ghaemiyeh.com
موسوعة من حياة المستبصرين
المجلد الحادي عشر
تأليف مركز الأبحاث العقائدية
مركز الأبحاث العقائدية:
إيران - قم المقدّسة - صفائية - ممتاز - رقم 34
ص . ب: 3331 / 37185
الهاتف: 37742808 - 37742088 (25) (0098)
الفاكس: 37742056 (25) (0098)
العراق - النجف الأشرف - شارع الرسول صلی الله علیه وآله وسلم
شارع السور جنب مكتبة الإمام الحسن علیه السلام
ص . ب: 729
الهاتف: 332679 (33) (00964).
الموقع على الإنترنت: www.aqaed.com
البريد الإلكتروني: info@aqaed.com
شابك (ردمك) موسوعة من حياة المستبصرين المجلّد الحادي عشر تأليف: مركز الأبحاث العقائدية الطبعة الأُولى - 2000 نسخة سنة الطبع: 1434 ه
المطبعة:
مركز الأبحاث العقائدية:
إيران - قم المقدّسة - صفائية - ممتاز - رقم 34
ص . ب: 3331 / 37185
الهاتف: 37742808 - 37742088 (25) (0098)
الفاكس: 37742056 (25) (0098)
العراق - النجف الأشرف - شارع الرسول صلی الله علیه وآله وسلم
شارع السور جنب مكتبة الإمام الحسن علیه السلام
ص . ب: 729
الهاتف: 332679 (33) (00964).
الموقع على الإنترنت: www.aqaed.com
البريد الإلكتروني: info@aqaed.com
شابك (ردمك) موسوعة من حياة المستبصرين المجلّد الحادي عشر تأليف: مركز الأبحاث العقائدية الطبعة الأُولى - 2000 نسخة سنة الطبع: 1434 ه
المطبعة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
دليل الكتاب...5
مقدّمة المركز...9
فرنسا
(1) بول جورج...11
(2) ترانس ماسه (کمیل)...20
(3) جلز ميشيل بيكون (رضا)...32
(4) دوج الواية (محمّد)...44
(5) دومينيكو (مريم)...55
(6) سيلفا جاك (إبراهيم)...67
(7) عبد الحليم هربرت...83
(8) عبد الرحمن...97
(9) عبد الكريم باسيل...111
(10) عبد الله...131
(11) علي دروا...139
(12) فاضلة...153
(13) فرانسوا توال...159
(14) فرانسیس بلانس (فرشتة)...168
(15) فليب برسانج (أمير)...176
(16) کارولین روسیه...184
(17) لاورن فيريج...188
(18) لوران (علي عبد الله)...201
(19) ماري كلاود نيكولاس...210
(20) مونريكو دي لورتيا...223
(21) ميشيل (الشيخ علي)...231
(22) هلن ليزت كامي (مريم)...238
(23) هنری کوربان...253
(24) وارتون كرباسين (حسين)...284
الفلبّین
(25) أرفولد آريس (أمير علي)...292
(26) اندرو ورياني (علي)...300
(27) أولفوكاستيلو (محمد حسين)...316
(28) ایسترا مالانا (زينب)...321
(29) برانيا نيليا (فاطمة)...332
(30) بلن مانتو هيا...344
(31) جيرن ماريو...351
(32) ريكاردو بوئينا (رضا)...358
(33) رینالدو ریز (رضا)...365
(34) زنيداكورس (زهراء)...379
(35) سنن هاجوئي...385
(36) طالب أبو ذر...399
(37) فاطمة أيّوب...410
(38) فاطمة عبد اللهي...422
(39) فيكتور جالان (حسين)...433
(40) كاباي (حسين)...440
(41) كلوريا...448
(42) كونستانسيو ماهيناي (علي ياسر)...460
(43) ليندا فلورمونت (فاطمة)...479
(44) ليوناردو میراندا (محمد حسین)...487
(45) مدين يو (مهدي)...490
(46) منتظر بونغالون (دوغلاس)...497
(47) نيكانوركبكو (علي)...506
(48) والنتين كومز (علي رضا)...520
(49) ويكي لاهرا (زينب)...528
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمُد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، أبي القاسم محمّد، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
الحمُد لله على إكمال الدين، وإتمام النعمة ورضى الربّ الإسلام ديناً لنا، بولاية سيّدنا ومولانا أمير المؤمنين وقائد الغرّ المحجلين، الإمام علي بن أبي طالب وأولاده المعصومين علیهم السلام.
هذا هو المجلّد الحادي عشر - بين يديك عزيزي القارئ - من «موسوعة من حياة المستبصرين»، وهو يضمّ بين دفّتيه ترجمة 49 رجلاً وامرأة ممن اعتنقوا مذهب أهل البيت علیهم السلام وركبوا سفينة النجاة، سفينة علي وفاطمة والحسن والحسين والتسعة المعصومين من أبناء الحسين علیهم السلام.
والملاحظ في تراجم المستبصرين في هذا المجلد - الذين هم من دولتي فرنسا والفلبّين - أنّ جلّهم من المسيحيين، الذين شرّفهم الباري عزّ وجلّ باعتناق الإسلام المحمّدي الأصيل المتمثّل بمدرسة أهل البيت علیهم السلام.
إنّ هذه الثلّة المثقّفة تركت ميراث الآباء والأجداد، بعد بحث و تحقيق عميقين في الديانات السماوية التي بشّرت بنبيّنا محمّد صلی الله علیه وآله وسلم، وأنّه خاتم الأنبياء والمرسلين.
والذي يراجع الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد وينظر فيه نظرة متفحّص منصف يجد فيه الكثير من النصوص الدالّة على كلامنا، وقد تضمّن هذا المجلّد من هذه الموسوعة الكثير من هذه النصوص، استدلّ بها أصحاب التراجم، والتي اعتبروها من الأدلة على تركهم لدينهم القديم واعتناق الدين الإسلامي الحنيف.
ولا أريد أن أسبق القارئ الكريم وأذكر هذه النصوص، فإنّه سوف يجدها مثبتة في طيّات هذا الكتاب إن شاء الله.
إنّ تراجم هذا المجلّد لا يمثّل العدد الواقعي للمستبصرين في فرنسا والفلبّين، وإنّما هي نماذج دالّة على اتّساع حركة المستبصرين العالمية.
ختاماً نتقدم بجزيل الشكر والتقدير لكلّ الإخوة الأعزاء الذين ساهموا في إخراج هذا المجلّد والمجلّدين التاليين له، ونخصّ بالذكر أصحاب السماحة الشيخ عصري الباني، والشيخ علي الحسّون، والسيّد محمّد الرضوي، والسيّد مرتضى الشيرازي، وفقهم الله وإيانا لخدمة مذهب أهل البيت علیهم السلام وجعله في میزان حسناتنا إن شاء الله.
علماً بأنّ الإخوة الأعزاء مستمرون في إكمال هذه الموسوعة، التي ستصدر تباعاً إن شاء الله، والحمد لله أولاً وآخراً.
محمّد الحسّون 27
جمادى الأولى 1434 ه
ولد في «فرنسا»، ودرس في المدارس الأكاديمية حتّى حاز على شهادة الدكتوراه في التجارة والاقتصاد.
نشأ «بول» في أسرة تعتنق الديانة المسيحية، خاض رحلة فكرية شاقة بحثاً عن الحقيقة؛ ليحرّر فكره من التقليد الأعمى والتعصّب والأنانية، فشملته العناية الربّانية، واهتدى إلى سبيل الحقّ والرشاد.
التقليد الأعمى:
من الطبيعي أنّ الذي يولد في بيئة خاصّة، وفي ظروف معيّنة، وفي دين أو مذهب خاص، ويبلغ أشدّه على تلك الحالة، يكون متأثراً بتلك الظروف، وتتكوّن شخصيّته الدينية والمذهبية وفقاً لتلك البيئة.
ومن الطبيعي أيضاً أنّ الذي يعيش في هذه البيئة يكون متقبلاً لكلّ التعاليم التي يبيّتها علماء ذلك الدين والمذهب على أنّها أُمور صحيحة ومسلّم بها، وأنّها تعاليم من السماء، كلّ ذلك من غير تحقيق وتدبّر فيها، كما هو حال أغلب الناس الذين ينتمون الى الديانات السماوية، من اليهودية والمسيحية، وغير السماوية كالمجوسية والوثنية والبوذية، وغيرها؛ لانشغالهم وانغماسهم في حياتهم الماديّة
والدنيوية وتعلّقهم بها، وحصر أفكارهم وعقولهم في زاوية معيّنة، وجهة خاصّة، وهي التفكير في كيفية الوصول إلى أسباب ووسائل الراحة لحياة سعيدة في الدنيا، والعيش الرغيد، وأمّا بالنسبة لأُمورهم العقدية والدينية والعبادية والحياة الأبدية في الآخرة، فلا يهتمّون بها، ولا تعدو بالنسبة إليهم سوى كونها عادات وتقاليد مأخوذة من الآباء والأجداد، لا عن وعي وبحث بل عن تقليد أعمى، ويؤدّونها تقليداً ليس إلّا. ومع ذلك كلّه فإنّ أصحاب هذه الديانات يؤمنون بقوّة بصحة دينهم، وأنّه الحق فقط دون غيره من الأديان والملل والمذاهب؛ فإنّها خرافات وأباطيل.
ومن هذه الديانات الدين المسيحي، فهو غير خارج عن هذه القاعدة، فالفرد المسيحي يرى أنّ كلّ ما جاءت به تعاليمه من قبيل الذهاب إلى الكنيسة، والصلاة والصوم، وغسل التعميد الذي يُعدّ تطهيراً للنفس من الخطيئة والنجاسة، وإعلان التوبة، وطلب المغفرة من الربّ، يراها تعاليم صحيحة ومسلّم بها، من غير إلمام بمسائلها، وتحقيق فيها.
فالمولود في هذه الأجواء المسيحية، والذي يبلغ أشدّه على تلك الحالة تترسّخ في نفسه هذه العقائد والتعاليم التي تمارس، وترى المسيحية أنّها هي الدين الحقّ، وما سواها خرافات وأباطيل. فيرى اليهودية باطلة؛ لأنّ اليهود لم يتبعوا المسيح علیه السلام، فهم يستحقّون غضب الربّ، والمسلمون كذلك، وعلى هذا فَمن لم يكن مسيحياً فلا يدخل الجنّة مهما فعل، وأَّمّا المسيحي الذي يؤمن بعيسى علیه السلام ويحبّه ويتّبعه فإنّ مصيره لا محالة إلى الجنّة مهما كان عمله؛ لأنّ ذنوبه وخطاياه قد غُفرت بالمسيح علیه السلام.
وقد جاء القرآن الكريم برسالة الإسلام، فحارب تلك العقائد والخرافات الباطلة، وأدان هذا المنطق الخرافي القائم على أساس التقليد الأعمى لعادات
الآباء، والجمود على تراث السلف، من دون تمحيص أو تحقيق؛ قال تعالى: «وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ»(1)
وقال تعالى: «إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ»(2).
فاتّباع الآباء بغير علم، وعلى أيّ حال، سواء كانوا يعلمون شيئاً أو لم يهتدوا إلى شيء ينافي حكم العقل بلزوم اتّباع الحقّ؛ فإنّ اتّباع الآباء صحيح على تقدير كونهم على طريق العقل المتّبع للحق والهداية، فإن لم يكونوا كذلك فلا يكون اتّباعهم إلّا تركيزاً للجهل والضلال، ويؤاخذهم عزّ وجلّ على ذلك بقوله: «أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ»(3)، أو «لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يهتدون»(4).
وقد أدّت هذه الدعوة من القرآن الكريم إلى تعريض كلّ الأفكار السابقة والموروثة إلى الاختبار من جديد في ضوء العقل، وعلى هدى الإسلام.
ومن الآيات التي تنهى عن التقليد الأعمى: قوله تعالى: «وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ»(5).
فقد أضاف عبدة الأصنام والمشركون الذين كانوا يبدون سو آتهم في
طوافهم: النساء والرجال الحمس خاصة(1)- مضافاً إلى مسألة التقليد الأعمى للآباء - حجّة كاذبة أخرى، قائلين: «وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا»؛ لتبرير أعمالهم القبيحة التي كانوا يقومون بها، فردّ الله عليهم فقال: قل لهم: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ»(2).
ومنها: قوله تعالى: «قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ»(3).
قال تعالى على لسان فرعون وملئه لموسى وهم يعاتبوه: «أَجِثْتَنَا لِتَلْفِتَنَا» و تصرفنا «عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا» يريدون بذلك سُنّة قدمائهم وطريقتهم معاتبين بذلك موسى وأخاه هارون أنّهما اتّخذا الدعوة الدينية وسيلة إلى إبطال طريقة فرعون، ووضع طريقة جديدة لقيادة الأُمّة؛ كي «تكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ»، «وَمَا نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ»، ولا ننضمّ إليكما حتّى تنالا بذلك أُمنيتكما وتبلغا غايتكما من هذه الدعوة.
ومنها: قوله تعالى: «وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ»(4).
ونلاحظ في هذه الآية حصر طرق الهداية بأمور ثلاثة: «عِلمٍ»، «هُدًى» «كِتَابٍ مُّنِيرٍ»، إلّا أنّ هذه الجماعة العنيدة لم تمتلك علماً ولم تتّبع مُرشداً ولا هادياً، ولا استلهمت من الوحي الإلهي شيئاً، وإنّما تمسكت بمنطقٍ ضعيف سقيم،
وهو: اتّباع، الآباء والأجداد، فالله تعالى يطلب من الكفّار والمشركين الإيمان بما أنزل من القرآن والأحكام، والعمل بموجبه، والاقتداء به: «وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ»، فيجيب الكفّار بسوء اختيارهم: «بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا»، فَذَمّهم الله على هذا التقليد الأعمى، فقال لهم مستفهماً مستنكراً عملهم: «أَوَ» أنّهم يتّبعون الشيطان حتّى إذا دعاهم إلى ما يوجب «عَذَابِ السَّعِيرِ»، والهلاك ؟!
ومنها: قول الله عزّ وجلّ حكاية عن إبراهيم علیه السلام إِذ قال: «مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ»(1).
وقول إبراهيم علیه السلام هنا ما هذه التماثيل التي لا تضرّ ولا تنفع، فيه تحقير لشأنها وتوبيخ لهم على إجلالها، إذ كانوا لها عاكفين، أي: مقبلين عليها على سبيل التعظيم لها، فما كان جواب قومه لسؤاله علیه السلام إلّا تبريراً لما يقومون به؛ إذ لم يكن عندهم في الحقيقة جواب مقنع أمام هذا المنطق السليم القاطع، سوى أن يبعّدوا المسألة عن أنفسهم، ويلقوها على عاتق آبائهم، ولهذا قالوا: إنّ هذه السنّة من سنن آبائنا وأجدادنا فاقتدينا بهم، فقال إبراهيم علیه السلام: «لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِين»، لعدم استنادكم لا أنتم ولا آبائكم إلى حجّة قوية.
ومنها: قوله عزّ وجلّ حكاية عن إبراهيم علیه السلام: «إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ»(2).
ففي هذه الآيات يتساءل إبراهيم عن سبب عبادتهم للأصنام، هل أنّها تسمع
دعاءكم إن دعوتموها، أو تنفعكم ان عبدتموها، أم أنها تضرّكم إن لم تعبدوها؛ لأنّ أقلّ ما ينبغي توفّره في المعبود هو أن يسمع نداء من يعبده، وأن ينصره في البلاء، أو يضرّه عند مخالفة أمره.
إلّا أنّ عبدة الأصنام، الجهلة المتعصّبين واجهوا سؤال إبراهيم علیه لسلام بجوابهم القديم، الذي طالما كررّوه ف: «قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ» مضربين عن جواب سؤاله واقعاً، ومتمسّكين بالتقليد الأعمى لأسلافهم.
ومنها: قول الله عزّ وجلّ: «وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهدُوا خَلَقَهُمْ سَتُكتَب شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ * وَقَالُوا لَوْ شَاء الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ * وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ»(1).
ويتّضح من هذه الآيات الكريمة أنّه لم تكن لمن كان يعبد الملائكة من المشركين حجّة على عبادة الملائكة، لا عقلاً ولا نقلاً - فلم يأذن الله بها - ولا دليل لهم على أحقّية عبادتهم، سوى ما توهّموه بقولهم: «إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ»، فإنّ التشبّث بذيل التقليد ليس ممّا يختصّ بهؤلاء، فقد كان ذلك دأب أسلافهم من الأُمم المشركة؛ فإنّه ما من نبيّ أو رسول أرسله الله إلى أُمَّةٍ إِلَّا تشبّث متنعّموها ومترفوها بالتقليد الأعمى: «وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ».
فهذه الآيات تشير إلى المنطق الواهي في تحريم ما أحلّ الله، أو عبادة الأوثان، وغير ذلك، ويدين القرآن هذا المنطق الخرافي، القائم على أساس التقليد الأعمى لعادات الآباء والأجداد، إذ ليس اتّباعهم إلّا تركيزاً للجهل والضلال.
1) الزخرف (43): 19-23
فالإنسان الجاهلي لا يستند إلى قاعدة إيمانية يحسّ معها بوجوده وشخصيّته وأصالته، لذلك يستند إلى مفاخر الآباء وعاداتهم وتقاليدهم، فيصطنع لنفسه شخصية كاذبة وأصالة موهومة، وهذه عادة الجاهليين، قديماً وحديثاً، في تعصّبهم القومي والقبلي، وخاصّة في ما يتعلّق بأسلافهم.
إلّا أنّ الدين الإسلامي أدان هذا المنطق الرجعي؛ لأنّه ينفي العقل الإنساني، ويرفض تطوّر التجارب البشرية، ويصادر الموضوعية في معالجة قضايا السلف.
وهذا المنطق الجاهلي يسود اليوم - ومع الأسف - بقاع مختلفة من عالمنا، ويظهر هنا وهناك بشكل «صنم» يوحي بعادات وتقاليد خرافية مطروحة باسم «آثار الآباء» ومؤامرة باسم «الحفاظ على المآثر القومية والوطنية»، مشكّلاً بذلك أهم عامل لانتقال الخرافات من جيل إلى جيل، ولا مانع طبعاً من تحليل عادات الآباء وتقاليدهم، فما انسجم منها مع العقل والمنطق حُفظ، وما كان وهماً وخرافة لُفظ، فانّ المقدار المنسجم مع العقل والمنطق يستحقّ الحفظ والصيانة باعتباره تراثاً قومياً، وأمّا الاستسلام التام الأعمى لتلك العادات والتقاليد فليس إلّا الرجعية والحماقة.
ويتّضح من خلال الآيات الواردة أنّ الاقتداء الحسن لا يكون إلّا باثنين، بمَن كان يملك الفكر والعقل والعلم، ومَن كان قد اهتدى بالعلماء، إلّا أنّ أسلاف هؤلاء لم يكونوا يعلمون، كمالم يهتدوا بمن يعلم، وهذا اللون من التقليد الأعمى هو سبب تخلّف البشرية؛ لأنّه تقليد الجاهل للجاهل، والآية التالية تبين سبب تعصب هؤلاء وإعراضهم عن الانصياع للحق يقول تعالى: «وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلا دُعَاء وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ»(1).
1) البقرة (2): 171
تقول الآية: إنّ مثلك في دعوة هؤلاء المشركين إلى الإيمان، ونبذ الخرافات والتقليد الأعمى، كمن يصيح بقطيع الغنم (لإنقاذهم من الخطر)، ولكنّ الأغنام لا تدرك منه سوى أصوات غير مفهومة، فالكفار والمشركون كالحيوانات والأنعام التي لا تسمع من راعيها الذي يريد لها الخير سوى أصوات مبهمة، فهؤلاء: «صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ»؛ ولذلك يتمسّكون بالتقاليد الخاطئة لآبائهم، ويعرضون عن كلّ دعوة بنّاءة(1).
اختيار الحقّ:
وهكذا فإنّ «بول جورج» خاض رحلة فكرية شاقّة يبحث خلالها عن الحقيقة، واجتهد ليحرّر فكره من التقليد الأعمى، والتعصّب والأنانية، فدخل في ساحة الصراع القوي مع نفسه التي تجتذبه اتّجاه ما ينسجم مع مآربها ومبتغياتها، ومن جهة أّخرى كان نداء الفطرة السليمة يناديه إلى الحقِّ: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ»(2)، لكنّه اجتهد ليؤمّر عقله، ومنح زمام القيادة إليه؛ لكي ينجّيه إلى برّ الأمان، ويوصله إلى درجة من الوعي يميّز فيها الحقّ عن الباطل، وطلب من الله أن يوفّقه إلى مَن يرشده إلى جادّة الصواب، فسلّم أمره الله الواحد القهار: «وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ»(3)..
فشملته العناية الربّانية، ووفّقه الباري تعالى للتعرّف على دينه الذي أرسله على خاتم رسله صلی الله علیه وآله وسلم، ثمّ شرح الله تبارك وتعالى صدره للإسلام: «فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ
فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ»(1)، وأزال الغشاوة عن قلبه، وهداه إلى سبيل الحقّ والرشاد(2)لأنّه لا يلطف إلّا بمَن عرف أنّ اللطف ينفع فيه، قال: «وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلَّ»(3)وقال: «وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ»(4)، فلا يقدر أحد على إضلاله؛ إذ لا رادّ لفعله، بخلاف مَن يضلّه الله ويخذله عن طريق الجنّة بكفره ومعاصيه، فليس له هادٍ يهديه إليها، ولن تجد له أولياء، ولا أنصاراً: «وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء مِن دُونِهِ»(5)، «وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ»(6).
الصورة
ولد في «فرنسا»، ونشأ في أسرة مسيحية الديانة.
كان أجداد «ترانس» من المتشدّدين في تطبيق الديانة المسيحية، إلّا أنّ صبغتهم الدينية قلّت بمرور الزمن بعد الحرب العالميّة، ووصل الأمر إلى أن لا يسمع «ترانس» في أسرته عن الله شيئاً، ولم يَزُر دور العبادة مع انتمائه ظاهراً للديانة المسيحية.
يقول «ترانس» حول بداية التحوّل وأسبابه:
في صغري لم أسمع عن الله تعالى شيئاً، لكنّني كنت أحس بوجوده في سريرتي، وأبحث عنه من دون دوافع ظاهريّة، فلم أكن طالبَ دين أو طالباً جامعياً.
ودفعني ذلك إلى الذهاب إلى أحد مساجد أهل السنّة، إلّا أنّهم لم يستقبلوني؛ لأنّهم لم يعرفونني، فخرجت حزيناً، فرأيت شباباً كانوا واقفين بجوار المسجد الثاني، فدخلت فيه، فكان فيه مجلساً عن الإمام الحسين علیه السلام في أيام شهر محرّم الحرام، وكان مسجداً شيعياً، فكانت مشاركتي في ذلك المجلس الروحاني أوّل خطوة للتعرّف على المذهب الحقّ والإسلام الأصيل اذ دخلت مباشرة إلى
التشيّع الاثني عشري، فوجدت كلّ ما أُريده في القرآن الكريم وكلمات أهل البيت علیهم السلام، وكان حب أهل البيت علیهم السلام الدور الأكبر في انجذابي إلى التشيّع.
محبّة أهل البيت في القرآن الكريم:
إنّ محبّة أهل البيت علیه السلام، والولاء لهم، عنصر أساسي من عناصر العقيدة ومقوّمات الإيمان، ومرتكزات الرسالة المحمّدية الغرّاء، ولقد جاءت النصوص القرآنية واضحة وصريحة في تأصيل هذا المبدأ الولائي، وتعميق دلالاته ومعطياته.
ونذكر هنا بعض النصوص القرآنية النازلة في محبّة أهل البيت علیهم السلام، أو المفسَّرة بذلك، مع بيان الروايات والأخبار الموضّحة لذلك من المصادر المعتبرة.
1 - قوله تعالى: «قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى»(1)هذه هي آية المودّة التي أكدت أغلب كتب التفسير وكثير من مصادر الحديث والسيرة والتاريخ نزولها في قربي النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم: عليّ والزهراء والحسن والحسين وذرّيّتهم الطاهرين علیهم السلام.
روى السيوطي وغيره في تفسير هذه الآية بالإسناد إلى ابن عبّاس، قال: لمّا نزلت هذه الآية «قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى» قالوا: يا رسول الله! مَن قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم؟
قال صلی الله علیه وآله وسلم: «عليّ وفاطمة وولداهما»(2).
وهذه الآية تدلّ على وجوب المودّة لأهل البيت الذين نصّ الحديث على
1) الشورى (21): 23
2) الدرّ المنثور للسيوطي 6: 7. وقد روى هذا الخبر العيني في عمدة القاري 16: 17 وقال: ذكر في ذلك عن رسول الله، وراجع المعجم الكبير 3: 47، 11: 351، فتح القدير 4: 537، تخريج الأحاديث للزيلعي 3: 234، الفتح السماوي للمناوي 3: 98، الكشاف للزمخشري 3: 467، تفسير الرازي 27: 166، تفسير القرطبي 16: 21 وغيرها
تحديدهم، وقد استدلّ الفخر الرازي على ذلك بثلاثة وجوه، فبعد أن روى الحديث عن الزمخشري قال: فثبت أن هؤلاء الأربعة أقارب النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم، وإذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيدٍ من التعظيم، ويدلّ عليه وجوه:
الأوّل: قوله تعالى: (إلّا المودَّةَ في القُربَى».
الثاني: لا شكّ أنّ النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم يحبّ فاطمة علیها السلام، قال صلی الله علیه وآله وسلم: «فاطمة بضعة منّي، فمن أغضبها أغضبني»(1)، وثبت بالنقل المتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه كان يحبّ عليّاً والحسن والحسين، وإذا ثبت ذلك وجب على كلّ الأُمّة مثله، لقوله تعالى: «واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُم تَهْتَدُونَ»(2)، ولقوله: «فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ»(3).
الثالث: إنّ الدعاء للآل منصب عظيم، ولذلك جُعل هذا الدعاء خاتمة التشهّد في الصلاة، وهو قوله: «اللّهمّ صلِّ على محمّد و آل محمّد»، وهذا التعظيم لم يوجد في حقّ غير الآل، فكلّ ذلك يدلّ على أنّ حبّ محمّد و آل محمّد واجب.
وقال الشافعي:
يا راكباً قف بالمُحصّب من منى *** واهتف بساكن خيفها والناهض
سَحَراً إذا فاض الحجيجُ إلى منى *** فيضاً كما نظم الفراتِ الفائض
إن كان رفضاً حبّ آل محمّدٍ *** فليشهد الثقلان أنّي رافضي(4)
وأشار الشافعي إلى نزول آية المودّة في أهل البيت علیهم السلام بقوله:
يا أهل بيت رسول الله حبّكم *** فرضٌ من الله في القرآن أنزلهُ(5)
الأئمّة وآية المودّة:
لقد احتجّ أئمّة الهدى المعصومون علیهم السلام بهذه الآية على فرض مودّتهم ووجوب محبّتهم وحقّهم على كلِّ مسلم؛ فقد روى زادان عن الإمام أمير المؤمنين عليّ علیه السلام، أنّه قال: «فينا في ال حم آية، لا يحفظ مودّتنا إلّا كلّ مؤمن»، ثمّ قرأ:
«قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى»(1).
وإلى هذا أشار الكميت الأسدي بقوله:
وجدنا لكم في ال حم آية *** تأوّلها منّا تقيّ ومعربُ(2)
وروي عن الإمام زين العابدين علیه السلام أنّه قال: خطب الحسن بن عليّ علیه السلام الناس حين قُتل عليّ علیه السلام، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «... وأنا من أهل البيت الذي افترض الله مودّتهم على كلّ مسلم، فقال تبارك وتعالى: «قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةٌ نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً»، فاقتراف الحسنة مودّتنا أهل البيت»(3).
وأخرج ابن جرير عن أبي الديلم، أنّه قال: لمّا جيء بعلي بن الحسين علیه السلام أسيراً، فأقيم على درج دمشق، قام رجلٌ من أهل الشام، فقال: الحمد لله الذي قتلكم وأستأصلكم وقطع قرني الفتنة.
فقال له عليّ بن الحسين علیه السلام: «أقرأت القرآن؟ قال: نعم قال: أقرأت ال حم؟ قال: قرأت القرآن ولم أقرأ ال حم. قال ما قرأت: «قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى»؟ قال: وإنكم لأنتم هم؟ قال: نعم»(4).
وروى إسماعيل بن عبد الخالق، عن أبي عبد الله علیه السلام - في حديث - قال: سمعته علیه السلام يقول لأبي جعفر الأحول: «ما يقول أهل البصرة في هذه الآية «قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا المَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى»؟ فقال: جعلت فداك، إنّهم يقولون: إنّها لأقارب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم. فقال: كذبوا، إنّما نزلت فينا خاصّة، في أهل البيت، في عليّ وفاطمة والحسن والحسين أصحاب الكساء»(1).
2 - قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا»(2).
فقد ورد عن جابر بن عبد الله قوله: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعليّ بن أبي طالب علیه السلام: «يا عليّ! قُل: ربِّ اقذف لي المودّة في قلوب المؤمنين، ربِّ اجعل لي عندك عهداً، ربِّ اجعل لي عندك ودّاً»، فأنزل الله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا»، فلا تلقى مؤمناً ولا مؤمنة إلّا وفي قلبه ودّ لأهل البيت علیهم السلام(3).
وروي الحديث عن سعيد بن جبير عن ابن عباس(4). وعن أبي سعيد الخدري(5)وغيرهم.
3 - قوله تعالى: «مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا...»(6).
روي عن الإمام أبي جعفر الباقر علیه السلام، أنه قال: «دخل أبو عبد الله الجدلي على أمير المؤمنين، فقال علیه السلام له: يا أبا عبد الله! ألا أُخبرك بقوله تعالى: «مَن جَاء
بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا...»؟ قال: بلى جعلت فداك. قال علیه السلام: الحسنة: حبّنا أهل البيت، والسيئة: بغضنا، ثمّ قرأ الآية»(1).
وقد ورد ما يقارب هذا الحديث عن أبي عبد الله الجدلي(2).
4 - قوله تعالى: «الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ»(3):
روي عن الإمام أمير المؤمنين علیه السلام أنه قال: «أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمّا نزلت هذه الآية قال: ذاك من أحبّ الله ورسوله وأحبّ أهل بيتي صادقاً غير كاذب، وأحبّ المؤمنين شاهداً وغائباً، ألا بذكر الله يتحابّون»(4).
هذا وقد وردت آيات كثيرة مفسَّرة في تأكيد هذا المعنى بطرق صحيحة عن أهل البيت علیهم السلام أعرضنا عن ذكرها للاختصار.
حبّ أهل البيت علیهم السلام في السُنّة المطهّرة:
أثبتت النصوص القرآنية، كما تقدّم، مبدأ المودة لأهل البيت علیهم السلام بشكل صريح لا يقبل التأويل، وفي هذا المبحث سنسلّط الضوء على بعض ما ورد في السُنّة المباركة في تأكيد المودّة والولاء لأهل البيت علیهم السلام، وبيان فضل حبّهم وخصائصه وعلاماته.
فقد أكّدت السُنّة الشريفة على أنّ حبّ أهل البيت علیهم السلام أساس الإسلام، وعلامة الإيمان، وأفضل العبادة، وأنّ حبّهم حبّ الله ورسوله، والتأكيد على هذه المضامين يدلّ على أنّ حبّ أهل البيت علیهم السلام يجسّد عمق الولاء والمحبّة للرسالة
بجميع مفرداتها، بل هو مرتكز أساس لعمق الانتماء للإسلام، وأصالة الارتباط بالعقيدة، وقوة التفاعل معها.
والقراءة المتأمّلة للنصوص الحديثية التي سنوردها في هذا المبحث تبرز لنا بوضوح أصالة العلاقة بين مبدأ المحبّة لهم علیهم السلام، وبين الانتماء للرسالة؛ فبمقدار ما يترسّخ هذا المبدأ في شعور الأُمّة ووجدانها يتعزّز المستوى الولائي للرسالة والعقيدة، وتتحدّد الهوية الإيمانية للأُمّة.
وفيما يلي نشير إلى أهمّ مضامين الحبّ والمودّة لأهل البيت علیهم السلام الواردة في السُنّة المطهّرة.
الحثّ على محبّتهم علیهم السلام:
1 - قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبّ نبيكم، وحبّ أهل بيته، وقراءة القرآن»(1).
2 - قال صلی الله علیه وآله وسلم: «أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي»(2).
3 - قال أمير المؤمنين علیه السلام: «أحسن الحسنات حبّنا، وأسوأ السيّئات بغضنا»(3).
حبّهم حبّ الله ورسوله صلی الله علیه وآله وسلم:
1 - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحبّوا الله لِما يغذوكم من نعمه، وأحبّوني لحبّ الله، وأحبوا أهل بيتي لحبّي»(4).
1) الجامع الصغير 1: 51، فيض القدير 1: 292، كشف الخفاء 1: 74 وغيرها
2) صحيح مسلم 7: 123، مسند أحمد 4: 367، فضائل الصحابة للنسائي: 22، السنن الكبرى للبيهقي 7: 31
3) عيون الحكم والمواعظ: 126
4) سنن الترمذي 5: 329، الجامع الصغير 1: 39، الدر المنثور 6: 7، الكامل لابن عدي 7: 112، وقال الحاكم في المستدرك على الصحيحين 3: 150 بعد ذكر الحديث: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه
2 - عن زيد بن أرقم، قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمرّت فاطمة علیها السلام وهي خارجة من بيتها إلى حجرة النبي صلی الله علیه وآله وسلم ومعها ابناها الحسن والحسین، وعليّ علیهم السلام في آثارهم، فنظر إليهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال:
«من أحبّ هؤلاء فقد أحبّني، ومن أبغضهم فقد أبغضني»(1).
3 - وقال أمير المؤمنين علیه السلام: «سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: أنا سيّد ولد آدم، وأنت يا عليّ والأئمّة من بعدك سادة أمّتى، من أحبّنا فقد أحبّ الله، ومن أبغضنا فقد أبغض الله، ومن والانا فقد والى الله، ومن عادانا فقد عادى الله، ومن أطاعنا فقد أطاع الله، ومن عصانا فقد عصى الله»(2).
4- قال الإمام الصادق علیه السلام: «من عرف حقّنا وأحبّنا، فقد أحبّ الله تبارك وتعالى».
حبّهم أساس الإسلام:
1 - قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أساس الإسلام حبّي وحبّ أهل بيتي»(3).
2 - قال صلی اله علیه وآله وسلم: «لكلِّ شيء أساس، وأساس الإسلام حبّنا أهل البيت»(4).
3 - قال أمير المؤمنين علیه السلام: «قال لي رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: يا عليّ، إنّ الإسلام عريان، لباسه التقوى، ورياشه الهدى، وزينته الحياء، وعماده الورع، وملاكه العمل الصالح، وأساس الإسلام حبّي وحبّ أهل بيتي»(5).
حبّهم عبادة:
1 - قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «حبّ آل محمّد يوماً خير من عبادة سنة، ومن مات
عليه دخل الجنّة»(1).
2 - قال صلی الله علیه وآله وسلم: «اعلم أنّ أوّل عبادته المعرفة به.. ثمّ الإيمان بي والإقرار بأنّ الله أرسلني إلى كافّة الناس بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، ثمّ حبّ أهل بيتي الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً»(2).
3 - قال الإمام الصادق علیه السلام: «إنّ فوق كلّ عبادةٍ عبادةً، وحبّنا أهل البيت أفضل عبادة»(3).
حبّهم علامة الإيمان:
1 - قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «لا يؤمن عبد حتّى أكون أحبُّ إليه من نفسه، وأهلي أحبُّ إليه من أهله، وعترتي أحبُّ إليه من عترته، وذاتي أحبُّ إليه من ذاته»(4).
2 - قال صلی الله علیه وآله وسلم: «لا يحبّنا أهل البيت إلا مؤمن تقيّ، ولا يبغضنا إلّا منافق شقيّ»(5).
3 - قال الإمام الباقر علیه السلام: «حبّنا إيمان، وبغضنا كفر»(6).
4 - وقال علیه السلام: «إنّما حبّنا أهل البيت شيء يكتبه الله في قلب العبد، فمن كتبه الله في قلبه لم يستطع أحد أن يمحوه؛ أما سمعت الله يقول: «أولئك كتبَ في قلوبهم الإيمان وأيَّدَهُم بروحٍ مِنهُ»؛ فحّبنا أهل البيت من أصل الإيمان»(7).
1) الفصول المهمة لابن الصباغ 1: 144، ينابيع المودة 2: 252، كشف الغمة 1: 53
2) أمالي الطوسي: 526. ومكارم الأخلاق: 459
3) المحاسن 1: 150
4) راجع: نظم در السمطين: 233، تنبيه الغافلين: 153، أمالي الصدوق: 414، علل الشرائع 1: 140
5) كفاية الأثر: 110، دخائر العقبى: 18، ينابيع المودة 2: 116
6) الكافي 1: 188 ، والمحاسن 1: 150
7) شواهد التنزيل 2: 330
حبّهم علامة طيب الولادة:
1 - قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم مشيراً إلى أمير المؤمنين علیه السلام: «يا أيُّها الناس! امتحنوا أولادكم بحبّه؛ فإنّ عليّاً لا يدعو إلى ضلالة، ولا يبعد عن هدىً، فمن أحبّه فهو منكم، ومن أبغضه فليس منكم»(1).
2 - روي عن أبي بكر أنّه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيّم خيمة، وهو متّكئ على قوس عربية، وفي الخيمة عليّ وفاطمة والحسن والحسين، فقال: «معشر المسلمين، أنا سلم لمن سالم أهل الخيمة، وحرب لمن حاربهم، ولي لمن والاهم، لا يحبّهم إلّا سعيد الجَدّ، طيّب المولد، ولا يبغضهم إلّا شقيّ الجدّ رديء الولادة»(2).
3 - عن أمير المؤمنين علیه السلام في وصيّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذرّ رضي الله عنه، قال: «قال يا النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم: أباذرّ! من أحبّنا أهل البيت فليحمد الله على أوّل النعم. قال: يا رسول الله! وما أوّل النعم؟ قال: طيب الولادة؛ إنّه لا يحبنا إلّا من طاب مولده»(3).
4 - قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: يا عليّ! من أحبّنى وأحبّك وأحبّ الأئمّة من ولدك، فليحمد الله على طيب مولده؛ فإنّه لا يحبّنا إلّا من طابت ولادته، ولا يبغضنا إلّا من خبثت ولادته»(4).
5 - قال الإمام الصادق علیه السلام: «والله لا يحبّنا من العرب والعجم إلّا أهل البيوتات والشرف والمعدن، ولا يبغضنا من هؤلاء وهؤلاء إلّا كلُّ دنس ملصق»(5).
6 - قال جابر بن عبد الله: كنّا نبور(1)أولادنا بحبّ عليّ بن أبي طالب، فإذا رأينا أحداً لا يحبُّ عليّ بن أبي طالب، علمنا أنّه ليس منّا، وأنّه لغير رشدة(2).
7 - قال محبوب بن أبي الزناد: قالت الأنصار: إن كنّا لنعرف الرجل لغير أبيه ببغضه عليّ بن أبي طالب(3).
حبّهم ممّا يُسأل عنه يوم القيامة:
1 - قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «أوّل ما يُسأل عنه العبد حبّنا أهل البيت»(4).
2 - قال صلی الله علیه وآله وسلم: «لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتّى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيما أبلاه، وعن ماله فيما أنفقه ومن أين كسبه، وعن حبّنا أهل البيت»(5).
3 - وعنه صلی الله علیه وآله وسلم مثله، وزاد في آخره: فقيل: يا رسول الله! فما علامة حبّكم؟ فضرب بيده على منكب عليّ علیه السلام(6).
محبّة أهل البيت تعلّق بحبل الله:
إنّ حبّ أهل البيت علیهم السلام مبدأ رسالي يتضمّن أبعاداً مهمّة وخطيرة، لها آثارها الله في حياة الفرد المسلم وحياة المجتمع الإسلامي، فحبّهم ليس مجرّد علاقة قلبية، أو ارتباط عاطفي يشد المسلم إلى أفراد معيّنين؛ لأنّهم قربى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعترته، بل إنّه تعلّق بحبل الله الممدود من السماء إلى الأرض بعد النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم، والذي يتحقّق من خلاله ارتباط حياة الفرد والمجتمع بتعاليم السماء وبإرادة الخالق العزيز، ذلك
لأنّهم علیهم السلام يمثلون الثقل الإلهي في الأرض، وهم آيات الله والدالّون عليه، وفيهم تتجسّد الصفات والكمالات التي يريدها الله تعالى.
فحبّهم يمثّل في الواقع حبّ الله وللقيم الربانية والكمالات الإلهية، وهو يسمو بالمؤمن في مدارج الوصول إلى الكمال الذي يريده الله سبحانه.
ومن هذا المنطلق وفي ظِلّ هذه الحقائق استبصر «ترانس» وكان ذلك عام 1417 ه (1997م) وتسمى باسم الصحابي الجليل المحب للعترة الطاهرة كُميل (31) ابن زیاد.
ولد في «فرنسا»، ونشأ في أُسرة مسيحية، درس في المدارس الأكاديمية حتّى دخل الجامعة ونال شهادة الهندسة في قسم الكهرباء، وقد أدّت عدّة أسباب في حياته إلى مواصلته البحث والنقاش ممّا سار به إلى اعتناق مذهب أهل البیت علیهم السلام.
كان يرى «جلز» أنَّ المسلمين وحينما يدعون النصارى إلى الإسلام يحتجّون عليهم ببشارة المسيح علیه السلام بالنبيّ الأكرم صلی الله علیه وآله .سلم، في التوراة والإنجيل وهذا ما جعله متسائلاً عن أحقية الإسلام، فقام بالبحث بجدّية تامّة لكي يصل إلى الحقيقة.
بشائر الأنبياء السابقين بنبيّنا محمّد صلی الله علیه وآله وسلم:
فقد بشّرت الكتب السماوية وكذلك الأنبياء السابقون بنبيّنا محمّد صلی الله علیه وآله وسلم، إلّا أنّ أتباع تلك الديانات حرّفوا كتبهم لكى لا يبقى أثر لتلك البشارة، ومع ذلك بقي منها شيء، يمكن لنا من خلاله كشف الحقيقة إذا تأمّلنا في ذلك:
أ - ظهوره في جبل فاران:
جاء في التوراة، سفر التثنية، الإصحاح 33: «وهذه هي البركة التي بارك بها
موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته * فقال: جاء الربّ من سيناء، وأشرق لهم من ساعير، وتلألأ من جبل فاران، وأتى من ربوات القدس، وعن يمينه نار شريعة لهم»(1).
فاران: كلمة عبرانية معرّبة، وهي من أسماء مكّة ذكرها في التوراة، قيل: هو اسم لجبال مكّة(2).
وذكر الحموي أنّه جاء في التوراة: «جاء الله من سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من فاران»: مجيئه من سيناء: تكليمه لموسى علیه السلام، وإشراقه من ساعير إشارة إلى ظهور عيسى بن مريم علیه السلام، وإنزال الإنجيل عليه. واستعلائه من جبال فاران: إنزاله القرآن على محمّد صلی الله علیه وآله وسلم؛ قالوا: وفاران: جبال مكّة(3).
وفي مناظرة للإمام الرضاء علیه السلام مع رأس الجالوت، كبير اليهود، قال له: «هل تنكر أنّ التوراة تقول لكم: جاء النور من جبل طور سيناء، وأضاء لنا من جبل ساعير، واستعلن علينا من جبل فاران؟».
قال رأس الجالوت: أعرف هذه الكلمات وما أعرف تفسيرها!
فقال علیه السلام: «أنا أُخبرك به، أمّا قوله: «جاء النور من جبل طور سيناء»، فذلك وحي الله تبارك وتعالى الذي أنزله على موسى علیه السلام على جبل طور سيناء.
وأمّا قوله: «وأضاء لنا من جبل ساعير» فهو الجبل الذي أوحى الله عزّ وجلّ إلى عيسى بن مريم علیه السلام وهو عليه.
وأمّا قوله: «واستعلن علينا من جبل فاران»، فذلك جبل من جبال مكّة بينه وبينها يوم»(4).
وجاء أيضاً في التوراة في سفر حيقوق النبيّ، الإصحاح الثالث: «الله جاء من تيمان والقدوس من جبل فاران. سلاه. جلاله غطى السماوات والأرض امتلأت من تسبيحه * وكان لمعان كالنور. له من يده شعاع وهناك استتار قدرته * قدامه ذهب الرباء وعند رجليه خرجت الحمى * وقف وقاس الأرض. نظر فرجف الأُمم ودكّت الجبال الدهرية وخسفت آكام القدم. مسالك الأزل له * رأيت خيام كوشان تحت بلية. رجفت شقق أرض مديان(1).
ب - كونه من ولد إسماعيل:
وقد ذكر أيضاً في التوراة في سفر التثنية - أو تثنية الاشتراع، وهو خامسها بتسمية السبعينية، وفي العبرانية بأوّله «إله»، ويسمّى أيضاً: دباريم(2)- الإصحاح الثامن عشر: «يقيم لك الربّ إلهك نبيّاً من وسطك من إخوتك مثلي. له تسمعون»(3).
ما المراد من إقامة النبيّ؟ هل يراد منه: عيسى، كما تدّعيه النصارى من كون هذا النبيّ هو عيسى علیه السلام؟
نحن نعتقد أنَّ ذلك لا ينطبق إلّا على نبيّنا الأكرم محمّد صلی الله علیه وآله وسلم؛ وذلك لأمور:
أوّلاً: إنّ الله خاطب بني إسرائيل بأنّه يخرج لهم نبيّاً من بينهم من إخوتهم، وليس لبني إسرائيل إخوة من الطوائف غير ولد إسماعيل، فلابدّ أن يكون هذا النبيّ من أولاد إسماعيل؛ لكي يصدق عليه عنوان الأُخوّة، وإلّا فإنّ عيسى علیه السلام حاله حال موسى علیه السلام؛ كلاهما من ولد إسحاق علیه السلام، فلا يتحقّق صدق كونه من إخوة الإسحاقيين، بل هو من نفس الإسحاقيين.
ولا ضير من إطلاق الإخوة على الأعمام، فقد أُطلق الإخوة في التوراة على الأعمام، وعلى الأجانب(1)، هذا من جهة، ومن جهة أُخرى إنّ اليهود اتّفقت على أنّه لا يخرج نبيّ من بني إسرائيل صاحب كتاب وشريعة بعد موسى(2)، ولم يدّعِ أحد منهم النبوّة سوى بني إسماعيل علیه السلام(3)فينحصر المراد منه بنبيّنا الخاتم صلی الله علیه وآله وسلم.
ثانياً: مقتضى المثلية في قوله: «نبيّاً من وسطك من إخوتك مثلي» يكون رسالة النبيّ الذي يلي موسى رسالة شاملة، فرسالة موسى عمّت بني إسرائيل وأهل مصر، بخلاف رسالة عيسى؛ فإنّه لم يكن المعنيّ بها إلّا بني إسرائيل، فتصدق الرسالة الكاملة على الرسالة المحمّدية التي كانت عامة وشاملة لكلّ البشرية؛ قال تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا»(4)، «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ الأَكَافَّةً لِّلنَّاسِ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا»(5).
وقال تعالى: «تبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا»(6).
وقال تعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ»(7).
ثالثاً: إنّ رسالة موسى أتت بكتاب جديد، ولم تكن مكمّلة للرسالات والشرائع السابقة، ولم تقتبس من الكتب السماوية الأُخرى، وكذلك الرسالة المحمّدية التي أتت بالقرآن الكريم والشريعة الإسلامية السمحة، فهي أيضاً لم تقم على شرائع سابقة.
نعم، قد تجد توافقاً بين هذه الشرائع، ولكنّ هذا لا يعني أنها أُخذت من فقد أتت بعضها البعض، بل أنّ مصدرها واحد، وهو الله تعالى، أمّا رسالة عيسى لتكمل رسالة موسى، ولم تأتِ بتشريع جديد؛ إذ يقول: بأنّه لم يأت ليغيّر القانون بل ليطبّقه، وهو يعني بذلك قانون موسى(1).
رابعاً: إنّ موسى قد ولد لأب وأُمّ، وكذلك محمّد بن عبد الله صلی الله علیه وآله وسلم، بخلاف عيسى الذي ولد من أمّ دون أب، مثله في ذلك مثل آدم؛ قال تعالى: «إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ»(2).
ما ورد في الإنجيل من البشارات:
جاء في «إنجيل يوحنا»، الإصحاح الرابع عشر: «إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي * وأنا أطلب من الأب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد * روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه»(3).
وفيه أيضاً «وأمّا المعزي الروح القدس الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلّمكم كلّ شيء ويذكّركم بكلّ ما قلته لكم»(4).
وفي الإصحاح الخامس عشر: «ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الأب روح الحقّ الذي من عند الأب ينبثق فهو يشهد لي»(5).
وفي الإصحاح السادس عشر: «لكنّي أقول لكم الحقّ إنّه خير لكم أن أنطلق؛ لأنّه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي. ولكن إن ذهبت أُرسله إليكم * ومتى
جاء ذاك يبكت العالم على خطية وعلى بر وعلى دينونة»(1).
فنلاحظ أنّ عيسى علیه السلام يوصي بوصايا قبل رحيله منها: أنّه يبشّر بنبيّ يأتي بعده ويحمل الصفات التالية:
1 - «ليمكث معكم إلى الأبد» إشارة إلى خلود الشريعة التي تلي شريعة عيسى علیه السلام.
2 - «ويذكّركم بكلّ ما قلته لكم» يذكّر كلّ ما جاء به عيسى علیه السلام، أي يأتي - بعده.
3 - «فهو يشهد لي» أي يكون شاهداً على عيسى علیه السلام، وهو النبيّ محمّد صلی الله علیه وآله وسلم، إذ يقول الله تعالى عنه: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا»(2).
وقد ورد في النسخة الأصلية أنّ اسم النبيّ الذي وعدهم عيسى علیه السلام بأنّ ربّه سوف يرسله: (بارقليطا) أو (بركليتوس)، وترجمتها: المحمود والأحمد، ولكنّ المترجمين غيّروها إلى: (المعزي)!
وهذه الحقيقة ظهرت في «إنجيل برنابا» في عدّة مواضع:
منها ما جاء في الفصل الثاني عشر بعد المائة:
«وإذا كان يحقّ لي البكاء فاعلم يا برنابا أنّه لأجل هذا يجب علَيّ التحفظ، وسيبيعني أحد تلاميذي بثلاثين قطعة من نقود، وعليه فإنِّي على يقين من أنّ مَن يبيعني يُقتل باسمي، لأنَّ الله سيصعدني من الأرض وسيغيّر منظر الخائن حتّى يظنه كل أحد إياي، ومع ذلك فإنّه لمّا يموت شرّ ميتة أمكث في ذلك العار زمنا طويلاً في العالم، ولكن متى جاء محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم المقدّس
تُزال عنّي هذه الوصمة، وسيفعل الله هذا، لأنّي اعترفت بحقيقة مسيا الذي سيعطيني هذا الجزاء، أي أن أعرف أنّي حيّ، وأنّي بريء من وصمة تلك الميتة»(1).
ومنها ما جاء في الفصل التاسع والثلاثين: «فلمّا انتصب آدم على قدميه رأى في الهواء كتابة تتألق كالشمس، نصّها: لا إله إلّا الله ومحمّد رسول الله، ففتح حينئذ آدم فاه، وقال: أشكرك أيّها الربّ إلهى؛ لأنك تفضّلت فخلقتني، ولكن أضرع إليك أن تُنبأني ما معنى هذه الكلمات: محمّد رسول الله، فأجاب الله: مرحباً بك يا عبدي آدم، وإنّي أقول لك: إنّك أوّل إنسان خلقت، وهذا الذي رأيته إنّما هو ابنك، الذي سيأتي إلى العالم بعد الآن بسنين عديدة، وسيكون رسولي الذي لأجله خلقت كلّ الأشياء، الذي متى جاء سيعطي نوراً للعالم، الذي كانت نفسه موضوعة في بهاء سماوي ستّين ألف سنة قبل أن أخلق شيئاً. فضرع آدم إلى الله قائلاً: يا ربّ! هبني هذه الكتابة على أظفار أصابع يدي. فمنح الله الإنسان الأوّل تلك الكتابة على إبهاميه، على ظفر إبهام اليد اليمنى ما نصّه: لا إله إلا الله، وعلى ظفر إبهام اليد اليسرى ما نصّه: محمد رسول الله»(2).
ومنها: ما جاء في الفصل الواحد والأربعين: «فلمّا التفت آدم رأى مكتوباً فوق الباب: لا إله إلّا الله محمّد رسول الله، فبكى عند ذلك وقال: أيّها الابن عسى الله أن يريد أن تأتي سريعاً، وتخلّصنا من هذا الشقاء»(3).
ومنها: ما جاء في الفصل السادس والتسعين: «حينئذٍ يرحم الله العالم ويرسل رسوله الذي خلق كلّ الأشياء لأجله، الذي سيأتي من الجنوب بقوة، وسيبيد الأصنام وعبدة الأصنام، وسينتزع من الشيطان سلطته على البشر،
وسيأتي برحمة الله لخلاص الذين يؤمنون به، وسيكون من يؤمن بكلامه مباركاً»(1).
ونجد هنا اعترافاً من أحد كبار قساوسة المسيحيين، والذي تتلمذ عند علمائهم حتّى حاز مراتب كبيرة في الدراسات الكنسية، يتحدّث في مقدّمة كتابه (أنيس الأعلام) عن انتقاله من المسيحية إلى الإسلام، فيقول: (... بعد بحث طويل وعناء كبير وتجوال في المدن، عثرت على قسّيس كبير متميّز في زهده وتقواه، كان يرجع إليه الكاثوليك بما فيهم سلاطينهم، تعلّمت عليه زمناً مذاهب النصارى، وكان له طلّاب كثيرون، ولكنّه كان ينظر إليّ من بينهم نظرة خاصّة، وكانت كلّ مفاتيح البيت بيدي، إلّا مفتاحاً واحداً لغرفة صغيرة، احتفظ به عنده... وفي يوم اعتلّت صحّة القسّيس، فقال لي: قل للطّلاب إنّي لا أستطيع التدريس اليوم. حينما جئت إلى الطلاب وجدتهم منهمكين في نقاش حول معنى «فارقليطا» في السريانية، و «پریکلتوس» في اليونانية... واستمرّ بينهم النقاش، وكلّ كان يدلي برأيه... بعد أن عدت إلى الأُستاذ سألني عمّا كان يدور بين الطلّاب، فأخبرته.
فقال لي: وما رأيك؟
قلت: اخترت الرأي الفلاني.
قال القسّيس: ما قصرت في عملك، ولكن الحقّ غير ذلك؛ لأنّ حقيقة هذا الأمر لا يعلمها إلّا الراسخون في العلم، وقليل ما هم.
أكثرت في الإلحاح عليه أن يوضّح لي معنى الكلمة، فبكى بكاءً مُرّاً وقال: لم أخفِ عليك شيئاً... إنّ لفهم معنى هذه الكلمة أثراً كبيراً، ولكنّه إن انتشر فسنتعرض للقتل! فإن عاهدتني أن لا تفشيه فسأخبرك...
1) إنجيل برنابا: الفصل السادس والتسعين، 91
فأقسمت بكلّ المقدسات أن لا أذكر ذلك لأحد.
فقال: إنه اسم من أسماء نبيّ المسلمين، ويعني «أحمد»، و«محمّد».
ثمّ أعطاني مفتاح الغرفة وقال: افتح الصندوق الفلاني، وهات الكتابين اللذين فيه.
جئت إليه بالكتابين وكانا مكتوبين باليونانية والسريانية على جلد، ويعودان إلى عصر ما قبل الإسلام. الكتابان ترجما «فارقليطا» بمعنى أحمد ومحمّد، ثمّ أضاف الأُستاذ: علماء النصارى كانوا مجمعين قبل ظهوره أنّ «فارقلیطا» بمعنى «أحمد ومحمّد»، ولكن بعد ظهور محمّد صلی الله علیه وآله وسلم غيّروا هذا المعنى؛ حفظاً لمكانتهم ورئاستهم وأوّلوه، واخترعوا له معنىً آخر لم يكن على الإطلاق هدف صاحب الإنجيل.
سألته عمّا يقوله بشأن دين النصارى؟
قال: لقد نُسخ بمجيء الإسلام. وكرّر ذلك ثلاثاً.
ثمّ قلت: ما هي طريقة النجاة والصراط المستقيم في زماننا هذا؟
قال: إنّما هي باتّباع محمّد صلی الله علیه وآله وسلم.
قلت: وهل التابعون له ناجون؟
قال: إي والله. وكرّر ذلك ثلاثاً.
ثمّ بكى الأُستاذ وبكيت كثيراً.
ثمّ قال: إذا أردت الآخرة والنجاة فعليك بدين الحقّ... وأنا أدعو لك دائماً شرط أن تكون شاهداً لي يوم القيامة أنّي كنت في الباطن مسلماً، ومن أتباع محمّد صلی الله علیه وآله وسلم، وما من شك أنّ الإسلام هو دين الله اليوم على ظهر الأرض(1).
1) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل 1: 188 - 190، نقلاً عن أنيس الاعلام في نصرة الاسلام
وكما يلاحظ فإنّ هذه الوثيقة المهمّة تصرّح بما فعله علماء أهل الكتاب بعد ظهور نبيّ الإسلام صلی الله علیه وآله وسلم من تحريف لتفسير اسم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعلاماته؛ تحقيقاً لمصالحهم الشخصية.
فتكون كلّ هذه الأُمور تأييداً لِما جاء في القرآن الكريم، وتتطابق تماماً مع قوله تعالى: «وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ»(1).
فعيسى علیه السلام يقول لأنصاره أنّه رسول من الله إليهم، ويدعوهم إلى شريعة التوراة ومنهاجها، ويبشّر بشريعة إلهية سيكملها الله ببعث نبيٍّ يأتي من بعده، اسمه:
أحمد.
فدعوته تتضمّن الأُمور التالية:
الأوّل: كونه رسول من قبل الله تعالى، وذلك قوله: «إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ»، فهو يحمل رسالة من الله إليهم.
الثاني: أنّه أُرسل إليهم لأجل تكميل ما جاء به موسى علیه السلام، وذلك قوله: «مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ».
الثالث: أنّ دعوته لا تغاير دين التوراة، ولا تناقض شريعتها بل تصدّقها، ولم تنسخ من أحكامها إلّا اليسير: «وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ»(2).
الرابع: أنّه لم يبين لهم إلّا بعض ما يختلفون فيه، كما في قوله تعالى: «قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلأُبَيَّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ»(3).
الخامس: أنّ من مهامّ رسالته التبشير بمجيء رسول من بعده اسمه أحمد: «وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ».
فالقرآن الكريم يشير إلى ضرورة الإيمان بهذا النبيّ الذي أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحقّ، وبشّر به عيسى بن مريم بني إسرائيل، فعلى المؤمنين أن يشدّوا العزم على طاعته، وامتثال ما يأمرهم به من الجهاد ونصرة الله في دينه كي يسعدهم في أُخراهم وينصرهم ويؤيدهم على أعدائهم في هذه الدنيا.
ومن الواضح أنّ الإسلام لا يعدّ نفسه ديناً جديداً مقابل سائر الأديان، كالمسيحية واليهودية أو غيرهما من الديانات السماوية، بل يرى نفسه مكمّلاً للأديان الصحيحة التي دعى إليها الأنبياء السابقون من لدن آدم إلى ما قبل مجي الإسلام، فهم من دعوا إلى الوحدانيّة المطلقة، ونفي الشرك، وتصديق الرسالات السابقة.
ولذا نرى الإسلام يمضي أحكام التوراة إلّا ما نسخه الله تعالى من الأحكام الشاقّة المكتوبة على اليهود، وأمّا الإنجيل فلا يحتوي إلّا على مجموعة من الحكم والأخلاق، ولا يتطرّق إلى أحكام الشريعة.
وقد روي عن أبي عبد الله الصادق علیه السلام: (أنزل على عيسى علیه السلام في الإنجيل مواعظ وأمثال وحدود، ليس فيها قصاص ولا أحكام حدود ولا فرض مواريث، وأنزل عليه تخفيف ما كان نزل على موسى علیه السلام في التوراة، وهو قوله تعالى حكاية عن عيسى علیه السلام أنّه قال لبني إسرائيل: «وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ»(1)، وأمر عيسى علیه السلام من معه ممّن تبعه من المؤمنين أن يؤمنوا بشريعة التوراة وشرائع جميع النبيين والإنجيل...)(2).
قال تعالى: «وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم»(1).
فأنزل الله تعالى قرآناً مصدّقاً للكتب السماوية السابقة عليه، مُهيمناً على جميع الكتب والديانات السماوية، ولكنّه في الوقت نفسه جاء رقيباً وحاكماً على ما فيها من ضلالات، ومشتملاً على الحقّ الصريح، والتعليم العالي، والهداية التامّة، وهدىً ورحمةً وبرهاناً ونوراً مبيناً، وجعله تبياناً لكلّ شيء، وتحدّى به الجنّ والإنس، وحفظه من تحريف المبطلين، وجعله معجزاً باقياً خالداً ببقاء الدنيا.
الاستبصار:
عندما وجد «جلز» المسلمين وهم يحتجّون على غيرهم بكتابي التوراة والإنجيل، ويستندون بالبشارات الواردة فيهما بشأن رسول من الله تعالى، بادر إلى اعتناق الإسلام، وذلك لكي ينال رضى الله تعالى، وجنّته، فلم يبال بما فقده الأُمور الدنيوية الفانية، وصمد إزاء التيارات المعاكسة له؛ حفاظاً على مبادئه السامية التي اكتسبها من الإسلام: «إنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ»(2)، وقد تسمّى «جلز» بعد استبصاره بلقب الوصيّ الثامن لرسول صلی الله علیه وآله وسلم الإمام على بن موسى الرضا علیه السلام(3).
من مواليد فرنسا وأُصول أفريقية، نشأ في أُسرة تعتنق الديانة المسيحية، ودرس في المدارس الأكاديمية.
كان يحبّ الاطّلاع على القضايا السياسية في الشرق الأوسط، كما كان يهوى مطالعة الدين الإسلامي، فتعرّف عليه ومنّ الله عليه بالهداية واعتناق مذهب أهل البيت علیهم السلام، فاعلن استبصاره سنة 1422 ه (1992 م)(1).
دواعي البحث:
يقول «دوج»: كنت منذ صغري أحترم أُصول ومبادئ الدين المسيحي، ولكنّني وانطلاقاً من حبّ الاستطلاع ومتابعة الأحداث السياسية في الشرق الأوسط، توجّهت إلى مطالعة الدين الإسلامي.
دعوة الإسلام:
إن القرآن الكريم يدعو أهل الكتاب إلى كلمة سواء ومشتركة بين الأديان الإلهية؛ يقول تعالى: «قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا الله وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا
1) للمستبصر ملف خاص في المركز
بِأَنَّا مُسْلِمُونَ»(1).
تعدُّ هذه الآية نداء «الوحدة والاتّحاد» إلى أهل الكتاب؛ فهي تقول لهم: إنّكم تزعمون - بل تعتقدون - أنّ التثليث (أي: الاعتقاد بالآلهة الثلاثة) لا ينافي التوحيد، لذلك تقولون ب-«الوحدة في التثليث».
وهكذا اليهود يدّعون التوحيد وهم يتكلّمون بكلام فيه شرك، ويعدّون «العزير» ابن الله.
يقول لهم القرآن: إنّكم جميعاً ترون التوحيد مشتركاً، فتعالوا نضع أيدينا يداً بيد لنحيي هذا المبدأ المشترك بدون خداع ومراوغة، ونتجنّب كلّ تفسير يؤدّي إلى الشرك والابتعاد عن التوحيد.
والملفت للنظر أنّ الآية الشريفة تؤكّد على موضوع التوحيد بثلاث تعابير مختلفة:
الأوّل: «أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ»، وفي الجملة الثانية: «وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا»، وفي المرة الثالثة قالت: «وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ».
ولعلّ في هذه الجملة الأخيرة إشارة إلى أحد موضوعين:
الأوّل: أنّه لا يجوز تأليه المسيح، وهو بشر مثلنا، ومن أبناء نوعنا.
والثاني: أنّه لا يجوز الاعتراف بالعلماء المنحرفين، الذين يستغلّون مكانتهم ويغيّرون حلال الله وحرامه كيفما يحلو لهم، فلا يجوز اتّباع هؤلاء؛ لأنّ هناك بين علماء أهل الكتاب جماعات يحرّفون أحكام الله بحسب مصالحهم أو تعصّبهم.
إنّ الإسلام يرى أنّ مَن يتبع أمثال هؤلاء دون قيد أو شرط إنّما يعبدهم بالمعنى الواسع لكلمة العبادة، والسبب لهذا الحكم واضح؛ فإنّ حقّ وضع القوانين
1) آل عمران (3): 64
والتشريعات يعود إلى الله، فإذا قرّر أحد هذا الحقّ لغير الله فقد أشرك.
وقد ذكر المفسّرون في ذيل هذه الآية أنّ عدي بن حاتم الذي كان نصرانياً ثمّ أسلم، عندما سمع هذه الآية فَهِم من كلمة «أرباب» أنّ القرآن يقول: إنّ أهل الكتاب يعبدون بعض علمائهم.
فقال للنبيّ صلی الله علیه وآله وسلم: ما كنّا نعبدهم يا رسول الله.
فقال صلی الله علیه وآله وسلم: «أما كانوا يحلّون لكم ويحرّمون، فتأخذون بقولهم؟».
فقال: نعم.
فقال النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم: «هو ذاك»(1).
يتضح من ذلك أن الإسلام يعتبر الرقّ والاستعمار الفكري نوعاً من العبودية والعبادة لغير الله، وهو كما يحارب الشرك وعبادة الأصنام، يحارب كذلك الاستعمار الفكري الذي هو أشبه بعبادة الأصنام(2).
والله تعالى يأمرنا باتباع طريقة خاصّة، وهو الصراط المستقيم، ويحذّرنا عن اتّباع سائر السبل غير الإلهية؛ لأنّ الطرق الإلهية متكفّلة بجميع ما يحتاج إليه الناس من الأحكام والمعارف التي فيها صلاح الناس، يقول تعالى: «وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تتَّقُونَ»(3).
فمن سلك صراط الله المستقيم، واتّبع نوره المنير خرج من الشبهات والاختلاف، والحيرة والضلالة، وصار إلى مستقرّ الأمن.
مشتركات القرآن والعهدين:
التوحيد في القرآن: نرى أنّ القرآن الكريم يوحد الله تعالى، وينفي عنه الشرک:
قال أيضاً: «اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ»(1).
وقال: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»(2).
وقال: «وَمَا مِنْ إِلَه إِلَّا اللهُ»(3).
وقال: «شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ»(4).
وقال: «وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ»(5).
وقال: «هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ»(6).
وقال: «هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ»(7).
وقال: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ»(8).
وقال: «لاَ شَرِيكَ لَهُ»(9).
وقال: «لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا»(10).
1) البقرة (2): 255، آل عمران (3): 2، النساء (4): (87)، التوبة (9): 129، طه (20):8 النمل (27): 26، التغابن (64): 13
2) الصافات (37): 35، محمّد (47): 19
3) آل عمران (3): 62
4) آل عمران (3): 18
5) القصص (28): 70
6) الزمر (39): 4
7) الحشر (59): 22، 23
8) الإخلاص (112): 1
9) الأنعام (6): 163
10) الأنبياء (21): 22
وقال: «وَمَا مِنْ إِلَه إِلَّا اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ»(1).
وأمّا عن كلمات التوحيد في العهد القديم والجديد: فقد ورد في التوراة موارد كثيرة تنبئ عن توحيد الله، وفي ما يلي نلاحظ بعض هذه الموارد:
ففي سِفر التثنية يحصر الإله في الله تعالى دون غيره: «إنّك قد أُريت لتعلم أنّ الربّ هو الإله. ليس آخر سواه»(2).
وفيه أيضاً: «فاعلم اليوم وردّد في قلبك أنّ الربّ هو الإله في السماء من فوق وعلى الأرض من أسفل. ليس سواه»(3).
وفي موضع آخر منه يقول: «اسمع يا إسرائيل! الربّ إلهناربّ واحد»(4).
ونلاحظ فيه أيضاً إثبات التوحيد له تعالى، ونفي الشريك عنه: «انظروا الآن أنا أنا هو وليس إله معي. أنا أُميت وأُحيى. سحقت وإنّي أشفي وليس من يدي مخلص»(5).
وفي صموئيل: «ليس قدّوس مثل الربّ؛ لأنّه ليس غيرك»(6).
وفيه: «قد عظمت أيّها الربّ الإله؛ لأنّه ليس مثلك، وليس إله غيرك حسب كلّ ما سمعناه بآذاننا»(7).
وفيه: «لأنّه من هو إله غير الربّ»(8).
1) ص (38): 65
2) الكتاب المقدّس (العهد القديم): التثنية - الإصحاح 4، الآية 35
3) الكتاب المقدّس (العهد القديم): التثنية - الإصحاح 4، الآية 39
4) الكتاب المقدّس (العهد القديم): التثنية - الإصحاح 6، الآية 4
5) الكتاب المقدّس (العهد القديم): التثنية - الإصحاح 32، الآية 39
6) الكتاب المقدّس (العهد القديم): صموئيل الأوّل - الإصحاح 2، الآية 2
7) الكتاب المقدّس (العهد القديم): صموئيل الثاني - الإصحاح 7، الآية 22
8) الكتاب المقدّس (العهد القديم): صموئيل الثاني - الإصحاح 22، الآية 32
وفي الملوك ورد: «ليعلم كلّ شعوب الأرض أنّ الربّ هو الله وليس آخر»(1).
وقال حزقيا: «أيّها الربّ إله إسرائيل الجالس فوق الكروبيم أنت هو الإله وحدك لكلّ ممالك الأرض»(2).
وفيه أيضاً: «أنّك أنت الربّ الإله وحدك»(3).
وفي نحميا: «أنت هو الربّ وحدك»، وفي موضع آخر أيضاً يحصر الإله: «أنت هو الربّ الإله الذي اخترت»(4).
وكما ورد في إشعيا «أنا أنا الربّ، وليس غيري مخلِّص»(5).
وفي مورد آخر منه: «أليس أنا الربّ ولا إله آخر غيري. إله بار ومخلص. ليس سواي * التفتوا إلي وأخلصوا يا جميع أقاصي الأرض، لأنّي أنا الله وليس آخر»(6).
وفي مورد ثالث ورد هكذا: «اذكروا الأوّليات منذ القديم؛ لأنّي أنا الله وليس آخر الإله وليس مثلي»(7).
كما ورد في المزامير عن توحيده تعالى: «لأنّك عظيم أنت وصانع عجائب. أنت الله وحدك»(8).
هذا، وقد جاء في العهد الجديد في توحيد الله تعالى، في ما يسمّى ب «إنجيل يوحنّا»، انه قال: «وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك،
1) الكتاب المقدّس (العهد القديم): الملوك الأوّل - الإصحاح 8، الآية 60
2) الكتاب المقدّس (العهد القديم): الملوك الثاني - الإصحاح 19، الآية 15
3) الكتاب المقدّس (العهد القديم): الملوك الثاني - الإصحاح 19، الآية 19
4) الكتاب المقدّس (العهد القديم): نحميا - الإصحاح 9، الآية 6 و 7
5) الكتاب المقدّس (العهد القديم): إشعيا - الإصحاح 43، الآية 11
6) الكتاب المقدّس (العهد القديم): إشعيا - الإصحاح 45، الآية 21- 22
7) الكتاب المقدّس (العهد القديم): إشعيا - الإصحاح 46، الآية 9
8) الكتاب المقدّس (العهد القديم): المزامير - المزمور 86، الآية 10
ويسوع المسيح الذي أرسلته * أنا مجّدتك على الأرض، العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته * والآن مجّدني أنت أيّها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم»(1).
وقد صرّح عيسى علیه السلام بوحدانية الله؛ إذ ورد في وصيّته في «إنجيل مرقس»: «فأجابه يسوع إنّ أوّل كل الوصايا هي: اسمع يا إسرائيل! الربّ إلهنا ربّ واحد»(2).
وأيضاً مما يشترك به القرآن الكريم والعهدين هو التوحيد في العبودية، قال تعالى: «لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا الله»(3).
وقال أيضاً: «أَلاَّ نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا»(4).
وقال: «أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله»(5).
وقال: «وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ»(6).
وهذه الحقيقة أيضاً نجدها في التوراة؛ إذ تدعو إلى عبادة الله تعالى وحده: «وناح كلّ بيت إسرائيل وراء الربّ. وكلّم صموئيل كلّ بيتٍ إسرائيل قائلاً إن كنتم بكلّ قلوبكم راجعين إلى الربّ، فانزعوا الآلهة الغريبة والعشتاروث من وسطكم وأعدّوا قلوبكم للربّ واعبدوه وحده، فينقذكم من يد الفلسطينيين * فنزع بنو إسرائيل البعليم والعشتاروث، وعبدوا الربّ وحده»(7).
وفي العهد الجديد من «إنجيل متى» أيضاً حيث يقول: «حينئذٍ قال له يسوع:
1) الكتاب المقدّس (العهد الجديد): يوحنا - الإصحاح 17، الآية 3 - 5
2) الكتاب المقدّس (العهد الجديد): مرقس - الإصحاح 12، الآية 29
3) البقرة (2): 82
4) آل عمران (3): 64
5) هود (11): 2، فصلت (41): 14، الأحقاف (46): 21
6) الكهف (18): 16
7) الكتاب المقدّس (العهد القديم): صموئيل الأوّل - الإصحاح 7، الآية 3 - 4
اذهب يا شيطان؛ لأنّه مكتوب: للربّ إلهك تسجد، وإيّاه وحده تعبد»(1)، وقريب منه ما في «سفر لوقا»(2).
ويقول: «لأنّهم هم يخبرون عنّا أيّ دخول كان لنا إليكم وكيف رجعتم إلى الله من الأوثان لتعبدوا الله الحيّ الحقيقي»(3).
إلى غير ذلك من كلمات التوحيد التي وردت في العهدين، وقد ورد أيضاً في «أخبار الأيّام» ما ينفي المثل عن الله تعالى، وينفي تأليه غير الله؛ قال: «ياربّ ليس مثلك، ولا إله غيرك»(4).
يتضح مما ذُكر أنّ الإسلام والمسيحية كلاهما يدعو إلى التوحيد، وعبادة الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، الذي يصف نفسه في كتابه العزيز: «هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ»(5). وما ذكر يطابق ما جاء في التوراة من قوله: «هكذا يقول الربّ ملك إسرائيل وفاديه ربّ الجنود. أنا الأوّل وأنا الآخر ولا إله غيري»(6).
تحذيرات القرآن الكريم لأهل الكتاب:
يحذّر القرآن الكريم أهل الكتاب من الكفر بآيات الله، وإنكار الحقائق والمعارف الإلهية بعد ورودها وبيانها، ووضوح الحقّ عندهم، في ما يخصّ نبوّة نبيّنا محمّد صلی الله علیه وآله وسلم، وأنّ عيسى عبداً الله ورسولاً منه، وأنّ إبراهيم ليس بيهودي ولا
1) الكتاب المقدّس (العهد القديم): متّى - الإصحاح 4، الآية 10
2) الكتاب المقدّس (العهد القديم): لوقا - الإصحاح 4 ، الآية 8
3) الكتاب المقدّس (العهد القديم): الرسالة الأولى إلى أهل تسالونيكي - الإصحاح 1، الآية 9
4) الكتاب المقدّس (العهد القديم): أخبار الأيّام - الإصحاح 17، الآية 20
5) الحديد (57): 3
6) الكتاب المقدّس (العهد القديم): إشعيا - الإصحاح 44، الآية 6
نصراني، وأنّ يد الله مبسوطة، وأنّ الله غنيّ، إلى غير ذلك، قال تعالى: «يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ»(1)، وأنتم تشهدون بما يدلّ على صحّتها من كتابكم الذي فيه البشارة بها، أو بمثلها من آيات الأنبياء التي تقرّون بها(2).
كما قال تعالى: «قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ»(3).
وكذا يحذّرهم من كتمان الحقائق، وتلبيسها بالباطل وتفسيرها بغير ما يراد منها وإلقاء الشبه والتمويه على الناس، قال تعالى: «يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ»(4).
فنجد الآيات القرآنية تحذّرهم وبشدّة، ويذّكرهم الله تعالى عواقب عملهم هذا بقوله: «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ»(5).
فالله تبارك وتعالى يلعنهم، وعباد الله الصالحون وملائكته المقرّبون أيضاً يلعنونهم بسبب كتمانهم للحقيقة؛ وهي آيات الله المودعة عندهم والمتضمّنة للبشارات بنبوّة خاتم الرسل صلی الله علیه وآله وسلم، وما ذلك إلّا لأجل مصالحهم الشخصية، وتضليلهم الناس.
وقال تعالى في الذين يكتمون ما أنزل الله في التوراة والإنجيل من بعث الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم أنَّ أُولئك يشترون به ثمناً قليلاً من حطام الدنيا، وما يأكلون في بطونهم إلّا النار: «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً
أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»(1).
والله سبحانه وتعالى يخاطب اليهود والنصارى الذين عصوا الرسول صلی الله علیه وآله وسلم فيما أمرهم به، ودعاهم إليه فيقول: «يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ»(2).
فالرسول صلی الله علیه آله وسلم يبيّن لأهل الكتاب كثيراً ممّا كانوا يخفون من الكتاب، كبيانه فالرسول آيات النبوّة وبشاراتها، كما يشير إليه قوله تعالى: «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ»(3).
وقوله تعالى: «يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ»(4).
وقوله تعالى: «مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ... ذَلِكَ مَثَلُهُمْ في التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ»(5).
الاستسلام أمام الحقّ:
يقول «دوج آلوية»: وبمرور الزمن بدأت أشعر أن عقلي بدأ يستسلم للأدلّة التي يطرحها الإسلام، وأنّ العقائد الإسلامية أقرب إلى فطرتي وضميري، وأقدر على إشباع حالة افتقاري إلى إلهي وربّي، فمَن هنا وسّعت دائرة اهتمامي بالإسلام، وبدأت أنظر إليه كمنهج، بعيداً عن لحاظ مَن ينتمي إليه، فكانت نتيجة
أبحاثي الموضوعية أنّني وجدت الإرشادات الإلهية في الإسلام أكمل وأتمّ ممّا هي موجودة في المسيحية.
ثمّ بعد ذلك عمّقت صلتي بالقرآن، وبدأت أروي تربة وجودي القاحلة بماء عطائه المتدفّق؛ حتّى أخصبت وأينعت وأثمرت، وكان من ثمارها أن خشع قلبي، واستكانت جوارحي، فوجّهت وجهي للذي فطرني، نابذاً رداء الشرك، الذي كان أثقل كاهلي فيما سبق، فتحرّرت من أسر اتّباع الهوى، وأسلمت كياني الله سبحانه وتعالى، متّبعاً رسوله محمّداً صلی الله علیه وآله وسلم ومتمسّكاً بأهل بيته علیهم السلام.
ولدت في «فرنسا»، واصلت دراستها الأكاديمية حتّى حازت شهادة الديبلوم، نشأت في عائلة تدين بالدين المسيحي، حصل لها لقاء مع مسلمين أدى الى إعجابها بالإسلام.
من خصائص الإسلام:
مما يوجب إعجاب الباحثين في الإسلام ويثير انتباههم وخاصّة الطبقة المثقفة منهم هو: تقديم مصلحة عامّة الناس على المصالح الضيقة للطبقات المرفّهة، والذي تجسّد بكلّ أبعاده في حكومة الإمام أمير المؤمنين علیه السلام.
وهو ما أشار اليه علیه السلام في عهده لمالك الأشتر «وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ أَثْقَلَ عَلَى الْوَالِي مَؤُونَةٌ فِي الرَّخَاءِ، وَأَقَلَّ مَعُونَةٌ لَهُ فِي الْبَلَاءِ، وَأَكْرَهَ لِلْإِنْصَافِ، وَأَسْأَلَ بِالْإِلْحَافِ، وَأَقَلَّ شُكراً عِنْدَ الإِعْطَاءِ، وَأَبْطَأَ عُذْراً عِنْدَ الْمَنْعِ، وَأَضْعَفَ صَبْرًا عِنْدَ مُلِمَّاتِ الدَّهْرِ مِنْ أَهْلِ الْخَاصَّةِ»(1).
فالناس مع الحاكم صنفان: صنف يعيش في ظلّه ظله ونعيمه، يتمتّع بأمجاد الدولة وشرفها، ويعلو بسموّ منزلة السلطان وهيبته، وهم الخاصّة من كتّاب وولاة
1) تحف العقول: 128، نهج البلاغة 3: 86، الكتاب: 53
ووزراء وقضاة، ومن على شاكلتهم ممّن يعيش في هذه الساحة الملكية، وهذا الصنف من الناس يصفهم الإمام علیه السلام وكأنّه يقرأ نفوسهم عن قرب ويدخل إلى ضمائرهم ليعبّر عنها ضمن هذه الكلمات الموجزة، هذه الصفات يحملها هذا الصنف قديماً، كما يحملها نفس الصنف الآن، وفي هذا الزمن، ولكن على شكل أقبح وأبشع؛ إذ اليوم تحوّل رجال الحكم إلى تجّار سحت، وباعة ضمير، وواهبي كرامات، لم يعد للمبادىء والقيم والرسالات والمثل أي وزن أو قيمة. وهذا الصنف من الناس - وهم الحاشية الملكية والرئاسية - عند ما يكون الحاكم نافذ الكلمة مطاعاً بين الناس، مقبلة الدنيا عليه تراهم بأسرهم تحت أمره ونهيه، يخلصون له الودّ ويظهرون الحبّ والإخلاص، وتراهم تكثر شفاعاتهم لدى الوالي وتتعدّد طلباتهم عليه؛ لأنّ كلّ فرد في الحاشية له حاشية خاصة وزملاء وأصدقاء ومعارف وأحباب، وكلّ واحد يشفّعه في قضية ويسأله قضاء حاجة، ومن هنا يتوسّل إلى الحاكم الأعلى في قضائها وإنجازها، وهي ليست واحدة بل كثيرة وكثيرة.
وقد وصفهم أمير المؤمنين علیه السلام في هذه الرواية بصفات مذمومة تستلزم قلّة الاهتمام بهم:
أوّلاً: ما أشار إليه علیه السلام بقوله: «وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ أَثْقَلَ عَلَى الْوَالِي مَؤُونَةٌ فِي الرَّخَاءِ» لتكلّفه لهم ما لا يتكلّفه لغيرهم. ومن أمثلة كثرة المؤونة: ما رواه الجاحظ، قال: كان أبو دلامة بين يدي المنصور واقفاً - وأخبرني إبراهيم بن أيّوب، عن ابن قتيبة: أنّه كان واقفاً بين يدي السفّاح - فقال له: سلني حاجتك.
قال أبو دلامة: كلب أتصيّد به.
قال: أعطوه إيّاه.
قال: ودابّة أتصيّد عليها.
قال: أعطوه.
قال: وغلام يصيد بالكلب ويقوده.
قال: أعطوه غلاماً.
قال: وجارية تصلح لنا الصيد و تطعمنا منه.
قال: أعطوه جارية.
قال: هؤلاء يا أمير المؤمنين عبيدك فلابدّ لهم من دار يسكنونها.
قال: أعطوه داراً تجمعهم.
قال: فإن لم تكن لهم ضيعة فمن أين يعيشون؟!
قال: قد أعطيتك مائة جريب عامرة ومائة جريب غامرة.
قال: وما الغامرة؟
قال: ما لا نبات فيه.
فقال: قد أقطعتك أنا يا أمير المؤمنين خمسمائة ألف جريب غامرة من فيافي بني أسد.
فضحك وقال: اجعلوها كلّها عامرة.
قال: فأئذن لي أن أقبّل يدك.
قال: أمّا هذه فدعها.
قال: والله ما منعت عيالى شيئاً أقلّ ضرراً عليهم منها.
قال الجاحظ: فانظر إلى حدقه بالمسألة ولطفه فيها: ابتدأ بكلب فسهّل القصّة به، وجعل يأتى بما يليه على ترتيب وفكاهة، حتّى نال ما لو سأله بديهة لما وصل إليه(1).
1) الأغاني 10: 408
ثانياً: ما أشار إليه علیه السلام بقوله: «وَأَقَلَّ مَعُونَةٌ لَهُ فِي الْبَلاءِ» لمحبّتهم الدنيا وعزّة جانبهم، ومثله:
ما رواه أحمد بن سعيد الدمشقيّ، قال: حدّثني أبو دلامة، قال: أتي بي المنصور، أو المهديّ، وأنا سكران، فحلف ليخرجني في بعث حرب، فأخرجني مع روح بن حاتم المهلّبي لقتال الشُراة. فلمّا التقى الجمعان قلت لروح: أما والله لو أنّ تحتّى فرسك ومعي سلاحك لأثّرت في عدوّك اليوم أثراً ترتضيه!
فضحك وقال: والله العظيم لأدفعنّ ذلك إليك، ولآخذنّك بالوفاء بشرطك. ونزل عن فرسه ونزع سلاحه ودفعهما إليّ، ودعا بغيرهما فاستبدل به. فلمّا حصل ذلك في يدي وزالت عنّي حلاوة الطمع قلت له: أيّها الأمير، هذا مقام العائذ بك، وقد قلت بيتين فاسمعهما. قال هات.
فأنشدته:
إني استجرتك أن أقدّم في الوغى *** لتطاعن وتنازل وضرابِ
فهب السيوف رأيتها مشهورة *** فتركتها ومضيت في الهرّاب
ماذا تقول لما يجيء وما يرى *** من واردات الموت في النشّاب
فقال: دع عنك هذا وستعلم.
وبرز رجل من الخوارج يدعو للمبارزة، فقال: اخرج إليه يا أبا دلامة. فقلت: أنشدك الله أيّها الأمير في دمي. قال: والله لتخرجنّ. فقلت: أيّها الأمير فإنّه أوّل يوم من الآخرة وآخر يوم من الدنيا، وأنا والله جائع ما شبعت منّي جارحة من الجوع، فمر لي بشيء آكله ثم أخرج.
فأمر لي برغيفين ودجاجة، فأخذت ذلك وبرزت عن الصفّ. فلمّا رآني الشاري أقبل نحوي عليه فرو وقد أصابه المطر فابتلّ، وأصابته الشمس فاقفعلّ، وعيناه تقدان، فأسرع إليّ. فقلت له: على رسلك يا هذا كما أنت، فوقف. فقلت:
أتقتل من لا يقاتلك؟ قال: لا. قلت: أتقتل رجلاً على دينك؟ قال: لا. قلت: أفتستحلّ ذلك قبل أن تدعو من تقاتله إلى دينك؟ قال: لا، فاذهب عنّي إلى لعنة الله. قلت: لا أفعل أو تسمع منّي. قال: قل:
قلت: هل كانت بيننا قطّ عداوة أو تِرَة، أو تعرفني بحال تحفظك علَيّ، أو تعلم بين أهلي وأهلك وتراً؟
قال: لا والله.
قلت: ولا أنا والله لك إلا جميل الرأي، وأنّي لأهواك وأنتحل مذهبك وأدين دينك وأُريد السوء لمن أراده لك.
قال: يا هذا جزاك الله خيراً فانصرف.
قلت: إنّ معى زاداً أحبّ أن أكله معك، وأحبّ مواكلتك لتتوكّد المودّة بيننا، ويرى أهل العسكر هو انهم علينا.
قال: فافعل.
فتقدّمت إليه حتّى اختلفت أعناق دوابنا وجمعنا أرجلنا على معارفها والناس قد غلبوا ضحكاً. فلمّا استوفينا ودّعني. ثم قلت له: إنّ هذا الجاهل إن أقمت على طلب المبارزة ندبني إليك فتتعبني وتتعب. فإن رأيت ألّا تبرز اليوم فافعل.
قال: قد فعلت. ثم انصرف وانصرفت.
فقلت لروح: أمّا أنا فقد كفيتك قرني، فقل لغيري أن يكفيك قرنه كما كفيتك، فأمسك.
وخرج آخر يدعو إلى البراز، فقال لي: اخرج إليه. فقلت:
إني أعوذ بروح أن يقدّمني *** إلى البراز فتخزي بي بنو أسد
إنّ البراز إلى الأقران أعلمه *** مما يفرّق بين الروح والجسد
قد حالفتك المنايا إذ صمدت لها *** وأصبحت لجميع الخلق بالرصد
إنّ المهلّب حبّ الموت أورثكم *** وما ورثت اختيار الموت عن أحد
لو أنّ لي مهجة أُخرى لجدت بها *** لكنّها خلقت فرداً فلم أجد
فضحك وأعفاني(1).
ثالثاً: ما أشار إليه علیه السلام بقوله: «وَأَكْرَة لِلإنْصَافِ»، لزيادة أطماعهم في الدنيا على العامّة، ومن أمثلة ذلك:
ما روي من أنّ أبا دلامة شهد بشهادةٍ لجارة له عند ابن أبي ليلى على أتان نازعها فيها رجل، فلمّا فرغ من الشهادة قال: اسمع ما قلت قبل أن آتيك ثم اقضِ ما شئت.
قال: هات.
فأنشده:
إنّ الناس غطّوني تغطّيت عنهم *** وإن بحثوا عنّي ففيهم مباحث
وإن حفروا بئري حفرت بئارهم *** ليعلم يوماً كيف تلك النبائث
فقال ابن أبي ليلى للمرأة: أتبيعيني الأتان؟ قالت: نعم. قال: بكم. قالت: بمائة درهم. قال: ادفعوها إليها، ففعلوا، وأقبل على الرجل فقال: قد وهبت الأتان لك، وقال لأبي دلامة: قد أمضيت شهادتك ولم أبحث عنك، وابتعت ممّن شهدت له و وهبت ملكي لمن رأيت، أرضيت؟
قال: نعم. وانصرف(2).
رابعاً: ما أشار إليه علیه السلام بقوله: «وَأَسْأَلَ بِالْإِلْحَافِ» ؛ لأنّهم عند الحاجة إلى السؤال أشدّ جرأة على الوالي، وأطمع في الانة جانبه، ومن ذلك:
ما روي من أنّ مروان بن أبي حفصة أنشد الهادي:
تشابه يوماً بأسه ونواله *** فما أحد يدري لأيّهم الفضل
فقال له: أيّهما أحبّ إليك: أثلاثون ألفاً معجّلة أم مائة ألف تدوّن في الدواوين؟
فقال: له: أنت تحسن ما هو خير من هذا ولكنك نسيته، أفتأذن لي أن أُذکّرك.
قال: نعم.
قال: تعجّل لي الثلاثين ألفاً وتدوّن لي المائة ألف في الدواوين.
فضحك وقال: بل يعجّلان جميعاً. فحمل المال إليه أجمع(1).
خامساً: ما أشار إليه علیه السلام بقوله: «وَأَقَلَّ شُكراً عِنْدَ الْإعْطَاءِ»؛ لا عتقادهم زيادة إليها فضلهم على العامّة، وأنّهم أحقّ بما يعطونه ، واعتقادهم حاجة الوالي إليهم وتخوّفه منهم. قال ابن قتيبة: ودخل الحطيئة على عتيبة بن النهاس العجلي، فسأله فقال: ما عمل فأُعطيك من غدده، وما في مالي فضل عن قومي.
فلمّا خرج قال له رجل من قومه: أتعرفه؟ قال: لا.
قال: هذا الحطيئة.
فأمر بردّه، فلمّا رجع قال: إنّك لم تسلّم تسليم الإسلام، ولا استأنست استئناس الجار، ولا رحّبت ترحيب ابن العم.
قال: هو ذلك.
قال: اجلس، فلك:
ومن يجعل المعروف من دون عرضه *** يفره ومن لا يتّقِ الشتم يشتم
قال: ثم من.
1) الأغاني 10: 297
قال: أنا.
فقال عتيبة لغلامه: اذهب به إلى السوق فلا يُشيرنّ إلى شيء إلا اشتريته له.
فانطلق به الغلام، فجعل يعرض عليه الحبرة واليمنة وبياض مصر وهو يشير إلى الكرابيس والأكسية الغلاظ، فاشترى له بمائتي درهم، وأوقر راحلته برّاً وتمراً، فقال له الغلام: هل من حاجة غير هذا؟
قال: لا، حسبي.
قال: إنّه قد أمرني أن لا أجعل لك علّة فيما تريد.
قال: لا حاجة بي أن يكون لهذا يد على قومي أكثر من هذه.. ثم ذهب فقال:
سئلت فلم تبخل ولم تعط طائلاً *** فسيّان لا ذمّ عليك ولا حمد
وأنت امرؤ لا الجود منك سجيّة *** فتعطي وقد يعدو على النائل الوجد(1)
سادساً: ما أشار إليه علیه السلام بقوله: «وَأَبْطَاً عُذراً عِنْدَ الْمَنْعِ»، أي: أنّهم أقلّ مسامحة له إن اعتذر إليهم في أمر؛ لاعتقادهم فضيلة أنفسهم، وكونهم واجبي قضاء الحقوق.
سابعاً: ما أشار إليه علیه السلام بقوله: «وَأَضْعَفَ صَبْراً عِنْدَ مُلِمَّاتِ الدَّهْرِ»: التعوّدهم الترفّه، وجزعهم على ما في أيديهم من الدنيا.
النص الثاني: قوله علیه السلام: «ثُمَّ إِنَّ لِلْوَالِي خَاصَّةً(2)وبِطَانَةً(3)فِيهِمُ اسْتِثْتَارٌ(4)وَتَطاوُلٌ(5)وَقِلَّةُ إِنْصَافٍ فِي مُعَامَلَةٍ»(6).
من أصعب نواحي العدالة للولاة والحكّام والسلاطين والزعماء: العدالة في الأولياء، والأحبّاء والأقرباء والأرحام من حيث منعهم عن الظلم بالرعيّة؛ اعتماداً على تقرّبهم بالحاكم ومن بيده الأمر والنهي، وقد اهتمّ النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم بذلك فمنع بني عبد المطّلب من تصدّي العمل في جمع الصدقات لئلّا يختلسوا منها شيئاً بتزلّفهم إلى النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم.
ففي صحيحة عيص بن القاسم، عن أبي عبد الله علیه السلام، قال: إنّ أُناساً من بني هاشم أتوا رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فسألوه أن يستعملهم على صدقات المواشي، وقالوا: يكون لنا هذا السهم الذي جعله الله للعاملين عليها؛ فنحن أولى به. فقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: يا بني عبد المطّلب! إنّ الصدقة لا تحلّ لي ولا لكم، ولكنّي قد وعدت الشفاعة.
ثم قال أبو عبد الله علیه السلام: والله لقد وعدها صلی الله علیه وآله وسلم، فما ظنّكم يا بني عبد المطّلب إذا أخذت بحلقة باب الجنّة، أتروني مؤثراً عليكم غيركم؟!(1)
وقد حفظت هذه السيرة النبويّة المقدّسة في صدر الإسلام شيئاً ما حتّى وصلت النوبة إلى عثمان، فحكّم ذوي قرابته من بني أُميّة على رقاب المسلمين، وسلّطهم على أموالهم، فكان يعطي العطايا الجزيلة لهم من بيت مال المسلمين، ويقطع الأقطاع لهم من أراضي المسلمين، وهتك حجاب العدل، فأقطع مروان بن الحكم من فدك الّتي أخذها أبوبكر من فاطمة علیها السلام بحجّة مختلقة من أنّها فيء لجميع المسلمين وصدقة مرجوعة إليهم.
ثمّ شاع أمر الأقطاع في حكّام الجور إلى أن أعطى المنصور العبّاسي جمعاً من بطانته قطائع من أراضي بغداد، أكثر هم حظّاً من ذلك: الربيع الحاجب، المتهالك في خدمته، والفاتك بأعدائه وأهل ريبته كائناً من كان، حتّى بالنسبة إلى
1) الكافي 4: 58
الأئمّة المعصومين علیهم السلام.
وقد أكثر حكّام بني أُميّة أيّام إمارتهم من أقطاع القطائع وغصب أراضي المسلمين إلى حيث ملؤوا صدور المسلمين غيظاً وكرهاً على حكومتهم.
والسؤال: ما هي الطريقة المثلى التي جعلها الإمام أمير المؤمنين علیه السلام للتعامل مع الخاصّة؟
يتضح الجواب في قوله علیه السلام: «فَاحْسِمْ(1)مَادَّةً(2)أُولَئِكَ بِقَطْعِ أَسْبَابِ(3)تِلْكَ الْأَحْوَالِ، وَلَا تُقْطِعَنَّ(4)لِأَحَدٍ مِنْ حَاشِيتِكَ وَحَامَّتِكَ(5)قَطِيعَةٌ، وَلَا يَطْمَعَنَّ مِنْكَ فِي اعْتِقَادِ عُقْدَةٍ(6)تَضُرُّ بِمَنْ يَلِيهَا مِنَ النَّاسِ فِي شِرْبٍ(7)أَوْ عَمَلٍ مُشْتَرَكٍ، يَحْمِلُونَ مَؤُونَتَهُ عَلَىٰ غَيْرِهِمْ فَيَكُونَ مَهْنَأُ ذَلِكَ لَهُمْ دُونَكَ، وَعَيْبُهُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»(8).
إنّ الإمام عليّ علیه السلام ينبّه الوالي في تعاليمه إلى أن يقطع سبب طمع الخاصّة والبطانة، فلا يقطعنّ لأحد منهم أرضاً تضرّ بمصالح المسلمين ومنافعهم، فإنّ الحاشية والخواصّ يطمعون في أحسن الأراضي وأخصبها، وأشدّها منفعة ودرّاً، وإن كان في ذلك مضرّة على المسلمين، فإنّ الوالي إذا فعل ذلك يكون آثماً ومعيباً عليه في الدنيا والآخرة.
1) حسمت الأمر: أي: قطعته حتى لم يظفر منه بشيء، ومنه سمّي السيف: حساماً؛ لأنّه يحسم العدو عمّا يريد، أي: يمنعه. كتاب العين 3: 153
2) المّادة: كلّ شيء يكون مدداً لغيره، ويقال: دعوا في الضرع مادّة اللبن، والمتروك في الضرع هو: الداعية، وما اجتمع إليه هو: المادة. كتاب العين 8: 16
3) السبب: الطريق؛ لأنّك تصل به إلى ما تريد. كتاب العين 7: 204
4) أقطعه نهراً: أباحه له. لسان العرب 8: 280
5) الحامّة: خاصّة الرجل من أهله وولده وذوي قرابته. كتاب العين 3: 33
6) عقدة كلّ شيء إبرامه وعقدة النكاح: وجوبه. وعقدة البيع: وجوبه والعقدة: الضيعة، ويجمع على عقد. كتاب العين 1: 140
7) الشرب بالكسر: الماء بعينه، وهو الحظ والنصيب ترتيب إصلاح المنطق: 210
8) نهج البلاغة 3: 104، الكتاب: 53
وقد عرف علیه السلام ما لحق من الأضرار بالاسلام من استئثار خاصّة الوالي وبطانته وأن فيهم تطاول وقلّة إنصاف، فأمر الوالى بقطع مادّة الفساد، ونهاه مؤكّداً إقطاع الأراضي لحاشيته وقرابته، وأضاف إليه أن لا يسلّطهم على ما يمسّ بالرعيّة، بواسطة عقد إجارة، أو تقبّل زراعة الأراضي ونحوهما، لئلّا يظلمهم، وأشار إلى أنّ ذلك صعب، فأمره بالصبر وانتظار العاقبة المحمودة، لإجراء هذه عن العدالة الشاقّة عليه.
تقديم رضى الرعية على مصلحة الخواص:
وهو ما أشار اليه علیه السلام بقوله: «وَلْيَكُنْ أَحَبَّ الْأُمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ، وَأَعَمُّهَا فِي الْعَدْلِ، وَأَجْمَعُهَا لِرِضًا الرَّعِيَّةِ، فَإِنَّ سُخَطَ الْعَامَّةِ يُجْحِفُ بِرِضًا الْخَاصَّةِ، وَإِنَّ سُخْطَ الْخَاصَّةِ يُعْتَقَرُ مَعَ رِضًا الْعَامَّةِ»(1).
هناك صنف آخر وهم العامّة الذين يشكّلون الصفوف البشرية المواجّة، الذين لا ينعمون بهذه الأُمور، ولا يلحقهم كلّ ذلك الخير والإحسان، وإنّما يطالهم القانون العام والرحمة العامّة، من شقّ الطرقات، وفتح المدارس، وإنشاء المستشفيات، وغيرها من المشتركات، وهذا الصنف من الناس يكون أشدّ وفاءً للحاكم، وأخلص له من الخاصّة - إذا كان الحاكم عادلاً مخلصاً - لأنّ إخلاصه - ووفاءه إنّما ينبع من إخلاص الحاكم ووفائه..
فهذه الجماهير - أو العامّة - يجب أن يكون همّ الحاكم إحراز رضاها، وتحقيق رفاهيتها وسعادتها، وإن غضبت الحاشية ولم ترضَ بذلك؛ فإنّ رضا العامّة يجبر سخط الخاصّة، بينما رضا الخاصّة - باعتبارهم انتهازيين نفعيين - لا يفيد مع سخط العامّة.
1) تحف العقول: 128
فالحاكم يجب أن يكون نظره متوجّهاً نحو هذا الصنف؛ فإنهّم السدّ المنيع في وجه الأعداء؛ والقوّة الضاربة لكلّ شرّ و فساد وما اكتسب سلطان ودّهم وعطفهم إلا ظفر وانتصر.
المفاهيم السامية في الإسلام:
عندما اتضحت ل«دومينيكو» مفاهيم الإسلام السامية، والتي تمثّلت في سيرة ومنهج أمير المؤمنين علیه السلام اعتنقت الإسلام ومذهب أهل بيت العصمة والطهارة علیهم السلام(1).
1) راجع معرفة تحليلية عن الإسلام وبعض الأديان والمذاهب: 660
الصورة
ولد في «فرنسا»، ودرس في المدارس الأكاديمية حتى حاز شهادة الليسانس، واجه في حياته كثيراً من الشبهات الاعتقادية، فتوجّه إلى البحث في هذه الأمور في مختلف الديانات، بما فيها الإسلام، ما أدّى إلى التعرّف على مبانيه، وانفتاح آفاقه، وانجذابه إليه، واعتناق هذا الدين الحنيف(1).
أسباب البحث:
نشأ «سيلفا» في أُسرة مسيحية، فاعتنق هذه الديانة، كبقية المسيحيين، تقليداً لآبائه، إلا أنّه كانت تحدث بين الحين والآخر صراعات في داخله، بسبب شبهات وجدها في مذهبه وديانته. فالشبهات التي تُلقي بظلالها على الباحث المسيحي تارة تكون حول المسيح نفسه؛ ماذا يقول المسيحيون عنه؟ أهو بشر؟ أم ملك؟ أم هو ابن الله؟ أم هو الله نفسه، وأُخرى في ما يقوم به المسيحيون من أعمال، من غسل التعميد، وكرسي الاعتراف، وصكوك الغفران، وثالثة في رفع بعض المسائل الأخلاقية، كحلّيّة الربا وشرب النبيذ.. إلى غير ذلك من الشبهات الكثيرة التي تتوارد في نفس الباحث حتّى تتراكم عليه، فيتوجه إلى البحث
1) نقلاً عن: معرفة تحليلية عن الإسلام وبعض الأديان والمذاهب: 656
والتحقيق في إطار عقيدته، وعندما لم يجد فيها سوى ما يزيده حيرة واضطراباً يوسّع دائرة بحثه ويتوجّه إلى دراسة الأديان الأخرى.
التثليث عند المسيح:
عرّف المسيحيون قانون الإيمان بقاعدة التثليث بقولهم: «نؤمن بإله واحد الأب والابن والروح القدس، إله واحد، جوهر واحد، متساوين في القدرة والمجد».
في طبيعة هذا الإله الواحد تظهر ثلاثة خواص في صورة شخصيات (أقانيم) متساوية(1).
فالحقيقة إنّ المسيحيين يعتقدون أن الآلهة الثلاث (الله، المسيح، الروح القدس) هذه الثلاثة يشكّلون حقيقة واحدة، فالله هو المسيح ابن مريم، والمسيح ابن مريم هو الله، وإنّ هذين الاثنين يشكّلان مع روح القدس حقيقة واحدة في ذوات ثلاثة متعدّدة، فهم في الوقت الذي يعتقدون حقّاً بتثليث الأرباب، يؤمنون أيضاً بالوحدة الحقيقيّة، قائلين أنّ ثلاثة حقيقيين يؤلّفون حقيقة واحدة، مع تعدّدهم الحقيقي هم واحد، ويعبّرون عن ذلك أحيانا ب «الوحدة في التثليث».
والظاهر أنّ هذه النظرية المسيحية - وهي الاعتقاد بالتثليث - عامة بين المسيحيين كافّة في زماننا هذا؛ وذلك أنّ تاريخ المسيحية يشهد بوضوح على مدى الاختلاف الذي حصل بعد المسيح علیه السلام فيما يرتبط به، وبمسألة التوحيد، هذه الاختلافات التي ازدادت حدّتها خلال سنوات قليلة من بعد السيد المسيح علیه السلام، وقد جمع الإمبراطور الروماني قسطنطين مجمعاً من الأساقفة، وهو أحد المجامع الثلاثة الشهيرة، بلغ عدد أعضائه ألفين ومائة وسبعين أُسْقُفاً، وعندما طرحت مسألة المسيح للبحث أظهر العلماء الحاضرون وجهات نظر مختلفة تماماً، وكان
1) قاموس الكتاب المقدّس، مجمع الكنائس الشرقية: 232
لكلّ مجموعة عقيدتها، فاختلفوا في عيسى اختلافاً شديداً، وقالت كلّ فرقة فيه قولاً:
قال بعضهم: هو الله هبط إلى الأرض، فأحيا مَن أحيا، وأمات مَن أمات، ثمّ صعد إلى السماء!
وقال بعضهم: هو ابن الله!
وقال بعضهم: هو أحد الأقانيم الثلاثة: الأب والابن والروح القدس!
وقال بعضهم: هو ثالث ثلاثة: الله إله، وهو إله، وأُمّه إله.
وقال بعضهم: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته.
وقالت فرق أُخرى أقوالاً أُخرى، ولم يجتمعوا على مقالة واحدة، ولم تتّفق الآراء على أيّ من هذه العقائد، وقد حازت إحدى الآراء على العدد الأكبر من الأصوات حيث بلغت أصواتهم أكثر من ثلاثمائة وثمانية أصوات اتّفقوا على قول واحد، فمال إليه الإمبراطور، وقبله كرأي حصل على أكثرية نسبية، ونصر أصحابه، ودافع عنه باعتباره الدين الرسمي، وطرح الباقي جانباً، وطرد الآخرين، وشرّد المعارضين، وخاصّة الموحّدين، الذين صاروا في الأقلّية؛ لقلّة ناصريهم(1).
وكلمة «التثليث» أو «الثالوث» لم ترد في الكتاب المقدس، ويُظنّ أنّ أوّل من صاغها واخترعها واستعملها هو «ترتليان» في القرن الثاني للميلاد.
ثمّ ظهر «سبيليوس» ببدعته في منتصف القرن الثالث، وحاول أن يفسر هذه العقيدة بقوله: «إنّ التثليث ليس أمراً حقيقاً في الله، لكنّه مجرّد إعلان خارجي، فهو حادث مؤقّت وليس أبدياً».
ثمّ ظهرت بدعة «أريوس» الذي نادى بأنّ الأب وحده هو الأزلي بينما
1) راجع: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: 452
الابن والروح القدس مخلوقان متميزان عن سائر الخليقة.
وأخيراً ظهر «أثناسيوس» داحضاً هذه النظريات، وواضعاً أساس العقيدة التي قبلها واعتمدها مجمع نيقية عام 325 ميلادية.
ولقد تبلور قانون الإيمان «الأثناسيوسي» على يد «أغسطينوس» في القرن الخامس، وصار القانون عقيدة الكنيسة الفعلية من ذلك التاريخ إلى يومنا هذا. ولا يستطيع دارس هذه العقيدة أن ينسى «جون كلفن»، الذي عاش في القرن السادس عشر، ونبر على التساوي التام بين الأقانيم الثلاثة في هذه العقيدة، التي يلزمها مثل هذا التنبير من وقت إلى آخر على مرّ الزمن(1).
عقيدة التثليت من منظار عقلي:
عقيدة التثليث من المسائل الأساسية التي تبنى عليها عقيدة المسيحيين، ولا مناص لأيّ مسيحي من الاعتقاد بها؛ لأنّها - على حدّ زعمهم - من المسائل التعبّدية التي لا تدخل في نطاق التحليل العقلي، وأنّ التصورات البشرية عاجزة عن الوصول إلى فهمها، وبعبارة أخرى إن المقاييس التي تنبع من العالم هي مقاييس مادية تمنع من إدراك حقيقة التثليث؛ إذ حقيقته فوق المقاييس المادية، والإدراك البشري؛ كونها ليست وليدة التفكير البشري بل إعلان سماوي يقدمه الوحي المقدس، والتجارب البشرية مقصورة بالمحدود، فإذا قال الله بأنّ طبيعته غير المحدودة تتألف من ثلاثة أشخاص، لزم قبول ذلك؛ إذ لا مجال للمناقشة في ذلك، وإن لم يكن هناك أيّ مقياس لمعرفة معناه، بل يكفي في ذلك ورود الوحي على أنّ هؤلاء الثلاثة يؤلِّفون بصورة جماعية «الطبيعة الإلهية اللامحدودة»!!
وأنّهم رغم تشخص كلّ واحد منهم وتميّزه عن الآخرين غير منفصلين ولا يتميز أحدهم عن الآخر رغم أنّه ليست بينهم أيّة شركة في الإلوهية، بل كلّ واحد
1) راجع: قاموس الكتاب المقدّس: 232 - 233
منهم إله مستقلّ بذاته، ومالك بانفراده لكامل الإلوهية!!!
فالأب مالك - بانفراده - لتمام الإلوهية، وكاملها متحقّق فيه دون نقصان، والابن كذلك مالك - بانفراده - لتمام الإلوهية، وكامل الإلوهية متحقّق فيه دون نقصان، وروح القدس هو أيضاً مالك - بانفراده لكامل الإلوهية، وإنّ الإلوهية بتمامها متحقّقة فيه دون نقصان.
هذه العبارات وما يشابهها من التوجيهات للتثليث المسيحي توحي بأنّهم يعدّون مسألة التثليث فوق الاستدلال والبرهنة العقلية، وأنّها بالتالي «منطقة محرّمة» على العقل، فلا يمكن الاستدلال الصحيح عليها، بل مستند ذلك الوحي والنقل ليس إلّا.
ولهذا ينبغي قبل أي شيء - أن نبحث أوّلاً في الأدلّة النقلية، فانهم وإن كانوا يستندون في هذه الفكرة إلى النقل، ولكن ليس للتثليث أيّ مستند نقلي معتبر..
أمّا «الأناجيل» الأربعة الفعلية فليست بمعتبرة إطلاقاً؛ إذ لا تشبه الوحي بل تدلّ طريقة كتابتها على أنّها من بقايا أدب القرن الأوّل والثاني الميلاديين، وهذا يعني عدم كونها متعلّقة بفجر المسيحية حقيقةً.
ثمّ إنّ عالم ما وراء الطبيعة وإن كان لا يمكن أن يقاس بالأُمور الماديّة المألوفة، ولكنّه ليس بمعنى أنّ ذلك العالم فوضى وخلوّ من المعايير، بل لكلِّ مقياسه الخاص، والدليل على ذلك: أنّ هناك سلسلة القضايا العقلية التي لا تقبل النقاش والجدل تحكم - على حد سواء - في عالم المادة، وعالم ما وراء المادة، كمسألة احتياج كلّ معلول إلى علّة، ومسألة امتناع اجتماع النقيضين، إلى غير ذلك من القواعد العامة الحاكمة في عالمي المادة والمعنى.
وعلى ذلك إذا أبطلت البراهين العقلية مسألة التثليث لم يعد مجال للاستناد
بالأدلّة النقلية، بل يتعيّن أن نقرّ ببطلان النصوص هذه، ونذعن بأنّها ليست من كلام الله ووحيه؛ إذ كيف يجوز للوحي أن يخالف ما هو مسلّم عقلاً؟!
إذا عرفت هذا، حان الوقت لأن نعرف حقيقة الأمر من وجهة نظر العقل.
هل يمكن أن يكون الإله واحد وثلاثة في آن واحد؟
ونحن نتساءل ما هو مقصودكم من الآلهة الثلاثة؟ والواقع أنّ للتثليث صورتين لا يناسب أيّ منهما المقام الربوبي:
1 - أن يكون لكلّ واحد من هذه الآلهة الثلاثة وجود مستقل عن الآخر بحيث يظهر كلّ واحد منها في تشخّص ووجود خاص ، فكما أنّ لكلّ فرد من أفراد البشر وجوداً خاصّاً، كذلك يكون لكلّ واحدٍ من هذه الأقانيم أصل مستقلٌّ وشخصية خاصّة، متميزة عمّا سواها.
غير أنّ هذا هو «الشرك» الجاهلي الذي كان سائداً في عصر الجاهلية في صورة تعدّد الآلهة، وقد تجلّى في النصرانية في صورة التثليث! ولكن دلائل «التوحيد» قد أبطلت أي نوع من أنواع «الشرك» من الثنوية والتثليث في المقام الإلوهي والربوبي.
والعجيب - حقاً - أنّ مخترعى هذه البدعة من رجال الكنيسة يصرّون بشدّة على أن يوفّقوا بين هذا «التثليث» و «التوحيد» بالقول بأنّ الإله حال كونه ثلاثة واحد، وحال كونه واحداً ،ثلاثة وهل هذا إلّا تناقض فاضح؟! إذ لا يساوي الواحد مع الثلاثة في منطق أيٍ مِن البشر!! وليس لهذا التأويل سبب غير أنّهم لمّا واجهوا - من جانب - أدلّة التوحيد اضطروا إلى الإذعان بوحدانية الله تعالى.
ولكنهم من جانب آخر لمّا خضعوا للعقيدة الموروثة (أي: عقيدة التثليث) التي ترسّخت في قلوبهم أيّما ،رسوخ، أصبحوا غير قادرين على التخلّص منها، والتملّص من حبائلها، فالتجؤوا إلى الجمع بين التوحيد والتثليث، وقالوا: إنّ الإله
واحد في ثلاثة وثلاثة في واحد!! أقانيم ثلاثة أم شركة مساهمة؟!
هناك تفسير آخر للتثليث، وهو أن يقال: إنّ الأقانيم الثلاثة ليست بذواتِ لكلّ منها وجود مستقلّ، بل هي بمجموعها تؤلّف ذات إله الكون الواحد، فلا يكون أيّ واحد من هذه الأجزاء والأقانيم إله بمفرده، بل الإله هو المركّب من هذه الأجزاء الثلاثة.
ويرد على هذا التفسير أن معنى هذه المقالة هو كون الله «مركّباً» محتاجاً في تحقّقه وتشخّصه إلى أجزاء ذاته (أي: هذه الأقانيم الثلاثة) بحيث ما لم تجتمع لم يتحقّق وجود الله.
وعندئذٍ يواجه أرباب الكنيسة والنصارى إشكالات أكثر وأكبر من ذي قبل:
ألف - أن يكون إله الكون محتاجاً في تحقّق وجوده إلى الغير (وهو كلّ واحد من هذه الأقانيم باعتبار أنّ الجزء غير الكلّ)، في حين أنّ المحتاج إلى الغير لا يمكن أن يكون إلهاً واجب الوجود، بل يكون حينئذٍ ممكناً مخلوقاً محتاجاً إلى مَن يرفع حاجته كغيره من الممكنات، بل يلزم كون الأجزاء الممكنة مخلوقة لله سبحانه من جانب، والإله المتكوّن منها مخلوقاً لها من جانب آخر.
ب - إمّا أن تكون هذه الأجزاء ممكنة الوجود أو واجبة، فعلى الأوّل: يلزم احتياج الواجب (أعني: الكلّ) إلى الأجزاء الممكنة، وعلى الثاني: يلزم تعدّد واجب الوجود، وهو محض الشرك، وعندئدٍ فلا مناصّ من أن يكون ذلك الإله الخالق بسيطاً غير مركّب من أجزاء وأقانيم.
ج - إنّ القول: بأنّ في الطبيعة الإلهية أشخاصاً ثلاثة، وأن كلّ واحد منها يملك تمام الإلوهية، معناه: أن يكون لكلّ واحد من هذه الثلاثة وجود مستقل، مع أنّهم يقولون: إنّ طبيعة الثالوث لا تقبل التجزئة.
وبتعبير آخر: يوجد تناقض واضح بين هذين الكلامين، أي استقلال كلّ إقنوم بالطبيعة الإلوهية، وعدم قبول طبيعة الثالوث للتجزئة.
د - إذا كانت شخصية الابن إلهاً (أي أحد الآلهة) فلماذا كان يعبد الابن أباه؟ وهل يعقل أن يعبد إله إلهاً آخر مساوياً له، وأن يمدّ إليه يد الحاجة، أو يخضع أحدهما للآخر، ويخفض له جناح التذلّل والعبودية وكلاهما إلهان كاملا الألُوهية؟!
هذا حقّ المقال بشأن التثليث، ومن العجب أنّ أحد القسّيسين القدامى وهو «أوغسطين» قال: أؤمن بالتثليث؛ لأنّه محال(1).
فعقيدة التثليث باطلة للوجوه التالية:
1 - إنّ مراتب الأعداد متضادّة، واجتماع الضدّين محال، كالواحد والثلاثة؛ فكيف يمكن أن يكون الثلاثة واحداً، والواحد ثلاثة؟!
2 - عقيدة التثليث تستلزم الاعتقاد بخمسة آلهة، بل الاعتقاد بعدد غير متناه من الآلهة - كما روي عن الإمام الصادق علیه السلام في ردّه أحد الزنادقة في توحيد الصدوق: «... ثمّ يلزمك إن ادّعيت اثنين، فلابدّ من فرجة بينهما حتّى يكونا اثنين، فصارت الفرجة ثالثاً بينهما، قديماً معهما، فيلزمك ثلاثة، فإن ادّعيت ثلاثة لزمك ما قلنا في الاثنين حتّى يكون بينهم فرجتان فيكون خمساً، ثمّ يتناهى في العدد إلى ما لا نهاية في الكثرة»(2)- فلا مناصّ لهم من الالتزام بالآلهة غير المتناهية.
3 - عقيدة التثليث تستلزم التركيب، والتركيب يحتاج إلى أجزاء، وإلى مُن يركّبها.
4 - عقيدة التثليث تستلزم اتّصاف خالق العدد بالمخلوق؛ لأنّ العدد
والمعدود مخلوقان، والله تعالى منزّه عن أن يكون معدوداً حتّى بالوحدة العددية؛ لأنّ الواحد العددي له ثان، والله لا ثاني له(1).
فمسألة تثليث الوحدة أمر غير معقول، لكنّهم اعتذروا عنه بأنّه من المسائل الدينية التي يجب أن تُقبل تعبّداً، فكم في الأديان من مسألة تعبّدية تستحيلها العقول؟! وهو من الظنون الفاسدة المتفرّعة على أصلهم الفاسد..
وكيف يتصوّر وقوع مسألة مستحيلة في دين حقّ؟ ونحن إنّما نقبل الدين ونميّز كونه دین حقّ بالعقل!
وكيف يمكن عند العقل أن تشتمل العقيدة الحقّة على أمر يبطله العقل، ويستحيله؟! وهل هذا إلا تناقض صريح.
نعم يمكن أن يشتمل الدين على ممكن يخرق العادة الجارية والسُنّة الطبيعية القائمة، وأمّا المحال الذاتي فلا البتة(2).
منشأ تسرّب التثليث إلى النصرانية:
إنّ التاريخ البشري يرينا أنّه طالما عمد بعض أتباع الأديان، بعد وفاة أنبيائهم أو عند غيابهم، إلى الشرك والوثنية، وبذلك كانوا ينحرفون عن جادة التوحيد، الهدف الأساس والغاية القصوى وراء بعثهم علیهم السلام.
إنّ عبادة بني إسرائيل للعجل في غياب موسى علیه السلام، أفضل نموذج لِما ذكرناه، وهو ممّا أثبته القرآن والتاريخ، وعلى هذا فلا داعي للعجب إذا رأينا تسرّب خرافة التثليث إلى العقيدة النصرانية بعد ذهاب السيّد المسيح علیه السلام وغيابه عن أتباعه.
إنّ تقادم الزمن رسّخ موضوع التثليث وعمّقه في قلوب النصارى وعقولهم،
بحيث لم يستطع أكبر مصلح مسيحي، أعني: لوثر، الذي هذّب العقائد المسيحية من كثير من الأساطير والخرافات، وأسّس المذهب البروتستاني، أن يبعد مذهبه عن هذه الخرافة.
إنّ القرآن الكريم يصرّح بأنّ التثليث دخل النصرانية، من المذاهب السابقة عليها بعد رفع المسيح علیه السلام؛ يقول تعالى: «وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ»(1)وقد أثبتت الأبحاث التاريخية أنّ هذا التثليث كان في الديانة البرهمانية قبل ميلاد السيّد المسيح علیه السلام بمئات السنين؛ فقد تجلّى الربّ الأزلي الأبدي لديهم في ثلاثة مظاهر وآلهة:
1 - براهما (الخالق).
2 - فيشنو (الواقي).
3 - سيفا (الهادم).
وقد تسرّبت من هذه الديانة البراهمانية إلى الديانة الهندوكية، ويوضّح الهندوس هذه الأُمور الثلاثة في كتبهم الدينية على النحو التالي: «براهما» هو المبتدئ بإيجاد الخلق، وهو دائماً الخالق اللاهوتي، ويسمّى: الأب، «فيشنو» هو الواقي، الذي يسمّى عند الهندوكيين: الابن، الذي جاء من قبل أبيه، و«سيفا» هو المفني الهادم، المعيد الكون إلى سيرته الأولى.
وبذلك يظهر قوّة ما ذكره الفيلسوف الفرنسي «غستاف لوبون» إذ قال: «لقد واصلت المسيحية تطوّرها في القرون الخمسة من حياتها، مع أخذ ما تيسّر من المفاهيم الفلسفية والدينية اليونانية والشرقية، وهكذا أصبحت خليطاً من المعتقدات المصرية والإيرانية التي انتشرت في المناطق الأُوربية في حدود القرن
1) التوبة (9): 30
الأوّل الميلادي، فاعتنق الناس تثليثاً جديداً مكوّناً من: الأب والابن وروح القدس، مكان التثليث القديم المكون من «نروبي تر» و «وزنون» و «نرو»(1).
احتجاج القرآن على مذهب التثليث:
يردّ القرآن الكريم قول المثلِّثة من طريقين، أحدهما: الطريق العام؛ وهو بيان استحالة الابن عليه تعالى في نفسه، أي سواء كان عيسى هو الابن أو غيره. والآخر: الطريق الخاص؛ وهو بيان أنّ عيسى بن مريم ليس ابناً إلهاً، بل عبد مخلوق.
الطريق الأوّل: فتوضيحه أنّ حقيقة البنوّة والتولّد هو أن يجزّء واحد من هذه الموجودات الحية المادّية، كالإنسان والحيوان بل النبات أيضاً، شيئاً من مادّة نفسه، ثمّ يجعله بالتربية التدريجية فرداً آخر من نوعه مماثلاً لنفسه، يترتّب عليه من الخواصّ والآثار ما كان يترتّب على المجزى منه كالحيوان يفصل من نفسه النطفة، والنبات يفصل من نفسه اللقاح، ثمّ يأخذ في تربيته تدريجاً حتّى يصيّره حيواناً أو نباتاً آخر مماثلاً لنفسه، ومن المعلوم أنّ الله سبحانه يمتنع عليه ذلك:
أمّا أوّلاً: فلاستلزامه الجسمية المادّية، والله سبحانه منزّه من ولوازمها الافتقارية، كالحركة والزمان والمكان وغير ذلك.
وأمّا ثانياً: فلأن الله سبحانه لإطلاق إلوهيّته وربوبيّته له القيومية المطلقة على ما سواه، فكلّ شيء سواه مفتقر الوجود إليه، قائم الوجود به، فكيف يمكن فرض شيء غيره يماثله في النوعية يستقلّ عنه بنفسه، ويكون له من الذات والأوصاف والأحكام ما له من غير افتقار إليه.
وأمّا ثالثاً: فلأنّ جواز الإيلاد والاستيلاد عليه تعالى يستلزم جواز الفعل التدريجي عليه، وهو يستلزم دخوله تحت ناموس المادّة والحركة، وهو خلف، بل
1) راجع: الإلهيّات للشيخ السبحاني: 368 - 369
ما يقع بإرادته ومشيته تعالى، إنّما يقع من غير مهلة وتدريج.
وهذا البيان هو الذي يفيده قوله تعالى: «وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَاتِتُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ»(1).
وعلى ما قرّبناه فقوله: «سُبْحَانَهُ» برهان، وقوله: «لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ...» برهان آخر، وقوله: «بَدِيعُ...» برهان ثالث.
ويمكن أن يجعل قوله: «بَدِيعُ...» من قبيل إضافة الصفة إلى فاعلها، ويستفاد منه أنّ خلقه تعالى على غير مثال سابق، فلا يمكن منه الإيلاد؛ لأنّه خلق على مثال نفسه؛ لأن مفروضهم العينيّة، فتكون هذه الفقرة وحدها برهاناً آخر.
ولو فرض قولهم: «اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا» كلاماً ملقى لا على وجه الحقيقة بل على وجه التوسّع في معنى الابن والولد بأن يراد به انفصال شيء عن شيء يماثله في الحقيقة من غير تجزٍّ مادّي أو تدريج زماني - وهذا هو الذي يرومه النصارى بقولهم المسيح ابن الله ليتخلّصوا بذلك عن إشكال الجسمية والمادّية والتدريج - لكن يبقى إشكال المماثلة.
توضيحه: إنّ إثبات الابن والأب إثبات للعدد بالضرورة، وهو إثبات للكثرة الحقيقية، وإن فُرضت الوحدة النوعية بين الأب والابن، كالأب والابن من الانسان فهما واحد في الحقيقة الإنسانية، وكثير من حيث أنّهما فردان من الإنسان، وعلى هذا فلو فرض وحدة الإله كان كلّ ما سواه، ومن جملتها الابن غيراً له، مملوكاً مفتقراً إليه، فلا يكون الابن المفروض إلهاً مثله، ولو فرض ابن مماثل له غير مفتقر إليه، بل مستقلّ مثله، بطل التوحيد في الإله عزّ اسمه.
وهذا البيان هو المدلول عليه بقوله تعالى: «وَلَا تَقُولُواْ ثَلَاثَةُ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ
1) البقرة (2): 116 - 117
إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهُ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً»(1).
الطريق الثاني: وهو بيان أن شخص عيسى بن مريم علیه السلام ليس ابنا الله، مشاركاً له في الحقيقة الإلهية؛ لِما كان فيه من البشرية ولوازمها.
وتوضيحه: إنّ المسيح علیه السلام حملت به مريم وربّته جنيناً في رحمها، ثمّ وضعته وضع المرأة ولدها، ثمّ ربّته كما يتربّى الولد في حضانة أُمّه، ثمّ أخذ فى النشوء، وقطع مراحل الحياة، والارتقاء في مدارج العمر من الصبا والشباب والكهولة، وفي جميع ذلك كان حاله حال إنسان طبيعي في حياته، يعرضه من العوارض والحالات ما يعرض الإنسان من جوع وشبع، وسرور ومساءة، ولذّة وألم، وأكل وشرب، ونوم ويقظة، وتعب وراحة، وغير ذلك.
فهذا ما شوهد من حال المسيح علیه السلام حين مكته بين الناس، ولا يرتاب ذو عقل أنّ من كان هذا شأنه، فهو إنسان كسائر الناس من نوعه، وإذا كان كذلك فهو مخلوق مصنوع كسائر أفراد نوعه.
وأمّا صدور الخوارق و تحقّق المعجزات على يده، كإحياء الأموات، وخلق الطير، وإبراء الأكمه والأبرص، وكذا تحقّق الخوارق من الآيات في وجوده كتكوّنه من غير أب، فإنّما هي أُمور خارقة للعادة المألوفة، والسُنّة الجارية في الطبيعة؛ فإنّها نادرة الوجود لا مستحيلته، فهذا آدم علیه السلام تذكر الكتب السماوية أنّه خلق من تراب، ولا أب له، وهؤلاء أنبياء الله صالح وإبراهيم وموسى علیهم السلام جرت على أيديهم آيات معجزة كثيرة، مذكورة في مسفورات الوحي من غير أن تقتضي فيهم إلوهية، ولا خروجاً عن طور الإنسانية.
وهذه الطريقة هي المسلوكة في قوله تعالى:
1) النساء (3): 171
«لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَه إِلَّا إِلَهُ وَاحِدٌ... مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ»(1).
وقد خصّ أكل الطعام من بين جميع الأفعال بالذكر لكونه من أحسنها دلالة على المادّية، واستلزاماً للحاجة والفاقة المنافية للإلوهية، فمن المعلوم أن من يجوع ويظمأ بطبعه ثمّ يشبع بأكله، أو يرتوى بشربه، ليس عنده غير الحاجة والفاقة التي لا يرفعها إلّا غيره، وما معنى إلوهية مَن هذا شأنه؟! فإن الذي قد أحاطت به الحاجة واحتاج في رفعها إلى الخارج من نفسه، فهو ناقص في نفسه، مدبّر بغيره وليس بإله غنيّ بذاته، بل مخلوق مدبَّر بربوبية من ينتهي إليه تدبيره.
وإلى هذا يمكن أن يرجع قوله تعالى: «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْ قدِيرٌ»(2).
وكذا قوله تعالى خطاباً للنصارى: «قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ»(3)فإنّ في هذا النوع من الاحتجاجات هو أنّ الذي شوهد من أمر المسيح أنّه: كان يعيش على الناموس الجاري في حياة الإنسان، متّصفاً بجميع صفاته وأفعاله وأحواله النوعية، كالأكل والشرب، وسائر الاحتياجات الإنسانية والخواص البشرية، ولم يكن هذا التلبّس والاتّصاف بحسب ظاهر الحسّ أو تسويل الخيال فحسب بل كان على الحقيقة، وكان المسيح علیه السلام إنساناً ذا هذه الأوصاف والأحوال والأفعال.
والأناجيل مشحونة بتسميته نفسه إنساناً، وابن الإنسان، ومملوءة بالقصص
الناطقة بأكله وشربه، ونومه ومشيه، ومسافرته وتعبه، وتكلّمه ونحو ذلك، بحيث لا يقبل شيء منها صَرفاً ولا تأويلاً، ومع تسليم هذه الأُمور يجري على المسيح ما يجري على غيره، فهو لا يملك من غيره شيئاً نفسه، ويمكن أن يهلك كغيره.
وكذا حديث عبادته ودعائه، بحيث لا يرتاب في أن ما كان يأتيه من عبادة فإنّما للتقرّب من الله، والخضوع لقدس ساحته، لا لتعليم الناس أو لأغراض أخر تشابه ذلك.
وإلى حديث العبادة والاحتجاج به يومئ قوله تعالى: «لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً الله وَلاَ المَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرُ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا»(1).
فعبادة المسيح علیه السلام أوّل دليل على أنّه ليس بإله، وأنّ الإلوهية لغيره، لا نصيب له فيها(2).
فهو يأمر في بعض فقرات الإنجيل المتداول حالياً - مع ما فيه من التحريف - إلى عبادة الله وحده دون غيره..
ففي العهد الجديد من إنجيل متّى ورد عن عيسى علیه السلام أنّه قال: «اذهب يا شيطان؛ لأنّه مكتوب للربّ إلهك تسجد، وإيّاه وحده تعبد»(3)، وقريب منه في سفر لوقا(4).
وأيضاً ما ورد في رسالة إلى أهالي تسالونيكي: «لأنّهم هم يخبرون عنّا أيّ دخول كان لنا إليكم وكيف رجعتم إلى الله من الأوثان لتعبدوا الله الحي الحقيقي»(5).
مضافاً إلى كلمات تدعو الله بالتوحيد في كلا العهدين مع ما وقع فيهما من التحريف والتغيير والتبدّل، فقد ورد في سفر أخبار الأيام ما ينفي المماثلة الله تعالى، وينفي إله غيره عزّ وجلّ: «يا ربّ ليس مثلك، ولا إله غيرك»(1).
«وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته»(2).
والله هو الوحيد الذي يغفر الذنوب: «من يقدر أن يغفر خطايا إلّا الله وحده»(3).
وهذا أيضاً ما ورد في القرآن الكريم: «وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ»(4).
فالتوحيد في العبادة، ونفي الشريك، وانحصار غفران الذنوب بالله تعالى من الموارد التي اتّفق عليها الإسلام في القرآن الكريم، وما ورد في العهدين.
نهاية المطاف:
بعدما بحث وخاض «سيلفا» في الديانة المسيحية، والأديان الأُخرى، وقارن بينها وبين بقية الديانات تفتّحت آفاق رؤيته، وتعرّف على مبدأ رحب مملوء بالمعارف السامية، والرؤى الرفيعة، فانجذب إليه انجذاباً أدّى به إلى اعتناقه ألا وهو الدين الإسلامي الذي يثبّت التوحيد الخالص الله الواحد القهّار: «وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلهِ شُرَكَاء خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ»(5).
ولد في أوساط عائلة مسيحية الديانة، وترعرع في أحضانها، بعد بلوغ «هربرت» مرحلة الرشد سادت به فطرته السليمة إلى البحث والتحقيق في معتقدات الأديان والمذاهب، واستمرّ في ذلك إلى أن وفّقه الله عزّ وجلّ للتعرّف على مذهب أهل البيت علیهم السلام فرآه مذهباً متكاملاً، يمتاز أئمّته بمقامات لم يسبقهم - ولم يلحقهم بنيلها أحد من العالمين.
يقول الدكتور هربرت بعد اعتناقي للدين الإسلامي الحنيف على مذهب الشيعة الإمامية قاطعني زوجتي وأولادي، وقد لقيت متاعب ومشاكل عديدة، ولكن وفّقني الله للصبر والثبات.
إنّ زيارة مراقد أهل البيت علیهم السلام والشعور بالخشوع والانجذاب إلى تلك الأرواح المقدسة الطاهرة كانت من الأمور المؤثرة على هربرت، وكانت قراءته لزيارات الأئمّة علیهم السلام، مثل: زيارة آل ياسين، وزيارة الجامعة الكبيرة، والتفكّر في معانيها، والتدبّر في مضامينها سبباً لتعرّفه على تلك المقامات السامية، ومعرفة عظمة أهل بيت النبوّة علیهم السلام ومذهبهم العظيم.
نظرة إلى الزيارة الجامعة:
الزيارة الجامعة الكبيرة والشريفة صحيحة السند والدلالة، وقد اشتُهرت بين الشيعة الإمامية حتّى استغنت باشتهارها عن ذكر إثباتها وبيان سندها، فكانت
موضع قبول عند جميع الشيعة من غير معارضٍ لها، أو رادّ لدلالاتها ومعانيها، بل وسندها أيضاً عند العلماء المحقّقين، مع ما اشتملت عليه من معانيها العالية الفريدة وأسرارها العجيبة، ولكنَّها صعبة عند بعض من لم يتذوّق حلاوة معرفتهم، أو يشمّ نسيم كلماتهم المقدّسة، فحاول التشكيك بسندها ودلالتها، ولا عجب في ذلك فإنَّ كلَّ إناءٍ بما فيه ينضح، والأوعية تسع الماء بقدر حجمها.
قال تعالى: «أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا»(1)، وقال: «أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ»(2)...
والحاصل: إنّ ألفاظها البليغة وأسرارها المنيعة وأحوالها الرفيعة ممّا يشهد الكتاب الكريم، والأخبار القطعية والعقل السليم بصحّة ورودها عن ذلك الإمام العظيم، الهادي المهدي، عليّ بن الإمام محمّد الجواد علیهما السلام؛ فإنّ على كلِّ حقٍّ حقيقة، وعلى كلّ صوابِ نوراً، مع ما هي عليه عند عامّة الشيعة، فقهائهم وعوامهم، من القبول بحيث لا يختلف فيها اثنان.
وهذه الزيارة المقدّسة من أشرف الزيارات بشكلٍ مطلق، ولا تضاهيها زيارة أُخرى من حيث الاعتبار وعمق الدلالة، الدالّة على عظمة هؤلاء الموالي الكرام المطهّرين علیهم السلام، ولفقراتها الشريفة شواهد كثيرة من الكتاب الكريم والسُنّة الكريمة، فالتشكيك فيها يستلزم التشكيك بكلمات أئمّة الهدى، ومصابيح الدجى، والعروة الوثقى..
من روى الزيارة الجامعة؟
لم يروها أحدٌ قبل الشيخ الصدوق رحمه الله من المتقدّمين عليه، فمثلاً لم يروها الشيخ الكليني - بحسب الظاهر - لاعتبارات عديدة، ولعلَّ منها شدّة التقية التي كان
الكليني يعيش في ظلالها؛ لوجوده في بغداد عاصمة الدولة العبّاسيّة آنذاك، بخلاف الشيخ الصدوق، الذي عاش في قم، موطن التشيّع والولاء لأهل بيت العصمة والطهارة علیهم السلام وفي ظلّ حكومة آل بويه، التي لم يُعرف عنها النصب الشديد لأهل البيت علیهم السلام، فكان ثمّة فسحة في مجال التعبير عن الرأي والعقيدة.
نعم رواها من بعده الشيخ الطوسي (رحمه الله تعالى) في التهذيب، الجزء السادس، باب زيارة جامعة لسائر المشاهد، ولا يشترط في صحّة أيّ رواية أن تُروى بطرقٍ متعدّدة، بل يكفي فيها أن تُروى بخبرٍ معتبر سنداً أو دلالة، كما لا يُشترط في الأخبار الدالّة على الفضائل والمعاجز أن تكون بقوّة الأخبار الدالّة على موارد الفقه والأحكام، ومع هذا فإنّ الزيارة الجامعة الشريفة وردت بسندٍ صحيح ومعتبر لا مغمز فيه عند أحدٍ، وعلى فرض ضعف السند - وفرض المحال ليس محالاً - فلا يجوز طرحها؛ إذ لا يجب طرح كلِّ خبر ضعيف سنداً، بل يحرم ردّه ما لم يتعارض مع الدلالة القطعيّة للكتاب والسُّنَّة المطهرة، فكيف الحال بزيارة الجامعة الموافقة للكتاب والسُنّة...
وحرمة ردّ الخبر الضعيف مورد تسالم عند الأُصوليّين والأخباريّين، وحرمة الردّ تختلف عن حجّية الخبر؛ فحرمة الردّ تتناول حتّى الخبر الضعيف، وقد عقد صاحب «الوسائل» باباً خاصّاً في كيفيّة القضاء يذكر فيه تلك الأخبار الدالّة على تلك القاعدة المتسالم عليها بينهم...
فالخبر الضعيف في علم الدراية والحديث يختلف عن الخبر الموضوع الدلالة والمدسوس والمجعول؛ فالخبر المدسوس أو المجعول هو المتعارض مع القطعيّة من الكتاب والسُنّة، وأمّا الخبر الذي لم تتوفّر فيه شرائط الحجّية لا يقال: إنَّه مدسوس أو موضوع، ما دام لم يتعارض مع ما ذكرنا، لذا لا يسقط الاستدلال به لبيان المطالب العلميّة والفقهيّة.
فالخبر الضعيف سنداً له أحكام إلزاميّة، منها حرمة ردّه، وقد ورد في
الأخبار ما يبيّن هذه القاعدة المسلّمة.
منها: ما ورد عن مولانا الإمام أبي جعفر علیه السلام، قال: «... وإذا جاءكم عنّا حديثُ فوجدتم عليه شاهداً أو شاهدين من كتاب الله فخذوا به، وإلَّا فقفوا عنده ثمّ ردّوه إلينا حتّى يستبين لكم...»(1).
سند الزيارة الجامعة:
رواها الشيخ الصدوق - عليه الرحمة - في كتابه «من لا يحضره الفقيه» الجزء الثاني، باب زيارة جامعة لجميع الأئمّة علیهم السلام بسنده إلى محمد بن إسماعيل البرمكي، ورواها أيضاً في كتابه «عيون أخبار الإمام الرضاء علیه السلام» الجزء الثاني، الباب 68، بالسند نفسه، كما أنَّه رواها بشكل مختصر في الجزء نفسه في الكتاب في الباب 67، بسنده الصحيح إلى: محمد بن الحسن بن الوليد (شيخ الصدوق)، عن محمد بن الحسن الصفّار ( ثقة جليل)، عن عليّ بن حسان (ثقة ثقة)، قال: سئل الإمام الرضا علیه السلام في إتيان قبر أبي الحسن موسى علیه السلام...
وقد رواها الشيخ الطوسي في «التهذيب» نقلاً عن الصدوق بالسند نفسه، ولم يعقّب على سندها بالضعف ممّا يعني صحّته بنظره الشريف... وها نحن نذكر السند موثقّاً واحداً تلو الآخر:
قال الصدوق - رحمه الله تعالى -:
روی محمد بن إسماعيل البرمكي، قال: حدّثنا موسى بن عبد موسى بن عبد الله النخعي، قال: قلت للإمام عليّ بن محمد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن ابن أبي طالب علیهم السلام: علّمني يا بن رسول الله قولاً أقوله، بليغاً كاملاً إذا زرت واحداً منكم؟...(2).
وقد اختصر الصدوق الأسانيد في كتابه «الفقيه» إلَّا أنَّه وضع فهرساً لتلكم الأسانيد في آخر كتابه، فقال في ترجمة محمد بن إسماعيل البرمكي: «وما كان فيه - أي الكتاب - عن محمد بن إسماعيل البرمكي فقد رويته عن: عليّ بن أحمد بن موسى، ومحمد بن أحمد السناني، والحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المكّتب رضي الله عنهم، عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي، عن محمد بن إسماعيل البرمكي»(1).
فعليّ بن أحمد بن موسى ومحمد بن أحمد السناني والحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المكتب، كلُّهم من مشايخ الصدوق الثقات؛ بدليل ترضّيه عنهم بقوله: (رضي الله عنهم).
وأمّا محمد بن أبي عبد الله الكوفي (وهو محمد بن جعفر بن محمد بن عون الأسدي) فثقة أيضاً عند الصدوق وغيره؛ لأنّ مشايخه الثقات نقلوا عنه، نه، ولأنّ الثقات لا ينقلون عن الكذّاب ومن كان مجهول الحال عندهم، ولو فعلوا ذلك لدلّ على أنّهم غير ثقات وغير مأمونين على الدين والدنيا، فتنتفي الحجّية عمّا نقلوا، وهو أمرٌ نهت عنه الآيات والأخبار، كما لا يخفى على المحقّقين من الفقهاء.
مضافاً إلى إطراء علماء الرجال على محمد بن أبي عبد الله - إذ يرى ذلك بوضوح كلّ من راجع كلماتهم بشأنه -، فقد وثّقه النجاشي في ترجمة الأسدي، وكذلك في ترجمة محمّد بن إسماعيل البرمكي؛ كما أنّ الرجل من شيوخ أساتذة الكليني، وقد أكثر الرواية عنه في «الكافي»، وإتّهامه بالجبر والتشبيه فرية عليه، ويكفي في بطلانها أنّه روى في «الكافي» أخباراً كثيرة دالّة على بطلان الجبر والتشبيه ونفيهما، فلو كان فيه شائبة من القول بذلك لم يكن ليروي ما يبطل مذهبه، وقد كان الرجل في زمان السفراء المنصوبين من قِبل الإمام الحجّة المنتظر علیه السلام،
1) من لا يحضره الفقيه 4: 512
وممن ترد عليه التوقيعات من ناحيتهم.
فالحقُّ: أنّ الرجل ثقة، صحيح الحديث، يُعتمد على ما رواه، وقد أطراه كثير من الرجاليّين والمحقّقين، أمثال: العلّامة في «الخلاصة»، والفاضل المجلسي في «الوجيزة»، والطريحي والكاظمي في «المشتركات»، والفاضل الجزائري، والأردبيلي في «جامع الرواة»، وغيرهم ممن يجدهم المتتبّع لحال الرجل..
وأما محمد بن إسماعيل البرمكي فلا ريب في وثاقته عند الجميع، وقد أطراه النجاشي بقوله: «محمد بن إسماعيل بن أحمد بن بشير البرمكي، المعروف بصاحب الصومعة أبو عبد الله، سكن قم وليس أصله منها، ذكر ذلك عبّاس بن نوح، وكان ثقة مستقيماً، له كتب، منها: التوحيد...»(1).
وأما موسى بن عبد الله النخعي فلا ريب أيضاً في وثاقته، وإن قيل: إنَّه ممن أهمله الرجاليّون في تراجمهم، ممّا يعني عدم الاعتناء به، فلا يصحُّ الاعتماد على ما يرويه!!
لأننا نقول: إنَّ ذلك غير صحيح؛ لوجوه:
(الوجه الأوّل): عدم وجود ذكر له في تراجم المتقدّمين لا يعني بالضرورة عدم جواز الاعتماد عليه بما يرويه، وإلَّا لاستلزم ذلك طرح كثير من الأخبار لمجرّد أنَّ بعض رواتها ليس لهم ذكرٌ في تراجم الأوّلين، وفي ذلك من الآثار السلبيّة ما لا يخفى على الضليع بالفقه، مع التأكيد على أنّ الرجل قد روى أخباراً عنهم علیهم السلام، واعتمد عليه كبار المحدّثين، أمثال: الكليني والصدوق والطوسي، أفلا يكون هذا مُحفّزاً للأخذ بما يرويه والاعتماد على ما يَحكيه؟! لاسيَّما وأنَّ الرجل قد اعتمد عليه ثقات الرواة والمؤرّخين، فإن ذلك قرينة واضحة وقطعيَّة على وثاقته وعدالته، فالغمز به - حينئذٍ - يعتبر غمزاً بالثقات الذين قام الدليل القطعيُّ
1) رجال النجاشي: 341
على وثاقتهم وعدالتهم، وفيه ما لا يخفى على البصير الفقيه من المحاذير الشرعيّة من حيث إساءة الظن بهؤلاء وردّ الأدلّة الدالة على ترتيب الأثر العقليّ والشرعيّ على وثاقتهم وعدالتهم!!
(الوجه الثاني): إهمال الرجاليّين له في كتب الرجال غير قادح فيه، لاسيّما وأنَّ الرجاليين اقتصروا في تراجمهم على الرواة المعروفين بعقائدهم ومسالكهم دون غيرهم من مجهولي الذكر والصيت، إمّا لتقيّة، أو لعدم حبّ البروز والظهور، ممّن آثروا الإنفراد عن الخلق حرصاً على دينهم أو دنياهم... فالقول بأنّ كلَّ مجهول لا يكون مقبول الرواية غير منطقيّ وفيه من المحاذير ما ذكرناه آنفاً..
مضافاً إلى أنَّ المجهول أعمّ من كونه فاسد العقيدة والمسلك؛ إذ رُبَّ مجهول الذكر بين الناس لكنّه نقيّ القلب وطاهر المسلك، فلا لوم عليه بمقدار ما يلام الذين لم يبحثوا أكثر للوصول إلى التعرّف عليه، فلا ملازمة - إذن - بين الجهالة والفسق؛ فتأمّل.
(الوجه الثالث): إنَّ رواية الثقة محمّد بن إسماعيل عنه تدفع جهالته من الأساس؛ إذ كيف ينقل الثقة عن رجلٍ مجهول الحال أو فاسد العقيدة؟! لاسيّما وأنّ الناقل عنه عالمٌ ومحدّثٌ وعادلٌ، لا يكذب ولا يدّعي وثاقة من كان كاذباً أو مدلّساً!
مضافاً إلى اعتماد الصدوق عليه، وقد آلى في مطلع كتابه «الفقيه» أن لا يروي إلَّا عن الأجلّاء الثقات، وهي قرينة قطعيّة على صلاح الرجل، لأنّ ما وصل للصدوق لم يصل إلينا حتّى لو كان ذلك عن اجتهاد عنده، فما دام ثمّة قرائن أُخرى تثبت صلاحه، فإنّ توثيق الصدوق وشيوخه له يُعدّ - حينئذٍ - قرينة مساعدة على التوثيق.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ الراوي الثقة إذا روى عن مهمل أو مجهول تُعدّ روايته
عنه توثيقاً له؛ إذ من البعيد جداً - بعد أن ثبتت الحجّية للراوي الثقة - أن يروي عن غير الثقة، وإلَّا انتفت الوثاقة والحجّية عن صاحبها، وهي خُلف ثبوتها له بمقتضى الدليل الدالّ على ذلك.
(الوجه الرابع): إنَّ رواية موسى النخعي للزيارة الجامعة قرينة قطعيّة على كونه إمامياً صحيح الاعتقاد، بل إنَّ تلقين الإمام الهادي علیه السلام هذه الزيارة المفصّلة والمتضمّنة لبيان مراتب الأئمّة الطاهرين علیهم السلام شهادة أُخرى واضحة على كون الرجل من الحسان ومقبول الرواية، وإهمالهم لذكره حينئذٍ غير قادح فيه ولا مقلّلٍ لشأنه، بل إنّ الزيارة نفسها تكون قرينة على توثيقه وجلالة أمره، ولا يبعد أن يكون إهمالهم له في التراجم لعدم وجود من يمدحه حسداً له، كما حُسد غيره من أصحاب الأئمّة علیهم السلام الذين أُخفي ذكرهم من قبل أعداء أهل البيت علیهم السلام، لاسيّما أنّ هم الرجل روى ما هو أعظم ممّا رواه غيره من الأصحاب، ألا وهو الزيارة الجامعة التي قصمت ظهور النواصب وأقلقت بالهم وعكّرت صفو عيشهم..
(الوجه الخامس): ذهب بعضُ الرجاليّين الى أنّ موسى بن عبد الله النخعي متّحدٌ مع موسى بن عبد الملك، فنُسبَ إلى جدّه عبد الملك لأنّ الجدَّ أب، وموسى ابن عبد الملك من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام، وبهذا ترتفع الجهالة - من هذه الحيثية - عن الرجل، ولا يبعد ذلك ولكنّه بحاجة إلى دليل يدعمه.
(الوجه السادس) : إنَّ آية النبأ، وهي قوله تعالى في سورة الحجرات: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأَ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ»(1)تدلّ على اشتراط التبيُّن من خبر الفاسق، ولا تدلّ على ردّ خبره من الأساس، فإذا جاز الأخذ بخبر الفاسق الذي لم يُعلم كذبه في نقل الروايات، يصحُّ بطريقٍ أولى الأخذ بخبر راوٍ مجهول الحال، لكن يشترط بصحّة الأخذ بخبره
1) الحجرات (49): 7
أن يكون موافقاً للكتاب والسنة، ومن هذا القبيل خبر الزيارة الجامعة، العالية المضامين، والموافقة للدلائل القطعية.
(الوجه السابع): لقد ثبت بطريقٍ آخر صحيح لا مغمز فيه، إلّا عند أصحاب النفوس المريضة، بأنَّ الإمام المهدي - أرواحنا لتراب مقدمه الفداء - أمر بالمواظبة على قراءة الزيارة الجامعة، كما فصّل ذلك الشيخ الطبرسي رحمه الله تعالى في كتابه «النجم الثاقب»، إذ يروي عمَّن عرفه من الثقة الجليل السيّد أحمد الرشتي رضی الله عنه الذي التقى الإمام الحجّة بن الحسن علیهما السلام عندما ضاع عن قافلته التي كانت تقلّه إلى الحجّ، فاستغاث بالإمام المنتظر علیه السلام فأغاثه وأمره بزيارة الجامعة، وزيارة عاشوراء، ممّا يعطي الزيارة بُعداً آخر من الوثاقة والاعتبار من الناحيتين السندية والدلالية، وهو أمرٌ لم يتفطّن إليه كثيرٌ من فقهاء الإمامية مع أنَّه في غاية الصحّة والمتانة، والقصّة مشهورة شهرةً عظيمةً ذُكرت في «النجم الثاقب»(1)و «مفاتیح الجنان»(2)-
(الوجه الثامن): على افتراض أنَّ موسى بن عبد الله مجهول، والمجهول لا يؤخذ به، لكن يمكن تصحيح هذه الجهالة من ناحيتين:
الناحية الأُولى: للقاعدة الأُصوليّة المطردة الدالّة على انجبار ضعف الخبر بعمل المشهور، فيصبح معتبراً وقوياً، من حيث أنَّ عمل المشهور بخبرٍ ضعيفٍ سنداً توثيقٌ عمليٌّ للمخبر به فيثبت به كونه ثقةً، فيدخل في موضوع الحجّية.
وكذلك فيما لو كان الخبر صحيحاً، أو موثّقاً في نفسه، ثمّ أعرض المشهور عنه، فإنَّ إعراضهم عنه يوهنه ويُسقطه عن الحجّية والاعتبار، وبما أنَّ المشهور أخذ بالزيارة الجامعة، وعمل بها، ودعوا المؤمنين إلى المواظبة عليها، فإنَّ عملهم
هذا يرفع من مستوى ضعف السند - على فرض جهالة موسى النخعي - إلى مقام الصحّة والقوّة والاعتبار، فيكون عملهم بمثابة تصحيح لضعف السند، لقرائن اعتمدوها، والتي منها ما ورد عن مولانا الإمام الصادق علیه السلام: «خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر»(1)، والزيارة ليست ممّا اشتهرت بين الأصحاب فحسب بل هي من المجمع على صحّتها واعتبارها..
الناحية الثانية: اصطلاح المتأخّرين منذ زمن ابن طاووس (ت 664 ه) - وهو أوّل من اخترع تقسيم الخبر إلى ضعيف وموثّق - في تضعيف الأسانيد غير معتبر عند القدماء من فقهاء الإماميّة (رضوان الله تعالى عليهم أجمعين)؛ إذ لا علم لهم بهذا الاصلاح أصلاً، لاستغنائهم عنه في الغالب بكثرة القرائن الدالّة على صدق الخبر، وإن اشتمل طريقه على ضعفٍ، فلم يكن للصحيح كثير مزيَّةٍ توجب له التميّز باصطلاح أو غيره، فالضعيف عندهم هو: ما لم تقم القرينة على إثباته، والصحيح عكسه، وعليه فتكون الزيارة الجامعة صحيحة سنداً عندنا طبقاً لمسلك المتقدّمين، ومنهم الصدوق (رحمهم الله تعالى جميعاً)، وذلك إمّا لقرائن مرجحة، وإمّا لوجودها في الكتب المعتبرة، كالفقيه والتهذيب والعيون.
والخلاصة: فإنَّ الزيارة الجامعة الكبيرة هي من أرقى الزيارات متناً وسنداً على حدّ تعبير العلّامة المحدث المجلسي رحمه الله(2)، وكما ثبت بمقتضى التحقيق.
شرح بعض مقاطع الزيارة:
(وبمو الاتكم تقبل الطاعة المفترضة):
المراد بالطاعة المفترضة: ما افترضه الله على عباده؛ إذ أنّ الموالاة من الأُصول، فلا تقبل الفروع بدون الأصل، وما افترضه الله وما أمر به يشمل الواجب
والمستحب، فلا يُتوهّم أنّ المراد بالطاعة المفروضة الواجبات فقط، وإنّما كلّ ما يدخل تحت التشريع الإلهي الذي فرضه الله على عباده.
وأمّا عدم اكتفائه بالطاعة المطلقة، فربّما يُتوهّم منه قبول الطاعة على أيّ شكل من الأشكال التي يعتقد العبد بها أنّها طاعة حتّى لو لم تكن بتشريع وإذن من الله تعالى.
(وحسابهم عليكم، وفصل الخطاب عندكم):
يمكن إرجاع هذه العبارة إلى ما روي عن النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم في حديث الثقلين: (إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا علَيّ الحوض)(1)فميزان الحساب يوم القيامة يكون على هذا الأساس، فالتمسّك بالقرآن لوحده غير كافٍ، بل لا بدّ معه من التمسّك بالعترة، فهم علیهم السلام يكونون الأصل في كيفية حساب الخلق، فمن تمسّك نجا، ومن لم يتمسّك بهم هلك.
(أسماؤكم في الأسماء، وقبوركم في القبور .. فما أحلى أسماءكم):
هذه الفقرات تحتمل عدّة معان:
الأوّل: أن يكون المعنى: أنّ ذكركم وإن كان في الظاهر مذكور بين الذاكرين، بأن يذكر وكم ويذكروا غيركم، وتُذكر أسماؤكم في أسمائهم، بأن يقولوا: محمّد وعلي، وهكذا، إلّا أنّه لا نسبة بين ذكركم وذكر غيركم، وبين أسماؤكم وأسماء غيركم، بقرينة قوله بعد ذلك: (فما أحلى أسماءكم وأكرم أنفسكم وأعظم شأنكم).
وبالجملة فحاصل المعنى: أنّ ما يُذكر ويُسمّى ويتكلّم به، فهو غير خارج عن خالق و مخلوق، وأسماؤكم وأنفسكم، وأرواحكم وأجسادكم، وسائر
1) راجع: مسند أحمد 3: 14، سنن الترمذي 5: 329
أفعالكم، وأحوالكم وأطواركم وأخلاقكم، وإن كانت من جملة المخلوقات وداخلة في جملتها إلّا أنّ لها كمال الامتياز والسمو، والعلو والرفعة، والقدر والمنزلة، بحيث لا نسبة بينها وبين غيرها، وكونها من جملة غيرها لا تقتضي مساواتها لها، وهذا المعنى أحسن المعاني وأوضحها.
الثاني: أن يكون المعنى: إذا ذكر الذاكرون الله بمدح أو ثناء، فأنتم داخلون فيهم؛ لأنّكم سادة الذاكرين، وكذا إذا ذكرت الأسماء الشريفة، والأوصاف المنيفة، والأرواح الطيّبة، والأجساد الطاهرة، والأنفس السليمة، والعقول المستقيمة ونحو ذلك، فأسماؤكم وأرواحكم وأجسادكم ونفوسكم داخلة في ذلك؛ لأنّكم سادة السادات وقادة الهداة.
الثالث: أن يكون المعنى: أنّه ينبغي أن يكون ذكركم مذكوراً في السنة الذاكرين، وكذا أسماؤكم، بمعنى أنّ من أراد أن يذكر أحد بمدحٍ فينبغي أن لا يذكر غيركم، ومن أراد الثناء على الأسماء والأرواح والأجساد والنفوس، فليس له أن يتجاوزكم إلى غيركم، وهذا المعنى لا يخلو من لطف، إلّا أنّه بعيد من اللفظ.
الرابع: أن يكون المعنى: أنّ ذكركم وأسمائكم وأرواحكم وسائر ما ذُكر بمنزلة المظروف، وجميع ذلك من غيركم بمنزلة الظرف؛ فشرافة هذه الأشياء منكم كشرافة المظروف على الظرف وامتيازه.
الخامس: أن يُقرأ: وأسمائكم وأرواحكم الخ.. مجروراً معطوفاً على ضمير الخطاب المجرور في: (ذكركم)، أيّ: يذكركم الله تعالى في جنب الذاكرين، فيكون من إضافة المصدر إلى المفعول، فإذا ذكر الناس الذاكرين ذكرهم الله تعالى في جنبهم، وذكر أسمائكم ومدحها، وكذا أرواحكم وأجسادكم في جنب ذكرهم لها، كما ورد في تفسير قوله تعالى: «وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ»(1)أي: ذكر الله عبده أكبر من
1) العنكبوت (29): 45
ذكر العبد ربه في الصلاة أو غيرها(1).
أسماء بعض الكتب المؤلّفة في شرح الزيارة الجامعة:
1 - الأعلام اللامعة في شرح الجامعة / السيّد محمد بن عبد الكريم الطباطبائي البروجردي.
2 - الإلهامات الرضوية في شرح الزيارة الجامعة الكبيرة / السيّد محمد بن السيّد محمود الحسيني اللواساني الطهراني (الشهير بالسيّد محمد العصّار).
3 - البروق اللامعة / الشيخ علي بن المولى محمد جعفر شریعت مدار الاسترابادي الطهراني.
4 - بغية الطالب / درويش علي بن الحسين بن علي بن محمد البغدادي الحائري.
5 - شرح الزيارة الجامعة / السيّد حسين بن السيّد محمد تقي الهمداني النجفي الدرود آبادي.
6 - مشارق الشموس الطالعة / ميرزا إبراهيم بن الحاج عبد المجيد الشيرازي الحائري.
7 - شرح الزيارة الجامعة الكبيرة / أحمد بن زين الدين بن إبراهيم بن صفر ابن إبراهيم بن داغر الأحسائي.
8 - شرح الزيارة الجامعة / السيد عبد الله بن السيد محمد رضا شبّر الحسيني الحلّي الكاظمي (الأنوار اللامعة).
9 - شرح الزيارة الجامعة / الميرزا علي نقي بن السيّد حسين.
10 - شرح الزيارة الجامعة / الميرزا محمد علي بن المولى محمد نصير
1) تفسير الطبري 20: 191
الچاردهي الرشتي النجفي.
11 - شرح الزيارة الجامعة / السيد بهاء الدين محمد بن محمد باقر الحسيني النائيني المختاري.
12 - شمس طالعة / عبد الله بن أبي القاسم الموسوي البلادي.
13 - شمس طالعة / ميرزا محمد بن أبي القاسم ناصر حكمت طبيب زادة الأصفهاني.
14 - الشموس الطالعة / الآغا ريحان الله بن السيد جعفر الدارابي البروجردي.
15 - الأنوار الساطعة / الشيخ محمد رضا بن القاسم الغراوي.
نيل الحقيقة:
إن معرفة عظمة أئمّة مذهب أهل البيت علیهم السلام ومقامهم عند الله عزّ وجلّ من خلال التفكّر والتمعّن في هذه الزيارة وأمثالها، لا تدع للباحث المنصف مجالاً للتشكيك في أحقّية مذهب أهل البيت علیهم السلام، وإن «هربرت» هو ممّن وفّقه الباري عزّ وجلّ للوصول إلى هذه الحقيقة، والتنوّر بنور عظمة أهل البيت علیهم السلام(1).
1) نقلاً عن كتاب «وقفة مع كتاب حول الشيعة وما يعتقدون» للسيّد عامر الحلو
ولد في فرنسا في عائلة مسيحية، تربى «عبد الرحمن» في هذه الأسرة على أن يرتبط مع الإله من خلال بعض الطقوس والمراسيم التي تقام أسبوعياً في مكان معيّن مثل الكنيسة، الّا أنّه لم يجد في خارج الكنيسة أي ارتباط معنوي مع الإله، وهذا ما دفع به الى البحث عن مذهب يعيش معه الحياة والحيوية والمعنوية من دون التقيّد بمكان وزمان معيّن.
فبدأ «عبد الرحمن» بالتحقيق والبحث حول الأديان المختلفة، وتعرّف حينها على الإسلام و مذهب أهل البيت علیهم السلام، فقام بمقايسته مع باقي الأديان والمذاهب، وتوصّل الى أنّه مذهب يهتمّ بالبُعد الاجتماعي لحياة الإنسان، مضافاً إلى البعد الفردي؛ لعلاقة البشر مع ربّهم.
كما توصّل الى أنّ اهتمام هذا المذهب بالبُعد الاجتماعي للدين جعله مذهباً اشتهر بالمقاومة والثورة ضدّ سلاطين الجور ورفض الظلم والطغيان على مدى العصور.
ولعل أحد أدلّة تسمية أتباع مذهب الشيعة الإمامية باسم «الرافضة» من قبل الأعداء، هو رفضهم الاستسلام أمام واقعة غصب الخلافة الإسلامية من أئمة أهل البيت علیهم السلام.
بيان معنى «الرافضة» والمقصود منها:
قال الخليل في كتاب العين: «الرفض: ترك الشيء. والرفض: الشيء المتحرك المتفرّق، ويجمع على أرفاض..
والروافض: جند تركوا قائدهم وانصرفوا، كلّ طائفة منهم رافضة، وهم قوم أيضاً لهم رأي وجدال يسمّون الروافض، والنسبة إليهم رافضي»(1).
وقال الجوهري في الصحاح: «الرفض: الترك، وقد رفضه يرفضَهُ ويرفضُهُ رَفْضاً ورَفَضاً، والشيء رفيض ومرفوض والروافض: جند تركوا قائدهم وانصرفوا..»(2).
ويمكن الرجوع إلى الكتب اللغوية الأخرى لملاحظة معنى الكلمة، إذ أنّ كلماتهم متقاربة في بيان معنى مادة (رف ض).
والبحث يقع في بيان معنى الرفض في كلمات العلماء، سواء الفقهاء أو المؤرّخين، وعلى ماذا تطلق هذه الكلمة ومن أين نشأت.
فالبحث يقع في محورين:
1 - المحور الأوّل منشأ إطلاق هذه الكلمة وفي أيّ زمن كان.
2 - المحور الثاني: المراد من هذه الكلمة حينما تُطلق، والأمور المترتّبة على بيان وتحديد اللفظة.
بداية استخدام كلمة «الرافضة» ومتى استعملت:
ذهب البعض إلى أنّ هذه الكلمة قديمة النشأة، ويرجع زمن استخدامها إلى صلى الله عصر النبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم، وأوردوا لذلك عدّة أحاديث تناقلوها عن لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم
استشهاداً على قولهم، وقد أفرد ابن أبي عاصم في كتاب السُنّة باباً تحت عنوان (باب) في ذكر الرافضة) أورد فيه أربع روايات، وهي:
1 - عن علي علیه السلام عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم قال: «يكون قوم يسمون الرافضة يرفضون الإسلام».
2 - عن أم سلمة قالت: كانت ليلتي، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندي، فجاءت إليّ فاطمة مسلّمة، فتبعها علي، فرفع رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم رأسه، فقال: «أبشر يا علي، أنت وأصحابك في الجنّة، إلّا أنّ ممن يزعم أنّه يحبّك قوم يرفضون الإسلام، يلفظونه يقال لهم: الرافضة، فإذا لقيتهم فجاهدهم فإنّهم مشركون.
قلت: وما العلامة فيهم؟
قال: لا يشهدون جمعة ولا جماعة، ويطعنون على السلف».
3 - عن ابن عبّاس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «يكون في آخر الزمان عليه واله قوم ينبزون الرافضة، يرفضون الإسلام ويلفظونه، فاقتلوهم فإنّهم مشركون».
4 - عن علي صلى الله عليه وآله وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «سيأتي بعدي قوم لهم نبز يقال لهم: الرافضة، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإنّهم مشركون.
قلت: یا رسول الله وما العلامة فيهم؟
قال: يقرضونك بما ليس فيك، ويطعنون على أصحابي ويشتمونهم»(1).
وقد حقّق الشيخ السلفي المعاصر محمّد ناصر الدين الألباني كتاب السنّة هذا، وحكم بضعف هذه الأحاديث(2).
كما ضعّفها علماء الجرح والتعديل عند أهل السنة، ففي الحديث الأوّل ذكر ابن عدي في «الكامل» أبا إسماعيل الكوفي، ونسب إلى ابن حمّاد القول بأنّه
متروك، وإلى النسائي بأنه ضعيف(1).
وقد حكموا بضعف الحديث الثاني لوجود سوار بن مصعب، وهو منكر الحديث كما نصّ عليه البخاري(2)والنسائي(3).
كما حكم العقيلي في كتابه الضعفاء الكبير بضعف الحديث الثالث، وذلك لأنّ محمّد بن إسماعيل ضعيف(4).
وأمّا الحديث الرابع ففي سنده محمّد بن أسعد الثعلبي، وهو منكر الحديث كما نص على ذلك العقيلي(5)والرازي(6).
فهذه هي الأحاديث التي استدل بها صاحب الرأي الأوّل لإثبات أنّ هذا المصطلح والإطلاق مستخدم منذ عهده صلی الله علیه وآله وسلم.
والملاحظ في هذه الروايات أنّها جميعاً ضعيفة الإسناد، بل في رواتها إمّا كذَّاب أو متروك بحيث لا يمكنها أن تصل حتّى إلى رتبة الحسن لغيره، لذكر علّة الكذب أو الترك فيها.
وعلى هذا فلا دليل نقلي أو تاريخي يدلّ على هذا القول الّا هذه الروايات التي تبيّن أنّها في غاية الضعف.
ولا بأس بأن نتعرّض إلى قراءة سريعة في متون هذه الأخبار الضعيفة سنداً لنلاحظ متنها ومدى تناسقه.
ففي الرواية الأولى إشارة إلى أنّهم يرفضون الإسلام، وظاهر هذه العبارة
أنّهم ينكرون الشهادتين، وهذا ارتداد ورجوع عن الدين، الّا أن علماء الفرق والمذاهب لم يذكروا فرقة باسم الرافضة أنكرت الإسلام وارتّدت عن الدين، فمتنها لا وجود لمصداقه خارجاً.
وأمّا الرواية الثانية فانّها فرّقت أوّلاً بين طائفتين، طائفة تتّبع الإمام علي علیه السلام وهؤلاء مبشرون بالجنّة، وهناك من يدعي أنّه يحب الإمام علي علیه السلام ولكنهم كذابون لأنّهم يرفضون الإسلام ولا يقبلون به، ودليل ذلك عدم حضورهم الجمعة والجماعة وطعنهم على السلف، والملاحظ على هذه الرواية أنّ الإسلام لا يتقوّم بهذه الأمور الثلاثة، فهذا حاطب بن بلتعة، منع الزكاة وترك حضور الجمعة والجماعة مع النبيّ الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم إلا أنَّ الرسول صلی الله علیه وآله وسلم لم يكفّره ولم يخرجه من الدین.
وبذلك يتضح أن لا مبرر لجعل هؤلاء من الخارجين عن الدين(1).
الرأي الثاني: أنّ منشأ استعمال كلمة «الرافضة» كان في القرن الثاني الهجري وتحديداً عندما ثار زيد الشهيد ضد هشام بن عبدالملك، واختلف معه بعض أهل الكوفة فسمّاهم الرافضة.
فقد جاء في مسند زيد بن علي: (وفي تاريخ اليافعي: لمّا خرج زيد أتته طائفة كبيرة، قالوا له: تبرّاً من أبي بكر وعمر حتّى نبايعك.
فقال : لا أتبرّأ منهما.
فقالوا: إذن نرفضك. قال: اذهبوا فأنتم الرافضة، فمن ذلك الوقت سمّوا رافضة)(2).
وذهب الى هذا الرأي بعض المحدّثين والمؤرخين ومنهم ابن قتيبة والطبري والشهرستاني والنووي وابن كثير وابن خلدون(1)وغيرهم.
إلّا أنّ هذا القول لم يستند إلى دليل قوي، فالرواية منقولة عن زيد الشهيد، ولم تثبت بسندٍ معتبر أو نقل يمكن الركون إليه.
يقول الشهيد نور الله التستري في الصوارم المهرقة: (وأمّا ما ذكره من أن الشيعة الذين حضروا له قالوا له: ابرأ من الشيخين، الى آخره فكذب محض، لأنّ الشيعة لو لم يعلموا علماً قطعياً بأنّ زيداً رضی الله عنه على ما عليه آبائه علیهم السلام من فساد حال الشيخين لما حضروا إليه من أوّل الأمر، ولما اغتروا بإظهار تبريّه لهما أيضاً لتجويزهم إعماله للتورية حينئذٍ، وإنّما توهّم المخالف ذلك من حال زيد رضی الله عنه ومقاله من قول بعضهم لزيد عند اضطراره إلى الحرب مع قلّة الأنصار: أين أبو بكر وعمر؟ يعني لو كانا خليفة في هذا الزمان لما اضطر زيد إلى ذلك، فقال رضی الله عنه: هما أقاماني هذا المقام، فتوهّم بعض من سمع ذلك أنّ مراده رضی الله عنه عدم التبرّي منهما، وصار سبب فقد أنصاره من الشيعة.
وليس كذلك، بل كان مراده أنّ غصبهما الخلافة عن آبائه علیهم السلام وحملهما صلى الله الناس على رقاب آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم أوجب إذلال زيد وسائر أولادهم)(2).
ثُمّ إنّ هذه الحادثة وردت في أخبار الشيعة لكن بصورة تختلف عمّا نقلوها، بل في بعض الأخبار أنّه أجاب بما أجاب به جدّه علي بن أبي طالب علیه السلام فقال: (قل فيهما ما قال علي: كف كماكف، لا تجاوز قوله)(3).
كما روي عن العباس بن الوليد أنَّ زيد بن علي سُئل عن أبي بكر وعمر فلم يجب فيهما، فلمّا أصابته الرمية نزع الرمح من وجهه واستقبل الدم بيده حتّى صار كأنّه كبد، فقال: أين السائل عن أبي بكر وعمر؟ هما والله شركاء في هذا الدم، ثُمّ رمی به وراء ظهره)(1).
ولا يبعد من المحرّفين والمُدسِّين إضافة ذلك النصّ؛ لأن عادتهم الدائمة هي التشنيع على المخالفين، وقذفهم بشتّى التهم والافتراءات، وليس هذا أشنع من تحريفهم لما ورد في حق علي علیه السلام، فهم لحفظ كرامة أبي بكر وعمر ولتغطية إغضابهما للزهراء علیها السلام وضعوا رواية فى أنّ عليا علیه السلام أغضب الزهراء علیها السلام بخطبته لبنت أبي جهل عدو الله في حياة أبيها.
وقد روى هذا الخبر عن المسوّر بن مخرمة، إمّا صناعة منه أو وضع على لسانه، إذ أنّه كان ممن يستغفر لمعاوية بن أبي سفيان ويترضى عليه، فقد جاء في تاریخ بغداد: (قال عروة: فلم نسمع المسور بعد ذلك يذكر معاوية إلّا استغفر له)(2).
والمسوّر هذا كان عمره يوم وفاة النبي صلی الله علیه وآله وسلم ثمان سنين(3)، وبهذا يبعد أن يكون هو الراوي للخبر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم زمن حياته.
وقد ذكر الذهبي في ترجمته عدّة أمور، منها أنّه ولد بعد الهجرة بسنتين، وكان يلزم عمر بن الخطاب ويحفظ عنه، وأنّه ذهب إلى معاوية يطلب النجدة منه لعثمان بن عفان، وكان كلّما ذكر معاوية صلى عليه، كما أنّه كان مع ابن الزبير حينما ضُرِبت مكّة بالمنجنيق، ولم يقطع ابن الزبير أمراً دون مشورته، وأن الخوارج كانت تغشاه و تعظمه وينتحلون رأيه(4).
وقد روى هذه الرواية البخاري وأخرجها في صحيحه أصحّ الكتب بعد كتاب الله سبحانه وتعالى عند أهل السنة، مع ما في راويها من الطامات والهنات إلّا أنّ أبّهة الصحبة جعلته بمنزلة رفيعة تقبل منه أمثال هذه الأوهام والافتراءات.
وقد جائت هذه الرواية أيضاً في كتب الشيعة إلّا أنّ بينهما بوناً شاسعاً، فقد جاء في علل الشرائع: أنّ شقيّاً جاء إلى فاطمة علیها السلام وأخبرها كذباً أنّ علي بن أبي طالب علیه السلام خطب بنت أبي جهل، فكذّبه الإمام علي علیه السلام وبيّن أنّه مغتر لا يؤخذ بكلامه(1).
الرأي الثالث: إن الرفض مصطلح سياسي استخدمه الساسة في أوّل الأمر ثمّ انتقل إلى كتب المحدثين، فأوّل ظهوره كان من القصور وأرباب المنافع، ثُمّ انتقل إلى علم الحديث، وتوسّع بإطلاقه توسّعاً شاسعاً، ويطلعنا نصر بن مزاحم المنقري في كتابه وقعة صفين برسالة يبعث بها معاوية إلى عمرو بن العاص يذكر فيها هذا الأمر، فيقول: (أمّا بعد؛ فإنّه كان من أمر علي وطلحة والزبير ما قد بلغك، وقد سقط إلينا مروان بن الحكم في رافضة أهل البصرة، وقدم علينا جرير بن عبد الله في بيعة علي، وقد حبست نفسي عليك حتّى تأتيني)(2).
الحديث ناقص وكامله لا يدل على المدّعى:
فهو مصطلح استخدمه الحكام لكلّ من يعارض حكوماتهم وسياستهم فكانوا يقذفون من يرفضهم بشتى التُهم المنفّرة والألفاظ النابية، لإظهارهم بمظهر مخرّب ومسيء داخل المجتمع، ولإبعاد الآخرين عنهم وحجب صورتهم وصوتهم من الوصول إلى أعين وأسماع الناس، فكانوا يصوّرونهم كرافضي الدين إذا كان المجتمع مجتمعاً دينياً، ومارقين عن القانون إذا كان المجتمع قانونياً.
وهكذا كان يستخدم الحاكم شتى الطرق ومختلف الأساليب للوصول إلى غايته وهدفه، وهو البقاء على ملكه وسلطته على الآخرين، ومحاربة أي شخص يحاول المساس بها أو الدنو منه، فضلاً عمن يطعن فيه ويراه فاسداً وغير صالح لقيادة الأمة والمجتمع أساساً.
ومن ثمّ انتقل هذا المصطلح إلى ألسنة الفقهاء والمحدّثين، لأن الحاكم والفقيه كانا في بداية العهود الإسلامية على وفاق، إذ الحاكم يريد شرعية لحكمه من الفقهاء والعلماء الذين يوجبون طاعته مهما كان، والفقيه يريد العيش والسمة والسمعة عند الآخرين، فتوافق الاثنان وإن اختلفا في الهدف، ووجد أحدهم الآخر حافظاً وموصلاً إلى غايته المتوخاة، فدخل المصطلح شيئاً فشيئاً إلى بطون الأخبار واصطبغ بالصبغة الشرعية بعدما استخدمه الفقهاء المحدّثون، وقد أدّى هذا الامر إلى خلق مشكلة أخرى، وهي عدم انضباط معنی «الرفض» عند العلماء، حيث استخدم في أوّل الأمر ضمن دائرة معيّنة، ومن ثُمّ أخذ يتوسع ويطلق من دون قيود وشروط.
معنى الرفض عند المحدثين والفقهاء:
مع مراجعة كلمات المحدثين يتوصل الباحث الى أنّهم استخدموا لفظ «الرافضة» في معنىً وفرقة معيّنة، وهم الخطابية أصحاب محمّد بن مقلاص أبي زينب، الذي كان يتظاهر - مع أتباعه - بإلوهية الإمام الصادق علیه السلام، وكانت تعتقد هذه الفرقة أنّ أبا الخطاب نبيّ مرسل أمر الإمام الصادق علیه السلام بطاعته، كما أنّهم يقولون بحلية المحارم جميعها، وأن الشريعة قد رفعت، ويؤمنون بالتناسخ، ويعتقدون أنّ الأئمّة هم الآلهة، إلى غير ذلك من الأمور والمعتقدات الفاسدة.
وقد ورد ذمهم والبراءة منهم في كلمات الإمام الصادق علیه السلام حتّى قال فيهم:
(إنّ فيهم من يكذب حتى إنّ الشيطان ليحتاج إلى كذبه)(1).
وغير ذلك من الروايات المتواترة في ذم أبي زينب وأصحابه وفساد معتقدهم.
ومن معتقداتهم الهدّامة أنّهم يجوّزون الكذب لأصحابهم إذا كان لنصرة خطابي آخر والشهادة زوراً له، فلذلك حينما ذكر المحدثون الرافضة وعدم جواز الأخذ عنهم علّلوا ذلك بشهادتهم الزور، فقد جاء في معرفة الثقات للعجلي: سئل مالك عن الرافضة؟ قال: لا تكلّمهم ولا ترو عنهم، فإنّهم يكذبون(2).
وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: لم أر أشهد بالزور من الرافضة(3).
وقال يزيد بن هارون: يُكتب عن كُلّ صاحب بدعة إذا لم يكن داعية إلّا الرافضة، فإنّهم يكذبون(4).
وفي كتاب فتح الملك العلي للمحدث الصديق الغماري: (قال شريك: احمل العلم عن كُلّ من لقيت إلّا الرافضة، فإنّهم يضعون الحديث ويتّخذونه ديناً).
ثُمّ قال: (ثُمّ هم غير موجودين في أسانيد الأخبار المخرجة في دواوين أهل السنة إلّا على سبيل القلّة والندرة، وإنّما الموجود فيها أهل التشيع بغلو أو بلا ،غلو، كما سبق عن الذهبي)(5).
ففرّق «الصديق الغماري» بين الرافضة وبين الشيعة، وأنكر وجود الرافضة في أخبار وأسانيد أهل السنة، والموجودون هم الشيعة فقط، وبالفعل فإن كتب
السنة فيها الكثير من الأسانيد الشيعية مما يدلّ على تفرقتهم بين الشيعة وبين الرافضة.
وفي حاشية إعانة الطالبين: (قال الكردي: الرافضة والشيعة والزيدية متقاربون. ثُمّ قال: قال في المواقف الشيعة اثنا وعشرون فرقة)(1).
وذكر ابن قتيبة في المعارف فرق الرافضة ولم يذكر فيها الشيعة، بل ذكر الخطابية، فقال: (هم ينسبون إلى أبي الخطاب، ولا أدري ممن هو غير أنّه كان يأمر أصحابه أن يشهدوا على من خالفهم بالزور في الأموال والدماء والفروج، وقال: إنّ دماءهم ونساءهم لكم حلال)(2).
وقال الخضري في أصول الفقه: (أمّا المبتدعون ببدع غير مكفّرة فأكثرهم على هذا القول بقبول رواياتهم، وهو المعقول ماداموا لا يدينون بالكذب، ولانظن أنّ هذا معتقد لأي طائفة من المسلمين، وإن نسب إلى الخطابية أنّهم يدينون بالشهادة لمن يوافقهم في الاعتقاد)(3).
ومن هذا المنطلق حكم أئمة الفرق بعدم قبول شهادة الرافضة الخطابية، لأنّ معتقدهم جواز الكذب وشهادة الزور، قال في جواهر العقود: (قال أبو حنيفة والشافعي: تقبل شهادتهم - أي أهل الأهواء - إذا كانوا متجنّبين الكذب إلا الخطابية من الرافضة، فإنّهم يصدّقون من حلف عندهم أنّ له على فلان كذا، فيشهدون له بذلك)(4).
وقال الذهبي في ميزان الاعتدال في ترجمة أبان بن تغلب بعد أن ذكر
توثيق الأئمة له: (كيف ساغ توثيق مبتدع، وحد الثقة: العدالة والإتقان، فكيف يكون عدلاً من هو صاحب بدعة؟
وجوابه: إنّ البدعة على ضربين؛ فبدعة صغرى كغلو التشيع أو كالتشيع بلا غلو ولا تحريف، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق، فلو ردّ حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية، وهذه مفسدة بيّنة)(1).
فحكم على أبان بأنّه شيعي وليس برافضي، فلذلك يُقبل قوله وتُقبل روايته.
كما ذكر أنّ هؤلاء كثيرون، ولا يمكن رد آثارهم لأنّه يلزم منه ردّ جملة كبيرة من الآثار النبوية، وهذه مفسدة لا يمكن الالتزام بها، فهم ليسوا روافض، لأن الروافض يكذبون ويبيحون الكذب، فلا يقال في حقّهم أنّ ردّ أحاديثهم يلزم منه ردّ جملة من الآثار النبوية، بل العكس صحيح ففي الأخذ بآثارهم مفسدة لأنهم كذّابون.
وممّا يشهد على عدم شمول مصطلح الرفض لشيعة علي علیه السلام، وأنّ الخطابية هم الروافض وهم المقصودون في كلام المحدّثين ما ذكروه حول عباد بن يعقوب الرواجني، قال الذهبي في ترجمته: الشيخ العالم الصدوق محدّث الشيعة أبو سعيد عباد بن يعقوب الأسدي الرواجني المبتدع(2).
كما روى عنه البخاري حديثاً قرن فيه معه آخر(3)، وأحمد(4)والترمذي(5)
وابن ماجة(1)وابن خزيمة(2)والحاكم(3)والبيهقي(4)وابن عبد البر(5)وآخرون.
وقال الحاكم: كان ابن خزيمة يقول: حدثنا الثقة في روايته المتّهم في دينه عباد بن يعقوب، وقال ابن عدي فيه غلو في التشيع(6).
وروى عبدان عن ثقة أنّ عباداً كان يشتم السلف(7).
وروى علي بن محمّد الحبيبي عن صالح جزرة، قال: كان عباد يشتم عثمان، وسمعته يقول: الله أعدل من أن يدخل طلحة والزبير الجنّه قاتلا علياً بعد أن بايعاه(8).
وقال ابن جرير: سمعته يقول: من لم يبرأ في صلاته كُلّ يوم من أعداء آل محمّد حشره الله معهم(9).
وقال محمّد بن المظفّر الحافظ: حدثنا القاسم المطرز، قال: دخلت على عبّاد بالكوفة وكان يمتحن الطلبة، فقال: من حفر البحر؟ قلت: الله. قال: هو كذلك، ولكن من حفر؟
قلت: يذكر الشيخ. قال: حفره علي.
فمن أجراه؟ قلت: الله. قال: هو كذلك، ولكن من أجراه؟ قلت: يفيدني الشیخ.
1) سنن ابن ماجة 1: 471
2) صحیح ابن خزيمة 2: 376
3) المستدرك على الصحيحين 1: 92
4) السنن الكبرى 4: 351
5) الاستذكار 7: 101، والاستيعاب 3: 1117
6) تهذيب الكمال للمزّي 14: 177، سير أعلام النبلاء 11: 537، تهذيب التهذيب 5: 95
7) راجع: الكامل لابن عدي 4: 348، سير أعلام النبلاء 11: 537
8) سير أعلام النبلاء 11: 537
9) تاريخ الإسلام 18: 303
قال: أجراه الحسين، وكان ضريراً، فرأيت سيفاً وجحفة، فقلت: لمن هذا؟ قال: أعددته لأقاتل به مع المهدي.. إسنادها صحيح... وما اعتقده يتعمد الكذب أبداً)(1).
ففي عبّاد كُلّ صفات التشيع القائم ومع ذلك لم يتهم بالرفض، بل وثّقه واخرج له أمثال البخاري الذي لم يخرج لجعفر بن محمّد الصادق علیه السلام، ممّا يدل على أنّ المقصود من الرفض هو الكذب، وهو ما اتّصف به أتباع أبي الخطاب ؛ لأنّ أمثال عباد في كتب وأخبار السنة كثيرون، ومع ذلك أخرجوا لهم وأخذوا برواياتهم وأخبارهم في أصح الكتب عندهم.
فمن المرجّح - إذن - أن مصطلح الرفض وليد السياسة وربيبها، ودخل كتب المحدّثين والرواة، وأطلقوه على فرقة ضالة منحرفة تسمى الخطابية أصحاب محمد بن مقلاص أبي زينب المعاصر للإمام الصادق علیه السلام.
المذهب الشيعي مذهب الفطرة النقية:
إنّ مذهب أهل البيت علیهم السلام مذهب يرفض جميع أنواع الظلم والطغيان في المجتمعات البشرية، ويعتقد أن لا يمكن لمذهب يدّعي الحقانية أن يستسلم أمام الطغاة والظالمين، وأن «عبد الرحمن» هو من الذين رفضوا الظلم والطغيان والجهل والعناد وأدركوا أحقيّة مذهب أهل البيت علیهم السلام بفطرتهم النقية وتقبلوا أدلّتها بعقلهم السليم(2)فهنيئا لهم الانتماء لمذهب أهل البيت علیهم السلام الذين من عرفهم عرف الله، ومن جهلهم جهل الله، ومن أحبهم أحب الله(3).
ولد في أُسرة فرنسية ملتزمة بتعاليم الديانة المسيحية، وترعرع في أحضانها إلى أن وصل سن الرشد والبلوغ الفكري، فأرشده حبّ الاطلاع على الحقيقة أن يترك الاتّباع الأعمى لموروث الآباء والأجداد، ويبدأ بدراسة الأسس الفكرية التي بني عليها رؤيته الكونية، لكي يتحرّر من قيود التقليد والتبعيّة، ويشعر بلذّة إدراك الحقيقة، ويطمئن قلبه بالإيمان الذي ينتهي بالإنسان إلى السعادة الأبدية.
تأثير واقعة الطف على حركة الاستبصار:
لم يسلم التاريخ الإسلامي بصورة عامة من أيدي التحريف والتزييف، ولكنّه احتوى على صفحات مشرقة، نقلت لنا وقائع وحوادث تكشف عن الحقائق التي غيبت من قبل الأقلام والأفواه المأجورة؛ لأنّها حقائق وصلت إلى درجة من الشهرة والتواتر، بحيث لا يتمكن أيّ أحدٍ من إنكارها والتقليل من آثارها الفردية والاجتماعية.
إنّ واقعة استشهاد الإمام الحسين علیه السلام والحوادث التي وقعت على أرض الطفّ، من أبرز تلك الأحداث في التاريخ الإسلامي، فمازلنا نرى تأثيرها الواسع والعميق في مجال تبيين أحقّية مذهب أهل البيت علیهم الاسلام.
يقول المستبصر إدريس الحسيني في كتابه (لقد شيّعني الحسين):
«ما إن خلصت من قراءة (مذبحة) كربلاء، بتفاصيلها المأساوية، حتّى قامت كربلاء في نفسي وفكري، من هنا بدأت نقطة الثورة، الثورة على كلّ مفاهيمي ومسلّماتي الموروثة، ثورة الحسين داخل روحي وعقلي»(1).
ويقول المستبصر صائب عبد الحميد في كتابه (منهج في الانتماء المذهبي):
«مع الحسين - مصباح الهدى كانت البداية، ومع الحسين سفينة النجاة - كان الشروع، بداية لم أقصدها أنا، وإنّما هي التي قصد تني، فوفقني الله لحسن استقبالها، وأخذ بيدي إلى عتباتها...»(2).
وإنّ «عبد الكريم باسيل» هو الآخر الذي وفقه الله عزّ وجلّ للالتحاق بالركب الحسيني في سفينة النجاة، والاستضاءة بنور سيّد الشهداء علیه السلام.
إنّه عهد مع ربّه أن لا يترك هذه العُلقة المعنوية مع سيّده ومولاه، فأصبح من الذين يعيشون كربلاء وعاشوراء في كلّ لحظاتهم، ولذا أخذوا على عاتقهم مهمّة الخدمة الحسينية وتشرّفوا بإقامة الشعائر وإحياء أمر أهل البيت علیهم السلام، فلم يزل «عبد الكريم» مع عدّة من الشباب المستبصرين ملتزمين بإقامة المجالس الحسينية، ومنها مجالس قراءة زيارة عاشوراء ونقل قصّة استشهاد سيّد الشهداء علیه السلام باللغة الفرنسية.
إن زيارة الإمام الحسين علیه السلام في يوم عاشوراء - المعروفة باسم زيارة عاشوراء - يمكن عدّها من أهم زيارات الأئمة الطاهرين علیهم السلام؛ لاشتمالها على مضامين تكشف عن الظلم الواقع على أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسلم من قبل الذين ورثوا الخلافة المغتصبة من أسلافهم، الذين قتلوا إمامهم وهو ابن نبيّهم، وأحرقوا
خيام آل الرسول صلی الله علیه وآله وسلم، وأسروا النساء والأطفال من ذرّية الزهراء البتول علیها السلام، إنّها مصيبة ما أعظمها وأعظم رزيتها في الإسلام، فلعن الله من ظلم، ولعن الله من سمع بذلك فرضي به، ولعن الله أوّل ظالم ظلم حقّ محمّد و آل محمّد علیهم السلام.
دراسة في سند زيارة عاشوراء:
إنّ زيارة سيّد الشهداء في العاشر من محرّم وردت بخمس طرق رواها شيخ الطائفة بطرق ثلاثة، غير أنّ السند الأوّل يختصّ ببيان ثواب الزيارة دون النصّ المعروف، والأخيرين طريقان لنفس النصّ، ويعلم ذلك بالإمعان في ما نقله الشيخ في هذا المضمار.
ورواها ابن قولويه بطريقين، فتكون الطرق إليها خمسة، ونذكر هنا هذه الأسانيد بنصّها وتحليلها:
قال الشيخ الطوسي:
روى محمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن صالح بن عقبة، عن أبيه، عن أبي جعفر علیه السلام، قال: «من زار الحسين بن عليّ علیهم السلام في يوم عاشوراء من محرّم الحرام حتّى يظلّ عنده باكياً، لقي الله عزّ وجلّ يوم يلقاه بثواب ألفي حجّة وألفي عمرة ، وألفي غزوة، ثواب كلّ غزوة وحجّة وعمرة كثواب من حجّ واعتمر وغزا مع رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ومع الأئمّة الراشدين».
قال: قلت: جعلت فداك، فما لمن كان في بعيد البلاد وأقاصيه ولم يمكنه المصير إليه في ذلك اليوم؟
قال: «إذا كان كذلك برز إلى الصحراء أو صعد سطحاً مرتفعاً في داره وأوماً إليه بالسلام، واجتهد في الدعاء على قاتله، وصلى من بعدُ ركعتين، وليكن ذلك في صدر النهار قبل أن تزول الشمس، ثمّ ليندب الحسين علیه السلام ويبكيه، ويأمر من في
داره ممّن لا يتقية بالبكاء عليه، ويقيم في داره المصيبة بإظهار الجزع عليه، وليعزّ بعضهم بعضاً بمصابهم بالحسين علیه السلام، وأنا الضامن لهم إذا فعلوا ذلك على الله تَعالى جميع ذلك».
قلت: جعلت فداك، أنت الضامن ذلك لهم والزعيم؟!
قال: «أنا الضامن وأنا الزعيم لمن فعل ذلك».
قلت: فكيف يُعزّي بعضنا بعضاً؟
قال: «تقولون: أعظم الله أجورنا بمصابنا بالحسين علیه السلام، وجعلنا وإيّاكم من الطالبين بثاره مع وليّه الإمام المهدي من آل محمد علیهم السلام، وإن استطعت أن لا تنتشر يومك في حاجة فافعل، فإنه يوم نحس لا تُقضى فيه حاجة مؤمن، فإن قضيت لم يبارك له فيها ولم ير فيها رشداً، ولا يدَّخرن أحدكم لمنزله فيه شيئاً، فمن ادّخر في ذلك اليوم شيئاً لم يبارك له فيما ادّخره، ولم يبارك له في أهله، فإذا فعلوا ذلك كتب الله تعالى لهم ثواب ألف حجّة وألف عمرة وألف غزوة كلّها مع رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وكان له أجر وثواب مصيبة كلّ نبيّ ورسول ووصيّ وصدّيق وشهيد مات أو قتل منذ خلق الله الدنيا إلى أن تقوم الساعة»(1).
إلى هنا تمّ سند الشيخ في بيان ثواب زيارة الحسين علیه السلام يوم عاشوراء، دون أن يذكر فيه نصّ خاص للزيارة، بل اقتصرت الرواية في نيل الثواب على ما جاء في الرواية من البروز إلى الصحراء أو الصعود إلى السطح المرتفع والإيماء إليه بالسلام والاجتهاد في الدعاء على قاتله... إلى آخر ما جاء في الرواية، وليس فيها أيّ أثر من الزيارة الخاصّة التي نحن بصدد تقويم سندها.
وإليك دراسة سندها:
إنّ الشيخ أخذ الرواية من كتاب محمّد بن إسماعيل بن بزيع، ونقل سنده إلى كتابه في الفهرست بالنحو التالي: ابن أبي جيد، عن محمّد بن الحسن بن الوليد، عن
1) مصباح المتهجّد: 773
علي بن إبراهيم، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع(1).
وعلى هذا فالشيخ يروي ثواب زيارة الحسين علیه السلام في يوم عاشوراء عن المشايخ التالية:
ابن أبي جيد، محمّد بن الحسن بن الوليد، علي بن إبراهيم، محمّد بن الحسن بن الوليد. علي بن إبراهيم. محمّد بن إسماعيل بن بزيع. صالح بن عقبة. عقبة بن قيس. عن أبي جعفر الباقر علیه السلام.
وإليك دراسة أحوالهم:
محمد بن الحسن بن الوليد:
المتوفّى عام 343 ه، من مشايخ الطائفة وأجلّائها، غني عن الوصف والبيان، ويصدر عنه الشيخ الصدوق في التعديل والتجريح، توفّي سنة 343 ه.
علي بن إبراهيم القمّي:
شيخ الكليني، الذي كان حيّاً عام 307 ه، وهو من مشايخ الطائفة الذين لا يُشق غبارهم.
محمّد بن إسماعيل بن بزيع:
من أصحاب أبي الحسن الأوّل والرضا والجواد علیهم السلام.
يقول الشيخ في رجاله: ثقة صحيح كوفي(2).
ويقول النجاشي: من صالحي هذه الطائفة وثقاتهم، كثير العمل(3).
صالح بن عقبة:
ذكره النجاشي بقوله: صالح بن عقبة بن قيس بن سمعان بن أبي ربيحة.
روى عن أبيه عن جدّه، وروى عن زيد الشحّام.
روى عنه: محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، وإبنه إسماعيل بن صالح بن عقبة(1).
وليس المراد منه صالح بن عقبة بن خالد الأسدي؛ وذلك لأنّ محمّد بن إسماعيل بن بزيع يروي عنه بواسطة محمّد بن أيوب كما يظهر من طريق النجاشي إلى كتاب خالد الأسدي؛ إذ قال - بعد ذكر عدّة من المشايخ: عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن محمّد بن أيّوب، عن صالح بن عقبة بن خالد الأسدي(2).
كما أنّ الشيخ اقتصر على ذكر شخص واحد، وقال: صالح بن عقبة له كتاب، أخبرنا به ابن أبي جيد، عن ابن الوليد، عن الصفار محمّد بن الحسين، عن محمّد ابن إسماعيل بن بزيع، عنه(3).
ومراده هو: صالح بن عقبة بن قيس، لا خالد الأسدي.
فما احتمله المحقّق التستري(4)ليس في محلّه.
إذا ظهر ذلك فاعلم: أنّ الضابطة في كلّ ما يذكره النجاشي هو أنّه إماميّ، فلو كان غير إمامي لتعرّض إلى مذهبة، كما أنّه لو كان قدحٌ فيه لذكره.
وعلى ذلك بني جمع من علمائنا الرجاليين كالسيّد بحر العلوم الطباطبائي رحمه الله في الفائدة العاشرة من فوائده الرجاليه(5)، فذهب إلى أنّ جميع من ذكره الطوسي والنجاشي في كتابيهما من الشيعة الإماميّة صحيح المذهب، ممدوح بمدح عام يقتضيه الوضع؛ لذكر المصنّفين العلماء والاعتناء بشأنهم وشأن كتبهم،
وذكر الطريق إليهم، وذكر من روى عنهم ومن رووا عنه، إلّا من نص فيه على خلاف ذلك من الرجال، كالزيدية والفطحية والواقفية وغيرهم، وعلى ضوء ذلك فهو إمامي ممدوح بمدح عام، والذي جاء سبباً لذكره في الكتب. هذا من جانب، ومن جانب آخر يروي عنه شيخان عظيمان من مشايخ الشيعة الكبار هما: محمد ابن الحسين بن أبي الخطّاب (المتوفى عام 262 ه)، ومحمد بن إسماعيل بن بزيع من كبار مشايخ الشيعة.
نعم، ضعّفه ابن الغضائري، كما نقله العلّامة في «خلاصته» وقال: غالٍ، كذَّاب لا يُلتفت إليه(1)، ولكن ذمّ الغضائري لا يُعتدّ به؛ لأنّه قدح كثيراً من ثقاتنا وعلمائنا الذين لا يُشقّ غبارهم، وقد كان له عقائد خاصّة في حقّ الأئمّة الاثني عشر علیهم السلام، فمن تجاوز عنها وصفه بالغلوّ، ومن روى رواية في ذلك الموضوع لا توافق عقيدته وصفه بالكذب، ولذلك رتّب في كلامه على كونه غالياً، قوله: كذّاباً لا يُلتفت إليه، وهذا دليل على أنّ وصفه بالكذب، لتوهّم الغلوّ فيه.
وكيف يمكن أن يوصف بالغلوّ والكذب من هو من مشايخ محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، أو محمّد بن إسماعيل بن بزيع، الذي ذكر عند الرضا علیه السلام فقال: «وددت أنّ فيكم مثله»، ومن اعتنى بذكره وذكر كتابه الشيخان النجاشي والطوسي، فوثاقته قويّة وروايته معتبرة.
عقبة بن قيس بن سمعان:
عنونه الشيخ في رجاله وعدّه من أصحاب الإمام الباقر علیه السلام(2)، وكونه من أصحاب الإمام الباقر علیه السلام يدلّ على أنّه إمامي ولم يظفر الشيخ بشيء من الدم فيه.
إلى هنا تمّت دراسة السند الأوّل للشيخ إلى بيان ثواب زيارة الحسين علیه السلام
في يوم عاشوراء.
والسند لا بأس به، وهو من الحسن، بمعنى الممدوح بالمدح العام لا الممدوح بالمدح الخاص.
المهم في المقام هو دراسة سند الشيخ إلى نصّ الزيارة، قال قدس سره:
صالح بن عقبة، وسيف بن عميرة، قال علقمة بن محمّد الحضر مي: قلت لأبي جعفر علیه السلام: علمني دعاء أدعو به ذلك اليوم إذا أنا زرته من قرب، ودعاء أدعو به إذا لم أزره من قرب وأومأت من بعد البلاد، من داري بالسلام إليه.
قال: فقال لي: «يا علقمة! إذا أنت صلّيت الركعتين بعد أن تومىء إليه بالسلام فقل عند الإيماء إليه من بعد التكبير هذا القول، فإنّك إذا قلت ذلك فقد دعوت بما يدعو به زوّاره من الملائكة، وكتب الله لك مائة ألف ألف درجة، وكنت كمن استشهد مع الحسين علیه السلام حتّى تشاركهم في درجاتهم، ثمّ لا تُعرف إلّا مع الشهداء الذين استشهدوا معه، وكتب لك ثواب زيارة كلّ نبي وكلّ رسول، وزيارة كلّ مَن زار الحسين علیه السلام منذ يوم قتل عليه السلام وعلى أهل بيته» والزيارة هي: «السلام عليك يا أبا عبد الله، السلام عليك يا بن رسول الله، السلام عليك يا بن أمير المؤمنين وابن سيّد الوصيين، السلام عليك يا بن فاطمة سيّدة نساء العالمين...»
ثمّ قال - بعد السلام مرّة واللعن مرة -: ثمّ تسجد وتقول:
«اللهمّ لك الحمد، حمد الشاكرين لك على مصابهم، الحمد الله على عظيم رزيّتي، اللهمّ ارزقني شفاعة الحسين علیه السلام يوم الورود، وثبّت لي قدم صدق عندك مع الحسين وأصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين علیه السلام».
قال علقمة: قال أبو جعفر علیه السلام: «وإن استطعت أن تزوره في كلّ يوم بهذه
الزيارة من دارك فافعل، فلك ثواب جميع ذلك»(1).
إلى هنا تمت زيارة عاشوراء سنداً ومتناً. وإليك دراسة السند، فنقول: سياق العبارة ظاهر في أنّ الشيخ أخذ الرواية من كتاب محمّد بن إسماعيل بن بزيع الذي لا كلام في وثاقته، إنّما الكلام في من يروي هو عنه، فقد روى محمّد بن إسماعيل نصّ الزيارة بالسند التالي:
أ - صالح بن عقبة وسيف بن عميرة:
أمّا صالح بن عقبة، فقد تقدمت ترجمته وقد عرفت أنّه في الكتب الرجاليّة إمامي ممدوح بالمدح العام لا الخاص، ولكن دلت القرائن على كونه مقبول الرواية، وأنّ ذم الغضائري لا يُعتدّ به، ومع افتراض عدم ثبوت وثاقته، لا يضرّ ذلك بصحّة السند؛ لأنّ محمّد بن إسماعيل بن بزيع يروي نصّ الزيارة عن شخصين: أحدهما صالح بن عقبه والآخر سيف بن عميرة، والثاني ثقة بلاكلام.
قال النجاشي: سيف بن عميرة النخعي، عربي، كوفي ثقة، يروي عن أبي عبد الله وأبي الحسن، له كتاب يرويه عنه جماعات من أصحابنا(2).
وصرّح بوثاقته الشيخ في الفهرست(3).
فالرواة إلى هناكلّهم ثقات.
ب - علقمة بن محمّد الحضرمي:
عده الشيخ في رجاله في أصحاب الباقر علیه السلام، والصادق علیه السلام(4)وليس في
الكتب الرجالية تصريحاً بوثاقته، ولكن القرائن تدلّ على وثاقته:
1 - روى الكشّي عن بكار بن أبي بكر الحضرمي، قال: دخل أبو بكر وعلقمة على زيد بن علي، وكان علقمة أكبر من أبي بكر، فجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، وكان بلغهما أنّه قال: «ليس الإمام منّا من أرخى عليه ستره، إنّما الإمام من شهر سيفه».
فقال له أبو بكر - وكان أجرأهما - علیهم السلام يا أبا الحسين! أخبرني عن عليّ بن أبي طالب علیه السلام، أكان إماماً وهو مرخٍ عليه ستره أو لم يكن إماماً حتّى خرج وشهر سيفه؟ وكان زيد يبصر الكلام، فسكت فلم يجبه، فردّ عليه الكلام ثلاث مرات، كلّ ذلك لا يجيبه بشيء.
قال له أبو بكر: إن كان علي بن أبي طالب علیه السلام إماماً فقد يجوز أن يكون بعده إمام مرخٍ ستره، وإن لم يكن إماماً وهو مرخٍ عليه ستره فأنت ما جاء بك هاهنا؟! فطلب علقمة من أبي بكر أن يكف عنه، فكفّ(1).
والحديث يكشف عن أنّ الأخوين كانا على بصيرة من أمر الإمامة.
2 - ما سیوافيك عند دراسة السند الثالث للشيخ، من أنّ سيف بن عميرة سیو الثقة اعترض على صفوان بن مهران الثقة، بأنّ ما دعا به لم يرد في رواية العلقمي عن الباقر علیه السلام، واعتذر صفوان - بما سيوافيك في محلّه - بأنّه سمعه من الإمام الصادق علیه السلام عند زيارته لجدّه الحسين.
فالاحتجاج بعدم نقله، والجواب عنه بأنّه سمعه من الإمام الصادق علیه السلام، حاكٍ عن تسليم الرجلين الثقتين بوثاقة علقمة بن محمّد الحضرمي، وإلّا لما احتجّ به «سیف بن عميرة»، ولما أجاب عنه صفوان بالسماع عن الصادق علیه السلام.
1) اختيار معرفة الرجال 714:2
وبذلك يعلم: أنّ الدعاء الوارد بعد الزيارة ليس لعلقمة وإن اشتهر بأنّه له، بل هو لصفوان بن مهران.
فخرجنا بالنتيجة التالية:
1 - سند الشيخ إلى كتاب محمّد بن إسماعيل بن بزيع صحيح في «الفهرست».
2 - أنّ محمد بن إسماعيل بن بزيع ثقة بالاتّفاق.
3 - أنّ سيف بن عميرة ثقة، صرّح بذلك الشيخ النجاشي.
4 - علقمة بن محمّد الحضر مي ثقة حسب القرائن التي تَمّ ذكرها.
إلى هنا تمّ السند الثاني، فلو قلنا بوثاقة -علقمة - كما هو الحقّ - فالسند صحيح - وإلا فهو حسن بالمدح العام.
السند الثالث إلى نص الزيارة:
إنّ للشيخ سنداً ثالثاً في «مصباح المتهجّد» إلى نصّ الزيارة نأتي بنصّه، قال الشيخ الطوسي: وروى محمّد بن خالد الطيالسي، عن سيف بن عميرة، قال: خرجت مع صفوان بن مهران الجمّال وعندنا جماعة من أصحابنا...
فلما فرغنا من الزيارة، صرف صفوان وجهه إلى ناحية أبي عبد الله [الحسين] علیه السلام، فقال لنا:
تزورون الحسين علیه السلام من هذا المكان، من عند رأس أمير المؤمنين صلوات الله عليه، منها هنا وأومأ إليه أبو عبد الله [الصادق] علیه السلام وأنا معه.
قال: فدعا صفوان بالزيارة التي رواها علقمة بن محمّد الحضرمي عن أبي جعفر علیه السلام في يوم عاشوراء، ثمّ صلّى ركعتين عند رأس أمير المؤمنين علیه السلام، وودّع، في دبرهما أمير المؤمنين علیه السلام وأوماً إلى الحسين بالسلام منصرفاً بوجهه نحوه
وودّع وكان فيما دعاه في دبرها:
یا الله، یا الله، یا الله، یا مجیب دعوة المضطرين... [الدعاء المعروف بدعاء علقمه].
والرواية صريحة في أنّ صفوان زار الإمام الحسين علیه السلام بالزيارة التي رواها علقمة بن محمّد الحضرمي، وفي آخر الرواية قال: سيف بن عميرة فسألت صفوان: إنّ علقمة بن محمّد الحضرمي لم يأت بهذا (الدعاء) أعني: يا الله يا الله يا الله، يا مجيب دعوة المضطرين... وإنمّا أتانا بدعاء الزيارة (أي نصّ الزيارة).
فقال صفوان: وردت مع سيّدي أبي عبد الله علیه السلام إلى هذا المكان ففعل مثل الذي فعلناه في زيارتنا ودعا بهذا الدعاء عند الوداع(1).
فالاختلاف إنمّا كان في الدعاء الذي يُقرأ بعد الزيارة بعد تسليم نصّها المعروف.
إنّ الشيخ أخذ الرواية من كتاب محمّد بن خالد الطيالسي، وذكر سنده إلى كتابه في «الفهرست»، وقال: له كتاب رويناه عن الحسين بن عبيد الله (الغضائري)، عن أحمد بن محمّد بن يحيى (شيخ الصدوق)، عن أبيه (محمّد العطّار بن يحيى القمّي)، عن محمّد بن علي بن محبوب، عنه(2).
وسنده إلى الكتاب صحيح، وأحمد بن محمّد بن يحيى من مشايخ الصدوق، وينقل عنه مع الترضّي عليه، والمشايخ في غنى عن التوثيق.
إذا علمت ذلك فاعلم أنّ الحكم بصحّة السند يتوقّف على دراسة أحوال الرواة الواردين فيه وهم: محمّد بن خالد الطيالسي. سيف بن عميرة وصفوان بن
مهران الجمّال.
أمّا الثاني - أعني سيف بن عميرة - فقد عرفت أنّ النجاشي والشيخ وتقاه وبقي الكلام في الأوّل والثالث.
أمّا محمّد بن خالد الطيالسي، فقد عدّه الشيخ في رجاله في أصحاب الكاظم علیه السلام(1).
وتؤيّد وثاقته رواية المشايخ الأعاظم عنه نظراء:
علي بن الحسن بن فضال، سعد بن عبد الله القمي، حميد بن زياد(2)علي بن إبراهيم القمّي، محمّد بن علي بن محبوب، محمّد بن يحيى المعاذي، ومعاوية بن حکیم(3).
حكيم وقال النجاشي: محمّد بن خالد بن عمر الطيالسي التميمي، أبو عبد الله، مات لثلاث بقين من جمادي الآخرة سنة 259 ه، وهو ابن 97 سنة(4).
ولعلّ هذا المقدار يثبت وجاهته في الحديث، وأنّ له منزلة عند المحدّثين، فيكون إماميّاً ممدوحاً، بل مقبول الرواية.
وأمّا الثالث - أعني صفوان بن مهران - فهو كوفي ثقة، يكنّى أبا محمّد(5).
إلى هنا تمّت دراسة أسانيد الشيخ الثلاثة، فخرجنا بالنتيجة التالية:
إنّ السند الأوّل من الأسانيد الثلاثة، طريق الشيخ إلى ما يترتّب على زيارة
1) رجال الشيخ الطوسي: 343 من اصحاب الإمام الكاظم علیه السلام، برقم 26 ولاحظ أيضاً باب من لم يرو عن الأئمة برقم 11
2) قال الشيخ في رجاله: 441 ما نصّه محمّد بن خالد الطيالسي، يكنى أبا عبد الله، روى عنه حميد أصولاً كثيرة
3) معجم رجال الحديث: 17، 76
4) رجال النجاشي: 340، برقم 910
5) رجال النجاشی: 198، برقم 525
الحسين علیه السلام على وجه الإطلاق من الثواب، وهو ليس بمطروح عندنا هنا، وإنّما ذكرناه استطراداً؛ لأنّ الشيخ روى الجميع في مقام واحد.
وأمّا السند الثاني فرواه الشيخ عن سيف بن عميرة - وهو ثقة بالاتفاق - عن علقمة بن محمّد الحضرمي، ولم يصرّح بوثاقته وإنّما دلت القرائن على وثاقته.
وأمّا السند الثالث فرواه الشيخ عن محمّد بن خالد الطيالسي، عن سيف بن عميرة، عن صفوان بن مهران. والأخيران ثقتان، والأوّل لم يصرّح بو ثاقة، وإنما دلت القرائن على مقبولية روايته في الحديث، فحان البحث عن سند ابن قولويه إلى نصّ الزيارة.
سند ابن قولويه إلى زيارة عاشوراء:
روى ابن قولويه في كتاب «كامل الزيارات» زيارة عاشوراء بالسند الآتي: حدّثني حكيم بن داود بن حكيم وغيره، عن محمّد بن موسى الهمداني، عن محمد ابن خالد الطيالسي، عن سيف بن عميرة وصالح بن عقبة جميعاً، عن علقمة بن محمد الحضرمي، عن أبي جعفر الباقر علیه السلام، قال: «من زار الحسين يوم عاشوراء حتّى يظلّ عنده باكياً لقى الله عزّ وجلّ يوم القيامة بثواب ألفي حجّة...».
ومحمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن مالك الجهني، عن أبي جعفر الباقر علیه السلام، قال: «من زار الحسين علیه السلام يوم عاشوراء حتّى يظل عنده...»(1).
وقد تمّ السند الأوّل بقوله: «عن علقمة بن محمّد الحضرمي»، ثمّ ابتدأ بسند آخر، وقال: ومحمّد بن إسماعيل عن صالح بن عقبة.
وعلى ذلك ففي قوله: ومحمّد بن إسماعيل احتمالان:
الأوّل: أنّ ابن قولويه شرع بأوّل السند، وأخذ الرواية عن كتاب محمّد بن
1) کامل الزيارات: 326
إسماعيل بن بزيع، لما عرفت من أنّ الشيخ روى نفس الزيارة عن ذلك الكتاب، وطريقه إليه صحيح، فينتج قيام الحجة على وجود نصّ الزيارة في ذلك الكتاب، وقد تناول كلّ من العلمين الطوسي وابن قولويه نقلها من ذلك الكتاب، غير إنّا نعلم بسند الشيخ إلى الكتاب ولا نعلم سند ابن قولويه إليه، ولكنّه لا يضر بصحّة الرواية للعلم بوجود الرواية في ذلك الكتاب عن طريق الشيخ.
وهذا الاحتمال هو الأوجه، وعليه يكون لابن قولويه سندان إلى زيارة عاشوراء.
الثاني: أنّ قوله «ومحمّد بن إسماعيل» عطف على قوله: «محمّد خالد بن الطيالسي»، وأنّ سند ابن قولويه إلى كتاب محمّد بن إسماعيل نفس سنده إلى کتاب محمّد بن خالد الطيالسي، فيروي كتاب ابن بزيع عن الطريق الذي يروي به كتاب الطيالسي.
وعلى ذلك يكون سنده إليه كالتالي: حكيم بن داود، عن محمّد بن موسى الهمداني، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع؛ وهذا الاحتمال بعيد.
وثمّة احتمال ثالث لا يتفوّه به من له إلمام بالرجال، وهو أنّ قوله «ومحمّد ابن إسماعيل» عطف على قوله: «علقمة بن محمّد الحضرمي» وجزء من السند السابق؛ لأنّه بعيد عن الصواب غاية البعد، لأنّ علقمة من أصحاب الباقر والصادق علیهما السلام، وابن بزيع من أصحاب الرضا والجواد علیهما السلام، ومع الاختلاف في الطبقة كيف يعطف المتاخّر طبقة على المتقدّم كذلك؟!
إذا عرفت ذلك فلنتناول رواة السند الأوّل بالبحث:
1 - حکیم بن داود بن حکیم:
أحد مشايخ جعفر بن قولويه، وقد وثّق مشايخه إجمالاً في أوّل كتابه،
وذكر بأنّه لم يخرّج في كتابه إلّا ما وقع له من جهة الثقات(1)، وروى عنه في كامل الزيارات في الباب الثاني، الحديث 11 والباب 54 الحديث الثالث، مضافاً إلى الباب 71 ، الحديث 9(2).
2 - محمّد بن موسى بن عيسى الهمداني:
ذكره النجاشي بقوله: محمّد بن موسى بن عيسى، أبو جعفر الهمداني السمّان، يروي عنه محمّد بن يحيى العطّار القمّي على ما في طريق النجاشي إلى كتابه؛ إذ قال: أخبرنا ابن شاذان، عن أحمد بن محمّد بن يحيى، عن أبيه، عنه عن بكتبه(3).
كما يروي عنه محمّد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري، الذي هو شيخ مشايخ الكليني، وقد ورد في أسناد نوادر الحكمة للأشعري، غير أنّ الغضائري، ضعّفه؛ فقال: «ضعيف، ويروي عن الضعفاء» لكنه ذلك صرّح بأنّه: «يجوز أن يخرج شاهداً»(4).
وضعّفه ابن الوليد أستاذ الصدوق أيضاً(5).
غير أنّ تضعيف هؤلاء يرجع إلى الاختلاف في مقامات الأئمة علیهم السلام، فإنّ للقمّيين - وعلى رأسهم محمّد بن الوليد - عقائد خاصّة في حقّ أهل البيت علیهم السلام ربما لا يرتضيه بها محقّقو الإمامية.
يقول الشيخ المفيد في «تصحيح الاعتقاد»: وقد سمعنا حكاية ظاهرة عن أبي جعفر محمّد بن الحسن بن الوليد، لم نجد لها دافعاً في التفسير، وهي ما حكي
عنه أنّه قال: أوّل درجة في الغلو نفي السهو عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم والإمام علیه السلام، فإن صحّت هذه الحكاية عنه فهو مقصّر، مع أنّه من علماء القمّيين ومشيختهم، وقد وجدنا جماعة وردوا إلينا من قم يقصرون تقصيراً ظاهراً في الدين، وينزلون الأئمّة علیهم السلام عن مراتبهم، ويزعمون أنّهم كانوا لا يعرفون كثيراً من الأحكام الدينية حتّى ينكت في قلوبهم، ورأينا في أولئك من يقول: إنّهم ملتجؤون في حكم الشريعة إلى الرأي والظنون ويدّعون مع ذلك أنّهم من العلماء، وهذا هو التقصير الذي لا شبهة فيه(1).
وعلى هذا فلا يبعد أن يكون تضعيفه من جانب ابن الوليد لأجل اختلافهما في مقامات الأئمّة علیهم السلام، ولأجل ذلك لمّا نقل النجاشي قول ابن الوليد بأنّه يقول كان يضع الحديث، عقّبه بقوله (والله أعلم)(2).
3 - محمّد بن خالد الطيالسي، قد مرّت ترجمته عند دراسة السند الثالث للشيخ الطوسي، وقد دلّت القرائن على كونه مقبول الرواية.
4 - سيف بن عميرة، قد مرّ أنّه ثقة بلا إشكال.
5 - صالح بن عقبة، مرّت ترجمته عند دراسة السند الأوّل للشيخ، وأنّه إمامي ممدوح بالمدح العام.
6 - علقمة بن محمّد الحضرمي، تقدّمت ترجمته عند دراسة سند الشيخ إليه، وقلنا بأنّ القرائن تدلّ على وثاقته.
الى هنا تمّ السند الأوّل للشيخ بن قولويه، وإليك دراسة السند الثاني...
روى محمّد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن مالك الجهني، عن أبي جعفر الباقر علیه السلام: «من زار الحسين علیه السلام يوم عاشوراء حتّى يظل عنده عنده باكياً...»(3).
وهذا السند غني عن الدراسة إلا ترجمة مالك الجهني؛ فإنّ محمّد بن إسماعيل وصالح بن عقبة قد تقدّمت ترجمتهما.
وأمّا مالك الجهني فقد عده الشيخ في رجاله من أصحاب الباقر والصادق علیهما السلام قائلاً: الكوفي، مات في حياة أبي عبد الله علیه السلام(1).
ويمكن استظهار وثاقته من الأمور التالية:
الأوّل: ما رواه علي بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن يحيى الحلبي، عن مالك الجهني، قال: قال أبو جعفر علیه السلان: «يا مالك! أنتم شيعتنا، ألا أنّك تفرط في أمرنا، إنّه لا يقدر على صفة الله، فكما لا يقدر على صفة الله كذلك لا يقدر على صفتنا، وكما لا يقدر على صفتنا كذلك لا يقدر على صفة المؤمن، إنّ المؤمن ليلقى المؤمن فيصافحه، فلا يزال الله ينظر إليهما والذنوب تتحاتُّ عن وجوههما كما يتحاتُّ الورق من الشجر حتّى يفترقا، فكيف يقدر على من هو كذلك؟!(2)».
والرواية وإن كانت تنتهي إلى نفس مالك الجهني، إلّا أنّ اهتمام علي بن إبراهيم القمّي ومحمّد بن عيسى بن عبيد ويونس بن عبدالرحمن بنقلها حاك عن اعتمادهم على روايته.
الثاني: روى الكليني، عن عيسى الحلبي، عن ابن مسكان، عن مالك الجهني، قال: قال لي أبو عبد الله علیه السلام: «يا مالك! أما ترضون أن تقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة وتكفّوا وتدخلوا الجنّة؟
يا مالك إنّه ليس من قوم ائتمّوا بإمام في الدنيا إلّا جاء يوم القيامة يلعنهم ويلعنونه، إلّا أنتم ومن كان على مثل حالكم، يا مالك إنّ الميّت والله منكم على
هذا الأمر لشهيد بمنزلة الضارب بسيفه في سبيل الله»(1).
الثالث: إنّ مدحه للإمام الباقر علیه السلام يُعرب عن معرفته بمقام الإمام، وإنّه كان يجاهر بالولاء يوم كان الجهر به محظوراً؛ قال:
إذا طلب الناس علم القرآن *** كانت قريش عليه عيالاً
وإن قيل: أين ابن بنت النبي *** نلت بذاك فروعاً طوالاً
نجوم تهلل للمدلجين *** جبال تورّث علماً جبالاً»(2)
الخاتمة:
هذه إشارة سريعة إلى أسانيد زيارة عاشوراء، وقد عرفت صحّة بعضها ومقبولية بعضها الآخر، والمجموع يشدّ بعضه بعضاً، ويورث العلم أو الاطمئنان المتاخم للعلم بصدور الرواية عن المعصوم علیه السلام مضافاً إلى أمرين:
1 - اتّفاق الطائفة ومواظبتهم على قراءتها عبر القرون، وهي إحدى القرائن على صدور الرواية.
2 - إنّ الإمعان في مضمون الزيارة يُعرب عن أنّه صدر من قلب ملؤه الشجون والأحزان، لا تسكن دمعته ولوعته إلّا بأخذ الثأر، وهو يتّفق بذلك مع مضامين سائر الروايات الواردة في الأدعية والزيارات.
عبارات اللعن الواردة في زيارة عاشوراء:
يتحدّث بعض الناس عن وقوع التحريف في متن زيارة عاشوراء، وبالأخصّ عن إضافة عبارات اللعن للزيارة، ويدّعون أنهم بحثوا في المخطوطات فلم يجدوا فيها عبارات ،اللعن، ولكن يُفنّد زعمهم بمراجة النسخ المخطوطة بصورة دقيقة وعميقة؛ فإنّ العبارات المعترض عليها موجودة وثابتة
في نسخ موثّقة موجودة في مكتبات النجف الأشرف وقم المقدّسة تتّصل مقابلاتها بنسخة الشيخ الطوسي قدس سره، المأخوذ عنها هذه الزيارة، وقد ذكرت فيها هذه المقاطع من اللعن تماماً كما هو متداول ومعروف في زماننا، ولا يوجد فيها نقيصة في هذا الجانب.
إلّا أنّه فات الشخص الاطّلاع على هذه النسخ واطّلع على نسخة أو بعض النسخ، ولم يطّلع على كلّ النسخ الموجودة لهذا الكتاب، ثمّ حكم حكماً مجتزءاً مستنداً إلى ما وجده...
وهي - أي هذه النسخ التي عثر عليها - يُحتمل احتمالاً قويّاً أن تكون كتبت في أجواء التقية، إذ أنّ كتاب «مصباح المتهجّد» هو الكتاب المهم المتداول فيما يخص الزيارات والأدعية في ذلك الزمان، وكان ككتاب «مفاتيح الجنان» في زماننا هذا، فكان الناس يستنسخون لهم نسخاً خاصّة منه؛ إذ لم تكن الطباعة متداولة يومها.. وهذا النسخ كان يخضع للظروف المحيطة به في بعض الأحيان من أجواء التقية والخوف والخشية من مساءلة السلطات، فيلجأ الناسخون إلى حذف بعض العبارات التي تثير حفيظة هذه السلطات..
الخدمة الحسينية بعد الاستبصار:
إنّ زيارة عاشوراء من الزيارات التي لا يمكن التشكيك فيها، لأنّها ثابتة من حيث السند والدلالة، ولهذا نرى اهتمام المؤمنين بقراءتها وإنّ «عبد الكريم باسيل» هو أحد الذين تنوّروا بنور هذه الزيارة الشريفة، فوفّقه الله عزّ وجلّ للاتّصال بالإمام الحسين علیه السلام والخدمة الحسينيّة ليكسب شرف الدنيا والآخرة ويصل الى السعادة الأبدية(1).
1) نقلا عن كتاب: وقفة مع كتاب حول الشيعة وما يعتقدون، للسيد عامر الحلو
(10) عبد الله(1)(مسیحي / فرنسا)
ولد في فرنسا من أبٍ إِيطالي وأُمّ فرنسية، ونشأ في أجواء عائلة مسيحيّة على الظاهر، ولكن في حقيقة الأمر كانت أُسرته غير منتمية إلى أيّ عقيدة حتّى أنّها لم تكن ملتزمة بالمعتقدات المسيحيّة.
ويظهر من مجموع كلامه: أنّ أُسرته كانت بعيدة كلّ البعد عن والمعتقد؛ فإنّه لم يتذكّر أيّ طقس ديني في حياته، ولم يعهد أنّه قد ذهب إلى الكنيسة، ولم يطرق باله يوماً ما أن يفكّر في المبدأ والمعاد مثلاً، بل يقول: «كان معظم اهتمامي في الأُمور المادية الموجودة حولي».
كان ابتداء تعرّفه على مذهب أهل البيت علیهم السلام عن طريق عائلة جزائريّة نحو عام 1415 ه (1995 م).
الخطوة الأُولى نحو الاستبصار:
يقول «عبد الله»: تعرّفت على عائلة جزائريّة، ومن خلالها تعرّفت على القرآن، فوجدته الدليل إلى خير سبيل، فيه مصابيح الهدى، ومنار الحكمة، وفيه شفاء ورحمة للنفوس؛ فانجذبت إليه، ومنه تلقّيت الشحنة التي دفعتني للاستبصار
1) هذه المعلومات مأخوذة و ملخصّة من برنامج «تولدی دوباره»، أي: الولادة الجدیدة
والهداية.
فكان ذلك سبباً لتوثيق صلتي بتلك العائلة؛ لأنّني شعرت بعد ذلك باندفاع من فطرتي ومحبّة قلبيّة خاصّة اتّجاههم، وكنت أراهم سبباً في إنقاذي من الحياة التي كنت أعيشها مُسبقاً من دون نور ولا بصيرة، أتخبّط في الظلام تائهاً، لا أجد ركناً التجيء إليه؛ لنيل الثبات والاستقرار.
ثمّ صادف بعد ذلك أن ذهبت معهم إلى الجلسة التي أقامها بعض الشيعة؛ لقراءة دعاء كميل والتضرّع الجماعي إلى الله عزّ وجلّ، فدقت في ذلك المحفل حلاوة ذكر الله، وبهجة مناجاته، وانهمرت دموعي، وشعرت بارتياح بليغ، لم أعهده في نفسي من قبل.
ومن ذلك يظهر أنّ سبب تنوير قلب «عبد الله» كان القرآن الكريم أوّلاً، والمحافل المنوّرة بكلام أهل بيت النبيّ صلوات الله عليهم بشكل الأدعية والمناجاة بينهم وبين خالق الكون سبحانه وتعالى، ثانياً.
القرآن الكريم:
إنّ القرآن الكريم منبع العلوم ومصدرها، وهو الهادي إلى الصراط الأقوم؛ قال الله تعالى: «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ...»(1). فبهداية القرآن ينقذ الغريق نفسه من الحيرة والضلالة، والظلم والجهالة، ومن أخذ بغير القرآن، ورام العلم عن غير طريقه فلا يجد إلّا الضلال والبعد عن الحقّ لعدم قوام غيره لما فيه من المتاهات ولجج الأهواء والأحقاد؛ فقد قال النبيّ الأمين صلی الله علیه وآله وسلم: «من ابتغى العلم في غيره - أي القرآن - أضلّه الله تعالى»(2).
وهو النصّ المتداول بين المسلمين المحتوي على (114) سورة: أوّلها
«سورة الفاتحة»، وآخرها «سورة الناس»، وهذه هي المعجزة الإلهيّة الخالدة التي عجز ويعجز عن الإتيان بمثلها الإنس والجنّ، والله سبحانه وتعالى أنزلها على خاتم رسله محمد بن عبد الله صلی الله علیه وآله وسلم.
سلامة القرآن من الزيادة والنقصان:
قد أجمع المسلمون على أنّ القرآن الموجود بأيدينا - ما بين الدفّتين - لم يزاد فيه، ولم يعتريه نقصان(1)لأنّ الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم كان يهتم بحفظه نصّاً، ويلتزم بنفسه بإبلاغه وتلاوته على المسلمين بعدما كان يتلى عليه من ملك الوحي جبرئيل الأمين، مضافاً إلى ذلك كان عدد المسلمين الذين يستمعون القرآن منه صلی الله علیه وآله وسلم فوق التواتر، وسجّله كتّابه الذين بلغ عددهم في بعض المصادر ما يناهز الأربعين كاتباً.
كان النبي صلی الله علیه وآله وسلم يشرف بنفسه على تحديد موقع الآية من السورة، وموقع السورة من القرآن، ومواقع السور بعضها من بعض.
وتدلّ الشواهد التاريخيّة على أنّ القرآن الكريم متواتر بجميع أجزائه تواتراً قطعياً؛ فالمسلمون - واقتداءً بنبيّهم الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم - اعتنوا عناية خاصّة فائقة على مدى التأريخ بحفظ القرآن الكريم وضبطه وقراءته ورسمه؛ لأُنسِهم العظيم به، ولقداسته في نفوسهم، ولحسّاسيّتهم الشديدة اتّجاه حصول أيّ تغيير فيه.
بالإضافة إلى ما ذكر موجزاً عن هذا الاهتمام في عصر النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم، فقد استدلّ علماء الإماميّة بالأدلّة القرآنية والحديثيّة على نفي التحريف في كلّ عصر(2).
1) للمزيد من التفصيل راجع، كتاب «سلامة» القرآن من التحريف وتفنيد الافتراءات على الشيعة» للدكتور فتح الله محمدي من الفصل الأوّل إلى الفصل السابع
2) راجع كتاب «التحقيق في نفي التحريف عن القرآن الشريف» للسيّد علي الحسيني الميلاني، الباب الأوّل من الفصل الأوّل إلى الفصل الثالث، فقد ذكر المصنف آراء فقهاء الشيعة بالتفصيل واستدل بالآيات والروايات على هذه المسألة
وقبل كلّ هذا فإنّ الله عزّ وجلّ قد تكفّل بقوله: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ»(1)بحفظ وصيانة القرآن في طول حياة البشر عن التحريف والتغيير.
مكانة القرآن عند المسلمين:
لا ريب أن الموروث الإسلامي عند المسلمين بأجمعهم يتكوّن من شيئين:
أ - القرآن العظيم؛ وهو كلام الله عزّ وجلّ، الذي أوحاه إلى نبيّه صلی الله علیه وآله وسلم.
ب - سُنّة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، وهي إرشاداته القولية طوال عصر النبوّة والرسالة، وتشمل أفعاله وتقريراته أيضاً.
فهذان الأساسان يكونان العمود الفقري للإسلام، ولا يغني أحدهما عن الآخر، وبمعرفتهما والتمسّك بهما، يتمّ الدين الإسلامي.
والقرآن له مكانة عظيمة عند المسلمين، فهو المصدر الرئيسي الأوّل عندهم بالإجماع، وهو دستور الإسلام الخالد، والمخبر عن الماضي والحاضر والمستقبل، وهو الّذي دعم النبوّة والرسالة وجعل كلّ ما صدر من الرسول حجّةً الامتثال له، وأيّد أفعاله وأقواله وتقريراته بأسرها؛ قال الله تعالى: «وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى»(2)، وقال عزّ وجلّ أيضاً: «وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا»(3).
حقيقة القرآن ونزوله:
إنّ القرآن بحقيقته ومراحله العليا كان فوق إدراكات البشر وعقولهم، ولكن الله سبحانه نزّله، وجعله عربيّاً، قال الله تبارك وتعالى: «إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ
تَعقِلُونَ»(1).
وبالرغم من هذا التنزيل لمراتب القرآن من تلك الدرجات العليا إلى هذه الألفاظ المكتوبة بأيدينا، لم يتضاءل غرضه الحقيقي، فهو باق على نفس القوّة والقدرة، فهو حبل ممدود، وله طرفان:
أحدهما: عند الله سبحانه وتعالى.
والآخر: بين يدي الناس.
وهذا الأمر يقتضي أن يعتصم الناس بهذا الحبل بقوّة؛ لينجيهم من الهلكة، ويقودهم إلى الدرجات العليا عند الله سبحانه.
القرآن يهدى إلى الصراط المستقيم:
إنّ القرآن هو النور الهادي الذي يخرج المجتمع الإنساني من التفرّق والتشتّت، وبه يستطيع الإنسان أن يختار لنفسه الطريق السليم والسبيل القويم؛ فبالاقتداء به وامتثال أوامره ونواهيه يصل البشر إلى أعلى مراتب الإنسانيّة.
ويُخرج الفرد أيضاً - ومعه مجتمعه - من ظلمات الوهم والجهل إلى الحياة الحقيقية والسعادة الأبديّة، ويضمحلّ باتّباعه اليأس والكسل والجمود الفكري، وتحلّ محلّه الحركة المنطلقة من مبادئ واقعيّة وحقيقية.
وهو الذي يقوّم الحركة الاجتماعية والانفراديّة، ويقودها إلى النموّ والتكامل، ويثمر العدالة في المجتمعات، العدالة التي هي مطلب كلّ إنسان ذي عقل سليم، والقرآن بنفسه يؤيّد ذلك ويقول: «قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ»(2).
كما أشار إليه قول رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «القرآن هدىً من الضلالة، وتبيان من العمى، واستقالة من العثرة، ونور من الظلمة، وضياء من الأحداث، وعصمة من الهلكة، ورشد من الغواية، وبيان من الفتن، وبلاغ من الدنيا إلى الآخرة، وفيه كمال دينكم، وما عدل أحد من القرآن إلّا إلى النار»(1).
كيف نهتدي بهداية القرآن:
إنّنا نرى بالوجدان أنّ علماء المسلمين قد اختلفوا غالباً في تفسير الآيات الكريمة وتحديد مصاديقها وبيان أحكامها، بل وقعوا في الحيرة في بعض الموارد، مثل تفسير الحروف المقطعة.
هذا مع أنّ من مواصفات القرآن أنّه تبيان لكلّ شيء، وفيه حكم كلّ رطب ويابس، ويدلّ كلّ ذلك على أنّ عموم البشر لا يدرك حقيقة القرآن، وإلّا فمع إدراك حقيقته لا ينبغي أن يختلف اثنان في أحكامه و تفسيره.
وبعبارة أخرى: إنّ سبب هذا الاختلاف هو وجود المحكم والمتشابه، والعام والخاصّ، والمطلق والمقيّد، والناسخ والمنسوخ في القرآن مضافاً إلى مقدار الفهم والإدراك والتلقّي من كلّ إنسان، وما يمكن أن يأخذه من معاني آيات وكلمات القرآن الكريم.
وبناءً على ذلك لا يقدر الإنسان عادة أن يهتدي بهداية القرآن بصورة مستقلّة؛ لاحتمال وقوعه في طريق غير صحيح، بل طريق يخالف القرآن.
من جهة أُخرى إنّ علم الإنسان محدود، بل علمه أمام القرآن أقلّ من قطرة أمام البحر.
فهنا يقضي العقل أن يلجأ الإنسان إلى فرد کامل عالم بجميع زوايا القرآن، وأنّه يكون ذلك الفرد مخصوصاً حتّى لا يخطأ في التفسير وبيان الأحكام من
1) الكافي 2: 600، تفسير العيّاشي 1: 5، بحار الأنوار 19: 7 - 8 و 89: 26
القرآن؛ ليسلك المسلم المكلّف طريقاًسليماً بالاعتماد على أقواله.
ونرى في الكتاب المجيد أنّ الله سبحانه وتعالى قد عيّن هذه الشخصية العظيمة بقوله سبحانه: «لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ»(1)، وقد رجع الناس إليه صلی الله علیه وآله وسلم في حياته الشريفة في سائر مسائلهم، وكانوا يعتمدون على إجابته؛ لأنّ الطريق الصحيح بنصّ القرآن هو ذلك.
ولكن يبقى الاستفسار عن احتياج الأُمّة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى من يفسّر القرآن ويعلّمه الناس، فإنّ هذه الحاجة أشدّ وأعظم من عصر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. وهنا يسأل الإنسان نفسه: من هو المفسّر والمعلّم للقرآن بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، والذي يكون بمثابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في تبليغ القرآن وتفسيره؟
قال الشيعة الاثنا عشرية في مقام الإجابة عن هذا السؤال: إنّ النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عیّن اثني عشر نفراً من أهل بيته لهذه المسؤولية الخطيرة بعده، أوّلهم الإمام عليّ ابن أبي طالب و آخر هم المهدي من ولد فاطمة سلام الله عليها(2)، وهم أعلم العباد بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن، وهم معصومون عن الخطأ، وكلّما رجعت الأُمّة إليهم في دينهم ودنياهم وجدت طريقها للسعادة، وكلّما رغبت عنهم وقعت في الحيرة والضلالة.
وهؤلاء هم خلفاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما دلّت على ذلك أقوال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في حياته، إجمالاً وتفصيلاً، ونقل هذه الروايات كلّ من العامّة والخاصّة، والتي منها: حديث الثقلين، وحديث الدار، وحديث المنزلة، وحديث الغدير.
ولكن بقي غير الشيعة متحيّرين أمام هذا التساؤل؛ فإنّهم اعتمدوا في تفسير
القرآن وتعليمه على أشخاص عاديين، وقد اختلف هؤلاء في أقوالهم عند تفسيرهم للقرآن، ولم يعتمدوا في تفسيرهم على السُنّة الشريفة وأعرضوا عنها ولم الله يتمسّكوا بها حتى في حياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كما يدلّ على ذلك قول بعضهم: «حسبنا کتاب الله»(1).
وبأدنى مراجعة إلى كتب التاريخ تتّضح نتائج هذا القول؛ فقد اختلفت الأُمّة إثر ذلك وتشتّت الآراء مع وجود القرآن الكريم بينهم.
ومن جهة أُخرى فانَّ مدّعي هذا القول بأنفسهم عجزوا عن الإجابة على أسئلة بسيطة، كبيان بعض معاني كلمات القرآن(2)فلهذا بقى أتباعهم أيضاً متحيّرين أمام هذه الحاجة الشديدة في تفسير القرآن وتبيينه.
كل هذا والناس محتاجون إلى معلّم ومبيّن؛ لأن هداية القرآن ممكنة بعد فهمه، والعمل فرع للفهم والهداية. فالصواب في هذا المجال هو قول الرسول صلی الله علیه وآله وسلم في ضرورة التمسّك بالثقلين لكي ينال الفرد المتحيّر سعادة الدارين باتّباعهما.
ثمّ اهتديت:
يقول «عبد الله»: الأُنس بالقرآن الكريم والأدعية الشريفة منحني حالة من الشعور بالطمأنينة والاستقرار؛ فلهذا قرّرت البحث والمطالعة والاستقصاء، فلم تمضِ فترة من البحث حتّى هداني الله للإسلام، ووفّقني لمعرفة النبيّ وأهل بيته صلوات الله عليهم أجمعين، فتوكّلت على الله، واتّخذت مذهب أهل البيت علیهم السلام سبيلاً لتلقّي علوم ومعارف الإسلام الحنيف.
1) الطبقات الكبرى 2: 244، البداية والنهاية 5: 247، السيرة النبوية لابن كثير 451:4، صحيح البخاري 7: 9، صحيح مسلم 5: 76 ، مسند أحمد 1: 335 و 336
2) فعلى سبيل المثال ذكرت المصادر التاريخية أنّ سائلاً سأل عمر بن الخطاب عن معنى الأب في الآية الكريمة: «وَفَاكِهَةً وَأَبّاً» لكنّه عجز عن الإجابة. راجع: الكشاف 53:3، الدر المنثور 6: 317، المستدرك على الصحيحين 514:2
ولد سنة 1365 ه (1946 م) في فرنسا، ونشأ في أسرة مسيحية تنتمي إلى المذهب الكاثوليكي، إلّا أنّه وجدها لا تُشبع فطرته، فالتقى بالجاليات الأجنبية وتعرّف منهم على الدين الإسلامي، ودخل إلى دين الإسلام عام 1401 ه (1981 م)، وبعد فترة تعرّف على مجموعة من الشيعة الإمامية ممّا حدا به أن يتشرّف بالانتماء إلى مذهب أهل البيت علیهم السلام.
التعرّف على الإسلام:
يقول «علي دروا»: حينما بلغت الثامنة عشر من عمري لاحظت أنّ المسيحية لا تحقّق إشباع فطرتي، ولا تمنحني حالة معنوية، فاتّخذت قراري بترك الذهاب إلى الكنيسة؛ إذ لم يبق لديّ داعٍ في نفسي للتمسّك بها، ثمّ عندما بلغت الثانية والعشرين من العمر سافرت إلى باريس، فانفتحت أمامي آفاق واسعة، واتَّضحت لديّ رؤىً جديدة نتيجة التقائي بالجاليات الأجنبية المتعدّدة، فمنذ ذلك الحين أحببت السفر بغية الحصول على المزيد من الوعي والثقافة، فسافرت إلى من الدول الأفريقية، منها : الجزائر؛ إذ طالت إقامتي فيها، وكنت مقيماً عند أُسرة مسلمة، ومن خلال صلتي بهم تعرّفت على الإسلام، فانبهرت به، ووجدته ديناً متكاملاً من جميع الجهات.
كمال الدين الإسلامي:
جاء النبيّ الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم من قِبل الله يدعو الناس إلى دين متكامل، وهو نظام كامل وشامل للحياة من جميع الجهات، الدينية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية؛ كلّ وذلك لرقيّ الإنسانية إلى السعادة الأبدية، وهي الفوز بالجنان من خلال كسب رضا الله تعالى.
فمن الناحية الاقتصادية مثلاً: نجد أنّ هذا الدين قد جاء بنظام متكامل ومتوازن، وحارب جميع الأسباب التي تعيق التوازن في الجانب الاقتصادي والاجتماعي، كالربا؛ فقد حاربه أشدّ محاربة، ومنع الناس من احتكار السلع والمتاع، أو التكسب عن طريق القمار، وحرّم جميع أنواع وأشكال الاستغلال، كأن يستغلّ إنسان إنساناً آخر، وهكذا.
ومن جهة أُخرى دافع عن حقّ المحرومين؛ إذ جعل في أموال الناس حقّاً معلوماً للسائل والمحروم.
فلنأخذ مسألة الربا نموذجاً، وهو: أن تقرض غيرك مالاً إلى موعد معين بفائدة يدفعها المَدين عند تسليم المال في الموعد المتّفق عليه، فالشريعة الإسلامية حرّمت هذه المعاملة، وحكمت بعدم جوازها، ويعدّ هذا الحكم من ضروريات الشريعة الإسلامية؛ فلا يجوز القرض إلّا مجرّداً عن الفائدة، وليس للدائن إلّا استرجاع ماله الأصيل دون زيادة، مهما كانت ضئيلة.
ويدلّ على حرمة ذلك الكتاب والسُنّة، فقد وردت في حرمته عدّة آيات:
قال تعالى: «وَمَا آتَيْتُم مِّن رَّبِّا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ»(1).
وقال تعالى: «وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ»(2).
وقال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةٌ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ»(1).
مضافاً إلى الأخبار المتواترة الدالّة على حرمة الربا عند الفريقين.
مراحل حرمة الربا:
كلّنا نعرف أنّ أسلوب القرآن في مكافحة الانحرافات الاجتماعية المتجذّرة في حياة الناس يعتمد على معالجة الأُمور خطوة فخطوة، فهو أوّلاً يهيّئ الأرضية المناسبة ويطلع الرأي العام على مفاسد ما يريد محاربته ومكافحته، وبعد أن تتهيّأ النفوس لتقبل التحريم يعلن عن التحريم عنه في صيغته القانونية النهائية.
كما تعلم أيضاً أنّ المجتمع العربي في العهد الجاهلي كان مصاباً - بشدّة - بداء الربا؛ فقد كانت الساحة العربية (وخاصّة مكّة) مسرحاً للمُرابين، وقد كان هذا الأمر سبباً للكثير من المآسي الاجتماعية، ولهذا استخدم القرآن في تحريم هذه الفعلة النكراء أُسلوب المراحل؛ فحرّم الربا في مراحل أربع:
المرحلة الأُولى: يكتفي الله سبحانه وتعالى في سورة الروم بتوجيه نصح أخلاقي بشأن الربا فيقول: «وَمَا آتَيْتُم مِّن رَّبِّا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ»(2)، وبهذا يكشف عن خطاً الذين يتصوّرون أن الربا يزيد من ثروتهم، في حين أنّ إعطاء الزكاة والإنفاق في سبيل الله هو الذي يضاعف الثروة.
المرحلة الثانية: يشير - ضمن انتقاد عادات اليهود وتقاليدهم الخاطئة الفاسدة - إلى الرباكعادة سيئة من تلك العادات؛ فيقول في سورة النساء: «وَأَخْذِهِمُ
الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ»(1)..
المرحلة الثالثة: يذكر فى الآية: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةٌ»(2)حكم التحريم بصراحة، ولكنّه يشير إلى نوع واحد من أنواع الربا، وهو النوع الشديد والفاحش منه فقط.
وقد يكون المراد من «الربا الفاحش» هو ما تكون الزيادة الربوية فيه تصاعدية، بمعنى أن تضم الزيادة المفروضة أوّلاً على رأس المال، ثمّ يصبح المجموع مورداً للربا، بمعنى أنّ الزيادة ثانياً تقاس بمجموع المبلغ (الذي هو عبارة عن رأس المال، والزيادة المفروضة في المرّة الأُولى)، ثمّ تضم الزيادة المفروضة ثانياً إلى ذلك المبلغ، وتفرض زيادة ثالثة بالنسبة إلى المجموع، وهكذا يصبح مجموع رأس المال والزيادة في كلّ مرّة رأس مال جديد تضاف عليه زيادة جديدة بالنسبة، وبهذا يبلغ الدين أضعاف المبلغ الأصلي المدفوع إلى المديون حتّى يستغرق كلّ ماله.
المرحلة الرابعة: أعلن في آيات من سورة البقرة عن المنع الشامل والشديد عن جميع أنواع الربا، واعتباره بمنزلة إعلان الحرب على الله سبحانه(3).
قال تعالى: «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ»(1).
ثمّ نلاحظ في هذه الآيات أنّ القرآن الكريم يعبّر عن آكل الربا ب«المتخبّط»، وهو الماشي على غير استواء، وحيث أنّ الإنسان لابدّ أن يسلك طريقاً مستقيماً لا ينحرف عنه في حياته؛ فإنّه لا محالة ذو أفعال وحركات بحسب المحيط الذي يعيش فيه، وهذه الأفعال تنظّم حسب أحكام اعتقادية عقلائية وضعها ونظّمها الإنسان لنفسه، ثمّ يطبّق عليها أفعاله الانفرادية والاجتماعية، فهو يقصد الأكل إذا جاع، ويقصد الشرب إذا عطش، والفراش إذا اشتهى النكاح، والاستراحة إذا تعب والاستظلال إذا أراد السكن، كما أنّه ينبسط لأُمور وينقبض عن أُخرى في معاشرته، ويريد كلّ مقدمة عند إرادة ذيّها، وإذا طلب مسبباً مال إلى جهة سببه.
وهذه الأفعال المترتّبة على معتقده مرتبطة، متّحدة نحو اتّحاد، متلائمة غير متناقضة، ومجموعها يكون طريق حياته.
وإنّما اهتدى الإنسان إلى هذا الطريق بقوة فيه، وهي القوة المميّزة بين الخير والشرّ، النافع والضارّ، والحسن والقبيح.
وأمّا الإنسان الممسوس، وهو الذي اختلّت قوته المميّزة، فهو لا يفرّق بين الحسن والقبيح، والنافع والضارّ، والخير والشرّ، وقد يجري حكم كلّ مورد فيما يقابله من الموارد، لا لأنّه ناسٍ لمعنى الحسن و القبح وغيرهما؛ فإنّه - مهما كان - إنسان ذو إرادة، ومن المحال أن يصدر عن الإنسان غير الأفعال الإنسانية، بل لأنّه يرى القبيح حسناً والحسن قبيحاً، والخير والنافع شرّاً وضارّاً، وبالعكس؛ فهو
1) البقرة (2): 275 - 279
متخبِّط في تطبيق الأحكام وتعيين الموارد.
وهذا حال المُرابي في أخذه الربا فإنّ الذي تدعو إليه الفطرة، ويقوم عليه أساس حياة الإنسان الاجتماعية أن يعامل بمعاوضة ما عنده من المال الذي يستغني عنه ممّا عند غيره من المال الذي يحتاج إليه، وأمّا إعطاء المال وأخذ ما يماثله بعينه مع زيادة فهذا ممّا ينهدم به قضاء الفطرة، وأساس المعيشة؛ فإنّ ذلك ينجرّ من جانب المرابي إلى اختلاس المال من يد المَدين، وتجمّعه و تراکمه عنده، فإنّ هذا المال لا يزال ينمو ويزيد، ولا ينمو إلّا من مال الغير.
وينجرّ من جانب المدين المؤدّي للربا إلى تزايد المصرف بمرور الزمان تزايداً لا يتداركه شيء مع تزايد الحاجة، وكلّما زاد المصرف - أيّ نما الربا بالتصاعد - زادت الحاجة، من غير أمر يجبر النقص ويتداركه، وفي ذلك انهدام حياة المَدين.
فالربا يضادّ التوازن والتعادل الاجتماعي، ويفسد النظم الحاكم على هذا الصراط المستقيم الإنساني الذي هدته إليه الفطرة الإلهية.
وهذا هو الخبط الذي يُبتلى به المرابي ك- «خبط الممسوس»؛ فإنّ المراباة تضطرّه إلى أن تختلّ عنده المعاملة والمعاوضة، فلا يفّرق بين البيع والربا، فإذا دعي إلى أن يترك الربا ويأخذ بالبيع أجاب: أنّ البيع مثل الربا لا يزيد على الربا بمزيّة، فلا موجب لترك الربا وأخذ البيع، ولذلك استدلّ تعالى على خبط المرابين بما حكاه من قولهم: «إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا»(1).
ثمّ في نهاية الآيات يقول تعالى: «يَمْحَقُ اللّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ»، فكما أنّ من مزايا الصدقات أنّها تنمّي المال حيث أنّها: تنشر الرحمة، وتورث المحبّة، وحسن التفاهم وتآلف القلوب، وتبسط الأمن والحفظ، وتصرف القلوب عن أن
1) راجع: الميزان 2: 410 - 411
تهمّ بالغضب والاختلاس والإفساد والسرقة، وتدعو إلى الاتّحاد والمساعدة والمعاونة، وتَسُدُّ بذلك أغلب طرق الفساد والفناء الطارئة على المال، فيعين جميع ذلك على نماء المال ودرّه أضعافاً مضاعفة..
كذلك الربا فإنّ من خاصته أنّه يمحق المال، ويفنيه تدريجاً، من حيث أنّه: ينشر القسوة والخسارة، ويورث البغض والعداوة، وسوء الظن، ويفسد الأمن والحفظ، ويهيّج النفوس على الانتقام، ويدعو إلى التفرّق والاختلاف، فتنفتح بذلك أغلب طرق الفساد وأبواب الزوال على المال، وقلّما يسلم المال عن آفة تصيبه، أو بليّة تعمّه(1).
ثم إنّ الله سبحانه وتعالى يجعل مَن يخالف أمره محارباً الله ورسوله، فيقول: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرَّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواً فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ»(2).
وقد شدّد الله سبحانه في هذه الآيات على الربا بما لم يشدّد بمثله في شيء من فروع الدين إلّا في تولّي أعداء الدين؛ فإنّ التشديد فيه يضاهي تشديد الربا، وأما سائر الكبائر فإنّ القرآن وإن أعلن مخالفته لها، وشدّد القول فيها، فإنّ لحن القول في تحريمها دون ما في هذين الأمرين، حتّى الزنا وشرب الخمر والقمار والظلم، وما هو أعظم منها، ك: قتل النفس التي حرّم الله والفساد، فجميع ذلك دون الربا وتولّي أعداء الدين..
وليس ذلك إلّا لأنّ تلك المعاصي لا تتعدّى الفرد أو الأفراد في بسط آثارها المشؤوُمة، ولا تسري إلّا إلى بعض جهات النفوس، ولا تحكم إلّا في الأعمال والأفعال بخلاف هاتين المعصيتين؛ فإنّ لهما من سوء التأثير ما ينهدم به بنيان الدين ويعفى أثره، ويفسد به نظام حياة النوع، ويضرب الستر على الفطرة
الإنسانية، ويسقط حكمها، فيصير نسياً منسياً(1).
فيؤدّي أكل الربا إلى ادّخار الكنوز، وتراكم الثروة والسؤدد، ويجرّ ذلك إلى الحروب العالمية العامة، وانقسام الناس إلى قسمي: الثريّ السعيد، والمُعْدَم الشقي، وهذه البلوى من شأنها أن تدكدك الجبال، وتزلزل الأرض، وتهدّد الإنسانية بالانهدام، والدنيا بالخراب.
ارتباط آيات الربابآيات الإنفاق:
آيات الربا لا تخلو عن ارتباط بآيات الإنفاق في سبيل الله، كما يشير قوله تعالى إليها في ضمنها، فيقول: «يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْيِي الصَّدَقَاتِ»(2)، ويقول: «وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ»(3)، وكذا ما وقع من ذكره في سورة الروم وفي سورة آل عمران مقارناً لذكر الإنفاق والصدقة والحث عليهما والترغيب فيهما.
«الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ»(4).
«فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبا لِّيَرْبُوَ فِى أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ»(5).
هذا؛ إضافة إلى الارتباط الموجود بينهما من حيث التضادّ والمقابلة؛ فإنّ الربا أخذ بلا عوض، كما أنّ الصدقة إعطاء بلا عوض، والآثار السيئة المترتّبة على الربا تقابل الآثار الحسنة المترتّبة على الصدقة، وتحاذيها على الكلّية من غير
تخلّف ولا استثناء، فكلّ مفسدة منه يحاذيها خلافها من المصلحة منها؛ ففي الصدقة نشر الرحمة والمحبة، وإقامة أصلاب المساكين والمحتاجين، ونماء المال، وانتظام الأمر واستقرار النظام والأمن، وخلاف ذلك في الربا(1).
وهكذا نجد أنّ الشريعة الإسلامية قد نصّت على المنع عن مجموعة من النشاطات الاقتصادية والاجتماعية التي تعيق تحقيق المُثل والقيم التي يتبنّاها الإسلام.
اختيار الإسلام:
إنّ الدين الإسلامي يريد للبشرية نظاماً وحياة خالية من جميع المفاسد الاقتصادية والاجتماعية التي تعيق رقيّ المجتمع؛ في مجال تحقّق العدالة الاجتماعية، والإيمان به لا يعني إنكار جميع الرسالات السابقة عليه، بل يُعدّ الإسلام حلقة من السلسلة التكامليّة للأديان الإلهية، فبها تصل البشرية إلى كمالها وسعادتها، ويبتعد الناس عن الأسباب التي تؤدّي إلى تخلّف البشرية عن مسيرها التكاملي، وهذا هو الهدف وراء بعث جميع أنبياء الله المرسلين ورسله المكرّمين من لدن آدم إلى خاتم الأنبياء والمرسلين محمّد صلی الله علیه وآله وسلم.
يقول «علي دروا» عن الرحلة التي خاضها حتّى اعتناق الدين الإسلامي بعد تعرّفه عليه: لم تمض فترة من استئناسي بالمبادىء الإسلامية التي تعرّفت عليها حتى قرّرت أن أُطهّر وجودي من أدران الأفكار التافهة التي كانت مهيمنة فيه، فأعلنت عن استبصاري واعتناقي للدين الإسلامي الحنيف.
التعرّف على مذهب أهل البيت علیهم السلام:
وعن الفترة التي تلت اعتناقه الدين الإسلامي يقول «علي دروا» لم أكن في البداية مطّلعاً على تعدّد المذاهب الإسلامية؛ إذ كانت الأُسرة: الجزائرية التي
1) الميزان 2: 409
أقمت عندها منتمية إلى أهل السُنّة والجماعة، فلم يكن لي بُدُّ سوى التمسك بهذا المذهب، كما كانت المساجد التي رأيتها بعد رجوعي إلى فرنسا متعلّقة بهم، فبقيت على هذه الحالة مدّة ثلاثة أشهر حتّى منّ الله عليّ أن تعرّفت على مجموعة من الإيرانيين في مركز ثقافي تابع لهم في باريس، كانت تقام فيه دورة لتعليم القرآن الكريم باللغة الفرنسية، فواظبت على الحضور في هذه الدورة التي كانت تقام أسبوعياً من قِبَل مدرّس لبناني في المركز، اثر ذلك تعرّفت تدريجياً على الفرق بين الشيعة والسُنّة، والاختلاف بين المذهبين، وإن كان معظم أصدقائي الذين أسلموا من أهل السنّة لكنّني مع ذلك لم أتسرّع في رفض الشيعة، بل أحببت التريّث حتّى تنكشف الحقيقة، فتوجّهت إلى البحث والتحقيق - حسب وسعي - عن حجّية أقوال و آراء كلا المدرستين، مدرسة الآل والأصحاب، وهما اللتان تنتهي إليهما الفرق الإسلامية، فأيّهما تابعة للإسلام الأصيل الذي جاء به جميع النبيّ الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم، و أمرنا باتّباعه، هل هم أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس عَلَيْهِ وَاله وطهّرهم تطهيراً، وجعلهم عدلاً للقرآن، وفرض طاعتهم، وجعل مودّتهم أجراً للرسالة، أم أصحابه الذين اختلفوا من بعده، ووجد فيهم: المؤمن العادل، والفاسق الفاجر، وقسم لا يعلم حاله؟
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إنّكم تحشرون حفاة عراة غرلاً،... وإنّ أُناساً من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابي أصحابي. فيقال: إنّهم لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم»(1).
وعن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: «بينا أنا قائم فإذا زمرة حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلمّ.
1) راجع: صحيح البخاري 4: 110، صحیح مسلم 7: 68
فقلت: أين؟
قال: إلى النار والله.
قلت: وما شأنهم؟
قال: إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى... فلا أراه يخلص منهم إلّا مثل همل النعم»(1).
فأيّ الطريقين يجب الأخذ به، وأيّهما يوجب النجاة من عذاب يوم عظيم، ويؤدّي إلى سعادة الإنسان وفلاحه في الدين؟!
أليست السعادة في اتّباع أهل البيت الذين أنزل الله تعالى في حقّهم عشرات بل مئات الآيات، ك: آية التطهير، والمودّة، والإكمال، والولاية، والمباهلة، والإيثار، مضافاً إلى الأخبار المتواترة، ك: حديث الثقلين، والسفينة، وحديث أمان الأُمّة من الاختلاف، وغيرها من الأخبار، التي بمجموعها توجب العلم القطعي بصدورها عن النبيّ الأكرم صلی الله علیه وآله ووسلم!؟
أضف إلى ذلك ما ورد في خصوص الإمام عليّ بن أبي طالب علیه السلام من حديث الغدير المتواتر، وحديث الطير، ومدينة العلم، وما جاء في كونه علیه السلام مع القرآن أو الحقّ، وكونهما معه..
كما روي عن رسول الله صلی الله أنّه قال: «إنّ عليّاً منّي وأنا منه، وهو ولي كلّ مؤمن من بعدي»(2).
وقال صلی الله علیه واله وسلم: «لا يحبّ عليّاً منافق، ولا يبغضه مؤمن»(3).
وقال صلی الله علیه وآله وسلم: «عليّ منّي وأنا من عليّ، ولا يؤدّي عنِّي إِلّا أنا أو عليّ»(1).
وقال صلی الله علیه وآله وسلم: «أنت أخي في الدنيا والآخرة»(2).
وقال صلی الله علیه وآله وسلم: «أنا دار الحكمة وعليّ بابها»(3).
وقال صلی الله علیه وآله وسلم: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي»(4).
وقال صلی الله علیه وآله وسلم: «أنّه لا يحبّك إلّا مؤمن، ولا يبغضك إلّا منافق»(5).
وقال صلی الله علیه وآله وسلم: «اللّهمّ لا تمتني حتّى تريني عليّاً»(6).
وقال صلی الله علیه وآله وسلم: «أوّل مَن صلّى عليّ»(7)، أو: «أوّل مَن أسلم عليّ»(8)، وغير ذلك کثیر كثير.
ومع وجود هذه الروايات المتواترة في شأن الإمام أمير المؤمنين علیه السلام وأولاده المعصومين علیه السلام، فِيمَ يحكم العقل؟ هل يحكم بلزوم الأخذ بما يروي أهل البيت علیهم السلام أم يقدّم غيرهم من الصحابة أو التابعين، كأبي هريرة وكعب الأحبار وابن عمر وأمثال هؤلاء، أو مَن يحذو حذوهم من علماء مدرستهم، كما يرويه أبو يوسف والشيباني عن أبي حنيفة، وما يرويه المزني والربيع عن الشافعي، وما يرويه غيرهم عن غيرهما، وهكذا.
من الواضح أنّ العقل يحكم بلزوم تقديم روايات أهل البيت علیهم السلام على
روايات غيرهم؛ لأنهم اختصّوا بالنبيّ الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم، فهم أدرى بما في البيت، وهم أهل بيت الوحي والنبوّة، ومحطّ الرسالة، ومختلف الملائكة، وأنّ الأُمّة الإسلامية أجمعت على عدالتهم ووثاقتهم، وفضلهم وتقواهم، وجلالة قدرهم، ووجوب حبّهم، وموالاتهم.
وقد جاء في مصادر أهل السنّة ما يفيد اختصاص الإمام عليّ علیه السلام برسول الله صلی الله علیه وآله وسلم في معرفة الأحكام الشرعية، والعقائد الإسلامية، وتفسير القرآن والسُنّة وغيرها.
وقد قال صلی الله علیه وآله وسلم في حقّه - في ما رواه ابن عبّاس -: «أنا مدينة العلم وعليّ بابها، فمَن أراد المدينة فليأتِ الباب»(1).
وقال صلی الله علیه وآله وسلم: «عليٌّ مع القرآن، والقرآن مع عليّ، لن يتفرّقا حتّى يردا عليّ الحوض»(2).
وعن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعليّ بن أبي طالب: «مَن أطاعني فقد أطاع الله، ومَن عصاني فقد عصى الله، ومَن أطاع عليّاً فقد أطاعني، ومَن عصى عليّاً فقد عصاني».
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه»(3).
أو ما روي عنه أيضاً عن النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم: «يا عليّ! مَن فارقني فقد فارق الله، ومَن فارقك يا عليّ فقد فارقني»(4).
وعن زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «مَن يريد أن يحيى حياتي، ويموت موتي، ويسكن جنّة الخلد التي وعدني ربّي، فليتولَّ عليّ بن أبي طالب؛ فإنّه لن يُخرجكم من هدى، ولن يُدخلكم في ضلالة».
قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه»(1).
اختيار الحقّ:
بعد مضي فترة من التنقيب وبذل الجهد توصّل «علي دروا» إلى أحقيّة المذهب الشيعي، فاعتنق هذا المذهب المنتمي إلى آل بيت الرسول صلی الله علیه وآله وسلم ومن تلقّى المعارف من منبعها الصافي مباشرةً، من دون شوب بالباطل، وترك آراء غيرهم ممّن لم يمتثل أو امر رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم في عترته وأهل بيته علیهم السلام.
1) المستدرك على الصحيحين 3: 128
ولدت في جنوب «فرنسا»، ونشأت في أُسرة فقيرة من أب ملحد وأُمّ مسيحية غير ملتزمة دينياً.
واصلت «فاضلة» دراستها في مدرسة متشدّدة مسيحية أوّلاً، ثمّ تابعتها في مدرسة متأثّرة بالفكر العلماني، وبعد السادسة عشر من عمرها قامت بإدارة أُمورها بنفسها بسبب وضعها الاجتماعي الذي فرض عليها ذلك، فقامت بالعمل في عدّة مجالات.
تعرّفت «فاضلة» على الشريعة الإسلامية بعدما أسلم أخوها الذي كان يعمل في معمل يوجد فيه كثير من المسلمين، إذ تأثّر بالفكر الإسلامي، وقام بتبليغه في الأُسرة والمجتمع.
وقد بيّنت «فاضلة» قصّة استبصارها وردّة فعل الأُسرة والمجتمع في حوار أجرته معها مجلّة «نور الإسلام».
تقديم:
الأُخت «فاضلة» شابّة فرنسية عاشت في خضم مجتمع مادّي ثقيل الوطأة... يحوّل الإنسان إلى رقم لا قيمة له بين الأرقام، ويسلبه روحه ويمسخ
آدميّته... وكان أنْ مَنَّ الله عليها بنعمة الإيمان وشرح صدرها للإسلام.
وها هي تحدّث المجلّة عن رحلة اعتناقها لدين الفطرة:
حياتها قبل الاستبصار:
هل لكِ أن تعطينا فكرة عن حياتك السابقة؟ والمجتمع الذي كنت تعيشين فيه؟ وكذلك الجو العائلي؟
ولدت في جنوب فرنسا، لكنني نشأت وترعرعت في شمال فرنسا، في منطقة تعجّ بالمهاجرين العرب، ضمن أُسرة عمالية فقيرة. عائلتنا تتألّف من 6 أشخاص: ولدين وبنتين وأُمّي وأبي طبعاً.
والدي كان ملحداً، أمّا والدتي فكانت لا تهتم بأمور الدين المسيحي الذي كنّا ننتمي إليه، إلّا ببعض الطقوس التي كانت تفرض علينا من قبل المحيط العائلي الكاثوليكي المحافظ.
إخوتي كانوا كغيرهم من الفرنسيين، يهتمون بأُمور دنياهم فقط. تعلّمت في مدرسة للراهبات حتّى سن الرابعة عشر، ومن ثمّ تابعت في مدرسة رسمية (علمانية) حتّى السادسة عشر من عمري، ثمّ انتقلت للعمل في عدّة مجالات؛ لأنّ وضعي الاجتماعي كان يفرض علَيّ أن أُعيل نفسي بنفسي.
درستِ في مدرسة مسيحية، فهل كان لها تأثير ما على معتقداتِك؟ أو بالأحرى ماذا كان تأثيرها على توجّهكِ الديني؟
عندما كنت في المدرسة الكاثوليكية هذه كان ما جذبني هو قصّة السيّد المسيح الذي عُذّب واضطُهِد لأنّه بشّر بما يعتقد، كانت حياته تثير مشاعري، لذلك كنت أحبّ مادّة الدين كروايات وقصص لاكتطبيق؛ لأنّ ما كان يقوم به الجميع في هذه المدرسة من تمييز وتفرقة بين الطلبة، تبعاً لانتمائهم الطبقي (فالغني كان يُحترم أما الفقير فكان يُحتقر) ترك أثراً كبيراً لدي اتّجاه هؤلاء واتّجاه ما يبشّرون
به، كما ولّد لديّ نُفوراً من الدين، أو بالأحرى نفوراً من أن أكون كهؤلاء الراهبات خاصّة. لذلك انتقلت إلى المدرسة العلمانية إذ لا وجود للدين، وهنا يشعر المرء بالراحة؛ لأن الكلّ تقريباً من نفس الطبقة الاجتماعية. إذاً لم يكن لديّ توجّه ديني؛ لأنّ الدين لم يكن يعنيني في شيء.
هل كنتِ تسمعين بالديانة الإسلامية؟
لقد تعرّفت على بعض «المسلمين» منذ كنت صغيرة؛ لأنّ المنطقة التي عشت فيها كانت تضم الكثير من المهاجرين العرب. كنت أسمع منهم أنهم مسلمون... ولكن بما أنّهم كانوا يقومون بكلّ ما يقوم به بقية سكان المنطقة من الفرنسيين (شرب الخمر، وأكل لحم الخنزير، والسفور، والعلاقات غير الشرعية - الزنا-) فلم أكن أميّزهم عن غيرهم.
بل كنت أميّزهم بمعاملتهم السيئة لزوجاتهم، وأولادهم، وتصرّفاتهم غير المناسبة اجتماعياً، وهذه ليست نظرتي أنا فقط بل نظرة كلّ الفرنسيين هناك تقريباً، إذاً أنا لم أسمع بالدين الإسلامي من قبل كعقيدة و تعامل وحقوق وواجبات وأخلاق.
التعرّف على الإسلام:
إذن كيف تعرّفت على الإسلام؟
كلّ شيء بدأ عندما أسلم أخي، الذي كان يعمل في معملٍ فيه كثير من العمال العرب المسلمين، هناك تعرّف على رجل تونسي في الأربعين من العمر، كان يؤدّي صلاته في المعمل، فلفت انتباهه وسأله عما يفعل كلّ يوم، وما هذا الذي يقوم به، ولماذا؟
فما كان من هذا الرجل إلّا أن شرح له ذلك، ودعاه إلى منزله، وأخذ يُسمعه آيات من القرآن الكريم بصوت أحد المقرئين ، فأُعجب جدّاً بهذا الصوت المعبّر،
وظلّ يتردّد على هذا الرجل حتّى أسلم (وقد أطلق على نفسه اسم مصطفى).
طبعاً أخي لم يقف مكتوف اليدين أمامنا - أنا وأخي الأكبر - بل أخذ يحدّثنا عن الإسلام وعن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعن الله عزّ وجلّ. كنت أحبّ الاستماع إليه كثيراً، لكن في الرابعة عشر هناك أُمور دنيوية تشغلنا وتجذب عقولنا، لذلك لم أهتم بشكل جدّي بالموضوع. بعكس أخي الأكبر الذي أسلم وأطلق على نفسه اسم حمزة، سافر شقيقاي مصطفى وحمزة إلى سوريا لدراسة العلوم الدينية لمدّة سنة كاملة.
طبعاً هذا البُعد أنساني كل ما كانا حدّثاني عنه. لكن لن أقول أنّ مناقشاتهما معي لم تجدِ نفعاً، بل بالعكس فقد أقنعاني بفكرة وجود الخالق الذي هو الله تعالى. وبعد عودتهما من سوريا كرّرا عليّ الكلام والمحادثات، وهنا أخذا يحدثاني عن الإسلام وشريعته السمحاء التي تهدف إلى إقامة العدل والمساواة بين الناس. ثم ذهبت معهما إلى باريس حيث التقينا بعدد من الإخوة المؤمنين، وتعرّفت منهم على الكثير من مبادئ الإسلام، وحصلت على أجوبة لكلّ الأسئلة التي كانت تدور في خاطري، وشعرت أنّه من الضروري الدخول في هذا الدين القيّم الذي يحفظ حق الإنسان، ولا يقبل بأيّ شكل من أشكال الظلم والاستكبار، ويدعو للمساواة والعدالة. وأسلمت لله عزّ وجلّ، وبدأت بتطبيق تعاليم الدين تدريجياً: تعلّمت الصلاة - باللغة العربية طبعاً - وبدأت بالصيام وأخذت أتعلّم بعض أحكام الطهارة والنجاسة والتقليد وكلّ ما يتعلّق بالحياة اليومية، كما أخذت أتردّد إلى بعض المراكز الإسلامية في باريس للاحتكاك أكثر بالأخوات المؤمنات.
هل تعلمتِ اللغة العربية؟
كلا، لم أتعلّم اللغة العربية، إلّا في الصلاة فقط، ولكن سأحاول ذلك بإذن الله.
ذكرت أنك تؤدّين فريضة الصيام، فهل كان صعباً عليك أداء هذه الفريضة بادئ الأمر؟
عندما علمت أنّه من الواجب أن نصوم شهر رمضان، حاولت الالتزام بهذا قدر المستطاع، طبعاً لا يخلو ذلك من الصعوبة، ولكن بعون الله وبالإرادة القويّة، تمكّنت من أن أقوم بهذا الواجب العظيم.
موقف الأُسرة والمجتمع من الاستبصار:
بعد اعتناقكِ الإسلام ماذا كانت ردّة فعل أهلكِ ومجتمعكِ؟
«خُلقت مسيحية ويجب أن تبقي مسيحية» هذا ما كانت تردّده والدتي، وكانت تسألني: لماذا تغيّرين دينك؟ وما هذا الذي تقومين به؟
لكن ما أزعج الجميع هو التزامي بالحجاب؛ لم يقبلوا هذا أبداً، حتّى أنّه في بداية دخولي الإسلام لم أضع الحجاب مباشرة بل وضعته بعد فترة قصيرة. وعندما كنت أذهب إلى قريتي حيث كلّ الأصدقاء السابقين والأقارب، كان صعباً عليّ أن أضعه في البداية لكن في النهاية كان لابُدّ أن أواجه الجميع وأفرض عليهم لباسي هذا، حتّى ولو لم يعجبهم لأنّي كنت مقتنعة به.
وكان لزواجي من شاب مؤمن أثر كبير في مساعدتي على مواجهة ردّة فعل أهلي ومجتمعي، إذ كان يذهب دائماً معي لزيارتهم.
مميّزات الإسلام:
ماذا وجدتِ في الإسلام من مميّزات يختلف بها عن غيره من الأديان؟
ما جذبني في الإسلام هو العدالة والمساواة، فكلّ الناس سواسية، الفقير منهم والغني، السادة والعامة، كلّهم متساوون.
هذا التواضع لم أعرفه إلّا في الإسلام، كما تعرّفت في الإسلام على الاطمئنان الروحي، لأنّه ذلك الدين الذيّ يعالج كلّ شؤون الحياة: كلّما طرحت
سؤالاً أجد له جواباً... ولا يوجد فيه تناقضات أبداً.
وكوني امرأة، أعتبر أنّ الوضع المثالي والقيمة المثالية للمرأة هو ما أعطاه إياها الإسلام، فكرّمها أحسن تكريم، وأنا أعتبر الإسلام الدين الكامل الذي يجب على كلّ إنسان أن يتّبعه؛ لأنّه الحقّ بعينه.
الإسلام... نظريّة وتطبيق:
كيف وجدت حياة المسلمين في لبنان.. من ناحية تطبيقهم لهذا الدين الحنيف (الإسلام)؟
للأسف هنا أرى قسماً كبيراً من المسلمين يفتّشون عن الدين لحلّ مشاكلهم، ولكن لا يطبقونه في البداية حتّى لا يقعوا في المشاكل!
فهم هنا يخلطون بين التقاليد والدين، قد يفضّلون بعض العادات والتقاليد على الأحكام الدينية، طبعاً أنا لا أنفي وجود إخوة مؤمنين وأخوات مؤمنات، لكن هذا قليل جداً بالنسبة لطموحنا وآمالنا كمسلمين.. فما نريده هو الإيمان والأخلاق والعمل الصالح والإنسان المسلم النموذجي. كما أتمنّى من المرأة المسلمة هنا أن تعى دورها وأهمّيته، وأن تطالب بحقوقها التي منحها إيّاها الإسلام، وأن لا تنسى واجباتها طبعاً.
فالمرأة الواعية تستطيع أن تقوم بدور التربية لأولادها أفضل بكثير من المرأة العادية غير المثقّفة. كما أطلب من نفسي ومن كلّ الأخوات الاقتداء بفاطمة الزهراء علیها السلام، كما أطلب من الرجل الاقتداء بالرسول صلی الله علیه وآله وسلم.. والحمد لله ربّ العالمين.
ولد في «فرنسا»، ونشأ في أسرة مسيحية، وتدرّج في الدراسة إلى أن أصبح أُستاذاً في جامعة السوربون، وكان سكرتيراً لكتلة نوّاب الوسط في مجلس الشيوخ الفرنسي.
تعرّف على الإسلام و مذهب أهل البيت علیهم السلام من قبل زميله في الجامعة هنري كوربان؛ إذ أطلعه الأُستاذ كوربان على أدلّة أحقّية الإسلام ومذهب أهل البيت علیهم السلام، وأوقفه على ما يتميّز به هذا المذهب من المعارف العالية والقيم السامية مثل: اهتمام التشيع الجعفري بالحفاظ على الوسطية في التعامل مع أصحاب الرأي الآخر، ومراعاة القيم الأخلاقية، والأُسلوب العلمي في الحوار، وتحكيم العقل والمنطق، ونبذ العصبيّة والتحجّر في مجال البحث العلمي.
فقرّر «فرانسوا توال» اعتناق مذهب أهل البيت علیهم السلام، وأعلن عن مذهبه الذي وصل إليه من خلال التفكّر العميق والتدبّر الدقيق، فالتحق بقافلة النور التي يقودها الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم وأهل بيته المعصومون علیهم السلام.
العلاقة مع الآخر:
مسألة العلاقة مع الآخر، من المسائل المصيرية التي تمتلك سياقات متعدّدة
تاريخياً واجتماعياً واقتصادياً، تشكّلت في صور متعدّدة، دخلت الفكر، واحتلّت مساحات في الذاكرة، وفي ثنايا الثقافة والحضارة.
وذلك، لأنّ الإنسان بوصفه كائناً اجتماعياً، مضطرّ لإقامة علاقة مع غيره من الناس، سواء كان هذا الغير إيجابياً أم سلبياً، وبحثنا هذا يتكفّل بالغير السلبي، الذي يتحتّم على الإنسان أن يبحث عن توازن عادل في العلاقة معه.
إنّ الحوار الهادىء بين طرفين مختلفين في الرأي يعدّ من أهمّ العوامل المؤدّية إلى توسيع آفاق الرؤية، وإثراء الرصيد المعرفي بالمعلومات الجديدة، وتخطّي الحواجز الموجودة بين الطرفين؛ لأنّ من خلاله يكتسب كلّ من طرفي الحوار - عن طريق تبادل الآراء وتلاقح الأفكار - الرؤية الواضحة عن فكر الآخر، فيؤدّي ذلك إلى التفاهم والتقارب الفكري بين الطرفين، وشعور كلّ منهما بأن الآخر يساعده للوصول إلى الصورة الكاملة عن الحقيقة.
سبل صيانة الحوار من الفشل:
إنّ الاختلاف من شأنه أن يوفّر الأجواء لتكوين العداوات وتأجيج نيران الحقد والضغينة في القلوب، فلهذا ينبغي في الحوار - لكونه سبباً لاجتماع المختلفين في الآراء - أن يراعي كلّ من الطرفين الضوابط التالية، لئلا يتحوّل الحوار إلى ساحة سجال وعراك ومشاجرات كلامية:
1 - تحديد مساحة مشتركة في الحوار؛ من أجل الوصول إلى لغة مشتركة يمكن من خلالها التفاهم حين تبادل وجهات النظر، والمبادرة إلى إقناع الطرف المقابل في ضوء مبناه وبما ألزم به نفسه.
2 - ضبط الغضب والسيطرة على كلّ انفعال من شأنه أن يسلب قدرة الإنسان على التفكير بوضوح، ويدفعه إلى الخروج عن حالة التوازن والاعتدال في الكلام والتصرّفات.
3 - إدراك طرفي الحوار بأنّ الحوار ليس ساحة حرب أو معركة من أجل تأكيد الذات والتغلب على الآخرين، بل هو ساحة تعاون مشترك من أجل اكتشاف الحقيقة والوصول الى نتيجة تهمّ الطرفين وتُرضيهم، فلهذا لا يشترط الحوار أن يكون فيه غالب و مغلوب في نهاية المطاف، بل المطلوب أن يبيّن كلّ من الطرفين وجهة نظره للآخر، ليوسع بذلك آفاق رؤيته إلى الحقائق.
4 - خلق أجواء مملوءة بالثقة المتبادلة بين الطرفين، وإقامة علاقة طيبة ومتينة مع المقابل بحيث يكون الطرفان قادرين على فتح المُغلق في نفسيهما، وأن يتكلّما بحريّة كاملة دون تحفّظ.
5 - التفريق بين الفكر الضال والمنحرف، وبين من يحمل هذا الفكر في ذهنه، والانطلاق من منطلق محبّة الطرف المقابل في الحوار كإنسان كرّمه الله تعالى على سائر خلقه، والسعي من أجل إنقاذه من الفكر المنحرف العالق بذهنه؛ لأنّ الذي يرى المحاور أو الإنسان المتخبّط في أوحال الضلال عدوّاً وخصماً له، لا يستطيع نفسياً أن يقدّم له الخير، ولا يستطيع أن يكون مهتّماً بهدايته وإرشاده إلى سواء السبيل، بل يكون همّه القضاء عليه، والتعريض الدائم به وتجريحه، والإطاحة بكيانه، وعدم إرادة الخير له.
6 - الابتعاد عن استخدام المغالطة والمراوغة وجميع الأساليب غير الموضوعية، من قبيل: عدم مراعاة وحدة الموضوع، التلاعب بالألفاظ، الخلط بين المفاهيم، والالتجاء إلى التأويلات الفاسدة، والاستشهاد بالاقتباسات المبتورة والمشوّهة للواقع...
العلاقة مع الآخر.. والتقية:
إنّ التقيّة قبل أن تكون مفهوماً تشريعياً يعتمد على القرآن والسُنّة، فهي مسألة وجدانية يقرّها العقل والفطرة.
التقيّة بمفهومها الخاصّ عند مختلف مذاهب المسلمين، وبمفهومها العامّ عند مذهب أهل البيت علیهم السلام، هي نوع من أنواع العلاقة مع الآخر، وبيان لما تعرضه الوسطية في الإسلام بشأن العلاقة مع الآخر.
فالآخر الذي يخالفنا في الرأي، إمّا أن يكون موضوعياً في البحث استيعاب من والخطاب الديني، متفهّماً لشروط الحوار، ويتمتّع بثقافة رفيعة المستوى في خالفه الرأي، فهذا النوع من البشر يكون معه التقية بمفهومها المداراتي والمقابلة بالمثل والتأكيد على احترامه، وإنّ الاختلاف معه في الرأي لا يوجب القطيعة، ولابدّ من ترك المنفرات في ذلك.
فقد روي عن الإمام الصادق علیه السلام أنّه قال: «رحم الله عبداً اجترّ مودّة الناس إلى نفسه، فحدّثهم بما يعرفون، وتركَ ما ينكرون»(1).
أو أن يكون مخالفنا في الرأي بيده القدرة والسطوة، ولا يتّسم بالموضوعية قبول من يخالفه في المعتقد، ويستغلّ ما عنده من قدرة وسلطة لفرض معتقده ورأيه على من خالفه، فهذا النوع من البشر تكون التقية معه بمفهومها الحقيقي الذي لأجله شُرّعت التقية.
إذاً، التقية هي: نوع من المداراة في المعاملة مع الآخر السلبي، والآخر صاحب القدرة على إيصال الأذى باستعمال العنف، وليست هي تنزّل عن المعتقد أو تركه وتغييره.
وبناءً على هذا فالتقيّة: مسألة عقلية وجدانية عامّة لا تختصّ بدين دون آخر، أو معتقد دون غيره، فهي مسألة وجدانية يستعملها الإنسان في حالات معيّنة ومواقف اضطرارية مؤقتة إلى أن يرتفع المانع.
روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: «إنّ الله يحب أن يؤخذ برُخَصِه كما يحبّ
1) الخصال: 25 ح 89
أن يؤخذ بعزائمة»(1)
وبما أنّ أهل البيت علیهم السلام وشيعتهم مرّوا بظروف عسيرة جدّاً، وواجهوا أشدّ أنواع العنف والإرهاب الذي لم تواجهه أي فئة أو مجموعة أُخرى؛ لذا تجد اهتمامهم الكبير بموضوع التقيّة، وتقنين هذه المسألة، والتأكيد عليها، وتبيين ضوابطها، ويتبيّن ذلك جليّاً من خلال مئات الأحاديث المرويّة بالطرق الصحيحة عن النبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم وأهل بيته الأطهار علیهم السلام، والتي سننتقي بعضها في ما يلي:
1 - قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «رُفعت عن أُمّتي أربع خصال: ما أخطئوا وما نسوا، وما أُكرهوا عليه، وما لم يطيقوا، وذلك في كتاب الله: «رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ»(2)، وقول الله: «إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنُّ بِالإِيمَانِ»(3)(4).
2 - قال الإمام الباقر علیه السلام: «التقية في كلّ ضرورة، وصاحبها أعلم بها حين تنزل به»(5).
3 - قال الإمام الباقر علیه السلام: «إنّما جعلت التقية ليُحْقَن بها الدم، فإذ بلغ الدم فليس تقية»(6).
4 - قال أبو بصير: قال الإمام الصادق علیه السلام: «التقية من دين الله».
قلت: من دين الله؟
قال: «إي والله من دين الله، ولقد قال يوسف: «أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّکُم
لَسَارِقُونَ»(1)، والله ما كانوا سرقوا شيئاً، ولقد قال إبراهيم: «إِنِّي سَقِيمٌ»(2)، والله ما كان سقيماً»(3).
5 - روى بكر بن محمّد عن الإمام الصادق علیه السلام أنّه قال: «إن التقية ترس المؤمن، ولا إيمان لمن لا تقية له».
فقلت له: جعلت فداك قول الله تبارك وتعالى: «إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بالإِيمَانِ»(4)؟ قال: «هل التقية إلّا هذا»(5).
6 - قال الإمام الصادق علیه السلام في حديث: «إنّ جبرائيل علیه السلام نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمّد: إنّ ربك يقرؤك السلام ويقول لك: إنّ أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان وأظهروا الشرك، فأتاهم الله أجرهم مرّتين، وإن أبا طالب أسر الإيمان وأظهر الشرك، فآتاه الله أجره مرّتين، وما خرج من الدنيا حتّى أتته البشارة من الله بالجنّة»(6).
العلاقة مع الآخر... وفتاوى التكفير
لم يباعد المسلمين فيما بينهم، ولم يمزّق الأُمّة الإسلامية، ولم يسبّب النفرة والتنافر بين المسلمين، إلا تلك الفتاوى التي تصدر بين الحين والآخر، تكفّر المسلمين، وتمزّقهم أشتاتاً متباعدين متباغضين، والعلاقة فيما بينهم لا يُقدّر لها النجاح مالم يقفوا في وجه هذه الفتاوى.
كانت هذه الفتاوى التكفيرية على مرّ العصور أكثر ما تكون أداةً بيد الساسة
الذين يتسلّطون على زمام الأُمور، يستعملونها لتحقيق أغراضهم السياسية، ولم تكن مقتصرة على تكفير الشيعة، بل كانت تُستعمل فيما بين سائر فرق المسلمين، وكانت تُزهق أرواح الأبرياء بسبب هذه الفتاوى التي كان للسياسة الدور الفاعل في تحريكها.
وما نشهده في أيامنا هذه من حوادث إرهابية تحدث في العراق وباكستان و... ضد الشيعة، ليس هو إلا المصداق البارز لتأثير هذه الفتاوى على الواقع العملي الذي نعيشه.
إنّ فتاوى التكفير لا تستعملها إلا الفرق المتطرّفة من بين فرق المسلمين، وهؤلاء هم الذين جرّوا الويلات على الإسلام والمسلمين على مرّ العصور، وكانوا السبب في تأجيج الفتن الطائفيه بين الفينة والأُخرى، مرّة هنا ومرّة هناك، ووراء العنف الذي يحدث بين المسلمين في بلادهم المختلفة، والذي لانشكّ فيه: أن أيدي أعداء الإسلام والمسلمين وراء كلّ هذه الفتاوى، لتجعل من المسلمين أُمّة متناحرة متنافرة ضعيفة، يمكن الاستيلاء على خيراتها وبركاتها بسهولة.
ولابدّ لأصحاب الكلمة، ومن بيدهم زمام الأمور ممّن المخلصين ممن يدعون إلى الوسطية في الإسلام ويريدون كلّ الخير لهذه الأُمّة، لابدّ لهم من عقد مؤتمرات مختصّة لمعالجة ظاهرة فتاوى التكفير والوقوف أمامها.
العلاقة مع الآخر.. والسلفية:
هناك مفصل هام في هيكلية الذهنية السلفية، وهو:
1 - انشداده إلى الماضي.
2 - كرهه للحاضر.
3 - خوفه من المستقبل.
فالزمن في الذهنية السلفية عبارة عن منحنى يبدأ من عهد النبوة، ثم ينحدر مع الأيام، ليصبح الأمس هو الأفضل على الإطلاق، والغد هو الأسوأ مقارنة بالماضي، واليوم هو مرحلة زمنية هي أسوأ من الماضي وأفضل من المستقبل.
وهذه الهيكلية، بالأخصّ (كرههم للحاضر) جعلت منهم أناساً منغلقين على أنفسهم، لا يتعاملون مع الواقع العملي بمرونة، وجعلت علاقتهم مع الآخر من أسوأ العلاقات من بين فرق المسلمين.
فلا نشاهد في معاملتهم مع الآخر المسلم ممّن يخالفهم الرأي إلا الشدّة والعنف، الذي يصل في كثير من الأحيان إلى التكفير والإخراج من الشريعة، وبالأخصّ في الأماكن التي لهم فيها وجود وقدرة وقوة، تجد الآخر ممّن خالفهم الرأي يواجه أنواع العنف والإرهاب الفكري، يُظلم كلّ يوم، مما يجعل الكثيرين منهم يكتمون معتقدهم ويعملون بالتقية.
و تجد أشدّ غضب السلفيين وحقدهم ينصبّ على الشيعة وأتباع مذهب أهل البيت علیهم السلام، الذين سمّوهم ب «الرافضة» و«مجوس هذه الأُمّة»، ويرى فريق من السلفيين أنّ الشيعة أكفر من اليهود والنصارى ، وهناك فتاوى تكفيرية واضحة.
وكذلك اشتدّ حقدهم على سائر فرق المسلمين التي لها مشتركات مع الشيعة، وكلّما كانت مشتركات هذه الفرق مع الشيعة أكثر كلّما كان حقد السلفيين عليهم أشد، وبالأخصّ الصوفية، الذين يشكّلون نسبة معتنى بها من بين المسلمين، والفرق التي تعتقد بالزيارة والتوسّل، الذين عبّر عنهم السلفيون ب «القبوريين»، وأخرجوهم من الدين.
وأخيراً، فإنّ الفكر المتجدّد لم يسلم من حقد السلفيين، حتّى أنّهم أخرجوا من يحمله من المسلمين أو يحاول نشره بينهم من الدين وعدّوهم كفّاراً ملحدين.
الاستبصار وتأليف «جيوبولتيك التشيع»:
إنّ القيم السامية والمعارف العالية لن تجد مذهباً يهتم بها ويحترمهاكمذهب أهل البيت علیهم السلام، وقد وصل «فرانسوا توال» الى ضالّته المنشودة وعثر على الطريق الصحيح للحياة باطّلاعه على مذهب أهل البيت علیهم السلام، فأعلن عن استبصاره والتحاقه بهذا الركب العظيم؛ لكي يعيش مذهباً يعترف بالقيم الإنسانية التي لا يختلف اثنان في لزوم التمسّك بها والعمل بمقتضاها.
وقد الّف «فرانسوا توال» كتاباً حول الشيعة في العالم سمّاه «جيوبولتيك التشيع» وركّز فيه على تبيين نقطتين أساسيتين:
1 - التشيع عقيدة نبوية - انتظارية تسعى الى تغيير العالم عبر الدفاع عن المظلومين والمهمّشين، في انتظار الإمام الذي سيخلّص العالم من الشرور، والتحاق الناس بها جاء استجابة ضرورية لمعطيات واقعية داخلية وخارجية.
2 - إعادة النظر في عملية التعاطى مع الشيعة في الشرق الأوسط، لانَّ سياسة الحصار والاحتواء، أو قمع الأقلّيات واضطهادهم دينياً وسياسياً لم تعد مجدية، ونتائجها المستقبلية ستكون مليئة بالمفاجآت والمخاطر على استقرار الأنظمة السياسية الحاكمة.
ولدت في فرنسا، ونشأت في عائلة مسيحيّة، وبعد إكمال الدراسة العامّة استمرّت في الدراسات الإلكترونية حتّى نالت شهادة الدكتوراه فيها.
اعتنقت الإسلام، وتمسّكت بولاء أهل البيت علیهم السلام بعد اطّلاعها على الدين الإسلامي عن طريق المبلّغين الإسلاميّين الوافدين إلى فرنسا.
موقفها في البحث:
تعتقد «بلانس» أنّ الأبحاث العقائديّة يجب أن تبتني على مكوّنين أساسيّين:
أولاً: الدراسة الحرّة المبتنية على الأُسس العلمية وعدم التعصّب الأعمى، وإلّا لم تسفر الدراسة عن أيّ تقدّم في البحث؛ لأن ثمرة التعصّب لا تكون إلّا الجهل والعناد، وعدم قبول الحقّ بل يبعد الإنسان بذلك عن كلّ الكمالات ويكون مصداقاً لقوله تعالى: «... كَالأَنْعَام بَلْ هُمْ أَضَلُّ...»(1).
ثانياً: التعمّق في دراسة المذاهب، فإنّ «بلانس» كانت صابرة في بحثها، ولم تقتنع بأُمور بسيطة، فلم تنبهر بكثرة أفراد أبناء العامّة وأتباع مدرسة الخلفاء عند
1) الأعراف :(7) (179، الفرقان (25): 44
بحثها في المذاهب الإسلاميّة.
إلّا أنّ الشخص البسيط قد يتأثر بالعدد عندما يرى أنّ أتباع مذهب من المذاهب أكثر عدداً من غيرهم؛ فيعتقد أنّه هو الحقّ وما يقابله الباطل.
هل الكمّيّة معيار الحقّ أم لا؟:
قد يقال أنّ كثرة العدد في مذهب من المذاهب يدلّ على أنّ أتباعه يسلكون الصراط المستقيم؛ فمذهبهم هو الصحيح عند الله سبحانه وتعالى، أو أنّ قلّة العدد تدلّ على بطلان معتقد الأتباع.
في مقام الإجابة عن هذا الإشكال ينبغي الإشارة إلى أنّ هذه الدعوى ليس لها دليل تبتني عليه فهي مجرّد دعوى لا تثبت شيئاً ولا تنفيه. بل إنّ هناك أدلّة محكمة تثبت بطلان هذه الدعوى، التي طالما بقيت شبهة عند بعض العلماء فضلاً عامّة الناس، فذاك شيخ جامعة الأزهر الشيخ سليم البشري في مكاتباته للعلّامة السيّد عبد الحسين شرف الدين، يقول: «انظر في حججك، فأراها ملزمة، وفي بيّناتك، فأجدها مسلّمة... ثمّ انظر إلى جمهور أهل القبلة والسواد الأعظم من ممثّلي هذه الملّة، فإذا هم مع أهل البيت على خلاف ما توجبه ظواهر تلك الأدلّة، فأنا أؤامر منّي نفسين نفساً تنزع إلى متابعة الأدلّة، وأخرى تفزع إلى الأكثرية من أهل القبلة...»(1).
القرآن الكريم والأكثريّة:
إذا تأمّلنا الآيات القرآنيّة الكريمة نرى أنّ معيار الحقّ عند الله عزّ وجلّ لا يقتصر على كميّة العدد فحسب، بل قد ورد الذمّ في حقّ الأكثرية في عدّة موارد يتضح منها أنّ الملاك الأساسي هو الكيفيّة حقيقة سواء كان العدد كثيراً أو قليلاً؛ فإنّ الباحث إذا تتبّع الآيات الشريفة يجد أسباباً مختلفة لتقبيح فعل الأكثرية، فهو:
1) المراجعات: 86 (المراجعة 11)
إمّا لإنكار أهل الكتاب، الآيات الإلهيّة وعدم الإيمان بالله، قال الله تعالى: «وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ»(1).
وإمّا لعدم قبول القرآن ورسالة خاتم الأنبياء صلی الله علیه وآله وسلم، وهو قوله عزّ وجلّ: «إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ»(2). وقوله: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ»(3).
وإمّا لإنكار القيامة والمعاد، قال تعالى: «إنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ»(4).
فالذين يتصوّرون أنّ الأكثرية العدديّة تدلّ على طريق الحقّ ليسوا على صواب؛ وذلك لدلالة الآيات القرآنية الكريمة على تحقير وذمّ الأكثريّة في عدّة موارد، وبتعابير مختلفة، كوصفهم بأنّهم: «أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ»(5)، «وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ»(6)، «أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ»(7)، «وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ»(8)، «أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ»(9).
فرأي الأكثريّة، وإن كان مقبولاً في مجتمعاتنا اليوم لدفع الاختلافات وحلّ المشاكل إلّا أنّه غير مقبول، بل مرفوض في تعيين الطريق الصحيح كما يتّضح ذلك من إرسال الرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وتعيين الإمام المعصوم بعد
النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم، فإنّ الله تعالى سبحانه هو الذي أرسل رسله وعيّنهم لأمر الرسالة، كما نصب الأئمة بعد النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم في أجواء ورأي عام مناوئ لهم.
كيفيّة تحقّق الحقّ:
إنّ القاعدة الأساسية في تحقّق الحق ليست العدد والكميّة؛ فقد يكون العدد الكثير مع الحقّ إذا كانوا تحت راية النبيّ أو الإمام المعصوم صلوات الله عليهم كما يمكن أن يكون العدد القليل مع الحق بوجودهم جنب الرسول أو الإمام المعصوم علیهم السلام، كما ذكر ذلك في الآيات القرآنيّة.
السلام وما يريده المولى سبحانه من عباده حقيقتاً هو متابعة الحقّ وإنكار الباطل وإن كان أهل الحقّ قليلين وأهل الباطل كثيرين، قال تعالى: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ...»(1)و: «لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ»(2).
وينبغي الإشارة إلى أنّنا لسنا بصدد إثبات أنّ الحقّ مع الأقلّية وأنّ رأي الأكثريّة باطل دائماً، بل نحن بصدد الإجابة عن اعتراض من يزعم أنّ الأكثريّة في طرف تكون علامة على أنّ الحقّ معهم، والأقليّة علامة للباطل..
وقد وقع كلامٌ في هذا المجال بين أبي عبيدة المعتزلي وبين هشام بن الحكم، فقال أبو عبيدة لهشام: الدليل على صحّة معتقدنا وبطلان معتقدكم: كثرتنا وقلّتكم مع كثرة أولاد علي علیه السلام وادعائهم.
فقال هشام: لست إيَّانا أردت بهذا القول إنّما أردت الطعن على نوح علیه السلام حيث لبث في قومه ألف سنة إلّا خمسين عاماً، يدعوهم إلى النجاة ليلاً ونهاراً، وما
آمن معه إلّا قليل(1).
معرفة الحقّ بعد الرسول صلی الله علیه وآله وسلم... نظرة إلى الروايات:
إذا لاحظنا الروايات الواردة في كتب العامّة والخاصّة في هذا المجال نجدها أيضاً تدلّ على أنّ العدد الكثير ليس معياراً لمعرفة الحقّ؛ بل إنّ بعضها يشير إلى أنّ الأقلّية في ظروف معيّنة كانت على الحقّ، كالأقلّية بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فإنّه أخبر صلی الله علیه وآله وسلم بأنّ الأغلبيّة ستنحرف عن مسير الحقّ ويدخلون بذلك النار، وعندما يسال النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم عن سبب دخول أصحابه النار يجاب ب-: «إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى»، ثمّ يقول الرسول صلی الله علیه وآله وسلم: «فلا أراه يخلص منهم إلّا همل النعم»(2)، إشارة إلى العدد القليل جداً.
وقد قال النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم أيضاً: «... ما اختلفت أمة بعد نبيّها إلّا ظهر أهل باطلها على أهل حقّها»(3).
إذا ضممنا تلك الروايتين إلى الحقائق التاريخيّة التي وقعت بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: إذا اختلفت الأُمّة من بعده في مسائل كثيرة، نصل إلى أنّ الأكثرية قد خالفت بأفعالها الشريعة المقدّسة، وارتدّت بذلك على أدبارها، وهم يسيرون في مسيرة الباطل، وأنّ الأقلّية المتمثّلة بالإمام عليّ بن أبي طالب علیه السلام وبعض أصحاب النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم، ك: سلمان وأبي ذر والمقداد وعمّار وأمثالهم، كانت على الحقّ، وممّا يؤيّد هذا القول:
قول الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم لعمّار بن ياسر في تعيين مسير الحقّ من الباطل بعده؛ إذ قال صلی الله علیه وآله وسلم له: «يا عمّار! تقتلك الفئة الباغية، وأنت إذ ذاك مع الحقّ والحقّ
معك...
يا عمّار! إن رأيت عليّاً قد سلك وادياً وسلك الناس وادياً غيره، فاسلك مع عليّ ودع الناس؛ إنّه لن يدلك على ردى، ولن يخرجك من الهدى»(1).
وقد كان عمّار بن یاسر - كما قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم - مع عليّ بن أبي طالب علیه السلام، وشهد الجمل وصفّين وقُتل فيها على يد أتباع معاوية بن أبي سفيان.
فبناءً على كلام رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم كان عمّار مع الحقّ، والذين قتلوه مع الباطل، فيمكن لنا من خلال ذلك معرفة أهل الحقّ وأهل الباطل سواء كان عددهم قليلاً أم كثيراً.
نموذج آخر:
إذا لاحظنا وقعة الجمل نرى أنّ أصحاب الجمل كانوا من أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وكان فيهم أشراف وأكابر، مثل طلحة والزبير، وفيهم من يؤيد عثمان، مثل: عائشة، ومروان بن الحكم، وعبد الله بن عامر، وكعب بن سور وغيرهم، وكان حضورهم في المعركة سبباً في وقوع غير ذوي البصيرة - الذين ينظرون إلى الحقّ من خلال الشخصيات البارزة أو عدد الأفراد - في الشك والحيرة.
قال الحرث بن حوط الليثي لعليّ بن أبي طالب علیه السلام: أترى أنّ طلحة والزبير وعائشة اجتمعوا على باطل؟
فقال عليّ علیه السلام: «يا حار! أنت ملبوس عليك، إنّ الحقّ والباطل لا يُعرفان بأقدار الرجال، وبإعمال الظنّ، اعرف الحقّ تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف أهله»(2).
فالملاك الحقيقي هو معرفة الحقّ نفسه، والباطل نفسه، ومن خلالهما يُعرف أتباعهما.
وقد يقال هنا:
كيف يمكن الجمع بين الروايات التي تذمّ الأكثريّة وبين الروايات التي تمدح الجماعة، مثل: القول المرويّ عن النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم: «يد الله مع الجماعة»(1)، وأمثالها من الأخبار؟
والجواب: يمكن الجمع بين الأخبار المذكورة ببيان معنى «الجماعة» في الأحاديث الواردة عن النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم، فقد سُئل صلی الله علیه وآله وسلم عن جماعة أمّته، فقال صلی الله علیه وآله وسلم: «جماعة أُمّتي، أهل الحقّ، وإن قلّوا»(2).
وفي حديث آخر سأل سائل: ما جماعة أُمّتك؟
فأجابه صلی الله علیه وآله وسلم: «من كان على الحقّ وإن كانوا عشرة»(3).
وقد سُئل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب علیه السلام، أعلم صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن السُنّة والبدعة والجماعة والفرقة، فقال علیه السلام:
«السنّة: - والله - سُنّة محمّد صلی الله علیه وآله وسلم.
والبدعة ما فارقها.
والجماعة: - والله - مجامعة أهل الحقّ، وإن قلّوا.
والفرقة: مجامعة أهل الباطل، وإن كثروا»(4).
فالآيات القرآنيّة والروايات الشريفة كلّها تدلّ على ملاك واحد لمعرفة الحقّ والباطل، وهو معرفة الحقّ نفسه والباطل نفسه؛ ليُعرف بهما أتباعهما، ولا يتمسّك أحد لتشخيص الحقّ والباطل بوجوه معروفة وبارزة أو بعدد أتباع مذهب
من المذاهب.
عرفت الحقّ فاتّبعته:
جعلت «فرانسیس بلانس» ملاك بحثها الدراسة الحرّة المبتنية على الأُسس العلميّة، فأسفر بحثها عن أحقّيّة التشيّع، أي: مذهب أهل بيت النبيّ صلوات الله عليهم؛ ولذلك أقدمت على اعتناقه والتمسّك بمبادئه الأصيلة كَي تنال سعادة الدارين(1).
1) راجع معرفة تحليلية عن الإسلام وبعض الأديان والمذاهب: 661
من مواليد فرنسا، نشأ في عائلة تعتنق الديانة المسيحية، حتّى لاحت لبصيرته المعارف الإسلامية فتأثّر بقيم الإسلام السامية ورؤاه الواضحة.
الإمام علي علیه السلام وعائشة:
إنّ من أهمّ العوامل التي يلاحظها المستبصرون ويَدرُسُها المعنيون بالشأن الإسلامي هي الإنسانية التي يحتويها هذا الدين الحنيف ومذهب أهل البيت علیهم السلام بالخصوص، فإنّ من المعتاد أن يقوم المنتصر - في الحروب والمعارك التي تنشب بين فئتين - بالتمثيل بأعدائه، والتنكيل بهم، وإذلالهم بكلّ طريقة، ولكن هذا المعنى لم نجده عند أمير المؤمنين علیه السلام عندما ظفر بأعدائه، بل رأيناه يحرص على حفظ كرامتهم، وعدم الاعتداء عليهم، وقد اتّضح هذا المعنى جليّاً في موقف الإمام أمير المؤمنين علیه السلام من عائشة، وهو ما أشار إليه علیه السلام بقوله: (وَأَمَّا فُلَانَةٌ فَأَدْرِكَهَا رَأَيْ إليها النِّساءِ، وَضِغْنُ(1)غَلَا فِي صَدْرِهَا كَمِرْجَل(2)الْقَيْن(3)، وَلَوْ دُعِيَتْ لِتَنَالَ مِنْ غَيْرِى مَا أَتَتْ
إِلَيَّ لَمْ تَفْعَلْ، وَلَهَا بَعْدُ حُرْمَتُهَا الأُولَى وَالْحِسَابُ عَلَى اللهِ)(1).
قوله: (وَأَمَّا فَلَانَةٌ)، فهي: عائشة. (فَأَدْركَهَا رَأيُّ النِّساءِ)، وهذا الضعف كان واضحاً في شخصيتها، ولهذا نجد أنّ التاريخ يحدّثنا أنّ عليّا علیه السلام أنكر على طلحة إخراجه عائشة، فقال طلحة: إنّها إنّما جاءت للإصلاح.
فقال عليّ علیه السلام: (هي لعمر الله إلى من يصلح لها أمرها أحوج)(2)، وهذا الشعور لم يكن أمير المؤمنين علیه السلام يحمله لوحده، بل ينقل لنا التاريخ مواقف لآخرين أدركوا هذه الحقيقة؛ فقد روى الحسن البصريّ، قال: أقبل أبو بكرة يريد أن يدخل مع طلحة والزبير في أمرهما، فلما رأى أنّ عائشة تدبّرهما رجع عنهما، فقيل له: ما لك لم تدخل؟ قال: رأيت امرأة تلي أمرهما، وقد سمعت النّبي صلی الله علیه وآله وسلم - وقد ذكر ملكة سبأ - يقول: (لا أفلح قومٌ تدبّر أمرهم امرأة) فكرهت الدخول معهما(3).
وأمّا خروجها على أمير المؤمنين علیه السلام، فقد أخبرنا عنه النبي الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم، وهو ما رواه أمين سرّه حذيفة بن اليمان رضی الله عنه عند ذكر خروج عائشة، فقال: «يقاتل معها مضر، مضرها الله في النار وأزد عمان، سلت(4)الله أقدامها، وإن قيساً لن تنفكّ تبغي دين الله شرّاً حتّى يركبها الله بالملائكة، فلا يمتنعوا ذنب تلعة(5)»(6).
قال ابن أبي الحديد معلّقاً بعد نقله هذا الخبر: «قلت: هذا الحديث من أعلام
1) نهج البلاغة 2: 48، الخطبة: 156
2) الإمامة والسياسة 1: 70
3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6: 227
4) سلت الله أقدامها قطعها النهاية في غريب الحديث 2: 174
5) التلاع: مسايل الماء من علو إلى أسفل، واحدها تلعة، وذنب التلعة أسفلها؛ قال الزمخشري: (أي: يذلّها الله حتّى لا تقدر على أن تمنع ذنب تلعة). الفائق في غريب الحديث 3: 246.)
6) الفائق في غريب الحديث 3: 246
نبوّة سيّدنا محمد صلی الله علیه وآله وسلم، لأنّه إخبار عن غيب، تلقّاه حذيفة عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم، وحذيفة أجمع أهل السيرة على أنّه مات في الأيام التي قُتل عثمان فيها، أتاه نعيه وهو مريض، فمات وعلي علیه السلام لم تتكامل بيعة الناس [له] ولم يدرك الجمل.
وهذا الحديث يؤكّد مذهب أصحابنا في فسق أصحاب الجمل إلا من ثبتت توبته منهم، وهم: الثلاثة»(1).
وفي معرض الجواب على ما ذكره ابن أبي الحديد نقول:
أولاً: إنّ فسقهم دراية، وأمّا توبتهم فهي رواية، هذا إن وجدت رواية!
ثانياً: إنّ الوقائع التاريخية الكثيرة تشير إلى أنّ عائشة كانت مصرّة على موقفها من أهل بيت النبوّة بشكل عام، ومن أمير المؤمنين علیه السلام بشكل خاص، حتّى وفاتها؛ ففي كتاب مقاتل الطالبيين: قال يحيى بن الحسن: سمعت عليّ بن طاهر ابن زيد يقول: لمّا أرادوا دفن الحسن بن عليّ علیه السلام: ركبت عائشة بغلاً، واستعونت بني أُمية ومروان، ومن كان هناك منهم ومن حشمهم، وهو قول القائل:
فيوماً على بغل ويوماً على جمل(2)
وفي تاريخ اليعقوبي - في دفن الحسن علیه السلام - قيل: إنّ عائشة ركبت بغلة شهباء وقالت بيتي لا آذن فيه لأحد، فأتاها القاسم بن محمّد بن أبي بكر، فقال لها: يا عمّة! ما غسلنا رؤوسنا من يوم الجمل الأحمر، أتريدين أن يقال: يوم البغلة الشهباء؟!(3).
عن محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول: «لمّا حضر الحسن بن علي علیه السلام الوفاة قال للحسين علیه السلام: يا أخي! إنِّي أُوصيك بوصية، فاحفظها، إذا أنا متّ
فهيئني، ثم وجّهني إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأُحدث به عهداً، ثم اصرفني إلى أُمّي علیه السلام، ثم ردّني فادفنّي بالبقيع، واعلم أنّه سيصيبني من عائشة ما يعلم الله والناس صنيعها وعداوتها الله ولرسوله وعداوتها لنا أهل البيت.
فلمّا قبض الحسن علیه السلام ووضع على السرير، ثم انطلقوا به إلى مصلّى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان يصلّي فيه على الجنائز، فصلّى عليه الحسين علیه السلام وحُمل وأُدخل إلى المسجد، فلمّا أُوقف على قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذهب ذو العوينين إلى عائشة فقال لها: إنّهم قد أقبلوا بالحسن ليدفنوه مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فخرجت مبادرة على بغل بسرج - فكانت أوّل امرأة ركبت في الإسلام سرجاً - فقالت: نحّوا ابنكم عن بيتي؛ فإنّه لا يُدفن في بيتي ويهتك على رسول الله حجابه. فقال لها الحسين علیه السلام: قديماً هتكتِ أنتِ وأبوكِ حجاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأدخلت عليه بيته من لا يحب قربه، وإنّ الله سائلك ذلك يا عائشة»(1).
وعن ابن عبّاس في وصية الحسن علیه السلام ودفنه - إلى أن قال: قال ابن عبّاس: فإذا أنا بعائشة في أربعين راكباً على بغل مرحّل، تقدمهم وتأمرهم بالقتال، فلمّا رأتني قالت: إليّ إليّ يا بن عبّاس، لقد اجترأتم علَيّ في الدنيا، تؤذونني مرّة بعد أُخرى، تريدون أن تدخلوا بيتي من لا أهوى ولا أُحب.
فقلت: واسوأتاه! يوم على بغل، ويوم على جمل، تريدين أن تطفئي نور الله، وتقاتلي أولياء الله، وتحولي بين رسول الله صلی الله علیه وآله وبين حبيبه أن يدفن معه، ارجعي فقد كفى الله المؤونة، ودفن الحسن إلى جنب أُمّه، فلم يزدد من الله إلّا قرباً، و ما ازددتم منه والله إلاّ بعداً.
یا سوأتاه! انصرفي، فقد رأيتِ ما سَرّكِ.
فقطّبت في وجهي، ونادت بأعلى صوتها: ما نسيتم الجمل يا بن عبّاس،
1) الكافي 1: 300
إنّكم لذووا أحقاد.
فقلت: أَمَ والله ما نسيه أهل السماء، فكيف ينساه أهل الأرض.
فانصرفت وهي تقول:
فألقت عصاها واستقرّ بها النوى *** كما قرّ عيناً بالإياب المسافر(1)
ثالثاً: إنّ التوبة ليست مطلقة في كلّ حين ولكلّ شخص، فلا يستطيع كلّ شخص أن يتوب في وقت معيّن وتقبل توبته، وأفضل مثال قرآني على ذلك ما جاء في قصّة فرعون، الذي صرّحت الآية بتوبته، ولكنّها صرّحت أيضاً بعدم قبول هذه التوبة منه؛ قال تعالى: «وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلَآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةٌ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ»(2).
وقوله: «آمنتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ»، أي: آمنت بأنّه..
وقد وصف الله بالذي آمنت به بنو إسرائيل ليظفر بما ظفروا به بإيمانهم، وهو مجاوزة البحر والأمان من الغرق، ولذلك أيضاً جمع بين الإيمان والإسلام؛ ليزيل بذلك أثر ما كان يصرّ عليه من المعصية، وهو: الشرك بالله والاستكبار على الله.
قوله تعالى: «الآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ»، الآن: بالمد، أصله: الآن، أي: أتؤمن بالله الآن، وهو: حين أدركك العذاب، ولا إيمان ولا توبة حين غشيان العذاب ومجيء الموت من كلّ مكان، وقد عصيت قبل هذا وكنت من المفسدين، وأفنيت أيامك في معصيته، ولم تقدّم التوبة لوقتها، فماذا ينفعك الإيمان بعد فوت وقته؟! وهذا هو الذي كان موسى وهارون سألاه ربّهما: أن يأخذه بعذاب
أليم، ويسدّ سبيله إلى الإيمان إلّا حين يغشاه العذاب، فلا ينفعه الإيمان ولا تغني عنه التوبة شيئاً.
قوله تعالى: «فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةٌ».
فإنّ قوم فرعون ذهبوا أجمعين في البحر فلم يُرَ منهم أحد، إذ هووا في البحر، وأمّا فرعون فنبذه الله وحده، فألقاه بالساحل، لينظروا إليه، فيعرفوه، وليكون لمن خلفه آية، ولئلا يشكّ أحد في هلاكه؛ فإنهم كانوا اتّخذوه ربّاً، فإراهم الله إيّاه جيفة ملقاة بالساحل؛ ليكون لمن خلفه عبرة وعظة ؛ يقول الله: «وَإِنَّ كَثِيرًا منَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ»(1).
رابعاً: أنّ المعاصرين لهم لم يلاحظوا أنّ التوبة قد شملت هؤلاء، بل إنّهم كانوا يعتقدون بإثمهم، وهو ما رواه المؤرّخون من أن أُمّ أوفى العبدية دخلت بعد الجمل على عائشة، فقالت: يا أُمّ المؤمنين! ما تقولين في امرأة قتلت ابناً لها صغيراً؟
قالت: وجبت لها النار.
قالت: فما تقولين في امرأة قتلت من أولادها الأكابر عشرين ألفاً في صعيد واحد؟
قالت: خذوا بيد عدوّة الله.
وماتت عائشة في أيّام معاوية، وقد قاربت السبعين، وقيل لها: تدفنين مع النبيّ؟ فقالت: إنّي أحدثت بعده حدثاً، فادفنوني مع إخوتي بالبقيع(2).
خامساً: نسأل ابن أبي الحديد وغيره: لماذا لم ترد عائشة على أُمّ أؤفى بالرد المنطقي العلمي، بأنّ قتالها كان لأمر مشروع وفي سبيل الله؟
أو أنّها تابت فلا مورد لإشكال أُمّ أوفى وتعريضها؟
بل كان جوابها أن أمرت بإخراج «عدوة الله»، بحسب تعبيرها!
سادساً: إذا كانت توبتها مقبولة، وعملها وصاحبيها غير مؤاخذين عليه، فلماذا حذّرها النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم بقوله: (يا حميراء! كأنّي بك تنبحك كلاب الحوأب، تقاتلين عليّاً وأنت له ظالمة)(1).
قال الهيثمي: «رواه أحمد وأبو يعلى، والبزّار، ورجال أحمد رجال الصحيح.
وعن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لنسائه: ليت شعري أيتكنّ صاحبة الجمل الأدبب؟ تخرج فينبحها كلاب الحوأب، يقتل عن يمينها وعن يسارها قتلى كثير، ثم تنجو بعد ما كادت.
رواه البزّار، ورجاله ثقات»(2).
قال ابن حجر: «وأخرج هذا أحمد، وأبو يعلى، والبزّار، وصحّحه ابن حبّان والحاكم؛ وسنده على شرط الصحيح، وعند أحمد: فقال لها الزبير: تقدمين فذكره.
ومن طريق عصام بن قدّامة، عن عكرمة، عن ابن عبّاس: أنّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم قال لنسائه: أيتكنّ صاحبة الجمل الأدبب؟ - بهمزة مفتوحة، ودال ساكنة، ثم موحّدتين: الأولى مفتوحة - تخرج حتّى تنبحها كلاب الحوأب، يقتل عن يمينها وعن شمالها قتلى كثير، وتنجو من بعد ما كادت. وهذا رواه البزّار ورجاله ثقات»(3).
والحوأب: موضع في طريق البصرة محاذي البقرة مائه أيضاً من مياههم،
قال أبو زياد: ومن مياه أبي بكر بن كلاب الحوأب، وهو من المياه الأعداد وقديم جاهلي، وقال نصر: الحوأب من مياه العرب على طريق البصرة(1).
اعتناقة للإسلام ومذهب أهل البيت علیهم السلام:
بعد أن اتّضحت ل«فليب» عظمة الإسلام وحقيقته التي تحترم الإنسان وتراعي أدقّ شؤون كرامته، وبعد مقارنته مع المدارس الأُخرى اقتنع بأنّ هذه المدرسة هي المدرسة الإلهية التي أرسلها الله تعالى رحمة للعالمين، وأنّها تمثّل الحقّ والعدل، فاعتنق الإسلام ومذهب أهل البيت علیهم السلام(2).
ولدت في مدينة «بون» الفرنسية، ونشأت في أُسرة مسيحية، واصلت دراستها الأكاديمية حتّى حصلت على البكالوريا في العلوم الطبّية والاجتماعية.
تعرّفت «كارولين» في الدورة التدريبيّة على طبيب لبناني مسلم، فأُعجبت بمواقفه التي كانت تحترم المرأة، وكان هذا اللقاء بداية تعرفها على مذهب أهل البيت علیهم السلام.
وقد بيّنت «كارولين» قصة استبصارها، والآثار التي تركها الإسلام على شخصيّتها في حوار أجرته معها مجلّة «نور الإسلام».
الاستبصار وموقف الأُسرة والأصدقاء:
هل لكِ أن تُحدِّثينا بإيجاز عن مولدك ونشأتكِ؟
اسمي «كارولين روسيّه»، ولدت في مدينة «بون» الفرنسية (الشاطئ الذهبي)، وأمضيت طفولتي في جنوب فرنسا على بعد 50 كم من مدينة «أفينيون» الشهيرة بجسرها، الذي يتغنّى به الأطفال في أناشيدهم الراقصة...، على مقربة من هذا الجسر أمضيت طفولتي ولكن دون أن تجتذبني هواية الرقص، ونشأت في عائلة مسيحية.
تابعت دراستي الثانوية إلى أن حصلت على البكالوريا في العلوم الطبّية والاجتماعية، وكنت أطمح لدراسة العلوم الطبية وبصورة خاصّة إعداد نفسي كممرّضة. كانت لديّ رغبة في أن أخدم في قسم الصحّة في مصالح الجيش، لذلك قرّرت التطوّع في وحدة الخدمة النسائية؛ لاكتساب الخبرة في المجال العسكري خلال سنة ونصف، ولم يكن بمقدوري تحمّل النظام الصارم فقرّرت متابعة دراستي في مجال التمريض في الخدمة المدنية.
أثناء الدورة التدريبية الأخيرة التي كنت أتلقّاها في المستشفى تعرّفت على طبيب لبناني مسلم فدهشت لموقفه الذي ينطوي على احترام المرأة، و تعرّفت عن طريقه على إخوة ،لبنانيين، قدّرت فيهم حسن المعاملة والاحترام، وتوطّدت العلاقات بيني وبين المسلم اللبناني وقرّرنا الزواج.
ما هي الأوضاع التي رافقت اعتناقك الإسلام، خاصّة موقف الأهل والأصدقاء؟
في بداية اعتناقي الإسلام كنت منفتحة على المسلمين كافّة، علماً بأنّي اخترت اتباع منهج أهل البيت علیهم السلام، وقد لقي اختياري الإسلام كدين، نظرة احترام من قبل أهلي، الذين تعاملوا معي من موقع حبّهم الشديد لي، وإن كانوا قد رفضوا في البداية بسبب ما طرأ من تغيير على مظهري الخارجي، خاصّة الحجاب، والعادات الجديدة، والثياب الفضفاضة؛ إذ أصبحت ملابسي طويلة بدل أن تكون قصيرة، وواسعة بدل أن تكون ضيّقة، ولكنّهم مع ذلك لم يخفوا قلقهم على مستقبلي، لقد كانوا على اتّصال تدريجي بالسلوك الإسلامي عن طريق زوجي خلال تسع سنوات، ثمّ استمرّ دون انقطاع.
وكان أهلي متفهّمين لهذه المواقف، وكنت لا أدّخر وسعاً في محاولة استمالتهم والتأثير عليهم في إبراز حقيقة هذه الحياة، التي نحياها بشكل عابر،
والتي ستُفضي بنا إلى حياة أُخرى؛ كنّا نتبادل الحديث بشأن حقائق هذا الوجود، مثل: السعادة والشقاء، والموت والحياة.
نظرة إلى مستقبل الإسلام وتأثيره على الحياة الشخصية:
ما هي نظرتك إلى مستقبل الإسلام؟
إن عوز الغرب للقيم التي أفقدته إياها الحضارة المادية ستجعله يبحث عن الخلاص في الإسلام؛ إنّ الإفراط في الحرّية المتّبع في الغرب هو المسؤول عن مآسى ،الغرب، كما أنّه يزيد من حالات الإحباط والكآبة، لأن معظم الناس هناك لا يمتلكون معايير ولا ضوابط أخلاقية أو حدوداً معروفة.
هل ترك الإسلام من أثر جديد على حياتك الشخصية؟
إنِّي الثقة تملأ قلبي، بأنّني إن شاء الله أسير على الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم، وهداهم إلى الحقّ.
لقد أكسبني الإسلام صفة الصبر وأضفى على روحي السكينة، ومنحني راحة الضمير، وزوّدني بقدرة على التمييز بين الخير والشر.
نصائح... للمسلمات الغربيّات وللقرّاء:
ما هي نصيحتك للمسلمات الغربيات؟
إنّ المعاناة ليست سهلة، إلّا أنّه يجب أن لا نستسلم للصعاب، كما أنّي أنصح بأن لا نأخذ الإسلام عن المسلمين فحسب، بل ينبغي العودة إلى القرآن الكريم، والسُنّة النبوية المطهّرة وتعاليم أهل البيت علیهم السلام، فنحن لا نريد إسلاماً متكيّفاً مع بعض مناهج الغرب وأنظمته التربوية والاجتماعية.
إنّ بعض الغربيين ينظرون إلى الحجاب كظاهرة تدلّ على التخلّف، مع العلم أنّ الحجاب هو مظهر من مظاهر الإسلام، وأحد معالم تجلّيه في الزي والسلوك،
فالحجاب ليس رمزاً سياسياً أو شعاراً حزبياً كما يعتقد بعض الغربيين، بل هو رمز أخلاقي يشير إلى التزام الفتاة بما يصون نفسها عن الإغراءات والابتذال والسير في ركاب الموضة التي يروّجها الإعلام الغربي.
كما أن بعض الغربيين يريدون أن نتبع إسلاماً مفرّغاً من محتواه، أي لا يمتّ بصلة إلى الإسلام الأصيل.
ما هو موقفك من سلوك بعض المسلمين والمسلمات؟
إنّ أدين بإيماني بمنهج الحقّ إلى بعض المسلمين الذين تسنّى لي بواسطتهم التعرّف على منهج أهل البيت علیهم السلام، إلّا أنّني لم أكن أتوقع أن أرى معظم المسلمين لا يطبّقون الإسلام؛ لأنّ الدين رادع أخلاقي يقيّد سلوك الإنسان، ويميل الإنسان عادة إلى الاندفاع وراء غرائزه ورغباته ونزعاته الشخصية، فلقب (حاج) مثلاً يجعل من حامله إنساناً محترماً، ولكن العبرة ليست في الشكل والمظهر، بل في المضمون والجوهر.
إنه لجهاد مستمر وشاق ذاك الذي عناه النبي صلی الله علیه وآله وسلم ودعاه: الجهاد الأكبر.
نصيحة إلى القرّاء؟
أنصح القرّاء بأن لا نخشى من شيء ونحن نسير وفق المنهج الإلهي؛ لأنّ الله دائماً سيكون معنا، فعندما نخطو خطوة في سبيل الله، فإنّه سوف يسدّد خطانا ويزيل من أمامنا العقبات، وينير بصائرنا ويلهمنا سبل الخير والنجاح.
ولد عام 1381 ه (1962 م) في فرنسا، ونشأ في أُسرة مسيحية تتّبع المذهب الكاثوليكي، واصل «لاورن» دراسته الأكاديمية حتّى مرحلة الإعدادية.
أحسّ «لاورن» كبقية المتعطّشين الى نيل الحقيقة - بنقائص في مبادئه الكاثوليكية، فانبرى يبحث عمّا يشفي غليله في المجال الديني، وظلّ يبحث الى أن توصّل الى العقائد الإسلامية، التي أحسّ أنّه وصل من خلالها الى السكون والاستقرار، فقرّر أنْ يتَّبع هذا المنهج الحنيف، فاستبصر، وكان استبصاره عام 1419 ه (1999 م) في فرنسا(1).
نظراً للغة الأمّ والمجتمع الذي كان يعيش فيه لم يكن «لاورن» يجيد اللغة العربية وكانت هذه إحدى عوائقه في البحث، ولذا قرّر مواصلة البحث عبر شبكة الإنترنيت؛ لتذليل هذه العقبة، فتعرّف بواسطة أحد الإخوة على «مركز الأبحاث العقائدية»، وأُهديت إليه كتب بشأن التشيع ومبادئ العقيدة باللغة الفرنسية من قِبَل هذا المركز.
من الكتب التي أهداها «مركز الأبحاث العقائدية» إلى «لاورن» كتاب
1) المستبصر على تواصل مع المركز، ولديه ملف خاص هناك
«صلح الحسن علیه السلام» الشيخ راضي آل ياسين، الكتاب الذي أرجع المؤلِّف سبب تأليفه له الى عدم عرض هذه الواقعة التاريخية بشكلٍ وافٍ من قِبَل المؤرِّخين القدامى، وعدم تحليلها كما ينبغي من قِبَل الكُتَّاب حديثاً.
صلح الإمام الحسن علیه السلام:
عُقد هذا الصلح بين الإمام الحسن علیه السلام وبين معاوية، بعد أن اضطرّ الإمام إليه، إذ تفرّق العديد من أصحابه عنه، ونكلوا عن القتال معه، كما زاد الوضع تعقيداً رواج الشائعات التي أمطرت معسكر الحسن علیه السلام بوابل من الثبور والمخاوف، وفرار قائد المعسكر الحسني ليلاً إلى معاوية، الذي كان قد ضمن له ألف ألف درهم(1).
كلّ هذه الأحداث وضعت الإمام الحسن علیه السلام أمام خيار واحد، وهو الصلح...
صورة معاهدة الصلح التي وقّعها الفريقان:
وقّع الطرفان هذا الصلح واتّفقا فيه على عدّة مواد وشروط، الّا أنَّ الكتب التاريخية لم تستوفها في مكان واحد، وبقيت منثورة في الكتب المختلفة، فمن أراد أن يقف على جميعها ينبغي له مراجعة مجموعة المصادر التي ذكرت هذا الصلح والتي بيّنت بعض هذه الفقرات المنثورة.
وأمّا عن أصل وجو وجود الشروط في تلك المعاهدة فقد روى فريق من المؤرّخين أنّ معاوية أرسل الى الحسن علیه السلام الصحيفة بيضاء مختوماً على أسفلها، بختمه وكتب إليه أن: «اشترِط في هذه الصحيفة التي ختمت أسفلها، وما شئت فهو لك»(2)، الّا أنّهم لم يذكروا الشروط بعد ذلك.
ومن خلال الاستقصاء يمكن تبيين مفاد الصلح ضمن خمس مواد:
المادّة الأولى: تسليم الأمر الى معاوية على أن يعمل بكتاب الله وسُنّة رسوله وبسيرة الخلفاء الصالحين(1)
هل يُعقل أن يسلِّم الأمر إلى معاوية على أن يعمل بسيرتهم ويجعلها جزء من الدين؟!
.المادّة الثانية: أن يكون الأمر للحسن علیه السلام من بعده(2)، فإن حدث به حدث فلأخيه الحسين(3)، وليس لمعاوية أن يعهد به الى أحد(4).
المادّة الثالثة: أن يترك سبَّ أمير المؤمنين(5)والقنوت عليه بالصلاة(6)، وأن لا يذكر علياً الّا بخير(7).
المادّة الرابعة: استثناء ما في بيت مال الكوفة، وهو خمسة آلاف ألف فلا يشمله تسليم الأمر. وعلى معاوية أن يحمل الى الحسين كل عام ألفي ألف درهم(8)، وأن يفضّل بني هاشم في العطاء والصلات على بني عبد شمس(9)، وأن يفرّق في أولاد من قتل مع أمير المؤمنين يوم الجمل وأولاد من قتل معه بصفّين
1) الفصول المهمّة لابن الصبّاغ المالكي: 729، مطالب السؤول في مناقب آل الرسول لمحمد بن طلحة الشافعي: 357، كتاب الفتوح لابن أعثم 4: 291، وينبغي الإشارة إلى أنّه لا يمكن قبول ما رواه بعض المؤرّخين من أنَّ الإمام الحسن علیه السلام اشترط على معاوية العمل بسيرة الخلفاء الصالحين أو الراشدين، ويقصدون بذلك أبا بكر وعمر وعثمان؛ فإنَّ أباه وأُسوته الإمام أمير المؤمنين علیه السلام رفض الخلافة التي قُيِّدَت باتِّباع سُنّة الشيخين بأسرها، فكيف بابنه، ومتّبع سيرته؟!
2) تاريخ الخلفاء للسيوطي: 191، كتاب الفتوح لابن أعثم 4: 190
3) عمدة الطالب لابن عنبة: 67
4) مطالب السؤول: 357، أعيان الشيعة 1: 570
5) مناقب آل أبي طالب 3: 196
6) الفصول المهمّة لابن الصبّاغ المالكي: 729، الإرشاد للمفيد 2: 14
7) عمدة الطالب: 67، مقاتل الطالبيّين: 43
8) جاء في عمدة الطالب: 67، أنَّ للحسن علیه السلام في كلّ سنة خمسين ألف ألف
9) الأخبار الطوال للدينوري: 218
ألف ألف درهم(1)، وأن يجعل ذلك من خراج دار ابجرد(2).
المادّة الخامسة: على أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله، في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم(3)، وأن يؤمّن الأسود والأحمر، وأن يحتمل معاوية ما يكون من هفواتهم، وأن لا يتبع أحداً بما مضى، وأن لا يأخذ أهل العراق بإحنة(4).
وعلى أمان أصحاب عليّ حيث كانوا، وأن لا ينال أحداً من شيعة عليّ بمكروه، وأن أصحاب عليّ وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم(5)، وأن لا يتعقّب عليهم شيئاً، ولا يتعرّض لأحد منهم بسوء، ويوصل الى كلّ ذي حقّ حقّه، وعلى ما أصاب أصحاب عليّ حيث كانوا...(6).
وعلى أن لا يبغي للحسن بن علي ولا لأخيه الحسين، ولا لأحدٍ من أهل بیت رسول الله، غائلة، سراً ولا جهراً، ولا يخيف أحداً منهم، في أُفق من الآفاق(7)(8).
الوفاء بالعهد:
من الأمور التي تلفت نظر القريب والبعيد عن الشريعة الإسلامية في صلح الإمام الحسن علیه السلام مع معاوية، رئيسي طائفتين تنطق بالشهادتين هو مدى وفاءُهما
1) علل الشرائع للصدوق 1: 212
2) الكامل في التاريخ 3: 405، تاريخ مدينة دمشق 13: 264، عمدة الطالب: 67. ودار ابجرد بلدة من بلاد فارس، اللباب 1: 482
3) الفصول المهمّة لابن الصبّاغ المالكي: 729، مطالب السؤول: 357، کتاب الفتوح 291:4
4) الأخبار الطوال للدينوري: 218
5) الفصول المهمة لابن الصبّاغ المالكي: 729، کتاب الفتوح 4: 291
6) الإرشاد للمفيد 2: 14
7) الفصول المهمّة لابن الصبّاغ: 729، مطالب السؤول: 357، بحار الأنوار 44: 65
8) ذُكرت الشروط بهذا الترتيب في كتاب «صلح الحسن علیه السلام» للشيخ آل ياسين: 259، وهامش كلّ من تاريخ مدينة دمشق 13: 264، البداية والنهاية لابن كثير 8: 18، الإمامة والسياسة بتحقيق علي شيري: 185
بالعهود؛ فإنَّ مسألة الوفاء بالعهد من المسائل التي لا يختلف فيها اثنان فضلاً عن أن يكونا مسلمين!!
وخاصّة إذا ذُيِّلت تلك المعاهدة بالأيمان المغلّظة والعهود المؤكّدة، كما في صلح الإمام الحسن علیه السلام ومعاوية(1).
وإذ عرفنا شروط المعاهدة آنفاً، نذكر هنا مآل كلّ من هذه الشروط، وفاءً ونقضاً، بعد إبرام تلك المعاهدة.
فالشرط الوحيد الذي حَظِيَ بالوفاء في هذه المعاهدة هو الشرط الأوّل، أي تسليم الأمر لمعاوية، فلم يعهد التاريخ أنَّ الإمام الحسن علیه السلام خالف ذلك الشرط بعد توقيعه لمعاهدة الصلح.
وقد طلب كثير من أصحاب الإمام الحسن علیه السلام إعلان الجهاد، وعرضوا عليه أنفسهم وأموالهم؛ فقد طلب سليمان بن صرد الخزاعي أن يأذن له الإمام بالخروج على عامل معاوية في الكوفة وأن يخلعه، كما جاءه علیه السلام كلّ من حجر بن عدي الكندي، والمسيّب بن نجية وآخرون وطلبوا منه القيام، ووعدوه بالعدّة والسلاح، لكنّهم لم يحظوا من الإمام علیه السلام الّا بالردّ الجميل بالصبر والاستمهال إلى موت معاوية؛ إذ كان علیه السلام يقول: «ليكن كلّ رجل منكم حَلَساً من أحلاس بيته مادام معاوية حيّاً، فإن يهلك معاوية ونحن وأنتم أحياء سألنا الله العزيمة على رشدنا، والمعونة على أمرنا، وأن لا يكلنا إلى أنفسنا؛ فإنّ الله مع الذين اتّقوا والذين هم محسنون»(2).
وأمّا بقيّة الشروط التي كانت للإمام الحسن علیه السلام على معاوية، فلم يلتزم
بأيّ منها، وقد قال: «إنّي كنت شرطت لقوم شروطاً ووعدتهم عدات ومنّيتهم أمانيَّ... فإنّ كلّ ما هنالك تحت قدمي هاتين»(1).
فأمّا ميثاقه بأن لا يعهد لأحد من بعده فقد نقضه علناً وعلى رؤوس الأشهاد عندما عهد بخلافته الى يزيد ابنه المعروف بالفسق والفجور.
وأمّا وعده بترك سبّ أمير المؤمنين علي علیه السلام والوقوع فيه، فقد نقضه أمام الملأ أيضاً، وبعد بيعته للإمام الحسن علیه السلام؛ فقد روى الواقدي أنَّ معاوية لمّا عاد من العراق الى الشام بعد صلح الحسن واجتمع الناس إليه، خطب فقال: أيّها الناس! إنَّ رسول الله قال لي: إنَّك ستلي الخلافة من بعدي، فاختر الأرض المقدّسة (أي الشام) فإنَّ فيها الأبدال، وقد اخترتكم، فالعنوا أبا تراب. فلعنوه !!(2).
وقال ابن الأثير: إنَّ معاوية كان إذا قنت سبّ علياً والعبّاس والحسن والحسين والأشتر(3).
وقال أبو عثمان الجاحظ في الرد على الإمامية أنَّ معاوية كان يقول في آخر خطبته: اللهم إنَّ أبا تراب ألحد في دينك وصدّ عن سبيلك، فالعنه لعناً وبيلاً وعَذَّبه عذاباً أليماً. وكتب بذلك الى الآفاق، فكانت هذه الكلمات يشاد بها على المنابر(4).
وروي عنه أيضاً أنَّ قوماً من بني أُميّة قالوا لمعاوية: يا أمير المؤمنين! إنّك قد بلغت ما أمّلت، فلو كففت عن هذا الرجل، فقال: لا والله حتّى يربو عليه الصغير ويهرم عليه الكبير، ولا يذكر له ذاكر فضلا(5).
وقال المدائني في كتاب الأحداث: كتب معاوية نسخة واحدة بعد عام الجماعة أن: برئت الذمّة ممّن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته، فقامت الخطباء في كلّ كورة وعلى كلّ منبر يلعنون علياً ويبرؤون منه، ويقعون فيه وفي أهل بيته(1).
وقد نقل ابن الأثير عن معاوية أنّه قال للمغيرة بن شعبة عندما استعمله على الكوفة: لست تاركاً إيصاء ك بخصلة واحدة: لا تترك شتم عليّ وذمّه!!(2).
فكان المغيرة يلعن عليّاً علیه السلام لعناً صريحاً على منبر الكوفة(3).
وقد خلف المغيرة على الكوفة زياد بن أبيه، فكان يجمع الناس بباب قصره يحرّضهم على لعن عليّ علیه السلام، فمن أبى عرضه على السيف(4).
كما استعمل معاوية بسر بن أرطأة على البصرة فكان يلعن عليّاً علیه السلام على منبرها(5).
وأمّا في المدينة فكان واليها مروان بن الحكم لا يدع سبّ عليّ علیه السلام على المنبر كلّ جمعة، وكان الحسن يعلم ذلك فيسكت ولا يدخل المسجد الّا عند الإقامة، فلم يرض بذلك مروان حتّى أرسل للحسن في بيته بالسب البليغ لأبيه وله(6)!!
وأمّا الشرط الرابع والذي جاء فيه استحقاق أخذ الإمام علیه السلام اخراج دار آبجرد وأنْ يفرّق منه في أولاد من قتل مع أمير المؤمنين علیه السلام يوم الجمل ويوم
صِفّين ألف ألف درهم فقد منع معاوية ذلك أيضاً.
قال الطبري: وحال أهل البصرة بينه - أي: بين الإمام الحسن علیه السلام - وبين خراج دار آبجرد وقالوا: فيؤنا(1)وأضاف ابن الأثير على ذلك: وكان منعهم ذلك بأمر من معاوية أيضاً(2).
وأمّا الشرط الأخير وهو العهد بالأمان العام للجميع، ولاسيّما لشيعة عليّ علیه السلام وتعهّده بأن لا يبغي للحسنين علیه السلام وأهل بيتهما غائلة سرّاً ولا جهراً، فإنَّ للمؤرّخين في نقضه من قبل معاوية وجلاوزته نصوص كثيرة نذكر قسماً منها:
أمّا عن السبط الحسن علیه السلام فقد اغتيل بالسم بأمر معاوية؛ وفق ما نقلته العديد من مصادر أهل السُنّة:
منها: ما ذكره الزمخشري في كتابه «ربيع الأبرار»؛ إذ قال: جعل معاوية لجعدة بنت الأشعث إمرأة الحسن مائة ألف حتّى سمّته، ومكث شهرين وإنّه ليُرفع من تحته كذا طستاً من دم(3).
ومنها: ما نقله ابن أبي الحديد عن أبي الحسن المدائني أنّه قال: كانت وفاته سنة 49 ه، وكان مريضاً أربعين يوماً، وكان سنّه سبعاً وأربعين سنة، دسَّ اليه معاوية سمّاً على يد جعدة بنت الأشعث زوجة الحسن وقال: إن قتلتيه بالسمّ فلك مائة ألف وأُزوّجك ابني يزيد. فلمّا مات وفى لها بالمال ولم يزوّجها يزيد وقال: أخشى أن تصنعي بابني ما صنعت با بن رسول الله!!(4)
ومنها: ما نُقل عن الشعبي أيضاً؛ إذ قال: إنّما دسَّ اليها معاوية، فقال: سمّي الحسن وأُزوّجك يزيد وأُعطيك مائة ألف درهم، فلمّا مات الحسن بعثت الى
معاوية تطلب إنجاز وعده، فبعث اليها بالمال وقال: إنّي أُحبّ يزيد وأرجو حياته ولولا ذلك لزوجتك إيّاه(1).
ومنها: ما ذكره المسعودي صاحب مروج الذهب؛ فقد قال في كتابه(2): وذُكِر أنَّ امرأته جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي سقته السم، وقد كان معاوية دسّ إليها: أنّك إذا احتلت في قتل الحسن وجّهت اليك بمائة ألف درهم وزوجتك من يزيد. فكان ذلك الذي بعثها على سمّه.
ومنها: ما قاله ابن عبد البر في الاستيعاب؛ إذ أسند هذا القول الى جماعة تجنّب ذكر أسمائهم وقال: وقالت طائفة كان ذلك منها - أي تسميم الحسن علیه السلام من قبل جعدة - بتدسيس معاوية وما بذل لها من ذلك(3).
ومنها: ما ذكره ابن أعثم الكوفي من قصة اغتياله علیه السلام؛ إذ ذكر ذلك بشكل أكثر تفصيلاً، فقال: أرسل - أي معاويةُ - مروان بن الحكم الى المدينة وأعطاه منديلاً مسموماً وأمره بأن يوصله الى زوجة الحسن جعدة بنت الأشعث بن قيس بما استطاع من الحيل لكي تجعل الحسن يستعمل ذلك المنديل المسموم بعد قضاء حاجته... فذهب مروان تنفيذاً لأمر معاوية واستفرغ جهده حتّى خدع زوجة الحسن ونفّذت المؤامرة، وعلى إثر ذلك انتقل الحسن الى دار السلام(4)(5)
وهناك نموذخ آخر في هذا المجال وهو ما ذكره ابن الدمشقي في جواهر المطالب 2: 209؛ فقد قال: «قال الإمام ابن الجوزي في تاريخه (المنتظم): والصحيح أنَّ الذي سمّه هي جعدة بنت الأشعث بن قيس، وكانت تحت الحسن، فدسّ اليها معاوية أن سمّي الحسن وأُزوّجك يزيد».
وهذا أيضاً كسابقه حذف من قبل أنصار الشجرة الملعونة؛ إذ أسقطوه من «المنتظم» لابن الجوزي تستّراً على مخازي معاوية وأتباعه!!.
والمثال الثالث في هذا المجال ما ذكره ابن الجوزي في تذكرته 2: 61؛ إذ قال: «وقال ابن سعد في (الطبقات): سمّه معاوية مراراً؛ لأنّه كان يقدم عليه الشام هو وأخوه الحسين».
ولا يجد من يراجع «الطبقات الكبرى» لابن سعد بمجلّداته الثمانية أي أثر لهذه الواقعة
.1) تذكرة الخواص لابن الجوزي 2: 60
2) مروج الذهب 3: 6
3) الاستيعاب 1: 389
4) كتاب الفتوح 4: 319
5) هذه النصوص التي ذكرتها مصادر أهل السُنّة من جملة النصوص التي لم تصل إليها يد العبث والتحريف، والّا فقد قاموا بحذف ما يمتّ بصلة إلى هذه الواقعة في العديد من المصادر، كتاريخ الطبري مثلاً، فقد جاء في «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» للمؤرّخ المعروف ابن أبي أصيبعة: 174 ما نصه: «وفي تاريخ الطبري أنَّ الحسن بن علي رضي الله عنهما مات مسموماً في أيام معاوية، وكان عند معاوية - كما قيل - دهاء فدس الى جعدة بنت الأشعث بن قيس - وكانت زوجة الحسن - شَرْبةً، وقال لها: إن قتلت الحسن زوّجتك بيزيد. فلمّا توفّي الحسن بعثت الى معاوية تطلب قوله، فقال لها في الجواب: أنا أضنَّ بيزيد!! الا أن الباحث المتتبّع عند مراجعته لتاريخ الطبري بطبعاته الموجودة لا يجد أي ذكر لتسميم الإمام الحسن علیه السلام من قبل معاوية.
وأمّا شيعة أمير المؤمنين علیه السلام فقد تعرّضوا بشكل عام للإقصاء والترويع بعد أن تولّى معاوية الحكم؛ إذ قام جلاوزته بشدّ الخناق عليهم، فلم يرقبوا فيهم إلّاً ولا ذمّة!
فقد قال المدائني في اشتداد البلاء في سائر الأمصار على شيعة علي علیه السلام: وكان أشدَّ الناس بلاءً حينئذٍ أهل الكوفة؛ لكثرة مَنْ بها من شيعة عليّ علیه السلام، فاستعمل عليهم زياد بن سُمَيّة، وضمّ إليه البصرة، فكان يتتبّع الشِّيعة وهو بهم عارف؛ لأنّه كان منهم أيّام عليّ علیه السلام فقتلهم تحت كلّ حَجَر وَمَدَر، وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل، وسَمَل العيون، وصَلَبهم على جُذوع النخل، وطردهم وشرّدهم عن العراق؛ فلم يبقَ بها معروف منهم.
وكتب معاويةُ إلى عُماله في جميع الآفاق: ألا يجيزوا لأحدٍ من شيعة عليّ وأهل بيته شهادة...
ثم كتب إلى عُمّاله نسخة واحدة إلى جميع البلدَان: انظروا مَنْ قامت عليه
البيّنة أنه يحبّ علياً وأهل بيته، فامحوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه، وشفَع ذلك بنسخة أُخرى: مَن اتّهمتموه بموالاة هؤلاء القوم، فنكِّلُوا به، واهدِمُوا داره. فلم يكن البلاء أشدّ ولا أكثر منه بالعراق؛ ولاسيّما بالكوفة، حتّى إنّ الرجلَ من شيعة عليّ علیه السلام لَيأتيه مَنْ يثق به، فيدخل بيتَه، فيلقي إليه سرّه، ويخاف من خادمه ومملوكه، ولا يحدّثه حتّى يأخذ عليه الأيمان الغليظة، ليكتُمَنّ عليه،...
فلم يزل الأمر كذلك حتّى مات الحسن بن علي علیه السلام، فازداد البلاء والفتنة فلم يبق أحد من هذا القبيل الّا وهو خائف على دمه أو طريد في الأرض(1).
وذكر الطبري في تاريخه أنَّ سمرة بن جندب الذي استخلفه زياد على البصرة قتل ثمانية آلاف من الناس، فقال له - زياد: هل تخاف أن تكون قد قتلت أحداً بريئاً؟ قال: لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت(2).
وقال أبو السوار العدوي: قتل سمرة من قومي غداة سبعة وأربعين رجلاً قد جمع القرآن(3).
وأمّا رؤوس الشيعة والمشهورون بالولاء للإمام علیه السلام بالخصوص فقد قام عمّال معاوية بقتلهم وتعذيبهم وتشريدهم، وكانت هذه سياسة معاوية المعلنة إتجاههم، سياسة المنتقم الحاقد الذي لا تأخذه بهم رأفة ولا ذمّة ولا عهد...
فمن هؤلاء: الصحابي الجليل حجر بن عدي الكندي وأصحابه(4)الذین قُتلوا في مرج عذراء(5)، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه أنبأ عن استشهادهم
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 44:11
2) راجع تاريخ الطبري 4: 176
3) تاريخ الطبري 4: 176
4) وهم - على حد تعبير الإمام الحسين علیه السلام - المصلُّون العابدون الذين كانوا ينكرون الظلم، ويستعظمون البدع ولا يخافون في الله لومة لائم. راجع: اختيار معرفة الرجال للطوسي 1: 253
5) وهي قرية تبعد اثنا عشر ميلاً من دمشق
قائلاً: سيُقتل بعذراء أناس يغضب الله لهم وأهل السماء(1).
ومنهم: الصحابي عمرو بن الحمق الخزاعي(2)وهو من أمر معاوية عامله على الموصل أن يطعنه تسع طعنات، فطُعن ومات بالأُولى أو الثانية(3).
ومنهم: عبد الله بن يحيى الحضرمي وأصحابه، الذين قتلهم معاوية صبراً لمّا أُخبر بما كان عليهم من الحزن على أمير المؤمنين علیه السلام وشدّة حبّهم إياه، وإفاضتهم في ذكره وفضله(4).
ومنهم: رشيد الهجري، وقد أنبأه أمير المؤمنين علیه السلام باستشهاده قبل ذلك، وشاع الخبر بين الناس.
يقول زياد بن نصر الحارثي: كنتُ عند زياد، وقد أُتيَ برشيد الهجَريّ - وكان من خَواصّ أصحاب عليّ علیه السلام له زياد: ما قال خليلُك لك إنّا فاعلون بك؟
قال: تَقْطَعُون يدي ورِجْليّ، وتصلُبونني. فقال زياد: أمَا والله لأُكَذِّبنّ حديثه؛ خلّوا سبيلَه، فلمّا أراد أن يخرُجَ قال: ردُّوه، لا نجد شيئاً أصلحَ مما قال لك
1) فقد أنكرت عائشة على معاوية صنيعته هذه واستشهدت بهذا الحديث؛ راجع: تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 12: 226، البداية والنهاية لابن كثير 6: 253 و 8: 60، الجامع الصغير للسيوطي 2: 61
2) الذي سقى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فقال النبي صلی الله علیه وآله وسلم: اللهم متّعه بشبابه، فمرّت عليه ثمانون سنة لا ترى في لحيته شعرة بيضاء، راجع أسد الغابة 4: 100، البداية والنهاية 8: 52، الإصابة 7: 133
3) راجع: الكامل في التاريخ 3: 477 وتاريخ الطبري 4: 197 ، هذا وقد خالف ابن كثير هذه الرواية فقال في كيفية استشهاده: «... تطلَّبه زياد فهرب الى الموصل، فبعث معاوية الى نائبها فوجدوه قد اختفى في غار، فنهشته حيّة، فمات فقطع رأسه فبعث به الى معاوية، فطيف به في الشام وغيرها، فكان أوّل رأس طيف به، ثم بعث معاوية برأسه الى زوجته آمنة بنت الشريد - وكانت في حبسه - فألقي في حجرها». البداية والنهاية 8: 52
4) علل الشرايع 1: 216، وبحار الأنوار 9:44
صاحبُك؛ إنّك لا تزال تبغي لنا سوءاً إن بقيت؛ اقطعوا يديه ورجليه؛ فقطَعوا يديه ورجليه، وهو يتكلّم، فقال: اصلبوه خَنْقاً في عُنُقه، فقال رشيد: قد بقي لِي عندكم شيء ما أراكم فعلتموه. فقال زياد: اقطعوا لسانَه، فلما أخرجوا لسانه ليقطع قال: نَفْسُوا عَنِّي أتكلّم كلمة واحدة. فنفّسوا عنه، فقال: هذا والله تصديق خبر أمير المؤمنين، أخبرَني بقطع لساني. فقطعوا لسانه وصلبوه(1).
ومنهم: جويرية بن مسهر العبدي، وهو الآخر أعلمه أمير المؤمنين علیه السلام بكيفية مقتله؛ إذ قال له: أما والذي نفسي بيده لتعتلُنَّ الى العتل الزنيم فليقطعنّ يدك ورجلك وليصلبنّكَ تحت جذع كافر!
قال(2): فوالله ما مضت الأيام على ذلك حتّى أخذ زياد جويرية، فقطع يده ورجله وصلبه الى جانب جذع ابن مكهبر، وكان جذعاً طويلاً، فصلبه على جذع قصير الى جانبه(3).
ومنهم: أوفى بن حصين الذي قتله زياد(4)، وغيرهم.
كما قد سّجن ورُوّع وأُقصى عدد من رؤوس الشيعة، منهم: عبد الله بن هاشم المرقال(5)، عدي بن حاتم الطائي(6)، عبد الله بن خليفة الطائي(7)وصعصعة بن صوحان(8)(9).
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 294
2) الظاهر أنَّ القائل هو حبّة العرني
3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 291
4) تاريخ الطبري 4: 175
5) راجع: تاريخ مدينة دمشق 33: 343، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 8: 30
6) راجع: تاريخ الطبري 4: 210، الكامل في التاريخ 3: 478
7) تاريخ الطبري 4: 210
8) الإصابة 3: 373، النصائح الكافية: 197
9) للمزيد راجع صلح الحسن علیه السلام: 327 - 360
ولد في المنطقة الشمالية الشرقية في «فرنسا» من أبوين مسيحيين، وكان ملتزماً بالتقاليد المسيحية، فكان يذهب الى الكنيسة ويمارس الطقوس الدينية تبعاً لوالديه.
استمرّ «علي» على هذا الحال حتّى سن المراهقة، وعندها بدأت تزدحم عليه تساؤلات في أُمور دينية عديدة؛ إذ شاهد مخالفة أقوال أصحاب الكنيسة لأفعالهم، كما حصلت له شكوك في بعض الأُمور العقائدية.
هذا من جهة، ومن جهة أُخرى دفعته أجواء المراهقة الى الدخول في متاهات لولا الإسلام لقادت به الى الانتحار أو القتل.
وقد وضّح «علي» في حوار مع مجلّة نور الإسلام المسير الذي خطاه في شبابه حتّى انتهى الى استبصاره، والعوائق التي واجهته بعد مرحلة الاستبصار.
المقدّمة:
«علي عبد الله» كما أحبّ تسمية نفسه بعد اعتناقه الإسلام. هو شاب فرنسي «غربي» آخر ينضم عن اقتناع وحماس إلى القافلة المتعاظمة من المهتدين لدين الحقّ، لبّى «علي» نداء الفطرة الإلهية الداعية إلى التوحيد الخالص
مناخات والتصديق بكتب الله تعالى ورسله بعد طول تأمّل وتفكير، وبعد تجارب وممارسات سلوكية وسياسية واجتماعية عاش خلالها المعاناة بسبب الحضارة الغربية المتفلّتة، والتي تقود إلى الضغوط النفسية المريرة في الوقت نفسه.
ينعم «علي» حالياً مع عائلته المسلمة التي كونها في لبنان، في واحة الإسلام وسماحته، منسجماً مع قناعاته، ومكافحاً في مجال تربية النشء المسلم لتحصينه بالعلم والأخلاق.. في احدى الجمعيات الخيرية؛ إذ يعمل مشرفاً على مادّة اللغة الفرنسية، التقته «نور الإسلام» فكان هذا الحديث الشيّق والمعبّر.
حياته قبل الاستبصار:
نرجو في البداية إعطاءنا لمحة عن نشأتك وعن المحيط الذي ترعرعت فیه؟
اسمي الآن هو علي عبد الله، وقد ولدت في فرنسا في المنطقة الشمالية الشرقية على الحدود مع بلجيكا، تعلّمت في مدارس المنطقة حتّى الجامعة، حيث أنهيت السنة الثانية في العلوم الطبيعية.
أُمي وأبي مسيحيان ملتزمان، ويعودان في أُصولهما إلى إيطاليا، فقد كانا يركعان حين يشاهدان البابا على التلفزيون، لي منهما أخوان وأُختان، ويرى والدي وجوب أن أنظر إليه بوصفه مَثلى الأعلى.
كنّا نذهب سوياً إلى الكنيسة، فقد كنت مسيحياً ملتزماً وأقوم حسب الطقس الكنسي مع زميل لي آخر بمساعدة خوري الكنيسة في المهمّات الدينية، وبقيت على هذه الحال حتّى الرابعة عشر من عمري، بداية سنّ المراهقة.
كانت الدنيا عندي جميلة لأنّي كنت أُصدق كلّ ما يقال لي، ولكن بدأت تزدحم عندي التساؤلات في أُمور كثيرة، منها على سبيل المثال: كيف تكون مريم هي أُمّ الله؟! وكيف يكون لله أُم ؟!
وكنت أُراقب كلام خوري الكنيسة، فكان فعله مخالفاً لأقواله، وصارت عندي ردّة فعل أتجاه الدين والكنيسة والإله والمجتمع، فنبذت كل ذلك وتمرّدت عليه، وصرت أبحث عن العدالة الحقيقية؛ لأنّي كنت أرى أنّ المجتمع غير عادل، فدخلت في تنظيم خاص بالشباب الشيوعي، وهو غير الحزب الشيوعي الفرنسي.
إلى ماذا قادك هذا التفكير وهذا المنحى الجديدان؟
بين عمر 14 وسن 19 جرّبت تقريباً كل شيء، ففي الوقت الذي كنت أنتقل من تنظيم سياسي إلى آخر، وأمارس نشاطاتي التنظيمية ومهمّاتي، كنت أُمارس سلوكي كأيّ مراهق أُوروبي بتعاطي المخدّرات وأنواع الخمور وممارسة الجنس المحرّم، وكنت أتدرّج في هذه الأمور من الأخفّ إلى الأشدّ، ولولا إسلامي لأصبحت مدمناً، ولانتهى بي الأمر إلى الانتحار أو الموت أو القتل.
وأمّا تجاربي السياسية: فقد جرّبت معظم النشاطات السياسية اليسارية، جرّبت العمل مع الشيوعيين، الذين تركتهم فيما بعد إلى التروتسكيين، وقد بدأت من الوسط فانتهيت إلى أقصى اليسار المتطرّف، حيث كنّا في كلّ فرنسا نحو ألف شخص، وكان دورنا أن نقوم بأعمال عبئية واكتشفت أنّ كلّ مَنْ أعمل معهم كانوا يستغلّونني، وأيقنت أنّ كلّ شعاراتهم هي استغلالية وليست صادقة.
واقتنعت أخيراً بفكرة الحرية، أي أن أكون حرّاً، وأعمل ما أريد كإنسان، من دون الارتباط بجهة سياسية أو تنظيمية، وركّزت جهدي على فكرة مفادها: «أنّ المجتمع الفرنسي نائم وغافل، وعليّ أن أوقظه من سباته الذي تسبّبت به السياسة غير العادلة والمخدّرات»، فكنت أسعى للتخريب ولم يكن عندي هدف عمّا سيكون بعد ذلك.
وكان شعاري في هذه المرحلة العمل الفردي Anarchis، أي: ليس هناك سلطة ولا دين ولا إله ولا أي شيء آخر، لا شي غير التخريب من أجل التخريب،
ويوجد من هذه الفئة (اليوم وسابقاً) في أوروبا كثيرون في أوساط الشباب، وهذا الطريق يؤدّي في الغالب إلى الانتحار؛ ولكن بعد فترة من الزمن تتجاوز سنّي المراهقة والشباب الأوّل، يتمّ التراجع عند هؤلاء عبر التنازل والانخراط في المجتمع كالآخرين.
كلّ هذه الأُمور (السياسية والسلوكية ) كانت تتمّ عندي مترافقة متناسقة، وقد كان التنوّع والترقّي في كلّ أمر، والانتقال فيه من مرحلة أدنى إلى مرحلة قصوى، كلّ ذلك بحثاً عن شيء ينقصني، وسعياً وراء سعادة وهمية لا أجدها، لا في نفسي ولا في سلوكي، ولا في المجتمع، ولا في كلّ ما حولى.
الخطوة الأُولى نحو الاستبصار:
ما هي الخطوة الأولى التي قادتك نحو الإسلام؟
بعد أن جرّبت كلّ شيء وصلتُ الى نقطة الهاوية وأدركت أنّ كلّ خطوة إلى الأمام هي هلاك، وكنت رغم صغر سنّي (19 سنة) وخبرتي المكثّفة في السلوك والمجتمع، أعيش ذهنية إنسان عمره سبعون سنة، وكانت تراودني فكرة الانتحار كلّ يوم.
في هذه المرحلة كنت أُطالع كتباً عن الإسلام، فقلت: لأجرب الإسلام كبقية التجارب، ولو كنت غير مقتنع في البداية، بل كنت أظن أن هذا هو القطار الأخير فلا لحق به ولتكن تجربة إلى فترة.
حينما أسلمت، عشت فترة اضطراب لمدّة أسبوع، أسأل فيها نفسي: هل صحيح أنا مسلم؟! هل أنا منافق؟! أو مازلت ملحداً؟!
وهنا أحسست بالتدخّل الإلهي ولطفه حين تساءلت: هل يمكنني وأنا المسلم ترك جميع المحرّمات التي أتعاطاها على أنواعها، في الوقت الذي لا
يستطيع مدمن التدخين أن يترك السيجارة لمدّة ثلاثة أيام؟!
ولكني وجدت عزيمة وإرادة قوية، وأحسست بالرعاية الإلهية المباشرة، فتركت جميع المحرّمات دفعة واحدة، وحصلت عندي علاقة خاصّة مع الله سبحانه وتعالى، وصرت كلما انحرفت أو قصرت أو عدلت عن القصد في حياتي، تحصل معي بعض القضايا، أشعر من خلالها، أنها تأديب من الله لأبقى في جادّة الصواب، وتكرّرت معي حوادث بالمئات كانت عامل تنبيه لي وإيقاظ، وأحسست إحساساً شديداً بالمسؤولية، بعد أن كنت لا مبالياً أعيش ليومي ولا أهتم لغدي.
ردّة فعل الأسرة والمجتمع:
كيف كانت ردّة فعل أهلك وأصدقائك ومحيطك بعد إسلامك؟
حينما أسلمت ذهبت إلى أحد المساجد لأشهر إسلامي وأتعلّم بعض الأحكام، فلمّا دخلت وعرضت على الموجودين (وكانوا عرباً) رغبتي في الدخول في الإسلام رفضوني وطردوني، ولم يقبلوا منّي، وقالوا: لا نتصوّر مسلماً غير عربي وأنت غير عربي.
تركتهم وذهبت إلى مسجد للأتراك استقبلوني باحترام ورحّبوا بي وعلّموني بدايات الإسلام، من الشهادتين إلى الصلاة والصوم وباقي العقائد والفرائض، ثمّ عرضوا عليّ مجموعة أسماء لأختار لي اسماً منها، فوقع في نفسي اسم علي واخترته على غيره من الأسماء.
وأمّا ردّة فعل الأهل: فانّهم حينما علموا بإسلامي ورأوا امتناعي عن شرب الخمر وتعاطي المخدّرات ومحرّمات اللحوم والنساء، ظنّوا أنّ المخدّرات قد ضربت دماغي، وأنّي أحتاج إلى طبيب نفسي، واعتقدوا أنّني من المستحيل أن
أستمرّ على ديني الجديد، وأنّ الإسلام ليس إلّا موضة جديدة أُماشيها لفترة ثم أتركه إلى غيره.
وبحمد فقد استمررت على عقيدتي وتغيّرت أخلاقي معهم، وصرت أتعامل معهم بحسب الأخلاق الإسلامية، من البر وحمل الهدايا، وكانوا يظنون ذلك طمعاً في شيء أريده منهم حسب العادات الغربية، ولمّا تأكّد أهلي من التزامي بالإسلام قاطعوني وامتنعوا عن مساعدتي بالمال، ولكن ذلك لم يؤثّر علَيّ، إذ كنت أعيش وحدي وأُحصّل نفقات معيشتي وأُتابع دراستي.
وأمّا عن ردة فعل الأصدقاء: فإنّهم بعدما علموا بإسلامي انفضّوا من حولي كما تهرب العصافير من أوّل صوت مخيف.
وكانت البنات يتندّرن علَيّ بعد أن أسلمت، ويهربن منّي، ويتنادين علَيّ بالضحك والسخرية، ولم أجد أيّ صديق من حولي، فكلّهم تركوني؛ لأنّ الصداقة في المجتمعات الغربية هي أن تنخرط في أجوائهم اللاهية العابثة من تعاطي الجنس والخمور والمخدّرات... الخ.
طريقة التصوّف ومشاكلها:
كيف جرت الأمور معك بعد اعتناقك الإسلام؟
بعد إسلامي، بقيت سنتين في فرنسا، وكانت علاقتي قائمة مع طلاب الجامعات المغاربة والجزائريين والمصرين. وكانوا في غالبيتهم ممن يتميّزون بمستوى الوعي السياسي والروح الثورية التي تنسجم مع نفسيتي، ولكنّي لم أكن أشعر بحالة روحانية معهم، فتركتهم ودخلت في التصوّف: الطريقة الأُولى كانت النقشبندية، والثانية المولوية، فقد كنت أشعر بروحانية عالية، وتدرّبت على الصبر والتواضع والزهد، فطريقة التصوّف كانت انقطاعاً عن المجتمع والدنيا، والمشكلة
في هذا الأسلوب هي البعد عن المسؤولية في المجتمع، مع العلم أنّ إصلاح المجتمع هو هدف الإسلام، ولا يكون ذلك بالبعد عنه.
سؤال... منطلق للهداية:
لماذا تحوّل المسلمون بعد عصر الرسول صلی الله علیه وآله وسلم و الصحابة والخلفاء الراشدين إلى نظام ملكي؟
أسئلتي عن هذا الموضوع لم تحصل على إجابة من أساتذتي أو من التقيت بهم ممّن يسمّون بالعلماء.. كما لم أقتنع بالأجوبة التي أُعطيت لي.
وبقي الأمر كذلك إلى أن التقيت بأحد الإخوة اللبنانيين من جنوب لبنان، وطرحت عليه أسئلتي، فأجابني بأسلوب هادئ ومنطقي، ثم أعطاني فيما بعد كتباً مترجمة للشهيدين محمّد باقر الصدر ومرتضى مطهري، فوجدت أُسلوباً مختلفاً في الفكر والمنهج، وطرح القضايا ومعالجتها، وكنت كلّما وردت على ذهني أسئلة جديدة رجعت فيها إلى ذلك الأخ، فكان يعجبني حديثه ومنطقه وأُسلوبه العلمي في إقناعي والردّ على أسئلتي، وأخيراً عرّفني بمكتبة أهل البيت في باريس وكنت أزورها وأتردّد إليها بين فترة وأُخرى.
وفي يوم ما التقيت أحد الإخوة المسؤولين في المكتبة، وعرضت عليه إمكانية الذهاب إلى قم والدراسة الحوزوية فيها، فعرض علَيّ المجيء إلى لبنان والاهتمام بتعليم الأيتام الذين شرّدتهم الحرب، ثم الاستفادة من الجو العام لتعلّم اللغة العربية، كما يمكن الانتساب إلى إحدى الحوزات العلمية الدينية. وراودتني فكرة المشاركة في المقاومة، كما حبّذت فكرة الزواج من فتاة لبنانية مسلمة، وقد تمّ لي ذلك، وأنا الآن متزوج من امرأة من بلدة عيناتا الجنوبية، ولي منها ثلاثة أولاد، كما أنّي ما زلت أعمل في خدمة الأيتام في إحدى الجمعيات الخيرية، والذي يجعلنى أفكّر بعدم الرجوع إلى فرنسا في الوقت الحاضر هو رغبتي في
المحافظة على دين أولادي في بيئة مسلمة تتكلّم اللغة العربية.
نظرة إلى الإسلام والمسلمين:
ما هو شعورك الآن بعد الإسلام والاستقرار؟
على الصعيد الشخصي، أنا أحسّ بالاطمئنان، وقد اخترت طريقي إلى آخر حياتي بمحض إرادتي ووعيي، وسعيي دائماً هو كيف أربح نفسي وأربح آخرتي من خلال قيامي بمسؤوليتي إتجاه نفسي وعائلتي، وعملي ومجتمعي.
وطبيعي أنّ تحمّل المسؤولية حينما تصير مسلماً يضع أمامك صعوبات لم تكن في المجتمع الغربي، الذي لا مسؤولية فيه للإنسان، فهو يعيش ليومه، وليس لديه همّ يحمله عن الآخرين، ولا تعنيه إلّا نفسه ومصلحته.
ما هي انطباعاتك عن المسلمين بعد أن صرت مسلماً؟
حينما أسلمت كان عندي انطباع أنّ جميع المسلمين أُمّة واحدة، وإخوة يفكّرون ويشعرون بعقل وقلب واحد، ولكن حينما عشت بين المسلمين، وجدت أنّ الأُمّة الإسلامية هي أمر نظري، وقد مزّقتها القوميات والكيانات السياسية المتعدّدة، كما عشت الواقعية، وبدأت ألمس الفرق بين أن يكون الإنسان مسلماً بالهوية أو أن يكون مؤمناً ملتزماً بدينه، وهذا موجود بكلّ أسف لدى أفراد معدودين، بل إنّ بعض المنتسبين إلى الإسلام إذا أردت أن تتعامل معهم بالإسلام والالتزام قد ينسبونك إلى البلاهة.
هل هناك إمكانية للتبليغ في مجتمعك الأوّل؟
يمكن الانطلاق للتبليغ في أي مجتمع كان، من كلام منسوب إلى الإمام جعفر الصادق علیه السلام وهو: «كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم»(1)، وفي اعتقادي أنّ الكلام والاجتماعات والكتب، وإن كان كلّ ذلك ضرورياً لأجل المعرفة، إلّا أنّ
1) الكافي 2: 78
الأهمّ من ذلك كلّه هو التصديق بالتعاليم الإلهية، والالتزام بالأخلاق الإسلامية، والتعامل مع الآخرين بأدب واحترام.
وأضرب مثلاً على ذلك: ما جرى معى شخصياً، فقد كنت أعمل في فترة الصيف في فرنسا في مختبر طبّي، ولم يكن أحد يعرفني بأنّني مسلم، وآخر يوم تركت فيه العمل جاءتني فتاة فرنسية كانت تعمل في المختبر نفسه، ويبدو أنّها كانت تراقبني، وسألتني؛ لماذا أرى تصرفاتك مختلفة عن بقية الموظفين؟ وجاوبتها فقط: إنّني مسلم.
بعد فترة أشهر، وحين وجودي، وحين وجودي في لبنان، علمت أنّ هذه الفتاة قد صارت مسلمة بالفعل..
كلمة أخيرة:
هل من كلمة أخيرة؟
... أتوجّه إلى إخواني من المسلمين والمسلمات وأقول لنفسي ولهم: لا تصرفوا الكثير من الوقت والكثير من الكلام في نقد الآخرين، فكّروا دائماً في إصلاح أنفسكم، وتصوّروا دائماً أنّكم أمام الله يوم القيامة، وسيسألكم، فماذا تعدّون من جواب عما سيسألكم عنه؟!
اهتمّوا بعائلاتكم وأولادكم وحسن تربيتهم. والحمد لله ربّ العالمين(1).
1) نور الإسلام، العدد 69 - 70، السنة السادسة
من مواليد فرنسا، نشأت في أُسرة تعتنق الديانة المسيحية، تعلّق قلبها بمحبّة الله فأحبّت أن تصل إلى العقيدة الصحيحة التي توصلها إلى قربه تعالى، فبدأت رحلتها الشاقّة في البحث، وكان محفّزها في هذه الرحلة المضنية هو أن تصل إلى معتقد يهديها إلى الصراط المستقيم، ويوصلها إلى سبيل الرشد والصواب.
الرحمة والإنسانية:
ومن الطرق التي توجب التقرّب إلى الله سبحانه وتعالى، والذي يتّضح من خلاله مدى عناية الله سبحانه وتعالى وتوجّهه إلى العباد هي: «الرحمة والإنسانية» التي أمر الله بها، والتي تمثّلت بأجلى صورها في حياة من اجتباهم الله واختارهم ليكونوا قدوة للعباد، هذا وقد تجلّت هذه السجية فيما نقل إلينا من سيرة الإمام أمير المؤمنين علیه السلام في مجمو. مجموعة من المواقف:
الموقف الأوّل: موقفه مع أهل البصرة بعد واقعة الجمل:
وهو ما أشار إليه علیه السلام في الرسالة التي أرسلها إلى أهل البصرة يذكّرهم فيها بما كان منهم في واقعة الجمل، وكيف نكثوا العهد وخالفوا الأمر، ويذكّرهم بما كان
منه، ويهدّدهم إن عادوا لمثلها، وهو ما أشار إليه علیه السلام بقوله: (وَقَدْ كَانَ مِنِ انْتِشَارِ حَبْلِكُمْ(1)وَشِقَاقِكُمْ(2)مَا لَوْ تَغْبَوْا(3)عَنْهُ، فَعَفَوْتُ عَنْ مُجْرِمِكُمْ(4)وَرَفَعْتُ السَّيْفَ عَنْ مُدبِرِكُمْ(5)وَقَبِلْتُ مِنْ مُقْبِلِكُمْ)(6).
قوله: (وَقَدْ كَانَ مِنِ انْتِشَارِ حَبْلِكُمْ وَشِقَاقِكُمْ) استعار لفظ الحبل لبيعتهم إيّاه، ووجه الاستعارة كون البيعة سبباً جامعاً لها، وناظماً لأُمورهم، ومتمسَّكاً يوصل إلى رضا الله ، كالحبل الناظم لما يربط به. وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنَكَاثًا)(7).
والخطاب لأهل البصرة، وكانوا قد أعطوا الإمام طاعتهم وولاءهم، فولّى عليهم عثمان بن حنيف، وما إن دخلت عائشة البصرة بجملها مع طلحة والزبير حتّى نكث أكثر أهلها بيعة الإمام، وأعلنوا عليه الحرب.
ونبّه بقوله: (مَا لَمْ تَغْبَوْا عَنْهُ) على علمهم بما فعلوه و تعهّدهم لفعله؛ ليؤكد عليهم الحجّة. إذ لم يكن ذلك منهم عن غباء أو عن غفلة بل كان عن نيّة وإدراك وعلم، قاموا بتنفيذه عن سابق معرفة وإصرار.
ثمّ لمّا قرّر ذنوبهم أردفها بذكر أُمور قابلها بها كرماً، وهي ما عبّر عنها بقوله: (فَعَفَوْتُ عَنْ مُجْرِمِكُمْ)، وعمّن يستحقّ القتل منكم.
وقوله: (وَرَفَعْتُ السَّيْفَ عَنْ مُدْبِرِكُمْ وَقَبِلْتُ مِنْ مُقْبِلِكُمْ) قد تظافرت الأخبار أنّه
1) النشر: القوم المتفرقون الذين لا يجمعهم رئيس. لسان العرب 5: 208
2) الشقاق: الخلاف. والخارجي يشقّ عصا المسلمين ويشاقّهم خلافاً كتاب العين 5: 7
3) تغاب عن كلّ ما لا يصحّ لك: أي: تغافل وتباله. لسان العرب 15: 115
4) المجرم المذنب، والجارم: الجاني. كتاب العين 6: 119
5) دبر كلّ شيء: خلاف قبله. كتاب العين 8: 31
6) نهج البلاغة 3: 36، الكتاب: 29
7) سورة النحل (16): 92
لمّا انهزم الناس يوم الجمل أمر أمير المؤمنين منادياً ينادي: (ألا لا يُذاف على جريح، ولا يُقتل مولٍّ، ومن ألقى السلاح فهو آمن)(1).
وقال عمّار لعليّ يوم الجمل ما ترى في سبي الذرّية؟ قال: فقال: (إنّما قاتلنا من قاتلَنا)(2).
وقال له بعض القرّاء من أصحابه: أقسم من ذراريهم لنا وأموالهم، وإلّا فما الذي أحلّ دماءهم ولم يحلّ أموالهم؟ فقال علیه السلام: (هذه الذريّة لا سبيل عليها، وهم في دار هجرة، وإنمّا قتلنا من حاربنا وبغى علينا، وأمّا أموالهم فهي ميراث لمستحقّيها من أرحامهم). فقال عمّار رحمه الله: لا نتبع مدبرهم ولا نجهز على جريحهم؟ فقال علیه السلام: (لا؛ لأنّي آمنتهم)(3).
وقسّم علي علیه السلام ما وجده في العسكر من طِيب بين نساء رجال عسكره، وقال علیه السلام: (مروا نساء هؤلاء المقتولين من أهل البصرة أن يعتدّن منهم، ولنقسم أموالهم في أهليهم؛ فهي ميراث لهم على فريضة من الله).
وكان إذا أُتيَ بأسيرٍ منهم فإن كان قاتل قَتلَه، وإن لم تقم عليه بيّتة بالقتل أطلقه.
ولما قسّم ما حواه العسكر أمر بفرس فيه كادت أن تُباع، فقام إليه رجل قال: يا أمير المؤمنين! هذه الفرس كانت لي، وإنّما أعرتها لفلان ولم أعلم أنّه يخرج عليها. فسأله البيّنة على ذلك فأقام البيّنة أنّها عارية، فردّها وقسّم ما سوى ذلك(4).
الموقف الثاني: موقف الإمام أمير المؤمنين علیه السلام مع جيش معاوية عند سيطرته على المشرعة بعد منع معاوية للماء عن جيش الإمام علیه السلام:
وهو ما أشار إليه علیه السلام في خطبة له لمّا غلب أصحاب معاوية أصحابه علیه السلام علی شريعة الفرات بصِفّين ومنعوهم الماء: (قَدِ اسْتَطْعَمُوكُمُ الْقِتَالَ، فَأَقِرُّوا(1)عَلَى مَذَلَّةٍ(2)، وَتَأْخِيرِ مَحَلَّةٍ(3)، أَوْ رَوُّوا(4)السُّيُوفَ مِنَ الدِّمَاءِ تَرْوَوْا مِنَ الْمَاءِ، فَالْمَوْتُ فِي حَيَاتِكُمْ مقْهُورِينَ(5)، وَالْحَيَاةُ فِي مَوْتِكُمْ قَاهِرِينَ(6)، أَلَا وَإِنَّ مُعَاوِيَةَ قَادَ لُمَةً(7)مِنَ الْغُوَاةِ(8)وَعَمَّسَ(9)عَلَيْهِمُ الْخَبَرَ، حَتَّى جَعَلُوا نُحُورَهُمْ أَغْرَاضَ(10)المَنيَّة(11))(12).
وهو ما روي من أنّ معاوية أقبل بالخيل نحو صِفّين، وعلى مقدّمته: سفيان ابن عمرو، وعلى ساقته: بسر بن أبي أرطأة العامري، فأقبل سفيان بن عمرو، ومعه أبو الأعور، حتّى وافيا صفّين، وهى قرية خراب من بناء الروم، منها إلى الفرات غلوة، وعلى شطّ الفرات ممّا يليها غيضة ملتفة، فيها نزور طولها نحو من فرسخين، وليس في ذينك الفرسخين طريق إلى الفرات إلا طريق واحد مفروش بالحجارة، وسائر ذلك خلاف وغرب ملتفّ لا يُسلك، وجميع الغيضة نزور ووحل إلا ذلك
1) الإقرار: الاعتراف بالشيء. كتاب العين 5: 22
2) تذلل له، أي: خضع. الصحاح 4: 1702
3) المحلة: منزل القوم. كتاب العين 3: 26
4) رويت على أهلي: ولأهلي إذا أتيتهم بالماء. الصحاح 6: 2364
5) المقهور: الذليل المردود. تاج العروس 5: 484
6) القاهر: القادر على المستعصب من الأمور. الفروق اللغوية، لأبي هلال العسكري: 389
7) اللمة مخفّفة: الجماعة من الرجال والنساء أيضاً. كتاب العين 8: 323
8) الغي الضلال، والخيبة أيضاً. الصحاح 6: 2450
9) اعمس الأمر، أي: أخْفِهِ ولا نبيّنه حتّى يشتبه. كتاب العين 1: 347
10) الغرض : الهدف. كتاب العين 4: 364
11) المنيّة: الموت؛ لأنّها مقدرة، والجمع المنايا. الصحاح 6: 2497
12) نهج البلاغة 1: 100، الخطبة: 51
الطريق الذي يأخذ من القرية إلى الفرات. فأقبل سفيان بن عمرو وأبو الأعور حتّى سبقا إلى موضع القرية، فنزلا هناك مع ذلك الطريق.
ووافاهما معاوية بجميع الفيلق، حتّى نزل معهما، وعسكر مع القرية، وأمر معاوية أبا الأعور أن يقف في عشرة آلاف من أهل الشام على طريق الشريعة، فيمنع من أراد السلوك إلى الماء من أهل العراق.
وأقبل عليّ علیه السلام حتّى وافى المكان، فصادف أهل الشام قد احتووا على القرية والطريق، فأمر الناس، فنزلوا بالقرب من عسكر معاوية، وانطلق السقاؤون والغلمان إلى طريق الماء، فحال أبو الأعور بينهم وبينه. وأخبر علي علیه السلام بذلك، فقال لصعصعة بن صوحان: (إيت علیه السلام معاوية، فقل له: إنّا سرنا إليكم لنعذر قبل القتال، فإن قبلتم كانت العافية أحبّ إلينا، وأراك قد حلت بيننا وبين الماء، فإن كان أعجب إليك أن ندع ما جئنا له، ونذر الناس يقتتلون على الماء حتّى يكون الغالب هو الشارب فعلنا).
فقال الوليد: امنعهم الماء كما منعوه أمير المؤمنين عثمان، اقتلهم عطشاً، قتلهم الله.
فقال معاوية لعمرو بن العاص: ما ترى؟
قال: أرى أن تخلي عن الماء، فإنّ القوم لن يعطشوا وأنت ريّان.
فقال عبد الله بن أبي سرح، وكان أخا عثمان لأمّه: امنعهم الماء إلى الليل، لعلّهم أن ينصرفوا إلى طرف الغيضة، فيكون انصرافهم هزيمة.
فقال صعصعة لمعاوية: ما الذي ترى؟
قال معاوية: ارجع، فسيأتيكم رأيي.
فانصرف صعصعة إلى علي، فأخبره بذلك. وظلّ أهل العراق يومهم ذلك وليلتهم بلا ماء إلا من كان ينصرف من الغلمان إلى طرف الغيضة، فيمشي مقدار
فرسخين، فيستقي، فعمّ عليّاً علیه السلام أمر الناس غمّاً شديداً، وضاق بما أصابهم من العطش ذرعاً، فأتاه الأشعث بن قيس فقال: يا أمير المؤمنين! أيمنعنا القوم الماء وأنت فينا ومعنا سيوفنا؟ ولّني الزحف إليه، فوالله لا أرجع أو أموت، ومر الأشتر فلينضم إليّ في خيله.
فقال له علي: (إيت في ذلك ما رأيت).
فلمّا أصبح زحف أبا الأعور، فاقتتلوا، وصدّقهم الأشتر والأشعث حتّى نفيا أبا الأعور وأصحابه عن الشريعة، وصارت في أيديهما، فقال عمرو بن العاص لمعاوية: ما ظنّك بالقوم اليوم إن منعوك الماء كما منعتهم أمس؟
فقال معاوية: دع ما مضى، ما ظنّك بعلي؟
قال: ظنّي أنّه لا يستحلّ منك ما استحللت منه؛ لأنّه أتاك في غير أمر الماء.
ثم توادع الناس، وكفّ بعضهم عن بعض، وأمر عليّ ألا يمنع أهل الشام من الماء، فكانوا يسقون جميعا، ويختلط بعضهم ببعض ، ويدخل بعضهم في معسكر بعض، فلا يعرض أحد من الفريقين لصاحبه إلا بخير، ورجوا أن يقع الصلح(1).
ثمّ إنّ معاوية كما تصرّف الماء في أوّل وروده، ومنع أصحابه علیه السلام الماء، كذلك تصرّفها بحيلة بعد ذلك، وهو ما روي من أنّ معاوية كتب في سهم: «من عبد الله الناصح، فإنّي أخبركم أنّ معاوية يريد أن يفجّر عليكم الفرات فيغرقكم. فخذوا حذركم».
ثم رمى معاوية بالسهم في عسكر علي علیه السلام، فوقع السهم في يدي رجل من أهل الكوفة، فقرأه ثم أقرأه صاحبه، فلمّا قرأه وأقرأه الناس - أقرأه من أقبل وأدبر - قالوا: هذا آخر ناصح كتب إليكم يخبركم بما أراد معاوية.
فلم يزل السهم يُقرأ ويرتفع حتّى رفع إلى أمير المؤمنين، وقد بعث معاوية
1) الأخبار الطوال: 167 - 169
مائتي رجل من الفعلة إلى عاقول من النهر، بأيديهم المرور والزبل يحفرون فيها بحيال عسكر عليّ بن أبي طالب، فقال عليّ علیه السلام: ويحكم! إنّ الذي يعالج معاوية لا يستقيم له ولا يقوم عليه، وإنّما يريد أن يزيلكم عن مكانكم، فألهوا عن ذلك ودعوه.
فقالوا له: لاندعهم والله يحفرون الساعة.
فقال علي: يا أهل العراق! لا تكونوا ضعفي، ويحكم لا تغلبوني على رأيي.
فقالوا: والله لنر تحلنّ، فإن شئت فارتحل، وإن شئت فأقم.
فارتحلوا وصعدوا بعسكرهم مليّاً، وارتحل عليّ في أُخريات الناس، وهو یقول:
ولو أنّي أطعت عصبت قومي *** إلى ركن اليمامة أو شمام
ولكني إذا أبرمت أمراً *** مُنيت بخلف آراء الطغام
وارتحل معاوية حتّى نزل على معسكر عليّ الذي كان فيه، فدعا علي الأشتر، فقال: ألم تغلبني على رأيي أنت والأشعث؟ فدونكما.
فقال الأشعث: أنا أكفيك يا أمير المؤمنين، سأداوي ما أفسدت اليوم من ذلك. فجمع بني كندة، وقال: يا معشر كندة! لا تفضحوني اليوم ولا تخزوني، إنّما أقارع بكم أهل الشام.
فخرجوا معه رجّالة يمشون وبيد الأشعث رمح له يلقيه على الأرض، ويقول: امشوا قيس رمحي هذا. فيمشون، فلم يزل يقيس لهم الأرض برمحه ذلك ويمشون معه رجّالة قد كسروا جفون سيوفهم حتّى لقوا معاوية وسط بني سليم واقفاً على الماء، وقد جاءه أداني عسكره، فاقتتلوا قتالاً شديداً على الماء ساعة، وانتهى أوائل أهل العراق فنزلوا، وأقبل الأشتر في خيل من أهل العراق، فحمل على معاوية حملةً، والأشعث يحارب في ناحية أخرى، فانحاز معاوية في بني
سليم فردّوا وجوه إبله قدر ثلاثة فراسخ. ثم نزل ووضع أهل الشام أثقالهم، والأشعث يهدر ويقول: أرضيتك يا أمير المؤمنين! ثم تمثل بقول طرفة بن العبد:
ففداء لبني سعد على *** ما أصاب الناس من خير وشرّ
ما أقلت قدماي، إنّهم *** نعم الساعون في الحي الشطر
ولقد كنت عليكم عاتباً *** فعقبتم بذنوب غير مر
كنت فيكم كالمغطّى رأسه *** فانجلى اليوم قناعي وخمر
سادراً أحسب غيي رُشداً *** فتناهيت وقد صابت بقر
وقال الأشعث: يا أمير المؤمنين! قد غلب الله لك على الماء. قال علي: أنت كما قال الشاعر:
تلاقين قيساً وأتباعه *** فيشعل للحرب ناراً فنارا
أخو الحرب إن لقحت بازلاً *** سما للعُلى وأجل الخطارا
فلمّا غلب عليّ على الماء فطرد عنه أهل الشام بعث إلى معاوية: «إنّا لا نكافيك بصنعك، هم إلى الماء فنحن وأنتم فيه سواء». فأخذ كلّ واحد منهما بالشريعة ممّا يليه(1).
الموقف الثالث: تعامل الإمام أمير المؤمنين علیه السلام مع أفراد الجيش المهزوم:
وهو ما أشار إليه علیه السلام في وصيّة له لعسكره قبل لقاء العدو بصِفّين: (فَإِذَا كَانَتِ الْهَزِيمَةُ(2)بِإِذْنِ اللهِ فَلا تَقْتُلُوا مُدْبِراً، وَلا تُصِيبُوا مُعْوِراً(3)، وَلَا تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا
تَهِيجُوا(1)النِّساءَ بِأَذى، وَإِنْ شَتَمْنَ(2)أَعْرَاضَكُمْ(3)، وَسَبَيْنَ أُمَرَاءَكُمْ ۚ فَإِنَّهُنَّ ضَعِيفَاتُ اَلْقُوَى وَالْأَنْفُسِ وَالْعُقُولِ إِنْ كُنَّا لَنُؤْمَرُ بِالْكَفِّ عَنْهُنَّ وَإِنَّهُنَّ لَمُشْرِكَاتٌ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَتَنَاوَلُ الْمَرْأَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِالْفِهْرِ(4)أَوِ الْهِرَاوَةِ(5)فَيُعَيَّرُ(6)بِهَا وَعَقِبُهُ(7)مِنْ بَعْدِهِ)(8).
قوله: (فَإِذَا كَانَتِ الْهَزِيمَةُ) منكم للعدو بإذن الله (فَلا تَقْتُلُوا مُدْبِراً): من ولّى عن الحرب، (وَلا تُصِيبُوا مُعوراً)، وهو الذي أمكنتهم الفرصة في قتله بعد انكسار العدوّ، كالمعور من الصيد. وقيل: أراد بالمعور المريب، وهو الذي وقع فيه الشكّ أنّه محارب أم لا، أي: لا تقتلوا إلاّ من علمتم أنّه محارب لكم.
قوله: (وَلَا تُجْهَرُوا عَلَى جَرِيحٍ)، أي: لا تشتدّوا عليه فتتمّوا قتله.
وينافيه ما روي عن عبد الله بن شريك، عن أبيه، قال: لمّا هزم الناس يوم الجمل قال أمير المؤمنين علیه السلام: لا تتبعوا مولّياً، ولا تجيزوا [لا تجهزوا](9)على جريح، ومن أغلق بابه فهو آمن. فلمّا كان يوم صِفّين قتل المقبل والمدبر وأجاز على جريح، فقال أبان بن تغلب لعبد الله بن شريك: هذه سيرتان مختلفتان. فقال:
1) هاج الفحل هياجاً، واهتاج اهتياجاً: إذا ثار وهدر. وهاج الدم، وهاج الشر بين القوم، وكل شيء يثور للمشقّة والضرر. كتاب العين 4: 67
2) الشتم السبّ، والاسم: الشتيمة. الصحاح 5: 1958
3) عرض الرجل: حسبه. ويقال: لا تعرض عرض فلان، أي: لا تذكره بسوء. كتاب العين 274:1
4) الفهر: الحجر قدر ما يكسر به جوز، أو يدقّ به شيء، وعامة العرب تؤنّثه، وتصغيره: فهيرة. كتاب العين 45:4
5) الهراوة: العصا الضخمة، والجمع: الهراوى، بفتح الواو مثال: المطايا، كما قلناه الإداوة. الصحاح 6: 2535
6) التعاير: التسابّ، والتعايب دون التعاير؛ إذا عاب بعضهم بعضاً. لسان العرب: 4: 623
7) عقب الرجل: ولده وولد ولده الباقون من بعده. وقولهم: لا عقب له، أي: لم يبق له ولد ذكر. كتاب العين 1: 178
8) نهج البلاغة 3: 14، الوصية: 14
9) كما في منتهى المطلب 2: 987
إنّ أهل الجمل قتل طلحة والزبير، وإنّ معاوية كان قائماً بعينه وكان قائدهم(1).
ويمكن الجمع بأنّه علیه السلام علّق النهي في الخبر في صِفّين أيضاً بحصول الهزيمة ولم تحصل وإن كانوا أشرفوا على الانهزام، فإن كان حصل بقتل معاوية أو فراره ين كان الحكم في صِفّين كالجمل بعدم قتل المدبر وترك الإجهاز على الجريح.
وقد روي عن الشعبي أنّه قال: أسّر عليّ أسرى يوم صِفّين، فخلّى سبيلهم، فأتوا معاوية، وقد كان عمرو بن العاص يقول لأسرى أسرّهم معاوية: اقتلهم. فما شعروا إلا بأسراهم قد خلّى سبيلهم عليّ، فقال معاوية: يا عمرو! لو أطعناك في هؤلاء الأسرى لوقعنا في قبيح من الأمر. ألا تراه قد خلّى سبيل أسرانا.
فأمر بتخلية من في يديه من أسرى علي وكان عليّ إذا أخذ أسيراً من أهل الشام خلّى سبيله، إلا أن يكون قد قتل أحداً من أصحابه، فيقتله به، فإذا خلّى سبيله فإن عاد الثانية قتله ولم يخل سبيله. وكان عليّ لا يجهز على الجرحى ولا على من أدبر بصِفّين؛ لمكان معاوية(2).
والظاهر كونه تصحيفاً والأصل: يجيز على الجرحى وعلى من أدبر لِما مر..
ولِما رواه حفص بن غياث، قال: سألت أبا عبد الله علیه السلام عن الطائفتين من المؤمنين، إحداهما باغية والأُخرى عادلة، فهزمت العادلة الباغية؟
فقال: ليس لأهل العدل أن يتبعوا مُدبراً، ولا يقتلوا أسيراً، ولا يجهزوا على جريح، وهذا إذا لم يبقَ من أهل البغي أحد، ولم يكن لهم فئة يرجعون إليها؛ فإذا كان لهم فئة يرجعون إليها فإنّ أسيرهم يُقتل، ومُدبرهم يُتبع، وجريحهم يُجهز(3).
قوله علیه السلام: (وَلا تَهِيجُوا النِّساءَ بِأَذىً)، أي: لا تثير وا شعورهنّ بأذىً يحصل
منكم، حتّى وإن نلن من أعراضكم بأن عابوكم بها، وسببن أُمراءكم؛ لأنهنّ ضعيفات القوى، أي: قدرة المرأة ضعيفة لا تستطيع مواجهة الرجل، فلذا تنتقم منه بسلاحها الذي بين يديها، وهو لسانها.
قوله علیه السلام: (وَإِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ وَسَبَيْنَ أُمَرَاءَكُمْ): روي أنّه علیه السلام لمّا ورد دار عبد خلف التي نزلتها عائشة قالت صفية امرأة عبد الله بن خلف - وكان زوجها قتل مع عائشة - له علیه السلام: يا قاتل الأحبّة! يا مفرّق الجمع؛ أيتم الله بنيك منك، كما أيتمت ولد عبد الله.
فقال علیه السلام: (أمّا لهممت أن أفتح هذا الباب وأشار إلى باب من الدار - وأقتل من فيه، ثم أفتح هذا - وأشار إلى باب آخر - فأقتل من فيه)، وكان أُناس من الجرحى قد لجؤوا إلى عائشة، فأخبر عليّ علیه السلام بمكانهم عندها. فسكتت صفية.
فخرج عليّ فقال رجل من الأزد: والله لا تفلتنا هذه المرأة. فغضب وقال: (صه! لا تهتكنّ سِتراً، ولا تدخلنّ داراً، ولا تهيّجنّ امرأة بأذى، وإن شتمن أعراضكم، وسفّهن أمراءكم وصلحاءكم؛ فانّهنّ ضعاف، ولقد كنّا نؤمر بالكفّ عنهنّ وإنّهن لمشركات، وإنّ الرجل ليكافي المرأة ويتناولها بالضرب فيعيّر بها عقبه من بعده)(1).
وروي عن رباح بن ربيع أخي بني حنظلة الكاتب أنه قال: رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة غزاها وعلى مقدّمته خالد بن الوليد، فمرّ رباح وأصحاب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم على امرأة مقتولة ممّا أصابت المقدمة، فوقفوا ينظرون إليها ويتعجّبون من خلقها، حتّى لحقهم رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم على راحلته، فانفرجوا عنها، فوقف عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «ما كانت هذه لتقاتل!»، فقال لأحدهم: «الحق خالداً فقل له: لا يقتلنّ ذرّية ولا عسيفاً»(2). وكذلك رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة من
حديث المرقع بن صیفی به نحوه(1).
وعن حفص بن غياث قال: سألت أبا عبد الله علیه السلام عن النساء كيف سقطت الجزية عنهنّ ورفعت عنهنّ؟
فقال: (لأنّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم نهى عن قتال النساء والولدان في دار الحرب إلّا أن يقاتلوا، فإن قاتلت أيضاً فأمسك عنها ما أمكنك ولم تخف خللاً، فلمّا نهى عن قتلهنّ في دار الحرب كان في دار الإسلام أولى، ولو امتنعت أن تؤدّي الجزية لم يمكن قتلها، فلمّا لم يمكن قتلها رفعت الجزية عنها، ولو امتنع الرجال أن يؤدّوا الجزية كانوا ناقضين للعهد وحلّت دماؤهم وقتلهم؛ لأن قتل الرجال مباح في دار الشرك، وكذلك المقعد من أهل الذمّة والأعمى والشيخ الفاني والمرأة والولدان في أرض الحرب، فمن أجل ذلك رفعت عنهم الجزية)(2).
فانظر إلى الشارع كيف أدّب الرجال في رعاية حقوق النساء وعدم التعرّض لهنّ ولو كنّ مشركات، ولعمري ما فرّطت الشريعة المحمّديّة في بيان حق اجتماعي أو نوعي، غاية الأمر أنّ الناس لتوغّلهم في الشهوات النفسانيّة ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون، حتّى عموا وصمّوا وأعرضوا عن الصراط السويّ واتّبعوا الشيطان المردي ،المغوي، واقتفوا آثار الّذين سلكوا طريقة عمياء، وتعوّدوا قبول كلّ ما سمعوا من أفواه أشباه الرجال وعبيد الدّنيا من غير بصيرة وفكرة ودليل.. ونعم ما قاله الشيخ الرئيس ابن سينا: من تعوّد أن يصدّق من غير دليل فقد انسلخ عن الفطرة الإنسانية(3).
ثم إنّ الإمام علیه السلام أراد أن يثير حفائظ جنده ليقوموا بهذا الأمر، ويمتثلوا ما
قاله لهم من عدم إثارة النساء، وذلك من خلال ذكره لحالتين بقوله علیه السلام: (وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَتَنَاوَلُ الْمَرْأَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِالْفِهْرِ أَوِ الْهِرَاوَةِ فَيُعَيَّرُ بِهَا وَعَقِبُهُ مِنْ بَعْدِهِ):
الأُولى: تذكيرهم بأنّ المرأة في الجاهلية كان لا يتعرّض لها أحد وإن سبت وشتمت ونالت من المقاتلين، فإذا كانت في الجاهلية تعامل بهذا الأُسلوب فلا يجوز أن تعامل وظاهرها الإسلام بالإثارة والإزعاج.
الثانية: تذكيرهم بأمر فيه العار الذي يلاحق الرجل المتعرّض للمرأة بحيث لو تناول أحدهم امرأة بحجر أو عصا يعيّر هو بذلك في حياته ويعيّر به خلفه وذرّيته من بعده.
وقد ذكر ذلك لكي ينفّر عن أذاهنّ في معرض النهي عنه، وتناولها بالفهر والهراوة كناية عن ضربها بهما، و(إنْ) في قوله: (وَإِنْ كَانَ) هي المخفّفة من الثقيلة وتلزم اللام خبرها فرقاً بينها وبين (إن) النافية.
وهذه نظرة علوية عميقة وإحساس بشعور الآخرين حتّى مع إساءتهم واعتدائهم شعوراً معهم بالمصاب الذي أحاط بهم، وانسجاماً مع شخصيتهم الضعيفة.
استمرار البحث يسير ب- «ماري» الى الاستيقاظ:
استمرت «ماري» في البحث والتحقيق حتّى تعرّفت على الدين الإسلامي، فانكبّت على دراسته حتّى استيقظ عقلها ووجدانها وأشرق قلبها بنور الإيمان وانشرح صدرها، واعتنقت الاسلام والمذهب الشيعي الاثنى عشري(1).
1) راجع: معرفة تحليلية عن الإسلام وبعض الأديان والمذاهب: 660
ولد في فرنسا ونشأ في عائلة تعتنق الدين المسيحي فاتّبع هذه الديانة تبعاً لأُسرته.
واصل «مونریکو» دراسته الأكاديميّة حتّى حصل على شهادة مساعد مهندس في الأُمور الميكانيكيّة والإلكترونيّة.
يرى «مونريكو» أنّ سبب استبصاره كان وفود عدّة مبلّغين من الشيعة إلى فرنسا، فتأثّر بأُسلوبهم في الإجابة على كلّ أسئلته برحابة صدر، سواء كانت هذه الأسئلة عقائديّة أو فكريّة، فقدّموا له الأجوبة المقنعة في هذا المجال، وكان هذا ما دفعه للتمييز بين هؤلاء وبين رجال الكنيسة الذين كانوا يدعونه للتعبّد المطلق لتعاليمهم، فكانوا يقفون بوجهه بقوّة ويردعوه عن الاستفسار في الأُمور الدينيّة.
ويتّضح ذلك من تاريخ الكنائس؛ إذ أنّ أصحاب الكنيسة في العصور السابقة كانوا سبباً في اضطهاد رجال العلم والفكر، فقتلوا بعضهم، وأحرقوا آخرين، وقد نشأ عنهم - لذلك - انطباع سيّئ في أذهان المثّقفين، فتصوّروا أنّ الدين لا ينسجم مع العلم والعقل والتطوّر العلمي.
وهذا الجمود الفكري سبّب فشلهم وانزواءهم، وغلبة التيّار المادّي عليهم،
فلم يتمكّنوا من احتواء واستيعاب الأفكار المثقّفة والجديدة نحوهم.
دور العلم والعقل في الكنيسة:
الرسالات السماوية بما هي هي منوّرة بنور التعاليم التوحيديّة، إلّا أنّ بعضها قد حُرّفت بأيدي أتباعها، إذ اختلطت بتعاليم واعتقادات غير توحيديّة.
فالإنجيل بما هو رسالة سماويّة يدعو إلى المعبود الواحد، وهو فوق ما يتصوّره العقل البشري، إلّا أنّ أصحاب الكنيسة أدخلوا فيه أشياء لا تنسجم مع صفات الله سبحانه وتعالى، كالاعتقاد بالتثليث، وتجسّد الخالق في الإنسان، وأمثالهما.
وقد سطّر كثير من الباحثين والمحقّقين - من المسلمين وغيرهم - الكتب والبحوث والدراسات لبيان هذه الحقيقة التي تثبت أنّ المسيحيّة الرائجة أُلبست لباس الرسالة السماوية، وأُلصق بها اسم المسيح عيسى بن مريم علیهما السلام زوراً وبهتاناً، والاعتقادات الموجودة في العهد الجديد الرائج مقتبسة من أساطير الوثنيّين وعقائدهم.
ولأجل ذلك أورد الباحثون اعتراضات عديدة على الإنجيل الرائج وتعاليمه وخصوصاً حول شخصّية المسيح علیه السلام وأوصافه وتعاليمه، وم-ن جهة أُخرى لم يتمكن أصحاب الكنيسة من الإجابة على هذه الإشكالات فاضطرّوا إلى دعوة أتباعهم إلى التعبّد المطلق وعدم التفكّر والتعقّل في المسائل الدينيّة على أساس العلم(1).
ميزة الإسلام:
لم يكن لعرب الجاهلية في الحجاز إلّا شيء من التاريخ والأنساب والقيافة
1) للمزيد من التفصيل راجع كتاب «لاهوت المسيح» و «هبة السماء» للمستبصر «علي الشيخ»
وقصّ الأثر والشعر والأدب، وكانوا يفتخرون على غيرهم بما عندهم من الأُمور. وكانت المجتمعات الأُخرى أيضاً خالية من المعارف الإلهيّة، إمّا لعدم وجود الأنبياء بينهم أو لوجود الرسالات المنحرفة المنسوبة إلى الأنبياء علیهم السلام.
ومع ظهور الإسلام انتشر العلم في المجتمعات الإسلاميّة، ويظهر ذلك من القرآن الكريم نفسه؛ فإنّ كل كلمة منه تدلّ على العلم والمعرفة؛ فابتداء نزوله كان الأمر بالقراءة ممّا يرشد سامعه إلى تحصيل العلم والمعرفة، فقال عزّ وجلّ: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ»(1).
كما أنّ النبيّ الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم، أخذ على عاتقه أن يعلّم الناس التعاليم الإلهيّة المنجية من الضياع والضلال والهلاك؛ يقول الله سبحانه وتعالى: «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ»(2).
إضافة إلى ذلك فقد أمر الله سبحانه وتعالى المسلمين بالمواظبة على قراءة القرآن الكريم والتفكّر في آياته وتعقّلها؛ لأنّ التفكّر والتدبّر في الآيات الكريمة آفاقاً للإنسانيّة يخرجهم بها من ظلمات الوهم والضلال ويوصلهم إلى قمّة يفتح السعادة في الدارين.
أهمّية العلم والمعرفة في القرآن الكريم:
إنّ القرآن الكريم مشحون بمدح العلم والمعرفة؛ فهو يدعو إلى طلب العلم والتفكّر والتدبّر في آيات الله سبحانه وتعالى، كما يحض على تكريم العالم، يقول عزّ وجلّ: «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا
الأَلْبَابِ»(1)..
فهذه الآية، وباستفهامها الإنكاري، تدعو السامع وتحرّكه نحو طلب العلم، و توبّخ من يرضى بما لديه من الجهل، وقد قال تعالى أيضاً في فضل العالم: «يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ»(2).
ونسب القرآن الكريم مقام الخشية منه عزّ وجلّ - أرفع درجات العبودية - إلى صاحب العلم، فقال: «إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء»(3).
وقد يُفهم من بعض الآيات الكريمة أنّ سبب خلق السماوات والأرض وما فيهما هو معرفة الله سبحانه وتعالى، وما يليق به حقّ المعرفة، وبذلك يكون العلم أساس ومدار هذه المعرفة؛ يقول تعالى: «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْ عِلْماً»(4).
فضل العلم والمعرفة في السنّة الشريفة:
يعتقد عامّة المسلمين أنّ قول الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم وفعله وتقريره هو المبيّن والمفسّر للقرآن الكريم، كما يرى الإمامية أنّ هذه المنزلة العظيمة ثابتة للأئمّة المعصومين من أهل بيت النبيّ علیهم السلام؛ إذ هم عدل القرآن كما روي عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم(5)و بذلك يمكن الاستناد إلى أقوالهم علیهم السلام فى كلّ ما استُنِد فيه إلى قول الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم.
وأمّا عن طلب العلم، فقد روي أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج ذات يوم من بعض
حجره فدخل المسجد، فإذا هو بحلقتين: إحداهما لجماعة يقرؤون القرآن ويدعون الله، والأُخرى يتعلّمون، ويُعلِّمون فقال النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم: «كلٌّ على خير، هؤلاء الله يقرؤون القرآن ويدعون الله فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وهؤلاء يُعلِّمون ويتعلّمون، وإنّما بُعثت معلِّماً. فجلس معهم»(1).
وقال صلی الله علیه وآله وسلم: «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم»(2)، «العلم رأس الخير كلّه، والجهل رأس الشرّكلّه»(3)، «العلم حياة الإسلام وعماد الدين»(4)، «أكثر الناس قيمة أكثرهم علماً، وأقلّ الناس قيمة أقلّهم علماً»(5)، «يوزن مداد العلماء يوم القيامة بدم الشهداء فيرجّح مدادهم على دماءهم أضعافاً مضاعفة»(6)، «طلب العلم أفضل عند الله من الصلاة والصيام والحج والجهاد في سبيل الله»(7).
كما روي عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب علیهما السلام أنه قال: «العلم زين الأغنياء وغنى الفقراء»(8)، «لاكنز أنفع من العلم»(9)، «الشريف كلّ الشريف من شرّفه علمه»(10).
وقال الباقر علیه السلام: «تذاكر العلم ساعة خير من قيام ليلة»(11)، «عالم ينتفع
1) سنن ابن ماجة 1: 83
2) التاريخ الكبير للبخاري 4: 357، أُصول الكافي 1: 30
3) بحار الأنوار 74: 175
4) الدر المنثور 1: 373، كنز العمّال 10: 132
5) أمالي الصدوق: 73، کنز الفوائد: 138
6) أدب الإملاء والاستملاء: 181
7) الجامع الصغير 2: 132، کنز العمال 10: 131
8) موسوعة العقائد الإسلامية 2: 34
9) الكافي 8: 19
10) كشف الغمة 3: 143
11) الاختصاص: 245، بحار الأنوار 1: 64
بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد»(1)، «من علّم باب هدى فله مثل أجر من عمل به ولا ينقص أولئك من أجورهم شيئاً»(2)، «إنّ قلباً ليس فيه شيء من العلم كالبيت الخراب الذي لا عامر له»(3).
وقال الصادق علیه السلام: «عالم أفضل من ألف عابد وألف زاهد»(4)، «لو علم الناس ما في العلم لطلبوه ولو بسفك المهج وخوض اللجج»(5).
الهدف من وراء التعليم والتعلّم:
لكلّ شيء هدف وغاية؛ لأنّ العقل يحكم بأن لا يكون فعل الحكيم عبثاً، فاهتمام الله سبحانه وتعالى بالعلم والمعرفة، ودعوة الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم وأهل بيته علیهم السلام إلى تحصيل ذلك يدلّ على أنّ هناك أهدافاً مهمّة وراء ذلك. ولعلّ من أهمّها: خروج صاحبه من الجهالة، والعمل به ونشره؛ وإلى ذلك يشير الله تعالى بقوله: «وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةٌ فَلَوْلاً نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ»(6).
كما يشير إلى ذلك الحديثُ المروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال - لمّا سئل عن العلم -: «الإنصات، قال: ثمّ مه؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: الاستماع له، قال: ثمّ مه؟، قال صلى الله عليه وآله وسلم: «الحفظ له، قال: ثمّ مه؟ ، قال صلى الله عليه وآله وسلم: العمل به، قال: ثمّ مه؟، قال صلى الله عليه وآله وسلم: ثمّ نشره»(7).
وقد قال الإمام الصادق علیه السلام: قرأت في كتاب عليّ علیه السلام: «إنّ الله لم يأخذ على
الجهّال عهداً بطلب العلم حتّى أخذ على العلماء عهداً ببذل العلم للجهّال؛ لأنّ العلم كان قبل الجهل»(1).
آثار العلم وفوائده:
ذكرت الروايات الكريمة آثاراً وفوائد كثيرة للتعلّم وكسب المعرفة:
فقد روي عن أمير المؤمنين علیه السلام أنّه لما أخذ بيد كميل بن زياد وأخرجه إلى الجبانة (المقبرة)، تنفّس الصعداء وقال: ياكميل! العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة والعلم يزكو على الإنفاق وصنيع المال يزول بزواله(2).
وقال علیه السلام: يا مؤمن! إنّ هذا العلم والأدب ثمن نفسك، فاجتهد في تعلّمها، فما يزيد من علمك وأدبك يزيد في ثمنك وقدرك؛ فإنّ بالعلم تهتدي إلى ربّك، وبالأدب تُحسن خدمة ربّك، وبأدب الخدمة يستوجب العبد ولايته وقربه، فاقبل النصيحة كي تنجو من العذاب(3).
كما روي عنه علیه السلام أنّه قال: العلم أفضل من المال بسبعة:
الأوّل: أنّه ميراث الأنبياء، والمال ميراث الفراعنة.
الثاني: العلم لا ينقص بالنفقة، والمال ينقص بها.
الثالث: يحتاج المال إلى الحافظ والعلم يحفظ صاحبه.
الرابع: العلم يدخل في الكفن، ويبقى المال.
الخامس: المال يحصل للمؤمن والكافر، والعلم لا يحصل إلّا للمؤمن.
السادس: جميع الناس يحتاجون إلى العالم في أمر دينهم، ولا يحتاجون إلى صاحب المال.
السابع: العلم يقوّي الرجل على المرور على الصراط، والمال يمنعه(1).
الإقرار بالحقّ والحقيقة:
وجد «مونريكو» في الدين الإسلامي ما يحثّ على طلب العلم والتفكّر والتدبّر في آيات الله سبحانه وتعالى، ويطلب من الإنسان أن يعتبر من حياة الأمم السابقة، ويتفحّص المذاهب الإسلاميّة أيضاً لاختيار طريقه إلى الصراط المستقيم.
فكانت المسيحيّة خالية عن هذه الأوصاف الحميدة، وهذا ما دفع «مونريكو» نحو الإسلام؛ فبدأ التحقيق في المذاهب المختلفة، ووصل في نهاية المطاف إلى حقّانيّة مذهب أهل البيت علیهم السلام فأعلن اعتناقه لهذا الدين الحنيف وسمّى نفسه «عليّاً»(2)تيمّناً بهذا الاسم الشريف الذي سمّى الله سبحانه وتعالى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب علیهما السلام به.
الصورة
نشأ في أُسرة فرنسية بعيداً عن أجواء الديانة الإسلامية، إلا أنَّ الأقدار الإلهية شاءت أن يلتقي «ميشيل» بأحد الجزائريين الشيعة ويرتبط به بصداقة وطيدة، الأمر الذي جعله يطّلع على الإسلام عن قرب، لاكما يروّج له الآخرون.
لقد تأثّر «ميشيل» بالمبادىء الأخلاقية التي يتجلّى بها أتباع مذهب أهل البيت علیهم السلام، يقول «ميشيل» عن صديقه الجزائري الشيعي: ... بالرغم من أنَّ والده قُتل على يد الفرنسيين في الحرب، إلّا أنَّ حُسن تعامله معي دعاني الى أن أنجذب الى حياتهم لأتعرّف عليها.
إنّني أعدّ العامل الأساسي الذي جعلني أهوى مذهب أهل البيت علیهم السلام: الأخلاق التي يتحلّى بها أتباعه، وهى المقتبسة من أخلاق أهل البيت علیهم السلام.
حُسُن الخُلُق عند أهل البيت علیهم السلام:
حسن الخلق هو: حالة نفسية تبعث على حسن معاشرة الناس، ومجاملتهم بالبشاشة، وطيب القول، ولطف المداراة، كما عرّفه الصادق علیه السلام حينما سُئل عن حدّه؟ فقال: «تلين جناحك، وتطيب كلامك، وتلقى أخاك ببشرٍ حسن»(1).
1) الكافي 2: 103
من الأماني والآمال التي يطمح إليها كلّ عاقل حصيف، ويسعى جاهداً في كسبها وتحقيقها، أن يكون ذا شخصية جذّابة، ومكانة مرموقة، محبّباً لدى الناس عزيزاً عليهم.
وإنّها لأُمنية غالية، وهدف سامٍ، لا يناله إلا ذوو الفضائل والخصائص التي تؤهّلهم كفاءاتهم لبلوغها، ونيل أهدافها، كالعلم والأريحية والشجاعة ونحوها من الخلال الكريمة.
بيد أنّ جميع تلك القيم والفضائل لا تكون مدعاة للإعجاب والإكبار، وسموّ المنزلة، ورفعة الشأن، إلا إذا اقترنت بحُسن الخُلق، وازدانت بجماله الزاهر، ونوره الوضّاء، فإذا ما تجرّدت منه فقدت قيمها الأصلية، وغدت صوراً شوهاء تثير السأم والتذمّر.
لذلك كان حسن الخلق ملاك الفضائل ونظام عقدها، ومحور فلكها، وأكثرها إعداداً وتأهيلاً لكسب المحامد والأمجاد، ونيل المحبّة والإعزاز.
انظر: كيف يمجّد أهل البيت علیهم السلام هذا الخُلق الكريم، ويطرون المتحلّين به إطراءً رائعاً، ويحبّون على التمسّك به بمختلف الأساليب التوجيهية المشوّقة، كما تصوّره النصوص التالية:
قال النبي صلی الله علیه وآله وسلم: «أفاضلكم أحسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون وتوطأ رحالهم»(1).
وقال الباقر علیه السلام: «إنّ أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلقاً»(2).
وقال الصادق علیه السلام: «ما يقدم المؤمن على الله تعالى بعمل بعد الفرائض،
أحبّ إلى الله تعالى من أن يسع الناس بخُلقه»(1).
وقال علیه السلام: «إنّ الله تعالى ليعطي العبد من الثواب على حسن الخُلق، كما يعطي المجاهد في سبيل الله، يغدو عليه ويروح»(2).
وقال النبي صلی الله علیه وآله وسلم: «إنّ صاحب الخُلق الحسن له مثل أجر الصائم القائم»(3).
وقال الصادق علیه السام: «إنّ الخُلق الحسن يميث الخطيئة، كما تميث الشمس الجليد»(4).
وقال علیه السلام: «البِر وحُسن الخُلق يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار»(5).
وقال علیه السلام: إن شئت أنْ تكرم فَلنْ، وإن شئت أنْ تُهانَ فاخشن»(6).
وقال النبي صلی الله علیه وآله وسلم: «إنّكم لم تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم»(7).
وكفى بحُسن الخُلق شرفاً وفضلاً، أنّ الله عزّ وجلّ لم يبعث رسله وأنبياءه إلى الناس إلّا بعد أن حلّاهم بهذه السجيّة الكريمة، وزانهم بها، فهي رمز فضائلهم، و عنوان شخصياتهم.
ولقد كان سيّد المرسلين صلی الله علیه وآله وسلم المثل الأعلى في حُسن الخُلق، وغيره من كرائم الفضائل والخلال. واستطاع بأخلاقه المثالية أن يملك القلوب والعقول، واستحقّ بذلك ثناء الله تعالى عليه بقوله عزّ من قائل: «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ»(8).
قال أمير المؤمنين علي علیه السلام وهو يصوّر أخلاق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «كان أجود الناس كفّاً، وأجرأ الناس صدراً، وأصدق الناس لهجة، وأوفاهم ذمّة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة. من رآه بديهة هابه، ومن خالطه فعرفه أحبّه، لم أر مثله قبله ولا بعده»(1).
وحسبنا أن نذكر ما أصابه من قريش، فقد تألّبت عليه، وجرّعته ألوان الغُصص، حتّى اضطرّته إلى مغادرة أهله وبلاده، فلمّا نصره الله عليهم، وأظفره بهم، لم يشكّوا أنّه سيثأر منهم، وينكّل بهم، فما زاد أن قال لهم: ما تقولون أنّي فاعل بكم؟!
قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم.
فقال: أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء(2).
وعن أمير المؤمنين علیه السلام، قال: إنّ يهوديّاً كان له على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دنانير، فتقاضاه، فقال له: يا يهودي! ما عندي ما أُعطيك.
فقال: فإنّي لا أفارقك يا محمد حتّى تقضيني.
فقال: إذاً أجلس معك.
فجلس معه حتّى صلّى في ذلك الموضع الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والغداة، وكان أصحاب رسول الله يتهدّدونه ويتواعدونه، فنظر رسول الله إليهم وقال: ما الذي تصنعون به؟!
فقالوا: یا رسول الله! يهودي يحبسك! فقال: لم يبعثني ربّي عزّ وجلّ بأن
أظلم معاهداً ولا غيره.
فلمّا علا النهار قال اليهودي: أشهد أن لا اله إلّا الله، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، وشطر مالي في سبيل الله، أما والله ما فعلت بك الذي فعلت، إلا لأنظر إلى نعتك في التوراة، فإنّي قرأت نعتك في التوراة: محمد بن عبد الله، مولده بمكّة، ومهاجره بطيبة، وليس بفظٍّ ولا غليظ، ولا سخّاب، ولا متزيّن بالفحش، ولا قول الخنا، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنّك رسول الله، وهذا مالي فاحكم فيه بما أنزل الله. وكان اليهودي كثير المال(1).
وهكذا كان الأئمّة المعصومون من أهل البيت علیهم السلام في مكارم أخلاقهم وسموّ آدابهم. قد حمل الرواة إلينا صوراً رائعة، ودروساً خالدة من سيرتهم المثالية، وأخلاقهم الفذّة.
من ذلك: ما ورد عن أبي محمد العسكري علیه السلام، قال: ورد على أمير المؤمنين علیه السلام أخوان له مؤمنان، أب وابن، فقام إليهما وأكرمهما وأجلسهما في صدر مجلسه، وجلس بين يديهما، ثم أمر بطعام، فأحضر، فأكلا منه، ثم جاء قنبر بطست وإبريق خشب ومنديل، فأخذ أمير المؤمنين علیه السلام الإبريق فغسل يد الرجل بعد أن كان الرجل يمتنع من ذلك، وتمرّغ في التراب، وأقسم له أمير المؤمنين علیه السلام أن يغسل مطمئنّاً، كما كان يغسل لو كان الصابّ عليه قنبر، ففعل، ثم ناول الإبريق محمد بن الحنفية وقال: يا بني! لو كان هذا الابن حضرني دون أبيه لصببت على يده، ولكن الله عزّ وجلّ يأبى أن يُسوّى بين ابن وأبيه إذا جمعهما مكان، ولكن قد صبّ الأب على الأب، فليصبّ الابن على الابن. فصبّ محمد بن الحنفية على الابن.
1) أمالي الصدوق: 552
ثم قال العسكري علیه السلام: فمن اتّبع علياً على ذلك فهو الشيعي حقّاً(1).
وورد أنّ الحسن والحسين مرّا على شيخ يتوضّأ ولا يُحسن، فأخذا في التنازع، يقول كلّ واحد منهما: أنت لا تحسن الوضوء، فقالا: أيّها الشيخ كن حَكَماً بيننا، يتوضّأ كل واحد منّا، فتوضّئا ثم قالا: أيّنا يحسن؟
قال: كلاكما تحسنان الوضوء، ولكن هذا الشيخ الجاهل هو الذي لم يكن يحسن، وقد تعلّم الآن منكما، وتاب على يديكما وببركتكما وشفقتكما على أُمّة جدّ كما(2).
وجنى غلام للحسين علیه السلام جناية توجب العقاب عليه، فأمر به أن يضرب، فقال: يا مولاي! والكاظمين الغيظ. قال: خلّوا عنه. فقال: يا مولاي والعافين عن الناس. قال: قد عفوت عنك. قال: يا مولاي! والله يحب المحسنين. قال: أنت حرّ لوجه الله، ولك ضعف ماكنت أُعطيك(3).
وحدّث الصولي: أنّه جرى بين الحسين وبين محمد بن الحنفية كلام، فكتب ابن الحنفية إلى الحسين: «أمّا بعد يا أخي فإنّ أبي وأباك عليّ لا تفضلني فيه ولا أفضلك، وأُمّك فاطمة بنت رسول الله، لو كان ملء الأرض ذهباً ملك أمّي ما وفت بأُمّك، فإذا قرأت كتابي هذا فصِرْ إليَّ حتّى تترضّاني؛ فإنّك أحقّ بالفضل منّي، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته». ففعل الحسين، فلم يجرِ بعد ذلك بينهما شيء(4).
وعن محمد بن جعفر وغيره، قالوا: وقف على عليّ بن الحسين علیه السلام رجل من
أهل بيته، فأسمعه وشتمه، فلم يكلّمه، فلمّا انصرف قال لجلسائه: لقد سمعتم ما قال هذا الرجل، وأنا أحب أن تبلغوا معي إليه حتّى تسمعوا منّي ردّي عليه.
فقالوا له: نفعل، ولقد كنّا نحب أن يقول له ويقول. فأخذ نعليه ومشى وهو يقول: «وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ»»(1)، فعلمنا أنه لا يقول له شيئاً.
قال: فخرج حتّى أتى منزل الرجل، فصرخ به، فقال: قولوا له هذا علي بن الحسين. قال: فخرج متوثّباً للشر، وهو لا يشكّ أنّه إنما جاء مكافئاً له على بعض ما كان منه.
فقال له علي بن الحسين: يا أخي! إنّك وقفت عليّ آنفاً وقلت وقلت، فإن كنت قلت ما فيّ فأستغفر الله منه، وإن كنت قلت ما ليس فيّ فغفر الله لك. قال: فقبله الرجل بين عينيه، وقال: بل قلت فيك ما ليس فيك وأنا أحقّ به(2)(3).
الأخلاق الحسنة سبب في الهداية إلى الحقّ:
بعد تأثّر «ميشيل» بحُسن خُلق أتباع مذهب أهل البيت علیهم السلام بدأت رحلته للبحث عن مدى صحّة مبادئهم، واستمرّت تحقيقاته حتّى الوصول إلى أحقيّة الإسلام ومذهب أهل البيت علیهم السلام فأعلن استبصاره عام 1401 ه (1981 م).
ولتنمية رصيده الديني بدأ «ميشيل» بتلقّي التعاليم الدينية وفق المذهب الإمامي، وتيمناً باسم أمير المؤمنين علیه السلام سمّى نفسه: «عليّاً»(4).
ولدت في فرنسا وترعرت في أوساط عائلة يهوديّة.
من حصلت «هلن» على شهادة الليسانس و تعرّفت على الدين الإسلامي خلال مجموعة من الشيعة المقيمين في فرنسا، فكان ذلك سبب إعجابها بمبادئ هذا الدين الحنيف الذي ينسجم مع العقل والفطرة السليمة.
العقل والدين:
إنّ العقل السليم يحكم بأن يتعمّق البشر ويتفكّر في خلقه ونشأته ليتسنى له اختيار المذهب والمسير الذي إن سلكه هُدي إلى الصراط المستقيم.
والله سبحانه وتعالى سهّل هذا الأمر لعباده، إذ أرسل الإنسان الكامل وأنزل معه الدين؛ ليتأسّى كلُّ الناس بهذا المرسل لتطبيق الدين في حياتهم، وليصلوا بذلك إلى الكمال الحقيقي، ويتجاوزوا السبل المنحرفة التي تقتصر على كمالات دنيويّة، فانية واعتباريّة.
الرسالات السماوية:
إنّ كل ما أنزله الله سبحانه بواسطة أنبيائه ورسله؛ ليكون منهجاً لحياة البشرية، يقودهم بما فيه من التعاليم والتوجيهات إلى الهداية وإحياء النفوس،
يسمّى ب- «الرسالة السماوية».
وهذه الرسالة السماوية قد تكون وحياً يُلقى إلى الرسول أو النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم، وقد تكون كتاباً يتنزّل على الرسول دفعة واحدة أو تدريجاً على دفعات، والكتب السماوية المعروفة والمذكورة في القرآن الكريم هي: الزبور، التوراة، الإنجيل، والقرآن الكريم.
وكل واحد من هذه الكتب يصدّق ما جاء قبله، فالتوراة تصدّق الزبور، والإنجيل يصدّق الزبور والتوراة، والقرآن يصدّق كلّ ما أنزل قبله، قال تعالى: «إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَتُورُ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّيَّانِيُّونَ»(1)، « وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ ...»(2)و «وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ»(3).
هذا والشريعة المرسلة مع كلّ كتاب سماوي تنسخ الشريعة السابقة كلّيّاً أو جزئيّاً، إذ يقوم النبيّ أو الرسول الذي جاء بالكتاب والشريعة بتبيين الناسخ والمنسوخ(4).
يتّضح من ذلك أنّ كلّ شريعة وكتاب سماوي حجّة في زمانهما وذلك حتّى یبعث الله نبياً أو رسولاً بشريعة أُخرى، فالالتزام بالتوراة وشريعة موسى علیه السلام كان واجباً حتّى نزول الإنجيل على عيسى علیه السلام، والإنجيل كان لازم الاتّباع للناس حتّى نزول القرآن الكريم، ويجب اتّباع القرآن الكريم إلى يوم القيامة؛ لأنّ من
جاء به هو خاتم النبيّين وشريعته خاتمة لسائر الشرائع، فمهما يكن أمد دين النبيّ محمّد صلی الله علیه وآله وسلم كدين سماوي فإنّ حجّية القرآن باقية أيضاً.
مقارنة بين التوراة والقرآن:
إنّ الكتب المقدّسة في الأديان السابقة لم تبق سالمة عن التغيير والتحريف من قبل أتباع تلك الديانات، فقد غيّروها حسب المصالح التي كانوا يرونها في التغيير، فنجد التوراة الرائجة مثلاً مملوءة بمطالب لا تنسجم مع صفات الله سبحانه ولا نبوّة الأنبياء.
إلا أننا لا نجد هذه التعابير في القرآن الكريم، فهو باقٍ كما أنزله الله تعالى على رسوله صلی الله علیه وآله وسلم، ومعارفه العالية دليل على عدم وقوع التحريف فيه، وبالعكس فإنّ في كتاب التوراة موارد كثيرة تدلّ على تحريفه؛ فهي على خلاف مع ما بيّنه الأنبياء السابقون.
وقد كتبت في هذا المجال كتب كثيرة استدلّت على ذلك بأدلّة عقليّة ونقليّة عديدة(1).
الله سبحانه وتعالى في التوراة والقرآن:
كان الله سبحانه وتعالى اسمان معروفان عند بني إسرائيل: إيل ويهوه، وقد ذكرت التوراة الرائجة هاتين الكلمتين عدّة مرّات، منها ما في قصّة آدم وحوّاء علیهما السلام حيث ذكرت:
«إنّ آدم وحوا سمعا صوت الإله (يهوه) متمشّيا في الجنّة عند هبوب ريح النهار، فاختبئا عن الله «إيل» في شجرة الجنّة، فنادى الله آدم: أين أنت؟، فقال آدم: سمعت صوتك فاختبأت؛ لأنّي عريان، فقال الله: من أعلمك أنّك عريان؟،
1) للمزيد من التفصيل راجع الهدى إلى دين المصطفى الرحلة المدرسيّة وهداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى
هل أكلت من الشجرة...»(1).
فالصفات المذكورة في هذه القصّة من أنّ الله له جسم ويمشي به في الجنّة وجاهل لا يعلم عن عبده شيئاً، بل يسأله... كلّها متنافية مع صفات الله العليا وأسمائه الحسنى التي تنسجم مع العقل والفطرة، والتي منها أنّه سبحانه:
«لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ»(2). «إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْ مُّحِيطٌ»(3). «لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً»(4). «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ»(5).
وقد جاء في سفر التكوين ضمن الإصحاح السادس إلى التاسع أنّ إله التوراة يندم ويأسف على خلق الإنسان، وهذه هي رؤية التوراة الرائجة إلّا أنّ القرآن الكريم يبيّن أنّ الله سبحانه حكيم وعليم، وقد قال عن نفسه بعد خلق الإنسان: «فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ»(6)، بل جعل سبحانه وتعالى مخلوقاته من آياته التي تدلّ على أنّه خالق حكيم وخبير فقال: «وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ»(7)، ويتّضح من ذلك أنّ نسبة الندامة الله سبحانه وتعالى غير صحيحة؛ لأنّ جميع أفعاله مطابقة للحكمة.
كما نسبت التوراة الله سبحانه نسبة التعب؛ فقد جاء فيها: «أنّ الله يتعب ويحتاج إلى الراحة»(8). ويقصدون بذلك أنّ الله سبحانه تعب بعد خلق السماوات والأرض وما بينهما، وعيّن يوم السبت للاستراحة، وهو لا يعمل ولا يفعل شيئاً في هذا اليوم.
إلّا أنّ القرآن الكريم يصرّح بخرافة التعب وأكذوبة الاستراحة وينزّه ساحة الله عزّ وجلّ عن هذه الفرية الساقطة عن الاعتبار عند العقلاء ويقول: «وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ»(1)، ويقول أيضاً: «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْفِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى»(2)و «أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ»(3).
الأنبياء علیهم السلام في التوراة والقرآن:
إنّ الله سبحانه وتعالى يصطفي من عباده الشخص المتميّز بتفكيره السليم، ونقائه الروحي، وصفاء نفسه، وطهارة أخلاقه وأعماله للنبوّة، ويجعله الرابط بينه وبين عباده، ويلقي على كاهله التحذير من الشرّ واللاأخلاقيّة والظلم، والحثّ على الالتزام بالقوانين الإلهيّة وبأعمال معيّنة تكفل للإنسان حسن الثواب.
نعم، هذه هي واجبات النبيّ أو الرسول، فهو يقضي حياته بين الناس كبشير ونذير بكلّ جدّ وإخلاص وصبر وثبات، فهذه الشخصية العظيمة تمثّل الإنسان الكامل والمتميّز، إلّا أنّ بعض الكتب السماويّة المحرّفة نقلت قصصاً للأنبياء لا تتناسب ومكانتهم السامية المتميّزة، ومنها:
قصّة نوح أبي البشر الثاني علیه السلام:
نقلت التوراة الرائجة قصّة حياة نوح علیه السلام ووصفت شخصيّته بالصفات الخارجة عن المفهوم الديني للأنبياء ومكانتهم بشكل كلّيّ، وتُذكر هذه القصّة بعد ذكر واقعة الطوفان العظيم في العالم، فتقول:
«... وابتدأ نوح يكون فلّاحاً وغرس كرماً، وشرب الخمر فسكر وتعرّى داخل خبائه، فأبصر خام أبو كنعان عورة أبيه وأخبر أخويه خارجاً، فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتافهما ومشيا إلى الوراء وسترا عورة أبيهما، ووجهاهما إلى الوراء، فلم يبصرا عورة أبيهما، فلمّا استيقظ نوح من خمره، علم ما فعل به ابنه الصغير فقال: ملعون كنعان...»(1).
ولكنَّ القرآن الكريم وصف النبي نوح علیه السلام بأنّه نبيّ عظيم، قضى جزءاً كبيراً من حياته بين قومه وهو يدعوهم بكل صدق وإخلاص إلى الله سبحانه وتعالى، ويوجّههم نحو طريق الحقّ والهدى، وكان يتكلّم مع قومه كأب ناصح حريص على إنقاذهم من الجهل والكفر.
ويعتقد المسلمون أنّه علیه السلام نبيّ معصوم عن الخطأ والعصيان، وهو أوّل أنبياء أُولي العزم وسادة الأنبياء، أرسله الله تعالى إلى النّاس كافّة بشريعة مستقلّة تامّة لعصره، وهو الأب الثاني للنسل الإنساني.
وقد سلّم الله جلّ جلاله عليه في القرآن الكريم، فقال: «سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ»(2)وعدّه عزّ وجلّ من المحسنين حيث قال: «إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المحْسِنِينَ»(3)، وجعله من عباده المؤمنين، فقال: «إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ»(4)، كما ذكره تعالى في سورة كاملة باسمه وأشار فيها إلى دعوته إلى التوحيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمساواة والعدالة.
قصّة إبراهيم خليل الله علیه السلام:
ذكرت التوراة قصصاً مختلفة عن النبيّ إبراهيم علیه السلام، منها قصّة رحلته علیه السلام إلى مصر، فقد جاء في «العهد القديم»:
«وحدث جوع في الأرض فانحدر أبرام إلى مصر ليتغرّب هناك؛ لأنّ عب الجوع في الأرض كان شديداً، وحدث لمّا قرب أن يدخل مصر أنّه قال لساراى امرأته: إنّي قد علمت أنّكِ امرأة حسنة المنظر، فيكون إذا رآكِ المصريّون أنّهم يقولون: هذه امرأته، فيقتلونني ويستبقونكِ، قولي: إنّكِ أُختي؛ ليكون لي خير بسببكِ، وتحيا نفسي من أجلكِ.
فحدث لمّا دخل أبرام إلى مصر أنّ المصرييّن رأوا المرأة أنّها حسنة جدّاً، ورآها رؤساء فرعون ومدحوها لدى فرعون فأخذت المرأة إلى بيت فرعون، فصنع إلى أبرام خيراً بسببها وصار له غنم وبقر وحمير، وعبيد وإماء، وأُتن وجمال، فضرب الربّ فرعون وبيته ضربات عظيمة بسبب ساراي امرأة أبرام، فدعا فرعون أبرام وقال: ما هذا الذي صنعت بي؟، لماذا لم تخبرني أنّها امرأتك؟ لماذا قلت هي أختي حتّى أخذتها لي لتكون زوجتي؟ والآن هو ذا امرأتك خذها واذهب، فأوصى عليه فرعون رجالاً، فشيّعوه وامرأته وكلّ ما كان له، فصعد أبرام من مصر هو وامرأته وكلّ ما كان له، وكان أبرام غنيّاً جداً في المواشي والفضّة والذهب...»(1).
هذه هي القصّة التي ذكرتها التوراة لكنّ القرآن الكريم يذكر إبراهيم علیه السلام ويصفه بأنّه الشخصيّة الفذّة، الذي ضحّى بنفسه في سبيل الله ونجح في ما ابتلاه به ربّه بخير نجاح، فقضى حياته في محاربة الشرك، وفاق العالمين في كلّ نواحي الخير والفضيلة.
1) سفر التكوين الإصحاح الثاني عشر (10 - 20) والثالث عشر (1 - 2)
وقد ذكرت عدة آيات مختلف أبعاد شخصيّته علیه السلام، والتي تصرّح بأنّ الله سبحانه و تعالی آتاه رشده قبل أن يبعثه رسولاً؛ إذ قال عز وجل: «وَلَقَدْ آتَيْنَا إبراهيم رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ»(1)وقال تعالى عنه: «وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ»(2).
وقد بلغ هذا النبي جدّه وسعيه في التسليم لربّه سبحانه وتعالى؛ إذ أخذ ابنه للتضحية لمّا رأى في المنام أنه يذبحه، ولأجل ذلك اختاره الله سبحانه خليلاً، وجعله للناس إماماً.
وبعد كل هذا فكيف يعقل بأنّ شخصيّة عظيمة كإبراهيم علیه السلام القدوة الناس وأُسوتهم في الغيرة والحميّة والحياء يأتي بزوجتهِ لجلب الأموال في حبالة غيره؟! ويفعل ما لم يفعله حتّى الوضيع من الناس!!.
قصّة النبيّ لوط علیه السلام:
نقلت التوراة قصّة النبيّ لوط علیه السلام بعد نزول عذاب الله على قومه، فقالت:
«وصعد لوط من صوغر وسكن في الجبل، وابنتاه معه؛ لأنّه خاف أن يسكن في صوغر، فسكن في المغارة هو وابنتاه، وقالت البكر للصغيرة: أبونا قد شاخ وليس في الأرض رجل يدخل علينا كعادة كلّ الأرض، هلمّ نسقي أبانا خمراً ونضطجع معه، فنحيي من أبينا نسلاً، فسقتا أباهما خمراً في تلك الليلة، ودخلت البكر واضطجعت مع أبيها، ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها وحدث في الغد أنّ البكر قالت للصغيرة: إنّي قد اضطجعت البارحة مع أبي، نسقيه خمراً اللّيلة أيضاً فادخلي اضطجعي معه، فنحيي من أبينا نسلاً. فسقتا أباهما خمراً في تلك الليلة أيضاً. وقامت الصغيرة واضطجعت معه. ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها، فحبلت
ابنتا لوط من أبيهما، فولدت البكر ابناً ودعت اسمه موآب، وهو أبو الموآبيين إلى اليوم، والصغيرة أيضاً ولدت ابناً ودعت اسمه بن عمي. وهو أبو بني عمّون إلى اليوم...»(1).
وهذه الحكاية تدلّ على تحريف التوراة الحقيقيّة، وتسقطها بذلك عن الاعتبار؛ لأنّها لا تتناسب مع منهج الرسالات السماوية وأخلاق الأنبياء؛ فإنّ التوراة المنزّلة من الله تعالى على نبيّه موسى علیه السلام لابدّ أن تخلو من هذه الأباطيل، فهي كالقرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
هذا وقد ذكر القرآن الكريم النبيّ لوط علیه السلام، ووصفه بالعصمة والطهارة، كسائر الأنبياء، فهو من عمل جاهداً لكبح جماح شهوة رجال قومه نحو بعضهم بعضاً، وتحمّل من أجل هداية الناس ما تحمّل، فعرّض حياته للخطر وقام بالتبليغ؛ ليعلّم قومه المكارم والفضائل وينهاهم عن المعاصي والأفعال القبيحة، وقد قال الله تعالى فيه: «وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمُ عَصِيبٌ * وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ»(2).
قصّة موسیٰ کلیم الله وهارون عليهما السلام:
إنّ اليهود يدّعون بأنّهم يؤمنون بنبوّة موسى وهارون علیهما السلام، إلّا أنّهم يذكرون في توراتهم الرائجة بعض الأمور التي تدلّ على أن موسى وهارون علیهما السلام لم يكونا مؤمنين بالله سبحانه وتعالى - والعياذ بالله - فتقول:
«فقال الربّ لموسى وهارون من أجل أنّكما لم تؤمنا بي حتى تقدّساني أمام أعين بني إسرائيل؛ لذلك لا تدخلان هذه الجماعة إلى الأرض التي أعطيتهم
إيّاها»(1). ونسبت التوراة الرائجة إلى الله سبحانه أنّه قال لموسى وهارون عليهما السلام: «أنّهما عصیا»(2)و «خاناه»(3).
والعجب كلّ العجب من قوم يدّعون أنّهم أخذوا دينهم عن نبيّ لم يؤمن بما جاء به، فكيف أخذوا منه الدين و آمنوا بالله سبحانه؟!
ولم يقتصر محرّفوا التوراة على هذا، بل افتروا أكثر من ذلك ونسبوا إلى هارون علیه السلام أنّه وضع العجل إجابة لطلب بني إسرائيل عندما طلبوا منه آلهة لهم؛ فقد جاء في العهد القديم:
«ولمّا رآى الشعب أنّ موسى قد طالت إقامته على الجبل، اجتمعوا حول هارون وقالوا له: هيّا، اصنع لنا إلهاً يتقدّمنا في سيرنا؛ لأنّنا لا ندري ماذا أصاب هذا الرجل موسى الذي أخرجنا من ديار مصر، فأجابهم هارون: انزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبناتكم وبنيكم وأعطوني إيّاها فنزعوها من آذانهم، وجاءوا بها إليه، فأخذها منهم وصهرها وصاغ عجلاً، عندئذ قالوا: هذه آلهتك يا إسرائيل التي أخرجتك من ديار مصر، وعندما شاهد هارون ذلك شیّد مذبحاً أمام العجل وأعلن: غداً هو عيد الرب فبكّر الشعب في اليوم الثاني وأصعدوا محرقات وقدّموا قرابين سلام...»(4).
والقرآن أيضاً ينقل قصّة موسى وهارون علیهما السلام، لكن دون أيّ تحريف؛ إذ يصفهما بأنّهما من المؤمنين بالله وحده، وأنّ موسى كليم الله، وهو الذي اختاره الله تعالى هاديا لبني إسرائيل، وجاء بالكتاب الذي هو نور وهدىً للناس، وبيّن آيات الله سبحانه ليخرج قومه من الظلمات إلى النور، وقد سلّم عزّ وجلّ على موسى
وهارون فقال: «سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ»(1)وذكر موسى علیه السلام في المخلَصين فقال: «وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً»(2)
بشارات الأنبياء علیهم السلام بشأن مبعث الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم:
قد ثبت لبني إسرائيل أنّ النبيّ الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم سيبعث بعد مضيّ السنين وسينجي الناس من الناس من الضلالة والهلاك، وذلك على لسان النبي موسى علیه السلام، كما اتّضحت لهم معالم بعثته صلی الله علیه وآله وسلم وصفاته، ونهج رسالته، وخصائص ملّته...
إلّا أنّ التوراة الموجودة بين أيدي الناس وبنسخها الثلاثة، أي: العبرانيّة واليونانيّة والسامريّة، قد حرّفت بفروق واضحة، وقد أدّى هذا التحريف إلى ذهاب العديد من هذه البشارات والمعالم الموجودة في التوراة الأصلية، ومع ذلك فقد بقي في التوراة الرائجة كثير من الحقائق عن النبيّ المصطفى صلی الله علیه وآله وسلم، ومنها:
بشارة داود علیه السلام:
قال علیه السلام: «... ويملك البحر ومن النهر إلى أقاصي الأرض، أمامه تجثو أهل البرّية وأعداؤه يلحسون التراب، ملوك ترشيش والجزائر يرسلون تقدمة، ملوك شيا وسباء يقدّمون هدية، ويسجد له الملوك، كلّ الأمم تتعبّد له؛ لأنّه ينجي الفقير المستغيث والمسكين؛ إذ لا معين له يشفق على المسكين والبائس ويخلص أنفس الفقير من الظلم والخطف، يفدي أنفسهم ويكرم دمهم في عينيه، ويعيش ويعطيه من ذهب شبا، يصلّي لأجله دائماً، اليوم كلّه يباركه...»(3).
وهذه الصفات المذكورة لا تنطبق إلّا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأُمته الإسلاميّة، فهو الذي يُصلّى عليه ويبارك في كلّ حين، وهو الذي خضعت له الملوك إذ لم يبق
منهم إلّا من أسلم أو أدّى الجزية، وهو الذي أنقذ الضعفاء من الظالمين والجبابرة وأكرمهم بالإسلام.
بشارة موسى علیه السلام:
أ: جاء في التوراة الرائجة عن موسى علیه السلام أنّه قال: «... جاء الربّ من سيناء، وأشرق لهم من سعير، وتلألأ من جبل فاران، وأتى من ربوات القدس...»(1).
والظاهر أنَّ المراد بمجيء الربّ هو: نزول التوراة على موسى علیه السلام على جبل سينا، ومن إشراق الربّ: نزول الإنجيل على عيسى علیه السلام على جبل ساعير، ومن تلألؤ الربّ: نزول القرآن على خاتم النبيّين محمد صلی الله علیه وآله وسلم على جبل فاران، وفاران هذا جبل في مكّة، كما صرّحت بذلك التوراة في قصّة هجرة إبراهيم علیه السلام بامرأته هاجر وابنها إسماعيل علیه السلام، وجاء فيها:
«... وسكن البرّية، وكان ينمو رامي قوس وسكن في برّية فاران...»(2).
وقد ثبت بالتواتر التاريخي أنّ إسماعيل علیه السلام ربّي بمكّة وبنى البيت الحرام هو وأبوه علیهما السلام، فالمراد من فاران هي: مكّة المكرّمة، ولم ينزل في مكّة كتاباً من الله سبحانه وتعالى على نبيّ من الأنبياء إلّا القرآن العظيم على النبيّ الكريم محمد صلی الله علیه وآله وسلم.
ب: نقل النبيّ موسى علیه السلام - كما في التوراة المنسوبة إليه - عن الله سبحانه وتعالى أنّه قال لهاجر بشأن ولدها إسماعيل علیه السلام:
«... ها أنتِ تحبلين وتلدين ابنا نسمّيه إسماعيل؛ لأنّ الله قد سمع تذلّلكِ وخضوعكِ... ويكون يده فوق الجميع، ويد الكلّ به..»(3).
وهذه البشارة أيضاً لم تتحقّق الإسماعيل علیه السلام ولا لأولاده قبل بعثة الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم؛ لأنّ أولاد إسماعيل علیه السلام وحتّى ظهور نور الإسلام كانوا يتّبعون شريعة أنبياء من بني إسحاق علیه السلام، وبعد ظهور الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم تحقّقت هذه البشارة، فهو صلی الله علیه وآله وسلم من أولاد إسماعيل علیه السلام وبُعث لسائر الأُمم.
بشارة أشيعياء علیه السلام:
«... لأنّه يولد لنا ولد، ويعطي ابناً ويكون الرياسة على كتفه ويدعى اسمه عجيباً مثيراً إلهاً قديراً أباً أبدياً، رئيس السلام، لنمو بأسه، وللسلام لا نهاية، على كرسيّ داود وعلى مملكته يثبتها ويعضدها بالحقّ والبرّ من الآن إلى الأبد...»(1).
ويتَّضح من ذلك أنّ المراد هو: رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم؛ لأنّه هو من لأنه هو من كانت رئاسته على كتفه فكان خاتم نبوّته صلی الله علیه وآله وسلم بين كتفيه، كما نُقل ذلك عن سعيد بن يعقوب الطالقاني، قال «رأيت الخاتم بين كتفي رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم غدّة حمراء مثل بيضة الحمامة»(2).
ونقل الترمذي أيضاً رواية في كيفية إسلام سلمان الفارسي رحمه الله وسماعه بعلامات النبي الذي يأتي بعد عيسى علیه السلام والتي ذكرها الراهب، وكان فيها أنَّ بين منكبيه خاتم النبوّة، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة ، يقول «بريدة»: جاء سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة بمائدة عليها رطب، فوضعه بين يدي رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فقال: يا سلمان ما هذا؟ قال: صدقة عليك وعلى أصحابك. فقال: ارفعها؛ فإنّا لا نأكل الصدقة. قال: فرفعها، فجاء الغد بمثله، فوضعه بين يدي رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فقال: ما هذا يا سلمان؟ فقال: هدية لك. فقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم لأصحابه: ابسطوا، ثمّ نظر إلى الخاتم على ظهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فآمن به(3).
وهو النبيّ المؤيّد المنصور، ورئيس السلام، أي: الإسلام، ومعنى أنّ للسلام لا نهاية: أن شريعته خاتمة لسائر الشرائع، كما هو خاتم النبيّين.
هذا: وقد صرّح القرآن الكريم - معجزة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الخالدة - بما أخبر الله به الأُمم السابقة عن مبعث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، فقال الله عزّ وجلّ:
«الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ»(1).
«الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ والإنجيل»(2).
قصّة ابن الهيّبان وإسلام بعض اليهود من بني قريظة:
قال عاصم بن عمر: إنّ إسلام ثعلبة بن سعية، وأسد بن سعية، وأسد بن عبيد، إنما كان عن حديث ابن الهيّبان.
وابن الهيّبان كان من كبار علماء اليهود، قدم من بيت المقدس إلى المدينة قبل بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسنين، وكان قد ابتلي أهل المدينة بقحط المطر، فاستسقاهم ابن الهيّبان بالدعاء، وقد فعل ذلك غير مرّة، فلمّا حضرته الوفاة واجتمع بنو قريظة عنده قال لهم: أخرجوني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس، لأنّني أتوقّع خروج نبيّ قد أظلّ زمانه، فاتّبعوه ولا تستبقن إليه الخروج.
فلمّا كانت الليلة الّتي فتحت في صبحها حصون بني قريظة، قال هؤلاء الثلاثة (ثعلبة وأسد ابنا سعية وأسد بن عبيد): يا معشر اليهود! إنّه والله هذا الرجل الذي كان وصف لنا ابن الهيّبان، فاتقوا الله واتّبعوه. فأبوا عليهم، فنزل الثلاثة إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأسلموا(3).
نور الإسلام في قلب «هلن»:
خلال دراسة تاريخ الأديان ومعالمها بالأدلّة العقليّة والنقليّة تتضح حقانية الإسلام ولا يبقى أمام صاحب العقل السليم سوى الالتحاق بهذا الدين الحنيف، المعتقَد الذي يُخرج أتباعه من الشرك واتّباع الوهم وعبادة الشيطان إلى عبادة الرّحمن، فهو الدين الذي وجدت فيه «هلن» المنجى الوحيد من حالة الانغماس في الملذّات الماديّة، والمرتقى إلى نيل السعادة في الحياة الأبديّة والنعيم الخالد وإثر ذلك أعلنت استبصارها، وسمّت نفسها: «مريم»(1).
1) نقلاً عن: معرفة تحليلية عن الإسلام وبعض الأديان والمذاهب: 659
الصورة
ولد المستشرق الفرنسي «هنري كوربان» سنة 1320 ه، المصادف 14 أبريل (1903 م)، في مقاطعة «نورماندي» شمال فرنسا، ونشأ في أُسرة مسيحية بروتستانتية، وأتقن اللاتينية واليونانية، كما أتقن اللغة الألمانية، وألمّ باللغة الروسية، ودرس الفلسفة في كلية الآداب في جامعة «السوربون»، واهتمّ بالفلسفة الإسلامية وأخذ بتعلّم اللغة العربية، والفارسية القديمة والحديثة.
عمل «هنري» في المكتبة الوطنية الفرنسية، وأُرسل إلى البعثة الأثرية الفرنسية في إسطنبول، فأقام بها ستّ سنين لتحقيق كتب السهروردي، ومن ثمّ أستاذاً للفلسفة في كلّ من جامعة السوربون الفرنسية، وجامعة طهران الإيرانية، ورئيس المعهد الفرنسي الإيراني.
عين وهو أحد المستشرقين المعروفين، ومن المختصّين بالدراسات الإيرانية، وقد قضى كثيراً من عمره في هذا الحقل، ودرس المبادئ الشيعية، كان يزور إيران كثيراً من سنة 1945 م إلى سنة قبل وفاته بمعدّل ثلاثة أشهر سنوياً، واطلع على المخطوطات والوثائق الإسلامية فيها، وكان محقّقاً وباحثاً في القضايا الإيرانية والإسلامية، كالعرفان والفلسفة وغيرهما، وترجم بعض كتب الفلاسفة، وكانت له حوارات كثيرة مع جملة من العلماء والمثقّفين ورجال الفكر، منهم العلّامة السيّد
محمّد حسين الطباطبائي صاحب «تفسير الميزان»(1).
ويعدّ الأستاذ «هنري» من أهمّ المستشرقين في مجال طريقة البحث والدراسة الإسلامية بشكل عامّ، وعن الشيعة الإمامية بشكل خاصّ، ويعدّ من الأشخاص النزيهين المنصفين الذين قدّموا خدمات كبيرة وجليلة في إيصال نتائج هذه الدراسات والبحوث إلى عالم الغرب المادّي الذي تشرّب بالأفكار الخاطئة عن دینٍ لا يعلم عن حقيقته إلّا ما نُقل إليهم من صور مشوّهة، وربّما عرف بعض المستشرقين بعض حقائق المعارف الإسلامية، لكن نواياهم السيئة وسوء سرائرهم دفعتهم إلى عدم الاعتراف بالحقيقة.
فالعالم الغربي لم يتعرّف على هذه المدرسة إلّا من خلال أعداء الشيعة؛ إذ كانت المصادر التي يستقي منها المستشرقون هي مصادر أهل السُنّة في فهم الشيعة، وكانت الصورة القديمة لدى الغرب عن المذهب الشيعي أنّها فرقة منشقّة عن الإسلام، اختلفت مع بقية المذاهب على قضايا سياسية، أهمّها الخلافة والحكم.
وهذا ما دعا «هنري كوربان» إلى نذر نفسه لإعلاء كلمة الحقّ عند من جهله أو تجاهله، وقال مؤكّداً: من هذه الجهة بذلت جهودي على قدر ما أستطيع لتعريف العالم الغربي بالتشيع على النحو الذي يليق به، ويتّسق مع واقعية هذا المذهب، وسأبقى أبذل الجهود في هذا الطريق(2).
وقال أيضاً كما نقل عنه العلّامة الطباطبائي -: إنّ ما جناه المستشرقون حتّى الآن من معلومات علمية عن الإسلام اقتصر على مصادر أهل السُنّة ولم يتجاوزها، تستوي في ذلك البحوث التي أنجزها هؤلاء على الكتب والآثار
الإسلامية، واللقاءات التي تمّت لهم مع علماء الإسلام؛ إذ تمّت هي الأُخرى في محيط سنّي بحيث لم ينفتح المستشرقون على غير هذا المحيط فيما يحفل به من مصادر ورجال، بل نراهم عادوا إلى مصادر أهل السُنّة وعلمائهم في تشخيص المذاهب الإسلامية المختلفة، ومعرفة الأُصول والمباني التي تقوم عليها، ولم يتعدّوها إلى غيرها من النظريات.
وإذا قدّر أحياناً لمستشرق أن يزور إيران مثلاً: نراه لا يكترث بمعرفة الحقائق ذات الصلة بالتشيّع، بسبب ما لديه من معطيات عن الموضوع تكوّنت لديه من خلال الآخرين، بل يكتفي بدراسة المذاهب من خلال الإطار الاجتماعي والوضع العامّ الذي يعكسه المنتمون إليه من عامّة الناس، ويقنع بمعلومات يكسبها من خلال أشخاص غير مطّلعين لا يُعبأ بهم.
بيد أنّى أعتقد خلافاً لما يذهب إليه إجماع المستشرقين أنّ التشيّع هو مذهب حقيقى أصيل وثابت، يتحلّى بمعالم محدّدة تليق بمذهب واقعي. وما سوى ذلك ممّا غنّى به المستشرقون السابقون ذهنية العالم الغربي عن الإسلام والتشيّع لا تعدو أن تكون أشياء لا أساس ولا محتوى لها من الثقافة والفكر(1).
ومن هنا كانت جميع مؤلّفات كوربان تعتمد على نفس المصادر الأصلية لمدرسة أهل البيت علیهم السلام، و لذا خرجت دقيقة وعميقة وموسّعة بشأن الحضارة الإسلامية، والثقافة الإسلامية، وهذا يدلّ على سعة اطلاعه على الثقافة الإسلامية إلى درجة قلّما ينافسه عليها غيره، خلافاً لكثيرٍ من المستشرقين الذين كتبوا عن الثقافة الشرقية والإسلامية بمعلومات خاطئة وغير صحيحة، وبناءً على ظنون وأوهام؛ إذ كانوا يرجعون إلى مصادر أهل السُنّة في تحصيل معلوماتهم عن الشيعة، وهذا ما جعل نتائجهم ضعيفة وخاطئة في أكثر الأحيان.
1) الشيعة (نص الحوار مع المستشرق كوربان): 46 - 47
وللأُستاذ كوربان مؤلّفات قيّمة ككتاب «الشيعة الاثنا عشرية»، وكتاب «تاريخ الفلسفة الإسلامية»، و«الإسلام الإيراني» في أربعة أجزاء، و«التخيّل الخالق في تصوّف ابن عربي»، وكتاب «ابن سينا والحكاية ذات الرؤيا» الذي نال شهرة واسعة في أُوربا، وترجم إلى الإنجليزية.
كما له ملاحظات نفيسة على الكتب الفلسفية، منها: رسالته عن صدر الدين الشيرازي «تعليقات»، ومقدّمة على كتاب «حكمة الإشراق» لشهاب الدين السهروردي، وعلى كتاب «جامع الحكمتين» لناصر خسرو العلوي الفاطمي، وعلى كتاب «كشف المحجوب» لأبي يعقوب السجستاني، وكتاب «عبهر العاشقين» للشيخ روزبهان بقلي الشيرازي، و «شرح شطحیات الشيخ روزبهان بقلي الشيرازي»، وشرح لقصيدة فلسفية لأبي الهيثم الجرجاني.
وله أيضاً ترجمات لبعض الكتب الفلسفية إلى الفرنسية، ككتاب «المشاعر» لصدر الدين الشيرازي، وكتاب «الينابيع» لأبي يعقوب السجستاني، ورسالة «المبدأ والمعاد» للسيّد الحسين بن علي، وبعض تأویلات «گلشن راز» لمحمود شبستري، كما وأصدر مجموعة أُخرى من النصوص المترجمة إلى الفرنسية بعنوان «الأرض السماوية وأجسام البعث» أو «الجسم الروحي والأرض السماوية»، وغير ذلك ممّا خلّف من آثار و تحقيقات ودراسات عن الفلسفة والعرفان والتصوّف(1).
ولذا صار باحثاً متفرّداً، وعالماً متميّزاً في طريقة البحث والدراسة، ومع ذلك كلّه حاول أن يفسّر الآيات القرآنية والروايات الواردة عن أئمّة أهل البيت علیهم السلام، تفسيراً باطنياً، وكذلك مذهب التشيع فسّره بجميع مفاهيمه تفسيراً باطنياً، وأوّله تأويلاً صوفياً عرفانياً(2).
حواره مع العلّامة الطباطبائي:
استغلّ «هنري كوربان» فترة وجوده في إيران، كأستاذ محاضر في جامعة طهران، ورئيس المعهد الفرنسي الإيراني، للاتّصال بكبار رجال الفكر والدين في إيران، منهم العالم الشيعي العلّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائي، الذي يعدّ أحد روّاد المنهج الفلسفي والتفسيري.
وقد التقى في أحد أيّام الخريف من سنة 1958 م العلّامة الطباطبائي من أجل المناقشة والحوار، وخلال لقائه وجّه إليه عدّة أسئلة كانت تدور في ذهنه أبرز حول التشيّع، واستمر بعد ذلك الاتّصال بينهما عبر الرسائل المتبادلة، ومن النقاط التي سعى كوربان لفهمها في المذهب الشيعي: قضية الظاهر والباطن، وقضية الإمامة والولاية، بالإضافة إلى قضية أُخرى لا تقلّ أهمية، وهي قضية الإمام المهدي علیه السلام، وإيمان الشيعة الاثني عشرية بعودته، وأنّه سيظهر في يوم من الأيّام، ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلما وجوراً، وأنّه غائب عن الناس لحكمة في ذلك، وأنّه يظهر بطلعته المباركة، حتّى يتكئ على جدار الكعبة، بغية إحياء علوم وسُنّة جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من جديد.
وثمّة بعض المسائل التي وجّهها الأستاذ كوربان إلى العلّامة:
1 - ما هو مفهوم الظاهر والباطن في القرآن الكريم؟
2 - كيف انبثقت الأفكار الأولية للشيعة؟
3 - إن الرأي السائد في بلاد الغرب أنّ الفلسفة الإسلامية انتهت بابن رشد، وختمت به، ولم يعلموا بظهور مدارس فلسفية وحكمية في إيران أدّى وجودها إلى بروز أعلام في هذا المجال، أمثال: الخواجة نصير الدين الطوسي، والميرداماد، والملّاصدرا، ونظائرهم.
فالسؤال المطروح: لماذا تركّزت الفلسفة في إيران وازدهرت أكثر من أية بقعة أُخرى في العالم الإسلامي، وما هي العلاقة بين التشيّع والفلسفة، وخصوصاً في منهج الميرداماد والملّاصدرا؟
4 - ما هي العلاقة بين التشيّع والتصوف؟
5 - ما هي الآثار التي تترتّب على تصوّر الإمام الغائب في الفكر الفلسفي والأخلاقي؟
وقد أجاب العلّامة الطباطبائي على هذه الأسئلة، وطبعت في كتاب يجمع بين دفّتيه قصّة حواره لهذا المستشرق الفرنسي.
1 - ما هو مفهوم الظاهر والباطن:
فالباطن كما في الكتب اللغوية هو: خلاف الظاهر(1)، والباطنية هم: أُولئك الّذين يأخذون بالمعنى الباطن للكتاب والسُنّة، ويجعلون لكلّ ظاهر باطناً، ويجعلون لكلّ تنزيل تأويلاً(2).
وقد أُطلق هذا الاسم على فرق عدّة متباينة، كان لها شأن سياسي هام، وأهمّها: الخرمية، والقرامطة، والإسماعيلية، وبعض الصوفية. وهذه التسمية أُطلقت أيضاً على فرق من غير المسلمين؛ إذ يعدّ منهم المزدكية، وهي: فرقة مانوية أسّسها (مزدك)، وظهرت في عهد الملك الساساني (قباذ بن فيروز).
ولا يوجد مذهب عامّ يقابل هذه التسمية، بل لكلّ فرقة منها مذهبها الخاصّ(3).
ويرى عبد الرحمن البدوي أنّ الكلمة الجامعة في الباطنية أنّها: «لقب عام
مشترك، تندرج تحته مذاهب وطوائف عديدة، الصفة المشتركة بينها هي: تأويل النصّ الظاهر بالمعنى الباطن، تأويلاً يذهب مذاهب شتّى، وقد يصل التباين بينها حد التناقض الخالص، فهو يعني: أن النصوص الدينية المقدّسة رموز وإشارات إلى حقائق خفية وأسرار مكتوبة، وأنّ الشعائر بل الأحكام العملية هي الأُخرى رموز وأسرار، وأنّ عامّة الناس هم الّذين يقنعون بالظواهر والقشور، ولا ينفذون إلى المعاني الخفية التي هي من شأن أهل العلم الحقّ، علم الباطن»(1).
ومن أهمّ النقاط التي أثارها «كوربان» في أبحاثه هو موضوع: الظاهر والباطن في الدين، وفي الأحكام الشرعية بصورة عامّة، والقرآن الكريم بصورة خاصّة، وقد أسهب في هذا المجال، وجعَله أساساً لكثير من أبحاثه، ومنطلَقاً لمجموعة من استنتاجاته، واعتمد على هذا الأصل في فهم مذهب الشيعة، وتفسير كثير من الأمور التي تعتقدها مدرسة أهل البيت علیهم السلام، ك: معنى الولاية والإمامة، والإمام الغائب، وغيرهما.
يقول «هنري كوربان» عن الفكر الشيعي: «نستطيع أن نعيّن خطوط القوى في الفكر الشيعي تحت هاتين الإشارتين التاليتين:
1 - الباطن 2 - الولاية»(2).
ويقول في موضع آخر: «ولقد أعطت الفكرة الباطنية، التي هي أساس التشيّع، وأصل بنيانه أعطت أُكلها، وأثمرت خارج الوسط الشيعي الخالص، (وسنرى أنّ هذا بالذات سيطرح أكثر من سؤال) لقد أثمرت لدى الصوفية، كما أثمرت لدى الفلاسفة.
فالتبطّن الصوفي ينزع إلى عيش السرّ الأساسي لنطق القرآن، بين ثنايا النصّ القرآني.
وهذا العيش ليس بدعة من بدع الصوفية، ويكفي لنعلم ذلك أن نرجع إلى تلك الحالة النموذجية للإمام جعفر، فقد ظلّ تلاميذه صامتين ذات يوم احتراماً لسكوته الذهولي بعد الصلاة حتّى قال: لم أتوقّف عن ترديد هذه الآية حتّى سمعتها من الذي قرأها على النبيّ»(1).
وهنا أيضاً نلاحظ أنه يفسّر أصل وأساس التشيّع بالباطنية، ويحاول أيضاً أن يفسّر القرآن الكريم وروايات أهل البيت علیهم السلام تفسيراً باطنياً.
الظاهر والباطن في القرآن الكريم:
فقد روى البرقي بإسناده، عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: سألت أبا جعفر علیه السلام عن شيء من التفسير، فأجابني، ثمّ سألته عنه ثانية، فأجابني بجواب آخر، فقلت: جعلت فداك! كنت أجبتني في هذه المسألة بجواب غير هذا قبل اليوم.
فقال: «يا جابر! إنّ للقرآن بطناً، وللبطن بطناً، وله ظهر، وللظهر ظهر، يا جابر! ليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن، إنّ الآية يكون أوّلها شيء وآخرها في شيء، وهو كلام متّصل منصرف على وجوه»(2).
فكانت لكوربان عدة أسئلة عن أمثال هذه الرواية من العلامة الطباطبائي وهي:
أوّلاً: ما يعني الإدراك المعنوي والباطني للقرآن في ضوء الحقيقة الداخلية للمذهب الشيعي؟
ثانياً: كيف يستلزم مثل هذا الإدراك المعنوي والباطني للقرآن معرفة الإمام من جهة تصوّر شخصيته، ومن جهة الظهور المعنوي له؟
وقد أجاب العلّامة الطباطبائي عن ذلك بقوله: تتطابق أخبار أئمة الشيعة وأحاديثهم مع ما نستفيد من القرآن الشريف في الدلالة على أنّ الإنسان يعيش من خلال بنيته الجسمية في عالم مادّي محسوس يقع تحت سيطرة الطبيعة.
كما أنّ هذه الأخبار تتطابق مع القرآن في الدلالة على أنّ الجميع، بما في ذلك الإنسان، يسير نحو الهلاك والانقراض، بيد أنّ الدلالة المستفادة تشير في الوقت نفسه إلى أنّ العالم والإنسان يعودان بعد انقراضهما إلى الحياة مجدّداً، فيعيش الإنسان حياته الثانية سعيداً أو شقيّاً، تبعاً لما كانت عليه عقائده في الحياة الأُولى، وطبقاً لما مضت عليه سيرته العملية قبل موته.
لذا كان على الإنسان أن يقتدي بهدي السماء في الطريق الذي دلّ عليه الوحي الإلهي، وأبانته النبوّات، فيقيم حياته على أُصول منظومة من العقائد الصحيحة، والأعمال الصالحة، فبالتزام الإنسان بهذه العقائد، ومواظبته على الأعمال الصالحة يؤمن سعادته في الحياة الأُخرى الخالدة، كما يؤمّنها في هذه الدنيا الزائلة.
وعند مراجعة القرآن الكريم وروايات أهل البيت علیهم السلام نجد دلالتهما تشير إلى أنّ النظام المادّي الطبيعي ينبثق من عالم معنوي أرفع من هذا العالم المحسوس، وأنّ أجزاء هذا العالم نزلت من ذلك العالم السامي، واستقرت في هذه النشأة التي تنطوي على التكاثر، وبعد ذلك سوف تعود إلى عالمها الذي انبثقت منه.
فالنظام الذي يدعو الإسلام البشرية إليه يحمل سلسلة مقامات روحية ومعنوية، كما دعت إليه سائر الأديان السماوية، وسير الإنسان لهذه المقامات في سلّم العبودية في الحقيقة سير إلى درجات القرب الإلهي، الذي يبدأ من أوّل مقامات الإيمان وينتهي بحضيرة القرب الإلهي.
وهذا الصراط ليس معنى تصوّرياً يطلق عليه اسم الطريق تشريفاً، وإنّما هو
حقيقة واقعية نورانية حيّة تحيط بالعالم الإنساني، وتسوق الإنسانية وتهديها نحوها بواسطة الاعتقاد الحقّ والعمل الصالح.
ومن الطبيعي أن تتفاوت مراتب الهداية بتفاوت عمق الإيمان ودرجة الالتزام بالعمل الصالح.
ولا تسقط هذه الحقيقة الحيّة النورانية المعنوية أبداً، بل إنّ لها دائماً مَن يحملها من بني الإنسان، ويضطلع على أساسها بقيادة الناس وهدايتهم.
وهذا الشخص الذي يحمل هذه الحقيقة، هو الذي يُطلق عليه بعرف القرآن والحديث اسم (الإمام)(1).
والحقيقة إنّ الباحثين في الأحكام الإسلامية والمفسّرين للقرآن الكريم لا يعتمدون غالباً على أُسلوب الرمزية، ولا يأخذون بالظاهر والباطن، بل المبدأ الشائع عندهم والطريقة السائدة هي: أصل مراحل الإدراك، ومبدأ تفاوت مراتب الفهم.
إنّ الحقيقة، أيّة حقيقة، لها جوانب عديدة، ولها آثار مختلفة، يتفاوت بعضها عن بعض وضوحاً وخفاءً، والعِلم البشري يكتشف بالتدريج ويدرك الآثار واحداً تلو الآخر كلّما تقدّم وتسرّب إلى أعماق الحقيقة.
ولكن الكلمة تختلف عن سائر الحقائق، وتفسيرها يكاد يكون محدوداً بحدّین:
الحد الأوّل: هو مدلول الكلمة ومعناها الاستعمالي من حقيقة ومجاز وكناية؛ فلا يمكن تفسير الكلمة إلا في حدود محتواها ومدلولها، أمّا إذا تعدينا هذا الحدّ فتصبح الكلمة رمزاً، وتتغيّر الدلالة الوضعية، وتتحوّل إلى دلالة عقلية.
والحدّ الثاني: هو مستوى معرفة المتكلّم وقصده من التكلّم والكلام؛ إذ لا
1) راجع الشيعة (نصّ الحوار مع المستشرق کوربان): 117 - 119
يمكن أن نفسّر كلام شخص بمعنىً لا يعرفه، أو بحقيقةٍ لم يصل إليها، وكلّما ارتفع مستوى معرفة المتكلّم وازداد علمه وثقافته ارتفعت معاني كلامه وكثرَت مدلولات ألفاظة.
فالباحثون في تفسير القوانين ونصوص الاتفاقيات يعتمدون مبدأً قطعياً هو: أنّ واضعي القوانين أو كاتبي الاتّفاقيات بلغوا من مستوى الخبرة والثقافة حدّاً يمكّن المفسرين من أن يتعمّقوا في معاني كلماتهم، وأن يبلغوا درجات عالية من التفسير والتأويل.
ولكنّ الباحثين والمفسّرين لا يسعهم إلّا أن يقفوا عند حدٍّ لا يتجاوزوه، إنّه حدّ مستوى ثقافة الواضعين ومعرفة كتّاب النصوص واطّلاعهم ومعلوماتهم.
أمّا الكلام الإلهي فلا يُحدّ تفسيره بالحدّ الثاني. إذ أنّ عِلّم الله تعالى عين ذاته ولا حدّ له: «وَسِعَ كُلَّ شَيءٍ عِلْمًا»(1)، فالمستمع للكلام الإلهي يحقّ له أن يفهم منه كلّ شيء في أيّ جانب من الواقع، وفي أيّ حقل من المعرفة، وبأيّ درجة من العمق والخفاء شرط أن لا يتجاوز فهم السامع المفسّر مدلول الكلمة، ولا يتعدّى التفسير محتوى الكلام ودلالاته الوضعية حقيقةً ومجازاً وكنايةً.
إنّ كلام الله هو كالحقيقة العينية، أو هو الحقيقة بعينها، له جوانب من الدلالة ومراحل من التفسير، كلّ واحد منها مقصود للقائل؛ حجّة على المستمع، وطريق للمؤمن..
وحينما نبحث في هذه الميزة التي يمتاز بها كلام الله، والى حد كبير، نُلحق به كلام الرسول؛ إذ أنّه لا ينطق عن الهوى، وذلك بشرط أن تُنقل لنا نصوص كلامه دون تحريف أو تفسير من الراوي.
ويجد الباحث المدقّق في كلمات المفسّرين للقرآن الكريم، وفي الأبحاث
1) طه (20): 98
التي تدور حول الآيات المباركة، وحول السيرة المطهّرة، يجد هذا المسلك الذي قلناه بوضوح، فيرى أنّ المفسّرين والباحثين يحاولون التعمّق في الكلمات المباركة بكل اهتمام ودقّة، ثمّ يجدون في سائر الآيات القرآنية أو الأحاديث الشريفة أو الأحكام العقلية أو المكتشَفات الحديثة.. يجدون في كل هذا قرائن جديدة لاكتشاف معانٍ متفاوتة، اتجاهاً وعمقاً من هذه الآيات أو الروايات، ويعتبرونها ينابيع لتدفّق حقائق متجدّدة عليهم يوماً بعد یوم.
فالشيخ مرتضى الأنصاري في كتابه الشهير في الفقه (المكاسب)(1)يذكر الحديث الشريف: «إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام»(2)، فيفسّره تفاسير أربعة يختلف أحدها عن الآخر وضوحاً وأثراً، ولكن الجميع يعطي مدلول الكلمة.
والفقهاء المتأخّرون فسّروا قول الرسول صلی الله علیه وآله وسلم: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام»(3)، وذكَر كل عالِم تفسيراً يختلف عن تفسير الآخرين، حتّى ليبلغ عدد التفاسير المشهورة خمسة، وكلّها مدلولات للحديث ظاهرة لا تتعدّى نطاق دلالة اللفظ(4).
2 - كيف وجد التشيّع:
لا ينبغي أن يفترض أن التشيّع أقليّة اختلفت مع الأكثرية في الأصول العامّة للإسلام بحيث رفضت بعض مبادئها، فاندفعت إلى تأسيس مذهب جديد، أو كان سبب انبثاقه دواعٍ سياسية، أو تعصّبات قومية، أو وطنية، أو قبلية، أو ترتبط بثأر ديني، وانفصل عن جماعة المسلمين ليضرب بنسيج الوحدة الإسلامية، ويزرع بذور الفرقة.
كما يصوّر المناوئون له من أنّه وليد أفكار ابن سبأ اليهودي، الذي حرّض الناس من العراق والشام على قتل الخليفة الثالث عثمان بن عفّان، وإنشاء مذهب جدید خليط من مجموعة من العقائد اليهودية وبعض المعارف الإسلامية، وتأسيس مزيجاً يتحرّك في إطار الغلوّ بحقّ أمير المؤمنين وآل بيته علیهم السلام.
أو أنّ جذور منشأ التشيع رستْ على أساس منهج الثأر وسياسة الانتقام؛ وذلك أثر ما تجرّعه الفرس من غصص الخليفة الثاني عمر بن الخطّاب، بعد فتح إيران والإطاحة بتيجان الأكاسرة، واجتثاث جذور المجوسية.
أو منشأه أنّ بعض المجوس استغلّوا أرضية الاحترام إثر المصاهرة بين الإمامين الحسن والحسين علیهما السلام لكسرى كذريعة لإيجاد هذا المذهب.
أو أنّه وليد المساعي التي بذلها أئمّة أهل البيت علیهم السلام، لاسيّما الإمام الباقر والصادق علیهما السلام، بهدف تبوّأ مركز القيادة الروحية العامّة لهم.
أو أنّه صنيعة ملوك آل بويه، الذين حكموا العراق وبعض مناطق إيران لفترة - معيّنة ما بين 320 - 447 ه في القرن الرابع الهجري.
أو أنّه صنيعة الصفويين، الذين حكموا إيران وحواليها في القرن العاشر حتّى بدايات القرن الرابع عشر الهجري.
هذه ونظائرها من الرؤى والآراء والتهم التي ساقها مناوئو الشيعة حول نشوء التشيّع، في حين أنّ الحقيقة هي شيء آخر.
المعرفة الواقعية للشيعة والتشيّع:
إِنْ أَوَّل مَن وضع بذرة التشيّع هو النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم نفسه، صاحب الشريعة الإسلامية، يعني أنّ بذرة التشيّع وضعت مع بذرة الإسلام، جنبا إلى جنب، وسواء بسواء، ولم يزل غارسها يتعاهدها بالسقي والعناية حتّى نمت وأزهرت في حياته، ثمّ أثمرت بعد وفاته.
والشاهد على ذلك: أحاديثه الشريفة نفسها، لا من طرق الشيعة ورواة الإمامية، حتّى يقال: إنّهم ساقطون؛ يقولون بالرجعة، أو أنّ راويهم يجرّ النار إلى قرصه، بل من أحاديث علماء السُنّة وأعلامهم، ومن طرقهم الوثيقة التي لا يظن ذو مسكة فيها الكذب والوضع(1).
فمنها: ما أخرجه ابن عساكر بإسناده والسيوطي في الدرّ المنثور في تفسير قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ»(2)عن جابر ابن عبد الله، قال: كنّا عند النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فأقبل عليّ بن أبي طالب، فقال النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم:
«قد أتاكم أخي»، ثمّ التفت إلى الكعبة فضربها بيده، ثمّ قال: «والذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة»، ثمّ قال: «إنّه أولكم إيماناً معي، وأوفاكم بعهد الله، وأقومكم بأمر الله، وأعد لكم فى الرعية، وأقسمكم بالسوية، وأعظمكم عند الله مزيّة».
قال: ونزلت: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ».
قال: فكان أصحاب محمّد صلى الله عليه وآله وسلم إذا أقبل عليّ، قالوا: قد جاء خير البرية(3).
وأخرج ابن عدي، عن ابن عبّاس، قال: لمّا نزلت: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ»، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعليّ: «هو أنت وشيعتك القيامة راضين مرضيين»(4).
وأخرج ابن مردويه عن عليّ قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ألم تسمع قول الله: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ»، أنت وشيعتك،
وموعدي وموعدكم الحوض إذا جئت الأُمم للحساب، تُدعون غرّاً محجّلين»(1).
ومنها: عن أُمّ سلمة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعليّ علیه السلام: «أبشر يا عليّ! أنت وأصحابك في الجنّة، أبشر يا عليّ! أنت وشيعتك في الجنّة»(2).
ومنها: ما رواه ابن الأثير: قال النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم لعليّ علیه السلام: «ستقدم على الله أنت وشيعتك راضين مرضيين، ويقدم عليه عدوّك غضاباً مقمحين»، ثمّ جمع يده إلى عنقه، يريهم كيف الإقماح.
الإقماح: رفع الرأس وغضّ البصر. يقال: أقمحه الغل: إذا ترك رأسه مرفوعا من ضيقه(3).
ومنها: قال النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم لعليّ علیه السلام: «يا عليّ! إذا كان يوم القيامة أخذتُ بحجزة الله، وأخذتَ أنت بحجزتي، وأخذ ولدك بحجز تك، وأخذت شيعة ولدك بحجزتهم، فترى أين يؤمر بنا؟!»(4).
ومنها: أخرج الديلمي: «يا عليّ! إنّ الله قد غفر لك ولذرّيتك ولولدك ولأهلك ولشيعتك ولمحبّي شيعتك، فأبشر فإنّك الأنزع البطين»(5).
ومنها: ما روي عن النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم قال: «يدخل من أُمّتي الجنّة سبعون ألفاً بغير حساب».
فقال عليّ علیه السلام: «مَن هم يا رسول الله؟».
قال: «هم شيعتك يا عليّ وأنت إمامهم»(6).
إلّا أنّ ظهور هذه الفرقة كان يوم وفاة الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم؛ إذ كان جسده الطاهر مسجّىً على الأرض ولم يوارَ الثرى بعد، وأهل بيته وبعض خلّص أصحابه مشغولون بتجهيزه ودفنه، فاجتمعت طائفة من الصحابة في سقيفة بني ساعدة على صل الله عجل؛ ليحسموا أمر الخلافة، وقد عيّنوا خليفة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زاعمين حرصهم على حفظ مصالح المسلمين.
نهض الإمام أمير المؤمنين علیه السلام مع أهل بيته من بني هاشم وثلّة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المخلصين الباقين على وفائهم ببيعة الغدير للاعتراض على ما حصل من تعيين خليفة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سقيفة بني ساعدة مع وجود النصّ له النبوي بأمر من الله تعالى على الاستخلاف في يوم الغدير وغيره، ويحذّرونهم عواقب ما اجترحت أيديهم.
إباء أمير المؤمنين علي علیه السلام عن مبايعة أبي بكر:
الإمام أمير المؤمنين عليّ علیه السلام لم يأتِ إلى أبي بكر بل أُتي به إلى أبي بكر وهو يقول: «أنا عبد الله وأخو رسوله».
فقيل له: بايع أبا بكر.
فقال: «أنا أحق بهذا الأمر منكم، لا أُبا يعكم وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار ، واحتججتم عليهم بالقرابة من النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم، وتأخذونه منّا أهل البيت غصباً؟
ألستم زعمتم للأنصار أنّكم أولى بهذا الأمر منهم لمّا كان محمّد منكم، فأعطوكم المقادة، وسلّموا إليكم الإمارة، وأنا احتجّ عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار: نحن أولى برسول الله حيّاً وميتاً، فانصفونا إن كنتم تؤمنون، وإلّا فبوؤوا بالظلم وأنتم تعلمون».
فقال له عمر: إنّك لست متروكاً حتّى تبايع.
فقال له علي: «احلب حلباً لك شطره، واشدد له اليوم أمره يردده عليك غداً».
ثمّ قال: «والله يا عمر! لا أقبل قولك ولا أُبايعه».
فقال له أبو بكر: فإن لم تبايع فلا أُكرهك.
فقال أبو عبيدة بن الجرّاح لعليّ علیه السلام: يا بن عم! إنّك حديث السن وهؤلاء مشيخة قومك، ليس لك مثل تجربتهم، ومعرفتهم بالأُمور، ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الأمر منك، وأشدّ احتمالاً واضطلاعاً به، فسلّم لأبي بكر هذا الأمر، فإنّك إن تعِش ويطُل بك بقاء، فأنت لهذا الأمر خليق وبه حقيق، في فضلك ودينك، وعلمك وفهمك، وسابقتك، ونسبك وصهرك.
فقال علي علیه السلام: «الله الله يا معشر المهاجرين! لا تخرجوا سلطان محمّد في مقامه العرب عن داره وقعر بيته، إلى دوركم وقعور بيوتكم، ولا تدفعوا أهله عن في الناس وحقّه، فوالله يا معشر المهاجرين، لنحن أحقّ الناس به؛ لأنّا أهل البيت، ونحن أحقّ بهذا الأمر منكم، ما كان فينا القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بسنن رسول الله، المضطلع بأمر الرعية، المدافع عنهم الأمور السيئة، القاسم الله، بينهم بالسويّة، والله إنّه لفينا، فلا تتّبعوا الهوى فتضلّوا عن سبيل الله، فتتزدادوا من الحقّ بُعداً»(1).
اعتراض فاطمة الزهراء علیها السلام:
وكان ممن اعترض على هذا الأمر: فاطمة الزهراء علیها السلام بنت رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فقد ذكر ذلك ابن قتيبة الدينوري، قال: «وخرج عليّ كرّم الله وجهه يحمل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلّم على دابّة ليلاً في مجالس الأنصار تسألهم
1) الإمامة والسياسة 1: 18 - 19
النصرة، فكانوا يقولون يا بنت رسول الله! قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو أنّ زوجك وابن عمّك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به. فيقول عليّ كرّم الله وجهه: أفكنت أدع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته لم أدفنه، وأخرج أُنازع الناس سلطانه؟
فقالت فاطمة: ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له، ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم(1).
اعتراض بعض الصحابة:
لم يكن المعترضون على نهج السقيفة الذين التزموا جانب الإمام عليّ علیه السلام، ووقفوا إلى جواره أشخاصاً مجهولين، ومن ذوي الأهواء والأغراض، بل كانوا من كرام الصحابة وكبارها، ومن المسلمين الأوائل الذين عُرفوا بملازمة نبيّ الإسلام صلی الله علیه وآله وسلم، و اتّباع الكتاب والسنّة، واشتهروا بالفداء والتضحية، والجهاد في طريق الدعوة.
قال سلمان يومئذٍ: «أصبتم ذا السن منكم، وأخطأ تم أهل بيت نبيّكم، لو جعلتموها فيهم ما اختلف عليكم اثنان، ولأكلتموها رغداً»(2).
أمّا أبو ذر فقد كان حين وفاة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم غائباً، وقدم وقد ولّي أبو بكر فقال: «أصبتم قناعة، وتركتم قرابة، لو جعلتم هذا الأمر في أهل بيت نبيكم لما اختلف عليكم اثنان»(3).
ولم يكن هدفهم أن يروّجوا لدين جديد يحلّ محلّ الدين الذي كانت معالمه قد شيّدت للتو، وإنّما كان مبتغاهم أن يدافعوا عن مجموعة من النصوص الإسلامية الثابتة التي جعلت زمام ولاية المسلمين بيد أمير المؤمنين عليّ وأولاده
المعصومين علیهم السلام بالنصوص المتواترة، والثابتة بين الفريقين الواردة عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، كدعوة الأقربين من بني هاشم، وحديث الثقلين والسفينة والغدير وغيرها.
فهؤلاء هم المؤسّسون لطريقة التشيّع، وطليعة رجال الشيعة وأوائلهم، والملازمون للنبيّ الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم، ومن حواريي الإمام أمير المؤمنين علیه السلام.
فالتشيّع ظاهرة تصحيحية، وهو يمثّل الخطّ الإسلامي الأصيل، ويحمي الرسالة والأُمّة الإسلامية من الخطأ والانحراف، ويتّبع الكتاب والسُنّة، فالتشيّع ليس ظاهرة طارئة على الإسلام، ولا وجد بسبب التأثيرات الخارجية، وإنّما نشأ من صميم الكتاب، وما جاء به النبيّ الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم وآل بيته الطاهرين علیهم السلام(1).
3- ازدهار الفلسفة الإسلامية في إيران:
لا ينبغي الشك في أنَّ عدم اطّلاع المؤسسة الثقافية في أُوربا على التغييرات التي طرأت على الفلسفة الإسلامية، والنمو الذي شهدته الحكمة خلال سبعة قرون على يد أمثال الخواجة نصير الدين الطوسي والمير داماد والفيض الكاشاني والملّا هادي السبزواري وغيرهم، يعدُّ خسارة علمية لتلك الأندية العلمية.
والسرّ في ذلك أنّ أنظار الأُوربيين توجّهت نحو الأندلس منذ الأيّام الأولى التي بادروا فيها لنقل الكتب الإسلامية وترجمتها، كي يمنحوا قواماًلمؤسّساتهم الثقافية؛ لقربهم من الأندلس، واتّصالهم بها جعلهم يؤكّدون على الاتّجاهات العلمية فيها، وعلى الكتب الفلسفية اليونانية المترجمة إلى العربية، وكذلك كتب الفلاسفة الإسلاميين التي كانت رائجة هناك، من جملتها كتب ابن رشد التي ذاع صيتها في تلك الديار، واكتسبت شهرة فلسفية عندهم، بينما لم تولِ الاهتمام نفسه بالفلسفة الإسلامية التي ظهرت في شرق العالم الإسلامي بالرغم من تقدّم عهدها، ودقّتها، وعمقها.
1) للمزيد راجع الشيعة (نصّ الحوار مع المستشرق كوربان): 55 - 59
لذا تركّزت اتّصالات الأُوربيين مع العالم السنّي خاصة، الذي لم يشهد نمواً يذكر للفلسفة بعد ابن رشد، إلّا بعض البحوث بهدف الردّ والإبطال لا بعنوان البحوث العلمية لإغناء المكتبة الفلسفية.
وعلى هذا الأساس أدرج الأُوربيون اسم الفلسفة الإسلامية في فهرس سجل الأموات، وفي آثار الماضين، ولم يحتملوا أبداً إمكان أن تتجدّد الحياة فيها مرة أُخرى(1).
العلاقة بين الفلسفة والتشيّع:
الفلسفة الإسلامية كانت سلسلة مسائل وعناوين وحدود معيّنة بُحثت على يد مجموعة فلاسفة اليونان قبل الإسلام، ثمّ تابعت سيرها في الإسلام حتّى زمان ابن رشد، بيد أنّها شهدت تحوّلاً وأحرزت تقدّماً عجيباً بعد ابن رشد، منذ القرن السابع الهجري وحتّى الآن، وأضيفت إليها عناوين وأبواب ومسائل كثيرة لم تكن موجودة من قبل.
فالفلسفة ازدهرت وجدّدت حياتها في إيران خاصّة؛ لأنّ هناك كمّيّة ملحوظة من بيانات أهل البيت علیهم السلام المدوّنة في المجاميع الحديثية للشيعة تنطوي على طراز فكر وأُسلوب عقلي حرّ، بحيث تناولت بالبحث الدقيق جميع جوانب عالم الوجود من مبدئه إلى معاده.
وكان من الطبيعي أن يدفع المنهج الواقعي الإسلامي عدّة من ذوي الأفكار الواقعية ممّن لهم ميول إلى البحث نحو حلٍّ لهذه المسائل، ليفتحوا الطريق بذلك إلى نهج منظّم يضطلع بكشف رموز الوجود وأسراره.
والشيعة وحدهم هم الذين تحلّوا بوجود مثل هذه الذخائر الثمينة، واستغلّوا الفرصة المؤاتية لهم في إيران؛ لأنّهم كانوا بعيدين عن ضغط الأكثرية
1) راجع الشيعة (نص الحوار مع المستشرق كوربان): 123 - 125
السُنّية المخالفة للنهج الفلسفي، وبالأخص الخطّ الوهّابي منهم.
فصارت العلاقة بين الفلسفة الإسلامية والتشيّع، ونما في هذا البلد أكثر غيرها من البلدان الإسلامية(1).
4 - ما هي العلاقة بين التشيّع والتصوّف؟
هو الآخر من الأسئلة التي أثارها الأُستاذ «كوربان» عن علاقة التشيّع بالتصوّف، وأجاب عنه بأنّه: يمكن أن يقال بشكل كلّي أنّ ثمّة رابطة خاصّة بين أصل الدين (بمعنى القول بالألوهية والخضوع إلى عالم الغيب) وبين طريقة التصوّف، ومن هذه الجهة يُفسَّر وجود المتصوّفة في جميع الطوائف الدينية في العالم حتّى البوذية والبراهمة.
فكلّ طائفة «تصورها» الذي توكِل من خلاله زمام الوجود، وأجزاء هذا العالم الفسيح، بيد قدرة «غيبية» عالِمة تكون ما فوق الطبيعة، وتتوجّه لمقام الخالِق بالعبادة والتعظيم.
وثمة عدد من هؤلاء ينخرط في المجاهدات والرياضات على أمل أن يقف على الأسرار المكنونة وراء حجاب الغيب، فيمتنع عن الملذّات المادّية، والشهوات النفسانية، ليتفرّغ إلى تخلية النفس وتجريدها.
هذا المسار الذي يعكسه سلوك هذه الفئة، هو التصوّف، وإن كان في كلّ طائفة يُحمل على اسم خاصّ.
ومن الطبيعي أنّ هذا النهج عبّر عن نفسه في الإسلام أيضاً حيثما ظهر ونما، حتّى كانت ثمّة مجموعة ملحوظة طوت هذا الطريق، وسارت فيه من بين أبناء الكيانين السُنّي والشيعي، ولا يُدرج التصوّف كطريقة في إطار مذهب خاصّ
1) راجع الشيعة (نصّ الحوار مع المستشرق كوربان): 125 - 127
بحيث يُعدّ رديفاً لسائر المذاهب كي يقال: إنّ المذاهب السُنّية هي: الأشاعرة، والمعتزلة والمتصوّفة، وإنّما ينطوي كلّ مذهب من المذاهب الإسلامية على الصوفية وغير الصوفية.
وإن كنّا نلمس من بعض مؤلّفاتهم وآثارهم جهات توافقٍ مع بعض معتقدات التشيّع، منها: وجود شخصية بشرية تحمل حقيقة الولاية، ويقوم عليها عالم الوجود.
فالمتصوّفة يقولون: إنّه يلزم في كلّ عصر أن توجد شخصية بشرية تحمل حقيقة الولاية، ويقوم عليها عالم الوجود.
وهذه الشخصية القطبية تنطبق مع ما يعتقد الشيعة بوجوده دائماً، ويطلقون عليه اسم: إمام الزمان، وإن كان أولئك غالباً ما يطبّقون الشخصية القطبية على شيخ الطريقة، وبهذا يمتازون عن الشيعة.
وعليه لا يمكن أن نطلق اسم الشيعة اصطلاحاً على المتصوّفة من أهل السُنّة؛ لما في أيديهم من مسائل ومعتقدات مشتركة مع الشيعة أشادوا بناءهم عليها، ولانتساب عموم سلاسل التصوّف مع كثرتها، باستثناء فرقة واحدة، إلى الإمام أمير المؤمنين علیه السلام، و تسليمهم له، وانقيادهم إليه(1).
وهناك ردّ لطيف للسيد موسى الصدر في مقدّمته على كتاب «تاريخ الفلسفة الإسلامية»؛ قال: «دور الإمام الغائب، الذي اعتبر الأُستاذ المؤلّف أنّ رأي الصوفية في القطب تطاول عليه، دور كبير يجب البحث عنه، خاصّةً وأنّ المؤلّف قد ربط بينه وبين باطنية الشيعة، وأنّهم ينتظرون كشف الحقيقة لا ظهور نبيّ جديد، أي: ظهور وليّ يكشف جميع حقائق الأحكام، واعتبر المؤلّف أيضاً أنّ فكرة الإمام الغائب هي فكرة الهادي غير المنظور ، الذي يقود الأُمّة ويعرّفها الحقيقة.
1) راجع الشيعة (نصّ الحوار مع المستشرق کوربان): 127 - 129
والأنسب توضيح مفهوم الإمام الغائب عند الاثني عشرية من الشيعة، ودوره المنتظر في أيّام الغيبة، لكي يتّضح مدى صحة استنتاجات المؤلّف، ومدى الفرق بين الفكرة عند الاثني عشريين وعند الإسماعيليين، ومدى الفرق بين هذه الفكرة وبين فكرة القطب الصوفي.
إنّ فكرة الإمام الغائب هي بعينها فكرة ظهور المصلح الكامل الذي يبشّر بالنظام الأكمل، ويهيئ جميع البشر لبلوغ كمالهم، وذلك بإقامة أفضل مجتمع، وتطبيق أفضل نظام، وتعميم العدالة التامّة لكي يصل الإنسان إلى الذروة في المعرفة والعلم ووسائل العيش، وفي صلات الناس بعضهم ببعض هذه الفكرة أساسها الشعور الفطري للإنسان، الذي يدفعه دائماً ومن دون توقّف إلى الأفضل، في جميع حقول معرفته، وميادين حياته، مقنعاً إيّاه أنّه يستمرّ في الصعود إلى مدارج التكامل، ويتقدّم دائماً، وأنّ تجاربه الدائمة قد تنعكس انعكاساً مؤقّتاً سرعان ما يعود عنه ولو بلغ عمر الانتكاسة عشرات السنين أو أكثر.
والعلم في سير دائم إلى الأمام، إذ أنّ الإنسان يجمع معلوماته وتجاربه دائماً لتكوين قوانين جديدة تزيد في دائرة علمه، فالعلم ينمو من جميع الجوانب، ويوفّر للإنسان التقدّم المنسق المتكامل.
ولعلّ التراث العام الذي ورثه الإنسان من تعاليم السماء في أغلب الأديان يجعله ينتظر ظهور مصلح كامل يعيد الحقّ إلى نصابه، ويطبّق ما تمنّاه الأنبياء للبشر تطبيقاً كاملاً غير منقوص.
والقرآن الكريم يشير في مواضع عديدة إلى هذا المستقبل؛ قال تعالى: «وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ»(1).
وقال تعالى: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي
1) الأنبياء (21): 105
الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلُيَمَكَّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً»(1).
والسُنّة المطهرة بالرغم من تفاوت مضامينها تشكّل تواتراً بظهور مصلح كامل يطبّق الإسلام تطبيقاً كاملاً، ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً.
من مجموع هذه الأدلّة، تكوّنت فكرة الإمام الغائب عند المسلمين، وأنّه المبشّر بهذا النظام الكامل، حينما يعجز الإنسان ويقف حائراً، واعياً لفشل جميع طرقه وأساليبه، ينتظر نظاماً يرتاح فيه وجميع أفراده بجميع جوانب وجوده، وهذا الاستعداد في نفوس الناس يسهّل مهمّة الإمام المبشّر، فينجح فوراً في دعوته بالرغم من تقدّم البشر في القوى الهدّامة والأسلحة الفتّاكة.
فالإمام الغائب عند الشيعة هو أحد الأئمّة الاثني عشر، وهو الحلقة الأخيرة منهم، وكلّهم نور واحد، وخطّ واحد، ويحملون رسالة واحدة، ودوره تطبيق ما كانوا يبشّرون به من رسالة جدّهم ليس إلّا، ولا شكّ أنّ هذا الدور، مع لحاظ ما قلنا في معنى الإمام الوليّ، يشكّل رأياً خاصاً في المخطّط الديني، وإيضاحاً لتعاليم هذا المخطّط، وليس كشفاً لبواطن الأحكام.
هذا هو دور الإمام المنتظر في المستقبل، أمّا دوره وهو غائب فصيانة انعقاد الإجماع في الأحكام على خلاف الحقيقة، فهو بمخالفته الأحكام، ومنع لسائر الفتاوى يمنع حصول الإجماع، وبالتالي يمنع انحراف الفكر الشرعي، وإذا لاحظنا صعوبة الدراسات الفقهية أمام الأحداث والتطوّرات الحديثة، إذا لاحظنا ذلك نعرف أهمّية هذه الصيانة، ولكن هذه المخالفة غير مشروطة بمعرفته وشهرة اسمه، وهذا البحث مستوفیً في الكتب الأُصولية، وفي موضوع حجّية الإجماع
1) النور (24): 55
في زمن الغيبة.
والإمام المنتظر في المذهب الشيعي شخص واحد غير كلّي، فلا ينطبق على قطب في كلّ زمان، ولا علاقة له بالدور الذي يقوم به القطب، ولا بانتظار كشف الحقائق وبواطن الأحكام بواسطته، وإنّما تنفيذ الأحكام الإسلامية على يد الذي استخلفه الله في الأرض»(1).
5 - ما هي الآثار التي تترتّب على تصوّر الإمام الغائب في الفكر الفلسفي والأخلاقي؟
وقد أجاب العلّامة عن هذا السؤال بأنّ الشيعة ليست وحدها تثبت وجود الإمام الغائب، وتعتقد به، بل ثمّة من طريق السُنّة روايات لا تُعدّ في هذا الباب على النحو الذي يمكن بسهولة أن يُطلق دعوى التواتر فيها.
فحديث «المهدي من ولدي» هو من الكلمات الجامعة للنبيّ الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم، وهو أحد الروايات قطعية الصدور، الذي أطبقت جميع طوائف المسلمين وطبقاتهم على روايته، والقبول به.
فرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بصريح بيانه، وإخباره القطعي عن المهدي الموعود علیه السلام قبل ولادته، أوجد في نفوس المسلمين تلك الحالة المعنوية التي يمكن أن تتجلّى في باطن الإنسان الواقعي من أفراد المسلمين نتيجة اعتقاده بالمهدي الموعود علیه السلام(2).
النبوّة والولاية عند كوربان:
قال في الولاية: «في عقيدتي أنّ التشيّع هو المذهب الوحيد الذي حَفظ بشكل مستمر رابطة الهداية بين الله والخلق، وعلاقة الولاية حيّة إلى الأبد. فاليهودية أنهت العلاقة الواقعية بين الله والعالم الإنساني في شخص النبيّ
موسى علیه السلام، ثمّ لم تذعن بعدئذ بنبوة السيّد المسيح علیه السلام، والنبيّ محمّد صلی الله علیه وآله وسلم فقطعت الرابطة المذكورة.
والمسيحية توقّفت بالعلاقة عند المسيح علیه السلام.
أمّا أهل السُنّة من المسلمين فقد توقّفوا بالعلاقة المذكورة عند النبيّ محمّد صلی الله علیه وآله وسلم، وباختتام النبوّة به لم يعد ثمّة استمرار في رابطة العلاقة (في مستوى الولاية) بين الخالق والخلق.
واما التشيّع فيبقى هو المذهب الوحيد الذي آمن بختم نبوّة محمّد صلی الله علیه وآله وسلم، و آمن في الوقت نفسه بالولاية - وهي العلاقة التي تستكمل خطّ الهداية، وتسير به بعد النبيّ - وأبقى عليها حيّة إلى الأبد.
لقد ظلّت العلاقة التي تكشف اتّصال العالم الإنساني الأُلوهي، حيّة من خلال الدعوات الدينية التي سبقت موسى علیه السلام، واستمرّت مع دعوات موسى وعيسى ومحمّد صلی الله علیه وآله وسلم، ثمّ لم تتوقف مع النبيّ، بل استمرّت من بعده بواسطة الولاية، وعبر أوصيائه (بحسب عقيدة الشيعة)، وستبقى حيّة»(1).
فكرة المهدي علیه السلام لدى كوربان:
کتب «کوربان» موضوعات رائعة في هذا المجال، وهي تدور حول موقف التشيّع في العالم المعاصر، وأثبت فيها أنّ عقيدة الإمام المهدي علیه السلام التي تستند إليها الشيعة صحيحة، وهي حافظة لقوام الوجود البشريّ، ولا سبيل لأهل السُنّة بل الفرق الإسلامية وغيرها إلّا بالاستناد إليها، وعلى الناس قاطبة أن يرحّبوا جميع بدخول هذه العقيدة في دينهم من أجل خلاصهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة(2).
وقد سعى كوربان لفهم قضيتي الولاية والإمام المهدي علیه السلام في المذهب
الشيعي، وإيمان الشيعة بعودة الإمام المهدي بعد ظهور عدّة دلائل وإشارات بغية إحياء سُنّة الرسول من جديد.
يقول «هنري كوربان»: «الفكرة الأساسية التي يتأمّلها ممثلو الحكمة الإلهية، (أو العرفان الشيعي) هي التي ذكرناها سابقاً: فكما أنّ دورة النبوّة تختم بخاتم النبيين، كذلك فإنّ الولاية - وهي التي تحاذي النبوّة، وتماشيها من حقبة لحقبة، تُختتم بالإمامة المحمدية؛ فتُختتم الولاية العامّة بشخص الإمام الأوّل، وتُختتم الولاية المحمدية التي تمثّل باطن الباطنيات السابقة بشخص الإمام الثاني عشر»(1).
وقال في موضع آخر: «إنّه حقيقة حيّة [يقصد الإمام المهدي علیه السلام آخر أوصياء النبيّ، والوليّ الحيّ الذي تستمرّ من خلاله هداية الولاية] لا يمكن أن نضعه أبداً من وجهة النظر العلمية في عداد الخرافات، أو نحذفه من قائمة الحقائق القائمة»(2).
الإمام الغائب:
مفهوم الغيبة وحقيقتها لم تنل نصيباً من التفكير العميق في إطار المتطلّبات التي يقتضيها عالمنا اليوم؛ إذ من المناسب أن تنال اهتماماً خاصّاً بالنظر إلى كونها المصدر الأساسي لدفع كلّ الشبهات التي ترد من جميع المدارس الفلسفية الشرقية والغربية من المادّية والماركسية والاشتراكية وغيرها.
ولذا يرى «كوربان» في حقيقة غيبة الإمام علیه اسلام أساس وبنية أصيلة لتنظيم المجتمع الإسلامي، وينبغي أن ينظر إليها كقاعدة معنوية غيبية، تظلّ مصونة من كلّ ضرب من ضروب التبديل والتحوّل والتجسّد بأشكال مادّية ومعنوية واجتماعية
في منظومات اجتماعية.
وكما أنّ الحقيقة المذكورة تُعدّ ترياق الظاهرة الكنسية (الروحانية) في الغرب، ويمكن تحقّق ميلها من حيث التظاهر والتجسّد الاجتماعي للحقيقة الإلهية في المجتمع، وكافة النتائج التي يتضمّنها هذا اللون من التفكير، فإنّها يمكن أن ترفع تشويش وقلق كلّ مَن يعاني به.
ويقول «كوربان»: «وفي عقيدتي أنّ الغيبة تتضمّن حقيقة تبلغ من الوضوح درجة أنّها لا تقبل مثل هذا الغموض والتبلبل الفكريّ، ويمكن أن تعدّ العلاج الوحيد لمثل هذا التشويش والبلبلة عند ظهورهما.
وفي رأيي أنّ الجانب المعنويّ للإسلام قابل للحياة والديمومة والنشاط بالتشيّع فحسب، ويصمد هذا المعنى أمام كلّ لون من ألوان التحوّل والتغيير اللذين تصاب بهما المجتمعات الإسلاميّة»(1).
العلاقة الحقيقيّة لإمام العصر بالحياة المعنويّة:
يقول «كوربان» في معنى «إمام الزمان»: أنّه مفهوم أعلى يكمّل مفهوم الغيبة، بَيدَ أنّه يرتبط بشخصيّة الإمام الغائب ارتباطاً تامّاً، وأنا أشعر وأدرك مفهوم «الإمام الغائب» بنحو جديد وبكر بما أحمله من روح غربيّة، وأُلقي في روعي أنّ علاقته الحقيقيّة ترتبط بالحياة المعنويّة للبشر، وكأنّ هذه العلاقة أخذت مكانها الحقيقيّ في خاطري كمنهج عمل باطنيّ معنوي يري كلَّ مؤمن بنفسه قريناً ومرافقاً لشخصيّة الإمام، ويستعيد سلسلة من فتيان المعنويّة وشعيرة الفتوّة الضائعة، على شرط أن نكيف الحقيقة الأخيرة مع الظروف والإمكانيّات الروحيّة المعاصرة.
وبنظري أنّ هذه العلاقة الخاصة للأرواح بالإمام الغائب هي الترياق
1) راجع: معرفة الإمام 18: 213
الوحيد ضدّ خلط حقيقة الدين، وأنّ كرامة الإمام وإقراره هما ذوا صبغة معنويّة كأصالة حياته.
وهكذا التفاتنا واهتمامنا بتعاليم الأئمّة الذين ظهروا ويعيشون الآن في عالم المعنى.
إنّ المستشرقين الذين اعتقدوا بأنّ المذهب الشيعيّ بمنزلة مذهب مستبدّ قد ضلّوا ووقعوا في خطأ فادح، وقد تسرّبت هذه الفكرة إلى أذهانهم من المفهوم الكنسيّ بقرينة فكريّة معيّنة.
إنّ ما يلفت الأنظار أكثر من كلّ شيء عند عرفاء الشيعة، كحيدر الآملي، هو التشبيه الذي أُقيم بين الإمام الغائب و «البارقليط» واستشهاده بإنجيل يوحنّا (الإنجيل الرابع)، ولا عهد للأذهان بهذا الالتقاء الفكري والمعنوي بما عليه من وضوح(1).
هل أسلم كوربان وتشيّع؟
الإنسان ينفر بطبعه ممّن يبلغ الحقيقة، ولا يتقيّد بلوازمها، والانتماء إلى الإسلام، وإلى التشيّع خاصّة، هي النتيجة الطبيعية التي تحكي حال الرجل وتقصّه، فهل أسلم هنري كوربان؟
ينقل السيّد عبد الباقي - النجل الأكبر للعلّامة الطباطبائي - عن والده: أنّه التفت إليه يوماً وحدّثه بحيوية خاصّة من دون أن يسأله: أصبح البروفسور کوربان مؤمناً بالإسلام (التشيّع) بيد أنّه لا يصرّح بإسلامه وتشيّعه.
ويذكر السيّد عبد الباقي أنّه لم تمر سوى أيّام قلائل على الكلام، وإذا بكوربان يفجّر ضجّة كبيرة خلال محاضرة ساخنة ومثيرة ألقاها عن الإمام
1) معرفة الإمام 18: 213 - 214
المهدي علیه السلام، وكان ممّا ذكره فيها أنّه كاد أن يدفع مركزه العلمي بضغط من الكنيسة كثمن لبحثه حول الإسلام، وبلوغه هذه الحقائق.
عندما اطّلع أبي على الواقع - يضيف نجل الطباطبائي - قال: ألم أقل إنّ البروفسور كوربان أضحى مؤمناً بالإسلام (التشيّع) بيد أنّه يمتنع عن التصريح بذلك.
وممّا حدّث به الشيخ حسن زادة الأملي عن أُستاذه الطباطبائي قوله: كنّا في إحدى الليالي عند العلّامة الطباطبائي، وكان عائداً للتو من لقاء حواري عقد في طهران مع هنري كوربان قبل يوم واحد من تلك الليلة.
حدّثنا العلّامة: حلّ علينا في جلستنا بطهران تلك، ضيف كريم، والضيف الكريم هذا هو فرنسي مسلم إمامي، فقد ذكر من خلال مترجمه: إنّه مسلم شيعي اثنا عشري معتقد بسرّ الإمامية.
يضيف الطباطبائي: سألته: هل عائلتك في فرنسا من الشيعة الإمامية؟
أجابني: كلا، بل اهتديت شخصياً إلى الإسلام من خلال دراستي للأديان، وبحثي في المذاهب والملل والنحل، كما اهتديت في الإسلام إلى التشيّع والمذهب الجعفري، وأنا معتقد بسرّ الإمامية أيضاً.
يقول العلّامة الطباطبائي: سألته: وماذا تعني بسرّ الإمامية؟
قال في جوابي: وجود إمام الزمان المهدي الموعود(1).
وقد وصف العلّامة الطباطبائى كوربان أنّه: «كان غالباً ما يقرأ أدعية الصحيفة المهدوية، وهو يبكي».
وقال عنه في مكان آخر: «كان رجلاً سليم النفس، يتّسم بالموضوعية
1) راجع: رسالة التشيّع في العالم المعاصر (المقدمة): 20 - 21
والإنصاف، وهو يعتقد بانتهاء مهمّة جميع أديان العالم (السماوية) و وتوقّفها عن التكامل، باستثناء التشيّع الذي بقي متجدّداً حيّاً يقظاً بفعل رابطة الولاية والمهدي»(1).
ينقل السيّد محمّد الحسيني الطهراني رأي أُستاذه العلّامة الطباطبائي في كوربان فيقول: «أنّه اقترب من التشيّع كثيراً بحيث شهدت شخصيته تحوّلاً كبيراً، بل انقلاباً عظيماً إثر إيمانه العميق بالإمام المهدي علیه السلام»(2).
وهكذا فقد تأثّر هنري كوربان بالفكر الشيعي كثيراً، واندمج بمناخه بحيث سجّل شهادات كبيرة على تشيّعه، وانتمائه إلى مذهب أهل البيت علیهم السلام.
يقول هنري كوربان: في عقيدتي جميع الأديان حقّ، وهي تسعى وراء حقيقة حيّة، وتشترك جميعاً في السعي لإثبات أصل وجود هذه الحقيقة الحيّة.
ولكن يبقى التشيّع وحده هو المذهب الذي منح الحقيقة لباس الدوام والاستمرار بعقيدته؛ إنّ هذه الحقيقة ما بين العالم الإنساني والأُلوهي ثابتة دائماً، وباقية إلى الأبد(3).
وبعد أن قدّم خدماته العلمية الجليلة للعالم الغربي، وقضى حياته في سبيل إيصال الفكر الشيعي المحتضن والمقتفي للآثار والمبادئ الفكرية الخالدة لأهل البيت علیهم السلام توفّي «كوربان» في السابع من أُكتوبر عام 1978 م المصادف ل 1398 ه(4).
الصورة
ولد في قرية «فونتنبلو» التي تبعد مسافة خمسين كيلومتراً عن العاصمة الفرنسية باريس سنة 1357 ه (1939 م)، ونشأ في أُسرة مسيحية، ودرس في المدارس الأكاديمية في دار المعلمين للبنين.
حاز «وارتون» على شهادة المتوسطة، ومن ثَمّ توجه إلى بريطانيا لإكمال دراسته في قسم هندسة الراديو والكهرباء حتّى نال شهادته الهندسية، وبعدها سافر إلى بعض الدول الغربية والإسلامية، إلى أن جاء إلى إيران ليعمل فيها، فأُصيب بمرض شافاه الله ببركة الإمام الحسين علیه السلام، ممّا وفّقه إلى التشرّف بالانتماء إلى مذهب أهل البيت علیهم السلام.
تعرّفه على الإسلام والتشيّع:
وقّع «وارتون» عقداً بينه وبين إحدى شركات الطيران ليعمل في قسم الشعب الفنّية في مطار طهران الدولي، لمدّة سنة، وبعد انقضاء هذه المدّة رجّح البقاء في إيران على العودة إلى فرنسا، فعمل كمترجم في المعاهد التجارية المختلفة، ومن بعدها ذهب إلى جنوب إيران ليعمل في إحدى الشركات.
واغتنم «وارتون» أوقات فراغه مدّة إقامته في إيران بالمطالعة والدراسة
عن الدين الإسلامي بشكل عامّ، وعن مذهب التشيّع بشكل خاصّ، كما قرأ القرآن عدّة مرات ليرى ما فيه من الكنوز والذخائر.
الحكمة الإلهية:
شاءت الأقدار الإلهية أن يصاب «وارتون» بمرض عضال وهو «السينوزيت»، وبمرور الأيّام أخذ يتفاقم وضعه، ويزداد مرضه، وتكثر معاناته، فقرر الأطباء نتيجة لفحوصاتهم الطبية إجراء عملية جراحية، فلم تطاوعه نفسه لإجراء تلك العملية.
وقد صادف أنّ تلك الأيّام التي كان يعاني فيها من هذا المرض كانت في شهر محرّم الحرام، وأيّام ذكرى استشهاد الإمام الحسين علیه السلام؛ يقول «وارتون»: كانت بجواري دار واسعة مغطّاة بخباء كبير أُعدّت للتعزية بمناسبة أيّام محرّم وذكرى عاشوراء، وكانت المآتم تُقام في الليالي، وتُذكر فيها مصائب سيّد الشهداء أبي عبد الله الحسين علیه السلام، والوعظ والإرشاد، فاعتدت الجلوس خلف الشبّاك، والاستماع إلى كلمات الخطباء والمصائب التي كانوا يلقونها في المجلس.
فاتّفق أن قدم أحد خدم المأتم طبقاً من شاي، وقال: أيّها السيّد! هل تشتهي أن تشرب شاي الإمام الحسين علیه السلام؟
وكانت الآلام تضيق عليّ لكنّي قبلت منه على اشتياق ورغبة تامّة.
وعندما لمست شفتاي الشاي أحسست نوراً خافتاً أضاء ء في فكري، فناجيت ربّي وقلت: «إلهي بحرمة الإمام الحسين علیه السلام ومنزلته أرني معجزة خارقة لأستريح من هذا الألم، ومن شدّة هذا المرض المهول».
وفي اليوم التالي وعند نهوضي من فراشي من النوم رأيت العجب العجاب، واتضح لي أنّي قد شفيت من مرضي كلياً ببركة هذا الشاي للإمام الحسين علیه السلام.
معاجز الإمام الحسين علیه السلام:
رویت معاجز وكرامات خارقة للإمام الحسين علیه السلام قبل استشهاده، وبعد الشهادة.
فقد روی محمّد بن الحسن الصفّار بإسناده عن أبي عبد الله علیه السلام، قال: «إنّ الله عرض ولاية أمير المؤمنين فقبلتها الملائكة، وأباها ملك يقال له: فطرس، فكسر الله جناحه، فلمّا ولد الحسين بن علي علیه السلام بعث الله جبرئيل في سبعين ألف مَلك إلى محمّد صلى الله عليه وآله وسلم يهنئهم بولادته، فمرّ بفطرس. فقال له فطرس: يا جبرئيل! إلى أين واله وسلم تذهب؟
قال: بعثني الله إلى محمّد أهنئهم بمولود ولد في هذه الليلة.
فقال له فطرس: احملني معك، وسل محمّداً يدعو لى.
عولي.
فقال له جبرئیل: اركب جناحي فركب جناحه، فأتى محمداً صلی الله علیه وآله وسلم، فدخل عليه وهنّأه، فقال له: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنّ فطرس بيني وبينه أُخوّة، وسألني أن أسألك أن تدعو الله له أن يردّ عليه جناحه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لفطرس: «أتفعل»؟.
قال: نعم.
فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولاية أمير المؤمنين علیه السلام فقبلها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «شأنك بالمهد، فتمسّح به وتمرّغ فيه».
قال: فمضى فطرس، فمشى إلى مهد الحسين بن علي ورسول الله يدعو له، قال: قال رسول الله: «فنظرت إلى ريشه وإنّه ليطلع ويجري منه الدم، ويطول حتّى لحق بجناحه الآخر، وعرج مع جبرئيل إلى السماء وصار إلى موضعه»(1).
1) راجع بصائر الدرجات: 88، كامل الزيارات: 140، الأمالي للصدوق: 200 الحديث 214، روضة الواعظين: 155، دلائل الإمامة: 190 الحديث 110، بشارة المصطفى: 338
وفي ذلك قال الشاعر:
غذاه النبي بإبهامه *** فما زال عن ريّها يصدر
به الله رَدّ على فطرس *** مقاماً به في السما يذكر(1).
ومن شعر للميرزا عبد المجيد بن عبد العلي الزنجاني وقد تعلّق بضريح الحسين علیه السلام:
يدي وجناحا فطرس قد تعلّقا *** بجاه ذبيح الله وابن ذبيحه
فإن ساد في أُمّ فأنت ابن فاطم *** وإن ساد في مهد فأنت أبو المهدي(2).
وروي من معاجزه أنّ قتلة الحسين علیه السلام لمّا قتلوه بعثوا برأسه إلى يزيد، فنزلوا أوّل مرحلة، فجعلوا يشربون بالرأس، فبينما هم كذلك، إذ خرجت عليهم من الجدار يدٌ معها قلم من حديد فكتبت سطراً بدم:
النبي أترجو أمّة قتلت حسيناً *** شفاعة جدّه يوم الحساب(3).
فهربوا وتركوا الرأس.
أخرجه منصور بن عمّار، وذكر غيره أنّ هذا البيت وجد بحجر قبل مبعث النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم بثلاثمائة سنة، وأنّه مكتوب في كنيسة من أرض الروم لا يُدرى من كتبه(4).
وكان رأسه الشريف يقرأ القرآن؛ فقد روى المنهال بن عمرو، قال: أنا والله رأيت رأس الحسين صلوات الله عليه على قناة يقرأ القرآن بلسان ذلق ذرب، يقرأ سورة الكهف حتّى بلغ: «أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا
عَجَبًا»(1). فقال رجل: ورأسك - والله - أعجب يا ابن رسول الله من العجب(2).
وعنه أيضاً، قال: أدخل رأس الحسين صلوات الله عليه دمشق على قناة، فمرّ برجل يقرأ سورة الكهف وقد بلغ هذه الآية: «أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا»، فأنطق الله تعالى الرأس، فقال: أمري أعجب من أمر أصحاب الكهف والرقيم(3).
وعن محمّد بن جرير الطبري الإمامي بإسناده عن الحارث بن وكيدة، قال:
في كنت فيمن حمل رأس الحسين علیه السلام، فسمعته يقرأ سورة الكهف، فجعلت أشكّ نفسي، وأنا أسمع نغمة أبي عبد الله علیه السلام، فقال لي: «يا بن وكيدة، أما علمت أنّا معشر الأئمّة أحياء عند ربّنا نرزق؟».
قال: فقلت في نفسي: أسرق رأسه.
فنادى: «يا بن وكيدة، ليس لك إلى ذاك سبيل، سفكهم دمي أعظم عند الله من تسييرهم رأسي، فذرهم: «فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ»(4)(5).
الشفاء في تربة الحسين علیه السلام:
روي عن سعد بن سعد، قال: سألت أبا الحسن علیه السلام عن الطين؟ فقال: «أكل الطين حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير إلّا طين قبر الحسين علیه السلام؛ فإنّ فيه شفاء من كلّ داء وأمناً من كلّ خوف»(6).
في حديث آخر: «ولكن لا يكثر منه، وفيه أمان من كلّ خوف»(1).
وعن أبي عبد الله علیه السلام، قال: «طين قبر الحسين علیه السلام الشفاء من كلّ داء»(2).
وفي خبر آخر: «وأماناً من كلّ خوف»(3).
وفي حديث آخر: «وهو الدواء الأكبر»(4).
وعنه علیه السلام، قال: «طين قبر الحسين علیه السلام فيه شفاء وإن أخذ على رأس ميل»(5).
وعنه علیه السلام، قال: «مَن أصابته علّة فبدأ بطين قبر الحسين علیه السلام شفاه الله من تلك العلّة إلّا أن تكون علّة السام»(6)، أي: «الموت».
وعنه علیه السلام، قال: «لو أنّ مريضاً من المؤمنين يعرف حق أبي عبد الله علیه السلام وحرمته وولايته أخذ من طين قبره مثل رأس أنملة كان له دواء»(7).
وعن أبي الحسن الرضا علیه السلام حول طين قبر الحسين علیه السلام، قال: «هو أمان بإذن الله»(8).
وعن أبي عبد الله علیه السلام يقول: «حنّكوا أولادكم بتربة الحسين فإنّها أمان»(9).
وعن بعض أصحاب الإمام الصادق علیه السلام، قال: قلت لأبي عبد الله علیه السلام: إنّي رجل كثير العلل والأمراض، وما تركت دواء إلّا تداويت به. فقال لي: «فأين أنت
عن تربة قبر الحسين علیه السلام، فإنّ فيها الشفاء من كلّ داء، والأمن من كلّ خوف، وقل إذا أخذته: «اللهم إني أسألك بحقّ هذه الطينة، وبحقّ الملك الذي أخذها، وبحقّ النبي الذي قبضها، وبحقّ الوصي الذي حلّ فيها، صلّ على محمّد وأهل بيته، واجعل لي فيها شفاء من كلّ داء، وأماناً من كلّ خوف».
قال: ثم قال علیه السلام: «أمّا الملك الذي أخذها، فهو: جبرئيل علیه السلام، أراها النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم، فقال: هذه تربة ابنك تقتله أُمّتك من بعدك، والنبيّ الذي قبضها محمّد صلی الله علیه وآله وسلم، والوصي الذي حلّ فيها، فهو الحسين بن علي علیهما السلام سيّد الشهداء».
قلت: قد عرفت الشفاء من كلّ داء، فكيف الأمان من كلّ خوف؟
قال: «إذا خفت سلطاناً أو غير ذلك، فلا تخرجنّ من منزلك إلّا ومعك من طين قبر الحسين علیه السلام، وقل إذا أخذته: «اللهم إنّ هذه طينة قبر الحسين وليّك وابن وليّك، اتّخذتها حرزاً لما أخاف ولما لا أخاف. فإنّه قد يرد عليك ما لا تخاف».
قال الرجل: فأخذتها كما قال لي، فصحّ والله بدني، وكانت لي أماناً من كلّ ما خفت وما لم أخف، كما قال علیه السلام، فما رأيت بحمد الله بعدها مكروهاً(1).
وروي عن جعفر الخلدي، قال: كان بي جرب عظيم كثير، فتمسّحت بتراب قبر الحسين علیه السلام، قال: فغفوت فانتبهت وليس عليّ منه شيء(2).
وفي عبارة: «فيها شفاء من كلّ داء» إشارة إلى جميع الأمراض البدنية والروحية والعقلية؛ لأنّ لفظة: «كلّ» وضعت للدلالة على العموم.
فلو تفهّمنا مغزى ومعنى: «فيها شفاء من كلّ داء» لاتّضح أنّ تربة كربلاء، والإمام الحسين علیه السلام لم يُعرفا إلى الآن! وأنّ تربة قبره إكسير يشفي داء أبداننا، وداء أفكارنا، وداء أرواحنا، وكل داء جسمي، أو روحى للبشر. وأمناً من كلّ خوف.
إنّها أمانٌ من الخوف الأكبر، لمن وضعها في قبره و تفضّل الله عليه بإكرامه إكراماً لهذه التربة، تربة الإمام الحسين علیه السلام، كما أنّها أمان من خوف الظالم في الدنيا لمن اصطحبها معه ليردّ ببركتها ظلم الظالم!
نقطة التحوّل
بعد شفاء «وارتون» من المرض الذي كان يعاني منه أقبل على اعتناق الدين الإسلامي والمذهب الشيعي، يقول «وارتون»: «فكانت مطالعاتي السابقة حول الإسلام وهذه الواقعة العجيبة التي شاهدتها عيناي أثّرت في نفسي فصممت على إعتناق الدين الإسلامي، وبعد أشهر عدت من جنوب إيران إلى طهران العاصمة، ومنها توجّهت إلى مدينة قم المقدّسة حيث الحوزة العلمية».
وعند مجيئه إلى قم حضر عند أحد علماء الشيعة، ونطق الشهادتين، واعتنق الإسلام و مذهب أهل البيت علیهم السلام، وتسمّى باسم: الامام الحسين علیه السلام(1).
1) راجع كتاب «المستبصرون» للبنجوري: 83، ومجلة نوردانش العدد 1
الصورة
ولد في الفلبّين، حاصل على شهادة الطب، نشأ في عائلة مسيحية، ولكنّه وبالرغم من انتمائه للدين المسيحي كان يعاني من الفراغ العقائدي، ولم تكن المسيحية قادرة على ملء هذا الفراغ، بل كان يزداد يوماً بعد يوم حيرة في أمر دينه، حتى شاءت الإرادة الإلهية استنقاذه ممّا كان يعاني منه، فحصل له لقاء مع بعض علماء الشيعة واستمع الى محاضراتهم.
التعاون بين الحاكم والشعب:
من جملة المواضيع التي يقوم علماء الشيعة بتوضيحها وتنقيحها: موضوع التعاون بين الحاكم والشعب في الحكومة الإسلامية؛ فإنّ الرؤية الإسلامية في هذا المجال، والتي استقيت من كلمات الرسول الأكرم والعترة الطاهرة علیهم السلام، تضاهي بل تعلو على ما يدّعيه دعاة الحرّية والديمقراطية في يومنا هذا.
فحقوق الحاكم - كما يجملها الإمام أمير المؤمنين علیه السلام - أُمور يعطاها من الشعب؛ لأنّها ضرورية لاستمرار الحكم وصلاحه، وهذه الحقوق هي: (وأمّا حقّي عليكم: فالوفاء بالبيعة، والنصيحة في المشهد والمغيب، والإجابة حين أدعوکم،
والطاعة حين آمركم)(1).
ذكر هنا حقّه عليهم، وأوّل الحقوق وأهمها: أن يكونوا أوفياء له في ما بايعوه عليه.
بايعوه على أن يكون خليفة يقوم بشؤونهم ويدبّر أُمورهم، فيجب عليهم أن يفوا بذلك، فلا يبايعوا غيره، ولا يعطوا يداً لسواه، ولا يقبلوا إلا به.
إنّهم رضوا به قائداً لهم وخليفة عليهم، فليس لهم بعد ذلك أن يعطوا لغيره ما أعطوه له.
وأن يكونوا في حال غيابه كما هم في حال حضوره، إذا رأوا أمراً فيه مصلحةً بادروا إلى بيانه والإفصاح عنه، وإذا رأوا عورة بيّنوها وأوضحوا معالمها؛ فإنّ النصيحة - بيان الصالح وما فيه منفعة وفائدة - تجري بين المسلمين عامة، وتتأكّد فيما بين الحاكم والمحكوم؛ لأثرها على المجتمع فيما لو تُركت ولم يُخبر بها الحاكم.
وكأنّه علیه السلام يقول اليهم أيضاً: إذا دعوتكم لأمرٍ لبّوا الأمر واستجيبوا لدعائي، فبادروا بدون تسويف أو تأخير، فليس لكم أن تتمرّدوا أو تتوقّفوا أو تتعلّلوا وتتساءلوا؛ فإنّ الحاكم يبحث عن مصلحة شعبه وما ينفعهم، فهو عندما يأمرهم يجب عليهم الامتثال والطاعة والانقياد لتحصيل منافعهم وما فيه مصلحتهم.
يقول علیه السلام: (وَلِي عَلَيْكُمُ الطَّاعَةُ، وَأَلَّا تَنْكُصُوا عَنْ دَعْوَةٍ، وَلَا تُفَرِّطُوا فِي صَلَاحٍ، وَأَنْ تَخُوضوا الْغَمَرَاتِ إِلَى الْحَقِّ، فَإِنْ أَنْتُمْ لَمْ تَسْتَقِيمُوا لِي عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَهْوَنَ عَلَى مِمَّنْ أَعْوَجَ مِنْكُمْ، ثُمَّ أَعْظِمُ لَهُ الْعُقُوبَةَ، وَلَا يَجِدُ عِنْدِي فِيهَا رُخْصَةٌ، فَخُذُوا هَذَا مِنْ أَمَرَائِكُمْ، وَأَعْطُوهُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ مَا يُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ أَمْرَكُمْ)(2).
إنهّ علیه السلام لما استوفى لهم ما شرطه لهم على نفسه قال: فإذا فعلت ذلك الذي
شرطته وقمت به على وجهه ثبت لله عليكم نعمة كبرى هي نعمة الوالي العادل، وهي نعمة تستحقّ الشكر؛ فإنّ من أعظم النعم أن يسلك الخليفة مع رعيته بهذا الطريق ويعطيهم هذه الحقوق... ثم ذكر ما له عليهم من الحقوق وهي:
1 - لي عليكم الطاعة: أن تطيعوا أمري في كلّ ما أُريد فلا تعصوا ولا تتمرّدوا أو تردّوا عليّ أمراً، أو ترفضوا طلباً.
2 - لا تنكصوا عن دعوة: أي: لا تحجموا وتتأخّروا عن دعوة دعوتكم إليها، فلو دعوتكم إلى الجهاد بادرتم بدون تأخير أو رفض.
3 - لا تفرّطوا في صلاح: أي: لا تفرّطوا فيما يكون فيه صلاح الأُمّة فإذا وجدتم العدو ضعيفاً وكان من الصالح غزوه فلا تتأخّروا، وهكذا.
4 - أن تخوضوا الغمرات إلى الحقّ: أي تقطعوا الشدائد وتتحمّلوا المصاعب والمصائب في سبيل الوصول إلى الحقّ وقطع دابر الباطل.
ثم أصدر وعيداً منه لهم إذا لم يقوموا بما عليهم من الحقّ، وقد هدّدهم بأمرين:
1 - تحقير المنحرف وإهانته بما يوجب سقوط منزلته وازدرائه، وهذا إسقاط معنوي وضربة قاسية تناله في شرفه وكرامته.
2 - تشديد العقوبة عليه وتغليظها تأديباً له، وردعاً لغيره ممّن تسوّل له نفسه مثل ذلك، ثم إنّه لا رخصة في ذلك ولا تهاون، لا عفو عن هذا الذنب ولا يقبل الاعتذار منه.
ثم أمرهم بقوله: خذوا منّي وممّن يأتي بعدي من الولاة هذه الأُمور التي يجب أن يؤدّيها الوالي إليكم، ويقوم بها نحوكم، وأعطوني وإياهم في مقابلها ما شرطّت عليكم وما عليكم من الحقوق التي بها تصلح الأُمّة، وتجتمع على الإلفة والمحبّة.
وهي: قوله علیه السلام في خطبة له بصفّين(1): (إِنَّ مِنْ حَقٌّ مَنْ عَظُمَ جَلَالُ اللَّهِ فِي نَفْسِهِ وَجَلَّ مَوْضِعُهُ مِنْ قَلْبِهِ أَنْ يَصْغُرَ عِنْدَهُ لِعِظَم ذَلِكَ كُلُّ مَا سِوَاهُ، وَإِنَّ أَحَقَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَنْ عَظُمَتْ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَلَطْفَ إِحْسَانُهُ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَمْ تَعْظُمْ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا ازْدَادَ حَقٌّ اللَّهِ عَلَيْهِ عِظَماً.
إِنَّ مِنْ أَسْخَفِ(2)حَالَاتِ الْوُلاةِ عِنْدَ صَالِحِ النَّاسِ أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ حُبُّ الْفَخْرِ، وَيُوضَعَ أَمْرُهُمْ عَلَى الْكِبْرِ، وَقَدْ كَرِهْتُ أَنْ يَكُونَ جَالَ فِي ظَنَّكُمْ أَنِّي أُحِبُّ الإِطْرَاء(3)وَاسْتِمَاعَ الثَّنَاءِ، وَلَسْتُ بِحَمْدِ اللهِ كَذَلِكَ، وَلَوْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ لَتَرَكْتُهُ انْحِطَاطا(4)للهِ سُبْحَانَهُ عَنْ تَنَاوُلِ مَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ، وَرُبَّمَا اسْتَحْلَى النَّاسُ الثَّنَاءَ بَعْدَ الْبَلاءِ(5)فَلا تُتْنُوا عَلَيَّ بِجَمِيلِ ثَنَاء لإخْرَاجِي نَفْسِي إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَإِلَيْكُمْ مِنَ التَّقِيَّةِ فِي حُقُوقٍ لَمْ أَفْرُغْ(6)مِنْ أَدَائِهَا، وَفَرَائِضَ لابُدَّ مِنْ إِمْضَائِهَا(7)، فَلَا تُكَلِّمُونِي بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَةُ(8)، وَلا تَتَحَفَّظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ(9)، وَلَا تُخَالِطُونِي
1) صِفّين: موضع بقرب الرقّة على شاطىء الفرات من الجانب الغربي بين الرقّة وبالس، وكانت وقعة صِفّين بين الإمام علي علیه السلام ومعاوية في سنة 37 في غرّة صفر. معجم البلدان، للحموي: 3: 414
2) السخف: رقّة العقل. كتاب العين 4: 202
3) الإطراء: مجاوزة الحدّ في المدح والكذب فيه. لسان العرب 15: 6
4) الانحطاط: الانحدار والإدبار والاضمحلال. تاج العروس 5:119
5) بلي الإنسان وابتلي: إذا امتحن. والبلاء، في الخير والشر. والله يبلي العبد بلاء حسناً وبلاء سيئاً. وأبليت فلانا عذراً، أي: بيّنت فيما بيني وبينه ما لا لوم علَيّ بعده. والبلوى: هي البلية، والبلوى: التجربة، بلوته أبلوه بلوا. كتاب العين 8: 340
6) فرغ من الشيء: أي أصبح خالياً منه. كتاب العين 408:4
7) أمضى الشيء: أنفذه. لسان العرب 15: 283
8) الجبّار: العاتي على ربّه القتّال لرعيّته. والجبّار من الناس العظيم في نفسه الذي لا يقبل موعظة أحد. كتاب العين 6: 117
9) البادرة: ما يبدر من حدّة الرجل عند الغضب، يقال: فلان مخشي عند البادرة، وأخاف حدّته وبادرته. كتاب العين 8: 34
بِالْمُصَانَعَةِ(1)، وَلا تَظُنُّوا بِي اسْتِثْقَالاً فِي حَقٌّ قِيلَ لِي، وَلَا الْتِمَاسَ(2)إِعْظَامٍ لِنَفْسِي؛ فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الْحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ، أَوِ الْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ، كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ، فَلَا تَكْفُوا عَنْ مَقَالَةٍ بِحَقٍ، أَوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ، فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِئَ، وَلَا آمَنُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِي إِلَّا أَنْ يَكْفِيَ اللَّهُ مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي، فَإِنَّمَا أَنَا وَأَنْتُمْ عَبِيدٌ مَمْلُوكُونَ لِرَبِّ لَا رَبَّ غَيْرُهُ، يَمْلِكُ مِنَّا مَا لا نَمْلِكُ مِنْ أَنْفُسِنَا، وَأَخْرَجَنَا مِمَّا كُنَّا فِيهِ إِلَى مَا صَلَحْنَا عَلَيْهِ، فَأَبْدَلَنَا بَعْدَ الصَّلَالَةِ بِالْهُدَى، وَأَعْطَانَا الْبَصِيرَةَ بَعْدَ الْعَمَى)(3).
تصغر الأشياء، وتحتقر إلى درجة الإهمال واللامبالاة أمام القلوب الطاهرة التي عاش الله فيها، كلّ ما سوى الله يصغر حتى يضمحل ويفنى في القلب الذي لا يغفل عن ذكره تعالى.
ذكر أمير المؤمنين علیه السلام هذه المقدّمة ليدخل منها إلى أحقّ الناس الذي يجب أن يعيش هذه الحالة من إجلال الله وتعظيمه وتصغير ما دونه، وهو من ترادفت نعم الله عليه من مال وشرف وصحّة وأمان وإيمان وعزّ وكرامة وسلطان، وكذلك لطف إحسانه إليه، أي: دقّ بحيث أعطاه الفكر والعقل على تحليل الأُمور الدقيقة اللطيفة التي يعجز الإنسان عن تصوّرها.
وكلّما ازدادت نعم الله على العبد ازداد عليه تعظيم حقّ الله، وهكذا يزداد الشكر والتعظيم بزيادتها.
ومن أسخف وأخفّ ما يعيشه الولاة في نظر الناس الصالحين الذين أدركوا الحقيقة أن يعيش هؤلاء الولاة حبّ الفخر والمباهاة، والتكبّر والاستعلاء؛ لأنّ ذلك ضعف في شخصيتهم ينعكس على الدولة وتوجّهاتها، فالحاكم الذي ينتفخ للمدح والثناء عليه ولإنجازاته الكبيرة يعيش في حدود هذا المدح ولا يخرج عنه،
ويعيش الزهو في نفسه فيعطّله ذلك عن العمل الجاد، هذا من جهة، ومن جهة أُخرى إنّ تلك الحالة النفسية يجب أن يتنزّه عنها المؤمنون؛ لأنّهم بها يدخلون في الذّم الوارد للمتكبّرين.
ثم أراد علیه السلام أن ينفي عن نفسه مثل تلك الصفات التي أنكرها في حقّ الولاة، فقال: إنّي أخاف أن تحدّثكم نفوسكم وتقودكم ظنونكم إلى أنّني أعيش هذه الحالات من حبّ المدح والإطراء والثناء، فإنّني لست كذلك، ولا أُحبّه، ولو فرضنا فرضاً أنّني أُحبّ أن يقال فيَّ ذلك لتركته تواضعاً لله الذي هو أحقّ بذلك وأولى من كلّ أحد؛ لعظمته وكبريائه وعلوّ مقامه.
كما أراد علیه السلام أن يمهّد ويعتذر لمن مدحه وأثنى عليه بأنّ الإنسان إذا قدّم شيئاً من التضحيات وأنجز بعض المهمّات استحسن الثناء وأحبّ المدح والإطراء جزاءً عمّا قدّم، إنّه يحبّ كلمة شكر على عمله وما قام به.
ثم نهاهم أن يثنوا عليه ويمدحوه ويجلّوه، وعلّل ذلك بأنّه قد أخرج نفسه لله، وأراد أن يؤدّى حقّه ويقوم بواجبه ، وواجب أمره ونهيه؛ لأنّه عندما يقوم بذلك يقوم بواجب النعمة، ومن يقوم بذلك لا يطلب مدحاً ولا يريد إطراءً، وكذلك يريد أن يخرج نفسه من خدمتهم الواجبة عليه وما هو مطلوب منه من الحقوق نحوهم، فهو في كلا الأمرين يقوم بما هو واجب عليه، ولا شكر على واجب كما يقال.
وبعد أن ذكر الإمام علیه السلام ما ذكر وأكّد على أنّه إنّما يعمل لله ولهم ويقوم بواجبه نحو الله ونحوهم نهاهم عن أُمور لا يريد أن يتعاملوا بها معه...
نهاهم أن يكلّموه بما تُكلَّم به الجبابرة؛ فإنّ الطغاة والظالمين والفراعنة قد عبّدوا الناس لهم، وجعلوا لأنفسهم ألقاباً وأسماءً فيها التعظيم والرهبة... مالك رقاب الناس... سلطان السلاطين... ملك الملوك... ظلّ الله في الأرض... مولاي السلطان... الحضرة الملوكية... إلى آخر الألقاب التي وضعها الجبابرة لأنفسهم.
ولا تنحفّظوا منّي بما يتحفّظ به عند أهل البادرة؛ أي: لا تهابوني وتحترزوا
منّي فتمتنعوا من الحديث معي والبوح لي بما تريدون، كما هي حالة الملوك الذين تعرفون من حيث يغضبون لأنفسهم بمجرّد أن لا يعجبهم منطق إنسان، أو لا يوافق مزاجهم، فيبادرون مستعجلين إلى الانتقام منه لأنفسهم، وغضباً لذاتهم...
ولا تخالطوني بالمصانعة: إذا أردتم أن تكونوا معي في الحياة وتكون بيننا معاشرة ومخالطة ومصاحبة ولقاء فلا تتعاملوا معي بالمداراة والنفاق والخوف بل كونوا صريحين واضحين، تبدون آراءكم، وتقولون كلمتكم، وتناقشون في ما ترون.
ثم نفى علیه السلام نفسه كلّ مشقّة أو ثقل أو كُلفة إذا قالوا له الحقّ ونطقوا عن بالصواب، كما نفى عن نفسه أن يرفض قولهم ولا يستمع لهم؛ لأنّه يطلب العظمة لنفسه وإنّه فوق أن يقال له الحق، وقد بيّن أن من يستثقل سماع الحقّ، أو العدل إذ يعرضان عليه، يكون العمل بهما أثقل عليه؛ لأنّه إذا كان مجرّد عرض الحق والحديث فيه، ومجرّد ذكر العدل وبيانه، ثقيل وصعب فالعمل به أشدّ وأصعب، بل من يستثقل سماع الحقّ وبيان العدل يمتنع عليه القيام بهما وأداء حقّهما.
ثم دعاهم إلى قول الحقّ وإبداء المشورة التي فيها عدل.
ثم تواضع لهم كي يسترسلوا معه ولا يتحفّظوا أو يصانعوا، فأشار إلى أنّه ليس فوق أن يخطىء، ولا يطمئنّ إلى أنّه لا يقع فيه إلا بعون الله وتسديده، الذي يملك من نفسه ما لا يملكه هو من نفسه.
ثم قال: إنّه وإيّاهم سواء بسواء عبيد لله، مملوكون له، لا ربّ غيره ولا معبود سواه، يملك منّا ما لا نملك من أنفسنا، يملك حقّ حياتنا ومماتنا ومرضنا وشفائنا وغنانا وفقرنا، ولا نملك من ذلك شيئاً، فهو أملك منّا بأنفسنا، وهو الذي أخرجنا ممّا كنّا فيه من ظلمات الجاهلية وعاداتها والبعد عن ظلمات الجاهلية وعاداتها والبعد عن الله إلى ما نحن فيه من الصلاح في الدين والعقيدة والهدى، فأبدلنا بعد الهلاك النجاة، وبعد الضلال الهدى.
وتكاد ترجع كلّ هذه الحقوق إلى الوفاء بالبيعة؛ فإنّ الإمام يبايع على السمع والطاعة، وإذا لم يسمع المحكومون حين يدعوهم، ولم يطيعوا حين يأمرهم، ولم ينصحوا له، ولم يثبتوا على ولائه، لم يستطع الإمام أن يسيّر أداة الحكم على نحو صالح.
ولا يمكن أن يصلح شيء من أُمور الدولة إلا إذا وجد جوّاً صالحاً للعمل، ويتهيّأ هذا الجو بتحقّق الرغبة المشتركة بين الحاكم والشعب في إصلاح ما يفتقر إلى الإصلاح، وتقويم ما يحتاج إلى التقويم من شؤون الناس وشؤون البلاد.
والذي يعبّر عن هذه الرغبة المشتركة هو تعاون الوالي مع الرعية على القيام بذلك كلّه، ويتحقّق التعاون بينهما بأن يقوم كلّ منهما بما عليه من واجبات بعد أن يتلقّى كلّ منهما ما له من حقوق.
فعلى الرعية أن تعطي الوالي ما له عليها من حقوق، فتطيعه إذا أمر، وتجيبه إذا دعا، وتنصحه إذا كان في حاجة إلى ذلك.
وعلى الوالي إذا حصل على ذلك كلّه أن يستغلّه في إصلاح شؤون رعيّته.
أمّا حين لا تبذل الرعية للوالي طاعتها، ولا تمحضّه نصيحتها، ولا تلبّي دعوته إذا دعا، فان الوالي يستغلّ الموقف في رعاية مصالح نفسه، ويهمل مصالح رعيّته وإنّ ذلك مؤذن بشيوع الظلم، وسيطرة الظلمة، وفساد الدولة!
اعتناقه للإسلام والمذهب الإمامي:
وبعد ان اتّضحت ل «أرفولد» الحقائق بوضوح في إطار الرؤية الإسلامية وجد ضالّته التي كان طالما يبحث عنها، فأعلن أخيراً إسلامه واتّباعه مذهب أهل بيت العصمة والطهارة علیهم السلام، وسمى اسمه «أمير علي»(1).
1) راجع: معرفة تحليلية عن الإسلام وبعض الأديان والمذاهب: 560
الصورة
ولد في الفلبّين، ونشأ في أُسرة تنتمي إلى الديانة المسيحية، اعتنق مذهب أهل البيت علیهم السلام عام 1429 ه (2009 م) في إيران(1)، بعد التحقيق المستمرّ في الديانات والمذاهب المختلفة، وبعد وصوله إلى الاطمئنان الكامل بانّ العقل السليم والفطرة يستدعيان التمسّك بالقرآن الكريم والسُنّة الشريفة.
هذا، وقد اتّفق جميع علماء المسلمين على حجّية السُنّة الشريفة مع اتّفاقهم على وجود التعريفات المتعدّدة والتلاعبات المتكرّرة في ما صدر عن النبيّ الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم من قبل وعّاظ السلاطين ومحدّثي الحُكّام، ولهذا أخذ البحث عن طريقة تدوين السُنّة وجمعها أهمّية كبيرة في جميع البحوث الإسلامية، ويمكن القول بأنّ أحد الأسباب الأساسية لاختلاف المذاهب هو اختلاف الأحاديث والروايات والأخبار الموجودة في كتب الحديث.
تدوين الحديث عند أهل السُنّة:
بدأ تدوين الحديث عند أهل السُنّة في القرن الثاني الهجري بعد فترة انقطاع وجهل بمحتوياتها، وفقدان أغلب موضوعاتها ، إذ كان الحديث ينقل بالسماع
1) نشرت المواقع الإلكترونية ومنها موقع «أخبار الشيعة» حينها خبر استبصاره في مدينة قم المقدسة
فقط، من الصحابة إلى التابعين إلى تابعي التابعين ولذلك كان يُفرض عليه نوع من السيطرة والتحكم في ما ينقل ويروى من الحديث النبوي الشريف، فقد فرضت السلطات الحاكمة في ذلك الوقت قوانين وأحكام، وأوجدت عرفاً معيّناً في أخذ الحديث أو ردّه؛ ولذلك قيد تدوين الحديث عند أهل السُنّة بما يتوافق مع مصالح السلطة الحاكمة والفئات المتنفذة.
وضغط الحكّام على مدوّني الحديث؛ لمنعهم من رواية الحديث عن أهل البيت علیهم السلام، فمن كان كتابه يتماشى مع الأوامر التي هي في مصلحة الحكومة صار من الكتب المعتمدة والصحيحة عندهم، وما خالف ذلك تركوه وأهملوه؛ ولذلك لو نظرت إلى صحاح أهل السُنّة ومسانيدهم، خصوصاً في صحيح البخاري، ومسلم، فإنّك قلّما تجدهم يروون عن أهل البيت علیهم السلام، أو عن أمير المؤمنين عليّ علیه السلام، فلا نجد في كتاب البخاري مثلاً إلا نحو عشرة إلى خمسة عشر حديثاً يرويها أمير المؤمنين، وأغلبها موضوع للطعن على أهل البيت، بينما أحاديث أبي هريرة تتجاوز الستمائة في ذلك الكتاب، مع أنه لم يدرك من حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سوى سنتين فقط.
كما لا تجد الصحابة الذين أوفوا بعهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووصيّه من الرواة المعتمدين عند المدوّنين للسُنّة النبويّة، بينما تجدهم بالمقابل يعتمدون الرواية عن الصحابة الذين مالؤوا ونافقوا السلطة الحاكمة، وكانوا على موقف المبغض لأهل البيت علیهم السلام، اذ نجد في صحيح البخاري روايات متعدّدة عن مروان ابن الحكم، وأبي سفيان مثلاً، وغيرهم ممّن على شاكلتهم.
هذا وكانوا يهدّدون من يروي الفضائل بل ربما سجنوه وعذّبوه حتى الموت، يذكر التاريخ أنَّ النسائي عندما دوّن سننه، وألحق به مجلّداً خاصّاً عن خصائص أمير المؤمنين عليّ علیه السلام، - وبسبب هذه الجريمة الكبرى عندهم - نفوه و سجنوه، ثمّ ضربوه ضرباً أدّى إلى وفاته.
وحتّى اليوم إذا أردت الذهاب إلى أيّ مكتبة لشراء نسخة من سنن النسائي، فإنّك سوف تجد كتاب الخصائص من سننه مفصولاً عنه.
مكانة رواة فضائل أهل البيت علیهم السلام عند السُنّة:
جاء في فيض القدير:
وقد سلك النسائي أغمض تلك المسالك وأجلّها، وكان شهما...، دخل دمشق فذكر فضائل عليّ رضی الله عنه، فقيل له: فمعاوية؟ فقال: ما كفاه أن يذهب رأساً برأس حتّى نذكر له فضائل. فدُفع في خصيتيه حتّى أشرف على الموت، فأُخرج فمات بالرملة، أو فلسطين، سنة ثلاثمائة، وحمل للمقدس أو مكّة، فدفن بين الصفا والمروة(1).
وقال ابن كثير في البداية والنهاية:
حكى ابن خلّكان أنّه توفّي في شعبان من هذه السنة، وأنّه إنّما صنّف الخصائص في فضل عليّ وأهل البيت؛ لأنّه رأى أهل دمشق حين قدمها في سنة اثنتين وثلاثمائة عندهم نفرة من عليّ، وسألوه عن معاوية؟ فقال ما قال، فدقّوه في خصيتيه، فمات(2).
كما يجد الباحث أن علماء السنة يحاولون التقليل من شأن كتاب المستدرك على الصحيحين ومن صحّته، والسبب أنّه روى الكثير من فضائل أهل البيت علیهم السلام، وخصائصهم.
جاء في سير أعلام النبلاء:
قال ابن طاهر: سألت سعد بن عليّ الحافظ عن أربعة تعاصر وا: أيّهم أحفظ؟ قال: من؟ قلت: الدارقطني، وعبد الغني، وابن مندة، والحاكم. فقال: أمّا الدارقطني
فأعلمهم بالعلل، وأمّا عبد الغني فأعلمهم بالأنساب، وأمّا ابن مندة فأكثر هم حديثاً مع معرفة تامّة، وأما الحاكم فأحسنهم تصنيفاً.
أنبأني أحمد بن سلامة، عن محمّد بن إسماعيل الطرسوسي، عن ابن طاهر: أنّه سأل أبا إسماعيل عبد الله بن محمّد الهروي، عن أبي عبد الله الحاكم فقال: ثقة في الحديث، رافضيّ خبيث.
قلت: کلا، ليس هو رافضياً، بل يتشيّع(1).
وجاء في المغني في الضعفاء:
محمّد بن عبد الله الحاكم النيسابوري: إمام صدوق، لكنّه يتشيّع، ويصحّح واهيات(2).
وينبغي هنا ذكر قصة الراوي الذي كان يتحدّث على المنبر بحديث رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم لمدّة خمس سنوات، واستمع له الآلاف من الناس، لكنّه حين روى حديث الطير، الذي يُظهر منزلة وفضل أمير المؤمنين عليّ علیه السلام، ضربوه وطردوه من المسجد، ومنعوه من الرواية، ثمّ إنّهم قاموا بغسل المنبر الذي كان يحدّث الناس عليه، ليزيلوا نجاسته على حسب ما يدّعون. وإليك الرواية:
قال الذهبيّ في سير أعلام النبلاء:
قال عليّ بن محمّد الطيب الجلابي في (تاريخ واسط): ابن السّقا: من أئمة الواسطيين الحفّاظ المتقنين، قال السلفي: سألت خميس الحوزي عن ابن السقا، فقال: هو من مزينة مضر، ولم يكن سقّاء، بل هو لقب له.
كان من وجوه الواسطيين وذوي الثروة والحفظ، رحل به أبوه، وأسمعه من أبي خليفة، وأبي يعلى، وابن زيدان البجلي ، والمفضل الجندي وجماعة، وبارك الله
في سنّه وعلمه، واتفّق أنّه أملى حديث الطائر، فلم تحتمله أنفسهم، فوثبوا به، وأقاموه، وغسلوا موضعه، فمضى ولزم بيته لا يحدّث أحداً من الواسطيين، ولهذا قلّ حديثه عندهم(1).
كما جاء في البداية والنهاية:
«قتلت العامّة وسط الجامع شيخاً رافضيّاً، كان مصانعاً للتتار على أموال الناس يقال له: الفخر، محمّد بن يوسف بن محمّد الكنجي، كان خبيث الطويّة، مشرقيّاً، ممالئاً لهم على أموال المسلمين، قبّحه الله. وقتلوا جماعة مثله المنافقين، فقطع دابر القوم الذين ظلموا، والحمد لله ربّ العالمين(2).
ومن المعلوم أنّ الكنجيّ من أكابر علماء أهل السُنّة، ولكنه ألّف كتاب سمّاه: كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، قتله أهل السُنّة بسبب هذا الكتاب سنة 658 هجريّة.
مكانة المبغضين لأمير المؤمنين علیه السلام عند علماء السُنّة:
من جهة أخرى يلاحظ الباحث أنّ الرّاوي كلّما كان مبغضاً لعليّ علیه السلام، كانت الثقة به أكثر، وكلّما كان أكثر التصاقاً بالسلطة الحاكمة من الأُمويين والعباسيّين، كانوا يعدّونه أوثق ولو لم يكن ذا مستوى من التقوى والصدق والدين.
جاء في الآحاد والمثاني:
ورواه مجالد بن سعيد، عن قيس، عن أبي بكر، عن النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم، وإسماعيل ابن أبي خالد من أثبت أهل الكوفة، واسم أبي خالد هرمز، وقيس ثقة، من أحسنهم لقياً من أصحاب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وكان عثمانياً(3).
ومقصودهم من العثماني: من كان يقدّم عثمان على عليّ علیه السلام.
وقال البخاري في التاريخ الكبير:
عن معاوية بن صالح، قال: وكان وكيع يقول: التسبيح أفضل من الحديث. قال: فكرهت أن أقول لشعيب ووكيع، ووكيع أنفع للناس منك، وكان أصلب مذهباً من وكيع، كان عثمانيّاً(1).
وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ:
مغيرة بن مقسم، الفقيه، الحافظ، أبو هشام الضبيّ، مولاهم الكوفيّ...
وقال أحمد العجلي: ثقة، يرسل عن إبراهيم، فإذا وقف ممّن سمعه يخبرهم.
وكان من فقهاء أصحاب إبراهيم، وكان عثمانيّاً، ويحمل على عليّ بعض الحمل(2).
وقال في سير أعلام النبلاء:
قال أحمد العجليّ: كان أبو حصين شيخاً عالياً... وقال في موضع آخر: كان ثقة عثمانياً، رجلاً صالحاً، ثبتاً في الحديث(3).
وقال:
قال ابن سعد: كان ابن عون ثقة كثير الحديث، ورعاً، عثمانيّاً(4).
وقال:
قال محمّد بن سعد: حمّاد بن زيد: يُكنّى أبا إسماعيل، وكان عثمانياً، وكان
ثقة، ثبتاً، حجّة، كثير الحديث(1).
وجاء في سير أعلام النبلاء:
عن بشر بن المفضّل: قال أبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو عبد الرحمن النسائي هو ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، وكان عثمانيّاً(2).
وفي معرفة الثقات:
طلحة بن مصرف اليامي: كوفيّ تابعي، ثقة، وكان يحرّم النبيذ، كان عثمانيّاً، يفضّل عثمان على عليّ، وكان من أقرأ أهل الكوفة وخيارهم(3).
وأيضاً:
عبد الله بن إدريس بن يزيد الأودي: ثقة، ثبت، صاحب سُنّة، زاهد صالح، وكان عثمانيّاً، يحرّم النبيذ(4).
وأيضاً: عبد الله بن أبي الهذيل: كوفيّ تابعي، ثقة، وكان عثمانيّاً(5).
وأيضاً: عثمان بن عاصم، أبو حصين الأسدي: كوفيّ ثقة، وكان عثمانياً، رجلاً صالحاً(6).
وأيضاً: محمّد بن عبيد الطنافسي: روى عنه في الثقات... وقال: كوفيّ ثقة، وكان عثمانيّاً، وكان حديثه أربعة آلاف يحفظها(7).
وفي تهذيب التهذيب:
خالد بن خداش: كان من عقلاء الناس، وذوي الألباب... قال محمّد بن سعد: كان عثمانيّاً، وكان ثقة ، ثبتاً، حجّة، كثير الحديث(1).
وجاء في تهذيب التهذيب أيضاً:
عبد الله بن شقيق العقيليّ: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمّد البصري... وقالوا: كان عبد الله بن شقيق عثمانيّاً، وكان ثقة في الحديث، وروى أحاديث صالحة... وقال أحمد بن حنبل: ثقة، وكان يحمل على عليّ.
وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة، وكان عثمانيّاً يبغض عليّاً.
وقال ابن عديّ: ما بأحاديثه بأس إن شاء الله تعالى.
كما جاء في ميزان الاعتدال:
عبد الله بن شقيق العقيليّ: بصريّ ثقة، لكنّه فيه نصب... وقال ابن عديّ: لا بأس بحديثه إن شاء الله...
وروى أحمد بن زهير، عن يحيى بن معين: هو من خيار المسلمين، لا يطعن في حديثه. وروى الكوسج، عن يحيى: ثقة. وثّقه أبو زرعة، وأبو حاتم.
وقال ابن خراش: ثقة، كان يبغض عليّاً(2).
وقال ابن سعد في الطبقات الكبرى:
عبد الله بن عون بن أرطبان، ويكنى أبا عون: مولى عبد الله بن درّة بن سراق المزني، وكان أكبر من سليمان التميمي، وكان عثمانيّاً، وكان ثقة، كثير الحديث، ورعاً(3).
وجاء في الطبقات أيضاً:
يزيد بن زريع، ويكنّى: أبا معاوية: وكان ثقة، حجّة، كثير الحديث، وتوفّي بالبصرة في شوال سنة اثنتين وثمانين ومائة. وكان عثمانياً(1).
وهذا غيض من فيض، ومع مراجعة كتب الرجال، يجد الباحث العشرات من هذه الأمثلة.
مكانة محبّي أهل البيت علیهم السلام من الرواة عند علماء السُنّة:
أمّا من كان من الرواة محبّاً لأهل البيت علیهم السلام، فكان يرمى بالتشيّع والرفض، ولا يعدّوه من الثقات، ولا يؤخذ حديثه، ولو كان - على حدّ زعم علماء الرجال -: صدوقاً، أو مخلصاً، أو عابداً، أو مجاب الدعوة، أو زاهداً، لكن وبسبب روايته للحقِّ، فإنّه يُرفض ويُرمى بأقبح الصفات، وتراهم دائماً ينتقصون بإشارتهم إليه بأنّه: يتشيّع، وغيرها من الألفاظ التي يُقصد منها الانتقاص، والأمثلة على ذلك عديدة جداً.
جاء في تحفة الأحوذي:
قوله: حدّثنا جعفر بن سليمان الضبعي بضمّ الضاد المعجمة، وفتح الموحّدة:
سليمان البصري: صدوق زاهد، لكنّه كان يتشيّع(2).
وجاء فيه أيضاً عن محمّد بن موسى:
قال أبو حاتم صدوق، صالح الحديث، لكنّه كان يتشيّع(3).
وقال عند قوله: (حدّثنا عليّ بن هاشم بن البريد)؛ بفتح الموحّدة، وبعد الراء تحتانية ساكنة: صدوق، لكنّه كان يتشيّع(4).
وجاء في فيض القدير:
ومحمّد بن المظفّر، أورده في الميزان وقال: ثقة، حجّة. إلّا أنّ الباجي قال: كان يتشيّع(1).
وقال الرازي في الجرح والتعديل:
حدّثنا عبد الرحمن، نا محمّد بن حمويه بن الحسن، قال: سمعت أبا طالب قال: قال أحمد: جعفر بن سليمان لا بأس به.
فقيل له: إنّ سليمان بن حرب يقول: لا يكتب حديثه. فقال حمّاد بن زيد: لم يكن ينهى عنه، إنّما كان يتشيّع، وكان يحدّث بأحاديث - يعني في فضل عليّ كرّم الله وجهه -(2).
وجاء في سير أعلام النبلاء:
فطر بن خليفة: الشيخ العالم، المحدّث، الصدوق، أبو بكر الكوفي المخزومي، مولى عمرو بن حريث الحناط... قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن فطر، فقال: ثقة، صالح الحديث، حديثه حديث رجل كيّس إلا أنه يتشيّع.
وقال أحمد بن يونس: تركته عمداً، وكان يتشيّع، وكنت أمرّ به بالكناسة في أصحاب الطعام، وكان أعرج، فأمرّ وأدعه مثل الكلب(3).
وجاء فيه أيضاً:
أبو أحمد الزبيري: محمّد بن عبد الله بن الزبير بن عمر بن درهم، الحافظ الكبير، المجوّد، أبو أحمد الزبيري، الكوفي، مولى بني أسد...
قال العجليّ: كوفي ثقة، لكنّه كان يتشيّع. وقال بندار: ما رأيت رجلاً قطّ أحفظ من أبي أحمد الزبيري. وقال أبو حاتم حافظ للحديث، عابد، مجتهد، له
أوهام. وقال أبو زرعة وغيره: صدوق. وقال النسائي: ليس به بأس(1).
وجاء في معرفة الثقات:
الحسن بن صالح بن صالح بن حي الثوري: من ثور همدان الغرماء، يكنّى: أبا عبد الله، من أسنان سفيان، وكان ثقة ثبتاً، متعبّداً، وكان يتشيع، وكان حسن الفقه، إلّا أنّ المبارك كان يحمل عليه بعض الحمل لحال التشيّع، ولم يرو عنه شيئاً(2).
وقال الذهبي في ميزان الاعتدال في نقد الرجال:
نوح بن قيس: بصريّ، صالح الحال... وثقه أحمد وابن معين وقال أبو :داود كان يتشيّع بلغني أنّ يحيى ضعّفه، وقال النسائي: ليس به بأس(3).
التضعيف بعد التوثيق:
هناك بحث آخر في علم الرجال عند أهل السنة وهو أنه لو كان الراوي للحديث عندهم طيلة حياته وعامّة دهره ثقة، أو يعتدّ به، لكنّه في أواخر حياته روى فضيلة لأهل البيت علیهم السلام، أو ذكر مثلبة لأحد الصحابة الذين لم يوفوا بعهدهم، أو ذكر فعلاً شنيعاً لأحدهم، فإن روايته مرفوضة ومنكرة وإن ثبت صدق وعدالة وثقة الراوي عندهم.
قال الذهبي في ميزان الاعتدال:
محمّد بن سعيد بن نبهان الكاتب: عاش مائة سنة. وسماعه صحيح، لكنّه يتشيّع، ثمّ إنّه قد اختلط قبل موته بعامين(4).
وجاء في لسان الميزان:
إسفنديار بن الموفّق محمّد بن يحيى أبو الفضل الواعظ: روى عنه الدبيثي، وابن النجّار، وقال: برع في الأدب، وبفقه الشافعي، وكان يتشيّع، وكان متواضعاً، عابداً، كثير التلاوة. وقال ابن الجوزي: حكى عنه بعض عدول بغداد: أنّه حضر مجلسه بالكوفة، فقال: لمّا قال النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم: «من كنت مولاه فعلي مولاه» تغيّر وجه أبي بكر وعمر، فنزلت: «فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةٌ سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا»(1).
فهذا غلوّ منه في تشيّعه، وذكره ابن بابويه فقال: كان فقيهاً، ديّناً، صالحاً، لقبه: صائن الدين(2).
وجاء في لسان الميزان أيضاً:
عبد الرحمن بن يوسف بن خراش الحافظ: قال عبدان: كان يواصل المراسيل. وقال ابن عديّ: كان يتشيّع. وقال أبو زرعة: محمّد بن يوسف الحافظ، كان خرّج مثالب الشيخين، وكان رافضيّاً. وقال عبدان: قلت لابن خراش: حدیث «لا نورّث ما تركنا صدقة»، قال: باطل. قلت: من تتهم به. قال: مالك بن أوس.
قلت: لعلّ هذا بدأ منه وهو شاب؛ فإنّى رأيته ذكر مالك بن أوس بن الحدثان في تاريخه فقال: ثقة.
قال عبدان: و حمل ابن خراش إلى بندار عندنا جزءين صنّفهما في مثالب الشيخين، فأجازه بألفي درهم.
قلت: هذا والله هو الشيخ المغتر الذي ضلّ سعيه؛ فإنّه كان حافظ زمانه، وله الرحلة الواسعة والاطّلاع الكثير والإحاطة، وبعد هذا، فما انتفع بعلمه، فلا عتب على حمير الرافضة، وجواتر خرو مشفرا (كذا في الأصل، وهي ألفاظ مهملة
مصحفة. وفي ميزان الاعتدال وحواثر جَزِّين ومشغراً)...
وقال ابن عدي: إنّما ذكر شيء من التشيّع؛ فأمّا في الحديث فإنّي أرجو أنّه لا يتعمدّ الكذب، وبقيّة قصّة جزئي المثالب فأجازه بألفي درهم، فبنى بها حجرة ببغداد ليحدّث فيها، فما متّع بذلك. ومات حين فرغت(1).
وجاء في لسان الميزان أيضاً:
كثير بن يحيى بن كثير: صاحب البصري، شيعي، نهى عبّاس العنبريّ الناس عن الأخذ عنه. وقال الأزدي عنده مناكير. ثمّ ساق له عن أبي عوانة، عن خالد الحذّاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، سمعت عليّا رضی الله عنه يقول: ولّي أبو بكر رضی الله عنه وكنت أحقّ الناس بالخلافة.
قلت: هذا موضوع على أبي عوانة، ولم أعرف من حدّث به عن كثير، انتهى.
وقد روى عنه: عبد الله بن أحمد، وأبو زرعة، وغيرهما.
قال أبو حاتم: محله الصدق، وكان يتشيّع. وقال أبو زرعة: صدوق. وذكره ابن حبّان في الثقات، فلعل الآفة ممن بعده(2).
وجاء في تهذيب التهذيب:
تلید بن سليمان المحاربي، أبو سليمان...
قال المروزي، عن أحمد: كان مذهبه التشيّع، ولم نرَ به بأساً. وقال أيضاً: كتبت عنه حديثاً كثيراً عن أبي الجحاف.
وقال الجوزجاني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ثنا تليد بن سليمان، هو عندي كان يكذب.
وقال ابن معين: كان ببغداد، وقد سمعت منه، وليس بشيء، وقال في موضع
آخر: كذّاب، كان يشتم عثمان، وكلّ من شتم عثمان أو طلحة أو واحداً من أصحاب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم دجّال لا يكتب عنه، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
وقال أيضاً: قعد فوق سطح مع مولى لعثمان، فتناول عثمان فأخذه مولى عثمان فرمی به من فوق السطح، فكسّر رجليه، فقام يمشي على عصا.
وقال البخاري: تكلّم فيه يحيى بن معين ورماه.
وقال العجلي: لا بأس به، كان يتشيّع ويدلّس.
وقال ابن عمّار: زعموا أنّه لا بأس به.
وقال أبو داود: رافضي خبيث، رجل سوء يشتم أبا بكر وعمر.
وقال النسائي: ضعيف.
وقال يعقوب بن سفيان: رافضي خبيث، سمعت عبيد الله بن موسى يقول لابنه محمّد: أليس قد قلت لك: لا تكتب حديث تليد هذا...
وقال ابن حبّان كان رافضيّاً يشتم الصحابة، وروى في فضائل أهل البيت عجائب.
وقال الدارقطني: ضعيف(1).
وجاء في سير أعلام النبلاء:
ابن أبي دارم: الإمام الحافظ الفاضل، أبو بكر أحمد بن محمّد السري... التميمي الكوفي الشيعي، محدّث الكوفة... كان موصوفاً بالحفظ والمعرفة، إلّا أنّه يترفّض، وقد ألّف في الحطّ على بعض الصحابة، وهو مع ذلك ليس بثقة في النقل(2).
وجاء في ميزان الاعتدال:
أحمد بن محمّد بن السري بن يحيى بن أبي دارم: المحدّث أبو بكر الكوفي، الرافضيّ الكذّاب...
روى عنه: الحاكم؛ وقال: رافضي، غير ثقة. وقال محمّد بن أحمد بن حمّاد الكوفي الحافظ، بعد أنّ أرّخ موته: كان مستقيم الأمر عامّة دهره، ثمّ في آخر أيامه كان أكثر ما يُقرأ عليه المثالب، حضرته ورجل يقرأ عليه: أنّ عمر رفس فاطمة حتّى أسقطت بمحسن. وفي خبر آخر في قوله تعالى: «وَجَاء فِرْعَوْنُ» عمر «وَمَن قَبْلَهُ» أبو بكر «وَالْمُؤْتَفِكَاتُ»(1)عائشة وحفصة. فوافقته على ذلك، ثمّ إنّه حين أذّن الناس بهذا الأذان المحدث، وضع حديثاً متنه: تخرج نار من قعر عدن مبغضي آل محمّد. ووافقته عليه، وجاءني ابن سعيد في أمر هذا الحديث، تلتقط فسألني، فكبر عليه، وأكثر الذكر له بكلّ قبيح، وتركت حديثه(2).
ميزان قبول الرواية أو ردّها عند أهل السُنّة:
هكذا كان ولا زال ميزان قبول الرواية أو ردّها، بالنسبة لعلماء أهل السُنّة؛ فمن كان عثمانياً ومبغضاً لعليّ علیه السلام وأهل البيت علیهم السلام تؤخذ روايته، ومن كان متديّناً تقيّاً صدوقاً ورعاً عالماً فقيهاً حافظاً ولكنّه يذكر فضائل أهل البيت ويتشيّع لهم، تردّ روايته، وباختصار: فإنّ المحدّثين فيما سبق قد طبّقوا القانون الذي فرضته السلطة الحاكمة تطبيقاً تامّاً واعتمدوه في أغلب كتبهم.
فإذا كان الحديث فيه طعناً لعصمة النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم، وجعله كأيّ إنسان عاديّ يُخطئ ويُصيب، فإنّهم اعتمدوا هذا النوع من الحديث.
وإذا كان الحديث فيه تبرير لفعل من الأفعال التي فعلوها، والتي لا يرضاها
الله ولا رسوله صلی الله علیه وآله وسلم أيضاً اعتمدوا هذا النوع منه، ولو كان على حساب منزلة الرسالة ومرتبة النبوّة.
وأيضاً كلّما كان الحديث فيه رفع لشأن أُناس لم يرفعهم الله، أو فيه اختراع لفضائل لم تكن موجودة في أصحابها، أيضاً اعتمدوه، وإذا كان الحديث فيه تحويل لمثالب العديد من الصحابة وقلبها إلى فضائل اعتمدوه أيضاً.
ولذلك ظهرت التناقضات والاختلافات بين الفقهاء، والسبب الرئيسي في تلك الاختلافات والتناقضات هو ما رُوي من العشرات، بل المئات من الأحاديث التي لم يحدّث بها رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ولم تخرج من نبع النبوّة وعين الوحي، نسبوها إلى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، ولذلك اعتمدها المسلمون بعد ذلك الزمان وحتّى أيامنا هذه، و تعدّدت التناقضات التي خالفوا في العشرات منها صريح الآيات القرآنية الشريفة، وخالفوا فيها حقيقة الربوبية والرسالة الإلهيّة، والصفة الربّانية لرسالة الإسلام العظيمة.
الالتحاق بمذهب أهل البيت علیهم السلام:
إنّ كثرة التناقضات والاختلافات الواردة في الصحاح والمسانيد تدلّ على تزلزل المذهب الذي بني عليها ولا يمكن للباحث المنصف أن يمرّ على الأمر مرّ الكرام، وإنّ التوقّف عند هذه المسألة والتفكّر فيها سيوصل الباحث الى الحقيقة شكّ، وإنّ «اندرو» هو أحد الذين انتبهوا الى الحقيقة، وذهبوا يبحثون عن مذهب خالِ من التناقضات، فتمسكوا بمذهب أهل البيت علیهم السلام، واعتنقوه بعد بدون البحث والتحقيق.
ولد في الفلبّين في أجواء الديانة المسيحية، في ظل أُسرة ملتزمة بتعاليم الكنيسة، واصل دراسته حتى حصل على شهادة عليا في مجال الهندسة في علوم الطيران، وهو يعمل مهندساً في القوة الجوّيّة، أعلن عن تغيير انتمائه المذهبي واستبصاره(1)متخطّياً - بعد البحث والتحقيق - كلّ الشبهات والافتراءات المفتعلة ضد الإسلام وضد المذهب الشيعي.
التشكيك بنبوة النبي صلی الله علیه وآله وسلم:
لا يخفى على الباحث ما يتعرّض له مذهب أهل البيت علیهم السلام من شبهات وافتراءات من قبل أعداء الإسلام، وإن بعض هذه الافتراءات لم تُمحَ من أذهان السذّج من مخالفي مذهب أهل البيت حتى زماننا هذا، ومن هذه الافتراءات ما ينسبوه للشيعة من أنهّم يعتقدون أنّ الله سبحانه وتعالى أراد إنزال الوحي على أمير المؤمنين علیه السلام، لكن جبرئيل خان أو أخطأ فذهب بالوحي إلى النبي صلی الله علیه وآله وسلم، وقد نسبت هذه الفرية للشيعة من قبل ابن شاهين على لسان الشعبي.
فقد ذكر ابن شاهين عمر بن أحمد في كتابه اللطف في السُنّة كما ذكره ابن
1) راجع كتاب: معرفة تحليلية عن الإسلام وبعض الأديان والمذاهب: 558 - 559
تيمية في «منهاج السنّة» - قال: حدّثنا محمد بن أبي القاسم بن هارون، حدثنا أحمد بن الوليد الواسطي، حدّثني جعفر بن نصير الطوسي، عن عبدالرحمن بن مالك بن مغول، عن أبيه، قال: قال لي الشعبي: أُحذّركم أهل هذه الأهواء المضلّة، وشرّها الرافضة، لم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة.
إلى أن قال: واليهود تبغض جبرئيل ويقولون: هو عدوّنا من الملائكة، وكذلك الرافضة، يقولون: غلط جبرئيل بالوحي على محمّد(1).
إنّ هذه الصورة التي وضعت على لسان الشعبي أخذها ابن حزم في كتابه «الفصل في الملل والنحل» فنسبها لفرقة من الغلاة سمّاهم: الغرابية؛ لأنّهم قالوا: إنّ علياً أشبه بمحمد من الغراب بالغراب ولذلك غلط جبرئيل بالوحي فذهب به لمحمَّد وهو مبعوث لعلي، ولا لوم عليه، لأنّه اشتبه، وبعضهم شتمه وقال: بل تعمّد ذلك، هكذا رواه ابن حزم(2).
في حين ذهب الرازي في كتابه «اعتقادات فرق المسلمين» الى أنّهم قالوا: غلط ولم يتعمّد(3).
وقد عرفت أنّ منشأ الرواية الشعبي، ونظراً لأهمّية الموضوع ينبغي مناقشة الرواية والإشارة إلى الثغرات التي لم يتفطّن لها واضعوها:
أ - أنّ الشعبي عندما كان يقارن بين اليهود والشيعة سمّى الشيعة ب«الرافضة»، وهذا اللقب الذي نبز به الشيعة عُرف - كما يقولون - في آخر أيام زيد بن عليٍّ، عندما طلب منه أفراد جيشه البراءة من الخليفتين، فأبى، فرفضه قوم منهم سمّوا ب- «الرافضة»(4)، وكانت هذه الواقعة سنة مقتل زيد أي عام 124
هجرية، في حين أنّ الشعبي ولدسنة عشرين، أو إحدى ثلاثين على رواية أُخرى، من الهجرة فالفرق بين حياته والرواية سبعة عشر سنة؛ لأنّه مات سنة 105 من الهجرة(1).
فإمّا أن يكون لفظ الرافضة ورد قبل هذا، وهو ما لا تقول به رواياتهم، أو أنّ القصة مخترعة، وهو الأصحّ.
ب - إنّ سند هذه الرواية ضعيف بعبد الرحمن بن مالك بن مغول؛ فقد قالت عنه كتب التراجم بأنّه: ضعيف، وكذّاب، ووضّاع، ويقول عنه الدارقطني: متروك ويقول عنه أبو داود: كذّاب، ويقول عنه النسائي: ليس بثقة(2).
ج - على فرض صحّة المقدمتين فمن هم هؤلاء الغرابية؟ وكم عددهم؟ وأين مكانهم؟ وهل لهم من وجود خارجي؟! أغلب الظنّ أنّهم من المقلع الذي نُحت منه عبد الله بن سبأ، خلقتهم نفس الأهداف التي خلقته.
د - إنّ الذي يدّعي نبوّة شخص فلابدّ أن يكون هذا النبي منصوباً من ربّ، وهنا يقال: هل الربّ الذي أرسل رسوله لنبيّه كان يعلم أنّ هذا الرسول مغفَّل، لا يفرق بين من أرسل إليه وغيره، أم لا؟
فإذا كان لا يعلم فهو لا يصلح للألوهية، وإذا كان يعلم وأرسله مع علمه، فأيّ ربّ هذا الذي يرسل من لا ينفّذ أوامره؟! إلّا أن يقال أنّه متواطىء مع جبرئیل!!
ه - أو ليس القرآن الكريم يقول عن جبرئيل: «مُطَاع ثُمَّ أَمِينٍ»(3).
ويقول عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم: «وَلكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ»(4).
والشيعة مسلمون يقرؤون القرآن آناء الليل وأطراف النهار، فكيف لا يفهمون ذلك؟!
و - كل من له إلمام بالتاريخ يعلم مدى طاعة الإمام عليّ علیه السلام للنبي صلی الله علیه وآله وسلم وجهاده بين يديه، فكيف يجتمع ذلك مع علمه بأنّه أخذ منه الرسالة، إلّا أن يقال: إنّه لا يعلم أنّ الرسالة هي له!!
ز - إنّ مصدر التشريع الأول والأساس هو القرآن الكريم عند كلّ فرق المسلمين، ومنهم الشيعة، فإذا نزل القرآن بيد خائن فأيّ ثقة تبقى به بعد ذلك؟!
ح - ألا تكفي آلاف المنائر والمساجد عند الشيعة في مختلف بقاع الأرض، والتي تصرّح ليل نهار: أشهد أنّ محمداً رسول الله، للتدليل على أنّ هذه القصة فرية مفتعلة كأخواتها.
ط - إن كتب عقائد وفقه الشيعة تملأ الدنيا، فهل يوجد في كتاب واحد منها إلى هذه الفرية؟! ونرضى بأن يكون حتى من المخرّفين ممّن نراهم عند فئة أُخرى..
إنّنا نطالب بمصدر واحد اعتمد عليه هؤلاء في نقل ما نقلوه.
وإذا كان العوام يتلقّون أقوال رجال فكرهم بالقبول مهما كانت، فما بال المثّقفين يعيشون العقليّة نفسها؟ وما فائدة العلم إذا لم يقوّم تفكير الإنسان؟ وإلى متى يبقى المسلمون يجترون ما أُدخل إلى أمعائهم يوماً ما؟ ليتهم يصارحوا الأجيال بأنّ لهم مصالح في بقاء هذه المهازل، إذاً لأراحوها، ولكانوا صادقين مع أنفسهم، كما صنع مروان بن الحكم في لحظة من لحظات استيقاظ ضميره، وقد سئل عن موقف الإمام علي علیه السلام من عثمان أيام الثورة عليه فقال: ما كان أحد أدفع عن عثمان من عليّ.
فقيل له: ما لكم تسبّونه على المنابر؟
فقال: لا يستقيم لنا الأمر إلا بذلك(1).
ويبدو أنّ بعض الناس لا يصدّق أنّ هذه الافتراءات لا أساس لها؛ لأنّ تصديقه بذلك فيه تبرئة للروافض، ومعناه: ترك بعض الناس بدون عمل..
يقول السيّد محسن الأمين العاملي: إنّ من شكّ في نبوّة النبي وجعل له شريكاً في النبوة فهو خارج عن دين الإسلام(2).
ويقول الرضا المظفر في عقائد الإمامية: نعتقد أنّ صاحب الرسالة الإسلامية هو: محمد بن عبد الله، وهو خاتم النبيين وسيّد المرسلين، وأفضلهم على الإطلاق، كما أنّه سيّد البشر جميعاً، لا يوازيه فاضل في فضل، ولا يدانيه أحد في مكرمة، وأنّه لعلى خلق عظيم(3).
الالتحاق بركب المستبصرين:
يعلم كلّ باحث منصف بأنّ الحقيقة لابدّ أن تظهر مهما حاول أعداؤها إخفاءها، وأنّ أحقّية مذهب أهل البيت علیهم السلام من أبرز تلك الحقائق، التي حاول أعداء الدين إخفاءها بشتّى الوسائل على مر العصور، ولكن نرى اليوم ازدياد عدد معتنقي مذهب أهل البيت علیهم السلام في جميع أنحاء العالم ساعة بعد ساعة.
وإنّ «أولفو» هو أحد الذين لم تؤثّر عليهم الشبهات والافتراءات ومن الذين وفّقهم الله لإزالة الحجب المتراكمة، والتنوّر بنور أهل بيت النبوّة علیهم السلام.
ثم إنَّ «أولفو» بعد استبصاره سمى نفسه محمد حسين تيمّناً وتبركا بالعترة الطاهرة علیهم السلام.
(28) ایسترا مالانا (زينب) (مسيحية / الفلبّين)
من مواليد الفلبّين، واصلت دراستها الأكاديمية حتى نالت شهادة الليسانس، كانت تعتنق الديانة المسيحية وفق ما أملت عليها الأجواء المحيطة بها، وفي مرحلة من عمرها اعترتها حالة شكّ وريب في عقائدها، فتحرّكت من أجل أن تبحث وتسأل وتحاور لتقتحم كل المجاهيل المقفلة وهذا ما ساعدها للتحوّل الديني والتخلّي عن انتمائها السابق بعد أن لاحت لبصيرتها أنوار الإسلام.
الناس وبيعة أمير المؤمنين علیه السلام:
من الأمور التي تجعل الفكر الشيعي ناضجاً عند الباحثين وتسكنه في أعماق ذوي المطالعات التأريخية: عدم إجبار الناس على البيعة في حكومة أمير المؤمنين علیه السلام؛ اذ ممّا تعورف عليه في مجتمعاتنا الشرقية أنّ الاستيلاء على الحكم يتم بالانقلابات العسكرية، وفي حال نجحوا في الوصول الى السلطة فإنّهم يجبرون الناس عليها، ولا مجال لأحد من أن لا يقدّم الولاء للسلطة الجديدة، ولكنّنا نجد أنّ أمير المؤمنين علیه السلام وعندما اختارته أغلبية المسلمين لم يستخدم هذا الأُسلوب، بل ترك الحقّ للمعارضة في أن لا تبايع.
فقد كان المسلمون بعد مقتل عثمان يتعطّشون لحكم أمير المؤمنين علیه السلام
وخلافته، فلذا ازدحموا عليه للمبايعة ولم يتخلّف منهم إلا بضعة أشخاص، هم أصحاب مصالح ومنافع، أو كان في قلوبهم حقد وحسد على الإمام علیه السلام، وقد ذكر أرباب التاريخ وأصحاب السير كيف كانت بيعته، وما جرى فيها، وتتلخّص في أنّ الإمام لم يرغب فيها لما يَعِرف من ظروفها وأحداثها، وماسوف يعترض طريقه فيها.
وقد ذكر ابن أبي الحديد أنّ المهاجرين والأنصار اجتمعوا وتداولوا الأمر واستقرّ رأيهم على أن يولّوا الإمام علیه السلام على الناس إلا محمد بن مسلمة، وعبدالله ابن عمر، وأُسامة بن زيد، وسعد بن أبي وقّاص، وكعب بن مالك، وحسّان بن ثابت...
وقال ابن أبي الحديد: أنّ هؤلاء الرهط إنّما اعتذروا بما اعتذروا به لمّا ندبهم إلى الشخوص لحرب أصحاب الجمل، وأنّهم لم يتخلّفوا عن البيعة وإنما تخلّفوا عن الحرب، وهو ما أشارت إليه العديد من النصوص:
النص الأوّل:
قوله علیه السلام في ذكر أصحاب الجمل: (فَخَرَجُوا يَجُرُّونَ حُرمَةً رَسُول الله صلى الله عليه وآله وسلم كَما تُجَرُّ الأَمَةُ عِنْدَ شِرَائِهَا، مُتَوَجِّهِينَ بِهَا إِلَى الْبَصْرَة، فَحَبَسَا نِسَاءَهُمَا فِي بُيُوتِهِمَا وَأَبْرَزَا حَبِيسَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم لَهُمَا وَلِغَيْرِهِمَا فِي جَيْشِ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَقَدْ أَعْطَانِي الطَّاعَةَ، وَسَمَحَ لِي بِالْبَيْعَةِ، طَائِعاً غَيْرَ مُكْرَه)(1).
والأصل فيه كتاب كتبه علیه السلام للناس ليقرأه عليهم لما سألوه عن الثلاثة بعد فتح معاوية لمصر، رواه الثقفي في (الغارات)(2)، وابن رستم الطبري في كتابه (المسترشد)(3). وقصده لإظهار عذره في قتال أصحاب الجمل. وذكر لهم جملة
من الذنوب تستلزم إباحة قتالهم وقتلهم:
الأُولى: ما أشار إليه الله بقوله: (فَخَرَجُوا يَجُرُّونَ حُرْمَةً رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم كَمَا تُجَرُّ الْأَمَةُ عِنْدَ شِرَائِهَا، مُتَوَجِّهِينَ بِهَا إِلَى الْبَصْرَةِ، فَحَبَسَا نِسَاءَهُمَا فِي بُيُوتِهِمَا، وَأَبْرَزًا حَبِيس رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم لَهُمَا وَلِغَيْرِهِمَا).
خروجهم بحرمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحبيسه يجرّونها كما تجرّ الأمة عند شرائها مع حبسهما لنسائهما ومحافظتهما عليهنّ، وضمير التثنية في حبسا لطلحة والزبير، ووجه الشبه انتهاك الحرمة ونقصانها في إخراجها، وفي ذلك جرأة على رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم.
الثانية: - موضع الشاهد - نكثهم لبيعته وخروجهم عليه بعد الطاعة في جماعة، ما منهم إلّا من أخذ بيعته. وهو ما أشار إليه علیه السلام بقوله: (فِي جَيْشِ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَقَدْ أَعْطَانِي الطَّاعَةَ، وَسَمَحَ لِي بِالْبَيْعَةِ، طَائِعاً غَيْرَ مُكْرَةٍ)، حتّى مروان بن الحكم، وجيشهما وإن كان مقدار منهم من مكّة ومقدار منهم من البصرة، وهم لم يحضروا بيعته علیه السلام، إلّا أنّ عمّاله علیه السلام كانوا أخذوا منهم البيعة.
النص الثاني:
ومن خطبة له علیه السلام: (فَتَدَاكُوا عَلَيَّ تَدَاكَ الْإِبِلِ الْهِيمِ يَوْمَ وِرْدِهَا، قَدْ أَرْسَلَهَا رَاعِيهَا، وَخُلِعَتْ مَثَانِيهَا، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُمْ فَاتِليَّ، أَوْ بَعْضُهُمْ قَاتِلُ بَعْضٍ لَدَيَّ)(1).
قال ابن أبي الحديد: «إنّ الأنصار والمهاجرين اجتمعوا في مسجد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لينظروا من يولّونه أمرهم حتّى غصّ المسجد بأهله، فاتّفق رأي عمّار وأبي الهيثم بن التهيان ورفاعة بن رافع ومالك بن عجلان وأبي أيوب على إقعاد أمير المؤمنين علیه السلام في الخلافة.
وكان أشدّهم تهالكاً عليه عمّار؛ فقال لهم: «أيّها الأنصار! قد سار فيكم
1) نهج البلاغة 1: 103، الخطبة: 54
عثمان بالأمس بما رأيتموه، وأنتم على شرف من الوقوع في مثله إن لم تنظروا لأنفسكم، وإنّ عليّاً علیه السلام أولى الناس بهذا الأمر؛ لفضله وسابقته».
فقالوا حينئذ بأجمعهم لبقية الناس من الأنصار والمهاجرين: «أيّها الناس! إنّا لن نألوكم خيراً و أنفسنا إن شاء الله، وإنّ عليّاً علیه السلام من قد علمتم، وما نعرف مكان أحد أحمل لهذا الأمر منه، ولا أولى به».
فقال الناس بأجمعهم: قد رضينا، وهو عندنا على ما ذكر تم وأفضل. وقاموا كلّهم فأتوا عليّاً علیه السلام فاستخرجوه من داره وسألوه بسط يده، فقبضها، فتد اكّوا عليه تداكّ الإبل الهيم على ورودها حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً، فلمّا رأى ما رأى سألهم أن تكون بيعته في المسجد ظاهرة للناس، وقال علیه السلام: إن كرهني رجل واحد لم أدخل في هذا الأمر.
فنهض الناس معه حتّى دخل المسجد، فكان أوّل من بايعه طلحة؛ فقال قبيصة بن ذؤيب الأسدي تخوّفت ألا يتم أمره؛ لأنّ أوّل يد بايعته شلاء.
ثم بايعه الزبير وبايعه المسلمون بالمدينة، إلّا محمّد بن مسلمة، وعبد الله بن عمر، وأُسامة بن زيد، وسعد بن أبي وقاص، وكعب بن مالك، وحسّان بن ثابت، وعبد الله بن سلام، فأمر بإحضار عبد الله بن عمر، فقال له: بايع.
قال: لا أُبايع حتّى يبايع جميع الناس.
فقال له علي علیه السلام: فاعطني حميلاً أن لا تبرح.
قال: لا أُعطيك.
فقال الأشتر له علیه السلام: إنّ هذا قد أمن سوطك وسيفك، فدعني أضرب عنقه.
فقال علیه السلام: لست أُريد ذلك منه على كره، خلّوا سبيله؛ لقد كان صغيراً وهو سيّىء الخلق، وهو في كبره أسوأ خلقاً.
ثم أتي بسعد بن أبي وقاص، فقال له علیه السلام: بايع.
فقال له: خلّني، فإذا لم يبق غيري بايعتك، فوالله لا يأتيك من قبلي أمر تكرهه أبداً.
فقال علیه السلام: صدق، خلّوا سبيله.
ثم بعث إلى محمّد بن مسلمة، فلمّا أتاه، قال له: بايع.
قال: إنّ النبيّ أمرني إذا اختلف الناس وصاروا هكذا (وشبّك بين أصابعه) أن أخرج بسيفي فأضرب عرض أحد، فإذا تقطّع أتيت منزلي فكنت فيه، لا أبرحه حتّى تأتيني يد خاطفة أو منيّة قاضية.
فقال علیه السلام له: فانطلق واذاً فكن كما أُمرت به.
ثم بعث إلى أُسامة بن زيد، فلمّا جاء، قال له: بايع.
فقال له: إنّي مولاك ولا خلاف منّي عليك، وستأتيك بيعتي إذا سكن الناس.
فأمره بالانصراف، ولم يبعث إلى أحد غيرهم. وقيل له: ألا تبعث إلى حسّان ابن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن سلام؟
فقال علیه السلام: لا حاجة لنا في من لا حاجة له فينا(1).
وقال ابن أبي الحديد أيضاً: وروى أبو مخنف عن ابن عبّاس، قال: لما دخل الشاد عليّ المسجد وجاء الناس ليبايعوه، خفت أن يتكلّم بعض أهل الشنآن لعلىّ علیه السلام ممّن قتل أباه أو أخاه، أو ذا قرابته فى حياة النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم، فيزهد عليّ علیه السلام في الأمر ويتركه. فكنت أرصد ذلك وأتخوّفه، فلم يتكلّم أحد حتّى بايعه الناس كلّهم راضین مسلّمين غير مكرهين(2).
قوله علیه السلام: (فَتَدَاكُوا عَلَيَّ تَدَاكَ الإِبِلِ الْهِيمَ يَوْمَ وَرُوْدِهَا): الأصل فيه قوله تعالى: «فَشَارِبُونَ شُرْبَ الهِیمِ»(3)، أي: الإبل العطاش.
(قَدْ أَرْسَلَهَا رَاعِيهَا): زيادة كما بعده في بيان تداك الإبل الهيم [ومعناه تركها بدون لجام، أي: بدون تحكّم في حركتها تجاه الماء].
(وَخُلِعَتْ مَثَانِيهَا) والثناء: ثني عقال البعير ونحوه ، إذا عقلته بحبل مثني، وكل واحد من ثنييه فهو: ثناء. وعقلت البعير بثنايين، يظهرون الياء بعد الألف، وهي المَدّة التي كانت فيها، ولو مُدّ مدّاً لكان صواباً؛ كقولك: كساء وكساوان وكساءان وسماء وسماوان وسماء ان(1).
(حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُمْ فَاتِليَّ، أَوْ بَعْضُهُمْ قَاتِلُ بَعْضٍ لَدَيَّ): من شدّة ازدحامهم للتسابق على البيعة لي.
النص الثالث:
ومن كلام له علیه السلام في وصف بيعته بالخلافة: (وَبَسَطْتُمْ يَدِي فَكَفَفْتُهَا(2)، وَمَدَدْتُمُوهَا فَقَبَضْتُهَا، ثُمَّ تَدَا كَكْتُمْ(3)عَلَيَّ تَدَاكَ الْإِبِلِ الْهِيمِ(4)عَلَى حِيَاضِهَا(5)يَوْمَ وِرْدِهَا(6)، حَتَّى انْقَطَعَتِ النَّعْلُ(7)، وَسَقَطَ الرِّدَاءِ(8)، وَوُطِي(9)الضَّعِيفُ، وَبَلَغَ مِنْ سُرُورِ
1) كتاب العين 244:8
2) كففت الثوب؛ أي خطت حاشيته، وهي الخياطة الثانية بعد الشل. الصحاح 4: 1422
3) الدكّ: الدقّ. وقد دككت الشيء أدكّه دكّاً، إذا ضربته وكسرته حتى سوّيته بالأرض. ومنه قوله تعالى: «فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً» سورة الحاقة (69): 14، الصحاح 4: 1583
4) الهيمان: العطشان. كتاب العين 4: 101
5) الحوض: مجتمع الماء والجمع: أحواض وحياض. لسان العرب 7: 141
6) الورد: وقت يوم الورد بين الظمأين، وهو وقتان، وورد الوارد يرد ورودا. كتاب العين 8: 66
7) النعل: ماجعلت وقاية من الأرض. نعل ينعل نعلاً، وانتعل بكذا: إذا لبس النعل كتاب العين 2: 142
8) الرداء: من الملاحف، وقول طرفة: ووجه كأن الشمس حلّت رداءها عليه، نقي اللون لم يتخدّد. لسان العرب 316:14
9) الوطء: بالقدم والقوائم، تقول: وطأته بقدمي إذا أردت به الكثرة، ووطّأت لك الأمر، إذا هيّأته، ووطّأت لك الفراش، وقد وطؤ يوطؤ وطأ ووطاءة. كتاب العين 7: 467
النَّاسِ بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّايَ أَنِ ابْتَهَج(1)بِهَا الصَّغِيرُ، وَهَدَج(2)إِلَيْهَا الْكَبِيرُ، وَتَحَامَلَ(3)نَحْوَهَا الْعَلِيلُ(4)، وَحَسَرَتْ(5)إِلَيْهَا الْكِعَابُ(6))(7).
هذا الكلام منه علیه السلام في وصف بيعته يتوجّه به إلى الناكثين كي يكفّوا؛ لأنّ من تمّت له البيعة بهذه المثابة لم يكن لأحد أن يخرج عليه أو ينكث بيعته.
قوله: (وَبَسَطْتُمْ يَدِي فَكَفَفْتُهَا، وَمَدَدْتُمُوهَا فَقَبَضْتُهَا، ثُمَّ تَدَا كَكْتُمْ عَلَيَّ تَدَاكَ الْإِبِلِ الْهِيمِ عَلَى حِيَاضِهَا يَوْمَ وِرْدِهَا):
بيّن أنّهم أخذوا يده فبسطوها للبيعة فكان يمتنع عنها، وكانوا يمدّونها وهو يقبضها، كناية عن امتناعه وعدم رغبته بالخلافة؛ لأنه يعلم ما سيجري ويحدث، ولكنّهم رغم امتناعه ورفضه ازدحموا علیه ازدحاماً شديداً يدفع بعضهم بعضاً، وقد شبّههم بما يرونه، شبّههم بالإبل العطاش التي سرحت يوم شربها، فإنّها تزدحم ويدفع بعضها بعضاً كلّ واحد يريد الوصول إلى الماء والارتواء منه وأخذ نصيبه.
وقوله: (حَتَّى انْقَطَعَت النَّعْلُ، وَسَقَطَ الرِّدَاءُ، وَوُطِيءَ الضَّعِيفُ): يشير اجتماعهم على الإمام علیه السلام كلٌّ يريد أن يصل إليه ليبايعه ويصفق على يمينه، حتى بلغ من شدّة الازدحام أن انقطع النعل؛ لأنّ بعضهم يدوس على أرجل بعض، وسقط الرداء بحيث اشتغل كلّ بنجاة نفسه من هذا الازدحام فأدّى إلى سقوط
1) ورجل بهج؛ أي: مبتهج بأمر يسرّه، والمرأة بالهاء، وقد بهجت بهجة، وهي مبهاج، قد غلبت عليها البهجة، وقد تباهج الروض إذا كثر النور؛ قال نورها متباهج يتوهّج راجع كتاب العين 3: 394
2) الهدجان: مشية الشيخ، ونحوه. كتاب العين 3: 385
3) تحامل في الأمر وبه تكلّفه على مشقّة وإعياء. لسان العرب: 11: 176
4) العليل: المريض. كتاب العين 1: 88
5) الحَسْرِ: كَشْطُكَ الشيء ء عن الشيء؛ يقال: حسر عن ذراعيه، وحسر البيضة عن رأسه، وحسرت الريح السحاب حسراً. كتاب العين 3: 133
6) الكعاب، بالفتح: الكاعب، وهي الجارية حين يبدو ثديها للنهود. الصحاح 1: 213
7) نهج البلاغة 222:2، الخطبة: 229
الرداء، وبلغ من اشتغال الناس وازدحامهم أنّهم لم ينتبهوا إلى الضعيف فوطيء وديس، وهذا لا يكون إلا عند الاضطرار وعدم الانتباه من أجل أمر مهم.
قوله: (وَبَلَغَ مِنْ سُرُورِ النَّاسِ بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّايَ أَنِ ابْتَهَجَ بِهَا الصَّغِيرُ، وَهَدَجَ إِلَيْهَا الْكَبِيرُ، وَتَحَامَلَ نَحْوَهَا الْعَلِيلُ، وَحَسَرَتْ إِلَيْهَا الْكِعَابُ):
وهذا خروج عن العادة؛ إذ أنّ من لا يهمّه ذلك وم-ن ليس من شأنه، كالصغير، فإنّه فرح ببيعة الإمام، وانشرح لها، وتحرّك نحوها الهرم الكبير الذي لا يستطيع المشي إليها إلا بمشقّة، لفرحه وسروره مشى متحمّلاً المشقّة والتعب، وحتى المريض تحامل على نفسه وتكلّف المجيء للبيعة؛ رغبة في إتمامها لأهلها، وحتى الصبايا اللاتي من شأنهنّ الستر والعفاف حسرن فرحاً بذلك، ورغبن فيها، وإذا كان كلّ هؤلاء قد أقدموا على البيعة وفرحوا بها، فحقّ أن لا يخرج أحد عليها أو ينكثها..
ولكنّ القلوب المريضة حتّى إذا جئتها بألف آية وآية تبقى على مرضها، ولن يشفيها إلا حدّ السيف.
وتلخيصها: أنّكم بلغتم في طلبكم لي وحرصكم على بيعتي إلى هذه الغاية حتّى أجبتكم، ومن كان كذلك فليس له أن ينكث ويغدر.
النص الرابع:
قوله علیه السلام: (فَأَقْبَلْتُمْ إِلَيَّ إِقْبَالَ الْعُوذِ الْمَطَافِيلِ عَلَى أَوْلَادِهَا، تَقُولُونَ الْبَيْعَةَ الْبَيْعَةَ، قَبَضْتُ يَدِي فَبَسَطْتُمُوهَا، وَنَازَعَتْكُمْ يَدِي فَجَذَبْتُمُوهَا اللَّهُمَّ إِنَّهُمَا قَطَعَانِي وَظَلَمَانِي وَنَكَنَا بَيْعَتِي وَأَلَّبَا النَّاسَ عَلَيَّ، فَاحْلُلْ مَا عَقَدَا وَلَا تُحْكِمْ لَهُمَا مَا أَبْرَمَا، وَأَرِهِمَا الْمَسَاءَةَ فِيمَا أَمَّلَاَ وَعَمِلَا، وَلَقَدِ اسْتَقَبْتُهُمَا قَبْلَ الْقِتَالِ وَاسْتَأْتَيْتُ بِهِمَا أَمَامَ الْوِقَاعِ فَغَمَطَا النِّعْمَةَ وَرَدًّا الْعَافِيَة)(1).
1) نهج البلاغة 2: 21، الخطبة: 137
قوله: (فَأَقْبَلْتُمْ إِلَيَّ إِقْبَالَ الْعُوذِ الْمَطَافِيلِ عَلَى أَوْلَادِهَا): فيه تشبيه لاشتياق الناس في بيعته بإبل عطاش مخلاة ،السرب مطلقة العنان يوم سقيها، كيف ترد الماء، وشبّهه هنا بإبل معها أطفالها وهي قريبة العهد بالنتاج، كيف تقبل على ولدها.
قوله: (تَقُولُونَ الْبَيْعَةَ الْبَيْعَةَ): أي: ليس لنا همّ إلّا بيعتك، ولا نرضى إلّا بها.
قوله: (قَبَضْتُ يَدِي فَبَسَطْتُمُوهَا، وَنَازَعَتْكُمْ يَدِي فَجَذَبْتُمُوهَا): فبايعتم عن جدّ وطوع منكم، وكره وزهد منّي. قال أبو ثور: كنت فيمن حاصر عثمان، فكنت آخذ سلاحي وأضعه وعليّ علیه السلام ينظر إليّ، لا يأمرني ولا ينهاني، فلمّا كانت البيعة له خرجت في أثره والناس حوله يبايعونه، فدخل حائطاً من حيطان بني مازن فالجؤوه إلى نخلة وحالوا بيني وبينه، فنظرت إليهم وقد أخذت أيدي الناس ذراعه تختلف أيديهم على يده...(1).
ثم قوله علیه السلام هنا: (قَبَضْتُ يَدي)، كقوله علیه السلام في سابقه: (وَبَسَطْتُمْ يَدِي فَكَفَفْتُهَا)، دالّ على قول الإمامية: إنّ الإمامة بالنص من النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم لا ببيعة الناس، و: (إنّ الإمام كالكعبة يؤتى ولا يأتي)(2)، فلم يكن هو علیه السلام ولا المعصومون من عترته يكترثون ببيعة الناس لهم، وإنّما إذا كانوا فلم يكن ذلك إلّا إتماماً للحجّة، فهو علیه السلام بعد قتل عثمان يمدّ الناس يده لأن يبايعوه فيقبضها.
كما أنّه علیه السلام يوم الشورى يعرض ابن عوف عليه البيعة بشرط العمل بسُنّة الشيخين، فيطوي الكشح عنها؛ دلالة على بطلان أمرهم.
وكان الحسين علیه السلام يقول لمن تبعه: قد رفعت بيعتي عن أعناقكم.
والرضا علیه السلام لم يقبل ولاية عهد المأمون حتى أكرهه(3).
النص الخامس:
ومن كلام له علیه السلام: (لَمْ تَكُنْ بَيْعَتُكُمْ إِيَّايَ فَلْتَةٌ، وَلَيْسَ أَمْرِي وَأَمْرُكُمْ وَاحِداً، إِنِّي أُرِيدُكُمْ لِلَّهِ وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَنِي لِأَنْفُسِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ أَعِينُونِي عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَأَيْمُ اللَّهِ لَأُنْصِفَنَّ الْمَظْلُومَ مِنْ ظَالِمِهِ، وَلَأَقُودَنَّ الظَّالِمَ بِخِزَامَتِه حَتَّى أُورِدَهُ مَنْهَلَ الْحَقِّ وَإِنْ كَانَ كَارِهاً)(1).
هذا الكلام منه علیه السلام ردّ على بعض أصحابه الذين يريدون أن يستفيدوا من خلافته وينتفعوا من وجوده فقال لهم: (لَمْ تَكُنْ بَيْعَتُكُمْ إِيَّايَ فَلْتَةٌ)، أي: في ساعة صعبة وبدون تفكير منكم وإدراك لما أتولاه وما أقوم به، وما هو دوري فيها وعملي، بل كنتم بكامل قواكم العقلية وإدراكاتكم، فلذا يجب أن تتحمّلوا ما أُريد، ولا أُريد إلا الصالح العام، وهذا الكلام منه تعريض ببيعة أبي بكر التي تمّت في ظروف غير اعتيادية اغتنمها أبو بكر لصالحه في غياب وعي المسلمين، وعدم تماسكهم، وعدم معرفتهم بما يخطّط له بعض الناس للخلافة(2).
وإنّما قال علیه السلام ذلك من جهة أنّ بيعته لم تكن محتاجة إلى قطع الأعناق إليه، لها بل كانت الأعناق تتقطّع دونها، فتداكّوا عليه تداك الإبل الهيم يوم وِردها، قد أرسلها راعيها وخلعت مثانيها، وأقبلوا إليه إقبال العوذ المطافيل على ولدها، حتّى كاد أن يقتل بعضهم بعضاً، وحتّى شُقَّ عطفاه، وحتى وطىء الضعيف وكان يقبض يده فيبسطوها، ويكفّها فيجاذبوها بدون غرض نفساني، بل لكونه أقرب الناس إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حيّاً وميّتاً، وأعلم الناس بكتابه وسُنّته، وسوابقه التي لم يشاركه فيها أحد.
ثم أشار إلى المفارقة الصارخة بين ما يريد وما يريدون بقوله: (وَلَيْسَ أَمْرِي وَأَمْرُكُمْ وَاحِداً) لا جامع مشترك بينه وبينهم، بل فرّقت الأهداف بينهم، فهو يريدهم لله في نياتهم وفي عملهم وفي كلّ حركات حياتهم، وأمّا هم فيريدونه لأنفسهم،
يريدونه لمصالحهم ومآربهم الشخصية، يريدونه من أجل منافعهم وما يعود عليهم بالفائدة، وشتّان ما بين الإرادتين!
قوله علیه السلام: (إِنِّي أُرِيدُكُمْ لِلّهِ) أي: إنّما أُريد طاعتكم لإقامة دين الله، وإقامة حدوده.
قوله علیه السلام: (وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَنِي لِأَنْفُسِكُمْ) أي: لحظوظ أنفسكم من العطاء والتقريب وسائر منافع الدنيا.
ثمّ لمّا وبّخهم بذلك، طلب منهم الإعانة على أنفسهم بقوله علیه السلام: (أَيُّهَا النَّاسُ! أَعِينُونِي عَلَى أَنْفُسِكُمْ) أي: بالطاعة له وامتثال أوامره.
قوله علیه السلام: (وَايْمُ اللهِ لَأَنْصِفَنَّ الْمَظْلُومَ مِنْ ظَالِمِهِ، وَلَأَقُودَنَّ الظَّالِمَ بِخِزَامَتِهِ حَتَّىٰ أُورِدَهُ مَنْهَلَ الْحَقِّ وَإِنْ كَانَ كَارِهاً)، ثمّ أقسم بالله يميناً صادقة أنّه سيأخذ الحقّ من الظالم للمظلوم قهراً عنه، ومهما كان الظالم متعالياً وصاحب قوة فإنّه سيذلّله بالحقّ الذي فرضه الله عليه، ويقوده إليه حتى يورده إلى الحقّ والعدل وإن كان كارهاً للحقّ ورافضاً له، وهل تجد قائداً في التاريخ متعصّباً للحق كعلي علیه السلام؟!
وهل مرّت أمامك كلمات بعمق هذه الكلمات؟!
وهل وقع نظرك على أحرف تحمل ثورة مستمرّة على الظالمين مثل هذه الكلمات؟!
إزالة العقبات والالتحاق بركب شيعة أهل البيت علیهم السلام:
رأت «ايسترا» بعد إحاطتها الإجمالية بمعارف الإسلام أنّ السبيل الوحيد لإنقاذ نفسها من الشبه والضلال هو اتّباع هذا الدين الحنيف، فوطّنت نفسها لتزيل كافّة العقبات التي تمنعها من اعتناق هذا الدين، فجاهدت نفسها وهواها بقدر وسعها حتى شرح الله صدرها للإسلام، ومنحها القدرة الكافية لإعلان استبصارها والتحاقها بمذهب أهل البيت علیهم السلام، وغيّرت اسمها إلى: زينب(1).
1) راجع: معرفة تحليلية عن الإسلام وبعض الأديان والمذاهب: 575
الصورة
ولدت «برانيا» في الفلبّين ونشأت في أجواء عائلة مسيحية، لكنّها لم تكن متعصّبة للمسيحية تعصّباً أعمى ولذا حينما التقت ببعض الشيعة، لفت نظرها هذا المذهب واندفعت للدراسة والتحقيق بشأنه، ولم يكن هذا الأمر سهلاً بالنسبة لها، لأنّ ذهنها كان مملوءاً بالظلمات، إلّا أنَّ الإسلام ومذهب أهل البيت علیهم السلام استطاعا أن يبدّدا ذلك الظلام وينيرا لها الدرب بوضوح ، فلما اقتنعت بالمعارف العالية المذهب اهل البيت علیهم السلام مثل مسألة الإمامة والولاية، أعلنت تشيّعها وموالاتها للائمّة الطاهرين علیهم السلام، فاستبصرت(1)وغيّرت رؤيتها الكونية حسب ما تقتضيه الشريعة المحمّدية الأصيلة.
إنّ تعريف الإمامة عند أتباع مذهب أهل البيت علیهم السلام وأتباع مدرسة الخلفاء يُعدّ من أساسيات المسائل الخلافية بين المنهجين؛ إذ يرى أهل السُنّة الخلافة بمعنى السلطنة والرئاسة في أُمور الدنيا والدين، إلّا أنّ أتباع مذهب أهل البيت علیهم السلام لا يعتقدون بانحصار الإمامة في شؤون السلطنة والولاية الظاهرية في الدنيا، بل يرون لها أبعاداً مختلفة، مثل: البعد الغيبي والتكويني، الذي يُعبَّر عنه ب «الولاية التكوينية» للمعصومين علیهم السلام.
1) راجع: معرفة تحليلية عن الإسلام وبعض الأديان والمذاهب: 569
البعد الغيبي في أمر الإمامة:
إنّ الحديث في مجال الإمامة له جوانب متعدّدة وجهات مختلفة، وقد تناول علماؤنا المتقدّمون والمتأخّرون - رضوان الله تعالى عليهم - البحث في إثبات النصّ، وإفحام الخصم وإقامة الأدلّة المتنوعة على إثبات إمامة أمير المؤمنين علیه السلام، وخلافته للرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم، أمثال: الإرشاد، والغدير، وعبقات الأنوار، والمراجعات، وغيرها كثير، وكانت نتيجة هذه الجهود المتواصلة أن أصبح البحث بشأن صحّة وتواتر حديث من أحاديث الولاية من السهولة واليسر ممّا لا ينكره إلا مكابر أو معاند.
والبحث الذي نريد أن نتناوله هنا هو: حقيقة الإمامة، وماهيتها وكنهها، وهو ليس أمراً مبتكراً في بابه؛ فقد تناوله الأعلام، لكن بنحو مضغوط ومبعثر في ذيل تفسير بعض الآيات القرآنية، وفي شرح بعض الأحاديث الشريفة، ونسعى إلى طرح ذلك من خلال نهج واضح، وأُسلوب يرفع الستار عن كثير من الحقائق التي خفيت في كتب الأقدمين، ويعدّها بعض أهل العصر من العجائب والغرائب..
ونذكر هنا عدة أمور في هذا المجال:
الأمر الأول: تحرير محلّ النزاع:
يُعدّ مصطلح الإمامة من الموضوعات التي كانت مثار بحث وجدل بين المتكلّمين والفقهاء من الصحابة والتابعين وغيرهم، منذ بدأ عصر الرسالة، فكانوا وعندما يحرّرون محلّ النزاع يقولون إنّ الإمامة ترادف: الزعامة الدنيوية، وأنّ البحث في الإمامة هو البحث في: من يجب أن يتولّى إدارة أمور المسلمين ومن يكون له الأمر والنهي، وبالتعبير الحديث: حصر محلّ النزاع في ما يصطلح عليه اليوم ب«الفقه السياسي».
وتوسّع بعض المتكلمين من الإمامية، بل أكثرهم، في محلّ النزاع، وأضافوا إليه: الزعامة الدينية، بمعنى أنّه بالإضافة إلى دور الإمام في إدارة شؤون المجتمع
فهو يقوم ببيان الدين والذبّ عنه، ونشر الأحكام الشرعية، فيُعدّ قوله وفعله و تقريره مصدراً من مصادر التشريع الإسلامي.
ونحن لا ننكر هذين الموردين - وإن كان العامّة قد أنكروها وأصبحا مورداً للنزاع - لكن نقول: إنّ الأمر لا ينحصر بهما، بل إنّ الإمامة تحمل في طيّاتها معنى أوسع وأكبر ممّا ذكره هؤلاء جميعاً، ويمكننا القول: أنّ علماءنا رضوان الله تعالى عليهم ألجأتهم ظروف التخاصم والتقية إلى ذكر ذلك كمحلّ للنزاع، ولا يحصرون اعتقادهم بالإمامة في هذا النطاق.
فالإمامة في حقيقتها هي محور حقيقتها هي محور الاتّصال بين الأرض والسماء؛ وإذ أنّ الاتّصال الغيبي بين الخالق ومخلوقه لم ولن ينقطع منذ بدء الخليقة حتى قيام الساعة، فدائماً يوجد من يمثّل تلك الصلة الروحية والمعنوية، ومن هنا عُدّت الإمامة امتداداً للنبوّة والرسالة، فهي من تلك الجهة تؤدي نفس وظيفة النبوّة في عالم الدنيا.
فإنّ الأدلّة قائمة على ضرورة وجود حجّة الله عزّ وجلّ في كلّ زمان، وإنّ الاتصال لا ينقطع بوفاة النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم، وهذا هو المقام الإلهي الذي يثبته الإمامية الاثني عشرية، وهو من الأُمور التي انفردوا بها عن بقية المذاهب، حتى الإسماعيلية والزيدية، وهنا يمكن النزاع والخلاف مع المذاهب الأُخرى، وتلك الحقيقة هي التي نريد إماطة اللثام عنها.
و من الشواهد التي تؤيّد ما ذكرناه: إنّ الأئمة في دعواهم للإمامة لم يكونوا ليقصروا حديثهم على زعامة المسلمين، بل كانوا يركّزون على مقامات أكبر من ذلك، ويذكرون في كلماتهم اتّصالهم بالغيب، وتحديث الملك لهم، وأنّ علومهم من نور، واطّلاعهم على أعمال العباد، وأنّ ما لديهم هو علم لدني.
والجدير بالذكر: إنّ مثل هذه الدعاوى لم تصدر عن غيرهم، ممّن عاصرهم أو ممّن أتى بعدهم، بل غاية ما ادّعوه هو تصدّيهم للزعامة الدينية، ومن هنا نرى
بعض المنحرفين يرمون الأئمّة بدعوى الإلوهية والنبوّة، وذلك لأنّ الأئمّة كانوا يركّزون على مسألة الاتّصال بالغيب، وهي أعم من النبوّة والإمامة.
بل في موقف عمر بن الخطّاب مع سلمان المحمّدي ما يدلّ على أعمق من ذلك؛ فقد روى الشيخ الطبرسي أنّ سلمان قال لعمر: أشهد أنّي قد قرأت في بعض كتب الله المنزلة آية باسمك ونسبك وصفتك باب من أبواب جهنّم.
فقال له: قل ما شئت، أليس قد عزلها الله عن أهل هذا البيت، الذين قد اتّخذتموهم أرباباً من دون الله(1).
وفي ذيل قوله تعالى: «وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا»(2)، يذكر المفسرون أنّ نافع وهو من الموالين للخليفة الثاني كان جالساً في المسجد الحرام في موسم الحج، إذ رأى أنّ الناس قد تجمّعوا حول شخص، (وهو الإمام الباقر علیه السلام)، فسأل هشام بن عبد الملك: من هذا الجالس الذي اجتمعت عليه الناس؟
فقال: هذا نبيّ أهل الكوفة(3).
فهم كانوا يعرفون عقيدة الإمامية في الأئمة علیهم السلام في أنهم هم الرابط بين السماء والأرض، فالتهمة بالربوبية أو بأنهم أنبياء ليست تهمة جديدة بل لها جذورها من عصر الإمام علي علیه السلام، والسبب في ذلك أنّ دعوى الربوبية - في أذهانهم - تختلف عن دعوى الإلوهية، فالربوبية تعني اتّحاد الوسائط بين الأرض والسماء؛ وذلك لأنّ الإنسان بنفسه يذعن بعدم إمكانيّته الاتّصال بالغيب وفي الوقت نفسه يشهد عقله بأن الاتّصال بالغيب لا بدّ منه.
فحكم الفطرة يوجب أن تكون هناك واسطة، ولكن يجب في هذه الوسائط
أمران:
أحدهما: أن تكون مجعولة من قبل الخالق الواحد الأحد، لا أن يختلقها بنو الإنسان، كما كانوا يفعلون في الأصنام.
والثاني: أن لا تصل هذه الوسائط إلى رتبة الإلوهية، فهي مخلوقة الله وهي ذليلة الله تعالى، «إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا»(1)، وخاضعة له سبحانه في السر والعلانية.
الأمر الثاني:
ينسب إلى الشيعة القول بأنّ الإمامة وراثية، وبالتالي فهم يقولون أنّ الزعامة تنتقل بالوراثة، كما تنتقل الرئاسة بين الملوك وأبنائهم. وهذا لا أساس له من الصحّة؛ إذ بناء على ما ذكرنا من أنّ الإمامة مقام إلهي واتّصال بالغيب، فبالتالي هي بعيدة عن التوريث النسبي، بل هي مقام تكويني ووراثة روحية، بمعنى وجود استعداد في روح أُخرى للكمالات التي أفيضت على روح سابقة، وعندما يقال:
إنّ الإمامة وراثة فإنّ ما ذكرنا هو المقصود منه ، قال تعالى: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إبراهيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةٌ بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ»(2).
الأمر الثالث:
يتّضح مما ذكر أن مثل هذا المقام لا يكون بيد الإنسان، بل الله عزّ وجلّ يجعله حيث يشاء، أمّا إذا اقتصرنا في محلّ النزاع على الزعامة الدنيوية فواضح أنّ ما يطرحه العامّة من جعله بيد الناس وباختيار هم يكون أقرب إلى العقول وأميل إلى النفوس، وكأنه أشبه بلغة العصر لنفرة الإنسان من تسلّط فئة معينة على إرادته وتفرّدها في إدارة شؤون مجتمعه، فطرح محلّ النزاع بتلك الصورة يخدم العامّة، أمّا على ما ذكرناه من حقيقة الإمامة فيتضح السبب في إيكال ذلك الأمر
إلى الله عزّ وجلّ، وما إن يجعل الحق تعالى إماماً فلا معنى للّجوء إلى طرق أُخرى لتعيين من له الزعامة الدنيوية، بل يكون هو المتعيّن.
وبتعبير آخر: إنّ من تثبت فيه الكمالات الروحانية العالية، ومن يتّصل بالغيب، لا يمكن أن يلجأ الناس إلى غيره لإدارة شؤونهم.
وبهذا ترى أنّ مركز الزعامة الدنيوية متفرّع على ذلك المقام وتابع له، كما رأينا في حياة الرسول صلی الله علیه وآله وسلم، فإنّه بعد ثبوت نبوّته، وإيمان الناس به، لم ينازع أحد في حاكميته.
والخلاصة: أنّه يمكننا القول أنّ مقام الزعامة الدنيوية هو أدنى مراتب الإمامة ومقاماتها.
الأمر الرابع:
إنّ وظيفة النص في تعيين الإمام لا تنحصر في الجعل والاعتبار والإنشاء، كما يقوم أي حاكم في تعيين حاكم آخر، بل إنّ النص سوف يكون كاشفاً عن الإرادة التكوينية والجعل الإلهي.
ومن هنا يتّضح أنّ نصب الرسول، أو الإمام السابق للإمام اللاحق، لا يقوم به من تلقاء نفسه بل هو بإيحاء من الله عزّ وجلّ، فهو جعل اعتباري كاشف عن الجعل التكويني.
الأمر الخامس:
من الأُمور المهمة التي تترتّب على تحرير محلّ النزاع هو أنّ مسألة الإمامة تدخل ضمن المسائل الاعتقادية الأصلية في الدين؛ لأنّها تكون بمنزلة النبوّة وإن اختلفت عنها، وتكون هذه المسألة ممّا بها النجاة يوم القيامة، بخلاف المسائل الاعتقادية غير الأصلية، التي لا يكون النجاة يوم القيامة مرهون بها..
بيان ذلك: أنّ الركن الأساسي في مقام الإمامة هو مقام السفارة الإلهية،
ومَن يكون سفيراً من قبل الغيب، ومَن هو حجّة الله على خلقه، فالأمر الرئيسي هنا هو في الاعتقاد والتسليم بهذه السفارة والسفير، وهذا أمر اعتقادي وليس مسألة عملية فرعية.
نعم، هذا المقام تلحقه شؤون عملية وفرعية لكن الأمر الأساس هو الأمر الاعتقادي، كما هو الحال في بحث النبوّة.
وللأسف الشديد نجد مَن يقول بأن مسألة الإمامة خارجة عن الأُصول و داخلة في الفروع، وهذا بلا شك غفلة عن حقيقة الحال، وله لوازم فاسدة، مثل عدم وجود فائدة عملية لهذا البحث في زماننا الحاضر؛ وذلك لأنّ الإمام غائب، فينتفي موضوع الزعامة ولو انتفاء مؤقّتاً.
كما أنّه لا فائدة من البحث عمّن كان يجب أن يخلف النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم، فهذا حدث تاريخي قد مضى.
أمّا على ما ذكرنا فإنّ البحث تبقى له أهمّيته القصوى؛ إذ قضية الاعتقاد لا ترتبط بحضوره وعدم حضوره ، ولا بحياته وعدم حياته.
ومثل هذا في الوهن أن يقال: إنّ أهمّية بحث الإمامة تنحصر في أنّ الإمام هل هو مصدر من مصادر التشريع الإسلامي أم لا؟
فهذا وإن كان صحيحاً إلّا أنّ فائدة البحث لا تنحصر به بل البحث في أمر اعتقادي، كما يُبحث حول النبوة مع عدم وجود نبيّ على قيد الحياة، إلّا أنّ البحث له أهمّية وخطورة من حيث وجوب الاعتقاد على كلّ مسلم.
فليس البحث في من يكون رئيساً وزعيماً فقط، وليس البحث عن ميزان استنباط الأحكام الفرعية، وهل السُنّة تشمل النبيّ والأئمّة أم يقتصر فيها على النبيّ؟ فهذه كلّها أمور فرعية تبتني على ذلك الأصل الاعتقادي، وهو: إنّ الإمامة استمرار لمسيرة النبوّة، فالاعتقاد بها على نحو الاعتقاد بالنبوّة.
الأمر السادس:
إنّ البحث قد يتعمّق إلى البحث في مقامات الأئمّة علیهم السلام، وليعلم أنّ مقام الإمامة من أهم هذه المقامات، كما أنّ مقام الزعامة أدناها وأقلّها، فهناك مقامات أُخرى تتجاوز الإمامة، ككونهم: كلمات الله؛ قال تعالى: «إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ»(1). و: أسماء الله الحسنى، وغيرها من المقامات العالية، التي تُعدّ من أسرار معارف أهل البيت، وفي كلّ هذه المقامات لا يخرجون عن زي العبودية، بل إنّ خضوعهم وتذلّلهم التام، وفنائهم في المعبود هو الذي جعلهم ينالون هذه المقامات.
وبعض هذه المقامات يشاركهم فيها غيرهم من الأنبياء والمرسلين، وفي بعضها يتفرّدون ويشاركون بها الخاتم صلی الله علیه وآله وسلم، وكذلك الزهراء علیها السلام تشاركهم في بعض هذه المقامات، كمقام حجّة الله؛ كما ورد في الخبر ما معناه «أنَّ فاطمة حجة الله علينا»(2)، أو كون مصحفها مصدر من مصادر علومهم.
الأمر السابع:
إذا تمّ مقام الإمامة فسوف تتوجّه إلى المكلّفين بعض الوظائف الشرعية، بدءاً من الاعتقاد والمعرفة والتسليم الى التولّي والتبري القلبي والعملي وغيرها.
ولا يخفى أنّ المقامات الأخرى لا يتوقّف عليها الإيمان؛ فكثير من علمائنا في علم الرجال يشيرون إلى أنّ الاعتقاد بأدنى مراتبه، وهو إجمال الزعامة الدينية والدنيوية - كما هو حال كثير من الناس والرواة - كافٍ في اعتبارهم من الإمامية.
الأمر الثامن:
وقد يطرح ها هنا إشكال حاصله:
إنّ إثبات المقامات الغيبية للنبيّ والأئمّة وتعميق هذا الجانب في شخصيتهم البشرية يتنافى مع جعلهم قدوة للبشرية، ولا يتلاءم مع أمر الله عزّ وجلّ باتباعهم واتّخاذهم أُسوة.
بيان ذلك: إنّ طبيعة الاقتداء والاتّباع أن: يأمل المقتدي الوصول إلى مرتبة المقتدى به، وأن يجعل همّه الأوّل هو الوصول إليه، والسير على هداه، وهذا يعني أن يكون المقتدى به بمرتبة ومقام يمكن الوصول إليه، أمّا إذا كان مقامه ممّا لا يمكن الوصول إليه، بل هو ممتنع المنال، فكيف يُجعل قدوة، ونؤمر باتّخاذه أسوة؟! فعليه يجب حصر الجانب الغيبي في ما يظهروه من المعاجز لإثبات الرسالة والإمامة فقط.
وقد يطرح الإشكال بنحو آخر: إنّ تعميق هذا الجانب الغيبي في أحكام الدين سوف يبعد الدين عن الجوانب الاجتماعية والمادية التي جعلها ضمن اهتماماته.
وبتعبير آخر: إنّه لو قلنا أنّ ملاكات الأحكام أُمور غيبية بعيدة عن تأثيرات وضعية دنيوية سوف يفقد المكلّف الدافع المحرّك للسعي وراء تحصيل تلك الملاكات.
وفي الواقع ليس هذا الإشكال بصيغه شيئاً جديداً مبتكراً، بل هو إشكال يعود في جذوره إلى ما قبل الإسلام؛ إذ كان الاعتقاد السائد وقتئذٍ أنّ الوصول والاتصال بالله سبحانه وتعالى ذي القدرة المطلقة اللامحدودة متعسّر وممتنع، فيجب توسيط وسائط تُعدّ أرباباً وآلهة صغيرة تكون وسيلة وواسطة.
أما الجواب:
أوّلا: إنّ طبيعة الاقتداء تقتضي أن يكون هناك فارق بين المقتدي والمقتدى به، فإذا كان المقتدى به مساوياً للمقتدي، فإنّ الاقتداء يكون ممتنعاً؛ إذ لا توجد مزية للمقتدى حتى يُقتدى به، فالسعي والحركة والانبعاث الذي يحصل للمقتدي
إنّما هو من أجل تحصيل أُمور وكمالات هو فاقد لها لكنّها متوفّرة وحاصلة في المقتدى به، إذاً يجب أن يكون المقتدى به غير مساوٍ للمقتدي.
ثانياً: كما أنّ الحاصل لا يسعى الإنسان إلى تحصيله، فانَّ الممتنع أيضاً لا يسعى الإنسان إلى تحصيله، فيجب أن يكون المقتدى به له مرتبة بين هذين الأمرين، وفي نفس الوقت يجب أن يكون هذا الاقتداء ملازماً للإنسان في كلّ مسيرته، بمعنى: أنّ المقتدى به يجب أن يكون متفوّقاً دائماً على المقتدي، وإلّا فلا يكون هناك سعي ولا يكون هناك هدف يحرّك هذا الإنسان، فيجب أن تكون کمالات المقتدى به ممتنعة، كي يمكن السعي والتحصيل.
وهذا هو معنى الحالة الوسطية بين الأمرين، أى لاكمالاته كلّها ممتنعة، ولا كلّ كمالاته بكلّ درجاتها متحصّلة، فيسعى الإنسان لتحصيل تلك الكمالات، وهو قد يصل بجهده إلى تحصيل بعضها وقد لا يستطيع؛ وقد قال أمير المؤمنين علیه السلام: «ألا وإنّكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد، وعفة وسداد»(1).
فتحصيل كلّ كمالات المقتدى به أمر مستحيل غير ممكن، أمّا تحصيل بعض درجات كماله فهو أمر مرجوّ، ويمكن تحصيله؛ فلماذا لا يصحّ الاقتداء؟! ولماذا لا يمكن السعي نحوها؟!
وقد يقال : إذا كان الأمر كذلك فما الحاجة إلى الإمام للاقتداء به إذا لم يكن من الممكن نيل كلّ كمالاته، فليقتدى مباشرة بالكمال المطلق اللامحدود، وهو الذات المقدسة؟
وجوابه: إنّ الإمام هو الآية العظمى، وفي الحديث: «ما الله آية أكبر منّي»(2)، و آيته في الصفات الخلقية، فالسعي إلى الله غير متناه لا في الدنيا ولا في الآخرة،
ومن رحمة الله بعباده أن جعل لهم إماماً يقتدون به، يماثلهم في البشرية ومتخلّقاً بأخلاق الله عزّ وجلّ، وهذا هو لطف الله بعباده؛ لأنّ المقتدى به أيضاً هو في حالة سير وحركة من أجل تحصيل الكمال اللامتناهي، ونعود إلى محلّ الكلام، فإنّ هذه الحالة الوسطية دائماً هي التي تدفع الإنسان نحو الحركة والعمل، كما في الخوف والرجاء؛ إذ ليست محصورة في حالة الخوف فقط؛ لأنّه يأس من رحمة الله، واليأس عدم اعتقاد برحمته تعالى؛ فهو: كفر، والرجاء المطلق كفر أيضاً؛ لأنّه عدم اعتقاد بعقاب الله.
فالإمام ليست صفاته كلّها قابلة للمنال، ولو كانت كذلك لَما كان الإنسان متحرّكاً نحوها بحركة مستمرّة دائمة لا تقف عند حد، ولا هي حاصلة للإنسان حتى لا يكون هناك دافع نحو السير والسعي الحثيث نحو الكمال.
ثالثاً: ذكرنا أنّ كمالات الإنسان تشمل جنبتيه البدنية المادية والروحية المعنوية، وكمالات الجنبة الأخيرة على قسمين:
منها ما له ارتباط بالبدن، كالشجاعة، فهي كمال روحي إلّا أنّ له ارتباطاً بالبدن.
والقسم الآخر: كمالات روحية لا ارتباط لها بالبدن، بل ترتبط بعوالم الغيب والآخرة والعوالم المجرّدة، وكمالات هذا الجانب أشرف من الجوانب الأخرى، والاقتداء المؤدّي للكمال لابدّ أن يشمل جميع جوانب النفس الإنسانية، ومن هنا نحتاج في المقتدي به أن تكون له جوانب غيبية وكمالات مرتبطة بعالم الغيب.
رابعاً: إنّ دراسة طبيعة حركة الإنسان ترشدنا إلى أنّ جوارحه تنطلق في حركتها من الجوانح، والأخيرة تتحرّك طبقا للإذعان والإيمان والاعتقاد الذي يلتزم به الإنسان، فهذه الهيكلية في صدور تصرّفات الإنسان هي الأساس، وهذا يعني أنّ أساس تحرّك الإنسان هو معارفه الاعتقادية، والاعتقاد يشمل جميع
الجوانب، الغيبية وغيرها، فلا يمكن أن نتمسّك بقسم معيّن من المعارف ونثبته ونغضّ الطرف عن القسم الآخر؛ لأن العقائد شأن مجموعي يبتني عليها عمل الجوانح، التي هي المحرّك للجوارح، فإذا اختلّ الأساس اختل ما عليه من البناء.
خامساً: نحن نسأل المستشكل الذي لا ينفي الغيبيات في المقتدى به، بل يحصرها في إثبات المعجزة للرسالة والنبوّة والإمامة، نقول: لماذا تُثبت الأمر الغيبي في هذا الجانب فقط؟
والجواب: إنّ هذا هو الكاشف عن اتّصال هذا الشخص بالغيب، وإنّه مبعوث وسفير من قبل الله سبحانه وتعالى، فالمعجزة هي المثبتة للاتّصال والسفارة الإلهية، وإنّ هذا الاتّصال غير موجود في بقية أفراد البشر، ونحن نقول: إنّ هذا الاتّصال الغيبي هو المقام الغيبي نفسه، بمعنى: إنّ هذا الاتّصال يكشف أنّ لهذا الشخص درجة وجودية معيّنة، وهذه الخصوصية مَنّ الله تعالى بها عليه، وهي التي مكّنته من الإتيان بالمعجزة حتى يثبت لبني البشر أنّه سفير من قبل الله تعالى. وممّا لا شكّ فيه أنّ تحرير محلّ النزاع بما ذكرنا يهيىء الأرضية والذهنية المطلوبة للتعامل مع الأدلّة العقلية والنصوص الشرعية؛ إذ أنّ طائفة كبيرة سوف تدخل ضمن نطاق التحليل والاستنطاق، بخلاف ما إذا كان المطلوب هو إثبات الزعامة الدنيوية فحسب؛ فإنّه سوف يتم إسقاط عدد كبير من الأدلّة بحجّة أنّها تبحث عمّا هو خارج عن محلّ النزاع.
التمسّك بأهل البيت علیهم السلام:
إنّ عدم فهم البُعد الغيبي للإمامة نتيجة طبيعية لعدم التمسّك بتعاليم أهل بيت النبوّة علیهم السلام وإنّ «برانيا» واحدة من الذين فهموا هذا الأمر، وبادروا إلى التمسّك بأهل البيت علیهم السلام لكي يتنوّروا بنورهم، ويتفهّموا معارفهم العالية، ويتعرّفوا على مقاماتهم السامية، حتى لا يجرّهم التعصّب للموروث إلى اتّباع الذين لا يجدر اتّباعهم، وتسمّت «برانيا» بعد استبصارها باسم: «فاطمة الزهراء» سيدة نساء العالمين علیها السلام.
الصورة
ولدت في دولة الفلبّين، في بيئة متأثّرة بالديانة المسيحية، في ظلّ أُسرة ملتزمة من الناحية الدينية، واستمرّت في الدراسة الأكاديمية حتى نالت شهادة الديبلوم، اعتنقت التشيّع بعد أن وصلت إلى القناعة بأحقّية مذهب أهل البيت علیهم السلام بالنسبة لسائر مذاهب المسلمين(1).
والملاحظ في ظاهرة الاستبصار وما يتعلّق بها أنّ أعداء الشريعة الإسلامية طالما يحاولون أن يقلّلوا من حجم المتأثّرين بمذهب أهل البيت علیهم السلام بشتى الوسائل ويمكن عدّ مسالة إلقاء الشبهات والافتراءات من أهم الطرق التي يستفيدون منها، فنراهم بين فترة وأُخرى يركّزون على شبهة معيّنة ويوظّفون كلّ وسائلهم الإعلامية لإبرازها و تضخيمها؛ لكي يكون التأثير كبيراً.
إنّ مسألة حداثة مذهب الشيعة وابتداعه من قبل بعض الأشخاص هي إحدى تلك الشبهات، ويحاول الأعداء إخفاء الدور الأساسي لقدماء علماء الشيعة في جميع العلوم حتى يتمكّنوا من الوصول إلى هدفهم، وهو: إثبات حداثة المذهب الشيعي لكن يمكن إبطال ما يدّعوه بمراجعة جزئية لكتب التراجم
1) راجع: معرفة تحليلية عن الإسلام وبعض الأديان والمذاهب: 576
وتواريخ العلوم؛ لكي يطّلع الباحث على دور علماء الشيعة في مختلف العلوم العقلية والنقلية.
قدماء الشيعة والعلوم العقلية:
جاء الإسلام ليحرّر عقل الإنسان وفكره من الأغلال المتراكمة الموروثة التي توارثها قهراً من الأجيال الماضية، فهو يخاطب العقل ويدعوه إلى التأمّل والتفكّر، ويخاطب القلب والضمير بما حوله من الأدلّة الناطقة، ويكفي لتوضيح ذلك أنّ الذكر الحكيم استعمل مادّة «العقل» بمختلف صورها (47) مرة، و«التفكّر» (18) مرّة، و «اللب» (16) مرّة و «التدبّر» (4) مرات و «النُهى» مرتين. وبذلك نهى التقليد وحثّ على التعقّل ببيانات مختلفة.
فتارة يدعو الإنسان إلى التأمّل في ما حوله من الكائنات لما فيها من دلائل ناطقة على وجوده سبحانه وصفاته؛ قال سبحانه: «أأَنْتُمْ أَشَدُ خَلْقَاً أم السَّماءُ بَناها * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ»(1).
وأُخرى يدعوه إلى التفكير والاستدلال المنطقي؛ فقال سبحانه: «أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ»(2).
فعالج المشاكل العلمية والفلسفية تارة بالدعوة إلى النظر في الكون نظرة ثاقبة فاحصة، وأُخرى بالحثّ على التفكير فى المعارف بأسلوب منطقي وبرهاني، وبذلك أيقظ عقول المسلمين وحثّهم على التأمّل والتدبّر في العلوم المختلفة، دون التقليد الأعمى والاتّباع غير المتبصّر، وجعل لأُولئك المكانة المتميّزة. غير أنّ المسلمين - سوى قليل منهم - تنكّبوا عن هذا الطريق، خصوصاً في ما يرجع إلى
المعارف العليا، فصاروا بين مشبّه ومعطّل، فالبسطاء منهم بنوا عقائدهم بالجمود على المفردات الواردة في الكتاب والسُنّة، وبذلك استغنوا عن أيّ تعقّل وتفكّر، إلى أن بلغت جرأتهم إلى حدّ قال بعضهم في الخالق: اعفوني عن الفرج واللحية واسألوني عمّا وراء ذلك(1).
فهؤلاء هم المجسّمة والمشبّهة، وأمّا غيرهم فاختاروا تعطيل العقول عن التفكّر في الله سبحانه، فقالوا: أُعطينا العقل لإقامة العبودية لا لإدراك الربوبيّة، فمن شَغَل ما أُعطي لإقامة العبودية بإدراك الربوبية فاتته العبودية، ولم يدرك الربوبية(2).
فالأكثرية الساحقة في القرون الأُولى كانوا بين مشبّه ومعطّل، غير أنّه سبحانه شملت عنايته أُمّة من المسلمين رفضوا التشبيه والتعطيل، وسلكوا طريقاً ثالثاً فقالوا بإمكان التعرّف على ما وراء الطبيعة بما فيها من الجمال والكمال عن طريقين:
1 - النظرة الفاحصة إلى عالم الوجود وجمال الطبيعة، كما ورد ذلك القرآن الكريم.
2 - ترتيب المقاييس المنطقية للوصول إلى الحقائق العليا، وهذا أيضاً هو الخط الذي رسمه القرآن الكريم، وسار على هذا الخطّ الأئمّة علیهم السلام من أوّلهم إلى آخرهم. ترى ذلك في كلام الإمام عليّ علیه السلام بوضوح، في أحاديثه وخطبه ورسائله، ولا يسعنا هنا أن نستعرض ولو بعضاً ممّا قاله علیه السلام فى هذا المجال، إلّا أنّا سنكتفي بحديث واحد: سأله سائل: هل يقدر ربّك أن يُدخل الدنيا في بيضة من غير أن يُصغّر الدنيا أو يُكبّر البيضة؟ فقال: «إنّ الله تبارك وتعالى لا يُنسب إلى العجز،
والذي سألتني لا يكون»(1).
إنّ خطب الإمام علي علیه السلام ورسائله وقصار حكمه كانت هي الحجر الأساس ذلك لكلام الشيعة وآرائهم في العقائد والمعارف، ولم يتوقّف نشاط الشيعة في المجال، بل ونتيجة لتوالي الأئمّة علیهم السلام إمام بعد إمام، كان يعني ذلك استمرار المنهج السابق عينه الذي ربّى عليه الإمام عليّ علیه السلام يا شيعته..
فقد واصل الأئمّة من بعده - عليه عليهم السلام - في حياتهم تربية شيعتهم، فشحذوا عقولهم بالدعوة إلى التدبّر والتفكّر في المعارف، حتّى تربّى في مدرستهم عمالقة الفكر، من عصر سيّد الساجدين إلى عصر الإمام العسكري، تجد أسماءهم وتآليفهم وأفكارهم في المعاجم وكتب الرجال(2).
واستمرّ علماء الشيعة على اثر من تقدمهم في تلقي تلك العلوم وتناولها والتدبّر فيها، وممّن اشتهر بذلك والمعدود من أكابر فطاحلة الكلام شيخ الأُمّة وأُستاذ المتكلّمين الشيخ المفيد (336 - 413 ه)، الذي نطق بفضله وعلمه وورعه و تقاه لسان كل موافق و مخالف، ونذكر هنا نموذجاً ممّا ذكره أصحاب التذكرة وعلماء الرجال في كتبهم على وجه الإيجاز، ونركّز على كلمات أهل السُنّة ذكر القليل من كلمات الشيعة في حقه.
1 - قال عنه معاصره ابن النديم (ت 388ه) في الفهرست:
ومع ابن المعلم أبو عبد الله، في عصرنا انتهت رئاسة متكلّمي الشيعة إليه، مقدّم في صناعة الكلام على مذهب أصحابه، دقيق الفطنة، ماضي الخاطرة، شاهدته فرأيته بارعاً...(3)
2 - وقال عبدالرحمن بن الجوزي (ت 597 ه):
شيخ الإمامية وعالمها، صنّف على مذهبه، ومن أصحابه المرتضى، كان لابن المعلم مجلس نظر بداره - بدرب رياح - يحضره كافّة العلماء، له منزلة عند أمراء الأطراف، لميلهم إلى مذهبه(1).
3 - وقال أبو السعادات عبد الله بن أسعد اليافعي (ت 768 ه):
وفي سنة ثلاث عشرة وأربعمائة توفي عالم الشيعة وإمام الرافضة، صاحب التصانيف الكثيرة، شيخهم المعروف ب «المفيد»، وابن المعلّم أيضاً، البارع في الكلام والجدل والفقه، وكان يناظر أهل كلّ عقيدة مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهية.
قال ابن أبي طي: وكان كثير الصدقات، عظيم الخشوع، كثير الصلاة والصوم، خشن اللباس.
وقال غيره: كان عضد الدولة ربّما زار الشيخ المفيد، وكان شيخاً ربعة نحيفاً أسمر، عاش ستّاً وسبعين سنة، وله أكثر من مائتي مصنّف، وكانت جنازته مشهورة وشيّعه ثمانون ألفاً من الرافضة والشيعة(2).
4 - ووصفه أبو الفداء الحافظ ابن كثير الدمشقي (ت 774 ه) بقوله:
شيخ الإمامية الروافض، والمصنّف لهم، والمحامي عن حوزتهم... وكان مجلسه يحضره خلق كثير من العلماء من سائر الطوائف(3).
5 - وقال ابن حجر (ت 852 ه):
وكان كثير التعقيب والتخشع، والإكباب على العلم، تخرّج به جماعة، وبرع
في المقالة الإمامية حتّى يقال له على كلّ إمامي منّة، وكان أبوه معلّماً بواسط، وما كان المفيد ينام من الليل إلا هجعة ثمّ يقوم يصلي أو يطالع أو يدرس أو يتلو القرآن(1).
6 - وقال عنه ابن العماد الحنبلي (ت 1089 ه):
ابن المعلم، عالم الشيعة، إمام الرافضة، وصاحب التصانيف الكثيرة، قال ابن أبي طي في «تاريخ الإمامية»: هو شيخ مشايخ الطائفة، ولسان الإمامية، ورئيس الكلام والفقه والجدل، وكان يناظر أهل كلّ عقيدة مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهية.
وقال: وكان كثير الصدقات، عظيم الخشوع كثير الصلاة والصوم، خشن اللباس(2).
هذا جانب ممّا ترجم له أهل السُنّة، وأمّا الشيعة فنقتصر على كلام تلميذيه الطوسي والنجاشي؛ توخّياً للاختصار:
يقول الشيخ الطوسي (385 - 460 ه) في الفهرست:
المفيد يكنّى: أبا عبد الله المعروف بابن المعلم، من جملة متكلّمي الإمامية، انتهت إليه رئاسة الإمامية في وقته، وكان مقدّماً في العلم، وصناعة الكلام، وكان فقيهاً متقدّماً فيه، حسن الخاطر، دقيق الفطنة، حاضر الجواب، وله قريب من مائتي مصنّف كبار وصغار، وفهرست كتبه معروف، ولد سنة (338 ه)، وتوفّي لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة (413 ه)، وكان يوم وفاته يوماً لم يُرَ أعظم منا من كثرة الناس للصلاة عليه وكثرة البكاء من المخالف والموافق(3).
ويقول تلميذه الآخر، النجاشي (372 - 450 ه):
شيخنا وأُستاذنا رضی الله عنه فضله أشهر من أن يوصف في الفقه والكلام والرواية والثقة والعلم. ثمّ ذكر تصانيفه(1)(2).
التمييز بين الحق والباطل:
يرجع تاريخ التشيع إلى زمن النبيّ الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم؛ إذ كان الشيعة الأوائل من خيار أصحابه صلی الله علیه وآله وسلم، مثل: سلمان وعمّار والمقداد وأبي ذر رضي الله عنهم، ولا يمكن لأعداء المذهب إخفاء هذه الحقيقة التي تصرّح بها صفحات كتبهم قبل كتبنا...
وإنّ «بلن» هي واحدة من الذين استطاعوا أن يميّزوا بين المذهب الأصلي والمذهب المبتدع، فاختاروا مذهب أهل البيت علیهم السلام، واستبصروا بنور ولاية النبيّ الأعظم، ووصيّه وأولاده المعصومين علیهم السلام.
من مواليد الفلبّين، حاصل على شهادة الليسانس، نشأ في أُسرة تعتنق الديانة المسيحية، فساورتهُ ذاتَ يوم في معتقداته بعض الشكوكِ حول المبادىء التي كان يعتنقُها، فتوجّهَ إلى البحثِ ليتمكّنَ من الحصولِ على الأجوبةِ لأسئلتهِ، فَتَعرَّفَ عن طريقِ البحث على الدين الإسلامي، فواصلَ دراسَتَهُ عن هذا الدينِ.
أهمِّ الأمور التي غالباً ما تلفت نظر الباحثين في الديانة الإسلامية بالقياس مع سائر الديانات أنّه دين ينسجم مع الفطرةِ، وأنّه يساوي بينَ الناسِ، فلا ينظر إلى أجناسِهم، ولا إلى أعراقهِم، ولا إلى لونِهم، وقد تجلّى ذلك جليّاً في سيرة من ومنهجِ أمير المؤمنين علیه السلام.
الإسلامُ دين الفطرة:
إنَّ الإسلامَ دينُ الفطرةِ التي فَطر الله عليها الناسَ أجمعينَ، قبل أن تُفسدهم الانحرافات المتسرّبة إلى النفوسِ والعقولِ من خلال طوارىء المعتقداتِ والأفكارِ، وتحكّم العادات والتقاليد، وفوارق العنصريّاتِ والأجناس، وتباعد حدود الزمانِ والمكانِ، إنّهُ يعيدهم إلى سيرتهم الأُولى، على سجيّتهم النقيةِ كبدءِ نشأتِهم مطَهِّرين من الأدرانِ، خالصينَ من الشوائبِ، كأنّهمُ يولدون من جديدٍ، هوَ
بهذا يَسوّى بينهُم كافّةً؛ لأنّ الفطرةَ هي العامِلُ الوحيدُ الذي يشتركونَ فيهِ، فأساس المقارنةِ بينهُم - على هذا الوضع - ثابتٌ غيرَ قابلٍ للتغيير، وهم في مساواةٍ كاملةٍ، لا سبيل معها إلى المفاضلةِ والترجيح.
فإذا هُمْ تفاوتوا من بَعدُ، فبمعايير غير هذا المعيارِ، هذهِ حقيقةُ عصيّةٌ على الإنكار، بعيدةٌ بعداً مطلقاً عن المماراةِ، ليس أدلُّ عليها من نأي الإسلامِ - في دعوتِه - عن التمحيصِ، بالاتّجاهِ إلى التعميم.
المساواة في القرآن الكريم:
فالقرآن الكريم، تؤكّد كما آياتُهُ، حين يدعو دعوتَهُ الإيمانية لا يخاطبُ إلّا «الناس»، وهو ما جاء في العديد من الآياتِ:
1 - قال تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»(1).
2 - وقال تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالاً طَيِّباً وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ»(2).
3 - وقال تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا»(3).
4 - وقال تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا»(4).
5 - وقال تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا
مُّبِينًا»(1).
6 - وقال تعالى: «فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ»(2).
7 - وقال تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ»(3).
أو يخاطب بني آدم، وهو ما جاءَ في العديد من الآياتِ:
1 - قال تعالى: «يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ»(4).
2 - وقال تعالى: «يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ»(5).
3 - وقال تعالى: «يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ»(6).
4 - وقال تعالى: «أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِینٌ»(7).
أو يخاطب «الإنسان»، وهو ما جاءَ في العديدِ من الآياتِ أيضاً:
1 - قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ»(8).
2 - وقال تعالى: «يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ»(1).
أو يخاطب «عباد الله»، وهو ماجاء في العديد من الآيات:
1 - قال تعالى: «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ»(2).
2 - وقال تعالى: «وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بالْعِبَادِ»(3).
3 - وقال تعالى: «قُلْ أَؤُ نَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ»(4).
فلا يَختَصُ بها جِنساً، ولا عُنصِراً، ولا قوماً، ولا لوناً، ولا طائفةً، ولا مجتمعاً من المجتمعاتِ بالخطابِ.
المساواة في كلام وسيرة أمير المؤمنين علیه السلام:
إنَ استقامةَ السلوك العامِ في الأُمّةِ رهنٌ باستقامةِ السلوكِ الخاصِّ لأولئك الذينَ بيدهِم مقادير الأُمورِ، ومِنْ ثَمَّ فقد حَرصَ أميرُ المؤمنين علیه السلام على أن تظَلّ عينهُ على تصرّفاتِ عُمّاله ورجالِهِ الأدنين الذين يتقدّمون الصفوف، خشيةَ أن يَميلوا عن «المساواة» استجابةً لضغوطٍ بيئية، أو نتيجة هوىً أو ضعفٍ أو عصبيةٍ.
ذلك لأنّهم بأوضاعِهِم تلكَ هم المؤدِّبون والمهذِّبون، ولأَنّهم أيضاً القدوة التي يحتذيها الجمهور، لذلك يأمرُ الإمامُ كلّ عاملٍ من عمّالِه أن يراعي المساواة، إنصافاً لله كما هي إنصافٌ للناسِ، فيقولُ: «وَأَلْزِمِ الْحَقَّ مَنْ لَزِمَهُ مِنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، وَكُنْ فِي ذلِكَ صَابِراً مُحْتَسِباً، واقعاً ذَلِكَ مِنْ قَرَابَتِكَ وخَاصَّتِكَ حَيْثُ وَقَعَ، وَأَبْتَغِ عَاقِبَتَهُ بِمَا
يَنْقُلُ عَلَيْكَ مِنْهُ؛ فَإِنَّ مَغَبَّةَ(1)ذلِكَ مَحْمُودَةٌ، وَإِنْ ظَنَّتِ الرَّعِيَّةُ بِكَ حَيْفَاً فَأَصْحِرُ(2)لَهُمْ بِعُدْرِكَ، وَأَعْدِلْ عَنكَ ظُنُّونَهُمْ بِإِصْحَارِكَ؛ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ رِيَاضَةٌ مِنْكَ لِنَفْسِكَ، وَرِفْقَاً بِرَعِيَّتِكَ، وَإِعْذَاراً(3)تَبْلُغُ بِهِ حَاجَتَكَ مِنْ تَقْوِيمِهِمْ عَلَى الْحَقِّ»(4).
فالحقُّ في الإسلامِ لا يَعرِفُ القريبَ والبعيدَ ولا الصغيرَ والكبيرَ، ولا الملكَ وعامّة الناسِ، بل صاحب الحقِّ سلطان، لأنّه يَنظر من خلال حجّتِهِ التي تُدينُ الآخر وتجبره على الإذعانِ، والاعترافِ لصاحبِ الحقِّ بحقّهِ.
وإنَّ أحقّ الناسِ بإقامةِ الحقِّ هم الولاةُ الذين بيدِهم أزمّةُ الأُمورِ، وخصوصاً على حاشِيتهِم، وقرابتِهم، مهما كانت إقامتهُ قاسيةٌ، ووقعهُ صارم وعنيفٌ فإنّ مع عُنفِهِ لذّة، ومع قساوتِهِ سموٌّ ورفعةٌ، وأنّ هذا الثقل الذي يجدهُ المرءُ من خلالِ إقامتِهِ الحقِّ على خَواصِّهِ وأهلِهِ يجد لذّتَهُ في يوم تشخصُ فيه العيونُ والأبصارُ، كما يجد لذّتَهُ أيضاً في الدنيا، وبذلك يجمع كرامة الدارين.
ثُمّ على الوالي أن يتعامَل مع رعيّتهِ من موقِعِ الثقةِ المتبادَلةِ، وهذا لا يَتُمُ إذا أساءَت الرَأيَ فيه في قضيةٍ من القضايا، وخصوصاً إذا تصوّرت أنّ الوالي يظلمُها ويحيفُ عليها في مسألةٍ ما، وهُنا يجبُ على الوالي العادلِ أن يَرفَعَ هذا الظن من عُقول رعيّتهِ، ويعلنُها أمامَهُم بكلّ صراحةٍ، مبيّناً وجه التقشّفِ - إن كان هناك تقشّفاً - موضحاً أمامَهُم طريقَهُ وسبيلَهُ الذي حداهُ إلى سُلوكِ هذا النهج.
وفي هذا الإعلانِ يكتسبُ الوالي أمرينَ:
أوّلهما: أنّه يرفع سوء ظنِّ رعيّتِه بِه.
الثاني: أنّه يعوّدُ نفسَهُ على أن يَكشِفَها أمامَ الناسِ، ويبيّن أعذارهُ بشكلٍ
واضح، وفي هذا على النفس ثقل كبير، فليسَ كلّ فردٍ يستطيعُ أن يكشِفَ أوراقَهُ ويوضِّحَ معالمَ مسيرتِهِ، وخصوصاً إذا كان في موقعٍ رفيعٍ من المسؤوليةِ؛ إذ يرى نَفسهُ فوقَ هذه الأُمورِ وأرفعُ منها.
ويقول علیه السلام: «وَإِيَّاكَ وَالاسْتِئثَارَ(1)بِمَا النَّاسُ فِيهِ أُسْوَةٌ(2)، وَالتَّغَابِيَ(3)عَمَّا تُعْنَى بِهِ مِمَّا قَدْ وَضَحَ لِلْعُيُونِ، فَإِنَّهُ مَأْخُوذُ مِنْكَ لِغَيْرِكَ، وَعَمَّا قَليل تَنْكَشِفُ عَنْكَ أَغْطِيَةُ الأُمور، وَيُنْتَصَفُ مِنْكَ لِلْمَظْلُومِ، أَمْلِكُ حَمِيَّةَ(4)أَنْفِكَ، وَسَوْرَة(5)حَدَّكَ، وَسَطْوَةً يَدِكَ، وَغَرْبَ لِسَانِكَ، وَأَحْتَرِسُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ بِكَفِّ الْبَادِرَةِ، وَتَأْخِيرِ السَّطْوَةِ(6)، حَتَّى يَسْكُنَ غَضَبُكَ فَتَمْلِكَ الاخْتِيَارَ، وَلَنْ تَحْكُمْ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِكَ حَتَّى تُكْثِرَ هُمُو مَكَ بِذِكْرِ الْمَعَادِ إِلَى رَبِّكَ»(7).
هذا تحذيرٌ منه علیه السلام إلى قضيّةٍ ذات أهميّةٍ كُبرى، إنّها قضيةُ الاستئثارِ بَدَلَ الإيثار، والاستئثارُ الذي يبيح للفردِ أن يأخُذَ حقه ويتناول حق غيره، فإذا كان الناس شركاء في أمرٍ من الأمورِ لا يجوز للقوي بما يتمتّع به من سلطة أن تمتدّ يدُهُ لتأخُذَ ما ليسَ له بحقِّ بل يَجبُ أن يقف عندَ حقِّهِ دون التعدّي على شركائِهِ الذين يتساوونَ معهُ في هذا الحقِّ.
ثمّ نبّه إلى عدم جواز التغافل عمّا يجب العلم به من حقوق الناس التي أُخذت ظلماً، وقد رأت العيون كلّها إهمالك لها، وبيّن له من الأُمورِ ما فيه مزدجرٌ حيث يقتصُّ من الوالي لغيره ممّن ظلمهُ أو تمكّن من منعِ الظلمِ عنه، فَلَم يرفعهُ يومَ
1) الاستئثار: الانفراد بالشيء. النهاية في غريب الحديث 22:1
2) الأسوة: وهي القدوة. لسان العرب 14: 36
3) تغابى عنه: تغافل. تاج العروس 6:20
4) الحمية - بفتح الحاء وكسر الميم وتشديد التحتية - الآنفة والغضب. مجمع البحرين 1: 581
5) السورة: الوثبة. وقد سرت إليه أي وثبت إليه. ويقال: إن لغضبه لسورة. لسان العرب 4: 385
6) السطوة: القهر بالبطش. يقال: سطا به. الصحاح 6: 2376
7) نهج البلاغة 3: 109، الكتاب 53
تنكشِفُ الحُجُبُ وتوفّى كلُّ نفس ما عَمِلَتْ، وينادي العزيز الحكيم: «فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاء كَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ»(1)عندها يُقتصّ للمظلوم من الظالم، ويقتصّ للجماء من القرناء، ويقف كلّ صاحب حقّ يطالب بحقّه.
وإذا كانت الأُمور ستنكشف على حقيقتها، وستتوضّح الأُمور على جليّتها، فلابدّ للعاقل من أخذ الأهبة والاستعداد للقاء يوم الحساب، فلا يغضب بل يملك نفسه عن ذلك، وإذا كان ذا بأس فلا تأخذه الحدّة للانتقام، وإذا كان ذا سطوة فلا ينتقم، وإذا كان صاحب لسان حديدي فلا يأكل أعراض الناس أو يتعدّى على كرامتهم، بل إذا حصل شيء يوجب ذلك أخّر السطوة والانتقام حتّى يسكن الغضب، ويستطيع أن يختار بكلّ حرّيته، فلا يقع تحت أسر هذه الأُمور السالبة للقدرة والاختيار.
وليتفكّر الإنسان قبل اتّخاذ القرار بأنّ له يوم المعاد موقفاً ترتعش منه القلوب فزعاً وجزعاً، فليُعدَّ الإجابة عن كلّ حركة وقول وفعل.
ثمّ يؤكّد وجوب وجوب المساواة بين الحاكم والمحكوم، وهو يعلم علم اليقين، وكما تشير الأمثال في مختلف العصور، أنّ الثناء إغراء، وأنّ بطانة الحاكم أقوى عليه تأثيراً، وأدنى إليه حظوة، وأعلم بما يكرهه وبما يرضيه، فلا ومشيريه عجب إن استطاعوا بالملق أو طيب الثناء - أن يقودوه كيف يشاؤون.
اتضاح الحقيقة الناصعة:
وبعد أن اتّضحت ل «جيرن ماريو» حقائق الإسلام الناصعة، وأشرقت له بكلّ جلائها، ترك تمسّكه الأعمى بالتقاليد الموروثة، واعتنق الدين الإسلامي والمذهب الإمامي الاثني عشري، بعد أن تجلّى له نور الحقّ فيه(2).
الصورة
من مواليد الفلبّين، حاصل على شهادة الليسانس في الهندسة المعمارية، نشأ في عائلة تعتنق الدين المسيحي، لكنّه وجد نفسه لا تتقبّل المفاهيم التي تلقى ء عليها من دون الإفصاح عمّا كان يخالجه من تساؤل أو استفسار. فبقي على ذلك حتى صادف أنّه التقى بمجموعة من علماء الشيعة الوافدين إلى الفلبّين للتبليغ، فتعرّف على الإسلام، فكان ذلك سبباً في تعلّقه بالدين الإسلامي.
ومن الأُمور التي يطرحها المبلّغون الشيعة، والتي طالما تلفت نظر الباحثين في مجال الديانات السماوية: القواعد التي فرضها الإسلام على الولاة والحكام في الدولة والحكومة.
فإذا كانت إمامة المسلمين والولاية عليهم أمراً لازماً فهل يصحّ أن يتولاها كلّ من قدر على بلوغها دون نظر إلى صفاته الشخصية وكفاءاته؟ أم أنّ من يصحّ له أن يلي منصب الإمامة يجب أن تتوفّر فيه شروط خاصّة يمتاز بها عن غيره من الناس؟ يتّفق المسلمون فيما بينهم على أنّ منصب الإمامة لا يليه إلا من توفّرت فيه شروط مميزة.
الصفات التي يجب توفّرها في الحاكم المسلم عند أمير المؤمنين علیه السلام:
هنالك مجموعة من الصفات التي لابد أن يتصف بها الوالي الشرعي وقد أشار أمير المؤمنين علیه السلام اليها في كلامه فقال: (وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَالِي عَلَى الْفُرُوجِ وَالدِّمَاءِ وَالْمَغَانِمِ(1)وَالْأَحْكَامِ وَإِمَامَةِ الْمُسْلِمِينَ الْبَخِيلُ: فَتَكُونَ فِي أَمْوَالِهِمْ نَهْمَتُهُ(2)، وَلا الْجَاهِلُ، فَيُضِلَّهُمْ بِجَهْلِهِ، وَلا الْجَافِي(3)، فَيَقْطَعَهُمْ بِجَفَائِهِ، وَلَا الْحَائِفُ(4)لِلدُّوَلِ(5)فَيَتَّخِذَ قَوْماً دُونَ قَوْمٍ، وَلا الْمُرْتَشِي(6)فِي الْحُكْمِ؛ فَيَذْهَبَ بِالْحُقُوقِ، وَيَقِفَ بِهَا دُونَ الْمَقَاطِعِ(7)، وَلا الْمُعَطِّلُ لِلسُّنَّةِ؛ فَيُهْلِكَ الأُمَّةَ)(8).
يذكر أمير المؤمنين علیه السلام صفات يجب أن تنتفي من الحاكم، وذكر علیه السلام شروط الوالي الذي يحكم وتكون بيده مقاليد الأُمور:
قوله علیه السلام: (وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَالِي عَلَى الْفُرُوجِ وَالدِّمَاءِ وَالْمَغَائِمِ وَالأَحْكَامِ وَإِمَامَةِ الْمُسْلِمِينَ الْبَخِيلُ فَتَكُونَ فِي أَمْوَالِهِمْ نَهْمَتُهُ)؛ لأنّ هذه الصفة كما يعلّلها الإمام تجعله يحرص على سلب أموالهم وضمّها إليه، وجمعها من الناس وتكديسها عنده، ويمنعها عن أهلها، وهذا يستلزم نفورهم منه وبعدهم عنه، مع ما في ذلك ممّا لا يحبّه الله من قبيح الصفات.
1) الغنم: الفوز بالشيء في غير مشقّة. والاغتنام انتهاب الغنم الفيء. كتاب العين 4: 426
2) النهمة: بلوغ الهمّة والشهرة في الشيء. هو منهوم بكذا، أي: مولع به، وفي الحديث: «منهومان لا يشبعان: منهوم بالعلم، ومنهوم بالمال». كتاب العين 4: 61
3) الجفاء ممدود: خلاف البر. وقد جفوت الرجل أجفوه جفاء. فهو مجفو. الصحاح 6: 2303
4) الحيف: الميل في الحكم. حاف يحيف حيفا. كتاب العين 3: 307
5) الدُولة بالضم، في المال، ويقال: صار الفيء دولة بينهم يتداولونه: يكون مرّة لهذا ومرّة لهذا، والجمع دولات ودول. الصحاح 4: 1699
6) الرشوة: الجعل، ورشاه يرشوه رشواً: أعطاه الرشوة. لسان العرب 14: 322
7) كل شيء يقطع منه، فهو مقطع. والمقطع: موضع القطع لسان العرب 8: 284
8) نهج البلاغة 2: 14، الخطبة: 131
وقد حفل التاريخ بالعديد من الصور التي تشير إلى هذا المعنى الذي أشار إليه الإمام علیه السلام منها أنّه:
ذكروا أنّه اجتمع ناس من أصحاب النبي - عليه الصلاة والسلام-، فكتبوا كتاباً ذكروا فيه ما خالف فيه عثمان من سُنّة رسول الله وسُنّة صاحبيه، وما كان من هبته خُمس أفريقية لمروان، وفيه حق الله ورسوله، ومنهم ذوو القربى واليتامى والمساكين، وما كان من تطاوله في البنيان، حتى عدّوا سبع دور بناها بالمدينة: داراً لنائلة، وداراً لعائشة، ولغيرهما من أهله وبناته، وبنيان مروان القصور بذي خشب، وعمارة الأموال بها من الخُمس الواجب الله ولرسوله، وما كان من إفشائه العمل والولايات في أهله وبني عمّه من بني أُميّة، أحداث وغلمة لا صحبة لهم من الرسول، ولا تجربة لهم بالأُمور(1).
قوله: (وَلا الْجَاهِلُ فَيُضِلَّهُمْ بِجَهْلِهِ)؛ لأنّه لجهله بقوانين الدين وتدبير أُمور العالم ضالّ، وضلاله يستلزم ضلال من اقتدى به، وذلك ضدّ مقصود الشارع، ومن المعلوم أنّ، الوالي قدوة فإذا كان جاهلاً فكيف يرضى الشارع بقدوة جاهل.
قوله: (وَلا الْجَافِي فَيَقْطَعَهُمْ بِجَفَائِهِ)؛ لأنّ جفاءه يستلزم النفرة والانقطاع نه، فيمتنع الناس عن لقائه، ويكفّوا عن الدخول عليه، وبذلك لا يصله صوت ولا شكوى ولا أمر ينتفع به، وفي ذلك ضرر وفساد؛ فإنّه صاحب الأمر الذي يجب أن يفتح صدره لكلّ الناس ويستقبلهم ويسمع منهم، فإنّه الأب للجميع، والرحمة العامة لكلّ الرعية.
عنه، منهم قوله: (وَلا الْحَائِفُ لِلدُّوَلِ فَيَتَّخِذَ قَوْماً دُونَ قَوْم)؛ فيجب أن يقسم المال بالسوية، فلا يؤثر طائفة على أُخرى، فتكون الأُولى بطانةً له، والأُخرى عدوّة له، وليس ذلك بالمال والأعطيات فحسب، بل يتعدّى ذلك إلى الولايات وغيرها من الشؤون.
1) الإمامة والسياسة 1: 50
وروي «الحائف» بالخاء، فيكون المعنى: أن يخصّص بعنايته من دون غيره، وذلك ظلم لا ينتظم معه نظام العالم.
يخافه قوله: (وَلا الْمُرْتَشِي فِي الْحُكْمِ فَيَذْهَبَ بِالْحُقُوقِ وَيَقِفَ بِهَا دُونَ الْمَقَاطِعِ)؛ فَإِنَّه إذا قبض مالاً مقابل الجور في الحكم والعدول فيه عن الحق فإنّ ذلك يخرج الحقّ من أيدي أصحابه ويسلبه منهم، بل يميت الحقّ ويبطله، فلا تصل الحقوق إلى أصحابها بهذه الرشوة.
قوله: (وَلا الْمُعَطِّلُ لِلسُّنَّةِ فَيُهْلِكَ الأُمَّةَ)؛ لأن الوالى إذا عطّل سُنّة رسول الله وما جاء عنه فقد ضاعت قواعد الشريعة وقوانينها؛ لأنّ السُنّة هي الشارحة للكتاب والمتولّية لبيانه وتفصيل مجمله، بها تبيّنت خصوصيات الفرائض وتفصيلاتها، وخذ لذلك مثلاً: الصلاة؛ فإنّ عدد ركعاتها وكيفيتها وما فيها من قراءة وذكر وركوع وسجود وتشهّد وتسليم وغير ذلك، كلّ هذا قد تكفّلت به السنّة فإذا تعطّلت فكيف يهتدي الناس إلى الدين؟! وكيف نعرف متى يُرجم الزاني، وخصوصيات ذلك؟! فمن عطّل السُنّة أعاد الجاهلية، وفي ذلك هلاك الأُمّة في الدنيا والآخرة.
مدح الأعمال الصالحة التي يقوم بها الحكّام:
وهو ما أشار إليه أمير المؤمنين علیه السلام في كلام له لمّا اجتمع الناس عليه وشكوا ما نقموه على عثمان، وسألوه مخاطبته عنهم واستعتابه لهم، فدخل عليه، فقال: (فَاعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ عِبَادِ اللَّهِ عِنْدَ اللَّهِ: إِمَامٌ عَادِلٌ هُدِي وَهَدَى، فَأَقَامَ سُنَّةٌ مَعْلُومَةٌ، وَأَمَاتَ بِدْعَةٌ مَجْهُولَةٌ، وَإِنَّ السُّنَنَ لَنَيْرَةُ، لَهَا أَعْلامٌ، وَإِنَّ الْبِدَعَ لَظَاهِرَةُ، لَهَا أَعْلام)(1).
قوله: (فَاعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ عِبَادِ اللَّهِ عِنْدَ اللَّهِ إِمَامٌ عَادِلٌ هُدِيَ وَهَدَى فَأَقَامَ سُنَّةٌ
1) نهج البلاغة 2: 68، الخطبة: 164
مَعْلُومَةً وَأَمَاتَ بِدْعَةٌ مَجْهُولَةٌ): يشير بذلك إلى قوله تعالى: «وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةٌ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ»(1).
قوله: (وَإِنَّ السُّنَنَ لَنَيْرَةُ لَهَا أَعْلامُ وَإِنَّ الْبِدَعَ لَظَاهِرَةٌ لَهَا أَعْلامٌ)؛ فبيت المال، السُنّة فيه كانت معلومة، من وجوب صرفه في مصالح الإسلام والمسلمين، وبذل عثمان ذلك لبني أُميّة أعداء الإسلام بدعة واضحة، وتسمية عثمان فعله: صلة الرحم، مخزاة له؛ فإنّ مورد صلة الرحم بذل الإنسان مال شخصه لرحمه الذي كان رضى الله في صلته، وأمّا من كان من أعداء الله فلا يجوز إعطاؤه من ماله فضلاً عن مال غيره.
جزاء الحاكم الجائر والأعمال التي تجعله ينال هذا الجزاء:
وهو أيضاً ما أشار إليه أمير المؤمنين علیه السلام في كلام له لعثمان، قال علیه السلام: (وَإِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ: إِمَامٌ جَائِرٌ ضَلَّ وَضَلَّ بِهِ، فَأَمَاتَ سُنَّةٌ مَأْخُوذَةٌ، وَأَحْيَا بِدْعَةٌ مَتْرُوكَةٌ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ: يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالإِمَامِ الْجَائِرِ وَلَيْسَ مَعَهُ نَصِيرٌ وَلَا عَاذِرٌ فَيُلْقَى فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيَدُورُ فِيهَا كَمَا تَدُورُ الرَّحَى، ثُمَّ يَرْتَبِطُ فِي قَعْرِهَا)(2).
إنّ أشرّ الناس: إمام جائر ،ظالم ضلّ عن الطريق واتّبع غير سبيل المؤمنين، وأضلّ غيره بفعله وسلوكه وتصرّفه، فأمات سُنّة نبوية إلهية أخذ بها الناس واتّبعوها، فجاء ليعطّلها ويلغي وجودها، بينما عمد إلى بدعة متروكة مهملة فأحياها و عمل بها و أمر الناس أن يعملوا بها.
ثم أراد تخويفه لعلّه يرجع أو يتوب، فذكر له ما سمعه من رسول الله في حقّ الإمام الظالم، وكيف يؤتى به يوم القيامة وليس له من ينصره، أو يدفع عنه نار جهنّم وعذابها، ولا عاذر يعذره في ظلمه، أو يبرّر له ما فعل، وعندها يُلقى في نار
جهنّم، فيدور فيها كما تدور الرحى، فتطاله بنارها كلّها حتى يذوق جزاء عمله، ثم يشدّ في قعرها ولا يخرج منها، أجارنا الله من عذابها.
وبدون شك هناك أئمّة عدل وهناك أئمّة ضلالة؛ قال تعالى: «وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ وَأَنْبَعْناهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةٌ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ»(1).
الدعوة إلى النار هي: الدعوة إلى ما يستوجب النار من الكفر والمعاصي؛ لكونها هي التي تتصوّر لهم يوم القيامة ناراً يُعذِّبون فيها، أو المراد بالنار: ما يستوجبها مجازاً من باب إطلاق المسبّب وإرادة سببه.
ومعنى جعلهم أئمّة يدعون إلى النار: تصيير هم سابقين في الضلال، يقتدي بهم اللاحقون، ولا ضير فيه؛ لكونه بعنوان المجازاة على سبقهم في الكفر والجحود، وليس من الإضلال الابتدائي في شيء.
قوله: (ويوم القيامة لا ينصرون)، أي: لا تنالهم شفاعة من ناصر.
قوله تعالى: «وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةٌ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ»:
بيان للازم ما وصفهم به في الآية السابقة؛ فهم لكونهم أئمّة يقتدى بهم من خلفهم في الكفر والمعاصي لا يزال يتبعهم ضلال الكفر والمعاصي من مقتديهم ومتّبعيهم، وعليهم من الأوزار مثل ما للمتّبعين، فيتبعهم لعن مستمر باستمرار الكفر والمعاصي بعدهم.
فالآية في معنى قوله تعالى: «وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالَا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْتَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ»(2).
وقوله: «إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْ أَحْصَيْنَاهُ فِي
إِمَامٍ مُبِينٍ»(1)، وتنكير اللعنة للدلالة على تفخيمها واستمرارها.
وكذا لما لم ينلهم يوم القيامة نصر ناصر كانوا بحيث تتنفّر وتشمئزّ عنهم النفوس، ويفرّ منهم الناس ولا يدنو منهم أحد، وهو معنى القبح، وقد وصف الله تعالى من قبح منظر هم شيئاً كثيراً في كلامه.
اتّضاح الحقائق:
لمّا اتضحت ل «ريكاردو» جملة من الحقائق وعرف الحق اعتنق الإسلام، واتخذ من مذهب أهل بيت العصمة والطهارة علیهم السلام مذهباً يدين الله به، وسمّى نفسه: «رضا» تيمّناً بالإمام ثامن الحجج علیه السلام(2).
الصورة
ولد في دولة الفلبّين، ونشأ في كنف عائلة تنتمي إلى الديانة المسيحية، وتدرّج في الدراسة الأكاديمية حتى نال شهادة الدكتوراه في مجال طب الأسنان.
بقي «رينالدوريز» يطبّق المناهج العبادية التي تلقّاها من رجال الكنيسة، واستمرّ على هذا المنوال حتى تعرّف على مجموعة من المسلمين، فدفعه حبّ الاستطلاع ليتعرّف على مبادئهم وأُسسهم الدينية، فبيّن له أحدهم صورة مجملة عن مبادىء الإسلام، فوجد نفسه مندفعة إلى التعاطف الوجداني مع هذا الدين، فتوجّه إلى البحث العلمي في الإسلام، واستمرّ في البحث والتحقيق لتمييز الحقّ من الباطل بين المذاهب الإسلامية، وفي نهاية مطاف بحثه اختار مذهب أهل البيت علیهم السلام معتقداً وسبيلاً للوصول إلى رضوان بارئه عزّ وجلّ.
دلالات آية الولاية:
تُعّد مسألة الإمامة والخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسألة أساسية من المسائل عَلَيْهِ وَالهِ الخلافية بين أتباع مذهب أهل البيت علیهم السلام وأتباع مدرسة الخلفاء، ولا يخفى على أيّ باحث منصف تمسّكُ علماء الإمامية بالأدلّة القرآنية على معتقدهم في جميع المسائل، في مجال إثبات مصداق الإمام والوليّ بعد النبيّ الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم.
آية الولاية:
من الأدلة القرآنية التي يتمسّك بها الشيعة في تعيين الولي والإمام بعد الرسول الأكرم قوله تعالى: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ»(1).
ونذكر هنا أقوال عدد من علماء ومفسري السنّة في مصداق الآية، ثم نشير الى بعض الشبهات الواردة والإجابة عليها.
قال السيوطي في الدرّ المنثور: أخرج الخطيب في (المتّفق) عن ابن عبّاس، قال: تصدّق عليّ بخاتمه وهو راكع، فقال النبي صلی الله علیه وآله وسلم للسائل: من أعطاك هذا الخاتم؟ قال: ذاك الراكع. فأنزل الله: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ».
وأخرج عبدالرزّاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه: عن ابن عبّاس في قوله: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ» الآية، قال: نزلت في عليّ بن أبي طالب.
وأخرج الطبراني في (الأوسط)، وابن مردويه: عن عمّار بن ياسر، قال: وقف بعليّ سائل وهو راكع في صلاة تطوّع، فنزع خاتمه فأعطاه السائل، فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأعلمه ذلك، فنزلت على النبي صلی الله علیه وآله وسلم هذه الآية: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ»، فقرأها رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم على أصحابه، ثمّ قال: (من كنت مولاه فعلي مولاه، اللّهمّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه).
وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه: عن عليّ بن أبي طالب، قال: نزلت هذه الآية على رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم في بيته: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا»، إلى آخر الآية فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدخل المسجد - وجاء الناس يصلّون بين راكع
1) المائدة (5): 55
وساجد وقائم - يصلّي فإذا سائل فقال: يا سائل! هل أعطاك أحد شيئاً؟ قال: لا، إلّا ذاك الراكع - لعليّ بن أبي طالب - أعطاني خاتمه.
وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن عساكر: عن سلمة بن كهيل، قال: تصدّق عليّ بخاتمه وهو راكع فنزلت: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ»، الآية.
وأخرج ابن جرير: عن مجاهد في قوله: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ» الآية: نزلت في عليّ بن أبي طالب؛ تصدّق وهو راكع.
وأخرج ابن جرير: عن السدّي، وعتبة بن حكيم مثله»(1).
وفي المناقب للخوارزمي:
«عن عليّ بن أبي طالب، قال: نزلت هذه الآية على رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ». فخرج رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ودخل المسجد، والناس يصلّون ما بين راكع وقائم، وإذا سائل قال له: يا سائل! أعطاك أحد شيئاً؟ قال: لا، إلّا هذا الراكع - لعليّ - أعطاني خاتماً»(2).
وفي تفسير الثعالبي:
«... ولكن اتفق مع ذلك أنّ عليّ بن أبي طالب رضی الله عنه أعطى خاتمه وهو راکع»(3).
وفي مجمع الزوائد للهيثمي:
«عن عمّار بن ياسر، قال: وقف على عليّ بن أبي طالب رضی الله عنه سائل وهو راكع في تطوّع، فنزع خاتمه فأعطاه السائل، فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأعلمه بذلك.
فنزلت على رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم هذه الآية: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ ، يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ»، فقرأها رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، ثمّ قال: من كنت مولاه فعليّ مولاه اللّهمّ وال من والاه وعادِ من عاداه»(1).
وفي جامع البيان لابن جرير الطبري:
وأما قوله: «وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ»، فإنّ أهل التأويل اختلفوا في المعنيّ به؛ فقال بعضهم: عُني به: عليّ بن أبي طالب. وقال بعضهم: عني به: جميع المؤمنين.
ذكر من قال ذلك:
حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضّل، قال: ثنا أسباط، السدّي، قال: ثمّ أخبرهم بمن يتولاهم، فقال: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ» هؤلاء جميع المؤمنين، ولكن عليّ بن أبي طالب مرّ به سائل وهو راكع في المسجد، فأعطاه خاتمه.
حدّثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا عبدة، عن عبدالملك، عن أبي جعفر، قال: سألته عن هذه الآية: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ»، قلنا: من الذين آمنوا؟
قال: الذين آمنوا!
قلنا: بلغنا أنّها نزلت في عليّ بن أبي طالب.
قال: عليّ من الذين آمنوا.
حدّثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، عن عبدالملك، قال: سألت أبا جعفر عن قول الله: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ».. وذكر نحو حديث هناد عن عبدة.
حدّثنا إسماعيل بن إسرائيل الرملي، قال: ثنا أيوب بن سويد، قال: ثنا عتبة
1) مجمع الزوائد 7: 17
ابن أبي حكيم في هذه الآية: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا»، قال: عليّ بن أبي طالب.
حدّثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا غالب بن عبید الله، قال: سمعت مجاهداً يقول في قوله: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ» الآية، قال: نزلت في عليّ بن أبي طالب، تصدّق وهو راكع»(1).
وفي أحكام القرآن للجصاص:
قال الله تعالى: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ»: روي عن مجاهد، والسدّي، وأبي جعفر، وعتبة بن أبي حكيم: أنّها نزلت في عليّ بن أبي طالب حين تصدّق بخاتمه وهو راكع... وقوله تعالى: «وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ» يدلّ على أنّ صدقة التطوّع تسمّى زكاة؛ لأنّ علياً تصدّق بخاتمه تطوّعاً، وهو نظير قوله تعالى: «وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ»(2).
وفي أسباب النزول للنيسابوري:
«قوله تعالى: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ»: قال جابر بن عبد الله: جاء بن عبد الله سلام إلى النبي صلی الله علیه وآله وسلم فقال: يا رسول الله! إنّ قوماً من بني قريظة والنضير قد هاجرونا(3)وفارقونا، وأقسموا أن لا يجالسونا، ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبُعد المنازل. وشكا ما يلقى من اليهود، فنزلت هذه الآية، فقرأها عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء.
ونحو هذا قال الكلبي، وزاد: إنّ آخر الآية في عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه؛ لأنّه أعطى خاتمه سائلاً وهو راكع في الصلاة.
(أخبرنا) أبو بكر التميمي، قال: (أخبرنا) عبد الله بن محمّد بن جعفر، قال: حدّثنا الحسين بن محمّد بن أبي هريرة، قال: حدّثنا عبد الله بن عبد الوهّاب، قال: حدّثنا محمّد الأسود، عن محمّد بن مروان، عن محمّد السائب، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال: أقبل عبد الله بن سلام ومعه نفر من قومه قد آمنوا، فقالوا: يا رسول الله! إنّ منازلنا بعيدة، وليس لنا مجلس ولا متحدّث، وإنّ قومنا لمّا رأونا آمنا بالله ورسوله وصدّقناه رفضونا، وآلوا على أنفسهم أن لا يجالسونا ولا يناكحونا ولا يكلّمونا، فشقّ ذلك علينا.
فقال لهم النبي صلی الله علیه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام: «إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا»، الآية.
ثمّ إنّ النبي صلی الله علیه وآله وسلم خرج إلى المسجد والناس بين قائم وراكع، فنظر سائلاً، فقال: هل أعطاك أحد شيئاً؟
قال: نعم، خاتم من ذهب(1)، قال: من أعطاكه؟ قال: ذلك القائم. وأومأ بيده إلى عليّ بن أبي طالب رضی الله عنه.
فقال: على أيّ حال أعطاك؟
قال: أعطاني وهو راكع.
فكبر النبي صلی الله علیه وآله وسلم، ثمّ قرأ: «وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ»(2).
وفي شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني:
«عن ابن عبّاس: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا»، قال: نزلت في
عليّ بن أبي طالب علیه السلام. و(أخبرنا) قراءة، قال: حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان بن عبد الله، قال: حدّثنا محمّد بن إسحاق التنوخي، قال: حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا علي بن أبي بكر، قال: حدّثنا موسى مولى آل طلحة، عن الحكم عن المنهال، عن محمّد بن الحنفية، قال: جاء سائل فلم يعطه أحد، فمرّ بعليّ وهو راكع في الصلاة، فناوله خاتمه، فأنزل الله: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ»، الآية.
وعن عبد الله بن محمّد بن الحنفية، عن أبيه، قال: فلم يعطه أحد شيئاً، فمر بعليّ وهو راكع، فسأله فناوله يده، فأخذ خاتمه، ثمّ أتى النبي صلی الله علیه وآله وسلم فأخبره قال: أتعرف الرجل؟ قال: لا، فأرسل معه من يتعرّفه، فإذا هو عليّ [بن أبي طالب]، فأنزل الله: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ»»(1).
وفي الجامع لأحكام القرآن للقرطبي:
«المسألة الثانية: وذلك أنّ سائلاً سأل في مسجد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فلم يعطه عليه أحد شيئاً، وكان عليّ في الصلاة في الركوع وفي يمينه خاتم، فأشار إلى السائل حتّى أخذه. قال الكيا الطبري: وهذا يدلّ على أنّ العمل القليل لا يبطل الصلاة؛ فإنّ التصدّق بالخاتم في الركوع عمل جاء به في الصلاة، ولم يبطل به الصلاة.
وقوله: «وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ» يدلّ على أنّ صدقة التطوّع تسمّى: زكاة؛ فإنّ عليّاً تصدّق بخاتمه في الركوع، وهو نظير قوله تعالى: «وَمَا آتَيْتُم مِّن زكَاة تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ»(2).
وقد روي أنّ علي بن أبي طالب رضی الله عنه أعطى السائل شيئاً وهو في الصلاة، وقد يجوز أن تكون هذه صلاة تطوّع، وذلك أنّه مكروه في الفرض. ويحتمل أن
يكون المدح متوجّهاً على اجتماع حالتين، كأنّه وصف من يعتقد وجوب الصلاة والزكاة، فعبّر عن الصلاة بالركوع، وعن الاعتقاد للوجوب بالفعل، كما تقول: المسلمون هم المصلّون، ولا تريد أنّهم في تلك الحال مصلّون.
ولا يوجّه المدح حال الصلاة، فإنّما يريد من يفعل هذا الفعل ويعتقده»(1).
وفي تفسير القرآن العظيم لابن كثير:
وقال ابن أبي حاتم: حدّثنا الربيع بن سليمان المرادي، حدّثنا أيوب بن سويد، عن عتبة بن أبي حكيم في قوله: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا»: قال: هم المؤمنون وعليّ بن أبي طالب.
وحدّثنا أبو سعيد الأشج، حدّثنا الفضل بن دكين أبو نعيم الأحول، حدّثنا موسى بن قيس الحضرمي، عن سلمة بن كهيل، قال: تصدّق عليّ بخاتمه وهو راكع، فنزلت: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ».
وقال ابن جرير: حدّثني الحارث، حدّثنا عبد العزيز، حدّثنا غالب بن عبد الله سمعت مجاهداً يقول في قوله: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ»، الآية نزلت في عليّ بن أبي طالب؛ تصدّق وهو راكع.
وقال عبدالرزّاق: حدّثنا عبدالوهّاب بن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عبّاس في قوله: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ»، الآية نزلت في عليّ بن أبي طالب. عبدالوهّاب بن مجاهد لا يحتجّ به.
ورواه ابن مردويه عن طريق سفيان الثوري، عن أبي سنان، عن الضحّاك، عن ابن عبّاس، قال: كان عليّ بن أبي طالب قائماً يصلّي فمرّ سائل وهو راكع، فأعطاه خاتمه، فنزلت: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ»، الآية. الضحّاك لم يلق ابن
1) الجامع لأحكام القرآن المعروف ب «تفسير القرطبي» 6: 221
عبّاس.
وروى ابن مردويه أيضاً من طريق محمّد بن السائب الكلبي - وهو متروك عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المسجد والناس يصلّون بين راكع وساجد وقائم وقاعد، وإذا مسكين يسأل، فدخل رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فقال: أعطاك أحد شيئاً؟ قال: نعم. قال: من ؟ قال : ذلك الرجل القائم. قال: على أي حال أعطاكه؟ قال: وهو راكع. قال: وذلك عليّ بن أبي طالب.
قال: فكبّر رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم عند ذلك وهو يقول: «وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ واله وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ»(1). وهذا إسناد لا يقدح به.
ثمّ رواه ابن مردويه من حديث عليّ بن أبي طالب رضی الله عنه نفسه، وعمّار بن ياسر، وأبي رافع، وليس يصحّ شيء منها بالكليّة؛ لضعف أسانيدها، وجهالة رجالها.
ثمّ روى بإسناده عن ميمون بن مهران، عن ابن عبّاس في قوله:
«إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ»: نزلت فى المؤمنين وعليّ بن أبي طالب أوّلهم.
وقال ابن جرير: حدّثنا هناد، حدّثنا عبدة، عن عبدالملك، عن أبي جعفر، قال: سألته عن هذه الآية: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ»، قلنا: من الذين آمنوا؟
قال: الذين آمنوا.
قلنا: بلغنا أنّها نزلت في عليّ بن أبي طالب.
قال: عليّ من الذين آمنوا.
وقال أسباط، عن السدّي: نزلت هذه الآية في جميع المؤمنين، ولكن عليّ
1) المائدة (5): 56
ابن أبي طالب مرّ به سائل وهو راكع في المسجد فأعطاه خاتمه»(1).
وقال الآلوسي: «غالب الأخباريين على أنّ هذه الآية نزلت في عليّ كرّم الله وجهه»(2).
الشبهات الواردة وردّها:
لقد قام عدد من الذين لم يرق لهم هذا المقام السامي لأمير المؤمنين علي ابن أبي طالب علیه السلام بطرح الشبهات والإشكالات على دلالة هذه الآية نذكرها إجمالا:
1 - قال بعضهم: إنّ الآية نزلت في عبادة بن الصامت.
2 - هناك من أشكل في معنى «الولي»، وقال: إنّ الولاية في الآية بمعنى: النُصرة، كالفضل بن روزبهان.
3 - هناك من قال باحتمال أن تكون الواوفي: «وَهُمْ رَاكِعُونَ» واو عاطفة لا واو حالية، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.
4 - يقال: كيف أنّ الإمام عليّ علیه السلام يسمع صوت السائل، ويلتفت إليه، ويشير إليه، ويومىء إليه بالتقدّم نحوه، ثمّ يرسل يده ليخرج الخاتم من إصبعه، وهذا كله انشغال بأُمور دنيوية، وعدول عن التكلّم مع الله سبحانه وتعالى؟!
5 - افتراءات ابن تيمية، حيث قال: «قد وضع بعض الكذّابين حديثاً مفترى: أنّ هذه الآية نزلت في عليّ لمّا تصدّق بخاتمه في الصلاة، وهذا كذب بإجماع أهل العلم بالنقل، وكذبه بيّن، وأجمع أهل العلم بالنقل على أنّها لم تنزل في عليّ بخصوصه، وأن علياً لم يتصدّق بخاتمه في الصلاة، وأجمع أهل العلم بالحديث على أنّ القصّة المروية في ذلك من الكذب الموضوع، وأنّ جمهور الأُمّة لم تسمع
هذا الخبر»(1).
6 - أشكل البعض بأنّ علياً مفرد، فلماذا جاءت الألفاظ في الآية بصيغة الجمع؟
أمّا في مجال رد هذه الشبهات فنقول:
1 - أمّا من قال: إنّ الآية نزلت في عبادة بن الصامت، فنقول له:
إنّ هذه رواية شاذّة مقابل رواية نزولها في الإمام علي علیه السلام التي أخرجها وصحّحها علماء الحديث والتفسير.
فليراجع كلّ باحث عن الحق الكتب التي استوفت ذلك، وما أكثرها، والتي ذكرنا جملة منها.
وقد أنشد حسّان بن ثابت في ذلك فقال:
أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي *** وكلّ بطىء في الهدى ثابت ومسارعِ
أيذهب مدحيك المحبر ضائعاً *** وما المدح في ذات الإله بضائعِ
فأنت الذي أعطيت إذ أنت راكع *** فدتك نفوس القوم يا خير راكعِ
فأنزل فيك الله خير ولاية *** فأثبتها في محكمات الشرائعِ(2)
2 - لفظة: (وليّ) هنا إنّما هي بمعنى: الأولى بالتصرّف، كما في قولنا: فلان وليّ القاصر، وقد صرّح اللغويون بأنّ كلّ من ولى أمر أحد فهو وليّه، فيكون المعنى: أنّ الذي يلى أموركم يكون أولى بها منكم، وهو الله عزّ وجلّ ورسوله وعليّ؛ لأنّه هو الذي اجتمعت به هذه الصفات الإيمان وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة في حال الركوع، وقد أثبت الله في الآية الولاية لنفسه تعالى ولنبيّه ولوليّه على نسق واحد، وولاية الله عزّ وجلّ عامة مطلقة، وكذا ولاية النبيّ، والوليّ مثلها؛
إذ لم تقيّد.
ويتّضح ذلك أكثر بمراجعة الآية الكريمة: «النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ»(1)، فهنا جعل الله تعالى ولاية النبيّ على الناس أولى منهم لأنفسهم، ثمّ النبي صلی الله علیه وآله وسلم أكّد لعموم المسلمين بقوله: (ألست أولى بكم من أنفسكم؟)، ثمّ قال صلی الله علیه وآله وسلم: (فمن كنت مولاه فعليّ مولاه). يعني: أنّ المقام الذي تعترفون به بالنسبة إليّ فهو حقّ ثابت لعليّ علیه السلام، فبايعه المسلمون على ذلك منذ عيّنه الرسول صلی الله علیه وآله وسلم، فجعلوا يباركون لعليّ بإمرة المؤمنين، فقال عمر بن الخطاب: بخ بخ لك يا بن أبي طالب، أصبحت مولای ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة(2).
والنصرة ما هي إلّا أحد معاني لفظ الولاية، كما في الكتب اللغوية(3)، ولا يجوز عقلاً - بغضّ النظر عن النقل - أن يكون معنى الوليّ هنا بمعنى النصير، أو المحبّ، أو نحوهما؛ لأنّه لا يبقى لهذا الحصر وجه؛ إذ أنّه تعالى نفى أن يكون وليّاً غير الله ورسوله والذين آمنوا بلفظة: (إنّما)، وهي تفيد حصر الصفة على من ذكر، ونفيها عمّن لم يُذكر.
فهل يعقل حمل الولاية في هذه الآية مع هذه القرائن على النصرة؟!
وهل كان من شك في كون عليّ ناصراً للمؤمنين وهو المعروف بصاحب الراية، وفاتح خيبر، وقاتل ابن عبد ودّ، وصاحب ذي الفقار، و.. يتّضح من ذلك أنَّ الولاية المقصودة من هذه الآية هي: ما ذهب إليه شيعة أهل البيت، ولهم أدلّة أخرى تؤيّد ما ذهبوا إليه، كحديث الغدير ونحوه؛ إذ كرّر صلی الله علیه وآله وسلم لفظ الولاية للإمام عليّ علیه السلام أكثر من مرّة، وبتعابير مختلفة، فمرّة يعبّر الرسول صلی الله علیه وآله وسلم: أنّ الإمام علي علیه السلام منه ومرة نفسه، ومرّة: خليفته، ومرّة: أخوه، ومرّة وليّ كلّ مؤمن بعده فثبت أنّ
للإمام علي علیه السلام من الولاية المطلقة كما لرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم؛ لأنّ ولايته اقترنت بولاية ورسوله صلی الله علیه وآله وسلم بلا استثناء ولا قيد.
3 - أمّا الواو فهي حالية، كما جاء في النصوص السابقة: أنّ الإمام علي علیه السلام أعطى الخاتم حال كونه راكعاً.
4 - أمّا قولهم: كيف ينشغل في حال صلاته بأمور دنيوية؟
فنقول: لو كان لهذا الإشكال أدنى مجال لَما عُدّ فعله هذا من مناقبه علیه السلام، ثمّ إنّ هذا الالتفات لم يكن من أمير المؤمنين إلى أمر دنيوي، وإنّما كانت عبادة في ضمن عبادة، ومن اعترض فإنّما يعترض على الله تعالى؛ لأنّ ما ثبت بالنص لا مجال للنقاش فيه بالعقل، وتصدُّق الإمام علي علیه السلام ثبت بالنص القرآني، وأكّدته السُنّة المطهّرة، ورواه الفريقين.
يقول الآلوسي: قد سئل ابن الجوزي هذا السؤال، فأجاب بشعر:
يسقي ويشرب لا تلهيه سكرته *** عن النديم ولا يلهو عن الناس
أطاعه سكره حتّى تمكّن من *** فعل الصحاة فهذا واحد الناس(1)
5 - أمّا ابن تيمية فهو لم يكذِّب الشيعة فحسب بل كذّب المحدّثين، والمفسّرين، ومن نقل ذلك من كتب أهل السُنّة المعتبرة التي بيّنت نزول الآية المباركة في الإمام علي علیه السلام في القصة المشهورة، ولا عجب؛ إذ عادته تكذيب صحاح الأحاديث والروايات، واتّهام الناس بالكذب والشرك، ولا ندري من يقصد ب«أهل العلم والإجماع»؟! يعني: رأيه ورأي الذين يقولون برأيه، فيدّعي إجماع أهل الحديث وأهل النقل!! وعلى كلّ حال، فهذه القضية واردة في كتبهم المعتبرة لديهم مع إجماع الشيعة.
6 - أمّا قولهم: أنّ عليّاً مفرد، فلماذا جاءت الألفاظ بصيغة الجمع؟
فنقول: إنّ هناك آيات، كآية المباهلة أيضاً وردت بصيغة الجمع، إلّا أنّ
1) تفسير الآلوسي 6: 169
رسول الله جاء بعليّ، مع أنّ اللفظ لفظ جمع: «وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ»، وجاء بفاطمة وحدها والحال أنّ اللفظ لفظ جمع: «وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءكُمْ»(1).
بل إنّ علماءهم ردّوا على هذا الاعتراض، كالزمخشري الذي هو من كبار علماء العامّة؛ وقال ما ملخَصه: بأنّ الفائدة في مجيء ء اللفظ بصيغة الجمع في مثل هذه الموارد هو ترغيب الناس في مثل فعل أمير المؤمنين، لينبّه أنّ سجيّة المؤمنين يجب أن تكون على هذا الحد من الحرص على الإحسان إلى الفقراء والمساكين، يكونون حريصين على مساعدة الفقراء وإعانة المساكين، حتّى في أثناه الصلاة، وهذا شيء مطلوب من عموم المؤمنين، ولذا جاءت الآية بصيغة الجمع(2).
هذا ويوجد في القرآن الكريم، والسُنّة النبوية، والاستعمالات العربية بعض الألفاظ بصيغة الجمع والمقصود شخص واحد، ثم إنَّ الروايات المعتبرة دلّت على أنّ المراد هنا خصوص علي علیه السلام، فمن أنكر هذا ولو جاء اسم علي في القرآن لأنكره، وأوّله بدون شك؛ لأنّ هذه أدلّة في ولاية علي علیه السلام وهي كالشمس في رابعة النهار، وهاهم يؤوّلونها ويصرفونها عن محلّها ما استطاعوا، ولكن الله متمّ نوره ولو كره الكافرون.
التحرر من التقليد الأعمى:
إنَّ الأدلّة القاطعة والبراهين الواضحة القرآنية، كآية الولاية لا تبقي مجالاً للريب والشك في ثبوت معتقد الإمامية في مجال البحث في الإمامة والخلافة بعد الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم، وإنَّ «رينالدو» يعدُّ أحد الذين تنوّروا بنور هذه الأدلّة والمعارف، وتحررّوا من قيد اتّباع التقليد الأعمى للموروثات العقائدية، وتيمناً باسم الإمام الثامن من العترة الطاهرة غيّر اسمه إلى: «رضا»(3).
الصورة
ولدت في «الفلبّين»، واصلت دراستها الأكاديمية حتّى تخرّجت من كليّة الطب - قسم الأمراض النسائية والولادة.
كانت «زنيدا» كثيرة الشوق لمعرفة الحقّ والحقيقة، ما سار بها إلى التحقيق في الأديان والمذاهب، ولمّا كانت صادقة مع نفسها في بحثها هذا، وكانت لا تبحث إلّا لتجد الحقّ فتتبّعه، لذا نرى الله سبحانه هيّأ لها الطريق وسهّله لها واختصره.
وكانت بداية معرفتها بالإسلام عن طريق جماعة من المسلمين الشيعة، حيث عرّفوها الإسلام على خير وجه، فاقتنعت به واعتنقته.
دافعية المسيحيّة:
من خصائص الدين أن تكون له جاذبية، تجذب قلوب الناس وعقولهم إليه لا منفّراً ينفر عنه البشر. أي بمعنى أن يكون الدين فطريّاً ليأنس إليه الإنسان، ويكون منطقيّاً ليقبله العقل. أمّا إذا خلا من هاتين الخصلتين، أو إحداهما، فسوف يكون غريباً على طبع الناس، وهم لا يأنسون إلى ما يخالف طبعهم، وهذا أمر فطريّ، بديهيّ..
وذلك قوله تعالى: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ»(1).
أمّا العقيدة المسيحيّة الموجودة الآن فهي خالية عن الجانب العقلي؛ إذ ضحّت به أمام العاطفة، فهي إذاً ديانة عاطفيّة بحتة ليس فيها للعقل أيّ دور.
ولذا نرى أنّ هذه الديانة لا تواكب العصر، والإنسان كلّما تقدم به الزمان كلّما نضج عقله وفكره، فهو ليس ذلك البشر القديم الذي يتلبّس عليه الحقّ والباطل. بل أصبح يشعر بقيمته المخزونة في عقله، فالإنسان من دون العقل لا يساوي شيئاً.
إلى أنّ المقصود بالديانة المسيحيّة المذكورة هنا ليست تلك الديانة التي جاء بها عيسى بن مريم علیه السلام؛ فتلك كانت ديانة تحتوي على العنصرين المذكورين، أي أنّها كانت فطريّة ومنطقيّة؛ لأنّها صادرة من حكيم كامل، وهو الله سبحانه وتعالى، وهو لا يرسل رسالة تخالف الفطرة البشريّة ولا العقل البشري.
والسؤال الذي يُطرح هنا هو: ماذا جرى على المسيحيّة حتّى وصل بها الحال إلى أن تركت الجانب العقلي وتمسّكت بالجانب العاطفي؟
لمعرفة جواب هذا السؤال علينا أن نقرأ تاريخ الديانة المسيحية بشيء من الإمعان والدقّة.
فنقول: لمّا عُرج بعيسى إلى السماء، كما نعتقد، أو صُلب، كما يعتقدون، قام اليهود وبدعم من الحكومة آنذاك بملاحقة أنصار عيسى وحوارييّه فضيّقوا عليهم دائرة العمل حتّى كادت المسيحيّة تُنسى تماماً، ولكن مع ذلك أخذ الناس يتعاطفون معهم وينضمّون إليهم.
1) الروم (30): 30
لذا قام أعداء المسيح الحاقدين باتباع أُسلوب خبيث، وهو محاربة المسيحيّة من الداخل وحرفها وإبعادها عن طريقها الأساسي، وهو : التوحيد. و تبنّى هذه العمليّة عدوّها اللدود: «شاؤول».
فلنقراً عن هذا الذي استطاع أن ينفذ إلى المسيحيّة، ويهدم أساسها من الداخل، ومع ذلك أصبح أعظم رجل في المسيحيّة؛ فتجاوزت قدسيته قدسيّة الحواريّين، بل أصبح ينازع قدسيّة عيسى علیه السلام نفسه. فمَن هو شاؤول؟
شاؤول (بولس الرسول):
كان من اليهود المتطرّفين، وكان يضطهد المسيحيين بإفراط، فكان يسطو على الكنيسة، ويدخل البيوت، ويجرّ الرجال والنساء لإيداعهم السجون.
يقول «لوقا» عن كيفية دخول بولس إلى المسيحيّة: عندما كان بولس قريباً من دمشق، بغتة أبرق حوله نور من السماء فسقط على الأرض وسمع صوتاً قائلاً: یا شاؤول لماذا تضطهدني؟
فقال بولس: مَن أنت؟
فأجابه قائلاً: أنا يسوع الذي تضطهده.
فقال بولس مرتعداً متحيّراً: ماذا تريد أن أفعل؟
فقال: قم وكرّز بالمسيحيّة
ويستمر لوقا بقوله: وللوقت جعل [بولس] يكرز في المجاميع بالمسيح أنّ هذا هو ابن الله.
والعجب أن بولس لم يكن متعلّماً عند أحد الحواريّين، بل كان يدّعي أنّ عيسى نفسه هو الذي تبنّى تربيته وتعليمه من وراء الحجاب، وكان يقول: أعرّفكم أيّها الإخوة الإنجيل الذي بُشّرتُ به، أنّه ليس بحسب إنسان؛ لأنّي لم أقبله من عند
إنسان، ولا علمته من إنسان بل بإعلان يسوع المسيح.
فهو بقوله هذا رفض تعاليم الحواريّين، الذين هم أقرب الناس إلى المسيح، وكانوا الواسطة بينه علیه السلام وبين الناس. والهدف الذي كان بولس يبغيه هو: أن يكون مبسوط اليد في تسطير بدعته وخرافاته، فكلّما جاء بقول غريب يعارض ما عند الحواريّين نسبه إلى المسيح دون واسطة؛ ولذا كان الحواريّون يعارضون بولس ويرفضون أفكاره المنحرفة، لكنّه استطاع أن يكرّز بدعته في أذهان مخاطبيه السذّج والمغفّلين ومن كانت لهم مصلحة في ذلك.
ومن جملة هؤلاء النفعيين: «لوقا»، الذي أخلص لبولس ولرسالته، وكأن لم يعرف من المسيحيّة سوى تعاليم أستاذه هذا. وخدم أُستاذه وأحلّه محلّاً رفيعاً لا يقلّ عن مقام عيسى نفسه، وكتب «لوقا» رسالة تحت عنوان أعمال الرسل، ولكنّها في الحقيقة كلّها في وصف أعمال بولس وحده، وهي لبولس كإنجيل متّى ومرقس للمسيح.
وفي المقابل أعطى بولس تلميذه فرصة ليكون في مصاف الحواريّين ومِن كتَبَة الأناجيل؛ فدوّن إنجيل «لوقا»، مع أنّهما - أي: الأُستاذ والتلميذ - لم يريا المسيح قط ولم يسمعا منه حرفاً واحداً.
بدعة بولس:
يقول ويلز في كتابه «التاريخ الصغير للعالم»: وقد أوتي بولس قوّة عقليّة عظيمة، كما كان شديد الاهتمام بالحركات الدينيّة في زمانه، فتراه على علم عظیم
باليهوديّة والميثرائيّة، وديانة ذلك الزمان التي تصنعها الاسكندرية، فنقل إلى المسيحيّة كثيراً من أفكارهم ومصطلح تعبيرهم ولم يهتم بتوسيع فكرة عيسى الأصليّة وتنميتها، وهي فكرة ملكوت السماوات، ولكنّه علّم الناس أنّ عيسى لم يكن المسيح الموعود فحسب، بل إنّه ابن الله نزل إلى الأرض ليقدّم نفسه قرباناً، ويُصلب تكفيراً عن خطيئة البشر، فموته كان تضحية مثل الأضاحي القديمة للآلهة في أيام الحضارات البدائيّة من أجل خلاص البشريّة وكذلك صرّح بعض المحقّقين المنصفين بأنّ الديانة المسيحيّة الموجودة حالياً لا تمتّ لعيسى بن مريم بصلة، بل هي ديانة بوليسيّة (إن صحّ التعبير).
فهذا «بيري» يقول: شاؤول كوّن المسيحيّة على حساب عيسى. فشاؤول في الحقيقة هو مؤسّس المسيحيّة، وقد أدخل بولس على ديانته بعض تعاليم اليهود ليجذب أتباعاً له من اليونان(1).
وكذلك ابتكر بولس (شاؤول) فكرة جعل المسيح (LORD)، واستعار أيضاً من فلاسفة اليونان فكرة اتصال الإله بالأرض عن طريق «الكلمة» (Logos)، أو «ابن الإله»، أو «صروح القدس»، وهذا كلّه تمهيداً لبدعة التثليث، التي قضى بها على المسيحيّة التي جاء بها عيسى بن مريم علیه السلام، والتي كانت تقوم على أساس التوحيد.
فهو إمّا عميل من قبل الحكومات اليونانيّة لحرف وتشويه الديانة المسيحيّة، التي تعاطف معها جمهور واسع من الناس، وإمّا قد استطاع أن يحصل على ثقة الحكومات لمّا أدخل في ديانته الجديدة كثيراً من المعتقدات المنحرفة، وفي الحالين النتيجة واحدة، وهي أنّه استقوى بهذه الحكومات فأيّدته وقامت
1) راجع: موسوعة مقارنة الأديان، المسيحيّة: 101 نقلاً عن كتاب (التاريخ الصغير للعالم)
بمحو وكلّ الآثار التي تعود إلى تعاليم المسيح والحواريّين الذين كانوا يدعون إلى التوحيد.
وهذا يذكّرنا بما جرى في صدر الإسلام؛ إذ قامت ثلّة من الصحابة بغصب خلافة الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم من الإمام عليّ بن أبي طالب علیه السلام الذي نصّبه صلی الله علیه وآله وسلم خليفة له بأمر من الله تعالى، فقام الغاصبون بمحو معظم الأحاديث الصادرة من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في حقّ عليّ علیه السلام، وأخذوا يشرّعون على هواهم.
ومن يقارن بين سيرة بولس وبين سيرة عمر بن الخطّاب سيجد هناك الشبه الكبير بينهما، فعمر بن الخطّاب بالنسبة للمسلمين كبولس بالنسبة إلى المسيحين.
اتّباع الحقّ:
وهكذا تعرّفت «زنيدا» على التوحيد الخالص الذي لا يشوبه شائبة، وهو الموافق للعقل السليم والفطرة الإنسانيّة.
فلمّا أخلصت نيتها مع ربّها مَنّ الله عليها أن هداها إلى الصراط المستقيم، وهو: ولاية عليّ بن أبي طالب علیه السلام(1).
1) نقلاً عن: معرفة تحليلية عن الإسلام وبعض الأديان والمذاهب: 571
الصورة
ولدت في الفلبّين، ونشأت في عائلة مسيحية، واصلت دراستها الأكاديمية حتى التحقت بكلية الطب، قسم الأمراض النسائية.
القدرة الإلهية:
من الأسباب التي دعت «سنن» لاعتناق الدين الإسلامي النظرة الإسلامية الشاملة التي تنسجم مع الفطرة الإنسانية، ومن موارد ومصاديق هذه النظرة: موضوع قدرة الله سبحانه وتعالى.
فإنّ القدرة: من صفاته الذاتية الكمالية، كالعلم ولأجل ذلك يعد «القادر» من أسمائه سبحانه.
فالقدرة لغة - كما عرفها أصحاب المعاجم -: الملك والغنى واليسار.
قال ابن منظور: الاقتدار على الشيء: القدرة عليه، والقدرة: مصدر قولك: قدر على الشيء قدرة، أي: ملكه؛ فهو قادر وقدير. واقتدر الشيء: جعله قدراً. وقوله: «عِندَ مَلِيلٍ مُّقْتَدِرٍ»(1)أي: قادر.
1) القمر (54): 55
والقدر: الغنى واليسار، وهو من ذلك؛ لأنّه كلّه قوّة(1).
وقال الراغب: قدر: القدرة إذا وصف بها الإنسان فاسمٌ لهيئة له بها يتمكّن من فعل شيء ما، وإذا وصف الله تعالى بها فهي: نفي العجز عنه(2).
وقد أشار الإمام أمير المؤمنين علیه السلام إلى قدرته تعالى في مجموعة من النصوص، منها:
قوله: (كُلُّ شَيْءٍ خَاضِعُ لَهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ قَائِمٌ بِهِ، غِنى كُلِّ فَقِيرٍ، وَعِزُّ كُلِّ ذَلِيلٍ، وَقُوَّةُ كُلِّ ضَعِيفٍ، وَمَفْزَعُ كُلِّ مَلْهُوفٍ، مَنْ تَكَلَّمَ سَمِعَ نُطْقَهُ، وَمَنْ سَكَتَ عَلِمَ سِرَّهُ، وَمَنْ عَاشَ فَعَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَمَنْ مَاتَ فَإِلَيْهِ مُنْقَلَبُهُ.
لَمْ تَرَكَ الْعُيُونُ فَتُخْبِرَ عَنْكَ، بَلْ كُنْتَ قَبْلَ الْوَاصِفِينَ مِنْ خَلْقِكَ، لَمْ تَخُلُقِ الْخَلْقَ لِوَحْشَةٍ، وَلَا أَسْتَعْمَلْتَهُمْ لِمَنْفَعَةٍ، وَلَا يَسْبِقُكَ مَنْ طَلَبْتَ، وَلَا يُفْلِتُكَ مَنْ أَخَذْتَ، وَلَا يَنْقُصُ سُلْطَانَكَ مَنْ عَصَاكَ، وَلَا يَزِيدُ فى مُلْكِكَ مَنْ أَطَاعَكَ، وَلَايَرُدُّ أَمْرَكَ مَنْ سَخِطَ قَضَاءَكَ. وَلَا يَسْتَغْنِي عَنْكَ مَنْ تَوَلَّى عَنْ أَمْرِكَ، كُلُّ سِرِّ عِنْدَكَ عَلَانِيَةٌ، وَكُلُّ غَيْبٍ عِنْدَكَ شَهَادَةٌ.
أَنْتَ الْأَبَدُ فَلا أَمَدَ لَكَ، وَأَنْتَ الْمُنْتَهَى فَلَا مَحِيصٌ عَنْكَ، وَأَنْتَ الْمَوْعِدُ لَا مَنْجَى مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ بِيَدِكَ نَاصِيَةُ كُلِّ دَابَّةٍ، وَإِلَيْكَ مَصِيرُ كُلِّ نَسَمَةٍ، سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَ مَا نَرَى مِنْ خَلْقِكَ، وَمَا أَصْغَرَ كُلَّ عَظِيمَةٍ فِي جَنْبِ قُدْرَتِكَ، وَمَا أَهْوَلَ مَا نَرَى مِنْ مَلَكُوتِكَ، وَمَا أَحْقَرَ ذلِكَ فِي مَا غَابَ عَنَّا مِنْ سُلْطَانِكَ، وَمَا أَسْبَغَ نِعَمَكَ فِي الدُّنْيَا، وَمَا أَصْغَرَهَا فِي نِعَم الآخِرَةِ)(3).
لقد أشار الإمام أمير المؤمنين علیه السلام في هذا النص إلى مجموعة من الأُمور التي تبيّن قدرة الباري تعالى:
1 - إنّ كلّ مخلوقات الله خاشعة الله خاضعة له، وخضوع كلّ شيء بحسبه؛ لأنّه العظيم القوي، وما دونه الضعيف الحقير؛ قال تعالى: «وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ»(1)، وقال تعالى: «أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللهُ مِن شَيءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالْشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِن دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ»(2).
2 - إنّ قيام كلّ شيء به؛ لأنّ كلّ ما عداه ممكن الوجود ويحتاج في أصل وجوده وكمال وجوده وإكمال وجوده إلى الله سبحانه وتعالى، إمّا مباشرة أو بالواسطة، ولو تخلّى عنه لحظةً لانهار وانعدم، قال تعالى: «أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاء قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ»(3)، وقال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيما غَفُورًا»(4).
3 - إنّ كلّ ما دون الله فقير محتاج، وبالله خرج من العدم إلى الوجود، وبالله كان كلّ موجود وبالله كان غنی کلّ موجود؛ قال تعالى: «هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ»(5)، وقال تعالى: «وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى»(6)، وقال تعالى: «وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَن
يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقاً»(1).
4 - إنّ الذليل الحقير المهين إذا آمن بالله واستقام كما أمر كان عزيزاً قوياً، وكم من الضعفاء تحوّلوا إلى أعزّة عندما نبذوا الأصنام والأهواء وتوجّهوا الله واعتمدوا عليه، فبلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي أصبحوا بالله أعزّة، قال تعالى: «الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَولِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً»(2)، وقال تعالى: «يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ»(3).
5 - بالله تعالى يصبح الضعيف قوياً؛ لأنّ هذا الضعيف إذا اتّصل بالله اتصل بمصدر الوجود وبأصل كلّ موجود، ومن آمن بالله فهو موصول العرى بأعظم قوّة في العالم، بل كلّ العالم في قبضته وتحت قدرته، إن شاء فعل وإن شاء منع، ومن هذا التصوّر يكبر الإنسان المتّصل بالله ويقوى، بل يتحدّى العالم كلّه منفرداً عندما يدخل هذا الإيمان إلى قلبه، كما تحدّاه إبراهيم الخليل، فكان أُمّة برأسه يتحدّى الطغاة والجبابرة؛ لأنّه يشعر باستمداد القوّة من الله، القوّة المطلقة في عالم الوجود الموجّهة لكلّ ما فيه.
6 - إلى الله يلجأ كلّ مكروب خائف مستغيث؛ فعندما تتقطّع الأسباب وتنسدّ الأبواب ولا يعد في الوجود من يُلجأ إليه، عندها ومن أعمق أعماق هذا الإنسان وبالاضطرار والقهر، وبدون التفات وتنبّه، يصرخ المضطرّ بصوت كلّه رقّة وعطف واستغاثة: «يا الله»! إنّها الكلمة التي ينطقها الإنسان من أعمق شعوره، ومن فطرته وأساس تكوينه، «يا الله» حقيقة تنطوي عليها كلّ نفس، تظهر قهراً عند كلّ
الناس، حتى الجاحدين لمضمونها والمنكرين لوجودها، حتى هؤلاء يرجعون إلى الله في كشف كربتهم وإزالة علّتهم، يلتفت الإنسان لا شعورياً إلى القوة المطلقة القادرة على إغاثته فلا يجد غير الله يعينه وينجيه؛ قال تعالى: «وَمَا بِكُم مِّن نُّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ»(1)، وقال تعالى: «وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا»(2).
7 - إنّه تعالى مفزع كلّ ملهوف؛ يشير إلى ذلك قوله تعالى: «أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءِ الْأَرْضِ أَإِلَهُ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ»(3).
ويشهد لجميع الفقرات: قوله تعالى: «قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ»(4).
8 - إنّه من تكلّم سمع نطقه، ومن سكت علم سرّه، وهذا إشارة إلى عموم علمه، وإنّه كما يعلم كل ما يتكلّم به الإنسان يعلم ما يسره ويكتمه؛ قول تعالى: «وَإِن تَجْهَرُ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأَخْفَى»(5).
9 - من تكلّم سمع نطقه، ومن سكت علم سره؛ قال تعالى: «سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفِ بِاللَّيْلِ وَسَارِبُ بِالنَّهَارِ»(6).
10 - إنه سبحانه الحاكم في الدنيا وفي الآخرة؛ فمن عاش فالله هو رازقه، و به تقوم حياته، وذلك قوله تعالى: «وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ»(1).
11 - إنّه من مات فإلى الله يرجع، وإليه الحساب، يجزي المطيع بالجنّة، والعاصي بالنار، وهذا ردّ لهذا الإنسان إلى حقيقته، وأنّه في كلا الدارين تحت عين الله: قال تعالى: «قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي رُكُلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ»(2).
ثم نزّه علیه السلام الله أن يقع تحت بصر؛ لأنّ من يقع تحت الأبصار يكون محدوداً، والمحدود ممكن محتاج إلى المكان، والله منزّه عن ذلك، هو واجب الوجود، وإذا لم تره العيون فقد رأته القلوب بحقائق الإيمان.
ثم تساءل: كيف يخبر عنك الواصفون وأنت كنت قبل خلقهم؟! أي الأصل في خلقهم والمنزّه عن الجسمية التي هي من عوارض الإمكان.
ثم نزّه الله عما يعتري المخلوقات من الناس؛ فإنّ المتفرّد منهم يستوحش فيطلب ما يؤنسه ويزيل وحشته والله سبحانه لا يتأثر بالكون وما فيه، فلم يخلق ما خلق من أجل أن يرفع استيحاشه؛ قال تعالى: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ»(3).
كما أنّه لم يكلّفهم بما كلّفهم به من أجل أنّه محتاج يريد أن ترجع المنفعة إليه، بل هو غنيّ بالذات، وما كلّفهم إلا لصالحهم وما ينفعهم؛ قال تعالى: «مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ»(4).
وهو عزّ وجلّ يدرك من طلبه ولن يفوته أخذه، ومن أخذه لن يفلت منه ويهرب من بين يديه؛ وفي ذلك إشارة إلى كمال قدرته، وهذا مضمون ما نطق به الجن وصدّقه القرآن في قولهم: «وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً»(1)، وقال تعالى: «لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَال»(2)، وقال تعالى: «أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ»(3)، وقال تعالى: «كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلَّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزِ مُّقْتَدِرٍ»(4)، وقال تعالى: «فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ»(5)، وقال تعالى: «فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ»(6).
ثم أشار علیه السلام إلى أنّ المعصية الله لا تهدّ سلطانه، ولا تؤثّر في ملكه، ولا ينقص عصاه؛ قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ من مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَن يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ»(7)، وقال
تعالى: «فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ»(1).
كما أنّ من أطاعه لا يزيد في ملكه ولا يقويه ويدعمه، كما هو حال ملوك الدنيا، الذين يتزلزل سلطانهم بعصيان الناس لهم وتمردهم عليهم، ويقوى ويشتدّ كلّما أطاعهم الناس والتفّوا حولهم؛ قال تعالى: «مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءِ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ»(2)، وقال تعالى: «إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ»(3).
وإذا أراد الله أمر نفذ، وإن لم يرضه العباد؛ قال تعالى: «قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ»(4)، لأنّ الله لا يفعل إلا لحكمة، وله السلطة الكاملة على خلقه، وسخطهم وعدم رضاهم فلضعفهم وجهلهم بمقام الربوبية؛ قال تعالى: «وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا»(5)، وقال تعالى: «وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَانًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ»(6).
كما أن من تولّى عن طاعة الله وأمره لم يستغن عن عونه وحاجته إليه باعتبار إمكانه وحاجته، والممكن المحتاج بحاجة دائماً إلى الغنى الكريم بالذات؛
قال تعالى: «وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٌ مَّسَّهُ»(1)وقال تعالى: «وَمَا بِكُم مِّن نُّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ * ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ»(2).
والأُمور كلّها عند الله تعالى منكشفة على مستوى واحد، فليس هناك سرّ و آخر جهر؛ قال تعالى: «أَلا إِنَّهُمْ يَتْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ»(3).
وليس هناك عنده تعالى غائب وآخر حاضر، وذلك لأنّ علمه أحاط بكلّ شيء، وهي كلّها منكشفة لديه؛ قال تعالى: «يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ»(4)، وقال تعالى: «وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى الصُّوَرِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الخَبِيرُ»(5).
وهو الدائم فلا غاية له يقف عندها وجوده؛ لأنّه واجب الوجود، الذي لا ينتهي، كما أنّ الرجوع إليه فلا مهرب من لقائه، ولا خلاص من عذابه؛ قال تعالى: «وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى»(6).
وإليه يعود الخلق وهم على ميعاد معه يوم الحساب، ولا ينجي من عذابه وعقابه إلا الرجوع إليه، والتوبة من الذنوب، وإصلاح ما فسد، وطلب العفو
والغفران منه؛ قال تعالى: «إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ»(1)، وقال تعالى: «اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُم مِّن مَّلْجَأَ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍ»(2).
ومخلوقاته كلّها تحت سلطانه وبيده زمامها، يفعل بها ما يشاء؛ قال تعالى على لسان نبيِه هود علیه السلام: «إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِدٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ»(3)..
قال الطبرسي في مجمع البيان: «أي ما من حيوان يدبّ على وجه الأرض إلا وهو مالك لها، يصرفها كيف يشاء، ويقهرها، وجعل الأخذ بالناصية كناية عن القهر والقدرة؛ لأنّ من أخذ بناصية غيره فقد قهره وأذلّه(4).
وإلى الله مصير كلّ روح إليه سبحانه ترجع كلّ نفس فيجازيها على ما عملت، ويحاسبها عمّا اقترفت؛ قال تعالى: «وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ»(5).
قوله علیه السلام: (سبحانك ما أعظم شأنك): تنزيه الله يراد به التعجّب من أمر الله وحكمه، وأن أمره أعظم من أن يوصف، أو يحد ويؤطّر.
قوله علیه السلام: (سبحانك ما أعظم ما نرى من خلقك): ننزّهك يا ربّ عن كلّ أمر يصغرك، ونحن نرى خلقك ما أعظمه وأجلّه وأكبره، وكيف يُعدّد العبد المحدود مخلوقاتك؟! وهل يقدر على إحصائها بأنواعها وأفرادها، ومواصفات كلّ فرد
و توجّه كلّ فرد، وطريقة كلّ فرد؟!
قوله علیه السلام: (وما أصغر كلّ عظيمة في جنب قدرتك): مهما عظم خلقك من سماوات وأرضين وبر وبحر وليل ونهار، وما يدبّ على الأرض، أو يطير في الجو، كلّها حقيرة صغيرة بالنسبة إلى قدرتك؛ فإنّها لا تُحدّ ولا تُوصف؛ قال تعالى: «قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا»(1)، وقال تعالى: «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ»(2).
وروي أنّ عبد الله الديصاني أتى هشام بن الحكم فقال له: ألك ربّ؟ فقال: بلی. قال: قادر؟ قال: نعم قادر، قاهر. قال: يقدر أن يدخل الدنيا كلّها في بيضة لا يكبّر البيضة ولا يصغّر الدنيا؟ فقال هشام النظرة. فقال له: قد أنظرتك حولاً. ثمّ خرج عنه، فركب هشام إلى أبي عبد الله علیه السلام فاستأذن عليه، فأذن له، فقال: يا ابن رسول الله! أتاني عبد الله الديصاني بمسألة ليس المعول فيها إلا على الله وعليك. فقال له أبو عبد الله علیه السلام: عمّاذا سألك؟ فقال: قال لي كيت وكيت. فقال أبو عبد الله علیه السلام: يا هشام! كم حواسّك؟ قال: خمس. فقال: أيّها أصغر؟ فقال: الناظر. فقال: وكم قدر الناظر؟ قال: مثل العدسة أو أقلّ منها فقال: يا هشام! فانظر أمامك وفوقك وأخبرني بما ترى. فقال: أرى سماءً وأرضاً، ودوراً وقصوراً، وتراباً وجبالاً وأنهاراً. فقال له أبو عبد الله علیه السلام: إنّ الذي قدر أن يدخل الذي تراه العدسة أو أقل منها قادر أن يدخل الدنيا كلّها البيضة، لا يصغّر الدنيا ولا يكبّر البيضة.
فانكبّ هشام عليه وقبّل يديه ورأسه ورجليه، وقال: حسبي يا ابن رسول الله.
فانصرف إلى منزله، وغدا إليه الديصاني، فقال: يا هشام! إنّي جئتك مسلّماً ولم أجئك متقاضياً للجواب. فقال له هشام: إن كنت جئت متقاضياً فهاك الجواب.
فخرج عنه الديصاني، فأخبر أنّ هشاماً دخل على أبي عبد الله علیه السلام فعلّمه الجواب، فمضى عبد الله الديصاني حتى أتى باب أبي عبد الله علیه السلام فاستأذن عليه، فأذن له، فلمّا قعد قال له: يا جعفر بن محمد! دلّني على معبودي. فقال له أبو عبد الله علیه السلام: ما اسمك؟ فخرج عنه ولم يخبره باسمه، فقال له أصحابه: كيف لم تخبره باسمك؟! قال: لو كنت قلت له: (عبد الله) كان يقول: من هذا الذي أنت له عبد؟ فقالوا له: عد إليه فقل له يدلّك على معبودك ولا يسألك عن اسمك.
فرجع إليه، فقال له: يا جعفر دلّني على معبودي ولا تسألني عن اسمي. فقال له أبو عبد الله علیه السلام: اجلس. وإذا غلام له صغير في كفّه بيضة يلعب بها، فقال أبو عبد الله علیه السلام: ناولني يا غلام البيضة. فناوله إياها، فقال أبو عبد الله علیه السلام: يا ديصاني، هذا حصن مكنون له جلد غليظ، وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق، وتحت الجلد الرقيق ذهبة مايعة وفضة ذائبة، فلا الذهبة المايعة تختلط بالفضّة الذائبة ولا الفضة الذائبة تختلط بالذهبة المايعة، هي على حالها لم يخرج منها مصلح فيخبر عن إصلاحها ولا دخل فيها مفسد فيخبر عن فسادها، ولا يُدرى للذكر خلقت أم للأُنثى، تنفلق عن مثل ألوان الطواويس، أترى لها مدبّراً؟
قال: فأطرق مليّاً، ثم قال أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمداً عبده ورسوله، وأنّك إمام وحجّة من الله على خلقه، وأنا تائب ممّا كنت فيه(1).
قوله علیه السلام: (وما أهول ما نرى من ملكوتك، وما أحقر ذلك في ما غاب عنّا سلطانك): هذا تعجّب من عظيم ما نشاهد ونرى من ملك الله، وأنّه كبير عظيم
1) التوحيد للشيخ الصدوق: 122 - 124
يقف الإنسان أمامه يمجّد الله ويحمده، ولكن مع كلّ عظمة ملكه فهو حقير أمام ما غاب من سلطانه الممتد إلى أعالي السماء، ممّا هو مستور عنّا تحت أستار القدرة، وفي حجب العزّة من بدايع ما في الملأ الأعلى، ولعلّ بعض مشاهدات النبي في معراجه تدلّل على هذه العظمة التي نقرؤها في كلّ ما خفي في ملكوت الله.
قال تعالى: «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلْمًا»(1)، وقال تعالى: «لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى»(2)، وقال تعالى: «اللهُ لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ»(3)، وقال تعالى: «قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ»(4)، وقال تعالى: «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ»(5).
قوله علیه السلام: (وما أسبغ نعمك في الدنيا، وما أصغرها في نعم الآخرة): تعجّب من سعة نِعَم الله على عباده في الدنيا بحيث شملت البر والفاجر، وتناولت كلّ حاجات هذا الإنسان، ولكن استصغرها بالنسبة إلى نعم الآخرة؛ لأنّ نعم الدنيا محدودة بحدود الدنيا فحسب، وأمّا نعم الآخرة فلا حدود لها ولا انتهاء، وما لا
حدّ له ولا انتهاء يصغر بالنسبة إليه ما يُحد وينتهي، وهذا ترغيب لنا في لنسعى من أجل نعيمها وما فيها؛ قال تعالى: «أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةٌ وَبَاطِنَةٌ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ»(1)، وقال تعالى: «فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ»(2).
وعن النبيّ الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم أنّه قال: «إنّه من يدخل الجنّة ينعم ولا يبأس، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه، في الجنّة ما لا عين رأت ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر»(3).
اعتناقها للإسلام:
وبعد أن لاحظت «سنن ها جوئي» قوّة أدلّة النظرية الإسلامية وشمولها منّ الله تبارك وتعالى عليها بالدخول في الدين الإسلامي، فأصغت إلى المبادئ الإسلامية، فاستجابت لها ثم أسلمت وجهها الله ربّ العالمين واتبعت مذهب أهل البيت علیهم السلام(4).
من أهل جزائر الفلبّين، كان السبب في استبصاره: صدمته من مدى اعتداء ابن تيمية ومن تبعه من الوهّابية في عصرنا الحاضر على أهل البيت علیهم السلام، ممّا جعله يتساءل أنّه في يوم القيامة كيف ستكون عاقبتهم، وخاصّة ابن تيمية الذي ملأكتبه بالتعرض لأهل البيت علیهم السلام صراحة وكناية والتشكيك في فضائلهم وإنكارها والوقوف إلى جانب مناوئيهم؟ وكيف ستكون مواقفهم عند مواجهة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم في ذلك اليوم؟
ابن تيمية وأهل البيت علیهم السلام:
إن لأهل بيت الرسول علیهم السلام منزلة عظمى أثبتها القرآن وأثبتها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأيقن بها المسلمون، ولم يمار فيها إلّا من كان في قلبه مرض، وابن تيمية في بعض ما كتب يثبت شيئا ممّا ورد في منزلتهم العظمى وتقديمهم على سائر الأُمّة، فيقول: «إنّ بني هاشم أفضل قريش، وقريش أفضل العرب، والعرب أفضل بني آدم، كما صحّ ذلك عن النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم قوله في الحديث الصحيح: «إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى كنانة من بني إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش».
وفي صحيح مسلم عنه أنّه قال يوم غدير خم: «أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي».
وفى السنن أنّه شكا إليه العبّاس أنّ بعض قريش يحقّرونهم، فقال: «والذي نفسي بيده لا يدخلون الجنّة حتى يحبّوكم الله ولقرابتي». ثمّ قال: وإذا كانوا أفضل الخلائق فلا ريب أنّ أعمالهم أفضل الأعمال»(1).
والسؤال: كيف كانت عقيدته فيهم؟ وكيف كان موقفه الدائم منهم؟
لقد كشف ابن تيمية عن عقيدته في أهل البيت علیهم السلام وموقفه منهم بكلّ صراحة، وبوضوح لا غبار عليه، ويمكن إجمال ذلك بالنقاط التالية:
أ - الميل إلى جانب أعدائهم على الدوام:
كان ابن تيمية صريحاً في ميله إلى جانب أعداء أهل البيت علیهم السلام، ودفاعه عنهم بكلّ ما يمتلك من قدرة على الجدل، وخداع في القول، ومغالطة في الكلام، يكافح عنهم، ويختلق لهم الأعذار، ويبرّر عداءهم لأهل البيت علیهم السلام، يكّذب لأجلهم أحاديث الرسول وأئمة السلف من الصحابة والتابعين، ويكذب لأجلهم حقائق التاريخ التي تواتر نقلها وأجمع عليها أهل العلم قاطبة، ويزوّر حقائق أخرى بأسلوب يتنزّه عنه العلماء، بل حتى العوام والبسطاء.
ومن شواهد ذلك وبكلّ إيجاز: أنّه صنّف كتابا أسماه: (فضائل معاوية وفي يزيد وأنّه لا يُسبّ)، هذا مع أنّ الذي ثبت عن السلف أنّه لا يصحّ في فضائل معاوية ولا حديث واحد!!
فقد نقل ذلك عن أحمد بن حنبل(2)، والنسائي صاحب السنن إذ قيل له: ألا تُخرج فضائل معاوية؟ فقال: أي شيء أخرج؟ حديث «اللّهمّ لا تشبع بطنه»
فسكت السائل(1).
وثبت عن الحسن البصري أكثر من ذلك، فقد قال: أربع خصال كُنَّ في معاوية، لو لم يكن فيه إلّا واحدة لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأُمّة بالسيف حتى أخذ الأمر من غير مشورة وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة، واستخدامه بعده ابنه - يزيد - سكّيراً خميراً يلبس الحرير ويضرب بالطنابير، وادّعاؤه زياداً وقد قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «الولد للفراش وللعاهر الحجر».
وقتله حجر بن عدي وأصحاب حجر، فيا ويلاً له من حجر ، ويا ويلاً له من حجر!!(2).
أمّا في يزيد فقد زوّر ابن تيمية حديث أحمد وبتره لأجل أن يمنع من لعنه!! ثمّ زوّر كلّ ما ثبت من حقائق التاريخ وكلام السلف فيه وافترى عليهم كثيراً لأجل أن يختلق عذراً ليزيد، فقال: «إنّ يزيد لم يظهر الرضى بقتل الحسين، وإنّه أظهر الألم لقتله»!(3).
وقد نقل التفتازاني إجماع السلف في هذه المسألة، فقال: «اتّفقوا على جواز اللعن على من قتل الحسين، أو أمر به، أو أجازه، أو رضي به. والحق أنّ رضى يزيد بقتل الحسين واستبشاره بذلك وإهانته أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ممّا تواتر عليه واله معناه وإن كان تفصيله آحاداً ، فنحن لا نتوقّف في شأنه، بل في كفره وإيمانه، لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه»(4).
قال ابن تيمية: «إنّ نقل رأس الحسين إلى الشام لا أصل له في زمن
یزید»(1).
وقال: «إنّ القصّة التي يذكرون فيها: حمل الرأس يزيد ونكته في القضيب، كذبوا فيها»(2).
وقال: «من المعلوم أنّ الزبير بن بكّار ومحمّد بن سعد صاحب الطبقات، ونحوهما من المعروف بالعلم والفقه والاطّلاع، أعلم بهذا الباب وأصدق في ما ينقلونه من المجاهيل الكذّابين»(3).
ويقول: «والمصنّفون من أهل الحديث في ذلك، كالبغوي وابن أبي الدنيا ونحوهما، هم بذلك أعلم وأصدق بلا نزاع بين أهل العلم»(4).
وابن تيمية لم ينقل عنهم حرفاً واحداً في ذلك، لسبب بسيط، وهو: أنّهم قد أثبتوا ذلك الذي أنكره ابن تيمية، أثبتوه بأسانيدهم التي قال عنها ابن تيمية أنّها الأصدق بلا نزاع بين أهل العلم!.
أمّا كلّ ما نقله ابن تيمية عنهم فهو قوله: «إنّ الذين جمعوا أخبار الحسين ومقتله مثل ابن أبي الدنيا والبغوي وغيرهما، لم يذكر أحد منهم أن الرأس قد حمل إلى عسقلان أو القاهرة!!»(5).
و قال ابن تيمية: «ويزيد لم يسب للحسين حريماً، بل أكرم أهل بيته!»(6).
وقال: «ولا سبى أهل البيت أحد، ولا سُبي منهن أحد»(7).
وكلامه هذا لم ينقله أحد سواء كان من الثقات أو من غيرهم، وإنّما أطلقه حميّة ليزيد.
أمّا أصحاب التاريخ فقد أجمعوا على صحّة هذه الوقائع: قال ابن أبي الدنيا ومحمّد بن سعد - بعد أن ذكرا قتل الحسين وانتهابهم ثيابه وسيفه وعمامته - ما نصّه:
«وأخذ آخر ملحفة فاطمة بنت الحسين، وأخذ آخر حليّها... وبعث عمر بن سعد برأس الحسين إلى عبيد الله بن زياد، وحمل النساء والصبيان، فلمّا مرّوا بالقتلى صاحت زينب بنت علي: يا محمّداه! هذا حسين بالعراء مرمّل بالدماء، مقطّع الأعضاء.. يا محمّداه! وبناتك سبايا.. وذرّيّتك قتلى تسفي عليها الصبا! فما يقي صديق ولا عدوّ إلّا بكي..
قالا: ثمّ دعا ابن زیاد زحر بن قيس فبعث معه برأس الحسين ورؤوس أصحابه إلى يزيد. وجاء رسول من قبل يزيد فأمر عبيد الله بن زياد أن يرسل إليه بثقل الحسين ومن بقي من أهله..
قالا: ثمّ دعا يزيد بعلي بن الحسين والصبيان والنساء وقد أُوثقوا بالحبال فأُدخلوا عليه، فقال علي بن الحسين: يا يزيد! ما ظنّك برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لو رآنا مقرّنين بالحبال؟!
ودعا بالنساء والصبيان فأُجلسوا بين يديه، فقام رجل من أهل الشام فقال: يا أمير المؤمنين! هب لي هذه - يعني فاطمة بنت الحسين!! فأرعدت وظنّت أنّهم يفعلون، فأخذت بثياب عمّتها زينب.
فقالت زينب: كذبت والله، ما ذلك لك ولا له.
فغضب يزيد لذلك وقال: كذبتِ، إنّ ذلك لي لو شئت لفعلته!!
قالت: كلّا والله ما جعل الله عزّ وجلّ ذلك لك إلّا أن تخرج من ملّتنا أو تدين بغير ديننا. ثمّ بعث بهم يزيد إلى المدينة»(1).
أرأيت هذا الذي ضيّع الأمانة في نقل حقائق تواتر نقلها، وأجمع عليها أهل الحديث والسير، اتّباعاً للهوى والعصبية، أيكون مؤتمناً على الدين؟
ب - تكذيبه بمنزلتهم العظمى:
وله في هذا الباب كلام كثير يدلّ على عصبية لا حد لها:
1 - إنّ ابن تيمية يقول بالحرف الواحد: «إن فكرة تقديم آل الرسول هي من أثر الجاهلية في تقديم أهل بيت الرؤساء!!»(2).
وسنشير قبل الجواب على ما ادّعاه إلى بعض ما جاء في منزلة أهل بيت الرسل عامة وأهل بيت نبيّنا صلی الله علیه وآله وسلم خاصّة:
أ - قوله تعالى في أهل بيت إبراهيم علیه السلام: «قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ»(3).
ب - قوله تعالى وقد ذكر ثمانية عشر نبيّاً بأسمائهم ثم قال: «وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاً هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَاليَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاً فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ * وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ»(4).
ت - قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ»(1).
ث - قوله تعالى في إبراهيم علیه السلام: «وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِين»(2).
ج - قوله تعالى: «وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةٌ وَكُلاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ»(3).
ح - قوله تعالى في أهل بيت نبيّنا صلی الله علیه وآله وسلم: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ - أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا»(4).
خ - قوله تعالى: «قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى»(5).
وعن عمر بن أبي سلمة ربيب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: لمّا نزلت هذه الآية على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا»(6)في بيت أُمّ سلمة، فدعا فاطمة وحسناً وحسيناً فجلّلهم بكساء، وعليّ خلف ظهره فجلّله بكساء، ثم قال: «اللّهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً».
قالت أُمّ سلمة: وأنا معهم يا نبيّ الله؟
قال: «أنت على مكانك وأنت على خير»(7).
وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أُهدي لك هدية سمعتها من النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم؟
فقلت: بلى، فأهدها لي.
فقال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلنا: يا رسول الله، كيف الصلاة عليكم أهل البيت، فإنّ الله قد علّمنا كيف نُسلّم؟ قال: «قولوا: اللّهمّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد، اللّهمّ بارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنّك حميد مجيد»(1).
إذاً، فاصطفاء الله تعالى لأهل بيت الأنبياء والرسل، وجعلهم الأئمّة والقادة والأوصياء من بعدهم، وإنزاله إيّاهم تلك المنازل الرفيعة، وكلّ ما جاء بحقّهم في السنّة المطهّرة هو من أثر الجاهلية في تقديم أهل بيت الرسول!! إن لم يكن هذا هو التكذيب بالدين والسخرية بكتاب الله وسُنّة رسوله، فكيف سيكون التكذيب؟! وكيف ستكون السخرية؟!
ولمّا قال تعالى: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطْهِيرًا»(2). ودعا الرسول صلی الله علیه وآله وسلم عليّاً وفاطمة والحسن والحسين فجلّل عليهم كساء وقال: «اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً»، وافق ابن تيميّة على صحّة ذلك، لكن ماذا رأى فيه ؟ إنّه لم يرَ فيه لأهل البيت أيّة مزية! فقال: إنّ هذا مجرّد إرادة من الله لهم بالتطهير، ودعاء من النبيّ لهم بذلك، ولا يعني هذا أنّ الله قد طهّرهم حقّاً(3).
إنّ ابن تيمية لم يرد ما أراده الله ورسوله، ولهذا فقط لم يؤمن به!!
وكذّب بكلّ ما ورد بحقّهم في القرآن الكريم كآيات سورة الدهر:
«وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَنِيْما وَأَسِيرًا»(1)التي أجمع أصحاب التفسير على أنّها نزلت فيهم(2).
كما كذّب ما ورد في حقّ أمير المؤمنين علیه السلام في القرآن الكريم، كقوله تعالى: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ»(3)التي أجمع أصحاب التفسير على نزولها في عليّ حين تصدّق بخاتمه وهو راكع(4).
وقس على ذلك تكذيب ما جاء في فضل عليّ علیه السلام خاصّة في السُنّة الصحيحة رغم ثبوتها بالأسانيد الصحيحة والطرق المتعدّدة، دون أن يعتمد على نقل صحيح عن أئمّة السلف، وإنّما هو الهوى والعصبية.
ت - التنقص منهم و تجريحهم:
لم يقف ابن تيميّة عند الدفاع عن خصوم أهل البيت، ثمّ التكذيب بمنزلتهم ومناقبهم، بل تعدّى وراء ذلك فأطلق عليهم لساناً لم تعرفه هذه الأُمّة إلّا عند النواصب الذين امتلأت قلوبهم بغضاً وحقداً على آل الرسول، وهذه نبذ من كلامه فيهم:
1 - إنّه ينفي أن تكون هناك مصلحة من وجود أهل البيت، ويقول: «لم يحصل بهم شيء من المصلحة واللطف»(5).
1) الإنسان (76): 8
2) تفسير الثعلبي 10: 98، شواهد التنزيل 403:2، تفسير البغوي 4: 428، تفسير الرازي 30: 244
3) المائدة (5): 55
4) جامع البيان 6: 389، تفسير ابن أبي حاتم 4: 1162، أحكام القرآن للجصّاص 2: 557، تفسير السمعاني 2: 48، شواهد التنزيل 1: 212، تفسير البغوي 2: 47، تفسير القرطبي 6: 221
5) منهاج السُنّة 2: 84
هذا، ونجد مسلم يروي عن يزيد بن حيّان قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم، فلمّا جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسمعت حديثه، وغزوت معه، وصلّيت خلفه، لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً حدّثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم.
قال: يا ابن أخي! والله لقد كبرت سنّي وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فما حدّثتكم فاقبلوا، وما لا فلا تكلّفونيه.
ثمّ قال: قام رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يوماً فينا خطيباً بماء يُدعى خُماً بين مكّة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه ووعّظ وذكّر، ثمّ قال: «أمّا بعد، ألا أيّها الناس! فإنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربّي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أوّلهما کتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به»، فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه، ثمّ قال: «وأهل بيتي، أُذكّركم الله في أهل بيتي، أُذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي»(1).
لكن ابن تيميّة أتى على هذه الأحاديث فأوّلها تأويلاً يضحك الثكلى، فقال: «الحديث الذي في مسلم إذا كان النبيّ قد قاله فليس فيه إلّا الوصية باتّباع الكتاب، وهو لم يأمر باتّباع العترة، ولكن قال: أُذكّركم الله في أهل بيتي»(2).
تُرى ألم يقال صلی الله علیه وآله وسلم: «إنّي تارك فيكم الثقلين: أولهما كتاب الله»، ثمّ واصل الحديث حتى ذكر أهل البيت فإن كان الأمر باتّباع الكتاب وحده، فأين هو الثقل الثاني إذاً؟؟
حقّاً إن الهوى يعمي ويصم!!
الاستبصار:
بعد أن تبيّن ل«طالب أبوذر» - الذي كان وهابياً - الحقد والغلّ والتحامل الذي يحمله هذا الشخص ومنهجه، وأنّه سيؤدّي إلى وقوفه يوم القيامة موقف المخذول أمام رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم و عترته الطاهرين علیهم السلام أيقن بضلاله وضلال منهجه، واتّبع المنهج الحقّ، منهج أهل بيت النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم، فاعتنق هذا المذهب وركب سفينة النجاة، سفينة علي وفاطمة والحسن والحسين والتسعة المعصومين من أولاد الحسین سلام الله عليهم أجمعين(1).
1) للوقوف على نبذة من سيرته راجع كتاب مادر گریه نکن (لا تبكِ يا أمي): 225، للسيد محمود شاه حسيني
ولدت في دولة الفلبّين في مدينة كوتاباتو عام 1391 ه (1972 م)، وترعرعت في أحضان أُسرة شافعية المذهب حتى تعرّفت على مذهب أهل البيت علیهم السلام، وبعد البحث والمطالعة والتأمّل أعلنت استبصارها بنور معارف أهل البيت علیهم السلام سنة 1428 ه (2008 م)، وهي على ارتباط بمركز الأبحاث العقائدية من 2 اهل خلال شبكة الإنترنت.
بداية السير نحو الحقيقة:
تأتي تساؤلات كثيرة إلى ذهن الإنسان المسلم عندما يفكّر في مسألة الخلافة بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، منها أنَّه: هل يصدّق عاقل أنّ الصحابة قد أدركوا أهميّة إدارة الأُمّة فشكّلوا اجتماع السقيفة لاختيار مدير لها، وأدركوا الحاجة إلى الدولة والنظام، ولم يدرك ذلك الله ورسوله؟!
معاذ الله، وهو الذي بلّغ الحجّة على أنّ النعمة قد تمّت، وأنّ الدين قد اكتمل: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينا»(1)وأنّه ما بقي شيء ممّا يهم الإنسانية في أُمور دينها ودنياها إلا أودعه الله جلّ وعزّ في
1) المائدة (5): 3
كتابه العزيز: «و مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِّنْ شَيْءٍ»(1).
بل إنّ القيادة أهمّ أمر شدّد عليه الإسلام، وأكّد عليه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في أكثر من موقف، ابتداءً بحديث الدار عند نزول آية الإنذار في بداية الدعوة وحتّى حديث الغدير في حجّة الوداع، بل حتّى أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم طلب - في أواخر أيامه من الدنيا - أن يؤتى بدواة وقرطاس ليكتب لأُمّته كتاباً لا يضلون بعده أبداً، وهذا الكتاب الذي أراد أن يكتبه ويبيّنه هو مفاد حديث الثقلين المشهور والمتواتر بأنّ أهل البيت والقرآن هما الثقلان ولا يضلّ من تمسّك بهما أبداً.
أهميّة مسألة الخلافة بعد رسول الله:
إنَّ مسالة تعيين الخليفة الآتي من قبل الخليفة السابق كانت متعارفة في زمنها، فإنّ الخلفاء أنفسهم أوصى بعضهم لبعض؛ إذ يقولون: إنّ أبا بكر أوصى لعمر، وأوصى عمر لستّة - بغضّ النظر عن التخبّط الكبير في موضوع الخلافة، وهل كانت شورى أو بالنصب - بحجّة أنّ القائد الكفوء لابدّ من تعيينه من قبل أهل الخبرة، حتّى أنّ ابن تيميّة عدّ الولاية من أعظم واجبات الدين؛ فقال: (إنّ ولاية أمر الناس أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلّا بها؛ فإنّ بني آدم لا تتم مصالحهم إلّا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى البعض، ولابدّ لهم عند الاجتماع من رأس، حتّى قال النبي صلی الله علیه وآله وسلم: إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمّروا أحدهم..
فالواجب اتّخاذ الإمارة ديناً وقربة يتقرب بها إلى الله؛ فإنّ التقرّب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات)(2).
ولكن لا فرق عنده بين الرئيس وحاكم الجور، وبين الأئمّة الذين أمر الله تعالى بطاعتهم، والقيادة العامّة، وعلى هذا ينبغي تحليل التاريخ بدّقة وفق مبادىء الإسلام نفسه، وقواعده التي وضعها لنرى هل فرّق الإسلام بين الحكّام الذين
استولوا على الحكم بالسيف والجور، وبين من نصبّهم الله تعالى أماناً للأُمّة من الاختلاف والهلاك، وهل أمضى الله تعالى ولاية احدهم على المسلمين دون الآخر؟!
يتّضح من العديد من الأحاديث والوقائع أنَّ الله تعالى وعلى لسان نبيه صلى الله علیه وآله وسلم أمضى الولاية لعدد من أولياءه، فجعلهم أوصياء النبي صلى الله علیه وآله وسلم ووصفهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بدوره بأنّهم قرناء القرآن وسفينة النجاة وأمان لأهل الأرض وغيرها من الأوصاف، ونقتصر هنا على ذكر واقعة واحدة تثبت الولاية بعد الرسول الأكرم صلى الله علیه وآله وسلم الأول أوصياءه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام، ألا وهي واقعة الدار.
حديث الدار وآية الإنذار:
قال الله تعالى لرسوله صلى الله علیه وآله وسلم: «وَ أنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين»(1).
يعدّ هذا الدليل من الأدلّة النقلية الصحيحة المتواترة عند نقلة التأريخ والأثر؛ ومفاده أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوصى إلى عليّ في مبدأ الدعوة الإسلامية، حين أنزل الله سبحانه: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقرَبين»، ولم يزل بعد ذلك يكرّر وصيّته إليه، ويؤكّدها المرّة بعد المرّة، حتّى أنّه أراد أن يكتبها لأُمّته حينما قال صلی الله علیه وآله وسلم: (ائتوني بدواة وبياض أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً)، فتنازعوا وقالوا: هجر رسول الله، فقال لهم: (قوموا عنّي)(2)، فاكتفى صلی الله علیه وآله وسلم بعهوده اللفظية، ومنها ما جاء في حديث الدار في كتب التأريخ والحديث والتفسير السنيّة، نصّاً صريحاً يصدّق بعضه بعضاً ويشد بعضه أزر ،بعض كالقرآن الكريم يردّ متشابهه لمحكمه، فيفهمه من أراد فهمه ويبقى من في قلبه مرض يتخبّط في لجاجته وعناده.
حديث الدار في السيرة النبوية لابن كثير:
قال ابن كثير: قال الحافظ أبو بكر البيهقي في الدلائل: (أخبرنا) محمّد بن عبد الحافظ، حدّثنا أبو العبّاس محمد بن يعقوب، حدّثنا أحمد بن عبدالجبّار، حدّثنا يونس بن بكير، عن محمّد بن إسحاق، قال: فحدّثني من سمع عبد الله بن الحارث بن نوفل، واستكتمني اسمه، عن ابن عبّاس، عن عليّ بن أبي طالب، قال: لمّا نزلت هذه الآية على رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين»، «وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَن اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِين». قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: (عرفت أنّي إن بادأت بها قومي رأيت منهم ما أكره، فصمتّ، فجاءني جبريل علیه السلام فقال: يا محمّد إن لم تفعل ما أمَرَك به ربّك عذبك بالنار).
قال: فدعاني فقال: (يا عليّ إنّ الله قد أمرني أن أُنذر عشيرتي الأقربين فاصنع لنا يا علي شاة على صاع من طعام، وأعدّ لنا عُسّ لبن، ثمّ اجمع لي بني عبد المطّلب).
ففعلت، فاجتمعوا له يومئذ، وهم أربعون رجلاً، يزيدون رجلاً أو ينقصون، فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعبّاس، وأبو لهب الكافر الخبيث. فقدّمت إليهم تلك الجفنة، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منها حذية فشقّها بأسنانه، ثمّ رمى بها في نواحيها وقال: (كلوا بسم الله).
فأكل القوم حتّى نهلوا عنه، ما نرى إلّا آثار أصابعهم، والله إن كان الرجل ليأكل مثلها. ثمّ قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: (أسقهم يا علي). فجئت بذلك القعب، فشربوا منه حتّى نهلوا جميعاً، وأيم الله إن كان الرجل ليشرب مثله. فلمّا أراد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم أن يكلّمهم بدره أبو لهب لعنه الله فقال: لهد ما سحركم صاحبكم! فتفرقوا، ولم يكلّمهم رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم.
فلمّا كان من الغد قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم (عدّ لنا مثل الذي كنت صنعت لنا
بالأمس من الطعام والشراب؛ فإنّ هذا الرجل قد بدر إلى ما سمعت قبل أن أُكلّم القوم).
ففعلت، ثمّ جمعتهم له، وصنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما صنع بالأمس، فأكلوا حتّى نهلوا منه، وأيم الله إن كان الرجل ليأكل مثلها. ثمّ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أسقهم يا علي). فجئت بذلك القعب، فشربوا منه حتّى نهلوا جميعاً، وأيم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله. فلمّا أراد رسول الله أن يكلّمهم، بدره أبو لهب لعنه الله إلى الكلام فقال: لهد ما سحر كم صاحبكم فتفرقوا، ولم يكلّمهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فلمّا كان من الغد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا علي! عدّ لنا بمثل الذي كنت صنعت بالأمس من الطعام والشراب؛ فإنّ هذا الرجل قد بدرني إلى ما سمعت قبل أن أكلّم القوم).
ففعلت، ثمّ جمعتهم له، فصنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما صنع بالأمس، فأكلوا حتّى نهلوا عنه، ثمّ سقيتهم من ذلك القعب حتّى نهلوا، وأيم الله إن كان الرجل ليأكل مثلها، وليشرب مثلها. ثمّ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا بني عبد المطّلب إِنِّي والله ما أعلم شابّاً من العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة).
هكذا رواه البيهقي من طريق يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، عن شيخ أبهم اسمه، عن عبد الله بن الحارث به.
وقد رواه أبو جعفر بن جرير، عن محمّد بن حميد الرازي، عن سلمة بن الفضل الأبرش، عن محمّد بن إسحاق، عن عبد الغفّار أبو مريم بن القاسم، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عبّاس، عن علي، فذكر مثله.
وزاد بعد قوله: (وإنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة): (وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي وكذا وكذا...).
قال: فأحجم القوم عنها جميعاً، وقلت، ولأنّي لأحدثهم سنّاً، وأرمصهم عيناً، وأعظمهم بطناً، وأخمشهم ساقاً: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه.
فأخذ برقبتي فقال: (إنّ هذا أخي وكذا وكذا، فاسمعوا له وأطيعوا). قال: فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع(1).
حديث الدار في مسند أحمد:
وقد جاء في مسند احمد بن حنبل: حدّثنا عبد الله، ثنا أبي، ثنا أسود بن عامر، ثنا شريك، عن الأعمش، عن المنهال، عن عباد بن عبد الله الأسدي، عن عليّ رضی الله عنه، قال: لمّا نزلت هذه الآية: «وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين»، قال: (جمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أهل بيته فاجتمع ثلاثون، فأكلوا وشربوا. قال: فقال لهم: من يضمن عنّي ديني ومواعيدي، ويكون معي في الجنّة، ويكون خليفتي في أهلي، فقال رجل لم يسمّه شريك: يا رسول الله! أنت كنت بحراً من يقوم بهذا؟
قال: ثمّ قال الآخر:
قال: فعرض ذلك على أهل بيته فقال عليّ رضی الله عنه: أنا)(2).
حديث الدار في تاريخ الطبري:
وقد ذكر الطبري هذا الحديث في تاريخه فقال: (حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، قال: حدّثني محمّد بن إسحاق، عن عبد الغفّار بن القاسم، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبدالمطّلب، عن عبد الله بن عبّاس، عن عليّ بن أبي طالب، قال: لمّا نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين»، دعاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال لي: يا علي! إنّ الله أمرني أن أُنذر عشيرتي الأقربين، فضقت بذلك ذرعاً، وعرفت أنّي
متى أُباديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره، فصمتّ عليه، حتّى جاءني جبريل فقال: يا محمد! إنّك إلّا تفعل ما تؤمر به يعذّبك ربّك.
فاصنع لنا صاعاً من طعام، واجعل عليه رجل شاة، واملأ لنا عُسّاً من لبن، ثمّ اجمع لي بني عبد المطّلب حتّى أُكلّمهم وأُبلّغهم ما أُمرت به.
ففعلت ما أمرني به، ثمّ دعوتهم له، وهم يومئذٍ أربعون رجلاً، يزيدون رجلاً أو ينقصونه، فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعبّاس، وأبو لهب. فلمّا اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم، فجئت به، فلمّا وضعته تناول رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم حذية من اللحم فشقّها بأسنانه، ثمّ ألقاها في نواحي الصفحة، ثمّ قال: (خذوا بسم الله). فأكل القوم حتّى ما لهم بشيء حاجة، وما أرى إلّا موضع أيديهم، وأيم الله والذي نفس عليّ بيده، إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدّمت لجميعهم.
ثمّ قال: اسقِ القوم فجئتهم بذلك العُسّ، فشربوا منه حتّى رووا منه جميعاً، وأيم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله، فلمّا أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام، فقال: لهد ما سحركم صاحبكم! فتفرّق القوم، ولم يكلّمهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال الغد: يا علي! إنّ هذا الرجل سبقني إلى ما قد سمعت من القول، فتفرّق القوم قبل أنّ أُكلّمهم، فعدّ لنا من الطعام بمثل ما صنعت، ثمّ اجمعهم إليّ.
قال: ففعلت، ثمّ جمعتهم، ثمّ دعاني بالطعام، فقرّبته لهم، ففعل كما فعل بالأمس، فأكلوا حتّى ما لهم بشيء حاجة، ثمّ قال: اسقهم. فجئتهم بذلك العُسّ، فشربوا حتّى رووا منه جميعاً، ثمّ تكلّم رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فقال: يا بني عبدالمطّلب! إنّي والله ما أعلم شابّاً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا قد جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه، فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟
قال: فأحجم القوم عنها جميعاً، وقلت، وإنّي لأحدثهم سنّاً، وأرمصهم عيناً، وأعظمهم بطناً، وأحمشهم ساقاً: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه. فأخذ برقبتي، ثمّ قال: إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا.
قال: فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطیع.
حدّثني زكرياء بن يحيى الضرير، قال: حدّثنا عفّان بن مسلم، قال: حدّثنا أبو عوانة، عن عثمان بن المغيرة، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجد: أنّ رجلاً قال لعلي علیه السلام: يا أمير المؤمنين! بم ورثت ابن عمّك دون عمّك؟
فقال علي: هاؤم! ثلاث مرّات، حتّى اشرأبّ الناس، ونشروا آذانهم. ثمّ قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - أو دعا رسول الله - بني عبد المطّلب منهم رهطه، كلّهم يأكل الجذعة ويشرب الفرق، قال: فصنع لهم مُدّاً من طعام، فأكلوا حتّى شبعوا، وبقي الطعام كما هو كأنّه لم يمس. قال: ثمّ دعا بغُمَر فشربوا حتّى رووا، وبقي الشراب كأنّه لم يمس ولم يشربوا.
قال: ثمّ قال: يا بني عبد المطّلب! إنّي بعثت إليكم بخاصّة، وإلى الناس بعامّة، وقد رأيتم من هذا الأمر ما قد رأيتم، فأيّكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي و وارثي؟
فلم يقم إليه أحد، فقمت إليه، وكنت أصغر القوم، قال: فقال: اجلس، قال: ثمّ قال ثلاث مرّات، كل ذلك أقوم إليه، فيقول لي اجلس، حتّى كان في الثالثة، فضرب بيده على يدي.
قال: فبذلك ورثت ابن عمّي دون عمّي)(1).
1) تاريخ الطبري 2: 62 - 64
حديث الدار عند الزرندي الحنفي والمتقي الهندي:
وقد ذُكر هذا الحديث في نظم درر السمطين إذ قال المؤلّف: (... وفي رواية: فأيّكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووليي؟
قال: فلم يقم إليه أحد منهم، قال علي: فقمت إليه، وكنت أصغر القوم فقال: اجلس، ثمّ قال ذلك ثلاث مرّات، كلّ ذلك أقوم إليه فيقول لي: اجلس، حتّى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي.
وفي رواية لهم: من يؤاخيني ويؤازرني، يكون وليّي وصاحبي، ويقضي دیني؟
فسكت القوم، وأعاد ذلك ثلاثاً، كلّ ذلك يسكت القوم، ويقول علي: أنا، فضرب يده على يدي، فقال: أنت. فقام القوم وهم يقولون لأبي طالب: أطع ابنك فقد أُمّر عليك)(1).
وجاء في كنز العمّال ما نصه:
(.. ثمّ تكلّم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا بني عبد المطّلب! إنّي والله ما أعلم شابّاً في العرب جاء قومه بأفضل ما(2)جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيّكم يؤازرني على أمري هذا؟
فقلت، وأنا أحدثهم سنّاً وأرمصهم عيناً، وأعظمهم بطناً، وأحمشهم ساقاً: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه. فأخذ برقبتي فقال: إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا. فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع وتطيع لعليّ)(3).
ولنا ملاحظات نقف معها للتدبّر بشأن النصوص السابقة، ليترك القارىء المنصف مجالاً لفكره وعقله ابتغاء الرؤية المنصفة لرؤية الحقّ، والعزم على اتّباعه مهما كلّف ذلك من ثمن.
ملاحظات هامّة:
1 - عبارة ابن كثير: (أخي وكذا وكذا)، تدلّ على أنّ هناك كلاماً قد حُذف، فلا يمكن أن يقول الرسول صلی الله علیه وآله وسلم: (كذا وكذا) وهو في حال تبليغ رسالته السماوية، ثمّ إنّه قد وردت نصوص ذكرناها تبيّن ما هي العبارة التي قال عنها: (كذا وكذا).
2 - عبارة مسند أحمد هي: (ويكون خليفتي)، وهذا لفظ صريح في الخلافة.
3 - عبارة تاريخ الطبري وكنز العمال صرّحت بالخلافة والوصيّة. فلم يعد هناك أيّ غموض إلّا لمن تعامى عن ضوء الشمس فلم يرها رغم شدّة شعاعها، فليفتح عينيه كلّ من هو منصف حقاً وليس متعصباً؛ لأنّه إن تعصب فهو على الله ورسوله، وحسابه سيكون عسيراً، فليتّقِ الله، ولا يُزَكِّ إِلَّا من زكّاه الله تعالى ورسوله صلی الله علیه وآله وسلم.
4 - نص ما جاء في نظم درر السمطين: (أن يكون أخي وصاحبي ووليّي)، ولفظ «وليّي» هنا يفسّره حديث الغدير وغيره.
5 - الأمر الصريح بالطاعة المطلقة: (إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم فاسمعواله وأطيعوا).
6 - استدلال الأمير علیه السلام بهذا الحديث.
ويبقى الباحث في حيرة، هل أنهم لم يفهموا لفظ (خليفتي فيكم، فاسمعواله وأطيعوا)؟!
فمن لم يفهم فليقرأ اللغة العربية علّه يتعلّمها، أو يغسل لبّه أربعين يوماً بالذكر والاستغفار والدعاء، عندها ستنكشف الغشاوة عن بصيرته فيبصر ما لم يبصره من قبل.
ألا يخاف الراوي عندما يقول: (فلان)، وهو يعرف من هو أن يكون كاتماً للحقّ ومائلاً للهوى؟!
ثمّ ألا يدري أنّه سيذكره غيره؟!
كذلك عبارة (كذا وكذا)؛ هل الراوي يعرف النصّ ويكتمه؟ ألا يعرف جريمة كاتم الحقّ؟!
بل وصل الحد بهم إلى أنّ بعضهم ذكره في أحد كتبه، ثمّ كتمه في آخر، وذكره آخر في طبعة وحذفه من أُخرى!!
مثل: الطبري الذي يروي هذا الحديث في تاريخه وفيه عبارة: (الوصي والخليفة) لكنّه حذفها في تفسيره وأبدلها بعبارة: (يكون أخي وكذا وكذا)(1).
وربما كان هذا من النسّاخ للتفسير أو كان من الطبّاعين، والله العالم.
المهم أنّ هذا الأُسلوب لا يصحّ شرعاً.
ومثل: كتاب حياة محمّد صلی الله علیه وآله وسلم لمحمّد حسنين هيكل؛ إذ أورد فيه قصّة الإنذار بالتفصيل، وقال: قال صلی الله علیه وآله وسلم لهم: (... فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر، وأن يكون أخي ووصيّي وخليفتي)(2)، ولكنّ جملة: (ويكون أخي ووصيّي وخليفتي) حذفت في الطبعات التالية.
وهذا أيضاً يعد تصرفاً شنيعاً في النص، فكلّ زيادة أو نقصان في النص يعدّ
تصرّفاً، فليحكم القارىء العزيز بعقله وضميره وتفكيره بما شاء، والله من وراء ذلك كلّه.
حل التساؤلات في المذهب الشيعي:
إنَّ «فاطمة» واحدة من الذين استمعوا لنداء العقل حين التفكّر في مسألة ل الله الخلافة بعد الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم، ولم تجد لتساؤلاتها حلاً إلّا فيما يعتقده أتباع مذهب أهل البيت علیهم السلام من وصاية النبي صلی الله علیه وآله وسلم للإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام في أمر الإمامة والخلافة من بعده.
ولدت في الفلبّين في أُسرة مسيحية، ودرست حتى حصلت على الليسانس في مجال الطب.
بعد البحث والتحقيق في مجال الديانات السماوية اعتنقت «فاطمة» الدين الإسلامي(1)، صاحب الإيدولوجيا التي أثبتت أنَّ العدل ليس مجرّد مفهوم، بل يمكن تطبيقه على أرض الواقع، وذلك منِ خلالِ سيرة الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم وأمير المؤمنين علیه السلام، مقارنةً بالمدارسِ الأُخرى التي لا يوجد فيها نظرية واضحة عن هذا الموضوع.
فالعدلُ: هو مناعة نفسية، تردع صاحبها عن الظلم، وتحفِّزُه على العدل، وأداءِ الحقوقِ والواجباتِ. وهو سيّد الفضائل، ورمز المفاخرِ، وقوامُ المجتمعِ المتحضّر، وسبيلُ السعادةِ والسلامِ.
وقد مجّده الإسلام، وعنى بتركيزه والتشجيع عليه في القرآن:
1 - قال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ
1) للمستبصرة ملف في المركز ولها تواصل معه
الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ»(1).
ابتدأ سبحانه بهذه الأحكام الثلاثة، التي هي بالترتيب أهمّ ما يقوم به صلب المجتمع الإنساني؛ إذ أنّ صلاح المجتمع العام أهمّ ما يبتغيه الإسلام في تعاليمه المصلِحة، فإنّ أهمّ الأشياء عند الإنسان في نظر الطبيعة هو نفسه الفردية، لكن سعادة الشخص مبنية على صلاح الظرف الاجتماعي الذي يعيش هو فيه، وما أصعب أن يفلح فرد في مجتمع فاسد أحاط به الشقاء من كل جانب. ولذلك اهتمّ الإسلام باصلاح المجتمع اهتماماً لا يعادله فيه غيره، وبذل الجهد البالغ في جعل الأحكام والتعاليم الدينية، حتى العبادات، من الصلاة والحج والصوم، اجتماعية ما أمكن فيها ذلك؛ كلّ ذلك ليستصلح الإنسان في نفسه ومن جهة ظرف حياته.
2 - قال تعالى: «وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى»(2).
ذكرُ ذي القربى وهو الذي تدعو عاطفة القرابة والرحم إلى حفظ جانبه وصيانته من وقوع الشر والضرر في نفسه وماله، يدلّ على أنّ المراد بالقول هو القول الذي يمكن أن يترتّب عليه انتفاع غير ذي القربي أو تضرّره، كما أنّ ذكر العدل في القول يؤيّد ذلك، ويدلّ على أنّ هناك ظلماً، وأنّ القول متعلّق ببعض الحقوق، كالشهادة والقضاء والفتوى، ونحو ذلك...
فالمعنى: وراقبوا أقوالكم التي فيها نفع أو ضرر للناس واعدلوا فيها، ولا تحملنّكم رحمة أو رأفة أو أي عاطفة على أن تراعوا جانب أحد فتحرفوا الكلام و تجاوزوا الحق، فتشهدوا أو تقضوا بما فيه رعاية لجانب من تحبّوه، وإبطال حقّ من تكرهوه.
3 - قال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا»(1).
فإنّه أمر الناس بتأدية الأمانات إلى أهلها، وبالعدل في الحكم، وردّ الأمانة ء المالية إلى صاحبها، وعدل القاضي وهو الحكم في مورد القضاء الشرعي، وذلك أنّ التشريع المطلق لا يتقيّد بما تتقيّد به موضوعات الأحكام الفرعية في الفقه، بل القرآن مثلا يبيّن وجوب ردّ الأمانة على الإطلاق، ووجوب العدل في الحكم على الإطلاق، فما كان من ذلك راجعاً إلى الفقه من الأمانة المالية والقضاء في المرافعات فمرجعه فيه الفقه، وما كان غير ذلك استفيد منه في أصول المعارف وهكذا.
«العدل» في السُنّة:
أكّدت الأحاديث الشريفة عن النبيّ الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم وأهل بيته علیهم السلام على موضوع العدل في مجموعة من الروايات:
1 - صحيحة معاوية بن وهب: عن أبي عبد الله علیه السلام، قال: «من يضمن لي أربعة بأربعة أبيات في الجنّة؟(2)أنفق ولا تخف فقراً، وأفشِ السلام في العالم، واترك المراء وإن كنت محقّاً، وأنصف الناس من نفسك»(3).
الأبيات جمع: البيت، وهو المسكن، ك «البيوت»، والضمان: الالتزام؛ يقال: ضمنت المال، وبه ضماناً، فأنا ضامن وضمين: التزمته، ويتعدّى بالتضعيف؛ يقال: ضمّنته المال تضميناً، أي: ألزمته إياه..
والمعنى: من يلتزم لي أربعة من الأعمال التزمت له أربعة بيوت في الجنّة،
ثم أشار إلى الأعمال الأربعة على سبيل الاستئناف.
قوله: (وأنصف الناس من نفسك) وهو التزام العدل في المخالطة والمعاملة حتى يحكم بنفسه على نفسه، وهو من أخصّ الصفات العدلية والفضائل البشرية، وبه يتم نظام العالم ويرتفع الجور في بني آدم.
2 - صحيحة أبي أُسامة: قال: قال أبو عبد الله علیه السلام: «ما ابتلي المؤمن بشيء أشدّ عليه من خصال ثلاث يُحرَمَها، قيل: وما هنّ؟ قال: المؤاساة في ذات يده، والإنصاف من نفسه، وذكر الله كثيراً، أما إنّي لا أقول: سبحان الله والحمد لله، [ولا إله إلا الله]، ولكن: ذَكَر الله عند ما أحلّ له، وذَكَر الله عند ما حرّم عليه»(1).
قوله: (ما ابتلي المؤمن بشيء أشدّ عليه من خصال ثلاث يحرمها): أي: يمتنع منها، ويتركها ولا يتَّصف بشي منها، تقول: حَرَمته حراماً من باب شرف وعلم، إذا امتنعت من فعله، وفيه ترغيب للمؤمن في الاتّصاف بها.
قوله: (ولكن ذكر الله عند ما أحلّ له، وذكر الله عند ما حرّم عليه): حثّ على ذكره تعالى في جميع الأحوال؛ لأنّ القلب يميل مرّة إلى الحقّ ومرّة إلى الباطل، تارة إلى الخير وتارة إلى الشرّ، والجوارح تابعة له في جميع ذلك، فلابُدّ للمؤمن من أن يكون ذاكراً الله تعالى في جميع حركاته وسكناته، وتقلّب قلبه ونظراته، وناظراً إلى جميع أعماله القلبية والبدنية؛ فإن كان خيراً أمسكه بحبل التذكّر والإيقان، ومال إليه بنور القوّة والإيمان، وإن كان شرّاً يدعه من خوف العقوبة والخذلان، كما روي: «إذا عرض لك أمر فتدبّر عاقبته؛ فإن كان خيراً فامضه، وإن كان شرّاً فانتهِ»(2).
3 - صحيحة معاوية بن وهب: عن أبي عبد الله علیه السلام، قال: «العدل أحلى من
الشهد، وألين من الزبد وأطيب ريحاً من المسك»(1).
رغّب في العدل التابع للاعتدال في القوى الإنسانية بتشبيهه أوّلاً بالشهد، وهو: العسل، في الحلاوة وميل ،الطبع، وثانياً بالزبد في اللين، والزبد ما يستخرج بالمخض من لبن البقر والغنم، وثالثاً بالمسك في الريح المرغوب فيه، وهذه المعاني وإن كانت في المشبّه عقلية خفية عند الجاهلين، لكنها كحسّية جليّة عند العارفين.
4 - صحيحة محمّد بن قيس: عن أبي جعفر علیه السلام، قال: «إنّ الله جنّة لا يدخلها إلا ثلاثة، أحدهم من حكم في نفسه بالحقّ»(2).
5 - صحيحة الحلبي: عن أبي عبد الله علیه السلام، قال: «العدل أحلى من الماء يصيبه الظمآن، ما أوسع العدل إذا عدل فيه وإن قلّ»(3).
أنواع العدل:
وقد جعل الإسلام للعدل صور مشرقة تشعّ بالجمال والجلال، وإليك أهمّها:
1 - عدل الإنسان مع الله عزّ وجلّ -:
وهو أزهى صور العدل، وأسمى مفاهيمه، وعنوان مصاديقه، وكيف يستطيع الإنسان أن يؤدّي واجب العدل للمنعم الأعظم، الذي لا تُحصى نعماؤه، ولا تُعدّ آلاؤه؟!
وإذا كان عدل المكافأة يُقدّر بمعيار النعم، وشرف المنعم، فمن المستحيل تحقيق العدل نحو واجب الوجود، والغنيّ المطلق عن سائر الخلق، إلا بما يستطيعه قصور الإنسان، وتوفيق المولى - عزّ وجلّ - له. وجماع العدل مع الله تعالى
يتلخّص في: الإيمان به، وتوحيده، والإخلاص له، وتصدیق سفرائه و حججه على العباد، والاستجابة لمقتضيات ذلك من التولّه بحبّه والتشرّف بعبادته، والدأب على طاعته، ومجافاة عصيانه.
2 - عدل الإنسان مع المجتمع:
وذلك برعاية حقوق أفراده، وكفّ الأذى والإساءة عنهم، وسياستهم بكرم الأخلاق، وحسن المداراة، وحب الخير لهم، والعطف على بؤسائهم ومعوزيهم، ونحو ذلك من محقّقات العدل الاجتماعي.
وقد رسم أمير المؤمنين علیه السلام منهاج العدل الاجتماعي بإيجاز وبلاغة؛ فقال لابنه: «يَا بُنَيَّ اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَانَا فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ غَيْرِكَ؛ فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ وَاكْرَهُ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا، وَلا تَظْلِمُ كَمَا لا تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ، وَأَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ، وَاسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُ مِنْ غَيْرِكَ، وَارْضَ مِنَ النَّاسِ بِمَا تَرْضَاهُ لَهُمْ مِنْ نَفْسِكَ، وَلَا تقُل مَا لا تَعْلَمُ، وَإِنْ قَلَّ مَا تَعْلَمُ، وَلا تَقُلْ مَا لا تُحِبُّ أَنْ يُقَالَ لَك»(1).
هذه قاعدة تربوية يجب أن يضعها كلّ إنسان في لوحة مكتوبة بماء الذهب ويبقى يديم النظر إليها ويكرّرها في كل يوم حتى يتعمّق مدلولها في داخله، وينطلق منها في سلوكه وعمله.
إنّ علاقة الإنسان بأخيه الإنسان يشوبها كثير من الاضطراب، وتتعرّض في أكثر الأحيان إلى هزّات عنيفة قد تأتي على صلات القربي فتفصلها، وعلى روابط المحبّة فتفكّك عراها، وهكذا يتحوّل الأحباب إلى أعداء والأقرباء إلى بُعداء، ويُفسد حبل الودّ والوئام.
إن كثيراً من المشاكل والأحداث تكون نتيجةً لعدم إنصاف الناس،
1) نهج البلاغة 3: 46، الوصية: 31
وتجاوزهم عمّا رُسم لهم؛ إذ يطلبون من غيرهم ما لا يؤدّونه إليهم. إنّ عدم الإنصاف في القول وفي العلم يثير الغبار بين الإخوة فيحجب الرؤى الصحيحة السليمة التي يجب أن يكون عليها كلّ إنسان اتّجاه الآخرين.
إنّك تطلب من الناس أن يحترموك ويقدّروك، ويقدّموا لك فروض الولاء والطاعة، ولكنّك لا تكلّف نفسك أن تعاملهم بالمثل، إنّك تصرخ في وجوههم لأدنى بادرة سيّئة منهم أو خطأ، ولكن تفرض عليهم أن يتقبّلوا منك كلّ خطأ، بل كلّ معصية، إنّك لا تتبرّع بقضاء حوائجهم بل لا تحاول قضاءها إذا طلبوها منك، غير أنّك تفرض عليهم أن يتبرّعوا بقضاء حوائجك دون طلب منك أو استدعاء.
إذا طلب أحد منك عارية أو ديناً، منعت وبخلت، ولكن لو أنت طلبت ذلك وجب عليهم أن يلبّوا طلبك بسرعة ودون إبطاء.
وهكذا دواليك.. إنّك كما يقال: ترى القِشّة في عين غيرك، وتنسى الجذع في عينك.
ومن هذا المنطلق السيّء من كونك تطلب من الناس أكثر مما تؤدّي إليهم، وتريد أن تأخذ منهم أكثر ممّا تعطيهم، تنشأ المشاكل وتمتلئ القلوب بالأحقاد.
إنّك لم تنصفهم من نفسك، ولم تحبّ لهم ما تحبّ لنفسك، ولم ترضَ لهم بما ترضى لها، فاعرض الأمر على نفسك قبل أن تعرضه على الآخرين، فإن قَبِلَتْه فاعرضه على الآخرين، وإلا فارفض عرضه عليهم كما رفضته لنفسك... اكره لهم ما تكرهه لنفسك، وأحسن إليهم كما تحبّ أن يُحسنوا إليك.
وهكذا سائر الأفراد تندرج تحت قاعدة واحدة أصلية، وهي: أن يجعل نفسه ميزاناً يوزن به الأُمور كلّها. فكلّ ما ترتضيه نفسه وتقبله يجوز له أن يعرضه على الآخرين ويقبله لهم؛ فإذا أحبّ الظلم لنفسه - وهو لا يحبّه قطعاً - فليظلم
غيره، وإذا كان يستقبح من نفسه أمراً فليستقبحه من الآخرين، وإذا كان يرتضيه لنفسه فلير تضيه للآخرين.
إنّها قاعدة توفّر على الناس كثيراً من المشقّات والأتعاب، وتجعلهم يعيشون الدِعَة والهدوء والحبّ والإخلاص.
3 - عدل الحكّام:
وحيث كان الحكّام ساسة الرعية، وولاة أمر الأمّة، فهم أجدر الناس بالعدل، وأولاهم بالتحلّي به، وكان عدلهم أسمى مفاهيم العدل، وأروعها مجالاً وبهاءً، وأبلغها أثراً في حياة الناس. بعدلهم يستتب الأمن، ويسود السلام، ويشيع الرخاء، وتسعد الرعية. وبجورهم تنتكس تلك الفضائل والأماني إلى نقائضها، وتغدو الأُمّة آنذاك في قلق وحيرة وضنك وشقاء.
محاسن العدل:
فُطرت النفوس السليمة على حب العدل وتعشّقه، وبغض الظلم واستنكاره، وقد أجمع البشر عبر تاريخ البشرية، واختلاف الشرائع والمبادئ، على تمجيد العدل وتقديسه، والتغنّي بفضائله ومآثره، والتفاني في سبيله؛ فهو سرّ حياة الأُمم، ورمز فضائلها، وقوام مجدها وسعادتها، وضمان أمنها ورخائها، وأجلّ أهدافها وأمانيها في الحياة.
وما دالت الدول الكبرى وتلاشت الحضارات العتيدة، إلا بضياع العدل والاستهانة بمبدئه الأصيل.
وقد كان أهل البيت علیهم السلام المثل الأعلى للعدل، وكانت أقوالهم وأفعالهم دروساً خالدة تنير للإنسانية مناهج العدل والحقّ والرشاد.
نماذج من عدل النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم:
1 - قال سوادة بن قيس للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في أيام مرضه: يا رسول الله! إنّك لمّا أقبلت من الطائف استقبلتُك وأنت على ناقتك العضباء، وبيدك القضيب الممشوق، فرفعت القضيب وأنت تريد الراحلة، فأصاب بطنى.
فأمره النبيّ أن يقتص منه، فقال: اكشف لي عن بطنك يا رسول الله. فكشف عن بطنه، فقال سوادة: أتأذن لي أن أضع فمي على بطنك. فأذن له، فقال: أعوذ بموضع القصاص من رسول الله من النار يوم النار.
فقال صلی الله علیه وآله وسلم: يا سوادة بن قيس أتعفو أم تقتص؟
فقال: بل أعفو يا رسول الله.
فقال: اللّهم أعف عن سوادة بن قيس كما عفا عن نبيّك محمّد(1).
2 - عن أبي سعيد الخدري، قال: جاء أعرابي إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يتقاضاه ديناً كان عليه. فاشتدّ عليه، حتى قال له: أحرج عليك إلا قضيتني.
فانتهره أصحابه، وقالوا: ويحك! تدري من تكلم؟
قال: إنّي أطلب حقّي.
فقال النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم: «هلّا مع صاحب الحقّ كنتم؟».
ثمّ أرسل إلى خولة بنت قيس، فقال لها: «إن كان عندك تمر فاقرضينا حتى يأتينا تمرنا فنقضيك».
فقالت: نعم. بأبي أنت يا رسول الله.
قال: فأقرضته. فقضى الأعرابي وأطعمه، فقال: أوفيت، أوفى الله لك؟ فقال: «أوُلئك خيار الناس، إنّه لا قدّست أُمّة لا يأخذ الضعيف فيها حقّه غير متعتع»(2).
وهكذا كان أمير المؤمنين عليّ علیه السلام؛ ففي صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله علیه السلام، قال: لمّا وُلّي عليّ علیه السلام صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: إنّي والله لا أرزؤكم من فيئكم درهماً ما قام لي عذق بيثرب، فليصدقكم أنفسكم؛ أفتروني مانعاً نفسي ومعطيكم؟ قال: فقام إليه عقيل فقال له: والله لتجعلني وأسود بالمدينة سواءً، فقال: اجلس، أما كان هاهنا أحد يتكلّم غيرك، وما فضلك عليه إلّا بسابقة أو بتقوى(1)؟!
وعن حميد بن هلال: إنّ عقيل بن أبي طالب سأل عليّاً، فقال: يا أمير المؤمنين! إنّي محتاج، وإنّي فقير، فأعطني.
قال: اصبر حتى يخرج عطائي مع المسلمين، فأُعطيكم معهم.
فألحّ عليه، فقال لرجل: خذ بيده، فانطلق به إلى حوانيت أهل السوق، فقل: دقّ هذه الأقفال وخذ ما في هذه الحوانيت.
قال: يريد عليّ أن يتّخذني سارقاً؟!
فخرج إليه، فقال: يا أمير المؤمنين! أردت أن تتّخذني سارقاً؟
قال: أنت والله أردت أن تتّخذني سارقاً: أن آخذ أموال الناس فأُعطيكها دونهم(2).
ومن كلام له علیه السلام لمّا عوتب على التسوية في العطاء: «أَتَأْمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ - فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ؟! وَاللَّهِ مَا أَطُورُ بِهِ مَا سَمَرَ سَمِيرٌ، وَمَا أَمَّ نَجْمُ فِي السَّمَاءِ نَجْماً، وَلَوْ كَانَ الْمَالُ لِي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ؛ فَكَيْفَ وَإِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللَّهِ؟! أَلَا وَإِنَّ إِعْطَاءَ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقٍّهِ تَبْذِيرٌ وَإِسْرَافُ، وَهُوَ يَرْفَعُ صَاحِبَهُ فِي الدُّنْيَا وَيَضَعُهُ فِي الآخِرَةِ، وَيُكْرِمُهُ فِي النَّاسِ وَيُهِينُهُ عِنْدَ اللهِ، وَلَمْ يَضَعَ امْرُؤٌ مَالَهُ فِي غَيْرِ حَقٌّهِ وَلا عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ إِلَّا حَرَمَهُ اللهُ
شُكْرَهُمْ، وَكَانَ لِغَيْرِهِ رُدُّهُمْ، فَإِنْ زَلَّتْ بِهِ النَّعْلُ يَوْماً فَاحْتَاجَ إِلَى مَعُونَتِهِمْ فَشَرُّ خَدِينٍ وَأَلَأَمُ خليل»(1).
ومن خطبة له علیه السلام عند خروجه لقتال أهل البصرة: قال عبد الله بن العبّاس: دخلت على أمير المؤمنين علیه السلام بذي قار وهو يخصف(2)نعله، فقال لي: ما قيمة هذا النعل؟ فقلت: لا قيمة لها، فقال علیه السلام: «والله لهي أحبّ إليَّ من إمرتكم إلا أن أُقيم حقّاً أو أدفع باطلاً»(3).
مفهوم «العدل» والاستبصار:
بعد أن اتّضحت ل «فاطمة» حقيقة الدين الإسلامي، المدرسة التي تمثّل أعلى درجات العدل في جميع المدارس الفكرية، قامت باعتناقه، واختارت مذهب أهل البيت علیهم السلام، ولا غرو فإنّ عليّاً علیه السلام يمثّل صوت العدالة الإنسانية(4).
ولد في الفلبّين، حاصل على شهادة الليسانس في فرع الميكانيك، نشأ في عائلة تتبع الدين المسيحي، فحاول أن يعمّق علاقته بدينه عن طريق دراسته والبحث فيه إلّا أنّه توصّل إلى أنّ الدين المسيحي السائد ليس هو الدين الذي جاء به عيسى علیه السلام، وإنّما هو دين تلاعبت به أيدي التحريف والتغيير، فاستغرب من النتائج التي توصّل لها، ثم انطلق من حبّ الاستطلاع وتوجّه إلى دراسة الدين الإسلامي.
ومن الواضح أنّ من يراجع دائرة المعارف ويقرأ التسلسل التاريخي للديانة المسيحية يجد بين فترة وأُخرى أنّ القساوسة والأحبار فسّروا الدين المسيحي بما يتلاءم مع أهوائهم ومصالحهم، فالديانة المسيحية التي كانت تجذب الناس إلى نفسها بقوّة أدلّتها ومتانة براهينها انقلبت بعد القرن الثالث إلى طقوس وتقاليد ما أنزل الله بها من سلطان، وأصبحت لا تتلائم مع الفطرة، بحيث اضطرّ رجالها إلى حفظ وجودهم عن طريق إعمال القوّة والسلطة، حتى آل الأمر بالناس إلى رفضها بتاتاً، وعزلها عن الحياة.
التوحيد في الإسلام:
من أهمّ الإشكالات الواردة على المسيحية، والتي تقرّب الباحثين للإسلام خرافة التثليث: الأب والابن وروح القدس، وقد نسفت هذه النظرية من قبل العديد من العلماء بالبراهين العقلية؛ إذ أثبتوا التوحيد لله سبحانه وتعالى، فلم يُرد الإسلام أن يؤمن المسلم بالله فحسب، وإنّما جوهر هذا الإيمان وحدانية الله وتنزيهه عن الشريك؛ فإنّ لا إله إلا الله نفي لكلّ إله في الكون ما عدا الله.
وقد قامت البراهين العقلية والنقلية على الإيمان بالله الواحد الأحد، نذكر منها:
الأوّل: إنّهما لو كانا اثنين وأراد أحدهما تحريك مثلاً، وأراد الآخر جسم أن يسكن؛ فإن وقع المرادان اجتمع النقيضان وإن لم يقع شيء منهما ارتفع النقيضان، وإن وقع أحدهما دون الآخر لزم الترجيح من غير مرجّح والكلّ محال.
الثاني: إنّنا نرى وحدة النظام الكوني والتوافق التام بين جميع أجزائه، من صغيرها إلى كبيرها، من قمرها وشمسها وبحارها وأنهارها إلى كلّ ذرّة في الكون. وهذا النظام والتنسيق والترتيب لم يحصل ولن يحصل لو كان هناك إلهان، بل يؤدّي وجودهما إلى فساد السماوات والأرض؛ إذ كلّ واحد يستقلّ برأيه وينفرد بصنعه، وهذا يؤدّي إلى الفساد والضلال.
فمن وحدة النظام وتناسقه نستدلّ على وحدة الصانع، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله: «لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ»(1)
فهذا تقرير حجّة الآية وهي حجّة برهانية مؤلّفة من مقدّمات يقينية تدلّ
1) الأنبياء (21): 22
على أنّ التدبير العام الجاري بما يشتمل عليه ويتألّف منه من التدابير الخاصّة صادر عن مبدءٍ واحدٍ غير مختلف.
وهو تنزيهه تعالى عن وصفهم: أنّ معه آلهة، هم ينشرون، أو أنّ هناك آلهة، من دونه يملكون التدبير في مُلكه؛ فالعرش كناية عن: المُلك، وقوله: «عمّا يصفون»: «ما» فيه مصدرية؛ والمعنى: عن وصفهم(1).
وفي صحيحة هشام بن الحكم، قال: قلت لأبي عبد الله علیه السلام: ما الدليل على عالم أنّ الله واحد؟
قال: اتّصال التدبير، وتمام الصنع، كما قال عزّ وجلّ: «لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا»(2).
الثالث: إجماع الأنبياء؛ فإنّه لم يأت نبيّ من الأنبياء يدّعي أنّه من عند غير الله الواحد الأحد، وهذا ما أشار إليه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام بقوله: (وَأَعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِرَبِّكَ شَرِيكَ لَأَتَتْكَ رُسُلُهُ، وَلَرَأَيْتَ آثَارَ مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَلَعَرَفْتَ أَفْعَالَهُ وصِفَاتِهِ، وَلَكِنَّهُ إِله واحدٌ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ، لَا يُضَادُّهُ فِي مُلْكِهِ أَحَدٌ، وَلَا يَزُولُ أَبَداً، وَلَمْ يَزَلْ، أَوَّلُ قَبْلَ الْأَشْيَاءِ بِلا أَوَّلِيَّةٍ، وَآخِرٌ بَعْدَ الْأَشْيَاءِ بِلا نِهَايَةٍ، عَظُمَ عَنْ أَنْ تَثْبُتَ رُبُوبِيَّتُهُ بَاحَاطَةِ قَلْبٍ أَوْ بَصَرٍ)(3).
وأشار الإمام هنا إلى مجموعة أدلّة:
1 - إنّ جميع الأنبياء والمرسلين دعوا إلى إلهٍ واحدٍ لا ضدّ له ولا ندّ.
2 - إنّ الآثار كلّها تدلّ على أنّ المؤثّر واحد، وهي أو منها هذه القوانين الطبيعة الدقيقة التي تحكم أجزاء الطبيعة وظواهرها، وتجمعها في مجموعة واحدة
شاملة تدلّ على وحدة التدبير والمدبّر الواحد.
3 - إنّه تعالى وصف نفسه في العديد من الآيات، ثم في سورة خاصّة وهي سورة الإخلاص، بأنّه واحدٌ أحدٌ لا شريك له، ولاندّ، ولا شبيه.
وذكر الملاصدرا في شرح «أُصول الكافي» لهذه السورة عشرين اسماً، وقال: إنّ لها خاصّة وامتيازاً على سائر آيات التوحيد، وممّا قاله في تفسيرها: إنّ كلمة «الله» تدلّ بذاتها على الأحدية بلا حاجة إلى أيّة قرينة، وإنّما جيء بكلمة «الأحد» لمجرّد التوضيح بأنّ الله واحد من كلّ وجه، وأنه منزه عن الحدوث والمادّة والكيفيات والافتقار إلى الغير، وأنّه قادر وعالم، وأبديّ أزليّ، والمبدىء الأوّل لكلّ موجود، وبكلمة: إنّ الأحدية منبع الكمال التام من شتّى الوجوه(1)..
الرابع: لو كان الله شريك لزم التركيب في ذات الله، وانتفى وجوب وجوده، بل أضحى ممكناً، وهذا غير الله الذي نعتقد بوجوب وجوده؛ وذلك أنّهما يشتركان في كونهما واجبي الوجود كما يشترك الإنسان مع غيره في الحيوانية، فلابُدّ من مائزٍ يميّز بين المشتركَين، كما يميّز الصاهلُ الفرسَ عن الإنسان، وإلا لَما حصلت الاثنينية.
ws ومتى ثبت المائز حصل التركيب؛ لاشتراكهما في جنس وافتراقهما في فصل، والمركّب من الجنس والفصل ممكن فيكون الواجب ممكناً، وهذا خلف.
وأما القرآن الكريم فهو مشحون بالأدلة الدالّة على وحدانية الله وأنّه لا شريك له:
1 - قال تعالى: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوا أحَدٌ»(2).
2 - قال تعالى: «قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا»(1).
3 - قال تعالى: «وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَ تَعْبُدُواْ إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً»(2).
4 - قال الله تعالى: «ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا»(3).
فالله سبحانه واحد في ذاته، واحد في صفاته، لا يشبهه شيء من خلقه، وقد نطق القرآن بكفر من اتخذ التثليث عقيدة له؛ قال تعالى: «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَه إِلا إِلَهُ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»(4).
وقوله عزّ وجلّ: «ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ» أي أحد الثلاثة: الأب والابن والروح، فهو ينطبق على كلّ واحد من الثلاثة، وهذا لازم قولهم: إن الأب إله، والابن إله، والروح إله، وهو ثلاثة، وهو واحد.
يضاهؤون بذلك نظير قولنا: إنّ زيد بن عمر و إنسان؛ فهناك أُمور ثلاثة، هي: زيد، وابن عمرو، والإنسان، وهناك أمر واحد، وهو المنعوت بهذه النعوت، وقد غفلوا عن أنّ هذه الكثرة إن كانت حقيقية غير اعتبارية أوجبت الكثرة في المنعوت حقيقة، وأنّ المنعوت إن كان واحداً حقيقةً أوجب ذلك أن تكون الكثرة اعتبارية غير حقيقية؛ فالجمع بين هذه الكثرة العددية والوحدة العددية في زيد المنعوت بحسب الحقيقة ممّا يستنكف العقل عن تعقّله.
ولذا ربّما ذكر بعض الدُعاة من النصارى أن مسألة التثليث من المسائل المأثورة من مذاهب الأسلاف التي لا تقبل الحلّ بحسب الموازين العلمية، ولم يتنبّه أنّ عليه أن يطالب بالدليل على كلّ ادّعاء يقرع سمعه، سواء كان من دعاوى الأسلاف أو من دعاوى الأخلاف.
وقوله تعالى: «وَمَا مِنْ إِلَه إِلا إِلَهُ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ ليَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» ردّ منه تعالى لقولهم: «إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ» بأنّ الله سبحانه لا يقبل بذاته المتعالية الكثرة بوجه من الوجوه، فهو تعالى في ذاته واحد، وإذا اتّصف بصفاته الكريمة وأسمائه الحسنى لم يزد ذلك على ذاته الواحدة شيئاً، ولا الصفة إذا أُضيفت إلى الصفة أورث ذلك كثرة وتعدّداً، فهو تعالى أحدّي الذات لا ينقسم، لا في خارج ولا في وهم ولا في عقل.
فليس الله سبحانه بحيث يتجزّءُ في ذاته إلى شيء وشيء قط، ولا أنّ ذاته بحيث يجوز أن يضاف إليه شيء فيصير اثنين أو أكثر. كيف، وهو تعالى مع هذا الشيء الذي تراد إضافته إليه تعالى في وهم أو فرض أو خارج؟!
وفي قوله تعالى: «وَمَا مِنْ إِلَه إِلا إِلَهُ وَاحِدٌ» من التأكيد في إثبات التوحيد ما ليس في غيره؛ إذ سيق الكلام بنحو النفي والاستثناء، ثم أدخل «من» على النفي لإفادة تأكيد الاستغراق، ثم جيء بالمستثنى وهو قوله: «إله واحد» بالتنكير المفيد للتنويع، ولو أُورد معرفة كقولنا «إلّا الإله الواحد» لم يفد ما يرام من حقيقة التوحيد.
فالمعنى: ليس في الوجود شيء من جنس الإله أصلاً إلّا إله واحد، نوعاً من الوحدة لا يقبل التعدد أصلاً، لا تعدّد الذات ولا تعدّد الصفات، لا خارجاً ولا فرضاً ولو قيل: وَمَا مِنْ إِلَه الا الله لواحد، لم يدفع به قول النصارى «إنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ»؛ فإنّهم لا ينكرون الوحدة فيه تعالى، وإنّما يقولون: إنّه ذات واحدة لها تعيّن
بصفاتها الثلاث. وهي واحدة في عين أنّها كثيرة حقيقةً(1).
ومن هذا البيان العقلي والقرآني يتوجّه الحديث إلى النصارى الذين يقولون بالأقانيم الثلاثة: (الأب والابن وروح القدس)، ويقولون: إنّ الثلاثة يصبحون واحداً والواحد ثلاثة.
إنّه المسخ للعقول والقلوب والضرب عليها بالعمى والضلال؛ كيف يصبح الثلاثة واحداً والواحد ثلاثة؟! وما دور كلّ واحد منهم في تدبير العالم؟! إنّها سخافات وثنية دخلت النصرانية.
وأين هذه الضلالة من الفطرة الإنسانية التي تصرخ بوحدانية الله الذاتية والصفتية؟! وما هذا التهافت البيّن بين الثلاثة والواحد؟! وكيف تقبلها عقول العقلاء منهم؟! بل كيف يسكتون على هذا الإسفاف والهبوط إلى الحضيض في الرؤى والفكر؟!
حاشاك يا ربّ أن يكون لك شريك، وأنت القوي المطلق. ثم إنّه لو كان الله شريك لكان له صفات خاصّة يمتاز بها عن غيره، ثم رأيت آثار مُلكه وسلطانه، ولكن بما أنّ كلّ تلك الأفعال والصفات والآثار لم تظهر فإنّا نستدلّ من عدمها على عدم وجوده، ومن فقدانها فقدانه.
اعتناقه للإسلام(2):
لم تمضِ فترة حتى وجد «فيكتور» ضالته المنشودة في الإسلام، فانجذب إليه، ثم انضوى تحت رايته وأعلن إسلامه واعتناقه لمذهب أهل بيت رسوله علیهم السلام وغيّر اسمه إلى: حسين.
الصورة
ولد في الفلبّين، وبعد إكمال دراسته الأكاديمية العامّة تخصّص في هندسة الطائرات، نشأ في كنف عائلة مسيحية حتى منّ الله عليه بالهداية فأنقذه سبحانه من الضياع، ووفّقه لاعتناق الدين الإسلامي.
حاول أن لا يفقد معتقده السابق بسهولة فراجع الديانة المسيحية، إلّا أنّه وجد بذور شكّه بالكنيسة وطقوسها المبهمة تزداد يوماً بعد يوم، ووجد أنّ ذهنه يحمل أسئلة حائرة تحتاج إلى جواب مقنع، فبحث في الديانة المسيحية لعلّه يجد أجوبة لهذه الأسئلة، إلّا أنّ أمله قد خاب، ووصل في نهاية مطافه إلى أنّ الإسلام هو الدين الوحيد القادر على منحه ما يبتغيه.
النبوّة:
من المواضيع التي يبحث عنها غالب الباحثين ويبتغون الوصول فيها إلى الإجابة المقنعة: موضوع النبوّة؛ إذ دسّت فيه بعض الديانات المنحرفة العديد من الخرافات والانتهاكات لمقام الأنبياء علیهم السلام، ما جعل الأُمم تبتعد عن هذا الموضوع أكثر فأكثر، إذ لم تبيّن مفاهيمه بشكل واضح ومع رعاية شتى الجوانب، أو لم تسلم من التحريف.
إلّا أنّ النظرية الإسلامية في هذا الموضوع كانت هي الأرقى؛ فأوضحت سبب بعث الرسل وبيّنت واجباتهم ليتّضح من خلال ذلك مدى احتياج الناس إليهم وأنّهم يشكّلون الضرورة لحياة الإنسان.
وقد أشار الإمام أمير المؤمنين علیه السلام إلى هذه النظرية بقوله: (وَأَصْطَفى(1)سُبْحَانَهُ مِنْ وَلَدَهِ أَنْبِيَاءَ أَخَذَ عَلَى الْوَحْيِ مِيثَاقَهُمْ(2)، وَعَلَى تَبْلِيغِ(3)الرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ، لَمَّا بَدَّل(4)أَكْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ، فَجَهِلُوا حَقَّهُ، وَاتَّخَذُوا الْأَنْدَادَ(5)مَعَهُ، وَأَجْتَالَتْهُمْ(6)الشَّيَاطِينُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، وَأَقتَطَعَتْهُمْ(7)عَنْ عِبَادَتِهِ، فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ، وَوَاتَرَ(8)إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ(9)مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكَّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجُوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ. وَیُثِيرُوا(10)لَهُمْ دَفَائِنَ(11)اَلْعُقُولِ، وَيُرُوهُمْ آيَاتِ الْمَقْدِرَةِ: مِنْ سَقْفٍ فَوْقَهُمْ مَرْفُوعِ، وَمِهَادٍ(12)تَحْتَهُمْ مَوْضُوعِ، وَمَعَايِشَ(13)تُحْيِيهِمْ، وَآجَالٍ تُفْنِيهِمْ، وَأَوْصَابٍ(14)تُهْرِمُهُمْ،
1) الصفايا واحداً ،صفي، وهو ما يصطفيه لنفسه، أي: يختار لنفسه من الغنيمة أيضاً قبل القسم. غريب الحديث لابن سلام 3: 88
2) الميثاق: العهد، صارت الواو ياء لانكسار ما قبلها، والجمع المواثيق، على الأصل، والمياثق والمياثيق أيضاً. الصحاح 4: 1563
3) الإبلاغ والتبليغ، الإيصال، والاسم منه: البلاغ. مختار الصحاح: 40
4) التبديل: التغيير. كتاب العين 8: 45
5) الند بالكسر: المثل والنظير، وكذلك النديد والندية. الصحاح 2: 543
6) اجتال الشيء: إذا ذهب به وساقه. النهاية في غريب الحديث 306:1
7) اقتطع طائفة من الشيء: أخذها. لسان العرب 8: 280
8) واتر بين أخباره، وواتره مواترة ووتاراً: تابع القاموس المحيط 2: 152
9) الأداء: إيصال الشيء على الوجه الذي يجب فيه. الفروق اللغوية: 30
10) ثوّر فلان عليهم الشر، أي هيّجه وأظهره. الصحاح 2: 606
11) الدفائن الكنوز، واحدتها: دفينة. لسان العرب 13: 156
12) المهاد: اسم أجمع من المهد، كالأرض جعلها الله مهاداً للعباد، وجمع المهاد: مهد، وثلاثة أمهدة. كتاب العين 4: 32
13) المعيشة: التي يعيش بها الإنسان من المطعم والمشرب. كتاب العين 2: 189
14) الوصب: المرض. كتاب العين 7: 168
وَأَحْدَاثٍ تَتَابَعُ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُخْلِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ خَلْقَهُ مِنْ نَبِيٌّ مُرْسَلٍ، أَوْ كِتَابٍ مُنْزَلٍ، أَوْ حُجَّةٍ لَازِمَةٍ، أَوْ مَحَجَةٍ قَائِمَةٍ، رُسُلٌ لا تُقَصِّرُ بِهِمْ قِلَةٌ عَدَدِهِمْ، وَلَا كَثرَةُ المُكَذِّبِينَ لَهُمْ: مِنْ سَابِقٍ سُمِّيَ لَهُ مَنْ بَعْدَهُ، أَوْ غَابِرٍ(1)عَرَّفَهُ مَنْ قَبْلَهُ)(2).
بعد أن هبط آدم إلى الأرض وتكاثرت ذرّيته دبّ الفساد والانحراف فيهم، فاحتاج الأمر في إصلاحهم إلى الأنبياء، فمن هنا اختار الله سبحانه من خلقه أصفى بريّته؛ لكمالهم وطهارتهم وعفّة أنفسهم.
فقد اطّلع سبحانه - وهو العالم بهم - على ذرّية آدم فوجد بعض النفوس في قمّة الكمال، فاختارهم أنبياء إلى خلقه، أخذ عليهم العهود أن يؤدّوا الوحي المُنزل عليهم إلى الناس بكماله وتمامه في الأُصول والفروع، كما أخذ أمانتهم على أن ينشروا الرسالة بين الناس، ويبلّغوها كما هي.
وقد بيّن علیه السلام سبب إرسال الرسل وعلّة بعث الأنبياء في موارد منها:
1 - تغيير الناس عهدهم الذي قطعوه على أنفسهم:
وهو ما فطر الله الناس عليه، المشار إليه بقوله تعالى: «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَ ن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواً يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ»(3). أو أنّ المراد: عهده المأخوذ عليهم بتوسّط رسله في الظاهر: كما في آية: «أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ»(4)، وقال تعالى: «وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهم مُّنذِرِينَ»(5)، وقال تعالى: «كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ
بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ»(1).
فحقّ الله أن يؤمنوا به ولا يشركوا به شيئاً، ولكنّ الشياطين أضلّتهم وحرفتهم عن ذلك، فجهلوا حقّه بعد المعرفة.. وكفروا به بعد أن أقرّوا واعترفوا وجعلوا له أشباهاً ونظراء، تصوّروه كما شاؤوا وكما تخيّلوا، وصرفتهم الشياطين عن معرفته الحقيقية، ومالت بهم عن الإيمان الصحيح وصرفتهم عن عبادته إلى عبادة غيره، من أصنام وأوثان وميول وأهواء، وقد تفنّن هذا الإنسان في الانحراف حتى بلغ به الإسفاف إلى عبادة البقر، بل إلى أحطّ من ذلك وأحقر.
2 - انتشار الفساد وضلال الناس:
فأرسل الله لهم رسله، وجعلهم واحداً إثر واحد، تتّصل دعوتهم وتقوم حجّتهم، كما قال تعالى: «ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَاكُلَّ مَا جَاء أُمَّةٌ رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ»(2). ومهمّة الرسل ودعوتهم ليجعلوا الناس يؤدّون عهد الفطرة الذي أعطوه لربّهم، من الإيمان به، والتوجّه إليه، ويذكّروهم ما نسوا من نعمه التي لا تعدّ ولا تحصى، فإنّ الإنسان ينسى، بل يبطر ويكفر بالنعمة، فيأتي الرسل ليعيدوا هذا الإنسان إلى رشده، ويذكّروه ما نسي من نعمة الله.
وكذلك من أسباب بعث الرسل أن تصل الحجّة إلى الناس، ويعرف كلّ واحد تكليفه الواجب عليه القيام به، فلا يكون له عذر يوم القيامة إن قصّر في الأداء ورفض الأمر وتمرّد على الحكم.
3 - إثارة ما أودعه الله في عقول بني آدم:
فإنّ الأنبياء كانوا يحرّكون عقول الناس ويطلقونها من عقالها، كانوا يقولون
للناس: فكّروا في خلق السماوات والأرض، وفكّروا في أنفسكم، فكّروا في مخلوقات الله وفي تركيبها ودقّة صنعها، فكّروا بعقولكم وليس بعقول غيركم وعاداتهم وتقاليدهم. فإنّه يدرك أنّه لابدّ لكلّ معلول من علّة، ولكلّ حادث من محدِث، ولكلّ مسبَّب من سبب، وهذا قانون يدركه العقل بالبداهة والفطرة، أودع الله فيه ذلك ليستدلّ من خلاله على وجود سبب أوّل للعالم، هو الخالق له، والموجد لكلّ ما فيه، ولذا لم يأتِ نبيّ يقول للناس: عطّلوا عقولكم ثمّ اتّبعوني، بل قال لهم: «يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُوا الأَلْبَابِ»(1).
وكذلك كانت بعثة الأنبياء من أجل أن يبصر الناس علامات القدرة الإلهية التي تتجسّد في خلق السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما؛ فإنّ الإنسان يرى كلّ هذه الآيات وهي أمام نظره ولكنّه يغفل عن التفكر فيها، وعن عظيم دقّة صنعها، ثمّ ذكر ستّ آيات من آيات عظمة قدرته، وهي:
أ - السماء التي نراها وهي فوقنا بما فيها من كواكب وسيّارات ونجوم، إنّها مرفوعة فوقنا لا يمسكها إلّا الله، بحسب ما وضع لها من قوانين ونظم، وقد أقسم الله بقوله: «وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ»(2).
ب - إنّه جعل الأرض مهاداً؛ لأنّها صالحة لاستقرار الإنسان عليها، فهي مبسوطة بشكل تقبل أن يعيش الإنسان عليها ويستمر في حياته فيها، وقد منّ الله على الإنسان بهذه النعمة في قوله: «أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا»(3).
ت - إنّه رزق العباد وما به قوامهم واستمرارّيتهم بما خلق الله لهم من خضار
وفواكه ونِعَم وخيرات. إنّ الله وفّر لهذا الإنسان مادّة حياته وبقائه بما أعطاه من حبوب وثمار، وهداه إليها ووفّرها له.
ث - إنّه تعالى جعل الآجال التي إذا نظر الإنسان إليها اعتبر واتّعظ؛ فإنّ هذا العمر إذا انتهى مات الإنسان. فأيامه معدودة، وأوقاته محدودة، متى استوفاها توفّاه الله ونقله من عالم إلى آخر ، وكم في هذه من العبرة؟! وبما أنّ هذا الإنسان سيصل إلى أجَله فليعدّ العدّة له.
ج - إنّ ما ينتاب هذا الإنسان من التعب والآلام والأمراض، وما أكثرها، وأيّ إنسان لا يمرض؟! وأيّ إنسان لا يتعب، أو لا يمر في حالة من الألم؟!
إنّها كلّها تزيل شباب الإنسان وتدنو به إلى الهرم، ثمّ النهاية بالموت.
ح - أحداث الدهر ومصائبه كثيرة، وفي المثل العامي: «مصائب الدهر أكثر من نبات الأرض»، وأيّ بيت لم تدخله التعاسة؟! وأيّ إنسان لم يمر بحادثة بل أحداث تشوّش عليه أفكاره وتنغّص عليه حياته؟!
إنّها متوالية متتالية، منذ أوّل ولادته وإلى خاتمة حياته، ولد في شدّة ويموت في شدّة، ويحيا فيما بين الولادة والوفاة في شدائد متتابعة.
وقد سبقت الهداية الناس فكان آدم نبيّاً ولم يكن معه أحد، ثمّ كثرت ذرّيته واستمرّت الحجّة قائمة إلى يومنا هذا، فتارة تكون الحجّة نبياً يرسله الله ويبعثه إلى الخلق يهديهم ويعلّمهم ويرشدهم ويوجّههم نحو الخير، وأُخرى تكون كتاباً مُنزلاً السماء، كما لو مات النبيّ وبقي الكتاب بين أيدي أتباعه؛ فإنّه حجّة عليهم، من ونور يهديهم إلى مستقيم الطريق.
4 - أن يحتجّوا على البشرية بالتبليغ:
وذلك لئلّا يعتذر الإنسان في ترك طاعة الله عزّ وجلّ؛ قال تعالى: ﴿وَإِن
تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ»(1).
ثم أشار علیه السلام إلى أنّ الأنبياء على قلّتهم نسبة إلى البشر فإنّهم كافون في البلاغ، وافون في البيان، إنّهم على قلّتهم مشاعل في طريق الهداية، ومنارات يهدون الناس إلى الخير، ومهما كذّبهم المكذِّبون فإنّهم عاجزون عن إطفاء نورهم، وقاصرون عن إخماد شوكتهم. وما المكذِّبون لهم إلا شهود زور يفضحهم الواقع وتفضحهم الحقيقة؛ فإنّهم يسقطون وينتصر الرسل وتنتشر دعوتهم ويؤمن بها الناس.
ثم أشار علیه السلام إلى طريقة الله عزّ وجلّ وسُنّته، فإنّه سبحانه عندما يرسل رسولاً وتنتهي مدّته كان يسمّي له من يأتي من بعده، كما قصّة هي عيسى مع نبيّنا علیه السلام؛ إذ كان يبشّر به، ويعطي لأتباعه علامات ظهوره، وقد كان اليهود يترقّبون طلعته، ويوعدون به من يعاديهم، فكان الله هو الذي يتولّى تعريف النبيّ اللاحق، وقد يكون النبيّ حاضراً وقد بشّر به مَن تقدّم عليه، وعلى هذه الطريقة - من حيث أنّ الأرض لا تخلو من حجّة - انقضت القرون ومضت الأزمان والدهور، وعليه مضى السلف وانقضت أيامهم، وعلى هذا جاءت من بعدهم الأبناء، فالسيرة واحدة في الآباء والأبناء، والحجّة قائمة على الجميع.
وقد أشارت الآيات القرآنية إلى هذه الحقيقة، قال تعالى: «وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقَ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ»(2).
وقال تعالى: «وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ»(1).
قال تعالى: «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»(2).
هدايته للإسلام:
بعد أن اتّضحت الحقائق الناصعة في النظرية الإسلامية «لكاباي» وأشرقت بكلّ جلائها ووضوحها، اعتنق الإسلام والمذهب الشيعي، وأصبح فؤاده مطمئنّاً تملؤه الثقة بالله تعالى وبدّل اسمه إلى: حسين(3).
الصورة
ولدت في الفلبّين، ودرست في المدارس الأكاديمية، وبعد ذلك التحقت بالجامعة لتحصل على شهادة الليسانس.
نشأت في عائلة تعتنق الديانة المسيحية، وظلّت على هذه الديانة برهة من الزمن حتّى تعرّفت على مجموعة من الشيعة، فتسنّى لها الاطّلاع على معالم الدين الإسلامي، والتعرّف على مبانيه ما سبّب اعتناقها لهذا الدين الملائم للفطرة.
هل التوراة والإنجيل الرائجان من كلام الله المنزل؟
إنّ المتتبّع لعبارات التوراة والإنجيل يجدهما بعيدين كلّ البعد عن كلام الله المنزل على أنبيائه، عدا بعض الجمل التي يمكن أن تكون قد نقلت حكاية، كما ينقل أيّ مؤرّخ بعض آيات القرآن الكريم.
حال التوراة:
الملاحظ في التوراة أن سندها غير متّصل بالنبيّ موسى علیه السلام؛ إذ انقطع تواتر هذه التوراة قبل زمان «يوشيا بن آمون»، والنسخة وجدت بعد ثماني عشر سنة من جلوسه على العرش، ثمّ إنَّ هذه النسخة غير المعتمدة ضاعت أيضاً، وفى حادثة «بخت نصّر» انعدمت التوراة وسائر كتب العهد العتيق عن الوجود رأساً، ثمّ
كتب عزرا هذه الكتب - على حدّ زعمهم - فضاعت نسخها وأكثر نقولها في حادثة «أنتيوكس»(1).
ويذكر العلّامة الطباطبائي قصّة التوراة الحاضرة، فيقول:
«بنو إسرائيل هم الأسباط من آل يعقوب، كانوا يعيشون أوّلاً عيشة القبائل البدويين، ثمّ أشخصهم الفراعنة إلى مصر، وكانوا يعاملونهم معاملة الأسرى المملوكين، حتّى نجاهم الله بموسى من فرعون وعمله.
وكانوا في زمن موسى يسيرون مسير الحياة بالإمام وهو موسى، وبعده يوشع علیه السلام، ثم كانوا برهة من الزمان يدبّر أمرهم القضاة، مثل: إيهود وجدعون وغيرهما. وبعد ذلك يشرع فيهم عصر المُلك، وأوّل الملوك فيهم: شاؤل، وهو الذي يسمّيه القرآن الشريف ب (طالوت)، ثمّ (داود)، ثمّ (سليمان).
ثمّ انقسمت المملكة وانشعبت القدرة، ومع ذلك ملك فيهم ملوك كثيرون، ك: (رجعان) وإبيام ويربعام ويهوشافاط ويهورام وغيرهم، بضعة وثلاثون ملكاً.
ولم تزل تضعف القدرة بعد الانقسام حتّى تغلّبت عليهم ملوك بابل، و تصرفوا في (أُورشليم) وهي بيت المقدس، وذلك في حدود سنة ستّمائة قبل المسيح، وملك بابل يومئذٍ بخت نصّر (بنو كد نصّر).
ثمّ تمردت اليهود عن طاعته، فأرسل إليهم عساكره، فحاصر وهم، ثمّ فتحوا البلدة، ونهبوا خزائن الملك، وخزائن الهيكل (المسجد الأقصى)، وجمعوا من أغنيائهم وأقويائهم وصُنّاعهم ما يقرب من عشرة آلاف نفساً، وساروا بهم إلى بابل، وما أبقوا في المحل إلّا الضعفاء والصعاليك، ونصب بخت نصّر (صدقيا)، وهو آخر ملوك بني إسرائيل، ملكاً عليهم، وعليه الطاعة لبخت نصّر.
وكان الأمر على ذلك قريباً من عشر سنين حتّى وجد (صدقيا) بعض القوّة
1) راجع إظهار الحقّ 1: 112
والشدّة واتّصل بعض الاتّصال بواحدٍ من فراعنة مصر، فاستكبر وتمرّد عن طاعة بخت نصّر.
فأغضب ذلك بخت نصّر غضباً شديداً، فساق إليهم الجيوش وحاصر بلادهم، فتحصّنوا عنه بالحصون، وتمادى بهم التحصّن قريباً من سنة ونصف حتى ظهر فيهم القحط والوباء. وأصرّ بخت نصر على المحاصرة حتى فتح الحصون، وذلك في سنة خمسمائة وستّ وثمانين قبل المسيح، وقتلهم، وخرّب ديارهم، وخرّبوا بيت الله، وأفنواكلّ آية وعلامة دينية، وبدّلوا هيكلهم تلّاً من تراب، وفقدت عند ذلك التوراة والتابوت الذي كانت تجعل فيه.
وبقي الأمر على هذا الحال خمسين سنة تقريباً، وهم قاطنون ببابل، وليس من كتابهم عين ولا أثر، ولا من مسجدهم وديارهم إلّا تلال ورياع.
ثمّ لما جلس كورش من ملوك فارس على سرير الملك، وكان من أمره مع البابليين ماكان، وفتح بابل ودخلها أطلق أُسراء بابل من بني إسرائيل، وكان عزرا المعروف من المقرّبين عنده، فأمّره عليهم، وأجاز له أن يكتب لهم كتابهم التوراة، ويبني لهم الهيكل، ويعيدهم إلى سيرتهم الأُولى.
وكان رجوع عزرا بهم إلى بيت المقدس سنة أربعمائة وسبعة وخمسين قبل المسيح، وبعد ذلك جمع عزرا كتب العهد العتيق وصحّحها، وهي التوراة الدائرة اليوم».
ثمّ قال العلّامة الطباطبائي - بعد ذكره لهذه القصة-: «وأنت ترى بعد التدبّر في القصّة أنّ سند التوراة الدائرة اليوم مقطوعة غير متّصلة بموسى علیه السلام إلّا بواحدٍ - وهو عزرا - لا نعرفه أوّلاً، ولا نعرف كيفية اطّلاعه وتعمقه ثانياً، ولا نعرف مقدار أمانته ثالثاً، ولا نعرف من أين أخذ ما جمعه من أسفار التوراة رابعاً، ولا ندري
بالاستناد إلى أي مستند صحح الأغلاط الواقعة أو الدائرة خامساً»(1).
وأمّا من ناحية المتن فلا يمكن الاعتماد عليها لأُمور:
منها: وجود التناقضات والمخالفات بين بعض آياتها؛ فقد ورد في موضع من الكتاب المقدّس: أنّ الأبناء يؤخذون بذنوب الآباء إلى ثلاثة أجيال أو أربعة، وذلك قوله: «لأنّي أنا الربّ إلهك إله غيور أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضي»(2).
وفي موضع آخر ورد ما يخالف هذا الكلام؛ إذ جاء في كتاب حزقيل: «النفس التي تخطئ هي تموت الابن لا يحمل من إثم الأب، والأب لا يحمل من إثم الابن برّ البار عليه يكون ، وشرّ الشرير عليه يكون»(3)..
فعلم من هذه الآية أنّ أحداً لا يؤخذ بذنب غيره، وهو ما ذُكر في القرآن الكريم؛ إذ يقول تعالى: «وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى»(4).
ومنها: أنّ بعض فقراتها لا يمكن أن تكون كلاماً لموسى علیه السلام وهو الذي نزلت عليه التوراة؛ فقد جاء فيها: «وصعد موسى من عربات موآب إلى جبل نبو إلى رأس الفسجة... فمات هناك موسى عبد الربّ في أرض موآب حسب قول الربّ * ودفنه في الجواء في أرض مو آب مقابل بيت فغور، ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم * وكان موسى ابن مئة وعشرين سنة حين مات، ولم تكلّ عينه، ولا ذهبت نضارته * فبكى بنو إسرائيل موسى في عربات مو آب ثلاثين يوماً، فكملت أيّام بكاء مناحة موسى»(5).
1) راجع: الميزان 3: 308 - 310
2) الكتاب المقدس (العهد القديم): سفر الخروج - الإصحاح 20، الآية 5، وقريب من هذه العبارة في سفر الخروج - الإصحاح 34، الآية 7، سفر التثنية - الإصحاح 5، الآية 9
3) الكتاب المقدس (العهد القديم): حزقيل - الإصحاح 18، الآية 19
4) الأنعام (6): 164، الأسراء (17): 15، فاطر (35): 18، وقريب منه في سورة النجم (53): 38
5) الكتاب المقدس (العهد القديم): سفر التثنية - الإصحاح 34، الآية 1 - 8
وتوجد الكثير من هذه العبارات في التوراة الرائجة، ما يدلّ على أنّها ليست من كلامه علیه السلام.
ومنها: أنّ رسم الكتابة لم يكن موجوداً في عهد موسى علیه السلام؛ فلا يكون هو كاتباً لهذه الكتب، كما قال ذلك القسيس نورتن، ويؤيد كلامه ما ورد في بعض كتب التاريخ: «كان الناس في سالف الزمان ينقشون بميل الحديد، أو الصفر، أو العظم على ألواح الرصاص، أو الخشب، أو الشمع، ثمّ استعمل أهل مصر بدل تلك الألواح أوراق الشجر بيبرس، ثمّ اُخترع الوصلي في بلدة بركمس، وسُوّي القرطاس من القطن والإبريسم في القرن الثامن [الميلادي]، وسُوّي في القرن الثالث عشر من الثوب، واختراع القلم كان في القرن السابع»(1).
ومنها: وقوع الأغلاط في التوراة، وكلام موسى علیه السلام أرفع من أن يكون كذلك، فقد ورد في الاصحاح السادس والأربعين، الآية الخامسة عشر من سفر التكوين: «فهؤلاء بنو ليا الذين ولدتهم بين نهريّ سورية ودينا ابنتها، فجميع بنيها وبناتها ثلاثة وثلاثون نفساً»(2).
فقوله: «ثلاثة وثلاثون نفساً» غلط، والصحيح أربعة وثلاثون نفساً؛ اعترف بذلك مفسّرهم المشهور «هارسلي»، فقال: «لو عددتم الأسماء، وأخذتم دينا صارت أربعة وثلاثون، ولابدّ من أخذها كما يعلم من تعداد أولاد زلفا؛ لأنّ سارا بنت أشير واحدة من ستة عشر».
كما جاء في الآية الثانية من الباب الثالث والعشرين من سفر الاستثناء: «ومَن كان ولد زانية لا يدخل جماعة الربّ حتّى يمضي عليه عشرة أحقاب».
وهذا غلط؛ لأنّه يلزم أن لا يدخل داود علیه السلام، ولا آباؤه إلى فارض ابن يهودا في جماعة الربّ؛ لأنّ فارض ولد زنا، كما صرّح بذلك في الباب الثامن والثلاثين من سفر التكوين، وداود علیه السلام البطن العاشر منه، كما يظهر من نسب المسيح المذكور في إنجيل متّى ولوقا، مع أنّ داود رئيس الجماعة والولد البكر الله على وفق الزبور(1).
ومنها: الاختلاف في نسخ التوراة في تاريخ بعض الحوادث، مثل: المدّة من زمان خلق آدم إلى طوفان نوح، فهي (1656) سنة وفق التوراة العبرانية، و (2262) سنة وفق التوراة اليونانية، و (1307) سنة وفق التوراة السامرية.
وكفترة ما بين طوفان نوح إلى زمان ولادة إبراهيم علیه السلام، فقد بلغت (292) سنة وفق التوراة العبرانية، و (1072) سنة وفق التوراة اليونانية، و(942) سنة وفق التوراة السامرية(2).
قال الدكتور سكندر كيدس - وهو من فضلاء المسيحية المعتمدين - في ديباجة البيبل الجديد: «ثبت لي بظهور الأدلّة الخفية ثلاثة أُمور جزماً:
الأوّل: أنّ التوراة الموجودة ليست من تصنيف موسى.
والثاني: أنّها كتبت في كنعان أو أُورشليم، يعني ما كتبت في عهد موسى الذي كان بنو إسرائيل في هذا العهد في الصحارى.
والثالث: لا يثبت تأليفها قبل سلطنة داود ، ولا بعد زمان حزقيا، بل أنسب تأليف لها يعود إلى زمان سليمان علیه السلام، يعني قبل ألف سنة من ميلاد المسيح، أو إلى زمان قريب منه في الزمان الذي كان فيه هومر الشاعر.
فالحاصل أنّ تأليفها بعد خمسمائة سنة بعد وفاة موسى»(3).
حال الإنجيل:
لا يختلف حال الإنجيل عن التوراة كثيراً من حيث السند والمتن، فلا يُعلم زمان تأليفه، ولا مَن ألّفه، وإن ذكروا لزمان تأليفه روايات واهية ضعيفة بلا سند، يعلم منها أيضاً أنّه لا سند عندهم لهذه الكتب.
قال (هورن): «الحالات التي وصلت إلينا في باب زمان تأليف الأناجيل من قدماء مؤرّخي الكنيسة بتراء وغير معيّنة، لا توصلنا إلى أمر معيّن، والمشايخ القدماء الأوّلون صدّقوا الروايات الواهية وكتبوها، وقَبِلَ الذين جاؤوا من بعدهم مكتوبهم تعظيماً لهم، وهذه الروايات الصادقة والكاذبة وصلت من كاتب إلى كاتب آخر، وتعدّر تنقيدها بعد انقضاء المدّة»(1).
ثمّ قال: «أُلّف الإنجيل الأول سنة 37، أو سنة 38، أو سنة 41، أوسنة 43، أو عيد سنة 48، أو سنة 61، أو سنة 62، أو سنة 63، أو سنة 64 من الميلاد.
وأُلّف الإنجيل الثاني سنة 56، أو ما بعدها إلى سنة 65، والأغلب أنّه ألف سنة 60 أوسنة 63.
وأُلّف الإنجيل الثالث سنة 53، أو سنة 63، أو سنة 64.
وأُلّف الإنجيل الرابع سنة 68، أو سنة 69، أو سنة 70، أوسنة 97، أوسنة 98 من الميلاد»(2).
فلا يمكن البتّ في زمان تأليفه، وكذا في مؤلّفه، يقول «سلسوس» أحد علماء المشركين الوثنيين في القرن الثاني: «إنّ المسيحيين بدَّلوا أناجيلهم ثلاث مرّات أو أربع مرّات، بل أزيد من هذا تبديلاً كأنَّ مضامينها بُدّلت».
كما يقول (فاستس) وهو من أعظم علماء فرقة (ماني كيز) في القرن الرابع:
«إنّ هذا الأمر مُحَقّق، إنّ هذا العهد الجديد ما صنّفه المسيحُ ولا الحواريون، بل صنّفه رجل مجهول الاسم، ونُسب إلى الحواريين، ورفقاء الحواريين ليعتبره الناس، وآذى المريدين لعيسى إيذاءً بليغاً بأن ألف الكتب التي فيها الأغلاط والتناقضات»(1).
ويظهر من كلام (إكهارن) - وهو مختار العديد من العلماء المتأخّرين في ألمانيا - أربعة أُمور:
الأوّل: إِنّ الإنجيل الأصلي قد فُقد.
والثاني: إنّه يوجد في هذه الأناجيل الروايات الصادقة والكاذبة.
والثالث: إنّه وقع فيها التحريف أيضاً، وكان سلسوس من علماء الوثنيين يقول: إنّ المسيحيين بدّلوا أناجيلهم ثلاث مرّات أو أربع مرّات أو أزيد من هذا تبديلاً كان مضامينهم أيضاً بُدِّلت.
والرابع: إنه لا توجد إشارة إلى هذه الأناجيل الأربعة قبل آخر القرن الثاني أو ابتداء القرن الثالث(2).
فالذي يلاحظ هذه الأناجيل يجد أنّها لا تتعدّى كونها كتابات أدبية وتاريخية وقصصية، قام بها مؤرّخو القرنين الأولين بعد ميلاد عيسى علیه السلام؛ فهي لا تشبه الوحي، بل تدلّ طريقة كتابتها على أنّها من بقايا أدب القرن الأوّل والثاني الميلاديين، وأُدخل عليها - على مرّ العصور - بعض التعديلات والتطويرات جعلت من النسخ الأدبية الأوّلية مخطوطات ليس لها من أثر في يومنا هذا إلّا ما قلّ وندر، وهذا يعني عدم كونها متعلّقة بفجر المسيحية حقيقة.
القرآن الكريم من كلام الله المنزل:
أمّا القرآن الكريم فهو الوحيد من الكتب السماوية حفظه الله تعالى من أيّ تغيير أو تبديل أو تحريف: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ»(1).
فقد أُطلق «الذكر» وأُطلق «الحفظ»، فالقرآن محفوظ بحفظ الله عن كلّ زيادة ونقيصة وتغيير في اللفظ، أو في الترتيب الذي يزيله عن الذكرية، ويبطل كونه ذكراً لله سبحانه بوجه(2).
وظاهر السياق أنّ الحصر ناظر إلى ما ذكر من ردّهم القرآن بأنه من هذار الجنون، وأنّه صلی الله علیه وآله وسلم مجنون لا عبرة بما صنع ومن اقتراحهم أن يأتيهم بالملائكة ليصدّقوه في دعوته، وفي أنّ القرآن كتاب سماوي حقّاً.
والمعنى على هذا - والله أعلم -: إنّ هذا الذكر لم تأتِ به أنت من عندك حتّى يعجزوك ويبطلوه بعنادهم، وشدّة بطشهم، وتتكلّف لحفظه، ثمّ لا تقدر، وليس نازلاً من عند الملائكة حتى يفتقر إلى نزولهم وتصديقهم إياه، بل نحن أنزلنا هذا الذكر إنزالاً تدريجياً، وإنا له لحافظون، بما له من صفة الذكر، بما لنا من العناية الكاملة به.
فهو ذكر حيّ خالد، مصون من أن يموت وينسى، مصون من الزيادة عليه بما يبطل به كونه ذكراً، كما أنّه مصون من التغيير في صورته وسياقه بحيث يتغيّر به صفة كونه ذكراً الله، مبيّناً لحقائق معارفه.
فالآية تدلّ على كون كتاب الله محفوظاً من التحريف بجميع أقسامه من جهة كونه ذكراً لله سبحانه، فهو ذكر حي، خالد(3).
ونظير الآية في الدلالة على كون الكتاب العزيز محفوظاً بحفظ الله، مصوناً من التحريف والتصرّف بأيّ وجه كان، من جهة كونه ذِكراً له سبحانه، قوله تعالى: إِنَّ «الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ»(1).
فالقرآن الكريم من حيث هو ذكر لا يغلبه باطل، ولا يدخل فيه حالاً، ولا في مستقبل الزمان، لا بإبطال ولا بنسخ، ولا بتغيير، أو تحريف يوجب زوال ذكريّته عنه.
وقد ظهر بما تقدّم أنّ اللام في «الذكر» للعهد الذِكري، وأنّ المراد بالوصف: «لَحَافِظُونَ» هو الاستقبال، كما هو الظاهر من اسم الفاعل، فيندفع به ما ربّما يورَد على الآية مِن أنّها لو دلّت على نفي التحريف من القرآن؛ لأنّه ذكر، لدلّت على نفيه من التوراة والإنجيل أيضاً؛ لأنّ كلّاً منهما ذكر، مع أنّ كلامه تعالى صريح في وقوع التحريف فيهما؛ وذلك أنّ الآية بقرينة السياق إنّما تدلّ على حفظ الذِكر الذي هو القرآن بعد إنزاله إلى الأبد، ولا دلالة فيها على علّيّة الذِكر للحفظ الإلهي ودوران الحكم مداره(2).
فقوله: «لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ» بحذف الضمير العائد إلى اسم إنّ، والتقدير: لا يأتيه منهم؛ أي: لا يأتيه من قِبَلهم ما يبطله، ولا يقدرون على ذلك، أو بجعل (ال) في (الباطل) عوضاً من الضمير، والمعنى: لا يأتيه باطلهم.
فإتيان الباطل إليه ووروده فيه، وصيرورة بعض أجزائه، أو جميعها، باطلاً، بأن يصير ما فيه من المعارف الحقّة، أو بعضها، غير حقّة، أو ما فيه من الأحكام والشرائع، وما يلحقها من الأخلاق، أو بعضها، لغواً لا ينبغي العمل به.
وعليه فالمراد بقوله: «مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ» زمانا الحال والاستقبال خلفه أي: زمان النزول وما بعده إلى يوم القيامة. وقيل: المراد بما بين يديه ومن خلفه: جميع الجهات، كالصباح والمساء كناية عن الزمان كلّه، فهو مصون من البطلان من جميع الجهات.
وهذا العموم على الوجه الأوّل مستفاد من إطلاق النفي في قوله: «لا يَأْتِيهِ». والمدلول على أيّ حال أنّه لا تناقض فى بياناته، ولا كذب في أخباره ولا بطلان يتطرق إلى معارفه وحكمه وشرائعه، ولا يعارض ولا يغيّر بإدخال ما ليس منه فيه، أو بتحريف آية من وجه إلى وجه(1).
حفّاظ القرآن:
لم تهتم البشرية بشيء مثل ما اهتم المسلمون بالقرآن الكريم كتابةً وحفظاً وصيانة، فقد حفظوه، وكتبوه، وشرحوه، وترجموه، وحسبوا آياته وكلماته وحروفه وحركاته، ونحو ذلك.
قال جرجي زيدان: «وقد عنى المسلمون في كتابة القرآن وحفظه عناية ليس بعدها عناية، فكتبوه على صفائح الذهب والفضة، وعلى صفائح من العاج، وطرّزوا آياته بالذهب والفضّة على الحرير والديباج، وزيّنوا بها محافلهم ومنازلهم، ونقشوها على الجدران في المساجد والمكاتب والمجالس، ورسموه بكلّ الخطوط وأجملها، على كلّ أصناف الرقوق والجلود والكواغد، بالأدراج والكراريس والرقاع، بأصناف المداد وألوانها وملؤوا بين الكلام بالذهب. وكان الخلفاء والأُمراء والسلاطين يتبركون بكتابة المصاحف بأيديهم، ويختزنونها في المساجد أو نحوها؛ في دار الكتب الخديوية (المصريّة) بالقاهرة أمثلة كثيرة من المصاحف المخطوطة بمعظم الأشكال المذكورة، من القلم الكوفي الخالي من
1) راجع الميزان 17: 397 - 398
الشكل والإعجام، إلى إتمام الإعجام والشكل وبينها، وقد ضبطوا عدد سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه، وعدّوا ما فيه من الألفات والباءات إلى الياءات»(1).
فمن مظاهر اهتمام المسلمين بالقرآن الكريم هو ضبطهم لعدد سوره و آياته وكلماته وحروفه، وقد ذكر النراقي في «الخزائن»(2)عدد سوره و آياته وكلماته وحروفه حتّى ذكر كلّ حرف من حروف الهجاء.
فهذا القرآن قد نزل من عند الله تبارك وتعالى هداية للبشرية جمعاء، وفي نفس الوقت لا يلغي الكتب السماوية السابقة عليه بل يصدقها؛ قال تعالى: «إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَتُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ... وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَتُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ».
فالقرآن يصدّق التوراة والإنجيل الموجودين لكن في الجملة لا بالجملة؛ لمكان الآيات الناطقة بالتحريف والسقط فيهما إلّا أنّه يعده مهيمنا عليها؛ قال تعالى: «وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ»(3).
خاتمة المطاف:
لمّا رأت «كلوريا» الدين الإسلامي وتكامله، وكتابه العظيم الذي لم تمسّه يد التحريف، اندفعت بقوّة لاعتناق هذا الدين الحنيف، وترك الدين الذي امتدت إليه بعض الأيدي عن عمد وقصد، فملأته بالحشو الغريب من الأفکار التي يرفضها العقل والوجدان(4).
الصورة
ولد عام 1391 ه (1972 م) في مدينة «هولوسلو» التابعة لدولة الفلبّين، ونشأ في عائلة تنتمي إلى الديانة المسيحية، تدرّج في الدراسة حتى حصل على شهادة البكلوريوس، واعتنق مذهب أهل البيت علیهم السلام سنة 1413 ه (1993 م)(1).
يقول «كونستانسيو» عن كيفية استبصاره: بعد أن تخرّجت من الجامعة اتّخذت قراراً مهمّاً، وكان ذلك تسجيل اسمي في مدرسة أهل البيت علیهم السلام، والتي تبيّن الفكر الإسلامي الأصيل من خلال تعاليمها، وما إن مرّ على ذلك شهر واحد حتى منّ الله علَيّ بالهداية، وكان لقراءة الكتب الدينية الموجودة في المكتبة الأثر الكبير في استبصاري.
وممّا يلفت النظر في الكتب الدينية التي تبيّن المنهج الشيعي كثرة البحث في مسألة الإمامة، وليس ذلك إلّا لأنّها تعدّ من الأركان الأساسية التي ابتنى عليها مذهب أهل البيت علیهم السلام، ولهذا نرى التأكيد عليها من قبل العلماء الأعلام إذ عدّوها أصلاً من أصول الدين وأُصول مذهب الإمامية الاثني عشرية.
وقد تثار بين فترة وأُخرى أسئلة تتعرّض للمسلّمات العقائدية الموجودة
1) زار مركز الأبحاث العقائدية، وله ملف خاص في المركز
لدى المسلمين، وبالذات لدى الطائفة المحقّة، أتباع أهل البيت علیهم السلام، وتختلف دوافع تلك الأسئلة؛ فبعضها بدافع التعرّف والبحث عن الدليل تتناول تلك المواضيع، وتحتاج إلى إجابة شافية وافية، وربّما كان هدف بعضهم من طرح هذه الأسئلة هو التشكيك في تلك المسلّمات، وإلقاء الشبهة في قلوب العوام من أتباع هذا المذهب.
ومن سمات هؤلاء: أنّهم لا يطرحون إشكالاتهم ومناقشاتهم على العلماء المتخصّصين في العقائد، والقادرين على إثباتها بالدليل القاطع، وإنما يقومون بنشر تلك الشبهات والتشكيكات بين عامة الناس من الذين لم يطّلعوا بشكل دقيق على حدود تلك المسائل وعلى تفاصيل أدلّتها، ولذا يجدون فيهم سوقاً رائجة وعملة نافقة.
ومن هذه الأسئلة المطروحة: مسألة النص على أسماء الأئمّة علیهم السلام؛ إذ لا يخفى على الباحثين في مجال المسائل العقائدية أهمّية هذه المسألة، وضرورة وجود النص على أسمائهم علیهم السلام لتعيين مصاديق الاثنى عشر خليفة بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم.
الروايات الصحيحة والصريحة التي تعيّن أسماء الأئمّة علیهم السلام في كتب الشيعة:
سنتعّرض هنا إلى ذكر بعض الروايات الصحيحة والصريحة التي تعيّن أسماء الأئمّة علیهم السلام، مما يقطع الطريق على من يدّعي عدم وجود النص عليهم أو على بعضهم، وسيثبت هذا أنّ المدّعي لعدم وجود النص - لو سلمت نيته - فإنّه ضعيف الاطّلاع جداً على أخبار أهل البيت، وغير بصير بأحاديثهم علیهم السلام. وسنلتزم أن يكون النص الذي نورده صحيحاً من غير شبهة أو مناقشة، وإلا فالنصوص الأخرى كثيرة جداً.
وهذه النصوص تنقسم إلى ما هو نص على قسم من الأئمة علیهم السلام، مثل: النصوص الواردة الناصّة عليهم إلى الإمام الباقر علیه السلام، وأهميّة هذه النصوص أنّ المشككين يدّعون أنّه لا نص بعد الإمام الحسين علیه السلام، وما هو نص عليهم جملة واحدة.
ثم سنتعرّض إلى ذكر النصوص الواردة بشأن إمامة كلّ إمام بخصوصه، ونحن وإن كنّا لا نحتاج إلى ذكرها، بل كان يكفينا ويكفي من يريد الدليلَ رواية صحيحة واحدة تذكرهم جملة من غير حاجة إلى ذكر سائر الروايات، سواء كانت بالعنوان أو لكلّ شخص، إلا أنّنا نوردها للتأكيد، وأنّ النصّ عليهم كان حاصلاً بطرق مختلفة، وهو كافٍ؛ إذ «إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ»(1).
النصوص التي تعيّن أسماء الأئمّة المعصومين علیهم السلام:
يوجد في مصادر الشيعة الحديثية العديد من الروايات التي تنصّ على تحديد أسماء الأئمّة المعصومين علیهم السلام، ولكن - ولاختصار المقالة - سنكتفي بذكر رواية صحيحة صريحة في كل باب (أو روايتين)، وفيها لمن أراد الدليل كفاية وغنى.
وهذه الروايات تنقسم بحسب المدلول إلى أقسام:
القسم الأوّل: روايات تنص على أسماء قسم من الأئمّة علیهم السلام:
وهي الروايات التي تنصّ على أسماء الأئمّة علیهم السلام بدءاً من الإمام أمير المؤمنين علیه السلام حتى الإمام محمد بن علي الباقر علیه السلام وهي متعدّدة، نكتفي منها بروايتين:
الأُولى: صحيحة الكليني: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن
1) ق (50): 37
يونس، وعلي بن محمد بن سهل بن زياد أبي سعيد، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله علیه السلام عن قول الله عزّ وجلّ: «وأطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأولِي الأمر مِنكُم»(1). فقال: «نزلت في عليّ ابن أبي طالب والحسن والحسين» علیهم السلام.
فقلت: إنّ الناس يقولون: فما باله لم يسمِّ عليّاً وأهل بيته في كتاب الله عزّ وجلّ؟
فقال: قولوا لهم: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نزلت عليه الصلاة ولم يسمّ الله لهم ثلاثاً ولا أربعاً، حتى كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي فسّر ذلك، ونزلت الزكاة ولم يسمّ لهم من كل أربعين درهماً ،درهم حتى كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي فسّر لهم ذلك، ونزل الحجّ فلم يقل لهم طوفوا أسبوعاً حتى كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي فسّر لهم ذلك، ونزلت: «وأطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمر منِكُم» - ونزلت في عليّ والحسن والحسين - فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عليّ: (من كنت مولاه فعليّ مولاه) وقال صلى الله عليه وآله وسلم: أُوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي، فإنّي سألت الله أن لا يفرّق بينهما حتى يوردهما علَيّ الحوض، فأعطاني ذلك، وقال: لا تعلّموهم فهم أعلم منكم، وقال: إنّهم لن يخرجوكم من باب هدى ولن يدخلوكم باب ضلالة.
فلوسكت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يبيّن من أهل بيته لادّعاها آل فلان وآل فلان، لكن الله أنزل فى كتابه تصديقاً لنبيّه «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا»(2). فكان عليّ والحسن والحسين وفاطمة، فأدخلهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحت الكساء في بيت أُمّ سلمة، ثم قال: اللهمّ إنّ لكلّ نبيّ أهلاً و ثقلاً وهؤلاء أهلي وثقلي.
فقالت أُمّ سلمة: ألست من أهلك؟
قال: إنّك إلى خير، ولكن هؤلاء أهلي وثقلي.
فلمّا قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان عليّ أولى الناس بالناس؛ لكثرة ما بلّغ فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإقامته للناس، وأخذه بيده، فلمّا مضى عليّ لم يكن يستطيع عليّ - ولم يكن ليفعل - أن يدخل محمد بن علي ولا العبّاس بن علي ولا واحداً من ولده.. إذاً لقال الحسن والحسين: إنّ الله تبارك وتعالى أنزل فينا كما أنزل فيك، فأمر بطاعتنا كما أمر بطاعتك، وبلّغ فينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما بلّغ فيك، وأذهب عنّا الرجس كما أذهبه عنك.
فلمّا مضى علي، كان الحسن أولى بها؛ لكبره، فلمّا توفّي لم يستطع أن يدخل ولده ولم يكن ليفعل ذلك، والله عزّ وجلّ يقول: «وَأُولُوا الأَرحَامِ بَعضُهُم أَولَى ببعض فِي كِتَاب الله»(1)، فيجعلها في ولده.. إذاً لقال الحسين: أمر الله بطاعتي كما أمر بطاعتك وطاعة أبيك، وبلّغ في رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم كما بلّغ فيك وفي أبيك، وأذهب الله عنّى الرجس كما أذهب عنك وعن أبيك.
فلمّا صارت إلى الحسين لم يكن أحد من أهل بيته يستطيع أن يدّعي عليه كما كان هو يدّعي على أخيه وعلى أبيه، لو أرادا أن يصرفا الأمر عنه، ولم يكونا ليفعلاه، ثم صارت حين أفضت إلى الحسين فجرى تأويل هذه الآية: «وَأُولُوا الأرحَامِ بَعضُهُم أولى ببعض فِي كِتَاب الله»، ثم صارت من بعد الحسين لعلي بن الحسين، ثم صارت من بعد علي بن الحسين إلى محمد بن علي، ثم قال الرجس هو الشك، والله لا نشكّ في ربّنا أبداً»(2).
وينبغي التوجّه إلى نقطتين مهمّتين توضّحهما هذه الرواية:
أُولاهما:
أنّها تجيب على سؤال ربّما طرحه بعضهم، وهو أنّه لو كانت الإمامة بتلك الأهمّية فلماذا لم ينص القرآن عليها، ولِمَ لم يذكر القرآن اسم أمير المؤمنين والأئمّة علیهم السلام حتى يرتفع الشك والتردّد بصورة قاطعة؟ ولا يضلّ الناس؟
والرواية تجيب بأنّه كما نزل أصل وجوب الصلاة والزكاة والحج في القرآن، ولم تُبيَّن فيه تفاصيل الأحكام، فكذلك الحال في الإمامة؛ إذ نزل وجوب الطاعة للأئمّة وأولي الأمر، وأُوكل تعيين أسماءهم إلى النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم، وقد قام بذلك خير قيام.
وثانيتهما:
أنّ قضية الإمامة ونصب الإمام هي أمر إلهي لا يرتبط بقضية الوراثة، أو إرادة الإمام السابق في تعيين اللاحق؛ فإنّه لا يستطيع - ولم يكن ليفعل - أن يغيّر مجراها عمّا هو عليه من النصب الإلهي. وفي هذه القضية كما أنّ أمير المؤمنين قد نُصّب نصباً إلهياً، فكذلك زين العابدين علي بن الحسين، والباقر محمد بن علي علیهما السلام، من دون فرق في هذه الجهة، ممّا يردّ بذلك على دعوى المشكّكين بأنّ النص إنّما هو على الثلاثة الأوائل من الأئمّة.
والأُخرى، المؤيدة للأُولى: ما رواه الكليني أيضاً: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني وعمر بن أُذينة، عن أبان، عن سُليم بن قيس، قال: شهدت وصية أمير المؤمنين حين أوصى إلى ابنه الحسن، وأشهد على وصيّته الحسين ومحمداً وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته، ثم دفع إليه الكتاب و السلاح، وقال لابنه الحسن: «يا بُني! أمرني رسول الله أن أوصي إليك، وأن أدفع إليك كتبه وسلاحه، وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين ثم أقبل على ابنه الحسين، فقال: «وأمرك رسول الله أن تدفعها
إلى ابنك هذا». ثم أخذ بيد علي بن الحسين وقال: «وأمرك رسول الله أن تدفعها إلى ابنك محمد بن علي، واقرأه من رسول الله ومنّي السلام»(1).
القسم الثاني:
ما نصّ على أسماء الأئمّة علیهم السلام جميعاً:
ومع هذه الروايات، التي سوف نذكر بعضها، ينقطع عذر كلّ متعلّل؛ لصراحتها وقوّتها، وما يحفّ بها، ففي الأُولى نلتقي مع أسماء الأئمّة علیهم السلام في سجدة الشكر، عقيب كل صلاة، إذ يُشهِد المصلّي ربّه والملائكة والخلق بمجمل اعتقاداته التي ينبغي أن يلقاه بها، ومنها تولّيه للأئمّة الطاهرين من أهل البيت علیهم السلام، وأنّه يتولاهم ويتبرّأ من أعدائهم، ولا يخفى الارتباط الصلاة وبين ذكر الأئمة ء بين الهادين وفضلهم على الخلق في تعليمهم معالم الدين.
فمن هذه الروايات:
الصحيحة التي رواها الصدوق بإسناده: عن عبد الله بن جندب، عن موسى ابن جعفر علیه السلام، أنّه قال: تقول في سجدة الشكر: «اللّهمّ إني أُشهدك وأُشهد ملائكتك وأنبياءك ورسلك وجميع خلقك أنّك أنت الله ربّي، والإسلام ديني ومحمداً نبیّي، وعلياً، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، والحجّة ابن الحسن أئمّتي، بهم أتولّى ومن أعدائهم أتبرّأ»(2).
والصحيحة الأُخرى التي رواها الكليني، فقال: عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد البرقي، عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري، عن أبي جعفر الثاني علیه السلام، قال: «أقبل أمير المؤمنين علیه السلام ومعه الحسن بن علي وهو متكىء على يد
سلمان، فدخل المسجد الحرام فجلس، إذ أقبل رجل حسن الهيئة واللباس، فسلّم على أمير المؤمنين، فردّ علیه السلام، فجلس، ثم قال: يا أمير المؤمنين! أسألك عن ثلاث مسائل، إن أخبرتني بهنّ علمت أنّ القوم ركبوا من أمرك ما قضى عليهم، وأن ليسوا بمأمونين في دنياهم وآخرتهم، وإن تكن الأُخرى علمت أنّك وهم شرع سواء!
فقال له أمير المؤمنين علیه السلام: سلني عما بدا لك.
قال: أخبرني عن الرجل إذا نام أين تذهب روحه؟ وعن الرجل كيف يذكر وينسى؟ وعن الرجل كيف يشبه ولده الأعمام والأخوال؟
فالتفت أمير المؤمنين علیه السلام إلى الحسن، فقال: يا أبا محمد أجبه!
قال: فأجابه الحسن.
فقال الرجل: أشهد أن لا إله إلا الله ولم أزل أشهد بها، وأشهد أن محمداً رسول الله ولم أزل أشهد بها، وأشهد أنك وصي رسول الله والقائم بحجّته - أشار إلى أمير المؤمنين - ولم أزل أشهد بها، وأشهد أنّك وصيّه والقائم بحجّته - أشار إلى الحسن - وأشهد أنّ الحسين بن علي وصيّ أخيه والقائم بحجّته بعده، وأشهد على علي بن الحسين أنّه القائم بأمر الحسين بعده، وأشهد على محمد بن علي أنّه القائم بأمر علي بن الحسين، وأشهد على جعفر بن محمد أنّه القائم بأمر محمد، وأشهد على موسى أنّه القائم بأمر جعفر بن محمد، وأشهد على علي بن موسى أنّه القائم بأمر موسى بن جعفر، وأشهد على محمد بن علي أنّه القائم بأمر علي بن موسى، وأشهد على علي بن محمد أنّه القائم بأمر محمد بن علي، وأشهد على الحسن بن علي أنّه القائم بأمر علي بن محمد، وأشهد على رجل من ولد الحسن(1)لا يُكنّى ولا يُسمّى حتى يظهر أمره، فيملأها عدلا كما ملئت جوراً، والسلام عليك يا أمير
1) من ولد الحسين، كما في علل الشرايع 1: 98
المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
ثم قام فمضى، فقال أمير المؤمنين: يا أبا محمد اتّبعه! فانظر أين يقصد؟
فخرج الحسن بن علي علیه السلام، فقال: ما كان إلا أن وضع رجله خارجاً من المسجد فما دريت أين أخذ من أرض الله، فرجعت إلى أمير المؤمنين فأعلمته، فقال: يا أبا محمد أتعرفه؟
قلت: الله ورسوله وأمير المؤمنين أعلم.
قال: هو الخضر»(1).
الروايات التي تنص على كلّ إمام بشخصه:
بعد أن ذكرنا الروايات التي تذكر أسماء الأئمّة الطاهرين، نعود ونذكر الروايات الخاصّة التي تنص على كلّ إمام بشخصه، وهي تارة تذكر الإمام باسمه، وتارةً بالقرينة والصفة؛ فإنّ بعض الروايات تعتمد على ذكر أمر، ذلك الأمر يلازم كونه إماماً، كما سيأتي في وصية الإمام الباقر لابنه الصادق علیهما السلام أن يغسله ويجهّزه ويكفّنه، فإنّ هذا من النص عليه؛ لمِا ثبت عندنا من النصوص والإجماع على أنّ الإمام لا يتولّى تجهيزه إلا الإمام بعده، وقد لا ينتبه لمثل هذه الإشارات إلا من كان على مستوى من الإحاطة بتعابير الأئمّة علیهم السلام.
كما نرى أنّ هشاماً بن الحكم عندما سمع من علي بن يقطين قول الكاظم علیه السلام: أنّ عليّاً الرضا علیه السلام سيّد ولده وأنّه قد نحله كنيته، استنتج أنّه نص عليه بالإمامة من بعده(2)، ومثل: أن يعطيه السلاح والكتب.
وهكذا ما يرافق إمامتهم من الكرامات، مثلما حصل في قضية شهادة الحجر
الأسود لعلي بن الحسين علیه السلام بالإمامة في مناقشة محمد بن الحنفية إياه، كما ورد في رواية صحيحة رواها الكليني في الكافي(1).
فإنه بعدما احتجّ السجّاد علیه السلام عليه بأنّ سلاح رسول الله عنده، وأنّ الحسين قد أوصى إليه، دعاه للحجر الأسود ليحتكما إليه، فتكلّم محمد فلم يحصل على شيء، ثم تكلّم علي بن الحسين علیه السلام، فنطق الحجر بقدرة الله: (أنّ الوصية والإمامة بعد الحسين بن علي إلى علي بن الحسين)، فانصرف محمد بعد ذلك وهو مؤمن بإمامة علي بن الحسين علیه السلام.
وبما أنّنا قد ذكرنا في القسم الأوّل من الروايات ما ينص على إمامة الأئمّة من الإمام أمير المؤمنين إلى الإمام محمد بن علي الباقر علیه السلام، سنتعرّض هنا لذكر النصوص في إمامة الأئمّة بدءاً بالإمام الصادق علیه السلام، وسنكتفي بنصّ واحد بالنسبة لكلّ إمام، وسنذكر نصوصاً متعدّدة لخاتم الأوصياء والأئمّة صاحب الزمان عجّل الله تعالى فرجه الشريف.
الإمام جعفر بن محمد الصادق علیه السلام:
فممّا ورد من النص على إمامة جعفر بن محمد الصادق علیه السلام: الرواية الصحيحة التي نقلها الكليني رحمه الله في الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبدالرحمن، عن عبد الأعلى، عن أبي عبد الله الصادق علیه السلام: «إنّ أبي استودعني ما هناك، فلمّا حضرته الوفاة قال: ادع لي شهوداً.
فدعوت له أربعة من قريش، فيهم: نافع مولى عبد الله بن عمر، فقال: اكتب:
هذا ما أوصى يعقوب بنيه: «يا بُنَيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا
1) الكافي 1: 348
وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ»(1). وأوصى محمد بن علي إلى جعفر بن محمد، وأمره أن يكفّنه في بُرده الذي كان يصلّي فيه الجمعة، وأن يعمّمه بعمامته، وأن يربع قبره، ويرفعه مقدار أربع أصابع، وأن يحلّ عنه أطماره عند دفنه... ثم قال للشهود: انصرفوا رحمكم الله.
فقلت له - بعدما انصرفوا : يا أبتِ! ما كان في هذا بأن تشهد عليه؟
فقال: يا بني! كرهت أن تغلب وأن يقال: إنّه لم يوصَ إليه، فأردت أن تكون لك الحجّة»(2).
وهذا كما تقدّم، بمصاحبة ما دلّت عليه النصوص، وقام عليه الإجماع، أنّ الإمام عندنا لا يتولّى تجهيزة إلا إمام مثله إذا كان حاضراً، وأنّ الوصية هي من علائم الإمامة، ينتج ذلك: إمامة الصادق علیه السلام.
الإمام موسى بن جعفر علیه السلام:
ممّا ورد في النصّ على إمامة الإمام موسى بن جعفر علیه السلام: الصحيحة التي رواها في الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي نجران، عن صفوان الجمّال، عن أبي عبد الله علیه السلام، قال له منصور بن حازم: بأبي أنت وأُمي! إنّ الأنفس يغدى عليها ويراح، فإذا كان ذلك فمن؟
فقال أبو عبد الله: «إذا كان ذلك فهو صاحبكم. وضرب بيده على منكب أبي الحسن الأيمن - فيما أعلم - وهو يومئذ خماسي(3)، وعبد الله بن جعفر جالس معنا»(4).
الإمام علي بن موسى الرضا علیه السلام:
من النصّ على إمامة الإمام علي بن موسى الرضا علیه السلام: ما ورد في الكافي صحيحاً: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن ابن نعيم الصحاف، قال: «كنت أنا وهشام بن الحكم وعلي بن يقطين ببغداد، فقال علي بن يقطين: كنت عند العبد الصالح جالساً فدخل عليه ابنه علي، فقال لي: يا علي بن يقطين! هذا علي سيّد ولدي، أما إنّي قد نحلته كُنيتي. فضرب هشام بن الحكم براحته جبهته ثم قال: ويحك! كيف قلت؟ فقال علي بن يقطين: سمعت والله منه كما قلت . فقال هشام أخبرَك أنّ الأمر فيه من بعده»(1).
يتضح للقارئ هنا أنّ هشاماً بن الحكم لمّا كان متبحّراً في العقائد، وعارفاً بإشارات الأئمّة في ما يرتبط بموضوع الإمامة، والصفات التي لابدّ من توفّرها في الإمام، فإنّه بمجرّد أن سمع تلك الكلمات، وضمّها إلى الكبريات الموجودة في ذهنه، المرتبطة بموضوع الإمامة، انتقل فوراً إلى معنى نص الإمام الكاظم على الرضا علیه السلام، وإن كان مثل علي بن يقطين، على جلالته، ربما لم يتوجّه إلى ذلك المعنى بالسرعة نفسها.
الإمام محمد بن علی الجواد علیه السلام:
من النص على إمامة محمد بن علي الجواد علیه السلام: الصحيحة التي نقلها في الكافي أيضاً: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن معمر بن خلاد، قال: سمعت الرضا علیه السلام، وذكر شيئاً، فقال: «ما حاجتكم إلى ذلك؟ هذا أبو جعفر، أجلسته مجلسي وصيّرته مكاني. وقال: إنّا أهل بيت يتوارث أصاغرنا عن أكابرنا القذة بالقذّة»(2).
الإمام علي بن محمّد الهادي علیه السلام:
من الروايات التي تنص على إمامة الإمام علي بن محمد الهادي علیه السلام: ما رواه الكليني صحيحاً في الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مهران، قال: «لمّا خرج من المدينة إلى بغداد في الدفعة الأُولى من خرجتيه، قلت له عند خروجه: جعلت فداك! إنّي أخاف عليك في هذا الوجه، فإلى من الأمر من بعدك؟
فكرّ إليَّ بوجهه ضاحكاً: ليس الغيبة حيث ظننت في هذه السنة.
فلمّا خرج به الثانية إلى المعتصم، صرت إليه، فقلت له: جعلت فداك! أنت خارج فإلى من الأمر من بعدك؟
فبكى حتّى اخضلّت لحيته، ثمّ التفت إليَّ فقال: عند هذه يُخاف علَيّ، الأمر من بعدي إلى ابني علي»(1).
الإمام الحسن بن على العسكري علیه السلام:
وردت عدّة روايات مصرّحة بإمامة الإمام الحسن بن علي العسكري علیه السلام، منها: ما رواه في الكافي: عن علي بن محمد، عن محمد بن أحمد النهدي، عن يحيى بن يسار القنبري، قال: «أوصى أبو الحسن إلى ابنه الحسن قبل مضيّه بأربعة أشهر، وأشهدني على ذلك وجماعة من الموالي»(2).
الحجة بن الحسن العسكرى صاحب الأمر عجّل الله تعالى فرجه:
وأما الروايات الواردة في إمامة الإمام الحجّة بن الحسن العسكري، صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، وفي صفاته وعلائم ظهوره، وما
يرتبط بخريطة تحرّكه بعد الظهور، وأنصاره، فهي كثيرة جداً، حتى أُلِّفت كتب ومجلّدات خاصّة في هذا الأمر، وبما أنّ بناءنا الاختصار فسوف نذكر عدّة منها:
فقد روي في النص عليه علیه السلام: عدّة أحاديث، منها ما رواه الصدوق: عن محمد بن علي بن ماجيلويه، عن محمد بن يحيى العطار، عن جعفر بن محمد بن مالك الفزاري، عن معاوية بن حكيم ومحمد بن أيوب بن نوح ومحمد بن عثمان العمري، قالوا: «عرض علينا أبو محمد الحسن بن علي ونحن في منزله، وكنّا أربعين رجلاً، فقال: هذا إمامكم من بعدي وخليفتي عليكم، أطيعوه ولا تتفرّقوا من بعدي في أديانكم فتهلكوا، أما إنّكم لا ترونه بعد يومكم هذا.
قالوا: فخرجنا من عنده، فما مضت إلا أيام قلائل حتى مضى أبو محمد علیه السلام»(1).
كما جاء في الروايات الشريفة أنّ الإيمان بالأئمّة كلّ لا يتجزّأ، وأنّ الاعتراف بهم من دون الإمام الحجّة لا يساوي شيئاً، وهو كإنكار أمير المؤمنين علیه السلام، يروى الخزار القمي في «كفاية الأثر»: عن الحسن بن علي، عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار، عن عن سعد بن عبد الله ، عن موسى بن جعفر البغدادي، قال: سمعت أبا محمد الحسن بن علي العسكري علیه السلام يقول:
«كأني بكم وقد اختلفتم بعدي في الخلف منّي، ألا إنّ المقرّ بالأئمّة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنكر لولدي كمن أقرّ بجميع الأنبياء والرسل ثم أنكر نبوّة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، لأنّ طاعة آخرنا كطاعة أوّلنا، والمنكر لآخرنا كالمنكر لأوّلنا، أما إنّ لولدي غيبة يرتاب فيها الناس إلا من عصمه الله»(2).
وروى الصدوق: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله عن محمد بن الحسين بن
أبي الخطاب، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، عن أبي عبد الله علیه السلام، أَنّه قال في قول الله عزّ وجلّ: «يَومَ يَأْتِي بَعضُ آيات رَبِّكَ لا يَنفَعُ نفساً إيمَانُها لم تكن آمَنَت مِن قَبلُ»(1). فقال علیه السلام: «الآيات هم: الأئمّة، والآية المنتظرة: القائم علیه السلام؛ فيومئذٍ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل قيامه بالسيف، وإن آمنت بمن تقدّمه من آبائه علیهم السلام»(2).
وقد روي أنّه علیه السلام أشبه الناس برسول الله، وله اسمه وكُنيته، روى الصدوق في «كمال الدين»: عن أبيه ومحمد بن الحسن ومحمد بن موسى المتوكّل، عن سعد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر الحميري، ومحمد بن يحيى العطار جميعاً، عن أحمد بن محمد بن عيسى وإبراهيم بن هاشم وأحمد بن أبي عبد الله البرقي ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب جميعاً، عن أبي علي الحسن بن محبوب السراد، عن داود بن الحصين، عن أبي بصير، عن الصادق جعفر بن محمد علیه السلام، عن آبائه، قال: «قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: المهدي من ولدي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خلقاً وخُلقاً، تكون له غيبة وحيرة حتى تضلّ الخلق عن أديانهم، فعند ذلك يُقبل كالشهاب الثاقب، فيملؤها قسطاً وعدلا كما ملئت ظلماً وجوراً»(3).
كما جاء في الأخبار أنّ من الابتلاء للخلق في زمان غيبته أن يشكّ بعضهم في ولادته، فقد روى الشيخ الصدوق في «كمال الدين» ذلك عن أحمد بن محمد ابن يحيى العطار، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عیسی، عن عثمان ابن عيسى الكلابي، عن خالد بن نجيح، عن زرارة بن أعين، قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: «أنّ للقائم غيبة قبل أن يقوم.
قلت له: ولم؟
قال: يخاف. وأومأ بيده إلى بطنه، ثم قال: يا زرارة! هو المنتظر، وهو الذي يشكّ الناس في ولادته، منهم من يقول: هو حمل، ومنهم من يقول: هو غائب، ومنهم من يقول: ما ولد، ومنهم من يقول: ولد قبل وفاة أبيه بسنتين، غير أن الله تبارك وتعالى يحبّ أن يمتحن الشيعة، فعند ذلك يرتاب المبطلون»(1).
وقد ورد في النصوص أنّه قد ولد، وأنّه عجّل الله تعالى فرجه يحضر موسم الحج، فيعاين الخلق، وقد رآه - من جملة من رآه - نائبه الخاص (في الغيبة الصغرى) محمد بن عثمان العمري في الموسم متعلقاً بأستار الكعبة..
وتكمن أهمية مثل هذا النص في أنّه لا يؤكّد مولده فحسب بل اتّصاله بالخلق، وذلك أنّ قضية المهدي عجّل الله تعالى فرجه قضية اتّفاقية بين المسلمين جميعاً؛ لما ورد من النصوص المتواترة عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم، و لكن الخلاف بينهم هو في: أنّه سيولد في آخر الزمان، كما يدّعي غير الشيعة؟
أو أنّه ولد، وأنّ أباه هو: الحسن بن علي العسكري، وأنّه غائب عن الأنظار، بعدما نصّ عليه أبوه علیهما السلام، ورآه خلص شيعته، وأنّ له غيبتين: صغرى، كان يمارس فيها توجيه العباد عن طريق سفرائه الأربعة الخاصين، وكبرى إلى أوان ظهوره، وأنّه سيظهر عندما يأذن الله له؛ كما هو الحقّ، وبه يقول شيعة أهل البيت علیهم السلام؟
فقد روى الشيخ الصدوق في من لا يحضره الفقيه، بسند صحيح: عن عبد الله بن جعفر الحميري، أنّه قال: سألت محمد بن عثمان العمري رضی الله عنه، فقلت له: رأيت صاحب هذا الأمر؟
قال: «نعم، و آخر عهدي به عند بيت الله الحرام، وهو يقول: اللهم انجز لي ما وعدتني..
1) كمال الدين: 342
قال محمد بن عثمان رضي الله عنه وأرضاه: ورأيته صلوات الله عليه متعلقاً بأستار الكعبة، وهو يقول: اللهمّ انتقم لي من أعدائك»(1).
ملاحظة هامة:
إنّ الوضع العام الذي عاش فيه الأئمّة علیهم السلام، خصوصاً بعد استشهاد الإمام الحسين علیه السلام، كان وضعاً عصيباً، وقد حاول فيه الظلمة بكلّ جهدهم أن «يُطفِئُوا نُور الله بأفواهِهم»(2)، فكانوا يتربّصون بالأئمّة الدوائر، ويبغونهم الغوائل؛ للقضاء عليهم.
وهؤلاء الظلمة - في العهدين الأُموي والعبّاسي - وإن لم يكونوا يقدمون على قتلهم جهراً وعلانية، إلا أنّهم كانوا يحاولون ذلك غيلة؛ وشاهد ذلك: ما نجده من إقدامهم على دس السُم للأئمّة علیهم السلام، وهذه الظروف والأوضاع غير خافية على المتتبّع لأحوالهم، والعارف بتأريخهم..
ويكفي لمعرفة ذلك: النظر إلى كيفية نصّ الإمام الصادق علیه السلام على إمامة الكاظم علیه السلام في وصيّته له؛ فقد كان العبّاسيون ينتظرون تعيين الإمام بنحو صريح من قبل الإمام الصادق علیه السلام ليقتلوه، فكان أن أوصى لخمسة، فضيّع عليهم هذه الفرصة.
ثم ما جرى على الإمام الكاظم علیه السلام من سجنه، ثم قتله.
وأيضاً ما جرى من التضييق والاضطهاد للإمام الهادي، ومن بعده ابنه الحسن العسكري علیهم السلام، ومحاولتهم القبض على خليفته الإمام المهدي وقتله - بزعمهم -.
وهكذا عاش شيعة آل البيت من ظروف القمع والتقية، فلم يكونوا يسلموا
على عقائدهم في وقت كان يسلم فيه الكفّار في بلاد الإسلام على ما كانوا عليه من ضلالة، فكان الكشف في هذه الظروف عن أسماء الأئمّة المعصومين، خصوصاً من كان منهم في الفترات اللاحقة، وتناقل النصوص المصرّحة بإمامتهم بين الرواة أمراً في غاية الخطورة على الإمام، وعلى شخص الناقل أيضاً.
ولكنّهم مع ذلك قد حفظوا تلك النصوص وتناقلوها فيما بينهم، بالرغم ممّا كان يكتنفها من المشاكل والضغوط حتى أوصلوها الى الأجيال التالية، وبذلك تمّت الحجّة على من أنكر، والاحتجاج بها والاستناد عليها لمن آمن.
ولهذا أصبحت هذه القضية من المسلّمات العقائدية لدى شيعة أهل البيت، والمتواترة إجمالاً، إذ أنّهم عُرفوا، حتى عند أعدائهم، بتولّيهم لهؤلاء الأئمّة الطاهرين علیهم السلام، وميّزوا بأنّهم (الاثنا عشرية)، في إشارة إلى اعتقادهم بإمامة الأئمّة الاثني عشر علیهم السلام. وصار الأمر عند الشيعة إلى أنّ من كان لا يؤمن بأحدهم، أو جعل غيره مكانه لا يُعدّ من هذه الطائفة المحقّة.
بل ارتبط ذكر أسمائهم علیهم السلام بالصلاة وسجدة الشكر، كما في صحيحة ابن جندب عن الإمام موسى بن جعفر علیه السلام، وقد يراد في هذه الرواية من المؤمن أن يكون ذاكراً لأئمّته في سائر أوقات اليوم، وحتى لا تُنسى هذه الصفوة الطاهرة، أو يدّعي آخرون عدم وجود الدليل أو النص عليهم، أو على بعضهم(1).
التحرر من الشبهات:
بعد سرد هذه النصوص، التي تمتاز بأعلى درجات الصحّة والمتانة من ناحية السند والمتن، لا يبقى أي مجال للشكّ والريب في تعيين مصاديق الأئمّة المعصومين علیهم السلام، وإنّ اطّلاع عموم المؤمنين على هذه الأُمور خاصة، وعلى أجوبة
1) مقتطفات من كتاب: «النصوص الصريحة» لآية الله العظمى الميرزا جواد التبريزي
الشبهات المثارة ضدّ المذهب الحق بصورة عامّة، هو من أهم العوامل التي تسبّب فشل مخطّطات أعداء الإسلام الأصيل لإلقاء الشبهات في أذهان أتباع مذهب أهل البيت علیهم السلام..
وإنّ «كونستانسيو» هو أحد الذين تحرّروا من قيود تلك الشبهات والافتراءات، واكتشفوا الحقيقة بعد البحث والتأمّل، والتحقوا بركب أتباع النبيّ الأعظم وأهل بيت النبوة علیهم السلام.
الصورة
ولدت في دولة الفلبّين، وحينما أتمّت دراستها العامة التحقت بكلّية الحقوق، ثم نالت شهادة الليسانس.
نشأت في عائلة تنتمي للديانة المسيحية، حتى انتشلها الله سبحانه وتعالى الضلال والضياع وهداها إلى سواء السبيل؛ إذ حصلت لها ظروف أدّت إلى من تعرّفها على بعض المسلمين الشيعة، فتعرّفت عن طريقهم على الإسلام.
حرية الفكر في الإسلام:
من الأُمور المهمّة التي يلاحظها الباحث في الدين الإسلامي - والتي تدفعه للاستبصار -: مدى الحرية الفكرية التي يمنحها الإسلام لأتباعه، وهي الحرية في كلّ من التعبير عن الأفكار والمفاهيم والرؤى للحياة والكون والمجتمع وحركة هذا المجتمع..
هذا وقد واجه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام نوعاً من الاختلاف الفكري داخل الإطار الإسلامي؛ ولم تكن القضية قضية حقّ وباطل - طبعاً الحقّ واحد، وله ثبوت في نفس الأمر والواقع أيضاً، ولابدّ أن نأخذ الحقّ من الطريق الصحيح - لكن عندما يختلف اجتهادان بشأن مسألة معيّنة داخل الإطار الإسلامي، ويكون
لكلّ منهما رأي، وكلّ منهما ينسب رأيه إلى الإسلام، فلا يكون هذا حقّ وذاك باطل إلا بمقدار انتساب هذا الرأي إلى الحق أو إلى الباطل في الواقع والتصاقه به، وفي هذه الحالة تكون الحرية أكثر سعة، فهنا رأيان لشخصين مسلمَين في فهم تلك المسألة، ومن ثمة فيمكن أن تتلاقح الآراء وتصل إلى نتائج علمية أكثر قرباً للواقع..
وهذا أيضاً ما يميّز منهج أمير المؤمنين علیه السلام إذ أنّه هو الذي فتح باب الاجتهاد والحرية في مناقشة الأُمور وتداولها ومتابعتها، وذهب إلى ضرورة إعطاء المجال للمسلمين في أن يدلوا بآرائهم في فهم الكتاب والسُنّة من خلال المناقشة والحوار، من أجل الوصول إلى ما هو الواقع الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على نبيّه صلی الله علیه وآله وسلم في القرآن والسُنّة، ولكن هذه الحرية يجب أن تكون مضبوطة ومقننة ضمن القواعد والأُصول العلمية التي تُتّبع للوصول إلى الحقيقة، أو تقرّب الإنسان منها..
وقد جسّد الإمام أمير المؤمنين علیه السلام لهذا الأمر من خلال العديد من الممارسات، منها:
حرية إبداء النصح:
إنّ الولي الذي يدير أُمور المسلمين ويتولّى شؤونهم لابدّ له من أن يشاور هؤلاء المسلمين في ما يتعلّق بشؤون حياتهم، وبعد هذه المشورة، وتبيّن المصلحة من خلالها يتّخذ القرار الذي يكون له علاقة بهذه المصلحة.
ولقد حدّد الإسلام المسؤولية بالمصلحة أوّلاً، وبين الطريق للوصول إلى هذه المصلحة ثانياً، وهو طريق التشاور الذي يعدّ من الواجبات حتى بالنسبة إلى المعصومين الذين يدركون المصلحة بدون الحاجة إلى التشاور، ومن أجل أن يكون المجتمع الإسلامي مجتمعاً يعبّر عن حرّيته وحركته لإدراك السلوك حتى
في المواقف السياسية.
ولذلك فإنّ النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم وهو المعصوم الذي يعرف المصالح، يخاطبه الله تعالى بقوله: «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ»(1).
كما ورد في وصف الجماعة الصالحة قوله تعالى: «وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ»(2).
ومن هنا نجد أنّ الإمام أمير المؤمنين علیه السلام عند تولّيه الحكم حثّ الناس على إبداء النصح والمشورة، وقد أشار علیه السلام إلى هذا الأمر في مجموعة من النصوص:
النص الأوّل:
قوله علیه السلام في خطبة له بصفّين(3): (إِنَّ مِنْ حَقٌّ مَنْ عَظُمَ جَلالُ اللَّهِ فِي نَفْسِهِ وَجَلَّ مَوْضِعُهُ مِنْ قَلْبِهِ أَنْ يَصْغُرَ عِنْدَهُ لِعِظَمِ ذَلِكَ كُلُّ مَا سِوَاهُ، وَإِنَّ أَحَقُّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَنْ عَظُمَتْ نِعْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ، وَلَطَّفَ إِحْسَانُهُ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَمْ تَعْظُمْ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا ازْدَادَ حَقٌّ اللهِ عَلَيْهِ عِظَماً. وَإِنَّ مِنْ أَسْخَفِ(4)حَالاتِ الْوُلاةِ عِنْدَ صَالِحِ النَّاسِ أَنْ يُطَنَّ بِهِمْ حُبُّ الْفَخْرِ، وَيُوضَعَ أَمْرُهُمْ عَلَى الْكِبْرِ، وَقَدْ كَرِهْتُ أَنْ يَكُونَ جَالَ فِي ظَنَّكُمْ أَنِّي أُحِبُّ الإِطْرَاء(5)، وَاسْتِمَاعَ الثَّنَاءِ، وَلَسْتُ بِحَمْدِ اللَّهِ كَذَلِكَ، وَلَوْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ لَتَرَكْتُهُ انْحِطَاطا(6)اللَّهِ
1) آل عمران (3): 159
2) الشورى (42): 38
3) صِفّين: موضع بقرب الرقة على شاطىء الفرات من الجانب الغربي بين الرقة وبالس، وكانت وقعة صِفّين بين علي علیه السلام ومعاوية في سنة 37 في غرة صفر. معجم البلدان 3: 414
4) السخف: رقة العقل كتاب العين 4: 202
5) الإطراء: مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه. لسان العرب 6:15
6) الانحطاط: الانحدار والإدبار والاضمحلال. تاج العروس 5: 119
سُبْحَانَهُ عَنْ تَنَاوُلِ مَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ.
ورُبَّمَا اسْتَحْلَى النَّاسُ الثَّنَاءَ بَعْدَ الْبَلاءِ(1)فَلا تُثنُوا عَلَيَّ بِجَمِيلِ تَنَاءٍ لإخْرَاجِي نَفْسِي إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ وَإِلَيْكُمْ مِنَ التَّقِيَّةِ فِي حُقُوقٍ لَمْ أَفْرُغْ(2)مِنْ أَدَائِهَا، وَفَرَائِضَ لَا بُدَّ مِنْ إِمْضَائِهَا(3)، فَلا تُكَلِّمُونِي بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَةُ(4)، وَلا تَتَحَفَظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ(5)، وَلا تُخَالِطُونِي بِالْمُصَانَعَةِ(6)، وَلا تَظُنُّوا بِي اسْتِثْقَالاً فِي حَقٌّ قِيلَ لِي، وَلَا الْتِمَاسَ(7)إِعْظَامِ لِنَفْسي فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الْحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَوِ الْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ كَانَ العَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ..
فَلَا تَكْفُوا عَنْ مَقَالَةٍ بِحَقِّ، أَوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ: فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِيءَ، وَلَا آمَنُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِي، إِلَّا أَنْ يَكْفِيَ اللَّهُ مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي، فَإِنَّمَا أَنَا وَأَنْتُمْ عَبِيدٌ مَمْلُوكُونَ لِرَبِّ لا رَبَّ غَيْرُهُ، يَمْلِكُ مِنَّا مَا لا نَمْلِكُ مِنْ أَنْفُسِنَا، وَأَخْرَجَنَا مِمَّا كُنَّا فِيهِ إِلَى مَا صَلَحْنَا عَلَيْهِ، فَأَبْدَلَنَا بَعْدَ الصَّلالَةِ بِالْهُدَى وَأَعْطَانَا الْبَصِيرَةَ بَعْدَ الْعَمَى)(8).
قوله علیه السلام: (وَ قَدْ كَرِهْتُ أَنْ يَكُونَ جَالَ فِي ظَنِّكُمْ أَنِّي أُحِبُّ الإِطْرَاءَ وَاسْتَمَاعَ الثَّنَاءِ وَلَسْتُ بِحَمْدِ اللهِ كَذَلِكَ وَلَوْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ لَتَرَكْتُهُ انْحِطَاطًا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ عَنْ تَنَاوُلِ
1) بلي الإنسان وابتُلي، إذا امتُحن. والبلاء في الخير والشر. والله يبلي العبد بلاءً حسناً وبلاء سيئاً. وأبليت فلاناً عُذراً، أي: بيّنت فيما بيني وبينه ما لا لوم علَيّ بعده. والبلوى: هي البلية، والبلوى: التجربة، بلوته أبلوه بلوا. كتاب العين 8: 340
2) فرغ من الشيء: أي: أصبح خالياً منه. كتاب العين 4: 408
3) أمضى الشيء: أنفذه. لسان العرب 15: 283
4) الجبّار: العاتي على ربّه القتّال لرعيّته. والجبّار من الناس العظيم في نفسه الذي لا يقبل موعظة أحد . كتاب العين 6: 117
5) البادرة: ما يبدر من حدّة الرجل عند الغضب؛ يقال: فلان مخشيّ عند البادرة، و: أخاف حدّته وبادرته. كتاب العين 34:8
6) التصنّع: تكلّف حسن السمت. وتصنّعت المرأة، إذا صنّعت نفسها. الصحاح 3: 1246
7) الالتماس: الطلب. والتلمس التطلّب مرّة بعد أُخرى. الصحاح 3: 975
8) نهج البلاغة، 2: 198، الخطبة: 106
مَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ)، يعلّل ذلك بمشاهدته لجلال الربّ تعالى. فمن كان من حقّه أن يصغر كلّ ما سوى الله في قلبه فكيف يليق به أن يحبّ الفخر أو يصنع أمره على الكبر اللذين لا يليقان إلّا بعظمة الله، أو يظنّ به ذلك ويعامل بما يعامل به الجبارة من الخطاب به. وكلامه يجرى مجرى تسليم الجدل، أي: وهب إنِّي أُحبّ أن يُقال ذلك فيّ باعتبار ما فيه من اللذّة، لكنّي لو كنت كذلك لتركته باعتبار آخر، وهو: الانحطاط والتصاغر عن تناول ما هو الله أحقّ به من العظمة والكبرياء. ونبّه في ذلك على أنّ الإطراء يستلزم التكبّر والتعظيم، فكان تركه له وكراهته لكونه مستلزماً لهما.
قوله: (وَ رُبَّمَا اسْتَحْلَى النَّاسُ الثَّنَاءَ بَعْدَ الْبَلاءِ)، أي: استحلى من أبلى بلاءً حسناً من الولاة وغيرهم أن يُمدح ويُثنى عليه بعد ابتلائه بالشدائد ومکايدته المشاقّ. ويجري كلامه مجرى تمهيد العذر لمن أثنى عليه؛ فكأنّه يقول: وأنت معذور في ذلك؛ إذ رأيتني أُجاهد في الله وأحثّ الناس على ذلك، ومن عادة الناس أن يستحلوا الثناء عندما يبلوا بلاءً حسناً في جهادٍ أو غيره من سائر الطاعات.
ثمّ أجاب عن هذا العذر في نفسه بقوله: (فَلا تُتْنُوا عَلَيَّ بِجَمِيلِ ثَنَاءٍ لِإِخْرَاجِي نَفْسِي إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَإِلَيْكُمْ مِنَ التَّقِيَّةِ فِي حُقُوقٍ لَمْ أَفْرُغْ مِنْ أَدَائِهَا، وَفَرَائِضَ لابُدَّ مِنْ إمْضَائِهَا)..
وأراد: فلا تثنوا علَيّ لأجل ما ترونه منّي من طاعة الله؛ فإنّ ذلك إنّما هو إخراجٌ لنفسي إلى الله من حقوق باقية علَيّ لم أفرغ بعد من أدائها، وهي حقوق نعمه، ومن فرائضه التي لابدّ من المضيّ فيها، وكذلك إليكم من الحقوق التي أوجبها الله علَيّ لكم من النصيحة في الدين والإرشاد إلى الطريق الأقصد والتعليم لكيفيّة سلوكه.
ثم بعد أن قدّم أنّه إنّما يعمل الله ولهم، ويقوم بواجبه تجاه الله و تجاههم نهاهم عن أُمور لا يريد أن يتعاملوا بها معه بقوله علیه السلام: (فَلَا تُكَلِّمُونِي بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَةُ)؛ فإنّ الطغاة والظالمين والفراعنة قد عبّدوا الناس لهم وجعلوا لأنفسهم ألقاباً وأسماءً فيها التعظيم والرهبة، مما يمنع الناس من الحديث إليهم وإبراز شكاواهم لهم.
قوله علیه السلام: (وَ لا تَتَحَفَظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ)، أي: لا تهابوني وتحترزوا منّي فتمتنعوا من الحديث معي، والبوح لي بما تريدون، كما هي حالة الملوك الذين تعرفون من أنّهم يغضبون لأنفسهم بمجرّد أن لا يعجبهم منطق إنسان، أو لا يوافق مزاجهم، فيبادرون مستعجلين إلى الانتقام منه لأنفسهم وغضباً لذاتهم.
قوله: (وَ لا تُخَالِطُوني بِالْمُصَانَعَةِ)، أي: إذا أردتم أن تكونوا معي في الحياة وتكون بيننا معاشرة ومخالطة ومصاحبة ولقاء فلا تتعاملوا معي بالمداراة والنفاق والخوف، بل كونوا صريحين واضحين تبدون آراءكم، وتقولون كلمتكم، و تناقشون فيما ترون.
قوله علیه السلام: (وَلا تَظُنُّوا بِي اسْتِثْقَالاً فِي حَقٌّ قِيلَ لِي، وَلَا الْيَمَاسَ إِعْظَامِ لِنَفْسِي فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الْحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَوِ الْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ): نفى عن نفسه كل مشقّة أو ثقل أوكلفة إذا قالوا له الحقّ ونطقوا بالصواب، كما نفى عن نفسه أن يرفض قولهم ولا يستمع لهم لأنّه يطلب العظمة لنفسه، وأنّه فوق أن يقال له الحقّ!!
وقد بيّن أنّ من يستثقل سماع الحق له، أو العدل يُعرض عليه، يكون العمل بهما أثقل عليه؛ لأنّه إذا كان مجرد عرض الحق والحديث فيه، ومجرّد ذكر العدل وبيانه، إذا كان مجرد ذلك ثقيل وصعب فالعمل به أشدّ وأصعب، بل من يستثقل
سماع الحقّ وبيان العدل يمتنع عليه القيام بهما وأداء حقّهما.
قوله علیه السلام: (فَلا تكفُّوا عَنْ مَقَالَةٍ بِحَقِّ أَوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ): دعاهم إلى قول الحقّ وإبداء المشورة التي فيها عدل، ثم تواضع لهم كي يسترسلوا معه ولا يتحفّظوا أو يصانعوا، فأشار إلى أنّه ليس فوق أن يخطىء، ولا يطمئن إلى أنّه لا يقع فيه إلا بعون الله وتسديده الذي يملك من نفسه ما لا يملكه هو من نفسه.
قوله علیه السلام: (فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِيءَ، وَلَا آمَنُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِي)، وهذا القول صدر منه علیه السلام كقول يوسف علیه السلام: «وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ»(1)، فلا ينافي عصمته علیه السلام فإنّ عصمتهم علیهم السلام إنّما بالله تعالى؛ قال تعالى: «وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ»(2)، قال الرضا علیه السلام: «لقد همّت به ولولا أن رأى برهان ربّه لهمّ بها كما همّت به، لكنه كان معصوماً والمعصوم لا يهمّ بذنب ولا يأتيه، ولقد حدّثني أبي عن الصادق علیه السلام: أنّه قال: همت بأن تفعل، وهمّ بأن لا يفعل»(3).
قوله علیه السلام: (فَإِنَّمَا أَنَا وَأَنْتُمْ عَبِيدٌ مَمْلُوكُونَ لِرَبِّ لا رَبَّ غَيْرُهُ، يَمْلِكُ مِنَّا مَا لَا نَمْلِكُ مِنْ أَنْفُسِنَا وَأَخْرَجَنَا مِمَّا كُنَّا فِيهِ إِلَى مَا صَلَحْنَا عَلَيْهِ، فَأَبْدَلَنَا بَعْدَ الضَّلَالَةِ بِالْهُدَى وَأَعْطَانًا الْبَصِيرَةَ بَعْدَ الْعَمَى) ذكّرهم بأنّه وإياهم سواء بسواء عبيد الله عبيد الله، مملوكون له، لا ربّ غيره ولا معبود سواه، يملك منّا ما لا نملك من أنفسنا، يملك حقّ حياتنا ومماتنا ومرضنا وشفائنا وغنانا وفقرنا ولا نملك من ذلك شيئاً، فهو أملك منّا بأنفسنا، وهو الذي أخرجنا ممّا كنّا فيه من ظلمات الجاهلية وعاداتها والبعد عن الله إلى ما نحن
فيه من الصلاح في الدين والعقيدة والهدى، فأبدلنا بعد الهلاك النجاة، وبعد الضلال الهدى.
اعتناقها للإسلام ومذهب أهل البيت علیهم السلام:
بعد أن توصّلت «ليندا» إلى حقّانية الدين الإسلامي، سارعت للانضواء تحت رايته، فنبذت الباطل وراء ظهرها، ثم غيّرت اسمها وتسمّت باسم سيدة نساء العالمين: فاطمة علیها السلام(1).
1) راجع: معرفة تحليلية عن الإسلام وبعض الأديان والمذاهب: 569
الصورة
ولد في الفلبّين ونشأ في أسرة مسيحية، تدرّج في الدراسة حتى صار مهندساً في فنّ الطائرات، التحق بركب أهل بيت النبوة واعتنق مذهب أهل البيت بعد البحث علیهم السلام والتحقيق، متخطّياً كل العوائق الطائفية والفئوية والقومية(1).
إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم:
نسمع في الآونة الأخيرة نداءات متزايدة وموجّهة للعرب من الشيعة؛ لأجل التفرقة بينهم وبين الشيعة من غير العرب، تركّز على كون التشيّع مذهباً ليس عربياً، وبعيداً كل البعد عن العرب والعروبة، نحن لا نرى في بحث هذا الموضوع أثراً علمياً؛ إذ أنّ إثبات كون من نشأ هذا المذهب على أيديهم هم من العرب أو من غيرهم لا يؤثّر في أحقّيته، ولكن يجب الالتفات إلى هذا الأمر؛ دفعاً للشبهات وكيد الأعداء، لأنَّ الذين يركّزون عليه لا تهمّهم مصلحة الأَمّة الإسلامية، بل تهمّهم منافعهم السياسية والمالية وما شابه ذلك.
يرى الباحث المنصف بعد التحقيق في المسألة صدق عكس الادّعاء الذي يُدعى من قبل المخالفين؛ فإذا طالعنا ترجمة أعلام مذهب أهل السُنّة نرى أكثرهم
1) راجع: معرفة تحليلية عن الإسلام وبعض الأديان والمذاهب: 563
لا ينتمون إلى أُسرٍ عربية، أليس أحمد بن حنبل ومالك وأبو حنيفة من الفرس؟!! وهؤلاء هم ثلاثة من أربعة تدور عليهم رحى الانتماء المذهبي في الفقه عند السُنّة.
ألم يكن خمسة من أصل ستّة من أصحاب الصحاح من الفرس؟!!
ألم يشكّل غير العرب جلّ مفسري أهل السنة وفقهائهم أمثال مجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والليث بن سعد، وربيعة الرأي، والبيهقي، ومكحول بن عبد الله، ومحمد بن سيرين، والحسن البصري، والحاكم صاحب «المستدرك»، وعبد العزيز الماجشون الأصفهاني، وعبد الحق سيف الدين الدهلوي صاحب «مقدمة في مصطلح الحديث»، وعبدالحكيم القندهاري شارح البخاري في حاشيته، وعبد الحميد الخسروي شاهي صاحب «اختصار المذاهب على مذهب الأوزاعي»، وعبد الرحمن العضد الإيجي صاحب كتاب «المواقف»، وعبدالرحمن الجامي صاحب «فصوص الحكم»، وعبدالرحمن الكرماني رئيس الأصناف بخراسان وصاحب «شرح التجريد»، وشيخي زاده صاحب كتاب «مجمع الأنهار»، وأحمد بن عامر المروزي صاحب «مختصر كتاب المزني»، وسهيل بن محمد السجستاني صاحب كتاب «إعراب القرآن»، ومحمد بن إدريس أبي حاتم الرازي الذي يُعدّ بمستوى البخاري، والطبري صاحب التاريخ والتفسير، وأبي إسحاق الشيرازي صاحب كتاب «التشبيه». وعبد بن ذكوان أبي الزناد عالم المدينة بالفرائض والفقه وممّن روى عنه مالك والليث، وأحمد بن الحسين شهاب الدين الأصبهاني صاحب كتاب «غاية الاختصار»، ويعقوب بن إسحاق النيسابوري صاحب «المسند الصحيح المخرج على كتاب مسلم بن الحجاج»، وأحمد بن عبد الله أبي نعيم صاحب «الحلية»، وابن خلكان صاحب «وفيات الأعيان»، وأحمد بن محمد الثعلبي المفسّر... وغيرهم كثير كثير.
فالفكر السنّي مدين بكل أبعاده من الفقه والحديث والتفسير والعقائد
والتاريخ لغير العرب، وحتّى أنَّ محمد بن عبد الوهاب - إمام الوهابية نشأ وتثقّف على أيدي جماعة بعضهم من الفرس، يقول أحمد أمين عنه:... فأقام نحو... سنة في «كردستان»، وسنتين في همذان، ثم رحل إلى أصفهان، ودرس هناك فلسفة الإشراق والتصوّف، ثم رحل إلى «قم»، ثم عاد إلى بلده(1).
الشيعة والتمييز الطائفي:
يرى المبدأ الشيعى أنَّ فكرة تفضيل قوم على قوم ولسان على لسان وأهل مدينة على أخرى لم يقرّها الإسلام بعد ما كانت أمراً طبيعياً في العصر الجاهلي، ولكن نرى امتداد هذه الفكرة عند بعض من يتلبّس بلباس الإسلام والدين إلى يومنا هذا، فنراهم يروّجون لها بشكل كبير كأنّها أصبحت جزءاً أساسياً من خطابهم الديني، ولكن الذي يبحث عن الحقيقة لا تؤثر عليه الإشاعات والافتراءات والشبهات، بل يبقى يشق طريقه بين ركام الظلمات إلى النور، وإنَّ «ليوناردو» هو ممَّن اكتشف الحقيقة بنفسه، ولم تؤثر عليه إلقاءات أعداء الإسلام.
1) زعماء الإصلاح لأحمد أمين: 10
الصورة
من مواليد الفلبّين، حاصل على شهادة الليسانس في الميكانيك، ترعرع في أُسرة مسيحية، فتوجّه إلى التعبّد متّخذاً هذا الدين سبيلاً ليوصله إلى رضوان ربّه، لكنّه رغم معيشته في ظلّ أجواء حاولت إرخاء سحابة من الدخان حول فطرته، بقيت فطرته كامنة تهتف به لاعتناق المبادئ المتلائمة والمنسجمة معها، فبقي على هذه الحالة يعيش الأفكار المنطلقة من النظرة الضيقة للكون حتى تعرّف على الإسلام، فتجلّت له روعة الإسلام في انسجامها التام مع الكون، ولمس بنفسه الأثر الروحاني العظيم بعد أن وجدت المعارف الإسلامية سبيلاً إلى قلبه، فاندفع لدراسة الإسلام حتى توصل إلى هذه النتيجة: الإسلام هو العقيدة التي تقدّم له الحقيقة بصورة مقنعة وشاملة بحيث تتركه في وئام مع نفسه ومع الكون الذي حوله.
ولعل أكثر ما تميّز به الدين الإسلامي والمذهب الإمامي بالخصوص يكمن في ما يتعلّق بصفات الله عزّ وجلّ في النظرية الإسلامية.
صفات الله عزّ وجلّ في النظرية الإسلامية:
لا يختلف اثنان من المسلمين في أنّ الله سبحانه يوصف بكلّ ما وصف به نفسه في كتابه العزيز، وأنّ عظمته في الكمال والجلال كما هي لا يحدّها وصف،
ولا يدركها عقل، وأنّها أزلية أبدية، تماماً كذاته القدسية.
وإنّما الكلام والخلاف فى أنّ الصفات العليا بأيّ معنى تنسب إليه تعالى، وتطلق عليه؛ هل تنسب إليه جلّت عظمته على أنّها شيء غير الذات، وزائدة على كنهها وحقيقتها، تماماً كما هي الحال في وصف الإنسان بالعلم؟
فإنّ حقيقة الإنسان حيوان ناطق، وحقيقة العلم الكشف عن الواقع، فإذا وصفنا الإنسان بالعلم فقد وصفناه بما هو زائد وخارج عن ذاته وطبيعته، وإلا كان الإنسان بما هو عالماً من غير كسب واستفادة وبحث ودرس، وهذا خلاف الحسّ والوجدان؛ هل وصف الله بالعلم وغيره كذلك وعلى هذه الحال؟
أو أنّ الله يوصف بالعلم والقدرة بمقتضى ذاته وحقيقته، لا بشيء زائد عنها، تماماً كوصف الإنسان بالإنسانية، والشجر بالشجرية - مثلاً -؟
الأُولى: نظرية المعتزلة:
ذهب مشايخ الاعتزال - لأجل حفظ توحيده سبحانه وتنزيهه عن التركيب من الذات والصفات - إلى أنّ ملاك إجراء هذه الصفات هو: الذات، وليست هناك أية واقعية للصفات سوى ذاته.
توضيحه: «إنّ حقيقة نظرية المعتزلة هي نظرية نيابة الذات عن الصفات من دون أن يكون هناك صفة، وذلك لأنّهم رأوا أنّ الأمر في أوصافه سبحانه يدور بين محذورین:
أوّلهما: إنّا لو قلنا بأنّ له سبحانه صفات، كالعلم، وجب الاعتراف بأنّ هناك ذاتاً وصفةً؛ لأنّ واقعية الصفة هي مغايرتها للموصوف، ولا يمكن أن يكون هنا صفة ولا تكون غير الموصوف، فعندئذ يلزم التركّب فيه سبحانه من: ذات وصفة؛ وهو محال.
ثانيهما: إنّ نفي العلم والقدرة وسائر الصفات الكمالية عنه سبحانه يستلزم
النقص في ذاته أوّلاً، ويكذبه إتقان آثاره وأفعاله ثانياً.
فالمخلَص والمفر من هذين المحذورين هو: انتخاب نظرية النيابة، وهي أن نقول بنيابة الذات مناب الصفات، وإن لم يكن هناك واقعية للصفات وراء الذات.
هذا هو المشهور عن المعتزلة وممّن صرح به منهم: عبّاد بن سليمان؛ قال: «هو عالم، قادر، حي، ولا أثبت له علماً، ولا قدرة ولا حياة ولا أثبت سمعاً ولا أثبت بصراً، وأقول هو عالم لا بعلم، وقادر لا بقدرة، وحيٌّ لا بحياة، وسميع لا بسمع، وكذلك سائر ما يسمّى من الأسماء التي يسمّى بها»(1).
الثانية: نظرية الأشاعرة:
إنّ الأشاعرة ذهبت إلى وجود صفات كمالية زائدة على ذاته سبحانه مفهوماً ومصداقاً، فلا تعدو صفاته صفات المخلوقين إلا في القدم والحدوث، فالصفات في الواجب والممكن زائدة على الذات غير أنّ صفات الأوّل قديمة وفي غيره حادثة.
واستدلّ عليه الأشعري بوجهين:
الوجه الأوّل: إن كونه سبحانه عالماً بعلم، لا يخلو عن صورتين:
1 - أن يكون عالماً بنفسه.
2 - أن يكون عالماً بعلم يستحيل أن يكون هو نفسه.
فإن كان الأوّل، كانت نفسه علماً، ويستحيل أن يكون العلم عالماً، أو العالم علماً، ومن المعلوم أنّ الله عالم.
ومن قال: إنّ علمه نفس ذاته، لا يصحّ له أن يقول: إنّه عالم؛ فإذا بطل هذا الشقّ، تعيّن الشقّ الثاني، وهو أنّه يعلم بعلم يستحيل أن يكون هو نفسه(2).
الثالثة: نظرية الإمامية:
ذهب أهل العدل والتوحيد إلى أنّه لا صفات لذات الله تزيد على ذاته، وأنّ وصفه بالعلم والقدرة تماماً كوصف الإنسان بالإنسانية، والشجر بالشجرية؛ لأنّ ذاته تعالى بما هي وبطبعها وحقيقتها تقتضي العلم والقدرة، بل هي عين العلم والقدرة، كما أنّ الإنسانية عين الإنسان؛ لأنّ كماله تعالى ذاتي لاكسبي، ومطلق غير مقيد بشيء دون شيء، وجهة دون جهة، وأنّه بموجب هذا الكمال الذاتي المطلق غني عن كلّ شيء يزيد على ذاته وكنهه.
ولماذا الزيادة وما هو الداعي إليها مادامت الذات القدسية كاملة بنفسها من كلّ الجهات؟
وهل نحتاج إلى الزائد لنكمل به الكامل، ونتمّم التام؟!
وعلى هذا إذا أُطلقت صفات الكمال عليه تعالى، كالعالم والقادر، فيجب أن يراد بها نفس الذات القدسية التي تقتضي القدرة والعلم، بل هي عين العلم والقدرة، تماماً كما يراد من كلمة «الله».
وكلّ وصف جاء في القرآن الكريم، وعلى ألسنة الراسخين في العلم، فإنّ المراد هذا المعنى بالخصوص.
أمّا الصفات المنفيّة عن ذاته تعالى في كلام الإمام علیه السلام فهي الأحوال الخارجة عن الذات والزائدة عليها، وتعرض لها بسبب من الأسباب، تُنفى هذه عنه لأنّها من صفات المخلوقين دون الخالق. وقد يقول السائل: كيف نتصوّر وحدة الذات مع تعدّد الصفات؟ وهل هذا إلا كقول من قال: الأب والابن وروح القدس إله واحد؟
وأجاب بعضهم بأنّ الصفات بالنسبة إليه تعالى متعدّدة مفهوماً متّحدة مصداقاً.
وهذا الجواب لا يحلّ الإشكال؛ لأنّ صدق المفاهيم العديدة على شيء واحد يستدعي أن تكون به حيثيات عديدة، فيقال: هو عالم لصدق مفهوم العلم عليه، وقادر لصدق مفهوم القدرة.
والله واحد من كل وجه لا حيثيات له وجهات، أجل، يقال: هو علم لأنّ العلم ذاتي له، وهو عالم لأنّه يعلم كلّ شيء، ولكن الجهة هنا واحدة، وهي العلم.
والأولى في الجواب: أنّه لا مصداق ولا مفاهيم، ولا حيثيات وجهات.
لا شيء على الإطلاق إلا واجب الوجود الكامل المطلق من كلّ وجه، وإنّ التعدّد إنّما هو في أنواع الكمال ،وأقسامه، لا في ذات الكامل المطلق الذي هو المبدأ الأوّل لكلّ كمال.
وبتعبيرٍ ثانٍ: كما أنّ تعدّد المخلوقات لا يتنافى مع وحدة الخالق، كذلك تعدّد الكمالات لا يتنافى مع وحدة مبدئها ومصدرها.
وقد أشار الإمام أمير المؤمنين إلى هذه الحقيقة بقوله: (وَكَمَالُ الْإِخْلاصِ لَهُ نَفْي الصِّفَاتِ عَنْهُ؛ لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّها غَيْرُ المَوْصُوفِ، وَشَهَادَةٍ كُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَة)(1).
فلا يصفه سبحانه بصفات مغايرة لذاته أو ناقصة في ذاتها، كأن يصفه بالظلم والعجز، وغيرها من الصفات التي تنزّه عنها(2).
فكمال المعرفة إنّما يكون بنفي الصفات غير اللائقة بذات الله، أو المنفصلة عنه، التي هي غير عين الذات.
ثم أنّه علیه السلام برهن على نفي هذه الصفات، وتنزّه الله عنها، وأنّها لا تليق به، ولا يمكن أن يتّصف بها، بالإشارة إلى أنّ العقلاء وأصحاب الفكر يعرفون أنّ الصفة
غير الموصوف، والموصوف غير الصفة، فالكرم غير زيد، وزيد غير الكرم، فهما متغايران، والذات متقدّمة على الصفة ومنفصلة عنها، ولا تقوم الصفة مستقلّة برأسها بدون ذات، ومن يصف الله بغير ما هو أهل له من الصفات فقد وق-ع في الشرك، وكان إيمانه مشوباً بكثير من الأوهام الباطلة.
تحقیق صفاته سبحانه:
إنّ الصّفات على ثلاثة أقسام:
منها سلبيّة محضة، كالقدوسيّة والفردية، ومنها إضافية محضة، كالمبدئية والرازقيّة، ومنها حقيقية، سواء كانت ذات إضافة، كالعالمية والقادرية، أو لا، كالحياة والبقاء، ولا شكّ أنّ الإضافات زائدة على الذات، وزيادتها لا توجب انفعالاً ولا تكثّراً؛ لأنّ اعتبارها بعد اعتبار المضاف إليها، لكن يجب أن يُعلم أنّ الأمور السلبية بالنسبة إليه تعالى كلّها راجعة إلى سلب الإمكان، فإنّه يندرج فيه سلب الجوهريّة، وسلب الجسميّة، وسلب المكان والحيز والشريك والنقص والعجز والآفة، وغير ذلك.
والإضافات في حقّه تعالى كلّها راجعة إلى الموجديّة التي تصحّح جميع الإضافات، كالخالقية والرازقية والكرم والجود والرحمة والغفران، ولو لم يكن له إضافة واحدة اتّحدت فيها جميع الإضافات اللائقة به لأدّى تخالف حيثياتها إلى اختلاف حيثيات في الذّات الأحديّة.
وأمّا الصفات الحقيقية، فكلّها غير زائدة على ذاته، وليس معنى عدم زيادتها مجرّد نفي أضدادها عنه تعالى، حتى يكون علمه تعالى عبارة عن نفي الجهل، وقدرته عبارة عن نفي العجز، وعلى هذا القياس في السمع والبصر وغيرهما، ليلزم التعطيل، ولا أيضاً معنى كونه عالماً وقادراً أن يترتّب على مجرّد ذاته ما يترتّب على الذات مع الصفة، بأن ينوب ذاته مناب تلك الصفات، ليلزم أن
لا يكون إطلاق العلم والقدرة وغيرهما عليه تعالى على سبيل الحقيقة، فيكون عالماً قادراً حياً سميعاً بصيراً بالمجاز، فيصحّ سلبها عنه؛ لأنّه علامة المجاز ولازمه.
فإن قلت: فما معنى قوله علیه السلام: ( وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه)؟
قلنا: معناه أنها صفات عارضة موجودة بوجود زائد، كالعالم والقادر في المخلوقات، فإن العلم فينا صفة زائدة على ذاتنا، وكذا القدرة كيفية نفسانية، وكذا سائر الصفات، والمراد أنّ هذه المفهومات ليست صفات له تعالى، بل صفاته ذاته وذاته صفاته، لا أنّ هناك شيئاً هو الذات، وشيئاً آخر هو الصفة، ليلزم التركيب فيه، تعالى عنه علوّاً كبيراً، فذاته وجود وعلم وقدرة وإرادة وحياة وسمع وبصر، وهو أيضاً موجود عالم قادر حيّ مريد سميع بصير.
فإن قلت: الموجود ما قام به الوجود، والعالم ما قام به العلم، وكذا سائر المشتقّات.
قلنا: ليس كذلك، بل ذلك متعارف أهل اللغة لمّا رأوا أنّ أكثر ما يطلق عليه المشتقّ لابدّ فيه من صفة زائدة على الذّات، كالأبيض والكاتب والضاحك وغيرها، فحكموا على الإطلاق أنّ المشتقّ ما قام به المبدأ، والتحقيق والاستقراء يوجبان خلافه؛ فإنّا لو فرضنا بياضاً قائماً بنفسه لقلنا: إنّه مفرّقٌ للبصر، وإنّه أبيض، فكذا الحال فيما سواه من العالم والقادر ، فالعالم ما ثبت له العلم سواء كان بثبوت عينه أو بثبوت غيره.
الرؤى الشيعية سبب الاستبصار:
لمّا رأى «مدين يو» عمق نظرية الإمامية وكمالها بالنسبة لسائر النظريات اعتنق الإسلام ومذهب أهل البيت علیهم السلام(1)، وأصبح من الذين أنعم الله عليهم فهداهم سواء السبيل، وتيمناً باسم الإمام المنتظر علیه السلام سمّى نفسه: «مهدياً».
1) نقلاً عن كتاب: معرفة تحليلية عن الإسلام وبعض الأديان والمذاهب: 564
الصورة
ولد عام 1383 ه (1964 م) في الفلبّين في أسرة مسيحية الديانة، كاثوليكية المذهب.
حدثت ل «منتظر» في ريعان شبابه واقعة دعته إلى البحث والتحقيق في معتقده السائد هناك، وهو أنّه شاهد أحد الأصنام الموجودة في البيت ساقط ومكسّر، ما أثار في نفسه عدة شكوك وتساؤلات حول الربّ والخالق وغير ذلك وكانت هذه هي بداية المشوار.
النظرية التوحيديه عند الشيعة:
هذا، وممّا لفت نظر «منتظر» في أبحاثه: النظرية التوحيدية التي تبيّن موقع التوحيد في المعارف الدينية عند شيعة أهل البيت علیهم السلام. وهو ما استمدّته «الشيعة» من القرآن والسنة.
فقد قال تعالى في القرآن الكريم: «فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنِبكَ وَلَلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتٍ وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ»(1)، إنّ «لا إله إلا الله» هي أهم كلمة وهي كلمة التوحيد، يعني ذلك أنّه لا يمكن أن يتحقّق التوحيد إلّا من خلال
1) محمد (47): 19
هذه الكلمة، أو هذه الجملة المباركة.
الله سبحانه وتعالى يأمر رسوله صلی الله علیه وآله وسلم: «فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، وكأنه لا يوجد في الدين إلّا التوحيد، فالقرآن يريد أن يبيّن أنّه: من علم التوحيد فقد علم كلّ شيء، فهو الدين كلّه، فإذا أحاط الإنسان بالتوحيد فقد أحاط بجميع المعارف الدينية، وإذا اختلّ هذا الأساس وهذا الركن اختلّت جميع المعارف الدينية عنده.
كما يوجد في مدرسة أهل البيت علیهم السلام، ما يدلّ على هذه الحقيقة، فقد روي أنّه دخل رجل على الإمام الصادق علیه السلام، فقال علیه السلام له: ممّن الرجل؟ فقال: من محبّيكم ومواليكم. فقال له جعفر علیه السلام: لا يحبّ الله عبداً حتى يتولاه، ولا يتولّاه حتى يوجب له الجنّة.
ثمّ قال له: من أيّ محبينا أنت؟
فسكت الرجل، فقال له سدير وكم محبّوكم يا ابن رسول الله؟
فقال: «على ثلاث طبقات:
طبقة أحبّونا في العلانية، ولم يحبّونا في السرّ.
وطبقة يحبّونا في السرّ، ولم يحبّونا في العلانية.
وطبقة يحبّونا في السرّ والعلانية هم النمط الأعلى، شربوا من العذب الفرات، وعلموا تأويل الكتاب وفصل الخطاب وسبب الأسباب، فهم النمط الأعلى، الفقر والفاقة وأنواع البلاء أسرع إليهم من ركض الخيل، مسّتهم البأساء والضرّاء وزلزلوا وفتنوا، فمن بين مجروح ومذبوح متفرّقين في كلّ بلاد قاصية، بهم يشفي الله السقيم، ويغني العديم، وبهم تُنصرون، وبهم تُمطرون، وبهم تُرزقون، وهم الأقلّون عدداً، الأعظمون عند الله قدراً وخطراً.
والطبقة الثانية: النمط الأسفل، أحبّونا فى العلانية وساروا بسيرة الملوك، فألسنتهم معنا وسيوفهم علينا.
والطبقة الثالثة: النمط الأوسط، أحبّونا في السرّ ولم يحبّونا في العلانية، ولعمري لئن كانوا أحبّونا في السرّ دون العلانية فهم الصوّامون بالنهار القوامون بالليل، ترى أثر الرهبانية في وجوههم، أهل سلم وانقياد».
قال الرجل: فأنا من محبّيكم في السرّ والعلانية.
قال جعفر علیه السلام: «إنّ لمحبّينا في السرّ والعلانية علامات يُعرفون بها».
قال الرجل: وما تلك العلامات؟
قال علیه السلام: «تلك خلال: أوّلها أنّهم عرفوا التوحيد حقّ معرفته، وأحكموا علم توحيده. والإيمان بعد ذلك بما هو وما صفته، ثمّ علموا حدود الإيمان وحقائقه وشروطه وتأويله».
قال سدیر: یا ابن رسول الله، ما سمعتك تصف الإيمان بهذه الصفة؟
قال: «نعم يا سدير، ليس للسائل أن يسأل عن الإيمان ما هو حتى يعلم الإيمان بمن».
قال سدير: يا ابن رسول الله، إن رأيت أن تفسّر ما قلت؟
قال الصادق علیه السلام: «من زعم أنّه يعرف الله بتوهّم القلوب فهو مشرك، ومن زعم أنّه يعرف الله بالاسم دون المعنى فقد أقرّ بالطعن؛ لأنّ الاسم مُحدَث. ومن زعم أنّه يعبد الاسم والمعنى فقد جعل مع الله شريكاً، ومن زعم أنّه يعبد المعنى بالصفة لا بالإدراك فقد أحال على غايب، ومن زعم أنّه يعبد الصفة والموصوف فقد أبطل التوحيد؛ لأنّ الصفة غير الموصوف. ومن زعم أنّه يضيف الموصوف إلى الصفة فقد صغر بالكبير، وما قدروا الله حقّ قدره».
قيل له: فكيف سبيل التوحيد؟
قال علیه السلام: «باب البحث ممكن وطلب المخرج موجود؛ إنّ معرفة عين الشاهد قبل صفته، ومعرفة صفة الغائب قبل عينه».
قيل: وكيف نعرف عين الشاهد قبل صفته؟
قال علیه السلام: «تعرفه وتعلم علمه وتعرف نفسك به، ولا تعرف نفسك بنفسك من نفسك. وتعلم أنّ ما فيه له وبه، كما قالوا ليوسف: «قَالُواْ أَإِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي»(1)، فعرفوه به ولم يعرفوه بغيره، ولا أثبتوه من أنفسهم بتوهّم القلوب، أماترى الله يقول: «مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا»(2)يقول: ليس لكم أن ﴿تنصبوا إماماً من قبل أنفسكم تسمّونه محقّاً بهوى أنفسكم وإرادتكم».
ثمّ قال الصادق علیه السلام: «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكّيهم، ولهم عذاب أليم من أنبت شجرة لم ينبته الله، يعني من نصّب إماماً لم ينصّبه الله، أو جحد من نصبه الله. ومن زعم أنّ لهذين سهماً في الإسلام، وقد قال الله: «وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَان لَهُمُ الْخِيَرَةُ»(3)(4)».
فالإمام بعد لم يقل ثانيها وثالثها، يريد أن يقول: أنَّ التوحيد هو الأول، والثاني، والثالث، والأخير وهو كلّ شيء، فإنّ علم التوحيد هو علم الدين كلّه، وهذه هي الحقيقة التي يؤكد عليها أهل البيت علیهم السلام.
ولهذا يقول العلّامة الطباطبائي: «ومن أهم ما يشاهد في هذا الدين ارتباط جميع أجزائه ارتباطاً يؤدّي إلى الوحدة التامة بينها، بمعنى: أنّه روح التوحيد سارية في الأخلاق الكريمة التي يندب إليها هذا الدين، وروح الأخلاق منتشرة في الأعمال التي يكلّف بها أفراد المجتمع، فالجميع من أجزاء الدين الإسلامي ترجع بالتحليل إلى التوحيد»(5).
فالباحث إذا حلّل كلّ شيء يجد مرجعه ومآله إلى التوحيد، هو الأصل وهذه فروعه وشُعَبه، فمن لم يعرف هذا الأصل ضاعت الفروع.
وقد يقول قائل: لماذا تصادرون الآخرين، فالآخرون أيضاً يوجد عندهم علم التوحيد؟
ينبغي القول هنا بأن التوحيد عندهم ليس توحيداً خالصاً، إنما هو توحيد مشوب بالشرك، أو مشوب بالتجسيم وبالتشبيه، هو توحيد مشوب بالمحدوديّة والمعدودية، وأنّ التوحيد الحقيقي إنّما هو في مدرسة أهل البيت علیهم السلام.
فإذا حُلَّلَ التوحيد يمكن استخراج العقائد والأخلاق والأعمال منه، وإذا ركّبت هذه الأُمور تخرج في كلمة واحدة هي: التوحيد، (فلو نزل) يعني: التوحيد (لكان هي، ولو صعدت لكانت هو)، يعني: هذه الحقيقة التوحيدية لو تنزّلت لصارت هذه الفروع والشُعب، وتلك الفروع والشُعب لو صعدت «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ»(1)تكون كلها هو هو.
الروايات الشريفة الدالة على هذه الحقيقة:
بملاحظة ما سبق، يتضح سبب تأكيد الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم والعترة الطاهرة علیهم السلام على مقولة التوحيد، فقد روي في هذا المجال عدة أحاديث، نذكر جملة منها:
الرواية الأُولى: عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «ما قلت ولا قال القائلون قبلي مثل: لا إله إلا الله»(2).
وهل يمكن أن يكون هناك شيء عدل الله سبحانه وتعالى؟! وقد قال يونس: «أَن لّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ»(3).
الرواية الثانية: عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم، قال: «الموجبتان: من مات يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنّة، ومن مات يشرك بالله تعالى دخل النار»(1).
هنا يأتي السؤال: أين ذهبت النبوة والإيمان بالمعارف؟
والجواب أنه لا يُعقل أن يكون هناك توحيد حقيقي من دون إيمان بالنبوّة والعدل والكتب ومن دون العمل الصالح، فإذا كان فهو نحو من درجات الشرك.
الرواية الثالثة: عن جابر، عن أبي عبد الله جعفر علیه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أتاني جبرئيل بين الصفا والمروة، فقال: يا محمد! طوبى لمن قال من أمّتك: لا إله إلّا الله وحده مخلصاً»(2).
يعني أنّه لابدّ أن يكون التوحيد مع الإخلاص، ومعنى ذلك أنَّ بعض المسلمين قد يقول بالتوحيد، لكنّه ليس بمخلص في قوله.
الرواية الرابعة: قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «إنّ لا إله إلّا الله كلمة عظيمة كريمة على الله عزّ وجلّ، من قالها مخلصاً استوجب الجنّة، ومن قالها كاذباً عصمت ماله ودمه، وكان مصيره إلى النار»(3).
الرواية الخامسة: عن عبد السلام بن صالح أبي الصلت الهروي، قال: كنت مع علي بن موسى الرضا علیهما السلام حين رحل من نيسابور وهو راكب بغلة شهباء، فإذا محمد بن رافع وأحمد بن حرب ويحيى بن يحيى وإسحاق بن راهويه وعدّة من أهل العلم قد تعلّقوا بلجام بغلته في المربعة، فقالوا: بحق آبائك المطهّرين، حدّثنا بحديث قد سمعته من أبيك، فأخرج رأسه من العمارية وعليه مطرف خزّ ذو وجهين، وقال:
«حدّثني أبي العبد الصالح موسى بن جعفر، قال: حدّثني أبي الصادق جعفر ابن محمّد، قال: حدثني أبي أبو جعفر محمّد بن علي باقر علم الأنبياء، قال: حدّثني أبي علي بن الحسين سيّد العابدين، قال: حدّثني أبي سيّد شباب أهل الجنّة الحسين، قال: حدّثني أبي عليّ بن أبي طالب علیهم السلام، قال: سمعت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يقول: قال الله جلّ جلاله: إنّي أنا الله لا إله إلّا أنا فاعبدوني، من جاء منكم بشهادة أن لا إله إلّا الله بالإخلاص دخل في حصني، ومن دخل في حصني أمِنَ من عذابي»(1).
الرواية السادسة: عن زيد بن أرقم، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من قال: لا إله إلّا الله مخلصاً دخل الجنّة، وإخلاصه أن تحجزه لا إله إلّا الله عمّا حرم الله عزّ وجلّ»(2).
يعني: أنّ التوحيد الحقيقي لا بدّ أن يُترجم بعمل وسلوك خارجي.
التوحيد الكامل المستبطن لجميع حقائق الدين:
إذن، عندما يراجع الباحث روايات أئمّة أهل البيت علیهم السلام يجد القضية واضحة وضوح الشمس، فإنّ للتوحيد محورية، ولكن أيّ توحيد؟ التوحيد الذي يستبطن كامل الاعتقادات ، وكامل الأخلاق، والأعمال.
مع إذا صار الإنسان موحِّداً الله سبحانه وتعالى حقيقةً، سيكون مقامه الملائكة، يقول تعالى: «شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْم»(3)، يعني: أنّ الإنسان إذا شهد بالتوحيد الحقيقي يكون موقعه مع الملائكة.
فإذا صار الإنسان موحِّداً تظهر آثار التوحيد عليه، فللتوحيد آثار عقدية، وأخلاقية، وعملية، وهو يظهر في سلوك الإنسان الخارجي، وفي أخلاقه، وفي تعامله مع الغير وإذا لم توجد تلك الصفات في الشخص فهذا يعني أنّ في التوحيد
نقص، قال الله تعالى: «أَلَمْ تَرَكَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ»، والجميع متّفق أنّ هذه الكلمة الطيّبة هي كلمة التوحيد، «أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُ السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينِ بِإِذْنِ رَبِّهَا».
يعني: أنَّ شجرة التوحيد لا ينقطع أُكلها وثمرها، تظهر على كلّ سلوك، وعلى كلّ عمل، وعلى كل حركة وسكنة «وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ».
وفي المقابل: «وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ»، وهي كلمة الشرك، «اجتنتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ»(1).
وقال تعالى: «فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ»(2)، والذي ينفع الناس هو التوحيد، ولذا يقول تعالى: «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ»، يعني: كلمة التوحيد، فهي التي تصعد إليه تعالى «وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ»(3)، أي: يدفعه إلى الأعلى، وإلا فالصاعد هو التوحيد.
أهم النتائج المترتّبة على التوحيد:
النتيجة الأُولى: أنّه لا يحقّ للإنسان أن يدخل في أيّ مفردة دينية عقدية أو غير عقدية، أصلية أو فرعية، إلّا بعد تأسيس الأصل، وهو: التوحيد؛ يعني: ما لم يُبحث أصل التوحيد، سيكون البحث في أيّ مفردة أُخرى عقيماً وعبثاً؛ فإن لم تُنقَّح مسائل التوحيد أوّلاً لا يمكن الدخول في المباحث الأُخرى.
النتيجة الثانية: إنّ مدرسة أهل البيت تجعل التوحيد في الصف الأوّل، وأنّ التوحيد الذي عند هذه المدرسة هو التوحيد الذي بيّنه عِدل القرآن الكريم، وهم أهل البيت علیهم السلام.
النتيجة الثالثة: أنّ السُّنّة هي المبيتة للقرآن الكريم، فإنّ للشريعة والمعارف الدينية ركنين: الركن الأوّل هو القرآن الكريم، والركن الثاني هو السُنّة، وإنّما اختلف الشيعة مع غيرهم في معنى السُنّة، فغيرهم يقول: سُنّة الأمويين، وسُنّة البخاري، وسُنّة مسلم، ونحو ذلك، والشيعة تقول: سُنة أهل البيت علیهم السلام، ليس الاختلاف في السُنّة، وإنمّا في الطريق الموصل إلى السُنّة، فأهل السنة يقولون: الحقّ مع البخاري، ويقول الشيعة: أنّ الحق مع الكافي، إذاً ليست المشكلة في السُنّة، وإنمّا المشكلة في الطريق الموصل إليها.
النتيجة الرابعة: إنّ الذي يقول: كتاب الله، ويقف، فهو لا يخلو عن زندقة!؛ لأنّ القرآن الكريم ينطق قائلاً: «وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا»(1)، وقال تعالى: «بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ»(2)، وقال تعالى: «فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ»(3).
المذهب الشيعي ينسجم مع العقل والمنطق:
إنّ لمنهج أهل البيت علیهم السلام قراءة وفهم للتوحيد مستمدّ من القرآن والسُنّة، منسجم مع العقل والمنطق، بعيد عن الخرافة، وهذا خلاف ما يعتقده غيرهم، وهو مما جعل منتظر يعتنق الدين الإسلامي والمذهب الشيعي ويتعبّد إلى الله تعالى به، وكان استبصاره عام 1408 ه (1988 م) في دولة الفلبّين(4).
الصورة
من مواليد الفلبّين، واصل دراسته الأكاديمية حتّى تخرّج من معهد التكنولوجيا الكهربائية، نشأ في أسرة تعتنق الديانة المسيحية، بعد زمن من البحث والتحقيق في المجال الاعتقادي قرّر ترك التقليد الأعمى لموروث الآباء والأجداد، واعتنق الدين الإسلامي ومذهب أهل البيت علیهم السلام(1).
اهتمام المستبصرين بالبحوث العقائدية:
غالباً ما تكون عقليّة الشخص الذي يوفّق للاستبصار عقليّة علميّة تحاول باستمرار أن تقف وقفة التأمّل والتمحيص عند مرتكزاتها الفكريّة وأُصولها العقائديّة، لتستبدل أفكارها الخاطئة بالأفكار الصحيحة، وتحفّز عقلها على الانعتاق من دوائر التبعيّة والتقليد الأعمى لتستطيع عبر البحث المبني على القواعد العلميّة الرصينة أن تكوّن لنفسها عقيدة صادقة وأُصول ومبادىءسليمة.
فإنَّ عقليّة هكذا شخص تدرك بوضوح أهميّة البحث في المجال العقائدي، وتدرك ما للعقيدة من صلة وثيقة بنشاط الإنسان الحيوي والعملي، وتعي أثر المعتقد على الإنسان نفسياً واجتماعياً وفكرياً.
1) نقلاً عن: معرفة تحليلية عن الإسلام وبعض الأديان والمذاهب: 563
وبهذه العقليّة يدرك هكذا شخص أنّه ينبغي أن يقوم بدراسة دقيقة لأفكاره وموروثاته العقائديّة، ولا يصلح له أن يتغافل عنها أو يغضّ الطرف دونها، لئلّا يسير على المسار الخاطيء وهو لا يشعر، ولئلّا يستطيع الانتهازيون صرفه عن الحقّ وهو جاهل ولئلّا يتعلّق بأذيال فهم خاطيء، أو يقع في شباك فرقة ضالّة، ولئلّا يكون «إمّعة» في تصديق الأفكار والمعتقدات التي تُعرض عليه.
فلهذا لا يكون هكذا شخص من الذين يقفون من أمر عقائدهم موقف اللامبالاة، أو من الذين يكون موقفهم موقف من لا يعنيه شيء من أمر عقيدته، أو يقومون بإغلاق عقولهم عن التفكير في هذا المجال.
بل يقوم بغربلة معتقداته ليطرح أفكاره الرديئة ويستبدلها بالأفكار والرؤى السامية، ويخوض رحلة فكرية بحثاً عن الحقيقة، فيحكّم عقله ويقوم بتمحيص الحقّ ليعرفه من بين ركام الباطل.
ونجد في أقلام المستبصرين الإشارة إلى اهتمامهم بهذا الأمر ودعوتهم الآخرين إلى البحث في المجال العقائدي، يقول طارق زين العابدين:
«إنّ الدين الإسلامي لمّا كان هو نظام الحياة الذي يجب أن يؤسّس كلّ مؤمن حياته عليه ويبني عليه مصيره، كان لابّد أن يقوم اعتقاد كهذا على أساس يبعث اليقين والطمأنينة.
ولا يصحّ أن تُنال المصائر بالظنون والتوهّم، أو تنال بالتقليد الأعمى الذي لا يعرف صاحبه الدليل والحجّة غير ما كان عليه آباؤه الأوّلون، فإذا سُئل: لماذا أنت مسلم؟ فإنّه لا يجيب إلا بالصمت والحيرة.
وإذا قيل له: لماذا أنت شيعى أو سنّي أو مالكي أو...؟ تراه يخطرف في الإجابة.
كل ذلك لأنّه لم يفكّر في اعتقاده ومصيره من قبل بحرّيّة، بل قام كلّ ما عنده من اعتقاد على التقليد الأبوي والاجتماعي، فصار على هذا مسلماً، شيعيّاً أو سنّيا(1).
ويقول هذا المستبصر في مكان آخر من كتابه في مجال أهميّة التوجّه إلى البحوث العقائديّة:
«إنّ الحياة الدنيا ليست مجالاً لاكتساب أعمال قد أُحيطت بالظنون وطُوّقت بالأوهام؛ إذ أنّها حياة - وهى تؤدّي إلى مصير كهذا قطعاً - لا تحتمل ذلك، لمحدوديّتها وقصرها، فلابدّ إذاً أن يكون كلّ فعل يُكتسب فيها مؤسّساً على اليقين والحقّ، والفعل الذي يبعث الاطمئنان على النتائج، فتأسيس هذه الحياة على الظن والأوهام لا ينتهي إلا إلى هذين»(2).
ثم يضيف قائلاً:
«الحصول على هذا اليقين أولى ما يكون في العقيدة؛ إذ أنّها أصل لكلّ فرع، وفساده في فسادها، الذي هو موجبٌ لكلّ فساد لا محالة، إذ العقيدة هي التي نَعنيها بالتحقيق والتصحيح حتى تبدو وقد تأسّست على الحقيقة واليقين، فلابدّ إذاً التحقّق من سلامتها بالفحص وإعادة النظر، وتقليب البصر وإعمال الفكر والتدبّر في أحوالها»(3).
من ويقول ياسين المعيوف البدراني في هذا الخصوص:
«إنّه من واجب الإنسان الواعي أن يجعل الفكر والتبصّر والتأمّل رائداً له في سلوك الطريق الذي يوصل إلى الحقّ سبحانه وتعالى آخذاً بالعقائد الصحيحة
وتاركاً النزعات القبلية والعنصريّة والقوميّة التي لا تولّد عنده إلّا القلق الدائم، والخوف المستمر، وعدم الاستقرار النفسي»(1).
ويضيف هذا المستبصر قائلاً:
«يا إخوتي! في مثل هذه الحالة العقيمة المرّة التي نعيشها وسط مذاهب متعدّدة وطرق إسلاميّة شتى، لمَ لا نحاول البحث عن المذهب الحقيقي كي نتمسّك به؟ ولماذا نأخذ الإسلامَ من موقع واحد؟ بينما هناك طرق ومشارب عديدة والله سبحانه وتعالى يقول: «فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ»(2).
وعلى هذا فمن واجب المسلم أن يدرس، وأن يتأمّل المذاهب المطروحة في الساحة الإسلاميّة، وأن يعتمد على عقله وتفكيره، وعلى عوامل الاستدلال والاطمئنان المتوافرة لديه، وعند الاختلاف فإنّ الحق بيّن واضح لا يتعدّد، ولا يأخذ مظاهراً وصوراً وأشكالاً شتّى، خلافاً لما يرى ويقول المصوّبة المغرضون»(3).
دوافع اهتمام المستبصرين بالبحوث العقائدية:
إنّ الشخص الذي يوفّق للاستبصار يكون دأبه التطلّع نحو المعرفة المُبتنية على الأدلّة الرصينة والبراهين السديدة، وديدنه السير في طريق البحث من أجل الوصول إلى الحقيقة.
وحركة البحث من أجل فهم الواقع لا تنقدّم إلّا عبر وجود ما يحفّزها، ومن جملة الدوافع الكثيرة التي تستثير همّة الإنسان للبحث العقائدي، هي الحقيقة، كما يمكن الإشارة إلى الأُمور التالية:
1 - حبّ المعرفة والاستطلاع، والشعور بالرغبة في تلمّس الحقيقة، وتوسيع دائرة الوعي والنهوض بالمستوى العلمي والاستزادة من معرفة الحقّ، والوقوف على كنهه وحقيقته.
وهذا هو السبب الذي دفع ياسين المعيوف البدراني للبحث؛ إذ أنّه يقول: «طلباً للمعرفة واستزادةً منها التقيت بعيّنات من أهل القرى والمدن، ممّا جعل بيني وبينهم بعض المناقشات والمحاورات، التي ولّدت عندي حافزاً جديداً لأن أُعيد النظر في قراءاتي السابقة، وأن أُقارن بينها وبين كتب أُخرى، وما تحمل في طيّاتها من قضايا التاريخ ومجرياته.
ولقد وجدت عند كثير ممّن كنت أُحاورهم وآخذ منهم تقاعساً عن اقتحام الحقيقة، وصمتاً أمام الدليل الواضح، متمشّين في ذلك مع ما يطلب الواقع، ومع ما هو موروث عن الآباء والأجداد، لكنّني عزمت على العمل الدؤوب، والاستمرار في تقصّي الحقيقة ومعرفتها»(1).
2 - التوجّه بعد سموّ الوعي إلى الاهتمام بتنقيح القناعات وبنائها على ضوء الفكر السليم، والبحث الجادّ من أجل تطهير العقل من الخرافات المحتملة، التي تأخذ بيده إلى عالم الأوهام؛ لأنّ الرأي الفاسد الواحد يكفي لتهيئة العقل لتقبّل المزيد من شاكلته.
3 - إيقاظ روح الجري وراء الحقيقة وتقصّيها، والتطّلع إلى كسب البراهين، من أجل الوصول إلى العقيدة والرؤى الفكريّة التي لم ينسجها الخيال البشري وفق ما تقتضي مصالحه و مآربه وأهواؤه النفسيّة، ومن ثم التمكّن من صيانة النفس من الاتّجاهات الباطلة، والوصول إلى العقيدة السليمة التي تحفظ الإنسان من قبول الأفكار الضالّة والمنحرفة.
1) ياليت قومي يعلمون : 5
وبعبارة أُخرى، الوصول إلى العقيدة التي تقدّم لصاحبها الحقيقة بصورة مقنعة وشاملة، وتعينه ليحصل على اليقين الكامل والتفكير النهائي، بحيث تهديه إلى الصراط المستقيم وتوصله إلى سبيل الرشاد.
ولهذا يقول إدريس الحسيني:
«والسؤال الذي يجب أن يطرحه كلّ مسلم على نفسه: لماذا أنا من هذه الفرقة ولست مع تلك؟
هل الوراثة هي السبب أم الاجتهاد والقناعة؟
إذا كانت القناعة كما يدّعي بعضهم، فهي تعني الانسحاب من المذهب والبدء في مسيرة بحث محايدة ومتكافئة، أو قراءة التاريخ من أجل البحث عن الصواب، والاستعداد النفسي لخسران الكثير من المسلّمات. والقراءة عن هذه الفرقة وكأنّها فرقة القارئ.. ثم تحكيم العقل، والقرآن، والوجدان... وجدير بنا القول آنئذٍ: (اللّهمّ ما عرّفتنا من الحَقِّ فحمّلناه وما قصُرنا عَنه فبلّغناه).
أمّا أن نصمّ الآذان، ونعمي الأبصار، بحجّة الإيمان والتقوى فهو خداع نفسي، وهروب من ضغوط الحَقّ، ودفن للرأس في الرمال»(1).
4 - إبراء الذمّة أمام الله سبحانه وتعالى؛ لأن الرسول صلی الله علیه وآله حذّر أُمّته بأنّها ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلّها في النار إلّا واحدة، وهذا ما يوجب على المسلم الاهتمام بمعرفة الحقّ.
ولهذا يقول محمد على المتوكّل:
«فالأمر كما ترى جدّ خطير، فمجرد أن يكون هناك احتمال، ولو بنسبة ٪1، أنْ تكون من الأغلبيّة الضالّة، هو أمر يدعو إلى الخوف، ويدفع إلى التدقيق
1) لقد شيّعني الحسين: 96 - 97
وإمعان النظر في كلّ الموروث ومراجعته، علّه يكون زائفاً.
وطالما أنّ الأمر أمرُ جنة أو نار، فهو جدير بأن ينذر المرء ما تبقى من أيّام عمره - إذا تطلّب الأمر للبحث والتحقيق وتحرّي السبيل الذي يقود إلى النجاة، والطريق الذي ينتهي به إلى رسول الله صلی الله علیه وآله.
ثمّ التصميم على اتّباع نتائج البحث حتى ولو كانت نسفاً لكلّ التراث الفكري والعقائدي، وخروجاً على الأُسرة والمجتمع.
قد لا تكون في شكّ من سلامة أيٍّ من معتقداتك ومسلّماتك التاريخيّة، مع أنّها في الغالب تكون مجرّد تقليداً أعمى وتبعيّة ساذجة للأُسرة والمجتمع، فلماذا لا تخصّص جزءاً من وقتك واهتمامك للتحققّ من مطابقة معتقداتك لحقائق الدين، ومسلّماتك التاريخيّة للواقع التاريخي؟
فإنّك إن فعلت لن تخسر شيئاً، بل تكون لك الحجّة اذا ما سئلت عن مصدر قناعاتك، ولا تكون من الذين يقولون: «إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ»(1)، وعندئذ تكون حجّتك داحضة وعذرك مردوداً»(2).
ويقول طارق زين العابدين في هذا المجال:
«إنّ الاختلاف الذي وقع بين المسلمين إلى اليوم يؤيّد ما ذهبنا إليه في وجوب التحقيق والبحث في ما بلغنا من اعتقاد، وإلّا فكيف نطمئن إلى حصول السلامة وبلوغ النجاة؟ وكيف نثبت ذلك ونقيم عليه الدليل والحجّة؟
هذا أمر لا أظنّ سيَستَهونَه مسلم ارتبط مصيره بيوم فيه حساب، ثمّ ثواب أو عقاب، ولا أظنّ إنساناً صدّق باليوم الآخر ولا يرجو فيه النّجاة والسلامة.
فالتحقيق والبحث هو السبيل إلى بلوغ هذه الغاية والحصول على النجاة المطلوبة»(1).
ويقول مروان خليفات أيضاً في هذا المجال:
«ونحن نرى اليوم أنّ المسلمين فرق عديدة، وكلّ واحدة تدّعي أنّها على الحقّ، وقد رأيت أنّ هذا الأمر مهمٌّ جدّاً، وعليه يتوقف مصير الإنسان، لذا فحريّ بكلّ مسلم يرجو الخلاص يوم القيامة أن يجتهد في معرفة هذه الفرقة، فيتّبعها...
ومن الغريب أن المسلم يقرأ حديث الافتراق هذا ولا يقوم بواجبه الشرعي في البحث عن هذه الطائفة بحرّيّة وموضوعية، كي تبرأ ذمّته ويلقى ربّه بقلب سليم»(2).
ويقول إدريس الحسيني بشأن أهمية الوصول إلى القَطْع الذي تثبت به براءة الذمّة:
«وليكن ما يكون، ولكن لابدّ لي أن أُفكّر، وأُمارس كينونتي في الوجود؛ لأُبرىء ذمّتي، طلباً للحقّ والتماساً للنجاة، وبعدها أطلب العذر على تقصيري.
المهم هو: الوصول إلى (القطْع) الذي تثبت به المعذّريّة.
وهذا القطع لابدّ أن يحصل بالاجتهاد والبحث الحثيث»(3).
ويقول التيجاني السماوي عن تأثّره بحديث الافتراق والأهميّة التي يحضى بها هذا الحديث:
«قرأت الحديث الشريف الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله: «افترقت بنو إسرائيل إلى إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النّصارى إلى اثنين وسبعين فرقة،
وستفترق أُمّتي إلى ثلاثة وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة واحدة».
فلا كلام لنا مع الأديان المتعدّدة التي يدّعي كلّ منها أنّه هو الحقّ وغيره الباطل، ولكن أعجب وأندهش وأحتار عند قراءة هذا الحديث.
وليس عجبي واندهاشي وحيرتي للحديث نفسه، ولكن للمسلمين الذين يقرؤون هذا الحديث، ويردّدونه في خطبهم، ويمرّون عليه مرّ الكرام بدون تحليل ولا بحث في مدلوله، لكي يتبيّنوا الفرقة الناجية من الفرق الضالّة.
والغريب أنّ كلَّ فرقة تدّعي أنّها هي وحدها النّاجية، وقد جاء في ذيل الحديث:
(قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال صلی الله علیه وآله: من هم على ما أنا عليه، أنا وأصحابي).
فهل هناك فرقة إلا وهي متمسّكة بالكتاب والسُنّة؟!
وهل هناك فرقة إسلاميّة تدّعي غير هذا؟!
فلو سئل الإمام مالك أو أبو حنيفة أو الإمام الشافعي أو أحمد بن حنبل، فهل يدّعي أي واحد منهم إلا التمسّك بالقرآن والسُنّة الصحيحة؟!
فهذه المذاهب السُنيّة، وإذا أضفنا إليها الفرق الشيعيّة التي كنت أعتقد بفسادها وانحرافها، فها هي الأخرى تدّعى أيضاً أنّها متمسّكة بالقرآن والسُنّة الصحيحة المنقولة عن أهل البيت الطاهرين علیهم السلام، وأهل البيت أدرى بما فيه، كما يقولون.
فهل يمكن أن يكون كلّهم على حق كما يدّعون؟!
وهذا غير ممكن؛ لأنّ الحديث الشريف يفيد العكس، اللهمّ إلا إذا كان الحديث موضوع، مكذوب، وهذا لا سبيل إليه؛ لأنّ الحديث متواتر عند السُنّة
والشيعة، أم أنّ الحديث لا معنى له ولا مدلول؟ وحاشى لرسول الله صلى الله عليه وآله أن يقول شيئاً لا معنى له ولا مدلول وهو الذي لا ينطق عن الهوى، وكلّ أحاديثه حكمة وعبر.
إذاً لم يبق أمامنا إلّا الاعتراف بأنّ هناك فرقة واحدة على الحق وما بقي فهو الباطل، فالحديث يبعث على الحيرة، كما يبعث على البحث والتنقيب لمن يريد لنفسه النجاة.
ومن أجل هذا داخلني الشك والحيرة بعد لقائي بالشيعة؛ فمن يدري لعلّهم يقولون حقاً وينطقون صدقاً؟!
ولماذا لا أبحث ولا أُنقّب، وقد كلّفني الإسلام بقرآنه وسُنّته أن أبحث وأُقارن وأتبيّن؛ قال الله تعالى: «وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا»(1).
وقال أيضاً: «الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ»(2).
وقد قال رسول الله صلی الله علیه وآله: (ابحث عن دينك حتى يقال عنك مجنون)؛ فالبحث والمقارنة واجب شرعي على كلّ مكلّف»(3).
5 - الرغبة في توسيع آفاق الرؤية والمعرفة وازدياد البصيرة، رفع مستوى الثقافة الدينيّة من خلال الانفتاح على باقي المذاهب.
ويندفع الباحث إلى هذه الأُمور لتكون زاوية رؤيته للأُمور الدينيّة رحبة ومتّسمة بالشموليّة، وليتسنّى له بعد الإلمام بالرؤية الدينية أن يتّبع أحسنها، وأن يسلك أفضلها، ولعلّه يجد ضالّته المنشودة في مذهب آخر!
6 - إنقاذ النفس من التيه والضياع والتخبّط والفوضى في الصعيد الفكري والفراغ العقائدي والخواء الروحي وملئه بعقيدة تعيد للإنسان توازنه المفقود، وتمدّه بالعطاء والغذاء الروحي، وتأخذ بيده إلى الكمال والتسامي، بحيث يترك ذلك أثره الإيجابي في سلوكه وتصرّفاته وتوجّهاته.
7 - ارتقاء المستوى الفكري وبلوغ مرتبة النضج في الإدراك والتفكير، والتمكّن من الموازنة بين الأُمور بتعقّل وحكمة، ومن ثم التوجّه، انطلاقاً من الشعور بالثقة والإحساس بالجدارة، نحو البحث عن مَعين يغذّي العقل بمفاهيم نقيّة لا تشوبها أيّة شائبة.
لأنّ الإنسان نتيجة تراكم التجارب التي يتلقّاها خلال حياته، تنشأ في سريرته مجموعة منبّهات تدفعه ليعيش حالة اليقظة والوعي والبصيرة، فيبدأ الإنسان بعد ذلك بإمعان النظر فيما يدور حوله وما يتلقّاه من أفكار ومفاهيم، ويندفع إلى غربلة خزين أفكاره وتنقية ذهنه من المفاهيم الخاطئة والعقائد الضالّة.
8 - عدم الاكتفاء بما تملي الأجواء من انتماء، بل ربّما الشك في صحّتها بعد إمعان النظر فيها، والشعور بوجود شيء ينقصها، ومن ثم اتّخاذ قرار البحث والتنقيب ليكون المرء على بصيرة من أمر دينه، وعالماً بقضايا مذهبه، وليكون انتماؤه مرتكزاً على الأدلّة الساطعة، ومبتنياً وفق ما تُملي عليه الحجج والبراهين الواضحة.
9 - الاقتناع بأنّ حب الاستطلاع في الأُمور الدينيّة بحاجة إلى فكر ينفتح ويتّسع في آفاق البحث، ليتحرّر من حالة التقليد الأعمى والجمود واحترام المقدّسات المزيّقة، ومن ثم الانطلاق بقوّة وبجدّية نحو البحث وتحدّي كلَّ العقبات التي تعتري حركة البحث باتّجاه الوصول إلى الحقيقة التي يطمئن إليها القلب.
10 - الشعور بحالة سلبية نتيجة تراكم الشبهات والتساؤلات العقائدية في الذهن، ومن ثمّ الإحساس بلزوم التوجّه إلى مصدر يجيب عن هذه الأسئلة والاستفسارات، من أجل التمكّن من اقتحام جميع المجاهيل المقفلة بعد الحصول على الأجوبة المقنعة للأسئلة الحائرة.
لأنّ الإنسان حينما يسمو وعيه تُساوره بعض الشكوك بشأن المبادىء التي يعتنقها، وتخطر على باله بعض الأسئلة والشبهات، فتعتريه حالة قلق المعرفة، تبدأ هذه الحالة تستشري في نفسه وتلحّ عليه ليتطلّع نحو الحقيقة ولينطلق بفكر منفتح وعقلية واعية ليعبّد لنفسه طريق الوصول إلى العقيدة الحقّة.
11 - الانتباه إلى النفس ورؤيتها بأنّها لا تعتمد على ركن وثيق في أهم جانب من جوانبها الحياتيّة، وهي العقيدة، والاقتناع - على أثر النظر إلى البنية الفكرية - بالحاجة إلى إعادة النظر في المرتكزات الفكريّة، ومن ثم العزم على تشييد عقيدة مبتنية على الأُسس المتينة والدعائم الراسخة.
12 - هنالك حالات خاصّة دفعت بعض المستبصرين للبحث في المجال العقائدي، منها:
يذكر أحد المستبصرين قائلاً: ذهبت قبل الاستبصار إلى العلماء من أهل السُنّة لعلّي أجد عندهم ما يدلّني على الانتماء العقائدي الصحيح، وطلبت منهم الإجابة عن الشكوك العالقة بذهني، وإقناعي بردود وإجابات شافية ومقنعة تسكن حيرتي وتشفي غليلي وتريح ضميري، لكنّهم ثاروا بوجهي واتّهموني بالضلال، فقرّرت بعدها الاعتماد على نفسي، فانفردت بنفسي، فوجدت أنّني بحاجة ماسّة إلى التزوّد من المعرفة، ومن هنا نشأت في نفسي رغبة ملحّة للبحث والمطالعة في الأُمور العقائديّة.
وهذا ما حدث مع إدريس الحسيني الذي أراد جملة ممّن حوله أن يمنعوه
عن البحث، لكن باءت محاولاتهم بالفشل، بل أدّت إلى عكس ما أرادوه، يقول إدريس الحسيني عن هؤلاء:
«إنّ الذين لم يكونوا يجيبونني عن تساؤلاتي، وينصحونني بأن لا أقرا التاريخ إطلاقاً، كانوا بمثابة حافز لي لالتماس الجواب بنفسي»(1).
ويذكر مستبصر آخر عن عمّا دفعه للبحث في المجال العقائدي:
سمعت ذات مرّة عن طريق المحاورات التي تجري بين أوساط أبناء منطقتنا بعض الأمور والقضايا الإسلاميّة بحيث نالت إعجابي؛ لأنّني وجدتها آراء كاملة ورائعة، فاستفسرت عن القائلين بها، فقيل لى أنّها تابعة للشيعة.
فقررت من ذلك الحين البحث حول التشيّع لطلب المزيد من أمثال هذه الرؤى الإسلاميّة التي أثلجت صدري، وروت ضميري المتعطّش للحقائق الدينيّة.
ويقول صالح الورداني عن الدافع الأوّل الذي دفعه للبحث:
«إنّ ما عايشته وواجهته من قبل التيّارات الإسلاميّة في مصر، كان الدافع الأوّل والأساس الذي أدّى بي للغوص في التراث الإسلامي، المصدر الأساس لهذه التيّارات، كمحاولة للوصول إلى الخلل الذي أوجد التناحر والتكاثر بين هذه التيّارات.. لم أجد هذا الخلل من الحاضر، بل وجدته من الماضي»(2).
ويقول هشام آل قطيط عن أحد العوامل التي حفّزته للبحث:
«إنّ قصّة الانتقال في العصر الحاضر من السُنّة إلى الشيعة، زادتني حيرة وتأمّلاً و تفكّراً في هذا المجال العقائدي، فصرت أتساءل مع نفسي: ما هذا الانتقال الضخم والتحوّل الهائل من التسنّن إلى التشيّع؛ من علماء أهل السُنّة ومثقّفيهم، ولم أجد العكس...؟!!
لماذا...؟!!
فقلت: لو لم تكن الأدلّة مقنعة لَما انتقل هؤلاء بهذه الكثرة وتركوا التسنّن وأصبحوا شيعة»(1).
التفكّر والاستبصار:
إنّ الاهتمام بالبحوث العقائدية هي نتيجة تفكير الإنسان بالمسائل الأساسية التي تبني رؤيته الكونية؛ فلهذا نرى أنّ معظم الذين وفّقو اللاستبصار هم من أهل العلم والتفكّر، ولا يُستثنى «نيكانور» من هذه القاعدة، فالحمد لله الذي جعل التدبّر والتفكّر طريقاً لهداية الإنسان إلى الحقّ والسير على الصراط المستقيم؛ لنيل السعادة في الدنيا، والفوز برضا الله جلّ وعلا في الآخرة.
وأمّا «نيكانور» فبعد استبصاره غير اسمه إلى «علي» تيمناً باسم مولود الكعبة أمير المؤمنين علیه السلام.
1) ومن الحوار اکتشفت الحقیقة: 217
ولد في الفلبّين، حاصل على شهادة البكالوريوس في قسم الهندسة، نشأ في أسرة مسيحية، لكنه أحسّ في كنفها بحالة من الخلأ العقائدي والحيرة والضياع، وهذا ما دفعه إلى دراسة الأديان، فتعرف وبادر إلى دراستها بعمق لينقذ نفسه من حالة الفراغ العقائدي ومن التيه المظلم.
یا عمار تقتلك الفئة الباغية:
ومن الأمور التي تلفت نظر من يدرس التاريخ الإسلامي معاجز الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله، والتي أنبأ من خلالها على ما سيقع على الأمة في المستقبل، ومنها التي اثبت من خلالها أحقيّة الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ومذهب أهل البيت علیهم السلام، من خلال إخباره بقتال علي علیه السلام أهل البغي وهم العادلون عن الحق الرافضون لأمر الله وحكمه، وهم معاوية وأصحابه، فقد جاهدهم الإمام في وقعة صفين، وهو ما أخبر به النبي الأعظم صلی الله علیه وآله في مجموعة من الروايات:
1 - عن حنظلة بن خويلد العنبري، قال: بينما أنا عند معاوية إذ جاء رجلان يختصمان في رأس عمار، يقول كل واحد منها: أنا قتلته، فقال عبد الله بن عمرو: وليطب به أحدكما نفسا لصاحبه، فإنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: تقتله الفئة الباغية. قال معاوية: فما بالك معنا؟ قال: إنّ أبي شكاني إلى رسول الله صلی الله علیه وآله، فقال:
أطع أباك ما دام حيا ولا تعصه، فأنا معكم ولست أقاتل(1).
قال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله ثقات(2).
وجاء في هامش تهذيب الكمال: وهو صحيح متواتر(3).
ويجاب عبد الله هذا بأنّ قول رسول الله صلی الله علیه وآله يخصصه قوله تعالى: «وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ»(4).
قال الفخر الرازي: «يعني أنّ خدمتهما واجبة وطاعتهما لازمة ما لم يكن فيها ترك طاعة الله، أما إذا أفضى إليه فلا تطعهما»(5).
وهل هناك معصية أعظم من تكثير سواد الفئة الباغية، قتلة عمار بن ياسر التي أمر الله تعالى بقتالها في قوله: «وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ»(6).
2 - عن خالد العرفي، قال: دخلت أنا وأبو سعيد الخدري على حذيفة، فقلنا: يا أبا عبد الله! حدّثنا ما سمعت من رسول الله صلی الله علیه وآله في الفتنة، قال حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: دوروا مع كتاب الله حيث ما دار، فقلنا: فإذا اختلف الناس فمع من نكون؟ فقال: انظروا الفئة التي فيها ابن سمية فالزموها، فإنه يدور مع كتاب الله. قال: قلت: ومن ابن سمية؟ قال: أوَ ما تعرفه؟ قلت: بينه لي. قال: عمار بن ياسر،
سمعت رسول الله صلی الله علیه وآله يقول لعمار: يا أبا اليقظان! لن تموت حتى تقتلك الفئة الباغية عن الطريق(1).
قال الحاكم النيسابوري: هذا حديث له طرق بأسانيد صحيحة، أخرجا بعضها ولم يخرجاه(2).
3 - عن عكرمة، أن ابن عباس قال له ولعلىّ بن عبد الله: انطلقا إلى أبي سعيد الخدري، فاسمعا من حديثه. قال: فانطلقا فإذا هو في حائط له، فلما رآنا أخذ رداءه فجاءنا فقعدنا، نشأ يحدثنا حتى أتى على ذكر بناء المسجد، قال: كنا نحمل لبنة لبنة وعمار بن ياسر يحمل لبنتين لبنتين، قال: فرآه رسول الله صلی الله علیه وآله، فجعل ينفض التراب عنه ويقول: يا عمار! ألا تحمل لبنة كما يحمل أصحابك؟! قال: إني أريد الأجر من الله. قال: فجعل ينفض التراب عنه ويقول: ويح عمار، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النار، فجعل عمار يقول: أعوذ بالرحمن من الفتن(3).
قال الحاكم النيسابوري: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه بهذه السياقة(4).
4 - عن عمرو بن ميمون، قال: أحرق المشركون عمار بن ياسر بالنار. فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يمرّ به ويمرّ يده على رأسه، فيقول: يا نار كوني برداً وسلاماً على عمار كما كنت على إبراهيم، تقتلك الفئة الباغية(5).
فقد أخبر النبي الأعظم صلی الله علیه وآله أن ما قام به المشركون بعمار سيكمله المنافقون
معاوية وأصحابه، وذلك بقتله وهو ما حدث بالفعل.
5 - عن أبي الغادية، قال: سمعت عماراً يقع في عثمان ويشتمه بالمدينة، فتوعدته بالقتل، فلما كان يوم صفين جعل عمار يحمل على الناس، فقيل: هذا عمار. فحملت عليه فطعنته في ركبته، فوقع فقتلته، فأُخبر عمرو بن العاص، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: قاتله وسالبه في النار. فقيل لعمرو: ها أنت تقاتله، قال: إنما قال قاتله وسالبه(1).
وفي معرض التعليق على هذه الرواية ينبغي الإشارة إلى عدّة أمور:
أولاً: هل إنّ سبّ عمار لعثمان وشتمه حكمه القتل حتى يبرّر أبو الغادية قتله لعمار بذلك؟ فإذا كان الأمر كذلك فينبغي قتل جميع بني أمية وأتباعهم، لأنهم سبّوا علياً ثمانين سنة على منابر المسلمين.
ثانياً: إنَّ أبا الغادية توعد عماراً بالقتل، وكان سيقتله سواء أتى به علي علیه السلام كما سيأتي من أنّ معاوية نسب القتل إلى علي علیه السلام أو لم يأت به، فإن معاوية أمر بقتل عمار على كل حال.
ثالثاً: إنّ جواب عمرو بن العاص للناس عندما سألوه: أليس هو ممن قتل عمار؟ يذكّر الباحث بقوله تعالى: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ٭ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ٭ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ٭ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ٭ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ ٭ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ ٭ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا
1) مسند أحمد 4: 198
مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ ٭ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ»(1).
فإنّ من أوضح مصاديق هذه الآيات عمرو بن العاص، إذ أنّه كان قائد الجيش الذي أرسل أبو الغادية وأمثاله لقتل عمار وسلبه، فكيف لا يكون شريكا لهم في عملهم؟ ولكنّه يخادع الله والناس، ولم يعلم أنّه لم يكن يخدع إلا نفسه، فباء بغضب الله ورسوله، وذلك هو الخسران المبين.
وإنّ ما يكذّب ما ادعاه معاوية - وأنّه جاء قاصداً عامداً لقتل عمار - ما جاء في مجموعة من المصادر التاريخية:
1 - قال ابن خلدون: «... فقال شبث بن ربعي: أيسرّك يا معاوية أن تقتل عماراً؟ قال: نعم بمولاه، قال شبث: حتى تضيّق والله الأرض الفضاء عليك، فقال معاوية: لو كان ذلك لكانت عليك أضيق..»(2).
2 - قال ابن الأثير: «... فقال شبث بن ربعي: أيسرّك يا معاوية أن تقتل عماراً؟ فقال: وما يمنعني من ذلك لو تمكنت من ابن سمية لقتلته بمولى عثمان، فقال شبث: والذي لا إله غيره لا تصل إلى ذلك حتى تندر الهام عن الكواهل، وتضيّق الأرض الفضاء عليك، فقال معاوية: لو كان ذلك لكانت عليك أضيق!...»(3).
ثم إنْ كان علي علیه السلام هو الذي قتل عماراً فلماذا يعطى معاوية الجائزة لقاتله ولمن احتز رأسه كما تقدم في الأخبار الصحيحة، وكما سيأتي؟
فهل الجائزة تعطى عند إغضاب الشخص أم عند إرضاءه؟
لقد سعد معاوية بقتل عمار، وإنّه بقتله قد أزال حجر عثرة أمام مخططاته اللئيمة في إقامة حكومة بني أمية الجائرة.
ومما يؤكد أنّه قتل بيد معاوية، وأنّه قتله عالماً عامداً ما روي عن مغيرة، عن ابنة هشام بن الوليد بن المغيرة، وكانت تمرض عماراً، قالت: جاء معاوية إلى عمار يعوده، فلمّا خرج من عنده، قال: اللهم لا تجعل منيته بأيدينا، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: تقتل عماراً الفئة الباغية(1).
وصدق الله تعالى حيث يقول: «إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ»(2)، فلم يتقبّل من هذا المنافق دعاءه، وكان استشهاد عمار على يديه، فباء بالخزي في الدنيا وبالخلود في السعير، ولبئس مثوى المتكبرين.
ثم نسأل معاوية: هل أجبر على علیه السلام عماراً أو أكرهه حتى يدّعي أنّه ألقاه بين أسيافكم ورماحكم؟ بل إنّ الروايات تصرّح بأنّ عماراً كان يعتقد بأن القتال تحت راية علي علیه السلام هو كالقتال تحت راية النبي الأعظم صلی الله علیه وآله، وأنّ راية معاوية هي راية المشركين، ولم تكن هذه عقيدة عمار فحسب، بل كانت عقيدة صحابة النبي الأبرار الذي كانوا يميلون معه كيف مال، وجعلوه راية لهم.
ومما يؤيد أنّ معاوية لم يكن معتقداً بصحة كلامه ولا أصحابه ما رواه ابن الأثير، قال: إنّ ذا الكلاع خرج إلى الشام وأقام به، فلما كانت الفتنة كان هو القيّم بأمر صفين، وقتل فيها.
قيل: إنّ معاوية سرّه قتله، وذلك أنّه بلغه أنّ النبي صلى الله عليه وآله قال لعمار بن ياسر: تقتله الفئة الباغية، فقال لمعاوية وعمرو: ما هذا، وكيف نقاتل علياً وعماراً؟ فقالوا: إنّه يعود إلينا ويقتل معنا، فلما قتل ذو الكلاع وقتل عمار، قال معاوية: لو كان ذو
الكلاع حيّاً لمال بنصف الناس إلى علي(1).
وقال الحلبي: «لما قتل عمار جرّد خزيمة بن ثابت سيفه، وقاتل مع علي، وكان قبل ذلك اعتزل عن الفريقين، وقال: سمعت رسول الله صلی الله علیه وآله يقول: تقتل عماراً الفئة الباغية، فقاتل معاوية حتى قتل.
وكان ذو الكلاع مع معاوية، وقال له يوما ولعمرو بن العاص: كيف نقاتل علياً وعمار بن ياسر؟ فقالا له: إنّ عماراً يعود إلينا ويقتل معنا، فقتل ذو الكلاع قبل قتل عمار، ولما قتل عمار قال معاوية: لو كان ذو الكلاع حيّاً لمال بنصف الناس إلى علي، أي: لأن ذا الكلاع كان ذووه أربعة آلاف أهل بيت، وقيل: عشرة آلاف، وكان عبد الله بن بديل بن ورقاء مع علي - رضي الله تعالى عنه - فلما قتل عمار أخذ سيفين، ولبس درعين، ولم يزل يضرب بسيفه»(2).
ولما قتل عمار بن ياسر قال خزيمة: قد بانت لي الضلالة، واقترب فقاتل حتى قتل، وكان الذي قتل عمار بن ياسر أبو غادية المزني، طعنه برمح فسقط، وكان يومئذٍ يقاتل في محفّة، فقتل يومئذ وهو ابن أربع وتسعين سنة.
فلما وقع أكب عليه رجل آخر فاحتز رأسه، فأقبلا يختصمان فيه، كلاهما يقول: أنا قتلته، فقال عمرو بن العاص: والله إن يختصمان إلّا في النار، فسمعها منه معاوية، فلما انصرف الرجلان قال معاوية لعمرو بن العاص: ما رأيت مثل ما صنعت، قوم بذلوا أنفسهم دوننا تقول لهما: إنكما تختصمان في النار. فقال عمرو: هو والله ذاك، والله إنّك لتعلمه، ولوددت أني مت قبل هذه بعشرين سنة(3).
ولو كان عمر و بن العاص تأوّل واعتقد أن الحقّ مع القاسطين، فلماذا يتمنى الموت قبل عشرين سنة، والأولى أن يفرح بأنه يقوم بإقامة الحق والعدل، ومن هنا
يظهر أن عمرو بن العاص كان يعرف أنّ الحق مع أمير المؤمنين علیه السلام، ولكنّه باع دينه، واختار جهنم وبئس المصير في مقابل ثمن بخس وهي مصر.
قال ابن الأثير: ولما قتل عمار قال: ادفنوني في ثيابي، فإنّي مخاصم(1).
ومن الذي يخاصمه عمار؟ هل يخاصم علياً أم يخاصم معاوية؟
ثم ما معنى المخاصمة إذا كان الأمر كما يدعي البعض بأن القاتل والمقتول في الجنة؟ فتكون المخاصمة إذاً من العبث، وهو ما يبيّن أنّ المخاصمة ستكون مع من قتله وهو معاوية، وإنّ عقيدة دخول الجاني والمجني عليه والباغي والمنافق مع المؤمنين الجنة ما هي إلّا خرافة أوجدها الأمويون ليبرروا بها جرائمهم بحق الإسلام والمسلمين.
الاستبصار بعد البحث والتحقيق حول أحقيّة الدين الإسلامي:
عندما تتّضح أدلّة أحقيّة الدين الإسلامي بالعديد من الأمور، ومنها: المعاجز الإلهيّة على لسان نبيّه الكريم يمتلىء قلب الباحث طمأنينة، ويغمر كيانه النور، فيتجلى له الحقّ بأسمى تجلّياته، وهذا ما حصل ل «والنتين»، وأدّى به لاعتناق الدين الإسلامي ومذهب أهل البيت علیهم السلام(2).
الصورة
ولدت في الفلبّين، حاصلة على شهادة الليسانس أمضت فترة من حياتها معتنقة للديانة المسيحية، ولكنّها وجدت تقليدها الأعمى لأُصول هذه الديانة سيؤدّي إلى التعصّب للمفاهيم الخاطئة، وإنّ الحلّ الوحيد للتخلّص من هذه المعاناة النفسية هو التوجّه إلى البحث واكتشاف الحقيقة عن طريق الدليل والبرهان، فبذلت قصارى جهدها في البحث والتتبّع والدراسة عن الأُمور الفكرية والعقائدية حتّى توصّلت إلى أنّ الإسلام هو الدين الأكمل.
ومن المفاهيم التي تبرهن على كمال هذا الدين العظيم وتعطيه صبغة إعجازية هو أنّه لا ينحصر في زمان «معيّن»، بل لديه رؤية وإشراف على سائر الأزمنه.
ويتّضح ذلك من المغيّبات التي جاء بها النبيّ الأعظم صلی الله علیه وآله والإمام أمير المؤمنين علیه السلام.
كلام في علم الغيب:
ينقسم علم الغيب إلى قسمين:
القسم الأوّل: هو الذي انحصر في الله، وهي هذه الأُمور الخمسة:
أ - علم الساعة ومتى تقوم القيامة.
ب - إنزال الغيب كمّية وكيفية، وفي أي مكان وأي زمان.
ج - علم ما في أرحام النساء، من ذكر أو أُنثى، أسود أو أبيض، قصير أو طويل، جميل أو دميم، شقي أو سعيد، سخي أو بخيل، وإلى غيرها من الصفات.
د - ماذا يكسب هذا الإنسان غداً، من خير أو شرّ، كثير أو قليل، في أي زمان ومكان.
ه - أين تكون وفاة هذا الإنسان؛ فهو من علم الغيب أيضاً.
القسم الثاني من الغيب: هو جزء من العلم عرّفه الله لنبيّه وأطلعه عليه، وبدوره قام النبيّ بإبلاغه للإمام علي علیه السلام وإفهامه إياه، وقد بلّغه إيّاه النبيّ ودعا له أن يحفظه ويفهمه، فكان الإمام أصدق صورة تحكي النبيّ وتنقل عنه كلّ خصوصية وكلّ حقيقة، وقد قال المفسّرون عندما فسّروا قوله تعالى: «وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ »(1)، قالوا: إنّها أُذُن عليّ.
وقد قال النبيّ يومها: إنّي دعوت الله أن يجعلها أُذنك يا علي. فقال علي علیه السلام: فما نسيت شيئاً بعد، وما كان لي أن أنسى(2).
قد جاء في القرآن العظيم، في موارد كثيرة ذكر الغيب؛ قال الله تعالى: «الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ»(3)، وقال: «وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ»(4)، وقال: «قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِم الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ
تَعْمَلُونَ»(1)، وغيرها من الآيات الشريفة.
وقال تعالى في سورة الجن: «عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ٭ إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا»(2)، يظهر من هذه الآية الشريفة أنّ الله تعالى يُطلع رسوله على الغيب.. هذا عيسى بن مريم علیه السلام كما جاء في القرآن يقول: «وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ»(3)، أليس هذا من علم الغيب؟!
وأخبر نبيّنا محمد صلی الله علیه وآله ابنته فاطمة علیها السلام بأنّها أوّل من يلحق به؛ وهو ما رواه مسروق عن عائشة قالت: أقبلت فاطمة تمشي كأنّ مشيتها مشي النبيّ صلى الله عليه وآله، فقال النبيّ صلى الله عليه وآله: مرحباً يا بنتي. ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم أسرّ إليها حديثاً، فبكت، فقلت لها: لم تبكين؟ ثم أسرّ إليها حديثاً فضحكت، فقلت: ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن، فسألتها عمّا قال، فقالت: ما كنت لأُفشي سرّ رسول الله صلی الله علیه وآله، حتى قبض النبيّ صلی الله علیه وآله فسألتها، فقالت: أسرّ إليّ أنّ جبريل كان يعارضني القرآن كلّ سنة مرّة، وإنّه عارضني العام مرّتين، ولا أراه إلّا حضر أجلى وإِنَّكِ أوّل أهل بيتي لحاقاً بي، فبكيت، فقال: أما ترضين أن تكوني سيّدة نساء أهل الجنّة، أو نساء المؤمنين، فضحكت(4).
وأخبر صلی الله علیه وآله عليّاً علیه السلام بقتاله الناكثين والقاسطين والمارقين، وهو ما رواه خليد المصري؛ قال: سمعت عليّاً أمير المؤمنين يقول يوم النهروان: «أمرني رسول
الله صلی الله علیه وآله بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين»(1).
وأخبر صلی الله علیه وآله عمّاراً بأنّه ستقتله الفئة الباغية؛ وهو ما روي عن أُمّ سلمة: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال لعمّار: تقتلك الفئة الباغية(2).
والإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب علیه السلام كان مع النبيّ صلى الله عليه وآله في صغره وكبره، قال: «إنّ النبيّ علّمني ألف باب من العلم»(3)، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «أنا مدينة العلم وعليّ بابها»(4).
قال الحاكم النيسابوري: هذا حديث صحيح الإسناد(5).
ونظائر هذه ممّا صدر من حجج الله ورسله، لاسيّما من خاتم النبيّين وآله الطاهرين من خوارق العادات كثيرة جدّاً، نقلت في كتب الفريقين، بعضها بلغ حدّ التواتر وبعضها حدّ الشهرة.
وليعلم أنّ أهل الله لو تفوّهوا بالدعاء لقوم أو عليهم لأثّر ذلك عاجلاً؛ لأنّهم بلغوا في اتّصافهم بالصفات الملكوتية وتخلّقهم بالأخلاق الإلهيّة وتقرّبهم إلى المبادي العالية، لاسيّما إلى مبدأ المبادي وعلّة العلل: الله عزّ وجلّ، إلى مرتبة منيعة، ودرجة رفيعة؛ إذ لا فرق بينهم وبين حبيبهم في صدور كثير من الأفعال عنهم، كما جاء عن الإمام الصادق علیه السلام: «العبودية جوهرة كنهها الربوبية، فما فُقد في العبودية وُجد في الربوبية، وما خفي عن الربوبية أُصيب في العبودية»(6).
وتأثير القوى النفسانيّة يصير إلى حدّ معجب لمن كان بمعزل عن العلم
بأسرار النفس.
ثمّ إنّ ظهور الآثار الغريبة أثر تكويني لهذه الجوهرة النفيسة القدسيّة فيعمّ الكلّ، وكلّما كانت أقوى كان فعلها أشدّ، لاسيّما إذا كان حجّة الله على عباده، من نبيّ أو وصيّ؛ فإنّهم بسبب شدّة انسلاخهم عن النواسيت الإنسانية تدوم عليهم الإشراقات العلويّة بسبب الاستضاءة بضوء القدس والإلْف بسناء المجد، فتطيعهم مادّة الكائنات القابلة للصور المفارقة بإذن الله تعالى، فيتأثّر الموادّ عن أنفسهم كما يتأثّر أبدانهم عنها، فلهذا يكون دعاؤهم مسموعاً في العالم الأعلى والقضاء السابق، ويتمكّن في أنفسهم نور خلّاق به يقدرون على الأشياء التي يعجز عنها غيرهم؛ قال عزّ من قائل في الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه خطاباً لعيسى بن مريم علیهما السلام: «إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ»(1).
ثمّ إنّ سفراء الله وحججه على خلقه لصفاء جوهر نفوسهم القدسيّة وشدّة صقالتها ونورانيّتها الموصِل لها إلى المبادي العالية، وشدّة الالتصاق بها من غير كسب و تعلّم، قدروا على الاطّلاع على الأُمور الغائبة من غير كسب وفكر.
وما يناسب المقام من الحديث عن الغيب عن أمير المؤمنين ورئيس الموحّدين وقدوة العارفين عليّ بن أبي طالب علیه السلام: ما أتى به نصر بن مزاحم المنقري في كتاب صِفّين، قال: حدّثني مصعب بن سلم، قال أبو حيان التميمي، عن
1) المائدة (5): 110
أبي عبيدة، عن هرثمة بن سليم، قال: غزونا مع عليّ بن أبي طالب غزوة صِفّين، فلمّا نزلنا بكربلا صلّى بنا صلاة، فلمّا سلّم رفع إليه من تربتها، فشمّها، ثمّ قال: واهاً لك أيّتها التربة! ليُحشرنّ منك قوم يدخلون الجنّة بغير حساب.
فلمّا رجع هر ثمة من غزوته إلى امرأته وهي جرداء بنت سمير وكانت شيعة لعليّ، فقال لها زوجها هر ثمة: ألا أُعجبك من صديقك أبي الحسن، لمّا نزلنا بكربلا رفع إليه من تربتها فشمّها، وقال: واهاً لك يا تربة! ليُحشرنّ منك قوم يدخلون الجنّة بغير حساب، وما علمه بالغيب.
فقالت له: دعنا منك أيّها الرجل، فإنّ أمير المؤمنين علیه السلام لم يقل إلّا حقّاً.
فلمّا بعث عبيد الله بن زياد البعث الذي بعثه إلى الحسين بن عليّ وأصحابه، قال: كنت فيهم في الخيل التي بعث إليهم، فلمّا انتهيت إلى القوم وحسين وأصحابه عرفت المنزل الذي نزل بنا عليّ علیه السلام فيه والبقعة التي رفع إليه من ترابها، والقول الذي قاله، فكرهت مسيري، فأقبلت على فرسي حتى وقفت على الحسين فسلّمت عليه، وحدّثته بالذي سمعت من أبيه في هذا المنزل، فقال الحسين علیه السلام: معنا أنت أو علينا؟ فقلت: يا ابن رسول الله! لا معك ولا عليك، تركت أهلي وولدي أخاف عليهم من ابن زياد.
فقال الحسين علیه السلام: فولِّ هرباً حتى لا ترى لنا مقتلاً، والذي نفس حسين بيده لا يرى مقتلنا اليوم رجل ولا يغيثنا إلّا أدخله الله النار.
قال: فأقبلت في الأرض هارباً حتى خفي عَليّ مقتله(1).
ومن النماذج: ما روي أنّه لمّا عزم علیه السلام على حرب الخوارج(2)، وقيل له: إنّ
القوم قد عبروا جسر النهروان(1)، فقال علیه السلام: (مَصَارِعُهُمْ(2)دُونَ النُّطْفَةِ، وَاللهِ لَا يُفْلِتُ(3)مِنْهُمْ عَشَرَةٌ وَلَا يَهْلِكُ مِنْكُمْ عَشَرَةٌ)(4).
قال الرضي: يعني بالنطفة: ماء النهر؛ وهو أفصح كناية عن الماء، وإن كان كثيراً جمّاً(5).
أقول: رواه البلاذري في أنسابه(6)، والشيخ الصدوق في كمال الدين وتمام النعمة(7)، وابن شهر آشوب في مناقبه(8)، والبيهقي في سننه(9)، وابن أبي شيبة في مصنّفه(10)، والدارقطني في سننه(11)، والمتّقي الهندي في كنزه(12).
وروى أصحاب السيرة عن جندب بن عبد الله الأزدي، قال: شهدت مع عليّ علیه السلام: الجمل وصِفّين لا أشكّ في قتال من قاتله، حتى نزلنا النهروان، فدخلني شكّ وقلت: قرّاؤنا وخيارنا نقتلهم؟! إن هذا لأمر عظيم.
فخرجت غدوة أمشي ومعي إداوة ماء حتى برزت عن الصفوف. فركزت رمحي ووضعت ترسي إليه واستترت من الشمس، فإنّى لجالس حتى ورد أمير
1) النهروان: ثلاثة طساسيج من سواد العراق: النهروان الأعلى، والنهروان الأوسط، والنهروان الأسفل. معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع 4: 1337
2) مصارع القوم: سقوطهم عند الموت. کتاب العین 1: 299
3) الإفلات يكون بمعنى الانفلات لازماً، وقد يكون واقعاً، يقال: أفلَتّه من الهلكة، أي: خلّصته. كتاب العين 8: 123
4) نهج البلاغة 1: 107، الخطبة 59
5) نهج البلاغة 1: 107
6) أنساب الأشراف: 373
7) كمال الدين وتمام النعمة: 120
8) مناقب آل أبي طالب 2: 99
9) السنن الكبرى للبيهقي 8: 185
10) المصنف لعبد الرزاق الصنعاني 8: 732
11) سنن الدارقطني 3: 99
12) كنز العمال 11: 287
المؤمنين علیه السلام فقال لي: «يا أخا الأزد أمعك طهور؟» قلت: نعم، فناولته الإداوة، فمضى حتى لم أره، ثم أقبل وقد تطهّر، فجلس في ظلّ الترس، فإذا فارس يسأل عنه، فقلت: يا أمير المؤمنين! هذا فارس يريدك. قال: «فأشِر إليه». فأشرت إليه، فجاء، فقال: يا أمير المؤمنين! قد عبر القوم، وقد قطعوا النهر. فقال: «كلّا ما عبروا»، قال: بلى والله لقد فعلوا. قال: «كلّا ما فعلوا».
قال: فإنّه لكذلك إذ جاء آخر، فقال: يا أمير المؤمنين، قد عبر القوم. قال: «كلّا ما عبروا». قال: والله ما جئتك حتى رأيت الرايات في ذلك الجانب والأثقال. قال: «والله ما فعلوا، وإنّه لمصرعهم ومهراق دمائهم».
ثم نهض ونهضت معه، فقلت في نفسي: الحمد لله الذي بصّرني هذا الرجل، وعرّفني أمره، هذا أحد رجلين: إمّا رجل كذّاب جريء أو على بيّنةٍ من ربّه وعهدٍ من نبيّه، اللهم إنّي أُعطيك عهداً تسألني عنه يوم القيامة، إن أنا وجدت القوم قد عبروا أن أكون أوّل من يقاتله، وأوّل من يطعن بالرمح في عينه، وإن كانوا لم يعبروا (أن أُقيم) على المناجزة والقتال.
فدفعنا إلى الصفوف فوجدنا الرايات والأثقال كما هي، قال: فأخذ بقفاي ودفعني، ثم قال: «يا أخا الأزد! أتبيّن لك الأمر؟»
قلت: أجل يا أمير المؤمنين.
قال: «فشأنك بعدوّك».
فقتلت رجلاً، ثم قتلت آخر، ثم اختلفت أنا ورجل آخر، أضربه ويضربني، فوقعنا جميعاً، فاحتملني أصحابي، فأفقت حين أفقت وقد فرغ القوم.
وهذا حديث مشهور شائع بين نقلة الآثار، وقد أخبر به الرجل عن نفسه في عهد أمير المؤمنين علیه السلام وبعده، فلم يدفعه عنه دافع، ولا أنكر صدقه فيه منكر، وفيه إخبار بالغيب، وإبانة عن علم الضمير ومعرفة ما في النفوس، والآية باهرة فيه،
لا يعاد لها إلا ما ساواها في معناها من عظيم المعجز و جليل البرهان(1).
وفي إخباره علیه السلام بما في نفس الرجل زيادة دلالة على صدقه وإمامته وأحقّيته.
ومن النماذج أيضاً: ما روي من تنبّئه علیه السلام بتغلّب معاوية على الخلافة، وسيطرته على الكوفة، وأنّه سيأمر أهل الكوفة من الشيعة بسبّه، والبراءة منه؛ فقال: (أما إِنَّهُ سِيَظْهَرُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي رَجُلٌ رَحْبُ الْبُلْعُومِ، مُنْدَحِقُ الْبَطْنِ، يَأْكُلُ مَا يَجِدُ، وَيَطْلُبُ مَا لَا يَجِدُ، فَاقْتُلُوهُ، وَلَنْ تَقْتُلُوهُ، أَلَا وَإِنَّهُ سَيَأْمُرُكُمْ بِسَبِّي وَالْبَرَاءَةِ مِنِّي، فَأَمَّا السَّبُّ فَسُبُّونِي؛ فَإِنَّهُ لِي زَكَاةٌ، وَلَكُمْ نَجَاةٌ، وَأَمَّا الْبَرَاءَةُ فَلَا تَتَبَرَّوْوا مِنِّي، فَإِنِّي وُلِدْتُ عَلَى اُلْفِطْرَةِ، وَسَبَقْتُ إِلَى الْإِيمَانِ وَالْهِجْرَةِ)(2).
وهذه النبوّءة تحقّقت بتمامها، والمقصود: معاوية؛ لأنّه كان بطيناً كثير الأكل، فقد كان يأكل فيمل، فيقول: ارفعوا، فوالله ما شبعت، ولكن مللت، و تعبت(3)، وكان ذلك داء أصابه من دعوة رسول الله صلی الله علیه وآله(4).
وقد أمر الناس بسبّ الإمام علیه السلام، والبراءة منه، وقتل طائفة من عظماء أصحابه؛ لأنّهم ثبتوا على ولائه، فلم يتبرؤوا منه، منهم: حجر بن عدي الكندي، وجماعته، وقال قوم: إنّ المعني بهذا الكلام: زياد بن أبيه، وقال قوم: إنّه المغيرة بن شعبة، وكلٌّ ولِيَ الكوفة، وأمر بالسبّ، والبراءة(5).
اعتناق «ويكي» للإسلام و مذهب أهل البيت علیهم السلام:
ومن هذا المنطلق تخلّت «ويكي» عن معتقداتها السابقة واعتنقت الحقيقة
التي وجدتها في الدين الإسلامي، فأعلنت إسلامها، واندفعت بقوّة للحفاظ على هذه الجوهرة الثمينة، التي تمكّنت من الحصول عليها بعد اجتيازها العديد من العقبات التي وقفت أزاء حركتها باتّجاه معرفتها الحقيقة، وبعد استبصارها غيّرت اسمها إلى زينب، تيمّناً بعقيلة الهاشميين زينب الكبرى علیها السلام(1).
1) نقلا عن: معرفة تحليلية عن الإسلام وبعض الأديان والمذاهب: 571
٭ القرآن الكريم.
1 - الاحتجاج، أحمد بن علي الطبرسي (ت 548 ه)، تحقيق: محمّد باقر الخرسان، دار النعمان للطباعة والنشر - النجف الأشرف، طبع عام 1386 ه.
2 - اختيار معرفة الرجال المعروف برجال الكشي، أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ت 460 ه)، تصحيح وتعليق ميرداماد الاسترآبادي، تحقيق: مهدي الرجائي، مؤسسة آل البيت علیهم السلام لإحياء التراث.
3 - اعتقادات فِرَق المسلمين والمشركين، فخر الدين محمّد بن عمر الرّازي، ضبط، تقدیم و تعلیق: محمد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الأولى 1407ه.
4 - الاختصاص، محمد بن محمد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد (ت 413 ه)، تحقيق: علي أكبر الغفاري ومحمّد الزرندي، دار المفيد للطباعة والنشر، الطبعة الثانية 1414 ه.
5 - الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ت 460 ه)، صحّحه وعلّق عليه: حسن الموسوي الخرسان، دار الكتب الإسلاميّة - طهران.
6 - الاستذكار، يوسف بن عبد الله بن عبد البرّ (ت 463 ه)، تحقيق: سالم محمّد عطا ومحمّد علي معوّض، دار الكتب العلميّة - بيروت، الطبعة الأولى 2000 م.
7 - الاستيعاب في معرفة الأصحاب، يوسف بن عبد الله بن عبد البرّ (ت 463 ه)، تحقيق: علي محمّد البجاوي، دار الجيل - بيروت، الطبعة الأولى 1412 ه.
8 - الانتصار، العاملي الكوراني، دار السيّدة - بيروت، الطبعة الأولى 1422 ه.
9 - بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار علیهم السلام، محمّد باقر المجلسي (ت 1111 ه)، تحقیق: محمّد باقر البهبودي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الثالثة المصحّحة 1403 ه.
10 - البداية والنهاية، أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي (ت 774 ه)، تحقيق: علي شيري، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى 1408 ه.
11 - بشارة المصطفى (صلى الله عليه و آله) لشيعة المرتضى علیه السلام، عماد الدين محمد بن أبي القاسم الطبري (ت 525 ه)، تحقيق: جواد القيّومي الأصفهاني، مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1420 ه.
12 - بصائر الدرجات، أبو جعفر محمد بن حسن الصفّار (ت 290 ه)، تصحيح وتعليق وتقديم: ميرزا حسن کوچه باغي، مطبعة الأحمدي - طهران، سنة الطبع: 1404 ه.
13 - تاج العروس من جواهر القاموس، محمّد مرتضى الزبيدي (ت 1205 ه)، تحقيق: علي شيري، دار الفكر - بيروت، سنة الطبع 1414 ه.
14 - تاريخ أبن خلدون، عبد الرّحمن بن خلدون (ت 808ه)، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الرابعة.
15 - تاريخ أبن خلدون، عبد الرحمن بن خلدون (ت 808ه)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت، سنة الطبع 1391 ه.
16 - تاريخ بغداد، أحمد بن علي الخطيب البغدادي (ت 463 ه)، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الثانية 1425 ه.
17 - تاريخ الخلفاء، جلال الدّين عبد الرّحمن بن أبي بكر السيوطي (ت 911 ه)، تحقيق: محمّد محيي الدّين عبد الحميد، مطبعة المدني - القاهرة، الطبعة الثالثة 1383ه.
18 - تاريخ الإسلام، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت 748 ه)، تحقيق: عمر عبد السّلام تدمري، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الثانية 1417 ه.
19 - التاريخ الصغير، محمّد بن اسماعيل البخاري (ت 256ه)، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، دار المعرفة - بيروت، الطبعة الأولى 1406 ه.
20 - تاريخ الطبري، محمّد بن جرير الطبري (ت 310 ه)، تحقيق: نخبة من العلماء الأجلّاء، مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الرابعة 1403 ه.
21 - تاريخ الفلسفة الإسلامية، هنري كوربان، ترجمه: نصير مروه وحسن قبيسي، راجعه وقدّم له: موسى الصدر، والأمير عارف تامر، عويدات للنشر والطباعة - بيروت، الطبعة الثانية 1998م.
22 - ألتاريخ الكبير، محمّد بن إسماعيل البخاري (ت 256ه)، المكتبة الإسلاميّة - ديار بكر، تركية.
23 - تاريخ مدينة دمشق، أبو القاسم علي بن الحسن المعروف بابن عساكر (ت 571 ه)، تحقیق: علي شيري، دار الفكر - بيروت، سنة الطبع 1421 ه.
24 - تاريخ اليعقوبي، أحمد بن إسحاق اليعقوبي (ت 284 ه)، دار صادر - بيروت.
25 - التبيان، أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ت 460 ه)، تحقيق وتصحيح: أحمد حبيب قصير العاملي، مكتب الإعلام الإسلامي، الطبعة الأولى 1409 ه.
26 - تحف العقول، أبن شعبة الحرّاني (من أعلام القرن الرابع الهجري)، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المقدّسة، الطبعة الثانية 1404 ه.
27 - تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، محمّد بن عبد الرّحمن بن عبد الرّحيم المباركفوري (ت 1353 ه)، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1410 ه.
28 - تخريج الأحاديث والآثار، جمال الدين الزيلعي (ت 762ه)، تحقيق: عبد الله أبن عبد الرّحمن السعد، دار أبن خزيمة - الرياض، الطبعة الأولى 1414 ه.
29 - تذكرة الحفاظ، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت 748 ه)، دار إحياء الترّاث العربي - بيروت.
30 - تذكرة الخواص من الأُمّة بذكر خصائص الأئمّة، يوسف بن قزاوغلي بن عبد الله التركي المعروف بسبط أبن الجوزي ( ت 654 ه)، تحقيق: حسين تقي زاده، نشر المجمع العالمي لأهل البيت - قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1426 ه.
31 - ترتيب إصلاح المنطق، أبن السكّيت الأهوازي (ت 244 ه)، ترتيب وتقديم وتعليق: محمد حسن البكائي، مؤسسة الطبع والنشر في الآستانة الرضوّية المقدّسة، الطبعة الأولى 1412 ه.
32 - تصحيح إعتقادات الإماميّة، محمّد بن محمّد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد (ت 413 ه)، تحقيق: حسین درگاهي، دار المفيد للطباعة والنشر - بيروت، الطبعة الثانية 1414 ه.
33 - تطهير الجنان واللسان عن الخطور والتفوّه بثلب سيدنا معاوية بن أبي سفيان، أحمد بن حجر الهيتمي المكي (ت 974 ه)، خرّج أحاديثه وعلّق حواشيه وقدّم له: عبد الوهاب عبد اللطيف، شركة الطباعة الفنّية المتّحدة، مكتبة القاهرة.
34 - تفسير أبن أبي حاتم، أبن أبي حاتم الرّازي (ت 327ه)، تحقيق: أسعد محمّد الطيّب، المكتبة العصرية - صيدا.
35 - تفسير البغوي المعروف ب «معالم التنزيل»، أبو محمّد الحسين بن مسعود أبو الفداء البغوي الشافعي (ت 516 ه)، تحقيق: خالد عبد الرحمن العك، مروان سوار، دار المعرفة - بيروت، الطبعة الخامسة 1423 ه.
36 - تفسير الثعالبي المسمّى ب «جواهر الحسان في تفسير القرآن»، عبد الرّحمن ابن محمد الثعالبي المالكي (ت 875 ه)، تحقيق: علي محمد معوض، عادل أحمد عبد الموجود وعبد الفتّاح أبوسنة، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى 1418 ه.
37 - تفسير الثعلبي المعروف ب «الكشف والبيان عن تفسير القرآن»، الثعلبي (ت 427 ه)، تحقيق: أبو محمّد بن عاشور، مراجعة وتدقيق: نظير الساعدي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى 1422 ه.
38 - تفسير السمعاني، أبو المظفر منصور بن محمد السمعاني (ت 489 ه)، تحقيق: ياسر إبراهيم وغنيم عبّاس، دار الوطن - الرّياض، الطبعة الأولى 1418 ه.
39 - تفسير العياشي، محمد بن مسعود العياشي (ت 320 ه)، تحقيق: هاشم الرسولي المحلّاتي، المكتبة العلمية الإسلامية - طهران.
40 - تفسير القرآن العظيم، أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي (ت 774 ه)، تقديم: يوسف عبد الرّحمن المرعشلي، دار المعرفة - بيروت، سنة الطبع 1412 ه.
41 - تفسير القرطُبي المسمّى ب «الجامع لأحكام القرآن»، أبو عبد الله محمّد بن أحمد الأنصاري القرطُبي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، سنة الطبع 1405 ه.
42 - تفسير القمّي، علي بن إبراهيم القمي (من أعلام القرن الثالث والرابع الهجري)، تصحيح و تعليق و تقديم: طيّب الموسوي الجزائري، الطبعة الثالثة 1404 ه، الناشر: مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر - قم المقدّسة.
43 - التفسير الكبير، الفخر الرّازي (ت 606 ه)، الطبعة الثالثة.
44 - تفسير الآلوسي (روح المعاني)، الآلوسي.
45 - تفسير مجمع البيان، أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي (ت 548 ه)، مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأولى 1415 ه.
46 - التفسير المنسوب للإمام العسكري علیه السلام، تحقيق: مدرسة الإمام المهدي علیه السلام، مطبعة مهر - قم المقدّسة، الطبعة الأولى محقّقة 1409 ه، الناشر: مدرسة الإمام المهدي علیه السلام بقُم المقدّسة.
47 - تفسير نورُ الثّقلين، عبد علي بن جمعة الحويزي (ت 1112 ه)، تصحيح وتعليق: هاشم الرسولي المحلّاتي، مؤسسة أنصاريان للطباعة النشر - قم المقدّسة، الطبعة الرابعة 1412 ه.
48 - تقريب المعارف، أبو الصلاح تقي بن نجم الحلبي (ت 447 ه)، تحقيق: فارس الحسون، سنة الطبع 1417 ه.
49 - تنبيه الغافلين عن فضائل الطالبيّين، شرفُ الإسلام بن سعيد المحسن بن كرامة (ت 494 ه)، تحقيق: تحسين آل شبيب الموسوي، مركز الغدير للدّراسات الإسلامية، سنة الطبع: 1420 ه، الناشر: مركز الغدير للدّراسات الإسلامية.
50 - التوحيد، محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي المعروف بالشيخ الصّدوق (ت 381 ه)، تحقيق: السيّد هاشم الحسيني الطّهراني، مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدّسة، الطبعة السابعة 1422 ه.
51 - تهذيب التهذيب، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت 852 ه)، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى 1404 ه.
52 - تهذيب الأحكام في شرح المقنعة للشيخ المفيد، أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ت 460 ه)، تحقيق وتعليق: حسن الموسوي الخرسان، مطبعة خورشيد، الطبعة الثالثة 1364 ش.
53 - تهذيب الكمال في أسماء الرجال، أبو الحجاج يوسف المزّي (ت 742 ه)، تحقيق: بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى 1413 ه.
54 - الثاقب في المناقب، ابن حمزة الطوسي (ت 560 ه)، تحقيق: نبيل رضا علوان، مطبعة الصدر - قم المقدّسة، الطبعة الثانية 1412 ه، الناشر: مؤسسة أنصاريان.
55 - ثم اهتديت، محمد التيجاني السماوي، مؤسسة الفجر - لندن.
56 - ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق (ت (381 ه)، تقدیم: محمد مهدي السيد حسن الخرسان، مطبعة أمير - قم المقدّسة، الطبعة الثانية 1368 ه - ش.
57 - جامع البيان عن تأويل آي القرآن، محمّد بن جرير الطبري (ت 310 ه)، ضبط وتوثيق وتخريج: صدقي جميل العطار، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى 1415 ه.
58 - الجامع الصغير، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت 911 ه)، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى 1401 ه.
59 - الجامع الكبير المعروف بسنن الترمذي، أبو عيسى محمّد بن عيسى الترمذي (ت 279 ه)، تحقيق: عبد الرحمن محمّد عثمان، دار الفكر - بيروت، الطبعة الثانية 1403 ه.
60 - الجرح والتعديل، أبو محمّد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرّازي (ت 327 ه)، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية - حيدر آباد، الهند، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى 1371ه.
61 - الجمل، محمد بن محمد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد (ت 413 ه)، مكتبة الداوري - قم المقدّسة.
62 - جواهر العقود، شمس الدّين محمد بن أحمد المنهاجي الأسيوطي (توفي في القرن الثاني الهجري)، تحقيق: مسعد عبد الحميد محمد السعدني، دار الكتب العلميّة - بيروت، الطبعة الأولى 1417 ه.
63 - جواهر المطالب في مناقب الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام، محمّد بن أحمد الدمشقي الباعوني الشافعي (ت 871 ه)، تحقيق: محمّد باقر المحمودي، المطبعة: دانش، مجمع إحياء الثقافة الإسلاميّة - قم، الطبعة الأولى 1415 ه.
64 - الآحاد والمثاني، الضحّاك أبن أبي عاصم (ت 287 ه)، تحقيق: باسم فيصل أحمد الجوابرة، دار الدراية للطباعة النشر - الرّياض، الطبعة الأولى 1411 ه.
65 - الأحاديث الطوال، أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (ت 360 ه)، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1412 ه.
66 - أحكام القرآن، أبو بكر أحمد بن علي الرّازي الجصّاص (ت 370 ه)، تحقيق: عبد السّلام محمد علي شاهين، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1415 ه.
67 - الحكمة المتعالية فى الأسفار العقليّة الأربعة، صدر الدّين محمد الشيرازي (ت 1050 ه)، الطبعة الثالثة 1981 م، الناشر: دار إحياء الثراث العربي - بيروت.
68 - حياة محمّد (صلى الله عليه و آله)، محمد حسين هيكل، مطبعة مصر - القاهرة، وطبعت بالأفست، سنة الطبع 1354 ه.
69 - الأخبار الطوال، أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري (ت 282ه)، تحقيق: عبد المنعم عامر ، دار إحياء الكتب العربي، الطبعة الأولى 1960 م.
70 - الخدعة (رحلتي من السنّة الى الشيعة)، صالح الورداني، مطبعة توحيد، الطبعة الأولى 1416 ه، الناشر: دار النخيل - بيروت.
71 - خزانة الأدب، عبد القادر بن عمر البغدادي (ت 1093 ه)، تحقیق: محمد نبیل طريفي وأميل بديع يعقوب، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1998 م.
72 - الخصال، محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق (ت 381 ه)، تصحيح و تعليق: علي أكبر الغفاري، منشورات جماعة المدرّسين في الحوزة العلمية بقم المقدّسة، سنة الطبع 1403 ه.
73 - خلاصة الأقوال في معرفة الرجال، الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي (ت 726 ھ)، تحقيق: جواد القيّومي، مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الأولى 1417 ه.
74 - دائرة المعارف الإسلامية، ترجمة: أحمد الشنتناوي، إبراهيم زكي خورشيد وعبد الحميد يونس، دار المعرفة - بيروت.
75 - أدب الأملاء والأستملاء، أبو سعيد عبد الكريم بن محمد السمعاني (ت 562 ه)، شرح ومراجعة: سعيد محمد اللحّام، منشورات دار ومكتبة الهلال - بيروت، الطبعة الأولى 1409 ه.
76 - الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت 911 ه)، دار المعرفة - بيروت.
77 - دعوة الى سبيل المؤمنين، طارق زين العابدين، مطبعة مؤسسة الطبع والنشر التابعة للآستانة الرضويّة المقدّسة، الطبعة الأولى 1418 ه.
78 - دلائل الإمامة، محمد بن جرير الطبري الشيعي (من أعلام القرن الخامس الهجري)، تحقيق: قسم الدراسات الإسلامية في مؤسسة البعثة - قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1413 ه.
79 - ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى، محبّ الدين أحمد بن عبد الله الطبري (ت 694 ه)، سنة الطبع 1356 ه، مكتبة القدسي - القاهرة.
80 - ربيع الأبرار ونصوص الأخبار، أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري (ت 538 ه)، تحقيق: عبد الأمير مهنا، الطبعة الأولى، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت.
81 - رجال ابن الغضائري، أحمد بن الحسين الغضائري الواسطي (ت القرن الخامس الهجري)، تحقيق: السيّد محمّد رضا الجلالي، الطبعة الأولى 1422 ه، مطبعة: سرور، الناشر: دار الحديث.
82 - رجال الشيخ الطوسي، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت 460 ه)، تحقيق: جواد القيّومي، مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الأولى 1415 ه.
83 - رجال النجّاشي، أبو العباس أحمد بن علي النجاشي الأسدي (ت 450ه)، تحقيق: موسى الشبيري الزنجاني، مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الخامسة 1416 ه.
84 - الرد على المتعصّب العنيد المانع من ذم يزيد، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي (ت 597 ه)، تحقيق: هيثم عبد السّلام محمد، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1426 ه.
85 - رسالة التشّيع في العالم المعاصر، محمد حسين الطباطبائي، المترجم: جواد علي الكسّار (خالد توفيق)، مؤسسة أم القرى، الطبعة الأولى 1418 ه.
86 - رسالة المحكم والمتشابه، الشريف المرتضى علم الهدی (ت 436 ه)، تحقیق وتقديم: السيد عبد الحسين الغريفي البهبهاني، طبع في مؤسسة الطبع والنشر التابعة للآستانة الرضويّة المقدّسة، الطبعة الأولى 1428 ه.
87 - رأس الحسين، أبو العبّاس أحمد بن عبد الحليم بن تيميّة الحراني الدمشقي (ت 728 ه)، تحقيق السيد الجميلي، الطبعة الأولى 1406 ه، الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت.
88 - الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، محمد بن محمد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد (ت 413 ه)، تحقيق: مؤسسة آل البيت علیهم السلام لإحياء التراث، المؤتمر العالمي لألفيّة الشيخ المفيد، الطبعة الثانية 1414 ه.
89 - روضة الواعظين، محمد بن الفتال النيسابوري ( الشهيد في 508 ه)، تقديم: محمد مهدي الخرسان، منشورات الشريف الرضي - قم المقدّسة.
90 - زعماء الإصلاح في العصر الحديث، أحمد أمين، دار الكتاب العربي - بيروت.
91 - أسباب نزول الآيات، أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري (ت 468ه)، مؤسسة الحلبي للنشر والتوزيع - القاهرة، سنة الطبع 1388 ه.
92 - سبل الهدى والرّشاد في سيرة خير العباد، محمّد بن يوسف الصالحي الشامي (ت 942 ه)، تحقيق وتعليق: عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمّد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى 1414 ه.
93 - اُسد الغابة في معرفة الصحابة، أبو الحسن علي بن أبي الكرم المعروف بابن الأثير (ت 630 ه)، دار الكتاب العربي - بيروت.
94 - الأسرار الفاطمية، الشيخ محمد فاضل المسعودي، تقديم: السيد عادل العلوي، مطبعة أمير - قم المقدّسة، الطبعة الثانية 1420 ه.
95 - سنن ابن ماجّة، محمّد بن يزيد القزويني المعروف بابن ماجّة (ت 275 ه)، تحقیق و ترقیم و تعلیق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر للطباعة والنشر.
96 - سنن الدارقطني، علي بن عمر الدارقطني (ت 385ه)، تحقيق: مجدي بن منصور سيّد الشوري، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1417 ه.
97 - السنن الكبرى، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي (ت 458 ه)، دار الفكر - بيروت.
98 - السنن الكبرى، أبو عبد الرّحمن أحمد بن شعيب النسائي (ت 303 ه)، تحقيق: عبد الغفّار سليمان البنداري وسيّد كسروي حسن، دار الكتب العلميّة - بيروت، الطبعة الأولى 1411 ه.
99 - السياسة الشرعيّة في إصلاح الراعي والرعية، أبو العبّاس أحمد بن عبد الحليم بن تيميّة الحراني الدمشقي (ت 728 ه)، دار المعرفة - بيروت.
100 - سیر أعلام النبلاء، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت 748 ه)، تحقيق: إبراهيم الزيبق، اشراف وتخريج: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة التاسعة 1413 ه.
101 - السيرة الحلبية في سيرة الأمين والمأمون، نور الدين الحلبي الشافعي (ت 1044 ه)، دار المعرفة - بيروت، سنة الطبع 1400 ه.
102 - السيرة النبويّة، أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي (ت 774 ه)، تحقيق: مصطفى عبد الواحد، دار المعرفة - بيروت، سنة الطبع: 1396 ه.
103 - شجرة طوبى، محمّد مهدي الحائري (ت 1369 ه)، منشورات المكتبة الحيدرية، الطبعة الخامسة 1385 ه.
104 - شذرات الذهب في أخبار من ذهب، أبو الفلاح عبد الحي ابن العماد الحنبلي (ت 1089 ه)، تحقیق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1419 ه.
105 - شرح إحقاق الحق وإزهاق الباطل، شهاب الدين المرعشي النجفي (ت 1411ه)، منشورات مكتبة المرعشي النجفي - قم المقدّسة.
106 - شرح صحیح مسلم المسمى ب «المنهاج» محيي الدين النووي (ت 676 ه)، دار الكتاب العربي - بيروت، سنة الطبع 1407 ه.
107 - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي (ت 656 ه)، تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة الثانية 1385 ه
108 - الشمائل المحمديّة، أبو عيسى محمّد بن عيسى الترمذي (ت 279 ه)، تحقيق: أسامة الرّحال، دار الفيحاء - دمشق، الطبعة الأولى 1421ه.
109 - شواهد التنزيل لقواعد التفضيل في الآيات النازلة في أهل البيت علیهم السلام، عبيد الله ابن أحمد المعروف بالحاكم الحسكاني (من أعلام القرن الخامس الهجري)، تحقيق: محمّد باقر المحمودي، مجمع إحياء الثقافة الإسلامية - قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1411 ه.
110 - الشيعة في الميزان محمد جواد مغنية (ت 1400ه)، دار التعارف للمطبوعات - بيروت، الطبعة الرابعة 1399 ه.
111 - «الشيعة» نص الحوار مع المستشرق كوربان، السيد محمد حسين الطباطبائي، المترجم: جواد علي الكسّار (خالد توفيق)، مؤسسة أمّ القرى، الطبعة الأولى 1416 ه.
112 - الإصابة في تمييز الصحابة، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت 852 ه)، تحقيق وتعليق: عادل عبد الموجود وعلي محمّد معوض، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الثانية 1423 ه.
113 - الصحاح، إسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق: أحمد عبدالغفور عطّار، دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة الرابعة 1407 ه.
114 - صحیح ابن خزيمة، أبو بكر محمّد بن إسحاق بن خزيمة السلمي النيسابوري (ت 311 ھ)، تحقيق وتعليق وتخريج وتقديم: محمّد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي سنة الطبع 1412 ه.
115 - صحيح البخاري، محمّد بن إسماعيل البخاري (ت 256 ه)، دار الفكر، سنة الطبع 1401 ه.
116 - صحيح مسلم، أبو الحسين مسلم بن الحجّاج القشيري النيسابوري (ت 261 ه)، دار الفكر - بيروت.
117 - صلح الحسن علیه السلام، الشيخ راضي آل ياسين، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت، الطبعة الأولى 1412 ه.
118 - أصل الشيعة وأصولها، الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (ت 1373 ه)، تحقيق: علاء آل جعفر، مطبعة ستارة - قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1415 ه.
119 - الصوارم المهرقة في جواب الصواعق المحرقة، نورالله التستري(الشهيد في سنة 1019 ه)، تصحيح: جلال الدين المحدّث، مطبعة النهضت - طهران.
120 - الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة، أحمد بن حجر الهيتمي المكي (ت 974 ه)، تحقيق: عبد الرّحمن بن عبد الله التركي وكامل محمّد الخرّاط، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى 1417 ه.
121 - ضعفاء العقيلي، أبي جعفر محمّد بن عمرو العقيلي الملكي، تحقيق و توثيق: عبد المعطى أمين قلعچي، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الثانية 1418 ه.
122 - أضواء على عقائد الشيعة الإمامية، الشيخ جعفر السبحاني، مؤسسة الإمام الصادق علیه السلام - قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1421 ه.
123 - الطبقات الكبری، محمّد بن سعد (ت 230 ھ)، دار صادر - بيروت.
124 - إظهار الحق، رحمة الله بن خليل الرّحمن الهندي، تحقيق: محمد أحمد محمّد عبد القادر خليل ملكاوي، دار الوطن للنشر، طبع عام 1412 ه.
125 - إعانة الطالبين، أبو بكر المشهور بالبكري الدمياطي (ت 1310 ه)، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى 1418 ه.
126 - عقائد الإماميّة، محمّد رضا المظفر (ت 1381 ه)، تقديم: حامد حفني داود، انتشارات أنصاريان - قم المقدّسة.
127 - العقد الفريد، أحمد بن محمّد بن عبد ربّه الأندلسي (ت 328 ه)، تحقيق: عبد المجيد الترحيني، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1417 ه.
128 - علل الشرائع، محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق (ت 381 ه)، تقديم: محمّد صادق بحر العلوم، منشورات المكتبة الحيدريّة - النجف الأشرف، سنة الطبع 1385 ه.
129 - عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب علیه السلام، جمال الدين أحمد بن علي المعروف بابن عنبة (ت 828 ه)، تصحيح: محمد حسن آل الطالقاني، منشورات المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف، الطبعة الثانية 1380ه.
130 - عمدة القاري شرح صحيح البخاري، بدر الدين محمود بن أحمد العيني (ت 855 ه)، دار إحياء التراث العربي - بيروت.
131 - عوالي اللئالي، ابن أبي جمهور الأحسائي (ت نحو عام 880 ه)، تحقيق: مجتبى العراقي، الطبعة الأولى 1405 ه، مطبعة سيّد الشهداء علیه السلام.
132 - أعيان الشيعة، السيّد محسن الأمين (ت 1371 ه)، تحقيق: حسن الأمين، دار المعارف للمطبوعات - بيروت.
133 - عيون الحكم والمواعظ، أبو الحسن علي بن محمد الليثي الواسطي (من أعلام القرن السادس الهجري)، تحقيق: حسين الحسيني البيرجندي، الطبعة الأولى، الناشر: دار الحديث.
134 - عيون أخبار الرضا علیه السلام، محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق (ت 381 ه)، تصحیح وتعليق: حسين الأعلمي، مؤسسة الأعلمي - بيروت، سنة الطبع 1404 ه.
135 - عيون الأنباء في طبقات الأطبّاء، ابن أبي أصيبعة (ت 668 ه)، تحقيق: نزار رضا، المطبعة والناشر: دار مكتبة الحياة - بيروت.
136 - الغارات، أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الثقفي (ت 283 ه)، تحقيق: جلال الدين المحدّث.
137 - الغدير في الكتاب والسنّة والأدب، عبد الحسين الأميني (ت 1392 ه)، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الثالثة 1387 ه.
138 - غريب الحديث، إبراهيم بن إسحاق الحربي (ت 285ھ)، تحقیق: سلیمان بن إبراهيم العاير، دار المدينة للطباعة والنشر، الطبعة الأولى 1405 ه.
139 - غريب الحديث، أبو عبيد القاسم بن سلام (ت 224 ه)، تحقیق: محمد عبد المعيد خان، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية - حيدر آباد، الهند، الطبعة الأولى 1384 ه.
140 - الفائق في غريب الحديث، جار الله محمود بن عمر الزمخشري (ت 538 ه)، وضع حواشيه: إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1417 ه.
141 - فتح الباري شرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت 852ه)، دار المعرفة للطباعة والنشر - بيروت، الطبعة الثانية.
142 - الفتح السماوي، المناوي (ت 1031 ه)، تحقيق: أحمد مجتبی، مطبعة دار العاصمة، الرّياض.
143 - فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، محمّد بن علي بن محمّد الشوكاني (ت 1250 ه)، عالم الكتب
144 - فتح الملك العلي بصحّة حديث باب مدينة العلم علي، أحمد بن الصديق المغربي (ت 1380 ه)، تحقيق وتعليق وتصحيح الأسانيد: محمد هادي الأميني، مطابع نقش جهان - طهران، الطبعة الثالثة 1403 ه.
145 - الفروق اللغويّة، أبو هلال العسكري، تحقيق: مؤسسة النشر الإسلامي، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1412 ه.
146 - الفصل في الملل والأهواء والنحل، أبو علي محمّد علي بن أحمد بن حزم الظاهري (ت 456 ه)، مطبعة الأديبة - مصر، الطبعة الأولى 1320، الناشر: دار الصادر - بيروت.
147 - الفصول المهمّة في معرفة الأئمة، علي بن محمد المالكي المكي المعروف بابن الصبّاغ (ت 855 ه)، تحقيق: سامي الغريري، مطبعة سرور، الطبعة الأولى 1422 ه، الناشر: دار الحديث للطباعة والنشر.
148 - فضائل الصحابة، أبو عبد الرّحمن أحمد بن شعيب النسائي (ت 303 ه)، دار الكتب العلمية - بيروت.
149 - فضائل الصحابة، أبو عبد الله أحمد بن حنبل الذهلي (ت 241 ه)، تحقيق: وصي الله محمّد عبّاس، مؤسسة الرسالة - بيروت الطبعة الأولى 1403 ه.
150 - الفوائد الرجاليّة، الشيخ مهدي الكجوري الشيرازي (ت 1293 ه)، تحقيق: محمد کاظم رحمان ستايش، دار الحديث للطباعة والنشر - قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1424 ه.
151 - الفهرست، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت 460 ه)، تحقيق: جواد القيّومي، مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الأولى 1417 ه.
152 - فهرست النديم، محمد بن أبي يعقوب النديم البغدادي (ت 438 ه)، تحقيق: رضا تجدّد.
153 - فيض القدير شرح الجامع الصغير، محمّد عبد الرؤوف المنّاوي (ت 1031 ه)، تصحيح: أحمد عبد السلام، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1415 ه.
154 - في ضلال نهج البلاغة، محمّد جواد مغنية (ت 1400ه)، الطبعة الأولى 1427 ه، مطبعة: ستار.
155 - قاموس الرّجال، محمّد تقي التستري (ت 1415 ه)، تحقيق: مؤسسة النشر الإسلامي، مطبعة مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الأولى 1425 ه.
156 - قاموس الكتب المقدّس، مجمع الكنائس الشرقية، الطبعة السادسة 1981 م، الناشر: مكتبة المشغل - بيروت.
157 - القاموس المحيط، محمّد بن يعقوب الفيروزآبادي (ت 817 ه)، مؤسسة الرسالة - بيروت.
158 - قرب الإسناد، عبد الله بن جعفر الحميري (ت 300ه)، تحقيق: مؤسسة آل البيت علیهم السلام لإحياء التراث، مطبعة مهر - قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1413 ه.
159 - الكافي، محمّد بن يعقوب الكليني (ت 329 ه)، تحقيق: علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلاميّة - طهران، الطبعة الخامسة 1363 ش.
160 - كامل الزيارات، أبو القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه القمّي، تحقيق: نشر الفقاهة، الناشر: دار السرور - بيروت، الطبعة الأولى 1418 ه.
161 - الكامل في التاريخ، علي بن محمّد بن الأثير (ت 630 ه)، دار صادر - بیروت، سنة الطبع 1385 ه.
162 - الكامل في ضعفاء الرجال، أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني (ت 365 ه)، تحقيق: سهیل زكار، قراءة وتدقيق: يحيى مختار عزاوي، دار الفكر - بيروت، الطبعة الثالثة 1409 ه.
163 - كتاب السنّة، عمرو بن أبي عاصم ( ت 287 ھ)، تحقیق: محمد ناصر الدین الألباني، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الثالثة 1413 ه.
164 - كتاب الضعفاء والمتروكين، أبو عبد الرّحمن أحمد بن شعيب النسائي (ت 303 ه)، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، دار المعرفة - بيروت، الطبعة الأولى 1406 ه.
165 - كتاب العين، الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 175 ه)، تحقيق: مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، مطبعة الصدر، الطبعة الثانية 1410 ه.
166 - كتاب الأغاني، أبو الفرج الأصفهاني، دار إحياء التراث العربي - بيروت.
167 - كتاب الفتوح، أبو محمّد أحمد بن أعثم الكوفي (ت 314 ه)، تحقيق: علي سيّدي، دار الأضواء، الطبعة الأولى 1411 ه.
168 - الكتاب المقدّس تحت المجهر، عودة مهاوش الأردني، مطبعة الصدر، الطبعة الأولى 1412 ه، مؤسسة أنصاريان - قم المقدسة.
169 - الكتاب المقدّس (العهد الجديد) و (العهد القديم)، الكنيسة، الناشر: دار الكتاب المقدّس، سنة الطبع 1980 م.
170 - كتاب المكاسب، الشيخ مرتضى الأنصاري (ت 1281 ه)، تحقيق: لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم، مطبعة باقري - قم المقدّسة، الطبعة الثانية 1420 ه.
171 - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل، جار الله محمود بن عمر الزمخشري (ت 538 ه)، سنة الطبعة 1385 ه، الناشر: شركة ومكتبة ومطبعة البابي الحلبي وأولاده - مصر.
172 - كشف الخفاء، إسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي (ت 1162 ه)، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الثالثة 1408 ه.
173 - كشف الغطاء، الشيخ جعفر كاشف الغطاء النجفي (ت 1228 ه)، انتشارات مهدوي - أصفهان.
174 - كشف الغمّة في معرفة الأئمّة، علي بن عيسى بن أبي الفتح الأربلي (ت 693 ه)، دار الأضواء - بيروت، الطبعة الأولى 1421 ه.
175 - كفاية الأثر في النص على الأئمة الاثنى عشر علیهم السلام، علي بن محمد الخزاز القمي (ت 400ه)، تحقيق: عبد اللطيف الحسيني الكوهكمري، مطبعة خيام - قم المقدّسة، سنة الطبع: 1401 ه.
176 - كمال الدين وتمام النعمة، محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق (ت 381 ه)، تصحيح: على أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدّسة، سنة الطبع 1405 ه.
177 - الإكمال في أسماء الرجال، ولي الدين أبو عبد الله الخطيب التبريزي (ت 741 ه)، تعلیق: محمد بن عبد الله الأنصاري، مؤسسة آل البيت علیهم السلام لإحياء التراث.
178 - إكمال الكمال، الحافظ ابن ماكولا (ت 475 ه)، دار الكتاب الإسلامي.
179 - كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، علي المتّقي بن حسام الدين الهندي (ت 975 ه)، ضبط و تفسير: بكري حيّاني، تصحيح: صفوة السقا، مؤسسة الرسالة - بيروت، سنة الطبع 1409 ه.
180 - اللباب في تهذيب الأنساب، عز الدين ابن الأثير الجزري (ت 630 ه)، دار صادر، بیروت.
181 - لسان العرب، ابن منظور الأفريقي المصري (ت 711 ه)، نشر: أدب الحوزة - قم المقدّسة، سنة الطبع 1405 ه.
182 - لسان الميزان، شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت 852 ه)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت، الطبعة الثانية 1390ه.
183 - لقد شيّعني الحسين، إدريس الحسيني، مطبعة مهر، الطبعة الأولى 1415 ه.
184 - اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، أبو الحسن الأشعري (ت 330 ه)، صحّحه وقدّم له وعلّق عليه: حموده غرابة، الناشر: المكتبة الأزهرية للتراث.
185 - الإلهيات، الشيخ جعفر السبحاني، الدار الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت، الطبعة الأولى 1409 ه.
186 - مادر گریه نکن، محمود شاه حسيني، المترجم: علي ملكي، الطبعة الأولى 1381 ش، مطبعة: مكتب النشر الإسلامي.
187 - الأمالي، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت 460 ه)، تحقيق: قسم الدراسات الإسلامية في مؤسسة البعثة، دار الثقافة للطباعة والنشر- قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1414 ه.
188 - الأمالي، محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق (ت 381 ه)، تحقيق: قسم الدراسات الإسلاميّة في مؤسسة البعثة، دار الثقافة للطباعة والنشر - قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1414 ه.
189 - الأمالي، محمد بن محمد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد (ت 413 ه)، تحقیق: حسین الأستاد ولي وعلي أكبر الغفاري، دار المفيد للطباعة والنشر - بيروت، الطبعة الثانية 1414 ه.
190 - الإمامة والسياسة، ابن قتيبة الدينوري (ت 276ه)، تحقيق: علي شيري، منشورات الشريف الرضي - قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1413 ه.
191 - الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازي.
192 - مجمع البحرين، فخر الدين الطريحي (ت 1085 ه)، تحقيق: أحمدالحسيني، مكتب نشر الثقافة الإسلامية، الطبعة الثانية 1408 ه.
193 - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي (ت 807 ه)، دار الكتب العلمية - بيروت، سنة الطبع 1408 ه.
194 - المحاسن، أحمد بن محمّد بن خالد البرقي (ت 274 ه)، تحقيق: جلال الدين الحسيني، دار الكتب الإسلاميّة - طهران، الطبعة الأولى 1370 ه.
195 - مختار الصحاح، محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرّازي (ت 721 ه)، ضبط و تصحيح: أحمد شمس الدين، الطبعة الأولى 1415 ه، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت.
196 - مذاهب الإسلاميين، عبد الرّحمن بدوي، دار العلم للملايين - بيروت، إعادة الطبعة الأولى 1997 م.
197 - المراجعات، عبد الحسين شرف الدين العاملي (ت 1377 ه)، تحقيق حسين الرّاضي، الطبعة الثانية 1402ه.
198 - مروج الذهب ومعادن الجوهر، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي (ت 346 ه)، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، الطبعة الأولى 1421 ه.
199 - المستبصرون، غلام أصغر البجنوري، دار الصفوة -بيروت، الطبعة الأولى 1414 ه.
200 - المستدرك على الصحيحين، أبو عبد الله الحاكم النيسابوري (ت 405 ه)، إشراف: يوسف عبد الرحمن المرعشلي، دار المعرفة - بيروت.
201 - المسترشد في إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام، محمد بن جرير الطبري (الشيعي) (المتوفي في أوائل القرن الرابع الهجري)، تحقيق: أحمد المحمودي، مطبعة سلمان الفارسي - قم المقدّسة، الطبعة الأولى محقّقة 1415ه.
202 - مسند أبي يعلى الموصلي، أحمد بن علي بن المثنى التميمي (ت 307 ه)، تحقيق: حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث - دمشق، الطبعة الثانية 1412 ه.
203 - مسند أحمد بن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن حنبل الذهلي (ت 241 ه)، دار صادر - بيروت.
204 - مسند زيد بن علي، زيد بن علي (ت 122 ه)، منشورات دار مكتبة الحياة -بيروت.
205 - مصباح الشريعة، المنسوب للإمام الصادق علیه السلام، مؤسسة الأعلمى للمطبوعات - بيروت، الطبعة الأولى 1400 ه.
206 - مصباح المتهجّد، أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ت 460 ه)، مؤسسة فقه الشيعة - بيروت، الطبعة الأولى 1411 ه.
207 - المصنف، عبد الرّزاق بن همام الصنعاني (ت 211ھ)، تحقیق حبیب الرّحمن الأعظمي.
208 - المصنف في الأحاديث والآثار، عبد الله بن أبي شيبة الكوفي (ت 235 ه)، تعليق سعيد محمّد اللحّام، دار الفكر - بيروت 1420 ه.
209 - مطالب السؤول في مناقب آل الرسول، كمال الدين أحمد بن طلحة الشافعي (ت 652 ه)، تحقيق: ماجد ابن أحمد العطية.
210 - المعارف، ابن قتيبة الدنيوري (ت 276 ه)، تحقيق: ثروت عكاشة، دار المعارف - القاهرة.
211 - معاني الأخبار، الشيخ محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالصدوق (ت 381 ه)، تحقيق: علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدّسة، الطبعة الرابعة 1418 ه.
212 - معجم البلدان، أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي البغدادي (ت 626 ه)، دار إحياء التراث العربي - بيروت، سنة الطبع 1399 ه.
213 - معجم رجال الحديث، السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي (ت 1411 ه)، الطبعة الخامسة 1413 ه.
214 - المعجم الكبير، أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (ت 360 ه)، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الثانية.
215 - معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع، عبد الله بن عبد العزيز البكري الأندلسي (ت 487 ه)، تحقيق وضبط: مصطفى السقا، الطبعة الثالثة 1403 ه، عالم الكتب - بيروت.
216 - المعجم الأوسط، أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (ت 360 ه)، تحقيق: قسم التحقيق بدار الحرمين، سنة الطبع 1415 ه، 1415 ه، الناشر: دار الحرمين للطباعة والنشر.
217 - معرفة تحليلية عن الإسلام وبعض الأديان والمذاهب، العلّامة النوري، إعداد وتحرير: الهيئة العلمية التحريرية، مجمع المطالعات والتحقيقات الإسلامية ومجمع المعارف الإسلامية.
218 - معرفة الثقات، أبو الحسن أحمد بن عبد الله العجلي (ت 261 ه)، الطبعة الأولی 1405 ه، الناشر: مكتبة الدار - المدينة المنوّرة.
219 - معرفة الإمام، محمد حسين الحسيني الطهراني، دار المحجّة البيضاء - بيروت، الطبعة الأولى 1425 ه.
220 - المغني في الضعفاء، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت 478 ه)، تحقيق: أبو الزهراء حازم القاضي، دار الكتب العلمية - بيروت، سنة الطبع 1418 ه.
221 - مفاتيح الجنان، الشيخ عبّاس القمي (ت 1359 ه)، تعريب: محمّد رضا النوري الطبعة الثالثة 2006 م، مطبعة البعثة - قم المقدّسة.
222 - المفردات في غريب القرآن، الحسن بن محمّد المعروف بالراغب الأصفهاني (ت 502 ه)، دفتر نشر الكتاب، الطبعة الثانية 1404 ه.
223 - مقاتل الطالبيين، أبو الفرج الأصفهاني (ت 356 ه)، تقديم وإشراف: كاظم المظفر، منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها في النجف الأشرف، الطبعة الثانية 1385ه.
224 - مقالات الإسلاميين، علي بن إسماعيل الأشعري (ت 324 ه)، تصحيح: هلموت ريتر، إصدار: جمعية المستشرقين الألمانية، الطبعة الثالثة 1400 ه.
225 - مكارم الأخلاق، الحسن بن الفضل الطبرسي (ت 548 ه)، منشورات الشريف الرّضي، الطبعة السادسة 1392 ه.
226 - الملل والنحل، محمّد بن عبد الكريم الشهرستاني (ت 548 ه)، تحقيق: محمّد سيّد گيلاني، دار المعرفة - بيروت.
227 - مناقب آل أبي طالب، محمّد بن علي بن شهر آشوب (ت 588 ه)، المكتبة الحيدرية - النجف الأشرف، سنة الطبع 1376 ه.
228 - مناقب الإمام أمير المؤمنين علیه السلام، محمّد بن سليمان الكوفي (ت 300ه)، تحقيق: محمّد باقر المحمودي، مجمع ضياء الثقافة الإسلاميّة - قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1412 ه.
229 - المناقب، الموفق بن أحمد بن محمد المكي الخوارزمي(ت 568 ه)، تحقيق: مالك المحمودي، طبع ونشر: مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدّسة، الطبعة الثانية 1411 ه.
230 - المنتظم في تواريخ الملوك والأمم، جمال الدين أبي الفرج بن الجوزي (ت 597 ھ)، تحقیق: سهیل زکار، دار الفكر - بيروت، سنة الطبع 1420 ه.
231 - منتهى المطلب، جمال الدین الحسن بن يوسف المشهور ب «العلّامة الحلي» (ت 726 ه)، طبعة حجريّة.
232 - من لا يحضره الفقیه، محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي المعروف بالشيخ الصدوق (ت 381 ه)، تصحيح و تعليق: علي أكبر الغفاري، منشورات جماعة المدرّسين في الحوزة العلمية - قم المقدّسة، الطبعة الثانية 1404 ه.
233 - منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، حبيب الله الهاشمي الخوئي (ت 1324ه)، تحقيق: إبراهيم الميانجي، الطبعة الرابعة، المطبوعة الإسلامية في طهران.
234 - منهاج السنّة النبويّة في نقض كلام الشيعة والقدرية، أبو العبّاس أحمد بن عبد الحليم بن تيميّة الحرّاني الدمشقي (ت 728 ه)، وضع حواشية وخرجه: عبد الله محمود محمّد عمد، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1420 ه.
235 - منهاج الصالحين، الشيخ حسين الوحيد الخراساني.
236 - منهج في الأنتماء المذهبی، صائب عبدالحمید، مطبعة باقري، الطبعة الخامسة 1414 ه، مركز الغدير للدراسات الإسلامية - قم المقدسة.
237 - منية المريد في أدب المفيد و المستفيد، زين الدين بن علي العاملي المعروف ب «الشهيد الثاني» (ت 966ه)، تحقيق: رضا المختاري، مطبعة مكتب الإعلام الإسلامي، الطبعة الأولى 1409 ه.
238 - موسوعة الأسئلة العقائدية، تأليف: مركز الأبحاث العقائدية، مطبعة: ستارة، الطبعة الأولى 1429 ه.
239 - موسوعة العقائد الإسلامية، محمد الريشهري، تحقيق: مركز بحوث دار الحديث، مطبعة دار الحديث - قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1425 ه.
240 - موسوعة المستشرقين، عبد الرّحمن بدوي، دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة الثالثة 1993 م.
241 - موسوعة مقارنة الأديان، المجلد الثاني: المسيحية، د. أحمد شلبي، مكتبة النهضة المصرية - القاهرة، الطبعة العاشرة 1993 م.
242 - ميزان الأعتدال في نقد الرّجال، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت 748 ه)، تحقيق: علي محمّد البجّاوي، دار المحرق - بيروت، الطبعة الأولى 1382 ه.
243 - الميزان في تفسير القرآن، محمّد حسين الطباطبائی (ت 1402 ه)، منشورات جماعة المدرّسين في الحوزة العلمية - قم المقدّسة.
244 - أنساب الأشراف، أحمد بن يحيى البلاذري (ت 279ه)، تحقيق وتعليق: محمّد باقر المحمودي، مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأولى 1394 ه.
245 - النصائح الكافية لمن يتولى معاوية، محمد بن عقيل العلوي (ت 1350 ه)، دار الثقافة - قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1412 ه.
246 - نص (إنجيل برنابا)، سیف الله أحمد فاضل، دار القلم - الكويت، الطبعة الثانية 1403 ه.
247 - نظم درر السمطين في فضائل المصطفى والمرتضى والبتول والسبطين، جمال الدین محمّد بن يوسف الزرّندي الحنفي المدني (ت 750 ه)، الطبعة الأولى 1377 ه.
248 - نوادر المعجزات في مناقب الأئمة الهداة علیهم السلام، محمد بن جرير الطبري (الشيعي) (المتوفي في أوائل القرن الرابع الهجري)، تحقيق: مؤسسة الإمام المهدي علیه السلام، الطبعة الأولى 1410 ه.
249 - النهاية في غريب الحديث والأثر، عز الدين ابن الأثير الجزري (ت 606 ه).
250 - نهج البلاغة، ما اختاره الشريف الرضي من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام، تحقيق: محمّد عبده، دار الذخائر - قم المقدّسة، المصورة على طبعة دار المعرفة - بيروت، الطبعة الأولى 1412 ه.
251 - أوائل المقالات، محمد بن محمد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد (ت 413 ه)، تحقيق: إبراهيم الأنصاري، دار المفيد - بيروت، الطبعة الثانية 1414 ه.
252 - ودخلنا لتشيّع سجّداً، محمد علي المتوكل، دار الخليج العربي للطباعة والنشر - بیروت، الطبعة الثانية (فريدة ومنقّحة) 1422 ه.
253 - وركبت السفينة، مروان خليفات، الطبعة الثانية، مركز الغدير للدّراسات الإسلامية.
254 - وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزّمان، أحمد بن محمّد بن خلّكان (ت 618 ه)، تحقيق: إحسان عبّاس، دار الثقافة - بيروت.
255 - وقعة صفين، نصر بن مزاحم المنقري (ت 212 ھ)، تحقیق وشرح: عبدالسّلام محمد هارون، مطبعة المدني - مصر، الطبعة الثانية 1382 ه.
256 - ومن الحوار اكتشفت الحقيقة، هشام آل قطيط، الطبعة الأولى 1421 ه، الناشر: دار المنتظر - بيروت.
257 - الهدى الى دين المصطفى، محمد جواد البلاغي (ت 1328 ه)، مؤسسة الأعلمي، بيروت، الطبعة الثالثة 1405 ه.
258 - يا ليت قومي يعلمون، ياسين معروف البدراني، مؤسسة العارف للطباعة والنشر - بيروت.
259 - يا أهل الحقّ، علي محمد علي دخيل، دار الهادي - بيروت، الطبعة الأولى 1422ه.
260 - إيمان أبي طالب المعروف ب «كتاب الحجّة على الذاهب الى تكفير أبي طالب علیه السلام»، فخار بن معد الموسوي، تحقيق: محمد بحر العلوم، مطبعة أمير - قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1410 ه.
261 - ينابع المودّة لذوي القربي، سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي (ت 1294ه)، تحقيق: علي جمال أشرف الحسيني، دار الأسوة - قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1416 ه.