مرآة الرشاد فی الوصیة الی الاحبة و الذریة و الاولاد

ghaemiyeh.com

اشارة

سرشناسه:مامقانی، عبدالله، 1290؟ - 1351ق.

عنوان و نام پديدآور:مرآة الرشاد فی الوصیة الی الاحبة و الذریة و الاولاد/ تالیف عبدالله المامقانی / مصحح: محی الدین مامقامی

ناشر: بیروت - لبنان - دارالزهراء 1412

تعداد صفحات: 256 ص

موضوع:اخلاق اسلامی -- متون قدیمی تا قرن 14

اشارة

مرآة الرشاد فی الوصیة الی الاحبة و الذریة و الاولاد

تالیف عبدالله المامقانی

المدخل

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

«وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ * وَ سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ».

(قرآن كريم)

مقدمة الطبعة الثالثة

بسم اللّه الرحمن الرحيم

نحمدك اللهم يا من أريتنا بمرآة الرشاد كمال معرفتك، و أتممت علينا كمال شكرك بتمام نعمتك، أسبغت علينا رحمتك بتخصيص فيضك. و صلّى اللّه على رسولك المصطفى و آله المستكملين الشرفا...

اما بعد:

فبين يديك - قارئي العزيز - رسالة وجيز لفظها، عميق قعرها، جزل سكبها سهل متناولها، سائغ اكلها...

حفلت بمجموعة من الآداب و السنن و المكارم الموصاة من شيخ شائخ فيها، سابر غورها، أخذ بعصارتها، لاقما اياها لانجاله و أبنائه... طلبا لكمالهم، و تكميلا لصلاحهم، شاء لها ان تطبع قبل بضع سنين و نيف للمرة الثانية مع كونها

مزدانة بتعاليق ثمينة، و تواشيح قيمة من نجل المؤلف - دام ظله - ساعيان ان يقتصرا على أمهات المطالب بالمتن من ذاك و التعليق من هذا، دون اطالة و اطناب، و المتكى عندهما روايات اهل بيت العصمة - صلوات اللّه عليهم اجمعين - في هذا و ذاك.

و نحن اذ نقدم هذه الطبعة من هذا السفر العظيم، نشير الى وجود زيادات و اضافات عارتها الثانية و جاءت بها الثالثة مع جودة في الاخراج و الطبع كان لاخي الكبير فضيلة العلامة الجليل السيد احمد الحسيني الاشكوري اليد الطولى فيها، لذا له منا جزيل الشكر و التقدير، و من اللّه سبحانه مزيد التوفيق و التسديد.

نسأله عز اسمه ان يأخذ بأيدينا لمراضيه، و يسدد خطانا. فهو حسبنا و نعم الوكيل...

قم - صفر 1397 ه محمد رضا المامقاني

مقدمة الطبعة الثانية

اشارة

بسم اللّه الرّحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السّلام على امناء اللّه على وحيه، و هداته على خلقه محمد و آله البررة الميامين، الطيبين الطاهرين، و اللعن الدائم على أعدائهم اجمعين الى يوم الدين.

و بعد:

لما تكرر الطلب بالحاح تلو الطلب، من مختلف طبقات المجتمع، و تكاثر الراغبون لهذا التأليف القيّم (مرآة الرشاد) و (مرآة الكمال) و الذي هو بين ايدينا الآن، و كانت نسخه قد نفدت من ذي قبل، و رأيت ان مجتمعنا بأمس الحاجة لدراسة مثل هذا السفر الجليل، لما يحتوي على جل التعاليم الدينية الرشيدة، و ينير للناظر فيه سبل

الحياة القويمة، فيما يرجع للنشأتين الدنيوية و الاخروية، و يرشد المطالع على كيفية ربط صلته بخالقه و مجتمعه، و لا يترك شاردة و لا واردة مما تضمن حقوقه من المجتمع، و يتكفل للمجتمع حفظ حقوقه منه، و ما يضمن سعادته و سعادة المجتمع الا و قد رسمه و ذكره. كل ذلك على ضوء تعاليم أهل بيت العصمة و الطهارة عليهم السّلام، المستمدة من الوحي الالهي عز اسمه. فأعدت طبعه - مستعينا بالله - على هذه الصورة الجميلة التي بين يدي القارىء الكريم.

و رأيت حرصا على مزيد الفائدة تخريج الاحاديث المذكورة، و ذكر نصوص الاحاديث المنقولة بمعانيها، و ذكر الاحاديث بكاملها ان كان المذكور بعضها. كل ذلك لاتمام الفائدة، و لان في كلامهم (عليهم السّلام) حلاوة و تأثيرا في النفوس ليسا في غيره، و لا غرو فان كلامهم فوق كلام المخلوق و دون كلام الخالق - جل شأنه...

و لما كان المرتوي من منهل هذا التأليف من مختلف مجتمعنا، و منهم ذوو الفضيلة و أعلام الامة: رأيت ان اعلق على بعض الفروع الفقهية بذكر الاقوال فيها مع ادلتها اجمالا، و بيان الرأي المختار لدي، مع الاشارة الى الدليل، كل ذلك على طريق الاشارة و التنبيه، لكي تتم الفائدة للمراجع، و لا يخرج الكتاب عن موضوعه. و اللّه سبحانه ولي التوفيق و القبول.

و اليوم أقدم الكتاب الاول - مرآة الرشاد - و سأفي بتقديم الثاني - باذن اللّه - فيما بعد.

هذا، و اني ازف البشرى العظيمة لرواد العلم و التحقيق، بعزمي الجازم - بحول اللّه و اشاءته - على تجديد طبع أوسع و أدق و أضبط موسوعة في الرجال. الا و هي: (تنقيح المقال) تأليف فقيد العلم و التقى سماحة آية اللّه الوالد (نور اللّه ضريحه)، بعد الفراغ من طبعه مرآة الكمال مباشرة، و اني على استعداد - مع الشكر - لقبول كل ما تردني من ملاحظات و تعليقات او تصحيحات او زيادات تخص موضوع الكتاب، ثم دراسته و تسجيله حسب الامكان، فالمأمول من ذوي الفضيلة و التحقيق التفضل بتسجيل ملاحظاتهم، و ارسالها الينا، و من اللّه استمد الحول في انجاز مشروعي هذا و كفى به معينا.

النجف الاشرف 1384 ه محي الدين المامقاني

تاريخ الطبعة الثانية

تفضل جناب العلامة السيد محمد الجلي - أيده اللّه - مشكورا و نظم هذه الابيات في تاريخ الطبعة الثانية للكتاب مع شرحه:

اذا رمت التحلي بالسداد و أن تسمو علا في كل نادي

و تصبح مطمح الانظار لطفا و تكسب عزة بين العباد

فخذ ما شئت من فضل و أرخ لدينا شرح مرآة الرشاد

1385 هجرية النجف الاشرف

محمد الحسيني الحلي

مقدمة الطبعة الأولى

بسم اللّه الرّحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السّلام على نبيه الامين، و آله الغر الميامين.

و بعد:

فيقول العبد الضعيف الفاني عبد اللّه الشريف المامقاني عفى عنه ربه ابن الشيخ قدس سره: اني لما وجدت قصر الاعمار، و عدم اعتبار الآجال، و وجدت الأجل اذا جاء لا يمهل، و الموت اذا فاجأ لا يستقدم و لا يستأخر، و خفت ان يدركني الأجل قبل تربية ولدي و فلذة كبدي سمي والدي محمد حسن(1)أحسن اللّه سبحانه حاله في الدارين و وفقه لتحصيل الملكتين(2)، و اعز به الدين،


1) و هو الولد الاكبر للمؤلف (قدس سره) توفي في حياته.

2) الملكة العلمية و الملكة العلميّة.

و شيد به الشرع المبين. فرأيت أن أفرد رسالة تتضمن وصاياي اليه ولى سائر ذريتي و أحبائي مما يدور مدار الالتزام به كماله، و صلاح داريه.

و أرجو من كافة ذريتي ما لم ينقرضوا، و سائر اخوان الدين، العمل بها، و من ترك من ذريتي مراجعة هذه الرسالة في كل اسبوع مرة أو شهر مرة الى ان يصير جميع ما فيها له ملكة فهو عاق عليّ، و أراه لا يفلح و لا يرى الخير، و من حصل منهم ملكة بعضها فعليه بمراجعة الباقي الى ان يصير الجميع له ملكة.

و من لم يخالفني في هذه الوصية فأسأل الرب الجليل - عز شأنه - أن يصلح شأن داريه و لا يريه مكروها، و يمد له في العمر السعيد، و يمتعه بالعيش الرغيد، و أسأل الكريم الوهاب ان ينفعني و اياه بها يوم الحساب الذي لا ينفع فيه مال و لا بنون و سميتها ب

مرآة الرشاد

في الوصية الى الأحبة و الذرية و الاولاد

و قد رتبتها على فصول:

الفصل الأول (في نبذ يسيرة مما يرجع الى الاصول الخمسة اجمالا)

اعلم بنيّ - هداك اللّه سبحانه الى سواء الصراط، و جنبك المعاصي و الزلات - ان اول ما يجب عليك ان تنظر في أصول دينك، و تحكم بالادلة القطعية بنيان اعتقادك و يقينك في خالقك و أنبيائه و أوليائه، لعدم كونك سدى كالحيوانات.

و ليس غرضي من ذلك الاشتغال بعلمي الكلام و الحكمة و مراجعة كتبهما، بل أنهاك عن مراجعتها قبل الكمال اشد المنع، لان فيها سوفسطائية ربما توقعك في الهاوية، بل ورد النص من اهل البيت عليهم السّلام بالمنع عن مطلق مراجعتهما(1)بل غرضي مراجعة كتب العقائد


1) لا ريب انه وردت الآثار عن ائمة الهدى عليهم السّلام بالمنع عن البحث و النظر في المسائل الفلسفية و الابحاث -

للفاضل المجلسي «قدس سره» و نحوها، و بناء عقائدك على براهين مورثة لليقين، و كفاك في اثبات الصانع ما

تراه من الآثار و العجائب و تدبير العالم، فان الاثر لا بد له من مؤثر، و لقد اجاد من قال:

و لله في كل تحريكة و في كل تسكينة شاهد

و في كل شيء له آية تدل على انه واحد(1)

الا اننا كلنا بائدو اي بني آدم خالد

فيا عجبا كيف يعصى الالهأم كيف يجحده الجاحد

و لله في كل تحريكةو في كل تسكينة شاهد

و في كل شيء له آيةتدل على انه واحد ديوان ابي العتاهية ص 127 طبع مصر.

و قال آخر:

في الارض آيات فلا تك منكرا فعجائب الاشياء من آياته

و الى هذا المعنى أشار رئيس الموحدين امير المؤمنين عليه آلاف الصلاة و السّلام بقوله في بعض خطبه: «زعموا انهم كالنبات ما لهم زارع و لا لاختلاف صورهم صانع،


1) البيت للشاعر الشهير ابي العتاهية ابي اسحاق اسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان المولود سنة 130 و المتوفى سنة 210 هجرية، و هي من جملة ابيات قالها على البديهة، و ذلك انه جلس في حانوت وراق و اخذ كتابا فكتب على ظهره:

لم يلجأوا الى حجة فيما ادعوا. و لا تحقيق لما اوعوا، و هل يكون بناء من غير بان، أو جناية من غير جان»(1).

و غرضه عليه السّلام بذلك المقايسة بالمحسوسات، و تعليم طريق الاستدلال، بجعل منكر الصانع مدعيا لمخالفة قوله الظاهر، و هو توقف حصول الاثر على وجود المؤثر، و جعل المنكر مدعيا من ألطف آداب المناظرة لغناء المنكر حينئذ عن تكلف الاستدلال و النظر فيما نحن فيه على مدعي حصول هذه الآثار من غير مؤثر اقامة البرهان، و نحن مستريحون من ذلك، لاستكشافنا وجود المؤثر من وجود الآثار، و هذا المسلك مركوز في الاذهان، و لذا ترى الاعرابي استكشف وجود الباري تعالى بهذا الطريق، فقال:

البعرة تدل على البعير، و أثر الاقدام على المسير، أ فسماء ذات أبراج و أرض نبات فجاج لا تدلان على اللطيف الخبير؟... و كذلك صنعت العجوز، حتى أمرنا بالاخذ بدينها من حيث كون استدلالها بالآثار على المؤثر من أقوم السبل، و أمتن المسالك في اثبات الصانع.

و يكفيك بني - جنبك اللّه تعالى من الشرك و النفاق - في اثبات وحدة الصانع جل ذكره استقلال العقل باستلزام تعدد الآلهة اختلافها المؤدي الى فساد العالم، و عدم الانتظام، كما ارشد اللّه تعالى الى ذلك بقوله جل ذكره:


1) نهج البلاغة شرح محمد عبده طبع مصر الجزء الثاني خطبة 180 ص 141.

«لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتا» (1)و قوله عز من قائل: «مَا اتَّخَذَ اللّهُ مِنْ وَلَدٍ وَ ما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَ لَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ» (2). و هداك اليه امير الموحدين صلوات اللّه عليه بقوله: لو كان معه اله آخر لأتتك رسله(3).

فعلم عليه السّلام ايضا طريق الاستدلال بجعل منكر الوحدة مدعيا من حيث كشف عدم الاثر، يعني عدم اتيان الرسل من قبل اله آخر، فمدعي وجود اله آخر يحتاج الى البرهان، و انى له ذلك؟!..

و ان شئت قلت: انه لو تعددت الآلهة للزم تميز كل منهما عن الآخر، و مع التميز فالاشتراك في جميع الاثار غير معقول، لعدم تعقل كون ما به الامتياز نفس ما به الاشتراك، ففقد آثار التعدد يكشف عن الوحدة. ضرورة انه لو توقفت الصانعية عليهما معا لزم عدم كفاية احدهما أولا، و هو نقص في كليهما معا، و الاختلاف بينهما ثانيا، و لو كفى كل منهما في الصانعية خرج الآخر عن قوة الصانعية التامة، و ذلك فاسد.


1) سورة الانبياء: 22

2) سورة المؤمنون: 92.

3) نهج البلاغة 49/2 في وصيته لابنه الحسن عليه السّلام قوله: و اعلم يا بني انه لو كان لربك شريك لاتتك رسله، و لرأيت آثار ملكه و سلطانه، و لعرفت افعاله و صفاته، و لكنه اله واحد كما وصف نفسه.. الخ.

و يكفيك بنيّ - وفقك اللّه تعالى للاخلاص به و اليقين - في نفي الصفات السلبية عنه انها نقائص، و الناقص لا يكون واجب الوجود، و قد ارشدك الى برهان ذلك امير المؤمنين عليه السّلام في بعض خطبه(1)

«الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون، و لا يحصي نعماءه العادون، و لا يؤدي حقه المجتهدون، الذي لا يدركه بعد الهمم، و لا يناله غوص الفطن، الذي ليس لصفته حد محدود، و لا نعت موجود، و لا وقت معدود. و لا أجل ممدود، فطر الخلائق بقدرته، و نشر الرياح برحمته، و وتد بالصخور ميدان ارضه، اول الدين معرفته، و كمال معرفته التصديق به، و كمال التصديق به توحيده، و كمال توحيده الاخلاص له، و كمال الاخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كل صفة انها غير الموضوف، و شهادة كل موصوف انه غير الصفة، فمن وصف اللّه سبحانه فقد قرنه، و من قرنه فقد ثناه، و من ثناه فقد جزأه، و من جزأه فقد جهله، و من جهله فقد اشار اليه، و من اشار اليه فقد حده، و من حده فقد عده، و من قال فيم، فقد ضمنه، و من قال علام فقد اخلى منه، كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم، مع كل شيء لا بمقارنة، و غير كل شيء لا بمزايله، فاعل لا بمعنى الحركات و الآلة، بصير اذ لا منظور اليه من خلقه، متوحد اذ لا سكن يستأنس به و لا يستوحش لفقده».. الى آخر الخطبة. -

بقوله

1) نهج البلاغة 7/1 طبع مصر، بتحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، التي ابتدأ بها بقوله عليه السّلام:

كمال توحيده الاخلاص له، و كمال الاخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كل صفة انها غير الموصوف.

و يكفيك بنيّ - أرشدك اللّه جل شأنه الى الصواب - في اثبات النبوة المطلقة، قضاء ضرورة العقل من باب لزوم اللطف على الحكيم بلزوم واسطة بين الخالق - الذي هو فيض محض - و بين المخلوقات المحتاجين الى الفيض، يرشدهم من قبله تعالى بأمر منه سبحانه و تعيين منه جل شأنه الى منافعهم، و يزجرهم عن مضارهم، و يخبرهم بأوامره و نواهيه.

ضرورة عدم امكان وصول احد من الناس الى درك المضار و المنافع - التي لا يدركها الا الحكيم تعالى - الا بالوحي و الالهام منه تعالى، و حصول الوحي لا يمكن بالنسبة الى آحاد الناس المتوغلين في الشهوات النفسانية، المانعة من الالتفات الى المبادىء العالية، فلا يليق هذا المنصب الا بمن لم يكن في نوم الغفلة و سكر الهوى، و لم يكن أسيرا للنفس الأمارة، و لا في دار الظلمة طالبا للراحة و لا مفنيا للعمر بالبطالة، بل أكمل بالروحانيات و المجاهدات نفسه، و غلب عليها عقله، و اختص من بين الناس لذلك

بالتوجهات الخاصة الالهية و تشرف بمنصب النبوة و الرسالة.

و لا ريب في أن معرفة النبي لا يمكن للآحاد بالوحي من رب الارباب، فلا بد من اقامة المعجزة لاثبات النبوة حتى تكشف عن ربط خاص بين صاحبها و بين واجب الوجود و امتيازه عن غيره بمنصب من الخالق المعبود.

و يكفيك بنيّ - حفظك اللّه تعالى من الشرور - في اثبات النبوة الخاصة قضاء الضرورة بأن محمد بن عبد اللّه الهاشمي القرشي الجامع لصفات الكمال كافة صلوات اللّه عليه و آله، قد ادعى النبوة بمكة، و دعى الناس الى توحيد اللّه جل شأنه و نبوة نفسه، و كونه خاتم الانبياء و أظهر معجزات كثيرة على دعواه.

و يكفيك منها القرآن المجيد، و حيث ان اظهار المعجزات على يد الكاذب قبيح على اللّه تعالى و تقدس، يحكم العقل بأنه كان صادقا. فاذا ثبتت نبوته علمنا بنبوة مائة الف نبي و اربعة و عشرين الف نبي هو خاتمهم باخباره صلّى اللّه عليه و آله.

و أما بيان كيفية كون القرآن الشريف معجزة، فهو انه صلّى اللّه عليه و آله خيّر أهل لسانه العرب، و العارفين بنكات الفصاحة و البلاغة بين أن يأتوا بسورة من مثل القرآن، و بين أن يذعنوا بنوته، او يحاربهم و يقتلهم و يتملك أموالهم و يأسر عيالهم، فلو لم يعجزوا عن الاتيان بمثله لأتوا به و خلصوا أنفسهم و أموالهم و أعراضهم من قيد

الاطاعة و العبودية و التلف و السرف، فالتزام جمع منهم بالرقية و الاطاعة، و آخرين بالحرب و القتل و النهب و الأسر، يكشف عن عجزهم عن الاتيان بمثله.

و توهم ان المعجزة لا تتحقق في الكلام، غلظ فاحش، ضرورة ان المعجزة هي ما يعجز عنه البشر لكونه خارقا للعادة، و ينكشف لذلك كونه عن ربط بواجب الوجود خاص، و علقة به مخصوصة، و المدار في كون شيء خارقا للعادة اعتراف أهل الخبرة بذلك، كاعتراف السحرة بالعجز عن اتيان مثل عصا موسى عليه السّلام، فأهل خبرة الكلام القادرين على انشاء التركيبات الرشيقة، و التأليفات الدقيقة الرقيقة، المحتوية على حلاوة اللفظ و لطافة المعنى، اذا اعترفوا قولا او فعلا بعجزهم عن الاتيان بسورة من مثله، المريح لهم عن تكاليف الآتي بالقرآن، و أزالوا المعلقات السبع عن البيت، ثبت عندنا كونه معجزة له على الامة، و كفى بذلك حجة بديعة.

و أما الولاية المطلقة، فيكفي برهانا لها نظير برهان النبوة المطلقة بعد ثبوت كون نبينا صلّى اللّه عليه و آله خاتم الانبياء.

و أما الولاية الخاصة، فطريقها الاخبار الصريحة المتواترة عن النبي صلّى اللّه عليه و آله بخلافة علي امير المؤمنين عليه السّلام بلا فصل، و بعده أحد عشر من ذريته الاطهار واحدا بعد واحد عليهم السّلام، مضافا الى الكرامات الكثيرة الصادرة من كل منهم.

و مكابرة أهل العناد في دلالة الاخبار، مدفوعة بما سطر في الكتب المعدة لذلك(1). و لعمري ان امامة الأئمة الاثني عشر بلغت في الوضوح الى حد لا أظن ارتياب الخصم ايضا في ضميره، او جهله المطبق. نعوذ بالله من الجهل من غلبة الهوى.

و أما المعاد، فالذي اتفق عليه أهل الملل اجمالا هو الاذعان به و عدم انكارهم له، و ان اختلف الحكماء و المتكلمون في تفاصيله، و لا يمكن تكليف عامة الناس بالعلم بتفاصيله، بل يكفي الاعتقاد باجماله و الآيات ناطقة به، هادية الى طريق اقامة البرهان عليه، و الاخبار به متواترة، بل العقل مستقل اجمالا بلزوم مجازاة العدل الحكيم للاعمال بهذه الابدان، و الجوارح الصادرة منها الافعال، حتى لا تزر وازرة وزر اخرى.

و فناء جسم لا ينافي عوده بعينه بعد قدرة الباري تعالى - جل ذكره - على ان يحيي العظام و هي رميم.

ضرورة ان احياءها عينا ليس بأصعب من انشائها أول مرة من العدم الصرف، كما لوح تعالى الى ذلك(2).


1) راجع عبقات الانوار تأليف الحجة السيد مير حامد حسين، و كتاب الغدير للعلامة الكبير الشيخ عبد الحسين الاميني، و كتاب المراجعات لآية اللّه السيد عبد الحسين شرف الدين قدست اسرارهم.

2) في كتابه المجيد سورة الاحقاف آية 32 بقوله تعالى «أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ لَمْ -

و أيضا يحكم العقل بلزوم كون المعاد - بضم الميم - عين الجسم الصادر منه الاعمال، و الاخبار الناطقة بذلك ايضا متواترة، و دلالتها واضحة. و تأويلها و رفع اليد عن ظواهرها يوجب الاستهجان في كلام المخبر الصادق، تعالى عن ذلك علوا كبيرا، و شرح ذلك يطلب من مظانه(1).


1) راجع الموسوعات التي تبحث عن المعاد و المجاميع المبسوطة الحديثية.

الفصل الثاني في الحث على طاعة اللّه سبحانه، و التحذير من المعصية و الكسل، و صرف العمر فيما لا ينبغي، و جملة اخرى من الوصايا.

اشارة

اعلم بنيّ وفقك اللّه جل شأنه لطاعته و عصمك من مخالفته، ان اللّه سبحانه و تعالى يحب كافة مخلوقاته حبا شديدا، كما هو الشأن في كل صانع بالنسبة الى صنعته، و انه عز و جل انما أوجب الواجبات و سن المستحبات و الآداب، و حرم المحرمات، و نزه عن المكروهات جلبا للمصالح الى عباده، و دفعا للمضار عنهم، و الا فلا تضره عصيان العاصي، و لا تنفعه طاعة المطيع، و لقد اجاد من قال بالفارسية:

گر جمله كائنات كافر گردند بر دامن كبرياش ننشيند گرد

لانه تعالى غني على الاطلاق، و انما مقصده من تشريع

الاحكام اصلاح حال العباد، و ايصال النفع اليهم، و دفع الضرر عنهم، في المبدأ و المعاد. و اذا كان كذلك فترك الانقياد لاوامره و نواهيه - مع كونه مخالفا للعقل المستقل بوجوب شكر المنعم و اطاعة المولى - يكون سفها، لكونه تركا لما يرجع نفعه الى النفس، و ادخالا للضرر على النفس، و تقوية للمنافع عليها، و ظلما لها.

فاياك بنيّ و العصيان، فانه يجلب عليك خذلان الدنيا و عذاب الآخرة، أ لا ترى الى جدنا آدم عليه السّلام بخطيئة واحدة طرد من الجنة.

و اياك بنيّ و الكسل و البطالة و مقدماتهما، فقد قيل:

ان الشيطان و النفس الأمارة اذا عجزا عن ان يزينا القبيح و يقبحا الحسن من الاعمال، توجها الى اعمال ما يؤدي الى الكسل و البطالة مما هو زائد على مقدار الضرورة و الحاجة، من الأكل و الشرب و النوم و الراحة و جمع المال و صرف الاوقات في التفرجات و التنفسات و المخالطات و المكالمات و غيرها، فيزينان كل واحد منها حتى يرتكبه العبد و يحصل له منه الكسالة و البطالة، و تضييع الاوقات الشريفة.

و اياك بنيّ و صرف العمر فيما لا ينبغي و لا ينفعك في الآخرة، لان كل آن من آنات عمرك جوهرة ثمينة، بل أعز منها، لامكان تحصيل الجوهرة بالكسب و الكد دون العمر، فان الاجل اذا جاء لا يستأخر ساعة فاياك بنيّ من اذهاب هذه الجوهرة هدرا و ضياعا.

و اغتنم بنيّ شبابك قبل هرمك، و صحتك قبل سقمك، و قوتك قبل ضعفك، و غناك قبل فقرك، و فراغك قبل شغلك، و حياتك قبل موتك(1).

فبادر شبابك قبل ان تهرما و صحة جسمك قبل ان يسقما

و أيام عمرك قبل الممات فما كل من عاش ان يسلما

و قدّم فكل امرىء قادم على كل ما كان قد قدما

و قد ورد أن اهل الجنة لا يندمون على شيء من أمور الدنيا، الا على ساعة مرت بهم في الدنيا لم يذكروا اللّه سبحانه فيها(2)و انه ليس نفس بر و لا فاجر الا و تلوم نفسها يوم القيامة، ان كانت عملت خيرا قالت هلا ازددت حتى انال مرتبة أعلى من مرتبتي، و ان عملت سوءا قالت يا ليتني لم افعل حتى لا أعذب(3)، و قال صلّى اللّه عليه


1) الجمل الخمس رويت عن الرسول المعظم صلّى اللّه عليه و آله، راجع الشرح الفارسي لكتاب شهاب الاخبار، تأليف القاضي عياض طبع جامعة طهران سنة 1342 و مجموعة الشيخ ورام ج 1 ص 279.

2) مستدرك وسائل الشيعة المجلد الاول ص 382 باب كراهة ترك ذكر اللّه تعالى الحديث 6، عن النبي صلى اللّه عليه و آله قال: «ان اهل الجنة لا يتحسرون على شيء فاتهم من الدنيا كتحسرهم على ساعة مرت من غير ذكر اللّه».

3) مجمع البيان طبع صيدا 394/10، سورة القيامة آية 2 في تفسير قوله تعالي «وَ لا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ»عن ابن عباس.

و آله لأبي ذر: «كن على عمرك أشح منك على درهمك و دينارك»(1). و ورد أن من افضل الطاعات حفظ الاوقات، و ان من ضيع ايام حرثه ندم ايام حصاده(2).

فالله اللّه بنيّ في عمرك فلا تضيعه فيما لا ينفعك بعد الموت، و ورد ان العاقل من يعمل في يومه لغده قبل ان يخرج الامر من يده، و ان الكيس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت، و الأحمق من اتبع نفسه هواها و تمنى على اللّه المغفرة(3).

و ما مثل من صرف عمره فيما لا ينفعه في الآخرة، الا مثل من ترك جواهر نفيسة ملقاة على وجه الارض، و اشتغل بقلع أحجار و اخزاف منصوبة و مدفونة بمشقة في قلعها شدة ليلعب بها الاطفال.


1) مجموعة الشيخ ابو فراس ورام طبع ايران ج 2 ص 52 في جملة وصايا النبي صلّى اللّه عليه و آله لابي ذر عليه الرحمة.

2) نهج البلاغة 111/2 خطبة 171، قال عليه السّلام في جملة خطبته «فانه ينادي يوم القيامة: ألا ان كل حارث مبتلي في حرثه و عاقبة عمله غير حرثة القرآن فكونوا من حرثته و اتباعه... الخ».

3) مجموعة ورام 56/1 الطبعة الثانية ايران في جملة وصايا النبي صلّى اللّه عليه و آله لابي ذر رحمه اللّه، قال صلّى اللّه عليه و آله: يا أبا ذر ان الكيس من الناس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت، و العاجز من اتبع نفسه هواها، و تمنى على اللّه عز و جل الاماني.

فيا ولدي، و يا نور بصري، و فلذة كبدي، اعرف قدر عمرك و لا تفنيه فيما لا ينجيك، و لا تكن كدود القز يسعى في هلاك نفسه.

ثم أوصيك بنيّ - وفقك اللّه تعالى لكل خير، و جنبك من كل شر - بمكارم الاخلاق و محامد الاوصاف و هي امور:

فمنها:

حفظ اللسان

حفظ اللسان عما لا يعنيك(1)

بتقديم النون على الياء. اي لا يقصدك نفعا و لا يهمك (منه قدس سره).

فان أكثر خطايا ابن آدم من لسانه و ما من عضو له ذنوب متعددة كثيرة مثل اللسان(2). و ان الصمت باب من أبواب الحكمة(3)

1) (*)

2) اصول الكافي 115/2 حديث 16 عن ابي عبد اللّه الصادق عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: يعذب اللّه اللسان بعذاب لا يعذب به شيئا من الجوارح، فيقول: أي رب عذبتني بعذاب لم تعذب به شيئا؟ فيقال له: خرجت منك كلمة فبلغت مشارق الارض و مغاربها، فسفك بها الدم الحرام، و انتهب المال الحرام، و انتهك بها الفرج الحرام، و عزتي و جلالي لاعذبنك بعذاب لا أعذب به شيئا من الجوارح.

3) اصول الكافي 113/2 حديث 1 عن ابي نصر قال: قال -

فاحفظ لسانك الا من خير من يجرك الى الجنة. و قد ورد انه لا يزال العبد المؤمن يكتب محسنا ما دام ساكتا(1).

و ان من اراد سلامة الدارين فليحفظ لسانه(2)

حضرت ابا الحسن عليه السّلام و قال رجل له اوصني فقال له: احفظ لسانك تعز، و لا تمكن الناس من قيادك فتذل رقبتك.

و في ص 14 حديث 9 قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: نجاة المؤمن في حفظ لسانه.

و مستدرك الوسائل 89/2 حديث 16 قال الصادق عليه السّلام: الصمت شعار المحققين بحقائق ما سبق و جف القلم به، و هو مفتاح راحة من الدنيا و الآخرة.

. و هل يكب الناس على مناخرهم في النار الا حصائد ألسنتهم؟!(3)

قال: احفظ لسانك، ويحك و هل يكب الناس على مناخرهم في النار الا حصائد ألسنتهم؟!.


1) اصول الكافي 116/2 حديث 21 عن ابي عبد اللّه الصادق عليه السّلام قال: لا يزال العبد يكتب محسنا ما دام ساكتا، فاذا تكلم كتب محسنا أو مسيئا.

2) اصول الكافي 113/2 حديث 4 عثمان بن عيسى قال:

3) اصول الكافي 115/1 حديث 14 جاء رجل الى النبي صلّى اللّه عليه و آله فقال: يا رسول اللّه أوصني.

و انه اذا أراد اللّه بعبد خيرا أعانه على حفظ لسانه، و شغله بعيوبه عن عيوب غيره. و ان من قل كلامه كمل عقله و صفى قلبه، و من كثر كلامه قل عقله، و قسى قلبه(1). و انه لا يستقيم ايمان عبد حتى يستقيم قلبه، و لا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه(2). لان لسان المؤمن وراء قلبه. فاذا أراد ان يتكلم يتدبر الكلام، فان كان خيرا ابداه، و ان كان شرا واراه. و المنافق قلبه وراء لسانه، و يتكلم بما أتى على لسانه و لا يبالي ما عليه مما له(3).

و ان الصمت لا يورث الندم، و رب كلام يورث الندم


1) بحار الانوار 15 كمباني ص 191 [ط ج 290/71] و نهج البلاغة 157/2 عن امير المؤمنين عليه السّلام انه قال: اذا تم العقل نقص الكلام.

2) مستدرك الوسائل 91/2 باب 103 حديث 13 عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، بلفظه.

3) نهج البلاغة 113/2 خطبة 171 منها: و اجعلوا اللسان واحدا، و ليخزن الرجل لسانه، فان هذا اللسان جموح بصاحبه. و اللّه ما ارى عبدا يتقى تقوى تنفعه حتى يخزن لسان، و ان لسان المؤمن وراء قلبه، و ان قلب المنافق من وراء لسانه، لان المؤمن اذا اراد ان يتكلم بكلام تدبره في نفسه فان كان خيرا أبداه و ان كان شرا واراه، و ان المنافق يتكلم بما اتى على لسانه لا يدري ما ذا له و ما ذا عليه.

في الدنيا و الآخرة(1). و ان المرء مخبو(2)

تا مرد سخن نگفته باشدعيب و هنرش نهفته باشد (منه قدس سره)

تحت لسانه(3).

فزن بنيّ كلامك قبل ان تنطق به، و اعرضه على العقل و المعرفة فان كان لله و في اللّه فتكلم به، و الا فالسكوت السكوت، الصمت الصمت، الخرس الحرس.

و لقد أجاد من قال:

زبان بسيار سر بر باد داده است زبان ما را عدوى خانه زادست

و قد ورد انه ما من عضو من الاعضاء الا و يخاطب اللسان و يقول له: اقسمك بالله تعالى ان لا تلقني في


1) مستدرك الوسائل 89/2 حديث 12 عن ابي جعفر الباقر عليه السّلام عن امير المؤمنين عليه السّلام انه قال في جملة كلام لولده الحسن عليه السّلام: و في الصمت السلامة من الندامة، و تلافيك ما فرطت من صمتك أيسر من ادراك فائدة ما فات من منطقك، و احفظ ما في الوعاء بشد الوكاء.

2) (*) اي مستور تحت لسانه، فاذا يكلم ظهر باطنه، و الى ذلك اشار الشاعر الفارسي بقوله:

3) نهج البلاغة 189/3 رقم 148 بلفظه.

العذاب(1). و قيل انه لو خلى التكلم و السكوت و طبعهما فالكلام من فضة و السكوت من ذهب(2). و عليه يحمل قول من قال: ان كان من فضة كلامك يا نفس فالسكوت من ذهب.

و قد يكون الكلام ذهبا لعارض و السكوت ترابا.

كالتكلم بالفقه و الوعظ و الآداب الشرعية و الاخلاق المرضية. بل قد يكون السكوت سما قتالا(3)، كالسكوت عن الامر بالمعروف و النهي عن المنكر و ارشاد المسترشدين.


1) وسائل الشيعة 226/2 باب 119 وجوب حفظ اللسان حديث 10 [ط ج 534/8] عن ابي عبد اللّه الصادق عليه السّلام قال: ما من يوم الا و كل عضو من اعضاء الجسد يكف اللسان بقول: نشدتك اللّه ان نعذب فيك.

2) اصول الكافي 114/2 حديث 6 عن ابي عبد اللّه الصادق عليه السّلام قال: قال لقمان لابنه: يا بني ان كنت زعمت ان الكلام من فضة فان السكوت من ذهب.

3) وسائل الشيعة 225/2 باب 118 استحباب الاختيار الكلام في الخير حديث 2 [ط ج 531/8] عن علي بن الحسين عليه السّلام انه سئل عن الكلام و السكوت ايهما افضل؟ فقال عليه السّلام: لكل واحد منهما آفات. فاذا سلما من الآفات فالكلام أفضل من السكوت. قيل: و كيف ذاك يا بن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله؟ فقال: لان اللّه عز و جل ما بعث الانبياء و الاوصياء بالسكوت انما بعثهم بالكلام، و لا استحقت الجنة بالسكوت، و لا استوجبت ولاية اللّه بالسكوت، و لا وقيت [ن خ: النار] الناس بالسكوت، و لا تجنب -

وفقك اللّه تعالى لمراضيه، و جعل مستقبل حالك خيرا من ماضيه.

و منها:

محاسبة النفس

محاسبة النفس في كل ليلة، فعليك بنيّ - رزقك اللّه تعالى خير الدارين - بأن تحاسب نفسك قبل ان تحاسب، فكما يحاسب التاجر مع عامله حتى يعلم ما فعل في يومه، فحاسب نفسك في كل ليلة قبل النوم حتى تعلم ما فعلت فيها في النهار المتقدم عليها، فان رأيت منها تقصيرا بفعل معصية او ترك طاعة فاستغفر منه و تب و تضرع الى اللّه تعالى في العفو عنه، و اجبر الفائت بالقضاء و الاستغفار.

و ان رأيت منها فتورا و بطالة و غفلة و اضاعة لرأس المال، فأدبها بسوط النصيحة و الموعظة، و الزمها طوق الطاعة، ثم راقبها كالتاجر حتى لا تضيع اوقاتها بالغفلة.

و لا تبيع عمرها بثمن بخس او خسارة و ان رأيت منها معاملة حسنة و مداقة تامة في صرف اوقاتها، فاشكر اللّه تعالى على ذلك، و اطلب منه تعالى ان يزيدها توفيقا و هدى. و قد ورد عنهم عليهم السّلام: انه ليس من شيعتنا من لم يحاسب نفسه كل يوم، فان عمل حسنة

استزاد اللّه، و ان عمل سيئة استغفر اللّه منها و تاب(1).

و نقل عن بعض اهل المعرفة انه كان يضع عنده قلما و قرطاسا و كان يكتب كلما يقوله و يفعله من اول اليوم الى وقت النوم في الليل، ثم ينظر فيه فما كان من الطاعات يشكر اللّه تعالى على ان وفق لها، و ما كان من القبائح يستغفر اللّه تعالى منه(2).

و عن صحف ابراهيم عليه السّلام: ان على العاقل ما لم يكن مغلوبا على عقله ان يكون له اربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، و ساعة يحاسب فيها نفسه، و ساعة فيها يتفكر فيما صنع اللّه تعالى اليه، و ساعة يخلو فيها بحظ نفسه من الحلال. فان هذه الساعة عون لتلك الساعات و استجمام(3)للقلوب بها(4).


1) اصول الكافي 453/2 حديث 2 عن ابي الحسن عليه السّلام قال: ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم، فان عمل حسنا استزاد اللّه، و ان عمل سيئا استغفر اللّه منه و تاب اليه.

2) مستدرك الوسائل 98/2 حديث 16، نقل ذلك عن ربيع ابن خيثم.

3) (*) اي راحة القلوب سبب لحفظها (منه قدس سره).

4) وسائل الشيعة 485/2 حديث 4 من باب وجوب محاسبة النفس كل يوم 94 [ط ج 378/11 باب 96] عن أبي ذر رضوان اللّه عليه في حديث قال: قلت يا رسول اللّه فما كانت صحف ابراهيم عليه السّلام؟ قال: كانت امثالا كلها، أيها الملك المبتلى المغرور اني لم ابعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، و لكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم، فاني لا اردها و ان كانت من -

و منها:

مراقبة النفس

فعليك بنيّ بها بملاحظة حضور الرب و اطلاعه عليك في كل حالاتك و حركاتك و افعالك و اقوالك و أنفاسك و خطراتك و خطواتك و لحظاتك، فآثر ما آثره اللّه سبحانه، و اختر ما اختاره اللّه تعالى. و قد حكي ان لقمان قال لابنه:

يا بنيّ، اذا راقبت اللّه تعالى لم تقدم على معصية ابدا، لانه بمجرد التفاتك الى انه يراك و يطلع عليك يمنعك الحياء من مخالفته(1).

و منها:

التفكر

فأوصيك بنيّ به، فانه من أعظم اسباب تنبه النفس


1) و لذا روي: ان تفكر ساعة خير من عبادة سنة «إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ» مستدرك الوسائل 281/2 باب 5 استحباب التفكر حديث 2.

و صفاء القلب، و له مدخل عظيم في رفع الكدورات، و كسر الشهوات، و التجافي عن دار الغرور، و التوجه الى دار الخلود و السرور، و انه رأس العبادات و رئيسها، و لب الطاعات و روحها. و قد ورد أن افضل العبادة التفكر في اللّه تعالى و في قدرته(1).

و علّل بأن الفكر يوصل العبد الى اللّه سبحانه، و العبادة توصله الى ثواب اللّه عز و جل، و الذي يوصل اليه تعالى خير مما يوصل الى ثوابه. و بأن الفكر عمل القلب، و العبادة عمل الجوارح، و القلب اشرف من سائر الجوارح، فعمله يقتضي أن يكون أشرف من عمل سائر الجوارح، و ورد ان تفكر ساعة خير من عبادة سنة، او ستين سنة، او سبعين سنة، على اختلاف الروايات(2)المحمول على اختلاف مراتب التفكر.

و ان من التفكر ما ينجي الانسان من النار، كما نجى الحر بن يزيد الرياحي بتفكر ساعة، و لو كان قد تعبد سنة، بل سنينا لم تكن عبادته تنفعه مع ما كان عليه، لكن تفكر ساعة نفعه و نجاه، و لذا جعل تفكر ساعة خيرا من


1) اصول الكافي 55/2 حديث 3 الحديث بلفظه.

2) مستدرك الوسائل 88/1 حديث 6، فيه و روي فكر ساعة خير من عبادة سنة، فسألت العالم موسى بن جعفر عليه السّلام عن ذلك فقال: تمر بالخربة و بالديار القفار فتقول: اين بانوك؟ اين سكانك؟... الى آخر الحديث.

عباده سبعين سنة. و ورد انه ليست العبادة كثرة الصلاة و الصوم، و انما العبادة التفكر في اللّه سبحانه(1).

فعليك بنيّ بالتفكر تارة في حال الماضين، و انهم من أين جاءوا؟ و الى اين ذهبوا؟ و ما صحبوا؟ و لمن تركوا؟ و بما اشتغلوا؟ و كيف عن دنياهم انقطعوا؟ و عن نعيمها حرموا، و من كان لا يطأ التراب برجله، و كان ينام على الديباج و الحرير، و يمشي على الارض مرحا، كيف فارق المال؟ و ترك العيال و الاطفال، و القصور و الديار، و الخدم و الحشم، و لبس الكفن و وضع خده اللطيف النظيف على التراب، و صاحب الدود و الحيات، و سكن القبر المظلم وحيدا فريدا؟(2).


1) اصول الكافي 55/2 حديث 4 عن ابي الحسن الرضا عليه السّلام قال: ليس العبادة كثرة الصلاة و الصوم، انما العبادة التفكر في امر اللّه عز و جل.

2) نهج البلاغة 246/2 خطبة 221 قال عليه السّلام: دار بالبلاء محفوفة، و بالغدر معروفة، لا تدوم أحوالها، و لا تسلم نزالها، أحوال مختلفة، و تارات متصرفة، العيش فيها مذموم، و الامان فيها معدوم، و انما اهلها فيها اغراض مستهدفة ترميهم بسهامها، و تفنيهم بحمامها. و اعلموا عباد اللّه انكم و ما انتم فيه من هذه الدنيا على سبيل من قد مضى قبلكم ممن كان أطول اعمارا، و أعمر ديارا، و أبعد آثارا، أصبحت أصواتهم هامدة، و رياحهم راكدة، و اجسادهم بالية، و ديارهم خالية، و آثارهم عافية. استبدلوا بالقصور المشيدة، -

و أخرى في أن الموت يأتي بغتة، و له ساعة اذا جاءت لا يستأخرون عنها دقيقة، و لا يمهلون بدقيقة أخرى عند حضورها(1)

«وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَ مَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَ مَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَ سَنَجْزِي الشّاكِرِينَ». و قوله تعالى في سورة يونس: 49 «قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَ لا نَفْعاً إِلاّ ما شاءَ اللّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ».

. فكن منه في كل آن على حذر، و حضّر له نفسك قبل ان يخرج الامر من يدك، و لا تتساهل في التهيؤ له بالتوبة و العمل، و لا تكن من الموت في غفلة، و كم من اناس أدركهم الموت بغتة، لم يكن لهم لذكر اللّه

1) القرآن الكريم سورة آل عمران: 145 قوله تعالى:

سبحانه و الاستغفار مهلة. فاحذر من أن تكون كذلك فتكون من أهل الحسرة و الندم على تأخير التربة و الانابة، و قول «رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ (1).

و ثالثة: في أن الدنيا ليست الا دار عناء و تعب و مشقة و محنة و نصب، و ان صفوتها ممزوجة بكدورة، و راحتها مقرونة بعناء، و ان اللّه لم يخلق فيها الراحة، كما قال تعالى في الحديث القدسي: ان عبادي يطلبون مني شيئا لم أخلقه و هو الراحة في الدنيا، و يدعون طلب ما خلقته و هو النعيم المقيم. فانك - بنيّ - اذا تفكرت في ذلك هان عليك ما تلقاه من شدة، و رغبت في عمل الآخرة، و التفت الى انه اذا كان لا بد في الدنيا من التعب و المشقة، فتحمل المشقة للنعيم الدائم أولى و أهون.

و رابعة: فيما تستقبله قريبا من عوالم ما بعد الموت من القبر و البرزخ و الحشر و النشر و تطاير الكتب و تجسم الاعمال و العقائد و الحساب و الصراط و الميزان و ما اعد


1) القرآن الكريم سورة المؤمنون: 98 «وَ قُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ، وَ أَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ، حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها، وَ مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَ لا يَتَساءَلُونَ، فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَ مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ».

اللّه للمتقين و المجرمين من الجنة و أنواع نعيمها، و النار و أقسام عذابها.

و خامسة: في انه لا ينفع من مالك الا ما قدمت صرفه في سبيل اللّه تعالى، و انك لا تصحب شيئا منه الا مقدار كفنك، و ان ولدك و عيالك و أطفالك و أحبائك و أقاربك لا ينفعوك الا باضجاعك في حفرتك، و تسليمك الى عملك، و ان ما ينفعك انما هو ما عملته لوجه اللّه سبحانه، فانه يصاحبك و لا يفارقك. فانك اذا تفكرت من الجهات المذكورة، اكثرت من الاعمال الحسنة، و أخلصت فيها النية، و نجوت من الهلكة، و قدمت لغدك قبل ان يخرج الامر من يدك، و قد ورد أن أفضل الزهد في الدنيا ذكر الموت، و أفضل العبادة ذكر الموت، و أفضل التفكر فكر الموت(1).

و من غفل عن ذكر الموت صرف عمره فيما لا يعنيه، و من لازم ذكر الموت صرف عمره فيما ينفعه، و انه لأحسن واعظ، و أسرع زاجر، و كفى بذكر الموت حسنا، انه يهون الضيق و العسر على من ابتلي به، و يقيم الغني على


1) مستدرك الوسائل المجلد الاول حديث 17 من جامع الاخبار عن النبي صلّى اللّه عليه و آله قال: افضل الزهد في الدنيا ذكر الموت، و افضل العبادة ذكر الموت، و افضل التفكر ذكر الموت، فمن اثقله ذكر الموت وجد قبره روضة من رياض الجنة.

الجود بماله الموجب للأجر، و يثبط العبد عن الاشتغال بما لا ينفعه، و لقد اجاد من قال - انه مهون للمصاب، و مرغب فيما ينفع يوم الحساب، و ملزم للتوبة قبل الموت، و التدارك قبل الفوت، و قاطع للامل، و مانع من الفرح بليت و لعل.

و منها:

الصبر

اشارة

الصبر على البلاء، و الشكر على النعماء، و الرضا بالقضاء.

فأوصيك بنيّ بذلك، فانه من أعظم أسباب الفرج، و ان عبادا نالوا المراتب العالية في الدارين به، كما لا يخفى على من راجع حال الماضين.

ترد رداء الصبر عند النوائب تنل من جميل الصبر حسن العواقب

و اجعل بنيّ نفسك طيبة بالصدمات على نحو طيبها بالنعم، و اجعل كل ما يختار اللّه لك من الصحة و السقم، و العافية و البلاء، و الشباب و الهرم، و القوة و الضعف، و الغنى و الفقر و نحوها محبوبا لك، لانه مما اختاره لك حكيم عالم بالعواقب، محب لك، أرأف بك من ابويك و نفسك فهو عين صلاحك.

و احبس بنيّ نفسك من الجزع عند المصيبة و المكروه،

و الفزع منه، و ارض بما يفعله الحكيم الرؤوف تعالى شأنه، و اترك الشكوى و الاخبار بسوء ما يصيبك. و قد نقل ان سيد الساجدين عليه السّلام قال:

فاذا بليت بعثرة فاصبر لها صبر الكريم فان ذلك أحزم

لا تشكونّ الى الخلائق انما تشكو الرحيم الى الذي لا يرحم

و طيب بنيّ نفسك بالضراء كطيبها بالسراء، و بالفاقة كطيبها بالغنى، و بالبلاء كطيبها بالعافية، و هكذا. و قد قالوا عليهم السّلام ما معناه: ان الصبر صبران: صبر على ما تكره من بلاء و شدة، و صبر على طاعة اللّه سبحانه، و هو أفضل من الاول، و أفضل منه الصبر على ترك ما حرم اللّه تعالى(1).

و روي عن النبي صلّى اللّه عليه و آله انه قال: ان من صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها، كتب اللّه له ثلاثمائة درجة ما بين الدرجة الى الدرجة كما بين السماء


1) اصول الكافي 90/2 حديث 11 عن الاصبغ قال: قال امير المؤمنين عليه السّلام: الصبر صبران: صبر عند المصيبة حسن جميل، و احسن من ذلك الصبر عند ما حرم اللّه عز و جل عليك. و الذكر ذكران: ذكر اللّه عز و جل عند المصيبة، و افضل من ذلك ذكر اللّه عند ما حرم عليك فيكون حاجزا لك.

(ن خ الى) و الارض. و من صبر على الطاعة كتب اللّه له ستمائة درجة، ما بين الدرجة الى الدرجة كما بين تخوم الارض الى العرش. و من صبر عن المعصية كتب اللّه له تسعمائة درجة ما بين الدرجة الى الدرجة كما بين تخوم الارض الى منتهى العرش(1).

و قد ذكر علماء الاخلاق للصبر مراتب:

مراتب الصبر و أنواعه

«الاولى» الصبر عن الركون الى ما يوافق الهوى من الصحة و السلامة و المال و الجاه و كثرة العشيرة و اتساع الاسباب و سائر ملاذ الدنيا. و ما احوج العبد الى الصبر عن هذه الامور، و ضبط نفسه عن الركون اليها، و الانهماك فيها، المؤدي الى الطغيان.

«الثانية» الصبر على الطاعة: و هو شديد، لان النفس بطبعها تنفر من العبودية، و تشتهي الربوبية. و لذلك قيل ما من نفس الا و هي مضمرة ما اظهره فرعون، و لكن فرعون وجد مجالا فأظهره. و ما من أحد الا و يدعي ذلك مع عبيده و خدمه و أتباعه، و ان كان ممتنعا من اظهاره،


1) اصول الكافي 91/2 حديث 15 بلفظه. و جاء في اولها الصبر ثلاثة: صبر عند المعصية، و صبر على الطاعة، و صبر عن المعصية.

و لذا ترى غيظه عند تقصيرهم في خدمته، فان ذلك ليس الا من الكبر.

و اعلم بنيّ ان الصبر على الطاعة لازم قبل العمل و حاله و بعده. أما قبله فلتصحيح النية.

و أما حاله، فلئلا يغفل عن ذكر اللّه تعالى، و لا يستعمل الرياء. و أما بعده فلئلا يستعمل العجب و نحوه مما يفسده.

«الثالثة» الصبر عن ارتكاب المعاصي: فان العبد في غاية الحاجة الى ذلك، و ذلك ان المعاصي - سيما الكذب و الغيبة و النميمة و البهتان - مألوفة بالعادة، و العادة طبيعة ثانية. فاذا انضافت الى الشهوة تظاهر جندان من جنود الشيطان على جند اللّه عز و جل و كلما كان الذنب ألذ على النفس كان الصبر عليه أصعب.

«الرابعة» ما ليس هجومه تحت اختياره: كما لو أوذي بفعل أو قول، فان الصبر عليه بترك المكافأة حسن جميل.

فعليك بنيّ بالصبر عمن أساء اليك، و ايكال الامر الى اللّه سبحانه، و عدم التعرض للمسيء بوجه. و ان قدرت على اخذ الثار و المكافأة، فان التجربة الاكيدة - فضلا عن الاخبار - (1)قد قضت بأن اللّه تعالى خير


1) اصول الكافي 332/2 حديث 9 عن الصادق ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: من ظلم مظلمة اخذ بها في نفسه او -

مكافىء في الدنيا قبل الآخرة، و خير منتصر للمظلوم من الظالم و لو بعد حين.

«الخامسة» ما لا يدخل تحت الاختيار أوله و لا آخره: كالمصاب في مثل فقد الأعزة و الأحباب، و تلف الاموال، و زوال الصحة، و عمى العين، و فساد الاعضاء، و الفقر و الفاقة، و أشباه ذلك. و الصبر على ذلك صعب غالبا، و لكن أجره عظيم، حتى قال جل ذكره «اَلَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا لِلّهِ وَ إِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ» (1).

و اعلم بنيّ - رزقك اللّه تعالى الصبر بأقسامه - ان الصبر عند المكاره يحصل بملاحظة امور تجعل مرارته عند أهله أحلى من العسل:


1) سورة البقرة: 156.

«احدها» ما ورد من جزيل الثواب الاخروي. فقد استفاضت الاخبار بأن الصابرين يدخلون الجنة بغير وقوف في العرصات، و لا نصب ميزان، و لا نشر ديوان و لا حساب(1). و ورد ان من صبر نال بصبره درجة الصائم القائم، و درجة الشهيد الذي قد ضرب بسيفه قدام محمد صلّى اللّه عليه و آله(2)و ان الصبر على الفاقة جهاد(3)


1) وسائل الشيعة 451/2 حديث 1 باب 18 [ط ج 186/11 باب 19] عن هشام بن الحكم عن الصادق ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: اذا كان يوم القيامة، يقوم عنق من الناس فيأتون باب الجنة، فيقال: من انتم؟ فيقولون: نحن اهل الصبر، فيقال لهم: على ما صبرتم؟ فيقولون: كنا نصبر على طاعة اللّه و نصبر عن معاصي اللّه. فيقول اللّه عز و جل: صدقوا، ادخلوهم الجنة، و هو قول اللّه عز و جل «إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ».

2) وسائل الشيعة 455/2 باب استحباب الصبر في جميع الامور حديث 5 [ط ج 209/11 باب 25] عن ابي عبد اللّه الصادق عليه السّلام قال: سمعت ابا جعفر عليه السّلام يقول: اني لأصبر من غلامي هذا و من اهلي على ما هو أمر من الحنظل، انه من صبر نال بصبره درجة الصائم القائم، و درجة الشهيد الذي ضرب بسيفه قدام محمد صلّى اللّه عليه و آله.

3) يستفاد هذا من الحديث المتقدم حيث جعل للصابر درجة الشهيد الذي ضرب بسيفه قدام النبي صلى اللّه عليه و آله.

و انه افضل من عبادة ستين سنة(1)، و ان من ابتلى من المؤمنين ببلاء فصبر عليه كان له مثل اجر ألف شهيد(2). الى غير ذلك من الاجور المتقدم بعض منها.

«ثانيها» ما يترتب عليه بالتجربة من نيل المراتب العالية.

«ثالثها» تفاني المحنة بمرور الانات، و فناء العمر على كل حال، و ان الساعة التي تمضي لا يبقى سرورها و لا ألمها، و التي تأتي لا تدري ما هي، و انما هي ساعتك التي أنت فيها.

«رابعها»: عدم نتيجة للجزع و الفزع و الشكوى، الا قلة الاجر فان المقدر كائن، و قضاء اللّه لا يرد و لا يبدل، و العبد مملوك لا يقدر على شيء أبدا.

«خامسها»: ملاحظة حال الممتحنين بأعظم من امتحانه، الصابرين عليه أجمل صبر.

«سادسها»: ملاحظة ان الابتلاء من السعادة، و ان البلاء للولاء، بل شدة البلاء للمؤمن، تكشف عن شدة القرب عنده تعالى.


1) جامع السعادات 207/3 عن الصادق عليه السّلام انه قال: من اشتكى ليلة فقبلها بقبولها، و ادى الى اللّه شكرها، كانت كعبادة ستين سنة.

2) اصول الكافي 92/2 باب الصبر حديث 17 بلفظه.

«سابعها»: تذكر ان ذلك من الحكيم الرؤوف، و انه لا يختار لعبده الا ما فيه صلاحه، و انه غني على الاطلاق، و انه على كل ما يشاء قدير.

«ثامنها»: تذكر ان ذلك تزكية لنفسك.

«تاسعها»: انه لا اثر للشكوى الا فرح العدو و حزن الصديق.

«عاشرها»: ان الصبر محمود العاقبة حتى في الدنيا، كما يستفاد من الاخبار و قضايا الصابرين، أ لا ترى ان صبر يوسف عليه السّلام عن معصية اللّه تعالى و على المحن كيف ادى الى بلوغه الغاية القصوى من العز، و من تصيير الجبار العاتي الظالم له عبدا، بعد أن كان مالكا، و اخوته رعيته، و زليخا له ذليلة جالسة في طريقه، و نال منها بنهاية العز بعد عود شبابها و جمالها و عينها اليها، كما لا يخفى على من راجع الاخبار الواردة في تفسير السورة(1).

و كذلك ايوب عليه السّلام رد اللّه بصبره اليه ما فاته من الصحة و الاولاد و الازواج، و أعطاه أموالا جزيلة،


1) مجمع البيان 241/5 في تفسير قوله تعالى «وَ كَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَ لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ» اي الصابرين فراجع القصة بطولها.

و امطر في داره جرادا من ذهب(1)

و عن تفسير الصافي في تفسير الآيات الكريمة ص 462 عن علي بن ابراهيم عن الصادق عليه السّلام، انه سئل عن بلية ايوب التي ابتلي بها في الدنيا لاي علة كانت؟ قال: لنعمة انعم اللّه عز و جل عليه بها في الدنيا و ادى شكرها، و كان في ذلك الزمان لا يحجب ابليس عن دون العرش، فلما صعد و رأى شكر نعمة ايوب عليه السّلام حسده ابليس، فقال: يا رب ان ايوب لم يؤد اليك شكر هذه النعمة الا بما اعطيته من الدنيا، و لو حرمته دنياه ما أدى اليك شكر نعمة ابدا، فسلطني على دنياه حتى تعلم انه لا يؤدي اليك شكر نعمة ابدا، فقيل له: قد سلطتك على ماله و ولده. قال: فانحدر ابليس فلم يبق له مالا و لا ولدا الا أعطبه، فازداد ايوب لله شكرا و حمدا. قال: سلطني على زرعه، قال:

قد فعلت. فجمع شياطينه فنفخ فيه فاحترق، فازداد ايوب عليه السّلام لله شكرا و حمدا. فقال يا رب:

فسلطني على غنمه، فسلطه على غنمه فأهلكها، فازداد ايوب عليه السّلام شكرا و حمدا. فقال يا رب: سلطني على بدنه، فسلطه على بدنه ما خلا عقله و عينيه -

. و قضايا حسن نتيجة

1) مجمع البيان 477/8 في تفسير قوله تعالى «وَ اذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَ عَذابٍ، اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَ شَرابٌ، وَ وَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنّا وَ ذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ، وَ خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَ لا تَحْنَثْ إِنّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ» ص: 41-45.

الصبر كثيرة، مذكورة في المفصلات.

و عليك بنيّ عند المصيبة بتذكر مصائب أهل البيت عليه السّلام اذ ما من مصيبة الا و فيهم أتم فرد منها، فاذا

تذكرت مصائبهم العظام، و هم سادات الانام، و لأجلهم خلقت الدنيا و من فيها(1)

تفسير مرآة انوار تأليف ابي الحسن بن محمد طاهر ابن عبد الحميد بن موسى بن علي بن معتوق بن عبد الحميد العاملي النباطي الفتوني العاملي الاصل الاصفهاني المولد و النجفي المسكن المتوفى سنة 1138 هجرية، راجع صفحة 30 طبعة طهران ايران لسنة 1374.

هانت عليك مصيبتك، و لقد

1) بمضمون هذه الجملة «خلق الارض و السماء و من فيها»، وردت احاديث جمة مذكورة في الموسوعات الحديثية. و تفاسير اهل البيت عليهم السّلام. و في الحديث المشهور بحديث الكساء قوله عز من قائل مخاطبا جبرائيل عليه السّلام: و عزتي و جلالي، و ارتفاع مكاني، ما خلقت سماء مطوية، و لا ارضا مدحية، و لا شمسا مضيئة، و لا قمرا منيرا، و لا فلكا يدور، الا لمحبة هؤلاء الخمسة.. الى آخر الحديث.

أجاد من قال:

أنست رزيتكم رزايانا التي سلفت و هونت الرزايا الآتية

و اياك بنيّ أن يكون صبرك صبر بعض العوام، و هو حبس النفس على وجه التجلد، فانه رياء محض، بل ليكن صبرك - اقلا - صبر المتقين و هو ما كان لتوقع أجر الآخرة، و أجود منه صبر العارفين، و هو التلذذ بالمكروه بالنظر الى كونه من المحبوب الرؤوف، العالم بالعواقب(1)

«الاول»: ترك الشكوى و هذه درجة التائبين.

«الثاني» الرضا بالمقدر و هذه درجة الزاهدين.

«الثالث» المحبة لما بصنع به مولاه و هذه درجة الصديقين. و كأن هذا الانقسام مخصوص بالصبر علىّ المكروه من المصائب و المحن، ثم الباعث للصبر.

اما اظهار الثبات و طمأنينة القلب عند الناس ليكون عندهم مرضيا - كما نقل عن معاوية - انه اظهر البشاشة و ترك الشكوى في مرضه موته و قال:

و تجلدي للشامتين اريهماني لريب الدهر لا اتزعزع و هذا صبر العوام، و هم الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون. -

.

1) جامع السعادات 280/2 قال: اهل الصبر على ثلاث مقامات:

و اعلم بنيّ ان الصبر لا ينافي البكاء على المصيبة، أ لا ترى ان سيد الكونين صلوات اللّه عليه و آله بكى في وفاة ولده ابراهيم، فقيل ما معناه: انك تأمرنا بالصبر فما هذا البكاء؟ فزجر صلّى اللّه عليه و آله القائل بما معناه:

ويحك القلب يحترق، و العين تدمع، و انما لا نتكلم بما يسخط الرب و لا يرضيه(1).

و عليك بني عند المصيبة من اكثار الاسترجاع كي


1) مستدرك وسائل الشيعة 133/1 باب 58 حديث 4 عن عبد الرحمن بن عوف قال: دخلت النخل مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فاذا ابراهيم يجود بنفسه، فأخذه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في حجره و فاضت عيناه. فقلت: يا رسول اللّه أ تبكي؟ اما -

يكون لك بمقتضى الآية الكريمة(1)

اولا - من كانت عصمته شهادة ان لا اله الا اللّه.

ثانيا - و من اذا انعم اللّه عليه نعمة قال الحمد لله.

ثالثا - و من اذا اصاب ذنبا قال استغفر اللّه.

رابعا - و من اذا اصابته مصيبة قال انا لله و انا اليه راجعون. مجمع البيان 238/1

صلوات من ربك و رحمة، و تكون من المهتدين، و اكثار تذكر حال الصابرين السابقين حتى يكون الصبر ملكة لك.

و اعلم بنيّ انه قد روي عن مولانا الصادق عليه


1) سورة البقرة: 156 قوله عز من قائل «اَلَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا لِلّهِ وَ إِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ»و عن الصادق عليه السّلام عن آبائه عن النبي صلّى اللّه عليه و آله قال: اربع من كن فيه كتبه اللّه من اهل الجنة:

السّلام: ان عند فناء الصبر الفرج(1)

فقال لها: عليك بالصبر، فاستعملته ثم جاءت بعد ذلك فشكت اليه طول غيبة ابنها، فقال لها: ألم أقل عليك بالصبر. فقالت يا بن رسول اللّه كم الصبر؟ فو اللّه لقد فني الصبر. فقال: ارجعي الى منزلك تجدي ولدك قد قدم من سفره، فنهضت فوجدته قد قدم، فأتت به اليه فقالت: أوحي بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله؟ قال: لا، و لكن عند فناء الصبر يأتي الفرج، فلما قلت فني الصبر عرفت ان اللّه قد فرّج عنك بقدوم ولدك.

، و التجربة ايضا تشهد بذلك(2)، و بأن لكل عسر يسرا(3)

خلقت عسرا واحدا، و خلقت يسرين، فلن يغلب عسر يسرين. -

.

1) وسائل الشيعة 455/2 باب 24 حديث 9 [ط ج 209/11 باب 25] عن الصادق عليه السّلام: انه جاءت اليه امرأة فقالت: ان ابني سافر عني و قد طالت غيبته عني و اشتد شوقي اليه فادع اللّه لي.

2) و اذا اردت الاطلاع على الحوادث و القصص التي تدل على انه عند فناء الصبر يحصل الفرج فراجع «الفرج بعد الشدة» للقاضي ابي علي الحسن بن ابي القاسم التنوخي المتوفى سنة 384، و كشكول الشيخ البهائي المتوفى سنة 1031 هجرية و غيرهما.

3) سورة ألم نشرح آية 6 قوله تعالى «فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً» مجمع البيان 509/10، روى عطاء عن ابن عباس، قال: يقول اللّه تعالى:

و لقد أجاد من قال:

و كم لله من لطف خفي يدق خفاه عن فهم الذكي

و كم يسر أتى من بعد عسر ففرّج(1)كربة القلب الشجي


1) ن خ: و فرج، منه (قدس سره).

و كم أمر تساء به صباحا فتأتيك المسرة بالعشي

اذا ضاقت بك الاحوال يوما فثق بالواحد الفرد العلي

و لا تجزع اذا ما ناب خطب فكم للّه من لطف خفي

بل ورد ان لكل عسر يسرين(1)

خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يوما مسرورا فرحا و هو يضحك و يقول: لن يغلب عسر يسرين، فان مع العسر يسرا، ان مع العسر يسرا.

، كما قال الشاعر:

اذا ضاقت بك الدنيا تفكر في ألم نشرح

تجد يسرين(2)بعد العسر ان فكرته تفرح

و اعلم بنيّ ان جملة من محامد الاخلاق ترجع الى الصبر، لكن له بكل مورد من موارده اسم، فان كان صبرا عن شهوة البطن و الفرج سمي «عفة»، و ان كان على احتمال مكروه اختلفت اساميه باختلاف المكروه الذي


1) مجمع البيان 509/10 عن الحسن عليه السّلام قال:

2) الوجه في ما قاله الشاعر ما قرره اهل الادب من ان اعادة النكرة تكريرا لها دون المعرفة، و اليسر قد كرر في السورة نكرة، و العسر معرفة، فيكون يسران بعد عسر واحد، منه (قدس سره).

عليه الصبر، فان كان مصيبة اقتصر على اسم «الصبر» و يضاده الجزع، و ان كان في ترك معصية سمي «بالتقوى»، و ان كان في احتمال الغنى سمي «ضبط النفس» و يضاده البطر، و ان كان في حرب و مقاتلة سمي «شجاعة» و يضاده الجبن، و ان كان في كظم الغيظ و الغضب سمي «حلما» و يضاده السفه، و ان كان في نائبة من نوائب الدنيا سمي «سعة الصدر» و يضاده الضجر و التبرم و ضيق الصدر، و ان كان في اخفاء كلام سمي «كتمان السر» و يضاده افشاء السر، و ان كان في فضول العيش سمي «زهدا» و يضاده الحرص، و ان كان صبرا على قدر يسير من الحظوظ سمي «قناعة» و يضاده الشره. الى غير ذلك من الموارد المشروحة في المفصلات.

و منها:

التوكل

فكن بنيّ - وفقك اللّه تعالى لخير الدارين - في جميع أمورك متوكلا على اللّه تعالى واثقا به، لان مجاري الامور جميعها بيده، و تحت قضائه و تقديره. فبالتوكل عليه تستريح من الهموم، و تعب السعي. فان بين السعي و الوصول عموما من وجه، فان وافق القضاء السعي اجتمعا، و ان خالفه افترقا، ففي افتراقهما و عدم النيل تتألم، و في اتفاقهما تنال تعبا. بخلاف ما اذا توكلت على اللّه تعالى، فانه ان اقتضى التقدير حصول مرادك نلته

بغير تعب، و ان اقتضى عدمه لم تكن تاعبا بالطلب و السعي، حتى تتحسر على التخلف، و قد فسر قوله عز من قائل «وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاّ وَ هُمْ مُشْرِكُونَ» (1)في اخبار أهل البيت عليهم السّلام بالنظر الى الاسباب(2)

في تفسير قوله تعالى «وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاّ وَ هُمْ مُشْرِكُونَ». قال: ان قول الرجل لو لا فلان لهلكت، و لو لا فلان لضاع عيالي، جعل لله شريكا في ملكه يرزقه و يدفع عنه. فقيل له: لو قال: لو لا ان منّ اللّه عليّ بفلان لهلكت؟ فقال: لا بأس. و هو شرك في الطاعة، لا شرك عبادة.

.

فتوكل - بنيّ - في أمورك على اللطيف الخبير، صاحب القضاء و التقدير، و اترك الاسباب و الاعتماد على غير اللّه سبحانه، و افرض من سواه تعالى أعجز من البعوضة.

و لا يخدعنك ما يستند اليه القاصرون من ان اللّه تعالى أبى ان يجري الامور الا بأسبابها، فان ذلك ناشىء من عدم فهم المراد بذلك، فان المراد به ان الامور لا تحصل بغير الاسباب، و اين ذلك من اعتبار تسبيب العبد بنفسه الاسباب؟! كيف، و الأدعية مشحونة بأن اللّه تعالى مسبب الاسباب من غير سبب. فالذي ابى جريان الامور


1) سورة يوسف: 106.

2) مجمع البيان 268/5 عن ابي عبد اللّه عليه السّلام:

بغير أسبابها، هو الذي يسبب الاسباب على مقتضى تقديره من غير تسبيب العبد.

و لا يغرنك ورود الاوامر الاكيدة في غير طالب العلم بطلب الرزق فان ذلك لاقامة نظم العالم المطلوب لرب العالمين جل شأنه، و لذا ترى ورود الاوامر الاكيدة بالاقتصاد فيه و عدم الافراط(1)

خطب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في حجة الوداع فقال: ايها الناس انه و اللّه ما من شيء يقربكم من الجنة و يباعدكم من النار الا و قد امرتكم به، و ما من شيء يقربكم من النار و يباعدكم من الجنة الا و قد نهيتكم عنه، و ان الروح الامين قد نفث في روعي انه لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا اللّه و اجملوا في الطلب، و لا يحملن احدكم استبطاء شيء من الرزق ان يطلبه بغير حق، فانه لا يدرك شيء مما عند اللّه الا بطاعته.

و حديث 8 - من المصدر و المجلد و الصفحة نفسها - عن ابي محمد الحسن العسكري عليهما السّلام انه قال: ادفع المسألة ما وجدت التحمل يمكنك، فان لكل يوم رزقا جديدا، و أعلم ان الالحاح في الطلب يسلب البهاء، و يورث التعب و العناء، فاصبر حتى يفتح اللّه لك بابا يسهل الدخول فيه، فما اقرب الصنع الى الملهوف، و الامن من الهارب المخوف، فربما كانت الغير نوع ادب من اللّه، و الحظوظ مراتب، فلا -

.

1) مستدرك الوسائل 418/20 باب استحباب الاجمال في طلب الرزق حديث 1 عن ابي جعفر عليه السّلام قال:

فكن بنيّ في جميع امور دنياك من الرزق و العز و نحوهما معتمدا على اللّه سبحانه، واثقا به، معرضا عن الاسباب، موكلا للامر الى مسببها، كما قال الشاعر الناصح:

كن عن امورك معرضا و كل الامور الى القضا

فلربما اتسع المضيق و ربما ضاق الفضا

و لرب أمر متعب لك في عواقبه رضا

اللّه يفعل ما يشاء فلا تكن متعرضا

اللّه عودك الجميل فقس على ما قد مضى

نعم، ان لم تكن طالب علم، فعليك بالكسب بمقدار رفع حاجتك مقتصدا فيه ايضا، بل المستفاد من الاخبار و التجربة الاكيدة، ان تارك الاسباب المتوكل على اللّه أحسن حالا من مرتبها، و ان تسبيبها - سيما ممن يحبه اللّه عز و جل -، يوجب اعراض اللّه تعالى عنه. و ايكاله الى نفسه، بل منع الاسباب من ان تؤثر.

و كفاك بنيّ في ذلك ما ورد، من ان يوسف عليه السّلام لو لم يقل «اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ» لولاه من ساعته، و لكنه لما سعى في حق نفسه، أخر اللّه تعالى ذلك سنة(1). و ان اعتماده على أحد صاحبيه في السجن.

بقوله «اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ» أخر نجاته سبع سنين، و عاتبه اللّه تعالى بأنه كيف استغثت بغيري، و لم تستعن بي، و لم تسألني ان اخرجك من السجن، و استعنت و أملت عبدا من عبادي، ليذكرك الى مخلوق من خلقي في قبضتي، و لم تفزع الي؟! البث في السجن بذنبك بضع سنين، بارسالك عبدا الى عبد(2)، و لم ينج بعد ذلك الا بالتوكل حيث


1) مجمع البيان 243/5 روي عن ابن عباس عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله انه قال: رحم اللّه اخي يوسف لو لم يقل «اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ» لولاّه من ساعته و لكنه اخّر ذلك سنة.

2) مجمع البيان 235/5 روي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: جاء جبرائيل عليه السّلام فقال: يا يوسف من جعلك احسن الناس؟ قال: ربي. قال: فمن حببك -

أتاه جبرائيل عليه السّلام و سأله عن حب النجاة، فأوكل ذلك الى مشيئة اللّه تعالى، فعلمه جبرائيل عليه السّلام دعاء التوسل، فدعى به فنجى(1)

لما ألقى اخوة يوسف عليه السّلام في الجب، نزل عليه جبرائيل عليه السّلام فقال له: يا غلام من طرحك هنا؟ فقال: اخوتي لمنزلتي من ابي حسدوني، و لذلك في الجب طرحوني. فقال: اتحب ان أ تخرج من هذا الجب؟ قال: ذلك الى آله ابراهيم و اسحاق و يعقوب.

فقال له: فان اله ابراهيم و اسحاق و يعقوب يقول لك قل «اللهم اني اسألك بأن لك الحمد لا اله الا انت بديع السماوات و الارض يا ذا الجلال و الاكرام، ان تصلي -

.

1) مجمع البيان 217/5 عن الصادق عليه السّلام قال:

و كذلك يعقوب عليه السّلام عاتبه اللّه تعالى في شكايته مصائبه الى عزيز مصر، و عدم استغاثته بالله تعالى، و لم ينج الا بعد الاستغفار و الانابة(1).


1) تفسير الصافي سورة يوسف في تفسير قوله تعالى «لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ». لما كتب يعقوب كتابا الى عزيز مصر نزل جبرائيل عليه السّلام على يعقوب فقال له: يا يعقوب ان ربك يقول لك من ابتلاك بمصائبك التي كتبت بها الى عزيز مصر؟ قال يعقوب: انت بلوتني بها عوبة منك و أدبا لي. قال اللّه: فهل يقدر على صرفها عنك احد غيري؟ قال يعقوب: اللهم لا. قال: فما استحييت مني حين شكوت مصائبك الى غيري، و لم تستغث بي و تشكو ما بك الي. فقال يعقوب: استغفرك يا الهي و اتوب اليك و اشكو بثي و حزني اليك، فقال اللّه تعالى: قد بلغت بك يا يعقوب و بولدك الخاطئين الغاية في ادبي، و لو كنت يا يعقوب شكوت مصائبك الي عند نزولها بك، و استغفرت و تبت الي من ذنبك، لصرفتها عنك بعد تقديري اياها عليك، و لكن الشيطان انساك ذكري فصرت الى القنوط من رحمتي، و انا الجواد الكريم احب عبادي المستغافرين التائبين الراغبين الي فيما -

فلا ترفع بنيّ حاجتك الى غير اللّه سبحانه و تعالى، و لا تشكو مصائبك الا اليه، فانه الجواد الكريم، و قد أعطى اللّه تعالى ابراهيم عليه السّلام منصب الخلة لانه لم يسأل أحدا شيئا قط(1)

فاعلمني من هو أخدمه حتى أموت؟ قال: فأنت. قال:

و بم ذلك؟ قال: لانك لم تسأل احدا شيئا قط، و لم تسأل شيئا قط، فقلت: لا.

.

و قد روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله انه قال: رأيت الخير كله قد اجتمع في قطع الطمع عما في


1) تفسير الصافي ص 120 في تفسير قوله تعالى «وَ اتَّخَذَ اللّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً» عن الصادق عليه السّلام: ان ابراهيم عليه السّلام كان أبا اضياف، و كان اذا لم يكونوا عنده يخرج يطلبهم، و اغلق بابه و اخذ المفاتيح يطلب الاضياف، و انه رجع الى داره فاذا هو برجل او شبه رجل في الدار. فقال: يا عبد اللّه باذن من دخلت هذه الدار؟ فقال: دخلتها باذن ربها - يردد ذلك ثلاث مرات - فعرف ابراهيم عليه السّلام انه جبرائيل، فحمد ربه، ثم قال: ارسلني ربك الى عبد من عبيده يتخذه خليلا، قال ابراهيم عليه السّلام:

أبدي الناس(1).

و عن الصادق عليه السّلام انه قال: اذا اراد أحدكم ان لا يسأل ربه شيئا الا أعطاه، فلييأس من الناس كلهم، و لا يكون له رجاء الا من عند اللّه، فاذا علم اللّه ذلك من قلبه لم يسأله الا اعطاه(2)

راجع روايات الباب تجدها متضافرة بهذا المعنى.

.

و عليك بملاحظة الدعاء الثالث عشر من ادعية الصحيفة السجادية في طلب الحوائج الى اللّه عز و جل و التفكر فيه


1) وسائل الشيعة 485/2 باب وجوب محاسبة النفس 321/11 باب 67] عن معمر عن الزهري قال: قال علي بن الحسين عليه السّلام: رأيت الخير كله قد اجتمع في قطع الطمع عما في أيدي الناس.

2) وسائل الشيعة 485/2 باب وجوب محاسبة النفس 94 حديث 2 [ط ج 377/11 باب 96] عن حفص بن غياث قال: قال ابو عبد اللّه عليه السّلام: اذا اراد أحدكم ان لا يسأل اللّه شيئا الا اعطاه، فلييأس من الناس كلهم، و لا يكون له رجاء الا من عند اللّه جل ذكره، فاذا علم اللّه - جل و عز - ذلك من قلبه، لم يسأل اللّه شيئا الا اعطاه، فحاسبوا انفسكم قبل ان تحاسبوا عليها، فان للقيامة خمسين موقفا. كل موقف مقداره الف سنة. ثم تلا قوله تعالى «فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ» سورة السجدة آية 5.

و قراءته، حتى يتبين لك صحة ما ذكرته لك من مرجوحية تسبيب الاسباب(1).


1) صحيفة السجادية الاولى دعاء في طلب الحوائج، و هو هذا «اللهم يا منتهى مطلب الحاجات، و يا من عنده نيل الطلبات، و يا من لا يبيع نعمه بالاثمان، و يا من لا يكدر عطاياه بالامتنان، و يا من يستغني به و لا يستغنى عنه، و يا من يرغب اليه و لا يرغب عنه، و يا من لا تفني خزائنه المسائل، و يا من لا تبدل حكمته الوسائل و يا من لا تنقطع عنه حوائج المحتاجين، و يا من لا يعيبه دعاء الداعين. تمدحت بالغناء عن خلقك و انت اهل الغنى عنهم، و نسبتهم الى الفقر و هم اهل الفقر اليك، فمن حاول سد خلته من عندك، و رام صرف الفقر عن نفسه بك، فقد طلب حاجته من مظانها، و اتى طلبته من وجهها. و من توجه بحاجته الى احد من خلقك، او جعله سبب نجحها دونك، فقد تعرض منك للحرمان و استحق من عندك فوت الاحسان اللهم و لي اليك حاجة قد قصر عنها جهدي، و تقطعت دونها عيلتي، و سولت لي نفسي رفعها الى من يرفع حوائجه اليك، و لا يستغني في طلباته عنك، و هي زلة من زلل الخاطئين، و عثرة من عثرات المذنبين. ثم انتبهت بتذكيرك لي من غفلتي، و نهضت بتوفيقك من زلتي، و نكصت بتسديدك عن عثرتي، و قلت سبحان ربي كيف يسأل محتاج محتاجا، و انى يرغب معدم الى معدم. فقصدتك يا الهي بالرغبة و اوفدت عليك رجائي بالثقة بك، و علمت ان كثير ما اسألك يسير في وجدك، و ان خطير ما استوهبك حقير في وسعك، و ان كرمك لا يضيق عن -

و منها:

القناعة

فعليك بنيّ بها، فان فيها عز الدارين، و راحة البدن و ذلك انك ان تركتها فربما التجأت الى ارتكاب ما ينقصك عند العباد في الدنيا و ما يوقعك في العذاب في الآخرة، و الى التعب و العناء.

و لا أريد بالقناعة الاقتار و الضيق على العيال حتى مع السيار، فان ذلك خلاف التوسعة المندوبة(1)

و حديث 2 ص 142 [ط ج: 248/15] عن علي ابن الحسين عليه السّلام قال: ارضاكم اللّه اسبغكم [ن خ: أوسعكم] على عياله.

و حديث 7 - نفس المصدر - عن سعيد بن محمد عن مسعدة قال: قال لي ابو الحسن عليه السّلام: ان عيال الرجل اسراؤه، فمن انعم اللّه عليه بنعمة فليوسع على اسرائه، فان لم يفعل اوشك ان تزول النعمة.

، بل قد يكون تركا لاداء ميزان نفقتهم الواجبة، بل المراد الرضا بالميسور، و الصرف بقدر الدخل، فان كنت ذا يسار فوسع على عيالك في النفقة و الكسوة الى حد لا يؤدي الى الاسراف و التبذير المحرمين، و خذ بالاقتصاد المطلوب في جميع الامور، حتى لا تعد من اهل الدناءة و الخسة، و لا من أهل السرف و التبذير(2)، و ان كنت من اهل الاعسار،

1) وسائل الشيعة 141/3 باب استحباب التوسعة على العيال 20 حديث 1 [ط ج 248/15] - في حديث - عن ابي الحسن عليه السّلام قال: ينبغي اذا زيد في النعمة، ان يزيد اسراءه في التوسعة [ن خ: السعة] عليهم.

2) «وَ الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً» سورة الفرقان آية 67، وسائل الشيعة 143/3 باب عدم جواز السرف و التقصير 27 [ط ج 261/15-262] حديث 3 محمد بن سنان عن ابي -

فاقنع بالميسور، و ارض بالمقدر، و لا تكشف لاحد سرك، و لا تظهر فقرك، فان الناس عبيد الدنيا، فاذا اطلعوا على فقرك استصغروك، و أهانوك و استذلوك، و لقد اجاد من قال:

خيار الناس من لزم القناعه و لم يكشف لمخلوق قناعه

أفادتنا القناعة كل عز و لا عز أعز من القناعه

و لقد جربت - بنيّ صان اللّه تعالى ماء وجهك - فوجدت ان الكشف للمخلوق يزيد في الاعسار، و يورث الذل و الصغار، و يغضب الملك الجبار. فاياك و ان تكشف لمخلوق سرك و عسرك، استعطاءا منه و استعطافا، فان

الرزق مقدر مقسوم(1)، قسمه حكيم على حسب حكمته و استصلاحه، و لا يزيد ببذل ماء الوجه، و لا ينقص بالعفة و التعزز(2)، بل قد يكون الكشف للمخلوق شكاية من


1) اصول الكافي 80/5. باب الاجمال في الطلب حديث 1 عن ابي جعفر عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله في حجة الوداع: الا ان الروح الامين نفث في روعي انه لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا اللّه عز و جل، و اجملوا في الطلب، و لا يحملنكم استبطاء شيء من الرزق ان تطلبوه بشيء من معصية اللّه. فان اللّه تبارك و تعالى قسم الارزاق بين خلقه حلالا و لم يقسمها حراما، فمن اتقى اللّه عز و جل و صبر اتاه اللّه برزقه من حله، و من هتك حجاب الستر و عجل فأخذه من غير حله، قصر به من رزقه الحلال، و حوسب عليه يوم القيامة.

2) اصول الكافي 80/5 باب الاجمال في الطلب حديث 9 عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: كان امير المؤمنين عليه السّلام كثيرا ما يقول: اعلموا علما يقينا ان اللّه عز و جل لم يجعل للعبد و ان اشتد جهده و عظمت حيلته و كثرت مكايدته، ان يسبق ما سمي له في الذكر الحكيم، و لم يحل من العبد في ضعفه و قلة حيلته، ان يبلغ ما سمي له في الذكر الحكيم. ايها الناس انه لن يزداد امرء نقيرا بحذقه، و لم ينتقص امرء نقيرا لحمقه. فالعالم لهذا العامل به اعظم الناس راحة في منفعته، و العالم لهذا التارك له اعظم الناس شغلا في مضرته، و رب منعم عليه مستدرج بالاحسان اليه، -

قاسم الارزاق فيؤدي الى غضبه في الدنيا بزيادة الاعسار، و في الآخرة بعذاب النار.

و ترشدك الى ذلك الاخبار(1)، و كفاك منها قوله جل


1) وسائل الشيعة 532/2 باب استحباب الاجمال في الطلب - 12 - حديث 7 [ط ج: 28/12] عن الصادق عليه السّلام عن آبائه عليهم السّلام عن النبي صلّى اللّه عليه و آله - في حديث المناهي - قال: من -

شأنه في الحديث القدسي: و عزتي و جلالي لاقطعن أمل كل مؤمل يؤمل غيري باليأس، و لأكسونه ثوب المذلة في الناس، و لأبعدنه من فرجي و فضلي(1).


1) وسائل الشيعة 447/2 باب 12 حديث 1 [ط ج 167/11] عن ابي عبد اللّه عليه السّلام انه قرأ في بعض الكتب: ان اللّه تبارك و تعالى يقول: (و عزتي و جلالي و مجدي و ارتفاعي على عرشي، لأقطعن امل كل مؤمل من الناس غيري باليأس، و لأكسونه ثوب المذلة عند الناس، و لأنحينه من قربي و لأبعدنه من فضلي). أ يؤمل غيري في الشدائد و الشدائد بيدي؟ و يرجو غيري و يقرع بالفكر باب غيري و بيدي مفاتيح الابواب؟ و هي مغلقة و بابي مفتوح لمن دعاني، فمن ذا الذي أملني لنائبة فقطعته دونها؟ و من ذا الذي رجاني لعظيمة فقطعت رجاءه مني؟ جعلت آمال عبادي عندي محفوظة فلم يرضوا بحفظي، و ملأت سماواتي ممن لا يمل من تسبيحي و أمرتهم ان لا يغلقوا الابواب بيني و بين عبادي فلم يثقوا بقولي. ألم يعلم من طرقته نائبة من نوائبي انه لا يملك كشفها غيري الا بعد اذني؟ فما لي أراه لاهيا عنى، اعطيته بجودي ما لم يسألني، ثم انتزعته فلم يسألني رده و سأل غيري. أ فتراني أبدا بالعطاء قبل المسألة ثم اسأل فلا اجيب سائلي، أ بخيل انا فيبخلني عبدي؟ او ليس الجود و الكرم لي؟ او ليس -

و منها:

الحياء

فانه من الصفات الحميدة و الاخلاق المحمودة في الدنيا و الآخرة، حتى ورد عنهم عليهم السّلام: ان الحياء من الايمان، و الايمان في الجنة(1). و ان الحياء و الايمان مقرونان، فاذا ذهب احدهما تبعه صاحبه(2). و انه لا ايمان لمن لا حياء له(3). و أن أربعا من كن فيه و كان من


1) اصول الكافي 106/2 حديث 1 بلفظه.

2) اصول الكافي 106/2 حديث 4 عن احدهما عليهما السّلام قال: الحياء و الايمان مقرونان في قرن، فاذا ذهب احدهما تبعه صاحبه.

3) اصول الكافي 106/2 حديث 5 بلفظه.

قرنه الى قدمه ذنوبا بدلها اللّه تعالى حسنات: الصدق، و الحياء، و حسن الخلق، و الشكر(1). و في خبر آخر:

اداء الامانة بدل الشكر(2).

و منها:

حسن الخلق

فعليك بنيّ - احسن اللّه تعالى اليك - به، فان فيه فوائد عظيمة في الدارين. و كفى في فضله مدح اللّه جل شأنه لاشرف المرسلين صلّى اللّه عليه و آله به(3).

و قد ورد انه نصف الدين(4)، و افضل ما اعطي المرء(5)،


1) اصول الكافي 107/2 حديث 7 بلفظه.

2) وسائل الشيعة 221/2 باب 104 حديث 2 [ط ج 504/8] عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: اربع من كن فيه كمل ايمانه، و ان كان من قرنه الى قدمه ذنوبا لم ينقصه ذلك. قال: و هو الصدق، و اداء الامانة، و الحياء، و حسن الخلق. و اصول الكافي 100/2 حديث 5.

3) و ذلك قوله تعالى «وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» سورة القلم آية 4.

4) وسائل الشيعة 221/2 باب 104 حديث 27 [ط ج 507/8] عن ثابت عن انس قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: حسن الخلق نصف الدين.

5) وسائل الشيعة 221/2 باب 104 حديث 28 [ط ج -

و انه ما يوضع في ميزان امرء يوم القيامة افضل منه(1)، و ان لصاحبه اجر الصائم القائم(2). و اجر المجاهد في سبيل اللّه(3). و انه يميث الخطيئة كما تميث الشمس الجليد(4)، و انه يذيب الذنوب كما يذيب الماء الملح(5)، و ان اكثر ما تلج به هذه الامة الجنة تقوى اللّه و حسن الخلق(6)و ان


1) اصول الكافي 99/2 باب حسن الخلق حديث 2 عن علي بن الحسين عليهما السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: ما يوضع في ميزان امرىء يوم القيامة افضل من حسن الخلق.

2) اصول الكافي 100/2 حديث 5 عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم: ان صاحب الخلق الحسن له مثل اجر الصائم القائم.

3) اصول الكافي 101/2 حديث 12 عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: ان اللّه تبارك و تعالى ليعطي العبد من الثواب على حسن الخلق كما يعطي المجاهد في سبيل اللّه، يغدو عليه و يروح.

4) اصول الكافي 100/2 حديث 7 عبد اللّه بن سنان عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: ان الخلق الحسن يميث الخطيئة كما تميث الشمس الجليد.

5) يعلم من الحديث المتقدم بتغيير يسير.

6) اصول الكافي 100/2 حديث 6 عن رسول اللّه صلى -

اللّه يستحي يوم القيامة من ان يطعم لحم حسن الخلق النار(1)، و أنه يزيد العمر(2)، حتى ورد الامر بحسن الخلق في مجالسة اليهودي ايضا(3).

و قد وجدت بنيّ من حسن الخلق آثارا غريبة، و لله دره عليه أفضل الصلاة و السّلام في قوله: انكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فسعوهم ببسط الوجه و حسن الخلق(4)

يا بني عبد المطلب، انكم لم تسعوا لناس بأموالكم فالقوهم بطلاقة الوجه و حسن البشر. -

.

1) وسائل الشيعة 221/2 باب 104 حديث 31 [ط ج 508/8] عن ابي الحسن عليه السّلام قال سمعته يقول: ما حسن اللّه خلق عبد و لا خلقه الا استحى ان يطعم لحمه يوم القيامة للنار.

2) اصول الكافي 100/2 حديث 8 عبد اللّه بن سنان عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: البر و حسن الخلق يعمران الديار و يزيدان في الاعمار.

3) مستدرك وسائل الشيعة 60/2 باب 2 حديث 3 عن ابي جعفر عليه السّلام انه قال: صانع المنافق بلسانك، و اخلص ودك للمؤمن، و ان جالسك يهودي فأحسن مجالسته.

4) اصول الكافي 103/2 باب حسن البشر حديث 1 عن الحسن بن الحسين قال: سمعت ابا عبد اللّه عليه السّلام يقول: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و عن امير المؤمنين عليه السّلام انه قال: حسّن مع جميع الناس خلقك، حتى اذا غبت عنهم حنوا اليك، و اذا مت بكوا عليك. و قالوا «إِنّا لِلّهِ وَ إِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» ، و لا تكن من الذين يقال عند موتهم «اَلْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» (1)

و في خبر آخر: ثلثاه فطنة و ثلثه تغافل.

.

و سئل الصادق عليه السّلام عن حد حسن الخلق، فقال عليه السّلام: تلين جانبك، و تطيب كلامك، و تلقى


1) وسائل الشيعة 227/2 باب استحباب مداراة الناس - 121 حديث 8 [ط ج 541/8] عن امير المؤمنين عليه السّلام في وصيته لمحمد بن الحنفية قال: و احسن الى جميع الناس كما تحب ان يحسن اليك، و ارض لهم ما ترضاه لنفسك و استقبح لهم ما تستقبحه من غيرك، و حسن مع الناس خلقك حتى اذا غبت عنهم حنوا اليك و اذا مت بكوا عليك و قالوا «إِنّا لِلّهِ وَ إِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ»، و لا تكن من الذين يقال عند موته «اَلْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ». و اعلم ان رأس العقل بعد الايمان بالله عز و جل مداراة الناس، و لا خير فيمن لا يعاشر بالمعروف من لا بد من معاشرته، حتى يجعل اللّه الى الخلاص منه سبيلا، فانى وجدت جميع ما يتعايش به الناس و به يتعاشرون ملء مكيال، ثلثاه استحسان و ثلثه تغافل.

أخال ببشر حسن(1).

و عنه عليه السّلام ايضا: ان حسن الخلق مع المؤمنين هو بسط الوجه و البشرة لهم، و مع المخالف التكلم بالمداراة لاستجذابه الى الايمان، و مع اليأس من ايمانه فكف شره عن النفس و اخوانه المؤمنين(2).

و قال عليه السّلام: ان مداراة أعداء اللّه من افضل صدقة المرء على نفسه و اخوانه(3).


1) اصول الكافي 103/2 حديث 4 بلفظه.

2) مستدرك وسائل الشيعة 91/2 باب 104 استحباب مداراة الناس حديث 3 عن ابي محمد العسكري عليهما السّلام في تفسيره في قوله تعالى «وَ قُولُوا لِلنّاسِ حُسْناً»قال الصادق عليه السّلام قال: قولوا للناس كلهم حسنا مؤمنهم و مخالفهم، اما المؤمنون فيبسط لهم وجهه، و اما المخالفون فيكلمهم بالمداراة لاجتذابهم الى الايمان، فان استتر من ذلك يكف شرورهم عن نفسه و عن اخوانه المؤمنين.

3) مستدرك وسائل الشيعة 91/2 باب 104 استحباب مداراة الناس في آخر حديث 3 قال الامام عليه السّلام ان مداراة اعداد اللّه من افضل صدقة المرء على نفسه و اخوانه، صان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في منزله اذ استأذن عليه عبد اللّه بن ابي سلول، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: بئس أخو العشيرة ائذنوا له فأذنوا له، فلما دخل أجلسه و بشر في وجهه، فلما خرج قالت عائشة: يا رسول اللّه قلت فيه ما قلت، -

و اياك بنيّ و سوء الخلق سيما مع الاهل و العيال.

و قد ورد أن سوء الخلق في النار لا محالة(1)

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: عليكم بحسن الخلق فان حسن الخلق في الجنة لا محالة، و اياكم و سوء الخلق، فان سوء الخلق في النار لا محالة.

، و انه يفسد الايمان كما يفسد الخل العسل(2)، و ان سعدا شيعه سبعون ألف ملك و مع ذلك أصابته ضمة القبر لسوء خلقه في اهله(3)

اتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقيل ان سعد بن معاذ قد مات - الى ان ذكر تجهيزه و دفنه - ثم قال:

فقالوا أمرت بغسله و صليت على جنازته و لحدته، ثم قلت: ان سعدا قد اصابته ضمة. فقال صلّى اللّه عليه و آله نعم، انه كان في خلقه مع اهله سوء.

.

1) وسائل الشيعة 221/2 باب 104 استحباب حسن الخلق مع جميع الناس حديث 17 [ط ج 506/7] عن الرضا عليه السّلام عن آبائه عليهم السّلام قال:

2) اصول الكافي 321/2 باب سوء الخلق حديث 3 عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: ان سوء الخلق ليفسد الايمان كما يفسد الخل العسل.

3) مستدرك وسائل الشيعة 338/2 باب تحريم سوء الخلق حديث 4 عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:

و منها:

الحلم و العفو

فعليك بنيّ بهما، فان أهلهما يدخلون الجنة بغير حساب، و كفاهما شرفا انهما مما وصف اللّه سبحانه بهما نفسه، و قصص الانبياء و الاوصياء عليهم السّلام في الحلم كثيرة ليس هنا محل ذكرها. و قد ورد ان الرجل لا يكون عابدا حتى يكون حليما(1)

و لا يكون عاقلا حتى يكون حليما.

، و ان اللّه يحب الحليم(2)

ان اللّه عز و جل يحب الحيي الحليم.

، و ان الحلم من صفات المؤمن(3)

لا يكمل ايمان المؤمن حتى تكون فيه ثلاث خصال حلم يردعه عن الجهل، و ورع يحجزه عن المعاصي، و كرم يحسن به صحبته.

، و ان من كظم غيظا و هو يقدر على أن ينفذه ملأ اللّه تعالى قلبه يوم القيامة رضا و أمنا و ايمانا، و دعاه على رؤوس الخلائق حتى يخيره

1) مستدرك وسائل الشيعة 304/2 باب استحباب الحلم حديث 4 عن الرضا عليه السّلام انه قال لرجل من القميين: اتقوا اللّه، و عليكم بالصمت و الصبر و الحلم فانه لا يكون الرجل عابدا حتى يكون حليما. و قال:

2) مشكاة الانوار ص 195 الفصل الحادي عشر في الحلم و كظم الغيظ حديث 1 عن ابي جعفر عليه السّلام قال:

3) مستدرك وسائل الشيعة 304/2 باب استحباب الحلم حديث 6 عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله انه قال:

فيه أي حور العين شاء أخذ منهن، و أعطاه أجر شهيد(1)

وسائل الشيعة 224/2 باب استحباب كظم الغيظ 114 حديث 8 [ط ج 524/8] عن ابي عبد اللّه عليه السّلام انه قال: من كظم غيظا و لو شاء ان يمضيه امضاه ملأ اللّه قلبه يوم القيامة رضاه.

مستدرك وسائل الشيعة 88/2 باب استحباب كظم الغيظ حديث 15 عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: من كظم غيظا و هو قادر على انفاذه دعاه اللّه تعالى يوم القيامة على رؤوس الخلائق، و خيّره ان يختار من الحور العين ما اراد.

وسائل الشيعة 224/2 باب استحباب كظم الغيظ حديث 12 [ط ج 525/8] عن الصادق عن آبائه عليهم السّلام، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله - في حديث المناهي - قال: من كظم غيظا و هو يقدر على انفاذه و حلم عنه، اعطاه اللّه اجر شهيد.

.

و انه ما من جرعة يتجرعها العبد أحب الى اللّه تعالى من جرعة غيظ يتجرعها عند ترددها في قلبه، اما بصبر و اما بحلم(2). و انه ما من عبد كظم غيظا الا زاده اللّه عز و جل


1) مستدرك وسائل الشيعة 88/2 باب استحباب كظم الغيظ حديث 14 عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله انه قال: من كظم غيظا و هو يقدر على انفاذه ملأه اللّه أمنا و ايمانا.

2) مستدرك وسائل الشيعة 87/2 باب استحباب كظم الغيظ حديث 3 عن ابي جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السّلام قال: ما من جرعة يجرعها عبد احب الى -

عزا في الدنيا و الآخرة، و اذا كان يوم القيامة جمع اللّه تبارك و تعالى الاولين و الآخرين في صعيد واحد، ثم ينادي مناد:

أين أهل الفضل؟ قال: فيقوم عنق من الناس فتتلقاهم الملائكة فيقولون و ما كان فضلكم؟ فيقولون: كنا نصل من قطعنا، و نعطي من حرمنا، و نعفو عمن ظلمنا. فيقال لهم: صدقتم أدخلوا الجنة بغير حساب(1)

ما من عبد كظم غيظا الا زاده اللّه عز و جل به عزا في الدنيا و الآخرة، و قد قال اللّه تبارك و تعالى «وَ الْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَ الْعافِينَ عَنِ النّاسِ وَ اللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ»، و آتاه اللّه تبارك و تعالى الجنة مكان غيظه ذلك.

وسائل الشيعة 223/2 باب 113 حديث 2 [ط ج / 521] عن علي بن الحسين عليهما السّلام قال: سمعته يقول: اذا كان يوم القيامة جمع اللّه تعالى الاولين و الآخرين في صعيد واحد. ثم ينادي مناد: اين اهل الفضل؟ قال: فيقوم عنق من الناس فتتلقاهم الملائكة فيقولون: و ما كان فضلكم؟ فيقولون: كنا نصل من قطعنا، و نعطي من حرمنا، و نعفو عمن ظلمنا. قال:

فيقال لهم: صدقتم ادخلوا الجنة.

. و ان العفو زكاة الظفر(2). و ان أولى الناس بالعفو أقدرهم على

1) مستدرك وسائل الشيعة 87/2 باب استحباب كظم الغيظ حديث 4 عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال:

2) نهج البلاغة 201/3 حديث 211 بلفظه.

العقوبة(1)، و ان العفو لا يزيد العبد الا عزا. فاعفوا يعزكم اللّه(2).

فعليك بنيّ بالعفو عمن ظلمك حتى يعفو عنك من ظلمته بمخالفته تعالى شأنه، و تنال الرتب العالية المذكورة.

و اياك بنيّ ثم اياك و الغضب فانه يكشف عن ضعف عقيدة المغضب. و قد ورد أن الغضب يفسد الايمان كما يفسد الخل و الصبر العسل(3). و أنه أحد أركان الكفر.

فان أركانه أربعة: الرغبة، و الرهبة، و السخط، و الغضب(4). و ان الغضب مفتاح كل شر(5). و ممحق لقلب الحكيم(6)، و من لم يملك غضبه لم يملك عقله(7)،


1) وسائل الشيعة 223/2 باب 112 حديث 9 [ط ج 520/8] بتصرف.

2) وسائل الشيعة 223/2 باب 112 حديث 2 [ط ج 519/8] عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: عليكم بالعفو، فان العفو لا يزيد العبد الا عزا، فتعافوا يعزكم اللّه.

3) اصول الكافي 302/2 باب الغضب حديث 1 بلفظه.

4) وسائل الشيعة 466/2 باب 48 حديث 2 بلفظه.

5) اصول الكافي 303/2 حديث 3 عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: الغضب مفتاح كل شر.

6) اصول الكافي 305/2 حديث 13 قال ابو عبد اللّه عليه السّلام: الغضب ممحقة لقلب الحكيم، و من لم يملك غضبه لم يملك عقله.

7) اصول الكافي 305/2 باب الغضب حديث 13 قال -

و ان ابليس قال: الغضب رهقي و مصيادي، و به أصد خيار الخلق عن الجنة و طريقها(1).

و قد ذكروا للغضب مسكنات:

فمنها: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم(2)

لما نزلت هذه الآية قال النبي صلّى اللّه عليه و آله:

كيف يا رب و الغضب؟ فنزل قوله تعالى «وَ إِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ».و كيفيتها تعلم من رواية معاوية بن عمار عن الصادق عليه السّلام في الاستعاذة قال: اعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.

وسائل الشيعة 363/1 باب 57 استحباب الاستعاذة في الصلاة حديث 7.

و رواية سماعة عن الصادق عليه السّلام قال: سألته عن الرجل يقوم في الصلاة فينسى فاتحة الكتاب، قال:

فليقل «استعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ان اللّه هو السميع العليم» ثم ليقرأها ما دام لم يركع.

وسائل الشيعة 362/1 حديث 3.

و حديث الاضطجاع في حال الغضب، و في جامع السعادات 296/1.

.

1) مستدرك وسائل الشيعة 326/2 باب 53 وجوب تسكين الغضب حديث 10 بلفظه.

2) مجمع البيان 512/4 في تفسير قوله تعالى «خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ». قال ابن زيد:

و منها: ذكر اللّه سبحانه، فقد ورد أنه مكتوب في التوراة: يا بن آدم أذكرني حين تغضب أذكرك عند غضبي، فلا أمحقك فيمن أمحق، و اذا ظلمت بمظلمة فارض بانتصاري لك، فان انتصاري لك خير من انتصارك لنفسك(1).

و منها: ان كان قائما فليجلس، و ان كان قاعدا فليضطجع أو ليقم(2).

و منها: تغيير المكان، فان الشيطان قال لموسى عليه السّلام في تضاعيف نصائحه: اذا استولى عليك الغضب فغيّر مكانك، و الا ألقيتك في الفتنة.

و منها: ان يتوضأ و يغتسل بالماء البارد(3).


1) وسائل الشيعة 470/2 باب 53 باب وجوب ذكر اللّه عند الغضب حديث 3 [ط ج 291/11 باب 54].

2) وسائل الشيعة 470/2 باب 52 باب وجوب تسكين الغضب حديث 19 [ط ج 290/11 باب 53] عن ابي بصير عن الصادق جعفر بن محمد عن ابيه عليهما السّلام انه ذكر عنده الغضب فقال: ان الرجل ليغضب حتى ما يرضى ابدا و يدخل بذلك النار، فأيما رجل غضب و هو قائم فليجلس، فانه سيذهب عنه رجز الشيطان، و ان كان جالسا فليقم، و أيما رجل غضب على ذي رحم فليقم اليه و ليدن منه و ليمسه فان الرحم اذا مست الرحم سكنت.

3) جامع السعادات 296/1 فراجع.

و منها: ان يسس المغضوب عليه جسد الغاضب ان كان بينهما رحيمة، فان الرحم اذا مست سكنت(1)

ان الرجل ليغضب فما يرضى ابدا حتى يدخل النار، فايما رجل غضب على قوم و هو قائم فليجلس من فوره ذلك فانه سيذهب عنه رجز الشيطان، و ايما رجل غضب على ذي رحم فيلدن منه فليمسه فان الرحم اذا مست سكنت.

و كذا وسائل الشيعة الحديث المتقدم في ص 76 برقم (3).

.

و منها: شرب الماء(2).

و منها: أكل الزبيب، فانه يطفىء الغضب(3).


1) اصول الكافي 302/2 باب الغضب حديث 2 عن ميسر قال: ذكر الغضب عند ابي جعفر عليه السّلام فقال:

2) المحاسن للبرقي ص 572 حديث 15 عن ابي طيفور المتطبب قال: نهيت ابا الحسن الماضي عليه السّلام عن شرب الماء، فقال عليه السّلام: و ما بأس بالماء، و هو يدير الطعام في المعدة، و يسكن الغضب، و يزيد في اللب، و بطفىء المرارة.

3) مستدرك وسائل الشيعة 115/3 باب 63 حديث 1 عن زياد بن ابي هند قال: اهدى الى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله طبق مغطى، فكشف عنه ثم قال: كلوا بسم اللّه، نعم الطعام الزبيب، يشد العصب، و يذهب بالوصب، و يطفىء الغضب، و يرضي الرب، و يذهب بالبلغم، و يطيب النكهة، و يصفي اللون.

و منها: أن يقول «اللهم أذهب عني غيظ قلبي و أجرني من مضلات الفتن، أسألك جنتك و اعوذ بك من الشر كله. و اللهم ثبتني على الهدى و الصواب و اجعلني راضيا مرضيا غير ضال و لا مضل»(1).

و قد ورد ان من كف غضبه عن الناس أقاله اللّه نفسه يوم القيامة، و ستر اللّه عورته، و أنّ له الجنة(2)

عن ابي جعفر عليه السّلام قال: سمعته يقول: من كف نفسه عن اعراض الناس كف اللّه عنه عذاب يوم القيامة، و من كف غضبه عن الناس اقاله اللّه نفسه يوم القيامة.

و حديث 9 من ص 469 - من المصدر - [ط ج 288/11] عن سيف بن عميرة عمن سمع ابا عبد اللّه عليه السّلام يقول: من كف غضبه ستر اللّه عورته.

و مستدرك وسائل الشيعة 325/2 باب 53 وجوب تسكين الغضب حديث 3 عن علي بن ابي طالب روحي فداه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: من اسبغ وضوءه، و احسن صلاته، و ادى زكاة ماله، و كف غضبه، و سجن لسانه، و بذل معروفه، و استغفر لذنبه، و ادى النصيحة لاهل بيتي، فقد استكمل حقائق الايمان، و ابواب الجنة له مفتحة. -

.

1) مستدرك وسائل الشيعة 326/2 باب وجوب ذكر اللّه عند الغضب حديث 3 بلفظه.

2) وسائل الشيعة 470/2 باب 52 وجوب تسكين الغضب حديث 17 [ط ج 290/11] عن ابي حمزة الثمالي:

و منها:

الانصاف و المروة

فعليك بهما و اياك و تركهما، فانهما من المنجيات، و ان تركهما من المهلكات. و ورد ان من لا مروة له لا دين له(1)، و ان اشد ما فرض اللّه على خلقه انصاف الناس من النفس(2)

قال: انصاف الناس من نفسك، و مواساتك اخاك، و ذكر اللّه في كل موطن. اما اني لا اقول «سبحان اللّه و الحمد لله و لا اله الا اللّه و اللّه اكبر» و ان كان هذا من ذاك، و لكن ذكر اللّه جل و عز في كل موطن اذا هجمت [ن خ: همت] على طاعة او على معصية.

. و الانصاف ان ترضى للناس، و تحب لهم ما تحب و ترضى لنفسك، و تكره لهم ما تكره لنفسك.

1) مستمسك العروة الوثقى 214/5 الطبعة الاولى.

2) اصول الكافي 145/2 باب الانصاف و العدل حديث 8 عن الحسن البزاز قال ابو عبد اللّه عليه السّلام: أ لا اخبرك بأشد ما فرض اللّه على خلقه؟ قلت: بلا.

و منها:

الوفاء بالوعد

فعليك بنيّ - و فى اللّه بعهده فيك - اذا واعدت بشيء ان تفي به، لورود الاوامر الاكيدة في الكتاب و السنة به. ففي الكتاب المجيد «أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً» (1). و عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

ان من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليف اذا وعد(2)

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: الحديث بلفظه.

.

و عن الصادق عليه السّلام: ان عدة المؤمن أخاه نذر لا كفارة له، فمن أخلف فبخلف اللّه بدأ، و لمقته تعرض(3).

و كفاه عظما ان اللّه تعالى مدح نبيه اسماعيل عليه


1) سورة الاسراء آية: 2.

2) اصول الكافي 364/2 باب خلف الوعد حديث 2 عن شعيب العقرقوفي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال:

3) اصول الكافي 363/2 باب خلف الوعد حديث 1 عن هشام بن سالم قال: سمعت ابا عبد اللّه عليه السّلام يقول: و الحديث بلفظه و في آخره قوله، و ذلك قوله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ» و الآية الكريمة في سورة الصف آية 2 و 3.

السّلام بصدق الوعد(1). و لو لا في ذم تركه الا قوله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ» (2)لكفى.

و قد ورد أن اسماعيل عليه السّلام وعد رجلا ان ينتظره في مكان و نسي الرجل، فانتظره سنة في ذلك المكان حتى أتاه الرجل(3)

انما سمى اسماعيل صادق الوعد، لانه وعد رجلا في مكان فانتظره في ذلك المكان سنة، فسماه اللّه عز و جل صادق الوعد ثم قال: ان الرجل أتاه بعد ذلك، فقال له اسماعيل: ما زلت منتظرا لك.

. و زاد في خبر آخر: ان الشمس اشتدت عليه فلم ينتقل الى الظل خوفا من الخلف. و في خبر ثالث: ان قوته في المكان الموعود كان جلد الشجر و لم يتيسر له غيره.

فكن بنيّ - غفر اللّه لك - في الوفاء بالوعد كذلك، و ان لم تقدر على ذلك فكن ما يقرب منه.

و اياك بنيّ و ان تعد بما لا تعلم بقدرتك على الوفاء به، فان خلف الوعد يشين الرجل، و لقد اجاد من قال:


1) سورة مريم 54 قوله تعالى: «وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَ كانَ رَسُولاً نَبِيًّا».

2) سورة الصف آية 2 و 3.

3) اصول الكافي 105/2 باب الصدق و اداء الامانة حديث 7 منصور بن حازم عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال:

حسن قبل نعم قولك لا و قبيح قول لا بعد نعم

ان لا بعد نعم فاحشة فبلا فابدأ اذا خفت الندم

و منها:

السخاء

فعليك بنيّ به، فانه محمود العاقبة في الدنيا و الآخرة، و ان السخي عزيز في الدارين، و البخيل ذليل في الدارين(1)

و حديث 16 قال صلّى اللّه عليه و آله: ان اللّه خلق الجنة ثوابا لأوليائه فحفها بالجود و الكرم، و خلق النار عقابا لاعدائه فحفها باللؤم و البخل.

و حديث 14 قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

السخي قريب من اللّه، قريب من الجنة، بعيد من النار، و البخيل بعيد من اللّه، بعيد من الجنة، قريب من النار.

.

و كفاك في شرف السخاء، ان حاتم لسخائه لا تؤثر فيه نار جهنم و ان كان فيها(2).


1) مستدرك وسائل الشيعة 643/2 باب 15 استحباب الجود و السخاء حديث 18 عن الصادق عليه السّلام قال: اربع خصال يسود المرء بها: العفة، و الادب، و الجود، و العقل.

2) مستدرك وسائل الشيعة 643/2 باب 15 استحباب -

و اعلم بنيّ ان البخل سواد الوجه في الدارين(1)

و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: ما محق الاسلام محق الشح. ثم قال: ان لهذا الشح دبيبا كدبيب النمل، و شعبا كشعب الشرك.

و في ص 6 حديث 11 [ط ج 23/6 حديث 14] ابي سعيد الخدري قال: قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: خصلتان لا تجتمعان في مسلم: البخل، و سوء الخلق.

، و لكن لا تنس قوله تعالى «وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً» (2)فعليك بالقصد فيه و التوسط، فان خير الامور أوسطها.

1) وسائل الشيعة 5/2 باب 4 تحريم البخل و الشح بالزكاة و نحوها حديث 5 و 6 [ط ج 21/6] قال الصادق عليه السّلام في قول اللّه عز و جل «كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ». قال: هو الرجل يدع ماله لا ينفقه في طاعة اللّه - عز و جل - بخلا ثم يموت فيدعه لمن يعمل فيه بطاعة اللّه او بمعصية اللّه فان عمل فيه بطاعة اللّه رآه في ميزان غيره فرآه حسرة و قد كان المال له، و ان كان عمل به في معصية اللّه قواه بذلك المال حتى عمل به في معصية اللّه عز و جل. قال:

2) سورة اسراء الآية 29.

الفصل الثالث في جملة اخرى من الوصايا المتفرقة

اشارة

أوصيك بنيّ - وفقك اللّه تعالى لكل خير و جنبك كل سوء و شر - باخراج حب الدنيا عن قلبك، فانه سم ناقع، و داء مهلك، و قائدك الى النار، و مبعدك عن نيل ألطاف الملك الجبار.

و طريق اخراج حبها من قلبك، أن تتفكر في انها لو كانت جيدة حسنة لاختارها أكمل العقلاء - و هم الانبياء صلوات اللّه عليهم و الأئمة عليهم السّلام - و لما فروا منها فرارنا من الاسد، و لما أكدوا التوصية بالفرار منها(1)

و حديث 7 من الباب ص 316 عن ابي عبد اللّه عليه -

.

1) اصول الكافي 315/2 باب حب الدنيا حديث 1 عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: رأس كل خطيئة حب الدنيا.

و قد ذم حب الدنيا في آيات عديدة، و فسرت في الاخبار بما يوضحها مثل قوله جل شأنه «زُيِّنَ لِلَّذِينَ

كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا» حسنت في أعينهم، و أشربت محبتها في قلوبهم حتى تهالكوا عليها «وَ يَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا» فقراء المؤمنين الذين لاحظ لهم منها «وَ الَّذِينَ اتَّقَوْا» (1)من المؤمنين فوقهم يوم القيامة لانهم في عليّين في الكرامة، و هم في سجين و في الندامة(2).

و تواترت الاخبار بذمتها، و التحذير من حبها، حتى ورد أن حب الدنيا ينسي الآخرة، و ان في طلبها اضرارا بالاخرة، و في طلب الآخرة اضرارا بالدنيا، فانظر الى أحقرهما، و هوّن عليك الاضرار به(3)

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: في طلب الدنيا اضرار بالآخرة، و في طلب الآخرة اضرار بالدنيا، فأضروا بالدنيا فانها احق بالاضرار.

، و انهما ضرتان

1) سورة البقرة آية 213.

2) تفسير الصافي ص 59 تجد الجمل مذكورة فيه.

3) وسائل الشيعة 474/2 باب 62 استحباب ترك ما زاد عن قدر الضرورة من الدنيا حديث 2 [ط ج 316/11 باب 63] عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال:

لا تجتمعان(1)، او هما كالمشرق و المغرب، فبقدر ما تقرب من احدهما تبعد من الاخرى(2)

و هما - اي الدنيا و الآخرة - بمنزلة المشرق و المغرب، و ماش بينهما كلما قرب من واحد بعد عن الآخر.

، و هما كالماء و النار لا تجتمعان.

بل التأمل الصادق يرشدك الى ان حب الدنيا بمنزلة الشرك، لان حبها يكشف عن عدم اليقين بالآخرة، و عدم الاطمئنان بما ورد في الكتاب و السنة، و الا لم يكن يعقل حبها بعد ما ورد من مضادتها للآخرة.

فعليك بنيّ بالزهد فيها بترك حرامها خوفا من العقاب، و شبهاتها حذرا من العتاب، بل حلالها مهما أمكن فرارا من الحساب، و ترك مشتهيات النفس، الا ما كان له رجحان شرعا كالنكاح. و اجعل نفسك قانعة بكل ما يتيسر من المأكول، و كل ما يتسهل من الملبوس. و اجعل همك في آخرتك، فانك ان زهدت في الدنيا و فرغت نفسك من قيودها نلت راحة الدنيا، و لذة الآخرة.

و ليس الزهد فيها هو الالتزام بعدم الأكل و الشرب


1) مستدرك وسائل الشيعة 330/2 عن نهج البلاغة قال امير المؤمنين عليه السّلام في ذم الدنيا، و الحث على طلب الآخرة «هما ضرتان» اي الدنيا و الآخرة.

2) مستدرك وسائل الشيعة 331/2 عن نهج البلاغة في ذم الدنيا قال امير المؤمنين عليه السّلام في بعض خطبه:

و اللبس، بل الرضا بالمقسوم منها، و الاقتصاد و عدم الاسراف عند السعة. و قد ورد عن مولانا الصادق عليه السّلام انه: ليس الزهد في الدنيا باضاعة المال، و لا تحريم الحلال، بل الزهد في الدنيا ان لا تكون بما في يدك أوثق منك بما عند اللّه عز و جل(1)و عن أمير المؤمنين عليه السّلام ان الزهد في الدنيا قصر الامل، و شكر كل نعمة، و الورع عن كل ما حرم اللّه عز و جل(2)

الدهر يخلق الابدان، و يجدد الآمال، و يقرب النية، يباعد الامنية، من ظفر به نصب، و من فاته تعب، و لا كرم كالتقوى، و لا تجارة كالعمل الصالح، و لا ورع كالوقوف عند الشبهة، و لا زهد كالزهد في الحرام.

الزهد كله بين كلمتين، قال اللّه تعالى: «لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ»، فمن لم يأس على الماضي و لم يفرح بالآتي، فقد اخذ الزهد بطرفيه.

ايها الناس الزهادة قصر الامل، و الشكر عند النعم، و الورع عند المحارم، فان عزب عنكم، فلا يغلب الحرام صبركم. و لا تنسوا عند النعم شكركم، فقد اعذر اللّه اليكم بحجج مسفرة ظاهرة، و كتب بارزة العذر واضحة.

.

1) مستدرك وسائل الشيعة 331/2 عن ابي عبد اللّه عليه السّلام انه قال: ليس الزهد في الدنيا باضاعة المال، و لا بتحريم الحلال، بل الزهد في الدنيا ان لا تكون بما في يدك اوثق منك بما في يد اللّه.

2) مستدرك وسائل الشيعة 332/2 باب استحباب الزهد حديث 17 عن امير المؤمنين عليه السّلام قال: الزهد ثروة، و الورع جنة، و افضل الزهد، اخفاء الزهد.

و عليك بنيّ بالتوسل بالنبي و آله صلّى اللّه عليهم اجمعين، فاني قد استقصيت الاخبار فوجدت انه ما تاب اللّه على نبي من أنبيائه مما صدر منه من الزلة الا بالتوسل بهم، و قد ورد ان اللّه تعالى لما خلق آدم عليه السّلام نقل أشباح محمد و آله المعصومين صلوات اللّه عليه و عليهم اجمعين من ذروة العرش الى ظهره، و كان أمره الملائكة بالسجود لآدم عليه السّلام اذ كان وعاء تلك الاشباح، فكان سجودهم عبودية له تعالى، و تعظيما لمحمد و اهل بيته صلوات اللّه عليهم أجمعين و طاعة لآدم عليه السّلام، و انه قال لآدم عليه السّلام لما سأله عنهم: ان هؤلاء خيار خليقتي، و كرام بريتي، بهم آخذ، و بهم اعطي، و بهم اعاقب، و بهم أثيب، فتوسل بهم يا آدم، و اذا دهتك داهية فاجعلهم لي شفعاءك، فاني آليت على نفسي قسما حقا ان لا أخيب بهم آملا، و لا أرد بهم سائلا، فلذلك حين زلت منه الخطيئة دعا اللّه عز و جل بهم فتاب تعالى عليه و غفر له(1).

و كذلك من بعده يعقوب(2)

و سيأتي في سورة يوسف، ان يعقوب توسل بالنبي صلّى اللّه عليه و آله فوجد ابنه.

، و يوسف(3)،

1) تفسير الصافي ص 27 في تفسير قوله تعالى «وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ»، تجد الحديث بتفصيله.

2) تفسير مرآة الانوار ص 231 في مادة يعقوب قوله:

3) تفسير الصافي ص 242 في تفسير آية «وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ -

و غيرهما(1)لم ينج منهم ناج الا بالتوسل بهؤلاء الاطهار صلوات اللّه عليهن اجمعين.


1) تفسير الصافي ص 27 في تفسير آية «وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ». عن علي بن الحسين عليه السّلام قال: حدثني ابي عن ابيه عليهما السّلام عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله انه قال: يا عباد اللّه ان آدم عليه السّلام لما رأى النور ساطعا في صلبه، اذ كان اللّه قد نقل اشباحنا من ذروة العرش الى ظهره، رأى النور و لم يتبين الاشباح، فقال: يا رب ما هذا الانوار؟ فقال عز و جل: أنوار أشباح نقلتهم من أشرف بقاع عرشي الى ظهرك، و لذلك أمرت الملائكة بالسجود لك، اذ كنت وعاء لتلك الاشباح. فقال آدم: يا رب لو بينتها لي. فقال اللّه عز و جل: انظر يا آدم الى ذروة العرش. فنظر آدم عليه السّلام، و وقع نور أشباحنا من ظهر آدم على ذروة العرش، فانطبع فيه صور أنوار أشباحنا التي في ظهره كما ينطبع -

و عليك بنيّ باقامة عزاء ابي عبد اللّه عليه السّلام في كل يوم و ليلة حسب مقدورك، حتى انه ان لم يتيسر لك

مؤنتها، و لم تقدر الا على قراءة كتاب التعزية لعيالك في اليوم و الليلة مرة فافعل، فانه عزيز اللّه تعالى، لوصوله في

الاطاعة الى درجة تفرد بها، فبذل نفسه و ماله و عياله كلها في سبيله تعالى، و في التوسل به خير الدارين، و فوز

النشأتين(1)

و قد وردت نصوص كثيرة من اهل بيت العصمة و الطهارة الذين اذهب اللّه عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا، بالحث و الامر بالتوسل بشهيد كربلاء و زيارته، و احياء امره و نشر فضائله و اعلان مظلوميته. و كفاك منها ما رواه محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السّلام قال: مروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين عليه السّلام، فان اتيانه يزيد في الرزق، و يمد في العمر، و يدفع مدافع السوء، و اتيانه مفروض على كل مؤمن يقر للحسين عليه السّلام بالامامة من اللّه. راجع وسائل الشيعة 394/2 باب 44 حديث 4 [ط ج 346/10].

و ما رواه بكر بن محمد عن ابي عبد اللّه عليه السّلام انه قال للفضيل: تجلسون و تتحدثون؟ فقال: نعم.

فقال: ان تلك المجالس احبها، فأحيوا أمرنا، رحم اللّه من احيا امرنا. يا فضيل، من ذكرنا او ذكرنا عنده ففاضت عيناه و لو مثل جناح الذباب غفر اللّه له ذنوبه. وسائل الشيعة 402/2 باب 68 حديث 2 [ط ج 392/10 باب 66]. -

.

1) ليت شعري و هل يشك ذو فطرة سليمة، و طهارة ارومة، ان التوسل بسيد شباب اهل الجنة، موجب لنيل الآمال، و قضاء الحاجات، و قد ظهر من التوسل به عليه السّلام للكافرين ما جعلهم يتوسلون به، و يقيمون عزاءه و يقدسون مقامه، و يتبركون به، ما يغني عن النظر الى المعاجز و الكرامات التي ظهرت بما لا تحصى عددا للموالين و المحبين من شيعة اهل البيت الطاهرين، رفع اللّه شأنهم و أذل عدوهم.

و عليك بنيّ بزيارته عليه السّلام في كل يوم من البعد مرة(1)، و المضي اليه في كل شهر مرة(2)، و لا أقل


1) لما في زيارته من الاجر الجزيل، و الثواب العظيم، و كفاك ما قد ورد في الحديث عن طاووس عن ابن عباس عن النبي صلّى اللّه عليه و آله انه اخبره بقتل الحسين عليه السّلام.. الى ان قال: من زاره عارفا بحقه، كتب اللّه له ثواب الف حجة و الف عمرة، الا و من زاره فقد زارني، و من زارني فكأنما [ن خ: فقد] زار اللّه، و حق على اللّه ان لا يعذبه بالنار، الا و ان الاجابة تحت قبته، و الشفاء في تربته و الأئمة من ولده - راجع وسائل الشيعة 395/2 باب 45 استحباب زيارة الحسين عليه السّلام على الحج و العمرة المندوبين حديث 16 [ط ج 352/10].

2) وسائل الشيعة 393/2 باب 40 استحباب تكرار زيارة الحسين بقدر الامكان حديث 4 [ط ج 341/10] داود بن فرقد قال: قلت لابي عبد اللّه عليه السّلام ما لمن زار الحسين عليه السّلام في كل شهر من الثواب؟ -

من زيارته في الوقفات السبع(1)

1 - زيارته ليلة عاشوراء و يومها: و قد ورد في فضل زيارته عليه السّلام كما في وسائل الشيعة 398/2 باب 55 في تأكد استحباب زيارة الحسين عليه السّلام ليلة عاشوراء و يوم عاشوراء، حديث 5 [ط ج 372/10] عن ابي جعفر عليه السّلام قال: من زار الحسين عليه السّلام في يوم عاشوراء من المحرم حتى يظل [ن خ: يبقى] عنده باكيا، لقي اللّه عز و جل يوم يلقاه بثواب الفي حجة. و الفي عمرة، و الفي غزوة. و ثواب كل حجة و عمرة و غزوة كثواب من حج و اعتمر و غزا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

و حديث 3 من الباب و الصفحة نفسها عن جابر الجعفي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: من بات عند قبر الحسين عليه السّلام ليلة عاشوراء لقي اللّه يوم القيامة ملطخا بدمه كأنما قتل معه في عرصة كربلاء.

2 - زيارة الاربعين: وسائل الشيعة 398/2 باب 56 تأكد استحباب زيارة الحسين عليه السّلام يوم الاربعين حديث 1 [ط ج 373/10] عن الحسن العسكري عليه السّلام انه قال: علامات المؤمن خمس:

صلاة احدى و خمسين، و زيارة الاربعين، و التختم في اليمين، و تعفير الجبين، و الجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم، بناء على ان المراد من زيارة الاربعين زيارة الحسين عليه السّلام في اربعينه. -

و ان كنت في بلدة بعيدة

1) الوقفات السبع هي:

ففي السنة مرة(1). فان من لاحظ الاخبار و واظب على ما ذكرت، و رأى ما رأيته من الآثار، لم يترك ما ذكرته لك، و لقد شاهدت من زيارته، و اقامة عزائه عليه السّلام كرامات تبهر العقول، و أقل ما وجدته منها انه لم يتفق لي اني زرته الا و وجدت فرجا من أمري، وسعة في رزقي، و ما عند اللّه تعالى خير و أبقى(2).


1) وسائل الشيعة 393/2 باب 40 استحباب تكرار زيارة الحسين عليه السّلام بقدر الامكان، حديث 1 [ط ج 340/10] عن علي بن رئاب عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: حق على الغني ان يأتي قبر الحسين بن علي عليهما السّلام في السنة مرتين، و حق على الفقير ان يأتيه في السنة مرة.

2) وسائل الشيعة 390/2 باب 37 تأكد استحباب زيارة الحسين بن علي عليهما السّلام و وجوبها كفاية، حديث 8 [ط ج 321/10] محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السّلام قال: مروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين عليه السّلام، فان اتيانه يزيد في الرزق، و يمد في العمر، و يدفع مدافع السوء، و اتيانه مفترض على كل مؤمن يقر له بالامامة من اللّه.

و عليك بنيّ - وفقك اللّه تعالى لما يحب و يرضى، و منّ عليك بالعمر الطبيعي - باكرام الشيوخ و العجائز، فان اللّه تعالى يدفع بهم البلاء عن عباده(1)

عظموا كبراءكم، و صلوا أرحامكم، و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: من اجلال اللّه اجلال ذي الشيبة المسلم. و قال صلّى اللّه عليه و آله: من عرف فضل كبير لسنه فوقره، آمنه اللّه من فزع يوم القيامة، وسائل الشيعة 214/2 باب 67 استحباب اجلال ذي الشيبة حديث 8 و 9 [ط ج 467/8].

. و اياك و اسخاطهم، و لقد وجدت من ذلك ما لا يسعني نقله.

و عليك بنيّ بالتناهي في اكرام الوالدين، و البر بهما، فانه من أعظم ما ورد التأكيد به في الكتاب(2)و السنة(3). و اياك و المسامحة في ذلك، و قد روي عن ابي


1) في الحديث القدسي: لو لا شيوخ ركع، و اطفال رضع، و بهائم رتع، لصببت عليهم العذاب صبا. و الحديث المروي عن الوصافي قال: قال ابو عبد اللّه عليه السّلام:

2) لقوله عز من قائل: «وَ قَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَ لا تَنْهَرْهُما وَ قُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً * وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً» سورة الاسراء آية 23 و 24.

3) اصول الكافي 157/2 باب البر بالوالدين (حديث 1) ابي ولاد الحناط قال: سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن قول اللّه عز و جل «و بالوالدين احسانا ما هذا -

عبد اللّه عليه السّلام قال: ان يوسف عليه السّلام لما قدم عليه الشيخ يعقوب عليه السّلام دخله عز الملك، فلم ينزل

اليه من مركبه، فهبط عليه جبرائيل عليه السّلام فقال: يا يوسف ابسط راحتك فبسط. فخرج منها نور ساطع، فصار في جو السماء فقال يوسف عليه السّلام: يا جبرائيل ما هذا النور الذي خرج من راحتي؟ فقال: نزعت النبوة من عقبك، عقوبة لما لم تنزل الى الشيخ يعقوب عليه السّلام، فلا يكون في عقبك نبيّ(1).

الحث على اكرام الفقهاء

و عليك بنيّ باكرام العاملين من الفقهاء رضوان اللّه عليهم، فانهم اعلام الدين، و امناء الشرع المبين، و هم نواب ولي العصر عجل اللّه فرجه، و جعلنا من كل مكروه فداه، و هم هداة الخلق(2).


1) مجمع البيان 264/5 عن ابي عبد اللّه عليه السّلام بلفظه فراجع.

2) لقوله تعالى «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ»سورة النحل آية 44. و في اصول الكافي 32/1 باب -

و أما من لم يعمل منهم بما علم، ففر منه فرارك من الاسد، فانه ليس بعالم بنص الامام عليه السّلام(1)، و انه أضر على هذا الدين من جيش يزيد بن معاوية عليه اللعنة و الهاوية(2).


1) اصول الكافي 44/1 باب استعمال العلم حديث 2 عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: العلم مقرون بالعمل، فمن علم عمل، و من عمل علم، و العلى يهتف بالعمل فان أجابه، و الا ارتحل عنه.

2) تفسير البرهان 118/1 في خبر طويل، في وصف علماء اليهود و مقارنتهم بعلماء المسلمين غير العاملين بعلمهم، الواضعين للاحاديث ليستأكلوا بعلمهم. قال جعفر بن محمد عليه السّلام - مشيرا الى هذا الصنف - اولئك اضر على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد بن معاوية عليه اللعنة و العذاب، على الحسين بن علي عليهما السّلام و اصحابه.

وجوب اكرام الذرية الطاهرة

و عليك بنيّ باكرام الذرية الطاهرة، ذرية علي و فاطمة صلوات اللّه عليهما و ان مودتهم من الفرائض اللازمة، لانها جعلت بنص الكتاب أجر الرسالة المقدسة(1). فأكرمهم حد مقدورك ترضى بذلك اللّه تعالى و رسوله صلّى اللّه عليه و آله، و تكسب بذلك خير الدنيا و الآخرة(2)

حقت شفاعتي لمن اعان ذريتي بيده و لسانه و ماله.

و قال صلّى اللّه عليه و آله: احبوا أولادى الصالحون لله، و الطالحون لي.

و حديث 21 ص 402 عن عمران بن معقل عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال سمعته يقول: لا تدعوا صلة آل محمد عليهم السّلام من اموالكم، من كان غنيا فعلى قدر غناه، و من كان فقيرا فعلى قدر فقره، و من اراد ان يقضي اللّه اهم الحوائج له، فليصل آل محمد عليهم السّلام و شيعتهم بأحوج ما يكون اليه من ماله.

و حديث 20 سليمان الغازي، عن علي بن موسى الرضا عليه السّلام قال: حدثني ابي موسى بن جعفر، عن ابيه جعفر بن محمد، عن ابيه محمد بن علي، عن ابيه علي بن الحسين، عن ابيه الحسين بن علي، عن ابيه -

.

1) سورة الشورى آية 23 قوله عز من قائل «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةًقدر غناه، و من كان فقيرا فعلى قدر فقره، و من اراد ان

2) مستدرك وسائل الشيعة 400/2 باب 17 تأكد استحباب اصطناع المعروف الى العلويين و السادات حديث 8 عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله انه قال:

و لا تقصر اكرامك على خيارهم، لانهم ليسوا كالفقهاء، يسلب عنهم المنصب بعدم العمل. و انما الثابت لهم النسب، الغير المنتفي بالعصيان، لا المنصب المنتفي بمخالفة الرحمن.

نعم، ان كان ترك اكرام العاصي منهم نهيا فعليا له عن المنكر كان مقتضى القاعدة لزوم الترك من تلك الجهة، و ان كان ما نقل من قضية احمد بن اسحاق الاشعري مع الحسين ابن الحسن الفاطمي يأبى عن ذلك أيضا، فالاولى الاكرام صورة و النهي في الخلوة(1).


1) مستدرك وسائل الشيعة 400/2 باب 17 تأكد استحباب اصطناع المعروف الى العلويين و السادات حديث 4 ان الحسين بن الحسن بن الحسين بن جعفر ابن محمد بن اسماعيل بن جعفر الصادق عليه السّلام، كان بقم يشرب علانية، فقصد يوما لحاجة الى احمد بن اسحاق الاشعري، و كان وكيلا في الاوقاف بقم، فلم يأذن له، فرجع الى بيته مهموما، فتوجه احمد بن اسحاق الى الحج، فلما بلغ - سر من رأى - سامراء استأذن على ابي محمد العسكري عليه السّلام فلم يأذن له، فرجع الى بيته مهموما، فتوجه احمد بن دخل قال: يا بن رسول اللّه لم منعتني الدخول عليك -

و لا الزمك باكرام غير الفاطمي من الهاشميين - كالعقيلية و العباسية - لانهم و ان كانوا شرفاء نسبا، الا أن اكرامهم و مودتهم لم تجعل أجر الرسالة، و كذلك لا ألزمك باكرام داخل النسب، بل ينبغي الاجتناب من اكرامه عند تبين فساد نسبته، و التوقف عند الشبهة.

نعم، ألزمك باكرام المنتسب شرعا بالام كالمنتسب بالاب، لان ابن البنت ابن حقيقة في جميع الآثار الشرعية.

و لذا كان الحسنان عليهما السّلام ابني رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله حقيقة، خلافا لعمر، فكما أنهما ابناه صلّى اللّه عليه و آله فكذا المنتسب اليوم بامه اليه صلى

اللّه عليه و آله ابنه حقيقة، و ان كان لا يحل له الخمس، لخصوص مرسل حماد بن عيسى عن العبد الصالح عليه السّلام(1)

الخمس من خمسة اشياء: من الغنائم، و الغوص، و من الكنوز، و من المعادن و الملاحة، يؤخذ من كل هذه الصنوف الخمس، فيجعل لمن جعله اللّه له، و يقسم الاربعة اخماس بين من قاتل عليه و ولى ذلك، و يقسم بينهم الخمس على ستة اسهم: سهم لله و سهم لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و سهم لذي القربى، و سهم لليتامى، و سهم للمساكين، و سهم لابناء السبيل.

فسهم اللّه و سهم رسول اللّه لأولي الامر من بعد رسول اللّه و وارثه، و له ثلاثة اسهم: سهمان وراثة، و سهم مقسوم له من اللّه، و له نصف الخمس كملا.

و نصف الخمس الباقي بين اهل بيته، فسهم ليتاماهم و سهم لمساكينهم و سهم لابناء سبيلهم، يقسم بينهم على الكتاب و السنة [ن خ: الكفاف و السعة]... الى ان قال: و انما جعل اللّه هذا الخمس لهم خاصة دون مساكين الناس، و ابناء سبيلهم، عوضا لهم عن [ن خ: من] صدقات الناس، تنزيها من اللّه لهم لقرابتهم برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و كرامة من اللّه لهم عن اوساخ الناس، فجعل لهم خاصة من عنده -

.

1) وسائل الشيعه 62/2 باب 1 الخمس يقسم ستة اقسام ثلاثة للامام، و ثلاثة للفقراء و المساكين و ابن السبيل، ممن ينتسب الى عبد المطلب بأبيه لا بأمه حديث 8 [ط ج 358/6] عن حماد بن عيسى، عن بعض اصحابنا، عن العبد الصالح عليه السّلام قال:

و منها:

صلة الرحم

و عليك بني بصلة الرحم، فانها تطيل العمر(1)،


1) مستدرك وسائل الشيعة 638/2 باب 10 استحباب صلة الارحام حديث 4 اسحاق بن عمار قال: قال ابو الحسن عليه السّلام: لا نعلم شيئا يزيد في العمر الا صلة الرحم. قال: ثم قال: ان الرجل ليكون بارا و اجله الى ثلاث سنين فيزيده اللّه فيجعله ثلاثة و ثلاثين، و ان الرجل ليكون عاقا و أجله ثلاثة و ثلاثون فينقصه اللّه فيرده الى ثلاث.

و توسع الرزق(1)، و ترضي الرب، و تنفع في الدنيا و الآخرة(2)

و حديث 21 يحيى بن ام الطويل قال: خطب امير المؤمنين عليه السّلام فحمد اللّه و اثنى عليه، ثم قال:

لا يستغني الرجل - و ان كان ذا مال و ولد - عن عشيرته، و عن مداراتهم و كرامتهم، و دفاعهم عنه بأيديهم و ألسنتهم، هم أعظم الناس حياطة له من ورائه، و ألمهم لشعوثه، و اعظمهم عليه حنوا، ان اصابته مصيبة او نزل به يوما بعض مكاره الامور، و من يقبض يده عن عشيرته فانما يقبض عنهم يدا واحدة، و تقبض عنه ايدي كثيرة، و من محض عشيرته صدق المودة، و بسط عليهم يده بالمعروف اذا وجده ابتغاء وجه اللّه، اخلف اللّه له ما انفق في دنياه، و ضاعف له في آخرته... الى ان قال: لا يغفلن احدكم من القرابة، يرى به الخصاصة ان يسدها مما لا يضره ان انفقه، و لا ينفعه ان امسكه.

. فصل حتى القاطع منهم، ممتثلا لقول امير المؤمنين عليه السّلام: صلوا أرحام من قطعكم، و عودوا

1) مستدرك وسائل الشيعة 639/2 باب 10 استحباب صلة الارحام حديث 11 عن امير المؤمنين عليه السّلام أنه قال في حديث: و صلة الرحم يزيد في الرزق.

2) مستدرك وسائل الشيعة 639/2 باب استحباب صلة الارحام حديث 18 حسين بن عثمان، عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: صلة الرحم تزكي الاعمال، و تنمي الاموال، و تيسر الحساب، و تدفع البلوى، و تزيد في العمر.

بالفضل على من حرمكم. بل صلة القاطع - بنيّ - اقرب الى القربة، و أبعد من متابعة النفس الامارة.

اياك و قطع الرحم

و اياك ثم اياك و قطع الرحم، فان الرحم كيس معلق على العرش يقول: اللهم صل من وصلني، و اقطع من قطعني(1)

ان الرحم معلقة يوم القيامة بالعرش تقول: اللهم صل من وصلني، و اقطع من قطعني.

.

و لقد وجدت من صلة الرحم - سيما القاطع منهم - آثارا غريبة و فوائد عظيمة عجيبة، فعليك بها، و عليك بها، و اياك المسامحة فيها.

و عليك بنيّ بمراعاة حال المضطرين من الشيعة، سيما الارحام و الجيران، تنال بذلك عز الدنيا و الآخرة و فخرهما، و تحفظ نفسك بذلك من صدماتهما، و ترضى بذلك الرب العطوف. و قد روى مولانا الصادق عليه السّلام: أن يعقوب عليه السّلام، انما ابتلى بيوسف عليه


1) اصول الكافي 151/2 باب صلة الرحم حديث 10 الفضيل بن يسار قال: قال ابو جعفر عليه السّلام:

السّلام، اذ ذبح كبشا سمينا و رجل من اصحابه (1)- و في رواية اخرى من جيرانه - محتاج لم يجد ما يفطر عليه، فأغفله و لم يطعمه فابتلى بيوسف عليه السّلام(2).

ينبغي الاقتصاد في جميع الامور

و عليك بنيّ - وفقك اللّه تعالى - بالاقتصاد في جميع امورك، فانه أمر ممدوح العاقبة، محمود النتيجة، أ لا ترى أن الصدقة محبوبة عقلا و نقلا(3)، و قد أمر اللّه


1) تفسير الصافي سورة يوسف في تفسير آية «إِنّا إِذاً لَخاسِرُونَ»، عن الصادق عليه السّلام قال: انما ابتلي يعقوب بيوسف عليهما السّلام، اذ ذبح كبشا سمينا، و رجل من اصحابه محتاج، لم يجد ما يفطر عليه، فأغفله و لم يطعمه، فابتلى بيوسف، و كان بعد ذلك كل صباح ينادي مناديه من لم يكن صائما فليشهد غداء يعقوب، فاذا كان المساء نادى من كان صائما فليشهد عشاء يعقوب.

2) تفسير الصافي ص 269 في تفسير سورة يوسف آية «وَ اللّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ»، عن السجاد عليه السّلام: انه لما سمع مقالتهم استرجع و استعبر و ذكر ما اوحى اللّه اليه من الاستعداد للبلاء، و اذعن للبلوى - يعني بسبب غفلته عن اطعامه الجار الجائع - فقال لهم «بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً».

3) الكافي 2 باب فضل الصدقر حديث 1 عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه -

تعالى نبيه صلّى اللّه عليه و آله فيها بالاقتصاد بقوله جل ذكره «وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً» (1). و قال جل ذكره «يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ» (2)أي الوسط. كما عن مولانا الصادق عليه السّلام(3).

و عليك دائما بالنظر الى من دونك، و الشكر على ما أنت عليه، و اياك و النظر الى من فوقك، فانه يؤذيك، و يفوت عليك راحة الدنيا و أجر الاخوة جميعا(4)

و ص 137 حديث 1 عمرو بن هلال قال: قال ابو جعفر عليه السّلام: اياك ان تطمح ببصرك الى من هو فوقك، فكفى بما قال اللّه عز و جل لنبيه صلّى اللّه عليه و آله «فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَ لا أَوْلادُهُمْ» و قال «وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا». فان دخلك من ذلك شيء، فاذكر عيش رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فانما كان قوته -

. و قد

1) سورة الاسراء: 29.

2) سورة البقرة: 215.

3) مجمع البيان 316/2 قوله: ثانيها ان العفو الوسط من غير اسراف و لا اقتار، عن الحسن و عطا، و هو المروي عن ابي عبد اللّه الصادق عليه السّلام.

4) اصول الكافي 140/2 باب القناعة حديث 11 عن سدير رفعه قال: قال امير المؤمنين عليه السّلام: من رضي من الدنيا بما يجزيه كان ايسر ما فيها يكفيه، و من لم يرض من الدنيا بما يجزيه لم يكن شيء يكفيه.

قال عز من قائل «وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا» (1).

و عليك بنيّ بترك كثرة مخالطة الناس مهما أمكن، فان مخالطتهم تشغلك عن الحق، و تذهلك عن الموت، و تمنعك عن التفرغ للعبادة، و التفقه في الدين، و الذكر و الفكر، و توجب مدك النظر الى ما في أيدي الناس فتطمع فيها، و يلجئك و يبتليك الى استماع الغيبة و البهتان و تؤدي بك الى دخول المجالس المذمومة، و صحبة البطالين، و ربما تنجر الى الفتنة و الخصومة، فتندم يوم لا ينفعك الندم، و لا قول «لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً» (2). و لا قول «يا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ» (3)و لا قول «رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ» (4)، فاستيقظ قبل أن يفوتك وقت التدارك.


1) سورة الحجر: 88.

2) سورة الفرقان: 28.

3) سورة الزخرف: 38.

4) سورة المؤمنون: 100.

وجوب مخالفة الهوى

و عليك بنيّ بمخالفة الهوى، و النفس الأمارة بالسوء، فان متابعتهما سم ناقع، و مرض مهلك. و قد قال أمير المؤمنين عليه السّلام: ان أخوف ما أخاف عليكم اثنان: اتباع الهوى، و طول الامل. أما اتباع الهوى فانه يصد عن الحق، و أمال طول الامل فانه ينسي الآخرة(1).

و في خبر آخر: احذروا أهواءكم كما تحذرون أعداءكم، فليس شيء أعدى للرجال من اتباع أهوائهم و حصائد ألسنتهم(2).

و اذا أصبحت بنيّ فلا تحدث نفسك بالمساء، و اذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح، فان الامل يورث الغفلة، و افرض دائما نفسك كأنك ميت بين يدي الغسال.


1) روضة الكافي ص 58 في جملة خطبه عليه السّلام، عن سليم بن قيس الهلالي قال: خطب امير المؤمنين عليه السّلام، فحمد اللّه و اثنى عليه، ثم صلى على النبي صلى اللّه عليه و آله، ثم قال: الا ان اخوف ما اخاف عليكم خلتان: اتباع الهوى، و طول الامل، اما اتباع الهوى فيصد عن الحق، و اما طول الامل فينسى الآخرة. الا ان الدنيا قد ترحلت مدبرة. و ان لآخرة قد ترحلت مقبلة، و لكل واحدة بنون، فكونوا من ابناء الآخرة، و لا تكونوا من ابناء الدنيا، فان اليوم عمل و لا حساب، و ان غدا حساب و لا عمل... الى آخر خطبته الجليلة.

2) اصول الكافي 235/2 باب اتباع الهوى حديث 1 بلفظه.

الوصية

و اكتب بنيّ وصاياك من أول بلوغك(1)، و راجعها عند احتمال موجب التغيير في بعضها، و بدل ما احتاج اليه التغيير(2)

للرجل ان يغير وصيته فيعتق من كان يملكه و يملك من امر بعتقه، و يعطي من كان حرمه، و يحرم من كان اعطاه ما لم يمت.

. و اكتب دائما ديونك و طلباتك و قد اتفق لي - بنيّ - مرارا في الشتاء في غاية البرد اني آويت الى الفراش للنوم، فذكرت اني استقرضت في اول الليل من شخص درهما أو درهمين، و أعطيته لمن استعطى و نسيت أن اكتبه، و خفت مفاجأة الموت قبل الانتباه، فقمت في ذلك البرد و شعلت السراج، و كتبت ذلك، و عدت الى الفراش. فهكذا كن يا بنيّ، لانك اذا لم تكتب ديونك فأدركك الاجل، فان سكت الدائن بقيت مشغول الذمة، و ان طالب الوارث، طلبوا منه البينة، و اليمين الاستظهاري، فان لم تكن عنده بينة لم يعط، و بقيت - أيضا - مشغول الذمة، و ان كانت عنده بينة كنت قد تسببت لتعبه باقامتها

1) مستدرك وسائل الشيعة 517/2 باب وجوب الوصية حديث 1 عن علي بن ابي طالب عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: ليس ينبغي للمسلم ان يبيت ليلتين، الا و وصيته مكتوبة عند رأسه.

2) الكافي 13/7 باب الرجل يوصي بوصية ثم يرجع عنها، حديث 4 بسنده قال علي بن الحسين عليهما السّلام:

و الحلف في قبال احسانه اليك بالاقراض، و هو خلاف الانصاف.

الاشهاد في الدين

و عليك بنيّ اذا تداينت بدين و اقترضت أو أقرضت الى اجل مسمى، امتثال أمر الحكيم على الاطلاق، بكتابته و الاشهاد عليه(1)، فان من ترك حرفا من الشرع أحوجه اللّه اليه، فان اللّه لم يشرع الاحكام لمصلحة ترجع اليه، لانه غني على الاطلاق، و انما شرعها لمصالحك فلا تفوّت على نفسك المصلحة التي دلك عليها الحكيم الخبير.


1) سورة البقرة 282 «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى. فَاكْتُبُوهُ وَ لْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَ لا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَ لْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَ لْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَ لا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَ لا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَ لا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللّهِ وَ أَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَ أَدْنى أَلاّ تَرْتابُوا إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاّ تَكْتُبُوها وَ أَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَ لا يُضَارَّ كاتِبٌ وَ لا شَهِيدٌ وَ إِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَ اتَّقُوا اللّهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ».

و عليك بنيّ - اطال اللّه عمرك، و ارشد أمرك، و وفقك لخير الدارين، و اكمال الملكتين (1)- بالالتزام بالآداب الشرعية في جميع حركاتك و أفعالك، من الوضوء، و الغسل، و الاكل و الشرب، و النوم و التخلي، و الجماع، و المسكن، و اللباس و نحوها. فان تشريع تلك الاداب لم يكن عبثا، بل لها فوائد و نتائج في الدنيا و الآخرة، فلا تفوتها على نفسك بالتثاقل. و حيث ان الاداب متفرقة، اصنف لك - بحول اللّه و قوته - فيها رسالة جامعة(2)فعليك بالعمل بها، و تطبيق عباداتك و عادياتك عليها ان شاء اللّه تعالى.

ذكر اللّه سبحانه دائما

و عليك - بنيّ - بالاكثار من ذكر اللّه تعالى، فان ذكره جل شأنه يحيي القلب، و يقرب من الرب، و يكثر البركة، و ينجي من الهلكة و يبعد الشيطان، و يدني ملائكة الرحمن، و ينزل الرحمة و السكينة. و قد قال: ان شيعتنا الذين اذا خلوا ذكروا اللّه كثيرا(3). و ان من أكثر ذكر


1) المراد من الملكتين: ملكة العلم، و ملكة العمل.

2) اشار الى تأليفه القيم «مرآة الكمال» الذي هو المجلدات القادمة من هذا الكتاب.

3) اصول الكافي 499/2 باب ذكر اللّه تعالى كثيرا حديث 2 بلفظه.

اللّه أحبه(1)

و حديث 5 عمار عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال:

من أكثر من ذكر اللّه عز و جل أظله اللّه في جنته.

. و من ذكر اللّه كثيرا، كتب اللّه له براءتين، براءة من النار، و براءة من النفاق، و أظله اللّه في جنته(2).

و ان أهل الجنة لا يندمون على شيء من أمور الدنيا، الا على ساعة مرت بهم في الدنيا لم يذكروا اللّه فيها(3).

و اياك - بنيّ - أن تخلي مجلسا عن ذكر اللّه تعالى، فقد قال عليه السّلام: ما اجتمع في مجلس قوم و لم يذكروا اللّه تعالى و لم يذكرونا، الا كان ذلك المجلس حسرة و وبالا عليهم(4)

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: ما من قوم -

.

1) اصول الكافي 500/2 باب ذكر اللّه كثيرا حديث 3 عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: من اكثر ذكر اللّه، أحبه اللّه، و من ذكر اللّه كثيرا كتب له براءتان: براءة من النار، و براءة من النفاق.

2) اصول الكافي 500/2 باب ذكر اللّه عز و جل كثيرا حديث 4 قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: من أكثر ذكر اللّه أحبه اللّه، و من أكثر ذكر اللّه كتبت له براءتان: براءة من النار، و براءة من النفاق.

3) مستدرك وسائل الشيعة 382/1 باب كراهة ترك و ذكر اللّه تعالى حديث 6 بلفظه.

4) اصول الكافي 498/2 باب ما يجب من ذكر اللّه عز و جل في كل مجلس، حديث 5 ابي عبد اللّه عليه السّلام قال:

و ليس الغرض بالذكر، لقلقة اللسان فقط، من دون توجه القلب. بل الذكر اللساني مقدمة للذكر القلبي، فالاول بمنزلة الجسد، و الثاني بمنزلة الروح، فالذكر القلبي وحده نافع دون اللساني، و قد اتخذ اللّه تعالى ابراهيم خليلا، لعدم غفلة قلبه عنه تعالى أبدا(1). و ورد ان الذكر الذي لا يسمعه الحفظة، يزيد على الذكر الذي يسمعونه سبعين ضعفا(2).

عليك بالاستغفار

عليك - بنيّ - بكثرة الاستغفار(3)، و المداومة في كل صبيحة بمائة مرة «ما شاء اللّه لا حول و لا قوة الا


1) تفسير الصافي سورة النساء في تفسير آية 125 قوله عز من قائل «وَ اتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَ اتَّخَذَ اللّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً».

2) اصول الكافي 476/2 باب اخفاء الدعاء حديث 1 عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام قال: دعوة العبد سرا، دعوة واحدة، تعدل سبعين دعوة علانية. و في رواية أخرى دعوة تخفيها، أفضل عند اللّه من سبعين دعوة تظهرها.

3) اصول الكافي 476/2 باب الاوقات و الحالات التي يرجى فيها الاجابة حديث 6 عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: -

بالله استغفر اللّه(1)

من قال «استغفر اللّه» مائة مرة في يوم غفر اللّه له سبعمائة ذنب، و لا خير في عبد يذنب في اليوم سبعمائة ذنب.

و ثواب الاعمال ص 90 باب ثواب الاستغفار حديث 2 سلام الخياط عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: من استغفر اللّه مائة مرة حين ينام، بات و قد تحات الذنوب كلها عنه كما تحات الورق من الشجر، و يصبح و ليس عليه ذنب.

، و بعشر مرات «سبحان اللّه و الحمد لله و لا اله الا اللّه و اللّه أكبر»(2)

قال امير المؤمنين عليه السّلام: التسبيح نصف الميزان، و الحمد لله يملأ الميزان، و اللّه أكبر يملأ ما بين السماء و الارض.

و ص 505 حديث 1 أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام قال: جاء الفقراء الى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقالوا: يا رسول اللّه ان الاغنياء لهم ما -

.

1) وسائل الشيعة 483/2 باب 90 حديث 3 بسنده عن عمار بن مروان قال: قال ابو عبد اللّه عليه السّلام:

2) اصول الكافي 506/2 باب التسبيح و التهليل و التكبير حديث 3 السكوني عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال:

و اذا أردت ان تخرج من الدار، فأسل حنكك و قل عند الخروج «بسم اللّه و بالله آمنت بالله، ما شاء اللّه لا حول و لا قوة الا بالله توكلت على اللّه(1).


1) اصول الكافي 543/2 باب الدعاء اذا خرج الانسان من منزله حديث 12 حسن بن جهم عن ابي الحسن عليه السّلام قال: اذا خرجت من منزلك في سفر أو حضر -

و اذا رأيت - بنيّ - شيئا فلا تسأل عنه، فان لقمان لما رأى داود عليه السّلام ينسج الدرع أراد ان يسأله، ثم منعته حكمته عن السؤال، فلما تممه داود عليه السّلام لبسه و قال: نعم الدرع للحرب. فقال لقمان: الصمت حكم و قليل فاعله(1).

و عليك - بنيّ - بالخلوة بالمستحبات، فانها أبعد من الرياء.

و اختر - بنيّ عند الناس من الاذكار «لا اله الا اللّه» لانها مضافا الى ما ورد من أنه أفضل الاذكار يمكن التستر به(2)

ما من شيء أعظم ثوابا من شهادة ان لا اله الا اللّه، ان اللّه عز و جل لا يعدله شيء و لا يشركه في الامور أحد.

و ص 517 حديث 2 قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: من قال «لا اله الا اللّه» غرست له شجرة في -

، لخلوه عن الحروف الشفوية، و لذا عبروا عنه

1) مجموعة ورام 108/1 بلفظه.

2) اصول الكافي 516/2 باب قول لا اله الا اللّه حديث 1 أبي حمزة قال: سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول:

بالذكر الخفي، فيكون فضله بسبعين ضعفا من الذكر الظاهر(1). و الاذكار كثيرة، و لكل منها فائدة مذكورة في المفضلات فراجعها(2).

و عليك - بنيّ - باكثار «لا اله الا اللّه، لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم، و صلّى اللّه على محمد و آله الطاهرين»(3)

اما التهليل: ففي اصول الكافي 516/2 باب من قال:

لا اله الا اللّه حديث 1 عن ابي حمزة قال: سمعت أبا -

، فان في ذلك تأثيرا عظيما في طرد الشياطين و هلاكهم

1) اصول الكافي 476/2 باب اخفاء الدعاء حديث 1 ابي همام اسماعيل بن همام عن ابي الحسن الرضا عليه السّلام قال: دعوة العبد سرا دعوة واحدة تعدل سبعين دعوة علانية. و في رواية اخرى: دعوة تخفيها أفضل عند اللّه من سبعين دعوة تظهرها.

2) مستدرك وسائل الشيعة 381/1-401 أبواب الذكر، و ثواب الاعمال للصدوق، و المحاسن للبرقي و غيرهما.

3) و ذلك لما ورد من فضل الاذكار الثلاثة و هي: التهليل، و الحوقلة، و الصلاة على محمد و آله صلّى اللّه عليه و آله.

و عليك - بنيّ - بقراءة كل دعاء و لو في العمر مرة، و الاتيان بكل عمل وارد و لو مرة، لان لكل عمل أجرا

خاصا، فينبغي ان تكون آتيا بها جميعا حتى تنال بفضل اللّه سبحانه جميع أنواع مثوبات اللّه سبحانه، و لا تحرم من شيء منها. و لقد أجاد من شبه العادات و الأدعية بالاثمار، فقال: كما انك اذا دخلت بستانا فيه انواع الثمار تحب أن تذوق من كل منها، فكذا العبادات يترجح ان تفعل كلا منها و لو مرة.

و عليك - بنيّ - بقراءة القرآن المجيد كل يوم

مقدارا، سيما في الاسحار مع التفكر في معانيه(1)

و حديث 7 ص 830 عن ابي حمزة الثمالي عن ابي جعفر عليه السّلام قال: قال امير المؤمنين عليه السّلام:

الا أخبركم بالفقيه حقا، من لم يقنط الناس من رحمة اللّه. و لم يؤمنهم من عذاب اللّه، و لم يؤيسهم من روح اللّه، و لم يرخص [ن خ: لهم] في معاصي اللّه و لم يترك القرآن رغبة عنه الى غيره، الا لا خير في علم ليس فيه فهم [ن خ: تفهم]، ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبر، ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقه.

، و التأدب بما فيه. و مراجعة ما ورد عن الأئمة عليهم السّلام في تفسيره فيما أشكل عليك فهمه منه.

و عليك - بنيّ - بالكون على الطهارة مهما أمكن،


1) وسائل الشيعة 368/1 باب 3 استحباب التفكر في معاني القرآن حديث 6 [ط ج 829/4] جعفر بن محمد الصادق، عن آبائه عليهم السّلام، عن أميرنا امير المؤمنين عليه السّلام - في كلام طويل في وصف المتقين - قال: اما الليل فصافون أقدامهم، تالين لاجزاء القرآن يرتلونه ترتيلا، يحزنون به انفسهم، و ليستثيرون به تهييج أحزانهم، بكاء على ذنوبهم، و وجع كلوم جراحهم. و اذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا اليها مسامع قلوبهم و أبصارهم. فاقشعرت منها جلودهم، و وجلت قلوبهم، فظنوا أن صهيل جهنم و زفيرها و شهيقها في أصول آذانهم، و اذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا اليها طمعا، و تطلعت أنفسهم اليها شوقا، و ظنوا انها نصب أعينهم.

فانها سلاح المؤمن لدفع الشيطان(1)، و تمنع عذاب القبر(2)

ليس منها بد. فقال: لم [ن خ: فيما] تجلدونيها؟ قالوا: نجلدك لانك صليت يوما بغير وضوء، و مررت بضعيف [ن خ: على ضعيف] فلم تنصره، فجلدوه جلدة من عذاب اللّه فامتلأ قبره نارا.

، و تقضي الحاجة(3)، و تزيد في العمر(4)،

1) مستدرك وسائل الشيعة 44/1 باب 15 حديث 9 في حديث النبي صلّى اللّه عليه و آله مع اليهودي و فيه قال النبي: اول ما يمس الماء يتباعد عنه الشيطان.

2) وسائل الشيعة 49/1 باب 2 تحريم الدخول في الصلاة بغير طهارة و لو في التقية حديث 2 [ط ج 258/1] عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: اقعد رجل من الاحبار في قبره فقيل له: انا جالدوك مائة جلدة من عذاب اللّه عز و جل فقال: لا أطيقها. فلم يزالوا به حتى انتهوا الى جلدة واحدة فقال: لا أطيقها. فقالوا:

3) وسائل الشيعة 49/1 باب 6 استحباب الوضوء لقضاء الحاجة حديث 2 [ط ج 262/1] محمد بن علي بن الحسين - في حديث - قال: و قال الصادق عليه السّلام: اني لأعجب ممن يأخذ في حاجة و هو على وضوء كيف لا تقضي حاجته؟!

4) وسائل الشيعة 45/1 باب 11 حديث 3 [ط ج 269/1] عن أنس بسنده - في حديث - قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: يا أنس أكثر من الطهور يزيد اللّه في عمرك، و ان استطعت ان تكون بالليل و النهار على طهارة فافعل، فانك تكون اذا مت على طهارة شهيدا.

و الرزق(1)و نورث، و مزيد الجاه، و علو المكان و الرفعة، و صحة البدن(2)، و الفرح و النشاط و تزيد في الحفظ و الذهن.

و ورد أن الوضوء نصف الايمان(3)، و أن المؤمن معقب ما دام على وضوء(4)

فقال: ان كنت على وضوء فأنت معقب.

، و من مات على طهارة مات شهيدا(5)، و من بات على طهور كان كأنما أحيى

1) مستدرك وسائل الشيعة 43/1 باب 12 حديث 7 في الحديث انه شكى اليه رجل قلة الرزق، فقال صلى اللّه عليه و آله: أدم الطهارة يدم عليك الرزق. ففعل ذلك فوسع عليه الرزق.

2) محاسن البرقي ص 425 حديث 222 عن ابي عبد اللّه عن آبائه عليهم السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: يا علي ان الوضوء قبل الطعام و بعده شفاء في الجسد و يمن في الرزق.

3) مستدرك وسائل الشيعة 41/1 باب 1 وجوب الوضوء للصلاة حديث 9 عن علي بن ابي طالب عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: الوضوء نصف الايمان.

4) وسائل الشيعة 404/1 باب 16 حديث 1 [ط ج 1034/4 باب 17] عن هشام قال: قلت لابي عبد اللّه عليه السّلام: اني اخرج في الحاجة و أحب ان أكون معقبا.

5) مستدرك وسائل الشيعة 42/1 باب 9 حديث 2 عن النبي صلّى اللّه عليه و آله انه قال: من نام على وضوء، ان ادركه الموت في ليله مات شهيدا. و في وسائل الشيعة 50/1 باب 11 حديث 11 فراجع.

الليل(1)

ان سلمان روى عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال:

من بات على طهر فكأنما أحيى الليل.

، و من تطهر و آوى الى فراشه بات و فراشه بمسجده(2)

من تطهر و [ن خ: ثم] آوى الى فراشه بات و فراشه كمسجده.

. و روي أن روح المؤمن في نومه تروح الى اللّه تعالى فليلقاها و يبارك عليها(3)، فلا ينبغي أن ينام الا على طهور.

و عليك - بنيّ - عند وسوسة الشيطان بالاستعاذة بالله منه(4)و البسملة، ثم قول «آمنت بالله و رسله مخلصا له الدين» مع عقد القلب به.


1) وسائل الشيعة 50/1 باب 9 حديث 3 [ط ج 266/1] عن ابي عبد اللّه عن آبائه عليهم السّلام - في حديث -:

2) وسائل الشيعة 50/1 باب 9 حديث 2 [ط ج 265/1] محمد بن علي بن الحسين عن الصادق عليه السّلام قال:

3) وسائل الشيعة 50/1 باب 9 حديث 4 [ط ج 266/1] عن ابي عبد اللّه عن آبائه عليهم السّلام، عن أمير المؤمنين عليه السّلام قال: لا ينام المسلم و هو جنب و لا ينام الا على طهور، فان لم يجد الماء فليتيمم بالصعيد، فان روح المؤمن تروح الى اللّه عز و جل فيلقاها و يبارك عليها، فان كان أجلها قد حضر جعلها في مكنون رحمته، و ان لم يكن أجلها قد حضر بعث بها مع امنائه من الملائكة فتردها الى جسده.

4) مستدرك وسائل الشيعة 284/1 باب 43 حديث 3 عن النبي صلّى اللّه عليه و آله أنه أتاه رجل من الانصار -

و عليك - بنيّ - بحفظ أول أوقات الفرائض، فانه أفضل، و أبرأ للذمة، و أفرغ للبال، و اروح للبدن، و اجمع للفكر. و قد أرسل انه لا يفلح عمل قبل الصلاة. فأدّ بنيّ الفريضة في اول وقتها، و استرح من هم تكليفها، يتسع بذلك رزقك ان شاء اللّه تعالى(1).


1) مستدرك وسائل الشيعة 171/1 باب تحريم الاستخفاف بالصلاة و التهاون بها حديث 1 عن سيدة النساء فاطمة ابنة سيد الانبياء صلوات اللّه عليها و على أبيها و بعلها و بنيها، انها سألت أباها محمدا صلّى اللّه عليه و آله فقالت: يا ابتاه ما لمن تهاون بصلاته من الرجال و النساء؟ قال: يا فاطمة من تهاون بصلاته من الرجال و النساء ابتلاه اللّه بخمسة عشر خصلة: سته منها في دار الدنيا، و ثلاث عند موته، و ثلاث في قبره، و ثلاث في القيامة اذا خرج من قبره. أما التي تصيبه في دار الدنيا فالاولى يرفع اللّه البركة من عمره، -

الالتزام بالنوافل

و عليك - بنيّ - بالالتزام بنوافل الليل و النهار جميعا و لو مخففة، فانها مكملة للفرائض(1)، مضافا الى


1) مستدرك وسائل الشيعة 176/1 باب 13 عدد الفرائض و نوافلها حديث 4 فقه الرضا عليه السّلام قال: اعلم يرحمك اللّه ان الفريضة و النافلة في اليوم و الليلة احدى و خمسون ركعة، و الفرض منها سبع عشرة ركعة فريضة، و اربع و ثلاثون ركعة سنة، الظهر اربع ركعات، و العصر اربع ركعات، و المغرب ثلاث -

ما قضت به التجربة من مدخلية نوافل الليل في سعة الرزق، و نوافل الظهر في التوفيق.

و اياك ثم اياك أن تتركها، زعما منك منافاتها للاشتغال، فانها مؤيدة لا منافية، و العلم مقدمة للعمل، فلا وجه لترك ذي المقدمة بالتسويلات النفسانية.

و عليك - بنيّ - بالاتيان بالفرائض جماعة مهما أمكن بامامة أو ايتمام، فان فضلها عظيم فلا تفوتك(1)

و ص 487 حديث 3 عن ابي سعيد الخدري قال:

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: أتاني جبرائيل مع سبعين الف ملك بعد صلاة الظهر فقال: يا محمد، -

.

1) مستدرك وسائل الشيعة 487/1 باب 1 حديث 1 عن الرضا عليه السّلام انه قال: فضل الجماعة على الفرد بكل ركعة الف ركعة.

و عليك بالالتزام في ادبار الفرائض بتسبيح الزهراء سلام اللّه عليها(1)

و باب 6 حديث 3 عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال:

تسبيح فاطمة عليها السّلام في كل يوم، في دبر كل صلاة أحب اليّ من صلاة الف ركعة في كل يوم.

و حديث 1 عبد اللّه بن سنان، عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: سمعته يقول. من سبح تسبيح فاطمة عليها السّلام في دبر المكتوبة من قبل ان يبسط رجليه اوجب اللّه له الجنة.

، و سجدة الشكر(2).

و ان كنت - بنيّ - في شدة من جهة، فضع بقصد سجدة الشكر جبهتك على الارض، و ادع بما دعى به يوسف عليه السّلام بتعليم جبرئيل اياه في الجب فنجاه اللّه تعالى منه و هو «اللهم اني أسألك بان لك الحمد، لا اله الا انت المنان، بديع السماوات و الارض، ذو الجلال و الاكرام، ان تصلي على محمد و آل محمد، و ان تجعل


1) مستدرك وسائل الشيعة 337/1 باب 7 حديث 1 ابي جعفر عليه السّلام قال: تسبيح فاطمة عليها السّلام، من ذكر اللّه الكثير الذي قال اللّه تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ.

2) مستدرك وسائل الشيعة 354/1 أبواب سجدة الشكر باب 1 استحبابهما بعد الصلاة حديث 1 عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: من سجد سجدة ليشكر نعمه و هو متوضّ كتب اللّه له عشر حسنات، و محا عنه عشر خطيئات عظام.

لي مما انا فيه فرجا و مخرجا و ارزقني من حيث أحتسب و من حيث لا احتسب، أسألك بمنك العظيم، و احسانك القديم»(1)، ثم ضع خدك الايمن و ادع بالدعاء الذي دعا به يوسف عليه السّلام فنجاه اللّه من السجن، و هو «اللهم ان كانت ذنوبي قد اخلقت وجهي عندك فلن ترفع لي اليك صوتا، و لن تستجيب لي دعوة، فاني أتوجه اليك بنبيك، نبي الرحمة محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمة عليهم السّلام الا ما فرجت عني»(2)، ثم ضع خدك الايسر و ادع بما دعا به يعقوب عليه السّلام بتعليم جبرائيل عليه السّلام اياه، فرد اللّه عليه بصره و ابنيه، و هو: «يا من لا يعلم احد كيف هو، و حيث هو، و قدرته الا هو، يا من سد الهواء بالسماء، و كبس الارض على الماء، و اختار لنفسه أحسن الاسماء، ائتني بروح منك، و فرج من عندك»(3)

«يا حسن الصحبة، يا كريم المعونة، يا خير كلمة، ائتني بروح منك، و فرج من عندك». فهبط جبرئيل فقال له: يا يعقوب، أ لا اعلمك دعوات يرد اللّه عليك بصرك و ابنيك؟ قال: نعم. قال قل الدعاء. قال: -

.

1) مجمع البيان 217/5 فراجع.

2) مجمع البيان 217/5 فراجع. تفسير البرهان 268/2 حديث 29.

3) تفسير البرهان 268/2 حديث 27 علي بن ابراهيم بسنده قال عليه السّلام: فلما ولى الرسول الى الملك بكتاب يعقوب، رفع يعقوب يديه الى السماء و قال:

و عليك - بنيّ - بصوم أول خميس من كل شهر، و آخر حميس منه، و اول اربعاء من العشر الوسط فانه يعدل صوم الدهر(1)

و في حديث 6 عن ابراهيم بن العباس قال: ما رأيت ابا الحسن عليه السّلام جفا أحدا بكلامه قط - الى ان قال -: و كان كثير الصيام، فلا يفوته صيام ثلاثة ايام في الشهر، و يقول: ذلك صوم الدهر.

و حديث 5 عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله انه قال: من صام ثلاثة ايام من كل شهر كمن صام الدهر، لان اللّه عز و جل يقول: «مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها».

.

و عليك - بنيّ - بقراءة ثلاث مرات سورة التوحيد


1) مستدرك وسائل الشيعة 592/1 باب 6 حديث 4 عن جعفر بن محمد عليه السّلام انه قال: و اما ما يلزم في كل سنة فصوم شهر معلوم مردد عليهم ذلك الشهر كل سنة، و هو شهر رمضان، و من السنة سنة، و هي مثل الفريضة المفروضة، ثلاثة ايام من كل شهر، يوم من كل عشرة ايام، اربعاء بين خميسين، اول خميس يكون في الشهر، و الاربعاء التي تكون اقرب الى نصف الشهر، و الخميس الذي يكون في آخر الشهر الذي لا يكون فيه خميس بعده، فذلك شهران مثلا الفريضة، يعني انه يصوم عن عشرة اشهر ثلاثين يوما، و يصوم شعبان، فذلك شهران.

في كل يوم و ليلة فانها تعدل ختم القرآن(1)، و لذا افتخر سلمان رضوان اللّه عليه بصوم الدهر، و احياء الليل، و ختم القرآن، في كل يوم و ليلة مرة، و نازعه عمر في ذلك، فاحتج عليه عند النبي صلّى اللّه عليه و آله بصوم ثلاثة ايام من كل شهر، و النوم على طهارة، و قراءة التوحيد في كل يوم ثلاث مرات، و قرره النبي صلّى اللّه عليه و آله على ذلك و صدقه فيه.

و اذا كنت - بنيّ - صائما ندبا، فدخلت على مؤمن، فسألك الاكل و الشرب فأفطر عنده من دون ان تخبره بصيامك، و تمن عليه بافطارك، فانك ان افطرت عنده من دون اخباره، كتب اللّه عز و جل لك بذلك صيام سنة(2).


1) تفسير الصافي ص 540 سورة التوحيد في الاكمال عن امير المؤمنين عليه السّلام قال: من قرأ «قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ» مرة فكأنما قرأ ثلث القرآن، و من قرأها مرتين فكأنما قرأ ثلثي القرآن، و من قرأها ثلاث مرات فكأنما قرأ القرآن كله.

2) فروع الكافي 150/4 باب فضل افطار الرجل عند اخيه اذا سأله حديث 3 جميل بن دراج قال: قال ابو عبد اللّه عليه السّلام: من دخل على اخيه و هو صائم فأفطر عنده و لم يعلمه بصومه فيمن عليه، كتب اللّه له صوم سنة.

مراجعة الاخبار و المواعظ

و عليك بنيّ بمراجعة الاخبار و المواعظ ساعة في كل يوم و ليلة، فان لها تأثيرا غريبا في احياء القلب، و حفظ النفس الامارة من الطغيان.

و اياك بنيّ - حرسك اللّه تعالى من الشرور - الافراط في الاكل، فان ذلك يورث الكسل، و قسوة القلب(1)

و حديث 7 روي: من قل طعامه صح بدنه و صفا قلبه، و من كثر طعامه سقم بدنه و قسا قلبه.

. و قد ورد أن أقرب ما يكون العبد الى الشيطان حين يملأ بطنه(2)

انت رجل أكول، فاذا أفطرت أكلت و شبعت فيمنعك من بعض صلاتك و قيامك بالليل. قال يحيى عليه السّلام: فاني اعطي اللّه عهدا انى لا أشبع من الطعام حتى ألقاه. قال له ابليس: فاني اعطي اللّه عهدا اني لا أنصح مسلما حتى ألقاه، ثم خرج فما عاد.

، و ما من شيء أبغض الى اللّه سبحانه

1) مستدرك وسائل الشيعة 80/3 ابواب آداب المائدة باب 1 كراهة كثرة الاكل حديث 6 عن النبي صلّى اللّه عليه و آله انه قال: اياكم و البطنة، فانها مفسدة للبطن، و مورثة للسقم، و مكسلة عن العبادة.

2) مستدرك وسائل الشيعة 81/3 باب 2 كراهة الشبع و الاكل على الشبع حديث 5 عن الرضا عن ابيه جعفر ابن محمد عن آبائه عليهم السّلام في حديث مكالمة يحيى عليه السّلام مع ابليس - الى ان قال - قال يحيى: فهل ظفرت بي ساعة قط؟ قال: لا، و لكن فيك خصلة تعجبني. قال يحيى: فما هي؟ قال:

من بطن مملوءة(1)، و ليس شيء اضر على قلوب المؤمنين من كثرة الأكل، فابق ثلثا للماء، و ثلثا للنفس، و كل بمقدار ثلث بطنك فانه اخف لك، و أقوى لمزاجك و بدنك(2)

وسائل الشيعة 263/3 باب كراهة كثرة الاكل حديث 5 [ط ج 406/16] صالح النيلي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: ان اللّه يبغض كثرة الاكل.

و قال ابو عبد اللّه: ليس [ن خ: بد] لابن آدم بد من أكلة يقيم بها صلبه، فاذا أكل أحدكم طعاما فليجعل ثلث بطنه للطعام، و ثلث بطنه للشراب، و ثلث بطنه لنفس... الخ.

، و لا تزعم ان القوة بكثرة الاكل، بل بجودة الهضم، و جودة الهضم مع قلة الطعام لا كثرته، فان مثل المعدة مثل القدر فكلما كان مكان ما فيه أوسع، كان طبخه اسرع و احسن.

1) مستدرك وسائل الشيعة 80/3 أبواب آداب المائدة باب 1 كراهة كثرة الاكل حديث 3 عن ابي جعفر عليه السّلام قال: ما من شيء أبغض الى اللّه من بطن مملوءة.

2) مستدرك وسائل الشيعة 80/3 باب 1 كراهة كثرة الاكل حديث 12 قال الصادق عليه السّلام: قلة الاكل محمود في كل حال، و عند كل قوم - الى قوله - و ليس شيء أضر لقلب المؤمن من كثرة الاكل، و هي مورثة شيئين: قسوة القلب، و هيجان الشهوة. و الجوع أدام المؤمنين، و غذاء للروح، و طعام للقلب، و صحة للبدن.

و اياك و الاكل عند الشبع و عدم الاشتهاء، فان ذلك يورث التخمة التي هي أم الامراض، و البرص و الحماقة و البله(1)

و حديث 3 باب 2 [ط ج 408/16] كراهة الشبع و الاكل على الشبع عبد اللّه بن سنان عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: الاكل على الشبع يورث البرص.

و مستدرك وسائل الشيعة 81/3 حديث 18 من غرر كلام امير المؤمنين عليه السّلام - الى ان قال -: اياك و البطنة فمن لزمها كثرت أسقامه، و فسدت احلامه.

و قال عليه السّلام: لا تجتمع الفطنة و البطنة.

و حديث 15 عن الرضا عليه السّلام - الى ان يقول - ارفع يدك منك و بك اليه بعض القرم، و عندك اليه ميل، فانه أصلح لمعدتك و لبدنك، و أزكى لعقلك، و أخف لجسمك.

.

و اياك و كثرة النوم، فانها افناء للعمر العزيز من غير حاصل. و ليس غرضي من ذلك و ما قبله العمل بالرياضات، بل أنهاك عنها، لانها تعدم المزاج، سيما في الأمكنة التي لا يساعد هواؤها للمزاج، كهذه البلدة الطيبة و نحوها، بل غرضي بذلك الاقتصار على مقدار الحاجة، و ترك ما زاد على ذلك.


1) وسائل الشيعة 263/3 باب 4 كراهة التخمة و الامتلاء حديث 1 [ط ج 311/16] عن ابي عبد اللّه عليه السّلام انه قال: كل داء من التخمة، الا الحمى فانها ترد ورودا.

كثرة الضحك

و اياك - بنيّ - و كثرة الضحك، فان الاخبار قد استفاضت بأنها تميت القلب(1)

و قال عليه السّلام: كثرة الضحك يميث [ن خ: تميث] الدين كما يميث [ن خ: تميث] الماء الملح.

و ورد انها تذهب بماء الوجه، و تمج الايمان مجا(2)

كثرة المزاح يذهب [ن خ: تذهب] بماء الوجه و كثرة الضحك يمج [ن خ: تمج] الايمان مجا.

، و أن دواء ذلك النظر الى الظفر، فانه يوجب سكونه، و كفارته قول «اللهم لا تمقتني»(3)، نعم الضحك اليسير الذي هو من شؤون حسن الخلق ممدوح، و لقد كان ضحك رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله(4)، التبسم.

1) وسائل الشيعة 217/2 باب 83 كراهة كثرة المزاح و الضحك حديث 2 [ط ج 481/8] منصور بن [ن خ: عن] حريز، عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: كثرة الضحك يميت [ن خ: تميت] القلب.

2) وسائل الشيعة 217/2 باب 83 حديث 7 [ط ج 481/8] عن ابي عبد اللّه و ابي جعفر عليهما السّلام قال:

3) وسائل الشيعة 216/2 باب 81 كراهة القهقهة حديث 2 [ط ج 479/8] خالد بن طهمان عن ابي جعفر عليه السّلام قال: اذا قهقهت فقل حين تفرغ «اللهم لا تمقتني».

4) وسائل الشيعة 216/2 باب 80 استحباب المزاح و الضحك من غير اكثار حديث 1 [ط ج 477/8] -

و كالضحك - في المنع - كثرة المزاح، لانه يذهب بماء الوجه(1). و نور الايمان(2)، و يخفف المروءة(3)،


1) وسائل الشيعة 216/2 باب 80 حديث 6 [ط ج 478/8] حمران بن اعين قال: دخلت على ابي جعفر عليه السّلام فقلت: أوصني. فقال: اوصيك بتقوى اللّه، و اياك و المزاح فانه يذهب هيبة الرجل و ماء وجهه.

2) مستدرك وسائل الشيعة 78/2 باب 69 حديث 6 عن الصادق عليه السّلام انه قال: كثرة المزاح يذهب بماء الوجه، و كثرة الضحك يمحوا الايمان محوا.

3) مستدرك وسائل الشيعة 77/2 باب 66 حديث 19 عمرو بن جميع عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما -

و يورث البغضاء(1)، و لكن قليله ممدوح مندوب، و قد كانوا صلوات اللّه عليهم أجمعين يفعلونه و يأمرون أصحابهم به، معللا بأنه يوجب ادخال السرور على الاخ المؤمن(2).

و اياك - بنيّ - و الرضا بقتل مؤمن، فقد ورد عن مولانا الرضا عليه السّلام: ان من رضي شيئا كان كمن أتاه(3)، و لو أن رجلا قتل في المشرق فرضي بقتله رجل في المغرب لكان الراضي عند اللّه شريك القاتل، و لذا ان الحجة المنتظر - عجل اللّه تعالى فرجه و جعلنا من كل مكروه فداه - اذا ظهر ذراري قتلة سيد الشهداء عليه


1) وسائل الشيعة 217/2 باب 83 حديث 9 [ط ج 482/8] ابن القداح عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال امير المؤمنين عليه السّلام: اياك و المزاح فانه يجر السخيمة، و يورث الضغينة، و هو السب الاصغر.

2) وسائل الشيعة 216/2 باب 80 حديث 4 [ط ج 478/8] و قد تقدم ذكره.

3) مستدرك وسائل الشيعة 344/2 باب 80 تحريم الرضا بالظلم حديث 3 نهج البلاغة قال امير المؤمنين عليه السّلام: أيها الناس يجمع الناس الرضا و السخط، و انما عقر ناقة ثمود رجل واحد فعمهم اللّه بالعذاب لما عموه بالرضا، فقال «فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ».

السّلام لرضاهم بفعل آبائهم(1).

و اياك و الغيبة و البهتان، فانهما يخليان كتابك من أعمال الخير و يملآنه بالشر، لذهاب أعمالك الخيرية بهما الى كتاب من اغتبته او بهت عليه، و اتيان شروره الى كتابك، فتبقى صفر الكف بل محملا أوزار غيرك(2)

الهي ليس هذا كتابي فانه لا ارى فيه طاعتي. فيقال:

ان ربك لا يضل و لا ينسى، ذهب عملك باغتياب الناس، -

.

1) تفسير الصافي ص 56 في تفسير آية «وَ قاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ» سورة البقرة آية 193، في العلل عن الرضا عليه السّلام انه سئل يا بن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ما تقول في حديث روي عن الصادق عليه السّلام انه قال: اذا خرج القائم عليه السّلام قتل ذراري قتلة الحسين عليه السّلام بفعال آبائهم؟ فقال: هو كذلك. فقيل: فقول اللّه عز و جل «وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى»، ما معناه؟ فقال: صدق اللّه في جميع اقواله، لكن ذراري قتلة الحسين عليه السّلام يرضون بأفعال آبائهم و يفتخرون بها، و من رضي شيئا كان كمن أتاه، و لو ان رجلا قتل في المشرق فرضي بقتله رجل في المغرب لكان الراضي شريك القاتل، و انما يقتلهم القائم عجل اللّه فرجه اذا خرج لرضائهم بفعل آبائهم.

2) مستدرك وسائل الشيعة 106/2 حديث 30 عن النبي صلّى اللّه عليه و آله قال: يؤتي بأحد يوم القيامة يوقف بين يدي اللّه و يدفع اليه كتابه فلا يرى حسناته فيقول:

اياك و الحسد

و اياك و الحسد فان الحاسد لا يصل عمله الى السماء السادسة بل يضرب به وجه صاحبه، و هو في التعب في الدنيا و الآخرة، أما في الدنيا فلحسده و حسرته(1)

و قال عليه السّلام: لا مروءة لكذوب، و لا راحة لحسود.

و قال عليه السّلام: الحسود مغموم.

و قال عليه السّلام: الحسود كثير الحسرات، متضاعف السيئات.

و قال عليه السّلام: الحسود دائم السقم و ان كان صحيح الجسم.

، و اما في الاخرة فبعذاب اللّه تعالى له(2)

و قال امير المؤمنين عليه السّلام: الحسد يميث الايمان في القلب كما يميث الماء الثلج.

.

1) مستدرك وسائل الشيعة 327/2 باب 55 تحريم الحسد حديث 5 أبو الفتح الكراجكي قال امير المؤمنين عليه السّلام: ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من الحاسد، نفس دائم، و قلب هائم، و حزن لازم.

2) مستدرك وسائل الشيعة 327/2 باب 55 تحريم الحسد حديث 6 قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: لا يجتمع الحسد و الايمان في قلب امرىء.

و كفاك برهانا لقبحه ان الشيطان حسد آدم عليه السّلام فاستحق العذاب الأليم(1). و اخوة يوسف عليه السّلام حسدوه فأصابتهم الذلة و الخجالة و الحاجة اليه(2).

و ورد ان الحسود لا يسود(3)، و أنه يأكل الايمان و الحسنات كما تأكل النار الحب(4).

و اياك و الاعتراض على الباري جل ذكره في أفعاله حتى مثل كم الهواء حار أو بارد؟ و مثل قول: لو ان اللّه أغناني أو شفاني أو رزقني ابنا بدل البنت أو أبقى لي


1) مستدرك وسائل الشيعة 327/2 باب 55 حديث 2 محمد الحضرمي، عن ابي جعفر محمد بن علي عليهما السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في خطبة يوم الغدير: معاشر الناس ان ابليس اخرج آدم من الجنة بالحسد، فلا تحسدوا فتحبط اعمالكم، و تزول اقدامكم، فان آدم أهبط الى الارض بخطيئة واحدة، و ان الملعون حسده على الشجرة و هو صفوة اللّه فكيف بكم و انتم انتم؟!

2) مجمع البيان 211/5-265 فراجع حسد اخوة يوسف ثم ذلتهم عند ما طلبوا منه ان يبيعهم الطعام و حاجتهم اليه.. الى آخره.

3) مستدرك وسائل الشيعة 328/2 الحسود لا يسود.

4) أصول الكافي 306/2 باب الحسد حديث 1 محمد بن مسلم قال: قال ابو جعفر عليه السّلام: ان الرجل ليأتي بأي بادرة فيكفر، و ان الحسد ليأكل الايمان كما تأكل النار الحطب.

ولدي أو داري او ملكي او فعل بي كذا و كذا لكان أصلح او أحسن، و امثال ذلك من العبارات المشعرة بالاعتراض، المعدودة من الشرك الخفي.

و اياك و اختيار سوء لنفسك بقول: اللهم أمتني او خذ عمري أو نحو ذلك، فان يوسف عليه السّلام لما شكى في السجن الى اللّه تعالى فقال: يا رب بما ذا استحققت السجن؟ فأوحى اليه أنت اخترته حيث قلت: «اَلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ» و هلا قلت: العافية احب الي مما يدعونني اليه(1)؟.

و اياك و ارتكاب معصية خوفا من احد، فان الطاعة بترك مبغوض اللّه تعالى تنجيك لا محالة كما نجى يوسف عليه السّلام و بلغ ما بلغ بتركه الزنا خوفا من اللّه سبحانه(2).


1) تفسير الصافي ص 244 في تفسير الآية الكريمة من سورة يوسف رقم 35 «ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ». عن الباقر عليه السّلام الحديث بلفظه.

2) و ذلك لقوله عليه السّلام «قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَ إِلاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ، فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» سورة يوسف 33.

و اياك و الكذب

و اياك و الكذب، فان اللّه يمقت به العبد و يذله بين خلقه، و يكون الكاذب ساقط الاعتبار بين الناس و لا يوثق بشيء من أقواله و أفعاله، بل ينبغي ترك التورية أيضا، و ان لم تكن كذبا، لانا قد جربنا مرارا فوجدنا صدق «ان النجاة في الصدق»(1). و كم من قضايا صدق فيها الشخص مع الخوف الشديد العادي، فنجاه الصدق بالاثر القهري.

تلقين الكذب

و اياك و تلقين الكذب، و قد روي عن النبي صلّى اللّه عليه و آله انه قال: لا تلقنوا الكذب فتكذبوا، فان بني يعقوب لم يعلموا ان الذئب يأكل الانسان حتى لقنهم ابوهم عليه السّلام(2).


1) مستدرك وسائل الشيعة المجلد الثاني ص 84 باب 91 وجوب الصدق حديث 17.

2) مجمع البيان الجزء الخامس ص 216 عن النبي صلى اللّه عليه و آله قال: لا تلقنوا الكذب فتكذبوا، فان بني يعقوب لم يعلموا ان الذئب يأكل الانسان حتى لقنهم أبوهم بقوله: «أَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ».

اياك و الشماتة

و اياك و الشماتة، فان عمل الشامت يضرب به وجه صاحبه. و ما أصاب غيرك يمكن ان يصيبك مثله(1).

ارتكاب ما يقسي القلب

و اياك و ارتكاب ما يقسي القلب، فان قساوة القلب من المذمومات جدا، و لعلي أجمع لك مقسيات القلب في خاتمة كتاب الآداب الذي وعدتك بتأليفه لك(2).

الكبر و الغرور

و اياك - بنيّ - أعانك اللّه سبحانه على نفسك - من الكبر و الغرور، فاني قد جربت فوجدت أن من عادة اللّه جل شأنه اذلال المتكبر و ارغام أنفه، و ما اغتررت بشيء الا و خيب اللّه تعالى رجائي منه. و كم من مغرور بشيء قد سلط اللّه عليه الذل و الصغار على وجه ما كان يخطر ببال عاقل أبدا. و قد ورد ان اللّه تعالى ليبغض المتجبر


1) وسائل الشيعة 173/1 باب 78 حديث 1 بسنده عن ابي عبد اللّه عليه السّلام انه قال: لا تبدي الشماتة لاخيك فيرحمه اللّه و يصيرها بك. و حديث 2.

2) و هو الكتاب الجليل (مرآة الكمال) الذي يعتبر المجلد التالي لهذا الكتاب.

المتكبر المختال في مشيه(1)

ان اللّه تبارك و تعالى ليبغض بيت [ن خ: البيت] اللحم، و اللحم السمين فقال له بعض اصحابنا: يا بن رسول اللّه انا لنحب اللحم و ما تخلوا بيوتنا منه، فكيف ذلك؟ فقال: ليس حيث تذهب، انما بيت اللحم الذي يؤكل لحوم الناس فيه بالغيبة، و اما اللحم السمين فهو المتجبر المتكبر المختال في مشيه.

، و ان من مشى في الارض اختيالا لعنته الارض و من تحتها و من فوقها(2)، و ان المختال لمعاند لجبار السماوات و الارض(3).

بل لا يخفى عليك بنيّ أن التكبر و التجبر و الاختيال من السفه لان كل عاقل اذا لاحظ أوله و آخره و ما هو فيه


1) وسائل الشيعة 472/2 باب 58 حديث 6 [ط ج 303/11] باب 59 الحسين بن خالد عن علي بن موسى الرضا عن ابيه عن جعفر بن محمد عليهم السّلام قال:

2) وسائل الشيعة 472/2 باب 58 حديث 9 [ط ج 304/11 باب 59] ابن فضال، عمن حدثه قال: قال ابو عبد اللّه عليه السّلام: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: من مشى على الارض اختيالا لعنته الارض و من تحتها و من فوقها.

3) وسائل الشيعة 472/2 باب 58 حديث 10 [ط ج 304/11 باب 59] احمد بن محمد عن ابيه قال: قال ابو جعفر عليه السّلام: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: ويل لمن يختال في الارض يعاند جبار السماوات و الارض.

كان تكبره سفها. و لذا تعجبوا عليهم الصلاة و السّلام من تكبر ابن آدم بأن أوله نطفة و آخره جيفة و هو بينهما وعاء للغائط، فكيف يتكبر؟!(1). و ورد ان اصل الغائط لتصغير ابن آدم لئلا يتكبر و هو يحمل غائطه معه(2).

فلا ينبغي ان يرى نفسه فوق ذلك فضلا من ان يتكبر على احد.

فعليك بنيّ بحفظ نفسك من الكبر و الخيلاء، و التحرز من موجبات ذلك، مثل لبس الثوب الطويل الذي يجر في الارض عند المشي، فان من لبسه و اختال فيه لم يجد ريح الجنة(3)

لا يجد ريح الجنة عاق، و لا قاطع رحم، و لا مرخى الازار خيلاء.

، و يخسف اللّه به قبره من شفير جهنم، و يكون قرين قارون، لانه اول من اختال فخسف به و بداره(4).

1) مستدرك وسائل الشيعة 330/2 باب 59 حديث 10 قال صلّى اللّه عليه و آله: يا عجبا كل العجب للمختال الفخور، خلق من نطفة ثم يعود جيفة، و هو بين ذلك لا يدري ما يفعل به.

2) فروع الكافي 70/3 حديث 3.

3) وسائل الشيعة 283/1 باب 23 كراهة اسبال الثوب حديث 11 [ط ج 369/3] عن الصادق ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

4) وسائل الشيعة 283/1 باب 23 كراهة اسبال الثوب حديث 6 [ط ج 367/3] عن الصادق عن آبائه عليهم -

و مثله الجلوس مع قيام آخر تعظيما لك، فانه من موجبات الكبر. و قد ورد ان من اراد ان ينظر الى رجل من اهل النار فلينظر الى رجل جالس و حوله قوم قيام و هو متكبر عليهم(1).

و قد جعلوا عليهم السّلام دواء الكبر و لبس الثوب المرقع، و النعل المخصوف، و تعفير الجبين، و حمل السلعة من السوق الى الدار، و ركوب الحمار، و حلب المعز، و مجالسة المساكين(2)

فقال رجل: و هل ينجو من الكبر أحد؟ قال: نعم، من لبس الصوف، و ركب الحمار، و حلب العنز، و جالس المساكين. يا ابا ذر من حمل بضاعته فقد برىء من الكبر - يعني من السوء - يا ابا ذر من وقع ذيله، و خصف نعله، و عفر وجهه، فقد برىء من الكبر.

.

1) جامع السعادات 359/1 عن امير المؤمنين عليه السّلام انه قال: من أراد ان ينظر الى رجل من اهل النار، فلينظر الى رجل قاعد و بين يديه قوم قيام.

2) مستدرك وسائل الشيعة 329/2 باب 58 تحريم التكبر حديث 5 أبي ذر قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: يا ابا ذر اكثر من يدخل النار المتكبرون.

و قد سلب اللّه أشخاصا نعما عظاما للكبر، و كفاك منها ما مرت الاشارة اليه من سلب النبوة من نسل يوسف عليه السّلام لعدم نزوله عن تخت الملك، او عن مركبه كبرا على يعقوب عليه السّلام عند رؤيته اياه(1). و أعظم منه سلب اللّه تعالى من الشيطان نعمة القرب لكبره عن السجود لآدم عليه السّلام(2).


1) مجمع البيان 264/5 هشام بن سالم عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: لما اقبل يعقوب عليه السّلام الى مصر، خرج يوسف عليه السّلام ليستقبله، فلما رآه يوسف هم بأن يترجل له، ثم نظر الى ما هو فيه من الملك فلم يفعل، فلما سلم على يعقوب نزل عليه جبرائيل فقال: يا يوسف! ان اللّه جل جلاله يقول: منعك ان تنزل الى عبدي الصالح ما انت فيه، ابسط يدك فبسطها، فخرج من بين اصابعه نور فقال: ما هذا يا جبرئيل؟ قال: هذا انه لا يخرج من صلبك نبي أبدا، عقوبة بما صنعت بيعقوب اذ لم تنزل اليه.

2) سورة (ص) آية 71 «إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ * فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ * قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ * قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَ إِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ» و سورة الاعراف آية 22.

فعليك بني بحفظ نفسك من الكبر حتى تخلص من مضاره المذكورة.

و عليك بالتواضع

و عليك بني بالتواضع حتى تنال به خير الدنيا و الآخرة. فقد ورد أن التواضع يزيد صاحبه رفعة(1)، و ان فيه الشرف(2)و به تعمر الحكمة(3)، و انه مزرعة


1) وسائل الشيعة 457/2 باب 28 استحباب التواضع حديث 1 [ط ج 218/11 باب 29 /عن ابي عبد اللّه عليه السّلام - في حديث جعفر بن ابي طالب الطيار مع النجاشي - و فيه: ان النبي صلّى اللّه عليه و آله لما بلغه حديث جعفر قال لأصحابه: ان الصدقة تزيد صاحبها كثرة فتصدقوا يرحمكم اللّه، و ان التواضع يزيد صاحبه رفعة فتواضعوا يرفعكم اللّه، و ان العفو يزيد صاحبه عزا فاعفوا يعزكم اللّه.

2) مستدرك وسائل الشيعة 306/2 عن الصادق عليه السّلام - في جملة حديثه - قال: و لا يسلم الشرف التام الحقيقي الا بالتواضع في ذات اللّه.

3) وسائل الشيعة 457/2 باب استحباب التواضع للعالم و المتعلم حديث 2 [ط ج 219/11 باب 30] و فيه انه قال عيسى عليه السّلام: و بالتواضع تعمر الحكمة لا بالتكبر.

الخشوع و الخشية و الحياء(1)، و أنه لا يسلم الشرف التام الحقيقي الا للمتواضع في ذات اللّه، و ان اللّه تعالى ليباهي الملائكة بالذين يتواضعون، و ان ما من احد من ولد آدم عليه السّلام الا و ناصيته بيد ملك، فان تكبر جذب بناصيته الى الارض ثم قال له: تواضع وضعك اللّه، و ان تواضع جذب بناصيته و قال له: ارفع رأسك رفعك اللّه و لا وضعك بتواضعك لله(2)، و ان اللّه تعالى انما اصطفى موسى عليه السّلام لكلامه، لتواضعه و كونه أذل خلقه نفسا، فجعله أرفعهم شأنا في عصره(3)، و أن المتواضعين أقرب الناس الى اللّه تعالى(4).


1) مستدرك وسائل الشيعة 306/2 عن الصادق عليه السّلام في جملة حديثه قال: و التواضع مزرعة الخشوع و الخضوع و الخشية و الحياء.

2) وسائل الشيعة 471/2 باب 58 تحريم التكبر حديث 10 [ط ج 300/11] عن جعفر بن محمد عن ابيه عليهما السّلام ان عليا عليه السّلام قال: ما من أحد من ولد آدم الا و ناصيته بيد ملك، فان تكبر جذبه بناصيته الى الارض ثم قال له: تواضع وضعك اللّه، و ان تواضع جذبه بناصيته، ثم قال له: ارفع رأسك رفعك اللّه و لا وضعك بتواضعك لله.

3) جامع السعادات 346/1 تجد الحديث فراجع.

4) وسائل الشيعة 456/2 باب 28 استحباب التواضع حديث 2 [ط ج 215/11] عن ابي عبد اللّه الصادق -

اياك و الاستحقار

و اياك - بنيّ - و ان تستحقر شيئا من المخلوقات، فانه اهانة للصانع. أ لا ترى نوحا عليه السّلام مر على كلب أجرب فقال: ما هذا الكلب؟ فنطق الكلب و قال: يا نوح هكذا خلقني ربي، فان قدرت ان تغير صورتي بأحسن من هذه الصورة فافعل، فندم نوح عليه السّلام على ما قال و بكى على مقالته أربعين سنة حتى سماه اللّه تعالى نوحا، و قد كان اسمه عبد الجبار، فقال تعالى: الى متى تنوح يا نوح؟! فقد تبت عليك(1)

ما اقبح هذا الكلب، فجثى الكلب و قال بلسان طلق ذلق: ان كنت لا ترضى بخلق اللّه فحولني يا نبي اللّه، فتحير نوح عليه السّلام و اقبل يلوم نفسه بذلك، و ناح على نفسه اربعين سنة حتى ناداه اللّه الى متى تنوح يا نوح فقد تبت عليك.

.

و كذلك موسى عليه السّلام لما أمره اللّه تعالى باستصحاب من يكون موسى عليه السّلام خيرا منه لما استصحب الكلب الاجرب، ثم ارسله في اثناء الطريق،


1) مستدرك وسائل الشيعة 294/2 حديث 30 روي أن نوحا عليه السّلام مر على كلب كريه المنظر فقال نوح:

فلما ذهب للمناجاة أقسم اللّه تعالى على أنه لو كان آتيا به بزعم أنه خير منه لمحاه عن ديوان النبوة.

فلا تحسب نفسك بنيّ خيرا حتى من الكلب الاجرب، و قد حكى عن بعض العارفين انه قال: ما دام العبد يظن ان في الخلق من هو شر منه فهو متكبر.

اياك و الحرص

و اياك - بنيّ - و الحرص، فان جدنا آدم عليه السّلام لم ينف من الجنة الا لحرصه على أكل الحنطة مع اباحة سائر ما في الجنة له(1)، و ان ترك الحرص من جملة نصائح الشيطان التي أمر اللّه تعالى نوحا باستماعها(2)،


1) سورة طه آية 117 قوله عز و جل من قائل «وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى * فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَ لِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى * إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيها وَ لا تَعْرى * وَ أَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَ لا تَضْحى * فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَ مُلْكٍ لا يَبْلى * فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَ طَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَ عَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى».

2) مستدرك وسائل الشيعة 335/2 باب 64 حديث 1 علاء بن سيابة عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: لما أهبط نوح عليه السّلام من السفينة اتاه ابليس لعنه اللّه تعالى فقال له: ما في الارض رجل أعظم منة عليّ -

كما ان منها ان لا تخلو بامرأة أجنبية، حيث قال لعنه اللّه:

فانك ان خلوت بها من غير ثالث كنت انا الثالث، فأسوّل لك حتى أوقعك في الزنا(1).

النهي عن العجب

و اياك - بنيّ - و العجب، فانه آفة الدين، و مفني العمل، و موردك في الهلكات. أ لا ترى ان صاحب عيسى عليه السّلام لما قال كعيسى عليه السّلام «بسم اللّه» بصحة اليقين منه، و مشى على الماء خلف عيسى عليه السّلام، فدخله العجب بنفسه فقال: هذا عيسى عليه السّلام روح اللّه يمشي على الماء، و أنا أمشي على الماء، فما فضله علي؟! فرمس(2)في الماء، فاستغاث بعيسى عليه السّلام، فتناوله فأخرجه، و سأل عيسى عليه السّلام عن السبب، فأخبره، فقال له عيسى عليه السّلام: لقد وضعت نفسك في غير الموضع الذي وضعك اللّه فيه، فمقتك اللّه على ما قلت،


1) في ترجمة الكلمات القصار للرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و آله طبعة ايران لسنة 1342 شمسية ص 352 قال صلّى اللّه عليه و آله: لا يخلون رجل بامرأة فان ثالثهما الشيطان.

2) خبر: أن صاحب عيسى [منه قدس سره].

فتب الى اللّه تعالى مما قلت. فتاب الرجل و عاد الى مرتبته التي وضعه اللّه تعالى فيها(1)

فرمس في الماء فاستغاث بعيسى فتناوله من الماء فأخرجه ثم قال له: ما قلت يا قصير؟ قال: قلت هذا روح اللّه يمشي على الماء، و انا امشي على الماء، فدخلني من ذلك عجب. فقال له عيسى عليه السّلام: لقد وضعت نفسك في غير الموضع الذي وضعك اللّه فيه فمقتك اللّه على ما قلت، فتب الى اللّه عز و جل مما قلت.

قال: فتاب الرجل و عاد الى مرتبته التي وضعه اللّه فيها، فاتقوا اللّه و لا يحسدن بعضكم بعضا.

.

فعليك - بنيّ - حفظك اللّه من كل شر - بحفظ نفسك من العجب، و الوضع للنفس في غير الموضع الذي وضعك اللّه فيه.


1) اصول الكافي 306/2 عن داود الرقي قال: سمعت ابا عبد اللّه عليه السّلام يقول: اتقوا اللّه و لا يحسد بعضكم بعضا، ان عيسى بن مريم عليه السّلام كان من شرائعه السيح في البلاد، فخرج في بعض سيحه و معه رجل من اصحابه قصير و كان كثير اللزوم لعيسى عليه السّلام، فلما انتهى الى البحر قال «بسم اللّه» بصحة اليقين منه، فمشى على ظهر الماء، فقال الرجل القصير حين نظر الى عيسى عليه السّلام جازه بصحة اليقين، فمشى على الماء و لحق بعيسى عليه السّلام، فدخله العجب بنفسه. فقال: هذا عيسى روح اللّه يمشي على الماء و أنا أمشي على الماء فما فضله عليّ! قال:

اياك و الرياء

و اياك - بنيّ - و الرياء، فانه شرك بالله العظيم، كما نطقت به الاخبار المستفيضة و يساعده الاعتبار. و قد ورد ان من عمل لغير اللّه تعالى وكله اللّه الى عمله يوم القيامة(1)

ويك يا عباد اياك و الرياء، فانه من عمل لغير اللّه وكله اللّه الى من عمل له.

، و ان المرائي يوم القيامة يدعى بأربعة أسماء:

يا فاجر، يا كافر، يا غادر، يا خاسر، حبط عملك، و بطل أجرك، فلا خلاص لك اليوم، فالتمس اجرك ممن كنت تعمل له(2).


1) اصول الكافي 293/2 حديث 1 عن ابي عبد اللّه عليه السّلام انه قال لعباد بن كثير البصري في المسجد:

2) وسائل الشيعة 11/1 باب تحريم قصد الرياء و السمعة بالعبادة حديث 17 [ط ج 50/1 حديث 16] عن جعفر بن محمد الصادق عن آبائه عليهم السّلام: ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله سئل فيما النجاة غدا؟ فقال: انما النجاة في ان لا تخادعوا [ن خ: تخادع] اللّه فيخدعكم، فانه من يخادع اللّه يخدعه و يخلع منه الايمان، و نفسه يخدع لو يشعر. قيل له: فكيف يخادع اللّه؟ قال: يعمل بما أمر [ن خ: أمره] اللّه ثم يريد به غيره، فاتقوا اللّه في الرياء فانه الشرك بالله، ان المرائي يدعى يوم القيامة بأربعة اسماء: يا كافر، يا فاجر، يا غادر، يا خاسر، حبط عملك، و بطل اجرك، فلا خلاص لك اليوم فالتمس اجرك ممن كنت تعمل له.

مضافا الى ما ورد من ان من اراد اللّه عز و جل بالقليل من عمله أظهره اللّه له أكثر مما أراد به، و من أراد الناس بالكثير من عمله في تعب من بدنه، و سهر من ليله، أبى اللّه الا أن يقلله في عين من سمعه(1). و الى استقباح العقل التدليس بعبادة اللّه ظاهرا، و عبادة مخلوق باطنا، و الى اباء العقل من ان يعبد الانسان مثله، او ادنى منه من المخلوقين العاجزين عن دفع ضرر البعوضة و البرغوث عن أنفسهم، القاصرين عن استرجاع ما استلبه الذباب منهم(2)

اياك و القنوط

و اياك - بنيّ - و القنوط من رحمة اللّه سبحانه، و الامن من مكره، فانهما من الكبائر(3)

سمعت ابا عبد اللّه عليه السّلام يقول: الكبائر القنوط من رحمة اللّه، و اليأس من روح اللّه، و الامن من مكر اللّه، و قتل النفس التي حرم اللّه، و عقوق الوالدين، و أكل مال اليتيم ظلما، و أكل الربا بعد البينة، و التعرب بعد الهجرة، و قذف المحصنة، و الفرار من الزحف الخ.

المسخطة للرب، و في كل منهما استصغار له تعالى.

1) اصول الكافي 296/2 حديث 13 بلفظه.

2) القرآن الكريم سورة الحج آية 73 قوله تعالى: «يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَ لَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَ الْمَطْلُوبُ».

3) اصول الكافي 280/2 حديث 10 مسعدة بن صدقة قال:

و قد شاهدنا بعض المذنبين لم يقنع الشيطان منه بارتكاب المعصية، بل وسوس اليه حتى قنطه من رحمة اللّه سبحانه، و حصل له اليأس من ان يتوب اللّه تعالى عليه، فترك التوبة لذلك فجمع بين اصل المعصية و بين معصية اخرى كبيرة. و هو القنوط، و بين ترك التوبة الواجبة الماحية للذنب.

التوبة من الذنوب

فعليك - بنيّ - اذا وسوس لك الشيطان و اوقعك في مخالفة الرحمن ان تبادر الى التوبة، و تسارع الى الانابة التي هي سبب المغفرة فان التوبة عن جد تمحي السيئة(1). بل عليك بنيّ دائما المواظبة على التوبة،


1) أصول الكافي 432/2 حديث 5 ابن ابي عمير عن بعض أصحابنا رفعه قال: ان اللّه عز و جل اعطى التائبين ثلاث خصال، لو اعطى خصلة منها جميع اهل السماوات و الارض لنجوا بها قوله عز و جل «إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ» فمن احبه اللّه لم يعذبه. و قوله «اَلَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَ اتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَ قِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنا وَ أَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَ أَزْواجِهِمْ وَ ذُرِّيّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَ قِهِمُ السَّيِّئاتِ وَ مَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ -

و المداومة عليها، فان العبد لا يخلو من زلة و خطيئة، و ترك الاولى.

و اعلم - بنيّ - أن التوبة ليست عبارة عن الاستغفار فان الاستغفار مع القيام على الذنب استهزاء بالرب، بل التوبة الكاملة - على ما ورد عن الأئمة الاطهار صلوات اللّه عليهم اجمعين - تجمعها ستة اشياء هي: الندامة على ما مضى، و العزم على عدم العود عليه فيما استقبل أبدا، و اداء حقوق المخلوقين اليهم حتى لا تبقى عليك تبعة الا و خرجت منها بالاستحلال، ورد المظالم، و ان تعمد الى كل فريضة ضيعتها فتؤدي حقها، و ان تعمد الى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالاحزان حتى يلصق الجلد بالعظم و ينشأ بينهما لحم جديد، و أن تذيق الجسد ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية، فعند ذلك تستغفر اللّه تعالى، فهذه هي التوبة الكاملة(1)، و الا فقد اتفق اهل العدل على سقوط العقاب عن هذه الامة ببركة النبي صلّى اللّه عليه


1) نهج البلاغة 252/3 رقم 417، و وسائل الشيعة 482/2 باب 85 حديث 4 عن نهج البلاغة بلفظه.

و آله بمجرد الندم على ما مضى، و العزم على عدم العود فيما يأتي أبدا و الاستغفار(1).

نعم كانت على الامم السالفة في غاية الصعوبة، كما لا يخفى على من لاحظ الاخبار الواردة في قصصهم. ففي الخبر الطويل عن امير المؤمنين عليه السّلام المتكفل لبيان ما من اللّه تعالى ببركة نبيه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على هذه الامة في تفسير قوله تعالى «رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا». أنه تبارك اسمه قال: قد رفعت عن امتك الاصار التي كانت على الامم السالفة - الى ان قال جل ذكره -: و كانت الامم السالفة اذا أذنبوا كتبت ذنوبهم على أبوابهم، و جعلت توبتهم من الذنوب ان حرمت عليهم بعد التوبة أحب الطعام، و قد رفعت ذلك عن امتك، و جعلت ذنوبهم فيما بيني و بينهم، و جعلت عليهم ستورا كثيفة، و قبلت توبتهم بلا عقوبة، و لا أعاقبهم بأن احرّم عليهم احب الطعام اليهم. و كانت الامم السالفة يتوب احدهم من الذنب الواحد مائة سنة او ثمانين سنة او خمسين سنة، ثم لا اقبل توبتهم دون ان اعاقبه في الدنيا بعقوبة، و هي من الاصار التي كانت عليهم فرفعتها عن امتك، و ان الرجل من امتك ليذنب عشرين سنة او ثلاثين سنة او اربعين سنة أو مائة سنة ثم يتوب و يندم طرفة عين فأغفر له ذلك كله (2)- الحديث.


1) تفسير الصافي آخر سورة البقرة ص 26 رقم الآية 286.

2) تفسير الصافي ص 76 في تفسير آية 286 من سورة -

فسهل اللّه امر التوبة لهذه الامة اكراما لنبيه صلى اللّه عليه و آله و جعلنا فداهم. حتى روي ان رجلا عصى اللّه تعالى و قتل تسعة و تسعين رجلا بغير حق، فلما مضت عليه مدة ندم على ما فعل و قال اريد التوبة، فأتى الى رجل عابد و حكى له ما صنع من القتل و قال: أريد التوبة. فقال له ذلك العابد: لا توبة لك و ما لك على هذا. فلما قال له هذا الكلام عمد ذلك الرجل الى ذلك العابد فقتله، فبقي مدة، ثم اتى الى رجل عالم فقال له: اني قتلت مائة رجل فهل لي من توبة؟ قال: نعم، اقصد ارض كذا فان فيها نبيا أو عالما، فامض اليه و تب على يديه(1)، فمضى اليه فلما كان في عرض الطريق اتى أجله، فأتته لقبض روحه، ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب، فتنازعا في قبض روحه، فقالت ملائكة الرحمة: نحن نقبض روحه لانه قصد ارض التوبة، و قالت ملائكة العذاب: نحن نقبض روحه لانه لم يتب بعد، فأوحى اللّه اليهم ان اذرعوا الارض و انظروا الى اي ارض هو اقرب فلما مسحوا الارض وجدوه الى ارض التوبة اقرب بذراع او شبر، فتبادرت اليه ملائكة الرحمة فقبضوا روحه. و في خبر آخر: ان الملائكة لما


1) هذا الفرق بين العالم و العابد [منه قدس سره].

قصدوا الى مساحة ارض التوبة، امر اللّه فطويت بعد ما كانت ابعد من تلك الارض.

انظر - بنيّ - الى لطف الباري جل شأنه و رأفته بعبده، كيف يسامح معه في قبول توبته؟ فباب التوبة بنيّ واسعة، و دائرتها متسعة و ان الرؤوف الرحيم يحب التائب(1). و قد ورد انه تعالى اشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من رجل وجد راحلته الضالة منه في ليلة ظلماء(2).

المبادرة الى التوبة

فعليك - بنيّ - بالتوبة و الاصرار عليها، و المبادرة اليها قبل ان يخرج الامر من يدك، و تؤاخذ بسيء عملك.

و اياك و المساهلة في امرها، فان في التأخير آفات،


1) وسائل الشيعة 472/2 باب 86 حديث 13 [ط ج 359/11] الرضا عليه السّلام عن آبائه عليهم السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: مثل المؤمن عند اللّه تعالى كمثل ملك مقرّب، و ان المؤمن عند اللّه لأعظم من ذلك، و ليس شيء أحب الى اللّه تعالى من مؤمن تائب، و مؤمنة تائبة.

2) جامع السعادات 76/2 قال: و أوحى اللّه تعالى الى سمعت ابا جعفر عليه السّلام يقول: ان اللّه اشد فرحا بتوبة عبده من رجل اضل راحلته و زاده في ليلة ظلماء فوجدها، فالله اشد فرحا بتوبة عبده من ذلك الرجل براحلته حين وجدها.

فقد لا يمهلك ملك الموت لذلك، و ما مثل من يؤخر التوبة و يتسامح فيها الا مثل من احتاج الى قلع شجرة لا تنقلع الا بمشقة فقال: اؤخرها ثم اعود اليها بعد ايام او شهور او سنين و هو يعلم انها كلما بقيت ازدادت رسوخا و قوة، و هو كلما مضى من عمره ضعفت قوته، و زاد عجزه و كسله، بل ربما يؤدي الى امتناع قلعه لها، و ما ذلك الا حمقا و سفها.

و اعلم - بنيّ - ان اللّه تعالى شأنه يؤجل عبده بعد الذنب الى سبع ساعات، او تسع ساعات، او يوما على اختلاف الاخبار(1)

و مجمع البيان 144/9.

، فان استغفر و تاب لم يكتب عليه الذنب، فاذا صدر و العياذ بالله منك الذنب، فبادر الى التوبة و الاستغفار قبل مضي اقل تلك الآجال - اعني السبع ساعات - فان المنع من ان يكتب اسهل من طلب

1) وسائل الشيعة 480/2 باب وجوب استغفار من الذنب قبل سبع ساعات حديث 3 عن ابي عبد اللّه الصادق عليه السّلام قال: من عمل سيئة اجل فيها سبع ساعات من النهار فان قال «استغفر اللّه الذي لا اله الا هو الحي القيوم و أتوب اليه» ثلاث مرات لم تكتب عليه. و حديث 4 عن زرارة قال سمعت ابا عبد اللّه الصادق عليه السّلام يقول: ان العبد اذا أذنب اجل من غدوة الى الليل، فان استغفر لم تكتب عليه.

محو المكتوب(1).

و اعلم - بنيّ - أن التوبة تطيل العمر، و توسع الرزق، و تحسن حال التائب. فعليك بها، و اياك ثم اياك و الكسل عنها.

الصبر على الفقر و مرارته

و عليك - بنيّ - رزقك اللّه الكفاف و العفاف - بحب الصبر و الفقر على مرارته، فقد روي ان اللّه تعالى قال لموسى عليه السّلام: اذا رأيت الدنيا مقبلة عليك فقل «انا لله و انا اليه راجعون عقوبة عجلت في الدنيا»، و اذا رأيت الدنيا مدبرة عليك فقل: «مرحبا بشعار الصالحين»(2).


1) أصول الكافي 451/2 باب ترك الخطيئة ايسر من طلب التوبة حديث 1 ابي العباس البقباق قال: قال ابو عبد اللّه عليه السّلام قال أمير المؤمنين عليه السّلام ترك الخطيئة أيسر من طلب التوبة، و كم من شهوة ساعة أورثت حزنا طويلا، و الموت فضح الدنيا فلم يترك لذي لب فرحا.

2) جامع السعادات 76/2 قال: و أوحى اللّه تعالى الى موسى عليه السّلام يا موسى اذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين، و اذا رأيت الغنى مقبلا فقل ذنب عجلت عقوبته. و اصول الكافي 263/2 حديث 12 بلفظه.

و عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تارة: ان الفقر خزينة من خزائن اللّه تعالى(1)، و أخرى: انه كرامة من اللّه تعالى(2)، و ثالثة: انه شيء لا يعطيه اللّه الا نبيا مرسلا أو مؤمنا كريما على اللّه تعالى(3). و ورد ان الفقر زينة المؤمن(4)

الفقر أزين للمؤمنين من العذار على خد الفرس.

، و ان أكثر أهل الجنة الفقراء و المساكين، و ليس فيها احد اقل من الاغنياء و النساء، و ان العبد كلما ازداد ايمانا ازداد ضيقا في معيشته(5). و ان سليمان آخر الأنبياء (ع) دخولا الى الجنة لما أعطي في الدنيا، و ان الصبر على الفاقة جهاد، و انه أفضل من عبادة ستين سنة، و انه يدخل الفقراء الجنة قبل الاغنياء بنصف يوم و هو خمسمائة عام(6)، و ان للجنة غرفا من ياقوتة حمراء ينظر أهل الجنة اليها كما ينظر اهل الارض الى نجوم السماء، لا يدخلها الا نبي فقير، أو شهيد فقير، أو مؤمن فقير(7). و ان الفقراء ملوك الجنة(8)، و الناس كلهم مشتاقون الى الجنة، و ان

1) جامع السعادات 82/2 بلفظه.

2) جامع السعادات 82/2 بلفظه.

3) جامع السعادات 82/2 بلفظه.

4) جامع السعادات 81/2، قال صلّى اللّه عليه و آله:

5) أصول الكافي 261/2 حديث 4 بلفظه.

6) جامع السعادات 76/2 فراجع.

7) جامع السعادات 82/2 بلفظه.

8) جامع السعادات 83/2 بلفظه.

الجنة مشتاقا الى الفقراء(1)، و ان الفقراء يدخلون الجنة بغير حساب(2)، و انهم يدخلونها قبل الأغنياء بخمسمائة عام - كل عام الف سنة - و قبلهم بأربعين الف الف سنة(3)و انه تقبل شفاعتهم فيمن أحسن اليهم و صنع معروفا و لو بشربة من الماء(4)، و ان درهما يتصدق به الفقير أفضل من مائة الف درهم يتصدق بها الغني(5)، و ان اللّه تعالى ليعتذر يوم القيامة الى عبده المؤمن المحتاج في الدنيا، كما يعتذر الاخ الى اخيه، مع انه ما اعتذر الى ملك مقرّب، و لا نبي مرسل. قيل: و كيف يعتذر اليهم؟ قال عليه السّلام: ينادي مناد أين فقراء المؤمنين؟ فيقوم عنق من الناس، فيتجلى لهم الرب فيقول: و عزتي و جلالي، و علوي و آلائي، و ارتفاع مكاني، ما حبست شهواتكم في دار الدنيا هوانا بكم علي، و لكن ادخرته لكم لهذا اليوم - اما ترى قوله ما حبست شهواتكم في دار الدنيا اعتذارا؟! - فتصفحوا وجوه خلائقي، فمن وجدتم له عليكم منة بشربة ماء كافوه عني بالجنة(6)الى غير ذلك مما هو مذكور في الكتب المفصلة


1) جامع السعادات 82/2 فراجع.

2) جامع السعادات 85/2 فراجع.

3) جامع السعادات 84/2 فراجع.

4) جامع السعادات 83/2 فراجع.

5) جامع السعادات 92/2 فراجع.

6) جامع السعادات 83/2 بتغيير فراجع.

و اعلم - بنيّ - انه قد ذكر للفقر الممدوح شرائط.

فمنها: التعفف على وجه يحسبه الجاهل غنيا(1)، و اظهار التجمل و الغنى بين الناس، و ان لا يشكو حاجته و فقره لأحد(2)

اذا ما عرفت الناس ألفيته الغنىاذا عرفته النفس و الطمع الفقر و حديث 2 ص 310 قال الباقر عليه السّلام: طلب الحوائج الى الناس استسلاب للعزة، و مذهبة للحياء، و اليأس مما في ايدي الناس عز المؤمنين، و الطمع هو الفقر الحاضر.

الا لضرورة اضطر اليها، و لو ضاق صدره أظهره عند صديق او اخ مؤمن مترجيا منه ترتب الاثر، و ان كان الاخفاء أولى، لانه اذا كتمه عن الناس كان حقا

1) سورة البقرة آية 273 قوله تعالى «لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافاً وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ».

2) وسائل الشيعة 54/2 باب 33 كراهة المسألة حديث 5 [ط ج 308/6 باب 32] عن الحسين بن ابي العلاء قال: قال ابو عبد اللّه عليه السّلام: رحم اللّه عبدا عف و تعفف فكف عن المسألة، فانه يتعجل الدنية في الدنيا، و لا يغني الناس عنه شيئا، قال: ثم تمثل ابو عبد اللّه عليه السّلام ببيت حاتم:

على اللّه ان يرزقه. و اذا بثه لغير اللّه تعالى(1)

رأيت الخير كله قد اجتمع في قطع الطمع عما في ايدي الناس، و من لم يرج الناس في شيء ورد أمره الى اللّه عز و جل في جميع اموره، استجاب اللّه عز و جل له في كل شيء.

استهانوه، و لذا قال لقمان لابنه: يا بنيّ ذقت الصبر و أكلت لحاء الشجر - اي قشره - فلم اجد شيئا هو أمر من الفقر، فان بليت به يوما فلا تظهر الناس عليه فيستهينوك و لا ينفعوك بشيء، ارجع الى الذي ابتلاك به، فهو اقدر على فرجك، و اسأله فمن ذا الذي سأله فلم يعطه، او وثق به فلم ينجه؟(2).

و منها: القناعة بما قسمه اللّه تعالى، و قد تقدمت الاشارة الى فوائدها.

و منها: الصبر و الرضا بما قدره اللّه تعالى، و قد تقدمت الاشارة الى ذلك ايضا. و قد ورد عن مولانا الصادق عليه السّلام: انه جاء جبرئيل عليه السّلام الى النبي صلى اللّه عليه و آله فقال: يا رسول اللّه ان اللّه أرسلني اليك بهدية لم يعطها أحدا قبلك، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: فقلت: و ما هي؟ قال: الصبر، و احسن منه. قلت:


1) اصول الكافي 148/2 باب الاستغناء عن الناس حديث 3 عن الزهري، عن علي بن الحسين عليه السّلام قال:

2) وسائل الشيعة 54/2 باب 35 كراهة اظهار الحاجة حديث 3 [ط ج 311/6 باب 34] بلفظه.

و ما هو؟ قال: القناعة، و احسن منها. قلت: و ما هو؟ قال: الرضا... الى ان قال: الراضي هو الذي لا يسخط على سيده أصاب من الدنيا او لم يصب. و لم يرض من نفسه باليسير من العمل(1).

و اعلم - بنيّ - ان الرضا بالقضاء مرتبة عظيمة ينبغي المجاهدة في تحصيلها، كما ان خلافه من أسوأ الاخلاق الردية، و لذا قال تعالى في الحديث القدسي: من لم يصبر على بلائي، و لم يرض بقضائي، فليتخذ ربا سواي، و ليخرج من ارضي و سمائي(2). و ورد ان من رضي رزق اللّه، لم يحزن على ما فاته. و ان من سخط على رزقه، و بث شكواه، و لم يصبر، لم ترفع له الى اللّه حسنة، و لقي اللّه تعالى و هو عليه غضبان.

فعليك - بنيّ - بالسعي في تحصيل الرضا، و طيب النفس بالقسمة و القضاء.

و اياك و السخط و بث الشكوى.

و منها: ان يكون شاكرا على كل حال من حالات


1) وسائل الشيعة 444/2 باب 4 حديث 21 [ط ج 148/11] بتفصيل كثير فراجع.

2) منهاج النجاة للفيض الكاشاني ص 40 في الحديث، قال اللّه عز و جل من لم يرض بقضائي، و لم يصبر على بلائي. و لم يشكر نعمائي، فليخرج من ارضي و سمائي و ليتخذ ربا سواي.

الرخاء و الشدة و الضيق و السعة، فقد قرن اللّه تعالى الصبر بالشكر في القرآن المجيد و وعد الشاكرين بالمجازات بالفضل و المن، و اوعد على الكفران بالعذاب الشديد(1).

و منها: ان يكون شائقا الى الفقر، طيب النفس به بسبب ملاحظة فوائده، و ان رئيس الاغنياء قارون خسف به، و رئيس الفقراء عيسى عليه السّلام رفع الى السماء.

و منها: ان لا يعترض على اللّه تعالى فيما جرى عليه.

و منها: ان يكون مجتنبا عن الحرام و المشتبه.

و منها: أن يكون ممتثلا لأوامر اللّه تعالى و نواهيه، و لا يفتر بسبب الفقر عما عليه من الطاعات، و لا يمتنع من التصدق بالمقدور.

و منها: ان لا يخالط الاغنياء، و لا يتواضع لهم لغناهم. فقد ورد ان من دخل بيت غني فتواضع له لاجل غناه ذهب ثلث دينه. و في رواية نصف دينه و في ثالثة ثلثا دينه(2). و انه ما تضعضع أحد لغني الا ذهب نصيبه


1) كقوله تعالى «لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ» سورة لقمان آية 31. و قوله تعالى «وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيّامِ اللّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ»سورة ابراهيم آية 5 و غيرهما.

2) تفسير الصافي سورة الحجة آية «وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ» القمي عن الصادق عليه السّلام قال: لما نزلت هذه الآية «وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ -

من الجنة. و ان من اكرم الغني لغناه سمي في السماوات عدو اللّه و عدو الانبياء، و لا تستجاب له دعوة، و لا تقضى له حاجة - الى غير ذلك مما يطلب من المؤلفات المفصلة.

اجتناب مورثات الفقر

و عليك - بنيّ - باجتناب مورثات الفقر، و موجبات الغم و الحزن و مورثات النسيان، و مقصرات العمر. بل عليك بالمواظبة على موجبات سعة العيش، و الراحة من غير ضيق، و منفيات الفقر و الفاقة، و مزيدات الرزق، و مطيلات العمر، و مورثات الحفظ. و سأجمعها لك ان شاء اللّه تعالى في خاتمة كتاب الاداب، الذي وعدتك

بتأليفه(1).

و عليك - بنيّ - جعلك اللّه تعالى من المؤمنين، و حماك من شر المنافقين - بأداء حقوق المؤمن مع اخوتك المؤمنين، فان للمؤمن على اخيه حقوقا لا براءة له منها الا بأدائها او العفو عنها، و الا طولب بها يوم القيامة و قضى له عليه بها، و سأعدها لك في بعض فصول الكتاب المذكور ان شاء اللّه تعالى.


1) و هو كتابه القيم المسمى ب (مرآة الكمال لمن رام درك صالح الاعمال).

الفصل الرابع في الوصايا المتعلقة بطلب العلم و بيان فضله و ما يتعلق به

اشارة

اوصيك - بنيّ - وفقك اللّه تعالى لمراضيه، و جعل مستقبل امرك خيرا من ماضيه - بطلب العلم، فانه مضافا الى كونه مما يتوقف عليه أداء الواجبات على ما هي عليها، و ترك المحرمات، و فرضا من اللّه سبحانه و تعالى يجب امتثاله فيه، و يحرم مخالفته، قد قامت الضرورة على حسنه و فضله و شرفه و علو درجته، و ارتفاع مرتبته، و سمو مكانه، و جلالة قدره، و قد تطابق العقل و النقل على فضله.

اما العقل: فتقريره اجمالا انه عمدة المائز بين الانسان و الحيوان.

و تفصيلا ما قيل: ان المعقولات تنقسم الى موجود،

و معدوم، و لا ريب في كون الموجود أشرف. ثم الموجود ينقسم الى جماد و نام، و لا شك في أن النامي أشرف. ثم النامي ينقسم الى حساس و غيره، و لا شبهة في أن الحساس أشرف. ثم الحساس ينقسم الى عالم و جاهل، و لا ريب في ان العالم اشرف من الجاهل. ينتج أن العالم اشرف المعقولات.

و أما النقل: فمن الكتاب قوله عز و جل في سورة العلق التي هي عند اكثر المفسرين اول ما نزل على النبي صلّى اللّه عليه و آله (1)

و مجمع البيان 514/10 قال و اكثر المفسرين: ان هذه السورة اول ما انزل من القرآن، و اول يوم نزل جبرئيل عليه السّلام على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و هو قائم على حراء، علمه خمس آيات من اول هذه السورة.

و تفسير التبيان 378/10 روى عن عائشة، و مجاهد، و عطاء و ابن سيار، ان اول آية نزلت قوله «اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ» و هو قول اكثر المفسرين.

«اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ * اِقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ * اَلَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ». فافتتح في مقام الامتنان كلامه المجيد بذكر نعمة الايجاد، و اتبعه بذكر

1) تفسير الصافي في تفسير السورة عن الباقر عليه السّلام انها اول سورة نزلت قال: نزل جبرئيل عليه السّلام على محمد صلّى اللّه عليه و آله فقال: يا محمد اقرا قال: و ما أقرأ؟ قال «اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ».

نعمة العلم، فلو كان بعد نعمة الايجاد نعمة أعلى من العلم لكانت أجدر بالذكر، سيما و هو جل شأنه في بيان ايصاله الانسان من ادنى المراتب، و هي العلقة الى أعلى المراتب و هي مرتبة العلم.

و قال جل ذكره ايضا «هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ» (1).

و قال سبحانه ايضا: «وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً» (2). و قد فسر ايتاء الحكمة بتوفيق العلم و العمل(3).

و قال عز من قائل «إِنَّما يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ» (4).

و قرن في آيات عديدة بين أهل العلم و الراسخين فيه و بين نفسه، و المراد بهم و ان اهل البيت (صلوات اللّه عليهم اجمعين)، الا ان التعبير عنهم به كاف في اثبات فضله و شرفه(5).


1) سورة الزمر: 9.

2) سورة البقرة: 269.

3) ما ذكره قدس اللّه روحه الطاهرة هو خلاصة تفسير الآية الكريمة فراجع تفسير الصافي في تفسير السورة، تجد روايات عن اهل بيت العصمة و الطهارة عليهم السّلام تدل على ما ذكره.

4) سورة فاطر: 29.

5) راجع تفسير الصافي سورة آل عمران في تفسير آية «وَ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ». و سورة -

و أما الاخبار فمتجاوزة عن التواتر المعنوي، و لا بأس بالاشارة الى جملة منها بحذف أسانيدها:

ففي(1)مسند عبد اللّه بن ميمون القداح، عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك اللّه به طريقا الى الجنة، و ان الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا به، و انه ليستغفر لطالب العلم من في السماوات و من في الارض حتى الحوت في البحر، و فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم في ليلة البدر، و ان العلماء ورثة الانبياء، و ان الانبياء لم يورثوا دينارا و لا درهما و لكن ورثوا العلم، فمن اخذ منه اخذ بحظ وافر(2).

و في خبر الاصبغ بن نباتة عن امير المؤمنين عليه السّلام انه قال: تعلموا العلم فان تعلمه حسنة، و مدارسته تسبيح، و البحث عنه جهاد، و تعليمه لمن لا يعلمه صدقة، و هو عند اللّه لاهله قربة، لانه معالم الحلال و الحرام، و سالك بطالبه سبيل الجنة، و هو انيس في الوحشة،


1) من أراد العثور على اسانيد الاخبار، فليراجع اوائل الكافي و مقدمة معالم الاصول، فانها مأخوذة منهما و من غيرهما [منه قدس سره].

2) اصول الكافي 34/1 باب ثواب العالم و المتعلم تجد الحديث بطوله فراجع.

و صاحب في الوحدة، و سلاح على الاعداء، و زين الاخلاء، يرفع اللّه به أقواما يجعلهم في الخير أئمة يقتدى بهم، ترمق أعمالهم، و تقتبس آثارهم، (ن خ: و) ترغب الملائكة في خلتهم، يمسحونهم بأجنحتهم في صلواتهم (ن خ: صلاتهم) لان العلم حياة القلوب، و نور الابصار من العمى، و قوة الابدان من الضعف، و ينزل اللّه حامله منازل الابرار، و يمنحه مجالس (ن خ: مجالسة) الاخيار في الدنيا و الآخرة، بالعلم يطاع اللّه و يعبد، و بالعلم يعرف اللّه و يوحد، و بالعلم توصل الارحام، و به يعرف الحلال من (ن خ: و) الحرام، و العلم أمام (ن خ: امام) العقل، و العقل تابعه، يلهمه اللّه السعداء، و يحرمه الاشقياء(1).

و في خبر الحسن بن ابي الحسين الفارسي، عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: طلب العلم فريضة على كل مسلم، الا ان اللّه يحب بغاة العلم(2).

و في خبر ابي اسحاق عمن حدثه قال: سمعت امير المؤمنين عليه السّلام يقول: ايها الناس اعلموا ان كمال الدين طلب العلم و العمل به، الا و ان طلب العلم اوجب عليكم من طلب المال، ان المال مقسوم مضمون لكم، قد


1) بحار الانوار 54/1 باب العلم و آدابه و انواعه و أحكامه [ط ج 162/1] بلفظه.

2) اصول الكافي 30/1 باب فرض العلم حديث 1.

قسمه عادل بينكم و ضمنه، و سيفي لكم، و العلم مخزون عند أهله، و قد أمرتم بطلبه من أهله فاطلبوه(1).

و في خبر ابي البحتري، عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: ان العلماء ورثة الانبياء، و ذلك ان الانبياء لم يورثوا درهما و لا دينارا، و انما ورثوا أحاديث من احاديثهم، فمن اخذ بشيء منها اخذ حظا وافرا، فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه، فان فينا اهل البيت عليهم السّلام في كل خلف عدولا ينفون عنه تحريف الغالين، و انتحال المبطلين، و تأويل الجاهلين(2).

و في خبر ابي حمزة الثمالي، عن علي بن الحسين عليهما السّلام قال: لو يعلم الناس ما في طلب العلم لطلبوه و لو بسفك المهج و خوض اللجج، ان اللّه تبارك و تعالى أوحى الى دانيال عليه السّلام ان امقت عبيدي الى الجاهل المستخف بحق أهل العلم، التارك للاقتداء بهم. و ان احب عبيدي الى التقي، الطالب للثواب الجزيل، اللازم للعلماء، التابع للحلماء، القابل عن الحكماء(3).

و في خبر الاخر عن ابي جعفر عليه السّلام قال: عالم ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد(4).


1) اصول الكافي 30/1 باب فرض العلم حديث 4.

2) اصول الكافي 32/1 باب صفة العلم حديث 2.

3) أصول الكافي 35/1 ثواب العالم و المتعلم حديث 5.

4) أصول الكافي 33/1 باب صفة العلم و فضله حديث 8.

و في خبر معاوية بن عمار قال: قلت لابي عبد اللّه عليه السّلام: رجل راوية لحديثكم يبث في الناس، و يشدد في قلوبهم و قلوب شيعتكم. و رجل عابد من شيعتكم ليس له هذه الرواية، أيهما أفضل؟ قال: الرواية لحديثنا يشد به قلوب شيعتنا أفضل من ألف عابد(1).

و عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله انه قال: لا خير في العيش الا لرجلين: عالم مطاع، و مستمع واع(2).

و قال الصادق عليه السّلام لبشير الدهان: لا خير فيمن لا يتفقه من أصحابنا، يا بشير ان الرجل منكم اذا لم يستغن بفقه احتاج اليهم، فاذا احتاج اليهم ادخلوه في باب ظلالتهم و هو لا يعلم(3).

و في مرسل سليمان بن جعفر، عن ابي عبد اللّه الصادق عليه السّلام عن امير المؤمنين عليه السّلام - في حديث - ان العالم اعظم أجرا من الصائم القائم الغازي في سبيل اللّه(4)، و اذا مات العالم ثلم في الاسلام ثلمة


1) اصول الكافي 33/1 باب صفة العلم و فضله حديث 9.

2) اصول الكافي 33/1 باب صفة العلم و فضله حديث 7.

3) اصول الكافي 33/1 باب صفة العلم و فضله حديث 6.

4) اصول الكافي 37/1 باب حق العالم حديث 1 عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: كان امير المؤمنين عليه السّلام يقول: ان من حق العالم ان لا تكثر عليه السؤال و لا تأخذ بثوبه، و اذا دخلت عليه و عنده قوم فسلم عليهم جميعا، و خصه بالتحية دونهم. و اجلس -

لا يسدها شيء الى يوم القيامة(1).

و قال عليه السّلام ايضا: ما من احد يموت من المؤمنين احب الى ابليس من موت فقيه(2).

و قال ابو الحسن موسى بن جعفر عليه السّلام: اذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة و بقاع الارض التي كان يعبد اللّه عليها، و ابواب السماء التي كان يصعد فيها بأعماله، و ثلم في الاسلام ثلمة لا يسدها شيء، لان المؤمنين الفقهاء حصون الاسلام كحصن سور المدينة لها(3).

الى غير ذلك من الاخبار التي تجمعها المفصلات، فلا تفوتنك - بنيّ - أرشد اللّه تعالى أمرك - هذه المرتبة العظمى، و الدرجة العليا، و الثواب الجسيم، و الاجر الجزيل الفخيم، و لا يغرنك حطام الدنيا فتترك طلب العلم


1) اصول الكافي 38/1 باب فقد العلماء حديث 2 عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: اذا مات المؤمن الفقيه ثلم في الاسلام ثلمة لا يسدها شيء.

2) اصول الكافي 38/1 باب فقد العلماء حديث 1 بلفظه.

3) اصول الكافي 38/1 باب فقد العلماء حديث 3 بلفظه.

لاجلها، و التزم بالجوع و الفقر و الفاقة لاجله، تنال به الغنى الدائم و العز الابدي الاخروي.

و كلما تعسر عليك أمر معاشك فتذكر ما يمنحه اللّه تعالى عليك في الآخرة من الجزاء و الأجر الجميل، يهون عليك ما يصيبك من العسر، و قس نفسك بمن ترك العلم و اشتغل بكسب المعاش مع ذلك و هو قليل الرزق، و عسير المعاش حتى تلتفت الى انك مع فقرك قد حصلت على ما ينفعك في الاخرة، و ذلك الكاسب صفر الكف من المال و العلم جميعا.

و التزم - بنيّ - بالقناعة، و اعرض عن الدنيا و زينتها، و لا ترجو الخير من الدنيا التي أهانت حسين السبط عليه السّلام، و اختارت يزيد، بل شيمتها تقديم المفضولين و تأخير الفاضلين، كما قال ابن سينا:

تعس الزمان فان في احشائه بغضا لكل مبجل و مفضل

و تراه يعشق كل رذل ساقط عشق النتيجة للاخس الارذل

و قال آخر:

عتبت على الدنيا بتقديم ذي جهل و تأخير ذي فضل فأبدت لي العذرا

بنو الجهل ابنائي لذاك أحبهم بنو الفضل ابناء لضرتي الاخرى

فلا تتكدر - بنيّ - مما يصيبك منها من سوء و فقر لاجل طلب الفضل و العلم.

و اعلم - بنيّ - صانك اللّه تعالى من المكاره - ان راحة الدنيا في الاعراض عنها، لانها دار عناء و تعب لا دار راحة، و انت اذا حنت نفسك اليها جذبتك، و عن الاخرة صرفتك، و عن التقوى منعتك، و بأباطيلها غرتك، و بخدعها جذبتك، و بأوزارها حملتك، و بسهامها رمتك. على انك ان رغبت في الدنيا كنت دائما في كد و أذية، لان النفس مثلها مثل جهنم تقول: هل من مزيد؟ فالنفس في كل مرتبة غير راضية بها و لا قانعة، و للمرتبة الاعلى منها طالبة، و بهم فقدها مبتلية، و لو تركتها استرحت من هم فقدها، و انست بفرح رفضها، و قرت عينك عند لقاء ضرتها و هي الاخرة.

و لعمري - بنيّ - ان لترك الدنيا و الاعراض عنها لذة عظيمة لا يجدها الراغب فيها و المقبلة عليه جزءا من الف جزء من نحو تلك اللذة في اقبالها عليه.

و لا اريد - بنيّ - من ترك الدنيا التصوف، و اظهار الزهد بين الناس، و ترك الأكل و اللبس الا بقدر الضرورة، و انفاق جميع مالك(1)الى ان تجعل يدك مغلولة الى عنقك(2)، بل المراد بذلك على ما يظهر من اخبار اهل


1) ن خ: ما تملك [منه قدس سره].

2) سورة الاسراء: قوله عز من قائل «وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً -

البيت عليهم السّلام هو عدم عقد القلب بها، و عدم الشوق الى لذائذها(1)

الزاهد من وعظ فاتعظ، و من علم فعمل، و من ايقن فحذر، فالزاهدون في الدنيا قوم وعظوا فاتعظوا، و ايقنوا فحذروا، و علموا فعملوا، و ان أصابهم يسر شكروا، و ان اصابهم عسر صبروا.

و حديث 17 عن امير المؤمنين عليه السّلام قال:

الزهد ثروة، و الورع جنة و افضل الزهد اخفاء الزهد.

الدهر يخلق الابدان، و يجدد الآمال و يقرب المنية، و يباعد الامنية، من ظفر به نصب، و من فاته تعب، و لا كرم كالتقوى، و لا تجارة كالعمل الصالح، و لا ورع كالوقوف عند الشبهة، و لا زهد كالزهد في الحرام، الزهد كله بين كلمتين، قال اللّه تعالى «لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ»، فمن لم يأس على الماضي، و لم يفرح بالآتي، فقد اخذ الزهد بطرفيه.

ايها الناس الزهادة قصر الامل، و الشكر عند النعم، و الورع عند المحارم، فان عزب ذلك عنكم، فلا يغلب الحرام صبركم و لا تنسوا عند النعم شكركم، فقد أعذر اللّه اليكم بحجج مسفرة ظاهرة، و كتب بارزة العذر واضحة. -

، و عدم كون الانسان بما في يده اوثق

1) مستدرك وسائل الشيعة 332/2 باب استحباب الزهد في الدنيا حديث 11 عن امير المؤمنين عليه السّلام قال:

مما عند اللّه سبحانه، و الرضا بقضاء اللّه تعالى من جميع الجهات(1)

و قال امير المؤمنين عليه السّلام: ليس الزهد ان لا تملك شيئا و لكن الزهد ان لا يملكك شيء.

و يرشدك الى ذلك صحيح عبد اللّه بن ابي يعفور قال: قال رجل لابي عبد اللّه عليه السّلام. و اللّه انا لنطلب الدنيا و نحب ان نؤتاها (ن خ: منها). فقال عليه السّلام: تحب ان تصنع به ما ذا؟ قال: اعود بها على نفسي و عيالي، واصل بها، و أتصدق بها، و احج و اعتمر.

فقال ابو عبد اللّه عليه السّلام: ليس هذا طلب الدنيا هذا طلب الآخرة(2).


1) وسائل الشيعة 474/2 باب 62 الزهد حديث 14 [ط ج 315/11 حديث 13] عن اسماعيل بن مسلم قال: قال ابو عبد اللّه عليه السّلام: ليس الزهد [ن خ: في الدنيا] باضاعة المال و لا بتحريم الحلال بل الزهد ان لا تكون بما في يدك أوثق منك بما في يد اللّه عز و جل. و قال عز من قائل «لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ» سورة الحديد 23.

2) وسائل الشيعة 530/2 باب استحباب جمع المال من الحلال حديث 3 [ط ج 19/13] بلفظه.

قصد القربة في طلب العلم

و عليك - بنيّ - رزقك اللّه خير الدارين - بتصحيح القصد في طلب العلم، و اخلاص النية، و تطهير القلب من دنس الاغراض الدنيوية، و تكميل النفس في قوتها العملية، و تزكيتها باجتناب الرذائل، و اقتناء الفضائل الخلقية، و قهر القوتين الشهوية و الغضبية، كما ترشد الى ذلك اخبار اهل البيت سلام اللّه عليهم اجمعين، مثل خبر حفص بن غياث قال: قال ابو عبد اللّه عليه السّلام: من تعلم العلم و عمل به، و علم اللّه، دعي في ملكوت السماوات عظيما. فقيل: تعلم للّه، و عمل لله، و علم لله(1).

و خبر عباد بن صهيب البصري، عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: طلبة العلم ثلاثة، فاعرفهم بأعيانهم و صفاتهم:

صنف يطلبه للجهل و المراء، و صنف يطلبه للاستطالة و الختل، و صنف يطلبه للفقه و العقل.

فصاحب الجهل و المراء: مؤذ، ممار، متعرض للمقال في أندية الرجال، يتذاكر العلم و صفة الحلم قد تسربل بالخشوع، و تخلى من الورع، فدق اللّه من هذا خيشومه، و قطع منه حيزومه(2).


1) أصول الكافي 35/1 باب ثواب العالم و المتعلم حديث 6 بلفظه.

2) الخيشوم: أقصى الانف، و قيل الانف: و قيل الحاجز، بين المنخرين و اختار الاخير الشيخ الصدوق كما ذكره -

و صاحب الاستطالة و الختل(1): ذو خب و ملق(2)

ان يعطي في اللسان ما ليس في القلب (مجمع البحرين).

قال الشيخ الوالد طاب ثراه في الحاشية معرفا:

الملق - محركة - الود و اللطف و ان يعطى في اللسان ما ليس في القلب.

، يستطيل على مثله من اشباهه، و يتواضع للاغنياء من دونه، فهو لحلواتهم هاضم، و لدينهم حاطم، فأعمى اللّه على هذا خبره، و قطع من آثار العلماء اثره. و صاحب الفقه و العقل ذو تعب و كآبة و حزن و سهر، قد تحنك في برنسه، و قام الليل في حندسه يعمل و يخشى، وجلا داعيا، مشفقا مقبلا على شأنه، عارفا بأهل زمانه، مستوحشا من اوثق اخوانه، فشد اللّه من هذا اركانه. و اعطاه يوم القيامة امانه(3).

و ما رواه سليم بن قيس قال: سمعت امير المؤمنين عليه السّلام يقول: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم: منهومان لا يشبعان طالب دنيا، و طالب علم. فمن


1) استطال: طلب الطول أي العلو. و الختل: الخدعة و المراوغة (مجمع البحرين).

2) الخب: بالفتح و التشديد غير مهموز الخداع. الملق:

3) اصول الكافي 49/1 باب النوادر حديث 5 بلفظه.

اقتصر من الدنيا على ما أحل اللّه له سلم، و من تناولها من غير حلها هلك، الا ان يتوب او يرجع، و من اخذ العلم من اهله، و عمل بعلمه نجى، و من اراد الدنيا به فهي حظه(1).

و خبر ابي خديجة عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال:

من اراد الحديث لمنفعة الدنيا لم يكن له في الاخرة نصيب و من أراد به خير الآخرة أعطاه اللّه خير الدنيا و الاخرة(2).

و في خبر حفص بن غياث عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: اذا رأيتم العالم محبا لدنياكم فاتهموه على دينكم فان كل محب لشيء يحوط ما احب.

و قال عليه السّلام: أوحى اللّه تعالى الى داود عليه السّلام: لا تجعل بيني و بينك عالما مفتونا بالدنيا فيصدك عن طريق محبتي فان أولئك قطاع طريق عبادي المريدين، ان ادنى ما انا صانع بهم أن أنزع حلاوة مناجاتي من قلوبهم(3).

و خبر السكوني عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال:


1) اصول الكافي 46/1 باب المستاكل بعلمه و المباهي به حديث 1 بلفظه.

2) اصول الكافي 46/1 باب المستأكل بعلمه و المباهي به حديث 2 بلفظه.

3) اصول الكافي 46/1 باب المستاكل بعلمه و المباهي به حديث 4 بلفظه.

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: الفقهاء امناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا. قيل: يا رسول اللّه و ما دخولهم في الدنيا؟ قال: اتباع السلطان، فاذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم(1).

و خبر ربعي بن عبد اللّه عمن حدثه، عن ابي جعفر عليه السّلام قال: من طلب العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء او يصرف به وجوه الناس اليه فليتبوأ مقعده من النار و ان الرياسة لا تصلح الا لأهلها(2).

و اياك - بنيّ - و العصيان بعد العلم، فان الحجة على العالم آكد، و أمره اشد. و لذا قال اللّه تعالى «إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ» (3).

و قال الصادق عليه السّلام لابن غياث: يا حفص، يغفر للجاهل سبعون ذنبا قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد(4).

و عليك - بنيّ - اذا اردت التعلم ان تختار لذلك معلما صالحا دينا تقيا، لان غيره لا يؤمن غشه و اضلاله، و لذا فسر مولانا الصادق عليه السّلام الطعام في قوله عز


1) اصول الكافي 46/1 باب المستاكل بعلمه و المباهي به حديث 5 بلفظه.

2) اصول الكافي 47/1 باب المستاكل بعلمه و المباهي به.

3) سورة النساء: 17.

4) اصول الكافي 47/1 باب لزوم الحجة على العالم حديث 1 بلفظه.

و جل «فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ»، بعلمه الذي يأخذه عمن يأخذه(1).

و عليك - بنيّ - وفقك اللّه تعالى لكل خير، و جنبك من كل سوء و شين - بمراجعة (منية المريد) التي ألفها الشهيد الثاني (قدس سره) في آداب المفيد و المستفيد و العمل بها، فان كل عمل من غير آدابه غير ممدوح و لا مستحسن. و من أهم ما هناك اكرام العلماء العاملين، سيما من تعلمت منه شيئا من العلم، فان من علمك احد آبائك(2).

و قد روي ثابت بن دينار الثمالي، عن علي بن الحسين عليهما السّلام انه قال: حق سائسك بالعلم التعظيم له، و التوقير لمجلسه، و حسن الاستماع اليه، و الاقبال عليه، و ان لا ترفع عليه صوتك، و لا تجيب أحدا يسأله عن شيء حتى يكون هو الذي يجيب، و لا تحدث في مجلسه أحدا، و لا تغتاب عنده أحدا، و أن تدفع عنه اذا ذكر عندك بسوء، و ان تستر عيوبه، و تظهر مناقبه، و لا


1) اصول الكافي 50/1 باب النوادر حديث 8 زيد الشحام عن ابي جعفر عليه السّلام، في قول اللّه عز و جل «فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ». قال: قلت ما طعامه؟ قال: علمه الذي يأخذه عمن يأخذه.

2) الاثنا عشرية في المواعظ العددية ص 81 عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله انه قال: الآباء ثلاثة: أب أولدك، و أب زوجك، و أب علمك.

تجالس له عدوا، و لا تعادي له وليا، فاذا فعلت ذلك شهدت لك ملائكة اللّه بأنك قصدته و تعلمت علمه لله جل اسمه لا للناس(1)، و أما حق رعيتك بالعلم، ان تعلم ان اللّه عز و جل انما جعلك قيما عليهم فيما اتاك من العلم، و فتح لك خزائنه، فان أحسنت في تعليم الناس، و لم تخرق بهم، و لم تضجر عليهم، زادك اللّه تعالى من فضله، و ان منعت الناس علمك، او خرقت بهم عند طلبهم منك، كان حقا على اللّه عز و جل ان يسلبك العلم و بهائه، و يسقط من القلوب محلك(2).

و في خبر سليمان بن جعفر الجعفري، عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: كان امير المؤمنين عليه السّلام يقول:

ان من حق العالم ان لا تكثر عليه السؤال، و لا تأخذ بثوبه، و اذا دخلت عليه و عنده قوم فسلم عليهم جميعا، و خصه بالتحية دونهم، و اجلس بين يديه و لا تجلس خلفه و لا تغمز بعينك، و لا تشر بيدك، و لا تكثر من القول: قال فلان و قال فلان خلافا لقوله، و لا تضجر بطول صحبته، فانما مثل العالم مثل النخلة تنتظرها متى يسقط عليك منها شيء - الحديث -(3).


1) رسالة الحقوق: 26.

2) البحار - ط ج 5/64 - مع اختلاف يسير.

3) أصول الكافي 37/1 باب حق العالم حديث 1 عن سليمان بن جعفر الجعفري (و في آخر الحديث) و العالم أعظم أجرا من الصائم القائم الغازي في سبيل اللّه.

و عليك - بنيّ - جعلك اللّه تعالى من العلماء العاملين - العمل بما تعلم، فان محبوبية العلم انما هو لكونه مقدمة للعمل، و لذا ان العالم بلا عمل قد شبه بالشجر بلا ثمر.

و اياك و ترك العمل، فان علمك حينئذ يكون وبالا عليك، و لقد أجاد من قال: ان جميع العباد مكلفون بالعمل، الا ان هذا التكليف في حق العالم آكد كما اشرنا اليه آنفا، و من ثم جعل اللّه تعالى ثواب المطيعات من نساء النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم، و عقاب العاصيات منهن ضعف ما لغيرهن(1).

و قد ورد في مسند سليم بن قيس الهلالي قال:

سمعت امير المؤمنين عليه السّلام يحدث عن النبي صلّى اللّه عليه و آله أنه قال: العلماء رجلان: رجل عالم أخذ بعلمه فهو ناج، و عالم تارك لعلمه فهذا هالك.

و ان اهل النار ليتأذون من ريح العالم التارك لعلمه، و ان اشد اهل النار ندامة و حسرة رجل دعى عبدا الى اللّه


1) سورة النمل 30 قوله عز من قائل: «يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَ كانَ ذلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً * وَ مَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَ أَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً».

فاستجاب له و قبل منه فأطاع اللّه فأدخله الجنة، و ادخل الداعي النار بتركه علمه و اتباعه الهوى و طول الامل اما اتباع الهوى: فيصد عن الحق، و اما طول الامل فينسي الآخرة(1).

و في خبر اسماعيل بن جابر، عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: العلم مقرون بالعمل، فمن علم عمل، و من عمل علم. و العلم يهتف بالعمل، فان اجابه و الا ارتحل عنه(2).

و في خبر عبد اللّه بن القسم الجعفري عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: ان العالم اذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته من القلوب كما يزل المطر عن الصفا(3).

و في خبر علي بن هاشم بن البريد قال: جاء رجل الى علي بن الحسين عليهما السّلام فسأله عن مسائل فأجاب ثم عاد ليسأل عن مثلها، فقال علي بن الحسين عليهما السّلام: مكتوب في الانجيل، لا تطلبوا علم ما لا تعلمون، و لما تعلموا بما علمتم، فان العلم اذا لم يعمل به لم يزدد صاحبه الا كفرا، و لم يزدد من اللّه الا بعدا(4).

و في بعض ما خطب أمير المؤمنين عليه السّلام على المنبر


1) اصول الكافي 44/1 باب استعمال العلم حديث 1 بلفظه.

2) اصول الكافي 44/1 باب استعمال العلم حديث 2 بلفظه.

3) اصول الكافي 44/1 باب استعمال العلم حديث 3 بلفظه.

4) اصول الكافي 44/1 باب استعمال العلم حديث 4 بلفظه.

على ما روى - انه قال: ايها الناس، اذا علمتم فأعملوا بما علمتم لعلكم تهتدون، ان العالم العامل بغيره كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق عن جهله، بل قد رأيت ان الحجة عليه اعظم، و الحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ من علمه منها على هذا الجاهل المتحير في جهله، و كلاهما حائر بائر، لا ترتابوا فتشكوا، و لا تشكوا فتكفروا، و لا ترخصوا لانفسكم فتدهنوا، و لا تدهنوا في الحق فتخسروا و ان من الحق ان تفقهوا، و من الفقه ان لا تغتروا، و ان أنصحكم لنفسه أطوعكم لربه، و أغشكم لنفسه أعصاكم لربه، و من يطع اللّه يأمن و يستبشر، و من يعصي اللّه يخب و يندم(1).

و عن عبد اللّه بن ميمون القداح، عن ابي عبد اللّه عليه السّلام عن آبائه عليهم السّلام قال: جاء رجل الى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال: يا رسول اللّه ما العلم؟ قال: الانصات. قال: ثم مه؟ قال: الاستماع.

قال: ثم مه؟ قال: الحفظ. قال: ثم مه؟ قال: العمل به.

قال: ثم مه يا رسول اللّه؟ قال: نشره(2).

و في خبر الحرث بن المغيرة النظري، عن ابي عبد اللّه عليه السّلام في قول اللّه عز و جل: «إِنَّما يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ» قال يعني بالعلماء من صدق قوله فعله، و من


1) اصول الكافي 45/1 باب استعمال العلم حديث 6 بلفظه.

2) اصول الكافي 48/1 باب النوادر حديث 4 بلفظه.

لم يصدق قوله فعله فليس بعالم(1).

انظر - بني - هداك اللّه الى الصواب - كيف نفى اسم العالم عمن لم يعمل بما علمه و قال به؟ فاياك ثم اياك ان تكون ممن علمه وبال عليه.

و عليك - بنيّ - وفقك اللّه تعالى لمراضيه - بالاتصاف بالصفات المذكورة للعلماء العاملين. ففي صحيح معاوية بن وهب قال: سمعت ابا عبد اللّه عليه السّلام يقول:

اطلبوا العلم، و تزينون بالحلم و الوقار، و تواضعوا لمن تعلمونه العلم، و تواضعوا لمن طلبتم منه العلم، و لا تكونوا علماء جبارين فيذهب باطلكم بحقكم(2).

و في صحيح الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال امير المؤمنين عليه السّلام: أ لا أخبركم بالفقيه حق الفقيه؟! من لم يقنط الناس من رحمة اللّه، و لم يؤمنهم من عذاب اللّه، و لم يرخص لهم في معاصي اللّه، و لم يترك القرآن رغبة عنه الى غيره، الا لا خير في علم ليس فيه تفهم، ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبر، ألا لا خير في عبادة لا فقه فيها، ألا لا خير في نسك لا ورع فيه(3).


1) أصول الكافي 36/1 حديث 2 عن ابي عبد اللّه عليه السّلام في قول اللّه عز و جل «إِنَّما يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ» قال: يعني بالعلماء من صدق فعله قوله و من لم يصدق فعله قوله فليس بعالم.

2) أصول الكافي 36/1 حديث 1 بلفظه.

3) أصول الكافي 36/1 حديث 3 بلفظه.

و خبر معاوية بن وهب، عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: كان امير المؤمنين عليه السّلام يقول: يا طالب العلم ان للعالم ثلاث علامات: العلم، و الحلم، و الصمت.

و للمتكلف ثلاث علامات: ينازع من فوقه بالمعصية، و يظلم من دونه بالغلبة، و يظاهر الظلمة(1).

و عنه عليه السّلام انه قال: لا يكون السفه و الغرة في قلب العالم(2).

و في خبر ابي بصير قال: سمعت ابا عبد اللّه عليه السّلام يقول: كان امير المؤمنين عليه السّلام يقول: يا طالب العلم، ان العلم ذو فضائل كثيرة، فرأسه التواضع، و عينه البراءة من الحسد، و اذنه الفهم، و لسانه الصدق، و حفظه الفحص، و قلبه حسن النية، و عقله معرفة الاشياء و الامور، و يده الرحمة، و رجله زيارة العلماء، و همته السلامة، و حكمته الورع، و مستقره النجاة، و فائدته العافية و مركبه الوفاء، و سلاحه لين الكلمة، و سيفه الرضا، و قوسه المداراة و جيشه محاورة العلماء، و ماله الادب، و ذخيرته اجتناب الذنوب و زاده المعروف و مأواه الموادعة، و دليله الهدى، و رفيقه محبة الاخيار(3).

و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: نعم وزير الايمان


1) اصول الكافي 37/1 حديث 7 بلفظه.

2) اصول الكافي 36/1 حديث 5 بلفظه.

3) اصول الكافي 48/1 حديث 2 بلفظه.

العلم، و نعم وزير العلم الحلم، و نعم وزير الحلم الرفق، و نعم وزير الرفق الصبر(1).

و اياك - بنيّ - جنبك اللّه تعالى مخالفته - ان تقول بغير علم، فقد قال الصادق عليه السّلام لمفضل: انهاك عن خصلتين فيهما هلاك الرجال، انهاك ان تدين اللّه بالباطل، و تفتي الناس بما لا تعلم(2).

و قال الباقر عليه السّلام: من افتى الناس بغير علم و لا هدى لعنته ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب، و لحقه وزر من عمل بفتياه(3).

و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: من أفتى الناس و هو لا يعلم الناسخ من المنسوخ، و المحكم من المتشابه فقد هلك و اهلك(4)

ابن شبرمة و اقسم بالله، ما كذب ابوه على جده، و لا جده على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله. قال - قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: من عمل بالمقاييس فقد هلك و أهلك، و من أفتى الناس بغير علم و هو لا -

.

1) اصول الكافي 48/1 حديث 3 بلفظه.

2) اصول الكافي 42/1 حديث 1 بلفظه.

3) اصول الكافي 42/1 حديث 3 بلفظه.

4) اصول الكافي 42/1 حديث 9 ابن شبرمة قال: ما ذكرت حديثا سمعته من جعفر بن محمد عليه السّلام، الا كاد ان يتصدع قلبي، قال: حدثني ابي، عن جدي، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله - قال:

فعليك - بنيّ - فيما لا تعلم بقول لا ادري، و لذا قال ابو عبد اللّه عليه السّلام: اذا سئل الرجل منكم عما لا يعلم فليقل لا ادري، و لا يقل اللّه اعلم، فيوقع في قلب صاحبه شكا، و اذا قال المسؤول لا ادري فلا يتهمه السائل(1).

و قال عليه السّلام: للعالم اذا سئل عن شيء و هو لا يعلمه ان يقول: اللّه اعلم، و ليس لغير العالم أن يقول ذلك(2).

و اقول: لا تنافي بين الخبرين فان المراد بالرجل منهم غير العالم، و لعل الفرق بين العالم و غيره حيث رخص للاول قول اللّه اعلم دون الثاني، لان في قول اللّه اعلم ايماء بأني ايضا عالم ببعض الاحكام بالتحصيل، و ذلك لا يسوغ من غير العالم، و انما يسوغ من العالم(3)

قلت لابي عبد اللّه عليه السّلام: ما حق اللّه على خلقه؟ فقال: ان يقولوا ما يعلمون و يكفوا عما لا يعلمون فاذا فعلوا ذلك قد ادوا الى اللّه حقه.

.

و قال عليه السّلام: لا يسعكم فيما ينزل بكم ما لا


1) اصول الكافي 42/1 حديث 6 بلفظه.

2) اصول الكافي 42/1 حديث 5 بلفظه.

3) اصول الكافي 50/1 حديث 12 هشام بن سالم قال:

تعلمون الا الكف عنه و التثبت و الرد الى أئمة الهدى، حتى يحملوكم فيه على القصد، و يجلوا عنكم فيه العمى، و يعرفوكم فيه الحق(1). قال اللّه تعالى: «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» (2).

و اياك - بنيّ - و العمل بغير علم، فقد قال الصادق عليه السّلام: العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق، لا يزيده سرعة السير الا بعدا(3).

و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: من عمل على غير علم كان ما يفسده أكثر مما يصلحه(4).

و عليك - بنيّ - بحب العاملين من اهل العلم و ملازمتهم و مجالستهم لان من احب قوما حشر معهم، و من أحب عمل قوم أشرك في عملهم(5).

و قال الصادق عليه السّلام لابي حمزة الثمالي رحمه


1) اصول الكافي 50/1 حديث 10 عن حمزة بن الطيار انه عرض على أبي عبد اللّه عليه السّلام، بعض خطب ابيه حتى بلغ موضعا منها قال له: كف و اسكت، ثم قال ابو عبد اللّه عليه السّلام الحديث بلفظه.

2) سورة النحل: 43.

3) أصول الكافي 43/1 حديث 1 بلفظه.

4) أصول الكافي 44/1 حديث 3 بلفظه.

5) تفسير الصافي ص 56 سورة البقرة آية 193 قوله عز من قائل «وَ قاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ» فراجع.

اللّه: أغد عالما او متعلما او احب اهل العلم، و لا تكن رابعا فتهلك ببغضهم(1).

و قد سمعت في طي اخبار طلب العلم عن السجاد عليه السّلام ما نطق بأن التقي الطالب للثواب الملازم للعلماء من أحب عباد اللّه اليه(2). و يأتي ما ورد في مجالسة العالم.

و عليك - بنيّ - ببذل العلم لاهله، لما ورد من ان زكاة العلم ان تعلمه عباد اللّه(3)و ان اللّه لم يأخذ على الجهال عهدا بطلب العلم، حتى اخذ على العلماء عهدا ببذل العلم للجهال(4).

نعم ورد انه قال عيسى عليه السّلام في خطبته لبني اسرائيل: لا تحدثوا الجهال بالحكمة فتظلموها، و لا تمنعوها أهلها فتظلموهم(5).


1) اصول الكافي 34/1 حديث 3 بلفظه.

2) اصول الكافي 3/1 حديث 5 عن أبي حمزة، عن علي بن الحسين عليهما السّلام قال: لم يعلم الناس ما في طلب العلم لطلبوه و لو بسفك المهج، و خوض اللجج، ان اللّه تبارك و تعالى اوحى الى دانيال ان امقت عبيدي الي الجاهل المستخف بحق اهل العلم، التارك للاقتداء بهم، و احب عبيدي اليّ التقي الطالب للثواب الجزيل الملازم للعلماء التابع للحلماء القابل عن الحكماء.

3) أصول الكافي 41/1 حديث 3 بلفظه.

4) اصول الكافي 41/1 حديث 1 بلفظه.

5) أصول الكافي 42/1 حديث 4 بلفظه.

و عليك - بنيّ - أطال اللّه بقاك و وفقك لما يحب و يرضى - بالاقتصار في صرف العمر في سائر العلوم على مقدار الضرورة، و صرف باقي عمرك في الفقه، لما عرفت من كون المقتضي لمحبوبية العلم هو العمل، و المتوقف عليه العمل ليس الا الفقه، فان به يعرف أوامر اللّه تعالى فتمتثل، و نواهيه فتجتنب، و لانه معلوم ان الفقه - و هو احكام اللّه تعالى - اشرف المعلومات، مضافا الى كونه ناظما لامور المعاش على وفق الدين، و به كمال نوع الانسان، و لقد اجاد صاحب المعالم حيث أقام البرهان على اهمية الفقه بقوله: (الحق عندنا ان اللّه تعالى انما فعل الاشياء المحكمة المتقنة لغرض و غاية، و لا ريب في ان نوع الانسان اشرف ما في العالم السفلي من الاجسام فيلزم تعلق الغرض بخلقه، و لا يمكن ان يكون ذلك الغرض حصول ضرر له، اذ هذا انما يقع من الجاهل و المحتاج - تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا - فتعين ان يكون هو النفع، و لا يجوز ان يعود اليه سبحانه لاستغنائه و كماله، فلا بد ان يكون عائدا الى العبد. و حيث كانت المنافع الدنيوية في الحقيقة ليست بمنافع، و انما هي دفع الآلام فلا يكاد يطلق عليها اسم النفع، الا على ما ندر منها، لم يعقل أن يكون هو الغرض من ايجاد هذا المخلوق الشريف، و سيما مع كونه منقطعا مشوبا بالآلام المتضاعفة، فلا بد ان يكون الغرض شيئا آخر مما يتعلق بالمنافع الاخروية، و لما كان ذلك النفع من اعظم المطالب و انفس المواهب لم يكن مبذولا لكل طالب، بل انما يحصل بالاستحقاق، و هو لا يكون الا بالعمل

في هذه الدار المسبوق بمعرفة كيفية العمل المشتمل عليها هذا العلم، فكانت الحاجة ماسة اليه جدا لتحصيل هذا النفع العظيم(1). ثم ساق صحيح ابان بن تغلب، عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: لوددت ان اصحابي ضربت رؤوسهم بالسياط حتى يتفقهوا(2).

و خبر علي بن ابي حمزة قال: سمعت ابا عبد اللّه عليه السّلام يقول: تفقهوا في الدين فانه من لم يتفقه منكم فهو اعرابي(3)

سمعت ابا عبد اللّه عليه السّلام يقول: تفقهوا في الدين فانه من لم يتفقه منكم في الدين فهو اعرابي، ان اللّه تعالى يقول في كتابه «لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» الحديث.

ان اللّه تعالى يقول في كتابه «لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (4).

و في خبر مفضل بن عمر عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

ان من لم يتفقه في دين اللّه تعالى لم ينظر اللّه اليه يوم


1) معالم الاصول: 20-21 [ط ج: 135-136].

2) اصول الكافي 31/1 حديث 8 بلفظه.

3) اصول الكافي 31/1 حديث 6 علي بن ابي حمزة قال:

4) سورة التوبة: 123 قوله عز من قائل «وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ».

القيامة، و لم يزك عملا(1)

سمعت ابا عبد اللّه عليه السّلام يقول: عليكم بالتفقه في دين اللّه و لا تكونوا أعرابا فانه من لم يتفقه في دين اللّه لم ينظر اللّه اليه يوم القيامة و لم يزكّ له عملا.

و غير ذلك.

و في خبر ابراهيم بن عبد الحميد، عن ابي الحسن موسى عليهما السّلام: قال دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله المسجد فاذا جماعة قد أطافوا برجل فقال: ما هذا؟ فقيل: علامة. فقال: و ما العلامة؟ فقالوا: اعلم الناس بأنساب العرب، و وقائعها، و ايام الجاهلية، و الاشعار العربية. فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله: ذاك علم، لا يضر من جهله و لا ينفع من علمه. ثم قال النبي صلّى اللّه عليه و آله: انما العلم ثلاثة: آية محكمة، أو فريضة عادلة، أو سنة قائمة، و ما خلاهن فهو فضل(2).

و عن ابي جعفر عليه السّلام انه قال: الكمال كل الكمال التفقه في الدين، و الصبر على النائبة، و تقدير المعيشة(3).

و في خبر حماد عن الصادق عليه السّلام قال: اذا اراد اللّه بعبد خيرا فقهه في الدين(4).

و عنه عليه السّلام انه قال: العلماء امناء، و الاتقياء حصون، و الأوصياء سادة(5).


1) اصول الكافي 31/1 حديث 7 مفضل بن عمر قال:

2) اصول الكافي 32/1 حديث 1 بلفظه.

3) اصول الكافي 32/1 حديث 4 بلفظه.

4) اصول الكافي 32/1 حديث 3 بلفظه.

5) اصول الكافي 32/1 حديث 5 بلفظه.

و اعلم - بنيّ - ان مذاكرة العلم عبادة، فعليك بها، و قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: تذاكروا و تلاقوا و تحدثوا، فان الحديث جلاء القلوب، ان القلوب لترين(1)كما يرين السيف و جلاؤه. الحديث(2).

و قال ابو جعفر عليه السّلام: رحم اللّه عبدا أحيى العلم، و احياؤه أن يذاكر به أهل الدين، و أهل الورع(3)

سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: رحم اللّه عبدا أحي العلم. قال: قلت و ما احياؤه؟ قال: أن يذاكر به اهل الدين و اهل الورع.

.

و عليك - بنيّ - وفقك اللّه تعالى للعلم و العمل الصالح - ان اضطررت الى الاكتساب لاقتضاء الوقت ذلك بسبب تغير اوضاع الزمان، و اداء ترك التكسب الى الذلة، أو ارتكاب الامور الغير المشروعة، أن لا تترك طلب العلم بالمرة، بل تطلب العلم مقدارا من النهار، و تكتسب مقدارا، فان من المنصوص المجرب ان الرزق مقدار معين لا يزيد بكثرة السعي، و لا ينقص بقلته(4).


1) بالراء المهملة، الحجاب الكثيف [منه قدس سره].

2) أصول الكافي 32/1 حديث 8 بلفظه.

3) اصول الكافي 41/1 حديث 7 ابي الجارود قال:

4) مستدرك وسائل الشيعة 418/2 باب 10 حديث 4 الثمالي عن ابي جعفر عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: ألا ان الروح الامين نفث في روعي انه لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا اللّه -

فاياك - بنيّ - ان تصرف حينئذ تمام عمرك في طلب المعيشة و تترك طلب العلم بالمرة، فتكون كالبهيمة او أضل سبيلا، و تجهل تكاليفك و تكون قراءتك للقرآن و الادعية مجرد لقلقة اللسان من دون فهم للمعنى.

و ارى اتخاذ قراءة التعزية مكسبا اولى لك من سائر المكاسب لاجتماعها مع طلب العلم و التفقه.

و عليك ان اخترتها بحفظ اللسان من الكذب و البهتان على اهل البيت عليهم السّلام، و لا تذكر من المصائب الا ما بها رواية معتبرة تنسبها اليها، او تنقل ما رواه الشخص المعين، و لا تزعم ان كثرة بكاء الناس تتوقف على الاكثار من ذكر المصائب، بل تحصل بادخال المصيبة في قلب الشيعي بتقريب حسن، و لذا فعليك بتقديم بيان كرامة من كرامات من تذكر مصيبته من اهل البيت عليهم السّلام و تعقب ذلك بذكر المصيبة، فان لذلك مدخلا عظيما في تأثير ذكر المصيبة في القلب، و زيادة البكاء، كما يقضي به الاعتبار و التجربة.

و اياك و ان تكون طبيبا، فان خطر الطب عظيم، و تبعاته

كثيرة، و الخلاص منها صعب مستصعب سيما عند المباشرة للعلاج باليد.

و اياك - بنيّ - ان طلبت العلم، و بلغت المرتبة العليا منه ان تطلب الرياسة و تحن نفسك اليها. فانها مهلكة، و للدين مفنية(1)

مستدرك وسائل الشيعة 190/3 حديث 3 عنوان البصري عن ابي عبد اللّه عليه السّلام انه قال - في حديث -: و اما اللواتي في العلم فاسأل العلماء ما جهلت، و اياك ان تسألهم تعنتا و تجربة، و اياك ان تعمل برأيك شيئا، و خذ بالاحتياط في جميع ما تجد اليه سبيلا، و اهرب من الفتيا هربك من الاسد و لا تجعل رقبتك للناس جسرا.

و وسائل الشيعة 468/2 باب 50 حديث 12 [ط ج 281/11] أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:

ما لكم و الرئاسات! انما المسلمون رأس واحد اياكم و الرجال، فان الرجال للرجال مهلكة.

، و للراحة سالبة، و اني اخبرك اخبار مطلع مجرب داخل فيها و خارج، انك ان التزمت

1) اصول الكافي 297/2 حديث 5 عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: من طلب الرئاسة هلك. و ص 298 حديث 4 قال لي ابو عبد اللّه عليه السّلام اياك و الرئاسة، و اياك ان تطأ اعقاب الرجال، قال: قلت جعلت فداك أما الرئاسة فقد عرفتها، و اما ان أطأ أعقاب الرجال فما ثلثا ما في يدي الا مما وطئت عقاب الرجال. فقال لي: ليس حيث تذهب، اياك ان تنصب رجلا دون الحجة فتصدقه في كل ما قال.

بمر الحق كنت مسلوب الراحة في نفسك، و ملوما عند الناس، و ان جريت على ميل الناس خسرت الآخرة.

فعليك - بنيّ - بالفرار منها فرارك من الاسد، اذ لا خير فيما يشغلك عن العبادة، و يعقبك من الناس الملامة، و ما رأيت في عمري رئيسا في العلم التزم بالديانة الا و كان غرضا للسهام، يستحلون جميع ماله و عرضه، و يستبيحون البهتان عليه و شتمه، و يعاملونه معاملة الكافر الحربي.

فاياك - بنيّ - ثم اياك و تمهيد اسبابها، و نصب شبائكها، و تهيئة مقدماتها، فتكون ساعيا في هلاك نفسك، و ذهاب راحتك و دينك و ان أتتك قهرا عليك، فعليك بمراقبة نفسك آنا بعد آن، فان خطرها عظيم، و مزالقها كثيرة، و منفعتها يسيرة، و مضارها جسيمة، و السالم من تبعاتها في نهاية الندرة، و ان اخوف ما يخاف على العالم المبرز أمور:

أنهاك - بنيّ - عنها غاية النهي، و أمنعك منها نهاية المنع.

ان اخوف ما يخاف على العالم المبرز أمور:

أحدها القضاء:

فان القضاء سم ناقع، و مرض مهلك، فاياك بنيّ و اياه، فانه من مزالق الاقدام، و مزال الاقلام، سيما في هذه الازمنة التي قل فيها الديانون، و كثرت عبدة الشيطان و الغاشون، و كيف يقدم العاقل على امر مرتكبوه اقسام

اربعة، ثلاثة منهم في النار و واحد في الجنة(1)

ثلاثة في النار، و واحد في الجنة. رجل قضى بجور و هو يعلم فهو في النار، و رجل قضى بالجور و هو لا يعلم فهو في النار و رجل قضى بالحق و هو لا يعلم فهو في النار، و رجل قضى بالحق و هو يعلم انه الحق فهو في الجنة.

؟! و اي تاجر يقدم على تجارة لا يوازي ربحها خسرانها، و نفعها ضررها؟ و كيف يجسر المتدين على جلوس مجلس لا يجلسه الا نبي او وصي نبي او شقي(2)؟ و من ذا الذي يطمئن من نفسه و يرجو منها رتبة النبوة و الوصاية حتى لا تصيبها الشقاوة؟

و اياك - بنيّ - عصمك اللّه تعالى من الزلات - أن تغتر بتسويلات الشيطان و تخيلاته، و تزعم وجوب القضاء عليك عينا فترتكبه و تهلك من حيث لا تعلم، و ان اتفق وقوعك في قطر، و بان لك بعد اخلاء الذهن و صرف الفكر وجوبه عليك عينا واقعا، لجمعك الملكتين(3)، و ايراث


1) وسائل الشيعة 369/3 باب 4 حديث 6 [ط ج 11/18] عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: القضاة أربعة:

2) وسائل الشيعة 369/3 باب 3 حديث 2 [ط ج 7/18] عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال امير المؤمنين عليه السّلام لشريح: يا شريح قد جلست مجلسا لا يجلسه [ن خ: ما جلسه] الا نبيّ او وصي او شقي.

3) الملكة العلمية بأن تكون الفروع الفقهية مستحضرة في ذهنك بسبب القوة الحاصلة من ممارسة القواعد -

الفقهية، و ضبط الاصول الكلية. و الملكة العلمية بان تركك القضاء، الهرج و المرج في الاعراض و الانفس و الاموال، فعليك باعمال الصلح، و الزام الطرفين بالاحتياط بعد تبين المحق عندك يقينا.

ثانيها الخيانة:

الخيانة في حقوق الفقراء و المساكين من الذرية الطاهرة و سائر الرعية، تارة بالصرف في التوسعة على النفس و العيال، و ترجيحهم على سائر الفقراء بغير مرجح شرعي، و اخرى: بمتابعة الهوى في صرفها، و الاخلال بالاخلاص في ايصالها.

فأوصيك - بنيّ - عصمك اللّه تعالى من اتباع الهوى - بما اوصى به الي حضرة الشيخ الوالد العلامة - انار اللّه تعالى برهانه - ان صرت مرجعا للحقوق.

اولا: بأن تمتنع من صرفها على نفسك و عيالك مهما أمكن، و تقنع بالهدايا، فاني لا اؤمن من انك ان اخذت منها في بدء الامر بقدر الضرورة يقسو قلبك و بعد ذلك تجسر على الاخذ بمقدار التوسعة، ثم تجسر على الاخذ

للتأنقات و التجملات، ثم تجسر بعد ذلك على صرفها في تهيئة الاملاك و الاموال لمعيشة اولادك و عيالك بعدك، فتكون موردا لنفسك مورد الهلكة، مستحقا للعذاب يوم الفقر و الفاقة، و انما مثل الحقوق مثل الشبهات، من حام حولها يوشك ان يدخل فيها.

نعم ان لم تكن مرجعا للتقليد و الحقوق فلا بأس بأخذك منها مقدار رفع الضرورة، و لا تزعم انك ان امتنعت من صرف الحقوق على نفسك و عيالك تموت جوعا، فان كفيل الرزق مأمون، فاذا وجدك ممتنعا من صرف الحقوق رزقك من الهدايا بمقدار ما قدر لك، كما قضت به التجربة القويمة، و لقد وجدت بنيّ للامتناع من صرف الحقوق على النفس و العيال آثارا عجيبة، و فوائد جمة غريبة، و نورا في القلب، و بركة في العمر، و توفيقا للطاعة، و حفظا عن الزلة، و أسأل اللّه الكريم الوهاب ان يريك ذلك بالعيان الذي ليس مثله البيان.

و ثانيا: ان تنوي القربة في ايصال الحقوق، و لا تفرق عطاءك بالاغراض الواهية الدنيوية، فتعطي من يخدمك و يعظمك، و تقطع من لا يقرب منك و لا يعتني بك، او تزيد سهم القريب على سهم البعيد، لا لمرجح شرعي، بل بسبب القرب و اظهار الاخلاص لك، بل ليكن موجب عطائك ايمان المعطي و تقواه، و موجب تفضيلك وجود جهة من جهات الفضل الشرعية فيه، و ذلك لان عطاء الحقوق و ايصالها عبادة يعتبر فيها نية القربة، و ينافيها قصد

الاغراض الواهية، فاذا لم تخلص فيها النية بقيت مشغول الذمة لصاحب الحق و الفقراء جميعا، و كان شفعاك يوم القيامة خصماءك، و خسرت الدنيا باخراج المال من يدك، و الاخرة بعدم قصد القربة المبرء للذمة، و صرت مصداق قول الشاعر الفارسي.

ثالثها التسرع في الفتوى:

فان التسرع في الفتوى داء عضال، فعليك بنيّ بالاجتناب من ذلك، و اياك بنيّ و ان تفتي قبل الاحاطة بجميع ابواب الفقه، فان بعضها مربوط ببعض.

و لقد عثرت غير مرة على فتوى جمع من المعاصرين، في قضايا على طبق القواعد، او أخذا باطلاق في الباب المناسب له، بأمور، مخالفة لاجماع الطائفة، لعدم عثورهم على عنوانه في باب آخر بأدنى مناسبة، و انت ان تأملت في رواية ابي ولاد الواردة في اجارة البغلة، المذكورة في الباب السابع عشر من كتاب اجارة الوسائل(1)، علمت عظم خطر الفتوى، و أنه اذا كانت الفتوى بغير الواقع في قضية


1) وسائل الشيعة 646/2 باب 17 حديث 1 ابن محبوب عن ابي ولاد الحناط قال: اكتريت بغلا الى قصر ابن هيبرة ذاهبا و آيبا بكذا و كذا، و خرجت في طلب غريم لي، فلما صرت قرب قنطرة الكوفة خبّرت ان صاحبي توجه الى النيل، فتوجهت الى النيل، فلما أتيت -

دراهم معدودة موجبا لحبس السماء مائها و منع الارض بركاتها، فما حال الفتوى بغير ما أنزل

اللّه تعالى في الاموال الخطيرة، و الاعراض و الانفس المحترمة - و ينقل عن العلامة قدس سره انه اخبر ولده قدس سره في الرؤيا بانه لو لا كتاب الالفين و زيارة الحسين عليه السّلام لاهلكتني الفتوى، و الحال انه آية اللّه المحيط بالفقه و الاخبار و اسانيدها و رجالها.

فاياك - بنيّ - ثم اياك و ان تتصدى للفتوى قبل الاحاطة التامة، بل اياك و التصدي لذلك، حتى بعد الاحاطة التامة، الا عند الضرورة، بانحصار المحيط بالفقه فيك، و اداء تركك للفتوى الى وقوع العباد في الضلالة و خلاف الواقع، لتصدي الجهال له.

رابعها حب الجاه:

حب الجاه و الجلالة الملازم للمرجعية في الغالب، و المفني للاجر، و المورد للهلكة.

فعليك - بنيّ - بحفظ نفسك من ذلك و مراقبتها في كل آن، فان النفس أمارة بالسوء الا ما رحم الرب و عصم(1)، وفقك اللّه تعالى بنيّ و اياي لاصلاح النفس و تبعيد الهوى عنها انه لطيف بعباده، قادر على انفاذ مراده.

خامسها التزوير:

التزوير هو مخالفة الباطن للظاهر. باظهار الزهد و القناعة في الظاهر دون الباطن، فان ذلك مما شاع في اعصارنا الى ان صار مما نوبخ به، فاياك بنيّ و اياه، فانه شرك خفي بالله العظيم، بل جلي، و كأن مرتكبه يعبد الناس دون اللّه تعالى، و يراقبهم دونه، على ان البواطن لا تخفى، فظهورها يوجب سقوط المزور عن اعين الناس،


1) سورة يوسف 53 قوله عز من قائل «وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ».

و افتضاحه بين العباد(1)

قال ابو عبد اللّه عليه السّلام: كل رياء شرك، انه من عمل للناس كان ثوابه على الناس، و من عمل لله كان ثوابه على اللّه.

و حديث 4 عن ابي عبد اللّه عليه السّلام في قول اللّه عز و جل «فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً» قال: الرجل يعمل شيئا من الثواب لا يطلب به وجه اللّه، انما يطلب تزكية الناس، يشتهي ان يسمع به الناس، فهذا الذي اشرك بعبادة ربه، ثم قال: ما من عبد اسر خيرا فذهبت الايام أبدا حتى يظهر اللّه له خيرا، و ما من عبد يسر شرا فذهبت الايام أبدا حتى يظهر اللّه له شرا.

و حديث 14 عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال:

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله سيأتي على الناس زمان تخبث فيه سرائرهم، و تحسن فيه علانيتهم، طمعا في الدنيا لا يريدون به ما عند ربهم، يكون دينهم رياءا، لا يخالطهم خوف، يعمهم اللّه بعقاب فيدعونه دعاء الغريق، فلا يستجيب لهم.

.

فعليك - بنيّ - بأن تصانع وجها يكفيك الوجوه كلها، و تعمير ما بينك و بينه. و التسوية بين الظاهر و الباطن من جميع الجهات و لقد أجاد من قال:

فيا ليت ما بيني و بينك عامر و بيني و بين العالمين خراب


1) اصول الكافي 293/2 حديث 3 يزيد بن خليفة قال:

الفصل الخامس في الوصايا الراجعة الى امور المعاش

من المسكن، و الملبس، و المجالسة، و اختيار الزوجة، و معاشرة العيال و تربية الاولاد.

اوصيك - بنيّ - أرشد اللّه تعالى امرك، و أطال عمرك، و وفقك لما يحب و يرضى، و جعل مستقبلك خيرا مما مضى - بسكنى النجف الاشرف، ما دام معاشك دارا فيها على الوجه الاوسط، بل الادنى من غير ارتكاب محرم، و لا تحمل مذلة، لامور:

منها: أن لمولانا أمير المؤمنين عليه السّلام خصوصية في حماية الجار، و حفظه من شر الاشرار، كما قضت بذلك التجربة في هذه السنين العشرة المشومة، و القرون السالفة، و كشف عن ذلك قوله عليه السّلام: و النجف حرمي، ما قصده جبار بسوء الا و قصم اللّه تعالى ظهره.

و قوله عليه السّلام مشيرا الى ظهر الكوفة: ما قصده جبار بسوء الا و رماه بقاتل(1).

و قوله عليه السّلام: اذا كان البلاء في سائر الاقطار الى شحمة الاذن، ففيك الى الخلخال، و من تأمل في الوقائع المحيرة للعقول في هذه السنة المتعوسة فهم معنى هذه الرواية، و عرف مقدار حمايته عليه السّلام للجار(2).

و منها: ما في زيارته عليه السّلام، و في الصلاة عنده من الفضل العظيم الذي لا يحرم العاقل نفسه منه(3)

و حديث 5 محمد بن مسلم عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: ما خلق اللّه خلقا أكثر من الملائكة، و انه لينزل كل يوم سبعون الف ملك، فيأتون البيت المعمور -

.

1) نهج البلاغة 92/1 خطبة 46 قوله عليه السّلام: كأني بك يا كوفة تمدين مد الأديم العاظي، تعركين بالنوازل، و تركبين بالزلازل و اني لأعلم انه ما اراد بك جبار سوءا الا ابتلاه اللّه بشاغل، و رماه بقاتل.

2) سنة تأليف هذا الكتاب و هي سنة 1324 ايام الاحتلال البريطاني، راجع الموسوعات التاريخية الشارحة لحوادث العراق.

3) مستدرك وسائل الشيعة 195/2 حديث 4 عن الصادق عليه السّلام قال: من ترك زيارة امير المؤمنين عليه السّلام لم ينظر اللّه اليه، الا تزورن من زاره الملائكة و النبيون عليهم السّلام، ان امير المؤمنين عليه السّلام افضل من كل الأئمة. و له مثل ثواب أعمالهم، و على قدر اعمالهم فضلوا.

و منها: ما في سكناها من البعد عن جملة من المعاصي قهرا، لعدم تهيؤ اسبابها في كل زمان على نحو تهيئتها في سائر الاماكن، كالرياسات الميسورة للعلماء في سائر الاقطار سيما بلاد ايران - صانها اللّه تعالى عن الحدثان - الى غير ذلك مما لا يخفى على المتدبر المنصف.

و ان لم يتيسر لك سكناها، او توقف على ارتكاب خلاف الشرع او تحمل مذلة، فعليك بالخروج منها و سكنى عتبة اخرى من الاعتاب المقدسة، مقدما غير كربلاء المشرفة

عليها. لما ورد من كراهة سكناها(1)بل المجرب المعلوم ايراث سكناها قسوة القلب، و بذلك تقتضي السليقة المستقيمة ايضا(2).

و اياك - بنيّ - سكنى غير الأعتاب المقدسة ما درت معيشتك فيها بغير ارتكاب محرم و تحمل ذل، فان للعتبة فوائد أخروية، بل و دنيوية ليست في غيرها، فان لم يتيسر لك ذلك، فعليك باختيار ما غلب على أهله التقى و الصلاح و الوزانة و الرزانة و الفهم و العلم من البلاد للسكنى.

و عليك - بنيّ - اذا سكنت الاعتاب المقدسة أو زرتها اختيار دار قرب العتبة التي بها، فان بعد المنزل عن المزار يتسبب منه ترك الزيارة في جملة من الاوقات، لوجل او مطر او فساد في البلاد او ضيق وقت او نحو ذلك، و ان سكنت غير العتبة فعليك بوسط المعمورة، فانه اسلم و ابعد من


1) ثواب الاعمال للشيخ الصدوق ص 50 ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: اذا اردت زيارة ابي عبد اللّه عليه السّلام، فزره و أنت حزين، مكروب، شعثا، مغبرا، جائعا، عطشانا، فان الحسين عليه السّلام قتل حزينا، مكروبا، شعثا، مغبرا، جائعا، عطشانا، و اسأله الحوائج و انصرف عنه و لا تتخذه وطنا.

2) لان السكنى توجب الغفلة عن المصائب التي جرت على الذرية الطاهرة، و الانصراف الى شؤون الدنيا و عدم الحزن، مع ان الذي تقتضيه خصوصية المكان ان يكون الانسان ما دام فيها حزينا كئيبا.

الآفات(1).

و عليك بتحصيل مسكن ملك او وقف يشرع سكناه مهما أمكن و لو كان محقرا، فان الدار المملوكة او الشبيهة للملك و ان كانت محقرة أسلم دنيا و دينا من الواسعة بالاجارة، فان فيها مذلة.

و عليك اذا أردت شراء دار او اجارتها بالفحص الاكيد عن حال الجيران، فالجار ثم الدار(2)، و اني قد غفلت عن ذلك فأصابني مدة مديدة من الجيران ما كاد يخرج تحمل بعضه عن طوع طاقتي، و لو لا فضل اللّه تعالى و حفظه لوقعت فيما لا ينبغي.

و ان احتاج - بنيّ - مسكنك الى التعمير، فاياك ان تعمره جميعا في سنة واحدة، بل عمر في كل سنة جهة، و لا تقلع تمام التعمير السابق بل أبق منه ما كان محكما، لان من المجرب ان من عمر داره من أصولها في سنة واحدة


1) و هذا أمر لا ريب فيه، و من تأمل في الحوادث اليومية التي تقع في البلاد يرى انها في الغالب لا تقع الا في اطراف البلدة و نواحيها و الدور التي في أطرافها.

2) وسائل الشيعة المجلد الثاني ص 218 باب 89 كراهة مجاورة السوء حديث 1 [ط ج 491/8] عن ابي جعفر عليه السّلام قال: من القواصم التي تقصم الظهر جار السوء، ان رأى حسنة أخفاها، و ان رأى سيئة افشاها.

لا يسكنها و لا يتهنأ بها، مضافا الى ان هدم المحكم اتلاف للمال و اسراف له.

و اياك و ان تختار التعمير المنظم من جميع الجهات، بل اقتصر على مقدار قضاء الحاجة، و ان كنت ذا مال و ثروة، لان الدنيا ليست بدار قرار و سرور، فخذ منها ما يكفيك، و اقتصر منها على ما يرفع حاجتك، و اصرف الباقي في تعمير دار الآخرة بصلة الذرية الطاهرة و اخيار الشيعة المطهرة، و تزويج الاعزب منهم، و اعانة المضطرين منهم، و نحو ذلك.

و عليك - بنيّ - باختيار الدار الواسعة ان أمكنك فان من سعادة الرجل سعة داره في الدارين(1)، رزقني اللّه تعالى و اياك بنيّ ذلك.

و أوصيك - ألبسك اللّه تعالى ثوب التقوى - باختيار ما كان من اللباس وسطا، يلبسه الغني و الفقير كلاهما، لانك ان كنت فقيرا كنت غير متعد طورك، و لا تقع في المحظور من صرف الحقوق و أموال الناس في الزائد عن قدر الضرورة، و ان كنت غنيا كنت قد زهدت في الدنيا


1) مستدرك وسائل الشيعة 534/2 باب 8 استحباب اختيار الزوجة الصالحة حديث 9 عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله انه قال: من سعادة المرء الزوجة الصالحة و المسكن الواسع، و المركب الهنىء، و الولد الصالح.

و تسلت بك الفقراء. على ان لهذه الفاحشة الدنية انقلابات، فان كنت قد عودت نفسك بلباس الاواسط، لم يتبين فقرك عند ادبار الدنيا عليك.

و ان عودت نفسك بلباس الاغنياء، فان التزمت عند زوال غناك بلباسك المتعود عليه، كنت قد كلفت نفسك ما لا تطيق، بل ربما وقعت لاجل ذلك في الحرام، و ان لبست لباسا أنزل من السابق بانت الخلة في امورك، و الذل في وجهك و ثيابك.

و اياك - بنيّ - و لباس الشهرة في طريق الفقر و الغنى، و جانبي الزهد و التجمل، و لورود النهي الاكيد عنه، و خير الامور اوسطها(1).

و عليك في اللباس بالتقيد بما هو المطلوب شرعا، من الطهارة الشرعية، و النظافة الصورية، فثوب كرباس نظيف خير شرعا و عقلا من ثوب خز قذر.

و عليك - بنيّ - رزقك اللّه تعالى خير جليس - اذا أردت ان تجالس احدا، ان تلاحظ من تجالس، فان المرء يعرف بجليسه(2).


1) في خطبة النبي الكريم في غزوة تبوك قوله صلّى اللّه عليه و آله: خير الامور اوسطها، و شر الامور محدثاتها - راجع خطبته صلّى اللّه عليه و آله.

2) نهج البلاغة: الجزء 3.

و اياك و مجالسة فاسدي العقيدة، و العصاة، و السفلة، و الاراذل و الاذناب، و ذوي العادات الردية، و الاخلاق الدنية. فان المرء مكتسب من كل مصحوب، و المجالسة مؤثرة، و لقد تضمن الديوان المنسوب الى أمير المؤمنين عليه السّلام قوله:

و لا تصحب أخا الجهل و اياك و اياه

فكم من جاهل أردى حكيما حين آخاه

يقاس المرء بالمرء اذا ما هو شاه

و للشيء من الشيء مقاييس و اشباه

و روى ان لقمان قال لابنه: يا بني اختر المجالس على عينك، فان رأيت قوما يذكرون اللّه عز و جل فاجلس معهم، فان تكن عالما ينفعك علمك، و ان تكن جاهلا علموك.

و لعل اللّه تعالى ان يظلهم برحمته فتعمك معهم(1).

و عن ابي الحسن موسى عليه السّلام: ان محادثة العالم على المزابل خير من محادثة الجاهل على الزرابي(2)(3).

و عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: انه قالت


1) وسائل الشيعة 442/1 باب 50 استحباب الجلوس مع الذين يذكرون اللّه حديث 2 بلفظه.

2) اصول الكافي 39/1 باب مجالسة العلماء و صحبتهم حديث 2 بلفظه.

3) (*) الزرابي: هي الطنافس المخملة، و يقال لها بالفارسية: القاليجة (منه قدس سره).

الحواريون لعيسى عليه السّلام: يا روح اللّه من نجالس؟ قال: من يذكركم اللّه رؤيته، و يزيد في علمكم منطقه، و يرغبكم في الله عمله(1).

و قال صلّى اللّه عليه و آله: مجالسة اهل الدين شرف الدنيا و الآخرة(2).

و قال ابو جعفر عليه السّلام: لمجلس اجلسه الى من أثق به أوثق في نفسي من عمل سنة(3).

و عن امير المؤمنين عليه السّلام انه قال: اياك و مخالطة السفلة فان السفلة لا تؤول الى خير.

و قال الصدوق رحمه اللّه: جاءت الاخبار في معنى السفلة على وجوه:

منها: ان السفلة هو الذي لا يبالي بما قال و لا ما قيل فيه.

و منها: ان السفلة من يضرب بالطنبور.


1) اصول الكافي 39/1 باب مجالسة العلماء و صحبتهم حديث 3 بلفظه.

2) أصول الكافي 39/1 باب مجالسة العلماء و صحبتهم حديث 4 بلفظه.

3) أصول الكافي 39/1 باب مجالسة العلماء و صحبتهم حديث 5 بلفظه.

و منها: ان السفلة من لم يسره الاحسان و لم تسوءه الاساءة.

و السفلة: من ادعى الامامة و ليس لها بأهل.

و هذه كلها اوصاف السفلة من اجتمع فيه بعضها او جميعها وجب اجتناب مخالطته.

نعم، ان رجوت من مجالسة العاصي و الدني اصلاح حاله، و تهذيبه من رذائل اخلاقه، من دون ان تكتسب منه عادة ردية، او تتهم بين الناس بتهمة.

فعليك - بنيّ - بمجالسته بمقدار يتوقف عليه اصلاحه، فان الرجل كل الرجل ليس من أدب نفسه فقط، و نجاها من النار، بل من ادب غيره أيضا، و لذا جعل الامر بالمعروف و النهي عن المنكر من اهم الفرائض، و آكد الواجبات لما فيهما من تأديب الغير و اخراجه من العصيان الى الطاعة، و انجائه من النار.

و اذا أردت بنيّ - رزقك اللّه خير الدارين - التزويج، فعليك بملاحظة نسبها، فان منها يكون الولد، و ان الوعاء و اللبن كلاهما يؤثران في الولد، و عليك بمراعاة الصفات المحمودة شرعا.

و عليك بعد احراز سلامة نسبها من اسباب العار، و ايمانها و تقواها احراز جمالها حتى تستغني بها عن غيرها، فان جمال المرأة يوجب انس الخاطر، و قطعه النظر عن غيرها.

و ما ورد من المنع من تزويج المرأة لمالها او جمالها، فانما المراد به مراعاتهما من دون مراعاة الدين، و الا فلا شبهة في ان اختيار الجميلة بعد احراز دينها و تقواها احسن، كما لا يخفى على من راجع الاخبار(1)

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: اطلبوا الخير عند حسان الوجوه، فان فعالهم احرى ان تكون حسنا.

و حديث 5 عن ابي الحسن الاول عليه السّلام قال:

ثلاث يجلين البصر: النظر الى الخضرة، و النظر الى الماء الجاري، و النظر الى الوجه الحسن.

و فروع الكافي 324/5 ابي عبد اللّه عليه السّلام قال:

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: أفضل نساء امتي أصبحهن وجها، و أقلهن مهرا.

.

و قد كان حب النبي صلّى اللّه عليه و آله لعائشة لجمالها، و كذا لا باس باختيارك لذات المال و الثروة، اذا كانت ذات دين صالحه تقية، و كان مالها من حلال، و كانت ملتزمة باداء حقوق اموالها. بل عليك بني باختيارها سيما ان كنت فقيرا، فان مالها قد ينفع أولادها، و يعين على اشتغالهم بطلب العلم، فان من له كفاية يقدر على طلب العلم احسن من الفقير المعدم، و لكن لا يفوتك التقيد بقيدي الديانة و النجابة.

و اياك و اختيار الملية المستحدثة النعمة، فانها لمالها


1) وسائل الشيعة 7/3 باب 21 حديث 4 [ط ج 37/14] عن الرضا عليه السّلام. عن آبائه عليهم السّلام، قال:

و امتلائها فقرا ربما تتكبر عليك و تستصغرك، فتكون في محنة و بلاء، و لذا يكره القرض من مستحدث النعمة(1)

و حديث 4 حفص بن البختري قال: استقرض قهرمان لابي عبد اللّه عليه السّلام من رجل طعاما، فألح في التقاضي. فقال له ابو عبد اللّه عليه السّلام:

ألم انهاك ان تستقرض لي ممن لم يكن له فكان.

، و اذا دار الامر بين الملية المستحدثة النعمة، و النجيبة الفقيرة، فعليك باختيار الثانية، فان أحشاء المستحدثة مملوءة فقرا(2)، و لذا قال الشاعر:

مستحدث النعمة لا يرتجى أحشاؤه مملوءة فقرا

و عليك بستر زوجتك و بناتك و سائر حرمك بالبيوت، و منعهن من الخروج الا بقدر الحاجة و الضرورة، لان المرأة لضعف قوة تمييزها، اذا ازدادت معاشرة مع النساء، و خروجا من الدار، فسدت دنيا و دينا، و لذا ورد الأمر بستر عيهن بالسكوت، و عوراتهن بالبيوت(3).


1) فروع الكافي 158/5 حديث 5 عن ابي عبد اللّه عليه السّلام انه قال: لا تخالطوا، و لا تعاملوا الا من نشأ في الخير.

2) و من ذلك قول الصادق ابي عبد اللّه عليه السّلام: لا تخالطوا، و لا تعاملوا الا من نشأ في الخير. فروع الكافي 159/5 حديث 8 فراجع.

3) الوافي 118/3 من كتاب النكاح قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: النساء عي و عورة، فاستروا العورات بالبيوت، و استروا العي بالسكوت.

و عليك - بنيّ - بتربية أولادك ذكورا و اناثا من الطفولة بالآداب الشرعية و العقلية، و لا تقل طفل غير مخاطب بخطاب اللّه سبحانه، فان الطفل ان لم يؤدب من بدء الأمر لم يكن تأديبه بعد الكبر، و لقد اجاد من قال:

اضرب وليدك تأديبا على رشد و لا تقل هو طفل غير محتلم

فرب ضرب يؤدي الترك منك له الى الجراح لدى رشد و فيض دم

و عليك بتعليمه معالم الدين و أحكام رب العالمين من الطفولية فان ما انتقش في الخاطر عند الطفولية لا يزول، و علمه بعد ختم كلام اللّه المجيد كتاب الحسنية، و كتب معجزات الأئمة عليهم السّلام حتى يعجن قلبه بحبهم عليهم السّلام، و لا يكون تشيعه عن اتباع الآباء، بل البرهان.

و من اهم ما يلزمك في ادب الطفل ان تمنعه من الخروج من الدار وحده، و اللعب مع الصبيان في الشارع، بل أمنعه من مخالطة الاطفال مهما أمكن حتى في الدار، فان طبعه سريع الاكتساب، فربما يكون خليطه ذا عادة سيئة، و طبيعة مرجوحة، فيكتسبها منه بسرعة، حتى انه اذا بدأ بطلب العلم امنعه من معاشرة امثاله فضلا عمن هو أكبر منه، الا بقدر تعلم العلم و مذكراته، و ليكن طلبه و مذاكرته في موضع يكون معه ثالث، يتقيد منه، و لا يسعه تعلم طرق الشيطنة و الفساد من جليسه.

و انما ذكرت هذه الفقرات لك بعد التجربة، فان جليسي و من كنت أتذاكر معه في الطفولة كان صالحا ابن صالح، فلم أتعلم منه شيئا الا انه عودني بشرب التتن، فلما كبرت ندمت حيث لا ينفع الندم، حيث اني لما شعرت بضرره و اضعافه و تركته، أصابني من تركه ضرر اعظم، فعدت عليه من حيث ان المزاج قد تعود بهضم الطعام و دفع الرطوبات الزائدة بمعونته، فتركه هيج الرطوبات و اورث المرض.

و اياك - بنيّ - و ان تعود الطفل بالدرهم و الفلوس، و تعطيه اياه، و تفهمه مصرفه، فان في ذلك مفاسد عظيمة لا يلتفت اليها الا من جرب ذلك، فانه اذا فهم فائدته، تعلق قلبه من الطفولة به، و لم تخرج تلك العلقة من قلبه، فيكون محبا للمال و زخرف الدنيا، مضافا الى انه ربما لا يجده فيلتزم في تحصيله بكل طريق ممكن، فيقع في المفاسد العظام.

و اياك - بنيّ - ثم اياك و تعويد الطفل - ذكرا كان أو أنثى - بالجيد من المأكول و الملبوس، لانه اذا اعتاد بهما و لم يساعد الزمان الى الالتزام بما اعتاد به كان في كدر عظيم، بخلاف ما لو اعتاد بالوسط او الادون، فانه ان تيسر له أجود منه كان مسرورا.

و من أهم ما يلزمك بنيّ أن تزوج أولادك في أول البلوغ، تصون بذلك دينه و عرضه.

و اياك أن يمنعك الفقر من ذلك.

و أراك عاقا علي ان لم تمتثل ما امرتك به، و أرى روحي لا ترضى منك ان خالفتني فيه، غايته عند الفقر الاتيان بالميسور، و لا اقل من ان تمتع له امرأة فقيرة يكتفي بها، الى ان ييسر اللّه سبحانه عليك او عليه.

و تلخيص المقال في وصاياي و لبها أعمال الفكر دائما في أموري المعاد و المعاش، و اختيار الراجح شرعا و عقلا، مع ملاحظة العواقب، وفقك اللّه - تعالى - لما يحب و يرضى، و جعل مستقبل أمرك خيرا مما مضى.

و قد آل الامر بي الى هنا بعد الساعة الثانية من ليلة الاحد سابع شهر جمادى الاولى سنة الف و ثلاثمائة و اربع و عشرين، حامدا لله مصليا على النبي الامين، و آله الغر الميامين، لاعنا اعدائهم اجمعين من الآن الى يوم الدين.

و قد فرغت من التعليق على هذا السفر الجليل و تصحيحه و ذكر مصادر احكامه ليلة الثالثة و العشرين من شهر اللّه تعالى 1384 و أنا العبد الفاني محيي الدين نجل فقيد العلم و التقى آية اللّه العظمى (قدس اللّه سره) و نور ضريحه، و وفقنا للاقتداء بسيرته و سيره، بمحمد و آله الطاهرين صلوات اللّه عليهم اجمعين.

الفهرست

صفحة مقدمة الطبعة الثالثة 7

مقدمة الطبعة الثانية 9

تاريخ الطبعة الثانية 12

مقدمة الطبعة الاولى 13

الفصل الاول

في نبذ يسيرة مما يرجع الى الاصول الخمسة اجمالا 15

الفصل الثاني

في الحث على طاعة اللّه سبحانه، و التحذير من المعصية و الكسل، و صرف العمر فيما لا ينبغي، و جملة أخرى من الوصايا 27

الفصل الثالث

في جملة اخرى من الوصايا المتفرقة 99

الفصل الرابع

في الوصايا المتعلقة بطلب العلم و بيان فضله و ما يتعلق به 199

الفصل الخامس

في الوصايا الراجعة الى أمور المعاش 241