثة اصطفائية فاخرت به فاطمة(عليها السلام) أغلب المقامات لأمير المؤمنين(علیه السلام) في حديث المفاخرة، فقد روي أنه جاء في الخبر أن الإمام علي بن أبي طالب(علیه السلام) كان ذات يوم هو وزوجته فاطمة(عليها السلام) يأكلان تمرا في الصحراء، إذا تداعبا بينهما بالكلام فقال علي(علیه السلام) يا فاطمة إن النبي(صلی الله علیه و آله) يحبني أكثر منك.
1) وصول الأخيار الى اصول الاخبار، والد البهائي العاملي 72،71 / الأمالي، الشيخ الصدوق 692.
2) مسند ابي داود وفي الجزء الرابع من صحيح مسلم / تفسير العسكري المنسوب الى الامام العسكري 433 ، 434 / حلية الابرار، السيد هاشم البحراني 1 / 190 / الهداية الكبرى ، الخصيبي 417 ، 419 / شرخ الاخبار ، القاضي النعمان المغربي 3 / 23 ، 24 / الامالي ، الشيخ المفيد 281 ، 283 / الاختصاص ، الشيخ المفيد 37.
3) أسرار الامامة ،عماد الدين الحسن بن علي الطبرسي 466 ، 467.
فقالت واعجبا منك يحبك أكثر مني وأنا ثمرة فؤاده وعضو من أعضائه وغصن من أغصانه وليس له ولد غيري.
فقال لها علي(علیه السلام) يا فاطمة إن لم تصدقيني فأمضي بنا إلى أبيك محمد(صلی الله علیه و آله).
قال فمضينا إلى حضرته(صلی الله علیه و آله) فتقدمت وقالت: يا رسول الله(صلی الله علیه و آله) أينا أحب إليك انا أم علي(علیه السلام)؟
قال النبي(صلی الله علیه و آله) أنت أحب إلي وعلي أعز علي منك .
فعندها قال سيدنا ومولانا الإمام على ابن أبي طالب(علیه السلام) ألم أقل لك أنا ولد فاطمة ذات التقى.
قالت فاطمة: وأنا ابنة خديجة الكبرى، قال علي: وأنا ابن الصفا، قالت فاطمة: أنا ابنة سدرة المنتهي، قال علي: وأنا فخر الورى، قالت فاطمة: وأنا ابنة دنى فتدلى وكان من ربه قاب قوسين أو أدنى، قال علي: وأنا ولد المحصنات، قالت فاطمة: أنا بنت الصالحات والمؤمنات، قال علي: خادمي جبرائيل، قالت فاطمة: وأنا خاطبني في السماء راحيل وخدمتني الملائكة جيلا بعد جيل، قال علي: وأنا ولدت في المحل البعيد المرتقى، قالت فاطمة: وانا زوجت في الرفيع الاعلى وكان ملاكي في السماء، قال علي: أنا حامل اللواء، قالت فاطمة: وأنا ابنة من عرج به إلى السماء، قال علي: أنا ابن صالح المؤمنين، قالت
فاطمة: وأنا ابنة خاتم النبيين، قال علي: وأنا الضارب على التنزيل، قالت فاطمة: وأنا صاحبة التأويل، قال علي: وأنا شجرة تخرج من طور سينين، قالت فاطمة: وأنا الشجرة التي نخرج اكلها أعني الحسن والحسين(عليهما السلام) قال علي: وأنا المثاني والقرآن الحكيم، قالت فاطمة: وأنا ابنة النبي(صلی الله علیه و آله) الكريم، قال علي: وأنا النبأ العظيم، قالت فاطمة: وأنا ابنة الصادق الأمين، قال علي: وأنا الحبل المتين، قالت فاطمة: وأنا ابنة خير الخلق أجمعين، قال علي: أنا ليث الحروب، قالت فاطمة: أنا من يغفر الله به الذنوب، قال علي: وأنا المتصدق بالخاتم، قالت فاطمة: وأنا ابنة سيد العالم، قال علي: أنا سيد بني هاشم، قالت: أنه ابنة محمد المصطفى قال علي: أنا الامام المرتضى، قالت فاطمة: أنا ابنة سيد المرسلين، قال علي: أنا سيد الوصيين، قالت فاطمة: أنا ابنة النبي العربي، قال علي: وأنا الشجاع الكمي، قالت فاطمة: وأنا ابنة احمد النبي(صلی الله علیه و آله) قال علي: أنا المبطل الأروع، قالت فاطمة: أنا الشفيع المشفع، قال علي: أنا قسيم الجنة والنار، قالت فاطمة: أنا ابنة محمد المختار، قال علي أنا قاتل الجان، قالت فاطمة: أنا ابنة رسول الملك الديان، قال علي: أنا خيرة الرحمن، قالت فاطمة: وأنا خيرة النسوان، قال علي: وانا مكلم أصحاب الرقيم، قالت فاطمة: وأنا ابنة من ارسل رحمة للمؤمنين وبهم رؤوف رحيم، قال علي: وأنا الذي جعل الله نفسي نفس محمد(صلی الله علیه و آله) حيث يقول في كتابه العزيز وأنفسنا وأنفسكم، قالت فاطمة: وانا الذي
قال في ونساؤنا ونساؤكم وأبناؤنا وأبناؤكم، قال علي: انا علمت شيعتي القرآن، قالت فاطمة: وأنا يعتق الله من أحبني من النيران، قال: انا شيعتي من علمي يسطرون، قالت فاطمة: وانا من بحر علمي يغترفون، قال علي: انا الذي اشتق الله تعالى اسمى من اسمه فهو العالي وانا علي، قالت فاطمة: وانا كذلك فهو الفاطر وانا فاطمة، قال علي: انا حياة العارفين، قالت فاطمة: انا مسلك نجاة الراغبين، قال علي: وانا الحواميم، قالت فاطمة: وانا ابنة الطواسين، قال علي: وانا كنز الغنى، قالت فاطمة: وانا الكلمة الحسنى، قال علي: انا أبي تاب الله على آدم في خطيئته، قالت فاطمة: وانا بي قبل الله توبته، قال علي: انا كسفينة نوح من ركبها نجا، قالت فاطمة: وانا أشاركك في الدعوى، قال علي: انا طوفانه، قالت فاطمة: وانا سورته، قال علي: وانا النسيم المرسل لحفظه، قالت فاطمة: وانا مني انهار الماء واللبن والخمر والعسل في الجنان، قال علي: وانا الطور، قالت فاطمة: وانا الكتاب المسطور، قال علي: وانا الرق المنشور، قالت فاطمة: وانا البيت المعمور، قال علي: وانا السقف المرفوع، قالت فاطمة: وانا البحر المسجور، قال علي: انا علمي النبيين، قالت فاطمة: وانا ابنة سيد المرسلين من الأولين والآخرين، قال علي: انا البئر والقصر المشيد، قالت فاطمة: انا منى شبر وشبير، قال علي: وانا بعد الرسول خير البرية، قالت: انا البرة الزكية.
فعندها قال النبي(صلی الله علیه و آله) لا تكلمي عليا فإنه ذو البرهان، قالت
فاطمة: انا ابنة من انزل عليه القرآن، قال علي: انا البطين الأصلع، قالت فاطمة: انا الكواكب الذي يلمع، قال النبي(صلی الله علیه و آله) فهو الشفاعة يوم القيامة، قالت فاطمة: وانا خاتون يوم القيامة.
فعند ذلك قالت فاطمة لرسول الله(صلی الله علیه و آله) لا تحام لابن عمك ودعني وإياه، قال يا علي يا فاطمة انا من محمد عصبته ونخبته قالت فاطمة وانا لحمه ودمه، قال علي: انا الصحف،قالت فاطمة: وانا الشرف، قال علي: وانا ولي زلفي، قالت فاطمة: وانا الخمصاء الحسناء، قال علي: وانا نور الورى، قالت فاطمة: وانا الزهراء.
فعندها قال النبي(صلی الله علیه و آله) لفاطمة يا فاطمة قومي وقبلي رأس ابن عمك فهذا جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل مع أربعة آلاف من الملائكة يحامون مع علي(صلی الله علیه و آله) وهذا اخى راحيل ودردائيل مع أربعة آلاف من الملائكة ينظرون بأعينهم، قال فقامت فاطمة الزهراء(عليها السلام) فقبلت رأس الإمام علي بن أبي طالب(علیه السلام) بين يدي النبي(صلی الله علیه و آله) وقالت يا أبا الحسن بحق رسول الله(صلی الله علیه و آله) معذرة إلى الله عز وجل واليك والى ابن عمك، قال فوهبها الامام(علیه السلام) وقبلت يد أبيها عليه وعليهم السلام)(1).
فجعل صدقها تالي تلو صدق الرسول(صلی الله علیه و آله) مما يشير إلى هيمنة مقامها على مقام حجج الدين وولايات العترة من ولدها، أي بعد الله
1) الفضائل، شاذان بن جبرئيل القمي ابن شاذان 80.
ورسوله(صلی الله علیه و آله) وأمير المؤمنين(علیه السلام).
وقد تسالم عند المهاجرين والأنصار أن صدقها(عليها السلام) في الدين يأتي بعد صدق الله وصدق رسوله(صلی الله علیه و آله).
وهذا هو الآخر عنوان يدل على سبقها(عليها السلام) على جميع الأمة في وفور العقل ومقتضاه ولاتيها على الأمة.
وهذا اقرار منه على حجية قولها وفعلها واستحقاقها المقامات في الدين وفدك أحد الأمور التي طالبت(عليها السلام) بها وهي مثال وتطبيق لعموم الولاية غير مختص بخصوص تلك الأرض، لأنه يمثل تركيز على المنشأ والمستند لاستحقاقها تلك الأرض وهو غير خاص وهو عام يشمل ما مضى وما سيأتي.
وهذا العنوان هو الآخر كالسابق دال على عصمة استقامتها على سنة النبي(صلی الله علیه و آله) الوحيانية واقرار منه أن قولها فصل وحياني، وما ادعاه من الرواية الظنية لا يقاوم حجتها.
وهذا ما انتهى إليه مصيره في نهاية محاججته مع الزهراء(عليها السلام) أنه انقطعت به الحجة من الكتاب والسنة فالتجأ إلى توافق المسلمين على ذلك وعلى تنصيبه خليفة.
وهذا يغاير ما ورد في بقية الأحاديث من كونها (حوراء انسية) إذ فيه اشارة إلى غلبة أحكام وصف الحوراء عليها على أحكام البشرية، وأن أم سلمة ونساء المسلمين قد شاهدوا ذلك منها بوضوح، فهي(عليها السلام) ملكوت أعلى في الأرض ونافذة وباب عظيم للملكوت الأعلى بين البشر.
إلا أن الله تعالى سرعان ما سلب البشر هذه النعمة لجحدهم وكفرهم بهذه النعمة العظيمة فقبضها الله اليه بمدة وجيزة بعد رسول الله(صلی الله علیه و آله).
وصف أم سلمة وروايتها لهذا المقام في شأن فاطمة(عليها السلام) هو من أسرار مقامات عترة النبي(صلی الله علیه و آله) كالذي ورد في الزيارة الجامعة: (وأنفسكم في النفوس)(1).
1) المزار، محمد بن جعفر المشهدي 532.
أي أن الفارق بين نفس فاطمة(عليها السلام) ونفوس البشر كالفاصل والفارق بين النفس والبدن.
فكما أن النفس تتصرف في البدن تكوينا فنفس فاطمة(عليها السلام) لها هذا المقام بالاضافة إلى نفوس البشر، فهي روح الأرواح والنفس للنفوس قوام حياة النفوس بما هو مثابة النفس لها، كما أن قوام حياة البدن بالروح والنفس فهي(عليها السلام) ممد الحياة كفيض الهي على الأرواح .
وهذا مقام وولاية تكوينية لها(عليها السلام)، وقد شعرت أم سلمة بهذا المقام لفاطمة(عليها السلام) وجدانا وعيانا.
وهذه اشارة إلى شرائط الوراثة الإصطفائية كما أشرنا إلى ذلك في الجزء الثاني من مقاماتها.
ولاسيما وأن تلك التربية من أعظم مربي إلهي وهو سيد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) وأن تربيته وحيانية مسددة.
وهذا المقام أحد بنود وأركان قوام العصمة، وقد أشير إليه في دعاء الندبة لكل من يصطفيه الله من الحجج من الأنبياء والرسل والأوصياء: «بعد أن شرطت عليهم الزهد في زخارف هذه الدنيا
الدنية وزبرجها، فشرطوا لك ذلك، وعلمت منهم الوفاء به، فقبلتهم وقربتهم، وقدمت لهم الذكر العلي والثناء الجلي، وأهبطت عليهم ملائكتك، وكرمتهم بوحيك، ورفدتهم بعلمك وجعلتهم الذرايع إليك، والوسيلة إلى رضوانك»(1).
وهذا مطابق لرواية عماد الدين الطبري في بشارة المصطفى عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله(صلی الله علیه و آله) في حديث طويل: «إن الله قد وكل بفاطمة(عليها السلام) رعيلا من الملائكة، يحفظونها من بين يديها ومن خلفها وعن يمينها وعن يسارها، وهم معها في حياتها وعند قبرها بعد موتها، يكثرون الصلاة على أبيها وبعلها وبينها»(2).
وهذه من خصائصها(عليها السلام) في العصمة من بين العترة نظير ما ورد عن الحسن المجتبى(علیه السلام) في وصفه لأبيه أمير المؤمنين(علیه السلام) يوم شهادته: فقام في مسجد الكوفة فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي(صلی الله علیه و آله).
ثم قال: أيها الناس إنه قد قبض في هذ الليلة رجل ما سبقه الأولون ولا يدركه الآخرون، إنه كان لصاحب راية رسول الله(صلی الله علیه و آله)، عن يمينه جبرئيل وعن يساره ميكائيل)(3).
وورد في زيارة أمير المؤمنين(علیه السلام):
«السَّلامُ عَلى مَنْ أَيَّدَهُ الله7.
بِجِبْرائِيلَ وَأَعانَهُ بِمِيكائِيلَ»(1).
ونظير ما ورد عن علي أمير المؤمنين(علیه السلام) في خطبته القاصعة في وصف رسول الله(صلی الله علیه و آله):
«ولقد قرن الله به(صلی الله علیه و آله) من لدن أن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره»(2).
وكما ورد كذلك في دعاء الندبة:
«وحففته بجبرئيل وميكائيل والمسومين من ملائكتك»(3)، فهم محاطون بالملائكة.
وهذا وصف لشرط آخر من شرائط الوراثة الاصطفائية.
وهذا القالب إشارة لشرط ثالث من الشرائط الإعدادية للوراثة الإصطفائية .
يتبين عظمة هذا العنوان لفاطمة(عليها السلام) بما ورد عن علي أمير
المؤمنين(صلی الله علیه و آله) في خطبته القاصعة: «ولقد قرن الله به (صلی الله علیه و آله) من لدن أن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره»(1).
إذا كان هذا شأن رسول الله(صلی الله علیه و آله) وعظمة مقامه فمقام فاطمة(عليها السلام) يتجلى بوضوح فكيف وهي تحت تربيته ورعايته.
وقد قال الله له: (وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ )، (2)أفأنذرها وجاءت تطلبه:
ذكرت أم سلمة استدلالا أمام المهاجرين والأنصار في الرد على المستولى الأول، وهو أن كل ما يمكن أن يبلغه الرسول(صلی الله علیه و آله) من علم الدين كله حوته فاطمة(عليها السلام) والدليل قوله تعالى: (وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) (3). (4)
والاستدلال منها بديع بملاحظة أنه حين نزول الآية لم تكن فاطمة(عليها السلام) موجودة، لأنها ولدت في السنة الخامسة للهجرة ولكن الآية لا تخصص بمورد النزول.
فإن أقرب الأقربين هي فاطمة(عليها السلام)، وإذا كان هناك أمر بالنذارة فلابد أن يبلغه لفاطمة(عليها السلام)، بل ورد في روايات مستفيضة عند
الفريقين أن الرسول(صلی الله علیه و آله) يخص الأقربين بنذارة لا يشمل بها العامة ولذا ورد عنه(صلی الله علیه و آله): «بعثت إليكم بخاصة»(1)، أي بأمور خاصة لكم لا تشمل غيركم فهو يوصل إليهم ما لم يوصله إلى الناس.
ومن هنا تقول أم سلمة أن علم فاطمة(عليها السلام) لا يتطرق له جهل بأمور الدين، فإذا طالبت بفدك أو بغيره فلا يحق لأحد من الأمة أن يعارضها.
ومفاد ذلك الانذار لفاطمة(عليها السلام) تنصيب الولاية لها فلا اختصاص لعلي بآية ( وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) (2)وإن كان هو الركن الركين في ملف النذارة.
والمركوز في أذهان المسلمين بشاهدة أم سلمة أن آية ( وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) (3)جارية لفاطمة(عليها السلام) وليست خاصة بالأربعين الذين اجتمعوا في يوم الانذار.
والملاحظ أن الآية لم تعم كل بني هاشم وإنما قيدت القرابة بالأقربين، ومن أقرب من فاطمة(عليها السلام) التي لحمتها لحمة لرسول الله(صلی الله علیه و آله)؟
والآية من أدل الأدلة على تقدم أهل البيت(عليهم السلام) علما ومسؤولية، لأن الأمة تنذر بنذارة عامة عبر الرواة والنقل فإن آية ( وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ (4)ر.
الْأَقْرَبِينَ (214) (1)هي أمر للرسول(صلی الله علیه و آله) بأن ينذر مباشرة بلا توسيط واسطة.
ويدل الاستدلال هاهنا على هيمنتها(عليها السلام) على أولادها(عليهم السلام) فضلا عن سائر الأمة لأن وراثة ابنائها من رسول الله(صلی الله علیه و آله) إنما بتوسطها، وتقرر في محله أن وراثة الأقرب تمنع الأبعد ويتوسط في الإيصال إليه.
وقد اعترف المفسرون من الفريقين أن الوراثة الاصطفائية ثابتة بين الرسول(صلی الله علیه و آله) وفاطمة(عليها السلام) وهم لا يدرون أن هذه الوراثة أدل على الحق المادي لفاطمة(عليها السلام).
وعنوان القربى موجود في القرآن وإن لم يكن بهذا القالب، فقد ورد بعنوان الأرحام في قوله تعالى: ( وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75) (2). (3)
وأولى رحم هو رحم رسول الله(صلی الله علیه و آله) وأعظم رحم أمر الله بصلته رحمه.
وهذا اعتراف بعصمتها(عليها السلام) العلمية والعملية.
تقدّم شرح هذا المقام، وقد ورد هذا العنوان في روايات الفريقين.
فعن جابر بن يزيد الجعفي عن رجل من أصحاب أمير المؤمنين(علیه السلام)
قال: دخل سلمان (الفارسي)على أمير المؤمنين(علیه السلام)... قال: ثم دخل الحسن والحسين(عليهما السلام)فقال: يا سلمان هذان شنفا عرش رب العالمين وبهما تشرق الجنان، وأمهما خيرة النسوان)(1).
ويشير إلى بداهة هذه المقامات بين زوجات النبي(صلی الله علیه و آله) والمهاجرين والأنصار وبقية المسلمين.
وهذا مقام اصطفائي لها باعتبار أنها وعاء لسادة الأصفياء المصطفين(عليهم السلام).
وهذا المقام قد استبان للمسلمين في شأنها ومكانتها(عليها السلام) إذ أن أم سلمة في صدد الاحتجاج على أبي بكر والاعتراض عليه أمام المسلمين بما هو متسالم عليه من شؤون فاطمة(عليها السلام) في الدين.
وفي هذا تصريح بعصمتها وطهارتها وحجيتها كما هو مفاد قوله تعالى: ( وَ إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفاكِ وَ طَهَّرَكِ وَ اصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (42)(2)(3)، وبيّناه في الجزء الأول.
نعم المراد بوصف (عديلة مريم) ليس هو التساوي والمكافئة كيف وفاطمة(عليها السلام) سيدة مريم بنص أنها سيدة نساء أهل الجنة وأنها خير النسوان الذي رواه كل من أبي بكر وأم سلمه.
فالمراد من العدل هنا هو سنخ ونمط أصل الاصطفاء لا في درجة الاصطفاء والا فمقامات الاصطفاء لفاطمة(عليها السلام) في القرآن أعظم من سائر أنبياء أولي العزم(عليهم السلام) فكيف بمريم كما بينّاه في الجزئين السابقين من مقاماتها.
والظاهر أن أم سلمة تشير في هذا المقطع إلى سوابق أمير المؤمنين(علیه السلام) في اقامة الفتح للدين وتشييده، وإنها(عليها السلام) باعتبار ذلك قرينته في هذه المنقبة الموجبة لأحقيته بالولاية في الدين وعلى الأمة، وأن العترة(عليهم السلام) أحق راع يرعى الدين وأمته.
وأن المستولين على الخلافة لم يقوموا بذلك ولم يتم على يدهم الفتح والنصر للدين بل كانوا معروفين بالفرار في كل الحروب.
وهذا اشارة إلى أعظم وراثة اصطفائية لأن سيد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) سيد الوحي، فيشير إلى اتصالها بوحي أبيها.
وهذا أيضا بيان لشرط رابع للوراثة الاصطفائية ولقوام العصمة الذي مر بيانه في (ربيت في حجور الأنبياء، تداولتها أيدي الملائكة) فتدل على شدة رعاية النبي(صلی الله علیه و آله) القصوى لفاطمة(عليها السلام) .
*الغاية الأولى: بيان فادح رحيل النبي(صلی الله علیه و آله)
*الغاية الثانية: بكاؤها معارضة سياسية...
*الغاية الثالثة: بكاؤها بكاء معرفي...
مما ثبت في تأريخ فاطمة(عليها السلام) بعد رحلة أبيها المصطفى(صلی الله علیه و آله) شدة وغزارة بكائها وبوتيرة ملفتة وبنحو الاستمرار ليلا ونهارا حتى ضج رجال المدينة من ألوان بكائها، فما كان من أمير المؤمنين (علیه السلام) إلا أن بنى لها بيتا، وسمي بيت الأحزان لتقضي فاطمة(عليها السلام) وطرها من البكاء فيه بعد شكوى المهاجرين وانزعاجهم منها.
وهاهنا تنبثق عدة أسئلة:
أولا: هل الرواية التي رواها صاحب بحار الأنوار حول بكائها وبناء بيت الأحزان على الموازين؟
ثانيا: هل كان بكاؤها(عليها السلام) مسموعا لأهل المدينة؟
ثالثا: هل يجوز للمرأة أن تبكي بصوت مرتفع بحيث يسمعه الرجال؟
رابعا: ما هدف الزهراء(عليها السلام) من البكاء ليلا ونهارا؟ هل لمكانة الرسول(صلی الله علیه و آله) وقربها منه؟ أم لأمور أخرى أعمق من ذلك؟
الجواب يتضح في نقاط:
(1)إن البكاء فعل ممدوح في القرآن بينما الفرح مذموم غالبا. (2) إن صوت المرأة المنهي عن سماعه الرجال هو الذي اشار إليه القرآن في قوله تعالى: (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ )(1) (2)، فالتغنج والترقق في الصوت هو المحرم لكونه يثير الفتنة لدى الطرف اخر.
أما صوت البكاء والحزن والجزع فهو يكسر جمود وقساوة القلوب، ولذلك فإن التواريخ مجمعة على أن بكاءها(عليها السلام) كان يثير الحزن والغموالضجر والكمد لديهم لا الخفة والميول، فمن ثم ضجوا واعترضوا وتأذوا.
(3) إن في القرآن جملة من الشواهد على أن صوت المرأة مع الحشمة و جو العفاف ليس محلا للنهي لاسيما مع تتويجه2.
بهدف سامي مقدس نظير قوله تعالى: ( يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَ اسْجُدِي وَ ارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ (43)(1)(2)، والخطاب بلحاظ اعتكافها في بيت المقدس.
وقوله تعالى: ( وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44)(3)(4)، وهذا في البيت المقدس.
وقد وصفها القرآن بالطهارة والطهر مرتين وبالاصطفاء.
ومع أنه يضرب الله مريم مثلا وقدوة كقوله تعالى: ( وَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ ... (5)وَ مَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَ صَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَ كُتُبِهِ وَ كانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ ) (6). (7)
وقوله تعالى: (فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا(26)فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا(27)يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَ ما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا(28)فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ (8)2.
وغيرها من المهمات الإلهية التي قامت بها مريم(عليها السلام) في محافل مواجهة للرجال لكن في أداء من الحشمة والعفاف.
وقوله تعالى في شأن ابنتي النبي شعيب(علیه السلام): ( وَ لَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ وَ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَ أَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ(23)فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ(24)فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمّا جاءَهُ وَ قَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (25)قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26)(3)(4)، وغيرها من الموارد التي استعرضها القرآن الكريم عن المصطفيات والصالحات.
(4) إن هذا الفصل من تأريخها يدل على أن بكاءها لم يكن محض استنفار سياسي ومحض مظلومية، وإنما هو بكاء حقيقي صادر من أعماقها، ولذا لم تتوقف عنه حتى في خلواتها بعد أن بني لها ذلك البيت والمأتم الخاص، ومما يشهد على ذلك اقتران بكائها بالجوع والعطش والعزوف6.
حتى عن الحاجات الطبيعية، وهو ديدن الثاكل حقيقة.
هذا ولا ننكر أن يكون لبكائها فائدة سياسية وهي إبراز ظلامتها، لكنه غاية تبعية، فلو لم تظلم أو يغصب حقها لما نقص من بكائها وألمها وحرقتها درجة.
(5) إن بكاءها يحمل أبعادا وغايات هامة وسنة فاطمية عظيمة، ومن تلك الغايات:
بيان أهمية وعظمة النبي(صلی الله علیه و آله) وضرورة التعلق بشخصيته، وبالتالي التأسي والاقتداء به والاستنان بسنته.
وهذا لا يحصل إلا أن تبقى صورة النبي(صلی الله علیه و آله) حاضرة وماثلة وراهنة في النفوس والعقول، وهو لا يحصل إلا بشدة تذكره وإحياء اسمه.
وهذا في قبال أصحاب السقيفة فقال أبو بكر: أما بعد من كان منكم يعبد محمد(صلی الله علیه و آله) فان محمدا قد مات ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت قال الله تعالى: وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل إلى قوله الشاكرين)(1)، فلاحظهذا الشعار لهم فإن محمد(صلی الله علیه و آله)
1) صحيح البخاري، البخاري 5/ 143.
قد مات بينما شعار فاطمة(عليها السلام) إن ذكر النبي(صلی الله علیه و آله) حي لا يندرس.
وشعار السقيفة هو دعوى التعلق بمن كان يعبد محمد(صلی الله علیه و آله) بلا وسيلته فقد مات.
بينما شعار فاطمة(عليها السلام) هو أن الإيمان بمحمد(صلی الله علیه و آله) هيام نوري إلهي في حياته وفي مماته، لاسيما أن رحيله(صلی الله علیه و آله)لازال في أوائله، فأرادت من البداية أن تخط وترسم سُنة في ذكراه لأجيال المسلمين والمؤمنين وهي كيفية ودرجة التعلق بالنبي(صلی الله علیه و آله).
ففاطمة(عليها السلام)بما لها من حجية سنت في الدين سنة كبرى وهي شدة التعلق بالنبي(صلی الله علیه و آله) في قبال السقيفة وقريش التي تسعى بكل جهدها لطمس ذكره واماتة اسمه(صلی الله علیه و آله).
ألم تحرق السلطة المستولية على مقاليد أمور المسلمين كتب الحديث النبوي وعاقبت الصحابة على رواية الحديث بالاقامة الجبرية لهم لئلا ينتشرون في البلاد فينشرون الحديث النبوي.
إلى غير ذلك من طمس الآثار الجغرافية ذات الصلة بالمعالم والمشاهد النبوية، والأعظم تغيير سنن النبي(صلی الله علیه و آله) إلى غير ذلك من ما قامت به السقيفة لمواجهة السنة النبوية.
ولذلك من أعظم صفات أميرالمؤمنين علي(علیه السلام)هي اتباع سنن نبيه(صلی الله علیه و آله).
ومن أعظم أدوار فاطمة(عليها السلام) إحياء ذكرى النبي(صلی الله علیه و آله) في نفوس
الصدر الأول لتتداعى صدى ذكراه للأجيال اللاحقة.
فلاحظ يومنا الراهن كيف يحيي النصارى ذكرى ميلاد المسيح (الكرسمس) فيقيمون العالم والكرة الأرضية ولايقعدونها، وهو إحياء وتعظيم ميلاد نبي من أولي العزم، بينما المسلمون والمؤمنون لا يقوموا بعشر معشار ما يقوم به أؤلئك رغم الفرق الشاسع في الكمال بين عيسى وسيد الأنبياء(صلی الله علیه و آله) .
مع أن القرآن يبين أنه لا سعادة ولا خلاص للبشر من الأزمات إلا بالتعلق بشخصية سيد الأنبياء(صلی الله علیه و آله)، حيث لم يصف نبيا ولا وصيا بالأوصاف التي ذكرها له نظير قوله تعالى: (وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ )(1)(2)أي قدوة للعالمين ليرتقي البشر إلى المعالي.
من الواضح أن بكاءها يحمل أيضا طابعا اعتراضيا على نهج السقيفة، وأنه على نقيض سنة النبي(صلی الله علیه و آله) وهديه ومنهاجه، ومن ثم لمس المستوليين على الأمور مدى خطورة الشحن الذي توقده الزهراء (عليها السلام) في النفوس جراء بكائها وتذكير الأمة بالنبي(صلی الله علیه و آله) مما يعيد للنفوس حيوية تعلقها بالنبي(صلی الله علیه و آله) ووصاياه، وفي هذا تجييش واستنهاض للأمة تجاه مشروع السقيفة.
لقد كان تعلق الزهراء(عليها السلام) بالنبي(صلی الله علیه و آله) منقطع النظير بحيث فاق العلاقة بين يعقوب ويوسف(عليهما السلام)وهما نبيان والعلاقة بين زين العابدين وأبيه الحسين(عليهما السلام)، فقد روي أنه(علیه السلام) مع كونه بكى طيلة حياته على أبيه إلا أنه تفجع لشدة تفجع جدته(عليها السلام).
هذه العلاقة المتميزة للصديقة(عليها السلام) بأبيها لا محالة متميزة لأنها بين أعظم شخصية في الخلق وأعظم شخصية تأتي في الرتبة الثالثة بعد أبيها، ولا يعرف النبي (صلی الله علیه و آله) أحد بقدرها بعد أميرالمؤمنين (علیه السلام).
ومع هذا السنخ من القرب المعنوي كيف لا تنجذب الصديقة(عليها السلام) لأبيها(صلی الله علیه و آله) بهذه الهالة؟!
وقد ورد متواترا عنهم(عليهم السلام) أن أعظم مصيبة على كل إنسان هي فقده لرسول الله(صلی الله علیه و آله) ولن يصاب أحد بأعظم خسارة ومصاب من فقده لرسول الله(صلی الله علیه و آله).
وهذه الحقيقة التي باح بها أهل البيت(عليهم السلام) تنم عن مدى الكمال الذي يفقده كل انسان بسبب فقده للنبي(صلی الله علیه و آله)، فكيف هو حال من يدرك هذه الحقيقة وكان ينهل من النبي(صلی الله علیه و آله) أعظم ما يمكن لأحد أن ينهل ويتكامل به(صلی الله علیه و آله).
ثم إن شدة تفجعها وبكائها كان تربية وتعليما منها(عليها السلام) لكل
البشر والمخلوقات بضرورة التعلق بالنبي(صلی الله علیه و آله)، وانه لابد أن يكون تعلقهم به بعد التعلق بالله تعالى بهذا الحجم كمّا وكيفا لينالوا التكامل ويتمكنوا من العروج في مدارج القرب الإلهي.
*النبي (صلی الله علیه و آله) شفيع وفاطمة (عليها السلام) حاكم....
*اعتراض....
*جواب الاعتراض....
روى في فرات الكوفي أن رسول الله(صلی الله علیه و آله) قال: (يا فاطمة بنت محمد! أما تحبين أن تأمرين غدا فتطاعين في هذا الخلق عند الحساب.
أما ترضين أن يكون ابنك من حملة العرش.
أما ترضين أن يكون أبوك يأتونه يسألونه الشفاعة.
أما ترضين أن يكون بعلك يذود الخلق يوم العطش عن الحوض فيسقي منه أولياءه ويذود عنه أعداءه.
أما ترضين أن يكون بعلك قسيم النار يأمر النار فتطيعه يخرج منها من يشاء ويترك من يشاء.
أما ترضين أن تنظرين إلى الملائكة على أرجاء السماء ينظرون إليك وإلى ما تأمرين به وينظرون إلى بعلك قد حضر الخلائق وهو يخاصمهم عند الله فما ترين الله صانع بقاتل ولدك وقاتليك إذا أفلحت حجته على الخلائق وأمرت النار أن تطيعه.
أما ترضين أن تكون الملائكة تبكي لابنك ويأسف عليه كل شئ.
أما ترضين أن يكون من أتاه زائرا في ضمان الله ويكون من أتاه بمنزلة من حج إلى بيت ..)(1).
بالإلتفات إلى أوصاف وأحكام عالم القيامة الثابتة بالقرآن والآيات المحكمة ندرك من الرواية الآنفة الحاكية لمقامات الزهراء(عليها السلام) في ذلك العالم عدة أمور وخصائص نذكر هاهنا بعضها:
(1) الرواية صريحة في ثبوت ولاية للزهراء (عليها السلام) على جميع الخلق، لا سيما أن يوم الحساب هو يوم ظهور وبروز ونفوذ إرادة الله، كما في قوله تعالى: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ)(2). (3)
(2) يقول تعالى: ( يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَ خَشَعَتِ (4)6.
الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاّ هَمْساً(108)(1). (2)
وقوله تعالى: ( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَ قالَ صَواباً(38)(3). (4)
فالرواية تنبأ أنه في يوم ظهور ملكوت وجبروت الله يكون لها(عليها السلام) أمر ولها طاعة من الخلائق.. فأي مقام هذا؟
(5)وفي الرواية ثلاث جمل تدل على ولايتها(عليها السلام): أولها: قوله (يافاطمة بنت محمد)
وثانيها: (تأمرين)
وثالثها: (تطاعين)
وهذا كله بلحاظ ذلك اليوم الذي وصفه الله في قرآنه بقوله تعالى: (وَ الْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ )(3) (6)يكون للزهراء(عليها السلام) موقع آمر ومهيمن.
(4) وقد بين الله في مواضع عديدة من القرآن في أوصاف يوم القيامة أن الدقة في التصرفات والنتائج أكثر من أي عالم، أكثر من عالم الدنيا وعالم البرزخ وعالم الرجعة، منها قوله8.
تعالى: ( إِنَّ اللّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَ إِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَ يُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً(40) (1). (2)
ومنها استحكام التدبير الإلهي في ذلك العالم، وفيه يقول الله تعالى: ( وَ عَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً(100)(3). (4)
إنه في يوم الجمع ويوم الإرهاب ويوم مراسيم ملكية مهولة لإظهار الهيمنة الإلهية، في ذلك الجو العظيم والمحفل المرهب، يكون للزهراء(عليها السلام) ولاية وأمر ونهي.
(5) ويقول تعالى: ( يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَ رَضِيَ لَهُ قَوْلاً(109) (5)(6)ففي حين لا تنفع الشفاعة للبعض ويكون للبعض شفاعة، يكون للزهراء(عليها السلام) ولاية وأمر ونهي، أي فوق الشفاعة لأن الشفيع وسيط والآمر فيصل وقاض.
(6) وقال تعالى: ( الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ (56)(7)(8)فكيف يكون لها ملك هناك فتأمر!! وأمرها قدرة تصرف6.
وتكوين.
(7) ويقول تعالى: ( فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَ لا يَتَساءَلُونَ (101)(1). (2)وقوله تعالى: ( يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25) (3). (4)
فلا يوجد أدنى حيف أو جور أو اشتباه، بل حتى ترك أولى، والحكم كله منسوب لله، بل كله حسب إرادة الله تعالى، وفي هذا الجو المشحون بالعدالة بكل دقائقها يكون للزهراء(عليها السلام) أمر وطاعة.
(8) ومن هول ذلك اليوم يقول تعالى: ( فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (66)(5)(6)، أي ينسون كل شيء ولا يمكنهم التفكير والتركيز، لكنه في ظل ذلك الجو المشتت للفكر يوجد احاطة للزهراء(عليها السلام) لأنها آمرة، وهذا يدل على رفعة المقام الروحي لها.
(9) ومن أوصاف القيامة الكبرى ما في قوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ )(7)(8)، أي لا يمكن للشخص أن يرعى نفسه، لكنها(عليها السلام) ترعى الخلق كله.
(10)3.
وفي عظمة ذلك اليوم يقول تعالى: ( وَ انْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ (16)(1)(2)، أي يأخذ السماء من عظمة ذلك اليوم الوهي بينما سيدة النساء(عليها السلام) في مقام شامخ.
قال(صلی الله علیه و آله) في بعض فقرات الرواية: (أما ترضين أن يكون أبوك يأتونه يسألونه الشفاعة).
وفي هذا المقطع دلالة على تمكين النبي(صلی الله علیه و آله) بمقام مكين في الشفاعة للتعبير فيها بالفعل المضارع (يكون)و(يأتونه)و(يسألونه) وهي أفعال مضارعة تدل على الاستمرار ودوام الطلب من النبي(صلی الله علیه و آله) في أصل النجاة وفي رفعة المقامات.
وربما يعترض أن ما مرّ من تقرر حاكمية الزهراء(عليها السلام) في الحساب هو أعلى مقاما من الشفيع، فكيف يكون لها ما ليس لأبيها؟
إن شفاعة النبي(صلی الله علیه و آله) بلحاظ حاكمية الله لا بلحاظ حاكمية نفسه
التي هي في طول حاكمية الله تعالى، فضلا عن حاكمية ابنته الزهراء(عليها السلام)، فبلحاظ هذا المطلب يكون مقام شفاعة النبي(صلی الله علیه و آله) أعظم من مقام حاكمية النبي(صلی الله علیه و آله) نفسه فضلا عن حاكمية ابنته الزهراء(عليها السلام)، لأنها مرتبطة بحاكمية الله تعالى.
والملاحظ أن المقاطع في الرواية التي تستعرض مقامات النبي(صلی الله علیه و آله) ومقامات الوصي(علیه السلام) ومقام الحسين(علیه السلام) لها إضافات ونسب للصديقة الطاهرة(عليها السلام)، بمعنى أن تلك الكمالات في حين أنها كمالات لهم(عليهم السلام) لها ارتباط بكمال منسوب لها.
هوية الكتاب...4
مقدمة المقرر...5
الضابطة الأولى: المحكمات وطبقاتها الضابطة لمعرفتها...9
كيف نتعرف عَلَى طبقات المحكمات:...13
ولاية أهل البيت(عليهم السلام) مثبتة في أم الكتاب:...16
وقفة مَعَ السِّيّد المرتضى:...18
الضابطة الثانية: موقع العقائد فوق عالم الدنيا...21
الضابطة الثَّالثة: العمى عن المعارف في الدنيا...23
الضابطة الرابعة: العقيدة رؤية لماض أم منهج لحاضر ومستقبل...27
الضابطة الخامسة: لغة الفضائل ترجمانها الحجية...29
الضابطة السادسة: لغة القرآن والزيارات...35
الضابطة السابِعِة: الاعتقاد بالنبوة أعظم من الاعتقاد...47
الضابطة الثامنة: أنحاء ارتباط الحجج بالبشر...57
الضابطة التاسعة: المقامات المشتركة بين الخمسة...61
الضابطة العاشرة: إمامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم...67
المقالة الأولى: موقع الزهراء عَليها السلام فِي أصول العقائد...73
الشاهد الأوَّل: ملكها فِي العوالم الآتية:...74
الشاهد الثَّانِي: تلقين الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) لحمزة(علیه السلام):...77
الشاهد الثَّالِث: اعتراف أبي بكر بمقامات فاطمة(عليها السلام):...80
المقالة الثانية: الاعتقاد بها عليها السلام فريضة مودة...83
المقالة الثَّالثة: نورية الزهراء عَليها السلام...85
المقالة الرابعة: الزهراء عليها السلام بضعة روح الوجود...91
أنحاء القربى:...91
إجمال مقامات فاطمة(عليها السلام) في كتب المتكلمين:...94
المقالة الخامسة: مقام المحدثة...97
المقامات الاصطفائية في القُرآن:...98
المحدثة وسام إلهي عظيم لفاطمة(عليها السلام):...100
فاطمة(عليها السلام) محدثة من الملائكة والروح الأمري:...104
المقالة السادسة: مقام المحدثة...115
أهل البيت (عليهم السلام) رواة عن كل طبقات وجود النبي(صلی الله علیه و آله):...117
المحدث مرتبط بروح من أرواح النبي(صلی الله علیه و آله):...119
المقالة السابعة: دلالة مصحف فاطمة عليها السلام...123
المطلب الأوَّل: مراسيم تسليم المصحف لفاطمة(عليها السلام):...123
المطلب الثاني: العلوم المودعة فِي مصحفها:...128
نهج فاطمة(عليها السلام) قدوة:...135
المطلب الثَّالِث: إشراف فاطمة(عليها السلام) عَلَى الإمامة الإلهية...136
البعد الأول: الوساطة النورية:...137
البُعد الثَّانِي: الوساطة النورية تثبت الحجية:...138
المقالة الثامنة: ليلة القدر أحد مقامات فاطمة عليها السلام...141
كلام المجلسي(ره) في هذا المقام:...147
النقطة الأولى: فاطمة(عليها السلام) ثالثة الحجج:...150
النقطة الثانية: البيت بيت الرُّوُح:...151
النقطة الثالثة: الارتباط بين أرواحهم والعرش:...151
النقطة الرابعة: ارتباطهم بالعرش معراج:...152
النقطة الخامسة: امتداد صرح بيوت أرواحهم:...153
المقالة التاسعة: إرهاصات النبوة فِي فاطمة عليها السلام...155
الأمر الأول: تكرر نزول الملائكة العظام عليها(عليها السلام):...157
الأمر الثاني: التعبير عما تتلقاه بالنزول:...159
الأمر الثالث: تسالم المسلمين...160
على الخصائص الاصطفائية لفاطمة(عليها السلام):...160
الأمر الرابع: التولد من النبي(صلی الله علیه و آله) ممزوج بالجينات النبوية:...161
الأمر الخامس: توصيفها ببنوة أوصاف مقامات النبي(صلی الله علیه و آله):...164
الأمر السادس: مصحف فاطمة فيه تنزيل وتأويل القُرآن:...165
علم جمع الجمع النبوي لدى فاطمة(عليها السلام):...166
ارهاصات الوحي:...167
ذكر شؤونها وصلاحياتها من المصحف:...170
مسألة: هل المصحف أكبر من القُرآن:...173
المقالة العاشرة: الكفوئية...182
منهج الاستدلال على المقامات:...183
حديثا الثقلين والكفؤية قرآنيان:...183
فوائد من حديث الكفوئية...187
الفائدة الأولى: المديح الشخصي في القرآن اصطفاء إلهي:...187
الفائدة الثانية: ضرورة إرجاع معادلات الروايات للقرآن:...188
الفائدة الثالثة: علم فاطمة(عليها السلام) أسمائي جامع:...194
الفائدة الرابعة: علو رتبتها على الأنبياء ما عدا الخاتم:...195
لفتة معرفية:...196
اشكالية الكفؤية الاجتماعية:...199
تقريب ثالث لحديث الكفاءة:...200
تنافسهما قربي لا قبلي:...209
وصيتها لعلي(علیه السلام) وشراكتهما في الأمر:...210
المقالة الحادية عشر: شراكتها لعلي عليه السلام...213
رتبة فاطمة(عليها السلام) بعد النبي(صلی الله علیه و آله) وعلي(علیه السلام)...218
ثم الحسنين ثم التسعة(عليهم السلام):...218
المقالة الثانية عشر: طبقات تزويج الزهراء عليها السلام...221
سر هول وعظمة تزويج علي من فاطمة(عليهما السلام):...222
النقطة الأولى: ولاية أمر زواجها(عليها السلام) بيد الله خاصة:...222
النقطة الثانية: الحفاوة الملكوتية لزواجهما(عليهم السلام)...224
الأمر الأول: ولاية زواج علي(علیه السلام) أيضا بيد الله:...225
الأمر الثاني: اقترانهما(عليهما السلام) تمّ في الجنة الابدية قبل الدُّنْيَا:...226
الأمر الثالث: الحفاوة بزواجها(عليها السلام) ذو صلة بولايتها:...226
الأمر الرابع: مهرها توليّة الهية لها على شؤون العالم كله:...227
تبرّك الملائكة المباركين ببركات زواجها(عليها السلام):...229
محورية فاطمة(عليها السلام) كفؤ لعلي(علیه السلام) في الرتبة:...229
انفعال العرش وما دونه بزواجها(عليها السلام) ارتباط الداني بالعالي:...231
تولي الله لزواجهما لكونه اقتران نظم وتدبير إلهي:...232
النقطة الثالثة: التزويج و المؤاخاة:...234
التراتبية بين الثلاثة:...234
قران كفؤية في عالم الملكوت:...235
زواجهما(عليهما السلام) نظير القران الأسمائي:...236
المؤاخاة بين النبي(صلی الله علیه و آله) والوصي(علیه السلام) نورية:...237
النقطة الرابعة: حديث الكساء:...237
التآلف في الولايات الاصطفائية سر عظمة أهل البيت(عليهم السلام):...237
تفوق علي(علیه السلام) في امتحان الولاية تدبير الملائكة:...239
أهل البيت(عليهما السلام) نبراس في تدبير الولاية لِكُلِّ...240
طبقات الملكوت وطبقات الملك:...240
اختصام أصحاب الولايات الإلهية في الملكوت والملك:...241
النقطة الخامسة: الولادة في الكعبة والتزويج:...246
المقالة الثَّالثة عشر: نسبة فاطمة عليها السلام...247
كفؤيته(علیه السلام) لفاطمة(عليها السلام) وتقدمه على اولاده(عليهم السلام):...247
اللون المشترك في دائرة الحجج لا ينافي التفاضل:...249
دائرة التسعة(عليهم السلام) تتلو دائرة الحسنين(عليهما السلام):...250
شواهد تقدم مقام الزهراء(عليها السلام) على أولادها(عليهم السلام):...250
أيّهما أقرب للنبي(صلی الله علیه و آله) فاطمة أم علي(عليهما السلام):...253
المقالة الرابعة عشر: مقام ولاية الأمر...256
ثبوت ما وراء الإمامة السياسية لفاطمة(عليها السلام):...257
ولاية أمر الأئمة(عليهم السلام) وراثة من فاطمة(عليها السلام):...257
إنعكاس ولاية فاطمة(عليها السلام) الملكوتية في الشؤون الخطيرة:...259
الأبعاد الثابتة من ولاية الأمر لفاطمة(عليها السلام):...261
سؤدد وطهارة وحجية فاطمة(عليها السلام) مأخوذ في الدِّين:...262
أدلّة ولايتها الأمريّة:...265
خلو كتب الكلام عن نسبة عنوان ولاية الأمر لفاطمة(عليها السلام):...268
دليل ولايتها للأمر بمعناه الأرضي:...269
الفرق بين الآمرية الدينية والفرعونية الدكتاتورية:...272
تروّي الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) فِي إسناد ولاية إلى لفاطمة(عليها السلام):...274
المقالة الخامسة عشر: حقيقة فاطمة عليها السلام...277
تعريف أهل البيت(عليهم السلام) على وجه الحقيقة:...277
حقيقة الإنسان لا في بدنه ولا في عقله...278
بل في كماله النهائي:...278
التعريف الوحياني لفاطمة(عليها السلام):...280
المقالة السادسة عشر: دليل وفلسفة ظلامة الزهراء...283
النقطة الأولى: ما هُوَ الدَّليل عَلَى وقوع ظلاماتها:...284
تحليل السياقات الطبيعية للحدث وسيلة لفهمه:...287
اهمال القصاصات المحتملة...289
تغريد خارج سرب فطرة البشر:...289
الحجج المجموعية دون الحجج المستقلة نبع الحقيقة:...290
بعض أنماط تنقية التراث تعمية على الحقائق:...292
تراكم وتوزّع قصاصات ظلامتهم في كتب المسلمين...292
التسرّع في نفي الأحداث مناقض للمنهج العلمي:...297
النقطة الثانية: فلسفات إثبات ظلامتها(عليها السلام):...297
الفلسفة الأولى: إحياء المظلومية إحياء للمنهج القويم:...298
الفلسفة الثانية: التعرّف على الظلامات تمييز للقدوات:...301
علل تصفية الزهراء(عليها السلام):...305
العلة الأولى: حيلولة وجود الزهراء(عليها السلام) عن البيعة:...305
العلة الثانية: تصفيتها لمصادرة حقها:...305
العلة الثَّالثة: شرعيتها المحكمة(عليها السلام) اسقاط لشرعيتهم:...306
الشاهد الأوَّل:...306
الشاهد الثَّاني:...307
الفرية على الزهراء(عليها السلام) فرية على الدِّين:...310
اشتراك الْنَّبِيّ(صلی الله علیه و آله) وبضعته(عليها السلام) فِي شدة الظلامة:...312
المقالة السابعة عشر: مضامين رثاء علي لفاطمة...317
معنى زيارته(علیه السلام) النبي(صلی الله علیه و آله) نيابة عن النازلة ببقعته:...319
أسرار سرعة لحوق الزهراء(عليها السلام) بأبيها(صلی الله علیه و آله):...321
فقد النبي(صلی الله علیه و آله) خسارة لا تعوض:...325
رجوع النبي(صلی الله علیه و آله) وفاطمة(عليها السلام) مرهون باستحقاق البشرية:...327
صرعت الزهراء(عليها السلام) عن عمد ومكابرة ومباغتة:...331
المقالة الثامنة عشر: مقام الحوراء الأنسية...333
الوجه الأول: نزولها(عليها السلام) من الجنة لصلب النبي(صلی الله علیه و آله):...337
الوجه الثاني: تفعّل كمالاتها(عليها السلام) في بدء وجودها...338
آثار الكمالات الملكوتية على بدنها المادي:...339
الوجه الثالث: جسمها الظلي لم يودع في الأصلاب:...343
فائدة - 1-: عرض نورها لآدم تقدم لخلقتها نورا وولاية عَلَيْهِ:...344
فائدة -2-: مقام المنصورة وولايتها في الملكوت ومقامات فِي الرجعة...345
المقالة التاسعة عشر: حوارية علي وفاطمة عليهما السلام...347
الأدب الملتزم في حواريات الأولياء إظهار للمقامات:...347
الأدب السائد بين الأصفياء لا نظير لَهُ فِي المواقع الاعتبارية...349
تشابه وفوارق حوارية علي وفاطمة(عليهما السلام) لحوارية موسى وهارون(عليهما السلام)...350
نبرة الأدب بين الأئمة(عليهم السلام) افصاح عن تفاوت الصلاحيات:...358
المقالة العشرون: أم مقاماتها وهيمنتها...361
مقامات الزهراء(عليها السلام) مغيبة في الاوساط العلمية:...362
أم مقاماتها هو هيمنة كل فضائها على فضائل أولادها:...366
آل محمد(عليهم السلام) دائرة متمايزة عن النبيين وبين أفرادها تمايز:...368
المنبة الأول: هيمنتها العلمية على علم أولادها(عليهم السلام):...372
قصور البحوث الكلامية عن استيعاب منظومة العقائد:...373
المنبة الثاني: تفوقها(عليها السلام) على مسرح الشجاعة والجرأة:...377
التراتبية في الفضل في دائرة أهل البيت(عليهم السلام):...378
مأمورية علي(علیه السلام) في جملة من الموارد بإنفاذ أمر فاطمة(عليها السلام)...382
أدلة هيمنة مقامها(عليها السلام) على مقام الحسنين(عليهما السلام):...384
الدليل الأول: حديث الكفؤية:...385
الدليل الثاني: روايات النُّور:...385
الطبقة النورية باللغة الفلسفية:...390
الدليل الثالث: هيمنة مصحفها الشريف:...393
السؤال تحر عن الحقيقة لا إنكارها:...394
الدليل الرابع: آمريتها في عالم الآخرة:...396
فاطمة(عليها السلام) لسان الميزان والحسنان(عليهما السلام) الكفتان:...397
الدليل الخامس: كونها بحر علم النبوة:...399
علي وفاطمة(عليهما السلام) رافدان للمعرفة الكاملة بالنبي(صلی الله علیه و آله):...405
منهاج فاطمة(عليها السلام) محكم على مناهج الأئمة(عليهم السلام):...407
المقالة الواحدة والعشرون: خطب الزهراء عليها السلام...409
عدد خطب الزهراء(عليها السلام):...409
تعدد خطبها تعبير عن مدوامة مقاومتها:...410
الخطبة الثانية: بيان مقام ولايتها...413
المحاسب والحاكم على المهاجرين والأنصار .... :...413
الخطبة الثالثة: مسؤوليتها عَليها السلام حفظ الرسالة...421
الخطبة الرابعة: علي وفاطمة ركنا الولاية...425
المقالة الثانية والعشرون: إقرار أبو بكر لفاطمة...427
شرح المقامات...437
1 - عين الحجة:...437
2 - منطق الرسالة:...438
3 - سيدة أمة ابيك:...439
4 - الشجرة الطيبة لبنيك:...439
5 - حكمك نافذ:...441
6 - أنت معدن الحكمة:...441
7 - موطن الهدى والرحمة:...442
8 - ركن الدِّين:...443
9 - الخيرة المنتجبون:...443
10 - على الخير أدلتنا ... دليل الأُمَّة عَلَى الخير:...443
11 - وإلى الجنة مسالكنا ... مسالك الأُمَّة للجنة:...444
12 - خيرة النساء:...444
13 - بنت خير الانبياء (خير الآباء):...445
14 - صدق الله ورسوله وصدقت ابنته:...449
15 - سابقة في وفور عقلك:...450
16 - غير مردودة عن حقك:...450
17 - ما عدوت رأي رسول الله:...450
ما ذكرته أم سلمة من مقامات وشؤون لفاطمة(عليها السلام):...451
1 - الحوراء بين الانس:...451
2 - النفس للنفس:...451
3 - ربيت في حجور الأنبياء:...452
4 - تداولتها أيدي الملائكة:...452
5 - ونمت في حجور الطاهرات:...454
6 - ونشأت خير منشأ:...454
7 - وربيت خير مربّى:...454
8 - أتزعمون أن رسول الله حرم عليها ميراثه ولم يعلمها؟!:...455
9 - وهي خيرة النسوان:...457
10 - وأم سادة الشبان:...458
11 - وعديلة مريم ابنة عمران:...458
12 - وحليلة ليث الأقران:...459
13 - تمت بأبيها رسالات ربه:...459
14 - فوالله لقد كان يشفق عليها من الحر ... :...460
المقالة الثَّالثة والعشرون: سر شدة بكاء الزهراء...461
الغاية الأولى: بيان فادح رحيل النبي(صلی الله علیه و آله):...465
الغاية الثانية: بكاؤها معارضة سياسية:...467
الغاية الثالثة: بكاؤها بكاء معرفي:...468
المقالة الرَّابعة والعشرون: ولايات فاطمة عَليها السلام...471
النبي (صلی الله علیه و آله) شفيع وفاطمة (عليها السلام) حاكم:...476
اعتراض:...476
جواب الاعتراض:...476
فهرس الموضوعات...479