ghaemiyeh.com
موسوعة من حیاة المستبصرین
المجلد الثاني عشر
تألیف: مركز الأبحاث العقائدية
مركز الأبحاث العقائدية:
إيران - قم المقدّسة - صفائية - ممتاز - رقم 34
ص . ب : 3331 / 37185
الهاتف : 37742088 ( 25 ) ( 0098 )
الفاكس : 37742056 ( 25 ) ( 0098 )
العراق - النجف الأشرف - شارع الرسول شارع الرسول(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )
شارع السور جنب مكتبة الإمام الحسن (علیه السّلام)
ص . ب : 729
الهاتف : 332679 ( 33 ) ( 00964 )
. الموقع على الإنترنت : www.aqaed.com
البريد الإلكتروني : info@aqaed.com
شابك (ردمك )
موسوعة من حياة المستبصرين
المجلّد الثاني عشر
تأليف : مركز الأبحاث العقائدية الطبعة الأولى - 2000 نسخة
سنة الطبع: 1436ه-
المطبعة:
محرر الرقمي: هاجر صداقت
مركز الأبحاث العقائدية:
إيران - قم المقدّسة - صفائية - ممتاز - رقم 34
ص . ب : 3331 / 37185
الهاتف : 37742088 ( 25 ) ( 0098 )
الفاكس : 37742056 ( 25 ) ( 0098 )
العراق - النجف الأشرف - شارع الرسول شارع الرسول(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )
شارع السور جنب مكتبة الإمام الحسن (علیه السّلام)
ص . ب : 729
الهاتف : 332679 ( 33 ) ( 00964 )
. الموقع على الإنترنت : www.aqaed.com
البريد الإلكتروني : info@aqaed.com
شابك (ردمك )
موسوعة من حياة المستبصرين
المجلّد الثاني عشر
تأليف : مركز الأبحاث العقائدية الطبعة الأولى - 2000 نسخة
سنة الطبع: 1436ه-
المطبعة:
محرر الرقمي: هاجر صداقت
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
دليل الكتاب...5
مقدمة المركز...11
فلسطین
(1) إبراهيم دوا...15
(2) أبو أسامة المقدسي...20
(3) أبو تراب...24
(4) أبو عبدالله...28
(5) أسعد وحيد القاسم...35
(6) باسل محمد خضراء...41
(7) بشار موسی حبوب...48
(8) بشير رفيق...55
(9) خيري عبدالرحيم يوسف...59
(10) دلال السلطي ...66
(11) ديب عبدالكريم الخطيب...73
(12) سامر إبراهيم موعد...82
(13) سعيد يعقوب...92
(14) صافي طه (أبو جعفر)...96
(15) صلاح الدين الحسيني...100
(16) عادل عفيف شحادة ...124
(17) عبدالله محمود...133
(18) علي أحمد قدورة...137
(19) عوض خالد قدورة...143
(20) محمّد (أبو أحمد)...153
(21) محمّد شحادة التعمري...158
(22) محمّد شكري حامد الجماهي...169
(23) محمّد عبد العال...177
(24) محمّد موسیٰ...184
(25) محمود إبراهيم صابر حجاج...193
(26) مرهف علي السعدي...200
(27) معتصم زكي...204
(28) ناهد محمود...208
(29) نور اليقين يونس...221
فنلدا
(30) آلن (فاطمة)...234
(31) مروي هانل کهنن (مريم)...241
فيتنام
(32) أنغ كوان يات (رقية يات) ...245
(33) وانغ فيت نجويين (حسان)...250
قیر غیزستان
(34) كانيكي جاما نقولا وَ (فاطمة)...252
کازاخستان
(35) جُل بهرام جبسين...260
کندا
(36) أحمد كواسي حنيف...263
(37) غريغ ساودن...274
(38) مارك اوجه لوناردو (محمّد)...280
(39) موسىٰ ف...292
(40) هاشم الفالح ...298
کوبا
(41) نيكولاس كوسيوسيرا...311
كوريا الجنوبية
(42) باك هو يانغ...321
(43) بوران سونغ (حسين)...330
(44) جانغ سون بونغ (محمّد)...335
(45) جانك هون او (علي)...341
(46) كيم جون بوك (محمّد)...347
(47) كيم يونغ سانغ (رضا) ...353
(48) لي سونغ يانغ (محمّد علي)...360
(49) ها جال سونغ (علي)...366
كولومبيا
(50) ديانا سيسليا (زهراء)...376
(51) منير الدين بالنسيا...383
الكويت
(52) خالد الشمّري ...390
(53) سهيلة أحمد...399
(54) فيصل الدويسان...410
كينيا
(55) عبد الغني عثمان محمّد...415
(56) عبدالله ناصر...417
(57) عمر عبدالله (كومبوكومبو) ...423
(58) عمر محمّد عمر يوسف...430
لبنان
(59) ألِكسي سعيد الحايك (علي)...438
(60) جان وهبي طانيوس (محمّد أبو جودة)...448
(61) حبيب الغطّاس...464
(62) خليل إبراهيم هاشم ....471
(63) ربيع أحمد كريدلي...474
(64) سميح علي الأسعد...480
(65) طوني أبي غانم (حيدر)...487
(66) ماهر أحمد كريدلي...493
(67) محمود أيِّوب...498
(68) يوسف البيومي الموسوي...506
ليبيا
(69) صالح أحمد...512
(70) مريم الأمير شيوب ....517
المصادر...525
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُلله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام علىٰ حبيب قلوبنا وشفيع ذنوبنا ، نبيّ الرحمة، محمّد المصطفىٰ صلّىٰ الله عليه، وعلىٰ أهل بيته الطيّبين الطاهرين ، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا.
الحمدُلله علىٰ إكمال الدين وإتمام النعمة، ورضىٰ الربّ لنا الإسلام ديناً كاملاً تاماً بولاية سيّدنا ومولانا أميرالمؤمنين ويعسوب الدين علي بن أبي طالب وأولاده المعصومين عليهم سلام الله أجمعين.
تزداد حركة الاستبصار العالمية يوماً بعد يوم لتشمل كافة الدول في قارات العالم السبع، ويلتحق بسفينة النجاة - سفينة فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها عليهم السلام - من مختلف المذاهب والأديان والفرق ، بل حتّىٰ من الذين لم يكونوا يؤمنوا بخبر السماء، فيتركوا موروث الآباء والأجداد، ويحكّموا عقولهم التي منَّ الباري عزّ وجلّ بها عليهم ، ويتبعوا الدليل والمنطق الصحيح الذي يوصلهم إلىٰ وجوب اتباع مذهب أهل بيت النبوة سلام الله عليهم أجمعين.
والكتاب الذي بين يدي القارئ الكريم ، هو المجلّد الثاني عشر من «موسوعة من حياة المستبصرين» يحتوي علىٰ نماذج من أولئك المستبصرين من أربعة عشر دولة ، يختلفون في عقائدهم ولغاتهم وعاداتهم وتقاليدهم، وهي: فلسطين ، فنلندا، فيتنام، قیر غیرستان کازاخستان، کندا، کوبا، کوریا، كوريا الجنوبية، كولومبيا ،
الكويت ، كينيا ، لبنان ، ليبيا.
علماً بأنّ في مركز الأبحاث العقائدية قسماً خاصاً بالمستبصرين يعمل علىٰ عدة محاور:
أ: التعرف علىٰ المستبصرين في شتىٰ أنحاء العالم بشتّىٰ الطرق المتاحة بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، ليتمكّن المركز من جمع معلومات وافية - قدر وسعه - عنهم ، من جهة هويتهم الشخصية ومستواهم الدراسي والإلمام بنشاطهم ومكانتهم الاجتماعية، ومعرفة دوافع استبصارهم وقصة رحلتهم إلى مذهب أهل البيت(علیهم السّلام) ، وقد تعرّف المركز لحدّ الآن علىٰ آلاف المستبصرين من عشرات الدول، وقد تمّ اعداد ملف خاص لكلّ منهم .
ب: إيجاد الصلة والترابط الأخوي معهم ومحاولة زرع روح الثقة والصمود فيهم ودعمهم من كافة النواحي ، بالأخص الناحية العلمية والثقافية، عبر الإجابة علىٰ أسئلتهم، أو تعيين أساتذة أخصّائيين لهم، حيث يتكفّلون برفع مستواهم الفكري والعقائدي ويكونون معهم لسدّ الثغرات العقائدية ودرء الشبهات العالقة في أذهانهم.
وهناك قسم خاص يهتم بإرسال الكتب، لاسيما إلىٰ المستبصرين.
ج : محاولة انتقاء النخبة من المستبصرين لتوفير أفضل بيئة لهم لإزدهار قابلياتهم واستعداداتهم الكامنة لتظهر بشكل إلقاء محاضرات أو تأليف كتب أو نشاطات أخرىٰ لدعم مذهب أهل البيت(علیهم السّلام) .
كما يطلب المركز من أصحاب القدرة الذين يسعهم التأليف والكتابة أن يدوّنوا أبحاثاً في مجال المواضيع التي كانت سبباً لاستبصارهم، أو المواضيع التي لها صلة بأهل البيت(علیهم السّلام)، سواء في ذلك كتاب علمي أو ردّ شبهة أو شعر أو رواية أو مسرحية أو ...
ويقوم المركز - تشجيعاً لهذا المشروع - بطبعها ونشرها بعد مراجعتها
وتقييمها ، وبعد عقد جلسات عديدة للمناقشة والحوار مع المؤلّفين لرفع مستوىٰ الكتاب ، ليأخذ الكتاب بعدها طريقه إلىٰ الطبع، وينشر في سلسلة تحت عنوان «سلسلة الرحلة إلىٰ الثقلين».
وتمّ لحدّ الآن طباعة 43 كتاباً من هذه السلسلة .
وختاماً نتقدم بجزيل الشكر والتقدير لأعضاء مركز الأبحاث العقائدية الذين ساهموا في إخراج هذا المجلّد من تأليف ومراجعة وتصحيح وطباعة، والجهود مستمرة إن شاء الله في إكمال باقي أجزاء هذه المجموعة، والحمد لله ربّ العالمين.
محمّد الحسّون
6 رجب 1435 ه-
البريد الإلكتروني www.aqaed.com/Muhammad
الصفحة علىٰ الإنترنيت Muhammad@aqaed.com
ولد عام 1384 ه- ( 1965م) في «فلسطين» في أسرة سُنّية المذهب، فسار علىٰ خطى أسرته في اتّباع هذا المعتقد، واصل «إبراهيم» دراسته الأكاديمية في اختصاص الحقوق، ومن خلال دراسته للكتب الدينية وقف علىٰ أحاديث كثيرة تشير إلىٰ فضائل أميرالمؤمنين الإمام علي بن أبي طالب(علیه السّلام) ودوره الفاعل في المسيرة الإسلامية ، إلّا أنَّ الغريب لدىٰ «إبراهيم» كان موقف بعض علماء أهل السُنّة من هذه الفضائل ، من عدم التعرّض لها ، أو التشكيك فيها، أو المرور عليها مرور الكرام .
يقول «إبراهيم»: كنت ممّن لمس أحاديث كثيرة تشير إلىٰ فضائل أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب(علیه السّلام) موجودة في أمّهات الكتب، وخاصّة في مسند أحمد ابن حنبل .
ولاحظت أنَّ علماء العامّة يحاولون تجنّب ذكر هذه الفضائل والتعمّق في ذكرها وشرحها ، وربّما يشيرون لها إشارة من باب ذكر فضائل الصحابة».
ومن جهة أخرىٰ فإنَّ علماء السُنّة غالباً ما يسعون إلىٰ بيان فضائل ومناقب عدد خاصّ من الصحابة ، ومنهم الخلفاء الثلاثة ، وخاصّة عمر بن الخطاب.
والملفت للنظر أنّ «إبراهيم» لم يقتصر علىٰ قراءة تلك الرؤية، بل أكثر
المطالعة في هذا المجال، وعلىٰ الخصوص مطالعة المصادر الشيعية ليقف علىٰ حقيقة الصحابة من حيث الجرح والتعديل.
يقول «إبراهيم»: «.... ثم بدأت بالبحث وقرأتُ بعض الكتب لعلماء الشيعة ، وأهمّ هذه الكتب المراجعات وكتاب ليالي بيشاور ».
مقايسة علم عمر وعلم الإمام علي بن أبي طالب (علیه السّلام):
لقد مُلئت الكتب التاريخية بالأحاديث والوقائع التي تنبىء عن أنَّ علي بن أبي طالب(علیه السّلام) كان أعلم المسلمين بعد (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وطالما استنجد به الصحابة ، لحل أزمات ومعضلات واجهتهم ، وأمور أشكلت عليهم وتاهوا فيها.
وكيف لا يكون كذلك وهو كما في الحديث المشهور بين الفريقين - باب مدينة علم الرسول(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فمن أراد العلم ينبغي أن يأتيه من بابه (1)
وقد ذكر الشيخ الأميني في مجموعته القيمة «الغدير»: 6: 61 أسماء 143 من الحفّاظ وأئمّة الحديث من أهل السُّنّة الذين أخرجوا هذا الحديث بعبارات متقاربة محتجّين به ، مرسلين إياه إرسال المسلّمات.
.إلّا أنَّ بعض المكابرين من القوم ، من الذين لم تَرُق لهم هذه الوقائع التاريخية والروايات المسندة ذكر واكلمات أبرزوا فيها مدىٰ تحيّزهم إلىٰ الخليفة الأوّل والثاني بلا دليل ولا استدلال مقنع !!
يقول «ابن حزم» في «الفصل»: علم كلّ ذي حسّ علماً ضرورياً أنَّ الذي كان عند عمر من العلم أضعاف ما كان عند عليّ من العلم (2).
وقال ابن تيمية : ولم يكن أبو بكر ولا عمر ولا غيرهما من أكابر الصحابة يخصّان عليّاً بسؤال، والمعروف أنّ علياً أخذ العلم عن أبي بكر (3)!!
وقال أيضاً : قد جمع الناس الأقضية والفتاوىٰ المنقولة عن أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، فوجدوا أصوبها وأدلّها علىٰ علم صاحبها أمور في أبي بكر وعمر (1).
ونعرف قيمة كلام هذين العلمين بمراجعة التاريخ الإسلامي ؛ فقد جمعت الكتب التاريخية أسماء العديد من الرجال والنساء الذين سألوا عمر عن مسائل بسيطة ومشتهرة بين المسلمين فلم يكن قادراً علىٰ الإجابة ، أو أقدم هو علىٰ سؤالهم عنها عند جهله بها (2).
وفي هذا المجال أخذ عمر علمه عن أميرالمؤمنين الإمام علي (علیه السّلام) أكثر من غيره، كما تُنبىء عن ذلك مصادر أهل السُنّة نفسها ، فممّا يدل علىٰ ذلك : الإكثار من قوله : لولا علي لهلك عمر (3).
وقوله : لولا عليّ لضلّ عمر (4).
وقوله : اللّهمّ لا تُبقِني لمعضلة ليس لها ابن أبي طالب (5).
وقوله : لا أبقاني الله بأرض لست فيها يا أبا الحسن (6).
وقوله : اللّهمّ لا تنزل بي شديدة إلّا وأبو حسن إلىٰ جنبي (7).
وقوله : أعوذ بالله من معضلة لا عليّ لها (8).
1) منهاج السُنّة النبوية 5: 508
2) وقد أفرد الأميني في «الغدير» فصلاً لذلك سمّاه: «نوادر الأثر في علم عمر». الغدير 6: 83_ 333.
3) الاستيعاب 3: 1103 ، تذكرة الخواص :1: 560 ، مناقب الخوارزمي: 81، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 18 نظم درر السمطين: 130، الفصول المهمة لابن صباغ المالكي 1: 201 ، المواقف للإيجي 3: 627، تفسير السمعاني 5: 154 وغيرها.
4) تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل للباقلاني : 502.
5) راجع تذكرة الخواص لابن الجوزي 1: 562 ، نظم درر السمطين: 132، المناقب للخوارزمي: 97 .
6) نصب الراية للزيلعي 3: 117
7) تاريخ مدينة دمشق 53: 35، ، وراجع: نظم درر السمطين: 130، کنز العمّال 5: 257.
8) نور الأبصار للشبلنجي: 121، ونظم درر السمطين: 131.
وقوله : عجزت النساء أن تلدن مثل عليّ بن أبي طالب، لولا عليّ لهلك عمر (1).
وقوله : لا أبقاني الله بعد ابن أبي طالب(2).
وقوله : يا أبا الحسن ، أنت لكلِّ معضلة وشدّة تُدعى (3).
وقوله : هل طفحت حرّة بمثله وأبرعته ؟ (4)
وقوله : هيهات هناك شجنة من بني هاشم ، وشجنة من الرسول، وأثرة من علم يُؤتى لها ولا يأتي، وفي بيته يؤتى الحكم (5).
وقوله : أبا حسن ، لا أبقاني الله لشدّة لست لها ، ولا في بلد لست فيه (6).
وقوله : يابن أبي طالب فما زلت كاشف كلّ شبهة، وموضع كلّ حكم(7).
وقوله : لولاك لافتضحنا (8).
وقوله : أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن (9).
وقوله مشيراً إلىٰ عليّ : هذا أعلم بنبيّنا وبكتاب نبيّنا (10).
ولكثرة حاجته إلى علم الصحابة، وتقويمهم أودَهُ في مواقف لا تحصى في القضاء والفتيا، كان يستفتي كبار الصحابة ويراجعهم ويستشيرهم في الأحكام،
1) المناقب للخوارزمي: 81 .
2) تذكرة الخواص 1: 563، وراجع المناقب للخوارزمي: 102.
3) الغدير 6: 148، نقلاً عن كتاب العرائس لأبي إسحاق الثعلبي.
4) كنزالعمّال 5: 831 .
5) كنزالعمّال 5: 831 .
6) كنزالعمّال 5: 832 .
7) كنزالعمّال 5: 833 ، وقال بعد ذكر الحديث: ورجاله ثقات.
8) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 19: 158.
9) راجع: فتح الباري :13 286 ، الاستيعاب :: 1102، الطبقات الكبرىٰ 2: 339، البداية والنهاية :: 397 ، تاريخ الإسلام للذهبي 3: 638 تاريخ مدينة دمشق 406:42.
10) ذكره صاحب الغدير في كتابه 6: 268 نقلاً عن «زين الفتىٰ في شرح سورة هل أتىٰ» للحافظ العاصمي.
وكان يعرب عن جليّة الحال بحقّ المقال من قوله : كلّ أحد أفقه من عمر (1).
وقوله: تسمعونني أقول مثل القول فلا تنكرونه حتى تردَّ عليّ امرأة ليست من أعلم النساء (2).
وقوله : كلّ أحد أعلم من عمر (3).
وقوله : كلّ الناس أفقه منك يا عمر (4).
وقوله : كلّ الناس أفقه من عمر حتى ربّات الحجال(5).
وقوله: كلّ الناس أعلم منك يا عمر (6).
وبعد كل هذا فالعجب من الرجلين كيف يقومان بالتمويه علىٰ نفسها ويحسبان أنَّ ذلك ينطلي علىٰ غيرهما أيضاً، متناسين تلك الأحاديث التي وردت في أنّ عليّاً (علیه السّلام) باب مدينة علم الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ووارث علومه وحكمه !!
بعد مرور فترة من الزمن أمضاها «إبراهيم» في البحث والتحقيق في مصادر الفريقين توصّل إلىٰ أنَّ الدين الإسلامي الحنيف لا يُطبَّق كما أراده الرسول الأكرم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) إلّا في الرؤية الشيعية ؛ فقرّر الاستبصار والانتماء لهذا المذهب، وكان استبصاره عام 1418 ه- ( 1998 م)(7).
1) السنن الكبرىٰ للبيهقي 7: 233، تخريج الأحاديث والآثار للزيلعي 1: 297، العثمانية للجاحظ: 230، فيض القدير 2: 8 كشف الخفاء 1: 269 والألباني في إرواء الغليل 6: 348.
2) تفسير الكشّاف 1: 514، تخريج الأحاديث والآثار 1: 295.
3) تفسير الكشاف 1: 514 ، تخريج الأحاديث والآثار 1 295، وتفسير النسفي 1: 213.
4) كشف الخفاء للعجلوني :1: 388 و 2: 117، تمهيد الأوائل للباقلاني : 501، المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية الأندلسي 2 :29، تفسير القرطبي 5: 99، والتسهيل لعلوم التنزيل للغرناطي الكلبي 1: 135.
5) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 183 .
6) الدّرالمنثور 5: 229، تفسير الكشّاف 3: 283 ،تخريج الأحاديث والآثار 3: 141، تفسير القرطبي 14: 277.
7) للمستبصر ملف في المركز، وذكر في إحدىٰ مقالاته سيرته الذاتية والأمور التي أدّت به إلىٰ الاستبصار.
ولد في «فلسطين» في أسرة سُنّية المذهب ونشأ علىٰ هذا المعتقد تبعاً لأسرته، واصل «أبو أسامة» دراسته الأكاديمية حتىٰ نال شهادة الليسانس في الآداب.
علىٰ الصعيد العقائدي كان «أبو أسامة» متأثّراً بالفكر الوهّابي، إلّا أنَّ عدم اقتناعه تماماً بالتوجّهات العقائدية السائدة آنذاك جعله دائم البحث والتحقيق في المجال العقائدي.
وممّا تأثّر به «أبو أسامة» في تحقيقاته : موقع مركز الأبحاث العقائدية www.aqaed.com علىٰ الشبكة العنكبوتية ؛ حيث فيه العديد من الأسئلة والأجوبة العقائدية.
وممّا سلّط الضوء عليه في هذا الموقع : نقد نظرية عدالة الصحابة التي قامت عليها الفرق والمذاهب السُنّية ، ومن هذه الشخصيات التي كانت ولازالت مورد نقاش بين السُنّة والشيعة : شخصيّة خالد بن الوليد، الذي قالوا فيه أنّه : سيف الله ، وحرّفوا حقائق التاريخ للتستر علىٰ أفعاله ..
قتل خالد بن الوليد مالك بن نويرة بتهمة الارتداد، وزنا بامرأته ليلة قتله ، فترك أبوبكر الحدّ والقود عليه !!
قال الجزري في (كامله) : لمّا قدم خالد البطاح بعث السرايا وأمرهم بداعية الإسلام ، وأن يأتوه بكلّ من لم يجب، وإن امتنع أن يقتلوه..
إلى أن قال بعد ذكر قتله مالكاً ووطئه امرأته ، وبلوغ خبره إلى المدينة. قال عمر لأبي بكر : إنّ سيف خالد فيه رهق . وأكثر عليه في ذلك ، فقال : يا عمر ! تأوّل خالد فأخطأ ، فارفع لسانك عنه، فإنّي لا أشيم سيفاً سلّه الله على الكافرين. وودّى مالكاً، وكتب إلى خالد أن يقدم عليه ، ففعل ودخل المسجد وعليه قباء، وقد غرز في عمامته سهماً ، فقام إليه عمر ، فنزعها ، وحطّمها ، وقال له : قتلت امرءاً مسلماً ثمّ نزوت على امرأته، والله لأرجمنّك بأحجارك. وخالد لا يكلّمه يظّن أنّ رأي أبي بكر مثله، ودخل على أبي بكر . فأخبره الخبر ، واعتذر إليه، فعذره وتجاوز عنه، وعنّفه في التزويج الذي كانت عليه العرب من كراهته أيام الحرب.
فخرج خالد وعمر جالس ، فقال له خالد : هلّم إليّ يا ابن أمّ شملة . فعرف عمر أنّ أبابكر رضي عنه ، فلم يكلّمه .
وقيل : إنّ المسلمين لمّا غشوا مالكاً و أصحابه ليلاً أخذوا السلاح، فقالوا: نحن المسلمون ، فقال أصحاب مالك : ونحن المسلمون ، قالوا لهم: ضعوا السلاح، فوضعوه ثمّ صلّوا، وكان خالد يعتذر في قتله لمالك أنّه قال : ما أخال صاحبكم إلّا قال كذا وكذا ، فقال له : أوما تعدّه لك صاحباً، ثمّ ضرب عنقه .
وقدم أخوه متمّم بن نويرة على أبي بكر يطلب بدم أخيه، ويسأله أن يردّ عليه سبيهم، فأمر أبو بكر بردّ السبي ، وودّى مالكاً من بيت المال (1).
ولما ولي عمر كان أوّل كتاب كتبه بتولية أبي عبيدة جند خالد، وبعزل خالد؛ لأنّه كان ساخطاً عليه في خلافة أبي بكر كلّها لوقعته بمالك بن نويرة، وما كان يعمل في حربه، وأوّل ما تكلّم به عزل خالد ، وقال : لا يلي لي عملاً أبداً. وكتب إلى أبي
1) تاريخ الطبري: 504:2.
عبيدة إنْ أكذَبَ خالد نفسه فهو الأمير على ما كان عليه ، وإن لم يكذّب نفسه ، فأنت الأمير على ما هو عليه ، انزع عمامته عن رأسه، وقاسمه ماله.
فذكر أبو عبيدة ذلك لخالد ، فاستشار خالد أخته ، وكانت عند الحرث بن هشام فقالت : والله لا يحبّك عمر أبداً، وما يريد إلّا أن تكذّب نفسك ثمّ ينزعك. فقبّل رأسها ، وقال : صدقت. فأبى أن يكذّب نفسه، فأمر أبو عبيدة بنزع عمامة خالد (1).
ومن الغريب أنّ من مسلّمات بعض الناس كون خالد سيف الله ، فلم يكن - في الحقيقة - سوى سيفاً لأبي بكر ، ذلك أنّ سيف الله ورسوله لا يزني، ولا يقتل بغير حقّ، ولا يمثّل بالمسلمين ، فإنّ المُثلة حرام ولو بالكلب العقور.
ومن المضحك أنّهم وضعوا له أنّ النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )وصفه بذلك ، إلّا أنّ الله تعالىٰ - الذي يخزي الكاذب- فضحهم بأن قالوا : لقّبه النبيّ بذلك لمّا كان بمؤتة ، وجعلوا الراوي لذلك : أبا قتادة ، فقال الطبري : قال أبو قتادة : بعث النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )جيش الأمراء . فقال : عليكم زيد بن حارثة ، فإن أُصيب فجعفر ، فإن أُصيب جعفر فعبدالله بن رواحة . فوثب جعفر فقال : يا رسول الله! ما كنت أذهب أن تستعمل زيداً عليّ . قال : امض فإنّك لا تدري أيّ ذلك خير . فانطلقوا...
إلى أن قال : فقال النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : أخبركم عن جيشكم ..
إلى أن قال بعد ذكر الأخبار عن شهادة عبدالله بن رواحة : قال النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : ثمّ أخذ اللواء خالد بن الوليد، ولم يكن من الأمراء، هو أمّر نفسه. ثمّ قال النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «اللهمّ إنّه سيف من سيوفك ، فأنت تنصره . فمنذ يومئذ سمّي خالد سيف الله»(2).
مع أنّ خالداً لمّا رجع من مؤتة مع الجيش جعل الناس يحثّون التراب على
خالد وجيشه ، ويقولون : «يا فرّار في سبيل الله» (1)، فهل يقولون لسيف الله : فرّار في سبيل الله ؟ !
وأبو قتادة كان من منكري خالد، وعاهدالله تعالى أن لا يشهد معه حرباً (2)، فكيف يمكن أن يكون سمع النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) سمّاه سيف الله -كما وضعوا على لسانه- ويعاهد الله تعالى ألا يشهد مع خالد حرباً ؟!
بعد الاطّلاع علىٰ كثير من مجريات التاريخ التي تثبت صحّة الرؤية الشيعية ، وبعد أن تبلورت قناعته الكاملة بأحقّية المذهب الشيعي توجّه «أبو أسامة» إلىٰ تغيير انتمائه المذهبي ، وأعلن عن استبصاره عام 1423 ه- (2003م)(3).
ولد عام 1402 ه- (1982م) في مدينة «غزة» في فلسطين المحتلّة، ونشأ في ظلّ عائلة شافعية سنية المذهب ، واصل «أبو تراب» نشاطه الأكاديمي حتىٰ دخل كلّية التجارة في الجامعة الإسلامية بغزّة.
كان «أبو تراب» ملتزماً بالتعاليم الدينيّة منذ صباه، فكان يرتاد المساجد منذ السابعة من عمره، وتربّىٰ في حلقات تلك المساجد.
يقول «أبو تراب» عمّا لفت نظره في التعاليم التي كانت تُلقىٰ عليه وعلىٰ الأطفال من قِبَل المدرسين هناك ..... إنّني كنت أسمع عن كلّ الصحابة إلا عن آل البيت الأطهار(علیهم السّلام) ، فلم أسمع عن الإمام علي (علیه السّلام) أنّه نام في فراش الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وكان الفدائي الأوّل في الإسلام يوم الهجرة.
من المواضيع التي ظلّت خافية عن عموم أتباع المذهب السنّى، فلم ترَ النور ولم تخرج من صفحات الكتب إلى الحوارات العامة والمنابر ووسائل الإعلام هي: مكانة أهل البيت(علیهم السّلام) ، وخاصّة الإمام عليّ(علیه السّلام).
فمن تتبّع الكتب التاريخية رأىٰ أنّ العديد من مناقب أمير المؤمنين(علیه السّلام) نسبت لغيره ؛ فقد روى ابن عبّاس : أن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أخذ بيد عليّ(علیه السّلام) ، وقال : هذا أوّل
من آمن بي ، وأوّل من يصافحني ، وهو فاروق هذه الأمّة، يفرق بين الحقّ والباطل، وهو يعسوب المؤمنين ، والمال يعسوب الظلمة، وهو الصدّيق الأكبر ، وهو بابي الذي أوتى منه، وهو خليفتي من بعدي (1).
وعن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : صلت الملائكة عَليَّ وعلىٰ عليّ سبع سنين ، وذلك أنّه لم يرفع شهادة أن لا إله إلّا الله إلّا منّي ومن عليّ (2).
وروي عن الإمام علي (علیه السّلام) أنّه قال : أنا الصدّيق والفاروق الأوّل ، أسلمت قبل إسلام أبي بكر وصلّيت قبل صلاته لسبع سنين (3).
كما روي عنه (علیه السّلام) أنّه قال : أنا أوّل من صدّقه - أي : الرسول الأكرمصلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )- (4).
إلىٰ غير ذلك من الروايات والوقائع التاريخية التي تثبت أنّه أوّل من أسلم و آمن برسول اللهصلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وصدّقه في دعوته.
إلّا أنّه قد يُعترض على ذلك بأنّ إسلام أميرالمؤمنين (علیه السّلام) وإيمانه وإن كان قبل إسلام أبي بكر إلّا أنّه ليس معتبراً؛ لكونه كان دون البلوغ.
وجوابه من وجوه:
أحدها : لا نسلّم أنّه كان دون البلوغ، ومستند هذا المنع وجوه :
أ : رواية شداد بن أوس ، قال : سألت خباب بن الأرتّ عن سنّ عليّ يوم أسلم ؟ فقال : أسلم وهو ابن خمس عشرة سنة، وهو يومئذ بالغ مستحكم البلوغ(5).
ب : عن حذيفة بن اليمان قال : كنّا نعبد الحجارة، ونشرب الخمر، وعليّ من أبناء أربع عشرة سنة، قائم يصلّي مع النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ليلاً ونهاراً، وقريش يومئذٍ تسافه
رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )، ما يذبّ عنه إلّا عليّ (علیه السّلام) (1).
ج : روى ابن أبي شيبة عن جرير بن عبدالحميد ، قال : أسلم عليّ وهو ابن أربع عشرة سنة (2).
الثاني : أنّ المتبادر إلى الفهم من إطلاق لفظ المسلم والكافر ، ولفظ الرجل (3)، إنّما هو : البالغ دون الصبي، والمبادرة إلى الذهن دليل الحقيقة، فالواجب أن يرجع إلى ذلك إطلاق قولهم : أسلم علي ؛ فإنّ ذلك يشهد بكونه بالغاً عاقلاً لما يفعله ، وخاصّة في بلاد حارّة مثل : الجزيرة العربية، فإنّ العادة في المزاج الصحيح فيها أن يبلغ صاحبه فيها دون خمس عشرة سنة، وربّما احتلم وهو ابن اثني عشرة سنة ، وليس ذلك ببعيد؛ إذ رووا أنّ عمرو بن العاص كان يكبر ولده عبدالله باثنتي عشرة سنة فقط (4).
الثالث : وهو الحاسم لمادّة الإشكال : أنّه لو لم يكن أميرالمؤمنين (علیه السّلام) في مستوىٰ الإسلام والإيمان لما كان النبي الأكرم(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قد أقدم على دعوته إلى الإسلام، ثم قبوله منه ؛ فإنّ ذلك سفه ، ولا يمكن صدور السفه من الرسول الأكرم(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) .
ظلّت الاستفسارات عن سبب تغييب أهل البيت(علیهم السّلام) عن الجيل المسلم تدور في ذهن «أبي تراب» إلى أن كبر وكبرت تساؤلاته من غير أن تجاب بإجابات تشفى الغليل.
وبعد دخوله الجامعة الإسلامية في غزّة تصوّر في نفسه بأنّ الأسئلة قد تجاب
هنا ؛ فإنّ أجواء الجامعات غالباً ما تكون منفتحة بالنسبة لأنواع الأسئلة والمناقشات، إلا أنّه فوجىء بأن لا مجال لأن تجاب أسئلته هناك فحسب، بل إنّه ممنوع من التحدّث بمثل هذه الأمور على الإطلاق، إثر ذلك قرّر «أبو تراب» مواصلة بحثه عبر الإنترنيت.
يقول «أبو تراب» ..... وأنا أدرس في الجامعة بدأت أتبحّر في مسائل ترتبط بآل البيت(علیهم السّلام) عبر الإنترنيت حتى تعرّفت على أمور كثيرة، واستطعت التمييز بين الحقّ والباطل ، وصرت أعرف من الحقّ، وأين الحقّ.
بعد أن قرأ عن أهل البيت(علیهم السّلام) بعض ما يرتبط بسيرتهم العطرة ، شاء الله سبحانه وتعالى أن يتعرّف «أبو تراب» على أحد أتباع المذهب الشيعي، الذي أهداه كتاب «ثمّ اهتديت» للدكتور التيجاني السماوي، وكان لهذا الكتاب التأثير الكبير في استبصاره، الذي أعلنه عام 1420 ه- ( 2000م).
وبعد مرحلة الاستبصار أقدم «أبو تراب» على تأليفه كتاب عن أهل البيت(علیهم السّلام) ، سمّاه : «الأئمّة الاثني عشر» (1).
1) المستبصر على تواصل مع «مركز الأبحاث العقائدية» من خلال شبكة الإنترنيت، وله ملف خاص في المركز.
نشأ في مدينة «الناصرة» في شمال «فلسطين»، وفي القسم الذي استولى عليه الصهاينة .
كان «أبو عبدالله» يهوى التعمّق في التعاليم الإسلامية فبدأ بتلقّي قسم من تلك التعاليم وفق المذهب السنّي، إلا أنّ نفسه المتعطّشة لتلقّي المعارف لم ترتو بهذا المقدار منها ، ولم تزل تعيش التحيّر والتأمّل.
إثر ذلك بدأ بالبحث والتحقيق بالغور في الكتب المعتبرة عند أهل السنّة ، فكثرت الحيرة عنده آنذاك ؛ إذ من الملاحظ لكلّ باحث أزال التعصّب عن بصيرته كم تجاهل التاريخ ومؤرّخو السلطة من الوقائع والشخصيات التي كان لها الدور الفاعل في نمو الإسلام ورفعته ؟
وكم من الأحاديث التي دسّتها يد التحريف في المصادر الحديثية ، وكم قاموا بالتلاعب بأحاديث صحيحة فحذفوها ، أو قطّعوها ، أو أوردوا معارضاً لها لتسقط بذلك عن الاستدلال بها.
من الأحاديث الدالّة على ضرورة التمسك بالعترة الطاهرة(علیهم السّلام) : قول رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في مواطن عدّة : إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي.
إلّا أنّه قد أوردت بعض المصادر السنّية لفظ : «وسنّتي»، بدل: «وعترتي». وبالتالي قد يدّعي بعضهم أنّ حديث: «وعترتي» معارض بحديث : «وسنّتي»، فلا يتم الاستدلال به.
ولبطلان هذا الادّعاء ينبغي الإشارة إلى أنّ:
أوّلاً : حديث الثقلين بلفظ «وعترتي» من الأحاديث المتواترة(1)، وحديث «سنّتي» ليس كذلك ، والمتواتر مقدّم على غيره ؛ فثبت تقديم حديث «وعترتي» على خبر «وسنّتي».
ثانياً: حديث «وعترتي» حديث صحيح ، مروي بأسانيد صحيحة وحسنة ، وخبر «وسنّتي» ليس كذلك ، والصحيح مقدّم على غيره؛ فوجب تقديم حديث وعترتي».
ومن المناسب هنا أن نذكر قول أحد علماء السنّة في كلام له عن حديث الثقلين بلفظيه ، يقول الحسن بن علي السقاف الشافعي: «سُئلت عن حديث : تركت فيكم شيئين لن تضلّوا بعدهما : كتاب الله و ..... هل الحديث الصحيح بلفظ : «عترتي وأهل بيتي»، أو هو بلفظ «سنّتي»؟ نرجو توضيح ذلك من جهة الحديث
وسنده.
الجواب : الحديث الثابت الصحيح هو بلفظ «وأهل بيتي»، والرواية التي فيها لفظ «سُنّتي» باطلة من ناحية السند والمتن، ونوضّح هنا إن شاء الله تعالى قضية السند ؛ لأنّ السؤال وقع بها. فنقول :
روى الحديث مسلم في صحيحه (2): عن سيّدنا زيد بن أرقم رضي الله عنه ،
قال : قام رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) خطيباً بماء يدعى خماً بين مكّة والمدينة، فحمدالله وأثنى عليه ، ووعظ وذكّر ، ثم قال : (أمّا بعد : ألا أيّها الناس ! فإنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول الله ربّي فأُجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين ، أوّلهما : كتاب الله ، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به) ، فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه، ثم قال: (وأهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي ، أُذكّركم الله في أهل بيتي ، أُذكّركم الله في أهل بيتي)، هذا لفظ مسلم.
ورواه أيضاً بهذا اللفظ الدارمي في سننه (1)بإسناد صحيح كالشمس ، وغيرهما ...
أمّا لفظ «وسُنّتي» فلا شكّ بأنّه موضوع ؛ لضعف سنده، ووهائه، ولعوامل أُموية أثّرت في ذلك. وإليك إسناده ومتنه :
روى الحاكم في المستدرك (2)الحديث بإسناده من طريق ابن أبي أُويس، عن أبيه ، عن ثور بن زيد الديلي ، عن عكرمة ، عن ابن عبّاس ، وفيه : (أيّها الناس، قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلّوا أبداً : كتاب الله ، وسُنّة نبيّه(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ...).
وأقول :
في سنده : ابن أبي أويس وأبوه ؛ قال الحافظ المزّي في تهذيب الكمال (3)في ترجمة الابن - ابن أبي أويس - وأنقل قول من جرحه : «معاوية بن صالح عن يحيى ابن معين : أبو أويس وابنه ضعيفان. وعن يحيى بن معين - أيضاً -: ابن أبي أُويس وأبوه يسرقان الحديث. وعن يحيى - أيضاً -: مخلّط يكذب، ليس بشيء. وقال أبو حاتم : محلّه الصدق ، وكان مغفّلاً. وقال النسائي : ضعيف . وقال النسائي - في موضع آخر : ليس بثقة . وقال أبو القاسم اللالكائي : بالغ النسائي في الكلام عليه
إلى أن يؤدّي إلى تركه...
وقال أبو أحمد ابن عدي وابن أبي أُويس هذا روى عن خاله مالك أحاديث غرائب لا يتابعه أحد عليه ...».
قلت : قال الحافظ ابن حجر في «مقدمة فتح الباري»(1)عن ابن أبي أويس هذا: «وعلى هذا لا يحتجّ بشيء من حديثه غير ما في الصحيح؛ من أجل ما قدح فيه النسائي وغيره...».
قال الحافظ السيّد أحمد بن الصدّيق في «فتح الملك العلي»(2): «وقال سلمة بن شبيب : سمعت إسماعيل بن أبي أويس يقول : ربّما كنت أضع لأهل المدينة إذا اختلفوا في شيء فيما بينهم» .
فالرجل متّهم بالوضع، وقد رماه ابن معين بالكذب، وحديثه الذي فيه لفظ «وسنتي» ليس في واحد من الصحيحين.
وأمّا أبوه : فقال أبو حاتم الرازي، كما في كتاب ابنه(3): «يُكتب حديثه ولا يُحتج به ، وليس بالقوي». ونقل في المصدر نفسه ابن أبي حاتم عن ابن معين أنّه قال فيه : «ليس بثقة».
قلت : وسند فيه مثل هذان اللذان قدّمنا الكلام عليها ، لا يصحّ - حتى يلج الجمل في سمّ الخياط - لاسيما وما جاءا به مخالف للثابت في الصحيح؛ فتأمّل جيداً هداك الله تعالى.
أقول : ولم يتعرّض السقّاف لعكرمة البربري مع وروده في السند، وهو مشهور بالكذب والعداء لأهل البيت (علیهم السّلام) .
وقد اعترف الحاكم بضعف الحديث، فلذلك لم يصحّحه في المستدرك، وإنّما جلب له شاهد ، لكنّه واهٍ ساقط الإسناد ، فازداد الحديث ضعفاً إلى ضعفه ، وتحقّقنا أنّ ابن أبي أويس أو أباه قد سرق واحد منهما حديث ذلك الواهي الذي سنذكره ورواه من عند نفسه ، وقد نصّ ابن معين ، وهو من هو ، على أنّهما يسرقان الحديث. فروى الحاكم (1)ذلك ؛ فقال: «وقد وجدت له شاهداً من حديث أبي هريرة»، ثمّ روى بسنده من طريق الضبّي، ثنا صالح بن موسى الطلحي، عن عبدالعزيز بن رفيع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعاً: «إنّي قد تركت فيكم شيئين لن تضلّوا بعدهما : كتاب الله ، وسُنّتى ، ولن يفترقا حتى يردا عَليّ الحوض».
قلت: هذا موضوع أيضاً، واقتصر الكلام عنا على رجل واحد في السند :وهو صالح بن موسى الطلحي وإليك كلام أئمّة أهل الحديث من كبار الحفّاظ الذين طعنوا فيه ، من تهذيب الكمال: «قال يحيى بن معين : ليس بشيء. وقال أبو حاتم الرازي : ضعيف الحديث، منكر الحديث جداً، كثير المناكير عن الثقات. وقال النسائي : لا يكتب حديثه ، وقال في موضع آخر متروك الحديث (2).
وفى تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر : «قال ابن حبّان : كان يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات حتى يشهد المستمع لها أنّها معمولة أو مقلوبة لا يجوز الاحتجاج به . وقال أبو نعيم : متروك الحديث يروي المناكير» (3).
قلت : وقد حكم الحافظ عليه في التقريب بأنّه «متروك»(4)، والذهبي في الكاشف بأنّه : «واه»(5). وأورده الذهبي في «الميزان» (6)حديثه هذا في ترجمته على أنّه من منكراته .
وقد ذكر مالك هذا الحديث في «الموطّأ» (1)بلاغاً بلاسند ، ولا قيمة لذلك بعد أن بيّنا وهاء إسناده.
وقد ذكر الحافظ ابن عبدالبر في «التمهيد»(2)سنداً ثالثاً لهذا الحديث الواهي الموضوع، فقال: «وحدّثنا عبدالرحمن بن يحيى ، قال : حدّثنا أحمد بن سعيد ، قال : حدّثنا محمّد بن إبراهيم الديبلي ، قال : حدّثنا علي بن زيد الفرائضي ، قال : حدّثنا الحنيني ، عن كثير بن عبدالله بن عمرو بن عوف، عن أبيه ، عن جدّه» به .
قلت : نقتصر على علّة واحدة فيه، وهي : أنّ كثير بن عبدالله هذا الذي في إسناده، قال عنه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: أحد أركان الكذب . قال عنه أبو داود كان أحد الكذّابين (3).
وقال ابن حبّان : روى عن أبيه ، عن جدّه نسخة موضوعة، لا يحلّ ذكرها في الكتب، ولا الرواية عنه إلّا على جهة التعجّب (4).
قال النسائي والدارقطني : متروك الحديث (5). وقال الإمام أحمد: منكر الحديث ليس بشيء، وقال يحيى بن معين : ليس بشيء.
قلت : وقد أخطأ الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في التقريب عندما اقتصر على قوله فيه : «ضعيف»، ثمّ قال: «وقد أفرط من رماه بالكذب»(6)...
قلت : كلا لم يفرط بل هو واقع حاله ، كما ترى من كلام الأئمّة فيه ، لا سيّما وقد قال عنه الذهبي في الكاشف: «واه»، وهو كذلك ، وحديثه موضوع، فلا يصلح
للمتابعة ، ولا الشواهد بل يضرب عليه . والله الموفّق ..
فتبيّن بوضوح أنّ حديث : «كتاب الله وعترتي» هو الصحيح الثابت في صحيح مسلم ، وأنّ لفظ : «كتاب الله وسُنّتي» باطل من جهة السند غير صحيح.
فعلى خطباء المساجد والوعّاظ والأئمّة أن يتركوا اللفظ الذي لم يرد عن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) و أن يذكر واللناس اللفظ الصحيح الثابت عنه في صحيح مسلم «كتاب الله وأهل بيتي» أو «عترتي»(1).
بعد فترة من البحث والتحقيق، وبعد أن أشرق نور أهل البيت(علیهم السّلام) في قلبه ، أعلن «أبو عبدالله» عن استبصاره والتحاقه بالمذهب الشيعي ، وكان ذلك عام 1421 ه- (2001م).
إلا أنَّ العصبية العمياء لم تدع «أبا عبدالله» وجمع من أصدقائه المستبصرين وشأنهم ؛ فتعرضوا لأنواع الاضطهاد المذهبي الذي وصل في بعض الفترات إلىٰ حد المقاطعة والنبذ (2).
مرّت ترجمته في (2 : 147) من هذه الموسوعة ، ونشير هنا إلىٰ معلومات أخرىٰ لم تذكر من قبل.
من النشاطات التي قام بها «أسعد» بعد استبصاره تألیف کتاب «حقيقة الشيعة الاثنىٰ عشرية»، بحث فيه المواضيع العقائدية الخلافية بين الفريقين، وأدلّة أحقّية رأي الشيعة فيها، وذلك من المصادر المعتبرة عند أهل السُنّة.
كما تطرّق المؤلّف إلىٰ مفاهيم وأشخاص كثر البحث عنهم في الدائرة الإسلامية، وفي ذلك المجال أفرد فصلاً خاصّاً بأبي هريرة، وذلك لكثرة روايته للحديث مع قصر المدّة التي صاحب فيها الرسول الأكرم(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) .
يقول «أسعد» : نظراً لكثرة ما رواه أبو هريرة من أحاديث فقد ارتأيت إلقاء بعض الضوء على شخصيّته ؛ إذ أجمع رجال الحديث على أنّ أبا هريرة كان أكثر الصحابة حديثاً عن رسول الله الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، على حين أنّه لم يصاحب النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) إلّا عاماً وتسعة أشهر - أو ثلاثة أعوام حسب بعض الروايات -، وقد احتوت صحاح أهل السُنّة علىٰ 5374 حديثاً روى منها البخاري 446 حديثاً.
أمّا أبو هريرة نفسه فيقول: «ما من أصحاب النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أحد أكثر حديثاً عنه
منّي إلّا ما كان من عبدالله بن عمرو فإنّه كان يكتب ولا أكتب» (1).
وأما سبب كثرة رواية أبي هريرة عن الرسول(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فقد أجاب هو نفسه عن ذلك عندما قال :
«يقولون أنّ أبا هريرة يكثر والله الموعد، ويقولون ما للمهاجرين والأنصار لا يحدّثون مثل أحاديثه ؟ وإنّ إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإنّ إخوتي من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم ، وكنت امرءاً مسكيناً ألزم رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) على ملء بطني ، فأحضر حين يغيبون، وأعي حين ينسون» (2).
وقال: «إنّ الناس كانوا يقولون: أكثر أبو هريرة، وإنّي كنت ألزم رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بشبع بطني حتى لا آكل الخمير، ولا ألبس الحرير، ولا يخدمني فلان ولا فلانة. وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع وإن كنت لاستقرىء الرجل الآية هي معي كي ينقلب بي فيطعمني» (3).
وقد روي أنّ عمر بن الخطاب ضرب أبا هريرة لمّا سمعه يحدّث عن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )(4).
وروى ابن عبدالبر عن أبي هريرة نفسه ، قال : لقد حدّثتكم بأحاديث لو حدّثت بها زمن عمر بن الخطّاب لضربني عمر بالدرّة(5).
وقال الفقيه المحدّث رشيد رضا : «لو طال عُمُر عمر حتى مات أبو هريرة لَما وصلت إلينا تلك الأحاديث الكثيرة» (6)، وقال مصطفى صادق الرافعي: «....
فكان بذلك - يعني أبو هريرة - أوّل راوية أتّهم في الإسلام»(1).
وعند حدوث معركة صفّين ، تشيّع أبو هريرة لمعاوية ، وقد كوفىء على حسن روايته للحديث ، ومناصرته لهم، بأن أغدقوا عليه ؛ فكان مروان بن الحكم ينيبه عنه في ولاية المدينة ، فتحوّلت أحواله من حال إلى حال.
وقد روي عن أيوب بن محمد أنّه قال : «كنّا عند . أبي هريرة وعليه ثوبان ممشقان من كتان ، فتمخّط ، فقال : بخ بخ ، أبو هريرة يتمخّط في الكتان؟ لقد رأيتني وإنّي لأخر فيما بين منبر رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) إلى حجرة عائشة مغشياً عَليّ، فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي ويَرىٰ أنّي مجنون، وما بي من جنون ، ما بي إلّا الجوع» (2).
وما يرتبط بتشيّعه لبني أمية كتمانه لبعض حديث رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ؛ لأنّ روايته
لها ستعرض حياته للموت ، فعن أبي هريرة نفسه، قال: «حفظت عن رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وعاء ين: فأمّا أحدهما فبثثته ، وأمّا الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم»(3).
وأين هذا من قول أبي هريرة نفسه: «إنّ الناس يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدّثت حديثاً»، ثم يتلو : «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ » (4)(5).
ومن خلال هذه الأدلّة الدامغة تتبيّن حقيقة أبي هريرة وأمانته في رواية الحديث، والتي تجعل منه شبيهاً بوعاظ السلاطين في زماننا، ويتّضح سبب إعراض
الشيعة عن رواياته، وبما يصلح أن يكون ردّاً على مغالاة أهل السُنّة بقبول أحاديث أبي هريرة، وطعنهم في كلّ من يوجّه إليه النقد.
قال ابن حنبل، وأبو بكر الحميدي، وأبو بكر الصيرفي : «لا نقبل رواية من كذب في أحاديث رسول الله وإن تاب عن الكذب بعد ذلك»(1)، وقال السمعاني : «من كذب في خبر واحد وجب إسقاط ما تقدّم من حديثه» (2).
ونعرض فيما يلي بعضاً من روايات أبي هريرة، التي أخرجها البخاري في صحيحه ، ونبدأ بزعم أبى هريرة بأنّ موسى(علیه السّلام) قد فقأ عين ملك الموت !
فعن أبي هريرة، قال: «أُرسل ملك الموت إلى موسى(علیه السّلام) ، فلمّا جاءه صكّه ، فرجع إلى ربه، فقال : أرسلتني إلى عبدٍ لا يريد الموت . فردّ الله عليه عينه، وقال: فقل له يضع يده على متن ثور، فله بكلّ شعرة سنة . قال : أي ربّ ، ثم ماذا ؟ قال : ثم . الموت . قال : فالآن، فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدّسة رمية بحجر »(3).
وعن أبي هريرة، قال: «يقال لجهنم : هل امتلأت، وتقول: هل من مزيد؟ فيضع الربّ تبارك وتعالى قدمه عليها، فتقول : قط قط» (4).
وعن أبي هريرة، قال: «قال رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : ينزل ربّنا تبارك وتعالى كلّ ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر ، يقول : من يدعوني فأستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له ؟(5).
والرواية الأخيرة تتناقض مع ما يعتقده أهل السُنّة من استقرار الله جلّ وعلا على العرش، فنزوله إلى السماء الدنيا في آخر الليل - كما يزعم أبو هريرة - يعني
بقائه فيها طوال ال- 24 ساعة من الليل والنهار؛ لدوام وجود وقت آخر الليل على الأرض ، ولكن في بقع مختلفة، نظراً لكروية الأرض !
ترى لو كان أبو هريرة يعلم بكروية الأرض ، فهل كان ليروي مثل هذه الروايات ؟
وعن أبي هريرة أيضاً قال : «قال النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض ، وكان موسى يغتسل وحده ، فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلّا أنّه آدر. فذهب مرّة يغتسل ، فوضع ثوبه على حجر ، ففرّ الحجر بثوبه ، فخرج موسى في أثره يقول : ثوبي يا حجر ، ثوبي يا حجر . حتى نظرت بنو إسرائيل إلى موسى، فقالوا: والله ما بموسى من بأس. وأخذ ثوبه فطفق بالحجر
ضرباً فقال أبو هريرة : والله إنّه لندب بالحجر ستّة أو سبعة ضرباً بالحجر» (1).
وعن أبي هريرة أيضاً، قال: «إنّ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قال : إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضى النداء أقبل، حتى إذا ثوِّب بالصلاة أدبر ، حتى إذا قضى التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه ، يقول : اذكر كذا وكذا، لما لم يكن يذكر حتى يظلّ الرجل لا يدري كم صلّى» (2).
وعن أبي هريرة أيضاً ، قال : «قال النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : بينما رجل راكب على بقرة التفتت إليه فقالت : لم أخلق لهذا خلقت للحراثة . قال : آمنت به «أنا» وأبو بكر وعمر . وأخذ الذئب شاة فتبعها الراعي، فقال الذئب : من لها يوم السبع ؟ يوم لا راعي لها غيري ؟ قال : آمنت به أنا وأبو بكر وعمر . قال أبو سلمة : وما هما يومئذٍ في القوم» (3).
والحقيقة إنّ الأحاديث السابقة من الإسرائيليات التي أكثر أبو هريرة من
روايتها، وذلك يرجع لكثرة ملازمته لكعب الأحبار اليهودي، الذي تظاهر باعتناقه الإسلام.
وعن دخول الجنة ، رُوي عن أبي هريرة قوله : «سمعت رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يقول :
يدخل الجنّة من أمّتي زمرة هي سبعون ألفاً تضيء وجوههم إضاءة القمر . فقام عكاشة بن محصن الأسدي يرفع نمرة عليه ، قال : ادع الله لي يا رسول الله أن يجعلني منهم ، فقال : اللّهمّ اجعله منهم. ثم قام رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله ، ادع الله لي أن يجعلني منهم . فقال رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : سبقك عكاشة » (1).
وعن أبي هريرة أيضاً ، قال : «بينما نحن عند النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) إذ قال : بينما أنا نائم، رأيتني في الجنّة فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر ، فقلت : لمن هذا القصر ؟ فقالوا : لعمر بن الخطّاب ، فذكرت غِيرته فولّيت مدبراً. فبكى عمر وقال: أعليك أغار يا رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )» (2)(3).
بعد مرور ما يقارب عاماً كاملاً من البحث والتحقيق ودراسة الخلاف المذهبي بين الشيعة والسنة توصّل «أسعد» إلىٰ أحقّية المذهب الشيعي ، فأعلن استبصاره، وكان ذلك عام 1408 ه- ( 1988 م) في الفلبين.
يعتقد «أسعد» أنَّ الإسلام بعد رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) تبلور عند المسلمين بصورتين، إمّا إسلام ظاهري موروث مملوء بالشعائر الفارغة والتعصّب الأعمى، وإما إسلام واقعي ، يكون أتباعه مستسلمين بالروح والقلب لكلّ ما هو حقّ ، ويعملون به بكلّ إخلاص، ولا يعرفون للتعصّب طريقاً، وهذه هي السيرة التي سار عليها أئمّة أهل البيت(علیهم السّلام) وأتباعهم الخلّص.
مرّت ترجمته في (2: 165) من هذه الموسوعة ، ونشير هنا إلى ما لم يذكر سابقاً.
قام «باسل» بعد استبصاره بتأليف عدّة مؤلّفات في مجال التاريخ والعقائد الإسلامية، ومنها :
-«ومن النهاية كانت البداية » ، وقد قام المركز بنشره ضمن : «سلسلة الرحلة إلىٰ الثقلين»، العدد 10.
-المارقون الجدد مخطوط.
-حروب التكفير - مخطوط.
-مجتمعات إسلامية - مخطوط .
-درب الحسين(علیه السّلام) ، آلام وعبرات مخطوط.
وقد أورد «باسل» في كتابه «ومن النهاية كانت البداية» العديد من التجارب التي مرّ بها حتى ترسّخت العقيدة الشيعية في صميم كيانه ، فاطمأنّ بكونه على الهدى، وأنّ المسير الذي ارتاه هو المسير نفسه الذي اختاره رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) للأمة الإسلامية ..
ومن تلك المواضيع التي ذلّل «باسل» وقته للبحث فيها : موضوع «عدالة الصحابة»، واختلاف رؤى المسلمين من الشيعة والسنّة في ذلك.
في اللقاء الذي جمع «باسل» ب- «الشيخ زکریا جاويش» (خطيب أحد مساجد ضواحي حلب) دار الحوار بشأن عدالة الصحابة ، وأثناء البحث سمع الشيخ يقول بأنّ : المسلمين يعتقدون بعدالة الصحابة.
فبادر إليه «باسل» مستفسراً عّا يعني به من أن المسلمين يعتقدون بعد التهم ؟ وهل معنى ذلك : أنّ الشيعة الذين يطعنون ببعضهم ليسوا من المسلمين ؟
فقال الشيخ : ليس هذا المقصود تماماً ، لكن هناك تحفّظ عليهم في هذا الأمر ، والنبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قال : «أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم»، وبشّر بعشرة منهم إلى الجنة ، وهم لا يقولون بذلك .
يقول «باسل» : قلت : أعتقد أن كلامك فيه بعض اللبس ؛ فالشيعة أوّلاً: مسلمون وبنص رسول الله الله لهم من أنّ كلّ من أقرّالله بالوحدانية، وصدّق أنبياءه ورسله وملائكته ، وشهد الشهادتين ، وصلّى وصام وحجّ وأدّى الزكاة ، فهو مسلم، وهم يؤمنون بذلك قولاً وعملاً ؛ فالقبلة التي نتوجّه إليها في الصلاة واحدة، والفروض واحدة ، وكتاب الله و واحد.
لكن هناك شيء أبيّته من قول الله عزّ وجلّ : «قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا» (1)، فالإسلام شيء والإيمان شيء آخر، وكلّ ما ذكرناه سابقاً يندرج تحت عنوان الإسلام ، أمّا الإيمان فهو التصديق بكلّ ما جاء به النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قولاً وعملاً.
وأمّا بشأن حديث «أصحابي كالنجوم»، فهو : منسوب إلى النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )
1) الحجرات (49): 14.
واشتهر على لسان العامة، ولا يوجد له أثر في الصحاح المعتبرة عندهم، بل ذكره العجلوني في «كشف الخفاء» (1)نقلاً عن سنن البيهقي ، وهذا لاحجّة فيه.
وبهذا الحديث وضعوا للصحابة هالة من القداسة، وذلك لتبرير أمور كثيرة جرت سابقاً ، وهذا من أعمال بني أمية، حيث قلبوا الأحاديث رأساً على عقب من أجل إبعاد أهل البيت(علیهم السّلام) عن كلّ فضيلة .
فمثلاً: ورد حديث عن النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة»(2)، وهذا باتّفاق الطرفين ، فجاؤوا ووضعوا حديث: «أبو بكر وعمر سيّدا كهول أهل الجنّة»(3)! وألفت نظرك إلى أنّ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قال: «يحشر الله سبحانه الناس يوم القيامة سواسية وفي عمر واحد لا يتجاوزون الثلاث والثلاثين عاماً» (4)، فبرأيك بأي حديث نأخذ ؟
أضف إلى ذلك : إنّ المعروف عن كبار الصحابة، فضلاً عن عامّتهم ، أنّهم كانوا يختلفون أحياناً، ولعن بعضهم بعضاً، وحارب بعضهم بعضاً، وكلّ هذا مثبت في كتب السير والتاريخ، فهل يجب أن نقتدي بهؤلاء جميعاً ؟!
وبعد هذا أقول:
إنّ كلمة «صحابي» تطلق على كلّ الذين أسلموا مع النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وتظاهروا بالإسلام، والدليل على ذلك : قول ابن حجر العسقلاني في أنّ: كلّ من لقي النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) مؤمناً به، ومات على الإسلام، طالت مجالسته معه أو قصرت ، غزا أو لم يغزُ، ومن
رأه ولم يجالسه ، واعتبر أنّ النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) إذا رأى صبي مميّز فهو صحابي (1).
والدليل على أنّ هناك من تظاهر بالإسلام: قول عبدالله بن أبيّ، زعيم : المنافقين، قولاً واحداً : لعمري لنُحسنَنّ صحبته ما دام بين ظهرانينا (2).
كما أنّ أبا سفيان أسلم يوم الفتح ، ومعاوية ابنه ، وهما صحابيان.
وكان عبدالله بن أبي سرح يكتب لرسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) الوحي ، ثم افترى على الله الكذب وارتد ، فأباح الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )دمه ولو تعلّق بأستار الكعبة ، لكنّ عثمان في خلافته أحضره، وولّاه ولاية مصر (3)، وهو صحابي شاؤوا أم أبوا.
وهذا الحكم بن العاص أيضاً طريد رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، طرده إلى مرج قرب الطائف ، وحرّم عليه دخول المدينة ، وبعد وفاة النبيّ الأكرم(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) راجع عثمان أبا بكر في خلافته بإرجاعه، فرفض، وراجع عمر بعده ليدخله، فرفض ، وعندما آلت الخلافة إليه أدخله إلى المدينة معزّزاً مكرّماً، وأعطاه مائة ألف دينار (4)!
الشيخ : من أين جئت بهذه الروايات، أرجو أن تكون متيقّناً ؟!
قلت : أنا متأكّد ، وأنقل لك هذه الروايات من كتب علماء السنّة ، ك: ابن الأثير ، وابن كثير، والمسعودي، وابن قتيبة ، فمن سلالة هذا الحكم ابن العاص : مروان بن الحكم ، أبو الخلفاء الأمويين.
وأبو سفيان قاتل الإسلام بكلّ فنون القتال، ويوم الفتح وجد نفسه محاصراً إمّا القتل، أو الإسلام، فأسلم، وغيرهم كثيرون نافقوا وتظاهروا بالإسلام.
فالصحبة تشمل كلّ الذين أسلموا أو تظاهروا بالإسلام في ذلك الوقت ، وممكن أن نميّزهم بميزتين أو قسمين
فضلاء الصحابة : وهم الأخيار الذين قامت دولة الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) على أكتافهم.
بقيّة الصحابة : ضعاف الإيمان أو متوسّطوه ، ومنهم : الصبيان والمنافقون.
وإنّ موجز ما وصل إليه علماء السنة أن ساووا بين أبي بكر وأبي سفيان ، وبين معاوية وعمّار، وبين عثمان ومروان بن الحكم، كلّ صحابة وعدول لا يجوز القدح بهم ، فهل هذا يعقل ؟
هل يعقل أن يكون أبو بكر مثل عبدالله بن أبي سرح ، أو عمر مثل أبي سفيان برأيكم ؟
الشيخ : لا يمكن ذلك ، ولكن نصّ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) العشرة المبشّرين ، ماذا نفعل به ؟
قلت : وهل هذا قانون خاص إذا اختص هؤلاء العشرة بالجنّة فمعناه : أنّ غيرهم بالنار، أم ماذا ؟ ! هذا لا يعقل .
ثمّ انظر للعشرة.. تراهم حارب بعضهم الآخر، ومع ذلك نقول كلّهم في الجنة ! وإذا درسنا تاريخ العشرة نجد بعضهم حاربوا وبغوا على الإمام عليّ (علیه السّلام) وهو كاره لذلك ، فمن بدأ الحرب بالظلم وتعتيم الأحاديث وتضليلها، ومن بايع وتنصّل ونكث ورفع السيف بوجه الإمام ؟! هؤلاء ضمن العشرة المبشّرين !
هذا وقد أجمع علماء الحجاز والعراق من أهل الحديث والرأي ، منهم : مالك، والشافعي ، والأوزاعي ، وأبو حنيفة ، بأنّ الإمام عليّ (علیه السّلام) كان مصيباً في قتاله لأهل الجمل وأهل صفّين وأهل النهروان.
ولو كان هذا الحديث صحيحاً، لماذا لم يحتجّ به أبو بكر يوم السقيفة أمام الأنصار ؟ ولماذا لم يحتجّ به عثمان يوم حصاره بالدار ؟ وقد ثبت بالضرورة من دين الإسلام حرمة دماء أهل الجنّة.
إنّ هذا الحديث من المحال عقلاً .. إنّ النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أخبر بعض هؤلاء العشرة بأنّه
ظالم ، ك الزبير، في حربه للإمام عليّ(علیه السّلام) ؛ إذ قال له رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «لتقاتلته وأنت ظالم له» (1)، فكيف يدخل الظالمون الجنّة ؟ !
وورد في الأحاديث: أنّ السيدة فاطمة(علیها السّلام) بنت رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) توفيت وهى غاضبة على أبي بكر (2)، وقد نقل لنا في الصحيح قول النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لفاطمة : «إنِ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك»(3)، وقال : «من آذى فاطمة فقد آذاني (4)، ومن آذاني فقد آذى الله»(5).
أمّا الصحابي عند الإمامية ، فهو : من صحب رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وحفظ شرف الصحبة ومات مؤمناً، ولم يرتدّ على عقبه القهقرى بعد وفاة رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).
الشيخ : ها، أنت تقول مثل قولهم : إنّ الصحابة ارتدّوا، فكيف ذلك ؟!
قلت : أنا لا أقول إلّا بقول رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، هل تأخذون بقول النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أم ماذا ؟ !
الشيخ : قول رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) نِعم القول ، فماذا قال الرسول الكريم(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ؟
قلت : لقد أخرج مسلم في صحيحه حديثاً عن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ): «ألا ليُذادن رجال عن حوضي كما يُذاد البعير الضالّ، أناديهم : ألا هلم، فيقال: إنّهم قد بدّلوا بعدك ، فأقول : سحقاً سحقاً (6).
فليس من العدل إذا أن نحكم بعدالة كلّ الصحابة ، أو نخصّ عشرة بالجنّة ، بعد
ما علمنا أنّ منهم الداخلين إلى الإسلام، قهراً ، كأبي سفيان ، وابنه معاوية ، ومنهم من شرب الخمور وهتك الحرمات وسبى وقاتل الإمام عليّ (علیه السّلام) ، ومنهم من ارتدّ ثمّ عاد ثمّ ارتدّ ، فالصحبة عند الإمامية لها معايير خاصّة .
قد يحتجّ بعض الناس بأن الصحابة هم نقلة السنّة والآثار النبوية.
وأقول : لابأس، وهناك من أحرق السنّة النبوية التي كانت مدوّنة؛ فقد ورد أنّ عمر أمر الصحابة أن يجمعوا الأحاديث ويأتوا بها إليه، فلما جاؤوا بها فأحرقها (1)، فبذلك لم يُنقل إلّا القليل ! بينما نجد السنّة النبوية المطهّرة موجودة، ونقلت لنا عبر صحابة مخلصين وأهل بيت مطهّرين(علیهم السّلام) .
أكرّر لكم : إنّ الإمامية لا تكفّر أحداً، إنّما تأخذ عليهم مآخذ قاموا بها ، كان من الواجب تركها إن كانوا مؤمنين حقّاً، وهناك كثير من القضايا التي صدرت من الصحابة دلّت على عدم الإيمان لديهم بالمعنى المطلق، ولم يعملوا بالسنّة المطهّرة، حتى التابعين انقسموا إلى فرق ، كلّ فرقة حسب ميولها واعتقادها بالصحابة(2).
ولد في الكويت عام 1388 ه (1969م) في أسرة سُنّية المذهب، فلسطينية الأصل، ثم تدرّج في الدراسة إلى أن ذهب إلى «روسيا» لإكمال دراسته في مجال «الجراحة العظمية»، فتعرّف أثناء الدراسة على طالب لبناني من أتباع مذهب أهل البيت(علیهم السّلام) ، ودارت بينهما حوارات متعدّدة عن عقيدة أتباع هذا المذهب.
يقول بشّار: دارت بيننا حوارات بالتي هي أحسن، ثم بدأت أتحسّس وأغضب ولكنّني كنت أشعر أحياناً أنّ صديقي اللبناني محقّ، وخصوصاً أنه كان يطرح بعض الأمور التي كانت تثير دهشتي سابقاً وكنت أستغربها ، مثل : مسألة نسبة الخطأ والهجر للنبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في قضية رزية يوم الخميس.
إثر ذلك قرّر «بشّار» البحث عن حقيقة هذا الموضوع الخطير.
إنّ الرواية المعروفة ب- «رزيّة يوم الخميس» - والوصف بالرزيّة كان من راويها ابن عباس - إنّما هي رواية معروفة في صحاح أهل السُنّة وكتبهم الحديثية، وهم يروونها بألفاظ مختلفة ؛ فقد رواها البخاري في باب مرض النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) من «صحيحه» وفي باب (قول المريض قوموا عنّى) ، كما أنّه رواها في باب: قول النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ): (لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء).
هذا وقد رواها مسلم أيضاً في «صحيحه» في (كتاب الوصية) بأكثر من طريق ..
وأحمد في «مسنده» في عدة مواضع ، وغيرهم من محدّثي أهل السُنّة.
وإنّ الحادثة هي تُنبىء بنفسها عن نفسها ، بأنّ قائل تلك الكلمة القارصة في حقّ النبي الأكرم(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لم يكن سوى عمر بن الخطاب.
وهذه جملة من صور هذه الحادثة يمكن للباحث من خلال الجمع بينها أن يصل إلىٰ هذه النتيجة.
فقد جاء في الرواية التي يرويها البخاري ما نصّه :
«واختلف أهل البيت فاختصموا ، فمنهم مَن يقول : قرّبوا يكتب لكم رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) كتاباً لن تضلّوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر ، فلمّا أكثروا اللغط والاختلاف عند النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قال لهم : (قوموا عنّي)(1)).
فهذه الرواية، لم تصرّح باسم قائل مناهض في الواقعة المسألة تقديم الكتاب ليكتبه رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) سوى عمر ، وأن الذين تكلّموا في هذا الجانب إنّما كانوا يتابعون في ذلك ما قاله عمر . فالسؤال الذي ينبغي الإجابة عليه هنا هو : ماذا قال عمر ؟
والجواب : إنّ بعض الروايات كرواية البخاري في (باب قول المريض قوموا عنّي ) (2)- تصرّح بأنّ عمر قال : إنّ النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا .
وفي بعض الروايات - مع أنها لم تذكر بأنّ القائل هو عمر - تصريح بأنّ الكلمة التي قيلت في وجه النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) هي كلمة (يهجر) ، كما في الرواية التي يرويها مسلم في
«صحيحه» في باب ترك الوصية ، قال :
..... قال رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : ائتونى بالكتف والدواة (أو اللوح والدواة) أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً. فقال : إن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يهجر»(1).
فإذا جمعنا بين هذه الرواية والرواية الآنفة الذكر عن البخاري نخرج بنتيجة - بلحاظ أنّه لم يكن قول هؤلاء سوى ترديد لما قاله عمر، وقد كان من قولهم (بصريح الرواية المتقدّمة ) كلمة (يهجر ) - : إنّ ما قاله عمر امام رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) إنّما هي كلمة : (يهجر ) لا غير. هذا هو الذي يقتضيه الجمع بين هذه الروايات، ولا يحتاج إلى كثير عناء للوصول إلى هذه النتيجة.
ولم تكن الرواية التي ذكرت بأنّ عمر كان قد قال : إنّ النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) غلبه الوجع إلّا تعبيراً آخر عن كلمة (يهجر ) ، وقد ذكر بعض المؤرّخين أنّ هذا التعبير إنّما كان بالمعنى عن الكلمة التي قالها عمر ، وليس باللفظ الصريح ك-: الرواية التي يرويها الجوهري - وهو من علماء أهل السُنّة - في كتابه : السقيفة وفدك (2)، وابن أبي الحديد - وهو معتزلي من أهل السُنّة أيضاً - في شرح نهج البلاغة (3):
قالا: «لمّا حضرت رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )، الوفاة، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : ائتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعدي ، فقال عمر كلمة معناها : أنّ الوجع قد غلب على رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).
وعلى أية حال، فقد صرّح جملة علماء أهل السُنّة وأذعنوا بأنَّ من نسب الهجر إلىٰ الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لم يكن إلّا عمر بن الخطاب.
وذلك كاعتراف ابن تيمية بذلك (1)، واذعان ابن الأثير في نهايته به (2)، وما نقله الغزالي إذ قال .... قال عمر : دعوا الرجل فإنّه ليهجر (3)، وكذا ما نقله الخفاجي في نسيم الرياض (4)، وغيرهم (5).
وهكذا يصل الباحث إلىٰ أنّ هذه الحادثة لم تكن من مرويّات الشيعة فحسب، بل من مرويّات أهل السُنّة أنفسهم، وفي أوثق كتبهم، وإنّ التصريح بأنّ قائل كلمة (يهجر ) عمر بن الخطاب يمكن الوصول إليه من خلال أدنى تأمّل في الألفاظ التي جاءت بها روايات الحادثة عند أهل السُنّة .
نعم ، اجتهد المصرّحون وبذلوا ما بوسعهم لتمرير هذه العثرة - التي لا تقال ما بقيت السماوات والأرض - والذبّ عن (الخليفة) ، فقالو : إنّ ما قاله عمر هو كلمة (أَهَجر) بصيغة الاستفهام، ومعنى كلامه : هل اختلف كلامه بسبب المرض (على سبيل الاستفهام) ؟ كما صرّح بذلك ابن تيمية وابن الأثير وغيرهما.
ولكن هل تخفّ الوطأة ونقل البشاعة بهذا التصريح فيما لو جاء على سبيل الإنشاء دون الإخبار ؟! مع أنّ ابن الأثير يذكر بكلّ وضوح بأنّ المراد منها على هذا التعبير : هل تغيّر كلامه واختلط لأجل ما به من المرض ؟
(قال) : وهذا أحسن ما يقال فيه ، ولا يجعل إخباراً فيكون إمّا من الفحش أو الهذيان . والقائل كان عمر ، ولا يُظنّ به بذلك (6).
1) منهاج السنة النبوية 3: 214.
2) النهاية في غريب الحديث 246:5.
3) سرّ العالمين: 40.
4) نسيم الرياض في شرح الشفا 4: 278.
5) بحث الخرسان في موسوعته القيمة «عبدالله بن عباس حبر الأمّة وترجمان القرآن»، الحلقة الأولىٰ هذه الواقعة وذكر فيها خمسة وعشرين صورة متقاربة للحديث من كتب العامة.
6) النهاية في غريب الحديث 246:5.
إلّا أنّه لا يمكن تصوير ما رواه ابن الأثير هنا من التفريق بين الإنشاء والإخبار لكلمة (هجر) ، فهل ترى يختلف معنى الاختلاف والاختلاط في كلام المريض، عن معنى الهذيان فيما لو قيلت هذه الكلمة بالإخبار دون الإنشاء... ؟!
لا فرق في ذلك ، بل المعنى واحد ، فالذي يخلط في كلامه وهو في حال المرض يقال عنه : إنّه يهذي ، ومع تحويل هذا المعنى إلى الاستفهام نقول : ماذا به ، هل تراه يهذي ؟ فلا يوجد فرق في نسبة الهذيان من هذه الكلمة سواء قيلت إخباراً أو إنشاءً ...
بل أنّ البخاري قد سدّ على القوم هذه التأويلات والتمحلات وذكر رواية له في باب جوائز الوفد من كتاب السير والجهاد تفيد بأنّ هذه الكلمة قد قيلت في وجه النبي الأكرم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) إخباراً لا إنشاءً ، فقال :
«.. اشتدّ برسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وجعه يوم الخميس، فقال: (ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً) ، فتنازعوا ، ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: هجر رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )...» (1).
وقد تقدّمت رواية مسلم التي تشير بأنّ هذه اللفظة قد قيلت بالإخبار (إنّ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ليهجر) دون الإنشاء.
وعلى أية حال، لا فرق في البشاعة والفظاعة بين أن تقال هذه الكلمة إنشاءً أو إخباراً في وجه النبي الأكرم(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ؛ فهي تنافي الأدب القرآني الذي أمر الله الصحابة بأن يتأدّبوا به مع رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عند مخاطبتهم له ، فقال سبحانه محذّراً إيَّاهم: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أَوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ» (2).
وأما عن معنىٰ الهجر في اللغة فقد قال الجوهري في الصحاح في اللغة من باب (الراء) فصل (الهاء)، الهجر الهذيان ، وقال : ألم تر إلى المريض إذا هجر قال غير الحقّ (1).
وهذا المعنى - أي الهذيان وقول غير الحق - منفي عن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بدليل قوله تعالى: «مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى » (2).
وجاء أيضاً في الحديث الصحيح - في ما رواه أهل السُنّة أنفسهم : أنّ عبدالله بن عمرو بن العاص كان يكتب كلّ ما يسمعه من رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ورسول الله بشر يتكلم في الرضا والغضب، فذكر ذلك لرسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فقال له : (اكتب فو الذي بعثني بالحقّ ما يخرج منه إلّا الحقّ) ، وأشار إلى لسانه(3).
وكلامه (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) هنا عام ، ومطلق ، فلا يبقي لأهل التأويل شيء يمكنهم الاستناد
إليه في تمرير العثرة المتقدمة !
بل ورد عنه (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أنّه حتى في حالات الممازحة والمداعبة لا يقول إلّا الحقّ، قال(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : (إنّي لا أقول إلّا حقاً) ؛ قال الهيثمي : رواه الطبراني في الأوسط وإسناده
حسن (4).
وهذا الحديث كسابقه يدلّ على أنّ النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لا يعتريه ما يعتري سائر الناس من حالات الاضطراب في الكلام ، أو يكون ضحيّة لمزاجه، أو هواه في حالات معينة كحالة الغضب والممازحة ، أو حالات الوجع والمرض، مع أنَّ حالات الغضب والممازحة هي أشدّ من غيرها في تحقيق الاضطراب عند المتكلّم منها في حالة المرض، ومع هذا فقد أخبر النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أنّه حتّى في هذه الحالات لا يقول إلّا حقاً.
قال المباركفوري في شرحه للحديث: (لا أقول إلّا حقاً :أي: عدلاً وصدقاً لعصمتي من الزلل في القول والفعل ، ولا كلّ أحد منكم قادر على هذا الحصر لعدم العصمة فيكم)(1).
ألا يعجب الباحث من هذا الموقف والمواجهة الصريحة من العمر للنبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )، ومحاولة تجريده من قواه العقليّة ونبزه بالخلط في الكلام بغية ثنيه عن كتابة الكتاب الذي أراد ، وقد أخبرهم عنه بأنّهم إن أخذوا به يعصمهم من الضلالة أبد الآبدين، بينما يأخذ عمر بن الخطاب في موقف آخر بما ذكره أبو بكر في كتابه - وقد كُتب عنه وهو في حالة الإغماء - والذي جاء فيه الأمر باستخلاف عمر من بعده، بل ويأمر المسلمين بالأخذ بما جاء في هذا الكتاب ، ولم يتّهم صاحبه ولا الكاتب - وهو عثمان ، وقد كتب مسألة الاستخلاف في حالة إغماء أبي بكر - بالهجر أو الهذيان أو غلبة الوجع ، بل رأى في كتابه هذا كلّ الحقّ والخير الوفير والنصيحة للمسلمين !!!
إنَّ التساؤلات التي تظهر بسيطة في بادي الأمر تكون قويّة إذا ركزّ عليها الذهن، ولا يمكن لمس الحقيقة والوصول إليها إلّا بعد تخطّي صعوبة المواجهة مع الأسئلة الصعبة، وهذا ما حصل ل- «بشار » حيث تجاوز الحواجز في مجال الإجابة على تساؤلاته ووصل في نهاية المطاف إلى الحقيقة التي كان يتعطّش لها دائماً، وكان استبصاره عام 1416 ه- (1996م) (2).
ولد عام 1386 ه (1967م) في أسرة فلسطينية الجنسيّة شافعيّة المذهب واصل «بشیر» دراسته الأكاديمية ، وكان يعمل في إحدىٰ قطاعات النقل العام.
يقول «بشير» عن أجواء المحيط الذي نشأ فيه : يتمّ في هذا المحيط تربية الأجيال على أنّ مذهب أهل السنّة والجماعة هو المذهب الحقّ، وأنّه الصراط المستقيم الموصل إلى مرضاة الله تعالى، وأنّ باقي المذاهب والملل ما أنزل الله بها من سلطان، كل ذلك بسبب الجهل بمذهب أهل البيت(علیهم السّلام) ، ونتيجة الرواسب الفكرية والقناعات والتصوّرات الخاطئة التي تراكمت عبر السنين.
إلا أنّ «بشير» قرّر عدم التتبّع الأعمى لهذه الأفكار، ورأى أن يبحث في سائر المعتقدات لكي يتّبع الصحيح منها عن قناعة واعتقاد، فبدأ بالبحث والتحقيق في المصادر الإسلامية، وما لفت نظره في هذا المجال وتأثّر به : «حديث الثقلين»، الذي كان له الدور الكبير في توصله إلى أحقيّة مذهب أهل البيت(علیهم السّلام).
من الأحاديث الدالّة على وجوب التمسّك بعترة النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) الأئمة من أهل البيت(علیهم السّلام) ولزوم رجوع الأمّة إليهم دون غيرهم : حديث الثقلين، الذي أجمع الفريقين سنّة وشيعة على نقله ؛ فهو من الأحاديث المتواترة.
فقد روى الحاكم النيسابوري في «المستدرك على الصحيحين» هذا الحديث بسنده : عن أبي الطفيل، عن زيد بن أرقم ، قال : (لمّا رجع رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) من حجّة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات، فقُممن ، فقال : كأنّي قد دعيت فأجبت ، إنّي قد تركت فيكم الثقلين ، أحدهما أكبر من الآخر : كتاب الله تعالى ، وعترتي ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ؛ فإنّهما لن يتفرّقا حتى يردا علَيّ الحوض.
ثم قال : إنّ الله عزّ وجلّ مولاي وأنا مولى كلّ مؤمن ، ثم أخذ بيد عليّ ، فقال : من كنت مولاه فهذا وليّه ، اللّهمّ والِ من والاه وعادِ من عاداه).. وذكر الحديث بطوله .
ثمّ قال الحاكم : (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بطوله.
شاهده : حديث سلمة بن كهيل ، عن أبي الطفيل، أيضاً صحيح على شرطها)(1).
وأخرج الترمذي في سننه بسنده : عن جابر بن عبدالله الأنصاري، أنّه قال : (رأيت رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في حجّته يوم عرفة ، وهو على ناقته القصواء يخطب ، فسمعته يقول: يا أيّها الناس! إنّي قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي) . قال الترمذي : ( وفي الباب عن: أبي ذر ، وأبي سعيد، وزيد بن أرقم ، وحذيفة بن أسيد)(2).
وفي المنتخب من مسند عبد بن حميد ، أخرج بسنده: عن زيد بن ثابت ، أنّه قال: (قال رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا كتاب الله . وعترتي أهل بيتي ؛ فإنّهما لن يفترقا حتى يردا عَليّ الحوض ) (3)(4).
وممّا يؤكّد أنّ حديث الثقلين من الأحاديث المتواترة: قول ابن حجر الهيتمي في «الصواعق المحرقة» ؛ إذ قال : (ثم اعلم أنّ الحديث التمسّك بذلك - أي : بالثقلين - طرقاً كثيرة، وردت عن نيف وعشرين صحابياً، ومرّ له طرق مبسوطة في حادي عشر الشبه، وفي بعض تلك الطرق : أنّه قال ذلك بحجّة الوداع بعرفة، وفي أخرى: أنّه قال بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه، وفي أخرى : أنّه قال ذلك بغدير خم، وفي أخرى : أنّه قاله لمّا قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف ، كما مر ..
ولا تنافي؛ إذ لا مانع من أنّه كرّر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها ، اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة)(1).
ويمكن درج أهمّ ما يتناوله هذا الحديث في ما يلي:
1 - عصمة العترة ؛ فالنبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في حديثه هذا أخبر : أنّ الكتاب والعترة لن
يفترقا ، فحكم(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بشكل جازم ومطلق بعدم افتراقهم عن الكتاب ، ومنه نفهم : أنّهم معصومون ؛ إذ لو لم يكونوا كذلك لما كان لهذا الحكم المطلق وجهاً. فمن يُحتمل منه الخطأ وفعل المعصية يُحتمل منه الافتراق عن الكتاب، لكن لمّا جزم النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بعدم الافتراق من قبل العترة عن الكتاب علمنا أنّهم معصومون؛ لعدم احتمال صدور الخطأ والمعصية من المعصوم ، ومن كان كذلك فهو واجب الاتّباع.
2 - إنّ النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) جعل الضلال في ترك التمسّك بالكتاب والعترة معاً والهدى والنجاة في التمسّك بهما ؛ فمن ترك التمسّك بهما، أو بأحدهما، فهو ضالّ دون أدنى شك، ومن كان التمسّك به عاصماً من الضلال كان واجب الاتّباع ؛ فثبت : أنّ العترة واجبة الاتّباع كالكتاب.
3- إنّ عترة النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) هي الأعلم بالشريعة وتعاليمها وسنّة النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ؛ إذ لو كانت جاهلة بها ، أو ببعضها ، لما كان التمسّك بها مانعاً من الضلال، ومن كان الأعلم
1) الصواعق المحرقة 440:2.
بالشريعة وتعاليمها وسنّة النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) كان اتّباعه واجب، والعترة كذلك، فهي إذاً
واجبة الاتّباع.
5 - إنّ الحديث صريح في عدم خلوّ الزمان من بعد وفاة النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وإلى يوم
القيامة من فرد من هذه العترة يكون في التمسّك به وبالكتاب العصمة من الضلال للأُمّة. ، وفي هذا دليل على وجود الإمام الثاني عشر ، وهو الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) حسب النظرية الشيعية .
يقول ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة: (وفي أحاديث الحثّ على التمسّك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهّل منهم للتمسّك به إلى يوم القيامة، كما أنّ الكتاب العزيز كذلك، ولهذا كانوا أماناً لأهل الأرض، ويشهد لذلك : الخبر : في كلّ خلف من أُمّتي عدول من أهل بيتي)(1).
بعد البحث والتحقيق في المصادر المعتبرة عند المسلمين رَست نفس «بشير» على ضفاف مذهب أهل البيت(علیهم السّلام) ، فالتحق بركب المتمسّكين بالقرآن والعترة، واهتدى بهديهم فتنوّر بنورهم وخرج من الظلمات إلى النور. وكان ذلك عام 1413 ه- (1993م)(2).
من أهالي (فلسطين) من أسرة شافعية المذهب.
بدأت مراحل استبصاره بالتأثر بأحد مشايخ السُنّة في أحد المساجد؛ إذ تلفّظ بألفاظ نابية وقام بلعن الشيعة في خطبة صلاة الجمعة ، وهذا ما حفّز «خيري» للسعي وراء معرفة الشيعة وبم يتقوّم مذهبهم، فقام بمراجعة كتب الحديث والتاريخ.
يقول «خيري»: بعد مدّة من البحث توصّلت إلى أنَّ في التاريخ الإسلامي فجوةً لم تُملأ - وكانت الفجوة في مجال ما يرتبط بفضائل أهل البيت(علیهم السّلام) ، فكان لابُدَّ لي من مراجعة التاريخ، فقرأت كتاب «الكامل في التاريخ» وكان ابن الأثير يحاول سدّ الفراغ الذي كنت أتسائل عنه، إلّا أنّه وكغيره أعطىٰ أناساً أكثر من حقّهم وسلبها عن آخرين، فهناك صفات كثيرة وصف بها أميرالمؤمنين الإمام علي (علیه السّلام) ، لكنّها نقلت إلىٰ غيره.
لجأت الزمرة الحاكمة الموالية للخليفة الأوّل - بعد التربع علىٰ منصة الحكم - إلىٰ وضع المناقب والألقاب لأبي بكر، لأسباب عديدة ودواعٍ مختلفة، ومن تلك الصفات : الصدّيق .
فقد ادعوا أنّ النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) سمّاه : صدّيقا ؛ لكونه صدّق خبرَ إسرائه إلىٰ بيت المقدس.
ويشكل عليهم بأنّ المسلمين كلّهم صدّقوا ذلك، فيلزم أن يكونوا كلّهم صدّيقين . ثمّ لازم ذلك عدم تصديق الخليفة الثاني، والثالث لإسرائه إلىٰ بيت المقدس، وكان إسراؤه قبل هجرته بسنة ، وقد نطق بإسرائه القرآن ، فيلزم أن يكونا كافرين.
مع أنّ في خبرهم : أنّ النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قال الجبرائيل : «إنّ قومي لا يصدّقوني».
فقال جبرائيل : « يصدّقك أبو بكر وهو الصدّيق»(1).
فأيّ فائدة لتصديق أبي بكر له ، ومن الواضح أن الجواب - جواب جبرائيل(علیه السّلام) - لا يرتبط بكلام النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، إذ أن مراده (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) من «قومي»: قريش الكفّار وهو أحد أصحابه .
والدليل على أنّ المراد بقومه : قريش الكفّار : قوله تعالىٰ: «وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا » (2)، وقوله تعالىٰ: «وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ» (3)، وقوله تعالىٰ: «وَلَا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصدُّونَ» (4).
فإن كانت الألقاب جزافاً ، كألقاب العبّاسيّة : المتوكل علىٰ الله ، والمعتصم بالله ، وغير ذلك فلا مشاحةٍ ؛ فكم اسمٍ ليس تحتهُ مسمّىً ، بل كم اسمٍ مسمّاه بالضدّ .
وإن كانت عن حقيقة ، فلابدّ أن يعاين في الملقَّب علائم المعنىٰ ، كما قال الذي نجا من صاحبي يوسف (علیه السّلام) له لمّا كان شاهد في السجن صدقه في أعماله وأقواله : «يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ» (5).
والرجل لم يكن صادقاً ، فضلاً عن كونه صدّيقاً، فللصادق أوصاف ذكرها الله تعالىٰ في قوله: «لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمُشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوم الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ والموفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ المَتَّقُونَ» (1).
ونحن نتحداهم أن يثبتوا وجود واحد من هذه الأوصاف فيه بالدليل والبرهان، لا بما بذل أئمّة الجور من الأموال فى الوضع والجعل له ولصاحبه؛ تضعيفاً لأمر حجّة الله .
وكيف ؟ ! وفقدانه لكثير منها ثابت بالعيان ؛ فلم يصبر في البأساء والضرّاء، إذ كان في الغار حتىٰ نهاهُ النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عن الجزع، وبقي مضطرباً خائفاً لم يهدأ ؛ لتخصيص الله تعالىٰ إنزال السكينةِ بنبيّهِ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).
قال الشيخ الطوسي : «وقوله : «فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ » ، قيل : فيمن تعود الهاء إليه قولان:
أحدهما : قال الزجّاج : إنّها تعود إلىٰ النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).
والثاني : قال الجبائي : تعود إلىٰ أبي بكر ؛ لأنّه كان الخائف واحتاج إلىٰ الأمن، لأنّ من وعد بالنصر فهو ساكن القلب.
والأول أصح ، لأنّ جميع الكنايات قبل هذا وبعده راجعة إلىٰ النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )،ألا ترى أنّ قوله : (إِلَّا تَنصُرُوهُ) الهاء راجعة إلىٰ النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بلا خلاف.
وقوله : «فَقَدْ نَصَرَهُ الله » فالهاء أيضاً راجعة إلىٰ النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) .
وقوله: «إِذْ أَخْرَجَهُ» يعني النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ » يعني صاحب
1) البقرة (2): 177 .
النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ثم قال: «فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ» وقال بعده: «وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ» يعني النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )، فلا يليق أن يتخلّل ذلك كلّه كناية عن غيره، وتأييد الله إيّاه بالجنود ما كان من تقوية الملائكة لقلبه بالبشارة بالنصر من ربّه، ومن إلقاء اليأس في قلوب المشركين حتى انصرفوا خائبين (1).
إضافة إلىٰ ذلك فقد ذكرت المصادر التاريخية فرار أبي بكر في أكثر من مشهد ، وفراره في خيبر وحنين والخندق معروف.
وقد قال ابن أبي الحديد المعتزلي - المعترف بخلافة أبي بكر - عن فراره وعمر في غزوة خيبر :
وما أَنْسَ لا أَنْسَ اللذين تقدّما*** وفرّهما والفر قد علما حوب
وللراية العظمىٰ وقد ذهبا بها***ملابس ذل فوقها وجلابيب
إلىٰ أن قال :
أحضرهما أم حضر أخرج خاضب*** وذان هما أم ناعم الخد مخضوب
عذرتكما إن الحمام لمبغض*** وإن بقاء النفس للنفس محبوب
ليكره طعم الموت والموت طالب*** فكيف يلذ الموت والموت مطلوب(2)
وقال أيضاً:
وليس بنكرٍ في حنين فراره*** ففي أحد قد فرّ قدما وخيبرا(3)
وجَبُن في الخندق عن مبارزة عمرو بن عبدودّ. وفرّ أيضاً في حنين : إذ لم يبق معه(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) سوىٰ عليّ(علیه السّلام) ، والعبّاس، وأبي سفيان بن الحارث ، وابن مسعود(4).
والخلاصة : إنّ أبابكر قد شهد المشاهد كلّها ، وليس فقط لم تؤثر عنه أية بادرة تدلّ على شجاعة وإقدام ، ولم يبارز، ولم يقتل ، ولا جرح أحداً، بل ثبت عنه ما يدلّ على عكس ذلك تماماً، وهو الفرار في أكثر من موقف . وكان يجبّن الناس باستمرار، ويشير بترك الحرب وبعد هذا ، فهل يعقل أن يكون رجل له هذه المواصفات شجاعاً ؟
وإذا كان له عذر في بدر ؛ إذ جعلوه مع النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في العريش - المكذوب ! - لا يفارقه، فأين كان عنه في أحُد ، وحنين، وخيبر، وغيرها ؟ حينما كان النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يجد نفسه محاطاً بالمشركين ، الذين يريدون إطفاء نور الله عزّ وجلّ ، فهل كان أبو بكر في تلك الوقائع في عريش رئاسته ، وكان النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) هو الجندي المحارب بين يدي رئيسه أبي بكر ، الذي ينهزم الجيش بانهزامه ؟
وأين كان في خيبر حينما كشف ياسر اليهودي المسلمين، حتى انتهىٰ إلى موقف النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وقاتل (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بنفسه ، وأرسل إلىٰ عليّ(علیه السّلام) الذي كان في المدينة لرمد عينيه ، فجاءه. وقتل مرحباً، وفتح الله على يديه خيبراً، وكان ما كان ممّا هو معروف ومشهور.
وفي أحُد خلص العدو إلىٰ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فدثّ بالحجارة حتى وقع لشقّه،
وشجّ في وجهه ، إلىٰ آخر ما جرى... إلىٰ غير ذلك من أُمور .
وأمّا قولهم : إنّه (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) كان يمنعه من القتال . فهل منعه في أُحُد وحنين ، وخيبر
وسائر المشاهد ؟
وهل كان يمنعه ، ثمّ يباشر هو بنفسه القتال، حتى يتعرّض للإصابة بجسده الشريف ؟ !.
كلّ ذلك دفاعاً عن الرئيس، أبي بكر ابن أبي قحافة ؟!.
وأخيراً، فقد قال ابن أبي الحديد عنه : إنّه «لم يرمِ قط بسهم، ولا سلّ سيفاً،
ولا أراق دماً، وهو أحد الأتباع غير مشهور ولا معروف، ولا طالب ولا مطلوب»(1).
ويوم حنين قال: «لا نغلب اليوم من قلة» (2)، ثمّ انهزم في من انهزم . فأنزل الله تعالىٰ فيه : «لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنِ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ» (3).
والصدّيق في الحقيقة هو أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب(علیه السّلام) ، كونه أوّل من صدّق النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بالعيان ، وهو ما روي عن عبّاد بن عبدالله الأسدي ؛ قال : سمعت عليّاً (علیه السّلام) يقول: «أنا عبدالله وأخو رسوله ، وأنا الصدّيق الأكبر، لا يقولها غيري إلّا كذاب ، ولقد صلّيت قبل الناس سبع سنين» (4).
كما روي عن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أنّه قال : إنَّ هذا أوّل من آمن بي ، وهو أوّل من يصافحني يوم القيامة، وهو الصدّيق الأكبر، وهذا فاروق الأمة يفرق بين الحقّ والباطل (5).
وعن أبي ليلىٰ الغفاري أنّه قال : سمعت رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يقول : ستكون بعدي فتنة ، فاذا كان ذلك فالزموا علي بن أبي طالب، فانّه أوّل من يراني وأوّل من يصافحني يوم القيامة ، هو الصدّيق الأكبر وفاروق هذه الأُمّة (6).
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 13: 281.
2) راجع الطبقات الكبرىٰ 2: 150 ، البداية والنهاية 4: 369 ، السيرة النبوية لابن كثير 3 :610 ، تاريخ الإسلام 2 : 574 .
3) التوبة (9): 25 - 26.
4) راجع: سنن ابن ماجة 1: 44 ، المستدرك علىٰ الصحيحين 3 : 112، المصنّف لابن أبي شيبة 7: 498، الآحاد والمثاني 1: 148 ، السنن الكبرىٰ للنسائي 5: 107.
5) المعجم الكبير للطبراني 6: 269 ، كنزالعمّال 11: 616، فيض القدير 4: 472.
6) الاستيعاب 1744:4 .
بعد أن تبين ل- «خيري» مسير الحقّ والحقيقة واطلع علىٰ التزييف الذي لحق بالتاريخ قرّر الاستبصار والالتحاق بركب أتباع أهل البيت(علیهم السّلام) .
وبعد استبصاره قام بتأليف كتاب سماه «أحببتنا فأحببناك»، ذكر فيه مراحل استبصاره وما تلىٰ هذه المرحلة (1).
1) قصة الاستبصار منقولة عن إحدىٰ الكلمات التي ألقاها المستبصر، ويوجد لدىٰ المركز تسجيل هذه الكلمة.
ولدت عام 1374 ه- ( 1955م) في أسرة فلسطينية الجنسية، أنهت دراستها الثانوية وتخرّجت من الجامعة ، كلّيّة الطب البشري عام 1400 ه- (1980م)، فمارست مهنة الطب في بعض الدوائر الطبية ثم في العيادة الخاصة.
تقول «دلال» عن مرحلة ما قبل الاستبصار : كنت ملتزمة منذ الصغر بحضور الحلقات الدينية بالمساجد، وما إن رجعت إلىٰ سكني ثانية - بعد إنهاء الثانوية في السعودية - حتى استأنفت الدرس الديني ضمن الحلقات النسائية، وعكفت علىٰ قراءة كتب عقائدية وفقهية كثيرة.
وأمّا عن مبدأ تأثرها بأهل البيت(علیهم السّلام) فتقول : يحاولون في السعودية أن يفهموك أنّ الإسلام هو الوهّابية لا غير ، فلا يُدرّس غير فقه وعقيدة محمد بن عبدالوهاب كلّيّاً، لكن رغم كلّ ذلك فإنّ دراستي للدين في السعودية ساهمت بشكل كبير في تشيّعي لأهل البيت الأطهار(علیهم السّلام) ، وبالرغم من التغييب والتعتيم الشديد الذي يمارسوه بشأن حقيقة وأحقية أهل البيت(علیهم السّلام) استطعت أن أدركها وأؤمن بها من خلال قراءة نصوصها وفق المنهج العلمي الذي يقرّوه هم أنفسهم.
ومن الملاحَظ للباحثين في هذا المجال الهجمة الشرسة - وبشتّىٰ الطرق والوسائل - لردّ الأحاديث التي تثبت فضائل ومناقب أهل البيت(علیهم السّلام) ، أو ضرورة
تصديهم للإمامة بعد الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، إذ يرىٰ الباحث بين الحين والآخر محاولات جديدة قديمة لردّ هذه الأدلّة الصريحة من قِبَل بعض المخالفين ؛ تبعاً لأسلافهم.
1 - لا يسلّم الفخر الرازي بصحة حديث الغدير بدعوى أنّ الإمام علي (علیه السّلام) لم يكن في حجّة الوداع ، بل كان في اليمن آنذاك.
والجواب:
أ - إنّ الرازي كذّب بذلك كلّ حديث ورد فيه أنّ الرسول الأكرم(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أخذ بيد علي(علیه السّلام) ، وجعل يعرّفه إلى الناس ويقول : (من كنت مولاه فهذا علي مولاه)(1).
ب - لقد ردّ عليه قومه ، كما يقول ابن حجر الهيتمي في الصواعق : ولا التفات لمن قدح في صحّته، ولا لمن ردّه بأنّ عليّاً كان باليمن ؛ لثبوت رجوعه منها ، وإدراكه الحجّ مع النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) (2).
2 - يرى بعض علماء السنّة عدم تواتر حديث الغدير ، كما ينوّه على ذلك الشيخ سليم البشري المالكي في مراجعته للسيّد شرف الدين، فيقول: ما الوجه في الاحتجاج به - أي حديث الغدير - مع عدم تواتره ؟ الشيعة متّفقون على اعتبار التواتر فيما يحتجّون به على الإمامة ؛ لأنّها عندهم من أصول الدين ، فما الوجه في احتجاجكم بحديث الغدير مع عدم تواتره عند أهل السنّة ؟(3)
والجواب عن ذلك :
أن لا ريب في تواتره من طريق أهل السُنّة ، فممّن اعترف بتواتره: الحافظ الذهبي، وشمس الدين الجزري، والسيوطي (كتب كتاباً في الأخبار المتواترة سمّاه :
«الفوائد المتكاثرة في الأخبار المتواترة»، وقد تعرّض هناك إلىٰ جملة من الأخبار المتواترة ، منها : حديث الغدير)، والألباني، وغيرهم.
فقال الذهبي معقّباً على أحد طرق (من كنت مولاه فعلي مولاه) هذا حدیث حسن عال جدّاً، ومتنه فمتواتر (1).
وقال شمس الدين الجزري عن أحد الطرق : هذا حديث حسن من هذا الوجه، صحيح من وجوه كثيرة، تواتر عن أميرالمؤمنين علي، وهو متواتر أيضاً عن النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )(2).
وأمّا الألباني فبعد أن ذكر عدّة طرق لحديث (من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ والِ من والاه وعادِ من عاداه) ، قال : وللحديث طرق أخرىٰ كثيرة ، جمع طائفة منها : الهيثمي في «المجمع»، وقد ذكرت وخرّجت ما تيسّر لي منها، ممّا يقطع الواقف عليها ، بعد تحقيق الكلام على أسانيدها ، بصحّة الحديث يقيناً، وإلّا فهي كثيرة جداً، وقد استوجبها ابن عقدة في كتاب مفرد؛ قال الحافظ ابن حجر : منها صحاح ومنها حِسان.
وجملة القول : أنّ حديث الترجمة حديث صحيح بشطريه ، بل الأوّل منه متواتر عنه(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) كما يظهر لمن تتّبع أسانيده وطرقه ، وما ذكرت منها كفاية (3).
إلا أنّ الذين في قلوبهم مرض لا يقتنعون بذلك مهما أتيت لهم بدليل ، فمثلاً : عندما يئسوا من ردّ الحديث قالوا : لوسلّمنا أنّ حديث الغدير ينصّ على إمامة علي (علیه السّلام) فهذا يعني بعد عثمان !
ويرد عليه : أنّ مفاد هذا الحديث : أنّ علياً (علیه السّلام) أولى بعثمان من نفسه أيضاً؛
لأنّ عمر ممّن هنّأه بالولاية على سائر المسلمين(1)، والروايات تقول : من بعدي، لا من بعد الثالث.
3- قال بعضهم : بلى ، إنّ حديث الغدير يدلّ على إمامة علي(علیه السّلام) ، لكنّ الإمامة تنقسم إلى قسمين ، هناك إمامة باطنية، هي :الإمامة في عرف المتصوّفة ؛ فعليّ(علیه السّلام) إمام المسلمين بعد رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بلا فصل ، لكنّه إمام في المعنى، إمام في القضايا المعنوية والباطنيّة ، والمشايخ الثلاثة هم أئمّة المسلمين في الظاهر، ولهم الحكومة.
ويرد عليهم ب: السؤال عن الدليل على هكذا تقسيم ؛ فالرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) جعل ولاية أميرالمؤمنين (علیه السّلام) مطلقة من دون استثناء أو قيد .
ولكنّه حبّ الرئاسة والملك ، كما قال الغزالي : (... لكن أسفرت الحجّة وجهها ، وأجمع الجماهير على متن الحديث من خطبته (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في يوم غدير خم باتّفاق الجميع وهو يقول : (من كنت مولاه فعليّ مولاه). فقال عمر : بخٍ بخٍ يا أبا الحسن ، لقد أصبحت مولّاي ومولى كلّ مولى. فهذا تسليم ورضا وتحكيم.
ثمّ بعد هذا غلب الهوى لحبّ الرئاسة، وحمل عمود الخلافة، وعقود النبوّة، وخفقان الهوى في قعقعة الرايات، واشتباك ازدحام الخيول، وفتح الأمصار، وسقاهم كأس الهوى؛ فعادوا إلى الخلاف الأوّل، فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمناً قليلاً) (2).
فلابدّ من التسليم والاعتراف بأن أهل البيت(علیهم السّلام) ظُلموا وغُصب حقّهم ، وإلّا فالعناد اتّباع للهوىٰ، ولا فرق بين من ظلم أهل البيت(علیهم السّلام) آنذاك ومن أعان عليه في زماننا .
4 - يرى الدهلوي أنّ لفظة : (مولى) لا تجيء بمعنى : الأولى، بإجماع أهل اللغة (1).
ويرد عليه :
أوّلاً : ينص حديث الغدير على أن من كان الله ورسوله وليّه فهذا وليه ، اللّهمّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه (2)، فلفظ «وليّه» جاء لله وللرسول(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فولاية علي(علیه السّلام) سواءً قال: «مولاه» أو «وليّه» تشابه ولاية الله ورسوله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فهي مطلقة ولم تقيّد .
ثانياً : في الآية الكريمة من سورة الحديد: «مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» (3)، تُفسَّر : «هِيَ مَوْلاكُمْ» بأنّها : (أولى بكم) (4).
ثالثاً : الأشعار العربية الفصيحة ، وكلمات اللغويين تدلّ أن لا فرق بين لفظي (مولاه) و (ووليّه).
فقد جاء في تاج العروس: (الولي) الذي يلي عليك أمرك ، ومنه الحديث : (أيّما امرأة نكحت بغير إذن مولاها) ، ورواه بعضهم: «بغير إذن وليّها»، وروى ابن سلام عن يونس : (أنّ المولى في الدين هو : الولىّ، وذلك قوله تعالى: «ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ» (5)، أي: لا وليّ لهم، ومنه الحديث : (من كنت مولاه فعليّ مولاه) أي : من كنت وليّه (6).
رابعاً : كثيراً ما كرّر رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) الولاية للإمام علي(علیه السّلام) ، كقوله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : ( أنت
وليّ كلّ مؤمن بعدي)(1).
وقوله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : (إنّه منّى وأنا منه، وهو وليّكم بعدي) (2).
وقوله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : ( من كنت مولاه فعلیّ مولاه) .
وقوله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : (اللهم من آمن بي وصدّقنى فليتولّ على بن أبي طالب ؛ فإنّ ولايته ولايتي، وولايتي ولاية الله تعالىٰ) (3).
خامساً : لقد خاطب النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) الناس بأنّه : أولى بهم من أنفسهم، ثم جعل هذه الولاية العليّ(علیه السّلام) بدون استثناء شيء من تلك الولاية ، فلو كان هناك استثناء لأوضحه(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، لأنّه يعلم بولايته المطلقة للناس ، ولكنّه لم يستثنِ شيئاً منها ، بل سأل الناس : هل هو أولى بهم من أنفسهم ؟ فلمّا قالوا: نعم. أثبت لهم أنّ عليّاً مولى لمن والاه بدون استثناء شيء من معاني الولاية المطلقة له (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).
بعد أن أكملت أبحاثها في المجال العقائدي أعلنت «دلال» استبصارها مستعينة بالله سبحانه وتعالى، ومتجاوزة كلّ المصاعب التي فرضت نفسها لتكون عائقاً في طريقها .
وترىٰ «دلال» أنّ من واجب المستبصرين أن يبلّغوا المذهب الحقّ ، مذهب أهل البيت(علیه السّلام) إلىٰ من ليس لهم أدنى معرفة به ، وخاصّة الأقارب؛ تقول «دلال»: عندما يعرف الإنسان الحقيقة فعليه أن يبلّغها أهله وذويه.
وانطلاقاً من قوله تعالى: «قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ
وَالْحِجَارَةُ» (1)فإنِّي أتمنّى وأحرص على كلّ أحبائي وإخواني وأهلي وجميع الناس - وهم أهلنا - أن يصلوا إلى ما وصلت إليه ، ويكتشفوا الحقّ ويتّبعوه باتباع مذهب الأئمّة الميامين ، الذين نصّبهم الله تعالى، وفرض علينا طاعتهم ، وأسأله جلا وعلا أن يوفّقهم لذلك بأقرب وقت (2).
ولد عام 1372 ه- (1952م) في فلسطين المحتلّة، وأكمل دراسته الأكاديمية هناك حتى تخرّج من الثانوية الفرع الأدبي.
كان شافعي المذهب، ملتزماً بالتعاليم الإسلامية، وكان يهوى قراءة الكتب إذ يراها سبيلاً لزيادة علمه ومعرفته وإنارة قلبه ودربه.
شاء الله عزّ وجلّ أن يتصادق «ديب» بأخ في الدين من شيعة أهل البيت(علیهم السّلام) ، وخلال إحدى جلسات البحث أعاره كتباً من مكتبة كانت لديه .
فبدأ «ديب» بقراءة تلك الكتب، وما أن تصفّحها حتى بدأت تراوده شكوك وتأمّلات حول ما كان يعتقده سابقاً أمام ما يراه من الأدلّة التي تدلّ على ضرورة اتّباع أهل البيت (علیه السّلام) بعد رسو ل الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).
إذ من جهة يدرك ذو العقل السليم الذي أزال غشاء العصبية عن بصيرته ضرورة عصمة القائم بشؤون النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) من بعده في كلٍ من تنفيذ الأحكام، وإقامة الحدود، وحفظ الشريعة، وما يرتبط بذلك ؛ عصمة كعصمة النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )، ومن جهة أخرى لم يثبت عن أحد المسلمين أنّه مؤهّل بهذه الصفات إلا العترة التي طهّرها الله من أنواع الذنوب والأرجاس.
لقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة في مجموعة من الآيات نشير إلى بعضها:
الآية الأولىٰ : قوله تعالى: «وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتْهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ» (1).
فإنّ الظلم بكلّ ألوانه وصوره مانع عن نيل هذا المنصب الإلهي، وإنّ الذي يقوم بذلك في شأن من الشؤونِ يستلزم الاستغراق في جانب الظلم ، وتكون النتيجة منع كلّ فرد من أفراد الظلمة عن تولّي منصب الإمامة، سواء أكان ظالماً في فترة من عمره ثمّ تاب وصار غير ظالم، أم بقي علىٰ ظلمه . فالظالم عندما يرتكب الظلم يشمله قوله سبحانه : «لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ » ، فصلاحيّته بعد ارتفاع الظلم تحتاج إلى دليل .
وعلى ذلك ، فكلّ من ارتكب ظلماً، وتجاوز حدّاً في يوم من أيام عمره، أو عبد صنماً ، أو لاذ إلى وثن ، وبالجملة : ارتكب ما هو حرام ، فضلاً عمّا هو كفر ، ينادى من فوق العرش : «لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ » أي : أنتم الظلمة الكفرة المتجاوزون عن الحدّ ، لستم مؤهّلين لتحمّل منصب الإمامة؛ من غير فرق بين أن يصلح حالهم بعد تلك الفترة، أو يبقوا على ما كانوا عليه.
وهذا يستلزم أن يكون المؤهّل للإمامة طاهراً من الذنوب من لدن ولادته إلى موته ، وهذا هو معنىٰ العصمة في مورد الإمامة.
الآية الثانية : قوله تعالىٰ: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً » (2).
فإنّه تعالى أوجب طاعة أُولي الأمر على الإطلاق، كطاعته وطاعة الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وذلك لا يتم إلّا بعصمة أولي الأمر ، فإنّ غير المعصوم قد يأمر بمعصية تحرم طاعته فيها ، فلو وجبت أيضاً لاجتمع الضدان : وجوب طاعته وحرمتها ، ولا يصحّ حمل الآية على إيجاب الطاعة له في خصوص الطاعات ؛ إذ - مع منافاته لإطلاقها - لا يجامع ظاهرها من إفادة تعظيم الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وأولي الأمر بمساواتهم لله . تعالى في وجوب الطاعة ، إذ يقبح تعظيم العاصي.
فلابدّ أن يكون المراد بالآية بيان عصمة الرسول وأولي الأمر، وأنّهم لا يأمرون ولا ينهون إلّا بحقّ (1).
الآية الثالثة : قوله عزّ وجلّ: «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ » (2).
فإنّه - عزّ وجلّ - لا يستخلف إلّا من له نقاء السريرة ليبعد عن الخيانة؛ لأنّه لو اختار من لانقاء له في السريرة كان قد خان خلقه ، فلو أن دلّالاً قدم حمّالاً خائناً إلى تاجر ، فحمل له حملاً فخان فيه ، كان الدلّال خائناً، فكيف تجوز الخيانة على الله- عزّ وجلّ - وهو يقول - وقوله الحقّ -: «وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ» (3)، وأدّب محمداً (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بقوله عزّ وجلّ : «وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِياً» ، (4)، فكيف وأنّى يجوز أن يأتى ما ينهى عنه، وقد عيّر اليهود بسِمَة النفاق، وقال: «أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (5)؟!
لقائل أن يقول : هل أنّ الله ورسوله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) دلونا على المعصومين ؟
الجواب : نعم ، ومن أبرز الأدلّة على ذلك : آية التطهير ؛ فقد أخرج ابن مردويه ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : كان يوم أُمّ سلمة أُمّ المؤمنين - رضي الله عنها فنزل جبرائيل(علیه السّلام) على رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بهذه الآية: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا» (1): قال : فدعا رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بحسن وحسين وفاطمة وعليّ فضمّهم إليه ونشر عليهم الثوب . والحجاب على أمّ سلمة مضروب، ثمّ قال: «اللهمّ هؤلاء أهل بيتي ، اللهمّ أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً».
قالت أم سلمة - رضي الله عنها -: وأنا معهم يا نبيّ الله ؟
قال : «أنت على مكانك ، وأنّك على خير» (2).
وعن أنس بن مالك ، قال : إنّ النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) كان يمرّ بباب فاطمة ستّة أشهر إذا خرج إلى الفجر ، فيقول : «الصلاة يا أهل البيت «إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا» (3).
وعن صفيّة بنت شيبة قالت : قالت عائشة : خرج النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) غداةً وعليه مرط مرحّل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثمّ جاء الحسين فدخل معه ، ثمّ جاءت فاطمة فأدخلها، ثمّ جاء عليّ فأدخله، ثمّ قال : «إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا » (4).
1) الأحزاب (33): 33.
2) مسند أحمد 1: 331، الدرالمنثور 5: 198 - 199.
3) راجع مسند أحمد 3: 259، سنن الترمذي 5: 31 ، الآحاد والمثاني 5: 360، مسند أبي يعلى 7 :59، المستدرك على الصحيحين 3: 158، شواهد التنزيل 2: 18 ، البداية والنهاية 5: 343، تفسير ابن كثير 3: 492 .
4) صحيح مسلم 7: 130، السنن الكبرى للبيهقي 2: 149، المصنف لابن أبي شيبة الكوفي7 : 501 ، مسند ابن راهويه 3: 678 ، تخريج الأحاديث والآثار 1: 189 .
وعن وائلة بن الأسقع، قال: جئت أريد عليّاً رضي الله عنه فلم أجده، فقالت فاطمة : «انطلقَ إلى رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يدعوه ، فاجلس . فجاء مع رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )فدخل ودخلتُ معهما ، قال : فدعا رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) حسناً وحسيناً فأجلس كلّ واحد منهما على فخذه، وأدنى فاطمة من حجره وزوجها، ثمّ لفّ عليهم ثوبه، وأنا شاهد، فقال: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا» ، اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي»(1).
قال الحاكم النيسابوري : هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرّجاه (2).
وعن أُمّ سلمة ، قالت : في بيتي أُنزلت : «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا» ، قالت : فأرسل رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) إلىٰ فاطمة وعليّ والحسن والحسين ، فقال : «هؤلاء أهل بيتي» (3).
أمّا حديث أبي الحمراء : فأخرجه ابن جرير وابن مردويه ، وفيه : قال : رأيت رسول الله إذا طلع الفجر جاء إلىٰ باب عليّ وفاطمة فقال: «الصلاة الصلاة «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا » (4).
وعن أبي سعيد الخدري في قوله عزّ وجلّ: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا» ، قال : نزلت في خمسة في رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وعليّ وفاطمة، والحسن ، والحسين(5).
1) صحيح ابن حبّان 15: 432 ، المستدرك على الصحيحين 416:2، المعجم الأوسط 3: 165- 166.
2) المستدرك علىٰ الصحيحين 416:2.
3) المستدرك علىٰ الصحيحين 3: 146 ، السنن الكبرىٰ للبيهقي 2: 150.
4) راجع: تحفة الأحوذي 9: 49، الاستيعاب 4: 1542، جامع البيان 22: 9، تفسیر ابن کثیر 3: 492.
5) المعجم الصغير 1: 135 ،جامع البيان 22: 9 ،البيان في عدّ آي القرآن: 25، أسباب نزول الآيات: 239 ، تاريخ بغداد 9 :128 ، تاريخ الإسلام للذهبي 44:3.
وفي قصة اغتيال الإمام الحسن (علیه السّلام) روي أنّه بينما هو يصلّي إذ وثب عليه شخص فطعنه بخنجر وهو ساجد ، ثمّ خطب الناس فقال: «يا أهل العراق ! اتّقوا الله فينا ؛ فإنّا أُمراؤكم ، ونحن أهل البيت الذين قال الله فيهم: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا»، فمازال يقولها حتى ما بقي أحد من أهل المسجد إلّا وهو يبكي(1).
وقال الفخر الرازي: أكثر المفسّرين أنّها نزلت في عليّ وفاطمة والحسنين رضي الله عنهم (2).
وقال أيضاً: روي أنّه(علیه السّلام) لمّا خرج في المرط الأسود، فجاء الحسن رضي الله عنه فأدخله، ثمّ جاء الحسين رضي الله عنه فأدخله، ثمّ فاطمة، ثمّ عليّ رضي الله عنها، ثمّ قال: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا» ، واعلم أنّ هذه الرواية كالمتّفق على صحّتها بين أهل التفسير والحديث (3).
وأمّا عن معنىٰ «الرجس» في هذه الآية فهناك أقوال:
قال ابن جرير الطبري: قال ابن زيد في قوله: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا» ، قال : الرجس هاهنا : الشيطان، وسوى ذلك من الرجس : الشرك (4).
وقال الجصّاص : المراد : طهارة الإيمان والطاعات ، وقيل : إنّ المراد : وطهّرك من سائر الأجناس من الحيض والنفاس وغيرهما (5).
وقال أيضا : يحتمل التطهير من الذنوب، ويحتمل : التطهير من الأحداث والجنابة والنجاسة ، كقوله تعالى: «وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا» (1)، وقوله تعالى: «وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ» (2)، فانتظم لطهارة الجنابة والطهارة من النجاسة ، وقوله تعالى : «وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ» (3)فلمّا احتمل المعنيين ، فالواجب : حمله عليها ، فيكون المراد التطهير من الأحداث والتطهير به أيضاً من الذنوب(4).
وقال السمرقندي : يعني : من الإثم والذنوب(5).
وقال السُلَمي : قال أبو بكر الورّاق: (الرِّجْسَ): الأهواء والبدع والضلالات ، «وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا» من دنس الدنيا والميل إليها.
قال بعضهم : (الرِّجْسَ) هو : الغلّ والغش والحسد ، «وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا » بالهدى والتوفيق.
وقال علي بن عبدالرحمن في قوله : «لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ» ، قال : البخل والطمع ، «وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا» بالسخاء والإيثار.
قال ابن عطاء : يذهب عن نفوسكم رجس الفواحش ويطهّر قلوبكم بالإيمان والرضا والتسليم (6).
وقال الثعلبي : من نجاسات الجاهلية ؛ وقال مجاهد : (الرِّجْسَ) : الشك ، «وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا» من الشرك (7).
وقال السمعاني : أي : من المعاصي بتقوى الله تعالى، وذهب بعض أصحاب الخواطر إلى أنّ معنى قوله : «لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ » أي : الأهواء والبدع، «وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا» بالسُنّة ..
وقال بعضهم : يذهب عنكم الرجس : أي الغل والحسد، «وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا» بالتوفيق والهداية ..
وقال بعضهم : يذهب عنكم الرجس البخل والطمع ، «وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا» بالقناعة والإيثار (1).
وقال ابن العربي : فيها أربعة أقوال الأوّل: الإثم. الثاني: الشرك الثالث : الشيطان . الرابع: الأفعال الخبيثة والأخلاق الذميمة ؛ فالأفعال الخبيثة :كالفواحش ما ظهر منها وما بطن ، والأخلاق الذميمة : كالشح والبخل والحسد وقطع الرحم (2).
وقال ابن الجوزي: أحدها: من الشرك ؛ قاله مجاهد. والثاني: من السوء؛ قاله قتادة والثالث من الإثم ؛ قاله السدّي ، ومقاتل(3).
وقال الفيروزآبادي : من الذنوب(4).
يتّضح من كلّ ذلك أنّ الجمع بين هذه الأقوال يشير إلى المعنى الذي تقوله الإماميّة في الأئمّة المعصومين والزهراء(علیها السّلام) .
بعد أن قام الدليل على حقّانيّة المذهب الشيعي، وعدم وجود الحقيقة عند غيرهم، من الذين يقولون بجواز إمامة الفاسقين والمجرمين وإن فعلوا ما فعلوا، ومخالفتهم الصريحة لما نصّ عليه النبيّ الأعظم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) من ضرورة التمسّك بالأئمّة
المعصومين من أهل بيته الأطهار(علیهم السّلام) قرّر «ديب» اتّباع المذهب الحقّ ، مذهب أهل البيت(علیهم السّلام) ، وكان ذلك عام 1420 ه- ( 2000م)(1)
1) للمستبصر ملف في «مركز الأبحاث العقائدية» ذكر فيه قصة الاستبصار، وأهمّ الأدلّة التي تأثّر بها في مسيره.
ولد عام 1400 ه- ( 1980م) في إحدىٰ الأسر الفلسطينية اللاجئة بلبنان، ونشأ في أحضان هذه الأسرة الشافعية، فكان من أتباع هذا المذهب تبعاً لهم.
واصل «سامر» دراسته الأكاديمية حتىٰ أنهىٰ دراسته الجامعية في الجامعة العربية ، كلّية التجارة.
كان «سامر» ممّن يعتقد أنَّ المنتمين إلىٰ المذهب الشيعي لا محالة سيدخلون النار ؛ لأنَّ اعتقاداتهم الدينية فاسدة، وجاء اعتقاده هذا نتيجة تأثره بالجو السائد المناوىء للشيعة في أسرته ومجتمعه ؛ إذ كان لهما الأثر الأكبر في تشويه صورة التشيّع عنده ، وهذا ما سبّب ابتعاده عنهم .
إلّا أنّ بعض أصدقائه الذين كانوا من أتباع المذهب الجعفري الإمامي لم يتركوه علىٰ حاله هذه، ولم يألوا جهداً في إرشاده وتبيين الصورة الحقيقية لتاريخ المسلمين له، فاصطحبوه إلىٰ المجالس الحسينية لاستماع المحاضرات الدينية، وذات يوم وما لبث أن سمع مصائب سيد الشهداء الإمام الحسين(علیه السّلام) حتىٰ تأثّر ولم يتمالك دموعه ، فبدأ بالبكاء، وكانت هذه هي البداية ...
من هو الحسين (علیه السّلام) ؟
إحدىٰ التساؤلات الواقعة مورد البحث والتحقيق للباحثين في مجال النهضة
الحسينية هو سبب تشتّت الناس عن الإمام الحسين (علیه السّلام) في ثورته المقدّسة حتّىٰ لم يبق معه سوىٰ النفر القليل من الصحب والآل يوم المعركة (1).
وفي الجانب الآخر حُسّدت الجيوش المجنّدة من قبل عبيدالله بن زياد، وكان عددهم ما يقارب ثلاثين ألفاً(2)، فأُخضعوا لأوامر عمر بن سعد.
فهنا يطرح السؤال نفسه : لماذا أعرض المسلمين عن الحسين(علیه السّلام) ، فواجهوه، أو انتحوا جانباً فلم ينصروه؟!
ألم يعوا أنّهم أعرضوا عمّن وصفه رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بسيّد شباب أهل الجنّة (3).
وأقبلوا نحو مبدّل سُنّة الرسول(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) (4)؟ !
أليس الحسين(علیه السّلام) ريحانة رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) (5)؟ !
ألم ينظروا من يحاربون ؟! أليس فيهم ذرّيّة النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ومن قال فيهم بأمره
1) يقول الطبري في تاريخه 4: 320: «وعبّاً الحسين أصحابه وصلّىٰ بهم صلاة الغداة وكان معه اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلاً»، كما ذكر هذا العدد ابن الأثير في الكامل 4: 59، وابن كثير في البداية والنهاية8 : 192، وغيرهم.
2) راجع العوالم : 237، المناقب لابن شهر آشوب 3 :248 ، وهذا ما يؤيّده إخبار الإمام الحسن لأبي عبدالله(علیه السّلام) في مرضه الذي استشهد فيه؛ إذ قال فيما قال له .... ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبدالله، وقد ازدلفت إليك ثلاثون ألفا يدّعون أنّهم من أمّة جدّنا محمّد، وينتحلون دين الإسلام، فيجتمعون علىٰ قتلك وسفك دمك وانتهاك حرمتك، و سبي ذراريك ونسائك وانتهاب ثقلك». أمالي الصدوق: 177.
3) فقد قال رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في حق الحسنين (علیه السّلام) : الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة، وقد أورد هذا الحديث الكثير من أئمّة الحديث، منهم: أحمد بن حنبل في مسنده 3: 62 ،582: 391، الترمذي في سننه 5: 321 ، ابن ماجة في سننه 44:1، النسائي في فضائل الصحابة : 58 ، الحاكم في مستدرکه 3: 381 وغيرهم.
4) فقد روي عن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أنّه قال: أوّل من يُبدِّل سُنّتي رجل من بني أُمية، يقال له: يزيد راجع سير أعلام النبلاء 1: 330 ،تاريخ الإسلام للذهبي 3: 180، والصواعق المحرقة لابن حجر 2 :633.
5) راجع: مسند أحمد 2: 85 ،114 ، السنن الكبرىٰ للنسائي 5: 150، المصنف لابن أبي شيبة 7: 514.
تعالى : « لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ» (1)؟!
ألم يفد الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) الحسين (علیه السّلام) بابنه إبراهيم (2)؟!
ألم يَروه(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يقبّل ثنايا أبي عبدالله(علیه السّلام) (3)
راجع: المعجم الكبير للطبراني 5: 206 ، عمدة القاريء 16: 241 ، وفتح الباري لابن حجر7 : 75، وقد ذكر أحمد في مسنده 4: 172، والحاكم في مستدركه 3: 177 عن يعلى العامري تقبيل رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لثنايا الحسين (علیه السّلام)، وقال الحاكم بعد ذكر الحديث: هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
؟ !ألم يَقُل(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فيه : «حسين منّي وأنا من حسين»(4)؟!
1) والمراد من القربىٰ هم أصحاب الكساء الخمسة، كما عليه أكثر علماء أهل السُنّة؛ فقد قال ابن حجر العسقلاني في الصواعق المحرقة 2: 487:« أخرج أحمد [راجع: مسند أحمد 1: 229] والطبراني [المعجم الكبير 11: 351] وابن أبي حاتم [تفسير ابن أبي حاتم 10: 3276] والحاكم [المستدرك علىٰ الصحيحين 444:2] عن ابن عبّاس: أنَّ هذه الآية لمّا نزلت قالوا يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم؟ قال: «عليّ وفاطمة وابناهما».
2) فقد روي عن ابن عبّاس أنّه قال: «كنت عند النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وعلىٰ فخذه الأيمن ابنه إبراهيم، وعلىٰ فخذه الأيسر الحسين بن علي، تارة يقبل هذا وتارة يقبّل هذا، إذ هبط عليه جبرئيل(علیه السّلام) بوحي من ربّ العالمين، فلمّا سرىٰ عنه قال: أتاني جبرئيل من ربّي فقال: يا محمّد! إنَّ ربّك يقرأ عليك السلام ويقول لك: لستُ أجمعهما لك، فافد أحدهما بصاحبه، فنظر النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) إلىٰ إبراهيم فبكىٰ، ونظر إلىٰ الحسين فبكىٰ، ثم قال: إنَّ إبراهيم أُمّه أمَةً، ومتى مات لم يحزن عليه غيري، وأمّ الحسين فاطمة وأبوه عليّ ابن عمّي، لحمي ودمي، ومتى مات حزنت ابنتي وحزن ابن عمّي وحزنت أنا عليه، وأنا أُؤثر حزني علىٰ حزنهما، يا جبرئيل! تقبض إبراهيم فديته بإبراهيم، قال: فقُبض بعد ثلاث، فكان النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) إذا رأىٰ الحسين مقبلاً قبّله وضمّه إلىٰ صدره، ورشف ثناياه، وقال: «فديت من فديته بابني إبراهيم»، وقد نقل هذا الحديث كلّ من: الخطيب في تاريخ بغداد 2: 200، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق 324:52.
3) فقد روي عن زيد بن أرقم أنّه قال: لمّا أُتي ابن زياد برأس الحسين بن عليّ جعل ينقر بقضيب في يده في عينه وأنفه، فقلت له: ارفع القضيب، فلقد رأيت فم رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) موضعه.
4) راجع: مسند أحمد 4: 172، سنن ابن ماجة 1: 51، سنن الترمذي 5: 324، المستدرك علىٰ الصحيحين 3 :177 ، وقال بعد ذكره للحديث: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه [أي: في صحيحيهما ]، المصنّف لابن أبي شيبة 7: 515، الأدب المفرد للبخاري: 85 صحيح ابن حبّان 15: 428 ، المعجم الكبير للطبراني 3: 33، الجامع الصغير للسيوطي 1: 575 وغيرها من المصادر.
ألم يُنط (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) حبّ الله بمن أحبَّ الحسين(علیه السّلام) (1)؟ !
ألم يَقُل النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فيه : «إنَّ الحسين (علیه السّلام) أحبَّ أهل الأرض إلىٰ السماء» (2)؟!
ألم يُنذر رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) محارب الحسين (علیه السّلام) وقاتله بالحرمان من الجنّة
وحوض الكوثر (3)؟ !
ألم يتوعد(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) مبغضه(علیه السّلام) بالنار (4)؟ !
ألم يأمر(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بنصرته(علیه السّلام) لمن أدركه بكربلاء (5)
كما ذكر الحديث - باختلاف يسير - كلّ من: ابن حجر في الإصابة 1: 271، ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق 14: 224 ، وابن كثير في البداية والنهاية 8: 217 .
؟!ألم يبكيه الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) مراراً منذ صغره(علیه السّلام) (6)؟!
1) المصادر نفسها.
2) نقلوا ذلك عن عمرو بن العاص [راجع المصنّف لابن أبي شيبة 7: 369، تاريخ مدينة دمشق 14: 179، تهذيب الكمال 6: 406، سير أعلام النبلاء 3: 286، البداية والنهاية 8: 228] وابنه عبدالله بن عمرو [راجع تاريخ مدينة دمشق 31: 275، أُسد الغابة 3: 235، والإصابة 2: 69].
3) راجع: المعجم الكبير للطبراني 3: 126، تفسير الكشاف 3: 467، تفسير القرطبي 16: 22، الدرّالمنثور 6: 402، وغيرها.
4) المستدرك علىٰ الصحيحين 3: 166؛ وقال الحاكم بعد ذكر الحديث: هذا حديث صحيح علىٰ شرط الشيخين، المعجم الكبير 3: 50 ،تاريخ مدينة دمشق 156:14.
5) قال ابن الأثير في أسد الغابة 1: 123، في ترجمة أنس بن الحارث: روى حديثه أشعث ابن سحيم عن أبيه، عنه، أنّه سمع النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يقول: إنَّ ابني هذا يُقتل بأرض العراق، فمن أدركه فلينصره، فقُتل مع الحسين رضي الله عنه.
6) راجع: مسند أحمد 1: 85 ،المستدرك علىٰ الصحيحين 3: 177، المصنّف لابن أبي شيبه 8: 632، المعجم الكبير للطبراني 3: 106 .
ألم يضع النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) تربته (علیه السّلام) عند أُمّ سلمة قائلاً لها : إذا تحوّلت دماً فاعلمي أنّ ابني قد قُتل (1)؟ !
وبعد كل ذا، هل ينبغي أن يعدّ مقاتلي الإمام الحسين (علیه السّلام) أنفسهم من المسلمين ويرجون شفاعة جدّه رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يوم القيامة ؟ !
أترجو أمّةً قتلت حسيناً*** شفاعة جدّه يوم المعاد
إنَّ للوقائع التاريخية وللحروب خاصّة عوامل مؤثّرة في استقطاب الناس من جهة ما ، تكون تلك الجهة قد درست كيفيّة جذب العدد الأكبر منهم لصفّها، وذلك لما تراه فيهم من خصائص يمكن من خلالها استرضاء أهوائهم ومتطلّباتهم والاستفادة منهم قبال ذلك بشتّىٰ الصور.
ويظهر ذلك جلياً في واقعة الطف ؛ فليس من الصعب للباحث أن يستقصي بعض هذه الخصائص الفرديّة في الجيش الأموي والتي دفعت السلطة الحاكمة إلىٰ الاتّكال عليهم في قتال سيّد الشهداء (علیه السّلام) والثلّة الصالحة معه .
فمن هذه الخصائص والسمات البارزة في الجيش الأموي الجهل العام وتدنّي المستوىٰ الفكري بين غالبهم، فالجهل وكما قال أميرالمؤمنين(علیه السّلام) «فساد كلّ أمر» (2)و «أصل كلّ شرّ » (3).
فقد كان كثير منهم يرى الإمام(علیه السّلام) خارجياً خرج علىٰ أميره، وذلك بسبب التعتيم الإعلامي الذي كان يستخدمه الأُمويون.
كما كان بينهم من يعلم بمكانة الإمام الحسين (علیه السّلام) وأنّه من الذين نزّههم الله عزّ وجلّ عن الرجس في آية التطهير ، إلّا أنّه لم يكن يعي أنّ شخص كهذا لا يكون علىٰ الباطل ، ولا يمكن أن تردّ أعماله وعباداته !
وممّا يدلّ علىٰ هذه العقلية المنغلقة عندهم ما نقله الطبري عن الواقعة ؛ قال : «لمّا استأذن الحسين لصلاة الظهر وطلب منهم المهلة لأداء الصلاة، قال له الحصين بن تميم : إنّها لا تُقبل منك . فقال له حبيب بن مظاهر : إنّها لا تُقبل - زعمتَ الصلاة من آل رسول الله وتُقبل منك يا حمار ؟!» (1).
ويدلّ علىٰ ذلك أيضاً ردّة فعل الجيش الأموي بالنسبة لنصائح الإمام والحسين(علیه السّلام) وأصحابه ، التي لم يعوا منها شيئاً ، فلم يستجيبوا لها .
فعندما خطب فيهم زهير بن القين ودعاهم إلى اتّباع الإمام الحسين (علیه السّلام) ونصرته قائلاً لهم : «عبادالله ! إنَّ ولد فاطمة رضوان الله عليها أحقّ بالودّ والنصر من ابن سميّة ، فإن لم تنصروهم فأعيذكم بالله أن تقتلوهم»، رماه شمر بن ذي الجوشن بسهم وقال: «اسكت ، أسكت الله نامتك ، أبرمتنا بكثرة كلامك» ، فقال له زهير: «يابن البوّال علىٰ عقبيه ، ما إيّاك أخاطب، إنّما أنت بهيمة، والله ما أظنّك تحكم من كتاب الله آيتين، فابشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم»... فناداه رجلٌ ، فقال له : إنَّ أبا عبدالله يقول لك : «أقبل ، فلعمري لو كان مؤمن آل فرعون نصح لقومه وأبلغ في الدعاء لقد نصحت لهؤلاء وأبلغت لو نفع النصح والإبلاغ»(2).
ومن هذه الخصائص البارزة عند هؤلاء : ترك طلب مرضاة الله ؛ فإنَّ من نسي الله سبحانه وتعالىٰ وأعرض عنه لا محالة ينسىٰ نفسه ، ويستوي - حينئذٍ - عنده الحقّ والباطل، وكيف لا وقد قال تعالى: «وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ
أَنفُسَهُمْ» (1)؟! فإنَّ الإنسان إذا خرج عن زيّ العبوديّة نسيَ ربّه فادّاه ذلك إلىٰ نسیان نفسه.
وإلىٰ ذلك يشير الإمام الحسين (علیه السّلام) في احتجاجه مع جيش ابن زياد؛ إذ يقول: «بئس العباد أنتم، أقررتم بالطاعة وآمنتم بالرسول محمّد، ثمّ أنتم رجعتم إلىٰ ذرّيّته وعترته تريدون قتلهم ، لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله » (2).
ومن صفات أفراد جيش ابن زياد: اتّباع الهوىٰ وطلب الدنيا ولذّاتها، وإنْ كان ذلك بما يسخط الله سبحانه وتعالىٰ.
وتجلّت تلك الحالة بشكل واضح عند رؤساء القوم؛ فعندما منعوا الماء عن الإمام الحسين(علیه السّلام) وأهل بيته وأصحابه استأذن يزيد بن حصين الهمداني من الإمام الحسين(علیه السّلام) ليتكلّم مع ابن سعد في أمر الماء عساه يرتدع عن منعه ، فجاء الهمداني إلىٰ عمر بن سعد فدخل فلم يسلّم عليه ، قال عمر : يا أخا همدان ! ما منعك من السلام عليَّ ؟ ألستُ مسلماً أعرف الله ورسوله ؟!
فقال له : لو كنت مسلماً كما تقول لَما خرجت إلى عترة رسول الله تريد قتلهم، وبعدُ فهذا ماء الفرات تشرب منه كلاب السواد وخنازيرها وهذا الحسين بن علىّ وإخوته ونساؤه وأهل بيته يموتون عطشاً ، قد حِلْتَ بينهم وبين ماء الفرات أن يشربوه ، وأنت تزعم أنّك تعرف الله ورسوله ؟!
فأطرق عمر بن سعد، ثمّ قال : والله يا أخا همدان إنّي لأعلم حرمة أذاهم
ولكن :
دعاني عبيدالله من دون قومه*** إلىٰ خطّةٍ فيها خرجتُ لحيني
فوالله لا أدري وإني لواقف*** علىٰ خطر لا أرتضيه ومينِ
أأتركُ مُلك الريّ والريّ منيتي*** أم أرجع مأثوماً بقتل حسينِ
وفي قتله النارُ التي ليس دونها*** حجاب وملكُ الريّ قرّة عيني
يا أخا همدان، ما أجد نفسي تجيبني إلىٰ ترك الري لغيري(1).
وهناك نماذج أُخر تدلُّ علىٰ مدىٰ استكلاب القوم علىٰ أصحاب الحسين (علیه السّلام) وقتلهم والتنكيل بهم ؛ طلباً للمفاخرة والاستعلاء ؛ ينقل الطبري قتال حبيب بن مظاهر الأسدي مع القوم إلىٰ أن يقول .... وقاتل قتالاً شديداً، فحمل عليه رجل من بني تميم فضربه [حبيب] بالسيف علىٰ رأسه فقتله، وكان يقال له : بديل بن صريم، من بني عقفان ، وحمل عليه آخرُ من بني تميم فطعنه [أي : حبيباً] فوقع ، فذهب ليقوم، فضربه الحصين بن تميم علىٰ رأسه بالسيف، فوقع، ونزل إليه التميميّ فاحتزّ رأسه، فقال له الحصين : إنّي لشريكك في قتله . فقال الآخر : والله ما قَتَله غيري؛ فقال الحصين : اعطنيه أعلِّقه في عُنق فرسي كيما يرى الناسُ ويَعلَموا أنّي شركتُ في قتله ؛ ثم خذه أنت بعدُ فامض به إلىٰ عبيدالله بن زياد، فلا حاجةَ لي فيا تُعطاه على قتلك إياه . قال : فأبى عليه ، فأصلح قومه فيما بينها على هذا ، فدفع إليه رأسَ حبیب بن مظاهر ، فجال به في العسكر قد علّقه في عنق فرسه، ثمّ دفعه بعد ذلك إليه (2).
وقد ذكر السماوي قصة استشهاد غلامين من بني هاشم في الكوفة ، فقال : قتل بعد قتل الحسين (علیه السّلام) صبيّان في الكوفة على ما رواه جماعة، منهم الصدوق في الأمالي (3)، وذلك أنّه لما جيء إلىٰ الكوفة بالسبايا من العيال والأطفال، فرّ من الدهشة والذعر صبيّان . وهما : إبراهيم ومحمّد من ولد عقيل أو جعفر . فلجئا إلى دار
فلان الطائي، فسألها عن شأنهما ، فأخبراه ، وقالا له : إنَّا من آل رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فررنا من الأسر ، ولجأنا إليك، فسوّلت له نفسه الخبيثة أن لو قتلها وجاء برأسيهما إلى ابن زياد لأعطاه جائزة ، فقتلهما وأخذ رأسيهما وجاء إلى عبيدالله بن زياد، فدخل عليه وقدّم الرأسين إليه ، فقال له ابن زياد : بئسما فعلت ، عمدت الىٰ صبييّن استجارا بك ، فقتلتهما وخفرت جوارك . ثم أمر بقتله ، فقُتل (1).
ومن صفات أعداء ومحاربي سيد الشهداء(علیه السّلام) : أكل الحرام؛ فإنَّ العبادة مع أكل الحرام كالبناء علىٰ الماء (2)، وأنَّ من أكل الحرام عصىٰ الله شاء أم أبىٰ (3)كما روي عن الرسول الأكرم(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) .
وقد أشار الإمام الحسين (علیه السّلام) في عدم الاستجابة له والإنصات إليه من قِبَل الأعداء إلىٰ ذلك؛ إذ قال بعد أن أبوا الإنصات إليه : «ويلكم ! ما عليكم أن تنصتوا : ! إلَيَّ ؟ ! فتسمعوا قولي ، إنّما أدعوكم إلىٰ سبيل الرشاد ؛ فمن أطاعني كان من المرشدين، ومن عصاني كان من المهلكين ، وكلّكم عاصٍ لأمري، غير مستمع لقولي ، قد انخزلَتْ عطياتكم من الحرام، ومُلئت بطونكم من الحرام، فطبع الله علىٰ قلوبكم»(4).
وممّا اتّصف به محاربو الحسين(علیه السّلام) : قساوة القلب ؛ فإنّ قسيّ القلب كما روي عن الرسول الأكرم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) - أبعد الناس من الله سبحانه وتعالىٰ(5).
وقد تجلّت هذه الصفة في الجيش الأُموي، فلا يكاد يخلو كتاب أُسرِدت فيه وقائع المعركة عن التعرّض إلىٰ نماذج من هذه الحالة.
فلم يكتفوا بقتل سيد الشهداء(علیه السّلام) وأصحابه الكرام، بل رفعوا رؤوسهم المقدسة علىٰ السنان، ورضّوا أعضاء الحسين (علیه السّلام) بحوافر الخيول.
ثمّ لم يتضايقوا عن التعرّض لبنات الرسالة وأطفال الحسين(علیه السّلام) ، فمنعوهم الماء وقاموا بترويعهم وسلبهم ومروا بهم علىٰ مصارع الشهداء، وساروا بهم علىٰ النياق الهزل .
بعد تأثّر «سامر» بمصائب أبي عبدالله الحسين الشهيد (علیه السّلام) أحسَّ أنّه اقترب كثيراً من فكر الإمامية ولتنمية رصيده الديني ذهب هو وأصدقائه إلىٰ أحد مشايخ الشيعة الذي أهداه بعض الكتب التي تبيّن الرؤية الشيعية لتاريخ المسلمين والسُنّة الشريفة ، ككتاب «ليالي بيشاور» و «المراجعات» و «ثمّ اهتديت».
وبعد قراءته لهذه الكتب، والبحث والتحقيق اقتنع «سامر» بالمذهب الشيعي وأعلن عن استبصاره عام 1419 ه- ( 2000م) في لبنان (1).
1) المستبصر علىٰ تواصل مع «المركز»، وقد تمّ اهداؤه عدداً من الكتب العقائدية.
مرّت ترجمته في (397:2) من هذه الموسوعة في قسم المستبصرين المؤلّفين في مجال البحث العقائدي، ونشير هنا إلىٰ ما وقفنا عليه من معلومات لم تُذكر من قبل.
بعد أن بحث «سعيد» في كتابه «معراج الهداية» مفهوم الإمامة بالمعنىٰ الشمولي، وأثبت أنَّ الإمامة حاجة تسعىٰ إليها الفطرة، توصّل إلىٰ أنَّ هذا المفهوم ضروريّ للإنسانية، يقول «سعيد يعقوب»: إنّ الإمام ضرورة في حياة الإنسان، ولهذه الضرورة أهمية كتلك التي تعرف بحاجته إلى الطعام والشراب، فبهذه ينمو جسده وبالإمامة يتلمّس حقيقته ، وبهما معاً يستعين على السير في طريق كماله ، طريق استمتاعه بالحياتين، هذه التي نعانيها على وجه الأرض، وتلك التي نتهيّبها بعد الموت (1).
ثمّ ذكر التسميات التي قد تشترك مع مفهوم الإمامة في معانيها ، أو تكون قريبه منه ، فحصرها في مدلولاتها، يقول «سعيد يعقوب»:
«باعتبار الإمام ضرورة - وفق هذه النتيجة - نرى أنّه لابدّ من بحث الرتب الاجتماعية التي حفلت بتسمية تشابهت عند الناس ، بين الزعامة والقيادة التي تكون
1) معراج الهداية: 82 .
في الرئاسة، وبين تقدّم الناس في رأي أو فطنة أو شأن من شؤون المعاش، وبين الإمامة التي هي الملاذ النهائي لكلّ إنسان، لالفئة ولا لخاصّة ولا لقوم.
ومن أجل أن نتمكّن من حصر المفردات ضمن ما يترتّب عليها من معانٍ تقرب الفكرة وتحيط بها ، ونخلص بعد ذلك إلىٰ نتائجها ، نرىٰ أن نعرّف أولاً بالماهية التي تتحرّك في أرجائها هذه المفردات (الزعامة ، والخلافة، والولاية)، الأمر الذي يجعل من كلّ تسمية من هذه التسميات فرعاً من فروعها تارة، وربّما يتمكّن أحد أن يقول : إنّها تنوب عنها تارة أخرىٰ.
هذا صحيح عندما تكون العملية تفيد شؤون الحياة، بما تحتوي عليه من معاشٍ وسياسةٍ ، واجتماعٍ، واقتصادٍ؛ فيمكن أن نستخدم كلمة (زعيم) مثلاً عند التعريف بسياسي، وأن نستخدم كلمة (خليفة) عند الإشارة إلىٰ شخص يلي شخص قد سبقه في شأن، أيّاً كان هذا الشأن؛ فللخلافة أسبقية ، فهي لا تُطلَق علىٰ من يبدأ الأمر ، بل علىٰ من يأتي بعد ذلك الذي بدأه ، ويمكن استخدام كلمة (قائد) عند التدليل علىٰ من يمسك بزمام الجماعة من الناس ويمكن استخدام كلمة (رئيس) لأكثر من دلالة، لكن هي تعني : المتقدّم في حكمة أو علم أو إرشاد في الغالب.
وبالنسبة للولاية) فإنّ لها مدلولات متعدّدة، أهمها :
1 - دلالتها علىٰ تملك شأن ومباشرته ، وهو من باب السلطة علىٰ الشيء.
2 - المعاضدة والنصرة ، وفيه قوله تعالى : «اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ» (1)
3- الوصاية ، وتجري مجرى الولاية التي تحصل على من لا يمتلك القدرة على التصرّف بشؤونه ، كالطفل أو العاجز ، فتنتقل ولاية أمره إلى من هو من خواصّه، أو إلى سلطة تنظر في شؤون الناس.
و في الولاية بشكلها العام ما يفهم علىٰ أنّها قدرة علىٰ حمل المسؤولية، ولهذه القدرة درجات :
1) البقرة (2): 257 .
-منها : درجة حمل مسؤولية احتضان بشر قصّر ، وإدارة أمورهم إلىٰ أن يبلغوا درجة يمتلكون معها هذه المقدرة، فتنتهي هذه الولاية - الوصاية عليهم .
-منها : درجة حمل مسؤولية مال عام، أو خاص، والحفاظ عليه وتكثيره والاستفادة من حركته إلى أن يصل إلى الذين ولّوا عليه من وجدوه كفؤ .
-منها : درجة حمل مسؤولية بلدان، وإطلاق يد الوالي القيّم بشؤونها .
إلىٰ آخر درجات هذه الولاية.
ولهذه الدرجات من المقدرة اعتبار في الخطاب القرآني ، ويمكن تلمّس النظرة القرآنية إلى الدرجة الأولىٰ منها ، وهي درجة منتهاها؛ إذ يعيدالله سبحانه هذه الولاية بالمطلق إليه عزّ وجلّ، بقوله: «وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِي وَلَا نَصِيرٍ» (1). فهو الملجأ الحقيق، وهو الناصر الحقيقي، وتتكرّر هذه الآية في أكثر من موقع في القرآن الكريم، وهي تشدّد علىٰ أن يلتفت الإنسان إلىٰ أنّ الله سبحانه ، هو صاحب المسؤولية علىٰ كلّ شيء خلقه، وإليه ولاية أمر كلّ شيء، حتى إذا أراد الله بقوم سوءاً، فإنّه لا مردّ لهذا الأمر، وليس لهم من وليّ سواه، يقول سبحانه: «وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ » (2)فتكون درجة الولاية العليا والأولىٰ علىٰ مطلق الموجودات له سبحانه .
وبعد أن تبيّن لنا أنّ الدرجة الأولىٰ هي الله سبحانه في الولاية، وأنّه حاكمها بالمطلق ، نجده يمنحها عزّ وجلّ لبعض من الذين خلقهم؛ فمن يليق بهم أن تقترن ولايتهم بولايته سبحانه ؟
فبعد أن حصرت ولاية الخلائق بالله سبحانه ، حمل الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) هذه الرتبة، كما حملها الذين آمنوا، يقول تعالى: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا» (3)(4).
ومن الجدير بالذكر أنَّ المستبصر «سعيد يعقوب» توفي عام 1427 ه-، وأبّنه «مركز الأبحاث العقائدية» حينها.
ولد عام 1406 ه- ( 1985م) في أسرة فلسطينية شافعية المذهب، فاتّبع هذا المعتقد نظراً لنشأته وتربيته في هذه الأسرة ، كسائر الأبناء الذين يمشون علىٰ ما رسم لهم الآباء من اتّجاهات اعتقادية لسلوكها.
واصل «صافي» دراسته الأكاديمية إلىٰ أن دخل الجامعة في قسم الأدب الإنجليزي، وهو من هواة الرسم وقد أقام عدّة معارض فنّية.
إثر تواصله وارتباطه بأتباع المذهب الشيعي تعرّف «صافي» علىٰ الثقافة الشيعية النقيّة المستوحاة من نهج وسلوك أهل البيت(علیهم السّلام) ما سبّب تاثّره بها حتى دعاه إلىٰ أن يقول: «وددتُ أنَّ الله خلقني شيعياً».
من الكتب التربوية التي أخذت علىٰ عاتقها تربية النفس وتهذيب الأُمّة، ومعالجة قضاياها الثقافية، إضافة إلى ما تضمنته من معارف ربّانية ومناجاة مع المعبود ، الصحيفة السجادية للإمام علي بن الحسين علي
فهي كلمات معصومة ونفئات من عمق المعاناة الدينية والثقافة التي تعيشها الأمّة بما تحمل من تديّن وأفكار ومفاهيم قد تلاعبت بها الأيدي الآثمة من صِبية بني أمية، فكان علىٰ الإمام أن يوضّحها ويُبينها ويصحّح ما أفسدوه وشوّهوه منها..
ومن يقف علىٰ شخصيّة الإمام السجّاد زين العابدين (علیه السّلام) يجده مجسّداً حقيقياً للإسلام ... عبادةً وسلوكاً وأخلاقاً، ولا غرو أن يقال : إنّه كان يمثل الثقافة الشيعية العلوية بشتّىٰ جوانبها .
فالإمام زين العابدين (علیه السّلام)غصن من تلك الشجرة النبوية التي عاشت الإسلام في عمق الضمير والوجدان ، وتمثّلته في سلوكيّاتها وحركاتها فجاء كأفضل ما يكون .. صورة طبق الأصل عن الإسلام المحمدي ، بل هو نفسه الإسلام ، عن يديه يُؤخذ، وإليه في أحكامه يُرجع .. وقد تجسّدت مكارم أخلاقه(علیه السّلام) في مواقفه الرائعة التي أعطت للأمّة الإسلامية دروساً هي بأمسّ الحاجة إليها.. إنّها دروس ومواقف يحتاجها كلّ إنسان علىٰ امتداد الحياة وسعتها ، وتباين أديانها ومشاربها .. ولو أخلصت الأمّة لنفسها وعرفت مصلحتها لغرفت من بحر الإمام(علیه السّلام) وشربت من نبعه فنجت من التناقضات وارتفعت عن النقائص والخلافات واستطاعت أن تصبح ذات قوة وشوكة.
إنّ الإمام زين العابدين (علیه السّلام) عاش الإسلام في العمق ، أخلاقاً وآداباً .. مُثُلاً وقيماً ، وعندما يقف الباحث أمام المشاهد الأخلاقية التي ينقلها أصحاب السير عنه ويقارنها بما عليه المسلمون تهزّه المفارقة الصارخة بين الحقيقة وبين الواقع المشين.. بين واقع المسلمين وبين ما يجب أن يكونوا عليه .. كيف قابل الإساءة بالإحسان، والظلم بالترفّع عنه ، والتعدّي بالحلم والصَفح.
وقف عليه رجل من أهل بيته وشتمه ، فلم يكلّمه الإمام (علیه السّلام) ، فعندما انصرف قال لجلسائه : سمعتم ما قال هذا الرجل، وأنا أُحبّ أن تبلغوا معي إليه حتى تسمعوا منّي ردّي عليه، قال الراوي : فقالوا له : نفعل ؛ ولقد كنّا نحبّ أن يقول، فأخذ نعله ومشى وهو يقول «وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» (1)، فعلمنا أنّه لا يقول له شيئاً. قال الراوي: فخرج حتى أتى منزل الرجل ، فصرخ به ،
1) آل عمران (3): 134.
فقال : قولوا له : هذا علي بن الحسين . قال : فخرج إلينا متوثّباً للشرّ، وهو لا يشكّ أنّه إنّما جاء مكافئاً له على بعض ما كان منه .
فقال له علي بن الحسين(علیه السّلام) : يا أخي! إنّك كنت قد وقفت علىّ آنفاً فقلت وقلت ، فإن كنت قلت ما فيّ فأستغفر الله منه ، وإن كنت قلت ما ليس فيَّ فغفر الله لك . قال : فقبّل الرجل بين عينيه ، وقال : بل قلت فيك ما ليس فيك وأنا أحقّ به (1).
وكانت جارية تسكب الماء وهو يتوضّأ للصلاة، فسقط الإبريق من يد الجارية على وجهه فشجه ، فرفع عليّ بن الحسين (علیه السّلام) رأسه إليها ، فقالت الجارية : إنّ الله عزّ وجلّ يقول : «وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ».
فقال لها : قد كظمت غيظي .
قالت : «وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ» .
قال لها : قد عفا الله عنك .
قالت: «وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ».
قال : اذهبي فأنت حرّة (2).
ودعا مملوكه مرّتين فلم يُجِب فلمّا أجابه في الثالثة ، قال له : يا بني ! أما سمعت صوتي؟
قال : بلى.
قال : فما لك لم تجبني.
قال : أمنتك .
قال : الحمدالله الذي جعل مملوكي يأمنني(3).
إنّها حادثة رائعة ، وأدب رفيع ، وأخلاق نبوية.
هل يملك المسلمون مثل هذه الأخلاق ؟ !
وهل يستطيع العالم أن يقدّم لنا نموذجاً شبيهاً بهؤلاء الأئمّة الكبار ؟ بل تعدّى الإمام(علیه السّلام) في معاملته الطيّبة وحسن أخلاقه من الإنسان إلى الحيوان، وتخطّى كلّ الأعراف التي كانت سائدة في زمانه ، وبذلك سجّل سبقاً علىٰ كلّ المتشدّقين بقانون الرفق بالحيوان وهم يذبحون الإنسان، وإنّما يدّعون ما يدّعون كذباً وزوراً، وشعاراً للاستغلال والمكاسب.
يذكر أهل السير أنّ عليّ بن الحسين حجّ علىٰ راحلته عشر حجج ما قرعها بسوط ، ولقد بركت به سنة من سنواته فما قرعها بسوم وط (1).
ويقول الراوي في حديث آخر : حججت مع عليّ بن الحسين(علیه السّلام) فالتانت الناقة عليه فى سيرها فأشار إليها بالقضيب، ثم قال :
آه لولا القصاص. وردّ يده عنها (2).
بعد البحث والتحقيق ومع عدم توفّر العديد من المصادر نظراً لظروفه الخاصّة أعلن «صافي» عن استبصاره، وما أن شاع خبر ذلك حتى قوبل بهجوم صارمٍ من قبل أهله - وأخيه السلفي خاصّة - وأصدقائه فتعرّض لمضايقات كثيرة ومهينة ، وأصبح منبوذاً في مجتمعه .
يرىٰ «صافي» أنَّ سبب هذا التعامل معه من قبل المجتمع هو أنَّ صورة أهل البيت(علیهم السّلام) وشيعتهم مشوّهة تماماً في أذهان عامّة الناس، وذلك تأثّراًً بالفكر الوهابيّ، لذلك لم يستبصر علىٰ يديه سوىٰ أربعة من أصدقائه (3).
ولد عام 1380 ه- ( 1961م) في «فلسطين» ، في أسرة سنّية المذهب، واصل دراسته الأكاديمية حتى الحصول علىٰ شهادات عليا في اختصاص الطب والدراسات الإسلامية.
كان «صلاح الدين» - وبحكم البيئة التي نشأ فيها - يسعى دائماً للالتزام بالدين الإسلامي وتعاليمه، هذه النشأة جعلته دائم البحث والتقصّي في الأمور الدينية، وممّا لفت نظره في هذا المجال كثرة التساؤلات الاعتقادية التي طالما غاب جوابها عنه ؛ الأمر الذي جعله يستمر في أبحاثه بجدّية أكبر من ذي قبل.
يقول «صلاح الدين»: لقد كنّا دائماً منذ صغرنا نصطدم بكثير من الحقائق، وخصوصاً الأحداث التي حصلت في عصر نبيّنا الأكرم محمّد (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وفي عصور الخلافة الأولى، ونحتاج إلى أجوبة مقنعة ، ولكن كانت تُبرّر من العلماء بمبرّرات أظنّها ليست مقنعة لهم ، وكنّا نتخيّل تاريخنا خال من التناقضات، وكنّا نسمع عن تجاوزات كثير من الخلفاء الأمويين والعباسيين ، ونقرأ الكثير عن سهرات المجون والفسق ، وكلّ ذلك كنّا نجد له تبريراً عند علمائنا ، صحيح أنّ التبرير غير مقنع ومخالف للواقع ، لكنّ المهم أنّ التبريرات كانت جاهزة.
وبعد الرجوع والتدقيق في حياة الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وعصر الخلافة الأولىٰ والثانية
والثالثة ، اصطدمت بكثير من الحقائق، والتي كنّا إذا سألنا عنها أحداً من العلماء، لا نجد جواباً إلّا الصدّ والوجوه المكفهرة ، وربّما الاتّهامات الباطلة والقدح والذم.
لقد لفت نظري كثيراً الحديث النبويّ الذي يقول : تفترق أمّتي علىٰ ثلاثة وسبعين فرقة كلّها في النار إلّا واحدة (1)، وهذا الحديث في اعتقادي أنّه يوجب على المسلمين جميعاً ، البحث والنظر من أجل أن يكونوا في صفّ الفرقة الناجية ومعها.
ومن القضايا التاريخية التي تلفت النظر حقيقة تغييب أهل البيت (علیهم السّلام) وفضائلهم، مع أنّ القرآن الكريم والسنّة النبويّة أكدّا علىٰ فضلهم ووجوب اتّباعهم وطاعتهم ، فلماذا لم تتبعهم الأمّة ؟ ! بل تركتهم ولم تطع الله ورسوله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في شأنهم، بل وعلى مرّ التاريخ كانت تضع المبرّرات لتأويل النصوص وصرفها عن معناها أو تضعيفها، ولازال هذا الأمر هو الشغل الشاغل لعلماء أهل السنّة ، فدائماً تراهم يؤوّلون النصوص المتعلّقة بولاية أهل البيت(علیهم السّلام) أو يقومون بتضعيفها، وكأنّ رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عندما تحدّث بتلك الآلاف المؤلّفة من الأحاديث التي تأمر باتّباع أهل البيت(علیهم السّلام) ، يظهروه وكأنّه يتحدّث للتسلية وليس للتشريع.
ومن القضايا التي كان لها الأثر الكبير في البحث هي : مواقف الصحابة الكثيرة والعديدة، والتي لا يجد الإنسان المنصف إلّا تفسيراً واحداً لها ، وهو : عدم الصدق والإخلاص في متابعة رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).
لماذا قاموا بعد رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بمعاداة أهل البيت(علیهم السّلام) ، وأظهروا البغض لهم، واعتدوا علىٰ السيّدة الزهراء(علیها السّلام) وهجموا علىٰ بيتها، وأسقطوا جنينها؟!
لماذا توفّيت السيّدة الزهراء(علیها السّلام) ، وهي غاضبة علىٰ أبي بكر وعمر ، مع أن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قال : إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك ؟ !(2)
لماذا قتل الإمام عليّ (علیه السّلام) ، ولماذا قُتل الإمام الحسين(علیه السّلام) ، ولماذا قُتل جميع الائمّة (علیهم السّلام) من قبل المسلمين والسلطة الحاكمة ؟ !
لماذا عندما بويع لأميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب(علیه السّلام) قام معاوية بن أبي سفیان بالخروج عليه وقتاله ؟ !
لماذا خرجت عائشة لقتال أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب(علیه السّلام) ، مع أنّ الله أمرها بأن تقرّ في بيتها ، ورسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قد حذّرها كثيراً من ذلك ؟!
وأيضاً من القضايا التي لا يمكن السكوت عليها ، بل كانت دائماً محلّ تساؤل عندي، مواقف الصحابة في أحد وحُنين ، وكذلك في معركة الخندق عندما دعاهم رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لمبارزة عمرو بن ودّ العامري، على أن يضمن لمن يبارزه الجنّة ، فلم يقم لا أبو بكر ولا عمر ، ولكن قام أميرالمؤمنين عليّ (علیه السّلام).
وأيضاً لماذا هرب عمر بن الخطّاب وغيره في حُنين، وترك رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ؟
أمّا القضيّة الأخطر ، والتي صدمتني ولم أجد لها جواباً عند العلماء سوى التبريرات التي لا تقنع أي إنسان، هي قضيّة رزيّة الخميس، عندما دعاهم رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ليكتب لهم كتاباً لن يضلّوا بعده أبداً ، فمنعه عمر بن الخطّاب من ذلك ، واتّهمه بالهجر والهذيان ، وقال : حسبنا کتاب الله (1).
لماذا قام أبو بكر بحرق سنة رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وكذلك عمر قام بحرقها أيضاً، ومنعا من التحديث بها وتدوينها ، ممّا أدّى إلىٰ ضياعها ؟
لماذا لم يؤمن عمر بن الخطّاب برسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يوم صلح الحديبية ، مع أنّ رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قال له : إنّي رسول الله ولن يضيّعني(2)، ولكنّ عمر بن الخطّاب لم
يقتنع ، وظلّ يخدّل المسلمين عن رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ؟
لماذا قام المسلمون في زمان حكم الأمويين من معاوية بن أبي سفيان وحتىٰ زمان عمر بن عبدالعزيز بسبّ وشتم أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب(علیه السّلام) علىٰ المنابر لأكثر من ثمانين عاماً، وسكتوا حتى عن تبرير ذلك الأمر، مع أنّ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قال : من سبّ علياً فقد سبّني ، ومن سبّني فقد سبّ الله (1)؟ !
مواقف عجيبة وعديدة، المئات منها ، يصطدم بها الباحث المسلم دون أن يجد لها جواباً.
كل هذه الأسئلة كانت محلّ تساؤل وحيرة عندي وعند كثير من المؤمنين، بقيت ولفترة طويلة دون إجابة شافية إلى أن منّ الله علَيّ بالهداية والولاية ومعرفة الصراط المستقيم ، أهل البيت(علیهم السّلام) ، سفينة النجاة والعروة الوثقی(2).
وكان تاريخ استبصاره عام 1418 ه- ( 1998م).
لقد قام «صلاح الدين الحسيني» وبعد أن منّ الله عليه بالاستبصار بكتابة عدّة مؤلّفات في مجال الشريعة الإسلامية والعقائد، ومنها :
(1) الابتلاء سنّة إلهية على بساط العبودية - مخطوط، وهو موجود في مكتبة موقع مركز الأبحاث العقائدية www.aqaed.com.
وقد حاول فيه المؤلّف تسليط الضوء على مسألة الابتلاء الإلهي ، وعلاقة هذه المسألة بالقرب والبعد من الله سبحانه وتعالىٰ.
يقول «المؤلّف» في مقدّمته للكتاب : السؤال المهم في هذا البحث المختصر هو : لماذا أكثر ما يكون الابتلاء عند الرسل والأنبياء والأئمّة من أهل البيت (علیهم السّلام) وأتباعهم؟
ولماذا اختص أهل البيت(علیهم السّلام) وأتباعهم والمؤمنون الصالحون من أمّة محمّد (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بالابتلاء ؟ !
فقد روي عن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وعن أئمّتنا من أهل بيت الرحمة والعصمة عشرات الروايات تشير إلى ذلك المعنى.
فقد روى أحمد وأبو يعلى والحاكم وصحّحه : أنّ النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قال : نحن معلشر الأنبياء أشدّ الناس بلاءً ، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلي العبد على قدر إيمانه، فإن كان صلب الإيمان شدّد عليه البلاء ، وإن كان في إيمانه ضعف خفّف عنه البلاء(1).
وقد أخرج الحاكم في المستدرك وابن أبي شيبة وابن ماجة: عن عبدالله بن مسعود ، قال : بينما نحن عند رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) إذ أقبل فتية من بني هاشم ، فلما رآهم رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) اغرورقت عيناه وتغيّر لونه فقلت : ما نزال نرى في وجهك شيئاً نكرهه، فقال: «إنّا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة علىٰ الدنيا وإنّ أهل بيتي سيلقون بعدي بلاءً وتشريداً وتطريداً، حتى يأتي قوم من المشرق معهم رايات سود، فيسألون الحق فلا يعطونه ، فيقاتلون فينصرون، فيعطون ما سألوا، فلا يقبلونه حتى يدفعوها إلى رجلٍ من أهل بيتي، فيملؤها قسطاً كما ملؤوها جَوْراً، فمن أدرك ذلك منكم فليأتهم ولو حبوا علىٰ الثلج (2).
وروى ابن حجر في فتح الباري ، والسيوطي في الجامع الصغير، والمناوي في فيض القدير ، وغيرهم عن عدد من الصحابة : أنّ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قال : ما أوذي أحد ما أوذيت (3).
فالنبي محمّد والأئمّة من أهل البيت (علیهم السّلام) هم حجج الله علىٰ عباده، وهم
المصطفَون الأبرار، وهم أفضل خلق الله ، فلماذا تعرّضوا إلىٰ الظلم والأذى وجميع أنواع الابتلاءات ؟ وما علاقة الابتلاء بهم وبنا ؟ وما أثر الابتلاء عليهم وعلينا ؟ وما الذي يجب أن يكون عليه موقفنا اتّجاه ابتلاءاتهم ومظلومياتهم ؟
لم يكن أحد أكثر ابتلاءً وتعرّضاً للظلم والتطريد والتشريد من أهل البيت(علیهم السّلام) وأتباعهم وشيعتهم ، كان ذلك منذ انتقال رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) إلىٰ الرفيق الأعلىٰ وحتىٰ يومنا هذا ، وأتصوّر أنّ ذلك صار يدركه كل من يقرأ التاريخ بإنصاف أو يتابع المحطّات الفضائية وبشكل يومي.
لقد ذكر ذلك أمتنا من أهل بيت النبوة والعصمة(علیهم السّلام) ، وقالوا : ما منّا إلّا مسموم أو مقتول (1).
ولو راجع المسلم المنصف تاريخ الإسلام والمسلمين، لعرف بعضاً ممّا تعرّض له رسول الله وأهل بيته(علیهم السّلام) من الظلم والأذى والاضطهاد، ويكفي أن نتذكّر مصيبة الحسين(علیه السّلام) وأهل بيته وأنصاره، حيث ظلموا وقتلوا في كربلاء، وسلبوا وسبيت نساؤهم».
ولكي يكون البحث في هذا الموضوع كاملاً دخل «المؤلّف» في شرح لبعض المصطلحات والمفاهيم الشرعية التي تنبثق عنها قضية الابتلاءات، فشرح حقيقة معنى الابتلاء وأنواعه ونتائجه، وأجاب علىٰ التساؤلات المطروحة عن العبوديّة لله تعالى وأوصافها، والربوبيّة وحقوقها وقدّم بعض الأمثلة عليها من الشريعة المقدّسة ، كما بحث معاني الفتنة والتمحيص والاختبار والاستدراج وما يتعلّق بتلك المفاهيم ؛ إذ لا يمكن تجريد معنى الابتلاء وحقيقته عن كل تلك المعاني.
(2) «محورية حديث الثقلين في العقيدة والأحكام» مخطوط، هو الأخر أُدرج ضمن كتب مكتبة موقع المركز علىٰ شبكة الإنترنيت.
1) كفاية الأثر: 227، الصراط المستقيم لعلي بن يونس العاملي 2: 128، وبحار الأنوار 27: 217.
يرىٰ مؤلّف هذا الكتاب أنّ حديث الثقلين من الأحاديث المهمة التي غابت أو غُيبت عن أغلب المسلمين بفعل سياسات التجهيل التي قام ويقوم بها أعداء أهل البيت(علیهم السّلام) بالرغم من تواتر الحديث عند سائر المسلمين، ثم يذكر علماءنا الأجلّاء الذين بحثوا هذا الحديث من جهة السند ، ويقول : « ... ولأجل استنفار العقول نحو محورية الحديث، آليت علىٰ نفسي الخوض في مضمار متن الحديث ، لعلّي أضع خطوطاً عريضة أقدّمها بين يدي القارىء العزيز ، لنصل معاً إلىٰ حقيقة واحدة، وهي: أنّ دين الله تعالى المأخوذ من الكتاب والعترة الطاهرة، مترابط مع بعضه، ومنسجم في عقائده وأحكامه مع ضرورات الحياة في كل نواحيها، ولا يتطرّق إليه التناقض أو الاختلاف ؛ لأنّه من مصدر واحد، من الله تعالىٰ الذي خلق هذا الكون فأبدعه ، قال تعالىٰ: «وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِاللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيراً» (1).
فكما لا يدخل الخلل أو التناقض في أنظمة الكون الفسيح؛ لأنّها من بديع صنع الله ، وتتجلّى فيها قدرة الله تعالى، ينطبق الأمر على النظام الديني والمنهج الإسلامي ،والإيماني ، الذي أنزله الله تعالى إلينا من خلال رسولنا الأكرم وأهل بيته المعصومين (علیهم السّلام) ».
وقد قام «المؤلّف» بشرح هذا الحديث من خلال متونه المختلفة، وقد بيّن في كتابه أن : لا يوجد على وجه الأرض أحد يطبّق مضامين ومواضيع حديث الثقلين غير الشيعة الإمامية ؛ أتباع مدرسة أهل البيت(علیهم السّلام) ، وأمّا غيرهم فلا وجود لحديث الثقلين عندهم .
(3) «سفينة الناجين» مخطوط.
(4) «نظرات المستبصرين» مخطوط .
(5) «الفتنة في الفكر الإسلامي»- مطبوع سابقاً.
1) النساء (4): 82.
(6) «معالم الشخصية الإيمانية» مخطوط ، وهو أيضاً أدرج ضمن كتب الموقع.
إثر اطّلاع «المؤلّف» على الكثير من الأبحاث التي دوّنت عن «الشخصية وعملية بنائها» من قبل علماء النفس والاجتماع الغربيين - والتي ما زالت تؤثّر على الجيل المسلم - وجد أنّ ما يحمله المفهوم الغربي لعملية بناء الشخصية لا يجعل من الحلال والحرام والمبادىء والقيم الدينيّة ميزاناً لعملية البناء تلك، بل إنّه يركّز على المادّة وكيفية جمع الثروات وتطوير القوى المادّية ، فقرّر «المؤلّف» التصدّي لتلك الرؤى وتبيين الموازين الصحيحة في بناء الشخصية الإيمانية، وذلك عبر التراث الواصل إلينا من قبل أهل البيت(علیهم السّلام) .
يقول «صلاح الدين الحسيني» في مقدّمته للكتاب: «إنّ الناظر في عملية بناء الشخصية عند الغرب، يجد أنّها لا تبحث في موضوع العدل والظلم ، أو الكرم واللوم، أو العزّ والذلّ، بل إنّها تركّز على كيفية جمع المال، أو كيفية تطوير العلوم التي تخدم شهوة الناس أو قوة غضبهم وتسلّطهم، وبحسب مقاييسهم فإنّ الشخصية الناجحة هي التي تملك المال ، فمن لم يملك المال يعدّ فاشلاً.
بينما لو دقّقنا نحن المسلمون فإنّنا نجد أن أغلب الأنبياء والرسل وأولياء الله الصالحين خرجوا من الدنيا ولم يكنزوا فيها الأموال ، ولم يكن المال هو شغلهم الشاغل في عملية بناء شخصية الفرد ، بل إنّ الانكباب على الدنيا وحطامها آخر ما يمكن أن يشغلوا أنفسهم به ، فهل هم شخصيات فاشلة بحسب مفهوم تكوين الشخصية المعاصر ، أم أنّ موازين الشخصية هذه الأيام هي الخاطئة ؟
لقد تميّزت الشخصية عند الغرب بتملّك عوامل عدّة، منها: المال، وقوة البدن ، وقوة الشهوة ، وقوة الغضب، وكثرة العلوم التي تخدم شهوة الإنسان وهواه فقط ، وليس للناحية الروحية أو الإيمانية أي أثر في بناء الشخصية بحسب مفاهيمهم.
إنّ تلك العوامل إذا لم تستند إلى الله تعالى في تملّكها وغايتها، فإنّه لا يمكن الانتفاع بها لا في الدنيا ولا في الآخرة ، ولذلك لابدّ من قوة الصلة بالله تعالى والالتزام بأوامره وطاعة رسوله والأئمّة المعصومين من أهل البيت(علیهم السّلام) حتى تسير الشخصية على الصراط المستقيم، وتتجسد فيها كلّ مكارم الأخلاق ليصحّ أن نطلق عليها شخصية ناجحة مفلحة .
إنّني في هذا البحث المتواضع أضع خطوطاً عريضة لمعالم الشخصية، لعلّها تكون بداية للتنبه والتدليل على مفاهيم وقيم أهل البيت(علیهم السّلام) في عملية بناء الشخصية ، فالبحث عبارة عن خطوط عريضة شروحاتها موجودة في سُنّة رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) من خلال مراجعة تراث أهل البيت(علیهم السّلام) وحديثهم ومفاهيمهم».
(7) «نهج المستنير وعصمة المستجير»، وقد قام المركز بطبعه ضمن سلسلة الرحلة الى الثقلين»، العدد 31.
(8) «سبيل المستبصرين إلى الصراط المستقيم»، وهو الآخر قام المركز بطبعه ضمن السلسلة نفسها، العدد 32.
وقد شرح «المؤلّف» في هذا الكتاب الأمور والعوامل التي كان لها الدور الكبير والأثر الفعّال في وصوله إلى الحقيقة المغيّبة عن المجتمع الإسلامي، وهي حقيقة أهل البيت(علیهم السّلام) ، ووجوب اتّباعهم ، وركوب سفينتهم سفينة النجاة التي منّ الله بها على العباد بعد رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) .
ومن أهم المواضيع التي سلّط «المؤلّف» الضوء عليها في هذا الكتاب.
-عصمة الرسول الأكرم(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) واعتقاد أهل السنّة في ذلك.
-وصيّة رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، آية البلاغ، آية الولاية وآية كمال الدين وتمام النعمة.
-أحاديث الغدير والولاية والثقلين والمنزلة .
-حقيقة الصحابة .
-اغتيال رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فاطمة الزهراء(علیها السّلام) الائمّه من أبنائها (علیهم السّلام) .
-كيفية تعامل أبي بكر ، عمر وعثمان مع السنّة النبويّة، وأسباب حرق السنّة ومنع تدوينها في عصرهم.
-قوانين اعتماد الحديث عند أهل السنّة.
-بحث في التجسيم ورؤية الله عزّ وجلّ.
يتناول «المؤلّف» في كتابه هذا العديد من المواضيع التي ترتبط بمفهوم الاستبصار والمراحل التي يمرّ بها المستبصر حتى يصل إلى هذه الحقيقة، وكما يقول عن كتابه أنّه : «طريق لمن أراد سلوك طريق الاستنارة والهدى، وعصمة لمن أراد أن يستجير ويحتمي بسفينة الناجين وولاية أهل الحق المعصومين».
ويقول عن موضوع الكتاب : «... سأبدأ من لحظة اصطدام المستبصر بما خفي عنه من حقائق، ومن لحظة انقلاب الموازين والمفاهيم، ثمّ أعود للماضي وأربطه بالحاضر ، وأبيّن كيفيّة ارتقاء المستبصر ، وتدرّجه في السلوك الإيماني، موضّحاً ذلك من خلال ما حصل معنا ومع مجموعة كبيرة من الإخوة المؤمنين ، الذين أكرمهم الله تعالى ، وتفضّل عليهم بالهداية وسلوك الصراط المستقيم وركوب سفينة الناجين».
من ضمن المواضيع التي يتطرّق إليها «المؤلّف» في تحليله لكتب التاريخ السنّية مكانة رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عند أغلّب المسلمين من العامّة ؛ فقد جعلوا من رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) شخصاً عادياً غير معصوم في كثير من المواقف، بل إنّهم في بعض الأحيان جعلوه أقل من الإنسان البسيط العادي، ولم يكتفوا بذلك بل ألصقوا به تهما كثيرة لا تليق بإنسان فاضل من عوام الناس، فكيف به وهو رسول الله وحبيبه ، وهو سيّد الأولين والآخرين ؟ !
يقول «المؤلّف» : « وللأسف الشديد لا زالت كلّ تلك العيوب وما لا يليق برسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) مدوّنة في كتب أهل السنّة والجماعة ويقبلون بها، ويبرّرونها ويقرّرونها ويؤكّدون صحّتها ، ويسمحون بمداولتها، بل إنّه في أغلب الأحيان يستندون إليها لتقرير أحكام شرعيّة كثيرة وأمور عقائديّة عديدة.
والذي زادنا حيرة وجعلنا ندقق أكثر في ذلك الواقع ، هو أنّهم جعلوا لشخصيّات كثيرة من الصحابة مثل: أبي بكر، وأبي هريرة ، فضائل أكثر من
رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وجعلوا دينهم وفقههم وعقولهم وتطبيقهم لشرع الله أفضل وأكثر بكثير من تلك التي كانت لرسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) !
هذه هي الحقيقة، وهذا هو التاريخ، وكلّ مواقفه بين أيديكم ، دقّقوا فيها وافتحوا عقولكم وبصائركم ، فإنّكم ستجدون ما قدّمت لكم من تعبيرات أقلّ بكثير من حقيقة الواقع الذي كان الأوّلون يعاملون رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) من خلاله ، وكيف كانت ، ولا زالت حقيقته (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) متناقضة ، والنظرة إليه دون العاديّة، وإنّ ادّعاء محبّته والاقتداء به وبهديه هو مجرّد كلام لا واقع له؛ فلقد تبيّن لنا أنّ المسلمين يقتدون بأفعال أبي بكر وعمر ومعاوية ويزيد أكثر من اتباعهم لرسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، بل إنّهم في كثير من الأحيان يردّون كلام الله تعالى ويؤوّلونه ليتوافق مع كلام وفعل أولئك.
فعندما تقرأ، وعلى سبيل المثال وليس الحصر كتابي البخاري ومسلم ، فإنّك سوف تجد عشرات التهم والأفعال ينسبونها إلى رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) مع أنّها لا تجوز في حقّ إنسان عادي، فتصطدم في تلك الكتب بما لا يليق بمنزلة النبوّة ومقام الرسالة المحمّدية ، ولقد ذكرتُ عدداً كبيراً من تلك التهم والافتراءات على رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) » .
ثم يذكر «المؤلّف» بعض العناوين حتى يُظهِر للقارىء مدى تأثير قراءة التاريخ والمواقف التاريخية بصدق وإنصاف وتدقيق، وهو ما يوصل عادة إلى الاستبصار.
يقول «المؤلّف» : من الأمور الغريبة جدّاً أنّ كتاب صحيح البخاري يتّهم رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بأنّه أراد الانتحار ، ويؤكّد على تكرار المحاولة عدّة مرّات، وذلك في صحيح البخاري في كتاب التعبير ، باب : أول ما بُدى رسول الله به من الوحى، فى حديث طويل عن عائشة ، إلى أن تقول: «ثمّ لم ينشب ورقة أن توفّي، وفتر الوحي فترة حتّى حزن النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فيما بلغنا ، حزناً غدا منه مراراً كي يتردّى من رؤوس شواهق الجبال، فكلّما أو فى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدَّى له جبريل ، فقال :
يا محمّد، إنّك رسول الله حقّاً، فيسكن لذلك جأشه ، وتقرُّ نفسه ، فيرجع ، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا المثل ذلك ، فإذا أو فى بذروة جبل تبدَّى له جبريل فقال له مثل ذلك» (1).
فهذا الحديث موجود في أصحّ الكتب عند أهل السنّة والجماعة بعد القرآن، وعند مطالعتنا للحديث تعجّبنا من ذلك وتساءلنا : هل يجوز من رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ذلك الفعل أو تلك التهمة ؟
وهل كان رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) إنساناً عاديّاً أو أقلّ من العاديّ حتّى يقرّر الانتحار ؟
وهل يليق بنا أن نؤكّد حصول ذلك الأمر على رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ؟
ووالله الذي لا إله إلّا هو لو أنّك أتّهمت رجلاً جاهلاً بمحاولة الانتحار لأقام الدنيا عليك ؛ لأنّ فيها وصمة عار أبدية ، فكيف يجرؤ المسلمون على توجيه تلك التهمة لرسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ؟
بل إنّهم يقرّرونها ويشدّدون على صحّة حدوثها، ويقول العلماء في شروحات الحديث : أنّ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عندما لم يستطع أن يحمل أعباء الرسالة أراد الانتحار، ومع أنّهم يعلمون علم اليقين حرمة ذلك الفعل وشدّة عقابه عندالله تعالى وشدّة تحريمه في القرآن الكريم ، بل إنّ البخاري في صحيحه والذي يروي حصول إرادة الانتحار من رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، يروي أيضاً حرمة الانتحار الشديدة ويبيّن أن عقوبة ذلك الفعل الخلود في نار جهنّم والعياذ بالله ..
فقد روى في صحيحه ، في كتاب الطب، باب: شرب السمّ : عن أبي هريرة، عن النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، قال : «من تردَّى من جبل فقتل نفسه، فهو في نار جهنّم يتردَّى فيه خالداً مخلَّداً فيها أبداً، ومن تحسَّى سماً فقتل نفسه ، فسمّه في يده يتحسّاه في نار جهنّم
1) صحيح البخاري 8: 68.
خالداً مخلّداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بحديدة ، فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنّم خالداً مخلَّداً فيها أبداً»(1).
فهل كان رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ينهى عن فعل ويأتي مثله ؟
أليس رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) هو القدوة في الاتباع والاقتداء ؟
ألم يكن مثلاً أعلى في شدّة التحمل والصبر والشجاعة ؟ ألم يصفه رب العزّة جلّ وعلا بأنّه على خلق عظيم ؟
ولماذا توجد مثل هذه الروايات أصلاً في كتب المسلمين ؟
ولو أنّ شخصاً في يومنا هذا ألّف كتاباً وطعن على رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فيه طعنة واحدة وبمستوى أقلّ ممّا هو موجود في كتاب البخاري ، لقامت الدنيا على مؤلّفه ولم تقعد، وسوف يقرّر الناس أنّ جهات خارجيّة داعمة لذلك المؤلّف، وأنّها الحرب على الإسلام وثقافته وعلى المسلمين ، فلا يمكن للمسلمين أن يقبلوا ما يمسّ مقام النبيّ الأكرم ورسولنا الأعظم محمّد (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )، ولكنّ السؤال المهمّ في هذا المقام : لماذا يسكت الناس والعلماء على وجود ما لا يليق بشخص رسول الله في أهمّ كتبهم بعد القرآن ؟ ولماذا يعطون البخاري العصمة ويصحّحون كلّ ما ورد في كتابه (صحيح البخاري)، ولا يمنحون العصمة الرسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) التي منحها الله تعالى له وأقرها ؟
هل أنّ البخاري هو أفضل من رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بحيث إنّنا نجوّز النقصان والعجز
وقلّة التحمّل على رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ولا نجوّز ذلك على شخص مثل البخاري ؟
ثمّ من هي تلك الشخصيّة التي نالت مقاماً أسمى من مقام الرسالة ومنزلة النبوّة ؟ ومَنْ كان وراء وجود ذلك الكتاب ؟ ومن الذي فرضه على المسلمين وجعله بتلك المنزلة السامية الرفيعة ؟
هل كان كتاباً أملته السلطة الحاكمة في ذلك الوقت، والتي كانت على عداء
1) صحيح البخاري 7: 32.
مباشر وصريح مع رسول الله وأهل بيته المعصومين سلام الله تعالى عليهم جميعاً؟
ثمّ إنّنا قرأنا في كتب الصحاح وعلّمنا أساتذتنا أنّ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) سُحِر ، سَحره لبيد بن الأعصم اليهودي، وكان ذلك في أواخر عهده من الدنيا، وهذا ما رواه البخاري وغيره من صحاح أهل السنّة ، فهم يقرّرون حصول ذلك على رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، بل ويستشهدون به دائماً، ويدرّسونه للناس، كما تعلّمناه نحن في المدارس والمساجد..
فقد روى البخاري في صحيحه ، كتاب بدء الخلق ، باب : صفة إبليس وجنوده، عن عائشة ، قالت : «سُحِر النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) حتّى كان يخيّل إليه أنّه يفعل الشيء وما يفعله»(1).
والذي يثير حفيظة المدقّق المنصف عند قراءته هذا الحديث والتأكيد على سحر رسول الله من قبل علماء السنّة، هو أنّ حصول السحر جعل رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يُخيّل إليه أنّه يفعل الشيء ولا يفعله، وهذا يعني : حصول خلل في عملية تبليغ الرسالة أو أيّ شيء من الوحي، فربّما قال رسول الله شيئاً وهو مسحور على أنّه وحي من الله تعالى وهو ليس كذلك بل من تأثير السحر عليه ، أو ربّما قال شيئاً من الوحي وظنّ من حوله أنّه من تأثير السحر.
إنّ القول بجواز سحر رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) هو طعن في شخصه (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وطعن في مقام النبوّة ومنزلة الرسالة ، وطعن في عقائد الدين وأحكامه، والقول بجواز وقوع رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) تحت تأثير السحر هو ممّا لا يجوز شرعاً وعقلاً، ولا يمكن أن يقبل ذلك
العقل الصحيح والمنطق السليم.
وعلاوة علىٰ ذلك فقد جزم القرآن الكريم باستحالة وقوع رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )
1) صحيح البخاري 4: 91.
تحت تأثير السحر ، بل إنّه اعتبر من يدّعي جواز حصوله عند رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) من أشدّ الظالمين ، والظلم من أشدّ المحرمات التي نهى عنها الشارع المقدّس، وتوعد الظالم بالعقاب الشديد والعذاب الأليم في الدنيا والآخرة ..
قال تعالىٰ في سورة الإسراء: «نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَّسْحُورًا» (1).
فهل بعد هذا البيان المقنع والتفصيل القرآني البيّن الواضح، يجوز للمسلمين أن يكونوا من أشدّ الظالمين لرسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ؟ وهل يدرك من يقرّر ذلك أنّه يستحقّ غضب الله وسخطه ؟ وهل من قرّر لناصحة الأحاديث، خصوصاً التي في صحيحي البخاري ومسلم ، هو أفضل من شخص رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ؟
وكان من أوّل ما تعلّمنا وقرأنا في بداية حياتنا الدراسيّة، وهذا طبعاً في بلادنا، التي غاب عنها فكر أهل البيت(علیهم السّلام) وثقافتهم، هو : كيفية نزول الوحي على رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في غار حراء، حيث تذكر المصادر السنّية الكيفيّة التي تعامل الوحي فيها مع رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ونزول سورة العلق، ثمّ خوف النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وهروبه إلىٰ منزل خديجة (2)
فرجع بها رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد، فقال: زمّلوني زمّلوني، فزمّلوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا والله، ما يخزيك الله أبداً، إنّك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق . فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد - ابن عم خديجة - وكان أمرءاً قد تنصّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمى. فقالت له خديجة : يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك. قال له ورقة: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ما رأى فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعاً، ليتني أكون حيّاً إذ يخرجك قومك... (راجع: صحيح البخاري 1: 3 و 6: 88 ).
، ثمّ نزول سورة المدّثّر، وما إلى ذلك من أحداث لا تناسب مقام النبوّة !1) الإسراء (17): 47.
2) روى البخاري في صحيحه: أنّ عائشة زوج النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قالت: أول ما بدىء به رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبّب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنّث فيه، قال: وهو التعبّد الليالي ذوات العدد - قبل أن ينزع إلى أهله ويتزوّد لذلك، ثمّ يرجع إلى خديجة، فيتزوّد لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ. قال: ما أنا بقارىء. قال: فأخذني فغطّني حتى بلغ منّي الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارىء. فأخذني فغطّني الثانية حتى بلغ منّي الجهد، ثم أرسلني، فقال: أقرأ. فقلت: ما أنا بقارىء. قأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني، فقال: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ» (العلق 96: 1-3).
إنّها تُسيء إلى نبيّ الإسلام (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أیّما إساءة ؛ فإنّه المعروف بداهة أنّ من تُوكَل إليه مهمّة ما من الناس العاديين ، فإنّه لابدّ له من أن يحيط بماهيّاتها وظروفها ومراميها ، والأهمّ من ذلك معرفة من أوكله بمهمّته تلك ، وإلا فلا يتحقّق له تحقيقها، فضلاً عن أن يكون أهلاً لها ، فكيف برسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، الذي اختاره الله واصطفاه لعلمه وكماله وخصوصية شخصيّته غير الاعتيادية ؟
مع العلم أنّ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) و بحسب ما روته كتب الحديث أنّه كان نبيّاً و آدم بين الروح والجسد (1).. وإنّ حجراً بمكّة كان يسلّم عليه(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قبل بعثه بالرسالة (2)..
ثمّ خروجه لفترات طويلة إلى غار حراء يتعبّد الله تعالى هناك(3).. فهذه شواهد كافية لأن يكون على معرفة راسخة بحقيقة أمره.
أضف إلى ذلك : إنّ الله تعالى إذا اختار عبداً واجتباه واصطفاه ، فإنّ من المقطوع به أن يحفّه بالرعاية التامّة والإحاطة المقترنة بالتمكين وقبول كلّ ما يمكن أن يوكله الله تعالى به ، فهل من الممكن بعد ذلك الطعن في عصمة رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ؟
وهل من الممكن قبول مثل تلك الروايات التي تشكك بمعرفة رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بالوحي ؟
يقول الله تعالى في سورة الأعلى: «سَنُقْرِؤُكَ فَلا تَنسَى » (1). هكذا وصف القرآن الكريم رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، بأنّه : لا ينسى ، وهذا ضمان من الله تعالى ، الذي قال: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ» (2). من أجل تقرير شخصيّة رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) التي أرادها الله تعالى، وقرّرها العقل السليم والمنطق الرفيع، وقد أكّدت الأحاديث المتضافرة هذه الإرادة الإلهيّة بأن لا ينسى رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وأنّها كانت منذ بعثه (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بالرسالة ويوم نزول سورة العلق .
فقد أورد السيوطي في الدرّ المنثور في حديث طويل عن عائشة ، عندما نزل عليه الأمين جبرئيل فى الغار ، من جملته أنّ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قال وهو يتحدّث عمّا جرى له مع جبرئيل : ثم قال لي : «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ» إلى قوله : «مَا لَمْ يَعْلَمْ»(3)، قال رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : فما نسيت شيئاً بعده (4).
ولكنّ نظرة بعض الصحابة ، وكذلك أصحاب الصحاح والمسانيد، ومن تبعهم وأيّدهم من المسلمين هي : الاختلاف مع هذا التعريف لشخصيّة رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، : وقالوا للقرآن الكريم : أنت تقرّر أنّ الرسول لا ينسى ، ولكنّنا لا نوافقك ، ونقرّر أنّه ينسى ، ونثبته في قلوب العوام. وهذا هو الواقع اليوم الذي لا يقبل النقاش عند المسلمين من أهل السنّة والجماعة ..
فقد روى البخاري في صحيحه ، في كتاب الشهادات ، باب : شهادة الأعمى :
عن عائشة قالت: «سمع النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) رجلاً يقرأ في المسجد ، فقال : رحمه الله ، لقد أذكرني كذا وكذا آية ، أسقطتهنّ من سورة كذا وكذا»(1).
ورواه البخاري في صحيحه أيضاً، في كتاب فضائل القرآن ، باب : نسيان القرآن (2).
وأيضاً في كتاب فضائل القرآن، باب : من لم يرَبأساً أن يقول سورة البقرة(3).
ورواه أيضاً في كتاب الدعوات ، باب : قوله تعالى : «وَصَلِّ عَلَيْهِمْ »(4).
ورواه أيضاً مسلم(5)، وغيرهما من كتب الرواية والحديث (6).
وكما ترى أخي الكريم فإنّ القرآن الكريم يقرّر إرادة الله تعالى في شيء ما، ويأتي البخاري وغيره ليناقض ذلك، ويلق كلامه القبول والتطبيق من أغلب المسلمين !
والأغرب من ذلك أنّ البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب الصحاح يقرّرون أن عدداً من الصحابة كان لا ينسى شيئاً ممّا حفظه ، ويلق هذا الرأي القبول الواسع عند جمهور العامّة من المسلمين.
فقد روى البخاري في صحيحه، في كتاب العلم ، باب : حفظ العلم: عن أبي هريرة، قال: قلت: يا رسول الله ، إنّي أسمع منك حديثاً كثيراً أنساه ؟ قال: «أبسط رداءك»، فبسطته ، قال : فغرف بيديه، ثم قال : «ضمّه»، فضممته، فما نسيت شيئاً بعده (7).
ورواه البخاري أيضاً، في كتاب المناقب، باب: سؤال المشركين أن يريهم النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )
آية (1).
وروى البخاري في صحيحه، في كتاب البيوع: أنّ أبا هريرة قال: إنّكم ، تقولون : إنّ أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وتقولون : ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدّثون عن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بمثل حديث أبي هريرة، إنّ إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق ، وكانت الأنصار يشغلهم القيام علىٰ أموالهم وكنت ألزم رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) على ملء بطني ، فأشهدُ إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا، وكان يشغل إخوتي من الأنصار عمل أموالهم ، وكنت امرءاً
مسكيناً من مساكين الصُفّة ، أعي حين ينسون ، وقد قال رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في حديث يحدثه : «إنّه لن يبسط أحد ثوبه حتّى أقضي مقالتي هذه، ثمّ يجمع إليه ثوبه، إلا وعى ما أقول»، فبسطت نمرة عليّ ، حتّى إذا قضى رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) مقالته جمعتها إلى صدري، فما نسيت من مقالة رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) تللك من شيء (2).
يا سبحان الله ! أبو هريرة لا ينسى ويحفظ كلّ شيء، ويقرّر ذلك العلماء، ويفتخرون براوية الإسلام، ويقفون أمام ظاهرة حفظه موقف المقرّ المعترف بقدرة أبي هريرة، بينا رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ینسی آیات القرآن (3)، وينسى عدد ركعات الصلاة (4)، وينسى أنّه جنب (5)، وينسى أمر الجيش وحاجته للماء، وغير ذلك من أمور النسيان والسهو والإهمال التي يقرّرونها ويسلّمون لها .
والغريب أنّهم يعتقدون أنّ ظاهرة الحفظ وعدم النسيان عند أبي هريرة كانت بفعل رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) الذي وضع تلك الخاصية عند أبي هريرة ، كما في
الروايات، ولكنهم يعتقدون بسهو ونسيان من أعطى تلك الخاصية ، فهل من عنده القدرة على جعل مثل أبي هريرة لا ينسى ويمنحه القدرة على الحفظ لا يستطيع أن يمنحها لنفسه ؟
روى البخاري في صحيحه، في كتاب التيمم ، باب : الصعيد الطيّب: عن عمران ، قال : «كنّا في سفر مع النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )، وإنّا أسرينا ، حتّى كنّا في آخر الليل ، وقعنا وقعة ، ولا وقعة أحلى عند المسافر منها ، فما أيقظنا إلا حرّ الشمس، وكان أوّل من استيقظ فلان ثمّ فلان ثمّ فلان - يسمّيهم أبو رجاء فنسی عوف - ثمّ عمر بن الخطاب الرابع ، وكان النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) إذا نام لم يوقظ حتّى يكون هو يستيقظ ؛ لأنّا لا ندري ما يحدث له في نومه ، فلمّا استيقظ عمر ورأى ما أصاب الناس، وكان رجلاً جليداً، فكبّر ورفع صوته بالتكبير ، فما زال يكبر ويرفع صوته بالتكبير ، حتى استيقظ بصوته النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فلمّا استيقظ شكوا إليه الذي أصابهم، قال: «لا ضير ، أو لا يضير، ارتحلوا». فارتحل، فسار غير بعيد، ثمّ نزل فدعا بالوضوء، فتوضّأ، ونودي بالصلاة فصلّى بالناس»(1).
ورواه مسلم في صحيحه ، وغيرهما كثير (2).
والملاحظ في هذه الروايات كثرة تناقضها الواضح ؛ فبعد اتّهام رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بالنوم والسهو عن الصلاة ، فإنّنا نلاحظ قضيّة هامّة ملفتة للنظر، وهي أنّه ومن خلال الطعن على شخص رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) واتّهامه بالتقصير والنسيان واللامبالاة والنوم والسحر وغيرها ، نجد أنّ التهمة والمنقصة بعد إظهارها في الرواية تتحوّل إلى فضيلة لشخص آخر أو أشخاص آخرین غیر رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، حتّى أنّهم يظهرونهم بمظهر الأبطال والمنقذين، ولذلك يُظهر رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بأنّه شخص
عادي، بل تبيّن هذه الروايات وأمثالها أنّ هناك من هو أفضل من النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وأجلد
منه وأحرص منه على دين الله وشريعته، فبالتالي يفقد رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عصمته ومقامه، ويمنح الفضل لأشخاص آخرين، وهذا هو المقصود الرئيسي من هذه الروايات وأمثالها عند أهل السنّة والجماعة .
وتعليقاً على الرواية السابقة، والتي تتناقض مع بعضها ، وتتناقض مع حقيقة رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، يقول ابن حجر العسقلاني في فتح الباري شرح صحيح البخاري : وقد اختلف العلماء ، هل كان ذلك مرّة أو أكثر، أعني : نومهم عن صلاة الصبح ، فجزم الأصيلي بأن القصة واحدة ، وتعقّبه القاضي عياض بأنّ قصّة أبي قتادة مغايرة لقصة عمران بن حصين، وهو كما قال، فإنّ قصّة أبي قتادة فيها أنّ أبا بكر وعمر لم يكونا مع النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لمّا نام، وقصّة عمران فيها أنّهما كانا معه، كما سنبيّنه ، وأيضاً فقصّة عمران فيها أنّ أوّل من استيقظ : أبو بكر ، ولم يستيقظ النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) حتّى أيقظه عمر بالتكبير ، وقصّة أبي قتادة فيها أنّ أوّل من استيقظ : النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وفي القصّتين غير ذلك من وجوه المغايرات (1).
وعلى ما يبدو وكما ذكرنا ، فإنّ كلّ تلك المتناقضات والطعونات على رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ما وضعت إلّا لاصطناع فضائل لشخصيّات معينة، أو تبريراً لأفعال مشينة قد فعلها بعض أولئك، فحتّى تكون الأمور طبيعيّة استشهدوا بحصولها مع رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) - وحاشاه من ذلك - فتَظْهَرُ أفعالهم مبرّرة ولا تعتبر في حقّهم منقصة ، بل إنّها تتحوّل إلى فضائل لهم.
وإليك حادثة أخرى سهى فيها بعض الصحابة عن صلاتهم، فحتّى يكون السهو طبيعيّاً ومبرّراً أضافوا السهو إلى رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ..
فقد روى البخاري في صحيحه في كتاب مواقيت الصلاة، باب : من صلّى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت : عن جابر بن عبدالله : «أنّ عمر بن عمر بن الخطاب جاء
1) فتح الباري في شرح صحيح البخاري 1: 379 .
يوم الخندق بعدما غربت الشمس ، فجعل يسبّ كفّار قریش ، قال : يا رسول الله ، ما كدت أصلّي العصر ، حتّى كادت الشمس تغرب ، قال النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «والله ما صلّيتها». فقمنا إلى بطحان فتوضّأ للصلاة وتوضّأنا لها ، فصلّى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلّى بعدها المغرب». ورواه البخاري في صحيحه في أكثر من موضع في كتاب الأذان، باب قول الرجل : ما صلّينا ، وفي أبواب صلاة الخوف، وفي كتاب المغازي، باب : غزوة الخندق ..
ورواه مسلم وغيرهما كثير (1).
يقول النووي في شرح صحيح مسلم: «وإنّما حلف النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) تطييباً لقلب عمر ، فإنّه شقّ عيه تأخير العصر إلى قريب من المغرب ، فأخبره النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أنّه لم يصلِّها بعد ، ليكون لعمر به أسوة ، ولا يشقّ عليه ما جرى وتطيب نفسه ، وأكّد ذلك الخبر باليمين»(2).
لاحظوا في الشروحات ، فإنها تكون دائماً لتبرير فعل الصحابي ، ثمّ استنباط الأحكام بناءً على ذلك التبرير ، ولا يلفت النظر نهائياً إلى شخص رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وعصمته وأدبه وخلقه ، بل تتّجه إلى اصطناع فضائل وتبرير مواقف فعلها الصحابة حتّى لو خالفت القرآن الكريم وكلام ربّ العالمين، الذي يقول: «إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى المؤمِنِينَ كِتاباً موقوتاً » (3).
وقد ذكر في كتب التاريخ والحديث: أن أميرالمؤمنين عليّاً(علیه السّلام) كان لا يدع صلاته حتّى في أشدّ المواقف، وقد ذكرت صلاته في معركة صفّين عندما كانت تنهال عليه النبال من كلّ صوب وهو مستمر في صلاته (4)..
فهذا تلميذ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فكيف برسول الله الذي علّم أميرالمؤمنين (علیه السّلام) كيف يكون الرجل رجلاً في المواقف الصعبة ؟
وكيف كانوا كلّما اشتدت الأمور كانوا يزدادون قرباً من الله تعالى(1)؟
1) مقتطفات من كتاب المستبصر «نهج المستنير وعصمة المستجير»: 105 - 133. (بتصرّف يسير).
نشأ وترعرع في أُسرة فلسطينية شافعية المذهب، واصل دراسته الأكاديميّة حتّىٰ حصل على الدكتوراه في «الرياضيات»، وأصبح أستاذاً جامعياً(1).
يعتقد «عادل» أنّ سبيل الوصول إلى العقيدة الصحيحة هو أن يمارس الإنسان كافّة اختياراته في البحث عن حقائق الإسلام بين أقوال السلف في التاريخ وغيرها، ودون إكراه، وأن يقبل نتيجة ذلك علىٰ ضوء العقل السليم بعد تنقيته من الشوائب ؛ ليتمكّن من الوصول إلى العقيدة السليمة المبتنية علىٰ الأدلّة والبراهين.
ومن هذا المنطلق ينبغي للمسلم إعادة النظر في موروثه العقائدي؛ ليصل إلىٰ العقيدة التي تطمئنّ إليها نفسه ، نتيجة قوة أدلّتها ، وأن يحاول من خلال الحوار مع أبناء المذاهب الأخرىٰ أن يوسع آفاق معارفه الدينيّة.
وصل نبأ استبصار مجموعة من أصدقاء «عادل» القدماء إليه ، فقدم إليهم لأجل التعرّف علىٰ سبب استبصارهم، فتعرّف علىٰ مذهب أهل البيت(علیهم السّلام) . وانكشفت له مكانة الإمام عليّ بن أبي طالب (علیه السّلام) الحقيقية، المذكورة في الكتب
1) للمستبصر ملف في المركز يحتوي علىٰ نبذة من حياته وأدلّة استبصاره.
التاريخية والحديثية رواية عن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، كما اتّضح له أنّ المكانة الرفيعة التي
نُسبت للصحابة لم يكن الهدف منها سوىٰ إبعاد الناس عن أهل البيت(علیهم السّلام) .
توصل «عادل» عن طريق البحث والتحقيق إلىٰ أن صحابة رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ليسوا عدولاً بأجمعهم، كما يعتقد أبناء العامّة ، بل فيهم من نزلت فيه الآيات القرآنية التي تبيّن صفات المنافقين وتحذّر منهم ، وإنّ كثيراً منهم كانوا ضمن صحابة رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وأسلموا على يده (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ظاهراً إلّا أنّهم كانوا يسعون دائماً إلىٰ منع المسلمين من السير علىٰ الطريق المستقيم وفق منهاج الرسول(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) .
ومن هذا المنطلق يرىٰ «عادل» أنّ من حقّ المسلم أن يعرف مجريات التاريخ الإسلامي حتىٰ يحدّد أسباب التخلّف الذي تعاني منه الأمّة، باعتباره فرداً من أفرادها، ومرتبطاً بمصيرها.
ومن حقّه أيضاً أن يتّخذ المواقف التي يمليها عليه ضميره ، بعيداً عن التلقين والإيحاء ، كما يمكنه إعادة النظر في كثير من التراث الذي ورثه المسلمون مسلّمين بصحّته ؛ فإنّ دراسة واعية نزيهة للتراث كفيلة بإزالة الحصانة والقداسة التي أُضفيت لبعض الرموز التاريخية.
ومن أهمّ هذه المسائل التي ينبغي بحثها موضوع عدالة الصحابة ، لأنّ المسلمين قد أخذوا معالم دينهم من الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عن طريق أصحابه ، فإذا اتّضحت للمسلم صفاتهم وخصوصياتهم الإيجابيّة والسلبيّة يمكنه حينئذٍ أن يسلك الطريق الصحيح باطمئنان أكثر .
يقول ابن حجر : يعتقد أهل السُنّة أنّ جميع الصحابة عدول، ولم يخالف في ذلك إلّا شذوذ من المبتدعة (1).
1) الإصابة 1: 162 .
ومعنىٰ ذلك أنّه لا ينبغي أن يُسأل عن عدالة أحد من الصحابة، وهم عدول ما دام لهم صحبة مع النبيّ الأكرم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )..
إلّا أنّ الشيعة يعتقدون أن الصحبة التي تشمل كلّ من صحب النبيّ الأكرم(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أو رآه أو سمع منه ليست بمجرّدها عاصمةً تُلبس صاحبها لباس العدالة ، وإنما تختلف منازلهم ودرجاتهم بالأعمال (1).
يعتمد أبناء العامّة في نقل الأحاديث علىٰ بعض الأصحاب أكثر من غيرهم ويدّعون عدالة جميع هؤلاء ك: أبي بكر ، عمر بن الخطاب وعثمان ، معاوية ، عائشة، كعب الأحبار، أبي هريرة المغيرة بن شعبة ، طلحة، الزبير وأبي عبيدة الجرّاح، واستدلّوا علىٰ عدالة بعضهم بالرواية المعروفة برواية «العشرة المبشّرة»؛ فرووا عن سعيد بن زيد عن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أنّه قال : «عشرةٌ في الجنّة : أبو بكر في الجنّة، وعمر
في الجنّة، وعليّ، وعثمان، والزبير، وطلحة ، وعبدالرحمٰن ، وأبو عبيدة ، وسعد بن أبي وقاص ، قال : فعدّ هؤلاء التسعة وسكت عن العاشر ، فقال القوم : ننشدك الله يا أبا الأعور من العاشر ؟
قال : نشدتموني بالله ، أبو الأعور في الجنّة ، قال : هو سعيد بن زيد بن عمر و بن نفيل»(2).
إلّا أنَّ هذه الرواية تنتقض بالآيات القرآنية والروايات الصحيحة والوقائع التاريخية الثابتة التي نُقلت في سيرة الأصحاب وسلوكهم مع النبيّ الأكرم(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، في حياته وبعد وفاته.
1) للمزيد راجع: خطبة أميرالمؤمنين (علیه السّلام) في هذا المجال، نهج البلاغة 2: 188.
2) ذكرها البخاري في التاريخ الكبير 5: 124، وذكر في بعض الروايات أنَّ النبيّ في الجنّة أيضاً راجع: مسند أحمد 1: 187، سنن ابن ماجة 1: 48، سنن أبي داود 2: 401، سنن الترمذي 5: 313، سير أعلام النبلاء 1: 104، أسد الغابة 4: 29 .
القرآن الكريم الذي لم يختلف المسلمون في أنّه قطعيّ الصدور ، يمدح جمعاً من الصحابة ويذمّ بعضاً آخرين، وهم الصحابة المنحرفون الذين علم الله تعالىٰ أنّهم سيموتون على الكفر والنفاق، ومن هذه الآيات قوله تعالىٰ: «وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنْ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ » (1).
وقال أيضاً : «يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُواْ بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُواْ إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذَابًا أَبِما فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِن وَلِي وَلَا نَصِير» (2).
وقال سبحانه: «وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ» (3).
فلو أنّ الذين يصرّون علىٰ عدالة جميع الصحابة ويحاولون إثباتها باتّفاق العلماء لو أنصفوا أنفسهم وأزاحوا عن أعينهم غشاوة الهوىٰ لرأوا بأمّ أعينهم أنّ هذه الآيات تنسف نظرية عدالة الصحابة من أساسها .
من جهة أخرى إنّ كتب التاريخ التي تكفّلت بذكر جانب من حياة الصحابة خير شاهد على أنّ الباحث لا يمكنه أن يعتمد على أقوال الصحابة كلّهم ؛ فمنهم من خالف رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وآذاه في حياته(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ومنهم من خالفه في أمر أهل بيته(علیهم السّلام) بعد رحلته .
فقد ذكر مسلم في صحيحه: عن مسروق، عن عائشة ، أنّها قالت : صنع رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أمراً فترخّص فيه ، فبلغ ذلك ناساً من أصحابه ، فكأنّهم كرهوه وتنزّهوا عنه ، فبلغه ذلك ، فقام خطيباً ، فقال(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «ما بال رجال بلغهم عنّي أمر ترخّصت فيه فكرهوه وتنزّهوا عنه ؟! فوالله لأنا أعلمهم بالله وأشدّهم له خشية» (1)
يتضح من هذا الخبر أنّ في حياة النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وفي المدينة نفسها كان يعمل بعض الصحابة بظنّهم دون تثبّت وتحقيق ، كما كانوا يكرهون ما قال النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أو ما فعل، وإن دلّ هذا الخبر علىٰ شيء فإنّه يدلّ علىٰ عدم قبول هؤلاء للرسالة الإلهيّة كما هو حقّها وعدم قبولهم للنبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) کحامل لهذه الرسالة ومبلّغها ، وإلّا لما اعترضوا عليه.
جاء في «الكامل في التاريخ» أنّ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أمر أغلب المهاجرين والأنصار بالتوجّه إلىٰ غزو الروم تحت إمرة أسامة بن زيد، وكان على رأسهم أبو بكر وعمر بن الخطّاب وأبو عبيدة وآخرون (2)، فطعنوا في إمارته، وتثاقلوا حتىٰ قام فيهم رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) خطيباً ، وقال : «إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله ، وأيم الله لقد كان خليقاً للإمارة» (3).
وتثاقل كثير من الصحابة فلم يلتحقوا بأسامة، وعصوا أمر الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بذلك حتىٰ أغضبوه، فأمرهم ثانية وثالثة، إلىٰ أن قال(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «جهّزوا جيش أسامة ، لعن الله من تخلّف عنه» (4).
ونقل البخاري أنّ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في مرضه الأخير أراد أن يكتب للصحابة كتاباً يرسم لهم منهجاً لحياتهم كي لا يضلّوا من بعده، ويتّضح ذلك من فقرة:
«ائتوني بكتف، أكتب كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً» (1)، إذ أرجأ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عدم الضلالة إلى كتابة الكتاب، وهذا يعني أنّ الكتاب كان سيحتوي علىٰ أهمّ وصاياه(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) والتي
ستكون من أساسيّات القضايا التي يجب مراعاتها بعد وفاته(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) .
إلّا أنّ بعض الصحابة عصوا أمره (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ولم يكتفوا بالعصيان بل اتّهموه بالهجر، كما تنصّ على ذلك الرواية؛ إذ تقول : «تنازعوا ولا ينبغي عند نبيّ تنازع، فقالوا: هجر رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فقال (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : دعوني ، فالذي أنا فيه خير ممّا تدعونني إليه»(2)، وذكر المؤرّخون في روايات أخر أنّ القائل كان عمر بن الخطّاب، وأنّه الرادّ على رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) (3).
ويفهم من هذه الرواية أنّ الذين اتّهموا رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بالهجر والذين أيّدوا هذا القول هم من كبار الصحابة، ومخالفتهم له (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لم تكن في قضيّة هامشيّة أو سطحيّة، وإنّما كانت في أهمّ القضايا التي فيها النجاة من الضلالة الأبديّة، حتّىٰ أنّ ابن عبّاس وعند ذكره لهذه الواقعة كانت دموعه تسيل على خدّيه، ويقول: «يوم الخميس ! وما يوم الخميس ؟!» أو «الرزيّة كل الرزيّة ما حال بين النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وبين كتابه ....» (4).
فعندما يقايس الباحث بين مدىٰ جرأة بعض الصحابة علىٰ الرسول الأكرم(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وبين الآية الكريمة التي تقول : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا
1) صحيح البخاري 4: 66، مسند أحمد 1: 222 ، صحيح مسلم 5: 75، السنن الكبرىٰ للبيهقي9: 2079 .
2) صحيح البخاري 4: 66، مسند أحمد 1: 222، صحيح مسلم 5: 75، السنن الكبرىٰ للبيهقي 9: 207.
3) راجع صحيح البخاري 7: 9 و 8: 161، مسند أحمد 1: 222، السنن الكبرىٰ للنسائي 3: 433، و 4: 360.
4) صحيح البخاري 4: 31 و 5 : 137، صحيح مسلم 5: 75 ، السنن الكبرىٰ للنسائي 3: 434، الطبقات الكبرىٰ 2: 242 ، تاريخ الطبري 2: 436 ، الكامل في التاريخ لابن الأثير 2: 320.
تَشْعُرُونَ» (1)لا يصل إلّا إلىٰ أنَّ في الصحابة من كان من الخاسرين والمحبِطين أعمالاً !
ويدلّ علىٰ عدم عدالة سائر الصحابة أيضاً: ما تناقلته كتب الحديث والتفسير في واقعة صلح الحديبية عن عمر بن الخطّاب أنّه قال: «والله ما شككت منذ أسلمت إلّا يومئذ ، فأتيت النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فقلت له : ألستَ نبي الله حقّاً ؟ ! ، قال : بلىٰ، قلت : ألسنا على الحقّ وعدوّنا على الباطل؟ ، قال : بلىٰ، قلت : فلِمَ نعطي الدنيّة في ديننا ؟ ، قال : إنّي رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري ، قلت : أوليس كنت حدّثتنا : إنّا سنأتي البيت، ونطوف به ؟ قال : بلىٰ، أفأخبرتك أنّا نأتيه العام ؟ ، قلت : لا ، قال : فإنّك آتيه ، ومطوف به .
قال عمر : فأتيت أبا بكر ، فقلت : يا أبا بكر ، أليس هذا نبي الله حقّاً؟ قال: بلىٰ قلت : ألسنا علىٰ الحقّ ، وعدوّنا على الباطل ؟ ...(2)
ويدلّ هذا الحديث علىٰ تشكيك عمر ، وإنكاره على النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في ما فعله بأمر الله تعالىٰ، ثم رجوعه إلىٰ أبي بكر حتّى أجابه ، كما يدلّ قبوله من أبي بكر وعدم قبوله من النبيّ الأكرم(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) علىٰ ضعف الإيمان بالله ورسوله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) .
وبعد كلّ ذلك فإنّ صحبة النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بوحدها ليست أكبر امتيازاً من الزواج منه(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فإنّ مصاحبة أزواجه له كانت من أعلىٰ درجات الصحبة ، وقد قال الله تعالىٰ في شأنهنّ ما يتّضح منه أنّهن لم يتّصفن بالعصمة بل مرتهنات بأعمالهنّ ؛ قال تعالىٰ: «يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذلِكَ عَلَى الله يَسِيراً * وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ الله وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً * يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ
فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً » (1).
وما ورد من سيرة أزواج النبيّ الأكرم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يدلّ على ذلك أيضاً، إذ أن عائشة لمّا وصلت إلىٰ ماء حوأب قاصدة البصرة لقتال أمير المؤمنين (علیه السّلام) وأصحابه نادت بأعلىٰ صوتها بعد نباح الكلاب - سائلةً عن هذا المكان، وعندما سمعت أنّها في ماء الحوأب ، قالت أنا والله صاحبة كلاب الحوأب طروقاً، ردّوني .. قالت ذلك ثلاثا (2).
كما روي أنّها قالت عندئذ: ما أراني إلّا راجعة ، فقال محمّد بن طلحة : ولِمَ ؟ قالت: سمعت رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يقول لنسائه : كأنّي بإحداكن قد نبحها كلاب الحوأب، وإياك أن تكوني أنتِ يا حميراء (3).
إلّا أنَّ عبدالله بن الزبير أتاها وحلف لها بالله بأن قد خلّفتيه أوّل الليل، وأتاها ببيّتة زور من الأعراب ، فشهدوا بذلك (4)، فكانت تلك الشهادة أول شهادة زور أقيمت في الإسلام.
فالنصوص الشريفة والشواهد التاريخيّة إذاً خير دليل على صحّة ما ادّعاه أتباع مدرسة أهل البيت(علیهم السّلام) من أنّ في الصحابة مؤمنين أثنى الله عليهم في الكتاب العزيز، وفيهم منافقين ذمّهم تعالىٰ في آيات كثيرة، وأخبر نبيّه(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عن حقيقة هؤلاء الذين تلبّسوا بلباس الإيمان وصحبوا رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وفيهم من أخبر الله عنهم بالإفك(5)، وفيهم من قصد اغتيال النبيّ الأكرم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في العقبة (6)وغيرهم.
1) الأحزاب (33): 30 - 32.
2) راجع: تاريخ الطبري 3: 475.
3) الإمامة والسياسة 1: 82 .
4) الإمامة والسياسة 1: 82 البداية والنهاية 6: 236، تاريخ الإسلام للذهبي 1: 389 ، المستدرك على الصحيحين 3: 120.
5) صحيح البخاري 3: 146 و 6: 5 و 7 : 225 ، صحيح مسلم :8 113، المستدرك على الصحيحين 4: 39 ، تاريخ الطبري 2: 264 ، البداية والنهاية 1: 210 .
6) الكشاف 2: 203، زاد المسير لابن الجوزي 3: 314.
من خلال البحث عن أحوال الصحابة تبيّن ل- «عادل» أنّ طريق أتباع أهل البيت(علیهم السّلام) هو الطريق الوحيد الذي يستطيع الإنسان أن يطمئن إليه في تلقّي المعارف الإسلاميّة، والوصول إلىٰ سُنّة رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فأعلن استبصاره، وانضمّ إلىٰ أصدقائه الذين استبصروا قبله ، وساهم معهم في نشر مذهب أهل البيت(علیهم السّلام) والدعوة إلىٰ أصوله ومبادئه الحقّة.
نشأ في فلسطين المحتلة، وتربّى في أحضان أسرة سنّية المذهب.
بعد بلوغه مرحلة الرشد اتّبع «عبدالله» الفكر السلفي السنّي، وكان يناقش الناس من هذا المبدأ ، الذي تأثّر به في بيئته التي نشأ بها .
وذات يوم أثار أحد المنتمين إلى مذهب أهل البيت(علیهم السّلام) تساؤلات عن بعض المواضيع التاريخية والاعتقادية ، فأحسّ «عبدالله» بنوع من التزلزل في معتقداته التي نشأ عليها، وكانت المواضيع ترتبط بالأجواء التي صاحبت وفاة الرسول الأكرم(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ومكانة أهل بيته(علیهم السّلام) ، وما جرى عليهم بعد وفاته(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، كما تطرّق الباحث الشيعي إلى نظرية عدالة الصحابة ، وأدلّة كون الخلافة بالنص، وغير ذلك.
فتوصّل «عبدالله» بعد ذلك الحوار إلى أنّ معتقد عامّة الناس من السنّة محاط بنوع من التكتّم على الحقائق من قبل علمائهم، وخاصّة فيما يرتبط بأهل البيت (علیهم السّلام) .
يقول «عبدالله» عن المناقشات التي دارت بينه وأصدقائه من جهة وبين الباحث الشيعي .... في الحقيقة إنّي كنت لا أعرف من هم أهل البيت(علیهم السّلام) فبدأتُ التساؤل حول هذا الموضوع : أنّ أهل البيت من هم ؟ وكيف نصلّي عليهم ؟ فتدرّج الباحث الشيعي معنا في الموضوع، فانفتحنا على مسائل كثيرة ، منها : أن الإمام عليّاً (علیه السّلام) أحقّ بالخلافة من أبي بكر، وأنّ الخلافة اغتُصبت من عليّ وأبنائه(علیهم السّلام) .
و ...، فاستغربت لذلك ؛ كيف حدث ذلك كلّه ونحن لا نعلم منه شيئاً ؟ ! وكيف غُيّبت عنّا هذه الحقائق ؟ !
«وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ »(1):
ليست هذه المنقبة هي الوحيدة التي يسعى مبغضو أهل البيت(علیهم السّلام) لتغييبها عن الجيل المسلم وإن كانت من الوقائع التاريخية المهمّة الثابتة .
قال أبو جعفر الإسكافي: قد ثبت بالتواتر حديث الفراش ... فلا يجحده إلّا مجنون أو غير مخالط لأهل الملّة ... وقد روى المفسّرون كلّهم أنّ قول الله تعالى : «وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ» أنزلت في علي(علیه السّلام) الليلة المبيت على الفراش (2)
وقال الثعلبي في تفسيره: رأيت في الكتب أنّ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لمّا أراد الهجرة خلّف علىّ بن أبي طالب بمكّة لقضاء ديونه ، وردّ الودائع التي كانت عنده ، فأمره ليلة خرج إلى الغار وقد أحاط المشركون بالدار أن ينام على فراشه(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وقال له : (اتّشح ببردي الحضرمي الأخضر، ونم على فراشي؛ فإنّه لا يخلص إليك منهم مكروه إن شاء الله).
ففعل ذلك عليّ، فأوحى الله تعالى إلى جبرئيل وميكائيل : أني قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر ، فأيّكما يؤثر صاحبه بالبقاء والحياة ؟
فاختار كلاهما الحياة، فأوحى الله تعالى إليها : أفلا كنتما مثل عليّ بن أبي طالب آخيت بينه وبين محمد (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فبات على فراشه ، يفديه نفسه ويؤثره بالحياة، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوّه.
فنزلا ، فكان جبرئيل عند رأس عليّ وميكائيل عند رجليه ، وجبرئيل ينادي بخٍ بخٍ من مثلك يابن أبي طالب.
فنادى الله عزّ وجلّ الملائكة، وأنزل الله على رسوله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وهو متوجّه إلى المدينة في شأن عليّ: «وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّهِ» .
قال ابن عبّاس: نزلت في عليّ بن أبي طالب حين هرب النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) من المشركين إلى الغار مع أبي بكر ، ونام عليّ على فراش النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) (1).
وروى الحاكم عن الإمام السجّاد علي بن الحسين (علیه السّلام) أنّه قال : إنّ أول من شرى نفسه ابتغاء رضوان الله : عليّ بن أبي طالب، وقال عليّ عند مبيته على فراش رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) :
وقيت بنفسي خير من وطيء الحصا*** ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر
رسول الله خاف أن يمكروا به*** فنجّاه ذو الطول الإله من المكر
وبات رسول الله في الغار آمنا*** موقّى وفي حفظ الإله وفي ستر
وبت أراعيهم ولم يتّهمونني*** وقد وطّنت نفسي على القتل والأسر (2)
ومع هذا لم يطق قادة التيار المعادي لأهل البيت هذه المنقبة لأميرالمؤمنين(علیه السّلام) ؛ فقد روي أنّ معاوية بن أبي سفيان بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتى يروي أنّ الآية الكريمة: «وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَهُ الْخِصَامِ* وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ» (3)نزلت في عليّ بن أبي طالب، وقوله تعالى: «وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ» (4)نزل في ابن ملجم، فلم يقبل،
فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل ، فبذل له ثلاثمئة ألف فلم يقبل ، فبذل له أربعمئة ألف فقبل ، وروى ذلك(1).
بعد الانصات إلىٰ الأدلّة التي تثبت أفضلية الإمام علي(علیه السّلام) بعد رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وغيرها من أدلّة الشيعة قرّر «عبدالله» الاستفسار عن تلك الأدلّة، فبدأ بعرضها على بعض مشايخ السنّة - علّه يجد أجوبة مقنعة - إلّا أنّه لم يواجه إلّا بالسبّ والتشهير، فتحدّث في نفسه قائلاً : لغة السباب ليست لغة العلم، وإنّما لغة العلم الحقيقية هي مقارعة الحجّة بالحجّة ، والسباب يحسنه الكل .
فقرّر «عبدالله» الاستمرار في البحث والتحقيق، وتوصّل في آخر المطاف إلى أنّ رؤية المذهب الشيعي هي التي ينبغي أن تُتّبع ، فأعلن عن استبصاره والتحاقه بركب أتباع أهل البيت(علیهم السّلام) (2).
ولد سنة 1344 ه- (1926م) ، في «سحماتا» في فلسطين في أسرة شافعية المذهب.
واصل «علي» دراسته لمدة أربع سنوات في بعض مدارسها الرسمية، ثم انتقل إلى «عكا» فدخل المدرسة الأحمدية.
يقول «علي» عن سبب استبصاره: «كنت أجد في نفسي دافعاً قوياً بحب آل بيت الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )، وهذا الحب كان يدفعني للتعرّف على سيرة من اختارهم الله ليكونوا مناراً لخلقه، وسفناً لنجاته، لذا كان هذا الدافع يحفزني للدراسة والأخذ من معينهم الصافي، وهذا هو السبب الباعث لاعتناقي مذهب «الشيعة الإمامية».
عندما يراجع الباحث المنصف سيرة أميرالمؤمنين (علیه السّلام) يجد فيها ما يثبت حقاً - أفضليته علىٰ سائر الصحابة، ما يجعله مستحقاً لتصدّي الخلافة بعد رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) دون غيره عقلاً قبل النقل.
فأميرالمؤمنين(علیه السّلام) أول من صدق برسالة النبيّ الأعظم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وقد نقل التاريخ الكثير من المحاججات التي تثبت هذه الحقيقة، ومن أجودها ما نُقل عن المأمون في محاججته لإسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل بن حماد بن زيد في ما حاجه في إمامة
أميرالمؤمنين(علیه السّلام) ؛ إذ قال له : هل علمت أحد أسبق عليّاً (علیه السّلام) إلى الإسلام ؟
قال إسحاق : إنّ عليّاً أسلم وهو حديث السنّ لا يجوز عليه الحكم ، وأبو بكر أسلم وهو مستكمل يجوز عليه الحكم.
قال له المأمون : أخبرني أيّهما أسلم قبل، ثم أناظرك بعد في الحداثة.
قال إسحاق : عليّ أسلم قبل أبي بكر على هذه الشريطة.
قال له المأمون : أخبرني عن إسلام علي(علیه السّلام) حين أسلم ، لا يخلو من : أن يكون النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) و دعاه إلى الإسلام ، أو يكون إلهاماً من الله تعالىٰ ؟ فأطرق.
فقال له المأمون : لا تقل إلهاماً ، فتقدّمه على النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، لأنّ النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لم يعرف الإسلام حتّى أتاه جبرئيل(علیه السّلام) عن الله تعالىٰ.
قال إسحاق : بل دعاه النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) .
قال المأمون : فهل يخلو النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) حين دعاه من : أن يكون دعاه بأمر الله ، أو
تكلّف ذلك من نفسه. فأطرق.
قال له المأمون : لا تنسب النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) إلى التكلّف ؛ فإنَّ الله تعالى يقول: « وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ » (1).
قال إسحاق : أجل بل دعاه بأمر الله تعالىٰ.
قال له المأمون : هل من صفة الجبّار جلّ ذكره أن يكلّف رسله دعاء من لا يجوز عليه الحكم ، وفي قياس قولك : «أسلم عليّ وهو صبي لا يجوز عليه حكم» قد كلّف النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) من دعاء الصبيان ما لا يطيقون، فهل يدعوهم الساعة، ويرتّدون بعد ساعة . فلا يجب عليهم في ارتدادهم شيء، ولا يجوز عليهم حكم النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ). أترى عندك جائزاً أن تنسب هذا إلىٰ النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ؟
قال إسحاق : أعوذ بالله .
1) ص (38): 86 .
قال له المأمون : فأراك يا إسحاق إنّما قصدت لفضيلة فضّل بها النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عليّاً على هذا الخلق ، أبانه بها منهم ؛ ليعرفوا فضله، ولو كان الله أمره بدعاء الصبيان لدعاهم كما دعا عليّاً(1).
وقال أبو عمر : وروي عن سلمان الفارسي أنّه قال: «أوّل هذه الأمّة وروداً علىٰ نبيّها (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) الحوض أوّلها إسلاماً : عليّ بن أبي طالب(2)
قال الهيثمي : ورجاله ثقات (3).
وعن ابن عبّاس أنّه قال : «أوّل من صلّىٰ مع النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بعد خديجة عليّ بن أبي
طالب» (4).
وقال أيضاً: «كان عليّ أوّل من آمن من الناس بعد خديجة»(5).
وقال ابن شهاب ، وعبدالله بن محمد بن عقيل ، وقتادة ، وابن إسحاق : «أوّل من أسلم من الرجال عليّ ، واتّفقوا أنّ خديجة أوّل من آمن بالله ورسوله، وصدّقه فيما جاء به ، ثمّ عليّ بعدها ، وروي في ذلك عن أبي رافع مثل ذلك» (6).
وسئل محمّد بن كعب القرظي عن أوّل من أسلم عليّ أم أبي بكر ؟ فقال: «سبحان الله! عليّ أوّلهما إسلاماً - وإنّما شُبِّهِ علىٰ الناس لأنّ عليّاً أخفي إسلامه من أبي طالب- وأسلم أبو بكر فأظهر إسلامه» (7).
وقال أبو عمر: «وروى شعبة عن سلمة بن كهيل، عن حبّة العرني ، قال :
1) راجع العقد الفريد 5: 352 ، عيون أخبار الرضاء (علیه السّلام) 204:1.
2) راجع المصنّف 7: 503، كتاب الأوائل لابن أبي عاصم : 35 ، الآحاد والمثاني للضحاك 1: 149 ، المعجم الكبير 6: 265 ، الاستيعاب 3: 1091 .
3) كتاب الأوائل للطبراني: 78.
4) راجع: مسند أحمد 1: 373، مسند أبي داود الطيالسي: 360، البداية والنهاية 7: 370.
5) المستدرك علىٰ الصحيحين 3: 133.
6) تهذيب الكمال 20: 481.
7) أسدالغابة 4: 17 ، تاريخ مدينة دمشق 44:42.
سمعت عليّاً يقول : أنا أوّل من صلّى مع رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) (1).
قال الهيثمي : رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير حّبة العرني ، وقد وثّق (2).
وقال المزّي : وقد وقع لنا عالياً(3).
وقال أبو عمر : «وقد روى سالم بن أبي الجعد قال : قلت لابن الحنفية : أبو بكر كان أوّلهما إسلاماً ؟ قال : لا» (4).
وعن إسماعيل بن إياس بن عفيف الكندي ، عن أبيه ، عن جدّه ، قال : كنت امرءاً تاجراً فقدمت الحجّ ، فأتيت العبّاس بن عبدالمطلب لأبتاع منه بعض التجارة وكان امرءاً تاجراً ، فوالله إنّي لعنده بمنىً إذ خرج رجل من خباء قريب منه ، فنظر إلى الشمس ، فلمّا رآها قد مالت ، قام يصلّي ، ثمّ خرجت امرأة من ذلك الخباء الذي خرج منه ذلك الرجل، فقامت خلفه تصلّي، ثم خرج غلام حين راهق الحلم من ذلك الخباء ، فقام معه يصلّي ، فقلت للعبّاس : من هذا يا عبّاس ؟
قال : هذا محمّد بن عبدالله بن عبدالمطلب، ابن أخي.
قلت : من هذه المرأة؟
قال: امرأته خديجة بنت خويلد
قلت : من هذا الفتى ؟
قال : علي بن أبي طالب، ابن عمّه.
قلت : فما هذا الذي يصنع ؟
قال : يصلّي، وهو يزعم أنّه نبيّ ، ولم يتبعه على أمره إلّا امرأته وابن عمّه هذا الغلام، وهو يزعم أنه سيفتح على أمّته كنوز كسرى وقيصر.
قال : فكان عفيف الكندي يقول : - وقد أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه - لو كان الله رزقني الإسلام يومئذٍ كنت أكون ثانياً مع عليّ (1).
قال الهيثمي : رواه أحمد وأبو يعلى بنحوه، والطبراني بأسانيد، ورجال أحمد ثقات (2).
وعن عمرو بن مرّة ، قال : سمعت أبا حمزة مولى الأنصار ، قال : سمعت زيد بن أرقم يقول : «أوّل من أسلم مع رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عليّ» (3).
وقد أشار الإمام أميرالمؤمنين(علیه السّلام) إلى هذه الحقيقة بقوله(علیه السّلام) : «ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذٍ في الإسلام غير رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وخديجة وأنا ثالثهما ، أرى نور الوحي والرسالة، وأشمّ ريح النبوة» (4).
كما روي عن عباد بن عبدالله قال : سمعت عليّاً(علیه السّلام) ، يقول: «أنا عبدالله وأخو رسول الله ، وأنا الصدّيق الأكبر ، لا يقولها بعدي إلّا كاذب مفتر ، صلّيت قبل الناس لسبع سنين»(5).
وفي رواية أخرى: «أنا الصدّيق والفاروق الأوّل، أسلمت قبل إسلام أبي
1) راجع مسند أحمد 1: 210 ، الاستيعاب 3: 1096، الجوهرة في نسب الإمام علي وآله: 9، السيرة الحلبية 1: 436 .
2) مجمع الزوائد 103:9 .
3) راجع مسند أحمد 4: 368، سنن الترمذي 306:5، المستدرك على الصحيحين 3: 136، المصنّف لابن أبي شيبة 7: 502، الآحاد والمثاني 1: 149.
4) نهج البلاغة 2: 157.
5) سنن ابن ماجة 44:1 ، المستدرك علىٰ الصحيحين 3 : 112 ، المصنّف لابن أبي شيبة 7: 498، الآحاد والمثاني 1 : 148 ، كتاب السنة : 584، السنن الكبرىٰ للنسائي 5: 107.
بكر وصليت قبل صلاته لسبع سنين» (1).
وعن عباية، عن ابن عبّاس، قال: «ستكون فتنة، فإن أدركها أحد منكم فعليه بخصلتين : كتاب الله ، وعليّ بن أبي طالب ؛ فإنّي سمعت رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يقول - وهو آخذ بيد عليّ : هذا أوّل من آمن بي، وأوّل من يصافحني، وهو فاروق هذه الأمّة ، يفرق بين الحقّ والباطل، وهو يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الظلمة ، وهو الصدّيق الأكبر، وهو بابي الذي أوتىٰ منه، وهو خليفتي من بعدي» (2).
وعن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «صلّت الملائكة عليَّ وعلى
عليَّ سبع سنين . وذلك أنّه لم يرفع شهادة أن لا إله إلّا الله إلّا منّي ومن عليّ»(3).
بعد البحث والتحقيق، وبعد ثبوت الدليل عنده علىٰ أفضلية الإمام عليّ (علیه السّلام) وأحقّيته للخلافة قرّر «علي» الاستبصار والانتقال إلىٰ مذهب أهل البيت(علیهم السّلام) ، وكان ذلك عام 1378 ه- ( 1959م).
يقول «علي» اعتقادي في الإمام علي (علیه السّلام) بعد اختياري المذهب أنّه فوق المخلوقين ودون محمّد (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) والخالق ، وأنّه قسيم الجنة والنار، وأنَّ الخلافة له وغصبت منه، ولو كانت بيده من يوم وفاة الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لانتشر الدين الإسلامي في أقطار المعمورة (4).
ولد في «فلسطين» في أسرة شافعية المذهب، واعتنق مذهب الشيعة الإمامية بعد بحث متواصل وعميق ، وإمعان نظر فيما ورد عن الرسول بشأن أهل البيت (علیهم السّلام) .
لقد جاءت الروايات المتواترة التي تؤكّد على أنّ أفضل الخلق بعد رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) هو علي بن أبي طالب ، وأنّ الإمامة له(علیه السّلام) ، ولم يكن يجوز لأحد أن يقوم مقامه ، وكون الأئمّة(علیهم السّلام) وأوصياء النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) اثني عشر من الأمور الثابتة عن النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بالتواتر ، وإذ أثبت أنّ أوصياء النبيّ أو الأئمّة اثنا عشر ، عدد نقباء بني إسرائيل ، فهذا العدد يستقيم على عقيدة الشيعة الإمامية فحسب، وأمّا أهل السنّة فقد تكلّفوا كثيراً في تطبيق هذه الروايات على الخلفاء ولم يتمكّنوا من تطبيقها تطبيقاً صحيحاً، مضافاً إلى أنّ كثيراً من هذه الروايات تصرّح بأسماء الأوصياء.
وقد نصّ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) على هؤلاء الأئمّة في العديد من المواقف تصريحاً وتلميحاً، وقد ذكرهم بأسمائهم في بعض الروايات التي أخرجها الشيعة وبعض علماء السُنّة.
وقد يعترض البعض على هذه الروايات مستغرباً، كيف يتكلّم الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عن أُمور غيبية ما زالت في طيّ العدم ؟ وقد جاء في القرآن قوله : «قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي
نَفْعاً وَلاً ضَرّاً إِلَّا مَا شَاء الله وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» (1).
وفي مقام الإجابة ينبغي الإشارة إلىٰ أنَّ هذه الآية الكريمة لا تنفي عن الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) علمه بالغيب مطلقاً، إنّما جاءت ردّاً على المشركين الذين طلبوا منه أن يُعلِمِهم عن موعد قيام الساعة ، وموعد الساعة قد اختصّ الله سبحانه بعلمه ، وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى : «عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا» (2).
و في هذا دلالة على أنّه سبحانه يُطلع على غيبه رسله الذين اصطفاهم، ومن ذلك قول يوسف (علیه السّلام) لأصحابه في السجن : «قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) (3).
وكقوله تعالىٰ: «فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةٌ مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لدُنَّا علماً» (4)، حكاية عن الخضر (علیه السّلام) الذي التقى بموسىٰ (علیه السّلام) وعلّمه من علم الغيب ما لم يستطع عليه صبراً.
وأمّا الروايات التي وردت في أهل البيت(علیهم السّلام) فمن أوضحها دلالة وأتقنها سنداً وأكثرها تناقلاً بين المحدّثين : حديث الثقلين، فقد أخرجه أهل السنة والجماعة ، واعترفوا بصحّته في أكثر من عشرين مصدراً من مصادرهم المشهورة:
1 - عن زيد بن ثابت ، قال : قال رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «إنّي تارك فيكم الخليفتين من بعدي : كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يتفرّقا حتى يردا علَيّ
الحوض»(1).
2 - عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، قال : «إنّي تارك فيكم الثقلين:
كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يتفرّقا حتى يردا علَيّ»(2).
3- عن يزيد بن حيان التميمي ، قال : انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلىٰ زيد بن أرقم ، فلمّا جلسنا إليه قال له حصين : لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً؛ رأيت رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وسمعت حديثه، وغزوت معه ، وصلّيت معه ، حدّثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).
فقال : يا ابن أخي! والله لقد كبرت سنّي، وقدم عهدي ، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فما حدّثتكم فاقبلوه، وما لا فلا تكلّفونيه .
ثم قال : قام رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يوماً خطيباً فينا بماء يُدعىٰ خماً، بين مكّة والمدينة ، فحمدالله وأثنى عليه ووعظ وذكّر ، ثمّ قال: «أمّا بعد ، ألا يا أيّها الناس ! إنّما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربّي عزّ وجلّ فأجيب ، وإنّي تارك فيكم ثقلين : أوّلها : كتاب الله عزّ وجلّ فيه الهدىٰ والنور ، فخذوا بكتاب الله تعالىٰ واستمسكوا به . فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه. قال: وأهل بيتي، أُذكركم الله في أهل بيتي، أُذكركم الله في أهل بيتي ، أذكّركم الله في أهل بيتي»(3).
وإذا اعترفوا بصحة الحديث فقد شهدوا على أنفسهم بالضلالة ضمنياً ؛ لأنّهم لم يتمسّكوا بالعترة الطاهرة، واعتنقوا مذاهب واهية ما أنزل الله بها من سلطان ولا وجود لها في السُنّة النبوية.
1) المصنّف لابن أبي شيبة الكوفي 7: 418، ما روي في الحوض والكوثر: 137، كتاب السُنة لعمرو بن أبي عاصم: 377.
2) راجع: المستدرك علىٰ الصحيحين 3: 148، المعجم الأوسط 4: 33.
3) راجع: صحیح مسلم 7: 123، مسند أحمد 4: 367، سنن الدارمي 2: 432، فضائل الصحابة للنسائي: 22، صحيح ابن خزيمة 4: 63 ، السنن الكبرىٰ للبيهقي 7: 30.
نعم ، بقي هناك من علماء أهل السُنّة المعترضين على حديث الثقلين المذكور، بحديث تركت فيكم كتاب الله وسُنّتي»(1).
وأقلّ ما يقال في هؤلاء : إنّهم بعيدون عن مقاييس العلم وأصول البحث والمعرفة ، وإثبات الحجّة والدليل، فالحديثان لا يتناقضان؛ لأنّ السُنّة النبوية الصحيحة محفوظة عند العترة الطاهرة من أهل البيت(علیهم السّلام)، وأهل البيت أدرى بما فيه، وعليّ بن أبي طالب (علیه السّلام) هو باب السُنّة النبوية، وهو أولىٰ أن يكون راوية الإسلام من غيره.
ولابدّ من الملاحظة بأنّ حديث «كتاب الله وسُنّتي» لا يمكن تصحيحه حتّىٰ عند أهل السُنّة والجماعة ، وذلك لأمور:
1 - إنّهم رووا في صحاحهم أنّ النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) نهاهم عن كتابتها ؛ إذ قال: «لا تكتبوا عنّى شيئاً إلّا القرآن» (2)، فإذا كان حديث النهي صحيحاً فكيف يجوز للنبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أن يقول : تركت فيكم سُنّتي ، وهي غير مكتوبة ولا معلومة ؟ !!
2 - لو كان حديث «كتاب الله وسُنّتى» صحيحاً، فكيف جاز لعمر بن الخطاب أن يردّ على رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ويقول : حسبنا کتاب الله (3)؟!
3- إذا كان الرسول(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ترك سُنّة مكتوبة ، فكيف جاز لأبي بكر وعمر حرقها ومنعها من الناس (4)؟ !
4 - إذا كان حديث «كتاب الله وسنّتي» صحيحاً، فلماذا يخطب أبو بكر بعد وفاة النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ويقول : لا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً، فمن سألكم فقولوا : بيننا
1) المستدرك علىٰ الصحيحين 1: 93، السنن الكبرىٰ للبيهقي 10: 114، سنن الدارقطني 4: 160، الاستذكار 8: 265 ، الجامع الصغير 505:1.
2) مسند أحمد 3: 21، سنن الدارمي 1: 119.
3) صحيح البخاري 5: 138 ، صحيح مسلم 5: 76، مسند أحمد 1: 325، المصنف لعبدالرزاق الصنعاني 5: 438، السنن الكبرىٰ للنسائي 3: 433، صحيح ابن حبّان 562:14.
4) راجع: الطبقات الكبرى 5: 188 ، كنزالعمال 10: 285.
وبينكم كتاب الله ، فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه(1)؟!
5 - إذا كان حديث «كتاب الله وسُنّتى» صحيحاً، فلماذا خالفها أبو بكر في قتال مانعي الزكاة، وقد قال رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : من قال لا إله إلّا الله عصم مني دمه وماله وحسابه على الله (2)؟ !
6 - إذا كان حديث «كتاب الله وسُنّتي» صحيحاً، فكيف جاز لأبي بكر وعمر ومن وافقهما من الصحابة أن يستبيحوا حرمة الزهراء (علیها السّلام) ويهجموا على دارها مهدّدين بحرقها بمن فيها؛ ألم يسمعوا قول النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فيها : «فاطمة بضعة مني من أغضبها فقد أغضبني ومن آذاها فقد آذاني (3)؟!
7- ألم يسمعوا قول الله تعالىٰ: «قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى» (4)التي نزلت فيها وفي بعلها وولديها (5)؟ بلى والله لقد سمعوها ووعوها ، فهل كانت مودّة أهل البيت(علیهم السّلام) هي ترويعهم وتهديدهم ؟!
8- إذا كان حديث «كتاب الله وسُنّتي» صحيحاً، فكيف استحلّ معاوية والصحابة الذين بايعوه وساروا في ركابه أن يلعنوا عليّاً(علیه السّلام) ويسبّوه على المنابر طيلة حكم بني أمية : ألم يسمعوا أمر الله لهم بأن يُصلّوا عليه كما يُصلّون على النبيّ ؟ ! ألم يسمعوا قول النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «من سبّ عليّاً فقد سبني، ومن سبّني فقد سبّ الله»(6)؟ !
1) تذكرة الحفّاظ 2:1 - 3 .
2) عمدة القاري 1: 183، الاستذكار 2: 152.
3) صحيح البخاري 4: 219، صحيح مسلم 7: 141 ، مسند أحمد4: 5، فضائل الصحابة للنسائي: 78، السنن الكبرىٰ للبيهقي 201:10 - 202 ، المصنّف لعبدالرزاق الصنعاني 301:7 .
4) الشورى (42): 23.
5) مستدرك الحاكم 3: 108 ، الاستيعاب 3: 1100، شواهد التنزيل 2: 62، تفسير الآلوسي 22: 14.
6) مسند أحمد 6: 323، السنن الكبرىٰ للنسائي 5: 133 ، الجامع الصغير 2: 608، تاريخ الإسلام للذهبي 3 :634 ، البداية والنهاية 7: 391.
قال الحاكم النيسابوري : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه (1).
وقال الهيثمي : رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير أبي عبدالله الجدلي، وهو ثقة (2).
9 - وإذا كان حديث «كتاب الله وسُنّتي» صحيحاً، فلماذا غابت هذه السُنّة على أكثر الصحابة، فجهلوها وأفتوا في الأحكام بآرائهم، وكذلك فعل أئمّة المذاهب الأربعة الذين التجؤواللقياس، والاجتهاد، والإجماع، وسدّ باب الذرائع، والمصالح المرسلة، وصوا في الأمراء ، وأخفّ الضررين ، وغير ذلك ؟ !
10 - إنّ العقلاء وأهل المعرفة سيلقون باللوم علىٰ النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) الذي أهمل سُنّته ولم يعتنِ بها، ولم يأمر بتدوينها وحفظها، ومن ثمّ صيانتها من التحريف والاختلاف، والوضع والاختلاق ، ثمّ يقول للناس: «إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي ، كتاب الله وسُنّتي»!
أمّا إذا قيل لهؤلاء العقلاء بأنّه نهاهم عن كتابتها وروايتها فسيكون عند ذلك هزؤاً؛ لأنّ ذلك ليس من أفعال الحكماء، إذكيف ينهى المسلمين عن كتابة سُنّته ، ثم يقول لهم : تركت فيكم سُنّتي ؟!
11 - أضف إلى كلّ ما تقدّم بأن كتاب الله المجيد، إذا أضفنا إليه السُنّة النبوية التي كتبها المسلمون عبر القرون، فإنّ فيها الناسخ والمنسوخ وفيها الخاصّ والعامّ وفيها المحكم والمتشابه، فهي شقيقة ،القرآن، غير أنّ القرآن كلّه صحيح؛ لأنّ الله سبحانه تكفّل بحفظه ولأنّه مكتوب، أمّا السُنّة ففيها المكذوب أكثر من الصحيح، فالسُنّة النبوية هي قبل كلّ شيء محتاجة إلى المعصوم الذي يدلّ على صحيحها ويطرح كل ما وضع فيها ، وغير المعصوم لا يقدر على شيء من ذلك ولو كان عالماً علّامة .
12 - إنّ القرآن والسُنّة معاً يفتقدان إلى عالم متبحّر عارف بكلّ أحكامها مطّلع على أسرارهما ، لكي يبيّن للناس من بعد النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ما اختلفوا فيه وما جهلوه.
ألم تر أنّ الله سبحانه أشار إلى أنّ القرآن الكريم يفتقر إلى مُبيّن؛ فقال جلّ وعلا: «وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» (1)؟ !
فلو لم يكن النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يبيّن للناس ما نُزِّل إليهم، لم يكونوا ليعرفوا أحكام الله ولو نزل القرآن بلغتهم! وهذا أمر بديهي يعرفه كلّ الناس، ورغم نزول القرآن بفرائض الصلاة، والزكاة، والصوم، والحجّ، فالمسلمون في حاجة لبيان النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فهو الذي أوضح كيفية أداء الصلاة، ومقدار نصاب الزكاة، وأحكام الصوم ومناسك الحج، ولولاه لما عرف الناس من ذلك شيئاً .
وإذا كان القرآن الذي لا اختلاف فيه، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بحاجة إلى مُبيّن، فإنّ السُنّة النبويّة أحوج من القرآن إلى من يُبيّنها ، وذلك لكثرة الاختلاف الذي حصل فيها ، ولكثرة الدسّ والكذب الذي طرأ عليها ، وإنّه من الطبيعي جدّاً، بل من الضروريات العقلية أن يُعنىٰ كل رسول بالرسالة التي بعث بها ، فيقيم عليها وصيّاً ،وقيّاً، بوحي من ربّه حتى لا تضيع الرسالة بموته.
ولأجل ذلك كان لكلّ نبيّ وصيّ، ولكلّ ذلك أعد رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) خليفته ووصيّه على أمّته عليّ بن أبي طالب(علیه السّلام) ، وربّاه منذ صغره بأخلاق النبوّة، وعلّمه في كبره علم الأوّلين والآخرين، وخصّه بأسرار لا يعرفها غيره، ودلّ الأُمّة عليه مراراً وأرشدهم إليه تكراراً ، فقال لهم: «إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي عليكم»(2).
وقال : «أنا خير الأنبياء، وعليّ خير الأوصياء وخير من أترك بعدي»(1).
وقال: «عليّ مع الحقّ والحقّ معه»(2).
وقال: «عليّ مع القرآن والقرآن معه (3).
وقال: «أنا قاتلت على تنزيل القرآن وعلىّ يقاتل على تأويله»(4)، وغيرها.
13 - لقد ثبت بالدليل العلمي، والتاريخ، وماكتبه أصحاب السير أنّ عليّاً(علیه السّلام) كان المرجع الوحيد لكلّ الصحابة، عالمهم وجاهلهم، ويكفي إقرار أهل السُنّة بأنّ عبدالله بن عبّاس والذي لقّبوه بحبر الأمّة تلميذه وخرّيجه ، كما يكفي دليلاً أنّ كلّ العلوم التي عرفها المسلمون تُنسب إليه(علیه السّلام) (5).
14 - على سبيل الافتراض لو تعارض حديث «كتاب الله وسُنّتي» مع حديث «كتاب الله وعترتي» لوجب تقديم الثاني على الأوّل ، أعني تقديم «عترتي» على «سنتي» ، ليتسنّى للمسلم العاقل الرجوع إلى أئمّة أهل البيت الطاهرين(علیهم السّلام) ، كي يبيّنواله مفاهيم القرآن والسُنّة.
أمّا لو أخذ بحديث «كتاب الله وسُنّتي» فسوف يبق محتاراً في كلّ من القرآن والسُنّة، ولا يجد المرجع الموثوق الذي يبيّن له الأحكام التي لم يفهمها ، أو الأحكام اختلف فيها العلماء اختلافاً كبيراً ، وقال فيها أئمّة المذاهب أقوالاً متعدّدة أو متناقضة .
1) المعجم الأوسط 6: 327 ،تاريخ مدينة دمشق 42: 130، مجمع الزوائد 9: 165، الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة 2: 1114.
2) تاريخ بغداد 14: 322، تاريخ مدينة دمشق 42: 449 ، الإمامة والسياسة 1: 98، ينابيع المودّة لذوي القربى 1: 173 .
3) المستدرك علىٰ الصحيحين 3: 124 ، المعجم الأوسط 5: 135، الجامع الصغير 2: 177.
4) مسند أحمد 3: 33، سنن الترمذي 5: 298، المستدرك علىٰ الصحيحين 2: 138، المصنّف لابن أبي شيبة الكوفي 7: 497، السنن الكبرىٰ للنسائي 5: 128، مسند أبي يعلى 2: 341 - 342، صحیح ابن حبّان 15: 385.
5) راجع: مقدّمة ابن أبي الحديد المعتزلي لنهج البلاغة فقد بين ذلك مفصلاً.
ولا شك بأنّه لو أخذ بقول هذا العالم أو ذاك، أو اتّبع رأي هذا المذهب أو ذاك ، فإنّما يتّبعه ويأخذ منه بدون دليل على صحّة هذا وبطلان ذاك ، وإنّ قبول هذا المذهب ورفض ذاك هو تعصّب أعمى وتقليد بدون حجة، قال الله تعالى في هذا المعنى: «وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلّا ظَنّاً إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً» (1).
فلم يبق أمامنا إلّا حلّ واحد لا ثاني له ، ألا وهو الرجوع إلى أئمّة العترة من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، العالمين ، العاملين ، الذين لم يلحقهم أحد في علمهم وورعهم وحفظهم وتقواهم، فهم المعصومون عن الكذب والخطأ بنصّ القرآن الكريم وعلى لسان النبي العظيم(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ). فقد أورثهم الله علم الكتاب بعد أن اصطفاهم وعلّمهم رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) كلّ ما يحتاجه الناس، ودلّ الأمّة عليهم بقوله : «مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق » (2).
قال الحاكم النيسابوري : هذا حديث صحيح علىٰ شرط مسلم ولم يخرّجاه (3).
أضف إلى ذلك أنّك لا تجد عالماً في الأمّة الإسلامية قديماً وحديثاً من عهد الصحابة إلى اليوم ، من ادّعى لنفسه أنّه أعلم أو أفضل من أئمّة العترة النبوية الطاهرة، كما أنك لا تجد فى الأمّة قاطبة أحداً ادّعى بأنّه علّم واحداً من أئمّة أهل البيت(علیهم السّلام) أو أرشدهم لأمر ما.
فحديث «تركت فيكم كتاب الله وعترتي» هو الحقّ الذي يسلّم به العقل والوجدان وتثبته السُنّة والقرآن.
بعد أن حصحص الحقّ عند «عوض»، وذهبت تلك الحجب التي كانت بينه وبين الحقّ، وسطع نور الحقّ أمام عينه، وتمثّلت أمامه أعظم شخصيات العالم ورجالاتها، أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب(علیه السّلام) ، بعد ذلك كلّه قرّر ركوب سفينة النجاة والسير علىٰ نهج أهل البيت(علیهم السّلام) ، فاعتنق مذهب الشيعة الإمامية عن قناعة تامة وبصيرة كاملة (1).
1) ذكر السيّد محمّد الرضي الرضوي هذا المستبصر فيمن هداه الله لاتّباع مذهب أهل البيت(علیهم السّلام) ، راجع: لماذا اخترت مذهب الشيعة الإمامية: 110.
ولد عام 1384 ه- ( 1965م) في أُسرة سُنّية المذهب، ونشأ في قطاع غزة في «فلسطين».
واصل «محمّد» دراسته الأكاديمية حتىٰ حصل علىٰ شهادة الماجستير في اختصاص الجغرافيا.
من خلال متابعته لمستجدّات الأحداث السياسية في إيران في السبعينات تعرّف «محمّد» علىٰ المذهب الشيعي بصورة مجملة ، إلّا أنّه كانت تنقصه المعرفة التامّة بهذا المذهب، ولم يحصل على هذه المعرفة إلّا بعد انتشار الفضائيات ، واتّساع الشبكة العالمية للإنترنيت ؛ إذ اتّضحت له الرؤية الشيعية للدين الإسلامي الحنيف (1).
يرىٰ «محمّد» أنَّ من أهم أدلّة استبصاره وجود العديد من التناقضات في مصادر أهل السُنّة.
وإحدىٰ المسائل التي يواجهها محقّقي أهل السُنّة في مجال الحديث ما يدعهم حيارىٰ بين مصادرهم، ويدعوهم إلىٰ تغيير مبادئهم في الحديث، المبادىء التي بنوا
1) المستبصر علىٰ تواصل مع «مركز الأبحاث العقائدية» من خلال شبكة الإنترنيت.
عليها معتقدهم الديني، هو وجود هذه التناقضات والقصّ والتقطيع في المصادر الحديثيّة، وخاصّة في صحيح البخاري، وذلك أنّه كلّما لم يَرْق لمؤلّفه حديث يقدم علىٰ حذف صدره أو ذيله، غير مكترث بما ذكرته سائر المصادر.
وتتضح هذه الحالة جليّاً عندما يصل المؤلّف إلىٰ ما يمتّ بصلةٍ لعمر بن الخطّاب؛ إذ ما إن يرىٰ فى الحديث مسّاً بكرامة الخليفة الثاني ! يقوم بتقطيعه ؛ وذلك حفظاً لكرامة الخليفة ، وتستّراً علىٰ جهله بمسائل مشهورة وبسيطة.
ومن يتصفّح صحيح البخاري ويقايسه مع بقية المصادر يقف علىٰ عدد كبير من هذه الموارد.
روي عن أنس بن مالك أنّه قال : إنَّ عُمر قرأ على المنبر «فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً* وَعِنَبَاً وَقَصْباً * وَزَيْتُونَا وَنَخَلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةٌ وَأَبّاً» (1)، قال : كلّ هذا عرفناه، فما الأب ؟ ثم رفض عصاً كانت في يده ، فقال : هذا العمر الله هو التكلّف، فما عليك أن تدري ما الأب ؟ اتّبعوا ما بُيِّن لكم هداه من الكتاب، فاعملوا به، وما لم تعرفوه فكِلوه إلىٰ ربّه.
كما روي أنَّ رجلاً سأل عمر بن الخطاب عن قوله : «وَفَاكِهَةٌ وَأَيَّاً» ما الأب ؟
فقال عمر : نُهينا عن التعمّق والتفكّر .
وقد نَقل هذين الحديثين بصيغ متقاربة جمع من أئمّة الحديث والتفسير عند أهل السُنّة (2)، ما يوجب سكون النفس إلىٰ وقوعه.
1) عبس (80): 27 - 31.
2) الطبقات الكبرىٰ 3: 327، المستدرك علىٰ الصحيحين 2: 514، وقال بعد ذكر الحديث: هذا حديث صحيح علىٰ شرط الشيخين ولم يخرجاه، تاريخ بغداد 11: 465، تهذيب الكمال للمزّي 21: 26 ، سير أعلام النبلاء 11: 55 ،ميزان الاعتدال 3: 139، تهذيب التهذيب 7: 309 فتح الباري 13: 229 ، تخريج الآثار للزيلعي 4: 158، فتح القدير 5: 387،تفسير الكشاف 4: 220 ، تفسير الثعلبي ،10: 134، تفسير البغوي 449:4، تفسير الرازي 29: 96، الدرّالمنثور للسيوطي 6: 137 و 317.
إلّا أنّ البخاري في صحيحه وتستراً علىٰ جهل الخليفة بمادة «الأب» قام بتقطيع الحديث فحذف صدره وأخرج ذيله في : كتاب الاعتصام ، باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلّف ما لا يعنيه ، فقال : عن أنس ، قال : كنّا عند عمر ، فقال : نُهينا عن التكلّف (1).
جاء في المصادر المعتبرة عند أهل السُنّة أنَّ رجلاً أتىٰ عمر ، فقال : إنّي أجنبت فلم أجد ماء. فقال عمر : لا تُصلّ. فقال عمّار: أما تذكر يا أميرالمؤمنين إذ أنا وأنت في سريّة فأجنبنا فلم نجد ماء، فأمّا أنت فلم تُصل، وأمّا أنا فتمكّعت في التراب وصلّيت، فقال النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : إنّما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفّيك ، فقال عمر : اتَّقِ الله يا عمّار . قال : إن شئت لم أحدث به (2). كما ذُكر الحديث بصيغة أخرىٰ عن عبدالرحمن بن أبزي ، قال : كنّا عند عمر فأتاه رجل ، فقال : يا أميرالمؤمنين ! إنّما نمكث الشهر والشهرين ولا نجد الماء. فقال :عمر أمّا أنا فلم أكن لأصلّي حتّىٰ أجد الماء. فقال عمّار : تذكر حيث كنّا بمكان كذا ... وساق الحديث إلىٰ آخره (3).
ومع كلّ هذه الشهرة لمضمون الحديث فإنَّ البخاري لم يتردّد في حذف جملة
1) صحيح البخاري 8: 143 .
2) راجع: صحیح مسلم 1: 193، مسند أحمد 4: 265، سنن النسائي 1: 166، السنن الكبرىٰ للبيهقي 1 :134 ، صحيح ابن حبان 4: 131 ، صحيح ابن خزيمة 1: 135، المحلىٰ لابن حزم 2: 155 ، تفسير ابن كثير 517:1 وغيرها.
3) مسند أحمد 4: 319، سنن النسائي 1: 168 ، السنن الكبرىٰ للبيهقي 1: 133، المصنّف للصنعاني 1: 239.
«لا تُصَلِّ» و«أمّا أنا فلم أكن لأصلّي» من صحيحه ، فقال في كتاب التيمم ما نصّه : حدّثنا سليمان بن حرب ، قال : حدّثنا شعبة، عن الحكم، عن ذر، عن ابن عبدالرحمن ابن أبزي، عن أبيه ، أنّه شهد عمر وقال له عمّار : كنّا في سريّة فأجنبنا، وقال : تفل فيهما.
حدّثنا محمّد بن كثير ، قال : أخبرنا شعبة، عن الحكم، عن ذر، عن ابن عبدالرحمن بن أبزي ، عن عبد الرحمٰن ، قال : قال عمّار لعمر : تمكّعت ، فأتيت النبيّ فقال : يكفيك الوجه والكفّان.
حدّثنا مسلم ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن ذر، عن ابن عبدالرحمن ، عن عبدالرحمن ، قال : شهدت عمر فقال له عمّار .. وساق الحديث ، انتهىٰ (1).
فلم يتصرّف البخاري بالحديث الوارد إلّا صوناً لمقام الخليفة الثاني، غير أنّه نسي أنَّ كلام عمّار حينئذٍ لا يرتبط بشيء، ولعلّ هذا التقطيع عند البخاري أهون من إخراج الحديث علىٰ ما هو عليه .
جاء في العديد من مصادر أهل السُنّة بألفاظ متقاربة أنّه أتي عمر بمجنونة قد زنت، فاستشار فيها أناساً ، فأمر بها أن تُرجم فمرّ بها علي(علیه السّلام) فقال : ما شأن هذه ؟ فقالوا: مجنونة بني فلان زنت ، فأمر بها عُمر أن تُرجم . فقال : ارجعوا بها ، ثم أتاه ، فقال: «يا أميرالمؤمنين !! أما علمت ؟ أما تذكر أنَّ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قال : رُفع القلم عن ثلاثة : عن الصبي حتىٰ يبلُغ ، وعن النائم حتىٰ يستيقظ ، وعن المعتوه حتىٰ يبرأ ؟ ! وإنّ هذه معتوهة بني فلان لعلّ الذي أتاها أتاها وهي في بلائها». فخلّىٰ سبيلها ، وجعل عمر يكبّر ، وفي بعض المصادر : قال عمر : لولا عليّ لهلك عمر(2).
إلّا أنَّ الملفت للنظر أنَّ البخاري لم يستثنِ هذه الرواية أيضاً من التقطيع ؛ فَحَذف صدرها ، إذ لم يرقه إيقاف الأمّة علىٰ قضية تُعِرب عن جهل الخليفة بالسُنّة الشائعة ، أو ذهوله عنها عند القضاء، فقال في صحيحه في باب «لا يرجم يرجم المجنون والمجنونة» من كتاب المحاربين من أهل الكفر والردّة ما نصّه : قال عليّ لعمر : أما علمت أنَّ القلم رفع عن المجنون حتىٰ يفيق وعن الصبي حتى يدرك وعن النائم حتىٰ يستيقظ (1).
بعد الحصول علىٰ بعض الكتب ومتابعة القنوات والمواقع الشيعيّة قرّر «محمّد» ان يتّبع مذهب أهل البيت(علیهم السّلام) مذهب الإمامية الاثني عشرية ، وكان ذلك في أواخر التسعينات، فالتزم بهذا المذهب كمذهب يدين به الله سبحانه وتعالىٰ.
وقد قام هو ومجموعة من المستبصرين- بعد أن هداهم الله إلىٰ سبيل الرشاد - بإقامة الندوات فيما بينهم، ونشر بعض الرسائل والكتيبات، التي تبيّن رؤية هذا المذهب الحقّ للشريعة الإسلامية.
1) صحيح البخاري8: 21.
ولد في فلسطين بمدينة بيت لحم عام 1382 ه- (1963م)، يحمل شهادة البكالوريوس في التربية ، ويعدّ من أنشط الشخصيات القيادية الفاعلة في مقاومة الاحتلال الصهيوني، وكان قد انتمىٰ أوّلاً إلىٰ حركة «فتح» الفلسطينية عندما كان له من العمر ستّة عشر عاماً ، ثمّ خرج منها ونشط في مقاومة الاحتلال بالتعاون مع حركة «الجهاد الإسلامي» من دون الانتماء إلىٰ تنظيمها الحركي، وتعرّض للاعتقال عدّة مرّات من قبل الصهاينة وحكم عليه في إحدىٰ المرّات بالسجن لمدّة خمسة وعشرين عاماً، ثمّ أفرج عنه في عملية تبادل الأسرىٰ عام 1405 ه- ( 1985م) وكان من ضمن القادة المُبعدين إلىٰ «مرج الزهور» في جنوب لبنان عام 1412 ه- (1992م) لمدّة عام كامل، وقد استشهد عام 1428ه-، اثر اغتياله من قبل القوات الصهيونية.
يقول محمّد : كنت منذ صغري أميل إلىٰ أهل البيت(علیهم السّلام) رغم أنّني كنت أجهل كثيراً من الأمور عنهم ، فباعتبارى سُنّياً لم أكن أعرف من أهل البيت (علیهم السّلام) إلاّ الإمام علي(علیه السّلام) وأنّه الخليفة الرابع، والحسن والحسين(علیهما السّلام) وأنّهما طفلان يحبّها رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وفاطمة(علیها السّلام) وهي ابنة رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) الأولىٰ ، هذا أقصىٰ ما كنت أعرفه
لكنّني رغم ذلك كنت أتعاطف كثيراً مع مظلومية آل البيت(علیهم السّلام) وقد تعمّق هذا الشعور والإحساس عندي بمعنىٰ المظلومية خلال الفترة التي عشتها في المنفىٰ جنوب لبنان.
وأمّا معرفتي بالتشيّع فقد تبلورت خلال قراءتي لكثير من الكتب الشيعية، وكنت أقارن في البدء آراء الشيعة بمثيلاتها من آراء كتب أهل السُنّة ، فلاحظت من خلال مقارنتي بين آراء الكتب أنَّ الكتب الشيعية أقوىٰ منطقاً وأكثر إحاطة بالحقائق العلمية والتاريخية ، وهي ممّا يقبلها العقل بسهولة ، ويلتدّ الوجدان بالتمعّن فيها، كما لاحظت أنَّ كثيراً من الروايات التاريخية أو الأحاديث الواردة في كتب أبناء العامّة كانت حصيلة ظروف خاصّة قاسية مرّت بها الأمّة الإسلامية هيّئت للحكّام ومن والاهم كتابة التاريخ والعقيدة والفقه من زاوية خاصّة تخدم مصالحهم .
يقول «محمّد» : كان تفاعلي الأكبر مع أبي الأحرار الإمام الحسين(علیه السّلام) وثورته علىٰ الظلم ، وكنت فيما سبق قد قرأت مجموعة من الكتب عن نهضة الإمام الحسين(علیه السّلام) الدامية ، وقد هزّني بشدّة مقتله الفجيع في أرض كربلاء.
والواقع أنَّ نهضة الإمام الحسين (علیه السّلام) تُعدّ من أعظم الحركات التغييرية عطاءً، وأكثرها بركةً في التاريخ كلّه ؛ فقد كانت - ولا زالت حركة تتفاعل معها الجماهير إلىٰ الآن، ويتجدّد عطاؤها في كلّ عصر ومصر، في مواجهة الظالمين والدفاع عن المظلومين أينما كانوا.
والإمام الحسين(علیه السّلام) ابن رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) و المؤتمن علىٰ الرسالة رأىٰ أنَّ مصلحة الإسلام العليا تقتضي الوقوف بوجه الانحراف الأموي، المتمثّل في طاغوت زمانه يزيد ، الشارب للخمور والمعلن بالفسق والفجور ، فلهذا لم يتخلّ عن مسؤوليته - ولو للحظة واحدة - وهو يرىٰ الأمّة الإسلامية قد أخذت بالانحراف عن صراطها
المستقيم في ظلّ جور وظلم بني أميّة أعداء الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وطلقائه بالأمس، والحاكمين باسمه اليوم ، وكان هو المؤهَّل الوحيد للوقوف أمام الانحراف وإعادة الأمور إلى نصابها.
إنَّ نهضة الإمام الحسين(علیه السّلام) وإن لم تغيّر واقع الأمّة بشكل فجائي ، لكنّها أسسَت منهجاً أصيلاً بيّن ما يجب أن تكون عليه الأمّة الإسلامية ..
وقد أوضح الإمام الحسين (علیه السّلام) قبل خروجه للمهمّة التي يريد القيام بها، قائلاً: «إنّي لم أخرج أشِراً ولا بَطِراً ولا مُفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهىٰ عن المنكر، فمن قبلني بقبول الحقّ ، فالله أوّلىٰ بالحقّ ، ومن ردّ عليّ هذا، أصبر حتىٰ يقضي الله بيني وبين القوم، وهو خير الحاكمين ...»(1).
كانت الأمّة تعيش حالة الأزمة نتيجة تغلّب تيارات الانحراف عليها، إلّا أنّها كانت غير راضية في قرارة نفسها عن ذلك، وكانت تُدرك عدم قدرتها علىٰ تغيير وضعها المتردّي، فكانت تنتظر قوّة أكبر من قوّتها ، وإرادة أقوىٰ من إرادتها ؛ لتقوم بهذا التغيير ، فقد كانت تعلم أنّها مشلولة وقد دبّ الضعف في كيانها ولابدّ لها أن تستعين بقوة أخرىٰ تنقذها وتنتشلها من حالتها المأساوية.
و«كان الإمام الحسين (علیه السّلام) الأمل الوحيد المتبقّي أمام الأمّة ، وكانت ترقب ما سيقوم به، بل وتتوقّع ذلك .. ليست وحدها وحسب، وإنّما حتىٰ أُولئك الذين اغتصبوا السلطة كانوا يُدركون قوّة موقف الحسين(علیه السّلام) ، وقوّة قضيته أمام يزيد ، وأنّه يمكن أن يعصف بعرشه في لحظات قد يستطيع فيها إيقاظها وجرّها إلىٰ جانبه» (2).
وهكذا هب الحسين (علیه السّلام) لنصرتها ونجدتها في هذا الموقف العصيب الذي وجدت نفسها فيه ، وهي مرغمة صاغرة ، وكان أوّل أمر أشغل فيه يزيد نفسه بعد أبيه معاوية هو طلب بيعة الحسين (علیه السّلام) ..
وقد وجدنا أنّ الحسين(علیه السّلام) رفض ذلك رفضاً حاسماً، وقد ترك المدينة حالاً إلىٰ مكّة ، ثمّ غادرها بعد ورود كتب أهل العراق إليه عالِماً أنّ بقاءه فيها سيُتيح ليزيد وجنوده استباحتها وقتله فيها دون أن يترك ذلك أثراً على المدّيين القريب والبعيد» (1).
لم يفق شجاعة الإمام الحسين (علیه السّلام) في المعركة سوىٰ صبره وتحمّله ضروب الشدائد والأذىٰ في لحظاتٍ قصار بدت مشحونة ومزدحمة بتلك الضروب، وبدا أنّ تحمّلها من قبل إنسان عادي، أمر هو أقرب إلىٰ الخيال ..
ولأنّ وقفة الإمام الحسين(علیه السّلام) الفريدة في وجه أعدائه بُعيد اللحظات التي قتل فيها أصحابه وأهل بيته وبق فيها وحيداً، إلّا من النسوة والأطفال المرعوبين متعباً جريحاً عطشاناً ، يحيط به أشدّ الناس قسوةً وضراوةً ، وقد تزعّموا جيشاً جُرّد لقتاله وحربه .. أمراً لا يمكن المرور به مروراً عابراً دون التأمّل فيه ودراسته؛ فإنّ أجيالاً من المسلمين لا تزال تهزّها مشاهد تلك الوقفة ، وتتأمّل في تفاصيلها ودقائقها بانبهار وإعجاب جديرين بالحسين (علیه السّلام)حقاً، وهو من أخذ علىٰ عاتقه إيقاف الانحراف ، ومنع دولة الظلم من الاستمرار والبقاء.
لم يجد الخوف والتردّدسبيلها إلىٰ قلب الحسين(علیه السّلام) ، وهو يتصدّىٰ لإنجاز أكبر مهمّة في تاريخ المسلمين ، ويعرف حجم القوّة الكبيرة التي حشدها العدوّ مقابل أصحابه الذين لا يتجاوزون سبعين رجلاً إلّا بقليل .. وقد استشهد معه هؤلاء ولم
1) راجع وتنفّس صبح الحسين 2: 136.
يتردّدوا في مقاومة عدوّهم ، ومقارعته وحربه ، وكانوا علىٰ بيّنة واضحة من طبيعة مهمّة الإمام(علیه السّلام) ، ولم ينكل أو ينسحب أحد منهم، ومضوا مستبشرين خلفه إلىٰ نهاية الشوط» (1).
ولقد روىٰ لنا أحد من شاركوا بقتاله، وهو من أعدائه، أخباراً عن ثباته وشجاعته ، قائلاً : «فشدّ عليه رجّالة ممّن عن يمينه وشماله ، فحمل من عن يمينه حتىٰ ابذعروا وعلىٰ من عن شماله حتىٰ ابذعروا ، وعليه قميص له من خزّ وهو معتمّ ... فوالله ما رأيت قبله ولا بعده مثله ، إن كانت الرجّالة لتنكشف من عن يمينه وشماله انكشاف المعزىٰ إذا شدّ فيها الذئب . . » (2).
ولقد شهد له عمر بن سعد، عدوّه اللدود، حينما خاطب شِمراً، مبعوث ابن زياد إليه وقد طلب منه إجبار الحسين (علیه السّلام) علىٰ الاستسلام ومبايعة يزيد ، قائلاً: «لا يستسلم والله حسين ، إن نفساً أبيّة لبين جنبيه»(3).
لزم الإمام الحسين (علیه السّلام) الطريق العام ولم يأخذ طريق الفرع ، كما فعل ابن الزبير ؛ خوفاً من رجال السلطة .. ولم يكن الخطر المحتمل في أيّة مرحلة من مراحل ثورته ليهزّه أو ينال من عزمه ، وثمن المواجهة ربّما قد تحدّدسلفاً، وهو: حياته، لكنّه لم يكن ليهتمّ لذلك مادام كفيلاً بتحقيق هدفه الكبير ، وهو : منع الانحراف ومنع دولة الظلم من التمادي أكثر وأكثر في ظلمها وانحرافها.
ولقد حاول الحرُّ أن يمنعه من مواصلة موقفه الرافض لدولة الظلم ورأسها يزيد ؛ إذ أنّه بذلك يسعىٰ لموت محقّق، خصوصاً وأنّ بوادر الجيش الأموي كانت مستعدّة لحربه وقتله .. ولكن بدت على جواب الإمام (علیه السّلام) نبرة تعجّب واستغراب
من هذا التهديد .. فالموت لم يكن أمراً مخيفاً له بل يبدو أنّ الموت كان الأثر الطبيعي لتحقّق أهدافه السامية ، فقال الإمام الحسين (علیه السّلام) للحرّ : «أفبالموت تخوّفني ؟ وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني ؟ وسأقول لك كما قال أخو الأوس لابن عمّه، حين لقيه وهو يريد نصرة رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فخوّفه ابن عمّه، وقال له : أين تذهب ؟ فإنّك مقتول ! فقال :
سأمضي وما بالموت عار علىٰ الفتىٰ*** إذا ما نوىٰ حقّاً وجاهد مسلما
وواسى الرجال الصالحين بنفسه*** وخالف مثبوراً وفارق مجرما
فإن عشت لم أندم وإن متُّ لم ألم*** كفیٰ بك ذُلاً أن تعيش وترغما» (1)
«وتبرز مشاهد عديدة نرىٰ فيها الحسين(علیه السّلام) يسارع لنجدة أصحابه وأهل بيته في أشدّ المواقف وأكثرها هولاً وحرجاً، وبالتاكيد فإنّ له في نفوس أعدائه هيبة يشعرون معها أن لا طاقة لأيّ منهم أن يقف منفرداً لمواجهته، ولعلّهم لو تقدّموا إليه بمبارزات فردية لَما استطاعوا التغلب عليه، غير أنّهم لجؤوا إلىٰ أسلوب الهجوم الجماعي عليه، وكانت الغلبة للكثرة ، التي استخدمت مختلف الأسلحة ، حتىٰ الحجارة ، للقضاء عليه وقتله» (2).
يقترن الصبر في بعض الأذهان بالاستسلام والخضوع للآخرين ، ذلك الخضوع الذي يقترن بإرادة بشرية ظالمة تحاول تسخير الآخرين لخدمتها ، وإسكات من يحاول التصدّي لها ، وقد حاولت دول الظلم علىٰ مرّ العصور تكريس هذا المفهوم، وإظهاره كحسنة تتمتّع بها الرعية المطيعة ، وكمنفّس لهموم أولئك المتسائلين عن سبب الظلم ودوافعه ؛ باعتبار أنّه قدر نازل لا سبيل إلىٰ دفعه أو تلافيه ..
وإذا ما ناقشنا مفهوم الصبر وفق العقلية الإسلامية، فإنّنا لا نراه يشير إلىٰ الخضوع والاستسلام للظلم وتجريد الإنسان من الإرادة الواعية المتبصّرة.. بل إنّ الصبر يعني : الثبات والتزام منهج الحقّ وتحمّل المشاق في سبيل ذلك ...
وعلىٰ درب الصبر وإرادة الاختيار المتبصّر ، استشهد مئات الأنبياء، وعُذّبوا وأوذوا ، وكان آخرهم نبيّنا محمّد (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ومع ذلك لم يتخلّوا عن رسالتهم، ومضوا كما أمرهم الله إلىٰ نهاية الشوط دعاة إليه ، مبشِّرين ومنذِرين.
وكان الحسين (علیه السّلام) يعلم أنّه أمام دولة لن تتنازل بسهولة أمامه وتستجيب لمطالبه العادلة، وإنّها ستستنفر كلّ أعوانها وشيعتها لمقاومته والقضاء عليه، ولم يكن الموت والتشريد ، والسبي وترويع الأطفال والنساء ممّا يُستسهل ، لكنّ الإمام (علیه السّلام) واجه الأمر بالصبر والتحمّل ، ذلك الصبر الذي كان جديراً بحَمَلة الرسالات الإلهية علىٰ مرّ التاريخ، والذي أصبح موضع تقدير وتأمّل من قبل كلّ المسلمين إلىٰ يومنا
هذا.
لم يكن صبره (علیه السّلام)صبر المستسلم للسلطة الطاغية الخاضع لها ، بل صبر الخاضع للقضاء الإلهي المؤمن به ؛ قال(علیه السّلام) : «خُطّ الموت علىٰ ولد آدم مخطّ القلادة علیٰ جِید الفتاة، وما أؤلهني إلىٰ أسلافي اشتياق يعقوب إلىٰ يوسف، وخير لي مصرع أنا لاقيه، كأنّي بأوصالي تقطّعها عُسلان الفلوات بين النواويس وكربلا، فيملأنّ منّي أكراشاً جوفاً ، وأجربة شُغباً، لا محيص عن يومٍ خُطّ بالقلم. رضا الله رضانا أهل البيت ، نصبر علىٰ بلائه، ويوفّينا أُجور الصابرين»(1).
ومن مواقفه(علیه السّلام) : أنّه كان في خباءٍ له يعالج سيفه ويصلحه كان يردّد:
«یا دهر أفٍّ لك من خليلِ*** كم لك بالإشراق والأصيلِ
من صاحب أو طالب قتيلِ*** والدهر لا يقنع بالبديلِ
1) كشف الغُمّة للأربلي 2: 239، اللهوف: 38.
وإنّما الأمر إلىٰ الجليلِ*** وكلّ حيّ سالك السبيل»(1).
فسمعته أخته زينب(علیها السّلام) ، فبكت لِما يوشك أن يقع ، فحاول الحسين(علیه السّلام) تهدئتها وبثّ السكينة في نفسها ، وإعدادها لتقبّل قتله علىٰ يد الجيش المستنفر لذلك ، فقال لها: «... يا أخيّه اتّقي الله ، وتعزّي بعزاء الله ، واعلمي أنّ أهل الأرض يموتون ، وأن أهل السماء لا يبقون ، وإنّ كلّ شيء هالك إلّا وجه الله ، الذي خلق الأرض بقدرته ، ويبعث الخلق فيعودون، وهو فرد وحده. أبي خير منّي، ، وأُمّي خير منّي ، وأخي خير منّي ، ولي ولهم ولكلّ مسلم برسول الله أسوة»(2).
وهذا موقف جدير بالانتباهُ حقّاً ، فالحسين (علیه السّلام) لم يكن في أحد سجون الطغاة الأمويين منتظراً قدوم الجلاد لتنفيذ حكم الموت فيه، وإنّما كان يعالج سلاحه ويعدّه لقتال هذا الجلّاد ، وإذا ما قتل بعد ذلك علىٰ يده ، فإنّه قتل وقد أدّىٰ واجبه في الدفاع عن الإسلام.
ولقد فهمت زينب(علیها السّلام) مغزى رسالته ووعتها جيداً، وهكذا بسطت يديها تحت بدنه المقدس بعد مقتله رافعة طرفها نحو السماء هاتفة :
«اللّهمّ تقبّل منّا هذا القربان» (3).
وصَمدت بقوة غريبة أمام أكبر كارثة يمكن أن تحلّ بامرأة، قُتل أهل بيتها وحُماتها في لحظات قصيرة.
وتجلّىٰ صبر الإمام(علیه السّلام) بأجلىٰ صوره في اللحظات الأخيرة من المعركة، ولا ندري كيف نستطيع تصوّر مشهد يقوم فيه رجل واحد بمواجهة عشرات الآلاف من أعدائه التعطّشين لدمه ، فلا يتخاذل أمامهم ولا يتراجع، أو يضعف، أو ينكل، وإنّما يقدم علىٰ إشهار سيفه بوجوههم بقوّة وصلابة منقطعة النظير.
ونعود إلىٰ شهادة أحد أعدائه، الذي بهره مشهد بطولة الإمام(علیه السّلام) وصبره وصموده، قال عبدالله بن عمّار : «فوالله، ما رأيت مكثوراً قط ، قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه ، أربط جاشاً، ولا أمضىٰ جناناً ، ولا أجراً مَقدَماً منه، والله ما رأيت قبله ولا بعده مثله ، إن كانت الرجالة لتنكشف عن يمينه وشماله انكشاف المعزىٰ إذا شدّ فيها الذئب» (1).
و «لقد أُصيب بجراحات كثيرة ، وقد رمي بسهم وقع في جبهته المقدسة، ورمي بحجر في جبهته أيضاً؛ سالت منها دماء كثيرة علىٰ وجهه ولحيته، وإذ هو مشغول بمسح الدماء عن وجهه وعينيه رمي بسهم مسموم وقع علىٰ صدره.
كانت الجريمة تُرتكب بشكل متعمّد ، ، ومع سبق الإصرار، والقتلة مصرّون علىٰ المضي فيها إلىٰ النهاية ، فليتوجّه إلىٰ الله الذي لم يتوجّه إلّا إليه من قبل، وليقدّم نفسه ضحيّة إليه ، وفي سبيل دينه الذي ارتضاه ، ولم يرتضي غيره (2).
«بسم الله وبالله وعلىٰ ملّة رسول الله . إلهي إنّك تعلم إنّهم يقتلون رجلاً ليس علىٰ وجه الأرض ابن بنت نبيّ غيره» (3). ووضع يديه تحت الجرح ، فلمّا امتلأت دماً رمیٰ به نحو السماء، وقال: «هوّن علَيّ ما نزل بي إنّه بعين الله» ...
ثمّ وضع يده ثانياً فلمّا امتلأت لطّخ به رأسه ووجهه، وقال: «هكذا أكون حتىٰ ألقىٰ جدّي محمّداً (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وأنا مخضوب بدمي» (4). «أي مشهدٍ سيشهد رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عندما سيُقدِم عليه الحسين(علیه السّلام) مُخضّباً بدمه ، وأيُّ لون جميل للشهادة ستشهد الجنّة ، عندما يطلّ عليها الحسين (علیه السّلام) بذلك الدم الأحمر القاني الذي قدّمه عن طيب خاطر ؟!
وأيّ بريق سيظلّ لذلك الدم علىٰ مرّ الأجيال، يلوح أمام كلّ من يعتقد بالإسلام، ويرىٰ أنّه يُنتهك ويُزوّر ويُحرّف بأيدي أعدائه ...؟»(1).
يقول محمّد : لم تكن تلك المشاهد التي شهدتها عرصة كربلاء ممّا يمكن أن تسقط من الذاكرة بمجرّد أن ينتهي الحدث وتنتهي الواقعة ، بل إنّ دم الحسين (علیه السّلام) سيكون المؤشّر إلىٰ بداية المواجهة الحقيقية مع الظالمين علىٰ امتداد التاريخ، مهما كان شكلهم ، ومهما كانت شعاراتهم.
وكلّ هذه الدروس يمكن الاستفادة منها في كفاح الشعب الفلسطيني المظلوم ضد الصهاينة ؛ الذين هم اليوم المصداق البارز للظالمين العتاة، الذين يدوسون مقدٰسات المسلمين، والذين يجب جهادهم ومقاومتهم احتذاء بالإمام الحسين (علیه السّلام) ، حتىٰ تُستردّ القدس ويعود المسجد الأقصىٰ إلىٰ أحضان محبّيه.
ويقول محمّد أيضاً: وإنّني اليوم إذ أقود مجاميع المجاهدين، وأخطب في الساحات العامّة في مهرجانات ضخمة تثير لهيب الشارع الفلسطيني وتوجّهه إلىٰ مقاومة الاحتلال عادة ما أُركّز في خطاباتي علىٰ شخصيات أهل البيت(علیهم السّلام) ، وعلىٰ الأخصّ سيّد الأحرار الإمام الحسين(علیه السّلام) ؛ إذ قرّرت أخيراً الالتزام الكامل بمذهب أهل البيت(علیهم السّلام) ؛ كتتويجٍ لمرحلة مخاض فكرية استمرّت سنوات عدّة من الدراسة والتمحيص والتفكّر في كلَّ ما يتعلّق بهذا المذهب ، واطلاعي العميق علىٰ الاتّجاهات الفكرية المختلفة، سواء تلك التي أيّدت المذهب ، أو هاجمته علىٰ مدار السنين.
وكان شعوري شعور الظمآن عندما يجد برد الماء وأنا اكتشفت ملامح هذا المذهب المظلوم، وانتابتني ردّة فعل مسكونة بالفرح العظيم لارتباطي مباشرةً به ، ومن جهة أخرىٰ انتابتني ردّة فعل مسكونة بالألم لهذا التغييب المقصود لهؤلاء الأئمّة
1) راجع: وتنفّس صبح الحسين 2: 338 .
من نهج حياتنا !!
وأنا أنصح أحرار العالم كافّة والمسلمين خاصّة علىٰ اختلاف مذاهبهم ، أن يتّخذوا من الحسين(علیه السّلام) وثورته علىٰ الظلم نبراساً يستنيرون به ، فلا يجوز السكوت علىٰ الظلم، كما إنّي أرجو أن لا أكون آخر من يقول : ثمّ اهتديت(1).
1) أجرت مجلّة المنبر حواراً مع المستبصر نشرته في العدد السابع، شهر رمضان عام 1421 ه- ذكر فيه المستبصر نبذة عن حياته وأهمّ أدلّة استبصاره، وكان له تواصل مع المركز قبل استشهاده من قبل القوات الصهيونية.
ولد عام 1365 ه- (1946م) في مدينة «يافا» في فلسطين المحتلة، في أُسرة شافعية المذهب ، لم يمض عامان علىٰ مولده حتىٰ هاجرت أسرته إلىٰ مدينة «غزّة» سنة إعلان الصهاينة قيام دولتهم المشؤومة عام 1948م.
دأب «محمّد» علىٰ طلب العلم حتىٰ أكمل دراسته الثانوية ليلتحق بجامعة «أسيوط» التي تخرّج منها عام 1387 ه- ( 1968م) بشهادتي بكالوريوس في الرياضيات والتربية.
وواصل بعد ذلك نشاطه الأكاديمي كمدّرس لمادة الرياضيات في المدارس الثانوية .
علىٰ الصعيد العقائدي تأثّر «محمّد» بالعقائد الشيعية بعد التحاقه بإحدىٰ الجمعيات الإسلامية في البحرين وتوصّل في نهاية المطاف إلىٰ ضرورة المطالعة المستمرّة والبحث والتحقيق في المسائل التي تختلف فيها رؤىٰ مذاهب المسلمين .
وتعدّ من أهم هذه المسائل مسألة الولاية والإمامة ، فهي المسألة التي غالباً ما تُبحث ضمن دواعي توجّه المستبصرين إلىٰ مذهب أهل البيت(علیهم السّلام) ، كما أنَّ مسألة الاعتقاد بلزوم الاصطفاء الإلهي تُعدّ من المسائل المؤثّرة في قبول الرؤية الشيعية في الإمامة والخلافة.
لقد جاء في عدد من الآيات القرآنية ما يفيد بأنّ الله تعالىٰ بحكم علمه بمكنون سرّ خلقه واطّلاعه علىٰ بواطنهم، قد اختار منهم من رأى فيه الكفاءة ليكون حجّته على خلقه ، فاختار الأنبياء ، واصطفى منهم رسلاً ، وفضّل بعضهم على بعض ، فجعل محمّداً (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أقربهم إليه وأحبّهم لديه ، فسمّاه حبيباً ، بعد أن سمّى إبراهيم (علیه السّلام)خليلاً.
قال تعالىٰ: «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درَجَاتٍ» (1).
وكان لابدّ من أن يستتبع ذلك الدور من التنزيل والبلاغ دوراً آخر يتعلّق بحفظ الشريعة ، وضمان استمرار أدائها في الناس، وهو متعلّق قوله تعالىٰ: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ» (2)، فاختار من بيوتات الأنبياء صفوة أخرىٰ للقيام بأمر الحفظ ، وجعل دور الإمامة ردءاً للنبوة، ومقاماً آخر من مقامات اللطف الإلهي أجراه وراثة في الصفوة الطاهرة من عباده؛ قال تعالىٰ: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا» (3).
وقال أيضاً : «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم ملكاً عظيما»ً (4).
ولم يكن ذلك الاختيار الإلهي بأي حال من الأحوال مقارناً أو موازياً لآراء البشر واختياراتهم ؛ لأنّ الله تعالىٰ أعلم بمخلوقاته، وأدرى بهم من أنفسهم، والدين دينه وهو المسؤول عن كلّ متعلقاته، واختيار من يقوم مقام الإمام بعد النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )من مشمولاته تعالىٰ، وتماماً للشريعة السمحة.
من ذلك كانت مرحلة الإمامة التي أعقبت مرحلة النبوة وقاية للشريعة من عبث العابثين من أصحاب المصالح وعبّاد الدنيا، وميزة اختصّ بها الصراط المستقيم ، وكانت أثراً واضحاً وعلامة جليّة اتّسم بها تراثه، وضماناً لبقاء الأحكام الإلهية في إطار الحفظ ، الذي هو من مشمولات الباري تعالىٰ ، كالنبوة ، ومقابل ذلك كان الكذب علىٰ الله ورسوله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) منتشراً في الخطوط الأخرىٰ إلىٰ درجة التشويه ، وما أعقب ذلك من نشوء عدد من الأفكار التي اختلقها أصحابها اعتماداً على تلك المفتريات.
إنّ منظومة الإسلام شأنها شأن من سبقها من ديانات ، جاءت لتشكّل نقطة تحوّل في حياة البشر، وترشدهم إلىٰ طريق الله تعالىٰ، بكلّ ما فيه من أبعاد مادّية ومعنوية ، روحية وحسّية ، اجتماعية وسياسية واقتصادية. وتصحيحاً لوجهة الناس في توجّههم إلىٰ صراط الله المستقيم.
من الخطأ الاعتقاد بأنّ الله تعالىٰ قد أوكل مهمّة جمع شريعته وحفظها ، وتتّبع سُنّة نبيّه (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وتدوينها إلىٰ الناس من دون قيد ولا شرط ، ولا سبيل إلىٰ افتراض وقوع ذلك ؛ لأنّ المانع الذي يمكن للعقلاء تقديمه هو خاتمية الرسالات، والتي تؤكّد علىٰ أنّ سنن الله تعالىٰ في التبليغ والحفظ لشرائعه ، لا تتغيّر منذ آدم إلىٰ نبيّنا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؛ قال تعالىٰ: «مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيهَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِى الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا» (1).
فلا يوجد خلل في منظومته تعالى كلّها ، تنظيراً وتطبيقاً، وإنّما طرأ الخلل من تحريف الناس وعصيانهم وارتدادهم عن دينه ومنهاج أوليائه(علیهم السّلام) ، وادّعائهم بأنّ لهم نصيباً في القيمومة علىٰ الدين، وبأنّهم طرف في الحفظ والتبليغ ، فخاضوا في دين الله تعالىٰ أيما ،خوض، وضربوا عرض الحائط بكثير من أحكامه.
1) الأحزاب (33): 38 .
للصراط المستقيم الذي أشار إليه الله تعالىٰ في كتابه العزيز علامات ودلالات ترمز إليه ، منها : ما هو متعلّق بالمبدأ العام لذلك الصراط ، كالتشريع الذي طال كلّ أوجه الحياة البشرية، واستمراريته في الظهور والتميّز من آثاره التي لا تمحىٰ أبداً.
ومنها ما هو متعلّق بالتفاصيل المحتوية عليه، كضرورة وجود مثال يهتدي به الناس فوق ما أعطوا علىٰ المستوىٰ النظري ؛ لأنّ المثال والنموذج يبقىٰ الأقرب للفهم، والأقوىٰ في الحجّة، والأصوب في الهداية.
لقد كانت حياة النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) متعدّدة النشاط والاهتمام، فهو في نفس الوقت النبي المرسل، والقائد العسكري الفذّ والإمام القدوة والمربّي والمعلّم، والفرد المعطاء المبادر إلىٰ كلّ خير قبل غيره.
أعطى من نفسه المثل والنموذج ، ومع ذلك لم يفهمه أكثر المحيطين به فجاءت علاقاتهم به تعلوها رياح الشكّ والريبة وسوء التقدير .
كان علىٰ النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أن يتدبّر أمر القيادة من بعده ؛ لأنّ الفراغ الذي سيتركه لا
يمكن لأي شخص أن يملأه ، وما كان ذلك ليكون من تلقاء نفسه، كما تصوّره كثير من الصحابة في ذلك العصر ؛ إذ منعوا من كتابة وصيّته الخطيرة والمصيرية للأُمّة في أواخر حياته ، ودفعتهم النزعة القبلية إلىٰ اختيار من يقوم مقامه .
واعتباراً لاطّلاع الله سبحانه علىٰ سرائر مخلوقاته وجب عليه تعالى أن يسبغ لطفه علىٰ الأمّة بزيادة إيضاح للمؤهّل بالدور بعد النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وإن كان ذلك الشخص ظاهراً غير خفي في الأمّة، بما كان يقدّمه للإسلام وأهله من تضحيات وأعمال امتدحها الله ورسوله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في غير موضع.
كلّ هذا والآيات بيّنات والدلالات واضحات تشير إلىٰ أنّ من أعرض عنهم بلغوا منازل الكمال، وتسنّموا علياء الرفعة، ورسخت أقدامهم في علوم الدين
والحياة، وكان لهم ما لم يتأتّ لغيرهم، وشهد الشهود من كلّ جانب علىٰ أحقّيتهم وتميّزهم وعلوّ قدرهم، وعظم شخصياتهم التي كانت تشكّل تتابع حلقات الذرّية التي بعضها من بعض .
والعجب هنا من أُمّة أدارت ظهرها للأحقّ بقيادتها ورضيت بقيادة من كانوا تحت لوائه ، ولم يكن لهم من ذكر يرفع مقامهم سوىٰ ما أغدقه عليهم حزب النفاق من أكاذيب وتأويل لا تقف مع الحق ، مع علمها التام ويقينها بأن لا وجه للمقارنة بين من اختاره الله تعالىٰ وأنتم فيه مواصفات وخصائص القيادة، وبين من اختارته حفنة من الناس في مكان لم يكن مؤهّلاً لذلك الدور.
ولم يكتف المنافقون بما حصلوا عليه من مكاسب علىٰ حساب أهل الحقّ من ثلّة المؤمنين ، بل نجحوا أيضاً في تغييب قائمة المنافقين التي كانت عند حذيفة ، وقلب أصحابها في ما بعد إلىٰ مؤمنين صالحين .
وللمعترض علىٰ هذا القول نهمس في أذنه : أين أسماء المنافقين الذين حاولوا قتل النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في العقبة ؟
ولماذا لم يقع تصنيف المبغضين لعليٰ بن أبي طالب(علیه السّلام) ضمن المنافقين ، وقد ثبت عن النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قوله لعليّ (علیه السّلام) : «لا يحبّك إلّا مؤمن ولا يبغضك إلّا منافق»(1)، فكان مؤمنو الصحابة يعرفون المنافقين ببعضهم لعيّ (علیه السّلام).
لم تمر الشواهد التي تحدّثت عن حقيقة التعيين الإلهي اختيار الأولى بالقيادة بعد مرحلة النبوة في الأمم السابقة في الخفاء، وإنّما كان لها مجال علني، وإعلام اتّسم بحضور الجماهير، ومواكبتها لكلّ تفاصيل تلك الإعلانات ، وفي القرآن شواهد علىٰ ذلك .
1) راجع: صحيح مسلم 1: 61، مسند أحمد 1: 95 ،سنن ابن ماجة 42:1، سنن الترمذي 5: 306.
قال تعالىٰ: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * ۖ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » (1).
قال تعالىٰ: «قَالَ يَا أَيُّهَا المَلأَ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ* قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرٌّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ کَریم» (2)
قال تعالىٰ: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ » (3).
قال الله تعالىٰ: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ
رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ» (1).
لئن أخرج أكثر المؤرّخين تفاصيل حادثة الغدير ، كلّ حسب هواه وفهمه وتمذهبه، فإنّهم أجمعوا علىٰ أنّ النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قد أوقف الناس في هاجرة من النهار ليخطب فيهم ، ويبلغهم أمراً لا يستوجب التأخير في تبليغه ، وهو من الجسامة والخطورة بحيث حدثت وقائعه في ذلك المكان والزمان الشديدين، فخطب فيهم رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) خطبة بليغة ، قال فيها من جملة ما قال : «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللّهم والِ من والاه وعادِ من عاداه وأنصر من نصره، وأخذل من خذله» (2).
ثم أمر الناس بمبايعة عليّ(علیه السّلام) أميراً للمؤمنين وإماماً للناس من بعده، ولا تزال كلمات عمر بن الخطاب تتردّد بين صفحات كتب التاريخ والسيرة والتفسير عندما أقبل مبايعاً : «بخ بخ لك يابن أبي طالب ، أصبحت مولاي ومولىٰ كلّ مؤمن ومؤمنه» (3)، ولا يزال صداها يتردّد في ذلك المكان شاهداً علىٰ النكث والانقلاب ولم تشفع كثرة الحاضرين في ذلك اليوم في انتقال ولاية الأمر إلىٰ الإمام علي (علیه السّلام) بعد النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ؛ إذ عَدّ المؤرّخون من كانوا معه(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في منصرفه من حجّة الوداع مابين ثمانين ألفاً إلىٰ مائة وعشرين ألفاً من المسلمين، وكلّهم طبعاً من الصحابة ؛ وذلك للترتيبات التي وضعها المتربّصون بالسلطة وتعاقدهم عليها، وتحيّتهم لفرصة موت الرسول الأكرم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وانشغال أوليائه بتجهيزه ، وأخذ البيعة لغيره بالقوة والإكراه، ومحاولة إخفاء جانب من الحقيقة تحت عنوان حروب الردّة.
1) المائدة (5): 67.
2) بعض فقرات هذا الحديث بلغت حدّ التواتر، وقد أعرض بعض المصنفين عن بعض فقراته الأخرىٰ ليجعلوا الفقرات المتواترة منه مجملة. راجع: مسند أحمد 1: 118، 4: 281، سنن ابن ماجة 1: 45، سنن الترمذي 5: 297 ، فضائل الصحابة للنسائي: 14، المستدرك علىٰ الصحيحين 3: 116، 3: 371 ، شرح نهج البلاغة 2: 289.
3) راجع: المعيار والموازنة: 212 شواهد التنزيل 1: 200، تفسير الرازي 12: 50 ، تاريخ بغداد 8: 284، ونقله عنه ابن كثير في البداية والنهاية 7: 386.
بعد البحث والتحقيق وما يقارب السنتين من المناقشات العنيفة في مذاهب المسلمين أعلن «محمّد» عن انتقاله من المذهب الشافعي السنّي ، واتّباعه لمدرسة أهل البيت(علیهم السّلام) ، وكان ذلك عام 1400 ه- ( 1980م).
واصل «محمّد» نشاطه العقائدي بعد مرحلة الاستبصار ، وله مقالات في هذا المجال، وقد واجه العديد من المضايقات إثر تمسّكه بمذهب أهل البيت(علیهم السّلام) والتبليغ لهذا المذهب (1)
www.aqaed.com
.1) المستبصر علىٰ تواصل مع «مركز الأبحاث العقائدية» من خلال موقع المركز
ولد عام 1367 ه- (1948م) في مدينة «صور» جنوب «لبنان» لأُسرة فلسطينية الجنسية ترجع أصولها إلىٰ مدينة «عكا» الفلسطينية .
نظراً للظروف المعيشية في جنوب لبنان، واحتكاكه بالشيعة هناك أحسّ «محمّد» أنّه بدأ يتأثّر بهذا المذهب ، فقرّر البحث عمّا يجيب به الآراء التي يطرحها أتباع مذهب أهل البيت(علیهم السّلام) ، ومن هنا بدأ بدراسة مباني المذهب الشيعي العقائدية والتدبّر فيها عن وعي ومن دون تعصّب أعمىٰ.
بعد سنة ونصف من البحث والتحقيق وصل «محمّد» إلىٰ ما لم يتصوّر الوصول إليه ؛ إذ استنتج من تحقيقاته : أنّ المذهب الشيعي هو المذهب الحقّ ، فأعلن عن استبصاره والتحاقه بهذا المذهب عام 1400 ه- ( 1980م).
بعد الاستبصار رأى «محمّد» أن يُنمّي رصيده الديني فقام بتلقّي العلوم الدينية وفق المذهب الشيعي الاثني عشري، وأصبح إمام مسجد الوحدة الإسلامية في مدينة «صور».
بعد مرحلة الاستبصار أجرت مجلة «المنبر» حواراً مع «محمّد»، وسألته عمّا يرتبط بمراحل استبصاره ونشاطاته التبليغية ، نشير هنا إلىٰ مقتطفات من هذا اللقاء.
-إنّي محمّد عبدالعال فلسطيني، من مواليد 1948م، وأنا حالياً إمام مسجد الوحدة الإسلامية في المعشوق في «صور» بجنوب لبنان، وأنحدر من عائلة فقيرة، ووالدي كان يعمل بالزراعة.
-أنا واحد من ثمانية أبناء لأبوينا، أربعة ذكور وأربع إناث. وقد عشنا بغنىً عن المادة وليس بها بكرامتنا ، بتواضع ، كنّا نلتقي أحياناً ونختلف أحياناً أخرىٰ.
وقد كانت المرحلة الدراسية مقتصرة علىٰ المرحلة الابتدائية ، حتى بلغت الصفّ السادس الابتدائي ، وحصلت علىٰ السرتفيكا، ففرحت لخروجي من المدرسة، وعملت في بعض الأشغال التي تحتاجها الحياة، في البساتين والزراعة، ثم دخلت مهنة الحدادة الإفرنجية وأتقنتها ، وقضيت سنتين في «ليبيا» وأنا أعمل.
كنت كثير السؤال، وأبحث عن أي شيء يقع تحت ناظري، وأحياناً كان يكلّفني هذا الأمر ضرباً مبرحاً، وزجراً من الأهل ؛ لكثرة السؤال، ولكثرة انزعاجهم من أسئلتي . فكنت أحبّ أن أتعرف علىٰ كلّ شيء.
وكان بجوارنا ،بستان ، وخلفنا يقطن أناس لبنانيون شيعة ، فكنت أسأل : ما معنىٰ (شيعة ) ؟ كنت أقول : نحن مسلمون وهم ماذا ؟ كانوا يقولون لي : (شيعة)! فكنت أسأل: ما معنىٰ هذا الاسم ؟ وكانت الإجابات أشبه بإدارة الظهر. وامتدّ الوقت ولم تنتزع منّي التساؤلات ، حتى كبرت وكبرت التساؤلات.
منذ طفولتي كنت مؤمناً جداً بوجود الله ، كنت مؤمناً بفطرتي أنّ الله غير محدود، وقد فوجئت عندما درست العقيدة الشيعية في ما بعد أنّ الله لاكم ولا كيف له، وهو ما كنت أؤمن به فطرياً من قبل رغم معرفتي المسبقة. في ما بعد توافق
الوعي الفكري مع التبويب العقائدي، وسررت لأنّي اكتشفت أنّي كنت على حقّ دون تحصيل .
-من طبيعتي التي تسأل وتبحث عن أيّ شيء، وكلّ شيء، وهذا كان مصدر إزعاج لمن حولي، بدأت أرفع وتيرة تديّني بحثاً ودراسة ولم أكتف بالتقليد الوراثي، رفضت أن أكون دائماً وراثياً في سلوكي كافّة. ومن أبرزها علاقتي مع ربّي، وهذا ما دفعني إلىٰ الاطلاع على طريقة تفكير الآخرين، وأعني: «الشيعة» تحديداً.
كنت أسمع ما يثير استفزازي من أفكار أراها خطرة، وأرى أنّها تتحرّك في دائرة الكفر الشنيع ؛ لأنّها تطال في بعض توصيفاتها بعض الرموز الإسلامية التاريخية المعروفة، كالخلفاء ، وبعض الوقائع المشهورة. فهذا كان يثير بي شعوراً أشبه بالجنون؛ الأمر الذي يدفعني إلى التحصيل المعلوماتي عبر مذهبي السنّي لأحصّن مساحة الرد ، فكنت أحصّل لأحصّن، حتى تكون الحجّة أبلغ .
ولكن الصدمة الكبرىٰ كانت : أنّه كلّما بحثت أكثر كي أعلم على توهين الحجج المقابلة ، إذ بي أكتشف أنّ ما أجده يقوّي هذه الحجج ولا يوهنها!
كنت أكتشف ما يقال لي من قبل المذهب الشيعي وأنا أعمل على ردّه عبر البحث، فإذا بالبحث يأتيني أنّ الرد صحيح !
وهذا ما جعلني أعيش مخاضاً عسيراً إلى أقصىٰ الحدود وأقساها ، فأنا أسعى إلى تثبيت انتمائي الذي ورثته ، وتحصيلي يأخذني إلى الموقع الآخر.
-امتدّت نحوسنة ونصف، وفي هذه المرحلة تمّ الانتقال إلى العقيدة الشيعية لما اكتشفته من محطّات مهمّة بارزة ، ومن أبرز ما قرأت كتاب (المراجعات)، الذي لم يثر فيَّ إيماناً وإنّما زادني بالمعلومات.
وقد وقعت لي حادثة طريفة ؛ فقد كنت جالساً علىٰ جنب الطريق أمام دكّان لأحد أقاربي ، وهو دكّان متواضع، وإذا بهذا الرجل يسأل عن أحد أحفاده ليجلس مكانه كونه يريد أداء صلاة العصر، والمكان الذي يؤدّي فيه العجوز صلاته يقع خلف الدكان وأمام نافذته ممّا يجعله في قلب الدكان ولدقائق معدودة. ولكن هذا العجوز رفض ترك الدكّان دون تعيين أحد مكانه ..
وبينما هو غاضب لعدم وجود بديل إذ بسيارة مارّة تعرّضت إحدى عجلاتها للتلف، توقّفت هذه السيارة ونزل منها مجموعة عمّال خاطبهم صاحبها : (هيا نستبدل العجلة).
فقال أحدهم : (إنّ العجلة الجديدة ليست معنا) ، فغضب ربّ العمل وصرخ بوجه عامله قائلاً : (وهل لعربة أن تسير من دون عجلة إضافية)!
فسألت نفسي وقتئذ : رجل لا يستطيع أن يصلّي في دكّانه دون وضع بديل أو خليفة يطمئن له ، وعربة لا تسير دون عجلة إضافية، وذلك يستدعي كلّ هذا الغضب ، ورسول الإسلام (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يترك أمّته بدون إمام ولا خليفة !! والله ما كان هذا أبداً.
بما أنّي أخذت قراراً بنفسي ، فقد وضعت خطّة لتنفيذه، وكان أبرز خيار أن لا أعلن ذلك، وأن أخفيه عن أهلي . قلت في نفسي : أريد أن أستثمر هذا الإنجاز بحيث لا أخرج لوحدي ممّا كنت فيه ، وقد عقدت العزم على أن اصطحب معي أكبر عدد ممكن من الناس إلىٰ نور هذه الولاية.
وأبرز ما تجلّت فيه فكرة الاستثمار تمثّل في «مسجد الوحدة الإسلامية»؛ فقد وضعنا منهجاً متكاملاً لدور هذا المسجد في استنهاض هذه المساحة من الوعي في المجتمع ، وذلك لنثير حالة جدلية تدفع باتّجاه الاهتمام، وقد ساعدنا البعد الديموغرافي
في المجتمع، حيث يوجد لبنانيون وفلسطينيون شيعة وسنة. عندنا كم هائل من الخليط، إضافة إلىٰ التركيبة الاجتماعية ، فهي خليط من مهجّري المناطق المحتلّة سابقاً، الأمر الذي جعل التنوع في أشد حالاته.
-لكي أُحصّن هذا التوجّه كان عليّ أن أفهرس وأُبوّب هذا التحصيل العلمي، فانتسبت إلى حوزة علمية في «صور»، فتتلمذت لبضع سنوات، وكان من أبرز أهدا في أن أبوّب موقعي العلمي وأعطيه بُعداً ومنهجاً يساعدانني على إكمال الطريق. رغم أن انتسابي إلى الحوزة كان بعد نشاطي في مسجد الوحدة بناءً ودعوةً، وبعد 5
سنوات بدأت العمل في ميدان العمل الرسالي إماماً وخطيباً للمسجد المذكور.
-لقد حصلت محاولات حثيثة وجادّة من قبل أهلنا من أهل التسنّن والمعنيين بهذا الشأن لأن يُعيدوني إلىٰ جادّة الصواب : رأفةً بي !! والمحبّتهم لي حرصوا علىٰ أن أعود عن هذا الانحراف !!
ولكن كنت حريصاً علىٰ حوار هادى، ومتانّ، وحريصاً علىٰ خروج المحاور من إطار الحوار الخاص بيني وبينه إلى حوار بينه وبين نفسه ، وقد تأثّر بعضهم واستبصر ..
عندها شعر بعض عِلّيه القوم بخطر اللقاءات معي والاستماع إليّ ، حتى وصل الأمر إلى إطلاق الفتاوى بحرمة الاستماع إليّ وإن كنت أتحدّث عبر مكّبر للصوت؛ فقد كان يقال أن : صمّوا آذانكم، وأنّه عالم سليط اللسان وقوي الحجّة ، وعملوا علىٰ انفضاض الناس من حولي.
نعم ، بعض الأبناء والبنات، وطبعاً زوجتى ومجموعة إخوة وأخوات.
-نمارس في المسجد كلّ العبادات الراتبة إضافة إلىٰ المستحبّات، والعلاقة مع أهلي وإخوتي جيدة جداً، وهي علاقة توقير واحترام، رغم هذا الخيار الذي أتعبهم، رغم كلّ ذلك كانت نظرة أهلي وإخوتي نظرة احترام وتوقير ، وذلك لأسباب عدّة، منها : أسبابها الطبيعية ؛ فعائلتنا عائلة وديعة. ومنها : أنّهم يرون احترام الناس لنا، فيعتبرون أنّهم هم أولى بذلك.
وحرصت علىٰ أن أضع كلّ شيء في نصابه الطبيعي، وكنت بطبعي منفتحاً علىٰ الجميع ، واعتبرت- كما اعتقدت - أنّ ولاية أهل البيت(علیهم السّلام) تدفع بهذا الاتّجاه لذا كنت حريصاً على ذلك ..
وبعد الاستبصار كنت أحرص، ولا أذكر في حياتي أن حصلت قطيعة كانت ناتجة من قبلي أنا . وأنا حاضر دائماً لفتح هذا الباب؛ لأنّي لم أغلقه قط ، بل أُضيف لأقول : أنا صاحب درس أُكرّره دائماً : (إن لم تجد من يؤذيك، فتّش عمّن يؤذيك حتى تسامحه، وادعُ لمحبّيك كثيراً، والمبغضيك أكثر !) علىٰ قاعدة: أحسن لمن أساء
إليك .
-نعم ، تغيّرت نظرتي في كلّ شيء، حتى أنّني كنت أعبدالله سبحانه وتعالى بطريقة مليئة بالتساؤلات لم أجد لها أجوبة، والإنسان حين انفراده بنفسه يطرح تساؤلات كثيرة، فإن وجد أجوبة عنها يعشق هذا النوع من اللقاء مع الذات، وإن لم يجد فإنّه ينفر من هذا الاختناق. بعد الاستبصار تحوّلت من نافر من اللقاء مع نفسي إلى عاشق لها ؛ لأنّني أجد كلّ الإجابات التي تفوق حجم التساؤلات.
أستطيع أن أقول بشكل عام : أنّ تساؤلاتي انتصفت المقام بين ما قبل الولاية وما بعد الولاية ، فكانت تساؤلاتي أكثر من الإجابات، في حين أمست أقلّ من الإجابات (1).
1) مقتطفات من اللقاء (بتصرف يسير)، نشرته مجلة «المنبر » العدد 26، ربيع الآخر 1432 ه.
نشأ في «فلسطين» في أسرة سنّية المذهب، واصل دراسته الأكاديمية حتى نال شهادة طبّية في اختصاص أمراض النساء والولادة والعقم، ويُعدّ «محمّد» من الناشطين في القدس، ويتّصف بالطيبة والأخلاق الحسنة.
شاء الله سبحانه وتعالى أن تُهديه إحدى المستبصرات كتاب «ثمّ اهتديت» للدكتور التيجاني، وطلبت منه أن يقرأه بكامله ويردّ عليه ، وكان أملها أن يكون الكتاب سبباً في هدايته إلى الطريق المستقيم .
إلا أنّها تفاجئت عندما واجهت رسالة من «محمّد» يذكر فيها العديد من الإشكالات والاستفسارات عن مواضيع الكتاب، فقرّرت المستبصرة أن تقدّم الرسالة للدكتور التيجاني ، ليجيب عليها بنفسه.
وقد ذكر الدكتور التيجاني في كتابه «فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا...» نصّ الرسالة والإجابات التي دوّنها ، فقال في قسم من الرسالة مخاطباً «د. محمّد» :
جاء في رسالتكم : أولاً : عنوان الكتاب خاطيء (ثمّ اهتديت)، فالهداية هي العودة إلى الطريق المستقيم، إلى الإيمان بالله وحده ولا دَخُل للإسلام بها، إنّما
هي الإيمان بالله ؛ «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأَنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» (1)، هذه هي الهداية .
فاذا كان قصد الكاتب بكلمة (ثمّ اهتديت ) أي : أنّه آمن بأنّ عليّاً أحقّ بالخلافة، فهذا ليس هداية، إنّما اتّباع وجهة نظر ، وليس تكفيراً لمن لم يؤمن بها».
والجواب : أطلب منكم يا حضرة الدكتور أن تقرؤوا بتدبّر قول الله سبحانه : «وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى » (2)لتدركوا بأن الإيمان بالله وحده ليس هو المقصود بهذه الآية ؛ فقد جاء قبل ذكر الهداية قوله : «وَآمَنَ»، والتي هي : الإيمان بالله وحده ، ثم أضاف بعدها : «وَعَمِلَ صَالِحاً» ، فدلّت على أنّ الإيمان وحده لا يكفي بدون العمل الصالح، ثم أضاف بعدها : «ثُمَّ اهْتَدَى» ، فدلّت على أنّ العمل الصالح لا يقبله الله إلا إذا كان صاحبه مهتدياً إلى الصراط المستقيم، وهذا نظير قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا » (3)، فقولهم : «رَبُّنَا الله» والتي هي : الإيمان بالله وحده ، لا تكفي إلا إذا استقاموا ، والاستقامة لا يقبلها الله إلا إذا كانت على صراطه المستقيم الذي رسمه هو .
ولكلّ ذلك كان رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) و وكلّ الصحابة ، وكلّ المسلمين من بعدهم، يقولون في كلّ يوم مرّات عديدة في كلّ صلاة : «اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ» (4)، وهم بلاشك يؤمنون بالله وحده ولا يعبدون سواه، ومع ذلك فهم دائبون يطلبون الهداية إلى الصراط المستقيم.
فأنا لم أقصد بعنوان كتابي (ثمّ اهتديت): أنّي آمنت بأنّ عليّاً أحقّ بالخلافة، إنّما قصدت : بأنّي اهتديت إلى صراطه المستقيم الذي رسمه لعباده المؤمنين عبر القرآن والسنّة المطهّرة ، ولكنّه ضاع بين السُبل وبين مختلف المذاهب التي ابتدعها الظالمون ، فاصبح كلّ حزب بما لديهم فرحون .
فالمسألة لا تتعلّق بالإيمان بأنّ عليّاً أحقّ بالخلافة بقدر ما هي تحريف للنصوص الصريحة من القرآن والسنّة ، وإبدال شريعة الله باجتهادات البشر في كلّ أحكامها من العبادات والمعاملات.
ثم جاء في رسالتكم : «للأسف كانت وجهة نظر الكاتب مثل محامي الدفاع الذي يشتم في كلّ قضية ، فليس لديه متّهم بريء ، إنّما كلّ منهم فهو مجرم أمامه ، ولقد قام الكاتب بإهانة وشتيمة والشك في كلّ من عاش مع الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وسمع القرآن مباشرة إلا عليّ فهو الاستثناء الوحيد...».
الجواب : أطلب منكم يا حضرة الدكتور أن تكونوا منصفين إذا حكمتم ، وما عليكم إلا بالرجوع إلى صفحة 158 من كتاب (ثمّ اهتديت) حتى تعرفوا بأنّني لم أهن وأشتم ، ولم أشكّ في كلّ من عاش مع الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) إلّا عليّ(علیه السّلام) ، فهو الاستثناء الوحيد، كما زعمتم ، فأنا أذكّركم بما قلته حرفياً هناك : قلت : (وأبدَلت الصحابة المنقلبين على أعقابهم، أمثال : معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وأبي هريرة وعكرمة وكعب الأحبار وغيرهم، بالصحابة الشاكرين الذين لم ينقضوا عهد النبي ، أمثال : عمّار بن ياسر وسلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري والمقداد بن الأسود وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين وأبي بن كعب وغيرهم).
وأنت كما ترى يا سيادة الطبيب أنّي ذكرت ستّة من الصحابة المنقلبين وذكرت ستّة من الصحابة الشاكرين ، وقلت : بأنّهم لم ينقضوا عهد النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وذلك حسب ما سجّله المؤرّخون في كتبهم، فادّعاؤكم هذا باطل.
ثم قلتم : «فإن كان ذلك صحيحاً وهم الذين حضروا نزول القرآن مباشرة ومن لسان رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) سمعوا ما لقّنه الوحي مباشرة، وهذا ما يترك أشدّ الأثر، ويلين القلوب المتحجّرة، ومع ذلك لم يتأثّروا وظلوا على قلّة إيمانهم ، كأنّهم منافقون».
والجواب : إنّ حسن ظنّكم وصدق إيمانكم يا سيادة الدكتور هو الذي ترككم تتصوّرون هذا التصوّر ، وإلا فأنتم أخصّائي في أمراض النساء والولادة والعقم، وليس علم النفس وتحجّر القلوب من اختصاصكم يا حضرة الطبيب، ومهما علمتم وتعلّمتم فلن تصلوا إلى الحقيقة التي سجّلها ربّ العزة والجلالة في كتابه المجيد بقوله:
«ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ» (1).
وقد جاء عن النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : أنّ الله سبحانه استبطأ قلوب المهاجرين بعد ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن فأنزل : «أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا ...»(2).
کما سجّل علیہهم سبحانه قول الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً» (3)، فالذين هجروا القرآن هم المؤمنون به وليس الكافرين به ، ألم تروا أنّ الله سبحانه لم يقل: ألم يان للذين كفروا ، أو ألم يأنِ للمنافقين، بل قال: «أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله» ، فدلّت الآية على عدم خشوع قلوب المؤمنين لذكر الله .
ثم سألتم بقولكم : «ثم ما معنى الآية التي تقول: «لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ الله» (4)، فلا معنى إن لم تؤثّر على من لازم الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) كظلّه ، مثل : أبو بكر».
والجواب : معناها : أنّ قلوب البشر لم تخشع للقرآن الكريم الذي لو أنزله الله على جبل لتخشّع وتصدّع خوفاً من الله ، ولكن الإنسان لم يخشع ولم يخف من سبحانه، وذلك كقول الله تعالى في آية أخرىٰ: «ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةٍ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الماءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ» (5).
وهو نظير قوله تعالى: «إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الأَنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً » (1).
أما قولكم : فلا معنى إن لم تؤثر على من لازم الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، كأبي بكر ، فأنا أسألكم بربّكم : لِمَ لا تقولون القول نفسه في أبي طالب عم الرسول(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، الذي لازمه طيلة ثلاث عشرة سنة وكان كفيله ، يأويهم بيت واحد، وقد سجن معه في شعاب مكّة طيلة ثلاث سنوات، وكان يسمع منه الوحي مباشرة ، فلماذا لم يؤثّر القرآن فيه وتزعمون أنّه مات على الشرك ؟
ثم قلتم رعاكم الله : «فهل كانت صحبة رسول الله لأبي بكر وعمر مصلحة ورياءً من طرف الرسول والصحابة ؟ ! حاشى الله من هذا الوصف إن كان يعلم صفاتهم ورضي بهم أصحابه المقرّبين ، فهذا يتنافى مع صفات الرسول، والساكت عن الحقّ شيطان أخرس ، وإن كان لا يعلم صفاتهم القبيحة فهو أقبح من ذنب، فأين صلته بالله وعصمته من أعدائه ؟ !».
والجواب : لا شك بأن صحبة الرسول(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لأبي بكر وعمر ، بل ولكلّ الصحابة ، كانت صحبة مصلحة ، وهذه المصلحة لهم ولفائدتهم ؛ ليخرجهم من الظلمات إلى النور وينقذهم من النار ، وأنّها ليست مصلحة عائدة له : «يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَني» (2)، ولم تكن رياءً حاشاه، فكلّ جهوده لهداية الناس خالصة لوجه الله تعالى: «لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ» (3).
أمّا قولكم: «إن كان يعلم صفاتهم ورضي بهم أصحابه المقرّبين فهذا يتنافى مع صفات الرسل، والساكت عن الحقّ شيطان أخرس ...» الخ.
فهناك احتمالان ، أوّلها : أنّه (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) كان لا يعلم صفاتهم على التحديد، وعلى هذا كان الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يقبل كلّ من تلفظ بالشهادتين دون البحث عمّا يكنّه في قلبه ، وكان
يقول: (أمرت أن أحكم بالظاهر، والله يتولّى السرائر )(1)، ولم يسجّل التاريخ أو السيرة النبوية أنّه(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قال لأحد من الناس : أنت منافق فلا أقبل منك إسلامك . ولو مرّة واحدة في حياته ، بل كان يتعامل مع الصحابة كلّهم بنفس المعاملة ، قال الله تعالى لرسوله: «وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ الله أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ» (2).
أمّا الاحتمال الثاني : أنّه (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) كان يعلم صفاتهم على التحديد، ومع ذلك رضي بهم أصحاباً له ، وهذا لا يتنافى مع صفات الرسل، كما توهّمتم ؛ لأنّهم صلوات الله عليهم لا يفعلون شيئاً إلا بوحي ربّهم.. فهذا موسىٰ رسول الله إلىٰ بني إسرائيل الذين رأوا من المعجزات الشيء الكثير علىٰ يد موسىٰ وهارون، ممّا اضطرّ فرعون أن يطلق سراح بني إسرائيل، ويسمح لهم بالخروج مع موسىٰ وهارون، ولمّا أدركهم فرعون قبل أن يجتازوا البحر فلق لهم موسىٰ البحر بإذن ربّه، ومشوا فيه حتى خرجوا سالمين ، وأغرق الله فرعون وجنوده، وهذه من أكبر المعجزات التي سجّلها تاريخ البشريّة، ولكن أصحاب موسىٰ لم تخشع قلوبهم لذكر الله وما رأوه من الحقّ ، فطلبوا من نبيّهم أن يجعل لهم صنماً يعبدونه ؛ قال تعالى في حقّهم: «وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَىٰ أَجْعَلْ لَنَا إِلَهَا كَمَا لهم آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْم تَجْهَلُونَ » (3).
ولا شكّ أنّ موسىٰ وهارون عملا كلّ ما في وسعهما لهدايتهم إلىٰ صراط الله المستقيم ، ولكنّهم قابلوا الإحسان بالاساءة والهداية بالضلالة، وبمجرّد غياب
موسىٰ عنهم أربعين ليلة لميقات ربّه كفروا بالله واتّخذوا العجل ربّاً يعبدونه، وتآمروا علىٰ هارون رسول الله إليهم ، وكادوا يقتلونه ، فهل كان موسىٰ يعرف السامري ؟! فلماذا صاحبه ؟
وهذا عيسىٰ رسول الله إلىٰ بني إسرائيل، رغم المعجزات المتعدّدة من شفاء الأعمىٰ والأبرص والأبكم وإحياء الموتىٰ ، ورغم أنّه كلمهم في المهد بكلام الأنبياء، لم يؤمن له من قومه إلّا اثني عشر من أصحابه، كان أحدهم خائناً له وعمل علىٰ قتله، فلم يطرده عيسىٰ من مجلسه ولم يأمر أصحابه بقتله ، بل سكت عليه ولم يفضحه، وكان يقول لهم: إنّ منكم واحداً سيخونني ويعمل علىٰ قتلي دون ذكر اسمه ..
وهذا محمّد رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يكتشف خيانة أحد المنافقين من أصحابه، ويقوم ليضرب عنقه، ولكن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يمنعه من ذلك قائلاً: دعه، لا يتحدّث الناس أنّ محمّداً يقتل أصحابه (1).
ومرّة أُخرىٰ قال أحد المنافقين من الصحابة للرسول(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : اعدل. وأراد عمر قتله، ولكن الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) منعه من ذلك قائلاً: دعه ، فإنّ له أصحاباً يحقّر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية (2).
والمشهور أنّ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) كان يعرف المنافقين كلّهم ، ولكنّه كان يستر
عليهم ولا يكشفهم ولا يفضحهم، وقد علّم حذيفة أسماء بعضهم، وأمره بعدم كشفهم ، ولذلك ترىٰ عمر بن الخطّاب نفسه يسأل حذيفة، إن كان رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) سمّاه في جملة المنافقين الذين أعلمه بأسمائهم ؟(3).
وها هو البخاري يروي في صحيحه أنّ ابن مليكة أدرك ثلاثين من أصحاب النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) كلّهم يخاف النفاق علىٰ نفسه، وما منهم أحد يقول : إنّه علىٰ إيمان جبریل (1).
ونستخلص من كلّ هذا: أنّ الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين كانوا يعملون بوحي ربّهم، فيسترون علىٰ المنافقين، ولا يكشفوا أمرهم ليكونوا فتنة للناس، ألم تسمع قول الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : (يحقّر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم) (2)، وهم بلا شك يحفظون القرآن أكثر من غيرهم، كما ورد في بعض الروايات.
ألم يقل ربّ العزة والجلالة في حقّهم: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهُ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ: (3).
ألم يقل الله سبحانه لنبيّه : «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ الله لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ...» (4).
إذاً ، علمُ الرسل بنفاق بعض أصحابهم وسترهم، والسكوت عليهم لا يتنافىٰ مع صفاتهم ، كما توهّمتم يا سيادة الدكتور !
وقولكم بأنّ: «الساكت عن الحقّ شيطان أخرس» لا علاقة له بالموضوع؛ فمن قال لكم بأنّ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) سكت عن الحقّ ؟ إنّه لم يسكت، وأوضح كلّ شيء بما يتناسب ومصلحة الإسلام والمسلمين ، ألم يُحذّر المسلمين من فتنة زوجته عائشة عندما أشار إلىٰ بيتها ، وقال : هاهنا الفتنة ، ثلاثاً، من هاهنا يطلع قرن الشيطان(5).
ألم يحذر أبا بكر نفسه عندما قال له أبو بكر : ونحن يا رسول الله ، لماذا لا تشهد لنا وقد آمنّا بك وهاجرنا معك ؟ فقال(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : إنّي لا أدري ما تُحدثون بعدي (1)..
فإنّ امتناع الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) من الشهادة لأبي بكر عندالله كما شهد لشهداء أُحُد، فيه دلالة علىٰ انقلاب أبي بكر بعد الرسول ، كما يفيد ذلك قول النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : إنّي لا
أدري ما تُحدثون بعدي(2).
بعد قراءته لردّ الدكتور التيجاني علىٰ رسالته ، بما احتواه من الأدلّة علىٰ صحّة الرؤية الشيعية في المجال العقائدي ، قرّر «محمّد» مواصلة البحث والتحقيق ، الأمر الذي سار به في نهاية المطاف إلىٰ الاستبصار ، واعتناق مذهب أهل البيت (علیهم السّلام).
ولدسنة 1395 ه- ( 1976م) في «فلسطين» في قطاع غزّة ، ودرس في القطاع إلىٰ أن نال شهادة البكالوريوس.
بدأت قصّة استبصاره ب- ( قصّة الشيخين) لطه حسين في المرحلة الثانوية من دراسته، وعندما ذهب إلىٰ تركيا وقع بيده كتاب «المراجعات» وكانت أسئلة الشيخ البشري هي عين الأسئلة التي كانت تجول في ذهنه ، وكانت أجوبة السيّد عبدالحسين شرف الدين هي الأجوبة التي يحتاجها ، وقد كان يتحقّق من الأجوبة من خلال تواجده المتواصل في مكتبة الجامعة الإسلامية في غزة (1).
من أهمّ الموضوعات التي تمّ التطرّق إليها في (المراجعات) موضوع: الوصيّة من قبل النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) للإمام عليّ(علیه السّلام) (2).
وقد ثبت أن نصوص الوصيّة متواترة ، ومن ذلك ما جاء من طريق غير الشيعة ، ومنها :
1 - قال أميرالمؤمنين (علیه السّلام) ضمن ما قاله في واقعة الإنذار .... ثم تكلّم رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فقال : يا بني عبدالمطّلب ! إنّي والله ما أعلم شابّاً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا قد جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة وقد أمرني الله تعالىٰ أن أدعوكم إليه ، فأيّكم يؤازرني علىٰ هذا الأمر، على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم . قال : فأحجم القوم عنها جميعاً، وقلت وإنّي لأحدثهم سنّاً، وأرمصهم عيناً، وأعظمهم بطناً ، وأحمثهم ساقاً : أنا يا نبي الله . أكون وزيرك عليه . فأخذ برقبتي ، ثم قال : إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا(1).
2 - عن أبي سعيد الخدري، عن سليمان ، قال : قلت: يا رسول الله !لكلّ نبيّ وصيّ ، فمن وصيّك ؟ فسكت عنّي ، فلمّا كان بعدُ رآني فقال : يا سلمان فأسرعت إليه ، قلت : لبّيك ! قال : تعلم من وصيّ موسىٰ ؟ قلت : نعم ، يوشع بن نون . قال : لم ؟ قلت : لأنّه كان أعلمهم . قال : فإنّ وصيّي وموضع سرّي، وخير من أترك بعدي، وينجز عِدَتي ويقضي ديني ، عليّ بن أبي طالب(2).
3-عن ابن بريدة، عن أبيه ، قال : قال النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : لكلّ نبيّ وصيّ ووارث، وإنّ عليّاً وصيّي ووارثي(3).
وهذه النصوص وغيرها في كونه (علیه السّلام) و وصيّ النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) من بعده ، صريحة في أنّه أفضل الناس بعد النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وفيها دلالة التزامية علىٰ خلافته، ووجوب طاعته ، وهو ما أشارت إليه مجموعة من الروايات :
1 - عن أنس ، قال : قال رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : يا أنس! اسكب لى وضوءاً. ثم قام
فصلّىٰ ركعتين ، ثم قال : يا أنس! أوّل من يدخل عليك من هذا الباب : أميرالمؤمنين ، وسيّد المسلمين، وقائد الغرِ المحجلين ، وخاتم الوصيّين.
قال أنس : قلت : اللّهمّ اجعله رجلاً من الأنصار ، وكتمته، إذ جاء عليّ، فقال : من هذا يا أنس ؟ فقلت : عليّ . فقام مستبشراً فاعتنقه، ثم جعل يمسح عن وجهه بوجهه ويمسح عرق عليّ بوجهه ، فقال : يا رسول الله ! لقد رأيتك صنعت شيئاً ما صنعت بي قبل ، قال : وما يمنعني وأنت تؤدّي عنّي ، وتسمعهم صوتي، وتبيّن لهم ما اختلفوا فيه بعدي (1).
2 - عن أبي أيوب الأنصاري: أنّ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قال الفاطمة رضي الله عنها : أما علمت أنّ الله عزّ وجلّ اطّلع إلىٰ أهل الأرض، فاختار منهم أباك ، فبعثه نبيّاً ، ثم اطّلع الثانية فاختار بعلك، فأوحى الله إليّ فأنكحته واتخذته وصيا(2).
فاختار الله عليّاً(علیه السّلام) بعد أن اختار منهم محمّداً (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) خاتم أنبيائه ، فكان اختيار الوصيّ علىٰ نسق اختيار النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).
وهنا يُطرح السؤال: كيف يمكن أن يؤخَّر أفضل عباده ووصيِ خاتم النبيين ، ويقدّم من هم دونه عليه ؟ !
وهل يصحّ لأحد أن يكون حاكماً عليه، فيكون تحت إمرته ؟!
كيف يمكن أن تكون طاعة ذلك المتولّي واجبة علىٰ وصيّ نبيّه ؟
وكيف يختاره الله ورسوله ثم نحن نختار غيره ، وقد قال تعالىٰ: «وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مبيناً » (3).
وعن ابن عبّاس ، قال : لمّا زوّج النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فاطمة عليّاً قالت فاطمة : يا رسول
الله ! زوّجتني من رجل فقير ليس له شيء. فقال رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ): أما ترضين يا
فاطمة أنّ الله عزّ وجلّ اختار من أهل الأرض رجلين، أحدهما : أبوك ، والآخر: زوجك (1).
وقالت عائشة : اشتكى رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في بيتي فأتته فاطمة تمشي ، والذي
نفس عائشة بيده كأنّ مشيتها مشية رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فسارّها رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فبكت ، ثم سارّها فضحكت ، فقلت : ما رأيت كاليوم ضحكاً أقرب من بكاء. فقلت : يا فاطمة ! أخبريني ما قال لك . قالت : ما كنت أفعل، وقد رأى رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) مكانك . فلمّا توفّي رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) سألتها ، فقالت : إنّ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قال : إنّ جبريل كان يعارضني بالقرآن في كلّ سنة مرة، وقد عارضني به العام مرّتين، ولا أراني إلّا مدعوّاً به فأجيب، فاتّقي الله . قالت : فجزعتُ ، ثم سارّني فقال : أما ترضين أنّ زوجك أوّل المسلمين إسلاماً، وأعلمهم علماً ؟ ! فإنّك سيدة نساء أُمّتي، كما سادت مريم نساء قومها (2).
وكان رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يذكّر فاطمة(علیها السّلام) بتزويجها من خير أُمّته، وهو ما أشارت إليه رواية معقل بن يسار ، قال : وضأت النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ذات يوم ، فقال : هل لك في فاطمة رضي الله عنها تعودها ؟ فقلت : نعم . فقام متوكّنا عَليّ ، فقال : أما إنّه سيحمل ثقلها غيرك ، ويكون أجرها لك . قال : فكأنّه لم يكن عليّ شيء حتى دخلنا علىٰ فاطمة(علیها السّلام) ، فقال لها : كيف تجدينك ؟ قالت : والله لقد اشتدّ حزني، واشتدّت فاقتي، وطال سقمي. قال أبو عبدالرحمن وجدت في كتاب أبي بخطّ يده في هذا الحديث : قال : أوما ترضين أنّي زوّجتك أقدم أُمّتى سلماً، وأكثرهم علماً، وأعظمهم
حلماً (3)؟ !
وكونه(علیه السّلام) الوصيّ النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) من المتواترات ، وقد نقل المؤرّخون أشعاراً
متضمّنة لكونه (علیه السّلام) وصيّه(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وإنّها تجلّ عن الحصر؛ فعن أبي الهيثم ابن التيهان، وكان بدرياً ، قال :
قل للزبير وقل لطلحة*** إنّنا نحن الذين شعارنا الأنصار
نحن الذين رأت قريش فعلنا*** يوم القليب أُولئك الكفّار
كنّا شعار نبيّنا و دثاره*** يفديه منّا الروح والأبصار
إنّ الوصي إمامنا ووليّنا*** برح الخفاء وباحث الأسرار (1)
وقد لام أميرالمؤمنين (علیه السّلام) محمّد بن الحنفية يوم الجمل لمّا أمره بالحملة فتقاعس ، فأنشد عمر بن حارثة الأنصاري في محمّد قائلاً:
سَمِيُّ النبي وشبه الوصي*** ورايته لونها العندم (2)
والعندم: شجر له صبغ أحمر. كتاب العين 6: 253.
وقال ذو الشهادتين خزيمة بن ثابت ، وكان بدرياً في يوم الجمل أيضاً:
يا وصي النبي قد أجلَتِ الحر***ب الأعادي وسارت الأظعان(3)
وأنشد حجر بن عدي الكندي في أمير المؤمنين (علیه السّلام) قائلاً:
واحفَظهُ ربّي واحفَظ النبيّا ***فيه فقد كان له وليّا
ثم ارتضاه بعده وصيّا (4)
وخرج يوم الجمل غلام من بني ضبة شاب معلم من عسكر عائشة ، وهو يقول :
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 143 .
2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 44:1 .
3) الظعن سير البادية لنجعة، أو حضوره ماء، أو طلب مربع، أو تحوّل من ماء إلى ماء، أو من بلد إلى بلد، وقد يقال لكلّ شاخص لسفر في حجّ أو غزو، أو مسير من مدينة إلى أُخرىٰ: ظاعن. لسان العرب 13: 271.
4) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 145.
نحن من بنوضبّة أعداء عليّ*** ذاك الذي يعرف قِدماً بالوصي (1)
وقال الأشعث بن قيس:
أتانا الرسول رسول عليّ*** فسُرَّ بِمَقدمه المسلمونا
رسول الوصيّ وصي النبيّ*** له الفضل والسبق في المؤمنينا
ومّما قيل على لسان الأشعث أيضاً:
أتانا الرسول رسول الوصي*** عليّ المهذّب من هاشم
رسول الوصي وصي النبي*** وخير البرية من قائم(2)
وقال الفضل بن عباس :
وصيّ رسول الله من دون أهله*** وفارسه إن قيل هل من منازل (3)
ومما قيل في صفّين : قول النضر بن عجلان الأنصاري:
وذروا معاوية الغويّ وتابعوا*** دين الوصيّ تصادفوه عاجلاً(4)
ومن شواهده : قول أمّ سنان المذحجية لمعاوية عندما دخلت عليه ، فقالت في علي(علیه السّلام) :
قد كنت بعد محمّد خلفاً لنا***أوصى إليك بنا فكنت وفيّا(5)
وبرز الحجاج بن مسروق الجعفي يوم الطف وهو يقول لسيد الشهداء الحسين (علیه السّلام) :
ثم أباك ذا الندى عليّا*** ذاك الذي نعرفه وصيّا (6)
ثم لو لم تكن الوصاية مستلزمة للخلافة، لِمَ أنكرتها عائشة مع تواترها، ولذا يقول خزيمة لعائشة يعاتبها :
وصيّ رسول الله من دون أهله*** وأنتِ على ما كان من ذاك شاهَدة (1)
وقد قال أيضاً على نقل ابن أبي الحديد :
هذا عليّ وهو الوصيّ*** آخاه يوم النّجوة النّبيّ (2)
كما أشارت الروايات إلى اختصاصه (علیه السّلام) بوراثته ، وقيل : أراد بالوراثة : ما يراه هو أنّه أولى به من أمر الخلافة ..
روىٰ عبدالرحمن بن صالح الأزدي، قال: حجّ هارون الرشيد، فأتى قبر النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) زائراً له ، وحوله قريش وأفياء القبائل، ومعه موسىٰ بن جعفر ، فلمّا انتهى إلى القبر قال : السلام عليك يا رسول الله ، يابن عمّي. افتخاراً على من حوله ، فدنا موسىٰ بن جعفر ، فقال : السلام عليك يا أبة . فتغيّر وجه هارون، وقال: هذا الفخر يا أبا الحسن حقّا (3).
بعد أن بانت ل-«محمود» الحقيقة الناصعة من خلال قراءته لكتاب (المراجعات)، وما فيه من الدلالة علىٰ حقّانية مذهب أهل البيت(علیهم السّلام) استيقن بأن هذا المذهب هو مذهب الحقّ ، وأنّ من الواجب اتّباعه، وهو ما حصل بالفعل؛ إذ أعلن عن استبصاره وانتمائه لمذهب أهل البيت(علیهم السّلام) في «فلسطين».
ولد عام 1397 ه- (1977م) في أسرة فلسطينية الجنسية ونشأ في هذه الأسرة على أنّ المذهب الحقّ الذي ينبغي أن يدان الله به هو المذهب السنّى ، كما أنّه كان كثيراً ما يسمع : أنّ الشيعة كفرة ، إلّا أنّه لم يكن يعِ حينها ما كان يسمعه.
استمر «مرهف» على حاله هذا إلى أن بلغ مستوى من الرشد الفكري، فبدأت تراوده تساؤلات عمّا كان يراه سابقاً من الحقيقة التي لا مجال للشك والريب فيها ، فأدرك أنّ هناك العديد من التناقضات في القضايا الأساسية عند المعتقد السنّي ، وبعد البحث والتحقيق في مختلف الرؤى الإسلامية رأى «مرهف» أنّ الحل في رفع هذه التناقضات ليس إلا في مذهب أهل البيت(علیهم السّلام) .
من الأمور التي لفتت نظر «مرهف» ومن ضمن ما رآه من التناقضات عند السنّة أنّهم يدّعون: أنّ من شارك في حرب صِفّين الواقعة بين الإمام علي(علیه السّلام) ومعاوية لم يكن مخطئاً، وهنا يستغرب المحققّ الذي أزال غشاء العصبية عن أفكاره؛ إذ كيف يكون الطرفان في الواقعة التي راح ضحيّتها آلاف المسلمين على حقّ ، ومن هو المسؤول - حينها - عن إراقة هذه الدماء ؟
بمجرّد التدقيق في كتب ومصادر أهل السنّة يصل الباحث إلىٰ أنّ هناك جهة
استحوذت على الفكر السنّي وقامت بالتغطية على ما ارتكبه معاوية ، بل تحاول أن توجّه كلّ مخالفاته، بل وصل الأمر ببعضهم إلىٰ القبول لأنفسهم أن ينتقصوا من حرمة رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في سبيل حفظ كرامة معاوية .
وهذا إن دلّ على شيء فإنّه يدلّ حقيقة علىٰ أنّ هؤلاء لم يكونوا بصدد حفظ السنّة النبوية والشريعة الإسلامية كما يدّعون ، وإنّما كانوا بصدد حفظ كرامة معاوية، وحفظ أُسس الدولة الأموية حتىٰ لو كان على حساب الشريعة الإسلامية.
فعند مراجعة الكتابات التي كُتبت في الدفاع عن معاوية خصوصاً، وعن بني أُميّة عموماً ، نجد أن هناك محاولات جادّة ، مدروسة وممنهجة، لإيجاد هالة وقدسيّة خاصّة لمعاوية، ولا بُعد في ذلك؛ فإنّه المؤسس للدولة السفيانية والدولة الأموية وهو المؤسّس للمنهج الذي يريد القضاء على الإسلام وعلى حقيقة الإسلام التي جاء به الخاتم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).
يعتقد معاوية أنّه أحقّ وأولىٰ بالخلافة والملك ، ليس فقط من الإمام علي(علیه السّلام)، بل كان يرىٰ نفسه أحقّ بها حتى ممّن كان يدّعي بأنّه امتداد لمدرسته؛ فهو أوّل من ادّعىٰ أنّه أحقّ بالخلافة من عمر بن الخطّاب !
والعجب من أتباعه ومن هم علىٰ شاكلته؛ فإنّهم لم يوجهّوا إليه أي انتقاد علىٰ قوله هذا لا من قريب ولا من بعيد!
فقد روي عن عكرمة بن خالد، عن ابن عمر ، قال : دخلت على حفصة ونسواتها تنطف، قلت: قد كان من أمر الناس ماترين ، فلم يجعل لي من الأمر شيء. الأمرشيء.
فقلت : الحق فإنّهم ينتظرونك ، وأخشى أن يكون في احتباسك عنهم فُرقة.
فلم تدعه حتى ذهب ، فلمّا تفرّق الناس خطب معاوية ، قال : من كان يريد أن يتكلّم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه ؛ فلنحن أحقّ به منه ومن أبيه ..
قال حبیب بن مسلمة : فهلا أجبته ؟ !
قال عبدالله : فحللت حبوتي وهممت أن أقول: أحقّ بهذا الأمر منك : مَن قاتلك وأباك على الإسلام، فخشيت أن أقول كلمة تفرّق بين الجمع وتسفك الدم، ويحمل عنّي غير ذلك ، فذكرت ما أعدّالله في الجنان . قال حبيب : حفظت وعصمت (1).
والحادثة حصلت في وقعة صِفّين ، وحادثة التحكيم، ويعني ابن عمر بقوله: فلم يجعل لي من الأمر شيء ، أي : أنا خرجت من هذه القضية وليس لي مقام من الخلافة والإمرة.
فقالت له حفصة : الحق . يعني : اذهب إليهم بسرعة، إلى موقع التحكيم ؛ فإنّهم ينتظرونك ، وأخشى أن يكون في احتباسك عنهم فُرقة ، فلم تدعه حتى ذهب .. فلمّا تفرّق الناس.. بعد أن انتهت قضية التحكيم وقام أبو موسى الأشعري بما قام ، وفعل عمر و بن العاص ما فعل ، خطب معاوية فقال : من كان يريد أن يتكلّم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه ، فلنحن أحقّ به منه ومن أبيه . أي : بهذا الأمر ، وهو : الخلافة . منه ، يعني : من عبدالله بن عمر . ومن أبيه ، يعني : عمر بن الخطّاب.
قال من كان هناك لعبدالله بن عمر : لماذا لا تجيب معاوية ، فهلا أجبته ؟ ! فقال : من قاتلك وأباك ، أراد به : أميرالمؤمنين عليّاً(علیه السّلام) ؛ فإنّه قاتل معاوية ووالده أبا سفيان يوم أحد ويوم الخندق(2).
وهنا يوجّه السؤال إلىٰ عبدالله بن عمر : لماذا لم تبايع عليّاً وبايعت معاوية، ثم بايعت أمثال يزيد ؟
ولا عجب من أتباع النهج الأموي أن يحاولوا إعطاء هالة وقدسية لمعاوية بنحو يخال الإنسان أنّهم يفضّلونه ، فلهذا أصل في كلمات معاوية نفسه ، لكنّهم
يعتقدون أنّ معاوية ستر الصحابة ، فإذا أرادوا أن يستتروا يستترون بمعاوية؛ فعن عثمان بن سعید ، قال : سمعت الربيع بن نافع ، يقول : معاوية بن أبي سفيان ستر أصحاب رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فإذا كشف الرجل الستر اجترىء على ما وراءه (1).
فخط الدفاع الأوّل إذاً هو : معاوية، وهذا يبيّن النظرية التي يقوم عليها أساس النهج الأموي، ولهذا نجد الإصرار في الفضائيات والكتابات وعلى المنابر - تأسّياً بالسالفين - علىٰ هذا الدفاع عن رأس النفاق والفجور والفسق معاوية ، وأمثال معاوية ، ك-: عمرو بن العاص وأبي موسىٰ الأشعري، من الذين تآمروا تلك المؤامرة في صِفّين.
فقد سئل أحمد بن حنبل إمام الحنابلة : أيّهما أفضل: معاوية أو عمر بن عبدالعزيز ؟
فقال : لغبارٌ لَحَقَ بأنف جواد معاوية بين يدي رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) خير من عمر بن
عبدالعزيز (2)!
هذا مع أنَّ عمر بن عمر بن عبدالعزيز في عداد الخلفاء الراشدين عندهم، وقد عدّوا له من المكارم ما لا يعدُّ ولا يحصىٰ ، ولكنّه عندما يُقابل بمعاوية لا يكون أفضل من غبار لَحِقَ بأنف جواده !!
بعد البحث والتحقيق والوقوف علىٰ التناقضات الموجودة في الرؤية السنّية للتاريخ الإسلامي، لم يجد «مرهف» البديل الموصل إلىٰ الحقّ إلّا في رؤية أتباع مدرسة أهل البيت(علیهم السّلام) ، فاتّبع فطرته وما يمليه عليه عقله ، وأعلن استبصاره وانتماءه للمذهب الشيعي، وكان ذلك عام 1418 ه- (1998م)(3).
ولد عام 1386 ه- (1967م) في فلسطين، ونشأ في أسرة سنّية المذهب، واصل «معتصم» نشاطه الأكاديمي حتى حصل شهادة هندسة.
إلىٰ جانب الدراسة الأكاديمية فضّل «معتصم» أن يدخل ساحة الجهاد أمام القوات الصهيونية الأمر الذي دعاه إلى أن ينتمي إلىٰ أحد الأحزاب الفلسطينية عام 1408 ه-، واستمرّ في نشاطه هناك ما يقارب ال- 17 عاماً.
علىٰ الصعيد العقائدي كان «معتصم» يواجه بين الحين والآخر بعض التساؤلات حول معتقداته التي كان يدين الله بها، يقول عن إحدىٰ هذه التساؤلات : كنت أعيش معركة مع نفسي ، كنت أتساءل عن الصلاة على محمّد وآل محمّد في صلاتنا : من هم آل محمّد ؟ ولماذا نصلّي عليهم في الصلاة ؟ أليست صلاتنا عليهم من صلب الدين ؟ !
وهذا السؤال سؤال صعب جداً في «فلسطين»؛ إذ لن تجد اثنين يقولان : أن أهل البيت هم علي وفاطمة والحسن والحسين(علیهم السّلام) ، إلا أنني قمت بمراجعة صحيح مسلم بنفسي لأرىٰ أمامي الحديث الذي عرّف أهل الكساء(علیهم السّلام) (1).
1) صحیح مسلم 7: 130.
يقول «معتصم» عن النقطة المحوريّة التي دعته إلى التحوّل نحو مذهب أهل البيت(علیهم السّلام) : كنت في أحد الأحزاب الإسلامية بفلسطين ، إلا أننا كنّا نعيش في الحزب الكثير من المشكلات، وفي إحدىٰ الفترات تابعت محاضرة أحد الخطباء الحسينيين التي كانت تبثّ عبر إحدىٰ القنوات الشيعية أيام عاشوراء، ولم أكن حينها أعرف شيئاً عن الحسين وأهل البيت(علیهم السّلام) سوى أن للحسين قصة حزينة .
وبعد أن استمعت للمحاضرة وعرفت أنّه يتحدّث عن مظلوميّة الحسين (علیه السّلام) أبكتني القصة كثيراً ، وقد ناقشت أفراد الحزب فيها لعلّنا نستفيد من ثورة الحسين(علیه السّلام) ، إلّا أنّهم كانوا يتهرّبون دائماً من الحديث في هذا الشأن، واتّهموني بأنّي «رافضي»، وكانوا يقولون لي : إنّها فتنة عصم الله المسلمين منها فلنعصم منها ألسنتنا، وبات مجرّد الحديث عن أهل البيت(علیهم السّلام) ممنوعاً ويثير الفتنة ! الأمر الذي
دعاني لترك هذا الحزب.
بعد تأثره بواقعة عاشوراء والأجواء التي عاشها مع هذه الواقعة الأليمة رأىٰ «معتصم» أن يعزّز رصيده المعرفي في المجال العقائدي للوصول إلىٰ العقيدة الصحيحة غير المشوبة بالتعصّب والتقليد الأعمى ، فبدأ بمتابعة محاضرات علماء الشيعة واتّجه في البحث والتحقيق نحو الإنترنيت، يقول «معتصم» .... بعدها اتّجهت لمتابعة محاضرات بعض علماء الشيعة ، لقد كان يتحدّث بشكل رهيب، وبأسلوب فكري عقلي مقنع ، كنت أسجّل محاضراته وأناقش بها أهلي وأفراد الحزب فلم يأتني أحد بأجوبة على أسئلتي. وبعد فترة تعرّفت على عالم الإنترنيت والشيعة فيه ، فبدأت أدخل على غرف المحادثة في برنامج «البالتوك» وأستمع للمناظرات في هذا الشأن.
بعد أن توصّل إلى أحقّية المذهب الشيعي وبعد استيقاظه من سبات لفترة من
عمره أعلن «معتصم» عن استبصاره والتحاقه بمذهب أهل البيت(علیهم السّلام) ، وكان ذلك عام 1424 ه- ( 2004م)(1)، وبات يدعو المسلمين إلى اتّباع هذا المذهب متسائلاً «أين نحن من وصية رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ؟ إنّ جميع بقاع المسلمين - غير الشيعة - لا يعرفون أهل البيت(علیهم السّلام) ، فكيف ينصر الله أمّة لا تعرفهم ؟ !»
ومضيفاً: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيْرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ»(2)، عندما نريد أن نغير واقع الأمّة يجب علينا أن نغيّر ما في قلوبنا وعقولنا على أساس نهج آل البيت(علیهم السّلام)، فنحن إنّما نكون أقوياء بالتمسّك بكتاب الله و عترة أهل بيت النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )» .
يرىٰ «معتصم» أنّ واقع الأمّة الإسلامية ينبغي أن يكون كما هي الآية الكريمة: «كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» (3)، «وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ» (4)، ويتابع قائلاً: إلا أنّ الأمّة اليوم أصبحت من أذلّ الأمم ، وأصبحنا كالأيتام على مائدة اللئام، وإن العقل والشرع يرفض ذلك، فأين هو الخلل؟
المريض يبحث عن الطبيب المختصّ لتشخيص علاجه، والأُمّة مريضة فمتى أصيبت بهذا المرض؟ هل هو بعد إطاحة أتاتورك في تركيا بالدولة العثمانية عام 1923م ؟ أم ماذا ؟
واعتبر «معتصم» السقيفة بعد وفاة الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) محطّة الخلل التي لم يتّبع فيها المسلمون وصيّة نبيّهم حين قيل له : «حسبنا كتاب الله»(5)، وهو (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) القائل : «إنّي
تارك فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً: كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي» (1)، والقائل أيضاً: «مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق» (2)، وهذه الأحاديث متواترة لدى كلّ المسلمين من أبناء العامّة والشيعة.
ولدت عام 1401 ه- ( 1981م) في فلسطين المحتلّة في أسرة شافعية المذهب.
تقول «ناهد» : عشت القسط الأكبر من حياتي في إحدىٰ دول الخليج حيث كان يعمل والدي، كانت أوّل مرّة أسمع فيها باسم الشيعة عندما كنت في الصف الثالث المتوسط من إحدى مدرّساتي ، وسألت صديقتي التي كانت تجلس بجواري، فردّت علىٰ سؤالي بالقول: «هم الذين يقولون بأنّ جبرائيل أخطأ ونزل على محمّد بدلاً من علي»، ولكنّي وجدت هذا الكلام غريباً فلم أصدّقه..
وعندما رجعت إلى فلسطين سألت خالتي ، فقالت: «هم الذين يعتقدون بأنّ عليّاً(علیه السّلام) أحقّ بالخلافة من أبي بكر»، ثم بدأت رحلتي مع البحث ؛ إذ أن طبيعتي تهوىٰ البحث.
وممّا تأثّرت به «ناهد» في أبحاثها هو : موضوع مظلومية الزهراء(علیها السّلام) وسعي أعداء أهل البيت(علیهم السّلام) لإخفاء سيرتها والوقائع المرتبطة بها(علیها السّلام) .
إنّ مسألة الاعتداء علىٰ بيت الزهراء(علیها السّلام) وهتك حرمتها، وإخراج أميرالمؤمنين(علیه السّلام) ملبيّاً للبيعة من الحقائق التاريخية التي حُفظت بصورة حيّة في طيات كتب التاريخ والمصادر الحديثية، وإن سعىٰ العديد من مؤلّفي هذه الكتب إلىٰ إخفائها
أو تجاهلها أو تحريفها ، ونشير هنا إلىٰ بعض من رواها من كبار محدّثي ومؤرّخي أهل السُنّة :
1 - أبو بكر بن أبي شيبة ، المتوفى سنة 235 ه-، قال: «حدّثنا محمد بن بشر ، حدّثنا عبيدالله بن عمر ، حدّثنا زيد بن أسلم، عن أبيه أسلم: أنّه حين بويع لأبي بكر بعد رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) كان عليّ والزبير يدخلان على فاطمة بنت رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فيشاورونَها ، ويرتجعون في أمرهم، فلمّا بلغ ذلك عمر بن الخطاب خرج حتى دخل على فاطمة ، فقال : يا بنت رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ! والله ما من أحد أحبّ إلينا من أبيك ، وما من أحد أحبّ إلينا بعد أبيك منك ، وأيم الله ما ذاك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك أن أمرتهم أن يحرق عليهم البيت.
قال : فلمّا خرج عمر جاؤوها ، فقالت : تعلمون أنّ عمر قد جاءني وقد حلف بالله لئن عدتم ليحرقنّ عليكم البيت، وأيم الله ليمضين لما حلف عليه ، فانصرفوا راشدين، فروا رأيكم ولا ترجعوا إليّ . فانصرفوا عنها فلم يرجعوا إليها حتى بايعوا لأبي بكر» (1).
والرواية صحيحة السند على مباني أهل السُنّة (2)
وأمّا عبيدالله بن عمر: ابن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي؛ قال الذهبي: «الفقيه الثبت»، وقال ابن حجر: «ثقة ثبت». الكاشف 1: 585 ، تقريب التهذيب 1: 637.
وأمّا زيد بن أسلم القرشي العدوي: أبو أسامة، ويقال: أبو عبدالله، المدني الفقيه، مولى عمر ابن الخطاب؛ قال الذهبي: «الفقيه»، وقال ابن حجر : ثقة عالم». الكاشف 1: 414. تقريب التهذيب 1: 326 .
وأمّا أسلم القرشي العدوي: أبو خالد، ويقال: أبو زيد، المدني، مولى عمر بن الخطّاب (والد زيد بن أسلم، وخالد بن أسلم)، من الطبقة الثانية، وهو من كبار التابعين. روى له: البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. قال العجلي: «ثقة من كبار التابعين»، وقال أبو زرعة: «ثقة». وقال ابن حجر العسقلاني: «ثقة مخضرم». تهذيب الكمال 2: 530 ، تقريب التهذيب 1: 89 .
.1) المصنّف لابن أبي شيبة الكوفي 8: 572.
2) أمّا محمد بن بشر، فهو: ابن الفرافصة بن المختار العبدي، أبو عبدالله الكوفي، من الطبقة التاسعة، من صغار أتباع التابعين. روى له: البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. قال الذهبي: «الثبت، قال أبو داود: هو أحفظ من كان بالكوفة». وقال ابن حجر: «ثقة حافظ». الكاشف 2: 159، تقريب التهذيب 2: 58.
وأمّا شبهة الإرسال فهي منتفية ؛ لأنّ الراوي لها ليس زيد بن أسلم ، بل الراوي (أبوه) أسلم ، وهو يروي عن عمر بن الخطاب ، وهو مولىِّ له، وهو ما ذكره الذهبي(1).
والروايات اختلفت مضامينها ؛ فتارة تنقل لنا صيغ الحرق، وتارة أخرىٰ التهديد وغيره، ولكنها تتّفق على أنّ هذا الفعل قد تجرّأ عليه القوم وكشفوا بيت فاطمة(علیها السّلام) ، والرواية الأولى صحيحة السند و صريحة في ذلك، كما تقرّر آنفاً.
وإن قيل : إنّ هناك نوع من التعارض ، فنقول :
أولاً : يكفي تحقّق أحد هذه الأمور - أعني : التهديد بالإحراق، أو الإتيان بالنار أو الحطب - في الطعن على فاعله ، كيف لا يبالون بالتعدّي على بيت يُعدّ من بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه؟ ولماذا لا يهتمّون بتهديد من يغضب الله لغضبها ويرضى لرضاها ، ومن آذاها فقد آذى الله ؟ !
ثانياً: هل يُترقب أن تُحكى لنا القضية بتمامها من الذين أُشرب في قلوبهم حبّ الهيئة الحاكمة والظالمين للعترة الطاهرة(علیهم السّلام) ؟ ! مع ما هناك من تعتيم إعلامي وتحريف وخوف ورغبة، كلاً ! وقديماً قالوا: حبّ الشيء يعمي ويصمّ .
1) قال الذهبي: أسلم أبو زيد العدوي: [روي] عن مولاه عمر بن الخطاب وأبي بكر الصديق ومعاذ وأبي عبيدة، وغيرهم من كبار علماء التابعين، وهو حبشي اشتراه عمر سنة إحدىٰ عشرة لمّا حج، وقيل: هو من سبي عين التمر، روى عنه ابنه زيد بن أسلم ونافع وسلم بن جندب. توفّي سنة ثمانين بالمدينة. تذكرة الحفاظ 52:1، تهذيب الكمال 2: 530.
نعم، قد جرى على السنة بعضهم وسقط عن أقلام آخرين ما يكفي لطالب الحقّ ويقبله المنصف، ولكن مع ذلك لا يقدرون على إيراد القضية بتمامها ؛ بل هناك دواعٍ شتّى على إخفاء تلك الفضائح ، كما نرى ذلك في كتاب (الأموال) عندما نقل رواية ندم أبي بكر لكشف بيت فاطمة(علیها السّلام) ، قال : «فوددت أنّي لم أكن فعلت كذا وكذا»(1).
ثالثاً : إنّ كل واحد من الرواة ما رآه بعينه - لاسيّما مع شدّة الزحام - وما كان عليه المهاجمون من الفظاظة والغلظة ، فإن ذلك يمنع عن مشاهدة القضية بتمامها ، فحكاية شيء منها لا تنفي سائر ما ذكر فيها ، ويشهد لذلك : ما ورد من الآثار التي ذُكر فيها تحقّق إحراق الباب بعد ذكر التهديد أو إرادة الإحراق، والمراد: إنّهم قصدوا إحراق البيت ومن فيه ... أي أميرالمؤمنين والسيدة فاطمة الزهراء وأولادهم(علیهم السّلام) ولكنّهم لم يقدروا على ذلك ، أو لم يتحقّق، واقتصر على الباب مع قصد الجميع.
رابعاً : الذي ينظر بعين الإنصاف ويتحلّى بالموضوعية في روايات العامة التي تذكر تهديدهم السيدة فاطمة(علیها السّلام) بإحراق ،دارها ، وروايات أخرىٰ عنهم تذكر الإتيان بالنار، وطائفة ثالثة تدلّ على جمعهم الحطب حول البيت، وطائفة رابعة على ضربها أو إسقاطها جنينها ثمّ يرى تواتر النصوص بدفنها ليلاً، وإيصائها بذلك لئلا يصلّي عليها الشيخان، وأنّها لم تزل غضبىٰ عليهما إلىٰ أن ماتت، بل بقى قبرها مخفياً إلىٰ يومنا هذا بوصية منها يحصل له العلم القطعي بتحقّق الإحراق وسائر الجنايات.
وإن قيل : أبطلتم اعتقادكم بأنّ عليّاً لم يبايع؛ لأنّ هذه الرواية تقول : فلم يرجعوا إلىٰ فاطمة حتى بايعوا أبا بكر.
نقول : روى البخاري في صحيحه أنّ علياً(علیه السّلام) لم يبايع في تلك الفترة التي أحرق فيها بيت فاطمة(علیها السّلام) ، قال : «حدّثنا يحيى بن بكير ، حدّثنا الليث، عن عقيل،
1) الأموال: 193 - 194.
عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة : أنّ فاطمة(علیها السّلام) بنت النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ممّا أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر ، فقال أبو بكر : إنّ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قال : لا نورث ما تركنا صدقة، إنّما يأكل آل محمّد في هذا المال، وإنّي والله لا أغير شيئاً من صدقة رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عن حالها التي كان عليها في عهد رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ولأعملنَّ فيها بما عمل به رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً ، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك ، فهجرته فلم تكلّمه حتى توفّيت، وعاشت بعد النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ستّة أشهر ، فلمّا توفّيت دفنها زوجها عليّ ليلاً، ولم يؤذن بها أبا بكر ، وصلّى عليها ... ولم يكن يبايع تلك الأشهر»(1).
فهذه الرواية الصحيحة، والتي هي في أصحّ الكتب عند أهل السُنّة ، تقرّر أنّ عليّاً لم يبايع تلك الأشهر .
2 - قال عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، المتوفّى سنة 276: «وإنّ أبا بكر تفقّد قوماً تخلّفوا عن بيعته عند عليّ كرّم الله وجهه ، فبعث إليهم عمر ، فجاء فناداهم وهم في دار عليّ ، فأبوا أن يخرجوا ، فدعا بالحطب وقال : والذي نفس عمر بيده ، لتخرجنّ أو لأُحرقّنها على من فيها . فقيل له : يا أبا حفص ! إنّ فيها فاطمة ؟
فقال : وإن .
فخرجوا فبايعوا، إلا عليّاً؛ فإنّه زعم أنّه قال: حلفت أن لا أخرج ولا أضع ثوبي على عاتق حتى أجمع القرآن .
فوقفت فاطمة رضي الله عنها على بابها ، فقالت : لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم ، تركتم رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) جنازة بين أيدينا ، وقطعتم أمركم بينكم ، لم تستأمرونا، ولم تردّوا لنا حقّاً.
فأتى عمر أبا بكر ، فقال له : ألا تأخذ هذا المتخلّف عنك بالبيعة ؟
1) صحيح البخاري 5: 83 .
فقال أبو بكر لقنفد وهو مولىً له : اذهب فادع لي عليّاً.
قال : فذهب إلى عليّ ، فقال له : ما حاجتك ؟
فقال : يدعوك خليفة رسول الله .
فقال علي: السريع ما كذبتم على رسول الله.
فرجع فأبلغ الرسالة ، قال : فبكى أبو بكر طويلاً. فقال عمر الثانية : لا تمهل هذا المتخلّف عنك بالبيعة .
فقال أبو بكر رضي الله عنه لقنفد : عد إليه ، فقل له : خليفة رسول الله يدعوك لتبايع . فجاءه قنفد ، فأدّى ما أمِر به، فرفع عليّ صوته فقال: سبحان الله ؟ لقد ادّعى ما ليس له .
فرجع قنفد ، فأبلغ الرسالة ، فبكى أبو بكر طويلاً، ثم قام عمر ، فمشى معه جماعة ، حتى أتوا باب فاطمة ، فدقّوا الباب، فلما سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها : يا أبتِ يا رسول الله ! ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة.
فلمّا سمع القوم صوتها وبكاءها انصرفوا باكين، وكادت قلوبهم تنصدع، وأكبادهم تنفطر، وبقي عمر ومعه قوم، فأخرجوا عليّاً ، فضوا به إلى أبي أبي بكر ، فقالوا له : بايع.
فقال : إن أنا لم أفعل فمه ؟
قالوا : إذاً والله الذي لا إله إلّا هو نضرب عنقك.
فقال : إذاً تقتلون عبدالله وأخارسوله.
قال عمر : أمّا عبدالله فنعم ، وأمّا أخو رسوله فلا.
وأبو بكر ساكت لا يتكلّم ، فقال له عمر : ألا تأمر فيه بأمرك ؟
فقال : لا أكرهه على شيء ما كانت فاطمة الى جنبه ، فلحق عليّ بقبر رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يصيح ويبكي، وينادي : يابن أمّ إنّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني»(1).
1) الإمامة والسياسة 1: 30 .
3 - محمّد ابن جرير الطبري المتوفّىٰ سنة 310 ه-: روى عن يونس بن الأعلىٰ (1)، قال : حدّثنا يحيى بن عبدالله بن بكير ، قال : حدّثنا الليث بن سعد ، قال : حدّثنا علوان ، عن صالح بن كيسان، عن عمر بن عبدالرحمن بن عوف، عن أبيه: أنّه دخل على أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في مرضه الذي توفّي فيه ، فأصابه مهتمّاً ، فقال له عبدالرحمن : أصبحت والحمدلله بارئاً. فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه : أتراه ؟ قال : نعم . قال : إنّي وليّت أمركم خيركم في نفسي ، فكلّكم ورم أنفه من ذلك، يريد أن يكون الأمر له دونه ، ورأيتم الدنيا قد أقبلت ولما تُقبل وهي مقبلة حتى تتّخذوا ستور الحرير ونضائد الديباج، وتألموا الاضطجاع على الصوف الأذري كما يألم أحدكم أن ينام على حسك ، والله لأن يقدّم أحدكم فتُضرب عنقه في غير حدٍّ خير له من أن يخوض في غمرة الدنيا، وأنتم أوّل ضالّ بالناس غداً، فتصدّونهم عن الطريق يميناً وشمالاً . يا هادي الطريق ! إنّما هو الفجر أو البحر (2).
قلت له : خفّض عليك رحمك الله ، فإنّ هذا يهيضك في أمرك، إنّما الناس في أمرك بين رجلين : إمّا رجل رأى ما رأيت، فهو معك ، وإمّا رجل خالفك ، فهو مشير عليك وصاحبك كما تحب، ولا نعلمك أردت إلّا خيراً، ولم تزل صالحاً مصلحاً، وإنّك لا تأسى على شيء من الدنيا.
قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه : أجل إنّي لا أسى على شيء من الدنيا إلا على ثلاث فعلتهنّ وددت أنّي تركتهنّ ، وثلاث تركتهنّ وددت أنّي فعلتهنّ ، وثلاث وددت أنّي سألت عنهنّ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ):
فأمّا الثلاث اللاتي وددت أنّي تركتهنّ : فوددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة عن شيء وإن كانوا قد غلّقوه على الحرب، ووددت أنّي لم أكن حرقت الفجاءة السلمي، وأنّي كنت قتلته سريحاً أو خلّيته نجيحاً ، ووددت أنّي يوم سقيفة بني ساعدة كنت
قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين - عمر وأبي عبيدة - فكان أحدهما أميراً وكنت وزيراً.
وأمّا اللاتي تركتهنّ : فوددت أنّي يوم أتيت بالأشعث بن قيس أسيراً كنت ضربت عنقه ؛ فإنّه تخيّل إلَى أنّه لا يرى شرّاً إلا أعان عليه ، ووددت أنّي حين سيّرت خالد بن الوليد إلى أهل الردة كنت أقمت بذي القصّة؛ فإن ظفر المسلمون ظفروا وإن هزموا كنت بصدد لقاء أو مدداً، ووددت أنّي كنت إذ وجهّت خالد بن الوليد إلى الشام كنت وجهّت عمر بن الخطّاب إلى العراق، فكنت قد بسطت يدي كلتيهما في سبيل الله - ومدّ يديه -.
ووددت أنّي كنت سألت رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : لمن هذا الأمر؟ فلا ينازعه أحد، ووددت أنّي كنت سألته : هل للأنصار في هذا الأمر نصيب ؟ ووددت أنّي كنت سألته عن ميراث ابنة الأخ والعمّة ؛ فإنّ في نفسي منهما شيئاً(1).
والرواية صحيحة السند على مباني أهل السُنّة (2)
وقال ابن حجر: «ثقة». الكاشف 2: 403 ، تقريب التهذيب 2 :349.
وأمّا يحيى بن عبدالله، فهو: ابن بكير القرشي المخزومي من الطبقة العاشرة من كبار الآخذين عن تبع الأتباع: روى له: البخاري ومسلم وابن ماجة. قال الذهبي: «الحافظ صدوقاً واسع العلم مفتياً»، وقال ابن حجر: «ثقة في الليث». وقال أيضاً: «وقال الخليلي: كان ثقة، وتفرّد عن مالك بأحاديث»، وقال ابن قانع: «مصري ثقة».
الكاشف 2: 369، تقريب التهذيب 2: 306، تهذيب التهذيب 11: 208 .
وأمّا الليث، فهو: ابن سعد بن عبدالرحمن الفهمي، أبو الحارث المصري، من الطبقة السابعة من كبار أتباع التابعين. روى له: البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة . قال الذهبي: «الإمام، ثبت من نظراء مالك»، وقال ابن حجر: «ثقة ثبت فقيه إمام». الكاشف 2: 151 ، تقريب التهذيب 2: 48.
وأمّا علوان بن داود البجلي فقد وثّقه ابن حبّان. كتاب الثقات 8: 526.
.وقال أيضاً: «حدثنا جرير، عن مغيرة، عن زياد بن كليب ، قال : أتى عمر بن الخطاب منزل عليّ وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين . فقال : والله لأحرقنّ عليكم أو لتخرجنّ إلى البيعة . فخرج عليه الزبير مصلتاً بالسيف، فعثر ، فسقط السيف من يده ، فوثبوا عليه فأخذوه»(1).
وهذه الرواية صحيحة السند على مباني أهل السُنّة أيضاً (2)
أمّا ما ورد من تضعيف الجوزجاني وغيره، كما ذكر ذلك المزّي في تهذيب الكمال 25: 100 - 101، فهو مردود بتوثيق أساطين الفنّ وأهل الصناعة له، كابن معين وأبي زرعة. وعليه فالرجل ثقة.
وأمّا جرير فقد تقدم الكلام عنه وهو ثقة.
أمّا المغيرة، فهو ابن مقسم الضبّي: روى له: البخاري، مسلم، أبو داود، الترمذي، النسائي، ابن ماجة. قال المزّيّ في تهذيبه: «قال أحمد بن سعد بن أبي مريم، عن يحيى بن معين: ثقة مأمون. وقال أبو حاتم عن يحيى بن معين: ما زال مغيرة أحفظ من حمّاد بن أبي سليمان. وقال عبدالرحمن بن أبي حاتم سألت أبي فقلت: مغيرة عن الشعبي أحبّ إليك أم ابن شبرمة عن الشعبي ؟ فقال: جميعاً ثقتان. وقال العجلي: مغيرة ثقة، فقيه الحديث، إلا أنّه كان يرسل الحديث عن إبراهيم، وإذا وقف أخبرهم ممّن سمعه». قال الذهبي في الكاشف «الفقيه، حكى جرير عنه، قال ما وقع في مسامعي شيء فنسيته». وقال ابن حجر في التقريب: «ثقة متقن إلّا أنّه كان يدلّس ولا سيما عن إبراهيم».
تهذيب الكمال 400:28 ، الكاشف 2: 288 ، تقريب التهذيب 2 :208 .
أمّا زياد بن كليب فهو التميمي الحنظلي، أبو معشر الكوفي من الطبقة السادسة، روى له: مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. قال الذهبي: حافظ متقن. وقال ابن حجر: «ثقة».
الكاشف 1: 412، تقريب التهذيب 1: 323 .
.1) تاريخ الطبري 443:2.
2) ابن حميد شيخ الطبري، هو : محمد ابن حميد أبو عبدالله الحافظ، روى له أبو داود والترمذي وابن ماجة. قال المزي في تهذيبه والذهبي في تاريخه وابن حجر في لسانه: وثقه يحيى بن معين؛ قال: ثقة. ليس به بأس، رازي، كيّس. ووثقه أبو زرعة: من فاته ابن حميد يحتاج أن ينزل في عشرة آلاف حديث، وقال عبدالله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول : لا يزال بالري علم ما دام محمد بن حميد حياً. وقال أبو قريش محمد بن جمعة ابن خلف الحافظ : قلت لمحمد بن يحيى الذهلي: ما تقول في محمد بن حميد؟ قال: ألا تراني هو ذأُ حدّث عنه. وقال علي بن الحسين بن الجنيد الرازي: سمعت يحيى بن معين يقول: ابن حميد ثقة. وقال أبو العباس بن سعيد: سمعت جعفر بن أبي عثمان الطيالسي يقول: ابن حميد ثقة، كتب عنه يحيى، وروى عنه من يقول فيه: هو أكبر منهم. وقال يحيى بن أحمد بن زياد: ذكر محمد بن حميد عند يحيى بن معين، فقال: ليس به بأس. تهذيب الكمال 25: 100 - 101 ، تاريخ الإسلام 18: 425، لسان الميزان 7: 492.
ويحكي لنا هذا الجانب من التاريخ أنّ البيعة أيضاً أُخذت من الناس بالقهر والقوة والتهديد ، فما قيمة مثل هذه البيعة ؟ ، على القارىء أن يحكم بنفسه.
4 - ابن عبد ربّه الأندلسي المتوفّى سنة 328 ه-، قال: «فأما عليّ والعبّاس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة حتى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة ، وقال له : إن أبوا فقاتلهم ، فأقبل بقبسٍ من نار أن يُضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة فقالت : يا ابن الخطاب، أجئت لتحرق دارنا !!
قال: نعم، أو تدخلوا في ما دخلت فيه الأمّة !(1).
وكان ينبغي عليه أن يقول: «ما أدخلنا أنا وصاحبي الأمّة فيه»، وجرّ عليها بذلك الفساد إلى يوم القيامة !!
ونقل أيضاً عن عبدالرحمن بن عوف أنّه قال: «دخلت على أبي بكر في مرضه الذي توفّي فيه ... قال : أمّا الثلاث التي فعلتهنّ وددت أنّي تركتهنّ - منها : وددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة عن شيء وإن كانوا أغلقوه على الحرب، ووددت أنّي لم أكن حرقت الفجاءة السلمي .... و وددت أنّي يوم سقيفة بني ساعدة قَدْ رَميْتُ الأمر في عنق أحد رجلين - يريد عمر وأبا عبيدة (2).
و ابن عبد ربّه من ثقات أهل السُنّة (3)
وقال ابن خلكان: «كان من العلماء المكثرين من المحفوظات والاطلاع على أخبار الناس».
وفيات الأعيان 1: 110.
وقال الصفدي: «وكان له بالعلم جلالة، وبالأدب رئاسة، وشهر مع ديانته وصيانته». الوافي بالوفيات8: 88 .
وقال ابن كثير: «صاحب كتاب (العقد الفريد)، كان من الفضلاء المكثرين والعلماء بأخبار الأولين والمتأخّرين، وكتابه (العقد) يدل على فضائل جمة وعلوم كثيرة مهمة». البداية والنهاية 11: 219 .
.ه - أبو عبيد قاسم بن سلام المتوفّى سنة 224 ه-؛ قال : «عن عبد الرحمن بن عوف ، قال : دخلت على أبي بكر في مرضه عائداً ... فقال بعد كلام طويل: أجل إنّي لا أسى عن شيء من الدنيا إلّا على ثلاث فعلتهنّ، وددت أنّي تركتهن، وثلاث تركتهنّ وددت أني فعلتهنّ - إلى أن قال : فأما الثلاث التي فعلتهن وددت إنّي تركتهن ... - منها : «فوددت أنّى لم أكشف بيت فاطمة وتركته وإن أغلق على الحرب ...» (1).
وعندما يصل أبو عبيد إلى هذا الكلام يقول بدل جملة : «لم أكشف بيت فاطمة
و تركته» ثم يقول : كذا وكذا، ويضيف بأنه لا يرغب في التصريح ! ومع ذلك فكما سعى «أبو عبيد» إلى طمس الحقيقة ، بسبب التعصب المذهبي، أو لسبب آخر ، كان الحق أقوى ؛ فإنّ المحققين لكتابه : «الأموال»، الذي أورد فيه هذا الكلام، يذكرون في هامش الكتاب أن الجمل المحذوفة وردت في كتاب «ميزان الاعتدال» بالنحو المذكور آنفاً ، مضافاً إلى ذلك فإنّ «الطبراني» في «معجمه» و «ابن عبد ربّه» في «العقد الفريد» و آخرين قد ذكروا تلك الجمل المحذوفة. 6 - أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني المتوفّى سنة 460 ه-، الذي يقول في حقه الذهبي : «الحافظ الثبت المُعَمَّر » (2)؛ قال في كتاب «المعجم الكبير» - والذي طبع
كراراً - كلاماً بشأن أبي بكر وخطبه ووفاته، ومنه أنّه قال : أما أنّي لا أسىٰ علىٰ شيء إلّا علىٰ ثلاث فعلتهنّ وددت أنّي لم أفعلهنّ، وثلاث لم أفعلهنّ وددت أنّي فعلتهنّ ...، أمّا الثلاث اللاتي وددت أنّي لم أفعلهنّ ، فوددت أنّي لم أكن كشفت بيت فاطمة وتركته ...» (1).
وهذه الكلمات تكشف لنا بوضوح أن تهديدات عمر قد تحقّقت عملياً، ولو كان هذا أمراً بسيطاً لما تأسّف عليه الخليفة في آخر عمره.
7 - قال المسعودي المتوفّىٰ سنة 306 ه-: «لمّا احتُضِرَ - أي أبو بكر - قال : أجل إنّي لا أسى على شيء من الدنيا إلّا على ثلاث فعلتهنّ وددت أنّي تركتهن : - منها : - وددت أنّي لم أكن فتّشت بيت فاطمة، وذكر في ذلك كلاماً كثيراً»(2).
إنّ المسعودي رغم أنّه يميل عاطفياً إلى أهل البيت(علیهم السّلام) ولكنّه احترز هنا عن تقرير كلام الخليفة واكتفى بالكناية، ولكنّ الله يعلم وكذلك يعلم عباده بذلك .
8- أحمد بن يحيىٰ البغدادي، المعروف ب-: البلاذري، المتوفّى سنة 279 ه-، فقد روى عن سليمان التيمي ، وعن ابن عون : أن أبا بكر أرسل إلى علي(علیه السّلام) يريد البيعة ، فلم يبايع . فجاء عمر ومعه فتيلة - أي شعلة نار ، فتلقّته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة : يابن الخطّاب! أتراك محرقاً عَلَيَّ بابي ؟ قال : نعم ، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك !» (3).
والرواية صحيحة السند على مباني أهل السُنّة (4)
وسليمان بن طرخان التيمي روى له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة؛ قال الذهبي: «أحد السادة، سمع أنساً وأبا عثمان النهدي». وقال ابن حجر: «ثقة»، وقال أيضاً: «روى عن أنس بن مالك وطاووس وغيرهم، قال الربيع بن يحيى، عن سعيد: ما رأيت أحداً أصدق من سليمان التيمي. وقال عبدالله بن أحمد، عن أبيه: ثقة. وقال ابن معين والنسائي : ثقة. وقال العجلي: تابعي ثقة، فكان من خيار أهل البصرة.
الكاشف 1: 461، تقريب التهذيب 1: 387، تهذيب التهذيب 4: 176.
واما ابن عون فهو: ابن أرطبان المزني البصري؛ قال عنه الذهبي في الكاشف: «أحد الأعلام، قال هشام بن حسان: لم تر عيناي مثله. وقال الأوزاعي: إذا مات ابن عون وسفيان استوى الناس». وقال عنه ابن حجر في تقريب التهذيب: «ثقة، ثبت، فاضل، من أقران أيوب في العلم والعمل والسن».
الكاشف 1: 582، تقريب التهذيب 1: 520 .
وأمّا القول: بأنّ عبدالله بن عون توفّي سنة (152) هجرية. ولم يسمع حتى من أنس وأبي بكر. فنقول: عدم سماع ابن عون من أبي بكر لا يضرّ في المقام؛ لأنّنا نعامل هذه الرواية كأثر عن ابن عون نفسه، وهو كما ترجمناه من الأعلام الكبار والثقات الأثبات، فنقله لا يخلو من المصداقية، فإذا كان الرجل بهذا القدر من التثّبت، فما يحدّثنا به يكون موجباً للاطمئنان بصحّة أحاديثه. وعليه فالرواية بهذا اللحاظ صحيحة ويعتمد عليها.
.9 - جعفر بن الفضل بن حنزابة المتوفّىٰ سنة 391 ه-، فقد روى عن زيد بن أسلم، قال: «كنت ممّن حمل الحطب مع عمر إلىٰ باب فاطمة حين امتنع علي وأصحابه من البيعة أن يبايعوا ، فقال عمر لفاطمة : أخرجي من في البيت وإلّا أحرقته ومن فيه !
قال : وفي البيت عليّ والحسن والحسين ، وجماعة من أصحاب النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) .
فقالت فاطمة : أفتحرق علىٰ ولدي !!
فقال عمر: إي والله ، أو ليخرجنّ وليبا يعنّ !!» (1).
كان لتعطّش «ناهد» لمعرفة الحقّ التأثير الكبير في تذليل المصاعب التي واجهتها، وممّا لفت نظرها في هذا المسير كتاب مظلوميّة الزهراء(علیها السّلام) للسيّد الميلاني، فبعد البحث فيه وفي مجموعة من الكتب قرّرت تغيير انتمائها المذهبي وا واستبصرت بنور أهل البيت(علیهم السّلام) ، ولو كان ذلك عام 1427 ه- (2).
ولد في إحدىٰ القرىٰ الواقعة في الجليل الأسفل في «فلسطين»، ودرس في كلّيّة الشريعة في أُمّ الفحم، وهو إمام لأحد المساجد في فلسطين المحتلّة.
من الأمور التي كان أعداء التشيّع وما زالوا يتّهمون الشيعة بها أنّهم يؤمنون بتحريف القرآن الكريم ، ولكنّ المنصفين وعند الرجوع إلى كلمات علماء الشيعة يجدون بطلان زعم هذا الادّعاء، وهو ما حدث لنور اليقين يونس، يقول «نور اليقين»: أمّا قولهم بأنَّ الشيعة يؤمنون بتحريف القرآن فهذا هو الباطل بعينه، فإنَّ الشيعة يؤمنون بأنَّ القرآن الذي بين أيدينا وما بين الدفّتين هو الذي نزل علىٰ الرسول الأكرم(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) (1).
إنَّ الجمع القرآن معنيين :
الأوّل : حفظه في الصدور بأجمعه.
ويعتقد الشيعة أن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) حفظه قبل الجميع ، فكان(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) سيّد الحفّاظ وأوّل الجُمّاع، كما كان يشجّع المسلمين على حفظ القرآن وتدارسه، وكان يدفع كلّ
1) ذكر المستبصر أدلّة اعتناقه لمذهب أهل البيت(علیهم السّلام) في مقابلة حصريّة مع صحيفة «صوت البلد».
مهاجر جديد إلى أحد الحفّاظ من الصحابة ليُعلّمه القرآن؛ فقد روي عن عبادة بن الصامت أنّه قال: «كان الرجل إذا هاجر دفعه النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) إلى رجل منّا يعلّمه القرآن»(1).
وقد انتشرت قراءةُ القرآن في المجتمع الإسلامي، وأخذ المسلمون بتلاوته وبقراءته والاستماع إليه، حتى روي عن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أنّه قال : «إني لأعرفُ أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل ، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار»(2).
وكان ذلك رائجا بين الرجال والنساء.
الثاني : تدوينه بالكتابة على الورق.
يعتقد الشيعة بأن القرآن الكريم قد تمّ جمعه زمن الرسول الأعظم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )، وهناك من يرىٰ أن جمعه قد تمّ في عهد أبي بكر وعمر، ويمكن الجمع بين الرأيين ب-: أنّ أصلَ الجمع تمّ في عهد رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وأمّا جمعه على شكل مصحف منتظم الأوراق، فهو ما تمّ في عهد أبي بكر وعمر .
الشبهة الأولى : إنَّ بعض النصوص عن أهل البيت(علیهم السّلام) وغيرهم تذكر وجود مصحف خاصّ لعلي بن أبي طالب (علیه السّلام) يختلف عن المصحف الموجود المتداول بين المسلمين في الوقت الحاضر، ويشتمل هذا المصحف على زيادات ومواضيع ليست موجودة في المصحف المعروف.
وتتحدّث هذه النصوص عن مجيء علي بن أبي طالب (علیه السّلام) بهذا المصحف إلى أبي بكر عندما صار خليفة ، لكي يأخذ المصحف المذكور مكانه من التنفيذ بين
المسلمين ، إلا أنَّ أبا بكر لم يقبل ذلك ورفض هذا المصحف.
ولمّا كان عليّ بن أبي طالب (علیه السّلام) أفضل الصحابة علماً وديناً، والتزاماً بالإسلام، وحفاظاً عليه ، فمن الواضح حينئذ أن يكون المصحف الموجود فعلاً قد دخل عليه التحريف والنقصان ، نتيجةً للطريقة الخاطئة التي اتُّبعث في جمعه .
ولإيضاح هذه الشبهة يورد أنصارها بعض النصوص التأريخية ، منها :
1 - صحيحة جابر : عن الباقر(علیه السّلام) أنّه قال : «مَا ادَّعَى أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَنّه جَمَعَ القرآن كلّه كما أُنزل إلّا كذّاب وما جمعه وحفظه كما نزّله الله تعالى إلّا علي بن أبي طالب (علیه السّلام) والأئمّة من بعده (علیهم السّلام)» (1).
2 - عن جابر : عن أبي جعفر الباقر(علیه السّلام) أنّه قال: «ما يستطيع أحد أن يدّعي أنّ عنده جميع القرآن كلّه ظاهره وباطنه غير الأوصياء»(2).
4 - النص الذي يتحدّث عن احتجاج الإمام علي(علیه السّلام) على الزنديق ، والذي جاء فيه : أنّه أتى بالكتاب على الملأ مشتملاً على التأويل والتنزيل، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ ، لم يسقط منه حرف ألف ولا لام، فلم يقبلوا منه (4).
وقد ناقشت الشيعة هذه الشبهة من خلال مجموعة من النقاط :
1 - إنّه قد يفترض وجود مصحف لأميرالمؤمنين (علیه السّلام) يختلف مع المصحف
الموجود فعلاً من حيث الترتيب، بل قد يختلف عنه أيضاً لوجود إضافاتٍ أُخرىٰ فيه .
ولكنّ الكلام في حقيقة هذه الزيادة إذ لا دليل على أنّها زيادات قرآنية، وإنّما يمكن تفسير هذه الزيادات على أنّها تأويلات للنصّ القرآني، بمعنى ما يؤول إليه الشيء، أو أنّها تنزيلات من الوحي الإلهي نزلت على صدر رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في تفسير وشرح القرآن وعلّمها أخاه علي بن أبي طالب(علیه السّلام) .
2 - إنّ كلمتا التأويل والتنزيل لا تعنيان في ذلك الوقت ما يراد منها في اصطلاح علماء القرآن؛ إذ يُقصد من التأويل : حملُ اللفظ القرآني على غير ظاهره، والتنزيل : خصوصُ النص القرآني، وإنّما يرادُ منها المعنى اللغوي، الذي هو في الكلمة الأولى: ما يؤول إليه الشيء ومصداقه الخارجي.
وفي الثانية : ما أنزله الله وحياً على نبيّه ، سواءً كان قرآناً أو شيئاً آخر.
وعلى أساس هذا التفسير العام للموقف تتّضح كثير من الجوانب الأخرىٰ، ويمكن أن تُحمل الروايات التي أشارت لها الشبهة على معنى ينسجم مع هذا الموقف أيضاً.
3- إنّ بعض هذه الروايات ضعيفة السند ، لا يصحّ الاحتجاج بها أو الاعتماد عليها في مقابل ثبوت النصّ القرآني.
الشبهة الثانية : إنّ الروايات الواردة عن طريق أهل البيت(علیهم السّلام) دلّت على وقوع التحريف في القرآن الكريم، الأمرُ الذي يجعلنا نعتقد أنّ ذلك كان نتيجةً للطريقة التي تمّ بها جمع القرآن الكريم، أو لأسباب طارئةٍ أُخرىٰ أدّت إلىٰ هذا التحريف .
وقد ناقشت الشيعة هذه الشبهة بأنّ الموقف اتّجاه هذه الروايات المتعدّدة يتّخذ أُسلوبين رئيسين:
الأوّل: مناقشة أسانيد وطرق هذه الروايات ؛ فإنّ الكثير منها ضعيفةُ السند.
الثاني : مناقشة دلالتها على وقوع التحريف في القرآن بمعنى وقوع الزيادة أو النقيصة ، ومن ثمّ لا يمكن الاستدلال بها حتى لو تمّ سند بعضها أو التزاماً بالاطمئنان بصدور بعضها إجمالاً فيه.
ولأجل اتّضاح هذا الأسلوب من المناقشة ، يجدر بنا أن نُقسّم هذه النصوص إلى أقسامٍ أربعة؛ تبعاً لاختلافها في المضمون وما تطرحه من دعاوى وأحكام.
النصوص التي جاء التصريح فيها بوقوع التحريف في القرآن الكريم عن طريق استعمال كلمة (التحريف ) فيها ووصف القرآن بها، ومن هذه النصوص روايات التالية :
1 - عن أبي ذر رحمة الله عليه قال : لمّا نزلت هذه الآية : «يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ» (1)قال رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «يردُ علَيّ أُمّتي يوم القيامة على خمس رايات : فراية مع عجل هذه الأمّة ، فأسألهم : ما فعلتم بالثقلين من بعدي؟ فيقولون : أمّا الأكبر فحرّفناه ونبذناه وراء ظهورنا ، وأمّا الأصغر فعاديناه وأبغضناه وظلمناه. فأقول: رِدوا النارَ ظمّاء مظمئين مسودّة وجوهكم.
ثمّ يرد عَليّ راية مع فرعون هذه الأمّة ، فأقول لهم: ما فعلتم بالثقلين من بعدي ؟ فيقولون: أمّا الأكبر فحرّفناه ومزّقناه وخالفناه، وأمّا الأصغر فعاديناه وقاتلناه . فأقول : رِدوا النار ظماء مظمئين مسودّة وجوهكم.
ثمّ ترد علَيّ راية مع سامري هذه الأمّة ، فأقول لهم : ما فعلتم بالثقلين من بعدي ؟ فيقولون : أمّا الأكبر فعصيناه وتركناه ، وأمّا الأصغر فخذلناه وضيّعناه وصنعنا به كل قبيح . فأقول : رِدوا النار ظمّاء مظمئين مسودّة وجوهكم.
1) آل عمران (3): 106 .
ثم ترد عليّ راية ذي الثدية مع أوّل الخوارج وآخرهم فأسألهم ما فعلتم بالثقلين من بعدي ؟ فيقولون : أمّا الأكبر ففرّقناه وبرئنا منه، وأمّا الأصغر فقاتلناه وقتلناه . فأقول : رِدوا النار ظماء مظمئين مسودّة وجوهكم.
ثمّ ترد عليّ راية مع إمام المتّقين وسيّد الوصيين وقائد الغرّالمحجّلين ووصي رسول رب العالمين، فأقول لهم : ما فعلتم بالثقلين من بعدي؟ فيقولون: أمّا الأكبر فاتّبعناه وأطعناه ، وأمّا الأصغر فأحببناه وواليناه ووازرناه ونصرناه حتى أُهرقت فيهم دماؤنا . فأقول : ردوا الجنة رواء مرويّين مبيضّة وجوهكم . ثمّ تلا رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ((1)(2).
2 - عن علي بن سويد ، قال : كتبت إلى أبي الحسن موسى(علیه السّلام) وهو في الحبس كتاباً ... إلى أن ذكر جوابه(علیه السّلام) بتمامه ، وفيه قوله(علیه السّلام) : «اؤتمنوا على كتاب الله فحرّفوه وبدّلوه» (3).
3- عن جابر ، قال : قال أبو جعفر(علیه السّلام) : «دعا رسول الله أصحابه بمنى قال: يا أيها الناس إنّي تارك فيكم الثقلين ، أمّا إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، فإنّهما لن يفترقا حتى يردا علَيّ الحوض، ثمّ قال : أيها الناس! إنّي تارك فيكم حرمات الله : كتاب الله وعترتي ، والكعبة البيت الحرام»، ثمّ قال أبو جعفر(علیه السّلام) : أمّا كتاب الله فحرّفوا ، وأمّا الكعبة فهدموا، وأمّا العترة فقتلوا، وكل ودائع الله فقد تبّروا»(4).
ولا دلالة في هذه الروايات جميعها على وقوع التحريف في القرآن الكريم بمعنى الزيادة والنقيصة، وإنّما تدلّ على وقوع التحريف فيه بمعنى : حمل بعض ألفاظه على غير معانيها المقصودة الله سبحانه ، ومن ثمّ تحريفها عن أهدافها ومقاصدها.
تعتقد الشيعة أنّ (القرآن) هو الوحي الإلهي المنزل من الله تعالى على لسان نبيه الأكرم : «وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ» (1)، وهو معجزته الخالدة التي أعجزت البشرَ عن مجاراتها في البلاغة والفصاحة، وفيما احتوى من حقائق ومعارف عالية، لا يعتريه التبديل والتغيير والتحريف ، وهذا الذي بين أيدينا نتوله هو القرآن نفسه المنزل على النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ومن ادّعى فيه غير ذلك فهو مخترق أو مغالط أو مشتبه ، وكلّهم على غير هدى ؛ فإنّه كلام الله الذي «لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ »(2)(3)
وأمّا دعوى التحريف عند الشيعة فإنّها دعوى باطلة ، أجيب عنها من قبل علماء الشيعة مرّات عديدة، وهم يكرّرون القول بأنّ عقيدتنا في القرآن المنزل من الله تعالى على النبي الأكرم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أنّه القرآن نفسه الموجود لدى المسلمين حالياً دون زيادة أو نقيصة (4).
القرآن الكريم أصبح معروفاً ومتداولاً بشكل واسع، ومدوّناً بشكل مضبوط- بدون نقط ، وبدون حركات الإعراب - في عهد الخليفة عثمان ؛ إذ كُتبت مجموعة من نسخ المصحف الشريف، وأرسلت إلىٰ الآفاق الإسلامية بشكل رسميّ من أجل
العمل بها وتداولها وصدرت الأوامر الواضحة والمشدّدة بالمنع من تداول أيّ نسخة أخرىٰ غير هذه النسخ.
ولابُدّ لنا من أجل إيضاح سلامة النصّ القرآني من التحريف أن نذكُرَ الحالات التي يمكن أن نفترض وقوع التحريف فيها ، مع مناقشة كل واحدةٍ منها :
الحالة الأولى : أن يكون التحريف حدثَ في عهد أبي بكر وعمر وهما متعمّدان للتحريف .
الحالة الثانية : أن يكون التحريف حدث في عهد أبي بكر وعمر من دون قصد حذف شيء من القرآن ، بسبب نسيان بعض الآيات، أو لأنّها لم تصل إليهم.
الحالة الثالثة : أن يقع التحريف في عهد عثمان.
الحالة الرابعة : أن التحريف وقع في زمن الأمويين.
الحالة الخامسة : أن التحريف وقع من عامّة الناس.
الحالة الأولى : هي فرضية غير مقبولة إطلاقاً، لأنّ دراسة عهد أبي بكر وعمر والظروف المحيطة بهما تجعلنا ننتهي إلى هذا الحكم وردّ هذه الفرضية ؛ ذلك لأنّ التحريف المتعمّد يمكن أن يكون لأحد السببين التاليين :
أولاً : أن يكون بسبب رغبة شخصيّة في التحريف.
ثانياً : أن يكون بدافع تحقيق أهداف سياسية ، كأن يفترض وجود آيات قرآنية تنصّ على موضوعات ومفاهيم خاصّة تتنافى مع وجودهما أو متبنياتها السياسية ، مثل النصّ على إمامة علي (علیه السّلام) أو الطعن بهما.
أمّا بالنسبة إلى السبب الأوّل ، فنلاحظ عدّة أمور:
1 - إنّ قيام أبي بكر وعمر بذلك يعني في الحقيقة نسف القاعدة التي يقوم عليها الحكم حينذاك ، فهو قائم على أساس الخلافة لرسول الله والقيمومة على الأمّة
الإسلامية، وليس من المعقول أن يقدما على تحريف القرآن، ويعملا على معاداة الإسلام دون تحقيق أي مكسب ديني أو دنيوي، وهل يعني ذلك إلّا فتح الطريق أمام أعداء الإسلام للطعن في هذا الدين ؟ !
2 - إنّ الأمة الإسلامية كانت تشكّل حينذاك ضمانة اجتماعية وسياسية قوية تمنع قيام أي أحد من الناس، مهما كان يملك من قدرة وقوّة، بمثل هذه العمل المضادّ للإسلام دون أن يكون لهذا العمل ردّ فعل قويّ في صفوفها؛ لأنّ المسلمين كانوا ينظرون إلى القرآن الكريم على أنّه شيء مقدّس غاية التقديس ، وأنّه كلام الله سبحانه الذي لا يقبل أيّ تغيير أو تبديل حتى من قبل الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) نفسه، كما أكّد ذلك قوله تعالى: «وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلَهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ» (1). كما أنّهم ناضلوا وجاهدوا في سبيل مفاهيم القرآن وآياته وأحكامه التي كانت تعايش حركتهم لمدة ثلاثة وعشرين عاماً، وضحّوا بأنفسهم من أجل هذا الدين الجديد، الذي كان يشكّل التصرف في القرآن - في نظرهم - خروجاً عنه وارتداداً عن الالتزام به.
3- إنّ الحكم في عهد أبي بكر وعمر لم يسلم من وجود المعارضة التي كانت ترفع أصواتها بين الحين والآخر من أجل خطأ يقع فيه الخليفة في تطبيق بعض الأحكام، ومع هذا لا نجد في التأريخ أية إشارة إلى الاحتجاج، أو الاعتراض على شيء يشير إلى وقوع هذه الفرضية، فكيف يمكن أن تسكت المعارضة في كلامها وأقوالها زمن أبي بكر وعمر ، أو بعدهم ، عن كلّ ذلك ؟ ! ومن هنا يتّضح الموقف من السبب الثاني :
فأوّلاً : إنّ وعي الأمّة ونظرتها المقدّسة للكتاب وصلته بالله بشكل لا يقبل
1) يونس (10): 15 .
التغيير والتبديل ، لا يسمح بوقوع مثل هذا العمل مطلقاً.
ثانياً : إنّ المعارضة لا يمكن أن تترك هذه الفرصة تمرّ دون أن تعلن عنها في صراعها مع الخليفة ، مع أننا لا نجد إشارة إلى ذلك في كلامهم.
ثالثاً: إنّ هناك نصوصاً تاريخية واسعة تضمّنت ملاحظات عن تصرّفات أبي بكر وعمر ، مثل المحاججة التي احتجت بها الزهراء(علیها السّلام) ومن بعدها احتجاجات أميرالمؤمنين(علیه السّلام) والصحابة المؤمنون بإمامته ، لم تتناول أيّ نصّ قرآني غير مدوّن في القرآن الكريم الموجود بين أيدينا ، ولو كان مثل هذا النصّ موجوداً في القرآن لكان من الطبيعي أن يستعملوه أداة لإظهار الحقّ الذي ناضلوا من أجله.
الحالة الثانية : ويمكن أن تناقش من خلال توفّر عوامل عديدة لوجود القرآن الكريم بأكمله لدى جماعة كبيرة من المسلمين ، وهذا يشكّل ضمانة حقيقية لوصول القرآن الكريم بكامله إلى الدولة في عهد أبي بكر وعمر دون نقيصة ، وهذه العوامل يمكن أن نلخّصها بالأسباب التالية :
1 - إنّ القرآن الكريم كان يشكّل بالنسبة إلى المسلمين حجر الزاوية الرئيسة في ثقافتهم وأفكارهم وعقيدتهم، وقد تعرّفنا على ذلك في النقطة الأولى من طبيعة الأشياء التي سقناها لإبراز مدى عناية المسلمين بالقرآن.
2 - إنّ القرآن الكريم يُعد من أروع النصوص الأدبيه وأبلغها تعبيراً ومضموناً، وقد كان العرب ذوي عناية بالغة بهذه النصوص ؛ لأنّها تكوّن ثقافتهم الخاصّة سواء في الناحية التعبيرية أو في الناحية الفكرية والاجتماعية، ونجد آثار هذه العناية في حياتهم الخاصّة والعامّة ، فيحفظون الشعر العربي والنصوص الأدبية الأخرى ويستظهرونها، ويعقدون الندوات والأسواق للمباراة والتنافس في هذه المجالات، وقد يصل بهم الاهتمام إلى درجة الاحتفاظ ببعض النصوص في أماكن مقدّسة تعبيراً عن التقدير والإعجاب بهذا النصّ، كما يُذكر ذلك بالنسبة إلى المعلّقات السبع أو العشر في الكعبة الشريفة.
وقد دفعت هذه العادة الشائعة بين العرب المسلمين - حينذاك - كثيراً منهم إلى حفظ القرآن الكريم واستظهاره.
3-لقد كان النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) رائداً للأُمّة الإسلامية وموجّهاً لها، يحرّض المسلمين ويحثّهم على حفظ القرآن واستظهاره ونحن نعرف ما كان يتمتّع به النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) من حبّ عظيم في نفوس كثير من المسلمين ، وما كان يملكه من قدرة على التأثير في حياتهم وسلوكهم ، الأمر الذي كان يدفع المسلمين إلى الاستجابة له في كثير من التوجيهات.
4 - إن القرآن الكريم - على أساس ما يحتويه من ثقافة- كان يعطي الجامع له امتيازاً اجتماعياً بين الناس، يشبه الامتياز الذي يحصل عليه العلماء من الناس في عصرنا الحاضر. وتعتبر هذه الميزة الاجتماعية إحدى العوامل المهمّة لتدارس العلوم وتحصيلها في جميع العصور الإنسانية ، فمن الطبيعي أن تكون إحدى العناصر المؤثّرة في استظهار القرآن الكريم وحفظه.
وقد حدّثنا التأريخ عن الدور الذي كان يتمتّع به القراء في المجتمع الإسلامي بشكل عام، وعن القداسة التي كان ينظر إليهم بها المسلمون.
5 - طبيعة الأشياء تفرض أن يكون القرآن الكريم قد دوّن ، وكتبه كلّ مسلم عنده القدرة على التدوين والكتابة ؛ لأنّ أيّ جماعة أو أمّة تهتم بشيء وترى فيه معبراً عن جانب كبير من جوانب حياتها فهي تعمل على حفظه بوسائل شتّى ، ولا شكّ أن الكتابة - عند من يُتقنها - من أيسر هذه الوسائل وأسهلها.
ولذلك نجد بعض النصوص تشير إلى وجود عدد من المصاحف أو قطعات مختلفة منه عند كثير من الصحابة .
ولابدّلنا أن ننتهي إلى أن القرآن الكريم بسبب هذه العوامل كان موجوداً في متناول الصحابة، ولم يكن من المعقول فرض التحريف نتيجة الغفلة أو الاشتباه أو عدم وصول بعض الآيات القرآنية.
6 - الثواب الجزيل الذي وضعه الله سبحانه لقرّاء القرآن وحفظته ، ورغبة
كثير من المسلمين حينذاك في الاستزادة من هذا الثواب، خصوصاً أنّهم كانوا جديدي عهد بالإسلام، فهم يحاولون أن ينعكس الإسلام على جميع تصرّفاتهم.
وقد كان لبعض هذه العوامل أو جميعها تأثير بالغ الأهمية في حياة المسلمين؛ فقد حدّثنا تاريخ المسلمين عن وجود جماعات كثيرة منهم عُرفوا بالقرّاء من ذوي العقيدة الصلدة، كان لهم دورهم في الحياة الاجتماعية، وميزتهم في ترجيح جانب على آخر عند الخلافات السياسية التي عاشها المسلمون.
ب - إنّ أصل عملية الجمع والتدوين تمّت في زمن النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وحينئذٍ فإنّ القرآن الذي تمّ جمعه في عهد الرسول الأعظم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لا يمكن أن يكون إلّا دقيقاً ومتقناً؛ لرعاية الرسول لجمعه، ومع وجود هذا القرآن لا مجال لأن نتصوّر وقوع الغفلة أو الاشتباه من أبي بكر وعمر أو من غيرهما ، كما لا يمكن أن نحتمل عدم وصول بعض الآيات إليهم.
الحالة الثالثة : وهي تبدو بعيدة، وذلك للأسباب التالية :
أوّلاً : إنّ عثمان لو كان قد حرّف القرآن الكريم لاتّخذ المسلمون ذلك أفضل وسيلة لتبرير الثورة عليه وإقصائه عن الحكم أو قتله، مع أنّنا لا نجد في مبرّرات الثورة على عثمان شيئاً من هذا القبيل.
ثانياً : إن الإسلام - والى جنبه القرآن الكريم - قد أصبح منتشر بشكل كبير بين الناس وفي آفاق مختلفة ، وقد مرّ على المسلمين زم-ن كبير يتداولونه أو يتدارسونه، فلم يكن في ميسور عثمان - لو أراد أن يفعل ذلك - أن ينقص منه شيئاً، بل ولم يكن ذلك في ميسور من هو أعظم شأناً من عثمان، وقد اعترض المسلمون بالفعل على عثمان وقتلوه لأسباب مختلفة ليس منها تحريف القرآن.
ثالثاً : إنّ عثمان لو كان قد ارتكب مثل هذا العمل لكان موقف الإمام عليّ(علیه السّلام) اتّجاهه واضحاً، ولأصرّ على إرجاع الحقّ إلى نصابه في هذا الشأن، فنحن حين نجد الإمام عليّاً(علیه السّلام) يأبى إلّا أن يرجع الأموال التي أعطاها عثمان إلى بعض أقربائه
وخاصّته ويقول بشأن ذلك: «وَاللهِ لَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزُوِّجَ بِهِ النِّسَاءُ وَمُلِكَ بِهِ الإِمَاءُ لَرَدَدْتُهُ فَإِنَّ فِي الْعَدْلِ سَعَةً وَمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ الْعَدْلُ فَالْجَوْرُ عَلَيْهِ أَضْيَق» (1)
وكذلك نجد منه الموقف نفسه الحازم مع ولاة عثمان المنحرفين ، فلابُدّ أن نجزم باستحالة سكوته عن مثل هذا الأمر العظيم على فرض وقوعه.
رابعاً : إنّ النقص إمّا أن يكون في آيات لا مساس فيها بخلافة عثمان ، وحينئذٍ فلا يوجد أيّ داعٍ لعثمان أن يفتح ثغرة كبيرة في كيانه السياسي، وإمّا أن يكون في آيات تمسّ خلافة عثمان وإمامته السياسية ، فقد كان من المفروض أن تؤثّر مثل هذه الآيات في خلافة عثمان نفسه ، فتقطع - من أوّل الأمر - الطريق عليه في الوصول إلى الخلافة .
الحالة الرابعة : أنّ الحجّاج بن يوسف الثقفي أو غيره من الولاة لا يمكن أن نتصوّر فيهم القدرة على تحريف القرآن الكريم بعد أن عمّ شرق الأرض وغربها.
كما لا نجد المبرّر الذي يدعو الحجاج أو الأمويين إلى مثل هذا العمل الذي يحمل في طياته الخطر العظيم على مصالحهم ويقضي على آمالهم.
بعد أن اتّضحت لنور اليقين نظرية الشيعة في عدة مواضيع ، ومنها عدم تحريف القرآن الكريم، اختار المذهب الشيعي واعتنقه سنة 1427 ه- (1998م).
1) نهج البلاغة 46:1 ، الخطبة: 15 .
ولدت في عائلة مسيحية في «فنلندا»، ودرست هناك حتی حصلت على شهادة الديبلوم.
أمضت «آلن» فترة طويلة من حياتها معتنقة للديانة المسيحية إلّا أنّها وجدت تقليدها الأعمىٰ لأصول هذه الديانة سوف يؤدّي بها إلىٰ التعصّب للمفاهيم التي توارثتها عن الآباء، ومن جهة أخرىٰ تهيّأت لها الفرصة للتعرّف على الدين الإسلامي الحنيف، خاتم النبوات السماوية، وأكملها وأوضحها ، فبذلت قصارىٰ جهدها للمقارنة بين هاتين الرؤيتين.
من أهمّ العوامل التي تؤثّر في استقطاب غير المسلمين وجذبهم نحو الدين الإسلامي: مسألة الأخلاق والإنسانية في هذا الدين الحنيف، وقد تجلّت هذه السجية في تعامل أميرالمؤمنين(علیه السّلام) مع أعدائه.
فالسبيل إلىٰ معرفة عظمة عمل لا يكون إلّا بمقارنته مع غيره من الأعمال، ليتّضح مدى الفارق بين العملين، سواء كان هذا العمل من أعمال الخير، أو أعمال الشر، ونحن هنا أمام هذه المواقف، فلابدّ من مقارنتها مع غيرها من المواقف ، قديماً وحديثاً، لكي يتّضح لنا الموقف منها .
فعلىٰ سبيل المثال قد اتضح موقف أميرالمؤمنين(علیه السّلام) الإنساني جلياً في وصية له لعسكره قبل لقاء العدو بصِفّين حيث قال : «فَإِذَا كَانَتِ الْهَزِمَةُ (1)
لسان العرب 12: 610.
بِإِذْنِ اللّهِ فَلاَ تَقْتُلُوا مُدْبِراً ، وَلاَ تُصِيبُوا مُعْوِراً(2)، وَلاَ تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيح ، لا تَهِيجُوا (3)النِّسَاءَ بأذىً، وَإِنْ شَتَمْنَ(4)أَعْرَاضَكُمْ (5)، وَسَبَيْنَ أَمَرَاءَكُمْ؛ فَإِنَّهُنَّ ضَعِيفَاتُ الْقُوَى وَالأَنْفُسِ وَالْعُقُولِ، إِنْ كُنَّا لَنُؤْمَرُ بِالْكَفِّ عَنْهُنَّ وَإِنَّهُنَّ لَمُشْرِكَاتُ ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَتَنَاوَلُ الْمَرْأَةَ فى الْجَاهِلِيَّةِ بِالْفِهْرِ (6)أوِ الْهِرَاوَةِ (7)فَيُعَيَّرُ (8)بِهَا وَعَقِبُهُ(9)مِنْ بَعْدِهِ ) (10).روي عن عبدالرحمن بن جندب الأزدي، عن أبيه : أنّ عليّاً(علیه السّلام) كان يأمرنا في كلّ موطن لقينا فيه عدوّا فيقول: «لا تقاتلوهم حتى يبدؤوكم ، فأنتم بحمدالله عزّ وجلّ علىٰ حجّة ، وترككم إيّاهم حتى يبدؤوكم حجّة أخرىٰ لكم ، فإذا قاتلتموهم فهزمتموهم، فلا تقتلوا مُدبراً، ولا تجهزوا علىٰ جريح، ولا تكشفوا عورة ، ولا تمثّلوا بقتيل ، فإذا وصلتم إلىٰ رحال القوم فلا تهتكواستراً، ولا تدخلوا داراً إلّا بإذن ، ولا تأخذوا شيئاً من أموالهم إلّا ما وجدتم في معسكرهم ، ولا تهيجوا امرأة بأذىٰ وإن
1) الهزيمة في القتال الكسر والفل، هزمه يهزمه هزماً فانهزم، وهزم القوم في الحرب.
2) العوار: الرجل الجبان السريع الفرار، وجمعه عواوير. كتاب العين 2: 236.
3) هاج الفحل هياجاً، واهتاج اهتياجاً، إذا ثار وهدر. وهاج الدم، وهاج الشرّ بين القوم، وكل شيء يثور للمشقّة والضرر. كتاب العين 4: 67.
4) الشتم: السب، والاسم: الشتيمة. الصحاح 5: 1958.
5) عرض الرجل حسبه. ويقال: لا تعرض عرض فلان، أي: لا تذكره بسوء. كتاب العين 1: 274.
6) الفهر: الحجر قدر ما يكسر به جوز، أو يدقّ به شيء، وعامة العرب تؤنّثه، وتصغيره: فُهيرة. كتاب العين 4: 45.
7) الهراوة: العصا الضخمة ، والجمع الهراوى بفتح الواو. الصحاح 6: 2535.
8) التعاير: التساب، والتعايب دون التعاير إذا عاب بعضهم بعضاً. لسان العرب 4: 623.
9) عقب الرجل : ولده وولد ولده الباقون من بعده. وقولهم: لا عقب له، أي: لم يبق له ولد ذكر. كتاب العين 1: 178.
10) نهج البلاغة 3: 14، الوصية: 14.
شتمن أعراضكم، وسبين أمراءكم وصلحاءكم؛ فإنهنّ ضعاف القوىٰ والأنفس»(1).
وروىٰ نصر بن مزاحم مثله وزاد: «والعقول ، ولقد كنّا لنؤمر بالكفّ عنهنّ وإنّهنّ لمشركات، وإن كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهلية بالهراوة أو الحديد فيُعير بها عقبه من بعده»(2).
وروىٰ الشيخ الكليني في باب ماكان يوصي به أميرالمؤمنين(علیه السّلام) عند القتال : عن عبدالرحمن بن جندب ، عن أبيه : أنّه(علیه السّلام) كان يأمر في كلّ موطن لقينا فيه عدوّنا فيقول: «لاَ تُقَاتِلُوا الْقَوْمَ حَتَّى يَبْدَؤُوكُمْ فَإِنَّكُمْ بِحَمْدِاللهِ عَلَىٰ حُجَّةٍ ، وَتَرْكُكُمْ إِيَّاهُمْ حَتَّىٰ يَبْدَؤُوكُمْ حُجَّةٌ لَكُمْ أُخرَىٰ ، فَإِذَا هَزَمْتُمُوهُمْ فَلَا تَقْتُلُوا مُدْبِراً، وَلَا تُجْهِزُوا عَلَىٰ جريح ، وَلا تَكْشِفُوا عَوْرَةً ، وَلا تُمَتِّلُوا بِقَتِيل»(3).
وفي حديث مالك بن أعين : قال : حرّض عليّ (علیه السّلام) الناس بصِفّين فقال : «إِنَّ الله عزّ وجلّ دَلَّكُمْ : «عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ» (4)، وَتُشْفِي بِكُمْ عَلَى الْخَيْرِ : الإيمانِ بِاللهِ، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَجَعَلَ ثَوَابَهُ مَغْفِرَةً لِلذَّنْبِ : «وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةٌ فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ» (5)..
وَقَالَ عزّ وجلّ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانُ مَّرْصُوصٌ (6)فَسَرُّوا صُفُوفَكُمْ كَالْبُنْيَانِ الْمَرْصُوصِ ... وَلَا تُمَتِّلُوا بِقَتِيلِ ، وَإِذَا وَصَلْتُمْ إِلَى رحال (7)الْقَوْمِ فَلاَ تَهْتِكُوا سِتْراً ، وَلاَ تَدْخُلُوا دَاراً، وَلَا تَأْخُذُوا شَيْئاً مِنْ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مَا وَجَدْتُمْ فِي عَسْكَرِهِمْ ، وَلاَ تهيجوا امْرَأَةً بِأَذىً وَإِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ ،
وَسَبَيْنَ أُمَرَاءَكُمْ وَصُلَحَاءَكُمْ : فَإِنَّهُنَّ ضِعَافُ الْقُوَى وَالْأَنفُسِ وَالْعُقُولِ، وَقَدْ كُنَّا نُؤْمَرُ بِالْكَفِّ عَنْهُنَّ وَهُنَّ مُشْرِكَاتٌ ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَتَنَاوَلُ الْمَرْأَةَ بالفهر، أو الهراوة] فَيُعَيّرُ بهَا وَعَقِبُهُ مِنْ بَعْدِهِ..
وَفِي كَلامٍ لَهُ آخَرَ : وَإِذَا لَقِيتُمْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ غَداً فَلَا تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ، فَإِذَا بَدَؤُوا بِكُمْ فَاهُدُوا إِلَيهِمْ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ وَالْوَقَارَ، وَعَضُّوا عَلَى الْأَضْرَاسِ، فَإِنَّهُ أَنْبَأُ [ابنى](1)لِلسُّيُوفِ عَنِ الْهَامِ، وَغُضُّوا الْأَبْصَارَ، وَمُدُّوا جِبَاهَ الْخُيُولِ وَوُجُوهَ الرِّجَالِ، وَأَقِلُّوا الْكَلامَ؛ فَإِنَّهُ أَطْرَدُ لِلْفَشَلِ ، وَأَذْهَبُ بِالْوَهَلِ، وَوَطَّنُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَىٰ الْمُبَارَزَةِ وَالْمُنَازَلَةِ وَالْجَادَلَةِ ، وَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ عَزّ وجلّ كَثِيراً..
وَمَنْ أَلْقَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَاقْتِلُوا مِنْهُ ، وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ ، فَإِنَّ بَعْدَ الصَّبْرِ النَّصْرَ مِنَ الله عزّ وجلّ: إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (2)(3).
وقد رواها عدد من المؤرخين منهم نصر بن مزاحم المنقري الكوفي، المتوفّى سنة 212 ه-، في كتاب صِفّين (4)، والطبري، المتوفّى 310 ه-، في تاريخه(5).
وقد روي في أمر الإسلام بعدم التعرّض للنساء وإن كنّ مشركات عن عبدالله بن كعب بن مالك ، قال : «كان ممّا صنع الله به لرسوله أنّ هذين الحيّين من الأنصار: الأوس والخزرج ، كانا يتصاولان مع رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) تصاول الفحلين ، لا تصنع الأوس شيئاً فيه عن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) غناء إلا قالت الخزرج : والله لا يذهبون بهذه فضلاً علينا عند رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في الإسلام ، فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلها.
قال : وإذا فعلت الخزرج شيئاً، قالت الأوس مثل ذلك ، فلمّا أصابت الأوس
كعب بن الأشرف في عداوته لرسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قالت الخزرج: لا يذهبون بها فضلاً
علينا أبداً ...
قال : فتذاكروا من رجل لرسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في العداوة كابن الأشرف ؟ فذكروا
ابن أبي الحُقَيق، وهو بخيبر ، فاستأذنوا رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في قتله ، فأذن لهم.. فخرجوا وأمر عليهم رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عبدالله بن عتيك، ونهاهم أن يقتلوا وليداً أو امرأة، فخرجوا حتى قدموا خيبر ، فأتوا دار ابن أبي الحقيق ليلاً، فلم يدعوا بيتاً في الدار إلّا أغلقوه من خلفهم على أهله ، وكان في علية له إليها عجلة رومية، فأسندوا فيها حتى قاموا على بابه، فاستأذنوا ، فخرجت إليهم امرأته فقالت : من أنتم ؟
فقالوا : نفر من العرب نلتمس الميرة .
قالت : ذاك صاحبكم، فادخلوا عليه.
[قال :]فلما دخلنا أغلقنا عليها وعلينا وعليه باب الحجرة، وتخوّفنا أن تكون دونه محاولة تحول بيننا وبينه .
قال : فصاحت امرأته ، ونوهت بنا . وابتدرناه وهو على فراشه بأسيافنا ، والله ما يدلّنا عليه في سواد الليل إلّا بياضه ، كأنّه قبطية ملقاة ، قال : ولمّا صاحت بنا امرأته جعل الرجل منّا يرفع عليها السيف ثم يذكر نهي رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فيكفّ يده ، [قال : ] ولولا ذاك فرغنا منه بليل ، فلمّا ضربناه بأسيافنا تحامل عليه عبدالله بن انیس بسيفه في بطنه حتى أنفذه(1).
وعن حفص بن غياث ، قال : سألت أبا عبدالله (علیه السّلام) عن النساء ، كيف سقطت الجزية عنهنّ ورُفعت عنهنّ ؟
فقال : (لأنّ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : نهى عن قتال النساء والولدان في دار الحرب إلّا
1) تاريخ الطبري 2 :184 .
أن يقاتلوا، فإن قاتلت أيضاً فأمسك عنها ما أمكنك ولم تخف خللاً، فلمّا نهى عن قتلهنّ في دار الحرب كان في دار الإسلام أولى ، ولو امتنعت أن تؤدّي الجزية لم يمكن قتلها ، فلمّا لم يمكن قتلها رفعت الجزية عنها ..
ولو امتنع الرجال أن يؤدّوا الجزية كانوا ناقضين للعهد وحلّت دماؤهم وقتلهم : لأنّ قتل الرجال مباح في دار الشرك.
وكذلك المقعد من أهل الذمّة والأعمىٰ والشيخ الفاني والمرأة والولدان في أرض الحرب، فمن أجل ذلك رُفعت عنهم الجزية )(1).
فانظر كيف أنّ الشارع أدّب الرجال في رعاية حقوق النساء، وعدم التعرّض لهنّ ولو كن مشركات، ولعمري ما فرّطت الشريعة المحمّديّة في بيان حقّ اجتماعي أو نوعي، غاية الأمر أنّ الناس لتوغّلهم في الشهوات النفسانيّة ران علىٰ قلوبهم ما كانوا يكسبون، حتّىٰ عموا وصمّوا، وأعرضوا عن الصراط السويّ، واتّبعوا الشيطان المردي المغوي، واقتفوا آثار الذين سلكوا طريقة عمياء، وتعوّدوا قبول كلّ ما سمعوا من أفواه أشباه الرجال وعبيد الدنيا من غير بصيرة وفكرة ودليل، ونِعم ما قاله الشيخ الرئيس ابن سينا : من تعوّد أن يصدّق من غير دليل فقد انسلخ عن الفطرة الإنسانية (2).
وقد رأينا في عصرنا طائفة من منتحلي الإسلام، المتعصّبين غاية التعصّب، البعيدين عن أحكام الشريعة الإسلاميّة حقيقةً قد تعرّضوا للنساء الكاشفات الرؤوس والوجوه، وكانوا يرمونهنّ بالأحماض السائلة لتشويه وجوههنّ وأجسادهنّ، ويتركونهنّ في الشوارع والأسواق، حتّى بلغ عملهم المنكر العلماء ومنعوهم عنه ، وهؤلاء الجهّال ما تفقّهوا في الدين لكى يعلموا أنّ الشريعة الإسلاميّة
لم تجوّز التعرّض لأعراض الناس وإن كنّ مشركات ، بل حرّم عليهم أن يقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن .
وتلك الروية النكراء والطويّة العوراء منها ، لست أقول : إنّ فعلهنّ هذا صواب، وسيرتهنّ السيّئة المشوّهة القبيحة حسنة ، بل أقول : إنّ المنكر لا يدفع بالمنكر ، وللإسلام في كلّ موضوع منطق صواب وحجّة بيضاء، ولا حاجة في دفع الفواحش وقمع المنكرات إلىٰ فعلٍ عارٍ عن حلية العقل ، بعيد عن الحقّ ، يستبشعه العقل السليم وتشمئز منه الطباع.
بعد أن اتضحت ل- «آلن» حقيقة الإسلام ومذهب أهل البيت(علیهم السّلام) ، ومدىٰ الإنسانية التي يحملها ، جاهدت نفسها لتوطّن النفس علىٰ قبول الحقيقة وإن كانت مغايرة لهواها ولما اعتادت عليه فيما سبق، فمن هذا المنطلق تخلّت عن معتقداتها السابقة واعتنقت الحقيقة التي وجدتها في الدين الإسلامي، فأعلنت إسلامها واندفعت بقوة للحفاظ علىٰ هذه الجوهرة الثمينة التي تمكّنت من الحصول عليها بعد اجتيازها العديد من العقبات التي وقفت ازاء حركتها باتجاه معرفتها للحقيقة .
وبعد مرحلة الاستبصار غيّرت اسمها إلىٰ «فاطمة» (1).
1) راجع كتاب معرفة تحليلية عن الإسلام وبعض الاديان والمذاهب: 703.
ولدت في «فنلندا»، واصلت دراستها الأكاديمية حتىٰ نالت شهادة الماجستير في مادّة الطب ، كانت منتمية إلى الدين المسيحي ، لكنّها اندفاعاً من حب الاستطلاع توجّهت نحو دراسة الإسلام.
وممّا يثير انتباه الباحث في هذا المجال تأكيد الشريعة الإسلامية علىٰ أنَّ الحقّ لابدّ أن يكون واحداً، وأنّه لا يتعدّد نتيجة اختلاف من يدّعي كونه مُحقّاً.
كما أنَّ المذاهب والرؤىٰ المندرجة تحت دين واحد لا يمكن أن تكون كلّها علىٰ الحق.
دلّت الآيات القرآنية أنّ الحقّ من عندالله ، كما في قوله تعالىٰ: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةٌ فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ» (1).
وقوله تعالىٰ: «الحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرين» (2)، وغيرها من الآيات الدالّة على ذلك.
ونبّه القرآن أنّ الحقّ لا يتعدّد، وأنّ ما عندالله لا يكون فيه اختلافاً؛ قال تعالىٰ: «أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا » (1).
فلابدّ أن يكون الدين الحقّ واحداً؛ لأنّه لو تعدّد لم يكن من عندالله ، أو قل : لو كان اختلافه فاحشاً لم يصدق أنّه من عندالله ، وهذه قاعدة لتمييز ما أمر الله به ، فمجرّد أن يزيد الخلاف تعلم أن تحت الأكمة ما تحتها !
لا نختلف أنّ الديانات الإلهية كلّها صادقة في أصلها، إنّما الكلام في أنّها هل ما زالت تحمل عنوان الصدق إلى هذا الزمان ؟ ولا يمكننا تمييز ذلك وتصديقه إلّا بقانون إلهي يبيّن لنا الحقّ من الباطل..
فالمسلم يدّعي بطلان المسيحية واليهودية ، والعكس بالعكس، لذلك يمكننا أن نمحّص الأديان بقانون الاختلاف ؛ فيقال : إنّها كلّها مشتركة في عنوان التوحيد، مختلفة في كيفيته ؛ فاليهود تعتقد بربٍّ على صورة رجل عجوز، والمسيحية تعتقد بالثالوث : «الأب، الابن الروح القدس»، ومحقّقة علماء المسلمين قد أثبتوا بالأدلّة العقلية أنّ هذه الأوصاف لا تجتمع مع عنوان التوحيد، فكان هذا نوع من الاختلاف ، الذي يُعلم به بطلان دين مَن يعتقد به ، وما حلّ من تحريف في دينه ، ولا ريب أنّ الذي أتى بتوحيد كامل متكامل ينسجم مع معنى التوحيد هو الدين الذي لم يمسّه تغيّر أو تبديل، فكان الدين الإسلامي هو الأولى بالاتّباع.
يأتي قائل ليقول: «إنّ أكثر المذاهب الإسلامية وقع بينها اختلاف، إمّا في نفس التوحيد والصفات أو غير ذلك، حتّى في الخليفة بعد النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) والقائم مقامه،
فهل يمكن تمييز الحقّ من الباطل بهذه القاعدة ؟».
1) النساء (4): 82.
والجواب : نعم ؛ لأنّنا نجد أنّ هناك ثوابت ورواسخ تبيّن الحقّ من الباطل، كما مرّ ، فإنّ أيّ مذهب إسلامي يعتقد بالتجسيم ، أو التثليث، سيكون ضمن دائرة المخالفين للعقل وما دعا إليه التوحيد، إلّا أنّ المشكلة أنّك قد تجد الحقّ ممزوجّا مع الباطل فى بعض المذاهب ، كأن يعتقدوا بأنّ الله لا جسم له ثم يقولوا : أنّ الخليفة فلان دون فلان، أو أنّ صفاته كذا دون كذا ، فلا تعلم المحقّ !
ولكن يمكننا أن نميّز الحقّ فى هذه الحالة بأن نقول : أنّ المتّفق عليه هو الحق، وأنّ الخلاف هو الباطل.. نعم، في الأمور العقلية يبقى العقل هو الحاكم ، لكن في مسألة مثل مسألة الإمامة يمكن القول بأنّ جميع المذاهب الإسلامية أقرّت بحب آل البيت(علیهم السّلام) ، فكلّ من خالفهم فهو خارج عن عنوان الإسلام، كما أنّ جميع المذاهب أقرّت بأنّ من آذى أهل البيت(علیهم السّلام)، وخصوصاً : الخمسة أصحاب الكساء، كان مؤذياً لرسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، والمؤذي له كافر ، فكلّ من آذاهم ثم ادّعى محبّتهم فقد خالف الأُسس والأساس في معتقده ؛ فلابدّ أنّ لا يكون الحقّ إلّا ضدّه.
وكلّهم قالوا : أنّ أميرالمؤمنين عليّ (علیه السّلام) خليفة رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وقالت
المذاهب السنّية بأنّه ،رابعهم، والمذاهب الشيعية أنّ غيره ليس بخليفة ، فعلى من يدّعي الزيادة الإثبات.
وكلّهم قالوا: أنّ الأئمّة الاثنا عشر عند الشيعة، هم أفضل أهل الأرض في زمانهم، ثم أخذوا العلم من غيرهم، فناقضوا أنفسهم بأن تركوا الأعلم واتّبعوا من هو دونه ، فكان لابدّ أن نعلم أنّ ما اتّفقت عليه الأمّة هو الأساس في الحق ، أقصد : الرواسخ الثابتة في أذهان الأمّة ، كالصلاة ؛ فإنّ منكرها كافر .
ويتبادر للذهن تساؤل من خلال هذا السرد ، وهو : أنّ كلّ المذاهب اتّفقت أنّ المهدي(علیه السّلام) مُخلِّص آخر الزمان ، وقالوا : إنّه سيولد ، إلّا الجعفرية ، قالت : إنّه ولد، فهل الجعفرية ممّن يمزجون الحق بالباطل ؟
فنقول : إنّ المفاهيم الأساسية عادة ما تكون كلّية وليست جزئية ؛ فإنّ الأصل: ثبوت المهدي ، وجزئية ولادته من عدمها قد تكون محل خلاف؛ لأنّها تتبع دليل المدّعي ، فإنّك تجد أنّ كلّ المذاهب اتّفقوا على وجود خليفة إلّا أنّهم اختلفوا في الجزئية ، وهل هو علي(علیه السّلام) أم لا ؟ وهل خلافته بالنص الجلي أو الخفي ؟
وهذا الخلاف لم يأتِ لأنّ الأساس خطأ ، بل لأنّ فهم الجزئية لم يكن مأخوذاً من المنبع السليم ، فلو سَلّمَ شخص أنّ أميرالمؤمنين(علیه السّلام) هو الخليفة وأنّ عشرة من ذرّيته هم خلفاء خلفاء بعده، بعده، ثم قال هؤلاء الأحد عشر : إنّ هذا بعينه هو الخليفة، وهو المهدي، وهو الإمام الثاني عشر ، أصبح الكلام في أنّ المخبرين مقبول كلامهم في ما شخّصوه أو لا، وليس منشأ الخلاف من مجرد التسليم بالإمام المهدي ؛ فإنّ من سَلّم بغير أبائه لابدّ وأن يقول : إنّه سيولد ، ولن يقول : إنّه ولد ؛ لأنّ القائل بولادته هم أئمّة أهل البيت(علیهم السّلام) ، فلم يبقَ مجال لأن يشكل بما هو دون الثوابت الإسلامية المتّفق عليها ، فإنّ الباحث عن الحق ينظر لكلّ المذاهب نظرة سوية، وأنّهم كلّهم في محلّ البحث ، فلابدّ له أن ينظر في ما اشتركوا وفي ما اختلفوا، ويرى منشأ الاختلاف ليعلم المحقّ من المبطل.
بعد أن اطّلعت «مروي» علىٰ الحقائق التي تنسجم مع الفطرة الإنسانية والقواعد العقلية، خلافاً للخرافات التي تسيطر علىٰ النظريات الأخرىٰ أذعنت للحق ، وغالبت العصبية ، وأعلنت اعتناقها للإسلام ومذهب أهل البيت(علیهم السّلام) (1).
1) راجع كتاب: معرفة تحليليّة عن الإسلام وبعض الأديان والمذاهب: 703.
نشأت في دولة «فيتنام»، وبعد بلوغها سنّ الرشد الفكري لم تقتنع باتّباع ما أملته عليها الأسرة والأقارب من المفاهيم والرؤى في العقائد.
واصلت «أنغ كوان» دراستها، وتعرّفت من خلال مطالعتها على الدين الإسلامي، بشقيه الشيعي والسنّي ، وكانت تكشف - من خلال المقارنة بين مذهب أهل البيت(علیهم السّلام) والمذهب السنّي، في مختلف المسائل - الحقائق واحدة تلو الأُخرى، فانجذبت إلى المذهب الشيعي بعد أن لاحت لبصرها معارف أهل البيت (علیهم السّلام).
تقول «أنغ كوان»: «قارنت بين الطرح الشيعي والطرح السنّي لشخصية رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فوجدت أنّ الأوّل يحمل جميع القيم المفترض وجودها فيمن يبلّغ رسالة الله في الأرض، أمّا الثاني فرأيته يحمل الكثير من الصفات الناقصة وغير المفهومة والمتناقضة مع بعضها البعض».
1 - الرقص والغناء عند رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ):
أخرج البخاري في صحيحه في كتاب النكاح «باب ضرب الدفّ في النكاح والوليمة»، قال: «حدّثنا بشر بن المفضّل ، حدّثنا خالد بن ذكوان ، قال : قالت الربيع
بنت معوذ بن عفراء: جاء النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فدخل حين بنىٰ عليّ ، فجلس على فراشي كمجلسك منّي ، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدّف، ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر ؛ إذ قالت إحداهن: وفينا نبيّ يعلم ما في غدٍ . فقال : دعي هذه، وقولي بالذي كنت تقولين» (1).
كما أخرج في صحيحه في كتاب الجهاد ، باب الدرق ، وكذلك في صحيحه ، في كتاب صلاة العيدين، باب الرخصة في اللّعب الذي لا معصية فيه : عن عائشة، قالت: «دخل علَيّ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وعندي جاريتان تغنّيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش وحوّل وجهه ، فدخل أبو بكر ، فانتهرني، وقال: مزمارة الشيطان عند رسول الله . فأقبل عليه رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فقال : دعهما . فلمّا غفل غمزتها، فخرجتا»(2).
وقد أخرج البخاري في صحيحه أيضاً : عن عائشة، أنّها قالت: «كان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب، فإمّا سألت رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وإمّا قال : تشتهين تنظرين ؟ فقلت : نعم . فأقامني وراءه، خدّي على خدّه، ويقول: دونكم يا بني أرفدة ، حتّى إذا مللت قال : حسبك . قلت : نعم . قال : اذهبي» (3).
2 - تأثير السحر علىٰ النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) :
أخرج مسلم في صحيحه: عن أبي كريب ، قال : «حدّثنا بن نمير، عن هشام ،عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : ثم سَحر رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) زفر من زفر بني زريق يقال له : لبيد بن الأعصم . قالت : حتى كان رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يُخيّل إليه أنّه يفعل الشيء وما يفعله ، حتى إذا كان ذات يوم وذات ليلة دعا رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ثم دعا ، ثم دعا ، ثم قال : يا عائشة ! أشعرت أن الله أفتاني في ما استفتيته فيه ؟ ! جاءني رجلان ، فقعد
أحدهما ثم رأسي والآخر ثم رجلي ، فقال الذي ثم رأسي للذي ثم رجلي، والذي ثم رجلي للذي ثم رأسي : ما وجع الرجل ؟ قال : مطبوب . قال : من طبّه ؟ قال : لبيد بن الأعصم . قال : في أي شيء ؟ قال : في مشط ومشاطة . قال : وجب طلعة ذكر . قال : فأين هو ؟ قال : في بئر ذي أروان قالت: فأتاها رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في أناس من أصحابه، ثم قال : يا عائشة ! والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، ولكأن نخلها رؤوس الشياطين . قالت : فقلت: يا رسول الله ! أفلا أحرقته ؟ ! قال : لا ، أمّا أنا فقد عافاني الله ، وكرهت أن أُثير على الناس شرّاً، فأمرت بها ، فدُفنت (1).
وأخرج البخاري: قال «حدّثنا إبراهيم بن موسىٰ، أخبرنا عيسىٰ ، عن هشام، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : سُحر النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) - وقال الليث : كتب إليّ هشام أنّه سمعه ووعاه عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : ثم سُحر النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) - - حتى كان يُخيّل إليه أنّه يفعل الشيء وما يفعله ، حتى كان ذات يوم دعا ودعا، ثم قال : أشعرت أن الله أفتاني في ما فيه شفائي؟! أتاني رجلان، فقعد أحدهما ثم رأسي والآخر ثم رجلي، فقال أحدهما للآخر : ما وجع الرجل ؟ قال : مطبوب . قال : ومن طبّه ؟ قال : لبيد بن الأعصم . قال : في ماذا ؟ قال : في مشط ومشاقة ، وجف طلعة ذكر . قال : فأين هو ؟ قال : في بئر ذروان. فخرج إليها النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )، ثم رجع ، فقال لعائشة حين رجع : نخلها كأنه رؤوس الشياطين . فقلت : استخرجته . فقال : لا ، أمّا أنا فقد شفاني الله ، وخشيت أن يثير ذلك على الناس شراً، ثم دفنت البئر » (2).
روى الشيخ الصدوق في عيون أخبار الرضاء (علیه السّلام) في أفضليّة رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) على سائر الخلائق، بسنده : عن علي بن موسى الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه
الحسين ابن علي، عن أبيه علي بن أبي طالب(علیه السّلام) ، قال : قال رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ): «ما خلق الله خلقاً أفضل منّي ، ولا أكرم عليه منّي.
قال علي(علیه السّلام) : فقلت: يا رسول الله ! فأنت أفضل أم جبرائيل ؟
فقال(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : يا علي ! إنّ الله تبارك وتعالى فضّل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقرّبين ، وفضّلني على جميع النبيّين والمرسلين، والفضل بعدي لك يا عليّ، وللأئمّة من بعدك ، فإنّ الملائكة لخدّامنا وخدّام محبّينا .
يا على! الذين يحملون العرش ومن حوله يسبّحون بحمد ربّهم ويستغفرون للذين آمنوا بولايتنا.
يا علي! لولا نحن ما خلق الله آدم ولا حواء، ولا الجنّة ولا النار، ولا السماء ولا الأرض، وكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سبقناهم إلىٰ معرفة ربّنا وتسبيحه وتهليله وتقديسه ؟ ! لأن أوّل ما خلق الله عزّ وجلّ أرواحنا ، فانطقنا بتوحيده وتحميده، ثم خلق الملائكة ، فلمّا شاهدوا أرواحنا نوراً واحداً استعظموا أمرنا، فسبّحنا لتعلم الملائكة أنّا خلق مخلوقون ، وأنّه منزّه عن صفاتنا، فسبّحت الملائكة بتسبيحنا ، ونزّهته عن صفاتنا ، فلمّا شاهدوا عظم شأننا هلّلنا لتعلم الملائكة أن لا إله إلّا الله، وأنّا عبيد ولسنا بألهة يجب أن نعبد معه أو دونه، فقالوا: لا إله إلّا الله ..
إلىٰ أن قال : يا جبرئيل ! في مثل هذا الموضع تفارقني ؟
فقال : يا محمّد ! إنّ انتهاء حدّي الذي وضعني الله عزّ وجل فيه إلىٰ هذا المكان، فإن تجاوزته احترقت أجنحتي بتعدّي حدود ربّي جلّ جلاله ، فزج بي في النور زخّة حتى انتهيت إلى حيث ما شاء الله من علوّ ملكه ..»(1).
1) عيون أخبار الرضاء (علیه السّلام) 1: 237 .
ازدادت «أنغ كوان» يوماً بعد آخر محبّة لمذهب أهل البيت(علیهم السّلام) نتيجةً لمقارنتها بينه وبين مذهب أهل السنّة في مختلف المسائل، ولما اطّلعت عليه من معارفه السامية، الأمر الذي دفعها إلىٰ الاقتداء بسيرة أهل البيت(علیهم السّلام) واتّباع المذهب الشيعي (1)، الذي بشّر الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) المتمسّكين به بقوله : «أنا وأهل بيتي شجرة في الجنّة ، وأغصانها في الدنيا ، فمن تمسّك بنا اتّخذ إلى ربّه سبيلاً» (2).
فلماذا يترك المرء السبيل إلىٰ الله تعالى، ويتوجّه إلىٰ السبل التي لا تزيد سرعة السير فيها إلّا بعداً عن الحقّ ؟!
وكيف يترك الإنسان أهل البيت(علیهم السّلام) ويضمن لنفسه عدم الوقوع في الضلال ؟ !
فإنّ الرسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أوصىٰ أمّته في حديث الثقلين، بأن يتمسّكوا بالقرآن وبأهل البيت(علیهم السّلام) ، و ذلك لأنّ عدم الوقوع في أودية الضلال لا يتحقّق إلّا عن طريق التمسّك بهذين الثقلين، وأنّ الابتعاد عن أيّ واحد منهما يكون بمثابة الوقوع في الضلال والانحراف.
نشأ في «فيتنام» علىٰ تقليده للموروث العقائدي الذي تلقّاه من آبائه، حتّىٰ تهيّأت له أسباب نوّرت بصيرته بحقائق ومعارف دفعته إلىٰ تغيير رؤيته الكونية وانتمائه الديني.
وليس «وانغ فيت» هو الأوّل بين أبناء جلدته الذي ذهب نحو اعتناق المذهب الشيعي ، فقد كثر في فيتنام أخيراً الحديث عن وجود اتّجاه عام بين المثقفين ورجال الكفر الفيتناميين نحو اعتناق الدين الإسلامي الحنيف بالعموم ، ومذهب الشيعة الإمامية بالخصوص، بعد اطلاع عدد كبير من هؤلاء على الكتب والمراجع
الإسلامية المتوفّرة، وبالخصوص الشيعية، ومقارنتها بالكتب السنّية والسلفية .
وقد آثر معظم من اعتنقوا الإسلام التشيّع علىٰ التسنّن وجماعة السلفية؛ لِما فيه من خصائص تميّزه عن غيره من الفرق .
والتشيّع في «فيتنام» ليس وليد اللحظة والساعة ، فهو نتيجة لجهود قام بها الدعاة والمفكّرون وأدباء الشيعة العرب والإيرانيين المقيمين هناك لتصحيح الصورة الخاطئة التي يحملها الشعب الفيتنامي البسيط عن الإسلام.
الدين يحوي العقائد التي يحدّد الإنسان من خلالها أفعاله وسلوكه في الحياة،
كما يمثّل الأفكار التي من خلالها ينظر الإنسان إلىٰ الحياة.
وهذا الأمر هو الذي يحتّم علىٰ كلّ إنسان الاهتمام بأمر دينه ؛ لئلّا يقع في أودية العقائد الضالّة، والأفكار المنحرفة التى تأخذ بيد الإنسان إلىٰ الهلاك.
ولا يوجد طريق للوثوق بالعقائد التي يتبنّاها الإنسان سوىٰ البحث في هذا المجال من أجل الوصول إلى العقائد التي تستمدّ وجودها وبقاءها من الأدلّة والبراهين والحجج المتينة والمعتبرة التي لا يجد الشكّ مجالاً للمساس فيها.
ولم يكن استبصار «وانغ فيت» نتيجة تساهل وإهمال لمعتقده السابق، بل كان يدرك أهمّية البحث والتحقيق في هذا المجال، ومن هذا المنطلق واصل «وانغ فيت» أبحاثه، ما أدّى به إلىٰ أن يفضّل - في آخر المسار - الفكر الشيعي علىٰ غيره من الرؤىٰ، ويعلن استبصاره وتغيير انتماءه المذهبي، وكان من بين أسباب تفضيله لهذا المعتقد أنّه رآه الوسط أخلاقياً بين الفكر الإشتراكي والديمقراطي(1).
1) ذُكر «وانغ فيت» - الذي سمّى نفسه «حسان» بعد الاستبصار - في مقالة كتبت عن المستبصرين في «فيتنام» عام 1424ه-
ولدت في «قيرغيزستان» في مدينة «بيشكك» سنة 1979م (1399 ه-)، ونالت شهادة الدبلوم ، بدأت تحقّق في فروع الدين في مذهبها فواجهت مجموعة من التناقضات، ما دعاها للبحث مع مجموعة من الطلبة ، فوجدت أكثر أجوبة أسئلتها في مذهب أهل البيت(علیهم السّلام)..
من الأسئلة المهمّة التي تدور في ذهن الباحثين من أهل السُنّة في المجال الديني هو : التساؤل في أنّ أميرالمؤمنين الإمام علي (علیه السّلام) هل أيّد خلافة من تقدّمه من الخلفاء أم لم يمضها بل صرّح بعدم استحاقهم لها ؟
ومن الإنصاف في هذا المجال أن نرجع إلى أميرالمؤمنين (علیه السّلام) وأقواله لنرىٰ ما الذي تبنّاه في هذه المسألة :
النص الأوّل : من كلام له (علیه السّلام) في معنىٰ الأنصار :
قالوا : لمّا انتهت إلىٰ أميرالمؤمنين (علیه السّلام) أنباء السقيفة بعد وفاة رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )، قال(علیه السّلام) : «ما قالت الأنصار؟»
قالوا : قالت : منّا أمير ومنكم أمير.
قال(علیه السّلام) : «فَهَلاً احْتَجَجْتُمْ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وَصَّى بِأَنْ يُحْسَنَ إِلَى مُحْسِنهمْ وَيُتَجَاوَزَ عَنْ مُسِينِهِمْ».
قالوا: وما في هذا من الحجّة عليهم ؟
قال(علیه السّلام) : «لَوْ كَانَتِ الإِمَارَةُ فِيهِمْ لَمْ تَكُنِ الْوَصِيَّةُ بِهِمْ».
ثم قال(علیه السّلام) : «فَمَاذَا قَالَتْ قُرَيْسٌ ؟»
قالوا احتجّت بأنّها شجرة الرسول(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) .
قال(علیه السّلام): «احْتَجُوا بِالشَّجَرَةِ وَأَضَاعُوا الثَمَرَةَ»(1).
إنّ الأنباء التي بلغته(علیه السّلام) هي أخبار ما جرىٰ بين الأنصار والمهاجرين من المشاجرة في أمر الإمامة وإيقاعهم البيعة لأبي بكر ، أمّا الخبر الذي رواه(علیه السّلام) عن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فهو حجّة عليهم، ووجه احتجاجه بهذا الخبر فهو في صورة شرطيّة متّصلة يستثنىٰ فيها نقيض تاليها .
وتقريرها : لو كانت الإمامة حقّاً لهم لَما كانت الوصيّة بهم لكنّها بهم فليست الإمامة لهم.
بيان الملازمة : أنّ العرف قاض بأنّ الوصيّة والشفاعة ونحوها إنما تكون إلىٰ الرئيس في حقّ المرؤوس من غير عكس، وأمّا بطلان التالي للخبر المذكور.
ويحتمل في قوله : «احْتَجُوا بِالشَّجَرَةِ وَأَضَاعُوا المَمرَةَ» معنيان للثمرة :
1 - أنّه (علیه السّلام) أشار بالثمرة إلىٰ نفسه وأهل بيته ؛ فإنّهم ثمرة الغصن المورق المثمر لتلك الشجرة ، وإضاعتهم لها: إهمالهم له من هذا الأمر.
2 - يريد(علیه السّلام) بالثمرة التي أضاعوها : سُنّة الله الموجبة في اعتقاده استحقاقه لهذا الأمر، وظاهر كونها ثمرة الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وإهمالهم لها تركهم العمل بها في حقّه، وهو كلام في قوّة احتجاج له علىٰ قريش بمثل ما احتجّوا به علىٰ الأنصار.
1) نهج البلاغة 1: 116، الخطبة: 67.
وتقديره : أنّهم إن كانوا أولىٰ من الأنصار لكونهم شجرة رسول الله فنحن أولىٰ لكوننا ثمرته وللثمرة اختصاص بالمثمر من وجهين :
أحدهما : القرب؛ ومزيّته ظاهرة.
الثاني : أنّ الثمرة هي المطلوبة بالذات من الشجرة وغرسها ، فإن كانت الشجرة معتبرة فبالأولى اعتبار الثمرة ، وإن لم يلتفت إلى الثمرة فبالأولى لا التفات إلىٰ الشجرة.
ويلزم من هذا الاحتجاج أحد أمرين : إمّا بقاء الأنصار علىٰ حجّتهم لقيام هذه المعارضة ، أو كونه (علیه السّلام) أحقّ بهذا الأمر ؛ وهو المطلوب.
وعليه فإنّ إمامة غيره كانت باطلة وليس لها أساس .
النص الثاني : قوله(علیه السّلام) : «حَتَّى إِذَا قَبَضَ اللهُ رَسُولَهُ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) رَجَعَ قَوْمٌ عَلَى الأَعْقَابَ ، وَغَالَهُمُ السُّبُلُ ، وَاتَّكَلُوا عَلَى الْوَلاَئِج، وَوَصَلُوا غَيْرَ الرَّحِمِ ، وَهَجَرُوا السَّبَبَ الَّذِي أُمِرُوا مَوَدَّتِهِ، وَنَقَلُوا الْبِنَاءَ عَنْ رَبِّ أَسَاسِةَ، فَبَنَوْهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ. مَعَادِنُ كُلِّ خَطِيئَة ، وَأَبْوَابُ كُلِّ ضَارِب فِي غَمْرَة، قَدْ مَارُوا فِي الْحَيْرَةِ، وَذَهَلُوا فِي السَّكْرَةِ، عَلَى سُنَّةَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ مِنْ مُنْقَطِع إِلَى الدُّنْيَا رَاكِن ، أَوْ مُفَارِقِ لِلدِّينِ
مباین»(1).
وقد وصف (علیه السّلام) فيه فئة ضالّة قد استولت وملكت وأملىٰ لها الله سبحانه كما ذكر حال الصحابة بعد وفاة رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وأنّ قوماً منهم غيّروا وبدلوا وارتدّوا..
قوله: «حَتَّى إِذَا قَبَضَ اللَّهُ رَسُولَهُ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : فيه تصريح بما تقوله الإمامية، من ارتداد الناس بعد وفاة النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ارتداداً معنوياً ، إلّا من عصم الله من شيعته المخلصين .
وفي قوله : «رَجَعَ قَوْمٌ عَلَى الأَعْقَابَ»: إشارة إلىٰ قوله تعالىٰ: «وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا
1) نهج البلاغة 2: 37، الخطبة: 151.
رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّاللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ» (1). .
وقد روي عن عمرو بن أبي المقدام ، عن أبيه ، قال : قلت لأبي جعفر (علیه السّلام) : إنّ العامة يزعمون أن بيعة أبي بكر حيث اجتمع الناس كانت رضا الله - جلّ ذكره - وما كان الله ليفتن أُمّة محمّد (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) من بعده.
فقال أبو جعفر(علیه السّلام) : أو ما يقرؤون كتاب الله ؟ أوليس الله يقول: «َمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ» ؟
قال : فقلت له : إنّهم يفسّرون علىٰ وجه آخر.
فقال : أو ليس قد أخبر الله عزّ وجلّ - عن الذين من قبلهم من الأُمم أنّهم قد اختلفوا من بعد ما جاءتهم البيّنات، حيث قال: «وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاء اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُريدُ (2)؟
وفي هذا ما يستدلّ به على أن أصحاب محمّد (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قد اختلفوا من بعده ، فمنهم
من آمن ومنهم من كفر (3).
وروي عن ابن عباس ، عن النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قال: «إنّكم تُحشرون حفاة عراة غرلاً ، ثم قرأ: «كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ» (4)، وأَوّل مَن يُكسى یوم القيامة إبراهيم، وإن أناساً من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال ، فأقول :
أصحابي أصحابي ! فيقال : إنّهم لم يزالوا مرتّدين علىٰ أعقابهم منذ فارقتهم. فأقول كما قال العبد الصالح : وكنت عليهم شهيداً مادمت فيهم إلىٰ قوله «الحكيم »(1).
وروي عن حازم، عن سهل بن سعد ، قال : قال النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «إنّي فرطكم علىٰ الحوض، من مرّ علَيّ شرب ، ومن شرب لم يظماً أبداً، ليردنّ علَيّ أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم»، قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش، فقال : هكذا سمعت من سهل ؟ فقلت : نعم . فقال : أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها : فأقول: «إنّهم منّي ، فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك . فأقول : سحقاً سحقاً لمن غيّر بعدي»(2).
و في قوله : «وَغَالَتهُمُ السُّبُلُ » (3)إشارة إلىٰ قوله تعالىٰ: «وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِياً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» (4).
قوله : «وَاتَّكَلُوا»: التكلان ، واتّكل علىٰ فلان في أمره : إذا اعتمده ووكلّه إلىٰ نفسه (5).
عَلَى الْوَلَائِج»: وليجة الرجل: خاصّته وبطانته(6)، وهو إشارة إلىٰ قوله تعالىٰ: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَلَما يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةٌ وَالله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ » (7).
أي: اتّكلوا علىٰ الولائج من دون الله.
ومعنىٰ قوله(علیه السّلام) : «وَوَصَلُوا غَيْرَ الرَّحِمِ» ، أي: غير رحم النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ؛ إذ تركوا أهل بيته وقطعوا رحمه التي أمروا بوصلها ، وقد قال تعالىٰ: «الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ» (1).
وفي قوله(علیه السّلام) : «وَهَجَرُوا» ، أي : تركوا «السَّبَبَ الَّذِي أَمِرُوا بِمَوَدَّتِهِ» ؛ قال ابن أبي الحديد: «وهجروا السبب ، يعني : أهل البيت أيضاً، وهذه إشارة إلىٰ قول النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ): «خلّفت فيكم الثقلين : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ، حبلان ممدودان من السماء إلىٰ الأرض، لا يفترقان حتىٰ يردا عَليّ الحوض»، فعبّر أميرالمؤمنين عن أهل البيت بلفظ : «السبب» لمّا كان النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قال : «حبلان»، والسبب في اللغة : الحبل» (2).
والإضافة في قوله(علیه السّلام) : «وَنَقَلُوا الْبِنَاءَ عَنْ رَبِّ أَسَاسِه» : من إضافة الصفة مع كون المصدر بمعنىٰ المفعول، أي أساسه المرصوص، كما قال تعالىٰ: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ » (3)، أي : ملصق بعضه ببعض .
وقد روي عن حيان الأسدي ، قال : سمعت عليّاً يقول: «قال لي رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : « إنّ الأمّة ستغدر بك بعدي ، وأنت تعيش علىٰ ملّتي ، وتُقتل علىٰ سُنّتي ، من أحبّك أحبّني ومن أبغضك أبغضني ، وإنّ هذه ستُخضب من هذا»، يعني: لحيته من رأسه (4).
قال الحاكم النيسابوري : صحيح (5).
وقال أميرالمؤمنين الإمام علي (علیه السّلام) عندما جيء به ليبايع: «الله الله يا معشر المهاجرين ! لا تُخرجوا سلطان محمّد في العرب عن داره وقعر بيته ، إلىٰ دوركم وقعور بيوتكم، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه ، فوالله يا معشر المهاجرين ، لنحن أحقّ الناس به؛ لأنّا أهل البيت، ونحن أحقّ بهذا الأمر منكم ما كان فينا القارىء لكتاب الله ، الفقيه في دين الله ، العالم بسنن رسول الله ، المضطلع بأمر الرعية، المدافع عنهم الأمور السيئة ، القاسم بينهم بالسوية، والله إنّه لفينا ، فلا تتّبعوا الهوىٰ فتضلّوا عن سبيل الله فتزدادوا من الحقّ بُعدا».
فقال بشير بن سعد الأنصاري : لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا عليّ قبل بيعتها لأبي بكر ، ما اختلف عليك اثنان .
قال : وخرج عليّ(علیه السّلام) يحمل فاطمة بنت رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) علىٰ دابة ليلاً في مجالس الأنصار تسألهم النصرة ، فكانوا يقولون : يا بنت رسول الله ! قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ولو أنّ زوجك وابن عمّك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به.
فيقول عليّ(علیه السّلام) : أفكنت أدع رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في بيته لم أدفنه ، وأخرج أنازع الناس سلطانه؟».
فقالت فاطمة : «ما صنع أبو الحسن إلّا ما كان ينبغي له، ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم»(1).
قوله : «مَعَادِنُ كُلِّ خَطِيئَة ، وَأَبْوَابُ كُلِّ ضَارِب فِي غَمْرَة»، أي: شدّة، وغمرة الموت : شدّته (2).
قوله(علیه السّلام) : «قَدْ مَارُوا» : مار الشيء يمور مؤراً: ترهياً ، أي : تحرك وجاء.
وذهب (3). «فِي الْخَيْرَةِ»، أي: في التحيّر. «وَذَهَلُوا» ، أي: غفلوا . «فِي السَّكْرَةِ»، فيكون مورهم أشدّ مور، وذهولهم أشد ذهول.
قوله(علیه السّلام) : « عَلَى سُنَّةَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ»: علىٰ سيرتهم وطريقتهم، فكما أنّ فرعون استخفّ ،قومه ، وقال لهم : «أَنَا رَبُّكُمُ الأعلىٰ» (1)، فأطاعوه، فإنّ الثاني قال لهم : إنّ الأوّل صاحب نبيّكم في الغار ، ورضيه في صلاته بكم لدينكم ، فكيف لا ترضونه لدنياكم ولا تبايعونه ؟
فجعل أمر الخلافة أدون من إمام الجماعة، مع أنّهم يجوّزون الصلاة خلف كلّ فاسق، مضافاً إلىٰ ما في كونه صاحب الغار من العوار، وما في تقديمه للصلاة من الشنّار ، فهل حيرة فوق هذا ؟! وهل سكرة أشدّ من هذا ؟ !
قوله : «مِنْ مُنْقَطِع إِلَى الدُّنْيَا رَاكِن» إليها ، ككثير من المهاجرين والأنصار الذين أسلموا زمن النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) طوعاً ، لكن بعده اتّبعوا الأوّل طمعاً أن ينالوا ثروة أو إمرة، ولم يبق مع أمير المؤمنين (علیه السّلام) بعد النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) إلّا ثلاثة أو أربعة، وبعد شهرين صاروا سبعة، وهم الّذين صلّوا معه(علیه السّلام) علىٰ سيّدة النساء(علیها السّلام) . وليس ذئبان ضاريان في غنم بأكثر فساداً من حبّ جاه الدنيا ومالها للمرء المسلم في دينه .
قوله(علیه السّلام) : « أَوْ مُفَارِقِ لِلدِّينِ مُبَايِن» ، أي : منفصل عن الدين، من المنافقين والمؤلّفة قلوبهم الذين أسلموا بعد غلبة الإسلام كرهاً، بأنّهم شدّوا مع الغاصب، فضلاً عن أن بايعوه وتابعوه.
بعد اطّلاعها علىٰ أحقّية المذهب الشيعي في الخليفة الشرعي بعد الرسول الأكرم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ارتفع عن «كانيكي» التناقض الذي حصل لها عند مطالعتها للنصوص الإسلامية ، فقرّرت اعتناق مذهب أهل البيت (علیهم السّلام) لأنّه مذهب الحقّ ، ، وهو المذهب الوحيد الذي لا يعاني من التناقضات في عقائده وأفكاره (2).
من أصول كازاخستانية، كانت تعيش حالة التيه والحيرة في ظل الدولة الشيوعية ، ولكن ما إن انهارت الشيوعية حتّىٰ استغلت الفرصة للبحث عن الحقيقة، فبذلت قصارى جهدها في هذا السبيل حتّىٰ أسلمت، ثم اعتنقت مذهب أهل البيت (علیهم السّلام) .
تقول «جُل»: «كان أجدادي من المسلمين، ولكن بعد هيمنة السلطة الشيوعية علىٰ بلادنا ووضعها الحجب والموانع بيننا وبين الإسلام فقدنا ديننا وبقينا حيارىٰ لا نهتدي إلىٰ سبيل الحق، وفي هكذا أجواء واصلت دراستي الأكاديمية، ثم أصبحت صحفيّة ، وموظّفة في الإذاعة، وعضواً في لجنة المحلّفين في إحدىٰ المحاكم، فكنت أحضر في المحكمة وأشاهد محاكمة الكثير ممن يرتكبون الجرائم، وكنت أعلم في قرارة نفسي أنّ سبب كثير من هذه الأمور هو فقدان الوازع الديني في نفوس هؤلاء.
وكنت أقول في نفسي : لماذا فسح الله المجال لبعض الناس أن يحاربوا دينه ؟
ولماذا لا يقضي عليهم ليخلّص شعبنا من هيمنتهم المشؤومة ؟ ولكنّني بعد ذلك علمت أنّ ذلك هو اختبار من الله لنا، ولابدّ لنا من اجتياز هذا الاختبار بسلام.
ولمّا انهار الحكم الشيوعي ، حمدت الله علىٰ ذلك وقرّرت أن أتّجه إلىٰ البحث
عن الله ، فتركت عملي في مجال الصحافة والإذاعة والمحكمة وتوجّهت نحو دراسة الأديان، فدرست المسيحية ولكنّني وجدتها مجموعة طقوس جامدة ليس بوسعها أن توصل العبد إلىٰ ربّه ، وأيقنت أنّها ديانة محرّفة قد لعبت بها الأيدي وأخرجتها من الصورة التي يريدها الله ، كما أنّني وجدت بعضهم يؤلّهون عيسىٰ(علیه السّلام) والبعض الآخر يعتبرونه ابناً لله ، فلم أقتنع بهذه الأفكار التي وجدتها غير لائقة بالله
عز وجل.
فتوجّهت بعدها إلىٰ دراسة الإسلام والمذاهب الموجودة فيه ، وكانت النتيجة أنّني وجدت التشيّع هو الدين الإسلامي الأصيل المنسجم مع العقل والفطرة والمعبّر عن الرسالة التي جاء بها الرسول الأكرم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )، فاعتنقت هذا المذهب ثم تلقّيت علوم ومعارف أهل البيت(علیهم السّلام) في إحدىٰ المدارس الدينية التي أسّسها بعض المستبصرين في منطقتنا .
فواجهنا بعد ذلك بعض المضايقات من قبل دعاة الحداثة والتطوّر، فكانوا يرمون مدرستنا بالحجارة، فخرجت لهم ذات يوم وقلت لهم : ما هذه التصرّفات التي تصدر منكم ؟ أنسيتم مبادئكم التي تنادون بها ليل نهار حول حرية الفكر ؟ !
فلماذا لا تسمحون لنا أن نختار بأنفسنا الفكر الذي فرض نفسه علينا بالدليل والبرهان.
ولكنّهم قابلونا بالسباب والشتائم، وحاولوا أن يستفزّوننا ، ولكنّنا - وفق ما تملي علينا معتقداتنا - لم نقابلهم إلا بالتي هي أحسن.
كما أنّنى عانيت كثيراً في البدء من ارتداء الحجاب الإسلامي ، فقابلني بعضهم بالاستهزاء والسخرية، ولكنّني لم أبالِ بما فعلوا؛ لأنّني كنت أعلم حكمة الحجاب، وذلك لأنّنى حينما كنت أعمل في المحكمة كنت أشاهد كلّ يوم العديد من حوادث اعتداء الشباب علىٰ الشابات، وكنت منذ ذلك الحين أتكلّم مع الشابات وأقول لهنّ : لا تلقوا جميع اللوم علىٰ الذين اعتدوا عليكنّ لأنكنّ بارتداء الملابس المثيرة
والتبرّج تحفّزون الشباب علىٰ التحرش بكنّ.
وها أنا اليوم أيضاً ماضية فى ما كنت أعتقد به في السابق، وأرىٰ الحجاب وسيلة لصيانة المرأة والحفاظ علىٰ عفّتها وشرفها .
وقد ظنّ بعضهم أنّنا باعتناقنا للإسلام قد فرضنا علىٰ أنفسنا كثيراً من القيود، ولكنّهم لا يعلمون أنّ هذه القيود هي الضوابط التي تنمّي وعينا ، وتهيمن علىٰ طغيان أهوائنا ، وبما نتمكّن من الهيمنة علىٰ غرائزنا والوصول إلىٰ حد الاعتدال.
والحياة الطيّبة تكمن في هذا الاعتدال، وإنّ اللذّة التي نحصل عليها عبر الاتّصال بالله لا يمكن مقايستها مع لذائذ الدنيا الزائلة .
كما أنّ الفارق بين المرأة المتبرّجة والمرأة المسلمة الملتزمة بدينها هو : أنّ المرأة المسلمة بهذه الضوابط تحافظ علىٰ سلامة الأسرة التي تعيش في كنفها، وبذلك توفّر لنفسها ولأسرتها الأجواء الطيّبة البعيدة عن الانحطاط والتسافل.
وأملي أن يوفّقني الباري تعالىٰ في سبيل نشر علوم ومعارف أهل البيت (علیهم السّلام) ليتمكّن من يتلقّاها أن يُخرج نفسه بها من الظلمات إلىٰ النور»(1).
1) نُقلت أسباب ودوافع المستبصرة للاستبصار عن صحيفة (جمهوري إسلامي) باللغة الفارسية نقلاً عن إذاعة الجمهورية الإسلامية باللغة الروسيّة. (بتصرّف يسير).
ولد عام 1375 ه- ( 1956م) في جزيرة «ترينيدا» الواقعة في البحر الكاريبي، وهاجر إلىٰ كندا لمواصلة دراستة الجامعية فحصل علىٰ الليسانس في العلوم السياسية ، وشهادة أخرىٰ في علم النفس.
استبصر «أحمد» بنور معارف أهل البيت(علیهم السّلام) من خلال الاطّلاع علىٰ الكثير من الكتب العقائدية ، وتأثّر بمسائل متعدّدة، ولا يمكن إنكار الدور الأساسي لمعرفة مقامات أهل البيت(علیهم السّلام) وعلىٰ الخصوص : السيّدة فاطمة الزهراء(علیها السّلام) ، في مجال هداية الباحثين إلىٰ الحقيقة ؛ فإنّ معرفة منزلة الأئمّة والمعصومين(علیهم السّلام) تعدّ من الخطوات الأساسية في مجال السير إلىٰ السعادة الأبدية طبقاً لمذهب أهل البيت(علیهم السّلام) .
روي عن المفضّل بن عمر ، قال : قلت لأبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (علیه السّلام) : كيف كانت ولادة فاطمة ؟
قال : نعم .. إنّ خديجة (رضي الله عنها ) لمّا تزوّجها رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، هجرتها نسوة مكّة ، فكنّ لا يدخلن إليها ولا يسلّمن عليها ، ولا يتركن امرأة تدخل عليها، فاستوحشت خديجة لذلك، وكان جزعها وغمّها حذراً عليه(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فلمّا حملت بفاطمة(علیها السّلام) كانت تحدّثها من بطنها وتصبّرها ، وكانت تكتم ذلك من رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).
فدخل يوماً فسمع خديجة تحدّث فاطمة ، فقال : يا خديجة ! من تحدّثين ؟
قالت : الجنين الذي في بطني ، يحدّثني ويؤنسني .
فقال : يا خديجة ! هذا جبرائيل يبشّرني بأنّها أنثىٰ، وأنّها النسمة الطاهرة الميمونة ، وأنّ الله تعالىٰ سيجعل نسلي منها ، وسيجعل من نسلها أئمّة الأُمّة، ويجعلهم خلفاء في أرضه بعد انقضاء وحيه .
فلم تزل خديجة علىٰ ذلك إلىٰ أن حضرت ولادتها ، فوجّهت إلىٰ قريش وبني هاشم ليلين منها ما تلي النساء، فأرسلن إليها بأنّك عصيتنا ولم تقبلي قولنا وتزوّجت محمّداً يتيم أبي طالب فقيراً لا مال له ، فلسنا نجيئك ولا نلي من أمرك شيئاً.
فاغتمّت خديجة لذلك، فبينا هي في ذلك إذ دخل إليها أربع نسوة كأنّهنّ من نساء بني هاشم ففزعت منهنّ ، فقالت إحداهنّ : لا تحزني يا خديجة ، فإنّا رسل ربّك إليك ، ونحن أخواتك ، أنا سارة وهذه آسية بنت مزاحم وهي رفيقتك في الجنّة وهذه مريم بنت عمران، وهذه كلثوم أخت موسىٰ بن عمران ، بعثنا الله إليك لنلي من أمرك ما تلي النساء من النساء.. فجلست واحدة عن يمينها ، والثانية عن يسارها، والثالثة بين يديها، والرابعة من خلفها .
فوضعت خديجة فاطمة طاهرة مطهّرة ، فلمّا سقطت إلىٰ الأرض أشرق منها نور حتىٰ دخل بيوتات مكّة ولم يسبق في شرق الأرض ولا في غربها موضع إلّا أشرق فيه النور.
ودخلت عشر من الحور العين مع كلّ واحدة منهنّ طست من الجنة وإبريق فيه من ماء الكوثر ، فتناولتها المرأة التي كانت بين يديها وغسلتها بماء الكوثر ، وأخرجت خرقتين بيضاوين أشدّ بياضاً من اللبن وأطيب رائحة من المسك والعنبر، فلفّتها بواحدة وقنّعتها بالأخرىٰ، ثم استنطقتها ، فنطقت بالشهادة: أن لا إله إلّا الله ، وأنّ أباها محمّداً سيّدالأنبياء ، وأنّ بعلها عليّاً سيّد الأوصياء، وأنّ ولديها
سيّدا الأسباط ، ثم سلّمت عليهنّ وسمّت كلّ واحدة باسمها، فضحكن إليها .. وتبلثرت الحور العين ، وبشّر أهل الجنّة بعضهم بعضاً بولادتها، وحدث في السماء نور زاهر لم تره الملائكة قبل ذلك اليوم ، وبذلك لُقّبت : الزهراء .
ثم قالت : خذيها يا خديجة طاهرة مطهّرة زكية ميمونة ، بورك فيها وفي نسلها.
فتناولتها خديجة فرحة مستبشرة ، وألقمتها ثديها، فدرّ عليها فكانت فاطمة(علیها السّلام) تنمى في اليوم كما ينمي الصبي في الشهر (1).
نشأت فاطمة(علیها السّلام) بين والدها محمّد بن عبدالله سيّد المرسلين (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) والسيّدة خديجة(علیها السّلام) يغدّيانها بعلوم النبوّة ومعدن العفّة، ويحيطانها بمكارم الأخلاق ومعالي همم الأشراف.
فدرجت سريعاً تلقف ما يُلقىٰ إليها، وتعي ما يُحاط بها، كأنّها تستعد لأحداث جسام، وتتهيّأ لأمور عظام.
وكان الأمر كذلك ففقدت أمّها وعمّ أبيها في وقت حسّاس، كان أبوها في أمسّ الحاجة إليهما، ففي شهر رمضان من السنة العاشرة للبعثة توفّيت خديجة ، بعدما وفت بما عليها وزيادة ، وبعد معاناة شديدة في شعب أبي طالب.
شعرت بفداحة فقد الأُمّ فوطّنت نفسها لأن تكون أُمّاً لأبيها (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).
أحاطته بحنان البنت والأُمّ حتىٰ قال فيها رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : فاطمة أمّ أبيها .
وقفت علىٰ شؤونه ، فكانت الصدر الوحيد الذي يأوي إليه(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، بعد خديجة وفاطمة
بنت أسد زوجة أبي طالب وأُمّ أميرالمؤمنين عليّ(علیه السّلام) .
1) راجع: الأمالي للصدوق: 691.
شاءت عنايته أن يكتب عقد زواجهما في الملأ الأعلىٰ:
«لمّا زوّج رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فاطمة من علي(علیهما السّلام) كان الله تعالىٰ مزوّجه من فوق عرشه، وكان جبرئيل الخاطب، وكان ميكائيل وإسرافيل في سبعين ألفاً من الملائكة شهوداً ، وأوحىٰ الله إلىٰ شجرة طوبىٰ أن: انثري ما فيك من الدرّ والياقوت واللؤلؤ، وأوحىٰ إلىٰ الحور العين أن: التقطنه ، فهنّ يتهادينه بينهنّ إلىٰ يوم القيامة فرحاً بتزويج فاطمة عليّاً(علیهما السّلام) (1).
كانت إذا أقبل رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عليها وجاء إلىٰ بيتها ، قامت له وفرحت به وقبّلته وأجلسته مكانها ، وكانت إذا جاءته إلىٰ بيته وقف لها وفرح بها وقبّلها وأجلسها مكانه.
لم يكن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بمعزل عمّا يدور في خلد كثير من المسلمين وقتها من جهل لحال الصفوة الطاهرة، وحسد بدأ يدبّ من بعضهم، فأراد أن لا تبقىٰ معذرة بخصوص مرضىٰ الجهل والحسد ، فكان يأتي ستة أشهر باب علي وفاطمة في كلّ وقت صلاة ، فيطرق الباب ويقول : «السلام عليكم ، الصلاة أهل البيت « إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا » (2).
ولم يكن قول رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بمعزل عن الوحي ، بل كان مفسّراً لكلام الله تعالىٰ، وأحكامه وإرادته التي شاءت أن يكون لبيت النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) صفوة كسائر بيوتات الأنبياء(علیهم السّلام) وكان بيانه ذلك دحضاً لكلّ ريب أو اشتباه قد يحصل من جانب المسلمين المكلّفين بالسمع والطاعة والاقتداء بمن خصّهم المولىٰ بتزكيته ،
ليكونوا للناس منارات هدىٰ وأعلام تقیٰ ، حفظة لدينه من عبث العابثين ، واسترعاء لأحكامه من تحريف المضلّين .
إشارة واضحة الدلالة علىٰ أنّ هذا البيت هو بيت من اقتضت إرادة الباري تعالىٰ تسديدهم؛ لِما لمسه منهم من استجابة تلقائية لأوامره ونواهيه، فأذهب عنهم رجس الشيطان وطهّرهم تطهيراً..
قال تعالىٰ: «إِنَّ الله أَصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةٌ بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَالله سَمِيعٌ عَلِيمٌ» (1).
وكانت حادثة المباهلة التي جمعت رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بوفد نصارىٰ نجران إشارة
أُخرىٰ إلىٰ أنّ المقصود بأهل البيت(علیهم السّلام) هم خاصّته، صفوة الله منذ الأزل، لم يخرج رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) معه غير فاطمة وعلي والحسن والحسين(علیهم السّلام) .
كان خروجه ومن أخرج معه بأمر الله تعالىٰ؛ كما دلّت الآية علىٰ ذلك : «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهل فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّه عَلَى الْكَاذِبِينَ» (2).
وفي الآية إشارة لطيفة إلىٰ أنّ المقام الذي أراده المولىٰ سبحانه وتعالىٰ هو مقام الاحتجاج والشهادة لم يكن متاحاً لغير الصفوة الطاهرة التي اختارها الباري تعالىٰ علىٰ بقية الخلق.
وجاءت آية مودّة القربىٰ: «قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ» (3).
إن خصائص الصديقة الطاهرة فاطمة بنت محمّد (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) الظاهرة أكبر من أن
تحيط بها العقول ، وأعمق من أن تنالها الأفهام، فما بالك بالباطنة ، كانت أكثر الناس شبها برسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) خَلْقاً وخُلْقاً.
لم يُظلم في تاريخ البشرية أحد مثلما ظلمت فاطمة الزهراء(علیها السّلام) : فلم يقف أحد من أولئك المحسوبين علىٰ الإسلام والمدّعين حبّ أهل البيت(علیهم السّلام) ليقول كلمة حقّ في شأنها ، وما أكثر أولئك ؟ !
سكتوا عنها سكوت الأموات، بل إنّهم جاهدوا في إخفاء حقّها وطمس ظلامتها، وحاولوا تصغير شأنها بالسكوت عن تناول مقامها، وانصرفوا إلىٰ غيرها ممّن ناصبت العداء وحاربت الأولياء وهي بين الرجال غير عابئة بحالها ولا ملتفتة إلىٰ مآلها، رغم التحذير النبوي والترغيب والترهيب القرآني، والىٰ من أسلمت وحسن إسلامها ، وكبد حمزة لا تزال بين ثنايا أسنانها، وشتّان ما بين الثرىٰ والثريا.
لقد كانت الأحداث التي مرّت علىٰ الزهراء(علیها السّلام) الأثر الذي حكم بقصر عمرها ؛ إذ أنّ ما حصل قبيل وفاة والدها وبعده كان كافياً لسرعة لحوقها بأبيها (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).
والموقفان الأساسان اللذان سنتحدّث عنها متعلّقان بتلك الأحداث التي حدثت في الفترة القصيرة من الزمن، والتي حكمت علىٰ حاكمية الإسلام بالانحراف منذالبداية .
الموقف الأوّل : تحرّكها من أجل إعادة القيادة إلىٰ صاحبها.
وهي وإن لم تتمكّن من قلب الموازين وترجيح الأحقّ إلّا أنّها أثبتت عملياً - زيادة علىٰ النصوص التي تناولت مسألة الإمامة - أنّ أميرالمؤمنين عليّاً(علیه السّلام) هو الأحقّ والأولىٰ.
فهي كما ثبت عند المخالف قبل المؤالف ، لم تبايع الخليفة الأوّل ابن أبي قحافة،
وماتت(علیها السّلام) وهي غاضبة ساخطة عليه (1)وعلىٰ صاحبه وحزبها الذي صرف الإمامة عن صاحبها منتهزاً فرصة انشغال صاحب الأمر بتجهيز رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) .
والرسول الأعظم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يقول: «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية»(2). وباعتبارها سيّدة نساء العالمين ، أذهب الله تعالىٰ عنها الرجس وطهّرها تطهيراً، فإنّ موتها مع إشارة الحديث محلّ تنبيه لأولي العقول والأفهام..
هل يتّفق مقام الزهراء(علیها السّلام) ومكانتها مع عدم البيعة ؟
طبعاً لا .. فهي من أهل بيت امتاز علىٰ بيوتات الأنبياء، فضلاً عن الناس، فيهم اجتمعت علوم الله وأسماؤه وآلاؤه ، ومنهم جاءت رحمته ، كانوا السابقين إلىٰ الطاعات والمكارم .. قمن بايعت الزهراء قبل موتها إذاً، وقد كانت أعلنت علىٰ الملأ من المسلمين أنّ الحكومة مغصوبة، وأنّها مظلومة هي وأهل بيتها عن حقوقهم ؟
إنّ كلّ من دخل الإسلام لا يريد به غير وجه الله تعالىٰ يدرك جيداً أنّ الزهراء(علیها السّلام) قد بايعت زوجها علياً(علیه السّلام) قبل وفاة أبيها سيّد البشر ، بل منذ أن عرفت مقامه، وقبل أن يبايعه الناس في يوم غدير خم عند انصرافهم من حجّة الوداع، عندما نصب رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) علياً (علیه السّلام) إماماً وعلماً وهادياً للناس بعده بأمر من الله تعالىٰ ، معلناً ولايته علىٰ المسلمين قائلاً: «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه» (3).
وهي في تحرّكها المشار إليه لئن خرجت إلىٰ بيوتات الأنصار تحتجّ عليهم ، ففي ذلك دليل قاطع علىٰ رفضها لحادثة السقيفة جملة وتفصيلاً، إيماناً منها بأنّ الحكومة الإسلامية وظيفة إلٰهية من نفس جنس التشريع، غير مسكوت عليها، ولا مغفول عنها.
فكيف يدّعي عاقل بعد ذلك بأنّ الرسول ومرسله قد تركا الرسالة للناس
يفعلون بها ما يريدون ؟ وكلام الله تعالىٰ يقول غير ذلك ، وسيرة الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) تظهر العكس، والمنطق والعُرف حاكمان بضرورة التعيين، خاصّة إذا كان عن الباري تعالىٰ !
وحتىٰ الذين قالوا بالفوضىٰ ؛ لأنّها في واقع الأمر ليست غير انقلاب، والشورىٰ أبعد ما تكون عنه ، هؤلاء عادوا علىٰ أعقابهم ينقضون مقالتهم وينصّبون بدلاً عن الناس، بدعوىٰ : عدم ترك الناس هملاً ، وخلوّ المنصب من قائده يشكّل خطراً لا يمكن تداركه إلّا بالتعيين.
كان تذكير الزهراء(علیها السّلام) بخصائص أميرلمؤمنين ومقامه في الأُمّة مدعاة لرجوع عدد من الأنصار إلىٰ الحقّ والإقرار بإمامته، ولأنّ رجوعهم جاء متأخّراً فإنّه شكّل عامل قلق واضطراب لدىٰ الغاصبين للإمامة الشرعية .
وظلّت صرخة الزهراء مدوّية في قبائل الجزيرة العربية ، فلم يستتب للغاصبين أمر حتىٰ أخضعوا تلك القبائل بدعوىٰ : حروب الردّة ومانعي الزكاة.
وهي في حقيقتها حروب سياسية، أريد بها إخضاع الممتنعين عن بيعة الغاصبين للإمامة ، وهنا لابدّ من الإشارة إلىٰ أنّ روايات الردّة في «تاريخ الطبري» يرويها كلّها : سيف بن عمر ، وهو أحد المجهولين المطعون فيهم عند أرباب الجرح والتعديل ، مضافاً إلىٰ وهن بقية أسانيد الروايات.
الموقف الثاني : مواجهتها لغاصبي إرثها :
وهذا الموقف جاء نتيجةً لتحرّك أدعياء الإمامة والغاصبين لدور حاكمية الله تعالىٰ ، لشلّ حركة أهل البيت(علیهم السّلام) بقطع الموارد المالية عنهم ، حتىٰ لا يستعينوا بها علىٰ استرداد حقّهم.
فاستولوا علىٰ فدك وطردوا عاملها ، وهي التي كانت في يد الزهراء وعليّ(علیهما السّلام) بعد فتح خيبر (السنة السابعة للهجرة) ، نحلها رسول الله إيّاها عندما
نزلت الآية الكريمة : «فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ» (1).
عندها أمر جبرئيل(علیه السّلام) لرسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أن يعطي فدكاً إلىٰ فاطمة(علیها السّلام) .
لم يكن هناك بدّ للزهراء(علیها السّلام) من أن تخرج لتقول كلمتها، التي استمرّت عبر العصور تفنّد دعاوى المحرّفين ومقالات الكاذبين ، تشهد علىٰ مدىٰ الانحراف الذي بدأ ينتاب الأمّة، ويدبّ في أوصالها ، لقد كان كلامها قرآناً، ومنطقها بياناً، واحتجاجها دليلاً وبرهاناً، لم يقوَ باطل الأدعياء أمامه، ولا خفقت أعلامه ، بل
انتكس انتكاس الشيطان عندما تخونه حجّته .
ولا تزال تلك الصرخة مدوّية، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، تتحدّىٰ التحريف والكذب، والظلم ، وتشهّر بكلّ يد غادرة ، ولسانٍ أفّاك يتّخذ من الدين شعاراً و دثاراً وما هو من الدين في شيء.
لم يكن همّها في المقام الأوّل أن ينتفض الناس ، ولا كان هدفها أن تستردّ حقّها في نحلتها فدكاً ولا ميراثها من رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )!
فالأمر مختلف تماماً عند هذه الطاهرة؛ إنّ خروجها وخطبتيها اللتين سجّلها التاريخ بأحرف من نور كانا من أجل إرضاء المولىٰ سبحانه وتعالىٰ، وامتثالاً الأوامره ونواهيه، وإقامةً للحجّة علىٰ الناس...
إذ لم تكن سيّدة النساء لتنتظر من نهضتها تلك غير نيل القربة من الله تعالىٰ ؛ نطقت وهي تريد حماية الأحكام الإسلامية من بدايات التحريف ، وتكلّمت لتذود عن مقام إلهي ، وهو مقام الإمامة، الذي داسه المنافقون والجاهلون.. ونهضت ليبقی احتجاجها أثراً يدلّ الباحثين عن الحقّ ؛ فهذه التي يرضى الله تعالىٰ لرضاها ويغضب لغضبها قد أعلنت بكلّ صراحة ووضوح لا يَدَعان مجالاً للشك أنّ الإمامة مغصوبة ، وأنّ فدكاً كذلك ، مستشهدة في معرض خطبتيها بكلام الله تعالىٰ وحديث
1) الروم (30): 38 .
رسوله ، ومحاصيل الأعمال التي قدّمها عليّ وأهل بيته(علیهم السّلام) للإسلام ولأمّة الإسلام.
كان غضبها في ذات الله تعالى، وتنمّرها في ذلك التطاول الذي بدأ يستفحل علىٰ أحكامه، وهي التي شهد عليها القريبون منها أنّها لم تغضب قط لنفسها ، كما لم يصدر ذلك أبداً عن أهل البيت(علیهم السّلام) جميعاً.
لم يحركها نقص في المتاع، ولا ذهاب حكومة ؛ لأنّها وأهل بيتها ألطاف الهية ، وأسماء ملكوتية، لا يضرّهم نقص متاع، ولا إقصاء من مقام دنيوي ، فقامهم ربّاني لا يتزحزحون عنه ، وعلوّ منزلتهم وتفرّد طينتهم لا يضاهيها شيء. صحبوا الدنيا بأبدانٍ أروحها معلقة بالمحلّ الأعلىٰ.
لقد كانت نهضة الزهراء (علیها السّلام) من أجل الأمّة أيضاً، وإشفاقاً علىٰ ضعافها من الفتنة والانحراف ، فكان احتجاجها موجّهاً إلىٰ ضمائرهم، كاشفةً زيف الدعاية الكاذبة، جالية عين الحقيقة؛ كي لا يساور ثلّة الإيمان لبس من حملة المنحرفين لتقزيم المقام الملكوتي ، ولا يرتابون في يوم من الأيام من أنّ الباطل لا يمكنه أن
يلبس جلباب الحقيقة.
لقد كان سعيها من أجل إقامة العدل .. من أجل الانتصاف للضعيف والفقير ..
كانت تريد فدكاً لهؤلاء جميعاً يعملون فيها ويأكلون منها.
لم تكن قد فكّرت يوماً أن تملك شيئاً من حُطام الدنيا وهي بين أبِ جاء محذّراً من الدنيا، وزوجٍ قد طلّقها ثلاثاً.
وكيف يمكن لهذا البيت العظيم أن يفكّر في متاع قليل وقد خرج كلام الله تعالى إلىٰ الناس من تحت سقفه ؟ !ليس المبصر كالأعمىٰ ، ولا من تتوارد عليه وفود الرحمان بالرزق والرضوان كمن قال : ساحر أو مجنون !
وهل يستوي من يقول للشيء كن فيكون، ومن تعتريه الشياطين والوساوس والظنون ؟ تعالىٰ الله وأولياؤه عن ذلك علوّاً كبيراً.
بعد أن تعرّف «أحمد» علىٰ مبادىء الدين الإسلامي قرّر اعتناق هذا الدين الحنيف وفقاً لرؤية أهل السنة والجماعة.
ولكنّه مذ ناقش مبادىء الإسلام الأصيل المتمثّل بمدرسة أتباع أهل البيت(علیهم السّلام) هوىٰ هذا المبدأ ، وبدأ بدراسته بجدّية رغم كل ما أشيع عنه في القنوات الإعلامية .
وبعد فترة من البحث والتحقيق والوصول إلى مكانة أهل البيت (علیهم السّلام) ودورهم الأساسي في الدين الإسلامي أعلن عن استبصاره وتغيير انتماءه المذهبي في إحدىٰ جامعات مدينة «تورنتو» الكندية عام 1402 ه- ( 1982م).
ويقوم المستبصر حالياً بعدة نشاطات تبليغيه بعد أن أثرىٰ رصيده المعرفي في حوزة قم المقدّسة (1).
1) زار المستبصر «مركز الأبحاث العقائدية» عندما كان في مدينة قم المقدّسة، وله عدة لقاءات مع المجلات والصحف المهتمّة بالمجال الديني.
ولد عام 1377 ه- (1958م) في «كندا» في أُسرة مسيحية .
واصل «غريغ» دراسته الأكاديمية حتىٰ دخل جامعة «ويلفرد لويبر» في منطقة «ووترلو» في ولاية «أونتاريو» بكندا.
علىٰ الصعيد العقائدي نشأ «غريغ» كاثوليكياً متديّناً، كثير النقاش مع عائلة والدته البروتوستانتية، وفي المرحلة الثانوية درس كتاباً يدعى (ديانات العالم)، وقرأ فيه عن المسيح(علیه السّلام) في الإسلام ، فشغفه هذا الموضوع ما دعاه إلىٰ أن يتباحث مع المسلمين علىٰ شبكة الانترنيت بنقاشات بنّاءة، فعرضوا عليه أدلّة من الإنجيل وأطلعوه علىٰ معجزات الإسلام والقرآن، فاستنار بنور القرآن والعترة(علیهم السّلام) بمرور الزمن.
من امتيازات القرآن وخصائصه : السعة والشمول، الذي لا يوجد في أيّ كتاب سماوي آخر ، فأحكام الشريعة الإسلامية علىٰ نوعين :
الأوّل : اعتقادية، وموضوعها القلب.
الثاني : عملية ، وموضوعها فعل الإنسان الصادر عنه بإرادته واختياره.
وهدفها - علىٰ الإجمال : إصلاح الفرد والمجتمع ، ومصدرها : الوحي والعقل.
والقرآن وحي من السماء، وقد جاء فيه تبيين جميع هذه الأمور.
فقد بيّن فيه تعالىٰ : الحلال، ك- الزينة والطيّبات، وكلّ ما فيه خير وصلاح فهو حلال، والحرام ك: الظلم والزنا، وكلّ ما فيه شرّ وفساد فهو حرام.
وبيّن فيه تعالىٰ : الفرائض الواجبات، ك: الصوم والصلاة ، والفضائل المستحبّات ، ك: البرّ والإحسان.
وبيّن تعالىٰ فيه : الناسخ والمنسوخ؛ والنسخ في الأحكام الشرعية هو عبارة عن إنشاء الحكم بصيغة الدوام والاستمرار ، وبعد العمل به مدّة من الزمان يصدر حكم آخر علىٰ عكسه، والأوّل يسمّىٰ : منسوخاً، والثاني : ناسخاً..
وهذا النسخ صوري لا واقعي ؛ لأنّ الحكم الأوّل دائم ومستمر في ظاهره، ومحدود بأمد معيّن في واقعه ، ولكن الحكمة الإلهية استدعت إظهاره بمظهر الدوام والاستمرار ، تماماً كما لو رأى الطبيب أنّ من مصلحة المريض الامتناع عن أكل اللحم أسبوعاً واحداً، وأيضاً رأىٰ من مصلحته أن لا يعلمه بتحديد الوقت ، فنهاه عن اللحم من غير قيد علىٰ هذا الأساس، وبعد مضي الأسبوع أذن له أن يأكل اللحم ..
فقد أنزل الله تعالىٰ: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةٌ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (1).
هذه الآية فرضت علىٰ المسلمين أن يعطوا صدقةً إذا أرادوا مناجاة الرسول الأكرم(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ولم يعمل بها غير عليّ(علیه السّلام) ، ثمّ خفّف الله عن الأمّة فرفعها عنهم وأصبح من يريد الحديث معه (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يستطيع ذلك بدون أن يتصدّق ؛ فقال تعالىٰ: «فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ الله عَلَيْكُمْ» (2).
وفيه : الرخص والعزائم ؛ فقد بين موارد يجوز للمكلّف أن يرتكبها في حال الاضطرار ، ك: أكل الميتة وشرب النجس ؛ قال تعالىٰ: «إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرٍ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاعٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (1)
كما بَيّن العزائم التي لا يجوز ارتكابها لأي عذر أو مبررك: حرمة قتل المؤمن التي لا يسمح بها الشارع بحال؛ قال تعالىٰ: «وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِياً »(2).
وفيه : الخاص والعام؛ والخاص هو : الخطاب الذي تناول بعض الجزئيات، مثل قوله تعالىٰ: «وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ» (3).
والخطاب العام هو : الذي يشمل أفراد الموضوع بكاملها ، مثل : قوله تعالىٰ : «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتُهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِم مِن شَيْءٍ كُلُّ أَمْرِي بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ» (4).
وفيه : العبر والأمثال ؛ والعبر هي التي فيها عظة ، كما هو الحال في نقل أخبار الأمم السالفة من عاد وثمود، وما نال العصاة، مثل : قارون ، وكيف أخذهم الله جميعاً ليعتبر المؤمن بهم ويحذر من بطش الله و انتقامه ؛ قال تعالىٰ: «إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمٍ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ... فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ» (5).
فما كان لقارون جماعة يمنعونه من عذاب الله عزّ وجلّ، وذلك بخلاف ما كان يظن من أنّ الخير ودفع الشرّ عنه هو : قوّته وجماعته ، اللذان حصل عليها بعلمه ،
فلم يِقِه جمعه ، ولم تفِده قوّته من دون الله ، وظهر أنّ من منحه القوّة والجماعة هو الله سبحانه وتعالىٰ.
وقد ظهر من خلال خسف الأرض به وبداره بطلان ما كان يدّعيه من الاستغناء عن الله سبحانه ، وادّعائه بأنّ الذي يجلب إليه الخير ويدفع عنه الشرّ هو قوّته وجمعه ، وقد اكتسبها بجهده وعلمه . وقد اعترف الناس ببطلان ما كان يزعمه قارون - وهم يصدّقونه -: أنّ القوة والجمع في الدنيا بنبوغ الإنسان في علمه وجودة تدبيره لا بفضل من الله سبحانه ، وأنّ سعة الرزق وضيقه بمشية من الله.
وأمّا أمثاله تعالىٰ فقد ضربها ترغيباً وتحذيراً، كما في قوله تعالىٰ:«مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةٌ حَبَّةٍ والله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ» (1).
وكقوله تعالىٰ : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمْ الذَّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ والمطلوب » (2).
فلو فرض أنّ الأصنام التي يعبدونها شاءت أن تخلق ذبابة، وهي أضعف الحيوانات عندهم ، فإنّها لن تقدر علىٰ ذلك أبداً، وإذا سلبهم الذباب شيئاً ممّا عليهم فهم لا يستطيعون انتزاعه منه .
فهذا الأمر يمثّل حال الأصنام التي يعتقدون بها من دون الله في قدرتهم علىٰ الخلق وعلىٰ تدبير الأمر من جهة أنّهم لا يقدرون علىٰ خلق ذبابة، وعلىٰ تدبير أقلّ الأمور، وهو: استرداد ما أخذه الذباب منهم. فمن كان حاله كذلك كيف يستحقّ الدعوة والعبادة ؟!
وفيه : المطلق والمقيّد؛ فقد توضّحت الأوامر المطلقة، كما في قوله تعالى: ﴿أَحَلَّ
الله البَيع» (1): فهو مطلق من جميع القيود.
وأمّا المقيّد فهو المحدود بقيود تحدّده وتمنع إطلاقه، كما في قوله تعالىٰ: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ» (2): فإنّ الرقبة مقيّدة ب- «الإيمان».
وتجدر الإشارة إلىٰ أن الناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والمطلق والمقيّد، والمجمل والمبيّن، كلّ ذلك يدخل في مباحث علم أصول الفقه، وما كان لهذا العلم عين ولا أثر في ذلك العهد ، وعليه يكون الإمام (علیه السّلام) أوّل من أشار إلىٰ بعض أبوابه ومباحثه .
وفيه : المحكم والمتشابه؛ والمحكم :هو الذي لا يحتمل إلّا معنىٰ واحداً ظاهراً بيّناً ، كما في قوله تعالىٰ: «قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ »(3): فهو محكم في وحدانية الله تعالىٰ.
وأمّا المتشابه فهو : الذي يحتمل فيه اللفظ أكثر من معنىً ، كما في لفظ «اليد» في قوله تعالىٰ: «وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهِ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» (4)إذ أنّ اليد تُطلق ويراد بها الأصابع، وتطلق ويراد بها : من الأصابع إلىٰ الزند ، وثالثة تطلق ويراد بها : من الأصابع إلىٰ المرفق .
وفيه : المجمل والمبيّن ؛ والمجمل هو : ما لم تتّضح دلالته ، كما في القُرْء المردّد بين الطهر والحيض.
وأمّا المبيّن فهو : بيان التفاصيل ، مثل : أنّه بيّن أنّ الذنوب منها كبار ومنها صغار ، كما جاء في قوله تعالىٰ: «الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الأثم وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ المُغْفِرَةِ» (5).
واللمم : الصغائر ، والذنب الكبير هو الذي توعّد عليه سبحانه، وهدّد أصحابه بالنار ، وما عداه فصغير، وقد أعدّ الله له الغفران، وفي هذا المعنىٰ روايات عن أهل البيت(علیهم السّلام) .
وبين المقبول في أدناه، والموسّع في أقصاه ، مثل : قوله تعالىٰ: «فَكَفَّارَتُهُ» ، أي: حنث اليمين، «إطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رقبة» (1).
فأدنى أفراد هذه الكفّارة الإطعام، وأقصاها : تحرير الرقبة ، وليس من شك أنّ في قبول الأدنىٰ توسعة علىٰ العباد.
بعد أن اتّضحت لغريغ الحقائق، ومنها : أنّ القرآن الكريم هو معجزة النسبي الأعظم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) الخالدة ، وأنّه لا يوجد أيّ كتاب سماوي يحوي مثل هذه المعارف، اعتنق الإسلام و مذهب أهل البيت(علیهم السّلام) ، وبدلّ اسمه إلىٰ : (علي المهدي).
وهو الآن يعاني من مشاكل عائلية بسبب إسلامه ويحاول أن يقنع أسرته بالإسلام، وأمله بالله كبير في هدايتهم (2).
مهندس في معمل الورق في مدينة ساري في إيران.
كان ممّا دفع «مارك» إلىٰ اعتناق الدين الإسلامي والمذهب الشيعي خاصّة البحث الجامع عن هذا الدين المبين، والتوصّل إلىٰ أحقّيته.
ومن أبرز الأبحاث التي تُخضِع الأنفس لدين الإسلام وتسكنها إليه هو : الإخبار بالمغيّبات من قبل القرآن الكريم، والعترة الطاهرة(علیهم السّلام) ، فمن المعجزات التي جاء بها الإمام أميرالمؤمنين(علیه السّلام) ، والتي اعترف بها القريب والبعيد، وكان البارز منها في نهج البلاغة : إخباره بما سيقع في المستقبل من المغيّبات، وقد تواترت الأخبار علىٰ نقلها، وهي تدلّ علىٰ معجزة من المعاجز التي اختصّه الله بها ليظهر الحق ويزهق الباطل ، منها :
النص الأوّل : من كلام (علیه السّلام) عن مروان بن الحكم عندما أُخِذ أسيراً يَوْمَ الْجَمَلِ، فَاسْتَشْفَعَ الحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ(علیهما السّلام) إلى أَمِيرِالمُؤْمِنِينَ(علیه السّلام) ، فَكَلَّمَاهُ فِيهِ، فَخَلَّى سَبِيلَهُ ، فَقَالَا لَهُ : يُبَايِعُكَ يَا أَمِيرَالْمُؤْمِنِينَ ، فَقَالَ(علیه السّلام) : «أَوَ لَمْ يُبَايِعْنِي بَعْدَ قَتْلِ عُثمانَ ؟ ! لَا حَاجَةً لِي فِي بَيْعَتِهِ ، إِنَّهَا كَفَّ يَهُودِيَّةٌ ، لَوْ بَايَعَنِي بِكَفِّهِ لَغَدَرَ بِسُبْتِهِ، أَمَا إِنَّ لَهُ إِمْرَةً كَلَعْقَةِ الْكَلْبِ أَنْفَهُ، وَهُوَ أَبُو الأَكْبُشِ» (1)الأَرْبَعَةِ، وَسَتَلْقَی الأُمَّة مِنْهُ وَمِنْ وِلدِهِ يَوْمَاً
1) الكبش: واحد الكباش والأكبش. قيل: الكبش فحل الضأن في أيّ سنِّ كان، وقيل: إذا أثنى الحمل فقد صار كبشاً، وقيل: إذا أربع. وكبش القوم: رئيسهم وسيّدهم، وقيل: كبش القوم: حاميتهم، والمنظور إليه فيهم؛ أدخل الهاء في حامية للمبالغة. وكبش الكتيبة: قائدها. لسان العرب 6: 338 .
أحمَرَ»(1).
قوله(علیه السّلام) : «وَ لَمْ يُبَايِعْنِي بَعْدَ قَتْلِ عُثمانَ ؟ ! » : نعم، لقد بايع ولكنّه عاد فنكث البيعة وغدر ، ثمّ قام مع الناكثين بمحاربته(علیه السّلام) .
قوله(علیه السّلام) : «لَا حَاجَةً لي في بَيْعَتِهِ» : تصغيراً له وتقليلاً لأهمّية بيعته، وأنّها كعدمها لا تزيد قوّة ولا تعطي دعماً ، وقد بيّن(علیه السّلام) أسباب عدم الحاجة إلىٰ بيعته أيضاً بقوله: «إِنَّهَا كَفَّ يَهُودِيَّةٌ»، أي: غادرة ، لا تفي ببيعة ولا تلتزم بعهد.. والغدر من صفات اليهود علىٰ امتداد التاريخ، وفي كلّ زمان ومكان، وعلىٰ كلّ المستويات.
و في قوله : «لَوْ بَايَعَنِي بِكَفِّهِ لَغَدَرَ بِسُبيه» كناية عن أنّه سيغدر سرّاً و يكيد، ولو بموضع عورته، وما لا يجوز في عرف الناس أن يسلكوه.
ويخبر الإمام(علیه السّلام) بقوله : «أَمَا إِنَّ لَهُ إِمْرَةً كَلَعْقَةِ الْكَلْبِ أَنْفَهُ، وَهُوَ أَبُو الْأَكْبُسُ الأَرْبَعَةِ ، وَسَتَلْقَى الأُمَّة مِنْهُ وَمِنْ وِلْدِهِ يَوْمَاً أَحْمَرَ» عن أمر مجهول في زمانه صدّقه الواقع بعد ذلك، ويتضمّن أُموراً، هي:
1 - إنّ مروان سيتولّىٰ الأمور ، ولكن مدّة إمارته لقصرها وتفاهتها وقلّتها عبّر عنها ب- «لعقة الكلب أنفه» ؛ فإنّ الكلب إذا الحس أنفه فعلى العادة لا يستفيد منها شيئاً، ثم لقربه عبّر ب- «قلّة المدّة».
وقد صدق الإمام (علیه السّلام) في ما أخبر ؛ فقد حكم مروان بعد معاوية بن يزيد، وقالوا : إنّ مدّة خلافته كانت تسعة أشهر علىٰ أكثر التقادير ، وإن ذهب بعضهم إلىٰ أنّها كانت أربعة أشهر.
2 - أخبر (علیه السّلام) أنّه والد الأكبُش ، وهم الرؤساء والحكام الأربعة ، وقالوا: إنّهم
1) نهج البلاغة 1: 124، الخطبة: 73.
أولاد ابنه عبدالملك ، وهم : الوليد ، وسليمان ، ويزيد، وهشام، ولم يل الخلافة من بني أُميّة ولا من غيرهم أربعة إخوة إلّا هؤلاء.
وقال ابن أبي الحديد- بعد ذكر ما تقدّم وعدم رضاه به -: «وعندي أنّه يجوز أن يعني به : بني مروان لصلبه ، وهم : عبدالملك ، وعبد العزيز ، وبشر ، ومحمد ، وكانوا كباشاً أبطالاً أنجاداً؛ أمّا عبدالملك فقد ولي الخلافة، وأمّا بشر فولّي العراق، وأمّا محمّد فولّي الجزيرة، وأمّا عبدالعزيز فولّي مصر، وعلىٰ كلّ حال سواء كان الأوّل هو الصحيح أو الثاني ، فلعن الله مروان وأبناءه ، ووالد وما ولد؛ فإنّهم أسوأ من جاء إلىٰ الحكم وأشدّهم ضرراً علىٰ الإسلام»(1).
3- أخبر(علیه السّلام) بما سيجري على أيديهم من سفك الدماء، وما سيُصيب الأمّة منهم من بلاء وفتنة، وقتل وتشريد ، ومن رجع إلىٰ تاريخهم الأسود وقف علىٰ المخازي والمآسي ، وما نال الأمّة من البلاء والعناء.
النصّ الثاني : لمّا عزم(علیه السّلام) علىٰ حرب الخوارج ، وقيل له : إنّ القوم قد عبروا جسر النهروان (2)، قال(علیه السّلام) : «مَصَارِعُهُمْ دُونَ النُّطْفَة» (3)، وَاللهِ لاَ يُفْلِتُ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ، وَلَا يَهْلِكُ مِنْكُمْ عَشَرَةٌ » (4).
وقال ابن أبي الحديد: «هذا الخبر من الأخبار التي تكاد تكون متواترة؛ لاشتهاره ونقل الناس كافّة له، وهو من معجزاته، وأخباره المفصّلة عن الغيوب، فالأخبار المفصّلة عن الغيوب، مثل هذا الخبر ، فإنّه لا يحتمل التلبيس لتقييده بالعدد المعيّن في أصحابه، وفي الخوارج، ووقوع الأمر بعد الحرب بموجبه، من غير زيادة
ولا نقصان، وذلك أمر إلهي عرفه من جهة النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وعرفه النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) من جهة الله سبحانه ، والقوّة البشرية تقصر عن إدراك مثل هذا ، ولقد كان له من هذا الباب ما لم يكن لغيره» (1).
وقد يكون الإفلات في قوله(علیه السّلام) : «وَاللهِ لاَ يُفْلِتُ» بمعنىٰ الانفلات لازماً ، وقد يكون واقعاً ، يقال : أفلّته من الهلكة ، أي : خلَّصْته (2).
ويشير إلىٰ قوله(علیه السّلام) : «لاَ يُفْلِتُ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ وَلَا يَهْلِكُ مِنْكُمْ عَشَرَةٌ »: ما روي عن أبي مخنف من أنّ المقتول من أصحابه(علیه السّلام) السبعة ، وكان في من قُتل من أصحابه(علیه السّلام) يزيد بن نويرة الأنصاري ، وله صحبة وسابقة، وشهد له النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بالجنّة ، وكان أوّل من قتل (3).
وكان أحد الثمانية الذين هربوا من الخوارج يوم النهر عليّ بن أبي شمر التيمي ، وكان من فرسان العرب ونسّاكهم(4).
ولتوضيح الموقف نقول : إنّ الإمام(علیه السّلام) بُشِّر بأنّ الخوارج قد عبروا النهر ، لأنّ العدو إذا انسحب من المواجهة كان غزوه أسهل، والانتصار عليه أيسر ، لكنّ الإمام (علیه السّلام) بعلمه بالغيب عرف كذب الخبر، وكان كما أخبر: أنّهم سيقعون قتلىٰ قبل الفرات، والتي عبّر عنها ب«النطفة»، ويعني بالنطفة ماء النهر ، وهو أفصح كناية عن الماء ، وإن كان كثيراً جمّاً (5)، واستعملت في الماء الكثير أمّا بعلاقة المورد، أو باعتبار قياسه إلىٰ ماء البحر ، وقد قُتلوا جميعاً باستثناء ثمانية منهم، ولم يقتل من أصحاب الإمام(علیه السّلام) إلّا تسعة ، كما أخبر الإمام(علیه السّلام) (6).
وكما كان إخبار النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عن الغيوب تصديق نبوّته ، كذلك إخبار أميرالمؤمنين(علیه السّلام) عن الغيوب تصديق إمامته من الله تعالىٰ بواسطة النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، لأنّه كان
مدّعياً ذلك بالتواتر ، وكونه تصديقاً له من فطرة العقول وضرورياتها.
النصّ الثالث : تنبّوه (علیه السّلام) بتغلّب معاوية علىٰ الخلافة ، وسيطرته علىٰ الكوفة ، وأنّه سيأمر أهل الكوفة من الشيعة بسبّه ، والبراءة منه ؛ فقال: «أمّا إِنَّهُ سِيَظْهَرُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي رَجُلٌ رَحْبُ الْبُلْعُومِ(1)، مُنْدَحِقُ (2)الْبَطْنِ، يَأْكُلُ مَا يَجِدُ، وَيَطْلُبُ مَا لاَ يَجِدُ ، فَاقْتُلُوهُ، وَلَنْ تَقْتُلُوهُ، أَلَا وَإِنَّهُ سَيَأْمُرُكُمْ بِسَبِّي وَالْبَرَاءَةِ مِنِّي ، فَأَمَّا السَّبُّ فَسُبُّوني؛ فَإِنَّهُ لِي زَكَاةً، وَلَكُمْ نَجَاةٌ ، وَأَمَّا الْبَرَاءَةُ فَلَا تَتَبَّروُوا مِنِّي ؛ فَإِنِّي وَلِدْتُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، وَسَبَقْتُ إِلَى الْإِيمَانِ وَالْهِجْرَةِ» (3).
قوله(علیه السّلام) : «مُنْدَحِقُ الْبَطْنِ، يَأْكُلُ مَا يَجِدُ ، وَيَطْلُبُ مَا لاَ يَجِدُ»: قالوا: كان معاوية يأكل فيكثر . ثمّ يقول : ارفعوا ، فوالله ما شبعت ، ولكن مللت و تعبت (4).
وهذا الكلام من الإمام (علیه السّلام) يتطابق وما ورد من الأخبار عن النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في حقّ معاوية، وإنّه المراد في هذا الحديث، وهذا هو ما استظهره ابن أبي الحديد وذهب إليه (5)، وأيضاً هو الذي يساعد عليه واقع الحال وما جرى علىٰ الإمام (علیه السّلام)وشيعته من بعده ..
يخبر الإمام(علیه السّلام) أنّ معاوية سيتغلب عليهم بعده، ولم يسمّه ترفّعاً عن ذكر اسمه، وإلا فإنّ الأوصاف تنطبق عليه والحرّ تكفيه الإشارة، والكناية أبلغ من
1) الرُّحب بالضم: السعة. تقول منه : فلان رحب الصدر والرَحب، بالفتح: الواسع، تقول منه: بلد رحب وأرض رحبة، وقد رحبت بالضم ترحب رحبا ورحابة الصحاح 1: 134.
2) نهج البلاغة 1: 106، الخطبة: 57.
3) مندحق البطن: أي واسعها، كأن جوانبها قد بَعُد بعضها من بعض فإتّسعت. النهاية في غريب الحديث 2: 105.
4) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4: 55.
5) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4: 55.
التصريح، ومن صفته أنّه : رحب البلعوم ، أكول ، ذو بطن بارز منتفخ ، يأكل ما يجد ؛ ولشدّة نهمه يطلب ما لا يجد ..
وينقل الرواة : أنّ معاوية كان بهذه الصفات؛ فقد دعا عليه النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فقال :
«لا أشبع الله بطنه»(1)قال ابن خلفون عن ابن نمير أنّه وثقه (2).
وقد كان النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أمر المسلمين بقتل معاوية قبله(علیه السّلام) ، وهو ما روي عن ابن مسعود ، قال : قال النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : « إذا رأيتم معاوية يخطب علىٰ منبري فاضربوا عنقه). قال الحسن : (فما فعلوا ، ولا أفلحوا»(3).
ثمّ الغريب أنّهم لم يقتصروا علىٰ عدم امتثال أمر نبيّهم(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، بل حرّفوا كلامه وجعلوه مدحا له ؛ فنقله الخطيب البغدادي في عنوان محمّد بن إسحاق بن مهران هكذا : «إذا رأيتم معاوية يخطب علىٰ منبري فاقبلوه ، فإنّه أمين مأمون»(4)!
و في قوله(علیه السّلام) : «أَلَا وَإِنَّهُ سَيَأْمُرُكُمْ بِسَبِّي وَالْبَرَاءَةِ مِنِّي» إشارة إلىٰ ما كان يقوله معاوية في آخر خطبة الجمعة : «اللّهمّ إنّ أبا تراب ألحد في دينك ، وصدّ عن سبيلك ، فالعنه لعناً وبيلاً، وعدّبه عذاباً أليماً» وكتب بذلك إلىٰ الآفاق . فكانت هذه الكلمات يشار بها علىٰ المنابر زمناً طويلاً ، امتدّ إلىٰ خلافة عمر بن عبدالعزيز (5).
وكذلك البراءة من عليّ(علیه السّلام) ؛ فقد عُرض الرجال علىٰ السيوف فمن تبرّأ من أبي تراب عاش، ومن أبي قُتل، وقد حصدت سيوف معاوية أشراف الناس وأهل الولاء لعليّ، وهو ما روي عن قنواء بنت رشيد الهجري :
سمعت أبي يقول : قال لي عليّ حبيبي : كيف صبرك إذا أرسل إليك دعيّ بني أُميّة، فقطع يديك ورجليك ولسانك ؟
فقلت : ألست معك في الجنة ؟ ! قال : بلىٰ . قلت : ما أُبالي .
قالت : فما ذهبت الأيام حتىٰ بعث إليه عبيدالله بن زياد، فدعاه إلىٰ البراءة من عليّ ، فأبىٰ عليه ، فقال الدعيّ : اختر أي قتلة شئت . فقال : قال عليّ(علیه السّلام) : إنّك تقطع يدي ورجلي ولساني . قال : لأكذّبن أبا تراب، اقطعوا يديه ورجليه واتركوا لسانه .
قالت : فحضرت قطعه وهو يتبسّم ، فقلت : ما تجد ألماً؟ قال: لا. فلمّا أخرجناه من القصر وحوله زحمة من الناس، فقال لهم رشيد : اكتبوا عنّي علم البلايا والمنايا . فكتبوا: هذا ما عهد النبيّ الأمّي إلىٰ عليّ في بني أميّة وما ينزل بهم .
فأخبر الدعيّ بذلك ، فقال : اقطعوا لسانه . فأتوه بحجّام فقطعوا لسانه . فكان رشيد يقول للرجل : تموت يوم كذا ، وللآخر : تقتل يوم كذا. فيكون كما قال(1).
وتمكّن معاوية بن أبي سفيان من أن يجلس بالكوفة للبيعة، ويبايعه الناس علىٰ البراءة من علي بن أبي طالب (2).
قوله(علیه السّلام): «أمّا السَّبُّ فَسُبُّوني ؛ فَإِنَّهُ لي زَكَاةً، وَلَكُمْ نَجَاةٌ» : تجويزه (علیه السّلام)لسبّه عند اضطرارهم لذلك ، وإجبارهم عليه من قبل الأعداء، وقد عبّر عن فلسفة هذا الأمر بأنّه سيكون السبب في نجاتهم ، وأمّا كونه زكاة له(علیه السّلام) فلوجهين :
الأوّل : ما روي في الحديث أنّ ذكر المؤمن بسوء هو زكاة له، وذمّه بما ليس فيه زيادة في جاهه، وشرفه.
الثاني : أنّ من طبيعة الإنسان الحرص علىٰ ما منع منه ، وعليه : فإنّ السلطات لمّا منعت ذكر فضائل عليّ (علیه السّلام) والموالاة له ، وحرّضوا علىٰ سبّه ، والبراءة منه ، فكانت ردّة فعل أبناء الأمّة ازدياد حبّهم له ، وحرصهم علىٰ إظهار فضائله .
يقول الشيخ المفيد: ومن آياته(علیه السّلام) وبيّناته التي انفرد بها ممّن عداه : ظهور
مناقبه في الخاصّة والعامّة، وتسخير الجمهور لنقل فضائله وما خصّه الله به من كرائمه ، وتسليم العدوّ من ذلك بما فيه الحجّة عليه ، هذا مع كثرة المنحرفين عنه والأعداء له ، وتوفّر دواعيهم إلىٰ كتمان فضله وجحد حقّه ، وكون الدنيا في يد خصومه وانحرافها عن أوليائه، وما اتّفق لأضداده من سلطان الدنيا، وحمل الجمهور علىٰ إطفاء نوره ودحض أمره ، فخرق الله العادة بنشر فضائله، وظهور مناقبه ، وتسخير الكلّ للاعتراف بذلك والإقرار بصحّته ، واندحاض ما احتال به أعداؤه في كتمان مناقبه وجحد حقوقه ، حتىٰ تمّت الحجّة له وظهر البرهان لحقّه ..
وقد شاع الخبر واستفاض عن الشعبي أنّه كان يقول : لقد كنت أسمع خطباء بني أُميّة يسبّون أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب علىٰ منابرهم فكأنّما يُشال بضبعه إلىٰ السماء ، وكنت أسمعهم يمدحون أسلافهم علىٰ منابرهم فكأنّما يكشفون عن جيفة.
وقال الوليد بن عبدالملك لبنيه يوماً: يا بني ! عليكم بالدين ، فإنّي لم أرَ الدين بني شيئاً فهدمته الدنيا، ورأيت الدنيا قد بنت بنياناً هدمه الدين . مازلت أسمع أصحابنا وأهلنا يسبّون عليّ بن أبي طالب ويدفنون فضائله، يحملون الناس علىٰ شنآنه ، فلا يزيده ذلك من القلوب إلّا قُرباً، ويجتهدون في تقريبهم من نفوس الخلق فلا يزيدهم ذلك إلّا بعداً.
وفي ما انتهى إليه الأمر من دفن فضائل أميرالمؤمنين(علیه السّلام) والحيلولة بين العلماء ونشرها ، ما لا شبهة فيه علىٰ عاقل ، حتىٰ كان الرجل إذا أراد أن يروي عن أميرالمؤمنين رواية لم يستطع أن يضيفها إليه بذكر اسمه ونسبه، وتدعوه الضرورة إلىٰ أن يقول : حدّثني رجل من أصحاب رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، أو يقول : حدّثني رجل من قريش، ومنهم من يقول : حدّثني أبو زينب (1).
أقول : إنّ أمره(علیه السّلام) أصحابه بسبّه عند أمر الجبابرة لهم بذلك لكونه زكاة له(علیه السّلام) ونجاة لهم أمرُ إباحة لاستثنائه من الحظر ، لا أمر إيجاب، وكان يجوز لهم الاستسلام
1) الإرشاد 1: 309 .
للهلكة وتركه ، بل هو أحسن وكونه أرفع درجة.
فعن أبي جعفر الأوّل(علیه السّلام) أنّه قال : أمّا يحيىٰ بن أُمّ الطويل : فكان يظهر الفتوّة ، وكان إذا مشى في الطريق وضع الخلوق علىٰ رأسه، ويمضغ اللبان، ويطوّل ذيله، وطلبه الحجّاج ، فقال : تلعن أبا تراب ، وأمر بقطع يديه ورجليه وقتله(1).
وروي أيضاً أن عطية كان مع ابن الأشعث حينما خرج علىٰ الحجّاج ، فلمّا انهزم جيش ابن الأشعث هرب عطية إلىٰ فارس ، فكتب الحجّاج إلىٰ محمّد بن القاسم الثقفي أن : ادعُ عطية، فإن لعن عليّ بن أبي طالب، وإلا فاضربه أربعمئة سوط ، واحلق رأسه ولحيته . فدعاه ، فأقرأه كتاب الحجّاج، فأبى عطية أن يفعل، فضربه أربعمئة سوط ، وحلق رأسه ولحيته، فلمّا ولي قتيبة خراسان خرج عطية إليه ، فلم يزل بخراسان حتىٰ ولي عمر بن هبيرة العراق ، فكتب إليه عطية يسأله الإذن له في القدوم ، فأذن له، فقدم الكوفة ، فلم يزل بها إلىٰ أن توفّي سنة أحدى عشرة ومائة ، وكان ثقة إن شاء الله وله أحاديث صالحة (2).
وقال الجزري : أنّه جاء قيس بن عباد الشيباني إلىٰ زياد، فقال : إنّ امرءاً منّا من بني همام يقال له : صيفي بن فسيل ، من رؤساء أصحاب حجر ، وهو أشدّ الناس عليك ، فبعث إليه زياد فأوتي به . فقال : يا عدو الله ! ما تقول في أبي تراب ؟ فقال : لا أعرفه. فقال: ما أعرفك به! أتعرف علىّ بن أبي طالب ؟ قال : نعم . قال : فذاك أبو تراب. قال: كلا، ذاك أبو الحسن والحسين. فقال له صاحب الشرطة : يقول الأمير هو أبو تراب، وتقول لا ؟ قال : فإن كذب الأمير أكذب أنا وأشهد علىٰ باطل كما شهد . فقال له زياد وهذا أيضاً مع ذنبك، علَيّ بالعصا. فأُوتى بها ، فقال : ما تقول في عليّ ؟ قال : أحسن قول ! قال : اضربوه فضربوه حتىٰ لصق بالأرض ، ثم قال : اقلعوا عنه، ما قولك في عليّ ؟ قال : والله لو شرّ حتني بالمواسي ما قلت فيه إلّا ما
سمعتَ مني ! قال : لتلعننّه أو لأضربنّ عنقك . قال : إذاً تضربها والله قبل ذلك، فإن أبيتَ إلا أن تضربها ، رضيتُ بالله وشقيتَ أنت . قال : ادفعوا في رقبته . ثم قال : أوقروه حديداً وألقوه في السجن (1).
ثمّ مع جوازه يجب عليه التورية إن أمكنه ذلك؛ روي أنّ الإمام الحسن(علیه السّلام) قد أخذ الأمان لرجال، منهم مسمّين بأسمائهم وأسماء آبائهم، وكان فيهم صعصعة، فلمّا دخل صعصعة علىٰ معاوية، قال له : أما والله إنّي كنت لأبغض أن تدخل في أماني . قال : وأنا والله أبغض أن أسمّيك بهذا الاسم. ثمّ سلّم عليه بالخلافة ، قال : فقال معاوية : إن كنت صادقاً فاصعد المنبر فالعن عليّاً. قال : فصعد المنبر وحمدالله وأثنىٰ عليه، ثم قال : أيّها الناس! أتيتكم من عند رجل قدّم شرّه وأخّر خيره، وإنّه أمرني أن ألعن عليّاً فالعنوه لعنه الله ، فضجّ أهل المسجد ب-: آمين : فلمّا رجع إليه فأخبره بما قال ، قال : لا والله ما عنيت غيري ارجع حتىٰ تسمّيه باسمه . فرجع وصعد المنبر ، ثمّ قال : أيّها الناس إنّ أميرالمؤمنين أمرني أن ألعن عليّ بن أبي طالب، فالعنوا من لعن عليّ بن أبي طالب ، قال : فضجّوا ب: آمين ، قال : فلمّا أخبر معاوية قال : والله ما عنى غيري، أخرجوه لا يساكنني في بلد . فأخرجوه (2).
وعن الأعمش ، قال : رأيت عبدالرحمن بن أبي ليلىٰ ضربه الحجّاج وأوقفه علىٰ باب المسجد ، قال : فجعلوا يقولون : العن الكذّابين ، فجعل عبد الرحمن يقول: لعن الله الكذّابين ، ثم يسكت، ثم يقول : عليّ بن أبي طالب وعبدالله بن الزبير والمختار بن أبي عبيد . فعرفت حين سكت ثم ابتدأهم فرفعهم أنّه ليس يريدهم
(3). و فى قوله(علیه السّلام) : «وَأَمَّا الْبَرَاءَةُ فَلَا تَتَبَّرؤوا مِنِّى» إشارة إلىٰ نهيه عن التبرّي منه ، والذي برّره بقوله(علیه السّلام) : «فَإِنِّي وَلِدْتُ عَلَى الْفِطْرَةِ»، وقد أشار النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) إلىٰ هذه
الفضيلة والبركة المترتّبة علىٰ ولادته ليلة ولادته (علیه السّلام) ؛ إذ قال: «لقد ولد لنا الليلة مولود يفتح الله علينا به أبواباً كثيرة من النعمة والرحمة»(1).
وعن سليمان ، قال : قال النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «كنت أنا وعليّ نوراً بين يدي الله مطيعاً،
يسبّح الله ذلك النور ويقدّسه قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام ، فلمّا خلق الله آدم ركز ذلك النور في صلبه ، فسلم ونزل في شيء واحد حتىٰ افترقنا في صلب عبدالمطلب، فجزء أنا وجزء علي» (2).
وروي عن عبدالله بن مسعود أنّه قال : قال رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ): أنا دعوة أبي
إبراهيم.
قلنا: يا رسول الله ! وكيف صرت دعوة أبيك إبراهيم ؟
قال : أوحى الله عزّ وجلّ إلىٰ إبراهيم «إنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً » (3)فاستحف إبراهيم الفرح ، قال : يا ربّ ! ومن ذرّيّتي أئمّة مثلي ؟ فأوحى الله إليه : أن يا إبراهيم ! إنّى لا أعطيك عهداً لا أفي لك به . قال : يا ربّ! ما العهد الذي لا تفي لي به ؟ قال : لا أعطيك [عهداً] لظالم من ذرّيتك . قال إبراهيم عندها: «وَأَجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ* رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثيراً مِنَ النَّاسِ »(4). قال النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : فانتهت الدعوة إليّ وإلىٰ عليّ ، لم يسجد أحد منّا لصنم قط، فاتّخذني الله نبيّاً واتّخذ عليّاً وصيّاً(5).
وقصد(علیه السّلام) بالفطرة ما عناه قوله تعالىٰ: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ الله الَّتى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ» (6): وهي : خلقهم ثم إنزالهم إلىٰ الأرض ، وأخذ ميثاق العبوديّة والاستقامة
منهم ، وأمرهم بسلوك الصراط المستقيم الذي أمرهم به أنبياؤه ، وأولياؤه ، وأراد بأنّه مولود علىٰ الفطرة أنّه لم يدنّس نفسه بشيء من الملكات الرديئة طيلة حياته، وكيف يكون ذلك وقد تولّىٰ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) تربيته ، وتزكية نفسه بالعلوم، والإخلاص من أوّل وقته إلى أن توفّي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وكان قبوله واستعداده لأنوار الله أمراً فُطرت عليه نفسه ، وجُبلت عليه طبيعته حتّىٰ لم يلحقه في ذلك أحد من الصحابة ..
وظاهر أنّ من كان بهذه الصفة من خلفاء الله ، وأوليائه كان التبرّء منه تبرّء من الله ورسوله ، فوجب الانتهاء عنه.
واصل «مارك» بحثه في رحاب العقائد حتىٰ توصّل في النهاية إلىٰ ضرورة اعتناق الإسلام ومذهب أهل البيت(علیهم السّلام) ، فأعلن عن استبصاره عند بعض علماء مدينة «مازندران» الإيرانية عام 1419 ه- (1998م) عن عمر يقارب الأربعين عاماً، وتيمناً بالنبي الأكرم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بدّل اسمه إلىٰ «محمّد» (1).
1) ذكرت استبصاره صحيفة الجمهورية الإسلامية الناطقة باللغة الفارسية في عددها الصادر في الثاني والعشرين من شهر رجب عام 1419ه-
ولد في أسرة كنديّة من الطبقة المتوسّطة ، واستبصر بعد البحث والتحقيق المكثّف، وكان لتدبّره في القرآن الكريم الأثر الأكبر في استبصاره .
وقد أجرت مجلّة «نور الإسلام» حواراً مع «موسىٰ»، الذي رأىٰ أن يتحفّظ علىٰ اسمه الأصلي لأسباب عائلية، نذكر هنا مقتطفات من هذا اللقاء.
يقول «موسىٰ» عن الأجواء الأُسرية والدينية التي كان يعيشها: «ولدت في عائلة أوروبية تنتمي إلىٰ الطبقة المتوسّطة، وحظيت بتربية عادية تخلو من أي مشاكل خاصّة ، ما عدا المشاكل المعتادة التي تواجه أي عائلة غربية .
لقد بذل والديَّ جُلّ ما في وسعهما للتأكّد من حصولي علىٰ تعليم جيد، وعلىٰ كلّ ما كان يحصل عليه الأولاد في مثل سني من فرص الترفيه والتنزّه والنشاط الرياضي.
كان الدين من الموضوعات التي نادراً ما تُناقش في عائلتي ، وكان ذلك يقتصر علىٰ مناسبات الزواج والمعموديّة والجنازات . أمّا الإسلام، فبالرغم من تأثيره المباشر والأساسي في تاريخ الإنسانية في الماضي- كما كانت تحدّثنا والدتي الواسعة الاطّلاع والثقافة - إلّا أنّ عائلتي تنظر إليه اليوم كعائقٍ أمام التطوّر الحضاري، وكمنتقص لحقوق المرأة، وكمصدر لكلّ أعمال الإرهاب والتعصّب
والمشاكل السياسية في العالم أجمع والأسوأ من ذلك أنّه بالنسبة إليهم، دينٌ غريب دخيل.
إنّ حادثة ذات علاقة بالدين جرت في عائلتي في وقت سابق، لم تدع لي مجالاً للشك في أنّ عائلتي لن تتقبّل فكرة اعتناقي الإسلام إذا ما اطّلعت عليها، وأنّ اطّلاعهم علىٰ الأمر لن يؤدّي إلّا إلىٰ الانقسامات داخل العائلة، لذا، بالرغم من كوني مسلماً منذ سنوات عدّة، فإنّي لم أجرؤ حتىٰ الآن علىٰ إعلام عائلتي بذلك ، وقد ساعدني علىٰ هذا الأمر كوني أعيش بعيداً عنهم ، ولإبقاء حسن العلاقة معهم، فإنّي أتّصل بهم هاتفياً بشكل منتظم، كما أراسلهم في أغلب الأحيان، إلّا أنّ زيارتي لهم ستكون صعبة دون أن يكشفوا أمري، وذلك بسبب الصلاة وعادات الطعام .. الخ، وهذا أمر علَيّ أن أتحمّله بالرغم من صعوبته علّيّ .
كنت لا أزال مراهقاً عند وفاة جدّى ، وقد رحتُ حينها أحاول مناجاة الله ، فسألته أوّلاً أن يساعد جدّي ليكون مصيره الجنّة، وآمنتُ منذ ذاك الحين بالله دائماً، لكنّي لم أبدأ بالتساؤل عن احتمال ألا يكون الدين المسيحي هو الدين الحق من الله ، إلّا بعد أن وجدتني أدرّس في إحدىٰ مدارس الهند بضع سنوات».
يقول «موسىٰ»: «كان أوّل سؤال طرحته علىٰ نفسي: لِمَ أرسل الله الأنبياء لليهود وبعدهم للمسيحيين ؟ وهل أنّه حقاً ترك كلّ الهنود والأفريقيين وغيرهم من دون نبيّ خلال معظم فترات تاريخهم ؟
حصلت علىٰ جواب محدود عن هذه الأسئلة عبر عائلة المانية ، كان أفرادها من البهائيين، وقد قالوا لي : إنّ كلّ أمّة من الأمم كان لها نبيّ مرسل خاص بها، لكنّهم لم يخبروني - وأعتقد أنّهم لم يكونوا علىٰ علم بذلك - أنّ مصدر هذه المعلومات القيِّمة هو القرآن الكريم(1).
1) راجع: سورة يونس (10): 47، إبراهيم (14): 40.
كان لهذا الاكتشاف معنىٰ معقولاً ومقبولاً لدي ، فبدأتُ بالبحث في معتقدات الأديان الأخرىٰ، مع إظهار الاحترام الكبير لمعتقدات البهائيين في الوقت نفسه ، وحين سألني صديق لي مسلم ، بعد بضع سنوات، أيّ الأديان أفضّل ؟ أجبته : بأنّي أعتقد أنّ البهائيين لديهم الفكرة الأصحّ والأصوب عن الدين.
فبدا صديق المسلم مضطرباً بشدّة وهو يسألني عمّا يؤمن به هؤلاء البهائيون ؟
فأخبرته: أنّهم يؤمنون بالعديد من الأنبياء، بمن فيهم النبيّ محمّد(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) .
قال : إن كانوا يؤمنون بالنبيّ محمّد (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وبالقرآن ، فيجب أن يكونوا مسلمين. وعندما سألته عن السبب ، قال : إنّ القرآن يؤكّد أنّ النبيّ محمّداً (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) هو خاتم
الأنبياء (1).
بداية لم تعجبني علىٰ الإطلاق، فكرة أن أصبح مسلماً؛ لأنّ الإسلام كان يعكس ، حسب مفهومي السابق ، العنف والتعصّب وعدم الديمقراطية. لكنّي قررتُ، كأيّ شخص يرىٰ نفسه منفتحاً وموضوعياً ، أنّ علَيّ - علىٰ الأقل - قراءة القرآن قبل اتّخاذ أي قراراتٍ محدّدة، وعلمتُ عند قراءتي القرآن (مترجماً) أنّ المسلم لا يحقّ له الاعتداء علىٰ أحد إلّا إذا اعتدي عليه أوّلاً، وأن لا إكراه في الدين، وأنّ أفضل الرجال هم أولئك الذين يحسنون معاملة النساء، وأنّ المسلمين ، رجالاً ونساءً، عليهم تحصيل العلم والمعرفة ، وأنّ علىٰ المسلمين المكتفين مساعدة إخوانهم الفقراء المحتاجين، والعديد من الأمور الرائعة الأخرىٰ التي بدت لي مختلفة عمّا كنتُ أظن خطأ أنّه نهج الإسلام وسلوك المسلمين، وواقع حالهم أينما كانوا.
بعد تأجيل الموضوع لأطول فترة ممكنة، وبعد أن حملتُ صديق المسلم وآخرين غيره علىٰ التأكد من تفسير الآية المتعلّقة بكون النبيّ محمّد (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) هو خاتم الأنبياء ، كنت خائفاً من كوني لا أتّبع الدين والنبي اللذين أراد الله أن أتبعها. وحين
1) الأحزاب (33): 40.
أدركتُ أن محمّداً (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) هو ذلك النبيّ الخاتم ، دفعني ذلك لمواجهة نفسي والتفكّر بالأمر، ومن ثم الإقرار عن إيمان وقناعة بأنّي مسلم حقّاً، وبأنّ من الأفضل لي أن أبدأ بالاعتياد علىٰ هذه الفكرة.
مرّت بي السنتان الأوليان علىٰ اعتناقي الإسلام بصعوبة؛ نظراً لسلوك الأوروبيين من حولي وموقفهم الرافض لكلّ ما يمتّ إلىٰ الإسلام ، لكنّها كانتا رائعتين ؛ لأنّي استطعت فيهما اكتشاف هذا الدين الشامل لكلّ نواحي الحياة، الذي وهبنا إيّاه الله تعالىٰ، وفوجئت بأن المسلمين لم يكونوا فقط غير عنيفين وغير عدائيين، بل كانوا الأكثر دفئاً ومودّة، وهم يؤلّفون بلا شكّ المجتمع الأكثر ودّاً وترحيباً. وحين كانوا ينادونني ب: (أخي) ، كنتُ أشعر بأنّ الفكرة الإسلامية التي تدعو كلّ المسلمين إلىٰ عدّ أنفسهم أفراداً في عائلة واحدة، كانت تمنحني شعوراً قوياً يعجز عن استئصاله أو محوه الغرور والأنانية في العصر الحديث.
ضمن مشوار بحثه أقام «موسىٰ» علاقات ودّية مع عدد من المسلمين، ولم يكن أساس هذه الصداقات سوىٰ التعلّق بالإسلام، غير أنٰه شعر أنَّ أحد أصدقائه يتجنّب الصلاة معه ويقدّم الأعذار للامتناع عن القيام بذلك، وبعد عدّة مناقشات دارت بينها فهم «موسىٰ» من كلام صديقه أنّه من متّبعي مذهب أهل البيت(علیهم السّلام) يقول «موسىٰ» : « ... فسألته حينها عن حقيقة الشيعة ومذهبهم ؟ وعن الفرق بينهم وبين سواهم من مذاهب المسلمين، كنت قد علمت بأنَّ أمامي بضعة أسابيع إضافية، وربّما أشهر من القراءة المكثّفة، لكنّي استمعت بعناية لكلّ ما قاله ؛ لأنّي كنتُ أُحبّ هذا الأخ الصديق جداً، ولم يعجبني هذا الانقسام الجديد الذي طرأ بيننا.
منذ بدء هذا البحث الأخير، علمتُ أنّ السياسة بمنحاها القبيح قد أقحمت نفسها في ديننا، كما في سائر الأديان الأخرىٰ عبر التاريخ، فأدّت إلىٰ انقسام إخوتي في الإسلام، لكنّني لم أعلم ما إذا كان الله يريدني أن أحاول إعادة أخي إلىٰ الطريق
القويم ، أو أنّه - في الواقع - كان يريدني أنا أن أعترف مرّة أُخرىٰ بأنّي لم أصل بعدُ إلىٰ الطريق القويم.
ظننتُ في البدء أنّ الانقسام طراً بعد عهد الخلفاء [الأربعة)، كما أدركتُ أنّى لا أستطيع الوثوق بالأحاديث الشيعية لإثبات حق الشيعة وادّعاءاتهم ، كما لا أستطيع الوثوق بالأحاديث السنّية لإثبات حقّ السُنّة، فقرّرتُ البدء بقراءة الكتب ذات المصدر السنّي التي تتحدّث عن عليّ(علیه السّلام) والخلفاء الآخرين.
كان الكتاب الأوّل الذي قرأته كتاباً سُنّياً عن حياة عليّ(علیه السّلام) . وبالرغم من أنّه يذكر أيّاً من أحاديث الغدير التي تؤكّد تعيين النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عليّاً(علیه السّلام) وصيّاً بعده، إلّا أنّه ذكر أن علياً(علیه السّلام) كان من محمّد (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بمنزلة «هارون من موسىٰ». كما عرفت أنّه قبل معركة «صفّين» قال عليّ(علیه السّلام) لرسول معاوية ما معناه: «كانت لي مشكلة مع الخلفاء قبلي ، لأني كنتُ أؤمن بأنّ الخلافة من حقّي أنا». وهو تصريح كان قد أدلى به أيضاً - وفقاً لكتابِ سُنّي آخر - بعد ستّة أشهر من بدء حكم الخليفة الأوّل، وقبل ثلاثين سنة من معركة صفّين .
إنّ أي بحث في الأحاديث السُنّية لن يكون كاملاً دون إلقاء نظرة علىٰ مجموعة أحاديث البخاري. وقد ساعدني إمام المسجد في المنطقة - وهو مسلم سُنّي - عبر إرشادي إلىٰ الجزء الذي يدور حول صفات أصحاب النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، بعد أن قرأت ثلاث صفحات عن الخليفة أبي بكر ، وصفحتين عن الخليفة عمر ، وصفحة عن الخليفة عثمان ، وصفحة عن عائشة ، وكيف أنها كانت زوجة النبيّ المفضّلة وأنّها أمّ المؤمنين ، وصلتُ أخيراً إلىٰ ثلاثة أحاديث عن الإمام عليّ (علیه السّلام).
وكان هناك ملاحظة في أسفل الصفحة، مفادها أنّ علىٰ المرء أن يشكّك في أي أحاديث بشأن عليّ(علیه السّلام) .
واكتشفت لاحقاً أحاديث سُنّية أخرىٰ، وآيات من القرآن الكريم، تتحدّث عن أهل البيت(علیهم السّلام) وفضلهم ومنزلتهم ..
لكنّي أعترف بأنّي أحببتُ هذا الشخص المسمّىٰ : عليّاً(علیه السّلام) منذ أن قرأت الكتاب الأوّل عنه ؛ لقد أعجبتُ بالطريقة التي حاول بها، حتىٰ النهاية، أن يقوم بما آمن بصوابيّته، علىٰ الرغم من وقوف الأكثرية ضدّة.
أنا أعلم أنّ الذين ينتصرون في السياسة ، ليسوا هم الصلحاء غالباً، ولم أحبّ قطعاً تلك الشخصية المدعوة : معاوية ، وقد بدا لي أنّه سعىٰ وراء السلطة السياسية قبل كلّ شيء.
كذلك ، إن كان عليّ (علیه السّلام) لمدينة العلم ، فكيف يجهل إن كان غيره هو أفضل الرجال للقيام بمهمة الخلافة بعد موت النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ؟ !
بعد كلّ هذه المعلومات التي وصل اليها «موسىٰ» أدرك أنَّ عليه أن يغيّر طريقه مرّة أخرىٰ ويتّخذ من المذهب الشيعي سبيلاً لينجيه من الضلال والهلاك، وما إن أعلن استبصاره حتىٰ واجه من حوله من السُنّة بعدم قبول تلك الفكرة؛ إذ حاولوا إقناعه بأنّه مخطىء في البدء (حتّىٰ أنّ إمام المسجد أمضىٰ عشرة أسابيع وهو يتحدّث عن صفات أصحاب النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )) ولكنّهم حين رأوا تمسّكه بوجهة نظره الجديدة، وأنّه قام بالعديد من الأبحاث التي أرشدته إلىٰ هذا المذهب، وقد استدلّ عليه بالعقل والنقل السليمين ، كفّوا عن الإضرار به (1).
1) راجع: مجلة «نور الإسلام»، العددان 71 - 72. بتصرّف يسير).
ولد في كنداسنة 1970م ( 1390 ه) وأكمل دراسته الجامعية فيها.
كان السبب في استبصاره مجموعة من المعلومات التي أخذها من بعض القنوات الفضائية التي تبيّن الرؤية الشيعية للدين الإسلامي، فقام بتتبّع هذه المعلومات بالبحث والتحقيق.
وقد نشأ - كسائر من ينتمي إلىٰ مدرسة الخلفاء - علىٰ أنّه لا يوجد أي شخص له أحقّية بالخلافة من الخلفاء الثلاثة ، لكن تبيّن له أنّه يوجد مثل هذا الشخص، ألا وهو أميرالمؤمنين الإمام علي(علیه السّلام) ، ومن الملفت للنظر أن الإمام أميرالمؤمنين(علیه السّلام) نفسه قد صرّح بأحقّيته بهذا المنصب وأهليّته له في العديد من المناسبات، وفي نصوص متعددة.
قد أشار (علیه السّلام) إلىٰ هذا المعنىٰ في العديد من النصوص ومنها :
قوله(علیه السّلام) لمّا عزموا علىٰ بيعة عثمان : (لقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَحَقُّ النَّاسِ بَهَا مِنْ غَيْرِي ، وَوَاللهِ لأُسلَّمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ المُسْلِمِينَ وَلَمْ يَكُنْ فِيها جَوْرٌ إِلَّا عَلَيَّ خَاصَّةٌ ؛
التَمِاساً لأَجْر ذلِكَ وَفَضْلِهِ ، وَزُهْداً في ما تَنافَسْتُمُوهُ مِنْ زُخْرُفِهِ (1)وَزِبْرِجِهِ (2)(3).
قال ابن أبي الحديد: «نذكر في هذا الموضع ما استفاض في الروايات من مناشدته أصحاب الشورىٰ، وتعديده فضائله وخصائصه التي بان بها منهم ومن غيرهم...»
إلىٰ أن قال: «ثم قال(علیه السّلام) لهم : أنشدكم الله ! أفيكم أحد آخى رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بينه وبين نفسه حيث آخى بين بعض المسلمين وبعض، غيري ؟
فقالوا : لا .
فقال : أفيكم أحد قال له النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : (من كنت مولاه فهذا مولاه» غيري ؟
فقالوا : لا .
فقال : أفيكم أحد قال له رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «أنت منّي بمنزلة هارون من موسىٰ
إلّا أنّه لا نبي بعدي» غيري ؟
قالوا : لا .
قال : أفيكم من اؤتمن على سورة براءة وقال له النبي : «إنّه لا يؤدّي عني
إلّا أنا أو رجل منّي» غيري ؟
قالوا : لا .
قال : ألا تعلمون أن أصحاب النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فرّوا عنه في مأقط الحرب في غير مشوطن، وما فررت قط ؟!
قالوا : بلى.
قال : ألا تعلمون أنّي أوّل الناس إسلاماً ؟ ! قالوا : بلى.
قال : فأينا أقرب إلى النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) نسباً ؟ قالوا : أنت.
فقطع عبدالرحمن بن عوف كلامه وقال : يا علي! قد أبي الناس إلّا على عثمان، فلا تجعل علىٰ نفسك سبيلاً. ثم قال : يا أبا طلحة ! ما الذي أمرك به عمر ؟
قال : أن أقتل من شقّ عصا الجماعة.
فقال عبدالرحمن لعليّ : بايع إذاً ، وإلّا كنت متبعاً غير سبيل المؤمنين ، وأنفذنا فيك ما أُمرنا به.
فقال(علیه السّلام) : «لقد علمتم أنّي أحقّ بها من غيري، والله لأسلّمنّ ما سلمت ...»،
ثم مدّ يده فبايع»(1).
وفي موضع آخر نقل عن الشعبي واجتمع أهل الشورىٰ علىٰ أن تكون كلمتهم واحدة علىٰ من لم يبايع ، فقاموا إلىٰ عليّ ، فقالوا : قم فبايع عثمان . قال : فإن لم أفعل . قالوا : نجاهدك . قال : فمشىٰ إلىٰ عثمان حتىٰ بايعه، وهو يقول: صدق الله ورسوله . فلمّا بايع أتاه عبدالرحمن بن عوف، فاعتذر إليه ، وقال : إنّ عثمان أعطانا يده ويمينه ، ولم تفعل أنت ، فأحببت أن أتولّق للمسلمين ، فجعلتها فيه ، فقال : ايهاً عنك ! إنّما آثرته بها لتنالها بعده ، دقّ الله بينكما عطر منشم (2).
ويشير الإمام(علیه السّلام) بقوله : (لقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِي).. إلىٰ علمهم باستحقاقه للخلافة، وجمعه للفضائل الداخليّة والخارجيّة، والضمير في «بها» للخلافة ، حيث أقروّابمقاماته، ومقالات النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فيه من كونه كنفسه أولىٰ بهم من أنفسهم، وأنّه من النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بمنزلة هارون من موسىٰ وغير ذلك، إلّا أنّهم لم يكونوا يريدون العمل بالحقّ ، ولا فهم من هو أحقّ ، ولذا قطع ابن عوف كلامه (علیه السّلام)، وقال له : إنّ الناس .... ومراده : ابن أبي سرح، الذي نزل القرآن بكفره ، والوليد بن عقبة ،
الذي نزل القرآن بفسقه ، ونظراء هما أبوا إلّا عثمان ؛ لأنّهم نظر وا لأنفسهم في دنياهم، ولم يكن لهم شغل بالدين، وهدّده أيضاً بأمر عمر بقتله (علیه السّلام) إن أراد شقّ عصا الجماعة ، وأنّه (علیه السّلام) إن لم يقبل ذلك كان متّبعاً غير سبيل المؤمنين..
قال الشعبي : وخرج المقداد من الغد ، فلق عبدالرحمن بن عوف ، فأخذ بيده ، وقال : إن كنت أردت بما صنعت وجه الله ، فأثابك الله ثواب الدنيا والآخرة، وإن كنت إنّما أردت الدنيا فأكثر الله مالك . فقال عبدالرحمن : اسمع ، رحمك الله ، اسمع ! قال : لا أسمع والله ، وجذب يده من يده، ومضى حتىٰ دخل علىٰ علي (علیه السّلام) ، فقال : قم فقاتل حتىٰ نقاتل معك .
قال عليّ : فيمن أقاتل رحمك الله ! وأقبل عمار بن ياسر ينادي:
يا ناعي الإسلام قم فانعه*** قدمات عُرف وبدا منكر
أما والله لو أنّ لي أعواناً لقاتلتهم، والله لئن قاتلهم واحد لأكوننّ له ثانياً .
فقال عليّ : يا أبا اليقظان، والله لا أجد عليهم أعواناً، ولا أحب أن أعرّضكم لما لا تطيقون.
وبقي(علیه السّلام) في داره ، وعنده نفر من أهل بيته، وليس يدخل إليه أحد مخافة عثمان (1).
وقد جازى الله تعالىٰ عبدالرحمن بن عوف علىٰ موقفه هذا؛ فقد قلب له عثمان ظهر المجن، ومات وهو غضبان علىٰ عثمان ، وهو ما رواه ابن أبي الحديد أيضاً؛ قال: «وروي عن أبي سعيد الخدري : أنّه سئل عن مقتل عثمان : هل شهده أحد من أصحاب رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ؟
فقال : نعم ، شهده ثمانمئة .
وكيف يقال : إنّ القوم كانوا كارهين ، وهؤلاء المصريون كانوا يغدون إلىٰ كلّ
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9: 55 .
واحد منهم . ويروحون ، ويشاورونه في ما يصنعونه ! هذا عبدالرحمن بن عوف، وهو عاقد الأمر لعثمان ، وجالبه إليه ، ومصيره في يده ، يقول - علىٰ ما رواه الواقدي ، وقد ذكر له عثمان في مرضه الذي مات فيه -: عاجلوه قبل أن يتمادىٰ في ملكه . فبلغ ذلك عثمان فبعث إلىٰ بئر كان عبدالرحمن يسقي منها نعمه، فمنع منها، ووصّىٰ عبدالرحمن ألا يصلّى عليه عثمان ، فصلّىٰ عليه الزبير - أو سعد بن أبي وقّاص ، وقد كان حلف لما تتابعت أحداث عثمان ألا يكلّمه أبداً»(1).
قوله : «وَوَاللهِ لأُسَلِّمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ لِّمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلَّا عَلَيَّ خَاصَّةً) ...
أي : لأتركنّ المنافسة في هذا الأمر مهما سلمت أمور المسلمين من الفتنة. وفيه إشارة إلىٰ أنّ غرضه (علیه السّلام) من المناقشة في هذا الأمر هو : صلاح حال المسلمين، واستقامة أمورهم، وسلامتهم من الفتن، وقد كان لهم بمن سلف من الخلفاء قبله استقامة أمر وإن كانت لا تبلغ عنده كمال استقامتها لو ولي هو هذا الأمر ، فلذلك أقسم ليسلمنّ ذلك الأمر ولا ينازع فيه ، إذ لو نازع فيه لثارت الفتنة بين المسلمين وانشقّت عصا الإسلام ، وذلك ضدّ مطلوب الشارع، وإنّما يتعيّن عليه النزاع والقتال عند خوف الفتنة وقيامها .
قال ابن أبي الحديد: «هذا الكلام يدلّ علىٰ أنّه (علیه السّلام) لم يكن يذهب إلىٰ أنّ خلافة عثمان كانت تتضمّن جوراً علىٰ المسلمين والإسلام، وإنّما تتضمّن جوراً عليه خاصّة، وأنّها وقعت علىٰ جهة مخالفة الأولى لا على جهة الفساد الكلّي والبطلان الأصلي، وهذا محض مذهب أصحابنا»(2).
أقول : ما ذكره من الاستدلال غريب؛ فإنّ معنىٰ كلامه (علیه السّلام) أنّ باقي الستة الذين عيّنهم عمر لم يكن عليهم جور ؛ لأنّهم لا حقّ لهم في الخلافة ولا استحقاق،
وعمر ذكرهم بغير حقّ، وإنّما الجور عليه(علیه السّلام) خاصّة ؛ إذ غُصب حقّه.
وأمّا قوله : «لم يكن جوراً علىٰ الإسلام» فعجيب! فقد روى هو : أنّ أبا سفيان مرّ في أيام عثمان بقبر حمزة، وضربه برجله ، وقال : يا أبا عمارة ! إنّ الأمر الذي اجتلدنا عليه السيف أمس في يد غلماننا اليوم يتلاعبون به(1)، ونادى مناد لا يُدرى من هو ، فأسمع أهل المدينة ليلة بايعوا عثمان ، فقال :
يا ناعي الإسلام قم فانعه***قدمات عُرف وبدا منكر
ما لقريش لا على كعبها ***من قدّموا اليوم ومن أخّروا
إنّ عليّاً هو أولى به ***منه فولّوه ولا تنكروا
مثل عليّ من خفي حقّه ***عليهم والشمس لا تستر
وليس يُطوى علم باهر ***شام يدالله له الله له تنشر
حتىٰ يزيلوا صدع ملمومة ***والصدع في الصخرة لا يحبر
كبش قريش في وغى حربها ***صدّيقها فاروقها الأكبر
وكاشف الكرب إذا خطّه ***أعيا علىٰ واردها المصدر(2)
وأما قوله (علیه السّلام) : (مَا سَلِمَتْ أمُورُ الْمُسْلِمِينَ ) .. فمعناه : ما كانت صورة الإسلام علىٰ الظاهر محفوظة ، وإلّا فكيف كانت بيعة عثمان صحيحة، وقد أكرهوه علىٰ البيعة وأرادوا قتله ؟ !
وكيف كانت صحيحة ، وقد تضمّنت تلك المفاسد الجليلة من ركوب بني أميّة أعداء الدين رقاب الأمّة، وأخذ الخلافة بنقض العهد وسلّ السيف ؟ !
وكيف كانت صحيحة ، وجميع من بايعه من أهل الشورىٰ ، وغيرهم من المهاجرين والأنصار والتابعين اتّفق علىٰ إباحة قتله فضلاً عن وجوب خلعه ؟!
وكيف كانت صحيحة ، وكل فقرة ممّا قرّرها (علیه السّلام) عليهم قبل هذا الكلام من مناشداته الواردة في الروايات دالّة علىٰ بطلان خلافة الأوّلين فضلاً عن عثمان ؟ !
وممّا ذكرنا تظهر مغالطة ابن أبي الحديد في قوله : «فإن قلت: فهلّا سلّم إلىٰ معاوية وإلىٰ أصحاب الجمل، وأغضىٰ علىٰ اغتصاب حقّه، حفظاً للإسلام من الفتنة؟
قلت : إنّ الجور الداخل عليه من أصحاب الجمل، ومن معاوية وأهل الشام لم يكن مقصوراً عليه خاصّة . بل كان يعمّ الإسلام والمسلمين جميعاً؛ لأنّهم لم يكونوا عنده ممّن يصلح لرئاسة الأمّة، وتحمّل أعباء الخلافة» (1)
فلا فرق بين عثمان ومعاوية ؛ فهما مشتركان بالظلم والجور والفساد، إن لم يكن أكثر ، ولذا انتقضت عليه الأمور حتّىٰ أجهز عليه عمله .
وأمّا الزبير وطلحة ، فلم يكن لهما أيّ نقص عن عثمان ، بل عن أبي بكر وعمر ، سوىٰ أنّهم نالوها وهما لم ينالاها ، والكلام في الاستحقاق لا الاتفاق.
ولهذا وجدنا أنّهما عندما تسلّطا - ولو بشكل جزئي - نال المسلمون منها ومن عائشة ما مُلئت منه كتب السيرة والتاريخ من سفك الدماء والاعتداء علىٰ الأعراض والأموال.
وإذا سأل سائل عن الفرق بين يوم السقيفة وبيعة عثمان وبين موقفه (علیه السّلام) اتّجاه الناكثين والقاسطين ؟ فنقول : إنّما الفارق أنّه (علیه السّلام) يوم السقيفة ويوم الشورىٰ كان وحده- كما تقدّم من مخاطبته لعمّار في الخبر المتقدّم - في مقابل سلطنة مستقرة.
هدّدوه في الأوّل بالإحراق والقتل، وفي الثاني بضرب العنق ، كما أمرهم عمر ، ووكلّ أبا طلحة بذلك لو تخلّف متخلّف عن أمره في البيعة لمن يعيّنه ابن عوف ، وهو : عثمان، إضافة إلىٰ أنّه كان مُكلّفاً من قبل النبي الأعظم(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بعدم القيام بالسيف.
وأمّا أهل الجمل وأهل الشام فبالعكس؛ فقد كان هو(علیه السّلام) ذا سلطنة قاهرة أراد الأوّلون نكثها ، والأخيرون التخلّف عنها ، وكان (علیه السّلام) مُكلّفاً بعدم تخليتهم بعد قدرته ؛ فقال(علیه السّلام) : (أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ ، لَوْلاَ حُضُورُ الْحَاضِرِ ، وَقِيَامُ
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6: 167.
الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ ، وَمَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى العُلَماءِ أَلَّا يُقَارُوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ وَلَا سَغَبٍ مَظْلُوم ، لأَلقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبَهَا ، وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسٍ أَوَّلِها ، وَلَأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْز) (1).
وقال(علیه السّلام) أيضاً في ذلك : (وَقَدْ قَلَّبْتُ هذَا الْأَمْرَ بَطْنَهُ وَظَهْرَهُ فَمَا وَجَدْتُنِي يَسَعْنى إِلَّا قِتَاهُمْ أوِ الْجُحُودُ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدُ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ) (2)، وقد أباد(علیه السّلام) الأوّلين في يوم واحد ، وأراد استيصال الآخرين إلّا أنّ الأقدار منعت عن ذلك بامتحان الله تعالىٰ لعباده، «وسُنَّةَ الله الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّه تَبْدِيلاً» (3).
فإن قلت : ما وجه منافسته في هذا الأمر مع أنّه منصب يتعلّق بأمور الدنيا وصلاحها مع ما اشتهر منه (علیه السّلام) من الزهد فيها ، والإعراض عنها ، وذمّها ورفضها؟
فجوابه : أنّ منصب رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ليس منصباً دنيويّاً وإن كان متعلّقاً بإصلاح أحوال الدنيا لكن لا لكونها دنيا ، بل لأنّها مضمار الآخرة ومزرعتها، والغرض من إصلاحها إنّما هو نظام أحوال الخلق في معاشهم ومعادهم ، فمنافسته(علیه السّلام) في هذا الأمر علىٰ هذا الوجه من الأمور المندوب إليها إذا اعتقد أنّ غيره لا يغني غناه في القيام به فضلاً أن يقال: إنّها لا تجوز.
قوله في خطبة له(علیه السّلام) ، وهى المعروفة ب- «الشقشقية» : (أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ تَقَمَّصَها (4)فُلانٌ وَإِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّيَ مِنهَا مَحَلُّ القُطْبِ مِنَ الرَّحَى (5)
وفلان قطب بني فلان، أي: سيّدهم الذي يدور عليه أمرهم. وصاحب الجيش: قطب رحى الحرب. الصحاح 204:1.
، يَنْحَدِرُ (6)عَنِّي السَّيْلُ، وَلَايَرْقَى(1)إِلَيَّ الطَّيْرُ ، فَسَدَلْتُ (2)
غريب الحديث لابن قتيبة 1: 23 .
دُونَهَا تَوْباً ، وَطَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً (3)، وَطَفِقْتُ (4)أَرْتَنِي بيْنَ أَنْ أَصُولَ بيَدٍ جَذَاءَ (5)أَوْ أَصْبَرَ عَلَى طَخْيَة (6)عَمْيَاءَ ، يَهْرَمُ فِيهَا الكَبِيرُ ، وَيَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَكْدَحُ (7)فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَ رَبَّهُ ، فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا (8)ها إن تا عذرة إلا تكن نفعت*** فإن صاحبها قد تاه في البلد
کتاب العين 8: 141.
أَحْجَى (9)، فَصَبَرتُ وَفِي الْعَيْنِ قَذىً (10)، وَفي الحَلْقِ شَجاً (11)، أرى تُرَاثي (12)نَهباً (13)(14).1) رقى يرقى رقياً: صعد. كتاب العين 5: 211.
2) السدل : هو أن يسدل الرجل إزاره من جانبيه ولا يضم طرفيه بيديه، سمّي ذلك: سدلاً، كما قيل، لإرخاء الستر سدل، فإن ضم طرفيه بيديه لم يك سادلاً؛ لأنّه قد ضم إليه نشره.
3) طوى فلان کشحه علىٰ أمر إذا استمرّ عليه. كتاب العين 3: 57.
4) طفق: بمعنىٰ أخذ في الفعل وجعل يفعل، وهو من أفعال المقاربة. النهاية في غريب الحدیث 3: 129.
5) جَذَّاءَ: أي مقطوعة، كنّى به عن قصور أصحابه وتقاعدهم عن الغزو، فإنّ الجند للأمير كاليد. ويُروى بالحاء المهملة، النهاية في غريب الحديث 242:1.
6) الطخية: الظُلمة، تاج العروس 10: 223.
7) الكدح: عمل الإنسان من الخير والشر. ويكدح لنفسه، أي: يسعى. كتاب العين 3: 59.
8) تقول: هذي فلانة، كقولك هذه، وفي لغة: هاتا فلانه، وهي بغير هاء أحسن،كقول الشاعر:
9) أحجى، بمعنىٰ أجدر وأولى وأحقّ، من قولهم حجا بالمكان إذا أقام وثبت النهاية في غريب الحديث 1: 336.
10) القذىٰ: جمع قذاة، وهو ما يقع في العين والماء والشراب من تراب، أو تبن، أو وسخ، أو غير ذلك. النهاية في غريب الحديث 4: 30.
11) الشجو: الهمّ والحزن. ويقال: شجاه يشجوه شجواً، إذا أحزنه. وأشجاه يشجيه إشجاء، إذا أغصّه. الصحاح 6: 2389.
12) التراث: ما يخلفه الرجل لورثته، والتاء فيه بدل من الواو النهاية في غريب الحديث 1: 182 .
13) الانتهاب: أخذه من شاء. والإنهاب: إباحته لمن شاء. والنهبي: اسم لما انتهبته. والنهاب: جمع النهب. كتاب العين 4: 59.
14) نهج البلاغة 1: 13، الخطبة 3.
المعنى : قوله(علیه السّلام) : (أمَا واللهِ) ، أما : لافتتاح الكلام، و(لَقَدْ تَقَمَّصَها)، فقد شبّهها بالقميص، ويعني بذلك : الخلافة . وأنّه لبس الخلافة كما يلبس القميص، وإنّ هذا التقمّص باطل.
قوله(علیه السّلام) : (إِنَّ) ، الضمير راجع إلىٰ أبي بكر، أو ابن أبي قحافة، أو فلان، علىٰ اختلاف النسخ، والمآل واحد.
قوله(علیه السّلام) : (اليَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّيَ مِنهَا ) ، أي : من الخلافة ، بعد مشاهدته مقاماته وسماعه من النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) استخلافه . (مَحَلُّ القُطْبِ مِنَ الرَّحَى)، فإنّ أبا بكر ما كان جاهلاً، ولا ساهياً، ولا ناسياً ليعتذر ، فيُقبل عذره ، أو يُعفى عنه ، بل كان عالماً بمكانة أمير المؤمنين(علیه السّلام) ، وإنّما أقدم علىٰ غصب الخلافة عالماً عامداً.
قوله(علیه السّلام) : ( يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ ، وَلا يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيْرُ) ..
شبّه(علیه السّلام) علوه المعنوي بجبل عالٍ لا يقدر الطير من كثرة علوّه أن يصعد إليه ، ومعنىٰ كلامه (علیه السّلام) : أنّ الخلافة ممتنعة علىٰ غيري، ولا يتمكّن منها ، ولا تصلح له، أو أن معناه : علوّ مقامه ، بحيث لا يمكن لأحد أن يناله.
قوله(علیه السّلام) : (فَسَدَلْتُ دُونَها ثَوْباً ..
والكلام كناية عن إعراضه عنها ، كمن يضرب الحجاب بينه وبين من يعرض عنه.
قوله (علیه السّلام): (وَطَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً)..
كناية عنه إعراضه (علیه السّلام) عن الخلافة وتصدّي الأمر أيضاً، لأنّ النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أخبره بكيفيّة معاملة الناس له(علیه السّلام) بعده ، وهو ما روي عن ثعلبة بن يزيد الحمّاني، قال: سمعت عليّاً - صلوات الله عليه - قال : قال لي رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : إنّ الأمّة ستغدر بك بعدي، وأنت تعيش علىٰ ملّتي ، وتقتل علىٰ سُنّتي ، من أحبّك أحبّني ، ومن أبغضك أبغضني ، وإنّ هذه ستخضب من هذا .يعنى: لحيته من رأسه (1).
1) البداية والنهاية 6: 244.
قال الحاكم النيسابوري : صحيح (1).
قوله(علیه السّلام) : (وَطَفِقْتُ أَرْتَنِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدٍ جَذَّاءَ ) ..
يريد : إنّي جعلت أجيل الفكر في تدبير أمر الخلافة ، وأردّه بين طرفي نقيض : إما أن أصول علىٰ من حازها دوني، أو أن أترك.
وفي كلّ واحد من هذين القسمين خطر : أمّا القيام ، فبيد جذّاء، وهو غير جائز ؛ لما فيه من التغرير بالنفس، وتشويش نظام المسلمين من غير فائدة .. واستعار وصف: «الجذّاء» ؛ لعدم الناصر ، ووجه المشابهة : أنّ قطع اليد لمّا كان مستلزماً لعدم القدرة علىٰ التصرّف بها والصولة، وكان عدم الناصر بها والمؤيّد مستلزماً لذلك ، لا جرم حسنت الاستعارة.
وأمّا الترك، ففيه الصبر علىٰ مشاهد التباس الأمور واختلاطها، وعدم تمييز الحقّ وتجريده عن الباطل، وذلك في غاية الشدّة والبلاء أيضاً..
واستعار لذلك الالتباس لفظ : «الطخية»، وهو استعارة لفظ المحسوس للمعقول، ووجه المشابهة : أنّ الظلمة كما لا يُهتدى فيها للمطلوب، كذلك اختلاط الأمور هاهنا لا يُهتدى معها لتمييز الحقّ وكيفية السلوك إلىٰ الله.
ووصف الطخية بالمعنىٰ أيضاً علىٰ وجه الاستعارة؛ فإن الأعمىٰ لمّا لم يكن ليهتدى لمطالبه كذلك هذه الظُّلمة لا يُهتدى فيها للحقّ ولزومه.
ثمّ كنّي عن شدة ذلك الاختلاط ومقاساة الخلق بسبب عدم انتظام الأحوال، وطول مدّة ذلك بأوصاف أحدها : أنّه يهرم فيها الكبير . والثاني : أنّه يشيب فيها الصغير. والثالث: أنّ المؤمن المجتهد في لزوم الحقّ والذبّ عنه يقاسي من ذلك الاختلاط شدائد ، ويكدح فيها حتّىٰ يلقىٰ ربِّه ، وقيل : يدأب ويجتهد في الوصول إلىٰ حقّه فلا يصل حتّىٰ يموت.
1) المستدرك علىٰ الصحيحين 142:3.
قوله(علیه السّلام) : (أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَة عَمْيَاءَ ، يَهْرَمُ فِيهَا الكَبِيرُ ، وَيَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ)..
وقد قال(علیه السّلام) ذلك لوقوع التجاوزات الشنيعة ، حتىٰ أنّ بعضها لم يرضها عمر، منها : قتل خالد بن الوليد لمالك بن نويرة بتهمة الارتداد، وزناه بامرأته ليلة قتله.
فترك أبو بكر الحدّ والقود عليه (1).
قوله : (وَيَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَ رَبَّهُ)..
عرّف (علیه السّلام) (الصَّغِيرُ ) و (الكَبيرُ) ونكّر (مُؤْمِنُ) ، إمّا لإرادة التكثير بالصغير والكبير ، والتقليل بالمؤمن ؛ فإنّ المؤمن إنّما كان هو (علیه السّلام) وأصحابه ، أو أنّ المراد بالصغير والكبير : الجنس ، وبمؤمن : الشخص ؛ أي : نفسه (علیه السّلام).
قوله(علیه السّلام) : (فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا) ..
أي: هذه الأخيرة، وهي : الصبر علىٰ طخية عمياء ، يشيب فيها الصغير ، ويهرم فيها الكبير، ويكدح فيها مؤمن حتىٰ يلقى ربّه .
(أَحْجَى)، أي: أجدر وأخلق بالعقل والشرع من الأُولى، وهي الصولة بيد جذّاء ؛ لأنّه إلقاء للنفس إلى التهلكة باليد، وقد نهىٰ الله تعالىٰ عنه، ولأنّه يؤدّي إلىٰ رجوع الناس إلىٰ الكفر.
قوله(علیه السّلام) : (فَصَبَرْتُ وَفِي الْعَيْنِ قَدَيَّ، وَفِي الحَلْقِ شَجاً)..
فقد صبر(علیه السّلام) أيّام أبي بكر من في عينه قذىٰ وفي حلقه شجا ، لما يرىٰ من أمر اختلاط أُمور الشريعة، وأمثال هذه الأخبار كثيرة.
قوله(علیه السّلام) : (أرى تُرَاثي نَهْباً)..
أراد(علیه السّلام) حقّه من الإمامة وخلافة الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) الذي ورثه عنه بنصّه عليه
وإشارته إليه ، وقيل : أراد بتراثه : ما خلّفه رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لابنته ، كفدك .
1) تاريخ الطبري 504:2 .
وينبغي الإشارة هنا إلىٰ أنّ هذا التالّم البادي علىٰ كلامه(علیه السّلام) لم يكن من أجل الخلافة بما أنّها منصب دنيوي، يدلّ علىٰ ذلك: النصوص الواردة في النهج، والتي تؤكّد علىٰ زهده في هذه الدنيا ، بل العلّة تكمن في حرصه علىٰ الإسلام ، وهمّه في عدم انحراف الأمة الإسلامية في تطبيق الشريعة، وأنّ هذه الخطوة هي التي أدّت إلىٰ ما أدّت إليه من أحداث لاحقة وإلىٰ يومنا الحاضر.
اتباع الأمير(علیه السّلام) :
بعد أن اتّضح ل- «هاشم محتوىٰ الروايات التي تبيّن صحّة الرؤية الشيعية ومنها التي يؤكد فيها الإمام أميرالمؤمنين(علیه السّلام) أحقّيته بالخلافة، واستدلاله بالعقل والنقل علىٰ ذلك ، قرّر اتّباع مذهب الحقّ مذهب أهل البيت(علیهم السّلام) ، وكان ذلك في سنة 1431 ه- ( 2010م) (1).
1) المستبصر علىٰ تواصل مع موقع «مركز الأبحاث العقائدية» علىٰ شبكة الإنترنيت وله ملف خاص في المركز.
هو من مفكّري كوبا، وله نشاط في الصحافة، طالع كتباً إسلامية كثيرة ليتعرّف علىٰ أسس ومبادئ الدين الإسلامي، وقد أسفرت مطالعاته عن قناعة كاملة بهذا الدين.
ومن هذه المبادىء التي يتأثّر بها القريب والبعيد سلوك قادة المجتمع المعصومين(علیهم السّلام) في قيادة الأمّة الإسلامية ، خاصّة حين تسمح لهم الفرصة للقيام بهذا الواجب، ومن هنا فإنّ من أبرز نماذج ذلك السلوك ما قام به أميرالمؤمنين(علیه السّلام) من الإصلاحات بعد تولّيه الخلافة، ويمكن تسليط الضوء علىٰ هذه الإصلاحات من خلال المباحث التالية :
وقد أشار إليها(علیه السّلام) بقوله : (الدَّلِيلُ عِنْدِي عَزِيزٌ حَتَّى أَخُذَ الْحَقَّ لَهُ، وَالْقَوِيُّ عِنْدِي ضَعِيفٌ حَتَّى أَخَذَ الْحَقَّ مَنْهُ) (1).
الحقّ هو الميزان في نظر الإمام، وقد عاش الإمام هذا الميزان ولم يحيد عنه أو يبدّله بسواه، وقد أجراه علىٰ نفسه حتىٰ صار معه لا يفترق عنه ، كما ورد عن لسان
1) نهج البلاغة 1: 89، الخطبة: 37.
النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عندما قال له : «الحقّ مع عليّ وعلي مع الحقّ»(1)، وأراد أيضاً أن يجري بين الناس؛ فيصغر الكبير العزيز أمام هذا الحقّ، ويكبر الضعيف الحقير الذي له هذا الحقّ ..
الذليل .. الضعيف .. الذي ليس له عشيرة تحميه وتدفع عنه هو عند عليّ عزيز كبير طالما أنّ له الحقّ ، وهو يبقى كذلك حتى يأخذ له الحقّ ، وأمّا العزيز بقوّته وعشيرته وماله وسلطانه فهو الضعيف أمام الحقّ، وسيبقى هكذا حتّىٰ يأخذ منه الحقّ.
وقد روي عن محمّد بن عبيدالله أنّه قال : استأذنت سودة بنت عمارة بن الأسك الهمدانية علىٰ معاوية بن أبي سفيان ، فأذن لها ، فلمّا دخلت عليه قال : هيه يا بنت الأسك ! ألست القائلة يوم صفّين :
شمّر كفعل أبيك يا ابن عمارة***یوم الطعان وملتقىٰ الأقران
وانصر عليّاً والحسين ورهطه*** واقصد لهند وابنها بهوانِ
إنّ الإمام أخو النبيّ محمّد*** علم الهدىٰ ومنارة الإيمانِ
فَقِهِ الحتوف وسر أمام لوائه*** قُدُماً بأبيض صارمٍ وسنانٍ
قالت : أي والله، ما مثلي من رغب عن الحقّ أو اعتذر بالكذب.
قال لها : فما حملك علىٰ ذلك ؟
قالت : حبّ عليّ (علیه السّلام) واتّباع الحقّ.
قال : فوالله ما أرىٰ عليك من أثر عليّ شيئاً ؟!
قالت : أنشدك الله يا أميرالمؤمنين وإعادة ما مضىٰ ، وتذكار ما قد نسيٰ .
قال : هيهات! ما مثل مقام أخيك ينسىٰ وما لقيت من أحد ما لقيت من قومك وأخيك.
1) راجع: المعيار والموازنة: 119 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 297 .
قالت : صدق فوك، لم يكن أخي ذميم المقام ولا خفي المكان، كان والله كقول الخنساء:
وإنّ صخراً لتأتّم الهداة به *** كأنّه علم في رأسه نارُ
قال : صدقت ، لقد كان كذلك .
فقالت : مات الرأس وبتر ،الذنب وبالله أسأل أميرالمؤمنين إعفائي ممّا استعفيت منه .
قال : قد فعلت، فما حاجتك ؟
قالت : إنّك أصبحت للناس سيّداً، ولأمرهم متقلّداً، والله سائلك من أمرنا وما افترض عليك من حقّنا، ولا يزال يقدم علينا من ينوّه بعزّك ، ويبطش بسلطانك ، فيحصدنا حصد السنبل، ويدوسنا دوس البقر، ويسومنا الخسيسة ، ويسلبنا الجليلة ؛ هذا بسر بن أرطاة قدم علينا من قبلك ، فقتل رجالي وأخذ مالي، يقول لي : فوهي بما استعصم الله منه وألجأ إليه فيه ، ولولا الطاعة لكان فينا عزّ ومنعة ، فإمّا عزلته عنّا فشكرناك، وأمّا لا ، فعرفناك.
فقال معاوية : أتهدّديني بقومك ؟ لقد هممت أن أحملك علىٰ قتب أشرس، فأردّك إليه ينفذ فيك حكمه.
فأطرقت تبكي ثم تقول :
صلى الإله علىٰ جسم تضمّنه*** قبرٌ فأصبح فيه العدل مدفونا
قد حالف الحقّ لا يبغي به بدلاً*** فصار بالحق والإيمان مقرونا
قال لها : ومن ذلك ؟
قالت : عليّ بن أبي طالب (علیه السّلام).
قال : وما صنع بك حتى صار عندك كذلك ؟
قالت : قدمت عليه في رجل ولّاه صدقتنا قدم علينا من قبله ، فكان بيني
وبينه ما بين الغثّ والسمين ، فأتيت عليّاً(علیه السّلام) لأشكو إليه ما صنع بنا، فوجدته قائماً يصلّي، فلمّا نظر إليّ انفتل من صلاته، ثم قال لي برأفة وتعطّف : ألكِ حاجة ؟ فأخبرته المخبر، فبكى، ثمّ قال: اللّهم إنّك أنت الشاهد علَي وعليهم إنّي لم أمرهم بظلم خلقك ، ولا بترك حقّك . ثمّ أخرج من جيبه قطعة جلدكهيئة طرف الجواب، فكتب فيها : بسم الله الرحمن الرحيم، قد جاءتكم بيّنة من ربّكم فأوفوا الكيل والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين، بقيّة الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ .. إذا قرأت كتابي فاحتفظ بما في يديك من عملنا حتى يقدم عليك من يقبضه منك والسلام. فأخذته منه، والله ما ختمه بطين ولا خزمه بخزام، فقرأته.
فقال لها معاوية : لقد لمظكم ابن أبي طالب الجرأة علىٰ السلطان فبطياً [قبطيئاً ] (1)ما تفطمون . ثم قال : اكتبوا لها بردّ مالها ، والعدل عليها.
قالت : إليّ خاص أم لقومي عام ؟ قال : ما أنت وقومك ؟
قالت : هي والله إذاً الفحشاء واللوم ، إن لم يكن عدلاً شاملاً، وإلا فأنا كسائر قومي.
قال : اكتبوا لها ولقومها (2).
وأخذ(علیه السّلام) رجلاً من بني أسد في حدٍّ ، فاجتمع قومه ليكلّموا فيه وطلبوا إلىٰ الحسن أن يصحبهم ، فقال : ائتوه ، فهو أعلىٰ بكم عيناً. فدخلوا عليه وسألوه، فقال: لا تسألوني شيئاً أملك إلّا أعطيتكم . فخرجوا يرون أنّهم قد أنجحوا، فسألهم الحسن ، فقالوا : أتينا خير مأتي. وحكوا له قوله ، فقال : ما كنتم فاعلين إذا جلد صاحبكم ؟ فاصنعوه ، فأخرجه عليّ فحدّه، ثم قال : هذا والله لست أملكه (3).
وقد صرّح بذلك في كلام له (علیه السّلام) في ما ردّه علىٰ المسلمين من قطائع عثمان : (وَاللَّهِ لَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزُوِّجَ بِهِ النِّسَاءُ ، وَمُلِكَ بِهِ الإِمَاءُ ، لَرَدَدْتُهُ؛ فَإِنَّ فِي العَدْلِ سَعَةً ، وَمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ العَدْلُ ، فَالجَوْرُ عَلَيْهِ أَضيَقُ) (1)؛ فقد خطب الإمام (علیه السّلام) هذه الخطبة في اليوم الثاني من بيعته بالمدينة.
سلك عثمان مع أقربائه خلاف سيرته مع جميع المسلمين؛ فقد آثرهم بالفيٴ وأغدق عليهم العطاء وزاد لهم فيه ، بل فتح أمامهم أبواب الرزق من بيت مال المسلمين، وأقطعهم القطايع، وحوّل الإسلام كلّه لصالحه وصالح أسرته ، دون استحقاق ولا كفاءة، ولا قدم سابقة لهم في جهاد أو غزو ، وكان هذا الاستئثار من أهمّ الأمور التي دفعت بالمسلمين إلىٰ التخلّص منه ، وعندما تولّى الإمام(علیه السّلام) الخلافة وأضحت يده مبسوطة يستطيع أن يردّ المظالم لأهلها، ويعود بها إلىٰ أصحابها، كانت هذه الخطبة خطّة عمل، وبرنامجاً لسيرته، وإنذاراً مبكّراً برجوع الحقّ إلىٰ نصابه ؛ فلذا يقسم وهو بار في قسمه ، صادق في حلفه، يقسم أنّ هذا المال المأخوذ ظلماً لو وجده وقد تزوّج به النساء بأن جُعل مهراً لهنّ وصداقاً في زواجهنّ لاسترجع منهم، ولو اشتري به العبيد والجواري لاسترجع الحقّ منهم؛ فإنّ الزمن لا يعطي شرعية لأحد، ولا يستطيع مروره أن يقلب الأمور من كونها محرّمة إلىٰ أن تصبح محلّلة ، بل المغصوب ونماؤه لمالكه الأصيل، وليس للغاصب إلا التعب.
وعلّل ذلك بأنّ : العدل فيه سعة وراحة، وفيه إقامة النظام وعدم الفوضى والانحلال، وإذا كان العدل لا يسع بعض الناس لانحرافهم وظلمهم وأخذهم أموال الناس ظلماً وعدواناً ، فإنّ الظلم عليه أضيق بكثير ؛ لأنّ الحقّ سيؤخذ منه بالقوة، وفي ذلك قهر له وإذلال ، فيجمع بين ذهاب المال وذلّة النفس، وفي هذا تهديد لهم وإنذار بأن المظالم يجب أن ترجع إلىٰ أهلها وتعود إليهم ، وليبادر كلّ ظالم إلىٰ ردّ مظلمته إلىٰ صاحبها.
1) نهج البلاغة 46:1 ، الخطبة: 15 .
وقد كان عثمان أقطع كثيراً من بني أُميّة وغيرهم من أوليائه وأصحابه قطائع من أرض الخراج علىٰ هذه الصورة .. صلةً لرحمه ، وميلاً إلىٰ أصحابه ، عن غير عناء في الحرب ولا أثر (1).
وقد أقطع فدكاً إلىٰ مروان بن الحكم (2).
فقد كان رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يساوي بين المسلمين في عطائهم، ولكن من جاء بعده أخلّ بهذه السياسة الإلهية، وبدأ يعطي الأموال والهبات والمناصب بحسب أهوائه ومصالحه ، فلمّا رجع الحقّ لأهله بوصول الإمام أمير المؤمنين(علیه السّلام) للخلافة - بالشكل الظاهري - أرجع سُنّة رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في هذا الأمر، فجاءه البعض يعاتبونه علىٰ ذلك، فقال: (أَتَأْمُرُونِي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ (3)فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ وَاللَّهِ لَا أَطُورُ(4)بِهِ مَا سَمَرَ سَميرُ (5)وَمَا أَمَّ نَجْمُ فِي السَّمَاءِ نَجْاً ، لَوْ كَانَ الْمَالُ لِي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ ، فَكَيْفَ وَأَما المالُ مَالُ اللهِ ؟ أَلَا وَإِنَّ إِعْطَاءَ المَالِ فِي غَيْرِ حَقَّة تَبْذِيرٌ وَإِسْرَافٌ، وَهُوَ وَإِنَّمَا يَرْفَعُ صَاحِبَهُ فِي الدُّنْيَا، وَيَضَعُهُ فِي الآخِرَةِ، وَيُكْرِمُهُ فِي النَّاسِ ، وَيُهِينُهُ عِنْدَاللهِ ، وَلَمْ يَضَعَ امْرُؤٌ مَالَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ وَلَا عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ ، إِلَّا حَرَمَهُ اللهُ شُكْرَهُمْ ، وَكَانَ لِغَيْرِهِ وَدُّهُمْ، فَإِنْ زَلَّتْ بِهِ النَّعْلُ يَوْماً فَاحْتَاجَ إِلى مَعُونَتِهِمْ فَشَرُّ خَلِيل وَالأَمُ خَدِينَ (6)(7).
والتسوية في العطاء من سُنّة الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فلمّا فُضّل أهل السابقة والشرف في العطاء علىٰ غيرهم اعتاد المفضّلون بذلك إلىٰ زمانه(علیه السّلام) ، ولمّا كان سالكاً مسالك
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 269.
2) فتح الباري 6: 141.
3) الجور: نقيض العدل. وقوم جارة وجورة، أي: ظلمة. كتاب العين 6: 176.
4) لَا أَطُورُ: أي لا أقربه. الصحاح 2: 726.
5) سَمَرَ سَمِيرٌ ، أي أبدا والسمير الدهر. ويقال فيه: لا أفعله ما سمر ابنا سمير، وابناه: الليل والنهار: أي: لا أفعله ما بقى الدهر. النهاية في غريب الحديث 2: 400.
6) الخدن والخدين الصديق. الصحاح 5: 2107.
7) نهج البلاغة 2: 7، الخطبة: 126.
الرسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ومقتفياً أثر سُنّته لم يمكنه إلّا التسوية ، فطلب المفضّلون عادتهم من التفضيل عند ولايته لهذا الأمر ، فقال الكلام.
وقد أجاب من أشار عليه بالتفضيل ، وكأنّ المشير قال له : إن فضّلت هؤلاء كانوا معك بقلوبهم ونصروك. فأجابهم بذلك ؛ لأنّ الجور يعتبر عُدولاً عن سبيل الله بالتفضيل ؛ إذ إنّه خارجاً عن سُنّة الرسول .
ثمّ أقسم أنّه لا يقرب التفضيل أبداً، وأنّ المال لو كان له لكان من العدل أن يسوّي بينهم فيه ، فكيف والمال الله ولهم، ووجه ذلك : إنّ التسوية هي العدل الذي تجتمع به النفوس علىٰ النصرة، وتتألّف الهمم علىٰ مقاومة العدوّ ، دون التفضيل المستلزم لانكسار قلوب المفضولين مع كثرتهم.
ثمّ أشار(علیه السّلام) إلىٰ أنّه لو كان المال له، مع كونه بطباع البشريّة الميالة إلىٰ شخص دون شخص ، لساوىٰ بينهم ، فكيف والمال لله الذي تساوى نسبة الخلق إليه ومالهم الذي فرضه الله لهم علىٰ سواء، وهو كالاعتذار الحاسم لمادّة الطمع في التفضيل .
ثم نبّه(علیه السّلام) علىٰ قبح وضع المال في غير أهله وعلىٰ غير وجهه. وغير أهله : هم غير المفروض لهم. وغير وجهه : غير حقّه الذي يفرضه الشارع. وأشار إلىٰ وجوه المفاسد ؛ ففي غير أهله : تبذير ، وفي غير وجهه : إسراف، وهما طرفا الإفراط والتفريط من فضيلة السخاء .
وحكمه (علیه السّلام) هذا أمر يحصل بالاستقراء وربّما بلغ التجربة ، وأمّا سرّ ذلك فيكمن في أنّهم لمّا كانوا غير أهل لوضع المعروف لم يكونوا أهلاً للاعتراف به، إمّا لجهلهم وغفلتهم، أو لاعتقادهم أنّ المُسدى إليهم غير أهل لشكرهم، وأنّهم أعلىٰ مرتبة منه وأحقّ منه بالمال. وأكثر ما يكون عدم الشكر من هؤلاء لنظر كلّ منهم إلىٰ أنّ غيره من المُسدى إليه غير أهل، وأنّه هو أحقّ، فيرى نفسه دائماً مبخوس الحطّ ، من باذل المعروف ، فلا يزال متسخّطاً عاتباً عليه ذمّاً للزمان ، وحينئذ لا يتحقّق اعترافه بنعمة الباذل ، فإذا أصابه من غيره أدنى معروف أو لم يصبه بل سمع
مدح أحد وشكر الناس له ساعد علىٰ مدحه وأظهر فضله ، وقال : إنّه ممّن يضع المعروف في أهله فيكون ذلك كالمستنهض لهمّة الباذل ، أو كالمزري عليه والمغاير له ، وكنّى بزلّ النعل عن خطأه وعثاره في المصائب.
انتشر الظلم في الفترة التي سبقت عهده(علیه السّلام) ، فكان من أوّل الخطوات التي ينبغي عليه اتّخاذها هي : رفع الظلم والحيف عن المظلومين ، وأخذ حقّهم من الذين ظلموهم، وهو ما أشار إليه بقوله : (لَمْ تَكُنْ بَيْعَتُكُمْ إِيَّايَ فَلْتَةٌ ، وَلَيْسَ أَمْرِي وَأَمْرُكُمْ وَاحِداً ، إِنِّي أُرِيدُكُمْ للَّهِ وَأَنتُمْ تُرِيدُونَنِي لِأَنْفُسِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ أَعِينُونِي عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَأَيْمُ اللَّهِ لا تُصِفَنَّ الْمَظْلُومَ مِنْ ظَالِمِهِ ، وَلَا قُودَنَّ الظَّالِمِ بِخِزَامَتِهَ حَتَّى أُورِدَهُ مَنْهَلَ الْحَقِّ وَإِنْ كَانَ كَارِها) (1).
والأصل في هذا الكلام ما رواه الشيخ المفيد في كتابه (الإرشاد) (2)، وما رواه الدينوري(3).
وهذا الكلام منه (علیه السّلام) ردّ علىٰ بعض أصحابه الذين يريدون أن يستفيدوا من خلافته وينتفعوا من وجوده ، فقال لهم : (لَمْ تَكُنْ بَيْعَتُكُمْ إِيَّايَ فَلْتَةً) ، أي : في ساعة صعبة، وبدون تفكير منكم وإدراك لما أتولاه ، وما أقوم به وما هو دوري فيها وعملي، بل كنتم بكامل قواكم العقلية وإدراكاتكم ، فلذا يجب أن تتحمّلوا ما أُريد ، ولا أريد إلا الصالح العام..
وهذا الكلام منه تعريض ببيعة أبي بكر، التي تمت في ظروف غير اعتيادية اغتنمها أبو بكر لصالحه في غياب وعي المسلمين وعدم تماسكهم وعدم معرفتهم بما يخطط من بعض الناس للخلافة (4).
وإنّما قال(علیه السّلام) ذلك من جهة أنّ بيعته لم تكن محتاجة إلىٰ قطع الأعناق إليه، بل كانت الأعناق تتقطّع دونها ، فتداكّوا عليه تداكّ الإبل الهيم يوم ورودها ، قد أرسلها راعيها وخلعت مثانيها ، وأقبلوا إليه إقبال العوذ المطافيل علىٰ ولدها ، حتّىٰ كاد أن يقتل بعضهم بعضاً، وحتّىٰ شق عطفاه ووطئ الحسنان ، وكان يقبض يده فيبسطوها، ويكفّها فيجاذبوها ، بدون غرض نفساني، بل لكونه أقرب النّاس إلىٰ النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) حيّاً وميّتاً، وأعلم الناس بكتابه وسُنّته، وسوابقه التي لم يشاركه فيها أحد.
ثم أشار(علیه السّلام) إلىٰ المفارقة الصارخة بين ما يريد وما يريدون بقوله: (وَلَيْسَ أَمْرِي وَأَمْرُكُمْ وَاحِداً) ، أي : لا جامع مشترك بينه وبينهم، بل فرّقت الأهداف بينهم، فهو يريدهم الله في نياتهم وعملهم وكلّ حركات حياتهم، وأمّا هم فيريدونه لأنفسهم ، يريدونه لمصالحهم ومآربهم الشخصية، وما يعود عليهم بالفائدة، وشتّان ما بين الإرادتين !
قوله(علیه السّلام) : (إنِّي أُرِيدُكُمْ لله ) ، أي : إنّما أريد طاعتكم لإقامة دين الله ، وإقامة حدوده.
قوله(علیه السّلام) : ( وَأَنتُمْ تُرِيدُونَنِي لأَنفُسِكُمْ) ، أي : لحظوظ أنفسكم من العطاء والتقريب ، وسائر منافع الدنيا.
ثمّ لمّا وبخّهم بذلك، طلب منهم الإعانة علىٰ أنفسهم بقوله: (أَیَّهَا النَّاسُ أَعِينُونِي عَلى أَنْفُسِكُمْ) ، أي : بالطاعة له ، وامتثال أوامره.
ثم أقسم بالله يميناً صادقة أنّه سيأخذ الحقّ من الظالم للمظلوم، قهراً عنه ، ومهما كان الظالم متعالياً وصاحب قوة ، فإنّه سيذلّله بالحقّ الذي فرضه الله عليه ، ويقوده إليه حتىٰ يورده إلىٰ الحقّ والعدل، وإن كان كارهاً للحقّ ورافضاً له..
وهل تجد قائداً في التاريخ متعصباً للحقّ ، كعلى(علیه السّلام) ؟ وهل مرّت أمامك كلمات بعمق هذه الكلمات ؟ !
وهل وقع نظرك علىٰ أحرف تحمل ثورة علىٰ الظالمين مثل هذه الكلمات ؟ !
بعد أن اقتنع «نيكولاس» بهذه المعطيات دخل الإسلام ونطق الشهادتين ، ثم سمّیٰ نفسه : (علياً)، واعتنق مذهب أهل البيت(علیهم السّلام) ، لأنّه وجده أفضل السبل لتلقّي المعارف الإسلامية التي جاء بها الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) . وكان ذلك في العاصمة الكوبائية «هاوانا»(1).
1) راجع: صحيفة «الجمهورية الإسلامية» الناطقة باللغة الفارسية، بتاريخ 28 ذي القعدة 1419 ه
من مواليد «كوريا الجنوبية» ، حاصل علىٰ شهادة هندسة صناعة الطائرات، نشأ في عائلة تعتنق الديانة البوذية ، لكنّه بعد أن ازداد وعيه الديني ، وجد نفسه غير مقتنع بهذه الديانة فإنّها تهمل الجانب المادّي في كيان الإنسان رغم عنايتها بالجانب الأخلاقي، وهو ما يؤدّي إلىٰ فقدان حالة التوازن عند الإنسان.
كما أنّها تمتهن كرامة النفس وتعرّضها للاستجداء وطلب الصدقة أو (الكشكول)، وتدعو الإنسان إلىٰ الاتّكالية؛ إذ ينتقل من بيت إلىٰ آخر ليجمع قوت يومه ، وهذا ما ينشر التخلّف في ميدان الحياة.
إنّ عدم العناية كلّيّاً بالجانب المادّي عند البوذيين ليس موجوداً في الديانة الإسلامية؛ فإنّ الإسلام كما يؤكّد علىٰ الجانب الأخلاقي، فإنّه لا يهمل الجانب المعيشي وسعي المسلم لكسب قوت يومه ، ولا يمتهن كرامة الإنسان، ولا يدعو المرء إلىٰ الاتكالية ، وقد أشارت إلىٰ هذه الحقيقة حادثة ترويها لنا الكتب التاريخية
والحديثية.
فمن كلام للإمام عليّ (علیه السّلام) البصرة ، وقد دخل علىٰ العلاء بن زياد الحارثي، وهو من أصحابه، يعوده ، فلمّا رأى سعة داره قال: (مَا كُنْتَ تَصْنَعُ بِسِعَةِ هذِهِ الدارِ
في الدُّنْيَا أَمَا أَنْتَ إِلَيْهَا فِي الآخِرَةِ كُنْتَ أَحْوَجَ ؟ وَبَلَى إِنْ شِئْتَ بَلَغْتَ بِهَا الْآخِرَةَ؛ تَقْرِي (1)فِيهَا الضَّيْفَ ، وَتَصِلُ فِيهَا الرَّحِمَ ، وَتُطَّلِعُ مِنْهَا الحُقوق مَطَالِعَهَا ، فَإِذَا أَنْتَ قَدْ بَلَغْتَ بها الآخِرَةَ).
فقال له العلماء : يا أميرالمؤمنين! أشكو إليك أخي عاصم بن زياد.
قال : ( وما له ؟ )
قال : لبس العباءة وتخلى عن الدنيا.
قال : (علي به).
فلمّا جاء قال : (يَا عُدَيَّ نَفْسِهِ (2)لَقَدِ اسْتَهامَ (3)بِكَ الخَبِيتُ ، أَمَا رَحِمْتَ أَهْلَكَ وَوَلَدَكَ ؟ ! أَتَرَى الله أَحَلَّ لَكَ الطَّيِّبَاتِ وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ تَأْخُذَهَا ؟ ! أَنْتَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذلِكَ ) .
قال : يا أميرالمؤمنين! هذا أنت فى خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك .
قال : (وَيْحَكَ (4)إِنِّي لَسْتُ كَأَنْتَ : إِنَّ اللهَ فَرَضَ عَلى أَثْمَةِ الْعَدْلِ أَنْ يُقَدِّرُوا
1) القِرى: الإحسان إلىٰ الضيف قَراه يَقريه ،قِرى، قال: أقريهم وما حضرت قراها. كتاب العين 204:5 .
2) المقصود من تحقير النعوت ليس تحقير الذات المنعوت غالباً، بل تحقير ما قام بها من الوصف الذي يدلّ عليه لفظ النعت، فمعنى، ضريوب: ذو ضرب حقير، وقولهم: أسيود وأُحيمر وأُصيفر ، أي: ليست هذه الألوان فيه تامة، وكذا بزيزيز وعطيطير، أي: الصنعتان فيهما ليستا كاملتين، وربّما كانا كاملين في أشياء أُخرىٰ، وقولك: «هو مثيل عمرو»، أي: المماثلة بينهما قليلة، فعلى هذا معنى «أصيغر منك، أي: زيادته في الصغر عليك قليلة، وكذا: «أُعيلم منك»، و«أُفيضل منك» ونحوه؛ لأنّ أفعل التفضيل: ما وضع الموصوف بزيادة علىٰ غيره في المعنىٰ المشتقّ هو منه، وقد تجيء لتحقير الذات، كما في قول عليّ: «يا عُدَيّ نفسه». شرح شافية ابن الحاجب لرضي الدين الاستراباذي 1: 279.
3) ناقة هامية وبعير هام، وقد همت تهمي همياً: إذا ذهبت في الأرض علىٰ وجوهها لرعي أو غيره، وكذلك كلّ ذاهب، وسائل من ماء أو مطر. غريب الحديث لابن سلام 1: 23.
4) ويح لزيد بالرفع، (وويحاً له) بالنصب: (كلمة رحمة). تاج العروس 2: 249.
أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ النَّاسِ كَيْلاً يَتَبَيَّعَ (1)بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ) (2).
قال ابن أبي الحديد: الذي رويته عن الشيوخ ورأيته بخط ابن الخشاب : أنّ الربيع بن زياد الحارثي أصابته نشابة في جبينه، فكانت تنتقض عليه في كلّ عام، فأتاه عليّ(علیه السّلام) عائداً فقال له : كيف تجدك ؟
قال : أجدني لو كان لا يذهب ما بي إلّا بذهاب بصري لتمنّيت ذهابه .
قال : وما قيمة بصرك عندك ؟
قال : لو كانت لي الدنيا لفديته بها .
قال : لا جرم ليعطينّك الله علىٰ قدر ذلك ، إنّ الله تعالىٰ يعطي علىٰ قدر المصيبة ، وعنده تضعيف كثير .
قال الربيع : أشكو إليك عاصم بن زياد أخي.
قال : ما له ؟
قال : لبس العباء وترك الملاء وغمّ أهله وحزن ولده.
فقال(علیه السّلام) : ادعو لي عاصماً.
فلمّا أتاه عبّس في وجهه ، وقال : ويحك يا عاصم ! أترى الله أباح لك اللذّات وهو يكره ما أخذت منها ؟ لأنت أهون علىٰ الله من ذلك ، أو ما سمعته يقول: «مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ» (3)، وقال : «يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمُرْجَانُ» (4)، وقال: «وَمِن كُلِّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلَيَةٌ تَلْبَسُونَهَا» (5)؟!
أما والله ابتذال نعم الله بالفعال ، أحبّ إليه من ابتذالها بالمقال، وقد سمعتم الله
يقول: «وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّتْ» (1)، ويقول : «مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ » (2).
إن الله تعالىٰ خاطب المؤمنين بما خاطب به المرسلين فقال: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ» (3)، وقال: «يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صالحاً» (4)، وقال النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لبعض نسائه: (ما لي أراك شعثاء مرهاء سلتاء ؟).
قال عاصم : فلِمَ اقتصرت يا أميرالمؤمنين علىٰ لبس الخشن وأكل الحشب ؟
قال : إنّ الله افترض علىٰ أئمّة العدل أن يقدّروا لأنفسهم كيلا يتبيّغ بالفقير فقره.
فما قام عليّ(علیه السّلام) حتى نزع عاصم العباء ولبس ملاءة (5).
قوله(علیه السّلام) : (مَا كُنْتَ تَصْنَعُ بِسِعَةِ هذِهِ الدارِ فِي الدُّنْيَا أَمَا أَنْتَ إِلَيْهَا فِي الآخِرَةِ كُنْتَ أَحْوَجَ ؟ وَبَلَى إِنْ شِئْتَ بَلَغْتَ بِهَا الْآخِرَةَ)..
الدنيا إذا كانت مقدّمة للآخرة ممدوحة ، وإنّما كانت مذمومة إذا كانت منظورة من حيث هي .
قوله (علیه السّلام): (تَقْرِي فِيهَا الضَّيْفَ) ..
روي إنّ الله تعالىٰ أوحى إلىٰ إبراهيم(علیه السّلام) : إنّك لمّا سلمت مالك للضيفان وولدك للقربان ونفسك للنيران وقلبك للرحمن ، اتّخذناك خليلاً (6). (6).
قوله(علیه السّلام) : (وَتَصِلُ فِيهَا الرَّحِمَ)...
عن جابر ، عن أبي جعفر(علیه السّلام) ، قال : قال رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : أوصي الشاهد من أُمّتي والغائب منهم ومن في أصلاب الرجال وأرحام النساء إلىٰ يوم القيامة أن يصل الرحم وإن كانت منه علىٰ مسيرة سنة ؛ فإنّ ذلك من الدين (1).
وعن سالمة مولاة أبي عبدالله(علیه السّلام) ، قالت : كنت عند أبي عبدالله (علیه السّلام) حين حضرته الوفاة فأغمي عليه ، فلمّا أفاق قال : أعطوا الحسن بن علي بن الحسين ، وهو الأفطس ، سبعين ديناراً، وأعطوا فلاناً كذا وكذا، وفلاناً كذا وكذا.
فقلت : أتعطى رجلاً حمل عليك بالشفرة ؟
فقال : ويحكِ أما تقرئين القرآن ؟
قلت : بلی.
قال : أما سمعت قول الله عزّ وجلّ: (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ) (2)؟ نعم، يا سالمة، إنّ الله خلق الجنّة وطيّبها وطيّب ريحها ، وإنّ ريحها لتوجد من مسيرة ألفي عام، ولا يجد ريحها عاقّ ولا قاطع رحم (3).
قوله(علیه السّلام) : (وَتُطْلِعُ مِنْهَا الحُقوق مَطَالِعَهَا)..
عن عبدالرحمن بن محمد العرزمي، عن أبي عبدالله(علیه السّلام) ، قال : يقول إبليس - الله -: ما أعياني في ابن آدم فلن يعييني منه واحدة من ثلاث : أخذ مالٍ من غير حلّه ، أو منعه من حقّه ، أو وضعه في غير وجهه(4).
وعن أبي الجارود، عن أبي جعفر(علیه السّلام) ، قال : إنّ الله تبارك وتعالىٰ يبعث يوم القيامة ناساً من قبورهم مشدودة أيديهم إلىٰ أعناقهم لا يستطيعون أن يتناولوا بها
قيس أنملة ، معهم ملائكة يعيّرونهم تعييراً شديداً ، يقولون : هؤلاء الذين منعوا خيراً قليلاً من خير كثير ، هؤلاء الذين أعطاهم الله فمنعوا حقّ الله في أموالهم(1).
قوله(علیه السّلام) : (فَإِذَا أَنْتَ قَدْ بَلَغْتَ بها الآخِرَة)، وذلك لأنّه جعلها وسيلة تحصيلها.
فقال له العلاء : ( يا أميرالمؤمنين أشكو إليك أخي عاصم بن زياد)..
قال : وما له ؟
قال : لبس العباءة وتخلّىٰ عن الدنيا.
قال : علَيَّ به.
فلمّا جاء قال : ( يَا عُدَيَّ نَفْسِهِ ) : كلمة توبيخ له؛ لانحرافه عن سنن الشريعة وقواعد الحقّ وما جاء به الإسلام..
یا عدو نفسه الذي لا يدرك صوابها من خطئها، وما ينفعها ممّا يضرّها ..
وهل هناك أشدّ عداءً لشخص من نفسه إذا لم تعرف ما ينفع ممّا يضر ؟ !
ثمّ بيّن (علیه السّلام) له أنّ عمله هذا من استيلاء الشيطان عليه وتوجيهه نحو البعد عن الحقيقة ، (لَقَدِ اسْتَهَامَ بِكَ الْخَبِيتُ)، أي: الشيطان، فالشيطان هو الذي وسوس لك ورغّبك في هذا الطريق، وتركك هائماً علىٰ وجهك ؛ قال الصادق(علیه السّلام) : (ليس منّا من ترك دنياه لآخرته، ولا آخرته لدنياه) (2).
وروي عن أسباط بن سالم، قال: دخلت علىٰ أبي عبدالله (علیه السّلام) فسألنا عن عمر بن مسلم، ما فعل ؟ فقلت : صالح ، ولكنّه قد ترك التجارة.
فقال أبو عبدالله(علیه السّلام) : عمل الشيطان - ثلاثاً - أما علم أنّ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )
اشترى عيراً أتت من الشام فاستفضل فيها ما قضى دينه وقسّم في قرابته ؟ ! يقول
الله عزّ وجلّ: «رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ » (1)(2).
وروي عن أبي الأشعث العنزي ، عن أبيه ، قال : رأيت عليّ بن أبي طالب(علیه السّلام) وقد اغتسل في الفرات يوم الجمعة ثم ابتاع قميص كرابيس بثلاثة دراهم ، فصلّىٰ بالناس فيه الجمعة وما خيط جربانه (3).
قوله(علیه السّلام) : (أَمَا رَحِمْتَ أَهْلَكَ وَوَلَدَكَ ؟!) فهؤلاء لهم حقوق عليك، وأنت مدين لهؤلاء، فأهلك وأولادك يجب أن تعولهم ، وتهتمّ بأمورهم، وتربّيهم وتعتني بهم ، يجب عليك إعالتهم مادياً، وتربيتهم معنوياً، فإذا انزويت في زاوية واتّخذتها مركزاً للعبادة فأين تصبح حقوق هؤلاء؟
قوله(علیه السّلام) : (أَتَرَى اللَّهَ أَحَلَّ لَكَ الطَّيِّبَاتِ وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ تَأْخُذَهَا ؟!) : ثم إِنَّكَ تترك الطيّبات وتنهج هذا النهج في البعد عنها ، أترى أنّ الله أحلّها لك وهو يكره أن تأخذها وتتناولها ؟! وكيف يبيح الله أمراً ويحلّه ثم يكره كراهة تحريمٍ من تناوله ؟!
فهذا مفهوم خاطىء... فالله أباح الطيّبات لكي يتناولها الناس.
قوله(علیه السّلام) : (أَنْتَ أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ ذلِكَ) ، بأن يخصّك ، كالأنبياء والأئمّة (علیهم السّلام) ، بترك لذائذ الدنيا مع حلّيتها .
وأمّا عن جشوبة مأكل أميرالمؤمنين(علیه السّلام) : فقد روي عن جندب : أنّ عليّاً قُدّم إليه لحم غثّ ، فقيل له : نجعل لك فيه سمناً؟
فقال(علیه السّلام) : إنّا لا نأكل آدمَين جميعاً.
واجتمع عنده في يوم عيد أطعمة ، فقال : أجعلها بأجا ، وخلط بعضها ببعض فصارت كلمته مثلاً(4).
قوله(علیه السّلام) : (وَيْحَكَ) : كلمة توجّع عليه ورحمة وشفقة لما أصابه من سوء فهم ..
(إِنِّي لَسْتُ كَأَنْتَ إِنَّ اللهَ فَرَضَ عَلى أَتَمَّةِ الْعَدْلِ أَنْ يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ النَّاسِ ؛ كَيْلا يَتَبَيَّغَ بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ) ، بل كلّ منّا له تكليفه الخاص باعتبار موقعه الذي هو فيه ، فأنا باعتبار موقعي القيادي يتطلع نحوي جميع الناس، وفيهم الغني القوي، والفقير المدقع ،فيهم الثري، وفيهم المسكين، المجتمع بجميع طبقاته ينظر نحوي ويدقّق في كلّ تصرّفاتي ، ويعرضها أمامه بدقّة ، ومن هنا فرض الله علىٰ أئمّة العدل الذين يسوسون العباد ويرعون البلاد أن يقدّروا أنفسهم بضعفة الناس ، أي : يُنزلوا أنفسهم منزلة الفقراء والضعفاء من الناس..
يجب علىٰ الأمراء أن ينظروا إلىٰ الفقراء الذين لا يملكون الثروة والغنى، ولا يستطيعون إدراك ما يشتهون ، يجب علىٰ الأمراء أن ينظروا إلىٰ هؤلاء فيتشبّهون بهم ، وينزلون إلىٰ مستواهم، ويعيشون معيشتهم ..
كيلا يتبيّغ بالفقير فقره ، أي : لا يتحرّك فقر الفقراء فينتقموا من الحكم والبلاد، وكذلك لتهون عليهم صعوبة الحياة ومشقّاتها ؛ لأنّهم عندما يرون أعظم شخصية في الحكم ، ورأس الدولة وقيادتها ، والرجل الأوّل فيها، عندما يرون أنّ الحاكم القائد لا يميّز نفسه عنهم ، ولا يتميّز بشيء عمّا هم عليه ، تهون عليهم الدنيا فيصبروا ويرجعوا إلىٰ الله.
أمّا إذا كان في المجتمع من هو غنيّ مترف فلا يشكل بالنسبة إلىٰ غيره من أفراد الناس مشكلة ؛ لأنّه لا يعنيهم كثيراً، ولا يدخل في قائمتهم إلا من وجه بسيط، أمّا الحاكم فهو من أساس قائمتهم ، ويدخل في كلّ معادلاتهم ، فهذا الحاكم يجب أن يكون كأضعف رعيّته حتّىٰ تدوم دولته ، ولا تفسد نفوس رعيّته .
بعد أن تبيّنت ل- «باك» ميزات الإسلام وخصائصه، ومنها : أنّه لا يدعو إلىٰ
التخلّي عن الأخلاق بشكل مطلق ، ولا إلىٰ اللجوء إلىٰ الملذّات الدنيوية بشكل مطلق ، بل يحافظ علىٰ كرامة الإنسان وعزّته ، تفتّح عقله واستضاءت بصيرته بنور الإسلام، فاعتنق الدين الإسلامي الحنيف ومذهب أهل البيت(علیهم السّلام) ، ليتبع الدين الذي أنزله الباري لعباده عن طريق خاتم رسله؛ ليخرجهم من الظلمات إلىٰ النور.
وبعد مرحلة الاستبصار أكثر «باك» من نشاطه الديني فقام بترجمة كتاب «الإسلام أكمل وآخر دين إلهي» إلىٰ اللغة الكورية(1).
1) راجع: معرفة تحليلية عن الإسلام وبعض الأديان والمذاهب: 586 - 587.
ولد في كوريا الجنوبية، وهي الدولة التي شهدت في ستينيات القرن التاسع عشر الميلادي ظاهرة انتشار الدعوة الإسلامية بشكل مكثّف ؛ وذلك لأنّ الكثير من الكوريّين الذين هاجروا إلىٰ الدول الإسلامية بحثاً عن فرص العمل تأثّروا بالمسلمين فاعتنقوا الدين الإسلامي ، ثم ساهموا عند عودتهم إلىٰ بلدهم في انتشاره، وقد أسّس المسلمون الكوريون عام 1379 ه- ( 1960م) في كوريا الجنوبية جمعية باسم : (اتّحاد المسلمين الكوريّين)، وبنوا في العاصمة (سيئول) مسجداً كبيراً ، كما بنوا في المدن الأخرىٰ مساجد عديدة.
وكان «بوران» من الشخصيات المثقّفة الحاصلة علىٰ الشهادات العليا في الدراسة الأكاديمية، لكنّه رغم ذلك وجد نفسه متعطّشةً لمعرفة الرؤية الكونية الصحيحة ، فلهذا ما إن طرق سمعه نداء الإسلام لم يسمح لنفسه أن تخسر الفرصة التي توفّرت له .
من العوامل المؤثّرة في استقطاب من سمع نداء الإسلام : الخصائص التي يتمتّع بها هذا الدين الحنيف دون غيره من المدارس والأديان، ومن هذه الخصائص :
1 - تشريع الإسلام سهل في أحكامه وقوانينه وتشريعاته؛ قال تعالىٰ :
«وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَماكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّه هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ» (1).
وقد روي عن عمّار بن أبي الأحوص، عن أبي عبدالله(علیه السّلام) ، قال : إنّ الله عزّ وجلّ وضع الإيمان علىٰ سبعة أسهم ، علىٰ البرّ، والصدق ، واليقين، والرضا، والوفاء ، والعلم والحلم ، ثم قسم ذلك بين الناس ، فمن جعل فيه هذه السبعة الأسهم فهو كامل ، محتمل ، وقسم لبعض الناس السهم، ولبعض السهمين ، ولبعضٍ الثلاثة ، حتىٰ انتهوا إلىٰ السبعة، ثم قال : لا تحملوا علىٰ صاحب السهم سهمين ، ولا علىٰ صاحب السهمين ثلاثة ، فتبهضوهم ، ثم قال كذلك حتىٰ ينتهي إلىٰ السبعة (2).
2 - من قصد الإسلام وأراد معرفته أدرك مناله بأيسر وأسهل ما يكون؛ وذلك لأنّه دين يتوافق مع العقول وينسجم معها ، ولا يخالف السليم والصحيح منها، ولذا نجد خطابات القرآن تنادي بالعقل، كقوله تعالىٰ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي الْأَلْبَابِ) (3).
وقوله تعالىٰ: (قُل لاَ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ فَاتَّقُوا الله يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (4).
من هنا كان كلّ عاقل بمجرّد أن يلتفت بعقله إلىٰ هذا الدين يهتدي بهديه ويؤمن به، وقد قال رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «جئتكم بالشريعة السهلة السمحاء»(5).
3- إنّ أُصول الإسلام قويّة متينة ؛ مبنيّة علىٰ حجج وبراهين لا تهدم ولا تغلب ، فمن أراد أن يغلبه أو يهزمه فلن يفلح ولن ينتصر.
4 - من أراد الحقيقة فالإسلام يضيء له الدرب، يكشف له الظلمات ويرفع المبهمات، ويضعه أمام الهدى والنقی؛ قال تعالىٰ: «أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلأَسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِن ذِكْرِ اللَّه أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ» (1).
ولكونه نوراً لمن استضاء به، كان المنافقون في إظهارهم الإسلام وعدم التزامهم بمقتضاه كمن له نور ذهب الله به ؛ قال تعالىٰ فيهم : «مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ» (2).
5 - من وعى أحكام الإسلام وتشريعاته استطاع أن يصبح جيد الادراك ، بل يصبح في جودة الفكر والفهم في أعلىٰ الدرجات ؛ قال تعالىٰ: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ » (3).
6 - الإسلام طريق به يستطيع الإنسان أن يدرك فراسته علىٰ حقيقتها ؛ قال تعالىٰ: «لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَالله سَمِيعٌ عَلِيمٌ» (4).
وقال تعالىٰ: «قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَافِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَبْصَارِ» (5).
7- من أراد فعل الخير فالإسلام هو الكاشف لهذا الخير والدالّ عليه .
8- من أراد أن يتعظ فإنّه عندما ينظر إلىٰ ما جاء به الإسلام من العظات عندها يعتبر ويتّعظ ؛ قال تعالىٰ: «وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» (1).
9 - من توكّل علىٰ الله والتجأ إليه تصبح لديه ثقة بكل ما جاء به هذا الدين الحنيف .
فقد روي عن أبي عبدالله(علیه السّلام) ، قال : لقي الحسن بن علي(علیهما السّلام) عبدالله بن جعفر فقال: يا عبدالله ! كيف يكون المؤمن مؤمناً وهو يسخط قسمه ، ويحقّر منزلته ، والحاكم عليه الله ، وأنا الضامن لمن لم يهجس في قلبه إلا الرضا أن يدعو الله فيستجاب له (2).
10 - من فوّض أمره الله وأيقن أنّه هو الذي يدبّر شؤونه فهذا قد ارتاح من الهموم والأحزان ومن كلّ طارق يطرقه.
وقد روي في ذلك عن عبد الواحد بن المختار الأنصاري ، قال : قال أبو جعفر(علیه السّلام) : يا عبدالواحد ! ما يضرّ رجلاً - إذا كان علىٰ ذا الرأي - ما قال الناس له ولو قالوا: مجنون ، وما يضرّه ولو كان علىٰ رأس جبل يعبدالله حتىٰ يجيئه الموت(3).
11 - إنّ الإسلام هو أوضح الطرق وأسلمها إلىٰ الحق، وهو الله جلّ وعلا؛ قال تعالىٰ: «وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِياً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» (4).
12 - إنّ مداخل الإسلام وأسراره ظاهرة بيّنة واضحة.
13 - إنّ الإسلام شعاراته واضحة ظاهرة تدعو الناس إلىٰ الخير وتهديهم إلىٰ سبل السلام.
14 - إنّ الإسلام طرقه واضحة ظاهرة، بمجرد أن يلتفت إليها الإنسان يهتدي .
15 - إنّ الإسلام كخيل السباق التي مضمارها كريم، وغايتها رفيعة عالية، وحلبتها جامعة حاوية ، وسبقتها متنافس فيها ، وفرسانها أشراف.
16 - إنّ الغاية في الإسلام هي الوصول إلىٰ رضا الله ، وهل هناك أرفع منها غاية ؟ والحلبة هي مجمع الناس يوم القيامة، والنتيجة هي المسابقة والمنافسة علىٰ الجنّة، وأمّا أشراف الفرسان فهم العلماء الذين يتسابقون إلىٰ طاعة الله وإدراك ما عنده .
17 - إنّ الجنّة هي النتيجة والجائزة التي يحصل عليها المؤمنون لأعمالهم، وهي ميزان الربح والخسارة في الإسلام، فمن أدركها فاز ومن فاتته فشل وهوى.
قال تعالىٰ: «إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئاً* جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيَاً * لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلَّا سَلاَماً وَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً * تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تقياً» (1).
أسفرت نتيجة التحقيقات التي قام بها «بوران» بشأن الإسلام إلىٰ اقتناعه الكامل بأحقّية هذا الدين، فتخلّىٰ عن البوذية التي كان عليها وتوجّه إلى اعتناق الإسلام ، ثم غيّر اسمه إلىٰ «حسين» تيمّناً باسم سبط النبيّ الأكرم الإمام الحسين (علیه السّلام) (2).
ولد في كوريا الجنوبية، ودرس في المدارس الأكاديمية حتى نال شهادة الهندسة الإلكترونية ، لم يكن له انتماء لمعتقد قبل اعتناقه الإسلام ، ولم يكن لوحده في هذه الحالة بل كانت الحالة السائدة لكثير من أقرانه ، وذلك بسبب الموجة الإلحادية التي غزت كوريا الجنوبية ، ولا سيّما بعد الحرب العالمية الثانية.
إلّا أن علماء المسلمين لم يسكتوا أزاء هذه التحركات المضادّة، بل جنّدوا قواهم لإعلاء كلمة الحقّ ، لكي يتمكّنوا بذلك من هداية المجتمع الإنساني، المجتمع الذي طالما أضرّ به جور السلاطين وظلمهم، فلا يمكن لأُمّة من الأُمم أن تستمر وتعيش وتبقى متّحدة متجانسة إلا إذا توافرت فيها مجموعة من العوامل ، ومن أهمها : إقامة القسط والعدل فيها، وإحقاق الحق وإبطال الباطل، ولهذا نجد أن الإمبراطوريات والممالك العظمىٰ التي قامت علىٰ طول التاريخ ينتهي حالها بعد فترة إلىٰ التفتّت والتحلّل وتصبح دويلات ، والأمّة الإسلامية ليست بشاذة عن هذه القاعدة، فقد تأسّست فيها عدّة من الدول، وملكت فيها المشارق والمغارب، كالدولة الأموية والعباسية وكان آخرها الدولة العثمانية والتي تقسمت وأضحت دويلات صغيرة، وهذا يرجع فيها جميعاً إلىٰ عدم اتّباع السياسة التي رسمها الله ورسوله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).
ومن هنا نجد أن الإمام علي(علیه السّلام) حاول بكل ما أُوتي من قوّة أن يجعل التجربة الإسلامية نقية صافية بإحقاق الحق وإبطال الباطل وإجراء العدالة ؛ فبدونها لن يبقىٰ للكيان الإسلامي وجود وينتهي ويزول، وقد أشارت إلىٰ هذا المعنىٰ مجموعة من المواقف :
موقفه(علیه السّلام) لمّا عوتب علىٰ التسوية في العطاء فقال: (أَتَأْمُرُوني أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ(1)فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ ؟ ! وَاللَّهِ لا أَطُورُ (2)بِهِ مَا سَمَرَ سَميرٌ (3)وَمَا أَمَّ نَجْمُ فِي السَّمَاءِ نَجْماً ، لَوْ كَانَ الْمَالُ لي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ ، فَكَيْفَ وَإِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللهِ ؟ ! أَلاَ وَإِنَّ إِعْطَاءَ المَالِ فِي غَيْرِ حَقَّهَ تَبْذِيرٌ وَإِسْرَافٌ، وَهُوَ يَرْفَعُ صَاحِبَهُ فِي الدُّنْيَا، وَيَضَعُهُ فِي الآخِرَةِ، وَيُكْرِمُهُ فِي النَّاسِ ، وَيُهِينُهُ عِنْدَاللهِ ، وَلَمْ يَضَعِ امْرُؤٌ مَالَهُ فِي غَيْرِ حَقٍّهِ وَلَا عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ إِلَّا حَرَمَهُ اللَّهُ شُكْرَهُمْ، وَكَانَ لِغَيْرِهِ وَدُّهُمْ ، فَإِنْ زَلَّتْ بِهِ النَّعْلُ يَوْماً فَاحْتَاجَ إلى مَعُونَتِهِمْ فَشَرُّ خَلِيل ، وَالْأُمُ خَدِين (4)(5).
كانت سيرة الإمام (علیه السّلام) أنّه يسوّي في يسوي في العطاء بين جميع المسلمين، فهو يعطي بالتساوي الأبيض والأسود، العربي والعجمي ، المولى والعبد، المهاجر والأنصاري، وعلىٰ هذا كانت سيرة النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ومنه أخذ الإمام (علیه السّلام) هذا الحكم، ولكن لمّا تولّى عمر الخلافة فاوت فيما بين الناس في العطاء؛ فكان يقدّم المهاجر علىٰ الأنصاري،
1) الجور: نقيض العدل. وقوم جارة وجورة، أي: ظلمة. كتاب العين 6: 176.
2) لا أطور: أي: لا أقربه. الصحاح 2: 726.
3) سَمَرَ سَميرٌ: أي: أبداً. والسمير: الدهر. ويقال فيه: لا أفعله ما سمر ابنا سمير، وابناه: الليل والنهار. أي: لا أفعله ما بقي الدهر. النهاية في غريب الحديث 2: 400.
4) الخدن والخدين: الصديق. يقال: خادنت الرجل. ومنه خدن الجارية. قال الله تعالىٰ: «وَلاً مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ » . سورة النساء: 25. الصحاح 5: 2107.
5) تحف العقول: 185 .
والعربي علىٰ العجمي، وأهل السابقة علىٰ غيرهم، وعلىٰ هذا درج عثمان ، فعندما ولي الإمام(علیه السّلام الخلافة ساوى بين الناس، فعوتب علىٰ هذا التساوي الذي خالف فيه سُنّة عمر وعثمان ، فقال هذه الكلام العادل الصريح في التساوي.
«أَتَأْمُرُونى أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بالجَوْرِ»
أي : أفاوت في العطاء ليرضى عنّي المهاجرون والأنصار وأصحاب السابقة بالظلم الذي لا يجوز ، إنّه لا يجوز أن يُطلب رضا الناس بغضب الله ، ولا يجوز أن يبحث الحاكم عن موقع يثبّت به كرسيّه علىٰ حساب المسلمين ومن تولّى أمرهم، إنّ سيرة النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في الصدقات معروفة؛ إذ كان يسوّي بين الناس ويعطيهم أعطياتهم بدون تفاوت، وكذلك سار الإمام(علیه السّلام) ، وأقسم أن لا يترك التساوي في العطاء
«ما سمر سمير»، أي: مدى الدهر ، و«مَا أَمَّ نَجْمُ نَجا» أي : دائماً؛ لأنّ النجوم تدور في أفلاك بعضها.
لو كان المال لعليّ(علیه السّلام) لو ما بين الناس في العطاء، وذلك ينبع من شعوره بمساواة الناس بعضهم لبعض ، وأنّهم مسلمون تجمعهم العقيدة، فيجب أن يتساووا في العطاء، وإذا كان من تفاوت في بعض الأمور ، أو في الإيمان، فهذا يعود إلىٰ الله ، فهو الذي يثيب في الآخرة عليه، وهو الذي يحرم الثواب ، فإذا كان المال لعلي (علیه السّلام) كان لابدّ له أن ينهج هذا السبيل، فبطريق أولى أن يكون كذلك إذا كان المال للمسلمين، فإنّه يجب أن يوزّع عليهم بالتساوي ؛ لأنّه لهم، ولا يجوز إعطاء ما هو حقّ لأحدهم إلىٰ غيره فيكون ظلماً وعدواناً.
ثم بيّن(علیه السّلام) مفاسد إعطاء المال لغير مستحقّه ووضعه في غير محلّه :
1 - إنّه تبذيرٌ إن أعطي لغير أهله وغير مستحقّيه، وإسرافٌ إن أُعطي المستحقّين أكثر مما لهم ، وكلا الأمرين قبيح مذموم.
2 - إنّ إعطاء المال في غير حقّه يرفع صاحبه في الدنيا؛ إذ تثني عليه الناس،
وتطيع أمره، وتلتفّ حوله ، ولكنّ هذا المال بعينه يضعه ويذلّه وينزله دركات الجحيم في الآخرة، وفي ذلك ذلّ كبير، وكذلك هذا المال يكرمه عند الناس؛ إذ يحترمونه ويجلّونه ، ويرتفع مقامه في نظرهم ، ولكنّه عندالله مهان ذليل؛ لأنّه وضعه في غير مستحقّيه.
ثم نبّه(علیه السّلام) علىٰ خطأ وضع المال في غير محلّه ، وأنّ أثر ذلك يظهر في الدنيا ، فإنّ من يضع المال في غير أهله حرمه الله شكرهم ، فلا يعترفون له بجميل ؛ لأنّهم يدركون قبح تصرفه في أعماقهم ، ويعدلون في حبّهم إلىٰ غيره؛ إذ يرونه المؤهّل لمقامه .
فضلاً عن ذلك إذا عثر في الدنيا فاحتاج إلىٰ معونتهم تخلّوا عنه، وتنكّرواله، وكانوا من أبعد الناس وأشدّهم عليه ، إنّ تحببه لهم بالمال يقابله التخلّي عنه لو عثر أو وقع ؛ لأنّ صداقتهم له لم تكن لله وإنّما لأجل المال، وقد فارقه ففارقوه.
من كلام له(علیه السّلام) كلّم به طلحة والزبير بعد بيعته بالخلافة وقد عتبا عليه ترك مشورتهما ، والاستعانة في الأمور بها : (وأمّا ما ذكرتما من أمر الأُسوة ، فإنّ ذلك أمر لم أحكم أنا فيه ، ووجدت أنا و أنتما ما قد جاء به محمّد (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) من كتاب الله ، فلم احتج فيه إليكما ، قد فرغ من قسمه كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد .
وأمّا قولكما : جعلتنا فيه كمن ضربناه بأسيافنا ، وأفاء الله علينا، فقد سبق رجال رجالاً فلم يفضلهم رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ولم يستأثر عليهم من سبقهم ، ولم يضرهم حين استجابوا لربّهم، والله مالكم ولا لغيركم إلا ذلك ، ألهمنا الله وإياكم الصبر عليه ) (1).
1) فضائل أميرالمؤمنين (علیه السّلام)لابن عقدة الكوفي: 95.
وأمّا المساواة في العطاء فلم تكن برغبة منّي في ذلك أو هوى يدفعني في هذا الاتّجاه ، بل نحن جميعاً أنا وأنتما قد وجدنا رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قد شرّع التساوي في العطاء، ومارسه عملياً في سلوكه، وأمضى حكمه علىٰ المسلمين الموجودين ومن يأتي إلىٰ يوم القيامة ، فإذا كان رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قد أمضاه ومارسه، والله سبحانه قد فرغ من هذه القسمة العادلة، فليس لي إليكما حاجة في رأي أو تشريع يخالفه، كما أنّه ليس لكما ما يرضيكما ؛ لأنّنى لم أغضبكما حتى أُحاول استرضاء كما ، فلن أُحاول استرضاء من يغضب بدون حقّ.
من كلام له في ما ردّه علىٰ المسلمين مع قطائع عثمان : (ألا وكلّ قطيعة أقطعها عثمان أو مال أعطاه من مال الله ، فهو مردود علىٰ المسلمين في بيت مالهم ؛ فإنّ الحق قديم لا يبطله شيء ، والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة لو وجدته قد تزوّج به النساء واشترىٰ به الإماء وتفرّق في البلدان لردّدته علىٰ حاله ؛ فإنّ في الحقّ والعدل لكم سعة ، ومن ضاق به العدل فالجور به أضيق)(1).
وقد كان عثمان أقطع كثيراً من بني أمية وغيرهم من أوليائه وأصحابه قطائع من أرض الخراج علىٰ هذه الصورة، وقد أقطع فدكاً إلىٰ مروان بن الحكم(2)، ولمّا حُمل خُمس أفريقية إلىٰ المدينة اشتراه مروان بخمسمئة ألف دينار، فوضعها عثمان عنه (3).
وقد أشار الإمام (علیه السّلام) بقوله : «فإنّ في الحقّ والعدل لكم سعة» إلىٰ أن العدل يقتضي ردّ ذلك وغيره من المظالم ، فعليهم أن يدخلوا في مقتضى أوامر الله وعدله؛ فإنّ فيه سعة لهم، إذ به نظام العالم بأسره، وهو محلّ لرضا المظلوم بإيصال حقّه إليه،
ولرضا الظالم ؛ لعلمه بأنّه عند الانتزاع منه أخذ ما ليس له ، وتأكّد ذلك العلم بالوعيد الصادق، فهو وإن قام شيطانه حال انتزاع الظلامة وضاق عليه العدل فهو في محلّ الرضا، فإن لم يرضَ لضيق العدل عليه فالجور عليه أضيق في الدنيا والآخرة ؛ لأنّه ربّما انتُزعت منه قهراً وكان جوره سبباً للتضييق عليه في ذلك، ولأنّ الأوامر والنواهي الإلهيّة محيطة به سادّة عليه وجوه التصرّف الباطل، ولأنّه إذا نزل عليه عدل اعتقد أنّه قد أخذ منه ما ينبغي أخذه منه ، وإذا نزل عليه جور اعتقد أنّه أخذ منه ما لا ينبغي أخذه ، ولا شكّ في أنّ أخذ ما لا ينبغي أخذه أصعب علىٰ النفس وأضيق من أخذ ما ينبغي، وهو أمر وجدانيّ.
بعد أن اطلّع «جانغ سون» علىٰ السياسة التي انتهجها الإسلام في إدارة الأمّة والمجتمع ، والتي لا يوجد لها مثيل، لا في المعسكر الشرقي ولا الغربي ، وبعد بحث وتنقيب، أيقن بحقّانية الإسلام، وأنّه دين إلهي أوحاه الباري تعالىٰ إلىٰ نبيّه محمّد (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ليقيم العدل والإنصاف بين أبناء البشرية، فاعتنق الإسلام ومذهب أهل البيت (علیهم السّلام) وبدّل اسمه إلىٰ (محمّد) (1).
1) تَمّ ذكره ضمن المستبصرين في كتاب معرفة تحليلية عن الإسلام وبعض الأديان والمذاهب: 595.
ولد في كوريا في عائلة بوذية، واصل الدراسة الأكاديمية إلىٰ أن أنهىٰ دراسته الجامعية . كان كلّما تقدّم به السن و توسّعت معلوماته تنكشف له حقيقة الديانة البوذية التي كان يعتنقها ، ممّا جعله يبحث عن الحقيقة، فبدأ بدراسة المذاهب والأديان الوضعية والسماوية ، ومن هذه الأديان كان الدين الإسلامي، فتبحّر في
علومه ومعارفه وقارن بينه وبين غيره من الأديان ، فوجد أنّ الحقّ فيه ومعه ..
فمن المظاهر التي تلفت النظر في الإسلام، وخصوصاً ما يجري في الحروب التي تحدث بين الجيوش المتخاصمة : عدم الاعتداء علىٰ المدنيين والعزّل من الشيوخ والنساء والأطفال في حال الحرب بخلاف ما هو متبادل في الحروب التي جرت علىٰ طول التاريخ؛ إذ كان الطرف الغالب يبطش بمثل هؤلاء من الطرف الخاسر، جميعاً بدون تمييز ، ولكنّ الإسلام العظيم أكّد علىٰ أنّ هذا يُعدّ جريمة مخالفة للأخلاق والشرع، وعليه فلابدّ من أن يتمتّع الجيش الإسلامي بأخلاق عالية، وأن تكون له أخلاق تضبطه .
من أهم الأخلاقيات التي ينبغي أن يتمتّع بها المحارب الشريف صاحب المبداً والرسالة ، هي أن تكون حربه مع من يقاتله من الرجال المقاتلين، وعدم التعرّض
للأبرياء ممّن لا يحمل السلاح، كالأطفال والنساء والشيوخ، وهو ما أشار إليه الإمام أميرالمؤمنين (علیه السّلام) في وصيّته لجيشه :
(لاَ تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَبْدَؤُوكُمْ ، فَإِنَّكُمْ بِحَمْدِاللَّهِ عَلَىٰ حُجَّةٌ ، وَتَرْكُكُمْ إِيَّاهُمْ حَتَّى يَبْدَؤُوكُمْ حُجَّةٌ أُخْرَى لَكُمْ عَلَيْهِمْ ، فَإِذَا كَانَتِ الْهَزِيمَةُ(1)
لسان العرب 12: 610.
بِإِذْنِ اللَّهِ فَلَا تَقْتُلُوا مُدْبِراً ، وَلَا تُصِيبُوا مُعوراً(2)، وَلَا تُجْهَرُوا عَلَى جَرِيح ، لَا تَهِيجُوا (3)النِّسَاءَ بِأَذِيَّ، وَإِنْ شَتَمْنَ (4)أَعْرَاضَكُمْ (5)، وَسَبَبَنَ أَمَرَاءَكُمْ ، فَإِنَّهُنَّ ضَعِيفَاتُ الْقُوَى وَالأَنْفُسِ وَالْعُقُول : إِنْ كُنَّا لَنُؤْمَرُ بِالْكَفِّ عَنْهُنَّ وَإِنَّهُنَّ لَمُشْرِكَاتُ ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَتَنَاوَلُ الْمَرْأَةَ فِي الجَاهِلِيَّةِ بِالْفِهْر (6)أو الْهِرَاوَةِ (7)فَيُعَيَّرُ (8)بهَا وَعَقِبُهُ (9)مِنْ بَعْدِهِ ) (10).هذه وصيّة لمقاتليه إن حالفهم النصر أن يكونوا أهل أدب وأخلاق، خصوصاً في معركة قائمة أخذت معها الأحبّة والأعزّاء، فقد ينتقم عندها المقاتل لنفسه وينسى ربّه ، فهذه الوصية نورٌ يهدي المقاتل إلىٰ الله ، وابتدأها بهذا النهي عن البدء بقتال العدو.
1) الهزيمة في القتال الكسر والفل، هزمه يهزمه هزماً فانهزم، وهزم القوم في الحرب.
2) العوار: الرجل الجبان السريع الفرار، وجمعه عواوير كتاب العين 2: 236.
3) هاج الفحل هياجاً، واهتاج اهتياجاً: إذا ثار وهدر وهاج الدم، وهاج الشر بين القوم، وكل شيء يثور للمشقة والضرر. كتاب العين 4: 67.
4) الشتم: السب، والاسم الشتيمة. الصحاح 5: 1958.
5) عرض الرجل حَسَبه. ويقال: لا تعرض عرض فلان، أي: لا تذكره بسوء. كتاب العين 1: 274.
6) الفهر: الحجر قدر ما يكسر به جوز، أو يدقّ به شيء، وعامّة العرب تؤنثه، وتصغيره: فهيرة. كتاب العين 45:4.
7) الهراوة : العصا الضخمة، والجمع: الهراوى، بفتح الواو مثال: المطايا. الصحاح 6: 2535.
8) التعاير: التساب. لسان العرب 623:4.
9) عَقِب الرجل: ولده وولد ولده الباقون من بعده. وقولهم: لا عقب له، أي: لم يبق له ولد ذكر. كتاب العين 1: 178 .
10) نهج البلاغة 3: 14، الوصيّة: 14.
«لاَ تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَبْدَؤُوكُمْ»؛ لتتأكّد الحجّة عليهم وتقوى وتصبح حجّة أُخرىٰ، فضلاً عن الأولىٰ، والحجة الأولىٰ هي : أنّ أصحابه مع الخلافة الشرعية،و مع الخليفة الذي انعقدت له البيعة ، فالخارج عنها يُعدّ من البغاة الذين يستحقّون القتال، ويجب ردّهم إلىٰ ما اتّفقت عليه الناس.
والحجّة الثانية بعد هذه هي : ابتداؤهم لكم بالقتال، فتقوم عليهم حجّتان.
وإذا كانت الهزيمة للأعداء بإذن الله فلا تقتلوا مولّياً هارباً فارّاً بنفسه.
ولا تقتلوا أيضاً مَن وقع تحت أيديكم واستطعتم الإمساك به وامكنتكم الفرصة من أخذه.
كما نهاهم أن يُجهزوا علىٰ جريح ، أي : لا تشتدّوا عليه فتتمّوا قتله.
وهذه نظرة علويّة عميقة وإحساس بشعور الآخرين حتىٰ مع إساءتهم واعتدائهم؛ مواساةً لهم للمصاب الذي نزل بهم ، وانسجاماً مع شخصيتهم الضعيفة ..
«لاَ تَهيجوا النِّسَاءَ بِأَذيً»، أي: لا تثيروا شعورهنّ بأذىً يحصل منكم حتى وإن نلن من أعراضكم، بأن عابوكم بها ، وسبين أمراءكم؛ لأنّهنّ ضعيفات القوىٰ، أي : قدرة المرأة ضعيفة لا تستطيع مواجهة الرجل ، فلذا تنتقم منه بسلاحها الذي بين يديها، وهو : لسانها .
وأمّا كونهنّ ضعيفات الأنفس فلأنّهنّ عاطفيات يتأثرن بأبسط نظرة أوكلمة طيبة، إنّهنّ لا يملكن إلا الدمعة والبسمة ، وبها تتحوّل المرأة من خط المواجهة إلىٰ خط الموافقة ، وإذا كانت العاطفة قوية مشبوبة تعطّلت لغة العقول وتوقّف العمل بها ؛ إذ تقع تحت تأثير تلك العاطفة ، فتخضع لها وتكون ضعيفة في مواجهتها.
ثم أراد (علیه السّلام) أن يثير حفائظ جنده ليقوموا بهذا الأمر ، ويمتثلوا ما قاله لهم من عدم إثارة النساء، وذلك من خلال ذكره لحالتين :
الأولى : تذكيرهم بأنّ المرأة في الجاهلية كان لا يتعرّض لها أحد وإن سبّت
وشتمت ونالت من المقاتلين، فإذا كانت في الجاهلية تُعامل بهذا الأسلوب فلا يجوز أن تُعامل وظاهرها الإسلام بالإثارة والإزعاج.
الثانية : تذكيرهم بأمر فيه العار الذي يلاحق الرجل المتعرّض للمرأة، بحيث لو تناول أحدهم إمرأة بحجر أو عصا يعيّر هو بذلك في حياته ويعيّر به خلفه وذرّيته من بعده.
قال الجاحظ، يصف الفرق بين الإمام عليّ(علیه السّلام) وغيره من الأوّلين والآخرين، وعلىٰ طول الزمن: «ربّما رأيت بعض من يظنّ بنفسه العقل والتحصيل ، والفهم التمييز، وهو من العامة ويظنّ أنّه من الخاصّة، يزعم أنّ معاوية كان أبعد غوراً من عليّ(علیه السّلام) ، وأصحّ فكراً ، وأجود رؤية ، وأبعد غاية، وأدقّ مسلكاً، وليس الأمر كذلك، وسأرمي إليك بجملة تعرف بها موضع غلطه ، والمكان الذي دخل عليه الخطأ من قبله ..
كان عليّ (علیه السّلام) لا يستعمل في حروبه إلّا ما وافق الكتاب والسنّة ، وكان معاوية يستعمل خلاف الكتاب والسنّة ، ويستعمل جميع المكائد حلالها وحرامها، ويسير في حروبه بسيرة الهند إذا لاقىٰ كسرىٰ، وسيرة خاقان إذا لاقىٰ رتبيل، وعليّ (علیه السّلام) يقول في حروبه : «لا تبدؤوهم بالقتال حتىٰ يبدؤوكم ، ولا تتبعوا مُديراً ، ولا تُجهزوا علىٰ جريح، ولا تفتحوا باباً مغلقاً».. هذه سيرته في : ذي الكلاع، وأبي الأعور السلمي، وعمرو بن العاص، وحبيب بن مسلمة ، وفي جميع الرؤساء، كسيرته في الحشو والأتباع والسفلة.. وأصحاب الحروب إن قدروا علىٰ البيات بيّتوا، وإن قدروا علىٰ رضخ الجميع بالجندل وهم نيام ،فعلوا، ولم يؤخّروا الحرق إلىٰ وقت الغرق، وإن أمكن الهدم لم يتكلّفوا الحصار، ولم يدعوا أن يضعوا المجانيق والعرادات والنقب والشريب والدبابات والكمين ، ولم يدعوا دسّ السموم، ولا التضريب بين الناس بالكذب، وطرح الكتب في عساكرهم بالسعايات، وتوهيم الأُمور، وإيحاش بعض من بعض ، وقتلهم بكلّ آلة وحيلة ، كيف وقع القتل وكيف دارت بهم الحال،
فمن اقتصر من التدبير علىٰ ما في الكتاب والسنّة كان قد منع نفسه الطويل والعريض من التدبير ، وما لا يتناهى من المكائد ، والكذب أكثر من الصدق ، والحرام أكثر من الحلال.
فعليّ(علیه السّلام) كان ملجاً بالورع عن جميع القول إلّا ما هو الله رضىٰ، وممنوع اليدين من كلّ بطش إلّا ما هو الله رضى، ولا يرضى الرضا إلّا في ما يرضاه الله ويحبّه ، ولا يرى الرضا إلّا في ما دلّ عليه الكتاب والسنّة دون ما يقول أصحاب الدهاء والنكراء والمكائد والآراء.
فلمّا أبصرت العوام كثرة غرائب معاوية في الخدع، وما اتّفق له وتهيّاً علىٰ يده، ولم يروا ذلك من عليّ(علیه السّلام) ظنّوا ، بقصر عقولهم وقلّة علومهم، أن ذلك من رجحانٍ عند معاوية ونقصان عند عليّ(علیه السّلام) »(1).
وعلّق الشيخ محمّد عبده علىٰ ذلك بقوله : «هذا حكم الشريعة الإسلامية ، لا ما يتوهمّه جاهلوها من إباحة التعرّض لأعراض الأعداء ، نعوذ بالله»(2).
وبالمناسبة كانت الطائرات الأمريكية في فيتنام تحلّق فوق الغيوم والسحب الماطرة، وتبذر فيها المواد السامّة قبل أن ينزل منها المطر، حتى إذا جاء الأوان أمطرت سمّاً قاتلاً .. وبهذه العملية ونحوها أتلفت مليوني هكتار من الغابات بما فيها ، عدا الحقول والبساتين.. قال عزّ من قائل: «وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةٌ فَإِذَا أَنزَلْنَا عليها ألماءَ أَهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيج » (3). وعليه يحقّ لنا أن نسمّي هذه الحرب : حرباً علىٰ الله وعدله وحكمته.
بعد أن اطّلع «جانك هون او» علىٰ الحقائق الإنسانية التي يحفل بها الدين
الإسلامي، وبالخصوص مذهب أهل البيت(علیهم السّلام) ، والتي لا تتوفّر في أيّ مدرسة من المدارس، ولا في أيّ منهج من المناهج الوضعية والدينية ، قرّر اعتناق الإسلام ومذهب أهل البيت(علیهم السّلام) ، وغير اسمه إلىٰ : (علي)(1).
1) ذُكِر استبصاره في كتاب: معرفة تحليلية عن الإسلام وبعض الأديان والمذاهب: 593.
ولد في كوريا ، وواصل دراسته الأكاديمية حتّىٰ تخرّج من كلّية الطيران، كان منتمياً للدين البوذي قبل أن يتعرّف علىٰ الإسلام. لكنّه عندما اطّلع علىٰ الدين الإسلامي وجد شتّان ما بين الدين البوذي الوضعي الذي صاغته يد البشر وبين الدين الإسلامي الربّاني الذي معجزته القرآن.
فالقرآن الكريم يمتاز بخصوصيات وميزات تفرّد بها عن غيره من الكتب، ومن هذه الخصائص:
1 - إنّ الباري تعالىٰ قد بيّن جميع الأمور في هذا القرآن، ولم تبق شاردة أو واردة إلّا ودخلت تحت العموم، أو كانت نصّاً في الخطاب : ففي القرآن بيان كلّ شيء يحتاجه الإنسان، وفيه ما ينظّم حياته، ويرشده، ويهديه، فلا يحتاج الله إلىٰ أحد كي يعينه أو يشركه في أمره، وهذا أيضاً يدلّ علىٰ أنّ الرسول(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قد أدّىٰ الأمانة وبلّغ الرسالة، ولم يقصّر في شيء.
2 - إنّ ظاهر القرآن جميل يعجب ببيانه وصياغته وما فيه كلّ من يقرأه.
3- إنّ القرآن لا يدرك باطنه وعمقه إلّا الراسخون في العلم، رغم أنّ بعض أهل الخبرة والعلم قد يقرأون الآية ويدركون بعض معانيها ويحلّلونها لكنّهم لا
يصلون إلىٰ غورها، والوقوف علىٰ حقيقة المراد منها، وهو ما أشارت إليه مجموعة من الروايات.
اً - عن جابر ، قال : سمعت أبا جعفر(علیه السّلام) يقول: «ما ادّعى أحد من الناس أنّه جمع القرآن كلّه كما أنزل إلّا كذّاب ، وما جمعه وحفظه كما نزّله الله تعالىٰ إلا علي بن أبي طالب(علیه السّلام) والأئمّة من بعده(علیهم السّلام) »(1).
ب - عن جابر ، عن أبي جعفر(علیه السّلام) : أنّه قال : «ما يستطيع أحد أن يدّعي أنّه جمع القرآن كلّه، ظاهره وباطنه غير الأوصياء» (2).
ت - عن سلمة بن محرز ، قال : سمعت أبا جعفر(علیه السّلام) يقول: «إنّ من علم ما أوتينا : تفسير القرآن وأحكامه، وعلم تغيير الزمان وحدثانه. إذا أراد الله بقوم خيراً أسمعهم ، ولو أسمع من لم يسمع لولّى معرضاً كأن لم يسمع .. ثمّ أمسك هنيئة ، ثمّ قال : ولو وجدنا أوعية أو مستراحاً لقلنا، والله المستعان»(3).
ث - عن عبد الأعلىٰ مولى آل سام ، قال : سمعت أبا عبدالله (علیه السّلام) يقول: «والله إنِّي لأعلم كتاب الله من أوله إلىٰ آخره كأنّه في كفّي فيه خبر السماء وخبر الأرض، وخبر ما كان، وخبر ما هو كائن ، قال الله عزّوجل: (تبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ ) (4)» (5).
ج - عن عبدالرحمن بن كثير، عن أبي عبدالله(علیه السّلام) ، قال : « قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ» (6)، قال : ففرج أبو عبدالله (علیه السّلام) بين أصابعه فوضعها في صدره، ثم قال : وعندنا والله علم الكتاب كلّه» (7).
ح - عن بريد بن معاوية ، قال : قلت لأبي جعفر (علیه السّلام): «وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ» (1)؟
قال: «إيَّانا عنى، وعليّ أوّلنا وأفضلنا وخيرنا بعد النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )» (2).
وفي معنىٰ الظهر والبطن، والتنزيل والتأويل كان النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في غزواته يقاتل علىٰ ظاهر القرآن وتنزيله ، وكان أمير المؤمنين (علیه السّلام) يقاتل في حروبه الجمل وصِفّين والنهروان علىٰ باطن القرآن وتأويله..
وقد روى نصر بن مزاحم أنّه : قال عمّار حين نظر إلىٰ راية عمر و بن العاص : والله إنّ هذه الراية قاتلتها ثلاث عركات وما هذه بأرشدهنّ ! ثمّ قال عمّار:
نحن ضربناكم علىٰ تنزيله *** فاليوم نضربكم علىٰ تأويله
ضرباً يزيل الهام عن مقيله *** ويذهل الخليل عن خليله
أو يرجع الحقّ إلىٰ سبيله
ثمّ استسق وقد اشتدّ ظمأه ، فأتته امرأة طويلة اليدين، والله ما أدري أعسُّ معها أم إداوة، فيها ضياح من لَبَن ، فقال حين شرب :
الجنّة تحت الأسنّة *** اليوم ألقى الأحبّة
محمّداً وحزبه
والله لو ضربونا حتّى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنّا علىٰ الحقّ وهم علىٰ الباطل (3).
4 - كلمّا اكتشف الإنسان نكتة وظنّ أنّها الوحيدة إذا به بعد مدّة يكتشف أُختها ، وكم يتبيّن في زماننا هذا من أُمور كانت مجهولة لدىٰ من سبقنا ، وكم يبق لمن يأتي بعدنا من أدوار وأدوار.
قال ابن السكّيت لأبي الحسن(علیه السّلام) : «لماذا بعث الله موسىٰ بن عمران (علیه السّلام) بالعصا ويده البيضاء وآلة السحر ؟ وبعث عيسىٰ بآلة الطب ؟ وبعث محمّداً (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وعلىٰ جميع الأنبياء بالكلام والخطب ؟
فقال أبو الحسن(علیه السّلام) : إنّ الله لمّا بعث موسىٰ(علیه السّلام) كان الغالب علىٰ أهل السحر ، فأتاهم من عندالله بما لم يكن في وسعهم مثله ، وما أبطل به سحرهم ، وأثبت به الحجّة عليهم ..
وإنّ الله بعث عيسىٰ(علیه السّلام) في وقت قد ظهرت فيه الزمانات واحتاج الناس إلىٰ الطب ، فأتاهم من عندالله بما لم يكن عندهم مثله ، وبما أحيا لهم الموتىٰ، وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله ، وأثبت به الحجّة عليهم ..
وإنّ الله بعث محمّداً (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في وقت كان الغالب علىٰ أهل عصره الخطب والكلام ، وأظنّه قال : الشعر ، فأتاهم من عندالله من واعظه وحكمه ما أبطل به قولهم، وأثبت به الحجّة عليهم ..
قال : فقال ابن السكيت : تالله ما رأيت مثلك قط ، فما الحجّة على الخلق اليوم؟
قال : فقال(علیه السّلام) : العقل ؛ يعرف به الصادق علىٰ الله فيصدّقه ، والكاذب علىٰ الله فيكذّبه.
قال : فقال ابن السكّيت : هذا والله هو الجواب»(1).
وعن يعقوب بن السكّيت النحوي أيضاً ، قال : سألت أبا الحسن علي بن محمّد ابن الرضا(علیه السّلام) : ما بال القرآن لا يزداد علىٰ النشر والدرس الاغضاضة ؟
قال: «إنّ الله تعالىٰ لم يجعله لزمان دون زمان، ولا لناس دون ناس، فهو في كل زمان جديد ، وعند كلّ قوم غضّ إلىٰ يوم القيامة»(2).
5 - إنّه نور يبدّد ظلمات الشكّ والشبهات، ويبيّن الحقّ ويكشف الظلم ويحاربه، وهو ما أشارت إليه العديد من الروايات:
أ - عن أيوب بن الحر ، قال : سمعت أبا عبدالله (علیه السّلام) يقول: «كلّ شيء مردود إلىٰ كتاب الله والسُنّة ، وكلّ حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف»(1).
ب - عن كليب بن معاوية الأسدي ، عن أبي عبدالله(علیه السّلام) ، قال : «ما أتاكم عنّا من حديث لا يصدّقه كتاب الله فهو باطل»(2).
ت - عن ابن أبي عمير، عن الهشامين جميعاً وغيرهما ، قال : «خطب النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فقال : أيّها الناس ! ما جاءكم عنّي يوافق كتاب الله فأنا قلته ، وما جاءكم يخالف القرآن فلم أقله» (3).
ث - عن أيّوب، عن أبي عبدالله(علیه السّلام) ، قال : قال رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «إذا حُدّثتم عنّي بالحديث فأنحلوني أهنأه وأسهله وأرشده ، فإن وافق كتاب الله فأنا قلته ، وان لم يوافق كتاب الله فلم أقله»(4).
6 - إنّه الأمر الزاجر ؛ لأنّه يحكي عن الله أمره ونهيه، فهو يأمر بالمعروف وينهيٰ عن المنكر .
7- هو صامت ناطق: صامت من حيث أنّه حروف وكلمات لا تتكلّم بمثل ما يتكلّم به البشر ، وهو ناطق من حيث أنّه يفهمه العقلاء وأهل الفكر والدراية، وفيه الأخبار والنهي والأمر، وغيرها، وهذا يقع تحت نظر أرباب الفكر ويعقلونه جيّداً.
8- إنّه حجّة الله علىٰ خلقه : به يحتج الله علىٰ خلقه ويلزمهم بما جاء فيه ؛ ففيه الحلال والحرام والتشريع والأحكام، وفيه ما يقرّب من الله ويبعّد ويبعد عن النار، وبه
يحتجّ علىٰ العاصين والمتمرّدين، وهو قبل ذلك معجزة النبوة وخلاصة ما جاء به الأنبياء ، فلا عذر لمن جحده أو أنكره، أو لم يعمل بمضمونه .
9 - إنّ الله أخذ العهد علىٰ المكلّفين أن يعملوا به وبأحكامه، وهو يشهد عليهم بما فعلوا.
10 - إنّ الله جعل أنفسهم رهينة بالعمل بهذا القرآن، فمن أراد أن يفكّها من عقاله ويخرج من عذاب الله فعليه العمل بما فيه، وإلّا هلك هلاك الأبد.
11 - بواسطة القرآن توضّحت الأمور وتبينت معالم الحلال والحرام، والحقّ والباطل ، وانتشر الإسلام، وعلت كلمة لا إله إلا الله في كلّ مكان، فهو نور يهدي إلىٰ الله ، وهو تام؛ لأنّه الأقوى في إيصال الخلق إلىٰ الحقّ.
بعد أن تبيّنت ل «كيم جون» عظمة الدين الإسلامي الأمر الذي يتّضح بمقايسة القرآن الكريم مع الكتب السماوية وغير السماوية الأخرىٰ، لم يجد بدّاً سوىٰ اعتناق الإسلام والتمسّك بأصوله وفروعه ، وكان الطيّار «كيم جون» يعلم مدىٰ الصعوبة التي سوف يلاقيها من أبناء مجتمعه بعد إسلامه ، ولكنّه وجد الصبر في هذه الأيام الدنيوية المعدودة أهون عليه من تحمّل العذاب الأبدي الذي أعدّه الله للكافرين.
وبعد مرحلة الاستبصار قرّر «كيم جون» تغيير اسمه ، فتسمّىٰ باسم الرسول الأكرم محمّد(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) (1).
1) راجع معرفة تحليلية عن الإسلام وبعض الأديان والمذاهب: 590.
ولد في كوريا ، أكمل دراسته الأكاديمية وحصل علىٰ شهادة الليسانس في الهندسة الميكانيكية ، لم يكن له دين أو مذهب فيما سبق ، وكان سبب اعتناقه للإسلام التقاءه بالمبلّغين المسلمين الشيعة، وتعرّفه من خلالهم علىٰ هذا المذهب الحنيف.
من الأمور التي تستقطب الباحثين - وخاصة الواعين منهم - للدين الإسلامي هي المفاهيم الإنسانية التي ينادي بها ويدعو إليها، والتي قد يدّعي الغربيون أنّهم توصّلوا إليها في زماننا هذا ، رغم أنّهم وعند التطرّق إلىٰ كلام رسول الله والعترة الطاهرة(علیهم السّلام) يجدون ذلك مدوّناً منذ تلك الفترة التي كان الغرب فيها خلوّاً من القيم والمبادىء الإنسانية، ومن هذه القيم التي لفتت نظر المحققين والمستبصرين :
الضمان الاجتماعي للفقراء في المنظومة التشريعية الإسلامية، والذي تجلّى في كلمات وتوجيهات أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السّلام).
هذه الطبقة ، طبقة الفقراء، تتألّف ممّن لا يستطيعون عملاً؛ لعاهة فيهم لا يقدرون معها علىٰ العمل ، أو لا يستطيعونه لكبر السنّ وضعف البنية ، أو لا
يستطيعونه لصغر السنّ ، كالأيتام الذين لا كافل لهم ، أو يستطيعون ويعملون لكن عملهم لا يمدّهم بالكفاية، ولا ييسّر لهم مستوىٰ لائقاً من العيش.
هذه الطبقة تتألّف من هذه الطوائف، وإذا لم تُلاقِق عناية من المجتمع ينحرف قویّها إلىٰ طريق الجريمة، ويموت ضعيفها جوعاً، وهي في الحالين سُبّة وخطر علىٰ المجتمع.
وإذاً فلابدّ من تدبير يدفع البؤس عن أفرادها، ويحوّل قويهم إلىٰ خلية إنسانية عاملة ، وينهض بهم إلىٰ مستوىٰ الحياة الحرّة الكريمة.
وقد سنّ الإمام(علیه السّلام) قانوناً تُعامل به هذه الطبقة طبّق فيه أحكام الإسلام ؛ ففي كلام الإمام عن هذه الطبقة نرىٰ تشريعاً عمّالياً ناضجاً إلىٰ أبعد الحدود، ومستوعِباً تمام الاستيعاب ، وهو علىٰ نضجه الكامل واستيعابه التام ، سابق للتشريعات العمّالية الحديثة بأكثر من ألف ومائتي عام.
إنّ التشريع الذي سنّه الإسلام وذكره الإمام (علیه السّلام) يشمل كلّ حالة عجز ، فمن لا يستطيعون عملاً لمرض أو هرم أو صغر سنّ، أو يعملون ولكن أجرهم لا يكفيهم ، هؤلاء جميعاً تكفلهم الدولة، وتعدّ نفسها مسؤولة عنهم.
وقد ذكرهم سبحانه في العديد من آياته ؛ منها: ما توجب لهم الشركة في أموال الأغنياء؛ قال تعالىٰ: «فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالمَحْرُوم» (1)، وقال تعالىٰ: «وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ » (2).
ومنها : الإحسان اليهم ؛ قال تعالىٰ: «وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا الله وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ » (3).
وقال تعالىٰ: «وَاعْبُدُوا اللَّه وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنَّبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ الله لا يُحِبُّ مِن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً (1).
وقال تعالىٰ: «قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» (2).
وقال تعالىٰ: «وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلَا تَقُل لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً» (3).
ومنها : ما توجب الجهاد والثورة من أجلهم ؛ قال تعالىٰ: «وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله وَالمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ» (4).
ولكن المستضعفين لم ينتظروا أحداً يثور عنهم ويقاتل من أجلهم فثاروا علىٰ الظلم بأنفسهم ، وخاضوا المعارك فى كلّ طرف من أطراف المعمورة، وانتصروا في كثير من الثورات ، وبعضها الآخر في طريق النصر ، وإن طال ، وأين المفرّ من التيار الواثب الغاضب .
أمّا فلسفة المساكين التى تقول : العدل والحرية للجميع ، وحياة أسعد وأفضل لكلّ فرد دون استثناء، أمّا هذه الفلسفة فهي رسالة السماء إلىٰ الأرض، ومبدأ الشرائع والقوانين ، وأُمنية كلّ شعب وأُمّة في شرق الأرض وغربها، والإمام(علیه السّلام) لا ينطق بلسانه، ولا يعبّر عن شعوره فقط، وإنّما يعلن إرادة الله والطيّبين من عباده حين يقول: «ثُمَّ اللهَ اللهَ في الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لَا حِيلَةَ لَهُمْ ، مِنَ الْمَسَاكِينِ
وَالْمُحْتَاجِينَ وَأَهْلِ الْبُؤْسَى (1)وَالزَّمْنَى (2)؛ فإِنَّ فِي هَذِهِ الطَّبَقَةِ قَانِعاً(3)وَمُعْتَراً (4).
وَاحْفَظْ اللهِ مَا اسْتَحْفَظَكَ مِنْ حَقِّهِ فِيهِمْ، وَاجْعَلْ لَهُمْ قِسماً مِنْ بَيْتِ مَالِكَ، وَقِسماً مِنْ غَلَاتِ (5)صَوَافِي (6)الإِسْلَامِ فِي كُلَّ بَلَد؛ فَإِنَّ لِلأَقْصَى مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِي لِلأَدْنَى ، وَكُلٌّ قَدِ اسْتُرْعِيتَ حَقَّهُ.
وَلَا يَشْغَلَنَّكَ عَنْهُمْ بَطَرُ (7)فَإِنَّكَ لَا تُعْذَرُ بِتَضْيِيعِ التَّافِهَ (8)لِإِحْكَامِكَ الْكَثِيرَ المهِمَّ ، فَلاَ تُشْخِص (9)هَمَّكَ عَنْهُمْ ، وَلا تُصَعُرُ (10)خَدَّكَ لَهُمْ ، وَتَفَقَّدْ أُمُورَ مَنْ لا يَصِلُ إِلَيْكَ مِنْهُمْ، مِمَّنْ تَفْتَحِمُهُ (11)الْعُيُونُ ، وَتَحْقِرُهُ الرِّجَالُ ، فَفَرَّغ لأُولئِكَ ثِقَتَكَ مِنْ أَهْل الْخَشْيَةِ وَالتَّوَاضُع ، فَلْيَرْفَعْ إِلَيْكَ أُمُورَهُمْ، ثُمَّ اعْمَلْ فِيهِمْ بَالْأَعْذَارٍ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ تَلْقَاهُ: فَإِنَّ هَؤُلاَءِ مِنْ بَيْنِ الرَّعِيَّةِ أَحْوَجُ إِلَى الأَنصَافِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَكُلٌّ فَأَعْذِرْ إِلَى اللَّهِ فِي تَأْدِيَةِ حَقِّهِ إِلَيهِ، وَتَعَهَّدْ أَهْلَ الْيْتُم وَذَوِي الرَّقَةِ فِي السِّنَّ مِمَّنْ لَا حِيلَةَ لَهُ، وَلَا يَنْصِبُ لِلْمَسْأَلَةِ نَفْسَهُ، وَذلِكَ عَلَى الْوُلاَةِ ثَقِيل ، وَالْحَقُّ كُلُّهُ تَقِيلُ، وَقَدْ يُخَفِّفُهُ اللَّهُ عَلَى أَقْوَامٍ طَلَبُوا الْعَاقِبَةَ فَصَبَرُوا أَنْفُسَهُمْ ، وَوَيْقُوا بِصدقِ مَوْعُودِ اللهِ لهُمْ ) (12).
1) البؤسى والبأساء: ضد النعمى والنعماء. تاج العروس 8: 196.
2) الفقراء الزمنى: الضعاف الذين لا حرفة لهم. لسان العرب 5: 61.
3) القانع في الأصل: السائل. النهاية في غريب الحديث 4: 114.
4) المعتر : الذي يتعرّض ليصيب خيراً من غير سؤال. كتاب العين 1: 86 .
5) الغلّة: الدخل الذي يحصل من الزرع والثمر، واللبن والإجارة والنتاج ونحو ذلك. النهاية في غريب الحديث 3: 381.
6) الصوافي: الأملاك والأراضي التي جلا عنها أهلها أو ماتوا ولا وارث لها، واحدها صافية النهاية في غريب الحديث 3: 40.
7) البطر أيضاً: الحيرة والدهش. الصحاح 2: 593.
8) التّافه: الخسيس الحقير. النهاية في غريب الحديث 2: 185.
9) أشخص الرامي، إذا جاز سهمه الغرض من أعلاه. الصحاح 3: 1043.
10) الصعر : ميل في العنق، وانقلاب في الوجه إلىٰ أحد الشقين. والتصعير إمالة الخد عن النظر إلىٰ الناس تهاوناً من كبر وعظمة، كأنّه ،معرض قال الله عزّ وجلّ: «وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ » وربّما كان الإنسان والظليم أصعر خلقة. كتاب العين 1: 298.
11) اقتحمت فلانا عيني إذا احتقرته واستصغرته. غريب الحديث لابن قتيبة 1: 197.
12) نهج البلاغة 3: 101، الكتاب: 54.
إنّ لهذه الطبقة الأخيرة منزلة عند الإمام أميرالمؤمنين (علیه السّلام) وعنايةً فاقت سائر الطبقات، إنّ الإمام أميرالمؤمنين(علیه السّلام) يعيش بقلبه وروحه وجسمه وسائر شؤونه مع هذه الطبقة الضعيفة ، لقد عاش آلام المحرومين والمحتاجين وكان مع الناس وعاش معهم وهو خليفة ورحل عنهم ووصاياه بهم حيّة لا تزال تعيش.
سهر من أجل أن يطيب لهم المنام، وظميء من أجل ریّهم، وجاع من أجل شبعهم ، وعري من أجل إكسائهم، وزهد من أجل ترفيههم.
فكان أباً للمساكين والأرامل والأيتام، وكانوا له أبناء بررة، يعيشون آلامه ويحقّقون أحلامه ، عليّ(علیه السّلام) بهذه الصيغة التي تحوي الرقّة والرجوع إلىٰ الله كانت وصيّته بهم (الله ... الله) في هذه الطبقة التي لم تمكّنها الأقدار ولم تفسح لها الحياة في الكسب والسعة ، من المساكين والمحتاجين وأهل البؤس والمقعدين ، فإن هذه الطبقة تستحق الشفقة والعطف، ويجب علىٰ المجتمع أن يؤمّن لها احتياجاتها إن عجزت الدولة أو لم يكن بيدها ما توفّره لها .
إنّ في هذه الطبقة من الفقراء والمساكين وأهل الحاجة من يسأل ويمدّ يده ليطلب حقّه ولكن هناك من تمنعه العفّة ويصون وجهه عن الطلب، ولكلّ منهما حقّ يجب إيصاله إليه ، يجب علىٰ الوالي أن يحفظ الله في هذه الطبقة ، ويجعل لها قسماً من بيت مال المسلمين ؛ فإنّه معدّ للمصالح العامة ولإعاشة الفقراء، وهذه مصاديق ذلك، وأحقّ من يأخذ ذلك بحقّه.
وليكن عون بيت المال تلك الصوافي التي توزّع علىٰ جميع الفقراء، القاصي منهم والداني، ولا يهمل هذه الأمور الصغيرة ظناً منه أنّه يعمل الأعمال الكبيرة من إدارة شؤون البلاد وتحريك سياستها ؛ فإن الله لا يغفل الصغير وإن قام المسؤول بالكبير، فإنّ لكلّ من القسمين أجره وثوابه ، كما أنّ لكلّ منهما مسؤوليته وعقابه
فلذا لا يجوز أن يعرض عن هؤلاء الفقراء ويتنحىٰ عن إعانتهم ومدّ يده إليهم.
هذه وصايا الأنبياء إلىٰ أتباعهم، وهذا هو منطق السماء الذي يتعادل فيه القوي والضعيف ، الغني والفقير ، الحاكم والمحكوم ، صاحب الجاه والصعلوك ، إنّ كلّ هذه الفئات مخلوقة الله وتتساوىٰ أمامه دون تمييز ؛ فلذا يتعامل معها بمنطق واحد ولسان واحد، والإمام هنا يشدّد الوصية بالاهتمام بهذه الطبقة الفقيرة، التي لا تستطيع أن تقفز فوق الحواجز المصطنعة لتصل إلىٰ الوالي فترفع شكواها واحتياجاتها إليه .
إنّ هناك من هذه الطبقة مَن تحتقره العيون وتزدريه؛ لأنّها عيون لم تبصر بنور الله ، تتعامل مع الثياب والمال دون المثل والقيم، إنّ مثل هؤلاء الأفراد يجب علىٰ الوالي أن يوظّف لهم رجلاً من أهل التقوىٰ لله والتواضع لعباده ، فيعمل بمقتضىٰ تقواه دون أن يزيد علىٰ حالة البؤساء بؤساً أو ينقص منها شيئاً، بل يرفعها إلىٰ الوالي علىٰ حقيقتها كما هي ؛ كي تعالج بوصفتها المناسبة لها دون مضاعفات أو مخاطر ، مراعياً ربّه ، مطمئناً إلىٰ ما يقدّمه من الأعذار التي تشفع له عندما يُسئل عن أحوال هؤلاء الفقراء الذين لم يخرجوا من رعيته وسلطانه.
ثم الأيتام، هؤلاء الذين فقدوا الآباء، فإنّهم يستحقّون الاهتمام والعناية التي تعوّض لهم عن حرمان الأب وحنانه؛ فإنّهم أبناء المسلمين الذين لم يتمتّعوا بآبائهم ، فكان لهم في الوالي أباً بدلاً عنهم.
وأمّا أُولئك الذين كبرت سنّهم ودقّ عظمهم وانقطعت حيلتهم عن الكدّ والسعي والعمل ، فهم أيضاً يستحقّون الإعالة والكفالة من الدولة ؛ فإنّهم بذلوا شبابهم وجهودهم في سبيل بنائها ، فلا يجوز لها أن تهملهم من حساباتها ومعوناتها إذا عجزوا عن اقتحام مداخل أبواب الوالى وعتبات داره.
ثم إنّه(علیه السّلام) يلفت النظر إلىٰ أن هذه الطلبات والوصايا تقيلة علىٰ الولاة؛ لأنّها تكلّفهم أتعاباً وجهوداً وعرقاً وكدّاً ، وتأخذ من أوقاتهم الشيء الكثير ولكنّه يعود ليقول لهم : إنّ الحقّ كلّه ثقيل ؛ لأنّه يتطلّب العدل والإنصاف، وهذا ممّا لا تقبله
أغلب النفوس، ولكن الإنسان الصالح يستطيع أن يقهر نفسه، بل يستطيع أن يتقبّل الحقّ بكلّ راحة نفس واطمئنان ، والله يمدّه بالعون إذا صبر ، ويسهل عليه الأمر إذا رأىٰ ما أعدّه الله له من الحسنات والخيرات.
ولا أظنّ أن حكومة من الحكومات الحديثة بلغ فيها التشريع العمّالي، والتأمين الاجتماعي من النضوج والوعي للمسؤولية الاجتماعية إلىٰ حدّ أن تؤلّف هيئة تبحث عن ذوي الحاجة والفاقة فترفع حاجتهم بأموال الدولة ، كما نرىٰ ذلك في عهد الإمام (علیه السّلام).
ولا أظنّ أنّ قلوب المشرّعين وعقولهم اجتمعت علىٰ أن تخرج للدنيا تشريعاً عمّالياً فأفلحت فى أن تخرجه أنبض من تشريع الإمام بالشعور الإنساني العميق.
بعد ان اتّضحت ل «كيم يونغ» جملة من الحقائق عن الدين الإسلامي اعتنق الإسلام علىٰ مذهب أهل البيت(علیهم السّلام) ، وغيّر اسمه إلىٰ رضا(1).
1) راجع: معرفة تحليلية عن الإسلام وبعض الأديان والمذاهب: 595.
من مواليد دولة كوريا ، حاصل علىٰ شهادة جامعية ، كان منتمياً إلىٰ الدين البوذي، لكنّه وجد في دائرة دينه أنّه يواجه أسئلة وشبهات حائرة تحتاج إلىٰ جواب مقنع لم يمنحه له الدين البوذي ، فاستمرّ في حالة فقدان التوازن في المجال العقائدي، إلىٰ أن تعرّف علىٰ الدين الإسلامي ومذهب أهل البيت(علیهم السّلام) ، فوجد للشبهات العقائدية التي كانت تحيّره جواباً شافياً، وردّاً مقنعاً.
من الأمور المهمّة والحسّاسة التي لا يوجد لها جواب شافٍ ومقنع إلّا في الإسلام ومذهب أهل البيت(علیهم السّلام) موضوع : خلق هذا العالم.
فعظمة الله وبديع صنعه في الإسلام ومذهب أهل البيت(علیهم السّلام) تتجلّىٰ في «خلق العالم»؛ إذ أنشأه خلقاً بديعاً لا نظير له ولا مثيل بقوله كن فكان إنّه خلقه من لا شيء وبدون نظير أو شبيه تقدّم عليه.
فلم يعمل فكره ويشغل نظره ولا احتاج في خلقه إلىٰ إدارة عجلة العقل بين المعلوم والمجهول للحصول علىٰ المراد، كما هي عادة البشر وفاعلية مسيرة المخترعين والصنّاع.
ولم يكرّر تعالىٰ فعله ويصحّح ما وقع منه من خطأ علىٰ طريقة البشر في
تجاربهم؛ إذ يجربون ذلك ويكرّرونه ليصلوا إلىٰ الحقائق، فالله منزّه عن ذلك لغناه الذاتي.
والباري تعالىٰ ليس عنده اهتمام نفسي يأخذه كما يأخذ الناس الاهتمام لأهمية القضية التي يفكّرون فيها ، وبكلمة جامعة : إنّ هذه الأمور الأربعة - الروية والتجربة والحركة وهمّة النفس- كلّها تجري علىٰ البشر والله منزّه عنها .
كما أنّه تعالىٰ جعل الأشياء تحلّ في أوقاتها المناسبة ، فلماذا كان هذا في المكان الفلاني ؟ ولماذا وجد الآن ولم يوجد من قبل ؟ فهذا لحكمةٍ يعلمها الله وجد في هذا الزمان ، والمصلحة اقتضت إيجاده في وقته المناسب اللائق.
ولقدرة الله العظيمة جعل سبحانه تلاؤماً وانسجاماً بين العناصر المختلفة، كما هو الحال في البدن والروح مع اختلافهما وتنافر هما من حيث أنّ البدن جسم مادّي محسوس ، الروح ليست من مادّة وغير محسوسة.
وركّز تعالىٰ في جبلة كلّ شيء وتكوينه طبيعة ذاتية تحرّكه للحفاظ علىٰ حياته وامتداده من بعد ، فلكلٍّ طبيعته ، فالأسد من طبعه الشجاعة، والثعلب المكر ، والأرنب الجبن.
وجعل تعالىٰ هذه الغرائز ملازمة لأشخاصها وأشيائها من حيث أنّ الحمار طبيعته البلادة، والقرد الذكاء وحسن التمثيل والأداء، والإنسان قوّة الفكر والإرادة، وهكذالكلّ مخلوق غريزة خاصّة به .
وكان تعالىٰ قبل إيجاده لها يعلمها ويعلم خصوصياتها، وأنّه متىٰ يوجدها، وإلىٰ متىٰ ستدوم، وفي أي وقت تنتهي ، وعلمه قبل إيجادهاكعلمه بها بعد إيجادها؛ لأنّه العالم المطلق والكمال المطلق.
وهو ما أشارت إليه الرواية : عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر(علیه السّلام) ، قال : سمعته يقول: «كان الله عزّ وجلّ ولاشيء غيره، ولم يزل عالماً بما يكون ، فعلمه به
قبل کونه کعلمه به بعد کونه»(1).
وعن عبدالله ابن مسكان ، قال : سألت أبا عبدالله (علیه السّلام) عن الله تبارك وتعالىٰ أكان يعلم المكان قبل أن يخلق المكان، أم علمه عندما خلقه وبعدما خلقه ؟
فقال(علیه السّلام): «تعالىٰ الله ، بل لم يزل عالماً بالمكان قبل تكوينه كعلمه به بعدما كوّنه ، وكذلك علمه بجميع الأشياء كعلمه بالمكان»(2).
وأمّا إحاطته سبحانه هو علمه بأطراف الأشياء وحدودها، وما تنتهي إليه وما تقف عنده؛ فإنّه سبحانه يعلم بنفوس هذه الغرائز التي ألزمها أشباحاً، وعارف بجهاتها، وسائر أحوالها المتعلّقة بها والصادرة عنها.
ثمّ حمل سبحانه الماء علىٰ الريح الشديدة القوية ، هذه الريح لشدّتها تزعزع الأشياء عن أماكنها وتقصف الأشياء لشدّتها، فالماء علىٰ تلك الريح الهوجاء العاصفة.
وهذه السماوات ارتفعت ووقفت بدون عمد تعتمد عليها أو تستند إليها ، كما هو المشاهد ، فإنّ الله سبحانه هو الذي أمسكها أن تقع؛ إذ جعل لها نواميس وقوانين طبيعية تحفظها من السقوط ، وهذا القول مستمد من قول الله تعالىٰ : «اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ » (3).
والعمدان : تعمد الشيء بعماد يمسكه ويعتمد عليه . والعمد : جمع عماد. والأعمدة: جمع العمود من حديد أو خشب. وعمود الخباء: من خشب قائم في الوسط (4).
أراد تعالىٰ في هذه الآية المباركة أن يذكّر بدليل ربوبيته تعالىٰ، وأنّ السماوات مرفوعة بغير عمد وتراها أبصاركم ، وهناك نظام جار، وهناك الشمس والقمر يجريان، والعقل يفرض أنّ هناك قدرة تقوم بهذه الأمور، فترفع السماء، وتنظم النظام، وتسخّر الشمس والقمر، وتدبّر الأمر، وتفصّل هذه الآيات بعضها عن بعض تفصيلاً، فالله سبحانه هو ذاك القائم بما ذكر من أمر رفع السماوات، وتنظيم النظام ، وتسخير الشمس والقمر ، وتدبير الأمر ، وتفصيل الآيات، فهو تعالىٰ ربّ الكلّ ولا ربّ غيره.
ورفع السماوات هو : فصلها عن الأرض فصلاً يتسلّط به علىٰ الأرض، بإلقاء أشعتها، وإنزال أمطارها وصواعقها عليها وغير ذلك ، فهي مرفوعة عن الأرض من غير عمد محسوسة للإنسان تعتمد عليها ، فعلىٰ الإنسان أن يدرك أنّ لها رافعاً، حافظاً لها أن تتحوّل من مكانها، ممسكاً لها أن تزول من مستقرّها .
وذلك أنّ استقرار السماوات في رفيع مستقرّها من غير عمد ، وإن لم يكن بأعجب من استقرار الأرض في مستقرّها ، وهما محتاجتان في ذلك إليه تعالىٰ، قائمتان مقامهما بقدرته وإرادته ، ذلك من طريق أسباب مختصّة بهما بإذنه تعالىٰ ، ولو كانت السماوات مرفوعة معتمدة علىٰ عمد منصوبة لم يغنها ذلك عن الحاجة إليه تعالىٰ والافتقار إلىٰ قدرته وإرادته، فالأشياء كلّها في جميع حالاتها محتاجة إليه تعالىٰ احتياجاً مطلقاً لا يزول عنها أبداً، ولا في حال.
ثمّ أشار تعالىٰ إلىٰ التدبير العام المتّحد باتّصال بعض الأجزاء ببعض ، ليثبت به أنّ ربّ الجميع ، ومالكها المدبّر لأمرها واحد ، بقوله: «ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمّىً يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ»(1).
1) الرعد (13): 2.
وذلك أنّ الوثنية الذين يناظرهم القرآن لا ينكرون أنّ خالق الكلّ وموجده واحد لاشريك له في إيجاده وإبداعه وهو الله سبحانه، وإنّما يرون أنّه فوّض تدبير كلّ شأن من شؤون الكون ونوع من أنواعه، كالأرض والسماء، والإنسان والحيوان والبر والبحر ، والحرب والسلم والحياة والموت، إلىٰ واحد من الموجودات القويّة فينبغي أن يُعبد ليجلب بها خيره ويتّقي بها شرّه، فلا ينفع في ردّهم إلّا قصر الربوبية في الله سبحانه وإثبات أنّه ربّ لا ربّ سواه، وأمّا توحيد الإلوهية بمعنىٰ إثبات أنّ واجب الوجود واحد لا واجب غيره، وإليه ينتهي كلّ وجود، فهو أمر لا تنكره الوثنية ولا يضرّهم شيئاً (1).
وجعل الشمس سراجاً يضيء في الدنيا وينتشر ضوؤها في كلّ مكان، كما قال تعالىٰ: «وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً» (2)، وعلىٰ هذا فكون الشمس سراجاً هو كونها مضيئة لعالمنا ، ولولاها لانغمرنا في ظلمة ظلماء.
والآية تبيّن وقوع التدبير الإلهي علىٰ الإنسان بما يفيض عليه من النعم حتّىٰ تثبت ربوبيّته فتجب عبادته .
وخلق تعالىٰ قمراً منيراً ينير الدنيا ويزيدها بهجة وسروراً، فما أجمل الليالي المقمرة حيث يطيب السمر مع الأحباب والخلان؛ قال تعالىٰ: «تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً» (3).
فالبروج تحمل معنيان :
1 - إنّها منازل الشمس والقمر من السماء.
2 - الكواكب العظام ؛ سُمّيت بها لظهورها (4)قال تعالىٰ: «وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّماءِ
بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ»(1).
والسراج هنا : الشمس، وهو ما أشار إليه قوله تعالىٰ: «وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً» (2).
وفي هذه الآية دليل علىٰ وحدة التدبير للسماوات والأرض، ووحدة المدبّر.
بعد أن أنقذت رؤية الدين الإسلامي ومذهب أهل البيت(علیهم السّلام) «لي سونغ» من الحيرة والضياع، وأوضحت له برامج لحياته الدنيوية لينال بها سعادة الدارين ، بادر إلىٰ اعتناق مذهب أهل البيت(علیهم السّلام) والتمسّك بمبادئه السامية ، وغيّر اسمه إلىٰ: (محمّد علي) (3).
ولد في كوريا الجنوبية ، وكان منتمياً إلىٰ الديانة البوذية، وحينما تعرّف علىٰ الإسلام من خلال الكتب التي تتحدّث عن الدين والشريعة الإسلامية، وجد أنّ الديانة البوذية ناقصة، ولا تقوم علىٰ أسس متينة، كما أنّها لا تنسجم مع الحياة الاجتماعية والإنسانية، بخلاف الإسلام الذي هو دين كامل شامل لكل نواحي الحياة بأدقّ التفاصيل.
تتّضح شمولية هذا الدين عند مراجعة الكتب الحديثية التاريخية ، التي أوقفتنا علىٰ سيرة رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وأميرالمؤمنين(علیه السّلام) ، فإنّهم في المجال الاجتماعي - مثلاً - بيّنوا مدىٰ حرّية الشعب، وما هي الحدود للحرّية السياسية التي يعطيها الحاكم الإسلامي لمواطنيه.
ويتّضح ذلك جليّاً لأفراد الأمّة من خلال مراجعة سيرة أميرالمؤمنين(علیه السّلام) مع الخوارج:
فبرغم موقف الخوارج الذي ذهبوا فيه إلى تكفير الإمام (علیه السّلام) ترك لهم حرّية التعبير والحركة والنشاط السياسي، ولم يمنعهم من مساجد الله ، ولم يمنعهم الفيء، ولم يقاتلهم حتّىٰ بدؤوه هم، واكتفىٰ (علیه السّلام) بالإجابة عن شبهاتهم، ولم يحاسبهم، وهو ما
أشارت إليه العديد من النصوص:
من كلام له(علیه السّلام) في الخوارج ، لمّا سمع قولهم : «لا حكم إلّا لله» ، قال(علیه السّلام) : (كَلِمَةُ حَقِّ يُرَادُ بِهَا البَاطِلُ ، نَعَمْ ، إِنَّهُ لا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: لَا إِمْرَةَ إِلَّا لِلَّهِ ؛ وَإِنَّهُ لابدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِير ، بَر أَوْ فَاجِر ، يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ، وَيَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ ، وَيُبَلِّغُ اللَّهُ فِيهَا الأَجَلَ ، وَيُجْمَعُ بِهِ الْفَيءُ ، وَيُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ ، وَتَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ ، وَيُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ، حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرُّ ، وَيُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِر ) .
وفي رواية أخرى: أنّه(علیه السّلام) لمّا سمع تحكيمهم قال : حُكْمَ اللهِ أَنْتَظِرُ فِيكُمْ . وقال: (أَمَّا الأمْرَةُ الْبَرَّةُ فَيَعْمَلُ فيها التَّقِيُّ ، وَأَمَّا الأمْرَةُ الْفَاجِرَةُ فَيَتَمَتَّعُ فِيهَا الشَّقِيُّ ، إلىٰ أَنْ تَنْقَطِعَ مُدَّتُهُ، وَتُدْرِكَهُ مَنِيَّتُهُ )(1).
قوله(علیه السّلام) : (كَلِمَةُ حَقِّ).. أي: قولهم: «لا حكم إلّا لله»؛ فقد ورد في القرآن كراراً، قال تعالىٰ: «مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إن الحكمُ إِلَّا لله أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» (2).
أيضاً قوله تعالىٰ: «وَقَالَ يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِنَ الله مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكَّلُونَ» (3).
ويشير قوله(علیه السّلام) : (يُرَادُ بِهَا البَاطِلُ) .. إلىٰ أنّ مقصودهم بذلك إنّما كان : إبطال جعل الحكمين وإنكار صحّة تفويض الأمر إليهما، بزعم أنّ الأحكام كلّها الله سبحانه ، وهو الحاكم لا غير ، فلا يجوز لأحد الحكم في شيء من الأشياء إلّا بنصّ به
في القرآن ، فلا يصحّ التحكيم وإناطة الأمر برأي الحكمين ؛ لعدم ورود نصّ فيه بصحّته ، وهو معنىٰ قولهم بعد ما سمعوا صحيفة الصلح في صفّين : الحكم لله يا عليّ لا لك ، فلا نرضىٰ بأن يحكم الرجال في دين الله (1)، وقولهم لابن عبّاس لمّا احتجّ معهم بأمره : أوّلهنّ أنّه حكّم الرجال في دين الله ، وقد قال الله : «إنِ الحُكمُ إلّا لله» (2).
ووجه بطلان ذلك أمور:
أولاً : إنّ كون الأحكام لله لا يستلزم كون جميع الأحكام منصوصاً بها في القرآن ؛ إذ رُبّ حكم مستنبط من السنّة ومن سائر الأدلّة الشرعية، وهو لا يخرج بذلك عن كونه حكم الله .
ثانياً: منع عدم ورود النصّ بالتحكيم في القرآن؛ وقد أمر بالتحكيم في شقاق بين الرجل وامرأته ، فقال سبحانه: «وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَأَبْعَثُوا حَكَما مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ الله بَيْنَهُمَا إِنَّ الله كَانَ عَلِياً خَبِيراً» (3)، وحكّم الرجال في طائر ، فقال تعالىٰ: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُم وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُتَعَمِّداً فَجَزَاءً مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيَاماً لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَن عَادَ فينتقم الله مِنْهُ وَالله عَزِيرٌ ذُو انتقام» (4)، فدماء المسلمين أعظم من دم طائر، والشقاق بينهم أشدّ من الشقاق بين الرجل والمرأة.
ثالثاً : إنّ مقتضىٰ نفيهم الحكم لغير الله هو نفى الإمارة للملازمة التي بينهما.
وفي قوله(علیه السّلام) : (نَعَمْ ، لا حُكْمَ إِلَّا الله» ... إشارة إلىٰ تصديق قولهم، لكن لما عليه الكلمة في نفس الأمر لا لما رأوه حقّاً من ظاهرها ؛ فإنّ حصر الحكم علىٰ معنىٰ أنّه ليس للعبد أن يحكم بغير ما نصّ كتاب الله عليه ؛ فإنّ أكثر الأحكام الفرعية غير
منصوص عليها مع أنّها أحكام الله ، بل تكون منتزعة بحسب الاجتهاد وسائر طرقها لمن كان أهلاً لذلك، ويجب علىٰ من ليس له أهليّة الاجتهاد امتثالها. ولمّا تصوّر الخوارج تلك الكلمة بمعنىٰ أنّه : لا يصحّ حكم لم يوجد في كتاب الله ، ولا يجوز امتثاله والعمل به ، لا جرم قال : نعم ، لا حكم إلّا لله .
قوله(علیه السّلام) : (ولكنَّ هؤلاَءِ يَقُولُونَ لَا إِمْرَةَ إِلَّا لِلَّهِ).. أي : لمّا نفوا أن يكون لغير الله حكم لم ينصّ عليه ، فقد نفوا الإمرة؛ لأنّ استنباط الأحكام والنظر في وجوه المصالح من لوازم الإمرة ، التي هي حال الأمير في رعيّته، ونفي اللازم يستلزم نفي الملزوم.
مع أنّ نصب الناس أميراً لهم أمر فطري للبشر لا ينكره أحد مبتدع وغيره.
وكيف ؟! والخوارج أنفسهم - من أوّلهم إلىٰ آخرهم- كانوا يجعلون أميراً لأنفسهم حتّىٰ يجمع كلمتهم(1).
ولمّا كانوا قد نفوا الإمرة كذّبهم(علیه السّلام) بقوله : (وَإِنَّهُ لاَبُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِير بَر أَوْ فَاجِر) .. إنّ الإنسان خُلق بمقارنة النفس الأمّارة بالسوء محتاجاً إلىٰ مجموعة قوى في بدنه هي منابع الشرّ . فأهواء الخلق لذلك مختلفة ، وقلوبهم متفرّقة ، فكانت طبيعة نظام أحوالهم في معاشهم وبقائهم محوجة إلىٰ سلطان قاهر ، تأتلف برهبته الأهواء، وتجتمع بهيبته القلوب ، وتنكفّ بسطوته الأيدي العادية ؛ إذ في طباع الخلق من حبّ المغالبة علىٰ ما آثروه ، والقهر لمن عاندوه ، ما لا ينكفّون عنه إلّا بمانع قويّ، ورادع مَليّ.
وهذه العلّة المانعة من الظلم- عند الاستقراء - ترجع إلىٰ أُمور أربعة : إمّا عقل زاجر ، أو دين حاجز ، أو عجز مانع ، أو سلطان رادع. والسلطان القاهر أبلغها نفعاً؛ لأنّ العقل والدين ربّما كانا مغلوبين بدواعي الهوىٰ فيكون رهبة السلطان أقوىٰ ردعاً، وأعمّ نفعاً وإن كان جائراً.
1) راجع: تاريخ الطبري 4: 54.
قوله(علیه السّلام) : ( يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ ، وَيَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ) .. الضمير في «إمرته» لمّا عاد إلىٰ الأمير ، وكان لفظ الأمير محتملاً للبرّ والفاجر ، كان المراد بالإمرة التي يعمل فيها المؤمن : إمرة الأمير من حيث هو برّ، وبالتي يستمتع فيها الكافر إمرته من حيث هو فاجر .
وهذا أولىٰ من قول بعض الشارحين : إنّ الضمير يعود إلىٰ الفاجر ؛ فإنّ إمرة الفاجر ليست مظنّة تمكّن المؤمن من عمله ، والمراد : يعمل المؤمن في إمرة البرّ عمله علىٰ وفق أوامر الله ونواهيه؛ إذ ذلك وقت تمكّنه منه .
والمراد باستمتاع الكافر في إمرة الفاجر : انهماكه في اللذّات الحاضرة التي يخالف فيها أوامر الله ، وذلك في وقت تمكّنه من مخالفة الدين.
قوله(علیه السّلام) : (وَيُبَلِّغُ اللَّهُ فِيهَا الأَجَلَ).. أي : في إمرة الأمير سواء كان برّاً أو فاجراً، وفائدة هذه الكلمة تذكير العصاة ببلوغ الأجل، وتخويفهم به.
قوله(علیه السّلام) : ( وَيُجْمَعُ بِهِ الْفَيءُ ، وَيُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ ، وَتَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ، وَيُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ) .. الضمائر المجرورة كلّها راجعة إلىٰ الأمير المطلق؛ إذ قد تحصل الأمور المذكورة كلّها من وجوده كيف كان برّاً أو فاجراً، فإنّ الفيء يُجمع بهم، والبلاد تُفتح في أيّامهم، والثغور الإسلامية محروسة، والسبل آمنة، والقويّ مأخوذ بالضعيف، ولم يضرّ جورهم شيئاً في تلك الأمور.
قوله(علیه السّلام) : (حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرُّ ، وَيُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِر).. غاية من الأمور المذكورة، أي غاية صدور هذه الأمور: أن يستريح برّ بوجودها ، ويُستراح من تعدّي الفاجر وبغيه : وقيل : أراد أنّ هذه الأمور لا تزال تحصل بوجود الأمير ، برّاً كان أو فاجراً، إلىٰ أن يستريح برّ بموته ، ويُستراح من فاجر بموته أو بعزله.
وفي رواية أخرىٰ: أنّه(علیه السّلام) لمّا سمع تحكيمهم قال : (حُكْمَ اللهِ أَنْتَظِرُ فِيكُمْ)... أي : سوف أنفذ فيكم حكم الله من القتل إذا تجاوزتم الكلام إلىٰ الإخلال بالأمن والنظام، والاعتداء علىٰ الناس.
قوله(علیه السّلام) : (أَمَّا الأمْرَةُ الْبَرَّةُ فَيَعْمَلُ فيها التَّقِيُّ).. أي : تكون له الساحة مفتوحة، والفرص متوفّرة، فيستطيع أن يؤدّي واجباته، ويسارع إلىٰ مغفرة من ربّه وجنّة عرضها السماوات والأرض.
قوله(علیه السّلام) : (وَأَمَّا الْأمْرَةُ الْفَاجِرَةُ فَيَتَمَتَّعُ فِيهَا الشَّيُّ إِلَىٰ أَنْ تَنْقَطِعَ مُدَّتُهُ، وَتُدْرِكَهُ مَنِيَّتُهُ) .. ففي دولة الظالمين يأخذ المنحرف قسطه الأوفر من الملذّات المحرّمة ؛ إذ أنّها توفّر له الأجواء لمثل هذه الأفعال القبيحة ، ويبقىٰ يمارس الرذائل والقبائح حتّىٰ تنتهي مدّته المحدودة ويأتيه الموت، فينقلب من داره القبيحة إلىٰ دار
الحساب والعذاب.
من كلام له(علیه السّلام) كلّم به الخوارج : (أَصَابَكُمْ حَاصِبٌ (1)وَلَا بَقِي مِنْكُمْ آبرُ (2)! أَبَعْدَ إِيْمَانِي بِاللَّهِ وَجِهَادِي مَعَ رَسُولِ اللهِ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أَشْهَدُ عَلَى نَفْسِي بِالْكُفْرِ، لَ- «قَدْ ضَلَلْتُ إذاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ» (3)؟! فَأُوبُوا شَرَّ مَآب (4)، وَارْجِعُوا عَلَىٰ أَثَرِ الْأَعْقَابِ، أَمَا إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي ذُلَّا شَامِلاً، وَسَيْفاً قَاطِعاً، وَأَثَرَةً يَتَّخِذُهَا الظَّالِمُونَ فِيكُمْ سُنَّةٌ ) (5).
قوله(علیه السّلام) : ( أبَعْدَ إِيمَاني بِاللهِ) .. قال أبو عمر : وروي عن سلمان الفارسي أنّه قال : أوّل هذه الأُمّة وروداً علىٰ نبيّها (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) الحوض أوّلها إسلاماً : عليّ بن أبي طالب (6).
قال الهيثمي : ورجاله ثقات (7).
1) الحصب: رميك بالحصباء، أي: صغار الحصىٰ أو كبارها. كتاب العين 3: 123.
2) الأبر: تلقيح النخل، ومثله: التأبير، يأبرها ويؤبرها. كتاب العين 8: 290.
3) الأنعام (6): 56.
4) آبَ فلان إلىٰ سيفه، أي: ردّ يده إلىٰ سيفه. وآب الغائب يؤوب أوباً، أي: رجع. كتاب العين 8: 416.
5) نهج البلاغة 1: 106، الخطبة: 58.
6) مجمع الزوائد 9: 102 .
7) مجمع الزوائد 9: 102 .
قال أبو عمر : وروى شعبة ، عن سلمة بن كهيل ، عن حبّة العرني ، قال : سمعت عليّاً يقول : أنا أوّل من صلّىٰ مع رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )(1).
قال الهيثمي : رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير حبّة العرني ، وقد وثّق (2).
قوله(علیه السّلام) : (وَجِهَادِي مَعَ رَسُولِ اللهِ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أَشْهَدُ عَلَى نَفْسِي بِالْكُفْرِ لَ- (قَدْ ضَلَلْتُ إذاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) ؟!.. وحاشا لعلي(علیه السّلام) أن يخامره شكّ في الله أو في رسول
الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فإنّ من يؤمن بالله ويجاهد بين يدي رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، و يلقي بنفسه في قلب المعارك ويعرّضها للأخطار، حاشاه أن يشكّ أو يتردّد في الله أو في رسوله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فإنّ شهادة الإنسان علىٰ نفسه بالكفر ضلال عن الحقّ وعدم اهتداء لسبيل الله .
ثمّ أردف الإمام (علیه السّلام) ذلك بأمرين:
أحدهما : قوله(علیه السّلام) : (فَأُوبُوا شَرَّ مَآب).. أي: ارجعو اشرّ مرجع ، وهو : الكفر بعد الإيمان.
وبقوله(علیه السّلام) : (وَارْجِعُوا عَلَىٰ أَثَرِ الأَعْقَابِ).. أمرهم بالرجوع إلىٰ الحقّ علىٰ أعقابهم، أي: من حيث خرجوا من الحقّ وفارقوه، ويشير(علیه السّلام) بذلك إلىٰ قوله تعالىٰ: (وَمَا مُحمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهُ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) (3).
والآخر : قوله(علیه السّلام) : (أَمَا إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي ذُلاً شَامِلاً، وَسَيْفاً قَاطِعاً، وَأَثَرَةً يَتَّخِذُهَا الظَّالِمُونَ فِيكُمْ سُنَّةٌ)... فقد أخبرهم بما سيلقون بعده من الذلّ الشامل والسيف القاطع، وهو كناية عمّن يقتلهم بعده.
والأثرة التي يتّخذها الظالمون فيهم سُنّة : إشارة إلىٰ ما يستأثر به الملوك
والعمّال عليهم من الفيء والغنائم وإهانتهم ، وقد كانت دعوته (علیه السّلام) استُجیبت فيهم ؛ فإنّهم لم يزالوا بعده في ذلّ شامل وقتل ذريع حتّىٰ أفناهم الله تعالىٰ.
قال ابن أبي الحديد في شرحه : (وهذه المخاطبة لهم، وهذا الدعاء عليهم، وهذه الأخبار عن مستقبل حالهم ، وقد وقع ذلك ، فإنّ الله سلّط علىٰ الخوارج بعده الذلّ الشامل والسيف القاطع، والأثرة من السلطان، وما زالت حالهم تضمحل حتّىٰ أفناهم الله تعالىٰ وأفنىٰ جمهورهم ، ولقد كان لهم من سيف المهلّب بن أبي صُفرة وبنيه الحتف القاضي والموت الزؤام) (1).
من كلام له (علیه السّلام) قاله للبرج بن مسهر الطائيّ ، وقد قال للإمام بحيث يسمعه : لا حُكْمَ إِلَّا للهِ ، وكان من الخوارج فقال الإمام(علیه السّلام) : (اسْكُتْ قَبَّحَكَ (2)اللَّهُ يَا أَثْرَمُ (3)! فَوَاللَّهِ لَقَدْ ظَهَرَ الْحَقُّ فَكُنْتَ فِيهِ ضَئِيلاً (4)شَخْصُكَ ، خَفِيّاً صَوْتُكَ ، حَتَّى إِذَا نَعَرَ (5)الْبَاطِلُ نَجَمْتَ (6)نُجُومَ قَرْنِ الْمَاعِزِ ) (7).
كان ابتلاء الإمام(علیه السّلام) بالخوارج أشدّ وأقسىٰ من ابتلائه بمعاوية وجماعته لأمرين:
الأوّل : أنّهم في صفوفه ومن بين جنده وأتباعه.
والآخر : أنّهم أغبياء فقراء العقول، ينشدون الحقيقة فلا يعرفون أين هي، قوم بسطاء تنطلي عليهم الشبهات وتسيّرهم بيسر وسهولة.
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4: 132.
2) القبح: الإبعاد النهاية في غريب الحديث لابن الأثير 3:4.
3) الثرم، بالتحريك : سقوط الثنية. الصحاح 5: 1880.
4) الضئيل: الصغير الدقيق الحقير . لسان العرب 11: 388 .
5) النعرة: ذباب ضخم أزرق العين أخضر ، وله إبرة في طرف ذنبه يلسع بها ذوات الحافر خاصّة. الصحاح 2: 831 .
6) نجم الناب: إذا طلع. كتاب العين 6: 155
7) نهج البلاغة 2: 114، الخطبة: 184.
وليتهم إذ ساروا في هذا الاتّجاه كانوا قد تورّعوا عن قتل الناس وإزهاق نفوسهم، وقد كان الإمام يسمع منهم باستمرار ما يؤذيه، وكان أشدّ ما يؤذيه أن يسمع الشعار الذي هو يؤمن به وكلمة الحقّ التي يجاهد من أجلها ، يريد الخوارج منها الباطل والفساد ، شعار : «لا حكم إلّا لله»، الذي يريده الإمام(علیه السّلام) ويقاتل أهل الأرض من أجله، يرفعه الخوارج ويريدون به إفساد الأمّة وضربها وتفتيت وحدتها ، وهذا الرجل «البرج بن مسهر الطائي» شاعر من شعراء الخوارج، رفع شعارهم ونادى به وجهر في وجه أميرالمؤمنين(علیه السّلام) ، فلا يحاوره؛ لأنّه لا يقبل الحوار ، ولا يسمع الكلام، فعدل الإمام (علیه السّلام) عن ذلك إلىٰ إهانته وتبكيته ؛ لأنّ الحوار فقد مفعوله وتعطّل دوره، فكان لابدّ من المواجهة القاسية التي تردّ هذا الضال، وتسقطه وتحطّ من شأنه ، فقال له الإمام (علیه السّلام) داعياً عليه مستصغر أشأنه.
قوله(علیه السّلام) : ( اسْكُتْ فَبَحَكَ اللهُ يَا أَثْرَمُ) .. دعاه بافته إهانة له وانتقاصاً ، كما هو العادة في إهانة ذوي العاهات بذكر آفاتهم.
قوله(علیه السّلام) : (فَوَاللَّهِ لَقَدْ ظَهَرَ الْحَقُّ ) .. قبل وقوع الاختلاف وجدّ الناس في الجهاد.
قوله(علیه السّلام) : (فكُنْتَ فِيهِ ضَيْيلاً شَخْصُكَ) .. فكنّىٰ بضؤولة شخصه عند ظهور الحقّ عن حقارته في زمن العدل بين الجماعة، وخمول ذكره، وظهور الحقّ زمان قوّة الإسلام وقبل ظهور الفتن وقوّة الباطل، وبخفاء صوته عن عدم الالتفات إلىٰ أقواله وحقارته.
قوله(علیه السّلام) : (خَفِيّاً صَوْتُكَ).. أي : لم يسمع منك كلام وقول، كالغائبين والأموات.
قوله(علیه السّلام) : (حَتَّىٰ إِذَا نَعَرَ الْبَاطِلُ ) .. شبّه (علیه السّلام) الباطل بدخول الشبهات والفتن فيه بحمار دخل في أنفه نعرة.
وقد شبّه الإمام(علیه السّلام) بقوله : (نَجَمْتَ نُجُومَ قَرْنِ الْمَاعِزِ) ظهوره بين الناس وارتفاع ذكره عند ظهور الباطل وقوّته بظهور قرن الماعز في السرعة بغتة، أي: طلعت بلاشرف ولا شجاعة ولا قدم ، بل علىٰ غفلة ، كنبات قرن الماعز، ومن البلاغة : تشبيه من يراد إهانته بالمهين الحقير، وتشبيه من يراد تعظيمه بالعظيم الخطير.
بعد أن اطلع «هاجال» علىٰ مبادىء الدين الإسلامي القيّمة، وبعد القيام بمقارنته مع المدارس الأخرىٰ ، وقف حائراً مبهوتاً أمام هذه العظمة والجلالة والسمو، فوجد أنّه دين جاء من عندالله الكامل ، بخلاف البوذية، التي لم تكن إلّا من نتاج العقل البشري الناقص ، فاعتنق الإسلام ومذهب أهل البيت (علیهم السّلام) .
يقول «هاجال»: لقد قرأت عن الإسلام وأمعنت النظر فيه ، فوجدت أنّه أكمل الأديان وأنسبها للإنسانية ، ولذلك فقد أعلنت إسلامي.
فالأديان والعقائد الأخرىٰ التي تنتشر في كوريا واليابان، وخاصّة الدين البوذي الذي كنت وعائلتي من أتباعه سابقاً ما هي إلّا معتقدات ضعيفة وواهية، وأفكار مبهمة ليس فيها أصالة ، وهي تنافي مبادىء الحياة الاجتماعية الصحيحة والقيمة للإنسان.
وبعد مرحلة الاستبصار سمّىٰ «هاجال» نفسه «علیاً»(1).
1) للمزيد عن المستبصر راجع معرفة تحليلية عن الإسلام وبعض الأديان والمذاهب: 400- 401.
من أهالي «كولومبيا»، ولدت في أُسرة تنتمي إلىٰ الديانة المسيحية ، واصلت «ديانا» دراستها الأكاديمية وتخرجت من جامعة «هوجوى» في كولومبيا.
بعد البحث والتحقيق بين الديانات توصّلت «ديانا» إلىٰ أحقّية الدين الإسلامي فاعتنقته، وأقرّت بولاية أميرالمؤمنين(علیه السّلام) ليكتمل دينها بذلك .
من الأمور التي تجذب أصحاب الفكر والبحث في الديانات إلىٰ الدين الإسلامي : معجزات الرسول الأكرم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ؛ فقد جاء نبيّنا الأعظم(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بمعجزته الخالدة، وهي: القرآن الكريم، المعجز ببلاغته وفصاحته، في وقت كان فنّ البلاغة معروفاً ، وكان البلغاء هم المقدّمون عند الناس بحسن بيانهم وسموّ فصاحتهم ، فجاء القرآن كالصاعقة أذلّهم وأدهشهم، وأفهمهم أنّهم لا قبل لهم به ، فخنعوا له مهطعين عندما عجزوا عن مجاراته ، وقصروا عن اللحاق بغباره.
ولم تقتصر معاجز النبي الأعظم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) علىٰ القرآن الكريم، فقد نُقلت عنه آلاف
المعاجز، والإمام أميرالمؤمنين (علیه السّلام) يشير إلىٰ بعض تلك المعاجز.
فقد روي عن أميرالمؤمنين(علیه السّلام) أنّه قال : (كُنْتُ مَعَهُ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لَمَّا أَتَاهُ الْمَلَأُ (1)مِنْ
1) الملأ: الجماعة. ترتيب إصلاح المنطق: 340.
قُرِيْش فَقَالُوا لَهُ : يَا مُحَمَّدُ ! إِنَّكُ قَدِ ادَّعْيْتَ عَظِيا لَمْ يَدَّعِهِ آبَاؤُكَ وَلاَ أحَدٌ مِن بَيْتِكَ. وَنَحْنُ نَسَأَلُكَ أَمْراً إِنْ أَجَبْتَنَا إِلَيْهِ وَأَرَيْتَنَا عَلِمْنَا أَنَّكَ نِيُّ وَرَسُولٌ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ عَلِمْنَا أَنَّكَ سَاحِرٌ كَذَّابٌ.
فَقَالَ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : وَمَا تَسْأَلُونَ؟ قَالُوا : تَدْعُو لَنَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ حَتَّىٰ تَنْقَلِعَ بِعُرُوقِهَا وَتَقِفَ بَيْنَ يَدَيْكَ.
فَقَالَ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، فَإِنْ فَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ ذلِكَ أَتُؤْمِنُونَ وَتَشْهَدُونَ بِالْحَقِّ ؟!
قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : فَإِنِّي سَأُرِيكُمْ مَا تَطْلُبُونَ، وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكُمْ لَا تَفِيئُونَ(1)إِلَىٰ خَيْرٍ ، وَأَنَّ فِيكُمْ مَنْ يُطْرَحُ فِي الْقَلِيبِ (2)، وَمَنْ يُحَذِّبُ الْأَحْزَابَ.
ثُمَّ قَالَ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : يَا أَيُّتَهَا الشَّجَرَةُ إِنْ كُنْتِ تُؤمِنِينَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ ، وَتَعْلَمِينَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ فَانْقَلِعِي بعُرُوقِكِ حَتَّى تَقِفِي بَيْنَ يَدَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ.
وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لأَنْقَلَعَتْ بِعُرُوقِهَا ، وَجَاءَتْ وَلَهَا دَوِيُّ (3)شَدِيدٌ، وَقَصْفٌ كَقَصْفِ أَجْنِحَةِ الطَّيْرِ ، حَتَّىٰ وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) مُرَفْرِفَةٌ، وَأَلْقَتْ بِغُصْنَهَا الأَعْلَىٰ عَلَىٰ رَسُولِ اللَّهِ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وَبِبَعْضِ أَغْصَانِهَا عَلَىٰ مَنْكِبِي (4)وَكُنْتُ عَنْ يَمِينِهِ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).
فَلَمَّا نَظَرَ الْقَوْمُ إِلَىٰ ذلِكَ قَالُوا عُلُوّاً وَاسْتِكْبَاراً : قَرْهَا فَلْيَأْتِكَ نِصْفُهَا وَيَبْقَیٰ نِصْفُهَا .
فَأَمَرَهَا ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ نِصْفُهَا كَأَعْجَبِ إِقْبَالِ وَأَشَدِّهِ دَوِيّاً ، فَكَادَتْ تَلْتَقُ بِرَسُولِ
1) الفيء: الرجوع، سمّي هذا المال فيئاً؛ لأنّه رجع إلىٰ المسلمين من أموال الكفّار عفواً بلا قتال. وكذلك قوله تعالىٰ في قتال أهل البغي «حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ الله»، أي: ترجع إلىٰ الطاعة. لسان العرب 1: 127 .
2) القليب: البئر قبل أن تطوى. كتاب العين 5: 171.
3) الدوي: الصوت، وخصّ بعضهم به صوت الرعد. لسان العرب 14: 281.
4) المنكب : مجمع عظم العضد والكتف، وحبل العاتق من الإنسان والطائر ونحوه. كتاب العين 5: 385.
الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) . فَقَالُوا كُفْراً وَعُتُوّا (1): قَمر هذَا النِّصْفَ فَلْيَرْجِعْ إِلَى نِصْفِهِ كَمَا كَانَ.
فَأَمَرَهُ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فَرَجَعَ ..
فَقُلْتُ أَنَا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، فَإِنِّي أَوَّلُ مُؤْمِن بِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَأَوَّلُ مَنْ أَقَرَّ بَأَنَّ الشَّجَرَةَ فَعَلَتْ مَا فَعَلَتْ بِأَمْرِ اللهِ تَعَالَىٰ : تَصْدِيقاً بِنُبُوَّتِكَ ، وإجلالاً لِكَلِمَتِكَ .
فَقَالَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ : بَلْ سَاحِرٌ كَذَّابٌ ، عَجِيبُ السِّحْرِ ، خَفِيفٌ فِيهِ وَهَلْ يُصَدِّقُكَ فِي أَمْرِكَ إِلَّا مِثْلُ هَذَا ؟ ! يَعْنُونَنِي ) (2).
قوله(علیه السّلام) : (كُنْتُ مَعَهُ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لَمَّا أَتَاهُ المَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالُوا لَهُ : يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ قَدِ ادَّعْيْتَ عَظِيماً لَمْ يَدَّعِهِ آبَاؤُكَ وَلَا أَحَدٌ مِن بَيْتِكَ) ..
هذه حادثة وقعت مع النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وجرت فصولها عندما أعلن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أنّه نبيّ من عندالله ، فقد جاء أشراف قريش وساداتها والمتقدّمون فيها، يريدون تعجيز رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وردّ دعوته .
قوله(علیه السّلام) : (وَنَحْنُ نَسَأَلُكَ أَمْراً إِنْ أَجَبْتَنَا إِلَيْهِ وَأَرَيْتَنَا عَلِمْنَا أَنَّكَ نِبِيٌّ وَرَسُولٌ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ عَلِمْنَا أَنَّكَ سَاحِرٌ كَذَّابٌ . فَقَالَ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : وَمَا تَسْأَلُونَ؟ قَالُوا تَدْعُو لَنَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ حَتَّى تَنْقَلِعَ بِعُرُوقِهَا وَتَقِفَ بَيْنَ يَدَيْكَ)..
ونظير اقتراحهم دعوة الشجرة الواردة في هذه الخطبة اقتراحهم شقّ القمر الوارد في القرآن في قوله عزّ وجلّ: «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلٌّ أَمْرٍ مُسْتَقِرُّ » (3).
وقد ذكر في هذا المقطع أربع من معجزاته(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وهي :
1 - مجيء الشجرة إليه(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وقوله لها : (إِنْ كُنْتِ تُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ ،
وَتَعْلَمِينَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ فَانْقَلِعِي بِعُرُوقِكِ حَتَّى تَقِفِي بَيْنَ يَدَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ).
2 - إخباره(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بعدم تصديقهم له بعد رؤية تلك المعجزة، قوله: (فَإِنْ فَعَلَ اللهُ لَكُمْ ذلِكَ أَتُؤْمِنُونَ وَتَشْهَدُونَ بِالْحَقِّ ؟ ! قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : فَإِنِّي سَأُرِيكُمْ مَا تَطْلُبُونَ، وإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكُمْ لا تَفِيئُونَ)، وهي من معجزاته الإخباريّة، أخبرهم أنّهم مع إراءته (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لهم البيّنات لا يذعنون للإيمان، ويقاتلونه.
3- إخبارهم بمن سيُقتل منهم في بدر ، ويطرح في بئره ، قوله : (وَأَنَّ فِيكُمْ مَنْ يُطْرَحُ فِي الْقَلِيبِ)، أي: البئر، والمراد : بئر بدر.
وهو ما حدث بعد ذلك ؛ قالت عائشة : لمّا أمر رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بالقتلىٰ أن يُطرحوا في القليب، طُرحوا فيه ، إلا ما كان من أميّة بن خلف؛ فإنّه انتفخ في درعه حتّىٰ ملأها فذهبوا ليحرّكوه، فتزايل، فأقرّوه وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة، فلمّا ألقاهم في القليب وقف رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عليهم ، فقال : يا أهل القليب ! هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقّاً، فإنّي وجدت ما وعدني ربّي حقّاً. فقال له أصحابه : يا رسول الله ! أتكلّم قوماً موتىٰ ؟ قال : لقد علموا أنّ ما وعدتهم حقّ (1).
4 - إخبارهم أنّ فيهم من يحزّب الأحزاب عليه، وهو قوله : (وَمَنْ يُحَذِّبُ الأَحْزَابَ) ، فقد كان من حديث الخندق : أنّ نفراً من اليهود، منهم : سلّام بن أبي الحُقيق النضري ، وحُيي بن أخطب النضري ، وكنانة بن الربيع بن أبي الحُقيق النضري ، وهوذة بن قيس الوائلي وأبو عمّار الوائلي، في نفر من بني النضير ونفر من بني وائل ، هم الذين حزّبوا الأحزاب علىٰ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).
خرجوا حتّىٰ قدموا علىٰ قريش بمكّة ، فدعوهم إلىٰ حرب رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وقالوا: إنّا سنكون معكم عليه حتّىٰ نستأصله.
فقالت لهم قريش: يا معشر يهود! إنّكم أهل الكتاب الأوّل ، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمّد ، أفديننا خير أم دينه ؟ !
1) تاريخ الطبري 2: 155 .
قالوا : بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولىٰ بالحقّ منه .
قال : فهم الذين أنزل الله عزّ وجلّ فيهم : «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ الله لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُم مُعْرِضُونَ» (1)، فلمّا قالوا ذلك لقريش ، سرّهم ما قالوا ، ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فأجمعوا لذلك، واتّعدواله.
ثمّ خرج أولئك النفر من اليهود حتّىٰ جاؤوا غطفان من قيس عيلان، فدعوهم إلىٰ حرب رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وأخبروهم أنّهم سيكونون معهم عليه ، وأنّ قريشاً تابعوهم علىٰ ذلك، وأجمعوا فيه ، فأجابوهم.
فخرجت قريش وقائدها : أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها: عيينة بن حصين بن حذيفة بن بدر في بني فزارة، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري في بني مُرّة، ومسعود بن رخيلة بن نويرة بن طريف بن سحمة بن عبدالله بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان فيمن تابعه من قومه من أشجع .
فلمّا سمع بهم رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وبما أجمعوا له من الأمر ضرب الخندق علىٰ
المدينة (2).
قوله(علیه السّلام) : ( ثمّ قال (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يَا أَيُّتَهَا الشَّجَرَةُ ! إِنْ كُنْتِ تُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الْآخِرِ وَتَعْلَمِينَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَانْقَلِعِي بِعُرُوقِكِ حَتَّى تَقِفِي بَيْنَ يَدَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ . وَالَّذِي بَعَثَهُ بالْحَقِّ لأنْقَلَعَتْ بِعُرُوقِهَا ، وَجَاءَتْ وَلَهَا دَوِيٌّ شَدِيدٌ، وَقَصْفٌ كَقَصْفِ أَجْنِحَةِ الطَّيْرِ ، حَتَّىٰ وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) مُرَفْرِفَةً ، وَالْقَتْ بِغُصْنِهَا الْأَعْلَىٰ عَلَىٰ رَسُولِ الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وَبِبَعْض أَغْصَانِها عَلَىٰ مَنْكِي وَكُنْتُ عَنْ يَمِينِهِ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )) ...
وهذا المقطع ، كما هو شاهد لنبوّته(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فهو شاهد علىٰ إمامة أميرالمؤمنين (علیه السّلام) ؛ إذ ألقت الشجرة بغصنها الأعلىٰ علىٰ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وألقت ببعض
أغصانها علىٰ منكبه(علیه السّلام) ، وهو المعنىٰ الذي أشارت له الرواية المروية عنه (علیه السّلام) أنّه
قال : (ما أحد من قريش جرت عليه المواسي إلّا نزلت فيه آية . قيل له : فأيّ آية نزلت فيك ؟ قال : قوله تعالىٰ: «أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ... (1)، محمّد علىٰ بيّنة من ربّه، وأنا شاهد منه تاليه (2).
قوله(علیه السّلام) : (فَلمَّا نَظَرَ الْقَوْمُ إِلَىٰ ذلِكَ).. أي: مجيء الشجرة إليه ، ( قَالُوا عُلُوّاً وَاسْتِكْبَاراً) عن قبول الحقّ:
(قَمَرْهَا فَلْيَأْتِكَ نِصْفُهَا وَيَبْقَىٰ نِصْفُهَا)... فَأَمَرَهَا ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ نِصْفُهَا كَأَعْجَبِ إِقْبَالِ وَأَشَدِّهِ دَوِيّاً ، فَكَادَتْ تَلْتَفُّ بِرَسُولِ اللهِ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ). فَقَالُوا كُفْراً وَعُتُواً: فَمُرْ هَذَا النّصْفَ فَلْيَرْجِعْ إِلَىٰ نِصْفِهِ كَمَا كَانَ. فَأَمَرَهُ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فَرَجَعَ) ..
وروي حديث الشجرة بطريق آخر مختصر ، والظاهر كونه حادثة أخرىٰ؛ فقد روي أنّ من المستهزئين بالنبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : رُكانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب، وكان شديد العداوة ، لقي النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فقال : يابن أخي ! بلغني عنك أمر ، ولست بكذّاب، فإن صرعتني ، علمت أنّك صادق . ولم يكن يصرعه أحد، فصرعه النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ثلاث مرّات ، ودعاه النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) إلىٰ الإسلام، فقال : لا أسلم حتّىٰ تدعو هذه الشجرة . فقال لها النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : أقبلي . فأقبلت تخدّ الأرض . فقال ركانة : ما رأيت سحراً أعظم من هذا ، مرها فلترجع . فأمرها ، فعادت ، فقال : هذا سحر عظيم (3).
قوله(علیه السّلام) : (فَقُلْتُ أَنَا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، فإِنِّي أَوَّلُ مُؤْمِن بِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَأَوَّلُ مَنْ أَقَرَّ بَأَنَّ الشَّجَرَةَ فَعَلَتْ مَا فَعَلَتْ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَىٰ : تَصْدِيقاً بِنُبُوَّتِكَ ، وإِجْلاَلاً لِكَلِمَتِكَ.
.(3)
فَقَالَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ : بَلْ سَاحِرٌ كَذَّابٌ ، عَجِيبُ السِّحْرِ ، خَفِيفٌ فِيهِ): يأتي
بالسحر سريعاً ، (وَهَلْ يُصَدِّقُكَ فِي أَمْرِكَ إِلَّا مِثْلُ هذَا ؟ ! يَعْنُونَنِي) .. أي : يقصدونني ؛ استخفافاً به(علیه السّلام) .
ولو لم يكن لأميرالمؤمنين(علیه السّلام) في استخلاف النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) له إلّا هذه القضيّة وهذه القصّة، لكفىٰ لمن كان له قلب أو ألقىٰ السمع وهو شهيد.
وحديث الشجرة مشهور مستفيض رواه المحدّثون في كتبهم، وذكره المتكلّمون في معجزاته(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ومنهم من روىٰ ذلك مختصراً أنّه دعا شجرة فأقبلت تخدّ الأرض خدّاً(1).
قال الهيثمي : رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (2).
بعد أن اتضح ل- «ديانا» حقيقة الإسلام وعظمته، ذهبت إلىٰ أحد المشايخ في مدينة «تبريز» الإيرانية وأعلنت استبصارها بنور أهل البيت(علیهم السّلام) ، وكان ذلك عام 1428 ه-، تقول «ديانا»: «الحمد لله الذي عرّفني علىٰ الإسلام لأسير علىٰ خُطاه المقدّسة»، وتيمّناً باسم السيّدة الزهراء(علیها السّلام) غيّرت اسمها إلىٰ: «زهراء»(3).
ولد في مدينة «بوانا نتورا» في كولومبيا ، وواصل دراسته هناك إلىٰ أن حصل علىٰ شهادة الليسانس في الفلسفة المسيحية والعلوم الاجتماعية.
بعد البحث والتحقيق بين الأديان السماوية اعتنق «منير الدين» الإسلام علىٰ المذهب السنّي، ثمّ هاجر إلىٰ الأرجنتين ودرس في مسجد التوحيد هناك.
كان «منير الدين» يعتقد ابتداءً أنّ الشيعة يقدّمون الإمام علي(علیه السّلام) علىٰ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، لكنّه عرف بعد ذلك أنّ هذه الفرية من الافتراءات التي تثار لتشويه صورة المذهب الشيعي، وهو ليس بالأمر الجديد، فمنهج بني أميّة وأتباعهم ومن سار مسيرهم ومنذ صدر التاريخ الإسلامي ، هو الذي يكون وراء مثل هذه الإثارات والشبهات، وهذا ما نجده واضحاً في تعامل أحد أتباعهم، وهو ابن تيمية؛ مع حديث الثقلين ، وبالخصوص مقطع : (فإنّهما لن يفترقا حتّىٰ يردا عَليَّ الحوض)، فقد قال ابن تيمية: «وأما قوله : وعترتي أهل بيتي ، وإنّهما لن يفترقا حتّىٰ يردا علَيّ الحوض، فهذا رواه الترمذي ، وقد سئل عنه - عن هذا المقطع - وقد سُئل عنه عنه أحمد ابن حنبل فضعّفه ، وضعّفه غير واحد من أهل العلم وقالوا : لا يصح» (1). وهذا المقطع من الحديث يُعدّ من أهم الفقرات التي يشتمل عليها حديث
1) منهاج السنة 4: 300 ، تحقيق محمّد رشاد سالم و 7 : 394 من الطبعة ذات ثمان مجلدات.
الثقلين ؛ إذ أنّ هناك ثمرات وفوائد تترتّب علىٰ هذه الفقرة التي بيّنها رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).
أيضاً عندما نراجع مسند أحمد بن حنبل، يقول شعيب الأرنؤوط - محقّق الكتاب - بعد نقل هذا الحديث : «حدیث صحیح بشواهده دون قوله : فإنّهما لن يفترقا حتّىٰ يردا عَليّ الحوض، وهذا إسنادٌ ضعيف ، وعطية - وهو ابن سعد العوفي - ضعیف»(1).
فهو وتبعاً لابن تيمية يرىٰ أنّ هذا المقطع غير تام.
ولكننا عندما نرجع إلىٰ أحمد بن حنبل الذي نقل هذا النصّ وهذه الرواية بهذا المتن الذي أشرنا إليه نجده أشار إلىٰ حديث الثقلين في مواضع مختلفة (2).
قال الألباني: «قال حنبل بن إسحاق : جمعنا عمّي؛ لي ولصالح ولعبدالله- يعني: ابن الإمام أحمد - وقرأ علينا المسند، وما سمعه منه - يعني : تامّاً - غيرنا ، وقال : إنّ هذا الكتاب قد جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة وخمسين ألفاً، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فارجعوا إليه ؛ فإن كان فيه وإلا فليس بحجّة » (3).
فهو يقول : إذا وقع اختلاف في حديث فارجعوا إلىٰ كتابنا ؛ فإن وجدتموه فيه ، يعني : حجّة، وإذا لم يكن موجوداً فيه فليس بحجّة. والآن نحن وقع عندنا اختلاف أنّ هذا المقطع صدر عن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) كما نحن نعتقد، أو أنّه ضعيف ولا يصحّ ، كما يقول ابن تيمية ، وتابعه علىٰ ذلك شعيب الأرنؤوط.
إذاً فالإمام أحمد بن حنبل عندما نقل النص في هذا الكتاب ولم يكتفِ بأن ينقله في مورد واحد بل نقله في موارد متعدّدة وبطرق متعدّدة، إذاً فهو حجّة ، وصحيح؛ إذا لماذا ينسب ابن تيمية إلىٰ الإمام أحمد بن حنبل أنّه ضعفه ؟ !
ومن الغرائب أنّ ابن تيمية أيضاً يقبل هذا المعنىٰ من أحمد بن حنبل ، ويصرّح به ، فهو يقول: «إذا كان الحديث وارداً في المسند فهو ليس بضعيف ، لا بالإرسال ولا بغير الإرسال من أسباب الضعف».
ويقول: «أحمد له المسند المشهور، وهو مسند الإمام أحمد ، وله كتاب مشهور في فضائل الصحابة، ويوجد في (كتاب فضائل الصحابة ) مجموعة من النصوص والأحاديث هذه لم ينقلها في كتاب المسند وإن كانت موجودة في فضائل الصحابة ، لما فيها من الضعف» (1).
وهذا معناه أنّ في المسند لا يوجد ضعيف ، وهو تصريح منه بتصحيح المسند وما ورد فيه من أحاديث.
بقي أمرٌ ، وهو : أنّ مسند أحمد لا يشتمل علىٰ الروايات التي يرويها أحمد بن حنبل مباشرة فقط، وإنّما هناك في هذا الكتاب مجموعة من الروايات التي أضافها ابنه عبدالله إلىٰ المسند، ، وهي المعروفة ب- «الزيادات»، وكذلك هناك مجموعة من الروايات أضافها القطيعي ، رواها عن ابنه عبدالله وأضافها وزادها في المسند، إذاً في هذا الكتاب المعروف ب- «مسند أحمد بن حنبل» توجد أنواع ثلاثة من الروايات :
النوع الأوّل : التي رواها مباشرة أحمد بن حنبل، وهي المعروفة ب- «المسند».
النوع الثاني : الزيادات التي أضافها عبدالله ابنه.
النوع الثالث : الزيادات التي أضافها القطيعي نقلاً عن عبدالله.
والسؤال هنا : هل إنّ تلك الزيادات أيضاً صحيحة ، أو ليست بصحيحة ؟
فلقائل أن يقول : لعلّ حديث الثقلين من تلك الزيادات، إذاً علىٰ هذا الأساس : ورودها في هذا الكتاب لا يكون مشمولاً بشهادة أحمد بن حنبل بصحّة هذه الرواية.
1) منهاج السّنة 303:4.
والجواب : إنّ هذه الرواية ، يعني حديث الثقلين ، في سائر المواضع التي أشار إليها أحمد بن حنبل داخلة في المسند، لا في الزيادات من القسم الأوّل، ولا في الزيادات من القسم الثاني.
والدليل : إنّ محقّق الكتاب ، وهو شعيب الأرنؤوط ، قال : «تتهنا إلىٰ زيادات عبدالله ابن الإمام أحمد ، وما رواه عن أبيه، وعن شيخ أبيه أو غيره ، باستخدام الرموز التالية : دائرة صغيرة سوداء لزيادات عبدالله ، ودائرة صغيرة بيضاء لوجوداته ، ونجمةٌ مدوّرة لما رواه عن أبيه، وعن شيخ أبيه أو غيره»(1).
وعندما نأتي إلىٰ هذه الأحاديث التي أشرنا إليها، وهي حديث الثقلين، وهي الرواية (11104) و (11211) و (11131)، فلا توجد لا دائرة سوداء ولا بيضاء ولا نجمة .
إذاً كيف نسب ابن تيمية إلىٰ الإمام أحمد بن حنبل أنّه ضعف هذا الحديث؟ مع أنّه يذكره ستّ مرّات بأسانيد متعدّدة ، وهو يشهد علىٰ حجّيته وابن تيمية يقبل أنّ ما في المسند لا هو ضعيف بالإرسال ، ولا بغير الإرسال.
وأمّا قول ابن تيمية : وضعّفه غير واحدٍ من أهل العلم» ، فلا نعلم أنّه يشير إلىٰ من من أهل العلم المحقّقين الذين يعتمد عليهم.
لقد أشار إلىٰ تصحيح هذا الحديث العديد من الأعلام ، نشير إلىٰ بعضهم :
المورد الأوّل : الإمام المحدّث الفقيه المفسّر أبو جعفر الطحاوي، المتوفّى سنة 321 من الهجرة ، قال : «كما حدّثنا أحمد بن شعيب ، باسناده عن زيد بن أرقم ، قال : لمّا رجع رسول الله عن حجّة الوداع ... قال(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : .. كتاب الله عزّ وجلّ، وعترتي أهل بيتي ، فانظر واكيف تخلفوني فيهما ، فإنّهما لن يتفرّقا حتّىٰ يردا علَيّ الحوض. قال أبو جعفر ، يعني : الإمام الطحاوي : فهذا الحديث صحيح الإسناد لا طعن لاحدٍ في أحدٍ من رواته» (2).
المورد الثاني : ابن كثير القرشي الدمشقي ، المتوفّى 774 ه-، قال: «عن زيد بن أرقم ، قال : لمّا رجع رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ... قال : إنّي قد تركت فيكم الثقلين، كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ، فانظروا كيف تخلفونني فيها، فإنّهما لن يفترقا حتّىٰ يردا علَيّ الحوض.... قال : شيخنا أبو عبدالله الذهبي : وهذا حديثٌ صحيح» (1).
وشيخه هنا هو الذهبي.
وفي الحاشية يقول: «أخرج هذا الحديث الحاكم في المستدرك»، ولذا لم ننقل عن الحاكم النيسابوري في «المستدرك» حتّىٰ لا يقال : بأنّ ميوله وهواه شيعي ، أو : أنّه كثيراً ما يقول: «صحيح»، ويوافقه الذهبي، والعجيب أنّه وعند مراجعة النسخة الموجودة من المستدرك نجد أنّ موافقة الذهبي محذوفة .
المورد الثالث : ابن كثير ، قال : «وقد ثبت في الصحيح أنّ رسول الله قال في خطبته في غدير خم : إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي ، وإنّهما لن يفترقا حتّىٰ يردا علَيّ الحوض» (2).
المورد الرابع : العلّامة الآلوسي ، قال : «وأنت تعلم أنّ ظاهر ما صحّ من قوله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : إنّي تارك فيكم خليفتين ، وفي رواية : ثقلين ، كتاب الله ، حبلٌ ممدود ... وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتّىٰ يردا علَيّ الحوض» (3).
إذاً الآلوسي يرىٰ أنّ هذا الحديث أيضاً بهذا المتن صحيح.
المورد الخامس : السيوطي، المتوفّى ،911 ، قال : «وإنّهما لن يتفرّقا حتّىٰ يردا علَيّ الحوض (صح)، يعني: صحيح، ويقول المحقّق في الحاشية : الحديث 2631 صحیح (4).
المورد السادس : ابن حجر الهيتمي ، يقول : وفي روايةٍ صحيحةٍ قال .... فإنّهما لن يتفرّقا حتّىٰ يردا علَيّ الحوض)، وفي روايةٍ: وإنّهما لن يتفرّقا حتّىٰ يردا علَى الحوض»(1).
المورد السادس : الألباني، قال: «قال رسول الله : إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي، هذا المقطع إن شاء الله بعد ذلك سيأتي... ولن يتفرّقا حتّىٰ يردا علّيّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما. (صحيح» (2).
وكذلك صحّح هذا الحديث في صحيح الجامع، فقال: «وإنّهما لن يفترّقا حتّىٰ يردا علَيّ الحوض) ، صحيح» (3).
والقضية لم تختصّ بكتب الحديث والتفسير فحسب، بل سرىٰ ذلك إلىٰ مصادر اللغة أيضاً ..
قال ابن منظور : وقال الأزهري : وفي حديث زيد بن ثابت ، قال : قال رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : إنّي تارك فيكم الثقلين خلفي : كتاب الله وعترتي ، فإنّهما لن يتفرّقا حتّىٰ يردا علَيّ الحوض.
وقال : قال محمّد بن إسحاق (وهو ابن اليسار المدني): وهذا حديث صحیح (4).
فإذا كانت عشرات المصادر والمراجع من المحدّثين والمفسّرين واللغويين، قالوا بالصحّة، أكان من الإنصاف العلمي والأمانة العلمية أن يقول هذا الرجل هذا الكلام ؟ !
وهذا من الأساليب التي يستعملها ابن تيمية ؛ فهو يوهم القارىء وكأنّ قضية ضعف هذا الحديث من المسلّمات الثابتات، ولا يوجد له سندٌ صحيح.
بعد أن اتّضحت ل- «منير الدين» حقيقة الفضائل الواردة في حقّ أهل البيت(علیهم السّلام) وإمامتهم ، وصحّة اعتقاد الإمامية في هذه القضية وغيرها، وكذب ابن تيمية وأتّباعه لإخفاء الحقيقة عن الناس وتضليلهم، قرّر اعتناق مذهب أهل البيت(علیهم السّلام) ، وكان ذلك في سنة 1407ه- (1).
1) للمستبصر ملف في المركز، وقد أُجري . معه لقاء ذكر فيه أدلّة استبصاره، ومَن استبصر علىٰ يديه، وغير ذلك.
نشأ في «الكويت» في بيت سنّي معتدل ، إلا أنّه وبعد بلوغ مرحلة الرشد كان يتردّد إلىٰ مسجد تابع للفرقة الوهّابية ، الأمر الذي جعله يتأثّر بأفكارها، ويصبح وهابياً متعصّباً ضد المذهب الشيعي.
نفس «خالد» المتعطّشة لنيل الحقيقة لم تدعه يغرق في الأوهام التي أثّرت عليه ، فقرّر أن يذهب ويحاور الشيعة ومن كان يراهم عدوّه العقائدي الأوّل، وبعد فترة من البحث مع علماء الشيعة ومثقّفيهم ومناقشة مبادئهم بدأت تتغيّر تصوّراته عن المذهب الشيعي.
بعد رحلة شاقة من البحث والتنقيب توقف «خالد» علىٰ عدّة محاور قرّبت أفكاره من الرؤية الشيعية، ومن أهم هذه المسائل أنّه : وجد المخالفين لمذهب أهل البيت (علیهم السّلام) هم من يطعنون برسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، لا كما كان يتصوّره من أن الشيعة من يقوم بذلك.
فمن يراجع التاريخ الإسلامي يرىٰ العديد من المواقف التي يتوجّه فيها الطعن للرسول الأكرم(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) إكراماً لعائشة، والحساب أبي بكر وعمر وعثمان، وغيرهم ممّن ماثلهم من الأمويين، ومن الملفت للنظر أنّ الواضع لكثير من هذه الافتراءات هي عائشة بنت أبي بكر .
ومن جملة ما افترته علىٰ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : ادعاؤها أنّ سورة «عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ» قد نزلت في ذمّه ! وهو الادّعاء الذي تابعه عليها أبناؤها، ونشروه عن جهل في أقاصي الأرض، حتّىٰ بلغ النصارىٰ ذلك ، فقال قائلهم : إن نبيّنا عيسىٰ أفضل من نبيّكم ؛ لأنّه كان سيّء الأخلاق ، يعبس للعميان ، ويدير لهم ظهره ، بينما نبيّنا عيسىٰ كان يبرىء الأكمه والأبرص (1).
وثمة أكثر من رواية عن عائشة في هذا المجال.. فمنها : ما رواه الحاكم والطبراني عن مسروق ، قال : «دخلتُ علىٰ عائشة وعندها رجل مكفوف تقطع له الأترُجُّ وتطعمه إياه بالعسل، فقلت: مَن هذا يا أُمّ المؤمنين ؟ فقالت: هذا ابن أُمّ مكتوم الذي عاتب الله فيه نبيّه (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ! قالت : أتى نبيَّ الله وعنده عتبة وشيبة فأقبل رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عليها فنزلت: عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ ؛ ابن أُمّ مكتوم» (2)
ومنها : ما رواه الترمذي وابن حبّان عن عائشة، قالت: «أنزل «عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ» في ابن أمّ مكتوم الأعمىٰ ، أتى رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فجعل يقول : يا رسول الله أرشدني ، وعند رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) رجل من عظماء المشركين ، فجعل رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يُعرض عنه ويُقبل علىٰ الآخر ويقول : أترى بما أقول بأساً؟ فيقول: لا. ففي هذا أنزل» (3).
ومنها : ما رواه ابن المنذر وابن مردويه عن عائشة، قالت: «کان رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في مجلس من ناس من وجوه قريش ، منهم : أبو جهل بن هشام ، وعتبة بن ربيعة ، فيقول لهم : أليس حسناً أن جئتُ بكذا وكذا؟ فيقولون: بلى والله . فجاء ابن أمّ مكتوم وهو مشتغلٌ بهم ، فسأله ، فأعرض عنه فأنزل الله : أَمَّا مَنِ اسْتَغْىٰ * فَأَنتَ
لَهُ تَصَدَّىٰ * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ * وَأَمَّا مَن جَاءَكَ جَاءَكَ يَسْعَىٰ * وَهُوَ يَخْشَىٰ * فَأَنْتَ عَنْهُ تلهىٰ ! يعني : ابن أُمّ مكتوم»! (1).
ومن الواضح أنّ عائشة أرادت من وراء إلصاقها سورة «عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ» بالنبي الأكرم(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) الخدش في كمال عصمته وسموّ أخلاقه، وتصويره بصورة رجل فطّ غليظ يعبس في وجه الفقراء المساكين، الذين يطلبون منه أن يعلّمهم الدين، ويتولّى عنهم معرضاً، فيما يركض وراء الأغنياء غير الأزكياء، ويُقبل عليهم بكلّ لطف واحترام !
ولسنا ندري كيف انطلت هذه الكذبة علىٰ المخالفين ؟ ! وكيف طابت أنفسهم أن يجعلوا المعنيّ بما ورد في السورة من مساوىء الصفات وقبائحها إلىٰ الحبيب المصطفل (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ؟! وكيف هضموا أن يكون الخطاب التقريعي الشديد الذي ورد في هذه السورة موجّهاً إلىٰ مَن لم تعرف له البشرية نظيراً في حلمه وتواضعه ومكارم أخلاقه و سجاياه ؟!
يا الله ! أما مِن رشيد عاقل يتأمّل فى آيات هذه السورة ومعانيها ليعرف بداهةً أنّ ما ورد فيها أبعد ما يكون انطباقاً علىٰ نبي الرحمة(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ؟!
أفهل يكون نبيّنا هو مَن «عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ* أَن جَاءَهُ الأَعْمَىٰ»، وهو الذي «ما رُئي إلّا مبتسماً وما كان يحدّث بحديث إلّا تبسّم» (2)كما نطقت به الأحاديث عن أصحابه ؟!
أهكذا ينكبّ نبيّنا علىٰ المشركين من ذوي المال والجاه، فيوصف بأنّه: «أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ » ، فيما يلهو عن الفقراء المساكين
الذين يخشون ربّهم وقد جاؤوه يسعون إليه ، فيوصف بأنّه : «وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ * وَهُوَ يَخْشَىٰ* فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَىٰ» ؟!
أهكذا يكون نبيّنا ، وهو الذي وصفه الله تعالىٰ في كتابه بأنّه : «بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ» (1)وخاطبه قائلاً: «وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ » (2)؟!
وكان من أمره له قبل ذلك : «وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ» (3)، «وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ» (4)، وبعده: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ والمُنافِقِينَ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمْ» (5)؟!
فإذا كان آبياً عن أن يزَّكَّى بالإسلام، فجزاؤه الغلظة عليه ، فكيف تصدّى له وانكبّ عليه وفضّله علىٰ ذلك المؤمن الأعمى المسكين الذي يخشى ؟ !
حقّاً إنّ هذه أبعد ما تكون عن صفات الأنبياء، فضلاً عن سيّدهم وخاتمهم(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وهو الذي نعته أخوه أمير المؤمنين (علیه السّلام) بقوله : «كان رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) دائم البِشر ، سهل الخُلُق ، ليِّنَ الجانب ، ليس بفظِّ ولا غليظٍ، ولا سخّابِ ولا فحّاشِ، ولا عيّابٍ ولا مزّاح» (6).
إنّ هذا هو ما دفع بعض علماء المخالفين إلىٰ الشك في صدق ما جاء عن عائشة وأضرابها في أنّ المعنيّ بهذه الآيات هو النبي الأعظم(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )..
ومن هؤلاء : الفخر الرازي: فمع أنّه ذكر في تفسيره إجماع المفسّرين علىٰ ذلك، إذ قال: «أجمع المفسّرون علىٰ أنّ الذي عبس وتولّى هو : الرسول عليه الصلاة والسلام، وأجمعوا علىٰ أنّ الأعمى هو : ابن أمّ مكتوم » (7)، فإنّه عاد في كتابه الآخر
(عصمة الأنبياء) وشكّك في صحّة ذلك حين رآه يصادم عصمته(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وأخلاقه ،
فقال: «لا نسلّم أنّ هذا الخطاب متوجّه إلىٰ النبي عليه الصلاة والسلام . لا يُقال : إنّ أهل التفسير قالوا : الخطاب مع الرسول ؛ لأنّا نقول : هذه رواية الآحاد فلا تُقبل في هذه المسألة ، ثم إنّها معارَضةٌ بأمور:
الأول : أنّه وصفه بالعبوس، وليس هذا من صفات النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في قرآن ولا
خبر مع الأعداء والمعاندين فضلاً عن المؤمنين والمسترشدين.
الثاني : وصفه بأنّه تصدّى للأغنياء وتلهّى عن الفقراء، وذلك غير لائق بأخلاقه.
الثالث : أنّه لا يجوز أن يُقال للنبي : وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ.. فإنّ هذا الإغراء يترك الحرص علىٰ إيمان قومه، فلا يليق بمن بُعث بالدعاء والتنبيه» (1).
ونضيف ها هنا : أنّ ابن أمّ مكتوم قد عاش بعد الحادثة المذكورة سنوات طوالٍ ، ومع ذلك لم يرد عنه حتّىٰ خبرٌ واحدٌ يؤكّد ما ذكرته عائشة علىٰ رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، مع أنّه صاحب القصّة والمعنيّ بها ، ولو كانت لحاله مع النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) حقيقة لبانت علىٰ لسانه، ولمشت بها الركبان.
وإذ تبيّن أنّه لا يمكن أن تكون هذه السورة قد نزلت في ذمّ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )
ومعاتبته ، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو : في من إذاً ؟!
وجواب ذلك إنما هو عند الأئمة الأطهار من عترة المصطفى ، الذين لو كان المخالفون يرجعون إليهم لارتفعت حيرتهم، ولزال الشك من قلوبهم ، ولاستقام منهاجهم ، ولعرفوا الحق من باطلهم !
قال الإمام الصادق(علیه السّلام) : «إنّها نزلت في رجل من بني أُمية كان عند النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فجاءه ابن أمّ مكتوم ، فلمّا رآه تقذّر منه وعبس وجمع نفسه وأعرض بوجهه عنه ! فحكى الله ذلك وأنكره عليه» (2).
إنّ كلّ من وقف علىٰ تاريخ بني أُمية وسيرتهم يعلم مدى غرورهم وتكبّرهم علىٰ الفقراء والمستضعفين، سواءً في الجاهلية أو الإسلام؛ إذ كانوا يرون أنفسهم أشراف قريش الذين لا ينبغي أن يُساووا بغيرهم في موقف أو مجلس، وكان ذلك من أهم دوافعهم لمحاربة الإسلام، الذي جاء لإزالة هذه الفوارق الطبقية ، ولسان حالهم : «إنّ محمّداً هذا جاء ليساوي بيننا وبين العبيد والأراذل»!
وبملاحظة هذا، فإنّ ما جاء عن الإمام الصادق(علیه السّلام) ، بغضّ النظر عن أي اعتبار آخر، يكون أقرب إلىٰ التصديق ؛ فالصفات التي وردت في سورة (عبس) أقرب إلىٰ صفات بني أمية ، وأبعد عن صفات خاتم الأنبياء والمرسلين(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) الذي كان يجالس الفقراء ويتواضع للمساكين والمستضعفين حتّىٰ شهد بذلك المؤالف والمخالف والعدوّ والصديق .
فمن هو ذلك الرجل من بني أمية ؟
إنّ جواب هذا نجده في رواية علي بن إبراهيم القمّي (رضوان الله تعالىٰ عليه)؛ إذ جاء في تفسيره لقوله تعالىٰ: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ» ما نصّه : «نزلت في عثمان وابن أمّ مكتوم ، وكان ابن أمّ مكتوم مؤذناً لرسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وكان أعمىٰ ، وجاء إلىٰ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وعنده أصحابه وعثمان عنده ، فقدّمه رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) علىٰ عثمان ، فعبس عثمان وجهه وتولّىٰ عنه ، فأنزل الله : عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ؛ يعنى عثمان ، أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ ؛ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ ؛ أي يكون طاهراً أزكىٰ ، أَوْ يَذَّكَّرُ ؛ يذكّره رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ ..
ثم خاطب عثمان ، فقال : أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ ؛ قال : أَنت إذا جاءك غنيّ تتصدّى له وترفعه ، وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ : أي لا تبالي زكياً كان أو غير زكي إذا كان غنياً، وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ؛ يعني : ابن أمّ مكتوم، وَهُوَ يَخْشَىٰ فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَىٰ ؛ أي تلهو ولا تلتفت إليه»(1).
1) تفسير القمي 2 405، وعنه بحار الأنوار 17: 85 .
إنّ الذي درس شخصية ونفسية عثمان بن عفّان الأُموي يرى ما جاء في هذه الرواية أقرب إلىٰ صفاته المعهودة ؛ فقد كان رجلاً ورث التكبّر والتعالي من بني أُمية .. ولا أدلَّ علىٰ ذلك ممّا كان منه يوم بناء مسجد رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ؛ ففي حين كان النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وبقية أصحابه قد وضعوا أثوابهم يعملون ويباشرون الطين والتراب، كان عثمان يحمل اللَّبنة متأففاً ويجافي بها عن ثوبه لئلّا يصيبه شيء من ترابها وغبارها! وكان ذلك مثار سخرية أمير المؤمنين (علیه السّلام) ، الذي نظم في تحقيره بيتين من الشعر، تلقّاهما عمار بن ياسر(رضی الله عنه) وارتجزهما ، فما كان من عثمان إلّا أن توجّه إليه شاتماً ومهدّداً ، فغضب النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ودافع عن عمّار قائلاً: «عمّار جلدة ما بين عينيّ وأنفي»! (1)
لئن قعدنا والنبيّ يَعملُ*** ذاك إذن لعملٌ مُضلَّلُ
قالت: وكان عثمان بن عفّان رجلاً نظيفاً مُتنظّف فكان يحمل اللَّبنة ويُجافي بها عن ثوبه، فإذا وَضعها نفض كفّيه ونَظَر إلىٰ ثوبه، فإذا أصابه شيء من التراب نَفَضه! فنظر إليه علي رضي الله عنه فأنشده:
لا يَستوي مَن يَعْمُر المساجدا*** يَدْأبُ فيها راكعاً وساجدًا
وقائماً طَوْراً وطوراً قاعدَاً*** ومَن يُرى عن التّراب حائدَا!
فسمعها عمَّار بن ياسر ، فجعل يَرتجزها وهو لا يدري من يعني فسمعه عثمانُ، فقال: يابن سُميَّة! ما أَعْرَفني بمَن تُعَرِّض! ومعه جريدة، فقال: لتكفّنَّ أو لأعترضنَّ بها وجهَك ! فسمعه النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وهو جالس في ظِل حائط، فقال: عمَّار جِلْدة ما بين عَينيّ وأنفي، فمن بلغ ذلك منه فقد بلغ منّي، وأشار بيده فوَضعها بين عينيه».
إنّ الحقيقة هي : أنّ سورة (عبس) قد نزلت في ذمّ عثمان بن عفّان ، ولهذا كان النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يعرضُ به حين يرى ابن أمّ مكتوم ؛ فقد قال الإمام الصادق(علیه السّلام) : «كان رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) إذا رأى عبدالله بن أمّ مكتوم قال : مرحباً؛ لا والله لا يعاتبني الله
1) روى ابن عبد ربّه الأندلسي في العقد الفريد 2: 113 عن أُمّ سلمة رضوان الله تعالىٰ عليها: «لمّا بَنىٰ رسولُ الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) مسجدَه بالمدينة، أمر باللَّبن يُضرب وما يُحتاج إليه، ثم قام رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فوَضع رداءه، فلمّا رأى ذلك المهاجرون والأنصار وضعوا أرديتهم وأكسيتهم يرتجزون ويقولون ويعملون:
فيك أبداً! وكان يصنع به من اللطف حتّىٰ كان يكفُّ عن النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ممّا يفعل به»(1). ويبدو أنّ عائشة أرادت قلب هذه الحقيقة بإلصاق ما جاء في هذه السورة من شديد التقريع والذم إلىٰ النبي الأكرم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) . ويبدو كذلك أنّ حديثها هذا جاء في فترة الوئام ما بينها وبين عثمان؛ إذ أسدت له هذه الخدمة التي أبرأته ممّا ثبت نزوله فيه ! وإلا فإنّ العلاقة بينهما كانت قد تعكّرت لاحقاً لأسباب مالية ، فأخرجت عائشة فضائح عثمان ، وحدّثت بمثالبه ، حتّىٰ أفتت بقتله !
أمّا في فترة الوئام ودفء العلاقة، فقد صرفت عائشة «عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ» عن عثمان إلىٰ النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) . كما اختلقت لأجل عينيّ عثمان حديثاً شائناً يجري هذا المجرىٰ، أي : رفع شأن عثمان وتنقيص شأن النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) والطعن في أخلاقه !
ذلك الحديث هو : الذي رواه مسلم عن عائشة قالت : «كان رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) مضطجعاً في بيتي ، كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه ، فاستأذن أبو بكر ، فأذن له وهو علىٰ تلك الحال ، فتحدّث، ثم استأذن عمر ، فأذن له وهو كذلك ، فتحدّث، ثم استأذن عثمان ، فجلس رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وسوّى ثيابه ! فدخل فتحدّث ، فلمّا خرج ، قالت :عائشة : دخل أبو بكر فلم تَهتَش له ولم تُبالِه ! ثم دخل عمر فلم تَهْتَش له ولم تُبالِه ! ثم دخل عثمان فجلست وسوَّيتَ ثيابك ؟ فقال : ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة» (2)!
وهذا الحديث المكذوب هو كما ترىٰ يؤدّي بك إلىٰ الاعتقاد بأن النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) كان متهتّكاً لا يستحي ؛ إذ يأذن للرجال بدخول بيته وهو مضطجع ، كاشف عن فخذيه أو ساقيه، وإلىٰ جواره امرأته (3)أمّا حين يدخل عثمان فإنّه يضطر إلىٰ
تسوية ثيابه حياءً منه ؛ لأنّ عثمان رجلٌ حييّ، وتفوّق في حياته علىٰ الملائكة ، حتّىٰ أنّها لتستحي منه ! ولا ندري أين ذهب حياء الملائكة من رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) نفسه ؟ !
كما لا ندري كيف يكون عثمان رجلاً حييّاً وهو الذي طفحت كتب التاريخ والتراث بشتائمه ونيله من أُمّهات الناس ، وذكرهنّ بسوء، حتّىٰ أنّه نال من أُمّ عمّار بن ياسر السيّدة سمية (رضوان الله تعالىٰ عليها)، وهي أوّل شهيدة في الإسلام!
فقد روى البلاذري: أنّ عمّاراً لمّا اعترض علىٰ عثمان، لأخذه من بيت مال المسلمين حليّاً وجواهر أهداهنّ إلىٰ أهله بغير وجه حق ؛ قال عثمان لعمّار: «أَعلَيَّ يابن المتّكاء تجترىء ؟!»، ثم أمر به، فضُرب وعُذِّبَ حتّىٰ غُشيّ عليه (1)!
والمتّكاء هي: المرأة البظراء المفضاة التي لا تمسك البول(2)! فهكذا كان عثمان يشتم أوّل شهيدة في الإسلام، وينال من أمّ أحد أكبر أجلّاء أصحاب رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) !
وهكذا كان عثمان حييّاً «تستحي منه الملائكة» بزعم عائشة !
بعد ما يقارب السنتين من البحث والتنقيب في مصادر أهل السنّة، والوقوف على ما قامت به يد التحريف للنيل من الإسلام النبوي بالصبغة العلويّة ، أعلن «خالد» عن استبصاره والتحاقه بركب شيعة أهل البيت(علیهم السّلام) ، وكان ذلك عام 1427 ه- في دولة الكويت (3).
ولدت عام 1393 ه- ( 1974م) ، ونشأت في الكويت في أسرة سنية المذهب، فاتّبعت أصول هذا المذهب وعملت بفروعه كباقي أفراد الأسرة.
مضت «سهيلة» علىٰ معتقدها هذا حتّىٰ شاء الله سبحانه وتعالىٰ أن أثيرت عندها بعض الأسئلة والشبهات بالنسبة لمذهبها ، ووجدت الفرصة مناسبة للبحث عنها فشرعت بمناقشة الأدلّة والبراهين.
ومن أهمّ ما يناقشه الباحث في هذا المجال موضوع الإمامة، الموضوع الذي يعدّ رأس المسائل الخلافية بين الشيعة والسنّة.
افترق علماء المسلمين إلىٰ اتّجاهين في فهم الإمامة في الإسلام:
الأوّل : الذي يعتقد بأنّ الإمامة ليست من الضروريات المرتبطة بالأصول العقدية، ولا من الضروريات المرتبطة بالأمور الفرعية، وإنّما تعدّ من ثواني الأبحاث ، ولولا العادة لكان الاستغناء عن هذا البحث أولىٰ من الدخول فيه، وهذه الرؤية رؤية مدرسة الصحابة.
ويشترطون في الإمام : أن يكون قُرشيّاً من الصميم، وأن يكون في العلم بمنزلة من يصلح أن يكون قاضياً من قضاة المسلمين، إذاً علىٰ مستوىٰ العلم يكون
له علم متعارض كأيّ قاضٍ من قضاة المسلمين ، وأن يكون ذا بصيرة بأمر الحرب، وتدبير الجيوش والسرايا وسدّ الثغور ، وحماية البيضة (بيضة الإسلام)، وحفظ الأمّة، والانتقام من ظالمها والأخذ لمظلومها (1).
قال عبدالقاهر البغدادي : قال أصحابنا : إنّ الذي يصلح للإمامة ينبغي أن يكون فيه أربعة أوصاف :
1 - العلم : وأقلّ ما يكفيه منه أن يبلغ فيه مبلغ المجتهدين بالحلال والحرام.
2 - العدل والورع وأقلّ ما يجب فيه من هذه الخصلة أن يكون ممّن يجوز قبول شهادته .
3- الاهتداء إلىٰ وجوه السياسة، وحسن التدبير والمعرفة بمراتب الناس، والحروب.
4 - أن يكون نسبه من قريش (2).
فهذا هو القدر الذي يراد منه للإمام أن يدير الأمّة الإسلامية ، بكلّ ما فيها من مغريات ، وبكلّ ما فيها من إشكاليات ، وبكلّ ما فيها من أمور قد ينزلق الحاكم والخليفة والإمام فيها ولا يحتاج إلّا إلىٰ درجة متوسّطة ، بل دانية .
وبعضهم اعتبر : أن لا يكون معلناً للفساد في الأرض ، فإذا كان علىٰ السرّ فلا مشكلة !
ولهذا نجد في مجتمعاتنا الإسلامية أن الحاكم الظالم إذا لم يكن متجاهر بالفسق والظلم يجعلونه من أولي الأمر في قوله تعالىٰ: «أَطِيعُوا اللَّه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ» (3)علىٰ أساس هذا المبنىٰ.
ولا تحتاج الإمامة إلىٰ اجتماع أهل الحلّ والعقد، أو الإجماع، بل تنعقد بشخص واحد ؛ يعني : شخص يمدّ يده إلىٰ شخص آخر يقول : أبايعك علىٰ أن تكون خليفة ، فتنعقد ويكون المبايَع بالفتح- خليفة .
واستدلّوا لذلك ب-: فعل الخليفة الثاني بالنسبة إلىٰ الخليفة الأوّل؛ لأنّه مدّ يده إلىٰ الأوّل ، قال : مدّ يدك لأبايعك ، فبايعه ، ثمّ سكت الناس، وهذا السكوت بالنسبة إليهم حجّة ..
قال الماوردي : اختلف العلماء في عدد من تنعقد به الإمامة منهم علىٰ مذاهب شتّىٰ ، فقالت طائفة : لا تنعقد إلا بجمهور أهل الحلّ والعقد من كلّ بلد ؛ ليكون الرضا به عامّاً، والتسليم لإمامته إجماعاً.. وهذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر علىٰ الخلافة باختيار من حضرها !
ما دليلك علىٰ أنّ هذا الرأي باطل؟ الجواب : لأنّ الذين بايعوا الخليفة الأوّل لم يكونوا لا إجماعاً ولا أهل الحلّ والعقد (1).
كما يعتقدون بأنّ الإمامة تنعقد بالقهر والاستيلاء، ولو كان فاسقاً أو جاهلاً..
قال الإسفرائيني : وتنعقد الإمامة بالقهر والاستيلاء ولو كان فاسقاً، أو جاهلاً، أو أعجمياً.
وقال الباقلاني : لا ينخلع الإمام بفسقه وظلمه ، وبغصب الأموال وضرب الأبشار ، بل يجب وعظه وتخويفه، وترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي الله.
وقال الغزالي : اعلم أنّ النظر في الإمامة أيضاً ليس من المهمّات، وليس أيضاً من فنّ المعقولات ، بل هي من الفقهيات (2).
إذاً رؤية مدرسة الصحابة في الإمامة أوصلتها إلىٰ مستوىٰ لا تتجاوز أهميتها كشاهد، ولا تتجاوز أهميتها كبنت تريد أن تتزوّج وتحتاج إلىٰ ولي وشاهدين، ويكفي فيها أن يكون العلم المتعارف والعدالة التي تكفي في أدنى الشهود، من حيث الانعقاد.
الثاني : وهي نظرية المدرسة التي عبّر عنها القرآن الكريم ب- «مدرسة أهل البيت»: «إنّما يُريدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (1)، علىٰ ما نعتقد في ذلك بهذه الآية المباركة، التي آمنت بأنّ الإمامة أصل من الأصول، وركن من الأركان العقائدية والإيمانية التي وقف عندها القرآن الكريم وبيّنتها النصوص المتواترة عن النبي الأكرم(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) . وعلىٰ ذلك مجموعة من الآثار والنتائج المهمّة سواء في ما يتعلق بشرائطها وبموانعها ، وبأنّها منصوصة أو غير منصوصة، دائمة أو غير دائمة.
وأمّا النصوص التي تشير لها فإنّ هنالك العشرات، بل المئات، والمضمون متواتر معنوي ..
منها : ما جاء في الخبر عن عبد العزيز بن مسلم ، قال : كنّا مع الرضا(علیه السّلام) بمرو، فاجتمعنا في الجامع يوم الجمعة في بدء مقدمنا ، فأداروا أمر الإمامة، وذكر واكثرة اختلاف الناس فيها ، فدخلت علىٰ سيدي(علیه السّلام) ، فأعلمته خوض الناس فيه ..
فتبسم(علیه السّلام) ، ثم قال : يا عبد العزيز! جهل القوم ، وخُدعوا عن آرائهم؛ إنّ الله عزّ وجلّ لم يقبض نبيّه(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) حتّىٰ أكمل له الدين، وأنزل عليه القرآن فيه تبيان كلّ شيء، بيّن فيه الحلال والحرام، والحدود، والأحكام، وجميع ما يحتاج إليه الناس كملاً فقال عزّ وجلّ: «مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ» (2)، وأنزل
في حجّة الوداع ، وهي آخر عمره(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأَسْلامَ دِيناً » (1)..
وأمر الإمامة من تمام الدين، ولم يمض (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) حتّىٰ بيّن لأمّته معالم دينهم، وأوضح لهم سبيلهم ، وتركهم علىٰ قصد سبيل الحقّ، وأقام لهم عليّاً(علیه السّلام) ، علماً، وإماماً وما ترك لهم شيئاً يحتاج إليه الأمّة إلا بيّنه .
فمن زعم أنّ الله عزّ وجلّ لم يكمل دينه فقد ردّ كتاب الله ، ومن ردّ كتاب الله فهو كافر به .
هل يعرفون قدر الإمامة، ومحلّها من الأمّة فيجوز فيها اختيارهم ؟!
إنّ الإمامة أجلّ قدراً، وأعظم شأناً ، وأعلا مكاناً، وأمنع جانباً، وأبعد غوراً من أن يبلغها الناس بعقولهم، أو ينالوها بآرائهم، أو يقيموا إماماً باختيارهم.
إنّ الإمامة خصّ الله عزّ وجلّ بها إبراهيم الخليل (علیه السّلام) بعد النبوّة والخلّة ، مرتبة ثالثة ، وفضيلة شرّفه بها، وأشاد بها ذكره ، فقال : «إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً» ، فقال الخليل(علیه السّلام) سروراً بها : «وَمِنْ ذُرِّيَتِي» ؟ قال الله تبارك وتعالىٰ: «لَا يَنَالُ عَهْدِي الظالمين» (2).
فأبطلت هذه الآية إمامة كلّ ظالم إلىٰ يوم القيامة، وصارت في الصفوة، ثمّ أكرمه الله تعالىٰ بأن جعلها في ذرّيّته أهل الصفوة والطهارة ، فقال : «وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةٌ وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَيْمَةٌ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ» (3).
فلم تزل في ذرّيّته يرثها بعض عن بعض، قرناً فقرناً، حتّىٰ ورثها الله تعالىٰ النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فقال جلّ وتعالىٰ: «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ
آمَنُوا وَالله وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ» (1)، فكانت له خاصّة ، فقلّدها(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عليّاً(علیه السّلام) بأمر الله تعالىٰ علىٰ رسم ما فرض الله ، فصارت في ذرّيّته الأصفياء، الذين آتاهم الله العلم والإيمان ، بقوله تعالىٰ: «وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ الله إِلَىٰ يَوْمِ الْبَعْثِ» (2)، فهي في ولد علي(علیه السّلام) خاصة إلىٰ يوم القيامة؛ إذ لا نبيّ بعد محمّد(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فمن أين يختار هؤلاء الجهال ؟!
إنّ الإمامة هي منزلة الأنبياء، وإرث الأوصياء، إنّ الإمامة خلافة الله وخلافة الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ومقام أميرالمؤمنين(علیه السّلام) ، وميراث الحسن والحسين (علیهما السّلام) ..
إنّ الإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا، وعزّ المؤمنين، إنّ الإمامة آسّ الإسلام النامي ، وفرعه السامي.
بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، وتوفير الفيء والصدقات ، وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف.
الإمام يحلّ حلال الله ، ويحرّم حرام الله ، ويقيم حدود الله، ويذبّ عن دين الله ، ويدعو إلىٰ سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة، والحجّة البالغة ..
الإمام كالشمس الطالعة المجلّلة بنورها للعالم، وهي في الأفق بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار .. الإمام: البدر المنير، والسراج الزاهر، والنور الساطع، والنجم الهادي في غياهب الدجىٰ، وأجواز البلدان، والقفار، ولجج البحار .. الإمام : الماء العذب علىٰ الظماء والدالّ علىٰ الهدىٰ، والمنجي من الردىٰ.. الإمام : النار علىٰ اليفاع (3)الحار لمن اصطلىٰ به ، والدليل في المهالك، من فارقه فهالك.. الإمام : السحاب الماطر ، والغيث الهاطل ، والشمس المضيئة، والسماء الظليلة، والأرض البسيطة، والعين الغزيرة ، والغدير (4)، والروضة .. الإمام: الأنيس الرفيق، والوالد
الشفيق، والأخ الشقيق ، والأُمّ البَرّة بالولد الصغير ، ومَفزَع العباد في الداهية النآد (1).. الإمام: أمين الله في خلقه ، وحجّته علىٰ عباده ، وخليفته في بلاده، والداعي إلىٰ الله ، والذابّ عن حُرَم الله .. الإمام : المطهّر من الذنوب، والمبرّأ عن العيوب، المخصوص بالعلم، المرسوم بالحلم ، نظام (2)الدين، وعزّ المسلمين وغيظ المنافقين، وبوار (3)الكافرين.. الإمام: واحد دهره، لا يدانيه أحد، ولا يعادله عالم، ولا يوجد منه بدل ، ولا له مثل ولا نظير ، مخصوص بالفضل كلّه من غير طلب منه له ، ولا اكتساب ، بل اختصاص من المفضل الوهّاب.
فمن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام ، أو يمكنه اختياره... هيهات هيهات .. ضلّت العقول، وتاهت الحلوم ، وحارت الألباب ، وخسئت العيون، وتصاغرت العظماء، وتحيّرت الحكماء، وتقاصرت الحلماء ، وحصرت الخطباء، وجهلت الألبّاء (4)، وكلّت الشعراء، وعجزت الأدباء، وعييت البلغاء، عن وصف شأن من شأنه ، أو فضيلة من فضائله، وأقرّت بالعجز والتقصير ..
وكيف يوصف بكلّه ، أو ينعت بكنهه، أو يفهم شيء من أمره، أو يوجد من يقوم مقامه ويغني غناه ؟ ! لا كيف .. وأنّى وهو بحيث النجم من يد المتناولين ، ووصف الواصفين ؟!
فأين الاختيار من هذا ؟ وأين العقول عن هذا؟ وأين يوجد مثل هذا ؟
تظنّون أنّ ذلك يوجد في غير آل الرسول محمّد(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ؟ !
كذّبتهم والله أنفسهم ، ومنّتهم الأباطيل ، فارتقوا مرتقیً صعباً دحضاً (5)، تزلّ
1) الناد والنادي: الداهية. مجمع البحرين 4: 288.
2) النظام: كل خيط ينظم به لؤلؤ أو غيره فهو نظام، والجميع نظم. كتاب العين 8: 166.
3) البوار : الهلاك. الصحاح 2: 598.
4) اللبيب: العاقل، والجمع الألبّاء. مجمع البحرين 4: 102.
5) الدحض الزلق، يقال: مزلقة مدحاض. والدحض الماء الذي تكون منه المزلقة. كتاب العين 3: 101.
عنه إلىٰ الحضيض أقدامهم ، راموا إقامة الإمام بعقول حائرة بائرة ناقصة، وآراء مضلّة ، فلم يزدادوا منه إلّا بعداً؛ «قَاتَلَهُمُ الله أَنَّى يُؤْفَكُونَ» (1)
ولقد راموا صعباً، وقالوا إفكا(2)، وضلّوا ضلالاً بعيداً، ووقعوا في الحيرة؛ إذ تركوا الإمام عن بصيرة ، «وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ » (3)، رغبوا عن اختيار الله ، واختيار رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وأهل بيته إلىٰ اختيارهم ، والقرآن يناديهم: «وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ الله وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ » (4)، وقال عزّ وجلّ: «وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ» (5)، وقال: «مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ أَيْمَانُ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَا تَحْكُمُونَ * سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذلِكَ زَعِيمٌ * أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِن كَانُوا صَادِقِينَ (6)، وقال عزّ وجلّ: «أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَاهَا» (7)، «أم فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ »(8)، أم «قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابٌ عِندَالله الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ» (9)، أم «قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا» (10)، بل هو «فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهِ ذُو الْفَضْلِ الْعَظيم»(11)..
فكيف لهم باختيار الإمام ؟! والإمام عالم لا يجهل، وراع لا ينكل ، معدن القدس والطهارة ، والنسك ، والزهادة ، والعلم، والعبادة، مخصوص بدعوة الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ونسل المطهّرة ،البتول ، لا مغمز فيه في نسب ، ولا يدانيه ذو حسب، في البيت من قريش والذروة من هاشم ، والعترة من الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )، والرضا من الله عزّ وجلّ، شرف الأشراف، والفرع من عبد مناف ، نامي العلم ، كامل الحلم ، مضطلع(1)بالإمامة، عالم بالسياسة، مفروض الطاعة، قائم بأمر الله عزّ وجلّ، ناصح لعبادالله ، حافظ لدين الله .
إنّ الأنبياء والأئمّة - صلوات الله عليهم - يوفّقهم الله ويؤتيهم من مخزون علمه وحكمه ما لا يؤتيه غيرهم ، فيكون علمهم فوق علم أهل الزمان في قوله تعالىٰ: «أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمْ مَن لا يَهدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ» (2)وقوله تبارك وتعالىٰ: «وَمَن يُؤتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً» (3)، وقوله فى طالوت: «إِنَّ الله أصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةٌ فِي العِلم وَالْجُسْم وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلكَهُ مَن يَشَاءُ وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ» (4)، وقال لنبيّه (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) «أَنْزَلَ الله عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيماً» (5)، وقال في الأئمّة من أهل بيت نبيّه ، وعترته ، وذرّيته - صلوات الله عليهم : «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُلْكاً عَظِياً * فَمِنْهُم مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً» (6).
وإنّ العبد إذا اختاره الله عزّ وجلّ لأمور عباده ،شرح صدره لذلك، وأودع قلبه ينابيع الحكمة، وألهمه العلم إلهاماً ، فلم يعي بعده بجواب ، ولا يحير فيه عن الصواب ، فهو معصوم مؤيّد، موفّق مسدّد ، قد أمن من الخطايا والزلل والعثار، يخصّه الله بذلك ليكون حجّته علىٰ عباده ، وشاهده علىٰ خلقه، و«ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ »(1).
فهل يقدرون علىٰ مثل هذا فيختارونه ، أو يكون مختارهم بهذه الصفة فيقدّمونه ؟ !
تعدّوا - وبيت الله - الحقّ ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنّهم لا يعلمون، وفي كتاب الله الهدىٰ والشفاء، فنبذوه واتّبعوا أهواءهم، فذمّهم الله ومقتهم وأتعسهم ، فقال جلّ وتعالىٰ: «وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدَىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» (2)، وقال : «فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ» (3)، وقال : «كَبُرَ مَقْتَاً عِندَاللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ الله عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ» (4)، وصلّىٰ الله علىٰ النبي محمّد و آله وسلّم تسليماً كثيراً(5).
فهناك رؤية أخرىٰ ينطلق منها الإمام الرضا (علیه السّلام) في الإمامة ، فمدرسة أهل البيت يقولون : بشرط العصمة ، وهم يقولون : لا يشترط فيها حتّىٰ العدالة، ومدرسة أهل البيت يقولون : يشترط فيها النص، وهم يقولون : لا يشترط فيها العلم الخاص الاعلائي، فكلّ مدرسة تتكلّم عن إمامة هي ليست الأخرىٰ.
إنّ من بحث الرؤية التي طرحها الإمام الرضا (علیه السّلام) عند مقارنتها مع الرؤية
الأُخرىٰ، ثمّ عرضها علىٰ القرآن ليرىٰ أيّهما الأقرب إلىٰ المنهج القرآني وإلىٰ الرؤية القرآنية يعرف الحقّ مع أيّ جانب.
بعد أن اطّلعت «سهيلة» علىٰ الحقائق، وعرفت الفرق بين المدرستين في ما يتعلّق بمواضيع أساسية ومنها : موضوع الإمامة الذي يُعد من أهم الأمور في ديننا، بل في جميع المجتمعات البشرية، أذعنت لمنطق العقل وقرّرت اعتناق مذهب أهل البيت السلام(علیهم السّلام) (1).
1) راسلت المستبصرة «مركز الأبحاث العقائدية»، وأعلنت عن استبصارها لمذهب أهل البيت (علیهم السّلام) عام 1431 ه-
نشأ في أُسرة كويتية سنّية معروفة.
كان يُمنع من الصغر وحتّىٰ سن المراهقة من اللعب مع أبناء الشيعة في الحي؛ لأنهم حسب ما كان يراه الوهّابية غير مسلمين ، ومن هنا تشكّلت أوّل علامة استفهام في ذهن «فيصل» جعلته يبحث ويتعمّق في الأمور العقائدية، ويحاول معرفة الأمر المُشين الذي يراه الوهّابية عند الشيعة ، ولا يراه هو بالشيعة.
يقول «فيصل : بحثت عن الحقّ بنفسي دون وكالة من أحد ، فآمنت بالتشيّع ، وقرّرت أن أكون اثني عشرياً دون ضغط من أحد بعد رحلة بحث ، فكان أن وجدت في التشيّع الفوز لا (الخسارة)، وما شيّعني إلا هجوم بعض العلماء والتكفيريّين (1).
وقد راسل «فيصل» الشيخ يوسف القرضاوي رادّاً عليه ما قاله بشأن المتشيّعين والمستبصرين، جاء في مقطع من هذه الرسالة :
لم أكن راغباً في الرد علىٰ رئيس الاتّحاد العالمي لعلماء المسلمين الشيخ يوسف القرضاوي - حفظه الله وأبقاه سنداً وهدى للأمّة إن شاء الله - غير أنّ جملة قالها
1) لهذا المذيع الكويتي عدّة مقالات وملفات صوتية علىٰ شبكة الإنترنيت يوضّح فيها أدلّة الاستبصار وكيفيته.
أثناء حديثه في برنامج «القاهرة اليوم» علىٰ قناة «أوربت» يوم الخميس الماضي أوجعت جعت قلبي، ومسّت كرامتي ؛ لأنّها صدرت ممّن نقيم له وزناً، ونحشد له احتراماً في قلوبنا، لا سيّما من عالم جليلٍ يمثّل الوسطية، لقد آلمني الشيخ الجليل بقوله : «إنّ السنّي الذي يتحوّل إلىٰ المذهب الشيعي إنسان خاسر ؛ لأنّه انتقل من المذهب الذي يمثّل الإسلام الصحيح».
شيخنا الأكرم .. هذه رسالة منّي ، من سنّي تحوّل إلىٰ المذهب الشيعي، لا يشعر أنّه خاسر ، بل أيقن بالفوز ؛ فقد كنت من قبل أكفّر الشيعة بسبب التصريحات النارية لبعض علماء السنّة التي تطلّ برأسها بين الفينة والأخرىٰ، وقد سلّمت وقتها دفّة عقلي لعلماء متعصّبين و آخرين ،مفترين، وتركتهم يفكّرون ويقرّرون نيابة عنّي، وما كان علَيّ سوى الطاعة العمياء..
وكلّما واجهتنا حقائق وأدلّة إخواننا الشيعة كانوا يعيدون علىٰ دورة الاسطوانة المكرّرة : فرس مجوس .. زنادقة .. كفرة .. مشركون .. مبتدعة .. إلىٰ آخر هذه الكلمات ودون بحث علمي مجرّد، إلىٰ أن بحثت عن الحقّ بنفسي، فكان أن وجدت في التشيع الفوز لا «الخسارة» وما شيّعني إلّا هجوم بعض العلماء والتكفيرييّن.
يا شيخي .. هل أصدّقك أم أُصدّق رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ؟!
أليس الشيعة لغة هم : الصحب والأتباع ؛ فقد قال الشهرستاني في كتابه الملل والنحل: «الشيعة هم الذين شايعوا عليّاً (رضي الله عنه) علىٰ الخصوص، وقالوا بإمامته وخلافته نصّاً ووصيّةً، إمّا جليّاً وإمّا خفيّاً، واعتقدوا أنّ الإمامة لا تخرج من أولاده» (1).
وقال ابن خلدون في مقدّمته الشهيرة: «اعلم أنّ الشيعة لغة : الصحب
1) الملل والنحل للشهرستاني 146:1.
والأتباع، ويطلق في عرف الفقهاء والمتكلّمين من الخلف والسلف علىٰ: أتباع عليّ وبنيه ، رضي الله عنهم»(1).
فهل تلومني وقد أقسم أفضل الخلق ، رسول الله محمّد(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، بأنّهم هم الفائزون؛ فقد روى ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق، والخوارزمي الحنفي في المناقب، والحسكاني الحنفي في شواهد التنزيل ، والسيوطي الشافعي في الدرّ المنثور وسبط ابن الجوزي الحنفي في تذكرة الخواص، والشوكاني في فتح القدير : أنّ النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قال عن عليّ(علیه السّلام) : «والّذي نفسي بيده ! إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة» (2).
شيخنا المحترم ..
أتمنّىٰ من أمثالكم من العلماء الأجلّاء ، الممثّلين للوسطية، أن يبحثوا ما الذي يجذب إخواننا المسلمين السنّة للتشيّع بحثاً علمياً وواقعياً؛ لأنّه من غير المصلحة أن يتم التعامل مع الخلاف السنّي الشيعي بتصريحات إعلامية تؤدّي إلىٰ مزيد من الانقسام والتعصّب بين عموم المسلمين بما لا يخدم الوسطية التي تدعو لها .
شيخنا الفاضل ..
إنّ الشيعي لا يريد من السنّي أن يصبح شيعيّاً، فالاختلاف سنّة إلهية إلىٰ أن يظهر الذي علىٰ يديه تهدأ الفتن، غاية ما هنالك أنّ الأخوة في الدين رابط مقدّس : «إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ» (3)، فالشيعة يريدون التآخي مع السنّة ومع غيرهم من الفرق الإسلامية ، وينشدون تعاونهم لخدمة الإسلام.
يا شيخي الفاضل .. قلتم كذلك إنّه ليس لديكم اعتراض علىٰ المد الشيعي،
ولكن اعتراضكم علىٰ المد الشيعي في دول لا يوجد فيها «شخص واحد شيعي».
شيخنا .. اجعلني بمنزلة ابنك عبدالرحمن وأفهمني : كيف تطلب ألا يُنشر المذهب الشيعي في عدّة دول ، كمصر وتونس والسعودية، واعتبرتها سنّية خالصة ؛ لأنّه لا يوجد فيها «شخص واحد شيعي» ، والشيعة في المملكة العربية السعودية الشقيقة هم من صميم نسيجها الاجتماعي ؛ إذ تبلغ نسبتهم 10 في المئة، حسب التقرير السنوي الأوّل الصادر سنة 1993 من مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية .. فشيعة المملكة يتركّزون في المنطقة الشرقية ، والمدينة المنوّرة، وحائل، و في المناطق الجنوبية .. ألا تظنّ ذلك من التهافت يا شيخنا ؟
ألا تجد أنّ مصر الفاطمية، التي شيّدت الجامع الأزهر كقلعة للإسماعيلية، قد انتقلت إلىٰ التسنّن بسبب قرار سياسي لزعيم الدولة الأيّوبية وليس بسبب الدعوة السنّية ؟ !
فهل كان علىٰ صلاح الدين أن ينشر التسنّن في مكان آخر غير مصر انطلاقاً من نفس المبدأ الذي تنادي به ؛ لأن معظم أهلها إسماعيلون .
يا شيخ يوسف.. أرجوك دع الشيعة في حال سبيلهم، فمن أراد أن يتسنّن منهم فعليه بألف عافية، ومن أراد أن يتشيّع من السنّة فعليه بألف عافية أيضاً.
لقد تشرّفت ذات يوم بزيارة آية الله العظمىٰ علي السيستاني فأوصاني بإخواننا السنّة خيراً قائلاً : عليكم احترامهم واحترام رموزهم الدينية والسياسية ، غير أنّ اتّباعنا لأهل البيت وصيّة نبوية نحن ملزمون بها ، فحديث الثقلين : (كتاب الله وأهل بيتي)، من أهم الأحاديث المتواترة المروية عن النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وقد حدّث به في مواطن عدّة، ومناسبات شتّىٰ ، ومن أصحّها سنداً، وكلّها يقوي بعضُها بعضاً، حتّىٰ العلّامة محمّد ناصر الدين الألباني - الذي قال عنه الشيخ ابن باز إنّه : ناصر الحديث ومجدّد السنّة - قد صحّح حديث الثقلين، الذي أخرجه الترمذي وغيره؛
فعن جابر ابن عبدالله أنّه قال : رأيت رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في حجّته يوم عرفة ، وهو علىٰ ناقته القصواء يخطب ، فسمعته يقول: «يا أيّها الناس إنّي قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلِوا : كتاب الله، وعترتي أهل بيتي».
وقال الترمذي : هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه(1).
وذكر في سلسلة الأحاديث الصحيحة (2)، وقال الألباني : الحديث صحيح.
وأخرج الترمذي أيضاً: عن زيد بن أرقم وأبي سعيد، قالا: قال رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ): «إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر : كتاب الله حبل ممدود من السماء إلىٰ الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرّقا حتّىٰ يردا عَليَّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما»(3).
قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب.
نصيحة أخيرة شيخنا من مُحِب مجرّب : إذا أردت ألا ينتشر التشيّع فلا تهاجمه.
ولد عام 1397 ه- (1977م) في مدينة «لامو» في كينيا ، ونشأ في عائلة شافعية المذهب . نال شهادة الثانوية ، ودرس دراسة دينية في مذهبه لمدة 9 سنوات، شملت التصوّف، وتفسير القرآن وحفظه ، والفقه ، وعلوم اللغة .
يقول عبد الغني : كنت في مرحلة المتوسطة في مدرسة تابعة لمذهب أهل السنّة ، وقد تحوّل بعض أساتذتها إلىٰ المذهب الشيعي ، وحصلت خلافات بينهم وبين بقية الأساتذة ، واشتدّ النقاش في المدرسة في مسائل السنّة والشيعة ..
وكان والدي قد تشيّع قبل هذه الفترة، لكنّي كنت باقياً علىٰ المذهب الشافعي، وكانت الظروف لا تسمح بالبحث عن المذهب الحقّ لقلّة الكتب والمصادر.
ولكن والدي كان يشجّعني علىٰ الدراسة والبحث، ويزوّدني بأدلّة الشيعة، وهكذا إخوتي وأخواتي، الذين تشيّعوا قبلي..
لكنّي لم أقتنع بسهولة وكنت أبحث عن الدليل المقنع القاطع الذي لا ريبة فيه. فذهبت إلىٰ مدرسة الشيعة في بلدي وبقيت فيها ثلاثة أشهر ، ثمّ التحقت بحوزة أهل البيت(علیهم السّلام) في كينيا سنة 1413 ه- وقد كانت هذه الحوزة ذات برنامج منظّم، ومزوّدة بأشرطة الفيديو والكتب، وتُلقیٰ فيها المحاضرات، ممّا سهل مهمّة بحثي عن الحقّ.
وفي هذه الفترة كان عمّي الشيعي يتردّد علينا ، ويحثّني علىٰ الدرس والبحث والوصول إلىٰ الحقيقة بنفسي ، وكنت قد ناقشت كثيراً من العقائد، ولاحظت ما يقوله الشيعة وما يقوله السنّة فيها ، ومنها : مسألة الإمامة، والتقية، والمتعة ، والجمع بين الصلاتين ، وعدالة الصحابة، وأفعال العباد، وغيرها.
وقد لاحظت قوّة أدلّة الشيعة ومتانتها في هذه المسائل، بحيث تأخذ بعناق كلّ منصف إلىٰ الإيمان بها، ولا تدع مجالاً للشك والريبة ، وهكذا أحسست بعمق المسؤولية وأعلنت تشيّعي سنة 1414ه- ( 1994)
وبعدها واصلت دراستي لمذهب أهل البيت(علیهم السّلام) ، وقرّرت الهجرة من بلدي إلىٰ إحدىٰ الحوزات العلمية الكبيرة للنهل من ينبوع علوم آل محمّد(علیهم السّلام) الذي لا يجف ، خدمة للإسلام والمسلمين، خصوصاً أبناء بلدي، الذين يحتاجون إلىٰ المبلّغين الواعين الرساليين ، للحفاظ علىٰ دينهم أمام أمواج الدعايات والتبشير التي لا تتوقف (1).
1) للمستبصر ملف في «مركز الأبحاث العقائدية»، كما أنّه علىٰ تواصل مع المركز، وقد ذكرت خبر استبصاره صحيفة «المبلّغ الرسالي»، العدد 147، لعام 1419ه-
ولد في مدينة «مومباسا» في دولة «كينيا»، ودرس في المعاهد الوهّابية ، وتخرّج منها ، فأصبح أحد مشايخ الوهّابية هناك، إلا أنّه وبعد البحث والتحقيق في المصادر الحديثية والتاريخية عند أهل السُنّة توصّل إلىٰ ما لم يكن بالحسبان ؛ إذ تأثّر بالمذهب الشيعي الاثني عشري.
من الأسباب المؤثّرة في الالتحاق بمذهب أهل البيت(علیهم السّلام) الإخبار بما سيقع في المستقبل، وهو من المعجزات التي تحققت علىٰ يد الإمام أميرالمؤمنين(علیه السّلام) ، بأنّ عثمان سيُقتل، وأنّ قتله سيفتح باب القتال علىٰ أمّة محمّد(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وهو ما حدث بحذافيره بالفعل، وقد أشار إليه(علیه السّلام) في كلام له مع عثمان ، لمّا اجتمع الناس إليه(علیه السّلام) وشكوا ما نقموه علىٰ عثمان ، وسألوه مخاطبته عنهم، واستعتابه لهم، فدخل عليه، فقال في ما قال: (فَالله اللهَ فِي نَفْسِكَ ! فَإِنَّكَ وَاللهِ مَا تُبَصَّرُ مِنْ عَمَيَّ، وَلَا تُعَلَّمُ مِنْ جَهْلٍ ، وَإِنَّ الطَّرْقَ لَوَاضِحَةٌ ، وَإِنَّ أَعْلَامَ الدِّينِ لَقَائمِةٌ ..
فَاعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ عِبَادِاللهِ عِنْدَاللهِ : إِمَامٌ عَادِلٌ ، هُدِي وَهَدَي ، فَأَقَامَ سُنَّةٌ مَعْلُومَةً ، وَأَمَاتَ بِدْعَةٌ مَجْهُولَةٌ ، وَإِنَّ السُّنَ لَنَيّرَةٌ لَهَا أَعْلَامٌ، وَإِنَّ الْبِدَعَ لَظَاهِرَةً لَهَا أَعْلامٌ.
وَإِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَاللهِ : إِمَامٌ جَائِرٌ ، ضَلَّ وَضُلَّ بِهِ ، فَأَمَاتَ سُنَّةً مَأْخُوذَةً، وَأَحْيَا بِدْعَةً مَتْرُوكَةٌ ، وَإِني سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يَقُولُ: يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْإِمَامِ الْجَائِرِ، وَلَيْسَ مَعَهُ نَصِيرٌ ، وَلَا عَاذِرٌ ، فَيُلْقَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ، فَيَدُورُ فِيهَا كَمَا تَدُورُ الرَّحَى، ثُمَّ يَرْتَبِطُ فِي قَعْرِهَا .
وَإِني أَنْشُدُكَ اللَّهَ! أَنْ لا تَكُونَ إِمَامَ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمَقْتُولَ ، فَإِنَّهُ كَانَ يُقَالُ : يُقْتَلُ في هذِهِ الْأُمَّةِ إِمَامٌ يَفْتَحُ عَلَيْهَا الْقَتْلَ وَالْقِتَالَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَيَلْبِسُ أُمُورَهَا عَلَيْهَا ، وَيَبْتُ الْفِتَنَ فِيهَا ، فَلا يُبْصِرُونَ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ ، يَمُوجُونَ فِيهَا مَوْجاً ، وَيُرُجُونَ (1)فِيهَا مَرْجاً ، فَلَا تَكُونَنَّ لِمَرْوَانَ سَيِّقَةً (2)يَسُوقُكَ حَيْثُ شَاءَ بَعْدَ جَلَالَ السِّنِّ وَتَقَضّي الْعُمُرِ.
فقال له عثمان : كلّم الناس في أن يؤجّلوني حتّىٰ أخرج إليهم من مظالمهم.
فقال(علیه السّلام) : (مَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَلَا أَجَلَ فِيهِ ، وَمَا غَابَ فَأَجَلُهُ وُصُولُ أَمْرِكَ إِلَيْهِ ) (3).
قوله(علیه السّلام) : (فَالله الله فِي نَفْسِكَ ! فَإِنَّكَ وَاللهِ مَا تُبَصَّرُ مِنْ عَمَيَّ، وَلَا تُعَلَّمُ مِنْ جَهْل، وَإِنَّ الْطَّرْقَ لَوَاضِحَةٌ ، وَإِنَّ أَعْلَامَ الدِّينِ لَقَائِمَةٌ)..
حدّره الله بأن يلتفت إلىٰ نفسه ويحفظها، ثم أقسم بالله علىٰ أنّه لا يحتاج إلىٰ مَن يبيّن له الحقيقة، وينير له الدرب ؛ إذ لا يجري في حقّه ذلك ، والحال أنّ البيّنات ظاهرة ، والدلائل واضحة لامعة ، والأسس الشرعية والحقائق الدينية قائمة ظاهرة، تراها العيون، وتدركها العقول.
قوله(علیه السّلام) : (فَاعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ عِبَادِاللهِ عِنْدَاللهِ : إِمَامٌ عَادِلٌ ، هُدِيَ وَهَدَي ، فَأَقَامَ سُنَّةً مَعْلُومَةً ، وَأَمَاتَ بِدْعَةٌ مَجْهُولَةٌ)..
ثمّ تبّهه علىٰ فضل الإمام العادل، وأنّه أفضل عبادالله عندالله : إمام عادل في الرعية، يقسم بالسوية ، يعمل بكتاب الله وسُنّة رسوله، ففي نفسه مهديٌّ صالح وفي الوقت نفسه يكون مدرسة لغيره ، يهديهم ويرشدهم إلىٰ الله .
وهذا الإمام يقيم سُنّة معلومة واضحة ثابتة عن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ويميت بدعة
مجهولة لم تكن موجودة في زمن رسول الله صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، بل ابتدعتها الأهواء واختلقتها المطامع والشهوات؛ يشير بذلك إلىٰ قوله تعالىٰ: «وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ» (1).
قوله(علیه السّلام) : (وَإِنَّ السُّنَنَ لَنَيّرَةُ لَهَا أَعْلَامُ، وَإِنَّ الْبِدَعَ لَظَاهِرَةً لَمَا أَعْلَامُ)..
أشار(علیه السّلام) إلىٰ حقيقة إسلامية مهمّة وهي : أنّ الطرق الشرعية لها أدلّة واضحة ظاهرة لا غبار عليها ، كما أنّ البدع والأمور المستحدثة التي لا أصل لها في دين الله أيضاً ظاهرة، لها دلالات واضحة وأدلّة تدلّ علىٰ ابتداعها ، وأنّها مستحدثة لم يأذن الله بها .
وبعبارة أُخرىٰ: الحقّ واضح والباطل واضح، ولكلّ واحد منهما أدلّته وبيّناته غير الخافية .. فبيت المال، السُنّة فيه كانت معلومة من وجوب صرفه في مصالح الإسلام والمسلمين، وبذل عثمان له لبني أمية أعداء الإسلام بدعة واضحة، وتسمية عثمان فعله هذا : صلة الرحم، مخزاة له ؛ فإنّ مورد صلة الرحم بذل الإنسان مال شخصه لرحمه الذي كان رضى الله في صلته ، وأمّا من كان من أعداء الله فلا يجوز للإنسان إعطاؤه من ماله فضلاً عن مال غيره .
قوله(علیه السّلام) : (وَإِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ : إِمَامٌ جَائِرٌ ، ضَلَّ وَضُلَّ بِهِ، فَأَمَاتَ سُنَّةٌ مَأْخُوذَةً، وَأَحْيَا بِدْعَةً مَثْرُوكَةً) ..
بعد أن ذكر(علیه السّلام) فضيلة الإمام العادل عندالله قابله برذيلة الإمام الجائر عند
1) الأنبياء (21): 73 .
الله وأن شرّ الناس إمام جائر ،ظالم، ضلّ عن الطريق واتّبع غير سبيل المؤمنين، وأضلّ غيره بفعله وسلوكه وتصرّفه ، فأمات سُنّة نبوية إلهية أخذ بها الناس واتّبعوها، فجاء ليعطّلها ويلغي وجودها، بينما عمد إلىٰ بدعة متروكة مهملة فأحياها ، وعمل بها ، وأمر الناس أن يعملوا بها ؛ قال تعالىٰ: «وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمّةً يَدْعُونَ إلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةٌ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِنَ الْمَقْبُوحِينَ» (1).
قوله: (وَإِني سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يَقُولُ : يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْإِمَامِ الْجَائِرِ وَلَيْسَ مَعَهُ نَصِيرٌ وَلَا عَاذِرٌ ، فَيُلْقَی فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيَدُورُ فِيهَا كَمَا تَدُورُ الرَّحَى ، ثُمَّ يَرْتَبِطُ فِي قَعْرِهَا)..
وكلام أمير المؤمنين (علیه السّلام) هذا واضح الدلالة علىٰ أنّ عثمان إمام جائر.
قوله(علیه السّلام) : (وَإِني أَنْشُدُكَ الله ! أَنْ لا تَكُونَ إِمَامَ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمَقْتُولَ ، فَإِنَّهُ كَانَ يُقَالُ : يُقْتَلُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ إمَامُ يَفْتَحُ عَلَيْهَا الْقَتْلَ وَالْقِتَالَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) ...
ناشده الله وأقسم عليه به أن لا يكون إمام الأمّة المقتول ، وهو إخبار من الإمام بأنّ عثمان سيقتل ، وإنّه سيدلَّس علىٰ بعض الضعفاء فيظنّون أنّه مظلوم بينما هو ظالم، وتنتشر الفتن؛ إذ يأخذونه راية يقاتلون الحقّ من أجله وفي سبيله، ولجهلهم تعمىٰ عليهم الأمور ولا يميّزون بين الحقّ والباطل ، ثمّ إنّهم يتحرّكون في الفتنة فيفسدون ويضلّون ويقتلون ، وينشرون الرعب والخوف.
قوله(علیه السّلام) : (وَيَلْبِسُ أُمُورَهَا عَلَيْهَا ) ..
والمراد : عامّة الأمّة ، وأمّا خواصّهم ، كطلحة والزبير وعائشة وعمرو بن العاص ، فكانوا عارفين باستحقاقه القتل، وكان الأوّلان من قاتليه، والأخيران من المحرّضين علىٰ قتله ، ولبس الأوّلون بقيامهم للطلب بدمه، كالأخير مع معاوية المحبّ لقتله ، ليكون وسيلة للاستيلاء علىٰ الخلافة.
1) القصص (28): 41 - 42.
قوله (علیه السّلام) : (وَيَبْتُ الْفِتَنَ فِيهَا ) ..
ففتنة الجمل وصِفّين كانت باسم طلب ثأره ، وفتنة النهروان كان أمر عثمان سببها.
قوله(علیه السّلام) : (فَلَا يُبْصِرُونَ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ ، يَمُوجُونَ فِيهَا مَوْجاً، وَيَمْرُجُونَ فِيهَا مَرْجاً)..
ولا سيّما أنّ معاوية وضع لهم : أنّ من أطلق عليه اسم الخلافة ، بأيّ نحو كان، يكون حجة الله، وفي درجة رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).
قوله (علیه السّلام) : (فَلاَ تَكُونَنَّ لِمَرْوَانَ سَيِّقَةً يَسُوقُكَ حَيْثُ شَاءَ بَعْدَ جَلَالَ السِّنِّ وَتَقَنِّي الْعُمُرِ ) ..
لمّا كان مروان بن الحكم وزير عثمان ومستشاره، بل كان الخليفة هو مروان، ولكن في ثوب عثمان ، نهاه الإمام(علیه السّلام) أن يكون سيّقة ، أي : الدابة التي تُساق، كما يريد صاحبها يوجّهها في أيّ اتّجاه أراد، ومروان كان يأخذ بيد عثمان كما أراد ، ويغريه بالمعارضة الإسلامية ، ويشتدّ عليهم بكلامه ولسانه وسلوكه ، فالإمام ينهاه أن يكون سيّقة بيد مروان يوجّهه كيف شاء، وخصوصاً بعد التقدّم في السنّ ومضي هذا العمر الطويل.
فقال له عثمان: كلّم الناس في أن يؤجّلوني حتّىٰ أخرج إليهم من مظالمهم .
فقال(علیه السّلام) : (مَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَلَا أَجَلَ فِيهِ، وَمَا غَابَ فَأَجَلُهُ وُصُولُ أَمْرِكَ إِلَيْهِ)..
عندما سمع عثمان كلام الإمام(علیه السّلام) وأدرك صدق النصيحة طلب من الإمام أن يتكلّم مع المعارضة في تأجيله مدّة يستطيع فيها أن يخرج من مظالمه وانحرافاته، ويردّ لكلّ ذي حقّ حقّه ، ويرفع الظلم عن المظلومين ، فأجابه الإمام بهذا الجواب الفيصل الفصيح الصريح ، وهو : أنّ من كان بالمدينة فلا تأخير ولا تأجيل ، بل يمضي عثمان ما أراد وينفّذ مباشرة طلبهم.
وأمّا البعيد عن المدينة فأجله وصول الأمر إليه وعندها ينفّذ ما طلب ، ولا يعود له ما يبرّر التأجيل.
ولو كان الإمام أميرالمؤمنين (علیه السّلام) يفكّر بعقلية عائشة وغيرها ممّن شارك في قتل عثمان بالقول والفعل (1)
شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9: 199، التوفيق الرباني: 87، تاريخ اليعقوبي 2: 182.
من أجل الوصول إلىٰ الخلافة وما يروم إليه لكان امتنع عن إبداء هذه النصيحة بهذا الشكل، ولجعله يوغل في ما كان فيه ، كما كان يحثّه علىٰ ذلك مروان، ولكن حرصه علىٰ الوحدة الإسلامية ومصلحة المسلمين أدىٰ به إلىٰ أن يكلّمه بهذا الكلام ، وينصحه بهذا النصح.بعد اطّلاعه علىٰ صحة الرؤية الشيعية وحقيقة التاريخ الإسلامي، والتحريف الذي لحقه من بعض المناوئين لأميرالمؤمنين والعترة الطاهرة(علیهم السّلام) قرّر «عبدالله» تغيير انتماءه المذهبي، فأعلن عن استبصاره بعد أن كان من أتباع الفكر الوهابي.
وبعد مرحلة الاستبصار قام «عبدالله» بتأليف عدة كتب في المجال العقائدي،
ومنها: «الشيعة والقرآن» و «الشيعة والإمامة (2).
1) قد كانت عائشة فيها أي: [في خلافة عثمان ] أشدّ الناس عليه (عثمان) تأليباً وتحريضاً؛ فقالت: أبعده الله لمّا سمعت قتله وأمّلت أن تكون الخلافة في طلحة، فتعود الإمرة تيمية، كما كانت أوّلاً، فعدل الناس عنه إلىٰ عليّ بن أبي طالب، فلمّا سمعت ذلك صرخت: واعثماناه. قتل عثمان مظلوماً وثار ما في الأنفس، حتّىٰ تولّد من ذلك يوم الجمل وما بعده.
2) للمستبصر ملف في مركز الأبحاث العقائدية، ذكر فيه استبصاره وما قام بتأليفه بعد الاستبصار، كما ذُكر المستبصر في مقالة بعنوان «تقرير عن النشاط الشيعي في كينيا» لمحمّد عثمان.
نشأ في مدينة «نيروبي» في كينيا ، في أسرة سنّية المذهب، واتّبع هذا المذهب بعد بلوغه سن الرشد نتيجة تأثره بالأسرة والمجتمع.
كان «عمر» من هواة البحث والتحقيق في المجال العقائدي، أجرىٰ اثر ذلك دراسات حول معتقدات الشيعة الإمامية وما يدعمها من أدلة وبراهين.
كما قام بغربلة الموروثات التي نشأ عليها في مذهبه .
ومن الواضح أنّ المتعرّض لأفكار مدرسة الأمويين يرىٰ من الفضائح والفجائع التي ارتكبوها بحق الإسلام والمسلمين ما يُندي الجبين، وإذ أنَّ الأمور تعرف بأضدادها يمكنه أن يتعرّف من خلال ذلك علىٰ آل البيت(علیهم السّلام) ، فهم الخير الذي كان يواجه ذلك الشر.
من جرائم الأمويين ما فعله مسلم بن عقبة قائد جيش يزيد بن معاوية - في مدينة الرسول الأعظم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) و أهلها التي هي أشرف البقاع بعد مكّة المكرّمة ، بأمر يزيد ؛ فإنّ يزيد أمر بأن يبيح المدينة ثلاثة أيام؛ إذ أرسله علىٰ رأس جيش لإخضاع أهل المدينة بعد أن ثاروا ضدّه وخلعوا بيعته.
وهذا الأمر - أي : إرسال يزيد جيشه إلىٰ المدينة بقيادة ابن عقبة - إنّما تم
بوصية من معاوية ليزيد ، وهذا ما صرّح به جملة من الأعلام ، نذكر منهم :
ابن كثير القرشي الدمشقي ، المتوفى 774 ه-، وهو من شيوخ ذلك النهج، وهو مدفون في المقبرة نفسها التي دفن فيها ابن تيمية ، يقول : «حدّثنا جويرية بن أسماء، قال : سمعت أشياخ أهل المدينة يحدّثون أن معاوية لمّا حضرته الوفاة دعا ابنه يزيد، فقال له : إنّ لك من أهل المدينة يوماً ، فإن فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة ؛ فإنّه رجل قد عرفت نصيحته لنا» (1).
إذاً هذه الوصية هي وصية معاوية وهو أميرالمؤمنين عندهم ، وهذا يعني : أنّ كلّ ما حدث في المدينة فلمعاوية نصيب وسهم منه ، فهو من سنّ هذه السُنّة.
وهذا الحكم ورد عن الرسول الأكرم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في رواية جرير ، قال : إنّ قوماً أتوا النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) من الأعراب مجتابي النمار (2)، فحثّ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) الناس علىٰ الصدقة ، فأبطؤوا، حتّىٰ رؤي ذلك في وجهه، فجاء رجل من الأنصار بقطعة تبر (3)فطرحها، فتتابع الناس ، حتّىٰ عُرف ذلك في وجهه ، فقال : مَن سنّ سُنّة حسنة فعمل بها مَن بعده كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها من غير أن ينتقص من أُجورهم شيء، ومن سنّ سنة سُيّئة فعمل بها من بعده كان عليه وزرها ووزر من عمل بها ولا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً(4).
يقول ابن كثير عندما يذكر هذه الواقعة : قال هشام بن حسّان : ولدت ألف امرأة من أهل المدينة بعد وقعة الحرة من غير زوج، وقد اختفى جماعة من سادات
1) البداية والنهاية 8: 242 وانظر تاريخ خليفه بن خیاط ،182 ، تاریخ مدينة دمشق 58: 104 ، انساب الأشراف 5: 334 و تاريخ الطبري 4: 380 وغير ذلك.
2) كلّ شملة مخططة من مآزر الأعراب، فهى نمرة، وجمعها نمار كأنّها أُخذت من لون النمر لما فيها من السواد والبياض... أراد أنّه جاءه قوم لابسي أزر مخطّطة من صوف، لسان العرب 5: 237 .
3) التبر: ما كان من الذهب غير مضروب، ولا يقال تبر إلّا للذهب. وبعضهم يقوله للفضة أيضاً. الصحاح 2: 600.
4) راجع: مسند أحمد 4: 361.
الصحابة، منهم: جابر بن عبدالله ، وخرج أبو سعيد الخدري، فلجأ إلىٰ غار في جبل، فلحقه رجل من أهل الشام ، قال : فلمّا رأيته انتضبت سيفي فقصدني ، فلمّا رآني صمّم علىٰ قتلي، فشممت سيفي ثم قلت: «إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوا بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ» (1). فلمّا رأى ذلك قال : من أنت ؟ قلت : أنا أبو سعيد الخدري . قال : صاحب رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ؟ قلت : نعم ! فمضى وتركني»(2).
وفي بعض المصادر جاء: افتضّت في واقعة الحرة ألف عذراء ، ولكن هنا يقول : أنّه ولدت ألف امرأة من نساء المدينة ، وهذا معناه : أنّ عدد مَنْ افتضّت مِن العذارى لا يعلمه إلّا الله ، وقد ولدت منهنّ ألف امرأة، وفرق كبير بين الافتضاض وبين أن تلد ، فليس كلّ من اعتدي عليها بالضرورة قد ولدت.
وأمّا عن القتلىٰ من أهل المدينة فيقول : قال المدائني : عن شيخ من أهل المدينة ، قال : سألت الزهري : كم كان القتلى يوم الحرة؟ قال: سبعمائة من وجوه الناس من المهاجرين والأنصار، ووجوه الموالي وممّن لا أعرف من حُرّ وعبد وغيرهم عشرة آلاف»(3).
وهناك تفاصيل أُخرىٰ لا يسع المقام لذكرها؛ لأنّها فوق حدّ الإحصاء.
مع ذلك نجد أن مخالفي الشيعة يسمّون يزيد : أميرالمؤمنين ، وفيهم من يسمّيه : الخليفة المظلوم ، ويكتب كتابات كثيرة في هذا المجال !!
ويشكلون علىٰ سائر المسلمين بأنّهم يلعنون يزيداً، وأنّه لم ترد السُنّة في لعن يزيد وأمثال يزيد.
مع أنّ هناك روايات متعدّدة وصحيحة السند تخبرنا أنّ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لعن من أخاف أهل المدينة بشكل عام، نشير هنا إلىٰ بعضها :
1 - عن جابر بن عبدالله ، قال : قال رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «من أخاف أهل المدينة فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، من أخافها فقد أخاف ما بين هذين». وأشار إلىٰ ما بين جنبيه (1).
والرواية صحيحة السند .
وعند مراجعة القرآن الكريم نجد أنّ هذا النوع من اللعن مرتبط بفئة خاصّة من الناس لا بالجميع، وهي في قوله تعالىٰ : «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله وَالمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» (2)، ورسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يضع هذه اللعنة علىٰ من أخاف أهل المدينة.
2 - عن محمّد بن جابر بن عبدالله ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : من
أخاف أهل المدينة أخافه الله (3).
والرواية صحيحة الإسناد.
إذاً في يوم القيامة هو سيكون في خوف ، يعني : ليسوا من الذين «وَهُم مِن فَزَعِ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ» (4)، ليسوا في أمان من العذاب الإلهي الأخروي ولا في عالم البرزخ
3 - عن السائب بن خلاد أنّ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قال : من أخاف أهل المدينة أخافه الله عزّ وجلّ، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً(5).
إذاً الروايات الواردة في هذا المجال جاءت في عشرات المصادر، وكلّها أشارت إلىٰ هذه الحقيقة.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو : هل من يبيح المدينة ثلاثاً، ويأخذ منهم البيعة علىٰ أن يكونوا عبيداً له فى الطاعة والمعصية، ويقتل منهم من يقتل ، ويفعل ما يفعل ، هو ممّن أخاف المدينة وأهلها أم لا ؟!
ولا يتُصوّر أنّه يوجد عاقل يقول : إنّه لم يخف أهل المدينة.
وقد طبّق جملة من الأعلام هذه الرواية علىٰ يزيد، نشير إلىٰ بعضهم :
1 - النووي ، قال : قوله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : ( ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلّا أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء): قال القاضي : هذه الزيادة، وهي قوله : في النار ، تدفع إشكال الأحاديث التي لم تُذكر فيها هذه الزيادة، وتبيّن أنّ هذا حكمه في الآخرة، قال : وقد يكون المراد به : من أرادها في حياة النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) كفىٰ المسلمون أمره، واضمحلّ كيده، كما يضمحلّ الرصاص في النار...
قال: وقد يكون في اللفظ تأخير وتقديم ، أي: إذابة الله ذوب الرصاص في النار ، ويكون ذلك لمن أرادها في الدنيا ، فلا يمهله الله ، ولا يمكّن له سلطان ، بل يذهبه عن قرب، كما انقضى شأن من حاربها أيام بني أمية ، مثل : مسلم بن عقبة ؛ فإنّه هلك في منصرفه عنها ، ثم هلك يزيد بن معاوية مرسله علىٰ أثر ذلك ، وغيرهما ممّن صنع صنيعها» (1).
2 - ابن كثير ، قال : «وقد وقع في هذه الثلاثة أيام من المفاسد العظيمة في المدينة النبوية ما لا يُحد ولا يوصف، ممّا لا يعلمه إلّا الله عزّ وجلّ، وقد أراد بإرسال مسلم بن عقبة توطيد سلطانه وملكه، ودوام أيامه من غير منازع ، فعاقبه الله بنقيض قصده، وحال بينه وبين ما يشتهيه ، فقصمه الله قاصم الجبابرة، وأخذه أخذ
1) شرح مسلم 9: 137 - 138 .
عزيز مقتدر؛ «وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ» (1): (2).
3- العسقلاني، قال: «.. فأرسل إليهم مسلم بن عقبة المري، وأمره أن يستبيح المدينة ثلاثة أيام، وأن يبايعهم علىٰ أنّهم خَوَل وعبيد ليزيد ، فإذا فرغ منها نهض إلىٰ مكّة لحرب ابن الزبير ، ففعل بها مسلم الأفاعيل القبيحة ، وقتل بها خلقاً من الصحابة وأبنائهم، وخيار التابعين ، وأفحش القضية إلىٰ الغاية، ثم توجّه إلىٰ مكّة فأخذه الله تعالىٰ قبل وصوله ، واستخلف علىٰ الجيش حصين بن نمير السكوني، فحاصروا ابن الزبير، ونصبوا علىٰ الكعبة المنجنيق، فأدّى ذلك إلىٰ وَهي أركانها ووَهي بنائها، ثم أحرقت، وفي أثناء أفعالهم القبيحة فجأهم الخبر بهلاك يزيد بن معاوية، فرجعوا وكفى الله المؤمنين القتال، وكان هلاكه في نصف ربيع الأوّل سنة أربع وستّين»(3).
إذاً جملة من الأعلام أشاروا إلىٰ هذه الحقيقة، وبجمع ما ورد في هذه المصادر وما صدر من يزيد تكون القضية واضحة ، وكأنّه يوجد قياس من الشكل الأوّل: ( يزيد أخاف أهل المدينة - وهذا تقدّم في واقعة الحرّة ، وقلنا بأنّه أمر مسلم بن عقبة أن يفعل ما يفعل، هذه صغرى القياس، كما هو في المنطق - وكل من أخاف أهل المدينة أخافه الله وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين - وهذه كبرىٰ القياس - فتكون النتيجة : يزيد ملعون علىٰ لسان رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) .
ويأتي من يقول : إنّ يزيد عندما بعث مسلم بن عقبة إلىٰ المدينة لم يخف أهل المدينة !!
مع كلّ تلك الأفاعيل والقبائح والفجائع والفضائح التي ارتكبها لا يصدق عليه أنّه : أخاف أهل المدينة ، بل هو «الخليفة المظلوم»، يعبّرون عن يزيد في
كتاباتهم وكلماتهم ب- «الخليفة المظلوم» ؛ لأنّه مُتّهم بقتل سبط رسول الله سيّد شباب أهل الجنّة، وهو لم يكن راضياً بذلك ؟ !
بعد أن اطّلع «عمر» علىٰ هذين المنهجين : منهج الإنسانية والعدالة، الذي يتجسّد في سيرة عترة النبي الأعظم من أئمة أهل البيت(علیهم السّلام)، والمنهج الذي يقابله، الذي يتجسّد في سيرة أعداء الدين والإنسانية، عرف الحقّ وتيقّن بأنّ المنهج الأوّل هو المنهج الحقّ ، الذي يجب اتّباعه، فقرّر اعتناق مذهب أهل البيت (علیهم السّلام) (1).
1) المستبصر علىٰ تواصل مع «مركز الأبحاث العقائدية» من خلال الرسائل البريدية، وله ملف خاص في المركز.
ولد في كينيا سنة 1399 ه- (1979م) ، وتخرّج من مدارسها، وعمل في مركز البشرى، وهو أحد مراكز أهل السنّة.
في يوم من الأيام التقىٰ «عمر» أحد الأفراد الذين تشرّفوا باعتناق مذهب أهل البيت(علیهم السّلام) ، فحثّه علىٰ الانضمام إلىٰ مدرسة النجاح الإسلامية في مؤسسة أهل البيت (علیهم السّلام) في مدينة لاموكينيا .
كان «عمر» متردّداً ابتداءً بسبب الشائعات التي يردّدها أعداء مدرسة أهل البيت(علیهم السّلام) من أنّهم غير مسلمين ، وأن لهم عقائد فاسدة، وأنّهم يسبّون الصحابة ..
ولكن دفعته الرغبة في معرفة الحقيقة إلىٰ الالتحاق بهذه المدرسة ، فالتحق تلبية لتلك الرغبة ، وممّا أثار انتباهه أنّه وجد الطلبة هناك لهم حرّية التعبّد ، فاطمئنّ لذلك، وبدأ فى البحث والتحقيق حتّىٰ وصل إلىٰ الحقيقة.
من القضايا المهمّة التي جعلت «عمر» يعتنق مذهب أهل البيت(علیهم السّلام) : قضية حادثة الغدير ، والآيات القرآنية والروايات الشريفة التي تناولت هذه الحادثة ، والنتائج التي ترتّبت عليها ، وما جاء فيها من نصوص.
ومن أجل توضيح ماجاء في هذه الحادثة لابدّ من الإشارة إلىٰ مجموعة أمور:
1 - إنّ الإمامة لها أصل قرآني؛ قال تعالىٰ: «إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً» (1)، وأيضاً قوله تعالىٰ : «وَجَعَلْنَاهُمْ أَئمّةٌ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا » (2)، إذا الإمامة لها أصل قرآني.
2 - إنّ هذه الإمامة التي لها أصل قرآني، هل هي مستمرة حتّىٰ في شريعة النبي محمّد (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ؟ فإنّ هذا الأصل القرآني له استمرارية غير منقطعة إلىٰ أن يرث الله الأرض ومن عليها ، فليست ظاهرة الإمامة القرآنية كظاهرة النبوة؛ إذ لا نبيّ بعد خاتم الأنبياء نبيّنا الأكرم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).
أمّا الإمامة والولاية والخلافة القرآنية فإنّها مستمرّة ولن تنقطع ؛ لأنّ القرآن الكريم يقول : «إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةٌ » (3)، و «جاعل» يقوم بنفس الدور الذي يقوم به الفعل المضارع الذي يدلّ علىٰ الاستمرارية، كذلك : «إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إماماً »(4)يدل علىٰ الاستمرارية ..
) فكما أنّ في أنبياء بني إسرائيل كان هناك أئمّة؛ كما صرّح بذلك قوله تعالىٰ: «وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئمَةٌ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ» (5)، كذلك بعد النبي الأكرم(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فإنّ هناك أئمّة موجودين إلىٰ أن يرث الله الأرض ومن عليها.
3 - إنّ الإمامة ليست بدرجة واحدة، فالإمامة التي كانت لإبراهيم (علیه السّلام) ليست هي الإمامة نفسها التي في قوله: «وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةٌ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا» ، كما أنّ الأنبياء والمرسلين يتفاضلون في ما بينهم، الإمامة أيضاً فيها درجات تفاضل ، وكما أنّ الله تعالىٰ قال: «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ » (6)ففضّل الأنبياء بعضهم علىٰ بعض ، كذلك الأئمّة يتفاضل بعضهم علىٰ بعض ، سواء علىٰ مستوىٰ الإمامة في
شريعتنا والإمامة السابقة علىٰ ذلك، أو حتّىٰ علىٰ مستوىٰ الأئمّة في شريعتنا.
عندما نأتي إلىٰ الإمامة الموجودة لإبراهيم الخليل(علیه السّلام) والإمامة الثابتة للنبي الأكرم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ولا ريب سنجد أنّ إمامة الخاتم هي أرفع من إمامة إبراهيم الخليل، كما أنّ نبوّته ورسالته أعظم وأفضل من نبوّة ورسالة إبراهيم الخليلي (علیه السّلام) .
كذلك عندما نأتي إلى الأئمّة في مدرسة أهل البيت(علیهم السّلام) سنرىٰ، ثم نعتقد أنّ إمامتهم وخلافتهم ووصايتهم وولايتهم أرفع من الأئمّة الآخرين الذين ذُكروا في القرآن الكريم ؛ إذ هم ورثة خاتم الأنبياء(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وحملة رسالته.
4 - في مدرسة أهل البيت(علیهم السّلام) نجد أنّ الإمامة تأخذ أبعاداً وأدواراً أُخرىٰ، ومسؤوليات أساسية أنيطت هذه الإمامة والمقام الإلهي، الذي عبّر عنه في القرآن الكريم: «إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً» (1)..
لا يقول لنا قائل : إنّ هذه مرتبطة بإبراهيم ، فلما تطبّقونها علىٰ أئمّة أهل البيت (علیهم السّلام) ؟
والجواب : إنّ هذه الإمامة التي توجد لأئمّة أهل البيت(علیهم السّلام) هي وراثة لإمامة إبراهيم(علیه السّلام) ؛ فقد سألها إبراهيم(علیه السّلام) لذريّته ، واستجاب الله تعالىٰ دعاءه، وجعلها في غير الظالمين منهم ، ولا خلاف في أنّ أئمّة أهل البيت(علیهم السّلام) من ذرّيّته(علیهم السّلام).
وهذه الإمامة هي استمرار لذلك الخطّ الأصيل الذي ثبت قرآنياً ، يعني : كما أنّ النبي الأكرم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )) هو وارث الأنبياء والمرسلين، كذلك أئمّة أهل البيت هم ورثة إمامة إبراهيم.
1) البقرة (2): 124 .
6 - إنّ الأدوار الأساسية لأهل البيت(علیهم السّلام) ليست منحصرة بالقيادة السياسية حتّىٰ إذا أبعدوا عنها لا يبقىٰ هناك أيّ دور لهم القيادة السياسية واحدة من الأدوار التي أُنيطت بهم.
7- إضافة إلىٰ الدور السياسي للإمامة هناك الدور التشريعي والدور الوجودي.
8 - إنّ النبي الأكرم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ماذا أراد أن يقول للناس في هذه الواقعة ؟ هل أراد أن يبيّن الدور التشريعي لعليّ(علیه السّلام) ، أم أنّه أراد تبيين الدور السياسي والقيادة السياسية له(علیه السّلام) ، أو - إضافة إليهما - أراد أن يبيّن الدور الوجودي والإمامة الوجودية لعليّ(علیه السّلام) ؟
أو لا هذا ولا ذاك، وإنّما أراد أن يبيّن : أيّها الناس ينبغي أن تحبّوا عليّاً، وأن تنصروا عليّاً، وأن تودّوا عليّاً ؟ ! يعنى من قبيل قوله تعالىٰ: «قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ» ؟! (1)
النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أراد أن يذكّر الناس : أيّها الناس حبّوا عليّاً، ودّوا عليّاً، كونوا من محبّيه ، وممن تنصرونه ، ونحو ذلك ، كما يحاول بعضهم أن يروّج لهذا المعنىٰ وينشره ويتكلّف بإقامة الأدلّة عليه ؟ !
إنّ الأدلّة التي تكلّمت عن الإمامة ، سواء في القرآن الكريم أو في النصوص الروائية ، ليست جميعاً في سياق واحد ، فبعضها تكلّمت عن الدور الوجودي؛ عندما يقول: «بنا فتح الله وبنا يختم»(2)، هذه لا تريد أن تتكلّم عن الدور التشريعي، أو الدور السياسي، وإنّما تريد أن تتكلّم عن الدور الوجودي..
أمّا عندما يقول : إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي
أبداً(1)، فظاهر الحديث يريد أن يشير إلىٰ الدور التشريعي ، نعم قد يُفهم منه الدور السياسي أيضاً ، إذاً حديث الثقلين ورد لبيان القيادة الدينية لأئمّة أهل البيت(علیهم السّلام) ، لا لبيان خصوص القيادة السياسية ، وإن كان بنحو من الأنحاء يمكن استفادة بيان القيادة السياسية من حديث الثقلين أيضاً..
وهنا لابدّ أن يُلتفت إلىٰ أنّ ليس كلّ دليل من الأدلّة القرآنية والروائية بصدد إثبات كلّ هذه الأدوار، وإنّما كلّ دليل بصدد إثبات دور منها، وبعض هذه الأدلّة تثبت جميعها .
عندما نرجع إلىٰ هذا الحديث المبارك نجد فيه : «فلمّا قضى مناسكه وانصرف راجعاً إلىٰ المدينة ومعه من كان من الجموع المذكورة وصل إلىٰ غدير خم من الجحفة التي تتشعّب فيها طرق اليمنيين والمصريّين والعراقيين، وذلك يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجّة ، نزل عليه جبرائيل الأمين، فقال: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ» ..
قال : الحمدلله نستعينه، ونؤمن به، ونتوكّل عليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ..
إلىٰ أن قال : أمّا بعد ، أيّها الناس قد نبّأني اللطيف الخبير أنّه لن يعمّر نبي ...
ثمّ قال : وإِنِّي أُوشك أن أُدعى فأجيب، وإنّي مسؤول وأنتم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون إذا سُئلتُم عنّي ؟
قالوا: نشهد أنّك قد بلغت ونصحت وجاهدت فجزاك الله خيراً.
قال : ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله ، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، وأن جنّته حقّ وناره حقّ؟
قالوا : بلى ، نشهد بذلك .
1) راجع: سنن الترمذي 5: 329 .
قال : اللّهم اشهد.
ثم قال : أيّها الناس ألا تسمعون ؟! يعني : اطمأنّ أنّ الجميع يسمع صوته، قالوا : نعم .
قال: فإنّي فرط علىٰ الحوض، أسابقكم علىٰ حوض الكوثر، وأنتم واردون علَي الحوض، وإنّ عرضه ما بين صنعاء وبُصرى ... فيه أقداح عدد النجوم من فضة ، فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين ؟!
فنادى منادٍ : وما الثقلان يا رسول الله ؟
فقال : الثقل الأكبر : كتاب الله ، طرف بيدالله وطرف بأيديكم ، فتمسّكوا به لا تضلّوا، والآخر الأصغر : عترتي ، وإنّ اللطيف الخبير نبأني أنّهما لن يفترقا حتّىٰ يردا علَيّ الحوض ، فسألت ذلك لهما ربي ، فلا تَقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ..
ثم أخذ بيد عليّ فرفعها حتّىٰ رؤي بياض آباطهما، وعرفه القوم أجمعون، فقال : أيّها الناس من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم ؟ ألست أولىٰ بالمؤمنين من أنفسهم ؟ !
قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: إنّ الله ،مولاي، وأنا مولى المؤمنين ، فمن كنت مولاه فعلي مولاه. يقولها ثلاث أو أربع»(1).
فقوله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟! فيه إشارة إلىٰ الآية في سورة الأحزاب، والمراد من الأولوية في هذه الآية المباركة : تقدّمه علىٰ جميع المؤمنين في كلّ ما يقوله أو يريده ويريدونه ، يعني : إذا أراد هذا المؤمن شيئاً وأراد رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) شيئاً آخر فالتقدّم لرسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وهذا صريح القرآن: «النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ
1) راجع: الغدير 1: 11.
مِنْ أَنفُسِهِمْ» (1)، ليس لهم الخيرة ..
هنا يأتي السؤال : هذا التقدّم في الأمور الفردية فقط ، أو في الأمور الفردية والاجتماعية والسياسية والإدارية والاقتصادية وفي جميع الشؤون ؟
الجواب : في كلّ الشؤون ، إذا قضى الله ورسوله أمراً فليس للمؤمن - إذا كان مؤمناً حقّاً - أن يتخلّف عن أمر الله وأمر رسوله ..
فالآية المباركة : «النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِاللْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ» (2)لم تقيّد ، وحذف المتعلّق يدلّ علىٰ العموم (3)، يعني: لم تقل أنّه أولى منهم في قضاياهم الشخصية، أو في خصوص هذه القضية أو تلك، أو أنّه أولى منهم في قضاياهم الاجتماعية، أمّا في قضاياهم الشخصية فليس أولى منهم ..
إذاً نفهم من هذه الآية المباركة، وبقرينة الروايات الواردة في المقام والآيات الأُخرىٰ التي تؤيّد هذا المعنىٰ ، أنّه ليست لهم الخيرة من أمرهم، كما نستكشف أنّ في كلّ شأن من شؤون المؤمنين والمسلمين والأمّة الإسلامية، سواء كانت شؤون فردية أو اجتماعية، أو أي شأن آخر ، فالنبيّ أولى بهم منهم.
فإنّ النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يريد أن يبين الدور القيادي ؛ لأنّ القائد هو الذي لابدّ أن يطاع في كلّ شأن من شؤونه ، وإلّا ففي الدور التشريعي يبيّن للمشرع حكماً وأنت حر في أن تلتزم أو لا تلتزم ، كما أن المرجع الفقهي يبيّن فى الرسالة العملية شيئاً، ولكنّك إذا أردت أن تخالفه فماذا يفعل لك ؟
لا يستطيع أن يفعل شيئاً سوىٰ أن يحذّرك وينذرك، أمّا أن يطبّق ، أو يعاقب ، أو يقيم الحدّ عليك ، فليس له ذلك .
إذا يمكن أن نستنتج من هذا النص المبارك ، أنَّ : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، وأنّ هذه الأولوية نفسها في غدير خم أعطيت لعليّ(علیه السّلام) ؛ لذا يمكننا القول بأنّ النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) - بحسب نص هذا الحديث - ليس بصدد بيان الدور الوجودي، أو المقام والدور التشريعي، أو المودّة والمحبّة، وإنّما بصدد بيان الدور القيادي والسياسي، والإمامة والخلافة السياسية في الأمة من بعده(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) .
بعد أن اتّضحت ل- «عمر» المعاني السامية في حديث الغدير الشريف، ودلالته الواضحة علىٰ إمامة أميرالمؤمنين(علیه السّلام) ، وأحقّيته بخلافة النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، صغىٰ إلىٰ الحقّ واتّبع العقل والشرع، وتمسّك بولاية علي (علیه السّلام) وأبنائه المعصومين، واعتنق مذهب أهل البيت(علیهم السّلام) ، وكان ذلك في سنة 1425ه- في مدينة «لامو» في كينيا (1)
1) المستبصر علىٰ تواصل مع «مركز الأبحاث العقائدية» من خلال المراسلة البريدية، وله ملف خاص في المركز.
ولد في لبنان ودرس في المدارس والجامعات الأكاديمية إلىٰ أن نال شهادة الدكتوراه في مجال الطب النفسي.
يعتقد «ألكسي» أنّ «اعتناقه للدين الإسلامي ومذهب أهل البيت(علیهم السّلام) لم يكن وليد الصدفة أو الفكرة الطارئة، وإنّما جاء ذلك بعد دراسة ومراجعة معمّقة وطويلة للكثير من الكتب والمؤلّفات، وآراء المفكّرين والمنظّرين، وحواراته مع العديد من رجال الدين والمثقّفين، والتي تكلّلت في نهاية المطاف بالوصول إلىٰ القناعة الأكيدة بأنَّ رسالة الإسلام والشريعة التي جاء بها النبي الأكرم(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) هي رسالة السماء بكلّ ما تعنيه من أصالة عقائدية، ودعوات مقدّسة، تقوم علىٰ أسس الإيمان والتقوىٰ والعدل والإخاء والإيثار، كما أنّه وجد في فكر وثقافة آل البيت(علیهم السّلام) المرآة العاكسة الحقيقة الإسلام والنهج المحمدي الأصيل، ومن كونهم المدرسة التي لا بديل عنها في ترجمة أصالة مبادىء الفكر الإسلامي وقيمه المعنوية الإسلامية».
ولكن مع الأسف لم يلتزم عامّة المسلمين بعد رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بهذا الصراط
السوي، بل زاغوا عنه واتّبعوا السبل الأُخرىٰ.
وهذا ما أخذ به الرسول الأمين في ما روىٰ عنه أميرالمؤمنين ؛ إذ روي أنّه قام إليه رجل ، فقال : أخبرنا عن الفتنة ، وهل سألت عنها رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ؟
فقال : (لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ قَوْلَهُ : «الّم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ» (1)عَلِمْتُ أَنَّ الْفِتْنَةَ (2)لَا تَنْزِلُ بِنَا وَرَسُولُ اللَّهِ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بَيْنَ أَظْهُرِنَا ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، مَا هَذِهِ الْفِتْنَةُ الَّتي أَخْبَرَكَ اللهُ بهَا؟
فَقَالَ : يَا عَلِيُّ ! إِنَّ أُمَّتِي سَيُفْتَنُونَ بَعْدِي.
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَوَلَيْسَ قَدْ قُلْتَ لِي يَوْمَ أُحد، حَيْثُ اسْتُشْهِدَ مَن اسْتُشْهِدَ مِنَ المُسْلِمِينَ ، وَحِيزَتْ (3)عَنِّي الشَّهَادَةُ ، فَشَقَّ ذلِكَ عَلَيَّ، فَقُلْتَ لِي: أَبْشِرُ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ وَرَائِكَ ؟
فَقَالَ لي : إِنَّ ذلِكَ لَكَذلِكَ ، فَكَيْفَ صَبْرُكَ إِذَنْ؟
فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ لَيسَ هَذَا مِنْ مَوَاطِنِ الصَّبْرِ وَلَكِنْ مِنْ مَوَاطِنِ البشرى وَالشُّكُرِ.
وَقَالَ: يَا عَلِيُّ ! إِنَّ الْقَوْمَ سَيُفْتَنُونَ بِأَمْوَالِهِمْ، وَيَمُنُّونَ بِدِينِهِم عَلَىٰ رَبِّهِمْ ، وَيَتَمَنَّوْنَ رَحْمَتَهُ وَيَأْمَنُونَ سَطْوَتَهُ، وَيَسْتَحِلُّونَ حَرَامَهُ بِالشُّبُهَاتِ الْكَاذِبَةِ ، وَالْأَهْوَاءِ السَّاهِيَةِ، فَيَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ بِالنَّبِيذِ ، وَالسُّحْتَ بِالهَدِيَّةِ ، وَالرِّبَا بِالْبَيْعِ .
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ فَبِأَيِّ الْمَنَازِلِ أُنْزِهُمْ عِنْدَ ذلِكَ : أَنْزِلَةِ رِدَّةً أَمْ بِمنْزِلَةِ فِتْنَةٌ؟
فَقَالَ : بِمَنْزِلَةِ فِتْنَهُ ) (4).
وهذا المعنىٰ أكّدت عليه العديد من الروايات؛ فقد قال أبو المقدام لأبي جعفر الباقر(علیه السّلام) : إنّ العامة يزعمون أنّ بيعة أبي بكر حيث اجتمع الناس كانت رضاً لله تعالىٰ، وما كان الله ليفتن امّة محمّد (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) من بعده.
فقال أبو جعفر(علیه السّلام) : أوَ ما يقرؤون كتاب الله : أوَليس الله يقول : «وَمَا مُحمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّاللَّه شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ» (1)؟ !
فقال : إنّهم يفسّرونه علىٰ وجه آخر .
فقال : أوَ ليس قد أخبر الله عن الذين من قبلهم من الأُمم أنّهم قد اختلفوا من بعد ما جاءتهم البيّنات؛ حيث قال : «وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ الله مَا أَقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَن آمَنَ وَمِنْهُم مَن كَفَرَ» (2)(3)
وفي «شواهد التنزيل» بإسناده إلىٰ ابن عباس في تأويل قوله تعالىٰ: «وَاتَّقُوا فِتْنَةٌ لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةٌ» (4): لمّا نزلت هذه الآية قال النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : من ظلم عليّاً مقعدي هذا بعد وفاتي فكأنّما جحد نبوّتي ونبوّة الأنبياء قبلي(5).
فقد بيّن النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) الفتنة لمن سأله عنها ، ولمن لم يسأله ، بل بيّن(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) منشأ الفتنة أيضاً ..
فروي مسنداً عن ابن عمر قام النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) خطيباً فأشار نحو مسكن عائشة وقال : (هاهنا الفتنة - ثلاثاً - من حيث يطلع قرن الشيطان) (6).
وأيضاً عيّن (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ميزاناً للحقّ والحقيقة عند الفتن واختلاف الناس؛ فروى ابن ديزيل - ونقله ابن أبي الحديد في موضع آخر - أنّ رجلاً جاء إلىٰ ابن مسعود ، فقال : إنّ الله تعالىٰ آمننا أن يظلمنا، ولم يؤمنّا أن يفتننا، أرأيت إذا أنزلت فتنة كيف أصنع ؟
فقال : عليك كتاب الله .
قال : أفرأيت إن جاء قوم كلّهم يدعو إلىٰ كتاب الله ؟
فقال ابن مسعود : سمعت النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يقول : (إذا اختلف الناس كان ابن سميّة مع
الحقّ ، يعني : عمّاراً)(1).
وجعلُهُ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عمّار ميزاناً كالنص في أمير المؤمنين(علیه السّلام) حيث أنّ متابعته له وكونه من خواصّه (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أمر متحقّق ، كما أنّ مباينته لعثمان ، واستحلاله دمه ، وتكفيره له ، أمر مقطوع، وتظهر مباينته لأبي بكر وعمر واعتقاده كون تصدّيهما للأمر ظلماً من كلامه يوم الشورىٰ، الذي رواه الكلّ .
قوله(علیه السّلام) : (لَما أَنْزَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ قَوْلَهُ: «الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ عَلِمْتُ أَنَّ الْفِتْنَةَ لَا تَنْزِلُ بِنَا وَرَسُولُ اللَّهِ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بَيْنَ أَظْهُرِنَا) ، أَي : وهو حيّاً.
إنّما علم(علیه السّلام) أنّ نزول الفتنة ليس في حياة النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ؛ لأنّ للفتنة أسباباً كانت حياته مانعة منها .
فمن يقدر منهم أن يدعي كونه خليفته(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في حياته كما أن فتنة السامري لبني
إسرائيل كانت بعد غياب موسىٰ(علیه السّلام) ، وما دام كان شاهداً لم يمكنه ذلك .
ونزول الفتنة وإن كان بعد النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )، إلّا أنّ تهيئة أسبابها كانت في حياته(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فعن جابر بن عبدالله ، قال : كان رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بالجعرانة وهو يقسم التبر والغنائم ، وهو في حجر بلال ، فقال رجل : اعدل يا محمّد ! فإنّك لم تعدل .
فقال : «ويلك ! ومن يعدل بعدي إذا لم أعدل ؟»
فقال عمر : دعني يا رسول الله ! حتّىٰ أضرب عنق هذا المنافق.
فقال رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «إنّ هذا في أصحاب - أو أصيحاب - له ، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» (2).
قال الهيثمي : إسناده صحيح (1)
ولمّا كان ذلك مُبعداً لما كان ينتظره(علیه السّلام) ويرجوه من شهادته التي بشرّ بها النبيّ ، موهماً لعدم تنجّز ما بشّر به ، ومفيداً لعدم حصوله في زمان النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وحال حياته ، وكان فيه خوف فوت المطلوب، لا جرم أعاد(علیه السّلام) السؤال تحصيلاً لاطمئنان القلب ، كما سأل إبراهيم ربّه بقوله: «وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبَّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَكِن لِيَطْمَئِنَّ قَلبي » (2).
فقال(علیه السّلام) : (فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ مَا هَذِهِ الْفِتْنَةُ الَّتِي أَخْبَرَكَ اللَّهُ بِهَا ؟ فَقَالَ : يَا عَلِيُّ : إِنَّ أُمَّتِي سَيُفْتَنُونَ بَعْدِي)، وهذا الجواب من النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وإن كان مجملاً لم يصرّح فيه بأنّ افتتان الأمّة بعده(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بماذا ، إلّا أنّه(علیه السّلام) قد فهم منه أنّ مراده(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) منه : الافتتان به (علیه السّلام) و امتحانهم بولايته .
وفهمه (علیه السّلام) ذلك منه إمّا من باب الإشارة، أو بقرينة تصريحه(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) به في مناسبة أُخرىٰ؛ فقد روي عن علقمة وأبي أيوب: أنّه لمّا نزلت: «الَم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ» (3)، قال النبي لعمّار : إنّه سيكون بعدي هناة حتّىٰ يختلف السيف فيما بينهم، وحتّىٰ يقتل بعضهم بعضاً ، وحتّىٰ يتبرّأ بعضهم من بعض، فإذا رأيت ذلك فعليك بهذا الأصلع عن يميني ، عليّ بن أبي طالب، فإن سلك الناس كلّهم وادياً فاسلك وادي علي وخلّ عن الناس. يا عمّار ! إنّ عليّاً لا يردّك عن هدىٰ ، ولا يردك إلىٰ ردى. يا عمّار ! طاعة عليّ طاعتي وطاعتي طاعة الله (4).
وهذه الروايات وما بمعناها صريحة في الدلالة علىٰ أنّ الافتتان بعده(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) إنّما
هو بولاية أميرالمؤمنين(علیه السّلام) ، فهي رافعة للإجمال ، ومبيّنة لكون مراد النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بقوله : إنّ أُمّتي سيفتنون من بعدي: افتتانهم بالولاية وامتحانهم به(علیه السّلام) .
قوله(علیه السّلام) : (وَحِيزَتْ عَنِّي الشَّهَادَةُ، فَشَقَّ ذلِكَ عَلَيَّ ، فَقُلْتَ لِي : أَبْشِرُ ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ وَرَائِكَ ؟ فَقَالَ لي : إنَّ ذلِكَ لَكَذلِكَ)، أي: قلت لي ذاك اليوم : الشهادة من ورائك ، يعني : : أنّ الشهادة واقعة لا محالة وإن لم تكن في زماني وفي مجاهداتك التي بين يدي النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وما بشّر به من الشهادة بالبطء والشكاية من تأخيرها فإنّه(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لمّا أخبر بأنّ الأمّة سيفتنون بعده أحبّ (علیه السّلام) أن لا يبق إلىٰ زمان تلك الفتنة فقال ذلك الكلام استبطاءً للشهادة.
وبشارة النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بالشهادة من أعلام النبوّة؛ إذ وصل خبرها متواتراً، مع ذکر خصوصياتها بضربة علىٰ رأسه...
فعن زيد بن وهب ، قال : قدم عليّ(رضی الله عنه) علىٰ قوم من أهل البصرة من الخوارج ، فيهم رجل يقال له : الجعد بن بعجة ، فقال له : اتّق الله يا علي ! فإنّك ميت.
فقال علي(رضی الله عنه) : بل مقتول ضربة علىٰ هذا تخضّب هذه ، يعني : لحيته من رأسه ، عهد معهود ، وقضاء مقضي ، وقد خاب من افترى(1).
قال الهيثمي : رواه أحمد، وفيه : عبدالله بن محمّد بن عقيل ، وهو حسن الحديث ، وبقية رجاله ثقات (2).
ثم أراد النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) الإبانة عن علوّ همّته(علیه السّلام) ، والإفصاح عن ثبات قدمه في جنب الله، فقال: (فَكَيْفَ صَبْرُكَ إِذاً ؟ ) .. وقوله هذا علىٰ حسب الظاهر من كون القتل بلاء وليصبر عليه ، وجوابه(علیه السّلام) بحسب المعنىٰ من كون القتل إذا كان في سبيل الله يصير نعمة يبشّر بها، ويلزم الشكر عليها .
ولمّا كان ذلك الإخبار من النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) حين نزول الآية صحّ بذلك الاعتبار قوله : (فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ لَيسَ هَذَا مِنْ مَوَاطِنِ الصَّبْرِ، وَلَكِنْ مِنْ مَوَاطِنِ البشرى وَالشُّكُرِ) ، يعني : أنّ الصبر عبارة عن تحمّل المشاق والمكروه، وهو إنّما يُتصوّر في حقّ المحجوبين عن الله ، المنهمكين في لذّات الدنيا.. الغافلين عن لذّات الآخرة ، فإنّهم يكرهون الموت ويفرّون منه ، ويحذرون من الشهادة، وأمّا أولياء الدين، وأهل الحقّ واليقين، فغاية غرضهم الخروج من هذه القرية الظالم أهلها ، والفوز بلقاء الحقّ ونيل رضوانه .
ثم عاد النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) - بعد الإشارة إجمالاً إلىٰ افتتان الأمّة من بعده - إلىٰ شرح حال المفتونين، وبيان أوصافهم تفصيلاً، بقوله : (وَقَالَ : يَا عَلِيُّ ! إِنَّ الْقَوْمَ سَيُفْتَنُونَ بَعْدِي بِأَمْوَالِهِمْ) ، فستكون هي محطّ الفتنة، بقلّتها وكثرتها ، وباكتسابها من حلال أو حرام، وبها تُختبر الرجال : هل سيحصلون عليها من حلّها ؟ وهل ستُصرف في محلّها ؟ وهل سيؤدّى منها الحق أو يمنع أهله ؟ وإلىٰ غير ذلك من موارد الخطر فيها . وهو (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )يشير بذلك إلىٰ قوله تعالىٰ: «وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ
الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ »(1).
وإنّما قال ذلك؛ لأنّ في عصره (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لم يكن لهم مال، وإنّما صاروا ذوي أموال
بفتوح فارس والروم.
قوله: (وَیَمُنُّونَ بِدِينِهم عَلَىٰ رَبِّهِمْ): يرون في تديّنهم مِنّة وفضلاً علىٰ الله فيريدون منه تعالىٰ لإيمانهم كلّ شيء، وكأنّ هذا الإيمان يعود بالفائدة علىٰ الله وليس عليهم، وهم في هذا كأعراب الجاهلية الذين أسلموا وأرادوا أن يمنّوا علىٰ النبي بإسلامهم.
قوله : (وَيَتَمَنَّوْنَ رَحْمَتَهُ)، وهذا من عيوب العاطلين الكسالى، أنّهم يعيشون
1) الأنفال (8): 28.
الأماني، ولا يتحرّكون في ما يطلبون ويتمنّون ؛ فإنّ الفتنة تكون في طلب أمر وتمنّيه دون السعي لتحصيله والعمل للوصول إليه، فهؤلاء القوم يتمنّون رحمة الله بالعفو عنهم والصفح، وبالجنّة ونعيمها ، ولكنّهم لا يعملون من أجل ذلك أي عمل .
(وَيَأْمَنُونَ سَطْوَتَهُ)، إنّهم يعيشون الأمان من غضب الله وعذابه ، وكأنّهم أخذوا عهداً أنّه لن يعدّبهم ؛ فلذا يعملون السيئات والمعاصي، ويقولون : إنّ الله غفور رحيم. ضاربين عرض الجدار بكلّ تحذيراته وتنبيهاته، وأوامره ونواهيه، هي من صفات الجاهلين.
قوله : (وَيَسْتَحِلُّونَ حَرَامَهُ بِالشُّبُهَاتِ الْكَاذِبَةِ ، وَالْأَهْوَاءِ السَّاهِيَةِ)، إنّهم يحلّلون الحرام، ويستحلّونه بأمور واهية لا أساس لها ولا صحّة، بل يحتالون علىٰ النص ويطوّعونه ليخدم مصالحهم ويحلّل لهم ما يشتهون من محرّمات وسيئات !
ووصف الأهواء ب- (الساهية) للمبالغة ؛ فإنّ اتّباع الهوى لمّا كان موجباً للغفلة عن الحقّ صحّ اتّصافه به ، والمراد أنّ استحلالهم للحرام بسبب متابعتهم لهوىٰ أنفسهم الصادّ لهم عن الحقّ والشاغل بهم في الدنيا وزخرفها الزائل.
قوله : (فَيَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ بِالنَّبِيذ)، فالخمر المحرم في كتاب الله وسُنّة نبيّه يحلّلونه بشربهم للنبيذ ؛ لأنّهم يشربونه بحجّة أنّه ليس بخمر، رغم أنّ النبيذ يشترك مع الخمر في الإسكار... فاختلاف الاسم جعلوه مبرّراً لشرب النبيذ المحرّم، الذي يشارك الخمر في الحرمة وفي الإسكار.
قوله : (وَالسُّحْتَ بِالْهَدِيَّةِ) ، السحت : كلّ حرام قبيح الذكر يلزم منه العار ، نحو ثمن الكلب والخمر والخنزير. وأسحت الرجل : وقع فيه (1)، وعن السكوني، عن أبي عبدالله(علیه السّلام) ، قال : السحت ثمن الميتة ، وثمن الكلب، وثمن الخمر، ومهر البغي، والرشوة في الحكم، وأجر الكاهن (2).
والظاهر أنّ المراد به هنا : خصوص الرشوة؛ كما فسّره الخبر المروي عن يزيد ابن فرقد، عن أبي عبدالله(علیه السّلام) ، قال : سألته عن السحت فقال: (الرشا في الحكم)(1).
قوله : (وَالرِّبَا بِالْبَيْعِ) ، ورَبا المال : يربو في الربا؛ أي: يزداد(2).
قال القاضى ابن البراج: «والربا محرّم في شرع الإسلام، وهو الفاضل من الشيئين إذا كانا من جنس واحد من المكيلات أو الموزونات، وليس يصحّ الربا إلّا فيما كان مكيلاً أو موزوناً ، فأمّا ما كان من غير ذلك فلا يدخل فيه»(3).
قال الشيخ الصدوق: «والربا رباء ان ربا يؤكل ، وربا لا يؤكل ، فأمّا الذي يؤكل : فهديتك إلىٰ الرجل تريد الثواب أفضل منها ، وأمّا الذي لا يؤكل : فهو أن يدفع الرجل إلىٰ الرجل عشرة دراهم علىٰ أن يردّ عليه أكثر منها ، فهو الربا الذي نهىٰ الله عنه» (4).
ويزعمون حلّيّتها لأجل أنّها معاملة بتراضي الطرفين، أو أنّهم يستحلّون الربا بقياسه علىٰ البيع ، كما كان عليه بناء أهل الجاهليّة، علىٰ ما أخبر الله سبحانه عنهم بقوله: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المسّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهِ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فَانْتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ» (5).
قوله : (أَبمَنْزِلَةِ رِدَّة) ، (أَمْ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَة) وامتحان في الدين ؟ هل يثبتون علىٰ ما قرّر لهم أم لا ؟
قوله : (فَقَالَ مَنْزِلَةِ فِتْنَة)، وهي التي تكون معصية يبقى الإنسان بها مسلماً علىٰ الظاهر ، وتجري عليه أحكام المسلمين ، ويُعامل معاملتهم ، ومَن لم يكن له قوّة التمييز علىٰ أنّها معصية أم طاعة كان مسلماً مفتوناً يرجى له النجاة.
بعد اطلاعه علىٰ منهج أهل البيت(علیهم السّلام) الذي يعكس حقيقة الإسلام المحمّدي واقتناعه به أعلن «ألكسي» - وبحضور بعض رجال الدين الشيعة في لبنان - عن استبصاره والتحاقه بهذا المذهب الحق.
كما أنّه أعلن عن تغيير اسمه وإبداله باسم «علي» إجلالاً لشخصية ومقام أميرالمؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (علیه السّلام) لما قرأ وعرف عن عظمة هذا القائد العظيم ومواقفه الحقّة والصلبة ، ونصرته للمظلومين والمستضعفين(1).
1) للمستبصر ملف في «مركز الأبحاث العقائدية» تمت الإشارة فيه إلىٰ استبصاره وما أدىٰ به إلىٰ الالتحاق بمذهب أهل البيت (علیهم السّلام)نقلاً عن موسوعة «المتحوّلون».
ولد عام 1400 ه- ( 1980م) في مدينة «فالوغا» في شمال لبنان، نشأ في أُسرة مسيحية معروفة، ولم يسمع في صغره عن الإسلام شيئاً، فالبيئة التي كان يسكنها كانت مسيحية بكلّ المعايير ومن جميع الجهات.
أكمل «جان» دراسته الابتدائية بتفوّق، وعند بلوغه الثانية عشر من العمر بدأ بدراسة الكتاب المقدّس والكتب المسيحية الأخرىٰ، ونظراً لتفوقه في الدراسة بدأ يتدرّج فى طلب العلوم شيئاً فشيئاً حتّىٰ أصبح راهباً في المسيحية.
لمّا بلغ «جان» السابعة عشر من عمره اعتنق الإسلام ضمن المذهب السنّي، وتلقّىٰ دراسات في «بيروت» علىٰ أيدي أساتذة ومشايخ كبار من أهل السنّة.
نفس «جان» المتعطّشة للاستجابة لنداء العقل لم تهدأ باعتناقه الإسلام، فمازال هناك بعض التردّد في ما بدأ يتعبّد به الله عزّ وجلّ.
فذات يوم وعند مروره علىٰ إحدىٰ المكتبات في «بيروت» لفت نظره کتاب «ثم اهتديت» للتيجاني السماوي ، فبدأ بتصفّحه حبّاً للاستطلاع ، فأعجب به ، وعندها بدأت تراوده بعض الشكوك عن مدىٰ اعتبار المعتقد السنّى.
كما لفت نظره في المسجد الذي كان ينتمي إلىٰ أهل السنّة أنّ أحد الأشخاص كان يصلّي من دون تكتّف ، فسأله عن سبب ذلك ، فقال : إنّه شيعي . فبدأ عن يسأله . معنى التشيّع بجدّية.
وبالبحث والتحقيق وبقراءته للكتب والمصادر المعتبرة أحسّ «جان» أنّه يتقرّب من مذهب أهل البيت(علیهم السّلام) شيئاً فشيئاً ، فهناك عامل ذاتي من الصفاء والشفافية كان يحدو به في ميادين الحياة إلىٰ أن يتّبع هذا المذهب.
فكانت الحقائق الثابتة في القرآن والسنّة تجاذبه نحو الطمأنينة حتّىٰ صارت نفسه في ظلّ ذلك راضية مرضية ، وهذا سبيل النفس إذا استجابت لنداء العقل، فلا يهمّها إلّا أن ترسو علىٰ شاطيء الحقيقة والصواب.
وكان استبصاره عام 1418 ه- (1998م) في مدينة «بيروت» بلبنان، وتسمّىٰ بعد الاستبصار باسم سيّد البشرية الرسول الأكرم محمّد(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) .
لم يعبأ «جان» بالمصاعب التي تلت الاستبصار ؛ فقد تعرّض للعديد من المضايقات من قبل المسيحيين ، حتّىٰ أنّ أحدهم قطع شريانه ذات مرّة ، ولكنّه لم يستسلم لتلك الضغوط ، بل بالعكس؛ فبعد سعي حثيث تمكّن من إقناع والده بالرؤية الإسلامية ، إلّا أنّ الأب ترك الإسلام بمجرّد استلام مبلغ من المال من اسرته المعروفة.
بعد مرور فترة من استبصاره وفي سنّ الواحدة والعشرين قرّر «جان» أن يشدّ الرحال إلىٰ مدينة باب علم المصطفىٰ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) مدينة النجف الأشرف، لينتقي اللآلىء ويقتطف الثمار من علوم آل محمّد(علیهم السّلام) ، فدخل الحوزة العلمية، وبدأ بتلقّي العلوم الدينية وفق مذهب آل البيت (علیهم السّلام).
رغم الفترة القصيرة التي انضوى فيها تحت لواء الإسلام ومذهب أهل البيت(علیهم السّلام) ، وطلب العلوم والمعارف الإسلامية لم يتوانَ «جان» في هذه الفترة عن إيصال ما توصّل إليه من حقائق إلىٰ أهل نحلته ؛ فقد ألّف ثلاثة كتب تبيّن عمق فهمه للإسلام والأديان بشكل عام، وأنّ اعتناقه للإسلام والمذهب الشيعي لم يترتّب إلّا علىٰ أسس علمية رصينة .
ممّا يرجوه المؤمن ومن يقدّم نفسه لإعلاء كلمة الله عزّ وجلّ هو أن ينال الشهادة في سبيله ، وهذا ما حصل ل- «جان» ؛ ففي عام 1422 ه- (2003م) قامت بعض العناصر المشبوهة التابعة لأجندة خارجية باغتياله رمياً بالرصاص في مدينة النجف الأشرف، ودفن عند أميرالمؤمنين (علیه السّلام) في مقبرة «وادي السلام» في النجف الأشرف.
(1) الإسلام والمسيحية سفينتان ترسيان علىٰ شاطىء الحقّ، والسؤال : ما هو العائق بينهما ؟» أو «شاطيء الحقّ».
(2) «الإسلام ورسوله في التوراة والإنجيل».
يقول المؤلّف في مقدّمة الكتاب عن مقترحه لكيفية إيجاد الوحدة العقائدية بين الإسلام والمسيحية ، والنهج الذي اتّخذه في هذا الكتاب : «إنّ الوحدة العقائدية بين البشر عموماً ، والإسلام والمسيحية خصوصاً، حلم يسعى لتحقيقه كلّ ذي فكر وقلم ، ولكن ما هي الأسس التي تجعل من هذا الهدف واقعاً ملموساً؟
إنّ الحوار هو السبيل الوحيد للوصول إلىٰ مثل هذا المبتغى السامي، ولابدّ من استخدام المسلّمات المتوفّرة لدىٰ الطرفين.
ومن البديهي أن يكون الكتاب المقدّس مسلّماً عند النصارىٰ، كما هو حال القرآن الكريم عند المسلمين، وعليه لا يمكن للحوار أن يقوم إلّا إذا حضر بهذين الكتابين الإلهيين في أصلهما.
ومن الضروري أيضاً أن يخرج المتحاورون من مستنقع التعصّب والعصبية إلىٰ شاطىء الأمان، المتمثّل بالتجرّد المطلق واتّساع الأفق والنظر إلىٰ الأولويات والأهداف النبيلة التي نسعى إليها من خلال هذا الحوار.
وقد ألزمنا أنفسنا بهذه القواعد في كتابنا هذا، آملين من الطرف المقابل بأن يتمتّع بالروح الحوارية عينها ، كي تثمر الجهود وتنضج ، فيحين موعد القطاف المنتظر .
وعليه فإنّنا نتوجّه بالطلب إلىٰ إخواننا من النصارىٰ بالرضوخ إلىٰ حكم العقل الذي أقرّته الحجّة المدوّنة في هذا الكتاب؛ فقد استنبطنا الإسلام ورسوله من الكتاب المقدّس الحالي، ممّا يلزم النصارىٰ باتّباع الإسلام كعقيدة ، سواء بعنوان التحوّل إليه، أم بعنوان الالتزام بنصوص الكتاب المقدّس الحقيقي في حال توفّره.
وقد دعا القرآن الكريم إلىٰ الحوار مع النصارىٰ في عدّة مواضع ، أبرزها : ما جاء في سورة آل عمران، حيث نقرأ : «قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا الله» (1)، وبالإضافة إلىٰ الحوار أمرنا : «وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ »(2).
ومن المؤسف أن لا نرىٰ اليوم علىٰ الساحة أي بوادر للحوار وفي المقابل نواجه عائق الهجوميّة والتفريق، ومن هنا فعلىٰ المسلمين والمسيحيين أن يتحاوروا عن (علم وهدى وكتاب منير)، فالحوار فيما بينهم يجب أن يكون دون خيانة للحقيقة، وأن يجمع ولا يفرّق، وأن ييسّر ولا يعسّر فقد «كَانَ النَّاسُ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ فَبَعَثَ
الله النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيَا اخْتَلَفُوا فِيهِ» (1).
ويحتوي هذا الكتاب علىٰ عدّة مباحث ، هي :
-البحث عن الله تعالىٰ ومقاصده.
-الرسول الأكرم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في التوراة والإنجيل.
-النساء بين القرآن والانجيل.
-بعض الحلول لتخطّي الأزمات النفسية الناتجة عن العرف ووسوسة الشيطان.
-لباس النساء بين القرآن والكتاب المقدّس.
-الخنزير في الكتب السماويّة، مقارنة مع العلم الحديث.
-خاتمة الكلام.
1) البقرة (2) :213 .
وقفة مع كتابه الإسلام والمسيحية سفينتان ترسیان علیٰ شاطىء الحق ، والسؤال : ما هو العائق بينهما ؟»
كما يظهر من عنوان الكتاب فإنّه كتاب تحقيقي يتناول العديد من المفاهيم في الأديان السماوية ذات المبدأ الواحد، وإن طرأت عليها التغييرات بمرور الزمن وتحريف المحرّفين، ويقوم بمقايستها مع بعضها البعض ...
من هنا يرى الكاتب ضرورة تناول نبذة موجزة عن الأديان الأساسية التي كانت محطّ نظره في البحث ، فيقول عند عدّها في مفتاح كلامه :
«... فالبوذية دين منسوب إلىٰ جوتاما سدھارتا ، المعروف ب- (بوذا)، ذلك الأمير الذي عاش في النيبال من بلاد الهند حوالي عام 563 قبل الميلاد، وكان أميراً مرفّهاً ولكن لوعه ما شاهده من معاناة الناس للألم، وشغل باله ما رآه من المحن التي يعيشها الناس طيلة حياتهم، من الفقر والحاجة، إلىٰ المرض والشيخوخة، ثم الموت ، فطلب وسيلة تربحه من تلك الآلام، فكانت أفكاره الفلسفية المبنية علىٰ التزهّد والرهبنة، والقائمة علىٰ العمل والسلوك وتربية الذات ومجاهدة النفس للتوصّل إلىٰ السعادة التي لا تشوبها شائبة الألم.
واليهودية دين منسوب إلىٰ النبي موسىٰ بن عمران ، وقد ظهرت معالمه أوّل ما ظهرت في أرض مصر، حيث كان يقطن أبناء النبي يعقوب(علیه السّلام) ، المعروفين بالأسباط الاثني عشر، وهم تاريخياً بنو إسرائيل، ثم تركّزت دعائم اليهودية في صحراء سيناء إبان فترة التيه، ثم في بلاد فلسطين في مرحلة أنبياء ما بعد موسىٰ(علیه السّلام) ، وأنزل الله إليه التوراة، وفيها تعاليم إلهية متنوعة، وتدعو اليهودية إلىٰ الإيمان بالله الواحد، والإيمان بصحّة نبوّة النبي موسىٰ ومن جاء بعده من أنبياء بني إسرائيل، وينتشر يهود اليوم في أصقاع الأرض وغالبهم يعيش في أرض فلسطين المحتلّة ...
والمسيحية هي الدين المنسوب إلىٰ المسيح عيسىٰ بن مريم(علیه السّلام) ، والذي بُعث في بلاد فلسطين في أمّة اليهود ليقوم انحرافها عن تعاليم النبي موسىٰ، وقد أنزل الله
إليه الإنجيل ، الذي علّمه لأنصاره الحواريّين الاثني عشر ، وقامت دعوة عيسىٰ(علیه السّلام) علىٰ الإيمان بالله الواحد وعبادته، وعلىٰ الدعوة إلىٰ الزهد في الدنيا، ونبذ الحقد والكراهية لبني البشر ، ولكن مع الأسف تدعو المسيحية اليوم إلىٰ الإيمان بالله ذي الثلاثة أقانيم ، وترىٰ في المسيح إلهاً وربّاً، وهذا مخالف لنص الكتاب المقدّس...
ومن الجدير ذكره أنّ المسيحية اليوم تتمثّل بعدة طوائف، أكبرها : البروتستانتية، والتي انشقّت عن الكنيسة الكاثوليكية نتيجة حركة إصلاحية في أوائل القرن السادس عشر ، عندما اعترض مؤسّسها مارتن لوثر علىٰ ما كان يجري آنذاك من بيع رجال الكنيسة لصكوك الغفران، وتنتشر المسيحية في أكثر بلاد العالم، وخصوصاً الغرب...
والإسلام دين الله الأخير الذي أوحىٰ به إلى نبيّه محمّد بن عبدالله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )، وكان منطلقه من الجزيرة العربية، وفي مكّة ويثرب تحديداً، وهو كسائر الأديان السماوية يدعو إلىٰ الإيمان بالله الواحد، وبنبوّة النبي محمّد (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وسائر الأنبياء قبله ، وبيوم الحساب والجزاء بعد الموت ، ويمتاز هذا الدين عمّا سلفه من الأديان بأنّه خاتمها ويدعو إلىٰ الإيمان بكافّة الرسالات السماوية التي جاءت قبله والأخذ بها في حال توفّرت، وبكلّ الأنبياء الذين بُعثوا قبل بعثته دون تفريق بين أحد منهم.. وينتشر الإسلام اليوم في مختلف بلاد العالم، وخصوصاً في الشرق.
ولا أعتقد أنّه هناك حاجة للبحث حول البوذية في عصرنا الراهن ؛ لأنّنا نقطع بمجيء واحد من الأنبياء العظام الثلاثة علىٰ الأقل : موسىٰ ، عيسىٰ، ومحمّد(علیهم السّلام) ، ممّا يعني : نسخ ما جاء به بوذا، علىٰ فرض كونه نبيّاً وصاحب دين سماوي ، ، ، هذا فضلاً عن توقّف الفلسفة البوذية عن العطاء في نهاية القرن العاشر الميلادي، علماً أنّ البوذية مجرّد فلسفة لا دين ، لذلك سيرتكز بحثنا علىٰ الأديان السماوية الثلاث : اليهودية والمسيحية والإسلام..
وبعد هذه اللمحة الموجزة عن أهم الأديان والمعتقدات المعمول بها اليوم
دعونا نعود ونطرح علىٰ أنفسنا سؤالاً : أي هذه الأديان علىٰ حقّ وأولىٰ بالاتّباع ؟
قد لا يكون الجواب بسيطاً كما يخيل للبعض ، فلابدّ من سبر غور كلّ منها ومعرفة أسسه ومدى انسجامه مع أحكام العقل ومع نفسه، ومن هنا كان لابدّ لنا من وضع أساس للبحث، ليكون بمثابة حجر الزاوية الذي ننطلق منه ونبني عليه أفكارنا.. وذلك بأن يكون مصدرنا عن كلّ دين من هذه الأديان: كتابه الذي يسلّم بصحّته ويدافع عنه ، وبما أنّ مصدر اليهودية والنصرانية هو الكتاب المقدّس الذي يجمع التوراة والإنجيل والقرآن هو الكتاب الذي يقرّه الإسلام والمسلمون، لذلك فإن المصادر المعتمدة لدينا في هذا الكتاب ستنحصر بالكتاب المقدّس والقرآن الكريم، باستثناء ما قد نشير إليه في الحواشي».
وفي نهاية مقدّمة الكتاب يقوم الكاتب بإبداء النصح للقرّاء ، فيقول : «... من هنا فإنّي أنصحك ، أخي المؤمن ، بقراءة هذا الكتيب بدافع فهم الحقيقة ، لا بدافع المطالعة فحسب، متعمّقاً في معانيه ، ومتأمّلاً لكلماته ، ومتجرّداً من العصبية العقائدية، آخذاً بالحكمة المذكورة في الكتاب المقدّس، والتي لم تزل قائمة رغم التحريف: (يا ابني إن قبلت كلامي وخبّأت وصاياي عندك حتى تميل أُذنك إلىٰ الحكمة ، وتعطف قلبك علىٰ الفهم، إن دعوت المعرفة ورفعت صوتك إلىٰ الفهم، إن طلبتها كالفضّة وبحثت عنها كالكنوز ، حينئذٍ تفهم مخافة الربّ وتجد معرفة الله)(1)، فاتّبع هذه النصيحة الموجّهة إليك من الله تعالىٰ».
في الفصل الأوّل من هذا الكتاب يتطرّق الكاتب إلىٰ أهداف الإنسان في هذه الحياة، وكيفية الوصول إليها في ظلّ العقل الذي يدلّ علىٰ ضرورة اتّباع الشريعة التي تكون مرضاة الله ، وأنّها لا تكون إلّا واحدة فيقول :
«إن أسمىٰ أهداف الإنسان علىٰ هذه الأرض هو: التقدّم والرقّي، لنيل
1) الكتاب المقدّس (العهد القديم)، سفر الأمثال، الإصحاح الثاني، الفقرة 1 إلىٰ 5.
السعادة الحقيقية التي لا تشوبها شائبة، ولا يمكننا نيل هذه السعادة إلّا بضمانها في كلا الدارين: الدنيا والآخرة، فالسعادة بهما معاً هي السعادة الكاملة ، وقد يكون الشقاء المادّي والجسدي في الدار الدنيا منتهى السعادة لنا إذا اقترن مع إرضاء الله عزّ وجلّ واهب السعادة في الدار الآخرة .
ولكن بعض الناس يدعون بأنّ كلّ الأديان تؤدّى إلىٰ رضى الله أخذاً بالمثل القائل: (كلّ الدروب توصل إلىٰ الطاحونة )، فهل يؤيّد الكتاب المقدّس هؤلاء المسيحيين ؟
إنّ إرضاء الله يتطلّب معرفته واتّباع الشريعة التي توافق إرادته، والبحث عن هذه الشريعة أصبح الهدف الأوّل لدىٰ الإنسان المؤمن العاقل في عصرنا هذا، لاسيّما مع وجود العديد من الأديان التي تدّعي إرضاء الله والرضوخ لمشيئته، ولكن هل يلزمنا العقل بالبحث عن هذه الشريعة الإلهية ؟
إنّ البحث عن دين الله الذي يرتضي من البشر اتّباعه واجب عقلي، ودليله واضح في مسألتين :
الأولىٰ : وجود دين واحد يرضي الله عزّ وجلّ.
إنّ تعدّد الأديان اليوم يضع علىٰ الساحة عملياً عقائد ومفاهيم متناقضة، ممّا يعني ضرورة الالتزام بعقيدة وترك الباقي وإهماله ، وبالتالي فإنّ الدين الذي يرضي الخالق واحد من هذه المجموعة ، فلا يجوز نسب التناقض في الأقوال الله عزّ وجلّ.
الثانية : ضرورة البحث والتقصّي عن هذا الدين الإلهي .
بوجود شريعة واحدة ترضي الله تعالىٰ أصبحت الأعمال التي لا تنسجم وإيّاها باطلة ، ممّا يوجب العقاب في مقابل الثواب، ولذلك لابدّ للمكلّف من البحث حتّىٰ يجد ضالّته ، التي بدونها لا يستطيع أن يرضي الله جلّ وعلا.
وبوجود العقل الذي وضعه الله حجّة باطنة علىٰ جميع الخلق لم يعد هنالك من مخرج أو مهرب من هذا الواجب، فالجميع سيسألون عن تقصيرهم تجاه الله ودينه
يوم الحساب، وواجب الأديان كافّة أن تظهر الحجّة للناس لكي يستطيعوا أن يفرّقوا بين الحق والباطل، ويلتزموا بما يوافق العقل السليم، تلك الحجّة التي سيواجهونها يوم السؤال والحساب...
وطالما إنّ العقل يلزمنا بوجوب النظر في كافة الأديان كان لابدّ لنا من عقد مقارنة بين الأديان السماوية الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام ؛ ذلك كونها من لدن الله ووحيه، ويستحقّون الجهد والتعب، وأمّا عُبّاد الأصنام فعندما لا يجدون ملجأ في المواقف الصعبة والمحن يعود غالبهم إلىٰ إحدىٰ الأديان السماوية ، ممّا يجعلهم مشمولين بهذا الكتيب ، فمنهم من يهتدي ، ومنهم من يزداد ضلالاً عند اتّباعه أحد الأديان السماوية المسمومة والمحرّفة من قبل الصهيونية العالمية.
ولدين الله ثمار ورد ذكرها في الكتاب المقدّس والقرآن الكريم، أبرزها: الصدق والتناغم مع بعضه البعض، فلا يجوز أن ننسب رسالة متناقضة المضمون إلىٰ الله العادل الكامل .. ولكن قبل الغوص في بحر التناقضات دعونا نستخرج من الكتاب المقدّس قاعدة لتكون بمثابة حجر الزاوية لنا نبني علىٰ أساسها هذا الكتاب...
ماذا يقول الكتاب المقدّس الحالي بشأن تعدّد الأديان؟ وهل تؤدّي جميعها إلىٰ رضى الله تعالىٰ ؟
من المنطقي أن يكون هنالك دين واحد محقّ في تعاليمه ، وينسجم ذلك مع وجود إله واحد فقط ، فضلاً عن كونه : (ليس إله تشويش بل إله سلام)(1)، وقد وصف المسيح(علیه السّلام) أتّباع دين الله بأنّهم : يعبدونه (بالروح والحقّ) (2))..
والحق لا يناقض نفسه علىٰ الإطلاق ؛ كونه كامل لا نقص فيه ؛ إذ ينبعث عن
الله ، ولا يمكن للعبادة المتنوعة والمتناقضة أن تكون عبادة بالروح والحقّ ، فلا يجب أن يكون مبعث العقيدة الكتاب الذي أخذت منه متناقضاً.
ومن أبرز الأساليب التي نستطيع من خلالها معرفة هؤلاء العباد وسط الكم الهائل من الحشود الدينية : عقد مقارنة بين أعمالهم وتعاليمهم، لمعرفة ما إذا كانت أعمالهم تنال رضىٰ الله عزّ وجلّ، ولا يمكن تحديد ذلك علىٰ أساس ما يدّعيه الناس والأديان؛ فقد قال المسيح(علیه السّلام) في موعظته علىٰ الجبل : إنّ كثيرين سيقولون الله يوم القيامة : (يا ربّ يا ربّ ! أليس باسمك تنبأنا ، وباسمك أخرجنا شياطين، وباسمك فعلنا قوات كثيرة ، حينئذٍ أقول لهم : إنّي لم أعرفكم قط ، اذهبوا عنّي فاعلي الإثم) (1).
وليست الكلمات فحسب تضل ، بل المظاهر أيضاً يمكن أن تخدع، وقد حذّر المسيح من المتسترين وراءها قائلاً: (احذروا الأنبياء الكذبة، والمعلّمين الذين سيأتون بثياب حملان ولكنّهم من الداخل ذئاب خاطفة) (2).
ولكي نستطيع أن نميّز بين الأنبياء الصادقين المرسلين والمتنبّئين المدّعين جاء نص النصيحة في إنجيل متّى كما يلي : (من ثمارهم تعرفونهم، هل تجتنون من الشوك عنباً، أو من الحسك تيناً ؟ هكذا كلّ شجرة جيدة تصنع ثماراً جيّدة، وأمّا الشجرة الردية فتصنع أثماراً رديّة، ولا شجرة ردية إن تصنع أثماراً جيّدة، كلّ شجرة لا تصنع ثمراً جيداً تُقطع وتُلقىٰ في النار ، فإذاً من ثمارهم تعرفونهم)(3).
ولذلك فإنّ الكنيسة المسيحية نفسها في موضع الشك، وقد حذّر الرسول بولس من التغاضى عن الذين يدّعون الإيمان، فربّما هو أوّل المطالبين : إذ نقرأ : (لأنّ مثل هؤلاء هم رسل كذبة فعلة ، ماكرون، مغيّرون شكلهم إلىٰ شبه رسل المسيح ولا
عجب ؛ لأنّ الشيطان نفسه يغيّر شكله إلىٰ شبه ملاك نور قليس عظياً إن كان خدّامه أيضاً يغيرنّ شكلهم كخدّام للبشر الذين نهايتهم تكون حسب أعمالهم)(1)..
واتّباعنا الأعمىٰ لمثل هؤلاء المسيحيين الزائفين ينتج لنا خسارة رضى الله تعالىٰ ورسوله المفدّىٰ المسيح(علیه السّلام) ، والسؤال الذي يطرح نفسه: ما هي الثمار الجيّدة المميّزة للدين الحقيقي بحسب تعريف الكتاب المقدّس الحالي ؟
يخبرنا الكتاب المقدّس بأنّ الله محبّة ، والمحبّة هي إحدىٰ أهم الأثمار التي تثبت هوية هذا الدين وأتباعه، وهل من محبّة أعظم من فتح المجال لجميع البشر المعرفة الحقائق المخفية، وإزالة الستار عن الجماعات المسيحية التي تدّعي تطبيق الكتاب المقدّس؟
وهل من محبّة أكبر من وهب الذات والوقت لإظهار الحق وزهق الباطل بالجهد الدائم وسهر الليالي لإيصال هذا الكتاب أو سواه إلىٰ أيدي الناس، حتّىٰ ينالوا رضىٰ الله في الدنيا، وعفوه ورحمته في الآخرة ، وهي النعمة التي لا تُقدّر بمال، ولا تُشترىٰ بالجواهر واللآلىء النادرة ؟
ويوجد من الصفات ما يكفي للدلالة علىٰ هذه الفرقة المتميّزة عن سواها، ومنها : العطاء وفعل الخير ، ومساعدة اليتامىٰ والمساكين ، حيث نقرأ في غلاطية : (فإذا دامت لنا الفرصة فلتعمل الخير للجميع، ولاسيّما لأهل الإيمان) (2).
نعم، إنّ تجسيد المحبّة بالعمل هو الدليل الوحيد علىٰ وجودها، وممّا يدعو للإحباط أن تفعل الخير ولا تسمع أو ترىٰ نتائج ملموسة، ولكن الله يدعونا لفعل الخير وهو الذي سيثيبنا علىٰ عملنا بالبركات الدنيوية ، والنعمة الباقية في الحياة
الأبدية، ودين الإسلام يسعى دائماً لتحقيق هذا الهدف ، وكتابنا هذا خير دليل علىٰ ذلك الاهتمام ؛ إذ نحاول من خلاله إن نوصل هذه النعمة إلىٰ الناس جميعاً ، لاسيّما المؤمنين منهم ؛ أولا يعدّ هذا العمل تجسيداً للمحبّة التي نكنّها للأُمّة جمعاء ؟!
والوجه الآخر الذي يميّز دين الحق وأتباعه هو : احترام كلمة الله تعالىٰ ورسله ؛ لأنّ المسيح عندما كان علىٰ الأرض أظهر هذا الاحترام للأسفار المقدّسة رغم علمه بتحريفها ؛ إذ اقتبس منها ، وشجّع الجميع علىٰ قراءتها وتطبيق ما يوافق تعاليمه الإلهية منها ، وإليكم بعض الاقتباسات التي استعملها المسيح (علیه السّلام) :
(1) جاء في إنجيل متّى: (فأجاب يسوع وقال لهم: أما قرأتم الذي خلق من البدء خلقهما ذكراً وأنثىٰ ؟)(1).
(2) جاء في إنجيل مرقس : (ثمّ قال لهم : حسناً رفضتم وصية الله لتحفظوا تقليدكم ؛ لأنّ موسىٰ قال : أكرم أباك وأمّك ، ومن يشتم أباً أو أمّاً فليمت موتاً، وأمّا أنتم فتقولون : إن قال إنسان لأبيه أو أمّه قربان ، أي : هدية، هو الذي تنتفع به منّي، فلا تدَعونه في ما بعد يفعل شيئاً لأبيه أو أمّه ، مبطلين كلام الله بتقليدكم الذي سلّمتموه) (2).
ورأي القرآن الكريم في هذه المسألة واضح ؛ إذ نقرأ في سورة الإسراء: «فَلا تَقُل لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً » (3).
إنّ هذا الوصف ينطبق بشكل دقيق علىٰ الكنيسة المسيحية ، التي تقرّ بإدخالها عبادة الصور والتماثيل كتقليد لاجتذاب عبّاد الأوثان، فقد كان في نيّتها إزالة هذه العادات فيما بعد ، ولكن عند المحاولة الأولىٰ وجدت نفسها أمام مأزق صعب ؛ لأنّها ستخسر حوالي نصف الإمبراطورية التي أسّستها ، فقبلت بهذه العادات حتّىٰ أصبحت من أبرز وأهم المبادىء لديها اليوم.
بالإضافة إلىٰ الثالوث ، والخمر ، وسواهم من المبادىء التي أُدخلت في البداية بهدف المسايرة، ثم أصبحت واقعاً مؤلماً لا مهرب منه ، والسؤال : هل تعكس تصرّفات الكنيسة المسيحية الاحترام للكتاب المقدّس ؟
فعندما نسمع أو نقرأ عبارات وتصريحات من أبرز رجال الدين في العالم، يدّعون فيها أنّ بعض أجزاء الكتاب المقدّس هي بمثابة أساطير .. أو نسمع منهم أنّ نظرية داروين، التي تزعم التطوّر بدل الخلق ، أفضل من تعاليم الكتاب المقدّس المؤكّدة لوجود الخالق عزّ وجلّ .. وعندما نسمع أنّ الكنيسة المسيحية في أوربا أقرّت بحلّية عقد قران الرجل علىٰ رجل آخر رغم تحريم الكتاب المقدّس لمضاجعة النظير (1).. فهل هذه التصرّفات تعكس الاحترام للكتاب المقدّس وتعاليمه بحسب .ما تدّعي الكنيسة ؟
وإذا كان رجال الدين لا يطبّقون الكتاب المقدّس، فما هو السبب ؟
هل هو محرّف أم هم منحرفون ؟ أو أنّ كليهما أعمى وفي ضلال ؟
والثمار التي تنتج عن دين الله دين الروح الإلهي وردت في غلاطية؛ إذ نقرأ : (وأمّا ثمار الروح، فهي : محبّة ، فرح، سلام ، طول أناة، لطف ، صلاح، إيمان ، وداعة ، تعفّف ، ضد أمثال هذه ليس ناموس) (2).
فهل تنطبق هذه الصفات علىٰ الكنيسة أم أنّها تجسد ثمار الجسد وشهواته الواردة في غلاطية، وهي: (وأعمال الجسد ظاهرة، التي هي : زنى، عهارة، نجاسة، دعارة، عبادة أوثان، سحر، عداوة، خصام، غيرة، سخط ، تحزّب، شقاق ، بدعة ، حسد ، قتل ، سكر ، بطر ، أمثال هذه التى أسبق، فأقول لكم عنها ، كما سبقت فقلت أيضاً : إنّ الذين يفعلون مثل هذه لا يرثون ملكوت الله ) (3).
1) قال: (ولا تضاجع ذكرا مضاجعة امرأة، إنه رجس). راجع الكتاب المقدّس (العهد القديم)، اللاويين، الإصحاح الثامن عشر، الفقرة 22.
2) الكتاب المقدّس (العهد الجديد)، الرسالة إلىٰ أهل غلاطية، الإصحاح الخامس، الفقرة 22.
3) الكتاب المقدّس (العهد الجديد)، الرسالة إلىٰ أهل غلاطية، الإصحاح الخامس، الفقرة 19 إلىٰ 21.
وإنّا نترك لك ، أخي القارىء، حقّ القرار، لترى من خلال الواقع الذي تعيشه أيّ ثمار تنطبق علىٰ الكنيسة المسيحية اليوم.
ولكن ألم تسمح الكنيسة المسيحية بالتماثيل والصور وبشرب الخمر ؟ !
والمخجل هو القبول بتزويج الرجل علىٰ الرجل، أوليست هذه بدعة مهلكة، لا مثيل لها في أي دين علىٰ وجه الأرض ، سواء كان سماوياً أم لا ؟ !
أوَلا تعدّ خروجاً عن الأدب الديني والاجتماعي معاً؟!
وهل يكفي الذهاب إلىٰ الكنيسة في أيام الآحاد لحضور القدّاس الإلهي ...
فنفعل ما يحلوا لنا خلال الأسبوع، ثم نعترف للكاهن بذنوبنا، فيغفرها لنا مطَمئناً إيّانا لنقدم علىٰ القيام بمثلها أو أكثر في الأسبوع التالي ؟!
أوَ لا ينطبق علينا حينها قول الله تعالىٰ في «تيطس» إذ يصف هؤلاء الأشخاص والأعمال قائلاً: ( يعترفون بأنّهم يعرفون الله ، ولكنّهم بالأعمال ينكرونه؛ إذ هم رجسون غير طالعون، ومن جهة كلّ عمل صالح مرفوضون)(1)؟! ومن أبرز الصفات الدالّة علىٰ عبادالله الحقيقيين أن يكونوا : (أمّا أنت ، فتكلّم بما يليق بالتعليم الصحيح، أن يكون المشايخ صالحين ذوي وقار ، متعقّلين أصحاء في الإيمان والمحبّة والصبر ) (2).. ولكن هل يطبّق رجال دين العالم المسيحي هذه الإرشادات ؟ !
وهل يعيشون واقع الإيمان وأبعاده، أم أنّهم يستهزئون بها، معتبرين إياها أساطير القرون الأولىٰ ، فيتّبعون شهوات الجسد، عملاً بما يفرضه القرن العشرين ؟!
و الخلاصة : إنّ الفرقة التي ترضى الله تعالىٰ لابدّ أن تكون كاملة من حيث العقيدة، وأن تظهر هذا الكمال للجميع دون خوف أو تردّد، ولابدّ لها أن تجسّد
إيمانها بالأعمال ، لكي تكون مثالاً للأمم الباقية ، ولذلك أناشدك، أخي القارىء، أن تهيّيء نفسك لقبول الحقيقة دون سواها .. بتصميم وعزم علىٰ مواجهة أي عائق قد يقف أمامك، سواء كان عاطفياً أو اجتماعياً؛ لأنّ رضىٰ الله أسمىٰ من رضى الناس والمجتمع (1).
1) مقتطفات من كتابه المعروف ب- «شاطىء الحقّ». (بتصرّف يسير).
ولد عام 1307 ه- (1890م) في لبنان»، ونشأ في بيروت في أسرة تعتنق الديانة المسيحية .
دخل «حبیب» سلك الجيش اللبناني في شبابه، وارتقت رتبته شيئاً فشيئاً حتّىٰ نال رتبة كولونيل.
في مرحلة الصبا، مرّ «حبيب» ذات يوم مع والدته في أحد شوارع بيروت، وإذا به يسمع صوت المؤذّن يعلو المئذنة يدعو المسلمين للصلاة، أعجبه ذلك الصوت فطلب من أمّه الوقوف للإنصات إلىٰ ما يقوله المتكلّم، وكانت هذه هي البداية..
بقي صوت الأذان يرنّ في أذن «حبيب» لسنوات، حتّىٰ بدأ يقرأ ويطالع ويستوعب ويتفهّم الواقع كما هو ، فبعد البحث والتحقيق في الأديان السماوية وما كان يراه الصحيح منها بدأت عنده حالة الارتياب والتردد.
هل ما أراه صحيحاً ينبغي أن يُعبَدالله به ، وهو الحقّ الذي يجب أن يُتّبع ، أم أنّ الآباء والأجداد أضفوا علىٰ معتقداتهم هذه صبغة شرعية ؟
أو ليس الإسلام هو دين الله الذي ختم به الديانات، ولا يقبل الله تعالىٰ عبادة عابد من عباده - بعد ظهور الإسلام - إلّا أن يكون معتقداً بشريعته الغرّاء ؟ !
أو ليس هو القائل في معجزته الخالدة: «وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْأَسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ» (1)؟!
كلّ ذلك سار ب- «حبيب» إلىٰ أن يعلن إسلامه وفق المذهب السنّي، الخبر الذي ذاع بسرعة بين أوساط الجيش ، حتّىٰ وصل إلىٰ رئيس جمهورية لبنان، فخيّره بين الرجوع إلىٰ اتّباع المسيحية أو التنازل عن رتبة كولونيل؛ لأن هذه الرتبة - وحسب اتّفاق الاستقلال اللبنانبي عند تسلّمه من الفرنسيين - من مختصّات
المسيحيّين .
لم يعباً «حبيب» بذلك، واستقال من خدمة الجيش ليتفرّغ بذلك أكثر من ذي قبل للتحقيق في المجال العقائدي.
بدأ «حبيب» يطالع ويقوم بالتحقيق في فرق المسلمين كافّة ، فالفرقة الناجية ليست إلّا واحدة ، بنص الرسول الأكرم(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ؛ إذ يقول : ستفترق أمّتي علىٰ ثلاث وسبعين فرقة، كلّها في النار إلّا واحدة (2).
فمن هي الفرقة الناجية ؟ ومن الذي ينبغي اتّباعه للنأي بالنفس عن النار ؟!
هذه الأسئلة وغيرها شغلت فكر «حبیب»، ليقوم بهذا البحث الشاق الذي توصّل في نهايته إلىٰ أنّ أصحاب الفرقة الناجية ليسوا سوىٰ آل البيت(علیهم السّلام) و فهم أحد الثقلين الذين أمر الرسول الأكرم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) باتّباعهم بعده ، وقد تواترت الروايات في أنّه(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قال: «إنّي تارك فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر : كتاب الله حبل ممدود من السماء إلىٰ الأرض، وعترتي أهل بيتي ، فانظرواكيف تخلفوني فيها، وإنّهما لن يفترقا حتّىٰ يَردا عليّ الحوض»(3).
1) آل عمران (3): 85.
2) عمدة القاري 18: 224 .
3) ذكر حديث الثقلين بألفاظ متقاربة في العديد من مصادر أهل السنّة، حتّىٰ قال ابن حجر: اعلم أنّ لحديث التمسّك بذلك (أي: بالثقلين) طرقاً كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابياً، ومرّ له طرق مبسوطة في حادي عشر الشبه، وفي بعض تلك الطرق: أنّه قال ذلك بحجّة الوداع بعرقة، وفي أخرىٰ: أنّه قاله بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه، وفي أُخرىٰ: أنّه قال ذلك بغدير خم، وفي أُخرىٰ: أنّه قاله لمّا قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف، ولا تنافي؛ إذ لا مانع من أنّه كرّر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها، اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة. راجع: الصواعق المحرقة: 150.
تدلّ هذه الفقرة من حديث الثقلين علىٰ أنّ العترة في كلّ زمان ينبغي أن يوجد منهم من يكون أهلاً لأن يُتمسّك به ، يتّضح ذلك من خلال كلمات أهل السنّة :
المورد الأوّل : يقول السمهودي في «جواهر العقدين» عن هذا الحديث : هذا الخبر يفهم وجود من يكون أهلاً للتمسّك به من أهل البيت والعترة الطاهرة في كلّ زمن إلىٰ قيام الساعة ، حتّىٰ يتوجّه الحثّ المذكور إلىٰ التمسّك به ، كما أنّ الكتاب العزيز كذلك، ولهذا كانوا أماناً لأهل الأرض ، فإذا ذهبوا ذهب أهل الأرض (1).
وكما هو واضح ، يدلّ هذا الكلام علىٰ أنّ القرآن محفوظ بين الأمّة إلىٰ أن يرث الله الأرض ومن عليها ، فمن لا يفارقه لابدّ أن يكون بجنبه ؛ فبارتفاعه يلزم الافتراق.
المورد الثاني : يقول ابن حجر العسقلاني في «صواعقه» : في أحاديث الحتّ علىٰ التمسّك بأهل البيت إشارة إلىٰ عدم انقطاع متأهّل منهم للتمسّك به إلىٰ يوم القيامة ، كما أنّ الكتاب العزيز كذلك، ولهذا كانوا أماناً لأهل الأرض(2).
المورد الثالث : قال المناوي في «فيض القدير»، بعد ذكره للحديث: (وعترتي) بمثناة فوقية (أهل بيتي) : تفصيل بعد إجمال، بدلاً أو بياناً، وهم : أصحاب الكساء ، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.. يعني : إن ائتمرتم بأوامر
کتابه، وانتهيتم بنواهيه، واهتديتم بهدي ،عترتي ، واقتديتم بسيرتهم ، اهتديتم فلم تضلّوا (1).
المورد الرابع : ينقل شعيب الأرنؤوط في تعليقته علىٰ «سنن الترمذي» عن السندي: أنّه قال في معنى عدم الافتراق :
تفسير عترتي : جعلهم قائمين مقامه، فكما كان في حياته القرآن والنبي ، كذلك بعده القرآن وأهل البيت(2).
المورد الخامس : يقول ابن باز في معنىٰ عدم الافتراق : إنّ عدم الافتراق دالٌ علىٰ الأُمور التالية :
الأمر الأوّل: يدلّ أنّه كما يجب التمسّك والاعتصام بالقرآن يجب التمسّك والاعتصام بمن لا يفارق القرآن.
الأمر الثاني: يقول : كما أنّ القرآن والتمسّك بالقرآن ينجي من الضلالة والفتن في كلّ زمان إلىٰ قيام الساعة ، فكذلك من تمسّك بالثقل الآخر ، فإنّه ينجيه من الضلالة ومن الفتن إلىٰ قيام الساعة.
الأمر الثالث : كما أنّه لا يجوز لأحد أن يرد علىٰ كتاب الله ، وإلّا لخرج من الدين ، كذلك لا يحق لأحدٍ إذا ثبت عنده ما يقوله العدل الآخر إذا ردّه خرج من الدين (3).
بعد فترة من تفرّغه للبحث والتحقيق أعلن «حبیب» عن اعتناقه للمذهب الشيعي الاثني عشري بكلّ شجاعة ، فواجه النبذ والمكافحة من قبل بعض
أصدقائه ، ولم يزده ذلك إلا تمسّكاً بعقيدته ؛ فالإنسان الرفيع هو الذي يعيش بروحه وعقيدته دون جسمه وبدنه ، لا يبالي بكلّ ما يصيب جسمه وماله إذا سلم دينه ومعتقده.
وكان استبصاره والتحاقه بأتباع أهل البيت(علیهم السّلام) عام 1374 ه- ( 1955م) عن عمر ناهز الخامسة والستّين عاماً (1).
بعد مرحلة الاستبصار ترك «حبيب» عدّة أبيات شعرية في العترة الطاهرة(علیهم السّلام) ؛ في إحداها يبثّ شكواه إلىٰ سيّده ومولاه أميرالمؤمنين(علیه السّلام) من فؤاد مكبوت، فيقول :
أنين أم صراخ الموجعين*** علىٰ جمر الغضىٰ ناموا السنينا
أميرالمؤمنين أم الليالي*** أرادت أن نكون معذّبينا
تطاردنا الذئاب ونحن قوم*** قبعنا في البيوت مسالمينا
ولكن ليس ترضى الناس عنّا*** لأنّ الناس أضحوا فاسقينا
يعيّرنا سفيههموا بدينٍ*** رضيناه بإذن الله دينا
وهم براؤا حيث كانوا*** فلا صلّوا ولا صاموا يقينا
لقد اتّخذوا من الدينار عجلاً*** رقد جعلوه الله القرينا
فضلّوا عن سبيل الحق حتّىٰ*** رمونا بالضلالة ظالمينا
ولیس نرى بما قالوه إلا*** عتوا بئس قول الجاهلينا
فهم طعنوا بسكّينٍ فؤادي*** لكي تجري دمانا ما حيينا
فها أنّ اليراع هواك ديني*** وإسلامي لربّ العالمينا
1) توفّي «حبيب غطّاس» عام 1384 ه- ( 1965م) في إحدىٰ المستشفيات العسكرية.
فما بال الأولى من رمونا*** بكفرٍ لم يروا فينا الأمينا
ولست بعابد شمساً وبدراً*** لأنّي لا أُحبّ الأفلينا
وإنّي مسلم قلباً وروحاً*** ومتّبعٌ كلام المرسلينا
أميرالمؤمنين فدتك روحي *** فهلا كنت لي حقّاً معيناً
لأحلم ظلم قومي ثم أهلي*** وجيراني قضى فيه السنينا
لقد حاربتُ ما حاربتُ عمري*** لأدفع من حواليّ الظنونا
ولكن الزمان وقد تصدّى*** وجاء مخالف الدهر الخؤونا
ليرميني بآفات الليالي*** ويكسرن من الظهر المتينا
فما لانت قناتي وربّ عيسىٰ*** ولكن زدت إيماناً ودينا
وجئت لبابك العالي أُنادي*** أغثني يا أميرالمؤمنينا
أغثني يا أبا الحسنين إنّي*** ببابك واقفٌ عبداً أمينا
فمدّ إليّ باعك وانتشلني*** فقد أُوتيتَ سلطاناً مبينا
وزدني من عطائك ما يقوي*** علىٰ طول المدىٰ قلبي الحزينا
فألقی وجه ربّي وهو راضٍ*** ووجهك عندما أجد المنونا
عليك تحية الرحمن تترى*** أبا حسن وخير المتقينا
أبا الحسنين حيّتك السماءُ*** فأنت لها وللأرض الضياءُ
وأنت دعامة الملهوف حقّاً*** بمشرقها ومغربها سواءُ
لقد وحّدت ربّك مذ تبدّى*** من الدين الحنيف لك البهاءُ
ولم تسجد المعبودٍ سواه*** ولم يغررك في الدنيا علاءُ
وأحمد سرّ هذا الكون طُرّاً*** أخوك فمهجتي لكما الفداءُ
أنا أسلمت والمولى شهيدٌ*** لحبّكما وعادتي الوفاءُ
سألت الله أن يرضانى عبداً*** لأهل البيت بيعٌ أو هِباءُ
أفاطمة الزهراء إنّ محمّداً*** أحبّك حبّاً لا يفيه التصوّرُ
فلا غرو أن دانت بحبّك شيعة*** تفاخر أهل الأرض فيك وتكبرُ
فأنتِ من المختار حبّة قلبه*** وأنت من الأبرار أصفىٰ وأطهرُ
حفظتِ لنا نسل النبي ومَن بهم*** علىٰ كلّ مخلوق نتيه ونفخرُ
هو الحسن المغوار مَن بجبينه*** مهابة أهل البيت تزهو وتزهرُ
وثانيه مولاي الحسين وسيّدي*** ومن فيه أخلاق النبوة تظهرُ
عليكم صلاة الله ثم سلامه*** بكلّ أذان فيه الله أكبرُ (1)
1) ما ذكر عن حياة المستبصر وأشعاره في هذه المقالة ليس إلا مقتطفات ممّا كتبه الشيخ محمّد حسن القبيسي (رحمه الله) صاحب كتاب: ماذا في التاريخ، في التاريخ حكم وعبر لأولي الألباب. (بتصرف يسير).
مرّت ترجمته في (1 : 223) من هذه الموسوعة ، ونشير هنا إلىٰ ما لم يذكر سابقاً.
بعد أن أحسّ «خليل» ببعض التزلزل في معتقداته ، نتيجة عدم ردّ علماء السنّة في بلدته علىٰ استفساراته وتساؤلاته بشكل كامل، قرّر مواصلة بحثه عبر مطالعة كتب الفريقين ، لمعرفة الأمور المختلف عليها بين الشيعة والسنّة ، و ، والرجوع إلىٰ مشايخ الفريقين لإزالة الستار عن الغموض الذي يعتري العديد من الوقائع التاريخية في صدر الإسلام.
من الآيات التي قرّر «خليل» أن يبحثها وفيمن نزلت هي : آية التطهير ..
يقول «خليل»: سألت الشيخ من أهل السنّة والجماعة : من هم أهل البيت الذين خصّهم الله بالذكر في القرآن بقوله: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطهيراً» (1)؟
فكان جوابه : أهل البيت هم نساء النبي !
1) الأحزاب (33): 33.
فذهبت إلىٰ أستاذ الدين وسألته : هل المراد من كلمة «أهل البيت» الواردة في آية التطهير نساء النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ؟
قال : لا ! إن نساء النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) خوطبن بنون النسوة في القرآن، وذلك كقوله تعالىٰ: «إِن كُنتُنَ تُرِدْنَ الله وَرَسُولَهُ» (1)، وقوله: «مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ»(2)، وهكذا في آيات أخرىٰ، وأمّا آية التطهير، فقد ورد الخطاب فيها بضمير المذكّر للأغلب كما هو معروف بحديث الكساء حسب اتّفاق الفريقين.
وقد سمع في المجالس النبويّة التي يقيمها أهل السنّة والجماعة : «اللّهمّ صلّ علىٰ محمّد وعلىٰ آل محمّد ، وعلىٰ أزواج محمّد» ، فلو كانت كلمة « آل محمّد» شاملة لنسائه لاكتفوا بقوله : «اللّهمّ صلّ علىٰ محمّد وعلىٰ آل محمّد».
ويضيف «خليل» قائلاً : وهناك تحقيق حول الموضوع للمجاهد العلّامة المرحوم الشيخ محمّد مرعي الأمين الأنطاكي في كتابه «لماذا اخترت مذهب أهل البيت ؟» أنقل إليكم بعضه ، قال :
لو كانت شاملة لنساء النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، خصوصاً عائشة، لطبّلت وزمّرت، وأسمعت الأحياء جميعاً حتّىٰ الموتىٰ.
ثم لو أُريد الأزواج منها علىٰ نحو الاختصاص، أو الاشتراك مع الخمسة، لكانت أمّ سلمة أحقّ بالدخول ؛ لمنزلتها عند رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ونزول الآية في بيتها، فلمّا لم يُرد ، أخرجها رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بجذب الكساء من يدها، ويقوله حينما سألته : ألست من أهلك ؟ : «لا ! قفي مكانك وأنت إلىٰ خير» (3)، كما أخرج عائشة (4)وزينب (5)بمنعهما من الدخول معهم ، وأجابها مثل ما أجاب به أُمّ سلمة.
وقوله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : ( اللّهم هؤلاء أهل بيتي»(1)، وفي رواية: «أهلي»(2)، أي: لا غيرهم. فالمفسّر للآية هو : رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فأيّ تفسير يقبل بعد تفسيره ؟
وأيضاً إنّ أكبر دليل علىٰ عدم كون نساء النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) من أهل بيته : عدم إخراجه لهنّ يوم باهل نصارىٰ نجران، وكان قد وعدهم بإخراج نسائه ، علىٰ ما حكاه القرآن بقوله: «فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ» (3).
كما خطب سيّد النصارىٰ حزبه قائلاً : إن خرج محمّد (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بأهل ؟ بيته فلا تباهلوه، وإن خرج بأصحابه فباهلوه(4).
وبإجماع من الفسّرين والمؤرّخين : إنّ النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لم يخرج معه للمباهلة سوىٰ عليّ وفاطمة وابنيهما الحسنين(علیهم السّلام) ، فانجلىٰ أنّهم أهل بيته دون غيرهم، ولو وجد سواهم لأخرجه النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يباهل به في أعظم موقف تنازع فيه الحق والباطل.
فهؤلاء الذين باهل بهم النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) نصاریٰ نجران هم الذين أذهب الله عنهم الرجس في القرآن المجيد(5).
ولد عام 1402 ه- (1982م) في مدينة «صيدا» اللبنانية، وأكمل دراسته المتوسطة.
بدأت قصة «ربیع» مع التشيّع عندما تشيّع ابن عمه علي، ونظراً للزيارات المتبادلة بينهما بين الحين والآخر تمكّن «علي» من تبيين الرؤية الشيعية له في بعض المجالات.
كما كانت تجري بينهما حوارات في الأمور الخلافية وتقدير ما قامت به الشخصيات المؤثّرة في التاريخ الإسلامي سلباً وإيجاباً، الأمر الذي أدّىٰ ب- «ربيع» إلىٰ التعرّف علىٰ الرؤية الشيعية أكثر فأكثر .
من الأشخاص الذين دار الحديث بشأنهم واختلفت الأمّة فيهم : شخصية معاوية بن أبي سفيان ؛ فقد قدّسه بعض وجعلوا منه خالاً للمؤمنين، إلّا أنّ المراجع لسيرته في التاريخ يجد ما لا يوافق ذلك، فهو ممّن خالف وبدّل سنّة رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بشكل معلن ومصرّح به، فعندما كان يقال له : إنّ هذه سنّة رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) كان يخالفها مع علمه بأنّها سنّته(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )! وهو رجل علىٰ مستوىٰ يدّعي أنّه أمير المؤمنين، وخليفة المسلمين، ويدّعي، أو لا أقلّ يُدّعي له، أنّه إمام من الأئمّة، ومع ذلك
يصرّح بمخالفته لسنّة رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، خصوصاً في قضية استلحاق زياد بن أبيه؛ إذ استلحقه بأبيه ، يعني : بأبي سفيان، مع أنّه قد نصّ الحديث المتواتر والقضاء المجمع عليه بين علماء المسلمين علىٰ خلاف ذلك ..
ففي باب : «من ادّعى ولد الزنى» ، قال أحمد : أوّل قضاء عُلِمَ بردّه من قضاء رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : دعوة زياد (1). يعني : ما ادّعاه معاوية عندما ألحقه بأبي سفيان.
فالقضية إذاً من الواضحات والمسلّمات، فقد قال رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ): (الولد للفراش وللعاهر الحجر ) (2)..
كما بيّن (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عواقب من يبدّل سنّته من بعده، ونكتفي بروايتين :
الأولىٰ : عن أبي حازم ، قال : سمعت سهل بن سعد، يقول : سمعت النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، يقول : أنا فرطكم علىٰ الحوض، من ورده شرب منه ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبداً، ليرد علَيّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ثم يحال بيني وبينهم.
قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش وأنا أُحدثهم هذا، فقال : هكذا سمعت سهلاً ؟ فقلت : نعم .
قال : وأنا أشهد علىٰ أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيه ، قال : إنّهم منّي، فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك . فأقول : سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي (3).
وبما أنّ معاوية هو أوّل من بدل بعد رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فهو أوّل الذين يشملهم
قوله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : سحقاً سحقاً.
الثانية : قال(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «ليردنّ عليّ ناس من أصحابي الحوض حتّىٰ إذا عرفتهم
اختلجوا دوني، فأقول أصحابي فيقول : لا تدري ما أحدثوا بعدك»(4).
والعمل الذي قام به معاوية يُعدّ من أوضح مصاديق البدعة، والمحدثات، وكلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار.
نعم ، إلا إذا ثبت أنّ معاوية تاب عن ذلك، ولم يثبت أنّه تاب عن هذه الأعمال التي قام بها.
ومع ذلك نجد أنّ هناك مواقف للبعض من قضية الاستلحاق التي قام بها معاوية، حاولوا فيها أن يدافعوا عن معاوية، ويجعلونه الخط الأحمر الذي لا يمكن التعرّض له .
ومن هؤلاء: ابن تيمية ؛ فإنّه عندما جاء إلىٰ هذه القضية لم ينفِها ؛ لأنّها ثابتة وغير قابلة للمناقشة وإنّما حاول أن يوجّهها بما لا يمسّ كرامة معاوية، وهذه عبارته : «وكذلك استلحاق معاوية زياد بن أبيه، المولود علىٰ فراش الحارث بن كلدة؛ لكون أبي سفيان كان يقول : إنّه من نطفته ..».
ثمّ يذكر طريقاً للخروج عنها، فيقول: «لإمكان أنّه لم يبلغهم قضاء رسول الله بأنّ الولد للفراش، واعتقدوا أنّ الولد لمن أحبل أمّه ، سواء كان عن شرع أو عن زنى، واعتقدوا أنّ أبا سفيان هو المحبل لسميّة أمّ زياد، فإنّ هذا الحكم قد يخفى علىٰ كثير من الناس، لاسيّما قبل انتشار السنّة ، مع أنّ العادة في الجاهلية كانت هكذا ، أو لغير ذلك من الموانع المانعة هذا المقتضي للوعيد أن يعمل عمله من حسنات تمحو السيئات، وغير ذلك. وهذا باب واسع فإنّه يدخل فيه جميع الأمور المحرّمة بكتاب أو سنّة إذا كان بعض الأئمّة لم يبلغهم أدلّة التحريم فاستحلّوها ، أو عارض تلك الأدلّة عندهم أدلّة أُخرىٰ رأوا رجحانها عليها ، مجتهدين في ذلك الترجيح بحسب عقلهم وعلمهم»(1).
إذاً تبيّن أنّ معاوية كان يعمل علىٰ العادة الجاهلية، وهو كاتب الوحي ، أليس هذا من التناقض والتهافت ؟ !
1) رفع الملام عن الأئمّة الأعلام: 69.
شخص يُدعى له أنّه عاصر رسول الله ، وكان الأمين علىٰ الوحي، وكاتبه، وكان خال المؤمنين ، ولكنّه كانت العادة لديه أن يعمل علىٰ عادة الجاهلية ...
إذاً فمن الوجوه التي يذكرها ابن تيمية : أنَّ معاوية لم يبلغه أدلّة هذا الحكم ، أو قضاء رسول الله ، حتّىٰ يخلّصه من اللوازم والآثار المترتّبة علىٰ ذلك، وهي: المخالفة القطعية للسنّة القطعية الواردة عن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).
وهناك مجموعة من الأجوبة عن هذا الدفاع الفارغ:
الأوّل : إنّ هذا النص ليس خبر آحاد حتّىٰ يخفىٰ علىٰ هذا أو ذاك، وإنّما هو خبر متواتر ؛ فقد ورد من حديث أبي هريرة وعائشة وعثمان وابن عمر وأبي أمامة وعمر بن خارجة وابن الزبير وابن مسعود وعمر بن الخطّاب وعلي بن أبي طالب والحسن وسعد بن أبي وقّاص وابن عمر والبراء بن عازب وزيد بن أرقم وابن عباس والحسين بن علي وعبادة بن الصامت ...
إذاً القضية كانت قضية متواترة. وعليه فكيف يمكن أن يُدّعى أنّ معاوية لم يطّلع علىٰ قضاء رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) المجمع عليه ؟ !
مع ادعائهم بأنّه كان من تلك الطبقة المحيطة به (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).
الثاني: إنّ معاوية أحد رواة حديث : الولد للفراش وللعاهر الحجر (1)، فإذا كان هو رواه فكيف يدّعي ابن تيمية بأنّه لم يبلغه قضاء رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في هذا المجال ؟ !
الثالث : عن خالد ، قال : وفد المقدام بن معد يكرب وعمرو بن الأسود ورجل من بني أسد من أهل قنسرين إلىٰ معاوية بن أبي سفيان ، فقال معاوية للمقدام : أعلمت أنّ الحسن بن علي توفّي ؟ فرجّع المقدام، فقال له رجل: أتراها مصيبة ؟ قال له : ولم لا أراها مصيبة وقد وضعه رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في حجره فقال : (هذا منّي وحسين من علي) ؟!
1) فتح الباري 12: 39 .
فقال الأسدي : جمرة أطفأها الله عزّ وجلّ . قال : فقال المقدام : أمّا أنا فلا أبرح اليوم حتّىٰ أغيظك وأسمعك ما تكره ، ثمّ قال : يا معاوية ! إن أنا صدقت فصدّقني ، وإن أنا كذبت فكذّبني . قال : أفعل .
قال : فأنشدك بالله ! هل تعلم أنّ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) نهى عن لبس الذهب ؟
قال : نعم .
قال : فأنشدك بالله ! هل سمت رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ينهى عن لبس الحرير ؟
قال : نعم .
قال : فأنشدك بالله ! هل تعلم أن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) نهى عن لبس جلود السباع
والركوب عليها ؟
قال : نعم .
قال : فوالله لقد رأيت هذا كلّه في بيتك يا معاوية.
فقال معاوية : قد علمت أنّي لن أنجو منك يا مقدام.
قال خالد: فأمر له معاوية بما لم يأمر لصاحبيه وفرض لابنه في المائتين، ففرّقها المقدام في أصحابه. قال : ولم يعطِ الأسدي أحداً شيئاً ممّا أخذ.
فبلغ ذلك معاوية ، فقال : أمّا المقدام فرجل كريم بسط يده، وأمّا الأسدي فرجل حسن الإمساك لشيئه (1).
فمن هذه الرواية تتّضح عدّة أمور:
أوّلاً: إنّ معاوية لا يعتبر وفاة الحسن (علیه السّلام) مصيبة، ريحانة رسول الله وسيّد شباب أهل الجنّة ومن أهل البيت الذين طهّرهم الله تطهيراً، ومن العترة التي هي عدل القرآن، مع كل هذا موته ولا يعدُّ مصيبة!
ثانياً : إنّ معاوية لم يكن معتنياً بسنّة رسول الله ، وكان يعيش عيشة القياصرة والملوك، وهو لم يؤمن طول عمره بالإسلام حتّىٰ يعمل بسنّة رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) .
1) سنن أبي داود 2: 275 - 276.
والآية: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّه وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً» (1)اللذين آمنوا لا للذين لم يدخل الإيمان في قلوبهم. ولهذا يقول المقدام : فوالله لقد رأيت هذا كله في بيتك يا معاوية ، ومعاوية لم يكذّبه ، بل قال : قد علمت أنّى لا أنجو منك يا مقدام.
إذاً دعوة ابن تيمية أنّ هذا القضاء لم يبلغه ، ولو بلغه لم يخالفه، ولم يحاول أن يبدّله ، هذا خلاف ما ورد في صحيح سنن أبي داود أنّه كان يعلم سنة رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) .
بعد أن طالع وبحث «ربيع» في المواضيع الخلافية وشاهد مدىٰ واقعية الشيعة في نظرتهم، التي تقوم علىٰ أساس العقل والمنطق والروايات الصحيحة والمتواتره، ونظرية غيرهم القائمة علىٰ العصبية وعدم الإدراك لبديهيات الأمور، تيقّن بأنّ مذهب أهل بيت العصمة والطهارة هو الحقّ وما دونه فهو زخرف، فهداه الله واعتنق مذهب أهل البيت(علیهم السّلام) ، وذلك في سنة 1422 ه-، (2002م)(2).
ولد عام 1377 ه- (1958م) في منطقة «يارين» في جنوب لبنان، ونشأ في أُسرة شافعية المذهب.
واصل «سميح» دراسته الأكاديمية حتّىٰ حصل علىٰ شهادة البكالوريوس في مجال إدارة الأعمال.
يقول «سميح» عن سبب استبصاره .... عندما بدأ تديّني وجدت أن هناك فروقاً بين الشيعة والسنّة ، قلت في نفسي : لابدّ من معرفة أيّهما علىٰ الحقّ، وبدأت رحلتي مع كتب الفريقين.
ولا يتسنّىٰ للباحث الوقوف علىٰ الفوارق بين الفريقين إلّا بالوقوف علىٰ سيرة قائد كلّ منهما، فالإمام على (علیه السّلام) يمثّل مدرسة أهل البيت(علیهم السّلام) ومعاوية رأس الإسلام الأموي.
والفروق بينهما كثيرة ، فعلي ومعاوية قطبان متنافران لا يلتقيان أبداً، فهذا يسير نحو المشرق وذاك نحو المغرب.
هذا يسير نحو الله ، والآخر يسير نحو الشيطان ، هذا يسير نحو الدين، وذاك يسير نحو الدنيا ، هذا يسير نحو المبادىء والقيم ، وذاك يسير نحو المنافع والفوائد.
علي رجل الله ، ومعاوية رجل الشيطان.
علي رجل الإسلام ، ومعاوية رجل الجاهلية.
علي مع الحقّ ، ومعاوية مع الباطل.
علي يؤثر الصدق حيث يضر ، ومعاوية يختار الكذب حيث ينفع .
علي مجموعة قيم الإسلام وتعاليمه ، ومعاوية مجموعة سقطات الجاهلية ورذائلها.
علي أحبّ الإسلام وآمن به واتّبعه وضحّىٰ من أجله، ولم يتنازل عن حكم من أحكامه وإن كان فيه منفعة له وثمرة تعود إليه ، ومعاوية لم يؤمن بالإسلام ولم يتبعه إلّا لمصلحته ، فلذا يستخدمه في سبيل تحقيق أغراضه، ولا يقف حكم محرّم أمامه، ولا يعجز عن إلغائه إن أخّره عن هدفه ، فكيف إذا منعه عنه ؟ !
ومن هنا كانت الأبواب مفتوحة أمام معاوية !
كلّ الأبواب بدون استثناء، فليس في قائمته شيء محرّم، أو غير جائر، أو ممنوع ، بينما الإمام في قائمته ، بل علىٰ رأسها ، حكم الله وتحريمه، وما يجوز وما لا يجوز.
بين علي ومعاوية تنافر ، علي يرى بإلزام الشرع له، وأن يكون دائماً عند قواعد الحلال والحرام، ومعاوية أسقط كلّ المحرّمات من قاموسه و سیاسته وحركته.
ولكن سياسة معاوية تبيّن عقمها اليوم ، لقد فشلت سياسته علىٰ كلّ المستويات ، فلا الحكم ولا الرشاوي ولا المناصب ولا المال ولا غيرها استطاع أن يضعه في صفّ الإمام وفي مرتبته .
لقد حكم العقلاء بحياة علي(علیه السّلام) في سياسته ، وأصحاب كلّ المبادىء، والقيم يترسّمون عليّاً فيها ، بينما مات معاوية فى مكره وغدره، وأضحى عنواناً لكلّ الانتهازيين الساقطين .
عليّ في ضمير الأحرار وعلىٰ ألسنة الثوار، ومعاوية وصمة ذل وعار.
معاوية أحبّ الدنيا والسيطرة جزء من طبيعته وكيانه ، والناس كلّهم قطيع لعظمته وسلطانه، لا شيء لمن يعترض ويقاوم إلا السيف، أو السم في العسل، أمّا حديث الآجلة فخرافة، أو لايهم ما دامت العاجلة تاج وعرش.
وبكلمة : إنّ معاوية لا يرى في الوجود إلا معاوية وابنه يزيد، ومن رأى غير هذين فله الموت، وحكاية : «إن مات هذا فهذا، ومن أبى فهذا» (1)أشهر من تذكر والإشارة الأولى إلىٰ معاوية، والثانية إلىٰ يزيد، والأخيرة إلىٰ السيف.
وقد يكون معاوية مهذّباً مع الآخرين، بل وسخيّاً، ولكن علىٰ شرطه ، وهو : أن تتّفق أعمالهم مع أهدافه، أو لا تتصادم معها - علىٰ الأقل ..
قال العقّاد: «كلّ دهاء يذكر لمعاوية فإنّما يذكر إلىٰ جانبه رفد أو عطاء وولاية يستفيد منها من ينصره ولا ينخدع عنها في مبادلة النفع بينه وبينه ، ولا جرم كان العطاء عماد هذا الدهاء» (2).
وقال طه حسين : جعل معاوية الخلافة مُلكاً ، وأورثها ابنه من بعده ، واستباح أشياء حرّمها القرآن .. ثمّ تتابع الخروج علىٰ الكتاب والسنّة ، لأنّ الإثم يدعو الإثم، ولأنّ حبّ الدنيا لا يقنع صاحبه ؛ فالله قد حرّم مكّة في القرآن، وحرّم النبي المدينة ، وقد استباح بنو أمية المدينة ومكّة جميعاً، بدأ يزيد بن معاوية فاستباح المدينة، وأنهبها ثلاثاً، وثنّى عبدالملك بن مروان فأذن للحجّاج في أن يستبيح مكّة..
كلّ ذلك لتخضع البلاد المقدّسة لبني سفيان ومروان، واستباح ابن زياد عن أمر يزيد قتل الحسين وأبنائه وإخوته وسبي بنات النبيّ .. وأصبح مال المسلمين مُلكاً للخلفاء، ينفقونه كما يحبّون لا كما يحب الله»(3).
وقال أيضاً: «ولست في حاجة إلىٰ أن أذكر زياداً، ذاك الذي أعلن في خطبته المشهورة أنّه سيأخذ البريء بالمسيء، والصحيح في دينه بالسقيم ، ولا أذكر الحجّاج الذي أسرف في القتل بغير الحقّ ، فقد كان زياد والحجّاج طاغيتين أطلق خلفاء بني أمية أيديهما وأيدي غيرهما من ولاة العراق في دماء الناس وأموالهم ، فأفسدوا وأمعنوا في الفساد» (1).
إنّ الإمام قاتل معاوية وحزبه علىٰ تأويل القرآن كما قاتل النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أبا سفيان من قبل علىٰ تنزيله ، ويشهد بذلك : حديث «خاصف النعل»: عن أبي سعيد الخدري ، قال : كنّا مع النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فانقطع شسع نعله ، فألقاها إلىٰ عليّ (علیه السّلام) يصلحها ، ثم قال : إنّ منكم من يقاتل علىٰ تأويل القرآن كما قاتلت علىٰ تنزيله .
فقال أبو بكر : أنا هو . قال : لا . فقال عمر : أنا هو . قال : لا ، ولكنّه خاصف النعل - ويد عليّ (علیه السّلام) علىٰ نعل النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يصلحها -.
قال أبو سعيد : فأتيت عليّاً(علیه السّلام) فبشّرته بذلك ، فلم يحفل به كأنّه شيء كان علمه من قبل (2).
وروى خبر الناكثين والقاسطين والمارقين قبل الوقوع جمع :
1 - عن علي(علیه السّلام) ، قال : (عهد إلىّ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في قتال الناكثين والقاسطين والمارقين).
قال الهيثمي : رواه البزار والطبراني في الأوسط، وأحد إسنادي البزّار رجاله رجال الصحيح غير الربيع بن سعيد ، ووثّقه ابن حِبّان (3).
2 - عن علي بن ربيعة ، قال : سمعت عليّاً علىٰ منابركم هذا يقول : عهد إليّ النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : (أن أقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين).
قال الهيثمي : رواه أبو يعلىٰ ، وفيه : الربيع بن سهل، ولم أعرفه ، وبقية رجاله ثقات (1).
وقد جاء أمر الله في قوله تعالىٰ: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» (2).
وهذه الآية أمرت النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) مجاهدة الكفار والمنافقين ، فرسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) تكفّل بنفسه بقتال ومحاربة الكفار وتكفل علي (علیه السّلام) الذي هو نفس رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بمقاتلة المنافقين.
وبعبارة أخرىٰ : إنّ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) حارب علىٰ التنزيل وعلياً(علیه السّلام) حارب
علىٰ التأويل، وذلك في قتال الناكثين والقاسطين والمارقين.
وأمّا كون علي(علیه السّلام) النفس رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قد دلّ عليه قوله تعالىٰ : «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّه عَلَى الْكَاذِبِينَ» (3)، وهي آية المباهلة، وقد دلّت علىٰ أنّ عليّاً (علیه السّلام) هو نفس رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بإجماع المفسّرين، ورواة الحديث علىٰ أنّ المراد من أنفسنا هو : علي(علیه السّلام) ، كما أنّ المراد من أبنائنا : الحسن والحسين، والمراد من نسائنا هو : الزهراء(علیها السّلام) ، فجعله الله نفس رسوله الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) .
وهو : ما رواه عامر بن سعد عن أبيه ، قال : لمّا نزلت هذه الآية: «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ الله عَلَى الْكَاذِبِينَ» ، دعا رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً(علیهم السّلام) ، فقال : اللّهم هؤلاء أهلي (4).
وقد دلّت جملة من الروايات النبوية أنّ عليّاً بمنزلة نفس رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) حيث
قال(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عنه(علیه السّلام) : «كنفسي»:
فقد روي عن عبدالرحمن بن عوف، قال: افتتح رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) مكّة، ثم انصرف إلىٰ الطائف فحاصرهم ثمانية أو سبعة ، ثم أوغل غدوة أو روحة ، ثم نزل، ثم هجر، ثم قال: (أيّها الناس، إنّي لكم فرط ، وإنّي أوصيكم بعترتي خيراً، موعدكم الحوض ، والذي نفسي بيده لتقيمنّ الصلاة ولتؤتونّ الزكاة أو لأبعثنّ عليكم رجلاً منّي ، أو كنفسي، فليضربنّ أعناق مقاتليهم وليسبينّ ذراريهم.
قال : فرأى الناس أنّه يعني: أبا بكر أو عمر ، فأخذ بيد علي ، فقال : هذا (1).
قال الحاكم النيسابوري : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (2).
وعن جابر بن عبدالله، قال: بعث رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) الوليد بن عقبة إلىٰ بني لهيعة
وكان بينهم شحناء في الجاهلية، فلمّا بلغ بني لهيعة استقبلوه لينظروا ما في نفسه، فخشيَ القوم فرجع إلىٰ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فقال: إنّ بني لهيعة أرادوا قتلي ومنعوني الصدقة.
فلمّا بلغ بني لهيعة الذي قال الوليد عند رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أتوا رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فقالوا: يا رسول الله ! لقد كذب الوليد، ولكن كان بيننا وبينه شحناء فخشينا أن يعاقبنا بالذي كان بيننا، فقال رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : لينتهينّ بني وليعة أو لأبعثنّ إليهم رجلاً كنفسي، يقتل مقاتلتهم ويسبي ذراريهم ، وهو هذا. ثم ضرب بيده علىٰ كتف علي بن أبي طالب(رضی الله عنه) (3).
وعن عبدالله بن شداد، قال: قدم علىٰ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وفد أبي سرح من اليمن، فقال لهم رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : (لتقيمنّ الصلاة ولتؤتنّ الزكاة ولتسمعنّ ولتطيعنّ أو
لأبعثنّ إليكم رجلاً لنفسي (1)يقاتل مقاتلتكم ويسبي ذراريكم ، اللّهم أنا أو كنفسي)، ثم أخذ بيد علي(2).
ومما يدلّ علىٰ كون معاوية علىٰ الباطل قوله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لعمار: «تقتلك الفئة الباغية» (3).
قال الحلبي : لمّا قُتل عمّار جرّد خزيمة بن ثابت رضي الله تعالىٰ عنه سيفه وقاتل مع علي، وكان قبل ذلك اعتزل عن الفريقين وقال سمعت رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يقول : تقتل عمّاراً الفئة الباغية. فقاتل معاوية حتّىٰ قُتل ..
وكان ذو الكلاع مع معاوية، وقال له يوماً ولعمرو بن العاص : كيف نقاتل عليّاً وعمّار بن ياسر ؟
فقالا له : إنّ عمّاراً يعود إلينا ويُقتل معنا . فقُتل ذو الكلاع قبل قتل عمّار ، ولمّا قُتل عمّار قال معاوية : لو كان ذو الكلاع حيّاً لمال بنصف الناس إلىٰ عليّ ، أي : لأنّ ذا الكلاع كان ذووه أربعة آلاف أهل بيت وقيل : عشرة آلاف، وكان عبدالله بن بدیل بن ورقاء رضي الله تعالىٰ عنه مع علي رضي الله تعالىٰ عنه فلمّا قُتل عمّار أخذ سيفين ولبس درعين ولم يزل يضرب بسيفه (4).
لما اتّضح ل- «سميح مدىٰ الفرق بين المدرستين والمنهجين اللذين سار عليهما علي (علیه السّلام) ومعاوية ، عرف الحق وتنوّرت بصيرته بنور الوعي، وقرّر اعتناق المذهب الحقّ ، مذهب الإنسانية ، مذهب علي وآل علي(علیهم السّلام) عن قناعة تامّة ، وكان ذلك عام 1407 ه- ( 1987م) في جنوب لبنان(5).
ولد عام 1385 ه- ( 1965م) في الضاحية الجنوبية لبيروت، نشأ وترعرع في أوساط عائلة مسيحية .
دخل «طوني» مدرسة النور التكميلية وقطع فيها مراحل الدراستين الابتدائية والمتوسطة ، ثم دخل كشّافة الرسالة الإسلامية وتعلّم فيها بعض الدروس الإسلامية ، ثم دخل الصليب الأحمر لتعلّم شؤون الإسعافات الأوّلية.
من خلال معاشرة المسلمين الشيعة ، أُعجب «طوني» بأخلاقهم واطّلع علىٰ عقائدهم.
من أهم الأمور التي تلفت نظر متتبّعي عقائد الشيعة : تنزيه الأنبياء في الفكر الشيعي ، وبالخصوص شخصية نبيّ الله موسىٰ(علیه السّلام) ، وهو أكثر نبي وقع التعرّض لاسمه ولقصته في القرآن الكريم ؛ فقد ذكر في مئة وثلاثين ونيف من آيات الذكر الحكيم.
لقد فُصّلت قصصه (علیه السّلام) في القرآن الكريم، الذي لا يقصّ إلا القصص الحق، وهذا يعني أنّ مواطن العبرة والاتّعاظ، ومواطن الأسوة والقدوة في قصص نبيّ الله موسىٰ(علیه السّلام) كثيرة جداً، ولذلك تكثّر ذكره وذكر مواجهته مع أعظم طواغيت العصور، طاغوت عصره، فرعون، الذي وصل به الأمر إلىٰ أن يقول: «أَنَا رَبُّكُمُ
الأعْلَىٰ» (1)، ويقول: «يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ» (2)، إلىٰ هذا الحد وصل به الطغيان، وكانت نهايته بتلك الطريقة الفظيعة ، عندما اضطرّ إلىٰ أن يؤمن في اللحظات الأخيرة، ولم ينفعه الإيمان في تلك اللحظات؛ باعتبار أنّ التوبة ينسدّ بابها عند معاينة الموت في اللحظات الأخيرة.
من المواطن المهمّة في قصص موسىٰ(علیه السّلام) ، والتي تشبّث بها المخطّئة : أنّهم وصفوا موسىٰ(علیه السّلام) بأنّه نبيّ مربك ، يخاف من الدعوة إلىٰ الله، ليس شأنه في هذا شأن بقية الأنبياء، فالله تعالىٰ يقول له : اذهب ، وهو يُجيب بأنّه يخاف ، مرّة يخاف من القتل ، وأخرىٰ من التكذيب، وثالثة علىٰ نفسه ..
من هنا : كيف يجتمع هذا مع وصف الله سبحانه له: «وَاَصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي» (3)، و: « وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي» (4)؟
كيف يجتمع هذا مع كونه من المخلَصين ؟
هذه هي الشبهة التي تشبّث بها المخطئة، وذهبوا بعيداً أكثر من هذا؛ فقال بعضهم بأنّ موسىٰ قال : يا ربّ اعفني من أن أكون أنا الداعي إليك، أرسل إلىٰ هارون.
يعني : أنا أخاف علىٰ نفسي ، ولا أخاف مثلاً علىٰ هارون ، إمّا لأنّه ليس لهم ذنب عليه، أو أن أقدّمه قرباناً وأنا أبقي علىٰ حياتي !
هكذا قالوا... وانتهى الأمر ببعضهم إلىٰ الإسفاف في التعامل إلىٰ هذا الحد.
إنّ ما سنتعرّض له هنا يتعلّق بآيات سورة الشعراء التي تحكي بعثة نبيّ الله موسىٰ(علیه السّلام) ، و تكليفه برسالته التي دعا إليها ، وخلاصتها : أن موسىٰ (علیه السّلام) عندما نبّأه
الله سبحانه وتعالىٰ في الواد المقدس وأمره أن يعود إلىٰ القوم الذين خرج منهم خائفاً يترقب قبل سنوات ، أمره أن يذهب إلىٰ فرعون ويواجهه في عقر داره مباشرةً وجهاً لوجه..
وموسىٰ(علیه السّلام) يعرفه فرعون جيداً؛ لأنّه نشأ ورُبّي في بيته.
فهو (علیه السّلام) يذهب إلىٰ قوم يألفونه ، وإن كانوا لا يرغبون فيه وهو الذي قتل منهم رجلاً قبل سنين ، وقضية القتل لا تنسىٰ حتّىٰ لو تخفّى بعدها الإنسان عشرات السنين ، لا تنسىٰ ما دام المجتمع لم يحصل تحوّل فيه .. تحوّل عقائدي لم يحصل في ذلك المجتمع .. لازال المجتمع فرعونياً إلىٰ ذلك الوقت ..
في ذلك الجو يؤمر موسىٰ(علیه السّلام) بأن يعود إلىٰ ذلك المجتمع ويواجههم، ليس فقط بأن يصفحواله عن ذنب- باعتقادهم- ارتكبه قبل عشر سنين ، بل يواجههم بدعوة يرفض بها ربوبية فرعون .. ويرفض بها كلّ حركة فرعون ودولته ، ويريد أن يقضي عليها ، يدعو من الباب الواسع الله الواحد الأحد القهّار.
والآيات التي تتحدّث عن قصص موسىٰ(علیه السّلام) في القرآن الكريم بالعشرات لكن محل الشاهد يبدأ بقوله تعالىٰ: «وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ أَنْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» هو وحده، «أَنِ انْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ»، كأن فرعون ميؤوس منه ، ولذا يكون الحديث عن قومه، «قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَّا يَتَّقُونَ» ، يعني : ألا يتّقون الله ويخشونه ويخافونه؟ ألا يستقيمون في خط الله ؟
«قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ» ، وهذا هو أوّل سبب لخوفه ؛ فالمقام مقام المناجاة مع الله ، وما أجاب موسىٰ(علیه السّلام) : إنّي امتنع عن تنفيذ الأمر، فالأنبياء لا يتخلّفون طرفة عين ، هم «عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ» (1)..
لا يمكن أن يتخلّف الأنبياء عن التكليف الإلهي .. فالقضية لازالت مناجاة بين موسىٰ وبين الله ، وحوار بين موسىٰ وبين ربّه ..
1) الأنبياء (21): 26 - 27.
ربّه أمره للتو بأن يذهب إلىٰ قوم فرعون، ومن غادرهم قبل عشر سنين خائفاً يترقّب، وهذا موقف طبيعي؛ لأنّه قتل منهم رجلاً وخرج، وهو الآن يعود إلىٰ ذلك البلد .. وتلك الامبراطورية، والتي قد تكون أعظم وأكبر امبراطورية في عصره ..
هكذا يريدالله سبحانه وتعالىٰ ، فهل يحقّق موسىٰ هذا الهدف الإلهي ، موسىٰ(علیه السّلام) الذي له هذه السابقة في هؤلاء القوم ، إذ يطلبونه بثأر شخصي ؟
من الطبيعي جدّاً أن يخشىٰ أن يكون هذا الثأر حاجزاً بينه وبينهم من أن يقبلوا دعوة الله سبحانه وتعالىٰ.
وبعبارة أخرىٰ: هل هذا يجعل نبي الله يمتنع من امتثال الأمر الإلهي ؟
الجواب : ليس في الآية أيّ إشارة إلىٰ أنّ موسىٰ(علیه السّلام) سيخلّف عن أمر الله تعالىٰ إذا أمره وأصرّ وحتم عليه بل إنّ الله أفسح له في الحوار .
غاية ما هنالك : أنّ موسىٰ(علیه السّلام) خاف من أن يكون ذهابه وحده لدعوتهم مع الحاجز النفسي الموجود بينهم وبينه ، نتيجة أنّهم يطلبونه بالثأر، خاف أن لا يؤثّر في دعوتهم إلىٰ الله .
وبمعونة الآيات الأخرىٰ نجد أنّ كل ما أراده موسىٰ (علیه السّلام) هو : أن يكون معه ردءاً ووزيراً في هذه الدعوة، لا أنّه استعفى من الذهاب، كما صوّر بعض المخطّئة، وهذا حرص منه علىٰ الشريعة والدين في أن لا يكون وحده، ولعله لو كان وحده فسوف يكذّب من قبلهم لوجود الحاجز الذي أشرنا إليه آنفاً.
قال تعالىٰ: «وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ انْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ» (1)، وإلىٰ هنا لا يوجد خوف علىٰ النفس أبداً، «وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي » (2)لماذا لا ينطلق لساني ؟
لأنّ لهم ثأر عندي، أو ضيق صدري هو أن لا ينطلق لساني؛ لأنّ موسىٰ (علیه السّلام) -كما ذهب إليه جملة من المفسّرين- كان عنده مرض خاص في لسانه ، ولعلّ سبب ضيق صدره وعدم انطلاق لسانه هو أنّه كان يُطلب بثأر منهم.
قوله تعالىٰ: «فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ»، قال: يا ربّ! أنا قاتل منهم قتيل ، ولا ينطلق لساني بينهم، ويضيق صدري، فأخاف أن يكذّبوني، وأنا أُريد مصلحة الشريعة .
من هنا كان حرص موسىٰ علىٰ الشريعة هو الذي جعله يقترح علىٰ ربّه، وهو عبد مصطنع الله ، كما في الآيات الأخرىٰ.
وهنا يوجد ايجاز بالحذف، وهو ، أنّ الله سبحانه وتعالىٰ قال : استجبنا لموسىٰ ، وأرسلنا إلىٰ هارون ، فانتجبناه ونبّأناه وجعلناه وزيراً لموسىٰ، كما في آيات أخرىٰ ، وبهذا: اذهبا معاً ، وهذا يعني : أنّ هواجس موسىٰ (علیه السّلام) قد أخذها الله سبحانه وتعالىٰ بنظر الاعتبار، فهي هواجس حقّة، وإلا لو لم تكن كذلك فما معنىٰ استجابة الله سبحانه وتعالىٰ بالإرسال إلىٰ هارون؟!
وما معنىٰ بأن يؤمر موسىٰ وهارون معاً أن يُرسلا إلىٰ قوم فرعون؟
وبعبارة أخرىٰ: خوف موسىٰ(علیه السّلام) بهذا الجو كان في الأساس خوفاً علىٰ الرسالة ، وأن لا يتحقّق هدفها ، فطلب ردءا ووزيراً، واستجاب الله له ، وهذا یعني أنّ طلبه كان طلباً حقّاً.
بعد أن اطّلع «طوني» علىٰ الحقائق، التي أجابت علىٰ كثير من الأسئلة التي كانت تراوده بشأن ما كان يعتقده سابقاً، عرف الحقّ والطريق المستقيم، واقتنع به اقتناعاً تاماً ، فأسلم وتشيّع لأهل البيت الكرام عام 1401 ه- (1981م)، وسمّىٰ نفسه «حیدراً» حباً بأميرالمؤمنين(علیه السّلام) .
ورغم المضايقات والمصاعب التي واجهها من قِبل ذويه فقد ثبت وصمد ، والتزم بالحضور في المساجد لأداء الصلوات، حتّىٰ أنّه طالما رؤي قبل صلاة الفجر في المسجد وهو يؤدي صلاة الليل.
انظم «طوني» بعد الاستبصار إلىٰ المقاومة الإسلامية في لبنان، وأبلىٰ بلاءً حسناً في مواجهة الصهاينة، وقد جازاه الله الجزاء الأوفىٰ ، فرزق الشهادة عام 1411 ه- أثناء مواجهة بطولية ضد الصهاينة في بلدة «القنطرة» الحدودية(1).
1) ذكره البجنوري ضمن المستبصرين، وأفرد له قسماً خاصاً في كتابه «المستبصرون»، ومصدر المعلومات المذكورة عمّه «موريس فؤاد»، وبعض المنشورات الصادرة عن مقاومة أمل بلبنان.
ولد عام 1399 ه- (1979م) في مدينة صيدا» جنوب لبنان في أسرة سنّية تتبع المذهب الحنف، فنشأ متّبعاً له متأثراً بتلك العقيدة
بعد أن وصل «ماهر» إلىٰ مرحلة الرشد لفتت نظره المحاضرات التي كانت تُلقیٰ في الحسينية التي كانت إلىٰ جنب منزله، ما أثّر شيئاً فشيئاً علىٰ رؤية «ماهر» للشيعة والتشيع.
من أهم ما سمعه «ماهر» من هذه المحاضرات هو موضوع النهضة الحسينية .
إنّ ثورة الحسين(علیه السّلام) ثورة إلهية ، ثورة ربّانية، وهناك اتّجاهان في فهم هذه الثورة :
الأوّل : اتّجاه يفسّرها علىٰ أنّها خروج بشري، تخطيط بشري ، من شخصية صحابي رسول الله ، هو سبط رسول الله، وهو شخصية لامعة في العالم الإسلامي يقرّون بهذا لكنهم يقولون : هذا الخروج هو تخطيط للانقلاب علىٰ السلطة، تخطيط لأخذ السلطة وزمام السلطة باء بالفشل في نهاية المطاف، وانتهى بمقتل هذا الرجل الصحابي الذي خرج.
الثاني : اتّجاه آخر- يمثله - ويقول : إنّ حركة الإمام الحسين(علیه السّلام) كانت حركة
إلهية ، كانت حركة ربّانية ، كانت مُخطّطة من السماء ، أخبر بها رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، أخبر بها صحابته ، أخبر بها الإمام الحسين (علیه السّلام) وجرت المقادير باختيار من الحسين (علیه السّلام) كاختيار يحيىٰ واختيار إسماعيل (علیهما السّلام) امتثالاً لأمر الله عزّ وجلّ، هذا هو المرتكز الأساسي في حركة الإمام الحسين ، وفي النظرة لهذه الحركة المقدّسة.
وهنا حقيقة مسلّمة ، وهي : إنّه كان واضحاً عند الصحابة الكبار من صحابة رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أنّ الإمام الحسين (علیه السّلام) يخرج إلىٰ أمر قد أخبر رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أنّه واقع لا محالة ، وأخبر عن بعض من الخطوط العريضة لآثار هذا الأمر.
وهذا المعنىٰ رواه أئمّة أهل السنّة؛ فقد روس أحمد بسنده : عن عبدالله بن نجىٰ، عن أبيه ، أنّه سار مع عليّ رضي الله عنه وكان صاحب مطهّرته ، فلا حاذى نينوى وهو منطلق إلىٰ صِفّين ، فنادى عليّ رضي الله عنه : اصبر أبا عبدالله ! اصبر أباعبدالله بشط الفرات. قلت : وماذا ؟ قال : دخلت علىٰ النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ذات يوم وعيناه تفیضان ، قلت : يا نبي الله! أغضبك أحد ؟ ! ما شأن عينيك تفيضان ؟!
قال : بل قام من عندي جبريل قبل فحدّثني أنّ الحسين يُقتل بشط الفرات؛ قال : فقال : هل لك إلىٰ أن أشمّك من تربته ؟ قال : قلت : نعم . فمدّ يده فقبض قبضة من تراب ، فأعطانيها ، فلم أملك عيني أن فاضتا (1).
وهي رواية صحيحة السند.
وروى ابن حبّان في صحيحه عن أنس بن مالك ، قال : استأذن ملك القطر ربّه أن يزور النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فأذن له ، فكان في يوم أمّ سلمة ، فقال النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : احفظي علينا الباب لا يدخل علينا أحد.. فبينا هي علىٰ الباب إذ جاء الحسين بن علي ، فظفر ، فاقتحم ، ففتح الباب ، فدخل ، فجعل يتوثّب علىٰ ظهر النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وجعل النبي يتلثمه ويقبّله ، فقال له الملك : أتحبّه ؟ قال : نعم . قال : أما إنّ أمّتك ستقتله ، إن شئت
1) مسند أحمد 1: 85 .
أريتك المكان الذي يقتل فيه . قال : نعم . فقبض قبضة من المكان الذي يُقتل فيه، فأراه إيّاه، فجاءه بسهلة أو تراب أحمر ، فأخذته أُمّ سلمة فجعلته في ثوبها ، قال ثابت : كنّا نقول : إنّها كربلاء (1). والنصوص كثيرة في هذا المجال.
وهنا أيضاً نستقي من حديث آخر للإمام الحسين(علیه السّلام) نفسه ، وهو حوار جرىٰ بين أمّ المؤمنين أمّ سلمة (رضوان الله عليها) وبينه عندما قالت له : ما خروجك ؟ فذكّرها بما فعل ذلك المجتمع بأبيه من قبل والخذلان ، وما فعلوه بأخيه الإمام الحسن (علیه السّلام) من قبل .
كان جوابه قول الواثق الذي يعلم المصير والمسار.
كان جوابه مختصراً مفيداً: شاء الله أن يراني مقتولاً مذبوحاً ظلماً وعدواناً.
ثم جاء السؤال الآخر عن النساء والصبية : لماذا تصطحبهم معك ؟
فكان الجواب: وقد شاء أن يرى حرمي ورهطي ونسائي مشرّدين، وأطفالي مذبوحين مأسورين مظلومين مقيّدين، وهم يستغيثون فلا يجدون ناصراً ولا مُعيناً (2).
بقول فالإمام الحسين(علیه السّلام) وبقوله : شاء الله ، ينسب الأمر إلىٰ الله بشكل جزمي ، فسواء كان معصوماً ، فلديه علم لدنّي، والحق هو ذلك، أم كان صحابياً كبيراً جليلاً، ابن فاطمة، ابن علي، وهو الذي يكون سيّد شباب أهل الجنّة ، هل يتقوّل علىٰ الله والعياذ بالله ؟
لا يمكن أن يتقول علىٰ الله ؛ فهو لا شك أخذ هذا إمّا من جدّه مباشرة ، أو من أبيه من جده ، أو علىٰ أبعد تقدير من أحد الصحابة من جدّه.
فعلىٰ كلّ حال قالها الإمام الحسين(علیه السّلام) بضرس قاطع ولم يعترض عليه أحد،
فإنّه يريد أن يقول: أنا في كلّ هذا الخروج من مكّة إلىٰ كربلاء، إلىٰ أينما سينتهي بي المطاف، أنا أنفّذ مخطّطاً إلهياً شاء الله وأراده باختياري، ولا أختار إلّا ما يشاء الله سبحانه وتعالىٰ.
وهنا سؤال : لماذا شاء الله أن يراه قتيلا؟ ولماذا شاء الله أن يراهنّ سبايا ؟
يعلم المسلمون جيّداً أنّ الإمام الحسين(علیه السّلام) استخدم أدبيات الإسلام المعترف بها في كلّ العالم الإسلامي في شعاراته: إنّي لم أخرج بطراً ولا أشراً، ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت أطلب الإصلاح في أُمّة جدّي محمّد، أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، أسير بسيرة جدّي وسيرة أبي عليّ بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحقّ ، فالله أولى بالحق، وهو أحكم الحاكمين (1).
فالبيعة للفاسق الفاجر ... غير جائزة باتّفاق المسلمين من البداية، ومضافاً إلىٰ هذا وذاك قال(علیه السّلام) : إنّا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة ، بنا فتح الله وبنا ختم الله ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر ، قاتل النفس المحرّمة ، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله (2).
فالإمام الحسين(علیه السّلام) خرج علىٰ هذا الأساس ليعلنها كلمة حقّ في وجه الظالمين إلىٰ يوم القيامة في أنّ من يحكم باسم الإسلام - علىٰ أقلّ تقدير حتّىٰ لو كان منحرفاً بعيداً عن المنظومة الحقوقية الإلهية - فإنّه لابدّ أن يحافظ علىٰ أسس الإسلام علىٰ أقلّ تقدير ..
وعلىٰ هذا الأساس يزيد لا يمثّل شيئاً من هذا ، فاستشهاد الإمام الحسين (علیه السّلام) كان الهزّة العظيمة التي أحيت الأمّة الإسلامية، والتبليغ السيّار وخطابات السيّدة زينب من الكوفة إلىٰ الشام ، وكلماتها وخطاب الإمام زين العابدين الشهير : محمّد
جدّي أم جدّك ؟ (1)، هو الذي فضح السلطة وعرّاها بشكل كامل، وصارت سلطة سياسية زمنية دنيوية لا تمت عند جميع المسلمين إلىٰ الدين بصلة .
بعد ان اطّلع «ماهر» علىٰ حقيقة الثورة الحسينية، التي بقيامها بقي الإسلام محفوظاً، وأهدافها العليا، التي كانت تهدف إلىٰ إقامة العدل والحقّ، وعدم تسلّط الجبابرة علىٰ أمّة المسلمين ، ليتّخذوا عبادالله خولاً ، وماله دولاً، بدأ «ماهر» يسأل عن موضوع الإمامة الذي احسّ بضرورة التحقيق والبحث فيه ، فتفتّحت بصيرته وأذعن إلىٰ الحقّ ، وأعلن استبصاره واتّباعه لمذهب أهل البيت(علیهم السّلام) ، وذلك في سنة 1420 ه- ( 2000م) (2).
نشأ في لبنان، ودرس في المدارس والجامعات الأكاديمية حتّىٰ حصل علىٰ شهادة الدكتوراه، وأصبح أستاذاً في إحدىٰ الجامعات الأمريكية.
قام «محمود» بعدة أبحاث عن المذاهب الإسلامية وتوصّل في نهاية المطاف إلىٰ حقّانية المذهب الشيعي.
ولعل من أهم المواضيع التي تجذب الباحث نحو هذا المذهب هو : الرؤية الواضحة عند الشيعة بالنسبة لابنة الرسول الأكرم(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وفلذة كبده الزهراء فاطمة(علیها السّلام) ؛ إذ غُيّبت معالمها عن عامة المسلمين في ظل الأجواء الحاكمة زمن بني أمیة وبني العباس وأتباعهم ولم يعرفوا عنها إلّا القليل ، وقد ظلمها التاريخ بعد وفاتها أيضاً؛ إذ كانت مظلومة في حياتها بعد أبيها (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).
روي في المصادر أن فاطمة بنت رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) سألت أبا بكر بعد وفاة
رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أن يقسم لها ميراتها ممّا ترك رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ممّا أفاء الله عليه ، فقال لها أبو بكر ، فلم تزل مهاجرته حتّىٰ توفّيت (1).
1) صحيح البخاري 42:4 .
وعن أبي هريرة قال: جاءت فاطمة إلىٰ أبي بكر ، فقالت : من يرتك ؟
قال : أهلي وولدي.
قالت : فما لي لا أرث أبي ؟!
فقال أبو بكر : سمعت رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يقول : لا نورّث . ولكن أعول من كان
رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يعوله ، وأنفق علىٰ من كان رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يُنفق عليه(1).
فغضبت رضي الله تعالىٰ عنها من أبي بكر ، وهجرته إلىٰ أن ماتت ، أي : إنّها عاشت بعد رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ستّة أشهر علىٰ ما تقدّم، ومعنىٰ هجرانها لأبي بكر : أنّها لم تطلب منه حاجة، ولم تضطر إلىٰ لقائه؛ إذ لم ينقل أنّها رضي الله تعالىٰ عنها لقيته ، ولم تسلّم عليه ، ولا كلّمته (2).
وروي أن فاطمة(علیها السّلام) كانت تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة، فأبى أبو بكر عليها ذلك ، وقال : لست تاركاً شيئاً كان رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يعمل به إلّا عملت به ؛ إنّي أخشىٰ إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ (3).
وفي كلام سبط ابن الجوزي: «إنّ أبا بكر كتب لها بفدك ، ودخل عليه عمر ، فقال : ما هذا؟
فقال : كتاب كتبته لفاطمة بميراثها من أبيها.
فقال : ممّاذا تنفق علىٰ المسلمين وقد حاربتك العرب كما ترىٰ؟ ثمّ أخذ عمر الكتاب فشقّه» (4).
وقول أبو بكر : «كتاب كتبته لفاطمة بميراثها من أبيها» يدلّ علىٰ أنّ الذي ردّه إلىٰ فاطمة(علیها السّلام) هو ميراثها الذي منعه عنها ابتدااً ، فكيف يجتمع المنع أولاً ، والإعطاء
ثانياً من باب الإرث؟! أم كيف يجتمع ذلك مع ما رواه من حديث : لا نوّرث ، وما تركناه صدقة ؟ !
هناك نوعان من الآيات في هذا المجال:
النوع الأوّل : الآيات الخاصّة :
الآية الأولىٰ : قوله تعالىٰ حاكياً عن النبي زكريا(علیه السّلام) : «وَإِنِّي خِفْتُ المَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً (1).
لفظ «الميراث» متى ما استعمل لغةً وعُرفاً يراد منه : المال، وكذلك لفظ «الإرث»؛ فإنّ له ظهوراً عرفياً في إرث المال، لا إرث العلم والمعرفة ، فلو قيل: فلان وارث فلان ، أريد: إنّه وارثه في المال، لا أنّه وارثه في علمه ، إلا مع القرينة، كما في قوله تعالىٰ: «وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ » (2)، وقوله تعالىٰ : «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمُ لنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ الله ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ» (3)، وقوله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : (إنّ العلماء ورثة الأنبياء)(4).
فلو كان سؤال زكريا من الله تعالىٰ أن يرزقه وارثاً في علمه ونبوّته لزم أن يقول هكذا : يرثني في علمي ويرث من آل يعقوب النبوة، وذلك لعدم تمامية المجاز بلا قرينة ..
وإطلاق الكلام شاهد علىٰ أنّ السؤال من الله تعالىٰ الذرّية والنسل ليقوموا من بعده في ماله؛ لقوله: «وَإِنِّي خِفْتُ المَوَالِيَ مِن وَرَائِي» ، والموالي هم : بنو عمّه ، فخاف منهم أن يتصرّفوا في أمواله ، ويصرفوها في خلاف المشروع، ولذا قال الفخر الرازي: «إنّ المراد بالميراث في الموضعين هو: وراثة المال، وهذا قول ابن عبّاس
والحسن والضحّاك (1).
وهو الظاهر المعقول الوارد في الشرع :
أمّا كونه هو الظاهر ؛ فلأنّ الصحابة وغيرهم لم يفهموا من الحديث الذي تفرّد به أبو بكر سوىٰ : وراثة المال، دون وراثة العلم، وإن كان عندهم تأويل لا يصار إليه، وأمّا أنّه هو المعقول فلأنّ العلم والنبوّة لا يكونان من الأوصاف التي تحصل للإنسان بالإرث، وإلّا لزم أن يكون جميع أولاد آدم(علیه السّلام) علماء أنبياء ، وكذلك أولاد خاتم الأنبياء(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وليس كذلك بالبداهة .
أضف إلىٰ ذلك : أنّ زكريا دعا ربّه أن يجعل المسؤول رضيّاً، يرضاه الله تعالىٰ ويرضاه عباده ، وهذا الدعاء يوافق كلام من أخذ الميراث علىٰ ظاهره من المال دون العلم؛ لأنّه متى سأل ربّه أن يهب له وارثاً في علمه ونبوّته أدخل في سؤاله كونه رضيّاً؛ لأنّ من يرث النبوة لا يكون غير رضي ، فلا معنىٰ لتكرار طلبه من الله تعالىٰ هذه الخصلة لوارثه ثانياً، فهذا السؤال حينئذ نظير من يقول : اللهم ابعث لنا نبيّاً كاملاً بالغاً عاقلاً.
فإن قالوا : إنّ يحيىٰ(علیه السّلام) قُتل قبل زكريا؛ فلو حُمل الإرث علىٰ المال لما استجاب الله تعالىٰ دعاء زكريا، والحال أنّه سبحانه استجاب دعاءه؛ إذ يقول : «يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً» (2).
قلنا : إنّ ذلك الإشكال بعينه متوجّه في صورة إرادة وراثة العلم والنبوة؛ لأنّ يحيىٰ(علیه السّلام) قتل قبل زكريا ، فلم تصل النبوة البعدية إليه بالوراثة ، ولو مجازاً، من أبيه زكرياً(علیه السّلام) .
وأمّا أنّه الوارد في الشرع ؛ فعن الحسن ، قال : قال رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ): رحم الله أخي زكريا ، ما كان عليه من ورثة ماله حين يقول : فهب لي من لدنك وليّاً ، يرثنى ويرث من آل يعقوب (1). أي: ما يضرّه إرث ورثته لماله .
الآية الثانية : قوله تعالىٰ حاكياً عن النبي داود(علیه السّلام) : «وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ» (2).
وهذا يراد منه : الإرث في المال، أو الأعم منه من الجاه والمُلك؛ وذلك بدلالة قوله تعالىٰ: «وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ المُبِينُ» (3)، ولا يختص بالعلم والنبوة؛ لأنّ سليمان (علیه السّلام) كان نبياً علىٰ بني إسرائيل حال حياة داود (علیه السّلام) من غير احتياج إلىٰ الإرث منه، وذلك لقوله تعالىٰ: «فَفَهَمْنَاهَا سُلمانَ وَكُلاً آتَيْنَا حُكْماً وعلماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ اَلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ» (4)، وقوله تعالىٰ حكاية عن سليمان : «وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ» (5)، إلىٰ غير ذلك من دلائل نبوّته(علیه السّلام) الحال حياة داود(علیه السّلام) ، نظير نبوّة هارون(علیه السّلام) في زمان أخيه موسىٰ (علیه السّلام) ، وقال سبحانه: «وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالاَ الْحَمْدُلِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ» (6).
وقال الفخر الرازي: «أمّا قوله تعالىٰ: «وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ »، فقد اختلفوا فيه ، فقال الحسن : المال ؛ لأنّ النبوة عطية مبتدأة ولا تورّث ، وقال غيره : بل النبوّة، وقال آخرون بل الملك والسياسة، ولو تأمّل الحسن لعلم أنّ المال إذا ورثه الولد فهو أيضاً عطية مبتدأة من الله تعالىٰ، ولذلك يرث الولد إذا كان مؤمناً ولا يرث إذا كان كافراً أو قاتلاً، لكن الله تعالىٰ جعل سبب الإرث في من يرث الموت علىٰ شرائط ، وليس كذلك النبوّة؛ لأنّ الموت لا يكون سبباً لنبوّة الولد، فمن هذا الوجه يفترقان» (1).
وقال تعالىٰ: «الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ» (2)، وقال تعالىٰ: «وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ الله وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ» (3)، فالعلم منه كسبي، ومنه نور يقذفه الله في قلب من يشاء.
وعن أبي جعفر(علیه السّلام) ، قال : جاءت فاطمة إلىٰ أبي بكر تطلب ميراثها، وجاء العبّاس بن عبدالمطّلب يطلب ميراثه ، وجاء معهما عليّ، فقال أبو بكر : قال رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لا نورّث، ما تركناه صدقة، وما كان النبي يعول، فقال علي : «وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ» ، وقال زكريا : «يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» ، قال أبو بكر : هو هكذا ، وأنت والله تعلم مثل ما أعلم . فقال علي: هذا كتاب الله ينطق . فسكتوا وانصرفوا(4).
وهذه الرواية وغيرها من الحكايات والتى تشير إلىٰ مجيء فاطمة(علیها السّلام) وأميرالمؤمنين(علیه السّلام) والعبّاس عمّ النبي عند عمر وأبي بكر لأجل المطالبة بالإرث، تدلّ دلالة واضحة علىٰ عدم قبول التأويل في الآية الشريفة مجملها علىٰ إرادة وراثة العلم والنبوة، ولذا لم يؤول أبو بكر ولم يرفع اليد عن نصّ القرآن وما هو ناطق به من
وراثة المال، وإنّما ردّ علىٰ أميرالمؤمنين(علیه السّلام) ، وفاطمة(علیها السّلام) ، والعبّاس بحديث تفرّد به ولم يروه غيره من قول النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ : نحن معاشر الأنبياء لا نوّرث، وأجابه أمير المؤمنين(علیه السّلام) : بأنّ القرآن ينطق بما يدّعيه هو ، وأنّه إنّما يعلم من رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ما نطق به القرآن و شهد به من توريث الأنبياء أولادهم.
فالخصوم في طول مدّة مخاصمتهم متّفقون علىٰ صريح القرآن، وإنّما جاء التأويل من أهل التأويل الذين يقولون برأيهم ما يشاؤون في مقابل النصّ الجلي، وأبو بكر كان أعرف بنصّ القرآن من هؤلاء المتأوّلين، ولذا قَبِل ظهور القرآن في ما استند إليه أميرالمؤمنين (علیه السّلام) من توريث الأنبياء أولادهم، وإنّما دافع عنه برواية تفرّد بها بزعمه أنّها تخرج مخرج التخصيص، والمعلوم خلافه .
ورث الأنبياء أبنائهم منذ آدم إلىٰ محمّد (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )، ولم يأت خبر واحد يشير إلىٰ خلاف ذلك ، بل جاءت الروايات لتؤيّد هذا المعنىٰ؛ فقد روىٰ الزمخشري في تفسيره الكشاف في تفسير قوله تعالىٰ: «إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِهَادُ » (1)، روى: أنّ سليمان(علیه السّلام) غزا أهل دمشق ونصيبين فأصاب ألف فرس . وقيل : ورثها من أبيه وأصابها أبوه من العمالقة(2).
وروى النسفي في تفسيره ، قال : «وروي أنّ سليمان (علیه السّلام) غزا أهل دمشق ونصيبين فأصاب ألف فرس ، وقيل : ورثها من أبيه وأصابها أبوه من العمالقة»(3).
توصل «محمود» عن طريق دراسته المعمّقة ، وبحوثه الشمولية إلىٰ حقّانية
مذهب أهل البيت(علیهم السّلام) ، ثمّ رغب في خدمة هذا المذهب، ولاسيما قضية الإمام الحسين(علیه السّلام) فألّف كتاباً باللغة الانجليزية بعنوان : (كربلاء في الوجدان الشيعي)، وهو عمل إعلامي جيد؛ إذ أنّ المؤلّفات باللغة الانجليزية تكون سبباً لهداية المتحدّثين بالانجليزية للإسلام والتشيّع (1).
1) للمستبصر استبيان في «مركز الأبحاث العقائدية»، ذكر فيه شهادته العلمية، ما قام به بعد الاستبصار وغير ذلك.
ولد عام 1397 ه- (1977م) في مدينة صيدا» اللبنانية في أسرة سنّية المذهب يرجع نسبها إلىٰ الإمام موسىٰ بن جعفر (علیهما السّلام) .
واصل «يوسف» دراسته الأكاديمية، وكان طالباً في الجامعة اللبنانية ، قسم الحقوق.
في المجال العقائدي كان السبب في تغيير مسير حياة «يوسف» أنّه قرأ كتاباً يتحدّث عن عائلته، ووجد أنّ نسبه يرجع إلىٰ الإمام الحسين(علیه السّلام) ، وتساءل عن حقيقة الأئمّة ؟ ولماذا لا يتّبعهم وهم من نسل النبي وأقرب إليه من مذاهب أهل السُنّة، التي تأخّرت كثيراً عن زمان النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) .
من أهم الأمور التي لفتت نظر «يوسف» الطريقة التي تعاملت بها الوهّابية مع استشهاد جدّه الإمام الحسين(علیه السّلام) .
فمن معالم فكر الوهّابية هو: إعطاء المشروعية الكاملة لحكم يزيد بن معاوية ، وأنّ من خرج علىٰ يزيد بن معاوية فقد خرج علىٰ وليّ أمره، وأنّ من لم يبايع يزيد ابن معاوية ومات فقد مات ميتة جاهلية .. هذا ما تعتقده الوهّابية بشكل عام في حكم يزيد بن معاوية ، الذي قتل سيد شباب أهل الجنّة(علیه السّلام) .
وهذه القضية من القضايا المتّفق عليها في كلماتهم؛ فإنّهم يعتقدون أنّ يزيد بن معاوية مسلم مؤمن، وهو من أهل الصلاة والصيام والحج والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغيرها من التعابير ، ومن الكلمات التي تؤكّد علىٰ هذا المعنىٰ:
1 - قال ابن تيمية : «فإن احتجّوا بما تواتر من إسلامه وهجرته وجهاده ( يقصد : علياً(علیه السّلام) ) فقد تواتر ذلك عن هؤلاء (يقصد أبا بكر وعمر)، بل تواتر إسلام معاوية ويزيد وخلفاء بني أمية وبني العبّاس وصلاتهم وصيامهم وجهادهم للكفّار، فإن ادّعوا في واحد من هؤلاء النفاق أمكن الخارجي أن يدّعي النفاق (أيضاً في علي)»(1).
فقد جعل إسلامهم علىٰ حدّ إسلام عليّ (علیه السّلام)، وأنّهم من المؤمنين ، وأنّ إسلامهم إسلام حقيقي، وأنّ إيمانهم إيمان حقيقي.
2 - قال ابن تيمية : «إنّهم يعتقدون أنّه كان ملك جمهور المسلمين وخليفتهم في زمانه ، كما كان أمثاله من خلفاء بني أمية وبني العبّاس ، فهذا أمر معلوم لكلّ أحد ، ومن نازع في هذا كان مكابراً؛ فإنّ يزيد بويع بعد موت أبيه معاوية، وصار متوليّاً علىٰ أهل الشام ومصر والعراق وخراسان وغير ذلك من بلاد المسلمين، والحسين استشهد يوم عاشوراء سنة 61 ، وهي أوّل سنة ملك يزيد، والحسين استشهد قبل أن يتولّىٰ علىٰ شيء من البلاد» (2).
وهنا دلّس ابن تيمية ؛ فإنّ كلمات كبار علماء أهل السنّة ومدرسة الصحابة لا يعتقدون هذا الاعتقاد، كما أنّه أعطىٰ الشروعية الكاملة لكلّ خلفاء بني أُمية ، وإنّ يزيد كان وليّ الأمر، والحسين(علیه السّلام) لم يكن وليّ الأمر: فلم تكن له ولاية، فعندما خرج علىٰ يزيد يكون خارجاً علىٰ وليّ الأمر .
3 - قال ابن تيمية: «إنّما الحديث المعروف مثل : ما روىٰ مسلم في صحيحه عن نافع، قال: من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجّة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ، وهؤلاء لمّا خلعوا طاعة أمير وقتهم يزيد مع أنّه كان فيه من الظلم ما كان، فعلم أن هذا الحديث دلّ علىٰ ما دلّ عليه سائر الأحاديث الآتية من أنّه لا يخرج علىٰ ولاة أمور المسلمين بالسيف وإنّ من لم يكن مطيعاً لولاة الأمور مات ميتة جاهلية»(1).
فلا ينبغي أن يخرج أحد علىٰ ولاة أمور المسلمين بالسيف، فإن خرج ومات فإنّ ميتته ستكون ميتة جاهلية ، ومنهم الحسين (علیه السّلام) .
وقد نسب ذلك إلىٰ أهل السنّة والجماعة ، ولكنّنا وعند الرجوع إلىٰ كتب أئمّة أهل السنّة نجد أنّهم لا يقولون بذلك :
قال محمود الآلوسي البغدادي: وقد جزم بكفره وصرّح بلعنه جماعة من العلماء، منهم: : الحافظ ناصر السنّة ابن الجوزي ، وسبقه القاضي أبو يعلى ، وقال العلّامة التفتازاني: لا نتوقّف في شأنه بل في إيمانه، لعنه الله تعالىٰ عليه وعلىٰ أنصاره وأعوانه .. وممّن صرّح بلعنه : الجلال السيوطي عليه الرحمة.
وفي تاريخ ابن الوردي وكتاب (الوافي بالوفيات): أنّ السبي لما ورد من العراق علىٰ يزيد، خرج فلقي الأطفال والنساء من ذرّية عليّ والحسين رضي الله تعالىٰ عنها ، والرؤوس علىٰ أطراف الرماح، وقد أشرفوا علىٰ ثنية جيرون ، فلمّا راهم نعب غراب، فأنشأ يقول:
لما بدت تلك الحمول وأشرفت*** تلك الرؤوس علىٰ شفا جيرون
نعب الغراب فقلت قل أو لا تقل*** فقد اقتضيت من الرسول ديوني
يعني : أنّه قتل بمن قتله رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يوم بدر ، ك: جدّه عتبة، وخاله الوليد
ابن عتبة ، وغيرهما ، وهذا كفر صريح؛ فإذا صحّ عنه فقد كفر به.
1) منهاج السنّة 1: 111.
ومثله: تمثّله بقول عبدالله بن الزبعرىٰ قبل إسلامه : ليت أشياخي... الأبيات..
قال ابن الجوزي - عليه الرحمة - في كتابه : السرّ المصون: «من الاعتقادات العامة التي غلبت علىٰ جماعة منتسبين إلىٰ السنّة أن يقولوا : إنّ يزيد كان علىٰ الصواب وأنّ الحسين رضي الله تعالىٰ عنه أخطأ في الخروج عليه ، ولو نظروا في السير لعلموا كيف عقدت له البيعة وألزم الناس ، ولقد فعل في ذلك كل قبيح، ثم لو قدّرنا صحّة عقد البيعة ، فقد بدت منه بوادٍ كلّها توجب فسخ العقد، ولا يميل إلىٰ ذلك إلا كلّ جاهل عامّي المذهب، يظنّ أنّه يغيظ بذلك الرافضة ...
وأنا أقول : الذي يغلب علىٰ ظنّي أنّ الخبيث لم يكن مصدّقاً برسالة النبي صلّىٰ الله عليه وسلّم ، وأنّ مجموع ما فعل مع أهل حرم الله تعالىٰ وأهل نبيّه عليه الصلاة والسلام وعترته الطيبين الطاهرين في الحياة وبعد الممات ، وما صدر منه من المخازي ليس بأضعف دلالة علىٰ عدم تصديقه من إلقاء ورقة من المصحف الشريف في قذر!
ولا أظنّ أنّ أمره كان خافياً علىٰ أجلّة المسلمين إذ ذاك ولكن كانوا مغلوبين مقهورين، لم يسعهم إلا الصبر ؛ ليقضي الله أمراً كان مفعولاً.
ولو سلّم أن الخبيث كان مسلماً فهو مسلم جمع من الكبائر ما لا يحيط به نطاق البيان، وأنا أذهب إلىٰ جواز لعن مثله علىٰ التعيين، ولو لم يتصوّر أن يكون له مثل من الفاسقين، والظاهر أنّه لم يتب، واحتمال توبته أضعف من إيمانه .
ويلحق به : ابن زیاد ، وابن سعد ، وجماعة ، فلعنة الله عزّ وجلّ عليهم أجمعين، وعلىٰ أنصارهم وأعوانهم وشيعتهم، ومن مال إليهم إلىٰ يوم الدين، ما دمعت عين علىٰ أبي عبدالله الحسين.
ويعجبني قول شاعر العصر ، ذو الفضل الجلي، عبد الباقي أفندي العمري الموصلي ، وقد سئل عن لعن يزيد اللعين :
يزيد علىٰ لعني عريض جنابه*** فأغدو به طول المدى ألعن اللعنا» (1).
1) تفسير الآلوسي 26: 72 - 73 .
ولكنّ ابن تيمية يقول إنّ من التواتر إسلام يزيد وجهاده وصلاته وصيامه.
وعلىٰ هذا فمن يستنكر فعل يزيد ويكفّره لا ينتسب إلىٰ السنّة! فابن الجوزي والتفتازاني والآلوسي صرّحوا أنّه ليس بمسلم وأنّه كافر .
هذا، وقد ذهب بعض المتطرّفين من النواصب إلىٰ أنّ الحسين(علیه السّلام) كان علىٰ باطل وأنّه قتل بسيف جدّه!
ولهذا قال ابن تيمية : «ومن تأمّل الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في هذا الباب واعتبر أيضاً اعتبار أولي الأبصار علم أنّ الذي جاءت به النصوص النبوية خير الأمور، ولهذا لما أراد الحسين(رضی الله عنه) أن يخرج إلىٰ أهل العراق ، لمّا كاتبوه كتباً كثيرة، أشار عليه أفاضل أهل العلم والدين ك-: ابن عمر وابن عباس وأبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام أن لا يخرج، وغلب علىٰ ظنّهم أنّه يُقتل، حتّىٰ أنّ بعضهم قال : استودعك الله من قتيل . وقال بعضهم : لولا الشفاعة لأمسكتك ومنعتك من الخروج. وهم في ذلك قاصدون نصيحته ، طالبون لمصلحته ومصلحة المسلمين، والله ورسوله إنّما يأمر بالصلاح لا بالفساد»(1).
وهذه أيضاً من تدليسات ابن تيمية، وذلك أنّ النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أخبر بأن الإمام الحسين (علیه السّلام) يُقتل في كربلاء وفي الطف ، ولكنّ ابن تيمية يقول : «غلب علىٰ ظنّهم أنّه يقتل»، وكأنّه لم يُخبر الرسول الأعظم أنّه سيُقتل، مع أنّ الروايات أكدت علىٰ أنه (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بيّن خصوصيات يوم قتله ، وكيف يقتل، والتربة الحمراء (2)، أو التي تتحوّل دما (3).
في هذه الكلمات، فهو لا يقول : أنّ خروجه خروج فساد، ولكن يقول :
هؤلاء كانوا قاصدين لمصلحته ومصلحة الإسلام في عدم الخروج ، إذاً عندما خرج كانت المفسدة، والله ورسوله إنّما يأمر بالصلاح لا بالفساد.
بعد أن اطّلع «يوسف» علىٰ الحقائق، وحقيقة اعتقاد الوهّابية بأهل البيت(علیهم السّلام) برغم تزكية القرآن لهم في آية التطهير وغيرها، قرّر اتّباع الحقّ والانتماء إلىٰ المذهب الذي يعتقد بعصمتهم وطهارتهم ، وكان ذلك في سنة 1418 ه- (1997م) في مدينة «صيدا» اللبنانية (1).
1) للمستبصر ملف في «مركز الأبحاث العقائدية»، وهو علىٰ تواصل دائم مع إدارة المركز من خلال موقعه علىٰ الإنترنيت www.aqaed.com.
ولد عام 1397 ه- (1977م) في إحدىٰ مدن منطقة الغيران الليبية ، ونشأ في أسرة سنّية المذهب.
واصل «صالح» دراسته الأكاديمية حتّىٰ نال شهادة بكالوريوس في المحاسبة.
من الناحية العقائديّة نشأ في أجواء سنّية محبّة لأهل البيت(علیهم السّلام) : نظراً لتأثرهم بالطريقة الصوفيّة، فالعامّ الغالب من الليبيين المالكيين، ومن أتباع الطریقة الصوفيّة، وهم محبّون لآل البيت(علیهم السّلام) ، ومن هنا لم يكن من الصعب علىٰ «صالح» أن يتعرّف علىٰ سيرة أهل البيت(علیهم السّلام) مع ما فيها من التحريفات .
من جهة أخرىٰ - وفي الآونة الأخيرة - دخل علىٰ ليبيا الفكر الوهابيّ بشكل مكثّف، وبدأ الوهابيّون بترويج عقائدهم بارتقاء منابر الإعلام والظهور علىٰ الفضائيات.
وهذا الواقع الخارجي - بغض النظر عن سلبياته - يسهّل عملية وقوف الباحث عن الحق علىٰ مختلف الآراء، فيتعرّف من خلال ذلك علىٰ مبادىء ومعتقدات أتباع المذاهب الإسلاميّة.
من المبادىء التي يدّعي سائر المسلمين - علىٰ اختلاف طوائفهم وانتماءاتهم -
الالتزام بها هي السنّة الشريفة لرسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فالسنّة هي ثاني مصدر من مصادر التشريع بعد القرآن الكريم ، ولا يختلف اثنان من المسلمين علىٰ أنّ الأعلم بالسنّة يجب أن يكون إماماً وخليفة بعد رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وتعتبر مسألة اطّلاع الخلفاء الثلاثة علىٰ سنّة النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) معياراً مهمّاً لتشخيص عدم صلاحيّتهم للخلافة ، الأمر الذي دفع الكثير نحو التحقيق حول حقيقة الخلفاء الثلاثة ومذهبهم .
وها هو عمر بن الخطاب يحدّث عن نفسه في هذا الصدد، فيقول:
«كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أميّة بن زيد، وهي من عوالي المدينة ، وكنا نتناوبُ النزولَ علىٰ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ينزل يوماً وأنزلُ يوماً ، فإذا نزلتُ جنته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره ، وإذا نزل فعل مثل ذلك»(1).
فقوله : كنّا نتناوبُ النزول علىٰ رسول الله ، ينزل يوماً وأنزلُ يوماً، فيه دلالة واضحة علىٰ أنّه كان بعيد المسكن عن مسجد رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ولذلك قسّم عمر حياته إلىٰ يومين يوم ينزل لرؤية النبيّ ، ويومٌ لا ينزل، ولا يكلّف نفسه عناء النزول لبعد المسافة .
أو أنّ المسافة لم تكن بعيدة، ولكنّه ينزل إلىٰ الأسواق ويشتغل فيها بالصفق والتجارة.
وإذا أضفنا هذا إلىٰ قوله : «ألهاني الصفق بالأسواق عن أحاديث النبيّ» في قضية أبي موسىٰ الأشعري (2)، ثمّ أردفنا بقول أبي بن كعب له : «يا عمر إنّه كان يُلهيني القرآن، ويُلهيكَ الصفق بالأسواق (3)، تأكّدنَا بأنّه لم يقض وقتاً طويلاً مع صاحب الرسالة(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) .
ولعلّه كان يغيبُ عن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )حتّیٰ في المناسبات الكبرىٰ التي يجتمع
فيها المسلمون كافّة ، كيوم عيد الفطر وعيد الأضحىٰ، ولذلك نراه يسأل بعض الصحابة الذين لم تشغلهم تجارة ولا بيعٌ عن ذكر الله وإقام الصلاة، يسألهم عمّا كان يقرأ به رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في عيد الفطر وعيد الأضحىٰ!!
فقد أخرج مسلم في صحيحه في كتاب صلاة العيدين ، عن عبيدالله بن عبدالله : أنّ عمر بن الخطّاب سألَ أبا واقد اللّيثي ما كان يقرأ به رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في الأضحىٰ والفطر ؟
فقال: كان يقرأ فيها ب- «ق وَالْقُرْآن المجيد» و«أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَّ الْقَمَرُ» (1).
وعن أبي واقد اللّيثي أنّه قال: سألني عمر بن الخطّاب عمّا قرأ به رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في يوم العيد ؟ فقلتُ : ب- «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ» و «ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ » (2)
فشهادة عبيدالله وأبو واقد الليثي علىٰ عمر بأنّه لم يكن يعرف قراءة النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في العيدين ، إذا أضفنا إليها شهادة أبي بن كعب، وشهادته هو علىٰ نفسه بأنّه كان يشغله عن القرآن والسنّة الصفقُ بالأسواق ؛ عرفنا الأسرار والألغاز التي بقيت حتّىٰ الآن محيّرة للعلماء ..
ك: فتواه بترك الصلاة للمجنب الذي لا يجد الماء ، وجهله بأحكام التيمّم التي جاء بها القرآن والسنّة (3)، وحكمه في الكلالة التى قضى فيها بعدّة أحكام متناقضة، رغم نزولها في كتاب الله ، ورغم ما جاء فيها من التفصيل والبيان في السنّة النبويّة ؛ فإنّ عمر لم يفهمها إلىٰ أن فارق الحياة (4).
ولو وقف عمر عند حدّه ، وحاول التعلّمَ للقضاء علىٰ جهله، لكان خيراً له وللمسلمين ، ولكنّه أخذته العزّة بالإثمّ ، فراحَ يحرّم ما أحلّ الله ورسوله ، ك-: متعة
الحجّ ، ومتعة النساء ، وسهم المؤلّفة قلوبهم ، ويحلّل ما حرّم الله ورسوله ، ك: إمضائه الطّلاق الثلاث ، والتجسّس علىٰ المسلمين ، وغير ذلك (1).
ومن أجل ذلك عمل هو وصاحبه أبو بكر من أوّل يوم علىٰ منع أحاديث الرسول(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ومنع تدوينها وكتابتها، حتّىٰ وصل الأمر بهما إلىٰ حرق كلّ ما جمعه الصحابة من الأحاديث والسنن النبويّة ..
أولاً : لطمس حقائق عليّ وأهل البيت(علیهم السّلام) التي نَطق بها الرسول(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) . وثانياً: لكي لا يجدوا في النصوص النبويّة معارضة للسياسة التي تبنوّها، والأحكام التي اجتهدوا بها بآرائهم.
وثالثاً : لأنّ عمر بن الخطّاب ما كان يعرف من سنّة النبيّ إلّا القليل.
فقد أخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده عن ابن عبّاس : أنّ عمر بن الخطّاب تحيّر في حكم الشكّ في الصلاة، فقال له : يا غلام ! هل سمعتَ من رسول الله أو من أحد أصحابه: إذا شكّ الرجل في صلاته ماذا يصنع ..(2).
عجيبٌ والله أمر عمر بن الخطّاب خليفة المسلمين لا يعرف كيف يرقع صلاته ، فيسأل عن ذلك صبيانَ الصحابة ، وهو أمرٌ يعرفه عامّة المسلمين والأميّون منهم حتّىٰ في يومنا الحاضر!
والأعجب من ذلك قول «أهل السنّة والجماعة» بأنّ: عمر كان أعلم الصحابة .. فإذا كان أعلمهم علىٰ هذا النمط فظنّ خيراً ولا تسأل عن الخبر !!
كان لى مدخلٌ خاصٌ علىٰ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في كلّ يوم مرّتين، مرّة في الصباح، وأخرىٰ في المساء» (3).
فهذه المجالس كانت خاصّة بعليّ في كلّ صباح ومساء ، أضف إلىٰ ذلك : حضوره دائماً مع النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في مجالسه العامّة .
فكان عليّ(علیه السّلام) أقرب الناس للنبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وأشدّهم لصوقاً به، وأخصّهم لديه من يوم ولادته ، فقد تربّىٰ في حجره حتّىٰ شبّ ، فكان يتّبعه اتّباع الفصيل إثر أمّه في كلّ مكان، وفي غار حراء عند نزول الوحي عليه ، وقد رضع حليب الرسالة ، وترعرع علىٰ معارف السنّة النبويّة من أوّل مهدها .
فمن أولى بالسنّة منه ؟! وهل لأحد غيره أن يدّعيها لو أنصف المنصفون، ورجع إلىٰ الحقّ المعاندون ؟ !(1)
وهذا أكبر دليل علىٰ أن أميرالمؤمنين(علیه السّلام) وشيعته الذين اتّبعوه هم رمز السنة المحمّدية وأعلامها ، أمّا غيرهم ممّن لم يهتدوا بهديه ويسيروا علىٰ دربه ، فهم أبعد ما يكونون عن السنّة النبويّة ، ولو أنّهم سمّوا أنفسهم ب-: «أهل السنّة» غفلة وتقليداً.
هذا، وإنّ «صالح» هو أحد الذين وفّقهم الله لاتّباع أهل السنّة الحقيقيين شيعة أهل البيت (علیهم السّلام) (2).
نشأت في ليبيا في أُسرة سنّية المذهب، فتلقّت انتماءها المذهبي من الأجواء المحيطة بها ، حتّىٰ تعرّفت علىٰ مذهب أهل البيت(علیهم السّلام) من خلال البحث والتحقيق.
شرعت «مريم» بإجراء مقارنة بين أدلّة عقائدها وأدلّة عقائد المذهب الشيعي ، فبيّنت لها هذه المقارنة أنّ المذهب الشيعي يمتاز عن غيره من المذاهب باتّباع أمر رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في ضرورة التمسّك بالأئمّة الاثني عشر(علیهم السّلام) من بعده ، كما اتّضح لها أنّ الإمامة لها منزلة عظمىٰ من بعد النبوّة والرسالة.
من الأمور التي تلفت نظر الباحثين بشأن عقائد أتباع مذهب أهل البيت(علیهم السّلام) : الأدلّة الدالّة علىٰ أنّ الإمامة مقام عظيم من بعد النبوّة والرسالة ، وقد بيّن ذلك قوله تعالىٰ في سورة البقرة: «وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتْمهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إماماً » (1)..
إنّ هذه الآية المباركة بيّنت أنّ هذه الإمامة التي أعطيت لإبراهيم الخليل (علیه السّلام) درجةً ومقاماً جديداً بعد المقامات والدرجات التي انتهىٰ إليها الخليل(علیه السّلام) ؛ فإنّ إبراهيم كان نبيّاً، وكان رسولاً ، وكلا هذان المقامان كانا موجودين عنده، وهذا
1) البقرة (2): 124.
المقام الذي أشار الله تعالىٰ إليه بقوله : «إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً» فيه إشارة إلىٰ مقام جدید ودرجة جديدة ..
وهي منقبة إضافية انتهى إليها إبراهيم (علیه السّلام) بعد تلك الابتلاءات التي مرّ بها؛ لأنّ صدر الآية يقول: «وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمهُنَّ» ، فهناك ابتلاءات وقد نجح فيها(علیه السّلام) ، فعند ذلك استحق إبراهيم الخليل مقام الإمامة ، فقال عزّ وجلّ: «إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً» ، فالإمامة التي ذكرت في هذه الآية المباركة هي مقام من بعد النبوّة ومن بعد الرسالة التي كانت للنبي إبراهيم (علیه السّلام) .
والآية الواردة، وكذلك الروايات الواردة في هذا المجال، أشارت إلىٰ أنّ هذا المقام أفضل من مقام النبوّة والرسالة .. وعند النظر إلىٰ الآية المباركة نجدها تصرّح بأنّ إبراهيم الخليل(علیه السّلام) كان نبيّاً ورسولاً قبل نيل ذلك المقام ؛ بدليل أنّ الله تعالىٰ قال مخاطباً له : «إِنِّي جَاعِلُكَ» ، فكان يوحي إليه ويتكلّم معه .
فإذا فرض أنّ مقام الإمامة مساوٍ لمقام النبوّة والرسالة، فهذه الإمامة بالضرورة لابدّ أن تكون أعلىٰ درجة من مقام النبوّة ومقام الرسالة ، ببيان : أنّه لو كانت مساوية أو كانت أدنىٰ من ذلك لكانت لغواً، ولكانت تحصيل للحاصل؛ إذاً لابدّ من فرضها درجة فوق درجة النبوّة والرسالة ، وهي استفادة ضمنية ؛ إذ لا يوجد تصريح في هذه الآية بأنّ الإمامة هنا أفضل من مقام النبوّة والرسالة.
وبما أنّ القرآن الكريم قال : «مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا» (1)؛ لأنّه «وَمَا يَنطِقُ عَن الْهَوَىٰ* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ » (2)فعند الرجوع إلىٰ الرسول الأعظم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لمعرفة ما آتانا به في هذا الشأن، وجدناه يقول: «إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً: كتاب الله وعترتي) (3)، إذاً لابدّ أن
نرجع إلىٰ الثقل الآخر وعدل القرآن الكريم، وعندما نراجع الروايات الواردة عن أئمّة أهل البيت(علیهم السّلام) نجد أنّ هذه الاستفادة الضمنية التي استفيدت من آية سورة البقرة قد صرّح أهل البيت (علیهم السّلام) بها ..
فقالوا : إنّ مقام الإمامة أفضل من مقام النبوّة والرسالة، وهذا يؤيّد أنّ الفهم المتقدّم من الآية المباركة فهم صحيح.
فعندما نفهم معنىً من القرآن الكريم، وبما أنّ الفهم قد يكون مطابقاً وقد يكون غير مطابق، فالذي يبعث علىٰ الاطمئنان بأنّ ما فهمناه من الآية المباركة صحيح هو : الروايات التي أكّدت هذا المعنىٰ ؛ فهؤلاء هم الذين جعلهم الرسول مفسّري القرآن، وعدل القرآن، والذين لا يفارقون القرآن، ولا يفارقهم القرآن، فعند الرجوع إلىٰ أهل البيت(علیهم السّلام) و رواياتهم ، وعرفنا أنّها دلّت علىٰ هذا المعنىٰ الذي فهمناه ، فهذا يكشف أنّ فهمنا من الآية فهم صحيح ، وفهم مطابق ، وحقيقة من الحقائق القرآنية ..
وأمّا الروايات التي دلّت علىٰ هذا المعنىٰ، فهي عديدة ، منها :
1 - صحيحة درست بن أبي منصور ؛ عنه ، قال : قال أبو عبدالله(علیه السّلام) : الأنبياء المرسلون علىٰ أربع طبقات: فنبيّ منبّاً في نفسه لا يعدو غيرها. ونبيّ يرىٰ في النوم ویسمع الصوت ولا يعاينه في اليقظة، ولم يبعث إلىٰ أحد وعليه إمام مثل ما كان إبراهيم على لوط (علیهما السّلام) . ونبيّ يرىٰ في منامه ويسمع الصوت ويعاين الملك، وقد أرسل إلىٰ طائفة قلّوا أو كثروا، ك: يونس ؛ قال الله ليونس: «وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِائَةِ أَلْفِ أَوْ يَزِيدُونَ» (1)قال : يزيدون ثلاثين ألفاً، وعليه إمام. والذي يرىٰ في نومه ويسمع ويعاين في اليقظة وهو إمام، مثل أولي العزم ، وقد كان إبراهيم (علیه السّلام) نبيّاً وليس بإمام حتّىٰ قال الله : إ«ِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً» ، قال : ومن ذرّيتي ؟ فقال الله: «لَا يَنَالُ
1) الصافات (37): 147 .
عَهْدِي الظَّالِمِينَ» (1)، من عبد صنماً أو وثناً لا يكون إماماً (2).
فالأنبياء علىٰ أربع طبقات بعضها فوق بعض، كما قال تعالىٰ شأنه : «وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً» (3)، ثمّ حصر(علیه السّلام) الطبقات في الأربع؛ لأنّه لم يحتمل غيرها عقلاً:
الأوّل : هو من أوحي إليه مختص به، لا يجري علىٰ غيره، وليس له إمام يقتدي به ، وأمّا الوحي إليه فيحتمل أن يكون من الرؤية في النوم وسماع الصوت والمعاينة في اليقظة.
الثاني : وهو نبيّ يرىٰ في النوم ويسمع الصوت ولا يعاينه في اليقظة ، ولم يبعث إلىٰ أحد وعليه إمام مثل ما كان إبراهيم علىٰ لوط(علیهما السّلام) فهو يرىٰ الأوامر والنواهي في النوم أو يرىٰ الملك فيه ، ويسمع صوته في اليقظة ولا يعاينه مطلقاً أو بصورته الأصلية.
الثالث : وهم من الرسل الذين كانوا من أصحاب الشرائع واجتهدوا في تأسيسها وتقريرها وصبروا ؛ لكمال قوّتهم في دين الله علىٰ إقامتها وإنفاذها وتبليغها ، أو تحمّل المشاق والمجاهدة والقتال والأذىٰ من سفهاء الأمّة الطاعنين فيها.
وقوله : «جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً» يأتمّون بك ويتّبعونك في الأقوال والأعمال والعقائد، «وَمِنْ ذُرِّيَّتِي » ، أي : وبعض ذرّيتي ؟ فقال الله : «لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ» ، :أي الموصوفون بالظلم وقتاً ما ، وفيه تنبيه علىٰ أنّه قد يكون من ذرّيته ظلمة وأنّهم لا ينالون الإمامة من الله ؛ لأنّها أمانة من الله ، وعهداً منه تعالىٰ، والظالم لا يصلح لها ، وإنّما ينالها البررة الأتقياء منهم ، وفيه أيضاً دليل علىٰ عصمة الأنبياء من الكبائر قبل البعثة ، وأنّ الفاسق لا يصلح للإمامة.
فالذي يرىٰ في نومه الملائكة، ويسمع صوتهم ويعاينهم في اليقظة ، كما في قضية إبراهيم وإسماعيل؛ قال «إِنِّي أَرَىٰ فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ » (1)
فالرواية تصرّح بأنّ كلّ أُولو العزم من الأنبياء كانوا أئمّة ، فالإمامة ليست في إبراهيم فقط وإنّما كانت أيضاً في نوح؛ لأنّ نوح قبل إبراهيم والرواية تقول : إنّه إمام مثل أولو العزم ؛ إذاً كلّ أنبياء أولو العزم هم من الأئمّة.
ونبيّنا(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وإن لم يشر القرآن الكريم إلىٰ أنّه إمام ولكن هذا النص يبيّن أنّه
أيضاً إمام ، بل هو إمام الأئمّة(علیهم السّلام) ..
وقد كان إبراهيم(علیه السّلام) في وقت ما نبيّاً وليس بإمام ، فهو قد وصل في مقامات ودرجات القرب الإلهي إلىٰ مقام النبوة والرسالة ولكنّه لم يصل إلىٰ مقام الإمامة، حتّىٰ قال الله إنّي جاعلك للناس إماماً .
فهذا النص يبيّن لنا أنّ مقام النبوة الإبراهيمية دون مقام الإمامة الإبراهيمية ؛ لأنّه كان نبيّاً وصل إلىٰ هذه الدرجة ووصل إلىٰ المقام ولكنّه بعد لم يصل إلىٰ مقام الإمامة.
2 - صحيحة زيد الشحام ؛ قال : سمعت أبا عبدالله (علیه السّلام) يقول : إنّ الله تبارك وتعالىٰ اتّخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتّخذه نبيّاً، وإنّ الله اتّخذه نبيّاً قبل أن يتّخذه رسولاً، وإنّ الله اتّخذه رسولاً قبل أن يتّخذه خليلاً، وإنّ الله اتّخذه خليلاً قبل أن يجعله إماماً ، فلمّا جمع له الأشياء قال : «إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً» ، قال : فمن عظمها في عين إبراهيم قال: ومن ذرّيتي ؟ «قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ» (2)؛ قال : لا يكون السفيه إمام التقي(3).
فقبلية العبودية علىٰ النبوّة والنبوّة علىٰ الرسالة ظاهرة؛ فإنّ الرسالة أرفع
درجة من النبوّة، فإنّ كثيراً من الناس لهم درجة العبودية وليست لهم درجة النبوّة، وأمّا قبلية الرسالة علىٰ الخلّة ، والخلّة علىٰ الإمامة ، فالوجه فيها : أنّ الخلّة هي : فراغ القلب عن جميع ما سواه، والخليل من لا يتّسع القلب لغيره ، وقد كان إبراهيم بهذه الصفة.
وأمّا الإمامة فهي أفضل من الخلّة ؛ لأنّها فضيلة شريفة ودرجة رفيعة وأجلّ قدراً، وأعظم شأناً، وأعلىٰ مكاناً، وأمنع جانباً، وأبعد غوراً من أن يبلغها البشر بعقولهم، وقد شرّف الله تعالىٰ إبراهيم(علیه السّلام) بها ، فقال : «إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً» ، بعدما أعطاه الدرجات السابقة ، فمن جهة عظم الإمامة في عينه(علیه السّلام) قال سروراً بها : «وَمِنْ ذُرِّيَّتِي » ؟ فقال الله تعالىٰ، إيماءً إلىٰ إجابة دعائه ، وتصريحاً بأنّ الظالم في الجملة لا ينالها : «ولا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ » ، فأبطلت هذه الآية إمامة كلّ سفيه ، وتقدّم كلّ ظالم علىٰ البر التقي إلىٰ يوم القيامة ، وقرّرتها في الصفوة فقط.
ثمّ أكرمه الله تعالىٰ بأن جعلها في ذرّيته أهل الصفوة والطهارة؛ فقال : «وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةٌ وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئمّةٌ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ» (1)، فلم تزل الإمامة والخلافة في ذرّيته الطاهرة، يرثها بعض عن بعض قرناً بعد قرن ، حتّىٰ ورثها الله تعالىٰ نبيّنا(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فقال : «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَالله وَلِيُّ المُؤْمِنِينَ » (2)، فكانت لهم خاصة، فقلّدها (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عليّاً(علیه السّلام) بأمر الله لا تعالىٰ ، فصارت في ذرّيته الأصفياء الأتقياء ، البررة الكرماء، الذين هم أُولو الأمر ، كما قال الله تعالىٰ: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» (3).. ثمّ أنّ طائفة ممّن نشأت عقولهم وعظامهم ولحومهم في عبادة الأوثان غصبوها من أهل الصفوة، فضلّوا وأضلّوا، وأضلّوا كثيراً.
بعد البحث والتحقيق تبيّن ل- «مريم» كثيراً من الأمور التي كانت خافية عليها، وبدا لها الحقّ الذي كانت تبحث عنه ، فعرفت أنّه الحقّ مع أهل البيت(علیهم السّلام) ، وأنَّ ما يقال عن الشيعة ليس له صحّة في الواقع ، فأعلنت عن استبصارها واعتناقها لهذا المذهب.
تقول «مريم»: الحمدلله إنّني من أتّباع مذهب آل بيت رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) منذ أكثر من عشرة سنوات، ونقيم المجالس الحسينية ، ونحن أسوة يرجع نسبنا إلىٰ مولانا الحسين (علیه السّلام) (1).
1) للمستبصر ملف في مركز الأبحاث العقائدية، وما ذكر عن لسانها مقطع من الرسالة التي بعثتها للمركز.
*القرآن الكريم.
1 - إبصارالعين في أنصارالحسين(علیه السّلام) ، الشيخ محمّد السماوي (ت 1370 ه-)، تحقيق : محمّد جعفر الطبسي ، مطبعة حرس الثورة الإسلامية ، الطبعة الأولى 1419ه.
2 - الآحاد والمثاني ، الضحاك ابن أبي عاصم ( ت 287 ه-)، تحقيق : باسم فيصل أحمد الجوابرة، دار الدراية للطباعة النشر - الرياض ، الطبعة الأولى 1411ه.
3-الاحتجاج ، أحمد بن علي الطبرسي (ت 548 ه)، تحقيق: محمّد باقر الخرسان، دار النعمان للطباعة والنشر - النجف الأشرف ، طبع عام 1386 ه-.
4 - الأحكام السلطانية، أبو الحسن علي بن محمّد بن محمّد البصري البغدادي الشهير بالماوردي (ت 450 ه) ، الناشر : دار الحديث - القاهرة.
5 - الإحكام في أصول الأحكام أبو محمّد علي بن حزم الأندلسي الظاهري (ت 456 ه) ، مطبعة العاصمة - القاهرة ، الناشر : زكريا علي يوسف.
6 - أحكام القرآن ، أبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصّاص (ت 370 ه)، تحقيق : عبدالسلام محمّد علي شاهين، دارالكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1415 ه.
7 - الأخبار الطوال ، أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري (ت 282 ه)، تحقيق: عبدالمنعم عامر ، دارإحياء الكتب العربي ، الطبعة الأولى 1960م.
8- اختيار معرفة الرجال المعروف برجال الكشي، أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ت 460 ه)، تصحيح وتعليق : مير داماد الأسترآبادي، تحقيق : مهدي الرجائي، مؤسسة آل البيت(علیهم السّلام) لإحياء التراث.
9 - الأدب المفرد ، محمّد بن إسماعيل البخاري (ت 256 ه) ، الطبعة الأولى 1406 ه، مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت .
10 - إرشاد القلوب ، أبو محمّد الحسن بن محمّد الديلمي (من أعلام القرن الثامن الهجري)، مطبعة أمير - قم المقدّسة، الطبعة الثانية ، النلثر : انتشارات الشريف الرضي.
11 - الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ، محمّد بن محمّد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد (ت 413 ه)، تحقيق : مؤسسة آل البيت(علیهم السّلام) لإحياء التراث، المؤتمر العالمي لألفيّة الشيخ المفيد، الطبعة الثانية 1414ه-.
12 - إرواء الغليل ، محمّد ناصرالدين الألباني ، إشراف : زهير الشاويش، الطبعة الثانية 1405 ه، المكتب الإسلامي - بيروت.
13 - أسباب نزول الآيات، أبوالحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري (ت 468 ه) ، مؤسسة الحلبي للنشر والتوزيع - القاهرة، سنة الطبع 1388 ه-.
14 - الاستذكار، يوسف ، يوسف بن عبدالله بن عبدالبرّ (ت 463 ه)، تحقيق : سالم محمّد عطا ومحمّد علي معوّض ، دارالكتب العلميّة - بيروت، الطبعة الأولى 2000م.
15 - الاستفتاءات ، السيّد السيستاني.
16 - الاستيعاب في معرفة الأصحاب، يوسف بن عبدالله بن عبدالبرّ (ت 463 ه-) ، تحقيق : علي محمّد البجاوي، دارالجيل - بيروت، الطبعة الأولى 1412ه.
17 - أسدالغابة في معرفة الصحابة، أبو الحسن علي بن أبي الكرم المعروف بابن الأثير (ت 630 ه) ، دار الكتاب العربي - بيروت.
18 - أسنى المطالب في مناقب سيدنا علي بن أبي طالب(علیه السّلام) ، شمس الدين محمّد بن محمّد الجزري الشافعي (ت 833 ه-)، تحقيق : محمّد هادي الأميني، مطبعة أميرالمؤمنين العامّة- أصفهان.
19 - الإصابة في تمييز الصحابة، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت 852 ه)، تحقيق وتعليق : عادل عبدالموجود وعلي محمّد معوض ، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الثانية 1423ه.
20 - أصول الدين عبدالقاهر البغدادي.
21- أضواء على السنّة المحمّدية ، محمود أبورية ( ت 1385 ه)، الطبعة الخامسة ، نشر البطحاء.
22 - الأمالي ، محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق (ت 381ه-)، تحقيق : قسم الدراسات الإسلاميّة في مؤسسة البعثة، دار الثقافة للطباعة والنشر - قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1414ه-.
23 - الأمالي، أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ت 460 ه)، تحقيق: قسم الدراسات الإسلامية في مؤسسة البعثة، دار الثقافة للطباعة والنشر - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى 1414ه.
24 - الأمالي ، محمّد بن محمّد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد (ت 13 4 ه)، تحقيق : حسين الأستاد ولي وعلي أكبر الغفاري، دارالمفيد للطباعة والنشر - بيروت، الطبعة الثانية 1414ه.
25 - الإمامة والسياسة ابن قتيبة الدينوري ( ت 276ه)، تحقيق: علي شيري، الطبعة الأولى 1413 ه، منشورات الشريف الرضي - قم المقدّسة.
26 - إمتاع الأسماع بما للنبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع، تقي الدين أحمد بن علي المقريزي (ت 845 ه)، تحقيق وتعليق : محمّد عبدالحميد النميسي، دارالكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى 1420 ه-.
27 - أنساب الأشراف ، أحمد بن يحيى البلاذري (ت 279 ه)، تحقيق و تعليق : محمّد باقر المحمودي ، مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأولى 1394 ه.
28 - أوائل المقالات ، محمّد بن محمّد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد (ت 413 ه)، تحقيق : إبراهيم الأنصاري ، دارالمفيد - بيروت، الطبعة الثانية 1414ه-.
29 - بحارالأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار(علیهم السّلام) ، الشيخ محمّد باقر المجلسي (ت 1111 ه)، تحقيق : محمّد باقر البهبودي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الثالثة المصحّحة 1403ه .
30 - البداية والنهاية ، أبوالفداء إسماعيل بن كثير الدمشق (ت 774 ه)، تحقيق: علي شيري، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى 1408 ه.
31 - بصائرالدرجات ، أبو جعفر محمّد بن حسن الصفار (ت 290 ه)، تصحيح وتعليق وتقديم: ميرزا حسن کوچه باغي مطبعة الأحمدي - طهران، سنة الطبع : 1404 ه.
32 - بلاغات النساء ، أبوالفضل بن أبي طاهر المعروف بابن طيفور (ت 380ه)، الناشر : مكتبة بصيرتي - قم المقدّسة .
33 - البيان والتبيين ، أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ( ت 255ه) ، المطبعة التجارية الكبرى - مصر ، الطبعة الأولى 1345 ه.
34 - تاج العروس من جواهر القاموس ، محمّد مرتضى الزبيدي (ت 1205 ه)، تحقيق : علي شيري، دار الفكر - بيروت ، سنة الطبع 1414ه- .
35 - تاريخ ابن خلدون ، عبدالرحمن بن خلدون (ت 808 ه)، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الرابعة .
36 - تاريخ الإسلام محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت 748 ه)، تحقيق : عمر عبدالسلام تدمري ، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الثانية 1417 ه.
37 - تاريخ الطبري، محمّد بن جرير الطبري (ت 310ه)، تحقيق : نخبة من العلماء الأجلاء ، مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الرابعة 1403 ه.
38 - التاريخ الكبير ، محمّد بن إسماعيل البخاري (ت 256ه)، المكتبة الإسلامية ديار بكر ، تركية.
39 - تاريخ اليعقوبي ، أحمد بن إسحاق اليعقوبي (ت 284 ه) ، دار صادر - بيروت.
40 - تاريخ بغداد، أحمد بن علي الخطيب البغدادي (ت 463 ه)، تحقيق : مصطفى عبدالقادر عطا، دارالكتب العلمية - بيروت، الطبعة الثانية 1425 ه.
41 - تاريخ خليفة بن خياط ، خليفة بن خياط العصفري (ت 240 ه)، تحقيق: سهيل زكار ، الناشر : دارالفكر - بيروت.
42 - تاريخ مدينة دمشق ، أبو القاسم علي بن الحسن المعروف بابن عساکر (ت 571 ه)، تحقيق : علي شيري، دار الفكر - بيروت، سنة الطبع 1421 ه.
43 - التبيان ، أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ت 460 ه)، تحقيق وتصحيح:أحمد حبيب قصير العاملي، مكتب الإعلام الاسلامي ، الطبعة الأولى 1409 ه.
44 - تحف العقول، ابن شعبة الحراني ( من أعلام القرن الرابع الهجري)، تصحيح وتعليق : علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين - قم المقدّسة ، الطبعة الثانية 1404 ه.
45 - التحفة الإثنى عشرية نصيحة المؤمنين وفضيحة الكافرين (باللغة الفارسية)، عبد العزيز الدهلوي (ت 1239 ه)، اعتنى بطبع الكتاب طبعة جديدة بالأوفست : وقف الإخلاص ، مكتبة الحقيقة اسطنبول.
46 - تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، محمّد بن عبدالرحمن بن عبدالرحيم المباركفوري (ت 1353 ه) ، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1410ه.
47 - تخريج الأحاديث والآثار ، جمال الدين الزيلعي (ت 762 ه)، تحقيق : عبدالله ابن عبدالرحمن السعد ، دار ابن خزيمة - الرياض ، الطبعة الأولى 1414ه.
48 - تذكرة الحفّاظ ، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت 748 ه)، دار إحياء التراث العربي - بيروت.
49 - تذكرة الخواص من الأمّة بذكر خصائص الأئمّة، يوسف بن قزاوغلي بن عبدالله التركي المعروف بسبط ابن الجوزي (ت 654 ه)، تحقيق: حسين تقي زاده، نشر المجمع العالمي لأهل البيت - قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1426ه.
50 - ترتيب إصلاح المنطق ، ابن السكّيت الأهوازي (ت 244ه)، ترتيب وتقديم وتعليق : محمّد حسن البكائي ، مؤسسة الطبع والنشر في الآستانة الرضوية المقدّسة ، الطبعة الأولى 1412ه.
51 - التسهيل لعلوم التنزيل ، الغرناطي الكلبي ( ت 741 ه) ، الطبعة الرابعة 1403 ه، دار الكتاب العربي لبنان.
52 - تفسير ابن أبي حاتم ، ابن أبي حاتم الرازي (ت 327ه)، تحقيق : أسعد محمّد الطيّب، المكتبة العصرية - صيدا.
53 - تفسير الآلوسي المعروف ب- «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني»، الآلوسي.
54 - تفسير البغوي المعروف ب- «معالم التنزيل»، أبو محمّد الحسين بن مسعود أبو الفداء البغوي الشافعي (ت 516 ه-)، تحقيق : خالد عبدالرحمن العك ، مروان سوار، دارالمعرفة - بيروت، الطبعة الخامسة 1423ه.
55 - تفسير الثعلبي المعروف ب- «الكشف والبيان عن تفسير القرآن»، الثعلبي (ت 427 ه)، تحقيق : أبو محمّد بن عاشور، مراجعة وتدقيق : نظير الساعدي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى 1422ه.
56 - تفسير السلمي السلمي (ت 412 ه)، تحقيق : سيد عمران ، دارالكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1421ه-.
57 - تفسير السمعاني، أبو المظفر منصور بن محمّد السمعاني (ت 489 ه)، تحقيق : ياسر إبراهيم وغنيم عبّاس ، دارالوطن - الرياض ، الطبعة الأولى 1418ه-.
58 - تفسير القرآن العظيم، أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي (ت 774 ه)، تقديم: يوسف عبدالرحمن المرعشلي، دارالمعرفة - بيروت ، سنة الطبع 1412 ه.
59 - تفسير القرطبي المسمى ب- «الجامع لأحكام القرآن»، أبو عبدالله محمّد بن أحمد الأنصاري القرطبي (ت 671 ه) ، دار إحياء التراث العربي - بيروت ، سنة الطبع 1405 ه.
60 - تفسير القمي، علي بن إبراهيم القمي ( من أعلام القرن الثالث والرابع الهجري)، تصحيح وتعليق وتقديم : طيّب الموسوي الجزائري، الطبعة الثالثة 1404 ه ، الناشر : مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر - قم المقدّسة .
61 - التفسير الكبير ، محمّد بن عمر بن الحسين البكري المعروف بالفخر الرازي (ت 606 ه-) ، الطبعة الثالثة .
62 - تفسير النسفي ، عبدالله بن أحمد النسفي (ت 537 ه).
63 - تفسير مجمع البيان، أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي (ت 548 ه) ،مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأولى 1415ه-.
64 - تقريب التهذيب، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت 852 ه)، دراسة وتحقيق : مصطفى عبدالقادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الثانية 1415 ه.
65 - التمهيد ، يوسف بن عبدالله بن عبدالبرّ (ت 463 ه)، تحقيق : مصطفى بن أحمد العلوي ومحمّد عبدالكبير البكري ، المطبعة وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية في المغرب، سنة الطبع 1387 ه.
66 - تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل ، أبو بكر محمّد بن الطيب الباقلاني (ت 403 ه)،تحقيق: عمادالدين أحمد حيدر -مركز الخدمات والأبحاث الثقافية مؤسسة الكتب الثقافية ، الطبعة الثالثة 1414 ه ، مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت.
67 - تنوير المقباس من تفسير ابن عباس، الفيروز آبادي (ت 817 ه)، دار الكتب العلمية - بيروت.
68 - تهذيب التهذيب، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت 852 ه) ، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى 1404ه.
69 - تهذيب الكمال في أسماء الرجال، أبو الحجاج يوسف المزّي (ت 742 ه)، تحقيق : بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى 1413ه.
70 - التوحيد ، محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق (ت 381ه)، تحقيق : السيّد هاشم الحسيني الطهراني ، مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدّسة ، الطبعة السابعة 1422 ه.
71 - التوفيق الربّاني في الرد على ابن تيمية الحراني ، جماعة من العلماء.
72 - الثقات ، محمّد بن حبان بن أحمد أبي حاتم التميمي البستي (ت 354 ه) ، طبع بإعانة الحكومة الهندية ، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن الهند ، الطبعة الأولى.
73 - جامع البيان عن تأويل آي القرآن، محمّد بن جرير الطبري (ت 310 ه)، ضبط وتوثيق وتخريج : صدقي جميل العطار، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى 1415 ه.
74 - الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير ، جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت 911 ه) ، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى 1401 ه.
75 - الجامع الكبير المعروف بسنن الترمذي، أبو عيسى محمّد بن عيسى الترمذي (ت 279 ه)، تحقيق : عبدالرحمن محمّد عثمان ، دار الفكر - بيروت، الطبعة الثانية 1403 ه.
76 - جامع بيان العلم وفضله ، يوسف بن عبدالله بن محمّد بن عبدالبر (ت 463 ه)، دار الكتب العلمية - بيروت ، سنة الطبع 1398 ه.
77 - الجرح والتعديل، أبو محمّد عبدالرحمن بن أبي حاتم الرازي (ت 327 ه)، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية - حيدر آباد ، الناشر : دار إحياء التراث العربي - بيروت ، الطبعة الأولى 1371ه.
78 - الجمل ، محمّد بن محمّد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد (ت 413 ه) ، مكتبة الداوري - قم المقدّسة .
79 - جواهر المطالب في مناقب الإمام علي بن أبي طالب(علیه السّلام) ، محمّد بن أحمد الدمشقي الباعوني الشافعي (ت 871 ه)، تحقيق : محمّد باقر المحمودي ، المطبعة : دانش ، مجمع إحياء الثقافة الإسلاميّة -قم ، الطبعة الأولى 1415ه.
80 - الجوهرة في نسب الإمام علي وآله ، محمّد بن أبي بكر الأنصاري المعروف بالبري (توفي في القرن السابع الهجري)، تحقيق : محمّد التونجي ، مطبعة مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت، الطبعة الأولى 1402 ه-، الناشر : مكتبة النوري دمشق.
81 - حقيقة الشيعة الاثنى عشرية ، أسعد وحيد القاسم ، مطبعة : مهر - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى 1412ه.
82 - الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة ، صدر الدين محمّد الشيرازي (ت 1050 ه) ، الطبعة الثالثة 1981 م ، الناشر : داراحياء الثراث العربي - بيروت.
83 - حياة الإمام الحسين(علیه السّلام) ، باقر شريف القرشي ، مطبعة الآداب - النجف الأشرف ، الطبعة الأولى 1394 ه.
84 - الخرائج و الجرائح ، قطب الدين الراوندي ( ت 573 ه)، تحقيق ونشر : مؤسسة الإمام المهدي (علیه السّلام) - قم المقدّسة .
85 - خصائص أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب(علیه السّلام) ، أبو عبدالرحمان أحمد بن شعيب النسائي الشافعي (ت 303 ه)، تحقيق وتصحيح الأسانيد ووضع الفهارس : محمّد هادي الأميني، الناشر : مكتبة نينوى الحديثة - طهران .
86 - الخصال ، محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق (ت 381 ه)، تصحيح وتعليق : علي أكبر الغفاري، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم المقدّسة، سنة الطبع 1403 ه.
87 - الدرالمنثور في التفسير المأثور، جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت 911 ه) ، دارالمعرفة - بيروت .
88 - دفع شبه التشبيه بأكفّ التنزيه ، أبو الفرج عبدالرحمن بن الجوزي الحنبلي (ت 597 ه) ، حقّقه وقدّم له : حسن السقاف ، دار الإمام النووي ، الطبعة الثالثة 1413 ه.
89 - الذب الأحمد عن مسند الإمام أحمد ناصرالدين الألباني ، نشر : دارالصدّيق -السعودية، توزيع : مؤسسة الريان.
90 - رفع الملام عن الأئمة الأعلام ، أبو العبّاس أحمد بن عبدالحليم بن تيميّة الحراني الدمشقي (ت 728 ه) ، طبع ونشر: الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد - الرياض ، سنة الطبع : 1403 ه.
91 - الروضة المختارة (شرح القصائد العلويات السبع)، ابن أبي الحديد المعتزلي (ت 656 ه) ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت.
92 - زاد المسير في علم التفسير ، أبوالفرج جمال الدين عبدالرحمن الجوزي القرشي البغدادي ( ت 597 ه) ، حقّقه وكتب هوامشه : محمّد بن عبدالرحمن عبدالله ، خرج أحاديثه : السعيد بن بسيوني زغلول، دارالفكر للطباعة والنشر، الطبعة الأولى 1407 ه.
93 - سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد ، محمّد بن يوسف الصالحي الشامي (ت 942 ه)، تحقيق وتعليق : عادل أحمد عبدالموجود وعلي محمّد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان ، الطبعة الأولى 1414ه.
94 - سبيل المستبصرين إلى الصراط المستقيم ، صلاح الدين الحسيني، إعداد : مركز الأبحاث العقائدية، المطبعة: ستاره ، الطبعة الاولى 1430 ه.
95 - سرالعالمين وكشف ما في الدارين، أبو حامد محمّد بن محمّد الغزالي (ت 505 ه)، تقديم وتحقيق : أيمن عبدالجابر البحيري، دار الآفاق العربية - القاهرة، الطبعة الأولى 1421ه.
96 - سفينة النجاة ، محمّد بن عبدالفتاح المعروف بسراب التنكابني (ت 1124ه)، تحقيق : السيّد مهدي الرجائي ، المطبعة: أمير - قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1419 ه.
97 - السقيفة وفدك ، أحمد بن عبدالعزيز الجوهري البصري البغدادي (ت 323 ه)، تقديم وجمع وتحقيق : محمّد هادي الأميني، المطبعة والناشر : شركة الكتبي للطباعة والنشر - بيروت، الطبعة الثانية 1413ه.
98 - سلسلة الأحاديث الصحيحة ، محمّد ناصرالدين الألباني ، مكتبة المعرف للنشر والتوزيع - الرياض ، طبع عام 1415 ه.
99 - سنن ابن ماجة ، محمّد بن يزيد القزويني المعروف بابن ماجة (ت 275 ه)، تحقيق وترقيم وتعليق : محمّد فؤاد عبد الباقي، دارالفكر للطباعة والنشر.
100 - سنن أبي داود ، أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت 275ه-)، تحقيق وتعليق : سعيد محمّد اللحام ، الطبعة الأولى 1410 ه، الناشر : دارالفكر للطباعة والنشر .
101 - سنن الدارقطني، علي بن عمر الدارقطني ( ت 385 ه)، تحقيق : مجدي بن منصور سيّد الشوري، دارالكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1417ه.
102 - سنن الدارمي ، عبدالله بن الرحمن الدارمي (ت 255ه) ، مطبعة الاعتدال - دمشق ، سنة الطبع 1349 ه-.
103 - السنن الكبرى ، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي (ت 458 ه) ، دارالفكر - بيروت.
104 - السنن الكبرى ، أبو عبدالرحمن أحمد بن شعيب النسائي (ت 303 ه)، تحقيق : عبدالغفار سليمان البنداري وسيّد كسروي ،حسن، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1411ه.
105 - سير أعلام النبلاء ، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت 748 ه)، تحقيق : إبراهيم الزيبق، إشراف وتخريج : شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة التاسعة 1413ه.
106 - السيرة الحلبية في سيرة الأمين والمأمون، نور الدين الحلبي الشافعي (ت 1044 ه) ، دار المعرفة - بيروت ، سنة الطبع 1400 ه-.
107 - شذرات الذهب في أخبار من ذهب ، أبو الفلاح عبد الحي ابن العماد الحنبلي (ت 1089 ه)، تحقيق : مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت ،الطبعة الأولى 1419 ه-.
108 - شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار ، القاضي النعمان بن محمّد التميمي المغربي (ت 363 ه)، تحقيق : السيّد محمّد الحسيني الجلالي ، الناشر : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة ، الطبع : مطبعة مؤسسة النشر الإسلامي.
109 - شرح شافية ابن الحاجب ، رضي الدين محمّد بن الحسن الأسترآباذي (ت 686 ه-)، تحقيق وضبط وشرح : محمّد نورالحسن، محمّد الزفزاف ومحمّد محيي الدين عبدالحميد ، سنة الطبع : 1395 ه- ، الناشر : دار الكتب العلمية - بيروت.
110 - شرح صحيح مسلم المسمى ب- «المنهاج» محيي الدين النووي (ت 676ه-)، دار الكتاب العربي - بيروت ، سنة الطبع 1407 ه-.
111 - شرح مشكل الآثار، أبو جعفر الطحاوي.
112 - شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد المعتزلي (ت 656 ه-)، تحقيق : محمّد أبوالفضل إبراهيم ، دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة الثانية 1385 ه-.
113 - شواهد التنزيل لقواعد التفضيل في الآيات النازلة في أهل البيت(علیهم السّلام) ، عبيدالله ابن أحمد المعروف بالحاكم الحسكاني (من أعلام القرن الخامس الهجري) تحقيق: محمّد باقر المحمودي، مجمع إحياء الثقافة الإسلامية - قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1411ه-.
114 - شيخ المضيرة أبو هريرة ، محمّد أبو ريه ( ت 1385 ه-)، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت، الطبعة الثالثة .
115 - الشيعةُ هم أهل السُّنَّة ، محمّد التيجاني السماوي، إعداد : مركز الأبحاث العقائدية، مطبعة: ستاره ، الطبعة الأولى 1427ه-.
116 - الصحاح ، إسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق : أحمد عبدالغفور عطار ، دار العلم للملايين - بيروت ، الطبعة الرابعة 1407 ه-.
117 - صحيح ابن حبّان بترتيب ابن بلبان ، علاء الدين علي بن بلبان الفارسي (ت 739 ه-) ، حقّقه وخرّج أحاديثه وعلّق عليه : شعیب الارنؤوط، مؤسسة الرسالة ، الطبعة الثانية 1414ه-.
118 - صحیح ابن خزيمة ، أبو بكر محمّد بن إسحاق بن خزيمة السلمي النيسابوري (ت 311 ه-)، تحقيق وتعليق وتخريج وتقديم : محمّد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي سنة الطبع 1412ه-.
119 - صحيح البخاري ، محمّد بن إسماعيل البخاري (ت 256 ه-) ، دارالفكر ، سنة الطبع 1401 ه-.
120 - صحيح الجامع الصغير وزيادته ، محمّد ناصرالدين الألباني، المكتب الإسلامي ، الطبعة الثالثة 1408 ه-.
121 - صحيح سنن الترمذي ، محمّد ناصر الدين الألباني ، مكتبة العارف للنشر والتوزيع - الرياض ، الطبعة الثانية 1422 ه-.
122 - صحيح صفة صلاة النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) من التكبير إلى التسليم ، حسن بن على السقّاف دار الإمام النووي - عمان ، الطبعة الأولى 1413ه-.
123 - صحیح مسلم ، أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (ت 261 ه-)، دار الفكر - بيروت.
124 - الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم زين الدين أبو محمّد علي بن يونس العاملي النباطي البياضي ( ت 877 ه-) ، صحّحه وحقّقه وعلّق عليه : محمّد الباقر البهبودي، الطبعة الأولى 1384 ، عنيت نبشره - المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية.
125 - الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة، أحمد بن حجر الهيتمي المكي (ت 974 ه-)، تحقيق : عبدالرحمن بن عبدالله التركي وكامل محمّد الخرّاط ، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى 1417ه-.
126 - الطبقات الكبرى، محمّد بن سعد (ت 230 ه-) ، دار صادر - بيروت.
127 - الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف ، رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى ابن طاووس الحلي (ت 664 ه-)، مطبعة خيام، الطبعة الأولى 1399 ه-.
128 - العثمانية ، أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت 255 ه-)، تحقيق وشرح : عبدالسلام محمّد هارون ، المطبعة: دار الكتاب العربي - مصر ، الناشر : مكتبة الجاحظ .
129 - عدة الداعي ونجاح الساعي ، أحمد بن فهد الحلي (ت 1 84ه-) ، تصحيح : أحمد الموحد القمي، الناشر : مكتبة وجداني - قم المقدّسة.
130 - عصمة الأنبياء ، محمّد بن عمر بن الحسين البكري المعروف بالفخر الرازي (ت 606 ه-) ، مطبعة الشهيد - قم المقدّسة، سنة الطبع : 1406 ه-، الناشر : منشورات الكتبي النجف.
131 - عقائد الإماميّة ، محمّد رضا المظفر (ت 1381ه-)، تقديم : حامد حفني داود، انتشارات أنصاريان - قم المقدّسة.
132 - العقد الفريد، أحمد بن محمّد بن عبدربّه الأندلسي (ت 328 ه-)، تحقيق : عبدالمجيد الترحيني ، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1417ه-.
133 - عمدة القاري شرح صحيح البخاري ، بدرالدين محمود بن أحمد العيني (ت 855 ه-) ، دار إحياء التراث العربي - بيروت.
134 - عوالم العلوم والمعارف والأحوال ، عبدالله البحراني الأصفهاني (ت 1130 ه-)، تحقيق : مدرسة الإمام المهدي (علیه السّلام) ، مطبعة : أمير - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى محقّقة 1407 ه-، الناشر : مدرسة الإمام (علیه السّلام) .
135 - عيون أخبار الرضا(علیه السّلام) ، محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق (ت 381ه-)، تصحیح و تعليق : حسين الأعلمي ، مؤسسة الأعلمي بيروت سنة الطبع 1404 ه-.
136 - عيون الحكم والمواعظ ، أبو الحسن علي بن محمّد الليثي الواسطي (من أعلام القرن السادس الهجري)، تحقيق : حسين الحسيني البيرجندي ، الطبعة الأولى ، الناشر : دار الحديث.
137 - الغارات ، أبو اسحاق ابراهيم بن محمّد الثقفي (ت 283 ه-)، تحقيق : جلال الدين المحدث.
138 - الغدير في الكتاب والسنّة والأدب ، عبدالحسين الأميني (ت 1392 ه-)، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الثالثة 1387 ه-.
139 - غررالحكم و دررالكلم ، عبدالواحد الآمدي التميمي (من أعلام القرن الخامس الهجري)، تصحيح وترتيب : حسين الأعلمي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت، الطبعة الأولى 1422ه-.
140 - غريب الحديث ، أبو محمّد عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت 276ه-)، صنع فهارسه: نعیم زرزور دار الكتب العلمية - بيروت .
141 - غريب الحديث، أبو عبيدالقاسم بن سلام (ت 224 ه-)، تحقيق : محمّد عبدالمعيد خان ، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية - حيدر آباد الهند ، الطبعة الأولى 1384 ه-.
142 - فتح الباري شرح صحيح البخاري أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت 852 ه-) ، دارالمعرفة للطباعة والنشر - بيروت، الطبعة الثانية - 144- الفتح السماوي ، محمّد عبدالرؤوف المناوي (ت 1031 ه-)، تحقيق : أحمد مجتبى ، مطبعة دارالعاصمة ، الرياض.
143 - فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير ، محمّد بن علي بن محمّد الشوكاني ( ت 1250 ه-)، عالم الكتب.
144 - فتح الملك العلي بصحة حديث باب مدينة العلم علي، أحمد بن الصديق المغربي (ت 1380 ه-)، تحقيق وتعليق وتصحيح الأسانيد : محمّد هادي الأميني، مطابع نقش جهان - طهران، الطبعة الثالثة 1403 ه-.
145 فتوح البلدان ، أحمد بن يحيى بن جابر المعروف بالبلاذري (ت 279ه-) ، نشره وألحق فهارسه : صلاح الدين المنجد، المطبعة: مطبعة لجنة البيان العربي، سنة الطبع : ، : 1956م ، الناشر : مكتبة النهضة المصرية - القاهرة.
146 - الفروق اللغويّة ، أبو هلال العسكري، تحقيق : مؤسسة النشر الإسلامي، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1412 ه-.
147 - الفصل في الملل والأهواء والنحل، أبو علي محمّد علي بن أحمد بن حزم الظاهري (ت 456 ه- ) ، مطبعة الأديبة - مصر ، الطبعة الأولى 1320، الناشر : دار الصادر - بيروت.
148 - الفصول المهمّة في أصول الأئمّة، الشيخ محمّد بن الحسن الحر العاملي (ت 1104 ه-)، تحقيق وإشراف : محمّد بن محمّد الحسين القائيني ، مطبعة : نگين - قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1418 الناشر : مؤسسة معارف إسلامي إمام رضا (علیه السّلام).
149 - الفصول المهمّة في معرفة الأئمة، علي بن محمّد المالكي المكي المعروف بابن الصبّاغ ( ت 855 ه-)، تحقيق : سامي الغريري، مطبعة سرور ، الطبعة الأولى 1422 ه-، الناشر : دارالحديث للطباعة والنشر .
150 - فضائل الصحابة ، أبو عبدالرحمن أحمد بن شعيب النسائي (ت 303 ه-) ، دار
الكتب العلمية - بيروت .
151 - فضائل أميرالمؤمنين(علیه السّلام) ، ابن عقدة الكوفي ( ت 333 ه-) ، جمعه ورتّبه وقدّم له : عبدالرزاق محمّد حسين فيض الدين.
152 فضل آل البيت(علیهم السّلام) ، تقي الدين أحمد بن علي المقريزي (ت 854 ه-)، تحقيق : على عاشور.
153 - فيض القدير شرح الجامع الصغير ، محمّد عبدالرؤوف المناوي (ت 1031ه-)، تصحيح : أحمد عبدالسلام ، دارالكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1415 ه-.
154 - الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستّة ، شمس الدين أبو عبدالله محمّد ابن أحمد الذهبي الدمشقي (ت 748 ه-) ، قدّم له وعلّق عليه : محمّد عوامة ، وخرّج نصوصه : أحمد محمّد نمر الخطيب، الطبعة الأولى 1413 ه-، الناشر : دار القبلة للثقافة الإسلامية ومؤسسة علوم القرآن - جدة.
155 - الكافي ، محمّد بن يعقوب الكليني (ت 329ه-)، تحقيق: علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية - طهران ، الطبعة الخامسة 1363ش.
156 - كامل الزيارات، أبو القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه القمّي، تحقيق : نشر الفقاهة ، الناشر : دار السرور - بيروت، الطبعة الأولى 1418ه-.
157 - الكامل في التاريخ، علي بن محمّد بن الأثير ( ت 630 ه-) ، دار صادر - بيروت ، سنة الطبع 1385 ه-. 158 - الكامل في ضعفاء الرجال ، أبو أحمد عبدالله بن عدي الجرجاني (ت 365ه-)، تحقيق : سهيل زكار، قراءة وتدقيق : يحيى مختار عزاوي ، دار الفكر - بيروت، الطبعة الثالثة 1409 ه-.
159 كتاب الأموال ، أبو عبيدالقاسم بن سلام (ت 224ه-).
160- كتاب الأوائل ، ابن أبي عاصم (ت 287 ه-)، تحقيق : محمّد بن ناصر العجمي ، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي - الكويت .
161 - كتاب السنّة ، عمرو بن أبي عاصم ( ت 287 ه-)، تحقيق : محمد ناصرالدين الألباني، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الثالثة 1413 ه-.
162 - كتاب العين ، الخليل بن أحمد الفراهيدي ( ت 175 ه-)، تحقيق : مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي ، مطبعة الصدر، الطبعة الثانية 1410ه-.
163 - كتاب الفتوح، أبو محمّد أحمد بن أعثم الكوفي (ت 314 ه-)، تحقيق : علي سيّدي ، دارالأضواء ، الطبعة الأولى 1411ه-.
164 - الكتاب المقدّس (العهد الجديد) و (العهد القديم) ، الكنيسة ، الناشر : دارالكتاب المقدّس، سنة الطبع 1980م.
165 - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل، جارالله محمود بن عمر الزمخشري (ت 538 ه-) ، سنة الطبعة 1385ه- ، الناشر : شركة ومكتبة ومطبعة البابي الحلبي وأولاده - مصر .
166 -كشف الخفاء ، إسماعيل بن محمّد العجلوني الجراحي (ت 1162 ه-) ، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الثالثة 1408 ه-.
167 -كشف الغمّة في معرفة الأئمّة ، علي بن عيسى بن أبي الفتح الأربلي (ت 693ه-) ، دار الأضواء - بيروت، الطبعة الأولى 1421ه-.
168 كفاية الأثر في النص على الأئمّة الإثني عشر(علیهم السّلام) ، علي بن محمد الخزاز القمي (ت 400 ه-)، تحقيق : عبداللطيف الحسيني الكوهكمري ، مطبعة خيام -قم المقدّسة، سنة الطبع : 1401 ه-.
169 - كنزالعمّال في سنن الأقوال والأفعال، علي المتقي بن حسام الدين الهندي (ت 975 ه-) ، ضبط وتفسير : بكري حياني ، تصحيح : صفوة السقا،، مؤسسة الرسالة - بيروت ، سنة الطبع 1409 ه-.
171 - لسان المیزان، شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت 852ه-)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت، الطبعة الثانية 1390 ه-.
172 - اللهوف في قتلى الطفوف، علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن طاووس (ت 664 ه-) ، مطبعة ، مهر ، الطبعة الأولى 1417ه-، الناشر : أنوار الهدى - قم المقدّسة.
173 - لواعج الأشجان في مقتل الحسين(علیه السّلام) ، السيّد محسن الأمين العاملي (ت 1371 ه-)، المطبعة: العرفان - صيدا ، سنة الطبع : 1331 ه-، الناشر: منشورات مكتبة بصيرتي - قم المقدّسة.
174 - ما روي في الحوض والكوثر ، ابن مخلد القرطبي (ت 276 ه-)، تحقيق: عبدالقادر محمّد عطا صوفي، الطبعة الأولى 1413 ه-، الناشر : مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة.
175 - مؤتمر علماء بغداد في الإمامة والخلافة ، مقاتل بن عطية (ت 505 ه-) ، مراجعة وتحقيق : السيّد مرتضى الرضوي ، المطبعة: خورشيد ، الطبعة الثانية ، الناشر : دار الكتب الإسلامية - طهران.
176 - المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين ، محمّد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي (ت 354 ه-)، تحقيق : محمود إبراهيم زايد، توزيع: دار الباز للنشر والتوزيع - عباس أحمد الباز- مكة المكرمة.
177 - مجمع البحرين ، فخرالدين الطريحي ( ت 1085 ه-)، تحقيق : أحمد الحسيني ، مكتب نشر الثقافة الإسلامية ، الطبعة الثانية 1408 ه-.
178 - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي (ت 807ه) ، دارالكتب العلمية - بيروت ، سنة الطبع 1408 ه-.
179 - المجموع (شرح المهذّب) ، أبو زكريا محيي الدين بن شرف النووي (ت 676 ه-)، الناشر : دارالفكر .
180 - مجموع فتاوى ومقالات متعدّدة لعبد العزيز بن باز، جمع و ترتیب: محمّد بن سعد الشويعر ، دار أصداء المجتمع.
181 - المحاسن ، أحمد بن محمّد بن خالد البرقي (ت 274 ه-)، تحقيق : جلال الدين الحسيني ، دارالكتب الإسلامية - طهران ، الطبعة الأولى 1370 ه-.
182 - المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ابن عطية الأندلسي (ت 546 ه-)، تحقيق : عبدالسلام عبدالشافي محمّد ، الطبعة الأولى 1413 ه-، دارالكتب العلمية لبنان.
183 - المحلّى ، أبو محمّد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم (ت 456 ه-) ، طبعة مصححة ومقابلة على عدة مخطوطات ونسخ كما قوبلت على النسخة التي حققها أحمد محمّد شاكر ، الناشر : دار الفكر.
184 - مختار الصحاح ، محمّد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي (ت 721 ه-)، ضبط و تصحيح : : أحمد شمس الدين ، الطبعة الأولى 1415 ه-، الناشر : دارالكتب العلمية - بيروت .
185 - مرآة الإسلام، طه حسين، دار المعارف للطباعة والنشر - مصر .
186 - المراجعات، عبدالحسين شرف الدين العاملي (ت 1377 ه-)، تحقيق حسين الراضي ، الطبعة الثانية 1402 ه-.
187 - مروج الذهب ومعادن الجوهر ، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي (ت 346 ه-) ، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، الطبعة الأولى 1421ه-.
188 مسائل الإمام أحمد بن محمّد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ، إسحاق بن منصور ابن بهرام، أبو يعقوب المروزي ، المعروف بالكوسج (ت 251ه-).
189 - المستدرك على الصحيحين، أبو عبدالله الحاكم النيسابوري (ت 405 ه-)، إشراف : يوسف عبدالرحمن المرعشلي، دار المعرفة - بيروت.
190 - مسند ابن راهويه ، اسحاق بن راهويه ت 238 ه-)، تحقيق : عبدالغفور عبدالحق ، الطبعة الأولى 1412ه-، الناشر : مكتبة الإيمان - المدينة المنورة.
191 - مسند أبي يعلى الموصلي، أحمد بن علي بن المثنى التميمي (ت 307 ه-)، تحقيق: حسين سليم أسد ، دارالمأمون للتراث - دمشق ، الطبعة الثانية 1412 ه-.
192 - مسند أحمد بن حنبل ، أبو عبدالله أحمد بن حنبل الذهلي (ت 241ه-)، دار صادر - بيروت.
193 - مسند أحمد بن حنبل ، أبو عبدالله أحمد بن حنبل الذهلي (ت 241ه-) ، حقّقه وخرّج أحاديثه وعلّق عليه : شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الثانية 1429 ه-.
194 - مصباح الفقيه ، آغا رضا بن محمّد هادي الهمداني (ت 1322 ه-) ، التحقيق : محمّد الباقري، نور علي النوري ومحمّد الميرزائي، المطبعة: ستارة - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى 1417 ه- ، نشر : المؤسسة الجعفرية لإحياء التراث.
195 - المصنّف ، عبدالرزاق بن همام الصنعاني (ت 211 ه-)، تحقيق : حبيب الرحمن الأعظمي.
196 - المصنّف في الأحاديث والآثار ، عبدالله بن أبي شيبة الكوفي (ت 235ه-)، تعلیق سعید محمّد اللحّام ، دار الفكر - بيروت، طبع عام : 1420 ه-.
197 - مطالب السؤول في مناقب آل الرسول ، كمال الدين أحمد بن طلحة الشافعي ت 652 ه-)، تحقيق : ماجد ابن أحمد العطية .
198 - المعارف، ابن قتيبة الدنيوري (ت 276ه-)، تحقيق: ثروت عكاشة، دار المعارف - القاهرة .
199 - معاوية بن أبي سفيان ، عبّاس محمود العقاد.
200 - المعجم الأوسط ، أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (ت 360 ه-)، تحقيق : قسم التحقيق بدار الحرمين ، سنة الطبع 1415ه-، الناشر : دارالحرمين للطباعة والنشر.
201 - المعجم الصغير ، أبوالقاسم سليمان بن أحمد الطبراني (ت 360ه-)، دار الكتب العلمية - بيروت .
202 - المعجم الكبير، أبوالقاسم سليمان بن أحمد الطبراني (ت 360 ه-)، تحقيق : حمدي عبدالمجيد السلفي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الثانية .
203 - معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع ، عبدالله بن عبدالعزيز البكري الأندلسي (ت 487 ه-)، تحقيق وضبط : مصطفى السقا، الطبعة الثالثة 1403 ه-، عالم الكتب - بيروت.
204 - معراج الهداية ، سعيد يعقوب ، مطبعة ستاره - قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1424 ه-.
205 - معرفة تحليلية عن الإسلام وبعض الأديان والمذاهب ، العلامة النوري، إعداد وتحرير : الهيئة العلمية التحريرية ، مجمع المطالعات والتحقيقات الإسلامية ومجمع المعارف الإسلامية.
206 - المعيار والموازنة في فضائل الإمام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب، محمّد بن عبدالله أبو جعفر الإسكافي (ت 220 ه-)، تحقيق : محمّد باقر المحمودي ، الطبعة الأولى 1402 ه-.
207 - المغني ، أبو محمّد عبدالله بن أحمد بن محمّد بن قدامة (ت 620 ه) ، الناشر : دارالكتاب العربي للنشر والتوزيع بيروت.
208 - مقتل الحسين(علیه السّلام) ، الموافق بن أحمدالمكي المعروف بالخوارزمي (ت 568 ه-) تحقيق: محمّد السماوي ، تصحيح : دارأنوار الهدى ، مطبعة مهر ، الطبعة الأولى 1418 ه-.
209 - الملل والنحل ، محمّد بن عبدالكريم الشهرستاني (ت 548 ه-)، تحقيق : محمّد سيّد گيلاني، دار المعرفة - بيروت.
210 - من لا يحضره الفقيه ، محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق (ت 381 ه-)، تصحيح و تعليق : علي أكبر الغفاري، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية - قم المقدّسة ، الطبعة الثانية 1404 ه-.
211 - مناقب آل أبي طالب، محمّد بن علي بن شهر آشوب (ت 588 ه-)، المكتبة الحيدرية - النجف الأشرف، سنة الطبع 1376 ه-.
212 - المناقب، الموفق بن أحمد بن محمّد المكي الخوارزمي (ت 568 ه-)، تحقيق : مالك المحمودي ، طبع ونشر : مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدّسة ، الطبعة الثانية 1411ه-.
213 - المنتخب من مسند عبد بن حميد ، أبو محمّد عبد بن حميد (ت 249ه-) ، حقّقه وضبط نصه وخرّج أحاديثه : صبحي البدري السامرائي ومحمود محمّد خليل الصعيدي، عالم الكتب مكتبة النهضة العربية ، الطبعة الأولى 1408 ه-.
214 - منهاج السنّة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية، أبو العبّاس أحمد بن عبدالحليم بن تيمية الحرّاني الدمشقي (ت 728 ه-)، وضع حواشيه وخرّجه : عبدالله محمود محمّد عمد، دارالكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1420ه-.
215 - المهذّب ، عبدالعزيز بن البراج الطرابلسي ( ت 481 ه-) ، إعداد : مؤسسة سيد الشهداء العلمية، إشراف : جعفر السبحاني سنة الطبع : 1406 ه-، الناشر : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة .
216 - المواقف ، عضدالدين عبدالرحمن بن أحمد الإيجي (ت 756 ه-)، تحقيق : عبدالرحمن عميرة، الطبعة الأولى 1417 ه-، دار الجيل - بيروت.
217 - مواهب الجليل لشرح مختصر خليل، أبو عبدالله محمّد بن محمّد المغربي المعروف بالحطاب الرعيني (ت ت 954 ه) ، ضبطه وخرّج أحاديثه: زكريا عميرات، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1416ه-.
218 - موسوعة عبدالله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن ، السيّد محمّد مهدي الخرسان، إعداد: مركز الأبحاث العقائدية، مطبعة ستاره، الطبعة الأولى 1428ه-
219 - الموطأ مالك بن أنس (ت 179 ه-) ، صحيح و تعليق : محمّد فؤاد عبدالباقي دارإحياء التراث العربي - بيروت ، سنة الطبع : 1406 ه-.
220 - ميزان الاعتدال في نقد الرجال ، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت 748ه-)، تحقيق : علي محمّد البجاوي، دارالمحرق - بيروت، الطبعة الأولى 1382 ه-.
221 - الميزان في تفسير القرآن ، السيّد محمّد حسين الطباطبائي (ت 1402 ه-)، منشورات جماعة المدرّسين في الحوزة العلمية بقم المقدّسة.
222 - الناصريات ، السيّد علي بن الحسين بن موسى الشريف المرتضى (ت 436 ه-)، تحقيق : مركز البحوث والدراسات العلمية ، المطبعة: مؤسسة الهدى، الناشر : رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية - مديرية الترجمة والنشر.
223 - نسيم الرياض في شرح الشفا للقاضي عياض، أحمد شهاب الدين الخفاجي المصري، دارالفكر للطباعة والنشر .
224 - النص والاجتهاد ، عبدالحسين شرف الدين الموسوي، تحقيق وتعليق: أبو مجتبى، ، المطبعة: سيد الشهداء (علیه السّلام) - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى 1404 ه-.
225 - نصب الراية ، عبدالله بن يوسف الحنفي الزيلعي (ت 762 ه-) ، اعتنى به : أيمن صالح شعبان، مطابع الوفاء - المنصورة، الطبعة الأولى 1415 ه-، الناشر : دار الحديث - القاهرة .
226 - نظم دررالسمطين في فضائل المصطفى والمرتضى والبتول والسبطين، جمال الدين محمّد بن يوسف الزرندي الحنفي المدني ( ت 750 ه)، الطبعة الأولى 1377 ه-.
227 نفحات الأزهار في شرح عبقات الأنوار، السيّد علي الحسيني الميلاني ، مطبعة مهر ، الطبعة الأولى 1414ه-.
228 - النهاية في غريب الحديث والأثر ، عز الدين ابن الأثير الجزري (ت 606 ه-)، تحقيق : طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمّد الطناحي، الناشر: مؤسسة إسماعيليان للطباعة والنشر والتوزيع - قم ، الطبعة الرابعة 1364 ه- ش .
229 - نهج الإيمان، زين الدين علي بن يوسف بن جبر (من أعلام القرن السابع الهجري)، تحقيق : أحمد الحسيني ، نشر : مجتمع الإمام الهادي (علیه السّلام) - مشهد المقدّسة ، مطبعة ستاره - قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1418ه-.
230 - نهج البلاغة ، ما اختاره الشريف الرضي من كلام أميرالمؤمنين علي بن أبى طالب ، تحقيق وشرح : محمّد عبده ، دار الذخائر - قم المقدّسة، المصورة على طبعة دارالمعرفة - بيروت، الطبعة الأولى 1412ه-.
231 - نهج المستنير و عصمة المستجير ، صلاح الدين الحسيني ، إعداد : مركز الأبحاث العقائدية ، مطبعة ، ستاره ، الطبعة الأولى 1430ه-.
232 - نور الأبصار ، مؤمن بن حسن الشبلنجي ، خرّج أحاديثه ووضع حواشيه : عبدالوارث محمّد علي، دارالكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولىٰ 1418ه-.
233 - الهداية في الأصول والفروع ، محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالصدوق (ت 381ه-)، تحقيق : مؤسسة الإمام الهادي (علیه السّلام) ، المطبعة : اعتماد - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى 1418ه-.
234 - واستقرّبي النوى ، محمّد بن حمود العمدي، إعداد: مركز الأبحاث العقائدية، الطبعة الأولى 1420ه-.
235 - الوافي بالوفيات، الصفدي (ت 764 ه-)، تحقيق : أحمد الأرنؤوط وتركي مصطفى ، دارإحياء التراث - بيروت، طبع عام 1420 ه-.
236 - و تنفّس صبح الحسين(علیه السّلام) ، محمّد نعمة السماوي، دارالمرتضى - بيروت، الطبعة الأولى 1419 ه-.
237 - وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان أحمد بن محمّد بن خلكان (ت 618 ه-) ، تحقيق : إحسان عبّاس ، دار الثقافة - بيروت.
238 - وقعة صفين ، نصر بن مزاحم المنقري (ت 212ه-)، تحقيق وشرح : عبدالسلام محمّد هارون، مطبعة المدني - مصر ، الطبعة الثانية 1382 ه-.
239 - ومن النهاية كانت البداية ، باسل محمّد خضراء، إعداد: مركز الأبحاث العقائدية ، مطبعة ستاره ، سنة الطبع 1425 ه-.
240 - ينابع المودّة لذوي القربى، سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي (ت 1294ه-)، تحقيق : علي جمال أشرف الحسيني، دارالأسوة - قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1416ه-.