موسوعة من حیاة المستبصرین المجلد 14

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

موسوعة

من حياة المستنصرية

المجلد الرابع عشر

مَركزَ الأبحاثٍ العَقَائٍدٍيَّةٍ

إيران - قم المقدسة - صفائية - ممتاز - رقم 34 ص - ب 3331 / 37185

الهاتف : 37742088 - 37742808 (25) (98+) فاكس: 37742056 (25) (98+)

العراق - النجف الأشرف - شارع الرسول صلّی الله علیه وآله وسلم

شارع السور جنب مكتبة الإمام الحسن علیه السلام

ص - ب 729

الهاتف: 32679 (33) 964+) البريد الإلكتروني : info@aqaed.com

الموقع على الإنترنت: www.aqaed.com

اشارة

إيران - قم المقدسة - صفائية - ممتاز - رقم 34 ص - ب 3331 / 37185

الهاتف : 37742088 - 37742808 (25) (98+) فاكس: 37742056 (25) (98+)

العراق - النجف الأشرف - شارع الرسول صلّی الله علیه وآله وسلم

شارع السور جنب مكتبة الإمام الحسن علیه السلام

ص - ب 729

الهاتف: 32679 (33) 964+) البريد الإلكتروني : info@aqaed.com

الموقع على الإنترنت: www.aqaed.com

بٍسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

دليل الكتاب

مقدمة المركز ...9

مقدونيا

(1) حسيب أيدين...12

موريتانيا

(2) بكار بن بكار محمد علي ...22

(3) سيد أحمد بن محمدو ...28

موریشویس

(4) أحمد علي نور الدين...38

موزامبيق

(5) إسماعيل صالح ...43

(6) ترسيسيو بون علي(حسين) ...48

(V)نرسيسيو أنطونيو ...54

النمسا

(8) آنجیلا (فاطمة)...59

(9) أديت مارياهوف باير(فاطمة)...67

(10) محمّد والدمن...71

النيجر

(11)إدريس عثمان ...78

(12) آرما ياتو...84

(13) صالح عمر عروج...92

(14) عبد العزيز ميغا ...101

(15) محمد ثاني غوندا....106

نيجيريا

(16) إبراهيم عبد الرزاق ...111

(17) إبراهيم محمد باي...120

(18) إبراهيم محمد هارون...126

(19) أبو محمد نيابو كار ...132

(20)أحمد أبوالفتح عثمان ...143

(21) آدم بابايو عثمان... 149

(22)جميل يوسف...153

(23) حبیب الله علي ...161

(24)عبدالله عمر أبوبكر...169

(25) عمر محمد حافظي...177

(26) محمد باقر الحاج غنا...182

(27) محمد سنوسي ونتي ...186

(28) منير محمد سعيد...191

(29) یونس مالم معاذ...195

(30) يونس محمد الثاني...201

نیوزلندا

(31) مارياجين بسهکاران ...214

الهند

(32) أحمد حسين خان ...218

(33) آشیما...225

(34) برهان بن أحمد (نظام شاه)....231

(35) بهادر إمداد إمام...239

(36) حارث دادلاني...245

(37) حمد الله بن حكم السنديلي...250

(38) ديواني سنكوه (محمد حسن قتيل) ...254

(39) رتن سنكوه ...260

(40) عبد القوي لكهنوي ...266

(41) غلام حسين الهندي ...270

(42) كل ما في مسرا البرهمي...274

(43) مقبول أحمد بن غضنفر علي ...282

(44) محمد إسماعيل ديوبندي...290

(45) میان زنکو...293

هولندا

(46) ميرندا دول...302

اليابان

(47) فومی و ساوادا (محمّد) ...307

(48) کاجائو شينوهارا ...312

اليمن

(49) أحمد شرف الدين ...317

(50) أسعد الوزير...321

(51) إسماعيل الأشول...329

(52) حسن علي العماد ...336

(53) زکریا بن سلطان ...339

(54) صادق كرشان...349

(55) عبد الجليل قاسم ...353

(56) عبد القادر عوض ...365

(57) عبد الله صالح...373

(58) عبد الواحد كرشان...379

(59) عبد الوهاب المزيقر ...383

(60) عصام علي يحيى العماد ...389

(61) علي الثابتي ...359

(62) علي حمود المحفدي...402

(63) علي عبد الرحمن ...408

(64) علي محمد الحرازي الشرقي...414

(65) محمد أحسن محمّد...418

(66) محمد الذاري ...422

(67) محمّد الشريف ...431

(68) محمّد عواس ...436

(69) مراد الشاحذي...441

(70) يحيى طالب...446

(71) يوسف بن يحيى الحسني الصنعاني...465

اليونان

(72) أريس كاريلاس (محمّد علي) ...473

(73) هري اسبيلي (محمّد)...478

المصادر...482

مقدمة المركز

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين ، أبي القاسم محمد، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين، الذين أذهب الله عنهم الرجس، وطهرهم تطهيراً، واللعن الدائم على أعدائهم والناصبين العداء لهم إلى يوم الدين.

الحمد لله على إكمال الدين، وإتمام النعمة، الحمد لله الذي جعلنا من المتمسكين بولاية سيّدنا ومولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأولاده المعصومين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين

بين يديك، أيّها القارئ الكريم ، المجلد الرابع عشر - الأخير - من هذه الموسوعة المباركة ((موسوعة من حياة المستبصرين))، والذي يضم بين دفتيه ترجمة مجموعة أخرى من الذين ركبوا سفينة النجاة، واختاروا السير على نهج سيدنا أمير المؤمنين، وسيّدتنا فاطمة الزهراء، وأولادهما المعصومين عالي، بعد أن قضوا ردحاً من الزمن يتعبدون الله بمذهب آخر.

لكنّهم، و وبعد بحث عقائدي عميق، وتتبع لأدلة المذاهب الإسلامية الأخرى، تولدت عندهم القناعة الكاملة بأحقيّة مذهب أهل البيت علیهم السلام

فأعلنوا استبصارهم ، وركبوا سفينة النجاة، سفينة علي وأولاده المعصومين عليهم السلام، وقد جنّدوا أنفسهم لتحمل المصاعب والمضايقات الاجتماعية، بل حتى وصل الأمر بهم إلى اتهامهم بالكفر والخروج عن الدين، فصبروا واحتسبوا ذلك في سبيل الله.

ويحتوي هذا المجلّد على ترجمة ثلاثة وسبعين مستبصراً، موزعين على عدة دول هي مقدونيا موريتانيا موزامبيق النمسا النيجر نيجيريا،

نیوزلندا، الهند، هولندا، اليابان اليمن اليونان.

إن هذا العدد من المستبصرين في هذا المجلد - وكذلك المجلدات السابقة - لا يمثل العدد الكلي للمستبصرين، بل هو إنموذج منهم، إذ لا يمكن حصر عدد المستبصرين في كل دول العالم؛ لأن حركة الاستبصار العالمية، هي حركة فردية غير منظمة، نابعة من قناعة شخصية للفرد في تغيير المذهب الذي ورثه من الآباء والأجداد، بعد بحث عميق ومقارنة بين الأديان والمذاهب.

وبصدور هذا الجزء - الأخير - من هذه الموسوعة، نكون قد ختمنا عملنا في هذه الموسوعة المباركة، التي قضى في تأليفها سنوات عديدة، وشارك في إخراجها، ثلّة من أعضاء مركز الأبحاث العقائدية، جزاهم الله خير الجزاء.

ونأمل من الباري عزّ وجلّ أن يوفقنا لإعادة طباعة هذه الموسوعة كاملة مرة أخرى بعد مراجعتها، وإصلاح ما زاغ البصر عنه.

ختاماً، نتقدم بجزيل الشكر والتقدير لكل من ساهم في تأليف وإخراج هذا المجلد، ونخص بالذكر الشابين النشطين صاحبي الفضيلة: السيد مرتضى الشيرازي والشيخ علي الحسّون، وفقهما الله تعالى لمراضيه، والحمد لله أولاً وآخراً.

محمّد الحسّون

27 جمادى الأولى 1438ه-

البريد الالكتروني muhammad@aqaed.com

الصفحة على الانترنیت www.aqaed.com/Mohammad

(1) حسيب أيدين

(سنّي - مقدونيا)

ولد عام 1372ه- (1953م) في عاصمة مقدونيا، ونشأ في أسرة منتمية إلى مذهب التصوّف على طريقة الحسن البصري، لكنه كان يكن الحب لأهل البيت وخاصة للإمامين الحسنين عليه السلام منذ ذلك الحين.

شائت الأقدار الإلهية أن يهاجر «حسيب» إلى سويسرا، ويسكن مدينة زيروخ، فتعرف هناك على أحد التركمانيين من الجالية العراقية، وكان ذلك الشخص من أتباع مدرسة أهل البيت علیهم السلام ، الأمر الذي دفعه لأن يخوض معه حواراً عن الإسلام بصورة عامة، والتشيع بالخصوص.

الإيصاء بالخلافة:

من المباحث التي جرت بين «حسيب» وصديقه الشيعي مسألة إ : إيصاء النبي صلی الله علیه وآله وسلم للإمامة من بعده، فلا يمكن لمنصف أن ينكر حقيقة أن قائداً ربانياً تاريخياً مثل صاحب الرسالة والشريعة الخاتمة صلی الله علیه وآله وسلم ، أن يكون عمله مقتصراً على سنين حياته الظاهرية في عالم الدنيا فحسب، فيحصر جهوده

في شؤون أمته في حياته، ولا يلتفت أو يخطّط لما من شأنه أن يحافظ على جهوده من الضياع من بعده!

وهذا الأمر أيضاً يتعارض بالكامل مع سيرة جميع الأنبياء علیهم السلام؛ إذ أن سيرتهم تشهد بأن جهودهم كانت مترابطة متكاملة، يكمل كل منهم مسيرة سلفه ويمهد لخليفته، فكيف يمكن أن يتصوّر إمكانية أن يترك خاتم الأنبياء صلی الله علیه وآله وسلم. وهو يعلم بأن لا نبي بعده - أمته دون أن يبيّن لها أعمدة استمرار مسيرتها بعد وفاته صلی الله علیه وآله وسلم ويخطط لحفظ مستقبل رسالته.

وهناك حقيقة قرآنية تصرّح بأن النبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم مكلف أساساً بأن يبين للناس ما أنزل إليهم، وأنه لا ينطق عن الهوى، فنطقه وحي يوحى، وأنّ الناس مأمورون بالأخذ بما آتاهم به، والانتهاء عما نهاهم عنه، فإن سنته صلی الله علیه وآله وسلم هي بيان القرآن وتفسيره، فهي جوهر رسالته، وعليه فينبغي أن تحفظ سنته.

ومنذ بدء الدعوة نجد أن النبي يصرح بذلك؛ فعن علي علیه السلام، قال: قال رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم: يا بني عبد المطلب! إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن یكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم؟

قال: فأحجم القوم عنها جميعاً، وقلت يا نبي الله! أكون وزيرك عليه فأخذ برقبتي، ثم قال: هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا(1).

ولا يختلف في هذا اثنان من كتاب ومصادر السيرة والتاريخ، وإن كانت هناك وقفة مع الطبري إذ يقول: يا بني عبد المطلب! إنّي ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر، على أن يكون أخي وكذا وكذا؟ (2).

ولا يقول: أخي ووصيي وخليفتي فيكم(3)، كما ذكر في المصادر الاخرى، وكل هذه المقدمات إنما رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم كان يريد أن يبين فيها من هو الخليفة من بعده صلّی الله علیه وآله وسلم.

والجانب الآخر: أسلوب القرآن الكريم فى قوله: {وَوَاعَدَنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتمَمنَاهَا بعَشر فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ احْلُفِنِي فِي قَومِي وَأَصلِح وَلا تَتَّبِع سَبِيلَ} فهي تؤكد على أن موسى علیه السلام ينص على قضية الخلافة!


1) كنز العمال 13 :114

2) جامع البيان 19: 149.

3) تاريخ الطبري 2: 63 الكامل في التاريخ 2 63 ، المختصر في أخبار البشر 116:1.

وقد ورد في كتب الصحاح عن جابر بن سمرة، قال: سمعت النبي صلّی الله علیه وآله وسلم يقول: ( يكون أثنا عشر أميراً)، فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنّه قال: (كلهم من قريش) (1).

وقد حاول بعضهم، ومنهم السيوطي، أن يفسر الاثني عشر؛ فيقول: الخلفاء الأربعة: أبا بكر وعمر وعثمان وعلي، الأربعة الأوائل، ومن ثم عمر بن عبد العزيز خمسة و... فيحاول أن يقسم الاثني عشر على هذا المعنى.

وليس هذا المعنى هو مراد رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم؛ إذ أنه عندما يقول: الأئم-ة اثنا عشر، كلهم من قريش، يعني ظرف لا ينقطع فيه الإمام؛ لأنه لو انقطعت الإمامة في هذا الظرف لما كانت هنالك حجة أصلا والقرآن الكريم يقول: {رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعدَ الرُّسُل وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} (2)كيف يمكن تفسير الاثني عشر؟ فإن قالوا: بنو أمية، فهم أكثر من اثني عشر، وبنو العباس كذلك، فلابد من وجود الاثني عشر الذين يجب الوقوف عندهم، وهم لا ينقطعون أبداً. ومع كل هذه المقدمات، لماذا تتوقف الخلافة وتكون بالشورى وليست بالنص مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحسب؟

وعند مراجعة قضية دفن الرسول الله يلاحظ أنهم سألوا الإمام عليا الله لماذا لم يأتِ في سقيفة بني ساعدة ولماذا لم يطالب بالخلافة؟ أجابهم قائلاً: يا هؤلاء! أكنت أدع رسول الله مسجى لا أواريه وأخرج أنازع


1) البخاري 127:8.

2) النساء: 165

في سلطانه؟ والله ما خفت أحداً يسمو له وينازعنا أهل البيت فيه، ويستحلّ ما استحللتموه، ولا علمت أن رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم ترك يوم غدير خم لأحدٍ حجة، ولا لقائل مقالاً (1).

ولو بقي الجسد الشريف لرسول الله صلى الله عليه وسلم - الذي كان نجمةً تتلألأ في سماء الدنيا، إذ انبثق شعاعه إلى كل الأمم - مرمياً على الأرض، قد ترك بلا دفن، لكانت بقيت معبّرة إلى يوم القيامة على جميع المسلمين.

ثمّ السؤال: أين هي الشورى، وهل تحققت في سقيفة بني ساعدة؟

وهل ما حصل - وهناك عشرات الحوادث في تلك الواقعة من منازعات ولغط فيما بينهم - يشير إلى أنه حصلت شورى؟

إن الذي حصل لم يكن شورى، وهو ما أشار له ما روي عن عبد الرحمن بن عوف، قال: خطبنا ،عمر فقال: قد عرفت أن أناساً يقولون، إنّ خلافة أبي بكر كانت فلتة، ولكن وقى الله شرّها، وإنه لا خلافة إلا عن مشورة، وأيما رجل بايع رجلاً عن غير مشورة، لا يؤمر واحد منهما تغ-رة أن يقتلا (2).. وما قاله بعض فقهاء العامة بانعقاد الشورى باثنين إنما هو تصحیح لذلك الموقف.

وعند مراجعة سورة البقرة في قضية الميراث نجده يقول: {كتب عَلَيْكُم إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوتُ إِن تَرَكَ خَيرًا الوَصِيَّةُ لِلوَالِدَينِ


1) بحار الانوار 28 :186

2) السنن الكبرى للنسائي 4: 272.

وَالأَقرَبينَ بالمَعرُوفِ حَقًّا عَلَى المُتَّقِينَ }(1)، فالمسلم العادي لا يمكن أن يموت بدون أن يترك وصيّة معيّنة، أو ينص على قضية معينة، فهل أن

رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم والدين الإسلامي، الذي كان يدخل في أدق التفاصيل وتشريعاتها، يترك أهم الأمور وأخطرها وأكبرها، وهي مسألة الإمامة والخلافة، يتركها للناس دون أن يبيّن ذلك؟

والاتجاه الذي قامت عليه العقيدة الإمامية، وقامت عليه حركة أهل البيت علیهم السلام ، هي الإيمان باثني عشر إماماً بعد النبي صلّی الله علیه وآله وسلم ، أولهم: علي، وآخرهم: المهدي علیه السلام، الذي ولد سنة 255 ثم غيبه الله سبحانه وتعالى غيبة صغرى، 69 سنة، مارس العمل من خلالها عبر النواب الأربعة، ثم

غيّبه الله تعالى غيبة كبرى من سنة 329 وإلى اليوم، وإلى أن يأذن الله تعالى بظهوره .

فالعقيدة الشيعية تماماً ظاهرة رسالية وليست ظاهرة سياسية، والسياسة جزء ولازم من لوازمها البسيطة، فالسياسة جزء بسيط من حركة النبوة، وحركة النبوة تأتي لتوفّر للمجتمع والبشرية الثقافة الصحيحة التي يمكنها أن تقدم البرنامج الصالح لبناء الفرد، فمهمة الرسالة تقديم الثقافة لتحقيق هذه الأمور، وفيما لو توفّرت شرائطها مجتمعة أو فيما لو أراد إنسان أن يربي نفسه تربية صالحة فيمكنه أن يلتفت أو يستفيد من ذلك البرنامج.


1) البقرة: 180.

وهكذا كل أمة لو أرادت أن تنشأ وتقيم حياتها على أساس برنامج صالح، فسوف تستفيد، فالأصل في الحقيقة بالنسبة لمعتقد الشيعة الإمامية باثني عشر إماماً معصوماً هو هذه الوجهة الرسالية، فالرسالة الخاتمة تمثلت بالقرآن الكريم وبسنّة الرسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم، وقد أعد النبي لها سلفاً لكي تشق طريقها إلى النهاية، فهناك رؤية واضحة من قبل النبيّ صلّی الله علیه وآله وسلم، ولمسار هذه

الرسالة كرسالة ومسار الأمة التي تحمل الرسالة.

فالقضية هنا أوسع من قضية من يخلف النبي سياسياً، القضية هي من يخلف النبي صلّی الله علیه وآله وسلم رسالياً ؟ صحيح أن النبوة ختمت بمحمّد صلّی الله علیه وآله وسلم، ولكن الشيعة تعتقد بأن هنالك موقع الإمامة الإلهية التي بدأ بمحمد صلّی الله علیه وآله وسلم، هو رسول ثم هو إمام يبيّن الرسالة من خلال قوله وفعله وتقريره، وهذه الإمامة استمرت عبر اثني عشر معصوماً، لتواصل مهمة رعاية الرسالة في المجتمع، وبيان ما لم يبين في زمن النبيّ صلّی الله علیه وآله وسلم؛ إذ أن فترة النبوة وحاجات المجتمع في زمن النبي لم تكن لتسوعب تفاصيل الرسالة التي لوحظ فيها أن تستوعب أعقد المشكلات في تاريخ الإنسان. فليس من المعقول أن النبي يبيّن كل ذلك للمجتمع ويُغرق المجتمع بتفاصيل ليس بحاجة إليها فعلاً، فالقضية هنا: هل هناك إعداد رسالي بهذا المستوى لزمن النبي صلّی الله علیه وآله وسلموبعده؟! فالشيعة يعتقدون بأن الجواب: نعم، وأن هناك إعداداً إلهياً، فضلاً عن أن يكون نبوياً.

والقرآن الكريم نهض لبيان هذه القضية؛ فإن الله تعالى أعد خلفاً الرسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم ليواصل المشروع الرسالي للنبوّة الخاتمة، عبر معصومين أمناء ليحفظوا تراثها، فبمراجعة آياته الكريمة يتضح وجود حفظة للرسالة، مسؤولين عنها من قبيل: قوله تعالى:{وَالَّذِي أَوحَيْنَا إِلَيكَ مِنَ الكِتَابِ هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ثُمَّ أَورَثَنَا الكِتَابَ} أي: الكتاب الذي أوحي إلى محمّدصلّی الله علیه وآله وسلم، {وَالَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِن عِبَادِنَا فَمِنهُم ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنهُم مُقتَصِدٌ وَمِنهُم سابق بالخيرات بإذن اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفَضلُ الكَبير }(1). فالآية صريحة في أن هناك ورثة للكتاب، طبعاً ليس من المعقول أن الكتاب هو برسمه، يعني: هذه الحروف، هي التي أورثها الله تعالى عباده الذين اصطفى بعد رسول الله ، وإنما المراد به هو علم الكتاب؛ لأن الكتاب الذي بين أيدينا يقول الله تعالى عنه:{فَإِذَا قَرَأَنَاهُ فَاتَّبِع قُرآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} (2)، فهناك بيان إلهي لهذا الكتاب، فالله تعالى أوحاه إلى رسول كريم، ويتمثل هذا البيان الإلهي في السنة النبوية، فالنبي صلّی الله علیه وآله وسلم معني بتبليغه للأُمة، كعنايته بتبليغ القرآن الكريم، وهذا البيان الإلهي هو موضوع الآية الكريمة: ث{ُمَّ أُورَثَنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِن عِبَادِنَا }(3).


1) فاطر: 31 - 32.

2) القيامة : 18 - 19.

3) فاطر: 32.

فهناك تراث إلهي، وهو القرآن الكريم، وبياناته التفصيلية من النبي صلّی الله علیه وآله وسلم وهذا هو الذي أورثه الله لعباده الذين اصطفى وليس من المعقول أن يفترض أو أن يُدعى أنّ كلّ المسلمين زمن النبي صلّی الله علیه وآله وسلمهم مصطفون وهم عباد الله الذين اصطفاهم؛ لأنّ الآية صريحة وواضحة - إن أخذت الفاء هنا للتفريع أو للتعليل - في أن الذي يطلب الحق كلا هذان الموقعان أو هذان الصنفان فليس يستحق أن يكون وارثاً لتراث النبوة بتمامه..

نعم الصنف الثالث وهم من أشار إليهم قوله تعالى:{وَمِنهُم سَابق بالخيرَاتِ بإذن الله} (1).

فئة معينة من الناس السابق والأوّل، والسابق كلمة عربية واضحة تُطلق على الأوّل في حلبة السباق من الخيل الأوّل، فالسابقون من أمة محمد صلّی الله علیه وآله وسلم هم الذين يكونون في المقدمة، هؤلاء اصطفاهم الله تعالى بإذنه، واقتضت حكمته تعالى أن يورثهم الكتاب والآيات كثيرة في هذا الصدد.

وتطبيقات هذه الفكرة التي أفاضت بها الآية الكريمة واضحة في سنة النبي صلّی الله علیه وآله وسلم ، إن النبي صلّی الله علیه وآله وسلم في الوقت الذي يهتم بكل مسلم، بالصغير والكبير، والشيخ والمرأة، فيبلغ القرآن لمن حضر من المسلمين، فيسمع المسلمون بآياته ويحفظونها، في الوقت نفسه يوكل بيانه ببعض خاص من المسلمين، فلم يكن المسلمون بأجمعهم مؤهلين لذلك أو تسع قدراتهم لأن يتعلموا بيان النبي صلّی الله علیه وآله وسلم بالمستوى نفسه، ومن هنا جائت الروايات بأن


1) فاطر: 32.

النبيّ صلّی الله علیه وآله وسلم كان يعتني عناية خاصة بالإمام على علیه السلام ؛ ليكون أول وارث للتراث الرسالي الذي أشارت إليه الآية الكريمة.

حقيقة تعيين النبي لخليفته تدعو للمسير في طريق الحق:

بعد أن اطلع «حسيب» على الحقائق، ومع ما كان يعتق-ده م-ن أفضلية علي وأهل بيته لم يأخذ موضوع استبصاره وقتاً، وقد كان يتحقق من صحة الروايات التي كانت ترد في المناقشة، وكان أربعة أشهر كافية لتحوّل حياته العقائدية من صوفي متجرد عن الحياة لا يرى في الدين غير الذكر والعبادة، إلى مؤمن بتكامل الدين الخاتمي سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وفق رؤية الأئمة الأطهار علیهم السلام .

يقول «حسيب» عبر التشيّع عرفت منزلة أهل البيت علیهم السلام، ودورهم ووظيفتهم في الدين، فاكتملت بذلك رؤيتي واستقامت فكرتي، وصح ولائي، ومن ثم انطلقت في رحلة إلى دعوة الناس إلى الحق، ألا وهو صراط آل محمد ، فكانت بلدي مقدونيا الأحق في ذلك، ووفقني الله إلى تشيّع حوالي 200 شخص، كانوا على مذهب التصوف الذي كنت أعتنقه (1).


1) للمستبصر ملف خاص في «مركز الأبحاث العقائدية» ذكر فيه نبذة من سيرته وكيفية استبصاره.

(2) بکار بن بكار محمّد علي

(سنّي - موريتانيا)

ولد عام 1379ه- (1960م) في مدينة «أبي تلميت» الموريتانية، ونشأ في أجواء غير منتمية لمذهب أهل البيت علیهم السلام، إلا أنه تأثر شيئاً فشيئاً بالمذهب الشيعي حتى تشرف باعتناقه رسميّاً عام 1427ه- (2006م) في نواكشوط بموريتانيا، ثم بدأ بنشر الفكر الشيعي من خلال التبليغ لإيصال فكر أهل البيت علیهم السلام للمجتمع الموريتاني(1).

الشيعة في موريتانيا:

يقول بكار بن بكار الجمهورية الإسلامية الموريتانية تقع في شمال غرب أفريقيا، تحدّها من الشمال الصحراء الغربية والمغرب والجزائر، ومن الشرق والجنوب الشرقي دولة مالي، ومن الجنوب السنغال، ومن الغرب المحيط الأطلسي.


1) المستبصر على تواصل مع مركز الأبحاث العقائدية، وله أنشطة عديدة في المجال الديني.

عدد السكان 3029000 نسمة تقريباً، 14٪ من السود الأفارقة، 47 من العرب، 39٪ من أصل بربري، والدين هو الاسلام 100٪.

احتلّت فرنسا البلد (من 1905 الی 1960م)، وكانت السلطة القائمة آنذاك إمارات لبني حسان (1)الذين فرضوا مذهب أهل البيت عليهم السلام في البلد منذ القرن الخامس عشر الميلادي، وبعد الاحتلال أعطت فرنسا المستعمرة القرار الديني إلى طبقة البربر، وهم أصلاً مالكيون.

وفي نفس الفترة دخلت الوهابية على الساحة، وأشعلت الخلاف والصراعات داخل تلك الطبقة، ولكنّهم اتفقوا على أمر واحد، هو: تكفير

طبقة بني حسان، والشرفاء من أبناء الإمام الحسن المجتبى الله والتيجانيين. أما الطبقة الأخرى فكانت تصفهم بأن دينهم كبياض الشوك، عندما تقشره يكون أسوداً.

وأما الحكومة حينها، فكانت تدافع عن العلماء الوهابيين - الذين يلبسون الثوب المالكي تارة - وتجعل المرجعية الدينية في أيديهم وهم

يفتون في أشياء تتجلّى فيها مخالفة السنة النبوية، ويبررون ذلك بأنها: محل خلاف بين العلماء.


1) بنو حسّان من قبائل الزينبيين نسباً، أي: أبناء علي الزينبي بن عبد الله بن جعفر الطيار، وأمه عقيلة بني هاشم السيدة زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين الإمام علي وفاطمة الزهراء علیهما السلام، وقد قدموا من الجزيرة العربية إلى مصر أبان الحكم الفاطمي ( 909 - 1171م).

وقد لا يزيد الذين أظهروا اليوم تشيّعهم في موريتانيا على الآلاف، لكنهم في تزايد مستمر (1)، فإنّ هذه الطبقة عانت منذ فترة الكثير من

الاضطهاد.

نحن لسنا أقلية، بل نحن الأكثرية المغلوبة على أمرها من تكالب قوى الكفر والضلال، ونحتاج إلى عون الله العلي القدير ومساعدة إخوتنا لإنشاء أماكن خاصة بالشيعة كالمساجد، وكذلك معاهد للتدريس مع التواصل الدائم والمحاضرات.

تصدّي المستبصرين لمهمّة الدعوة للتشيّع:

إنّ أوّل أمنية يتمناها المستبصر - ومنهم بكار - بعد اعتناقه لمذهب أهل البيت ع هي أن يبيّن للآخرين الحقائق التي توصل اليها، وأن يعرف أبناء مجتمعه الطريق الذي أخذ بيده إلى الهدى والرشاد، لأنه يودّ أن يجد الآخرون حلاوة الاستبصار التي شعر بها حين اعتناقه لمذهب أهل البيت علیهم السلام، ويعزّ عليه أن لا يقوم بإخراج أبناء مجتمعه من الظلمات إلى النور.

وتتوفّر هذه الفرصة للمستبصر بصورة طبيعيّة، لأن الناس انطلاقاً من حب الاستطلاع تتوجه إلى المستبصر وتنهال عليه لتستفسر منه أسباب تغييره للانتماء المذهبي.


1) نشرت مجلة أخبار الشيعة في عددها ال- 54 ، الصادر في ربيع الأول لعام 1431 ه- عن بكار بن بكار قوله: يعود تاريخ دخول الفكر الشيعي إلى موريتانيا إلى عام 1560 للميلاد، ويقطن حالياً ما يقارب خمسة وأربعين ألفاً من الشيعة في جميع المناطق في هذا البلد.

وفي الحالات التي قد يكتفي الناس باستهزاء صاحبهم بعد الاستبصار، يكون السبب هو أنهم يحسبون اعتناق صاحبهم للتشيّع نزعة عارضيه سرعان ما تزول، ولكن بعد مضي فترة، عندما يجد الناس أن التشيع عقيدة نالت اهتمام صاحبهم بشكل مكثف تتحوّل أسئلتهم من أسئلة سخرية إلى أسئلة جادة حول مبادئ وتعاليم مذهب التشيّع. وهنا تتوفّر للمستبصر الفرصة المناسبة لنشر مذهب أهل البيت علیهم السلام،

فيقوم بإيضاح جوانب كثيرة من التاريخ الإسلامي، وتبيين ما ثار في نفسه من تساؤلات وشكوك أزالت الغشاوة عن عينيه، ويوضح لهم الملابسات التاريخيّة ويشرح لهم الحقائق التي حاول الكثير إخفاءها من أجل نيل مصالحهم الشخصية.

ومن هذا المنطلق يتقدم المستبصر إلى المجتمع بكل قوة وشجاعة وبإصرار وحماس متلبساً بالروح الجهادية، حاملاً راية العمل التوجيهي من أجل استنقاذ أبناء مجتمعه من مهاوي الضلالة والانحراف، ومن أجل المساهمة في نشر الفكر الديني الرصين، وتزويد الناس بعناصر اليقظة والنهوض الفكري وتوجيههم إلى المبادئ القيمة والتراث الإسلامي الأصيل .

ويكرّس المستبصر في هذا المجال جهده للدفاع عن التشيّع والردّ على منتقديه، ويأخذ على عاتقه مهام الدعوة والتبليغ لنشر مذهب أهل البيت ويشمر عن ساعديه لخدمة هذا المذهب، ويجنّد قواه ويوظّف

كل طاقاته وقدراته لتوسيع آفاق رؤية أبناء مجتمعه وتصحيح أفكارهم المشوّهة حول هذا المذهب.

ويوطّن المستبصر في هذا المجال نفسه لإعلاء كلمة الحق، وينذر حياته للتبليغ وخدمة الدين لتكون حياته حافلة بالعطاء الصادق لخدمة مذهب أهل البيت علیهم السلام.

كما يحاول - خلال عمله التوجيهي - أن يكون أداة مؤثرة في تصحيح معتقدات من حوله وتقويم اعوجاجهم وإصلاح أحوالهم وتصحيح مسيرتهم، ويحاول أن تكون كلماته صادقة و واعية تحمل تفهماً وإدراكاً واضحاً لحقيقة التشيع، لتكون سبباً في استضاءة بصائر الناس وتنوير عقولهم بمعارف أهل البيت علیهم السلام.

وفي هذا الصعيد يكون الشباب المتعطّش إلى فهم الإسلام الأصيل وتطبيق تعاليمه المتعالية، الأرضيّة المناسبة والخصبة لتقبل الحقائق.

ولهذا يقول المستبصر التيجاني السماوي فعلى المستبصرين من الشيعة في كلّ مكان أن ينفقوا من أوقاتهم ومن أموالهم في سبيل التعريف بالحق لكلّ أبناء الأمة الإسلاميّة، فلم يكن أئمة أهل البيت حكرة على الشيعة وحدهم، إنّما هم أئمة الهدى ومصابيح الدجى لكل المسلمين(1).

ويقول المستبصر محمّد على المتوكّل: «كان الشباب والطلاب هم محور اهتمامنا ومجال دعوتنا، فكان أكثر المستبصرين فيما بعد شباباً.


1) الشيعة هم أهل السنّة : 35 .

لقد اتّخذنا من الجامعة منطلقاً لدعوتنا، فقمنا بإصدار الصحف الجدارية وإقامة الأسابيع الثقافية بما فيها من ندوات ومحاضرات وحوارات ومعارض كتاب، لم يكن خطابنا مستغرباً في الوسط الطلابي! إذ نخاطب العقول ونقدّم الحجج والبراهين بين يدي رؤانا ومعتقداتنا، والطلاب بعيدون عن التعصب والتبعية خاصة إزاء الطرح الموضوعي والحجج القويّة، باستثناء الوهّابيين فهم الفئة الوحيدة التي ناصبتنا العداء وسعت إلى عزلنا عن الطلاب عن طريق الوصم بالكفر والزندقة والانحراف الفقهي... لقد اتسمت دعوتنا بالموضوعية والهدوء واحترام الآخر، والبعد التفاصيل المستفزة للآخرين، وليس ذلك تكتيكاً بل استراتيجية نستمدها قيم التشيّع ومبادئه التي تدعوا إلى الجماعة ونبذ الفرقة...، أما مجتمعنا التقليدي فلم نزدد بالتشيع إلا قرباً منه وتفاعلاً معه، ولقد لاقت وتلاقي دعوتنا إلى أهل البيت قبولاً وتجاوباً يتناسب مع ثقافة الشعب السوداني وموروثاته الروحية والأخلاقية»(1).


1) ودخلنا التشيع سجداً: 69-70.

(3) سيد أحمد بن محمّدو

(سنّي - موريتانيا)

نشأ في دولة «موريتانيا» الواقعة في شمال غرب قارة أفريقيا، وعلى شاطئ المحيط الأطلسي، وتربّى في أحضان أسرة سنية المذهب، هاجر بعد ذلك إلى دولة ساحل العاج.

رحلة الاستبصار:

كان «سيد أحمد» كثير المطالعة في الأبحاث التي ترتبط بالمذاهب الإسلامية، كما كان يحب الاستماع إلى المحاضرات الإسلامية، فطرقت أسماعه ذات يوم محاضرة لأحد خطباء المنبر الحسيني، الأمر الذي جعل-ه يتأمل في كثير من موروثه السابق.

يقول «سيد أحمد»: كنت قد حضرت محاضرات أحد خطباء المنبر الحسيني في شهر رمضان لعام 1415ه- (1995م) ، ومنذ ذلك الوقت بدأت رحلتي الطويلة مع البحث والمطالعة والتأمل، فتصفحت الكثير من مصادر

المدرستين، وبعد أن أمضيت في هذا الطريق أشواطاً كبيرة كانت النتيجة الأولى هي أن من الله علي بأن شرح صدري لاعتناق مذهب أهل البيت علیهم السلام .

كتابة نتائج البحث:

يستمر «سيد أحمد» قائلاً: والنتيجة الثانية هي . أني أحسست بداخلي بأفكار تتعلق بالموضوع نفسه تلوح بشائرها، ومواضيع تتشكل في ذهني، وحين رأيت أن مساحتها بدأت تتسع شيئاً فشيئاً وأحسست بالحاجة إل-ى كتابتها وتدوين ما أسعف الله القريحة بكتابته، بدأت أكتب مواضيع في صميم مدرسة أهل البيت ، وقد وصلت إلى نتيجة طيبة حيث ألفت كتاباً في هذا المجال.

مؤلفاته:

ألف «سید أحمد» بعد استبصاره مجموعة بحوث في المجال الديني وجمعها في كتاب، وكان قد أدرج هذه البحوث تحت عدة مواضيع:

الموضوع الأول: وجوب التواصي بالحق:

وهو بحث جميل في إطار مضمون سورة العصر، ويعد مدخلاً للبحوث التالية.

الموضوع الثاني: الأسباب التي دعتني لاعتناق مذهب أهل البيت علیهم السلام : تحدّث المؤلف فيها عمّا يأخذ بأعناق الناس إلى أهل البيت علیهم السلام، من نصوص قرآنية وأحاديث صحيحة صريحة، وما يشد قلوب المؤمنين إليهم

من صفات ذاتية وخصال تفردوا بها على كل من سواهم من مكانة من الله ورسوله.

الموضوع الثالث: إنّ الله تعالى لا تراه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تراه العقول بحقائق الإيمان.

الموضوع الرابع مقامات أولياء الله بنص القرآن:

وهو بحث قاد المؤلّف إلى مقام خاص بأمير المؤمنين علیه السلام، وهو مقامه مع الله ورسوله في ولاية المؤمنين، كما قاده للحديث عن جملة آيات تتحدث عن أهل البيت عليهم السلام بخصوصية استثنائية، أولها آية المباهلة وتليها آية التطهير وآية المودة وآية الصلاة على النبي وأهل بيته عليهم السلام .

وقفة مع موضوع: «وجوب التواصي بالحق»

وهو من المواضيع التي درسها «المؤلّف» من خلال النظر والتأمل في مضمون سورة العصر المباركة، جاء فيه:

قال تعالى: {وَالعَصرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوا بالحَقِّ وَتَوَاصَوا بالصبر }(1)

إنّ الله تعالى في هذه السورة المباركة يقسم جل علاه على خسران الجنس البشري كله ولم يستثن منه تعالى سوى الذين آمنوا وعملوا الصالحات الخ، بالخسران ثبت عندنا من مفهوم الآية أن للذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق نجاحاً عند الله وربحاً وفلاحاً، ولهم بذلك كل مكاسب الخير من أسباب التفوق والحظوظ الوافرة والسعادة.


1) سورة العصر.

وهكذا في هذه السورة المباركة رسم الله لنا الطريق إلى النجاح، ومهد لنا الدرب لكل فلاح ، وحذرنا طريق الفشل وأنذرنا من السقوط إلى هوة الخسارة.

وإذا ما لاحظنا أن التواصي بالحق جاء مباشرة بعد الإيمان والعمل الصالح، وهو ما يعني قطعاً أنه من أول الواجبات وآكد الطاعات، وحين أوجبه الله على هذا المستوى وقارنه بهذه الواجبات وجعله باسم التواصي فإنما يعني ذلك أن الله تعالى لم يكل هذا العمل إلى جهة بعينها دون أختها من المؤمنين؛ لأن التواصي يعني التفاعل والتفاعل لابد له من الجهد الجماعي، والعمل المشترك مثله في ذلك مثل التعاون على البر والتقوى، قال تعالى:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى البرِّ وَالتَّقوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثم وَالعُدوَانِ }(1)، ولو جاءت الآية الكريمة بلفظ وصوا بدل قوله تعالى: تواصوا لكان هؤلاء طلقاء من ربقة الأخذ، وأحراراً من قيد التلقي والإنصات، وللزم أن يصموا آذانه عن غيرهم ويأخذوا زمام الوصاية على من سواهم يملون عليه رأيهم عليه رأيهم إملاء ويخضعونه له إخضاعاً.

ولكن الآية الكريمة حنّت على التواصي بالحق بين أهل الإيمان وتبادل النصح به ليكون خيره مدراراً عليهم، وباب الحوار والأخذ والعطاء بينهم مفتوحاً على مصراعيه على مر العصور والأجيال، لأن ذلك أدعى لإزالة الفوارق بينهم وأسرع في تبديد ما يتلبد دائماً من ضباب الخلاف بين أهل هذا الدين وأجدر أن تتوثّق بينهم عرى أخوة الإسلام إذا تواصلوا


1) المائدة : 2 .

بالحق انصياعاً لأمره تعالى وأخذا بمضمون الآية الكريمة، وقبل كل منهم نصح أخيه وتلقاه بالمرونة والقبول إحساناً منه بمسؤوليته تجاه أمر الله تعالى هذه السورة المباركة وشعوراً منه بواجبه تجاه أخيه المؤمن، فإذا اتصفوا بهذه الصفة فأثروا وتأثروا بها هنا يشعرون لا محالة بالذات الجمعية بينهم، والجسد الواحد لهم، فيكونوا مصداقاً لقوله صلی الله علیه وآله وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه شيء تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».(1)

لاسيما إذا ما عرفنا أن أكثر خلاف المسلمين وما يسود بينهم من جفاء الأول سياسي لا علاقة له بالوحي وتعاليم السماء، ولقد ظلت تقف وراء هذا الخلاف دول وحكومات بذلت في سبيله الغالي والنفيس، واستخدمت من أجله أقلاماً مأجورة وكتاباً عيونهم على جيوبهم، لا يهمهم سوى إقصاء الآخر وإلغائه خارج حظيرة الإسلام؛ ليسهل بذلك خداع البسطاء، ويمرّر من خلالهم مشروع الدولة القاضي بأنها هي التي تقدم الإسلام النبوي الصحيح، وأن كتابها أولئك هم الهداة المهديون وأهل التوحيد الذي لا تشوبه شائبة، وأن كل من سواهم مشرك ضال يجب هجره لا الهجر الجميل - وحتى قتاله إن اقتضى الأمر ذلك.

ويعد هذا الموقف من هؤلاء السبب الأول في اتساع الفجوة بين المسلمين، وترسيخ ثقافة الخلاف القائم قديماً وحديثاً، ولا يخفى أنّ كلّ ذلك أوهام افتعلتها عقلية سياسية لا تزال تنخر جسد الأمة وتمزق صفوف المسلمين وتقطع أوصالهم، ولا تخدم سوى المتاجرين بالفرقة من أرباب


1) مسند أحمد 4 :270 .

السياسة والمصلحة الآنية الضيقة الذين يرون أنّ إقصاء الآخر ونبذه يزيد من رصيدهم المعنوي ويوسع من ساحة نفوذهم.

ولو تمسّكنا بما أمرنا الله تعالى به من توحيد الكلمة ونبذ الفرقة الذي توزع تكراراً في ثنايا آيات الذكر الحكيم، وكان مطلباً قرآنياً رئيسياً وغاية سامية في هذا الدين مثل قوله تعالى:{وَاعتَصِمُوا بِحَبْل اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا }(1)لما فت في عضدنا كيد السياسيين ولا أوهن من قوانا إعلام المضللين المغرضين.

إن الاهتداء بهدي هذه السورة المباركة والاقتباس من نورها المعطاء والأخذ بأمرها بأوثق العرى والأسباب، هم البلسم الشافي والجرعة المناسبة للقضاء على هذا الداء المميت الذي تعاني منه الأمة اليوم، فما أحوجنا إلى أن يستمع بعضنا لبعض، ويقرأ بعضنا عن بعض بروح مرنة ونفس مطمئنة تأنس بأخيها المؤمن ولا تنفر منه، فقد قال صلی الله علیه وآله وسلم: «المؤمن مؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف» (2).

ويعد هذا الحديث من جوامع كلمه صلّی الله علیه وآله وسلم، فقد أطلق هذه القاعدة عنواناً للمؤمن، وجعلها سمة فيه ودليلاً على كمال إيمانه وعلو مرتبته، ولم ينف صلّی الله علیه وآله وسلم الإيمان عن كلّ من اتصف بغيرها، بل اقتصر على قوله صلّی الله علیه وآله وسلم: «ولا خير في من لا يألف ولا يؤلف»، وهنا يستفاد من هذه العبارة عدم كمال الإيمان ضمنياً وهبوط مستوى المرتبة عن من كمل إيمانه وحسنت أخلاقه من المؤمنين واتصف بهذه الصفة فكان ألوفاً مألوفاً.


1) آل عمران 103

2) مسند أحمد 2: 40

إن غياب التواصي بالحق وعدم التفاعل العلمي في سوح المعارف العلمية والميادين الدينية بكل أبعادها الفقهية والفكرية واستقراء فصول التاريخ بعين باصرة وبصيرة مستنيرة مع باقي المدارس الإسلامية، كل ذلك ينافي مضمون هذه السورة المباركة ولن نصل إلى نتيجة ما دمنا محصورين في هذه الدائرة الضيقة.

وهناك مسألة هامة يجب الالتفات إليها وهي: أنه جاء في مصادر الحديث عن الرسول صلّی الله علیه وآله وسلم: «نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه» (1)وهذا يعني ، ضمنياً أننا يجب علينا أن نرهف السمع للآخر مهما كان، مادامت قبة الإيمان تجمعنا وإياه عساه يأتينا بما يفيدنا في سبيل الإفضاء إلى الحقيقة والنهوض الفكري ورفع المستوى العلمي، وهذا الحديث بدوره ناظر إلى السورة المباركة ويدفع باتجاهها، فإذا ما قبل العالم - مهما كان مستواه العلمي - فرضية أن يأخذ العلم ممن هو دونه طاعة الله تعالى ورسوله صلّی الله علیه وآله وسلم، فهذا عين التواصي بالحق وذات الغرض الذي هدفت إليه السورة المباركة.

إنّ الحل إذن يكمن في أن يكون مضمون هذه السورة المباركة ومحتواها فاعلاً في سلوكنا وحاضراً في ثقافتنا الدينية وتعاطينا مع ذاتنا لتتجسد بيننا روح التكامل ويشعر كل منا بافتقاره لأخيه المؤمن فيكون له عامل بناء وقوة لا عامل هدم وإضعاف، وهذا كفيل بأن يخرج الخطاب الإسلامي العام في كثير من البلاد العربية والإسلامية عن تلك الزاوية الحادة التي زج به فيها حصر مشيخة الإسلام في رجل وجعل إدارة الدين وأهله


1) سنن أبي داود 2: 179.

بإصبغ من أصابعه وجميع مفاهيمه من إملائه وصوغ فكره، وكل من خالفه فی أمر من أمور الدين فهو إما مشرك ضال يصدق عليه كل ما ورد في أبي جهل وأبي لهب وعقبة والوليد وإما أن يكون مبتدعاً ضالاً، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

إن كل هذه المفاهيم والعقليات الخاطئة هي السبب المباشر في تأجيج مشاعر الحقد وإشعال فتيل العداء السافر من هؤلاء تجاه كل من خالفهم الرأي من أهل الإسلام، وهو الذي خلق عندهم تلك العقلية العدائية التي تستهين بدماء المسلمين وأرواحهم إلى حد الاستهتار وهي حد الاستهتار وهي أبعد ما تكون عن روح الإسلام ورسالة القرآن .

إن هذا الخطاب القاسي عند هؤلاء تجاه أهل الإسلام لا يمت إلى روح الإسلام ولا إلى رسالة القرآن بأي صلة؛ لأن رسالة الإسلام بشارة لأهل هذا الدين وهي إنذار لغيرهم، قال تعالى:{فَإِنَّمَا يَسَّرنَاهُ بِلِسَانك لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدّا}(1)

وإذا ما نظرنا إلى نهج القرآن الكريم في شطريه المكي والمدني والطريقة التي خاطب بها المؤمنين من جهة والمشركين من جهة أخرى ترسخت لدينا هذه القاعدة، واتضح لنا الفرق الكبير والبون الشاسع بين الخطابين، فالقرآن الكريم كلما خاطب أهل الإسلام ناداهم بما ارتسم في عقولهم من إيمان ونوه بما حوته قلوبهم من معرفة بالله وتوجه إليه فيناديهم:


1) مریم:97

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}، وقد يستخدم العبارات اللطيفة التي تبعث على الطمأنينة وتوحي بمشاعر الود والتعامل بالحسنى وذلك مثل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَل أَدُلُّكُم عَلَى تِجَارَةٍ تُنجيكُم مِن عَذَابٍ أليم}(1)، فذكر التجارة والإغراء بالصفقات المربحة من ذي العزة

والجبروت أبرز مصداق على أن رسالة الإسلام بشارة للذين آمنوا وأن الله تعالى يريد أن يخاطب المؤمنين في جو لطيف ليهدأ روعهم ويطمئنوا بإيمانهم يربهم ويتوكلوا عليه وكفى به وكيلا.

وفي المقابل كان القرآن الكريم إذا خاطب أهل الشرك وأرباب الكفر :ناداهم يَا أَيُّهَا النَّاسُ نافيا عنهم صفة الإيمان، وخاطبهم بكلام عنيف

مزلزل يقطع القلوب ويهز أعماق النفوس تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال، وذلك مثل قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُم إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَومَ تَرَونَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرضِعَةٍ عَمَّا أَرضَعَت وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَملِ حَمَلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا

هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ}(2)، فبدأ الخطاب بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} الذي هو شعار الخطاب لغير الذين آمنوا، وأوعدهم بعظيم من القول، وهائل من الأمر.


1) الصف: 10.

2) الحج: 2.

ومثل ذلك قوله تعالى وهو يعني الوليد بن المغيرة كما قيل: {ذرن وَمَن خَلَقتُ وَحِيدًا * وَجَعَلَتْ لَهُ مَالاً مَمدُودًا * وَبَنينَ شُهُودًا* وَمَهَدتُّ لَهُ تَمهيدا» ثُمَّ يَطْمَعُ أن أزيدَ كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنيدا سَارِهِقُهُ صَعُودًا إلى قوله تعالى: {سَأُصلِيهِ سَفَرَ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ *لا تُبقِي وَلا تَذَرُ * لَوَاحَةٌ لِلبَشَر * عَلَيْهَا نِسعَةَ عَشَرَ * وَمَا جَعَلَنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلَنَا عِدَّتَهُم إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَستَيقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ}(1)، ولم ينسى القرآن الكريم في هذه السورة المباركة أن يذكر أهل الإيمان بما يليق بهم حيث قال: {وَيَزدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلا يَرتَابَ الَّذِينَ أوتُوا الكِتَابَ وَالمُؤْمِنُونَ} (2)، وهكذا شتان بين هذا الخطاب الرباني والوحي القرآني لأهل هذا الدين وبين خطاب أولئك التكفيريين الذين رضوا عن أنفسهم رضا مطلقاً إلى حد الغرور، وسخطوا على غيرهم سخطاً مطلقاً إلى حد العداء السافر، والتكفير الذي لا يستند إلى دليل، والنعت بالشرك والضلال وجميع سيي ء النعوت والأقوال الذي لا يليق بالمؤمنين، وقديما قال الشاعر:

وعين الرضى عن كل عيب كليلة***ولكن عين السخط تبدي المساويا(3)


1) المدثر : 11 - 31.

2) المدثر: 17.

3) مقالة للمستبصر أرسلها لمركز الأبحاث العقائدية بتصرف يسير) وله تواصل مع المركز من خلال موقعه على الإنترنيت www.aqaed.com.

(4) أحمد علي نور الدين

(سنّي - موريشيوس)

ولد عام 1386ه- (1967م) في مدينة «بور لويس» عاصمة جمهورية «موريشيوس» إحدى الجزر الصغيرة بوسط المحيط الهندي، ونشأ في أسرة سنية المذهب.

واصل «أحمد» دراسته الأكاديمية حتى نال شهادة الماجستير في الالكترونيك.

المجالس الحسينية تُعرفه على أهل البيت علیهم السلام :

بدأت قصة استبصاره منذ نعومة أظفاره حيث كان يحضر بعض راسيم شيعة أهل البيت علیهم السلام فيسمع ما يدينون الله به تعالى، ويتعرف على أهل البيت علیهم السلام و مجريات حياتهم، ومظلوميتهم بعد رسول الله علیهم السلام.

يقول «أحمد»: «منذ صغر سنّي كنا محاطين بعدد كبير من الشيعة الخوجة القادمين من «مدغشقر»، فكنت أشترك معهم في مآتم الإمام الحسين علیه السلام الثلاة في شهر محرم الحرام عادة، كما كان يحضر هذه المجالس

عدد كبير من الموريشيوسيين ويؤدون الشعائر الحسينية مع كونهم من أهل السنّة، وذلك لأنهم كانوا من المتصوفة.

كما جذبتني أخلاق الشيعة، فكنت أحضر مجالسهم وأقرأ الكثير من كتبهم، فوجدت في كل ذلك نور أهل البيت علیهم السلام .

خفاء قبر الزهراء مظلومية مستمرة:

من الأمور التي يذكرها علماء الشيعة على المنابر وفي كتبهم والتي تدلّ على مظلوميّة أهل البيت علیهم السلام: خفاء قبر سيّدة نساء العالمين الزهراء البتول علیهما السلام، فهي وصيّة منها تجاه الذين ظلموها وغصبوا حقها وباعوا آخرتهم بدنياهم، ولتعبّر من خلال ذلك عن مرارة الأحداث التي تجرعتها ممّن ظلمها.

والعجب العجاب أنّ الزمرة الوهّابيّة في الزمن الحاضر، ومع ما يقولوه من أن القبور الموجودة في البقيع حالياً لم يُعلم من هم أصحابها بالتحديد - كما هو واضح لمن يزور البقيع ، ولكنهم مع ذلك يسعون لمحو مظلومية الزهراء علیهما السلام هذه بادعائهم أن قبرها معلوم، ويستندون في ذلك إلى قول الإمام الحسن علیه السلام في آخر أيامه حيث قال: .. «ادفنوني إلى جنب أمي فاطمة في البقيع (1)، والصحيح أن هذا هو قبر فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين الله كما قال السمهودي في وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى عن عبد العزيز (2)


1) تاریخ مدينة دمشق 13: 289 .

2) قال في وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى 3: 95، عن محل قبر العباس بن عبد المطلب: قال ابن شبة فيما نقله عن أبي غسان قال عبد العزيز دفن العباس بن عبد المطلب عند قبر فاطمة بن أسد بن هاشم في أول مقابر بني هاشم .

وقد ذكرت كتب السيرة أن فاطمة الزهراء علیها السلام أوصت في ساعاتها الأخيرة أن يخفى قبرها، وأن يدفنها أمير المؤمنين علیه السلام ليلاً، ولا يخبر بذلك أحداً ممن ظلمها وآذاها.

فقد روي عن الإمام الحسين علیه السلام أنّه قال: «لمّا مرضت فاطمة بنت النبي صلّی الله علیه وآله وسلم وصّت إلى علي علیه السلام أن يكتم أمرها، ويخفي خبرها، ولا يؤذن أحداً بمرضها، ففعل ذلك، وكان يمرّضها بنفسه، وتعينه على ذلك أسماء بنت عميس على استسرار بذلك كما وصت به.

فلمّا حضرتها الوفاة وصت أمير المؤمنين علیه السلام أن يتولى أمرها، ويدفنها ليلا، ويعفي قبرها(1)، فتولّى ذلك أمير المؤمنين علیه السلام ودفنها، وعفى موضع قبرها» (2)

ومن علماء أهل السنّة: قال ابن شبة النميري (المتوفى 262ه-) في كتابه تاريخ المدينة: «وأخبرني مخبر ثقه، قال: يقال: إن المسجد الذي يصلّى جنبه شرقياً على جنائز الصبيان كان خيمة لامرأة سوداء يقال لها رقية، كان جعلها هناك حسين بن علي تبصر قبر فاطمة، وكان لا يعرف قبر فاطمة رضي الله عنها غيرها»(3).

ويتضح بذلك أن قبرها علیهما السلام كان مخفيّاً عن الأنظار في زمن الحسنين علیهما السلام كما ذكره، ولم يعلم بمحل قبرها إلاّ امرأة.


1) العفو هو المحو والانمحاء.

2) الأمالي للشيخ المفيد: 281.

3) تاريخ المدينة لابن شبة 1: 106.

كما قال النووي (المتوفى 676ه-) شارح صحيح مسلم في كتابه تهذيب الأسماء واللغات وأوصت أن تدفن ليلاً، ففعل ذلك، ولذلك كان موضع قبرها مكتوماً مجهولاً لم يعرف بالبت واليقين، فقال قوم: إنّها دفنت في بيتها، وقيل: إنّها دفنت بالبقيع، وقيل: دفنت في المسجد»(1). ومن قول النووي هذا يتضح أن قبر الزهراء ع كان مخفياً حينها، وأنها هي التي أوصت بأن تدفن ليلاً ليعفى قبرها.

هذا؛ وقد ذكر جمع من علماء العامة أن موضع قبرها مجهول، واحتملوا في ذلك احتمالات عدة تؤكد على أنه لم يكن معلوم-اً لديهم بالقطع واليقين.

قال السمهودي في خلاصة الوفاء عن المحب الطبري في ذخائر العقبى: «إن الشيخ أبا العباس المرسي كان إذا زار البقيع أمام قبلة قبة

العباس، وسلّم على فاطمة، وذكر أنه كشف له عن قبرها هناك»(2).

وقيل: دفنت في بيتها، فقيل بمؤخره شامي باب النساء، وقيل: بمقدمه مكان المحراب الخشب خلف الحجرة داخل مقصورتها.

وحكى ابن جماعة في قبرها قولين :آخرين: أحدهما: أنه الصندوق الذي أمام مصلّى الإمام بالروضة، ثانيهما: أنه بالمسجد المنسوب إليها بالبقيع، وهو المعروف ببيت الحزن(3).


1) تهذيب الأسماء واللغات 2 :353(طبعة مصر)، ومن المؤسف أن الأيدي الآثمة قامت بحذف هذه العبارة من الطبعات التالية للكتاتب

2) راجع وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى 3: 94.

3) راجع: وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى 3: 93.

ويظهر من كلام السمهودي أنّ البقيع لم يحتو على المشاهد التي دفن فيها أهل البيت عليه والصحابة والتابعون فحسب، بل كان فيه مسجد ينسب إلى الزهراء في زمنه، وقد قام الوهابيون بهدمه بعد ذلك! والسؤال الموجّه إليهم أنه: هل يجوز هدم هكذا مساجد في الإسلام؟!

خصال أهل البيت علیهم السلام ومظلوميتهم تقوده ومظلوميتهم تقوده لاتباعهم:

بعد تعرفه على أهل البيت علیهم السلام وما لهم من الفضائل والسمات الحسنة، والتعرّف على التاريخ الإسلامي المحفوف بالظلم الذي لحق بأهل هذا البيت من قبل فئة خاصة ممن يدعون اتباع خاتم النبيين صلّی الله علیه وآله وسلم توصل «أحمد» إلى ضرورة اتباع أهل البيت علیهم السلام بعد النبي الأكرم صلّی الله علیه وآله وسلم، فهم من يمثل الإسلام الصحيح الذي يأبى الخضوع أمام الظلمة والفئات الفاسدة، فأعلن عن استبصاره وتشيّعه، وكان ذلك عام 1414ه- (1994م) في العاصمة الفرنسية باريس.

يعبّر «أحمد» عن الحب الذي يكنّه لسيد الشهداء الشالية نظراً لما يحمله من السجايا الحسنة، ويقول: تعد شخصيّة الإمام الحسين الله أهم أدلة الاستبصار عندي، فإنّي أحبّ هذه الشخصيّة العظيمة بشدة، فهو الذي ل-م يخضع أمام الظلمة، وكان يدافع عن الحق مهما كان الثمن، فكان لي الأسوة والقدوة(1).


1) المستبصر على تواصل مركز الأبحاث العقائدية، وله ملف خاص في المركز .

(5) إسماعيل صالح

(شافعي - موزمبيق)

ولد عام 1392ه- (1973م) في جزيرة «موزمبيق»، ونشأ في أسرة شافعية المذهب، فاتبع هذا المذهب تبعاً لأسرته

واصل «إسماعيل» دراسته الأكاديمية حتى نال شهادة تعادل الديبلوم، كما كانت له دروس دينية مرتبطة بالمذهب الشافعي

آراء متكاملة في المنظومة الدينية:

بدأت قصة استبصار «إسماعيل» منذ أيام شبابه حيث سمع ذات مرة عن طريق المحاورات التي تجري بين أصدقائه أموراً وقضايا إسلامية نالت إعجابه؛ حيث وجدها آراء متكاملة ورائعة، فاستفسر عن القائلين بها، فقالوا: إنّها فئة تسمّى بالشيعة تسكن العاصمة «مابوتو»، فأحب أن يتعرف على معتقداتهم.

ومن ذلك الحين عزم الجد وشد الرحال وتوجّه نحو العاصمة لطلب المزيد من هذه الرؤى الإسلامية التي أثلجت صدره وروت ضميره

المتعطّش للحقائق الدينية، فتعرّف هناك على مدرسة أهل البيت علیهم السلام، فسجّل اسمه فيها، وبدأ بتلقى العلوم الإسلامية وفق مذهب شيعة أهل البيت علیهم السلام.

التقية عند الشيعة:

من المفاهيم والقضايا التي يقول بها شيعة أهل البيت تبعاً لهم علیهم السلام :مفهوم التقية، وقد وقع أتباع أهل البيت الله علیهم السلام مورد الاتهام والاستهانة من قبل العديد من أتباع الفرق الإسلامية لاعتقادهم هذا، وقد تناسي المتعرّضون أنّ الآيات القرآنية والروايات الشريفة قد دلّت على هذا المفهوم، كما قال به العديد من علماء العامة وفقهاءهم.

وقد يكون سبب تعرض بعض غير المتفقهين على الشيعة في ذلك عدم در كهم لمفهوم التقية ومعناها!!

يقول الشيخ السبحاني عن مفهوم التقية:

التقية من المفاهيم القرآنية التي وردت في أكثر من موضع في القرآن الكريم، والغاية منها هي صيانة النفس والعرض والمال، وذلك في البيئات التي صودرت فيها الحريات في القول والعمل، والرأي والعقيدة، فلا ينجو المخالف إلا بالصمت والسكوت مرغماً أو بالتظاهر

بما يوافق هوى السلطة وأفكارها.

إنّ التقية سلاح الضعيف وكهف الخائف أمام القوي الغاشم، سلاح من يبتلي بمن لا يحترم دمه وعرضه وماله، لا لشيء إلا لأنه لا يتفق معه في بعض الأفكار والمبادىء.

وهذا شيء يستسيغه العقل كما ورد في الشرع، قال سبحانه: {مَن كَفَرَ باللَّهِ مِن بَعدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَن أكرهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بالإيمان}(1). وقال سبحانه:{وَلَا يَتَّخِذِ المُؤمِنُونَ الكَافِرِينَ أَولِيَاءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَل ذَلِكَ فَلَيسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنهُم تُقَاةٌ}(2)

ولا تختص بتقية المسلم من المشرك والكافر، بل تعم تقية المسلم من المسلم الجائر أيضاً.

قال الرازي: إن مذهب الشافعي: إنّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والكافرين حلّت التقية محاماة عن النفس، وقال: التقية جائزة لصون النفس، وهل هي جائزة لصون المال؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقوله : «حرمة مال المسلم كحرمة دمه»، وقوله صلّی الله علیه وآله وسلم: «من قتل دون ماله فهو شهيد»(3).

وقال جمال الدين القاسمي عن الإمام مرتضى اليماني في كتابه «إيثار الحق على الخلق» ما نصفه :وزاد الحق غموضاً وخفاء أمران: خ-وف العارفين - مع قلّتهم - من علماء السوء وسلاطين الجور وشياطين الخلق مع


1) النحل: 106

2) آل عمران: 28

3) تفسير الرازي 8 14.

جواز التقية عند ذلك بنص القرآن، وإجماع أهل الإسلام، وما زال الخوف مانعاً من إظهار الحق، وما برح المحق عدواً لأكثر الخلق، وقد صح عن أبي هريرة أنه قال في ذلك العصر الأول: حفظت من رسول صلّی الله علیه وآله وسلم وعاءين، أما أحدهما فبثته في الناس، وأما الآخر فلو بثته لقطع هذا البلعوم (1).

وليعلم أن التقية إنما تتصوّر في القضايا الشخصية، أي تقية شخص من شخص آخر في بيئته، وأما التقية العامة بأن تصور العقائد أو الأحكام في الكتب الفقهية بشكل يوافق عقائد الموافق وفقهه فهذا ليس بصحيح.

فالشيعة لم تتق ولن تتق في محاضراتها وكتبها ومنشوراتها قدر شعرة، فمن يتهم الشيعة بالتقية في كتمان عقائدها وتحرير فقهها، فقد خبط خبطة عشواء لما عرفت من أن التقية ترجع إلى القضايا الشخصية، وأين هم من الباطنية الذين يخفون كتبهم حتى عن معتنقيهم ، والشيعة الإمامية لم تزل مجهرة بعقائدها بشتى الطرق وأساليبها.

أضف إلى ذلك أن الشيعة قامت لهم دول مختلفة في فترات كثيرة من التاريخ منذ ألف، فلماذا تتقي في تحرير عقائدها ونشر أفكارها

وبث فقهها ؟!(2)

اعتناق المذهب الشيعي:

بعد أن اكتملت صورة المذهب الشيعي في ذهنه، وبعد قراءة مؤلّفات الدكتور التيجاني السماوي قرّر «إسماعيل» الالتحاق بركب أتباع أهل


1) تفسير القاسمي المعروف ب- «محاسن التأويل»: 2: 306.

2) رسائل ومقالات للشيخ جعفر السبحاني: 35 - 36.

البيت علیهم السلام ، فأعلن عن استبصاره واعتناق المذهب الشيعي، وكان ذلك عام 1414ه- ( 1994م) في العاصمة الموزمبيقية

«موباتو».

ولتنمية رصيده الديني سافر بعد الاستبصار للالتحاق بإحدى الحوزات العلمية في مدينة قم المقدّسة مهد العلم والمعرفة(1).


1) زار المستبصر مركز الأبحاث العقائدية وملأ الاستمارة الخاصّة بالمستبصرين هناك، كما سجّل محاضرة ذكر فيها كيفية الاستبصار.

(6) ترسيسيو بون علي(حسين)

(شافعي - موزمبيق)

ولد عام 1393ه- (1973م) في مدينة «نامولا» في موزمبيق، وترعرع تحت أحضان أسرة تنتمي للمذهب الشافعي إلى أن بدأ بالدراسة الأكاديمية فواصلها حتى نال الشهادة الثانوية، وكانت معلوماته الدينية في المذهب الشافعي تقتصر على ما درسه أيام الثانوية؛ من دروس دينية ضمن المنهج العام للدراسة فيها، مضافاً إلى ما تعلمه من علوم القرآن الكريم واللغة العربية؛ إذ جعلته يعمل معلماً للقرآن ومدرّساً لمبادىء اللغة العربية.

قصة الاستبصار:

كان «ترسيسيو» محباً لمعرفة الحقيقة، وهذا الحب دفعه للبحث والتفحّص عن أدلّة العقائد التي يحملها، وكان سفره إلى الكثير من البلدان محفّزاً لحبّ التطلع والمعرفة، وعلّة له في آن واحد.

وكانت الأدلة التي ارتكزت في نفسه عن مذهبه من العائلة والأجواء التي يعيش فيها، لم تمنحه القناعة الكافية، وكان كثير النقاش مع نفسه والآخرين من علماء وغيرهم بشأن صحة هذه الأدلّة.

وفي فترة المراهقة الفكرية؛ التي تزامنت مع فترة المراهقة بين الطفولة والشباب، حصل على بعض كتب عقائد الشيعة الإمامية، فشدته تلك الكتب كثيراً، وتعرّف من خلالها على أشياء لم يكن يعرفها من قبل، ثم واصل مطالعة كتب أخرى.

وهكذا بدأ «ترسيسيو» ببحث مصادر الفريقين بموضوعية في شتى المواضيع؛ ليقف على الحقيقة المنشودة في الكتاب الكريم والسنّة النبويّة.

وجوب الخمس في أرباح المكاسب:

من المواضيع المختلف فيها بين الشيعة وأتباع الخلفاء هو: إخراج الخمس من أرباح المكاسب، وكلّ ما حصلوا عليه من أموال طيلة سنتهم، بعد الاتفاق بينهم على وجوب الخمس في غنائم الحرب، لصحيح الآية الكريمة: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنمتُم مِن شَيء فَأَتَ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُربَى وَالْيَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابن السبيل إِن كُنتُم آمَنتُم بالله... }(1)

ولصريح قول رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم : «أمركم بأربع ... وأن تؤدوا الله خمس ما غنمتم».(2)


1) الأنفال (8): 41.

2) صحيح البخاري 1: 133.

فالشيعة - امتثالاً لأمر رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم- يخرجون خمس أرباح مكاسبهم وما حصلوا عليه من أموال طيلة سنتهم، ويفسّرون معنى الغنيمة بكل ما يكسبه الإنسان من أرباح بصفة عامّة.

أمّا أهل السنّة فقد أجمعوا على تخصيص الخمس بغنائم الحرب فقط، وفسروا قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنمتُم مِن شَيء...}، أي: ما حصلتم

عليه في الحرب.

وما ذهب إليه أهل السنّة من تخصيص الخمس بغنائم الحرب غير صحيح، وذلك لأدلة:

أولاً: أخرجوا في صحاحهم فرض الخمس في غیر غنائم الحرب، ونقضوا بذلك تأويلهم ومذهبهم.

فقد جاء في صحيح البخاري أن في الركاز الخمس، فرووا عن رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم أنه قال: «في المعدن جبار، وفي الركاز الخمس»(1).

والركاز: هو الكنز الذي يستخرج من باطن الأرض وهو ملك لمن استخرجه، ويجب فيه الخمس؛ لأنه غنيمة.

كما أن الذي يستخرج العنبر واللؤلؤ من البحر يجب عليه إخراج الخمس؛ لأنه غنيمة.

وبما أخرجه البخاري في صحيحه يتبين لنا أن الخمس لا يختص بغنائم الحرب.


1) صحيح البخاري 2: 137

ثانياً: خلاف المعنى اللغوي للغنيمة، فقد جاء في المنجد أن (الغنيمة ما يؤخذ من المحاربين عنوة، المكسب عموماً)، وعلى هذا فكلّ مكسب فهو غنيمة، وعليه فالغنيمة تشمل أرباح المكاسب.

ثمّ لا يخفى أن الشيعة اعتمدت في وجوب الخمس على الآيات والروايات الواردة عن أهل البيت الله الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، والذين هم عدل الكتاب، لا يضل من تمسك بهم ويأمن من يلجأ إليهم؛ ونذكر هنا بعضها نموذجاً:

الرواية الاولى: رواية حكيم - مؤذن بني عيسى - عن أبي عبد الله علیه السلام قال: قلت له:{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِن شَيءٍ فَأَن لِلَّهِ خُمُسَهُ وَالرَّسُول ...} قال علیه السلام : «هي والله الإفادة يوما بيوم» (1)

الرواية الثانية موثقة سماعة، يقول: سألت أبا الحسن علیه السلام عن الخمس، فقال: «في كل ما أفاد الناس من قليل أو كثير»(2).

الرواية الثالثة: رواية محمّد بن الحسن الأشعري، قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني الثلاة : أخبرني عن الخمس، أعلى جميع ما يستفيد الرجل من قليل وكثير من جميع الضروب وعلى الصناع؟ وكيف ذلك؟ فكتب بخطه: «الخمس بعد المؤنة»(3).


1) الكافي 1: 544.

2) الكافي 1: 545.

3) الكافي 1: 547.

الرواية الرابعة صحيحة علي بن مهزيار، قال: قال لي أبو علي بن راشد، قلت له الله : أمرتني بالقيام بأمرك وأخذ حقك، فأعلمت مواليك ذلك، فقال لي بعضهم وأي شيء حقّه؟ فلم أدر ما أجيبه به، فقال علیه السلام:

«يجب عليهم الخمس».

فقلت: في أي شيء؟

فقال: «في أمتعتهم وضياعهم، والتاجر عليه ، والصانع بيده، وذلك إذا أمكنهم بعد مؤنتهم»(1)

الرواية الخامسة: ما رواه الشيخ بإسناده عن محمد بن علي بن محبوب، عن محمد بن الحسين، عن عبد الله بن القاسم الحضرمي، عن عبد الله بن سنان، قال: قال أبو عبد الله علیه السلام : على كل امرئ غنم أو اكتسب الخمس ممّا أصاب لفاطمة علیها السلام ولمن يلي أمرها من بعدها من ذريتها الحجج على الناس، فذلك لهم خاصة يضعونه حيث شاءوا، وحرم عليهم الصدقة، حتى الخياط ليخيط قميصاً بخمسة دوانيق فلنا منه دانق، إلّا من أحللناه من شيعتنا لتطيب لهم به الولادة، إنه ليس من شيء عند الله يوم القيامة أعظم من الزنا،

إنّه ليقوم صاحب الخمس فيقول: يا رب سل هؤلاء بما أبيحوا» (2).

الاقتناع برؤى أتباع المذهب الشيعي:

استمر «ترسيسيو» بالبحث حتى أحس بارتواء عطشه للحقيقة وظمأه للحقّ، ووجد ضالته التي كان يبحث عنها فترة مديدة من الزمن.


1) الاستبصار 2: 55

2) الاستبصار 2 :55

وكان من حسن الحظ أن التقى بأحد العلماء من الشيعة في مدينته؛ حيث كان يبلغ للتشيع فتأثر به كثيراً؛ لأنه كان عالماً فاضلاً ذي أخلاق رفيعة، ووجده مصداقاً للقيم التي يؤمن بها، والتي للقيم التي يؤمن بها، والتي هي مثل الإسلام الحق، وهنا وجد نفسه منساقة باتجاه مذهب أهل البيت علیهم السلام، وذائبة في معارف مذهب الحق من دون اختيار.

ولمّا استبصر احس باطمئنان وراحة نفسية لا توصف، وطلب من هذا العالم أن يدرّسه ويفيض عليه من علمه، فقبل ذلك عن طيب خاطر، فصار يتردّد عليه لمدة سنتين، حتى تعرّف فيها على التشيع بعمق، ودرس عنده تاريخ الأئمة علیهم السلام ونهج البلاغة.

ولم يكتف «ترسيسيو» بذلك، بل دفعه التعطش للعلم أن يواصل الدراسة الإسلامية، فهاجر إلى مدينة قم المقدسة، حيث إحدى الحوزات العلمية الكبيرة والمرموقة، وأصبح بفضل الله من المبلّغين والدعاة الإسلاميين في بلده، وقد استبصر على يده معظم إفراد أسرته، وبعض أصدقائه (1).


1) للمستبصر ملف خاص في مركز الأبحاث العقائدية، ذكر فيه جملة من الأمور التي تأثر بها في مجال الاستبصار.

(7) نرسيسيو أنطونيو

(وهابي - موزامبيق)

ولد في مدينة «موبوتو» الموزامبيقية الواقعة على ضفّة المحيط الهندي، ونشأ هناك في أجواء دفعته لاعتناق الفكر الوهابي، الفكر الذي

تميّز برمي العديد من الفرق الإسلامية بالشرك والكفر.

ومن الواضح أن المجتمع الذي تسري فيه هذه الأفكار التي تنم عن جمود الفكر الوهّابي لا بد وأن يكون متحجراً، فالدين عندهم قواعد

وقوانين جامدة يطبّقها الإنسان من دون أن تكون لها انعكاسات إيجابية واضحة في حياته.

وقد نشأ «نرسيسيو» على هذه الأفكار إلى أن شاءت الأقدار الإلهية بأن يتعرّف على أحد أتباع المذهب الجعفري في الثانوية، فدار الحديث

والحوار بينهما في المقارنة بين المذهب الشيعي والفكر الوهّابي، الأمر الذي اتّضح من خلاله ل- «نرسيسيو» مدى التحجّر الوهّابي.

الشفاعة في الفكر الوهّابي نموذجاً:

الشافع لغة: الطالب لغيره، وتقول: استشفعت بفلان فتشفع لي إليه، فشفّعه في، والاسم: الشفاعة، واسم الطالب: الشفيع (1)، و اصطلاحاً: طلب إسقاط العقاب عن مستحقّه (2).

من العقائد التي خالف فيها أتباع ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب جمهور المسلمين، وادعوا أن من يدين الله بها كافر ومشرك هو طلب الشفاعة في هذه الدنيا، بأن يطلب المؤمن من النبي الأكرم صلّی الله علیه وآله وسلم مثلاً في هذه الدنيا بأن يشفع له عند الله عزّ وجلّ يوم القيامة، سواء كان هذا الطلب في زمن النبي صلّی الله علیه وآله وسلم أو بعد وفاته، فهم يعتقدون أن من يقول بذلك كافر إجماعاً.

يقول مفكّرهم محمّد بن عبد الوهاب: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة كفر إجماعاً (3).

ولكنّ الباحث المتأمّل في القرآن الكريم والنصوص الدينية يصل إلى ما يخالف تلك الرؤية، فالآيات القرآنية والروايات الشريفة تذكر


1) كتاب العين 1: 261.

2) رسائل الشريف المرتضى 1: 150.

3) الصواعق الإلهية لسليمان بن عبد الوهاب : 9 ، نقلا عن كتب الإقناع لأخيه محمد بن عبد الوهاب.

موارد كثيرة طلب فيها المسلمون الشفاعة من النبي الأكرم صلّی الله علیه وآله وسلم في حياته وبعد وفاته.

يقول تعالى في كتابه الكريم: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءَوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا }(1)

كما يقول تعالى عن المنافقين:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُون }(2)

فإن كان الإعراض عن طلب الاستغفار من النبي صلّی الله علیه وآله وسلم سمة من سمات المنافقين، فلابد أن يكون - كما هو واضح من الآيتين الكريمتين - طلب الاستغفار والذي ليس في الواقع إلا طلب الشفاعة جائز، بل من علامات الإيمان.

هذا إضافة إلى العديد من الروايات الواردة في هذا المجال:

فقد روى الترمذي في سننه عن أنس بن مالك أنه قال: سألت النبي صلّی الله علیه وآله وسلم أن يشفع لي يوم القيامة، فقال: «أنا فاعل». قلت: يارسول الله! فأين أطلبك؟ قال: «اطلبني أول ما تطلبني على الصراط»، قلت: فإن لم ألقك على الصراط؟! قال: «فاطلبني عند الميزان»، قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: «فاطلبني عند الحوض، فإني لا أخطئ هذه الثلاث المواطن »(3).


1) النساء: 64.

2) المنافقون 5 .

3) سنن الترمذي 4: 42.

وكما هو واضح من الرواية فقد طلب أنس بن مالك الشفاعة من النبي صلّی الله علیه وآله وسلم مباشرة في هذه الدنيا ولم يطلبها من الله تعالى، فهل تقولون - أيّها الوهّابية - بأن هذا الصحابي الجليل عندكم مشرك لعمله هذا؟ أوليس الصحابة بأجمعهم عدول؟!

كما ورد في المستدرك على الصحيحين عن سواد بن قارب، أنّه جاء عند رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم وأعلن عن إسلامه فأنشد قصيدة، وقال فيما قال:

وكن لي شفيعاً يوم لا ذي شفاعة***سواك بمغن سواد بن قارب

ففرح رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم وأصحابه بإسلامه فرحاً شديداً حتى رؤي في وجوههم(1).

وهنا أيضاً خالف رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم رأي ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب!! فلم ينه سواد ابن قارب لطلبه الشفاعة منه صلّی الله علیه وآله وسلم مباشرة.

وجاء في التمهيد لابن عبد البر بشأن الوقائع التي جرت بعد وفاة النبي الأكرم صلّی الله علیه وآله وسلم: لمّا فرغ عليّ من غسله، وأدرجه في أكفانه كشف الأزار عن ،وجهه ثم قال :«بأبى أنت وأمى طبت حياً وطبت ميتاً.. بأبي أنت وأمى اذكرنا عند ربك »(2)

كما نقل عن أبي بكر أنه قال بعد رحيله صلّی الله علیه وآله وسلم : اذكرنا يا محمد عند ربك (3). وبعد كل ذلك فالعجب من السلفيين كيف يدعون أنّهم يتّبعون السلف من الصحابة، ويخالفون ما جاء في القرآن الكريم ومصادرهم الروائية في ذلك؟!


1) راجع: المستدرك على الصحيحين 3 : 610 ، الإصابة 3 : 182.

2) راجع التمهيد لابن عبد البر :2 162 شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 13: 42 .

3) تمهيد الاوائل: 488 .

نقطة التحوّل :

بعد تحاور «نرسيسيو» مع صديقه الشيعي التي توصّل إثرها إلى أنّ ما يخالف فيه الوهّابية شيعة أهل البيت علیهم السلام لا يعدو كونه تحجّراً مذموماً أمام الأدلة والبراهين الساطعة، بدأت تثار التساؤلات والشبهات واحدة تلو الأخرى حول ما كان يراه صحيحاً فقرر التواصل مع أحد علماء الوهابية لعرض شبهاته.

يقول «نرسيسيو» بعد حواري مع صديقي ومطالعاتي، أثيرت في ذهني العديد من التساؤلات، فلجأت إلى أحد علماء الوهابية في مدينتنا ليوضح لي الأمور، فأجابني: بأن التعرّف على مثل هذه الأمور مختص بالعلماء فقط، ولا يجوز لغيرهم البحث فيه فلم أعقل الإجابة، إذ لم يكن ردّه منطقياً، فعلمت أنه غير قادر على الصمود أمام النقاش العلمي. وهكذا - وبعد طول بحث وتحقيق - ثبت ل- «نرسيسيو» بطلان ما كان يعتقده، فقرر سلوك خط أهل البيت علیهم السلام والأخذ من منهلهم الصافي، فأعلن عن استبصاره وتغيير انتمائه المذهبي، وكان ذلك ، وكان ذلك عام 1414ه- 1ه- ( 1994م) في مدينة «موبوتو» الموزامبيقية (1).


1) ما تم ذكره في الترجمة عن المستبصر مقتبس مما أدلى به هو لمركز الابحاث العقائدية حول كيفية الاستبصار.

(8) آنجیلا (فاطمة)

(مسيحية - النمسا)

ولدت في النمسا، وترعرعت في عائلة مرفهة وغنيّة، فكانت ك-لّ سبل التمتع واللذة موفرة لها، لكنها ارتقت بوعيها وارتفعت حت-ى ب-دت الأمور الدنيوية صغيرة في عينها ، فتحلّقت في سماء المعرفة باحثة عن بارئها، وكانت رحلتها شاقة، وذلك لأنها واجهت تلاعباً بشرياً كثيراً في السبل الموصولة الى الله، ووجدت في أبحاثها أن هنالك أيدي أثيمة تلاعبت بالدين المسيحي وحرفت منه الكثير حتى غدا طريقاً لا يصلح للتوجه به الى الله.

تقول «آنجيلا»: «كان من حسن حظي انني تزوجت من رجل يتمتع بشخصية واعية ومثقفة وهذا ما كان يدفعه للبحث والمطالعة ليتسنى له بعد الإلمام بالرؤى الدينية المتعددة أن يتبع أحسنها وأن يسلك أفضل الطرق التي تحقق له التوازن النفسي والأهداف السامية، فكنت أشاركه في هذا المسار، وكنا نبحث معاً عن علاج يطرد التفاهة والسذاجة من حياتنا اليومية.

فاستمر بنا الحال حتى توصل زوجي الى أحقية الدين الاسلامي، فأحببت أن يبين لي السبيل الفكري الذي توصل به الى هذه النتيجة، فشرح لي زوجي ذلك وبين لي الأمر بالأدلة والبراهين، فكانت أدلته مقنعة عقلياً ولكنني كنت أشعر في سريرة نفسي وفي قلبي برادع يمنعني من اعتناق الدين الاسلامي».

فاستغربت «آنجيلا» من ذلك، وقرّرت أن تخلو مع نفسها لتستكشف السبب في ذلك.

فلما خلت بنفسها وأجرت دراسة موسعة على شتى جوانبها تبين لها عدم إخلاصها في البحث عن الحقيقة؛ ذلك أنها وجدت في قرارة نفسها هوى لا يرتضي لها اعتناق فكرة تجلب لها المصاعب والمشاكل أو بعض المضايقات.

وكأنها لم تكن باحثة عن الحقيقة لاعتنقها مهما كلف الأمر، بل كانت باحثة عن حقيقة تحقق لها مصلحتها الشخصية، فكان هذا اله-وى يردعها اعتناق الإسلام؛ فالإسلام يفرض على المرأة ارتداء الحجاب، وكانت ترى أن هذا الأمر شاق بالنسبة لها، وكانت تعلم أنها لا تطيق أن ينظر إليه-ا الآخرون بعين الاحتقار، فكان هذا الأمر يترك أثره في نفسها ويدفعها رغم علمها بعظمة الإسلام الى رفضه وعدم تقبّله.

فلسفة ارتداء الحجاب:

من النكات التي لا ينبغي الغفلة عنها في مجال الحجاب أن وظيفة الحجاب ليست ناشئة من عدم الاعتناء بالنساء، بل المقتضي لذلك هو اختلاف الرجال والنساء في كيفية الخلقة وتنوع الغرائز وتفاوت العواطف.

كما نشاهد في الآيات المبيّنة لتقدير خلقة الموجودات في قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى}(1)، وقوله تعالى:

{إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ﴾(2)، وقوله تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً }(3).

وعليه فالاختلاف وتنوع الوظيفة لا يكون دليلاً على تفضيل الرجال على النساء في الجانب الشرعي، بل الله تعالى اصطفى بعض النساء أسوة في الفضيلة ومثلاً في الإيمان والورع والعفاف كما قال تعالى: {وإذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِساءِ

العالَمِينَ، يا مَرْيَمُ اقْتَتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ }(4).

وقد عرّف بعضهن مثلاً للإيمان، فقال تعالى: {وضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ : رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ ونَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ ونَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ومَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَحْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَقَتْ بِكَلِماتِ ربها وكُتُبه وكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ }(5).


1) الأعلى: 2-3 .

2) القمر: 49 .

3) الفرقان: 2 .

4) آل عمران: 42 - 43.

5) التحريم: 11 - 12.

وعليه فينبغي الفحص عن ملاك تشريع قانون الحجاب والتحقيق في علة جعل أحكام الستر والنظر، والذي يقتضيه التحقيق في آيات تشريع الحجاب والتأمل في نصوص الستر والنظر: أن ملاك إيجاب الستر على المرأة وتحريم النظر على الرجال هو صيانة الرجال المؤمنين والنساء

المؤمنات من الفحشاء والفساد والمنكرات والرذائل الموجبة للضلالة ومحو الإيمان والسقوط عن درجات الكمال وإعداد ميادين الرشد والكمال والفلاح للبشر؛ وذلك لأن بمقتضى غريزة الشهوة التي أودعها الله تعالى في الإنسان لأجل توليد النسل وتشكيل الأسرة يكون لكل من الرجال والنساء تمايلاً جنسياً بالآخر، وعلى هذا الأساس يحدث في الرجال انفعال وتأثر شهواني بسبب النظر إلى ما أبدت النساء من محاسنهن وجمالهن وزينتهن، وهو بدوره يوجب فساد قلوبهم ويجرّهم إلى الفساد والفحشاء، وبذلك يُحرمون عن الرشد والكمال والفلاح ويُبعدون عن الهدف من الخلقة .

هذا مضافاً إلى ما يترتب على ذلك من المفاسد في مجتمع المؤمنين والاختلال في نظام الأسرة والمعاش ومحق العواطف الإنسانية.

فتشريع قانون الحجاب يعد من أهم العوامل المانعة من نفوذ الفساد في قلوب المؤمنين والمؤمنات، ويوجب بالمآل طهارة قلوبهم كما علل بذلك في قوله تعالى:{وإذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْتَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاء حِجَابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} (1).


1) الأحزاب: 53.

وإن قانون الحجاب من أحكم سبل النجاة من مهلكة الفساد وزوبعة الضلالة ، كما ورد عن الصادق علیه السلام: «مَا اعْتَصَمَ أَحدِ بِمِثْل مَا اعْتَصَمَ بِغَضَ الْبَصَر، فإنَّ الْبَصَرَ لا يُغَضُ عَنْ مَحَارم الله إِلَّا وَقَدْ سَبَقَ إِلى قَلْبِهِ مُشاهَدَةً الْعَظَمَةِ وَالْجَلالِ».(1)

وإنّه أقرب الطرق إلى أن تُعرف النساء بالستر والعفاف بين المؤمنين حتى يُحفظن من التعرّض وإيذاء الذين في قلوبهم مرض، كما قال تعالى: {يا أَيُّهَا النَّبيُّ قُلْ لأَزْواجِكَ وَبَنَاتِكَ ونساء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جلابيبهنَّ ذلِكَ أدنى أنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ}(2)

وفي قبال ذلك عُد كشف المحاسن وإبداء مواضع الزينة من النساء ونظر الرجال الأجانب إليهنَّ موجباً لزرع الشهوات في القلوب وإنبات الفسق في النفوس، كما ورد عن الصادق علیه السلام: «النَّظْرَةُ بَعْدَ النَّظْرَةِ تَزْرَعُ فِي الْقَلْبِ الشَّهْوَةَ وكَفى بها لصاحبها فِتْنَةٌ »(3).

وورد عنه علیه السلام أيضاً: «قال عيسى بنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ : إِيَّاكُمْ والنَّظَرُ إلى الْمَحذُورات ، فَإِنَّها بَدْرُ الشَّهَواتِ ونَباتُ الْفِسق »(4).

وموجباً لتهييج شهوة الرجال وجرهم إلى الفحشاء والفساد كما ورد عن الرضا علیه السلام : «حرمَ النَّظَرُ إِلَى شُعُور النساء الْمَحْجُوبات بالأزواج وإلى


1) بحار الأنوار 41:101

2) الأحزاب: 59.

3) من لا يحضره الفقيه 4 : 18.

4) بحار الأنوار 101: 42.

غَيْرِهِنَّ مِنَ النّساء لما فيه مِنْ تَهييج الرَّجال وما يَدْعُو إِلَيْهِ النَّهْييجُ مِنَ الفَسَادِ والدُّخُولُ فيما لا يَحِل»(1)

وإن نظرة الى محاسن المرأة يؤثر أثر السوء بحد من السرعة والشدة بحيث شُبِّه في النصوص بالسهم المسموم ، كما ورد عن الصادق علیه السلام: « النظرة سهم من سهام إبليس مسموم، من تركها الله عز وجل لا لغيره أعقبه الله إيمانا يجد طعمه» (2).

والحاصل أن فلسفة الحجاب تتلخّص في صيانة الإنسان من المفاسد الأخلاقية والفحشاء والمنكرات وتحفظه من موجبات الضلالة والسقوط

عن درجات الكمال ودفع الموانع في سبيل الرشد والفلاح (3).

اقتناعها بالمبادئ الإسلامية

حينما شاهدت «آنجيلا»تمتّع المسلمين في بلدها بالطمأنينة والهدوء والراحة النفسية وتغيّر نفسية زوجها نحو الأحسن، دفعها ذلك

لتقبل الاسلام شيئاً فشيئاً، ومن هذا المنطلق تقربت ببعض شرائعه الى الله، وكان لهذا التقرّب أثر بليغ في زوال أمراضها النفسية من قبيل القلق والتوتر والضنك في المعيشة .


1) علل الشرائع 2: 565 .

2) من لا يحضره الفقيه 4 :18

3) راجع: دليل تحرير الوسيلة (أحكام الستر والنظر) : 16 - 19 . (بتصرف يسير) .

وبالتدريج ارتقى مستوى وعيها وقويت شخصيتها وتفتحت آفاق ذهنيتها، حتى أحست ذات يوم أنها قادرة على اقتحام التيار الاجتماعي المضاد والصمود والتحدي دفاعاً عن مبادئ الإسلام، فأعلنت إسلامها وارتدت الحجاب ثم سمت نفسها (فاطمة) محبّة ببنت رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم. وبذلك قويت صلتها بالله وأصبح هدفها الأسمى هو عبودية الله، فتلقت من الإسلام المقاييس الصحيحة في تقييم الإنسان ومعرفة الأمور المهمة وتمييزها عن الأمور التافهة، وبهذا أنقذت نفسها من جحيم الأعراف الاجتماعية التي كانت تعيش ذليلة في أسرها؛ لأن المقياس الاجتماعي السائد في أوساطها كان يرى قيمة الإنسان بقدر مستواه الدراسي الأكاديمي، ولكن الحقيقة أن قيمته هي بمقدار وعيه وتقواه وقربه الى الله.

تقول «آنجیلا»: كان المقياس السائد في مجتمعنا هو المال، فكان الجميع ينظر الى الفقير الذي لا حول ولا قوة له بعين الاحتقار، وكان المقياس في المرأة هو حسن وجهها وجمال جسمها، فكانت المرأة التي لا تتمتع بهذه الأمور مهانة ومرفوضة اجتماعياً ، فكان أمثال هؤلاء يعانون من أمر خارج عن نطاق إرادتهم واختيارهم ، فلم يكن لهم سبيل لأن يستجيبوا الى متطلبات العرف الاجتماعي القاسي.

ولكن الواقع أن الفقر أو صورة الإنسان لا أثر لها في قدره وقيمته، ب-ل المعيار هو ميزان الجهد الذي يبذله الفرد لاكتساب مكارم الأخلاق

والتحلي بالصفات الإلهية.

ولهذا لما أسلمت وجهها الله شعرت أنها تحرّرت من أسر هذا الطاغوت الذي كان يتحكّم عليها باستبداده وغطرسته.

فارتدت الحجاب وكلها ثقة بالله وخرجت الى الشارع ، فلما كان يستهزء بها البعض كانت تسترحم على حالهم، وتدعو الله أن يرزقهم فهماً وعلماً ليدركوا بها الحقائق.

وكانت تقول لمن يستصعب اعتناق الإسلام : إنك إذا أسلمت فستكون عبداً وخاضعاً لله الحكيم الواحد، وإلا فدون ذلك فإنك ستكون خاضعاً لآلهات كثيرة، وهي الضوابط العرفية الاجتماعية التي لا ترحم من يخضع لسيطرتها، فتذلّه بتوجيهاتها القاسية، وتجعله حقيراً ب-ي-ن ي-دها، فتسلب منه الاستقرار، وتجعله يعيش دوماً في حالة التوتر والقلق خوفاً من هذا وذاك. ولكن الله يمنح عبده القوة والعزة والاستقامة والشهامة والثقة بالنفس، فأين هذا من ذاك، وهل يستوي الذي يعيش معززاً في ظل رحمة ربه وبين من تستذله الأهواء والشهوات فتجعله محقراً بين يدها(1).


1) راجع کتاب: رستاخيزي در تاريکي : 87 - 94 ، فقد خصّصت مؤلفته«سوسن صفاوردي» فيه فصلاً حول المستبصرة عن لسانها سمّته طريقي نحو الإسلام». (بتصرّف يسير) .

(9) أديت مارياهوف باير (فاطمة)

(مسيحية - النمسا)

ولدت عام 1956م في مدينة «سوتل» في النمسا، وبعد أن أنهت الدراسة الابتدائية والمتوسطة في مدينتها، شدت الرحال إلى العاصمة فينا؛

لإكمال دراستها الجامعية، والتحقت بجامعة فينا قسم (هندسة التحليل المختبري)؛ حتّى تخرجت منها.

نشأت وتربّت في عائلة مسيحية متدينة وملتزمة، ومن هنا تبلورت عندها هواية دراسة الأديان الإلهية، وكان من الأديان التي لفت انتباهها: الدين الإسلامي الحنيف، وقد أمضت سنوات تدرسه وتتعرف عليه؛ حتى اقتنعت به أخيراً وتشرفت باعتناقه عام 1397ه- (1977م)، وقد اختارت المذهب الشيعي من بين المذاهب الأخرى، وانتخبت اسم سيدة النساء علیهما السلام فتسمّت بفاطمة.

وبعد مرحلة الاستبصار كرست جهدها لنشر العلوم الإسلامية ودعوة الشابات الغربيات؛ للدخول في عالم الطهر والفضيلة والعفاف عن طريق

اعتناقهم للإسلام، ثمّ اكملت دراستها العليا ونالت الشهادة الطبية عام 1403ه- (1).

وكانت نموذجاً حيّاً للمرأة المؤمنة الملتزمة بدينها، وقدوة لأخواتها المسلمات بأخلاقها العالية وحجابها المتين؛ الذي كانت تؤكد على الالتزام به دائماً، وكانت تعده من أهم وسائل الدعوة الى الإسلام الأصيل.

أدلّة وجوب الحجاب:

قد يكون لتمسّك «أديت» بارتدائها للحجاب الإسلامي - إضافة إلى الأدلة العقلية - أدلّة نقليّة دالّة على ذلك، فوجوب الحجاب من ضرورات

الدين الإسلامي، وكل علماء السنّة والشيعة متفقون على وجوبه، وهذا التسالم بين المسلمين على مختلف طبقاتهم ومشاربهم ومذاهبهم يكشف عن أخذ هذا الحكم الشرعي يداً بيد من المُشرع الإسلامي، وهو النبي الأكرم صلّی الله علیه وآله وسلم ، هذا إضافة لما ورد من قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء المُؤمِنينَ يُدْنِينَ عَلَيهِنَّ مِن جَلابيبهنَّ ذَلِكَ أدنَى أَن يُعرَفنَ فَلا يُؤذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً }(2).


1) ألقت صحيفة «جمهوري اسلامي الناطقة باللغة الفارسية في عددها الصادر بتاريخ 14 جمادي الأولى لعام 1419 ه- ، ألقت نظرة على سيرة هذه المستبصرة بمناسبة المراسيم التي عُقدت لارتحالها في مدينة رشت الإيرانية .

2) الأحزاب (33) :59.

وقد أجمع المفسرون على تفسير هذه الآية بالحجاب الإسلامي المتعارف؛ إذ المراد بالجلباب، هو: الثوب الذي تشتمل به المرأة، فيغطّي جميع بدنها والخمار الذي تغطي به رأسها وو. به رأسها ووجها(1).

أحاديث عن المعصومين علیهم السلام في فرض الحجاب على النساء:

روي عن الإمام الرضاء علیه السلام أنّه قال في حرمة النظر إلى شعور النساء الملازم لوجوب الحجاب والتستّر :حرم النظر إلى شعور النساء المحجوبات بالأزواج وغيرهن من النساء؛ لما فيه من تهييج الرجال وما يدعو التهييج إلى الفساد والدخول فيما لا يحل ولا يحمل (2).

كما روي عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، قال: سألت الرضاء علیه السلام عن الرجل، أيحلّ له أن ينظر إلى شعر أخت زوجته؟ فقال: لا، إلّا أن تكون من القواعد.

قلت له: أخت امرأته والغريبة سواء؟

قال : : نعم....(3).

وعن الفضيل بن يسار، قال: سألت أبا عبد الله علیه السلام عن الذراعين المرأة أهما من الزينة التي قال الله تبارك وتعالى:{وَلا يُبْدِينَ زينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ}(4)، قال: «نعم، وما دون الخمار من الزينة، وما دون أسوارهن (5).


1) راجع : تفسير الميزان 16: 339 تفسير القرطبي 14: 243 ونحوها .

2) علل الشرائع 2 : 565.

3) قرب الإسناد : 363 .

4) النور (24) : 31.

5) الكافي 2: 520.

وعن مسعدة بن زياد، قال: وسمعت جعفراً علیه السلام سُئل عمّا تظهر المرأة من زينتها، قال: «الوجه والكفين»(1).

وعن محمّد بن مسلم . بن مسلم عن الإمام الباقر علیه السلام أنّه قال: «لا يصلح للجارية إذا حاضت إلّا أن تختمر إلّا أن لا تجده» (2).


1) قرب الإسناد : 82

2) الكافي 5: 532 .

(10) محمّد والدمن

(مسيحي - النمسا)

ولد سنة 1341ه- في مدينة «شتاير مارك» في «النمسا»، وتلقى معتقده من البيئة المسيحية التي نشأ فيها، لكنه وجد أن عقيدته لا تمتلك القدرة على تحقق حالة الاعتدال والتوازن في نفسه، فقام يبحث عن الحقّ ليبلغ من الوعي ما يميز به الحق من الباطل، فجاهد نفسه ليطهرها من شوائب التعصب والتقليد الأعمى.

بهذه الطريقة أصبحت نفسه أرضيّة خصبة لتقبل الحق، فلما تعرف على الإسلام، وجد أن فطرته تدفعه لقبول هذا الدين، فاستجاب لندائها وبادر إلى اعتناق هذا الدين الذي تبيّن له أنه سوف يحقق له آماله المعنوية، فتلقى العلوم والمعارف الإسلامية وتحصن بها؛ بحيث تمكن من اجتياز كافة العقبات؛ التي وقفت بوجهه لتصده عن سيره في طريق التكامل والتسامي والارتقاء.

التعرّف على الفرقة الناجية:

يقول «محمّد» بشأن التعرّف على التشيع الإمامي: ربّما يصح إن قلت: إن مذهب أهل البيت الله هو الذي اجتذبني إليه، لا أن أكون أنا الذي

اخترت هذا المذهب العظيم؛ لأن العلوم والمعارف التي تلقيتها من خلال تعرفي على هذا المذهب، هي التي جعلتني اعتقد بأنه المذهب الحق؛ الذي ليس فيه أي تعارض وإشكال...

إنّ المجتمع الغربي وصل إلى طريق مسدود في الأخلاق الفردية والاجتماعية؛ لأنه جرب جميع النظريات الأخلاقية التي جاء بها البشر، م-ن دون أن يصل الى غايته ومبتغاه في السعادة، والآن بات الفرد الغربي متعطّشاً للأديان السماوية؛ التي تروي غليله وتسدّ حاجته في مجال المعنويات والأخلاق .

وفي الواقع نرى في أيامنا أن لدين الإسلام السبق في التأثير على الغربيين في مجال اعتناق الغربيين الأديان السماوية، وفي الحقيقة إذا كان المتعرف على الإسلام يبحث عن الحق، فمن دون أي ريب وشك سيختار مذهب أهل البيت عليه السلام بين جميع المذاهب الإسلامية؛ وذلك لما يواجهه من إشكاليات كبيرة في ما يعرضه باقي المذاهب من آراء.

ومن تلك الإشكاليات يمكن الإشارة إلى عدم تطابق آراء علماء أهل سنة الجماعة مع المنطق السليم الذي يعترف به أي انسان متعقل، ومن مصاديق ذلك رأيهم بشأن عدم إيصاء النبي صلّی الله علیه وآله وسلم بالنسبة لأمر الخلافة من بعده.. الأمر الذي يزعمون أن النبي صلّی الله علیه وآله وسلم لم يلتفت الى ضرورته، لكن التفت إليه أهل السقيفة!!.

وصية النبي صلّی الله علیه وآله وسلم الأمير المؤمنين علیه السلام قبل وفاته:

وردت الوصية من النبي صلّی الله علیه وآله وسلم الأمير المؤمنين علیه السلام نقلاً عن أمر الله سبحانه وتعالى العليم الحكيم.. وإليك الوصية كما رواها ثقة الإسلام

الكليني رحمة الله في كتابه (الكافي): عن علي بن إسماعيل بن يقطين، عن عیسی بن المستفاد أبي موسى الضرير، قال حدثني موسى بن جعفر علیهما السلام، قال: قلت لأبي عبد الله : أليس كان أمير المؤمنين علیه السلام كاتب الوصية ورسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم المملي عليه، وجبرئيل والملائكة المقربون علیهم السلام شهوداً؟

قال: فأطرق طويلاً، ثم قال: يا أبا الحسن قد كان ما قلت، ولكن حين نزل برسول الله الأمر، نزلت الوصية من عند الله كتابا مسجلاً، نزل به جبرئيل مع أمناء الله تبارك وتعالى من الملائكة، فقال جبرئيل: يا محمد! مر بإخراج من عندك إلا وصيّك، ليقبضها منا وتشهدنا بدفعك إياها إليه ضامناً لها - يعني: عليا علیه السلام، فأمر النبي صلّی الله علیه وآله وسلم بإخراج من كان في البيت ما خلا عليا علیه السلام، وفاطمة فيما بين الستر والباب.

فقال جبرئیل: يا محمد! ربك يقرئك السلام، ويقول: هذا كتاب ما كنت عهدت إليك وشرطت عليك وشهدت به عليك وأشهدت به عليك

ملائكتي وكفى بي يا محمد شهيداً، قال: فارتعدت مفاصل النبی صلّی الله علیه وآله وسلم، فقال: يا جبرئيل! ربّي هو السلام، ومنه السلام، وإليه يعود السلام، صدق عزّ وجل وبر، هات الكتاب.

فدفعه إليه، وأمره بدفعه إلى أمير المؤمنين علیه السلام، فقال له: اقرأه، فقرأه حرفاً حرفاً، فقال: يا علي هذا عهد ربّي تبارك وتعالى إلي شرطه علي وأمانته، وقد بلّغت ونصحت وأديت.

فقال على الله علیه السلام: وأنا أشهد لك {بأبي وأمي أنت} بالبلاغ والنصيحة والتصديق على ما قلت، ويشهد لك به سمعي وبصري ولحمي ودمي.

فقال جبرئيل الله علیه السلام: وأنا لكما على ذلك من الشاهدين.

فقال رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم : يا على أخذت وصيّتي وعرفتها وضمنت الله ولي الوفاء بما فيها؟

فقال على علیه السلام: نعم - بأبي أنت وأمي - علي ضمانها، وعلى الله عوني وتوفيقي على أدائها.

فقال رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم : يا علي! إنّي أريد أن أشهد عليك بموافاتي بها يوم القيامة.

فقال علي علیه السلام: نعم ، أشهد ، فقال النبي صلّی الله علیه وآله وسلم: إن جبرئيل وميكائيل فيما بيني وبينك الآن، وهما حاضران معهما الملائكة المقربون لأشهدهم عليك.

فقال: نعم ليشهدوا وأنا - بأبي أنت وأمي - أشهدهم، فأشهدهم رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم ، وكان فيما اشترط عليه النبي بأمر جبرئيل عالية فيما أمر الله عزّ وجلّ أن قال له يا علي تفي بما فيها من موالاة من والى الله ورسوله، والبراءة والعداوة لمن عادى الله ورسوله والبراءة منهم على الصبر منك [و] على كظم الغيظ، وعلى ذهاب حقّك، وغصب خمسك، وانتهاك حرمتك؟

فقال : نعم يا رسول الله ...» إلى آخر الوصيّة (1).

وفيها ما يجري على علي علیه السلام بعد رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم.

وجاء في مصادر أهل سُنّة الجماعة ما يؤيد ذلك:

فقد روی یونس بن حباب، عن أنس بن مالك، قال: كنّا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) وعلي بن أبي طالب معنا، فمررنا بحديقة، فقال علي: يارسول الله! ألا ترى ما أحسن هذه الحديقة؟! فقال: إن حديقتك في الجنّة أحسن منها، حتى مررنا بسبع حدائق يقول علي ما قال، ويجيبه رسول الله بما أجابه.

ثم إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقف فوقفنا، فوضع رأسه على رأس علي وبكى.

فقال علي: ما يبكيك يا رسول الله؟

قال: ضغائن في صدور قوم لا يبدونها لك حتى يفقدوني.

فقال: يا رسول الله! أفلا أضع سيفي على عاتقي فأبيد خضرائهم؟ قال: بل تصبر، قال: فإن صبرت؟! قال: تلاقي جهداً، قال: أفي سلامة من ديني؟ قال: نعم. قال: فإذن لا أبالي (2).

كما روي أنه علیه السلام قال: قلت: يا رسول الله! ما يبكيك؟ قال: «ضغائن في صدور أقوام لا يبدونها لك إلّا من بعدي» (3).


1) الكافي 1 : 281 - 282 .

2) انظر: المعجم الكبير للطبراني 11 60 الكامل لابن عدي ،7 173 تاريخ مدينة دمشق 42: 322، 324 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 272 .

3) مسند أبي يعلى 1 : 427 ، وراجع: تهذيب الكمال للمزي 23 : 240 وميزان الاعتدال للذهبي 3 : 356 .

وقد روي أن الإمام أمير المؤمنين علیه السلام أخبر بأن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أخبره بأن الأمة ستغدر به من بعده .. فقد روى عثمان بن سعيد، عن عبد الله بن الغنوي: أن علياً علیه السلام خطب بالرحبة، فقال: «أيها الناس! إنكم قد أبيتم إلا أن أقولها! وربّ السماء والأرض: إن من عهد النبي الأمي إلَيَّ: إِنَّ الأُمّة ستغدر بك بعدي».

قال ابن أبي الحديد المعتزلي بعد روايته لهذا الخبر: وروى هيثم بن بشر عن إسماعيل مثله، وقد روى أكثر أهل الحديث هذا الخبر بهذا اللفظ، أو بقريب منه(1).

ولم يكن أمر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم الأمير المؤمنين علیه السلام بالصبر من بعده على ما سيجري عليه من بلاء وغدر، إلا للقراءة الكاملة التي كان يقرأها النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بما من الله عليه من علم - لحال الأمة من بعده صلّى الله عليه وآله وسلّم، وتتلخّص بما يلي:

1- تفرّق كلمتها؛ إذ كانت رزية يوم الخميس الواردة في صحاح المسلمين خير شاهد على ذلك.

2 - قلّة الناصر لأمير المؤمنين علیه السلام في مطلب الخلافة وزعامة الأمة بعدالنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم... وقد كانت أحداث السقيفة، وتقاعس المسلمين من المهاجرين والأنصار عن نصرة الإمام علیه السلام بأعذار وتبريرات مختلفة، تناولها الباحثون عند حديثهم عن تلك الحقبة خير دليل على هذا الواقع.


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3: 107 ، وانظر: المستدرك على الصحيحين للنيسابوري 3: 142، کنز العمال 11: 297 الحديث (31562)، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 42: 447، البداية والنهاية لابن كثير :6 244 .

مرحلة الاستبصار:

يقول محمّد: كان لتعمّقي في كتب علماء الإمامية واطلاعي على الحوادث التي تناولتها أبلغ الأثر في نفسي، كما أنني عرفت خلال مطالعاتي أن الشيعة أكثر تعلقاً من غيرهم برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأشدّ اتباعاً بنهجه وسنّته؛ لانهم سلكوا نهج أهل البيت علیهم السلام الذين أمر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم أمته في حديث الثقلين بإتباعهم وعدم الابتعاد عنهم.

وأدركت أن لا مناص من التحول إلى مذهب أهل البيت علیهم السلام والركوب في سفينتهم والتمسك بحبلهم، فأعلنت استبصاري بعد

إسلامي (1)


1) راجع مجلة (پژوهه) ، العدد الرابع بتاريخ ذي القعدة 1424ه- ، وكذلك صحيفة (سفيران نور) باللغة الفارسية، العدد 56 لشهر جمادي الثانية 1430 ه- فقد ذكرا مقتطفات من سيرته وما تأثر به في طريق الاستبصار.

(11) إدريس عثمان

(مالكي - النيجر )

ولد عام 1400ه- (1979م) في مدينة «مرادي» في دولة النيجر، ونشأ في أسرة متحفّظة مالكية المذهب.

تعلّم «إدريس القراءة والكتابة والفقه على يد والده منذ نعومة أظفاره، وأدخله المدرسة القرآنية وهو في سنّ الثمانية، فتعلم القرآن واختتمه وله من العمر اثنتا عشرة سنة.

ثمّ واصل دراسته في مدارس أكاديمية أخرى كانت تهتم بالتثقيف الديني للطالب أيضاً، حتى أنهى الإعدادية في إحداها بشهادة «جيد جداً»، وانتخبوه بعد لذلك لتدريس القرآن الكريم للطلاب.

وإضافة إلى الدروس الفقهية واللغويّة التي كان يتلقاها في الحلقات طلب منه بعض الشباب أن يؤسس حلقة علمية لشباب المنطقة لتعلّم الفقه المالكي، فاستجاب لطلبهم وبدأ بتدريسهم.

سمع «إدريس» ذات يوم أن إحدى المعاهد الشيعية تجري امتحاناً لقبول الطلاب، فقرّر المشاركة، ولكنه فوجىء بتحذيرات له من التواصل مع الشيعة بذريعة أنّهم يفضّلون علياء علیه السلام على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأن في ذهابه لذلك المعهد خطراً كبيراً.

فاستشار أحد أصدقاءه الذي كان قد درس في هذا المعهد في هذا المجال، فقال له بأنّ التعاليم التي تلقاها في هذا المعهد كانت السبب في شفاء قلبه وروحه من الأمراض النفسية التشكيكية.

إثر ذلك قرر «إدريس» المشاركة في الاختبار، فشارك، وبعد بضع أسابيع أعلنت النتيجة حيث وجد نفسه قد نجح بالرتبة الأولى في مدينته، ولم تمض إلا فترة وجيزة حتى أرسل المعهد تقريراً للناجحين بالحضور في مدينة «نيامي» العاصمة ابتداءً من العام الدراسي لعام 2000م.

يقول «إدريس»: سافرت إلى «نيامي» تلبية لطلب المعهد مع عة مجموعة من الأصدقاء، ولكنا كنا خائفين حيث أن بعض علمائنا حذرونا من الشيعة وأمرونا باجتناب عقائدهم، وقالوا: ادرسوا عندهم علم التاريخ واللغة العربية فحسب.

في اليوم الثاني من دراسته هناك ألقى أستاذ اللغة العربية خطبة وجيزة في درسه رأى فيها «إدريس» وأصدقاؤه بعض التهم لبعض الصحابة، فهاجموه بالكلام الشديد، فطلب منهم المناقشة واحداً واحداً، وكان كلّما

يردّ عليه أحدهم يجبه بسهولة، وحينما يساعده الآخر بذكر حديث أو استدلال يبسط الأستاذ عليه الحجج الغالية على أدلته.

ومن هنا بدأ «إدريس» بجمع الأدلة والبراهين لمناقشة أساتذته في المعهد الشيعي.

مناقشات وفترة اضطراب:

يقول «إدريس» عن الفترة التي أمضاها في المعهد قبل الاستبصار: دخل المسؤول على الطلاب في أحد الأيام، فبادرته بالسؤال قائلا: يا أستاذ! اشرح لنا بصورة وجيزة موقف الشيعة بالنسبة للصحابة، وخاصة الخلفاء الراشدين.

فأجابنا بأنّ الشيعة تأخذ بأوامر الله ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأثبتت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة أنّ عليّاً كان الخليفة الأوّل الرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بعد وفاته، وبعد هذا الجواب تواصل النقاش الشديد بيننا وبين الأستاذ، فطلبنا منه الاستدلال من القرآن الكريم والحديث الشريف، فأتانا بالآيات الكريمة والروايات الشريفة، ومن جهة أخرى حاولنا إثبات خلافة أبي بكر ففشلنا، فسألنا أنفسنا فكيف بعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان؟!!

وكنّا في كل حصة لمادة الشبهات والردود نستعد للمواجهة العلميّة، فيبطل الأستاذ حججنا، ويتفوّق علينا بكلماته المنطقيّة، وكان من عادة بعض الطلاب النظر إليّ لدفع الشبهة حين يطرح الأستاذ أسئلته، فكنت أفكر في كيفية الاستدلال لإبطال حجته بلغة يفهمها الجميع.

اخترت أن أطرح عليه الشبهات المتعلّقة بالتّهم الموجّهة ضد المذهب الشيعي ليضعف بذلك، ويعجز عن الإجابة، فأنقذ نفسي وإخواني من الضلال!!

ولكن عجباً لعلماء الشيعة وطلابهم، فحينما كنت أطرح الشبهة على الأستاذ في كل مكان وزمان كان يجيبني باطمئنان وطلاقة لسان وثقة بالنفس، وبهذا حدث في أعماقي زلزال شديد ورعب عظيم، فعشت المشقة والمحن قبل اعتناقي للمذهب الحق، مذهب أهل البيت علیهم السلام.

المنهجية في البحث:

بعد استماعه لاستدلالات شيعة أهل البيت علیهم السلام قرّر «إدريس» بدء البحث بنفسه للوصول إلى ما يقنعه منطقياً، واشترط على نفسه في هذا المجال البحث في المجالات التالي:

_البحث حول مسألة الخلافة في مصادر أهل السنة، وخاصّة في ما يرتبط بحياة بعض الصحابة، وبالخصوص المبشرين منهم بالجنة، وعن

الخلافات في ما بينهم والحروب الدامية الشهيرة لدى المؤرخين، وغير ذلك مما يتعلّق ببعضهم من الانحرافات التي يقول بها الشيعة.

• البحث عن نشأة الشيعة والتشيّع، وتأسيسها تاريخياً في الإسلام، والبحث بصورة موجزة عن حياة بعض أئمة أهل البيت علیهم السلام، خاصة من عاش منهم مع الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم، وغير ذلك من صفاتهم وأدعيتهم المشوقة.

كما وعد نفسه - إضافة إلى البحث في الأمور المذكورة - بما يلي:

أولاً: الإتصاف فى موطنه.

ثانياً: أنه إذا ثبتت الحجة على قضية فلابد من قبولها.

ثالثاً: أن يكون مخلصاً لله سبحانه وتعالى في بحثه.

كما كان يدعو الله تعالى باستمرار لأن يهديه إلى الصراط المستقيم، الطريق الذي لا غبار فيه، وكان كلّما صلّى ووصل إلى الآية

الكريمة: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} يرجو منه تعالى الهدي للسير على طريق الحق.

الكتب التي تأثر بها:

يقول «إدريس» عن الكتب التي تأثر بها في طريق الاستبصار:

وممّا كان له دور كبير في استبصاري الكتب التالية: المراجعات، نشأة الشيعة والتشيّع ، ثم اهتديت وغيرها من كتب الدكتور التيجاني السماوي، الاعتصام بالكتاب والسنة، وغيرها.

وممّا جعلني أشك أكثر من ذي قبل بالنسبة لمذهبي السابق: كتاب «أضواء على السنة المحمدية»، فقد أبكاني أشد البكاء ما فيه من حلقات الحقد والإهانة والحروب الدامية التي شنّها أهل البغي في الإسلام على أهل الرسالة الإسلامية الحقّة.

كما تأثرت بكتاب أخلاق أهل البيت علیهم السلام»(1)، فقد أعجبني الكتاب وبدل حياتي أحسن تبديل، وقدمني لكلّ ما يقربني إلى الله تعالى.


1) الظاهر أنّ المستبصر يقصد الكتاب الذي قام بتأليفه السيد مهدي الصدر.

وهناك كتب متفرقة منها الصحاح الستة التي يعتقد أهل السنة والجماعة أنها أصح الكتب بعد كتاب الله عزّ وجل، حق-اً ساعدتني هذه

الكتب في التشيّع لمذهب أهل البيت علیهم السلام.

الاستبصار والتبليغ :

بعد ما يقارب السنتين من البحث والتحقيق في مصادر الفريقين اقتنع «إدريس» تماماً بالمبادىء التي اتضحت من خلالها رؤية أتباع مدرسة أهل البيت علیهم السلام، فأعلن عن استبصاره وانتمائه لهذا المذهب، وكان ذلك عام 1422ه- ( 2002م) في المعهد الشيعي بمدينة «نيامي» عاصمة النيجر.

كما أصبح بعد الاستبصار من مبلّغي المذهب الشيعي، يقول «إدريس»: في السنة الدراسية 2002 - 2003م أصبحت ممن يبلغ مذهب أهل البيت الله في المعهد الشيعي، فكنت أناقش وأجادل الطلاب الجدد والقدماء المتشددين بالتي هي أحسن، فأستشهد بالمصادر التاريخية وغيرها، فكانت الحقيقة تتبيّن جلياً أمامهم، فمنهم من كان يهتدي في نهاية المطاف، ومنهم من يضل وإن كانوا أقلّية (1).


1) راسل المستبصر مركز الأبحاث العقائدية معلناً عن استبصاره عام 1431 ه- كما له تواصل مع المركز من خلال موقعه على الإنترنيت.

(12) آرما یائو

(مالكي - النيجر)

ولد عام 1397ه- (1977م) في مدينة «زندر» النيجرية، ودرس الفقه المالكي في المدارس الحكومية حيث أن مذهب الدولة الرسمي ه-و المذهب المالكي.

بعد بلوغه سن الرشد الفكري بدأ «آرما» بمناقشة أخيه - الذي كان قد استبصر سابقاً - حول المذهب الشيعي واختلافه مع سائر المذاهب الإسلامية.

فارشده أخوه إلى الالتحاق بإحدى المدارس الشيعية في العاصمة «نيامي» لتتبين له حقيقة المذهب الشيعي الاثني عشري، ويكون قادراً من خلال ذلك على البحث عن المذهب الصحيح من بين المذاهب الإسلامية ليتّبعه عن وعي ودراية.

وممّا يربك الباحث السنّي في هذا المجال التشكيك بصحة أحاديث مسلم والبخاري من قبل أتباع مذهب أهل البيت علیهم السلام، فغالباً ما ينشأ «السنّي»

ويتر عرع على أن كل ما في هذين الكتابين هو الصحيح الذي لا يمكن التشكيك فيه، ولكنّه عندما يبدأ بتقصي أحاديث الكتابين يجد أن الأمانة العلمية لم تُراعَ في نقل أحاديثهما في كثير من الموارد.

الأمانة العلمية عند رواية الحديث النبوي الشريف:

من أهم ما يجب على ناقل الحديث، وكاتبه وراوية، أن يكون أميناً في نقله، فإذا لم يكن الناقل والراوي والمؤلف للكتاب الحديثي أميناً في النقل، عند ذلك يسقط ذلك الكتاب عن الاعتبار؛ وذلك لاحتمال أن هذا الإنسان تلاعب بتلك النصوص.

وهذا ما نجده في كلام أحد أئمة الحديث - كما يُعبر عنهم وهو الإمام مسلم ؛ قال : (وإنّما ألزموا أنفسهم الكشف عن معايب رواة الحديث

وناقلي الأخبار، وأفتوا بذلك حين سُئلوا؛ لما فيه من عظيم الخطر؛ إذ الأخبار في أمر الدين إنّما تأتي بتحليل أو تحريم، أو أمر أو نهي، أو ترغيب أو ترهيب، فإذا كان الراوي لها ليس بمعدن للصدق والأمانة، ثم أقدم على الرواية عنه قد من عرفه فه ولم يبين ما فيه لغيره ممّن جهل ،معرفته كان آثماً بفعله ذلك، غاشاً لعوام المسلمين) (1).

فالذين ينقلون الأحاديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ينبغي أن يكونوا من كبار الصادقين ولهم درجة عالية من الأمانة العلمية؛ ومن لم يحفظ الأمانة العلمية في نقل الحديث فهو آثم أولاً بنص مسلم، كما أنه عاش للمسلمين.


1) صحیح مسلم 1: 21 - 22

وعند الرجوع إلى الروايات في صحيح البخاري نجد أنه لم يراع الأمانة العلمية في موارد عديدة، سنشير هنا إلى بعض تلك الموارد:

المورد الأوّل:

حدّثنا الحميدي، حدّثنا سفيان، حدّثنا عمرو بن دينار، قال: أخبرني طاووس أنه سمع ابن عباس يقول: بلغ عمر أن فلاناً باع خمراً، فقال: قاتل

الله فلاناً، ألم يعلم أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فحمّلوها فباعوها(1).

فالبخاري يروي الحديث عن شيخه، عن الحميدي، وهو ينقله عنه سماعاً لا أنه ينقل عن كتاب آخر، وعند الرجوع إلى مسند الإمام الحميدي، المتوفّى سنة 219ه-، أي قبل وفاة البخاري بأربعين عاماً، هناك ينقل هذا الحديث بهذه الكيفية حدثنا الحميدي، ثنا سفيان، ثنا عمرو بن دينار، قال: أخبرني طاووس، سمع ابن عباس يقول: بلغ عمر بن الخطاب أنّ سمرة باع خمراً، فقال: قاتل الله سمرة، ألم يعلم أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فحمّلوها فباعوها)(2).

فهنا نفس العبارات التي نقلت في البخاري والسند واحد، والاسم المذكور هو اسم سمرة بن جندب، الذي يعد من الصحابة، ولكن التلميذ، وهو البخاري، لم يراع الأمانة العلمية في هذا الحديث.


1) صحیح البخاري 3: 40.

2) مسند الحميدي 1: 9

ولا يمكن أن يقال هنا: إنّه اشتبه، بل إنه حذف الاسم حتى لا يُطعن في أحد من الصحابة، وحتى لو فرضنا أنه اشتبه ووهم ونسي، فمن يضمن لنا أنه في الأحاديث الأخرى التي ينقلها ويذكر فيها الأسماء، أو يحذفها يكون مصيباً أيضاً.

المورد الثاني:

ما جاء في صحيح مسلم عن أسامة بن زيد، قال: قيل له: ألا تدخل على عثمان فتكلمه؟ فقال: أترون أني لا أكلّمه ألا أسمعكم؟ والله لقد كلمته فيما بيني وبينه ما دون أن افتتح أمراً لا أحب أن أكون أوّل من فتحه، ولا أقول لأحد يكون علي أميراً أنه خير الناس بعد ما سمعت رسول الله له يقول: يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان مالك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟! فيقول: بلى قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه (1)

فقد طلبوا من أسامة بن زيد أن يذهب إلى عثمان ويكلمه، فقال أسامة: أنتم تتصورون أنى لا أتكلم معه، ليس بالضرورة أني أكلمه وأنتم تسمعون قد كلمته سراً، وتكلمت مع عثمان مرات عديدة، ولكنه لا يعجبني، ولا أريد أن أكون أوّل من يخالف عثمان ويخرج عليه، وبعد أن رأيت من عثمان ما رأيت لا ألتزم بأنه إذا صار أميراً علي فهو أفضل من جميع الناس، بعد ما سمعت رسول الله يقول: يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار


1) صحيح مسلم 8: 224 .

فتندلق أقتاب بطنه؛ يعني تخرج أمعاء بطنه من مكانها، فيدور بها هذا الإنسان كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان ما لك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟! فيقول: بلى، قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه.

والسؤال هنا: هل أن عثمان مصداق لهذا الحديث الذي نقله أسامة عن رسول الله صلّى الله عليه وآله سلم أو ليس بمصداق لهذا الحديث؟

فإن قيل: ليس مصداقاً، فلماذا أسامة ينقل الحديث في ذيل المكالمة عثمان؟ ولماذا جعل مسلم عثمان في هذا الحديث في باب (عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويأتيه)؟

فمن الواضح أن هذا المضمون وارد في عثمان، ولكن عند الرجوع إلى البخاري، صاحب صحيح البخاري، أصح كتاب بعد كتاب الله، نجده لم يراع الأمانة العلمية؛ فقد روى هذا الرواية بهذا الشكل:

حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، قال: قيل لأسامة: لو أتيت فلاناً فكلّمته؟ قال: إنّكم لترون أنّى لا أكلّمه إلّا أسمعكم، إنّي أكلمه في السر دون أن أفتح باباً لا أكون أوّل من فتحه، ولا أقول لرجل إن كان علي أمیرا أنه خير الناس بعد شيء سمعته من رسول الله صلّى الله عليه وآله سلم..

قالوا: وما سمعته يقول ؟

قال: سمعته يقول: يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون أي فلان ما شأنك؟ أليس كنت تأمر بالمعروف

وتنهى عن المنكر ؟! قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه أنهاكم عن المنكر وآتيه (1).

فهو نفس الحديث، ولكن حذف منه اسم عثمان.

فإن قيل: إنه اشتبه فيجاب: بأنه رواه في موضع آخر هكذا:

سمعت أبا وائل، قال: قيل لأسامة: ألا تكلّم هذا؟ قال: قد كلمته ما دون أن أفتح باباً أكون أوّل من يفتحه، وما أنا بالذي أقول لرجل بعد أن يكون أميراً على رجلين أنت خير.. (2)

والشراح صرّحوا أن المراد من فلاناً و هذا هو عثمان؛ قال ابن حجر: (لو أتين فلاناً فكلّمته، وجزاء الشرط محذوف، والتقدير: لك-ان صواباً، ويحتمل أن تكون (لو) للتمنّي، ووقع اسم المشار إليه عند مسلم من رواية أبي معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عن أسامة، قيل له: ألا تدخل على عثمان فتكلّمه، ولأحمد: عن يعلى بن عبيد، عن الأعمش: ألا تكلم عثمان)(3).

المورد الثالث:

روى مسلم عن ابن شهاب، أن عروة بن الزبير حدثه، أن عائشة قالت: ألا يعجبك أبو هريرة؟! جاء فجلس إلى جنب حجرتي يحدث عن النبي صلّى الله عليه وآله سلم يسمعني ذلك، وكنت أسبح ، فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو


1) صحيح البخاري 4 : 90.

2) صحيح البخاري 97:8

3) فتح الباري 13: 43.

أدركته لرددت عليه أن رسول الله صلّى الله عليه وآله سلم لم يكن يسرد الحديث کسردكم(1).

وكذلك ورد هذا الحديث في :مسند أحمد؛ قال: حدّثني عروة، عن عائشة أنّها قالت ألا يعجبك أبو هريرة؟! جاء فجلس إلى جنب حجرتي يحدث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله سلم، يسمعني ذلك، وكنت أسبّح، فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته لرددت عليه أن رسول الله صلّى الله عليه وآله سلم لم يكن يسرد الحدیث کسردكم(2).

والعبارة لابد أن تكون ألا يعجبك؛ لأن العجب ليس من التعجّب، وإنّما من: التعجيب، يعني: ألا تتعجب منه؟

وعند الرجوع إلى صاحب الأمانة وصاحب أصح كتاب بعد كتاب الله،فإنّه يروي هذه الرواية هكذا: عن ابن شهاب، أنه قال: أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت: ألا يعجبك أبو فلان؟! جاء فجلس إلى جانب حجرتي يحدث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله سلم يسمعني ذلك، وكنت أسبّح، فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته لرددت عليه أن رسول الله صلّى الله عليه وآله سلم ، لم يكن يسرد الحديث كسردكم (3).

فهو لم يقل: فلان، بل أبو فلان، وواضح أنه: أبو هريرة، ولكن أن يضيع هذا الاسم ليتستر على هذا الرجل، وأهم سبب لما فعله هو أنّه نقل


1) صحیح مسلم 7: 167.

2) مسند أحمد 6: 118.

3) صحيح البخاري 4: 168.

عنه أكثر من 440 رواية، فإذا كان مذموماً من عائشة زوج النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله سلم فلا تبقى لما نقل عنه قيمة.

البحث والتحقيق يؤدي لاتضاح الحقائق:

بعد التحاقه بالمدرسة الشيعية بدأ أرما بدراسة مصادر الفريقين ومناقشة أساتذته في المسائل الخلافية، فكانت الإجابات التي يدلون بها رصينة ومؤيَّدة بالأدلة من كتب أهل السنّة، الأمر الذي سار به - في نهاية المطاف - إلى أن يقرّر اتباع مذهب أهل البيت علیهم السلام ويتخلّى عن التعصّب الأعمى، وكان استبصاره عام 1418ه- ( 1998م) في العاصمة النيجرية«نيامي».

وبعد مرحلة الاستبصار هاجر إلى مدينة قم المقدسة لتنمية رصيده الديني في حوزاتها العلمية(1).


1) زار المستبصر «مركز الأبحاث العقائدية» عام 1426 ه- ليعلن عن التحاقه بمذهب أهل البيت علیهم السلام، وله ملف خاص في المركز.

(13) صالح عمر عروج

(مالكي - النيجر)

ولد عام 1392ه- (1973م) في مدينة «ماداوا» في النيجر، ذهب إلى المدارس الدينية هناك فحفظ القرآن الكريم ودرس متون علوم القرآن

والحديث الشريف وكتب فقه المالكية.

كان «صالح» يقضي أكثر وقته في مطالعة الكتب المختلفة لاسيما كتب التاريخ الإسلامي، فتعرّف على الخلاف الكبير بين المؤرخين في قضايا أساسية تتعلق بأصول العقيدة.

وكانت من أهم تلك المسائل مظلومية السيدة فاطمة الزهراء علیها السلام؛ إذ تعدّ الفاصل الأساسي لتمييز الحق من الباطل ومعرفة الصواب بشأن مسألة الخلافة بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله سلم.

ابن تيمية وحادثة الهجوم على دار السيدة الزهراء علیها السلام:

صرّح ابن تيمية بثبوت حادثة هجوم أبي بكر وأصحابه على دار الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والصديقة الشهيدة فاطمة الزهراء علیها السلام،

لكنّه حاول الاعتذار له ؛ قائلاً: «لو قُدّر أن أبا بكر آذاها فلم يؤذها لغرض نفسه، بل ليطيع الله ورسوله ويوصل الحق إلى مستحقّه...» (1).

ولكن هناك سؤال موجه لابن تيمية وأتباعه:

لماذا ندم أبو بكر في أخريات حياته على كشفه لبيت السيدة فاطمة الزهراء علیها السلام إن كان فعله طاعة الله ورسوله صلّى الله عليه وآله سلم، كما تزعمون؟

نصوص اعتراف أبي بكر وندمه في كتب أهل السُنّة:

روى قول أبي بكر: إنّي لا آسى على شيء من الدنيا إلّا على ثلاث فعلتهن ووددت أني تركتهن... وددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شيء وإن كانوا قد غلقوه على الحرب...، كثير من محدثي أهل السنة؛ منهم:

(1) أبو عبيد القاسم بن سلام (224ه-) في كتابه (الأموال)، ولكنّه أبهم بذم أبي بكر على كشفه بيت فاطمة علیها السلام، فقال: فوددت أني لم أكن فعلت كذا وكذا لخلّة ذكرها - قال أبو عبيد : لا أريد أن أذكرها ....(2)

(2) الحافظ سعيد بن منصور (227ه-) في سننه، وحسنّه، وكتابه السنن مفقود إلا جزء صغير منه ،مطبوع، ولكن أخرجه عنه الهندي في (كنز العمّال) (3)، وأسنده بعد أن أورد الحديث بطوله إلى أبي عبيد في كتاب الأموال، العقيلي، وخثيمة بن سليمان الطرابلسي في فضائل الصحابة، الطبراني، ابن عساكر، سعيد بن منصور، وقال: إنّه حديث حسن إلا أنه ليس فيه شيء عن النبي صلّى الله عليه وآله سلم... الخ.


1) منهاج السنة 4: 255.

2) الأموال لابن سلام: 174 .

3) كنز العمّال 5: 631 - 633.

(3) سئل أحمد بن حنبل (241ه-) عن قول أبي بكر بسند ليس فيه علوان بن داود، فقال: ليس بصحيح.

قال ابن قدامة المقدسي في:(المنتخب من علل الخلال): «قال مهنا: سألت أحمد عن حديث الليث بن سعيد، عن صالح بن كيسان، عن حميد بن عبيد الرحمن، عن أبيه: أنه دخل على أبي بكر في مرضه، فسلّم عليه، فقال: أما أني ما آسى إلا على ثلاث فعلتهن... الحديث؟ فقال أحمد: ليس صحيحاً قلت كيف ذا؟ قال: أخذ من كتاب ابن دأب، فوضعه على الليث.

قال الخلال: قال أبو بكر بن صدقة: روي هذا الحديث عن علوان بن داود البجلي، من أهل قرقيسيا، وهو يحدث بهذه الأحاديث عن ابن دأب، ورأيت هذا الحديث من حديثه عن دأب، وعلوان في نفسه لا بأس به»(1).

والسند المذكور أورده ابن عساكر في تاريخه، وقال في آخر الحديث: «كذا رواه خالد بن القاسم المدائني، عن الليث، وأسقط منه علوان بن داود. وقد وقع لي عالياً من حديث الليث، وفيه ذكر علوان...» (2)، ثم أورد السند.. فمن الواضح سقوط علوان في هذا السند لوجوده في سند كل من روى قول أبي بكر عن الليث وعن غيره.


1) المنتخب من علل الخلال: 296.

2) تأريخ مدينة دمشق 417:30.

وما قاله أحمد بن حنبل ونقله لكلام الخلال (311ه-) عن ابن صدقة (293ه-) من أن الحديث أخذ من كتاب ابن دأب، غير صحيح! لعدم وجود ذكر لابن دأب في جميع أسانيد الحديث عند كل من رواه على كثرتهم شيعة كانوا أم سُنّة، ولعلّ ما قاله الطبري في ذيل الحديث من تأكيده على اتصال السند بعلوان ردّ على ما قاله أحمد!

(4) ابن زنجويه حمید بن مخلّد (251ه-) في كتابه (الأموال)، ولكنّه أبهم كشفه بيت فاطمة علیها السلام في المورد الثاني أيضاً، وقال: «فوددت أني لم أكن فعلت كذا وكذا لشيء ذكره»، مع أنه صرّح به في المورد الأوّل (1)!

(5) ابن قتيبة الدينوري (276ه-) في كتابه (الإمامة والسياسة)، ورواه مرسلاً ولم يذكر له سند (2).

(6) البلاذري (279ه-) في كتابه (أنساب الأشراف)، رواه بسند آخر عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عوف، وليس فيه علوان (3).

(7) محمّد بن جرير الطبري ( 310ه-) في تاريخه، بسند عن الليث، عن علوان، وقال في آخره: «قال لي يونس: قال لنا يحيى: ثم قدم علينا علوان بعد وفاة الليث، فسألته عن هذا الحديث؟ فحدّثني به كما حدّثني الليث بن سعد حرفاً حرفاً، وأخبرني أنه هو حدّث به الليث بن سعد، وسألته عن اسم أبيه؟ فأخبرني أنه علوان بن داود»(4)، وكأن ما ذكره آخراً جواباً لما قاله أحمد بن حنبل الذي أوردناه آنفاً فلاحظ!


1) الأموال لابن زنجويه: 301.

2) الإمامة والسياسة لابن قتيبة (تحقيق الزيني) 1: 24.

3) أنساب الأشراف 346:10.

4) تاريخ الطبري 2: 619 - 620.

(8) العقيلي (322ه-) في كتابه (الضعفاء الكبير)، رواه بسنده عن سعيد بن كثير بن عفير عن علوان بن داود، ثم أورد له أسانيد أخرى عن الليث، ولكنه ضعف علوان، وقال: «لا يتابع على حديثه ولا يعرف إلّا به حدثني آدم بن موسى، موسی، قال: سمعت البخاري قال علوان بن داود البجلي، ويقال: علوان بن صالح منكر الحديث. وهذا الحديث حدثناه...»، ثم أورد الحديث في قول أبي بكر بالسند المذكور (1).

ومن الواضح أنه لم يجد تضعيفاً في علوان إلّا إنكار حديثه، فجعله منكر الحديث، ونقل ذلك عن البخاري - مع أنا لم نجده منقولاً عنه في غيره! ، وهذا مصداق من مصاديق ردّ الحديث بالرأي وتضعيف الرواة به، وإلا فقد سمعنا تحسين الحديث عن سعيد بن منصور كما ذكره المتقي الهندي، وعرفنا قول حافظ بغداد أنه أخذ من كتاب ابن دأب! ولوضوح خطئه وهو أن أسانيد الحديث على علوان بن داود التجأ العقيلي إلى تضعيفه بنكارة حديثه، وقد اتضح عدم صحّة ذلك.

نعم، نقل العقيلي عن سعيد بن عفير أنّه قال: كان علوان بن داود زاقولياً الزواقيل (2)، ومعنى الزواقيل:اللصوص، ولكنا قد عرفنا أن سعيد بن عفير أحد رواة هذا الحديث عن علوان، فلو كان علوان قد سرقه، فكيف يرويه سعيد عنه؟! وقد قال ابن عدي في سعيد: «لم أسمع أحداً ولا بلغني عن أحد من الناس كلاماً في سعيد بن كثير بن عفير، وهو عند الناس صدوق ثقة، وقد حدث عنه الأئمة من الناس...


1) الضعفاء الكبير 3: 419.

2) الضعفاء الكبير 3 422.

إلى أن قال: ولم أجد لسعيد بعد استقصائي على حديثه شيئاً مما ينكر عليه أنه أتى بحديث به برأسه، إلا حديث مالك عن عمه أبي سهيل، أو أتى بحديث زاد في إسناده إلا حديث غسل النبي صلّى الله عليه وآله سلم في قميص، فإن في إسناده زيادة عائشة، وكلا الحديثين يرويهما عنه ابنه عبيد الله، ولعل البلاء من عبيد الله، لأني رأيت سعيد بن عفير عن كل من يروي عنهم إذا روى عن ثقة مستقيم صالح»(1).

ومن كلامه يظهر أنّ ما رواه سعيد عن علوان ليس بمنكر، ولا يخفى ما في كلامه الأخير من توثيق لمن روى عنهم سعيد، ومنهم عوان، وكأن كلام ابن عدي جواب على العقيلي؛ فلاحظ!

(9) ابن عبد ربّه الأندلس (328ه-) في كتابه (العق الفريد)، رواه بسند عن الليث، عن علوان، عن صالح بن كيسان (2).

(11) خثيمة بن سليمان الطرابلسي (343ه-) في كتابه (فضائل الصحابة)، كما ذكره المتقي في (كنز العمّال)، وقد تم ذكر قوله سابقاً.

(12) الطبراني ( 360ه-) في كتابه (المعجم الكبير ) (3).

(13) سُئل عنه الدارقطني ( 385ه-) كما في ( علله)، فقال: «هو حديث يرويه شيخ لأهل مصر ، يقال له: علوان بن داود، واختلف عليه فيه، فرواه


1) الكامل لابن عدي 3: 411.

2) العقد الفريد 5: 21

3) المعجم الكبير للطبراني 1: 62.

عنه سعيد بن عفير عن حميد بن عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن صالح بن كيسان عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن أبي بكر، وخالفه الليث بن سعد فرواه عن علوان، عن صالح بن كيسان، بهذا الإسناد، إلّا أنّه لم يذكر بين علوان وبين صالح حميد بن عبد الرحمن، فيشبه أن يكون سعيد بن عفير ضبطه عن علوان؛ لأنه زاد فيه رجلاً، وكان سعيد بن عفير من الحفاظ الثقات »(1).

وينبغي الإشارة إلى أن هذا جواب آخر على ما زعمه أحمد بن حنبل من أن الحديث أخذ من كتاب ابن دأب وكما نرى أن الدارقطني لم

يضعف علوان، بل قال فيه: «شيخ لأهل مصر»، ولم يقل: شيخ من أهل مصر، والفرق واضح بينهما.

(14) الحاكم النيسابوري (405ه-) في كتابه (المستدرك على الصحيحين)، روى ما يخص ميراث العمة والخالة من هذا الحديث فحسب، وذلك بسنده عن سعيد بن عفير عن علوان(2).

(17) أبو نعيم الأصفهاني ( 430ه-) في كتابه (حليه الأولياء)، روى أوّله فقط بسنده إلى سعيد بن عفير (3)، وفي (معرفة الصحابة)، وروى أوّله أيضاً (4).


1) العلل للدارقطني 1: 181.

2) المستدرك على الصحيحين 343:4 .

3) حلية الأولياء 1: 69.

4) معرفة الصحابة 1: 57.

(18) ابن عساکر (571ه-) في كتابه (تاريخ مدينة دمشق)، رواه بعدة أسانيد كلّها عن علوان، إلّا واحد (1)، وقد أشرنا إليه وقلنا: إن فيه سقطاً.

(19) الذهبي (748ه-) في كتابه (تاريخ الإسلام) (2).

(20) نور الدين الهيثمي (807ه-) في كتابه (مجمع الزوائد)، وقال في آخره: «رواه الطبراني، وفيه علوان بن داود البجلي، وهو ضعيف، وهذا الأثر مما أنكر عليه» (3).

نقول: قد عرف جوابه ممّا سبق.

(21) ضياء الدين المقدسي (643ه-) في كتابه (الأحاديث المختارة)، بسند فيه سعيد بن عفير، عن علوان، وقال في آخره بعد أن أورد بعضاً م-ن ك-لام الدارقطني السابق: «قلت: وهذا حديث حسن عن أبي بكر إلا أنه ليس فيه شيء عن النبي ، وقد روى البخاري في كتابه غير شيء من كلام الصحابة»(4).

ورواه بعدهم غيرهم؛ أعرضنا عن إيرادهم اكتفاء بما أوردناه.

وتلخّص ممّا ذكر: أنّ حديث آسى أبى بكر؛ الذي قاله في مرض موته حسن عند القوم، ذكره جمع كبير من محدّثيهم، ولم يردّه أحد قبل أحمد بن حنبل بدعوى أنه مسروق من كتاب ابن دأب، ولم يتابعه في دعواه أحد، فالتجؤا في سعيهم لردّ الحديث بالطعن في رواية علوان بن


1) تاريخ مدينة دمشق 30: 421 - 423.

2) تاريخ الإسلام 3: 117.

3) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 5: 366.

4) الأحاديث المختارة 1: 88

داود من دون دليل، فنقل العقيلي عن البخاري أنه منكر الحديث من أجل إنكارهم لهذا الحديث بالذات، وهو ردّ للحديث وتضعیف رواته بالهوى؛

ثم تبع العقيلي جمع ممّن جاء بعده في تضعيف علوان من دون دليل. وبعد أن أثبتنا أنّ الحديث مروي عن علوان وليس مأخوذاً من كتاب ابن دأب، فإن سعيد بن منصور وهو متقدّم على أحمد بن حنبل حسنه، وتبعه في ذلك الضياء المقدسي، ورواه الحاكم في (المستدرك)، فلا يبقى لدعوى النكارة أو الوضع مجال.

وأما رواية علوان، فقد مدحه الدارقطني بقوله: «شيخ لأهل مصر»، وذكره ابن حبان في الثقات (1)، ولم ينكر على سعيد بن عفير روايته لهذا الحديث عن علوان .

وفوق كلّ ذلك، فإن للحديث سنداً آخر رواه البلاذري عن الزهري(2)، والزهري لا مطعن للقوم فيه.

النهاية السعيدة:

بعد فترة غير قصيرة من البحث والتحقيق بدأ «صالح» يتأثر بالمذهب الشيعي، فاستمر في بحثه حتى اتضحت له الصورة، فأعلن عن استبصاره عام 1416ه- (1996م) في مدينة نيامي في النيجر، ثم هاجر إلى إيران ليدرس علوم أهل البيت علیهم السلام في الحوزة العلمية، فبدأ بالمقدمات وتدرّج إلى مرحلة السطوح العالية وبحث الخارج، وحصل على شهادة اختصاص في الأديان والمذاهب (3).


1) الثقات لابن حبان 8: 526.

2) أنساب الأشراف 346:10.

3) للمستبصر ملف خاص في مركز الأبحاث العقائدية، وقد أملى استمارة المستبصرين هناك.

(14) عبد العزيز ميغا

(مالكي - النيجر )

ولد عام 1391ه- (1972م) بمدينة «نيامي» في النيجر، ونشأ في أوساط عائلة تعتنق المذهب المالكي، واصل«عبد العزيز» دراسته الأكاديمية حتى نال شهادة البكالوريوس في اللغتين العربية والفرنسية.

بالرغم من كونه مالكي المذهب كان عبد العزيز» دائم الحضور في جلسات الشيعة التي يديرها أحد المبلغين في النيجر، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على عدم التعصب وتفتح الذهن، فالمؤمن ينشد الحكمة، وكما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام: «الحكمة ضالة المؤمن» (1)، وبهذا كان يحقق فائدة كبيرة من حضوره هذه الجلسات الدورية.

نقطة التحوّل :

كان كلام الشيخ المبلّغ وأسلوب طرحه جذاباً ومؤثراً؛ وذلك لأنه كان يتبع الدقة والموضوعية في تناول المسائل، وهذا ما جعل «عبد العزيز»

يحرص كل الحرص على المتابعة والاستفسار والتحقيق.


1) نهج البلاغة 4: 18.

وقد اكتشف خلال هذه الفترة الكثير من الأمور الخافية على أبناء العامة، وعرف زيف الكثير من الأمور، فبدأت فكرة الانتقال والتحول إلى التشيع تتبلور في ذهنه، وأخذ يطالع ويناقش أكثر فأكثر ليكون استبصاره عن بينة وعلم.

كما توصل إلى أن علماء الشيعة الإمامية يمتلكون قوة هائلة في الدفاع عن عقائدهم؛ حيث أنهم لا يعتمدون في ذلك على مصادرهم الخاصة، بل يثبتون مذهبهم من كتب غيرهم، ويلزمون الآخر بما ألزم به نفسه.

قاعدة الإلزام في المسائل الخلافية:

المراد من الإلزام هو الحكم على الخصم بما اعتبر في مذهبه، فهو إلزام عليه، وإن كان غير موافق لمذهبنا.

وعليه اصطلح الفقهاء بعبارتهم: «ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم »المقتبسة من عدة روايات؛ منها:

ما رواه علي بن أبي حمزة ، عن أبي الحسن علیه السلام- بشأن مسألة المطلّقة على غير السُّنّة ؛ إذ قال: «ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم»(1)

والتي تدل عليها بشكل عام صحيحة محمد بن مسلم عن الإمام الباقر علیه السلام؛ إذ قال: سألته عن الأحكام؟ قال علیه السلام: «يجوز على أهل كل ذي دين ما يستحلّون»(2).


1) الاستبصار 3: 292

2) الاستبصار 4 :148

ولا يخفى أن هذا الأسلوب الإلزامي العقلي استعمل في الكتاب العزيز في آيتين كريمتين - على الأقل - قد تدلان على شمولية قاعدة الإلزام، وصحّة استعمالها في عامّة الأبواب، مضافاً إلى الموارد الفقهيّة التي دلّت عليها الأخبار، وهما:

قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّ-هُ المُلكَ إِذ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحيي وَأُمِيتُ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَعْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي القَومَ الظَّالِمِينَ}(1). وقوله عزّ وجلَّ: {يَا مَعشَرَ الجِنِّ وَالإِنسِ أَلَم يَأْتِكُم رُسُلٌ مِنكُم يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُم لِقَاءَ يَومِكُم هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتَهُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِم أَنَّهُم كَانُوا كَافِرین}(2)

ومن الواضح أن التحديد في الأخبار لا يستلزم في نفسه التقييد بأبواب دون أخرى، وأن ظهور قاعدة الإلزام في بعض الأبواب الفقهيّة بكثرة دون غيرها ربما كان لأجل عموم البلوى بها، وليس للتقييد، وعليه قد يقال بعدم اقتصار موضوع القاعدة شرعاً على الموارد الفقهيّة فحسب، بل تتوسّع إلى مجالات أرحب؛ لأنّ موضوعها لمختلف الأبواب غير الفقهيّة أوسع بكثير


1) البقرة: 258.

2) الأنعام: 130.

ممّا يظن أنه القدر المتيقن ، إضافة إلى وضوح عموم موردها إلى القضايا العقديّة، والتاريخيّة، وغيرها.

هذا وقد ورد أنّ الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام استخدم الإلزام في باب الاحتجاج على أعدائه ممن آذوه وزوجته الطاهرة الصديقة الزهراء علیها السلام؛ لمّا قادوه كالجمل المخشوش إلى مبايعة أبي بكر، فأنكر عليهم ذلك وقال لهم:

«أنا أحق بهذا الأمر منكم لا أبايعكم، وأنتم أولى بالبيعة ل-ي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار، واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي، وتأخذونه منا أهل البيت غصباً؟.. ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم لما كان محمد منكم، فأعطوكم المقادة، وسلّموا إليكم الأمارة، وأنا أحتجّ عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار.. نحن أولى برسول حياً وميتاً، فأنصفونا إن كنتم تؤمنون، وإلا فبوؤا بالظلم وأنتم تعلمون...» (1)وقال علیه السلام في موضع آخر: «واعجباً أن تكون الخلافة بالصحابة، ولا تكون بالصحابة والقرابة»؟!(2).

فكأنّه علیه السلام يستنكر عليهم بأنه إذا كان هكذا فلماذا لا تعطونيها؟.. فإنّي أحق بها منكم؛ نظراً لما تدعوه من الصحبة للنبي، وقرابتكم منه، مع أنني من أفضل صحابته ومن قرابته باعتقادكم، ولا أحد ينكر ذلك، فكان إنكاره واحتجاجه عليهم من باب الإلزام إتماماً للحجة وإبلاغاً للمحجة.


1) الاحتجاج 1 ،95 السقيفة وفدك: 62، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6: 11.

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 18: 416.

اعتناق مذهب الفرقة الناجية

بعد أن قضى «عبد العزيز» أياماً كثيرة في مجال التحقيق والتدقيق والبحث والتنقيب في مختلف الكتب الإسلامية ومطالعة مصنفات علماء الإمامية بانت له الحقائق، وعرف أن أهل البيت علیهم السلام قد دفعوا عن حقّهم، وأن النبي صلّی الله علیه وآله وسلم أوصى بهم وأوجب إتباعهم باعتبارهم عدل القرآن وحبل الله المتين، فأعلن عن استبصاره عام 1417ه- (1997م) في مدينة «نيامي» النيجرية، شاكراً الله تعالى أن وفّقه ومن عليه بهذه النعمة العظيمة(1).


1) للمستبصر ملف خاص في مركز الأبحاث العقائدية»، وله محاضرة قيمة ذكر فيها قصة الاستبصار.

(15) محمد ثاني غوندا

(سني - النيجر)

ولد عام 1394ه- ( 1975م) في مدينة «مرادي» في النيجر، وتربّى في أسرة سنّية المذهب.

ذهب «محمّد» إلى مدينة «نيامي» لدراسة العلوم الدينية، فقرأ المقدمات في الفقه والحديث، وكان يبحث عن أستاذ يعلمه اللغة العربية

بشكل متكامل كي يستطيع التعامل مع المصادر الإسلامية بشكل دقيق. يقول «محمد»: كنت في الصف الأول الثانوي مشتاقاً إلى تعلم اللغ--ة العربية، فمنذ ما سمعت بافتتاح دورة تعليم العربية ذهبت فسجلت فيها، وهناك سمعت بالشيعة الإمامية وبعض عقائدهم، فذهبت إلى المكتبة للبحث عن معتقداتهم، فرأيت «الوهابية في الميزان»، وكتاب «فاسألوا أهل الذكر»، وكتب أخرى، ثم استمعت لمحاضرات أحد علماء مذهب أهل البيت علیهم السلام ، وكنت أسأله بشان ما يصعب علي فهمه.

الاستبصار وهداية المجتمع :

انتقل «محمّد» بعد فترة إلى غانا، فالتقى هناك أيضاً بأحد علماء الشيعة، وكان حاصل محادثاته معه ازدياد بمعرفة أهل البيت علیهم السلام ، فصار يحترم

الشيعة الإمامية، ويبحث في المسائل الخلافية فيرجع لمصادر الشيعة كي يقرأ ما يستدلون به بنفسه إلى أن أصبح لديه الاقتناع التام بأحقّية مذهب أهل البيت علیهم السلام ، فاستبصر عام 1416ه- (1996م) في مدينة «نيامي»(1).

يقول «محمّد»: واجهت بعد الاستبصار صعوبات من قبل أسرتي وشيوخ الوهابية في مدينتي، لكن بعد النقاش الطويل وفقت لإقناع أسرتي أن يتقبلوا مذهبي الحق، فاستبصر على يدي من عائلتي أربعة ومن غيرهم عشرات، والعدد في ازدياد.

علماء الشيعة وأهل السنّة:

هذا؛ وقد لفتت نظر «محمّد» مسألة مهمة، وهي: فتاوى وآراء مراجع وعلماء الشيعة في شتّى المجالات، فقد بسطوا القول في المسائل الدينية والخلافية وبينوا موقف أتباع مدرسة أهل البيت علیهم السلام ، بالنظر للكتاب والسنة، ومع رعاية شتّى الظروف المحيطة بهذا المجتمع.

ويمكن الإشارة إلى نموذج من هذه المواقف في عصرنا الحالي، فقد جاء في إحدى بيانات مكتب سماحة السيد السيستاني (حفظه الله) حول الوحدة الإسلامية ونبذ الفتنة الطائفية:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

{وَاعتَصِمُوا بحبل اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا}


1) أملى المستبصر استمارة المستبصرين في مركز الأبحاث العقائدية، وقد عمل المستبصر مسؤولاً للثقافة وأميناً لمكتبة أهل البيت علیهم السلام في نيامي.

تمر الأمة الإسلامية بظروف عصيبة وتواجه أزمات كبرى وتحديات هائلة تمس حاضرها وتهدد مستقبلها، ويدرك الجميع - والحال هذه - مدى الحاجة إلى رص الصفوف ونبذ الفرقة والابتعاد عن النعرات الطائفية والتجنّب عن إثارة الخلافات المذهبية، تلك الخلافات التي مضى عليها قرون متطاولة ولا يبدو سبيل إلى حلها بما يكون مرضيّاً ومقبولاً لدى الجميع، فلا ينبغي إذاً إثارة الجدل حولها خارج إطار البحث العلمي الرصين، ولاسيما أنها لا تمس أصول الدين وأركان العقيدة، فإن الجميع يؤمنون بالله الواحد الأحد وبرسالة النبي المصطفى صلّی الله علیه وآله وسلم وبالمعاد وبكون القرآن الكريم - الذي صانه الله تعالى من التحريف - مع السنة النبوية الشريفة مصدراً للأحكام الشرعية وبمودة أهل البيت عليهم السلام، ونحو ذلك ممّا يشترك فيها المسلمون عامة ومنها دعائم الإسلام : الصلاة والصيام والحج وغيرها .

فهذه المشتركات هي الأساس القويم للوحدة الاسلامية، فلا بد من التركيز عليها لتوثيق أواصر المحبة والمودة بين أبناء هذه الأمة، ولا أقل من العمل على التعايش السلمي بينهم مبنياً على الاحترام المتبادل وبعيداً عن المشاحنات والمهاترات المذهبية والطائفية أيّاً كانت عناوينها . فينبغي لكل حريص على رفعة الإسلام ورقي المسلمين أن يبذل ما في وسعه في سبيل التقريب بينهم، والتقليل من حجم التوترات الناجمة عن بعض التجاذبات السياسية؛ لئلا تؤدي إلى مزيد من التفرق والتبعثر وتفسح

المجال لتحقيق مآرب الأعداء الطامعين في الهيمنة على البلاد الإسلامية والاستيلاء على ثرواتها.

ولكن الملاحظ - وللأسف - أن بعض الأشخاص والجهات يعملون على العكس ذلك تماماً من أ ويسعون لتكريس الفرقة والانقسام وتعميق هوة الخلافات الطائفية بين المسلمين، وقد زادوا من جهودهم في الآونة الأخيرة بعد تصاعد الصراعات السياسية في المنطقة واشتداد النزاع على السلطة والنفوذ فيها، فقد جدوا في محاولاتهم لإظهار الفروقات المذهبية ونشرها، بل والإضافة عليها من عند أنفسهم مستخدمين أساليب الدس والبهتان لتحقيق ما يصبون إليه من الإساءة إلى مذهب معين والتنقيص من حقوق أتباعه وتخويف الآخرين منهم.

وفي إطار هذا المخطط تنشر بعض وسائل الإعلام - من الفضائيات ومواقع الانترنيت والمجلات وغيرها - بين الحين والآخر فتاوى غريبة تسيء الى بعض الفرق والمذاهب الاسلامية وتنسبها إلى سماحة السيد دام ظله في محاولة واضحة للإساءة إلى موقع المرجعية الدينية وبغرض زيادة الاحتقان الطائفي وصولاً إلى أهداف معينة.

إن فتاوى سماحة السيّد دام ظلّه إنّما تؤخذ من مصادرها الموثوقة - ككتبه الفتوائية المعروفة الموثقة بتوقيعه وختمه - وليس فيها ما يسيء إلى المسلمين من سائر الفرق والمذاهب أبداً، ويعلم من له أدنى إلمام بها كذب ما يقال وينشر خلاف ذلك.

و يضاف إلى هذا أن مواقف سماحته والبيانات الصادرة عنه خلال السنوات الماضية بشأن المحنة التي يعيشها العراق الجريح، وما أوصى ب-ه أتباعه ومقلّديه في التعامل مع إخوانهم من أهل السنّة من المحبة والاحترام، وما أكد عليه مراراً من حرمة دم كل مسلم سنياً كان أو شيعياً وحرمة عرضه وماله والتبرؤ من كلّ من يسفك دماً حراماً أيّاً كان صاحبه .... كلّ هذا يفصح بوضوح عن منهج المرجعية الدينية في التعاطي مع أتباع سائر المذاهب ونظرتها إليهم، ولو جرى الجميع وفق هذا المنهج مع من يخالفونهم في المذهب لما آلت الأمور إلى ما نشهده اليوم من عنف أعمى يضرب كل مكان وقتل فظيع لا يستثني حتى الطفل الصغير والشيخ الكبير والمرأة الحامل و إلى الله المشتكى.

نسأل الله تبارك و تعالى أن يأخذ بأيدي الجميع إلى ما فيه خير هذه الأمة وصلاحها إنه على كلّ شيء قدير.

مكتب السيد السيستاني (دام ظله) النجف الاشرف

14 /المحرم / 1428

2007/2/3

http://www.sistani.org/arabic/statement/1504/

(16) إبراهيم عبد الرزاق

(مالكي - نيجيريا)

ولد في ما يقارب عام 1410ه- في محافظة «كنسا» في «نيجيريا»، وتربّى في أسرة مالكية المذهب، فسار على نهجها، وواصل دراسته الجامعية في حقل العلوم السياسية.

كان أحد جيرانه من الشيعة الاثني عشرية إلا أنه لم يكن يروق له البحث معه حول الاختلافات بين المذاهب الإسلامية، وذلك لما كان يمليه

عليه مذهبه، يقول «إبراهيم»: لدينا قاعدة في المذهب المالكي تشير إلى ضرورة عدم البحث في الوقائع التي جرت بعد وفاة الرسول صلّى الله عليه وآله سلم والسكوت عنها ، ولذا لم أبحث عن مدى أحقية المذهب الشيعي.

الحلم الذي أيقضني:

استمر الحال بإبراهيم حتى رأى رؤيا عجيبة دفعته للبحث حول المذهب الصحيح الذي ارتضاه الله تعالى لعباده، يقول: رأيت السيّدة الزهراء والامام الحسين علیهما السلام يوماً في المنام، فقالت لي الزهراء علیها السلام: أريد

زيارة أولياء الله، ثم ذهبت مع الإمام الحسين ع الله إلى دار جارنا الشيعي، وقالت: أهل هذا البيت من أولياء الله.

وبعد النهوض من النوم قرّرت التحقيق حول المذهب الشيعي لأرى مدى صحته.

وهكذا بدأ «إبراهيم» بالتحقيق حول مذهب شيعة أهل البيت عليهم السلام من خلال دراسة الكتب التي تبين مبانيه والأدلة التي تدل على ضرورة اتّباعه والتديّن به.

سلوني قبل أن تفقدوني:

يرى العقل السليم النابذ للعصبية أن الحري بالمسلم أن يأخذ دينه ممن يكون عالماً بجميع أحكام الدين، ولم يشهد التاريخ بعد وفاة الرسول الاکرم صلّى الله عليه وآله سلم لأحد تكون له هذه المكانة السامية سوى أمير المؤمنين علیه السلام، فهو من كان الصحابة يسألونه عن شتى المسائل العلمية والفقهية، ولم يذكر التاريخ أنه علیه السلام توقف في مسألة أو معضلة، حتى قال قائلهم : لا أبقاني الله المعضلة ليس لها أبو حسن (1).

والملفت للنظر أنّه الله لم يتهرب من صعاب المسائل، بل كان يطلب من الصحابة أن يسألوه عمّا يجهلونه.

وقد ذكرت المصادر التاريخية عبارة «سلوني قبل أن تفقدوني»عن أمير المؤمنين علیه السلام في مواقف عديدة حتى أن أحمد بن حنبل ذكر في


1) أنساب الأشراف 2 : 100 ، والقائل هو عمر بن الخطاب .

كتابه «فضائل الصحابة»، عن سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد - قال: أراه عن سعيد - قال: لم يكن أحد من أصحاب النبي صلّى الله عليه وآله و سلم يقول: سلوني، إلّا علي بن أبي طالب(1).

كما روي عن محمّد بن فضيل أنّه قال: سمعت ابن شبرمة يقول: ما كان أحد يقول على المنبر: سلوني عن ما بين اللوحين، إلّا علي بن أبي طالب (2).

وقال ابن أبي الحديد المعتزلي: روى صاحب كتاب الاستيعاب، وهو أبو عمر محمد بن عبد البر، عن جماعة من الرواة والمحدثين، قالوا: لم يقل أحد من الصحابة رضي الله عنهم: «سلوني» إلّا علي بن أبي طالب، وروى شيخنا أبو جعفر الإسكافي في كتاب «نقض العثمانية» عن علي بن الجعد، عن ابن شبرمة، قال: ليس لأحد من الناس أن يقول على المنبر: سلوني، إلّا علي بن أبي طالب علیه السلام (3).

والحري بالذكر أنه لم يدع مقامه في ذلك أحد غيره، ولم يزالوا أيام حياته يسألونه، ولم يسأل هو أحداً منهم (4).


1) فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل 2: 802، برقم 1098 ، وقال محقق الكتاب في الهامش: إسناده صحيح. كما روى ابن عبد البر هذا الحديث في الاستيعاب 3 : 1103 ، بسنده عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال : ما كان أحد من الناس يقول : «سلوني« غير علي بن أبي طالب

2) تاریخ مدينة دمشق 42 :399.

3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 7: 46.

4) ذكر ذلك القاضي نعمان في شرح الأخبار 2 : 217 .

وقد اختلفت الأحاديث التي ذكرت قول الإمام علیه السلام هذا زماناً ومكاناً. فقد روى الشيخ الصدوق في أماليه بسنده عن الأصبغ بن نباتة، قال: لما جلس علي علیه السلام في الخلافة وبايعه الناس، خرج إلى المسجد متعمماً بعمامة رسول الله صلّى الله عليه وآله و سلم، لابساً بردة رسول الله ، منتعلاً نعل رسول الله صلّى الله عليه وآله و سلم،متقلداً سيف رسول الله صلّى الله عليه وآله و سلم. رسول الله ، فصعد المنبر ، فجلس عليه متمكناً، ثم شبك بین أصابعه، فوضعها أسفل بطنه، ثم قال:

«يا معشر الناس، سلوني قبل أن تفقدوني، هذا سفط العلم، هذا لعاب رسول الله صلّى الله عليه وآله و سلم، هذا ما زقني رسول الله صلّى الله عليه وسلم زقاً زقاً، سلوني فإن عندي علم الأولين والآخرين، أما والله لو ثنيت لي وسادة، فجلست عليها، لأفتيت أه-ل التوراة بتوراتهم حتى تنطق التوراة فتقول: صدق علي ما كذب، لقد أفتاكم بما أنزل الله فيّ، وأفتيت أهل الإنجيل بإنجيلهم حتى ينطق الإنجيل فيقول: صدق علي ما كذب، لقد أفتاكم بما أنزل الله في، وأفتيت أهل القرآن بقرآنهم حتى ينطق القرآن فيقول: صدق علي ما كذب، لقد أفتاكم بما أنزل الله في، وأنتم تتلون القرآن ليلاً ونهاراً .

.. سلوني قبل أن تفقدوني، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لو سألتموني عن أية آية في ليل أنزلت، أو في نهار أنزلت مكيها ومدنيها

سفريها وحضريها ، ناسخها و منسوخها ، ومحكمها ومتشابهها، وتأويلها وتنزيلها، إلا أخبرتكم »(1)


1) الأمالي للشيخ الصدوق : 422 ، وراجع: التوحيد : 305 ، والاختصاص: 235 و 236 .

كما روي عنه علیه السلام أنّه قال: أيها الناس! سلوني قبل أن تفقدوني، فلأنا بطرق السماء أعلم مني بطرق الأرض (1)، قبل أن تشغر برجلها فتنة تطأ في خطامها (2)، وتذهب بأحلام قومها (3).

وأيضاً عنه علیه السلام: «سلوني قبل أن تفقدوني، أما والله لتشغرن الفتنة الصماء برجلها، وتطأ في خطامها» (4).

وأيضاً عنه علیه السلام في الكوفة على المنبر: «سلوني قبل أن تفقدوني! فوالله ما بين لوحي المصحف آية تخفى علي فيم أنزلت، ولا أين أنزلت، ولا ما عني بها»(5).

وكذلك عنه علیه السلام :«سلوني قبل أن تفقدوني! فان بين جنبي علوماً كالبحار الزواخر»(6).


1) قال ابن أبي الحديد في تعليقة له على هذه العبارة: المراد بقوله: «فلأنا أعلم بطرق السماء بطرق الأرض ، ما اختص به من العلم بمستقبل الأمور ، ولا سيما في الملاحم والدول، وقد صدّق هذا القول عنه ما تواتر عنه من الإخبار بالغيوب المتكررة، لا مرة ولا مائة مرة، حتى زال الشك والريب في أنه إخبار عن علم، وأنه ليس على طريق الاتفاق، وقد ذكرنا كثيراً من ذلك فيما تقدم من هذا الكتاب شرح نهج البلاغة 13 : 106.

2) قال محمّد عبده في شرحه لهذه الفقرة من كلامه علیه السلام : شعر برجله: رفعها. ثم الجملة كناية عن كثرة مداخل الفساد فيها، من قولهم بلدة شاغرة برجلها: أي معرضة للغارة لا تمتنع عنها. وتطأ في خطامها، أي: تتعثّر فيه كناية عن إرسالها وطيشها وعدم قائد لها.

3) نهج البلاغة (شرح محمّد عبده) 2 : 130 .

4) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6 : 136.

5) تاريخ مدينة دمشق 17 : 335 و 42 : 397.

6) ينابيع المودة 1 : 310.

وأيضاً عنه علیه السلام:«سلوني قبل أن تفقدوني فإن بين الجوانح منّي علماً جماً، هاه هاه ألا لا أجد من يحمله ألا وإني عليكم من الله الحجة البالغة ف-{ لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَاب الْقُبُور}»(1).

وتارة: «سلوني قبل أن تفقدوني ولن تسألوا بعدي مثلي »(2).

وتارة: «سلوني قبل أن لا تسألوني ولن تسألوا بعدي مثلي»(3).

حتى روي عنه أنه قال في أصعب المواقف وأشدها - بعد أن ضرب على قرنه من قبل المرادي - : «اسألوني قبل أن تفقدوني، وخفّفوا سؤالكم لمصيبة إمامكم»،فبكى الناس عند ذلك بكاءً شديداً، وأشفقوا أن يسألوه تخفيفا عنه (4).

من قالها غير أمير المؤمنين علیه السلام:

روي عن الإمام علي علیه السلام أنه كان يخطب في الكوفة، فقال: «سلوني قبل أن تفقدوني فإني لا سئلت عن شيء دون العرش إلا أجبت فيه، لا يقولها بعدي إلا مدع أو كذاب مفتر»(5).


1) التوحيد للشيخ الصدوق : 92 ، وراجع: تفسير العياشي 2 : 282 ، والآية في سورة الممتحنة (60) : 13.

2) المستدرك على الصحيحين 2 : 352 ، وقال بعد ذكره للحديث : هذا حديث صحيح عال، وبسام بن عبدالرحمن الصيرفي من ثقات الكوفيين ممن يجمع حديثهم ولم يخرجاه

3) المستدرك على الصحيحين 2 : 466 ، وقال بعد ذكره للحديث : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وكذا السير والمغازي لابن اسحاق 4 : 185 ، وتفسير الطبري 13 : 289 .

4) بحار الأنوار 42 : 290 .

5) إرشاد القلوب للديلمي 2 : 377 ، وفي كنز العمال 13 : 165 ما نصّه: .. فاني لا أسأل عن شيء دون العرش إلا أخبرت عنه .

ومع ذلك فقد ذكرت المصادر التاريخية أنّ البعض تجرأ للتفوه بتلك العبارة بعده علیه السلام، ولكنه أفحم فلم يرد جوابا، ففي شجرة طوبى(1)

لما ورد قتادة من الشام إلى الكوفة قال يوماً على المنبر: إن علي بن أبي طالب قال في مسجدكم هذا: «سلوني قبل أن تفقدوني»، وأنا أقول مثل قوله أيضاً، فقام إليه رجل، فسأله عن النملة التي كلمت سليمان كانت ذكراً أم أنثى ؟ فافحم ولم يرد جوابا (2).

وفي الأثر: أن مقاتل بن سليمان أسند ظهره يوماً إلى الكعبة، وقال: سلوني قبل أن تفقدوني، سلوني عما دون العرش فأخبركم، فقال له رجل: أول حج حجها آدم من حلق رأسه (3)؟ قال: لا أدري. وقال له غيره: الذبابة أمعاؤها في مقدمها أم في مؤخرها؟ فتحير(4).

وقال البياضي العاملي في الصراط المستقيم:

ممّا سمعناه مذاكرة أن ابن الجوزي قال على المنبر: سلوني قبل أن تفقدوني، فسألته امرأة عمّا روي أن علياً سار في ليلة إلى سلمان فجهزه ورجع، فقال: روي ذلك. قالت: وعثمان تم ثلاثة أيام منبوذا في مزابل البقيع وعلي حاضر ؟ قال: نعم. قالت: فقد لزم الخطأ لأحدهما. فقال: إن كنت خرجت من بيتك بغير إذن بعلك فعليك لعنة الله، وإلّا فعليه. فقالت: خرجت عائشة إلى حرب علي بإذن النبي أو لا ؟ فانقطع (5).


1) شجرة طوبى 1 :67 .

2) وكذا راجع من ذكر القصة في تفسير الكشاف 3 : 142 ، تفسير الرازي 24 : 187 ، و تفسير الآلوسی 19 : 177.

3) في سير أعلام النبلاء 7 : 202 ، ما نصه: لما حج آدم، من حلق رأسه ؟ .

4) وكذا راجع: ضعفاء العقيلي 4 : 239 و تاريخ مدينة دمشق 60 : 127 .

5) الصراط المستقيم 1 : 218 .

دلالة حديث سلوني:

ليس من الغلو إن قيل: إن هذه العبارة تنبئ عن أن قائلها عالم بجميع علوم الدين دقيقها وجليلها، بل على كل ما يجوز أن يسأل عنه سائل، ويسترشد إليه جاهل، فإنّ عدم تحديده لما يسأل عنه يكشف أنه باب العلم الذي يمده من لا يعزب عن علمه مثقال ذرة .

وقد ردّ الشريف المرتضى من ادعى بأن قوله علیه السلام هذا إنّما يدلّ على عظم المحل في العلم من غير أن يدلّ على الإحاطة بالجميع، فقال: وأما قوله علیه السلام: «سلوني قبل أن تفقدوني»، وقوله: «إن هاهنا لعلماً جماً» إلى غير ذلك، فإنّه لا يدل على عظم المحل فى العلم فقط .. بل هو قول واثق بنفسه آمن مِن أن يُسأل عما لا يعلمه، وكيف يجوز أن يقول مثله على رؤوس الأشهاد وظهور المنابر «سلوني قبل أن تفقدوني» وهو يعلم أن كثيراً من الأحكام في الدين يعزب عنه ؟! وأين كان أعداؤه والمنتهزون لفرصته وزلّته عن سؤاله عن مشكل المسائل، وغوامض الأحكام(1)؟!

الاستبصار وهداية المجتمع :

بعد أن رجع إبراهيم إلى رشده وراجع العديد من المصادر التي بحثت الاختلاف بين المذاهب الاسلامية اقتنع بمبادئ المذهب الشيعي ومبانيه، فأعلن عن استبصاره والتحاقه بهذا المذهب.

عندها وصل خبر استبصاره إلى خطيبته ، فواجهته بنوع من الاستغراب والحزن، واستفسرت عن صحة الخبر ممتعضة لما كانت قد سمعته من


1) الشافي في الإمامة 4 : 178.

الافتراءات حول المذهب الشيعي، فعرض عليها «إبراهيم» المذهب الشيعي ورؤآه الحقيقية، فاقتنعت هي الأخرى بها، وأعلنت عن اعتناق هذا المذهب. ثم قرّر إبراهيم شد الرحال لتلقي معارف أهل البيت الله، فسافر إلى مدينة قم المقدسة لتلقي هذه التعاليم ليكون قادراً بعد ذلك على تبليغ المذهب في بيئته التي نشأ بها (1).


1) للمستبصر لقاء مع مجلة آفاق باللغة الفارسية، وقد ذكرت صحيفة أفق الحوزة في عددها ال- 314 مقتطفات من هذا اللقاء، وفيه سيرة المستبصر قبل الاستبصار وبعده، والأمور التي تأثر بها في هذا المجال .

(17) إبراهيم محمّد باي

(مالكي - نيجيريا)

ولد عام 1393ه- (1973م) في مدينة كانو في نيجيريا، ونشأ في أسرة مالكية المذهب، ومنذ بداية بلوغه ذهب إلى المدرسة الدينية في مدينته، فقرأ فيها كتب علوم الحديث والفقه المالكي وأصول العقيدة واللغة؛ إلى جانب العلوم الأكاديمية.

شائت الأقدار الإلهية أن يواجه إبراهيم بعد رشده ونموه الفكري مبلغاً شيعياً يحث الناس على اتباع النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله و سلم والعترة الطاهرة علیهم السلام من بعده على ضوء الكتاب الكريم والسنة الصحيحة.

التأثر بأحد المبلغين الشيعة:

يقول إبراهيم عن ذلك: «كنت أسمع عن أس-تاذ شيعي ينشر عقائد الشيعة بين الشباب، ويجري حوارات علمية مع مشايخ الوهابية، وبعد أن حضرت تلك الندوات رأيت أنّه كلّما جلس مع هؤلاء يقوم منتصراً مع صغر سنه، ومن هذا المنطلق بدأت بالتساؤل بشأن مختلف مسائل العقيدة

من أساتذتي وكبار ،قومي، وبعد ذلك بدأت علامات الاستفهام حول معتقدي تزداد في ذهني، يوماً بعد آخر..

لذلك أخذت أوراقي وقلمي واتخذت مكتبة الجامعة مسكناً لي لفترة طويلة؛ مستخدماً تلك المصادر؛ لأستخرخ منها النصوص التي كان يذكرها الأستاذ الشيعي أثناء محاضراته ومناظراته، وبعد المراجعة تبين لي أن ما يقوله حق بلا أي شك وريب..

فبدأت أقترب إلى الأستاذ واسأله مختلف الأسئلة، واستمر بحثي شهوراً عديدة، وفي كل تلك الفترة لم أسمع وأرى منه التصرفات التي كنت أسمع من وسائل إعلام الوهابية أنها موجودة في كل شيعي، بل كانت أخلاقه حسنة جداً، وكنت أشاهد حسن سلوكه كل يوم.. الأمر الذي لم أراه في أساتذتنا الوهابيين السعوديين، وغيرهم طوال السنين..

فبعد ذلك البحث والتنقيب والتدقيق تبيّن لي أن أكثر ما يقال بشأن الشيعة ما هو إلا اتهام وافتراء، لا أساس له من الصحة أبداً.. وكان لأدلة الشيعة الإمامية على بطلان نظرية عدالة كلّ صحابي، وثبوت عصمة أهل البيت علیهم السلام من خلال آية التطهير، والأحاديث المتواترة الكثيرة الواردة بشأن مسألة الإمامة؛ الأثر البالغ على اعتناقي مذهب أهل البيت علیهم السلام

وقفة مع آية التطهير واختصاصها بالخمسة أصحاب الكساء:

بعد اتضاح دلالة آية التطهير على طهارة أهل البيت من الدنس والذنوب، كبيرها وصغيرها، يأتي السؤال عن المعنيّيين بهذه الآية.

ومن هنا فنقول:

دلت الأخبار الصحيحة المتظافرة عن النبي صلّى الله عليه وآله و سلم أن المراد من أهل البيت في هذه الآية: النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين. وروى ذلك عدد كبير من الصحابة، وإليك بعض ما جاء في ذلك:

أخرج مسلم عن عائشة، قالت خرج النبي صلّى الله عليه وآله و سلم غداة، وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثمّ جاءت فاطمة فأدخلها، ثمّ جاء علي فأدخله، ثمّ قال:{ اِنَّمَا يُريد اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّجسَ أَهْلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تطهيرا} (1).(2)

وأخرج الترمذي عن أم سلمة، قالت: إن النبي جلَّل على الحسن والحسين وعلي وفاطمة كساءً، ثمّ قال: «اللّهم هؤلاء أهل بيتي وحامَّتي، أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً»، فقالت أم سلمة: وأنا معهم يا رسول الله؟ قال: «إنَّك إلى خير».

قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح...(3)

وأخرج الترمذي عن عمر بن أبي سلمة، قال: لما نزلت هذه الآية على النبي صلّى الله عليه وآله و سلم: {وإِنَّمَا يُريدُ اللَّهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرّجسَ أَهْلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تطهيرًا}في بيت أم سلمة؛ فدعا فاطمة وحسناً وحسيناً، فجللهم بكساء،


1) الأحزاب: 33.

2) صحیح مسلم 7: 130 باب فضائل أهل بيت النبي.

3) سنن الترمذي 5: 361، ما جاء في فضل فاطمة (رضي الله عنها)، وأورده الذهبي في «سير أعلام النبلاء »: 283 وقال: «إسناده جيد».

وعلي خلف ظهره، فجلَّله بكساء، ثمّ قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيراً»، قالت أم سلمة: وأنا معهم يا رسول الله؟ قال: «أنت على مكانك، وأنتِ إلى خير»(1).

وقال الألباني: «صحيح »(2).

وأخرج الحاكم عن أنس بن مالك: أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم كان يمرُّ ببابفاطمة ستّة أشهر إذا خرج لصلاة الفجر يقول: «الصلاة يا أهل البيت»{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطْهِيرًا}.

قال الحاكم: « هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه»، وأقره الذهبي في «التلخيص» (3). وأخرجه الترمذي، وقال: «هذا حديث حسن »(4).

إلى غير ذلك من الروايات الصحيحة الكثيرة، والتي تثبت بوضوح اختصاص عنوان (أهل بيت النبي)صلّى الله عليه وآله وسلم بأربعة، وهم علي وفاطمة والحسن والحسين؛ لذا قرأنا في ما صح عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أنه منع أم سلمة من الدخول معهم، وقال لها: «أنت على مكانك وانت على خير».

كما عرفنا أنه كان يمر ببيت فاطمة - وهو بيت علي والحسنين - مدة ستة أشهر ويقول: الصلاة يا أهل البيت، ثمّ يتلو الآية الكريمة.. ولم نقرأ ولم تسمع أنه مَرَّ ساعةً واحدة على أحد بيوت أزواجه وفعل مثل ذلك.


1) سنن الترمذي 5 ،328، کتاب تفسیر القرآن.

2) صحیح سنن الترمذي 3: 306، كتاب تفسير القرآن.

3) المستدرك على الصحيحين وبهامشه تلخيصه للذهبي 3: 158.

4) سنن الترمذي 5: 31.

ثمّ إنَّ وضع الكساء على هؤلاء الأربعة وقوله: «اللهم هؤلاء أهل بيتي»، فيه قرينة حالية واضحة على حصر أهل البيت في زمانه بهؤلاء الأربعة. وبهذا يندفع القول بأنها شاملة لنساء النبي، فضلاً عن القول باختصاصها بهنَّ. فإن قيل: إن الدليل على شمولها لنساء النبي هو سياق الآيات القرآنية المتحدثة عن نساء نساء النبي، صدراً وعجزاً، وبضميمة الروايات الصحيحة تكون شاملة للأربعة المذكورين من أهل بيت النبي وغير مُختصة بهم.

أجبنا: بعد التسلم بوحدة السياق وعدم إبراز احتمال كون هذا المقطع ليس في سياق تلك الآية بحسب النزول ؛ فإنّ التمسك بوحدة السياق متوقف على عدم وجود نص شرعي مبين له، وحيث إن النص موجود فالتمسك به ممنوع؛ إذ لا معنى مع بيان النبي وتصريحه مراراً، وتأكيده على أن المراد من أهل البيت هم الأربعة، لا معنى للتمسك بوحدة السياق؛ فإن وحدة السياق تفيد ظهور الكلام في معنى مُعيَّن، ومع تصريح النّبي بخلافه، ينتفي ذلك الظهور، خصوصاً مع منعه دخول أم سلمة في الكساء، قاطعا بذلك السبيل على من أراد إدخال نسائه في الآية المذكورة.

ويؤكد ذلك: عدم ادّعاء واحدة من نساء النّبي هذه المزيّة والمنقبة حتى السيدة عائشة في قتالها الإمام عليّاً، مع حاجتها إلى مثلها لو كانت.

على أنها نفسها قالت: «ما أنزل الله فينا شيئاً من القرآن، إلا أن الله أنزل عُذري» (1)، وهو صريح في نفي دخولهن في آية التطهير.

وبعد سقوط القول بشموله آية مُختصة بالخمسة أصحاب الكساء، وهم نبينا محمّد صلّى الله عليه وآله وسلم وعلي بن أبي طالب، وفاطمة الزهراء، والحسن والحسين علیهم السلام(2)

الاستبصار والنشاط الديني:

بعد فترة من البحث والتحقيق أعلن إبراهيم عن استبصاره والتحاقه بركب أتباع أهل البيت علیهم السلام ، وكان ذلك عام 1413ه- (1993م) في مدينة كانو.

وحاول بعد ذلك أن يُخصص أكثر وقته لنشر علوم أهل البيت علیهم السلام بين أسرته وباقي أهل بلده، فترجم بعض الكتب المخصصه للإجابة على الشبهات المثارة حول الشيعة إلى لغة الهوسا، واستبصر على يده أخوه وأخته وأمه وعدد كبير من أقربائه وأصدقائه(3).


1) صحيح البخاري 6 42، وتقصد من الآية النازلة في عذرها قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ جَاءَوا بالإفكِ عُصْبَةٌ مِنكُم لا تَحسَبُوهُ شَرًّا لَكُم بَل هُوَ خَيْرٌ لَكُم لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهُم مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنهُم لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (النور: 11).

2) راجع تلخيص كتاب: أئمة أهل البيت علیهم السلام في كتب أهل السنّة للشيخ حكمت الرحمة: 18 - 22.

3) زار المستبصر مركز الأبحاث العقائدية»، وله ملف خاص في المركز.

(18) إبراهيم محمد هارون

(مالكي - نيجيريا)

ولد عام 1401ه- في«نيجيريا»، ونشأ في أجواء فرضت عليه الانتماء إلى المذهب المالكي، إلّا أنّ نفسه المتعطشة لنيل الحقيقة لم تدعه يبقى في سباته طويلاً، وكان من أهم الأسباب التي شجعته على البحث عن الحقيقة: الأمور التي تجلّت له من خلال بحثه العلمي في هذا المجال.

وبعد مدة من تحمّل عناء البحث والتحقيق، ترك ما تلقاه من تعاليم أمليت عليه من قبل آبائه وأسلافه - وكان للبيئة التي عاشها التأثير البالغ في تمهيد الأرضيّة لتقبل هذه التعاليم - فعزم على تتبع ما تملي عليه الأدلة والبراهين العقلية لتكن أسسه العقائدية مبتنية على عقلية لا تؤثر فيها العواطف والأحاسيس..

فقد واجه «إبراهيم العديد من الشكوك تجاه ما تلقاه من تعاليم ورثها سلفاً عن سلف، إلا أنه لم يجد ما يشفي تعطشه لمعرفة الحقيقة، فعزم على البحث والتحقيق لمعرفتها.

وبعد البحث والتحقيق في منعطفات التاريخ الإسلامي، الذي ضم بين دفتيه العديد من الحقائق، وجد ضالته المنشودة، وهي: التعرف على مصداق الخليفة بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم؛ لأن جميع الاختلافات الموجودة بين الفريقين الشيعة والسنة نشأت من اختلافهم في هذا الأمر.

من هو الخليفة بعد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم ؟

أخذت مسألة الخلافة حيّزاً واسعاً في تاريخ الأمة الإسلامية، ومهدت الأرضية لزرع بذور الخلاف في صفوف المسلمين حتى يومنا هذا، ممّا يجعل المسألة ذات أهمية بالغة لدى المسلمين، فكل يرى أنه على الحقّ.

فياترى هل الحق هو ما نشأ عليه المسلم في البيئة التي عاشها؟

أم أن الحق هو ما تلقاه عبر تراث شب عليه آباؤه وأسلافه وعملوا في ضوء تعاليمه؟

أم أنه ما استند إلى دليل قاطع وبرهان ساطع، لا تشوبه شائبة، ولا يركع إلى شبهات تحاول جعله هدفاً لمرماها؟

سؤال حاول «إبراهيم» الإجابة عليه من خلال تتبعه في جذور الاختلاف بين المسلمين، أسفر عن تركه تراثاً هشاً لا يعوّل على برهان،

وتعاليم عقيمة أثبت له البحث عن مدى بطلانها وزيفها.

الخلافة بعد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم :

استمرّت دعوة الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلم خمسة وعشرين عاماً حاول فيها تثبيت رسالته السماويّة، وتحمّل العديد من الضغوط الخارجية والداخلية التي كانت تحاول بشتى الطرق عرقلة هذه العملية.

وكان النبيل صلّى الله عليه وآله وسلم يعلم بهذا الأمر عبر الوحي الإلهي، وقد أفشل العديد من المؤامرات التي رسمتها الأيدي الخبيثة، فيا ترى هل كان النبي صلّى الله عليه وآله وسلم يترك الأمة الإسلامية بعد رحيله من دون خليفة له؟!

يكمن الجواب في تقصي المواقف العديدة التي بين فيها النبي صلّى الله عليه وآله وسلم الخليفة بعده، ومنها:

حديث الثقلين:

وهو الحديث الذي روته كتب الفريقين، ووصل إلى حد التواتر، ممّا يغني الباحث عن البحث في سنده، وله صيغ مختلفة :

فقد أخرج مسلم في صحيحه بسنده: عن زيد بن أرقم، قال: قام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم يوماً فينا خطيباً بماء يُدعى خمّاً بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر، ثمّ قال: أما بعد ألا أيها الناس، فانّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربّي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما: كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثمّ قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي...(1).

وأخرج الترمذي بسنده أيضاً عن زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: إنّي تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله، حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرّقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما (2)


1) صحیح مسلم : 122.

2) سنن الترمذي 5: 328.

وأخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (1)والصغير (2)

وأخرج النسائي في السنن الكبرى بسنده: عن زيد بن أرقم، قال: «لمّا رجع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم من حجّة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فقممن، ثم قال: كأني قد دعيت فأجبت، إنّي قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنّهما لن يتفرقا حتى يردا على الحوض...

ثمّ قال: إن الله مولاي وأنا ولي كل مؤمن، ثم أخذ بيد علي فقال: من كنت وليه فهذا ،وليّه الله والِ من والاه وعاد من عاداه.

فقلت لزيد سمعته من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ؟

قال: ما كان في الدوحات رجل إلّا رآه بعينه وسمع بأذنه»(3).

تواتر حديث الثقلين :

يتبين من خلال ما ذكره المؤرخون أن حديث الثقلين قد بلغ حد التواتر على ما صرح به الشيخ أبو المنذر سامي بن أنور المصري الشافعي، إذ قال: (فحديث العترة بعد ثبوته من أكثر من ثلاثين طريقاً، وعن سبعة من صحابة سيدنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ورضي عنهم ، وصحته التي لا مجال للشك فيها يمكننا أن نقول: إنّه بلغ حد التواتر...») (4)


1) المعجم الاوسط 3: 374.

2) المعجم الصغير 1: 131.

3) السنن الكبرى للنسائي 5: 45.

4) الزهرة العطرة: 69 - 70.

وذكر ابن حجر الهيتمي حديث التمسك بالعترة، وقال في ذيله: «ثمّ اعلم أن لحديث التمسك بذلك طرقاً كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابياً، ومرّ له طرق مبسوطة في حادي عشر الشبه، وفي بعض تلك الطرق أنه قال ذلك بحجة الوداع بعرفة، وفي أخرى أنه قال بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه، وفي أخرى أنه قال بذلك بغدير خم، وفي أخرى أنه قاله لما قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف، كما مرّ.. ولا تنافي؛ إذ لا مانع من أنّه كرّر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها، اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة »(1)

الاستسلام أمام الحقيقة والتحرر من العصبية:

أمضى «إبراهيم» مدة من الزمن يعيش حالة من الصراع النفسي، توحي إليه الأدلة والبراهين ببطلان معتقده الموروث، فيبادر إلى ترك معتقده السابق، تاركاً خلفه تعاليم الأسلاف التي تبيّن له مدى بطلانها وزيفها، وتمنعه - من جهة أخرى - العاطفة وتتغلب عليه، فيحن إلى ما ورثه. وفي خضم هذا الصراع كان العقل هو المنتصر، ولم يستسلم «إبراهيم» للعقل إلا بعد التحرّر من التعصب والتقليد الأعمى للآباء والأسلاف، كيف والقرآن الكريم يذم الذين يتبعون الآباء والأسلاف من دون دليل قائلاً: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَل نَتَّبِعُ مَا أَلفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَو كَانَ آبَاؤُهُم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهتَدُونَ}(2)


1) الصواعق المحرقة: 150.

2) البقرة: 170 .

وقال سبحانه أيضاً: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَل نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَو كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُم إِلَى عَذَابِ السَّعِير }(1)ومن هذا المنطلق قام «إبراهيم» بغربلة موروثاته العقائدية، وترك ما كان عليه آباؤه حيث تبين له فساد ما كانوا عليه، واتبع ما تملي عليه الأدلة والبراهين التي لا تشوبها شائبة، فتمسك بتعاليم أهل البيت علیهم السلام، متبعاً ما أوصى به النبي صلّى الله عليه وآله وسلم، ملتحقاً بسفينة النجاة، وهم أهل البيت علیهم السلام، وكان استبصاره عام 1421ه- (2).


1) لقمان: 21

2) المستبصر على تواصل مع مركز الأبحاث العقائدية»، وله ملف خاص في المركز ذكر فيه نبذة من سيرته والأمور التي أدت به إلى الاستبصار.

(19)أبو محمّد نيابوكار

(مالكي - نيجيريا)

ولد عام 1387ه- (1968م) في دولة نيجريا» الواقعة في غرب قارة أفريقيا، ونشأ في أسرة مالكية المذهب، فاتبع هذا المذهب كسائر الأبناء الذين يتبعون آباءهم في انتمائهم المذهبي. واصل «أبو محمد »دراسته الأكاديمية حتى دخل كلية الطب، ثم بدأ بتلقي العلوم الجامعيّة في مادتي الفلسفة والكلام.

الصحيفة السجادية :

على الصعيد الديني حصل ذات يوم على كتاب أنه قد جمعت سمع فيه أقوال أحد أئمة الشيعة، وكان اسمه «الصحيفة السجادية»، فبدأ بقراءته حتى أحس أن روحه قد سكنت إلى العبارات الموجودة في هذا الكتاب، وأن كلماته قد روت ضميره المتعطّش لتلقي المعارف الدينية.

يقول «أبو محمد»: كان لسيرة الإمام زين العابدين علیه السلام والصحيفة السجّاديّة أكبر تأثير لي على مدى الحياة، فكنت أقرأ الأدعية فيه، وأرى تأثير المقطع فيه تلو المقطع على حياتي.

وحقاً أن هذا الكتاب من الكتب التي لا تدانيها أقلام المؤلفين من حيث الهدف والمضمون، ويظهر ذلك جلياً لمن تتبع سيرة الإمام السجاد علیه السلام الليلة ومجريات حياته بعد أبيه سيد الشهداء علیه السلام.

مع الصحيفة السجّاديّة هدفاً:

إن التشيع، وفي عصر الإمام زين العابدين علیه السلام خاصة، كان يواجه صعوبات بالغة الشدة، حيث كان الظلم مستولياً على كل المرافق

والمقدرات، ولم يكن بالإمكان القيام بأية مقاومة إيجابية، أو محاولة.

فآخر ثورة تلك التي أعلنها الإمام الحسين علیه السلام في صد التعدي الغاشم، كان قد قضي عليها حسب الظاهر، وعلى جميع عناصرها بشكل دموي، وبقي منهم (غلام) فقط، وهو الإمام زين العابدين علیه السلام.

وكانت الأوضاع الاجتماعية تسير باتجاه خطر، خطورة الإجهاز على أساس النهضة، وإخماد روح الوثبة الإسلامية، بل القضاء على كل تفكير

من هذا القبيل، وتناسيه إلى الأبد.

وأبرز نموذج لهذه المشكلة، أن الإمامة - وهي الجهاز الوحيد الباقي من كل مرافق الحكومة الإسلامية العادلة - أصبحت على شرف التناسي عن الأذهان؛ لأن نظام الحكم الأموي استولى على كل أجهزة الإعلام من

المنبر، والمحراب، والمسجد، واشترى ذمم كلّ ذوي النفوذ في الرأي العام من قاض وحاكم ووال، وأصبحت كل الإمكانات في قبضة الخلافة وفي خدمة الخليفة!

أما الإمام زين العابدين علیه السلام فقد بقي وحيداً في مواجهة المشكلات، مع أن الإرهاب والذعر كان يتحكم في الرقاب، ويستولي على النفوس.

في مثل هذه الظروف أصبح الدعاء ملجأ للإمام وللإمامة، لا، بل موقعاً اتخذه الإمام زين العابدين علیه السلام للصمود والهجوم:

• صمود ذلك الفكر، وذلك الهتاف، وذلك الإيمان، الذي جنّدت الدولة الأموية كل الإمكانات في العالم الإسلامي ضدّه.

للهجوم على سلطة تمكنت من كل قواعد القدرة، وسلبت من الأئمة كل إمكانات المقاومة فكان الدعاء هو سلاح النضال.

ومعنى ذلك : أنه إذا طوّقت مقاومة، أو فكرة، أو نضال، وأدت بها الظروف إلى مثل ما حصل في كربلاء؛ إذ تعرض كل رجالها للإبادة الدامية، ولم يبق سوى رجل واحد، ووقع كل النساء والصغار في الأسر، وتحت القيود، وإذا لم تبق أية إمكانية للعمل المسلح، والدفاع عن الحق

بالقوة، فإن هذا الرجل الوحيد لا تسقط عنه المسؤولية.

إنّه مسؤول أن يدرّب الأمة على القناعة بأنّ على عاتقه إحياء الفكرة، وتحريك الأحاسيس، والدفاع عن ذلك الحق، ولو بلسان الدعاء، وجعل

الرسالة مستمرة ولو بالأمل والرجاء، ونقلها كذلك إلى الأجيال.

إن الإمام زين العابدين علیه السلام وإن كان قد فقد إمكانات التضحية والنضال المستميت إلى حد الشهادة، كما فعل أبوه الإمام الحسين علیه السلام في كربلاء، وفقد إمكانات العمل الاجتماعي الحر ، كما قام به ابنه الإمام وحفيده الإمام الصادق علیهما السلام، لكنّه لم يفقد فرصة المقاومة من طريق هذه الحربة النافذة في أعماق أشلاء النظام الحاكم، والقابلة للتغلغل في أوساط المجتمع الفاسد، والسارية مع كل نسيم، والممكنة في كل الظروف، والتي اسمها: الدعاء.

وإن قيل : إن هذا هو من أضعف فروض النضال والجهاد؟

قلنا: نعم، لكن الدعاء أمر ضروري حتى لو كان الإنسان في غير هذه الحال، فلو كان بإمكانه النضال والمقاومة، بأشكال أخر، أقوى وأقدر، فإن

من المستحيل استغناؤه عن الدعاء، وليس بالإمكان أن يمنع من هذا النضال، ولو كان أضعف، فلابد له أن يكون قادراً على عملية الدعاء، وأن يضمر في نفسه الارتباط بربّه، وأن يُعلن عن أفكاره وعقائده بأسلوب المناجاة والدعاء، ويعبّر عن آماله وآلامه ومكنون نفسه، وأن يبرز هتافاته، وأن يطالب المهضومة، والمغصوبة على أن من الضروري لكل مناضل أن يركز معتقداته، ويحدد مواقعه الفكرية ويحصن أصول دينه، حتى يكون على بصيرة من أمره، فيوحي إلى ذاته بالحق، ويوصي نفسه بالصبر عليه، بالدعاء. وليس في المقدور لأية سلطة حاكمة أن تسلبه هذه القدرة، أو أن تحاسبه على هذه الإرادة.

وفي مثل هذا التركيز والتحديد يكمن سر خلود الإنسان، عندما يكون مهدداً بالإبادة، فالنطق بالدعاء وسيلة للإعلان عن المعتقدات وتبليغ الرسالات وتنمية الشعور بالمسؤليات في أحلك الظروف وأحرجها، وبثّ النضال والمقاومة، وتوثيق الرابطة الفكرية، وتأكيد التعهدات الاجتماعية، وتثبيت العواطف الصالحة، حباً بالتولي والإعلان عنه، وبغضاً بالتبري وإبدائه، وتعميق الوعي العقائدي بين الأمة، وتهيئة الأجواء - روحياً وفكرياً وجسمياً - للإعداد للمسؤوليات الكبرى، كل ذلك في ظروف جندت فيه القوى المضادة للقضاء على الأهداف كلّها.

إن الإمام في مثل ذلك عليه أن يخطط للعمل، عندما لا يستطيع المؤمن من القيام بأي عمل، حتى الموت الشريف، بعزة وكرامة، حيث لا طريق إلى اختيار الشهادة كسلاح أخير؛ لأن الشهادة - أيضاً - تحتاج إلى أرضية وظروف مؤاتية، ومعركة، كي يتسنّى للشهيد أن يفجر بدمه الوضع، ويكسر الصمت، وإلّا فهو الموت الصامت غير المؤثّر ، المهمل الذي لا يستفيد منه إلا العدو.

والإمام زين العابدين علیه السلام أصبح قدوة للنضال في مثل هذه الظروف بكل سيرته، ووجوده، ومصيره، وسكوته، ونطقه، وخلقه، ورسم بذلك منهاجاً للعمل في مثل الأزمات.

إنّه رسم الإجابة عن كل الأسئلة التي تطرح:

عن العمل ضد إمبراطورية ضارية، مستحوذة على كل المرافق والقدرات؟!

وعن الصمت الثقيل القاتل المطبق الذي يستحيل فيه التفوه بكلمة الحق، كيف يمكن أن يكسر؟

وعن أسلوب شخصي لعرض جميع الطلبات والقيم والعواطف؟

إن الصحيفة السجادية هي:

كتاب الجهاد عند الوحدة!

وكتاب التعبير عند الصمت

وكتاب التعبئة عند النكسة!

وكتاب الهتاف عند الوجوم!

وكتاب التعليم بالشفاه المختومة!

وكتاب التسلح عند نزع كل سلاح!

وهو قبل هذا وبعده، كتاب (الدعاء).

إن الدعاء - كما يقول الدكتور الفرنسي الكسيس كارل - : تجل للعشق والفاقة، وقد أضاف الإسلام إلى هذين: التوعية.

وفي مدرسة الإمام زين العابدين علیه السلام يأخذ الدعاء بعداً رائعاً، هو تأثيره الاجتماعي الخاص.

وبكلمة جامعة: إن الدعاء في مدرسة الإمام زين العابدين - في الوقت الذي يعد كنزاً لأعمق التوجهات، وأحرّ الأشواق، وأرفع الطلبات - منهاج

يتعلّم فيه المؤمن تخطيطاً متكاملاً للوجود والتفكير والعمل، على منهج الإمامة وبقيادة حكيمة تستلهم التعاليم من مصادر الوحي.

مع الصحيفة السجاديّة مضموناً:

إن الحديث عن هذا الكتاب العظيم وأثره العلمي والديني عقيدياً وحضارياً وأثره الاجتماعي، يحتاج إلى تفرّغ وتخصص، ولا ريب أن النظر فيه يوقف القارىء على مقاطع رائعة تدلّ على مفردات ما نقول بوضوح وصراحة.

وإذا أخذ الإنسان بنظر الاعتبار ظروف الإمام زين العابدين التالية وموقعه الاجتماعي وقرأ عن طغيان الحكام وعبثهم، وقارن بين مدلول الصحيفة ومؤشرات التصرفات التي قام بها أولئك الحكام، اتضح له أن الإمام قد قام من خلالها بتحد صارخ للدولة ومخططاتها التي استهدفت

كيان المجتمع الإسلامي لتزعزعه.

وإذ لا يسع هذا البحث الدخول في غمار هذا البحر الزخار لاقتناص درره، فإنا نقتصر على إيراد مقطعين من أدعية الصحيفة، يمثلان صورة عمّا

جاء فيها، مما تبرز فيه معالم التصدي السياسي الذي التزمه الإمام علیه السلام بمنطق الدعاء.

دعاؤه علیه السلام لأهل الثغور:

إنّ الإمام علیه السلام لكونه الراعي الإلهي، المسؤول عن رعيته وهي الأمة، يكون الحفاظ على وجود الإسلام من أهم واجباته التي يلتزمها، فلابدّ من

رعاية شعائره واستمرار مظاهره ، ومتابعة مصالحه العامة، وتقديمها على غيرها من المصالح الخاصة بالأفراد، أو الأعمال الجزئية الفرعية، فالحفاظ على سمعة الإسلام وحدوده أهم من الالتزام بفروع الدين وواجباته ومحرماته، إذا دار الأمر بينه وبينها.

ففي سبيل ذلك الهدف العام السامي، لابد من تجاوز الاهتمامات الصغيرة، والمحدودة، بالرغم من كونها في أنفسها ضرورات، لابد من القيام بها في الظروف العادية، لكنّها لا تعرقل طريق الأهداف العامة الكبرى.

فالإسلام: كدين، ليس قائماً بالأشخاص، ولا يتأثر بتصرفاتهم الخاصة، مقابل ما يهدده من الأخطار الكبيرة فكرية أو اجتماعية أو عسكرية،

فإذا واجه الإسلام خطر يهدد التوحيد الممثل بكلمة (لا إله إلا الله) أو الرسالة المتجلية في (محمّد رسول الله) فإنّ الإمام يتجاوز كل الاعتبارات ويهب للدفاع عن هذين الركنين الأهم، وحتى لو كان على حساب وجود الإمام نفسه، أو عنوان إمامته، فضلاً عن مصالحه الخاصة، وشؤونه

وصلاحياته.

ومن هذا المنطلق، يمكن تحديد المواقف الهامة للأئمة من أهل البيت علیهم السلام :

فسكوت الإمام أمير المؤمنين علي علیه السلام عن مطالبته بحقّه، ولجوء الإمام الحسن المجتبى علیه السلام إلى توقيع كتاب الصلح مع معاوية، وتضحية الإمام الحسين الشهيد علیه السلام بنفسه في كربلاء.

كل ذلك نحدده على أساس متحد، وهو رعاية المصلحة الإسلامية العامة، والحفاظ على كيان الإسلام لئلا يمسه سوء.

وبهذا - أيضاً - نميّز وقوف الإمام زين العابدين علیه السلام للدعاء لأهل الثغور.

دعاء الاستسقاء بعد الجدب :

حيث تتجلى فيه رعاية الإمام علیهما السلام الحالة الأمة، ومراقبته لأحوالها، وبخصوص اقتصادها الذي هو عصب حياتها، فإذا رآه يتعرض للانهيار على أثر الجفاف، ينبري علیه السلام لإنجاده بطريقته الخاصة، التي لا تثير أحقاد الحكام ضده، ولا تمكنهم من أخذ نقاط سياسية عليه، ومع ذلك فهو يجلب أنظار الشعب المسلم المقهور ، المغلوب على أمره، إلى أن هناك من يعطف عليه إلى هذا الحد، ومن يراقب أوضاعه، ويهتم بشؤونه ومشاكله.

والإمام زين العابدين علیه السلام بهذا الشكل، يفرض نفسه على الساحة السياسية، وهو تدخل صريح في شؤون الأمة، وظهور واضح على أرض العمل، فإنّ الملجأ في مثل هذه المشاكل هم كبار القوم، ومن لهم قدسية وفضل، وتقدم على الآخرين، ولا تشخص الأبصار في مثل ذلك إلّا إلى

الخليفة! إن كانت له قابلية ما يدعي من مقام رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم وهو يتسنم أريكة الحكم!

والإمام زين العابدين علیه السلام بهذا الدعاء، يثبت أنه الأحق بالتصدي لذلك المقام، وأنّه الملجأ الذي لابد أن يوسط بين الأرض والسماء.

هذا كلّه، مع أن الأمة لم تقف إلى جانب الإمام علیه السلام، ولم تراع حرمته في النسب، ولا حقه في الإمامة، بل خذلته، حتى راح يقول: ما بمكة والمدينة عشرون رجلاً يحبنا (1).

وليس المراد بذلك الحب مجرّد العواطف والدموع والمجاملات، فهؤلاء أهل الكوفة كانوا من أحذق الناس في ذرف دموع التماسيح على أهل البيت علیهم السلام بعنوان الحبّ، حتى كان الإمام علیه السلام يستغيث من حبّهم له، ذلك الحب المعلن المبطن بالنفاق، والذي انقلب على أبيه الإمام الحسين علیه السلام سيفاً أودى به!

فليس الحب المطلوب لآل الرسول، والذي دلت على لزومه آية المودة في القربى وأحاديث الرسول المصطفى، هو الفارغ عن كل حق لهم في الحكم والإرادة أو الفقه والتشريع، وعن كل معاني الولاء العملي، والاقتداء والاتباع وإن ادّعاه المحرّفون، أو حرّفوه إلى مثل ذلك، مكتفين لأهل البيت باسم الحب.

لكن قضية الأمة الإسلامية، واقتصاد البلاد الإسلامية، من القضايا المصيرية الكبرى التي لا توازيها الأضرار الصغيرة ولا الأخطاء الخاصة، بل لابد من تجاوز كل الاعتبارات في سبيل إحياء تلك القضايا الكبار (2).


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4: 104 .

2) راجع: جهاد الإمام السجاد للسيد محمد رضا الجلالي: 190 - 200 (بتصرّف يسير).

حديث أهل البيت علیهم السلام والاستبصار:

لا شك أن حديث أهل البيت علیهم السلام وخاصة أدعية الإمام السجاد علیه السلام نور، فهو كلام - على متانته - بعيد عن التعقيدات والاستدلالات المبهمة، بل كلام يدخل القلب من دون تكلّف، ويستقر في سويدائه، وهو نور ينير بصيرة الإنسان ليهتدي للصراط المستقيم.

ومن هنا اهتدى «أبو محمد» بكلام العترة الطاهرة علیهم السلام ليعلن عن تشيعه واستبصاره في مسقط رأسه «نيجيريا»، ثم سافر إلى إحدى الحوزات العلمية العريقة لتلقي تعاليم أهل البيت علیهم السلام بصورة أكثر جدية (1).


1) أجرت مجلة آفاق الناطقة باللغة الفارسية في عددها الثاني عام 1425 ه- لقاء مع أبي محمّد ذكر فيه نبذة عن سيرته وكيفية الاستبصار.

(20) أحمد أبوالفتح عثمان

(مالكي - نيجيريا)

ولد عام 1382ه- (1963م) في مدينة «ميدغوري» في نيجيريا، ونشأ هناك في أسرة متدينة تتبع الطريقة التيجانية، واصل «أحمد» دراسته

الجامعية حتى نال شهادة الليسانس في اللغة العربية.

عندما أنهى دراسته الأكاديمية واصل نشاطه في كلية الشريعة والقانون والدراسات الإسلامية بميدغوري، وكان أن التقى هناك في أحد الأيام بأحد أتباع المذهب الجعفري.

يقول «أحمد» عما جرى له مع هذا الشخص على مدى أيام: كان يزور مكتبتي كلّ يوم، وكثيراً ما كان يفاجئني بقضايا حارة، القضايا التي كانت تتعلّق بأصول الدين وفروعه تارة، وكانت قضايا تاريخية تارة أخرى.

ومن هذه القضايا: قضيّة وضع الرب رجله في النار، ورؤية الله وضحكه وغير ذلك ممّا يمس عزّة الله، وكذا أمور تتعلق بكرامة

الرسول صلّی الله علیه وآله وسلم كنسيانه في كنسيانه في الصلاة، وصلاته مع الجماعة وهو جنب، وبوله قائماً، وما إلى ذلك.

وفي ما يتعلّق بالتاريخ فقد أشار إلى مسألة الخلافة ومغامرات كثيرة من بعض الصحابة ضد النبي الأكرم صلّی الله علیه وآله وسلم، و عدم احترامهم له، بل ومحاولة اغتياله صلّی الله علیه وآله وسلم، هذا إضافة إلى إيذائهم له ولأهل بيته عليهم السلام.

بعد سماع «أحمد» لهذه المواضيع التي بدأت تدق ناقوس الخطر بالنسبة لما كان يعتقد سابقاً حاول أن يجد جواباً شافياً لها من علماء أه-ل السنة، فتواصل معهم، لكن دون جدوى، فعرف أن لا جواب لهم في ذلك، ومما زاد من تعجبه هو أنّه كلّما كان يعرض عليهم إحدى المسائل التي جرت بين الصحابة كان يواجه بكلمة واحدة: (اترك ما شجر بينهم..)، ومن حينها طوى «أحمد» صفحته القديمة، وفتح الجديدة نحو أهل البيت عليهم السلام فبدأ بالبحث والتنقيب في المصادر المعتمدة عند الفريقين.

هل يضع الله رجله في النار يوم القيامة؟!

پمن الأحاديث الموضوعة في استهانة الخالق جل جلاله ما رواه البخاري في تفسير سورة «ق» ، عن أبي هريرة: إن الله لا يظلم من خلقه أحداً وأنه ينشيء للنار من يشاء فيلقون فيها، فتقول: هل من مزيد ثلاثاً حتى يضع فيها قدمه فتمتلىء ويرد بعضها إلى بعض وتقول قط قط قط (1).

وفي رواية أخرى :فأمّا النار فلا تمتلىء حتّى يضع رجله، فتقول: قط قط، فهنالك تمتلىء ويزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحداً (2)


1) صحیح البخاري 8 186 - 187.

2) صحيح البخاري 6: 48.

وروي نحو ذلك، عن أنس في كتاب التوحيد، في باب قول الله تعالى:{سُبحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ }(1)، قال: حتّى يضع فيها ربّ العالمين ،قدمه فيزوى بعضها إلى بعض، ثم تقول: قد قد بعزتك وكرمك(2).

وكذا عن أبي هريرة، في باب ما جاء في قول الله تعالى:{إِنَّ رَحمَت اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحسنين} (3)من الكتاب المذكور، قال: فتقول: هل من مزيد؛ ثلاثا، حتى يضع فيها قدمه فتمتلىء، ويردّ بعضها إلى بعض وتقول: قط قط قط (4).

وروى أيضاً نحو ذلك عن أنس، في باب الحلف بعزة الله وصفاته، من كتاب الأيمان والنذور، وقال: لا تزال تقول هل من مزيد، حتى يضع ربّ العزّة فيها قدمه، فتقول: قط قط وعزتك (5).

وهي كما ترى كفر صريح؛ لاقتضائها الجسمية والحلول بالمكان، وفيها تكذيب الله سبحانه حيث يقول في سورة الأعراف: {اخرج مِنهَا مَدْءًومًا مَدحُورًا لَمَن تَبِعَكَ مِنهُم لأملاتَ جَهَنَّمَ مِنكُم أَجْمَعِينَ} (6).


1) الصافات (37): 180

2) صحيح البخاري 8: 167.

3) الأعراف (7): 56.

4) صحيح البخاري 8 186 - 187.

5) صحيح البخاري 7: 225.

6) الأعراف (7): 18.

وقال تعالى في سورة ص :{الأملان جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ}(1). وقال تعالى في سورة السجدة:{وَلَكِن حَقَّ القَولُ مِنِّي لأملأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ }(2).

فإنّ هذه الآيات الشريفة صريحة في أنها تمتلىء بإبليس وأتباعه، فكيف يقال: لا تمتلىء حتى يضع قدمه؟!

ولعلّ الذي أوهم أبا هريرة ،وأنساً، أو الرواة عنهما، هو قوله تعالى: {يَومَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَاتِ وَتَقُولُ هَل مِن مَزِيدٍ} (3)، حيث تخيّلوا منه أنها لا تزال تقول: «هل من مزيد» ولم تملتىء بالعصاة أصلاً، لا في حين سؤال الله تعالى لها عن امتلائها!

وغفلوا عن بقية الآيات المذكورة، فأحدثوا رواية خيالية، وكذبوا على حسب ما تقتضي عقولهم، وأخذ عنهم الخرافيون والقصصيّون من دون معرفة أيضاً.

ولا أدري أتحترق رجل ربّهم المدعى فتطلب من الله المزيد، أم تبقى تحت آلام النار بالتخليد؟!!(4)

شيّعني البحث:

بعد البحث والتحقيق في مصادر الفريقين وجد «أحمد» ما يشفي غليله، وتوصل إلى أنّ الله سبحانه وتعالى لم يأمر المسلمين إلا بطاعته


1) ص(38): 85

2) السجدة (32) 13.

3) ق (50): 30.

4) راجع: دلائل الصدق لنهج الحق 4: 163 - 165.

وطاعة رسوله صلّی الله علیه وآله وسلم طاعة أهل البيت علیهم السلام ، كما أن الرسول الاكرم صلّی الله علیه وآله وسلم قد أمر بالتمسك بهم وبالقرآن الكريم بعده ، فأعلن عن استبصاره وتغيير انتمائه المذهبي، وكان ذلك عام 1424ه- (2004م) في مدينة «ميدغوري» النيجيرية (1)

وأنشد قصيدة بمناسبة تشيّعه لأهل البيت علیهم السلام، قال فيها:

تشيعت والتشيع جمل ظاهري ***وطهّر قلبي باتباع الأئمة

أئمتنا من من أذهب الرجس عنهم*** وطهّرهم مولاي من كل شقوة

هم أهل بيت المصطفى خلفاؤه*** بهم يُرتجى كل المراد ورغبة

وقد قال فيهم جدهم سيد الورى*** سفينة نوح والأمان لأمة

فحبّهم فرض على كل مؤمن ***وبغضهم كفر مؤدي لذلة

وحبّهم فرض متمم للصلاة ***وما سأل المختار غير مودّة

أحبّهم حتى تفانيت فيهم*** وأسرفت فيهم كل نفس نفيسة

فهاك أساميهم أخي لتحفظن ***ففي حفظها أمنن ونيل ببغية

وأولهم أخو النبي علي من ***مكانته بين الورى فاق فكرة

عليّ أمير المؤمن ووليّهم*** وصي حبيب الله قد نال رفعة

وثانيهم الحسن الزكي ابن سيدي*** به دعم المولى قوائم ملّة

وثالثهم فخل شهيد حسيننا*** لقد نال منه أهل شر وشوة

أعزيك يا مولاى حبّي محمّد ***علي سيّد الشهداء سليل النبوة

أعزّيك يا الزهراء بنت محمد*** أعزيك يا زوج النبي أم سلمة


1) للمستبصر ملف في مركز الأبحاث العقائدية ذكر فيه قصة الاستبصار وأهم أدلته.

أعزيك يا أهل البيت أحبتي*** لقد عزتي بلواي إخ من بلية

ورابعهم ابن الحسين علي من ***يكنى بزين العابدين ذي كرامة

وخامسهم من يبقر العلم بقراً ***محمدنا الباقر دليل السعادة

وسادسهم كنز المعارف صادق*** منارة أهل العلم جعفر ثقة

وسابعهم موسى ملقب بكاظم***لقد سجنوه أهل ظلم وذلة

وثامنهم ابن لموسى حبيبنا***علي الرضى من في رضاه سعادة

وتاسعهم ذو الفضل والجود سيدي ***محمدنا الجواد جد لي بحجة

كذاك علي الهادي عاشراً لهم ***هداني وقواني لإتباع شرعة

يليهم الحسن العسكري إمامنا ***عليه صلاة الله في كل سجدة

و آخر هم من يملأ الأرض عدله*** محمداً المهدي صاحب غَيْبَةٍ

هم خلفاء المصطفى سادة الورى*** موالاتهم عزّ وفوز برحمة

أوالي عليا ثم الزهراء بعده ***كذا الحسنين ثم باقي الأئمة

أواليهم في السر والجهر لا أرى ***وفيداً إلى مولاى غير الأئمة

وبرئت نفسي من معاوي وابنه*** يزيد سكير قد تولوا بنقمة

لقد حاولوا إطفاء نور محمد*** ويأبى إله العرش رب البرية

يساندهم نجل لعاص فقد عصى ***لقد باع أخراه وباء بحسرة

كذا من قفى آثارهم وأحبّهم ***أجاهر هم بغضبي في كل طرفة

صلاتي على المختار والآل طرهم*** بها ارتجي حسن الختام وهمة

وإني لبرهام حبيبي راجياً ***مجاورة الأبرار أصحاب عصمة

(21)آدم بابايو عثمان

(مالكي - نيجيريا)

نشأ في نيجيريا، وتربّى في بيئة سنّية لم تُبق له إلّا تقليد المربين دينياً كما يقضي المجتمع ذلك عادة، ومن هنا أصبح «آدم» متمسكاً بالمذهب المالكي، المذهب الأكثر انتشاراً في غرب أفريقيا.

الاختلاف بين المذاهب السنية:

بدأ «آدم» بتعلم القرآن والفقه المالكي منذ صغره، فبدأت تطرح بعض الأفكار في ذهنه، فكان يسأل أستاذه في أمر المذاهب الأربعة؛ لأن-ه كان عالماً موسوعياً بخصوص مختلف المذاهب السنية.

يقول «آدم» عمّا جرى له مع أستاذه كلّما كان يصل أستاذي في درس الفقه إلى مسألة فيها اختلاف بين المذاهب الأربعة، وكان يشرح

آراءهم كنت أسأله: لماذا كان هذا الاختلاف مع أن الدين كله الله؟

وكنت على علم بأن مالك لم يكن من الصحابة بل من التابعين، فكنت أسأل أستاذي ماذا كان مذهب والد الإمام مالك قبل أن يولد ابنه؟! فلم يتمكن من الإجابة على أسئلتي أو أن يوصلني إلى قناعة بكلامه. وكذلك كان يوجه مثل هذه التساؤلات لوالده، فكان يزجره ويأمره

بالكف وعدم الخوض في مثل هذه الشبهات.

موقف المسلم من الاختلاف بين الصحابة :

من المسائل التي غالباً ما كانت تدور في ذهن «آدم» قبل تغيير انتمائه المذهبي، لم تكن إلا مسألة الاختلاف بين الصحابة أنفسهم، فقد ذكرت الكتب التاريخية الاختلافات التي حصلت بين الصحابة، بل والحروب التي شنّها بعضهم على الآخر، الأمر الذي ينبيء عن أنهم جميعاً لم يكونوا على الحق، وإلّا فلا يعقل أن يتعدد الحقّ فيحارب نفسه!

يشرح «آدم» مجريات إحدى الجلسات التي تناولت هذا الموضوع قبل استبصاره، فيقول: عندما كنت في مرحلة الثانوية كنا ندرس تاريخ الإسلام، وفي يوم من الأيام وصلنا إلى موضوع معركتي صفين والجمل، فشرح الأستاذ ما جرى بين الصحابة، وفي آخر المحاضرة طرح الأستاذ سؤالاً، فقال: لو كنا حاضرين في ذلك الزمان كنا نقف مع من؟ ومن نساعد؟ جيش الإمام علي أم جيش عائشة وطلحة والزبير؟

فأجبته فوراً: أنني لو كنت في ذلك الزمان لكن-ت ف-ي جيش الإمام علي، فصار نزاع بين الطلبة على هذه المسألة، فبعضهم يرون أن الحق مع

عائشة وزملائها، وبعضهم يرى الحق مع الإمام علي، وبعضهم كفّوا عمّا شجر بين الفريقين.

ومن هنا بدأ «آدم» يشعر ويحس بأن كل الصحابة لم يسيروا مع الحق، ولكن مع ذلك لم تكن قد اتضحت له فكرة التشيع بصورة تامّة..

وقفة له مع كتاب ثم اهتديت:

من يشأ الله يهديه يشرح صدره لتقبل الحق ليتأمله فيتبع على دراية ووعي، وهذا ما حصل ل- «آدم» حينما أتاه صديقه بكتاب «ثمّ اهتديت»، فما أن قرأه للمرة الأولى حتى فزع وخشي أن تقع السماء على الأرض أو أن تخسف به الأرض؛ لما رأى فيه مما لم يكن منسجماً ومعتقداته الدينية، الأمر الذي دعاه لأن يقرأ الكتاب للمرة الثانية بتأمل في مصادره التي نقل عنها المؤلف مجريات التاريخ الإسلامي والأحداث التي وقعت بعد رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم.

يقول «آدم» عن قراءته لهذا الكتاب بعدما قرأته ثانية وجدت أن المؤلّف قد أشار إلى مصادر لمن يريد المراجعة، وجعلها من مصادرنا السنّية، وكنت حينذاك متجنّباً لكلّ ما يمس كرامة الخلفاء، فحاولت التحقيق بكل ما استدل به الدكتور التيجاني، ولما فحصت وجدت أن كلّها صادقة وصحيحة النقل عن الصحاح الستة المعتبرة، فصرت كالمريض نفسياً ومعنوياً، وبقيت في البيت أتفكر ماذا أعمل؟! فقد تغيرت حياتي

ورؤيتي عن الصحابة الذين كنت أشعر بأنهم جميعاً بلا استثناء دعائم الدين وأركان الإيمان، ولكن بدا لي الأمر بخلاف ظني.

وبعد مدة خطر في ذهني أن أتضرع إلى الله على أن يرشدني، وأخذت أدعوه دعاء النبي موسى عالية حيث قال: عسى أن يهديني سواء السبيل.

اتّباع سبيل العترة الطاهرة علیهم السلام:

بعد فترة قصيرة لا تتجاوز الأسبوعين، ومن دون الخروج إلى أي مكان حتى إلى المسجد الذي كان «آدم» مؤذناً فيه وملازماً له، أنزل الله سكينته عليه، فبدأ البحث بقلب قوي مستعد لاستقبال الحق، فوجد أن المذهب الحق هو مذهب أهل البيت علیهم السلام وهو الذي ينبغي أن يتمسك به المسلمون، فأعلن عن تغيير انتمائه المذهبي واتباع المذهب الشيعي الاثني عشري.

ولتنمية رصيده الديني شد «آدم» الرحال بعد الاستبصار ليلتحق بإحدى الحوزات العلمية المعروفة (1).


1) أجرت مجلة آفاق - العدد الثامن لقاء مع المستبصر ذكر فيه نبذة من سيرته وكيفية الاستبصار.

(22) جميل يوسف

(مالكي - نيجيريا)

ولد في مدينة «كاتسينا» في نيجيريا، ونشأ في أسرة مالكية المذهب. ذهب «جميل» في بداية بلوغه إلى المدرسة الدينية، فقرأ فيها كتب

علوم الحديث والفقه المالكي وأصول العقيدة بجانب العلوم الأكاديمية.

بداية التعرف على مذهب الفرقة الناجية:

كان يحضر في مرحلة الثانوية مع أصدقائه بعض ندوات أتباع أهل البيت علیهم السلام؛ حيث يلقي أحدهم محاضرة دينية يومياً بعد إقامة الصلاة، ويتطرق في حديثه إلى حياة الأئمة الطاهرين علیهم السلام وكلامهم في الأخلاق والمواعظ.

تلقی «جميل» كلماتهم النافعة بشغف، وكان لها التأثير البالغ على سلوكه وتفكيره، فكان يسأل نفسه لماذا أننا لا نعرف من تاريخ هؤلاء العظماء إلّا القليل؟ وهل يصح ما يدعيه الشيعة أنهم أتباع مذهب أهل

البيت الله علیهم السلام حقاً؟! ولماذا ينسب هؤلاء مذهبهم إلى أهل البيت علیهم السلام ونحن ننسب مذهبنا إلى السنّة؟؟

فشعر أن الأمر يحتاج إلى أن يبحث هو عن الواقع، فأخذ بعض كتب الشيعة المترجمة إلى لغة الحواسي وشرع بقراءتها، فوجدها تستدلّ على أصول مذهب الإمامية بأدلّة عقلية ونقلية صريحة، لا تبقي لدى الباحث المنصف أي شك وريب بأحقية مذهب أهل البيت علیهم السلام.

وتعد الأدلة العقليّة التي أرشد إليها أئمة أهل البيت علیهم السلام في كلامهم بشأن مسائل التوحيد من الأدلة التي لها الأثر البليغ على

اقتناع الشباب المؤمن بمذهب الإمامية؛ حيث لا يوجد مثلها في مصادر الحديث عند أهل السنّة، ولم يُرَ عالماً من علمائهم يتحدّث بشأن التوحيد بتلك القوة والمتانة العلمية.

مقتطفات من أحاديث أهل البيت علیهم السلام في أصول التوحيد:

الأصل الأول: عددية الحوادث: (أي: قبولها العد، والزيادة والنقصان) :

قال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام : كل ما قدره عقل، أو عرف له مثل فهو محدود(1).


1) التوحيد للصدوق: 79

وقال الإمام علي بن موسى الرضاء علیه السلام : «كل محدود متناه إلى حد، فإذا احتمل التحديد احتمل الزيادة، وإذا احتمل الزيادة احتمل النقصان»(1)وقال الإمام محمد بن علي الجواد علیه السلام : «إن ما سوى الواحد متجزيء، والله واحد أحد لا متجزي، ولا متوهم بالقلة والكثرة، وكل متجزيء أو متوهم بالقلة والكثرة فهو مخلوق دال على خالق له»(2).

وقال الإمام جعفر بن محمد الصادق علیه السلام : «إنّه ليس شيء إلاّ يبيد، أو يتغيّر، أو يدخله التغير والزوال، أو ينتقل من لون إلى لون، ومن هيئة إلى هيئة، ومن صفة إلى صفة، ومن زيادة إلى نقصان ومن نقصان إلى زيادة إلا رب العالمين» (3).

الأصل الثاني: امتناع عدم تناهي الحوادث:

قال الإمام جعفر بن محمد الصادق علیه السلام: «ما احتمل الزيادة كان ناقصاً، وما كان ناقصاً لم يكن تامّاً» (4).

وعنه علیه السلام : «أنت الذي لا تحد فتكون محدوداً (5).

وقال الإمام الحسن المجتبى علیه السلام : «الذي لم يكن له... اختلاف صفة فیتناهی»(6).


1) التوحيد للصدوق: 252.

2) التوحيد للصدوق: 193

3) الكافي 1: 115.

4) بحار الأنوار 3: 195.

5) الصحيفة السجادية: 247.

6) التوحيد للصدوق: 45.

وقال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام: «كل مسمّى بالوحدة غيره قليل» (1).

وقال الإمام جعفر بن محمد الصادق علیه السلام: «إن الكيفية جهة الصفة والإحاطة »(2).

وقال الإمام علي بن موسى الرضاء علیه السلام: .... ومن قال: متى؟ فقد وقته، ومن قال: في م؟ فقد ضمنه، ومن قال: إلى م؟ فقد نهاه، ومن قال: حتى م، فقد غيّاه، ومن غيّاه فقد غاياه، ومن غاياه فقد جزاه، ومن جزأه فقد وصفه، ومن وصفه فقد ألحد فيه(3).

الأصل الثالث: حدوث الممكنات حقيقة:

قال الإمام جعفر بن محمد الصادق علیه السلام: «لو كان معه ه شيء في بقائه لم يجز أن يكون خالقاً له؛ لأنه لم يزل معه فكيف يكون خالقاً لمن لم يزل معه ؟ (4).

وقال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام:«يقول لما أراد کونه كن فيكون. لا بصوت يقرع ولا نداء يسمع، وإنما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثله، لم يكن من قبل ذلك كائناً، ولو كان قديماً لكان إلهاً ثانياً» (5).


1) بحار الأنوار 4: 309.

2) التوحيد للصدوق: 247.

3) التوحيد للصدوق: 36 - 37.

4) الكافي 1: 120.

5) نهج البلاغة 2: 122 - 123.

وقال الإمام محمد بن علي الباقر علیه السلام: «إنّ الله تبارك وتعالى لم يزل عالماً قديماً، خلق الأشياء لا من شيء، ومن زعم أن الله تعالى خلق الأشياء من شيء فقد كفر؛ لأنه لو كان ذلك الشيء الذي خلق منه الأشياء قديماً معه في أزليته وهويته كان ذلك أزليّاً، بل خلق الله الأشياء كلّها لا من شيء» (1)

وقال الإمام جعفر بن محمد الصادق علیه السلام : «...، فإن كنت صنعتها وكانت موجودة فقد استغنيت بوجودها عن صنعتها» (2)

الأصل الرابع: حدوث الزمان والمكان حقيقة:

سئل الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام: أين كان ربنا قبل أن يخلق سماء وأرضاً ؟ فقال علیه السلام : «أين» سوال عن مكان، وكان الله ولا مكان» (3).

وسئل الإمام جعفر بن محمد الصادق علیه السلام: أكان الله ولا شيء؟ قال: «نعم، كان ولا شيء». قلت: فأين كان يكون؟ قال وكان متكئا فاستوى جالساً وقال: «أحلت يا زرارة، وسألت عن المكان إذ لا مكان» (4).

الأصل الخامس: افتقار الحادث إلى الخالق:

قال الإمام جعفر بن محمد الصادق علیه السلام: «ولابد للمخلوق من الخالق » (5).


1) علل الشرايع 2: 607.

2) التوحيد للصدوق: 290

3) بحار الأنوار 3: 326.

4) الكافي 1: 90.

5) بحار الأنوار 4 :54 .

وعنه علیه السلام : «كيف يخلق لا شيء شيئاً»؟!(1).

وعنه علیه السلام : «إنّك تعلم أن المعدوم لا يحدث شيئاً» (2).

الأصل السادس: امتناع صدور المثيل من الممكن:

قال الإمام علي بن موسى الرضاء علیه السلام : كيف ينشي الأشياء من لا يمتنع من الإنشاء» (3).

وعنه علیه السلام : «... لعجز كل مبتدأ عن ابتداءه غيره» (4).

وقال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام : «كل معط منتقص سواه »(5).

وقال الإمام علي بن موسى الرضاء علیه السلام: «إن كل صانع شيء فمن شيء صنع ، والله الخالق اللطيف الجليل خلق وصنع لا من شيء»(6).

وعنه علیه السلام : «كل ما في الخلق لا يوجد في خالقه، وكل ما يمكن فيه يمتنع في صانعه... كيف يجري عليه ما هو أجراه ويعود فيه ما هو ابتدأه» (7).

الأصل السابع: تقابل وجود الخلق والخالق:

قال الإمام جعفر بن محمد الصادق علیه السلام : «التوحيد أن لا تجوز على ربّك ما جاز عليك »(8).


1) بحار الأنوار 3 :158

2) التوحيد للصدوق: 290

3) التوحيد للصدوق: 40

4) الاحتجاج 2: 176.

5) التوحيد للصدوق: 49.

6) الكافي 1: 120.

7) التوحيد للصدوق: 40.

8) بحار الأنوار 4: 264.

وقال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام في تأويل الصمد: «لا اسم ،ولا جسم ،ولا شبه، ولا صورة ،ولا تمثال، ولا حد، ولا حدود، ولا مكان، ولا كيف، ولا أين، ولا هنا ،ولا ثمة، ولا خلأ، ولا ملأ، ولا قيام، ولا قعود ولا سكون، ولا حركة، ولا ظلماني، ولا نوراني ولا روحاني ولا نفساني، ولا يخلو منه موضع ، ولا يسعه موضع، ولا على لون، ولا خطر على قلب، ولا على شم رائحة، منفي عنه هذه الأشياء»(1).

الأصل الثامن: وجوب الإقرار بوجود الخالق المباين للخلق:

قال الإمام محمد بن علي الجواد علیه السلام: «إن ما سوى الواحد متجزيء، والله واحد ولا متجزيء ولا متوهم بالقلة والكثرة، وكل متجري أو متوهم بالقلّة والكثرة فهو مخلوق دال على خالق له»(2).

وقال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام: «ليس بذي كبر، امتدت به النهايات فكبّرته تجسيماً، ولا بذي عظم، تناهت به الغايات فعظمته تجسيداً، بل كبر شأناً وعظم سلطاناً» (3).

وعنه علیه السلام: «هو الذي لم يتفاوت في ذاته، ولم يتبعض بتجزئة العدد في كماله»(4).

وعنه علیه السلام: «إنه عزّ وجلّ أحدي المعنى...، لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم ،كذلك ربّنا »(5).


1) بحار الأنوار 3: 230

2) الاحتجاج 2: 239.

3) نهج البلاغة 2: 115 - 116.

4) الكافي 8 :18.

5) التوحيد للصدوق: 83-84

وعنه علیه السلام: «ومن جزأه فقد وصفه، ومن وصفه فقد ألحد فيه»(1).

وقال الإمام جعفر بن محمد الصادق علیه السلام: «إن الله تبارك وتعالى خلو من خلقه، وخلقه خلو منه، وكلّ ما وقع عليه اسم شيء ما خلا الله عزّ وجلّ فهو مخلوق، والله خالق كل شيء، تبارك الذي ليس كمثله شيء »(2).

وقال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام: «مباين لجميع ما أحدث في الصفات» (3).

وقال الإمام موسى بن جعفر الكاظم علیه السلام: «هو القديم وما سواه محدث، تعالى عن صفات المخلوقين علواً كبيراً» (4).

الالتحاق بركب الهداية والسعادة الأبدية:

أعلن «جميل» عن استبصاره بنور أهل البيت علیه السلام وتغيير انتمائه إلى مذهب الشيعة الإمامية عام 1416ه- (1996م) في مدينته «كاتسينا» في نيجيريا، فواجه مصاعب كثيرة من قبل بعض أعضاء أسرته، حيث كانوا يكرهون الشيعة؛ نتيجة للأجواء المختلفة من قبل الفرقة الوهابية ضد هذا المذهب، فبدأ بالتحدث لهم عن أتباع أهل البيت علیهم السلام وكشف عن الافتراءات الموجهة ضدهم »(5)


1) التوحيد للصدوق: 37

2) الكافي 1: 83

3) التوحيد للصدوق: 69 - 70.

4) المصدر السابق: 76.

5) أملى المستبصر الاستمارة المختصة بالمستبصرين في مركز الأبحاث العقائدية، وله ملف خاص في المركز.

(23)حبيب الله علي

(مالكي - نيجيريا)

ولد عام 1394ه- ( 1975م) بمدينة «كانو» في نيجيريا، ونشأ في أوساط عائلية وأجواء تنتمي للمذهب المالكي، التحق «حبيب الله» بالمدرسة الدينية لتعلم الفقه والعقائد، ولم يترك الدراسة الأكاديمية إلى جنب ذلك، بل واصلها حتى الثانوية.

المحفّز الأساسي للبحث عن العقيدة الصحيحة:

كان حبيب الله مولعاً بمطالعة كتب العقيدة؛ لإثراء رصيده المعرفي و تعرفه على أجوبة شبهات المخالفين، وبعد أن قرأ بعض الكتب الأساسية، شعر أنه يواجه تناقضات هائلة وعقائد متضاربة مثبتة في هذه المصادر، الأمر الذي أثار استغرابه، فقرّر أن يلتجيء إلى منهج مخطط مدروس لاستيعاب الحقائق الدينية والإلمام بها، فصار يطالع ويجمع المعلومات، ويقارن بين الأقوال والآراء، حتى وقعت بيده مجلّة إسلامية شيعية باللغة العربية، فشارك فيها، وأصبحت تأتيه بعد صدورها إلى داره.

ومن خلالها تعرّف «حبيب الله » على المذهب الشيعي، وكان يجد الفكر الشيعي أكثر قوة ومتانة حين المقارنة بينه وبين الفكر السنّي، وهذا ما دفعه للبحث عن الكتب الشيعيّة، فحصل على بعض الكتب من هذا القبيل، فطالعها وأمعن النظر فيها، وكان يتحقق من صحة ما ينقل في كتب الشيعة من مصادر أهل السنّة بنفسه، وكان كتاب (الإمامة والسياسة) لابن قتيبة الدِّينَوري (276ه-) من أهم تلك المصادر التي تأثر بالحقائق المدونة فيه؛ فإنّه شعر بصدمة نفسية شديدة بعد مطالعته والاطلاع على الأحداث التي لم يكن يعلمها من قبل، ومنها: أمور ترتبط بصراع الأمة للهيمنة على دفة الحكم بعد رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم.

نسبة كتاب (الإمامة والسياسة) إلى ابن قتيبة:

من الواضح أن إثبات نسبة أيّ كتاب إلى مؤلّفه توجب استبعاد الاحتمالات المشككة بشأن دلالة ما ورد فيه، ولمّا كان كتاب (الإمامة

والسياسة) لابن قتيبة من تلك المصادر المهمة التي ورد فيها الكثير من الأحداث الواقعة بعد الرسول الأكرم صلّی الله علیه وآله وسلم، وما جرى على الإمام علي وبضعته الطاهرة فاطمة الزهراء علیها السلام، فينبغي البحث عن صحة انتسابه إلى ابن قتيبة، وخاصة بعد أن حامت حوله الشبهة في هذا المجال.

فنقول بإيجاز:

الظاهر أن أول من أعلن تشكيكه، بل نفى النسبة هو (غاينفوس المجريطي)؛ إذ ذكر ذلك في صدر كتابه عن الأندلس في سنة (1881م)،

ثم تبعه دوزي وآخرون(1).


1) شاكر مصطفى في كتابه: التاريخ العربي والمؤرخون 1: 241.

وساق هؤلاء أدلة على نفي نسبة الكتاب لابن قتيبة؛ أهمها: عدم ذك-ر مترجمي ابن قتيبة لهذا الكتاب بأنه له، وهذا إشكال لا ينبغي أن يصدر من متخصص في علم التراجم، فكم له من نظير ، ولا عجب بعد أن نقرأ ما قاله النووي (676ه-) في تهذيب الأسماء واللغات عند ذكره؛ إذ قال: «القتبي.. وهو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، الكاتب اللغوي الفاضل في علوم كثيرة، سكن بغداد، وله مصنفات كثيرة جداً، رأيت فهرستها ونسيت عددها أظنها تزيد على ستين مصنفاً في أنواع العلوم...»(1).

فإذا كان مثل النووي في إحاطته بترجمة ابن قتيبة يقول هذا، وهو أقرب زماناً ومكاناً إلى ابن قتيبة من المستشرق (غا ينفوس المجريطي)، فالأولى بنا أن نصدقه في ذكره كثرة مصنّفات ابن قتيبة في علوم شتّى وأحرى بنا أيضاً أن نصدقه في رؤيته فهرست تلك المصنّفات.

وهذا النسيان الذي اعتذر به محتمل عند غيره من قدامى مترجمي ابن قتيبة، فلم يذكروا كتاب (الإمامة والسياسة)، ولم يكن إهمالهم لذكره إلا لأن فيه ما لا يعجبهم ذكره من أحداث وقعت في صدر الإسلام، فهذا ابن خلدون (808ه-) ذكر وقعة الجمل وختم بقوله: «هذا أمر الجمل ملخص من كتاب أبي جعفر الطبري، اعتمدناه للوثوق به ولسلامته من الأهواء الموجودة في كتب ابن قتيبة وغيره من المؤرخين»(2).


1) تهذيب الأسماء واللغات 2: 281.

2) تاریخ ابن خلدون 2 (القسم الثاني): 166.

وهذا تلويح إلى كتاب (الإمامة والسياسة)، إذ لم يرد عند ابن قتيبة في بقية كتبه ما يثير حفيظة ابن خلدون وأضرابه كما ورد في

كتاب (الإمامة والسياسة).

ولئن تحاشى ابن خلدون التصريح باسمه وحشره مجملاً مهملاً في كتب ابن قتيبة وغيره من المؤرّخين، فإن ابن العربي المالكي (ت543ه-) تحامل صريحاً فذكر ابن قتيبة ووصفه بالجاهل العاقل (؟) فقال في كتابه (العواصم من القواصم): ومن أشدّ شيء على الناس جاهل عاقل، أو مبتدع محتال، فأما الجاهل فهو ابن قتيبة، فلم يبق ولم يذر للصحابة رسماً في كتاب (الإمامة والسياسة إن صح جميع ما فيه...» (1).

ونحن حسبنا تصريحه بصحة نسبة كتاب (الإمامة والسياسة) إلى ابن قتيبة، فلنا شهادته بصحة النسبة، وله رأيه في جميع ما فيه. وكذلك كان ابن حجر الهيتمي في كتابه (تطهير الجنان واللسان)، فقد نعي على ابن قتيبة ذكر ما شجر بين الصحابة فقال: «وقد علمت مما قدمته في معنى الإمساك ذلك، أن عدم الإمساك إما أن يكون واجباً لاسيما مع ولوع العوام به، ومع تأليف صدرت من بعض المحدثين، كابن قتيبة مع جلالته القاضية بأنه كان ينبغي له أن لا يذكر تلك الظواهر ، فإن أبى إلا ذكرها فليبين جريانها على قواعد أهل السنّة، حتى لا يتمسك مبتدع أو جاهل بها..»(2).


1) العواصم من القواصم: 248.

2) تطهير الجنان واللسان: 43.

وقال الكوثري في مقدمة كتاب الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبّهة لابن قتيبة، وه-و ي-ذكر أهمية الكتاب للمتأدب والمتكلم والمفيد: «وأما المتكلّم الذي يرى ابن قتيبة هجاء ولوجاً فيما لا يحسنه، كرّامياً مشبّهاً، غير متثبت في نقل ما شجر بين الصحابة، منحرفاً عن أهل بيت النبوة (رضي الله عنهم، نظر إلى كتاب الإمامة والسياسة المعزو إليه من قديم الدهر، إلى غير ذلك مما هو مثبوت في كتب خاصة، يلفيه قد رجع إلى الصواب في كثير من تلك المسائل ولطَّف لهجته في جملة منها »(1).

ولم يكن الكوثري هو الوحيد في تقويمه هذا، وإلى القارىء أقوال آخرين من الكتاب المحدثين.

1 - قال عبد الكريم الخطيب في كتابه (علي بن أبي طالب بقية النبوة وخاتم الخلافة): «اهتم ابن قتيبة في كتابه الإمامة والسياسة)اهتماماً خاصاً بالفتنة التي كانت في أخريات خلافة عثمان، ثمّ ما تلاها في خلافة علي وما وقع من حروب كوقعة الجمل وصفّين والنهروان وغيرها، وهو ينقل كثيراً ممن سبقوه، كابن إسحاق وابن سعد وغيرهما »(2).

2 - الدكتور طه محمد الزيني، الاستاذ بالأزهر، فقد تولى تحقيق كتاب (الإمامة والسياسة)، ونشرت الكتاب مؤسسة الحلبي وشركاؤه للنشر


1) مقدمة الكتاب.

2) علي بن أبي طالب بقية النبوة: 41.

والتوزيع، قال في مقدمته: (وبعد، فإن (كتاب الإمامة والسياسة) للعالم الفاضل المؤرّخ العظيم عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، من أشهر الكتب تداولاً بين قرّاء العربية...»(1)، فهذا المحقق يجزم بصحة النسبة.

هذا وقد ذهب جمهرة من القدماء والمحدثين إلى صحة نسبة كتاب (الإمامة والسياسة إلى مؤلّفه ابن قتيبة؛ فمن القدماء:

1 - القاضي ابن الشباط (681ه-) نقل عنه في كتابه (حلّة السمط وسمة المرط) في الفصل الثاني من الباب الرابع والثلاثين، وهو كتاب في الأدب والتاريخ في أربعة أجزاء كبار (2).

2 - تقي الدين الفاسي المكي (832ه-) في كتابه (العقد الثمين في أخبار البلد الأمين) (3).

3 - عمر بن فهد المكي ( 885ه-) في كتابه (إتحاف الورى بأخبار أمّ القرى في ذكر وقائع سنة /93، نقل عنه في ذكر كيفية القبض على سعيد بن جبير.

4 - ابن السابق عز الدين عبد العزيز بن عمر بن فهد (921ه-) أخذ عنه في كتابه (غاية المرام بأخبار سلطنة البلد الحرام).


1) مقدمة الكتاب .

2) راجع مقدمة كتاب المعارف: 56 لثروت عكاشة. وبشأن ابن الشباط وكتابه راجع: معجم المؤلّفين لعمر رضا كحالة 11: 57.

3) العقد الثمين 7: 195.

5- محمد محبوب عالم أخذ عنه في تفسيره المعروف ب- : (تفسير شاهي).

إلى غير هؤلاء.

وأما من المحدثين فهم كثيرون؛ منهم:

1 - محمد فريد وجدي في كتابه (دائرة معارف القرن العشرين)، إذ نقل عن كتاب (الإمامة والسياسة) خطبة أبي بكر في السقيفة، ثمّ قال: «إنّ الكتاب نقل منه هذه الخطبة هو من أقدم الكتب وأوثقها في مسائل الخلافة الإسلامية» (1).

2 - الدكتور أحمد شلبي (2)في كتابه (التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية) الطبعة الخامسة، نقل عنه كثيراً، وذكره في قائمة مصادره (3)، وذكره بين كتابيه: عيون الأخبار، والمعارف.

3 - الدكتور حسن إبراهيم حسن(4)في كتابه (تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي)) نقل عنه في طبعة القاهرة سنة 1322، كما في ضمن قائمة المصادر، وذكر كتابه الآخر كتاب المعارف ط 1353ه-، 1934م.


1) دائرة معارف القرن العشرين 2: 312

2) دكتوراه في الفلسفة من جامعة كمبرديج، أستاذ مساعد في التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة.

3) التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية 1: 392.

4) مدير جامعة محمد علي، وأستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة فؤاد الأول (سابقاً).

4 - البحاثة عمر رضا كحالة في كتابه (أعلام النساء) (1)بهامش ترجمة السيدة الزهراء علیها السلام.

5- الدكتور أحمد محمود صبحي(2)في كتابه (نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثنى عشرية) ط دار المعارف بمصر سنة 1969م.

6 - أحمد زكي صفوت في كتابيه: (جمهرة خطب العرب)، و(جمهرة رسائل العرب)، كما في قائمة المصادر فيهما.

وغيرهم كثر (3).

فمن يجد أمثال من ذكرنا من شيوخ العلم من المتقدمين، وأساتذة مرموقين من المحدثين، جميعاً يؤمنون بصحة نسبة كتاب (الإمامة والسياسة) إلى ابن قتيبة، كيف يطمئن إلى صحة ما قاله المستشرقون؟

التحرّر من قيود التعصب الأعمى:

كان من الصعب على حبيب الله التحرّر من الموروث العقائدي ولكنّه وبعد أن اكتملت في ذهنه صورة التشيّع، دخل في رحاب ه-ذا المذهب عام 1410ه- ( 1990م) آمناً ومطمئناً بأنه المذهب الذي يحقق الأهداف المنشودة لنيل رضى الله تعالى في الدارين.

وكان استبصاره في مدينة «كانو» في نيجيريا (4).


1) أعلام النساء 4: 114 - 116.

2) مدرس الفلسفة بكلية الآداب جامعة الاسكندرية.

3) للمزيد عن نسبة الكتاب إلى مؤلّفه راجع ما كتبه السيد محمد مهدي الخرسان في كتابه: المحسن السبط مولد أم سقط : 573 - 582

4) تحدّث المستبصر في ملف صوتي عن كيفية استبصاره والأمور التي تأثر بها في هذا المجال، وله ملف خاص في مركز الأبحاث العقائدية.

(24) عبدالله عمر أبوبكر

(مالكي - نيجيريا)

ولد عام 1388ه- ( 1969م) في مدينة «بوثي» الواقعة في نيجريا، ونشأ في أجواء دفعته لاعتناق المذهب المالكي.

واصل «عبد الله» دراسته الأكاديمية حتى نال شهادة الديبلوم.

على الصعيد العقائدي بقي على انتمائه الموروث حتى وقع بيده کتاب ثم اهتديت للدكتور محمد التيجاني السماوي، فبدأ بقراءته والتمعن فيه، فوجد فيه الكثير من المواقف التي تحيّر فيها المؤلف - قبل استبصاره - عند مواجهته الأحاديث الصريحة التي تؤيد الرؤية الشيعية، والمحاورات التي دارت بينه وبين علماء الشيعة، وكان من تلك الوقائع: رزيّة الخميس.

الصحابة ورزية يوم الخميس:

يقول التيجاني السماوي عند التطرّق لحديث رزية الخميس وما حدّث به نفسه عن هذا الحديث قبل الاستبصار :

مجمل القصة: إن الصحابة كانوا مجتمعين في بيت رسول الله قبل وفاته بثلاثة أيام، فأمرهم أن يحضروا له الكتف والدواة ليكتب له-م كتاباً يعصمهم من الضلالة، ولكن الصحابة اختلفوا، ومنهم من عصى أمره واتهمه بالهجر، فغضب رسول الله وأخرجهم من بيته دون أن يكتب لهم شيئاً، وإليك شيئاً من التفصيل:

قال ابن عبّاس: يوم الخميس وما يوم الخميس، اشتد برسول الله وجعه، فقال: هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده، فقال عمر: إن النبي قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا، منهم من يقول: قربوا يكتب لكم النبي كتاباً لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول: ما قال عمر.

فلمّا أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي، قال لهم رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم : قوموا عني، فكان ابن عبّاس يقول: إن كلّ الرّزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم (1).

وهذه الحادثة صحيحة لا شك فيها، فقد نقلها علماء الشيعة ومحدثوهم في كتبهم، كما نقلها علماء السنّة ومحدثوهم ومؤرخوهم، ومن هنا أقف حائراً في تفسير الموقف الذي وقفه عمر بن الخطاب من أمر رسول الله، وأي أمر هو ؟ أمر عاصم من الضلالة لهذه الأمة، ولا شك أن هذا الكتاب فيه شيء جديد بالنسبة للمسلمين سوف يقطع عليهم كلّ شك.


1) راجع: مسند أحمد 1: 325 صحيح البخاري 5: 138 ، 7 ،9، صحيح مسلم 5: 76، المصنف للصنعاني 5: 439، ابن حبان 14 562 ، الطبقات الكبرى 2 244: البداية والنهاية 5: 247،وغيرها.

ولنترك قول الشيعة بأنّ الرسول أراد أن يكتب اسم علي خليفة له، وتفطّن عمر لذلك فمنعه، فلعلهم لا يقنعوننا بهذا الزعم الذي لا يرضينا مبدئياً، ولكن هل نجد تفسيراً معقولاً لهذه الحادثة المؤلمة التي أغضبت الرسوحتى طردهم، وجعلت ابن عبّاس يبكي حتى يبل دمعه الحصى ويسميها أكبر رزيّة.

أهل السنّة يقولون بأن عمر أحس بشدّة مرض النبي فأشفق عليه وأراد أن يريحه

هذا التعليل لا يقبله بسطاء العقول فضلاً العلماء، وقد حاولت مرارا وتكراراً التماس بعض الأعذار لعمر ، ولكن واقع الحادثة يأبى علي ذلك، وحتى لو أبدلت كلمة يهجر والعياذ بالله بلفظة «غلبه الوجع» فسوف لن نجد مبرراً لقول عمر: «عندكم القرآن»، و«حسبنا كتاب الله».

أو كان هو أعلم بالقرآن من رسول الله الذي أنزل عليه؟

أم أنّ رسول الله لا ما يقول - حاشاه - ؟

أم أنه أراد بأمره ذلك أن يبعث فيهم الاختلاف والفرقة «أستغفر الله»؟

ثُمّ لو كان تعليل أهل السنّة صحيحاً، فلم يكن ذلك ليخفى على رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم حسن نية ،عمر، ولشكره رسول الله على ذلك وقربه، بدلاً من أن يغضب عليه ويقول: أخرجوا عنّي.

وهل لي أن أتسائل لماذا امتثلوا أمره عندما طردهم من الحجرة النبوية، ولم يقولوا بأنّه يهجر ؟

ألأنّهم نجحوا بمخطّطهم في منع الرسول من الكتابة، فلا داعي بعد ذلك لبقائهم، والدليل على أنهم أكثروا اللغط والاختلاف بحضرته صلّی الله علیه وآله وسلم،وانقسموا إلى حزبين، منهم من يقول: قرّبوا إلى رسول الله يكتب لكم ذلك الكتاب، ومنهم من يقول : ما قال عمر، أي إنه «يهجر».

والأمر لم يعد بتلك البساطة يتعلق بشخص عمر وحده، ولو كان كذلك لأسكته رسول الله وأقنعه بأنّه لا ينطق عن الهوى، ولا يمكن أن يغلب عليه الوجع في هداية الأمة وعدم ضلالتها، ولكن الأمر استفحل واستشرى ووجد له أنصاراً كأنهم متفقون مسبقاً، ولذلك أكثروا اللغط والاختلاف، ونسوا أو تناسوا قول الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرفَعُوا أَصوَاتَكُم فَوق صوتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَولِ كَجَهْ-رِ بَعضِكُم لِبَعض أن تَحبَطَ أَعْمَالُكُم وَأَنتُم لا تَشْعُرُونَ }(1).

وفي هذه الحادثة تعدوا حدود رفع الأصوات والجهر بالقول إلى رميه صلّی الله علیه وآله وسلم بالهجر والهذيان-والعياذ بالله -، ثمّ أكثروا اللغط والاختلاف، وصارت معركة كلامية بحضرته.

وأكاد أعتقد بأن الأكثرية الساحقة كانت على قول عمر، ولذلك رأى رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم عدم الجدوى في كتابة الكتاب، لأنه علم بأنهم لن يحترموه، ولم يمتثلوا لأمر الله فيه في عدم رفع أصواتهم بحضرته، وإذا كانوا لأمر الله عاصين فلن يكونوا لأمر رسوله طائعين.


1) الحجرات (49): 2

واقتضت حكمة الرسول بأن لا يكتب لهم ذلك الكتاب لأنه طعن في-ه في حياته، فكيف يعمل بما فيه بعد وفاته، وسيقول الطاعنون: بأنه هَجْرٌ من القول، ولربما سيشككون في بعض الأحكام التي عقدها رسول الله في مرض موته، إذ أن اعتقادهم بهجره ثابت.

أستغفر الله وأتوب إليه من هذا القول في حضرة الرسول الأكرم، وكيف لي أن أقنع نفسي وضميري الحرّ بأن عمر بن الخطاب كان عفوياً، في حين أن أصحابه ومن حضروا محضره بكوا لما حصل، حتى بل دمعهم الحصى وسمّوها رزية المسلمين.

ولهذا فقد خلصت إلى أن أرفض كل التعليلات التي قدمت لتبرير ذلك، ولقد حاولت أن أنكر هذه الحادثة وأكذبها لأستريح من مأساتها،

ولكن كتب الصحاح نقلتها وأثبتتها وصححتها، ولم تحسن تبريرها.

وأكاد أميل إلى رأي الشيعة في تفسير هذا الحدث، لأنه تعليل منطقي وله قرائن عديدة، وإنّي لازلت أذكر إجابة السيّد محمد باقر الصدر عندما سألته: كيف فهم سيدنا عمر من بين الصحابة ما يريد الرسول كتابته وهو استخلاف علي - على حد زعمكم - ، فهذا ذكاء منه؟

قال السيّد الصدر: لم يكن عمر وحده فهم مقصد الرسول، ولكن أكثر الحاضرين فهموا ما فهمه عمر ، لأنه سبق لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال مثل هذا،إذ قال لهم:«إنّي مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن

تمسّكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً»(1)، وفي مرضه قال لهم: «هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً».

ففهم الحاضرون ومن بينهم عمر أن رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم يريد أن يؤكد ما ذكره في غدير خم كتابياً، وهو التمسك بكتاب الله وعترته، وسيد العترة هو عليّ ، فكأنه صلّی الله علیه وآله وسلم أراد أن يقول: عليكم بالقرآن وعلي، وقد قال مثل ذلك في مناسبات أخرى كما ذكر المحدّثون(2).

وكان أغلبية قريش لا يرضون بعلي لأنّه أصغر القوم، ولأنّه حطّم كبرياءهم، وهشّم أنوفهم، وقتل أبطالهم، ولكنّهم لا يجرؤون على رسول الله إلى الحد الذي حصل في صلح الحديبية، وفي المعارضة الشديدة للنبيّ عندما صلّى على عبد الله ابن أبي المنافق، وفي عدة مواقف أخرى سجّلها التاريخ، وهذا الموقف منها.

وأنت ترى أن المعارضة لكتابة الكتاب في مرض النبي شجّعت بعض الآخرين من الحاضرين على الجرأة، ومن ثمّ الإكثار من اللغط في حضرة

الرسول صلّی الله علیه وآله وسلم.


1) راجع صيغ الحديث المختلفة في :صحيح مسلم 7: 123 ، مسند أحمد 3: 14 و 26، سنن الترمذي 5: 329 ، المستدرك على الصحيحين 3 :309 السنن الكبرى للبيهقي7 : 309، وغيرها.

2) روى الحاكم في مستدركه عن رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم أنه قال: علي مع القرآن والقرآن مع عليّ لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، وقال بعد ذكره للحديث: هذا حديث صحيح الإسناد. المستدرك على الصحيحين 3 124، كما رواه الطبراني في المعجم الصغير 1: 255، والأوسط 5: 135، ورواه السيوطي في الجامع الصغير 2: 177.

إنّ هذه المقولة جاءت ردّاً مطابقاً تماماً لمقصود الحديث، فمقولة: «عندكم القرآن»، «حسبنا كتاب الله» مخالفة لمحتوى الحديث الذي يأمرهم بالتمسك بكتاب الله وبالعترة معاً، فكأن المقصود هو: حسبنا كتاب الله فهو يكفينا، ولا حاجة لنا بالعترة.

وليس هناك تفسير معقول غير هذا بالنسبة إلى هذه الحادثة، الله-م إلّا إذا كان المراد هو القول بإطاعة الله دون إطاعة رسوله، وهذا أيضاً

باطل وغير معقول..

وأنا إذا طرحت التعصب الأعمى والعاطفة الجامحة، وحكمت العقل السليم، والفكر الحرّ، لملت إلى هذا التحليل، وذلك أهون من اتّهام عمر بأنه أوّل من رفض السنّة النبوية بقوله: حسبنا كتاب الله.

وإذا كان بعض الحكّام قد رفض السنّة النبوية بدعوى أنها متناقضة، فإنّه اتبع في ذلك سابقة تاريخية في حياة المسلمين، مع أني لا أحمل عمر وحده مسؤولية ذه الحادثة وحرمان الأمة من الهداية، وحتى أكون منصفاً في حقه أحملها هو ومن معه من الصحابة الذين قالوا مثل مقالته، وعضدوا بذلك موقفه معارضة لأمر رسول الله.

وإنّي لأعجب لمن يقرأ هذه الحادثة ويمر بها وكأن شيئاً لم يكن مع أنها من أكبر الرزايا كما سماها ابن عبّاس.

وعجبي أكبر من الذين يحاولون جهدهم الحفاظ على كرامة صحابي و تصحيح خطئه، ولو كان ذلك على حساب كرامة رسول الله وعلى

حساب الإسلام ومبادئه.

ولماذا نهرب من الحقيقة، ونحاول طمسها عندما لا تتماشى مع أهوائنا؟ لماذا لا نعترف بأن الصحابة بشر مثلنا، لهم أهواء وميول وأغراض،

ويخطئون ويصيبون؟

ولا يزول إلّا عندما أقرأ كتاب الله وهو يروي لنا قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وما لاقوه من شعوبهم في المعاندة رغم ما يشاهدونه من معجزات... (1)

ثم اهتديت:

بعد اقتناعه بالأدلة التي ذكرها الدكتور التيجاني في كتابه «ثم اهتديت»، وبعد فترة من البحث والتحقيق أعلن «عبد الله» عن استبصاره والالتحاق بركب أتباع مذهب أهل البيت علیهم السلام، وكان ذلك عام 1409ه- (1989م) في مسقط رأسه في نيجريا.

ول- «عبد الله» عدة كتابات عن سيرة الإمام المهدي علیه السلام، وتربية الأبناء (2).


1) ثم اهتديت 95 - 100.

2) أرسل المستبصر الاستمارة الخاصة بالمستبصرين لمركز الأبحاث العقائدية، وذكر فيها أهم أدلة الاستبصار وما يرتبط بذلك.

(25)عمر محمّد حافظي

(مالكي - نيجيريا)

ولد عام 1396ه- في ولاية كانوا التابعة لدولة نيجيريا، ونشأ في أسرة مالكية المذهب، فسار على خطاها حتى تعرف على التيار الوهابي نتيجة تواجد من ينتمي إليه في المنطقة التي كان يعيش فيها.

إفراط الوهابية في عدائهم للشيعة:

من أهم الأمور التي لفتت انتباهه من أتباع الوهابية أنهم كانوا يبغضون الشيعة بغضاً مقيتاً ويكنون تجاههم العداء الشديد، فكانوا يخرجون - عند الحديث عن الشيعة - عن حالة الاتزان، فيكثرون من سبهم ورميهم بالكفر. فكان هذا الأمر الدافع الرئيسي الذي حفّز «عمر» لأن يدرس الفكر الشيعي؛ ليقف على سبب العداء الذي يكنّه هؤلاء بالنسبة لأتباع مذهب أهل البيت علیهم السلام.

فبدأ بالسؤال والاستفسار عن سبب مواقفهم هذه، فقالوا بأن الشيعة يسبون الصحابة ويطعنون بهم، ويختلفون مع أهل السنة في بعض المسائل

الفقهية، ومنها: مسحهم للأرجل في الوضوء بدل غسلها، وتحليلهم للزواج المؤقت (المتعة)، وغير ذلك من الأمور التي لا يقبلها أهل السنّة.

وقفة مع تشريع المتعة:

لاشك ولا ريب في تشريع زواج المتعة (المؤقت) في الإسلام، وهذا ما نص عليه القرآن الكريم والسنة الشريفة، وإنما الخلاف بين المسلمين في نسخها أو عدمه، فذهب أهل السنة والجماعة إلى أنها منسوخة، واستدلوا لذلك بعدة روايات متعارضة فيما بينها، بينما ذهب شيعة أهل البيت علیهم السلام إلى بقاء هذا التشريع المقدس وعدم نسخه لا من القرآن ولا السنة، ومَن مٍن شأنه أن ينسخ هذا الحكم إلا من شرعه ؟! وقبل التطرق الى الأدلة ينبغي التنبيهإلى أن زواج المتعة ما هو إلا قضية فقهية ثابتة عند قوم وغير ثابتة عند آخرين كسائر القضايا والأحكام الفقهية الأخرى التي يمكن الاختلاف فيها، فليس من الصحيح التشنيع والتشهير بالشيعة وجعل زواج المتعة أداة لذلك، فإنّ هذه الأساليب غير العلمية تكون سبباً للفرقة بين المسلمين في الوقت الذي تتركز حاجتهم إلى لم الشعث ورأب الصدع.

وأما الأدلة على مشروعيتها فمن القرآن الكريم:

قوله تعالى:{فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَريضَةً ...}(1)، فقد روي عن جماعة من كبار الصحابة والتابعين


1) النساء (4) : 24

المرجوع إليهم في قراءة القرآن الكريم وأحكامه التصريح بنزول هذه الآية المباركة في المتعة، منهم: عبد الله بن عباس، وأبي بن كعب، وعبدالله بن مسعود، وجابر بن عبد الله ، وأبو سعيد الخدري، وسعيد بن جبير، و مجاهد، والسدي، وقتادة (1).

وما دلّ على مشروعيتها من السنة الشريفة:

ما أخرجه البخاري ومسلم وأحمد، وغيرهم، عن عبد الله بن مسعود، قال: كنا نغزو مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ليس لنا نساء، فقلنا: ألا نستخصي؟

فنهانا عن ذلك، ثمّ رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل.

ثم قرأ عبد الله:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (2).

هذا؛ مضافاً إلى ذلك الاجماع المنقول في ذلك، فقد نص القرطبي على ذلك حيث قال:

قال أبو عمر: (لم يختلف العلماء من السلف والخلف أن المتعة نكاح إلى أجل، لا ميراث فيه، والفرقة تقع عند انقضاء الأجل من غير طلاق)، ثم نقل عن ابن عطية كيفية هذا النكاح وأحكامه (3).


1) راجع: تفسير الطبري والقرطبي وابن كثير والكشاف والدرّ المنثور في تفسير الآية، وأحكام القرآن للجصّاص 2 : 184 و 185 .

2) راجع صحيح البخاري 5 : 189 ، صحیح مسلم 4 : 130 ، ومسند أحمد 1 : 420 .

3) تفسير القرطبي 5 : 132.

وكذلك الطبري، فنقل عن السدي أنه قال في ذيل الآية المذكورة في سورة النساء... فهذه المتعة، الرجل ينكح المرأة بشرط إلى أجل مسمى .. وإذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل وهي منه بريّة، وعليها أن تستبرئ ما في رحمها، وليس بينهما ميراث ليس يرث واحد منهما صاحبه (1).

وعن ابن عبد البر في التمهيد: أجمعوا على أن المتعة نكاح لا إشهاد فيه، وأنه نكاح إلى أجل يقع فيه الفرقة بلا طلاق ولا ميراث بينهما (2). وما زالت متعة النساء سارية المفعول مباحة للمسلمين يأتي بها الصحابة بين الحين والآخر، سواء في زمن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم أوفي زمن أبي بكر وشطراً من خلافة عمر بن الخطاب، حتى قال الأخير: متعتان كانتا على عهد رسول الله، وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما (3).

فثبت من خلال هذا الاستعراض المختصر جواز ومشروعية زواج المتعة في الإسلام، و قد رحل النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وهي بعد مشرعة غير محرمة،حتى حرّمها عمر في أيام خلافته.

البحث والاستبصار:

إلى جانب إلقاء أسئلته على علماء الوهابية توجّه «عمر» نحو دراسة الموضوع بقراءة كتب أتباع مذهب أهل البيت علیهم السلام بنفسه، إذ الحري


1) تفسير الطبري 5: 18

2) التمهيد 10 : 116.

3) أورد مقالته هذه جمهرة من الكتاب والحفاظ في كتبهم، راجع تفسير الرازي 5 : 317، شرح معاني الآثار للطحاوي 2 : 146 ، معرفة السنن والآثار للبيهقي 5 : 345 ، المحلّى 7: 107.

بالعاقل أن يتعرّف على أفكار كل فئة ممّاكتب أتباعها عنها لا مما ينقله أعدائها، فقرأ بعض كتب الشيعة والمستبصرين، من قبيل: كتاب

«المراجعات» للسيد شرف الدين، «ومع رجال الفكر في القاهرة» للسيد مرتضى الرضوي، و«ثم اهتديت» للدكتور التيجاني السماوي.

واطّلع من خلال مطالعاته على حديث الثقلين، وحديث السفينة، وحديث الغدير ، وغير ذلك من النصوص الدالّة على منزلة أهل البيت علیهم السلام. واستمرّ به البحث إلى أن توصّل «عمر» إلى قناعة تامّة بأحقّية المذهب الشيعي عام 1421ه- ، فغيّر انتمائه المذهبي وتخلّى عن مذهبه الموروث. وكتب بعد استبصاره عدة مقالات في الدفاع عن المذهب الشيعي، منها: «يوم ولادة الزهراء علیها السلام ، ومقال: «علیه السلام أولى بالخلافة »(1).


1) راسل المستبصر«مركز الأبحاث العقائدية »معرباً عن استبصاره والتحاقه بمذهب أهل البيت علیهم السلام، وله ملف خاص في المركز.

(26) محمد باقر الحاج غنا

(مالكي - نيجيريا)

ولد عام 1397ه- (1977م) في مدينة ميدغري بنيجيريا، ونشأ في أوساط عائلة تعتنق المذهب المالكي، فأصبح مالكياً.

حاصل على الشهادة العليا في الشريعة والقانون.

مبدأ البحث والتحقيق:

يروي «محمّد» قصّة استبصاره فيقول: «كنت أفكر دائماً بشأن حديث الفرقة الناجية؛ حتى جاء أتباع الوهابية إلى مدينتنا وشرعوا بتكفي-ر أمة الإسلام، فبدأتُ اطّلع على أفكارهم، وفي الواقع شجعتني تلك الأقاويل أن أبحث بنفسي بشأن الشيعة وباقي المذاهب؛ التي يكفّرها الوهابية، وفي الحقيقة كانت إثارتهم لبعض القضايا العقدية تحفزني للبحث والتنقيب.

فعكفت على مطالعة الصحاح والمسانيد وكتب العقيدة ومؤلّفات الشيعة وغيرها، فجلبت انتباهي قضايا كثيرة؛ منها: الموقف السلبي للخلفاء الثلاثة وكثير من الصحابة والتابعين وغيرهم تجاه أهل البيت علیهم السلام - لا سيما

الإمام أمير المؤمنين والسيّدة فاطمة الزهراء علیها السلام، وحديث اثني عشر خليفة، وحديث الغدير، وحديث الثقلين.

كما كانت حوادث السقيفة بالذات من أهم المسائل التي فتحت عيني على حقائق أخرى..

وقد اتضح لي تكالب البعض ممن كنت أقدسه على المناصب، والنبي صلّی الله علیه وآله وسلم ما زال جثمانه الشريف غير مدفون؛ إذ كان الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام وبقية الهاشميين والنجباء من الصحابة منشغلين عن الدنيا بهذا الأمر الفادح !!!

ثمّ إن الذين نزوا على موقع الخلافة قد عزموا على استخدام القوة والعنف في تنفيذ مآربهم، وحوادث دار السيّدة فاطمة الزهراء علیها السلام خیر شاهد على ذلك» (1).

تساؤل وجوابه:

السؤال :هل تعد قضية السيدة الزهراء علیها السلام من أساسيات المذهب الحق، أم أنها مجرّد مسألة تاريخية؟

الجواب: لا يخفى على أحد أن من أهم أركان مذهب أهل البيت علیهم السلام :


1) ما تم ذكره عن المستبصر أشار إليه في رسالته بعثها للمركز، فأوضح فيها أهم أدلّة استبصاره (بتصرف يسير).وقد ألف كتاباً أوضح فيه أسباب الاستبصار بتفصيل، سمّاه: «هداية قبل الهداية».

1- التولّي والولاية، وهو موالاة أولياء الله واتباعهم وجعلهم القدوة في كل الأمور.

2- التبري والبراءة من أعداء الله، سواء في ذلك بالعلن أو الخفية، بالجنان واللسان.

فلا يصدق على أحد أنه شيعي تابع لرسول الله وأهل بيته علیهم السلام إذا أخلّ بأحد هذين؛ إذ لا يمكن للولاء أن يتم من دون التبري، ولأجل التبري والبراءة في الفكر الشيعي لقب الشيعة بالروافض، ولأجل هذا نشاهد أن المؤرخين ينعتون من كان يروي من علماء أهل السنة روايات في فضائل أهل البيت أنّه : شيعي بلا رفض»، أو: «يتشيع بلا رفض».

ومن أهم المصاديق التي يبتني عليه التبري هو: مظلومية أهل البيت علیهم السلام عموماً، ومظلومية السيدة الزهراء علیها السلام خصوصاً . فالذين يشككون - أيّاً من كانوا - في مظلومية أهل البيت علیهم السلام ومظلومية السيدة الزهراء علیها السلام ، هم الذين في قلوبهم مرض، يريدون أن يجعلوا التشيع في الولاء فقط، من دون تبري، وذلك لأغراض أضمروها في قلوبهم.

وبعد هذا كلّه، يمكن للقارئ العزيز أن يشخّص هو بنفسه أن مظلومية أهل البيت الا عموماً، ومظلومية السيدة الزهراء علیها السلام خصوصاً، هل هي من أساسيات المذهب، أم أنها مجرد مسائل تاريخية؟

نقطة التحوّل:

هذه المسألة ومسائل أخرى عرضها علماء الإمامية في كتبهم، جعلت «محمّد» يترك مذهبه السابق إلى غير رجعة في عام 1416ه- ، ويعتنق

مذهب الحقّريال ويتمسّك بشريعة سيّد المرسلين والعترة النبوية الطاهرة علیهم السلام ويلتزم بذلك بوصايا رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم؛ التي ركزت وبيّنت ثقل أهل البيت علیهم السلام ووجوب اتّباعهم.

ثمّ واصل دراسته لعلوم أهل البيت علیهم السلام، ليخدم من خلالها أبناء بلده، كما قام بترجمة بعض المؤلّفات المرتبطة بالمواضيع العقائدية إلى لغته المحلّية (لغة الهوسا)، منها كتاب: «لأكون مع الصادقين» للدكتور التيجاني السماوي،« وإحياء الميت بفضل أهل البيت »لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي .

(27) محمّد سنوسي ونتي

(مالكي - نيجيريا)

ولد عام 1390ه- ( 1970م) في ولاية «بوثي» في «نيجيريا»، ونشأ في أسرة سنية مالكية المذهب، فتربى في أحضانها ليتبعها في الآراء والمعتقدات كأغلب الأبناء، واصل دراسته الأكاديمية، وحصل على شهادة البكلوريوس.

دراسة الفكر السلفي والفكر الشيعي:

شائت الأقدار الإلهية أن تصل «محمّداً» بعض الكتب التي تبين الرؤى العقائدية الشيعية وهو في ريعان شبابه، حيث كان يشهد البلد حينذاك حراكاً شيعياً في مقابل الحركات السلفية الموجودة هناك، فبدأ بدراسته عن كتب مع أنه كان يرى نفسه مسلماً من دون أن يكون لديه أدنى فرق بين المذاهب الإسلامية.

يقول «محمّد» : «عندما قرأت العقائد أخذت كتاباً آخر، وهو كتاب المراجعات، ثم بدأت أقرأ كتب السنّة لأتعرّف على سلبيات المذهب

الشيعي، وبماذا يختلف عن المذاهب السنّية».

ثمّ بدأ - بما لديه من المعلومات التي أخذها من الكتب التي تنشر الفكر السلفي - بمناقشة أتباع مذهب أهل البيت علیه السلام الموجودين هناك، ليورد الإشكالات والشبهات على ما يعتقدون بصحّته.

علي علیه السلام قسيم الجنّة والنار:

إحدى الشبهات التي يروّج لها الفكر السلفي قديماً وحديثاً ضدّ المذهب الشيعي تقول: إن الشيعة يعتقدون أن الأئمة هم من يقومون بمحاسبة الناس يوم القيامة، بدل أن يقوم الله سبحانه وتعالى بذلك، وقد قال تعالى في كتابه الكريم: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ }(1)، فهل - مع ما نراه من الصراحة في هذه الآية الكريمة - يصح ما يدعيه الشيعة من أنّ حساب الناس يوم القيامة وتقسيمهم للجنّة والنار يقع على عاتق الأئمة من أهل البيت؟

وفي مجال الإجابة عن هذه الشبهة نقول: هذا الاعتقاد موجود في الكثير من الروايات المعتبرة والأدعية الواردة عند شيعة أهل البيت عليهم السلام بكيفية لا يكون بينها وبين الآية الكريمة أدنى تعارض.


1) الغاشية (88) : 26

يعتقد جميع المسلمين (الشيعة منهم وأهل السنّة) أن هناك ملكين باسم (منكر) و(نكير) يقومان بمحاسبة الناس في القبر، كما أن الملائكة مسؤولون يوم القيامة عن محاسبة الناس وإدخالهم للجنة أو النار، يقول تعالى:{اِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِم قالوا فِيمَ كنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ }(1).

وقال عزّ وجلّ: {الْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارِ عَنيد} (2).

وقال:{النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيَّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)(3).

وفي الواقع ليس لهذا الاعتقاد أدنى تنافر مع قيام الله عز وجل بمحاسبة الناس، بل الملائكة هم مأمورون من قبله لإنجاز هذه المهمة، ومن هنا يتضح أن من يعتقد بأن الرسول الأكرم صلّی الله علیه وآله وسلم هو المسؤول عن المهمّة - كالملائكة - لا علاقة لمعتقده هذا بالشرك بتاتاً. يشير الآلوسي - مفسر أهل السنة الشهير - في تفسيره إلى معنى كون الإمام علي علیه السلام قسيم الجنة والنار، حسب ما يعتقده الشيعة، فيقول: ولعلهم عنوا أن علياً (كرّم الله تعالى وجهه) يحاسب الخلائق بأمره عزّ وجلّ، كما يقول غيرهم بأن الملائكة علیهم السلام اليحاسبونهم بأمره جل وعلا، وهو معنى لا ينافي الحصر(4)الذي تقتضيه الآية (5)


1) النساء (4) : 97

2) ق (50) : 24 .

3) غافر (40) : 46.

4) ويقصد الآلوسي بالحصر هنا أن الله سبحانه وتعالى هو من يقوم بمحاسبة العباد فحسب .

5) روح المعاني 30 : 119 ، والآية هي قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} .

ويعتقد الشيعة وفقاً لذلك أن أهل البيت علیهم السلام يقومون بمحاسبة الناس بأمر من الله عزّ وجلّ، ولذا هم يقرؤون في زيارة الجامعة الكبيرة: {وحِسابُهُم عَليكُم} (1)

وأما الوهابية فينبغي أن يجيبوا عن التساؤل حول سبب إنكارهم لفضائل أهل البيت علیهم السلام التي يُقر بها علماء أهل السنة!

ينقل محمد بن أبي يعلى صاحب كتاب طبقات الحنابلة بسنده عن كبار علماء السنة الثقاة عن أحمد بن حنبل، أنه قال: ما روي لأحد من الفضائل أكثر ممّا روي لعلي بن أبي طالب قال وسمعت محمد بن منصور يقول: كنا عند أحمد بن حنبل، فقال له رجل: يا أبا عبدالله! ما تقول في الحديث الذي يروى أن علياً قال: (أنا قسيم النار).

فقال: وما تُنكرون من ذا؟ أليس روينا أن النبي (صلّى الله عليه وآله] وسلم) قال لعلي: لا يحبّك إلّا مؤمن ولا يبغضك إلّا منافق. قلنا: بلى. قال: فأين المؤمن؟ قلنا: في الجنة. قال: وأين المنافق؟ قلنا: في النار. قال: فعلي قسيم النار (2).

فإذا كان أحمد بن حنبل الذي يدعي السلفيون والوهابيون أنه-م م-ن أتباعه يقبل هذه المكانة للإمام علي بن أبي طالب علیه السلام، أفلا ينبئ إنكارهم لهذه الفضيلة عن عداوتهم للإمام وردّهم لكلام أحمد بن حنبل؟!


1) تهذيب الأحكام 6 : 97.

2) طبقات الحنابلة 1 : 319 ، لمحمد بن أبي يعلى أبو الحسين .

البحث ثمّ الاستبصار

بعد أن سمع «محمّد» عقائد الشيعة منهم أنفسهم، لا من أعدائهم، بدأ بدراسة المصادر الشيعية من جديد ومن دون أدنى تعصب، كما أخذ بالاستفسار والبحث عما بدا له غير صحيح ومتناف مع الكتاب الكريم والسنة النبوية الشريفة.

يقول «محمد»: «.. واستمرّ البحث والنقاش مع الشيعة حتى اقتنعت بالتشيع وآل البيت علیهم السلام.

وكان استبصاره في شهر رمضان المبارك من العام (1411ه- (1991م) في ولاية بوثي» بنيجيريا.

ثمّ واصل تلقيه للمعارف الدينية على مذهب أهل البيت علیهم السلام في بلده وفي الحوزة العلمية في قم المقدسة، ليقوم بتبليغ الدين الإسلامي بصيغته التي يريدها الله سبحانه وتعالى ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلم للعباد (1).


1) زار المستبصر «مركز الأبحاث العقائدية»، وأدلى بآرائه وما تأثر به في طريقه نحو مدرسة أهل البيت علیهم السلام.

(28) منیر محمّد سعید

(سنّي - نيجيريا)

ولد عام 1395ه- (1975م) في دولة نيجيريا، وتربى في أسرة تعتنق المذهب المالكي، واصل دراسته الأكاديمية حتى نال شهادة الدبلوم، ثمّ توجه بعد ذلك إلى دراسة العلوم والمعارف الإسلامية، وتقدم ليتلقى العلوم بنفسية غير متعصبة وروح بنّاءة؛ فتجرد عن الإطار الفكري الذي فرضته عليه البيئة، وجعل يستمع إلى القول ليتبع أحسنه، فتحرّر عن الرؤية الطائفية وجعل يدرس ليكتشف الحقيقة بين ركام الباطل.

فأسفرت جهوده بعد سنين وكانت النتيجة أن اعتنق مذهب أهل البيت علیهم السلام عام 1415ه- (1994م) ، ثمّ توجّه ليدرس علوم العترة الطاهرة في مدرسة أهل البيت علیهم السلام فى نيجيريا فأمضى فترة فيها؛ حتى وجد نفسه قادراً على حمل أعباء مسؤولية العمل بقوله تعالى: ﴿وَلَتَكُن مِنكُم أُمَّةٌ يَدعُونَ إِلَى الخَيرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنهونَ عَنِ المُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ

المُفْلِحُونَ}(1)، فجنّد قواه وتقّدم إلى المجتمع ليحمل راية العمل التوجيهي، ، فأعانه الله تعالى؛ حتى تمكن من تحقق أهدافه المنشودة(2).

فهو يعيش اليوم بفضل تمسكه بالقرآن والعترة وبفضل التحاقه بسفينة النجاة مع نفسية مطمئنة وراضية، لا تعبأ بكل المصاعب؛ التي تنهال عليها نتيجة صمودها واستقامتها.

صمود المستبصرين إزاء مضايقات أبناء مجتمعاتهم:

إنّ المستبصر - ورغم المضايقات والمصاعب التي يواجهها من أبناء مجتمعه - يقف بقوة إزاء كافّة التيارات التي تحاول إعادته إلى ما كان عليه؛ إذ أنه يشعر بعد الاستبصار بامتلاك شخصيّة قويّة ومتماسكة يستمد منها القدرة على تخطي كافة الحواجز والعقبات الصعبة التي ستقف بوجهه لتصرفه عن السير باتجاه الحقيقة.

وبهذا الشعور الإيماني العظيم الذي يتضاءل أمامه كل شيء يشعر المستبصر باستقرار نفسي لا يشوبه أي خوف أو قلق.

ومن هذا المنطلق يندفع بقوة لمواجهة القوى المعاكسة المغرضة التي تقف بوجهه لتصده عن مواصلة الطريق الذي اختاره بنفسه، فعلى الأرض معسكران لا ثالث لهما معسكر الإيمان ومعسكر الضلال، ومعسكر الإيمان


1) آل عمران (3) : 104 .

2) للمستبصر ملف في مركز الأبحاث العقائدية، وله تواصل مع المركز من خلال الرسائل المتبادلة بينه وبين المركز.

ممتدُّ طال ما يظلّ المستبصر متمسكاً به وبمنهجه الذي يمده بكل تصوّرات الحياة، وقد تكفّل الله تعالى بحفظ هذا المنهج ونصره حتى يرث الله الأرض ومن عليها، قال تعالى: {... والله متم نورِهِ ولَو كَرِه الكافِرُونَ} (1). وقال عز وجل: {هُوَ الَّذِي أَرسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ ليُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَو كَرَة المُشرِكُونَ}(2).

ووفقاً لهذه النصوص تكون الغاية قد أعلنت، وهي أن الله تعالى سيتم نوره ولو كره معسكر الكفر والضلال، وسيظهر دينه ولو كره معسكر الشرك.

والسؤال هنا: إذا كان الله تعالى قد تكفّل بهذا الأمر فما هو دور الإنسان المؤمن في هذا النصر الذي سيتحقق لا محالة في نهاية الطريق؟ إن دور الإنسان الذي يأخذ موقعه في معسكر الإيمان هو أن يضع نفسه على الطريق الذي حدده المنهج، ويسير في الحياة وفقاً لهذا التحديد، ولا شأن له متى يأتيه نصر الله، وحر يأتيه نصر الله، وحركة المؤمن على الطريق نحو الغاية المعلنة يقول فيها تعالى:{وَلَنَبْلُوَنَّكُم حَتَّى نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنكُم وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَحْبَارَكُم }(3).


1) الصف (61) : 8.

2) الصف (61) : 9.

3) محمّد صلّی الله علیه وآله وسلم (47) : 31 .

وهذا الاختبار يجعل الإنسان في شعور دائم بأنّه مراقب في جميع مهامه؛ لأنّ حركته - كعبد - ارتبطت بمنهج الله تعالى كمعبود، وهو في الحياة لا بد أن يكون إما مجاهداً أو صابراً، وكما أن هذه هي حركته في حياة الابتلاء فعليها يكون عطاء المعبود في عالم الخلود، يقول تعالى:{أم حَسِبْتُم أنْ تدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَما يَعلَمُ اللَّهَ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُم ويَعلَم الصابرين }(1).

وهنا يعي المستبصر أنه قد وضع نفسه في مقام يتطلب منه التحلّي بالصبر والعزيمة؛ لأنّ الطريق الذي اختاره طريق أنبياء الله عليهم السلام ؛ الذين لاقوا أشد أنواع العذاب من مجتمعاتهم، كما قال تعالى:{وما يأتيهم من رسول إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهزؤون}(2).

وبهذه الرؤية ينطلق المستبصر بعد استبصاره، فيقف بكل صمود وتحدّ إزاء كافة التيارات التي تحاول أن تسلب منه القناعات التي توصل إليها عبر الأدلة والحجج والبراهين، فيواجه سوء تصرفات قومه بروح هادئة تتحرك بوعي وثبات وفي ضوء منهجيّة تنطلق من موقع القاعدة الإيمانية الصلبة. وبهذا يعيش المستبصر - عند مواجهته لهذه التحديات - بعيداً عن مشاعر الخوف والقلق والضياع والاهتزاز، ومتجاوزاً لكافة مشاعر الضعف التي تملأ النفس رعباً وتحطّم فيها كل استعداد للمقاومة، بل يستبدل هذه المشاعر نتيجة إلمامه بمعارف أهل البيت عليهم السلام بمشاعر الثقة والسرور والثبات والوضوح في الموقف.


1) آل عمران (3) : 142

2) الحجر (15) : 11 .

(29) يونس مالم معاذ

(مالكي - نيجريا)

ولد عام 1390ه- في مدينة «باوشي بنيجريا، ونشأ في أسرة سنية مالكية المذهب، فاتبع رؤاهم في المجال الاعتقادي كسائر الأبناء الذين يرون ما أملت عليهم الأسرة والمجتمع من الأمور المسلمة التي لا ينبغي البحث عن مدى صحتها.

كثرة المطالعة تؤدي إلى النمو الفكري :

من السمات التي كان يتصف بها «يونس» كثرة المطالعة لما يقع بيده من الكتب والمقالات وكان لا يقتصر في قراءته على كتب المذهب الذي كان عليه، بل كان يقرأ كتب مختلف الآراء والمذاهب.

ومن هنا بدأت التساؤلات تثار في داخله عن صحة ما كان يراه مسبقاً من المسلّمات التي لا شك فيها ولا ريب فواصل البحث والتحقيق في

المجال الاعتقادي؛ ليرى هل أنّ ما تربّى عليه من ضرورة أخذ أحكام الدين ومعارفه من الصحابة بعد رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم هو الصحيح؟ أم ما يراه أتباع شيعة أهل البيت علیهم السلام من ضرورة وضع أعمال كلّ منهم في الميزان، فإن اتّفق رأيه مع ما قاله الله ورسوله صلّی الله علیه وآله وسلم، وإلا طرح عرض الجدار؟

الصحابة في الميزان:

ممّا يأباه العقل السليم أن نحكم بعصمة الصحابة بأجمعهم وعدم ارتكابهم للمعاصي الكبائر منها والصغائر ، وما ذكره التاريخ في ذمّ العديد منهم لأعمالهم المخالفة للشرع وآرائهم المباينة له شاهد على ذلك.

ومن هنا يفهم سقم ما قاله ابن حجر حول عدالة سائر الصحابة حيث قال: الصحابة كلّهم من أهل الجنة قطعاً (1).

والآلوسي إذ قال: أنّ الصحابة كلّهم عدول، من لابس منهم الفتنة ومن لم يلابسها (2).

وقال الخطيب البغدادي: عدالة الصحابة ثابتة معلومة (3).

وقال ابن عبد البر : ثبتت عدالة جميعهم بثناء الله عز وجل عليهم وثناء رسوله صلّی الله علیه وآله وسلم، ولا أعدل ممن ارتضاه الله لصحبة نبيه صلّی الله علیه وآله وسلم ونصرته، ولا تزكية أفضل من ذلك ولا تعديل أكمل منها (4).


1) الإصابة 1 : 163 .

2) تفسير الآلوسي 11 : 148

3) الكفاية في علم الرواية : 63.

4) الاستيعاب 1 : 2 .

فمن تابع المصادر الحديثية لأهل السنة أنفسهم شاهد العديد من الروايات في ذمهم والحطّ من مكانتهم، هذا مع ما شهدته هذه المصادر من التحريف وطمس بعض الحقائق التي لا تنسجم مع الفكر الحاكم آنذاك.

ومن هذه الروايات التي ذكرتها مصادرهم المعتبرة هي الرواية التي تذكر موقف بعض الصحابة في يوم القيامة مع الرسول الأكرم صلّی الله علیه وآله وسلم.

فقد ذكر البخاري في صحيحه عن ابن عباس: أن النبي صلّی الله علیه وآله وسلم خطب في الناس عن يوم القيامة، فقال فيما قال: « .. ألا إنّه يجاء بر ألا إنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب أصحابي! فيقال: لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول كما قال العبد الصالح :{وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْء شهيد }(1)، فيقال: إنّ هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم) (2).

كما جاء في صحيح البخاري أيضاً عن سهل بن سعد، قال: قال النبيّ صلّی الله علیه وآله وسلم: «اني فرطكم على الحوض، من مرَّ علي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني ثم يحال بيني وبينهم»"(3).

وعن أبي هريرة: أنه كان يحدث أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «يرد علي يوم القيامة رهط من أصحابي، فيجلون عن الحوض، فأقول: يا رب


1) المائدة (5) : 117

2) صحيح البخاري 5 : 192.

3) صحيح البخاري 7 : 207 .

أصحابي! فيقول: إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى»(1).

وفي صحيح مسلم بسنده عن أبي حازم، قال: سمعت سهلاً يقول: سمعت النبي صلّى الله عليه وسلم يقول: «أنا فرطكم على الحوض، من ورد شرب، ومن شرب لم يظمأ بعده أبداً، وليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم».

قال أبو حازم: فسمع النعمان بن أبي عياش، وأنا أحدثهم هذا الحديث، فقال: هكذا سمعت سهلا يقول؟ قال: فقلت: نعم. قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعت يزيد، فيقول: «إنّهم منّي، فيقال: إنك لا تدري ما عملوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدل بعدي» (2)

وبسنده عن شقيق عن عبد الله، قال: «أنا فرطكم على الحوض، ولأناز عن أقواماً ثمّ لأغلبن عليهم، فأقول: يا رب أصحابي أصحابي! فيقال: إنّك لا تدري ما ما أحدثوا بعدك»(3).

وبسنده عن أنس بن مالك : أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «ليردن علي الحوض رجال ممّن صاحبني حتى إذا رأيتهم ورفعوا إلي اختلجوا دوني، فلأقولن: أي ربّ أصيحابي أصيحابي! فليقالن لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك»(4).


1) صحيح البخاري 7: 208 .

2) صحیح مسلم 5: 333 .

3) صحیح مسلم 7 : 68.

4) صحیح مسلم 7: 70 - 71

وروى أحمد في مسنده عن حمزة بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، قال: سمعت النبي صلّى الله عليه وسلم يقول على هذا المنبر : «ما بال رجال يقولون: إنّ رحم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم لا تنفع قومه، بلى والله إن رحمي موصولة في الدنيا والآخرة، وإنّي أيها الناس فرط لكم على الحوض، فإذا جئتم قال رجل: یا رسول الله ! أنا فلان بن فلان، وقال أخوه: أنا فلان بن فلان، قال لهم: أمّا النسب فقد عرفته، ولكنكم أحدثتم بعدي وارتددتم القهقرى»(1).

وروی أحمد أيضاً عن عبد الله بن رافع بسنده، قال: كانت أم سلمة تُحدث أنّها سمعت النبي يقول على المنبر - وهي تمتشط - : «أيّها

الناس»، فقالت لماشطتها لفّي رأسي، قالت: فقالت: فديتك إنما يقول: أيها الناس، قلت: ويحك أو لسنا من الناس؟! فلفّت رأسها، وقامت في حجرتها، فسمعته يقول:

«أيها الناس! بينما أنا على الحوض جيء بكم زمراً، فتفرقت بكم الطرق، فناديتكم: ألا هلموا إلى الطريق، فناداني مناد من بعدى، فقال: إنّهم قد بدلوا بعدك، فقلت: ألا سحقاً ألا سحقاً »(2).

وبعد كلّ هذه الروايات في مصادرهم المعتبرة والموجبة للوثوق بصدور هذا القول عن النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلم كيف يقال بضرورة اتباع الصحابة والأخذ منهم، وأن جميعهم عدول، سواء لابسوا الفتنة أو لم يلابسوها ؟!


1) مسند أحمد 3: 18

2) مسند أحمد 6: 297 .

الأدلة العقلية والنقلية :

بعد إلمامه بالأدلّة العقلية والنقلية التي تبيّن ضرورة اتباع مدرسة أهل البيت علیهم السلام لم يجد «يونس» أمامه سبيلاً سوى الالتحاق بهذا المذهب والتدين ،به فهو ما دلّ عليه حديث الثقلين المتفق على صدوره بلفظ:

«كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدى أبداً».

وكان استبصاره عام 1420ه- في مدرسة فودية الإسلامية(1).


1) المستبصر على تواصل مع «مركز الأبحاث العقائدية»، وله ملف خاص في المركز .

(30) يونس محمّد الثاني

(مالكي - نيجيريا)

ولد عام 1396ه- (1976م) في نيجيريا بمدينة كاسينا، ونشأ في أسرة مالكية المذهب ، فاتبعهم في الرؤى والمبادئ العقائدية كسائر الأبناء. كان يونس ومنذ صغره راغباً بتلقي العلوم الإسلامية، وبحث الرؤى المندرجة ضمن المذاهب الإسلامية الموجودة، الأمر الذي دفعه ليحضر جمعية الإمام المهدي علیه السلام ويستمع لمحاضرات أحد فضلاء الشيعة في تلك المنطقة، وهكذا تعرّف على مذهب أهل البيت علیهم السلام من أتباعه أنفسهم، ثمّ طلب المزيد من المعرفة فتتلمذ على يد الشيخ محمد حمزة الأول.

مفهوم الإمامة عند الشيعة:

كانت مسألة الإمامة من أهم المسائل التي تأثر بها، وذلك لأنه وجد أطروحة التشيع أكثر انسجاماً للواقع الاجتماعي، وأكثر صيانة

للدين الإسلامي الحنيف.

فالإنسان المسلم بعد اعتقاده بالإمامة أبعد ما يكون من الوقوع في الانحراف؛ لأنها تمثل صمام أمان لمن يتبع خطاها، فهي حبل الله من تمسك بها اعتصم من الضلال والزيغ والانحراف.

دوافع اهتمام المستبصرين بالبحوث العقائدية:

إنّ دأب الشخص الذي يوفّق للاستبصار - ومنهم يونس - هو التطلع نحو المعرفة المُبتنية على الأدلة الرصينة والبراهين السديدة، وديدنه السير في طريق البحث من أجل الوصول إلى الحقيقة.

وهذه الحركة نحو البحث من أجل فهم الواقع لا تتقدم إلا عبر وجود ما يحفّزها، ومن جملة الدوافع الكثيرة التي تستثير همة الانسان للبحث العقائدي، وتشعل في صدره جذوة البحث عن الحقيقة، يمكن الإشارة إلى الأمور التالية:

1 - حبّ المعرفة والاستطلاع والشعور بالرغبة في تلمس الحقيقة، وتوسيع دائرة الوعي والنهوض بالمستوى العلمي، والاستزادة من معرفة الحق، والوقوف على كنهه وحقيقته.

وهذا هو السبب الذي دفع ياسين المعيوف البدراني للبحث، حيث أنه يقول: «طلباً للمعرفة واستزادةً منها التقيت بعينات من أهل القرى والمدن مما جعل بيني وبينهم بعض المناقشات والمحاورات، التي ولّدت عندي حافزاً جديداً لأن أعيد النظر في قراءاتي السابقة، وأن أقارن بينها وبين كتب أخرى وما تحمل في طياتها من قضايا التاريخ ومجرياته.

ولقد وجدت عند الكثير ممن كنت أحاورهم وآخذ منهم،تقاعساً عن اقتحام الحقيقة وصمتاً أمام الدليل الواضح، متمشين في ذلك مع ما يطلب الواقع ومع ما هو موروث عن الآباء والأجداد، لكنني عزمت على العمل الدؤوب والاستمرار في تقصي الحقيقة ومعرفتها»(1).

2 - التوجّه بعد سموّ الوعي إلى الاهتمام بتنقيح القناعات وبنائها على ضوء الفكر السليم، والبحث الجاد من أجل تطهير العق-ل م-ن الخرافات المحتملة التي تأخذ بيده إلى عالم الأوهام؛ لأن الرأي الفاسد الواحد يكفي لتهيئة العقل لتقبل المزيد من شاكلته.

3 - إيقاظ روح الجري وراء الحقيقة وتقصّيها، والتطلّع إلى كسب البراهين، من أجل الوصول إلى العقيدة والرؤى الفكرية التي لم ينسجها الخيال البشري وفق ما تقتضي مصالحه ومآربه وأهواءه النفسية، ومن ثم التمكن من صيانة النفس من الاتجاهات الباطلة والوصول إلى العقيدة السليمة التي تحفظ الإنسان من قبول الأفكار الضالة والمنحرفة.

وبعبارة أخرى : الوصول إلى العقيدة التي تقدم لصاحبها الحقيقة بصورة مقنعة وشاملة، وتعينه ليحصل على اليقين الكامل والتفسير النهائي، بحيث تهديه إلى الصراط المستقيم وتوصله إلى سبيل الرشاد.

ولهذا يقول إدريس الحسيني: «والسؤال الذي يجب أن يطرحه كلّ مسلم على نفسه: لماذا أنا من هذه الفرقة ولست مع تلك؟


1) موسوعة من حياة المستبصرين 3: 553

هل الوراثة هي السبب، أم الاجتهاد والقناعة؟

إذا كانت القناعة كما يدعي البعض فهي تعني الانسحاب من المذهب والبدء في مسيرة بحث محايدة ومتكافئة، أو قراءة التاريخ من أجل البحث عن الصواب، والاستعداد النفسي لخسران الكثير من المسلّمات. والقراءة عن هذه الفرقة وكأنها فرقة القارئ.. ثم تحكيم العقل، والقرآن والوجدان.. وجدير بنا القول آنئذ: «اللهم ما عرفتنا من الحَقِّ فحملناه وما قَصُرنا عنه فبلغناه».

أمّا أن نصم الأذان، ونعمي الأبصار، بحجة الإيمان والتقوى هو خداع نفسي، وهروب من ضغوط الحق، ودفن للرأس في الرمال»(1).

4 - إبراء الذمة أمام الله سبحانه وتعالى؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم حذّر أمته بأنّها ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلّها في النار إلا واحدة، وهذا ما يوجب على المسلم الاهتمام بمعرفة الحق.

ولهذا يقول محمد علي المتوكل: « فالأمر كما ترى جد خطير، فمجرد أن يكون هناك احتمال ، ولو بنسبة 1%، أنّ تكون من الأغلبية الضالّة، هو أمر يدعو إلى الخوف، ويدفع إلى التدقيق وإمعان النظر في كل الموروث ومراجعته، علّه يكون زائفاً.

وطالما أن الأمر أمرُ جنّة أو نار، فهو جدير بأن ينذر المرء ما تبقى من أيام عمره - إذا تطلب الأمر - للبحث والتحقيق وتحري السبيل التي تقود إلى النجاة والطريق التي تنتهي به إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم .


1) لقد شيّعني الحسين: 96- 97.

ثمّ التصميم على اتباع نتائج البحث حتى ولو كانت نسفاً لكل التراث الفكري والعقائدي، وخروجاً على الأسرة والمجتمع.

قد لا تكون في شك من سلامة أيّ من معتقداتك ومسلّماتك التاريخية، مع أنها في الغالب تكون مجرد تقليد أعمى وتبعية ساذجة للأسرة والمجتمع، فلماذا لا تخصص جزءاً من وقتك واهتمامك للتحقق من مطابقة معتقداتك لحقائق الدين، ومسلّماتك التاريخية للواقع التاريخي؟ فإنك إن فعلت لن تخسر شيئاً، بل تكون لك الحجة إذا ما سئلت عن مصدر قناعاتك، ولا تكون من الذين يقولون: إنا وجدنا آباءنا على ملة وإنا على آثارهم مقتدون، وعندئذ تكون حجّتك داحضة وعذرك مردوداً »(1).

ويقول طارق زين العابدين في هذا المجال: «إن الاختلاف الذي وقع بين المسلمين إلى اليوم، يؤيّد ما ذهبنا إليه في وجوب التحقيق والبحث في ما بلغنا من اعتقاد، وإلّا فكيف نطمئن على حصول السلامة وبلوغ النجاة؟

وكيف نثبت ذلك ونقيم عليه الدليل والحجّة؟

هذا أمر لا أظنّ سيَستَهونَه مسلم ارتبط مصيره بيوم فيه حساب ثمّ ثواب أو عقاب، ولا أظن إنساناً صدق باليوم الآخر ولا يرجو فيه النّجاة

والسلامة فالتحقيق والبحث هو سبيل إلى بلوغ هذه الغاية والحصول على النجاة المطلوبة» (2).


1) ودخلنا التشيع سجداً: 8

2) دعوة إلى سبيل المؤمنين: 16 - 17.

ويقول مروان خليفات أيضاً في هذا المجال: « ونحن نرى اليوم أن المسلمين فرق عديدة، وكل واحدة تدعي أنها على الحق، وقد رأيت أن هذا الأمر مهم جداً،وعليه يتوقّف مصير الإنسان، لذا فحري بكل مسلم يرجو الخلاص يوم القيامة أن يجتهد في معرفة هذه الفرقة فيتبعها.

...ومن الغريب أن المسلم يقرأ حديث الافتراق هذا ولا يقوم بواجبه الشرعي في البحث عن هذه الطائفة بحريّة وموضوعية، كي تبرأ ذمّته

ويلقى ربّه بقلب سليم» (1).

ويقول إدريس الحسيني حول أهمية الوصول إلى القطع الذي تثبت به براءة الذمة: « وليكن ما يكون، ولكن لابد لي أن أفكر، وأمارس كينونتي في الوجود، لأبرئ ذمتي، طلباً للحقّ والتماساً للنجاة، وبعدها أطلب العذر على تقصيري.

المهم هو الوصول إلى (القطع) الذي تثبت به المعذريّة، وهذا القطع لابد أن يحصل بالاجتهاد والبحث الحثيث »(2). ويقول التيجاني السماوي حول تأثره بحديث الافتراق والأهمية التي يحظاها هذا الحديث: «قرأت الحديث الشريف الذي قال فيه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: «افترقت بنو إسرائيل إلى إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النّصارى إلى اثنين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي إلى ثلاثة وسبعين فرقة، كلّها في النار إلّا فرقة واحدة».


1) وركبت السفينة: 19.

2) لقد شيّعني الحسين: 94 .

فلا كلام لنا مع الأديان المتعددة التي يدعي كل منها أنه هو الحق وغيره الباطل، ولكن أعجب واندهش واحتار عند قراءة هذا الحديث. وليس عجبي واندهاشي وحيرتي للحديث نفسه، ولكن للمسلمين الذين يقرأون هذا الحديث ويرددونه في خطبهم ويمرون عليه مرّ الكرام، بدون تحليل ولا بحث في مدلوله لكي يتبينوا الفرقة الناجية من الفرق الضالة.

والغريب أن كل فرقة تدعي أنها هي وحدها الناجية، وقد جاء في ذيل الحديث: «قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال صلّى الله عليه وآله وسلم: من هم على ما أنا عليه أنا وأصحابي».

فهل هناك فرقة إلا وهي متمسكة بالكتاب والسنة؟ وهل هناك فرقة إسلاميّة تدّعي غير هذا؟

فلو سئل الإمام مالك أو أبو حنيفة أو الإمام الشافعي أو أحمد بن حنبل، فهل يدعي أي واحد منهم إلّا التمسك بالقرآن والسنة الصحيحة؟! فهذه المذاهب السنيّة، وإذا أضفنا إليها الفرق الشيعية التي كنت أعتقد بفسادها وانحرافها، فها هي الأخرى تدعي أيضاً أنها متمسكة بالقرآن والسنة الصحيحة المنقولة عن أهل البيت الطاهرين عالي، وأهل البيت أدرى بما فيه كما يقولون. فهل يمكن أن يكون كلّهم على حق كما يدعون؟ وهذا غير ممكن؛ لأن الحديث الشريف يفيد العكس، اللهم إلّا إذا كان الحديث موضوعاً، مكذوباً، وهذا لا سبيل إليه، لأن الحديث متواتر

عند السنّة والشيعة، أم أن الحديث لا معنى له ولا مدلول؟ وحاشى لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم أن يقول شيئاً لا معنى له ولا مدلول، وهو الذي لا ينطق عن الهوى وكل أحاديثه حكمة وعبر.

إذاً لم يبق أمامنا إلا الاعتراف بأن هنا فرقة واحدة على الحق وما بقي فهو الباطل، فالحديث يبعث على الحيرة كما يبعث على البحث والتنقيب لمن يريد لنفسه النجاة.

ومن أجل هذا داخلني الشك والحيرة بعد لقائي بالشيعة، فمن يدري لعلّهم يقولون حقّاً وينطقون صدقاً؟!

ولماذا لا أبحث ولا أنقب، وقد كلّفنى الإسلام بقرآنه وسنّته أن أبحث وأقارن وأتبين.

قال الله تعالى {والّذينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُم سُبُلَنا}(1)، وقال أيضاً:{الذينَ يَستَمعُونَ القَولَ فَيَتَّبعونَ أَحْسَنَهُ أَوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ وَأَوْلِئِكَ هُم أولُوا الأَلْبَاب }(2).

وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: ابحث عن دينك حتى يقال عنك مجنون»؛ فالبحث والمقارنة واجب شرعي على كلّ مكلّف» (3).

5 - الرغبة في توسيع آفاق الرؤية والمعرفة وازدياد البصيرة، ورفع مستوى الثقافة الدينيّة من خلال الانفتاح على باقي المذاهب.


1) العنكبوت (29) : 69 .

2) الزمر (39) : 18 .

3) ثمّ اهتديت : 366.

ويندفع الباحث إلى هذه الأمور لتكون زاوية رؤيته للأمور الدينية رحبة ومتسمة بالشمولية، وليتسنّى له بعد الإلمام بالرؤية الدينية أن يتبع

أحسنها وأن يسلك أفضلها، ولعله يجد ضالته المنشودة في مذهب آخر.

6 - إنقاذ النفس من التيه والضياع والتخبّط والفوضى في الصعيد الفكري والفراغ العقائدي والخواء الروحي، وملؤها بعقيدة تعيد للإنسان توازنه المفقود، وتمده بالعطاء والغذاء الروحي، وتأخذ بيده إلى الكمال والتسامي، بحيث يترك ذلك أثره الإيجابي في سلوكه وتصرفاته وتوجّهاته.

7- ارتقاء المستوى الفكري وبلوغ مرتبة النضج في الإدراك والتفكير، والتمكن من الموازنة بين الأمور بتعقل وحكمة، ومن ثم التوجه انطلاقاً من الشعور بالثقة والإحساس بالجدارة نحو البحث عن معين يغذي العقل بمفاهيم نقية لا تشوبها أية شائبة؛ لأن الإنسان نتيجة تراكم التجارب التي يتلقاها خلال حياته، تنشأ في سريرته مجموعة منبهات تدفعه ليعيش حالة اليقظة والوعي والبصيرة، فيبدأ الإنسان بعد ذلك بإمعان النظر فيما يدور حوله وما يتلقاه من أفكار ومفاهيم، ويندفع إلى غربلة خزين أفكاره وتنقية ذهنه من المفاهيم الخاطئة والعقائد الضالة.

8- عدم الاكتفاء بما تملي الأجواء من انتماء، بل ربّما الشك في صحّتها بعد إمعان النظر فيها، والشعور بوجود شيء ينقصها، ومن ثم اتّخاذ قرار البحث والتنقيب ليكون المرء على بصيرة من أمر دينه، وعالماً بقضايا

مذهبه، وليكون انتماؤه مرتكزاً على الأدلة الساطعة، ومبتنياً وفق ما تملي عليه الحجج والبراهين الواضحة.

9 - الاقتناع بأن حب الاستطلاع في الأمور الدينية بحاجة إلى فكر ينفتح ويتسع في آفاق البحث، ليتحرر من حالة التقليد الأعمى والجمود واحترام المقدّسات المزيّفة، ومن ثمّ الانطلاق بقوة وبجدية نحو البحث وتحدي كل العقبات التي تعتري حركة البحث باتجاه الوصول إلى الحقيقة التي يطمئن إليها القلب.

10 - الشعور بحالة سلبية نتيجة تراكم الشبهات والتساؤلات العقائدية في الذهن، ومن ثمّ الإحساس بلزوم التوجّه إلى مصدر يجيب عن هذه الأسئلة والاستفسارات من أجل التمكن من اقتحام جميع المجاهيل المقفلة بعد الحصول على الأجوبة المقنعة للأسئلة الحائرة؛ لأن الإنسان حينما يسمو وعيه تساوره بعض الشكوك حول المبادئ التي يعتنقها وتخطر على باله بعض الأسئلة والشبهات فتعتريه حالة قلق المعرفة، وتبدأ هذه الحالة تستشري في نفسه وتلح عليه ليتطلّع نحو الحقيقة، ولينطلق بفكر منفتح وعقلية واعية ليعبّد لنفسه طريق الوصول إلى العقيدة الحقة.

11 - الانتباه إلى النفس ورؤيتها بأنّها لا تعتمد على ركن وثيق في أهم جانب من جوانبها الحياتية وهي العقيدة والاقتناع على أثر النظر إلى البنية الفكرية بالحاجة إلى إعادة النظر في المرتكزات الفكرية، ومن ثم العزم على تشييد عقيدة مبتنية على الأسس المتينة والدعائم الراسخة.

12 - هنالك حالات خاصة دفعت بعض المستبصرين للبحث في المجال العقائدي، منها:

يذكر أحد المستبصرين قائلاً: ذهبت قبل الاستبصار إلى بعض العلماء من أهل السنّة لعلّي أجد عندهم ما يدلّني على الانتماء العقائدي الصحيح، وطلبت منهم الاجابة عن الإشكالات العالقة بذهني، واقناعي بردود وإجابات شافية ومقنعة تسكن حيرتي وتشفي غليلي وتريح ضميري، لكنّهم ثاروا بوجهي واتهموني بالضلال، فقرّرت بعدها الاعتماد على نفسي، فانفردت بنفسي، فوجدت أنني بحاجة ماسة إلى التزود من المعرفة، ومن هنا نشأت في نفسي رغبة ملحة للبحث والمطالعة في الأمور العقائدية.

وهذا ما حدث مع إدريس الحسيني الذي أراد جملة ممّن حوله أن يمنعوه عن البحث، لكن باءت محاولاتهم بالفشل، بل أدّت عکس ما أرادوه، فيقول إدريس الحسيني حول هؤلاء: «إنّ الذين لم يكونوا يجيبونني عن تساؤلاتي، وينصحونني بأن لا أقرأ التاريخ إطلاقاً، كانوا بمثابة حافز لي لالتماس الجواب بنفسي »(1).

ويذكر مستبصر آخر حول ما دفعه للبحث في المجال العقائدي: «سمعت ذات مرة عن طريق المحاورات التي تجري بين أوساط أبناء منطقتنا بعض الأمور والقضايا الإسلامية بحيث نالت اعجابي، لأنني وجدتها آراء كاملة ورائعة، فاستفسرت عن القائلين بها، فقيل لي: إنّها تابعة للشيعة.


1) مجلة المنبر، العدد 3.

فقررت من ذلك الحين البحث حول التشيّع لطلب المزيد من أمثال هذه الرؤى الإسلامية، التي أثلجت صدري وروت ضميري المتعطّش

للحقائق الدينية.

ويقول صالح الورداني حول الدافع الأول الذي دفعه للبحث: «إنّ ما عايشته وواجهته من قبل التيّارات الإسلاميّة في مصر، كان الدافع الأول والأساس الذي أدّى بي للغوص في التراث الإسلامي، المصدر الأساس لهذه التيارات، كمحاولة للوصول إلى الخلل الذي أوجد التناحر والتكاثر بين هذه التيارات.. لم أجد هذا الخلل من الحاضر، بل وجدته من الماضي»(1).

ويقول هشام آل قطيط حول إحدى العوامل التي حفزته للبحث: «إنّ قصة الانتقال في العصر الحاضر من السنّة إلى الشيعة، زادتني حيرة وتأملاً وتفكراً في هذا المجال العقائدي، فصرت أتساءل مع نفسي: ما هذا الانتقال الضخم والتحوّل الهائل من التسنّن إلى التشيع؛ من علماء أهل السنة ومثقفيهم ولم أجد العكس....؟!!

لماذا...؟!! فقلت لو لم تكن الأدلة مقنعة لما انتقل هؤلاء بهذه الكثرة، وتركوا التسنن وأصبحوا شيعة»(2).


1) الخدعة : 4 .

2) ومن الحوار اكتشفت الحقيقة : 217 .

من ثمار الاستبصار:

كانت نتيجة جهود يونس أن استبصر هو، واستبصر على يديه ما يزيد عن مائتي شخص في مدينة كاسينا، كما استبصر أيضاً على يديه عدد كبير من مدن أخرى في نيجيريا ، أغلبهم من الشباب والمثقفين.

ثمّ سافر يونس إلى مدينة قم المقدسة لتلقي علوم ومعارف أهل البيت علیهم السلام بغية أن يرفع مستواه العلمي، ليكون مؤهلاً لحمل أعباء مسؤولية الدعوة إلى الله في بلده بأفضل صورة ممكنة (1).


1) للمستبصر ملف خاص في مركز الأبحاث العقائدية، وقد ذكر ما يرتبط باستبصاره في هذا الملف .

(31) مارياجين بسهکاران

(غير مسلمة - نيوزيلندا)

نشأت في «نيوزيلندا»في أسرة ملتزمة بتعاليمها الدينية، إلا أنّها - وبعد مشاهدة الإشاعات المثارة ضد الدين الإسلامي

والمسلمين - حُفِّزت على دراسة هذا الدين والتحقيق فيه؛ الدين الذي يتمحور - كباقي الأديان الإلهية - حول الاعتقاد بالله عزّ وجلّ.

ومن هنا بدأت بدراسة الدين الإسلامي والمذهب الشيعي، وتوصلت في نهاية المطاف إلى أن الدين الإسلامي يجيب وببيان منطقي على الأسئلة التي غالباً ما تجول في ذهن الإنسان، وذلك من خلال تراثه غير المختص بزمان دون زمان، وبمكان دون آخر.

وقفة مع نهج البلاغة أهم تراث للمسلمين بعد القرآن الكريم:

الإرث الثقافي، وليس الحضارة المادية، هو أثمن ما خلّفه الإنسان للإنسان، فبالثقافة يستكمل الإنسان وجوده الحق؛ لأنها تمده بالمعنى الذي لا يكون لولاه سوى وجود تافه في ميزان القيم والأقدار، وليست الحضارة

المادية، مهما عظمت سوى حسنة صغيرة من حسنات الثقافة الإنسانية، إذا قيست بالآثار المعنوية لهذه الثقافة.

ولا تفوتنا ملاحظة أن أغلب الآثار الثقافية وقتية وليست خالدة، و تخص بعض الشعوب دون أن تكون للإنسانية كلّها، وذلك لأنها تصدر بتأثير عوامل اجتماعية معينة، فتلبي حاجات عقلية واجتماعية معينة، ثمّ تفقد قيمتها عندما ينتفي العامل الذي أثارها، ولا يكون لها من الأصالة والعمق والعمومية ما يهيئ لها أن تتعدى محيطها الخاص إلى محيط أوسع. وإلى جانب هذا الإرث الثقافي الموضعي الوقتي تختص كل أمة من الأمم بآثار قليلة تعتبرها خالدة عندها، لا ينال من جدتها الزمان مهما طال؛ لأن البحث فيها يتصل بما يدخل في الكيان الصميمي لتلك الأمة، فهي لذلك تعتبر عند هذه الأمة خالدة ما دام لها كيان، وأقل منها تلك الآثار التي ملكاً للإنسانية كلها في كل زمان، وهذا القسم الأقل، والأعظم قيمة من الثقافة الإنسانية، لا يحده زمان ولا مكان .

هذه الآثار خالدة عند الناس كلهم، لأنها لم توضع لفريق دون فريق، ولم يراع فيها شعب دون شعب، وإنما خوطب بها الإنسان أني وجد وكان، ولأنها تلامس كلّ قلب، وتضمد كلّ جرح، وتكفكف كل دمعة، كانت ملكاً للناس أجمعين، وكانت خالدة عند الناس أجمعين، وهي قليلة، ولكنها لا تزال - على قلتها - تثير في الناس الدوافع الطيبة النبيلة، وتسمو بهم إلى أعلى، إلى ملاعب النور ، كلّما شدتهم عوامل الشر إلى التراب.

ونهج البلاغة من هذه الآثار، فسواء نظرت إليه من ناحية الشكل أو من ناحية المضمون، وجدته من الآثار التي تقل نظائرها في التراث الإنساني على ضخامة هذا التراث.

فقد قيل في بيان صاحبه: إنه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق، وهو معجز البلاغة، تتحول الأفكار فيه إلى أنغام، وتتحول الأنغام فيه إلى أفكار، ويلتقي عليه العقل والقلب، والعاطفة والفكرة، فإذا أنت من الفك-رة أمام كائن حي، متحرك، ينبض بالحياة، ويمور بالحركة، وتلك هي آية الإعجاز في كل بيان.

ولم يكرس هذا البيان المعجز لمديح سلطان، أو لاستجلاب نفع، أو للتعبير عن عاطفة تافهة، مما اعتاد التافهون من الناس أن يكرسوا له البيان .. إنّ البيان في نهج البلاغة قد كرّس لخدمة الإنسان، فلم يمجّد أميرالمؤمنين علیه السلام في نهج البلاغة قوة الأقوياء، وإنّما مجد نضال الضعفاء، ولم يمجد غنى الأغنياء، وإنما أعلن حقوق الفقراء، ولم يمجد الظالمين العتاة، وإنّما مجّد الأتقياء والصلحاء.

إنّ الحرّية والعبودية، والغنى والفقر والعدل والظلم والجهل والعلم والحرب والسلم، والنضال الأزلي في سبيل عالم أفضل لإنسان أفضل، هو مدار الحديث في نهج البلاغة.

فنهج البلاغة كتاب إنساني بكل ما لهذه الكلمة من مدلول: إنساني باحترامه للإنسان وللحياة الإنسانية..

إنساني بما فيه من الاعتراف للإنسان بحقوقه في عصر كان الفرد الإنساني فيه عند الحاكمين هباءة حقيرة لا قيمة لها ولا قدر..

إنساني بما يثيره في الإنسان من حب الحياة والعمل لها في حدود تضمن لها سموها ونقاءها.

لهذا ولغيره كان نهج البلاغة، وسيبقى على الدهر أثراً من جملة ما يحويه التراث الإنساني من الآثار القليلة التي تعش-و إليها البصائر حين تكتنفها الظلمات، وحق له أن يكون كذلك وهو عطاء إنسان كان كوناً من البطولات، ودنيا من الفضائل، ومثلا أعلى في كل ما يشرف الإنسان(1).

الالتحاق بركب أتباع أهل البيت علیهم السلام :

بعد البحث والتحقيق قرّرت «ماريا» الاستبصار واتباع مذهب أهل البيت علیهم السلام ، وكان استبصارها في يوم عيد الغدير عام 1432ه- ( 2011م ) في مدينة «آتن» اليونانية.

تقول «ماريا» عن الدين الإسلامي: الإسلام دين الخير ، والنبي محّمد صلّى الله عليه وآله وسلم منشئ سائر الخيرات والبركات، فإن تعرّف سائر من في الأرض عليه صلّى الله عليه وآله وسلم الاتجهوا نحو هذا الدين الكامل (2).


1) راجع: مقدمة الطبعة الثانية من: دراسات في نهج البلاغة للشيخ محمّد مهدي شمس الدین

2) ذکر استبصارها العديد من المواقع الالكترونية على الإنترنيت، منها موقع وكالة التقريب ووكالة أنباء الإذاعة والتلفزيون الإيرانية.

(32) أحمد حسين خان

(سني - الهند)

ولد عام 1290ه- (1873م) في الهند، ونشأ في أوساط عائلة سنيّة متشدّدة، حتى شب متعصّباً في هذا الجانب .

مناظرته مع العالم الشيعي:

كان «أحمد حسين خان من كبار الإقطاعيين المثقّفين في الهند، وكان شديد التعلق بمذهب أهل السنّة، مما جعله يحمل روح التحدّي لأيّ مناقشة ومناظرة فى هذا المجال، وقد كانت شخصيّات بعض الصحابة وما وضع في فضلهم من الأحاديث، وما خفي من الحقائق التاريخية وغير ذلك، عوامل تدفعه لإظهار تعصبه المذهبي! وفي يوم من الأيام التقى «أحمد» بأحد أتباع مذهب أهل البيت علیهم السلام، وهو الفاضل «مظهر حسین»، مصنّف کتاب «قواضب الأضياف»، فجرت بينهما مناظرة متعدّدة المحاور، تمكّن فيها ذلك العالم الشيعي من وضع

النقاط على الحروف، وإلفات نظر «أحمد» لكثير من المسائل التي يؤرّخها ويثبتها العامة أنفسهم ، فغيّر نتيجة لذلك أسلوبه ووجهة نظره.

نموذج من مناظرات علماء الإمامية مع المخالفين:

قال الشيخ الكراجكي (أعلى الله مقامه)(1)

والكراجكي من أئمة عصره في الفقه والكلام والفلسفة والطب والفلك والرياضيات وغيرها من العلوم، قال عنه العماد الحنبلي: كان نحوياً لغوياً، منجماً طبيباً متكلماً متقناً، من كبار أصحاب الشريف المرتضى، وتوفي في حوادث سنة 499 ه- . راجع ترجمته في: أعيان الشيعة 9 : 400 .

: سألني رجل من أهل الخلاف، فقال: إنّا نراكم معشر الشيعة تكثرون القول بأن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام أفضل من أبي بكر وعمر وعثمان، وتناظرون على ذلك، وتردّدون هذا الكلام، وإطلاق هذا اللفظ منكم یضاد مذهبكم ويناقض معتقدكم، ولستم تعلمون أن التفضيل بين الشيئين لا يكون إلا وقد شمل الفضل لهما، ثم زاد في الفضل أحدهما على صاحبه، وأن ذلك لا يجوز مع تعرّي أحدهما من خلال الفضل على كل حال، لٍمَ جهلتم ذلك من معنى الكلام؟

1) هو: أبو الفتح محمّد بن علي بن عثمان المعروف بالكراجكي ، من أجلاء علماء وفقهاء ورؤساء الشيعة في حلب، له عدة كتب منها: عدة المصير في صحيح الغدير، التلقين لأولاد المؤمنين، ردع الحاصل وتنبيه الغافل نهج البيان في مناسك ،النسوان روضة العابدين، كنز الفوائد، وغيرها، وكان جوالاً بين دمشق وبغداد وحلب وطبرية وصيدا وصور وطرابلس، ومن شيوخه: الشيخ المفيد والشريف المرتضى وغيرهم من أجلة العلماء، ومن تلامذته المفيد النيسابوري، وعبد العزيز الطرابلسي وغيرهما.

فإن زعمتم أن لأبي بكر وعمر وعثمان قسطاً من الفضل يشملهم به، يصح به القول أن أمير المؤمنين علیه السلام، أفضلهم، تركتم مذهبكم وخالفتم سلفكم، وإن مضيتم على أصلكم ونفيتم عنهم جميع خلال الفضل على ما عهد من قولكم لم يصح القول بأن أمير المؤمنين علیه السلام أفضل منهم.

فقلت له: ليس في إطلاق أنّ القول بأن أمير المؤمنين علیه السلام أفضل من أبي بكر وعمر وعثمان ما يوجب على قائله ما ذكرتم في السؤال. والشيعة أعرف من خصومهم بمواقع الألفاظ ومعاني الكلام، وذلك: أن التفضيل، وإن كان كما وصفت يكون بين الشيئين إذا اشتركا في الفضل وزاد أحدهما على الآخر فيه، فقد يصح أيضاً فيهما إذا اختص بالفضل أحدهما، وعرى الآخر منه، ويكون معنى قول القائل: هذا أفضل من هذا، أنّه الفاضل دونه، وأن الآخر لا فضل له، وليس في هذا خروج عن لسان العرب، ولا مخالفة لكلامها، وكتاب الله تعالى يشهد به، وأن أشعار المتقدمين يتضمنه، قال الله جل اسمه{ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً }(1).

يعني أنّهم خير من أصحاب النار، وقد علم أن أصحاب النار أصحاب شر، ولا خير فيهم، ووصف النار في آية أخرى، فقال: {بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بالسَّاعَةِ سَعِيرًا * إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانِ بَعِيدٍ سَمِعُوا


1) الفرقان (25) : 24.

لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا * وَإِذَا الْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ تبورًا}(1)، ثم قال: {قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاء وَمَصِيرًا}(2).

فذكر سبحانه أنّ الجنّة وما أعِدَّ فيها خير من النار، ونحن نعلم أنه لا خير في النار.

وقال تعالى في آية أخرى:{قُلْ أَفَانَبِّئُكُمْ بِشَرٌّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ }(3).

وقال:{وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}(4).

والمعنى في ذلك هيّن؛ لأن شيئاً لا يكون أهون على الله من شيء، فكذلك قولنا هذا أفضل يكون المراد به هذا الفاضل، وليس بعد إيراد هذه الآيات لبس في السؤال يعترض العاقل، وقد قال حسان بن ثابت في رجل هجا سيدنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم من المشركين:

هجوت محمّداً براً تقياً***وعند الله في ذاك الجزاء

أتهجوه ولست له بكفؤ ***فشر كما لخير كما فداء(5)

وقد علمنا أنه لا شرّ في النبي صلّى الله عليه وآله وسلم، ولا خير في من هجاه.


1) الفرقان (25) : 11 - 14.

2) الفرقان (25) : 15 .

3) الحج (22) : 72 .

4) الروم (30) : 27 .

5) الأغاني 4 : 355.

وقال غيره من الجاهلية:

خالي بنو أنس وخال سراتهم*** أوس، فأيّهم ا أدق وألأم

يريد: فأيّهما الدقيق واللئيم، وليس المعنى فيه أن الدقة واللوم قد اشتملا عليهما ثم زاد أحدهما على صاحبه فيهما.

وعلى هذا المعنى فسر عثمان بن الجني(1)

راجع ترجمته في: الأعلام للزركلي 4 : 204.

قول المتنبي: أعق خليليه الصفيين لائمه.

وأنهما لم يشتركا في العقوق ثم زاد أحدهما على الآخر صاحبه فيه، مع كونهما خليلين صفيّين، وإنما المراد: إنّ الذي يستحيل منهما عن

الصفا، فيصير عاقا لائمه.

والشواهد في ذلك كثيرة ، وفيما أوردته منها كفاية في إبطال ما ألزمت، ودلالة على أنّ الشيعة في قولها إن أمير المؤمنين علیه السلام أفضل من أبي بكر وعمر وعثمان ، لم تناقض لها مذهباً، ولا خالفت معتقداً، وإنّ المراد بذلك أنّه الفاضل دونهم، والمختص بهذا الوصف عنهم، فتأمّل ذلك تجده صحيحاً، والحمد الله.

على أن من الشيعة من امتنع من إطلاق هذا المقال عند تحقيق الكلام، ويقول في الجملة : إنه صلّى الله عليه وآله وسلم بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم- أفضل الناس، فسؤالك ساقط عنه، إذ كان لا يلفظ بما ذكرته إلّا على المجاز.


1) أبو الفتح عثمان بن جني، ولد ونشأ في الموصل وسكن وتوفي ببغداد عام (392 ه-)، من أكابر علماء النحو والصرف والأدب، وهو من أساتذة الشريفين الرضي والمرتضى، وله مؤلفات عديدة، منها شرح ديوان المتنبي.

فلما سمع السائل الجواب اعترف بأنّه الصواب، ولم يزد حرفا في هذا الباب (1).

نقطة التحوّل:

بقيت مجريات الحوار الذي جرى بين «أحمد» والعالم الشيعي عالقةًفي ذهنه، وبعد فترة جرت مناظرة أخرى بينه وبين الفاضل «محمّد مهدي أديب»، وكانت مناظرة خطيّة، فأضافت له من المعلومات التي كان جاهلاً بها ما لم يكن في حسبانه، فبدا له الحق في أي جانب، وقرر إتباعه مهما كلف الأمر، وهكذا تشيّع وترك ما كان يعتقد من قبل.

تبليغ المذهب الشيعي في المجتمع:

كان «أحمد» شاعراً عظيماً معروفاً بين الشعراء آنذاك، كما كان للثقافة والمكانة التي يتمتع بها أثر كبير في الأوساط، ولذلك اتخذ أسلوباً هادئاً في التبليغ لمذهب أهل البيت عالي ، وقد برز هذا الأمر بوضوح في كتابه القيم «تاريخ أحمدي الذي استقبله أهل العلم والمعرفة بإعجاب كبير، وقد جمع فيه الأحداث والوقائع من كتب السنة والجماعة ومن دون أن يظهر رأيه بشكل صريح، فكان القارئ المخالف يتحول إلى المذهب الشيعي من حيث لا يشعر .

وللمستبصر مصنفات عديدة منها كتبه آيات بينات، تفسير الآيات، فضائل أمير المؤمنين علیه السلام ، تاريخ الإسلام ، رفع الحُجب عن أسامي الكتب،


1) كنز الفوائد للكراجكي : 210.

الموافقة والمصالح ، تقابل الفقه السني والشيعي، معرفة العلماء، أسماء الرجال، دقائق المذهب، وجذبات مذاق .

وتجدر الاشارة إلى أنّه خلف مكتبة ضخمة أهديت فيما بعد إلى مكتبة الناصرية في (الكهنو) (1).


1) راجع كتاب المستبصرون للبجنوري، مطلع أنوار: 90.

(33) آشیما

(عبّاد النار الهند)

ولدت في الهند، وترعرعت هناك في أسرة تعبد النار، كان بدء تعرفها على الشيعة من خلال رؤيتها للشعائر الحسينية التي تقام أيام عاشوراء، فلما رأت شدة تفاعل الشيعة مع الإمام الحسين علیه السلام، وحماس المواكب والمجالس التي تعقد لمأتم أبي عبد الله علیه السلام ، دفعها حب الاستطلاع لمعرفة الإمام الحسين علیه السلام ومعتقده وآرائه، فمن هذا المنطلق تعرفت على الاسلام وعلى مذهب أهل البيت علیهم السلام، فانجذبت اليه بشوق ثم اندفعت إلى اعتناقه والانتماء إليه (1).

دور الشعائر الحسينية في الحفاظ على معتقد الإمامية وانتشار مذهب أهل البيت علیهم السلام :

لا يستطيع كل من تعرّف على الشيعة والتشيع من قريب - سواء كان صديقاً لهم أم عدواً - أن ينكر الدور الأكبر للشعائر الحسينية في حفظ


1) مجلة نبأ الاسلام (سالنامه پیام اسلام) : عام 1352 ه- ش

مذهب أهل البيت علیهم السلام، وأعظم الأثر في بقائه، رغم الضغوط الكثيرة التي تعرض لها أتباعه؛ وذلك لأن تفاعل الجمهور بفاجعة الطف الأليمة واهتمامهم بإحيائها لا يتوقف على تشجيع من رجال الدين أو غيرهم؛ ليسهل على العدو القضاء عليها بتحجيم دور العلماء بأنواع أساليب الترغيب والترهيب والتنكيل..

بل إنّ حفظ المذهب من الاندراس هو الغرض النهائي من إقامة الشعائر الحسينية، بل هي الغاية القصوى التي نهض الإمام الحسين علیه السلام من أجلها، ولاشك أنّ تلك الشعائر والمجالس والتجمعات ألبستها الأئمة الأطهار علیهم السلام - بواسع علمهم الإلهي - لباساً مذهبياً؛ لأنها السبب الوحيد لاجتماع كلمة الشيعة، ورسوخ عقائدهم، وبقاء ذكر الجميل بكل معانيه للأئمة علیهم السلام فيما بينهم.

وقد أدرك أعداء أهل البيت علیهم السلام الملازمة إحياء هذه الشعائر وبقاء كيان التشيع، واستمرارية وجوده، فسعوا بشتى السبل للقضاء عليها، وفي المقابل، فإن أئمة أهل البيت علیهم السلام كانوا قد استعدوا لمواجهة هذا الخطر، وكانوا يؤكدون على أتباعهم إحياء الشعائر الحسينية مهما كلف الأمر؛ لأن المسألة ترتبط بما هو أهم من حفظ النفس والمال والعرض.. إنها ترتبط بالحفاظ على الكيان الشيعي واستمرارية وجوده.

وهذا ما يفسر لنا وقوف أتباع أهل البيت علیهم السلام الحازم ضد كل من حاول التشكيك بشرعية أي شعيرة من الشعائر الحسينية أو بعض مفرداتها؛

حيث تُعتبر هذه المسألة خطاً أحمر لا يُسمح بالاقتراب منه، ولطالما وصف من حاول الاقتراب من هذه الدائرة بكونه متآمراً مع أعداء المذهب وأعداء الإمام الحسين علیه السلام.

كما ساهمت الشعائر الحسينية في حفظ كيان التشيع والحفاظ عليه من الانقراض والاندثار، فقد ساهمت هذه المؤسسة في توسعة هذا الكيان وانتشاره وازدهاره؛ بحيث وصل التشيع - ببركة هذه الشعائر - إلى أبعد نقطةٍ في العالم، وأصبح عدد الشيعة اليوم ما يقارب نسبة الربع من المسلمين. وفي الحقيقة، إنّ جميع الذين كتبوا حول سرّ انتشار التشيع وازدهاره وتمدده من المؤالفين أو المخالفين، قد أكدوا تأكيداً بالغاً على الدور الكبير الذي تلعبه الشعائر الحسينية، وتأثيرها الواضح في هذا المجال، بل تمّ التأكيد على ذلك في أغلب مؤلفات معتنقي مذهب أهل البيت علیهم السلام. يقول المستبصر «إدريس الحسيني» في كتابه «لقد شيّعني الحسين»: ما إن خلصت من قراءة (مذبحة) كربلاء بتفاصيلها المأساوية، حتى قامت كربلاء في نفسي وفكري من هنا بدأت نقطة الثورة، الثورة على كل مفاهيمي ومسلّماتي الموروثة، ثورة الحسين داخل روحي وعقلي(1).

وله في مكان آخر حول (فاجعة الطف): هذه وحدها الحدث الذي أعاد رسم الخريطة الفكرية والنقية في ذهني(2).


1) لقد شيعني الحسين علیه السلام: 313.

2) لقد شيّعني الحسين التالية علیه السلام: 60.

ويُعاتب المستبصر علماء أهل السنّة في هذا الخصوص قائلاً: لماذا هؤلاء لا يكشفون الحقائق للناس، كما هي في الواقع؟ لماذا يتعمدون إبقاءنا على وعينا السخيف تجاه أكبر وأخطر مسألة وجدت في تاريخ المسلمين؟

ثمّ لماذا لا يتأثرون بفاجعة الطف العظمى؟ تلك التي ماجت في دمي الحار بالإنصاف والتوق إلى العدالة، فتدفقت بالحسرة والرفض والمطالبة بالحقّ الضائع في منعطفات التاريخ الإسلامي.

وطبعي الذي لا أنكره، ولن أنكره إنني لا أحب الخادعين والجاهلين، ثمّ وإنّي لناقم على هؤلاء وأرافعهم إلى الله والتاريخ!

كنت في تلك الفترة صاحب بساطة عقائديّة كباقي الناس، وببساطتي هذه كنت أبدوا أو عاهم عقيدة، وكنت ذا ثقافة أحادية، هي ثقافة أه-ل

السنّة والجماعة.

فالجوّ الذي أحاط بي، هو جو الصحوة البتراء النائمة، التي انحرفت بوعيي إلى مواقع تافهة (1).

ويقول المستبصر التيجاني السماوي حول تأثره بالإمام الحسين علیه السلام :جاء صديقي منعم وسافرنا إلى كربلاء، وهناك عشنا محنة سيدنا الحسين كما يعيشها شيعته، وعلمت وقتئذ بأن سيّدنا الحسين لم يمت، فالناس يتزاحمون ويتراصّون حول ضريحه كالفراشات ويبكون بحرقة ولهفة لم أشهد مثيلاً، فكأن الحسين استشهد الآن.


1) لقد شيّعني الحسين علیه السلام: 59 .

وسمعت الخطباء هناك يثيرون شعور النّاس بسردهم لحادثة كربلاء في نواح ونحيب، ولا يكاد السّامعُ لهم أن يمسك نفسه ويتماسك حتى ينهار. فقد بكيت وبكيت وأطلقت لنفسي عنانها، وكأنها كانت مكبوتة، وأحسست براحة نفسية كبيرة ما كنت أعرفها قبل ذلك اليوم، وكأني كنت في صفوف أعداء الحسين وانقلبت فجأة إلى أصحابه وأتباعه الذين يفدونه بأرواحهم.

وكان الخطيب يستعرض قصة الحرّ وهو أحد القادة المكلّفين بقتال الحسين، ولكنّه وقف في المعركة يرتعش كالسعفة ولما سأله بعض

أصحابه:

أخائف أنت من الموت؟

أجابه الحرّ:

لا والله، ولكنني أخير نفسي بين الجنّة والنار.

ثمّ همز جواده وانطلق إلى الحسين قائلاً:

هل من توبة يابن رسول الله؟

ولم أتمالك عند سماع هذا أن سقطت على الأرض باكياً، وكأني أمثل دور الحرّ، وأطلب من الحسين هل من توبة يابن رسول الله؟

سامحني يابن رسول الله.

وكان صوت الخطيب مؤثّراً، وارتفعت أصوات الناس بالبكاء والنّحيب.

عند ذلك سمع صديقي صياحي، وانكبّ علّي معانقاً، باكياً، وضمني إلى صدره كما تضم الأم ولدها وهو يردد يا حسين يا حسين.

كانت دقائق ولحظات عرفت فيها البكاء الحقيقي، وأحسست وكأن دموعي غسلت قلبي وكل جسدي من الداخل (1).


1) ثم اهتديت: 72 - 73.

(34) برهان بن أحمد (نظام شاه)

(إسماعيلي - الهند)

ولد عام 907ه- (1401م) في ولاية دكن في الهند، وأصبح ملكاً على منطقة (أحمد نگر)لفترة، وكان معروفاً بتعصبه لمذهب أهل السنّة، حتّى أن بلدة (أحمد نگر) كانت مكاناً محظوراً على الشيعة!

طاهر شاه والنذر لأهل البيت عالية :

كان العالم الشيعي الجليل طاهر شاه - الذي يخفي تشيعه -قد وصل إلى بلدة (أحمد نگر) عام 1422 م ، فاستقبل بكل حفاوة وتقدير من قبل برهان نظام شاه.

وشاءت الأقدار الإلهية أن يتمرّض أحد أبناء الملك برهان، وكان مرضه شديداً؛ حيث عجز الأطباء عن علاجه، فوقع أبوه في حيرة شديدة،

وبدأ بإرسال الصدقات والهدايا إلى المساجد والكنائس لشفاء ابنه!

وهنا اغتنم العالم الجليل طاهر شاه الفرصة، فاقترح على الملك أن يُنذِرَ لأهل البيت علیهم السلام، إرسال مقادير كبيرة من الذهب كهدايا إلى مقامات

الأئمة الطاهرين علیهم السلام إذا شفي ولده، فسأله الملك عنهم علیهم السلام، فأجابه العالم طاهر شاه، وشرح له مكانتهم وعظم شأنهم باختصار.

ثمّ قال الملك : أنا مستعد لما تقول؛ لأنني تبرعت بأموال كثيرة للكنائس والمساجد، ولا يصعب علي ذلك إن شفى الله ابني.

وهنا طلب العالم طاهر شاه الأمان من الملك، فأعطاه الأمان وأخبره أنه مصان وفي كنفه فقال العالم طاهر شاه: (إنّ هذه الليلة ليلة الجمعة، انذر الله نذراً، فقل: إن شفى الله ابني ببركة الأئمة المعصومين علیهم السلام في هذه الليلة، علي كذا وكذا، وأن أطلب من جميع خطباء الجمعة في المساجد أن يذكروا أهل البيت ، ويدعون الناس إلى أتباع مذهبهم)، فوافق الملك ووضع يده في يد العالم طاهر شاه، وتعهد بإيفاء النذر إن عوفي ابنه في تلك الليلة.

نقطة التحوّل:

جلس الملك عند ابنه المريض وقد كان منكسراً كئيباً، لأن الحمّى الشديدة التي أصابته جعلته ينازع الموت، وهكذا مضى الليل وكاد أن ينبلج الفجر، فهومت عينا الملك بالنوم، فوضع رأسه قرب رأس ولده ونام، فرأى في المنام رجلاً جليلاً ومعه اثنا عشر رجلاً عليهم سيماء الهيبة، فهب واقفاً احتراماً وتعظيماً لهم، وإذا بقائل يقول: أتعرف من هذا ومن معه؟ إنّه محمد المصطفى صلّی الله علیه وآله وسلم وخلفاؤه الأئمة الاثنا عشر علیهم السلام وقال: (اللهم بحق

عليّ وأولاده، اشف عبد القادر ابن الملك، ولا تخلف ما وعدت لابني طاهر).

استيقظ الملك من نومه، وأخذ يتحسّس ابنه فإذا الحمّى زائلة ونفَسُهُ طبيعي وكأنه لم يكن مريضاً من قبل، فخر الملك ساجداً لله تعالى، وطلب على الفور حضور العالم طاهر شاه، فجيء بالعالم إلى برهان نظام شاه الذي استقبله بكل حب وتقدير، ثم سأله عن أصول مذهب الإمامية الإثني عشرية، فأخبره بها، وعندها تشيّع الملك برهان نظام شاه وولداه وزوجته وخدمه المقربون.

الوفاء بالنذر:

وهكذا تحقّق الطلب والرجاء، وسارع الملك إلى تنفيذ ما تعهّد به لطاهر شاه بإيفاء النذر، فأرسل الذهب والفضة والأموال إلى العتبات المقدسة في العراق وخراسان للتوسعة والإعمار والتجديد. وأصبحت بلدة (أحمد نگر ) المحظورة سابقاً على الشيعة، مركزاً لأتباع

أهل البيت علیهم السلام،وأصبحت مساجدها عامرة بذكرهم.

وفي عام 1454م رحل الملك برهان نظام شاه عن هذه الدنيا بعد أن تشرف باعتناقه لمذهب العترة الطاهرة علیهم السلام، وجعل من مملكته مركزاً يدعو لمبدئهم علیهم السلام(1)

نبذة عن الإسماعيلية و بعض عقائدهم:

إنّ المذهب الإسماعيلي منتسب إلى إسماعيل ابن الإمام جعفر بن محمد الصادق الله، وأمه هي أولى زوجات الإمام الصادق علیه السلام: فاطمة


1) راجع كتاب (المستبصرون) للبنجوري : 53 - 56 .

بنت الحسين بن الحسن بن علي علیهما السلام، وهي تقريباً بنت عمّه، فولدت له: إسماعيل، ثمّ عبد الله الأفطح، وهما شقيقان لأب وأم(1)

ولا يخفى أنّ البحث عن حالات إسماعيل بحث مفصّل، ولكنّ الذي يظهر من كتب الحديث والتاريخ: أن إسماعيل إمّا هو بنفسه كانت له نية أن يتولّى الإمامة، أو يؤسس فرقة، وإما أن هناك فئة كانت تجعل له مكانة عالية، فالإمام الصادق علیه السلام بينما كان يظهر له الاحترام والمحبّة، كان يبعده عن هذا النوع من النشاط إلى أن توفّى إسماعيل. وفي تاريخ وفاة إسماعيل خلاف، والصحيح أنه توفي سنة (145ه-)، یعنی ثلاث سنوات قبل استشهاد الإمام الصادق علیه السلام؛ فإنه علیه السلام استشهد سنة 148ه-، والإمام الصادق علیه السلام فعل بجنازة إسماعيل ما لم يفعل بجنازة أحدٍ أبداً، فقبل أن يُحمل نعشه جاء الإمام الصادق علیه السلام وفتح عن وجهه وأشهد الحاضرين كلّهم على أن هذا المسجى الميت هو ابنه إسماعيل الذي مات حتف أنفه، ثمّ حينما حملت الجنازة من المدينة إلى البقيع كان علیه السلام بین فترة وفترة يأمر أن يضعوا الجنازة، فيفتح عن وجهه ويشهد الناس على أن هذا الميّت هو ابنه إسماعيل مات حتف أنفه (2). وفي هذا دلالة قاطعة على أن الإمام الصادق علیه السلام كان يرى في عمله هذا حفظ التشيّع والإمامة، فلا بد من دفع هذا الباطل، وإن لم يكن ذلك اليوم قائماً، فإنه سيقوم فيما بعد، كما يشهد التاريخ القطعي أنّ هذا الباطل قام فيما بعد.


1) الإرشاد 2 :209

2) مناقب آل أبي طالب 1: 229 ، من لا يحضره الفقيه :1: 161 ، کمال الدين : 71.

ثمّ إنّ أكثر الذين كانوا يأخذون من إسماعيل مبدأ حركة لهم ومركز نشاط، هؤلاء ادّعوا دعويين:

الدعوى الأولى: أنّ الإمامة كانت في إسماعيل زمن أبيه، والإمامة إذا كانت في أحد فإنّها لا تستبدل بغيره، بل تنتقل إلى من يرثه بالإمامة، فصحيح أن إسماعيل مات زمن أبيه ولكن الإمامة كانت فيه، فلا تستبدل ولا تُعطى إلى أخيه موسى بن جعفر، وإنّما تنتقل منه إلى ابنه محمّد بن إسماعيل، الذي هو الإمام الثاني للإسماعيلية، وعلى هذا الرأي أكثر الإسماعيليين الذين عاصروا الإمام الصادق علیه السلام وعاصروا الإمام موسى بن جعفر علیه السلام بعد استشهاد أبيه.

الدعوى الثانية: أن إسماعيل لم يمت في حياة أبيه، وإنما كان إظهار موته من أجل التستر عليه وحفظه، وأنه بقي حيا بعد أبيه، ورؤي سنة (153ه-) في سوق البصرة ، وله كرامات ومعجزات. وهذه الدعوى الثانية عليها ألف ملزم وملزم، لأن التاريخ وكثير من الاعتبارات يشهد على بطلانها.

وأساس الكلام هو في الدعوى الأولى، إذ أن الإمام الصادق علیه السلام لم ينص يوماً ما على أن الإمام بعده إسماعيل، بل هناك روايات كثيرة تدلّ على أن الإمام الصادق علیه السلام في حياته، بل ومنذ أن كان الإمام موسى بن جعفر علیه السلام صبيّاً في المهد، كان ينصّ على أن ابنه موسى هو الإمام بعده.

وهذه الروايات جاء بعضها في كتاب (الكافي) للكليني في باب النصّ على إمامة موسى بن جعفر علیه السلام (1).

نعم، قبل البداء في إسماعيل كان يخيّل إلى بعض أن الإمامة لا تكون إلا في أكبر أولاد الإمام علیه السلام ، لهذا كانوا يرون أو يتنبؤون بأن الإمامة سوف تكون في إسماعيل ولما توفّي إسماعيل بدا الله عزّ وجلّ - أي: أظهر الله تعالى جهلهم بعد أن كان هذا الجهل خافياً - بأن الإمام ليس هو إسماعيل، وإنما الإمام هو الذي يكون حيّاً بعد وفاة الإمام الصادق علیه السلام وهو: الإمام موسى بن جعفر علیه السلام. فهذا معنى كل ما ورد فيه: (إن الله بدا في إسماعيل) (2).

و(بدا) ليس معناه: أنّه جعله إماماً ثمّ عزله عن الإمامة، بل يعني: أظهر الله تعالى علمه بعد أن كان مخفيّاً، وأظهر للناس جهلهم، بعد أن كان يخيّل لهم أنّهم عالمون بأن الإمام بعد الإمام الصادق علیه السلام هو ابنه الأكبر إسماعيل. فقامت الدعوة الإسماعيلية على أساس: أن الإمام بعد الإمام الصادق علیه السلام- بحسب الرتبة - هو إسماعيل، وأنه مات وهو إمام، ولم تُسلب منه الإمامة إلى أخيه وإنّما انتقلت بالإرث إلى ابنه محمّد، هذا أساس الدعوة الإسماعيلية.

نعم، هناك من يقول: بأنه لم يمت وإنما استتر عن أعين الناس، وقد قدّمنا أن شواهد التاريخ تكذّب هذا القول.


1) الكافي :1 : 307 - 311 ، الإرشاد 2: 216 - 230 .

2) الكافي 1: 327 ، الغيبة للطوسي: 82(84)

وهناك كلام لهم موجود في مصادر الإسماعيلية ويعترف به بعض منهم، وهو: أن الإمام الصادق علیه السلام حينما توفّي نصّ على ابنه الإمام موسى بن جعفر السلة، ومن هنا قسّموا الإمامة إلى قسمين: إمامة مستقرة وإمامة مستودعة، والإمامة المستودعة يستودعها الله سبحانه وتعالى في آخر تستراً وتحفّظاً على الإمام الذي استقرّت به الإمامة الإلهية، فيدعون أن إمامة الإمام موسى بن جعفر علیه السلام إمامة مستودعة تستراً على الإمامة المستقرّة الإلهية التي كانت عند إسماعيل، ثم استقرت في ابنه محمد، وهذا المعتقد يردّه ما بيناه بصورة مجملة. وأما الحديث عن أصول عقائد الإسماعيلية، فإنهم يدعون أن للشريعة باطناً - وهو أهم جانب في الشريعة - وظاهراً، وأن الاهتمام لا بد وأن يكون بباطن الشريعة، وأمّا ظاهر الشريعة فلا يتقيّدون به.

والأدلّة على ذلك كثيرة، منها: أن الإمام محمد بن إسماعيل يسمونه ب (قائم القيامة)، ويقولون بانتقال الإمامة إليه قامت الإمامة، ومعنى قيام القيامة: أن التكاليف كلّها سقطت عن جميع المكلفين؛ لأن هذه التكاليف موضوعها هذه الحياة الدنيا، وإذا قامت القيامة سقطت التكاليف، فيدعون انّه بقيام قائم القيامة وهو الإمام بعد إسماعيل ابنه محمد سقطت التكاليف. وبقي باطن الشريعة يؤخذ به إلى أن انتقلت دولة الفاطميين من المغرب إلى مصر، فرأى المعز لدين الله أن أكبر اتهام وأكبر زلة وأكبر مأخذ عليهم هو أن جماعة الفاطميين لا يأخذون بظاهر الشريعة، فلا

يحرّمون ما حرمه الله، ولا يلتزمون بما أوجبه الله، فأعلن بأن الأحكام الظاهرية لم تسقط، وأنه يجب على من يعتقد بإمامة إسماعيل الأخذ بظاهر الشريعة وباطنها معاً.

وهذا كان إلى زمن الحاكم بأمر الله الفاطمي؛ إذ جاءته هذه النزعة أيضاً، وهو: أنّ ظاهر الشريعة مقدمة للوصول والدخول إلى باطن الشريعة. وفرقة (الدروز) تعتقد بأن الحاكم بأمر الله هو أفضل من أمير المؤمنين علیه السلام؛ لأن أمير المؤمنين علیه السلام كان يعلم بباطن الشريعة وظاهرها، وكان يعلم أن الأساس هو العمل بباطن الشريعة دون ظاهرها، ولكنه خدع الناس بالتزامه بالظاهر، وأما الحاكم بأمر الله فهو ألقى ثوب الظاهر وأظهر الباطن.

ثمّ إن الإسماعيلية على قسمين: إسماعيلية شرقية، ويسمون ب-(النبأية)، والآن يسمّون ب-(الآغاخانية)، وإسماعيلية غربية، ويسمون ب-(المستعلية). أو البهرة، وإسماعيلية الآغاخانية لا يتقيدون بأي حكم من ضروريات الدين، فلا يحجون ولا يصلّون ولا يزكون ولا.... بل ولا يأتون إلى زيارة العتبات المقدسة.

نعم، الإسماعيلية المستعلية يتقيدون بالأحكام الإلهية فيحجّون و.... ويأتون إلى زيارة العتبات المقدّسة، ولكن لا يأتون إلى زيارة الإمام موسى بن جعفر علیه السلام ومن بعده من الأئمة علیهم السلام؛ لعدم اعتقادهم بهم كأئمّة.

(35) بهادر إمداد إمام

(سنّي - الهند)

ولد عام 1265ه- ( 1849م) في بلدة «نيوره» قضاء «بتنه» من ولاية «بهار» في الهند، وهو شمس العلماء، خان بهادر السيد وحيد الدين بن خان بهادر، إمداد علي من أولاد أورنك زيب ، أحد الملوك المغول. كان أجداده أمراء ورؤساء من أهل السنة والجماعة، فتعلم من كبار أساتذته، وكان عالما جليلاً، لا سيما في الكلام ومقارنة الأديان والأفكار، وكان جامعاً للغات العربية والفارسية والانجليزية، كما كان طبيباً حاذقاً.

ورد في كتاب «إثبات حق» لعبد الرزاق بشاوري؛ الذي كان حنفي المذهب سابقاً: إن من أشهر كتب«إمداد إمام» هو كتاب: «مصباح الظلام في أصول الدين وعلم الكلام»، وقد تطرّق فيه إلى كيفية استبصاره وتشيّعه مفصلاً، وهذا الكتاب موجود في المكتبات العامة القديمة في الهند.

وأمّا مؤلفاته فهي مصباح الظلام، كاشف الحقائق، مرآة الحكماء، كتاب الأثمار، منظر المصائب (1).

شيعة الهند والنجف الأشرف:

تعود صلة الهند بمدينة النجف الأشرف إلى فجر التاريخ؛ حيث كانت السفن تبحر من بحر النجف إلى الهند، أما في العهد الإسلامي

فهو يعود إلى خلافة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام، وتشيّع عدد من أهل منطقة السند بواسطة القائد الذي أرسله الإمام علیه السلام لهم من قبيلة عبد القيس.

وقد كان لتلك البذرة أن نمت وترعرعت وانتجت الكثير من القبائل الهندية والسندية والمتشيّعة؛ التي تدين بالولاء لأهل البيت علیهم السلام وتتّجه صوب النجف الأشرف بقوافل الزائرين؛ التي تقصد لثم الأعتاب العلوية الشريفة والصلاة عند القبة المنيفة؛ لما ورد في الأحاديث الصحيحة في فضل هذه البقعة وقدسيتها، وفضل الدفن في تربتها، والتختم بحصبائها، ومجاورتها، وثواب المبيت والصلاة عند المرقد المطهر..

لقد ازدادت الصلة بين النجف والهند وتوثّقت منذ قرون وخاصّة بعد ظهور الدولة الشيعية في الهند، فقد كان ملوك تلك الدولة يغدقون على

المشهد الشريف الهدايا النفيسة ويقومون بزيارة النجف ما أتيح لهم الوقت


1) توفي المستبصر سنة (1353 ه-)، راجع: كتاب المستبصرون للبجنوري، نقلا عن: مطلع أنوار : 108.

من أجل ذلك، كما كان رعايا تلك الدولة من الأغنياء يوصون بدفنهم في النجف، فكانت ترسل الأجساد للدفن مع صعوبة المواصلات يومذاك. كما أغدق أمراء الهند بعطاياهم على أهل العلم من مجاوري النجف، و كانوا يصرفون الأموال الطائلة لسفر الشباب المتديّن النابه لأجل الدراسة العلمية في النجف، فتكونت في النجف جالية هندية ظهر من بينها الكثير من العلماء والأطباء والتجار وغيرهم، وكثير منهم تعرب بعد حين، وكان لهذه الجالية مؤسساتها الخاصة ؛ كالمسجد والحمام والمدرسة والمسافر خانه (الفندق)، أو كما يُسمى في النجف (خان الهنود)، وللجالية مقابرهم الخاصة في بيوتهم أو في وادي السلام.

مدرسة الهندي:

من المدارس المعروفة في النجف، كانت آهلة بطلبة العلم، أسست في حدود سنة 1328ه- في محلّة المشراق وقد أنفق عليها رجل من أهل

(لاهور) اسمه: ناصر علی خان.

مسجد الهندي:

وهو من أكبر مساجد النجف؛ إذ لم يفرغ من العبادة ليلاً ونهاراً، وفي أوقات الفرائض تقام فيه جماعتان، وهو معتكف النجفيين ومحل عبادتهم. شُيّد أوائل القرن الثالث عشر الهجري في عهد الشيخ حسين نجف الكبيررحمه الله ، ومؤسسه أحد صلحاء الهند وهو المرحوم الحاج خان محمّد،

وقد قرّر حينه أن لا يضع أوّل حجر في أساسه إلّا رجل لم يت ليلة من الليالي على جنابة ولم يترك صلاة الليل مدة عمره، فأحجم الحاضرون وقام هو بنفسه فوضع أوّل حجر في أساسه.

وقد كانت الأرض التي فيها المسجد والحمام وقيسارية الحاج علي آغا والسوق المتصل بها المقارب للصحن الشريف كلّها لعائلة هندية شريفة ثرية تقطن النجف قبل زمن وينتسب إليها ميرزا علي أنور الملقب بالمفل الهندي.

وعرف من تلك الأسرة أيضاً: مير فاضل بن مير نظام الهندي؛ الذي كانت من أملاكه ساحة المسجد والسوق المتصل بالقيسارية المجاورة

للصحن الشريف من جهة القبلة.

وبقي الاسم على هذا السوق إلى عصرنا الحاضر فانه يعرف بسوق الهنود، وقد ذهب هذا السوق عند إنشاء الشارع المحيط بالصحن الشريف.

نهر الهندية:

من المبرّات المهمة التي قام بها ملوك الهند الشيعة ما بعثوه من الأموال الطائلة لحفر النهر المشهور (بنهر الهندية) على نهر الفرات؛ الّذي يبتدئ من المسيب، وقد شق من عرض هذا النهر جدول أجري الماء منه في قناة إلى منخفض النجف وكان ذلك سنة 1208ه- .

زيارة أعيان الهند إلى النجف :

بالإضافة إلى مئات العلماء الهنود الذين درسوا في النجف الأشرف ونبغوا في العلوم الدينية والأدبية، فقد قصدها الأمراء والأعيان الهنود للتبرك

بزيارة المشهد الغروي الشريف، ومنهم الأمير السيد محمد خان س-نة 1310ه-، وفيها أمر بتعمير مقام الإمام المهدي عجل الله تعال فرجه الشریف، وفي سنة 1326ه- زارها مير فيض محمّد خان تالبر أمير مقاطعة خيربور السند، وهو شيخ كبير ومعه كثير من وزرائه وعساكره، ونزل في دار السيّد علي آل كمونة، وفرّق الأموال على خدم الروضة الحيدرية على حسب طبقاتهم.

وزارها أيضاً الأمير السيد علي رضا خان الرامبوري يوم الأحد الخامس والعشرين من رجب سنة 1353ه-

الهجرة الهندية إلى النجف :

الهجرة الهندية إلى النجف الأشرف قديمة وقد ازدادت في القرنين التاسع عشر والعشرين؛ حيث نزح إلى النجف المئات من طلبة العلم وفيهم

العوائل الكثيرة التي آثرت السكنى ثم تعرّبت وتنجفت، ولم يعد يربطها مع الهند أية رابطة تذكر.

وأكثر طلبة الهند الذين تفوقوا في الدراسة وحصلوا على الإجازات العالية عادوا إلى بلادهم وساهموا في النهضة العلمية الإسلامية في مختلف الأقاليم الهندية، ومن أهم الشخصيات العلمية الهندية التي درست في النجف: السيّد دلدار علي أحد أكبر أعلام الشيعة في الهند وصاحب الدور الهام في دولة أود الشيعية، وهو بالإضافة إلى الإصلاحات الكبيرة التي قام بها في الهند صاحب مدرسة فكرية متميّزة ساهمت في ترسيخ المنهج

الأصولي، وأنتج الكثير من المؤلفات، وأنشأ أسرة علمية تخرج منها كبار الفقهاء والعلماء والأدباء.

ومن خريجي المدرسة النجفية الهنود الشاعر الأديب السيّد حسين رشيد الرضوي الهندي والسيّد راحت حسين والسيّد حامد حسين، والشيخ سعادت حسين، وأعلام أسرة آل الكشميري، وغيرهم من مئات الأعلام الهنود الذين تخرجوا من الحوزة العلمية النجفية (1)

haydarya.com/maktaba_moktasah/12/najaf12/ book_21

.

1) ارتباط الهند بالنجف الأشرف، محمد سعيد الطريحي.. بتصرّف وتلخيص..

(36) حارث دادلاني

(هندوسي - الهند)

نشأ في أسرة تعتنق المذهب الهندوسي، وحاصل على شهادة الليسانس في التجارة.

ربّته أسرته على أنّ السبيل للكمال هو ممارسة الرياضة القاسية على البدن، والتمسك بالزهادة المفرطة والمعيشة في أسر الحرمان وتحميل النفس ألوان البلاء، لكنّه وجد أن السبب الوحيد الذي جعل أبناء الهند يعيشوا حالة البؤس والحرمان والتخلف هو تمسكهم بهذه العقائد؛ التي ورثوها من أسلافهم.

نظرة إلى الهندوسية

الهندوسية - ويطلق عليها (البرهمية ) أيضاً - هي مجموعة من العقائد والعادات والتقاليد؛ التي تضم القيم الروحية والخلقية إلى جانب المبادئ

القانونية والتنظيمية؛ متخذةً عدة آلهة بحسب الأعمال المتعلقة بها؛ تشكّلت عبر مسيرة طويلة من القرن الخامس عشر قبل الميلاد إلى وقتنا الحاضر.

ولا يوجد للديانة الهندوسية مؤسّس معيّن، ولا يعرف لمعظم كتبها مؤلفون معيّنون، وفي القرن الثامن قبل الميلاد تطوّرت الهندوسية على

أيدي الكهنة البراهمة؛ الذين يزعمون أن في طبائعهم عنصراً إلهيًا. ويتضح من كتبهم وكلام كبارهم أن الديانة الهندوسية مزيج من

الفلسفة الهندية والديانتين اليهودية والمسيحية، كما أنّها عقيدة محدودة الأتباع، ويعتقد الهندوس أنها جاءت عن طريق الوحي، ولو صح هذا فلا بد أنه قد حصل لها الكثير من التحريف والتبديل، حتى أصبحت أسلوباً في الحياة أكثر ممّا هي عقيدة واضحة المعالم. وتشمل من العقائد ما يهبط إلى عبادة الأشجار والأحجار والقرود والأبقار.. إلى غير ذلك من أنواع الوثنية؛ التي تتنافى مع أبسط قواعد التوحيد كما أن الاعتقاد بالتناسخ يعد من أبرز معتقداتهم؛ التي يشتركون فيها مع غيرهم من الوثنية والباطنية والمتصوفة وأمثالهم.

معنى التناسخ:

إنّ معنى التناسخ، هو: رجوع الإنسان بعد موته إلى الحياة الدنيويّة عن طريق النطفة والمرور بمراحل التكوّن البشري من جديد ليصير إنساناً مرة أخرى، أو هو: انتقال الروح من بدن إلى بدن آخر منفصل عن

الأوّل. وقد اتّفقت الشيعة على بطلان التناسخ وامتناعه، لأنّ في التناسخ إبطال الجنّة والنار.

وقد روي أن المأمون سأل الإمام الرضاء علیه السلام: ما تقول في القائلين بالتناسخ ؟ فقال علیه السلام: «من قال بالتناسخ فهو كافر مكذّب بالجنة»(1). ثمّ إنّ القائلين بالتناسخ هم أهل الغلو؛ حيث ينكرون القيامة والآخرة، ويقولون: ليس قيامة ولا آخرة، وإنما هي أرواح في الصور، فمن كان محسناً جوزي بأن ينقل روحه إلى جسد لا يلحقه فيه ضرر ولا ألم، ومن كان مسيئاً جوزي بأن ينقل روحه إلى أجساد يلحق الروح في كونه فيها الضرر والألم، وليس غير ذلك.

براهين بطلان التناسخ:

1- يعتقد الهندوسية وأمثالهم أن المصائب والآلام التي تبتلى بها طائفة من الناس هي في الحقيقة جزاء لما صنعوا في حياتهم السابقة من الذنوب عندما كانت أرواحهم متعلقة بأبدان أخرى، كما أن النعم واللذائذ التي تلتذ بها جماعة أخرى من الناس هي أيضاً جزاء أعمالهم الحسنة في حياتهم المتقدمة، وعلى هذا فكلّ يستحق لما هو حاصل له، فلا ينبغي الاعتراض على المستكبرين والمترفين كما لا ينبغي القيام بالانتصاف من المظلومين والمستضعفين، وبذلك تنهدم الأخلاق من أساسها ولا يبقى للفضائل الإنسانية مجال، وهذه العقيدة خير وسيلة للمفسدين والطغاة لتبرير أعمالهم الشنيعة.


1) بحار الأنوار 4 : 320 .

2- انّ لازم القول بالتناسخ هو اجتماع نفسين في بدن واحد، وهو باطل. بيان الملازمة أنه متى حصل في البدن مزاج صالح لقبول تعلّق النفس المدبرة له، فبالضرورة تفاض عليه من الواهب من غير مهلة وتراخ، قضاء للحكمة الإلهية التي شاءت إبلاغ كل ممكن إلى كماله الخاص به، فإذا تعلّقت النفس المستنسخة به أيضاً كما هو مقتضى القول بالتناسخ، لزم اجتماع نفسين في بدن واحد.

وأمّا بطلان اللازم، فلأن تشخصّ كلّ فرد من الأنواع بنفسه وصورته النوعية، ففرض نفسين في بدن واحد مساوق لفرض ذاتين لذات واحدة و شخصين في شخص واحد، وهذا محال على أن ذلك مخالف لما يجده كل إنسان في صميم وجوده وباطن ضميره.

فإن قيل: إنّ تعلّق النفس المنسوخة إذا كان مقارناً لصلاحية البدن للإفاضة نفس عليه يمنع عن إفاضتها عليه، فلا يلزم اجتماع نفسين في بدن واحد.

قلنا: إنّ استعداد المادة البدنية لقبول النفس من واهب الصور يجري مجرى استعداد الجدار لقبول نور الشمس مباشرة وانعكاساً، فلا يكون أحدهما مانعاً عن الآخر ، غير أن اجتماع النفسين في بدن واحد ممتنع عقلاً، والامتناع ناشئ من فرض التناسخ كما لا يخفى.

سؤال وجوابه :

السؤال: لو كان التناسخ ممتنعاً فكيف وقع المسخ في الأمم السالفة، كما صرّح به الذكر الحيكم؟.

والجواب: أن محذور التناسخ المحال، أمران:

أحدهما: اجتماع نفسين في بدن واحد.

ثانيهما: تراجع النفس الإنسانية من كمالها إلى الحد الذي يناسب بدنها المتعلّقة به .

والمحذوران منتفيان في المقام، فإن حقيقة مسخ الأمة المغضوبة

والملعونة هي تلبس نفوسهم الخبيثة لباس الخنزير والقرد، لا تبدّل نفوسهم الإنسانية إلى نفوس القردة والخنازير.

البحث عن الحق وثماره:

بحث حارث بشأن معتقده الموروث ليتعرّف على أسباب ضيق آفاق هذه العقائد، فتوصل إلى أن السبب هو أن هذه العقائد هي نتاج التصوّر البشري وقد تلبست بقدسية الدين فأصبح من الصعوبة تصحيحها أو تكميلها أو تطويرها، فلهذا بقى على ما عليه من عيوب وضيق أفق وأخطاء. كما تبين له من خلال دراسة باقي الأديان والمذاهب أن السبيل الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه للوصول إلى الرؤية الكونية الكاملة، هو: تلقي العلوم والمعارف من ينبوع النبوة والرسالة، والأخذ من الذين بعثهم الله سبحانه وتعالى أنبياء ورسل وأوصياء، فوجد الدين الإسلامي ومذهب أهل البيت علیه السلام هو أكمل وأتم الأديان، فلهذا تشرف باعتناقه، واتّخذ لتهذيب نفسه المنهج الإسلامي؛ الذي يرعى حين تشريعه لبعض الطقوس العبادية كافة جوانب كيان الإنسان (1).


1) راجع كتاب: معرفة تحليلية عن الإسلام وبعض الأديان والمذاهب للعلامة النوري : 653 .

(37) حمد الله بن حكم السنديلي

(سنّي - الهند)

ولد قبل عام 1278ه- (1861م)، وسكن مدينة «سنديلة» التابعة لقضاء «الكهنو» في الهند.

كان من أرشد تلامذة ملاً نظام الدين السهالوي(1)، واشتهر في الفلسفة من والمنطق والطب، وحصل على لقب (فضل الله خان) من قبل (شاه عالم) (2)، والظاهر أن هذا اللقب لا يطلق إلّا على أهل العلم والفضل عندهم. له كتاب معروف في المنطق وهو شرحه على كتاب (سلّم العلوم) لمؤلّفه محب الله البهاري السنديلي (1119ه-) يعرف باسم: (شرح حمد الله) وهو كتاب معتبر يُدرّس في م-دارس الهند والباكستان، وقد كتبت عليه عدة شروح، وله أيضاً شرح كتاب (زبدة


1) نظام الدين ابن الملا قطب الدين السهالوي الأنصاري (ت 1161ه-)، نسبته إلى «سهالي» بكسر السين واللام فقيه من سكان الهند من آثاره شرح مسلم الثبوت لمحب الله البهاري في أصول الفقه، وحاشية على شرح هداية الحكمة للصدر الشيرازي». راجع: الأعلام للزركلي 34:8

2) الظاهر أن شاه عالم هو لقب بهادر شاه الأول، قطب الدين الملك السابع من ملوك تيمور .

الأصول) للشيخ البهائي، والحاشية على (الشمس البازغة) للملاً محمود بن محمد الفاروقي الجونفوري (1062ه-).

تشرفه باتّباع مذهب أهل البيت علیهم السلام:

خالط «حمد الله» كبار علماء الشيعة في عصره، وتلقّى منهم بعض العلوم، فرغب في معرفة الحق، واستفاضت معلوماته عن العلامة مير

محمّد باقر الداماد (1041ه-)، فتأثر به كثيراً، حتى كشفت له الحقيقة، فاختار مذهب أهل البيت علیهم السلام، وأعلن تشيعه (1).

من هو المير داماد؟

هو محمّد باقر بن محمّد بن محمود بن عبد الكريم الحسيني، الأسترابادي الأصل الأصفهاني، الشهير بالداماد (2)

لم تحدّد المصادر تاريخ ولادته، وقيل: إنه ولد في سنة تسعمائة وسبعين، إلا أن من المتيقن ولادته في القرن العاشر الهجري، وقد تجاوز عمره الثمانين عاماً.

كان متعبداً في الغاية مكثراً من تلاوة كتاب الله المجيد، مواظباً على أداء النوافل، مجداً ساعياً في تزكية نفسه النفيسة وتصفية باطنه الشريف، حتى اشتهر أنه لم يضع جنبه على فراشه بالليل في مدة أربعين سنة. وقد أكثر العلماء من مدحه والثناء عليه، فقال عنه صدر المتألهين في شرح أصول الكافى): «سيّدي وسندي وأستاذي في المعالم الدينية،


1) راجع المستبصرون للبنجوري: 87-88

2) الداماد بالفارسية: الصهر ولقب بذلك لأنّ أباه كان صهر الشيخ علي بن عبد العالي الكركي المعروف بالمحقّق الثاني، ولقّب هو بذلك بعد أبيه.

والعلوم الإلهية، والمعارف الحقيقية، والأصول اليقينية، السيد الأجل الأنور العالم المقدس الأطهر ، الحكيم الإلهي والفقيه الرباني، سيد عصره وصفوة دهره، الأمير الكبير والبدر المنير، علامة الزمان أعجوبة الدوران، المسمّى بمحمّد، الملقّب بباقر الداماد الحسيني قدس الله عقله بالنور الربّاني »(1)وقال الشيخ الحرّ العاملي قدس سرّه في (أمل الآمل): «عالم فاضل، جليل القدر، حكيم متكلّم، ماهر في العقليات معاصر لشيخنا البهائي، وكان شاعراً بالفارسية والعربية مجيداً» (2).

قال الشيخ أسد الله الكاظمي في (مقابس الأنوار): «السيّد الهمام وملاذ الأنام، عين الأماثل، عديم المماثل، عمدة الأفاضل، منار الفضائل، بح-ر العلم الذي لا يُدرك ساحله، وبر الفضل الذي لا تُطوى مراحله، المقتبس من أنواره أنواع الفنون والمستفاد من آثاره أحكام الدبن المصون، الفقيه المحدث الأديب الحكيمً»(3).

وقد تربّى على يديه كلّ من: الشيخ محمد بن إبراهيم الشيرازي المعروف بصدر المتألهين، الشيخ محمد محسن المعروف بالفيض الكاشاني، السيد محمد تقي الحسيني الأسترآبادي، الشيخ قطب الدين الأشكوري، الشيخ خليل الغازي القزويني الشيخ عبد الرزاق اللاهيجي، مير فضل الله الأسترآبادي، السيد أحمد العاملي.


1) راجع: تذكرة الأعيان للسبحاني: 305.

2) أمل الآمل 2: 249.

3) مقابس الأنوار: 16.

وله عدة مؤلّفات، منها: الرواشح السماوية، الصراط المستقيم شرح الاستبصار، ضوابط الرضاع، تأويل المقطعات، نبراس الضياء، شرعة التسمية، أنموذج العلوم، الحبل المتين، السبع الشداد، شارع النجاة، الأفق المبين.

تُوفّي الداماد عام 1041ه- بالنجف الأشرف لما جاء لزيارة العتبات المقدسة مع الملك صفي الصفوي، فدفن إلى جوار أمير المؤمنين علیه السلام(1).


1) راجع :موسوعة طبقات الفقهاء للشيخ السبحاني 11 319 ومقدمة تحقيق كتاب (الرواشح السماوية).

(38) دیوانی سنکوه (محمد حسن قتيل)

(هندوسى - الهند)

ولد عام 1172ه- بمدينة «دلهي» في الهند، ونشأ في عائلة «بهندار» الساكنة في إقليم بنجاب، التي يتمتع معظم أبنائها بثروات كبيرة، كما أن فيهم كثيراً من المثقفين وأهل الفن. نشأ «ديواني» في كنف والديه اللذين أشرفا على تعليمه الابتدائي.

تأثره بالأجواء العلمية:

كانت العاصمة «دلهي» مليئة بالراغبين بتعلم العلوم الإسلامية آنذاك،فكانت دروس اللغة - لاسيما الفارسية - هي الأوسع انتشاراً، كما أن الكتب الإسلامية كانت منتشرة في كل مكان.

في هذه الأجواء المليئة بالعلم والعلماء، رغب «ديواني» في تعلم اللغتين الفارسية والعربية، وكذلك معرفة العلوم الإسلامية، ولذا جد بالدرس

وانكب على المطالعة ليل نهار.

نقطة التحول :

كان «ديواني» صاحب ذوق سليم، وقدرة بالغة على الفهم والاستيعاب، وهذا ما جعله مؤهلاً لنظم الأشعار.

ومن أجل النهوض بمستواه العلمي أخذ يبحث عن أستاذ قدير يدرس على يديه، وبالفعل تمكن من الوصول إلى الميرزا محمد باقر الشهيد الأصفهاني، وبدأ بالتتلمذ على يديه، وكان يباحثه بشأن الدين الإسلامي والمذهب الشيعي على وجه الخصوص، فوجد أن هذا الدين يرفع من قدر الإنسان ويمنحه الطمأنينة والاحترام، ويبرمج له حياته في شتى المجالات، كما يحفّز في نفسه روح التعاون والإخلاص والمحبة والارتباط بالله تعالى. كما وجد أن مذهب أهل البيت علیهم السلام يمتاز عن بقية المذاهب بعدة أمور، أهمها: قادة المذهب، وهم الأئمة الاثنا عشر علیهم السلام ، فهم معصومون، وقد حباهم الله تعالى بميزات لم تكن لأحد من العالمين.

قيمة معرفة أهل البيت علیهم السلام :

أمر رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم جميع النّاس بالتّمسُّك بالقرآن الكريم والعترة الطَّاهرة في حديث الثقلين الثَّابت عند جميع المسلمين، وفي هذا الحديث الشَّريف دلالة واضحة على أهميَّة الخطب وعظمته، فأن يقرن الرسول الأكرم صلّی الله علیه وآله وسلم القرآن الكريم الهادي بالعترة الطاهرة المهديّة إلى يوم القيامة، وأن يكون كلاهما ثقل، لهو دليل جلي وقوي على علو منزلة العترة وشرافة

قدرها ودرجتها عند الله.

ومن هنا نفهم لماذا حنّت الآيات والروايات على أهمية معرفتهم علیهم السلام وذمّت بشدَّة تركهم:

1- في الحثّ على معرفتهم علیهم السلام : عن رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم: «من منَّ الله عليه بمعرفة أهل بيتي وولايتهم، فقد جمع الله له الخيرَ كُلّه» (1).

وقال سلمان الفارسي: دخلت على رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم يوماً، فلمّا نظر إليَّ قال: «يا سلمان، إنَّ الله عزّ وجلَّ لم يبعث نبياً ولا رسولاً إلّا جعل له اثني عشر نقيباً...».

قُلتُ: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، ما لمن عرف هؤلاء؟

فقال: «يا سلمان! من عرفهم حق معرفتهم واقتدى بهم، فوالي وليَّهم وتبرّأ من عدُوّهم، فهُو والله مِنّا، يردُّ حيث نرد، ويسكن حيثُ نسكن »(2). وعن الإمام الباقر علیه السلام: «إنّما يعرف الله عزّ وجلّ ويعبده من عرف الله وعرف إمامه منا أهل البيت، ومن لا يعرف الله عزّ وجلّ و (لا) يعرف الإمام منا أهل البيت فإنَّما يعرف ويعبد غير الله هكذا والله ضلالا»(3).

2 - في ذمّ عدم معرفتهم عالي: عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم قال: «من مات ولا يَعرف إمامَهُ مات ميتةً جاهليَّة».

وعنه صلّی الله علیه وآله وسلم أيضاً، قال:« من مات وليس له إمام من ولدي مات ميتةً جاهليَّة، ويُؤخذُ بما عمل في الجاهليَّة والإسلام»(4).


1) أمالي الصدوق: 561.

2) بحار الأنوار 53: 142.

3) الكافي 1: 181.

4) عيون أخبار الرضاء علیه السلام 1: 63.

أهم خصائص أهل البيت عليهم السلام :

أهل البيت عليهم السلام أفضل الخلق وأكملهم وأزكاهم وأطهرهم، وقد ذكرت أوصافهم في عشرات الروايات، نذكر منها:

1 - الطَّهارة والعصمة: قال الله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمْ الرَّجسَ أَهْلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تطهيرا }(1).

وروي عن رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم أنَّه قال: «أنا وعلي والحسن والحسين وتسعةٌ من ولد الحسين، مطهَّرون معصومون»(2).

وعنه صلّی الله علیه وآله وسلم قال: «إن هذا الأمر يملكه بعدي اثنا عشر إماماً، تسعة من صلب الحسين أعطاهم الله علمي وفهمي، ما لقوم يؤذونني فيهم؟ لا أنالهم الله شفاعتي»(3).

وعن أمير المؤمنين علیه السلام : .. لأن الله إنما أمر بطاعة رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم لأنه معصوم مطهّر لا يأمر بمعصية الله، وإنّما أمر بطاعة أولي الأمر لأنهم معصومون مطهّرون لا يأمرون بمعصية الله» (4).

2 _عدلُ القرآن عن رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم: «إنّي أوشك أن أدعى فأجيب وإنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله عزّ وجلّ وعترتي، كتاب الله حبل


1) الأحزاب: 33.

2) عيون أخبار الرضاء علیه السلام 1: 65 - 66.

3) بحار الأنوار 36: 340.

4) كتاب سليم بن قيس: 405.

ممدود بين السماء والأرض، وعترتي أهل بيتي، وإن اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا بماذا تخلفوني فيهما » (1).

3 - خزنة علم الله وتراجمة وحيه عن الإمام الباقر علیه السلام، قال: «نحن خزان علم الله (2)، ونحن تراجمَةُ وحي الله»، وفي عدة روايات أنَّهم ورثة علم الأنبياء عليهم السلام (3)

4 - عندهم علم الكتاب: عن أمير المؤمنين علیه السلام في قول الله تبارك وتعالى: {قُل كَفَى باللَّهِ شَهِيدًا بَيني وَبَينَكُم وَمَن عِندَهُ عِلمُ الكِتاب}(4)قال: «أنا هو الذي عنده علم الكتاب» (5).

5- أفضل الخلق: روي عن رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم أنّه قال: «أنا وأهل بيتي صفوة الله وخيرته من خلقه »(6)

6 - أبواب الله: عن رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم: «ونحن باب الله الذي يُؤتى منه، بنا يهتدي المهتدون» (7)

7 - أركان العالم وأمان أهل الأرض عن النَّبي صلّی الله علیه وآله وسلم: «جعل أهل بيتي أماناً لأمتي، فإذا ذهب أهل بيتي جاء أمتي ما كانوا يوعدون»(8).


1) كمال الدين وتمام النعمة: 235

2) الكافي 1: 192

3) راجع: أهل البيت في الكتاب والسنة: 185 - 187.

4) الرعد: 43.

5) بصائر الدرجات: 236.

6) مناقب آل أبي طالب 1: 220

7) بحار الأنوار 25: 2.

8) كمال الدين وتمام النعمة: 205.

التمسّك بحبل الله المتين:

بعد البحث والتحقيق اقتنع «ديواني بمذهب الشيعة الإمامية، فترك مبدأه السيخي، واستنار بنور الإسلام الحق بعد تعرفه على عظمة أهل البيت علیهم السلام وفضائلهم التي خصهم الله تعالى بها، فغيّر اسمه من «ديواني» سنكوه إلى «محمّد حسن»، واختار له اسم «قتيل» في الأشعار، وهكذا اشتهر ب- «محمد حسن قتيل»(1).


1) ما تمّ ذكره عن المستبصر مقتبس من كتاب المستبصرين للبجنوري: 365 - 366، نقلاً عن كتاب: مطلع أنوار.

(39) رتن سنکوه

(هندوسي - الهند)

ولد عام 1190ه- في الهند ونشأ على مذهب أجداده هناك.

نبغ «رتن» في فنون شتّى، فكان من العلماء المبرزين في الهيئة والهندسة والرياضيات والفلسفة والشعر، ومعرفة اللغات المتنوعة كالعربية والفارسية والتركية والإنجليزية، فقربه إليه غازي الدين حيدر (1)، وولاه الإنشاء بديوانه، ولقبه منشي الملوك ، فاستقل به إلى أيام محمد علي شاه، ثمّ ولي الخراج، ولقّبه محمّد علي شاه بفخر الدولة دبير الملك مهاراجه رتن سنکه بهادر هوشيار جنك.

الاستبصار والمؤلّفات:

استبصر أستاذه «ديواني سنكوه»(2)بنور مذهب أهل البيت عليهم السلام بعد تعرّفه على المير محمّد باقر الداماد المتكلّم والفيلسوف الشهير، فتبعه التلميذ عن وعي وبصيرة، وكان استبصاره عام 1264ه-


1) أحد ملوك الهند، كما في مستدركات أعيان الشيعة 6: 111.

2) مرت ترجمته ضمن مستبصري الهند.

وله من المؤلّفات: (سلطان التواريخ)، و (حدائق النجوم) في علم الهيئة، كما له ديوان شعر باللغة الفارسية.

توفي «رتن» عام 1267ه- في الهند (1).

نبذة عن نشأة التشيع في الهند:

لم يكن الإسلام بالنسبة إلى شبه القارة الهندية بالشيء الجديد، فمنذ القرن الأول للهجرة كانت هناك أقليّة من المسلمين تعيش في الهند. ولعل السبب الأول لدخول الإسلام إلى الهند هو التجار المسلمون الذين كانوا يرتادون هذه المنطقة من أجل التجارة، ولكن هذه الأقلية لم يكن من الممكن لها أن تظهر عقيدتها خوف الفتنة والعذاب، ثم جاءت انتصارات الإسلام فكان لذلك الأثر البالغ في توسع الإسلام وتغلغله في

شبه القارة الهندية.

ويحدثنا التاريخ عن شيء له الدلالة القوية على تاريخ وجود الإسلام في الهند، ففي أوائل القرن الثامن الهجري ظهر السيد بلال شاه الداعية الإسلامي الكبير، واتصل بملك كشمير حينئذ (رين جانا) ودعاه إلى الإسلام، فاستجاب له الملك مع عدد من أهل البلاد. وهذا الاستسلام للدعوة من قبل الحاكمين والراعية يدلّ على نفوذ الدعوة ووجودها، وأخيراً استوزر هذا الملك الذي دعا نفسه فيما بعد ب-(السلطان صدر الدين) السيّد بلال شاه لما رآى فيه من إخلاص وحسن إدارة.


1) راجع ترجمته في مستدركات أعيان الشيعة 5: 151 الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام المسمى ب- (نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر) 7: 969.

فتأريخ الإسلام في شبه القارة يرجع إلى مدى بعيد، ولكن لا يمك-ن الجزم بأن هذا الإسلام جاء بشكله العام أو بشكل شيعي، إلا أنه يمكن الجزم بأنّ التشيّع دخل شبه القارة في أواخر القرن الثامن الهجري، حيث هاجر السيد علي الهمداني من سلالة الرسول الأعظم صلّی الله علیه وآله وسلم إلى كشمير في زمن السلطان شهاب الدين، وكان بصحبته عدد كبير من أقربائه وأتباعه، وكان دخول هذا السيد الجليل الذي لقب بعد ذلك ب- (شاه همدان) إلى كشمير وهي في حالة حرب مع «أو هند»أو (الهند كما يقول المؤرخون العرب)، وقد استطاع بجهوده المتواصلة أن يقنع الطرفين بالهدنة والصلح وقام منذ ذلك الحين بدعوتهم إلى الإسلام.

وقد قام بعده بالدعوة إلى الإسلام ولده المير محمد الهمداني المولود سنة 774ه- حيث دخل كشمير بعد والده مع جماعة كبيرة من أتباعه وأنصاره، وقد استقبله سلطان كشمير (إسكندر) استقبالاً رائعاً واحتفى به وكرمه، ومن الجدير بالذكر أن قائد الجيش في كشمير - وكان هندوسياً يُدعى (مالك سوهابهاتا) - قد تأثر بشخصية المير محمد وبساطة العقيدة المحمدية التي يحملها وأسلوب حياته المعاشية والأخلاقية، مما دعاه إلى أن يتبنّى الإسلام مع جميع أفراد أسرته، ودعا نفسه (مالك سيف الدين)،

واشتدت صلاته بالسيد مير حتى تزوج السيد میر محمد بنت هذا القائد بعد وفاة زوجته الأولى. وقد قام هذا القائد بإنشاء مسجد مهم موجود حتى الآن يدعى مسجد (سوهيار).

ومن جملة الأعمال التي قام بها السيدمیر محمد في تلك المنطقة منع تقطير الخمور وتحريم قتل الزوجة نفسها عند وفاة زوجها، الأمر الذي

كانت تتبناه التعاليم الهندوسية، كما أنه منع القمار ومزاولة النساء الرقص. وقد أهدى السيد مير محمّد إلى السلطان إسكندر ياقوتة، ما دعا السلطان لأن يردّ هذه التحية بأن أهداه ثلاث قرى كبيرة وقفها المير محمّد على تكيته وأعمالها.

ولا يشك المؤرخون أن مجيء شاه همدان إلى كشمير وسّع كثيراً في تبليغ الدين الإسلامي، وأدى إلى هداية كثير من الهندوسيين، كما قام شاه همدان بإنشاء التكايا والمساجد في كل ناحية من كشمير، واتخذ من ذلك مراكز يبشر منها بالإسلام.

كما حوّل الهندوسيون المهتدون المعابد الهندوسية إلى مساجد، وقد قيل: إن شاه همدان استطاع بجهوده المتواصلة أن يهدي إلى الإسلام

حوالي ثلاثة وسبعين ألف نسمة.

ومما يدلّ على سعة علم شاه همدان»: المؤلفاتُ الكثيرة التي خلّفها بالعربية والفارسية، ولا سيما كتابه (ذخيرة الملوك)، وقد تُرجم إلى اللاتينية في سنة 1825م وإلى الفرنسية سنة 1829م، وهو من أحسن الكتب في علم السياسة والاجتماع.

ومما يدلّ على أنّه كان شيعياً مؤلّفاته القيمة مثل (مودة القربى) والسبعون حديثاً في فضائل أهل البيت وغير هذا، وإن كان المشهور على

خلاف ذلك لمراعاة الظروف المحيطة، ويظهر هذا الأمر بعد ملاحظة

الأمور التالية: الأوّل: إن الدور الذي كان يعيشه هذا العالم الجليل كان مخالفاً من ناحية سياسية لأهل التشيع بسبب انحصار السلطة والقوة في أهل السنّة، بحيث لم يكن أحد يتمكن أن ينسب نفسه علناً لمذهب الشيعة.

الثاني: إن مؤلفاته دليل على تشيعه، إذ المواضيع بالشكل الذي تناولها لا تصدر إلا من قلم يتبنّى المذهب الشيعي، وإنما لم يظهر ذلك منه بسبب الظروف كما أسلفنا.

الثالث: إن أولاده الذين يقطنون في مدينة (وتلوكنك): محلّة سادات

الهمدانيين وقرية جلال پور همدانیان وقرية قادر پور) وقرية (رهنه) وبلدة (لاوه) - وهذه كلها في الباكستان الغربية - كانوا قبل بضعة عقود يؤدون وظائفهم وفرائضهم الشرعية كبقية أبناء السنة الآخرين. ولما ذهب زمان التقية بعد ذلك أظهروا مذهبهم (التشيع) في الوقت الذي لم يصل إليهم العلماء والمبلغون الشيعة، وإنما قاموا بأنفسهم بحركة تبليغ واسعة. ونتيجة ذلك تبنّى المذهب الشيعي أهالي مدينة (تله كنك) الشرقية كلهم، وبقي أهالي المنطقة الغربية على حالهم؛ لأن الغربيين كانوا أناساً عاديين بخلاف الشرقيين الذين كانت بيدهم السلطات والقوة، كما صار هؤلاء حكام الهمدانيين أيضاً وأظهروا تشيعهم.

(264)

وإذا ثبت أن السيّد علي الهمداني كان شيعياً، ثبت أن هذا المذهب قد دخل بلاد كشمير والبنجاب بصورة سليمة واستقبله الأهلون بحرية تامة ومن غير إكراه (1).


1) للمزيد راجع: دائرة المعارف الإسلامية الشيعية: 53.

(40) عبد القوي لكهنوي

(سني - الهند)

ولد عام 1333ه- (1915م) في الهند، ونشأ في أسرة سنية المذهب، فكان متعصباً لمذهبه السنّي حتى العقد السادس من حياته، وكان عالماً وطبيباً حاذقاً.

الرؤيا الصادقة والاستبصار :

شاءت الأقدار أن يصاب «عبد القوي» بمرض أدى إلى أن تتدهور صحّته شيئاً فشيئاً، فيأس من حياته، منتظراً القضاء الإلهي.

يقول تلميذه محمد عباس عن مجربات الواقعة: عندما تدهورت صحّته يئس من حياته، ولكن بعد أيام قليلة قام عن الفراش فجأة، فسألوه عن سبب شفائه العاجل غير المتوقع، فقال: إني رأيت في المنام النبي محمداً المصطفى صلّی الله علیه وآله وسلم، ومعه الإمام علي علیه السلام يقول: يا شيخ جاء رسول الله! فالتفت إلي الإمام، وهو يقول: إن النبي يقول لك: لا تخف من المرض، إنك

ستشفى نحن ضامنون لأجرك؛ لأنك خدمت ذرّيتنا.. فحينما سمعت هذا الكلام فتحت عيني وأنا صحيح وسالم من المرض.

يضيف المفتي محمّد عباس قائلاً: حينما سمعت ذلك من أستاذي كتبت في مذكراتي: «إذا كان هذا المنام صادقاً فهو يتشيع يقيناً».. لكن لم أتحدّث مع الأستاذ في موضوع التشيع تأدّباً لجلالته، وصغر سنّي.. وفي يوم من الأيام كنت جالسا أمام أستاذي فتجرأت على السؤال وقلت: سيّدي! ما المقصود من كلمة (ذريتنا) في كلام النبي صلّی الله علیه وآله وسلم لكم في المنام؟

فقال: طبعاً (أولاده).

فقلت: نحن بعيدون عنهم صلّی الله علیه وآله وسلم بعدد ملحوظ من جهة النسب، فكيف حال ذريته مباشرة منه صلّی الله علیه وآله وسلم؟

فقال «عبد القوي»: نعم هم هم! فعرفت شيئاً ما، وكتبت رسالة صغيرة وسميتها (الدليل القوي) وقدمتها إليه، وبعد فترة وجيزة أرسل ورائي وقال لي: إنّي اخترت مذهب الشيعة، فلا تقل ذلك لأحد، ففرحت من قوله ورجعت إلى ما كتبت في مذكراتي وكتبت: إن حساباتي كانت صحيحة!(1).

وهكذا وفّق الله تعالى «عبد القوي» - بعد رؤيته لهذه الرؤيا - للبحث عن مذهب الشيعة الإمامية والتأمل في الأدلة العقلية والنقلية الدالة على صحته ووجوب التمسك به، الأمر الذي أدّى به لاعتناق مذهب أهل البيت علیهم السلام في آخر المطاف، وكان ذلك عام 1394ه- (1975م).


1) راجع المستبصرون للبجنودي 1: 149، المتحولون 3: 681.

الرؤيا الصادقة وعلاماتها:

تقسم الرؤيا والأحلام على أساس بعض الأحاديث الإسلامية إلى أقسام؛ منها: الرؤيا الصادقة..

وهي التي تكون بمثابة الرؤية في حالة اليقظة من صحّتها وصدقها وانطباقها على الواقع، وكان هذا مما يراه الأنبياء والأولياء والصلحاء وأهل الإيمان، كما رأى ذلك إبراهيم خليل الرحمن، ويوسف الصديق، ونبينا محمد صلّی الله علیه وآله وسلم، حيث جاء التصريح بذلك في القرآن الكريم. وأُطلق على هذا القسم من الرؤيا بالبشرى، وهو ما يراه المؤمن بحيث عد هذا النوع من الرؤيا أنها جزء من سبعين جزء من النبوة، كما روي عن النبي صلّی الله علیه وآله وسلم(1).

علامات الرؤيا الصادقة:

أشير في بعض الأحاديث إلى علامات الرؤيا الصادقة؛ ومنها:

1 - أن الرؤيا الصادقة من الملائكة، والكاذبة من الجنّ:

«سأل الإمام أمير المؤمنين علیه السلام نصرانيّان ما الفرق بين الرؤيا الصادقة والرؤيا الكاذبة ومعدنها واحد؟

فقال علیه السلام: «إن الله تعالى خلق الروح وجعل لها سلطاناً، فسلطانها النفس، فإذا نام العبد خرج الروح وبقي سلطانه، فيمر به جيل من الملائكة وجيل من الجن؛ فمهما كان من الرؤيا الصادقة فمن الملائكة، ومهما كان الرؤيا الكاذبة فمن الجنّ، فأسلما على يديه وقتلا معه يوم صفّين»(2)


1) بحار الأنوار 58: 176.

2) مناقب آل أبي طالب 2: 179.

2- لا يراها إلّا أولو النهى:

وفي كتاب الغايات: قال: قال رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم: «خياركم أولو النهى».

قيل: يا رسول الله، ومن أولو النهى؟

فقال: « أولو النهى أولو الأحلام الصادقة»(1).

3- لا يراها إلّا المؤمن:

وعن عبادة بن الصامت، عن النبي صلّی الله علیه وآله وسلم في قوله تعالى: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا }(2)، قال: «هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن لنفسه أو تُرى له...» (3).

4 - تُرى بعد الثلثين من الليل :

روي عن الصادق علیه السلام في جواب أبي بصير حينما سأله عن الرؤيا الصادقة والكاذبة : «وأمّا الصادقة إذا رآها بعد الثلثين من الليل مع حلول الملائكة - وذلك قبل السحر - فهي صادقة لا تختلف إن شاء الله، إلّا أن يكون جنباً أو يكون على غير طهر أو لم يذكر الله عز وجل حقيقة ذكره (4)


1) بحار الأنوار 58 :190.

2) يونس: 64.

3) الدر المنثور 3: 313

4) الكافي 8: 91.

(41) غلام حسين الهندي

(عبّاد النار والأصنام - الهند)

يقول غلام حسين عن سيرته وكيفية الاستبصار: إنّي كنت من عبدة الأصنام والنار، ومسقط رأسي بلدة يقال لها: «ملتان».

كنت في تلك البلدة من أعيانه وأعاظم أتباع سلطانه، وداري كانت في محلّة المسلمين، وفي تلك المحلّة ما كان أعظم مني شأناً ولا أكثر منّي مالاً واعتباراً، وكانت العادة عند أهل محلّتي أن يجمعوا في أيام عاشوراء الدراهم ويصرفوها في مراسيم العزاء في مسجدهم.

وبعض الشيعة يبنون مكاناً لإقامة العزاء ويسمونه «إمام باره»، فيجتمعون فيه أيام عاشوراء ، وأنا - لشدّة عداوتي مع المسلمين - أصرف وجهي وأدير بصري عند المرور بذلك المكان، حتى لا أنظر إليه، لكن كانت عادتي في كلّ سنة أن أعطي أهل منطقتي معادل ما يجتمع عندهم من الدراهم أيام عاشوراء؛ إذ ما كان في تلك المحلة أعظم مني، وكان عطائي لأجل الشأن والاعتبار، إذ لو لم أعط لكان يُعد نقصاً وبخلاً.

وكانت هذه عادتي لمدة ثلاثين سنة أو أكثر، حتى ملك الإفرنج بلادنا وعزل سلطاننا واختفى أتباع السلطان وأنا منهم، وبعد أيام قلائل طلبت الأمان من الإفرنج فأعطوني الأمان، فخرجت فاشتغلت بالتجارة لتحصيل المعاش، ولكني ما كنت محتاجاً في أمر معاشي إلى التجارة، بل لزمتها حتّى لا يعلم الإفرنج ما عندي من المال، ولا يأخذوه منّي باسم مال السلطان.

كنت أسافر إلى بمبئي لغرض التجارة، وفي سفري الأخير بعت متاعي واشتريت ما أردته من متاع، وحملته إلى المركب الذي كان أغلب أهله من المسلمين، وكانت أيام شهر رمضان، فسألوا أهل المركب رئيسه أن يقيم في بمبئي حتى يمضي رمضان ليصوموا وأجابهم القبطان وأقام فيه وبقيت معهم؛ إذ ما كنت قادراً على المسير وحدي، ولكن ضاق صدري من الإقامة وكنت أنتظر هلال شهر شوال.

الزم طريقة الحسين علیه السلام:

وفي ليلة الثالثة والعشرين من شهر رمضان رأيتُ في المنام أن شخصاً أتاني وقال : أجب رسول الله ..

فقلت من رسول الله؟ وماذا يريد مني؟

قال: هو نبي المسلمين ، أجبه، فهالني أمره بحيث لم أطق ردّه، وسرت امتثالاً لأمره، ، وسار معي حتى انتهينا إلى بستان عظيم، فإذا بصاحبي واقف بجنبي، وقال لي: سلّم على رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم، قلت: أين هو؟

قال: هو ذاك، وأشار إلى إيوان كان أمامي وفيه سرير مصوغ من الذهب وعليه من أنواع الجواهر.

فتقدّمت نحو الإيوان ورأيت شخصاً بهي المنظر درّي اللون جالساً على ذلك السرير.. سلمت عليه بسلام مرسوم عندنا عند ملاقاة السلاطين، وما رأيت سلطاناً مثله ذا هيبة ووقار، فردّ عليّ السلام، وقال: يا فلان بن فلان! أتدري لِمَ طلبناك؟ طلبناك لنعطيك أجر ما أحسنت إلينا.. أتدري ما إحسانك إلينا ؟

قلت : لا يا رسول الله!

قال: كانت عادتك أن تعطي في كل سنة المقدار الفلاني لأهل محلّتك لكي يصرفونه في عزاء ولدي الحسين.

فقلت في نفسي: ومن الحسين؟

ثم قال: لا يمكن أن نجازيك وأنت على هذا المذهب الذي أنت فيه. قلت وما أصنع يا رسول الله ؟

قال: أسلم حتى نجازيك.. ثم قال: المسلمون على قسمين، وأنت الزم طريقة من يقوم بعزاء الحسين علیه السلام ويقول بإمامته.

فزعت مرعوباً من ذلك المنام وعزمت على أن أطلب من يعلّمني معالم الإسلام عند رجوعي إلى بلدي، وكان مسجد بقرب منزلي يصلّي فيه شيخ من المسلمين ويعظهم بعد الصلاة، فتبعته بعد خروجه من المسجد، وقلت له: أيها الشيخ أريد الدخول في الإسلام.

فقال : الإسلام على فرقتين، أي فرقة تريد؟

قلت ما أدري ما تقول؟ أنا أريد طريقة الحسين علیه السلام، علّمني طريقته وطريقة من يقوم بعزائه.

فبكى الشيخ وقبل ما بين عيني، وقال: هنيئاً لك يا أخي، ثم لقنني الشهادتين وشرح لي مسألة إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام، فبقيت ذلك اليوم كله في المنزل أتفكر في حالي وأشكر الله على هذه النعمة العظيمة.

وبعد أسابيع أسابيع اشتهر أمري بن الناس إلى أن أتاني كتاب من أولادي بأنا سمعنا أنك تركت ملّة آبائك، فإن رجعت إليها شكرناك وإلا سعينا في هلاكك بأي وسيلة، فخفت على نفسي من أولادي ومن سائر الهنود فسافرت إلى العراق.

والتقيت في العراق بعلماء الشيعة، وشرحت لهم قصتي فنصحوني بأن أتعلم عقائد الإمامية؛ لكي يكون استبصاري معتمداً على البصيرة والعلم والمعرفة (1)


1) دار السلام في ما يتعلق بالرؤيا والمنام 2 : 303 . (بتصرّف وتلخيص) .

(42) كل ما في مسرا البرهمي

(هندوسي - الهند)

ولد في ما يقارب العام 1300ه- ، ونشأ في أسرة هندوسية، وواصل دراسته الأكاديمية إلى أن نال شهادة الهندسة.

شاءت الأقدار الإلهية أن يدخل«كلّ ما في مسرا» العراق مع الجيش الهندي في ابتداء الحرب العالمية وهو من أبناء الأربعين، وأصبح فيما بعد رئيس الهندسة على جدول «جورجي» في الفرات الأوسط.

التأثر بالتزام المسلمين بدينهم:

في العام 1336ه- دخل السيّد محمّد مهدي آل قنبر على العلامة السيد هبة الدين الشهرستاني في كربلاء؛ يستأذن السيّد لقبول «كل ما في مسرا» مباحثاً معه في الديانة الإسلامية، ولما سأله الشهرستاني عن السبب الحقيق لطلبه البحث قال آل قنبر : إنّي موظف عند البرهمي، وكان يراني أصوم شهر رمضان مع حرّ البر، فصار يحادثني عن الشؤون الدينية أوقات فراغه؛ قال لي ذات يوم: إن شدة التمسك منكم بدين الإسلام دليل على أن

الإسلام دين ينطوي على حكمة جذابة؛ استهوت عقولكم وعواطفكم إلى درجة التعشق، لكنني آسف على أنك لا تعرف من بواطن دينك ومعارفه شيئاً، حتى تجيبني عمّا أسأل.

ثم سألني: هل عندكم علماء مرشدون يسهل السبيل إليهم، والتحاور معهم؟

فقلت له: نعم.. وها هو قد جاء ونزل في دار السيد أبي جعفر صاحب المعظم.

فتأمّل السيّد الشهرستاني، ثم قال: أنا أزوره، فإنَّ القادم يزار، والضيف يُكرم، ولو كان كافراً.

مناظرته مع السيّد الشهرستاني:

لما جاء السيد الشهرستاني - وفي المجلس السيد محمّد الحكيم، وميرزا محمّد باقر خان بهادر، وجماعة آخرون - وتبودلت عواطف الولاء،

قال «كلّ ما في مسرا» : إنّ الإسلام يفرض على الجميع عبادة شيء لا يُحَس ولا يُمس، لا لون له ولا شكل، ولا... ولا .. لكن هذا غير معقول،

و مخالف للمصلحة.

أما أنه غير معقول؛ لأن العقل لا يمكنه أن يعترف بثبوت شيء لا يُحس ولا يُمس، لا لون له، ولا شكل.. أرجو العفو في قولي: إن العقل مهما كان دقيقاً، فلا يستريح عند التصديق به.

وأما قولي: إنّه خلاف المصلحة؛ فلأن الدين قد يعتبر بعض الأشياء لمصلحة، وبما أنّ العبادة أساس الديانات، ولا يستثنى منها أحد، فالمصلحة تبعث إلى جعله سهلاً واضحاً نافعاً، حتى يرغب العموم فيه، ويقتدون به، فسامحوني إذا قلت: إن أكثر البشر لا يقدرون على الاعتراف بوجود شيء غير محسوس.

أما نحن البراهمة فنرفض إجبار الجميع على العبادة، ونتركهم أحراراً في انتخاب ما يعبدون ممّا يحسبونه عظيماً، فالجاهل قد يعبد أبويه، أو المنعم عليه، ثمّ يترقى إلى عبادة أعظم ما يراه بين يديه، وهكذا إلى أن يصير فيلسوفاً، فيعبد إله الآلهة فوق السماوات العلى !

فأبهر الحاضرين حسن بيانه، وكان السيد محمد الحكيم يترجم ما قاله باللغة الهندية بكل براعة، وبلاغة.

فقال الشهرستاني: سامحني إذا سألت: هل فيك وفي جمهور البشر روح وعقل؟

فأجاب «كل ما في مسرا»: نعم بديهي وجودهما في الجميع! فواصل الشهرستاني كلامه قائلاً: وهل هما محسوسان ؟ وما لونهما ؟

وكيف شكلهما ووصفهما؟ فأجاب البرهمي: العفو! لا يدعي أحد أنه رأى الروح أو العقل، حتى يصف لونهما أو شكلهما، فإنّهما غير محسوسين بالحواس البشرية.

فقال الشهرستاني: إذن قد اعترفت بأن كلاً من الروح أو العقل لا يُحس ولا يُمس، ولا يوصف بلون أو شكل.. ومع ذلك تعترف بأنه موجود فيك، وفي غيرك، فأرجوك أن تتذكر قولك سابقاً في الاعتراض على معبودنا بأنه لا يُحس ولا يُمس... وتتذكر قولك: إن العقل لا يسعه أن

يتصوّر وجود غير المحسوس، فضلاً عن عبادته... الخ، فإذا بقيت الآن على اعتراضك يلزمك أن تنكر العقل والروح أيضاً؛ لأنهما موجودان، وغير

محسوسين، وإن عدلت عن قولك تحوّلنا إلى بحث آخر! فقال البرهمي : العفو أوضح لي كيف أن العقل يؤمن بغير المحسوسات؟

فقال السيّد الشهرستاني: بما أنّ العقل ثابت وغير محسوس بنفسه، بل هو محسوس بأثره، فإنه يؤمن بتحقق أمثاله من الحقائق الخفية التي تبدو آثارها محسوسة، ودلالة الأثر على وجود المؤثر مسألة طبيعية، ومنطقية معاً. مثاله: أن الانسان يحس من أخيه باليقين آثاراً لا تنفك عن العلم والعقل معاً، مثل الكلام، والكتابة، وهندسة البناء، وغيرها، فيجزم باليقين أن في صاحبه عقلاً مدبّراً لأفكاره وأعماله، ولكنه مع يقينه بتحقق العقل جاهل بحقيقة أصله، وهكذا يعرف الإنسان ربّه.. أي: يحس بكائنات الأرض والسماء، ويرى لهن أنظمة متقنة، فيعتقد أن لهذه الكائنات مدبّراً حكيماً، ومنظماً عظيماً.

فالعقل يعتقد من ذلك بثبوت هذا الرب المدبّر الحكيم، القادر العليم وإنّ جهل أصله، وتفاصيل كنهه.

فقال «كلّ ما في مسرا» بكل مسرة واستحسان: هل هذا من فكرتكم؟ أو موجود في كتاب نبيكم، ويعرفه المسلمون؟

فأجاب الشهرستاني : نعم توجد إشارات إلى ذلك في كتاب نبينا محمّد صلّی الله علیه وآله وسلم، كما في قوله تعالى: {سَنُريهم آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِم ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهُ الحَقُّ }(1)

وفي آية أخرى : {قُلِ الرُّوحُ مِن أَمرِ رَبِّي }(2)

وكذلك: {أَفِي اللَّهِ شَكٍّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرض}(3)

وفي الحديث عن النبي صلّی الله علیه وآله وسلم: «من عرف نفسه عرف ربه» (4).

فقال البرهمي: كفاني هذا الكلام الصحيح ولكن أتجاسر بأن أقول: إن هذه الحقيقة العالية لا يدركها إلّا عظماء الحكماء، والعبادة عمل

العموم، فلا بد أن تؤسس على صورة سهلة الحصول، وهي التي لدينا من التدرّج في المعبودات حسب تدرّج عقلية العابد.

أجاب السيد قائلاً: لا يسع المقام بيان نظرية التدرّج والتطور، ولكنّها إن تمت في عوالم المادة ، فإنّها لا تتمّ في التدين والروحانيات العالية.


1) فصلت (41): 53

2) الأسراء (17): 85

3) إبراهيم (14): 10.

4) (4) راجع: بحار الأنوار 2: 32.

ولكن يسعني القول في جوابكم بأنّ العبادة - كما قلتم - هي: الحجر الأساس القائم عليه بناء الدين، فإذا استقام من مبدئه على صحة، استقام كلّما بني عليه.. وهذا أصل مسلّم. ومسلّم أيضاً قولك : إن الديانة ضرورية للبشر، فلا بد وأن تؤسَّس على أصول بسيطة سهلة القبول، سمحة المفعول، وعلى هذين الأصلين أعاهدك على أن أساس العبادة في الإسلام مبني على الصحة والاستقامة، وهي عبادة الإنسان لخالقه؛ الذي هو: خالق الكائنات عامة، وهذا الخالق بما أنه مبدأ وجود الكلّ ومنعم الكلّ، حقيقي يتوجّه الكلِّ إليه وحده في العبادة، وأنّ هذا المعبود، وإن خفي على حواسّنا، فإن خفاء حقيقته لا ينافي ظهور تحققه بالآثار، كما أن الروح التي هي آية الله في كل انسان، خفيت أيضاً عن الحواس، ولكن خفاؤها لا ينافي إيمان الجميع بثبوتها..إذن فعبادة المسلمين صحيحة متينة، وسهلة القبول، حسب الأصلين السالفين.

أمّا ذهاب البراهمة إلى نظرية إرخاء العنان للإنسان حتى يعبد كلّما يخاله أعظم من نفسه، فيصبح البرهمي عابداً لأبويه، ثم يضحي عابداً الأشجار، ثم يمسي عابد الرعود والبروق.. أمر باطل، وصعب القبول على العقول، وخلاف المصلحة العامة.

أمّا بطلانه: فلأن العبادة خضوع اختياري من العابد للمعبود، ومثله لا بد وأن يوجد بسبب غير القوة والقهر أعني به استحقاق المعبود للخضوع له، فبأي سبب استحق منك الحجر والشجر والبقر أن تخضع لها، وأنت أقدر

منها، وأرقى وأنفع لها، وأدرى؟ فعبادة الإنسان لما دونه غير صحيحة، وباطلة.

وأمّا كونه صعب القبول لدى العقول فلأن البرهمية تولّد لك في كلّ عام ألف معبود، ونفس الإنسان لو خير بين عبادة واحد هو أعظم الكل في الكل، وبين عبادة آلاف الالوف من صغار وكبار، فأيهما السّهل المقبول، وأيهما الصعب الموجب للنكور؟

وأمّا كونها مضرّة ومخالفة للمصلحة العامة: فلأن البرهمية تريك في تجولاتك من معبود إلى معبود خطأك في الأول، ثم في الثاني، ثم في الثالث، وهلم جرا، فتربي فيك وفي أمثالك صفة العكوف على الأباطيل والأكاذيب والأوهام، وسهولة الإقامة على الضلة والذلة، وتمحو منكم نفسية الحاكمية، وهنّ من أمهات الرذائل والأخلاق الذميمة.

فما أن اختتم السيد الشهرستاني كلامه حتى بدت دلائل الانفعال في وجه «كلّ ما في مسرا»، وأظهر بقوة لهجته انقياده للحجة، واعترافه بفساد ما كان عليه سابقاً، وأن التوحيد هو الدين المكمل لنفسية الموحدين.

اتّباع الدين الإسلامي ومذهب أهل البيت علیهم السلام:

جرت بعد ذلك مباحثات هامة أخرى في فصول النبوة والإمامة، أسفرت عن اعتناق كل ما في مسرا لدين الإسلام الحنيف ومذهب الشيعة؛ مذهب أهل البيت ، ثم سأل عن شرائط التدين، فأملى عليه السيد الشهرستاني الشهادة الكاملة، وهي الإقرار الله بالوحدانية ولنبينا محمدصلّی الله علیه وآله وسلم بالنبوة، ولعلي وأبنائه المعصومين بالإمامة والخلافة علیهم السلام.

وقد ألف «كلّ ما في مسرا» بعد استبصاره عدة كتب مهمّة، إحداها حول الصلاة، والأخرى حول بطلان ما عليه البرهمانية (1).


1) ما أشير إليه هنا ذكره البجنوري في كتابه «المستبصرون» : 177 ، نقلاً عن: ماذا في التاريخ 25: 379 . (بتصرّف يسير).

(43) مقبول أحمد بن غضنفر علي

(سني - الهند)

ولد عام 1287ه- (1870م) في الهند، وفقد حنان أمه وهو في أيام الرضاعة، كما توفّي والده وهو لا يزال في السابعة من عمره، فأشرف على تربيته أخوه الأكبر، وكان يسكن في بلدة (پانیپت) في ولاية (أوتار برادش). أنهى «مقبول» بعض مراحل الدراسة الرسمية في مدينته، ثم هاجر إلى دهلي ودخل المدرسة العربية - الانجليزية، فلقي اهتماماً كبيراً هناك من قبل مدير المدرسة؛ لسعة ذهنه وقوة فهمه، فبذل جهداً كبيراً في تحصيل العلم والثقافة العامة، وكانت له رغبة شديدة في مطالعة الكتب الدينية بالخصوص.

تلقّى بعض دروسه الدينية من أحد أتباع المذهب الشيعي وهو السيد آفتاب حسين، ويقال أنَّه عندما ذهب إلى هذا السيد لتلقّى الدروس قال له: (كيف أدرسك وأنت سنّي المذهب؟! فقال : أنا أحب ذلك)، فقبل الأستاذ

تدریسه ودرّسه السيد بعض الكتب العقائدية، ونتيجة لهذه الدروس نشأت عنده فكرة البحث عن الحقيقة في المذاهب الإسلامية.

نقطة التحوّل :

ظل «مقبول» يتابع من جهة دراسته المرحلية في المدارس الأكاديمية والدينية ، ومن جهة أخرى مناهج المدارس الإسلامية في الفقه والعقيدة والتاريخ، و.... حتى قرر في عام 1303ه- (1886م) اختيار المذهب الإمامي الاثني عشري كمعتقد يؤمن به ويعمل وفق تعاليمه، فأعلن في الجامع الكبير في دهلي عن استبصاره، وتحدى علماء المذاهب الأخرى بمناظرته، لكن - وكما هي عادتهم - لم يأتِ أحد ليواجهه، وخرج من الجامع وهو مرتد لزي العلماء الشيعة.

ضرورة المناظرات العقدية:

من البداهة أن يرى كلّ شخص صحّة ما يعتقده أصولاً وفروعاً، ولمّا كان الحق واحداً فلا بد حينئذ أن يكون حليفاً لأحدهما دون الآخر، ومن

هنا فالعقل يحكم بضرورة مقابلة ما اختلفت فيه المذاهب الإسلامية، لتنقيح الصحيح من غيره، والتعرف على الحق واتباعه، والذي يحقّق للعبد الأمن من الضرر الأخروي، ولذلك كانت المسائل الخلافية محطّ نظر جميع علماء المذاهب الإسلامية ومفكّريهم للتعرف عليها، ومن ثمَّ مناقشتها والمناظرة فيها، ثمَّ الحكم عليها بعد ذلك إما بالتأييد - وإن كان على خلاف

ما يراه سابقاً - إذا ما اقتنع بالدليل كما تسنى ذلك لبعضهم - ، وإما بالتفنيد إذا استطاع أن يقيم الدليل والبرهان على بطلانها وفسادها.

ومن هنا قلّما تجد مسألة لم تقع عرضة للأخذ والرد، في ما بين المذاهب الإسلامية، وحتّى في المذهب الواحد أيضاً، حرصاً منهم على معرفة ما هو الصحيح من الباطل، ولذا شكّلت هذه المناظرات والمحاورات موسوعةً علميّةً خصبة ينبغي الاهتمام والاعتناء بها، إذ هي غنية بالأدلة العلمية والحقائق التاريخية، التي لا يزال بعضها مجهولاً عند كثير من الباحثين فضلاً عن غيرهم، أضف إلى ذلك أن كثيراً منها يعد من التراث الإسلامي الذي ينبغي المحافظة عليه وإعداده في المكتبة الإسلامية.

نموذجان من تلك المناظرات :

أولاها: عن أمير المؤمنين علیه السلام حيث روى ابن عساكر - بسنده -عن الحرث، قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب علیه السلام فقال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن القَدر؟ َ

قال علیه السلام: طريق مظلم لا تسلكه!!

قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن القَدَر؟

قال علیه السلام: بحر عميق لا تلجه.

قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن القَدَر؟

قال علیه السلام: سر الله قد خفي عليك فلا تلجه.

قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن القَدَر؟

قال علیه السلام: سرّ الله قد خفي عليك فلا تفشه.

قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن القَدَر؟

قال علیه السلام : أيّها السائل إذا الله خلقك لما شاء أو لما شئت؟

قال: بل لما شاء. َ

قال: فيستعملك كما شاء أو كما شئت؟

قال: بل كما شاء.

قال علیه السلام: فيبعثك يوم القيامة كما شاء أو كما شئت؟

قال: بل كما شاء.

قال علیه السلام: أيّها السائل ألست تسأل ربّك العافية؟

قال: نعم.

قال علیه السلام: فمن أي شيء تسأله العافية، أمن البلاء الذي ابتلاك به غيره؟

قال: من البلاء الذي ابتلاني به.

قال علیه السلام: أيها السائل تقول : لا حول ولا قوّة إلّا بمن؟

قال: إلّا بالله العلي العظيم.

قال علیه السلام: أفتعلم ما تفسيرها؟

قال: تعلّمني ممّا علّمك الله يا أمير المؤمنين؟

قال علیه السلام: إنّ تفسيرها، لا تقدر على طاعة الله، ولا يكون له قوّريالة في معصية في الأمرين جميعاً إلّا بالله.

أيّها السائل ألك مع الله مشيئة(1)أو فوق الله مشيئة، أو دون الله مشيئة؟ فإن قلت إنّ لك دون الله مشيئة فقد اكتفيت بها عن مشيئة الله، وإن زعمت أنّ لك فوق الله مشيئة فقد ادّعيت أنّ قوتك ومشيئتك غالبتان على قوة الله ومشيئته، وإن زعمت أنّ لك مع الله مشيئة فقد ادّعيت مع الله شركاً في مشيئته.

أيّها السائل ! إن الله يشجّ ويداوي، فمنه الداء ومنه الدواء(2)، أعقلت عن الله أمره؟

قال: نعم.

قال علي علیه السلام: الآن أسلَمَ أخوكم، فقوموا فصافحوه.

ثم قال علي علیه السلام: لو أن عندي رجلاً من القدرية لأخذت برقبته ثمّ لا أزال أجأها حتى أقطعها ، فإنّهم يهود هذه الأمة ونصاراها ومجوسها (3).

وثانيها: في ما روي عن مناظرة الإمام الصادق علیه السلام مع أبي حنيفة في حكم التوسّل بالنبيّ صلّی الله علیه وآله وسلم.

قال الشيخ الكراجكي طيب الله ثراه :ذكروا أن أبا حنيفة أكل طعاماً مع الإمام الصادق جعفر بن محمد علیهما السلام، فلما رفع الصادق علیه السلام يده من أكله قال:

الحمد لله ربّ العالمين، اللهم هذا منك، ومن رسولك صلّی الله علیه وآله وسلم.

فقال أبو حنيفة: يا أبا عبد الله، أجعلت مع الله شريكاً؟


1) أي: ليس للعبد مشيئة مستقلة دون مشيئة الله تعالى، قال تعالى: {وَمَا تَشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله إن الله كان عليماً حكيماً }(الإنسان (76) : 30) .

2) قال تعالى: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو }(الأنعام (6) : (17) .

3) ترجمة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام من تاريخ مدينة دمشق 513:42 .

فقال له: ويلك، فإن الله تعالى يقول في كتابه:{وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ }(1)، ويقول في موضع آخر:{وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا أَتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ (2)(3).

فقال أبو حنيفة : والله لكأني ما قرأتهما قط من كتاب الله ولا سمعتهما إلّا في هذا الوقت !

فقال أبو عبد الله علیه السلام: بلى، قد قرأتهما وسمعتهما، ولكن الله تعالى أنزل فيك وفي أشباهك: {أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا }(4)وقال:{كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (5)(6)

مسيرة حافلة بالعطاء:

جدّ واجتهد «مقبول» في بحوثه ومناظراته حتى تمكّن من توسيع دائرته الخطابية فاشتهر في أنحاء الهند وباكستان وفاق أعظم الخطباء، وقد


1) التوبة (9) : 59 .

2) النساء (4) : 59 .

3) والجدير بالذكر هنا هو ماروي عن الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام من حديث له في عظمة الله تعالى، قال علیه السلام: ... بل كيف يوصف بكنهه محمد صلّی الله علیه وآله وسلم وقد قرنه الجليل باسمه وشركه في عطائه، وأوجب لمن أطاعه جزاء طاعته، إذ يقول: {وما نقموا إلّا أن أغناهم الله ورسوله من فضله}، وقال: يحكي قول من ترك طاعته، وهو يعذبه بين أطباق نيرانها وسرابيل قطرانها: {يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول} أم كيف يوصف بكنهه من قرن الجليل طاعتهم بطاعة رسوله حيث قال: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم }الخ. بحار الأنوار 50: 178 .

4) محمّد (47) : 24 .

5) المطففين (83) : 14 .

6) بحار الأنوار: 10 : 216 .

عرف عنه أنّه عندما كان يصعد المنبر كان يصطحب معه الكتب المهمة لأهل السنّة، وذلك استعداداً لأي حوار ، وهذا أدى إلى اشتهاره بين الخاص والعام.

كما أنّه لم يقتصر على الخطابة؛ إذ له تصانيف ومؤلّفات، كما كان يملك معلومات لا بأس بها عن علم الطب.

من ثمار المسيرة :

راح «مقبول» يمارس مهامه التبليغية والإرشادية بنشاط وحيوية بالغين حيث كان يتجول في المدن الهندية لتعريف الناس بأفضلية أهل البيت علیهم السلام ،وكانت النتيجة أن تشيّع العشرات من المسلمين الهنود على يديه.

ولأنه كان يتقن اللغة الإنجليزية إضافة إلى اللغات المحلّية، فقد كانت له القدرة على التوغّل في أي بيئة أو قومية، حتى أنّه كان يمثّل دور محامي الدفاع في المحاكم التي تقام ضد الشيعة في ( فيض آباد) وكذلك في (جونپور) ، وكثيراً ما كان ينقذ المؤمنين ويفحم الخصوم.

ولم يتوقّف عند هذا الحد، بل كان يمدّ يد العون المادي والمعنوي للأفراد وكذلك للمؤسسات والمدارس الشيعة؛ حيث كان يقترح مناهج دراسية لبعض المدارس الدينية حتى رتب عدة كتب مدرسية بلغة الأردو.

من مؤلفاته:

لم يقتصر «مقبول» على تبليغ الدين الإسلامي، بل قام بتأليف العديد من الكتب وترجمة كتب أخرى في سبيل نشر رؤى أتباع مذهب أهل

البيت علیهم السلام ، ومنها :

1- تهذيب الإسلام.

2- ترجمة (حلية المتقين للعلامة المجلسي).

3- وظائف مقبول) في الأدعية والأوراد.

4- ترجمة القرآن الكريم وتفسيره.

5- مفتاح القرآن.

و له مقالات كثيرة في الرد على أصحاب التفسير بالرأي من أهل السنة.

هذا وقد رحل إلى الرفيق الأعلى عام 1340ه- (1921م) في دلهي، بعد أن ذب عن مذهب أهل البيت علیهم السلام ، وأيقظ النائمين من غفلتهم وأخرجهم من ظلمات الغي إلى نور الحق (1).


1) راجع: كتاب المستبصرون للبنجوري : 427 - 430.

(44) محمّد إسماعيل ديوبندي

(وهابي - الهند)

ولد عام 1335ه- بولاية بنجاب في الهند، درس العلوم الدينية في حوزة الوهابييّن في (ديوبند)، ولذلك ينسب إليها .

موقعيّة متميّزة :

كان «محمّد اسماعيل» إماماً لأحد المساجد في ولايته، وقد كان يتمتّع بحدّة الذهن وحسن الذكاء والفكر العميق، وهذا ما جعله يحفظ الكثير من المسائل العقدية والتاريخية و.... وفق مذهب أهل السنة، الأمر الذي جعله محترماً ومقدراً في الأوساط العلمية والاجتماعية.

نقطة التحوّل :

شاءت الأقدار الإلهية أن يلتقي «محمّد» بأحد علماء الشيعة؛ من الذين يمتلكون مخزوناً علمياً هائلاً، فباحثه في المسائل المتنازع عليها بين أهل السنّة والشيعة كقضية الإمامة والخلافة و.... فكانت ردود ذاك العالم واضحة وصريحة ومتينة ومستندة إلى مختلف المصادر، ممّا جعله يطلب المزيد من عقائد المذهب الامامي الاثني عشري، فشرحها العالم وبيّنها له،

فقارن «محمّد» بينها وبين العقائد التي يعتقد بها، فوجد أن ما يؤمن به لا ينهض أمام عقائد الشيعة، حيث مفهوم الإمامة الصحيح والاعتقاد بعصمة متولّي الإمامة، الأمر الذي يفرضه العقل قبل النقل.

وقفة مع عصمة أهل البيت علیهم السلام؟

هنالك نصوص قرآنية وأحاديث نبويّة عديدة تدلّ على عصمة الأئمة من أهل البيت علیهم السلام ، فقد جاء في الذكر الحكيم: {إِنَّمَا يُريدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطهيراً }(1)، كما ذكرت المصادر الحديثية والتاريخية حديث الكساء الصحيح السند، والذي فيه دلالة على عصمتهم، وكذلك روايات كثيرة، منها حديث : «إنّي مخلّف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، وإنهما لن يفترقا »(2)، وذلك يعني أن العترة لا تفترق عن الكتاب، وبالنتيجة فلا يمكن أن تقول شيئاً مخالفاً له؛ لأنها إن قالت شيئاً واحداً مخالفاً للكتاب فقد افترقت عنه، فهذه الجملة : «لن يفترقا يردا علي الحوض» معناها أن أهل البيت علیهم السلام لا يخالفون القرآن ولو في حكم واحد؛ فإنّ مخالفتهم للقرآن في حكم واحد معناه افتراقها عن القرآن ، بينما رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم يقول - كما في الحديث - : «لن يفترقا»،وهذه هي العصمة.

إعلان التشيّع والدفاع عن الفرقة الناجية:

بعد البحث والتحقيق وما عرف من الحقائق تبلورت لدى (محمّد) فكرة الاستبصار، وهكذا أعلن تشيّعه على الملأ عام 1353ه- (1935م)،


1) الأحزاب (33) : 33 .

2) مسند أحمد 3: 14 ، المستدرك للحاكم 3 : 148 .

وبعد اعتناقه لمذهب أهل البيت علیهم السلام أخذ على عاتقه مسألة التبليغ لمذهب الحق، فاتخذ من المسجد الذي كان يؤم الناس فيه - وهو مسجد للإمامية - مكاناً يؤدي فيه رسالته.

وكان يواجه التحديات من قبل أهل مذهبه السابق بكلّ جرأة وصلابة، حتى إنّ البعض مثّله - وهو فرد واحد - بالبنيان المرصوص، فكان يقصد من يهاجم أتباع ومبادئ مذهب أهل البيت علیهم السلام وإن كان في منطقة نائية وبعيدة عنه، ويخوض معه المناظرات والمباحثات من أجل إحقاق الحق وكانت بعض المحاكم الحكومية ساحات لنقاشاته مع الخصوم.

وهكذا بدأت أعداد الجماهير تزداد تحت ،منبره، وكان عندما يخطب يحمل معه كتب السنّة لا سيّما صحيحي البخاري ومسلم؛ ليستشهد بهما ويدحض بهما حجج القوم من عيون كتبهم، وكثيراً ما كانت خطبه ومحاضراته مليئة بالأسئلة والأجوبة.

وفي عام 1396ه- التحق بالرفيق الأعلى بعد أن أدّى خدمة جليلة المذهب التشيع، ودفن في الهند (1).


1) راجع كتاب: المستبصرون للبنجوري : 185 - 186 ، نقلاً عن: مطلع أنوار : 482 .

(45)میان زنکو

(سني - الهند)

ينقل غلام حسنين الطباطبائي في كتابه (سير المتأخرين)(1)عن السيد محمّد عسکري جونپوري الهندي، المعروف بالمفتي أبو البقاء، بما معناه: كان «ميان» عالماً فاضلاً حاداً متعصباً لمذهبه السنّي .. وكنت جالساً بين يديه في بيته ذات يوم، وبيدي كتاب (فواتح ميبذي)(2)، وكان يعرفني بأنني جعفري المذهب، فقال: تعال نتباحث اليوم حول السنة والشيعة لتمييز مذهب الحق بينهما. وكان «ميان» أقوى مني علماً وفضلاً ومعرفة في الأمور، فاعتذرت تأدباً، ولكنه أصر على المباحثة والمناظرة فقلت امتثالاً لأمره: أنا حاضر يا سيدي ولكن المباحثة يجب أن تكون من خلال الكتاب والسنّة.

قال: نعم.

فقلت: ننظر أوّلاً في الأفضلية بين أبي بكر والإمام علي علیه السلام، بعد النبي صلّی الله علیه وآله وسلم، فقبل ذلك.


1) سير المتأخرين 3 951 ، طبعة لكهنو .

2) كتاب في الفلسفة يدرس في الجامعات الإسلامية في الهند.

قلت: أيّ صفة من الصفات الحسنة أحسن في الإنسان؟

فأجاب: علم يعرف به الله.

فقلت: ما رأيكم في قول الإمام علي علیه السلام وخطبه ورسائله، من جهة معرفة الله ووحدانيّته، وما يتعلّق به؟

فوضع رأسه بين ركبتيه، وقال بعد تفكيره لساعة: العجز عن إدراك الإدراك إدراك، وأتأسف على أن بقيت إلى الآن في الغفلة والضلالة، والحمد لله الذي هداني بمخالطتك ومناظرتك(1).

استنتاج وتعليق:

أقول: هذا هو تأثير المناظرات العلمية بين العلماء المنصفين، فمن كان باحثاً عن الحق يهديه الله تعالى إليه من دون أيّ شك وريب، لكن المشكلة التي وقع فيها معظم أتباع الرأي الآخر هي الابتعاد عن الإنصاف والموضوعية، وعدم مراعاة الأسس والقواعد الصحيحة للحوار في الأبحاث والمناظرات..

فإنّ للحوار والمناظرة قواعد وأسس و آداب خاصة، ذكرها العلماء في كتبهم، ويجب على المتحاورين رعايتها إن كانوا يطلبون الحق ويسعون

للوصول إلى الحقيقة.

وفي أيامنا هذه، ومع الأسف الشديد، نرى في وسائل إعلاميّة معادية للإسلام الأصيل - تلفاز ومواقع الكترونية، وغرف المحادثة وغيرها -


1) ذكره البنجوري في كتابه المستبصرون : 143 - 144 ، كما ذكر القصة التي تأثر بها فأخرجته من الغفلة والضلالة .

مجموعة من الشباب، وكذلك ممّن تسمّوا باسم الدين، والدين منهم براء، قد حشروا أنفسهم في مناظرات وحوارات عقدية، لم يراعوا فيها أبسط قواعد هذه الفنون، ولذلك لم تصل هذه الحوارات إلى نتائج إيجابية، بل أدت إلى التنافر والتباغض والعداء بين المسلمين عموماً.

بعض الأسس والقواعد الصحيحة للحوار:

من القواعد التي أقرّها العلماء في علم الجدل وفن الحوار والمناظرة: أولاً: أن يكون الهدف منه معرفة الحق والوصول إلى الحقيقة، متجنّباً

العناد واللجاج والإصرار على الخطأ.

ثانياً: أن يستدلّ بدليل يعترف به الطرف الآخر، متبعاً قاعدة: «ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم».

ثالثاً: أن يُدلي برأيه وأدلته المعتبرة بكل رفق وسكينة ووقار.

رابعاً: أن يختار لمطلبه الألفاظ الواضحة والعبارات الجميلة.

خامساً: أن يحترم الطرف الآخر، ويتجنب السب والشتم.

سادساً: أن يجتنب الأساليب الملتوية، والخروج عن البحث، بما يشوّش على الخصم فكره.

سابعاً: أن يكون أميناً في نقله للمطالب العلميّة، ولا يتصرف في كلام الخصم بزيادة أو نقصان، ولا ينسب إليه شيئاً لم يقله أو حجّة لا يعتبرها.

ثامناً: أن لا يقاطع كلام المحاور ولا يرفع صوته عليه.

هذه القواعد والضوابط هي التي راعاها أئمة أهل البيت علیهم السلام وأتباعهم من العلماء، ولهذا كان لكلامهم التأثير البالغ على المخالفين.. الأمر الذي سبّب استبصار الكثير من أتباع المذاهب والأديان الأخرى بنور مذهب أهل البيت علیهم السلام .

نموذجان من مناظرات أهل البيت علیهم السلام :

أولاها: مناظرة الإمام الرضاء علیه السلام مع المأمون العباسي في أكبر فضيلة لأمير المؤمنين علیه السلام، حيث روى الشيخ الصدوق بسنده أن المأمون قال للرضاء علیه السلام: أخبرني بأكبر فضيلة لأمير المؤمنين علیه السلام يدلّ عليها القرآن.

قال: فقال له الرضا علیه السلام: «فضيلته في المباهلة، قال الله جل جلاله: {فَمَن حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلمِ فَقُلْ تَعَالُوا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وأَبْنَاءَكُم وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُم وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُم ثُمَّ نَبَتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعَنَةَ الله عَلَى الكَاذِبِينَ} (1).

فدعا رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم الحسن والحسين علیهما السلام فكانا ابنيه، ودعا فاطمة علیها السلام فكانت في هذا الموضع نساءه، ودعا أمير المؤمنين علیه السلام فكان نفسه بحكم الله عزّ وجلّ، وقد ثبت أنّه ليس أحد من خلق الله سبحانه أجل من رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم وأفضل، فوجب أن لا يكون أحد أفضل من نفس رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم بحكم الله عزّ وجلّ».

قال: فقال له المأمون: أليس قد ذكر الله الأبناء بلفظ الجمع وإنّما دعا رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم ابنيه خاصة، وذكر النساء بلفظ الجمع وإنّما دعا


1) آل عمران (3) : 61 .

رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم ابنته وحدها، فلم لا جاز أن يذكر الدعاء لمن هو نفسه ويكون المراد نفسه في الحقيقة دون غيره، فلا يكون لأمير المؤمنين علیه السلام ما ذكرت من الفضل.

قال: فقال له الرضاء علیه السلام : ليس بصحيح ما ذكرت يا أمير المؤمنين، وذلك أن الداعي إنما يكون داعياً لغيره، كما يكون الآمر آمراً لغيره، ولا يصح أن يكون داعياً لنفسه في الحقيقة، كما لا يكون آمراً لها في الحقيقة، وإذا لم يدع رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم رجلاً في المباهلة إلّا أمير المؤمنين علیه السلام فقد ثبت أنه نفسه التي عناها الله تعالى في كتابه، وجعل حكمه ذلك في تنزيله.

قال: فقال المأمون إذا ورد الجواب سقط السؤال (1).

والثانية: مناظرة أمير المؤمنين السلام مع الزبير بن العوام في حديث العشرة المبشرة بالجنة :

روي عن سليم بن قيس الهلالي قال : لما التقى أمير المؤمنين علیه السلام أهل البصرة يوم الجمل نادى الزبير : يا أبا عبد الله ! أخرج إليّ ؟ فخرج الزبير ومعه طلحة، فقال لهما: والله إنّكما لتعلمان، وأولوا العلم من آل محمد، وعائشة بنت أبي بكر ، أنّ كلّ أصحاب الجمل ملعونون على لسان محمدصلّی الله علیه وآله وسلم ، وقد خاب من افترى!!

قالا له: كيف نكون ملعونين، ونحن أصحاب بدر وأهل الجنّة؟!

فقال لهما علي علیه السلام: لو علمتُ أنكم من أهل الجنة لما استحللت قتالكم ؟!


1) الفصول المختارة للمفيد : 38 .

فقال له الزبير: أما سمعت حدیث سعيد بن عمرو بن نفيل وهو يروي: أنّه سمع رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم يقول: «عشرة من قريش في الجنة»(1)؟

فقال له علي علیه السلام: سمعته يحدث بذلك عثمان في خلافته؟

فقال له الزبير : أفتراه كذب على رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم؟

فقال له على علیه السلام: لست أخبرك بشيء حتى تسميهم؟!

قال الزبير:أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعيد بن عمرو بن نفيل.

فقال له علي علیه السلام: عددت تسعةً فمن العاشر ؟

قال له: أنت.

فقال له علي علیه السلام: قد أقررت أني من أهل الجنة، وأما ما ادّعيت لنفسك وأصحابك فأنا به من الجاحدين الكافرين.

قال له الزبير : أفتراه كذب على رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم؟ قال علیه السلام: ما أراه كذب، ولكنه والله، اليقين...الخ(2).

وممّا روي في محاورتهما أيضاً يوم الجمل من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن عبد السلام - رجل من حيه - ، قال خلا علي بالزبير يوم الجمل


1) راجع: فضائل الصحابة للنسائي: 33، وقد فند المأمون العباسي هذا الحديث كما جاء في مناظرته مع العامة، وقد قال له أحدهم: إن النبي صلّی الله علیه وآله وسلم شهد لعمر بالجنة في عشرة من الصحابة ؟ فقال له المأمون: لو كان هذا كما زعمتم، لكان عمر لا يقول لحذيفة : نشدتك بالله أمن المنافقين أنا ؟ فإن كان قد قال له النبي صلّی الله علیه وآله وسلم: أنت من أهل الجنة ولم يصدقه حتى زكاه حذيفة فصدق حذيفة ولم يصدّق النبيّ صلّی الله علیه وآله وسلم، فهذا على غير الإيلام، وإن كان قد صدق النبي صلّی الله علیه وآله وسلم فلم سأل حذيفة ؟ وهذان الخبران متناقضان في أنفسهما .

2) الاحتجاج للطبرسی 237:1.

فقال أنشدك الله! هل سمعت رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم يقول وأنت لاوي يدي: لتقاتلنه وأنت ظالم له، ثم لينصرن عليك؟!

قال: قد سمعت، لاجرم لا أقاتلك(1).

وفي رواية أخرى قال له: نشدتك الله ! أتذكر يوم مررت بي ورسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم متكئ على يدك ، وهو جاء من بني عمرو بن عوف، فسلّم عليَّ وضحك في وجهي، فضحكت إليه، لم أزده على ذلك، فقلت: لا يترك ابن أبي طالب يا رسول الله زهوه ! فقال لك مه إنه ليس بذي زهو ، أما إنك ستقاتله وأنت له ظالم ! فاسترجع الزبير وقال : لقد كان ذلك ، ولكن الدهر أنسانيه ، ولأنصرفن عنك، فرجع (2).

وفي رواية أخرى عن أبي مخنف في كتاب الجمل، قال: برز علي علیه السلام يوم الجمل، ونادى بالزبير: يا أبا عبدالله - مراراً - فخرج الزبير، فتقاربا حتى اختلفت أعناق خيلهما، فقال له علي علیه السلام: إنما دعوتك لأذكرك حديثاً قاله لي ولك رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم: أتذكر يوم رآك وأنت معتنقي، فقال لك: أتحبه ؟ قلت: وما لي لا أحبّه وهو أخي وابن خالي ! فقال: أما إنّك ستحاربه وأنت ظالم له!

فاسترجع الزبير، وقال: أذكر تني ما أنسانيه الدّهر، ورجع إلى صفوفه.

فقال له عبد الله ابنه : لقد رجعت إلينا بغير الوجه الذي فارقتنا به!


1) فتح الباري 13 : 46 .

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 : 167 .

فقال: أذكرني علي علیه السلام حديثاً أنسانيه الدهر، فلا أحاربه أبداً، وإني الراجع وتارككم منذ اليوم.

فقال له عبد الله: ما أراك إلّا جبنت عن سيوف بني عبد المطلب، إنّها لسيوف حداد، تحملها فتية أنجاد.

فقال الزبير: ويلك ! أتهيجني على حربه، أما إني قد حلفت ألا أحاربه !

قال: كفّر عن يمينك لا تتحدث نساء قريش أنك جبنت وما كنت جباناً؟!

فقال الزبير: غلامي مكحول حر، كفّارة عن يميني (1)

أيعتق مكحولاً ويعصي نبيّه*** لقد تاه عن قصد الهدى ثمّ

أينوي بهذا الصدق والبر ***سيعلم يوماً من من يبر ويصدق

لشتان مابین الضلال ***وشتان من يعصي النبي صلّی الله علیه وآله وسلم ويعتق

ومن هو في ذات الإله ***يكبر براً ربّه ویصدق

أخي الحقّ أن يعصى النبي صلّی الله علیه وآله وسلم***ويعتق من عصيانه ويطلق

كدافق ماء للسراب يؤمّه ***ألّا في ضلال ما يصب

راجع: بحار الأنوار 32: 173 .

ثمّ انصل سنان رمحه، وحمل على عسكر علي علیه السلام برمح لا سنان له.

فقال علي علیه السلام: أفرجوا له ، فأنه مخرج، ثمّ عاد إلى أصحابه، ثمّ حمل ثانية، ثمّ ثالثة، ثمّ قال لابنه: أجبناً ويلك ترى!

فقال: لقد أعذرت.


1) قال همام الثقفي في فعل الزبير وعتقِهِ عبدَه في قتال علي علیه السلام :

قال أبو مخنف لما أذكر على علیه السلام الزبير بما أذكره به ورجع الزبير، قال:

نادی علي بأمر لست أنكره*** وكان عمرُ أبيك الخير مُذ حین

فقلت حسبك من عذل أبا حسنِ*** بعض الذي قلت مُنذ اليوم يكفيني

ترك الأمور التي تخشى مغبتها ***والله أمثلُ في الدنيا وفي الدين

فاخترت عاراً على نار مؤججة ***أنى يقوم لها خلق من الطين

قال: لما خرج علي علیه السلام لطلب الزبير خرج حاسراً، وخرج إليه الزبير دارعاً مدججاً، فقال للزبير : يا أبا عبد الله قد لعمري أعددت سلاحاً، وحبذا! فهل أعددت عند الله عذراً ؟ !

فقال الزبير: إنّ مردّنا إلى الله؟

قال علي علیه السلام: {يومئذٍ يُوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين}(1)ثم أذكره الخبر ، فلما كرّ الزبير راجعاً إلى أصحابه نادماً واجماً، رجع علي علیه السلام إلى أصحابه جدلاً مسروراً، فقال له أصحابه: يا أمير المؤمنين، تبرز إلى الزبير حاسراً، وهو شاك في السلاح، وأنت تعرف شجاعته !

قال: إنّه ليس بقاتلي، إنما يقتلني رجل خامل الذكر، ضئيل النسب غيلةً في غير مأقط (2)حرب، ولا معركة رجال، ويل أمّه أشقى البشر، ليودَّنّ أنّ أمّه هبلت به ! أما إنّه وأحمر ثمود لمقرونان في قرن(3).


1) النور (24): 25

2) المأقط: ساحة القتال .

3) وقعة الجمل: 133.

(46) میرندا دول

(كافرة - هولندا)

ولدت عام 1404ه- (1984م)، وترعرعت في ظل أجواء بعيدة عن تعاليم الأديان والمذاهب، وكان حبّ الاطلاع والشعور بالفراغ العقدي والمعنوي يدعوها للبحث عن المنهج الذي يلبي طلب فطرتها المتعطشة للتكامل والارتقاء، فعندما سمى وعيها وارتقى مستواها الفكري، وجدت أنّ الأديان والمذاهب والتقاليد المتمسك بها في مجتمعها، تفقد المقومات الواقعية لإيصال العبد الى بارئه فلهذا توجهت إلى دراسة مختلف الأديان فما إن قرأت القرآن إلا وانسحرت بعظمة معارفه السامية فانجذبت اليه واعتنقت الدين الاسلامي الحنيف.

لقاء مع الأخت ميرندا في كربلاء المقدسة:

سافر وفد من أعضاء (مركز الأبحاث العقائدية) إلى العتبات المقدسة في العراق لحضور مهرجان ربيع الشهادة الخامس في كربلاء المقدسة، وكان من نشاطاتهم هناك اللقاء ببعض المستبصرين من دول مختلفة، وكان

من ضمنهم الأخت ميرندا؛ حيث أجابت على عدة أسئلة بشأن استبصارها، وفي ما يلي نص الأسئلة والأجوبة :

. كيف كانت بداية التحول إلى التشيّع؟

• كنت صديقة مع بنت عراقية وكان أحد أبناء هذه العائلة (وهو كردي فيلي مقيم في هولندا) يتكلّم معي دائماً حول الله والإسلام وحول التشيّع وأهل البيت علیهم السلام والقرآن الكريم، وخلال شهر من هذه الجلسات وبعد قراءة القرآن الكريم بدأ قلبي ينفتح ويتوجه إلى الإسلام، وبعد فترة قصيرة استبصرت ودخلت إلى التشيع، وأعلنت عن استبصاري عام 2005م.

• هل واجهت صعوبات بعد اعتناقك مذهب أهل البيت علیهم السلام؟

-لا، لم أواجه أي مشكلة من العائلة، إلّا عمي فإنّه خالف الموضوع ولم يعد يكلمني منذ ذلك الوقت.

•بعد استبصارك هل بقي لك أسئلة بدون إجابة، أو هل يوجد عندك تساؤلات حول الشيعة والتشيع؟

-بعد الاستبصار حصلت على الأجوبة التي كنت أبحث عنها.

• ما هو شعورك وأنت تزورين العتبات المقدسة ومراقد الأئمة علیهم السلام في العراق؟

-قبل زيارتي للعراق رأيت في الحلم أنّي أزور هذه المراقد الشريفة، وعند زيارتي لها استشممت نفس العطر الذي أحسست به في المنام، والنور

كان نفس النور، وشعرت بسكينة خاصّة عند تواجدي هنا في هذه الأضرحة، وبالأخص مرقد الإمام الحسين علیه السلام .

•ما الذي جذبك إلى التشيع مع أنك ل-م تك-وني تدينين بدين أو مذهب خاص؟

• تصرّف الشخص الشيعي هو الذي يجذب أكثر، وكذلك سيرة أهل البيت علیهم السلام، ولو أنّ الكثير من الناس سمعوا بأخلاق أهل البيت علیهم السلام لاتّبعوهم ، ولكن مع الأسف لا يصل هذا الصوت إلى الجميع.

• هل من شيء تضيفيه لنا؟

• عند تواجدي هنا في كربلاء أحسست بألم يعتصرُ قلبي؛ لأنني تذكرت واقعة كربلاء وما جرى على أهل البيت علیهم السلام.

سؤال وجواب حول سيّد الشهداء علیه السلام واتّجاهه من مكّة نحو الكوفة :

قد يتسائل أحد فيقول: لماذا لبّى الإمام الحسين علیه السلام دعوة أهل الكوفة رغم معرفته الجيدة بحالهم وبأن احتمال خذلانهم له أمر وارد، إذ أنهم خذلوا أباه أمير المؤمنين علیه السلام من قبله؟

والجواب: أن تلبية الإمام الحسين علیه السلام لدعوة أهل الكوفة تنطوي على عدة مضامين منها :

1 - أنّ استجابته لهم هي لإتمام الحجة وقطع المعاذير.

2- أن الإمام الحسين علیه السلام كان يعلم بمقتله حتى في معتقد أهل السنة؛ لأن جدّه رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم أخبر بذلك أو أنّه صلّی الله علیه وآله وسلم دفع إلى أمّ سلمة تربة من

كربلاء -وهذا يرويه علماء من الفريقين - (1)

فقال: أما إنّ أمتك ستقتله ، قال : فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم حزناً شديداً.

فقال له جبرئيل : يا رسول الله! أيسرك أن أريك التربة التي يقتل فيها؟ فقال: نعم، فخسف ما بين مجلس رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى كربلاء حتى التقت القطعتان هكذا - ثم جمع بين السبابتين – ثم تناول بجناحه من التربة وناولها رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم، ثم رجعت أسرع من طرفة عين، فقال رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم: طوبى لك من تربة وطوبى لمن يقتل فيك».

كما روى أحمد بن حنبل في مسنده 242:3 ، عن أنس بن مالك: أن ملك المطر استأذن ربه أن يأتي النبي صلّی الله علیه وآله وسلم، فأذن له، فقال لأم سلمة املكي علينا الباب، لا يدخل علينا أحد. قال: وجاء الحسين ليدخل فمنعته، فوثب فدخل فجعل يقعده على ظهر النبي صلّی الله علیه وآله وسلم وعلى منكبه وعلى عاتقه قال فقال الملك للنبي صلّی الله علیه وآله وسلم: أتحبه؟ قال: نعم.

قال: أما أنّ أمتك ستقتله، وإن شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه، فضرب بيده، فجاء بطينة حمراء، فأخذتها أم سلمة فصرتها في خمارها. قال: قال ثابت: بلغتها أنها كربلاء. .

، كما روي عن الإمام الحسين علیه السلام أنّه قال: «خيّر لي مصرع أنا لاقيه، كأني بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء »(2)

3- إنّ أيَّ مكان لم يكن قادراً على إيواء الحسين علیه السلام بدليل ما روي عنه علیه السلام: «وأيم الله ! لو كنتُ في جحر هامةٍ من هذه الهوام لاستخرجوني حتى يقضوا في حاجتهم »(3).

4- إنّ الإمام الحسين علیه السلام لم يكن ينوي اللجوء إلى مكان آمن- لغرض السلامة - بل روي أنه قالها بصراحة : «إنما خرجت لطلب النجاح


1) فقد جاء في كامل الزيارات : 130 ، ما يلي: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله علیه السلام، قال: سمعته يقول : «بينما الحسين بن علي علیهما السلام عند رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم إذ أتاه جبرئيل علیه السلام فقال: يا محمّد أتحبه؟ فقال: نعم.

2) اللهوف في قتلى الطفوف : 38 ، نزهة الناظر للحلواني : 86.

3) تاريخ الطبري 4 : 289 ، الكامل في التاريخ 4 : 38 .

والصلاح في أمة جدّي محمد صلّی الله علیه وآله وسلم أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي»(1)، فالحسين علیه السلام قصد الكوفة باعتبارها واحدة من الأماكن المتمردة على الحكم الأموي - غالباً -وباعتبار الأعراق والقوميات المختلفة فيها، وباعتبار الواجب الذي يراه علیه السلام ملقىَّ على عاتقه، ومثل هذه المسألة - الغدر والخيانة - لا يأبه بها الإمام علیه السلام حتى يترك هدفه، وإلّا لكان علیه السلام أولى بمغادرة الكوفة من قبل ! فاحتمال العصيان والنكول لا يسقط واجب التصدي.


1) الفتوح لابن أعثم 5 : 21 .

(47) فومي ئو ساوادا(محمّد)

(شنتوي - اليابان)

ولد عام 1342ه- ( 1924م) في مدينة «جيفو» اليابانية، ونشأ في أسرة تعتنق الديانة الشنتوية.

أكمل «فومي ئو »الابتدائية وقسماً من المتوسطة في مسقط رأسه، ثمّ ذهب إلى مدينة «كيوتو» لمواصلة دراسته الأكاديمية؛ فدخل عام 1945 م كلية القانون والعلوم السياسية، وفي عام 1950م تخرج منها بعد الحصول على الشهادة العليا.

ثمّ بدأ بدراسة الديانة الشنتوية؛ فكانت النتيجة تأليف العديد من

الكتب والمقالات في هذا المجال، وكان اختصاصه في معرفة الطريقة الإينارية؛ التي تعد من أهم فرق الشتوية الثلاثة عشر.

التعرّف على الإسلام والمذهب الشيعي :

التقى«فومي ئو»بالعديد من المسلمين خلال دراسته الفرق والمذاهب والأديان المختلفة، وكان كلّما يستمع إلى القرآن الكريم يستأنس به، الأمر

الذي شجّعه على التعمّق والتدقيق والتفكير في التعاليم والمعارف الإسلامية، وسار به إلى أن يعلن إسلامه عام 1392ه- في أحد مساجد المسلمين، حيث كان يبلغ من العمر الخمسين أنذاك.

ثم اعتنق مذهب الشيعة الإمامية بعد سبع سنين من إسلامه، وما كان ذلك إلّا نتيجة طبيعية يصل إليها كلّ من كان البحث عن الحقيقة منهجه، ونفي الاستسلام للموروث ديدنه.

وكانت ل- «فومي ئو» بعد استبصاره نشاطات عديدة في مجال نشر معارف الشيعة الإمامية، فعمل - كأحد رؤوس الشيعة في اليابان - على دعوة أبناء بلده إلى اعتناق مذهب الفرقة الناجية بإرشادهم إلى العلم والعمل الصالح، وفي ذات المجال قام بترجمة القرآن الكريم إلى اللغة اليابانية، كما كانت له سفرة إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية لحضور مؤتمر النظرية المهدوية الأول في طهران (1)

راجع ما ذكر عن المستبصر في العدد 75 من مجلة أخبار (الشيعة الشهرية الناطقة باللغة الفارسية.

.

التشيّع في اليابان:

بدأ دخول التشيع إلى اليابان بقدوم بعض الأسر الشيعية الإيرانية والباكستانية إلى طوكيو في ستينيات القرن العشرين، وفي سبعينيّاته أقيمت المجالس الحسينية كما اعتاد الشيعة ذلك في بقية أنحاء العالم.


1) التقى به أعضاء مركز الأبحاث العقائدية في هذا المؤتمر، وتوفّي المستبصر عام 2012 م بعد عمر مليء بالعطاء الزاخر.

كانت مجالس العزاء الحسيني في العاصمة طوكيو في أوانها شأناً أسرياً؛ إذ تجتمع بعض الأسر وتستمع معاً إلى الأشرطة السمعية أو أشرطة الفيديو، وذلك اعتباراً من اليوم السابع وحتى الثاني عشر من شهر محرم الحرام. ويظهر أن رجل الأعمال الباكستاني (سيد عاشق علي البخاري) هو الذي بدأ بعقد تلك المجالس، كذلك مجلس السيد (ناظم الزيدي)، ثم تطور الأمر بعد تكاثر الشيعة في اليابان وأصبح أكثر تنظيماً، فأصبحت مراسيم العزاء الحسيني تقام في مناطق متفرقة من البلاد.

بعض مؤسّسات الشيعة في اليابان :

تميّزت اليابان بنشاط المسلمين الشيعة فيها رغم حداثة دخول التشيّع إليها، وكانت لهم مؤسساتهم الخاصة بهم، والتي بهم، والتي هي فضاء لممارسة شعائرهم وعباداتهم ونشر نشاطاتهم فيها؛ ومنها:

•

المجلس الإسلامي الحسيني - مؤسسة أهل البيت علیهم السلام الإسلامية في طوكيو.

•

حسينية طوكيو

www.hosseinieh.blogfa.com

وتتمحور نشاطاتها في إحياء مراسيم عاشوراء، والمناسبات الشيعية، وغيرها.

كما ويعتمد المسلمون الشيعة في اليابان على عدة مواقع إلكترونية قد أسسوها؛ منها:

• مأتم العزاء:

www.azadarijapan.com

ويحتوي على نهج البلاغة، الإسلام والشيعة في اليابان تاريخ العزاء الحسيني في اليابان، التقويم الإسلامي، مواقيت الصلاة، كتب ومواد

منشورة.

• مركز أهل البيت علیهم السلام:

www.ahloulbait.com

ويحتوي على القرآن الكريم بالصوت أصول وفروع الدين، حياة الأربعة عشر معصوم علیهم السلام بعض المناسبات الإسلامية مثل عيد الغدير وعيد الأضحى وغيرها.

• موقع القرآن:

www.alquran.com

ويديره الإخوة الأفاغنة الذين يعيشون في اليابان.

شيعة اليابان بين الواقع والطموح :

ليس بخاف على أحد ما يدلّ عليه الوجود الشيعي على أرض اليابان.

وإن هذا الوجود قائم بدعم من جهات إسلامية شيعية ومن بعض النشطاء في هذا المجال، ولكن هذا الدعم يبقى قليلاً - على الأقل - قياساً إلى ما تبذله جهات أخرى إلى غير الشيعة. لذا ممّا ينبغي على الكل - مؤسسات وأفراد - وعلى رأسهم العلماء والحوزات العلمية الكبرى الاستمرار وزيادة الدعم للوجود الشيعي في

أرض الشمس المشرقة، خاصة إذا ما علمنا أن الشعب الياباني من الشعوب تحضراً وتقدّماً، وله القابلية على تقبّل التجديد والتحضر والتطور نحو الأفضل، وهذا مؤشّر إلى أنه شعب مبدع قابل للتأثر والاستفادة مما في الفكر الإسلامي الشيعي من تنوّر وعمق وأصالة وفائدة للمعتقدين به بل للبشرية جمعاء.

فلِمَ لا تكون أرض اليابان ليس مشرقاً لشمس الطبيعة فقط، بل منطلقاً ثرّاً لبزوغ نور حقيقة الإسلام التوحيدي المحمدي العلوي، نور شمس الدين الخاتم ساطعة ترسل الرحمة للعالمين جميعاً، ليسيروا في طريق الأمل سيراً حثيثاً نحو التكامل، حيث يعم القسط كل ربوع المعمورة، مهيئين بذلك لدولة العدل الإلهي دولة حفيد النبي صلّی الله علیه وآله وسلم الخاتم ، الإمام الحجة بن الحسن المهدي علیه السلام.

(48) کاجائو شينوهارا

(بوذي - اليابان)

نشأ في دولة اليابان، وتربى في أسرة بوذية الديانة، فاتّبعهم كسائر الأبناء الذين يميلون إلى ما يلقى إليهم من عقائد من أسرهم ومجتمعهم في زمن الصغر.

واصل «کاجائو» دراسته الأكاديمية حتى نال شهادة الليسانس في الكهرباء.

بعد النمو الفكري وإمعان النظر في البوذية أحس أنها منهج سلبي في السلوك، فهي تدعو إلى الرهبانية واعتزال المجتمع، وهذا ما يخلّ بتوازن الإنسان ويجعله أداة مشلولة في الحياة، فتوجه إلى البحث عن رؤية كونية

منسجمة مع فطرته، متينة كي يمكنه الوثوق بها، فوجد بغيته في الإسلام إذ أنه دين إلهي يجعل الإنسان - بالتمسك به - يعيش حالة الاعتدال والوسطية، فهو لا يدعو إلى كبت الشهوات بل إلى ضبطها والانتفاع منها بالكيفية المطلوبة.

الاعتدال والوسطية في الدين الإسلامي:

تتضح الرؤية الإسلامية في بناء الشخصية الإسلامية المعتدلة من خلال النظر إلى آيات الكتاب العزيز والأحاديث الصادرة عن النبيّ وعترته

الطاهرة علیهم السلام :

يقول تعالى ضمن عد أوصاف عبّاد الرحمن من المؤمنين:{وَالَّذِينَ إذَا أَنفَقُوا لَم يُسرقُوا وَلَم يَقْتُرُوا وَكَانَ بَينَ ذَلِكَ قَوَامًا }(1).

ويقول تعالى:{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحسِن كَمَا أَحسَنَ اللَّهُ إِلَيكَ وَلَا تَبِعْ الفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ }(2).

ومن خلال التأمل في هذين النصين وغيرهما، يستطيع الباحث أن يشخّص أهمّ مرتكزات التوازن المطلوب دينيا، وهي:

1- التوازن بين الدنيا والآخرة.

2 - التوازن بين الحاجات العقلية والنفسية.

3- التوازن والاعتدال في السلوك والممارسات والمواقف.

ولقد تبنّى القرآن الدعوة إلى الاعتدال والوسطية في مجالات الحياة كلّها، من غير إفراط ولا تفريط.


1) الفرقان: 67.

2) القصص: 77 .

فقد دعا الدين الإسلامي الإنسان إلى أن يوازن بين طلب الدنيا وطلب الآخرة، بل جعل الله الدنيا طريقاً إلى الآخرة، وقد روي عن أمير المؤمنين علیه السلام، في قول الله عزّ وجلّ: {وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} قال: لا تنس صحتك وقوتك وفراغك وشبابك ونشاطك أن تطلب بها الآخرة(1). فكل أفعال الإنسان في عالم الدنيا مرتبطة بعالم الآخرة، ومن هنا ذمّت الشريعة الإسلامية الرهبانية وحرمان النفس مما أحل الله من الطيبات، كما رسمت للإنسان منهجاً عبادياً متكاملاً يجعله في دائرة العبودية لله سبحانه، والارتباط بعالم الاخرة في كل فعل واتجاه؛ وذلك لئلا يستغرق في ملذات الدنيا، ويترك الإعداد للآخرة.

وقد روي في ذم الرهبانية عن العلاء بن زياد الحارثي أنه قال للإمام علی علیه السلام :يا أمير المؤمنين أشكوا إليك أخي عاصم بن زياد، فقال علیه السلام : «وما له»؟ قال: لبس العباءة وتخلى عن الدنيا، فقال علیه السلام: «عليَّ به».

فلما جاء قال: «يا عُديَّ نفسه(2)، لقد استهام بك الخبيث، أما رحمت أهلك ،وولدك أترى الله أحل لك الطيبات وهو يكره أن تأخذها؟! أنت أهون على الله من ذلك» (3).

ومن مظاهر الاعتدال والوسطية في القيم والمبادي والأحكام الإسلامية: الموازنة بين نزعات النفس المختلفة وحاجاتها، وتوظيف


1) الأمالي للصدوق: 299.

2) عدي: تصغير عدو، وفي هذا الكلام بيان أن لذائذ الدنيا لا تبعد العبد عن الله لطبيعتها، ولكن لسوء القصد فيها.

3) نهج البلاغة 2: 187.

طاقاتها، فقد دعا إلى إشباع حاجات الجسد المادية والغريزية من الطعام والشراب والجنس والراحة.. الخ، دونما إفراط أو تفريط.

وإلى جانب دعوته إلى إشباع حاجات الجسم المادية دعا وبعناية فائقة إلى احترام العقل، وتلبية حاجاته من العلم والمعرفة، وفسح المجال أمام عمليات الفكر والتفكير المنتج، ورسم أمامه حدود الالتزام وأسسه(1).

وكما أعطى العقل دوره في التفكير والفهم والاستنتاج، أعطى التجربة والمعارف الحسية دورها الواقعي في الحياة، فلم ينكر دور العقل العملي، ولم يسقط قيمة التجارب الحسية والميدانية، بل حدد لكلّ منهما ميدانه ودوره العلمي القادر على اكتشافه وتحصيله.

وحين تعامل مع الجانب النفسي من الإنسان لم يعتبره مجموعة من الأجهزة والتشكيلات المادية والعضوية، بل تعامل معه كإنسان يحمل الأحاسيس والمشاعر الوجدانية والعواطف الإنسانية من الحب والكراهية والرضى والسخط والاحساس بالكرامة والقيم الاعتبارية.. الخ.

ولكي لا تطغى بعض الأحاسيس والانفعالات الوجدانية والعواطف على بعض، فتختل حركة النفس وسلوكية الإنسان دعا إلى الاعتدال في الحب والكراهية وفي الغضب والسخط والرضا...، ونظم الانفعالات والمواقف النفسية تلك على أساس الالتزام بالقيم، لتبقى حركة الإنسان في دائرة الاعتدال والاستقامة النفسية.


1) راجع الروايات الواردة في هذا المجال في كتاب الكافي للشيخ الكليني 1: 10 إلى 29، وسمّاه: كتاب العقل والجهل.

وهكذا وضع الإسلام خطته العملية في الموازنة لتعمل الأجهزة الأربعة: العقل والنفس والضمير والجسد بتوازن وتنسيق واستقامة.

ومن هذه الأسس انطلق في تنظيم السلوك في اتجاهاته المختلفة، فدعا إلى الإنفاق المعتدل، وتناول الطعام والشراب بشكل معتدل، وممارسة العمل والكسب والراحة والنوم بشكل معتدل.

لذا حرّم الاسراف والتبذير والتقتير، ودعا إلى عدم المبالغة في الحب والكراهية، وكره كثرة النوم والبطالة، ودعا إلى الاعتدال في الكسب المادي وطلب المعيشة وعدم ارهاق الجسم.. الخ. وبذا جاء منهاجه معتدلاً متوازناً في بناء الشخصية الإنسانية كوحدة بيولوجية وسيكولوجية وإيديولوجية وفسيولوجية متكاملة.

اتّباع دين الاعتدال:

بعد البحث والتحقيق والتوصّل إلى ضرورة اتّباع الشريعة الإسلامية السمحاء التي تدعو إلى الموازنة والاعتدال في سائر المجالات، أعلن كاجائو» عن استبصاره والتحاقه بركب أتباع مذهب أهل البيت علیهم السلام، سمّى نفسه بعد الاستبصار ب- كاظم» تيمنا باسم سابع

الأئمة الطاهرين علیهم السلام(1).


1) راجع كتاب: معرفة تحليلية عن الإسلام وبعض الأديان والمذاهب للعلامة النوري: 580.

(49) أحمد شرف الدين

(زيدي - اليمن)

ولد عام 1380ه- ( 1960م) بمدينة شبام» في اليمن، وتربى في أسرة زيدية المذهب يعود نسبها إلى الإمام الحسن السبط علیه السلام . واصل «أحمد» دراسته الأكاديمية في المدارس والجامعة حتى نال شهادة بكالوريوس تجارة واقتصاد، كما درس الكثير من علوم القرآن الكريم والفقه والتاريخ الإسلامي على يد والده ومجموعة من علماء الزيدية.

الرؤية الشيعية قياساً بغيرها:

بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران انتشرت كتب العقائد الشيعية الاثني عشرية في الساحة اليمنية شيئاً ما، الأمر الذي دفع «أحمد» لأن يقارن التراث الزيدي الموروث لديهم مع عقائد الشيعة الإمامية، وقد لفت انتباهه في هذا المجال أربعة محاور في الرؤية الشيعية: المحور الأول: قوة الأيديولوجية المحكمة في أصل الإمامة وتفرّعاتها.

المحور الثاني: وجود منهجية متكاملة في الاتصال ما بين الخالق والمخلوقين في هذا المنهج أكثر من غيره.

المحور الثالث: تميّز هذا المنهج عن غيره في مجال الأصول الفقهية في حبك المنهاج الاجتهادي والاستنباط الفقهي الذي يعتمد على النصّ بعيداً عن الرأي والقياس البشري.

المحور الرابع: أن هذا المنهج قد تضمّن كافة مناحي الحياة وما تحتاجه البشرية في الدارين الدنيا والآخر؛ لأنه انبثق عن القواعد القرآني-ة والنبوية وأحاديث العترة الطاهرة علي التي أمر الرسول الأكرم صلّی الله علیه و آله وسلم باتّباعها في حديث الثقلين.

وإثر ذلك استمر «أحمد» بالبحث والتحقيق ليتتبّع الرؤى وينتقي منها منهج الفرقة الناجية، التي أمر الله ورسوله صلّی الله علیه و آله وسلم المسلمين باتّباعها.

الشيعة الإمامية هم الفرقة الناجية:

إنّ الأدلة القطعية والبراهين الواضحة تأخذ - لا محالة - بالأعناق إلى اتباع مذهب أئمة أهل البيت علیهم السلام ، دون غيره من المذاهب، والأحاديث الصحيحة دلّت بأجلى بيان على ما عليه الشيعة الإمامية.

ونقتصر في الاستدلال على ذلك بدليلين:

الدليل الأوّل: الحديث المجمع على صحته بين المسلمين من أن النبي ما أخبر الأمة بأن النجاة منحصرة في التمسك بالكتاب وأهل

البيت علیهم السلام بقوله صلّی الله علیه و آله وسلم: ( إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلّوا بعدي

أبداً، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» (1).

ولا ريب في أنّ غير الشيعة الإمامية الاثني عشرية لم يتمسّكوا بمذهب أهل البيت علیهم السلام ، فوجب بمقتضى الحديث وقوعهم في الضلال وأمّا الشيعة الإمامية فاتّبعوهم واتّخذوهم أئمّة، فكانوا بذلك الناجين دون غيرهم.

الدليل الثاني: ورد عن النبي صلّی الله علیه و آله وسلم في أحاديث صحيحة أن الخلفاء الذين يكون الدين بهم قائماً عزيزاً منيعاً، والذين أمر الناس بالاقتداء بهم وطاعتهم، هم اثنا عشر خليفة، كلّهم من قريش(2).

وبضمّ هذه الأحاديث إلى حديث الثقلين، يعلم أنّ الخلفاء الاثني عشر لا بدّ أن يكونوا من أهل البيت علیهم السلام.

ونحن نظرنا في المذاهب فلم نجد طائفة تعتقد باثني عشر إماماً فقط، سواء كانوا من أهل البيت علیهم السلام أم من غيرهم، إلّا الشيعة الإمامية، فبهذا يكونون هم الناجين دون غيرهم.


1) حديث متواتر عند الفريقين ، رواه أكثر من (18) نفراً من الصحابة منهم: الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، والإمام الحسن المجتبى علیهما السلام ، وأبوذر ، وسلمان، وجابر ، وكذلك من رواته السيدة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها)، وأمّ سلمة، وأمّ هاني أخت الإمام أمير المؤمنين علیهم السلام ، وكذلك رواه المئات من مشاهير أئمة الحديث في مختلف القرون .

2) حديث متفق على صحته لدى الفريقين ، رواه كثير من أصحاب الصحاح والمسانيد؛ منهم: مسلم عن جابر بن سمرة أنه سمع النبي صلّی الله علیه و آله وسلم يقول: « لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة، كلّهم من قريش» . صحيح مسلم 6 : 4 .

وهذا غيض من فيض الأدلة التي ذكرها علماء أهل البيت علیهم السلام فی هذا المجال.

الاستبصار والأنشطة الدينية:

بعد البحث والتحقيق في عقائد أتباع مذهب أهل البيت علیهم السلام تأثّر «أحمد» بهم وبعقائدهم القوية المدعومة بالأدلة التي لا يمكن ردّها، كما لاحظ الثراء الفكري والأخلاقي والسلوكي لديهم، فاعتنق المذهب الشيعي عن تبصر وقناعة بأنه مذهب الفرقة الناجية، وكان ذلك عام 1402ه- (1982م).

وقام بعد استبصاره بعدة أنشطة عقائدية، منها: كتابة بحث في الإمامة، وتأليف كتب آخرى، وهي:

• سيول العيسوي في الردّ على جمرات الموسوي (حسين الموسوي الشخصية الوهمية في كتاب الله ثمّ للتاريخ).

-بحث حول الكون والوجود.

• إحقاق الحق في الردّ على الزيدية.

كما له نشاطات اجتماعية واسعة كإدارة معهد الزهراء علیهما السلام في صنعاء، وشغل منصب رئاسة تحرير مجلة الصراط التي تهتم بسيرة أهل البيت علیهم السلام ومعتقداتهم، وإدارة الخدمة الطبية في الخطوط الجوية اليمنية (1).


1) للمستبصر ملف خاص في مركز الأبحاث العقائدية ذكر فيه سيرته والأمور التي تأثر بها في مجال الاستبصار

(50) أسعد الوزير

(زيدي - اليمن)

ولد في شهر رمضان لعام (1391ه- (1971م) في العاصمة اليمنية «صنعاء»، ونشأ في أسرة زيديّة المذهب، فاتبع هذا المذهب كما هو حال سائر الأبناء فى اتباع ما يراه الآباء صحيحاً.

واصل «أسعد» دراسته الأكاديمية في بلده، ثم هاجر إلى السودان ليحصل على شهادة الماجستير في مادة الدراسات الإسلامية من جامعة الخرطوم.

كما كانت له عدة نشاطات دينية، فكان مدرساً، وإماماً للجمعة.

بداية المسير:

عند تصفّح «أسعد» لكتاب المجموعة الفاخرة لإمام الزيدية الأوّل في اليمن يحيى بن الحسين لفت نظره مقولة قالها صاحب الكتاب حول

الوصيّة، فكانت هذه الكلمة السبب في ترجيح المذهب الإمامي على المذهب الزيدي فيما بعد.

يقول يحيى بن الحسين كل من قال بالوصية فهو يقول: بأنّ الله سبحانه وتعالى أوصى بالخلق على لسان الرسول إلى علي بن أبي طالب والحسن والحسين، وإلى الأخيار من ذرية الحسن والحسين، أولهم علي بن الحسين وآخرهم المهدي، ثم الأئمة في ما بينهما.

فبدأ «أسعد» بالتأمّل والتدبّر في هذا النص، ثم قام بعرضه على أحد العلماء ليرى مدى صحته.

يقول: «أسعد»: لما عرضت هذا النص على أحد كبار العلماء ذكر بأن فيه إشكالاً، وحاول أن يحلّ ذلك الإشكال، وقبل خروجي من منزله أفاد - عند جوابه على سؤال سألته إيَّاه - بأنّه لا يقطع بعدم وجود حديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأئمة الاثني عشر، وأكّد بأنه لم يصح له الحديث، ولكنه لا يقطع بأن الرسول صلّی الله علیه و آله وسلم لم يقله، وكان ذلك الموقف منه - والذي يدل على تقواه وخوفه من الله سبحانه وتعالى - دافعاً للبحث في صحة دعوى حديث الأئمة الاثني عشر علیهم السلام.

الأئمة الاثنا عشر:

يقول سماحة آية الله العظمى الوحيد الخراساني حول هذا الحديث الشريف والمصادر التي روته ضمن بحثه عن إمامة الأئمة الاثني عشر علیهم السلام:

.. نذكر أحاديث البشارة النبوية في مصادر العامة بالأئمة الاثني عشر علیهم السلام التي وردت بعنوان اثنا عشر خليفة واثنا عشر أميراً»، وفبما يلي بعضها:

1 - في صحيح البخاري: عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبيّ صلّی الله علیه و آله وسلم يقول: «يكون اثنا عشر أميراً»، فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنّه قال: «كلهم من قريش» (1).

2 - وفي صحيح مسلم: عن جابر بن سمرة، قال: دخلت مع أبي على النبيّ صلّی الله علیه و آله وسلم، فسمعته يقول: «إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة». قال: ثمّ تكلّم بكلام خفي عليَّ، قال: فقلت لأبي: ما قال؟ قال: «كلهم من قريش»(2)

3 - وفي صحيح مسلم ومسند أحمد: عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبيّ صلّی الله علیه و آله وسلم يقول: «لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً»، ثمّ تكلّم النبيّ بكلمة خفيت علي، فسألت أبي ماذا قال رسول الله صلّی الله علیه و آله وسلم؟ فقال: «كلهم من قريش»(3).

4 - وفي صحيح ابن حبان: سمعت رسول الله صلّی الله علیه و آله وسلم يقول: «يكون بعدي اثنا عشر خليفة كلهم من قريش»(4).

5- وفي سنن الترمذي: «يكون من بعدي اثنا عشر أميراً»، قال: ثم تكلم بشيء لم أفهمه، فسألت الذي يليني فقال قال: «كلهم من قريش»(5).


1) صحيح البخاري 8: 127.

2) صحیح مسلم 6: 3.

3) صحيح مسلم 6: 3.

4) صحيح ابن حبان 15: 43.

5) سنن الترمذي 3 34، وقال بعد ذكره للحديث: هذا حديث حسن.

6 - وفي مسند أحمد بن حنبل: يكون بعدي اثنا عشر خليفة، كلهم من قريش (1)

7 - وفيه أيضاً: «يكون بعدي اثنا عشر أميراً»، ثم لا أدري ما قال بعد ذلك، فسألت القوم كلهم فقالوا: قال: «كلهم من قريش»(2).

8 - وفي مسند أحمد بن حنبل:«يكون من بعدي اثنا عشر أميراً»، فتكلم فخفي عليَّ، فسألت الذي يليني أو إلى جنبيّ فقال:

كلهم من قريش» (3).

9 - وفي مسند أحمد: «يكون بعدي اثنا عشر أميراً»، قال: ثمّ تكلم فخفي عليَّ ما قال، قال: فسألت بعض القوم أو الذي يليني ما قال؟ قال:

«كلهم من قريش»(4).

10 - وفي مسند ابن الجعد: يكون بعدي اثنا عشر أميراً»، غير أنّ حصينا قال في حديثه: ثمّ تكلّم بشيء لم أفهمه. وقال بعضهم فسألت أبي، وقال بعضهم فسألت القوم، فقال: «كلهم من قريش»(5).

11 - وفي مسند أبي يعلى: يقول: «لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة، ويكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش»(6).


1) مسند أحمد 5: 92

2) مسند أحمد 5 92

3) مسند أحمد 5: 99

4) مسند أحمد 5: 108

5) مسند ابن الجعد: 390

6) مسند أبي يعلى 13: 457.

12 - وفي مسند أحمد بن حنبل: عن جابر بن سمرة قال: خطبنا رسول الله صلّی الله علیه و آله وسلم بعرفات فقال : «لا يزال هذا الأمر عزيزاً منيعاً ظاهراً على من ناواه حتى يملك اثنا عشر كلهم»، قال: فلم أفهم ما بعد قال: فقلت لأبي ما قال بعد ما قال كلهم؟ قال: «كلهم من قريش» (1).

13 - وفي مستدرك الحاكم عن مسروق قال: كنّا جلوساً ليلة عند عبد الله يقرؤنا القرآن فسأله رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن هل سألتم رسول الله صلّی الله علیه و آله وسلم كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال عبد الله: ما سألني عن هذا أحد منذ قدمت العراق قبلك قال: سألناه فقال: «اثنا عشر، عدة نقباء بني إسرائيل»(2)

والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وطرقها عن كبار الصحابة، مثل ابن عباس، وابن مسعود، وسلمان الفارسي، وأبي سعيد الخدري، وأبي ذر، وجابر بن سمرة، وجابر بن عبد الله ، وأنس بن مالك، وزيد بن ثابت، وزيد ابن أرقم، وأبي ثمامة وواثلة بن الأسقع، وأبي أيوب الأنصاري، وعمار بن ياسر، وحذيفة بن أسيد، وعمران بن حصين، وسعد بن مالك، وحذيفة بن اليمان، وأبي قتادة الأنصاري وآخرين. وفي هذه الأحاديث نكات نوردها في نقاط:

1 - حصر الخلفاء في اثني عشر.

2 - استمرار خلافة هؤلاء الاثني عشر إلى يوم القيامة.


1) مسند أحمد 5: 93

2) المستدرك على الصحيحين 501:4.

3 - توقف عزّة الإسلام وأمته ومنعتهما عليهم .

4 - أن قوام الدين علماً وعملاً بهم، لأن قوامه العلمي بمفسّر للكتاب ومبيّن لحقائقه ومعارفه، وقوامه العملي بمنفذ لقوانينه وأحكامه العادلة،

وهذان الغرضان المهمان لا يتيسران إلا بتحقق شروط خاصة في هؤلاء الأئمة الاثني عشر.

5- اختياره صلّی الله علیه و آله وسلم لتنظير نقباء بني إسرائيل مع أن النظير للعدد متعدد تنبيه على أن خلافتهم ليست بانتخاب من الناس بل انتصاب من الله فقد قال الله تعالى عن النقباء: {وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَي عَشَرَ نَقِيبًا}(1).

6 - إنّ هؤلاء الأئمة من قريش.

فهل يوجد خلفاء فيهم هذه الميزات، إلّا على المذهب الحقّ؟

وهل يمكن تفسير الأئمة الاثني عشر إلّا بأئمتنا عليهم السلام؟

وهل تحقّقت عزّة الإسلام وأهدافه في خلافة يزيد بن معاوية وأمثاله؟! لقد اعترف بعض المحققين من علماء العامة بأن بشارة النبي صلّی الله علیه و آله وسلم لا تقبل الّانطباق إلّا على الأئمة الاثني عشر عليهم السلام، ففي ينابيع المودة للقندوزي :

قال بعض المحققين: إنّ الأحاديث الدالة على كون الخلفاء بعده صلّی الله علیه و آله وسلم اثني عشر قد اشتهرت من طرق كثيرة ، فبشرح الزمان وتعريف الكون والمكان، علم أن مراد رسول الله صلّی الله علیه و آله وسلم من حديثه هذا الأئمة الإثنا عشر من


1) المائدة: 12

أهل بيته وعترته إذ لا يمكن أن يحمل هذا الحديث على الخلفاء بعده من أصحابه، لقلتهم عن اثني عشر ، ولا يمكن أن يحمل على الملوك الأموية لزيادتهم على اثني عشر، ولظلمهم الفاحش إلّا عمر بن عبد العزيز، ولكونهم غير بني هاشم، لأن النبي صلّی الله علیه و آله وسلم قال: كلهم من بني هاشم، في رواي عبد الملك عن جابر وإخفاء صوته صلّی الله علیه و آله وسلم في هذا القول يرجح هذه الرواية،

لأنهم لا يحسنون خلافة بني هاشم، ولا يمكن أن يحمل على الملوك العباسية لزيادتهم على العدد المذكور ، ولقلّة رعايتهم الآية {قُل لا أسألُكُم عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى}(1).

فلابدَّ من أن يحمل هذا الحديث على الأئمة الاثني عشر من أهل بيته و عترته صلّی الله علیه و آله وسلم ؛ لأنّهم كانوا أعلم أهل زمانهم وأجلّهم وأورعهم وأتقاهم، وأعلاهم نسباً، وأفضلهم حسباً، وأكرمهم عند الله، وكان علمهم عن آبائهم متصلاً بجدهم صلّی الله علیه و آله وسلم وبالوراثة واللدنية، كذا عرفهم أهل العلم والتحقيق، وأهل الكشف والتوفيق.

ويؤيد هذا المعنى أي أن مراد النبيّ صلّی الله علیه و آله وسلم الأئمة الاثني عشر من أهل بيته، ويشهد له ويرجحه حديث الثقلين، والأحاديث المتكثرة المذكورة في هذا الكتاب وغيرها (2)(3).


1) الشورى: 23.

2) ينابيع المودة 3: 292 - 293.

3) مقدمة في أصول الدين للشيخ الوحيد الخراساني: 197_203.

الاستبصار والنشاط الديني:

بعد البحث في حديث الأئمة الاثني عشر وأحاديث أخرى والحوار بالمنطق والعقل والدليل والبرهان اقتنع «أسعد» بصورة تامّة بأنّ المذهب الشيعي الإمامي هو المذهب الحق، فأعلن عن استبصاره وتغيير انتمائه المذهبي، وكان ذلك عام 1422ه- ( 2002م) في مدينة صنعاء اليمنيّة. وله نشاطات كثيرة في المجال الديني، وقد سافر إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية للحضور في مؤتمر النظرية المهدوية، كما التقى في تلك السفرة بجمع من العلماء في مدينة قم المقدّسة(1).


1) ألقى المستبصر في مركز الأبحاث العقائدية محاضرة مفصلة بعنوان: (الإمامية والزيدية، وجهان لعملة واحدة)، وله ملف خاص في المركز.

(51) إسماعيل الأشول

(وهابي - اليمن)

ولد في سبعينيات القرن الميلادي الماضي في مدينة «ذمار» اليمنية، ونشأ في أجواء دفعته لاتباع الفكر الوهابي، واصل «إسماعيل» دراسته الأكاديمية حتى تخرّج من كلية الشريعة والقانون.

لم يسمع «إسماعيل» منذ نموّه الفكري عن المذهب الشيعي غالباً إلّا عبارات المقت والنعت الكاذب، فقد كانت الاتهامات الباطلة تنشر في شتى المدن اليمنية من خلال الوسائل الثقافية الوهابية من كتب وأشرطة وصحف، ما تجعل الإنسان يسيء الظن بهم، بل ويعتقد بش-ركهم

وخروجهم عن الإسلام.

ولكن شاءت الأقدار الإلهيّة أن يلتقي «إسماعيل» بأحد أتباع مدرسة أهل البيت علیهم السلام، فجرى الحوار بينهما، فقال له الشيعي بالحرف الواحد: إذا أردت أن تتعرّف على عقيدة فيجب أن تقرأ ما يعتقده أهل العقيدة نفسها، لا أن تقرأ كتب أعدائهم وخصومهم عنهم.

ومن هنا عكف «إسماعيل» على دراسة عقائد الشيعة الإمامية الاثني عشرية على ضوء الكتاب الكريم والسنة الصحيحة، لا ما يدعيه أتباع ابن تيميّة ومحمد بن عبد الوهاب.

التوسّل نموذجاً:

من أهمّ الشبهات التي يثيرها أتباع الفرقة الوهابية بالنسبة للشيعة الإمامية - بل لسائر المسلمين - قديماً وحديثاً، هو ادّعائهم بأنّ أكثر المسلمين مشركون بالله عزّ وجلّ، وذلك لأنهم يقولون بجواز التوسل بالنبي الاكرم صلّی الله علیه و آله وسلم والصلحاء من أمّته.

فيرى ابن تيمية مؤسس الفكر الوهابي ومفكّره أنّ من يأتي إلى قبر نبيّ أو صالح، ويسأله حاجته؛ لكونه أقرب إلى الله من السائل ليشفع له في حوائجه، فهو من أعمال المشركين (1).

ويقول أيضاً: وقول كثير من الضلال: هذا أقرب إلى الله مني، وأنا بعيد من الله لا يمكنني أن أدعوه إلا بهذه الواسطة، ونحو ذلك، من أقوال المشركين (2).

ولكن - من الواضح - أن ابن تيمية ينكر بأقواله هذه مضامين العديد من الآيات القرآنية والأحاديث المجوّزة للتوسل عند الفريقين، فمعنى التوسل أن يجعل الإنسان بينه وبين الله وسيطاً - من الأنبياء والأئمة والصلحاء أو غيرهم - ليقضي الله حاجته، وهذا ما ثبت في القرآن الكريم والسنّة الشريفة.


1) راجع :مجموعة الفتاوى 27: 72.

2) مجموعة الفتاوى لابن تيمية 27 :74 .

ويدل عليه قوله تعالى:{يَا أَبَانَا استَغفِر لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ }(1)، ففي هذه الآية الكريمة ينقل الله عزّ وجلّ قول أخوة يوسف علیهم السلام حيث ندموا على ما اقترفوا، فجاؤوا أباهم النبي يعقوب علیهم السلام، وطلبوا منه أن يدعو الله ليغفر لهم، والنبي يعقوب علیهم السلام لم ينهاهم عن التوسل به إلى الله، بل وعدهم لأن يستغفر لهم، فقال:{سَوفَ أَستَغفِرُ لَكُم ربِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }(2).

كما يخاطب تعالى نبيه الكريم صلّی الله علیه و آله وسلم في سورة النساء، فيقول: {ولو أَنَّهُم إذ ظَلَمُوا أَنفُسَهُم جَاءوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاستَغفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} (3).

ويستشعر من هذه الآية أنه ينبغي طلب قضاء الحاجة بمن يكون وجيهاً عند الله عزّ وجلّ كالرسول الأكرم صلّی الله علیه و آله وسلم . ومن الملفت للنظر أن مالك بن أنس - إمام المالكية - أيضاً استدل بهذه الآية على جواز التوسل، فقد روي أن المنصور الدوانيقي سأله وهو في المسجد النبوي، فقال: يا أبا عبد الله ! أستقبل القبلة وأدعو، أم أستقبل رسول الله صلّی الله علیه و آله وسلم ؟

فقال مالك: ولم تصرف وجهك عنه، وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم علیه السلام إلى الله تعالى يوم القيامة، ثم قال: بل استقبله واستشفع به،


1) یوسف (12): 97 .

2) یوسف (12) :98 .

3) النساء (4): 64 .

فيشفَعه الله، قال الله تعالى:{وَلَو أَنَّهُم إذ ظَلَمُوا أَنفُسَهُم جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} (1).

هذا؛ إضافة إلى العديد من الروايات الواردة في هذا المجال، فقد روي في خصوص توسل آدم الله بالنبي الأكرم صلّی الله علیه و آله وسلمو آله عليهم السلام فقط عدة روايات: فعن أبي هريرة أن النبي صلّی الله علیه و آله وسلم قال عن الله عز وجل بحق الخمسة أصحاب الكساء صلّی الله علیه و آله وسلم: هؤلاء صفوتي.. فاذا كان لك إلي حاجة فبهؤلاء توسل». ثم قال النبي صلّی الله علیه و آله وسلم: «نحن سفينة النجاة، من تعلّق بها نجا،ومن حاد عنها هلك، فمن كان له إلى الله حاجة، فليسأل بنا أهل البيت» (2).

وروى الحاكم النيسابوري بسنده عن رسول الله صلّی الله علیه و آله وسلم أنه قال: لمّا اقترف آدم الخطيئة قال: «يا ربّ أسألك بحق محمّد لمّا غفرت لي» (3).

كما ينقل السيوطي حديثاً في أن الكلمات التي تلقاها آدم علیه السلام في قوله تعالى:{فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيهِ }(4)كانت: «اللهم إنِّي أسألك بحق محمد وآل محمد، سبحانك لا إله إلّا أنت، عملت سوأ وظلمت نفسي فتب علي، إنك أنت التواب الرحيم »(5).


1) ذكره القاضي عياض في: الشفا بتعريف حقوق المصطفى 41:2.

2) فرائد السمطين 1: 37

3) المستدرك على الصحيحين 2 615 ، وقال بعد ذكره للحديث: هذا حديث صحيح الإسناد.

4) البقرة (2): 37

5) الدر المنثور 1: 60

إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في جواز التوسلّ ورجحانه في هذه الواقعة وغيرها، الأمر الذي دعى لتأليف المؤلّفات في ذلك.

يقول ابن الصديق الغماري - أحد علماء أهل السنّة المعاصرين - في كتابه «إرغام المبتدع الغبي بجواز التوسل بالنبي صلّی الله علیه و آله وسلم» قبل ذكره للعديد من الروايات الواردة في جواز التوسل عند أهل السنّة: «التوسل والاستغاثة والتشفّع بسيّد الأنام نبينا محمّد صلّی الله علیه و آله وسلم مصباح الظلام، من الأمور المندوبات المؤكدات، وخصوصاً عند المدلهمات، وعلى ذلك سار العلماء العاملون، والأولياء العابدون، والسادة المحدثون، والائمة السالفون، كما قال السبكي فيما نقل عند صاحب فيض القدير: ويحسن التوسل والاستعانة والتشفع بالنبي إلى ربّه، ولم ينكر ذلك أحد من السلف، ولا من الخلف...» أه- (1).

حتّى نصّ السادة الحنابلة في مصنّفاتهم الفقهية على استحباب التوسلّ بسيّدنا رسول الله صلّی الله علیه و آله وسلم، ونقلوا ذلك عن الإمام أحمد أنه استحبه كما في كتاب الإنصاف فيما ترجّح من الخلاف (456/2) وغيره..

واعتمد الإمام الحافظ النووي استحباب التوسل والاستغاثة في مصنّفاته، كما في حاشية الإيضاح على المناسك له (ص 450)، و(ص498)


1) نص ما قاله المناوي في فيض القدير :(2) (170): قال السبكي ويحسن التوسل والاستعانة والتشفع بالنبي إلى ربه، ولم ينكر ذلك أحد من السلف ولا من الخلف حتى جاء ابن تيمية، فأنكر ذلك، وعدل عن الصراط المستقيم، وابتدع ما لم يقله عالم قبله.

من طبعة أخرى، وفي شرح المهذب المجموع (274/8)، وفي الأذكار (ص307) من طبعة دار الفكر في كتاب أذكار الحج، وص(184) من طبعة

المكتبة العلمية وهو وهو مذهب الشافعية وغيرهم من الأئمة المرضيين المجمع على جلالتهم وثقتهم».

ثم يقول: «وإنّي أود أن أسرد بعض الأدلة من الأحاديث الصحيحة الثابتة عند علماء المسلمين وأئمة الحفاظ والمحدثين،

والتي لم تضرّها محاولة تلاعب المتلاعبين في الطعن في أسانيدها، وغير ذلك من طرق التلاعب والتدليس التي بينتها ومثلت عليها في بهجة الناظر في الفصل الرابع.

ولا يعرف الحقّ كما هو معلوم بالجعجعة وكثرة الكلام ونفخ الكتب بتكثير عدد الصفحات وإنّما يعرف الحق بالبراهين العلمية والأدلة الواضحة الجلية، وإن كانت قليلة العبارات، فهي كثيرة التعبيرات والإشارات»(1).

الاستبصار وضرورة التمسك بالعترة علبهم السلام:

بعد بدء «إسماعيل» بدراسة الفكر الشيعي الإثني عشري من خلال القرآن والسنّة الصحيحة وبمساعدة صديقه، أحس أنه يقترب شيئاً فشيئاً إلى الحقّ والحقيقة التي يريدها الله تعالى لعباده بعد أن كان غارقاً في تيه العصبية، فتجرّد تدريجياً عن أيّ لون من ألوان التعصّب الأعمى، وواصل


1) إرغام المبتدع الغبي: 3 - 4.

سيره بعزم راسخ من أجل البحث عن الفرقة الناجية، حتى توصل في نهاية المطاف إلى ضرورة التمسّك بالإسلام الصحيح الموافق لرؤية الرسول الأكرم صلّی الله علیه و آله وسلم وأهل بيته الكرام علیهم السلام ، وكان استبصاره في مدينة «تعز» اليمنية (1).


1) راسل المستبصر مركز الأبحاث العقائدية وأعلن عن استبصاره عام 1424 ه- وله نشاطات إحدى المؤسسات التابعة لمذهب أهل البيت علیهم السلام في اليمن.

(52) حسن علي العماد

(زيدي - اليمن)

ولد عام 1397ه- (1977م) في العاصمة اليمنية صنعاء، وتربى في أوساط عائلة ذات أصول زيدية متأثرة بالفكر الوهابي ، فنشأ سني المذهب متأثراً بالوهابية. حصل «حسن» على الشهادة الثانوية في الدراسة الأكاديمية.

حوارات ونقاشات :

شاءت الأقدار الإلهية أن يلتحق شقيق حسن (وهو المستبصر المعروف عصام العماد) بالمذهب الشيعي، فبدأت عندها الحوارات والنقاشات بشأن مذهب أهل البيت علیهم السلام ومدى مصداقيته، وكان لهذا الأمر الأثر البالغ في أن يدرس «حسن» عقائد أهل السنّة والزيدية وكذلك الإمامية للتعرف على الفرقة الناجية والصراط المستقيم.

تحريف القرآن عند الشيعة:

وجد «حسن» من خلال مطالعاته ومناظراته، الكذب الذي يصبغ أحاديث وكتابات بعض خصوم الشيعة، كادّعائهم بأنّ للشيعة قرآناً

آخر يختلف عن قرآن بقية المسلمين، متغافلين عن آراء مشهور علماء الشيعة وفقهائهم. يقول سماحة آية الله العظمى السيد الخوئي أعلى الله مقامه عن رأي مشهور علماء الشيعة في التحريف:

المعروف بين المسلمين عدم وقوع التحريف في القرآن، وأن الموجود بأيدينا هو جميع القرآن المنزل على النبي الأعظم صلّی الله علیه و آله وسلم ، وقد صرح بذلك كثير من الأعلام منهم رئيس المحدثين الصدوق محمّد بن بابويه، وقد عَدَّ القول بعدم التحريف من معتقدات الامامية.

ومنه شيخ الطائفة أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي، وصرّح بذلك في أول تفسيره التبيان، ونقل القول بذلك أيضاً عن شيخه علم الهدى السيد المرتضى، واستدلاله على ذلك بأتمّ دليل.

ومنهم المفسر الشهير الطبرسي في مقدمة تفسيره مجمع البيان، ومنهم شيخ الفقهاء الشيخ جعفر في بحث القرآن من كتابه كشف الغطاء، وادعى الإجماع على ذلك.

ومنهم العلّامة الجليل الشهشهاني في بحث القرآن من كتابه العروة الوثقى، ونسب القول بعدم التحريف إلى جمهور المجتهدين. ومنه المحدث الشهير المولى محسن الكاشاني في كتابيه [الوافي وعلم اليقين].

ومنهم بطل العلم المجاهد الشيخ محمد جواد البلاغي في مقدمة تفسيره آلاء الرحمن.

وقد نسب جماعة القول بعدم التحريف إلى كثير من الأعاظم، منهم شيخ المشايخ المفيد، والمتبحر الجامع الشيخ البهائي، والمحقق القاضي نور الله، وأضرابهم.

وممّن يظهر منه القول بعدم التحريف كل من كتب في الإمامة من علماء الشيعة وذكر فيه المثالب ، ولم يتعرّض للتحريف، فلو كان هؤلاء قائلين بالتحريف لكان ذلك أولى بالذكر من إحراق المصحف وغيره. وجملة القول: أنّ المشهور بين علماء الشيعة ومحققيهم، بل المتسالم

عليه بينهم هو القول بعدم التحريف ..(1).

مواصلة البحث حتى الاستبصار:

عندما شهد «حسن» الافتراءات الكاذبة ضد مذهب الشيعة، ترك الفكر السنّي عائداً إلى مذهب أجداده الزيدية مواصلاً البحث والتحقيق. إلّا أنّه - وبعد ما تبيّن له أن قسماً من الصحابة وكذلك علماء أهل السنّة والزيدية، يقولون وينصون على أمور تخالف صريح القرآن الكريم والسنّة النبوية المطهّرة، إضافة إلى الظلامات التي تعرّض لها أهل بيت النبوة علیهم السلام، وخاصة سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء علیها السلام وتجرّؤ القوم عليها وغصبهم حقها - تأثر بشدة، الأمر الذي دفعه للخضوع لمنطق الدليل والإنصاف، واعتناق مذهب أهل البيت علیهم السلام تاركاً المذهب الزيدي الذي لا تصمد آراؤه أمام النقد والتحليل.

وكان استبصاره عام 1417ه- (1997م) في مدينة «قزوين» الإيرانية(2).


1) البيان في تفسير القرآن : 200 - 201.

2) ملأ المستبصر الاستمارة الخاصة بالمعلومات المرتبطة بالمستبصرين ، وذكر جزءاً من سيرته وأدلّة التحاقه بمذهب أهل البيت علیهم السلام .

(53) زكريا بن سلطان

(شافعي - اليمن)

ولد في المدينة المنوّرة في أسرة هاشمية ترجع أصولها لمدينة حضرموت اليمنية، وتربّى في أحضان هذه الأسرة على اتباع المذهب الشافعي. واصل «زکريا»دراسته الأكاديمية حتى تخرج من الجامعة، وأجيز في التدريس من بعض علماء السنّة.

كان من هواة المطالعة والبحث، وكان يواصل بحثه من خلال شبكة الإنترنيت العالمية فأحسّ - من خلال بحثه - أنّه يقترب من الحقيقة شيئاً فشيئاً، تلك الحقيقية التي طالما غابت عنه في ظل الأجواء والتوجّهات المحيطة به.

وممّا توصّل إليه زكريا» أنّ ما يثار عن الشيعة ويبث بين عامّة الناس ما هي إلّا إشاعات عارية عن الصحة، وأن الاختلاف الرئيسي لم يكن إلّا

في موضوع الإمامة، وخاصة فيما يرتبط بشخصية الإمام علي علیه السلام ، فمن يفهم هذه الشخصية العظيمة سيعرف الطريق الصحيح.

أمير المؤمنين علیه السلام وغزوة حنين:

من الأدلّة التي أكدت عليها الكتب العقائدية الشيعية، والتي تدعوا الباحثين للاتّجاه نحو المذهب الشيعي: أفضلية الإمام علي علیه السلام في جميع المواقف، الأمر الذي يجعله القدوة للمسلمين.

فعند مراجعة سيرة الإمام علي علیه السلام ومقارنتها مع سيرة غيره من الصحابة، يتّضح جليّاً بأنّه الأفضل في جميع المواقف بلا استثناء، وعليه فلا معنى لتقديم غيره عليه في أي مجال من المجالات الدينية أو الدنيوية، ومن هذه المواقف المهمة سيرة الإمام علي علیه السلام في ظل رسول الله صلّی الله علیه و آله وسلم في غزوة حنين.

ففي حياة النبي صلّی الله علیه و آله وسلم كان الدور الذي يسند إلى الإمام علي علیه السلام دائماً هو الدور الثاني؛ لأن النبي صلّی الله علیه و آله وسلم هو رجل الدولة رقم واحد، وفي غزوة حنين أيضاً، كسائر الغزوات، هناك دور للإمام علي علیه السلام وإن كان المؤرّخون لا يركّزون على هذه المسألة؛ إذ لا تخلو من تأثير العبّاسيين والأمويين، كما في كثير من قضايا التاريخ، لكن مع ذلك هناك أمور لا مفر

من الإقرار بها.

عند مراجعة تفاسير القرآن الكريم، مثلاً حينما تعلّق الأمر بامرأة تجادل النبي صلّی الله علیه و آله وسلم في زوجها، قال تعالى: {وقد سَمِعَ اللهُ قَولَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي

زوجها}(1)، نجد أنّ المؤرّخين والمحدّثين قد ذكروا اسمها، وعظموا المسألة، أما غزوة حنين، فالمسلمون أعجبتهم كثرتهم وصرح بذلك أب-و بكر يوم حنين، قال: لن نغلب اليوم من قلة، وكانوا اثني عشر ألفاً فهزموا يومئذ هزيمة قبيحة، وأنزل الله تعالى قوله:{وَيَومَ حُنَينِ إِذ أَعجَبَتكُم كَثَرَتُكُم فَلَم تُغن عَنكُم شَيْئًا} (2)(3)

ولكن الطبري يقول: إن رجلاً من أصحاب رسول الله صلّی الله علیه و آله وسلم يوم حنين قال: يا رسول الله لن نغلب اليوم من قلّة، وأعجبته كثرة الناس، وكانوا اثني عشر ألفاً. فسار رسول الله صلّی الله علیه و آله وسلم، فوكّلوا إلى كلمة الرجل، فانهزموا عن رسول الله صلّی الله علیه و آله وسلم، غير العبّاس وأبي سفيان بن الحرث وأيمن ابن أم أيمن، قتل يومئذ بين يديه، فنادى رسول الله صلّی الله علیه و آله وسلم: أين الأنصار؟ أين الذين بايعوا تحت الشجرة؟ فتراجع الناس، فأنزل الله الملائكة بالنصر، فهزموا المشركين يومئذ، وذلك قوله:{ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَم تَرَوهَا }(4)(5)

كما جاء في تفسير الواحدي {إذ أعجَبَتكُم كَثرَتُكُم }(6)وذلك أنّ قالوا: لن نغلب يوم من قلّة وكانوا اثني عشر ألفاً(7).


1) المجادلة: 1.

2) التوبة: 25.

3) راجع: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 15: 106.

4) التوبة: 26.

5) جامع البيان 10: 130.

6) التوبة: 25.

7) تفسير الواحدي 1: 459.

فالذي يتعامل مع مصادر التاريخ الإسلامي يلاحظ أن كل ما تعلّق بالإمام علي وآل البيت علیهم السلام حاولوا طمسه في العصر الأموي ثمّ في العصر العباسي، ولو استطاعوا أن يطمسوا القرآن الكريم لفعلوا، لكن القرآن الكريم استعصى وما زال مستعصياً على الطمس، ومن ثم بقي لنا آيات بينات في القرآن الكريم وبقيت أخبار هنا وهناك يمكن منها أن يلتمس الباحث ويبين - من خلالها - بعض الحقائق.

أمّا مسألة القول ( إنّنا لن نغلب من قلّة) بالفعل هم لم يُغلبوا بسبب العدد وإنّما غُلبوا بسبب التشكيلة، والغرور ، يضاف إلى ذلك أن تعداد هوازن وحلفاءها آنذاك بلغ تقريباً ضعف تعداد الحملة النبوية، فضلاً عن النوعية والتماسك، فالحملة النبوية كان فيها عدد أو نسبة ليست كبيرة من المهاجرين والانصار، إنما كان هناك الأعراب الذين بتنا نطلق عليهم اسم: المؤلفة قلوبهم، وهؤلاء - على رأسهم أبو سفيان، وصفوان بن أمية وغيرهم - أعلنوا عن الإيمان، أو عالنوا عن الإسلام، ولكنهم لم يؤمنوا، وأصيبوا بداء النفاق، وبقي الشرك يبطن وحاولوا أكثر من مرة، بعد فتح مكة، اغتيال النبي صلّی الله علیه و آله وسلم، ولذلك فتشكيلة الجيش النبوي كانت تسمح بالخلل. لكن النبيّ صلّی الله علیه و آله وسلم صمد وصمد أمامه حامل اللواء الأعظم، وهو الإمام علي علیه السلام، وبعض الصحابة الكرام.

ويوم حنين هو نوع من أنواع الامتحان، مثل ما حدث يوم أحد عندما خالف الرماة الأوامر، فالغرور خطير دائماً، ومن أصيب بالغرور يُصاب

بالإخفاق، وتأتيه الضربات من دون شعور.

إنّ الله تعالى يبشِّر نبيّه بالفتح ، وكان هناك ملائكة يحفون بالنبيّ صلّی الله علیه و آله وسلم وصحبه الذين من حوله، ويقاتلون أو يدافعون عنه؛ لأنّه تعرّض قبل الوصول إلى حنين لأكثر من محاولة اغتيال، وكذا أثناء القتال، وأن أبا سفيان كان من بين الذين حاولوا أو حرّضوا مع صفين بن أمية على عملية الاغتيال، لكن الله تعالى نجّاه صلّی الله علیه و آله وسلم، وأخفقت جميع المحاولات.

وهناك مؤشّرات تدلّ على أن قريشاً نسقت مع هوازن في مسألة ما حصل يوم حنين، ومن الروايات التي دلت على ذلك: رواية النضر بن

الحارث ، فقد كان الجيش معظمه من هوازن وثقيف وهي قبائل كانت قريش متحالفة معها، واكتشف النضر بن الحارث أنهم أرادوا أن تقدم عليهم هوازن من الأمام، وأن يكون لهم فرصة، إما في اغتيال النبي صلّی الله علیه و آله وسلم وإمّا في التخذيل، وهذا ما حصل!

فقد ذكر مسلم في صحيحه أنّ الطلقاء وأهل مكّة وبني سليم وهم حلفاء أبي سفيان هم الذين انهزموا بالمسلمين يوم حنين(1)، وأبو سفيان،


1) راجع: صحيح مسلم 3: 106.

وصفوان بن أمية، وكلدة بن الحنبل، ومعاوية كانوا معتزلين ينظرون لمن تكون الدائرة (1)، فإن تمكّنت ،هوازن وأتت المؤامرة بهذه الهزيمة الكبيرة سيرجعون إلى الكفر ، يقول تعالى عنهم: {إِذ أَعجَبَتكُم كَثرَتُكُم فَلَم تُعْنِ عَنكُم شَيْئًا وَضَاقَت عَلَيْكُمُ الأَرضُ بِمَا رَحْبَت ثُمَّ وَلَيتُم مُدبِرِينَ }(2). وبقي الثابتون: النبي صلّی الله علیه و آله وسلم، وكان راكباً بغلة، وكان معه الإمام علي علیه السلام وبنو هاشم والعبّاس بن عبد المطلب، وعبيد بن أم أيمن، وأبو سفيان وربيعة ابنا الحارث.

فهناك مؤامرة، وإليها تشير الرواية في صحيح مسلم: عن أنس بن مالك، قال لمّا كان يوم حنين، أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بذراريهم ونعمهم ومع النبيّ صلّی الله علیه و آله وسلم يومئذ عشرة آلاف ومعه الطلقاء، فأدبروا عنه حتى بقي وحده، قال: فنادى يومئذ نداءين، لم يخلط بينهما شيئاً، قال: فالتفت عن يمينه، فقال: يا معشر الأنصار! فقالوا: لبيك يا رسول الله، أبشر نحن معك. قال: ثم التفت عن يساره، فقال: يا معشر الأنصار؟ قالوا: لبيك يا رسول الله، أبشر نحن معك قال: وهو على بغلة بيضاء، فنزل فقال: أنا عبد الله ورسوله، فانهزم المشركون، وأصاب رسول الله صلّی الله علیه و آله وسلم غنائم كثيرة غنائم كثيرة فقسّم في المهاجرين والطلقاء، ولم يعط الأنصار شيئاً، فقالت الأنصار: إذا كانت الشدة فنحن ندعى، وتُعطى الغنائم غيرنا. فبلغه ذلك، فجمعهم في قبّة، فقال:


1) راجع: البداية والنهاية 4 377، سبل الهدى والرشاد 5: 317.

2) التوبة: 25.

يا معشر الأنصار! ما حديث بلغني عنكم؟ فسكتوا، فقال: يا معشر الأنصار! أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون بمحمد تحوزونه إلى بيوتكم؟ قالوا: بلی یا رسول الله رضينا. قال: فقال لو سلك الناس وادياً وسلكت الأنصار شعباً لأخذت شعب الأنصار (1).

وصدرت منهم كلمات تدلّ على أنّهم لم يُسلموا، ولكن استسلموا، كما قال عمّار بن ياسر يوم صفّين؛ فعن سعد بن حذيفة، قال: قال عمّار بن ياسر يوم صفين، وذكر أمرهم وأمر الصلح، فقال: والله ما أسلموا ولكن استسلموا، وأسروا الكفر ، فلما رأوا عليه أعواناً أظهروه (2).

وكان عمّار قائد أهل بدر بعد الإمام علي يوم صفّين.. وهذا أثر صحیح، صحّحه الهيثمي في مجمع الزوائد ورجاله الثقات.

وأبدى بعض قريش ما كان في نفسه؛ فقال أبو سفيان: لا تنتهي، والله، هزيمتهم دون البحر. وقال كلدة بن حنبل: اليوم بطل السحر. وقال شيبة بن عثمان: اليوم أقتل محمّداً. فأراد رسول الله ليقتله، فأخذ النبي الحربة منه فأشعرها فؤاده.

فقال رسول الله صلّی الله علیه و آله وسلم للعباس: صح يا للأنصار، وصح يا أهل بيعةالرضوان، صح يا أصحاب سورة البقرة، يا أصحاب السمرة. ثمّ انفض الناس وفتح الله على نبيّه وأيّده بجنود من الملائكة، ومضى علي بن أبي طالب إلى


1) صحيح مسلم 3: 106 - 107 .

2) مجمع الزوائد 1: 113

راية هوازن فقتله، وكانت الهزيمة، وقتل من هوازن خلق عظيم وسبي سبايا كثيرة، وبلغت عدّتهم ألف ،فارس، وبلغت الغنائم اثني عشر ألف ناقة سوى الأسلاب، وقتل دريد بن الصمة، فأعظم الناس ذلك، فقال رسول الله: إلى النار وبئس المصير ! إمام من أئمة الكفر؛ إن لم يكن يعين بيده فإنّه يعين برأيه برأيه. قتله رجل من بني سليم، وقتل ذو الخم-ار سبيع بن الحارث ، فقال رسول الله أبعده الله إنّه كان يبغض قريشاً. وصارت السبايا والأموال في أيدي المسلمين وبلغت هزيمة المشركين الطائف ومعهم مالك بن عوف، وكان جميع من استشهد أربعة نفر (1).

ومع ذلك، ذكر المتعصبّون بأنّ معاوية ممّن نزلت عليه السكينة يوم حنين، وهذا مكابرة من العقائديين من أهل الحديث، الذين نشأوا في التربة الأموية وتحت سماءها فالثناء المبالغ فيه على بني أمية كان أوله سياسياً، ثمّ تحوّل دينياً أو مذهبياً في عهد ابن سيرين الذي كان مؤدب أولاد الحجاج. فالنبي صلّى الله عليه وآله وسلم يعطي عليّاً اللواء والراية في الجيوش دائماً، وإذا أرسله في سرية فيرسله قائداً، والذي يتتبع السيرة ما يجد النبي صلّى الله عليه وآله وسلم بعث علياً وعليه أمير، إما أن يكون علي أميراً وإما أن يكون تحت إمرة النبي مباشرة وقول وفعل وتقرير النبي صلّى الله عليه وآله وسلم حجة من جهة، ومن جهة ثانية النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قائد إلهي لا يمكن أن ينسب إليه أنه يحابي ابن عمه أو صهره؛ فالسر في ذلك أنّه يريد أن يقول من خلال هذا العمل أنّ عليّاً دائماً قائد، ويهيئه لذلك.


1) تاريخ اليعقوبي 2: 62 - 63.

وفي حنين كان عدد الرايات ثلاثين راية، واللواء الأعظم كان مع الإمام علي علیه السلام، وحتّى الأنصار فيهم رايات للأوس والخزرج، ثمّ بيوت الأوس والخزرج وبني سليم وبني غفار وبني أشجع.

فالإمام علي علیه السلام فيه الكفاءة العسكرية مع السبق إلى الإسلام، مع العلم بالأحكام، أحكام الحرب وأحكام القضاء، فأكثر من سبب يؤهّله ويجعله مؤهلاً، ولا يجعل غيره مؤهّلاً للقيادة عليه، وهذا استقراء، فالتاريخ الإسلامي يبدأ فهمه بإدراك محورية أهل البيت الله فإن لهم سراً إلهياً، بمعنى: أنّ الله اختصهم بخصائص ليست عند غيرهم، وخاصة رأسهم الإمام على علیه السلام.

وهذا ما شهدناه، سواء اختصاص الله له بتربية النبي صلّى الله عليه وآله وسلم له ، أو بكونه أوّل من أسلم، أو بكونه يتعبّد مع النبي، أو كونه الرجل الثاني الذي يسمع القرآن الكريم، أو النوم في الفراش، والحصار في الشعب، والغزوات من بدر إلى أحد إلى الخندق، وكذلك فتح مكة إلى حنين، وتبوك التي فيها حديث المنزلة، والغدير وبعث براءة، وغيرها كثير.

وهذه الميّزات لا يمكن أن تجتمع إلا بإرادة إلهية، تجعل للإمام علي محورية، فمن جعل الإمام علي علیه السلام كغيره من الصحابة لن يتمكن من فهم التاريخ ولا السيرة، ولا ما جرى بعد ذلك.

اعتناقه لمذهب أهل البيت علیهم السلام :

بعد أن اطلّع «زكريا» على الحقائق، وعرف أفضلية الإمام أمير المؤمنين علیه السلام على غيره من الخلفاء وغيرهم، وتقديمه على بقية الصحابة، قرّر اتّباع الحق واعتناق مذهب أهل البيت علیهم السلام، وكان ذلك عام 1425ه- ليلة ذكرى مولد السيدة الزهراء علیها السلام (1).


1) راسل المستبصر «مركز الأبحاث العقائدية» عبر موقعه على الإنترنيت، وأعلن عن استبصاره بعد فترة غير وجيزة من البحث والتحقيق.

(54) صادق کرشان

(زيدي - اليمن)

ولد عام 1393ه- (1973م) في مدينة الجوف اليمنية، ونشأ في أسرة زيدية المذهب.

حصل «صادق» على شهادة الليسانس من جامعة أرحب، كما درس المقدمات والمراحل المتوسطة على المذهب الزيدي، وألف كتاباً باسم:

المنهج المنير في معرفة آية التطهير» فة آية التطهير دافع فيه عن الرؤية التي تقول بإمامة أئمة الزيدية وأنّهم هم أئمة أهل البيت المقصودون في آية التطهير.

عدالة الصحابة ومبدأ البحث:

كان «صادق» من هواة البحث والتحقيق في المفاهيم الدينية ومصاديقها، وصادف أن سأل ذات يوم أحد علماء أهل السنّة مستنكراً: كيف تقول بأن الصحابة كلهم عدول وأنهم مقربون من الله عزّ وجلّ، والحال أنَّ الواقع يشهد بخلاف ذلك، وحتى أن بعضهم كان يتقرب إلى الله بقتل الآخر؟

فأجابه: إنّ ائمّتكم الزيدية كذلك فعلوا..

(349)

فصدمه الجواب وشجّعه للبحث أكثر من ذي قبل، فاطلع بعد ذلك على ضرورة عصمة أهل بيت الرسول عليهم السلام نظراً للنصوص القطعية، كما عثر على نصوص تدله على مصاديق الأئمة الاثني عشرعليهم السلام وأسمائهم.

سؤال وجوابه

السؤال: لماذا لم يذكر الأئمة عليهم السلام بأسمائهم في القرآن الكريم؟ الجواب: قبل كلّ شيء ينبغي الإشارة إلى وجود منهج قرآني واضح في آيات الذكر الحكيم، وهو ذكر أسماء بعض الماضين، سواء كانوا صالحين أم طالحين؛ لأخذ العبرة والتذكر، وعدم ذكر من يأتي مستقبلاً، سواء كان صالحاً كالمهدي علیه السلام، أو طالحاً كالدجال.

ثمّ إنّ الأئمة علیهم السلام وإن لم يكونوا مذكورين في القرآن الكريم بأسمائهم، فإنّهم مذكورون بالصفة والعلامة، فقد ذكر أمير المؤمنين علیه السلام - على سبيل المثال - في كثير من الآيات بصفته التي لا يشاركه فيها أحد.. كما في آية:{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ}(1)، فهو المقصود من الذين يؤتون الزكاة وهم راكعون ؛ لأنه علیه السلام تصدّق بخاتمه في حال الركوع، فنزلت هذه الآية، وأغلب المفسّرين متّفقون على نزولها في علي الله إلا بعض النواصب الذين يحاولون أن يجردوا أهل البيت عليهم السلام من كل فضيلة حباهم بها الله عزّ وجل(2).


1) المائدة (5) : 55

2) راجع: المعجم الأوسط للطبراني 6: 218، معرفة علوم الحديث للحاكم النيسابوري: 102، تفسير الطبري 6: 389، تفسير ابن أبي حاتم 4 :1162 ، تفسير الرازي 12: 20.

كما ورد ذكر الخمسة أصحاب الكساء في سورة الإنسان، فهذه السورة قد نزلت فيهم بالاتفاق.

وورد أيضاً ذكر أمير المؤمنين الله علیه السلام في آية:{وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَولاهُ وَجِبريلُ وَصَالِحُ المُؤمِنِينَ}(1)، وصالح المؤمنين هو: علي علیه السلام (2).

وللباحث أن يرجع إلى بعض تفاسير الشيعة، ك: (البرهان) للبحراني (3)، و(الميزان) للطباطبائي (4)، فيطّلع على ما نزل في حقّهم عليهم السلام من القرآن في مصادر الفريقين.

الاستبصار والنشاط الديني:

بعد أن بحث «صادق» مسألة الإمامة ،والخلافة وغيرها من المسائل الخلافية واتّضح له عدم انطباق الواقع الذي يعيشه ويعتقد به مع نصوص الكتاب والسنّة من جهة، وانطباق رؤية أتباع أهل البيت عليهم السلام مع نصوص الثقلين من جهة أخرى، تشرف باعتناق المذهب الشيعي في مدينة صعدة اليمنية، وكان ذلك عام 1417ه- (1996م).


1) التحريم (66) : 4 .

2) راجع تفسير الثعلبي 9 348 تفسير ابن أبي حاتم :10 3362 الحديث (18923)، تفسير ابن كثير 4 415 فتح الباري شرح صحيح البخاري :10: 353 ، كنز العمال 2: 539 ، وغيرها .

3) البرهان في تفسير القرآن 5: 420 سورة التحريم.

4) تفسير الميزان 19: 331، 340 .

وهو الآن يعدّ من شيوخ الشيعة الجعفرية في مدينته وأحد الوجهاء في عشيرته، وله نشاطات دينية كإقامة المراسيم في العديد من الحسينيات، وله مؤلفات؛ منها: الإمامة والاصطفاء بين الحقيقة والادعاء، ومقام أسمى في معرفة الأسماء الحسنى (1).


1) للمستبصر ملف خاص في مركز الأبحاث العقائدية وقد زار المركز برفقة بعض المستبصرين. هذا؛ وقد طلب المستبصر من إدارة المركز عدم ذكر اسمه الحقيقي نظراً لظروفه الخاصة، بل يذكر بالاسم المستعار، وهو صادق كرشان .

(55) عبد الجليل قاسم

(وهابي - اليمن)

ولد عام 1397ه- (1977م) في مدينة أب اليمنية، ونشأ في أجواء دفعته لاعتناق الفكر الوهابي المتشدّد، واصل «عبد الجليل» دراسته الأكاديمية حتى نال شهادة بكالوريوس هندسة أجهزة طبية.

نظراً لتأثّره بالفكر الوهابي وكيفية تعاملهم مع شيعة أهل البيت علیهم السلام - بل وكذا مع غيرهم ممن لم يوافقهم الرأي من المسلمين - لم يكن يطيق سماع هذا الاسم، يقول عبد الجليل»: لقد كان لفظ «الشيعة» لا يستسيغه سمعي جراء ما خالطه من أكاذيب وافتراءات ضد الشيعة لا ينبغي أن تصدر من مسلم ضد آخر، فلقد كان الوهابيون يُكفّرون الشيعة كما هو ديدنهم في تكفير بقية الفرق الإسلامية التي تختلف معهم في بعض أفكارهم ومعتقداتهم كالصوفية مثلاً رغم أنها من مذاهب من يسمون أنفسهم أهل السنّة.

تساؤلات واستفهامات:

إنّ ديدن الوهابية هذا في تكفير كثير من الفرق الإسلامية جعلت «عبد الجليل» يتساءل في نفسه شيئاً فشيئاً: لماذا هذه الهجمة الشرسة ضد المسلمين؟

هل يُعقل أن يكفر المسلم أخاه إن خالفه في بعض أفكاره؟ ولماذا لا تتآزر الصفوف لمواجهة العدو الحقيقي، لاسيما وأنه لا يفرّق

بين شيعي أوسنيّ أو وهابي؟

لماذا لا نعرف حجج غيرنا وأدلتهم؟

ثم لماذا لا نقبل الرأي الآخر وخصوصاً إذا جاءنا ببراهين مقنعة؟ يستمر «عبد الجليل» قائلاً: لهذا بدأت أستخدم عقلي قليلاً، وأسأل

نفسي: لماذا يقول لنا الوهابيون: لا تقرؤا كتب الشيعة، وخصوصاً أنن-ا ف-ي مجتمع لم يكن فيه للشيعة الاثني عشرية وجود، وبالتالي فلا خطر عليهم من كتب الشيعة؛ لأننا على الأقل لن نجد من سيشرح هذه الكتب شرحاً صحيحاً، بل الأمر أكثر من ذلك فإننا لن نجد بتاتاً أي كتب للشيعة في بلادنا.

التخلّي عن الفكر الوهابي والانخراط في الصوفية :

يقول «عبد الجليل»: كل هذه التساؤلات جعلتني أتخلّى عن أفكاري الوهابية شيئاً فشيئاً، غير أنني لم أكن أعرف بعد حقيقة الشيعة الامامية الاثني عشرية، فلذلك تراجعت من الخط الوهابي إلى الخط الصوفي، وبدأتُ أهتم بالمدائح والقصائد النبوية، وأنمي الجانب الروحي من خلال الرباط الصوفي في الطريقة الشاذلية.

ومع كل هذا لم أكن لأقتنع بما وصلت إليه رغم أنه كان بالنسبة لي أفضل من الوهابية بكثير ، لقد بدأت أشتري كتباً صوفية وبالأخص لأحمد

الرفاعي الذي أنتمي إليه نسَباً، فاشتريت كتاب «الحكم الرفاعية» وكتاب «البرهان المؤيد»وكتاب «حالة أهل الحقيقة مع الله»، وبدأت أقرأ بل وأحفظ كتب الموالد النبوية ك «مولد البرزنجي» و«مولد الدرديري»، وهكذا أصبحت من المتصوفين، وكنت أجهل تماماً مذهب أهل البيت علیهم السلام ، بل وأزعم كالكثير ممن يُسمون أنفسهم أهل السنة أن الذين يدعون انتماءهم إلى مذهب أهل البيت قد كذبوا على أهل البيت، وإن كنت آنذاك لا أعرف من هم أئمة أهل البيت علیهم السلام.

لقاءه مع أحد أتباع مذهب أهل البيت علیهم السلام:

في تلك الفترة دار الحديث - ذات يوم - بين «عبد الجليل» وأحد أتباع المذهب الشيعي في كلية الهندسة ببغداد عن يوم الغدير وولاية أمير المؤمنين علیه السلام، ولم يكن قد سمع عن يوم الغدير شيئاً قبل ذلك بالرغم من أنه كان مثقفاً نسبياً من الناحية الدينية ممّا أدّى إلى خجله، يقول «عبد الجليل»:

لم أكن أعلم ماهو يوم الغدير بالرغم من أنني كنت مثقفاً وخطيبا ف-ي مسجد القرية التي أقيم فيها، وأحياناً بعض مساجد القرى المجاورة لقريتي في وطني اليمن، غير أن ثقافتي كانت لاتزال وهابية فحسب، فلقد أشيع بيننا أن يوم الغدير هو يوم يجتمع فيه الشيعة رجالاً ونساءً ويصنعون المنكرات، فيطفؤون الأنوار ويأخذ كل رجل من يلقى أمامه من النساء لا على التعيين ويمارس معها الجنس ( أستغفر الله من كل تلك الافتراءات)،

هذا ماكنت أسمعه عن الشيعة، أما لماذا يجتمعون وما مناسبة هذا اليوم؟ هذا مالم أكن أجد له جواباً عند الوهابية إذ يُمنع النقاش في مثل هذه المسائل، لهذا فوجئت عند ما ذكر لي زميلي في الدراسة حديث الغدير: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه»، ولم أتورّع في قولي له: هذا الحديث كذب على رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم .

ففاجأني قائلاً: هذا الحديث موجود عندكم في صحاحكم، وكانت صدمةً كبيرةً بالنسبة لي، كيف أنني لم أسمع بهذا الحديث في مجتمعاتنا، لكنني أخذتني العزة بالإثم ، فقلت لزميلي: حتى وإن كان موجوداً فهذا لا يعني شيئاً، ولا خصوصية للإمام علي علیه السلام؛ لأنني كنت أعتقد أن الخلفاء الذين سبقوا الإمام عليّاً هم أفضل منه ، وبدأت أتهرب من النقاش في مثل هذه الأمور لأحافظ على مذهبي كما هي عادة الكثير من المتمذهبين بمذاهب من يسمون أنفسه أهل السنة أو المذهب الوهابي.

الاقتناع بالتشيّع فكرة، والتراجع عنه ممارسة:

يتابع «عبد الجليل» قائلاً: لقد كان شائعاً في مجتمعي الذي أعيش فيه أن الشيعة تقول بأن الوحي أخطأ وأنَّ النبوة كانت لعلي علیه السلام، أضف إلى ذلك أن الشيعة يقولون بتحريف القرآن الكريم، وأنهم يسبّون الصحابة، ويحلّلون ماحرم الله تعالى كتحليل المتعة. هذا كل ما كنا نعرف عن الشيعة الامامية الاثنى عشرية، ولأنني عشتُ في مجتمع سني يتمذهب وجهاؤه بالمذهب الشافعي فقد كنا نعتبر الإمام

الشافعي من أهل البيت وأنا شخصياً كنت أعتبر المذهب الشافعي مذهب أهل البيت، أما المذهب الاثني عشري فما كنت أعتبره مذهباً لأهل البيت بتاتاً، وهذا يرجع إلى جهلي آنذاك بأهل البيت الطاهرين، فلم أكن أعرف أن أهل البيت المخصوصين بآية التطهير هم أهل الكساء، بل كنت أعتبر أن من يصل نسبه إلى الإمام الحسن أو الإمام الحسين هو من أهل البيت الذين نزلت فيهم آية التطهير ، ولهذا السبب لما تراجعت عن الوهابية انتقلت إلى الصوفية، لكنني سرعان ما اكتشفت أن الصوفية ليست ما أبحث عنه، ولكنني كابرتُ وفضّلت البقاء على صوفيتي، لاسيما وأنّ التشيع سيخلق لي الكثير من المشاكل، فكيف سأقنع أسرتي بهذا التحول العقائدي؟ وكيف سأواجه مجتمعي بأفكاري الشيعية طالما وأنني لم أتزود بما فيه الكفاية حتى أرد على كل شبهة يطرحها الوهابيون ضدي؟ فلست بالذي يرضى أن يقف مكتوف اليدين لاسيما وأنا أعلم علم اليقين أنني سأواجه من الوهابيين حرباً شعواء ضد تشيعي، فقد سبق وأن شنوا حرباً ضدي عندما تصوفت وإن كنت مازلت في إطار المذاهب السنية المزعومة.

كل هذا جعلني أقتنع بالتشيع فكرة وأتراجع عنها ممارسة، ولطالما كنت أناجي الله تعالى وأسأله أن يريني الحق حقاً ويرزقني اتّباعه ويريني الباطل باطلاً، ويرزقني اجتنابه.

لقد كنت بين الحين والآخر أفكر أن أظهر تشيعي للملأ، ثم أتراجع حتى لا أفقد ما بنيته في مجتمعي طوال سنين.

البحث في مصادر الفريقين:

وهكذا لبث «عبد الجليل» يصارع ذاته ولا يصل إلى نتيجة، ثم قرّر أن يبحث عن الأدلة بنفسه في كتب الفريقين، وأن يستمع إلى كبار علماء الشيعة المعاصرين، وهكذا تكوّنت عنده مكتبة ضخمة من الكتب والمحاضرات عن كل موضوع يردعليه فيه شبهة وهابية.

يقول «عبد الجليل»: لقد فوجئتُ أن علماء الشيعة يثبتون مذهبهم من كتب السنّة، لقد أثبتوا حديث الكساء وحديث الثقلين وحديث الأئمة الاثني عشر وأحاديث ظهور الإمام المهدي علیه السلام من صحاح أهل السنّة وسننهم، وأعجبتني العبارة القائلة عندهم: «إنّ مذهباً يثبت نفسه كتب من خصمه أحق أن يتّبع ، وإن مذهباً يُحتج عليه بما في كتبه فيلجأ للتأويل والتحوير أحق أن يتجنب عنه».

ويدرج «عبد الجليل» الأمور التي كان لها السبب الأكبر في استبصاره ضمن عدة مواضيع منها:

1-التناقض الواضح بين روايات أهل السنّة في أهل البيت، وبين مواقفهم تجاه أهل البيت علیهم السلام.

2- حديث الأئمة الاثنى عشر الوارد في صحيح مسلم.

3- حديث الثقلين الوارد في صحيح مسلم ووجوب اتّباع أهل البيت.

4- مأساة كربلاء ومحاولة المخالفين إخفاءها عن أنظار المسلمين.

إتّباع مذهب أهل البيت علیهم السلام:

وهكذا بعد فترة غير قصيرة من البحث في مصادر الفريقين تبيّنت ک- «عبد الجليل» الحقيقة بصورة واضحة، فأعلن عن استبصاره وتغيير

انتمائه المذهبي، وكان ذلك عام 1427ه- (2007م).

يقول«عبد الجليل» عن معتقداته بعد الاستبصار .. فتيقنت تماماً أن مذهب أهل البيت علیهم السلام هو المذهب الحق؛ لأنهم قرناء القرآن والثقل الثاني الذي تركه فينا الرسول صلّی الله علیه وآله وسلم بعد موته، فلامرجعية بعد القرآن والسنة الصحيحة إلّا آل البيت علیهم السلام ، فهم صفوة مختارة لايقاس بهم غيرهم، ولقد تأكدت من أن شيعة أهل البيت هم أهل السنّة الحقيقين الذين لم يخالفوا الرسول صلّی الله علیه وآله وسلم كما خالفه غيرهم ممّن يطلقون على أنفسهم أهل السنّة، فشيعة أهل البيت هم المتمسكون بالقرآن والسنة وآل البيت علیهم السلام.

مؤلفاته:

1- الرحلة الشاقة من خط الوهابية إلى خط الاثني عشرية:

وهو كتيب صغير ذكر فيه المؤلّف كيفية استبصاره والأمور التي تأثر بها في هذا المجال، وقد ذكرت بعض فقراته في هذه الترجمة.

2 - قصائد حسينية.

وقفة مع قصائده وأشعاره:

يعدّ الشعر - قديما وحديثاً - من الأسلحة الفتاكة في سوح الصراع العقدي، فمنذ الصدر الأول كان له الدور الريادي في الولاء لآل البيت عالم ، وهو من الأصوات المعدودة التي علت عندما خفتت الأصوات الأخرى خشية التكميم والتعقيب والحبس والقتل، واستمر تأثير الشعر هذا في أوساط الأمة حتى زماننا الحالي، حيث سرد الشعراء مضامين ولائهم للعترة الطاهرة علیهم السلام بذوق أدبي أنيق، ومن هؤلاء الأفذاذ المستبصر «عبد الجليل»؛ الذي ملأ المواقع الموالية على شبكة الإنترنيت بقصائده الرائعة. فله قصيدة في ولاء آل النبي الأكرم صلّی الله علیه وآله وسلم، سمّاها: «هيهات مثل الآل يلقى العالم»،

جاء فيها:

في حبّ آل محمد أنا مغرمُ ***وبهم فؤادي ما حييت متيّم

روحي الفداء لهم وكل جوارحي*** والموت عشقاً للأئمة بلسم

ذرّية المختار أرباب النّهي*** من جدهم كل العلوم تعلّموا

ما خلّف المختار إلا عترة*** أرواحّهم للدين حبّاً قدمّوا

قًرن الكتاب بهم فكانوا مثلما ***كان الكتاب من الضلالة يعصم

شَقِي الذي ترك الكتاب وعترة ***أوصى بأخذهما النبيُّ الخاتم

يردا على حوض النبي المصطفى ***يوم القيامة فالموالي يغنم

ويذادُ عن حوض النبي من ادّعى ***أنّ ابن تيم للخلافة أقومُ

سنرى من الساقي غداً ومَن الذي ***يُسقى ونعرف مَن يُذادُ ويُحرَمُ

هيهات تنفعه الندامة في غد***من لا يوالي المرتضى لا يُرحم

ولسوف ينجو من تولّى حيدراً ***وبجنَّة المأوى يفوز وينعم

تالله لا ينجو النواصب من لظى ***فلهم مقام في الجحيم ملائم

عذرا أئمة آل بيت محمّد ***إن كان شعري في سواكم يُنظم

أشفي غليلي من أناس قدمّوا ***غير الوصيّ على الوصيّ وعظموا

أو مثل آل محمد يجد الورى*** هیهات مثل الآل يلقى العالم

طالت أيادي الغدر صنو محمد:

وله قصيدة في ذكر استشهاد أمير المؤمنين علیه السلام، وهي:

خطب جليل داهم الغبراء ***وكسا الوجود عباءة سوداء

خطب توغل في البسيطة كلها ***براً وبحراً، يابساً وهواءَ

فُجعت به الدنيا لأول مرة ***وكأنها لا تعرف الأرزاء

وبكت ملائكة السماء لهوله ***فنحيبهم يعلو صباح مساء

ماذا جرى فلقد بكى خير الورى*** وغدا الوجود لما جرى مستاء؟!

أغدا الوصيُّ مر جا بدمائه ***والكون يذرف دمعة حمراء؟

طالت أيادي الغدر صنو محمدٍ ***بالأمس طالت قبله الزهراء

تباً لأشقى الأشقياء بما جني*** لقد استباح جريمة نکراء

جعلته في نار الجحيم مخلداً ***بئس العقولُ إذا غدت حمقاء

أنسى بأن الله جلَّ جلاله ***جعل النبي وآله أحياء؟!

یا ویح قوم خالفوا خير الورى ***حتى يُزيحوا القمة الشمّاء

ليحرّفوا دين النبيِّ ويجعلوا*** قول الصحابة شرعةً غرّاءَ

ويبدّلوا قول النبي بقولهم ***أولم يكونوا بعده الخلفاء؟!

وَمَا لديهم سنّة عمرية ؟! صار الخليفة والنبيٌّ سواء

سرقوا الخلافة من وصي محمد*** وتعاهدوا أن يقتلوا الزهراء

يتناوبون على مكانة حيدر*** أنّى لهم أن يبلغوا الجوزاء

ليست خلافة أحمد لمن ادّعى*** الله ربی يصطفي من شاءَ

الله كم لاقى وصيُّ المصطف*** من صحب أحمدَ بعده إيذاءً

يا خطب أجّجّت الجوى في مهجة ***صارت لنعل أبي تراب فداءً

يا للفجيعة كيف سلّت صارما ***فمضى يُقطّعُ مهجتي أشلاء

لما غدا الکرار ينعى نفسه *** ودماه تخضب لحية بيضاءَ

يا ويل من نصب العداوة للذي ***أمسى صراطاً للهدى وضاءَ

طافت بقبته الأنام تبركاً ***وتلمّس المرضى السَّقام شفاء

مازلت فينا يا بن فاطم خالداً ***في كل قلب يعشق العظماء

أنت الخليفة والإمام وخير من *** بعد النبي . إلى البرية جاءَ

ما غبت عنا لحظة يا سيدي *** لوغبت عنا لم نعد أحياءً

ليس الحياة بدون آل محمد ***إلّا كمن يسقي السقيم الداءَ

فبحب آل محمّد وولائهم ***نحيا ونسكن روضة غناءً

لمصابهم تهمي الدموع غزيرة ***ويكاد يقطعنا الجوى أجزاء

لا سيما ذكرى رحيل المرتضى ***من قاتل الضُّلالَ والطلقاءَ

والناكثين أذاقهم مُرَّ النَّوى ***وبذي الفقار تمزقوا أشلاء

ناهيك عن غزوات أحمد كلّها ***سل عن جهاد المرتضى الهيجاء

من ذا الذي يُحصي مناقب حيدر هيهات أن يحصي الإمام ثناء

مضوا وسيرتهم في أنصع الصُّور:

وأنشد عن واقعة كربلاء وزيارة سيد الشهداء علیه السلام يوم الأربعين قصيدة، جاء فيها:

جُد بالدموع من العينين كالمطر ***واقصد ضريح الهدى في كربلا وزر

وانثر على وجنتيك الدمع منهمراً ***واطلب تنل كلمّا ترجوه من وطر

وقف طويلاً أمام القبر منتحباً ***واندب إمامك في العشرين من صفر

وقل لعين على سبط النبيٍّ ***يا عين جُودي بدمع منك منهمر

فرُبَّ عَبْرةَ حزن منك قد ذرفت*** كانت سبيلاً إلى الإستبرق الخَضٍر

وأصبحت سبباً ياعين وقتئذ***إلى نجاتك يوم الحشر من سقر

قم جدّد الحزن يوم الأربعين على ***ماحلٍّ في كربلا بالسبط من ضَرَر

وما تلقَّاهُ آلُ البيت حينئذ ***من الأسى والضنى والضيم والكدَرِ

أفي السبايا بنات المصطفى أخذت ***وهنًّ أفضل نسل من بني مضر؟!

أهكذا المصطفى يُجزى بعترته؟!***هذا هو الكفر لو أمعنت في النظر

بنو النبي برمضا نينوى ذبحوا ***وأصبحوا غرَضاً للكاذب الأشر

صرعى على الأرض قد حُزّت نحورهم ***وهم بنو المصطفى، هم صفوة البشر

جادوا بأنفسهم دون ابن فاطمة ***فسطّروا المجد آيات من السُّوَرِ

ليوث غاب لقوا في الطف مصرعهم ***وما استكانوا لأمر الفاسق القذر

هيهات أن تعرف الدنيا لهم شَبَهاً ***هل في الكواكب مثل الشمس والقمر؟!

هم عصبة الحق ما لانوا الطاغية ***مضوا وسيرتهم في أنصع الصَّوَرِ

ولستُ أغفل أصحاب الحسين وقد*** أبلوا بلاءً عظيماً ساعة الخطر

لم يخذلوا المصطفى يوماً بعترته*** ولم يهابوا ركوب المسلك الوَعِر

لم يرهبوا الموت في ساح الردى أبداً ***لهم على الموتِ وقع بالغ الأثر

على خُطى السبط ساروا خلف رايته*** وقاوموا الظلم حتى آخِرَ العُمر

تلك البطولات لم نعهد لها مثلاً ***أني نشاهدها في سائر الأسر

في قمّة الخلد صاغوا مجدهم قِمَمَاً ***وفي ذُرى العِز نالوا قمة الظفر

سلام ربي عليهم كلما حزنت ***نفس و جادت بدمع العين كالمطر (1)


1) المستبصر على تواصل مع مركز الأبحاث العقائدية من خلال موقع المركز على الإنترنيت، وما ذكر هنا عن سيرته وكذا قصائده هي ما تم إرسالها من قبله إلى المركز. (بتصرف يسير).

(56) عبد القادر عوض

(شافعي - اليمن)

ولد في أسرة يمنية تسكن السعودية، وواصل دراسته الأكاديمية حتى الثانوية العامة.

يقول «عبد القادر »عن الأجواء التي نشأ فيها: لقد ترعرعت في بيت مذهبه الشافعي، يأخذ أيضاً - ومن دون أدنى تأمل - بما يقوله الوهّابية. بعد نموه الفكري كان عبد القادر كثيراً ما يتردّد على المواقع الالكترونية على الإنترنيت، وقد لفت نظره موقع «مركز الأبحاث العقائدية»؛ فقرأ فيه نبذات عن حياة المستبصرين اليمنيين، حيث الظروف التي وضعتهم في طريق اعتناق المذهب الإمامي الشيعي، فطفق يتأمل فيما تأثروا به في مسير مسير الاستبصار.

شخصية سمرة بن جندب:

يتربّى المسلمون، ومنهم« عبد القادر» - من خلال ما يقال في المناهج الدراسية وخطب الجمعة، وخاصة المتأثرة بالفكر الوهابي - على أن

الصحابة بأجمعهم معصومون مطهرون، إن لم يكونوا أفضل من الملائكة فهم كالملائكة، ولكن المراجع لكتب الحديث والتاريخ يجد أن الواقع غير ذلك، ومن النماذج الواضحة التي تؤكد على هذه الحقيقة: شخصيّة سمرة بن جندب؛ الراوي الذي يروي أحاديث النبيّ صلّی الله علیه وآله وسلم، وروى له أصحاب الكتب الستة، التي يسمونها: الصحاح.

ولمعرفة حقيقة هذه الشخصية نرجع إلى كلام ذكره ابن أبي الحديد المعتزلي، قال: «قال أبو جعفر وقد روي أن معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتى يروي أن هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعجِبُكَ قَولُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحَرثَ وَالنَّسلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ }(1)، وأن الآية الثانية نزلت في ابن ملجم، وهي قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرضَاتِ اللَّهِ }(2)، فلم يقبل ، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل، فبذل له ثلاثمائة ألف فلم يقبل ، فبذل له أربعمائة ألف فقبل، وروى ذلك» (3)

فمعاوية يبذل أربعمائة ألف درهم لأحد الصحابة حتى يحرف القرآن ويقول: أنّ هذه الآية نزلت في الإمام علي، فيصبح تشويه شخصية الإمام علي من قبل الله تعالى ويمجد ابن ملجم، وبأنه يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله ، علماً أن النبي صلّی الله علیه وآله وسلم قال فيه: أنه أشقى الآخرين.


1) البقرة: 204 - 205.

2) البقرة: 207.

3) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 73:4.

وسمرة نفسه يروي عن رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم أنه قال: «من روى عني حديثاً يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين»(1).

وهذا الخلط عند السلاطين الظلمة يذكر بمكائد الشيطان ووساوسه، وهو ما عبّر عنه الإمام علي علیه السلام: «فلو أنّ الباطل خلص من مزاج الحق لم يخف على المرتادين ، ولو أنّ الحق خلص من لبس الباطل لانقطعت عنه ألسن المعاندين، ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه، وينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى (2).

فبين علیه السلام أسباب ودواعي اتّباع الناس للرجل المبتدع، وهو: أن التمويه والتضليل طريق يسلكه ومنهج يتخذه ليصل إلى مبتغاه. فلو أنّ الباطل كان ظاهراً بيناً لم يخف على طلاب الحق ورواده، الذين يهمهم الالتزام به واتباعه؛ إذ ليس بين الناس وبين الحق عداوة، ولو أن الباطل كان واضحاً ظاهراً لاجتنبه الناس وابتعدوا عنه.. ولكن هذا المبتدع يأخذ من الباطل مضمونه وحقيقته، ومن الحق شعاره وثوبه، ثم يلبس الثوب للمضمون ويأخذ بعرض ذلك أمام الناس، فيستهوي الضعفاء وأصحاب العقول الخفيفة، فيجرهم إليه وإلى نهجه، ويدعوهم إلى الإيمان بما يطرحه ويذهب إليه، فترى كثيراً منهم يتبعون أثره ويرفعون شعاره ويحاربون من أجله..


1) سنن أبي داود: 121.

2) نهج البلاغة 1 99، الخطبة 50.

لقد خلط الحق بالباطل فاشتبه الأمر على من لا معرفة لهم بالأمور، ولا دراية لهم في تمييز الحق من الباطل، وهذا النموذج ما أكثر مصاديقه في الدنيا، وفي كل يوم شعار يرفع، وناس تتبع، وفي زماننا: شيوعية واشتراكية ورأس مالية ودراوينية وهندوسية، وهكذا تتعدّد المدارس، وتكثر الآراء، و تختلف النظريات.

ولكن الإنسان المسدّد المؤيّد بقوة عقلية، الذي يرى بنور الله، وما وضعه له من العلامات ونصبه له من الأدلة، يهتدي إلى تزييف الباطل

ورفضه، ومعرفة الحق والإيمان به، فهو من الذين سبقت لهم من الله الحسنى، وأما غيرهم فمن أولياء الشيطان وأتباعه الذين يمشون في ضلال وعمى..

فالدهاة من السلاطين والوضاعين لا يكذبون في كل شيء، ومن خلال دراسة أحاديث سمرة بن جندب نجد بعضها صحيحاً قد رواها غيره وبعضها الآخر بين مزيد ومبتور أو منقوص، فلذلك يغتر الناس بمجمعها؛ إذ عندنا يجدون أن سمرة، الذي كان والياً على البصرة، قد قال كلاماً صحيحاً، أو سمعوا منه كلاماً صحيحاً قد سمعوه من غيره، يطمئن أغلبهم إلى أنه صادق في كلامه كلّه، وحينما يأتي فيكذب لا ينتبهون إلى كذبه. أما لو أنه يكذب في كل الأحوال لانكشف مبكراً؛ فأساليب السلطان سهلة في إيصال الكذب، فأي ماكر يستطيع أن يوصل كذبة معينة، بأن يصدق في أخواتها، يعني إذا أراد الكذبة أن تذهب بين الناس فعليه أن

يصدق قبلها وبعدها، فتمشي في عموم الكلام وفي عموم الحديث وتدخل إلى الناس.

وهناك أمر آخر، وهو: أن ثقافة السلطة يكون لها أصل صحيح، بمعنى أنها تأخذ أصلاً صحيحاً، فتزيد فيه كلمة أو تنقص فيه كلمة أو تحرّفه قليلاً، ولذلك لا ينتبه الباحثون البسطاء عندما يقرؤون مثل هذه الأمور.

فسمرة بن جندب - مثلاً - لابد في فهم حديثه من توفّر معايير معينة، فكل حديث في الجبر أو الإرجاء فهو من السلطة، وكل حديث في تضخيم الأمر الصغير أو تهوين الأمر العظيم منها أيضاً، وهكذا..

فهذه المعاير لابد أن نعرضها على القرآن الكريم، ما عظمه القرآن يجب أن يعظمه الحديث، وما هونه القرآن يجب أن يهونه الحديث، وما أهمله القرآن غالباً يجب أن يهمله الحديث، وكذلك فيما يخص العقائد التي ذكرت.

فسمرة بن جندب - مثلاً - انفرد بحديث قال فيه: قال رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم:

«الميت يعذب ببكاء الحي»(1)، وهذا منكر ؛ لأنه يتعارض مع قوله تعالى: {وَلا تَزرُ وَازِرَةٌ وزرَ أُخرَى }(2).

وكذلك له حديث في الاستئصال والإبادة الجماعية، عندما نسب إلى النبي صلّی الله علیه وآله وسلم قوله: «اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم»(3). يعني:


1) المعجم الكبير 7: 216.

2) الأنعام: 164.

3) مسند أحمد 5 :12

صبيانهم، وقد فعلها سمرة بن جندب، حتّى مع المسلمين، كان يكاد يهلك المسلمين ويبقي على أطفالهم أو على شبابهم.

وكذلك حديث: من دعي إلى سلطان فلم يجب فهو ظالم لا حق له»(1).

فيجب أخذ المعايير من القرآن، ثم الرجوع إلى الأحاديث وقياسها على ما عظم القرآن وما هون؛ لأن النبي صلّی الله علیه وآله وسلم إنما يتّبع ما يوحى إليه، ويفصل ما يوحى إليه، ولا ينفرد بسنّة كبيرة، يعني: لا تستطيع أن تقول: أن النبي انفرد بحكم كبير والقرآن ،أهمله لابد أن يكون شارحاً ومبيّناً وموضحاً لمجمل القرآن.

لقد كان لدى معاوية مشروع كامل، ورث أسسه من الإدارة البيزنطية، وأشرف على تنفيذه رجال مثل سرجون بن منصور وغيره، وأضاف لهذا المشروع أبعاداً دينية وعقائدية، ومن مظاهر تلك الأبعاد الدينية: شتم الإمام علي علیه السلام وبرنامج للإساءة لآل البيت، ولتشويه شخصية الإمام علي علیه السلام، ليس فقط بالشتائم وإنما بالتقول على النبي صلّی الله علیه وآله وسلم أموراً كثيرة. يجب أن نتعامل مع هذا البرنامج، الذي كان سمرة وزياد، والمغيرة قبلهما، أدوات في تنفيذه، فبرنامج معاوية تعلّق بتدمير العراق ولاسيما مدينة الكوفة؛ فمعاوية الذي صار سيّد الشام شعر بالمخاطر على نفسه وعلى مشروعه من الكوفة، فالإمام علي علیه السلام لم يزحف ضد معاوي-ة م-ن الحجاز وإنّما زحف ضدّه من الكوفة، فكان برنامج معاوية التخلّص من الكوفة


1) المعجم الكبير 7 :225.

وبالوقت نفسه إذا استطاع التخلّص من البصرة لا بأس، ولذلك سلّط رجالاً استأجرهم وكانوا كلّهم مرضى بجانب نفسي أو خلقي، فالتشابه بين زياد بن سمية وسمرة ابن المرأة الجملية هو تشابه كامل، وبالتالي معاوية كما أغرى زياد بالنسب أغرى سمرة بالمال، والذي يقدم على قتل الناس وه-م أبرياء ألا يقدم على شتم الإمام علي علیه السلام؟!

ألا يقدم على نسبة أحاديث إلى النبي صلّی الله علیه وآله وسلم؟!

فالتعامل الآن مع سمرة وسواه من رجالات السلطة الأموية هو في الحقيقة تعامل سلطوي ضمن مشروع، استهدف إزالة الإسلام، أو تزييف

الإسلام وإبداله بإسلام هو الإسلام السفياني أو الأموي.

وبقية البرنامج ينفّذ أيام يزيد: تدمير المدينة المنورة وقتل العلماء بالمئات فيها، ثم الذهاب لتدمير الكعبة بعد كربلاء، وقد أورد خليفة بن

خياط أسماء العلماء من التابعين وسواهم الذين قتلوا في واقعة الحرة، فهذه محاولة مكشوفة ضمن مخطط تتابع كل أفراد الأسرة الأموية على تنفيذه، وضمن هذا البرنامج: الكذب واختراع الأحاديث وفرضها بالقوة، من يستطيع أن يقول لسمرة أنت تكذب، وهو يملك السيف، ويقول: اقتلوه، فإن كان مؤمناً يذهب إلى الجنّة، وإن كان كافراً يذهب إلى النار؟! إلى ما غير ذلك من أمور.

التأمّل في الحقيقية يسير به إلى الالتحاق بالحق:

بعد فترة من البحث والتحقيق، وبعد اطلاعه على الحقائق أعلن «عبد القادر» عن تغيير انتمائه المذهبي والالتحاق بركب أتباع مذهب أه-ل البيت علیهم السلام ، و كان ذلك في مدينة مارب اليمنية عام 1415ه- (1995م) (1). يقول عبد القادر عن مسير الاستبصار:... المهم في مسيرتي هذه هو أنّي أعتبرها صراعاً بعيد المدى، وأنا ماض في غمار هذا الصراع حتى آخر ،رمق، ومصر على أن يكون حسم هذا الصراع في يد الحق لا في يد الباطل.


1) للمستبصر ملف خاص في مركز الأبحاث العقائدية»، وقد راسل المركز عدة مرات من خلال موقعه على الإنترنيت.

(57) عبد الله صالح

(شافعي - اليمن)

ولد عام 1401ه- (1981م) في محافظة شبوة» اليمنية، عاش في أجواء دفعته لأن ينشأ أشعري العقيدة شافعي المذهب صوفي المشرب، واصل

عبد الله دراسته في دار المصطفى بتريم.

يقول «عبد الله»عن مبدأ بحثه عن هويته الدينية بجد وما سار به إلى الاستبصار في نهاية المطاف شاء الله أن أتعرّف على أحد المستبصرين من المؤمنين الذين يخفون تشيّعهم خوفاً من جهل الناس، ودار الحوار بيننا حول تاريخ المسلمين وما حصل لأهل البيت علیهم السلام، وكان أول كتاب وقع بيدي كتاب المراجعات للسيد عبد الحسين شرف الدين، وعند قراءتي للكتاب أصابني الذهول، لقد كنت أقرأ الكتاب بشوق لم أجده عند قراءتي لغيره من الكتب، وخاصة أني وجدت فيه حلاً لتساؤلاتي القيمة التي ثارت ثائرتها عند القراءة.

ومن هنا قرّر «عبد الله» البحث والتحقيق أكثر من ذي قبل، فطلب من المستبصر أن يوفّر له مثل هذه الكتب، وفعلاً دله على صديق له في «عدن»، فذهب إليه وأعطاه بعض الكتب، وهكذا بدأت رحلته إلى الثقلين.

بعد عودة «عبد الله» إلى دار المصطفى الذي كان يواصل دراسته فيه قام بطرح بعض الأسئلة الشائكة في ذهنه على شيوخه هناك.

رزية الخميس وتوجيه سخيف:

من الأمور التي ناقشها «عبد الله» مع مشايخ بلدته واقعة «رزية الخميس»، التي أوردتها المصادر التاريخية المعتبرة عند أهل السنّة بحذافيرها، حيث يقول الرسول الأكرم صلّی الله علیه وآله وسلم عندما يشتد به الوجع قبل رحيله وعنده جمع من الصحابة: «ائتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعدي»؛ فتنازعوا عنده، وقال عمر: إن النبي قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله، فاختلف الصحابة في ما بينهم واختصموا، منهم من يقول: قربوا يكتب لكم النبي كتاباً لا تضلوا بعده ، ومنهم من يقول ما قال عمر، فقال النبي صلّی الله علیه وآله وسلم: «دعوني، فالذي أنا فيه خير»(1).

فعندما أشكل عبد الله على هذا العالم السنّي بأن الصحابة وفي صدارتهم عمر بن الخطاب لماذا رفضوا هذا المشروع العظيم الذي كان الرسول الأكرم صلّی الله علیه وآله وسلم يريد أن يقدّمه للأمة الإسلامية لأمانها من الضلال والهلاك ؟!

قال العالم السنّي: إن هذا الحديث قد ردّ عليه العلماء بأجوبة مقنعة بلغت أربعين جواباً.


1) مصادر الحديث مذكورة في الهوامش الآتية.

ثم اختار من تلك الأجوبة ما قاله علماء الصوفية من أنّ رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم أراد أن يتكلّم عن الحقائق، ومعنى ذلك عند الصوفية علم الكشف والباطن وما يعبرون عنه بعض الأحيان بالعلم اللدني، ولأن عمر أدرك بفطنته الخارقة أنّ هذا النوع من العلم لن تتحمله صدور الحاضرين، فقام بصرف النبي صلّی الله علیه وآله وسلم عن ذلك، فقال: حسبنا كتاب الله.

فقال «عبد الله مخاطباً ذاك العالم السنّي: إنّك تتّهم النبي صلّی الله علیه وآله وسلم بأنه أخطأ حين قال بأن كتابة الكتاب سيعصم الأمة من الخطأ، وهكذا تجعل لعمر مستدركاً لأخطاء رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم!! وهذا يعني أن عمر فاق النبي صلّی الله علیه وآله وسلم

في الفهم، وقد جعلته أحرص على الأمة منه والذي قال تعالى فيه: {لَقَد جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِن أَنفُسِكُم عَزِيزٌ عَلَيهِ مَا عَتُم حَرِيصٌ عَلَيكُم

بالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}(1).

فضرب ذاك العالم الطاولة بيده، وقال: أنت تتجرأ على الصحابة، وكأنك لا تدري من هو عمر الذي تتحدّث عنه ؟! ونسي بذلك أنّه نسي أن يدافع عن الرسول صلّى الله عليه وسلم حين اتّهم بالهذيان والهجر.

وقفة في رزية الخميس:

قد يبدو لأول وهلة - لبعض عوام الناس - أن ما جرى في هذه الواقعة لأمر بسيط؛ فهو قد عبّر عن حالة في لحظة معينة ثم انتهى فعله، لكنه في الحقيقة يعبّر عن علامة تصدّع في الجسم الإسلامي آنذاك، وافتراق الطوائف وظهور الأحزاب.


1) التوبة: 128

فلا أحد من المسلمين يجهل هذه الواقعة فهي مما حبلت بها الكتب التاريخية، واصطلح عليها بيوم الرزية؛ لأن ابن عباس هو الذي أطلق عليها هذا الاسم مما رآه من هول عظيم، وخصوصاً أنه في حضرة الرسول الكريم صلّی الله علیه وآله وسلم حيث يقول: يوم الخميس، وما يوم الخميس! ثم بكى حتى بل دمعه الحصى، فقال سعيد بن جبير وما يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم وجعه، فقال ائتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعدي؛ فتنازعوا وما ينبغي عند نبي تنازع وقال: ما شأنه أهجر ؟ استفهموه!! فقال: «دعوني، فالذي أنا فيه خير».

(1)قال ابن عباس: إنّ الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم(2)وفي حديث آخر في صحيح البخاري .. قال عمر: إن النبي قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول: قربوا يكتب لكم النبيّ صلّی الله علیه وآله وسلم كتاباً لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر (3). وقد كثر الجدل والنقاش حول هذا الحديث، فقد اعتبره بعض من الموارد التي لم يتعبّد بها الصحابة ودليل على عدم عدولهم ومخالفتهم

الصريحة له في حياته صلّی الله علیه وآله وسلم.


1) صحيح مسلم 5: 75.

2) صحيح البخاری:138:5

3) صحیح البخاری9:7

واستدل آخرون به علی وقوف مجموعة من الصحابة ضد تعيين الوصي الشرعي بعده صلّی الله علیه وآله وسلم، حيث أنه كان يتوخى تثبيت الأمر بطريقة توثيقية لا لفظية كما حصل في غدير خم، لكن وقع الهرج والمرج عنده. ويمكن الإشارة - إضافة إلى الأمرين المذكورين - إلى أن حقيقة

الحديث تتضح عن طريق آخر عبر حديث الثقلين، وذلك من خلال تقارب اللفظين حيث قال الرسول الأكرم صلّی الله علیه وآله وسلم في حديث الرزية: «ائتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده»، وقوله في حديث الثقلين: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، كتاب الله وعترتي»، ففهم الصحابة بطريقة غير مباشرة أنّ هذه الوصية خاصة بتثبيت أولوية آل البيت وعلى رأسهم أمير المؤمنين علي علیه السلام، فوقع اللغط بحضوره صلّی الله علیه وآله وسلم حتى لا يكون ما أراده (1).

أبصرت الطريق:

بعد مشاهدة الإشكالات التي أوردها «عبد الله بالنسبة لمكانة بعض الصحابة عند أهل السنّة وغير ذلك من الأمور ، وبعد اليأس من أن يرجعوه إلى ما كانوا يروه صحيحاً بزعمهم حاولوا إسكاته وصرفه عن البحث، ثم انّهم لم يكتفوا بذلك حتى قاموا بطرده من المدرسة التي كان يدرس فيها. يقول «عبد الله»: .. وفي آخر المطاف قاموا بطردي، وذلك بعد دراسة استمرت أكثر من خمس سنوات لم يكن فيها أي تجاوزات مني، ولكن قالوا أني أصبحت خطراً على الطلاب.


1) راجع تاريخ الشيعة بين المؤرخ والحقيقة: 147 - 149.

وهكذا وبعد فترة من البحث والتحقيق توصّل «عبد الله» إلى أحقّية المذهب الشيعي وأنّه المعتقد الذي يريده الله سبحانه وتعالى من عباده، فأعلن عن استبصاره، واعتناقه لمذهب أهل البيت علیهم السلام، وكان ذلك في تريم حضرموت اليمنية.

كما بدأ بعد ذلك بكتابة قصة الاستبصار، وما تعرض له في هذا المسير، وسمّاه: «أبصرت الطريق» (1).


1) المستبصر على تواصل مع مركز الأبحاث العقائدية من خلال موقعه على الإنترنيت.

(58) عبد الواحد كرشان

(وهابي - اليمن)

ولد عام 1400ه- ( 1980م) في محافظة«الجوف» اليمنية، وتربّى في مجتمع دفعه لاتباع الفكر الوهابي، واصل عبد الواحد» دراسته الأكاديمية

حتى نال شهادة الديبلوم في مادّة التربية.

يبين «عبد الواحد» الفترة التي نشأ فيها معتقداً بصحة الفكر الوهابي، ومبدأ تأثره بمذهب أهل البيت علیهم السلام ، فيقول : كنت على المذهب الوهابي الذي لا يسمح لكل معتقديه بمعرفة عقائدهم بصورة كاملة، بل يخفي بعض الحقائق التي يرى أن من شأنها أن تفضحه.

وبعد التعرّف على أحد الأخوة في اليمن بدأت المناقشات والحوارات في المجال الاعتقادي بيني وبينه وكنت كلّما آتي له بدليل دحضه بدليل أقوى منه، وهكذا استمرت المحاورات لأكثر من شهر، وبعد الفترة التي قضيناها في النقاش وأنا أكابر أمامه صار ضميري مذعن له ومصدّق لما

يقوله، فبدأت بقراءة الكتب الشيعية لأرى فيها الأدلة الرصينة التی لا يستطيع أن يرفضها أي شخص منصف. الفرق بين المذهب الجعفري وغيره من المذاهب:

يقول «عبد الواحد» عن منشأ الاختلاف بين المذاهب، والانشقاقات الحاصلة في الدين الإسلامي: إن الاختلاف بين المذاهب الإسلامية اختلاف قديم، بل يمكن القول بأنّه بدأ في عصر النبي صلّی الله علیه وآله وسلم حيث أطلق صلّی الله علیه وآله وسلم كلمته المشهورة: علي وشيعته هم الفائزون»(1)، وهذا يوحي إلى أنّ هناك تعدّد، فهناك شيعة لعلي الصلاة وهناك غير الشيعي، ثمّ تطورت التسمية للمذهب غير الشيعي حتى قيل: مذهب الخلفاء في قبال مذهب أهل البيت علیهم السلام.

ثمّ انبثقت من مدرسة الخلفاء عدة مذاهب، وعلى رأسها المالكية والحنفية والشافعية والحنبلية، ثمّ جاء ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، ثم انشطرت الوهابية إلى تيارين: وهّابي وسلفي.

وهذا التعدّد في التسمية لهذه المذاهب يقابله مذهب أهل البيت علیهم السلام الذي ما زال على تلك الحالة التي أطلقها عليه النبي صلّی الله علیه وآله وسلم، فالمذهب الشيعي أقره النبي صلّی الله علیه وآله وسلم دون المذاهب الأخرى، وهذا فرق جذري بين المذهب الشيعي وغيره. وأما الفرق على نطاق الدليل:


1) راجع تاريخ مدينة دمشق 42 : 333 ، الدر المنثور 6 : 379 ، فتح القدير للشوكاني 5 : 477 ، وغيرها من الفضائل التي ذكرت شيعة الإمام علي علیه السلام على لسان النبيّ الأكرم صلّی الله علیه وآله وسلم.

فإن مدرسة أهل البيت عليهم السلام تتمسّك بالدليل الوارد عن الكتاب والسنّة، حيث تأخذ السنّة المفسّرة للقرآن الكريم لكي تصل إلى المراد من الآية الشريفة، من دون الاعتماد على التفسير بالرأي كما تفعل المذاهب الأخرى. فالدليل عند أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام هو غاية المرام، ولا يمكن أن يجتهد أحد في قباله فأتباع هذا المذهب يريدون أن تكون لهم الحجة يوم القيامة حين يخاطبهم الباري جلّ وعلا. وأمّا المدارس الأخرى فقد أعطت لنفسها صلاحية الاجتهاد في مقابل النص الشرعى، وهذا ما أدى إلى اختلاف المسلمين سواء على نطاق العقيدة أو التكاليف الشرعية.

ومن الفروق أن مدرسة أهل البيت عليهم السلام تتمسّك بأحقّية الإمام عليعلیه السلام بالخلافة، ولها أدلتها من كتب جميع الطوائف، بينما المدارس الأخرى تتمسّك بشرعية السقيفة حيث جعلت عمل الصحابة أقوى من كلام النبي صلّی الله علیه وآله وسلم في كثير من المجالات.

النبي هذا وقد اعتمدت مدرسة أهل البيت عليهم السلام التأويل لكي لا تقع في التجسيم والتشبيه، ولديها الأدلة على العمل به، بينما المدارس الأخرى لا تقرّ بالتأويل حسب الظاهر، إلّا أنّ الباحث إذا رجع إلى كتبهم وجد فيها التأويل، ولا أدري كيف نفوه وكتبهم - في الوقت نفسه - مليئة بنماذج منه.

اتّباع الدليل:

بعد اقتناعه بالأدلة والبراهين الساطعة في ضرورة اتباع مذهب أهل البيت عليهم السلام ذلّل «عبد الواحد» نفسه المتعطّشة لنيل الحقيقة فأعلن عن استبصاره وتغيير انتمائه المذهبي، وكان ذلك في محافظة الجوف اليمنية.

وله أنشطة عديدة بعد الاستبصار، فقد أصبح مسؤولاً لإحدى المؤسسات الدينية في اليمن، ونظراً لقدرته على التأليف في المجال التاريخي والاعتقادي قرّر عبد الواحد الغور في هذا المجال أيضاً، وله عدة تأليفات ومقالات، منها:

-أويس القرني، بشارة السماء.

-الخلافة في منظور الدين والمجتمع.

-تدوين الحديث أم شعر الجاهلية.

-الراسخون في العلم أئمتنا أم أئمتهم؟

• أمهات المؤمنين بين الأخذ والرد (1).

1) ما ذكره المستبصر من سيرته وكتاباته نقل عمّا بينه هو لمركز الأبحاث العقائدية عبر موقع المركز على الإنترنيت . (بتصرف يسير في بعض العبارات).

(59) عبد الوهّاب المزيقر

(زيدي ثمّ وهّابي - اليمن)

ولد في محافظة «حجة اليمنية الواقعة في شمال غرب العاصمة صنعاء، نشأ في بيئة زيديّة، ولكن مع الأيام دخلت الوهابية في ثوب جميل المنظر فجذبت نحوها ضعاف النفوس، والذين لا يفقهون حديثاً، ومنهم «عبد الوهّاب» الذي تأثر بأفكارهم، وعاش معهم فترة طويلة.

نقطة التحوّل :

كان «عبد الوهاب» كثير البحث والمطالعة، وخاصة في ما يرتبط بسائر المذاهب الإسلامية، ومن هنا كان كثيراً ما يتردّد على مكتبة أبيه التي كانت تحتوي على الكثير من فكر أهل البيت علیهم السلام، فشاءت الأقدار الإلهية أن يتأثر بإحدى تلك الكتب، الأمر الذي سار به لقراءة الكتب الأخرى في هذا المجال بعد ذلك.

يقول «عبد الوهاب»: بفضل الله عزّ وجلّ بدأت أقرأ كتب والدي والتي كانت تحمل فكر أهل البيت علیهم السلام، ومن أهم هذه الكتب كتاب:

العباس بن علي علیه السلام رائد الكرامة والفداء في الإسلام، للشيخ باقر شريف القرشي، بدأت أتصفح هذا الكتاب المفيد والجميل الذي شدّني بعد ذلك للاطلاع على باقي الكتب التي يتحدث مؤلّفوها عن علم أهل البيت عليهم السلام ومكانتهم ودورهم في الحياة الإنسانية.

العبّاس بن علي عليهم السلام رائد الكرامة والفداء في الإسلام :من الشخصيّات الفذّة التي قام مؤلّفو الشيعة بدراسة شتى جوانب حياته السامية ودوره في تشييد واستقامة الدين الإسلامي الحنيف شخصية أبي الفضل العباس ابن أمير المؤمنين عليهما السلام، فقد كتب علماء الشيعة أيّد الله خطاهم الكثير عنه، ووضعوا أقواله وأفعاله تحت المجهر، فوجدوا فيها الصفات الشريفة والقيم النبيلة، فقد تجسّدت فيه الشهامة والنبل والوفاء والمواساة، وهو الذي واسى أخاه أبا الأحرار الإمام الحسين علیه السلام في أيام محنته الكبرى، ففداه بنفسه ووقاه بمهجته. يقول الشيخ باقر شريف القرشي عن الشخصية العظيمة في مقدّمة الكتاب:

برز أبو الفضل العباس علیه السلام على مسرح التاريخ الإسلامي كأعظم قائد لم تعرف له الإنسانية نظيراً في بطولاته النادرة بل ولا في سائر مثله الأخرى التي استوعبت - بفخر - جميع لغات الأرض.

لقد أبدى أبو الفضل يوم الطف من الصمود الهائل، والإرادة الصلبة ما يفوق الوصف، فكان برباطة جأشه وقوة عزيمته جيشاً لا يقهر، فقد أرعب

عسكر ابن زياد وهزمهم نفسياً، كما هزمهم في ميادين الحرب.

إنّ بطولات أبي الفضل كانت ولا تزال حديث الناس في مختلف العصور، فلم يشاهدوا رجلاً واحداً مثقلاً بالهموم والنكبات يحمل على جيش

مكثّف مدعّم بجميع آلات الحرب قد ضمّ عشرات الآلاف من المشاة وغيرهم فيلحق بهم أفدح الخسائر من معداتهم وجنودهم، ويقول المؤرخون عن بسالته - يوم الطف : إنه كلما حمل على كتيبة تفرّ منهزمة من بين يديه يسحق بعضها بعضاً قد خيّم عليها الموت، واستولى عليها الفزع والذعر قد خلعت منها الأفئدة والقلوب، ولم تغن عنها كثرتها شيئاً. إنّ شجاعة أبي الفضل وسائر مواهبه ومزاياه مما تدعو إلى الاعتزاز والفخر ليس له وللمسلمين فحسب، وإنما لكل إنسان يدين لإنسانيته، ويخضع لقيمها الكريمة.

ومثَّل أبو الفضل العباس علیه السلام في سلوكه مع أخيه الإمام الحسين علیه السلام حقيقة الأخوة الإسلامية الصادقة، وأبرز جميع قيمها ومثلها، فلم يبق لون من ألوان الأدب، والبر والإحسان إلّا قدمه له، وكان من أروع ما قام به في ميادين المواساة له، إنّه حينما استولى على الماء يوم الطف تناول منه غرفة ليشرب، وكان قلبه الزاكي كصالية الغضا شدة الظمأ، فتذكر في تلك اللحظات الرهيبة عطش أخيه الإمام الحسين علیه السلام وعطش الصية من أهل البيت علیهم السلام ، فدفعه شرف النفس وسموّ الذات إلى رمي الماء من يده، ومواساتهم في هذه المحنة الحازبة، تصفّحوا في تاريخ الأمم والشعوب فهل تجدون مثل هذه الأخوّة الصادقة؟!! انظروا في سجلات نبلاء الدنيا فهل ترون مثل هذا النبل، ومثل هذا الإيثار؟!

الله أكبر أي رحمة مثل هذه الرحمة وأيّة مودة مثل هذه المودّة!! إن الإنسانية بجميع قيمها ومثلها لتنحني إجلالاً وخضوعاً أمام أبي الفضل علیه السلام على ما أبداه من عظيم النبل لأخيه الإمام الحسين أبي الأحرار وسيّد الشهداء علیه السلام.

والشيء الذي يدعو إلى الاعتزاز بتضحية أبي الفضل ونصرته لأخي-ة الحسين له أنها لم تكن بدافع الأخوة والرحم الماسة وغير ذل-ك م-ن

الاعتبارات السائدة بین الناس، وإنما كانت بدافع الإيمان الخالص لله، ذلك الإيمان الذي تفاعل مع عواطف أبي الفضل، وصار عنصراً من عناصره، ومقوماً من مقوماته، وقد أدلى بذلك في رجزه حينما قطعت يمينه التي كانت تفيض برا و براً وعطاء للناس، قائلاً:

والله إن قطع تم يميني *** إنّي أحامي أبداً عن ديني

وعن إمام صادق اليقين

إنّ الرجز في تلك العصور كان يمثل الأهداف والمبادىء والقيم التي من أجلها يقاتل الشخص، ويستشهد في سبيلها، ورجز سيّدنا العباس علیه السلام صريح واضح في أنه إنما يقاتل دفاعاً عن الدين ودفاعاً عن المبادىء الإسلامية الأصيلة التي تعرضت إلى الخطر أيام الحكم الأموي الأسود، كما أنه إنما يقاتل دفاعاً عن إمام المسلمين سبط رسول الله وريحانته الإمام الحسين المدافع الأول عن كرامة الإسلام، فهذه هي العوامل التي دفعته إلى التضحية، وليس هناك أي دافع آخر ، وهذا هو السر في جلال تضحيته، وخلودها عبر القرون والأجيال.

لقد استشهد أبو الفضل العباس علیه السلام من أجل المبادىء العليا التي رفع شعارها أبو الأحرار أخوه الإمام الحسين علیه السلام، والتي كان من أهمها أن يقيم في هذا الشرق حكم القرآن، وينشر العدل بين الناس ويوزع عليهم خيرات الأرض، فليست هي لقوم دون آخرين. لقد استشهد أبو الفضل علیه السلام من أجل أن يعيد للإنسان المسلم حريته وكرامته، وينشر بين الناس رحمة الإسلام، ونعمته الكبرى الهادفة لاستئصال الظلم والجور، وبناء مجتمع لا ظلّ فيه لأي لوم من ألوان الفزع والخوف. لقد حمل أبو الفضل علیه السلام مشعل الحرية والكرامة، وقاد قوافل الشهداء إلى ساحات الشرف، وميادين العزّة، والنصر للشعوب الإسلامية التي كانت ترزح تحت وطأة الظلم والجور.

لقد انطلق أبو الفضل علیه السلام إلى ميادين الجهاد من أجل أن ترتفع كلمة الله تعالى عالية في الأرض تلك الكلمة التي هي منهج كامل للحياة الكريمة بين الناس.

كان العبّاس علیه السلام أيّام المحنة الكبرى التي حلت بأخيه ملازماً له لم يفارقه، وقدّم له جميع ألوان البر والإحسان، فكان يقيه بنفسه ويفديه مهجته، فهو صاحب لوائه، ومدير شؤونه، والمتصدّي لخدماته، ويقول الرواة: انه قد استوعب حبّه والإخلاص له قلب أخيه الإمام الحسين علیه السلام حتى فداه بنفسه، وكان عليه ضيفاً، فلم يسمح له بالحرب حتى بعد مقتل أصحابه وأهل بيته، لأنه كان يشعر بالقوة والمنعة، مادام حيّاً إلى جانبه، ولما

استشهد العباس شعر الإمام الحسين بالوحدة والغربة والضياع بعده وفقد كلّ أمل له في الحياة، وراح يبكي عليه أمر البكاء، ويندبه بذوب روحه، وسارع إلى ساحة الحرب ليلتقي به في الجنان الخلد (1).

ماذا بعد الحق إلا الضلال :

بعد قراءة «عبد الوهاب» لهذا الكتاب وكتب أخرى عن أهل البيت علیهم السلام فتحت أمامه آفاق واسعة، فقرّر أن يشدّ رحاله للبحث عن بقية

السلسلة التي بموجبها يرى النور الذي خفي عن الكثير من المسلمين، فسافر إلى منطقة الحديدة، واطلّع هناك على المذهب الشافعي وما يوجد فيه عن أهل البيت علیهم السلام عن قرب، الأمر الذي زاده ثقة في ما هو فيه، كما تحاور هناك مع الكثير من أهل السنة المتأثرين بمذهب أهل البيت علي. ثمّ سافر إلى صنعاء وبدأ بالبحث هناك، وبعد فترة غير قصيرة من التحقيق في الكثير من مصادر الفريقين اكتملت له الصورة وأصبحت في إطار ذهبي - كما يقول هو - فاستبصر وغير انتماءه المذهبي ليكون من أتباع وشيعة أهل البيت علیهم السلام(2)


1) العباس بن علي علیه السلام رائد الكرامة والفداء في الإسلام: 11 - 19.

2) أعلن المستبصر عن استبصاره عام 1426 ه- في مساهمة له في موقع مركز الأبحاث العقائدية على الإنترنيت، وله تواصل مع موقع المركز.

(60) عصام علي يحيى العماد

(وهّابي - اليمن)

مرّت ترجمته في ( 3 :81) من هذه الموسوعة، ونشير هنا إلى ما لم يتمّ ذكره سابقاً.

كان تغيير انتماء «عصام» العقائدي من الوهّابية إلى مذهب أهل البيت علیهم السلام 1409ه- (1989م) في مدينة الرياض عاصمة السعودية. وقد أجرت مجلة «النافذة» لقاءً معه في عددها ال- 20 لشهر ذي الحجة عام 1432ه- ، ذكر فيه مقتطفات من سيرته، والعوامل التي أدّت إلى

استبصاره، نذكر هنا بعض فقرات اللقاء:

النافذة: كيف كانت تجربة الدكتور عصام في رحلته إلى عالم التشيّع؟ - تتميز تجربتي بتلوّن خاص في أطوارها ومراحلها، فقد عرفني الشارع السني والشارع الوهابي إماماً لأحد مساجد الوهابية في مدينة صنعاء اليمنية ومدرّساً فيه، وأنا طالب العلم الذي حضرت عند كبار علماء الوهابية - منهم القاضي أحمد سلامة، والعلامة محمد بن إسماعيل العمراني، والدكتور عبد

الوهاب الديلمي ، كما نلت نصيباً من الحضور عند الشيخ عبد العزيز بن باز مفتي المملكة السعودية. فلهذا انتهى الأمر بي إلى تبنّي خط فكري متشدد، وإلى اتخاذ موقف متطرّف بالنسبة إلى مذهب الشيعة الامامية على وجه الخصوص.

النافذة: ووضعتم كتاباً لإبداء هذا التشدّد والتطرّف؟

نعم! کتاب معروف باسم «الصلة بين الاثني عشرية وفرق الغلاة» إلا أنّ الله الذي يفعل ما يريد و {وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور} (1)ذوّب قلبي، فصهره في بوتقة الحقيقة التي تبدّت لي خيوطها النورية.

النافذة: ما هو العامل الأساسي الذي أدّى إلى ذلك؟

_اكتشفت أول خللي في منهجي السنّي في التعامل مع «علم الجرح والتعديل» عندما شاهدت خروج القوم عن منهج الوسطية التي يؤمنون به، ليكون ذلك أول بصيص من النور.

لقد رأيت أنّ علماء الجرح والتعديل لم يتعاملوا مع الإمام علي علیه السلام بنفس الصورة التي تعاملوا بها مع غيره من الصحابة، فإنهم يجرحون ويطعنون في كل راوٍ يطعن في الصحابي، إلا إذا كان الصحابي هو الإمام علي علیه السلام فلا يطعنون فيه!!

ثمّ رأيتهم قد طعنوا في كلّ الذين كانوا من الموالين لأهل البيت علیهم السلام، في حين أنّهم يوثّقون كلّ الذين كانوا من خصوم آل البيت علیهم السلام وأعدائهم.

النافذة: وهل فيهم من يدافع عن علي علیه السلام أو أهل بيت النبيّ صلّی الله علیه وآله وسلم؟


1) البقرة (2): 257.

•

لا للأسف .. توجد كتابات كثيرة تدافع وتعتذر لكل الصحابة إلّا لعلي علیه السلام، فلا مدافع له، فالكثير قد انصرفوا عن الدفاع عنه خوفاً من أن يتّهموا بالتشيّع، حينئذ شعرت وكأن الدولة الأموية ما زالت تحجب الناس عن علي علیه السلام بعد أن زالت بمئات السنين، وما زال عليّ مظلوماً. في الحقيقة أنا أؤكد أن هنالك مؤامرة كبيرة لإخفاء الحق؛ فأمر بني أمية بالنسبة إلى أئمة الامامية ما زال جارياً، ولكن بأساليب أخرى. النافذة: أتستطيعون أن تشيروا إلى معالم هذه المؤامرة؟

•

نعم ! تظهر الخطة - خاصة - في إبعاد المسلمين عن حديث الثقلين بصيغة «كتاب الله وعترتي أهل بيتي»، وهكذا إبعادهم عن «حديث

الاثني عشر». والعجيب - مع أنه ليس لأي مذهب إسلامي دليل على اتباع أئمتهم إلّا الاثني عشرية حيث لهم حديث الثقلين وحديث الاثني عشر المعتبران جداً - أنّ تلك المؤامرة أدّت إلى خروج مذهب أهل البيت علیهم السلام عن المذاهب الإسلامية في الأوساط العلمية الوهابية!

أتذكّر أنّي كنت في درس العالم الوهابي محمّد بن إسماعيل العمراني وقد كان يدرس مسألة فقهية، فذكر أقوال عشرات الفقهاء على مدار جميع القرون، وأخيراً قال: وقيل إن بعض أهل البيت قالوا كذا»، فاعترض جميع الحاضرين اعتراضاً شديداً ولم يتحمّلوا أن يكون لأهل البيت علیهم السلام مذهب!

حينئذ شعرت وكأن العصر الأموي ما زال يحكمنا بثقافته المعادية لأهل البيت علیهم السلام ، فبدأت أتساءل: «لماذا نسمع ونصغي إلى أيّ إمام من أيّ مكان وأي جنسية ولما ذكر أهل البيت نعترض ؟! »، ففكّرت: «أليس من العدالة أن نساوي على الأقل بين أهل البيت علیهم السلام وبين غيرهم من المسلمين؟ ... وكانت هذه التساؤلات بدايات الاستبصار.

مؤلّفاته:

1- «المنهج الجديد والصحيح في الحوار مع الوهابيين»، محاولة للتقريب بين الاثني عشرية والوهّابية.

وقد ذكرت في المجلد الثالث من هذه الموسوعة فقرات منكتابه.

2- «الزلزال»، المناظرات الصوتية بين الدكتور المستبصر عصام العماد وشيخ الوهابيين في الكويت عثمان الخميس ، وقد أعدّه وقدّم عليه: عبد الله محمود الجبوري.

وهو الآخر ذُكٍرت مقتطفات عنه في ترجمة المستبصر في المجلد الثالث.

3-«تجربتي مع الإمام( م ح م د)(1)

كما روى الصدوق في أماليه 419 عن الإمام الهادي علیهالسلام أنّه قال: «لا يحل ذكره باسمه حتى يخرج فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلما وجوراً». وغيرها من الأحاديث التي نهت عن التسمية ولم تخص النهي بزمان الغيبة الصغرى، فبعضها ظاهرة فی الإطلاق وبعضها مقيّدة بظهوره علیه السلام.

وعلى كل - حتى وإن قلنا بأن المنع من التسمية يدور مدار ملاك التقية، ومع انتفاءه فلا منع . فالاحتياط يقتضي عدم التصريح باسمه الشريف رعاية لظهور هذه الروايات الشريفة.

بن الحسن العسكري علیه السلام»، المنهج الصحيح في عرض حقيقة غيبة الإمام المهدي على الوهابيين:

1) لا يخفى أنّ المؤلّف ذكر الاسم الخاص للإمام الثاني عشر علیه السلام بحروف متّصلة في عنوان الكتاب، إلا أنه وردت أحاديث في النهي عن التصريح باسمه المبارك، فقد روي عن الصادق جعفر بن محمدعلیهما السلام أنه قال: «من أقر بجميع الأئمة وجحد المهدي كان كمن أقر بجميع الأنبياء وجحد محمد صلّی الله علیه وآله وسلم نبوته، فقيل له: يا ابن رسول الله ! فمن المهدي من ولدك ؟ قال: الخامس من ولد السابع، يغيب عنكم شخصه ولا يحل لكم تسميته ». راجع: كمال الدين للشيخ الصدوق: . 333 .وروي عن داود بن القاسم، أنه قال: سمعت أبا الحسن علیه السلام يقول : «الخلف من بعدي الحسن، فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف؟ فقلت: ولم جعلني الله فداك؟ فقال: إنكم لا ترون شخصه ولا يحل لكم ذكره باسمه فقلت : فكيف نذكره؟ فقال : قولوا : الحجة من آل محمد علیهم السلام» . راجع: الكافي 1 : 328 .

الناشر: نشر الرافد، الطبعة الأولى 1435ه- .

ويحتوي هذا الكتاب على خلاصة آراء المؤلّف حول تجربته الفكرية مع غيبة الإمام المهدي المنتظر علیه السلام، وقد حاول جاهداً أن يصل من خلالها إلى القول الحق حول تلك الشخصية العظيمة، وأن يشرح ما وصل إليه حول هذه الحقيقة لأقربائه الوهابيين عسى أن يكون لهم في تجربته ما يأخذونه أو يكون لهم فيها مصدر للتأمّل والتفكير. يشرح المؤلف معتقداته حول شخصية الإمام المهدي علیه السلام قبل الاستبصار وبعده، فيقول:

لقد كنت أعتقد أيام دراستي في معهد صنعاء وفي جامعة الإمام محمّد بن سعود - بسبب تأثير النموذج الوهابي حول الإمام المهدي علیه السلام_

أنّ فكرة مهدوية وغيبة الإمام المهدى علیه السلام فكرة يهودية أو مجوسية لا أساس لها في الإسلام، ولكنني بعد أن بحثت عنها بحثاً عميقاً وتابعت التحقيق والتنقيب حولها، أعتقد الآن أنها تأتي في ضمن المسائل الأساسية والحقائق الرئيسية في الإسلام، وقد كان هذا البحث ثمرة قراءتي وتحقيقي حول هذه الشخصية العظيمة.

واشهد أني أدركت بعد التحقيق في قضية مهدوية وغيبة هذا الإمام العظيم، أن الحاجة إلى الإيمان ب- (قضية مهدوية وغيبة الإمام المهدي علیه السلام) هي حاجة العقل والقلب، وحاجة الحياة والواقع، وحاجة الأمة المسلمة والبشرية كلها على السواء؛ لأنّ هذه الشخصية العظيمة هي حلقة الوصل بين الأرض والسماء بعد انقطاع الوحي من السماء، وبعد أن ختمت أنوار الأنبياء .. ومن ثَم كان الإيمان بمهدوية وغيبة الإمام المهدي علیه السلام من أهم الخصائص التي تميّز المذهب الاثني عشري عن سائر المذاهب الإسلامية الأخرى، ومن أهم الأسباب التي قادتني إلى ترك الوهابية والدخول في الاثني عشرية (1)


1) مقدمة الكتاب. (بتصرف يسير).

(61) علي الثابتي

(شافعي - اليمن)

ولد عام 1399ه- (1979م) بمدينة مأرب في اليمن، واصل دراسته الأكاديمية حتى نال شهادة الدبلوم، ثم توجه إلى الدراسة الدينية، فتلقى العلوم والمعارف الإسلامية وفق المذهب الشافعي لمدة أربع سنوات، ولمّا تخرّج أصبح خطيباً ومدرّساً للقرآن في مسجد منطقة سكناه، وبادر إلى نشر بعض الكتيبات في مختلف المواضيع الدينية.

التعرّف على مذهب الشيعة الإمامية:

توصّل «علي» خلال بحثه الديني - بمرور الزمن - إلى نتائج فكرية تخالف ما كان يعتقده فيما سبق في المذهب الشافعي، ومن هذا المنطلق تغيّر اتجاهه الفكري ورؤيته الكونية.. وكانت مسائل التوحيد من أبرز الأمور التي أثّرت عليه؛ حيث أدرك بعد التعمق في عقائد الإمامية وأقوال علمائهم أن الابتعاد عن أهل البيت علیهم السلام وكلماتهم العظيمة هو السبب

الرئيسي لتخبط غير الإمامية في معرفة الله تعالى واعتقاد أكثرهم بالتجسي والتشبيه وغير ذلك من العقائد الباطلة.

مقتطفات من أحاديث أهل البيت علیهم السلام في معرفة الله تعالى:

المقصود من معرفة الله:

«إنّ معرفة الله أن يعرف بالوحدانية والرأفة والرحمة والعزّة والعلم والقدرة والعلوّ على كلّ شيء، وأنّه النافع الضار القاهر لكلّ شيء، الذي لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير »(1).

المحذور من معرفة الله بالعقل:

ألف - معرفة كنه ذات الله :

1- انحسرت العقول عن كنه معرفة الله: «اللّهم... انحسرت (2)العقول عن كنه معرفتك»(3).

2۔ غیر معلوم... إذا رام العقل معرفة كنهه والإحاطة به »(4).

3- «إذا... حاول الفكر المبرأ من خطرات الوسواس أن يقع عليه في عميقات غيوب ملكوته... ردعها(5)[أي: الله ] وهي تجوب(6)مهاوي (7)


1) الكافي 5 :36 ، روي عن الإمام زين العابدين علیه السلام

2) انحسر: ضعفت وكلّت.

3) مهج الدعوات: 116 ، روي عن أمير المؤمنين علیه السلام.

4) توحيد المفضّل : 120 ، روي عن الإمام الصادق علیه السلام.

5) ردعها: ردّها.

6) تجوب: تنتقل من مكان إلى مكان باستمرار.

7) مهاوي: مهالك.

سدف (1)الغيوب متخلّصة إليه سبحانه فرجعت إذ جبهت(2)معترفة بأنّه لا ينال بجور الاعتساف(3)كنه معرفته» (4).

ب - إحاطة الفكر بذات الله :

1- لا يُحيط به «الفكر »(5)

2- لا تحويه (6)الفكر(7).

3- لا يناله غوص (8)الفكر: «اللّهم... لا ينالك غوص الفكر»(9)

4- لا يحيط به المتفكّرون: «أنت الله... لا يحيط بك المتفكّرون» (10).

5- «انقطعت(11)عنه أفكار المتفكّرين»(12)

6- «يئست من استنباط الإحاطة به طوامح(13)العقول» (14).


1) سدف: قطعة من الليل المظلم.

2) جبهت: ضربت جبهتها والمراد: عادت خائبة.

3) الاعتساف: العدول عن الطريق والسلوك على غير الجادّة.

4) نهج البلاغة 1: 162، الخطبة 91.

5) مهج الدعوات: 90، روي عن رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم.

6) تحويه تحيط به وتتسلّط عليه.

7) مهج الدعوات: 154، روي عن أمير المؤمنين علیه السلام.

8) غوص: التعمّق.

9) مهج الدعوات: 107، روي عن أمير المؤمنين علیه السلام.

10) مصباح المتهجّد : 445، روي عنهم علیه السلام.

11) انقطعت وقفت وتحيّرت.

12) مهج الدعوات: 179، روي عن الإمام الصادق علیه السلام.

13) طوامح العقول: قوّة تفكيرها وشدّته.

14) عيون أخبار الرضاء علیه السلام 1: 111 روي عن أمير المؤمنين علیه السلام .

7- من تفكّر في تصاريف صفات الله رجع طرفه إليه حسيراً وعقله مبهوراً وتفكره متحيّراً: «ضلّ هنالك التدبير في تصاريف(1)الصفات فمن

تفكّر في ذلك رجع طرفه إليه حسيراً وعقله مبهوراً وتفكره متحيراً»(2).

ج - إدراك ذات الله :

1- «لا يُدرَك [أي: الله] بالعقل ...؛ لأنه فوق مرتبة العقل »(3)

2- «ضلّت العقول في أمواج تيّار إدراكه»(4).

3- «لا تُدركه العلماء بألبابها (5)(6).

د - تعقّل ذات الله:

1 - إنّ الله خلاف ما يُعقل» (7).

2- إنّ الله حجب العقول أن تتخيّل ذاته لامتناعها من الشبه والتشاكل»(8).


1) تصاريف الصفات: تنوعاتها.

2) مهج الدعوات: 108، روي عن أمير المؤمنين علیه السلام.

3) توحيد المفضّل: 117، روي عن الإمام الصادق علیه السلام.

4) عيون أخبار الرضاء علیه السلام،1 112 ، روي عن أمير المؤمنين علیه السلام

5) بألبابها: بعقولها.

6) تحف العقول: 244، روي عن الإمام الحسين علیه السلام.

7) الكافي :1: 82 روي عن الإمام الباقر علیه السلام

8) الكافي8 : 18، روي عن أمير المومنین علیه السلام.

3- «إذا كانت هذه الشمس التي يقع عليها البصر ويدركها الحسّ قد عجزت العقول عن الوقوف على حقيقتها، فكيف ما لطف عن الحسّ

واستتر عن الوهم؟!»(1).

ه- ضبط العقل لذات الله :

1 - إنّ الله لا تضبطه (2)العقول» (3).

2- إنّ الله «أجلّ من أن... يضبطه عقل »(4).

3_«إنّما يعقل ما كان بصفة المخلوق وليس الله كذلك»(5).

و - استغراق ذات الله بالفهم:

1- «ممتنع عن... الأفهام أن تستغرقه (6)» (7).

2- «لا يقدّر بفهم »(8).

3۔ [اللّهم] ضلّت فيك الفهوم »(9)


1) توحيد المفضّل: 119، روي عن الإمام الصادق علیه السلام.

2) لا تضبطه العقول: لا تقوى على الإحاطة به.

3) الكافي 1: 105 ، روي عن الإمام الرضاعلیه السلام

4) علل الشرائع 1: 119 ، روي عن الإمام الرضا علیه السلام.

5) الكافي 1: 108، روي عن الإمام الباقر علیه السلام.

6) تستغرقه: تصل إلى غايته.

7) عيون أخبار الرضاء 1علیه السلام 1: 111، روي عن أمير المؤمنين علیه السلام.

8) نهج البلاغة 2: 105.

9) مهج الدعوات: 47 ، روي عن الإمام الحسن علیه السلام.

ز - رؤية ذات الله بالعقل :

1- «احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار» (1).

2-« لم تره سبحانه العقول فتخبر عنه، بل كان تعالى قبل الواصفين له» (2).

ح - معرفة الله بالكيف والحد:

1- لم يتناه الله في العقول فيكون في مهب فكرها مكيفاً: «أنت الله الذي لم تتناه في العقول، فتكون في مهب (3)فكرها مكيّفاً (4)»(5).

2- لم يتناه الله في رويّات خواطر العقول فتصرفه العقول بأفهامها في حدود: «أنت الله الذي لم تتناه... في رويات (6)خواطرها [أي: خواطر العقول] فتكون محدوداً مصرّفاً» (7).

ط - العقل وجحد الله:

«لا تستطيع عقول المتفكّرين جحده(8)»(9).


1) تحف العقول: 245 ، روي عن الإمام الحسين علیه السلام.

2) عيون الحكم والمواعظ : 414، روي عن أمير المؤمنين علیه السلام..

3) مهبّ الفكر: مركز هيجان الأفكار ومحل ثورانها بقوّة تنبهها ونشاطها.

4) مكيف: له كيفيّة وهيئة.

5) نهج البلاغة 1 : 165.

6) رویّات: تفكّراتها المتعمّقة المتّزنة.

7) نهج البلاغة 1: 165.

8) جحده: إنكاره والكفر به.

9) الكافي 1: 141، روي عن أمير المؤمنين علیه السلام.

الانقياد إلى الأدلة والبراهن:

كان «علي» كلّما يقرأ رواية من روايات أهل البيت علیهم السلام في التوحيد يرى أنّها مشتملة على البراهين العقلية؛ التي لا يختلف فيها اثنان، وكان يشعر أن هذه الكلمات لا يمكن أن تصدر إلا من شخص مرتبط بمنبع الوحي الإلهي، وبعد بحث طويل قرر الانقياد إلى الأدلة التي توصل إليها، فسار خلفها وترك مذهبه السابق معتنقاً مذهب أهل البيت علیهم السلام، فأعلن عن استبصاره، وغدا مبلّغاً للتشيع الإمامي، وعلى اثر جهوده استبصر والده ووالدته وتسعة من أفراد أسرته(1).


1) له ملف خاص في مركز الأبحاث العقائدية، فيه جملة من المعلومات حول المستبصر والتي أجاز نشرها من قبل المركز.

(62) علي حمود المحفدي

(زيدي -اليمن)

نشأ في قرية بيت محفد في قبيلة بني مطر اليمنية المعروفة، وأصبح فيما بعد «شيخاً» لهذه القبيلة.

كان «علي» يقضي الكثير من وقته في مطالعة الكتب المختلفة لا سيما كتب التاريخ الإسلامي، فاكتشف العديد من الحقائق التي طالما كانت قد أخفيت عن الجيل المسلم بالرغم من وجودها في أمهات الكتب، كما شاهد الاختلافات بين أتباع مذهب أهل البيت عليهم السلام وغيرهم، فبدأ بالبحث والتنقيب في مختلف المصادر الإسلامية، ليتعرّف على النهج القويم الذي أراده الله سبحانه وتعالى للأمة الإسلامية.

عدالة الصحابة بين الفريقين :

لعلّ من أهم تلك المسائل التي قام «علي» بالبحث عنها مسألة عدالة الصحابة التي يقول بها أهل السنّة، فقد ذكر وصفها إمامهم في الجرح والتعديل أبو حاتم الرازي حيث قال: أما أصحاب رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم فهم

الذين شهدوا الوحي والتنزيل ، وعرفوا التفسير والتأويل، وهم الذين اختارهم الله عز وجل لصحبة نبيه ونصرته ، وإقامة دينه وإظهار حقّه، فرضيهم له صحابة، وجعلهم لنا أعلاماً وقدوة، فحفظوا عنه صلّی الله علیه وآله وسلم ما بلّغهم عن الله عزّ وجل وما سنّ وشرع وحكم وقضى وندب وأمر ونهى وحظر وأدب، ووعوه وأتقنوه ففقهوا في الدين، وعلموا أمر الله ونهيه ومراده بمعاينة رسول الله ومشاهدتهم عنه تفسير الكتاب وتأويله وتلقفهم منه واستنباطهم عنه، فشر فهم الله بما من عليهم وأكرمهم به من وضعه إياهم موضع القدوة،فنفى عنهما الشکّ والكذب والغلط والريبة والفخر واللمز، وسمّاهم عدول الأمة(1).

ويظهر من الصفات التي ذكرها الرازي أنّ العدالة كادت أن تكون بمعنى العصمة إن لم تكن مطابقة لها، ولذا قال ابن الأثير: والصحابة يشاركون كافة الرواة... إلّا في الجرح والتعديل؛ فإنهم كلّهم عدول لا يتطرق إليهم الجرح ، والذي لا يتطرق إليه الجرح لابد أن يكون (2)، معصوماً أو قريباً منه..

إلّا أنّ الشيعة لا تقول بهذه الرؤية؛ لعدم الدليل عليها، وعليه فحال الصحابة حال غيرهم في إجراء قواعد الجرح والتعديل، فمن كان منهم متّبعاً للنبي الأكرم صلّی الله علیه وآله وسلم وبقى على ذلك إلى أن توفى، فإن الشيعة بل وكلّ عاقل يقدّسه، ومن غيّر وبدّل فإنه لا يستحق أيّ ثناء وتقديس.


1) الجرح والتعديل للرازي 1: 7 .

2) أسد الغابة 1: 3.

رأي الشيعة في خالد بن الوليد نموذجاً:

يرى أتباع مذهب أهل البيت علیهم السلام أنّ التاريخ الإسلامي يشهد بن الوليد بمخالفته للقيم والمبادىء والأحكام الشرعية التي جاء بها الدين الإسلامي الحنيف في العديد من المواقف، الأمر الذي يدعوهم للتبرىء منه ومن أفعاله، ومن هذه الأفعال التي ذكرتها مصادر أهل السنة:

أولاً براءة النبي الأكرم صلّی الله علیه وآله وسلم ممّا صنع خالد:

لمّا بعث النبي صلّی الله علیه وآله وسلم خالد إلى بني جذيمة داعياً إلى الإسلام ولم يبعثه مقاتلاً، قتل خالد بعضهم ، فقال النبي صلّی الله علیه وآله وسلم: «اللهم إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد» مرتين (1).

ثانياً: روي عن النبي صلّی الله علیه وآله وسلم في شأن عمّار بن ياسر أنه قال: «من يعاد عماراً يعاده الله عزّ وجلّ، ومن يبغضه يبغضه الله عزّ وجلّ، ومن يسبّه يسبّه الله عز وجل »(2).

وقد ثبت في العديد من المصادر التاريخية أن خالداً عادى عمّاراً وأبغضه (3)، فهو إذاً ممّن يعاديه الله ويبغضه.

ثالثاً: إنّ خالداً قتل مالك بن نويرة وهو مسلم، ونزى على زوجته، وقتل أصحابه في واقعة مفصلة يندى لنقلها الجبين (4).


1) صحیح البخاري 5: 107 ، مسند أحمد 2: 151، سنن النسائي 8 237:.

2) مسند أحمد 90:4 .

3) المستدرك على الصحيحين 3: 389 مشكل الآثار 4 255:، مسند أحمد 4: 89 .

4) راجع من ذكر الواقعة، منهم الطبري في تاريخه 2 :502 وابن الأثير في أسد الغابة 4: 295، والذهبي في تاريخه 3: 36.

رابعاً: ثبت عند الفريقين أن من عادى عليا علیه السلام وناوئه مذموم على لسان الرسول الأكرم صلّی الله علیه وآله وسلم، فقد روي أنه صلّی الله علیه وآله وسلم قال في واقعة الغدير: «من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه» (1).

وأنشأ حسان بن ثابت ،قصيدة، فقال فيما قال فيها:

هناك دعا (2)اللهم والي وليه ***وكن للذي عادى عليا معاديا (3)

كما روي عنه صلّی الله علیه وآله وسلم : «عادى الله من عادى عليا» (4).

وكان خالد معروفاً بعدائه لأمير المؤمنين علیه السلام، وله مواقف متعددّة أظهر فيها عداوته له علیه السلام ومنها:

هجومه مع شرذمة على دار أمير المؤمنين علیه السلام لأجل إرغامه على البيعة لأبي بكر، وقد ذكر هجومهم جماعة من علماء السنّة في مصادرهم كابن قتيبة الدينوري في (الإمامة والسياسة)(5).

كما روي أنّه أراد قتل أمير المؤمنين علیه السلام بأمر الخليفة، قال السمعاني في ترجمة عباد بن يعقوب: روي عنه حديث أبي بكر أنّه قال: لا يفعل خالد ما أمر به، سألت الشريف عمر بن إبراهيم الحسيني بالكوفة عن معنى


1) راجع: مسند أحمد 1: 118، فضائل الصحابة للنسائي: 15 ، المستدرك على الصحيحين 3: 309، المعجم الأوسط 2: 25، وغيرها كثير.

2) أي: الرسول الأكرم صلّی الله علیه وآله وسلم.

3) نظم درر السمطين: 113.

4) أسد الغابة :2 154، الإصابة 2: 373.

5) الإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) 1: 19.

هذا الأثر، فقال: كان أمر خالد بن الوليد أن يقتل علياً، ثم ندم بعد ذلك فنهى عن ذلك (1)

وقد ذكر ذلك الطبرسي في الاحتجاج 1: 117، فقال: روي أن أبا بكر وعمر بعثا إلى خالد بن الوليد فواعداه وفارقاه على قتل على علیه السلام، وضمن ذلك لهما، فسمعت ذلك الخبر أسماء بنت عميس امرأة أبي بكر في خدرها، فأرسلت خادمة لها، وقالت: ترددي في دار علي وقولي له: {المَلاً يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ }(القصص (28): 20)، ففعلت الجارية، وسمعها علي علیه السلام، فقال: رحمها الله، قولى لمولاتك فمن يقتل الناكثين والمارقين والقاسطين ؟ ووقعت المواعدة لصلاة الفجر إذ كان أخفى، واختيرت للسدفة (السدفة ظلمة فيها ضوء من أول النهار وآخره) والشبه [ فإنهم كانوا يغسلون بالصلاة حتى لا تعرف المرأة من الرجل، ولكن الله بالغ أمره، وكان أبو بكر قال لخالد الوليد: إذا انصرفت من صلاة الفجر فاضرب عنق علي، فصلى إلى جنبه لأجل ذلك، وأبو بكر في الصلاة يفكر في العواقب، فندم فجلس في صلاته حتى كادت الشمس تطلع، يتعقب الآراء ويخاف الفتنة ولا يأمن على نفسه. فقال قبل أن يسلّم في صلاته: يا خالد لا تفعل ما أمرتك به - ثلاثاً ، ، وفي رواية أخرى لا يفعلن خالد ما أمر به فالتفت علي علیه السلام فإذا خالد مشتمل على السيف إلى جانبه فقال : يا خالد ما الذي أمرك به؟ قال: بقتلك يا أمير المؤمنين، قال: أو كنت فاعلا؟ فقال: أي والله لولا أنه نهاني لوضعته في أكثرك شعراً...

.

أما ما يقال في مدح خالد لقتاله الكفار والمشركين، فإنها لم تأت من حرصه على الإسلام أو نصرة المسلمين، بل أتت من رغبته في تحقيق بعض الأغراض الدنيوية والمكاسب المادية كالغنائم وأشباهها، وهذا أمر يكشف عنه تاريخ غزواته وحروبه، ويمكن للباحث المتحرّر عن التعصب أن يستخلص من سيرته هذا المعنى، أما من كان عبداً لهواه وضحية لتعصبه فسوف يحاول أن يختلق له المعاذير والذرائع..


1) کتاب الانساب 6 :176 .

ثم إنّ شيعة أهل البيت علیهم السلام لا يعتقدون كما يعتقد أهل السنة أن من اجتهد فأخطأ فله أجر ومن أجتهد وأصاب فله أجران، فهم يرون أن قتل المسلمين والاعتداء على حقوقهم وأعراضهم لا يمكن أن يكون ناجماً عن اجتهاد، بل عن هوى نفس وعداء وضغينة، وهذا ما يثبته التاريخ عن خالدبن الوليد، فضلاً عن عدم كونه أهلاً للاجتهاد!!

الاستبصار والتبليغ لمذهب أهل البيت علیهم السلام:

بعد فترة وجيزة من البحث والتنقيب توصل «علي» إلى ضرورة اتّباع مذهب أهل البيت علیهم السلام، فأعلن عن استبصاره في ثمانينيات القرن التاسع عشر الميلادي، وقد تربّى واستبصر على يديه العديد من العلماء والمثقفين. يعدّه الدكتور عصام العماد أباً للشيعة في اليمن، وعابداً كثير الزهد والبكاء، له مواعظ وخطب باللهجة اليمنية العامة المؤثرة تأثيراً بالغاً في قلوب الناس، وقد تشيّعت قرى بأكملها بسبب نشاطاته التبليغية، توفي رحمه الله ما يقارب عام 1423ه-.

(63) علي عبد الرحمن

(شافعي - اليمن)

ولد عام 1380ه- ( 1961م) في مدينة حضرموت اليمنية، ونشأ في أسرة شافعية المذهب، درس «علي» في المدارس الأكاديمية حتى نال شهادة البكالوريوس في الشريعة والقانون.

في المجال الاعتقادي كان «علي» يسمع عن النزاع بين السنّة والشيعة، النزاع الذي غالباً ما يصوّره الوسط السنّي بأنه كان على خلافة رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم، لا على الإمامة أو الولاية، وعليه فلا ينبغي إدخال هذا الأمر في البعد الديني.

الإمامة الدينية والسياسية بعد رسول الأكرم صلّی الله علیه وآله وسلم:

لكن مدرسة أئمة أهل البيت علیهم السلام لا تقبل ذلك؛ لأن الخلاف الذي وقع بعد رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم لم يكن نزاعاً سياسياً فحسب حتى يطوى مع مرّ التاريخ، وإنما آثاره قائمة إلى هذا اليوم يعيشها المسلمون في كل لحظة في مختلف أبعاد الحياة، سياسية واقتصادية واجتماعية ودينية، وحتّى من جهة

التعامل مع الآخر والنظرة إليه؛ هذا مضافاً إلى أبعادها الأخروية؛ لأنها مرتبطة بمسألة الإمامة، وقد قال رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم: «من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية» (1).

وينبغي هنا أخذ عدة مقدمات بعين الاعتبار:

النقطة الأولى: لابدّ أن نتعرّف على المسؤوليات التي كانت في عهدة ي الأكرم صلّی الله علیه وآله وسلم بنص القرآن الكريم، وبنص الآيات المباركة التي بيّنت هذه الحقيقة وهذه المسؤوليات يمكن تقسيمها إلى قسمين:

1 - مسؤوليات اختصاصية :

هي تلقّي الشريعة بواسطة الوحي من السماء، وهذا مختصّ بالنبي الأكرم صلّی الله علیه وآله وسلم، قال تعالى:{وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى * إِن هُوَ إِلَّا وَحَيَّ يُوحَى}(2)، وهذا الأمر أغلق بعد رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم بمقتضى قوله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِن رِجَالِكُم وَلَكِن رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} (3)، وكما جاء في حديث المنزلة: «أو ما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي ؟ (4)، وهذا حديث متّفق عليه بین علماء ، المسلمين.. فهذا أمر لا يمكن لأحد أن يشارك رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم فيه.


1) مسند أحمد 96:4 .

2) النجم: 3 - 4.

3) الاحزاب: 40.

4) مسند أحمد 1: 177 .

والأمر الآخر، الذي أوكل إليه أيضاً بنحو اختصاصي ولا يشاركه فيه أحد، هو: أنّ إبلاغ هذا الوحي مختصّ به صلّی الله علیه وآله وسلم، فإذا وصل إليه وحي من السماء في أيّ مفردة دينية فليس من حق أحد البلاغ.. فالإبلاغ الأوّلي والابتدائي لوحى السماء لابد أن يكون بواسطة النبي صلّی الله علیه وآله وسلم، وهذا هو الذي اصطلح عليه ب- : «الإبلاغ الابتدائي»، أمّا إذا أبلغت الأمّة بذلك فبعد ذلك فليبلّغ الشاهد الغائب، فمن تعلّم ذلك عليه أن يوصله إلى الآخرين، وقد بيّنت الآية المباركة هذه الحقيقة، قال تعالى:{وَمَا كَانَ المُؤمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَولا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرقَةٍ مِنهُم طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُم إِذَا رَجَعُوا إِلَيهِم لَعَلَّهُم يَحذَرُونَ}(1).

فأوّلاً ينبغي عليهم أن يتعلموا، ثمّ يبلغ الشاهد الغائب.

2 - مسؤوليات مشتركة:

عندما كان رسول الله موجوداً بين ظهراني الأمة كان يقيم الدين في حياة الناس؛ قال تعالى: {خُذ مِن أَمْوَالِهِم صَدَقَةٌ تُطَهَّرُهُم وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيهِم إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنْ لَهُم وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(2)، فلا يكفي أن يبلّغ النبيّ صلّی الله علیه وآله وسلم أنّ الزكاة واجبة، وهو الأمر الاختصاصي المتقدّم، بل لابدّ أن يقيم الزكاة في حياتهم، ولأجل ذلك نجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما جاء إلى المدينة بدأ بإنشاء الدولة وتطوير وتنظيم وإقامة الحكومة الإسلامية،


1) التوبة: 122.

2) التوبة: 103.

وهذا الأمر ليس من مختصّات رسول الله. رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم، بل هذه المهمة أوكلت لمن يقوم بهذا الدور من بعده، وهذه هي الإمامّة السياسية والولاية في الأمة، وهي من أهم الوظائف.

فمدرسة أهل البيت عليهم السلام تعتقد أن الإمامة في الأمة هي من متمّمات الدين، بل هي جزء أساسي منه، لا أنّها شأن سياسي فقط، ولهذا فسرت الآية الكريمة: {اليومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دينا}(1)، بأنّها مرتبطة بمقام الإمامة والولاية والخلافة بعد رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم. وهذا الرأي لا يقوله أتباع مدرسة أهل البيت ال لوحدهم، بل يوجد مثل هذا الرأي عند علماء أهل السنّة، قال ابن تيمية: ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها.. حتى قال النبي: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم»(2)(3)

فهي على رأي ابن تيمية ليست من واجبات الدين فحسب بل من أعظم واجبات الدين، فهو يصرّح بأنّه لا تمام للدين من دون إمامة وخلافة وولاية، وحتى أن ثلاثة أشخاص في سفر - مع أنه قضية مؤقته لأيام - لا یمكن أن يتركوا بلا إمام.


1) المائدة: 3

2) سنن أبي داود 1: 587.

3) مجموعة الفتاوی 28 :390 .

فكيف يمكن لرسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم، الذي أسّس هذا المشروع الإلهي الربّاني إلى قيام الساعة، وأعطى له كل هذه الدماء والجهود والجهاد، وبذل له كلّ شيء أن يترك الأمة بلا إمامة وولاية؟

أوليس الأولى به وهو الحريص على هذه الأمّة من بعده إلى قيام الساعة، أن يؤمّر أحداً ويستخلفه؟!

ومن وظائف النبيّ صلّی الله علیه وآله وسلم أيضاً أنّه إذا وقع الاختلاف في الأمة لابد أن يكون هو المرجع في حل هذا الاختلاف؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمر مِنكُم فَإِن تَنَازَعْتُم فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ } (1)، فالرسول هو المرجع ، ولهذا يُعبّر القرآن الكريم بقوله: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِم حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (2).

وبعد رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم وقع الاختلاف في كلا هذين الأمرين؛ أما القيادة السياسية، فتعتقد مدرسة أهل البيت أنّ رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم نصّ على الخليفة من بعده، وأعطيت له قيادة الأمّة والدولة..

وفي قبال هذا الاتّجاه وجد الاتجاه الآخر؛ فقال: إن النبيّ لم يؤمّر أحداً، وتركها شورى في الأمة وأن قيادة الأمة والدولة للصحابة جميعاً لا

لشخص معيّن، يعيّنون أحدهم ويبايعونه للخلافة!!


1) النساء: 59.

2) النساء: 65.

ومن هنا اضطّروا وحاولوا أن يبرزوا لنا الصحابة على أنّهم منسجمون فيما بينهم، لم يكن بينهم أي اختلاف يحبّ بعضهم بعضاً، فيتزاوجون،

ويتر احمون، ويتواددون!

نزلت الهداية من مولى العناية:

عندما وقف «عليّ» على الفكر السائد بين أهل السنّة في موضوعي الخلافة بعد النبيّ صلّی الله علیه وآله وسلم و عدالة الصحابة، وغير هذه المواضيع قرر دراسة هذه الأفكار بموضوعية، وقد ساعدته في ذلك المواقع الالكترونية على شبكة الإنترنيت.

وبعد طول جهد وتحقيق توصّل «عليّ» إلى أن ما يعتقده أتباع مدرسة أهل البيت علیهم السلام في هذا المجال هو الصحيح، الأمر الذي دعاه لأن يعلن استبصاره عام 1425ه- (2005م) في اليمن.

ولعلي عبارة لطيفة في هذا المجال، يقول نزلت الهداية من مولى العناية، وأسأله الثبات حتى النهاية(1).


1) راسل «علي» مركز الأبحاث العقائدية، من خلال موقعه على الإنترنيت، فأعلن عن استبصاره .

(64) علي محمّد الحرازي الشرقي

(زيدي - اليمن)

ولد عام 1396ه- (1976م) في العاصمة اليمنية صنعاء، ونشأ في أسرة زيدية المذهب، فسار على نهجها في المجال العقائدي.

درس «علي» في المدارس الحكومية، كما أخذ عن شيوخ الزيدية، فدرس عندهم الكثير من الكتب الدينية ك- : العقد الثمين والأزهار مصباح العلوم والينابيع الصحيحة. شاءت الأقدار أن تقع في يد «علي» بعض كتب الشيعة الامامية، ك-: كتاب المراجعات وكتب التيجاني السماوي، فبدأ بدراستها بدقة نابذاً التعصب في الوقوف على مفاهيمها، فتأثر ببعض هذه المفاهيم، وخاصة نظرية الإمامة عند كل من الشيعة الاثني عشرية والزيدية؛ حيث شهد نقاط الضعف والتشويش وعدم وجود ضابط معيّن فيها عند الزيدية، أمام ما رآه من قوة نظريّة الإمامة في المذهب الشيعي.

وقفة في (الإمامة) بين الاثني عشرية والزيدية: من المعلوم أن الاثني عشرية والزيدية فرقتان شيعيتان، أي أنهما تقولان بأحقية أهل البيت النبوي علیهم السلام في الخلافة، بل وتتفقان في النص على الإمام علي والحسنين علیهم السلام بغض النظر عن كون النص جلياً أو خفياً !

ومن بعد الحسين علیه السلام يبدأ الخلاف:

فالاثنا عشرية تقول: النص ثابت في من بعد الحسين علیه السلام، وهو ابنه الإمام زين العابدين علیه السلام ، وفي من بعده ... ، وهكذا حتى الإمام الثاني عشر المهدي المنتظر علیه السلام.

والزيدية تقول: لا نصّ بعد الحسين علیهم السلام إلّا ما كان نصاً على أهل البيت بشكل عام ك-ما روي عن النبي صلّی الله علیه وآله وسلم: «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله عز وجل وعترتي أهل بيتي»(1).

إذن أصل خلاف الفرقتين في الإمامة، ومنها انقسامهما.

ومنهجية خلاف الفرقتين يتم مروراً بالخطوات التالية:

1 - تعريف الإمامة عند المذهبين الزيدي والاثني عشري.

2 - صفات الإمام أو شروط الإمام عند المذهبين الزيدي والاثني عشري.

3- الطريق إلى معرفة الإمام عند المذهبين الاثني عشري والزيدي.

وبعبارة أخرى:

إنّ قول الزيدية بأن: (طريق معرفة الإمام هو الدعوة والقيام) ضرورة اقتضاها قولهم بأن شروط الإمام شروط أفضلية بشرية وملكات احتيازية - أوصلوها إلى أربعة عشر شرطاً - ، وهذا القول كان - هو الآخر - ضرورة اقتضاها قولهم بأن: (الإمامة رئاسة عامة في أمور الدنيا لم يوجبها

اللطف، بل المصلحة).


1) الأمالي للشيخ الصدوق : 500 .

وعلى هذا فمن المنطق أن يقول شخص بأن طريق معرفة الإمام هو قيامه ودعوته ما دام قد قال بأن الشروط المتطلبة في الإمام هي شروط

كمالية بالإمكان حصولها في أي شخص اتفق ، والقول الأخير هذا يفرضه المنطق أيضا ! !

لكن الأمر يختلف إذا ما قلنا بأن طريق معرفة الإمام ليست قيامه

ودعوته ، وإنما الطريق إلى معرفة الإمام هو: (النص) ، وهذا بدوره يقود إلى القول بأنّ المنصوص عليه لا بد وأن تكون له خصوصيات غير تلك التي تكون متاحة لأي أحد، أي أنه لا بد أن يكون معصوماً حتى يُنّصَّ عليه؛ كما هو الحال في النبوة.

وهذا القول الثاني للشيعة الاثني عشرية ضرورة تقتضيها العقيدة بأن:

الإمامة استمرار للنبوّة وأنّها رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا.

وبعبارة ثالثة:

إن قلنا : - كما هو رأي الزيدية - إنّ الإمامة رئاسة عامة لشخص معيّن في الدنيا وأمور الناس؛ فسنقول - ضرورة - : إن مواصفات هذا الإمام كمالية بشرية، أو فقل : أربعة عشر شرطاً، وعليه فسنقول: إن طريق معرفته قيامه ودعوته لنفسه؛ إذ لا طريق غيره.

أمّا لو قلنا كما تقول الاثنا عشرية: إنّ الإمامة لطف واستمرار للنبوة، أو رئاسة عامّة في الدين والدنيا يقتضيها اللطف فلابدَّ من القول بعصمة صاحبها الإمام، وعندها فلا طريق لمعرفة إمامته إلّا النصّ(1).

البحث في مفهوم الإمامة يؤدي إلى الاستبصار:

حيث توصّل «علي» إلى أن ضرورة العقيدة تقتضي أن يكون الإمام معيناً بالنص، وأن ذلك لا يكون إلا في المذهب الشيعي الاثني عشري، قرر اتباع هذا المذهب مخلفاً وراءه باقي المذاهب والأفكار التي لا تعدو كونها أفكاراً لا مصدر لها سوى الأهواء الإنسانية والتعصبات الفئوية، وكان

استبصاره في العاصمة اليمنية صنعاء، عام 1414ه- (1993م). كما قام بعد استبصاره بكتابة بعض المؤلَّفات في المجال الاعتقادي، منها: أهل البيت في التاريخ (وهو مقال مطبوع في صحيفة الثقافة الإسلامية، وهي صحيفة زيدية في اليمن).

وكذلك: الإمامة عند الزيدية (مقال مخطوط) بحث فيه رحلته إلى الإثنى عشرية.

كما أنّ للمستبصر أنشطة عديدة في مواجهة التطرّف والفكر التكفيرى (2).


1) راجع :واستقرّبي النوى : 25 - 26 ( باختلاف يسير ) .

2) المستبصر على اتصال ب- «مركز الأبحاث العقائدية »من خلال موقع المركز على الإنترنيت، وله أنشطة كبيرة في وسائل التواصل الاجتماعي .

(65) محمد أحسن محمّد

(زيدي - اليمن)

ولد عام 1403ه- (1983م) في العاصمة اليمنية «صنعاء»، ونشأ في أسرة زيدية، فسار على خطى أبويه متبعاً لهذا المذهب.

لم يكن قد سمع «محمّد» باسم الشيعة الاثني عشرية إلّا عند بلوغه النضج الفكري؛ وذلك بسبب تضليل المناهج الدراسية التي لم تذكر فضائل أهل البيت علي قياساً بغيرهم.

يقول «محمد»: «كنت متعلقاً بالمذهب الزيدي، وحينما سمعت بالمذهب الاثني عشري انصرف ذهني إلى أنّه مذهب مبتدع مثل المذاهب الأخرى، ولم أكن أعرف أن الشيعة سمّوا بهذا الاسم نظراً لتمسّكهم بولاية أمير المؤمنين علیه السلام، كما لم أكن قد تعرفت على حديث الثقلين وحديث الغدير، وغيرها من الأحاديث الواردة بشأن أهل البيت ، كل هذا إضافة إلى التضليل في المناهج الدراسية التي لم تذكر فضائل أهل البيت علیهم السلام مقارنة بالخلفاء إلا بنسبة تقارب ال 2%».

والتعرّف على هذه الأمور جعلته يتدبّر المصادر الروائية عند سائر الفرق، كما سعى لعقد عدة جلسات مع أحد أتباع مدرسة أهل

البيت علیهم السلام من المستبصرين، وكان يشرح له أحاديث أهل البيت علیهم السلام وفضائلهم، فكان ينشرح صدره لما كان يسمع من من الأحاديث التي لم

تكن قد طرقت أذنه سابقاً.

ماذا جرى بعد وفاة النبي صلّی الله علیه وآله وسلم؟

من المجربات التاريخية التي تعرّف عليها «محمّد» من خلال مطالعته لبعض الكتب العقائدية، كانت الأجواء التي رافقت المسلمين بعد استشهاد الرسول الأكرم صلّی الله علیه وآله وسلم، والمظلومية التي لحقت بأهل بيته علیهم السلام من ذلك الحين.

فمن أهم ما يقع في قلب الباحث من الشبهات والأسئلة أنه: لماذا ترك الخلفاء والصحابة جنازة الرسول صلّی الله علیه وآله وسلم بدون تشييع وتغسيل وتكفين، وذهبوا للسقيفة ليتنازعوا لأجل الإمارة والرئاسة؟ ولم يبق على جنازة الرسول صلّی الله علیه وآله وسلم إلّا عدد قليل من الصحابة، على رأسهم أمير المؤمنين على علیه السلام !!

أخرج ابن أبي شيبة عن عروة أن أبا بكر وعمر لم يشهدا دفن النبي صلّی الله علیه وآله وسلم، كانا في الأنصار، فدفن قبل أن يرجعا (1).

ولماذا لم يبايع أمير المؤمنين علیه السلام إلّا بعد ستة أشهر وهو مكره عليها؟


1) المصنف لابن أبي شيبة 8: 572.

ولماذا كشفوا عن بيت فاطمة الزهراء علیهما السلام حتى كان سبباً لندم الخليفة الأول وتأسفّه عليه وهو في مرض موته يقول: «وددت أني لم أكشف عن بيت فاطمة، وتركته ولو أغلق على حرب» (1).

ولماذا أخذوا نحلتها فدك التي نحلها رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم. في حياته بأمر من الله ؟

كما روي عن أبي سعيد الخدري وابن عباس: أنه لما نزلت هذه الآية:

{وَآتِ ذَا القُربَى حَقَّهُ}(2)دعا النبي دعا النبيّ صلّی الله علیه وآله وسلم فاطمة فأعطاها فدك. أخرجه البزّار وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري، وأخرجه ابن مردويه عن ابن عباس كما قال السيوطي (3).

ولماذا هجرتهما حتى لم تأذن لهما أن يحضرا على جنازتها وأمرت أن تُدفن ليلاً - كما رواه البخاري ومسلم وغيرهما (4)- وهي بنت نبيهم التي قال لها الرسول صلّی الله علیه وآله وسلم:«إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك»(5).

وروى البخاري عن المسوّر بن مخرمة أن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم قال: «فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني »(6).


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 47.

2) الإسراء: 26 .

3) الدر المنثور 4 :177 .

4) راجع صحيح البخاري 5: 82 وصحيح مسلم 5: 154 .

5) المستدرك على الصحيحين 3: 154.

6) صحيح البخاري 210:4.

ولماذا أمرت بإخفاء قبرها الشريف؟ ولا يعلم بمحل دفنها إلى الآن أحد، وهي سيّدة نساء العالمين !! (1).

التعرّف على الحق:

كل هذه التساؤلات وغيرها جعلت «محم-داً» يتأمل في المنظومة العقدية التي كان يراها صحيحة سابقاً، فأجرى الكثير من الأبحاث إلى أن تعرف على الحق في آخر المطاف، وكان استبصاره عام 1423ه- (2003م) في اليمن.

يقول «محمّد»: «فعرفت الحق من الباطل، والحمد لله على التوفيق وعلى ركوبي السفينة التي من تمسك بها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى، نسأل الله أن يجعلنا من المتمسكين بولاية أهل البيت علیهم السلام، وأن يرزقنا زيارتهم في الدنيا وشفاعتهم في الآخرة إنه سميع الدعاء» (2).


1) راجع الهجرة إلى الثقلين: 41 - 43 (بتصرف يسير).

2) راسل المستبصر مركز الأبحاث العقائدية من خلال موقعه على الإنترنيت معرباً عن استبصاره وتغيير انتمائه المذهبي عام 1427 ه-

(66) محمّد الذاري

(وهابي - اليمن)

ولد في محافظة «صنعاء» عاصمة اليمن، ونشأ في مجتمع يغلب فيه المدّ الوهابي، فتأثّر بمعتقدات هذه الفرقة التي نشأت على تفسيق باقي فئات المجتمع المسلم، بل ورميهم بالكفر الخروج من الملّة.

كما كان يواجه صراعاً مذهبياً بين صراعاً مذهبياً بين أعضاء أسرته، وكان سببه أنّ بعض أقربائه كان قد انتقل إلى مذهب أهل البيت علیهم السلام وترك مذهبه السابق، وكان يذهب بين الحين والآخر إلى مدينة قم لتلقي المعارف الدينية وفق المذهب الشيعي ويعود إلى بلده، وهذه المناقشات التي كانت تدور غالباً بينه وبين بعض من درس في المعاهد الوهابية من أسرته كانت السبب الأول في تأثر «محمّد» بمذهب أهل البيت علیهم السلام.

يقول «محمّد»: «كنت أستمع إلى ما يدور بينهما من حوار استمر لفترة طويلة، وكانت الأدلة التي يطرحها خالي - وهو من انتقل إلى المذهب الشيعي - قويّة جداً، وكان هذا الحوار هو السبب الأول الذي مهّد لي الطريق للانتقال من التسنّن إلى التشيّع».

تقييم الصحابة:

من أولى الحوارات والمناقشات التي تدور بين أتباع مذهب أهل البيت علیهم السلام وغيرهم، هو البحث في مجال تقييم شخصيّة الصحابة. فالصحابة فيهم المؤمن الذي استكمل إيمانه، وفيهم ضعيف الإيمان،

وفيهم الذي لم يدخل الإيمان قلبه، و فيهم التقي الزاهد، وفيهم المتهوّر الذي لا يعرف غير مصلحته، وفيهم العادل الكريم، وفيهم الظالم اللئيم، وفيهم أهل الحق المؤمنون، وفيهم البغاة ،الفاسقون، وفيهم العلماء العاملون، وفيهم الجهلة المبتدعون، وفيهم المخلصون ، وفيهم المنافقون والناكثون والمارقون والمرتدون .

وإذا كان القرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة والتاريخ أقروا هذه الأمور، وأوضحوها بأجلى بيان، فيصبح قول « السنّة والجماعة » بأن الصحابة كلّهم عدول قولاً لا عبرة به ولا قيمة؛ لأنه يعارض القرآن والسنّة، ويعارض التاريخ والعقل والوجدان ، فهو محض التعصب، وهو قول بلا

دليل وكلام بلا منطق. وقد يتعجب الباحث في هذه الأمور من هذه الأمور من عقلية « أهل السنّة والجماعة » الذين يخالفون العقل والنقل والتاريخ . ولكن عندما يقرأ الباحث الأدوار التي لعبها الأمويون، وكذلك الأساليب التي اتبعها العباسيون لتركيز عقيدة احترام قسم خاص من الصحابة وعدم انتقادهم والقول بعدالتهم يزول عجبه، ولا يساوره أدنى شك في أنهم إنّما منعوا الحديث في الصحابة؛ لكيلا يصل إليهم النقد

والتجريح للأفعال الشنيعة التي ارتكبها بعضهم تجاه الإسلام ونبيّ الإسلام والأمة الإسلامية .

وإذا كان أبو سفيان ومعاوية، ويزيد وعمرو بن العاص، ومروان بن الحكم، والمغيرة بن شعبة، وبسر بن أرطأة كلّهم من الصحابة، وقد تولّوا أمارة المؤمنين وحكموهم، فكيف لا يمنعون الخوض في نقد الصحابة، وكيف لا يختلقون لهم روايات مكذوبة تقول بعدالتهم جميعاً لكي تشملهم تلك الفضائل، ولا يتجرأ أحد على نقدهم أو ذكر أفعالهم .

ومن يفعل ذلك من المسلمين يسموه كافراً وزنديقاً، ويُفتون بقتله وعدم تغسيله وتكفينه، وكانوا إذا أرادوا قتل الشيعة اتهموهم بسب الصحابة، ومعنى سب الصحابة عندهم هو نقدهم وتجريحهم في ما فعلوه، وهذا وحده يكفي للقتل والتنكيل.

بل وصل الحدّ إلى أبعد من ذلك، ويكفي أن يتساءل أحد عن مفهوم الحديث حتى يلاقي حتفه، فقد قال الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: ذكر عند هارون الرشيد حديث أبي هريرة: إن موسى لقي آدم فقال له: أنت آدم الذي أخرجتنا من الجنّة؟ فقال رجل قرشي كان في المجلس: أين لقي آدم موسى؟! فغضب الرشيد وقال النطع والسيف، زنديق يطعن في حدیث رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم(1).

وإذا كان هذا الرجل بلا شك من الأعيان ؛ لأنه يحضر مجلس الرشيد يهدد بقطع رأسه بالسيف، لمجرد تساؤله عن المكان الذي لقي فيه آدم


1) تاریخ بغداد 14 : 8.

موسى؛ فلا تسأل عن الشيعي الذي يقول بأن أبا هريرة كذّاب، استناداً لتكذيب الصحابة له وعلى رأسهم عمر بن الخطّاب .

ومن هنا يفهم الباحث كل التناقضات التي جاءت في الأحاديث، بل والمنكرات والمستحيلات والكفر الصريح، ومع ذلك سجّلت بأنّها

صحيحة، وألبست ثوب القداسة والتنزيه.

ومن اللطيف هنا أنّ الصحابة أنفسهم كانوا يشكّكون في حديث بعضهم إذا تعارض حديثه بما يخالف القرآن، وقد ضرب عمر بن الخطّاب أبا هريرة بالدرة مرّة ونهاه عن الحديث واتهمه بالكذب، ومع ذلك إذا وجهت مثل هذه الأحاديث لأحدهم يقول بأن الصحابة من حقّهم أن يقولوا في بعضهم ما شاؤوا، أما نحن فلسنا في مستواهم حتى نرد عليهم أو ننتقدهم، فكلهم مجتهدون للمصيب منهم أجران وللمخطئ أجر واحد!! ومن المؤكد أن هؤلاء ورثوا هذه العقيدة من آبائهم وأجدادهم سلفاً عن خلف، فهم يردّدونها ترديد الببغاء من دون تدبّر ولا تمحيص. فهذا إمامهم الغزالي نفسه قد اتخذ هذا الرأي وبته في الناس، يقول في «المستصفى»: «والذي عليه السلف وجماهير الخلف أن عدالة الصحابة

معلومة بتعديل الله عزّ وجلّ إياهم وثنائه عليهم في كتابه، وه-و معتقدنا فيهم، إلا أن يثبت بطريق قاطع ارتكاب واحد لفسق مع علمه به، وذلك مما لا يثبت فلا حاجة لهم إلى التعديل»(1).


1) المستصفى : 130 .

ولا ينتهي العجب من الغزالي ومن «أهل السنّة والجماعة» عموماً على استدلالهم بالقرآن على عدالة الصحابة، وليس في القرآن آية واحدة تدلّ على ذلك، بل في القرآن آيات كثيرة تنفي عدالتهم، وتفضح سرائرهم وتكشف نفاقهم.

ولكي يعرف الباحث بأن الصحابة لم يكونوا يحلمون يوماً بالمنزلة التي اخترعها لهم « أهل السنة والجماعة ، فما عليه إلّا قراءة كتب الحديث، وكتب التاريخ التي طفحت بأفعال بعضهم الشنيعة وتكفير بعضهم لبعض، وكيف أن الكثير منهم كان يشك في نفسه إن كان من المنافقين. فها هو البخاري يخرج في صحيحه بأن ابن مليكة أدرك ثلاثين من أصحاب النبي صلّی الله علیه وآله وسلم كلّهم يخاف النفاق على نفسه، وما منهم أحد يقول: إنّه على إيمان جبرئيل(1).

وهذا الغزالي نفسه يخرج في كتابه بأنّ عمر بن الخطاب كان يسأل حذيفة بن اليمان إن كان رسول الله سمّاه في جملة المنافقين الذين أعلمه بأسمائهم (2)!

ولا عبرة لقول من يقول بأنّ المنافقين ليسوا من الصحابة، إذا عرفنا أن

المصطلح الذي اتفقوا عليه هو أن كلّ من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤمناً به فهو صحابي حتى لو لم يجالسه.


1) البخاري 1 : 17 صحیح.

2) إحياء علوم الدين 1 : 132.

وقولهم: مؤمناً به، فيه أيضاً تكلّف؛ لأن كل الذين صاحبوا النبي نطقوا بالشهادتين، وقبل النبيّ منهم ذلك الإسلام الظاهري، وقال: « أمرت أن

أحكم بالظاهر والله يتولّى السرائر » (1)ولم نجد أن قال في حياته لأحدهم: أنت منافق فلا أقبل منك إسلامك!

ولذلك أيضاً نجد النبي يسمّي المنافقين - ب أصحابي - وهو يعلم نفاقهم، فقد أخرج البخاري بأن عمر بن الخطاب طلب من النبيّ صلّی الله علیه وآله وسلم أن يضرب عنق عبد الله بن أبي المنافق فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق! فقال النبي صلّی الله علیه وآله وسلم: دعه لا يتحدّث الناس بأنّ محمّداً يقتل أصحابه »(2).

وقد يحاول بعض العلماء من « أهل السنّة والجماعة » إقناع أتباع المذهب الشيعي بأنّ المنافقين كانوا معروفين فلا نخلطهم بالصحابة، و هذا أمر مستحيل لا سبيل إليه، بل المنافقون هم من جملة الصحابة الذين لا يعلم خفاياهم إلا الله سبحانه، وقد كانوا يصلون ويصومون ويعبدون الله، ويتقرَّبون إلى النبيّ صلّی الله علیه وآله وسلم بكلّ الوسائل .

أخرج البخاري في صحيحه أنّ عمر بن الخطاب طلب من رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم مرّة أخرى أن يأذن به بضرب عنق ذي الخويصرة عندما قال للنبي: أعدل! ولكن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال لعمر : « دعه، فإن له أصحاباً يحقّر أحدكم


1) كشف الخفاء للعجلوني 1 : 192.

2) صحيح البخاري 6 : 65.

صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، یمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية »(1).

وليس من المبالغة أن يقال بأن الكثير من الصحابة لم يكونوا

بعيدين عن النفاق بما قرّره كتاب الله في العديد من الآيات، وبما قرّره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في العديد من الأحاديث.

فمن كتاب الله قوله تعالى:{ بَلْ جَاءَهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ کَارِهُونَ} (2)* .

وقوله : * {وَمِنْ أَهْل الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاق لاَ تَعْلَمُهُمْ}(3)*.

وقوله: * * {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَاب مُنَافِقُونَ}(4)*.

وتجدر الإشارة بأن بعض العلماء من « أهل السنّة والجماعة » يحاولون جهدهم تغطية الحقائق، فيفسّرون «الأعراب » بأنّهم ليسوا من الصحابة، وإنّما هم سكان البادية من أطراف الجزيرة العربية.

ولكنّنا وجدنا عمر بن الخطاب عندما أشرف على الموت أوصى إلى الخليفة من بعده قائلاً وأوصيه بالأعراب خيراً فإنّهم أصل العرب ومادة الإسلام(5).


1) صحیح البخاري 4: 179.

2) المؤمنون (23): 70.

3) التوبة (9) : 101 .

4) التوبة (9) : 101.

5) صحيح البخاري 4 : 206.

فإذا كان أصل العرب ومادة الإسلام هم أشدّ كفراً ونفاقاً، وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليهم حكيم، فلا قيمة لقول

«أهل السنّة والجماعة» بأنّ الصحابة كلّهم عدول.

ولمزيد البيان، ولكي يتحقق الباحث بأن الأعراب هم أنفسهم عامة الصحابة، فقد جاء في القرآن الكريم بعد ذكر الأعراب أشد كفراً ونفاقاً، قال سبحانه: * {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرْبَاتِ عِندَ اللهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُم اللهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (1). أمّا ما قرَّره رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم في السنّة النبوية الشريفة فقوله - كما رواه

البخاري - : « يؤخذ بأصحابي إلى النار، فأقول: يا ربٌّ هؤلاء أصحابي! فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول : سحقاً لمن بدل بعدي ولا أراه يخلص منهم إلّا مثل همل النعم»(2).

إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في هذا المجال .

وخلاصة القول: أنّ الشيعة أتباع أهل البيت ينزلون الصحابة منازلهم التي يستحقّونها، فيترضّون على المتّقين منهم، ويتبرّأون من المنافقين والفاسقين أعداء الله ورسوله، وبذلك فهم وحدهم أهل السنّة الحقيقية؛ لأنهم أحبّوا حبيب الله ورسوله من الصحابة، وتبرأوا من أعداء الله ورسوله الذين كانوا السبب الرئيسي في ضلال الأغلبية الساحقة من المسلمين (3).


1) التوبة (9) : 99 .

2) صحیح البخاري 7: 209 .

3) راجع :الشيعة هم أهل السنة للتيجاني السماوي : 445 - 455 . (بتصرف).

شدّ الرحال إلى قم المقدّسة:

بعد استماعه إلى ما كان يدور بين أقربائه من البحث حول المذاهب الإسلامية وأنّ أيّها أحق بالاتباع، قرّر «محمد» أن يبحث هو بنفسه عن السبيل الصحيح الذي ارتضاه الله ورسوله صلّی الله علیه وآله وسلم للأمة الإسلامية. ولمعرفة مبادى المذهب الشيعي وأخذه عن أهله شد الرحال إلى مدينة قم المقدسة، وخلال هذه السفرة الطويلة تهيّأت له الأجواء فتغلّب على هواه وما يمليه عليه الموروث الديني، وانتقل إلى المذهب الشيعي (1).


1) راسل المستبصر مركز الأبحاث العقائدية من موقع المركز على الإنترنيت ، وأعلن عن استبصاره عام 1426 ه- .

(67) محمّد الشريف

(زيدي - اليمن)

ولد عام 1390ه- ( 1970م) في اليمن، الجوف - مديرية الزاهر، ونشأ في أسرة تنتمي للمذهب الزيدي.

واصل «محمّد» دراسته حتى نال الشهادة الثانوية، كما حضر دورات دينية موسمية، وشارك في جلسات مذهبية وقرآنية.

يقول «محمّد»: لقد نشأت في مدارس يسيطر عليها الاتجاه الوهابي، وقد كنت ألحظ تجاهلهم لأهل البيت علیهم السلام ؛ بحيث كنت لا أعرف شيئاً عن السيدة الزهراء علیها السلام سوى أنّها ابنة النبيّ صلّی الله علیه وآله وسلم،أما ما يتعلق ببقية العترة الطاهرة علیهم السلام فلم أسمع لهم ذكراً !! وقد طويت مراحل الدراسة وأنا على هذا الحال.

التأمل في المعتقد والانتماء:

يستمر (محمّد) قائلا :بعد اتساع آفاقي الفكرية، أخذت أتسائل عن معتقد الإمامة عندنا نحن الزيدية، فهي من جهة قائمة على الانتخاب

والتعيين الإلهي، ومن جهة راجعة إلى اختيار الناس!! لأنني رأيت أن الأئمة الذين خرجوا بالسيف بعد الإمام الحسين علیهم السلام كانوا مؤهلين للإمامة، فهل يصح أن أي شخص له بعض المؤهلات، يستطيع أن يطرح نفسه كإمام ؟!! وبرجوعي للقرآن الكريم وجدت أن منصب الخلافة أمر لا يتعلّق بتعيين البشر، بل هو عائد إلى الله سبحانه؛ لأنه أعرف بمصالح العباد، فكنت أدرك أن السقيفة وما حدث فيها باطل في باطل، فكانت هذه المقدمات خير معين لي في التجاوب مع معتقد الإمامية؛ التي لم أكن اعرف عنها شيئاً، لكن عرفني الله بمن أرشدني إلى ذلك، فقد كانت البداية مع أخي الأصغر «السيد يحيى» والذي سبقني في الاستبصار، حيث كانت تدور بيننا نقاشات ومحاورات متعددة حول انتمائه للمذهب الاثني عشري، وأكثر ما أعجبني في النقاش، هو: الاستدلالات العقلية المدعومة بالأدلة من الكتاب والسنّة، وهذه نقطة لفتت نظري بشكل بارز، فإنّني لم أجد هذا التماسك المنطقي بين مصادر فهم الشريعة عند الوهابية؛ الذين يحكمهم التحجر، وكذا عند الزيدية؛ الذين ترى التناقض الواضح في طرحهم.

مصادر التشريع عند أتباع مذهب أهل البیت علیهم السلام :

إنّ من أهم المصادر التي يستمد منها مذهب أهل البيت علیهم السلام مادّته الفقهية والعقدية هو: الكتاب والدستور الإلهي الخالد القرآن الكريم، وأما مصدره الثاني فهو: الحديث النبوي الشريف وكذلك أحاديث عترته الطاهرة علیهم السلام، ولقد حرص الشيعة على تدوين الأحاديث الشريفة وتسجيلها

بدقّة وأمانة منذ العهد النبوي إلى يومنا هذا رغم كل الصعاب والمخاطر، وتكبدوا الكثير من أجل ذلك .

هذا ويوازي حديث المعصوم علیه السلام في الحجية والأهمية، فعله وتقريره. ثم إن مذهب أهل البيت علیهم السلام كما يستمد مادّته من ذينك المصدرين، كذلك يستمد من العقل في إطار خاص، ففي الفقه مثلاً يأتي دور الدليل العقلي في باب الملازمات العقلية كالملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته، وحرمة الشيء وحرمة ضده، وحرمة الشيء وفساده، وتوقف تنجز التكليف على البيان وقبح العقاب بدونه واستلزام الاشتغال اليقيني البراءة القطعية، إلى غير ذلك ممّا يبحث عنه في الملازمات العقلية.

أمّا في العقائد فالأمر واضح؛ لأنّ الاستدلال بالنقل المعتبر في كثير من مسائل أصول العقيدة متوقف على إثبات حجيته بدليل آخر، وذاك هو الاستدلال بالأدلة العقلية المستقلة.

كما أنّ الفقه الشيعي الإمامي يستمد مادّته أيضاً من إجماع الفقهاء الكاشف عن وجود نص وارد في المسألة من قبل المعصوم علیه السلام وإن لم يصل ذلك النص إلى يد المجتهد، ولم يقف على مستند ذلك الاجماع.

إذن فمصادر الشريعة عند الامامية هي:

1 - القرآن الكريم ؛ الذي لا يعدل عنه إلى غيره أبداً .

2 - السنة النبوية المأثورة عن النبيّ صلّی الله علیه وآله وسلم عن طريق أهل بيته الطاهرين علیهم السلام، بل سائر الثقات، وكذلك ما يرويه أئمة أهل البيت علیهم السلام

الذين أمر الرسول الأكرم صلّی الله علیه وآله وسلم باتباعهم في آية التطهير والكثير من الأحاديث الشريفة.

3- الإجماع والمراد منه إجماع المسلمين على حكم شرعي، أو إجماع الشيعة الإمامية، فيكون هذا الإجماع كاشفاً عن وجود نص واصل إلى يد المجمعين وإن لم يكن قد وصل إلينا، ثم إن الإجماع ليس حجة بنفسه بل إنّما يكون حجة لكشفه عن وجود دليل شرعي لدى المجمعين.

4 - العقل: والمراد منه الإدراكات القطعية العقلية؛ التي لا يُتردّد فيها ولا يشك في صحتها، كيف والعقل هو الحجة الباطنية؛ التي يحتج بها المولى سبحانه على العباد، ثم بحكم العقل الذي له صلاحية الحكم والقضاء يُستكشف حكم الشرع للملازمة بين حكم العقل والشرع واستحالة التفكيك بينهما، فمثلاً: إذا استقل العقل بقبح العقاب بلا بيان فيفتي المجتهد في الموارد التي لم يرد فيها دليل شرعي على الحكم الشرعي، بالبراءة أو الحلّية.

هذه هي مصادر التشريع عند الشيعة، وليس هناك مصدر آخر تعتمد عليه.

وأمّا الرجوع إلى العرف، فإنّما هو لتحديد المفاهيم وتبيين الأوضاع كالرجوع إلى قول اللغوي.

نعم، رفضت الشيعة منذ زمن مُبكّر القياس والاستحسان وسد الذرائع، وما يماثلها من الأدلة الظنية التي لم يقم دليل عندهم على حجيتها خلافاً لأتباع الخلفاء.

الاستبصار وما بعده :

يقول «محمد»: كنت أواصل نقاشاتي مع عدد من الأصدقاء ، وعلماء الزيدية لأصل إلى الحقائق و - كما قلت - كان للتعقل دور كبير في

أبحاثي، كما كان اطلاعي على كتب علماء الامامية - ككتاب المراجعات - أثر كبير في رسوخ قناعاتي بمذهب أهل البيت علیهم السلام .

وجاءت نقطة التحوّل بعد صراع مرير مع النفس، وبفضل الله تعالى انتصرت على نفسي ووجدت ذاتي عندما تشرفت بالانتماء الى مذهب العترة الطاهرة علیهم السلام(1).

وقد فتح هذا الانتماء عليّ باب المضايقات والمصاعب في محيط العمل حتى إني اضطررت لتغييره مرتين؛ بحيث تحولت عن المدرسة التي كنت أدرس فيها إلى مدرسة أخرى، وعندما أدركت الإدارة أنني ثابت و ماض في طريقي، حوّلتني من الحقل التدريسي إلى مديرية الإحصاء كموظف عادي.

ورغم ذلك ما زلت أواصل نشاطي مع عدد من الإخوة في الترويج لمذهب أهل البيت علیهم السلام، وقد بدأنا بقطف بعض الثمار، والحمد لله على هذه النعمة العظيمة (2).


1) وكان استبصاره عام 1420 ه- (1999م) في مديرية الزاهر في اليمن .

2) للمستبصر ملف في مركز الأبحاث العقائدية»، ذكر فيه جملة من أدلة الاستبصار وما تلى هذه المرحلة في حياته

(68) محمّد عواس

(سني - اليمن)

ولد عام 1399ه- (1979م) في مدينة رداع» اليمنية، ونشأ في أسرة تعتنق المذهب السنّي، فربته أسرته على أن السبيل للكمال ليس إلا اتباع مذهب أهل السُنّة والجماعة.

أما من الناحية الأكاديمية فقد واصل «محمد» دراسته حتى تخرّج من جامعة العلوم والتكنولوجيا، قسم الهندسة المدنية.

دوافع مراجعة النصوص:

يقول «محمّد» عن مبدأ البحث والتحقيق ومراجعته للنصوص التي قادت به في نهاية المطاف إلى الاستبصار: سبب الاستبصار أنني ذات ي-وم قمت بوساطة لحل أزمة بين السلطة والمعارضة في اليمن؛ بحكم علاقتي القوية بالطرفين، والوساطة التي قمت بها لحل الأزمة كانت عبارة عن مقترح لاقى استحسان الجميع.

هذا المقترح والصراع القائم في اليمن ولد لدي رغبة في معرفة حكم الشرع في ولاية أمر المسلمين؛ حيث أن جميع أطراف النزاع

يدّعون تمسكهم بالكتاب والسنّة، وعلى ضوء ذلك بدأت بمراجعة النصوص بنفسي.

وهكذا بدأ «محمّد» بدراسة مكثّفة للأحاديث المرتبطة بالولاية والقيادة الشرعية في الإسلام.

حديث الأئمّة الاثني عشر:

من الأدلّة التي يستدلّ بها شيعة أهل البيت علیهم السلام ضرورة اتباع الأئمة الاثني عشر عالم بعد الرسول الأكرم صلّی الله علیه وآله وسلم: حديث الاثني عشر أميراً أو خليفة من قريش.

ففي صحيح البخاري عن جابر بن سمرة، قال: سمعت النبي صلّی الله علیه وآله وسلم يقول: «يكون اثنا عشر أميراً»، فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنه قال: (1)«كلّهم من قريش»

أمّا الروايات التي نقلها مسلم في صحيحه فعديدة، منها: عن جابر بن سمرة، قال: سمعت النبيّ صلّی الله علیه وآله وسلم يقول: «لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً، ثمّ تكلّم النبي صلّی الله علیه وآله وسلم بكلمة خفيت عليَّ، فسألت أبي: ماذا قال رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم؟ فقال: «كلّهم من قريش» (2).

ومنها: عن جابر، قال: سمعت النبيّ صلّی الله علیه وآله وسلم يقول: «لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة»، ثمّ قال كلمة...

وفي رواية له: «لا يزال هذا الأمر عزيزاً إلى اثني عشر خليفة.....».


1) صحيح البخاري 127:8 .

2) صحیح مسلم 6: 3.

وأيضاً: «لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة»، فقال كلمة صمّنيها الناس، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: «كلّهم من قريش»(1). وفي رواية أخرى: «لا يزال الدين قائماً حتّى تقوم الساعة، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش» (2).

وفي رواية الطبراني: «اثنا عشر قيماً من قريش، لا يضرّهم عداوة من عاداهم(3).

قال ابن حجر العسقلاني: «قال ابن بطّال عن المهلّب :لم ألق أحداً يقطع في هذا الحديث، يعني: بشيء معيّن»، إلى أن قال: «وقد لخّص القاضي عياض ذلك، فقال: توجّه على هذا العدد سؤالان: أحدهما: أنه يعارضه ظاهر قوله في حديث سفينة - يعني: الذي أخرجه أصحاب السنن وصحّحه ابن حبّان وغيره: الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً) - لأن الثلاثين سنة لم يكن فيها إلّا الخلفاء الأربعة، وأيام الحسن بن علي.. والثاني: أنّه ولي الخلافة أكثر من هذا العدد. قال: والجواب عن الأوّل: أنّه أراد في حديث سفينة خلافة النبوّة، ولم يقيّده في حديث جابر بن سمرة بذلك.. وعن الثاني: أنّه لم يقل: لا يلي إلّا اثنا عشر، وإنّما قال: ( يكون اثنا عشر ) ، وقد ولي هذا العدد، ولا يمنع


1) صحيح مسلم 6: 3 .

2) صحيح مسلم 6: 4.

3) المعجم الكبير 2: 256 .

الزيادة عليهم. قال : وهذا إنّ جعل اللفظ واقعاً على كلّ من ولي، وإلّا فيحتمل أن يكون المراد من يستحق الخلافة من أئمّة العدل...» (1).

ثمّ قال ابن حجر ردّاً على من يفسّر الحديث: بأنّ الأئمّة الاثني عشر سيكونون في زمن واحد قال: «ويؤيّد ما وقع عند أبي داود - أي كلّهم

تجتمع عليه الأُمّة - ما أخرجه أحمد والبزار من حديث ابن مسعود بسند حسن، أنه سئل كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال: سألنا عنها رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم فقال: (اثنا عشر كعدّة نقباء بني إسرائيل).

وقال ابن الجوزي في (كشف المشكل): قد أطلت البحث عن معنى هذا الحديث، وتطلّبتُ مظانّه، وسألتُ عنه، فلم أقع على المقصود به... إلى أن قال: وعن كعب الأحبار يكون اثنا عشر مهديّاً، ثمّ ينزل روح الله فيقتل الدجّال، قال: والوجه الثالث: أن المراد: وجود اثني عشر خليفة في جميع مدة الإسلام إلى يوم القيامة يعملون بالحقّ، وإن لم تتوالَ أيامهم....

قال ابن حجر: انتهى كلام ابن الجوزي ملخّصاً» (2). وهنا ينبغي للباحث أن يتأمل في عظمة الإسلام وعظمة النبيّ الأعظم صلّی الله علیه وآله وسلم الذي بلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة على أتم وجه، وسدّ كلّ الأبواب على المحرّفين والمبطلين، والمنحرفين عن أهل البيت عليهم السلام، وعن الدين الصحيح..


1) فتح الباري 13 : 182 .

2) فتح الباري 13: 183 .

وينظر كيف تخبّطوا وخلطوا، وحرّفوا واختلفوا، وعجزوا عن تفسير وفهم كلام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم الواضح البليغ على الوجه الصحيح؛ لأنهم لم يجعلوا ما فهمه الشيعة رأياً من الآراء، وتفسيراً من التفاسير للحديث الشريف، فتاهوا واختلفوا، ولم ولن يصلوا إلى المراد بنصّهم أبداً. فالحديث واضح وصريح بوجود خلافة الله وللرسول، وهي خلافة محدّدة بعدد معيّن وصفات معيّنة، وأنّهم هادون مهديّون، وأنّهم بعدد نقباء بني إسرائيل، وكذلك أخبرنا صلّى الله عليه وآله وسلم بعصمتهم التي نصّ عليها حديث الثقلين، فجعلهم عدلاً للقرآن، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ووصفهم بعدم الافتراق، أي: الملازمة والمصاحبة للقرآن.

كما دلت على العصمة آية التطهير ، وحصر إرادة الله بتطهير أهل البيت علیهم السلام فقط دون غيرهم؛ لعلمه بأهليتهم لذلك.

الاستبصار والهداية:

قاد البحث «محمّداً» - في نهاية المطاف - إلى الاعتقاد بولاية أهل البيت الاثني عشر علیهم السلام ورفض ولاية غيرهم في أي زمان، فأعلن عن استبصاره عام 1431ه- ( 2010م) في اليمن.

ثمّ أنّه قام بعد ذلك بكتابة المؤلفات والمقالات في المجال الاعتقادي في سبيل تبليغ مذهب أهل البيت علیهم السلام(1).


1) المستبصر على تواصل مع مركز الأبحاث العقائدية»، وقد ذكر أدلة استبصاره في رسائله الالكترونية التي بعث بها للمركز .

(69) مراد الشاحذي

(سنّي - اليمن)

ولد في مدينة «المحويت» اليمنية، التي تعدّ من المدن العريقة في التاريخ اليمني القديم، ونشأ في أسرة سنيّة المذهب، فاتّبع هذا المذهب تبعا لهم.

عند دراسته في الصف الثالث الثانوي سمع عن الفرقة الوهابية ونشاطاتها التي تدعو فيها الناس إلى - ما تسميّه - الهداية إلى اتّباع سنة السلف الصالح، فكانوا يحذّرون الناس من اتّباع التشيّع، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يسمع فيها «مراد» اسم الشيعة والتشيع، فلم يكن يعرف مذهباً بهذا الاسم قبل ذلك.

يقول «مراد»: كان كلّ حديثهم عن بدع الشيعة وقولهم بالتحريف، وأنّ جبرئيل خان الأمانة فنزل على النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم بعد أن كان من المقرّر أن ينزل على الامام علي علیه السلام، وغير ذلك الكثير الكثير.

أثر ذلك قرّر أن يتعرّف على الحقيقة بنفسه حتى ولو كلّفه ذلك السفر إلى بلدان يقطنها الشيعة؛ ليسمع عنهم الإجابة عن تلك الشبهات.

أكذوبة خان الأمين:

قد شاع حديثاً قديماً عند عامة الناس ممّن لم يتّبعوا مذهب أهل البيت علیهم السلام ولم يخالطوهم: أنّ الشيعة تعتقد بأنّ الأمين جبرئيل علیه السلام قد خان في مهمته التي كلّفه الله تعالى بها، ويرى بعضهمأنّه أخطأ في النزول بالوحي على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم بدل الإمام عليه السلام بينهما، أو لأي سبب آخر.

بسبب الشبه

و في مجال الاجابة على هذه التهم التي تتبرأ منها الشيعة ينبغي الإشارة إلى أربعة أمور:

1 - هل الله تعالى كان يعلم أن جبرئيل سيخون الأمانة - والعياذ بالله - أو لا؟ فان كان يعلم فلماذا أرسل خائناً؟ وهل هذا إلّا نقص على الله تعالى؟! إذ يحتمل على هذا الفرض أنّه تعالى كان مجبوراً على ذلك، نعوذ بالله من هذا الكلام الباطل.

و إن كان لا يعلم بأن جبرئيل سيخون ، فإن هذا باطل أيضاً؛ إذ أنّه يستلزم وصف الله تعالى بالجهل، وهو محال بإجماع المسلمين.

2 - إن القرآن الكريم صرّح بأن صاحب الرسالة هو الرسول الأكرم محمّدصلّى الله عليه وآله وسلم، يقول تعالى:

{وَ مُبَشِّراً برَسُول يَأتى مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَد}(1).

(1). ويقول تعالى: {وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسل (2).

ويقول تعالى:{ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ الله }(3).

ويقول تعالى: {وَآمَنُوا بما نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الحَقُّ مِنْ ربِّهم} (4).

ويقول تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُم }(5).

وهذه الآيات المباركة تؤكد أن صاحب الرسالة هو الرسول محمد صلّى الله عليه وآله وسلم من دون منازعة، ولم يشتبه الأمر على جبرئيل عليه السلام في ذلك، ولم يخن.

3 - جاء في نهج البلاغة عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في وصف الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلم أنّه قال عليه السلام:


1) الصف (61) : 6.

2) آل عمران (3) : 144 .

3) الأحزاب (33) : 40 .

4) محمد (47 ) : 2 .

5) الفتح (48 ) : 29.

أ -أرسل الله رسوله بالدين المشهور والعلم المأثور والكتاب المسطور(1).

ب - «بعثه الله نذيراً للعالمين وأميناً علي التنزيل»(2).

ج - «إن الله بعث محمداً صلّى الله عليه وآله وسلم وليس أحد من العرب يقرأ كتاباً، ولا يدّعي نبوة» (3).

د -« أرسله لإنفاذ أمره وإنهاء عذره وتقديم نذره» (4).

ه- «أرسله على حين فترة من الرسل، وطول هجعة من الأمم» (5).

و - «بعثه والناس ضلال في حيرة، وخاطبون في فتنة»(6).

ز- أرسله داعياً إلى الحق وشاهداً على الخلق، فبلّغ رسالات ربّه غير وان ولا مقصّر»(7).

ح - « .. فقفّی به الرسل، وختم به الوحي»(8).

ط - «ابتعثه والناس يضربون في غمرة ويموجون في حيرة»(9).


1) نهج البلاغة 1 : 28 .

2) نهج البلاغة 1 : 66 .

3) نهج البلاغة 1 : 81 .

4) نهج البلاغة 1 : 132 - 133 .

5) نهج البلاغة 1 : 157.

6) نهج البلاغة 1 : 186 .

7) نهج البلاغة 1 : 229 .

8) نهج البلاغة 2 : 16 .

9) نهج البلاغة 2 : 133.

ي - «أرسله وأعلام الهدى دارسة، ومناهج الدين طامسة»(1).

ك - «أرسله بالضياء، وقدّمه في الاصطفاء» (2).

4 - ثم أنّ هذه كتب الشيعة بين أيدي المسلمين بشتى فرقهم، وأبواب مكتباتهم مفتحة لطالبي العلم والمعرفة والحقيقة، والمسلمون أحرار في التفتيش والبحث فيها، فهل منهم من وجد مثل هذه الأمور المنافية للشريعة والوجدان في كتب الشيعة ومؤلّفاتهم؟!

سنين التحوّل والاستبصار

بعد أن ثارت الشبهات عند «مراد« حول معتقدات الشيعة ورؤاهم سعی بكامل جهده للبحث عمن يبيّن له فكر مدرسة أهل البيت علیهم السلام من دون عصبية، فبحث في القنوات الإذاعية حتى عثر على إذاعة طهران»، فكانت صديقته - كما يقول - لمدة سنتين.

يضيف «مراد» قائلاً: كانت السنتان سنتي التحوّل، وبعدها انتقلت إلى العاصمة صنعاء، وتعرّفت هناك على مكتبات فيها بعض الكتب الشيعية. وهكذا اقتنع بالفكر الشيعي الاثني عشري بصورة تامّة، فأعلن عن استبصاره، وتغيير انتمائه المذهبي، وكان ذلك عام 1420ه- (2000م) في مسقط رأسه مدينة «المحويت» اليمنية (3).


1) نهج البلاغة 2 : 168 .

2) نهج البلاغة 2 : 194 .

3) المستبصر على تواصل مع مركز الأبحاث العقائدية من خلال موقع المركز على الإنترنيت، وقد أضيف موضوع عن كيفية استبصاره في قسم مساهمات المستبصرين في موقع المركز . www.aqaed.com .

(70) يحيى طالب

(زيدي - اليمن)

مرّت ترجمته في (3: 573) من هذه الموسوعة، ونشير هنا إلى ما لم يتمّ التطرّق إليه سابقاً.

بعد مرحلة الاستبصار انشغل (يحيى بتبليغ المذهب الشيعي الاثني عشري من خلال تأليف المؤلّفات الاعتقادية، وقد خرج إلى النور كتابه: بنور القرآن اهتديت»، الذي سُلّط عليه الضوء في ترجمته السابقة في هذه الموسوعة.

كما سعى إلى رفع الشبهات التي تثار بين الحين والآخر من قبل أعداء شيعة أهل البيت عليهم السلام حول الإمام المهدي المنتظر عليه السلام، فجمعها في كتاب، سمّاه: «أسئلة وحوارات حول المهدي المنتظر»، وقد طبع لأوّل مرّة عام 1427ه- في مطبعة «ليلى».

ويتضمّن هذا الكتاب مواضيع عدة، منها: - بماذا تثبت الإمامة والخلافة للأشخاص؟

•

كيف يُعرف المهدي المنتظر عليه السلام عالم كسائر علماء المسلمين أو أنّه عالم معصوم يجب على الكلّ طاعته؟

•

كيف يصلّي رجل غير معصوم - حسب قول السنّة والزيدية - بنبيّ من أنبياء أولى العزم مثل عيسى عليه السلام ؟

-الأحاديث الشريفة في المهدي المنتظر عليه السلام عند السنّة والشيعة الاثني عشرية والزيدية.

وقفة مع كتابه: «أسئلة وحوارات حول المهدي المنتظر عليهم السلام »: يرى المؤلّف أن الاختلاف في الدين ممّا ابتلى به الله سبحانه وتعالى الإنسان، فمن أراد الحق فلابد أن ينقب ويجتهد في البحث من أجل الوصول إليه باستعانة منحة العقل الذي وهبها له الله عزّ وجلّ، وقد تبدو بعض المسائل الدينية في بادىء الأمر غير مقبولة عقلاً، ويتصور البعض أنه لا يمكن له أن يقبل تلك الفكرة أو تلك العقيدة الدينية بأية صورة لكنه إذا تأمل ونزع من قبله فتيل التعصب فقد يكتشف العكس تماماً،ویری أنّه من البديهي البديهي أن يؤمن بتلك الفكرة أو العقيدة التي كانت عنده غير قابلة للتصديق.

ثمّ يوضح المؤلّف فكرته وتجربته الشخصية قائلاً: هناك من السُنّة والزيدية من ينظرون إلى عقيدة الإمام المهدي عليه السلام عند الشيعة الاثني عشرية، بأنها عقيدة غير قابلة للتصديق، وكنت أنا أحمل هذه التصوّر نفسه، وكنت أعتقد جازماً بها؛ لأنه لا يمكن أن يكون الإمام المهدي عليهم السلام غائباً

كل هذه الفترة؛ لذا كنت أظن أنه لا يمكن قبول عقيدة الاثني عشرية في المهدي المنتظر عليه السلام، ولكن بالتأمّل والتدبّر في ما ورد من أحاديث الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم اكتشفت أن المسألة بالعكس تماماً، وأحببت أن أنقل تلك النكات المثيرة في هذا الموضوع لبقية إخواني الباحثين؛ لتكون لهم عوناً على معرفة الحقيقة، وتكون تلك النكات وطريقة التأمل والتدبّر فيها نموذجاً يمكن إجراؤه في المسائل العقائدية الأخرى.

الأحاديث الشريفة في المهدي المنتظر (عجل الله فرجه الشريف):

بعد ذكر المؤلّف لعدة مسائل مرتبطة بموضوع الإمام المهدي المنتظر صلّى الله عليه وآله وسلم ، من قبيل أنّه يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً، وأنه يصلّي بعيسى بن مريم عليه السلام، وأنه عليه السلام من أهل البيت عليهم السلام، وغير ذلك.. يقول:

تعتبر هذه المسائل من المسلمات بين المسلمين؛ لكثرة ما ورد فيها من الأحاديث من طرق السنّة والشيعة، ولكن ربّما يطلع على هذا البحث من ليس له اطلاع ك-اف على كتب الحديث، ويتصور أن هذه المسائل المذكورة في هذا البحث لم ترد عند أهل السنة، وأنها مما اختصت بها الشيعة؛ لذا أردت أن أذكر جزءاً يسيراً مما ورد في تلك المسائل من أحاديث وأقوال خصوصاً من طرق أهل السنة.

أوَّلاً : بعض ما جاء عند أهل السنة:

روى أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم : « لا تقوم الساعة حتّى يملك رجل من أهل بيتي أجلى أقنى، يملأ الأرض عدلاً، كما ملئت قبله ظلماً، يكون سبع سنين »(1).


1) مسند أحمد 3 :17 .

وأورد الهيثمي في مجمع الزوائد عن قيس بن جابر الصدفي عن أبيه عن جده أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم قال: «سيكون من بعدي خلفاء، ومن بعد الخلفاء أمراء، ومن بعد الأمراء ملوك، ومن بعد الملوك جبابرة، ثم يخرج رجل من أهل بيتي يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، ثم يؤمر القحطاني، فوالذي بعثني بالحق ما هو دونه»(1).

وروى ابن حبَّان في صحيحه عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: لا تقوم الساعة حتّى يملك رجل من أهل بيتي أقنى يملأ الأرض عدلاً كما ملئت قبله ظلماً، يملك سبع سنين »(2).

وروى ابن حبَّان أيضاً عن ابن شهاب، أن نافع بن أبي نافع مولى أبي قتادة أخبره أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم» (3).

وأخرج الطبراني في المعجم الصغير عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: «لا تذهب الدنيا حتّى يملك رجل من أهل بيتي، يواطىء اسمه اسمي، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً» (4).

وأخرج البخاري في صحيحه أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم»(5).


1) مجمع الزوائد للهيثمي 5: 190.

2) صحیح ابن حبان 15: 238

3) صحیح ابن حبان 15: 213

4) المعجم الصغير للطبراني 2: 148.

5) صحيح البخاري 4 143 ، وكذلك أخرجه مسلم في صحيحه 1 94، والسيوطي في جامعه الصغير 2: 299، والمتقي الهندي في كنز العمال 14 332.

وقال القندوزي الحنفي في ينابيع المودة لذوي القربى»: «أخرج الكُنجي: بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: «كيف أنتم إذا نزل بكم ابن مريم علیه السلام فيكم وإمامكم منكم. قال: هذا حديث حسن صحيح، أيضاً رواه البخاري ومسلم في صحيحهما (1).

وفي «فيض القدير» للمناوي ما نصَّه: «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم» أي: الخليفة من قريش على ما وجب واطرد، أو وإمامكم في الصلاة رجل منكم كما في مسلم أن يقال له أي لعيسى علیه السلام]: صلّ بنا، فيقول: لا، إنَّ بعضكم على بعض أمراء تكرمة لهذه الأمَّة.

وقال الطيبي: معنى الحديث: أي يؤمكم عيسى حال كونكم في دينكم، وصحح المولى التفتازاني «أنّه يؤمهم ويقتدي به المهدي لأنه أفضل فإمامته أولى».

وفي رواية - بدل إمامكم منكم :«ويؤمكم منكم» ومعناه يحكم بشريعة الإسلام، وهذا استفهام عن حال من يكونون أحياء عند نزول عيسى؛ كيف يكون سرورهم بلقاء هذا النبيّ الكريم، وكيف يكون فخر هذه الأمَّة وعيسى روح الله يصلي وراء إمامهم ، وذلك لا يلزم انفصال عيسى من الرسالة؛ لأنَّ جميع الرسل بعثوا بالدعاء إلى التوحيد والأمر بالعبادة والعدل، والنهي عمَّا خالف ذلك من جزئيات الأحكام بسبب تفاوت الأعصار في


1) ينابيع المودة 3: 299.

المصالح ، من حيث أن كل واحد منها حقُّ بالإضافة إلى زمانها، مراعي في-ه صلاح من خوطب به، فإذا نزل المتقدّم في أيام المتأخر نزل به على وقفه، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «لو كان موسى حيّاً لما وسعه إلّا اتباعي» تنبيها على أن اتباعه لا ينافي الإيمان به بل يوجبه (1).

وذكر ابن حجر العسقلاني في فتح الباري ما يلي: ... وفي صلاة خلف رجل من هذه الأمة، مع كونه في آخر الزمان وقرب قيام الساعة، دلالة للصحيح من الأقوال أن الأرض لا تخلو عن قائم الله بحجة والله أعلم(2).

عیسی

وقال في «الإصابة»:... في صحيح مسلم عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم قال: ينزل عيسى بن مريم على المنارة البيضاء شرقي دمشق، وفيهما عنه: ينزل عيسى بن مريم فيقتل الدجال. وقال النووي في ترجمته في تهذيب الأسماء: إذا نزل عيسى كان مقرراً للشريعة المحمدية لا رسولاً إلى هذه الأمة، ويصلّي وراء إمام هذه الأمة تكرمة من الله لها من أجل نبيها. وفي الصحيح:

«كيف إذا نزل عيسى بن مريم وإمامكم منكم»(3) .

ثانياً: بعض ما جاء عند الشيعة:

روى الشيخ الصدوق في «كمال الدين وتمام النعمة» بإسناده عن محمد ابن أبي عمير، عن أبي جميلة المفضل بن صالح، عن جابر بن يزيد


1) فيض القدير 5: 74

2) فتح الباري 6: 358.

3) الإصابة 4 :637 .

الجعفي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: «المهدي من ولدي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خلقاً وخلقاً، تكون به غيبة وحيرة تضل فيها الأمم ، ثم يقبل كالشهاب الثاقب يملأها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً» (1).

وبإسناده أيضاً عن هشام بن سالم عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جدّه الله، قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: القائم من ولدي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، وشمائله شمائلي، وسنّته سنّتي، يقيم الناس على ملّتي وشريعتي، ويدعوهم إلى كتاب ربّي عزّ وجلّ، من أطاعه فقد أطاعني، ومن عصاه فقد عصاني، ومن أنكره في غيبته فقد أنكرني، ومن كذّبه فقد كذّبني، ومن صدّقه فقد صدّقني، إلى الله أشكو المكذّبين لي في أمره، والجاحدين لقولي في شأنه، والمضلين لأمتي عن طريقته {وَسَيَعلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَب يَنقَلِبُونَ}» (2).

وفي تفسير مجمع البيان.... ويدلُّ على ذلك ما رواه الخاص والعام عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «لو لم يبقَ من الدنيا إلا يوم واحد، لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلاً صالحاً من أهل بيتي، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً، كما قد ملئت ظلما وجوراً (3).

وفيه أيضاً: «... وروى العياشي بإسناده عن علي بن الحسين علیهما السلام أنه قرأ الآية، وقال: «هم والله شيعتنا أهل البيت يفعل الله ذلك بهم على يدي رجل


1) کمال الدين وتمام النعمة: 286.

2) كمال الدين وتمام النعمة: 411، والآية في سورة الشعراء (26): 227.

3) مجمع البيان للطبرسي7 :120

منّا، وهو مهدي هذه الأمَّة، وهو الذي قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم، حتى يلي رجل من عترتي،اسمه اسمي، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلما وجوراً» (1).

وقال العلّامة الطباطبائي في تفسير الميزان: أخرج أحمد والبخاري ومسلم والبيهقي في الأسماء والصفات قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: «كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم وإمامكم منكم؟

وفيه: أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: «يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً يقتل الدجال، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، ويقبض المال، وتكون السجدة وحدة الله رب العالمين، واقرؤوا إن شئتم:{ وَإن من أهل الكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ موته }موت عيسى بن مريم ثم يعيدها أبو هريرة ثلاث مرات.

أقول :والروايات في نزول عيسى اللة عند ظهور المهدي السلة مستفيضة من طرق أهل السنّة، وكذا من طرق الشيعة عن النبي والأئمة من

أهل بيته عليهم الصلاة والسلام(2).

ثالثاً: بعض ما جاء عند الشيعة الزيدية:

جاء في «مطمح الآمال في إيقاظ جهلة العمال» للقاضي العلامة شرف الدين الحسين بن ناصر المعروف بالمهلا :وفي المهدي أحاديث بالغةُ حدَّ


1) مجمع البيان 7: 267.

2) تفسير الميزان 5: 144 .

التواتر، منها ما ذكره الأمير الحسين بن بدر الدين في ينابيع النصيحة: يخرج المهدي في أُمَّتي، يبعثه الله غياثاً تنعم الأمة، وتعيش الماشية، وتخرج الأرض نباتها، ويعطى المال صحاحاً؛ فقال رجل: وما صحاحاً؟ قال: التسوية بين الناس (1).

وفيه أيضاً: وقد اعتنى جمع كثير من علماء الأمة المحمدية بالتأليف في أخبار المنتظر، كمحمّد بن إبراهيم النعماني، والحافظ أبي نعيم فإنّه خرج فيه أربعين حديثاً، والشيخ أبي عبد الله محمّد بن یوسف الكنجي الشافعي في كتابه البيان في أخبار صاحب الزمان، وفيه بإسناده: «ولا تذهب الدنيا حتى يملك الغرب رجل من أهل بيتي، يواطىء اسمه اسمي». وحديث: «لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً عند أئمتنا وأبي داود في مسنده. وحديث: «المهدي منّي أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلما وجوراً، عند أبي داود والترمذي من حديث أبي سعيد زاد أبو داود: يملك سبع سنين، وقال: هذا حديث ثابت حسن صحيح.

وأخرج الديلمي في مسند الفردوس من حديث حذيفة مرفوعاً بلفظ: «المهدي من ولدي، وجهه كالقمر الدري، واللون منه لون عربي، والجسم جسم إسرائيلي، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، يرضى بخلافته أهل السماوات وأهل الأرض والطير في الجو، يملك عشر سنين».


1) مطمح الآمال في إيقاظ جهلة العمال من سنة الضلال لابن المهلا: 185

وحديث: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة، أخرجه أبو داود.

وأخرج الشيخان من حديث أبي هريرة مرفوعاً: «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم».

وأخرج الدارقطني عن أبي هارون العبدي قال: أتيت أبا سعيد الخدري فقلت: هل شهدت بدراً؟ فقال: نعم. قلت: ألا تحدثني ما سمعته من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم في عليّ وفضله؟

فقال: بلى، أخبرك أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم مرض مرضةً نقه منها، فدخلت عليه فاطمة وأنا عن يمين النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم، فبدت دموعها على خدها، فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم:« ما يبكيك يا فاطمة؟ إن الله اطلع على الأرض اطلاعه على خلقه فاختار منهم أباك فبعثه نبياً، ثمّ اطلع ثانية فاختار منهم بعلك، فأوحى إلى أن أنكحه فاطمة، فأنكحته إياك واتخذته وصياً؛ أما علمت أنَّك بكرامة الله إياك زوجك أغزرهم علماً وأكثرهم حلماً وأقومهم سلماً، فاستبشرت. فقال لها: يا فاطمة ولعلي ثمانية أضراس - أي مناقب - إيمان بالله تعالى ورسوله، وحكمته، وزوجته، وسبطاه الحسن والحسين، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، يا فاطمة: إنا أهل بيت أعطينا ست خصال لم يعطها أحد من الأولين، ولا يدركها أحد من الآخرين غيرنا نبينا خير الأنبياء، ووصيُّنا خير الأوصياء وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء وهو حمزة عم أبيك، ومنا سبطا هذه الأمَّة، وهما ابناك ، ومنّا مهدي الأمَّة الذي يصلّي خلفه عيسى، ثمَّ

ضرب على منكب الحسين علیه السلام، وقال: من هذا مهدي هذه الأمة». إلى غير ذلك من الأخبار.

وقد ذكروا لقيامه علامات منها: خروج السفياني، وقتل الحسيني، وكسوف الشمس في نصف شعبان، وخسوف القمر آخر الشهر، وطلوع الشمس من مغربها، وقتل نفس زكية في سبعين من الصالحين، وذبح رجل هاشمي بين الركن والمقام، وهدم حائط (مسجد الكوفة) وإقبال رايات سود من قبل (خراسان)، وخروج اليماني، وظهور المغربي ب- (مصر) وتملكه الشامات، ونزول الترك الجزيرة، ونزول الروم الرملة، وطلوع نجم بالمشرق يضيء كالقمر، ثم ينعطف حتى يكاد أن يلتقي طرفاه، وحمرة تظهر في السماء، ونار تظهر بالمشرق وتبقى في الجوِّ ثلاثة أيام أو سبعة أيام، وخلع العرب أعنتها وتملكها البلاد، وقتل أهل (مصر) أميرهم، وخراب (الشام) واختلاف ثلاث رايات فيه ودخول رايات قيس والعرب إلى (مصر) ورايات (كندة) إلى (خراسان)، وورود خيل من الغرب حتى تربط بفناء (الحيرة)، وإقبال رايات سود من المشرق نحوها، وفتق في (الفرات) يدخل الماء أزقة (الكوفة)، وخروج ستين كذاباً يدعون النبوة، وزلزلة حتى ينخسف كثير منها، وخوف يشمل (العراق)، وموت ذريع ونقص في الأنفس والأموال والثمرات، وجراد يظهر فى أوانه وغير أوانه حتى يأتي على الزرع والغلات، وقلّة ريع ما يزرع الناس، واختلاف بين العجم وسفك دماء كثيرة بينهم، وخروج العبيد من طاعات ساداتهم وقتلهم مواليدهم،

ويختم بعد ذلك بأربع وعشرين مطرة متّصلة فتحيى الأرض بعد موتها وتظهر بركاتها وتزول بعد ذلك كل عاهة عن أتباع المهدي، فيعرفون عند ذلك ظهوره ب- (مكة) فيتوجهون إليه قاصدين لنصرته، ومن جملة هذه العلامات ما هو محتوم ومنها ما هو مشترط. والله أعلم ما يكون».

وعن أبي بصير عن أبي عبد الله قال: «لا يخرج القائم إلا في وتر من السنين، سنة إحدى أو ثلاث أو خمس أو سبع أو تسع».

وعن أبي عبد الله: «ينادى باسم القائم في ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان، ويقوم في يوم عاشوراء، ولكأني به في يوم السبت العاشر من المحرّم قائماً بين الركن والمقام، وشخص قائم على يده ينادي البيعة من أطراف الأرض تطوى لهم طياً حتى يبايعوه، فملأ الله به الأرض عدلاً كم-ا ملئت جوراً، ثمّ يسير من (مكة) إلى (نجف الكوفة) ثمّ يفرق الجنود منها إلى الأمصار».

وعن أبي جعفر في حديث طويل قال: «إذا قدم القائم سار إلى (الكوفة) فوسع مساجدها، وكسر كل جناح خارج في الطريق، فأبطل الكنف والميازيب الخارجة إلى الطرقات، ولا يترك بدعة إلّا أزالها ولا سنة إلّا أقامها، ويفتح القسطنطينية) و (جبال الديلم)، فيمكث على ذلك سبع سنين، كل سنة عشر سنين من سنينكم هذه، منصور بالرعب، مؤيد بالظفر، تطوى له الأرض، وتظهر الكنوز، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب، ويظهر الله دينه على الدين كله ولو كره المشركون، فلا يبقى في الأرض خراب

إلّا عُمّر، ولا تدع الأرض شيئاً من نباتها إلّا أخرجته، ويتنعَّم الناس في زمانه نعمة لم يتنعموا مثلها قط».

قيل له: يابن رسول الله ومتى يخرج؟

قال: «إذا تشبه الرجال بالنساء، والنساء بالرجال، وركبت ذوات الفروج السروج، وأمات الناس الصلوات واتبعوا الشهوات، وأكلوا الربا، واستخفوا

بالدماء، وتعاملوا بالرباء، وتظاهروا بالزنا، وشيدوا البناء، واستحلوا الكذب وأخذوا الرشا، واتبعوا الهوى، وباعوا الدين بالدنيا، وقطعوا الأرحام، وظنوا بالطعام، وكان الحلم ضعفاً، والظلم فخراً، والأمراء فجرة، والوزراء كذبة، والأمناء خونة، والأعوان ظلمة، والقراء فسقة، وظهر الجور، وكثر الطلاق، وبدا الفجور، وقبلت شهادة الزور، وشربت الخمور، وركبت الذكور الذكور، واستقل النساء بالنساء، واتخذ الفيء مغنماً، والصدقة مغرماً، واتقى الأشرار مخافة ألسنتهم، وخرج السفياني من (الشام)، واليماني من (اليمن)، وخسف بالبيداء بين (مكة) و (المدينة)، وقتل غلام من آل محمد بين الركن والمقام، وصاح صائح من السماء بأن الحق معه ومع أتباعه، فعند ذلك خرج خرج قائمنا، فإذا خرج أسند ظهره إلى الكعبة فاجتمع إليه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً من أتباعه، فأول ما ينطق بهذه الآية:{بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيرٌ لَكُم إِن كُنتُم مُؤمِنِينَ}(1)فيقول: أنا بقية الله وخليفته وحجته عليكم؛ ف-لا يسلّم عليه مسلم إلا قال: السلام عليك يا بقية الله في الأرض، فإذا اجتمع


1) هود (11): 86

عنده عشرة آلاف رجل، فلا يبقى يهوديُّ ولا نصرانيُّ ولا أحد ممَّن يعبد غير الله إلّا آمن به وصدقَّه، وتكون الملَّة واحدة (ملَّة الإسلام)، وكلّما كان في الأرض من معبود سوى الله، فتنزل عليه نار من السماء فتحرقه»(1).

رابعاً: بعض ما جمعه أهل السنّة:

الروايات والأقوال في موضوع المهدي المنتظر علیه السلام كثيرة، وقد جمع أحد علماء أهل السنَّة - وهو الشيخ محمّد جعفر الكتاني في كتابه « نظم المتناثر من الحديث المتواتر - جزءاً مما ورد عند أهل السنة في ذلك، وكان جمعه ذلك جامعاً إلى حدّ ما، وفيما يلي نورد نصَّ ما جمعه:

خروج المهدي الموعود المنتظر الفاطمي:

1 - عن: ابن مسعود، أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه.

2 - وأم سلمة، أخرجه أبو داود وابن ماجه والحاكم في المستدرك.

3- وعلي بن أبي طالب، أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه.

4 - وأبي سعيد الخدري، أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وأبو يعلى والحاكم في المستدرك.

5 - وثوبان، أخرجه أحمد وابن ماجه والحاكم في المستدرك.

6 - وقرة بن إياس المزني، أخرجه البزار والطبراني في الكبير والأوسط.

7 - وعبد الله بن الحارث بن جزء، أخرجه ابن ماجه والطبراني في الأوسط.


1) مطمع الآمال في إيقاظ جهلة العمال من سنة الضلال للمهلا: 185 - 191.

8- وأبي هريرة ، أخرجه أحمد والترمذي وأبو يعلى والبزار في مسندهما والطبراني في الأوسط وغيرهم.

9 - وحذيفة بن اليمان، أخرجه الروياني.

10 - وابن عباس، أخرجه أبو نعيم في أخبار المهدي.

11 - وجابر بن عبد الله، أخرجه أحمد ومسلم، إلّا أنه ليس فيه تصريح بذكر المهدي، بل أحاديث مسلم كلها لم يقع فيها تصريح به.

12 - وعثمان، أخرجه الدارقني في الإفراد.

13 - وأبي أمامة، أخرجه الطبراني في الكبير.

14 - وعمار بن ياسر ، أخرجه الدارقطني في الإفراد والخطيب وابن عساكر.

15 - وجابر ابن ماجد الصدفي، أخرجه الطبراني في الكبير.

16 - وطلحة بن عبيد الله، أخرجهما الطبراني في الأوسط.

17 - وأنس بن مالك، أخرجه ابن ماجه.

18 - وعبد الرحمان بن عوف، أخرجه أبو نعيم.

19 - وعمران بن حصين، أخرجه الإمام أبو عمرو الذاني في سننه. وغيرهم..

وقد نقل غير واحد عن الحافظ السخاوي أنها متواترة، والسخاوي ذكر ذلك في فتح المغيث ونقله عن أبي الحسين الآبري... وفي تأليف لأبي العلاء إدريس بن محمد بن إدريس الحسين العراقي المهدي هذا أنَّ

أحاديثه متواترة أو كادت :قال وجزم بالأول [أي التواتر ] غير واحد من الحفّاظ النقاد.

وفي شرح الرسالة للشيخ جسوس ما نصه: ورد خبر المهدي في أحاديث ذكر السخاوي أنها وصلت إلى حد التواتر.

وفي شرح المواهب نقلاً عن أبي الحسين الإبري في مناقب الشافعي قال: تواترت الأخبار أن المهدي من هذه الأمة، وأن عيسى يصلي خلفه، ذكر ذلك ردّاً لحديث ابن ماجة عن أنس ولا مهدي إلا عيسى. وفي معاني الوفاء بمعاني الاكتفاء قال الشيخ أبو الحسين الآبري قد

تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلم بمجيء المهدي، وأنه سيملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلاً.

وفي شرح عقيدة الشيخ محمد بن أحمد السفاريني الحنبلي ما نصه: وقد كثرت بخروجه الروايات حتى بلغت حد التواتر المعنوي، وشاع ذلك بین علماء السنة حتى عد من معتقداتهم، ثم ذكر بعض الأحاديث الواردة فيه عن جماعة من الصحابة وقال بعدها وقد روى عمن ذكر من الصحابة وغير من ذكر منهم بروايات متعددة وعن التابعين من بعدهم مما يفيد رعة العلم القطعي، فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرَّر عند أهل العلم ومدوَّن في عقائد أهل السنة والجماعة.

وتتبَّع ابن خلدون في مقدمته طرق أحاديث خروجه مستوعباً لها على حسب ،وسعه، فلم تسلم له من علَّة، لكن ردُّوا عليه بأنَّ الأحاديث الواردة

فيه على اختلاف رواياتها كثيرة جداً، تبلغ حد التواتر، وهي عند أحمد والترمذي وأبي داود وابن ماجه والحاكم والطبراني وأبي يعلى الموصلي والبزار، وغيرهم من دواوين الإسلام من السنن والمعاجم والمسانيد، وأسندوها إلى جماعة من الصحابة. فإنكارها مع ذلك مما لا ينبغي، والأحاديث يشد بعضها بعضاً، ويتقوى أمرها بالشواهد والمتابعات، وأحاديث المهدي بعضها صحيح، وبعضها ،حسن، وبعضها ضعيف، وأم-ره مشهور بین الكافة من أهل الإسلام، على ممر الأعصار، وأنَّه لابد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت النبوي يؤيّد الدين، ويظهر العدل ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية، ويسمى بالمهدي، ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح؛ على أثره، وأن عيسى ينزل من بعده، فيقتل الدجال، أو ينزل معه، فيساعده على قتله، ويأتم بالمهدي في بعض صلواته، إلى غير ذلك.

وللقاضي العلّامة محمّد بن علي الشوكاني اليمني رحمه الله رسالة سمّاها «التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجال والمسيح» قال فيها: والأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثاً، فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شكّ ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما دونها على جميع المحررة في الأصول، وأمّا الآثار عن الصحابة المصرَّحة بالمهدي فه-ي

الاصطلاحات

كثيرة أيضاً، لها حكم الرفع، إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك. وانظره فقد ذكر أحاديثه وتكلَّم عليها.

وفي الصواعق لابن حجر الهيتمي ما نصه: قال أبو الحسين الآبري قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلم بخروج المهدي، وأنّه من أهل بيته وأنّه يملك سبع سنين، وأنّه يملأ الأرض عدلاً، وأنه يخرج مع عيسى صلى الله على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، فيساعده على قتل الدجال بباب لد بأرض فلسطين، وأنه يوم هذه الأمة ويصلّي عيسى خلفه.

ومثله له في القول المختصر في علامات المهدي المنتظر، إلّا أنَّه عبر عن أبي الحسين المذكور ببعض الأئمة، ونصه: قال بعض الأئمة: قد تواترت الأخبار... الخ ما مر عنه في الصواعق. وقال قبله بیسیر ما نصه: قال بعض الأئمة الحفاظ إنَّ كونه - أي المهدي - من ذريته صلّى الله عليه وآله وسلم قد تواتر عنه صلّى الله عليه وآله وسلم.

قلت: وأبو الحسين المذكور هو محمد بن الحسين بن إبراهيم الآبري السجستاني، مصنف كتاب مناقب الشافعي، وهو كتاب حافل رتبه على أربعة أو خمسة وسبعين باباً. و(آبر) من قرى سجستان. تُوفّي في رجب سنة

ثلاث وستين وثلاثمائة، راجع ترجمته في الطبقات الكبرى للسبكي. ولولا مخافة التطويل لأوردت هاهنا ما وقفت عليه من أحاديثه؛ لأني رأيت الكثير من الناس في هذا الوقت يتشككون في أمره، ويقولون: يا ترى

هل أحاديثه قطعية أم لا، وكثير منهم يقف مع كلام ابن خلدون ويعتمده، مع أنه ليس من أهل هذا الميدان والحق الرجوع في كل فن لأربابه والعلم الله تبارك وتعالى (1)(2).

مطمع الآمال في إيقاظ جهلة العمال من سنة الضلال والتنبيه على ما كان عليه رسول الله ووصيه والأئمة الهادون فى الأحوال والأقوال والأفعال، الحافظ شرف الدين الحسين بن ناصر ابن المهلا (توفي سنة 1111ه-)، تحقيق: عبد الله بن أحمد الحوثي، مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية، الطبعة الأولى 1422ه-


1) نظم المتناثر من الحديث المتواتر: 225 - 228.

2) أسئلة وحوارات حول المهدي المنتظر علیه السلام : 53 - 70 (بتصرف يسير).

(71) يوسف بن يحيى الحسني الصنعاني

(زيدي - اليمن)

ولد في شهر جمادي الأولى لعام 1078ه- بمدينة صنعاء في اليمن، ونشأ في أسرة شريفة النسب زيدية المذهب، متضلّعة في مختلف الفنون؛ كالعلم والأدب والشعر، فتربى أديباً شاعراً على يديها، وقد أشار إلى مكانته العلمية في أرجوزة له، فقال في جزء منها:

وإنني لأحفظ القرآنا ***غيباً يهز لفظه الصفوانا

وأحفظ النحو وعلم الصرف***حفظاً له یمشي النحاة خلفي

والشعر والبيان والمعاني ***والمنطق المذكور في اليونان

ثم البديع والحديث واللغة ***والطب والتاريخ عمن بلغه

وأعلم الجدال والتفسيرا ***فاسأل به عن فطنتي خبيرا

وأحفظ الأخبار والأنسابا ***والفقه والأصول والحسابا

ولي من الشعر الغريب الممتنع ***مالوزهیر ذاقه إثري تبع

وإن أردت النشر فالبلابل*** تشدو به إذ تورق الخمائل

والفاضل المصري عنه قاصر*** ومنتقی مروان فيه حائر

أقوال العلماء فيه:

كما أشار إلى مكانته جملة من علماء عصره، فقال القاضي أحمد بن محمّد الحيمي عنه: «أتمّ الله عليه ما كان آملاً، وعلّمه من تأويل الأحاديث ما عد به كاملاً فهو من منهل العلم قد عبّ، وفي رياض الفصاحة يرتع ويلعب».

وقال فيه السيد إبراهيم بن زيد بن جحاف: لبس برد المجد واشتمل

عليه، وروى حديث المكارم فاتصل به وإليه المشهور بالفضائل، والذي

زان الله

بوجوده صدور المحافل، وظهرت معجزاته في المشارق والمغارب، وأقرت له بالسبق الأشراف والأعاجم والأعارب، أريحي كريم الطباع له في النظم والنثر أطول باع».

وقال السيد إبراهيم الحوثي في ترجمته له: «العالم الشاعر الأديب المؤرّخ، حقق في علوم العربية والأصولين والمنطق، وشارك في الطب وتضلع في الأدب».

البحث والتحقيق، ثم الاستبصار:

تتلمذ «يوسف» على يد أبيه وأخيه وجملة من علماء الزيدية إلّا أنَّه لم يكتف بذلك، بل بذل جهده ليصل إلى مبتغاه في العقيدة التي أرادها الله ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلم للعباده، ولم يوحشه انفراده في سلوك ذلك المسير الذي كان يشكل له المصاعب حيث أسرته التي كانت من الأسر الزيدية المعروفة.

وقد سار به البحث في آخر المطاف إلى أن يستبصر بنور العترة الطاهرة علیهم السلام، تاركاً بذلك ما كان يعتقده الآباء والأجداد من الزيدية، مذعناً لما أملي عليه من النصّ الصريح والعقل السليم في ضرورة اتّباع الأئمة الاثني عشر علیهم السلام بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم.

وقد أشار إلى ذلك العلامة الشيخ محمد بن علي الشوكاني في ترجمته له، فقال: «مال إلى الأدب، ونظم الشعر، وصنّف نسمة السحر في ذكر من تشيّع وشعر ...وهو إمامي المعتقد، ولم يكن في أهل بيته من هو كذلك، فإنّ والده كان زيدياً وكذلك سائر قرابته».

مؤلفاته :

1 - نسمة السحر بذكر من تشيّع وشعر، وجاء في مقدمة المحقق كامل سلمان الجبوري: كتاب معروف في الأوساط الأدبية وقد تردّد ذكره كمصدر أدبي مهم لا يستغنى عنه.

وبالرغم من أن عنوان الكتاب يبين بوضوح مضامينه وموضوعه، فالمؤلف التزم ترجمة كل من كان شاعراً شيعياً بالفكرة والمعتقد، واقتصر فيه على من كان منهم في الفرق الشيعية الثلاث: الإمامية والزيدية ،والإسماعيلية، وعرض فيه بعض أخبارهم ونماذج من شعرهم .. وذكر الحوادث التاريخية ، والمواعظ والنكات والطرائف.

انتهى من تأليفه - كما ذكر - سنة 1111ه- ، ثم ضمّ اليه ملحقاته إلى حين وفاته.

وقد قرظ للكتاب وأثنى عليه عدد كبير من العلماء والأدباء.

2 - طلوع الضياء، وهو ديوان شعر أخيه زيد بن يحيى بن الحسين، جمعه المترجم.

3 - أرجوزة في سيرته (1).

وقفة مع كتابه « نسمة السحر بذكر من تشيع وشعر »

يشرح المؤلف المستبصر في مقدّمته لهذا الكتاب سبب تأليفه وجمعه للشعراء ممّن تشيَّع لأمير المؤمنين علیه السلام بين دفّتي كتابه، وذلك بأسلوبه الأدبيّ الشيٌّق، فيقول:

إنّي لم أزل منذ رزقت العزيمة وفارقت التمائم، وجاريت بالفكرة السليمة عليلات النسائم ذا ولع بالأدب ولا ولع النسيم ببانة الجرعا، وكلف بالشعر المحبّب إلى القلوب كالدينار طبعاً، ولا برحت رائعاً من سواده على البياض في الحدق ..

مؤلفاً من منه بما هو أحلى من ذهب الخدود وأرق، أجد في كل فصل منه ما هو أفضل من الربيع وأكرم من جعفر، وأشه-ي من العيون الفواتر إلى القلوب وأسحر، ولما حلى بفكري سكره المكرّر وعلق، وانفتح لي منه ديباج زينة تجدد وما خلق لازمت التأريخ ملازمة العاذل للعاشق، وطرق فكري منه ما سما قدراً، فعوّذته بالسماء والطارق، ورأيت كتب الفضلاء السلف الأعيان، التي أودعوها نظاراً ما برح نظيراً على صرف الزمان،


1) ما ذكر عن المستبصر نقل عن مقدمة كتابه: «نسمة السحر بذكر من تشيع وشعر»: 1 : 7 - 36 ، بتحقيق: كامل سلمان الجبوري .

وعلمت بما مرّلي منها فحَلا عليَّ مرّه إن من درى أخبار من قبله أض-اف أعماراً إلى عمره، وإن الإنسان وإن تقدم حديث، والدهر وإن خلته نقياً مسافراً ببنيه حثيث، وإن أولئك النبلاء قد رفعوا لنا ميزان الرجال بلسان القلم، ونصبوا بارتفاع هممهم لكل مضاف إليهم من البيان نارا على علم، فوقع في خلدي أن أجمع جماعة تقدموا في هذه الصناعة، وتفرقت أعصارهم فجمعهم الأدب، و«يد الله لله مع الجماعة»، وخصصت بالجمع السالم، كل متشيّع بولاية الوصي عالم، وذكرت فيه من تقدم بالفضل في العصر الأخير، ومن وقفت على عصره من نظمه عتقت فهي القديم القصير، ولم أذكر غير المشاهير، إذ لا يدخل بين الصقور العصافير، متمسكاً فيه بطيب الإنصاف، رافضاً للتحامل والإعتساف أنظر إلى ما يقول لا من يقول، مقتدياً بقول إمامي وصي الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم: «والناس من آدم وهو من الصلصال»، والصامي(1)

نفس عصام سودت عصاما ***وعلّمته الكرّ والأقداما

والعظامي من يفتخر بمن صار عظاماً من آبائه».

لا العظامي عند الفعال.

ولا أفرد بذكر غير من هو على الشرط المقدّم، وقد أذكر تبعاً من السنيّة من صلّى في حلبة القريض حتى لان له طرفه وسلم، ليجري في بحر الشيعة على الشريعة (2)

(469)

، وجمعت فيه خلقاً كثيراً، ليكون لي وللأولياء روضة

1) في هامش الأصل: «ذكر الإمام أبو القاسم الزمخشري، أن الحجاج سأل رجلاً: أعصامي أنت أم عظامي ؟ قال كلاهما أراد بالعصامي من سودته نفسه وفعاله إشارة إلى قول عصام الباهلي للنعمان بن المنذر :

2) في هامش الأصل: «الشريعة: الطريق إلى النهر».

وغديراً، واقتصرت في الأغلب على من نظم العقود الشعرية من هذه العصابة الأدبية، إذ حصر أدباء الأولياء يُعجز كل حاصر، وكلّ شاعر أديب وليس كل أديب شاعر، فجاء كما قلت فيه:

حوی درراً لو قلد الأفق مثلها ***لأطفى من الشمس المنيرة عينها

إذا نظرته الخود (1)قالت سطوره ***بني الفهم أين الفرق بيني وبينها

أليس سوادي والبياض تقارنا ***فأبطلن من سحر العقول جفونها

ولي بالمعاني ما يشابه خدّها ***ولست ملولاً للمحبين دونها

ويحملني الملك المتوّج دائماً ***إذا حملت كفّاه حيناً يمينها

ولم أحبس عنان أدهم القلم عن فائدة استطراد به لها فعل الكميت، ونادرة لا يكون لها غير القلب بيت يرتاح لها القاري، ويحمد بها صباحه الساري «فلذات الهوى في التنقل، والتزام جادة الجد فيه مما يثقل، فقام لنديمه مقام الراح على الأقاح، أو على الوجوه الصباح وقت الإصطباح، وذكرت فيه النسبة إلى البلدان والعشائر، وميزت بين الإقليم الأول والثاني إلى السابع تمييز فهم ،شاعر، إلا ما شدَّ عني نسبة أو نسبته وهو القليل، ناقلاً ذلك عن الفضلاء أهل التحصيل، فصار كما قلت:

كتاب إذا ما الشمس أكسف وجهها***أغار محياها من الحسن مقياسا

ولو لمح الروض النضير جماله ***لما وصف المنثور والورد والآسا


1) الخَوْد: الفتاة الحسنة الخَلق الشابة ما لم تَصِر نَصَفا راجع: لسان العرب 3: 165.

ويسكر قاريه فيحسب ذاهلاً*** بأن رقيم الطرس يضمر شمّاسا

وإن شئت ربّ الملك أولاك قيصراً*** وإن شئت ربّ الحرب أولاك حباسا

وكم ملك سامي المحل يريكه ***نديماً وما يرضى الكواكب جلاسا

وذي أدب لو تجحد الشمس فضله ***لأضحى لها وهي المنيرة طمّاسا

يحلي السها حلي الغزالة مدحه*** ويضحي لقرص الشمس بالذم بسّاسا

كتاب يعيد المرء بالأنس مسفراً ***إذا ما تلاه باسر الوجه عبّاسا

والشعر ،مباح ، لأن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم والأئمة المعصومين والسلف الصالح كلهم سمعوه وا عوه وأقرّوه وأجازوا عليه، وقد أعطى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم كعباً (1)

«بانت سعاد فقلبي اليوم متبول»

فعفا عنه النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم وخلع عليه بردته. وهو من أعرق الناس في الشعر.

راجع: جمهرة أشعار العرب: 31، أعيان الشيعة 9: 21.

البردة، وحقن دمه بعد إباحته لأجل اللامية بل العينية، والله درَّ بعض المصريين حيث قال:

لقد قال كعب في النبيّ قصيدة ***وقلنا عسى في مدحه نتشارك

فإن شملتنا بالجوائز رحمة ***كرحمة كعب فهو كعب مبارك

وأجاز الرضاء علیه السلام دعبلاً وإبراهيم الصولي وغيرهما، وكل ذلك دليل إباحته، وكان لأمير المؤمنين علي علیه السلام شعراء، منهم: أبو الأسود والنجاشي.


1) كعب بن زهير بن أبي سلمى المازني، أبو المضرَّب :شاعر عالي الطبقة، من أهل نجد، له «ديوان شعر - ط كان ممن اشتهر في الجاهلية. ولما ظهر الإسلام هجا النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وأقام يشبّب بنساء المسلمين، فهدر النبيّ دمه، فجاءه «كعب» مستأمناً، وقد أسلم، وأنشده لاميته المشهورة التي مطلعها:

وهو عند العرب غاية الفخر، ومنتهى الفضيلة، وكانوا يلقون كسرى بالسيوف كما في ذي قار ولا يلقون الشعراء إلّا بالخضوع التام، وكانوا به يَرفعون وبه يَضعون.

وليس لملك ولا رئيس يحب تخليد الذكر والشهرة شي أنفس ولا أبقى من الشعر، وبهذا كانت العرب تنافس فيه، واعتبر حال سيف الدولة فإنه كان بيده بعض مملكة الشام فصار بعد فنائه كأنه حي خالد يعرفه العامي والسوقي، كيف غيرهما، ثم إن من ملك أكثر المعمور ولم يُعْنَ بالشعر ولا قرب أهله كتيمورلنك وغيره من ملوك الترك، لما ماتوا ماتت أخبارهم عن العالم، والله البقاء.

وذكرت فيه من فرق الشيعة ثلاثاً: الإثنا عشرية، والإسماعيلة، والزيدية، ورجلاً أو رجلين من الكيسانية، ولم أدع الحصر للشيعة منهم، ولا للشعر، بل أذكر ما وقفت عليه مما رقَّ وراق مع اختصار في غالبه، ومن أخبارهم ما يستملح، وبعض وفيات من مات منهم، والتزمت في كل ترجمة استعمال فقرات من السجع على سبيل التقريظ من ضوع الفكرة، وأرجو أن يكون خيراً لي في الأولى والأخرى، ببركة من ألفته في محبته، ورتبته على حروف المعجم اقتداء بأفاضل أئمة اللغة والتأريخ، وسمّيته:نسمة السحر بذكر من تَشَيَّعَ وَشَعَر (1).


1) راجع: مقدّمة نسمة السحر: 63 - 68. (بتلخيص).

(72) أريس كاريلاس (محمّد علي)

(مسيحي - اليونان)

نشأ في اليونان، وتربّى في أسرة مسيحية تنتمي إلى المذهب الكاثوليكي، فسار على نهجها متّبعاً لهذا المذهب.

واصل «أريس» دراسته الأكاديمية حتى نال شهادة هندسة السفن. على الصعيد العقائدي شائت الأقدار الإلهية أن يلتقي «أريس» بامرأة مسلمة، فدار بينهما الحديث عن الدين الإسلامي، ولكي تتضح الفكرة لديه أعطته بعض الكتب الاعتقادية التي توضح المبادئ السامية لهذا الدين الحنيف.

وما أن أخذ «أريس» بمطالعة تلك الكتب حتى انطبعت في دخيلة نفسه مبادئه الراقية، وأحس أنّ نفسه بدأت تنجذب إليه شيئاً فشيئاً، فهو دين الفطرة التي تتقبله النفوس السليمة عن مختلف الرسوبات الفكرية.

الإسلام دين الفطرة:

عندما نقول بإن الإسلام دين الفطرة فيعني ذلك أن الأصول الكلّية في مجالي العقائد والشريعة فيه، تنسجم مع الفطرة وتوحي إليها بشكل واضح؛

ولذلك كانت تثير مكنون الفطرة، فهو قبل أن يكون معلّماً كان مذكّراً بما أودع الله سبحانه في فطرة الإنسان من ميولات نحو العبودية لله سبحانه، والانشداد إلى ما وراء الطبيعة، والجنوح إلى العدل ومكارم الأخلاق، والنفور عن الظلم ومساوئ العادات.

فكأن الفطرة أوّل مدرسة يتعلّم فيها الإنسان أصول المعارف ومكارم الأخلاق و آدابها، من دون معلم ، وهذا لطف وامتنان منه سبحانه لعباده، ويُعد الحجر الأساس لسائر الهدايات الإلهية الواصلة إلى العباد عن طريق هذا الدين الحنيف.

وإلى ذلك يشير قوله سبحانه:{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّين حَنِيفًا فِطرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}(1).

فإنّ المراد من الدين في الآية مجموع العقيدة والشريعة كما فسره به مشاهير المفسرين، وكلمة{ فِطرَتَ اللَّهِ} التي نصبت على الاختصاص تفسير للدين، فالدين - بتمام معنى الكلمة - يوافق فطرة الإنسان، أي: أن أصوله وكلياته تنسجم مع الفطرة، وليست الآية وحيدة في بابها، بل لها نظائر في الذكر الحكيم تؤكد مضمونها، وتثبت بوضوح كون معرفة المحاسن والمساوئ والفجور والتقوى والميل إلى الفضائل والانزجار عن الرذائل أمراً فطرياً، يقول سبحانه:{وَنَفسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا


1) الروم (30) : 30 .

وَتَقوَاهَا }(1)، وفي آية أخرى :{ألم نَجْعَل لَهُ عَينَينِ * وَلِسَانًا وشفتينِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجِدَين} (2).

فالإنسان الطبيعي الذي لم يتأثر بالمناهج البشرية يدرك المحاسن والمساوی والفجور والتقوى والخير والشر كرامة من الله سبحانه إليه، فينجذب من دون اختياره نحو هذا الدين الحنيف.

فالديانة الإسلامية - والشرائع السماوية غير المحرَّفة بصورة عامة - كأنها تستنطق الفطرة وتذكر بالنعمة المنسية بفعل الأهواء والدعايات الباطلة، وقد أمر حملتها بإثارة ما دفن في فطرة الإنسان من جواهر المعقولات في مجالي العقيدة والشريعة. ومن روائع الكلم في ذلك ما روي عن أمير المؤمنين علیه السلام حول تحديد دعوة الأنبياء، وأن دورهم في مجال التربية تذكيرهم بمقتضيات الفطرة، حيث روي أنّه علیه السلام قال: «فبعث الله فيهم رسله، وواتر إليهم أنبياءه، ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكروهم منسي نعمته، ويحتجوا عليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول»(3).

وعلى ذلك فالشريعة - وفق الفطرة - مصباح ينير الدرب لكل ساع في طلب الحق، وكل فكرة أو ميل توحي إليهما الفطرة فهو آية كونه حقاً، وكل فكرة أو جنوح يناقض الفطرة وترفضهما فهو آية كونه باطلاً.


1) الشمس (91) : 7-8

2) البلد (90) : 8 - 10 .

3) نهج البلاغة 1 : 23 .

ولأجل ذلك تخلّى أتباع الدين الإسلامي بصيغته الصحيحة عن الرهبانية والتعزب ووأد البنين والبنات لأنها تخالف مقتضى الفطرة.

إشكال حول خاتمية الدين الإسلامي:

إنّ البحث في كون الشريعة الإلهية شريعة فطرية يتطلّب مجالاً واسعاً لما يترتب على البحث من نتائج مشرقة تعين على حل مشاكل أثارها خصوم الإسلام في مجال خاتمية الشريعة الإسلامية، حيث إنهم يرفضون كون الدين الإسلامي ديناً خاتماً، بزعمهم أن الحياة الإنسانية حياة متغيرة ومتحولة فكيف يمكن تدبير المجتمع المتغير، بقوانين ثابتة جامدة؟ ولكنهم لعدم معرفتهم بحقيقة الشريعة الإسلامية، غفلوا أو تغافلوا عن أمر هام، وهو أن المتغير في الحياة الإنسانية هو القشر، لا اللب، وإلا فالإنسان بما له من غرائز وميول علوية وسفلية لم يتغير ولن يتغير، وبهذه الميزة والخصوصية هو محكوم بالقوانين الثابتة.

فالإنسان القديم كان يحب العدل وينفر من الظلم ويميل إلى الزواج والحياة الاجتماعية وهكذا الإنسان في العصر الحاضر، إذن فالقانون في حقهما سواء وإن تغيرت أجواء الحياة وقشورها ولباسها وظواهرها.

الاستبصار والهداية :

بعد البحث والتحقيق في المصادر التي تبيّن الروى الإسلامية الصحيحة ثبت ل- «أريس» أن لا دين يرتقي لمكانة الدين الإسلامي وفق رؤية أتباع

مدرسة أهل البيت علیهم السلام، فأعلن عن استبصاره والتحاقه بركب أتباع مذهب أهل بيت علیهم السلام، وسمّى نفسه باسم: «محمّد علي».

يقول: أرى أنّ الإسلام أعلى وأشمل وأرقى الأديان والمعتقدات، وأنّ الرسول الأكرم محمّداً صلّى الله عليه وآله وسلم وهو خاتم الأنبياء، وأن القرآن المجيد كتاب إلهي مطهّر ، وليس له مثيل بين أبناء البشرية في كافة أنحاء العالم (1).


1) للمزيد عن المستبصر راجع معرفة تحليلية عن الإسلام وبعض الأديان والمذاهب للعلامة النوري: 500 و 709.

(73) هري اسبیلی (محمّد)

(مسيحي - اليونان)

نشأ في اليونان، بلاد الحضارة العريقة القديمة، وكان يدين بالدين المسيحي متّبعاً لمجتمعه، وذلك أن البشر - بشكل عام - مقلّدون لأسرهم ورؤسائهم، فلذلك ربما يكون هناك مفهوم خاطئ يبقى في النفوس مئات السنين ويظنّ الناس أنّه الحق؛ لكون من أقرّ ذلك وأسّسه شخصية مرموقة في مجتمعه مثلاً.

إلا أنّ ذلك لم يمنع من أن يحمل عدد من أتباع الديانات بعض الشبهات تجاه دينهم وهذا ما حصل ل- «هري»، حيث سرت في نفسه الشكوك والشبهات بالنسبة لمعتقده من جهة، وتعرف على الدين الإسلامي برؤيته الشيعية من جهة أخرى، الأمر الذي دفعه لاعتناق الدين الإسلامي،

الدين العالمي المنسجم مع شتى الأزمنة وسائر الظروف، وسمّى نفسه باسم المبشّر بهذا الدين رسول الإنسانية محمّد صلّى الله عليه وآله وسلم(1).

الإسلام دين إلهي عالمي لجميع العصور :

من الأمور التي دلّت عليها البراهين العقلية، أن الإسلام دين عالمي لنوع الإنسان كافة، ولجميع الأعصار والأزمنة، وأنه أقوم الأديان وأوضحها، وهو صالح لإدارة المجتمع الإنساني دائماً، فكلما يمضي عليه الزمان لا تسبقه الحضارات والمدنيّات، ولا يتأخر عن العلم والتكنيك، فهو يقود البشرية ويهديها إلى الرشد والكمال، فلا يوجد باب إلى خير الإنسان

وفلاحه وسعادته إلا وقد فتحه عليه، ولا يوجد باب إلى الشقاء والبوار والتبار إلّا وقد أغلقه وسدّه.

تكفّل الإسلام وشمل بسعة تعاليمه وأحكامه وشرايعه جميع ما يحتاج إليه البشر من النظم المادية والمعنوية والروحية والجسمية، الفردية والاجتماعية وغيرها مما هو مبّين في الكتاب والسنّة، فقد أنزله الله تعالى ليكون دين الجميع ودين العالم كله، ودين الأزمنة والأعصار كلّها، ورفع به جميع ما يحجز الإنسان عن الرقي والتقدّم السليم الحكيم، وحرّر به

الإنسان عن رقيته السيئة المخزية، وأخرجه من ذلّ عبادة الطواغيت المستكبرين وحكومة الجبّارين، ليدخله في عزّ حكومة الله تعالى خالق الكون وربّ العالمين، كما هتف ونادى أن لا فضل لعربي على أعجمي،


1) راجع: معرفة تحليلية عن الإسلام وبعض الأديان والمذاهب : 709.

وأنّ كلّ الناس عالمهم وجاهلهم غنيهم وفقيرهم، قويهم وضعيفهم أمام الحق سواء، وأن أكرمهم عند الله أتقاهم ، وأن الدار الآخرة للذين لا يريدون علوّاً في الأرض ولا فساداً، وأن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي.

هذا قليل من الإسلام الذي ختم الله به الأديان، دين الله الخاتم، دين الفطرة والحياة، والعلم والعدل والإنصاف وكرائم الأخلاق، دين كلّه نظام : نظام العقيدة الصحيحة الخالصة من الخرافات، نظام الآداب الحسنة، نظام العبادة الله تعالى نظام الحكومة والسياسة، نظام المال والاقتصاد، نظام

الزواج ،والعائلة نظام التعليم والتربية الرشيدة، نظام القضاء وفصل الخصومات، نظام الحقوق والمعاملات نظام الصلح والحرب، ونظام كلّ الأمور ، فهو عقيدة وشريعة ، وسياسة وحكومة.

وهذا النظام المؤمن بالله تعالى لا يعدل عن أحكام الله تعالى، ولا يرى لشعبه ولا لقيادته حق التشريع، ولا يتخذ حاكماً وولياً من دون الله ، بل يقدس الله وينزهه عن أن يكون له شريك في الحاكمية والتشريع، وذلك بخلاف مبادئ الأنظمة المشركة الملحدة، التي من مبادئها أن الحكومة ووضع القوانين والأنظمة حق للشعب والأكثرية دون الله تعالى، ولا فرق بينها وبين حكومات الطواغيت الماضية والأنظمة الملكية المطلقة في الشرك ونفي حاكمية الله تعالى إلّا أن هؤلاء المفتونين بالديمقراطية يرون الحاكمية والاستبداد بالأمر وتشريع البرامج والنظم السياسية والقضائية

وغيرها حقاً للشعب والناس، والحكومات الديكتاتورية الطاغوتية تراها للديكتاتور الطاغوت، فهذه حكومة طاغوتية جماعية خارجة عن حكومة الله تعالى، وتلك حكومة طاغوتية استبدادية فردية، وكلّ منهما ليست من الحكومات الشرعية المؤمنة بالله تعالى وحكومته وأحكامه وشرائعه.

المصادر

*القرآن الكريم.

1- الاحتجاج، أحمد بن علي بن علي الطبرسي (ت 548ه-)، تحقيق: محمّد باقر الخرسان، دار النعمان للطباعة والنشر - النجف الأشرف، طبع عام 1386ه-.

2- أحكام القرآن، أبو بكر أحمد بن على الرازي الجصّاص (ت 370ه-)، تحقيق: عبد السلام محمد علي شاهين، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1415ه-.

3- إحياء علوم الدين، أبو حامد محمّد بن محمّد الغزالي (ت 505ه-)، الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت.

4- الاختصاص، محمّد بن محمّد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد (ت413ه-)، تحقيق: علي أكبر الغفاري ومحمّد الزرندي، دار المفيد للطباعة والنشر، الطبعة الثانية 1414ه-.

5- إرشاد القلوب، أبو محمّد الحسن بن محمّد الديلمي (من أعلام القرن الثامن الهجري)، مطبعة أمير - قم المقدّسة، الناشر: انتشارات الشريف الرضي، الطبعة الثانية.

6- الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، محمّد بن محمّد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد (ت413ه-)، تحقيق: مؤسسة آل البيت علیهم السلام لإحياء التراث، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، الطبعة الثانية 1414ه- .

7- إرغام المبتدع الغبي بجواز التوسل بالنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم ، عبد الله بن محمّد الغماري ،الحسني، تقديم وتعليق حسن بن علي السقاف الناشر: دار الإمام النووي - عمان، الأردن، الطبعة الثانية 1412ه-.

8- أسئلة وحوارات حول المهدي المنتظرعلیه السلام ،يحيى طالب، مطبعة ليلى، الطبعة الأولى 1437ه-.

9- الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ت 460ه-)، صححه وعلّق عليه حسن الموسوي الخرسان، دار الكتب الإسلاميّة - طهران.

10- الاستيعاب في معرفة الأصحاب، يوسف بن عبد الله بن عبد البرّ (ت463ه-)، تحقيق: علي محمّد البجاوي، دار الجيل - بيروت، الطبعة الأولى 1412ه-.

11 - أسد الغابة في معرفة الصحابة، أبو الحسن علي بن أبي الكرم المعروف بابن الأثير (ت 630ه-)، دار الكتاب العربي - بيروت.

12- الإصابة في تمييز الصحابة، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ت 852ه-)، تحقيق وتعليق عادل عبد الموجود وعلي محمّد معوض، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الثانية 1423ه-.

13 - الأعلام، خير الدين الزركلي (ت 1410ه-)، دار العلم للملايين بيروت، الطبعة الخامسة 1980م.

14- أعلام النساء، عمر رضا كحالة المطبعة الهاشمية - دمشق، طبع سنة 1378ه-.

15 - الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام المسمّى ب- (نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر)، عبد الحي بن فخر الدين الحسني الطالبي (ت 1341ه-)، دار ابن حزم - بيروت، الطبعة الأولى 1420ه-

16- أعيان الشيعة، السيّد محسن الأمين (ت 1371ه-)، تحقیق: حسن الأمين، دار المعارف للمطبوعات - بيروت.

17 - الأمالي، محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق (ت 381ه-)، تحقيق: قسم الدراسات الإسلامية في مؤسسة البعثة، دار الثقافة للطباعة والنشر - قم المقدسة، الطبعة الأولى 1414ه-.

18 الأمالي، محمّد بن محمّد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد

ت 413 ه-)، تحقيق: حسين الأستاد ولي وعلي أكبر الغفاري، دار المفيد للطباعة والنشر - بيروت، الطبعة الثانية 1414ه-.

19 - الإمامة والسياسة ابن قتيبة الدينوري (ت 276ه-)، تحقيق: طه محمّد الزيني، الناشر: مؤسسة الحلبي وشركاه للنشر والتوزيع.

20- أمل الآمل، الشيخ محمّد بن الحسن الحر العاملي (ت 1104ه-)، - تحقيق: السيد أحمد الحسيني، المطبعة : الآداب - النجف الأشرف، الناشر: مكتبة الأندلس - بغداد.

21 - الأموال، ابن زنجويه (ت251ه-)، تحقيق: شاکر ذيب فياض، الناشر: مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية - السعودية، الطبعة الأولى 1406ه-.

22- الأنساب، أبو سعيد عبد الكريم بن محمد السمعاني (ت562ه-)، تحقيق: عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني وغيره، الناشر: مجلس دائرة المعارف العثمانية - حيدر آباد، الطبعة الأولى 1382ه-.

23- أنساب الأشراف، أحمد بن يحيى البلاذري (ت 279ه-)، تحقيق وتعليق: محمّد باقر المحمودي، مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأولى 1394ه-.

24 - أهل البيت علیهم السلام في الكتاب والسنة، محمّد الري شهري، تحقيق ونشر وطبع دار الحديث، الطبعة الأولى.

25- بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار علیهم السلام، محمّد باقر المجلسي (ت1111ه-)، تحقيق: محمد باقر البهبودي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الثالثة المصحّحة 1403ه-.

26 - البداية والنهاية، أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي (ت 774ه-)، تحقيق: علي شيري، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى 1408ه- .

27 -البرهان في تفسير القرآن السيد هاشم البحراني (ت1107ه-)، تحقيق: قسم الدراسات الاسلامية في مؤسسة البعثة - قم المقدسة.

28- بصائر الدرجات، أبو جعفر محمّد بن حسن الصفار (ت 290ه-)، تصحيح وتعليق و تقدیم میرزا حسن کوچه باغي، مطبعة الأحمدي - طهران، سنة الطبع: 1404ه-.

29- البيان في تفسير القرآن، السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي ت 1413ه-)، دار الزهراء للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت، الطبعة الرابعة 1395ه-.

30- تاریخ ابن خلدون عبد الرحمن بن خلدون (ت808ه-)، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الرابعة.

31- تاریخ ابن خلدون، عبد الرحمن بن خلدون (ت808ه-)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت، سنة الطبع 1391ه- . 32- تاريخ الإسلام، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت748ه-)، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الثانية 1417ه-.

33 -التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، أحمد شلبي، مكتبة النهضة - القاهرة، الطبعة الأولى 1989 م.

34- تاريخ الشيعة بين المؤرخ والحقيقة، نور الدين الهاشمي، مطبعة ستارة - قم المقدسة، الناشر : مركز الأبحاث العقائدية - قم المقدسة، الطبعة الأولى 1428ه-.

35-تاريخ الطبري، محمّد بن جرير الطبري (ت 310ه-)، تحقيق: نخبة من العلماء الأجلاء، مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الرابعة 1403ه-

36- التاريخ العربي والمؤرخون، شاكر مصطفى دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة الأولى 1983 م.

37 -تاريخ المدينة المنورة، أبو زيد عمر بن شبة النميري البصري (ت 262ه-)، تحقيق: فهيم محمّد شلتوت الناشر : دار الفكر - قم المقدّسة، سنة الطبع: 1410ه-.

38- تاريخ بغداد، أحمد بن علي الخطيب البغدادي (ت463ه-)، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الثانية 1425ه-.

39-تاريخ مدينة دمشق أبو القاسم علي بن الحسن المعروف بابن

عساکر (ت 571ه-)، تحقيق: علي شيري، دار الفكر - بيروت، سنة الطبع 1421ه- . 40 التبيان، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت 460ه-)، تحقيق : أحمد حبيب قصير العاملي، مكتب الإعلام الاسلامي، الطبعة وتصحيح: الأولى 1409ه-

41 -تحف العقول، ابن شعبة الحراني (من أعلام القرن الرابع الهجري)، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين في قم المقدسة، الطبعة الثانية 1404ه- .

42 -تذكرة الأعيان الشيخ جعفر السبحاني، اخراج ونشر مؤسسة الإمام الصادق علیه السلام، المطبعة: إعتماد - قم المقدسة، الطبعة الأولى 1419ه-

43 -تطهير الجنان واللسان عن الخطور والتفوه بثلب سيدنا معاوية بن أبي سفيان، أحمد بن حجر الهيتمي المكي (ت 974ه-)، خرج أحاديثه وعلّق حواشيه وقدم له: عبد الوهاب عبد اللطيف، شركة الطباعة الفنّية المتحدة، مكتبة القاهرة.

44- تفسير ابن أبي حاتم، ابن أبي حاتم الرازي (ت327ه-)، تحقيق: أسعد محمّد الطيب، المكتبة العصرية - صيدا.

45 -تفسير الآلوسي المعروف ب- «]روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني»، الآلوسي.

46- تفسير البحر المحيط، أبو عبد الله محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الأندلسي الجياني (ت 745ه-)، تحقيق: عادل أحمد الموجود وعلي محمد معوض، شارك في التحقيق: زكريا عبد المجيد النوقي وأحمد النجولي الجمل المطبعة دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1422ه-.

47- تفسير الثعلبي المعروف ب- «الكشف والبيان عن تفسير القرآن»، الثعلبي (ت427ه-)، تحقيق: أبو محمّد بن عاشور، مراجعة وتدقيق: نظير الساعدي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى 1422ه- .

48 - تفسير العياشي، محمد بن مسعود العياشي (ت 320ه-)، تحقيق: هاشم الرسولي المحلاتي، المكتبة العلمية الإسلامية - طهران.

49 - تفسير القاسمي المعروف ب- محاسن التأويل»، محمّد جمال الدين بن محمّد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي (ت 1332ه-)، تحقيق: محمّد باسل عيون السود، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1418ه-.

50 - تفسير القرآن العظيم، أبو الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي (ت 774ه-)، تقديم: يوسف عبد الرحمن المرعشلي، دار المعرفة - بيروت، سنه الطبع 1405ه-.

سنة الطبع 51- تفسير القرطبي المسمى ب- «الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، سنة الطبع: 1405ه-.

52- تفسیر مجمع البيان، أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي (ت548ه-)، مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأولى 1415ه-.

53 -تلخيص كتاب أئمة أهل البيت علیهم السلام في كتب أهل السنّة، الشيخ حكمت الرحمة، المجمع العالمي لأهل البيت علیهم السلام، الطبعة الأولى 1428ه- .

54 -التمهيد يوسف بن عبد الله بن عبد البرّ (ت 463ه-)، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي ومحمد عبد الكبير البكري، المطبعة: وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية في المغرب، سنة الطبع 1387ه- .

55 -تهذيب الأحكام في شرح المقنعة للشيخ المفيد، أبو جعفر الحسن الطوسي (ت 460ه-)، تحقيق وتعليق: حسن الموسوي الخرسان، مطبعة خورشيد، الطبعة الثالثة 1364 ش.

56 -تهذيب الأسماء واللغات أبو زكريا محيي الدين بن شرف النووي (ت 676ه-) ، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى 1996م

57 -تهذيب الكمال في أسماء الرجال، أبو الحجاج يوسف المزّي ت( 742ه-)، تحقيق: بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى 1413ه- .

58 -التوحيد، محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق (ت 381ه-)، تحقيق: السيد هاشم الحسيني الطهراني مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدسة، الطبعة السابعة 1422ه.

59 -التوحيد، المفضل بن عمر الجعفي (ت 160ه-) ، تعليق : كاظم المظفر، مؤسسة الوفاء - بيروت، الطبعة الثانية 1404ه- .

60 - الثقات، محمّد بن حبان بن أحمد أبي حاتم التميمي البستي (ت 354ه-)، طبع بإعانة وزارة للحكومة العالية الهندية، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن الهند، الطبعة الأولى.

61- ثم اهتديت، محمّد التيجاني ،السماوي، مؤسسة الفجر - لندن.

62 - جامع البيان عن تأويل آي القرآن، محمّد بن جرير الطبري (ت 310ه-)، ضبط وتوثيق وتخريج: صدقي جميل العطار، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى 1415ه- .

63- الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت 911ه-)، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى 1401ه- .

64- الجامع الكبير المعروف بسنن الترمذي، أبو عيسى محمّد بن عيسى الترمذي (ت279ه-)، تحقيق: عبد الرحمن محمّد عثمان، دار الفكر - بيروت، الطبعة الثانية 1403ه- .

65- الجرح والتعديل، أبو محمّد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (ت 327ه-)، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية - حيدر آباد الهند الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى 1371ه-.

66 - الجمل، محمّد بن محمّد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد (ت 413ه-)، مكتبة الداوري - قم المقدسة.

67 - جمهرة أشعار العرب محمّد بن أبي الخطاب القرشي (ت 170ه-)، الناشر: دار صادر - بيروت.

68- جهاد الإمام السجاد علیه السلام، السيد محمد رضا الجلالي، المطبعة : شمشاد، الناشر: مؤسسة دار الحديث الثقافية، الطبعة الأولى 1418ه- .

69- حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعي-م أحمد بن عبد الله الأصفهاني (ت 430ه-)، تحقيق: مصطفة عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الثانية 1423ه-.

70 - الخدعة (رحلتي من السنّة الى الشيعة)، صالح الورداني مطبعة توحيد، دار النخيل - بيروت، الطبعة الأولى 1416ه-.

71 - دائرة المعارف الإسلامية الشيعية، حسن الأمين، دار التعارف للمطبوعات - بيروت، الطبعة الثانية 2001 م.

72 - دائرة معارف القرن العشرين فريد وجدي، دار المعرفة بيروت، الطبعة الأولى 1971 م.

73- الدر المنثور في التفسير المأثور، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت911ه-)، دار المعرفة - بيروت.

74- دعوة الى سبيل المؤمنين طارق زين العابدين، مطبعة مؤسسة الطبع والنشر التابعة للآستانة الرضويّة المقدّسة، الطبعة الأولى 1418ه- .

75- دلائل الصدق لنهج الحق، الشيخ محمد حسن المظفر (ت 1375ه-)، تحقيق: مؤسسة آل البيت علیهم السلام لإحياء التراث المطبعة: ستاره - قم، الناشر: مؤسسة آل البيت ع لإحياء التراث - دمشق، الطبعة الأولى.

76- دليل تحرير الوسيلة (أحكام الستر والنظر)، علي أكبر السيفي المازندراني، المطبعة: مطبعة مؤسسة العروج ، الناشر: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، الطبعة الأولى 1417ه-.

77- رستاخيزي در تاريکي، سوسن صفاوردي، المطبعة: عرفان، الناشر: بهينه، الطبعة الثانية 1979 م.

78 -رسائل الشريف المرتضى، السيد علي بن الحسين بن موسى الشريف المرتضى (ت436ه-)، تقديم : السيد أحمد الحسيني، إعداد: السيد مهدي الرجائي، المطبعة والناشر : مطبعة سيد الشهداء - قم المقدسة، سنة الطبع 1405ه-.

79 -رسائل ومقالات الشيخ جعفر السبحاني، المطبعة: اعتماد - قم المقدّسة، الناشر: مؤسسة الإمام الصادق علیه السلام، الطبعة الأولى 1419ه-.

80 -السقيفة وفدك، أحمد بن عبد العزيز الجوهري البصري البغدادي (ت 323ه-)، تقديم وجمع وتحقيق : محمد هادي الأميني، المطبعة والناشر: شركة الكتبي للطباعة والنشر - بيروت، الطبعة الثانية 1413ه-.

81- سنن أبي داود، أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت 275ه-)، تحقيق وتعليق : سعيد محمد اللحام، دار الفكر للطباعة والنشر، الطبعة الأولى 1410ه-.

82 -السنن الكبرى، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي (ت 458ه-)، دار الفكر - بيروت.

83 -السنن الكبرى، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي (ت303ه-)، تحقيق عبد الغفار سليمان البنداري وسيّد كسروي حسن دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1411ه-.

84 -سير اعلام النبلاء، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت748ه-)، تحقيق: إبراهيم الزيبق إشراف وتخريج: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة التاسعة 1413ه-.

85 -سيرة ابن اسحاق السير والمغازي)، محمّد بن اسحاق المطلبي (ت 151ه-)، تحقيق: محمد حميد الله المطبعة والناشر: معهد الدراسات والأبحاث للتعريف.

86- الشافي في الامامة السيد علي بن الحسين بن موسى الشريف المرتضى المقدّسة، ( ت 436 ه-)، المطبعة والناشر : مؤسسة إسماعيليان - قم الطبعة الثانية 1410ه-.

87 شجرة طوبى، محمّد مهدي الحائري (ت 1369ه-)، منشورات المكتبة الحيدرية، الطبعة الخامسة 1385ه- .

88- شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار، القاضي النعمان بن محمد التميمي المغربي (ت 363ه-)، تحقيق: السيد محمد الحسيني الجلالي الطبع والنشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدّسة.

89- شرح صحيح مسلم المسمى ب- «المنهاج» محيي النووي (ت 676ه-)، دار الكتاب العربي - بيروت، سنة الطبع 1407ه-.

90 -شرح معاني الآثار، أحمد بن محمد بن سلمة الأزدي الحجري الطحاوي (ت 321ه-)، تحقيق وتعليق محمد زهري النجار، دار الكتب العلمية، الطبعة الثالثة 1416ه- .

91 شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد المعتزلي (ت 656ه-)، تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الثانية 1385ه-.

92- الشفا بتعريف حقوق المصطفى القاضي عياض (ت 544ه-)، الناشر : دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت، سنة الطبع1409ه-.

93 - الشيعة هم أهل السُنَّة محمّد التيجاني السماوي، إعداد: مركز الأبحاث العقائدية، مطبعة: ستاره ، الطبعة الأولى 1427ه- .

94 -صحيح ابن حبّان بترتيب ابن ،بلبان علاء الدين علي بن بلبان الفارسي (ت 739ه-)، حققه وخرّج أحاديثه وعلّق عليه: شعيب الارنؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية 1414ه- .

95 - صحيح البخاري، محمّد بن إسماعيل البخاري (ت 256ه-)، دار الفكر، سنة الطبع 1401ه-.

96- صحيح سنن الترمذي، محمّد ناصر الدين الألباني، مكتبة العارف للنشر والتوزيع - الرياض، الطبعة الثانية 1422ه- . 97 -صحيح مسلم، أبو الحسين مسلم بن الحجّاج القشيري النيسابوري (ت 261ه-)، دار الفكر - بيروت.

98 - الصحيفة السجادية الكاملة، الإمام السجاد زين العابدين العابدین (استشهد عام 94ه-)، المطبعة والناشر : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، سنة الطبع : 1404ه- (طبعة حجرية).

99- الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم، زين الدين أبو محمد علي بن يونس العاملي النباطي البياضي ( ت 877ه-) ، صححه وحققه وعلّق عليه: محمد باقر البهبودي، المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية، الطبعة الأولى 1384.

100- الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية، سليمان بن عبد الوهاب النجدي، أخ محمد بن عبد الوهاب (ت 1210ه-)، الناشر: مكتبة ایشيق - إسطنبول، الطبعة الثالثة 1399ه-.

101 - الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة، أحمد بن حجر الهيتمي (ت 974ه-) ، خرّج أحاديثه وعلّق عليه وقدم له: عبد الوهاب عبد اللطيف، الناشر: مكتبة القاهرة، الطبعة الثانية 1965 م.

102- ضعفاء العقيلي، أبي جعفر محمد بن عمرو العقيلي الملكي، تحقيق وتوثيق عبد المعطى أمين ،قلعجي، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الثانية 1418ه- .

103 -طبقات الحنابلة، محمد بن أبي يعلي (ت521ه-)، الناشر: دار المعرفة - بيروت.

104 - طبقات الفقهاء ، الشيخ جعفر السبحاني، المطبعة: إعتماد - قم المقدسة.

105 - الطبقات الكبرى، محمد بن سعد (ت 230ه-)، دار صادر - بيروت.

106- العباس بن علي علیهما السلام الرائد الكرامة والفداء في الإسلام الشيخ باقر شريف القرشي، انتشارات مهدية، سنة النشر: 1420ه-.

107- العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين،محمّد بن أحمد محمد الحسني الفاسي المكي، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى 1406ه-.

108- العقد الفريد، أحمد بن محمد بن عبد ربّه الأندلسي ت328ه-)، تحقيق: عبد المجيد الترحيني، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1417ه-.

109- العلل الواردة في الأحاديث النبوية، علي بن عمر بن أحمد الدارقطني (ت 385ه-)، تحقيق: محفوظ الرحمن زين الله السلفي، المطبعة والناشر: دار طيبة - الرياض، الطبعة الأولى 1405ه-.

110- علل الشرائع، محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق (ت 381ه-)، تقديم: محمد صادق بحر العلوم، منشورات المكتبة الحيدرية - النجف الأشرف، سنة الطبع 1385ه- .

111- علي بن أبي طالب بقية النبوة وخاتم الخلافة، عبد الكريم الخطيب، دار الفكر العربي - مصر، الطبعة الأولى 1390ه-

112- العواصم من القواصم في تحقيق مواقف الصحابة بعد وفاة النبي صلّی الله علیه وآله وسلم، أبو بكر ابن العربي (ت 543ه-)، حققه وعلّق عليه: محبّ الدين الخطيب، الدار السعودية للنشر - جدة ، الطبعة الثانية 1387ه- .

113- عيون أخبار الرضاء علیه السلام، محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق (ت 381ه-)، تصحيح وتعليق: حسين الأعلمي، مؤسسة الأعلمي - بيروت، سنة الطبع 1404ه- .

114- عيون الحكم والمواعظ أبو الحسن علي بن محمّد الليثي الواسطي (من أعلام القرن السادس الهجري)، تحقيق: حسين الحسيني البيرجندي، الناشر: دار الحديث، الطبعة الأولى.

115- الغيبة، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت 460ه-)، تحقيق: عبد الله الطهراني وعلي أحمد ناصح المطبعة: بهمن، الناشر: مؤسسة المعارف الإسلامية - قم المقدسة، الطبعة الأولى 1411ه-.

116 - فتح الباري شرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت 852ه-)، دار المعرفة للطباعة والنشر - بيروت، الطبعة الثانية.

117- فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، محمد بن علي بن محمد الشوكاني (ت 1255ه-)، عالم الكتب. 118- فرائد السمطين في فضائل المرتضى والبتول والسبطين والأئمة من ذريتهم علیهم السلام ، أبو المجامع إبراهيم بن محمد الجويني الخراساني (من أعلام القرن السابع والثامن الهجري)، مطبعة العترة، الناشر: دار الحبيب - قم المقدسة، الطبعة الأولى 1428ه-.

119 - الفصول المختارة، محمّد بن محمّد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد (ت413ه-)، تحقيق: نور الدین جعفريان الأصبهاني، يعقوب الجعفري ومحسن الأحمدي، الناشر: دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت، الطبعة الثانية 1414ه- .

120 فضائل الصحابة أبو عبد الله أحمد بن حنبل الذهلي (ت 241ه-)، تحقيق: وصي الله محمد عبّاس، مؤسسة الرسالة - بيروت الطبعة الأولى 1403ه- .

121- فضائل الصحابة، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي (ت 303ه-)، دار الكتب العلمية - بيروت.

122- فيض القدير شرح الجامع الصغير، محمّد عبد الرؤوف المناوي (ت 1031ه-)، تصحيح: أحمد عبد السلام، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1415ه- .

123 -قرب الإسناد، عبد الله بن جعفر الحميري (ت 300ه-)، تحقيق: مؤسسة آل البيت علیهم السلام لإحياء التراث، مطبعة مهر - قم المقدسة، الطبعة الأولى 1413ه-.

124- الكافي، محمد بن يعقوب الكليني (ت 329ه-)، تحقيق: علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية في طهران، الطبعة الخامسة 1363ش. 125 كامل الزيارات، أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه القمّي، تحقيق نشر الفقاهة الناشر: دار السرور - بيروت، الطبعة الأولى 1418ه-.

126 - الكامل في التاريخ، علي بن محمد بن الأثير (ت 630ه-)، دار صادر - بيروت سنة الطبع 1385ه- .

127 -الكامل في ضعفاء الرجال، أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني (ت 365ه-)، تحقيق سهيل زكار قراءة وتدقيق: يحيى مختار عزاوي، دار الفكر - بيروت، الطبعة الثالثة 1409ه- .

128 - كتاب الأربعين في مناقب أمهات المؤمنين، عبد الرحمن بن محمّد بن عساكر الدمشقي (ت 620ه-)، تحقيق: محمّد مطيع الحافظ وغزوة بدير، الناشر: دار الفكر - دمشق، الطبعة الأولى 1406ه-.

129- كتاب الأغاني، أبو الفرج الأصفاني، دار إحياء التراث العربي - بيروت.

130 -كتاب الأموال أبو عبيد القاسم بن سلام (ت 224ه-)، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى 1407ه-.

131-كتاب العين الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 175ه-)، تحقيق: مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، مطبعة الصدر، الطبعة الثانية 1410ه-. 132 كتاب الفتوح، أبو محمد أحمد بن أعثم الكوفي (ت 314ه-)، تحقيق: علي سيّدي، دار الأضواء، الطبعة الأولى 1411ه-.

133- كتاب سليم بن قيس سليم بن قيس الهلالي (ت76ه-)، تحقيق: محمّد باقر الأنصاري الزنجاني، المطبعة: نگارش، الطبعة الأولى 1422ه-.

134 - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل، جار الله محمود بن عمر الزمخشري (ت 538ه-) ، الناشر: شركة ومكتبة ومطبعة البابي الحلبي وأولاده - مصر، سنة الطبعة 1385ه- .

135 -كشف الخفاء اسماعيل بن محمد العجلوني الجراحی (ت 1162ه-)، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الثالثة 1408ه-.

136- الكفاية في علم الرواية أبو أحمد بن علي المعروف بالخطيب البغدادي (ت 463ه-) ، تحقيق وتعليق: أحمد عمر هاشم، الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الأولى 1405 ه-.

137 - كمال الدين وتمام النعمة محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق (ت 381ه-)، تصحيح: علي اکبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدسة، سنة الطبع 1405ه-.

138 - كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، علي المتقي بن حسام الدين الهندي (ت 975ه-)، ضبط وتفسير بكري حياني، تصحيح: صفوة السقا، مؤسسة الرسالة - بيروت، سنة الطبع 1409ه-.

139 -كنز الفوائد أبو الفتح محمّد الكراجكي (ت 449ه-)، المطبعة: غدير، الناشر: مكتبة المصطفوي - قم المقدسة، الطبعة الثانية 1369 ش.

140- لسان العرب، ابن منظور الأفريقي المصري (ت711ه-)، نشر: أدب الحوزة - قم المقدسة، سنة الطبع 1405ه- .

141- لقد شيّعني الحسين، إدريس الحسيني، مطبعة مهر، الطبعة الأولى 1415ه-.

142 -اللهوف في قتلى الطفوف علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاووس (ت 664ه-)، مطبعة ، مهر، الناشر: أنوار الهدى - قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1417ه-.

143 - المتحولون، هشام آل ،قطيط دار المحجة البيضاء، الطبعة الأولى 1422ه-.

144- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي (ت 807ه-) ، دار الكتب العلمية - بيروت، سنة الطبع 1408ه-.

145 - مجموعة الفتاوى، أبو العبّاس أحمد بن عبد الحليم بن تيميّة الحراني الدمشقي (ت 728ه-) ، طبعة الشيخ عبد الرحمن بن قاسم.

146- المحسن السبط مولود أم سقط، السيد محمّد مهدي الخرسان، المطبعة: نگارش الناشر: دليل ما، الطبعة الأولى 1427ه-.

147- المحلّي، أبو محمّد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم (ت456ه-)، طبعة مصححة ومقابلة على عدة مخطوطات ونُسَخ كما قوبلت على النسخة التي حققها أحمد محمد شاكر، الناشر: دار الفكر.

148 - المختصر في أخبار البشر المعروف بتاريخ أبي الفداء، عماد الدين إسماعيل أبو الفداء (ت 732ه-)، المطبعة: شركة علاء الدين للطباعة الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر - بيروت.

149 - المستبصرون، غلام أصغر البجنوري، دار الصفوة - بيروت، الطبعة الأولى 1414ه-.

150- المستدرك على الصحيحين، أبو عبد الله الحاكم النيسابوري (ت 405ه-) ، إشراف : يوسف عبد الرحمن المرعشلي، دار المعرفة - بيروت.

151- مستدركات أعيان الشيعة، حسن الأمين (ت1399ه-)، الناشر والمطبعة: دار التعارف للمطبوعات - بيروت، سنة الطبع 1408ه-.

152 - المستصفى، أبو حامد محمّد بن محمّد الغزالي (ت 505ه-)، تصحيح : محمد عبد السلام عبد الشافي، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت سنة الطبع : 7 : 1417ه-.

153-مسند ابن الجعد علي بن الجعد بن عبيد الجوهري ت 230ه-)، رواية وجمع أبي القاسم عبد الله بن محمد البغوي، مراجعة وتعليق وفهرسة: الشيخ عامر أحمد حيدر ، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الثانية 1417ه-.

154-مسند أبي داود الطيالسي سليمان بن داود البصري الشهير بأبي داود الطيالسي (ت 204ه-)، الناشر: دار المعرفة - بيروت.

155-مسند أبي يعلى الموصلي، أحمد بن علي بن المثنى التميمي (ت307ه-)، تحقيق: حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث - دمشق، الطبعة الثانية 1412ه- .

156- مسند أحمد بن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن حنبل الذهلي (ت 241ه-)، دار صادر - بيروت.

157- مسند الحميدي، عبد الله بن الزبير الحميدي (ت 219ه-)، تحقيق وتعليق: حبيب الرحمن الأعظمي، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1409ه- .

158-مشكل الآثار، أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي (ت321ه-)، طبعه مجلس دائرة المعارف النظامية في حيدر آباد - الهند، الطبعة الأولى 1333ه- .

159 - مصباح المتهجد، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسی (ت 460ه-)، مؤسسة فقه الشيعة - بيروت، الطبعة الأولى 1411ه-.

160- المصنّف عبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت 211ه-)، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي.

161- المصنّف في الأحاديث والآثار، عبد الله بن أبي شيبة الك-وفي ت 235ه-)، تعليق: سعيد محمد اللحام، دار الفكر - بيروت، سنة الطبع: 1420ه-.

162 - مطمح الآمال في إيقاظ جهلة العمال من س-نة الضلال والتنبيه على ما كان عليه رسول الله ووصيه والأئمة الهادون في الأحوال والأقوال والأفعال، شرف الدين الحسين بن ناصر ابن المهلا ت 1111ه-)، تحقيق: عبد الله بن عبد الله بن أحمد الحوثي، مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية، الطبعة الأولى 1422ه-.

163- المعارف، ابن قتيبة الدنيوري (ت 276ه-)، تحقيق: ثروت عكاشة، دار المعارف - القاهرة.

164- المعجم الأوسط، أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (ت 360ه-)، تحقيق: قسم التحقيق بدار الحرمين، المطبعة والناشر: دار الحرمين للطباعة والنشر ، سنة الطبع 1415ه- .

165- المعجم الصغير ، أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (ت 360ه-)، دار الكتب العلمية - بيروت.

166-المعجم الكبير ، أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (ت 360ه-)، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، دار إحياء التراث العربي بیروت، الطبعة الثانية.

167- معجم المؤلفين، عمر كحالة الناشر: مكتبة المثنى ودار إحياء التراث العربي - بيروت.

168- معرفة السنن والآثار، أحمد بن الحسين البيهقي ( ت 458ه-)، تحقيق: سيد كسروي حسن المطبعة والناشر : دار الكتب العلمية - بيروت.

169- معرفة الصحابة، أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني (ت 430ه-)، تحقيق: محمد حسن محمد حسن ومسعد عبد الحميد دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1422ه-.

170-معرفة تحليلية عن الإسلام وبعض الأديان والمذاهب، العلامة النوري، إعداد وتحرير الهيئة العلمية التحريرية، مجمع المطالعاتوالتحقيقات الإسلامية ومجمع المعارف الإسلامية.

171-معرفة علوم الحديث، أبو عبد الله الحاكم النيسابوري (ت 405ه-)، تحقيق: لجنة إحياء التراث العربي في دار الآفاق الجديدة، تصحيح معظم حسین منشورات دار الآفاق الحديث - بيروت، الطبعة الرابعة 1400ه- .

172-مقابس الأنوار ونفايس الأسرار في أحكام النبي المختار وآله الأطهار علیهم السلام، الشيخ أسد الله الكاظمي (ت1237ه-)، تصحيح ومقابلة النسخ: السيد محمد علي الشهير بسيد حاجي آقا ابن المرحوم محمد الحسيني اليزدي.

173- من لا يحضره الفقيه محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق (ت 381ه-)، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية - قم المقدّسة، الطبعة الثانية 1404ه- .

174-مناقب آل أبي طالب، محمد بن علي بن شهر آشوب (ت 588ه-)، المكتبة الحيدرية - النجف الأشرف، سنة الطبع 1376ه-.

175-المنتخب من علل الخلال ابن قدامة المقدسي (ت 620ه-)، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد، الناشر: دار الرآية للنشر والتوزيع.

176- منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية، أبو العبّاس أحمد بن عبد الحليم بن تيميّة الحراني الدمشقي (ت728ه-)، تحقيق: محمّد رشاد سالم، مؤسسة قرطبة، الطبعة الأولى 1406ه-.

177- منهاج الصالحين ومقدّمة في أصول الدين، الشيخ حسين الوحيد الخراساني.

178-مهج الدعوات ومنهج العبادات علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن طاووس (ت 664ه-)، الناشر: کتابخانه سنائی.

179- موسوعة من حياة المستبصرين مركز الأبحاث العقائدية، مطبعة ستارة، الطبعة الأولى 1424ه-.

180-ميزان الاعتدال في نقد الرجال، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت 748ه-)، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار المحرق - بيروت، الطبعة الأولی1424ه.

181 - الميزان في تفسير القرآن، السيد محمد حسين الطباطبائي (ت1402ه-)، منشورات جماعة المدرّسين في الحوزة العلمية - قم المقدّسة.

182- نزهة الناظر وتنبيه الخاطر، تأليف: الحسين بن محمّد بن الحسن بن نصر الحلواني (من أعلام القرن الخامس)، تحقيق ونشر: مؤسسة الإمام المهدي علیه السلام - قم المقدسة، مطبعة: مهر، الطبعة الأولى محققة 1408ه-.

183- نسمة السحر بذكر من تشيّع وسحر ضياء الدين يوسف بن الحسني اليمني الصنعاني (ت 1121ه-)، تحقيق: كامل سلمان الجبوري، دار المؤرّخ العربي - بيروت، الطبعة الأولى 1420ه-.

184 - نظم المتناثر من الحديث المتواتر، الشيخ محمّد جعفر الكتاني (ت 1345ه-)، الناشر: دار الكتب السلفية للطباعة والنشر - مصر، الطبعة الثانية.

185 نظم درر السمطين في فضائل المصطفى والمرتضى والبتول ،والسبطين جمال الدين محمّد بن يوسف الزرندي الحنفي المدني ( ت 750ه-)، الطبعة الأولى 1377ه-.

186- نهج البلاغة، ما اختاره الشريف الرضي من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام، تحقيق وشرح: محمد عبده، دار الذخائر - قم المقدسة، المصورة على طبعة دار المعرفة - بيروت، الطبعة الأولى 1412ه-.

187- الهجرة إلى الثقلين، محمّد گوزل الآمدي، إعداد ونشر: مركز الأبحاث العقائدية، الطبعة الأولى 1421ه-..

188 - واستقرّبي النوى، محمّد بن حمود العمدي، إعداد ونشر: مركز الأبحاث العقائدية، الطبعة الأولى 1420ه- .

189- ودخلنا التشيّع سجّدا، محمّد علي المتوكل، دار الخليج العربي للطباعة والنشر - بيروت، الطبعة الثانية 1422ه-.

190- وركبت السفينة مروان ،خليفات مركز الغدير للدراسات الإسلامية، الطبعة الثانية.

191 - وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى، نور الدين علي بن أحمد السمهودي(ت911ه-)، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1419ه-.

192- ومن الحوار اكتشفت الحقيقة هشام آل قطيط، دار المنتظر بيروت، الطبعة الأولى 1421ه- .

193- ينابع المودّة لذوي القربي، سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي (ت 1294ه-)، تحقيق: علي جمال أشرف الحسيني، دار الأسوة - قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1416ه-.