تقریرات الامام السیستانی المجلد 8

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

قاعدة الإلزام

أسئلة حول رؤیة الهلال

مع أجوبتها

تَقريراَ لِأبحَاثِ

سَماحة آيةِ اللهِ العُظمى

اَلسَّيِّدِ عَليِّ الحُسَينيَ السّيستَانّي

دامَ ظِله العالي

بقلم

السيّد محمّد علي الربّاني

محرر الرقمي: روح الله الشيراني

اشارة

نسخة أولية محدودة التداول

1436 ه-

الفهرست

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين.

و بعد، فهذا قبس من أبحاثٍ أملاها علينا عَلَم التحقيق والتدقيق، ذو الفكر الثاقب، سيدنا وأستاذنا، المرجع الديني الأعلى آية الله العظمى السيد السيستاني متَّع الله المسلمين بطول بقائه.

وقد وفقني الله تعالى للحضور بين يديه والاستفادة من نمير علومه وتدوين بعضٍ من دروسه، وأملي أن أكون قد وفقت لنقل الصورة الصحيحة لما أملاه سيدنا الأستاذ مد ظله، فما فيها من محاسنٍ فهو غيضٍ من فيض المعرفة لدى سماحته، وما فيها من قصور - والكمال لله وحده - فهو من سوء الصياغة والغفلة وزلل القلم.

وقد شرع دام ظله في بحث قاعدة الإلزام ليلة الخميس الأول من شهر رمضان المبارك سنة ألف وأربعمائة وسبعة للهجرة النبوية الشريفة وقد فرغ منه ليلة الأربعاء الثامن والعشرين من شهر رمضان المبارك سنة ألف وأربعمائة وسبعة من الهجرة النبوية في تسع عشرة محاضرة.

وإني إذ أحمد الله سبحانه على توفيقه إياي في تخليد هذه الدروس القيّمة للأجيال القادمة أسأله أن يطيل في عمر سيدنا الأستاذ ويبقيه ذخراً وملاذاً للإسلام والمسلمين، إنّه سميع مجيب.

محمد علي الربّاني

مفاد القاعدة

مفاد القاعدة(1)

إنّ مفاد القاعدة هو: أنّ بإمكان الإمامي إلزام من هو خارج عن نحلته بالقوانين المعترف بها عندهم لتعود عليه بنفع و إن لم يكن هو معترفاً بصحّة تلك القوانين.

لمحة عن تأريخ القاعدة

اشارة

و قبل التعرّض لأدلّة القاعدة نشير إلى مرحلتين رئيستين مرّت بهما القاعدة:

المرحلة الأولى: من زمن الصدوق إلى زمن الشهيد الثاني.

لو تتبعنا الفترة الزمنية ما بين الصدوق حتى الشهيد الثاني لوجدنا أن هذه القاعدة لم تكن متبلورة بالشكل الذي هي عليه الآن، فقلّما تجد من تعرّض لهذه القاعدة في تلك الفترة، و إنما تقف على أقوال للعلماء في تطبيقات للقاعدة على مسألتين:


1) الدرس الأول: الخميس 1 رمضان المبارك 1407.

المسألة الأولى: في أخذ الإمامي التعصيب من الذي يقول به، فإنّه إذا كان للميّت بنت واحدة و له أخ نسبي، فعلى فقه الإمامية مع وجود البنت لا تصل النوبة إلى الأخ، و ترث البنت جميع المال، إلا أنّ العامّة يقولون بأنه يرث أيضاً. فإذا كان هذا الأخ إمامياً فهل له المطالبة بالميراث من جهة التعصيب أو لا؟

و أوّل من تعرّض في هذه المسألة للقاعدة هو الشيخ، إلا أنّه لم يتعرّض لها في كتبه الفقهية مثل النهاية و الخلاف والمبسوط، وإنّما تعرّض لها في كتابيَ التهذيب والاستبصار و بشكل خاصّ، قال في الاستبصار بعد نقله الأخبار الدالّة على خلاف كيفية التوريث على مذهبنا: (فهذه الأخبار الثلاثة الأصل فيها زرارة، و الطريق إليها واحد، و مع ذلك فق و مع ذلك فقد أجمعت الطائفة على عدم العمل بها؛ لأنّه لا خلاف بينهم أنّ مع الأمّ لا يرث أحدٌ من الأخوة والأخوات من أيّ جهة كانوا، فالوجه في هذه الأخبار أن نحملها على ضرب من التقيّة.

و يجوز أن نقول فيها وجهاً من التأويل، و هو أنّه وردت الرخصة في جواز الأخذ منهم على ما يعتقدونه، كما يأخذونه منّا، وإنّما يحرم الأخذ بها لمن يعتقد بطلانها)(1).

و قريب منه كلامه في التهذيب(2).


1) أي: الاستبصار 4: 148.

2) قال الشيخ في تهذيب الأحكام 9: 321: هذه الأخبار مخالفة للحق غير معمول عليها عند الطائفة بأجمعها؛ لأنه من المعلوم عنده أنّ مع الأم لا يرث أحد من الأخوة والأخوات، وقد بيّنا ذلك فيما تقدّم، والوجه في هذه الأخبار أن نحملها على ضرب من التقية لموافقتها مذاهب العامة. و يحتمل أيضاً أن يكون ما ورد في أنه يجوز لنا أن نأخذ منهم على مذاهبهم على ما يعتقدونه كما يأخذونه منّا، وإنما يحرم أن يأخذ بعضنا عن بعض على خلاف الحق.

ثمّ ذكر الروايات التي يستدلّ بها على قاعدة الإلزام.

و الشيخ و إن نقل الروايات إلا أنّه ليس في كلامه تعميم للقاعدة، و على فرض التعميم تختلف كبرى قوله مع كبرى قاعدة الإلزام؛ فإنّ الكبرى التي ذكرها الشيخ هي ما نسمّيه بقانون المقاصّة(1)

1- المساواة و المقابلة في الحساب، يقال: تقاصّ القوم إذا قاصّ كلّ واحد منهم صاحبه في الحساب، أي مماثلة دَينك على فلان لدَينه عليك، و مساواته له، و المقابلة بينهما. [انظر: مادة (قصص) في لسان العرب 11: 195، أساس البلاغة: 368، المصباح المنير: 261 ]

2- المماثلة في الجراح، و هي أن يُفعل بالجاني كما فعل بالمجني عليه من قتل أو جرح. [انظر: لسان العرب 11: 195، أساس البلاغة: 368، مختار الصحاح: 537 ]

3- تتبع الأثر، و منه قصصت الأثر إذا تتبعته [انظر: القاموس المحيط 2: 325، لسان العرب 11: 195]

4- القطع، ومنه قصّ الثوب إذا قطعه. [ أساس البلاغة: 368]

و يظهر من معاني المقاصة السابقة أنّ المراد بالمقاصّة هو المساواة و المقابلة و المماثلة، فإنه المتفق مع قاعدة المقاصة النوعية. هذا عن تعريف المقاصّة لغة.

النوعيّة.

و توضيحه: أنّه إذا كان للآخرين غلبة على الإمامية، و كانت قوانينهم نافذةً عليهم، فحينئذ قد يأخذون من الإمامية بحسب قوانينهم في الإرث- كما إذا كان


1) المُقاصّة بضم الميم و فتح القاف، وشدّ الصاد، مصدر للفعل (قصص) و هو من الألفاظ المشتركة في اللغة؛ إذ يدل على المعاني الآتية:

قانون التعصيب هو القانون الرسمي - فللإماميّة الأخذ منهم بعنوان المقاصّة النوعيّة كما يأخذونه منهم.

و الفقهاء (قدس الله أسرارهم) لم يتعرّضوا لقانون المقاصّة النوعية، وإنّما تعرّضوا لقانون المقاصّة الشخصيّة، إلا أنّه لابدّ من تقسيم المقاصّة إلى: شخصيّة و نوعيّة، فكما يأخذون من الشيعة فللشيعة أيضاً الأخذ منهم بحسب هذا القانون(1)

أما الشخصي فهو: أن يأخذ شخص خاص من آخر معين ما يعادل ما أخذه منه كمّاً وكيفاً، فلابد أن يكون أحدهما ظالماً والآخر مظلوماً.

وأما النوعي فهو: أن يأخذ الإمامي من غيره بحسب القانون كما يأخذون منه كذلك، فلا يكون هناك ظلم للآخذ بخصوصه وإن كان الظلم من جهة أخذهم من بعض آخر من الإمامية بحسب ما يقتضيه قانونهم.

ومثال التقاص الشخصي: كما لو سرق شخص مالاً من آخر ولا يستطيع استعادته منه بالطرق المعتادة، فله أن يسرق منه كما سرق منه ويأخذه خلسة.

ومثال التقاص النوعي: كما لو كان الحكم بيد غير الإمامية وفرضوا الإرث بالتعصيب الذي هو مخالف لقانون الإرث عند الإمامية، فبما أنهم يأخذون من الإمامي، فللإمامي أن يأخذ منهم من باب المقاصة النوعية.

.

و من الواضح أنّ هذه الكبرى تختلف عن كبرى قاعدة الإلزام، و هي:

إلزام الشيعي غيره على وفق معتقده إذا كان فيه نفع للشيعي سواء أعمل غير الشيعي بهذا القانون في حقّ الشيعي أم لم يعمل.


1) التقاص على قسمين: شخصي ونوعي.

فظهر أنّ عبارة الشيخ لا تدلّ إلا على ما عبّرنا عنه بقانون المقاصّة النوعية.

و ممن تعرّض لهذه القاعدة أيضاً الشهيد في الدروس، قال العلامة المجلسي في مرآة العقول - بعد ذكر عبارة الشيخ: (خذوا منهم كما يأخذون منّا-: (قال به الشيخ، و ذكره الشهيد في الدروس ولم ينكره)(1).

فتبيّن أنّ الأخذ بالتعصيب لم يكن مصرّحاً به في كلمات الفقهاء من زمن الشيخ إلى زمان العلامة المجلسي و إلا لكان العلامة المجلسي قد عثَرَ عليه و بيّنه.

نعم، قد نقل الكليني (رحمه الله) الروايات الدالّة على ذلك، وسيأتي البحث عن هذه الروايات)(2).

فنرى أنّ مسألة التعصيب و هي مما يعد من موارد قاعدة الإل رد قاعدة الإلزام لم يتعرّض فيها إلى القاعدة إلا الشيخ و الشهيد.

المسألة الثانية: الطلاق البدعي، و منه طلاق الثلاث(3)

وأما الرواية التي فيها أن الطلاق ثلاثاً كان قبل الدخول فقد رواها مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن محمد بن إياس بن البكير أنه قال: طلق رجل امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها ثم بدا له أن ينكحها فجاء يستفتي، فذهبت معه أسأل له فسأل عبدالله بن عباس وأبا هريرة عن ذلك فقالا: لا نرى أن تنكحها حتى تنكح زوجاً غيرك، قال: فإنما طلاقي إياها واحدة، قال ابن عباس: إنك أرسلت من يدك ما كان لك من فضل. [موطأ مالك 2: 570]

وطلاق الثلاث في حق غير المدخول بها عندهم على ضربين:

الأول: أن يقع بلفظ واحد كأن يقول: (أنت طالق ثلاثاً) فيقع ثلاثاً باتفاق المذاهب الأربعة.

الثاني: أن يقع بألفاظ متتابعة كأن يقول: (أنت طالق أنت طالق أنت طالق) ففي هذه الصورة حدث الخلاف بين علمائهم فذهب الحنفية إلى أن الطلاق يقع بالأولى، وأما الثانية والثالثة فلا تصادف محلاً.

قال الحصكفي في الدر المختار: (وإن فرق) بوصف أو خبر أو جمل بعطف أو غيره (بانت بالأولى) لا إلى عدة (و) لذا (لم تقع الثانية) بخلاف الموطوءة حيث يقع الكل. [الدر المختار 314:3]

وأما المالكية ففرَّقوا بين أن يكون الطلاق المفرق -أي الذي ليس بلفظ واحد- متتابعاً فيقع ثلاثاً أو غير متتابع فلا يقع إلا واحدة.

قال الحطاب المالكي في مواهب الجليل: إذا كرر الطلاق بلا عطف فقال: (أنت طالق أنت طالق أنت طالق) يلزمه الثلاث في المدخول بها إلا أن ينوي بذلك التأكيد، وكذا يلزمه الثلاث في غير المدخول بها بشرط أن يكون نسقه ولم ينو التأكيد على المشهور خلافاً للقاضي إسماعيل قال في التوضيح: إذا كانت الزوجة غير مدخول بها وكان كلامه متتابعاً بأن قال: (أنت طالق أنت طالق أنت طالق) نسقاً فالمشهور أنه يلزمه الثلاث إلا أن ينوي التأكيد.

واحترز بمتتابع مما إذا لم يتابعه فإنه لا يلزمه إلا واحدة بالاتفاق لبينونتها بالأولى فلم تجد الثانية لها محلاً. [مواهب الجليل 5: 335]

وذهب الشافعية إلى أن طلاق غير المدخول بها يقع كما أوقعه المطلق ولا فرق بين أن يجمع الطلاق بلفظ واحد أو يفرق بينها.

جاء في كتاب الأم للشافعي أنه قال: أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان عن محمد بن إياس بن بكير قال: طلق رجل امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها ثم بدا له أن ينكحها فجاء يستفتي فذهبت معه أسأل له فسأل أبا هريرة وعبد الله بن عباس (رضي الله عنهم) عن ذلك فقالا: لا نرى أن تنكحها حتى تنكح زوجاً غيرك، قال: إنما كان طلاقي إياها واحدة، فقال ابن عباس: إنك أرسلت من يدك ما كان لك من فضل. قال الشافعي (رحمه الله): وما عاب ابن عباس ولا أبو هريرة عليه أن يطلق ثلاثاً ولو كان ذلك معيباً لقالا له: لزمك الطلاق وبئسما صنعت، ثم سمى حين راجعه فما زاده ابن عباس على الذي هو عليه أن قال له: إنك أرسلت من يدك ما كان لك من فضل ولم يقل: بئسما صنعت ولا خرجت في إرساله. أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد عن بكير عن النعمان بن أبي عياش الأنصاري عن عطاء بن يسار قال: جاء رجل يستفتي عبد الله بن عمرو عن رجل طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يمسها قال عطاء: فقلت إنما طلاق البكر واحدة، فقال عبد الله بن عمر: إنما أنت قاص الواحدة تبينها وثلاث تحرمها حتى تنكح زوجاً غيره. [كتاب الأم 5: 148]

وقال الشربيني الشافعي في مغني المحتاج: (وإذا طلق الحر ثلاثاً) سواء أوقعهن معاً أم لا معلقاً كان ذلك أم لا قبل الدخول أم لا (أو العبد) أو المبعض (طلقتين) كذلك (لم تحل له حتى تنكح) زوجاً غيره. [مغني المحتاج 3: 182]

وذهب الحنابلة إلى أنه إن أوقعها معاً بلفظ واحد أو بما يفيد المعية، كأنت طالق وطالق، وطالق، وقعت ثلاثاً وإن فرقها بانت بالأولى ولم تصادف الثانية والثالثة محلاً.

قال الرحيباني في مطالب أولي النهى: (تطلق) مدخول بها بوطء أو خلوة في عقد صحيح (ثلاثاً) بقول زوجها: (أنت طالق أنت طالق أنت طالق)... (إلا أن ينوي بتكراره تأكيداً متصلاً أو) إلا أن ينوي (إفهاماً ) فإن نوى ذلك (فواحدة)... وغير المدخول بها تبين بالأولى نوى بالثالثة الإيقاع أو لا متصلاً أو لا... (و) إن قال لها أنت طالق (وطالق وطالق وطالق فثلاث) طلقات (معاً ولو لم يدخل بها) لأن الواو تقتضي- الجمع بلا ترتيب (ويقبل) منه (حكماً) إرادة (تأكيد ثانية بثالثة) لمطابقتها لها في لفظها و (لا) يقبل منه تأكيد (أولى بثانية) لعدم مطابقتها لاقترانها بالعاطف دونها. [ مطالب أولي النهى 5: 370- 371]

.

1) مرآة العقول 23: 151.

2) و ذهب صاحب الوسائل إلى جواز أخذ التعصيب منهم من باب التقيّة والمداراة. (الاستاذ دام ظله)

3) إن مسألة طلاق الثلاث من المسائل التي كثر فيها الخلاف بين علمائهم. فمن اعتبر الثلاث بلفظ واحد ثلاثاً وهم الجمهور من علمائهم، بل حكاه الجصاص المولود سنة 305 ه- وابن رجب الحنبلي والسبكي والباجي وغيرهم إجماعاً.

فإنّ هناك اختلافاً بين الشيعة والسنة في الطلاق في الجملة، فإنّ جمهورهم يرون نفوذ الطلاق البدعي، مع اعترافهم بأنّه بدعي، كما يرون طلاق الثلاث بكلمة واحدة نافذاً أيضاً، مع اختلافهم في أنّ الطلاق إذا كان بثلاث كلمات -بأن يقول: هي طالق هي طالق هي طالق- في مجلس واحد هل يقع واحداً أو لا؟

المشهور و المعروف وقوع طلاق واحد بذلك، و أمّا إذا كان طلاق الثلاث بكلمة واحدة فقد ذكروا بأنّه يقع واحداً، وهذا ما سيأتي البحث عنه فيما بعد إن شاء الله.

و لكننا نختلف عنهم في ذلك في الجملة.

و عليه لو طلّق عامي إمرأته بالطلاق البدعي- الذي هو غير نافذ من وجهة نظرنا - فهل للشيعي أن يتزوّج بها أو لا؟

الروايات و إن كانت مختلفة إلا أنّها متّفقة من جهة بطلان الطلاق البدعي. وقد ورد في بعضها الترخيص في التزويج.

و قد تعرّض الصدوق (رحمه الله) لهذه القاعدة في الفقيه بعد ذكر الروايات التي تدلّ على عدم جواز التزويج مطلقاً بقوله: (و في خبر آخر قال: «إنّ

طلاقكم الثلاث لا يحلّ لغيركم، وطلاقهم يحلّ لكم؛ لأنكم لا ترون الثلاث شيئاً و هم يوجبونها»)(1)، ثم نقل مرسلة أخرى: و قال (عليه السلام): «من كان يُدين بدين قوم لزمته أحكامه»(2).

قال الشيخ في التهذيب: (و من طلّق امرأته و كان مخالفاً ولم يستوف شرائط الطلاق إلا أنّه يعتقد أنّه يقع به البينونة لزمه ذلك)(3)

و المراد من المعلّق المذكور هو: المحقق علي أكبر الغفاري الذي قام بتحقيق رسالة قاعدة الإلزام للعلامة البلاغي بأمر من آية الله العظمى السيد محمد هادي الميلاني (قده).

.

و قال في الاستبصار: (باب أنّ المخالف إذا طلّق امرأته ثلاثاً و لم يستوف شرائط الطلاق كان ذلك طلاقاً واقعاً)(4).

هذا ما ذكره في الاستبصار و التهذيب، و أمّا في كتبه الفقهية فلم يتعرّض لهذه القاعدة.

و قال الحليّ في السرائر : (وقد روى أصحابنا روايات متظاهرة بينهم متناصرة، و أجمعوا عليها قولاً و عملاً أنّه إن كان المطلّق مخالفاً و كان ممن يعتقد


1) من لا يحضره الفقيه 2: 257.

2) من لا يحضره الفقيه 3: 407.

3) التهذيب 8: 57، و معلّق رسالة البلاغي في قاعدة الإلزام توهّم بأن هذه العبارة من المقنعة، إلا أنّا راجعنا المقنعة و ظهر أنّ العبارة عبارة الشيخ. (الاستاذ دام ظله)

4) الاستبصار 3: 291.

وقوع الطلاق الثلاث لزمه ذلك و وقعت الفرقة به، و إنّما لا يقع الفرقة إذا كان الرجل معتقداً للحقّ)(1).

و هل أنّ الحكم المذكور مبتنٍ على قاعدة الإلزام أو أنّه مبتنٍ على أن المرأة لا تبقى بلا زوج كما في بعض الروايات؟ سيأتي البحث عنه إن شاء الله.

و قال المحقق في الشرائع: و لو كان المطلّق مخالفاً يعتقد الثلاث لزمته(2)و قال صاحب الجواهر: لأنّ ذلك دينه، مضافاً إلى الإجماع بقسميه عليه(3).

و قد تعرّض العلامة في كتبه للطلاق الثلاث و الطلاق البدعي، إلا أنّه لم يتعرّض فيها لجواز التزويج، كما أنّ الكليني (رحمه الله) لم يرو الروايات الدالّة على الترخيص في التزويج بالمطلّقة ثلاثاً.

و الفاضل المقداد(4)له كلام على ما نقل عنه في إشكاله على الأخذ بروايات الترخيص، وقال: إنّه لابدّ من الأخذ بالروايات التي تقول: «إيّاكم و والمطلّقات ثلاثاً فإنّها ذات أزواج»(5).


1) السرائر 2: 685.

2) شرائع الإسلام 3: 9.

3) جواهر الکلام 32: 87.

4) الذي هو في آخر هذا الدور تقريباً، و هو قبل الشهيد الثاني. (الاستاذ دام ظله)

5) التنقيح الرائع لمختصر الشرائع 3: 315.

فنرى أنّ في هذه المرحلة لم تنقّح قاعدة الإلزام بنحو الكبرى الكليّة، مضافاً إلى أنّ من تعرّض لها لم يتعرّض لها بهذا العنوان، بل بعنوان ينطبق على هذه القاعدة وغيرها.

المرحلة الثانية: من زمن الشهيد الثاني إلى يومنا هذا.

تبتدئ هذه المرحلة بالشهيد الثاني، فإنّه قد تعرّض إلى قاعدة الإلزام في المسالك وادّعى الإجماع عليها و عمّمها.

ثم كان للقاعدة دور وسيع في كلمات الفقهاء كالسبزواري وصاحبي الحدائق و الجواهر.

قال صاحب الجواهر: نعم استيعاب الكلام في هذا الأصل و فروعه محتاج إلى مقام آخر(1).

و لم يؤلّف إلى زمان صاحب الجواهر رسالة في هذه القاعدة.

و نرى في هذه المرحلة توسعة و تعميماً في هذه القاعدة، فإنّه كلّ ما ازداد البحث عنها زادت دائرتها سعة وتفرّعت عليها فروع أكثر، فقد عمّمت القاعدة إلى العقود والإيقاعات الفاسدة من وجهة نظرنا فيما إذا كان لنا فيها نفع، و هكذا بالنسبة إلى العقود والإيقاعات الفاسدة من وجهة نظرهم الصحيحة عندنا، فيما إذا كان لنا في عدم القبول نفع، كما إذا تزوّج العامي بلا إشهاد، فإنّه باطل من وجهة نظرهم، فتعدّ المرأة خليّة و يجوز للشيعي تزويجها.


1) جواهر الکلام 32: 89.

و عمّمت القاعدة أيضاً في الأحكام التي يلتزمون بها، ففي الإرث بالتعصيب مثلاً ذهبوا إلى جواز الأخذ منهم من باب التعصيب.

و هكذا في خيار الغبن إذا كانت المعاملة مع حنفي، حيث إنّ الحنفيين لم يقولوا بخيار الغبن فإذا كان في عدم قبوله لإعماله الخيار نفع لنا، فنُلزمه بعدم الفسخ. و أمثال ذلك من الفروع.

بل ذهب صاحب الجواهر في باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إلى أنّ الوالي إذا نصب شيعياً لإجراء الحدود، و كان مورد إجراء الحدّ مخالفاً أو غيره فيجوز للشيعي إجراء الحدّ عليه و إن لم يكن مستحقاً للحدّ من وجهة نظرنا، و ذلك لقاعدة الإلزام(1).

و قد توسّعت دائرة هذه القاعدة في هذه المرحلة لتشمل أرباب الديانات الأخرى.

و بعض المتأخرين قد عمّمها حتى بالنسبة إلى مقلدة مجتهد(2).

هذا بيان إجمالي لمرحلتي القاعدة، ولا نتعرض لكلمات الفقهاء حذراً من الإطالة.


1) جواهر الکلام 21: 393، قال في الجواهر: بل قد يقال أيضاً إنّ من كان عليه الحدّ مخالفاً وكان حدّه القتل في مذهبهم يجوز قتله و إن لم يصل إلى حدّ الإكراه؛ لقاعدة إلزامهم بما ألزموا به أنفسهم وغيرها.

2) قال في الجواهر: فلو ترافع مقلدة مجتهد مثلا يرى الصحة عند مجتهد يرى البطلان حكم عليهم بمقتضى مذهبه، و ليس له إلزامهم بما وقع منهم من التقليد قبل المرافعة. [ جواهر الكلام 39: 325]

أدلّة القاعدة

اشارة

إن الأدلة التي يمكن الاستدلال بها على قاعدة الإلزام طوائف:

الطائفة الأولى:

منها: علي بن الحسن بن فضّال عن سندي بن محمد البزاز عن علاء بن رزين القلاء عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال سألته عن الأحكام؟ قال: «يجوز على أهل كلّ ذي دين ما يستحلّون»(1). هكذا في الطبع الجديد(2)، و في التهذيب من الطبع القديم: «بما يستحلّون»(3).

و في الوسائل: «يجوز على أهل كلّ ذي دين بما يستحلّون»(4).

والأخير هو الذي رجّحه العلامة البلاغي(5).

و البحث في هذه الرواية من جهات:

الجهة الأولى: في سند الرواية

هناك بحث سيّال و هو هل أنّ طريق الشيخ إلى علي بن الحسن بن فضال(6)

قال محمد بن مسعود: ما لقيت بالعراق وناحية خراسان أفقه ولا أفضل من علي بن الحسن بالكوفة ولم يكن كتاب عن الأئمة (عليهم السلام) في كل صنف إلا وقد كان عنده وكان أحفظ الناس، وفي بني فضال ورد التنصيص من الإمام أبي محمد العسكري (عليه السلام) في جواب من سأله عن كتب بني سأله عن كتب بني فضال فقالوا كيف نعمل بكتبهم و بيوتنا ملاء منها ؟ فقال (عليه السلام): «خذوا منها بما رووا و ذروا ما رأوا»؛ لأنهم كانوا فطحية. وقد توفي علي بن الحسن سنة 224 ه-.

ترجمه له إسماعيل باشا و من أصحابنا الشيخ في كتابيه، و النجاشي في رجاله، و العلامة في الخلاصة، والسروي في معالم العلماء، وغيرهم.

صحيح أو لا؟(7)

1) الاستبصار 4: 148.

2) بحسب الظاهر المراد بقرينة المقابلة هو الطبع الجديد من كتاب التهذيب، ولكن ما وجدناه في النسخ المتداولة (بما يستحلون) ولم نجد نسخة مشتملة على (ما يستحلون).

3) تهذيب الأحكام 9: 322.

4) وسائل الشيعة 26: 319، كتاب الميراث، أبواب ميراث المجوس، الباب 3، ح 1. وفيه بلفظ: تجوز.

5) موسوعة العلامة البلاغي (الرسائل الفقهية) 7: 270 - 271.

6) علي بن الحسن بن فضال بن عمر بن أيمن أبو الحسن الكوفي من أصحاب الإمامين أبي الحسن الهادي و أبي محمد العسكري (عليهما السلام) ثقة، كثير العلم، واسع الأخبار، جيّد التصانيف، فقيه الإمامية بالكوفة و وجههم وثقتهم و عارفهم بالحديث و المسموع قوله فيه، سمع كثيراً، ولم يعثر له على زلّة فيه ولا ما يشينه، و قلّ ما روى عن ضعيف، و كان فطحيّاً، قال النجاشي: و لم يرو عن أبيه شيئاً، وقال: كنت أقابله و سني ثمان عشرة سنة بكتبه و لا أفهم إذ ذاك الروايات و لا أستحلّ أن أرويها عنه، و روى عن أخويه عن أبيهما، و يضعّف هذا كثرة روايته عن أبيه في العيون و الخصال و الأمالي و العلل وغيرها.

7) طريق الشيخ إلى علي بن الحسن بن فضال كما في مشيخة التهذيب 10: 55-56 هكذا: و ما ذكرته في هذا الكتاب، عن علي بن الحسن بن فضال فقد أخبرني به أحمد بن عبدون -المعروف بابن الحاشر- سماعاً، وإجازة عن علي بن محمد بن الزبير، عن علي بن الحسن بن فضال.

المشهور بين الرجاليين: ضعفه؛ وذلك لأنّ في طريق الشيخ إليه علي بن محمد بن الزبير القرشي.

إلا أنّا وفاقاً لجماعة قوّينا صحّة ما يرويه عن علي بن الحسن بن فضال، و ذلك لجهات، أهمهما فيما نرى: أنّ للشيخ سنداً إلى جميع مروياته عنه عن طريق أحمد بن محمد بن سعيد(1)(ابن عقدة)(2)، و قد ذكر الشيخ هذا الطريق مكرّراً في أوائل التهذيب حيث كان بناؤه أوّلاً على عدم حذف الأسانيد، و هذا السند صحيح(3)

وقال في المشيخة: و ما ذكرته في هذا الكتاب، عن علي بن الحسن بن فضال فقد أخبرني به أحمد بن عبدون -المعروف بابن الحاشر- سماعاً، و إجازة عن علي بن محمد بن الزبير، عن علي بن الحسن بن فضال.

وهذا الطريق ضعيف لوجود ابن الزبير فيه، ومقتضاه عدم اعتبار عشرات الروايات التي في التهذيب.

وأمّا إذا رأينا أنّ الشيخ روى في أبواب مختلفة روايات بهذا السند: أخبرني جماعة عن أبي محمد هارون بن موسى عن أبي العباس أحمد بن محمد بن سعيد عن علي بن الحسن بن فضال لعرفنا أنّ للشيخ طريقاً صحيحاً لابن فضال، لكن لا عن طريقه إليه في المشيخة و الفهرست، بل عن طريقه في المشيخة إلى أحمد بن محمد بن سعيد.

وهذا يعني أن أحمد بن محمد بن سعيد ليس راوياً لروايات معيّنة فقط، بل راوٍ لجميع كتاب علي بن الحسن بن فضال عنه، فيعلم من ذلك أنّ الشيخ روى كتاب علي بن الحسن بن فضّال تارة بسند ضعيف، و أُخرى بسند معتبر، و بذلك يحكم بصحّة كلّ حديث بدأ الشيخ في سنده بابن فضال.

و قس على ذلك سائر الطرق التي للشيخ في الكتابين إلى المشايخ الذين لم يذكر سنده إليهم في المشيخة ولا في الفهرست، أو ذكر لكنّه ضعيف عليل، وبهذا التتبّع يحصل له طرق صحيحة، وقد أنهاها بعضهم إلى خمسين وثمانمائة طريق تقريباً، وعدد المعتبر منها قريب من خمسمائة طريق.

فائدة:

قال السيد بحر العلوم في الفوائد الرجالية 4: 95 - 99

(روى الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (رحمه الله) في كتاب الفهرست عن جماعة قال فيهم: (أخبرنا) و (حدّثنا) و نحوهما.

منهم: الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان و هو الشيخ المفيد، و الشيخ أبو عبد الله الحسين بن عبيد الله الغضائري، و أحمد بن عبدون المعروف ب- (ابن الحاشر)، و أبو الحسين ابن أبي جید... و هؤلاء الأربعة هم المشايخ المتكرر ذكرهم في الكتاب، قد أكثر الشيخ (رحمه الله) عنهم في الفهرست و في مشيخة التهذيب والاستبصار، و عليهم تدور روايته في الغالب.

و قد روى الشيخ (رحمه الله) في الفهرست كثيراً عن أحمد بن محمد بن موسى المعروف ب- (ابن الصلت) الأهوازي، و هو راوية أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة الحافظ المشهور، و ربما روى عن غير هؤلاء الخمسة، و هو قليل جداً).

ثم أشار إلى من روى عنه الشيخ في ترجمته لبعض وقال:

(فهؤلاء جملة من مشايخ الشيخ في كتاب الرجال و الحديث نذكرهم بترتيب الحروف ليسهل استعلام أحوالهم:

أحمد بن إبراهيم القزويني، أحمد بن عبدون، أحمد بن محمد بن موسى الأهوازي، جعفر بن الحسين بن حسكة القمي، الحسن بن القاسم الشريف المحمدي العلوي، الحسين بن إبراهيم القزويني، الحسين بن عبيد الله الغضائري، علي بن أحمد بن محمد بن أبي جيد، علي بن الحسين المرتضى علي بن شبل بن أسد، محمد بن سلمان الحمراني، محمد بن محمد بن النعمان المفيد، هلال الحفار، أبو طالب بن غرور، أبو علي بن شاذان. عدّتهم خمسة عشر نفراً).

. و بهذا نكتفي في البحث عن هذه الجهة.

1) أحمد بن محمد بن سعيد أبو العباس الهمداني الكوفي المعروف بابن عقدة قال الشيخ: أمره في الثقة والجلالة وعظم الحفظ أشهر من أن يذكر، وكان زيدياً جارودياً وعلى ذلك مات، وإنما ذكرناه في جملة أصحابنا لكثرة رواياته عنهم وخلطته بهم وتصنيفه لهم، وله كتب كثيرة. وقال النجاشي: (هذا رجل جليل في أصحاب الحديث مشهور بالحفظ، والحكايات تختلف عنه في الحفظ، وكان كوفياً زيدياً جارودياً، على ذلك حتى مات، وذكره أصحابنا لاختلاطه بهم ومداخلته إياهم وعظم محله وثقته وأمانته) قال الشيخ الطوسي سمعت جماعة يحكون عنه أنه قال: (أحفظ مائة وعشرين ألف حديث بأسانيدها، وأذاكر بثلاثمائة ألف حديث). له كتب منها: كتاب أسماء الرجال الذين رووا عن الصادق عليه السلام وهم أربعة آلاف رجل خرج فيه لكل رجل الحديث الذين رواه، مات بالكوفة 333.

2) عقدة هو لقب محمد والد أبي العباس أحمد بن محمد بن سعيد، و إنما لقّب بذلك لأجل تعقيده في التصريف، فقد كان عالماً بالتصريف والنحو، و كان ورّاقاً بالكوفة، جيّد الخط، و يعلم القرآن و الأدب، قال ابن النجار: و كان عقدة زيدياً و كان ورعاً ناسكاً.

3) توضيح ذلك: روى الشيخ في التهذيب روايات عن عليّ بن الحسن بن فضّال بدأ بذكر اسمه في أسانيده، كالحديث المذكور في المتن.

الجهة الثانية: في متن الرواية

إنّ في متن الرواية اضطراباً من ناحيتين:

الناحية الأولى: أنّ الرواية بجميع نسخها هكذا: «يجوز على أهل كلّ ذي دين ما يستحلّون» و الجمع بين (الأهل) و (ذي) يولّد مشكلة؛ لأنّ كلاً منهما

يؤدي معنى الآخر، فإنّه يصحّ أن يقال: (على كلّ ذي دين)، أو يقال: (على أهل كلّ دين)، و لكن لا يصحّ أن يقال: (على أهل كلّ ذي دين).

و لعلّه يقال في الجواب عن هذا الإشكال: بأنّ الإضافة إضافة بيانيّة(1)، كما كان يقول به بعض الأكابر حينما سألناه عن ذلك.

إلا أنّ في الإضافة البيانيّة يعتبر أن يكون المضاف إليه من جنس المضاف، كما في كتب الأدب(2)و قواعد الشهيد الثاني(3)، و في المقام هذا المعيار غير موجود، و عليه فلابدّ من تأويل الرواية.

و هناك عدة وجوه لتأويلها إلا أنّ أقربها و أوجهها مما لم نجد من تعرّض له هو: أنّ كلّ من كان له أهل ذوو دين و هم يستحلّون أموراً فتنفذ عليهم تلك الأمور التي يستحلّونها، كما إذا كان شخصٌ نصرانياً و أبوه مجوسياً و قد تزوّج بابنته، فإذا مات الأب، فإرثه يقسّم بين أولاده، لأن الزوجية بنظر إبنه النصراني باطلةٌ، فترث البنت - التي هي زوجته- من جهة واحدة فقط و هي جهة كونها إبنته و لا ترث من جهة كونها زوجة له، و لكن بما أنّه يجوز على أهل كلّ ذي دين -أي يجوز على أهل هذا المجوسي- الزواج الذي يستحلّونه فبطبيعة الحال


1) الإضافة البيانية هي ما كانت على تقدير حرف الجر (من)، و ضابطها أن يكون المضاف إليه جنساً للمضاف، كقولك: هذا باب حديد، أي: باب من حديد، فالمضاف بعض من المضاف إليه، و المضاف إليه من جنس المضاف.

2) شرح ابن عقيل 2 : 43، شرح الرضي على الكافية 1: 64 و 206:2، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك: 153.

3) تمهيد القواعد: 538.

ترث البنت من جهة أخرى أيضاً و هي كونها زوجة له فيكون ذلك في ضرر باقي الورثة، وعليه فلا ترتبط الرواية بالمقام.

الناحية الثانية(1): أنّ هذه الرواية أو شبهها نقلت بطرق متعددة بلفظ آخر:

منها: العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم قال: سألته عن الأحكام، فقال: «يجوز على كلّ دين بما يستحلّون به» هكذا في الفقيه(2)، و في الوسائل نقلاً عن الفقيه: «تجوز على كلّ دين بما يستحلفون»(3)، و في التهذيب: «في كلّ دين ما يستحلفون به»(4)، و في المستدرك نقلاً عن نوادر أحمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن مسلم قال: سألته عن الأحكام، فقال: «يجوز في كلّ دين ما يستحلفون»(5)أو «ما يستحلّون»(6)، فإنّه جعل «ما يستحلّون» نسخة، كما جعل في التهذيب في كتاب الأيمان «يستحلفون» لا يستحلّون»(7).

و عليه فمن الممكن أن يقال بأنّ هذه الرواية يرويها العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم أيضاً، إلا أنّ هذه الرواية كما في التهذيب عن أحدهما بدل عن أبي جعفر (عليه السلام)، و السؤال نفس السؤال، و الجواب في غاية التشابه مع


1) الدرس الثاني السبت 3 رمضان المبارك 1407.

2) من لا يحضره الفقيه 3: 375.

3) وسائل الشيعة 23: 268، الباب 32 ح 9.

4) تهذيب الأحكام 8: 279، الباب 4 ح 9.

5) مستدرك الوسائل 16: 69، الباب 26 ح 5.

6) في الطبع الجديد للمستدرك لم يشر إلى النسخة بدل.

7) لم أعثر عليه في التهذيب.

الجواب في تلك الرواية، ولا سيما على نقل الفقيه: «يجوز في كلّ دين ما يستحلفون».

و من الواضح أنّ بين «يستحلّون» و «يستحلفون» تشابه في الكتابة، و يحتمل أن يكون أحدهما تصحيفاً من الآخر، و عليه فلا يحصل الاطمئنان بصحة رواية محمد بن مسلم التي فيها «يستحلّون» بدل «يستحلفون»؛ لأنّ نسخة «يستحلّون» مدركها رواية الشيخ عن كتاب علي بن الحسن بن فضال، و نسخة «يستحلفون» مدركها متعدّد، فإنّ الصدوق رواها بدءاً بالعلاء بن رزين، و للصدوق طرق أربعة إلى ما يروي عنه(1)

و ما كان فيه عن العلاء بن رزين فقد رويته عن أبي و محمّد بن الحسن (رضي الله عنهما) عن سعد بن عبد الله و الحميريّ جميعاً عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن خالد، عن العلاء بن رزين.

و قد رويته عن أبي، و محمّد بن الحسن (رضي الله عنهما) عن سعد بن عبد الله، و الحميريّ جميعاً عن محمّد بن أبي الصهبان، عن صفوان بن يحيى عن العلاء.

و رويته عن أبي (رضي الله عنه) عن علي بن سليمان الزراري الكوفي عن محمّد بن خالد، عن العلاء بن رزين القلاء.

و رويته عن محمّد بن الحسن (رضي الله عنه) عن محمّد بن الحسن الصفّار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي بن فضّال، و الحسن بن محبوب، عن العلاء بن رزين.

.

و الشيخ حينما ينقل هذه النسخة ينقلها بسندين عن العلاء بن رزين:

1- الحسين بن سعيد عن فضالة بن أيوب عن العلاء بن رزين.


1) قال الصدوق في من لا يحضره الفقيه 4: 461:

2- و عنه - أي عن الحسين بن سعيد- عن صفوان بن يحيى عن العلاء بن رزین.

كما يظهر من التهذيب(1)مضافاً إلى نقل النوادر.

فظهر بأنّ نسخة «ما يستحلفون» لها مدركان، مع تعدد الأسانيد، و نسخة «يستحلّون»، مدركها ليس إلا كتاب علي بن الحسن بن فضال، و من المستبعد جدّاً أن تكون روايتين. و نسخة «يستحلفون» من أجل تكثّر الطرق أولى بالثبوت من نسخة «يستحلّون».

و لا أقلّ من عدم الوثوق بصحة هذا المتن الذي فيه «يستحلّون» الذي هو مورد الاستشهاد، فلا يمكن التمسك بالرواية.

الجهة الثالثة: في فقه الرواية

يمكن تفسير الرواية على نحوين:

النحو الأوّل: أن لا تكون مرتبطة بقاعدة الإلزام.

و له تقریبان:

التقريب الأوّل: أنّه على ما رجّحه العلامة البلاغي أن تكون الرواية هكذا «تجوز على أهل كلّ ذي دين بما يستحلّون» حتى يرجع الضمير إلى الأحكام، و بمناسبة الأحكام لابدّ من تأنيث الضمير، فيكون الربط بين السؤال و الجواب محفوظاً(2)حيث كان السؤال في صدر الرواية «سألته عن الأحكام».


1) التهذيب 8: 279.

2) موسوعة العلامة البلاغي (الرسائل الفقهية) 7: 238.

و عليه فيمكن القول بأن السؤال كان سؤالاً عن الأحكام القضائية و أنّه كيف يُحكم على أرباب الأديان.

و هذا ليس من باب تقييد الحكم، بل من جهة أنّ الحكم استعمل في الآيات المباركات غالباً في القضاء.

و هو و إن استعمل بمعنى التشريع و القانون، إلا أنّ استعماله في القضاء أكثر، كقوله تعالى: «آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ»(1)، و غير ذلك من الآيات الشريفة.

فقوله: سألته عن الأقضية، أي عن القضاء على أهل الأديان؟ فقال (علیه السلام): «تجوز»، أي تنفّذ الأحكام على أهل كلّ ذي دين بوسيلة تكون من وجهة نظرهم نافذة عندهم.

توضيح ذلك: أنّ عمدة القضاء في الإسلام هو الأيمان و البيّنات، فقد ورد: «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات و الأيمان»(2).

و من الواضح اختلاف مصداق البيّنة بحسب الموارد. فقد تكون أربعة من الرجال، وقد تكون رجلين، و قد تكون رجلاً وامرأتين، نعم تطلق غالباً على الشاهدين العادلين، و من الممكن أن تكون شهادة النساء متساوية مع الرجال في بعض الأديان، إلا أنّه في الإسلام ليس كذلك، بل إمّا لا تقبل شهادتهن، لا


1) سورة الأنعام: 89.

2) تهذيب الأحكام 6: 229، الباب 89 ح 3.

منضمّات و لا منفردات، أو تقبل شهادتهن منضمّات لا منفردات، نعم في بعض الأمور التي يستقبح فيها اطلاع الرجال تقبل شهادتهن.

و من الواضح أيضاً أنّ اليمين في القضاء الإسلامي منحصر بكلمة (الله)(1)

وقال صاحب الجواهر بعد نقل كلمات المحقق في ما به تنعقد اليمين: و حاصله أن أقسام اليمين العاقدة ثلاثة مرجعها إلى الحلف بالله أو بأسمائه المختصة به أو الغالبة عليه . [جواهر الكلام 35: 226]

، و أما سائر الأديان فلا يرون هذا نافذاً. هذا وقد اختلف في أنه هل يجوز للقاضي تحليف أرباب الأديان بما يستحلفون أم لا؟

و الرواية المتقدّمة مما استدلّ بها للجواز ، و في قبال ذلك: القول بعدم الجواز، و تدلّ عليه روايات متعدّدة(2).

و عليه يكون معنى الرواية هكذا: تنفّذ على كلّ أهل ذي دين ما يستحلّه من الأيمان و البيّنات و الإقرار إلى غير ذلك.

و بعبارة أخرى: تجوز الأحكام - أي الأقضية - على أهل كلّ ذي دين بالوسائل التي يرونها نافذة و إن كانت مغايرة مع وسائل الإثبات من وجهة نظرنا.


1) قال في كشف اللثام: الحلف باسم من أسماء الله تعالى أو بصفة من صفات ذاته، بأن يقول: و اللهِ أو باللهِ أو تاللهِ، أو وعزّة الله أو جلال الله أو نحو ذلك. [كشف اللثام 11: 137]

2) راجع وسائل الشيعة 27: 303، كتاب القضاء، أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوى، الباب 34.

و على هذا التفسير يحصل انسجام بين السؤال و الجواب، كما يكون بين النقلين على هذا التفسير ترابط؛ إذ الاستحلاف من مصاديق وسائل الإثبات، و عليه فلا تكون الرواية مربوطة بقاعدة الإلزام.

التقريب الثاني: ما يستظهر من عبارة الشيخ في التهذيب، فإنّه بعد نقل هذه الروايات قال: (و يحتمل أيضاً أن يكون ما ورد في أنّه يجوز لنا أن نأخذ منهم على مذاهبهم على ما يعتقدونه كما يأخذون منّا، و إنّما يحرم أن نأخذ بعضنا عن بعض على خلاف الحق)(1)، فيكون المراد منها: المقاصّة النوعيّة.

و هذا التقريب متوقّف على أن تكون الرواية بلفظ: «يجوز» و «ما يستحلّون» بدل «تجوز» و «بما يستحلّون»، و أن يكون السؤال سؤالاً عن أحكام سائر ذوي الأديان و أنّه هل لتلك الأحكام أثر عملي لنا أم لا؟ فأجاب (عليه السلام): «يجوز على أهل كلّ ذي دين ما يستحلّون»، أي: أنّ الحرمات التي يستحلّونها استحلالاً عملياً بالنسبة إليكم يجوز لكم أن تستحلوها عليهم، أي: ينفّذ عليهم نفس ما يستحلّونه عملاً.

و هذا في الحقيقة داخل في قانون المقاصّة النوعيّة و المجازاة بالمثل، فإنّ الاستحلال قد يستعمل في الاستحلال الاعتقادي، و قد يستعمل في الاستحلال العملي، كما ورد: «أو مجلس استحلّ فيه فرجٌ حرام»(2).


1) تهذيب الأحكام 9: 321.

2) وسائل الشيعة 12: 105، الباب 71 ح 4.

و المراد في المقام هو: الاستحلال العملي، أي: نفس ما يستحلّونه منكم عملاً فلكم تنفيذ ما يستحلّونه منكم. و المقصود من هذا: المقاصّة النوعيّة نظير قوله تعالى: وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْل إلى قوله تعالى: فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ(1)، و المراد من الآية الشريفة: أنّ المحرّمات التي جعلت للجميع إن استحلّوها فاستحلّوها أنتم في مقام الجزاء كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ.

و في آية أخرى: الشَّهْرُ الحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ (2).

و للمقاصّة النوعيّة شرح مفصّل سيأتي الكلام عنها في (لواحق قاعدة الإلزام) إن شاء الله تعالى.

و خلاصة الكلام: أنّه يستفاد من هذه الرواية - و هو الموافق لعبارة الشيخ- أنّ المراد من الاستحلال هو الاستحلال العملي الذي يكون مجوّزاً لارتكاب ما يستحلّونه من باب المجازاة، وليس المراد مجرد استحلالهم الاعتقادي حتى يجوز ارتکاب ما هو غير مشروع.

و على هذا المعنى أيضاً لا ترتبط الرواية بقاعدة الإلزام.

النحو الثاني: تفسيرها بنحو تكون مرتبطة بقاعدة الإلزام.


1) سورة البقرة: 191.

2) سورة البقرة: 194.

و يمكن بيانه بتقريبات متعدّدة، إلا أننا نذكر بعضها.

و إنّما ذكرنا النحو الأوّل من التفسير بتقريبيه من أجل مقايستهما بالتقريبين الآتيين حتى نرى بأنّه هل يمكن استظهار قاعدة الإلزام منها أو لا؟

التقريب الأوّل: ما يستفاد من كلام السيد الحكيم في المستمسك حيث قال: (إذا كان يستحلّ تزويج المطلّقة ثلاثاً يجري ذلك الاستحلال عليه لغيره، فيجوز تزويج مطلّقته ثلاثاً، وإذا كان يستحلّ الأخذ بالتعصيب يجري ذلك لغيره، فيجوز لغيره الأخذ بالتعصيب. فالمقصود هو الحلّية لغيره عليه، لا الحلّية له على غيره. و لذلك عبّر ( عليه السلام) بقوله: «على أهل..» و لم يقل: (لأهل..)، فالجواز و الحلّ يكون لغيرهم عليهم، لا لهم على غيرهم. فليس فيه تنفيذ دين كلّ أهل دين، بل الإلزام لهم، و الإحلال لغيرهم عليهم. فالصحيح نظير: «ألزموهم..»)(1).

و ملخّص كلامه (قدس سره) هو: أنّه لو كان عندهم شيء حلالاً - أي يستحلّونه استحلالاً اعتقادياً - كما إذا رأوا تزويج المطلّقة ثلاثاً حلالاً للغير، فإنّ ذلك موجب لحلّية الزواج للغير عليهم، فمنشأ التسويغ و الجواز لارتكاب الغير هذا العمل هو نفس اعتقادهم بحلّية ذلك الشيء. و على هذا التفسير : تكون للرواية علاقة تامّة بقاعدة الإلزام.

إلا أنّه يتوجّه هنا سؤالان و هما:


1) مستمسك العروة الوثقى 526:14.

الأول: أنّه ما ربط قوله (عليه السلام): «يجوز على أهل كلّ ذي دين ما يستحلّون» مع السؤال عن الأحكام؟

الثاني: على فرض وجود الربط بين السؤال و الجواب، هل أنّ الكبرى مما يمكن الالتزام بها؟ فهل يمكن الالتزام بأنّ كلّ شيء من المحرّمات الإلهية إذا استحلّه أهل دين من الأديان يوجب تجويز ذلك المحرّم إذا كان فيه نفع؟ فمثلاً: هل يجوز مصافحة نساء النصارى إذا كانوا يرونها حلالاً؟ أو إذا جاز عندهم تزويج المرأة بأزواج متعدّدة - كما نقل عن بعض الأديان(1)

وقد كان تعدّد الأزواج سائداً في الماضي في الهند بشكل كبير، فالملحمة الهندوسية تقدم دليلاً واضحاً على تعدّد الأزواج، و هو أن ابنة ملك (بنغالا) كانت زوجة لخمسة إخوة.

في قبيلة Toda التي تقطن جنوب الهند استمرّ تعدّد الأزواج لقرون في الماضي، فعندما تزوّج المرأة لرجل ما فإنّها تكون زوجة أيضاً لأخيه بشكل تلقائي، أحد الأزواج الذي ينظّم مراسم الاحتفال يكون الأب لأوّل ابن. و عند ولادة الطفل الثاني يتولّى الزوج الثاني المسؤولية و يكون هو الأب لهذا الطفل، و هكذا.

وتعدّ التبّت أكثر مجتمعات تعدّد الأزواج في العالم و ينتشر بشكل كبير في المناطق الريفية بالرغم من حظره من قبل القوانين الصينية بعد أن أصبحت التبّت تحت الحكم الصيني. السبب وراء بقاء هذا النوع من الزواج إلى الآن في تلك المناطق هو المحافظة على الأرض لمنع انقسامها بين الأخوة، و كذلك لأن طبيعة الأراضي الزراعية تحتاج لجهد بدني كبير، و لذلك تتّخذ المرأة أكثر من زوج للتغلّب على هذه المشكلة. أما بالنسبة للأطفال فهم يعاملون جميع الإخوة كأب لهم دون تفريق.

إنّ تعدّد الأزواج كان و لا زال موجوداً في بعض المناطق الأخرى في العالم مثل: القطب الشمالي الكندي، الأجزاء الشمالية من نيبال و نيجيريا، في بوتان و بعض مقاطعات الصين مثل: سيشوان و عند قبائل الماساي في كينيا و شمال تنزانيا و عند سكّان أمريكا الأصليين.

- فهل يجوز للمسلم أن يتزوج بامرأة متزوجة؟

1) تعدّد الأزواج عند الإنسان هو نوع من أنواع الزواج تتّخذ فيه الأنثى أكثر من زوج في نفس الوقت، و في الغالب يكونون إخوة، و في هذه الحالة يسمى Fraternal .polyandry

و ملخّص القول: أنّ مجرد استحلالهم لشيء هل يكون مجوّزاً لارتكاب الغير له مع أنّه محرّم باعتقاده؟

و يمكن أن يجاب عن هذا الاستغراب: بأنّ هذا عام، و ما من عام إلا و قد خُصّ، فكلّ مورد نعلم بعدم جوازه فهو، و أمّا في غيره فيجوز.

و هذا الجواب و إن كان لا بأس به إلا أنّ هذا احتمال على بعض النسخ في قبال سائر الاحتمالات، و نحن لا نعرف لهذا الاحتمال رجحاناً على سائر الاحتمالات.

التقريب الثاني(1): ما يستفاد من كلام العلامة البلاغي في رسالته (عقد في إلزام غير الإمامي بأحكام نحلته)(2)، فإنّه كان ملتفتاً إلى أنّ مجرد استخلال قوم شيئاً لا يسوّغ ارتكاب ذلك الشيء للغير، فلذا ذهب إلى تفسيرها بنحو آخر


1) الدرس الثالث: الأحد 4 رمضان المبارك 1407.

2) قال العلامة البلاغي: لا يخفى أنّ الله جل شأنه جعل أحكام المعاملات والإيقاعات والمواريث نظراً للمصالح العامّة وحفظاً للحقوق، وجعل لتلك الحقوق روافع وموانع محدودةً بحدود تقتضيها المصلحة.

يستفاد منه قاعدة الإلزام في الجملة، و في الحقيقة كلامه مكمّل للتقريب الأوّل، مع أنّه لا يخلو عن إبهام في الجملة، و لابدّ من توضيحه.

و ملخّص كلامه: أنّه من المستبعد أن يستفاد من هذه الرواية جعل المحللات و المسوّغات في قبال المسوّغات التي في التشريع الإسلامي، إلا أنّ أرباب الأديان الباطلة إذا كانوا يعتقدون مانعية شيء أو رافعيته بالنسبة إلى حقوقهم، فلا مانع من تنفيذ هذا المانع أو الرافع في قبال الموانع و الروافع التي في الإسلام، و لا يكون بعيداً.

فإن اعتقد المخالف بأنّ الطلاق البدعي مثلاً رافع لحقه، أو وجود العصبة مانع من الردّ إلى البنت مثلاً، فلا غرابة في أنّ الشارع يُمضي هذا الرافع و المانع بالعنوان الثانوي.

و إنّما قلنا بأنّه لا استغراب في تنفيذ المانع أو الرافع الذي يعتقدونه من أجل أنّ من يستحلّ - بعد إمضاء المانع أو الرافع - إنّما يستحلّ بسبب الأدلّة الشرعية، فمثلاً في مورد المطلّقة على خلاف السنّة أنّ من يستحلّها إنّما يستحلّها من أجل أدلّة النكاح، فيستحلّها بالعقد و لا يستحلّها باستحلالهم.

و كذا من يستحلّ التعصيب فإنّما يستحلّه من أجل أنّ (وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض)(1)بعد الاعتراف بأن هذا المانع مانع، لا من أجل أنّهم استحلوا ذلك فهو أيضاً يستحلّه.


1) سورة الأنفال: 75.

و يترتّب على ذلك أنّه بناءً على أنّ الشارع المقدّس أمضى استحلالَهم فمَن يكون عصبة مثلاً - من وجهة نظرهم - فهو الذي يرث، و يجوز له أن يأخذ من باب التعصيب، و أمّا بناء على إمضاء الشارع المانعية أو الرافعيّة فما أمضاه الشارع هو مانعيّة وجود العصبة من الردّ إلى البنت، و حينئذ لابدّ من الرجوع إلى القواعد العامّة في الاستحلال، كقوله تعالى: (وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى ببَعْض) و أمثاله، فالمعيار هو الأقربيّة، وبين العصبة و الأقرب عموم من وجه، فلا يرث كلّ عصبة مؤمنة، بل لابدّ من كونها أقرب أيضاً.

إن قلت: بأنّه ليس في الرواية ذكر للمانع و الرافع.

قلت: إنّ الظاهر من الرواية: «يجوز على أهل كلّ ذي دين ما يستحلّون» هو أنّ ما يستحلّونه يجوز عليهم.

فإن قلنا بأنّ فاعل «يجوز » جملة «ما يستحلّون» - أي نفس استحلالهم - فهذا مضافاً إلى الاستغراب المذكور، لا يكون ما يستحلّون في ضررهم، و الحال أنّ المستفاد من الرواية أنّه لابدّ أن يكون في ضررهم حيث عبّر الإمام (عليه السلام): «يجوز على أهل...» و ما فيه ضررهم ليس إلا المانعيّة و الرافعيّة، و أمّا استحلالهم فقد يترتّب عليه الضرر و قد لا يترتّب، و الذي هو عليهم -المشار إليه في الرواية بلفظ (على)- هو اعترافهم بالمانعيّة والرافعيّة. و المانع و الرافع هو الذي يقطع العلقة عن أهل هذا الدين و يترتّب عليه الاستحلال طبعاً. و بهذا اللحاظ تكون الصلة - أي قوله: «ما يستحلّون» - و أمّا حيثية الاستحلال للآخرين فهي ليست من الأمور التي تكون عليهم.

فيستظهر بسبب القرينتين الداخلية(1)و الخارجية(2)أنّه تجوز الموانع و الروافع التي بسببها يستحلّون للغير.

و لو دار الأمر بين هذا المعنى والمعنى الأوّل أو ما يشابه المعنى الأوّل فهذا المعنى هو القدر المتيقّن من الرواية؛ إذ المستفاد من الرواية على هذا التفسير إمضاء المانعية و الرافعية، و أمّا على التفسير الأوّل المستفاد من الرواية إمضاء الشارع لاستحلالهم، أي أنّ استحلالهم يكون مسوّغاً للآخرين، و المعنى الثاني بما أنّه أخصّ منه فلابدّ من الأخذ بهذا المعنى.

إلا أنّ هذا المعنى - كما أشرنا سابقاً - ليس استظهاراً من الرواية، بل في الحقيقة رفع الخدشة عن التقريب الأوّل، و هذا المعنى مما لم يمكن استظهاره من الرواية في قبال ذلك التقريب، فضلاً عن سائر التقريبات؛ وذلك لأنّ المستفاد من قوله (عليه السلام): «يجوز على أهل... » هو أنّ مجرد استحلال ما يكون مورداً لحقّ الإنسان كاف في أن يكون عليه، وبسببه يجوز عليهم، فاستحلال زوجته أو ماله للآخرين يكون عليه، فالمال الذي لولا المانع كان له فاستحلاله يكون في ضرره. نعم، منشأ الاستحلال هو المانع أو الرافع، إلا أنّ قوله: «يجوز على أهل...» لا يقتضي إلا أن يكون في المسند إليه - و هو «ما يستحلّون» - حيثيّة الضرر على الغير، لا أن يكون المسند إليه هو منشأ الضرر حتى يكون الظاهر منه هو المانع و الرافع الذي هو منشأ الاستحلال.


1) و هي لفظ: (على أهل...) في الرواية.

2) و هي اسناد الجواز الى ما يستحلون أمر مستغرب.

مضافاً إلى أنّه يلزم من هذا التقريب تجوّز في «ما يستحلّون»، وذلك لأنّ الموصول تقيّد بالصلة، و الصلة هي «يستحلّونه»، مع أنّ حذف العائد مع حذف حرف الجر إنّما جوّز مع شرائط خاصة على ما في كتب الأدب(1)

و بمناسبة المقام نقول:

العائد المجرور قد يكون مجروراً بالإضافة و قد يكون مجروراً بحرف جر.

و يشترط في حذف العائد المجرور بالإضافة أن يكون المضاف وَصْفاً (اسم فاعل) ويكون زمنه الحال، أو المستقبل، كما في قوله تعالى: فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضِ [طه:72] في هذه الآية حُذف الضمير المجرور بالإضافة جوازاً ؛ وذلك لأن المضاف ( قاضٍ) اسم فاعل يدلّ على المستقبل بدلالة فعل الأمر (اِقْضِ) والتقدير: فَاقْضِِ ما أنتَ قَاضِيهِ، ونحو: جاء الذي أنا ضاربٌ الآن، أو غداً، والتقدير: ضاربُه.

ويمتنع الحذف في المواضع الآتية:

1- إذا لم يكن المضاف وَصفًا، نحو: جاء الذي أنا غُلامُه.

2- إذا لم يكن الوصف اسم فاعل، نحو: جاء الذي أنا مَضْرُوبُهُ.

3- إذا كان الوصف ماضياً، نحو: جاء الذي أنا ضاربُه أَمْسِ.

و أما حذف العائد المجرور بحرف جر فيجوز بالشروط الآتية:

1- أن يكون الاسم الموصول، أو الموصوف بالاسم الموصول مجرورًا بحرف جر.

2- أن يكون حرف الجر الذي جَرَّ العائد المحذوف مُمَاثلاً لفظاً ومعنى للحرف الذي جَرَّ الاسم الموصول، أو الموصوف به.

3- أن يكون مُتعلق الحرفين واحداً مادَّة ومَعنى.

وذلك كما في قوله تعالى: يَأْكُلُ لِمَا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ [المؤمنون: 33]

فإنه قد حُذف فيه العائد المجرور جوازاً؛ ذلك لأنّ العائد المحذوف مجرور بحرف مماثل للحرف الذي جَرَّ الاسم الموصول (ما) لفظاً ومعنى وهذا الحرف هو (مِن) ومُتعلق الحرفين مُتَّحِدٌ مادّة ومعنى (يشرب، و تشربون) ، و التقدير: و يشرب مما تشربون منه وكما في قولك: (مررتُ بالذي مررتَ) أي: بالذي مررت به ونحو: مررت بالذي أنت مَارٌّ، أي: مَارٌّ به.

وفي نحو قولك: سرت في الحديقة التي سِرْتَ، حُذِف العائد المجرور جوازاً ؛ لأن الموصوف بالاسم الموصول (الحديقة) مجرور بحرف مماثل لفظاً ومعنى للحرف الذي جَرَّ العائد المحذوف. وهذا الحرف هو (في) ومتعلق الحرفين مُتَّحِدٌ مادة ومعنى (سِرْتُ)، و التقدير: سرت في الحديقة التي سرت فيها.

و أما المواضع التي يمتنع فيها حذف العائد المجرور بحرف جر فهي:

1- إذا اختلف حرفا الجر لفظا ومعنى، نحو: مررتُ بالذي غضبتَ عليه.

2- إذا اختلف معناهما دون لفظهما، نحو: مررتُ بالذي مررتَ به على زيد فالأول معناه الإلصاق، والثاني معناه السَّبَبية أو المُصَاحَبَة، والمعنى: مررت بالذي مررت بسببه على زيد، أو بمعنى مررت بالذي مررت معه على زيد.

3- إذا اختلف لفظهما دون معناهما، نحو: جلستُ بالغرفة التي جلست فيها، فحرفا الجر (الباء) و (في) اختلف لفظهما ولكن معناهما واحد، هو: الظرفية.

4- إذا اختلف متعلق الحرفين، نحو مررتُ بالذي فَرِِحتُ ،به، فالعامل الأول (مرَّ) و الثاني (فَرِحَ).

انظر: شرح الرضي على الكافية 3: 25.

، و هذه الشرائط

1) الاسم الموصول لابد له من صلة يتم بها معناه، وهذه الصلة لا تكون اسماً مفرداً، بل جملة أو شبه جملة، ويلزم أن تشتمل على ضمير يعود إلى الموصول، و هذا العائد قد يكون مرفوعاً أو منصوباً أو مجروراً، و كلّ منها قد يحذف في بعض المواضع.

لا تقتضي في المقام حذف العائد، و على فرض جوازه يكون الحذف خلاف الظاهر.

و ملخّص الإشكال : أنّ الاستحلال لابدّ و أن ينسب إلى الشيء حقيقة، في حين أنّ المانع و الرافع لا ينسب إليهما الاستحلال كذلك، لأنهما مانع و رافع بالنسبة إلى القائل بهما دون غيره، و لا يوجبان الحلّية بالنسبة إلى الغير، و معنى «يجوز ما يستحلّون»: أنّه يجوز استحلالهم أو السبب الذي يستحلّون، فذلك يجوز عليهم.

و هذا التقريب في الحقيقة تضييق للتقريب الأوّل بداعي رفع بعض الإشكالات، و لم يكن إشكال التقريب الأوّل منحصراً بالاستغراب حتى يقال بأنّ هذا التقريب موجب لرفع الاستغراب ليصبح التقريب الأوّل صحيحاً.

مضافاً إلى أنّ هذا التقريب لا يستظهر من الرواية، و الإشكال المهم على التقريب الأوّل هو أنّه لا معيّن له في قبال سائر التقريبات.

الطائفة الثانية:

هي الروايات التي دلّت على إلزامهم بما ألزموا به أنفسهم، و قاعدة الإلزام مأخوذة من هذه الروايات.

ففي التهذيب نقلاً عن كتاب الحسن بن محمد بن سماعة عن عبد الله بن جبلة عن عدّة من أصحاب علي و لا أعلم سليمان إلا أنّه أخبرني به، و علي بن عبد الله عن سليمان أيضاً عن علي بن أبي حمزة عن أبي الحسن (عليه السلام) أنّه

قال: «ألزموهم بما ألزموا أنفسهم»(1)هكذا في التهذيبين، و الوسائل. و في موضع آخر من الوسائل بلفظ: «بما ألزموا به أنفسهم»(2).

و البحث في هذه الرواية من جهات ثلاث:

الجهة الأولى: في سندها.

إنّ للشيخ سند إلى روايات حسن بن محمد بن سماعة، و هو و إن كان واقفياً إلا أنّه يقال في حقّه بأنّه ثقة و حسن الفقه(3). و المراد من (علي) المطلق عند الواقفة هو علي بن أبي حمزة، و الأكثر ذهبوا إلى ضعفه(4)منهم السيد الخوئي (أيّده الله) في كتابه المعجم(5)، وذهب بعض إلى جواز الاعتماد عليه. و كيفما كان،


1) التهذيب 9: 322، الاستبصار 4: 148، وفيه: «ألزموهم ما ألزموا أنفسهم»، وسائل الشيعة 26: 158.

2) وسائل الشيعة 26: 320.

3) أبو محمد الكندي الصيرفي من شيوخ الواقفة. كثير الحديث فقيه ثقة و كان يعاند في الوقف و يتعصب، توفي ليلة الخميس الخمس خلون من جمادى الأولى سنة ثلاث وستين و مائتين بالكوفة. [رجال النجاشي: 40 - 42، الفهرست: 51، معجم رجال الحديث 6: 126]

4) (أحد عمد الواقفة) رجال النجاشي: 249/ 656؛ (كذّاب متّهم) اختيار معرفة الرجال: 403 / 755؛ (ملعون) مجمع الرجال 4: 158؛ رجال ابن داود: 313/478؛ رجال العلامة الحلي: 231/ 1.

5) معجم رجال الحديث 12: 234 / 7846.

الاعتماد عليه أمر مشكل الجهات لابدّ من التعرّض لها في علم الرجال، فالرواية محلّ تأمّل من جهة علي بن أبي حمزة.

و عبد الله بن جبلة(1)و إن كان واقفياً إلا أنّه ثقة(2)، و هو أوّل مَن كَتَبَ في علم الرجال(3)، وقد توفي سنة 219، و لكن لا ندري عن من يروي؛ إذ هو يروي عن عدّة من أصحاب علي، و نحن لا نعرف بأنّ أصحاب علي الذي هو يروي عنهم هل فيهم ثقات أو لا؟ فإنّه و إن روى عن علي أكابر القوم كابن أبي عمير و البزنطي و أشباههما، إلا أنّ هؤلاء لا يعرفون بأصحاب علي.

و أمّا سليمان الذي في السند فهو سليمان بن داود المنقري بملاحظة الراوي و المروي عنه، و ما ذكره العلامة البلاغي من احتمال كون سليمان بن جعفر


1) قد عدّ البرقي والشيخ الطوسي: عبد الله بن جبلة من أصحاب أبي الحسن موسى عليه السلام. وإثبات روايته عن أبي عبد الله عليه السلام لا يخلو من بُعدٍ؛ فقد قال النجاشي في ترجمة جعفر بن عبد الله رأس المذري: «روى عن جعفر جلّة أصحابنا مثل: الحسن بن محبوب ومحمّد بن أبي عمير والحسن بن عليّ بن فضّال وعبيس بن هشام وصفوان وابن جبلة» وعمدة مشايخ هؤلاء المذكورين، أصحاب أبي عبد الله عليه السلام. راجع رجال البرقي، ص 49؛ رجال الطوسي، ص 341، الرقم 5072؛ رجال النجاشي، ص 120، الرقم 306.

2) رجال النجاشي: 216، رجال ابن داود: 200 ، رجال العلامة: 237، نقد الرجال 3: 91، معجم رجال الحدیث 11: 139.

3) تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام: 233.

الجعفري(1)غير صحيح؛ إذ لم يرو علي بن عبد الله إلا عن سليمان بن داود المنقري، و قد وثّقه النجاشي(2)، وضعّفه ابن الغضائري، و ببالي أنّه ذكر بأنّه كثيراً يضع في المهمات(3)، و عليه فهو محلّ تأمّل.

الجهة الثانية: في ثبوت متنها و عدمه.

أقول: إنّ ثبوت هذا المتن بعيد؛ و الظاهر أنها كبرى منتزعة من روايتين ذكرهما الشيخ في كتاب الطلاق، و هما:

الاُولى: ما ذكره الشيخ في التهذيب عن كتاب حسن بن محمد بن سماعة عن عبدالله بن جبلة قال: حدّثني غير واحد من أصحاب علي بن أبي حمزة عن علي بن أبي حمزة أنه سأل أبا الحسن (عليه السلام) عن المطلّقة على غير السنة أيتزوجها الرجل؟ فقال: «ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم و تزوّجوهن فلا بأس بذلك»(4).

و ربما يتوهّم لمن يراجع المعجم بأنّ في الاستبصار أصحاب علي بن أبي حمزة هم الذين يروون عن الإمام بلا واسطة علي بن أبي حمزة، قال في المعجم: و فيه


1) قال العلامة البلاغي: وسليمان لم أتحقّق من هو، لكنّي لم أجد في طبقته باسمه من طُعن فيه أو وصف بالضعف، وذُكر في بعض حواشي (التهذيب) أنّه ابن جعفر الجعفري، و عليه: فهو من رجال الرضا، وهو ثقة. [موسوعة العلامة البلاغي (الرسائل الفقهية) 7: 242 - 243]

2) رجال النجاشي: 184.

3) رجال ابن الغضائري: 65.

4) تهذيب الأحكام 8: 58.

غير واحد من أصحاب علي بن أبي حمزة عن أبي الحسن (عليه السلام) بلا واسطة علي بن أبي حمزة(1).

و هذا مشتمل على نوع من الاشتباه، ففي الاستبصار هكذا: عن غير واحد من أصحاب علي بن أبي حمزة أنّه سأل أبا الحسن (عليه السلام)(2)، و الضمير في لفظ (أنّه) راجع إلى علي لا إلى غير واحد.

و عليه فمع وحدة السند و السائل والمسؤول عنه و وحدة المتن تقريباً يعرف بأنّ قول الإمام (عليه السلام) كان بعد سؤال منه.

الثانية: ما ذكره الشيخ في التهذيبين، ففي التهذيب قال: الحسن (بن محمد بن سماعة)(3)و سمعت جعفر بن سماعة قال: وسئل عن امرأة طلّقت على غير السنة أليَ أن أتزوّجها؟ فقال: نعم، فقلت له: أليس تعلم أنّ علي بن حنظلة روى: إياكم والمطلّقات ثلاثاً على غير السنة فإنهنّ ذوات أزواج؟ فقال: يا بني، رواية علي بن أبي حمزة أوسع على الناس، قلت: و أي شيء روى علي بن أبي حمزة؟ قال: روى عن أبي الحسن (عليه السلام) أنّه قال: «ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم و تزوّجوهن فإنّه لا بأس بذلك»(4).


1) معجم رجال الحدیث 12: 510.

2) الاستبصار 3: 292.

3) ما بين القوسين لم يرد في المصدر.

4) تهذيب الأحكام 8: 58.

و بملاحظة هاتين الروايتين المرويّتين عن نفس المصدر - و هو كتاب حسن بن محمد بن سماعة - نعرف أنّ الرواية الأولى ليست برواية مع قطع النظر عن الروايتين، بل هي كبرى منتزعة منهما.

الجهة الثالثة: في إمكان انتزاع الكبرى الكليّة من الروايتين وعدمه.

قد يقال: إنه بملاحظة ما ورد عنهم (عليهم السلام) من أنّهم ما يقولونه على وفق أصول علم يرثونها كابراً عن كابر(1)

و الأحاديث بهذا المضمون كثيرة جداً لعلّها تجاوزت حد التواتر تراها مبثوثة في كتب الأحاديث.

ينقل النجاشي في ترجمة محمد بن عذافر الصيرفي عن أبيه قال:

كنت مع الحكم بن عتيبة عند أبي جعفر (عليه السلام)، فجعل يسأله، و كان أبو جعفر (عليه السلام) له مكرماً ، فاختلفا في شيء، فقال أبو جعفر (عليه السلام): «يا بني قم فأخرج كتاب علي (عليه السلام)» فأخرج كتاباً مدروجاً عظيماً، ففتحه و جعل ينظر حتّى أخرج المسألة، فقال أبو جعفر (عليه السلام): «هذا خط علي (عليه السلام) و إملاء رسول الله (صلّى الله علیه و آله و سلّم) و أقبل على الحكم، و قال: «يا أبا محمد اذهب أنت و سلمة بن كهيل و أبو المقدام حيث شئتم يميناً وشمالاً، فو الله لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرئيل (عليه السلام)». [رجال النجاشي 1: 262]

، فالحكم بجواز التزويج ليس إلا من جهة تطبيق تلك الكبرى و هي قاعدة الإلزام.

1) جاء عن الإمام الباقر (عليه السّلام) قوله: «يا جابر ، لو كنّا نفتي الناس برأينا و هوانا لكنّا من الهالكين، ولكنّا نفتيهم بآثار من رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و أصول علم عندنا نتوارثها كابراً عن كابر، نكنزها كما يكنز هؤلاء ذهبهم و فضّتهم». [بصائر الدجات: 320 الباب 14، ح 4]

و يمكن أن يجاب عن هذا بأنّ قوله (عليه السلام): «ألزموهم من ذلك...» فيه حيثيّة مقدماتيّة و تمهيديّة و حيثيّة تأريخية، وليس قوله: (عليه السلام): «ألزموهم» كبرى كلية.

توضيح ذلك: أنّ الضمير في قوله ( عليه السلام): «ألزموهم» غير راجع إلى العامة، بل الضمير راجع إلى أزواج المطلّقات؛ إذ قوله هذا مسبوق بالسؤال عن المطلقة على غير السنّة، والاستدلال متوقّف على أن يكون الضمير راجعاً إلى العامة حتى تنتزع الكبرى الكلية.

و قوله (عليه السلام): «ألزموهم» استخدمه الإمام (عليه السلام) لأمر تأريخي، فإنّ أوّل من أنفذ طلاق الثلاث هو عمر ، وإنّما أنفذ ذلك من جهة استخفاف الناس بالطلاق، فألزمهم بما ألزموا به أنفسهم، كما في الغدير(1)و في النص والاجتهاد.(2)

فذكر الإمام هذه الجملة مقدّمة للترخيص بما أنّ لها سبقاً تأريخياً، وليس ذكره من باب إلقاء الكبريات.

الطائفة الثالثة:

الطائفة الثالثة(3):

ما وردت في المطلّقة على غير السنّة من أنّها تتزوّج و لا تترك بغير زوج.


1) الغدير 3: 84 و 6: 178.

2) النص والاجتهاد: 245 - 249.

3) الدرس الرابع: الإثنين 5 رمضان المبارك 1407.

منها ما في التهذيب والاستبصار عن الحسن بن محمد بن سماعة عن جعفر بن سماعة و الحسن بن عُديس عن أبان عن عبد الرحمن البصري عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال قلت له: امرأة طلّقت على غير السنّة؟ قال: «تتزوّج هذه المرأة و لا تترك بغير زوج»(1).

و هذه الرواية مرويّة في الوسائل في باب غير هذا الباب عن نوادر أحمد بن محمد بن عيسى عن القاسم عن أبان عن عبد الرحمن عن أبي عبد الله (عليه السلام) و فيها: امرأة طلّقت على غير السنّة ما تقول في تزويجها؟ قال: «تزوّج و لا تترك»(2).

و العمدة هو السند الأوّل، وذلك لعدم ثبوت وصول كتاب أحمد بن محمد بن عيسى إلى المتأخرين.

و منها: ما في التهذيبين عن كتاب الحسن بن محمد بن سماعة عن محمد بن زياد عن عبد الله بن سنان قال: سألته عن رجل طلّق امرأته لغير عدّة، ثم أمسك عنها حتى انقضت عدّتها، هل يصلح لي أن أتزوجها؟ قال: «نعم، لا تترك المرأة بغير زوج»(3).


1) تهذيب الأحكام 8: 58 و الاستبصار 3: 292 و فيه: الحسن بن محمد بن سماعة عن جعفر بن سماعة و الحسن بن سماعة و الحسن بن عديس عن أبان عن عبد عبد الرحمن البصري عن أبي عبد الله (عليه السلام).

2) وسائل الشيعة 22: 77.

3) التهذيب 8: 58، الاستبصار 3: 292، وسائل الشيعة 22: 73.

قيل: إنّ محمد بن زياد هو محمد بن زياد العطار(1)أو مردّد بينه و بين غيره ممّن لم يثبت وثاقته، إلا أنّه بقرينة الراوي و المروي عنه يظهر أنّه ابن أبي عمير؛ فإنّ الحسن بن محمد بن سماعة حين يروي عن ابن أبي عمير يروي عنه بعنوان محمد بن زیاد.

و هاتان الروايتان بحسب الظاهر لا ترتبطان بقاعدة الإلزام، إلا أنّه يستظهر من كلام العلامة البلاغي دلالتهما على القاعدة(2).

و تقريب كلامه مع مزيد من البيان يكون بذكر نقطتين:

الأولى: أنّه وإن لم يذكر في الروايتين بأنّ المطلّق غير إمامي إلا أنّه يستفاد من المورد ما إذا كان الزوج غير إمامي، و ذلك لأنّ من كان عارفاً بأصول القدماء يعلم بأنّ القدماء كثيراً ما كانوا يحذفون بعض القيود المذكورة في السؤال اتكاءً على عنوان الباب، فإذا لم يكن الشخص ملتفتاً إلى عنوان الباب فقد يتوهّم أنّ الرواية مطلقة، و ما نحن فيه من هذا القبيل، فإنّ الشيخ ذكر هذه الرواية في الاستبصار في باب طلاق المخالف، و لا يبعد أن تكون الرواية هكذا في مصدره و هو كتاب الحسن بن محمد بن سماعة، أي أنّه ذكر هذه الرواية في باب طلاق المخالف و حذف القيود اتكاءً على عنوان الباب.

مع أنّ كثرة الروايات الدالّة على بطلان الطلاق البدعي و إجازة الإمام بالتزويج في الروايتين تدلّ على أنّ الزوج كان مخالفاً.


1) (محمد بن الحسن بن زياد العطار) رجال النجاشي: 369.

2) موسوعة العلامة البلاغي (الرسائل الفقهية) 7: 249.

وهناك شواهد على أنّ القدماء كثيراً ما كانوا يعتمدون على عنوان الباب و يحذفون بعض القيود المذكورة في السؤال اعتماداً على عنوان الباب أو اعتماداً على الجواب، فإنّ السؤال أحياناً يعرف من الجواب.

فمن باب المثال: ما في الكافي في باب عدّة المتعة، فإنّه ذكر تحت هذا العنوان: علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عمر بن اُذينة عن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: «إن كانت تحيض فحيضة، و إن كانت لا تحيض فشهر و نصف»(1).

و في باب توجيه الميت إلى القبلة نقل رواية عن غير واحد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال في توجيه الميت: «تستقبل بوجهه القبلة و تجعل قدميه مما يلي القبلة»(2)، فلو أغمضنا النظر عن عنوان الباب لا يعلم من الرواية بأنّه بأي حالة من الحالات تُستقبَل القبلة، فإنّ له حالات مختلفة.

و في باب الوضوء من سؤر الحائض و الجنب و اليهودي و النصراني و الناصب، فإنّه ذكر تحت هذا العنوان قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن سؤر اليهودي و النصراني؟ فقال: «لا»(3)، و قد توهم بأنّ سؤر اليهودي و النصراني و مطلق الكافر نجس مستظهراً من هذه الرواية، و الحال أنه لا يبعد


1) الكافي 5: 458.

2) الكافي 3: 126.

3) الكافي 3: 11.

اتكاء الكليني على عنوان الباب -أي أنّ الوضوء من سؤر اليهودي و النصراني غير جائز- و له قرائن ذكرناها في بحث نجاسة الكافر.

إلى غير ذلك من الروايات التي فيها حذف اعتماداً على عنوان الباب.

و عليه فمن المطمأن به أنّ الروايتين من هذا القبيل أو أنّ الشيخ اعتمد على حذف بعض القيود من جهة وجود القيود في سائر الروايات التي ذكر هاتين الروايتين خلالها.

أو أنّ الحسن بن محمد بن سماعة هو الذي اعتمد في الحذف على عنوان الباب، ويؤيد ذلك أنّ الراوي عبارة عن الرجلين العظيمين: عبد الله بن سنان و عبد الرحمن البصري، و من المستغرب عدم معرفتهما حكم الطلاق على غير السنّة حتى يكون السؤال عن المطلّقة على غير على غير السنّة وأنّه يجوز تزويجها أو لا؛ لأنّ بطلان الطلاق على غير السنّة من واضحات مذهب الشيعة.

فظهر أنّ مورد السؤال حصة خاصّة، وهي طلاق المخالف طلاقاً على غير السنّة. وكثرة الروايات الدالّة على بطلان مثل هذا الطلاق و عدم جواز تزویج تلك المطلّقة تدلّ على أن المستظهر من الرواية هو أن يكون السؤال سؤالاً عن طلاق المخالف.

الثانية: أنّ حكم الإمام (عليه السلام) بجواز التزويج لابد أن يكون على وفق أصل من الأصول و قاعدة من القواعد؛ إذ المروي عنهم بأنّا نفتي على وفق أصول علم نرثها كابراً عن كابر. والأصل المناسب مع الحكم بتجويز التزويج هو قانون الإلزام، فنستفيد من الروايتين على ضوء النقطتين قاعدة الإلزام.

مناقشة النقطتين:

إلا أنّه يمكن المناقشة في النقطتين:

أمّا النقطة الأولى، و هي أنّ بعض القدماء كانوا يحذفون بعض القيود اعتماداً على عنوان الباب و أمثاله و إن كان صحيحاً في الجملة، و تدلّ عليه الشواهد، إلا أنّ الكلام في كون هذه الرواية من هذا القبيل؛ وذلك لأنّ حذف بعض القيود في الكافي مما لا ريب فيه، و لكنّه لم يعهد من الشيخ حذفه لبعض القيود اعتماداً على عنوان الباب، فمثلاً في رواية المتعة المتقدّمة: «إن كانت تحيض فحيضة...» حينما نراجع التهذيب نرى أنّه نقلها مع القيود(1).

و بما أنّه لا نعهد من الشيخ حذف القيود فلا يمكن حمل الرواية على طلاق المخالف، و ليس حكم هذه الرواية حكم الروايات المذكورة في الكافي و أمثاله من الكتب التي تحذف القيود فيها اعتماداً على عنوان الباب أو جواب الإمام.

و أمّا احتمال أن يكون الحسن بن محمد بن سماعة هو الذي حذف القيود اعتماداً على عنوان الباب فهو احتمال ضعيف؛ لأنّه ليس لنا طريق إلى كلماته إلا منقولات الشيخ، و هذا المقدار المنقول من روايات الحسن بن محمد بن سماعة بواسطة الشيخ يستفاد منه أنّ هذه الجماعة -أي الواقفية- كانوا يقولون بجواز تزویج المطلّقة على غير السنّة للجميع، و لا يستفاد من كلماتهم اختصاص الحكم بالمخالف، و لذا حينما أشكل على شيخه جعفر بن محمد بن سماعة(2)بقوله: أليس


1) تهذيب الأحكام 8: 65.

2) في المصدر: جعفر بن سماعة.

تعلم أنّ علي بن حنظلة روى إياكم: والمطلقات ثلاثاً على غير السنّة فإنهن ذوات أزواج، نرى بأن شيخه يجيب بأنّ رواية علي بن أبي حمزة أوسع على الناس.

و يظهر أن جعفر بن سماعة يستفيد من رواية علي بن أبي حمزة أن المراد بالضمير في «ألزموهم» هم: المطلّقون، لا المخالفون.

والغرض أنّ جعفر بن سماعة إنّما قدّم رواية علي بن أبي حمزة من جهة أنّها أوسع على الناس، ولم يقدّمها من باب أنّ الرواية خاصّة بالمخالفين.

فتبيّن أنّ احتمال حذف بعض خصوصيات الرواية -مضافاً لعدم الشاهد عليه- له شاهد على الخلاف، و هو عدم توافق ذلك مع جري الشيخ.

و أمّا تأييد ذلك بأنّ عبد الله بن سنان و عبد الرحمن البصري من الأكابر، و من البعيد عدم معرفتهما حكم الطلاق على غير السنّة مما لا وجه له؛ إذ مسألة عدم صحة الطلاق البدعي مما نقلها كثير من الأكابر، و إنّما اعتبرت من المسائل الواضحة من خلال كلمات الأئمة ونقل الأكابر لها.

مضافاً إلى أنّ الجوّ الذي كانا يعيشان فيه كان القول بنفوذ الطلاق البدعي شائعاً و متسالماً عليه بين العامة، حتى ذكر بعضهم بأنّ المخالف في هذه المسألة هم الروافض، و أضاف بعضُ الخوارج، كما في ذيل نيل الأوطار عن ابن عبد البر(1).


1) قال في نيل الأوطار 7: 7 حول وقوع الطلاق البدعي: و ذهب الباقر و الصادق و ابن حزم و حكاه الخطابي عن الخوارج و الروافض إلى أنه لا يقع. و حكاه ابن القربى و غيره عن ابن علية - يعني إبراهيم ابن إسماعيل بن علية - و هو من فقهاء المعتزلة. قال ابن عبد البر: لا يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال.

فلا يمكن حمل الرواية على طلاق المخالف، بل لابدّ من حملها على التقيّة، إمّا اتقاءً عليهما أو اتقاءً ممن كان في المجلس أو اتقاء لمن يعاشرهم، فإنّه مضافاً إلى ما ورد في بطلان الطلاق البدعي قد ورد في خصوص المرأة المتزوّجة التي طلّقت على غير السنّة بأن طلاقها كأن لم يكن ولابدّ لها من استدامة الزوجية مع الزوج الأول(1)، فلا يبعد أن تكون الرواية محمولة على التقيّة.

وأمّا النقطة الثانية فيمكن القول فيها بأنّه صحيح ما ذكر من أنّهم إنما يفتون على وفق الأصول التي ورثوها كابراً عن كابر، إلا أنّ ما ذكر من أنّه ليس في المقام أصل إلا قانون الإلزام محلّ إشكال؛ إذ لم يلاحظ فيها الإلزام، بل لوحظ حال الزوجة و «أنّها تتزوج و لا تترك بلا زوج».

و أما الوجه في حكم الإمام (عليه السلام) بتزويجها وصحة انفصالها عن الزوج الأوّل هو أنّ القضاء كان بيد المخالفين وكان الطلاق البدعي عندهم نافذاً، سواء أصدر من العامي أم غير العامي، فحكمه (عليه السلام) بالطلاق من باب الحكم الولائي، بلحاظ أنّ بقاء الزوجية في الصورة المفروضة بالنسبة إلى الزوجة ضرري.


1) ففي تهذيب الأحكام 8: 56-57 عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إياكم و المطلقات ثلاثاً في مجلس واحد فإنّهنّ ذوات أزواج»، و عنه أيضاً: «إياكم والمطلقات ثلاثاً فإنّهنّ ذوات أزواج».

و نحن لا نقول بأنّ تضرّر الزوجة علّة لهذا الحكم الولائي، بل من الممكن أن يكون حكمة له، فإنّ العامة لا يقولون بكثير من الشروط التي نقول بها في الطلاق، فإنّهم يقولون بنفوذ الطلاق في حال الحيض و في طهر المواقعة و الطلاق بلا إشهاد و طلاق السكران إلى غير ذلك، و توسعتهم هذه في الطلاق ربما توجب جعل الشيعية في المضيقة، فإن لم يمكن إلزام الزوج بإدامة الزوجية أو لم يمكن إجباره على الطلاق الصحيح - كما هو الغالب في تلك الأزمنة - فلا مناص من الحكم بانفساخ الزوجية، فلا دلالة للرواية على قاعدة الإلزام.

نعم لو كان في الرواية «ألزموهم» أو ما يفيد معناه لكان هناك وجه للاستدلال بها، إلا أنّ المذكور في الرواية أنّها «لا تترك بغير زوج» و هذا الحكم لابدّ و أن ينطبق عليه قانون آخر غير قانون الإلزام.

و خلاصة الكلام: أنّه على فرض التسليم للنقطة الأولى و اختصاصها بطلاق المخالف، لا نسلّم للنقطة الثانية، بمعنى أنّه لا يستفاد من جواب الإمام (عليه السلام) أنّ الحكم من باب قاعدة الإلزام؛ إذ الحكم بالصحّة مختصّ بما إذا لم يكن إلزام الزوج باستدامة الزوجية أو الطلاق الصحيح ممكناً، فحكم (عليه السلام) بجواز تزويجها من باب الولاية.

و يمكن القول بأنّ الإمام (عليه السلام) و إن قال بأنّ «المرأة لا تترك بغير زوج» في الروايتين، إلا أنّه لم يذكر شرائط زواجها في هذه الرواية، فربما يكون حكمها المراجعة إلى الإمام أو نائبه، فإن لم يمكن إلزام الزوج باستدامة الزوجية ولم يمكن إجباره على الطلاق الصحيح فيطلّقها الإمام من باب الولاية.

الطائفة الرابعة:

و هي الروايات الواردة في المطلّقة ثلاثاً بالطلاق البدعي، سواء أكان في الحيض - كما نقل عن ابن عمر من أنّه طلّق زوجته في الحيض بطلاق الثلاث(1).- أم كان في غير الحيض بأنّ طلّق زوجته في مجلس واحد بالطلاق الثلاث بلفظ واحد من دون رجعة بأن يقول: (هي طالق ثلاثاً) أو بألفاظ متعددة بأن يقول: (هي طالق هي طالق هي طالق).

و قد دلّت بعض الروايات على تجويز الزواج بالمطلّقات ثلاثاً، و استدلّ بهذه الروايات بأن الحكم بجواز التزويج فيها من باب قاعدة الإلزام.

الرواية الأولى: و هي رواية معتبرة، رواها الشيخ في التهذيبين عن كتاب علي بن الحسن بن فضال عن محمد بن الوليد(2)

المقصود بهذا التعليق هو ما ورد في وسائل الشيعة (طبعة الإسلامية) 15: 321، و قد غفل عن الإشارة إليه في وسائل الشيعة (طبعة آل البيت) 22 : 73.

، و العباس بن عامر عن يونس بن

1) سنن الترمذي 2: 321، سنن الدارمي 2: 160، سنن ابن ماجة 1: 652، سنن أبي داود 1: 485، صحیح مسلم 4: 179، لم يرد في هذه المصادر أنّه طلّقها ثلاثاً، بل تشير إلى أنّها كانت حائضاً فقط، وأحسب أنّ ذكر الطلاق الثلاث في المتن من سهو القلم.

2) و في الوسائل اشتباه في استخراج الحديث، و قد تعرّض له المعلّق، فإنّ ظاهر (عنه) في الوسائل عود الضمير إلى كتاب الحسن بن محمد بن سماعة، و الحال أنّ الرواية من كتاب علي بن الحسن بن فضال. (الاستاذ دام ظله)

يعقوب عن عبد الأعلى قال سألته عن الرجل يطلّق إمرأته ثلاثاً؟ قال: «إن كان مستخفاً بالطلاق ألزمته ذلك»(1)و في الاستبصار: «ألزمه بذلك»(2).

أمّا العباس بن عامر فهو ثقة جليل(3)و يونس بن يعقوب ثقة أيضاً(4)

و قال الشيخ في الفهرست: يونس بن يعقوب، له كتاب، أخبرنا به جماعة، عن أبي المفضل، عن ابن بطة، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن أبي عمير عنه. [الفهرست: 182/ 790]

و عدّه في رجاله تارة: من أصحاب الصادق (عليه السلام) قائلاً: يونس بن يعقوب البجلي الدهني الكوفي. [رجال الشيخ: 323 / 44]

و ثانية: من أصحاب الكاظم (عليه السلام) قائلاً: يونس بن يعقوب مولى نهد، له كتب، ثقة. [رجال الشيخ: 346 / 4]

و ثالثة: في أصحاب الرضا (عليه السلام)، قائلاً: يونس بن يعقوب، ثقة، له كتاب، من أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام). [رجال الشيخ: 368 / 1]

و عدّه البرقي في أصحاب الصادق (عليه السلام)، قائلاً: يونس بن يعقوب القماط: بجلي كوفي. [رجال البرقي: 30]

و عدّه الشيخ المفيد في رسالته العددية: من الفقهاء الأعلام، و الرؤساء المأخوذ عنهم الحلال و الحرام، و الفتيا و الأحكام، الذين لا يطعن عليهم، و لا طريق إلى ذمّ واحد منهم. [رسالة الرد على أصحاب العدد (جوابات أهل الموصل): 25]

، و المراد من عبد الأعلى هنا هو عبد الأعلى بن أعين، و هو محكوم بالوثاقة من جهة نقل صفوان(5)عنه(6)

إلا أنّ هذا التوثيق يختصّ بمشايخهم المباشرين و عدم شموله لمن رووا عنهم مع الواسطة. [انظر بحوث في شرح مناسك الحج 7: 169]

ثم إنّ قول الشيخ (قدّس سرّه) بأنّ ابن أبي عمير و بعض رواتنا الآخرين ممن عرفوا بأنّهم لا يروون و لا يرسلون إلا عن ثقة يدلّ على أمرين:

أوّلاً : التزامهم بعدم الرواية إلا عمّن ثبتت عندهم وثاقته، فإنّ الشخص إذا لم يُلزم نفسه بعدم الرواية من غير الثقات لا يمكن عادة انحصار رواياته فيما تكون عن الثقات وبالتالي أن يعرف بين الناس بأنّه لا يروي إلا عن الثقة.

و التزام هؤلاء بذلك يمكن أنّه قد عرف من جهة تصريحهم به لبعض أصحابهم وتلامذتهم و إن لم ينقل إلينا، و يمكن أنّه عرف من ثنايا بعض كلماتهم، كاعتذارهم من عدم الرواية عن جمع من الأصحاب بأنّهم لا يعرفون حالهم و أنّهم ثقات أو لا، و نحو ذلك من القرائن و الشواهد التي يظهر بها كونهم ملتزمين بعدم النقل من غير الثقة.

وثانياً: إقرار الطائفة التي عرفت هؤلاء بأنّهم لا يروون و لا يرسلون إلا عن ثقة بأمرين:

أوّلهما: جريهم على وفق التزامهم المذكور.

وثانيهما: جريهم في التوثيق وفق الموازين العقلائية.

و لولا إقرار الطائفة بهذين الأمرين لم يصحّ أن يقال بحقهم: إنّهم عرفوا بأنّهم لا يروون و لا يرسلون إلا عن ثقة، فإنّ من يلتزم قولاً بعدم الرواية إلا عن الثقات و لكن يلاحظ أنّه عملياً غير ملتزم بذلك لا يثبت هذا الوصف في حقّه من أنّه لا يروي إلا عن ثقة، و كذلك من يكون عنده خلل في موازين التوثيق كأن يوثّق رواة مشهورين بالضعف و الكذب لا يثبت بحقّه الوصف المذكور.

و على ذلك يتّضح أنّه إذا عثر على روايات لابن أبي عمير عن أشخاص قد ضعّفوا من قبل آخرين. فإن كانت تلك الروايات محدودة و لم يكن ضعف أولئك الأشخاص واضحاً و مسلّماً بأن لم يكونوا من المشهورين بالضعف و الكذب لا يشكّل ذلك قرينة على عدم تماميّة ما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) من أنّ هؤلاء لا يروون و لا يرسلون إلا عن ثقة.

وأمّا إذا كانت رواياته عن المضعَّفين كثيرة ومتداولة أو كان فيهم بعض من هو واضح الضعف بحيث تعدّ الرواية عنه كاشفة لا محالة عن عدم التزام الراوي بعدم الرواية إلا عن الثقات أو اختلال ميزان التوثيق عنده، فإنّه يعدّ قرينة على عدم تمامية الدعوى المذكورة عن الشيخ (قدّس سرّه).

وقد ذكر غير واحد منهم: السيد الأستاذ [الخوئي] و المحقق التستري (قدّس سرّهما) بأنّ صفوان بن يحيى روى روايات كثيرة عن عدد من المضعَّفين ممن لا سبيل إلى القول بوثاقتهم بوجه، ولذلك لا يمكن الاعتماد على ما ادعاه الشيخ (قدّس سرّه) من أن صفوان ممن عرف بأنّه لا يروي و لا يرسل إلا عن ثقة، فهذه قرينة خارجية على عدم تماميّة الدعوى المذكورة.

و لكنّه محل تأمل:

أوّلاً : قيل: إنّ يونس بن ظبيان - الذي عدّه الفضل بن شاذان من الكذّابين المشهورين- ممن روى عنه صفوان بن یحیی، استناداً إلى أنّ الشيخ روى في موضع من التهذيب بإسناده عن صفوان و محمد بن أبي عمير عن بريد و يونس بن ظبيان قالا: سألنا أبا عبد الله (عليه السلام)...

و لكنه غير ثابت؛ لأنّ صفوان بن يحيى الذي هو من الطبقة السادسة لا يروي عن بريد بلا واسطة، فإنّه من الطبقة الرابعة و قد توّفي في حياة الصادق (عليه السلام) أو بعده بقليل، فعطف اسم يونس بن ظبيان على بريد في السند المذكور شاهد على وقوع خلل فيه، أي أنّ هناك واسطة محذوفة بين صفوان و محمد بن أبي عمير وبين بريد ويونس بن ظبيان.

و لعل تلك الواسطة المحذوفة هو جميل بن دراج الذي توسط بين صفوان و یونس بن ظبيان في بعض الموارد، و هو ممن يروي عن بريد أيضاً، كما في التهذيب 10: 28 .

هذا مضافاً إلى أنّه يمكن أن يقال: إنّ يونس بن ظبيان هو ممن مات في حياة الصادق (عليه السلام)، كما يستفاد ذلك من بعض روايات الكشي، وعلى ذلك فلا يمكن لصفوان الرواية عنه بلا واسطة.

و ثانياً: إنّ بعضاً ممن روى عنه صفوان كان له حال صلاح و استقامة، ويحتمل أنّ صفوان تحمّل عنه الحديث في حال صلاحه، ومن هؤلاء علي بن أبي حمزة البطائني. [بحوث في شرح مناسك الحج 7: 162 – 164 بتصرف يسير]

، و لا نطيل الكلام في الأبحاث الرجالية بأزيد من ذلك.

1) تهذيب الأحكام 8: 59.

2) الاستبصار 3: 292.

3) قال النجاشي: العباس بن عامر بن رباح أبو الفضل الثقفي القصباني، الشيخ الصدوق الثقة كثير الحديث. [رجال النجاشي: 281]

4) قال النجاشي: يونس بن يعقوب بن قيس أبو علي الجلاب البجلي الدهني: أمه منية بنت عمار بن أبي معاوية الدهني، أخت معاوية بن عمار، اختص بأبي عبد الله (عليه السلام)، و أبي الحسن (عليه السلام)، و كان يتوكل لأبي الحسن ( عليه السلام)، و مات بالمدينة في أيام الرضا (عليه السلام)، فتولى أمره، و كان حظياً عندهم موثقاً، و كان قد قال بعبد الله، و رجع. [رجال النجاشي: 446]

5) قال النجاشي: صفوان بن يحيى أبو محمد البجلي بياع السابري، كوفي، ثقة ثقة، عين. روى أبوه عن أبي عبد الله (عليه السلام) و روى هو عن الرضا (عليه السلام)، و كانت له عنده منزلة شريفة. ذكره الكشي في رجال أبي الحسن موسى (عليه السلام)، و قد توكل للرضا و أبي جعفر (عليهما السلام)، و سلم مذهبه من الوقف، و كانت له منزلة من الزهد و العبادة، و كان جماعة الواقفة بذلوا له مالا كثيرا، و كان شريكا لعبد الله بن جندب و علي بن النعمان. و روي أنهم تعاقدوا في بيت الله الحرام أنه من مات منهم صلى من بقي صلاته و صام عنه صيامه و زكى عنه زكاته. فماتا وبقي صفوان، فكان يصلي في كل يوم مائة و خمسين ركعة، و يصوم في السنة ثلاثة أشهر و يزكي زكاته ثلاث دفعات، و كل ما يتبرع به عن نفسه مما عدا ما ذكرناه يتبرع عنهما مثله. و حكى أصحابنا أن إنسانا كلّفه حمل دينارين إلى أهله إلى الكوفة فقال: إن جمالي مكرية و أنا أستأذن الأجراء. و كان من الورع و العبادة على ما لم يكن عليه أحد من طبقته (رحمه الله). وصنف ثلاثين كتابا، كما ذكر أصحابنا. يعرف منها الآن: كتاب الوضوء، كتاب الصلاة، كتاب الصوم، كتاب الحج، كتاب الزكاة، كتاب النكاح، كتاب الطلاق، كتاب الفرائض، كتاب الوصايا، كتاب الشراء (الشرى) و البيع، كتاب العتق و التدبير، كتاب البشارات نوادر. أخبرنا علي بن أحمد قال: حدثنا محمد بن الحسن قال: حدثنا محمد بن الحسن عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب الزيات، عن صفوان بسائر كتبه. مات صفوان بن يحيى (رحمه الله) سنة عشر و مائتين. [رجال النجاشي – فهرست أسماء مصنفي الشيعة؛ ص: 197]

6) لعدم رواية صفوان بن يحيى عن غير الثقة، قال الشيخ الطوسي: فإن كان ممن يعلم أنه لا يرسل إلا عن ثقة موثوق به فلا ترجيح الخبر غيره على خبره، و لأجل ذلك سوّت الطائفة بين ما يرويه محمد بن أبي عمير، و صفوان بن يحيى، و أحمد بن محمد بن أبي نصر و غيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنهم لا يروون و لا يرسلون إلا عمّن يوثق به و بين ما أسنده غيرهم، و لذلك عملوا بمراسيلهم إذا انفردوا عن رواية غيرهم. [عدة الأصول 154:1]

و لابدّ من التذكير بأنّ طلاق الثلاث له شرح مفصّل، و ملخّصه: أنّ الطلاق الثلاث إمّا بلفظة واحدة و يعبّر عنه بالطلاق المرسل، و إمّا بألفاظ متعدّدة من غير رجعة بينها. فإن كان بألفاظ متعدّدة يقع طلاقاً واحداً إذا كانت سائر الشرائط ،محقّقة، وهذا هو المشهور بين علمائنا.

و أمّا إن كان بلفظ واحد فقد وقع الخلاف في أنّه هل يقع واحداً أو لا يقع؟

و الطلاق الثلاث المذكور في هذه الرواية و غيرها يعمّ كلا القسمين.

و العمدة قوله (عليه السلام): «ألزمته ذلك»، و معنى ذلك: ألزمته بالطلاق الثلاث؛ حيث إنّ لفظ «ذلك» للإشارة إلى البعيد، وطبعاً طلاق الثلاث يكون موجباً للبينونة، و لا تحلّ إلا بعد تزويجها لقوله تعالى: (حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجَاً غَيْرَهُ)(1).

و محلّ الشاهد هو قوله (عليه السلام): «إن كان مستخفّاً»، وكيفية الاستدلال أن يقال: إنّ المراد من المستخفّ بالطلاق هو المخالف، و هذا كناية عنه، فيصبح المعنى هكذا: إن كان المطلّق من المخالفين ألزمته بذلك.

ذكر العلامة البلاغي في رسالته في قاعدة الإلزام: (فإنّ الظاهر من قوله مستخفّاً بالطلاق هو كونه يدين بخفّة الطلاق من حيث الشروط، كما هو عند الجمهور(2)، لا من يستخفّ به بإكثاره أو يتساهل في أمره على خلاف مذهبه، و لذا عدّها جماعة من أدلّة المقام)(3).(4)


1) سورة البقرة: 230.

2) انظر: المدوّنة الكبرى 2: 66 - 67، الحاوي الكبير 12: 388، المغني لابن قدامة 8: 236 - 237، المجموع شرح المهذّب 17: 84، شرح فتح القدير 3: 468.

3) انظر مثلاً: مسالك الافهام 9: 95، نهاية المرام 2: 34، مفاتيح الشرائع 2: 316، الحدائق الناضرة 25: 243، رياض المسائل 12: 233، جواهر الکلام 32: 87.

4) قال العلامة البلاغي في رسالته بعنوان عقد في إلزام غير الإمامي بأحكام نحلته: فإنّ الظاهر من قوله (عليه السلام): «مستخفّا بالطلاق» هو كونه يدين بخفّة الطلاق على خلاف ما هو معتبر فيه من الشروط في ذاته، وفي وقوع الثلاث كما هو عند الجمهور، لا من يستخفّ به في إكثاره له جامعاً للشروط، أو يتساهل في أمره على خلاف مذهبه، ولذا عدّ الحديث جماعة من أدلّة المقام. [موسوعة العلامة البلاغي (الرسائل الفقهية) 7: 250- 251]

و يمكن أن يقال في قبال ذلك بأنّ الظاهر من قوله «مستخفّاً بالطلاق» هو من لا يهتمّ عملاً بالطلاق و يطلّق زوجته مراراً وتكراراً، و أمّا حيثية الديانة بخفّة الطلاق فلا تظهر من الرواية.

و هذه الرواية واردة في مورد وردت روايات كثيرة جداً، و تلك الروايات مصرّحة بأنّ البينونة لا تحصل بطلاق الثلاث مطلقاً، سواء أكان مستخفّاً أم لم يكن، و ما في هذه الرواية من قوله (عليه السلام): «إن كان مستخفّاً بالطلاق ألزمته ذلك» لابدّ من حمله على التقيّة.

و قوله (عليه السلام): «إن كان مستخفّاً» يشير إلى الوضع و الإلزام بما فعله عمر، و علّل عمله هذا بالاستخفاف، فتطابق كلام الإمام (عليه السلام) مع العلّة المذكورة في كلام عمر يوجب أن يقال بأنّ الرواية محمولة على التقيّة؛ و ذلك لأنّ مسألة طلاق الثلاث من المسائل الحسّاسة، و الأئمة (عليهم السلام) و لا سيما الإمام الصادق (عليه السلام) قد أعملوا في بيان حكم الطلاق الثلاث التورية والكتمان، بل ربما أمرَ الإمام برواية نفوذ طلاق الثلاث عنه، كما في الوسائل، عن الحسن بن محمد بن سماعة عن معاوية بن حكيم عن أبي مالك الحضرمي عن أبي العباس البقباق قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال لي: «إرو عنّي أنّ من طلّق امرأته ثلاثاً في مجلس واحد فقد بانت منه»(1).


1) وسائل الشيعة 74:22.

و كيفما كان هناك احتمالان في هذه الرواية الشريفة(1):

الاحتمال الأوّل: ما يبتني عليه قاعدة الإلزام من أنّ قوله (عليه السلام): «إن كان مستخفّاً بالطلاق» كناية عمّن يعتقد بنفوذ طلاق الثلاث، و هم العامة، و المراد ب- «ذلك» في قوله (عليه السلام): «ألزمته ذلك» هو: الطلاق الثلاث، يعني ألزمته بالبينونة؛ لأنّ (ذلك) للإشارة إلى البعيد.

و محصّل المعنى: أن الإمام (عليه السلام) ألزم المطلّق ثلاثاً على غير السنّة بالبينونة إذا كان المطلّق مخالفاً، وإلزامه (عليه السلام) من باب إلزام العامي بمعتقده. و على فرض تماميّة هذا الاحتمال تكون النتيجة مختصّة بالطلاق الثلاث.

إلا أن يقال: إن إلزام الإمام (عليه السلام) و إن كان في مورد خاص، و لكن هذا من باب تطبيق الكبرى الكليّة على المطلّق ثلاثاً، فإنّ كلامهم على وفق أصول علم يرثونها كابراً عن كابر، و أقرب الأصول في المقام قاعدة الإلزام، و عليه فتكون الرواية من أدلّة قاعدة الإلزام.

الاحتمال الثاني: أن يكون قوله (عليه السلام): «إن كان مستخفّاً بالطلاق» معناه: أنّ من يستخفّ بالطلاق عملاً و إن كان استخفافه على وفق مذهبه(2)، فالإمام (عليه السلام) ألزمه بما أنّه ولي الأمر.


1) الدرس الخامس: الثلاثاء 6 رمضان المبارك 1407.

2) فإن الطلاق البدعي على المشهور بين العامة - إلا الشافعي - حرمته تكليفية [المجموع 17: 73، روضة الطالبيين 6: 4]، وذلك لأجل الروايات التي يروونها، إلا أنّهم يقولون بنفوذ الطلاق البدعي وإن كان محرّماً بالحرمة التكليفية. (الاستاذ دام ظله)

و على هذا الاحتمال لا تدلّ الرواية على قاعدة الإلزام، بل إنّ الإمام (عليه السلام) ألزم ذلك عقوبة لمن استخفّ بالطلاق، سواء أكان شيعياً أم غير شيعي.

ثم بعد ذلك يقع الكلام في المتعين من الاحتمالين، فهل المتعين هو الاحتمال الأوّل أو الثاني؟ وإذا كان الثاني فلابدّ من حمل الرواية على التقيّة.

فنقول: لو كنّا نحن و ظاهر الرواية فلابدّ من حملها على الاحتمال الثاني؛ لأنّ مقتضى قاعدة التطابق بين اللفظ والواقع هو أنّ موضوع الإلزام و ما يترتّب عليه التالي عبارة عن نفس الاستخفاف، لا أن يكون كناية عمّن يتديّن بالطلاق الثلاث.

و قوله (عليه السلام): «ألزمته ذلك» ظاهر في نسبة الإلزام إلى نفسه (عليه السلام) أي: بما أنّه ولي الأمر يلزمه بذلك.

فظاهر الرواية يناسب الاحتمال الثاني، و أما الاحتمال الأوّل فيحتاج إلى التأويل.

إلا أن يقال: إنّ على الاحتمال الثاني يوجب حمل الرواية على التقيّة، و الحال أنّ مقتضى أصالة الجهة(1)أنّها لبيان حكم الله الواقعي، وأصالة الجهة مقدمة على أصالة الظهور(2).

و يمكن ردّ هذا الإشكال بأنّه لا تقدّم لأصالة الجهة على أصالة الظهور(3)، مضافاً إلى أنّ كونها تقيّة موافق للزمن و الظروف التي كان يعيش فيها الإمام


1) أصالة الجهة و هي الأصل الذي يلغى بموجبه احتمال صدور الرواية عن المعصوم (عليه السلام) على نحو التقية أو غيرها بما يمنع إرادته الجدّية لظاهر الكلام. [موسوعة الفقه الإسلامي 13: 325]

2) إنّ الأصل الجاري في الجهة في رتبة سابقة على أصالة الظهور لكونها منقحة موضوعها، (بلحاظ أنّ موضوع الجهة في الظهور هو الكلام الصادر عن المعصوم (عليه السلام) عن داعي الجد لبيان حكم الله الواقعي، لا للتقية و نحوها، وأنّه لولا إحراز أصل صدور الكلام عن الإمام (عليه السلام) وإحراز جهة صدوره و كونه لبيان الحكم الواقعي لا تنتهى النوبة إلى مقام التعبد بظهوره و دلالته، فبذلك تكون أصالة التعبد بالصدور والجهة في رتبة سابقة على أصالة التعبد بالظهور و الدلالة؛ لكونهما منقحتي موضوعها باعتبار كون الأوّل مثبتاً لأصل الموضوع وهو كون الكلام صادراً عن الإمام (عليه السلام)، و الثاني لكيفية صدوره و كونه لبيان الحكم الواقعي لا للتقية و نحوها، و عليه فعند الدوران بين التصرف الدلالي و التصرف الجهتي يقدم الأصل الجهتي على الأصل الدلالي، من جهة تقدمه عليه رتبة في المشمولية لدليل الاعتبار). [نهاية الأفكار 1: 555]

3) لعل الوجه في ذلك هو أنّ (المقصود من اعتبار كل من الجهة و الصدور و الدلالة، هو العمل بمقتضى ما يتلقاه المخاطب من المتكلم، ومعلوم أنّ هذه الجهات نسبتها الى العمل على السوية، كنسبة الأجزاء التركيبية إلى المركب المؤتلف منها، ليس لبعضها تقدّم على البعض الآخر، فلا وجه لرعاية الجهة و الصدور قبل الدلالة و مقدّماً عليها...، فلا بدّ من سدّ ثغور الدليل من الجهات الثلاث، حتى ينتهي الحال إلى العمل و مقام الامتثال، ألا ترى أنّ المركب لو انفقد منه بعض أجزائه، لا يكاد يجدي الباقي من أجزائه في الأثر المترتب على المركب بتمام أجزائه، و هاهنا لو لم تتم الدلالة، لم يكد يجدي اعتبار الجهة و لا الصدور في الغاية المطلوبة من ذلك الخبر؛ إذ العمل بمقتضاه على ما ينبغي و كما هو صادر لبيانه و على حسب ظاهره موقوف على تمامية الجهات الثلاث، فإذا اختل واحد منها لم يكد يترتب عليه ذلك العمل المطلوب منه و المرغوب فيه، فالقول بلزوم رعاية بعض الجهات على بعض آخر منها استناداً إلى هذا الوجه... غير وجيه). [تحرير الأصول: 458-459]

الصادق (عليه السلام)، فإنّه كما أشرنا، الظروف لم تكن تقتضي- بيان حكم الله الواقعي، و لم يكن يبيّن الحكم في تلك الظروف، بل الإمام (عليه السلام) كان مائلاً إلى أن ينتشر عنه الحكم بنفوذ طلاق الثلاث، و كان (عليه السلام) يتحرّج من الجواب الواقعي لحكم طلاق الثلاث، و هذه الحيثيّة تؤيّد بأنّه لا مجال لأصالة الجهة في هذه الرواية.

و انتقاؤه (عليه السلام) لهذا الجواب بقوله : «إن كان مستخفّاً بالطلاق ألزمته ذلك» فيه إشارة بالعدول عن الجواب و التورية، و قد اُمرنا بفهم معاريض كلامهم(1)، فإنّ هذا اللفظ من الألفاظ المشهورة عن عمر.


1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: حديث تدريه خير من ألف حديث ترويه، ولا يكون الرجل منكم فقيهاً حتى يعرف معاريض كلامنا، وإنّ الكلمة من كلامنا لتنصرف على سبعين وجهاً لنا من جميعها المخرج. [معاني الأخبار: 2]

توضيح ذلك أمّا أنّ الإمام (عليه السلام) كان متحرّجاً من بيان حكم الطلاق الثلاث فيدلّ عليه بعض الروايات، كمعتبرة أبي العباس البقباق، قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال لي: «إرو عنّي أن من طلّق امرأته في مجلس واحد فقد بانت منه»(1).

و قلّ ما وجدنا أنّ الإمام (عليه السلام) يأمر برواية كهذه عنه، و من هذه الرواية يعرف بأنّ الظرف لم يكن مساعداً لبيان حكم الله الواقعي، بل كان مقتضياً لبيان الجواب على وفق الجمهور.

وهكذا رواية محمد بن سعيد الأموي قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل طلّق ثلاثاً في مقعد واحد؟ فقال: «أمّا أنا فأراه قد لزمه، و أمّا أبي فكان يرى ذلك واحدة»(2).

و كذا يعرف تحرّجه (عليه السلام) عن الجواب من أجوبته المختلفة في معتبرة أبي أيوب الخزاز عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: كنت عنده فجاء رجل فسأله فقال: رجل طلّق امرأته ثلاثاً قال: «بانت منه»، قال: فذهب ثم جاء رجل آخر من أصحابنا فقال: رجل طلّق امرأته ثلاثاً فقال: «تطليقة»، و جاء آخر فقال: رجل طلّق امرأته ثلاثاً فقال: «ليس بشيء»، ثم نظر إليّ فقال: «هو ما ترى»، قال: قلت كيف هذا؟ قال: فقال: «هذا يرى أنّ من طلّق امرأته ثلاثاً حرمت عليه و أنا أرى أنّ من طلّق امرأته ثلاثاً على السنّة فقد بانت منه، و


1) وسائل الشيعة 22: 74.

2) وسائل الشيعة 22: 65.

رجل طلّق امرأته ثلاثاً و هي على طهر فإنما هي واحدة، و رجل طلّق امرأته ثلاثاً على غير طهر فليس بشيء»(1).

فنعرف من هذه الروايات بأنّ الظرف لم يكن مساعداً لبيان الحكم الواقعي، و لذا كان الإمام (عليه السلام) متحرّجاً في الجواب.

و أمّا أنّ انتقاؤه (عليه السلام) لهذه العبارة شاهد على التقيّة، فلأنّ هذه العبارة ليست من الإمام، بل كلمة قالها عمر، فإنّه هو الذي نفّذ الطلاق الثلاث لما رأى استخفاف الناس بالطلاق. فقد ذكر العامّة بأنّه نفّذ ذلك بلحاظ مصلحة عامة و من باب الولاية، فتأديباً لاستخفاف الناس بالطلاق أنفذ هذا الطلاق، ففي الغدير نقلاً عن مصادر متعدّدة عن ابن عباس كان الطلاق على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) و أبي بكر و سنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: (إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كان لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم)(2).

و عن صحيح مسلم و سنن البيهقي: (فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق فأمضاه عليهم فأجازه عليهم)(3).

و عن سنن أبي داود و غیره: (فلما رأى الناس قد تتابعوا فيها قال أجيزوهن عليهم)(4).


1) وسائل الشيعة 22: 66.

2) الغدير 6: 178.

3) و الغدير 6: 179 نقلاً عن صحيح مسلم 1: 574 و سنن البيهقي 7: 336.

4) الغدير 6: 178 نقلاً عن سنن أبي داود 1: 344 وسنن البيهقي 7: 339 وتيسير الوصول 2: 162 والدر المنثور 1: 279.

و عن عمدة القاري: (يا أيها الناس قد كان لكم في الطلاق أناة، و إنّه من تعجل أناة الله في الطلاق ألزمناه إياه)(1).

و عن كنز العمال: (لقد هممت أن أجعل إذا طلّق الرجل امرأته ثلاثاً في مجلس أن أجعلها واحدة و لكن أقواماً جعلوا على أنفسهم، فألزم كل نفس ما لزم نفسه من قال لامراته: أنت علي حرام فهي حرام و من قال لامراته: أنت بائنة فهي بائنة و من طلّق ثلاثاً فهي ثلاث)(2).

و في الجزء الثالث من فتاوى ابن تيمية: (طائفة من العلماء مثل أبي البركات يفتون بلزوم الثلاث في حالٍ دون حال كما نقل عن الصحابة. و هذا: إما لكونهم رأوه من باب التعزير الذي يجوز فعله بحسب الحاجة، كالزيادة على أربعين في الخمر و النفي فيه و حلق الرأس، وإمّا لاختلاف اجتهادهم، فرأوه تارة لازماً و تارة غير لازم)(3).

فاختيار الإمام (عليه السلام) لهذه العبارة أو ما يشابهها من كلام عمر في مقام إعمال الولاية شاهد على أنّ الإمام (عليه السلام) في مقام التورية.


1) الغدير 6: 179 عن عمدة القاري 9: 537.

2) الغدير 6: 179 نقلاً عن كنز العمال 5: 163.

3) مجموع فتاوى ابن تيمية 33: 94.

مضافاً إلى أن الإمام (عليه السلام) عدل عن الجواب الواقعي، فإنّ الجواب عن المطلقة ثلاثاً إمّا أنّه لا يقع إلا واحدة أو ليس بشيء أو تبين منه، و عدوله (عليه السلام) عن هذا الجواب بقوله: «إن كان مستخفّاً بالطلاق» يوجب الوثوق بأنّه لا مجال لأصالة الجهة في هذه الرواية، فتحمل الرواية على التقيّة، ولا يمكن الاستدلال بها لقاعدة الإلزام.

الرواية الثانية: ما في التهذيبين، قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن تزويج المطلّقات ثلاثاً؟ فقال له: «إنّ طلاقكم لا يحلّ لغيركم، وطلاقهم يحلّ لكم؛ لأنّكم لا ترون الثلاث شيئاً و هم يوجبونها»، و في الفقيه(1)و العيون(2)و العلل(3): «إنّ طلاقكم الثلاث...».

وهذه الرواية قد ذكرها الشيخ في موردين من التهذيب:

المورد الأوّل: هكذا: علي بن حسن عن أحمد بن محمد عن البرقي عن جعفر

بن محمد(4)العلوي قال سألت أبا الحسن...(5)

و في هذا المورد يروي جعفر بن محمد بن عبيد الله العلوي عن الإمام بلا واسطة.


1) من لا يحضره الفقيه 3: 406.

2) عيون أخبار الرضا 2: 91.

3) علل الشرايع 511:2.

4) في الأصل: جعفر بن عبد الله، و الصحيح ما أثبتناه.

5) تهذيب الأحكام 7: 469.

المورد الثاني: و فيه هكذا: محمد بن أحمد بن يحيى الأشعري عن أحمد بن محمد عن جعفر بن محمد بن عبيد الله عن أبيه(1)، و الظاهر سقوط (أبيه) في المورد الأوّل.

و في الاستبصار مع كلمة (أبيه)(2).

و تصحيح الرواية متوقّف على توثيق جعفر بن محمد و أبيه، و توثيقهما مشكل، و لا سيّما جعفر بن محمد بن عبيد الله، إلا بملاحظة أنّ بعض مشايخ النجاشي قد عرّفه بالشريف الصالح(3)أو من جهة وقوعه في أسانيد كامل الزيارات(4).


1) تهذيب الأحكام 8: 59.

2) الاستبصار 3: 293.

3) عبّر عنه القاضي أبو الحسين محمد بن عثمان بن الحسن النصيبي أحد مشايخ النجاشي بالشريف الصالح، روى عن عبيد الله بن احمد بن نهيك. [رجال النجاشي: 50 و 148 و 159 و 327 و 357]

4) بناء على وثاقة جميع مشايخ جعفر بن محمد بن قولويه الذين وقعوا في إسناد كامل الزيارات، فإن جعفر بن قولويه قال في أول كتابه: (و قد علمنا بأنّا لا نحيط بجميع ماروي عنهم في هذا المعنى ولا في غيره، لكن ما وقع لنا من جهة الثقات من أصحابنا (رحمهم الله برحمته) و لا أخرجت فيه حديثاً روي عن الشذاذ من الرجال يؤثر ذلك عنهم عن المذكورين غير المعروفين بالرواية المشهورين بالحديث و العلم) فقد يستفاد من هذه العبارة أنّه لا يروي في كتابه رواية عن المعصوم إلا وقد وصلت إليه من جهة الثقات من أصحابنا (رحمهم الله)، فإن جعفر بن قولويه يريد بما ذكره إثبات صحة ما أورد فيه، و أن رواياته ثابتة و صادرة عن المعصومين (عليهم السلام)، و أنها انتهت إليه بوساطة المشايخ و الثقات من الشيعة. وعليه فلا موجب لتخصيص التوثيق بمشايخه الذين يروي عنهم مباشرة.

و تصحيح توثيق أبيه -و هو محمد بن عبيد الله- بملاحظة أنّه من مشايخ البزنطي(1).

و قد روى الصدوق هذه الرواية في كتبه الثلاثة مرسلاً، ففي العلل نقلاً عن محمد بن (علي)(2)ماجيلويه - الذي لم يرد فيه توثيق- عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد (بن عیسی)(3)عن جعفر بن محمد الأشعري عن أبيه قال سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام).

فالرواية محلّ تأمّل سنداً، و مع غضّ النظر عن ذلك، ففي الرواية احتمالات:

الاحتمال الأول: أنّ قوله (عليه السلام): «إنّ طلاقكم لا يحلّ لغيركم» لا يحتاج إلى التعليل؛ لأنّه على وفق الحكم الواقعي؛ إذ الطلاق الصادر من الشيعي من دون مراعاة لشرائط الطلاق لا يكون نافذاً، فزوجته زوجته و إن طلّقها ثلاثاً.


1) نقل رواية البزنطي عنه في التهذيب في موضعين: 1: 111 و 5: 103.

2) ما بين القوسين لم يرد في علل الشرائع.

3) ما بين القوسين لم يرد في علل الشرائع.

و أمّا قوله (عليه السلام): «و طلاقهم يحلّ لكم» يحتاج إلى التعليل، و الجملة الأخيرة تعليل لهذا الحكم، أي بما أنّهم يوجبونها، فهذا يوجب الحلّية لكم و إن كنتم لا ترون الطلاق الثلاث شيئاً.

و عليه فالرواية تدلّ على قاعدة الإلزام؛ إذ قاعدة الإلزام عبارة عن أخذ الإمامي غير الإمامي بما يعتقده إذا كان ذلك بصالح الإمامي و كان على خلاف مذهبه.

نعم، تعميم قاعدة الإلزام من المورد إلى سائر الموارد محتاج إلى المقدمة الخارجية أو لضمّ بعض الروايات إلى بعض.

و قوله (عليه السلام): «و طلاقهم يحلّ لكم» فيه عناية إلى أنّ هذا الأمر بما أنّه في صالحكم فهو يحلّ لكم.

و أمّا إضافة الغير إلى ضمير «كم» في قوله (عليه السلام): «طلاقكم لا يحلّ لغيركم» لا وجه له إلا من باب المشاكلة(1)

والمشاكلة في الاصطلاح: ذكرُ الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تحقيقاً أو تقديراً. [بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح: 19]

كقول عمرو بن كلثوم:

ألا لا يَجهَلَنْ أحدٌ علينا *** فنجهلَ فوقَ جهل الجاهلينا

حيث سمّى تأديب الجاهل على جهله جهلاً من باب المشاكلة، مع أنّ التأديب والعقاب ليسا من الجهل.. والمراد من الجهل هنا السّفَهُ والغضب المنافي للحلم وما ينتج عنه من أعمال غير حميدة ..

وقول ابن الرّقعمق:

قالوا: اقْتَرِحْ شيئاً نجد لكَ طَبْخَهُ *** قلتُ: اطبخوالي جُبَّةٌ وقميصاً

حيث طلب طبخ جبّة وقميصٍ على سبيل المشاكلة، لطلبهم أن يطبخوا له شيئاً يأكله، ودلّ بهذا على أنّه بحاجة إلى ما يلبَسه..

ومن الأمثلة القرآنية التي جاءت على المشاكلة، قوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ) [البقرة: 194].. فإنّ مقابلة الاعتداء بمثله لا يُسمّى في الأصل اعتداءً، ولكن سوّغ هذا الإطلاق داعي المشاكلة، وليعطي اللفظ معنى المماثلة في تطبيق العقوبة دون زيادة، لأنّ معنى كلمة (اعتدى) في الأصل تجاوز حدود الحقّ، ومن العدل أن يُقابَل التجاوز بتجاوز مماثل له.

فإنّ طلاقنا لا يحلّ لنا ولا لغيرنا، و

1) المَشاكَلة في اللغة: المشابهة والمماثلة.

بما أنّ الإمام (عليه السلام) كان بصدد إعمال العناية في الجملة الثانية و أنّ طلاق المخالف يحلّ لكم قال في الجملة الأولى: «طلاقكم لا يحلّ لغيركم».

الاحتمال الثاني: أن يكون كل من الجملتين: «لأنّكم لا ترون الثلاث شيئاً و هم يوجبونها» تعليلاً لكلّ من الحكمين، أي أنّ طلاقكم الثلاث لا يحلّ لغيركم؛ لأنّكم لا ترون الثلاث شيئاً، وطلاقهم يحلّ لكم؛ لأنّهم يوجبونها.

و الحليّة في المورد من الممكن أن تكون على أساس قانون آخر غير قانون الإلزام، و هذا القانون هو قانون الاحترام المتبادل فيما إذا كان بناء المجتمع المتشكّل من الأديان والمذاهب المختلفة على التعايش السلمي، فإنّ ذلك يستدعي احترام كلّ من الأطراف قانون الآخر.

فمن الممكن أن يكون هذا الحكم من أجل تغاير الفِرَق و امتياز بعضها عن بعض الذي وصل إلى الكمال في زمان الإمام الرضا (عليه السلام)، بمعنى: أنّ

فقه العامة قد انفكّ بوضوح عن فقه الشيعة في ذلك الزمان، و هذا بخلاف زمان الصادقين (عليهما السلام)، فإنّ في زمانهما لم يستقر مذهب العامة في مذاهب فقهية معيّنة، و البحث كان في الفقه الإسلامي، إلا أنّ لكلّ من الفقهاء نظریته و كان بين العلماء مذاكرات و مباحثات، و بعد استقرار الدولة العباسية اهتموا بالعلوم، و لا سيما الفقه، فشكّلوا مذهباً أو مذاهب في قبال أهل البيت (عليهم السلام)، و انجرّ الأمر إلى التغاير في المذهب و امتياز كلّ مذهب عن الآخر، و لذا يمكن القول بأنّ الرواية ناظرة إلى احترام كلّ فرد مذهب غيره و التعايش السلمي.

و احترام قانون الآخرين يقتضي أن تكون المطلّقة ثلاثاً بائناً إذا كان المطلّق مخالفاً.

و لا نعني باحترام قانون الآخرين أنّه إذا اعتبروا شيئاً في إيجاد علقة أو رفع علقة فلابدّ عليه من إتيانه، بل إنّ كلاً من الأطراف حسبما يراه على وفق مذهبه، فإن أتى بما يوجب رفع العلقة الزوجية عنده ولا يكون موجباً لرفعها عند الآخر، فاحترام قانونه بأن يرى هذه الزوجة مطلّقة، و كذلك إذا كانوا يرون شيئاً موجباً لإيجاد العلقة الزوجية، فيجب على الآخرين احترام تلك العلقة الزوجية إذا كان بناؤهم على التعايش السلمي، و ذلك لأنّ عدم الاحترام ينافي التعايش السلمي المشترك الذي هو أساس الذمة و الهدنة و التعاون. و قد ورد

في الروايات بأنّ إتلاف خنزير أو خمر الذمي موجب للضمان(1)مع أنّ اتلاف خنزير المسلم لا يوجب الضمان.

فمن الممكن أن تكون الرواية مشيرة إلى هذا القانون، كما ورد في رواية في الفقيه.

ففي الفقيه سأل العلاء بن رزين أبا عبد الله (عليه السلام) عن جمهور الناس؟ فقال: «هم اليوم أهل هدنة تردّ ضالتهم، و تؤدّى أمانتهم، و تحقن دماؤهم و تجوز مناکحتهم و موارثتهم في هذا الحال»(2)و الرواية صريحة في لزوم احترام أموالهم و دمائهم و أنكحتهم إلى غير ذلك في زمان الهدنة، و لعلّ لازم ذلك أنّ كل ما لا يعدّ رافعاً لهذه الأمور، كما إذا لم يروا الخنزير ملكاً لهم لا يوجب إتلافه الضمان.

و قد عدَّ المحقق السبزواري في الكفاية هذه الرواية(3)من روايات قاعدة الإلزام، و من ذلك يظهر أنّ قاعدة الإلزام عنده غير ما عند المتأخرين.

و عليه فبما أنّكم لا ترون طلاق الثلاث شيئاً فهذا يوجب أن يكون طلاقكم غير حلال لهم، و هذا بخلاف طلاقهم، فإنّهم يرون الطلاق الثلاث موجباً للبينونة فيحل لكم.


1) عن أبي عبد الله (عليه السلام): أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) رفع إليه رجل قتل خنزيراً فضمّنه قيمته. [الكافي 7: 368]

2) من لا يحضره الفقيه 3: 472.

3) انظر كفاية الأحكام 2: 331.

الاحتمال الثالث(1): ما يستفاد من كلام العلامة البلاغي، و هو : أنّ التعليل المذكور تعليل للجملتين، و أنّ التعليل تعليل إقناعي، لا واقعي، ف- «طلاقكم لا يحلّ لهم؛ لأنكم لا ترونه شيئاً، وطلاقهم يحلّ لكم؛ لأنّهم يوجبونها» بحسب تديّنهم.

و أمّا كونه إقناعياً فهو من جهة ما ذكرنا في مبحث الاحتياط من أنّ ترتب الأحكام الشرعية يتوقّف على مجرد قصد التسبيب في المعاملات، فمن كان له قصد جدي بالنسبة إلى المعاملة كفى ذلك في ترتّب الأثر الشرعي و إن كان جازماً أو شاكّاً بعدم ترتب الأثر، و قد علّل (عليه السلام) ذلك بتعليل إقناعي و أنّ مجرد بنائهم على البينونة كاف في حصول الفرقة.

قال العلامة البلاغي: (و إلا فإنّ مجرد بنائهم على ذلك لا يقتضي تغيّر الحكم الواقعي، وربما كان الاقتصار على التعليل بالصغرى تقيّة من حزازة التعبير بالإلزام).

فالقانون المقتضي لذلك هو الإلزام.

الاحتمال الرابع: هو أنّ «طلاقكم الثلاث» و إن كان بألفاظ متعدّدة «لا يحلّ لغيركم»، وذلك لأنّ غايته أنّه لا يقع إلا واحدة على المشهور، فهو طلاق رجعي و للزوج حقّ الرجوع في العدّة، و مجرد الطلاق غير كاف للقول بأنّها تحلّ للغير، بل الحلّية متوقّفة على انقضاء العدّة و عدم رجوع الزوج.


1) الدرس السادس: الأربعاء 7 رمضان المبارك 1407.

و أمّا العامة فبما أنهم يرون طلاق الثلاث نافذاً و موجباً للبينونة ولا يحقّ لهم الرجوع في العدّة فلذا مجرد طلاقهم يوجب الحلّية للغير، وعليه تكون الرواية غير دالّة على قاعدة الإلزام، بل دالّة على الحكم الواقعي من حيث آخر.

و على أي نحو كان، بناءً على الاحتمال الثاني و الرابع لا تدلّ الرواية على قاعدة الإلزام، و بناءً على الاحتمال الأوّل و الثالث لا يمكن استفادة العموم و الشمول لقاعدة الإلزام، مضافاً إلى ضعف سندها.

الطائفة الخامسة:

وهي الروايات الواردة في الحلف بالطلاق:

منها: ما رواه الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمد بن عيسى عن إبراهيم بن محمد الهمداني قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) مع بعض أصحابنا، فأتاني الجواب بخطه: «فهمت ما ذكرت من أمر ابنتك و زوجها» إلى أن قال: «و من حنثه بطلاقها غير مرّة، فانظر فإن كان ممن يتولانا ويقول بقولنا فلا طلاق عليه؛ لأنّه لم يأت أمراً جهله، وإن كان ممن لا يتولانا و لا يقول بقولنا فاختلعها منه، فإنّه إنّما نوى الفراق بعينه»(1).


1) وسائل الشيعة 22: 72، الباب 30 ح 1.

و ليس لنا مناقشة فيها من جهة ابتداء الشيخ بأحمد بن محمد بن عيسى(1)

و أبو جعفر (رحمه الله) شيخ القميين، و وجههم، و فقيههم، غير مدافع، و كان أيضاً الرئيس الذي يلقى السلطان بها، و لقي الرضا (عليه السلام). و له كتب و لقي أبا جعفر الثاني (عليه السلام) و أبا الحسن العسكري (عليه السلام). [رجال النجاشي: 81]

، فقد وقع في موارد متعددة و بأسانيد مختلفة، و وجه تصحيح طريق الشيخ إليه مفصّل وموكول إلى محلّه.

و العمدة هو إبراهيم بن محمد الهمداني، الذي كان من الوكلاء، و قد وردت بعض الروايات في مدحه و وثاقته، إلا أنّ تلك الروايات ضعيفة، كما ذكر في المعجم(2).

و السيد الخوئي و غيره لم يتعرّضوا لما ذكره الشيخ في التهذيب في ذيل حديث: (لأنّ رواته كلّهم مطعون عليهم)(3)، و منهم إبراهيم بن محمد.

و أمّا دلالتها:

فقوله (عليه السلام): «و أمّا ما ذكرت من أمر ابنتك و زوجها» إلى أن قال: «و من حنثه بطلاقها غير مرّة» فيه احتمالان:

الاحتمال الأوّل: هو أن يكون الحنث بالطلاق في قبال اليمين بالطلاق الذي يصحّ اليمين به عندهم. و الحلف بالطلاق والعتاق و صدقة ما يملك من


1) أحمد بن محمد بن عيسى بن عبد الله بن سعد بن مالك بن الأحوص بن السائب بن مالك بن عامر الأشعري، من بني ذخران بن عوف بن الجماهر بن الأشعر يكنى أبا جعفر.

2) معجم رجال الحديث 1: 267 - 270.

3) تهذيب الأحكام 9: 204.

الأمور المتداولة بينهم، فيقولون: (الطلاق يلزمني لأفعلنّ كذا أو لا أفعلنّ كذا)، و الذي ببالي من بحث السيد البروجردي (قدس سره) أنّه كان يقول بأنّ هذا الحلف مما جعله الحجاج لتشديد البيّنة(1)

و في كشف اللثام عند توضيح قول العلامة في القواعد: (أيمان البيعة تلزمني) قال: و هي بفتح الباء إمّا البيعة الّتي كانت على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أو إشارة إلى أيمان رتّبها الحجّاج مشتملة على الطلاق و العتاق و الصدقة و مؤكّدات كثيرة للإحلاف بها، فلما طال عليهم ذلك اجتزأوا عنها بهذه اللفظة. [كشف اللثام 9: 8]

.

و أكثر العامة على صحّة الحلف بالطلاق و وقوع الطلاق في صورة الحنث.

و عليه فمن الممكن أن يكون مراد السائل هو أنّ زوج ابنته كان يصدر منه الحلف بالطلاق و يتحقّق منه الحنث غير مرّة، فعلى مذهب العامة الطلاق واقع بالحنث، فأجابه الإمام (عليه السلام) بأنّه إن كان من الشيعة فلا طلاق عليه؛ لأنّه لم يأت أمراً جهله، و قوله (عليه السلام) هذا بقرينة المقابلة مع قوله:


1) قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى 33: 36 ما لفظه: ( وإذا علق النذر على وجه اليمين فقال: إن سافرت معكم. إن زوجت فلانا. إن أضرب فلانا. إن لم أسافر من عندكم: فعلي الحج. أو: فمالي صدقة. أو: فعلي عتق. فهذا عند الصحابة وجمهور العلماء هو حالف بالنذر ليس بناذر: فإذا لم يف بما التزمه أجزأه كفارة يمين. وكذلك أفتى الصحابة فيمن قال: إن فعلت كذا فكل مملوك لي حر. أنه يمين يجزيه فيها كفارة اليمين وكذلك قال كثير من التابعين في هذا كله لما أحدث الحجاج بن يوسف تحليف الناس بأيمان البيعة، وهو التحليف بالطلاق، والعتاق، والتحليف باسم الله، وصدقة المال).

«فإنّه إنّما نوى الفراق بعينه» معناه: أنّ هذا بما أنّه لم يكن معتقده فأتى بهذا اللفظ، فلا طلاق، و هذا بخلاف ممن لا يتولاه، فإنّه إنّما نوى الطلاق.

فنرى أنّ الإمام (عليه السلام) فرّق بين حنث الشيعي و غير الشيعي، إلا أنّ الإمام علّل ذلك بتعليل إقناعي، و ذلك لأنّ الشيعي حتى لو نوى فإنّه لا يقع الحلف و الطلاق؛ لأنّ الحلف بالطلاق غير مشروع، و مجرد نيّة المخالف لا أثر لها، بل لابدّ من إمضاء الشارع.

فنعرف أنّ بين الشيعي و السنّي اختلافاً حكمياً في هذه المسألة، و هل الاختلاف من جهة قاعدة الإلزام أو من جهة قانون التعايش السلمي أو غيرهما؟ فلم يذكر في الرواية.

فاستفادة قاعدة الإلزام من الرواية مشكل، مضافاً إلى ضعف سندها.

الاحتمال الثاني: أن يكون المراد من «الحنث»: الإثم، و «بطلاقها غير مرّة»: الطلاق ثلاثاً في مجلس واحد من دون رجعة، لا الحلف بالطلاق.

و على أيّ نحو كان لا يمكن استفادة قاعدة الإلزام منها.

و منها: ما في الوسائل عن معاني الأخبار(1)و عيون الأخبار(2)، ونقلها الكشي من خط محمد بن الحسن بن بُندار القمي(3)، و هي ما رواه الصدوق عن أبيه عن الحسن بن أحمد المالكي عن عبد الله بن طاووس قال: قلت لأبي


1) معاني الأخبار: 263.

2) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1: 310.

3) رجال الكشي: 604 / 1123 ما روي في عبد الله بن طاوس.

الحسن الرضا (عليه السلام): إنّ لي ابن أخ زوَّجتُه ابنتي، و هو يشرب الشراب و يكثر ذكر الطلاق؟ فقال: «إن كان من إخوانك فلا شيء عليه، و إن كان من هؤلاء فأبنها منه، فإنّه عنى الفراق»- و في نسخة ينقلها المحدّث النوري عن الكشي في المستدرك: «فإنّها يمين الفراق»(1)- قال: قلت: جعلت فداك، أليس روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: إياكم والمطلّقات ثلاثاً في مجلس واحد فإنّهن ذوات أزواج؟ فقال: «ذلك ممن كان من إخوانكم لا ممن كان من هؤلاء؛ إنّه من دان بدين قوم لزمته أحكامهم»(2).

و هذه الرواية ضعيفة سنداً، ولا يمكن تصحيحها؛ لأن حسن بن أحمد المالكي بهذا العنوان لم يوثّق، و اتحاده مع ثقة غير ثابت، و هكذا عبد الله بن طاووس، فإنّه أيضاً لم يوثّق.

و أمّا دلالتها:

فلو كنّا نحن وظاهر قول السائل: (و يكثر ذكر الطلاق) لحملناه على أنّه يهدّدها بالطلاق و يقول لها : (الأُطلّقكِ)، فإنّ ذكر الطلاق غير إنشاء الطلاق، إلا أنّ من الواضح أنّه لا يترتّب أثر على ذكر الطلاق بهذا المعنى، و لا يمكن أن يرتّب الإمام (عليه السلام) الأثر على ذكر الطلاق.

و يمكن حمله على الحلف و اليمين بالطلاق بقرينة ما في الكشي: «فإنّها يمين الفراق»، كما يمكن حمله على الطلاق مكرّراً.


1) خاتمة المستدرك 8: 163.

2) وسائل الشيعة 22: 75.

و على أيّ حال، أجاب الإمام (عليه السلام) بالفرق بين الشيعي و المخالف. فلو كان شيعياً فلا شيء عليه، و إن كان من هؤلاء فأبنها منه، فإنّه عنى الفراق.

و التعليل في هذه الرواية أيضاً إقناعي، فإنّ الفارق لا يمكن أن يكون عنى الفراق أو لم يعنِ الفراق.

ثم بيّن الإمام الكبرى الكليّة: «إنّه من دان بدين قوم لزمته أحكامهم»، و هذه الكبرى غير متّحدة مع قاعدة الإلزام؛ إذ معنى هذه الجملة أنّ من تدّين بدين جماعة و قوم يُلزم بأحكامهم وتكون أحكامهم نافذة في حقّه، و عليه فالطلاق الصادر منه يكون محكوماً بأحكام قومه، و لابدّ له من الإلتزام بتلك الأحكام في وجود الروابط أو سلبها، و هذا غير الإلزام المقصود الذي يكون في صالح الإمامي، فلا يستفاد منها قاعدة الإلزام.

إلا أن يقال: إنّ قوله: «من دان بدین قوم لزمته أحكامهم» كناية عن إلزامهم بأحكامهم، ولم يذكر جهة الإلزام، وإنّما ذكرت النتيجة، و لكن هذا خلاف الظاهر.

و ذيل الرواية المشتمل على الكبرى قد ذكره الصدوق في الفقيه مرسلاً، و نقله الشيخ في التهذيب والاستبصار ، ففي الفقيه قال (عليه السلام): «من كان يدين بدين قوم لزمته أحكامهم»(1)، و في الاستبصار في ميراث المجوسي:


1) من لا يحضره الفقيه 407:3.

و قد روي أيضاً أنه قال: «إنّ كلّ قوم دانوا بدين يلزمهم حكمه»(1)، و في التهذيب أيضاً هكذا(2).

و الكلام في أنّ هذه الرواية المشتملة على الكبرى من دون سبق سؤال هل يمكن الاعتماد عليها أو لا؟

ربما يقال: إنّ الكبرى قابلة للاعتماد، و ذلك من جهة أنّ الصدوق نقلها بعنوان (قال)، و قد ذكر العلامة البلاغي بأنّه من البعيد أن تكون هذه الرواية ذيل الرواية المنقولة عن الرضا (عليه السلام)؛ إذ ليس في الروايات السابقة عليها رواية من الإمام الرضا (عليه السلام)، و يبعد من الشيخ و الصدوق أن يريدا النقل عن الرضا (عليه السلام)، فالأقرب أنها رواية أرسلها عن الصادق (عليه السلام)(3).

فيما أنّ الصدوق عبّر ب- (قال) على نحو الجزم فيعتمد عليه، و هذا ما قال به بعض الأكابر من السابقين و اللاحقين، أي أنّهم فصلوا بين ما عبّر ب- (قال) و بين ما عبّر ب- (روي) و أشباهه(4).


1) الاستبصار 4: 189.

2) تهذيب الأحكام 9: 365، ح 1301 و فيه: «كلّ قوم دانوا بشيء يلزمهم حكمه».

3) لم أعثر على كلام العلامة البلاغي في رسالته المعمولة في هذه القاعدة.

4) وقع البحث والكلام في مراسيل الصدوق فذهب جمع من الأعلام -كالفاضل التفريشي [نقله في خاتمة المستدرك 5: 500] والمحقق الداماد [الرواشح السماوية: 174] والمحقق النائيني [كتاب الصلاة (تقريرات المحقق الآملي) 2: 262] والسيد الخوئي في بعض دوراته الأصولية [دراسات في علم الأصول 3: 322] والسيد الخميني [كتاب البيع 2: 468] - إلى التفصيل في مراسيله بين ما كان بصيغة جازمة كقوله: قال الصادق (عليه السلام) فبنوا على اعتبارها وما كان بصيغة غير جازمة كقوله: روي عن الصادق (عليه السلام) ونحوه فبنوا فيها على عدم الاعتبار.

وقد تكرّر منّا بأنّ الصدوق لم يكن ملتزماً بذلك، فإنّه قد يروي رواية بعنوان (قال) و يرويها مرّة أخرى بعنوان (روي)(1).

فهذه المرسلة ليست بحجّة.

الطائفة السادسة:

الطائفة السادسة(2):

وهي الروايات التي ورد فيها الأخذ بالتعصيب، و عمدتها:

الرواية الأولى: رواية عبد الله بن محرز. ففي الوسائل عن الكافي عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عمر بن أُُذينة عن عبد الله بن محرز، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجلٌ ترك ابنته و أُُخته لأبيه و أُمّه؟ فقال (علیه السلام): «المال كلّه للابنة، و ليس للأخت من الأب و الأُمّ شيء». فقلت: فإنّا قد احتجنا إلى هذا، و الميّت رجلٌ من هؤلاء الناس، و أُخته مؤمنة عارفة ؟ قال (عليه السلام): «فخذ النصف لها، خذوا منهم كما يأخذون منكم في سُنّتهم و قضاياهم».


1) مثلاً: إنّه نقل هذه الرواية: «أنّ من تكلم على الخلاء لم تقض حاجته» بلفظ (روي) مرسلاً في من لا يحضره الفقيه 1: 31 في حين نقلها في علل الشرايع 1: 283 بلفظ (قال) مسنداً.

2) الدرس السابع: الخميس 8 رمضان المبارك 1407.

قال ابن أُذينة: فذكرت ذلك لزرارة، فقال: إنّ على ما جاء به ابن محرز لنوراً(1).

وزاد في التهذيبين: «خذهم بحقّك في أحكامهم و سنتهم كما يأخذون منكم فيه»(2)و هذا من كلام زرارة.

و استظهر العلامة البلاغي من الرواية بأنّ البنت كانت من العامة؛ إذ الأخذ في الحقيقة من البنت، ولابدّ من التقييد بأنّ البنت لابدّ و أن تكون مكلّفة و متديّنة بمذهب هؤلاء(3).

و ما ذكره أوّلاً صحيح؛ إذ يعرف من الرواية بأنّ الأخت هي العارفة.

و أمّا ما ذكره من أنّه يشترط في الأخذ أن تكون البنت كبيرة و متديّنة بدينهم فهذا غير صحيح؛ إذ البنت تابعة للأب، فكما أنّها تتبع الأب في الكفر و الإسلام(4)، كذلك تتبعه في الموافقة و المخالفة، و هذا من الواضحات.

مضافاً إلى أنّ معتبرة محمد بن مسلم المتقدّمة - سألته عن الأحكام؟ قال: «تجوز على أهل كلّ ذي دين ما يستحلّون» -أحد الاحتمالات فيها - طبعاً مع


1) الكافي 7: 100، وسائل الشيعة 26: 158.

2) تهذيب الأحكام 9: 322، الاستبصار 4: 147.

3) موسوعة العلامة البلاغي (الرسائل الفقهية) 7: 255 - 266.

4) قال صاحب الجواهر (رحمه الله): و حكم الطفل ذكر أو أنثى تابع لأبويه في الإسلام و الكفر و ما يتبعهما من الأحكام كالطهارة و النجاسة و غيرهما بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا إلى إمكان القطع به من السنة. [ جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام 21: 134 - 135]

التحفظ على كلمتي (أهل) و (ذي) - هو من كان أهل ذي دين، بمعنى: أنّه من كان محكوماً بذلك الدين بالتبع، لا بالأصالة، فما يستحلّونه في الدين يجري على أهله، و قد استعمل في اللغة بمعنى الأتباع المستضعفين من الولدان.

فلا يشترط في الأخذ أن تكون عاقلة بالغة ومتديّنة بدينهم؛ إذ الإلزام أو غير الإلزام يدور مدار أن تعدّ منهم، و لا يدور مدار اعتقادها الفعلي. نعم، يعتبر أن لا تكون ذات اعتقاد مضاد.

و في هذه الرواية جهات من البحث:

الجهة الأولى: في سندها، فإنّ عبد الله بن محرز لم يوثّق، و له روايات معدودة، و لعلها خمس، و قد عدّ هذه الرواية العلامة المجلسي في مرآة العقول مجهولة(1).

و يمكن الجواب: أنّه و إن كان عبد الله بن محرز غير موثق، إلا أنّ خصوص هذه الرواية التي رواها عمر بن أذينة عنه ثم عرضها على زرارة و قال زرارة: (إنّ على ما جاء به ابن محرز لنوراً) يحكم بثبوتها، وذلك لأنّ مسلكنا حجية خبر الموثوق به، و عرض ابن أذينة، وتصديق زرارة، إمّا في قوّة رواية زرارة أو أنّ إقرار زرارة بصحتها هو القدر المتيقّن من حكم الأصحاب بتصحيح ما يصحّ عن أصحاب الإجماع الذين منهم زرارة.

توضيح ذلك: أنّ عمر بن أذينة يقول في موارد متعدّدة من الكافي بأنّي قلت لزرارة بأنّي سمعت أشياء كثيرة في المواريث عن أبي جعفر (عليه السلام) و عن


1) مرآة العقول 23: 134.

أبي عبد الله (عليه السلام) فأنقلها لك، ما كان منها صحيحاً، قل: صحيح، و ما كان باطلاً فقل: باطل و لا تروه. و هذه الرواية من الروايات التي عرضت على زرارة، ففي الكافي قال: قلت لزرارة: إنّ أُُناساً حدثوني عنه - يعني أبا عبدالله (عليه السلام) و عن أبيه ( عليه السلام) - بأشياء في الفرائض، فأعرضها عليك، فما كان منها باطلاً فقل: هذا باطل، و ما كان منها حقّاً فقل: هذا حق و لا تروه و اسكت، فحدّثته بما حدّثني محمد بن مسلم، إلى آخر كلامه، فقال زرارة: (هو و الله الحقّ)(1)، و في بعضها: فقال: (هذا و الله هو الباطل، و لكنّي سأخبرك و لا أروي لك شيئاً، و الذي أقول لك هو و الله الحق)(2).

فمع ملاحظة الخصوصيات يحكم بثبوت مثل هذه الرواية، و هذا في الحقيقة في حكم رواية زرارة.

الجهة الثانية: في مفادها و أنّه هل مفادها إلزام الإمامي غير الإمامي على وفق مذهبه فيما إذا كان بصالح الإمامي حتى تفيد قاعدة الإلزام، أو أنّ مفادها عبارة عن المقاصّة النوعيّة؟ فإنّه لما كانت السلطة القضائية في تلك الأزمنة بيد المخالفين، فقوانينهم في المواريث و غيرها كانت تنفّذ على الجميع، فكانوا يأخذون من الإمامي بعنوان التعصيب، و على ضوء قانون المقاصّة النوعيّة أجاز الإمام (عليه السلام) بالأخذ منهم كما يأخذون منكم في سنّتهم و قضاياهم و


1) الكافي 7: 95.

2) الكافي 7: 92.

أحكامهم، فعلّة الأخذ منهم أخذهم منكم، و الشاهد على ذلك هو الكاف في «كما يأخذون منكم»، فإنّ (الكاف) قد يأتي للتعليل(1).

و الظاهر أنّ مفاد الرواية هو ما ذكرنا من المقاصة النوعية، لا أن يكون مفادها إلزام الإمامي غير الإمامي فيما إذا كان الأمر في صالح الإمامي، و أنّه يُحكم - فيما إذا كان في صالح الإمامي - بالأخذ بالتعصيب، و أمّا إذا لم يكن في صالح الإمامي ولم يكن الإمامي دخيلاً فيه فهو حرام لنا أخذه بهذا العنوان، فإنّ هذه العلّة أمر مستغرب و مستبعد.

و على ما ذكرنا من المقاصّة النوعيّة لا يستفاد جواز الأخذ إذا لم يكونوا يأخذون منّا، بل الجواز منحصر بما إذا أخذوا منّا، فيجوز لنا أن نأخذ منهم.

فظهر أنّ استفادة قاعدة الإلزام من الرواية غير ممكن، و ما يستفاد منها هو قاعدة المقاصّة النوعيّة و الفقهاء لم يتعرّضوا لهذا القانون، بل اكتفوا بذكر قانون المقاصّة الشخصيّة، وسيأتي البحث عنها في التنبيهات إن شاء الله.

الجهة الثالثة: فيما يظهر من عنوان الباب الذي عنونه صاحب الوسائل من أنّ جواز الأخذ بالتعصيب من باب المداراة و التقيّة، أي أنّ الحاكم المخالف إذا حكم بالتعصيب، يجوز الأخذ به من باب المداراة و التقيّة، سواء أكان المأخوذ


1) كما في المغني [1: 176 ]: "أثبت ذلك - أي التعليل - قوم، ونفاه الأكثرون، و قيّد بعضهم جوازه بأن تكون الكاف مكفوفة بما، كحكاية سيبويه: كما أنّه لا يعلم فتجاوز الله عنه"، و أظهر من ذلك قوله تعالى: وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ [سورة البقرة: 198]. (الاستاذ دام ظله)

منه إمامياً أم غير إمامي، و بما أنّ الأخذ من باب المداراة و التقيّة - سواء أكان من الإمامي أم غير الإمامي - لا يوجب الملكية، فيجب على الآخذ ردّ ذلك المال بوسيلة من الوسائل بحيث لا يكون منافياً للمداراة و التقيّة إلى أهله، و لو بجعله في صرّة وإلقاءه في بيته.

ذكر في الوسائل في باب المواريث: (باب أنّه يجوز للمؤمن أن يأخذ بالعول و التعصيب و نحوها للتقيّة إذا حكم به العامة)(1)، و لعلّ مستنده في ذلك الروايتان الآتيتان.

الرواية الثانية: ما في الوسائل نقلاً عن التهذيب بإسناد الشيخ عن علي بن الحسن بن فضّال عن أيوب بن نوح قال كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) -يعني الهادي - أسأله: هل نأخذ في أحكام المخالفين ما يأخذون منّا في أحكامهم- أم لا؟ على ما في بعض النسخ - فكتب (عليه السلام): «يجوز لكم ذلك إذا كان مذهبكم فيه التقيّة و المداراة»(2).

الرواية الثالثة: هي الرواية السابقة بسند آخر في التهذيب: أحمد بن محمد بن عيسى عن علي بن مهزيار عن علي بن محمد (عليهما السلام)، قال سألته: هل نأخذ في أحكام المخالفين ما يأخذون منّا في أحكامهم؟ فكتب (عليه السلام): «يجوز لكم ذلك، إن شاء الله إذا كان مذهبكم فيه التقيّة منهم و المداراة لهم»(3).


1) وسائل الشيعة 26: 157.

2) وسائل الشيعة 26: 158، التهذيب 9: 322.

3) تهذيب الأحكام 6: 224.

فهذه الرواية مما رواها أيوب بن نوح و علي بن مهزیار، و كلاهما من الوكلاء، فالرواية بالسندين صحيحة و تؤيد التقية المذكورة.

و قد روى الصدوق في الفقيه عن عطاء بن السائب عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: «إذا كنتم في أئمة الجور فامضوا في أحكامهم و لا تشهروا أنفسكم فتقتلوا، وإن تعاملتم بأحكامنا كان خيراً لكم»(1).

و للصدوق سند إلى عطاء بن السائب(2)، و إن ناقش بعض فيه من جهة اشتماله على الحسين بن أحمد بن إدريس(3)و الشيخ و إن رواها في التهذيب بسند آخر، إلا أنّه مخدوش من بعض الجهات(4)أيضاً.


1) من لا يحضره الفقيه 3: 3، تهذيب الأحكام 6: 224.

2) قال الصدوق في بيان طريقه إلى عطاء بن السائب: و ما كان فيه عن عطاء بن السّائب فقد رويته عن الحسين بن أحمد بن إدريس (رضي الله عنه) عن أبيه، عن محمّد بن أبي الصهبان، عن أبي أحمد محمّد بن زياد الأزديّ عن أبان الأحمر، عن عطاء بن السائب. [ من لا يحضره الفقيه 4: 513] و الطريق ضعيف بالحسين بن أحمد، على أن عطاء بنفسه لم يوثق. [معجم رجال الحدیث 12: 159]

3) هو من مشايخ الصدوق ترضّى عليه في موارد كثيرة، إلا أن السيد الخوئي صرّح في مواطن عديدة من معجمه بضعف طريق الصدوق إلى فلان من جهة الحسين بن أحمد بن إدريس وذلك لعدم ورود توثيق بشأنه.

4) فإنّ في التهذيب عن سعد بن عبد الله عن محمد بن الحسين عن محمد بن اسماعيل بن بزيع عن صالح بن عقبة عن عمرو بن أبي المقدام عن عطاء بن السائب، وصالح بن عقبة - سواء أريد به صالح بن عقبة بن قيس بن سمعان كما هو الظاهر بقرينة رواية ابن بزيع عنه، أم ارید به صالح بن عقبة بن خالد الأسدي- لم يوثّق، وضعّف ابن الغضائري الأوّل بقوله: «غال كذّاب، لا يلتفت إليه»، و إن كان لا يلتفت إلى تضعيفه.

مضافاً إلى أنّ عطاء بن السائب محلّ تأمّل(1)، و هو مذكور في رجال العامة(2)

و قال في مقدمة فتح الباري في سياق من طعن فيه من رجال البخاري: عطاء بن السائب بن مالك الثقفي الكوفي وقيل اسم جده يزيد من مشاهير الرواة الثقات إلا أنه اختلط فضعفوه بسبب ذلك وتحصل لي من مجموع كلام الأئمة أن رواية شعبة وسفيان الثوري وزهير بن معاوية وزائدة وأيوب وحماد بن زيد عنه قبل الاختلاط وأن جميع من روى عنه غير هؤلاء فحديثه ضعيف؛ لأنه بعد اختلاطه إلا حماد بن سلمة فاختلف قولهم فيه له في البخاري حديث عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في ذكر الحوض مقرون بأبي بشر جعفر بن أبي وحشية أحد الأثبات وهو في تفسير سورة الكوثر. [مقدمة فتح الباري: 424]

و قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: الحميدي عن سفيان قال: كنت سمعت من عطاء بن السائب قديماً. ثم قدم علينا قدمة، فسمعته يحدث ببعض ما كنت سمعته، فخلط فيه، فاتقيته و اعتزلته. [ سير أعلام النبلاء 6: 113]

إلا أن السيد الخوئي بعد نقل الرواية المذكورة أعلاه في المعجم قال: هذه الرواية تدل على أن بن السائب كان شيعياً، ويظهر مما ذكره غير واحد من علماء العامة من أنه ثقة في حديثه القديم و لكنه اختلط و تغير: أنه كان من العامة سابقاً ثم استبصر. [معجم رجال الحديث 12: 159]

، و قد روى عنه أصحاب الصحاح.

1) حيث لم يرد توثيق بشأنه. [ معجم رجال الحدیث 12: 159]

2) قال ابن حجر في تقريب التهذيب: عطاء بن السائب أبو محمد ويقال أبو السائب الثقفي الكوفي صدوق اختلط من الخامسة مات سنة ست وثلاثين [تقريب التهذيب 1: 675]

و تقریب کلام صاحب الوسائل هو: أنّ رواية عبد الله بن محرز قد ورد فيها جواز الأخذ في سنتهم وقضاياهم و أحكامهم، ولم يصرّح فيها بأنّ المأخوذ منه- و هو البنت في تلك الرواية - مخالف، إلا أنّ في هذه الرواية اشترط جواز الأخذ بما إذا كان مذهبكم فيه التقيّة و المداراة، ففي نسخة الاستبصار: «إن كان مذهبكم فيه التقيّة و المداراة»(1)، و في سائر المصادر: «إذا كان مذهبكم فيه التقيّة و المداراة»، فجواز الأخذ إنّما هو بعنوان التقيّة والمداراة، فلو كانت رواية عبد الله بن محرز مطلقة، فهذه الرواية ناظرة إليها وحاكمة عليها.

و الظاهر أنّ الرواية ليست بصدد بيان جواز الأخذ بعنوان التقيّة و المداراة، بل بصدد بيان أنّه في الزمان الذي أنتم تحت سيطرتهم و بناؤكم على التقيّة والمداراة فلكم حق المقاصّة النوعيّة، و هذا بخلاف ما إذا كنتم مسيطرين عليهم، فلا يجوز الأخذ، فليس الأمر كما فهمه صاحب الوسائل من أنّ الأخذ لابدّ و أن يكون بعنوان التقيّة والمداراة، بل إنّ الحكم بالمقاصّة النوعيّة يختصّ بما إذا كانت حالتكم معهم تقتضي التقيّة والمداراة، لقوله (عليه السلام): «يجوز ذلك إذا كان مذهبكم فيه التقيّة منهم و المداراة لهم» و معنى ذلك: أنّه إذا كنتم تحت سيطرتهم فيجوز، وإلا فلا يجوز.

فما ذكره صاحب الوسائل بلا ،وجه كما أنّ التمسك بهذه الرواية الشريفة لقاعدة الإلزام بلا وجه أيضاً. و المستفاد منها إنّما هو المقاصّة النوعيّة في الأموال.


1) الاستبصار 4: 147.

و قد(1)ذكر المحقّق الفيض في الوافي بعد نقل صحيحة علي بن مهزيار: (لعلّ المراد: هل يجوز لنا أن نأخذ حقوقنا منهم بحكم قضاتهم، كما أنّهم يأخذون حقوقهم منّا بحكم قضاتهم، يعني: إذا اضطر إليه، كما إذا قدّمه الخصم إليهم)(2).

فإنّه - كما ترى - احتمل أن تكون الرواية مرتبطة بالرجوع إلى حكام الجور و أنّه هل يجوز أخذ حقوقنا بسبب المراجعة إليهم عند الاضطرار؟ فأجاب الإمام (عليه السلام) بجواز ذلك في حال التقيّة و المداراة.

و على هذا الاحتمال فالرواية أيضاً غير مرتبطة بالمقاصّة النوعيّة و لا بقاعدة الإلزام، إلا أنّ هذا خلاف ظاهر الرواية؛ إذ ظاهرها الأخذ بأحكام المخالفين، حيث سئل الإمام (عليه السلام): هل نأخذ في أحكام المخالفين ما يأخذون منّا في أحكامهم؟ أي أنّ ما يأخذون منّا بلحاظ أحكامهم هل يجوز لنا أخذه بلحاظ أحكامهم؟ و إلا يلزم لغوية الجملة الثانية، و هي: ما يأخذون منّا في أحكامهم.

فكما قلنا: الصحيحتان - أي صحيحة أيوب بن نوح و صحيحة علي بن مهزيار- تدلان على المقاصّة النوعيّة، ومعهما لا نحتاج إلى رواية عبد الله بن محرز حتى يقال: إنّها ضعيفة السند أو يقال: إنّ قول زرارة: (إنّ على ما جاء به ابن محرز لنوراً) اجتهاد و حدس.


1) الدرس الثامن: السبت 10 رمضان المبارك 1407.

2) الوافي 16: 904-905.

الرواية الرابعة: ما في الوسائل نقلاً عن التهذيب بإسناده عن أحمد بن محمد عن محمد بن اسماعيل بن بزيع قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن ميّت ترك أُمه و إخوة و أخوات فتقسّمَ هؤلاء ميراثه، فأعطوا الأُُم السدس و أعطوا الإخوة والأخوات ما بقي، فمات الأخوات- و لعلّ الصحيح : فمات بعض الأخوات - فأصابني من ميراثه فأحببت أن اسألك هل يجوز لي آخذ ما أصابني من ميراثها على هذه القسمة أم لا؟ فقال: «بلی»، فقلت: إنّ أُُم الميّت فيما بلغني قد دخلت في هذا الأمر أعني الدين فسكت قليلاً ثم قال: «خذه»(1).

و من الواضح أنّه على مذهب الشيعة لا ترث الإخوة والأخوات مع وجود الأم، أي أنّ ما تركه الميّت ينتقل إلى الأم، إلا أنّهم - كما يظهر من الرواية - كانوا من المخالفين، فقسّموا المال على وفق مذهبهم، ثم بعد ذلك ماتت إحدى الأخوات، و كان وارثها محمد بن اسماعيل بن بزيع، فسأل الإمام (عليه السلام) عن جواز الأخذ من الإرث الذي ورثته من أخيها، فأجاب الإمام (عليه السلام) بالجواز.

و هذا من قبيل الافتاء، ولم يذكر في الرواية أنّ هذه الفتوى من باب تطبيق أي كبرى، فلذا يحتمل في الكبرى وجوه:

الوجه الأوّل: أن تكون الكبرى: قاعدة الإلزام، بتقريب: أنّ أمّ المتوفية بما أنّها من المخالفين و ترى صحّة هذا القسيم و أنّه للإخوة والأخوات حق في


1) وسائل الشيعة 26: 159، تهذيب الأحكام 9: 323.

ذلك المال، لذا فإنّ محمد بن اسماعيل يُلزمها بما التزمت به، فيأخذ ما تركته بعض الأخوات.

و لكن هذا الاحتمال لا شاهد له إن لم يكن مستبعداً، مضافاً إلى أنّ استفادة الكبرى الكليّة منها محلّ تأمّل.

الوجه الثاني: أن تكون الكبرى: المقاصّة النوعيّة ، كما يستفاد من رواية عبد الله بن محرز و صحيحتي أيوب بن نوح و علي بن مهزيار.

و توضيحه: أنّ المال المأخوذ من الأم في مرحلة انتقال هذا المال إلى الوريث الآخر وهو محمد بن اسماعيل لا مانع من أخذه، فإنّ العامة كما يجرون مراحل النقل و الانتقال بالنسبة إلى الأموال المأخوذة منكم من باب التعصيب، فلكم إجراء تلك المراحل في أموالهم.

الوجه الثالث: أن تكون الكبرى: قانون الإقرار لا المقاصّة النوعيّة، ولا قاعدة الإلزام.

و قانون الإقرار هو عبارة عن احترام الروابط التي تحصل بين الأفراد و الأموال و بين الفرد و الفرد لذوي الأديان والمذاهب، بمعنى: اعتبار المال ملكاً لهم و الزوجة زوجة له.

و في المقام بعد التقسيم الأوّل صارت الأخت مالكة لمقدار من المال بحسب الضوابط التي يملكون على وفقها أهل السنة، إلا أنّا لا نقول بصحة تلك الضوابط، و لكن احترام العلقة الموجودة بين الشخص و المال يقتضي اعتباره مالكاً لهذا المال، و لا يصحّ تطبيق الضوابط التي عندنا.

مثال أوضح: إذا كان المورّث كافراً و الوارث مسلماً، فإذا كانت أموال الكافر حاصلة من ثمن الخمر و الخنزير و مما لا يوجب التملّك للمسلمين و ثمنها سحت، فهنا لا يقال بعدم إرث المسلم من الكافر لأنّ أمواله حاصلة من ثمن الخمر و الخنزير، فما دام ثمن الخمر و الخنزير بحسب الضوابط يمكن أن يكون ملكاً لهم فيمكن أن يرثها المسلم فتنتقل إليه.

فاحترام رابطة الأخت مع المال هو باعتبار أنّ المال مال لها و يصحّ انتقاله منها إلى غيرها بالإرث و شبهه من أسباب الانتقال.

فظهر إلى هنا أنّ المحتملات في صدر الرواية ثلاثة، ولا ينحصر الأمر بقاعدة الإلزام حتى يمكن الاستدلال بهذه الرواية على قاعدة الإلزام.

ثم سأل محمد بن اسماعيل بن بزيع: أنّ أم الميت فيما بلغني قد دخلت في هذا الأمر، أعني: الدين، فسكت قليلاً، ثم قال: «خذه».

و الظاهر كما ذكر العلامة البلاغي أنّ دخول الأم في هذا الأمر - أي التشيّع - كان بعد موت إبنها و بعد التقسيم للمال(1)، و لعلّ الرواية ظاهرة من أنّ تشيّعها قبل موت الأخت التي ورثها محمد بن اسماعيل بن بزيع، فيسأل الإمام (عليه السلام) بأنّ دخولها في مذهب التشيّع هل يكون مانعاً من إرثي عن بعض الأخوات، فإنّ المال حسب اعتقادنا للأم و لا ترث الأخت مع وجودها، و المفروض أنّ الأم قد تشيّعت بعد تقسيم المال، فأجاب الإمام (عليه السلام) بعد سكوته قليلاً بجواز الأخذ.


1) موسوعة العلامة البلاغي (الرسائل الفقهية) 7: 260.

و هذا الذي حكم به الإمام (عليه السلام) يمكن أن يكون مبنيّاً على أحد أمرين:

الأول: أنّه قال: (بلغني قد دخلت في هذا الأمر)، و البلوغ أعمّ من الثبوت الشرعي و غيره، كما ورد (من بلغه ثواب على عمل فعمله رجاء ذلك الثواب)(1)، و خبر دخولها في هذا الأمر إذا لم يكن بحجة فاستصحاب عدم دخولها يوجب كون الخبر كأن لم يكن، و لعلّ وجه جواب الإمام (عليه السلام) هو من هذا الباب، أي عدم ثبوت تشيّعها.

الثاني: أنّ القسمة بما أنّه قد وقعت و تحقّقت، و كانت الأم في ذلك الوقت مخالفة، فالقسمة في تلك الحالة تكون نافذة حتى لو استبصرت فيما بعد، كما لو أسلم الذمي، فإنّ ما كان من معاملاته بالخمر و الخنزير محكوم بالصحّة بعد إسلامه.

و ما ذكره العلامة البلاغي من أنّ محمد بن اسماعيل بن بزيع - على ما يظهر من هذه الرواية - كان مسبوقاً بقاعدة الإلزام، وذلك من جهة قوله: (إنّ أمّ الميت فيما بلغني قد دخلت في هذا الأمر) غير واضح؛ وذلك لأنّ الرواية لا ترتبط بقاعدة الإلزام على الاحتمالين الأخيرين، مضافاً إلى أنّه من الممكن أن يكون محمد بن اسماعيل بن بزيع قد استفاد ذلك من الجواب الأوّل، فإنّه بعد ما سأل الإمام (عليه السلام) عن وقوع التقسيم و أنّه يرث بعض الأخوات، فبعد


1) هذه العبارة مفاد نصوص التسامح، انظر وسائل الشيعة 1: 80، أبواب مقدمة العبادات، باب 18.

ما حكم (عليه السلام) بالجواز فهم أنّ في البين قانوناً يمكن به الأخذ من الطرف المقابل في قبال الضوابط الأوّلية التي تمنع الأخذ في مثل هذه الصورة، و لكن ما هو هذا القانون؟ فإن الرواية لم تشر إليه، و المفروض أننا لا نعلم بأن قبل السؤال الأوّل كان عالماً بقاعدة الإلزام أو غيرها أم لا. نعم، بعد السؤال الأوّل و جواب الإمام (علیه السلام) عرف بوجود قانون في قبال القوانين الأوّلية.

و النتيجة إلى هنا لم نتمكن من استفادة قاعدة الإلزام على نحو الجزم بحيث تكون حجّة على نحو الكبرى الكليّة أو تكون مورداً لها.

إلا أنه يستفاد من الطائفة السادسة قانون آخر، و هو قانون المقاصّة النوعيّة في الأموال.

الطائفة السابعة:

وهي الروايات التي تطرّقت لشؤون غير المسلمين من باقي الأديان. و هي و إن لم يذكرها القوم هنا لكنا نذكرها لنرى أنّه هل يمكن استفادة قاعدة الإلزام منها و هل قاعدة الإلزام أو غيرها من القواعد التي أردنا تطبيقها تختص بتعاملنا مع العامة أو أنّها تعمّ سائر الأديان؟

ذهب صاحب الجواهر و جماعة إلى تعميم قانون الإلزام حتى بالنسبة إلى الكفار. والمراد من الكافر هو الكافر الذمي الذي تكون أمواله محترمة، لا مطلق الكافر الذي لا احترام لأمواله.

فقد اعترض صاحب الجواهر على ما ذكره المحقق الحلي في بحث المهور من كتاب النكاح حيث قال: (و لو عقد الذميان على خمر أو خنزير صحّ؛ لأنّه

يملكانه)(1)، بقوله: (صحّ العقد و المهر حكماً إذا كان كذلك في دينهم، بمعنى إقرارهم على ما في أيديهم و عدم التعرّض له، وإلزامهم بما ألزموا به أنفسهم)(2).

ثم ذكر: (لكن ينبغي أن يعلم هنا أنّ ما يظهر من المصنّف و غيره من ملكيّة الكافر للخمر و الخنزير و نحوهما منافٍ لقاعدة تكليف الكافر بالفروع، و لما دلّ على عدم قابليتهما للملك شرعاً(3)من غير فرق بين المسلم و الكافر، و عدم التعرّض لما في أيديهم من أديانهم لا يقتضي ملكيتهم ذلك في ديننا، بمعنى أنّ المسلم فيه لا يملك، بخلاف الكافر، فإنّه يملك ذلك، ضرورة منافاته لما عرفت، و لنسخ دينهم، فهو حرام عليهم، و الثمن الذي يأخذونه في مقابله حرام عليهم، و تصرّفهم فيه حرام أيضاً و إن جاز لنا تناوله منهم، و معاملته معاملة المملوك، و إجراء حكم الصحيح عليه إلزاماً لهم بما ألزموا به أنفسهم، فتأمّل جيداً، فإنّه دقيق نافع)(4).

فنرى أنّ صاحب الجواهر يدخل المسألة في قاعدة الإلزام، و معنى ذلك: أنّ قاعدة الإلزام تعمّ الكفار أيضاً، وعليه لابدّ من ملاحظة الروايات الواردة في المقام. و هذه الروايات على قسمين:


1) شرائع الإسلام 2: 268.

2) جواهر الکلام 31: 9.

3) وسائل الشيعة 17: 81 ، أبواب ما يكتسب به.

4) جواهر الکلام 31: 9-10.

القسم الأوّل: الروايات التي تدلّ على صحة الأسباب التي يتوسّلون بها إلى حصول الملكيّة وما يلحق بها من الروابط بين الشخص و المال، ولكن هذه الأسباب غير مشروعة للمسلمين، فهل يحكم بالصحة الواقعيّة كما يظهر من عبارة المحقق في الشرائع: (و لو عقد الذميان على خمر أو خنزير صحّ؛ لأنّه يملكانه)(1)، أو يحكم بالصحة من حيث إنّه يصح للمسلم أن يتعامل مع الروابط الحاصلة بالأسباب المشروعة حسب الأديان الأخرى معاملة الصحة، و لابدّ من احترام هذه الروابط و تنزيلها منزلة الروابط الواقعية، لا أنّ السبب صحيح واقعاً؟ ثمّ إنّه لو استبصر الذمي يعامل مع ما صدر منه من المعاملات معاملة الصحة.

القسم الثاني: الروايات الواردة في الروابط الزوجية، و ما يعبّر عنها بالسبب في كتب الإرث في قبال النسب.

ثم إنّه لو لم نتمكن استفادة قاعدة الإلزام من هذه الروايات- على فرض تماميّتها - بل استفدنا قاعدة أخرى، فهل يمكن تعميهما بالنسبة إلى المخالفين أيضاً أو لا؟

و في القسم الأوّل احتمالان:

الأوّل: الحكم بالصحّة الواقعيّة للمعاملات الصادرة من الكفار.

و الثاني: القول بأنّ هذه المعاملات فاسدة بالعنوان الأوّلي، وصحيحة بالعنوان الثانوي، أي أنّها تصحّ ممّن يعتقد صحّتها.


1) شرائع الإسلام 2: 268.

أمّا القسم الأوّل فهو مشتمل على طوائف من الروايات:

الطائفة الأولى(1): ما دلّ على جواز أخذ المسلم ثمن الخمر أو الخنزير الذي باعه الذمي من باب استيفاء الدين و من باب الجزية و أمثال ذلك، والقدر المتيقّن أنّ المستفاد من هذه الروايات هو معاملة الغير مع المعاملات الفاسدة الصادرة من الذمي معاملة الصحة و احترام الروابط الحاصلة لهم بعدّها ملكاً لهم. و أمّا استظهار أنّ ما يدفعه ملك له - بمعنى: أنّ العقد الواقع عقد صحیح- فلا يمكن استظهاره من الروايات. وليس موهماً لصحة المعاملة إلا معتبرة محمد بن مسلم الآتية، فإنّ فيها: «عليهم الجزية في أموالهم تؤخذ من ثمن لحم الخنزير أو خمر» و أمّا سائر الروايات فلا تدل إلا على جواز أخذ المال منهم.

الرواية الأولى: معتبرة محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صدقات أهل الذمة و ما يؤخذ من جزيتهم من ثمن خمورهم و خنازيرهم و ميتتهم قال: «عليهم الجزية في أموالهم تؤخذ من ثمن لحم الخنزير أو خمر، فكلّ ما أخذوا منهم من ذلك فوزر ذلك عليهم، و ثمنه للمسلمين حلال يأخذونه في جزيتهم»(2).

ربما يقال بأنّه يستفاد من قوله ( عليه السلام): «عليهم الجزية في أموالهم تؤخذ من ثمن لحم الخنزير أو خمر» أنّ الخنزير و الخمر و أشباههما يعتبر مملوكاً


1) الدرس التاسع الأحد 11 رمضان المبارك 1407.

2) وسائل الشيعة 15: 155.

لهم؛ إذ عبّر الإمام (عليه السلام) عنها بالمال بقوله: «في أموالهم»، فحينئذ يدلّ على الصحة الواقعية.

إلا أنّ استفادة ذلك مشكل؛ لأنّ الذي يجب عليهم هو إعطاء الجزية. و الجزية مجعولة في أموالهم. و في مقام أخذ الجزية يجوز الأخذ منهم و إن كان من ثمن الخمر والخنزير، نظير ما يأخذه الشخص من باب استيفاء دينه، لا أنّ ثمن الخمر و الخنزير من أموالهم.

مضافاً إلى أنّ المال المضاف إليهم لا يدلّ على ذلك. فإنّا قد ذكرنا في بحث المكاسب بأنّ المال في اللغة غير المصطلح الفقهي؛ فإنّ المال في الاصطلاح الفقهي يطلق على ما كان له قيمة سوقية، و في اللغة المال بمعنى المملوك(1)، إلا أنّ الإضافة من باب اعتقادهم بأنّه ملك لهم أو بلحاظ معاملتنا معه معاملة الملك، لا الملكية الواقعية، فاستظهار الملكية من هذه الصحيحة محل إشكال.

و ما يستفاد أيضاً من الرواية هو أنّ تصرفاتهم الخارجية في هذه الأعيان وزر لهم، و ذلك و ذلك من جهة قوله ( عليه السلام): «فوزر ذلك عليهم».

كما يستفاد أيضاً منها بأنّ الوزر ليس من جهة التصرّف في ملك الغير، كما في المأخوذ في العقد الفاسد، بل من جهة أنّ ثمن الخمر و الخنزير سحت، و إنّما هو حلال للمسلمين.


1) قال ابن الأثير: المال في الأَصل ما يُملك من الذهب و الفضة ثم أُُطلِق على كل ما يُقْتَنَى و يملَك من الأعيان، و أكثر ما يُطلق المال عند العرب على الإِبل؛ لأنها كانت أكثر أموالهم. [لسان العرب 11: 636]

فمن مجموع هذه الأحكام المبيّنة في هذه الرواية نستكشف إمضاء نحو ملكيّة لهم، و الملكيّة كسائر الأحكام الوضعيّة مندمجة فيها الأحكام التكليفيّة على نحو اللّفّ. و يمكن تصوير أنواع من الملكيّة كأنواع من الزوجيّة بلحاظ الأحكام المندمجة فيها.

و قد أوضح الإمام (عليه السلام) بأنّ أهل الذمة مالكون، يعني: أنّ المال انتقل إليهم، ومع ذلك تكون تصرفاتهم فيه و أخذ المال كلها سحتاً و حراماً، و لهم الولاية. فمع إخراج هذا المال في مقام دفع الجزية فلو لم يكن هذا المال لهم و لم يكونوا مالكين له لم يكن لهم حق في دفعه للجزية، و يجوز للمسلمين أخذه من باب الجزية أو من باب استيفاء الدين و أمثال ذلك، وهذا لا ينافي حرمة تصرفهم في الثمن بما أنّه سحت، لا سيما أنّه ملك للغير(1).

الرواية الثانية: معتبرة منصور، قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) لي على رجل ذمي دراهم فيبيع الخمر و الخنزير و أنا حاضر فيحلّ لي أخذها؟ فقال (عليه السلام): «إنما لك عليه دراهم فقضاك در اهمك)(2).

و تستفاد من هذه الرواية حرمة تصرّفهم في بيع الخمر و الخنزير بما أنّه سحت(3)، و أمّا التصرفات الأخرى فلا يستفاد حرمتها من هذه الرواية.


1) و مراده: أنّ المستفاد من كلام الإمام (عليه السلام) أنّ الذمي يملك الخمر والخنزير وإن كان تصرفه فيهما حراماً ولذلك جاز للمسلمين الأخذ منهم بعنوان الجزية، وإلا لو لم يملكها الذمي لما جاز له أن يدفعهما بعنوان الجزية.

2) وسائل الشيعة 17: 232.

3) لعل باعتبار أنّ حرمة التصرف في بيع الخمر والجنزير وكونه سحت مفروغ منها عند السائل ولذا سأل عن حلّية أخذ ماله.

الرواية الثالثة: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجل كان له على رجل دراهم فباع خمراً و خنازیر و هو ينظر فقضاه، فقال: «لا بأس، أمّا للمقتضي فحلال، و أمّا للبائع فحرام»(1).

و مثلها معتبرة البزنطي عن داود بن سرحان(2)و صحيحة زرارة عن أبي عبد الله (علیه السلام) في الرجل يكون لي عليه الدراهم فيبيع بها خمراً و خنزيراً ثم يقضي منها، فقال: «لا بأس» أو قال: «خذها»(3).

و هذه الرواية تدلّ على ما دلّت عليه صحيحته الأولى، و لكن لم يُذكر في هذه الرواية أنّ الرجل الذي باع الخمر و الخنزير كان ذمّياً أو غير ذمّي، إلا أنّه لابدّ من تقييد هذا الاطلاق بما قام عليه إجماع المسلمين من حرمة بيع الخمر و الخنزير و أنّه لا يملك المسلم الخمر و الخنزير، فتقييدها بالذمي إمّا بالقرينة الحالية أو القول بأنّ الشك في إطلاقها.

و أمّا تقييدها بسبب القيد المذكور في معتبرة منصور فهو غير ممكن؛ لأنّ كليهما مثبتان(4)، مضافاً إلى أنّ القيد كان في سؤال السائل(5).


1) وسائل الشيعة 17: 233.

2) عن داود بن سرحان قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل كانت له على رجل دراهم فباع خنازير أو خمراً و هو ينظر فقضاه، قال: «لا بأس، أمّا للمقتضي فحلال، و أمّا للبائع فحرام». [وسائل الشيعة 18: 370]

3) وسائل الشيعة 17: 233.

4) و لعل الوجه في ذلك: أنّ في المطلق الشمولي، كما في قوله: (أكرم العالم)، الذي ينحل فيه الحكم بعدد أفراد الموضوع، فيكون كل فرد من أفراد العالم في المثال له وجوب إكرام يخصه، إذا ورد بإزائه أمر بإكرام حصة معينة مذكورة على سبيل القيد والمقيد - أي الوصف المعتمد على الموصوف - كقوله: (أكرم العالم الفقيه) فلا يحمل المطلق على المقيد، لأن الانحلال مستلزم لتعدد الحكم بعدد أفراد الموضوع. ولا مانع من بيان حكم بعض الأفراد تارة وبيان حكم جميع الأفراد أخرى. ففي المثال المتقدم يقتضي- قوله: (أكرم العالم) ثبوت الوجوب لإكرام كل فرد من أفراد العالم. ولا مانع أن يذكر هذا المعنى بهذه الصيغة تارة ويذكر أخرى خصوص وجوب إكرام بعض أفراد العالم بقوله: (أكرم العالم الفقيه) فلا موجب لحمل المطلق على المقيد.

5) و القيد إذا كان في سؤال السائل فظهوره في الاحترازية يحتاج الى دعوى ظهور جواب الإمام (عليه السلام) في إمضاء ارتكاز السائل بالنسبة إلى القيد المذكور في سؤاله.

فمن مجموع هذه الروايات يستظهر تملك الذمي للخمر و الخنزير كما ذكر المحقق، إلا أنّ ملكيته اعتباريّة على نحو خاص، بمعنى أنّ تصرفه في الثمن حرام له و حلال للمسلمين، و له الولاية في التصرّف الاعتباري بإعطائه قضاءً لدينه أو من باب الجزية.

فالمستفاد من هذه الروايات ترتيب آثار الملكية الواقعيّة سواء أكان له أم عليه، بمعنى عدم جواز إتلاف خمره أو خنزيره وإن لم يكن فيه نفع لنا أو تضييق عليه، فإنّ عدم إلزامنا الذمي بإعطاء المال المطلوب منه من غير ثمن الخمر أو الخنزير توسعة عليه كما أنّه توسعة لنا.

فيتعيّن الاحتمال الثاني، و هو احترام الروابط الحاصلة للذمي و بين الأموال و معاملتنا معها معاملة الصحة.

الطائفة الثانية: ما تدلّ على أنّ الذمي إذا باع خمراً أو خنزيراً فأسلم جاز له قبض الثمن.

منها: موثّقة عمار بن موسى في حديث طويل عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن رجلين نصرانيين باع أحدهما من صاحبه خمراً أو خنازير، ثم أسلما قبل أن يقبض الدراهم، هل تحلّ له الدراهم؟ قال: «لا بأس»(1).

و مرجعها إلى جواز معاملة المسلم مع المعاملة الفاسدة الواقعة منه في حال الكفر معاملة الصحة و أنّه يحكم بملكيّته الواقعيّة بعد إسلامه، و هذا لا يقتضي- صحّة المعاملة وضعاً في حال الكفر.

و منها: رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر قال: سألته عن رجلين نصرانيين باع أحدهما خنزيراً أو خمراً إلى أجل فأسلما قبل أن يقبضا الثمن، هل يحلّ لهما ثمنه بعد الإسلام؟ قال: «إنّما له الثمن فلا بأس أن يأخذه»(2).

و هذه الرواية أيضاً تدلّ على أنه بعد الإسلام يعامل مع المعاملة الواقعة معاملة الصحّة وحاله بعد الإسلام حال سائر المسلمين.


1) تهذيب الأحكام 9: 116.

2) وسائل الشيعة 17: 234.

و هذه الرواية منقولة من كتاب علي بن جعفر و من كتاب قرب الإسناد للحميري عن عبد الله بن الحسن، و المعروف أنّه لم يوثّق(1)، فما يرويه قرب الإسناد عن كتاب علي بن جعفر يناقش فيه من حيث السند، و لكنه يمكن أن يقال: إنّ الرواية منقولة من كتاب علي بن جعفر، و هو و إن وصل إلى المتأخرين عن طريق الإجازات، و لكن إجازة المتأخرين تنتهي إلى الفهرست، و للشيخ سند صحيح إلى كتاب علي بن جعفر، و عليه فلا يناقش في سندها، إلا أنّ تصحيح الرواية بهذا النحو بضمّ الإجازات إلى الأسانيد الموجودة في الفهرست محل تأمّل عندنا و إن صحّحه المعروف بهذا النحو.

و كتاب علي بن جعفر منقول في البحار(2).

الطائفة الثالثة: ما تدلّ على ضمان المسلم إذا أتلف خنزير الذمي.

منها: معتبرة غياث عن جعفر عن أبيه في حديث: «أنّ عليّاً ضمّن رجلاً أصاب خنزيراً لنصراني»(3).

و ربما يتوهّم من هذه الرواية بأنّ النصراني مالك واقعاً للخنزير، إلا أنّ التعبير ب- (ضمّن) لعلّه يدلّ بأنّ هذا التضمين من جهة ارتكاب المسلم خلاف


1) قال السيد الخوئي: (و هو [أي عبد الله بن الحسن] و إن كان شريفاً بحسب النسب إلا أنّا لم نعثر له على توثيق في الرجال، فلا يمكننا الاعتماد على روايته)، و قال في موضع آخر: (و لأجله لم نعتمد على كتاب الأشعثيات لوقوعه في الطريق). [موسوعة الإمام الخوئي 9:220 و 59:11]

2) بحار الأنوار: 100.

3) وسائل الشيعة 29: 262.

قوانين الذمة، فبما أنّ النصراني كان في ذمّة المسلمين لا يجوز إتلاف ما يراه ملكاً له، و أمّا كونه مالكاً واقعاً وتصرفاته فيه حلال فلا يستفاد من الرواية.

الطائفة الرابعة: ما ورد في حكم ما لو جعل الذمي أو أهل الحرب المهر: الخمر أو الخنزير.

منها: رواية عبيد بن زرارة قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): النصراني يتزوّج النصرانية على ثلاثين دنّاً خمراً وثلاثين خنزيراً، ثمّ أسلما بعد ذلك، و لم یکن دخل بها؟ قال: «ينظر كم قيمة الخنازير، و كم قيمة الخمر، و يرسل به إليها، ثمّ يدخل عليها و هما على نكاحها الأوّل)(1).

و هذه الرواية معتبرة عندنا؛ لأنّه ليس في سندها من يكون محلّ تأمل إلا قاسم بن محمد الجوهري، و بما أنّ ابن أبي عمير يروي عنه، و روايته و رواية صفوان و البزنطي من أمارات الوثاقة عندنا، فعليه تكون الرواية معتبرة.

و في قبال هذه الرواية رواية طلحة حيث إنّ مفادها أنّ المهر يتبدّل إلى مهر المثل(2). و نحن لسنا فعلاً بصدد بيان حكم هذا الفرع.

هذه هي الروايات التي يمكن الاستدلال بها للصحة الواقعية للارتباطات بين الكفار و الأموال، وظهر بأنّه لا يستفاد من هذه الروايات الملكيّة الواقعية، بل المستفاد منها أنّ المسلمين و كذلك الكفار بعد إسلامهم يعاملون مع المعاملات الصادرة منهم معاملة الملكية.


1) وسائل الشيعة 21: 243.

2) وسائل الشيعة 21: 243.

فتبيّن أنّ الحق مع صاحب الجواهر حيث ذهب إلى الملكية التنزيلية في قبال المحقّق حيث إنّ ظاهر كلامه في الشرائع هو الملكية الواقعية.

ربما يقال: إنّ ما ذكر مبني على أنّ الكفّار مكلّفون بالفروع، و أمّا إذا قلنا بأنّهم ليسوا مكلّفين بالفروع كما ذهب إليه صاحب الحدائق(1)و بعض المتأخرين(2)فلا وجه لحمل هذه الروايات على ما تقدّم، بل تحمل على الصحة الواقعيّة.

و هذا الإشكال محلّ تأمل:

أولاً: أنّ المختار وفاقاً للمشهور هو أنّ الكفار مكلّفون بالفروع، أي أنّ أحكام الإسلام ثابتة لجميع الأفراد، و لا تختصّ ببعض دون بعض، و مستند صاحب الحدائق صحيحة زرارة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أخبرني عن معرفة الإمام منكم واجبة على جميع الخلق؟ فقال: «إن الله عزّ و جلّ بعث محمداً (صلى الله عليه و آله) إلى الناس أجمعين رسولاً و حجة الله على جميع خلقه في أرضه، فمن آمن بالله و بمحمد رسول الله و اتبعه وصدّقه فإنّ معرفة الإمام منّا واجبة عليه، و من لم يؤمن بالله وبرسوله ولم يتبعه ولم يصدّقه و يعرف حقّهما، فكيف يجب عليه معرفة الإمام و هو لا يؤمن بالله و رسوله و يعرف حقّهما؟!»(3).


1) الحدائق الناضرة 3: 39 و 46:24.

2) كالسيد الخوئي. [موسوعة الإمام الخوئي 16: 96 و 23: 119].

3) الکافي 1: 180-181.

فقيل: لوكان لزوم معرفة الإمام فرع الإسلام، فالفروع بطريق أولى تكون فرعاً، و لا يجب عليهم الفروع و ليس الكافر مكلّفاً بها.

و الجواب:

أولاً: أنّ الرواية لا تدلّ على عدم كون الكفار مكلفين بالفروع؛ إذ الأحكام الفرعيّة ذات أنواع متعددة - كما سنذكر إن شاء الله - و ما يقتضيه الإيمان بالله و رسوله هو أنّ النبي (صلى الله عليه و آله) فيما جاء به من الأحكام صادق، و نحن نلتزم به و مرجع لزوم معرفة الله ومعرفة الرسول و الإيمان بهما إلى تصديق ما جاء به النبي (صلّى الله عليه و آله) في الفروع، و أمّا معرفة الإمام و الأحكام الصادرة من الإمام من باب الولاية، فهي في الرتبة المتأخرة من الإيمان بالله و رسوله. و تأخر اشتراط معرفة الإمام عن الإسلام لا يقتضي أن لا يكون الكافر مكلّفاً بما جاء به النبي (صلّى الله عليه و آله) من الأحكام و أن تكون الأحكام أيضاً في الرتبة المتأخرة عن الإسلام و بعثه (صلّى الله عليه و آله) إلى جميع الناس، بل يقتضي أن يكون الجميع مكلّفاً بما جاء به.

مضافاً إلى أنّ الأحكام - كما أشرنا - على أنواع متعددة:

النوع الأوّل: أحكام يدركها الجميع بلحاظ الضمير و الوجدان الفطري، و هذه الأحكام هي التي عبّرنا عنها في بحث الأصول بالأحكام الفطرية، كما ورد: «إنّ الله على الناس حجّتين: حجّة ظاهرة و حجّة باطنة»(1). ولا شكّ في أنّ الكفار مكلّفون بهذه الأحكام الفطريّة بمقتضى الضمير و الوجدان.


1) الكافي 1: 16.

النوع الثاني: الأحكام المشتركة بين الإسلام وسائر الأديان السماوية، و قد أوضحنا في بعض المباحث الأصولية بأنّ الدين عند الله من أوّل الأمر هو الإسلام. وجميع الأديان مشتركة في الأصول و أصول الفروع كما تدلّ عليه الروايات، مثل ما ورد من أنّ الخمر كان محرّماً في جميع الأديان، و هكذا بالنسبة إلى فرض الصيام، قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)(1).

و لا يتصوّر النسخ في مثل هذه الأحكام، فهم مكلّفون بهذه الفروع بحسب دينهم قال تعالى: (لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَ الأَحْبَارُ عَنْ قَوْهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ) فلو لم يكن محرّماً عليهم قول الإثم وأكل السحت لما ذمّهم الله، و هذه الأحكام من الأحكام التي تشترك فيها جميع الأديان.

النوع الثالث: الأحكام المختّصة بالإسلام و ما جاء به النبي (صلّى الله عليه و آله)، و لزوم تصديق النبي (صلّى الله عليه و آله) يقتضي تصديقه فيما جاء به.

النوع الرابع: الأحكام المتفرّعة على الإسلام، و هي لزوم معرفة الإمام و ما يترتّب عليها من الأحكام الولائية.

فظهر أنّ الحقّ مع المشهور حيث ذهبوا إلى أنّهم مكلّفون بالفروع، أي أنّه يحرم عليهم الخمر و لحم الخنزير إلى غير ذلك من الأحكام.


1) سورة البقرة: 183.

و ثانياً: على فرض التسليم بعدم كونهم مكلّفين بالفروع، ولكن مع ذلك لا يمكن الحكم بصحة المعاملات الصادرة منهم بالأسباب الفاسدة، وإلا لزم انحلال الشرع بشرعين:

شرع لمن آمن بالله و رسوله، و شرع لمن لم يؤمن بالله و رسوله. و هذا معناه أنّ الإسلام قد أمضى شرائعهم المنسوخة ما لم يؤمنوا.

و هذا فاسد و لا يمكن الالتزام به، و لذا لا يمكن الالتزام بصحة معاملاتهم صحة واقعيّة.

فالمستفاد من الروايات - مع التحفّظ بأنّهم مكلّفون بالفروع- هو معاملة المسلمين مع معاملاتهم معاملة الصحة، و لو لم يكونوا مكلّفين بالفروع لقول الإمام (عليه السلام) في معتبرة محمد بن مسلم: «فوزر ذلك عليهم».

و مضافاً إلى الروايات، تدلّ على ما ذكرنا سيرة المسلمين و نفس كونهم في ذمة المسلمين.

توضيح ذلك: أنّ من صدر الإسلام و من زمان سيطرة المسلمين على البلاد كان فيها جماعة كثيرة من النصارى و اليهود والمجوس، و كثير من الكفار كانوا مشتركين في كثير من الشؤون الاقتصادية و الزراعية و أمثالها، والمسلمون كانوا يتعايشون معهم بحسب عقد الذمة تعايشاً سلمياً، بل ربما كان المسلمون يتعاونون معهم تعاوناً اقتصادياً، فمثلاً جميع الأراضي الخراجية التي للمسلمين

كانت في أوّل الأمر بيد أربابها من صغار الدهاقين من الكفار، و المسلمون كانوا يأخذون منهم بعنوان الخراج و المقاسمة(1).

و خلاصة القول: أنّ التعايش السلمي لا يمكن إلا مع احترام كلّ قوم الروابط المالية المحترمة عند قوم آخرين، و ليس معنى ذلك: قانون الإلزام، بل معنى ذلك: قانون الإقرار أو قانون الذمام، فلو لم تكن تلك الروايات التي استدلّ بها لقاعدة الإلزام، أو قلنا بأنّها ضعيفة و لا يمكن الاستدلال بها، كفتنا هذه الروايات الخاصة و السيرة القطعيّة لجواز الأخذ منهم و المعاملة معهم.

و أمّا القسم الثاني من الروايات فهو ما يكون متكفّلاً لبيان حكم الزوجية للكفّار قبل إسلامهم و بعد إسلامهم و في مقام ربط شخص بشخص آخر الذي نعبّر عنه بالزوجيّة، والاحتمالان السابقان اللذين أشرنا إليهما في القسم الأول موجودان في هذا القسم أيضاً، أي أنّه يحتمل أن يكون زواج الكفّار زوجية صحيحة، و يحتمل أن تكون صحة زواجهم من قبيل صحة معاملاتهم، أي أنّه يعامل مع المتزوّجة منهم معاملة المرأة المتزوّجة. فلابدّ من ذكر روايات هذا القسم حتى نرى أي الاحتمالين هو المتعيّن، فنقول:

هناك روايات تدلّ على أنّ لكلّ قوم نكاح، فربما يستدلّ بها على صحة نكاحهم و ترتيب جميع الآثار، فلو نكح مجوسي بنته فهذا نكاح صحيح، إلا أنّه


1) المقاسمة حصة من حاصل الأرض تؤخذ عوضاً عن زراعتها، و الخراج مقدار من المال يضرب على الأرض أو الشجر حسبما يراه الحاكم. [مسالك الأفهام 3: 142]

لا يمكن الاستدلال بهذه الروايات لإثبات صحّة أنكحتهم، بل مفادها ترتيب آثار الزوجية.

منها: معتبرة عبد الله بن سنان قال: قذف رجل مجوسياً عند أبي عبد الله (عليه السلام)، فقال له الصادق (عليه السلام): «مه». فقال الرجل: إنّه ينكح أمه و أخته فقال (عليه السلام): ذاك عندهم نكاح في دینه»(1).

و هذه الرواية تدلّ على عدم جواز قذفهم و أنّ هذا نكاح في دينهم.

و من الواضح أنّ في كلّ دين من الأديان فصلاً بين السفاح و النكاح، إلا أنّ نكاح كلّ قوم يختلف في الشؤون والشروط عن نكاح قومٍ آخرين، فقول الإمام (عليه السلام) لا يدلّ على أنّ هذا النكاح نکاح معترف به عندنا، بل نكاح في دينه و على وفق مذهبه، فبما أنّ هذا نكاح في دينه فيرتّب عليه بعض الآثار كانتساب الولد إليه وترتيب آثار الإرث، فلا تقتضي الرواية صحة الزواج و الاستمتاع.

و هناك روايات أُُخر تشبه هذه الرواية كرواية ابن أبي عمير عن أبي الحسن الحذاء(2).

و لا تستفاد من هذه الروايات الصحة الواقعية أيضاً.

نعم، في رواية علي بن أبي حمزة عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): «كلّ قوم يعرفون النكاح من السفاح فنكاحهم جائز»(3)فربما يتوهم من


1) وسائل الشيعة 26: 319.

2) وسائل الشيعة 28: 173.

3) وسائل الشيعة 21: 200.

هذه الرواية بأن كل من ميّز السفاح من النكاح - كما عليه أغلب الناس، و لعلّه لم يوجد أو قَلَّ ما يوجد قوم لم يكن لهم سفاح و نکاح - فنكاحهم ممضى شرعاً.

و هذه الرواية ضعيفة سنداً من جهة علي بن أبي حمزة، مضافاً إلى أنّها لا تدلّ على الصحة من جميع الجهات، بل تدلّ على ترتّب آثار الصحة.

اقوال الفقهاء في الزوجية الواقعة بين الكفار

و للأصحاب في روابط الكفار الزوجية نظريات تظهر من كلماتهم(1).

النظرية الأولى: أنّ الزوجية بسبب فاسد أو الزوجية في غير المورد توجب الزوجية الواقعية لهم؛ تمسكاً بالإطلاقات، و أنّ الأدلّة التي ترتّب الآثار على الزوجية - من وظائف الزوج بالنسبة إلى الزوجة و وظائف الزوجة بالنسبة إلى الزوج و إرث كلّ منهما من الآخر و أمثال ذلك - تشمل الزوجية التي في سائر الأديان، فتكون هذه الزوجية زوجية واقعيّة.

النظرية الثانية: أنّ الزوجية ليست بزوجية ،واقعيّة، إلا أنّه يترتّب عليها بعض أحكام الزوجية في الشريعة المقدّسة، أي أنّ الزوجيّة زوجيّة تنزيلية بلحاظ بعض الآثار.

النظرية الثالثة: أنّ هذه الزوجيّة تعتبر ملغاة ولا يترتّب عليها شيء من الآثار.


1) الدرس العاشر: الإثنين 12 رمضان المبارك 1407.

أمّا النظرية الأولى و القول بأنّ هذه الزوجيّة زوجيّة واقعيّة. فهذا مما يظهر من كلام الشيخ في كتاب الخلاف والتهذيب. فقد ذكر في كتاب الخلاف في باب ميراث المجوس بأنّ الزوجية الفاسدة موجبة للإرث، واستدلّ على ذلك في الخلاف بقوله: (دليلنا: قوله تعالى: (وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثَّلْتُ)(1)فجعل للأم الثلث، و للأخت النصف ولم يفصّل. و كذلك قوله: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ)،(2)و قوله: (وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ)(3)، و كلّ ذلك عام)(4).

و ذكر في التهذيب: (فإنّ هذه الأنساب و الأسباب و إن كانا غير جائزين في شريعة الإسلام فهما جائزان عندهم و يعتقدون أنّه مما يستحلّ به الفروج و لا تستباح بغيره، فجرى مجرى العقد في شريعة الإسلام، ألا ترى إلى ما روي أنّ رجلاً سبّ مجوسيّاً بحضرة أبي عبد الله (عليه السلام) فزبره و نهاه عن ذلك، فقال: إنّه قد تزوّج بأمّه، فقال: «أما علمت أنّ ذلك عندهم النكاح»(5).

و هذه النظرية مما لا يمكن الالتزام بها و ضعيفة و ذلك لأنّ الزوجية من الأحكام الوضعيّة و أسباب حصول الزوجيّة مما تختلف باختلاف الأديان و الملل، و ما يكون سبباً للزوجيّة بحسب الدين الآخر لا يكون له قيمة عند الشرع


1) سورة النساء: 11.

2) سورة النساء: 12.

3) سورة النساء: 12.

4) الخلاف 4: 110.

5) تهذيب الأحكام 9: 365.

الإسلامي، و الأحكام المترتّبة على الزوجيّة تترتّب بعنوان الزوجية التي هي ممضاة عند الشارع لا على كلّ زوجيّة و إن كانت الزوجيّة مما لم يمضها الشارع بأن كانت مقرونة بالمانع، فإنّ اعتبار الشارع المقدّس بعض الأمور مانعاً في الزوجية يعني عدم اعتبار الشارع المقدّس لتلك العلقة الزوجيّة.

و ترتّب بعض الأحكام على زيجاتهم لابدّ و أن يكون بسبب دليل آخر يكون حاكماً على تلك الأدلّة المشار إليها في كلام الشيخ.

فظهر أنّه لا يمكن التمسك بإطلاق الأدلّة - كما فعل الشيخ - لإثبات الزوجية الواقعيّة للكفّار؛ وذلك لأنّ موضوع الحكم إن كان من الأحكام الوضعية - بلا فرق بين الملكية و الزوجيّة و الطهارة و النجاسة و أشباه ذلك- يكون منصرفاً إلى ما تعترف به هذه الشريعة.

و أمّا النظرية الثانية، و هي: أنّ الزوجيّة زوجيّة تنزيلية، بمعنى أنّه يترتّب على هذه الزوجيّة بعض أحكام الزوجيّة، وهذا ما ذهب إليه صاحب الجواهر. فقد ذكر في الجواهر في باب المواريث: (المجوسي قد ينكح المحرمات عند المسلمين بشبهة اعتقاده في دينه و قد ينكح المحلّلات له في دين الإسلام فيحصل له بذلك النسب الصحيح و الفاسد و السبب الصحيح و الفاسد، و نعني بالفاسد ما يكون عن نكاح محرّم عندنا لا عندهم، كما إذا نكح أمه و أولدها، فنسب الولد فاسد عندنا و سبب زوجيّتها فاسد عندنا و إن كان هو صحيحاً صحة معاملة، بمعنى ترتب بعض الآثار عليه)(1).


1) جواهر الکلام 320:39.

و هذه النظرية لها عقد سلبي و عقد إيجابي، أمّا العقد السلبي فهو: فساد هذه الزوجيّة و النسب، بمعنى أنّ الشارع لم يحكم بالزوجيّة، فهو صحيح.

و أمّا بلحاظ عقدها الإيجابي - و هو ترتّب بعض الآثار عليها- فهذا مما يحتاج إلى إقامة الشواهد.

و أمّا النظرية الثالثة فهي تستفاد من كلام صاحب الجواهر أيضاً.

و لكن يمكن إثبات ترتّب بعض آثار الزوجية الصحيحة على هذه الزوجية و لو بنحو الموجبة الجزئية. فلو ثبت كان ردّاً للنظرية الثالثة. و ما يمكن الاستدلال به على ذلك وجوه:

الوجه الأوّل: الروايات التي استدلّ بها الشيخ، من قبيل أنّ «لكلّ قوم نكاح»، و قد أشرنا أنّ هذه الروايات على قسمين:

القسم الأوّل: ما يكون القدر المتيقّن فيه هو أنّه ليس للغير قذفهم بلحاظ وقوع الزوجيّة الفاسدة، إلا أنّه علل ذلك بقوله: «لكلّ قوم نكاح»، و الكلام في مفاد هذه الجملة، فهل مفاد هذه الروايات و هذا التعليل هو عدم جواز القذف و أشباهه أو أن مفادها يعمّ سائر الآثار؟

لا ريب أنّ هذه الروايات ترتّب أثر عدم جواز القذف. و تدلّ على عدم جواز القذف روايات كثيرة:

منها: معتبرة عبد الله بن سنان، فقال: «ذلك عندهم نكاح في دينهم»(1).


1) وسائل الشيعة 21: 199.

و منها: معتبرة أبي بصير، قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «نهى رسول الله (صلّى الله عليه و آله) أن يقال للإماء: يا بنت كذا و كذا؛ فإنّ لكل قوم نكاحاً»(1).

و استفادة الإطلاق من هاتين الروايتين بلحاظ التعليل مشكل.

نعم، هناك روايتان ربما يتوهم منهما الإطلاق:

إحداهما: رواية علي بن أبي حمزة عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): «كلّ قوم يعرفون النكاح من السفاح فنكاحهم جائز»(2)و هذه الرواية مطلقة.

و لكن ليس معنى قوله (علیه السلام): «فنكاحهم جائز» أنّ الشارع اعتبر زوجيّتهم زوجيّة قانونية بلحاظ ترتّب جميع الآثار حتى بلحاظ عدم الحرمة عليهم؛ وذلك لأنّهم مكلفون بالفروع - على الأصح- بل «فنكاحهم جائز» معناه: أنّه يجوز لهم ترتّب الأحكام التي لم يثبت عدم جواز ترتّبها.

إلا أنّ هذه الرواية في سندها علي بن أبي حمزة.

ثانيتهما: رواية إسحاق بن عمار، قال قال أبو عبد الله (عليه السلام): «مال الناصب وكلّ شيء يملكه حلال لك إلا امرأته، فإنّ نكاح أهل الشرك جائز، و


1) وسائل الشيعة 21: 199 - 200.

2) وسائل الشيعة 200:21.

ذلك أنّ رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: لا تسبّوا أهل الشرك فإنّ لكلّ قوم نكاحاً»(1).

و هذه الرواية مرسلة و لا يمكن الاعتماد عليها.

القسم الثاني: ما ورد في ميراث المجوس، فقد روى الشيخ بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى عن بنان بن محمد عن أبيه عن ابن المغيرة عن السكوني عن جعفر(2)عن أبيه (عليهما السلام)(3)«أنه كان يورّث المجوسي إذا تزوج بأمّه و بابنته من وجهين: من وجه أنّها أمه، و وجه أنّها زوجته»(4).

و هذه الرواية مما رواها الصدوق بسنده عن السكوني، إلا أنّه على المشهور يناقش في سندها من جهة أنّ في سند الشيخ: بنان بن محمد، و هو أخو أحمد بن محمد بن عيسى، ولم يرد فيه توثيق.

نعم، هو في أسناد كامل الزيارات.

و في سند الصدوق: حسين بن يزيد النوفلي، و هو أيضاً لم يرد فيه توثيق.

و ربما يقال: إنّ هذه الرواية معتبرة من جهة أنّها من جملة روايات السكوني، والإجماع الذي ذكره الشيخ في العدّة من العمل برواية السكوني(5)-


1) وسائل الشيعة 15: 80 و 17: 299.

2) في التهذيب 9: 364 زيادة: بن محمد.

3) في الاستبصار 4: 189 والتهذيب 9: 364 زيادة: عن علي.

4) وسائل الشيعة 26: 317.

5) عدة الأصول 1: 149.

حيث إنّ غالب رواياته بطريق النوفلي و أمثاله - موجب للوثوق بهذه الرواية، و من البعيد أن يكون الإجماع خاصاً بقسم معيّن من رواياته.

أو من جهة أنّ بنان بن محمد من الذين روى عنه صاحب (نوادر الحكمة)، و ليس من المستثنيات(1)، و لا نقول بأنّ مجرد عدم الاستثناء يدلّ على اعتبار الراوي، بل نقول بأنّ نفس عدم الاستثناء مع تفحّص ابن الوليد و الصدوق و غيرهما يدلّ على اعتبار الرواية، فتحصل درجة من الاعتبار و الوثوق بالرواية، مضافاً إلى أنّها مؤيّدة بما نقل عن ابن الجنيد: (المشهور عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه كان يورّث المجوسي إذا تزوّج بأمه أو أخته أو ابنته من وجهين بوجه القرابة و بوجه الزوجية)(2)إذ تعبيره بالمشهور موجب لمزيد من الاطمئنان برواية السكوني، و من الواضح أنّ مسلكنا هو حجيّة خبر


1) مما تسالم عليه علماء الفن من القاعدة الرجالية التي تلقّوها بالقبول هي (مستثنيات ابن الوليد من نوادر الحكمة). فإن محمد بن الحسن بن الوليد قد استثنى من كتاب (نوادر الحكمة) تأليف محمد بن أحمد بن يحيى الأشعري، وهو كتاب كبير يشتمل على اثنين وعشرين كتاباً، وكان مؤلفه ثقة في الحديث، إلا أنّ أصحابنا قالوا إنّه كان يروي عن الضعفاء، ويعتمد المراسيل، ولا يبالي عمن أخذ، وما عليه في نفسه مطعن في شيء، فاستثنى ابن الوليد من هذا الكتاب مجموعة من الروايات إما لكونها مراسيل أو بعض رواتها مجهول أو مطعون فيه، فتركت لأجل ذلك. [انظر: رجال النجاشي: 348، معجم رجال الحديث 16: 48]

2) مختلف الشيعة 9: 106، مفتاح الكرامة (الطبعة القديمة) 8: 257.

الموثوق به، لا خبر الثقة. وقد نقل ذلك في مفتاح الكرامة عن العامة عن أمير المؤمنين (عليه السلام)(1).

و كيفما كان، من يقول باعتبار هذه الرواية سنداً يمكنه الافتاء على طبقها، و من يناقش فيه يمكنه الافتاء أيضاً على وفقها من جهة قوله (عليه السلام): «يجوز على أهل كلّ ذي دين ما يستحلّون»، فإنّ هذه الرواية معتبرة سنداً.

إلا أنّ الكلام في دلالتها، و غير بعيد أن يكون قوله (عليه السلام) هذا بمعنی أنّه يستحلّ عليهم فيما بينهم ما يستحلّونه على أهلهم.

و ظهر مما ذكر بأنّ الإرث - على فرض صحّة الرواية أو الاعتماد عليها- يترتّب على الزوجيّة الفاسدة.

و هذا بعض الأدّلة الدالّة على إقرارهم على روابطهم الزوجية في حال كفرهم و قبل إسلامهم، ولا شكّ في ترتب بعض الآثار، كعدم جواز تزويج زوجة النصراني مثلاً، و هذا مما يقتضيه التعايش السلمي مع أهل الذمّة، فكما لا يجوز التعرّض لأموالهم و ما يرونه ملكاً لأنفسهم كذلك لا يجوز التعرّض لزوجاتهم على نحو الموجبة الجزئية حيث يمكن القول بترتّب بعض الآثار على زوجاتهم.

و أمّا إذا أسلم الكافر، سواء أكان ذمياً أم غير ذمي، وسواء أكان مشركاً أم لم يكن، فلا إشكال بحسب سيرة المسلمين و الشواهد الكثيرة من الروايات أنّه يقرّ على زواجه السابق ما لم يكن مقروناً بالمانع بقاءً، أي فيما إذا لم يكن مانع من


1) لم أعثر عليه في مفتاح الكرامة.

تزويجها لو أراد التزويج بها فعلاً، و أمّا إذا كان مقروناً بالمانع كما إذا كانت من يريد تزويجها من المحرّمات بالنسب أو الرضاع أو المصاهرة فلا يحكم ببقاء الزوجية، نظير عدم تملك المسلم للخمر و الخنزير، فإنه لو أسلم الكافر و كان في أمواله الخمر و الخنزير يسقطان عن المالية، كذلك إذا أسلم تسقط زوجيّة من كانت زوجيته مقرونة بالمانع.

و أمّا إذا لم تكن مقرونة بالمانع بقاءً فسواء أكان في مرحلة الحدوث مقرونة بالمانع - كما إذا كان عنده أحد الأختين ثم تزوّج بالأخرى أو تزوّج بهما معاً، و قبل أن يسلم ماتت إحداهما أو طلّقها - أم لم تكن مقرونة بذلك فلا مانع من إقراره على زوجيّته.

و لا إشكال بأنّ السيرة كانت على ذلك، فإنّ من كان يسلم لم يكن يسأل عنه بأنّ هذه الزوجيّة هل كانت على وفق هذه الشريعة أو لا؟ بل كان يقرّ على الزوجية من دون سؤال و تحقيق.

نعم، إذا كانت مقرونة بالمانع ولم يكن قابلاً للارتفاع يحكم بسقوط الزوجية، و أمّا إذا كان قابلاً للارتفاع كما إذا أسلم على سبع، فكما ورد في الروايات يحكم باختيار أربعة منهن ويفارق البقيّة، ولا يحتاج إلى الطلاق.

و هذه الروايات أيضاً تشهد بأنّ أنكحتهم السابقة إذا لم تكن مقرونة بالمانع ممضاة بعد إسلامهم.

و من مجموع ما ذكرنا ظهر أنّ هذه الروابط لها نحو احترام في الإسلام و يترتب عليها نوع آثار، و لا نعني بقاعدة الإقرار إلا هذا، و قاعدة الإقرار هذه ربما تختلف عن قاعدة الإلزام كما سيظهر إن شاء الله.

و هل أنّ غير الشيعة من سائر فرق المسلمين يقرّون على أعمالهم و روابطهم أو لا؟ فإنّ الأدلّة كانت واردة في الكفّار.

ربما يقال بعدم شمول الأدلّة لسائر فرق المسلمين؛ وذلك بلحاظ أنّهم مشتركون مع الشيعة في الإسلام ويعدّ الجميع أرباب دين واحد. نعم، قد جوّز تزويج المطلّقات الثلاث في الروايات و علّل بأنّ هذا من دينه.

و لكي نرى أن سائر الفرق يعدّون من أهل دين واحد أو أديان متعدّدة نقول من باب المقدمة:

إنّ الفرق الإسلامية لها أدوار متعدّدة:

الدور الأوّل: هو الدور الذي لم يشكّل فيه مذهب في قبال أهل البيت (عليهم السلام)، و المسلمون كانوا يراجعون أهل البيت (عليهم السلام) بما أنّهم أحد المفتين، كما كانوا يراجعون فقهاء العامّة، فإنّ كثيراً ما كانوا يرجعون إلى الإمام الباقر أو الصادق (عليهما السلام).

و هذا الدور دور البحث و المذاكرة، وكان هذا متداولاً بين المسلمين، و الأئمة ( عليهم السلام) كانوا يدخلون في هذه المباحث و يبيّنون فتاواهم لأجل تعريف الناس بفقه أهل البيت (عليهم السلام).

هذا الدور شبيه باختلاف الشيعة في الرجوع إلى مختلف الفقهاء و المجتهدين، و قد تتلمذ بعض فقهائهم عند الأئمة (عليهم السلام) كما استفاد ابن أبي ليلى و ابن شبرمة و أبو حنيفة و أمثالهم من الإمامين الهمامين الباقر و الصادق (عليهما السلام)، و قد يأخذون حكماً من الإمام و يبيّنونه للناس بأنّه لهم، و قد وردت روايات بأنّه ما من علم حقّ في أيدي الآخرين إلا وقد خرج من أهل البيت (عليهم السلام)(1).

و لا يصدق على العامة في هذا الدور أنّهم أرباب أديان مختلفة، و مراجعتهم إلى فقهاء العامة لم يكن من باب أنّه دين في قبال دين و فقه في قبال فقه أهل البيت (عليهم السلام).

الدور الثاني: هو الدور الذي تشكّل فيه مذهب فقهي في قبال مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، و قد انجرّت المبارزات الاجتماعية و السياسية إلى المبارزات الثقافية و تشكيل فقه في قبال فقه الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، إلا أنّه لم يصل إلى تقسيم فقههم إلى المذاهب الأربعة، و قد كتبت بعض الكتب -ككتاب الأعلام للمفيد- فيما أجمعت الشيعة و قد أجمعت العامة على خلافها، و هذا دليل على أنّه هناك نوعان من الفقه.

الدور الثالث: هو دور التفريق بين المذاهب و تقسيم فقه العامة إلى مذاهب متعددة، كلّ مذهب في قبال سائر المذاهب.


1) بحار الأنوار 2 179، باب أن كلّ علم حق هو في أيدي الناس فمن أهل البيت (عليهم السلام).

و هذا الدور مشترك مع الدور الثاني في تشكيل دين في قبال دين و مذهب في قبال المذهب.

فإن كان مذهبهم في قبال مذهبنا - كما هو الحال فعلاً - فبما أنّ الزمان زمان الهدنة - كما في الرواية(1)- فكلّ ما قلنا بالنسبة للكفار من الإقرار جار في حقّهم، أي أنّه تعدّ زوجيتهم زوجية، و طلاقهم طلاقاً و أمثال ذلك(2).

و لعلّ الروايات الواردة عن الإمام موسى بن جعفر و علي بن موسى (عليهما السلام) في تزويج المطلّقات ترتبط بهذا الدور، و ما ورد من عدم جواز التزويج «إياكم و المطلّقات ثلاثاً فإنّهن ذوات أزواج» يرتبط بالدور الأوّل، و عليه فإن قالوا بانفتاح باب العلم، و عدّ أقوال الأئمة (عليهم السلام) قولاً في المسألة و كان البناء على البحث و التفتيش عن الحقيقة أو قالوا بجواز الرجوع إلى فقه الشيعة كأحد المذاهب - كما قالوا في زمان ما - فلا يحكم بتأثير طلاقهم البدعي.

و خلاصة الكلام: إقرارهم على معاملاتهم وسائر شؤونهم يدور مدار تعدّد الدين و وحدته.


1) الفقيه 3: 462 و 3: 472، تهذيب الأحكام 6: 350، وسائل الشيعة 5: 121 و 19: 72 و 75 و 20: 561 و 21: 76.

2) قال العلامة المجلسي: بل يظهر من كثير من الروايات أن المخالفين في حكم المشركين و الكفار في جميع الأحكام لكن أجرى الله في زمان الهدنة حكم المسلمين عليهم في الدنيا رحمة للشيعة لعلمه باستيلاء المخالفين و احتياج الشيعة إلى معاشرتهم و مناكحتهم و مؤاكلتهم . [بحار الأنوار 63: 16]

في التعامل بین الشیعة و السنة

و الظاهر أنّ ما ذكرنا في الكفّار يجري في المخالفين(1)من جهتين:

الأولى التعامل المالي مع المخالفين كالبيع والشراء والإيجار وسائر العقود المالية.

والثانية التعامل مع المخالفين من حيث العلاقات الزوجية و أشباهها.

فإنّه من الواضح أنّ الشيعي لو يلاحظ القوانين المجعولة في الشريعة المقدّسة على ضوء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) قد يقع في المحذور عند التعامل مع المخالف، فإنّه قد يكون بعض الأسباب الموجبة للتملك عندهم غير موجبة عنده، أو يكون الشيء مما فيه حق الإمام (عليه السلام).

فلو قلنا بلزوم مراعاة الشيعي للقوانين الأوّلية يلزم منه التضييق الاقتصادي على الشيعي، فإنّه منذ تلك الأزمنة و إلى يومنا هذا هناك تعامل مالي بين الشيعة و السنّة في مختلف المجالات، بل ربما كانت الأسرة الواحدة متكوّنة من مختلف الأفراد من حيث المذهب في تلك الأزمنة، فلو قلنا بلزوم مراعاة القوانين الأوّلية لزم منه تحديد معاملاتهم تحديداً ضيّقاً.

و كذلك إذا قلنا بلزوم مراعاة القوانين الأوّلية في باب النكاح، فإنّ شراء الإماء كان متداولاً في تلك الأزمنة، و من الواضح أنّ من الإماء فيها حقّ الإمام (عليه السلام) ولم يكونوا يؤدّون حقّه، و الزواج من المخالفة أيضاً كان أمراً متعارفاً، مع أنّ كثيراً من المخالفات قد تكون مطلّقات بالطلاق البدعي الذي لا يعترف به في فقه الشيعة، و أشباه ذلك.


1) الدرس الحادي عشر: الثلاثاء 13 رمضان المبارك 1407.

و من الظاهر أنّه لو لم يكن تجويز الأئمة (عليهم السلام) الارتباط معهم و إقرارهم على روابطهم المالية و الزوجية لوقع الشيعة في غاية الضيق و العزلة، مع أنّ المجتمع الشيعي في تلك الأزمنة لم يكن يتحمّل هذه العزلة، كما أنّ في زماننا هذا في كثير من الأماكن لا يتحمّل الشيعة هذه العزلة، فلهذا ما ذكرنا في الكفّار من الإقرار يأتي في المخالفين أيضاً.

و من المقطوع به أن بناء الشيعة كان على احترام الروابط، بمعنى أنّ الشيعة كانت تتعامل مع تلك الروابط معاملة الروابط الواقعية، و ذلك بتجويز من أئمة الهدى (عليهم السلام)، و يدلّ على ما ذكرنا بعض الروايات:

منها: سعد بن عبد الله عن أبي جعفر - و هو أحمد بن محمد بن عيسى - عن الحسن بن علي الوشاء عن أحمد بن عائذ عن أبي سلمة سالم بن مكرم - و هو أبو خديجة - عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رجل و أنا حاضر: حلّل لي الفروج؟ ففزع أبو عبد الله (عليه السلام)، فقال له رجل: ليس يسألك أن يعترض الطريق، إنما يسألك خادماً يشتريها أو امرأة يتزوّجها أو ميراثاً يصيبه أو تجارة أو شيئاً أعطيه، فقال: «هذا لشيعتنا حلال، الشاهد منهم و الغائب، و الميت منهم و الحي، و ما يولد منهم إلى يوم القيامة فهو لهم حلال، أما و الله لا يحل إلا لمن أحللنا له، و لا والله ما أعطينا أحداً ذمة و ما عندنا لأحد عهد و لا لأحد عندنا ميثاق»(1).


1) وسائل الشيعة 9: 544.

و منها: و عنه(1)عن (أحمد بن محمد)(2)عن أحمد بن محمد بن أبي نصر- عن أبي عمارة عن الحارث بن المغيرة النصري عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: إنّ لنا أموالاً من غلات و تجارات و نحو ذلك، و قد علمت أنّ لك فيها حقّاً، قال: «فَلِمَ أحللنا إذن لشيعتنا إلا لتطيب ولادتهم، و كلّ من والى آبائي فهو في حلٍّ مما في أيديهم في حقّنا، فليبلّغ الشاهد الغائب»(3).

و قد ورد في بعض الروايات أنّ حقوق الأئمة (عليهم السلام) أوسع من الخمس، فإنّ كثيراً من أموالهم كانت من الأراضي الخراجية، و من المعلوم أنّ الأراضي الخراجية للمسلمين، إلا أنّ المتصدّي لها هو خليفة المسلمين و من له حق الولاية، و من الواضح أنّ عامة الناس لم يكونوا يستأذنون الإمام (عليه السلام).

و منها: عن العلاء بن رزين أنّه سأل أبا جعفر (عليه السلام) عن جمهور الناس، فقال: «هم اليوم أهل هدنة تردّ ضالتهم، و تؤدى أمانتهم و تحقن دماؤهم و تجوز مناکحتهم و موارثتهم في هذه الحال»(4).

و ملخّص الكلام: أنّه كان بناء الأئمة الأطهار (عليهم السلام) على مخالطة الشيعة للعامة - كما يظهر من كثير من الروايات - ولم يكن بناؤهم على انعزال


1) أي محمد بن الحسن.

2) في التهذيب 4: 143: سعد بن عبد الله.

3) وسائل الشيعة 9: 547.

4) وسائل الشيعة 20: 561.

الشيعة في الشؤون الاجتماعية و السياسية، فالمخرج في ذلك هو بما ذكرنا من قاعدة الإقرار و تنزيل ملكية المخالف و أنكحتهم منزلة الملكية و الأنكحة الواقعية.

و لو تزوّج المخالف بالسبب الفاسد بين المسلمين فقد فهم بعض الأكابر من عبارة بعض الفقهاء: أنّ السبب إذا كان فاسداً بين المسلمين فمثل هذه الزوجية لا توجب الإرث.

و ذكر المحقّق: المسلم لا يرث بالسبب الفاسد إجماعاً فلو تزوج محرمة لم يتوارثا بهذا التزويج و إن فرض اشتباههما به(1).

و فهم من قوله: (اشتباهها به) أنّه لا يمكن ترتيب أثر الإرث في التزويج المخالف إذا كان السبب فاسداً عند الشيعي، و لعلّ ظاهر عبارة القواعد(2)و الشرائع هو ذلك، كما إذا كانت المتزوّجة أمّ المزني بها أو المختلقة من ماء الزاني، فإنّ العامة يقولون بجواز تزويج المختلقة من ماء الزاني و أمّ المزني بها.

إلا أنّ صاحب الجواهر حمل عبارة المحقق على موارد الاختلاف عند الشيعة، لا على موارد السبب الفاسد من المخالف، فقد قال: (فإنّه ليس له الحكم بمذهب المصحّح و إن جاز له نحو ذلك في المجوس و نحوهم مما لا أمر فيه بالإلزام، فلو ترافع مقلّدة مجتهد مثلاً يرى الصحّة عند مجتهد يرى البطلان حكم


1) شرائع الإسلام (جواهر الكلام 39): 325 وكلام المحقق هو: المسلم لا يرث بالسبب الفاسد فلو تزوج محرمة لم يتوارثا. شرائع الإسلام 4: 47.

2) قواعد الأحكام 3: 399.

عليهم بمقتضى مذهبه، و ليس له إلزامهم بما وقع منهم من التقليد قبل المرافعة)(1).

و هذا الذي ذكره صاحب الجواهر خلاف ظاهر عدّة من الفقهاء، إلا أنّ ما ذهب إليه هو الصحيح و أنّه يعامل الزوجيّة الواقعة من المخالف معاملة الزوجية الواقعيّة. هذا تمام الكلام في معاملة الشيعة مع سائر فرق المسلمين.

حکم عبادات المخالف إذا استبصر

و أمّا إذا استبصر المخالف فهل يجب عليه إعادة العبادات السابقة، وكذا ما ملكه بسبب العقود و الأسباب الفاسدة في الشريعة المقدّسة، أو أنّه لا تجب ويقرّ على ما كان إذا لم يكن بقاءً مقروناً بالمانع؟

لا إشكال في عدم وجوب العمل على وفق مذهب الشيعة في الروابط السابقة على الاستبصار، فمن باب المثال: لو طلّق المخالف زوجاته حسب الطلاق النافذ عند العامة - الباطل عندنا و الذي يعبَّر عنه بالبدعي - ثم تزوّج بزوجات أخرى، ثم استبصر، فهل يمكن القول بأنّ الطلاق بما أنّه كان بدعياً فهو غير واقع ولابدّ من ترك هذه الزوجات بما أنّها أزيد من المقدار المحدّد؟

لو كانت الأعمال السابقة على الاستبصار محكومة بالبطلان لذكرت في الروايات، و الحال أنّه لم يذكر في الروايات ما يشير إلى بطلان الأعمال السابقة مع كثرة الاستبصار في تلك الأزمنة، فكثير من رواة أحاديثهم كانوا من العامة ثم استبصروا.


1) جواهر الكلام 39: 325.

نعم يشترط في إقرار المخالف بعد استبصاره أن لا يكون ما أتى به مقروناً بالمانع بقاءً، فمثلاً: لو تزوّج المخالف بالمخلوقة منه من الزنا ثم يستبصر، فلا يوجد طريق لتصحيح هذه الزوجيّة.

و لعلّ ما ذكرناه من الواضحات، و تؤيد ما ذكرنا موثقة عمر بن أذينة قال: كتب إلي أبو عبد الله (عليه السلام): «أنّ كلّ عمل عمله الناصب في حال ضلاله أو حال نصبه ثم منَّ الله عليه و عرّفه هذا الأمر فإنّه يؤجر عليه و يكتب له إلا الزكاة، فإنّه يعيدها؛ لأنّه وضعها في غير موضعها، وإنما موضعها أهل الولاية، فأمّا الصلاة والصوم فليس عليه قضاؤهما»(1).

و ملخّص القول: إنّ ما ذكرنا في الكفّار يجري في المخالفين.

هذا تمام الكلام في هذه الطوائف السبع من الروايات، و ظهر أنّه لا يمكن استفادة قاعدة الإلزام منها، بل المستظهر منها قاعدتان أخرتان:

الأولى: قانون المقاصّة النوعيّة، و تدلّ عليه روايات عبد الله بن محرز و أيوب بن نوح و علي بن مهزيار.

الثانية: قانون الإقرار و احترام القوانين.


1) وسائل الشيعة 9: 217.

تنبيهات القاعدتين:

اشارة

يقع البحث في حدود و تنبيهات القاعدتين، و نحن نذكر أوّلاً الأمور المرتبطة بالمقاصّة النوعيّة، وقد تقدم في ضمن رواية عبد الله بن محرز قول زرارة: (إنّ على ما جاء به ابن محرز لنوراً)(1)أنّه من المحتمل قويّاً أن تكون الرواية مرتبطة بالمقاصّة النوعيّة، و قول زرارة هذا من باب الأخذ بشواهد الكتاب و السنّة، قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): «إنّ على كلّ حقّ حقيقة، و على كلّ صواب نوراً، فما وافق كتاب الله فخذوه، و ما خالف كتاب الله فدعوه»(2).

فلابدّ و أن نرى هل أنّ الشواهد تدلّ على المقاصّة النوعيّة أو لا؟

و قبل بيان الشواهد لا بأس بأن نقول: إنّ الفقهاء لم يتعرّضوا للمقاصّة النوعيّة، وإنّما تعرّضوا للمقاصّة الشخصيّة في كتاب القضاء، و من جملة ما استدلّوا لها قوله تعالى: فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ و الآية مسبوقة بقوله تعالى: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ فَإِنِ انتهوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ثم ذكر بعد آيات: الشَّهْرُ الحَرَامُ بِالشَّهْرِ الحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصُ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ.


1) وسائل الشيعة 26: 158.

2) وسائل الشيعة 27: 110.

و في الآية الشريفة جهات تقتضي المقاصّة بين قوم و قوم، لا بين شخص و شخص، كقوله تعالى: وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ و من الظاهر أنّ المخرجين - بالكسر - غير المخرجين - بالفتح - لأنّ بين الإخراج و فتح مكة المكرّمة مدّة طويلة، ولم يكن الأفراد نفس الأفراد، نعم المجتمع هو المجتمع.

و كذلك قوله تعالى: وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فيهِ فمن الواضح أنّ الأفراد الذين يبتدؤون بالمقاتلة عند المسجد الحرام ربما قُتل كثير منهم في أوّل الأمر و حينما يريد المسلمون قتالهم عند المسجد الحرام بإذن من الله ربما لا يكونوا نفس الأفراد، وكذا قوله تعالى: الشَّهْرُ الحَرَامُ بالشَّهْرِ الحرام.

و في جميع هذه الموارد المعارضة و المقاصّة بين المسلمين و المشركين، لا بين فرد و فرد، و يدلّ عليه قوله تعالى: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ و الآية الشريفة واردة في المثلة عندما كان المشركون يمثلون بالمسلمين، و من الواضح أنّ من يريد المسلم تمثيله غير الذي مثّل.

فروع قاعدة المقاصة النوعية

اشارة

و بعد ذكر هذه الشواهد على قاعدة المقاصة النوعية يقع البحث في الفروع المترتّبة عليها و موارد الاختلاف بين نظريّتنا و نظريّة من قال بقاعدة الإلزام أو قرّر قاعدة الإلزام بنحو من الأنحاء.

الفرع الأوّل:

الفرع الأوّل(1):

لا إشكال في أنّ أبا حنيفة - على ما نقل عنه - كان يرى إذا غصب شخص عيناً من شخص آخر يكون ضامناً للعين، و أمّا المنافع سواء أكانت غير مستوفاة أم كانت مستوفاة، وسواء أكانت من قبيل الأعراض كسكني الدار أم المنافع التي تحوّلت إلى الأعيان كثمرة النخل، وسواء أستوفى الغاصب المنافع أم استوفاها الغير بإجارة من الغاصب، فلا يضمن الغاصب هذه المنافع لصاحب العين، و هذا هو الذي قد يعبّر عنه الخراج بالضمان. و صحيحة أبي ولّاد واردة فيه، و استغرب الإمام (عليه السلام) هذه الفتوى و قال: «في مثل هذا القضاء و شبهه تحبس السماء ماءها، و تمنع الأرض بركتها»(2).

و في المجلة العدلية(3)

امتد إصدار المجلة قرابة ستة عقود. وقد تقلب وضعها خلال هذه العقود من دور كبير جداً شبيه بما تؤديه المحكمة العليا حالياً ثم تراجع وضعها مع تعنت فقهاء الحنفية في عدم الخروج عن المذهب مما دفع السلطنة لتوطين قوانين اقتصادية بالدرجة الأساسية أوربية وبعد تراجع أهميتها جرى تأصيل لأحكامها بما يسمى القواعد الفقهية تشبه ما يسمى حالياً الفقه القضائي. [المصدر: موسوعة ويكيبيديا]

التي كانت للعثمانيين وكانت بحكم قوانينهم في الدول الإسلامية توجد هذه المادة تحت رقم (550)(4).

1) الدرس الثاني عشر: الأربعاء 14 رمضان المبارك 1407.

2) وسائل الشيعة 19: 120.

3) أنشأت مجلة الأحكام العدلية بعد توقف حرب القرم الأولى بين المسلمين العثمانيين والروس والتي أدت إلى بقاء جالية إسلامية ضخمة تحت سلطة الروس فطلبت السلطنة العثمانية من الكنيسة الأرثوذكسية في موسكو تقنيناً واضحاً لكيفية معاملة الرعايا المسلمين مما دفع الروس للرد بالمثل فأنشأ السلطان عبد المجيد لجنة من الفقهاء الحنفية مع مساهمين من المذاهب الثلاثة الأخرى مراقبين لتقنين القضاء والأحكام الفقهية الإسلامية فصدرت مجلة الأحكام العدلية والتي هي مجموعة من التشريعات مكونة من ستة عشر كتاباً. أولها: كتاب البيوع وآخرها كتاب القضاء، صدر آخر أعدادها في فترة الخلافة العثمانية في شعبان سنة 1293 هجرية 1882 ميلادية. وإلى جانب التقنين الفقهي الإسلامي جرى تقنين لما يخص قضاء الأحوال المدنية في شؤون جميع الأديان والمذاهب في الدولة العثمانية.

4) المادة (550) في ضمان تلف الدابة، ونصّها: الدابة التي استكريت للركوب لا تحمل وإن حملت وتلفت يلزم الضمان وبهذه الحال لا تلزم الأجرة.

و في المقارنة بين الفقه الغربي و الفقه الإسلامي ذهب عبد الرزاق السنهوري في كتاب مصادر الحق إلى (أنّ فكرة الضرر في الفقه الإسلامي فكرة محدودة)(1)، و أساس هذا القول: الخراج بالضمان(2)، و الأجر و الضمان لا يجتمعان(3).

و إنّما قال بهذه المقالة من جهة عدم توجّهه إلى ما يقوله الآخرون.


1) مصادر الحق في الفقه الإسلامي 6: 138.

2) الخراج بالضمان، يعني أن من يضمن شيئاً لو تلف ينتفع به في مقابلة الضمان، مثلاً لورد المشتري حيواناً بخيار العيب وكان قد استعمله مدة لا تلزمه أجرته لأنه لو كان قد تلف بيده قبل الرد لكان من ماله.

3) قال في المادة (86) من مجلة الأحكام العدلية: الأجر والضمان لا يجتمعان.

و قد ردّ عليه الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في تحرير المجلّة في الجزء الأوّل(1)

و حيث تظافرت أخبار الإمامية عن أئمتهم أنّ الغاصب يضمن العين و المنفعة، وصحيحة (أبي ولاد) عندهم مشهورة معروفة، وقد تضمنت رد تلك الفتوى بأبلغ بيان، لهذا التزم فقهاؤهم بتأويل هذه الجملة المتقدمة، فحملها بعض أعلام المتأخرين على ما حاصله بعد توضيح و تنقيح منا: أنّ المراد بالضمان في النبوي هو الضمان الجعلي الاختياري؛ ضرورة أنّ كلّ عاقل إذا ضمن ملك الغير و جعل غرامة تلفه عليه فإنما يصنع ذلك بغرض استيفاء منافعه، فالخراج يكون له بسبب ضمانه الاختياري، لا الضمان القهري المجعول شرعاً، كضمان الغاصب، و لا الضمان التبعي، كضمان البائع درك المبيع و المشتري درك الثمن؛ ضرورة أنّ البائع هنا مع أنّه ضامن للمبيع و لكن منافعه ليست له، بل للمشتري، و هكذا في المشتري بالنسبة إلى الثمن، فإنّ الخراج هنا ليس بالضمان قطعاً.

نعم خراج الثمن للبائع بالضمان، أي بضمانه؛ لأنّ تلف الثمن عليه و من ماله، كما أنّ خراج المبيع للمشتري؛ لأنّه ضامن له و تلفه يكون عليه و من ماله، فليس المراد الضمان القهري، و لا التبعي، و لا الضمان التقديري، كما في (اعتق عبدك عني)، فإنّ الضمان عليه و منافع العبد ليست له.

فتعين كون المراد هو الضمان الجعلي الاختياري، كما في ضمان المعاملات و المعاطاة، فلا تصلح القاعدة دليلاً على عدم ضمان الغاصب للمنافع.

و يمكن أن يكون المراد منها أنّ خراج العين بسبب ضمانها، أي من كان تلف العين عليه و من ماله فخراجها و منافعها له، فيكون محصلها: أنّ خراج العين لمالك العين الذي لو تلفت العين كان تلفها عليه و من ماله، فيكون مفادها مفاد مادة (67) الغنم بالغرم، أي غرامة العين وتلفها على من تكون له منافعها و غنيمتها، و قد يعبر عنها بعبارة أخرى و هي: من له الغنم فعليه الغرم.

و من جميع ما ذكرناه يتضح لك وجه القدح في مادة (86) الأجر و الضمان لا يجتمعان، و الحق أنهما يجتمعان. و لا مانع من اجتماعهما عقلاً و شرعاً، فالمقبوض بالسوم أو بالعقد الفاسد يضمن العين قابضها و يعطى أجرة ما استوفاه من منافعها، و هكذا الغاصب و نظائره. [تحرير المجلة 1 (القسم الأوّل): 55-56]

و الثاني.

1) قال كاشف الغطاء ذيل المادة (85) (الخراج بالضمان) من تحرير المجلة: الظاهر أنّها كلمة نبوية كقاعدة اليد و أمثالها من جوامع كلمه القصار القليلة اللفظ الكثيرة المعنى. و المراد بالخراج ما يخرج من العين من غلة و منافع. و الظاهر ان الباء سببية، يعني: أنّ منافع العين تملك بسبب ضمانها. و لازم هذا أنّ كلّ من عليه ضمان العين فمنافعها له غير مضمونة عليه، و بهذا تمسك الحنفية لما ذهب إليه إمامهم من أنّ الغاصب لا يضمن ما استوفاه من منافع العين المغصوبة؛ لأنّه ضامن، وضمان العين لا يجتمع مع ضمان منافعها.

فذكر بعض(1)أنّه لو غصب شيعي عيناً من الحنفي فله أن يلزمه بما ألزم به نفسه ولا يدفع إليه ما يكون ضامناً له بحسب الفقه الشيعي، و ذلك من جهة قاعدة الإلزام: «ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم»(2)و «يجوز على أهل كلّ ذي دين ما يستحلّون»(3).

و نحن أيضاً نقول بذلك، إلا أنّه من باب المقاصّة النوعيّة.


1) القواعد الفقهية للبجنوردي 204:3.

2) وسائل الشيعة 26: 320.

3) الاستبصار 4: 148.

و يشترط في المقاصّة النوعيّة أن يكون الحكم بعدم الضمان للمنافع جارياً على الشيعي و السني - كما في زمان العثمانيين - فيجوز للشيعي الأخذ منهم كما يأخذون من الشيعي.

و أمّا إذا لم يكن الحكم نافذاً على الشيعة بأن كان الحكم بيد الشيعة أو كان الحكم بيد غير الشيعة إلا أنّ الحكم كان غير هذا فلا يجوز؛ و ذلك لعدم صدق و انطباق رواية عبد الله بن محرز و صحيحتي علي بن مهزيار و أيوب بن نوح.

فما ذكروه من جواز عدم إعطاء الأجر فيما إذا كان الغاصب شيعياً و المغصوب منه حنفياً غير صحيح على إطلاقه، و الصحيح ما ذكرناه من نفوذ هذا الحكم في حقّ الشيعي فيما إذا كان القانون المطبق في زمانه يقر بذلك الحكم على الشيعي و غيره، و حينئذ يجوز ذلك من باب المقاصّة النوعيّة. و أما إذا لم يكن نافذاً فلابدّ من الالتزام بالضمان و الأجر.

الفرع الثاني:

إذا مات كافر و كان له أولاد ثلاثة: أحدهم كافر و الآخر سني و الثالث شيعي، فقيل بأنّ الإرث ينتقل إلى الشيعي بتمامه؛ وذلك لأنّه لا يرث الكافر مع وجود الوارث المسلم، فجميع ما ترك يكون لأولاده المسلمين.

إلا أنّ أهل السنة يقولون بأنّ المسلم لا يرث من الكافر، و معنى ذلك أنّ جميع إرثه يكون لولده الشيعي من باب قاعدة الإلزام و من باب قاعدة حجب المسلم، و هذا ما ذكره العلامة البلاغي(1).


1) موسوعة العلامة البلاغي (الرسائل الفقهية) 7: 278.

و أمّا بناءً على المقاصّة النوعيّة اعتماداً على رواية ابن محرز و صحيحتي علي بن مهزیار و أيوب بن نوح فما يستفاد من الروايات هو أنّه لو كان هناك قانون يطبق على الجميع كقانون التعصيب، ففي مثل ذلك بلحاظ أنّهم يأخذون منّا يجوز لنا الأخذ منهم مقاصّة.

و أمّا قانون: (المسلم لا يرث الكافر) بما أنّه من القوانين التي هي بنفع الكافر دائماً؛ إذ لا يفرق فيه بين كون الوارث شيعياً أو سنّياً، أي أنّه على هذا القانون كما لا يجوز للسني أخذ بعض المال من باب الإرث، كذلك لا يجوز للشيعي بحسب حكمهم، و مثل هذا القانون طبعاً يكون خارجاً عن موضوع المقاصّة النوعيّة، فإنّهم لا يأخذون منّا حتى يقال بجواز الأخذ منهم مقاصّة.

مضافاً إلى أننا قلنا باشتراط السيطرة في التنفيذ في المقاصة النوعية، فلو كانت السيطرة لأهل السنّة فلا يعطى من المال شيء، لا إلى الشيعي و لا إلى السني، بل يعطى المال كلّه للكافر تنفيذاً لقانون (المسلم لا يرث الكافر).

و أمّا إذا لم يكن لأهل السنّة سيطرة بأن كانت السيطرة بيد الشيعة، فلابدّ من تقسيم ما ترك إلى قسمين، نصف المال يكون للأخ السني، و لا وجه لإلزام الأخ السني، و عدم إعطائه من الإرث من باب المقاصّة النوعيّة؛ لأنها تقتضي المنع أو الأخذ منهم فيما إذا كانوا يأخذون منّا.

و لا من باب قاعدة الإلزام، فإنّه يمكن أن يقال بأنّ قوله (عليه السلام): «ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم» على بعض التقريبات ما هو ملزم به هو عدم إرثه من الكافر، أي بلحاظ عقده السلبي نلزمه، و أما بلحاظ عقده

الإيجابي و أنّه من يرث، فلا تدلّ هذه الرواية على تملك الشيعي للإرث من باب قاعدة الإلزام.

كما يمكن الاستدلال برواية الاستحلال - «يجوز على أهل كلّ ذي دين ما يستحلّون» - بناء على التفسيرين المرتبطين بالمقام.

فإن قيل: نلزم الأخ السني بما يستحلّ.

قلنا: فهو لا يستحلّ الإرث، لا لنفسه و لا لنا.

و إن قيل بالتفسير الذي قال به العلامة البلاغي - و هو أنّه يجوز عليهم المانعيّة أو الرافعية - فما يرى السني من مانعية الإسلام للإرث من الكافر تجوز عليه، و إرث الأخ الشيعي جميع المال على وفق القوانين العامة.

و لكن هذا خلاف الظاهر، كما تقدّم.

فظهر أنّه على المقاصّة النوعيّة، وكذا على بعض التفاسير لرواية الاستحلال لا يجوز للطرف الشيعي إلا نصف المال، نعم على بعض تفاسير رواية الاستحلال و قاعدة الإلزام يجوز للشيعي أخذ تمام المال.

الفرع الثالث:

مسألة التعصيب، و من الواضح أنّ أهل السنة يقولون بالتعصيب خلافاً للشيعة.

فبناء على المقاصّة النوعيّة فالظاهر من الروايات الثلاث المتقدمة - رواية ابن محرز و علي بن مهزیار و أيوب بن نوح - هو أنّ نفس القانون الذي ينفّذ علينا و به يؤخذ منّا ينفّذ على أهل السنة و يؤخذ منهم، فإن كان قانون التعصيب نافذاً

يجوز للشيعي الأخذ من باب التعصيب من باب المقاصّة النوعيّة و إن كان أقرب منه رحماً موجوداً، كما كان الشيعي ابن عمّ الميت و له خال.

وأمّا بناء على قانون الإلزام و رواية الاستحلال على تقريبها بغير الوجه الذي ذكره العلامة البلاغي تكون النتيجة جواز الأخذ من باب التعصيب.

و أمّا بناء على ما ذكره العلامة البلاغي فلا يرثه الشيعي فيما إذا كان للميت من هو أقرب رحماً، كما لو كان له خال، فإنه يرثه و إن كان سنياً، ولا يرثه الشيعي من باب التعصيب.

توضيح ذلك: أنّ المستفاد من قاعدة الإلزام و رواية الاستحلال هو العقد السلبي، أي أنّ المانعية التي يراها السني و يقول بها قد أمضاها الشارع، فهو ملزم بما يقول بأنّه ليس لي، و لا يمكن استفادة أكثر من ذلك من الروايات.

ثمّ بعد ذلك نرجع إلى القواعد العامة، و القانون العام في الإرث هو: الأقربية إذا كانت في البين مانعية و إن كانت المانعية مجعولة بالعنوان الثانوي، كما في المقام، فإنّه لما كان يعتقد بأنّه لا يرث أكثر من النصف فيرثه الأقرب، سواء أكان شيعياً أم سنياً، فقد ذكر العلامة البلاغي في رسالته: (فلو ترك الميت - مثلاً - بنتا، و ابنَ ابنِ عمّ - مثلاً - و خالاً - مثلاً - فالزائد للخال على ما ذكرناه في المقام الأول ومنعناه في المقام الثاني.

نعم، إن كان الخال منهم، أُلزمَ بأنّه لا يستحقّ شيئاً، ويكون الزائد لابن ابن العمّ و إن كان منهم.

نعم، لو كان الأخوال الذكور أو الإناث أو الملفّق منها بعضهم منّا و بعضهم منهم، أُعطي الزائد المذكور لمن هو منّا، وسقط الذي هو منهم.

والوجه في ما ذكرناه هو: أنّه غاية ما يستفاد من أحاديث الباب هو أنّ التديّن بعدم الاستحقاق للزائد يكون - بحسب الإلزام - مانعاً له عن استحقاقه له كسائر موانع الإرث، فيكون لمن يرث بسبب منعه بحسب الحكم الأوّلي، سواءً أكان منّا أم منهم ما لم يكن متديّناً بعدم استحقاقه، كما ذكرناه في الخال الذي هو منهم)(1).

الفرع الرابع:

الفرع الرابع(2):

أنّه بناء على المشهور من حرمة أخذ الربا من الذمي، هل يمكن بعد وقوع المعاملة أخذ الربا منه، و تصحيحه إمّا بقانون المقاصّة النوعيّة أو بقانون الإلزام أو الاستحلال أم لا؟

ذكر السيد الخوئي (أيّده الله) في منهاج الصالحين: الأظهر عدم جواز الربا بين المسلم و الذمي، و لكنّه بعد وقوع المعاملة يجوز أخذ الربا منه من جهة قاعدة الإلزام(3).

و ذكر في كتاب الخمس من مستند العروة: (نعم، بعد الارتكاب و أخذ المال يجوز التصرّف فيه ولا يجب الردّ، عملاً بقاعدة الإلزام، حيث إنّهم يسوّغون هذه المعاملة فيؤخذون بما التزموا به على أنفسهم)(4).


1) موسوعة العلامة البلاغي (الرسائل الفقهية) 7: 277 - 278.

2) الدرس الثالث عشر: السبت 17 رمضان المبارك 1407.

3) منهاج الصالحين 2: 54، مسألة 219.

4) المستند في شرح العروة الوثقى (موسوعة الإمام الخوئي 15): 22.

و هل يمكن الحكم بجواز أخذ الربا بعد وقوع المعاملة عملاً بقانون المقاصّة النوعيّة بدعوى أن نأخذ منهم الربا كما يأخذون منّا أو لا يمكن الحكم بجواز الأخذ؟

فنقول: إنّه من الممكن المناقشة في شمول قانون المقاصّة النوعيّة للمقام، و ذلك لأنّ المقاصّة النوعيّة موردها ما إذا كان ما يأخذون منّا أمراً قانونياً و ينطبق موضوعه قهراً علينا و عليهم، فيقع الكلام في جواز الأخذ و عدم الأخذ.

فحَكَمَ المشهور بجواز الأخذ من باب قاعدة الإلزام، و نحن أيضا نقول بجواز الأخذ إلا أنّه من باب المقاصّة النوعيّة.

و أمّا إذا لم يكن كذلك، بل كان الأخذ منّا بسبب الالتزام المعاملي، فبما أنّ الشيعي الذي وقع طرف المعاملة الربوية التزم على نفسه بإعطاء الربا، فلذا يأخذ الذمي منه، فهذا الأخذ من باب إلزامنا على الوفاء بالعقد، و ليس من باب وجود قانون و أنّهم ابتداءً يأخذون منّا، كما في التعصيب و أشباهه كأخذ الشفعة بالجوار، فلا تشمله أدلة المقاصة النوعيّة.

و هكذا إذا كانت المعاملة الربوية بين الشيعي و السني، فإنّ أهل السنة يقولون بجواز ربا الفضل وفاقاً لابن عباس(1)

عن أبي الجوزاء قال سمعته يأمر بالصرف - يعني ابن عباس - ويحدث ذلك عنه ثم بلغني أنه رجع عن ذلك. فلقيته بمكة فقلت إنه بلغني أنك رجعت قال: نعم إنما كان ذلك رأياً مني وهذا أبو سعيد يحدث عن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم أنه نهى عن الصرف. [مسند أحمد 3: 51 و سنن ابن ماجة 759:2 واللفظ له]

- و ربا الفضل هو الربا بين الجنس

1) والعمل على هذا - أي على حرمة ربا الفضل - عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم و غيرهم، إلا ما روي عن ابن عباس أنّه كان لا يرى بأساً أن يباع الذهب بالذهب متفاضلاً، والفضة بالفضة متفاضلاً، إذا كان يداً بيد. وقال: إنما الربا في النسيئة. وكذلك روي عن بعض أصحابه شيء من هذا. وقد روي عن ابن عباس أنّه رجع عن قوله حين حدّثه أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه [و آله] وسلم. [سنن الترمذي 356:2]

الواحد(1)- فأخذهم منّا الفضل ليس من باب تطبيق قانونهم قهراً علينا، بل يؤخذ من الشيعي من باب التزامه بإعطاء الفضل، و قوله (عليه السلام): «خذوا منهم كما يأخذون منكم في سنتهم و قضاياهم» لا يشمل المقام، فإنّ الظاهر من قوله (عليه السلام) ما إذا كان قانونهم ينطبق علينا قهراً، وأمّا إذا كان إعطاء الزيادة و أخذهم لها مرتبطاً بالتزام المتعاقدين و تعهّد كلّ من المتعاملين في قبال الآخر، فحينئذ إنّما يأخذون الزيادة من باب التزام الطرف المقابل بدفع الزيادة، فهذا ليس بأخذ قهري، و لا يكون مجوّزاً للأخذ منهم.

و بعبارة أخرى: قانون المقاصّة النوعيّة يقتضي جواز الأخذ منهم فيما إذا كنّا معتدى علينا من جهة تطبيق قانونهم علينا قهراً، و في هذا الفرع ليس من ناحيتهم اعتداء و لا تطبيق قهري لقانونهم علينا، فدليل المقاصّة النوعيّة لا


1) ربا الفضل هو التفاضل في الجنس الواحد من أموال الربا إذا بيع بعضه ببعض كبيع درهم بدرهمین نقداً أو بيع صاع قمح بصاعين من القمح ونحو ذلك. و وجه تسميته بذلك هو فضل أحد العوضين على الآخر.

يشمل مثل هذا الفرع، سواء أكان الطرف المقابل من أهل الذمة أم من أهل السنّة، فلا يمكن تصحيح الأخذ منهم - بعد وقوع المعاملة - من باب المقاصّة النوعيّة.

و أمّا على ضوء قاعدة الإلزام فهل يمكن تصحيح الأخذ بعد وقوع المعاملة أو لا؟

و الظاهر أنّه لا يتمكن السيد الخوئي (أيّده الله) من تصحيح الأخذ بعد وقوع المعاملة من باب قاعدة الإلزام، لوجوه:

أوّلاً: ما دلّ على الإلزام ضعيف سنداً، فإنّ الرواي هو علي بن أبي حمزة، و هو ضعيف من وجهة نظر السيد (حفظه الله)(1)كما هو مخدوش من وجهة نظرنا أيضاً.

و ثانياً: أنّه لم يثبت متن الرواية بهذه الصورة، و الذي ثابت هو في خصوص الطلاق، والضمير راجع إلى المطلّقين ثلاثاً، لا إلى أهل السنّة.

و ثالثاً: تعميم قاعدة الإلزام إلى الذمي ليس له وجه صحيح.

و رابعاً: هذا متوقّف على جواز الربا في مذهبهم حتى يكون داخلاً في الإلزام الديني، و من الواضح أنّ الإلزام الشخصي ليس بمعيار، و إنّما المعيار هو إلزامهم على وفق مسلكهم و مرامهم، و نحن لا نعلم جواز الربا أخذاً وعطاءً عند اليهود والنصارى.


1) معجم رجال الحديث 12: 245 - 246.

و الظاهر أن هذه المسألة من المسائل المشتركة في جميع الأديان السماوية، فإنّ قوله تعالى: فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ الله كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِل وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا(1)يدلّ على أنّهم كانوا منهيين عن أكل الربا، و السيد الخوئي (أيده الله) ربما كان ملتفتاً إلى هذا الإشكال حيث قيّد في رسالته المسائل المنتخبة بأنّه: إذا كان من مذهبهم جواز أخذ الربا(2).

و هل يمكن التمسك بقاعدة الاستحلال لتصحيح أخذ الربا بعد وقوع المعاملة أو لا؟ فإنّ السيد الخوئي (أيده الله) حينما كان يُشكل عليه بأنّ قاعدة الإلزام لا أساس لها و لا وجه للتمسّك بها كان يتمسّك بقاعدة الاستحلال، و قاعدة الاستحلال هي موثقة محمد بن مسلم «يجوز على أهل كلّ ذي دين ما يستحلّون» بتقريب: أنّهم يرون أخذ الربا حلالاً فيجوز لنا أخذ الربا منهم.

و هذا الذي كان السيد الخوئي (أيده الله) يذكره خارج البحث يرد عليه - مضافاً إلى الإشكالات السابقة - من قصور الرواية لإثبات الاستحلال، أي أنّ المحرّم لا يصير حلالاً بمجرد استحلال قوم في دينهم الفاسد، وكون أحكامهم حاكمة على أحكامنا مستغرب.

و مع اختلاف النسخ و اختلاف التفاسير فهذه الرواية لا تتلائم مع هذه الفتوى؛ إذ في الفتوى تفكيك بين الحرمة التكليفية و الوضعية، فإنه التزم بعدم


1) سورة النساء: 160 - 161.

2) المسائل المنتخبة.

جواز المعاملة الربوية مع أهل الذمة و أنها محرمة بالحرمة التكليفية، و لكن بعد وقوعها ذهب إلى جواز أخذ الربا منهم.

و هذا الإشكال لا يجري في قاعدة الإلزام ، و لكن يجري في ما إذا كان المستند هو قاعدة الاستحلال، فكان ينبغي له أن يقول بالجواز في الموردين كليهما، أي في الحكم التكليفي و الوضعي.

الفرع الخامس:

في أنّه إذا كان قانون المخالفين هو الحاكم على البلد بأن كان قانون التعصيب مثلاً من قوانين الدولة و كان نافذاً على الشيعي و السني، فهل يجب في هذه الصورة على الشيعي إعطاء التعصيب إلى أهل السنة كما يأخذ منهم أو لا؟

و على فرض أخذ السني مالاً من باب التعصيب هل يجوز للشيعي الشراء منهم؟ أو على فرض أخذ المال من الشيعي قهراً من باب التعصيب هل يجوز شراء هذا المال منهم أو لا؟

و هذه المسألة تتوجّه سواء أقلنا بقاعدة الإلزام أم بالمقاصّة النوعيّة.

ذكر صاحب أنوار الفقاهة(1)أنّه (و لو كان المأخوذ منه مؤمناً فهل يجب عليه الدفع؟ الظاهر أنّه لا يجب الدفع إليهم مهما أمكن)(2).


1) الشيخ حسن و هو من أكابر الفقهاء وكان معاصراً لصاحب الجواهر. (الاستاذ دام ظله)

2) أنوار الفقاهة (كتاب الميراث): 30.

و لعلّ ما عبّر به من الظاهر من جهة أنّ المقاصّة النوعيّة دورانية، فكما يأخذ لابدّ و أن يعطي، فبما أنّه كان في ذهنه المقدّس ذلك لم يجزم بالحكم، و إلا على القاعدة لابدّ من الحكم بعدم الوجوب جزماً؛ وذلك لأنّ أخذهم منّا ينطبق عليه عنوان الاعتداء، و أخذنا منهم ينطبق عليه عنوان المقاصّة، فبما أنّه مقاصّة جائز، فلا يجب علينا دفع المال إلى المعتدي، و لا وجه لاشتراك الشيعة و إسهامهم في القانون الذي على غير الموازين بدفع المال من باب التعصيب.

ثمّ قال: (و لو دفعه إليهم قهراً ففي جواز تناوله من المدفوع إليه و شرائه وجهان، لا يبعد الجواز)(1).

و أشكل عليه العلامة البلاغي: (نعم، ما يأخذونه - على مذهبهم. - ممّن هو منّا لا يجوز التصرّف به بشراء أو نحو ذلك مطلقا، فإنّ غاية مفاد الأحاديث هو إلزام المتديّن و الجواز عليه. و أين ذلك من الأخذ منّا على خلاف الحكم الواقعي؟! فمن الغريب ما تقدّم نقله من أنّه لا يبعد الجواز!)(2)

و يمكن أن يكون وجه كلام صاحب أنوار الفقاهة أمرين:

الأمر الأوّل: أنّ المقاصّة النوعيّة شبيهة بالمقاصّة الشخصيّة، فإنه قد ذكرها في المقاصّة الشخصيّة، كما ذكر في ملحقات العروة من أنّه بعد المقاصّة هل يكون المال حلالاً للغاصب؟ و يكون هذا معاوضة قهرية أو أنّه يبقى المال حراماً عليه؟


1) المصدر نفسه.

2) موسوعة العلامة البلاغي (الرسائل الفقهية) 7: 278.

اختار السيد الطباطبائي(1)

الظاهر حصول التعاوض بين ما أخذه مقاصّة وبين حقّه الّذي عند المقتصّ منه أو في ذمّته فتبرأ ذمّته إذا كان المال ديناً عليه ويملكه إذا كان عيناً، لأنّ المفروض أنّ المقاصّ يملك ما يأخذه عوض ماله، فلا يبقى المعوّض في ملكه، وإلّا لزم الجمع بين العوض والمعوّض. ولا وجه لما يظهر من المستند [انظر مستند الشيعة 17: 452]: من بقاء العين على ملك المقاصّ ومنع كون ما يأخذه عوضاً عن ماله بل هو أمر جوّزه الشارع عقوبة. ثمّ منع عدم جواز الجمع بين العوض والمعوّض ؛ إذ المفروض أنّه يأخذه بعنوان العوضيّة من ماله لا بعنوان العقوبة، مع أنّ لازم ما ذكره جواز عتقه للمقاصّ إذا كان عبداً أو جارية وجواز نقله إلى الغير. ولا يمكن الالتزام بذلك، وأيضاً لازم ما ذكره عدم براءة ذمّة المقتصّ منه من الدين أيضاً، مع أنّه صرّح بسقوط حقّه بعد التقاصّ واقعاً.

أنّه يحلّ له المال بعد المقاصّة، و لا يمكن الجمع بين العوض و المعوّض، و نقل عن صاحب المستند بأنّه لا يحلّ له المال بعد المقاصّة(2)، و لعلّ وجه كلامه أنّ هذا اعتداء حدوثاً و بقاء.

فلو قلنا بأنّ الأظهر في المقاصّة الفردية هو الحليّة بعد المقاصّة، وقلنا بأنّ حكم المقاصّة النوعيّة هو حكم المقاصّة الشخصيّة، فيجوز الشراء منه، فإنّ أخذ الشيعة منهم في قبال أخذهم من الشيعة، و الأفراد منحلّة في المجتمع و ينظر إلى الأفراد بالنظر الاجتماعي.

إلا أنّ هذا الحكم على فرض صحّته في المقاصّة الشخصيّة - كما لا يبعد - لا يكون صحيحاً في المقاصّة النوعيّة؛ وذلك لأنّ أخذنا منهم لا يخرجه عن


1) قال السيد اليزدي في العروة الوثقى 6: 718، في المقاصّة، المسألة 7

2) انظر مستند الشيعة 17: 452.

الاعتداء، وأخذهم و أخذنا لا يشكّل معاوضة، فهل أنّ ما أخذه الشيعي قبلاً أو ما يأخذه فيما بعد يكون عوضاً؟

الأمر الثاني: التمسك بالإقرار، فإنّ السني حينما يأخذ شيئاً من باب التعصيب لا يأخذه بعنوان الاعتداء و الغصب، بل أخذ بالسبب الموجب للتملّك عندهم، فحكم هذا المال حكم سائر الأموال، فكما يجوز شراء ما أخذ من باب التعصيب إذا كان المأخوذ منه عامياً، كذلك يجوز شراء ما أخذ من الشيعي، و هذا نظير ثمن الخمر و الخنزير الذي حصل عليه الذمي.

إلا أنّه مع ذلك لابدّ من إثبات استقرار السيرة على ذلك، فإنّ السيرة قائمة على الإقرار فيما إذا لم يعلم من أين حصل له ذلك أو علم بحصوله من الطرق المشروعة عندهم، و أمّا إذا علم بحصول المال من الطريق غير المشروع من وجهة نظرنا، فهل في مثل ذلك السيرة قائمة أيضاً؟ لا يبعد ذلك.

الفرع السادس:

اشارة

الفرع السادس(1):

هو أنّه بما أنّ الحنفية والشافعية لا يقولون بخيار الغبن، فيمكن للإمامي إذا كان غابناً أن يلزم الحنفي أو الشافعي المغبون بعدم الخيار.

و نحن نقول بأنّه لابدّ أوّلاً من ملاحظة المختار في خيار الغبن حتى نرى أنّ عدم خيار الغبن للحنفي أو الشافعي من باب قصور المقتضي أو من جهة وجود المانع.


1) الدرس الرابع عشر: الأحد 18 رمضان المبارك 1407.

بحث في خیار الغبن

و البحث عن خيار الغبن مفصّل جدّاً، وقد تعرّضنا له في المكاسب، إلا أنّه لابدّ من الإشارة إلى منهجية تفكّر علماء العامة و العلماء الغربيين بالنسبة إلى خيار الغبن، ثمّ بعد ذلك نتعرّض لما اخترناه في المكاسب.

و لابدّ من التذكير بأنّ خيار الغبن ليس من مسلّمات فقه الإمامية، فقد أنكر ابن الجنيد ذلك، ولم يعدّ كثير من القدماء خيار الغبن من الخيارات(1)

و هو ثابت في قول الشيخ و أتباعه لكلّ من المشتري و البائع، إذا غبن بما لا يتفاوت به الثمن غالباً وقت العقد، مع جهله بالقيمة. ولا يتقدر بالغبن بغير العرف.

و لو دفع الغابن التفاوت، أو بذل للمغبون من الزبون، أو تصرّف فيه بما لا يخرجه عن الملك، أو بما يخرجه إذا كان المغبون البائع لم يزل الخيار، وحينئذٍ يلزمه قيمة الغبن لو فسخ، و ليس للبائع فسخ البيع الثاني، مع احتماله كالشفيع.

و ربما قال المحقّق في الدرس: بعدم خيار الغبن، و يظهر من كلام ابن الجنيد، لأنّ البيع مبنيّ على المكايسة و المغالبة، و لم نقف فيه على رواية سوى خبر الضرار و تلقّي الركبان، و في الخلاف لم يستند إلى الإجماع و لا إلى أخبار الأصحاب، و أكثر القدماء لم يذكروه، والأصحّ ثبوته و فوریّته متی علم به و بحکمه، و يعذر مع الجهل بأحدهما. [الدروس الشرعية في فقه الإمامية 3: 275]

، و من المتأخرين صاحب الحدائق و المحقّق السبزواري قد تردّدوا فيه، و نحن نقول بخيار الغبن على نحو الاحتمال. و الحنفية والشافعية لا يقولون به، و التعرّض لأقوالهم وكلماتهم موجب للتفصيل و التطويل، و نحن نكتفي بنقل عبارة من

1) قال الشهيد الأوّل و سادسها: خيار الغبن

كتاب (مصادر الحق) للسنهوري الذي ألّفه من جهة المقارنة بين الفقه الإسلامي و الفقه الغربي.

فقد قال في مصادر الحقّ: (الفقه الاسلامي لا يعرّض للغلط في القيمة إلا عن طريق الغبن، ثمّ هو في أكثر مذاهبه لا يعتدّ بالغبن و لو كان فاحشاً، الا إذا صحبه تغرير أو تدليس، و هو في ذلك يضحّي باحترام الإرادة في سبيل استقرار التعامل، و هذا هو شأن أكثر الشرائع الغربية، فقلّ أن تجد شريعة تعتدّ بالغبن إلا في حالات نادرة)(1).

و نحن نقول بأنّه يمكن تقسيم و تصوير الغبن بصور أربع، يثبت في بعضها الخيار وفي بعضها لا.

الصورة الأولى: أن يكون المنشأ بلحاظ أنّ ما انتقل إليه أقلّ مالية عمّا انتقل عنه مطلقاً بالاطلاق اللحاظي.

الصورة الثانية: أن يكون المنشأ باللحاظ المتقدّم ذا تقييد لحاظي، أي أنّه يقيّد بأن لا يكون ما انتقل إليه أقلّ مالية عمّا انتقل عنه.

الصورة الثالثة: أن يكون المنشأ مقيّداً بالتقييد الذاتي.

الصورة الرابعة: أن يكون المنشأ مطلقاً بالاطلاق الذاتي.

أما الصورة الأولى و هي الاطلاق اللحاظي، و معناه: أنّ المشتري يريد اشتراء هذا الشيء مُقدِماً على المعاملة مطلقاً مع انكشاف أنّ ما انتقل إليه أقلّ


1) مصادر الحق 2: 132.

ماليّة عما انتقل عنه، و ينشئ الملكيّة للطرف المقابل سواء أكان أكثر مالية أم لم یکن.

و محصّل الكلام: أنّ بناءه على الشراء بأي قيمة كان سواء أعلم بقيمته السوقية أم لم يعلم أم كان ظاناً بقيمته أم شاكاً، وهذا ما نعبّر عنه بالاطلاق اللحاظي، أي بما أنّه ملتفت و متوجّه إلى أنّ ما يريد شراءه ربما يكون أقلّ مالية و مع ذلك يُقدم على المعاملة و ينشئها على نحو الاطلاق، و هذا مما يكون في كثير المعاملات، كالمزاد العلني، فإنّه يقدم على الشراء بلحاظ كون هذا الكتاب في يده لا في يد فلان أو يقدم بلحاظ وجود مُشاكله عنده أو ما يكون متمّماً له، كما إذا كانت دورة كتاب عنده ناقصة، فقد يكون الجزء الناقص الذي يريد شراءه قيمته بخساً إلا أنّه يُقدم على شرائه بقيمة كبيرة لتكميل الدورة، فإذا كان مقدماً على المعاملة و إن كان ما انتقل إليه أقلّ قيمة عمّا انتقل عنه و منشئ للمعاملة على نحو الإطلاق، أي أنّه يُملّك الثمن إلى البائع مطلقاً و لو بعد انكشاف أنّ ما انتقل إليه أقلّ قيمة أو ولو بعد حصول الندامة، فنحن نلتزم بعدم ثبوت خيار الغبن.

و فقهاؤنا (قدس الله أسرارهم) و إن لم يعبّروا بهذا التعبير، إلا أنّهم قالوا بأنّ الخيار ثابت فيما إذا لم يكن المغبون عالماً بالقيمة، فإنّه لو كان عالماً بالقيمة فقد أقدم على الضرر.

ونحن قد أوضحنا في محلّه بأن العلّة تعمّم و تخصّص، و المعيار هو الإقدام، لا العلم، فمن أقدم على معاملة بأي نحو كان و أي قيمة، سواء أكان شاكّاً أم

ظاناً أم عالماً بالقيمة ليس له الخيار، لا أن يكون المعيار هو العلم بالقيمة، فإنّه قد تكون المعاملة ضررية، إلا أنّه بالدواعي التي يأتي بها ربما يكون موضوع الضرر منتفياً.

و أمّا الصورة الثانية و هي ما إذا كان المنشأ مقيّداً لحاظاً، كما إذا لم يكن المشتري عالماً بالقيمة، إلا أنّ البائع يخبر بأنّ هذا الجنس قليل الوجود في السوق و قیمته كذا، فيشتريه المشتري معتمداً على قول البائع بالقيمة، و شراؤه ذلك معتمداً على قول البائع في قوة التقييد اللحاظي، و مرجعه إلى أنّي أشتري هذا أو ألتزم بالمعاملة إذا كانت قيمته مثل ما قلت، و أمّا إذا ظهر بأنه متوفّر في السوق بأقلّ من هذه القيمة فلا ألتزم بالمعاملة، ففي هذه الصورة يثبت له الخيار، إلا أنّه خيار الشرط، لا خيار الغبن، فإنّ التزامه بالمعاملة إن كانت قيمته كذا في قوة الشرط الصريح.

و أمّا في الصورة الثالثة و هي ما إذا كان التقييد ذاتياً، كما إذا لم يكن المشتري عالماً بالقيمة ولم يقل البائع شيئاً - كالصورة الثانية - فاشترى شيئاً بقيمة عيّنها البائع من دون تغرير، و في هذه الصورة بما أنّ المرتكز في أذهان العقلاء هو أنّ البيع حقيقته المعاوضة بين الشيئين، فما لم تكن قرينة على المحاباة لابدّ من التحفّظ على الماليّة، إلا مما يتسامح فيه عرفاً، و مرجع ذلك إلى التقييد الذاتي، أي أنّ الشرط الارتكازي هو أنّي ألتزم بالمعاملة إن لم يكن ما انتقل إليّ أنقص مالية عمّا انتقل عنّي بما لا يتسامح فيه.

و هذا الشرط الارتكازي موجب لعدم إطلاق للبيع و انعقاد البيع مقيداً، و هذا التقييد ليس بالنسبة لأصل البيع، بل راجع إلى الالتزام، و مرجعه إلى أنّي ألتزم بالمعاملة إذا لم يكن ما انتقل إلي أقلّ مالية ممّا انتقل عنّي.

و هذا التقييد في مرحلة الارتكاز يمنع من تحقق الإطلاق اللحاظي، و الإطلاق - كما تقدّم - إنّما يتحقّق فيما إذا لم يكن مسبوقاً بمثل هذه المبادئ الارتكازية.

و في هذه الصورة ذهب أكثر المحققين من المتأخرين كالمحقق النائيني(1)و المحقق الإصفهاني(2)و المحقق الإيرواني(3)و السيد الخوئي(4)إلى أنّ أساس خيار الغبن هو الشرط الارتكازي. و هذا و إن كان صحيحاً من وجهة نظرنا، إلا أنّ لنا فيما ذهبوا إليه ملاحظة و تعليق، و هو أنّ مرتكز الأفراد إذا تغيّر بسبب القوانين المجعولة أو بسبب الأُنس مع الأحكام الدينية التي على خلاف هذا المرتكز، فلا يؤثّر هذا الشرط الارتكازي أثره، أي لا يكون له الخيار، كما إذا كان الشخص يعيش في أوروبا، و قد تقدّم في كتاب (مصادر الحق) بأنّه قلّما توجد شريعة تعتدّ بالغبن في الغرب، ونتيجة للعيش في تلك البلاد لم يكن هذا الشرط


1) منية الطالب 3: 107.

2) انظر: حاشية المحقق الإصفهاني على كتاب المكاسب 4: 237 و 242 تعليقة 148 و 154.

3) انظر: حاشية المحقق الإيرواني على كتاب المكاسب 3: 120 و 131.

4) مصباح الفقاهة 6: 292.

مرتكزاً في ذهنه، فحينئذ لم يكن له خيار الغبن؛ وذلك من أجل أنّ المبايعة في تلك البلاد في الحقيقة ليست هي معاوضة بين المالين مع التحفظ على المالية، بل عبارة عن فعاليته في تحصيل المال.

أو ارتكز في ذهنه بحسب القوانين المجعولة نتيجة للعيش في تلك المناطق، أو لأجل أمور أخر بأنّه لو كان ما انتقل إليه أقلّ ماليّة ممّا انتقل عنه فله حق استرداد المقدار الزائد. و عليه يكون له أخذ المقدار الزائد، و ليس له حق الفسخ من باب خيار الغبن، إلا مع عدم إمكان استرداد الزائد، و هذا كما إذا كان تحصيل شيء متوقفاً على الوقوف ساعة أو ساعتين أو أكثر، فإذا اشتراه بعد هذا التوقّف و الانتظار، وتبيّن له بأنّه بيع له بقيمة أكثر، ففي مثل ذلك ربما لا يكون الارتكاز على الفسخ، فإنّ الفسخ في مثل ذلك ينفع الغابن، بل المرتكز هو استرداد الزائد إذا أمكن، و إلا إمّا الرد و إما القبول.

فلا يمكن الحكم على نحو الإطلاق بأنّ خيار الغبن ناشئ من الشرط الارتكازي، بل لابدّ من بيان حدود الشرط الارتكازي.

فظهر أنّ في هذه الصورة يلتزم بالمعاملة، وإلا له الفسخ و يحكم بالخيار من جهة الشرط الارتكازي.

و أمّا الصورة الرابعة و هي ما إذا لم يكن هناك تقييد ذاتي؛ نتيجة للعوامل المتقدّمة، إلا أنّ عدم التقييد الذاتي لم يكن بحيث يوجب الإطلاق اللحاظي أو التقييد بشيء آخر، بل أوجب الإهمال، أي أنّه غير متوجّه حين المعاملة و ليس له الارتكاز المتقدّم، ففي هذه الصورة لابدّ و أنّ القانون يعيّن التكليف.

و الإطلاق الذاتي مما يتحقّق كثيراً في الوصايا و أمثاله، فإنّه ربما يوصي بمال للفقهاء، و هو غير متوجّه إلى أنّ الفقهاء ينقسمون إلى قسمين: أخباري و أصولي، و أمثال ذلك، و هذا الإطلاق إطلاق ذاتي، لا أنّه لاحظ القسمين و أنشأ الصيغة مطلقة.

و بما أنّ الحكم باللزوم في هذه الصورة ضرري فيمكن التمسك بقاعدة (لا ضرر)، و لعلّ الشيخ الطوسي و أمثاله ممّن تمسّك بلا ضرر فقط، لا بالشرط الارتكازي من جهة أنّ المجتمع في تلك الأزمنة لم يكن مرتكزاً في أذهانهم التقييد الذاتي الموجب لخيار الغبن؛ وذلك من جهة اختلاطهم مع الروميين و غيرهم ممّن لم يكونوا يعتقدون بخيار الغبن، فلم يكن التقييد الذاتي مرتكزاً بوضوح في أذهانهم، و لذا لم يعلّل الشيخ و أمثاله خيار الغبن بالتقييد الذاتي، فتمسّكوا لإثبات الخيار بلا ضرر.

فإذا ظهر حكم الصور الأربعة نقول: إنّ المغبون إذا كان حنفياً و كان مُقدِماً على المعاملة بأي قيمة كانت، ففي هذه الصورة لا خيار له على القاعدة؛ لما ذكرنا في الصورة الأولى.

و إن كان المغبون مغروراً من البائع، فالحكم بالخيار من جهة تخلّف الشرط. و الظاهر أنّ المنكرين الخيار الغبن يقولون بثبوت الخيار إذا كان تغريراً كما في مصادر الحق: (الا إذا صحبه تغرير أو تدليس)(1)، فهُم يقولون بالخيار من باب التغرير و نحن نقول به من جهة تخلّف الشرط.


1) مصادر الحق 2: 132.

و إن كان الحنفي المغبون قد أقدم على المعاملة على نحو التقييد الذاتي و بحسب ارتكازه، كما إذا كان الحنفي من القرى النائية ولم يكن عارفاً بأحكام دينه و اختلاف مذهبه عن سائر المذاهب، فاشترى شيئاً بحسب ارتكازه، ثمّ بان أنّه مغبون، فإن كانت شرائط المقاصّة النوعيّة موجودة نلزمه بمذهبه مقاصّة، و إلا فلا وجه لتحمّله الضرر.

و أمّا في مورد الإطلاق الذاتي و ما إذا كان القانون هو عدم ثبوت خيار الغبن، فلنا من باب المقاصّة النوعيّة - إذا كانت شرائطها موجودة - أن نقول بعدم ثبوت الخيار، وكما يأخذون منّا نأخذ منهم.

فظهر أنّ صورتي التقييد الذاتي والإطلاق الذاتي مرتبطتان بالمقام، و أمّا التقييد اللحاظي و الإطلاق اللحاظي فخارجان عن خيار الغبن.

و يشترط في الصورتين أن تكون شرائط المقاصّة النوعيّة موجودة و التي منها أن يكون القانون قانوناً سارياً على الجميع، أي على الشيعي و السني.

و مما ذكرنا من أنّ أكثر الأديان و الشرائع لا يقولون بخيار الغبن - كما يظهر ذلك من (مصادر الحق) و غيره - يظهر ما في كلام بعض الأكابر و غيره كشيخ الشريعة(1)

و يمكن الاستدلال لما نحن فيه بوجه آخر غير تلك الوجوه المذكورة و هو ان نقول:

ان ثبوت الخيار للمغبون انما كان على طبق القاعدة.

و تقرير ذلك: أنّ العقد المفروض قد وقع مقيداً بأنّ المبيع مساو للثمن الفلاني. و كلّ عقد مبني على قيد، يوجب تخلفه الخيار.

أمّا الصغرى فظاهر؛ لأنه لو علم عدم كونه مساوياً له لما يرضى بالعقد على الفرض. و معلوم أنّه لا فرق بين القيد اللفظي و القيد المفهومي الذي يستفاد من قرينة الحال أو المقال، لكونه قيداً حقيقة كما لا يخفى.

و أمّا الكبرى فكذلك أيضاً إذا القيد فيهما نحن فيه كغيره قيد للزوم العقد، لا نفس المعاملة، و إلا يوجب تخلفه بطلانها. [نخبة الأزهار في أحكام الخيار: 176]

وقال في قاعدة لا ضرر:

و اما الخيارات:

فجملة منها منصوصة عن أئمتنا (عليه السلام) مسطورة في محالها. وجملة منها تستند إلى فوات الشرط الضمني الذي يقضي به العرف في المعاملات، فإنّ بناء المتعاملين على البيع و الاشتراء بالقيمة المعتدلة و ما يقرب منها، و على التمليك و التملّك للمجموع لا للبعض منفرداً عن الآخر، و على سلامة المبيع من العيب، و على وجود الوصف المشاهد ذاتاً لا بالعرض و التدليس. [قاعدة لا ضرر: 30]

من أنّ ثبوت خيار الغبن لا ربط له بالشرط الارتكازي، بل هو من

1) قال شيخ الشريعة الإصفهاني عند استدلاله على ثبوت خيار الغبن في نخبة الأزهار: الدليل السابع: ثبوت الخيار على وفق القاعدة

الأحكام العقلائية، فإنّه كيف يمكن القول بأنّه من الأحكام العقلائية و الحال أنّ كثيراً من العقلاء لا يحكمون به؟

الفرع السابع:

الفرع السابع(1):

في أنّ المقاصة النوعيّة هل تختصّ بأهل السنة أو لا تختصّ بهم، بل كلّ جماعة أنفذوا أحكاماً على الشيعة يجوز للشيعة المقاصّة منهم بنفس ذلك القانون؟


1) الدرس الخامس عشر: السبت 24 رمضان المبارك 1407.

إنّ استفادة التعميم من ظاهر ألفاظ الروايات المتقدّمة مشكل، إلا بإلغاء خصوصية المورد و القول بأنّ الضابط الكلّي: «خذوا منهم كما يأخذون منكم» ثابت في مطلق الموارد و إن بيّن هذا الحكم في الموارد الخاصة؛ وذلك لأنّ الابتلاء غالباً في تلك الأزمان كان بالعامة.

و يؤيد التعميم قوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)(1)فإنّ هذه الآية واردة في ذيل الآيات المرتبطة بالمقاصة النوعيّة، و من الواضح أنّ طرف المسلمين هم المشركون، لا سائر الفرق الإسلامية . (وإطلاق وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ) و أشباه ذلك مؤيّد لمضمون الروايات التي يمكن تقويتها من باب الأخذ بشواهد الكتاب و السنّة، كما أنّ بناءنا على ذلك.

و عليه فاختصاص المقاصّة النوعيّة بأهل السنّة بعيد، مضافاً إلى أنّ بعض الروايات التي تفيد هذا المعنى، مثل ما في الوسائل عن العلاء بن الفضيل قال: سألته عن المشركين أيبتديهم المسلمون بالقتال في الشهر الحرام؟ فقال: «إذا كان المشركون يبتدئونهم باستحلاله ثمّ رأى المسلمون أنّهم يظهرون عليهم فيه و ذلك قول الله عز وجل (الشَّهْرُ الحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ)(2)و الروم في هذا بمنزلة المشركين لأنهم لم يعرفوا للشهر الحرام حرمة و لا حقّاً، فهم


1) سورة البقرة: 194.

2) سورة البقرة: 194.

يبدأون بالقتال فيه. و كان المشركون يرون له حقّاً و حرمة فاستحلّوه فاستُحلّ منهم، و أهل البغي يبتدأون بالقتال»(1).

و الظاهر من هذه الرواية المعيار ليس هو استحلالهم اعتقاداً، بل استحلالهم الخارجي لأمر محرّم، سواء أكانوا يعتقدون حرمته كالمشركين - فإنّهم كانوا يرون للشهر الحرام حقّاً و حرمة - أم لم يكونوا يرون ذلك كالروم، والعلّة المذكورة في الرواية تعمّم الحكم، وعليه فلا اختصاص للمقاصّة النوعيّة بأهل السنة، بل كلّ مخالف إذا كان مسيطراً علينا و كان قانونه نافذاً بالنسبة لنا فلنا أن نأخذ بهذا القانون فيما إذا كان في صالحنا، و ذلك من باب المقاصّة النوعيّة. هذا تمام الكلام في الأبحاث المرتبطة بالمقاصّة النوعيّة.

فروع قاعدة الإقرار

اشارة

و أمّا قانون الإقرار أو الإلزام على ما ذهب إليه المشهور فنذكر له فروعاً:

الفرع الأوّل:

أنّه إذا طلّق المخالف زوجته بالطلاق البدعي الذي هو نافذ بحسب اعتقاده و إن كان محرّماً بالحرمة التكليفية و فاسداً بحسب اعتقادنا- و من أهل السنة أيضاً من يقول بالفساد كابن تيمية(2)و ابن القيّم(3)، كما إذا طلّق زوجته في حال الحيض أو في طهر المواقعة أو بلا إشهاد إلى غير ذلك، كالطلاق هزلاً و في حال السكر - هل يحكم بالفساد أو لا يحكم به؟


1) وسائل الشيعة 15: 70-71.

2) انظر: مجموع الفتاوی 33: 72.

3) اعلام الموقعين 3: 33، وانظر: تهذيب السنن 3: 103.

لا إشكال في أنّ الطلاق البدعي فاسد بمقتضى الأدلّة الأوّلية، وذلك لدلالة روايات كثيرة على الفساد، مضافاً إلى دلالة الآية المباركة في الجملة على ذلك، إلا أنّ جماعة من فقهائنا استناداً إلى بعض الأدلّة قالوا بأنّه يمكن الحكم بالصحّة فيما إذا كان الطلاق البدعي صادراً ممن يعتقد نفوذه، فَحَكَمَ بعضهم بالصحّة الواقعيّة، أو الصحة من حيث جواز التزويج من المطلّقة بالطلاق البدعي من جهة قاعدة الإلزام أو من جهة قاعدة الإقرار.

و قد ذكرنا في أوّل البحث عن قاعدة الإلزام بأنّ هذه المسألة مما لم يتعرّض لها الجميع، وإنّما تعرّض لها بعض، فمثلاً لم يذكر الكليني (رحمه الله) الروايات الدالّة على جواز التزويج، و هكذا العلامة.

نعم، تعرّض لها الشيخ في التهذيب(1)مع أنّه لم يتعرّض لها في كتبه المعدّة للفتوى كالخلاف، وتعرّض لها المحقق في كتاب الطلاق(2)و ليس البحث فعلاً في الطلاق الثلاث.

نعم، من المتأخرين ادعى صاحب المسالك الإجماع على المسألة(3)، ولم نجد من المتأخرين مخالفاً في المسألة و إن نقل عن المتقدّمين الخلاف، كالفاضل المقداد في التنقيح(4).


1) تهذيب الأحكام 8: 47.

2) شرائع الإسلام 3: 10.

3) قال في المسالك :9 96 "ولا فرق في الحكم على المخالف بوقوع ما يعتقده من الطلاق بين الثلاث وغيرها مما لا يجتمع شرائطه عندنا ويقع عندهم، كتعليقه على الشرط، ووقوعه بغير إشهاد، ومع الحيض، وباليمين، وبالكناية مع النية، وغير ذلك من الأحكام التي يلتزمونها. وظاهر الأصحاب الاتفاق على الحكم."

4) التنقيح الرائع 3: 319.

و مستندهم في ذلك الروايات المتقدّمة التي لم تكن خالية من الخدشة دلالة أو سنداً، و الإجماع المحصّل ليس بمقطوع، بل و لا مظنون. نعم، من تعرّض للمسألة حكم بالصحّة في الجملة.

و يمكن تقسيم كلمات القائلين بالصحة أو في الجملة إلى احتمالات ثلاثة:

الاحتمال الأوّل: الالتزام بالصحّة الواقعيّة للطلاق البدعي الصادر من المخالف، سواء أكانت الزوجة مؤمنة أم غير مؤمنة، و القول بأنّ المستفاد من الروايات هو صحّة الطلاق بالعنوان الثانوي، أي أنّ اعتقاده بنفوذ الطلاق موجب لتأثير الطلاق، و هذا الحكم ذو مصلحة تكون مقدّمة على مصلحة الجعل الأوّلي، و عليه فطلاق المخالف صحیح و نافذ، سواء أراد التزويج بها مخالف أم مؤمن.

و هذا ما يظهر من العلامة البلاغي(1)و المحقق الشيخ حسين الحلي(2)و هو ظاهر كلمات جمع آخر.


1) موسوعة العلامة البلاغي (الرسائل الفقهية) 7: 275 الفرع الحادي عشر.

2) موسوعة العلامة البلاغي (الرسائل الفقهية) 7: 275 الفرع الحادي عشر.

و هذا الاحتمال مرجعه إلى نوع من التصويب و أنّ اعتقاد الصحّة موجب لتبدّل الواقع، ولابدّ للقائلين بهذا الاحتمال من إقامة دليل متين حتى يمكن الالتزام به.

الاحتمال الثاني: الالتزام بفساد هذا الطلاق، وبقاء الزوجية بجميع آثارها، أي أنّ جميع حقوق الزوجية كالنفقة و الكسوة و أمثالها باقية، و لكن مع ذلك يجوز للشيعي أن يتزوج منها من باب الإلزام.

و هنا يتوجّه سؤال و هو أنه كيف يجوز تزويج زوجة الغير؟

ربما يقال - كما قال السيد الحكيم(1)و بعض آخر - بأنّ هذا من قبيل استرقاق زوجة الكافر، فكما أن زوجيته تنعدم بالاسترقاق، كذلك تنعدم الزوجية بإجراء صيغة النكاح.

الاحتمال الثالث: الالتزام بأنّ الطلاق البدعي الصادر من المخالف المعتقد بنفوذ الطلاق يقرّ على طلاقه بما له من الآثار، أي أنّه للشيعي أن يتعامل مع هذا الطلاق معاملة الصحة، و يمكن التعبير عنه بالصحّة التنزيلية. و عليه فلو كانت الزوجة مؤمنة فلابدّ لها من إقرار زوجها على الطلاق و ترى نفسها مطلّقة، بمعنى أن تمتنع من الزوج وليس لها حقّ المطالبة بالنفقة و الكسوة بعد خروجها من العدّة فيما إذا كان الطلاق رجعياً، و في أثناء العدّة إذا كان الطلاق بائناً، و يمكن جعل نفسها في معرض خطبة الآخرين.


1) مستمسك العروة الوثقى 526:14.

و مرجع هذا الاحتمال إلى احترام قانون المخالفين، وليس معنى ذلك أنّه مطابق للواقع، بل بمعنى جواز ترتيب الآثار للشيعة سواء أكانت لهم أم عليهم، فلو كانت المطلّقة مؤمنة، فلها تزويج نفسها للغير أو جعل نفسها في معرض خطبة الآخرين، و ليس لها المطالبة بالنفقة و الكسوة إلى بقية الآثار. و هكذا لو كانت مخالفة.

و يظهر مما ذكرنا وضوح الفرق بين الاحتمال الثالث و الأوّل؛ إذ الاحتمال الأوّل هو الالتزام بوقوع الطلاق بالعنوان الثانوي، و على الاحتمال الثالث هو الالتزام بصحّة الطلاق و لو بالعنوان الثانوي.

و أمّا فرق الاحتمال الثالث عن الاحتمال الثاني هو أنّه يعتبر في الاحتمال الثاني أن تكون الآثار التي يريد الشيعي ترتيبها من الآثار التي تكون في ضرر المخالف و لصالح الشيعي، و أمّا الآثار التي تكون لصالح المخالف كعدم حقّ النفقة و أمثاله فهي مما لا يترتّب.

و هذه المسالك أو الاحتمالات الثلاثة لابدّ من حلّ مشكلة كلّ منها مع الروايات التي تدلّ على فساد الطلاق البدعي، فإنّه لم يفصّل في تلك الروايات بين الشيعي و السني، و بعد حلّ هذه المشكلة لابد من إقامة الدليل لكلّ منها.

أمّا الاحتمال الأوّل و هو الالتزام بالصحة الواقعيّة فيمكن أن يقال بأنّ هذا الاحتمال غير خال من الضعف من كلتا الناحيتين.

أما من الناحية الأولى فإنّ حمل الروايات الدالّة على الفساد على ما إذا لم يكن المطلق معتقداً صحّة الطلاق، مستبعد ثبوتاً و إثباتاً.

أما ثبوتاً فمن أجل أنّ اعتقاد صحّة ما هو فاسد لا يوجب تبدّل الواقع بحيث يكون ذا مصلحة متقدّمة على مصلحة شروط صحة الطلاق بنحو تحدّد شرطية الشرائط بغير مورد الاعتقاد بالخلاف، فإنّه أمر مستبعد في نفسه. و الروايات الصادرة عن الأئمة (عليهم السلام) في مقام الحاجة و كذا كلمات فقهاء الشيعة، و لا سيما المتكلّمين منهم - الذين ألّفوا في هذه المسألة رسائل - إنّما هو لتخطئة الاعتقاد الموجود، و أنّ هذا الطلاق مع الاعتقاد بالصحّة غير صحيح، فلو كان الطلاق صحيحاً بسبب اعتقاد الصحة فلا وجه للمنازعة و المحاجّة.

و أمّا إثباتاً فواضح؛ إذ لا موجب لحمل الروايات الدالّة على الفساد مطلقاً على صورة ما إذا لم يكن المطلّق معتقداً الصحة.

و أمّا من الناحية الثانية فإنّ القائلين بهذا القول استدلّوا بالروايات المتقدّمة التي استدلّ بها لقاعدة الإلزام، فمن الاستدلالات هو ما استدلّ به العلامة البلاغي، و هو رواية محمد بن مسلم: «تجوز على أهل كلّ ذي دين ما يستحلّون» و أنّ المراد بما يستحلّون هو الروافع و الموانع، و نحن قلنا عند التعرّض للرواية بأنّ هذا مما لا يمكن استظهاره من الرواية.

أو الاستدلال برواية عبد الله بن طاووس قال قلت: لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): إنّ لي ابن أخ زوَّجتُه ابنتي، و هو يشرب الشراب و يكثر ذكر الطلاق؟ فقال: «إن كان من إخوانك فلا شيء عليه، و إن كان من هؤلاء فأبنها

منه، فإنّه عنى الفراق» بتقريب: أنّ قوله: «فأبنها منه فإنّه عنى الفراق» معناه انعدام الزوجية.

و هذا الاستدلال كما ترى، فإنّ المؤثّر على الفرض إنّما هو اعتقاد الصحّة لا قصد الفراق، مضافاً إلى أنّه يمكن أن يكون مراده (عليه السلام) أنّ له حقّ الإبانة للطلاق الذي يعتقد المطلّق صحته، بمعنى: إقراره بما يعتقده، و الإبانة أثر من آثار الطلاق، و ليس معنى ذلك صحّة الطلاق.

و أمّا الاستدلال بذيل هذه الرواية «من دان بدين قوم لزمته أحكامهم» فأيضاً ضعيف؛ إذ ليس لازم ذلك صحّة الطلاق، بل يمكن أن يكون معناه ترتيب آثار الطلاق للغير، بمعنى إقرارهم، فليس في الرواية صراحة، بل و لا ظهور في صحة الطلاق.

و من الروايات التي استدلّ بها: رواية علي بن أبي حمزة - مع قطع النظر عن سندها - أنه سأل أبا الحسن (عليه السلام) عن المطلّقة على غير السنة أيتزوجها الرجل؟ فقال: «ألزموهم من ذلك ما ألزموا أنفسهم و تزوّجوهن، فلا بأس بذلك»(1).

و يمكن الجواب عنها بأنّ جملة: «ألزموهم من ذلك ما ألزموا أنفسهم» جملة تمهيدية، و التزويج جائز لنا بما أنّهم يعترفون بهذه الشريعة و بصحّة الطلاق، و لا يستفاد من هذه الرواية - زيادة على الإقرار - الحكم بصحّة الطلاق و جواز


1) تهذيب الأحكام 8: 58.

تزويجهن حتى للمخالف، فالتمسّك بهذه الروايات كما تمسّك الشيخ الحلي(1)و العلامة البلاغي(2)لا يخلو من ضعف.

و أمّا رواية هيثم بن أبي مسروق عن بعض أصحابنا قال: ذكر عند الرضا (عليه السلام) بعض العلويين ممن كان ينتقصه، فقال (عليه السلام): «أما أنه مقيم على حرام؟» قلت: جعلت فداك، كيف و هي امرأته؟ قال: «لأنّه قد طلّقها»، قلت: كيف طلّقها؟ قال (عليه السلام): «طلّقها و ذلك دينه فحرمت عليه»(3).

فيمكن الجواب عنها بأنّ قوله (عليه السلام): «فحرمت عليه» لا يدلّ على صحّة الطلاق؛ إذ من الممكن أن تكون الحرمة من أجل التجريّ، فبما أنّها حرام عليه باعتقاده فهو مقيم على الحرام من حيث التجرّي. و على فرض دلالتها فالرواية مرسلة و لا اعتماد عليها؛ ولذا لم نتعرّض لها.

و منها رواية محمد بن عبيد الله العلوي، إلا أنّ هذه الرواية مرتبطة بطلاق الثلاث.


1) بحوث فقهية: 276.

2) موسوعة العلامة البلاغي (الرسائل الفقهية) 7: 241.

3) الاستبصار 3: 291، وسائل الشيعة 22: 72، الباب 30 ح 2 ، وفيه: عن بعض أصحابه.

و منها رواية إبراهيم بن محمد الهمداني: «فانظر فإن كان ممن يتولانا و يقول بقولنا فلا طلاق عليه؛ لأنّه لم يأت أمراً جهله، وإن كان ممن لا يتولانا و لا يقول بقولنا فاختلعها منه، فانّه إنما نوى الفراق بعينه»(1).

و الجواب:

أولاً: أنّ هذه الرواية شبيهة برواية عبد الله بن طاووس المتقدّمة من حيث التعليل، و من الواضح أنّ نيّة الطلاق غير معتبرة عند أهل السنة، و ما ذكر من أنّه «نوى الفراق بعينه» لإقناع الشيعة، و القائلون بهذا القول يقولون بأنّ الاعتقاد بصحّة الطلاق موجب لصحّته بالعنوان الثانوي، و أمّا نيّة الفراق فلا توجب صحّة الطلاق.

و ثانياً: أمر الإمام (عليه السلام) بالاختلاع كما يمكن أن يكون من جهة صحّة الطلاق، كذلك يمكن أن يكون من باب الإقرار.

و أمّا رواية عبد الرحمن البصري عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قلت له: امرأة طلّقت على غير السنة؟ قال: «تتزوّج هذه المرأة و لا تترك بغير زوج»(2).

و رواية عبد الله بن سنان قال: سألته عن رجل طلّق امرأته لغير عدّة، ثمّ أمسك عنها حتى انقضت عدّتها، هل يصلح لي أن أتزوجها؟ قال: «نعم، لا تترك المرأة بغير زوج»(3).


1) وسائل الشيعة 22: 72، الباب 30 ح 1.

2) تهذيب الأحكام 8: 58، الاستبصار 3: 292.

3) تهذيب الأحكام 8: 58، الاستبصار 3: 292، وسائل الشيعة 22: 73.

فقد تقدّم بأنّهما غير مرتبطتين بالمقام؛ إذ لابدّ من حملها على التقيّة؛ لأنّه لم يذكر بأنّ الطلاق صدر من المخالف.

هذه كافة الروايات التي استدلّ أو يمكن الاستدلال بها للقول الأوّل، و هو صحّة الطلاق البدعي الصادر من المخالف.

و أما الاحتمال الثاني(1): و هو الحكم ببطلان الطلاق البدعي و بقاء الزوجة على زوجيّة المطلّق، إلا أنّه يجوز للإمامي التزويج بها من باب قاعدة الإلزام، و هذا ما ذكره جمع، منهم: السيد الحكيم (قدس سره).

و قد استند(2)(قدس سره) في ذلك لطائفتين من الروايات:

أما الطائفة الأولى - التي عبّر عنها ب- (ما دلّ على قاعدة الإلزام) - فقد ذكر لها عدّة روايات منها: رواية عبد الرحمن البصري، ورواية عبد الله بن سنان، و قد تقدّم منّا بأنّه لم يذكر في الروايتين بأنّ المطلّق من المخالفين أو بما أنّه من المخالفين يجوز التزويج.

و منها: رواية علي بن أبي حمزة «ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم و تزوّجوهن، فلا بأس بذلك»(3).


1) الدرس السادس عشر: الأحد 25 رمضان المبارك 1407.

2) مستمسك العروة الوثقى 524:14.

3) تهذيب الأحكام 8: 58، الاستبصار 3: 292.

و منها: مكاتبة إبراهيم بن محمد الهمداني: «فاختلعها منه، فانّه إنما نوى الفراق بعينه»(1).

و منها: رواية عبد الله بن طاووس: «فأبنها منه فإنّه عنى الفراق»(2).

و ذكر السيد الحكيم في ضمن هذه الطائفة الرواية الواردة في التعصيب، و عدّ كلام زرارة الذي قاله بالنسبة إلى رواية عبد الله بن محرز: (إنّ على ما جاء به ابن محرز لنوراً) رواية أخرى، و الحال أنّ قوله: (خذهم بحقّك في أحكامهم و سنتهم كما يأخذون منكم فيه) من كلام زرارة.

و على أي نحو كان، رواية التعصيب لا ربط لها بالمقام؛ ولذا لا نبحث عنها.

ففي الحقيقة ما استند إليها روايات ثلاث: رواية علي بن أبي حمزة، و رواية إبراهيم بن محمد الهمداني، و رواية عبد الله بن طاووس.

و أمّا رواية عبد الرحمن البصري و رواية عبد الله بن سنان فمحمولتان على التقيّة حيث لم يذكر فيها بأنّ المطلّق من المخالفين.

و مدّعى السيد الحكيم (قدس سره) هو أنّ للإمامي ترتيب آثار صحّة الطلاق إذا كان في صالحه، و له طريقان في استفادة ذلك من هذه الروايات:

الطريق الأوّل: استفادة ذلك من نفس الروايات.


1) وسائل الشيعة 22: 72، الباب 30 ح 1.

2) وسائل الشيعة 22: 75.

الطريق الثاني: استفادة ذلك بملاحظة الجمع بين هذه الروايات و الروايات الأخرى.

و مدعاه (قدس سره) في قبال المسلك الأوّل - القائل بالصحة الواقعيّة - هو أنّ الشيعي يمكنه الزواج من مطلقة المخالف إذا كان طلاقها طلاقاً بدعياً، فإذا تزوّج منها خرجت من زوجية الغير، و أمّا قبل التزويج فهي زوجة الغير.

و قبل التعرّض لكلامه (قدس سره) نذكر مقدّمة و هي: أنّه إن قلنا بتماميّة قاعدة الإقرار، و على ضوئها لاحظنا هذه الروايات فتكون قاعدة الإقرار من قبيل القرينة المتصلة و شارحة لمفاد الروايات، و تكون مانعة من استظهار الصحة الواقعية من الروايات.

و أمّا إذا لم نقل بها، أو لم تكن ملتفتة إليها، فهل يستفاد من هذه الروايات قاعدة بعنوان قاعدة الإلزام أو لا؟ و من المعلوم أنّ قاعدة الإلزام على فرض استفادتها قاعدة تعبديّة و ليست بقاعدة عقلائية، كما في قاعدة الإقرار، فإنها قاعدة عقلائية ومشهورة بين المسلمين، و هذا بخلاف قاعدة الإلزام، فإنّها ليست بمشهورة بين المسلمين ولم يتعرّض لها أكثر فقهائنا - كما ذكرنا ذلك في أوّل البحث عن قاعدة الإلزام - و عليه فما سنذكره من المناقشة لا يكون منافياً لما ذكرناه في البحث المتقدّم؛ إذ المناقشات على المسلك الأوّل كانت مبنية على تمامية قاعدة الإقرار و مع الإلتفات إلى تلك القاعدة.

فإذا ظهرت هذه المقدّمة نقول: إنّ السيد الحكيم (قدس سره) ذكر في الطريق الأوّل: (فإن الأمر بالتزويج، و الاختلاع، و الإبانة، و الأخذ، لا يدلّ

على الصحّة، بل من الجائز تشريع تزويج زوجة المخالف، فتخرج عن الزوجية بذلك، نظير استرقاق الكافر الذي هو حرّ قبل الاسترقاق، وحيازة المباح الموجبة لملكية المباح قبل الحيازة واسترقاق زوجة الكافر، فتكون أم ولد للمسترق)(1).

و هذا لعلّه غلط من الناسخ؛ إذ الاسترقاق لا يوجب كونها أم ولد، بل يوجب صيرورتها أمَة بعد ما كانت حرّة و زوجة للغير، و الصحيح فتكون أمة للمسترق، وقوله: (لا يدلّ على الصحة، بل من الجائز تشريع تزويج زوجة المخالف) و إن كان صحيحاً، أي أنّه لا يضرّ إبداء الاحتمال في باب الاستظهار، إلا أنّه لا معيّن لهذا الاحتمال في قبال الاحتمال السابق، مع أنّ تشريع تزويج زوجة الغير بعيد.

و هذه الروايات التي استدلّ بها - مع قطع النظر عن القرينة التي ذكرناها - بعضها مصرّحة بعدم الزوجية كقوله (عليه السلام): «فإنّ المرأة لا تترك بغير زوج»، و قوله (عليه السلام): «لا تترك المرأة بغير زوج» في روايتي عبد الرحمن و عبد الله بن سنان، و مرجعه إلى نفوذ الطلاق إمّا تقيّة على ما اخترناه و إمّا من باب قاعدة الإلزام على ما ذهب إليه المشهور.

و أمّا رواية علي بن أبي حمزة فهي أيضاً كذلك، فإنّ قوله (عليه السلام): «ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم و تزوّجوهن فلا بأس بذلك» معناه: تثبيتهم و اعتبار إنشائهم اعتبار الطلاق المحقق، و مرجعه إلى أنّ الشارع


1) مستمسك العروة 14: 526 .

اعتبرها مطلّقة، هذا إذا كانت للجملة موضوعية، و أمّا إذا كانت تمهيدية لجواز التزويج فالأمر أوضح.

و أمّا مكاتبة إبراهيم بن محمد: «فاختلعها منه ، فانّه إنما نوى الفراق بعينه» فإنّا قد ذكرنا في بحث الأصول بأنّ للظهور درجتان:

فقد يكون الظهور من حاقّ اللفظ، كما يقال في جواب (هل زيد في الدار؟): (ليس زيد في الدار)، فإنّ الجواب مطابق للسؤال بلا لفّ و دوران، و هذا ما يمكن تسميته بالظهور الذاتي.

و قد يكون الظهور ظهوراً مقامياً، أي نحن نستظهر من باب أصالة التطابق بين الجواب و السؤال، كما إذا سأل في وقت حسّاس: (هل زيد في الدار؟) فيجاب: (أطلبه في المسجد) أو (خرج من المنزل صباحاً) فنحن نعتبر هذا الجواب نحو بيان لعدم وجوده في البيت مع قطع النظر عن أنّ الوقت وقت حسّاس.

و هذه الرواية بلحاظ نفس قوله: «فاختلعها منه» لا تدلّ إلا على أنّ له حق الاختلاع، و مع افتراض كونها زوجة للغير و التعليل بأنّه «عنى الفراق» فلابدّ من استظهار وقوع الطلاق.

نعم، لو كانت قرينة في البين - كما نحن قلنا بوجود قرينة الإقرار - فتحمل على الإقرار.

فبملاحظة أنّ زوجة الغير - مع فرض كون الزوجية شرعية - لا يمكن اختلاعها، فمعناه: أنّه وقع الطلاق، ولا سيما مع وجود جملة: «فإنّه عنى

الفراق»، فمجرد عدم كون الدلالة من حاقّ اللفظ لا يكفي لاستظهار هذا المعنى، فإنّا لا نحتاج إلى الظهور من حاقّ اللفظ إلا في موارد يكون الظهور مختصاً بالحاقّ، كما في المثال المتقدّم.

و من هنا ظهر حال رواية عبد الله بن طاووس التي ورد فيها: «فأبنها فإنّه عنى الفراق».

فهذه الروايات مع قطع النظر عن القرينة الخارجية التي أشرنا إليها تصرّح بأن الطلاق واقع بملاحظة عدم جواز إبانة زوجة الغير، وقياس زوجة المسلم بزوجة الكافر في غير محلّه، مع أنّ التزويج إنّما هو من قبل المرأة، فإنّ المرأة هي التي تنشئ صيغة العقد، و مجرد إبداء هذا الاحتمال لا يصحح الاحتمال.

و أمّا ما ذكرنا من عدم دلالة الروايات على الصحّة الواقعيّة فإنّما هو من جهة وجود القرينة الخارجية، و هي قاعدة الإقرار.

هذا كلّه بالنسبة إلى استظهار عدم وقوع الطلاق من نفس هذه الروايات.

و أمّا استظهار عدم وقوع الطلاق بلحاظ الجمع بين الروايات فذكر السيد الحكيم:

(و من المعلوم أنّ ارتكاب ذلك في مقام الجمع بين الأدلّة أهون من البناء على صحّة الطلاق الفاقد للشرائط، بل هو مقتضى الجمع العرفي بين الأدلّة الأولية و بين هذه النصوص، و صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه

السلام): سألته عن الأحكام، قال (عليه السلام): «يجوز على أهل كل ذي دين ما يستحلون»)(1).

و الجمع بين الأدلّة بهذا النحو لعلّه ليس أهون من البناء على الصحّة؛ و ذلك لأنّه كيف يمكن الجمع بين ما تدلّ على أنّ المطلّقة بالطلاق البدعي زوجة أو «إياكم و المطلّقات ثلاثاً فإنّهن ذوات أزواج» - و من الواضح أنّ الطلاق الثلاث من غير رجعة من أنواع الطلاق البدعي - و الحكم بجواز تزويجهن.

نعم، لو كان الحكمان في وعائين زمانيين - كما يقتضي ذلك قاعدة الإقرار - فإنّه حين لم ينجر المخالفون إلى التعصب الديني و كان باب البحث و المذاكرة مفتوحاً، ففي هذا الوعاء يقال بأنّ الطلاق البدعي فاسد و جميع آثار الزوجية باقية، و هنا موقف آخر، و هو موقف التجميد و التصلّب، و في هذا الموقف تكون أعمال المخالفين مصداقاً للإقرار.

و هذه الروايات - على فرض تماميتها - في الموقف الثاني، فلابدّ من الجمع بينها بهذا النحو، لا بالنحو المتقدّم.

و أمّا الطائفة الثانية من الروايات التي استدلّ بها السيد الحكيم وعبّر عنها ب- (ما تضمنت اللزوم دون الإلزام) فهي روايتان.

إحداهما: رواية عبد الأعلى عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يطلّق امرأته ثلاثاً، قال (عليه السلام): إن كان مستخفّاً بالطلاق ألزمته ذلك»(2).


1) مستمسك العروة 526:14.

2) الاستبصار 3: 292، تهذيب الأحكام 8: 59.

والظاهر أنّ ذكر هذه الرواية في هذه الطائفة بلا وجه؛ إذ الإمام (عليه السلام) يقول: «ألزمته» فهذه الرواية داخلة في الإلزام، و نحن قلنا سابقاً: إنّ هذه الرواية محمولة على التقيّة.

ثانيتهما: رواية عبد الله بن طاووس، فإنّ في ذيلها: «إنّه من دان بدين قوم لزمته أحكامهم» بتقريب: أنّه لابد من حمل الرواية على الإلزام؛ و إلا يلزم منها التناقض فيما إذا كان الزوجان مختلفين من حيث المذهب.

قال السيد الحكيم: (و دلالتها على صحّة الطلاق أيضاً غير ظاهرة؛ فإن اللزوم أعم، و لا سيما بملاحظة لزوم التعارض بين تطبيقي الحديث فيما لو كان أحد الزوجين مخالفاً، والآخر مستبصراً، فإنّ المستبصر يدين بفساد الطلاق، و المخالف يدين بصحته، و لا يمكن الجمع بين الحكمين، لأنّ الطلاق لا يقبل الوصف بالصحة و الفساد من جهتين، فلابدّ أن يكون المراد مجرد الحكم على من دان منهما بما دان)(1).

و من الواضح أنّ الحكم على من دان منهما بما دان لا يحلّ المشكلة، بل يوجدها؛ فإنّه لو كان الزوج مستبصراً و الزوجة مخالفة يلزم على الزوجة الامتناع من الاستمتاعات و يجوز للزوج الاستمتاع، و الظاهر من قوله (علیه السلام): «من دان بدین قوم» هو الأديان الفاسدة، لا دین الله، و عليه


1) مستمسك العروة 14: 527.

يكون معنى قوله (عليه السلام): «لزمته أحكامهم» هو: يقرّون على أعمالهم، سواء أكان لهم أم عليهم.

الفرع الثاني:

الفرع الثالث(1):

في أنّه لو طلّق المخالف زوجته بالطلاق البدعي و قلنا - كما تقدّم - بأنّه يقرّ على طلاقه، أو يلزم بما ألزم به نفسه، و بعد انتهاء الزوجة من العدّة استبصر المطلّق، فهل ينتفي الطلاق أو لا؟

و لابدّ من التذكير بأنّ المتعرّضين لهذه المسألة عددهم قليل، و كلماتهم مختلفة، فاختار بعض أنّه لا أثر للاستبصار بعد العدّة، إلا أنّ الأغلب على أنّ الاستبصار يؤثر حتى إذا كان بعد العدّة وتكون المرأة زوجته. هذا فيما إذا لم تتزوّج المرأة بعد، هكذا في منهاج الصالحين(2).

و الظاهر أنّ الحكم في هذه المسألة مبتن على المسالك الثلاثة المتقدّمة في الفرع الأول.

فإن قلنا بالمسلك الأوّل و هو: ما قال به جمع من أنّ الطلاق البدعي من المخالف صحيح واقعاً، فعلى هذا المسلك لا يكون لاستبصاره بعد العدّة أيّ أثر؛ لأنّ العلقة الزوجية قد انتهت بانقضاء العدّة، وعودة الزوجية متوقّفة على سبب من الأسباب.

و إن قلنا بالمسلك الثاني من أنّ الطلاق البدعي باطل و إن كان صادراً من المخالف، إلا أنّه رخّص للإمامي تزويج المطلّقة بالطلاق البدعي، فإن تزوّجت


1) الدرس الثامن عشر: الثلاثاء 27 رمضان المبارك 1407.

2) لم أجد هذه المسألة في المنهاج.

المرأة بعد انقضاء عدّتها فتحقّقت البينونة بسبب زواجها، و إن لم تتزوّج فهي زوجة للمطلّق، والأدلّة الدالّة على ترخيص الإمامي بالزواج منها قاصرة و لا تشمل ما إذا استبصر المخالف المطلّق.

توضيح ذلك: أنّ القائل بهذا المسلك - كالسيد الحكيم (قدس سره) - يستدلّ بطائفتين من الروايات:

الطائفة الأولى: ما تدلّ على قاعدة الإلزام - على ما ذهبوا إليه - أو على قاعدة الإقرار - كما هو المختار - كقوله (عليه السلام) في رواية علي بن أبي حمزة: «ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم»، بتقريب: أنّ موضوع الإلزام هو نفس المطلّق، وإلزام المطلّق ليس بلحاظ المعنى المصدري حتى يقال بأنّ الموضوع - و هو الطلاق - باق، أي أنّ الطلاق موضوع للإلزام بحدوثه، بل بلحاظ الاسم المصدري الذي يعتقد به المخالف بحسب تديّنه.

و المراد من الاسم المصدري هو النتيجة الحاصلة من الطلاق التي لها امتداد، وليس كالطلاق بالمعنى المصدري الذي ليس له امتداد، بل مجرد إنشاء و ينعدم بعد الإنشاء.

فما ألزم به نفسه هو طلاق المرأة، فما نريد إلزامه هو إلزامه بمعتقده الذي له امتداد، و من الواضح أن الإلزام بمعتقده يصحّ فيما إذا كان المطلّق معتقداً به بقاءً حتى يقال: «ألزموه بما ألزم به نفسه»، و أمّا إذا استبصر المخالف و تبدّل اعتقاده فهو لا يلتزم فعلاً بتحقّق الطلاق بمعنى الاسم المصدري، بل يعتقد بقاء

الزوجية، و عليه فلا يمكن التمسك بقاعدة الإقرار لإثبات حقّ الزواج من هذه المرأة للإمامي أو حقّ تزويجها للغير إذا كانت إمامية.

و بتقريب آخر: أنّ قانون الإلزام من القوانين المجعولة منّة على الشيعة و تشديداً على المطلّقين بالطلاق البدعي، أي أنّ لسان الروايات الدالّة على القاعدة لسان الامتنان، و هذا اللسان يقتضي محدودية هذا الحكم بما لم يتغيّر رأيه ولم يستبصر و مادام كونه مخالفاً حتى يكون التشديد مناسباً له، و أمّا بعد استبصاره فالمناسب له هو التوسعة عليه.

الطائفة الثانية: وهي الروايات التي دلّت على «أنّ من دان بدين قوم لزمته أحكامهم»، فإيضاً كذلك، فإنّ موضوعها هو «من دان بدین قوم»، فمادام هو متديناً بدين قوم لزمته أحكامهم، و من أحكامهم الترخيص في تزويج مطلّقتهم بالطلاق البدعي، و هذا الموضوع ينتفي فيما إذا دان بدين آخر.

و ما يمكن أن يقال بالنسبة إلى هذه الرواية مضافاً - إلى ما تقدّم - هو أنّ الحكم بالترخيص الذي يحكم به القائل بالمسلك الثاني ليس من باب الأخذ بأحكام ذلك الدين، فإنّ حكم ذلك الدين هو صحّة الطلاق و أنّ المرأة مالكة لأمر نفسها، و ليس من أحكام ذلك الدين أنّ الزوجة باقية على زوجية المطلّق و يجوز للإمامي التزويج بها و بالزواج معها تنعدم زوجيتها عن الزوج الأوّل.

فما هو من أحكامهم - و هو صحّة الطلاق - لا يقول به، و الحكم الذي يقول به- و هو الترخيص بتزويج الغير و أنّ حكم هذا الزواج حكم الاسترقاق - ليس من أحكامهم.

فتقريب هذه الطائفة من الروايات بهذا النحو محلّ تأمّل.

و على أي نحو كان الملتَزم، فهذا المسلك يرى أنّ المطلقة بالطلاق البدعي زوجة للمطلّق، إلا أنّه للإمامي حقّ التزويج بها، فهو يرى بأنّ الدليل الدال عليه لا إطلاق له لما بعد الاستبصار، بل ظاهر في اختصاص الحكم بحالة الخلاف، فالحكم يكون محدوداً.

و على فرض أنّا شككنا في الإطلاق و عدمه تصبح الرواية مجملة، و مقتضى الروايات الكثيرة الدالّة على عدم جواز التزويج بذات البعل هو عدم الجواز، و لا يمكن التمسّك لجواز التزويج فيما بعد الاستبصار بالدليل المخصص الأزماني؛ وذلك لإجمال الدليل، فيدخل في المسألة المعنونة و المعروفة في الأصول من أنّه إذا خصص عام بمخصص أزماني مجمل هل يرجع فيما بعد إلى استصحاب الحكم المخصص أو أنّه يؤخذ بالعموم؟

و المختار تبعاً لجماعة من المحقّقين هو الرجوع إلى العام، و هو حرمة التزويج بذات البعل.

و على كلّ حال، على هذا المسلك - وعلى فرض صحّته - ليس لأحد بمطلّقة المطلّق المخالف بعد استبصاره، و الزوجة زوجته.

و أمّا إذا قلنا بالمسلك الثالث و هو : أنّ الطلاق البدعي باطل و فاسد، و الحكم بجواز التزويج بها من باب قانون الإقرار، و ليس قانون الإقرار - كما تقدّم - من باب التوسعة على الإمامي و التضييق على الآخرين، بل من باب أنّ التعايش السلمي هو الذي يقتضي احترام قانون الآخرين، سواء أكان القانون

موجداً لارتباط الزوجية و أشباهها أم رافعاً لارتباط الزوجية، و يقرّون على قوانينهم إذا استبصروا فيما إذا لم يكن قانونهم مخالفاً بقاءً مع الأحكام الشرعية، فإنّ بعضهم يرى جواز التزويج بالمخلوقة من مائه، كما إذا زنى بامرأة و تولّدت منها بنت، فإنّ تزوّج شخص بالمخلوقة من مائه ثم استبصر لا يقرّ على هذا الزواج، فلا أثر للاستبصار بعد انقضاء العدّة على هذا المسلك، بل يقرّ على ما فعله إذا لم يكن بقاءً مخالفاً للحكم الشرعي. ومن الواضح أنّ هذا الحكم ربما يكون له و ربما يكون عليه. و ربما يؤيد ما ذكرنا رواية علي بن سويد(1).

الفرع الثالث:

الفرع الثالث(2):

هو أنّه لو طلّق المخالف زوجته بالطلاق الثلاث الذي لا يترتّب عليه الأثر عند الإمامية، فهل يكون مثل هذا الطلاق مورداً لقاعدة الإقرار أو الإلزام أو لا؟

و من الواضح أنّ طلاق الثلاث إنّما يترتّب عليه الأثر و يوجب البينونة و لا يجوز للزوج التزوّج بها (حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجَاً غَيْرَهُ)(3)فيما إذا أوقع طلاق الثلاث متخللاً برجوعين أو عقدين بعد العدّة أو رجوع وعقد.

إلا أنّ أكثر العامة ذهبوا إلى أنّ الأثر المذكور يترتّب على طلاق الثلاث و إن لم يكن بينها رجوع أو عقد، بأن ينشئ طلاق الثلاث إمّا بصيغة واحدة كأن


1) وسائل الشيعة 22: 63.

2) الدرس الثامن عشر: الثلاثاء 27 رمضان المبارك 1407.

3) سورة البقرة: 230.

يقول: (أنت طالق ثلاثاً) أو بصيغ متعددة بلا فصل رجوع أو عقد بأن يقول: (أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق).

و الكلام في حكم هذا الطلاق الثلاث الصادر من المخالف، فقد وردت روايات متعددة بأنّه «إياكم والمطلّقات ثلاثاً فإنّهن ذوات أزواج»، و هذه الروايات - كما هو ظاهر - تدلّ على أن المطلّقات ثلاثاً ذوات أزواج و أنّ هذا الطلاق لا يوجب انتفاء الزوجية، فضلاً عن البينونة و عدم جواز التزويج.

و توضيحاً لتحرير محلّ البحث نقول: إنّ الطلاق تارة يكون فاقداً لشرائطه المعتبرة عندنا و غير معتبرة عند العامة، كوقوع الطلاق في طهر المواقعة و شهادة عدلين و عدم التعليق و أمثال ذلك.

و أخرى لا يكون فاقداً للشروط العامة المشار إلى بعضها، إلا أنّه وقع و صدر ثلاثاً أو بصيغة واحدة أو بصيغ متعددة في مجلس واحد.

فإن كان الطلاق فاقداً للشرائط العامة المشار إليها فهذا داخل في البحث السابق و أنّ الطلاق البدعي هل هو صحيح واقعاً أو ليس بصحيح؟

و إن لم يكن فاقداً للشرائط العامة، إلا أنّه فاقد لشرط آخر و هو: لزوم وقوع طلاق الثلاث بعد طلاقين بينهما رجوع أو عقد، فهذا يتصوّر على نحوين:

الأول: يأتي بطلاق الثلاث بصيغة واحدة و يقول: (أنت طالق ثلاثاً).

و ما يدلّ على أن المطلّقات ثلاثاً ذوات أزواج إنّما هو بلحاظ أنّ هذا الطلاق لا يقع إلا واحداً كما عليه أكثر فقهائنا (قدّس الله أسرارهم).

و قد نسب هذا القول إلى أشهر الروايتين(1)، فإنّ المسألة خلافية، فقد ذهب الأكثر إلى أنّه يقع واحداً(2)

و قال ابن البراج: «إذا قال لها: «أنتِ طالق اثنين» وقعت طلقة في الحال، بقوله أنت طالق إذا نوى الفرقة، و ما عدا ذلك لغو. [المهذب: 2/ 279] و إلى ذلك ذهب العلامة في المختلف: «انّ المقتضى للواحدة ثابت. و المانع لا يصلح للمانعية فيثبت الحكم، أمّا وجود المقتضي- فهو لفظ الطلاق و قوله أنت طالق، للإجماع على سببيّته مع وجود شرائطه. و التقدير حصول ذلك و أمّا عدم صلاحية المعارض للمانعية فلأنّه ليس إلّا قوله ثلاثاً و هو غير معارض لأنّه مؤكد لكثرة الطلاق و إيقاعه، وتكثير سبب البينونة، والواحدة موجودة في الثلاثة لتركبها عنها و عن وحدتين أُخريين و لا منافاة بين الكل و جزئه فيكون المقتضي و هو الجزء خالياً عن المعارض. [المختلف: 36، كتاب الطلاق]

، و في قبال ذلك ذهب جمع إلى أنّه لا يقع، و لا واحدا(3)

و قال السيد المرتضى: «و مما انفردت به الامامية القول: بأنّ الطلاق الثلاث بلفظ واحد لا يقع، وباقى الفقهاء يخالفون في ذلك». [الانتصار: 308]

و قال سلار: في شروط الطلاق «و ان يتلفظ بالطلاق موحداً». [المراسم: 161]

و قال ابن حمزة في تفسير الطلاق البدعي «و هو الطلاق المعلق بشرط، و ايقاع الطلاق ثلاثاً بلفظة واحدة و لا يقع كلاهما وقال بعض أصحابنا تقع واحدة من ثلاث». [الوسيلة: 322]

و قال بن سعيد في شرائط صحة الطلاق: «و أن يتلفظ به موحداً فإن خالف لم يقع، و قيل يقع واحدة). [الجامع للشرائع: 465]

.

1) ذهب المحقق وصاحب الجواهر إلى أنّ أشهر الروايتين هو وقوعه طلقة واحدة، قال في الشرائع: و يشترط في الصيغة تجريدها عن الشرط و الصفة في قول مشهور لم أقف فيه على مخالف منّا، و لو فسّر الطلقة باثنتين أو ثلاث قيل: يبطل الطلاق، و قيل: يقع واحدة بقوله طالق، و يلغى التفسير، و هو أشهر الروايتين. [شرائع الإسلام 3: 9]، وقال صاحب الجواهر: و هو أشهر الروايتين عملاً كما عرفت، بل قيل: ورواية. [جواهر الكلام 32: 82]

2) ذهب الشيخ وابن البراج والعلامة إلى انّه يقع طلقة واحدة، قال الشيخ في النهاية: «و من شرائط الطلاق العامة أن يُطلَّقها تطليقة واحدة. فإن طلّقها أكثر من ذلك ثنتين أو ثلاثاً أو ما زاد عليه، لم يقع أكثر من واحدة» [النهاية: 512] وقال في المبسوط: «و لو قال أنت طالق أكثر الطلاق عدداً أو أكثر الطلاق: كان عندنا مثل الاولى سواء، و عندهم تطلق بالثلاث لأنّ أقلّه واحدة و أكثره ثلاث فإن قال أكمل الطلاق وقعت واحدة عندنا...» [المبسوط: 13/5] و قال في الخلاف: «إذا طلقها ثلاثاً بلفظ واحد كان مبدعاً و وقعت واحدة عند تكامل الشروط عند أكثر أصحابنا وفيهم من قال: لا يقع شيء أصلاً و به قال علي (عليه الصلاة و السلام) و أهل الظاهر، و حكى الطحاوي عن محمد بن إسحاق انّه قال: تقع واحدة كما قلناه، و روى انّ ابن عباس و طاووساً كان يذهب إلى ما يقوله الإمامية. [الخلاف: 4/ المسألة 3، كتاب الطلاق ]

3) ذهب ابن أبي عقيل و السيد المرتضى- و سلار و ابن حمزة و يحيى بن سعيد إلى عدم الوقوع. قال ابن أبي عقيل: «لو طلقها ثلاثاً بلفظ واحد و هي طاهر لم يقع عليها شيء». [المختلف: 35، کتاب الطلاق]

و الثاني: يأتي بثلاث صيغ متوالية، و لا إشكال في أنّه يقع طلاقاً واحداً إذا كان جامعاً للشرائط الأخر.

و من الواضح أنّها لا تكون ذات زوج إذا كان طلاق الثلاث بصيغ متعددة، فإنّه يقع طلاقاً واحداً بلا إشكال، و لها أن تتزوج بعد انقضاء العدّة. و هذا بخلاف ما إذا كان بصيغة واحدة، فإنّه كما أشرنا ذهب جمع إلى أنّه لا يقع إلا واحداً، و ذهب جمع آخر إلى أنّه لا أثر له.

و مقتضى القاعدة في المقام - و أما مقتضى الروايات فلا نبحث عنه فعلاً و المختار أنّه ليس مقتضاها إلا مقتضى القاعدة - هو أنّ إنشاء طلاق الثلاث بصيغة واحدة يتصوّر بأنحاء ثلاثة قد تعرّض لها فقهاء العامة و الخاصّة في كلماتهم:

الصورة الأولى: أن يكون المنشأ عبارة عن أمر واحد و هو طلاق الثلاث، أي أنّه ينشئ بقوله: (أنت طالق ثلاثاً) إنشاء طلقات ثلاث و أعدام ثلاثة للنكاح، و هذا ظاهر إنشاء (أنت طالق ثلاثاً).

الصورة الثانية: أن تكون كلمة (ثلاثاً) في نظر المنشئ منفصلاً من جملة: (أنت طالق) فكأنّه قال: (أنت طالق).

و اعتبر هذا الطلاق طلاقاً ثلاثاً. وهذا ما ذكره جمع من العامة، كما في مغني ابن قدامة(1)

وقال النووي في المجموع: وان قال أنت طالق ثلاثاً وقع عليها الثلاث. وبه قال جميع الفقهاءإلا رواية عطاء فإنّه قال يقع عليها طلقة.

دليلنا: أنّ قوله: (أنت طالق) اسم الجنس من الفعل، يصحّ للواحدة ولما زاد عليها، وقوله: (ثلاث) مفسر له، فكان وقوع الثلاث عليها دفعة واحدة. [المجموع 17: 130]

، وذكره جمع من الخاصة كصاحب الجواهر(2)و غيره(3).

1) وإن طلق ثلاثا بكلمة واحدة وقع الثلاث، وحرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره، ولا فرق بين قبل الدخول وبعده... وهو قول أكثر أهل العلم من التابعين والأئمة بعدهم. [المغني 8: 243]

2) قال صاحب الجواهر: أما إذا قصد معنى الصيغة أوّلاً و أضاف إليها (ثلاثاً) بقصد آخر مستقل، فإنّه يكون حينئذ صحيحاً و تلغو إضافته، ضرورة رجوعه إلى بيان ما تعلّق به غرضه من عدد الصيغة نحو قول نوح (علی نبینا و آله و علیه السلام) لما خاف الغرق: «لا إله إلا الله ألفاً»، فيكون مراده في الحقيقة في الثلاث تكرّر النطق بها ثلاثاً على معنى إني أقول: (أنت طالق) ثلاثاً .... و كيف كان فقد بان لك مما سمعته من النصوص السابقة أنه لو كان المطلّق مخالفاً يعتقد الثلاث لزمته؛ لأنّ ذلك دينه، مضافاً إلى الإجماع بقسميه عليه. [جواهر الكلام 32: 87]

3) كالمحقق الحلي. [شرائع الإسلام 3: 9]

الصورة الثالثة: أن يكون قوله: (أنت طالق ثلاثاً) على نحو الاستعارة، و مراده إنشاء البينونة الحاصلة شرعاً بسبب طلاق الثلاث الشرعي.

و هذا في الحقيقة إنشاء حكم الطلاق لا إنشاء الطلاق. و هذا ما تعرّض له ابن رشد(1)و غیره.

و على هذا النحو من التصوير لعلّه يحمل كلام أمير المؤمنين (عليه السلام): «يا دنيا غرّي غيري فقد طلّقتك ثلاثاً لا رجعة بعدها أبداً»(2)وليس معنی ذلك أنّ الإمام (عليه السلام) طلّق الدنيا أولاً ثم رجع ثم طلّق ثم رجع ثم طلّق، بل معناه أنّ البينونة الحاصلة بسبب طلاق الثلاث قد تحقّقت.

أمّا الصورة الأولى و هي: إنشاء أعدام ثلاثة للنكاح الواحد أمر غير معقول و غير عقلائي، فإنّ من الأمور الواضحة أنّه ليس نقيض الواحد إلا الواحد، و ليس الوجود الواحد قابلاً للنقائض المتعددة، فإنشاء أعدام ثلاثة للنكاح الواحد


1) قال ابن رشد: جمهور فقهاء الأمصار على أنّ الطلاق الثلاث حكمه حكم الطلقة الثالثة، و قال أهل الظاهر و جماعة: حكمه حكم الواحدة و لا تأثير للفظ في ذلك. [بداية المجتهد 2: 62]

2) نهج البلاغة: 77 باب المختار من حكم أمير المؤمنين (عليه السلام). [صبحي الصالح]

غير قابل للإنشاء القانوني، و لا فرق فيما ذكرنا بين التكوينيات و الاعتباريات، فكما أنّ التكوينيات الموجودة بالوجود الواحد غير قابلة إلا لانعدام واحد، كذلك الاعتباريات قابلة لإعدام واحد لا إعدامات متعددة، فعلى القاعدة مثل هذا الطلاق يكون باطلاً.

و أمّا الصورة الثانية فمقتضى القاعدة يكون اعتبار الطلاق ثلاثاً اعتباراً لغواً، فيقع واحداً.

و أمّا الصورة الثالثة وهي إنشاء الحكم بتخيّل أنّ الطلاق من قبيل النذر، فكما يمكن جعل شيء على نفسه بالنذر كذلك يمكن جعل الطلاق على نفسه، فعلى القاعدة مثل هذا الطلاق لا يترتّب عليه أي أثر.

و المشهور و إن ذهبوا إلى أنّ طلاق الثلاث بصيغة واحدة يقع واحداً، إلا أنّه لا وجه لما ذهبوا إليه، فإنّ الظاهر من قول الرجل: (أنت طالق ثلاثاً) هو الصورة الأولى، وهكذا لو استظهر الصورة الثانية.

و أمّا الصورة الثالثة فلا يستظهر من هذه العبارة، فقوله (عليه السلام): «إياكم والمطلّقات ثلاثاً فإنهن ذوات أزواج» إمّا ناظر إلى الموارد التي يكون الطلاق فاقداً لشرائط الطلاق - كما لعلّه أغلب طلاق أهل السنة من هذا القبيل - و إمّا ناظر إلى ما إذا كان الطلاق بصيغة واحدة.

و على أي حال، الأثر المرغوب من البينونة و عدم جواز التزويج إلا مع المحلل مما لا يترتّب عليه، و كما أشرنا لا يستفاد من روايات الباب إلا ما ذكرنا على وفق القاعدة.

و على الصور الثلاث المتقدّمة يقع طلاق الثلاث الصادر من المخالف واحداً، و هذا مما لابدّ من الالتزام به.

و ذلك لأنّ غاية الأمر إمّا شرط الصيغة مفقود أو منضم إلى سائر الشروط المفقودة، و المفروض أنّ مثل هذا لا ينافي قاعدة الإلزام أو الإقرار.

و أمّا ترتيب آثار طلاق الثلاث - فقد ذكرنا في أوّل البحث أنّ المتعرّضين لهذه المسألة من القدماء عدد قليل و من المتأخرين أكثر - فظاهر كلمات بعض القدماء و المتأخرين هو ترتيب آثار الطلاق الثلاث في البينونة و عدم جواز التزويج حتى تنكح زوجاً غيره، وإن كانت كلمات بعضهم فيها نحو إجمال كما في الاستبصار(1).

و معنی ترتیب آثار طلاق الثلاث هو عدم جواز الرجوع أو التزويج للمخالف، و يدلّ عليه رواية عبد الله بن طاووس: «من دان بدین قوم لزمته أحكامهم» و رواية جعفر بن محمد العلوي: «إنّ طلاقكم الثلاث لا يحلّ لغيركم، وطلاقهم يحلّ لكم؛ لأنّكم لا ترون الثلاث شيئاً و هم يوجبونها» و رواية عبد الأعلى: «إن كان مستخفّاً بالطلاق ألزمته ذلك»، و نحن و إن قلنا بأنّ هذه الرواية محمولة على التقيّة؛ لأنّه لم يذكر فيها كون المطلّق مخالفاً أو موافقاً، إلا أنّه بناء على أن تكون الرواية مرتبطة بطلاق الثلاث الصادر من المخالف فيمكن الاستدلال بها.


1) الاستبصار 3: 285 باب أنّ من طلّق امرأته ثلاث تطليقات مع تكامل الشرائط في مجلس واحد وقعت واحدة.

و كذا يمكن الاستدلال بقوله (عليه السلام): «ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم» أو قوله (عليه السلام): «يجوز على أهل كلّ ذي دين ما يستحلّون».

و عليه فإن رجع أو تزوّجها يكون رجوعه أو زواجه فاسداً من وجهة نظره، و هل يمكن لنا ترتيب آثار الفساد على هذا الرجوع أو الزواج أو لا؟

قال صاحب الجواهر في كتاب الميراث: (و لو تزوّجوا بالسبب الفاسد عندهم الصحيح عندنا أمكن جريان أحكام الصحيح عليه، لإطلاق ما دلّ على صحته التي لا يقدح فيها زعمهم الفساد، ويحتمل إلزامهم بأحكام الفاسد معاملة لهم بما يقتضيه دينهم وإلزامهم بما ألزموا به أنفسهم. فالعامي المطلّق ثلاثاً بصيغة واحدة لا يترتّب على رجوعه بها في العدّة حكمه، بل لنا أن نتزوّجها و إن كان قد رجع بها؛ إلزاماً لهم بما ألزموا به أنفسهم، و لعلّ هذا هو الأقوى)(1).

و يمكن أن يناقش في قاعدة الإلزام بما ذكره العلامة البلاغي في ضمن كلام له و هو : (أنّه يمكن إلزامهم بما هو من أحكامهم، و أمّا الفساد فليس بحكم؛ لأنّ أحاديث الإلزام ناظرة إلى الأحكام العملية. و الآثار الشرعية دون ما هو مثل الفساد الوضعي إن فرض له وجود غير منتزع من عدم ترتب الأحكام، فإنّه ليس الفساد الوضعي إلا عدم الحكم، أي أنّه لغو)(2).


1) جواهر الكلام 39: 324.

2) موسوعة العلامة البلاغي (الرسائل الفقهية) 7: 272.

و لكن الحكم شامل للحكم بالصحّة و الفساد. و الفساد و إن كان أمراً عدمياً، إلا أنّه من قبيل العدم والملكة، فلا يمكن المناقشة في قاعدة الإلزام بمثل هذه المناقشة.

و العمدة أنّ هذا الحكم مستند إلى هذه الروايات، و كما عرفت سابقاً أنّ هذه الروايات إمّا ضعيفة سنداً أو دلالة، فلابدّ و أن نرى ما يقتضي الإقرار، و مقتضى الإقرار في المقام هو الحكم بالفساد؛ لأنّ الإقرار يكون في نطاق إقرارهم على رؤيتهم الدينية، و من الواضح أنّ هذا الرجوع فاسد على مرامهم، و لذا ذكر الفقهاء بأنّه لو صلّى وصام على خلاف مسلكه ثمّ استبصر لا يحكم بالصحّة، بل لابدّ من إعادة الصلاة والصوم.

و سيأتي البحث عن صحة رجوعه أو زواجه منها في الفرع الخامس و أنّه ما هو حكم ما إذا أتى بالعقد الفاسد من وجهة نظرهم و الصحيح من وجهة نظرنا.

الفرع الرابع:

الفرع الرابع(1):

أنّه إذا طلّق المخالف زوجته بطلاق الثلاث، ثم استبصر، فهل يكون استبصاره مفيداً أو لا؟

أمّا بالنسبة إلى وقوع الطلاق فقد تقدّم بأنّ الاستبصار غير مفيد هنا، من جهة أنّ هذا المستبصر لابدّ و أن يقرّ على عمله السابق و ترتيب أحكامه، و منها: عدم جواز الرجوع في العدّة وعدم الزواج منها بعد العدّة من دون تخلّل محلّل ، إلا أنّ الإشكال في أنّ هذه الأحكام إنّما تتوجّه إليه في حال تشيّعه و


1) الدرس التاسع عشر: الأربعاء 28 رمضان المبارك 1407.

استبصاره، و من الواضح أنّ هذه الأحكام مترتّبة على طلاق الثلاث الواقع على وفق المذهب، و هذه الأحكام من المفروض أنّها متوجّهة إليه بعد الاستبصار، و ترتّب و توجّه الأحكام بالنسبة إليه مما لا دليل عليه، و ما دلّ عليه الدليل هو إقرار العمل السابق بما له من الآثار، وما يقرّ عليه هو نفس الطلاق، وأمّا الأحكام المترتّبة على طلاق الثلاث تترتّب مادام هو معتقداً صحّة الطلاق، و أمّا بعد الاستبصار فقاعدة الإقرار لا تدلّ على ترتّب هذه الأحكام.

و عليه فإن استبصر و زوجته بعد في العدّة يمكنه الرجوع إليها، وإذا انقضت عدّتها له أن يتزوّجها؛ لأنّ ما وقع هو طلاق واحد، لا طلاق الثلاث.

الفرع الخامس:

ما تعرّض له جمع منهم السيد الخوئي (أيده الله) في مستحدثات المسائل، قال: (يعتبر الإشهاد في صحّة النكاح عند العامة، ولا يعتبر عند الإمامية، وعليه فلو عقد رجل من العامة على امرأة بدون إشهاد بطل عقده، و عندئذ يجوز للشيعي أن يتزوجها بقاعدة الإلزام)(1).

و في هذا الفرع أبحاث:

البحث الأوّل: هو أنّ العامة اختلفوا في اعتبار الإشهاد و عدمه، كما اختلفوا في كيفية الشاهدين، و هكذا اختلفوا في اعتبار الإشهاد حين العقد أو حين الدخول، و بعض منهم ذهب إلى عدم اعتبار الإشهاد، و قالوا: إنّ المانع هو السريّة.


1) منهاج الصالحين 1: 423.

نعم، غير مالك من أئمتهم الأربعة ذهبوا إلى اعتبار الإشهاد، و أمّا مالك فغير واضح مسلكه، ففي الخلاف: (و قال مالك: من شرطه ترك التواصي بالكتمان، فإن تواصوا بالكتمان بطل و إن حضره الشهود، و إن لم يتواصوا بالكتمان صحّ و إن لم يكن شهود)(1).

و عليه فلا يصحّ القول باعتبار الإشهاد عند أئمتهم الأربعة.

البحث الثاني: هو أنّ ما يحكمون بفساده قد يكون متفقاً عليه بينهم و قد لا يكون كذلك، فإن لم يكن متفقاً عليه، فقد ذهب المالكية و الحنابلة إلى أنّ مثل هذا العقد الذي هو مختلف فيه لا يوجب بينونة المرأة عن الزوج مطلقاً، بل لابدّ من تطليق الزوج لها، و إن لم يفعل طلّقها القاضي.

هذا فيما إذا لم يكن القاضي هو الذي أجرى صيغة النكاح أو غير صيغة النكاح من العقود المختلف فيها، و أمّا إذا كان القاضي هو المجري أو كان بمحضر منه فتحكم بالصحة.

و عليه ليس معنى الفساد عند المالكية والحنابلة أنّ هذا العقد كأن لم يكن.

و في مغني ابن قدامة الحنبلي: (إذا تزوّجت المرأة تزويجاً فاسداً لم يجز تزويجها لغير من تزوجها حتى يطلّقها أو يفسخ نكاحها. و إذا امتنع من طلاقها فسخ الحاكم نكاحه، نصّ عليه أحمد)(2).


1) حكاه الشيخ الطوسي في الخلاف 4: 261-262 ، والسرخسي في المبسوط: 5: 30- 31، والسمرقندي في تحفة الفقهاء 2: 131.

2) المغني 7: 342.

و المسألة معنونة في موافقات الشاطبي أيضاً(1).

و الظاهر أنّ مرادهم بالفساد نظير الاحتياطات الواجبة عندنا.

و قد ذكر ابن رشد في البداية أنّ التزويج الفاسد محتاج إلى الطلاق(2)

ويشبه أن تكون هذه عنده هي الأنكحة المكروهة، وإلا فلا وجه للفرق بين الدخول وعدم الدخول.

والاضطراب في المذهب في هذا الباب كثير، وكأن هذا راجع عنده إلى قوّة دليل الفسخ وضعفه، فمتى كان الدليل عنده قوياً فسخ قبله وبعده، ومتى كان ضعيفاً فسخ قبل ولم يفسخ بعد، وسواء كان الدليل القوي متفقاً عليه أو مختلفاً فيه. [بداية المجتهد 2: 48]

، نعم الشافعية و الحنفية(3)ذهبوا إلى أنّه لا أثر للنكاح الفاسد، كما نقل عن الشافعي في مغني ابن قدامة(4).

1) الموافقات 37:4.

2) قال ابن رشد: وأما حكم الأنكحة الفاسدة إذا وقعت فمنها ما اتفقوا على فسخه قبل الدخول وبعده. وهو ما كان منها فاسداً بإسقاط شرط متفق على وجوب صحة النكاح بوجوده، مثل أن ينكح محرمة العين، ومنها ما اختلفوا فيه بحسب اختلافهم في ضعف علّة الفساد وقوّتها، ولماذا يرجع من الاخلال بشروط الصحة، ومالك في هذا الجنس - وذلك في الأكثر - يفسخه قبل الدخول ويثبته بعده، والأصل فيه عنده أن لا فسخ، ولكنه يحتاط بمنزلة ما يرى في كثير من البيع الفاسد أنه يفوت بحوالة الأسواق وغير ذلك.

3) انظر المبسوط 202:4.

4) قال في المغني: وقال الشافعي: لا حاجة إلى فسخ ولا طلاق لأنه نكاح غير منعقد أشبه النكاح في العدة. [المغني 7: 343]

و في بدائع الصنائع للكاشاني الحنفي: (و أمّا النكاح الفاسد فلا حكم له قبل الدخول)(1).

و المقصود من ذكر أقوالهم هو أنّه لا يمكن الحكم بجواز التزويج بمجرد اعتبارهم الإشهاد في النكاح، و أنّ النكاح بلا إشهاد فاسد من باب الإلزام، بل لابدّ و أن يرى ما هو مذهب المتزوّج بالنكاح الفاسد، فإن كان من الشافعية أو الحنفية فيجوز، و إلا فلا يجوز، فإنّ الحنابلة و المالكية لا يرون جواز التزويج للغير إلا بعد الطلاق أو الفسخ.

البحث الثالث: هو أنّه على مسلك الشافعية والحنفية لابدّ من التفصيل بين قبل الدخول و بعده، فإن كان قبل الدخول فلا حكم له، و أمّا إن كان بعد الدخول فهذا من قبيل الوطء بالشبهة(2)، و من المعلوم أنّ الوطء بالشبهة له عدّة، فلا يجوز للغير تزويج المرأة حتى تنقضي عدّتها.

و هذه ملاحظات ثلاث لابدّ من مراعاتها إذا أردنا الحكم بجواز تزويج من زوّجت من المخالفين بلا إشهاد.

و أمّا أصل الكبرى فنقول: إنّ المخالف المعتقد لاعتبار الإشهاد في النكاح و أنّ النكاح بلا إشهاد فاسد واقعاً، لو تزوّج بلا إشهاد سواء أتزوّج بالشيعية أم تزوّج بالمخالفة هل يكون نكاحه فاسداً أو لا؟

للحكم بفساد مثل هذا النكاح طريقان:


1) بدائع الصنائع 2: 335.

2) انظر بدائع الصنائع للكاشاني 2: 335.

الطريق الأوّل: من غير طريق قاعدة الإلزام و ما يلحق بها.

الطريق الثاني: من طريق قاعدة الإلزام و ما يلحق بها.

و للطريق الأوّل مسلكان:

المسلك الأوّل: أنّه لا يمكن الحكم بصحّة القبول ممن يعتقد اعتبار الإشهاد و أنّ النكاح بدونه فاسد؛ وذلك لأنّ من شرائط الإيجاب و القبول القصد، و القصد إنّما يحرز بالأصل العقلائي الذي ذكرناه في الأصول كراراً، و هذا الأصل العقلائي يجري ما لم يكن هناك شاهد على الخلاف، و في المقام يوجد شاهد على الخلاف و هو كونه معتقداً لفساد العقد بلا إشهاد، و هو مانع من جريان الأصل.

و يمكن الجواب عن هذا المسلك بوجهين:

الوجه الأوّل: أنّ هذا الدليل أخصّ من المدعى؛ إذ القائل بمذهب من المذاهب ربما لا يكون عالماً بالمسائل أو عاملاً بأحكام ذلك المذهب، و مجرد كونه ذا مذهب لا يقتضي أن لا يكون قاصداً للقبول.

الوجه الثاني: أنّ عدم الإشهاد لو كان دليلاً فإنّما يكون دليلاً على عدم قصد السبب إلى النكاح القانوني، لا عدم القصد بالنسبة إلى مفاد المنشأ، و بينهما فرق.

المسلك الثاني: أنّ المعتبر في مطلق العقود أو في خصوص عقد النكاح قصد التسبيب إلى الأثر القانوني، و قد تعرّض الشيخ لهذه المسألة في المكاسب(1)، و نقل


1) كتاب المكاسب 3: 295.

عبارة عن (الشهيد الأوّل)(1)مفادها اعتبار قصد التسبيب إلى الأثر القانوني(2)، و في خصوص النكاح يمكن إقامة شواهد على ذلك، وقد تعرّض إليها صاحب المقابس في أوّل النكاح(3)، منها:

ما روي في الفقيه قال الرضا (عليه السلام): «المتعة لا تحلّ إلا لمن عرفها. و هي حرام على من جهلها»(4).

و هذه الرواية من مراسيل الصدوق التي عبّر عنها ب- (قال)، و هي على بعض المسالك تكون حجّة.

و منها: صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إنّ الله تبارك و تعالى حرّم على شيعتنا المسكر من كلّ شراب و عوّضهم من ذلک المتعة)(5).

و منها: ما في الوسائل من ذكر خصوصيات صيغة المتعة تدلّ على أنّ من يريد المتعة لابدّ له من قصد التسبيب إلى حكم الله الواقعي مثل قوله: (أتزوّجك متعة كذا و كذا يوماً بكذا و كذا درهماً نكاحاً غير سفاح على كتاب


1) بحسب الظاهر أنّ الصحيح هو الشهيد الثاني.

2) المسالك 3: 156، نقلاً بالمعنى.

3) مقابس الأنوار و نفائس الأسرار: 267.

4) من لا يحضره الفقيه 3: 459، وسائل الشيعة 14: 438.

5) وسائل الشيعة 14: 438.

الله عزّ و جل و سنة نبيه (صلّى الله عليه و آله) و على أن لا ترثيني و لا أرثك و على أن تعتّدي خمسةً و أربعين يوماً، وقال بعضهم حيضة)(1).

و عليه فلابدّ من قصد التسبيب في خصوص النكاح إن لم نقل بلزومها في جميع العقود.

و الجواب عن هذا المسلك هو: أنّ هذه الشواهد لا تكفي لإثبات اعتبار قصد التسبيب، فإنّ الرواية الأولى على فرض اعتبارها، معناها : (أنّ من جهلها)، و من لا يعتقد جوازها يكون عمله زناً بالتالي، وذلك لأنّ الفارق بين المتعة و الزنا دقيق جداً، و لذا قد أكّد بالنسبة إلى صيغة النكاح على كتاب الله وسنة نبيه حتى لا يتوهّم بأنّ هذا من الاستئجار المحرّم.

و أمّا صحيحة عبد الله بن سنان فهي مرتبطة بالعمل الخارجي و أنّ الشيعة تستفيد خارجاً من المتعة و لا تستفيد من كلّ مسكر كما تستفيد منه العامة، و ليس معناها أنّ حليّة المتعة خاصة بالشيعة، و الشواهد على ذلك هو أنّ حرمة كلّ مسكر لا تختص بالشيعة، بل يحرم على العامة أيضاً، فظهر أنّ التمسك بالطريق الأوّل بكلا مسلكيه لإثبات الفساد غير صحيح.

و أمّا الطريق الثاني و هو: إثبات الفساد بقاعدة الإلزام و ما يلحق بها.

أمّا قاعدة الإلزام فلا يمكن التمسّك بها لإثبات الفساد من جهة عدم ثبوت هذه القاعدة، و على فرض ثبوتها، فالتوسعة محلّ إشكال و تأمل، فإنّ الإلزام


1) الكافي 5: 455، وبألفاظ متقاربة في الفقيه 3: 462 و التهذيب 7: 263.

مرتبط بالمطلّقات على غير السنة و جواز تزويج المطلّقة على غير السنة، و لا يتعرض إلى ما إذا تزوّج بنكاح صحيح على وفق مذهب الحق و فاسد عنده.

و بعبارة أخرى: مورد قاعدة الإلزام إلزامهم بصحّة ما هو فاسد عندنا، لا إلزامهم بفساد ما هو صحيح عندنا.

و أمّا قاعدة الاستحلال، بتقريب أنّ العامة يرون لنا تزويج مثل هذه المرأة حلالاً، لقوله: «يجوز على أهل كلّ ذي دين ما يستحلّون» فأيضاً لا يمكن التمسّك بها؛ وذلك لأنّ شمول «ما يستحلّون» لغير أهل ذلك الدين بعيد جداً.

و بعبارة أوضح: شمول ما يستحلّون لما يصدر من غير أهل ذلك الدين حيث إنّهم يستحلّون لنا و لا يصدر من أنفسهم، بعيد جدّاً، مضافاً إلى ما تقدّم من المناقشات و الاحتمالات.

و أمّا التمسك بقوله (عليه السلام): «من دان بدين قوم لزمته أحكامهم» لإثبات الفساد مبتن على تمامية الرواية من حيث السند. هذا مع قطع النظر عمّا ذكره العلامة البلاغي من أنّ الفساد ليس من الأحكام(1).

و أمّا قاعدة الإقرار، فبما أنّ إقرارهم يؤول إلى فساد مثل هذا التزويج تكون إقراراً لقانونهم، فللتمسّك بهذه القاعدة لإثبات الفساد وجه و إن كان الجزم به محلّ تأمّل، فلابدّ من الاحتياط في هذا المورد.

هذا تمام الكلام في قاعدة الإلزام، و الحمد لله أوّلاً وآخراً، وصلّى الله على سیدنا محمد و آله الطاهرين.


1) موسوعة العلامة البلاغي (الرسائل الفقهية): 7: 272.

المحتویات

المقدمة 3

مفاد القاعدة 5

لمحة عن تأريخ القاعدة 5

المرحلة الأولى: من زمن الصدوق إلى زمن الشهيد الثاني 5

المرحلة الثانية: من زمن الشهيد الثاني إلى يومنا هذا 15

الروايات التي يمكن الاستدلال بها القاعدة 17

الطائفة الأولى 17

الطائفة الثانية 38

الطائفة الثالثة 44

الطائفة الرابعة 53

الطائفة الخامسة 76

الطائفة السادسة 83

الطائفة السابعة 97

اقوال الفقهاء في الزوجية الواقعة بين الكفار 114

في كون سائر الفرق يعدّون من أهل دين واحد أو أديان متعدّدة 123

في التعامل بين الشيعة والسنة 126

حكم عبادات المخالف إذا استبصر 130

تنبيهات القاعدتين 132

فروع قاعدة المقاصة النوعية 133

الفرع الأوّل 134

الفرع الثاني 138

الفرع الثالث 140

الفرع الرابع 142

الفرع الخامس 147

الفرع السادس 150

بحث في خيار الغبن 150

الفرع السابع 159

فروع قاعدة الإقرار 161

الفرع الأوّل 161

الفرع الثاني 178

الفرع الثالث 182

الفرع الرابع 191

الفرع الخامس 192

أسئلة حول رؤية الهلال

مع أجوبتها

وفق ما أفاده

سماحة السيد السيستاني

(دام ظله)

الطبعة الأولى

1431 ه- 2010 م

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين، وبعد:

فإن هذه أسئلة حول رؤية الهلال مع أجوبتها وفق ما أفاده سماحة السيد السيستاني (دام ظله) ننشرها تعميماً للفائدة والله الموفق.

مكتب سماحة السيستاني (دام ظله)

النجف الأشرف

20 / رمضان / 1431ه-

(عدم كفاية رؤية الهلال في بلدٍ للبلاد البعيدة عنه)

السؤال (1): تعرض سماحة السيد الخوئي قدس سره في رسالته (منهاج الصالحين) لما استند إليه في الفتوى بكفاية رؤية الهلال في بلدٍ ما في الثبوت لغيره من البلاد المشتركة معه في جزءٍ من الليل وإن كان أول الليل في الأول آخره في غيره، وقد استدلّ على بوجهين: علمي وشرعي، مع بعض المؤيدات.

ولكن سيّدنا المرجع (دام ظلّه) الذي طبّق رسالة المنهاج على فتاواه وخالف أستاذه الراحل في هذا الموضع حذف البحث الاستدلالي المذكور بتمامه، ولعلّه بالنظر إلى عدم مناسبته للرسالة الفتوائية، إلا أنه قد حُرم بذلك أهل العلم والفضل من الإطلاع على وجهة نظره الشريف في هذه المسألة التي لا يزال يحتدم الجدل حولها، فحبّذا لو يتم بيان مختصر ما يراه (دام ظلّه) في الجواب عمّا أفاده السيد الخوئي قدس سره ولكم الشكر.


الجواب: قال السيد الخوئي (رضوان الله عليه) في الاستدلال على مختاره: (ويدلّنا على ذلك أمران: (الأول): أن الشهور القمرية إنما تبدأ على أساس وضع سير القمر واتخاذه موضعاً خاصّاً من الشمس في دورته الطبيعية، وفي نهاية الدورة يدخل تحت شعاع الشمس، وفي هذه الحالة (حالة المحاق) لا يمكن رؤيته في أيّة بقعة

من بقاع الأرض، وبعد خروجه عن حالة المحاق والتمكن من رؤيته ينتهي شهر قمري، ويبدأ شهر قمري جديد.

ومن الواضح أن خروج القمر من هذا الوضع هو بداية شهر قمري جديد لجميع بقاع الأرض على اختلاف مشارقها ومغاربها لا لبقعة دون أخرى، وإن كان القمر مرئيّاً في بعضها دون الآخر، وذلك لمانع خارجي كشعاع الشمس أو حيلولة بقاع الأرض أو ما شاكل ذلك، فإنه لا يرتبط بعدم خروجه من المحاق، ضرورة أنه ليس لخروجه منه أفراد عديدة بل هو فرد واحد متحقق في الكون لا يعقل تعدده بتعدد البقاع، وهذا بخلاف طلوع الشمس فإنه يتعدد بتعدد البقاع المختلفة فيكون لكل بقعة طلوع خاص بها.

وعلى ضوء هذا البيان فقد اتضح أن قياس هذه الظاهرة الكونية بمسألة طلوع الشمس وغروبها قياس مع الفارق، وذلك لأن الأرض بمقتضى كرويتها يكون - بطبيعة الحال - لكل بقعة منها مشرق خاص ومغرب كذلك، فلا يمكن أن يكون للأرض كلها مشرق واحد ولا مغرب كذلك. وهذا بخلاف هذه الظاهرة الكونية -أي خروج القمر عن منطقة شعاع الشمس - فإنه لعدم ارتباطه ببقاع الأرض وعدم صلته بها لا يمكن أن يتعدد بتعددها.

ونتيجة لذلك: أن رؤية الهلال في بلد ما أمارة قطعية على خروج القمر عن الوضع المذكور الذي يتخذه من الشمس في نهاية

دورته وأنه بداية لشهر قمري جديد لأهل الأرض جميعاً لا لخصوص البلد الذي يرى فيه وما يتفق معه في الأفق.

ومن هنا يظهر: أن ذهاب المشهور إلى اعتبار اتحاد البلدان في الأفق مبني على تخيّل أن ارتباط خروج القمر عن تحت الشعاع ببقاع الأرض كارتباط طلوع الشمس وغروبها بها إلّا أنه لا صلة - كما عرفت - لخروج القمر عنه ببقعة معينة دون أخرى فإن حاله مع وجود الكرة الأرضية وعدمها سواء)(1)

ص:280 ط:26.

.

ويلاحظ على ما أفاده قدس سره بأنه وإن كان هناك فرق بين ظاهرة الليل والنهار وبين ظاهرة المحاق والهلال والبدر وغيرها من حالات القمر من حيث إن الليل والنهار يطرآن على بقاع الأرض حسب اختلافها في المواجهة مع الشمس وعدمها، وأمّا كون القمر في حالة المحاق ثم ظهور مقدار منه يسمى بالهلال وازدياده حتى يصير بدراً ثم نقصانه بعد ذلك إلى أن يدخل في حالة المحاق مرة أخرى فإنما هو بالنسبة إلى الرائي الذي يكون على الكرة الأرضية، وإلّا فإن القمر يكون على حال واحدة، ونصفه غير المواجه للشمس مظلم دائماً ونصفه الآخر المواجه لها مستنير كذلك إلا في حال الخسوف، فلو نظر إليه من فضاء متوسط بينه


1) منهاج الصالحين السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي ج:1

وبين الشمس لا من كرة الأرض لرُئي في حالة البدر دائماً ما ينخسف من جهة توسط الأرض بينه وبين الشمس.

وبالجملة ما ذكر من الفرق بين حالات القمر وبين الليل والنهار وإن كان ثابتاً في أصله، ولكنه لا يقتضي بوجهٍ البناء على أنه بخروج القمر عن تحت الشعاع يبتدئ الشهر القمري الجديد لأهل الأرض جميعاً في تمام الأصقاع والبقاع - كما ادعاه قدس سره في البيان المتقدم - إلا إذا ثبت أن العرف الممضى من قبل الشرع المقدس قد اتخذ بداية الشهر القمري ما ذكر، ولكن هذا غير صحيح قطعاً، وإلّا لزم أن تكون بداية الشهر القمري لنصف الكرة الأرضية في أثناء النهار، وهو ما لا يساعد عليه العرف، فإن الشهر يبتدئ عندهم من الليل.

وهذا هو المستفاد من النصوص الشرعية أيضاً، ففي معتبرة حماد بن عثمان(1)عن أبي عبد الله عليه السلام: ((إذا رأوا الهلال قبل الزوال فهو لليلته الماضية وإذا رأوه بعد الزوال فهو لليلته المستقبلة)).

وفي خبر عمر بن يزيد(2)

بالاستهلال، فإذا أبصروا الهلال عرفوا دخول الشهر ، فأول الشهر عندهم الليل لأن الاستهلال يكون في أول الليل).

و قال السيد الطباطبائي في (الميزان في تفسير القرآن ج:2 ص:56): (إن الإنسان لا بد له من حيث الخلقة من أن يقدّر أفعاله وأعماله التي جميعها من سنخ الحركة بالزمان، ولازم ذلك أن يتقطع الزمان الممتد الذي ينطبق عليه أمورهم قطعاً صغاراً وكباراً مثل الليل والنهار واليوم والشهر والفصول والسنين بالعناية الإلهية التي تدبّر أمور خلقه وتهديهم إلى صلاح حياتهم، والتقطيع الظاهر الذي يستفيد منه العالم والجاهل والبدوي والحضري ويسهل حفظه على الجميع إما هو تقطيع الأيام بالشهور القمرية التي يدركه كل صحيح الإدراك مستقيم الحواس من الناس دون الشهور الشمسية التي ما تنبه لشأنها ولم ينل دقيق حسابها الإنسان إلا بعد قرون وأحقاب من بدء حياته في الأرض وهو مع ذلك ليس في وسع جميع الناس دائماً).

قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام السلام إن المغيرية يزعمون أن هذا اليوم لهذه الليلة المستقبلة.

1) الكافي ج:4 ص:78.

2) الكافي ج:8 ص:332.

الشمسية - كما أنه كان يناسب مناطقهم التي تكون السماء فيها في غالب أيام السنة صحواً مما يتيح معرفة أيام الشهر بالنظر إلى حال القمر في الليل بكل سهولة(1)

وقال في (ص:195): (وكانت العرب تسمي الثلاث الأولى من ليالي الشهر فتقول: ثلاث غرر والثلاث التي تليها ثلاث سمر والثلاث التي تليها ثلاث زهر ..) ثم قال: (فأما ما ذهب إليه العرب في تسمية القمر فإنها تسميه في ليلة طلوعه هلالاً، وما لم يستدر فهو هلال ثم تسميه قمراً إذا ما استدار، وإذا ما حجر وأضاء فهو قمير ..).

.

1) و لعل من مظاهر اعتماد العرب على أوضاع القمر في معرفة أيام الشهر هو اهتمامهم بتسميتها بأسماء خاصة، قال المسعودي في (مروج الذهب ج:2 ص: 193): (كانت العرب تخبر عن القمر في كل ليلة من الشهور على حسب ما هو به من الضياء وغيره عن طريق المسألة والجواب، فتقول قيل للقمر: ما أنت ابن ليلة؟ قال: رضاع سخيلة حل أهلها برميلة قيل: فما أنت لليلتين؟ قال: حديث أمتين ..).

والمنسجم مع اعتمادهم على الأشهر القمرية دون الشمسية هو أن تكون العبرة عندهم في ابتداء الشهر في كل مكان بقابلية الهلال للرؤية في ذلك المكان، فإنه أمر يعدّ في متناول الجميع: الحضري والبدوي، القريب من أول موضع يرى فيه الهلال والبعيد عنه. وأمّا جعل المعيار هو ظهور الهلال وقابليته للرؤية في مكان ما -ولو في بلاد الروم أو الفرس أو في بعض البحار- يكون مشتركاً مع مناطقهم في جزء من الليل فهو مما لا ينسجم بوجهٍ مع ما ذكر في وجه اعتمادهم على الأشهر القمرية، فإنه مقياس لا يصل إليه الجميع لوضوح أنه لا سبيل إلى التأكد من رؤية الهلال في الأماكن البعيدة إلّا من جهة الحساب العلمي الدقيق أو مع توفر طرق الاتصالات السريعة، وأنّى كان لهم ذلك؟!

وبتعبير آخر: إنه لو كان بناؤهم على أن المعيار في بداية الشهر القمري هو برؤية الهلال ولو في الأمكنة البعيدة جداً عن أماكنهم لاقتضى ذلك أن لا يبنوا على عدم دخول الشهر الجديد في أماكنهم لمجرد عدم ظهور الهلال فيها - مع صفاء الجو وفقدان أي

فقال: ((كذبوا ، هذا اليوم لليلة الماضية، وأن أهل بطن نخلة(1)حیث رأوا الهلال قالوا: قد دخل الشهر الحرام)).

وقد تنبّه قدس سره لهذا المحذور لاحقاً(2)، فبنى على أنه إذا رئي الهلال في مكان فإنما يحكم بدخول الشهر في الأمكنة المشاركة له في الليل ولو بأن يكون أول الليل فيه آخر الليل فيها، وأمّا الأمكنة التي ينقضي الليل ويحلّ النهار فيها قبل حلول الليل في مكان الرؤية فيكون أول الشهر فيها في اليوم التالي.

مثلاً: إذا رئي الهلال في (نواكشوط) عاصمة موريتانيا في ليلة السبت ولكن كان ذلك بعد انقضاء الليل في (سدني) عاصمة استراليا يكون أول الشهر في مكان الرؤية وما يشاركه في جزء من الليل يوم السبت وأمّا في استراليا ونحوها فيكون في يوم الأحد.

ولكن في التزامه قدس سره بهذا إقرار منه بأن بداية الشهر القمري أمر نسبي يختلف باختلاف بقاع الأرض وليس أمراً واحداً في جميعها، وهو ما ادعاه أولاً.

مع أن هذا نحو من النسبية، وهناك نحو آخر هو مقتضى القول بأن العبرة في دخول الشهر القمري في كل مكان بإمكانية


1) بطن نخلة: موضع بين مكة والطائف.

2) مستند العروة الوثقى (كتاب الصوم) ج:2 ص:119.

رؤية الهلال في أفق ذلك المكان، فلابد من ملاحظة أن الشواهد العرفية والشرعية تؤيّد أيّاً من النحوين ليبنى عليه؟

ويمكن أن يقال: إنها تؤيد النحو الثاني، وهي كما يأتي ..

(الشاهد الأول): أن الشهر القمري - أي ما بين الهلالين - مقياس زمني تداوله العرب قبل الإسلام، والشهر في لغتهم اسم للقمر سُمّي به لشهرته وظهوره، ثم أطلق على ما بين الهلالين لأنه يشتهر بالقمر وفيه علامة ابتدائه وانتهائه(1).

وإنّما اتخذ العرب الأشهر القمرية المقياس الأساس(2)عندهم لحساب الأيّام ولم يعتمدوا في ذلك على الأشهر الشمسية التي كانت متداولة عند الفرس والروم - مع أنّ كثيراً من شؤون الحياة من الزراعة وغيرها مما يختلف باختلاف الفصول التي هي أقسام للسنّة الشمسية - من جهة أنّ الشهر القمري كان مقياساً يناسب حالهم(3)من حيث إن معرفته لا تحتاج إلى الحساب - بخلاف الأشهر


1) لاحظ مقاييس اللغة ج:3 ص:222، وتهذيب اللغة ج:6 ص:50، والمحكم والمحيط الأعظم ج:4 ص: 185.

2) رجّح بعض الباحثين استخدام العرب للتقويم الشمسي جزئياً (لاحظ المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج:6 ص:505).

3) قال الشيخ الرضي في (شرح الكافية ج:3 ص:312): (اعلم أن الليل في تاريخ العرب مقدّم على اليوم لأن السنين عندهم مبنية على الشهور القمرية، وذلك لكون أكثرهم أهل البراري الذين يتعسر عليهم معرفة دخول الشهر إلا

مانع محتمل عن الرؤية - إلا كموقف مؤقت إلى أن تأتي الأخبار من الأماكن الأخرى بما كان عليه الحال فيها من حيث رؤية الهلال وعدمها - نظير ما إذا غمّت السماء عندهم ولم يتيّسر لهم الاستهلال - مع وضوح أن الأمر لم يكن كذلك.

وبالجملة: لا ينبغي الشك في أن ما كان معياراً لدى العرب قبل الإسلام في بداية الأشهر القمرية لم يكن سوى ما ذكر آنفاً دون ما أفاده قدس سره.

ولما جاء الدين الإسلامي الحنيف أقرّ العرب على اعتمادهم على الأشهر القمرية، قال تعالى(1): (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) أي أنها أزمان وأوقات مضروبة للناس في أمور معاشهم ومعادهم، وقد بنى الشارع المقدّس مختلف أحكامه وتشريعاته على حساب الشهور القمرية، ولم يرد منه ما يفي بالردع عما جرت عليه سيرة الناس في ما هو المعيار في بداية الشهر القمري، ولو ورد لاشتهر وذاع لمسيس الحاجة إليه كما هو ظاهر.

(الشاهد الثاني): أن مقتضى الالتزام بدخول الشهر في البلاد الواقعة في شرق بلد الرؤية من جهة اشتراكها معه في جزء من الليل هو إمّا تبعض الليلة الواحدة فيها بين شهرين بأن يكون أولها إلى اللحظة التي رئُي الهلال فيها في ذلك البلد الغربي من


1) البقرة:189.

الشهر السابق وما بقي من الشهر اللاحق، وإمّا ابتداء الشهر فيها قبل قابلية الهلال للرؤية في أي مكان في الأرض، وكلا الأمرين بعيد عن المرتكزات العرفية.

(الشاهد الثالث): أن مقتضى كون العبرة في دخول الشهر الجديد في بلد المكلف برؤية الهلال و لو في بلد آخر بعيد عنه جداً هو أن صيام النبي (صلّی الله علیه و آله و سلم) و الأئمة (علیهم السلام) و فطرهم و حجهم و سائر أعمالهم التي لها أيام محددة في الأشهر القمرية لم تكن تقع في كثير من الحالات في أيامها الحقيقية لوضوح أنهم عليهم السلام كانوا يعتمدون في تعيين بدايات الأشهر الهلالية على الرؤية في بلدانهم أو البلدان القريبة منها مع أن في كثير من تلك الشهور كانت الرؤية متيسرة في الليلة السابقة في بعض الأماكن البعيدة جداً كما يُعرف ذلك بمراجعة البرامج الكمبيوترية الحديثة التي تبين أوضاع القمر لآلاف السنين الماضية و الآتية .

أي أنه في حالات غير قليلة كان هلال شوال - مثلاً - قابلاً للرؤية في استراليا أو جنوب أفريقيا أو أمريكا الجنوبية في ليلة السبت مثلاً و لكنه لما لم يكن قابلاً للرؤية في المدينة المنورة أو العراق في تلك الليلة - كما يحدث مثله في زماننا كثيراً - كان النبي (صلّی الله علیه و آله و سلم) أو الإمام (علیهم السلام) يصوم ذلك اليوم مع أنه في واقع الحال كان

يوم عيد الفطر الذي لا يشرع فيه الصوم في حقه، و حد ذاته.

و يزيده بُعداً أنهم عليهم السلام لم يكن ينقصهم العلم بما يعرف به وضع الهلال في الأماكن الأخرى، لأنه لا يتوقف إلّا على إجراء محاسبة علمية دقيقة للتوصل إلى درجة ارتفاع الهلال على الأفق ومقدار بُعده الزاوي عن الشمس ونسبة القسم المنار إلى أكبر قطر يبلغه القرص، و هذه المحاسبة لم تكن بعيدة عن معرفة أهل الحساب من العرب وغيرهم حتى في عصرهم (علیهم السلام)، فمتى عُلم أن الهلال سيكون في استراليا مثلاً بارتفاع اثنتي عشرة درجة وبعيداً عن الشمس بمقدار ثماني درجات وتبلغ نسبة القسم المنار (3%) مثلاً يقطع عندئذ بكونه قابلاً للرؤية بالعين المجرّدة في تلك البلدان لولا الموانع من غيم أو نحوه وإن لم يكن قابلاً للرؤية في الجزيرة العربية أو العراق، ولا حاجة في معرفة ذلك إلى علم الغيب لكي يقال: إنهم عليهم السلام لم يكونوا يستخدمونه في هذه المجالات.

بل لم تكن معرفة ذلك - إجمالاً - بالذي يتوقف على إجراء المحاسبة الدقيقة وإنما يكفي فيها الوقوف من خلال الاختبار والتجربة على اختلاف حال الأمكنة والبلدان من حيث إمكانية رؤية الهلال فيها وهو ما كان معلوماً للكثيرين.

ومهما يكن فلا ريب في أن صيام النبي (صلّی الله علهی و آله) و الأئمة (علیهم السلام) و فطرهم إنما كان وفق ما تقتضيه رؤية الهلال في بلدانهم أو ما يقرب منها و إن كان الهلال - في واقع الحال - قابلاً للرؤية من قبل ذلك في بعض الأماكن البعيدة جداً كبلاد الشام و الحبشة.

ومن الروايات التي تؤكد ذلك معتبرة أبي علي بن راشد(1)قال: كتب إليّ أبو الحسن العسكري عليه السلام كتاباً وأرّخه يوم الثلاثاء لليلة بقيت من شعبان وذلك في سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وكان يوم الأربعاء يوم شك وصام أهل بغداد يوم الخميس، وأخبروني أنهم رأوا الهلال ليلة الخميس، ولم يغب إلّا بعد الشفق بزمان طويل. قال: فاعتقدت أن الصوم يوم الخميس وأنّ الشهر كان عندنا ببغداد يوم الأربعاء. قال: فكتب إليّ: ((زادك الله توفيقاً فقد صمت بصيامنا)). قال: ثم لقيته بعد ذلك فسألته عما كتبت به إليه. فقال لي: ((أو لم أكتب إليك إنما صمت الخميس ولا تصم إلّا للرؤية)).

ووجه الاستشهاد بهذه الرواية هو تصريح الإمام الهادي عليه السلام فيها بأن يوم الخميس كان أول أيام رمضان عام 232


1) تهذيب الأحكام ج:4 ص:167.

للهجرة سواء في بلد سكناه (علیه السلام) آنذاك وهو المدينة المنورة(1)أو في بلد بلد السائل وهو بغداد، مع أنّ مقتضى الحسابات الفلكية الدقيقة أن هلال رمضان كان قابلاً للرؤية بكل وضوح في ليلة الأربعاء الموافق (20 نيسان عام 847 للميلاد) في معظم القارّة الأفريقية والأمريكيتين.

(الشاهد الرابع): خبر معمر بن خلاد(2)

والملاحظ أن الشيخ قدس سره قد ابتدأ هذه الرواية باسم معمر بن خلاد الذي له طريق صحيح إلى كتابه في الفهرست، ولكن من المستبعد جدّاً أن يكون هو مصدره في نقلها فإنه لم يبتدئ باسمه إلّا في هذا المورد. والأقرب أن يكون السند إليها هو ما ذكر في الحديث الثالث والثلاثين وفيه (علي بن محمد بن يعقوب) وهو لم يوثق. ولا يجدي كونه من مشايخ ابن قولويه في كامل الزيارات.

وأما ما في بعض نسخ التهذيب من كونه معطوفاً على محمد بن علي بن الفضل الثقة فهو خطأ ظاهر، فإن مقتضاه رواية ابن الفضل عن علي بن الحسن بن فضال ولا يمكن ذلك بحسب الطبقات فإن الأول من الطبقة العاشرة والثاني من الطبقة السابعة، هذا مضافاً إلى تكرر رواية ابن الفضل عن ابن يعقوب.

عن أبي الحسن (علیه السلام) قال: كنت جالساً عنده آخر يوم من شعبان فلم أره صائماً فأتوه بمائدة فقال: ((ادن)) وكان ذلك بعد العصر فقلت له: جعلت فداك

1) قال ابن الجوزي في (المنتظم ج:3 ص:364) في حوادث سنة ثلاث وثلاثين و مأتين: (وفي هذه السنة قدم يحيى بن هرثمة - وكان والي طريق مكة - بعلي بن محمد بن علي الرضا بن موسى بن جعفر من المدينة).

2) تهذيب الاحكام ج4 ص 166.

صمت اليوم. فقال لي: ((ولِم؟)) قلت: جاء عن أبي عبد الله (علیه السلام) في اليوم الذي يشك فيه أنه قال: (يوم وفّق له)). قال: ((أليس تدرون إنما ذلك إذا كان لا يعلم أهو من شعبان أم من شهر رمضان فصامه الرجل فكان من شهر رمضان كان يوماً وفق له، فأمّا وليس علة ولا شبهة فلا ..)).

ووجه الاستشهاد بهذه الرواية هو أن الإمام (علیه السلام) قد جعل المناط في مطلوبية الاحتياط بصيام اليوم الذي يعقب التاسع والعشرين من شهر شعبان هو عدم العلم بكونه من شعبان أو من رمضان، مع أنّ أقصى ما يقتضيه خلو السماء من الغيم ونحوه وعدم الشبهة في وجود ما يمنع من رؤية الهلال في بلد المكلف هو العلم بعدم ظهوره فيه بنحو قابل للرؤية بالعين المجرّدة، فلو كان يكتفى في دخول الشهر في بلد بقابلية الهلال للرؤية ولو في أفق بلد آخر لصدق على ذلك اليوم أنه مما لا يعلم كونه من شعبان أو رمضان فلا يتجه نهي الإمام (علیه السلام) عن صيامه احتياطاً، وهذا ظاهر.

(الشاهد الخامس) معتبرة محمد بن عيسى(1)قال كتب إليه أبو عمرو: أخبرني يا مولاي أنه ربما أشكل علينا هلال رمضان فلا نراه ونرى السماء ليست فيها علّة فيفطر الناس ونفطر معهم، ويقول قوم من الحسّاب قبلنا: إنه يرى في تلك الليلة بعينها بمصر وافريقية


1) تهذيب الأحكام ج:4 ص:159.

والأندلس. فهل يجوز يا مولاي ما قال الحسّاب في هذا الباب حتى يختلف الفرض على أهل الأمصار فيكون صومهم خلاف صومنا وفطرهم خلاف فطرنا؟ فوقّع (علیه السلام) ((لا تصومنّ من الشك، أفطر لرؤيته وصم لرؤيته)).

ووجه الاستشهاد بهذه الرواية هو دلالة كلام السائل على ارتكاز فكرة اختلاف الأفاق في ذهنه بحيث لم يكن يشك في أنه على تقدير صحّة قول الحسّاب من رؤية الهلال في تلك الليلة بمصر وافريقية والأندلس سيختلف الفرض على أهل الأمصار أي يكون صیام رمضان واجباً على خصوص من كان الهلال قابلاً للرؤية في بلدانهم، ولم يخطر بباله احتمال أن يجب الصيام على أهل بلده بالرغم من عدم قابلية الهلال فيه للرؤية وإن رئُي في بلد آخر.

وأمّا جواب الإمام (علیه السلام) فلا يدل على ردع السائل عن المرتكز المذكور إن لم يدل على إقراره عليه كما سيأتي توضيحه إن شاء الله تعالى.

هذا أهم ما يمكن الاستشهاد به على كون العبرة في دخول الشهر القمري في كل مكان بقابلية الهلال للرؤية فيه.


ثم قال السيد الخوئي قدس سره: (الثاني: النصوص الدالة على ذلك، ونذكر منها ..

1- صحيحة هشام بن الحكم(1)عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنه قال في من صام تسعة وعشرين قال: ((إن كانت له بينة عادلة على أهل مصر أنهم صاموا ثلاثين على رؤية قضى يوماً)).

فإن هذه الصحيحة بإطلاقها تدلنا - بوضوح - على أن الشهر إذا كان ثلاثين يوماً في مصر كان كذلك في بقية الأمصار بدون فرق بين كون هذه الأمصار متفقة في آفاقها أو مختلفة، إذ لو كان المراد من كلمة (مصر) فيها المصر المعهود المتفق مع بلد السائل في الأفق لكان على الإمام (علیه السلام) أن يبيّن ذلك، فعدم بيانه مع كونه (علیه السلام) في مقام البيان كاشف عن الإطلاق.

2- صحيحة أبي بصير(2)عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنه سئل عن اليوم الذي يقضى من شهر رمضان، فقال: (لا تقضه إلا أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة متى كان رأس الشهر))، وقال: ((لا تصم ذلك اليوم الذي يقضى إلّا أن يقضي أهل الأمصار فإن فعلوا فصمه)).

الشاهد في هذه الصحيحة جملتان..

(الأولى) : قوله (علیه السلام): ((لا تقضه إلا أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة ..))، فإنه يدل - بوضوح - على أن رأس


1) تهذيب الأحكام ج:4 ص:158.

2) تهذيب الأحكام ج:4 ص: 157.

الشهر القمري واحد بالإضافة إلى جميع أهل الصلاة على اختلاف بلدانهم باختلاف آفاقها ولا يتعدد بتعددها.

(الثانية): قوله (علیه السلام) ((لا تصم ذلك اليوم إلّا أن يقضي أهل الأمصار)) فإنه كسابقه واضح الدلالة على أن الشهر القمري لا يختلف باختلاف الأمصار في آفاقها فيكون واحداً بالإضافة إلى جميع أهل البقاع والأمصار.

وإن شئت فقل: إن هذه الجملة تدل على أن رؤية الهلال في مصر كافية لثبوته في بقية الأمصار من دون فرق في ذلك بين اتفاقها معه في الآفاق أو اختلافها فيها، فيكون مرده إلى أن الحكم المترتب على ثبوت الهلال - أي خروج القمر عن المحاق- حكم تمام أهل الأرض لا لبقعة خاصّة.

3- صحيحة إسحاق بن عمار(1)قال سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن هلال رمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان. فقال: ((لا تصمه إلّا أن تراه، فإن شهد أهل بلد آخر أنهم رأوه فاقضه)).

فهذه الصحيحة ظاهرة الدلالة بإطلاقها على أن رؤية الهلال في بلد تكفي لثبوته في سائر البلدان بدون فرق بين كونها متحدّة معه في الأفق أو مختلفة وإلّا فلا بد من التقييد بمقتضى ورودها في مقام البيان.


1) تهذيب الأحكام ج:4 ص:178.

4- صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله(1)قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن هلال رمضان يغمّ علينا في تسع وعشرين من شعبان. فقال: ((لا تصم إلّا أن تراه، فإن شهد أهل بلد آخر فاقضه))، فهذه الصحيحة كسابقته في الدلالة على ما ذكرناه).

ويلاحظ على ما أفاده قدس سره ..

1- أن مورد صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله ومعتبرة إسحاق بن عمار هو صورة الشك في دخول شهر رمضان من جهة الشك في وجود الهلال في سماء البلد مستوراً بالسحاب وعدمه، فلا إطلاق لها لصورة الشك فيه مع إحراز عدم وجود الهلال في سماء البلد من جهة الشك في وجوده في بلدٍ آخر يشترك مع البلد في جزء من الليل.

وتوضيح ذلك: أن مورد السؤال في كلتا الروايتين هو ما إذا غمّ هلال رمضان، و(غمّ) لغة بمعنى ستر، ولكن من الواضح أنه ليس المقصود هنا هو ستر الغمام للهلال، إذ لو أحرز ذلك لكفى في ثبوت الشهر فإنه لا يعتبر فيه الرؤية الفعلية كما هو ظاهر، فلابد - إذاً - أن يكون إسناد الستر إلى الهلال إسناداً مجازياً يراد به الإسناد إلى محلّه أي ستر الغمام لمطلع الهلال، فمرجعه إلى الشك في وجود الهلال في مطلعه في أفق البلد.


1) تهذيب الأحكام ج:4 ص:157.

وحاصل السؤال هو أنه إذا ستر الغمام - وهو السحاب الأبيض أو الرقيق - مطلع الهلال وشك في وجوده تحته فما هي وظيفة المكلف عندئذٍ؟ وأجاب الإمام (علیه السلام) بأنه لا يجب عليه صيام ذلك اليوم مع عدم رؤية الهلال، ولكن إذا شهد أهل بلد آخر على رؤيته في تلك الليلة فلا بد من القضاء، ومرجع هذا بمقتضى مناسبات الحكم والموضوع إلى أنه إذا زال الشك في وجود الهلال في أفق البلد في تلك الليلة بملاحظة رؤية أهل بلد آخر قريب من البلد الأول بأن استكشف منها وجوده في أفق البلد وكونه مستوراً بسبب الغمام عن أعين الناظرين يلزم القضاء.

وعلى ذلك فلا إطلاق للفظ البلد في الروايتين للبلد البعيد الذي لا تكون رؤية الهلال فيه شاهداً على وجوده في بلد المكلف، كما لو أحرز عدم ظهور الهلال فيه أو ظل الأمر مشكوكاً فيه بالرغم من إحراز رؤيته في بلد آخر.

2- أن صحيحة هشام بن الحكم - ونحوها معتبرة سماعة(1)أنه سأل أبا عبد الله (علیه السلام) عن اليوم من شهر رمضان يختلف فيه قال: ((إذا اجتمع أهل المصر على صيامه للرؤية فاقضه إذا كان أهل المصر خمسمائة إنسان)) - لا إطلاق لهما لمحل البحث نظراً إلى أنهما في صدد بيان أمر آخر وهو لزوم عدم وجود


1) من لا يحضره الفقيه ج:2 ص:77.

معارض حكمي للشهادة على رؤية الهلال في البلد الآخر، وذلك بأن تكون الرؤية قد ثبتت فيها بالشياع القطعي أو بالبيّنة غير المعارضة ببينّة النفي، وهذا ظاهر في صحيحة هشام حيث اعتبر فيها قيام البينّة على صوم أهل مصر، فالتعبير ب-(أهل مصر) إنما هو بعناية اعتبار اجتماعهم على ثبوت الرؤية الذي لا يكون عادة إلا عن شياع قطعي أو بيئة غير معارضة بغيرها. وهو الذي أشير إليه في بعض الروايات الأخرى(1)بأن الرؤية هي أن يقول القائل: رأيت فيقول القوم: صدقت، أو إذ رآه واحد رآه عشرة وإذا رآه عشرة رآه ألف.

وبالجملة: المقصود هو التركيز على قيام الحجة والتأكد من ثبوتها عند أهل ذلك المصر فلا يكفي وجود شاهدين منهم على الرؤية مطلقاً كما لو انفردا بإدعاء الرؤية مع كثرة المستهلين.

و أوضح من صحيحة هشام فيما ذُكر معتبرة سماعة حيث تضمنت الأمر بالقضاء إذا اجتمع أهل المصر على صيامه للرؤية وكانوا خمسمائة إنسان أي على أقل تقدير.

وإذا كان الإمام (علیه السلام) في الروايتين بصدد بيان ما ذُكر فلا ينعقد لكلامه إطلاق ليشمل المصر الذي لا يحرز كونه متفق الأفق مع بلد المكلف، فإنه قد قرّر في محلّه من علم الأصول أنه متى أُحرز


1) تهذيب الأحكام ج:4 ص:156، 164.

كون المتكلم في مقام البيان من جهة وشكّ في كونه في مقام البيان من جهة أخرى فإنه لا يوجد أصل عقلائي يقتضي كونه في مقام البيان من الجهة الثانية ليمكن التمسك بالإطلاق من هذه الجهة أيضاً.

3- أن الموضوع في روايتي أبي بصير - أو الجملتين من روايته كما عبّر قدس سره- هو اليوم الذي يقضى من شهر رمضان، ويعلم من هذا التعبير أن بعض الناس كانوا لا يصومون الشك أداءً ثم يقضونه بعد انتهاء شهر رمضان، والإمام (علیه السلام) منع من القضاء إلّا أن يثبت سبق رؤية الهلال.

وحيث إنه لم يتأكد أن المراد باليوم الذي يقضى من شهر رمضان مطلق يوم الشك منه - بل يجوز أن يكون المراد خصوص اليوم الذي كان الشك فيه لوجود علّة في السماء يحتمل كونها حاجباً عن رؤية الهلال - لم ينعقد لجواب الإمام (علیه السلام) إطلاق يقتضى وجوب القضاء وإن ثبتت رؤية الهلال في بلد بعيد لا ملازمة بين رؤية الهلال فيه ورؤيته في بلد المكلف.

هذا مضافاً إلى عدم تمامية الاستدلال بأي من الروايتين (الجملتين) ..

أمّا الأولى فلأن ظاهرها - كما أفاده المحدث الكاشاني قدس سره(1)- هو الاكتفاء في الشاهد على رؤية الهلال بكونه مسلماً وعدم وعدم اعتبار الإيمان فيه، ولا دلالة فيها على كفاية انبعاث الشهادة من أي من بلاد المسلمين إلا بضرب من التأويل، بأن يكون المراد بأهل الصلاة بلاد أهل الصلاة على سبيل حذف المضاف ويكون المراد بلفظ الجميع الظاهر في الاستغراق معنى (أيّ) أي البدلية، ولا وجه لتأويل الرواية ثم الاستدلال بها.

وأمّا الثانية فلأن ظاهرها وجوب صيام ذلك اليوم بقضاء أهل جميع الأمصار المغيمة من بلاد المسلمين وهذا مما لا يمكن الالتزام به، ولذلك حمل قدس سره الألف واللام في كلمة (الأمصار) الظاهرة في العموم الاستغراقي على العموم البدلي ليصير المعنى لا تصم ذلك اليوم إلّا أن يقضى أهل أي من الأمصار، ولكن هذا لا معيّن له بل يدور الأمر بينه وبين أن يراد ب-(الأمصار) خصوص الأمصار القريبة من بلد المكلف التي يتيسر له الإطلاع على عمل أهلها عادة، بل هذا أقرب إلى ظاهر الرواية مما أفاده قدس سره.

وهكذا يتضح أن أيّاً من الروايات التي استدل قدس سره بإطلاقها على مرامه مما لا يفي بإثباته، مع أنه لو سُلّم إطلاقها في


1) الوافي ج:11 ص:137.

حدّ ذاتها فإن الشواهد الخمسة المتقدمة تصلح لتقييدها ورفع اليد عن الإطلاق المزعوم لها، فتدبر.

هذا ثم إن هناك روايتين أخريين قد يستدل بهما أيضاً لمرامه قدس سره وهما.

1- معتبرة محمد بن عيسى المتقدمة في الشاهد الخامس.

ومبنى الاستدلال بها هو أن الإمام (علیه السلام) لما عدل عن جواب أبي عمرو - صاحب المكاتبة - بأنه يجوز ما قاله الحسّاب من اختلاف الآفاق في رؤية الهلال، وقال بدلاً عنه: ((لا تصومنّ من الشك أفطر لرؤيته وصُم لرؤيته)) دلّ على أنه اعتبر أبا عمرو بمنزلة الشاك في حلول رمضان في بلده بالرغم من صفاء الجو وعدم ظهور الهلال في الأفق، ولا يكون ذلك إلّا من جهة احتمال صحبة ما قاله الحسّاب من إمكانيّة رؤية الهلال في البلاد البعيدة، وكون الرؤية فيها كافية في دخول الشهر في جميع البلدان، وعلى ذلك فالرواية تدل على القول بوحدة الآفاق خلافاً لما توهمه أبو عمرو.

ولكن هذا الكلام ضعيف، فإن مقتضاه أن الإمام (علیه السلام) قصد بجوابه أن يبيّن لأبي عمرو احتمال صحّة ما قاله الحساب من جهة، ویبین خطأه فيما بنى عليه من اختلاف فرض الصيام على أهل الأمصار على تقدير صحّة ما قالوه من جهة أخرى، إلّا أن لفظ الجواب بعيد جدّاً عن إفادة المعنى المذكور.

والأقرب أن يقال: إن الإمام (علیه السلام) لم يرد الجواب عما سأل عنه أبو عمرو ولعلّه حذراً من أن يستفاد منه اعتبار أقوال الحسّاب في رؤية الهلال - الأمر الذي طالما أكّد الأئمة عليهم السلام على نفيه - ولكن لما ذكر أبو عمرو في أول كلامه (ربّما أشكل علينا هلال رمضان) وكان ظاهره استقرار الشك عنده في وجود الهلال في أفق بلده بالرغم من عدم العلّة في - السماء - ولعلّه من جهة احتمال كون الهلال ضعيفاً جدّاً قريباً من الأفق عند الغروب وعدم التمكن من رؤيته من جهة وجود بعض الأبخرة غير المنظورة للرائي -ارتأى الإمام (علیه السلام) التأكيد على ترك الصيام في يوم الشك وكون كل من الصيام والإفطار من جهة الرؤية، فليس في جوابه (علیه السلام) ما يدلّ على القول باتحاد الآفاق.

وبعبارة أخرى: لا قرينة في جواب الإمام (علیه السلام) على كون الشك المفروض فيه هو من جهة احتمال رؤية الهلال في البلاد البعيدة ليقال إنه يقتضى البناء على اتحاد البلاد في أول الشهر، بل الأقرب أن يكون من جهة أن عدم رؤية الهلال ولو مع عدم العلّة في السماء لم يكن رافعاً للشك في وجود الهلال في الأفق كما يناسبه التعبير ب-(أشكل) في أول السؤال، وعلى ذلك فالرواية أجنبية عن الدلالة على ما زعم.

بل يمكن أن يقال: إن عدم تعرض الإمام (علیه السلام) لما أظهر أبو عمرو البناء عليه من اختلاف فرض الناس في الصيام إذا صحّ ما قاله الحسّاب ربما يعدّ إقراراً منه (علیه السلام) بصوابه، فتدبر.

2 - خبر ابن أبي حمزة(1)قال كنت عند أبي عبد الله (علیه السلام) فقال له أبو بصير: جعلت فداك الليلة التي يرجى فيها ما يرجى؟ فقال: ((في إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين)). قال: فإن لم أقوَ على كلتيهما ؟ فقال: ((ما أيسر ليلتين فيما تطلب)). قلت: فربّما رأينا الهلال عندنا وجاءنا من يخبرنا بخلاف ذلك من أرض أخرى؟ فقال: ((ما أيسر أربع ليال تطلبها فيها ..)).

ووجه الاستدلال به هو أن المقصود بقول السائل (وجاءنا من يخبرنا بخلاف ذلك من أرض أخرى) هو أنه جاء من يخبر برؤية الهلال في أرض أخرى في ليلة سابقة على الليلة التي رئي فيها في بلد السائل، والملاحظ أن الإمام (علیه السلام) أمر بالاحتياط عندئذٍ لأربع ليال رعاية لاحتمال الرؤية في الأرض الأخرى ولم يفصّل (علیه السلام) بين أن تكون قريبة من بلد السائل أو بعيدة عنه مما يدل على عدم الفرق بينهما وأن الهلال إذا رئُي في مكان كفى في دخول الشهر في سائر الأمكنة، وهذا هو المطلوب.


1) الكافي ج:4 ص:156.

ولكن هذا الاستدلال ضعيف، وتوضيحه: أن الإمام (علیه السلام) لما امتنع عن تعيين ليلة القدر قائلاً: ((ما أيسر ليلتين فيما تطلب)) حاول ابن أبي حمزة أن ينتزع منه (علیه السلام) تعيينها بافتراض تردد أول الشهر بين يومين مما يقتضي عدم كفاية الاحتياط لإدراك ليلة القدر بين ليلتين، ولعله إنما فرض انبعاث دعوى رؤية الهلال في الليلة السابقة من أرض أخرى بالنظر إلى اعتقاده أنه لو كان المدّعي للرؤية من أهل بلد السائل نفسه يكون الاعتداد باحتمال صحة دعواه منافياً لما ورد في النصوص من أنه إذا رأته عين رأته ألف عين.

وبالجملة: إنما قصد السائل بقوله: (فربما رأينا الهلال ...) مجرّد افتراض حالة يتردد فيها أول الشهر بين يومين في بلده ولم يكن يقصد أنّ ذلك يحصل أيّاً كان المكان الذي تدعى فيه رؤية الهلال في خارج البلد، وكذلك الإمام (علیه السلام) إنما أراد بيان أن تردد أول الشهر بين يومين كما فرضه السائل يقتضي الاحتياط لأربع ليال لمن يريد إدراك ليلة القدر ولم يكن بصدد بيان أن دعوى الرؤية في خارج البلد توجب التردد في أول الشهر فيه مطلقاً.

وبعبارة أخرى: المقطع الأخير من الرواية مسوق لبيان أنه مع تردد أول الشهر في البلد بين يومين فلا بدّ لإدراك ليلة القدر من الاحتياط لأربع ليالٍ، وليس مسوقاً لبيان أنه مع احتمال رؤية

الهلال في مكان آخر يتردد أول الشهر في بلد المكلف بين يومين لينعقد له الإطلاق من حيث كون المكان الآخر متحد الأفق مع بلد المكلّف وعدمه.

هذا مضافاً إلى عدم صحّة الخبر سنداً، فإن ابن أبي حمزة الراوي عن الإمام هو البطائني لا الثمالي كما ورد في بعض النسخ، والبطائني غير موثق على المختار.


ثم قال السيد الخوئي (رضوان الله عليه): (ويشهد على ذلك ما ورد في عدّة روايات في كيفية صلاة عيدي الأضحى والفطر وما يقال فيها من التكبير من قوله (علیه السلام) في جملة تلك التكبيرات: ((أسألك في هذا اليوم الذي جعلته للمسلمين عيداً)).

فإن الظاهر أن المشار إليه في قوله (علیه السلام) في هذا اليوم هو يوم معيّن خاص جعله الله تعالى عيداً للمسلمين لا أنه كل يوم ينطبق عليه أنه يوم فطر أو أضحى على اختلاف الأمصار في رؤية الهلال باختلاف آفاقها.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه تعالى جعل هذا اليوم عيداً للمسلمين كلهم لا لخصوص أهل بلد تقام فيه صلاة العيد.

فالنتيجة على ضوئهما أن يوم العيد يوم واحد لجميع أهل البقاع والأمصار على اختلافها في الآفاق والمطالع.

ويدل أيضاً على ما ذكرناه الآية الكريمة الظاهرة في أن ليلة القدر ليلة واحدة شخصية لجميع أهل الأرض على اختلاف بلدانهم في آفاقهم، ضرورة أن القرآن نزل في ليلة واحدة وهذه الليلة الواحدة هي ليلة القدر وهي خير من ألف شهر وفيها يفرق كل أمر حكيم. ومن المعلوم أن تفريق كل أمر حكيم فيها لا يخص بقعة معينة من بقاع الأرض بل يعم أهل البقاع أجمع.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى قد ورد في عدّة من الروايات أن في ليلة القدر يكتب المنايا والبلايا والأرزاق وفيها يفرق كل أمر حكيم، ومن الواضح أن كتابة الأرزاق والبلايا والمنايا في هذه الليلة إنما تكون لجميع أهل العالم لا لأهل بقعة خاصة.

فالنتيجة على ضوئهما: أن ليلة القدر ليلة واحدة لأهل الأرض جميعاً لا أن لكل بقعة ليلة خاصة.

هذا مضافاً إلى سكوت الروايات بأجمعها عن اعتبار اتحاد الأفق في هذه المسألة، ولم يرد ذلك حتى في رواية ضعيفة.

ومنه يظهر أن ذهاب المشهور إلى ذلك ليس من جهة الروايات بل من جهة ما ذكرناه من قياس هذه المسألة بمسألة طلوع الشمس وغروبها وقد عرفت أنه قياس مع الفارق).

ويلاحظ على ما أفاده قدس سره ..

1- أن الوحدة الشخصية ليوم العيد ولليلة القدر لا تتحقق حتى على مسلکه قدس سره لما مرّ من أنه اختار لاحقاً أن خصوص البلاد التي تشترك مع بلد الرؤية في جزء من الليل تشترك في أول الشهر وأما البلاد الأخرى فيكون أول الشهر فيها في اليوم التالي، فكيف يقول قدس سره بأن يوم العيد يوم معين خاص لجميع المسلمين وكذلك القدر ليلة واحدة شخصية لجميع أهل الأرض على اختلاف بلدانهم في الآفاق؟!

وبالجملة: لا محيص من الالتزام بأن وحدة يوم العيد وليلة القدر إنما هي وحدة نوعيّة وليست شخصية.

2- أن سكوت الروايات بأجمعها عن اعتبار اتحاد الأفق في رؤية الهلال إن تم - ومرّ أنه غير تام - فهو إن دلّ على شيء فإنّما يدل على تمامية القول الآخر، وهو أن العبرة في دخول الشهر في كل مكان برؤية الهلال في ذلك المكان، فإنه الذي لا يحتاج إلى البيان حيث يجري الناس عليه وفق ارتكازاتهم، وأمّا القول الآخر بكون العبرة برؤية الهلال في مكان ما على الكرة الأرضية تشارك بلد المكلف في جزء من الليل فهو الذي يحتاج إلى البيان.

3- قد ظهر مما مرّ أن ذهاب المشهور إلى اعتبار اتحاد الأفق في ثبوت الشهر ليس من جهة قياس طلوع الهلال بطلوع الشمس بل من جهة أخرى تقدم بيانها.

فتحصل من جميع ما تقدّم أن القول المشهور بين علمائنا(1)

وقال ابن رشد المالكي في (بداية المجتهد ح1 ص231): هل يجب على أهل بلد ما إذا لم يروا الهلال أن يأخذوا في ذلك برؤية بلد آخر أم لكل بلد رؤية؟ فيه خلاف فأما مالك فإن ابن القاسم والمصريين رووا عنه أنه إذا ثبت عند أهل بلد أن أهل بلد آخر رأوا الهلال أن عليهم قضاء ذلك اليوم الذي أفطروه وصامه غيرهم ...

وروى المدنيون عن مالك أن الرؤية لا تلزم بالخبر عند غير أهل البلد الذي وقعت فيه الرؤية إلا أن يكون الإمام يحمل الناس على ذلك و به قال ابن الماجشون والمغيرة من أصحاب مالك، وأجمعوا انه لا يراعى ذلك في البلدان النائية كالأندلس والحجاز.

وقال النووي الشافعي في (المجموع في شرح المهذب ج6 ص273 ): إذا رأوا الهلال في رمضان في بلد ولم يروه في غيره فإن تقارب البلدان فحكمهما حكم بلد واحد ويلزم أهل البلد الآخر الصوم بلا خلاف وإن تباعدا فوجهان مشهوران في الطريقتين: (أصحهما) لا يجب الصوم على أهل البلد الآخر وبهذا قطع المصنف والشيخ أبو حامد والبندنيجي و آخرون وصححّه العبدري والرافعي والاكثرون - أي من فقهاء الشافعية - و (الثاني) يجب و به قال الصيمري وصححّه القاضي أبو الطيب والدارمي و أبو علي السنجي وغيرهم.

وقال ابن قدّامه الحنبلي في (المغني ج3 ص7): إذا رأى الهلال أهل بلد لزم جميع البلاد الصوم وهذا قول الليث وبعض أصحاب الشافعي وقال بعضهم إن كان بين البلدين مسافة قريبة لا تختلف المطالع لأجلها كبغداد والبصرة لزم أهلها الصوم برؤية الهلال في إحداهما، وإن كان بينهما بُعدٌ كالعراق والحجاز والشام فلكل أهل بلد رؤيتهم، وروي عن عكرمة أنه قال لكل أهل بلد رؤيتهم وهو مذهب القاسم وسالم وإسحاق لما روى كريب قال: قدمت الشام واستهلّ عليّ هلال رمضان وأنا بالشام فرأينا الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني ابن عباس ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال ؟ قلت رأيناه ليلة الجمعة فقال أنت رأيته ليلة الجمعة؟ قلت نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، فقال لكن رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، فقلت ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال لا، هكذا أمرنا رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم).

وقال المرداوي الحنبلي في (الإنصاف ج3 ص273) فيما إذا رأى الهلال أهل بلد: لا خلاف في لزوم الصوم على من رآه، وأما من لم يره فإن كانت المطالع متفقة لزمهم الصوم أيضاً وإن اختلفت المطالع فالصحيح من المذهب - أي الحنبلي - لزوم الصوم أيضاً .. وقال في الفائق: والرؤية ببلد تلزم المكلفين كافة وقيل تلزم من قارب مطلعهم... قال شيخنا يعني به الشيخ تقي الدين [ابن تيمية] تختلف المطالع باتفاق أهل المعرفة فإن اتفقت لزم الصوم وإلا فلا.

فيظهر من الكلمات المتقدمة أن الحنفية والمالكية إنما قالوا بكفاية رؤية الهلال في بلد للبلدان غير البعيدة أو غير البعيدة جداً لا لجميع البلدان، وأيضاً إن أكثر الشافعية لا يقولون بكفاية الرؤية في بلد للبلدان غير القريبة من ذلك البلد، كما أنه يوجد في الحنابلة من لا يقول بذلك كابن تيمية، مضافاً إلى العديد من الفقهاء الآخرين ممن وردت أسماؤهم في أعلاه فليلاحظ.

، الذي لم يعرف له مخالف معروف منهم إلى زمن المحدّث

1) وأما علماء الجمهور فربما يدعى اتفاقهم - عدا بعض الشافعية - على القول بكفاية الرؤية في بلدٍ لجميع البلدان، ولكن الذي يظهر من كلمات غير واحد منهم خلاف ذلك: قال الكاشاني الحنفي في (بدائع الصنائع ج2 ص83): لو صام أهل بلد ثلاثين يوماً وصام أهل بلد آخر تسعة وعشرين يوماً فإن كان صوم أهل ذلك البلد برؤية الهلال .. فعلى أهل البلد الآخر قضاء يوم .. هذا إذا كانت المسافة بين البلدين قريبة لا تختلف فيها المطالع، فأما إذا كانت بعيدة فلا يلزم احد البلدين حكم الآخر لأن مطالع البلاد عند المسافة الفاحشة تختلف فيعتبر في أهل كل بلد مطالع بلدهم دون البلد الآخر.

الكاشاني طاب ثراه المتوفى عام (1091ه-) هو الأقرب إلى الصواب والأحرى بالقبول.


يبقى هنا شيء، وهو أنه كان يعتقد فيما مضى أنه إذا رئُي الهلال في مكان كشف ذلك عن إمكانية رؤيته في الأماكن الواقعة في غرب المكان الأول، وعلّل ذلك بعض الفقهاء (رضوان الله عليهم) بأن القمر لا يرجع ولا يتوقف.

ولكن ظهر لاحقاً أن هذا الكلام لا يتم على إطلاقه، وإنما في خصوص ما إذا كان المكانان متقاربين في خطوط العرض بأن لم يكن الاختلاف بينهما إلا بدرجة أو درجتين أو نحو ذلك حسب اختلاف الحالات، وذلك لأن الهلال إنما يزداد حجماً بازدياد كلما اتجه غرباً، فإذا رُئي في سدني في استراليا و كان عمره

عند غروب الشمس فيه 21 ساعة و 36 دقيقة يكون عمره في طهران 27 ساعة و 50 دقيقة وفي النجف الأشرف 28 ساعة و 19 دقيقة وفي لندن 30 ساعة و 57 دقيقة وهكذا ، ولكن هذا لا يقتضي كونه قابلا للرؤية في جميع البلدان الواقعة في غرب سدني، إذ لدرجة ارتفاع الهلال عن الأفق دخل تام في إمكانية الرؤية وعدمها، فقد يكون الهلال بعمر 20 ساعة في ارتفاع 8 درجات قابلاً للرؤية ولا يكون قابلاً لها و هو بعمر 30 ساعة لكونه في ارتفاع درجتين فقط، اختلاف الأمكنة في خطوط العرض بمقدار معتدّ به تختلف في درجة ارتفاع الهلال عند غروب الشمس فيها، فلا يمكن استكشاف كون الهلال قابلاً للرؤية في لندن إذا تمت رؤيته في النجف الأشرف مثلاً.

وأيضاً كان يعتقد فيما مضى أنه إذا كان مكانان على خط طول واحد أي يتفقان في وقت طلوع الشمس وغروبها تكون رؤية الهلال في احدهما ملازمة لإمكانية رؤيته في الآخر.

وهكذا إذا كان المكان الذي رُئي فيه الهلال في غرب مكان المكلف ومكث الهلال فيه بعد الغروب بأزيد مما يختلف به المكانان في طلوع الشمس وغروبها كشف ذلك عن إمكانية رؤية الهلال في مكان المكلف أيضاً فإن لم ير فيه كان لمانع من ضباب أو سحاب و نحوهما.

ولكن ظهر لاحقاً عدم تمامية ما ذكر إلا مع عدم اختلاف المكانين في خطوط العرض بمقدار معتدّ به - كدرجة أو درجتين أو نحو ذلك حسب اختلاف الحالات- لما تقدم من أنه مع الاختلاف في خطوط العرض بمقدار معتد به تختلف درجة ارتفاع الهلال، فقد يكون قابلاً للرؤية في مكان وغير قابل لها في مكان آخر مع كونهما على خط طول واحد مثلاً.

وفي ضوء ما تقدم يتبين أن الطريقة الصحيحة لاستعلام كون الهلال قابلاً للرؤية في بلد المكلف مع ثبوت رؤيته في بلد آخر هي الاستعانة بالمعلومات الفلكية الدقيقة التي تحدد حجم الهلال وارتفاعه عن الأفق حين الغروب وبعده الزاوي عن الشمس في كل من البلدين، فإن كان في بلد المكلف بمواصفات أفضل أو مماثلة لما كان عليه في بلد الرؤية أمكن الاطمئنان بكونه قابلاً للرؤية في بلد المكلف أيضاً وإلا فلا.

هذا ما وسع له الوقت من القول في هذه المسألة وتفصيله محرر في تقريرات سماحة السيد (دام ظله) في شرح كتاب الصوم من العروة الوثقى والحمد لله رب العالمين.

(عدم كفاية رؤية الهلال بالعين المسلحة)

السؤال (2): سبق إن سئل سيدنا المرجع (دام ظلّه) عمّا إذا رئي الهلال بالتلسكوب (المنظار) وحصل اليقين للرائي بكونه هلالاً، ولكن لم يمكن رؤيته بالعين المجرّدة، فهل يعتد الرائي بهذه الرؤية وهل يعتد بها غيره أم لا؟ فأجاب (دام ظله) أنه (لا عبرة برؤية الهلال بالعين المسلحة سواء بالنسبة إلى الرائي وغيره) ويسأل بعض أهل العلم عن الوجه في هذه الفتوى مع أن (الرؤية) المذكورة في النصوص تعمّ بإطلاقها الرؤية بالعين المجردة والعين المسلحة، و مجرد كون الرؤية بالعين المسلحة غير متعارفة لا يمنع من شمول الإطلاق لها كما في نظائر المورد، ولاسيما أن الرؤية طريق إلى ظهور الهلال على الأفق ولا موضوعية لها.

هذا، بالإضافة إلى صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (علیه السلام) قال سألته عن الرجل يرى الهلال في شهر رمضان وحده لا يبصره غيره له أن يصوم؟ قال إذا لم يشك فيه فليصم وإلا فليصم مع الناس(1).

فإنها لو لم تختص بذي البصر الحاد بقرينة قوله (ولا يبصره غيره) بدل (ولم يبصره غيره) فلا أقل من شمولها له بإطلاقها،


1) تهذيب الأحكام ج4 ص 317.

وعلى ذلك فهي دليل على كفاية رؤية الهلال بالعين الحادة جدّا فتلحق بها الرؤية بالمنظار لوحدة المناط.


الجواب: 1- أما التمسك بإطلاق نصوص الرؤية فهو مخدوش من جهة أن الهلال كان عند العرب ميقاتاً يبتدئون به الشهر القمري الذي اعتمدوا عليه في مختلف شؤون حياتهم، ولما جاء الدين الإسلامي الحنيف أقرّهم على ذلك، قال تعالى: (يسألونك عن الأهِلّة قل هي مواقيت للناس والحج) ومن المؤكد أن ما يصلح أن يكون ميقاتاً للناس بصورة عامة هو الهلال الذي يظهر على الأفق المحلّي بنحو قابل للرؤية بالعين المتعارفة المجرّدة، وأما ما لا يرى إلا بالأدوات المقرّبة أو ما لا يراه إلا نادر من الناس يمتاز برؤية بصرية حادّة جدّاً فهو لا يصلح أن يكون ميقاتاً للناس عامة.

فبهذه القرينة لابدّ من البناء على أن الرؤية المذكورة في النصوص إنّما أخذت طريقاً إلى ظهور الهلال على الأفق بحجم وبارتفاع مناسبين لأن يُرى بالعين المتعارفة غير المسلّحة لولا الموانع الخارجية من سحاب ونحوه.

2- وأمّا صحيحة علي بن جعفر، فالظاهر أن المراد بقول الراوي فيها (ولا يبصره غيره) هو مجرّد عدم تحقق الرؤية من الغير لا عدم إمكانية تحققها من جهة تفرّد الرائي بحدّة البصر بحيث لا

يوجد نظير له فإنه فرض لا واقع له في أي عصر كما لا يخفى، وعلى ذلك فليس مورد الصحيحة هو خصوص ذي البصر الحادّ جدّاً الذي يرى من الهلال ما لا يراه غيره، وأما إطلاقها لهذا المورد فهو مخدوش لما سبق.

على أنه يمكن أن يقال أن هذه الصحيحة ناظرة سؤالاً وجواباً إلى أمر آخر وهو أن رؤية الهلال حجّة للمتفرد بها أم لا؟ وذلك أنه لما ورد في العديد من النصوص -ومنها روايات محمد بن مسلم وأبي أيوب الخزاز وعبد الله بن بكير وأبي العباس(1)- التأكيد على أنه لا عبرة بالرؤية إذا ادعاها شخص ولم يصدقه سائر المستهلين أراد الراوي أن يستفسر عن اختصاص هذا الحكم بالآخرين أو شموله للرائي نفسه - ولاسيما أنه قد ذهب عدد من فقهاء الجمهور(2)إلى شموله للرائي و أنه لا يصوم إلا مع الناس . وقد أجاب الإمام (علیه السلام) بان الرائي إذا كان متيقناً من رؤيته للهلال فليعمل بموجبها وإلا فليتابع الناس، أي أن رؤيته معتبرة لنفسه وإن لم تكن معتبرة للآخرين.


1) تهذيب الأحكام ج4 ص156، 160، 164.

2) لاحظ المغني لابن قدامة ج3 ص92.

وعلى ذلك فالصحيحة مسوقة لبيان أن رؤية المتفرد بها حجّة لنفسه دون غيره ولا ينعقد لها الإطلاق من جهة كون الهلال غير قابل للرؤية بالعين المتعارفة.

هذا كله مضافاً إلى أنه لو بني على كون المناط في دخول الشهر بظهور الهلال في الأفق بنحو قابل للرؤية ولو بأقوى التلسكوبات والأدوات المقرّبة لاقتضى ذلك أن صيام النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم) والأئمة (علیهم السلام) وفطرهم وحجهم وسائر أعمالهم التي لها أيام خاصة من الشهور لم تكن تقع في كثير من الحالات في أيامها الحقيقية، لوضوح أنهم (علیهم السلام) كانوا يعتمدون على الرؤية المتعارفة في تعيين بدايات الأشهر الهلالية مع أنه قلّما يرى الهلال بالعين المجرّدة واضحاً ومرتفعاً في ليلة ولا يكون في الليلة السابقة عليها قابلاً للرؤية ببعض الأدوات المقرّبة القوية، وهل هذا ما يمكن الالتزام به؟!

(عدم ثبوت الهلال بإخبار الفلكيين)

السؤال (3): ذكر سيدنا المرجع (دام ظله) أن الهلال لا يثبت بإخبار الفلكيين، مع أن علم الفلك يقوم على أسس علمية متينة وحسابات رياضية دقيقة، ونسبة احتمال الخطأ فيها لا تكاد تذكر، ولا يزال الفلكيون يعدّون جداول شروق الشمس والقمر وسائر الكواكب السيّارة المعروفة في المجموعة الشمسية، ويلاحظ أنها في نهاية الدقّة بحيث لم تتخلف عن الواقع - وعلى الأقل خلال هذا القرن - ولا مرة واحدة. وأيضاً أن أرصاد علماء الفلك بخصوص وقت دخول القمر في المحاق وخروجه والوقت المحدّد لرؤيته ومقدار بعده الزاوي مقاساً بالدرجات القوسية عن الشمس ومقدار ارتفاعه فوق الأفق مقاساً بالدرجات القوسية و رصد بعده الأقصى عن الأرض و بعده الأدنى عنها كلها معلومات دقيقة يقينية معروفة لعلماء وطلاب علم الفلك وليست من قبيل الظنيات.

وعلى ذلك فلماذا لا يتم الاعتماد على إخبار الفلكيين الثقات عن ولادة الهلال للحكم بدخول الشهر الجديد؟


الجواب: إن المستفاد من الأدلّة الشرعية كون العبرة في بداية الشهر القمري بظهور الهلال على الأفق بنحو قابل للرؤية بالعين المجرّدة

لولا الغيم ونحوه من الموانع الخارجية، فلا تكفى ولادة الهلال وكونه موجوداً على الأفق ولكن بنحو غير قابل للرؤية مطلقاً أو بنحو غير قابل للرؤية إلا بالأدوات المقرّبة والرصد المركّز.

وعلى هذا الأساس فإن إخبار الفلكيين عن ولادة الهلال وخروجه عن المحاق مما لا ينفع في الحكم بدخول الشهر القمري الجديد وإن كان معتمداً على الحسابات الرياضية القطعية.

وأما إخبارهم عن إمكانية رؤية الهلال بالعين المجرّدة في مناطق معينة إما مطلقاً أو في الأجواء المثالية - كما يعبّرون - فهو يعتمد على عنصرين:

أحدهما: المحاسبات الفلكية الخاصّة بوضع الهلال في تلك المناطق، أي من حيث عمره ودرجة ارتفاعه عن الأفق ومقدار بُعده الزاوي عن الشمس ونحو ذلك من العوامل المؤثرة في الرؤية.

وثانيهما: التجارب الفلكية المعتمدة على رصد الهلال ميدانيّاً للتحقق من أدنى الشروط المطلوبة لرؤيته بالعين المجرّدة، أي من حيث العمر والارتفاع والبعد عن الشمس وغير ذلك.

وهذا ما اختلفت بشأنه آراء الفلكيين، مثلا بنى بعضهم على إمكانية رؤية الهلال وهو بعمر (14) ساعة في حين اشترط آخرون أن يكون في الحد الأدنى بعمر (16) ساعة، وقال بعضهم (18) ساعة وقيل غير ذلك. وأيضاً ادّعى بعضهم إمكانية رؤية الهلال

وهو بارتفاع (4) درجات على الأفق حين غروب الشمس، وقال آخرون أن الحد الأدنى من الارتفاع المطلوب لرؤيته هو (5) درجات، وقال جمع أنه (6) درجات وقيل غير ذلك، وهكذا الحال في سائر العوامل المؤثّرة في الرؤية.

وعلى ذلك فلا سبيل للمكلف إلى الأخذ بإخبار الفلكيين من إمكانية رؤية الهلال في منطقة كذا وكذا مما لا يتأكد من ظهور الهلال فيها بنحو قابل للرؤية بالعين المجرّدة، للنصوص الدالة على النهي عن الاعتماد على الرأي و التظني في أمر الهلال كقول الباقر (علیه السلام) (إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فافطروا وليس هو بالرأي ولا بالتظني ولكن بالرؤية)(1).

نعم إذا حصل للمكلّف العلم أو الاطمئنان - ولو من خلال التجربة والممارسة - بأن الهلال الموجود على الأفق المحلّي بحجم كذا وبارتفاع كذا وبسائر الخصوصيات المؤثرة في الرؤية قابل لأن يُرى بالعين المجردة وإنما لم يُرَ بسبب السحاب أو الضباب أو الغبار أو نحوها يلزمه العمل بموجب ما حصل له من العلم أو الاطمئنان.


1) تهذيب الأحكام ج4 ص156.

(حكم البيّنة على رؤية الهلال المخالفة لإخبار الفلكيين)

السؤال (4): يحكى عن سيدنّا المرجع (دام ظله) أنه لا يأخذ أحياناً بشهادات الشهود على رؤية الهلال إذا خالفت إخبار الفلكيين بعدم قابليته للرؤية مع أن الشهادات حسيّة والإخبار حدسي فما الوجه في ذلك؟


الجواب:

إن إخبار الفلكيين على قسمين:

1- ما يعتمد الحسابات الرياضية ولا يتخلله الاجتهاد والحدس الشخصي كإخبارهم عن زمان ولادة الهلال ووقت خروجه من المحاق ومقدار ارتفاعه فوق الأفق ونسبة القسم المنار إلى اكبر قطر يبلغه القرص ونحو ذلك، ولا يحدث عادةً اختلاف بين الفلكيين في هذا القسم، نعم ربما يخطأ بعضهم في المحاسبة.

2- ما يخضع للحدس والاجتهاد ويعتمد التجربة والممارسة، كقول بعضهم أن الهلال لا يكون قابلاً للرؤية إلا إذا كان بارتفاع (6) درجات فوق الأفق أو بعمر (22) ساعة أو ببُعد كذا عن الشمس وأشباه ذلك، وفي هذا القسم يكثر الاختلاف في وجهات النظر.

فإذا كانت شهادات الشهود على رؤية الهلال مخالفة لإخبار الفلكيين من القسم الأول يحصل عادة العلم أو الاطمئنان بخطأ الشهادة إذا اخبروا وفق حسابات دقيقة أن الهلال بعدُ في المحاق أو أنه قد غرب قبل غروب الشمس ومع ذلك شهد اثنان أو أزيد برؤيته!

وأما إذا كانت الشهادات مخالفة لإخبار الفلكيين من القسم الثاني فربما يحصل الاطمئنان بخطأ الشهادات - بتجميع القرائن والشواهد - و ربما لا يحصل الاطمئنان بذلك، وإن لم يحصل وكان من ضمن الشهود عدلان تتوفر في شهادتهما شروط الحجيّة لزم العمل بمقتضاها ولا أثر للظن بخلافها.

وبالجملة: إن من شروط حجيّة البيّنة (شهادة العدلين) على رؤية الهلال هو عدم العلم أو الاطمئنان باشتباهها، فإن حصل العلم أو الاطمئنان بذلك ولو من إخبار الفلكي - مثلاً - بكون الهلال بعدُ في المحاق أو بكونه بعدُ رفيعاً جدّاً بحيث لم ير مثله بالعين المجرّدة من قبل فلا عبرة بالبيّنة، و إلا يؤخذ بها ولا أثر لإخبار الفلكي.

(حول الشهادات المنفردة على رؤية الهلال)

السؤال (5): أحياناً تنبعث شهادات منفردة برؤية الهلال من أشخاص موثقين من بلاد متقاربة في الأفق، و هي بمجموعها تشكّل رقماً كبيراً - كثلاثين شهادة. و مع ذلك يلاحظ أن سيدنا المرجع (دام ظله) لا يأخذ بها و لا يعتمدها في ثبوت أول الشهر فما هو الوجه في ذلك؟


الجواب: مورد عدم الأخذ بها هو ما إذا استهل في كل بلد جمع من الناس و لم يدّع الرؤية إلا نفر قليل منهم و في الباقين من يماثلونهم في معرفة مكان الهلال وحدة البصر مع فرض صفاء الجوّ و عدم وجود ما يحتمل أن يكون مانعاً عن رؤية الآخرين، فان في مثل هذه الحالة لا يعتد بدعاوى الرؤية، كما يستفاد ذلك من عدد من النصوص:

1- معتبرة أبي أيوب إبراهيم بن عثمان الخزاز عن أبي عبد الله عليه السلام قال قلت له: كم يجزي في رؤية الهلال؟ فقال: ((إن شهر رمضان فريضة من فرائض الله فلا تؤدوا بالتظني، و ليس

رؤية الهلال أن يقوم عدة فيقول واحد قد رأيته و يقول الآخرون لم نره، إذا رآه واحد رآه مائة و إذا رآه مائة رآه ألف .. ))(1).

2 - صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال : ((إذا رأيتم الهلال فصوموا و إذا رأيتموه فافطروا، و ليس بالرأي و لا بالتظني و لكن بالرؤية، و الرؤية ليس أن يقوم عشرة فينظروا فيقول واحد هو ذا و ينظر تسعة فلا يرونه، إذا رآه واحد راه عشرة و ألف .. ))(2).

3 - موثقة عبد الله بن بكير بن أعين عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ((صم للرؤية وافطر للرؤية، وليس رؤية الهلال أن يجيء الرجل و الرجلان فيقولان رأينا، إنما الرؤية أن يقول القائل رأيت فيقول القوم صدقت ..))(3).

فيلاحظ تأكيد الأمام (علیه السلام) في هذه النصوص على عدم الاعتداد بدعوى رؤية الهلال من واحد أو أثنين في ضمن جمع من المستهلين، و محمله هو ما تقدم من توفر فرص مماثلة للآخرين لرؤية الهلال لو كان موجوداً في الأفق، و في هذه الحالة يغلب ابتناء دعاوى


1) تهذيب الأحكام ج4 ص160.

2) تهذيب الأحكام ج4 ص156.

3) تهذيب الأحكام ج4 ص164.

الرؤية على الخطأ في الحس و توهم ما ليس بهلالٍ هلالاً ، كما ثبت ذلك في وقائع كثيرة.

(ملابسات هلال عيد الفطر في عام 1419ه-)

السؤال (6): لماذا لم يثبت هلال العيد عند سيدنا المرجع (دام ظله) في ليلة الاثنين من عامنا هذا (1419) على الرغم من:

أ- توفر شهادات على رؤية الهلال في تلك الليلة من قبل جمع من المؤمنين الثقات بل العدول وعدم تحقق شهادات معاكسة لشهادتهم لوجود بعض العوائق الطبيعية مثل الغيم والضباب في مختلف المناطق مما يحتمل أن تكون هي المانع من رؤية الآخرين؟

ب- الإعلان عن ثبوت رؤية الهلال عند بعض العلماء في إيران استناداً إلى شهادة جمع من المؤمنين في مناطق مختلفة فيها وإفطار معظم الشعب الإيراني على هذا الأساس، و إيران تقع في شرق العراق ورؤية الهلال فيها ملازمة لرؤية الهلال في العراق لولا المانع من غيم ونحوه، وهكذا الأمر بالنسبة إلى سائر الدول الإسلامية التي هي الأخرى أعلنت الاثنين أول أيام عيد الفطر؟

الجواب: إن سماحة السيد دام ظله كان متأكداً من أن هلال شوال لا يمكن أن يكون قابلاً للرؤية في ليلة الاثنين، وأن كل

الذين شهدوا برؤيته في تلك الليلة قد وقعوا – على أحسن تقدير – فريسة الخطأ في الحسّ فتوهموا ما ليس بهلالٍ هلالاً كما يقع كثيراً، والوجه في ذلك أمران:

1- إن الحسابات الفلكية الدقيقة قد أكدت أن هلال شهر شوال يولد (يبدأ بالخروج من المحاق) بعد غروب يوم الأحد، مما يستحيل معه رؤيته عند غروب الشمس في آسيا و أفريقيا وحتى في أوربا وأمريكا، فقد اجمع أصحاب التقاويم والمراصد الفلكية في مختلف أنحاء العالم كإيران والعراق وبريطانيا ولبنان ومصر وسوريا وماليزيا وغيرها على أن هلال شوال لعام 1419ه- لن يكون خارجاً من المحاق عند غروب الشمس من يوم الأحد في باكستان وهند و إيران ودول الخليج والعراق وسوريا ولبنان و الأردن ومصر وبلاد المغرب العربي .. فكل من يدعي رؤيته في هذه البلاد فهو لاشك إما كاذب أو واهم.

ومن الواضح لكل من له إلمام بطريقة عمل الفلكيين أن إخبارهم عن موعد ولادة الهلال لا يبتني على الحدس والتخمين ولا يخضع للاجتهادات الشخصية ليقال انه لا عبرة بالخبر الحدسي في مقابل

الشهادات الحسية بالرؤية، بل انه يعتمد على محاسبات رياضية بحتة ولا يحتمل تعرضها للخطأ إلّا بنسبة 001٪ ومقدار الخطأ المحتمل لا يتجاوز الدقيقة الواحدة!

2- انه لم يمكن رؤية الهلال في ليلة الاثنين بالأدوات المقرّبة والرصد المركّز كما أعلنت ذلك مراصد معروفة كالمرصد الفلكي البريطاني والمرصد الفلكي المصري وهكذا عشرات الذين راقبوا الهلال من خلال مراصدهم الخاصة، فكيف يحتمل انه قد تيسّر لجمع من (الثقات أو العدول) أن يروا بعيونهم المجردة ما عجز الرصد العلمي عن رؤيته؟!

فلهذين الأمرين البيّنين كان سماحة السيد دام ظله متيقناً من عدم احتمال رؤية الهلال في ليلة الاثنين، وقد تأكد ذلك بما لا يقبل الجدل في ليلة الثلاثاء حيث كان الجوّ صافياً في مناطق كثيرة في العراق ومنها النجف وكربلاء وبغداد والحلة واستهل عشرات الآلاف من الناس ولم يتمكن 99٪ من المستهلين أن يروا الهلال!! وبعض من رآه استعان في ذلك بالمنظار و أما بدونه فلم يكن قادراً على رؤيته!

فواعجباه كيف يكون الهلال لليلتين ولا يراه إلّا نفر معدود ولا يُرى إلّا كخيط ضعيف مثل الشعرة الواحدة؟! بل كيف يكون الشهر السابق تاماً ولا يرى هلال هذا الشهر إلّا ضعيفاً في غاية الدقة ولا يتسنى لمعظم الناس رؤيته؟!!

والحاصل إن الذي منع سماحة السيد دام ظله من الاعتماد على شهادة المدّعين للرؤية في ليلة الاثنين هو ما تقدم، و أما من ثبت لديهم رؤية الهلال في تلك الليلة هنا وهناك فعذرهم في ذلك توفر عدد من الشهادات على رؤيته مع عدم التفاتهم إلى مخالفتها للثوابت الفلكية أو توهم أنها محاسبات اجتهادية تعتمد الظن والحدس فلا يعتنى بها في مقابل الشهادات الحسية.

بقيت الإشارة إلى أمرين:

1- الملاحظ أنه منذ سنوات طوال و في الليلة الثلاثين من كل رمضان يتوفر عدد لا بأس به من الشهود من أماكن متعددة يدعون رؤية الهلال، ويتم إبلاغ المراجع بذلك فيعلنون عن ثبوت هلال العيد في تلك الليلة استناداً إلى شهادات أولئك الأشخاص، وقد نتج عن ذلك أن شهر رمضان لا يتم عند هؤلاء منذ عقود من

الزمن وهذا أمر مقطوع البطلان، وليس له سبب سوى الاعتماد على دعاوى الرؤية في ليلة لا يمكن فيها رؤية الهلال فلكياً، فلابدّ من وضع حدّ لهذه الحالة المتكررة سنوياً بعدم قبول الشهادات التي تخالف الضوابط العلمية القطعية.

2- إن معظم المسلمين في هذا العام افطروا في يوم الثلاثاء - على خلاف ما ورد في بعض الكلمات - فان الذي أعلنوا حلول عيد الفطر في هذا اليوم هم المسلمون في دول شرق آسیا کاندنوسيا وماليزيا و فلیبین و تایلند والمسلمون في شبه القارة الهندية (بنغلادش وهند وباكستان) وسلطنة عمان ودول آسيا المركزية (تاجیکستان و ازبکستان و قزیقستان و ترکمنستان) و آذربیجان وتركيا وبعض دول المغرب العربي كتونس والجزائر.

الفهرس

المقدمة 3

عدم كفاية رؤية الهلال في بلد للبلاد البعيدة عنه 5

عدم كفاية رؤية الهلال بالعين المسلحة 39

عدم ثبوت الهلال بإخبار الفلكيين 43

حكم البينة على رؤية الهلال المخالفة لإخبار الفلكيين 46

حكم الشهادات المنفردة على رؤية الهلال 48

ملابسات هلال عيد الفطر في عام 1419ه- 51