ghaemiyeh.com
القواعد الفقهية
الفراغ والتجاوز والصحة واليد والقرعة
تقرير الأبحاث
سَماحة آية اللّه العظمى السَيّدِ عَليّ الحُسينيّ السّيستاني
دام ظلّه العالى
بقلم
السيّد محّمد علي الرباني 3
محرر الرقمي: هادي الميرزائي
نسخة أولية محدودة التداول
1436 هـ
بسم اللّه الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين.
و بعد، فهذا قبس من أبحاث في علم الأصول أملاها علينا علم التحقيق والتدقيق، ذو الفكر الثاقب، سيدنا وأستاذنا المرجع الديني الأعلى آية اللّه العظمى السيد السيستاني متع اللّه المسلمين بطول بقائه.
وقد وفقني اللّه تعالى للحضور بين يديه والاستفادة من نمير علومه وتدوين بعض من دروسه، وأملي أن أكون قد وفقت لنقل الصورة الصحيحة لما أملاه سيدنا الأستاذ مد ظله، فما فيها من محاسن فهو غيض من فيض المعرفة لدى سماحته، وما فيها من قصور - والكمال اللّه وحده - فهو من سوء الصياغة والغفلة وزلل القلم.
وقد شرع دام ظله في بحث قواعد الفراغ والتجاوز والصحة واليد والقرعة من الدورة الثالثة ليلة الأحد الخامس من شهر شعبان المعظم سنة ألف وأربعمائة وخمسة للهجرة النبوية الشريفة وقد فرغ منه ليلة الثلاثاء السابع عشر من شهر جمادى الأولى سنة ألف وأربعمائة وستة من الهجرة النبوية في ستة وستين محاضرة.
وإني إذ أحمد اللّه سبحانه على توفيقه إياي في تخليد هذه الدروس القيمة للأجيال القادمة أسأله أن يطيل في عمر سيدنا الأستاذ ويبقيه ذخراً وملاذاً للإسلام والمسلمين، إنه سميع مجيب.
محمد علي الرباني
والبحث فيها من جهات:
في المعنى الإجمالي لقاعدة الفراغ بمعناها المشهور وقاعدة التجاوز، وبيان ما إذا كان للقاعدتين نحو تسانخ مع قاعدة أخرى في الموضوع أو اشتراك في الأثر، بمعنى: أن القواعد المشابهة لهاتين القاعدتين موضوعاً، أو القواعد المتحدة أثراً مع قاعدتي الفراغ والتجاوز نتعرض لها إجمالاً؛ وذلك من أجل ما سنذكره فيما بعد.
فالبحث في أمور:
الأمر الأول: في المعنى الإجمالي لقاعدتي الفراغ والتجاوز
وهو أنه إن صدر عمل من المكلف، ثم شكّ بعد العمل في أنه هل كان مستجمعاً لجميع الشرائط، بمعنى أنه هل وقع صحيحاً أو لا؟ فلا يعتني باحتمال الفساد وعدم الصحة، وهذه هي قاعدة الفراغ الحقيقي.
وأما قاعدة التجاوز، فهي أن يتجاوز محل جزء من أجزاء العمل، ثم يشكّ في أنه هل أتى بذلك الجزء في محله أو لا؟ فلا يعتني بالشك في عدم الإتيان بعد تجاوز المحل، وهذا هو المعنى الإجمالي لقاعدة التجاوز.
الأمر الثاني: في ملاحظة القواعد المسانخة مع قاعدة الفراغ أو التجاوز موضوعاً
بعد بيان المعنى الإجمالي للقاعدتين، لا بد من ملاحظة القواعد المسانخة لقاعدة الفراغ أو قاعدة التجاوز موضوعاً، إما من باب أنّ الدليل مردد بين أن يكون المراد منه هو هذه القاعدة أو تلك القاعدة. وإمّا أنّ هذه القواعد من القواعد التي بينها وبين إحدى القاعدتين أو كلتيهما عموم مطلق.
ووقع الكلام في أنّ هذا الدليل هل يدلّ على العام حتى لا تكون قاعدة الفراغ أو قاعدة التجاوز مجعولة مستقلة بحدّها، بل مجعولة تحت ستار قاعدة عامة، أو من باب أنّ هنا قاعدتين، فوقع الكلام في أنّ المجعول هو الجهة الجامعة بينهما، أو أن كلاً منهما مجعول.
وإجمالاً: ففي هذه الجهة نوع من المقايسة بين قاعدتي الفراغ والتجاوز، وبين كلّ منهما مع بعض القواعد المشابهة لهما، إما من حيث الموضوع وإما من حيث الأثر، وهذا على أقسام ثلاثة:
القسم الأول: ما يتردد بين كون تلك القاعدة أصلية، أو قاعدة الفراغ أو التجاوز، وهذا كما في مورد قاعدة الفراغ الحقيقي مع قاعدة الفراغ البنائي.
وقاعدة الفراغ البنائي عبارة عما إذا أتى المكلف بالعمل، وتيقن أنه كان صحيحاً، ثم شكّ في عمله بنحو الشكّ الساري، فإنّه لا يعتني بشكه من جهة أنه كان متيقناً بالصحة.
وقد ذكرنا في مبحث قاعدة اليقين أنّ هذه القاعدة لها كبرى عامة قد وقعت مورد الإشكال، وهي قاعدة اليقين بنحو الشكّ الساري، فإنّه قيل: إن مطلق اليقين بشيء سواء كان وجودياً أم عدمياً لا يعتنى بالشك بعده.
والكلام في أنه بما أنّ بعض الأكابر استظهر من نفس الأدلة - التي استظهر المشهور منها قاعدة الفراغ الحقيقي - قاعدة الفراغ البنائي، فلا بد من التوجه إلى قاعدة
الفراغ البنائي. ومن القائلين بذلك المحقق العراقي وصاحب المستمسك. فهل إنّ المستفاد من الأدلة هو قاعدة الفراغ الحقيقي أو قاعدة الفراغ البنائي؟
القسم الثاني: ما إذا كان الترديد في أن المجعول هو قاعدة الفراغ أو التجاوز بحدّها، أو أنه عنوان عام ينطبق عليها وعلى غيرها، وهذا له موارد:
المورد الأول: قاعدة الفراغ الحقيقي، وأصالة الصحة بوجه عام، فإنّ قاعدة الفراغ الحقيقي موردها الشكّ في عمل النفس، وأنّ ما أتى به هل أتى به صحيحاً أو فاسداً، فتجري أصالة الصحة في عمل النفس أي قاعدة الفراغ، وجامعها أصالة الصحة بوجه عام، أي في عمل نفسه وفي عمل غيره، فإنّه ذكر بعض أن المستفاد من صحيحة محمد بن مسلم «كلّما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو» هو أصالة الصحة بوجه عام.
فيقع الكلام في أن المجعول هل هو قاعدة الفراغ الحقيقي أو أصالة الصحة بوجه عام؟
المورد الثاني: قاعدة الفراغ البنائي وقاعدة اليقين، فإنّا ذكرنا سابقاً أن قاعدة اليقين أعم من قاعدة الفراغ البنائي.
المورد الثالث: قاعدة الفراغ الحقيقي وقاعدة التجاوز - على بعض المسالك - فإنّه ذهب بعض إلى أن قاعدة التجاوز أعم من قاعدة الفراغ، بمعنى: أن في جميع موارد قاعدة الفراغ تكفي قاعدة التجاوز في الحكم بالصحة، أي أنها أعم مطلقاً من قاعدة الفراغ؛ ولذا قالوا بأن المجعول هو قاعدة التجاوز، لا قاعدة الفراغ.
ولا شكّ في جريان قاعدة التجاوز في بعض الموارد، مثل موارد الشكّ في وجود جزء وعدم جريان قاعدة الفراغ، وفي الموارد التي تجري قاعدة الفراغ وهي الشكّ في إتيان جزء أو إيجاد مانع بعد الفراغ من العمل تجري قاعدة التجاوز أيضاً.
ولا بد من التذكير بأنه إن لم نتمكن في البحث الآتي من إثبات أن بينهما عموم من وجه يكون لذلك وجه.
القسم الثالث: ما إذا كان الترديد في أنّ كلاً من هاتين القاعدتين مجعول بحده أو أن المجعول هو الجهة الجامعة بينهما، وهذا مثل قاعدة الفراغ، وقاعدة التجاوز، فإنّه سيأتي أنهم اختلفوا في أنّ المجعول ما هو ؟ فذهب بعضهم إلى أن المجعول ليس كلاً منهما، بل المجعول قاعدة واحدة جامعة بينهما، وهي أن كل شيء تجاوز ومضى إما بمضي نفسه أو بمضي محله، فلا يعتنى بالشك فيه، ومضيه بمضي نفسه قاعدة الفراغ، ومضيه بمضي محله هو قاعدة التجاوز.
وكذا قاعدة التجاوز وقاعدة الحيلولة، فإنّه ذكر بعض أن قاعدة الحيلولة - التي موردها الشكّ بعد انتهاء الوقت - ليست قاعدة في قبال قاعدة التجاوز، بل يجمعهما قاعدة واحدة، وهي كل ما شككت فيه مما قد مضى نفسه أو محله أو زمانه فلا يعتني به، أو أخذ المحل أعم من المحل بلحاظ الأجزاء المترتبة، والمحل بمعنى الزمان المقرر له شرعاً، فيقال إنّ المجعول هو قاعدة واحدة تشمل قاعدة التجاوز والحيلولة، بل تشمل قاعدة الفراغ والتجاوز والحيلولة.
الأمر الثالث: في القاعدتين اللتين ليس بينهما اشتراك موضوعي إلّا أنها مشتركتان من حيث الأثر ولو في بعض الموارد.
ولهذا موردان :
المورد الأول: قاعدة الفراغ الحقيقي مع قاعدة الفراغ البنائي، فإنّهما مشتركتان في الأثر في بعض الموارد، وبينهما عموم من وجه، فإنهما يتصادقان في بعض الموارد، كما إذا تيقن حين الانصراف من الصلاة بأنها صحيحة، فمن المسلّم أنه لا يعتني بالشك، إلا أن الكلام في أنّ عدم الاعتناء هل هو من جهة قاعدة الفراغ الحقيقي، أو من جهة قاعدة الفراغ البنائي.
المورد الثاني: قاعدة الفراغ والتجاوز مع قاعدة (لا تعاد) التي عبرنا عنها بقانون «لا تنقض السنة الفريضة»، فإنّ مفاده: أنّ كل عمل أو خصوص الصلاة المركبة من
الفرائض والسنن إن أخل بالسنة لا عن عمد فلا يوجب فساد العمل، والارتباط بين السنة والفرائض ليس ارتباطاً مطلقاً، بل ارتباطهما محدود.
وعليه فمن شكّ في القراءة وهو في الركوع، فكلتا القاعدتين - أي قاعدة التجاوز وقاعدة لا تعاد - تقولان بعدم الاعتناء بالشك، فإنّ قاعدة لا تعاد تقول: إن كنت قاطعاً بأنك لم تأت بالقراءة نسياناً أو لعذر فصلاتك صحيحة؛ وذلك لأنّ الارتباطية بين السنة والفريضة محدودة، فبطريق أولى إذا كان ترك القراءة محتملاً تكون الصلاة صحيحة، وقاعدة التجاوز تقول بعدم الاعتناء بالشك.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى الشكّ بعد الصلاة الذي هو مورد قاعدة الفراغ، فإنّ قاعدة الفراغ تقول بعدم الاعتناء بالشك، وقاعدة لا تعاد تقتضي ذلك أيضاً.
الأمر الرابع: في وجه توسعة دائرة البحث
تقدم أنه لابد من مقايسة القاعدتين مع القواعد الأخر المشابهة لهما من حيث الموضوع ومن حيث الأثر، وهذا في الحقيقة ليس توسعة لدائرة البحث، بل توسعة لنظر الباحث، بمعنى: أن الباحث عن القاعدتين لا بد وأن يكون ملتفتاً إلى القواعد المشابهة لهما موضوعاً أو من حيث الأثر.
والسر في ذلك أما بالنسبة إلى القواعد المسانخة من حيث الموضوع فمن أجل أنّ الباحث الذي هو في مقام الاستنباط لا بد وأن يكون ملتفتاً إليها في مرحلة تشخيص حدود القاعدة التي يريد أن يستنبطها من خلال النظر في دليلها وهو الروايات، والنظر في ما يمكن أن يكون هو مورداً للروايات؛ فمثلاً في أصل تشخيص أن مفاد الروايات هل هو قاعدة الفراغ الحقيقي أو البنائي لا بد من الالتفات إلى قاعدة الفراغ البنائي وقاعدة الفراغ الحقيقي حتى نتمكن من استظهار إحداهما. وكذا في تحديد الحدود لا بد من الالتفات إلى هذه القواعد، فمثلاً المستفاد من الروايات التي استفيد منها قاعدة الفراغ البنائي هل يستفاد منها خصوص قاعدة الفراغ البنائي، أو الأعم
منها ومن قاعدة اليقين وهي موارد الشكّ الساري مطلقاً، أو أن قاعدة الفراغ والتجاوز قاعدتان أو قاعدة واحدة تحت ضابط واحد؟
ولا شكّ أنّ الباحث إذا التفت إلى القواعد المسانخة للقاعدتين من حيث الموضوع، فهذا يؤثر في الاستظهار والاستنباط؛ إذ ما لم تكن المحتملات في ذهن الإنسان لا يمكنه الاستنباط الصحيح.
وأما بالنسبة إلى القواعد المشابهة لهما من حيث الأثر، فهي أيضاً مفيدة؛ لأنّ كثيراً ما يستنبط الفقيه قاعدة من فتاوى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في جواب سؤال؛ إذ نجد في الروايات فتاوى الأئمة المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ) على طبق أصول يرثها كابر عن كابر، والفقيه من يمكنه استنباط الأصول من فتياهم.
وكما أن من شؤون الفقيه التفريع «علينا إلقاء الأصول وعليكم التفريع» (1)، كذلك من شؤون الفقيه استخراج الأصول من فتاويهم (عَلَيهِم السَّلَامُ).
وعليه: فإن كان المستنبط ملتفاً إلى هذه القواعد المشابهة، ورأى فتوى من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)يمكن أن تكون مستندة إلى هذا الأصل، ويمكن أن تكون مستندة إلى أصل آخر، فلا يأخذ هذه الفتوى مستندة لأصل معين، بخلاف ما إذا لم يكن ملتفتاً، فإنّه ربما يتوهم قاعدة خاصة من خلال فتوى في مورد، فمثلاً إذا سأل السائل من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأني شككت في قراءة الفاتحة في الركعتين الأوليين بعد الفراغ من الصلاة، وأجابه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأنه لا تعتني بهذا الشكّ، فهذا الجواب مبتن على أية قاعدة؟ هل هو مبتن على قاعدة الفراغ البنائي؛ إذ المفروض أنه شكّ بعد الفراغ وبعد ما كان متيقناً بصحة صلاته، أو أن جواب الإمام بذلك من أجل قاعدة الفراغ، أو من جهة قاعدة التجاوز، أو من جهة الشكّ الساري، فكل هذه الأمور محتملة.
1) وسائل الشيعة 27: 62.
والمقصود أن استنباط الأصول من فتاويهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) متوقف على الالتفات إلى المحتملات، وربما يحصل للإنسان إبهام لما كان بين القاعدتين عموم من وجه وأحدهما مغن عن الآخر، مثل الشكّ في القراءة بعد الدخول في الركوع، فإن قانون (لا تنقض السنة الفريضة) هنا مغن عن قاعدة التجاوز، فجعلها بأي ميزان و بأي داع؟ لا سيما إذا التزمنا بأن نسيان القراءة ليس موجباً للقضاء، ولا موجباً لسجدتي السهو.
في أن هاتين القاعدتين - أي قاعدة الفراغ وقاعدة التجاوز - على فرض اعتبارهما هل معتبرة تأسيساً أو إمضاء من الشارع.
وبعبارة أخرى: هل أنهما مما بنى عليه العقلاء والشارع أمضاهما، أو أنها من الأمور التأسيسية للشارع وليس مما بنى عليه العقلاء؟
والكلام إنما هو في قاعدتي الفراغ الحقيقي والتجاوز، لا في قاعدة الفراغ البنائي، فإنا قد ذكرنا سابقاً أن قاعدة الفراغ البنائي من صغريات قاعدة اليقين، وقاعدة اليقين ليست من القواعد العقلائية، وما في بعض الروايات من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «وكان حين انصرف أقرب إلى الحق منه بعد ذلك» (1)، وأشباهه، إنّما هو لتقريب الحكم إلى الأذهان وبيان المناسبة بين الحكم والموضوع، لا أن يكون استدلالاً من الإمام بقانون عقلائي.
فالكلام إنّما هو في هاتين القاعدتين، والذي يخطر بالبال أنهما ليستا من القواعد العقلائية، بل قاعدتان تأسيسيتان.
وفي قبال ذلك مسلكان :
المسلك الأول: ما سلكه السيد البروجردي (رَحمهُ اللّه)- على ما نقل عنه - وهو أنّ قاعدة الفراغ من القواعد العقلائية، بخلاف قاعدة التجاوز.
1) من لا يحضره الفقيه 1: 352.
وتقريبه : أن قاعدة الفراغ من فروع أصالة الصحة بوجه عام. بمعنى: أنه لا إشكال في جريان أصالة الصحة في عمل الغير عند العقلاء، ويحكمون بالصحة بالنسبة إلى أعمال الغير التي هي منشأ للأثر بالنسبة إلى الإنسان - كما إذا كان العمل واجباً كفائياً واشتغل به الغير، فإن كان عمله صحيحاً فهو مجز عنا، وإن لم يكن صحيحاً وجب علينا، وهكذا في سائر الأمور من العقود والإيقاعات التي هي للأثر بالنسبة إلى الإنسان.
والسر في ذلك أنهم لو لم يجروا أصالة الصحة في عمل الغير لأدى ذلك إلى اختلال نظام أمورهم، ولئلا يلزم اختلال النظام اعتبروا أصالة الصحة في عمل الغير، وبهذا الملاك نفسه يمكن القول بأن أصالة الصحة في النفس محكومة بأصالة الصحة في عمل الغير.
ويرده: أنه سيأتي في مبحث أصالة الصحة من أنّها وإن كانت تجري في عمل الغير في الجملة، إلا أنّ ما يجري من أصالة الصحة إنما هو أصالة الصحة عند الفاعل، أي أنّ الفاعل يأتي بالعمل على طبق القانون ومعتقده، وأمّا أصالة الصحة عند الحامل وأن عمله صحيح ومطابق للقانون الذي هو معتبر عند الحامل فغير ثابت على وجه عام.
مضافاً إلى أنّ أصالة الصحة في عمل الغير غير مشروطة بالفراغ، فإنّه كما تجري بعد الفراغ تجري في الأثناء وفي حال اشتغاله.
وهذا بخلاف ما نحن فيه، فإنّ قاعدة الفراغ تجري في صورة الفراغ، وسنذكر في مبحث أصالة الصحة أنّ الحمل عمل الغير على الصحة قواعد أُخر، وهذه القواعد وإن لم تكن بسعة كبروية أصالة الصحة، إلا أنه يرفع بها محذور اختلال النظام، كما إذا احتملنا الفساد في عمل الغير من جهة ترك السنة؛ فإنّه يمكن تصحيح عمله بأن ترك السنة غير موجب للبطلان على الأطلاق، بل إذا كان معتقده أنه لا يجب، فذلك يكفي
في حمل عمله على الصحة، أو من باب قاعدة الإلزام التي عبرنا عنها بقاعدة الاحترام وأمثال ذلك.
وأما أصالة الصحة بعنوانها فهي غير ثابتة عقلائياً، والشاهد على ذلك أنه لو كانت ثابتةً لكان قد اشير إليها في رواياتنا وفي فقه العامة أو القوانين المدنية، فإنّه سنذكر في محله أنه ليس لنا روايات في هذا المعنى والموجود في رواياتنا هو الحمل على الصحة، بمعنى أنه لا يرتكب القبيح وأمثال ذلك، فما جعله الأساس في هذا التقريب، وهو أصالة الصحة في عمل الغير، غير تام بهذه الصورة، وكما قلنا سيأتي البحث عنها في مبحث مستقل إن شاء اللّه تعالى.
وأما إلحاق قاعدة الفراغ بأصالة الصحة في عمل الغير، فهذا غير مقرون بالشواهد العقلائية، بل الشواهد تدلّ على خلاف ذلك؛ فإنّه من يؤلف كتاباً أو يكتب رسالة إلى شخص، ويحتمل الاشتباه فيه احتمالاً عقلائياً بعد الفراغ، يعتني بهذا الاحتمال ويراجع ما يحتمل الاشتباه فيه، وكذا في تسليمه أو تسلمه النقود، وهكذا في سائر الأعمال.
المسلك الثاني: ما سلكه جماعة من الأكابر منهم السيد الخوئي، وهو أن كلتا القاعدتين من القواعد العقلائية. وقربوه بأمر نفسي.
وتقريبه: أن من يريد أن يأتي بعمل مركب وعالم بأجزائه وشرائطه الوجودية والعدمية تنبعث من هذه الإرادة الكلية إرادات جزئية وإتيان كل جزء وشرط في موقعه، اللّهم إلّا أن تحصل له غفلة مانعة عن إتيان كل جزء وشرط في محله، واحتمال الغفلة هذا ملغى عند العقلاء.
ويمكن أن نضيف نحن إلى ذلك بأنه من أجل ذلك نأخذ بالظواهر ونحتج بكلام الغير، وهكذا في موارد أخرى تكون أصالة عدم الغفلة متبعة، وعلى هذا تكون قاعدة الفراغ وقاعدة التجاوز مما بنى عليه العقلاء.
إلا أنهم لم يقيموا شواهد على ذلك، ونحن لا نرى شواهد تدلّ على أن عمل العقلاء عليه، فلا شواهد على أنهم إذا احتملوا نقصاً أو اشتباهاً في الأثناء لا يعتنون به.
ويمكن الخدشة فيما ذكر بوجوه:
الوجه الأول: أنّ هذه القاعدة لو كانت قاعدة عقلائية لذكرت في غير كتب الشيعة أيضاً، أو كتب القانون المدني، والحال أنه لم تذكر في كتبهم، بل قد ذكر السيوطي في كتاب الأشباه والنظائر (1)ما يدل على خلاف هذه القاعدة، فقد قال: (قاعدة: من شكّ هل فعل شيئاً أو لا فالأصل أنه لم يفعله - إلى أن قال - فمن فروع ذلك شكّ في ترك مأمور في الصلاة سجد للسهو أو ارتكاب فعل منهي فلا يسجد؛ لأنّ الأصل عدم فعلهما،... ومنها شكّ في أثناء الوضوء أو الصلاة، أو غيرهما من العبادات في ترك ركن وجبت إعادته).
وقال ابن رجب - وهو من فقهاء الحنابلة - في قواعده (2): (منها إذا شكّ هل ترك واجباً في الصلاة فهل يلزمه السجود على وجهين أحدهما يلزمه لأنّ الأصل عدم الإتيان به والثاني لأن الأصل عدم لزوم السجود).
وذكر الشهيد الثاني (3)في قواعده بعد ذكر هذه المسألة أنه لا يجب السجود على مذهبنا.
ومن هذا كله يظهر أنّ القاعدتين من مختصات مذهبنا، لا أنهما قاعدتان عقلائيتان.
الوجه الثاني: رواية زرارة التي يسأل فيها عما هو مرتبط بقاعدة التجاوز، والرواية معتبرة رواها الشيخ في التهذيب عن أحمد بن محمد عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن حماد بن عيسى عن حريز بن عبد اللّه عن زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) رجل شكّ في الأذان وقد دخل في الإقامة؟ قال: «يمضي»، قلت: رجل شكّ في الأذان والإقامة وقد كبر ؟ قال: «يمضي»، قلت: رجل شكّ في التكبير وقد قرأ؟ قال: «يمضي»، ق، قلت: شكّ في القراءة وقد ركع؟ قال: «يمضي»، قلت: يشك في الركوع وقد سجد؟ قال: «يمضي على صلاته»، ثم قال: «يا زرارة إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشيء» (1).
فإنه لو كانت القاعدة عقلائية لم يحتج إلى أن يسأل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الأسئلة المتعددة.
ويظهر أن زرارة كان يعتقد الاعتناء بالشكّ؛ لأنّ ذلك هو مقتضى الاستصحاب، وفي كل مرة يرى أن جواب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوافق الاستصحاب؛ ولذا لا يحصل له الجزم بأنّ جواب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يبتني على أي قاعدة من القواعد، وذلك لأن الأسئلة مختلفة، فإنّه مثلاً في الأول يمكن أن يتخيل أن الحكم بالمضي من جهة عدم وجوب الأذان، لا وجوباً غيرياً ولا نفسياً، ثم يسأل عمن شكّ في الأذان والإقامة وقد كبر، أي يغير المسألة ويضيف إلى الأذان الإقامة، وهكذا يسأل عن أمور متعددة، ويرى أنّ جواب الإمام لا يوافق الاستصحاب.
الوجه الثالث: أن الشواهد العقلائية على خلاف ذلك، هذا مضافاً إلى أن أصالة عدم الغفلة هذه معارضة بأصالة عدم الغفلة من ناحية أخرى، فإنّ في جميع موارد أسئلة زرارة هي من موارد قاعدة التجاوز، وكيف تتصور الغفلة عن العمل، لا سيما إذا كان العمل يحتاج إلى بذل جهد أزيد، كالفصول المتعددة للأذان والإقامة، و هم
1) تهذيب الأحكام 2 : 352.
يقولون: إن العمل الإرادي متوقف على التصور والتصديق بالفائدة والجزم والعزم، ومع ذلك كيف يمكن الغفلة بمجرد التكبير مثلاً، وكيف يتصور أنه قد أتى به وغفل ونسي أنه قد أتى به الآن، لا سيما فيما إذا كان الفصل قليلاً جداً؟
نعم، في الأمور المرتبطة بالأزمنة السابقة بما أنه لا تبقى في الذهن خصوصيات الأعمال التي أتى بها قبل سنة مثلاً أو أكثر أو أقل فيتصور الشكّ، ويمكن القول بأن العقلاء لا يعتنون بمثل هذا الشكّ مع الفصل الطويل، لا فيما إذا كان الفصل قليلاً جداً، كما في موارد قاعدة التجاوز.
ونحن لا نحتاج إلى أصالة عدم الغفلة للأخذ بالظهورات؛ فإنّه على ما ذكرنا سابقاً يكون الأخذ بالظواهر مرتبطاً بالمواثيق وأنّ كلّ شخص متعهد بأن يؤخذ كلامه بما هو ظاهر فيه، سواء نسي القرينة أم لم ينسها.
وأما ما قيل من أنّ حجّية خبر الثقة مبتنية على أصالة عدم الغفلة، فإنّه بمقتضى وثاقته لا يكذب، وبمقتضى أصالة عدم الغفلة لم يغفل عن الخصوصيات.
فأولاً: حجية خبر الثقة في قبال الخبر الموثوق به محل تأمل.
وثانياً: على فرض التسليم يكون الأخذ بظواهر كلامه مبتنيا على المواثيق والالتزامات.
فظهر أنّ القاعدتين ليستا إمضائيتين، بل تأسيسيتان.
ولا بد من التذكير بأنا لا ننكر المناسبة، بل ننكر وصولها إلى حد القانونية عند العقلاء.
اختلفت أنظار الفقهاء والأصوليين فيما يستفاد من الروايات إلى أربع نظريات:
النظرية الأولى: أنّ المستفاد من الروايات قاعدة التجاوز فقط، ومرجعها إلى أنّ الشك في وجود جزء أو شرط بعد التجاوز عن محلّه يبنى على وجوده، وليس لقاعدة الفراغ أساس، وهذا ما اختاره صاحب الرسائل.
النظرية الثانية: عكس النظرية الأولى، وهو ما ذهب إليه المحقق النائيني، من أنّ المجعول هو قاعدة الفراغ، وفسر ذلك بأنّها عبارة عن البناء على تحقق وجود الشيء الصحيح، وأن مورد البناء على تحقق الشيء الصحيح يكون في العمل المركب الذي هو متعلق الحكم، وبتعبيرنا هو الواقعة القانونية سواء كانت متعلقاً للحكم أم موضوعاً له، وذكر أن الشارع المقدس اعتبر أجزاء الصلاة وقائع متعددة.
وعليه فقاعدة التجاوز خاصة بالصلاة، وهذا لا من جهة أن لقاعدة التجاوز كبرى مجعولة، بل من جهة تطبيق الشارع المقدس قاعدة الفراغ على كل جزء من أجزاء الصلاة؛ وذلك من أجل اعتبار كل جزء واقعة مستقلة.
النظرية الثالثة: ما ذهب إليها كثير من الفقهاء كالمحقق الهمداني وغيره، وهي أنّ الروايات على قسمين: قسم يستفاد منها قاعدة الفراغ، وقسم يستفاد منها التجاوز.
النظرية الرابعة: أن الظاهر من الروايات مجعولية قاعدة عامة تعم قاعدة التجاوز وقاعدة الفراغ، ومرجعه إلى أنّ كلّ شيء قد مضى إما بمضي نفسه أو بمضي محله فامضه كما هو، أي أن الشكّ لا يعتنى به.
ومضي الشيء بمضي نفسه مورد لقاعدة الفراغ، ومضيه بمضي محله مورد لقاعدة التجاوز، وهذا ما ذهب إليه المحقق الأصفهاني، وقيل: إنّ هذا هو المستفاد من عبارة الشيخ في الرسائل.
أما النظرية الأولى : فما ذكر في وجه تلك النظرية، مرجعه إلى أمرين:
الأمر الأول: المناقشات الإثباتية في الأدلة التي استدل بها لقاعدة الفراغ.
الأمر الثاني: المناقشات الثبوتية.
وبما أن القائل بهذه النظرية قد أخر المناقشات الثبوتية فنحن - أيضاً - نذكرها فيما بعد، وعند التعرض للنظرية الثالثة.
والقائل بهذه النظرية قد ذكر الروايات التي استدل بها لقاعدة الفراغ، كموثقة محمد بن مسلم والروايات التي استدل بها لقاعدة التجاوز - في كلمات القائلين بالنظرية الثالثة - واستظهر من جميع ذلك أن المستفاد منها قاعدة التجاوز.
وأساس كلامه أمر واحد وهو أنّ في جميع هذه الروايات مذكور (الشك فيه) كما في «كلما شككت فيه مما قد مضى» وغير ذلك من التعابير.
ومن المعلوم أن الشكّ في الشيء ظاهر في الشكّ في وجوده. وقد ألغى ظهور ذيل بعضها الذي هو ظاهر في الشكّ في الصحة.
ونحن أولاً نذكر الروايات ثم نتعرض لكلامه.
فمن الروايات التي استدل بها المشهور لقاعدة الفراغ ما رواه الشيخ عن الحسين بن سعيد عن صفوان عن ابن بكير عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) - والرواية موثقة من أجل ابن بكير - قال «كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو» (1).
ووجه الاستدلال بها: أنّ الشكّ كما يكون في أصل الوجود، كذلك يكون في الصحة أو في أمر آخر، ويختلف بحسب الموارد، فتارة يقال: (أفي اللّه شكّ) فهذا من الشكّ في الوجود، وقد يقال (أفِي زيد شكٌّ)، فهذا كما يمكن أن يكون من الشكّ في الوجود يمكن أن يكون الشكّ في أمانته أو عدالته.
وقد أشار إلى ذلك الراغب وأن موارد استعمال الشكّ تختلف، غاية الأمر أنه لو لم تكن قرينة يكون قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كل ما شككت فيه» ظاهراً في الشكّ في الوجود، وأما إذا كانت هنا قرينة فلا بد من حمله على ما تقتضيه القرينة.
1) جامع الأحاديث 2 : 440.
وفي هذه الرواية قرائن على أن الشكّ ليس في الوجود، بل الشكّ في صحة الموجود، فمن القرائن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مما قد مضى» وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «فامضه» وقوله الا : «كما هو».
والظاهر من «كما هو» أنه كما هو عليه، كما ذكر في المغني في مسألة (كن كما أنت) فذكر : (أن المعنى على ما أنت عليه، وللنحويين في هذ المثال أعاريب، أحدها: هذا وهو أن ما موصولة، وأنت مبتدأ، حذف خبره).
وفي المقام قوله: «فامضه كما هو» الكاف هنا بمعنى (على)، أي: امضه على ما هو عليه، أي كما وقع امضه.
وعلى هذا فالقول بأنّ الرواية من الشكّ في الوجود لا في كيفية الموجود في غاية البعد، بل يمكن القول بأنه لا وجه له أصلاً.
و من الروايات صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كل ما شككت فيه بعد ما تفرغ من صلاتك فامض ولا تعد» (1).
ووجه الاستدلال بها أن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «بعد ما تفرغ من صلاتك» له خصوصية. والقائل بعدم مجعولية قاعدة الفراغ يقول بعدم موضوعية ذلك، بل هذا من باب تجاوز المحل. ومن المعلوم أن هذا تأويل لا يمكن الأخذ به.
والوجه في عدم الأخذ هو أن مقتضى القاعدة أنّ المأخوذ في القضية اللفظية هو المأخوذ في القضية اللبية ولا سيما في التعليم، فإنّا قد ذكرنا مراراً من أنه فرق بين التعليم والفتيا، فإنّ التعليم عبارة عن إلقاء الأصل الكلي بصورته الكلية، أي: أنّ أصالة التطابق بين الإرادة الجدية والإرادة الاستعمالية موجودة، وهذا بخلاف الفتيا، فإنّه قد لا تكون أصالة التطابق موجودةً، وذلك لأنّ السائل في موارد الفتيا غالباً ما يسأل عن أمور متعددة، قد تكون كلها دخيلة في الحكم وقد لا تكون كذلك، والمقام
1) تهذيب الأحكام 2 : 352.
من موارد التعليم، وذلك لبيان الحكم من ناحية الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ابتداء قال: «كلما شككت» إلى آخره.
ومن الروايات التي استدل المشهور بها على قاعدة التجاوز صحيحة زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): رجل شكّ في الأذان وقد دخل في الإقامة؟ قال: «يمضي». قلت: رجل شكّ في الأذان والإقامة وقد كبر؟ قال: «يمضي»، قلت: رجل شكّ في التكبير وقد قرأ؟ قال: «يمضي» قلت: رجل شكّ في القراءة وقد ركع؟ قال: «يمضي»، قلت: شكّ في الركوع وقد سجد؟ قال: «يمضي على صلاته»، ثم قال: «يا زرارة إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشيء» (1).
ويمكن للقائل بأن المجعول هو قاعدة التجاوز أن يقول: إن الظاهر من (الشك في الأذان) هو الشكّ في الوجود، وهكذا في سائر الفصول.
ومن الروايات التي استدل بها لقاعدة التجاوز صحيحة إسماعيل بن جابر، قال: قال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إن شكّ في الركوع بعد ما سجد فليمض، وإن شكّ في السجود بعد ما قام فليمض كل شيء شكّ فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه» (2).
والغرض أنّ القائل بالنظرية الأولى قد تعرض لهذه الروايات واستظهر من الجميع قاعدة التجاوز، وقال في الرسائل (3): (هل المراد من الشكّ في الشيء في قوله في موثقة ابن مسلم «كل ما شككت فيه» وفي صحيحتي زرارة وإسماعيل شكّ في الأذان أو في القراءة هو الشكّ في الوجود)، وذكر احتمالات: (ظاهر صدر الروايات أي قوله: شككت فيه، أو رجل شكّ في الأذان - إلى أن قال - وظاهر ذيلها، أي قوله: قد
مضى وامضه في الموثقة، وقوله: إذا خرجت من شيء، وقوله: جاوزه في الصحيحتين هو الخروج والتجاوز عن نفسه، ولا يبعد رفع اليد عن ظهور ذيلها بظهور صدرها هو إعطاء الكبرى الكلية التي تكون تلك الأمثلة مصاديقها، فلا يفهم العرف بعد ذلك الا المضي والخروج عن المحل.
وهذا وان لا يخلو عن مناقشة، لكن ربما يشهد له بعض الروايات التي ورد فيها الشك في الشيء بمعنى الشكّ في الوجود).
وهنا نتسائل: كيف يمكن تقديم الصدر على الذيل مع وجود القرائن التي ذكرناها، ونحن لا ننكر أنّ الشكّ قد يكون من الشكّ في الوجود، فلا داعي لإتعاب النفس وذكر روايات ذكر فيها الشكّ في الشكّ في الوجود.
ثم إنه استند إلى ما ذكره الصدوق في كتاب الهداية، فإنّ الصدوق قد نقل جزءاً من صحيحة زرارة بهذا النحو : قال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إنك إن شككت إن لم تؤذن وقد أقمت فامض» وقال: (وهذا صريح في الشكّ في الوجود فيكون المراد من ساير الفقرات هو الشكّ في الوجود فترفع الإجمال على فرضه عن صحيحتي زرارة وإسماعيل اللتين يكون التعبير فيهما مشابها لما في المرسلة)، وهو يريد رفع الإبهام عن الصحيحتين بواسطة المرسلة.
ثم قال: (وقد عرفت أنّ إرسال الصدوق في مثل الرواية وانتساب القول إلى الإمام جزماً لا يقصر عن توثيق أمثال الكشي والنجاشي والشيخ).
وقوله هذا من العجائب، فإنّ الصدوق ليس من العاملين بروايات الثقة عن الثقة. وقد ذكر هو في أول الفقيه أنه يذكر ما هو حجة بينه وبين ربه، فلا يفرق بين قوله : قال الصادق، أو روي عن الصادق.
وأما النظرية الثانية: وهي مسلك المحقق النائيني من أن جميع الكبريات الكلية التي تكون الروايات متكفلة لها كلها ناظرة إلى قاعدة الفراغ. وفي خصوص أجزاء الصلاة تجري قاعدة الفراغ تنزيلاً لها منزلة الوقائع المتعددة.
توضيح ذلك: أن مدعى المحقق النائيني أنّ الروايات المشتملة على الكبرى مفادها قاعدة الفراغ، وقاعدة الفراغ ليست عبارة عن الحكم بصحة الشيء الموجود، بل الحكم بوجود عمل مركب يترتب عليه الأثر القانوني بعد تجاوز محله.
فقاعدة الفراغ موردها بنظر المحقق النائيني عبارة عن الشيء الذي يكون ذا أثر سواء كان موضوع الحكم مثل الوضوء والغسل الذي هو موضوع للطهارة ومولّد لها، أم متعلق الحكم من قبيل الصلاة، فالشيء الوارد في هذه الروايات عبارة عن واقعة قانونية.
وبتعبير آخر : الشيء عبارة عن الواحد بوحدة قانونية بنحو يترتب عليه الأثر، وليس المراد من الشيء في هذه الروايات مطلق الأشياء سواء كانت مرتبطة مع الأحكام أم لم تكن أو الأشياء التي في صورة انضمامها إلى أشياء أخر يكون لها أثر قانوني.
ويمكن تأييد ذلك بأنّ في كل مورد يطلق الشيء في التعابير العرفية والروايات يكون كناية عن شيء مخصوص، لا كل ما يطلق عليه أنه شيء، فالشيء إذ يطلق فإنما يراد به ما كان المتكلم طالباً له ومرتباً عليه أثراً؛ وذلك هو العمل المركب في محل کلامنا، ويمكن أن يشهد لذلك قوله: «فامضه كما هو»، فإنّ ظاهر المضي هو الإنفاذ وترتيب الأثر، فيعلم أن العمل عمل يترتب عليه أثر.
كما أن المراد من الشكّ هو الشكّ في وجود هذا الشيء من باب أنّ المركب ينتفي بانتفاء أحد أجزائه، فلو شكّ في جزء يكون ذلك شكاً في وجود المركب، وكذا من باب أن المشروط ينتفي بانتفاء شرطه لو شكّ في شرط يكون هذا الشكّ في وجود المشروط، فظاهر الشكّ هو الشكّ في الوجود، إلا أن تكون قرينة على الخلاف.
والروايات كلها ناظرة إلى أنه إذا شكّ في وجود عمل مركب بعد التجاوز عن محله لا يعتنى به.
غاية الأمر في صحيحتي زرارة وإسماعيل طبقت القاعدة على أجزاء الصلاة، وهذا التطبيق تطبيق من باب الحكومة على نحو التوسعة، بمعنى أن الشارع اعتبر كل جزء من أجزاء الصلاة أعمالاً مستقلة ووقائع متعددة.
وعليه فيكون للقاعدة فردان: فرد تكويني وهو عبارة عن الأعمال المستقلة سواء كان موضوع الحكم كالوضوء أم متعلق الحكم كالصلاة، وفرد تنزيلي كأجزاء الصلاة التي اعتبرها الشارع عملاً مستقلاً.
والدليل على التنزيل صحيحتي زرارة وإسماعيل بن جابر الواردتين في باب الصلاة، ولا دليل على التنزيل في غير باب الصلاة.
ونتيجة ذلك جريان قاعدة الفراغ في جميع الأعمال سواء كانت العبادات أم المعاملات، وتجري في أجزاء الصلاة تنزيلاً لأجزاء الصلاة منزلة الأعمال المستقلة، وذكر أنه بما أنّ الروايات المشتملة على الكبرى لسان بعضها قريب من بعض فهي تريد بيان أمر واحد وهو عبارة عن الكبرى التي ذكرناها.
ويمكن أن يؤيد المحقق النائيني بما رواه زرارة عن الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الوضوء، وأنّ الذي كان في ذهن زرارة هو عدم جريان القاعدة في الأجزاء، والرواية هكذا: عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إذا كنت قاعداً على وضوئك فلم تدر أغسلت ذراعيك أم لا، فأعد عليهما وعلى جميع ما شككت فيه أنك لم تغسله مما سمى اللّه ما دمت في حال الوضوء، فإذا قمت من الوضوء وفرغت منه وقد صرت في حال أُخرى في الصلاة أو في غيرها فشككت في بعض ما سمى اللّه مما أوجب اللّه عليك فيه وضوءه لا شيء عليك فيه».
والمراد مما (سمى اللّه) هو ما ذكرنا مراراً من أنّ المركبات غالباً ما تتركب من الفرائض والسنن، فإنّ الغسل والمسح مما أوجبهما اللّه، وأما الترتيب بينهما أو الغسل منكوساً - إن لم يستفد من الآية - وهكذا سائر الشرائط فهي من السنن.
وبما أنه كان في ذهن زرارة عدم جريان القاعدة في الأجزاء، فلذا سأل هذه الأسئلة المتعددة في هذه الرواية الواردة في الصلاة: (رجل شكّ في الأذان وقد دخل
في الإقامة، ورجل شكّ في الأذان والإقامة وقد كبر - إلى قوله - رجل شكّ في الركوع وقد سجد).
والحال أنّ الركوع من الفرائض ومما أجبه اللّه، فلو لم يكن في ذهنه تنزيل الإمام أجزاء الصلاة منزلة الأعمال المستقلة لكان مناقضاً مع ما قاله الإمام الباقر في الوضوء حيث حكم في الوضوء فيما إذا كان الشكّ في ما سمى اللّه في كتابه فإنه تجب الإعادة، وهو في سؤاله عن الصادق قد فرض ذلك، ومع ذلك فقد اكتفى زرارة بالكبرى الكلية التي قالها الإمام، فمن هذه الأسئلة المتكررة مع ما له من سابقة ذهنية يفهم أنّ زرارة فهم من هذه الكبرى ما ذكرناه من أنّ موردها هو الأعمال المستقلة لكن مع التطبيق التعبدي بالنسبة إلى الموارد الخاصة، أي موارد الصلاة، ولولا هذا التطبيق لكانت الكبرى المذكورة في ذيل الصحيحة غير شاملة لأجزاء الصلاة؛ حيث قال: «يا زرارة إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشيء» وهذه العبارة كالعبارة التي قالها في باب الوضوء، فيعلم أنّ هذا المعنى كان في ذهن زرارة أيضاً من أن أجزاء الصلاة حوسبت مستقلة.
وملخص الكلام: أن مدعى المحقق النائيني هو أن المستفاد أن المستفاد من الروايات هو قاعدة الفراغ بالمعنى المتقدم، أي: في الأعمال التي هي ذات وحدة قانونية، والشك فيها بعد مضيها لا يعتنى به، وتطبيق القاعدة على أجزاء الصلاة تطبيق تعبدي.
وبما أنه لا دليل لنا على التطبيق في غير أجزاء الصلاة، فلا يمكن إجراء القاعدة في غير أجزاء الصلاة من سائر الأعمال.
واعترض بعض الأكابر على ما ذكره المحقق النائيني بوجهين:
أحدهما : أنّ هذا مبتن على تنزيل الجزء منزلة الكل، وهذا متوقف على أنّ المستفاد من الروايات اختصاص قاعدة الفراغ بالكل، والحال أن رواية محمد بن مسلم «كلما شككت فيه مما قد مضى» إلى آخره، أعم من أن يكون العمل جزءاً أو كلاً، وعلى
ما هو الحق قاعدة الفراغ لا تختص بأن يكون بعد العمل، بل تجري حتى في أثناء العمل.
ويمكن الجواب عن هذا الاعتراض بأنه لا وجه للاستناد إلى خصوص رواية محمد بن مسلم، فلو كان الأمر كما ذكره المحقق النائيني من أن كلمة (شيء) أو (ما) كناية عن العمل المركب الذي هو ذو أثر، ففي هذه الرواية الأمر كما ذكره، فإنّ كلمة (ما) في هذه الرواية كناية عن العمل المستقل، والشاهد عليه قوله: «فامضه»، فإنّ ظاهر المضي هو إنفاذه وترتيب الآثار عليه، فيظهر أنه ذا أثر مستقل.
وبعبارة أخرى: لو كان ما ذهب إليه المحقق النائيني صحيحاً، فتحمل هذه الرواية - أيضاً - على ما ذكره، وإن لم يكن ما ذهب إليه صحيحاً لم يكن صحيحاً في سائر الروايات.
ثانيهما: أن موثقة ابن أبي يعفور مردد أمرها بين أن تكون كلمة (من) فيها بيانية أو تبعيضية، فلا يمكن للمحقق النائيني التمسك بها.
ويمكن الجواب عن هذا الاعتراض بأنه وإن تمسك المحقق النائيني بهذه الموثقة، إلا أنها ليست ركن كلامه، فإنّ كلامه أنه يمكن استفادة هذا المعنى من هذه الموثقة بقرينة سائر الروايات، وما هو دليله على الحكومة إنّما هو صحيحتا زرارة وإسماعيل بن جابر، فلا يمكن هدم مسلك المحقق النائيني بهذين الوجهين.
نعم، يمكن هدم مسلکه بوجهين آخرین:
الأول: أن تطبيق الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الأجزاء وإلقاء الكبرى الكلية دليل على أنّ الكبرى هي التي تنطبق على مواردها، ولا حاجة إلى السؤال عن بقية أجزاء الصلاة، ولو كان التطبيق تطبيقاً تعبدياً فما الداعي إلى إلقاء الكبرى الكلية؟
الثاني: أن ظاهر صحيحة محمد بن مسلم هو الشكّ في الوجود، فإنّ الظاهر من الشك في الشيء هو الشكّ في الوجود، إلّا أنّ فيها قرائن على أن المراد من الشكّ فيها هو الشكّ في الصحة لقوله: «فامضه».
وأساس كلام المحقق النائيني هو تفسير قاعدة الفراغ بالشك في وجود العمل المركب حتى يمكن التنزيل في الموارد التي في صحيحتي زرارة وإسماعيل بن جابر وإلحاق هذه الموارد بالأعمال المستقلة على نحو الحكومة.
أي: أن قاعدة الفراغ والتجاوز مختلفتان في الموضوع، بمعنى أن موضوع قاعدة الفراغ هو العمل المستقل الحقيقي، وموضوع قاعدة التجاوز على مسلكه هو العمل المستقل التنزيلي، وأمّا من حيث المحمول فمتحدتان، فإنّ محمول كل منهما هو (العمل موجود).
وأما إذا قلنا إنّ محمولهما مختلف وأنّ محمول قاعدة الفراغ هو (صحيح)، كما استظهرناه من صحيحة محمد بن مسلم، فعليه لا يكون قابلاً للتنزيل، ولا معنى لتنزيل قوله: (رجل شكّ في القراءة وقد ركع) أنه محكوم بحكم عمل مستقل.
وأما النظرية الثالثة: فهي أنّ كلّ من القاعدتين مجعولتان، وهذا مسلك أكثر المتأخرين كالمحقق الهمداني والعراقي والسيد الخوئي (حفظه اللّه)، ومستندهم أن الروايات على قسمين:
قسم يدلّ على قاعدة الفراغ.
وقسم يدلّ على قاعدة التجاوز.
أما القسم الأول وهو ما يدل على قاعدة الفراغ، فعمدته معتبرة محمد بن مسلم: «كلما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو».
وقد تقدّم منا أنه لو كنا نحن وجملة كل ما شككت فيه» لقلنا إن المراد من الشك هو الشكّ في الوجود، وذلك لظهور الشكّ في الشكّ في الوجود، إلا أنه بلحاظ كلمة (من) في قوله: «مما قد مضى» التي هي تبيين لكلمة (ما) في قوله: «كلما شككت فيه» لا بد أن نجعل الذيل شارحاً للصدر، وقوله: «قد مضى» ظاهر في مضي نفس العمل لا محله، وكذا بقرينة قوله: «فامضه كما هو» فإنّ الإمضاء إنفاذ للعمل على ما هو
عليه، وهاتان القرينتان في الذيل توجبان صرف الصدر عما كان ظاهراً فيه - وهو الشك في الوجود - إلى الشكّ في الصحة الذي يناسب قاعدة الفراغ.
ومفاد هذه القاعدة أعم من فعل النفس وفعل الغير؛ إذ لم يذكر في الرواية (كل ما شككت في عمل نفسك مما قد مضى)، بل ذكر «كل ما شككت مما قد مضى».
نعم، بدلالة الاقتضاء تكون القاعدة محدودة بما يكون مرتبطاً بالشخص، أي: أن ما يشك فيه لا بد وأن يكون له تماس عملي مع الإنسان، بأن يكون عمل نفسه، أو يكون عمل غيره إلا أن عمله منشأ للأثر للإنسان، كالعقود والإيقاعات والواجبات الكفائية، وأمّا العمل الذي لا يرتبط بالإنسان فهذا لا معنى لأن يقال: «فامضه كما هو».
وأما القسم الثاني من الروايات، وهو ما يستظهر منها قاعدة التجاوز، وعمدتها روایتان :
إحداهما صحيحة زرارة، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): رجل شكّ في الأذان وقد دخل في الإقامة؟ قال: «يمضي» إلى آخره، ثم قال: «يا زرارة إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشيء».
ولو كنا نحن وهذا الذيل لاستظهرنا نفس ما استظهرناه من موثقة محمد بن مسلم؛ وذلك لأنّ ظاهر الخروج من الشيء عبارة عن الفراغ منه، وظاهر «ثم دخلت في غيره» الشروع في غيره، فيكون المعنى هكذا إذا فرغت من عمل وشرعت في عمل آخر فشكك ليس بشيء، وعلى هذا يكون الشكّ في الصحة، لا في وجوده.
ولكن الأسئلة التي قبل ذلك توجب تحويل هذا الظهور، والقول بأن الرواية مرتبطة بقاعدة التجاوز.
ثانيهما: صحيحة إسماعيل بن جابر، قال: قال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) «إن شكّ في الركوع بعد ما سجد فليمض، وإن شكّ في السجود بعد ما قام فليمض كل شيء شك فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه».
وهذه الرواية - أيضاً - لو كنا نحن والذيل لاستظهرنا منها نفس ما استظهرناه من موثقة محمد بن مسلم، فإنّ التجاوز عن الشيء ظاهر في التجاوز عن نفس الشيء لا التجاوز عن محله، وقوله: «دخل في غيره» ظاهر في الشروع في الغير كما في صحيحة زرارة.
إلّا أنّ هذه الرواية - أيضاً - قبل بيان الكبرى مشتملة على صغريات، وهذه الصغريات لا توافق قاعدة الفراغ؛ فإنّ ظاهر صحيحة زرارة: (رجل شكّ في الأذان وقد دخل في الإقامة قال: «يمضي») وهكذا سائر الموارد هو أن يكون الشكّ في الوجود. وهكذا صحيحة إسماعيل بن جابر.
وبما أنّ الأمثلة ظاهرة في الشكّ في الوجود، والذيل ظاهر في الشكّ في الصحة فيدور الأمر بين أمور ثلاثة:
الأمر الأول: الالتزام بأنّ المراد في الأمثلة خلاف الظاهر، يعني: أن الشكّ شكّ في الصحة في قوله: «رجل شكّ في الأذان» إلى آخره، وعليه فتكون الروايتان دالتين على قاعدة الفراغ، غاية الأمر قاعدة الفراغ تجري في أجزاء الصلاة أيضاً.
وهذا لا يمكن الالتزام به؛ لأنه خلاف الظاهر قطعاً، فإنّ الظاهر هو الشكّ في الوجود.
الأمر الثاني: التحفظ على ظهور الصدر والذيل معاً، إلا أنه نلتزم بأن تطبيق الكبرى على الصغريات تعبدي نظير ما التزم به المحقق النائيني من التنزيل في الأجزاء منزلة الأعمال المستقلة.
وهذا الاحتمال أيضاً لا يمكن الالتزام به وبعيد غاية البعد؛ إذ ذكرنا في مقام رد المحقق النائيني أن قطع الإمام أسئلة زرارة وبيان الكبرى الكلية إنّما هو من أجل إلقاء الأصل حتى يتمكن الفقهاء من التفريع، فإنّه فرق بين سؤال العامي وس-ؤال الفقيه المستنبط، فإنّ العامي يسأل عن الصغريات؛ وذلك لعدم اطلاعه على الكبريات.
وأمّا الفقيه فهو يسأل عن الكبرى، والتطبيق إنما يكون بيده، والإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الروايتين في مقام تعليم الكبرى، وهذا لا يناسب التعبد، وإلا كان الأمر دائراً مدار الصغريات التي طبق الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) القانون عليها.
والحال أنّ من المسلّم أن زرارة فهم من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يا زرارة إذا خرجت من شيء» إلى آخره، كبرى كلية بلا مؤونة من التعبد.
الأمر الثالث: أن نلتزم بخلاف الظاهر في الذيل؛ وذلك لوجود قرينة على أنّ المراد من الكبرى خلاف الظاهر، والقرينة هي وجود هذه الأمثلة، أي أن المراد من الشك في الذيل هو الشكّ في الوجود، والمراد من الخروج عن الشيء هو الخروج عن محله، لا عن نفس الشيء.
وهذا الاحتمال هو المتعين ولا مناص منه؛ لأنّ دوران الأمر كان بين أمور ثلاثة، واثنان منها غير قابل للالتزام، فيبقى هذا الاحتمال، وعلى هذا الاحتمال الأمثلة التي في صدر هاتين الصحيحتين تكون شارحة للذيل.
ونتيجة ذلك كبريان مجعولتان إحداهما قاعدة الفراغ، وهي ما تدلّ عليها موثقة محمد بن مسلم، وثانيهما قاعدة التجاوز، وتدل عليها صحيحتي زرارة وإسماعيل بن جابر.
وقد أشكل على هذه النظرية بنحوين من الإشكال :
الإشكال الإثباتي والاستظهاري. وهذا الإشكال سيأتي في النظرية الرابعة إن شاء اللّه تعالى، وهو أنه لا يدور الأمر بين أمور ثلاثة، بل هنا احتمال آخر وهو أن يكون المراد من الكبرى أوسع، أي أن يكون المراد من الكبرى الخروج عن نفس الشيء وعن محله.
والإشكال الثبوتي، وهو ما أشكله صاحب الرسائل على هذه النظرية بإشكالين ثبوتيين، وكلا الإشكالين على معقولية قاعدة الفراغ.
الإشكال الأول: وهو مبتن على أنّ بين قاعدة الفراغ وقاعدة التجاوز عموم و خصوص مطلق، والإشكال هو أنه لو كان المجعول هو قاعدة التجاوز ولم تكن قاعدة الفراغ مجعولة لا يترتب عليه أي شيء ولا نقص من الناحية العملية، وهذا بخلاف ما إذا كان المجعول هو قاعدة الفراغ دون التجاوز.
وبعبارة أخرى: بما أنّ بين القاعدتين عموماً وخصوصاً مطلقاً، أي أن قاعدة التجاوز تقتضي صحة العمل مطلقاً في الأثناء وبعد الفراغ، وأما قاعدة الفراغ فتقتضي صحة العمل بعد الفراغ فقط دون الأثناء، فإذا كان بينهما عموم وخصوص مطلق، فجعل الخاص يكون لغواً مع وجود العام.
وسنذكر إن شاء اللّه تعالى في ضمن بيان النظرية الرابعة أن عدة من الذين يقولون بمجعولية القاعدتين يلتزمون باختصاص قاعدة التجاوز بالصلاة فقط، منهم المحقق الهمداني والمحقق الخراساني كلاً ببيان.
فعلى مسلكهما لم يكن بين القاعدتين عموم وخصوص مطلق، بل بينهما عموم وخصوص من وجه، لأن موارد الشكّ في الصحة في غير الصلاة تكون مورداً لقاعدة الفراغ، والمفروض أن قاعدة التجاوز لا تجري في غير الصلاة.
وكذلك الأمر بناءً على أن قاعدة التجاوز تعمّ الصلاة وغيرها، كما قال به جماعة.
والوجه في ذلك ما ذكرناه في ضمن موثقة محمد بن مسلم من أن قوله: «كلّما شككت فيه مما قد مضى» إلى آخره، أعم من فعل النفس وفعل الغير، وقاعدة التجاوز لسانها مختص بعمل النفس، ولم يقل أحد بأنّ قاعدة التجاوز تجري في عمل الغير، ولسان رواياتها لا يقتضي ذلك.
وأما قاعدة الفراغ فهي أعم من عمل النفس وعمل الغير، وعليه يكون بينهما عموم وخصوص من وجه، فإنّ في الشكّ في عمل الغير تجري قاعدة الفراغ دون التجاوز.
هذا مضافاً لما سيأتي من الفروق في ضمن الفروع الآتية: منها: ما ذكره المحقق العراقي وهو الشكّ في الصحة بواسطة شرط غير مستقل في الوجود، كالترتيب والموالاة وأمثالهما، فإنّه إذا شككنا في الصحة من أجل مراعاة الترتيب والموالاة تجري قاعدة الفراغ دون التجاوز؛ وذلك لأنّ هذا الشرط غير مستقل في الوجود حتى يمكن أن يعتبره الشارع موجوداً.
وعلى كل حال سواء كان هذا صحيحاً أم لا - بناءً على ما ذكرنا من تعميم قاعدة الفراغ لعمل النفس وعمل الغير - يكون بينهما عموم وخصوص وجه، فلا يرد هذا الإشكال.
الإشكال الثاني: أنّ الصحة ليست من الأمور التي يعتبرها الشارع ويحكم على وفقها؛ وذلك من جهة أنّ الصحة أمر انتزاعي من تطبيق المأمور به على المأتي به، فإن كان المأتي به جامعاً للشرائط والأجزاء التي في المأمور به يقال: هذا العمل صحيح، وإلا فاسد.
فالصحة والفساد ينتزعان من أمر تكويني، وهو تطابق وعدم تطابق المأتي به مع المأمور به، وهذا الأمر التكويني ليس من الأمور التي يمكن للشارع الحكم بتماميتها.
وإن أراد الشارع الحكم بالصحة هنا فلا بد له إما من رفع اليد عن الشيء المشكوك، أو من جعل أمارة على أنه كان موجوداً، وأما الحكم بتمامية العمل بجعل الصحة فهذا أمر غير معقول.
والجواب عن ذلك:
أولاً: أنّ المستشكل يلتزم بإمكان الجعل مستقل في الأمور الانتزاعية، كما في مبحث الأحكام الوضعية فإنّه التزم بجعل السببية والشرطية بجعل مستقل، ونحن ذكرنا عدم قابليتها للجعل المستقل، وأن قوله: (جعلت هذا سبباً لذاك) هو من الاعتبار الأدبي، ومرجعه إلى جعل الحكم عند وجوده.
فمن التزم بجعل السببية والشرطية كيف لا يلتزم بجعل الصحة؟! وهذا الذي ذكره في المقام مناف لما ذكره في مبحث الأحكام الوضعية.
وثانياً: ليس لسان الروايات الحكم بالصحة وليس لسانها (أنك ابن على الصحة)، بل لسانها إلغاء الشكّ كما في صحيحة محمد بن مسلم.
والنتيجة: أن الشارع قد تصرف في متعلقات الأحكام في مرحلة الفراغ، وفي موضوعات الأحكام نحو تصرف، كما سنوضحه.
أما في متعلقات الأحكام فقد ذكرنا في مبحث الإجزاء وغيره من أن الأحكام التكليفية الوجوبية بالارتكاز محدودة بإتيان العمل في الخارج، فإنّه حينما يقال لشخص : ذمتك مشغولة بالعمل الفلاني، أي أنه ما لم تأت به فذمتك تكون مشغولة، فبالارتكاز تكون الأحكام التكليفية الوجوبية مغياة بهذه الغاية، والعقل يحكم بأنه ما لم تحصل الغاية إما بالوجدان أو بالتعبد الشرعي تكون الذمة مشغولة، والشارع المقدس في هذه المرحلة المحددة لحكمه يمكنه القول بأن هذا العمل تحقق تاماً.
فإذا حكم بتماميته يكون معناه أنّ حكمه منته، غاية الأمر أن هذا مجعول بحد الحكم الظاهري، أي ما لم يقطع بالخلاف.
وأما في باب موضوعات الأحكام، فالحكم بالصحة في العقود والإيقاعات بعد مضي العمل مرجعه إلى جعل الأحكام المترتبة على ذلك بنحو الحكم الظاهري.
هذا كله إذا لم نقل بجواز جعل الصحة الظاهرية، كما ذهب بعض إلى ذلك، فإنّه إن قلنا به فلا نحتاج إلى ما ذكر.
فما ذكره من الإشكالين العقليين غير وارد، وليس لنا إشكال عقلي في المقام والعمدة هو الاستظهار من الروايات وبناءً على التقريب المذكور بما أنه ليس في صحيحة محمد بن مسلم قرينة على خلاف الظاهر، فلا بد من حملها على قاعدة ناعدة الفراغ.
والذي يؤيد أن قاعدة الفراغ لها أصالة هو الروايات التي ذكر فيها عنوان الفراغ إما في كلام الإمام أو الراوي.
منها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) «كل ما شككت فيه بعد ما تفرغ من صلاتك فامض ولا تعد»، فإنّه لو لم يكن للفراغ من الصلاة خصوصية كان ذكره لغواً.
وقد ذكرنا مراراً أنه فرق بين التعليم والفتيا، فإن في الفتيا كثيراً من الخصوصيات التي في كلام السائل غير دخيلة في الحكم غالباً، ولكن الخصوصيات في كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مقتضى القاعدة أنها دخيلة، وما أخذ في القضية اللفظية مأخوذ في القضية اللبية.
وبما أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه الرواية في مقام بيان الكبرى الكلية فهو بصدد التعليم، والأصل في التعليم التطابق بين الإرادة الاستعمالية والإرادة الجدية.
ومنها رواية محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال: «إن شكّ الرجل بعد ما صلى فلم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً وكان يقينه حين انصرف أنه كان قد أتم لم يعد الصلاة، وكان حين انصرف أقرب إلى الحق منه بعد ذلك» (1).
وهذه الرواية - كما هو الظاهر - لا ترتبط بقاعدة التجاوز، بل إمّا مرتبطة بقاعدة الفراغ البنائي أو قاعدة الفراغ الحقيقي.
وملخص القول أن في قبال قاعدة التجاوز قاعدة أُخرى.
وأما النظرية الرابعة وهي أنّ المستفاد من الروايات قاعدة واحدة تعم كلا من القاعدتين التجاوز والفراغ.
ويمكن تصوير استفادة ذلك بوجوه، إلا أنه نتعرّض للتصوير الذي ذكره المحقق الأصفهاني، وهو:
1) من لا يحضره الفقيه 1 : 352.
أن المستفاد من الروايات قاعدة واحدة وهي: أن كل شيء قد تجاوز عنه إما حقيقة أو مع العناية، فالشك فيه ملغى، والمعيار هو التجاوز عن العمل، غاية الأمر أنّ التجاوز قد يكون بسبب إتيان العمل، وهذا تجاوز حقيقة، وقد يكون بتجاوز المحل المقرر له، وهو تجاوز عن العمل بالعناية وتنزيلاً.
ولهذا المدعى تقريبان :
التقريب الأول: أنه ورد في رواية زرارة «إذا خرجت من شيء، ثم دخلت في غیره فشكك ليس بشيء» فلو كنا نحن وهذه الجملة ولم يكن لها صدر لكنا حملناها على قاعدة الفراغ؛ إذ الظاهر من الخروج عن الشيء هو إتيان العمل حتى يمكن أن يقال: أنه خرج عن صلاته مثلاً، إلا أنّ هذه الكبرى مسبوقة بصغريات، وطبقت هذه الكبرى على تلك الصغريات (رجل شكّ في الأذان وهو في الإقامة) إلى آخره، وقد تقدم بطلان احتمال أن يكون مراد زرارة الشكّ في صحة الأذان والإقامة والقراءة، وذكرنا أن هذا الاحتمال في غاية البعد؛ لأنّ القدر المتيقن من الشكّ المضاف إلى الشيء هو الشك في الوجود، إن لم تكن في البين قرينة، ومن المفروض أنه ليس في كلام السائل قرينة على أن المراد من الشكّ هو الشكّ في الصحة.
كما لا يمكن الالتزام بأن التطبيق تعبدي، أي أن كبرى الفراغ قد طبقت في هذه الموارد - أي موارد الشكّ في الصحة - تعبداً، وهذا ما ذكرناه في مقام رد المحقق النائيني في ذيل النظرية الثانية.
فإذا لم يمكن الالتزام بهذين الاحتمالين فالأمر يدور بين أمرين:
الأمر الأول: أن نلتزم بما ذكر في النظرية الثالثة وهو أن المراد من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إذا خرجت من شيء» الخروج عن محل الشيء، يعني الإسناد يكون إسناداً مجازياً.
الأمر الثاني: أن يكون الخروج عن الشيء أعم من الخروج عن الشيء حقيقة ومع العناية.
والأمر الثاني أقرب إلى الفهم العرفي؛ وذلك لأنه إذا سأل أحد عن وجوب إكرام خادم العالم، وعن وجوب إكرام مرافق العالم وكاتب العالم، فأجيب في الجواب بكلمة : نعم، ثمَّ قال المولى من أجل قطع أسألة السائل : (أكرم العلماء)، فإنّ المستفاد من هذا المورد هو أن العالم ومن يكون في خدمته ومن ش-ؤونه يجب إكرامه، لا خصوص المرافق والكاتب والخادم وأشباه ذلك الذي يكون إسناد العالم إليه من قبيل إسناد الشيء إلى غير الموضوع له، بل - كما قلنا - المستفاد من ذلك والأقرب إلى الفهم العرفي هو المعنى الجامع.
وهذا الذي ذكرناه جارٍ في صحيحة إسماعيل بن جابر: «كل شيء شكّ فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره» فإنّ الظاهر من (جاوزه) التجاوز عن الشيء، إلا أنه بما أنّ الجمل السابقة على هذه الجملة كان السؤال فيها عن التجاوز عن المحل، فالمستفاد من الكبرى وهي قوله : (كل شيء) إلى آخره يكون هو الجامع بين ما كان التجاوز عن الشيء والتجاوز عن محله.
وهذا الذي ذكرناه من التقريب - مع قطع النظر عن الخصوصيات - مما يستفاد من كلمات المحقق الأصفهاني.
التقريب الثاني: أن يقال: إنّ التجوز موجود في كلمة (خرج) و (جاوز)، غايته أن الأمر يدور بين المعنى المجازي العام والمجازي الخاص.
وقبل توضيح ذلك نذكر الفرق بين التقريبين ونقول:
يبدو في الذهن أنّ على التقريب الأول إذا خرج عن الشيء وفرغ منه يكون ذلك خروجاً حقيقياً، والإسناد أيضاً إسناد حقيقي، وأما إذا كان الخروج بمعنى الخروج عن المحل، فهناك يكون التجوز، ونلتزم بالمجازية في الإسناد.
وأما على التقريب الثاني فإطلاق الخروج حتى فيما إذا استعمل بالنسبة إلى الفراغ من العمل يكون إطلاقاً وإسناداً مجازياً؛ وذلك لأنّ الخروج لا يصدق إلا فيما إذا كان للشيء احتواء بالنسبة إلى الإنسان كالاحتواء المكاني فيصح أن يقال: خرج من البيت
أو البلد، أو الاحتواء الزماني بناءً على أنّ الزمان كالمكان، ففي هذه الموارد إطلاق الخروج يكون إطلاقاً حقيقياً، وإسناداً حقيقياً، وأما العمل الصادر من الإنسان فليس محتوياً للإنسان، ولذا إطلاق الخروج أو الدخول يكون إطلاقاً مجازياً.
وعلى هذا فيدور الأمر بين أن يكون المراد من (خرج) الخروج عن الشيء، وهذا قد ذكرنا أنه لا يمكن ذلك من أجل عدم التطبيق مع الصغريات، وبين أن يكون المراد منه الخروج عن المحل والخروج عن الشيء، وأمّا خصوص الخروج عن المحل فلا وجه للالتزام به.
وهذا التشكيك بين المجازين ودوران الأمر بينهما يجري في صحيحة إسماعيل بن جابر، فإنّ كلمة (جاوزه) مثل كلمة (خرج) ولا يصدق التجاوز إلا مع الاحتواء.
ويمكن هذا التشكيك في صحيحة محمد بن مسلم : كل ما شككت فيه مما قد مضى؛ إذ (مضى) في اللغة بمعنى (ذهب).
وملخص الكلام: أنه في جميع هذه الموارد الأمر يدور بين الالتزام بأحد المجازين، المجاز الخاص والمجاز العام، وبما أن المجاز العام أقرب إلى الذهن فلا بد وأن يلتزم به، وذلك لأنّ في الالتزام به تحفظ على ظهور الكبرى، وانسجام في تطبيقها على الصغريات.
هذا تمام الكلام في التقريبين لهذا المسلك.
وقد أشكل عليهما بإشكالات نذكر اثنين منها:
الإشكال الأول: أنه يلزم من التقريب الأول استعمال اللفظ في المعنى الحقي والمجازي، وهذا غير مقبول.
ويمكن الجواب عن هذا الإشكال بأنّ الإسناد ليس له لفظ دال عليه، بل الإسناد إنّما يستفاد من هيئة الكلام، فبما أنّ الإسناد ليس من قبيل استعمال اللفظ، بل
مدلول الهيئة أصل الإسناد، إلا أنّ الإسناد ينحل بتعدد أفراد المسند إليه، فلا مانع من أن يكون الإسناد بالنسبة إلى البعض حقيقياً وبالنسبة إلى الآخر مجازياً.
الإشكال الثاني: أنه ورد في جميع الروايات التعبير بـ (شك فيه)، ومن المعلوم أنه لا بد للشك من متعلق، فمتعلقه إما مفرد، كما هو المتوهم في قوله (أشك في زيد؟) أو (أشك في صحته)، أو يكون الشكّ مضافاً إلى القضية ومتعلقاً بها كاليقين، فإن أضفناه إلى المفرد، ففي مورد قاعدة التجاوز المشكوك فيه هو الوجود، وفي مورد قاعدة الفراغ المشكوك فيه هو الصحة، وليس للوجود والصحة جامع حتى يقال مستعمل فيه.
وإن أضفناه إلى القضية فالأمر كذلك أيضاً؛ إذ قولنا: (أشك في أنّ الإقامة كانت موجودة أم لا) يكون من قبيل الهلية البسيطة، وقولنا: (أشك في صحة الإقامة) يكون من قبيل الهلية المركبة وكان الناقصة، وليس بينهما جامع.
وهذا الإشكال متوجه إلى كلا التقريبين.
ويمكن الجواب عنه:
أولاً: بأنا لا نحتاج في صحة الاستعمال إلى هذا الجامع، وذلك من أجل حذف المتعلق وقوله: (فشكك ليس بشيء) يعني كل شكّ يكون منشأ للأثر ليس بشيء، ومن المعلوم أنّ الشكّ في الوجود والشك في الصحة كلاهما منشأ للأثر.
وثانياً: أن ما قيل في تقريب الإشكال من أنّ الشكّ متعلق كاليقين بالقضايا، ولا يضاف إلى الفرد، فإنّه وإن كان يتوهم ذلك حينما يقال: (أشك في زيد) إلّا أنّ الشكّ في الحقيقة متعلق بأنّ زيد موجود أو لا، أو أنّ زيد عالم أو لا، أو عادل أو لا، هذا وإن كان هو الحق والصحيح، لكن تقسيم القضية إلى الشكّ في الوجود والشك في الصحة، أي مفاد كان التامة ومفاد كان الناقصة مبتن على نوع من التصور والتفكير اللغوي الذي لعله مستورد في اللغة العربية، فإنّه عند غير العرب كانت القضية عندهم على قسمين:
أحدهما: ثبوت شيء.
وثانيهما: ثبوت شيء لشيء.
وأما في أصل اللغة العربية فلم تكن القضية منقسمة إلى قسمين، بل مفاد الهيئة هو الهوهوية في زيد) موجود)، وفي (زيد أبيض)، وليس في لغة العرب ما يشبه (أست، أو استين).
فبناء على التصور العربي هناك هو هوية بين المحمول والموضوع سواء كان المحمول هو الوجود أم ماهية من الماهيات.
وعليه فإذا قيل: (أشك في هذا الشيء) يعني: أشك في بعض شؤونه المتحدة معه، سواء كان وجوده أم صحته.
فهذا الإشكال إنّما يرد بناءً على كون التفكر والتصور في اللغة العربية كالفارسية واليونانية، والحال أنّ في العربية كما قلنا هو هوية بين المحمول والموضوع.
والنتيجة: أنّ الأوفق إلى الفهم العرفي من هذه النظريات الأربع هو النظرية الرابعة.
إن قاعدة التجاوز هل هي مقتضى أصل لفظي حتى إذا لم نقل بجريانها في باب من الأبواب كالوضوء مثلاً كان ذلك من باب التخصيص، أو ليس لها دليل لفظي يدل عليها باطلاقه أو عمومه، بل أنها خاصة بباب الصلاة؟
وقد اختلف الأعلام في ذلك.
فإن قلنا: إنها من القوانين العقلائية التي قد أمضاها الشارع فلا يكون مختصاً بباب دون باب، إلّا أنّ هذا غير ثابت.
وإن قلنا: إنّها مستفادة من الروايات، فتختلف وضوحاً وخفاء على النظريات الأربعة المتقدمة.
فبناء على النظرية الثانية - وهي نظرية المحقق النائيني من أن الأدلة إنّما تدل على قاعدة الفراغ فقط وإنما طبقت في أجزاء الصلاة تعبداً - تكون قاعدة التجاوز مختصة بباب الصلاة.
وأما بناءً على النظرية الأولى - وهي أنّ المستفاد من الروايات هو قاعدة التجاوز فلا ريب بالالتزام بشمولها لجميع الأبواب؛ لأنّ مفاد قاعدة الفراغ - وهو الحكم بصحة العمل - لا يختص بباب دون باب والمفروض على هذا المسلك أن قاعدة التجاوز تغني عن قاعدة الفراغ.
وكذلك إذا قلنا بالنظرية الرابعة، وهي أنّ المستفاد من الروايات الجهة الجامعة بين قاعدة التجاوز وقاعدة الفراغ؛ فإنّه إذا لم تكن قاعدة الفراغ مختصة بباب دون باب لم تكن قاعدة التجاوز - أيضاً - مختصة بباب دون باب.
إنما الكلام بناءً على النظرية الثالثة، وهي أنّ المستفاد من الروايات قاعدتان، قاعدة التجاوز وقاعدة الفراغ، فعدة من الروايات تدل على قاعدة الفراغ وهي تعم جميع الأبواب، منها معتبرة محمد بن مسلم، وطائفة أُخرى تدل على قاعدة التجاوز، منها صحيحة زرارة ومعتبرة إسماعيل بن جابر.
وقد ذهب إلى هذه النظرية جمع كثير، إلا أنهم اختلفوا في أن قاعدة التجاوز هل تختص بالصلاة أو أنها تعم جميع الأبواب؟
فذهب جماعة من المحققين كالمحقق الهمداني في كتاب الطهارة، والمحقق الخراساني في حاشيته على الرسائل، والسيد الأصفهاني على ما في تقريرات بحثه إلى اختصاصها بباب الصلاة، وناقشوا في الإطلاق أو العموم.
وذهب جمع منهم المحقق العراقي والسيد الخوئي (دام ظله) إلى عدم اختصاصها بباب الصلاة.
والكلام في أنه بناءً على هذه النظرية كيف يمكن لنا إنكار الإطلاق في صحيحة زرارة ومعتبرة إسماعيل بن جابر، فإنّ في ذيل الصحيحة «يا زرارة إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشيء».
وفي معتبرة إسماعيل كل شيءشك فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه».
والتقريب الذي ذكر أو يمكن أن يذكر لإنكار الإطلاق وجهان:
الوجه الأول: المناقشة الأصولية، وهي ما أشار إليه المحقق الخراساني في حاشيته على الرسائل.
ومن الواضح أن صحيحة زرارة تختلف عن معتبرة إسماعيل من جهة عدم اشتمال الصحيحة على أداة العموم واشتمال المعتبرة عليها.
وعليه، فاستفادة العموم من الصحيحة متوقف على إجراء مقدمات الحكمة، كما في جميع موارد الإطلاق.
وقد ذكر المحقق الخراساني في أُصوله أنّ من مقدمات الحكمة عدم وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب، وإنّما لا يضر وجود القدر المتيقن بالإطلاق في ما إذا كان في غير مقام التخاطب، ولذا نتمسك بإطلاق (وأحَلَّ اللّه البَيْعَ) (1)وبما أن أسئلة زرارة كلها كانت مرتبطة بأجزاء الصلاة، فقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إذا خرجت من شيء» إلى آخره يكون المراد من الشيء هو الشيء من أجزاء الصلاة، وتعميمها إلى سائر الأبواب خارج عن القدر المتيقن.
وأما معتبرة إسماعيل بن جابر فالمناقشة في شمولها متوقفة على مقدمتين:
الأولى: المقدمة المذكورة.
1) سورة البقرة الآية: 275.
الثانية: أن أداة العموم غير كافية للدلالة على أنّ مدخولها بجميع أفراده محكوم بهذا الحكم.
وبعبارة أخرى: أداة العموم غير متعرضة للا بشرطية مدخولها، بل تقتضي أنّ مدخولها بتمامه مشمول للحكم. أما أن مدخولها لا بشرط من سائر القيود أو لا، فهذا أمر لا بد أن يثبت من جهة الإطلاق، وقد عرفت أن وجود القدر المتيقن مضر بالإطلاق.
ونحن لا نوافق على ما ذكره المحقق الخراساني من أن وجود القدر المتيقن مضر بالإطلاق مطلقاً، ومن أنّ أدوات العموم لا تدلّ على اللا بشرطية، وقد تقدم ذلك مفصلاً ومجمله : أنّ الإطلاق قد يكون في مقام الإفتاء، وقد يكون في مقام التعليم، فإن كان في مقام الإفتاء، فهنا وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب يكون مضراً بالإطلاق، كما إذا قال الطبيب للمريض: (لا بد لك من أن تشرب كذا مقدار من الماء)، وكان المتعارف بين أهل تلك المنطقة استعمال ماء النهر، وفرضنا أنّ الذي يترتب عليه الأثر هو ماء النهر، لا ماء البئر وأمثاله، فهنا عدم التقييد لا يضر ولا يترتب عليه محذور؛ إذ ليس الطبيب في مقام بيان ما هو تمام الموضوع، وذلك لأن الكلام في مقام الإفتاء يلقى بحيث يمكن للمستفتي الاستفادة منه.
وأما إذا قال الطبيب لتلامذته من كان مريضاً بالمرض الكذائي فليشرب كذا مقداراً من الماء، فإذا كان الأثر مترتباً على ماء مخصوص فلا بد وأن يقيده، وأما إذا لم يقيده وأطلقه، فيمكن الأخذ بإطلاق كلامه، ولذا قلنا: إنّ الإطلاقات في مقام التعليم تشمل الأفراد النادرة.
فإذا عرفت ذلك فلا بد من ملاحظة ما قاله الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأنه هل كان في مقام الإفتاء على أسئلة زرارة، أو أنه في مقام التعليم.
والظاهر أن أسئلة زرارة وإن كانت في مقام الاستفتاء، إلا أنه من الذين كان يتفقه على يدي الباقر والصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، ومن الفقهاء الستة الأول، ولا بد من إلقاء
الكبريات للفقيه، ولذا عدل الإمام عن الفتيا إلى التعليم، وعلى هذا فلا بدّ من الأخذ بالإطلاق.
وأما ما ذكر من أن أداة العموم غير متكلفة للا بشرطية مدخولها - وهذا ما ذكره المحقق النائيني - فغير صحيح أيضاً، بل الحق أنها مغنية عن الإطلاق، لا بالمعنى الذي ذكر في أجود التقريرات - من أنّ أداة العموم من الأول تدل على لا بشرطية مدخولها - بل أداة العموم متكفلة لبيان أنّ هذه الطبيعة بجميع تكثراتها الفردية مشمولة لهذا الحكم بالدلالة الالتزامية، فإنّه لو كان جميع علماء هذا البلد عدولاً وقال المولى: (أكرم كل عالم) فإذا احتمل أن مقصوده العلماء العدول، فهنا (الكل) تعارضه، وبالدلالة الالتزامية تدل على اللا بشرطية.
وعلى هذا فلا نحتاج لإثبات اللابشرطية إلى مقدمات الحكمة ووجود الإطلاق.
وهذا التقريب كما ظهر تقريب للإشكال على مستوى الأصول.
وهنا تقريب آخر لعدم شمولهما لجميع الأبواب عن المحقق الهمداني والسيد الأصفهاني.
فقد ذكر المحقق الهمداني في كتاب الطهارة (1): (وكيف كان، فالظاهر أن هذه القاعدة مخصوصة بالصلاة لا أنها كقاعدة الصحة سارية جارية في جميع أبواب الفقه لقصور الروايتين عن إثبات عمومها حيث إن سوق هذه القاعدة بعد ذكر الشكوك المتعلقة بجملة من أجزاء الصلاة خصوصاً في جواب سؤال السائل حيث سأل عن حكم الأجزاء واحداً بعد واحد يوهن ظهورها في العموم بل يصلح أن يكون قرينة لإرادة أجزاء الصلاة من إطلاق الشيء بل لعل هذا هو المتبادر من إطلاقه في مثل المقام فكيف يمكن إثبات مثل هذا الأصل بمثل هذا الظاهر).
1) مصباح الفقيه 3: 181-182.
والجواب عن ذلك: أنّ الأسئلة المتكررة لا توجب وهن الإطلاق عن إطلاقه، بل إذا قلنا إنه إذا كان ذلك عدولاً عن الفتيا إلى التعليم يكون ذلك من مؤيدات التعميم.
وما ذكر من قوله: (بل لعل هذا هو المتبادر) إلى آخره، فإنّه لم يوضح ذلك، ويمكن توضيحه بأن الجائي من المرتع إذا قال: ليس فيه شيء، معناه أن الصيد والطيور وأمثال ذلك مما يصطاد ليس هناك إذا سئل عن الصيد والطيور وأمثال ذلك.
فإن كان هذا مراده من (مثل المقام)، فهذا المثال مشترك مع ما نحن فيه من جهة و مختلف من جهة، فإنّ في المثال الذي ذكرنا يسأل السائل عن أمور تهمه، فيقال في جوابه: ليس هناك شيء، أي: ليس هناك ما تطلبه أنت.
وأما في المقام، فبما أن السائل بصدد تعلم القوانين الإسلامية والفروع، فقول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «إذا خرجت من شيء» الى آخره، لا يعني ذلك أنه يجري في كل عمل، بل في العمل القانوني الذي يكون كالأمثلة المذكورة متعلقاً للحكم أو موضوعاً له أو جزءاً منهما بأن يكون للقانون ارتباط معه، وهذا العمل يكون سابقاً، وإذا كان قد أخل به فإن له تداركاً إما وجوباً أو استحباباً.
فالكبرى بحسب التناسب يكون المراد منها هو هذا، أي: أيها الطالب لمعرفة أنّ الأشياء المتماثلة لهذه الأشياء المذكورة في كونها طرفاً لحكم لو كان قد أخل بها في زمان سابق فقد أوجب حكماً فعلياً كلزوم القضاء والإعادة والاستئناف أو استحبابه، فلا يقاس المثال بالمقام.
وللمحقق السيد الإصفهاني كلام شبيه بكلامه حيث قال على ما في الروائع الفقهية (1): (وفيه: أن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذيل الرواية «كل شيء شكّ فيه» وإن كان عاماً، ولكن العموم إنّما هو بالنسبة إلى ما أريد من مدخول لفظة (كل) وهو شيء، ولم يعلم
1) الروائع الفقهية 2: 281.
أنه أريد من الشيء كل عمل في العالم، بل الظاهر كون المراد منه خصوص ما كان من سنخ الموارد المذكورة في سابقه من أجزاء الصلاة، فلا يستفاد منه عموم يمكن التعدي عن باب الصلاة).
والجواب عنه:
إنا لا نقول بأنّ كلّ عمل في العالم إذا شككت فيه فشكك ليس بشيء، بل نقول: إنّ كل عمل قانوني ولو جزءاً إذا شككت فيه مما قد مضى، فشكك ليس بشيء، ولا بد وأن يكون لذلك الشيء من إتيانه أو عدم إتيانه أثر مترتب عليه.
فظهر أن المستفاد من الروايتين هو العموم، ولا يمكن الاعتماد على ما نوقش من التقريبين.
وإنما ذكرنا هذه الجهة من أجل الجهة الخامسة التي قالوا فيها بأن الوضوء لا تجري فيه قاعدة التجاوز، وألحق بعض به الغسل والتيمم، فلا بد وأن نرى أولاً هل لنا إطلاقات أو عمومات حتى يمكن القول بالتخصيص في الوضوء والغسل والتيمم أو لا؟
فظهر أنّ على النظرية الثالثة - أيضاً - لنا إطلاقات تدل على قاعدة التجاوز بحيث تشمل غير باب الصلاة.
وهي أنه بناءً على وجود الإطلاق لقاعدة التجاوز بحيث تشمل غير باب الصلاة هل توجد موارد خرجت عنها بالتعبد أو لا؟
والموارد التي وقعت مورداً لكلمات الأعلام متعددة:
المورد الأول: الوضوء
ويمكن ادعاء الاتفاق على أن قاعدة الفراغ تجري فيه دون قاعدة التجاوز، بمعنى: أنه إذا شكّ في أثناء الوضوء أنه أتى بالجزء الفلاني أو لا وإن كان داخلاً في
غيره فلا بد من الاعتناء، ولم ينقل القول بالخلاف، إلّا في مفتاح الكرامة، فإنّه نقل عن مقنع الصدوق عبارة واستظهر منها أن الصدوق قائل بجريان قاعدة التجاوز فيه، إلّا أن الكلام في الاستظهار، فإنّ استظهار ذلك من عبارة الصدوق مشكل.
والقائلون بعدم جريان قاعدة التجاوز في الوضوء حتى من يقول بإطلاق أدلة قاعدة التجاوز - عمدة دليلهم على ذلك صحيحة زرارة، بل الدليل منحصر بها، وليس الأمر كما هو مذكور في بعض التقارير من أنه تدلّ عليه عدة روايات، بل الدليل كله هو الصحيحة، وهذه الصحيحة مذكورة في الكافي والتهذيب، وفي التهذيب منقولة عن الكافي ومصدر آخر، والرواية صحيحة سنداً بلا إشكال، إنما الكلام في مفادها، وهي عن زرارة عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إذا كنت قاعداً على وضوء ولم تدر أغسلت ذراعك أم لا فأعد عليها، وعلى جميع ما شككت فيه أنك لم تغسله أو تمسحه مما سمى اللّه ما دمت في حال الوضوء، فإذا قمت من الوضوء وفرغت فقد صرت في حال أُخرى في صلاة أو غير صلاة فشككت في بعض ما سمى اللّه مما أوجب اللّه تعالى عليك فيه وضوءاً فلا شيء عليك، وإن شككت في مسح رأسك، وأصبت في لحيتك بلة فامسح بها عليه وعلى ظهر قدميك وإن لم تصب بلة فلا تنقض الوضوء بالشكّ وامض في صلاتك» الحديث (1).
والبحث في هذه الصحيحة من جهتين؛ وذلك لأنها مشتملة على عقد إيجابي وعقد سلبي.
أما العقد الإيجابي فهو أنّ الإنسان مادام في حال الوضوء إذا شكّ فيما سمى اللّه فلا بد من الإعادة، والعقد السلبي هو أنه إذا كان المشكوك فيه غير ما سمى اللّه في كتابه مما ثبت بالسنة النبوية فلا شيء عليه.
ويدل على كلا العقدين صدر الصحيحة، أحدهما بالمنطوق والآخر بالمفهوم.
1) الكافي 3: 33-34، تهذيب الأحكام 1: 100.
والظاهر أنّ المراد بما سمى اللّه هو الغسلتان والمسحتان.
والرواية صريحة في العقد الإيجابي، وأنّ الدخول في الغير غير مفيد لعدم الاعتناء بالشك إذا كان الشكّ فيما قد سمى اللّه، ومناف لما يدل على قاعدة التجاوز وجريانها في الوضوء بواسطة الإطلاق.
ويمكن الاشكال بأنّ الرواية ظاهرة في وجوب الإعادة لما شكّ فيه من دون إعادة ما دخل فيه، أي: أنه إذا شكّ في غسل اليد اليمنى وهو يريد المسح فلا بد له أن يرجع ويأتي بغسل اليد اليمنى فقط.
وهذه الرواية مؤيدة لما ورد من روايات النسيان فقد ورد عدة من الروايات في موارد النسيان وتدل على ذلك صراحة أو بالإطلاق، فيمكن أن يقال إن مجموع هذه الروايات وهذه الصحيحة بما أنّها معارضة مع الروايات الدالة على عدم سقوط الترتيب، فتكون موهونة بسبب معارضتها مع تلك الروايات.
من هذه الروايات الواردة في مورد النسيان صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن رجل توضأ ونسي غسل يساره فقال: «يغسل يساره وحدها ولا يعيد وضوء شيء غيرها» (1).
ومنها صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إن ذكرت وأنت في صلاتك أنك قد تركت شيئاً من وضوئك المفروض عليك، فانصرف فأتم الذي نسيته من وضوئك، وأعد صلاتك، ويكفيك من مسح رأسك أن تأخذ من لحيتك بللها إذا نسيت أن تمسح رأسك، فتمسح به مقدم رأسك» (2).
وصحيحة زرارة كصحيحة الحلبي تدل بإطلاقها المقامي على كفاية إتيان المشكوك فيه.
وبما أنّ هذه الصحيحة على وفق الروايات الواردة في موارد النسيان والمفروض أنها معارضة بما هو أتقن منها فتكون موهونة.
إلا أن المحقق الهمداني ذكر أنه ليس للصحيحة إطلاق مقامي لعدم الإتيان بما بعد المشكوك فيه، وذلك لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذيل الصحيحة: «فإن شككت في مسح رأسك وأصبت في لحيتك بلة فامسح بها عليه وعلى ظهر قدميك».
فإنّه ذكر في كتاب الطهارة (1)والظاهر أن قوله: «فإن شككت في مسح رأسك» الى آخره بيان لما أجمله في صدر الرواية. ويحتمل أن يكون المراد منه الأمر بالمسح بعد أن صار في حال أخرى).
وبما ذكره المحقق الهمداني يدفع الإشكال.
إلّا أنّ هذا الاستظهار مخدوش؛ وذلك من جهة أنّ هذا الاستظهار إنما يمكن بناءً على نسخة التهذيب حيث ورد فيه: «فإن شككت في مسح رأسك».
وأما بناءً على ما في جميع نسخ الكافي فلا يمكن مثل هذا الاستظهار؛ إذ في الكافي بجميع نسخه مذكور مع الواو «وإن شككت»، مضافاً إلى أن هذه الجملة لا يعقل أن تحمل على الوجوب حتى يقال بأنه بيان للصدر، فإنّه لا بد وأن تحمل هذه الجملة على الاستحباب، وإلا لم يكن معنى للتفريق بين وجود البلة وعدمه، وإن كان محمولاً على الوجوب فمع عدم وجود البلة لا بد من الحكم بإعادة الوضوء، لا الاكتفاء به.
وعليه لا يمكن دفع الإطلاق المقامي بسبب الذيل، بل الذيل يشدد ويؤكد الإطلاق المقامي.
نظير ما إذا قال: (إذا جاءك زيد صباحاً فيجب عليك إكرامه وإذا جاءك عصراً فيستحب لك إكرامه وإكرام أخيه)، فمن هذه المقابلة بين الحكم الوجوبي والحكم الاستحبابي، والاكتفاء في الأول بوجوب إكرامه، ولم يذكر حكم أخيه، وذكر في
1) مصباح الفقيه 3 : 177.
الحكم الاستحبابي استحباب إكرام أخيه، نستفيد شدة الإطلاق المقامي، لا أن توجب وهنه وسقوطه.
ومع غض النظر عن هذا الإشكال، هل عدم جريان قاعدة التجاوز في الوضوء من باب التخصيص أو من باب التخصص؟ إذ لقائل أن يقول: إنّ ذلك من باب التخصيص، وذلك لأن قاعدة التجاوز - كما سيأتي - مبتنية على الدخول في الغير المترتب عليه، والمفروض أنّ الصحيحة تدل على سقوط الترتيب، كالروايات الواردة في موارد النسيان، وعليه فهو لم يدخل في الجزء المترتب بعده.
إلا أن هذا مدفوع؛ وذلك لما سياتي من أنّ المراد من الغير مطلق ما لا ينبغي الدخول فيه مع الإخلال بسابقه في حال الذكر.
وأما العقد السلبي وهو عدم الاعتناء بالشك فيما إذا كان الشكّ في غير ما سمى اللّه من أجل ذكر ما سمى اللّه في هذه الصحيحة مرتين، وهذا شاهد على أن للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عناية بذلك، وهنا يأتي السؤال عن أنه ما الفرق بين ما سمى اللّه وغير ما سمى اللّه ؟ وأنه هل الرواية بصدد الفرق بين ما سمى اللّه وغيره، أو أنه إذا قال بعدم الاعتناء بالشك في غير ما سمى اللّه فهو غير مبتن على قاعدة التجاوز ؟
يمكن أن يقال بأن عدم الاعتناء بالشك فيما إذا كان من غير ما سمى اللّه مرتبط بأحد وجهين:
أحدهما: قانون (لا تنقض السنة الفريضة، فإنّا استفدنا من حديث لا تعاد أنّ مطلق الأعمال المركبة من الفرائض والسنن يكون الإخلال بالسنة فيها عن عذر کنسیان وغيره، غير موجب للإخلال بالفريضة.
وعلى هذا لو أخل بما سنه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عن عذر لم يكن هذا الإخلال موجباً للبطلان، فكيف إذا شكّ في أنه أتى على الترتيب أم لا؟!
وعليه فيمكن أن يكون عدم الاعتناء بالشك في السنة من هذه الجهة - أي من جهة قانون (لا تنقض السنة الفريضة) - لا من جهة جريان قاعدة التجاوز.
والصحيحة مشيرة إلى أنّ الوضوء مركب من الفرائض والسنن.
وهنا روايات أُخر تشير إلى ذلك، كصحيحة الحلبي المتقدمة وكموثقة سماعة: «من نسي مسح رأسه أو قدميه أو شيئاً من الوضوء الذي ذكره اللّه تعالى في القرآن كان عليه إعادة الوضوء والصلاة» (1).
ورواية أحمد بن عمرو، قال: سألت أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل توضأ ونسي أن يمسح رأسه حتى قام في الصلاة قال: «من نسي مسح رأسه أو شيئاً من الوضوء الذي ذكره اللّه تعالى في القرآن أعاد الصلاة» (2).
إن قلت: كيف تقولون بذلك، والحال أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد طبق القاعدة في صحيحة زرارة المفصلة على السنن ؟
قلنا: إنّه يمكن أن يكون ذلك من جهة ما ورد في بعض الروايات وإن لم يكن معمولاً بها من أن جميع الأجزاء المنسية لا بد وأن تقضى أو تجب سجدتا السهو لكل زيادة و نقيصة على بعض الفتاوى، فإذا قال الإمام: «فشكك ليس بشيء» فمعناه أنه لا يترتب عليه الأثر القضائي أو وجوب سجدتي السهو.
إن قلت: نحن لا نقول بوجوب سجدتي السهو لكل زيادة ونقيصة، وكذا لا نقول بلزوم القضاء لكل ما ينسى، ومع ذلك كيف طبق الإمام قاعدة التجاوز على السنن؟
قلنا : يمكن أن تكون الرواية ناظرة إلى احتمال تعمد الترك، فإنّا نقول بجريان القاعدة حتى في صورة احتمال تعمد الترك، ومن المعلوم أن قانون (لا تنقض السنة الفريضة) لا يجري في صورة احتمال تعمد الترك.
نعم الإشكال يكون وارداً على من لا يقول بذلك، أي: بجريان القاعدة في صورة احتمال تعمد الترك.
ثانيهما: أن حقيقة الوضوء هي الغسلتان والمسحتان، وسائر الأمور كالغسل من الأعلى والترتيب هي من شؤونه وشرائطه، فإن كان الشكّ في الأجزاء فيعتنى به بمقتضى هذه الصحيحة، وأما إذا كان الشكّ شكاً في الشرائط - والسنن تكون من هذا القبيل - فيكون مرتبطاً بقاعدة الفراغ، والحق أن قاعدة الفراغ جارية حتى في أجزاء الوضوء وجميع الأعمال.
فقد ظهر مما ذكرنا أن الصحيحة تدل على عدم جريان قاعدة التجاوز في الوضوء بواسطة عقدها الإيجابي، إلّا أنّ فيها وهناً بسبب إطلاقها المقامي الذي يدل على سقوط الترتيب.
وأما عقدها السلبي وهو عدم الاعتناء بالشك إذا كان الشكّ فيما لم يسمه اللّه إمّا من جهة التفكيك بين الفرائض والسنن، وإما من جهة جريان قاعدة الفراغ في الأجزاء، فلا يكون تخصيصاً في قاعدة التجاوز؛ إذ مفاد الصحيحة لا يخلو عن وهن.
وفي قبال هذه الصحيحة موثقة ابن أبي يعفور، وهذه الموثقة منقولة في التهذيب (1)، والسرائر (2)، والرواية على ما في التهذيب :هكذا: أخبرني الشيخ - أي المفيد عن أحمد بن محمد عن أبيه عن سعد بن عبد اللّه عن أحمد بن محمد بن عيسى عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن عبد الكريم بن عمرو عن عبد اللّه بن أبي يعفور، عن أبي عبد
اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إذا شككت في شيء من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكك بشيء إنّما الشكّ إذا كنت في شيء لم تجزه». وهذه الرواية منقولة عن نوادر البزنطي مع زيادة في صدرها.
والكلام في هذه الرواية تارة من جهة السند وأُخرى من جهة الدلالة.
أما من جهة السند فيمكن أن يقال: إنّه ضعيف بكلا طريقيه :
أما طريق الشيخ، فمن جهة أنه يروي عن الشيخ المفيد، وهو يروي عن أحمد بن محمد بن حسن الوليد، وقد ذهب جمع إلى عدم ثبوت وثاقة أحمد بن محمد بن حسن الوليد؛ لأنه لم يعنون في كتب رجال السابقين ولم يوثق، ومجرد كونه من مشايخ الإجازة غير كاف لإثبات وثاقته.
وأما طريق ابن إدريس فمن جهة ما ذكره السيد البروجردي وغيره من أن ابن إدريس ليس له سند إلى الكتب التي ينقل عنها في آخر السرائر.
ويمكن تقريب الإشكال بأزيد من ذلك بأن يقال: إن عدة من الكتب التي نسبها إلى أربابها قد اشتبه فيها، فإنّه نسب الكتاب إلى أبان بن تغلب، والحال أنّ الروايات التي ينقلها عنه لا تتناسب مع أن يكون الكتاب لأبان؛ إذ أبان توفي في زمن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وبعض الروايات منقولة عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع الوسائط، وأمثال ذلك من الاشتباهات توجب عدم الوثوق.
ويمكن دفع الإشكال من ناحية نقل التهذيب، بأن يقال: إنّ من دأب الشيخ كما يظهر من المشيخة أنه يبدأ باسم أرباب الكتب في الجزء الثالث وما بعده، ولا يذكر سنده إلى أرباب الكتب، وذكر السند في المشيخة ويظهر من المشيخة الكتب التي كانت عند الشيخ، فإنّه كان عنده الكافي وكتاب نوادر أحمد بن محمد بن عيسى وكتاب سعد بن عبد اللّه وكتاب الصفار وغيرها من الكتب التي كانت موجودة عنده، ويذكر في المشيخة سنده إلى أرباب الكتب، وقد ذكر فيها أنه من أراد الإطلاع بأزيد من ذلك فليراجع الفهرست.
ونتيجة لذلك لو فرضنا أن سند المشيخة كان ضعيفاً فيمكن المراجعة إلى الفهرست، فلو كان له سند قوي فيه فيمكن الاعتماد عليه، وذكر الشيخ أنه يذكر تمام السند في الجزء الأول والثاني من التهذيب والاستبصار.
وهذه الرواية - أي موثقة ابن أبي يعفور - من الروايات التي ذكر تمام سندها، فهذه الرواية غير مأخوذة من كتاب الشيخ المفيد، وأحمد بن محمد بن حسن الوليد ليس له كتاب، ويظهر من المشيخة أنه لم يكن من مصادر كتبه، فإما أنها مأخوذة من کتاب سعد بن عبد اللّه وإما أنها مأخوذة من كتاب أحمد بن محمد بن عيسى، فلو كان بانياً على النقل من أصل الكتاب في الجزء الأول والثاني لذكرها إما عن سعد بن عبد اللّه وإما عن أحمد بن محمد بن عيسى، وله إلى هذين الكتابين طريق صحيح ولو بلحاظ الفهرست، ونحن نطمئن بما ذكرنا، وهذا أمر يحتاج إلى المزاولة.
وعليه فتوسط أحمد بن محمد بن حسن الوليد لم يكن مضراً بصحة السند، والشيخ في الجزء الأول والثاني من التهذيب وكذا في المشيخة يذكر - حد الإمكان - السند القليل الوسائط، وإن كان ضعيفاً، وذلك لعدم التطويل وإن كان هناك سند أقوى إلى صاحب الكتاب.
وكيفما كان، فإن قلنا بعدم ثبوت وثاقة أحمد بن محمد بن حسن الوليد، فيمكن تصحيح السند بما ذكرنا.
وأما الإشكال على طريق ابن إدريس بهذا النحو المتعارف من أنه ليس له طريق إلى أرباب هذه الكتب ضعيف، وذلك من جهة ما ذكرنا سابقاً من أن ابن إدريس من مشايخ الإجازة وتمام الكتب التي ينقلها الشيخ في الفهرست ينقلها ابن إدريس، ومثله مثل صاحب الوسائل، فكما إذا كان لصاحب الوسائل سند إلى كتاب وكان السند متصلاً إلى الشيخ الطوسي مثلاً، فيقال إنّ السند معتبر، كذلك ابن إدريس، فإن ابن إدريس كما قلنا من مشايخ الإجازة وله طريق إلى أرباب الكتب.
إلا أن طرق صاحب الوسائل وابن إدريس وغيرهما كابن طاووس ليس لها أثر مهم، بل لا بد من الاهتمام بالكتب التي ينقلون عنها، فمن الممكن أن ينقل صاحب الوسائل عن كتاب وكان هذا الكتاب مدسوساً أو كان لغير من ينسب إليه، فلا بدّ وأن يلاحظ الكتاب الذي ينقل عنه.
نعم اشتباه ابن إدريس في عدة من الموارد يوجب وهن ما ينقله.
وأما القول بأنه ليس له طريق إلى أرباب هذه الكتب كما قيل فهو بلا وجه، وعلى كل حال يكفينا طريق الشيخ فهو معتمد ولا وجه للمناقشة في السند.
وأما دلالتها فقد أشكل عليها بوجوه:
الوجه الأول: أن الاستدلال بها لجريان قاعدة التجاوز في الوضوء مبتن على أن الضمير في (غيره) يرجع إلى الشيء، وأما إذا قلنا إن الضمير راجع إلى الوضوء فلا وجه للاستدلال بها، بل تكون مرتبطة بقاعدة الفراغ فمن الممكن أن يقال إنه راجع إلى الوضوء وذلك لأنه أقرب، ولا أقل من الترديد، والترديد والإجمال كاف لأن لا يكون للصحيحة معارض. هكذا قيل.
ويظهر من السيد الحكيم في المستمسك في مبحث الوضوء جواب عن ذلك، وهو أن قانون الأقربية معين المرجع الضمير في غير موارد التابع والمتبوع، وأما في موارد التابع والمتبوع فالضمير يرجع إلى المتبوع وإن كان التابع أقرب، والمقام من هذا القبيل؛ لأنّ المفروض أنّ ما هو مورد للشك هو الشيء، وكلمة (من الوضوء) إنّما أتي بها لتعيينه وتشخيصه، وعليه فلا بد من أن يرجع الضمير إلى المتبوع لا إلى التابع وإن كان التابع أقرب، فلا ترديد، ولا يتعين أن يرجع الضمير إلى الأقرب، بل المتعين عود الضمير إلى الشيء الذي هو المتبوع.
وقد أجاب السيد الخوئي في بحث فقهه - غير المطبوع - عن ذلك بأنه لم يعنون في كتب الأدب ذلك ولم يذكروا أنّ من المرجحات لعود الضمير المتبوعية، فلا يمكن الاعتماد على ما ذكر.
والكلام في أنّ الأكابر وعلماء الأدب هل تعرضوا لذلك أو لا؟
والظاهر أن ذلك مذكور في كلماتهم، فإنّهم ذكروا في المضاف والمضاف إليه ذلك، ولا خصوصية للمضاف والمضاف إليه، فقد ذكر الشهيد الثاني في كتاب تمهيد القواعد الأصولية والعربية (1): (الضمير إذا سبقه مضاف و مضاف إليه و أمكن عوده إلى كل منهما على انفراده، كقولك مررت بغلام زيد فأكرمته، فإنه يعود إلى المضاف دون المضاف إليه، لأن المضاف هو المحدّث عنه، و المضاف إليه وقع ذكره بطريق التبع، و هو تعريف المضاف أو تخصيصه.
و بهذه القاعدة أبطل أبو حيان - وهذا ما ذكره أبو حيان في تفسيره رداً على ابن حزم الأندلسي - استدلال جماعة على نجاسة الخنزير بقوله تعالى: أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ حيث زعموا أن الضمير في قوله تعالى ﴿فَإِنَّهُ) يعود إلى الخنزير، و عللوه بأنه أقرب مذكور.)إذا علمت ذلك فمن فروع القاعدة:ما إذا قال: له عليّ ألف درهم و نصفه، فإنه يلزمه ألف وخمسمائة، لا ألف و نصف درهم. و هكذا القول في الوصايا و البيوع و الوكالات و الإجارات، و غيرها من الأبواب.)وذكر السيوطي في كتابه الإتقان (2في علوم القرآن ما يشبه كلام الشهيد. وقد ذكروا شبيه ذلك في الصفة والموصوف، قال ابن هشام في المغني (3): (وأما نحو: جاءني غلام زيد الظريف، فالصفة للمضاف، ولا تكون للمضاف إليه، إلا بدليل؛ لأن المضاف إليه إنما جيء به لغرض التخصيص ولم يؤت به لذاته).)
فظهر أن الضمير والصفة إنما تعود إلى ما أتي به لذاته، لا ما أتي به لغرض التخصيص والتعريف.الوجه الثاني : أنّ الاستدلال بها متوقف على أن لا تكون (من للتبيين. فمن المحتمل أن تكون (من) للتبيين نظير قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ) (1)فإذا كانت (من) هنا للتبيين تكون الرواية مرتبطة بقاعدة الفراغ ولم تكن معارضة مع صحيحة زرارة.)وهذا الإشكال - مع قطع النظر عن الاختلاف بينهم من أنه هل يكون (من للبيان أو لا - مخدوش أيضاً؛ لأن كون (من) للبيان يحتاج إلى نكتة، ففي مثل قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ) إنّما يقال بأنّ (من) للبيان من جهة أنه بصدد بيان أن الأوثان رجس، فأتى أولاً بالرجس ثم أتى بالأوثان، وأما في مثل: «إذا شككت في شيء من الوضوء» القول بأنّ (من) للبيان لا وجه له، فإنّ الشيء ليس بوضوء، مضافاً إلى أنّ (من) إذا كانت مسبوقةً بشيء فالمستفاد هو التبعيض، كما إذا أوصى بشيء من ماله، أي بجزئه، ولذا ورد تعيين ذلك في الروايات أن من أوصى بشيء من ماله، أنه السدس.)الوجه الثالث: أنه سلمنا أن الضمير يرجع إلى المتبوع، إلا أنه إنما يكون ذلك فيما إذا لم تكن قرينة على الخلاف، والقرينة في المقام ذيل الرواية، ومن الذيل يستفاد أنّ المراد من الصدر - أي من ضمير (غيره - الوضوء، والذيل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «إنّها الشكّ إذا كنت في شيء لم تجزه» أي: أنّ الشكّ إذا كان في أثناء العمل له أثره، وإن كنت متجاوزاً عن العمل فشكك ليس بشيء، فتكون الرواية مرتبطة بقاعدة الفراغ.)ويمكن تأويل هذا الذيل بأن يقال: قوله: «كنت في شيء» مغن عن قوله «لم تجزه»، لأن من هو كائن في شيء فطبعاً لم يجزه، ولفظ «لم تجزه» إنما أتي به مفسراً ومبيناً
1) سورة الحج الآية: 30.
لقوله «إذا كنت في شيء»، أي أنّ المعيار عدم التجاوز عن الشيء، والتجاوز صادق حتى إذا كان تجاوزاً عن المحل، والشاهد على ذلك أنه - كما سيأتي - لا يعتبر في قاعدة الفراغ الدخول في الغير، والحال أنّ الدخول في الغير مع الكون في الشيء لا يتلائم، وحينئذ تكون العبارة هكذا : (إنّما الشكّ إذا كنت في شيء ولم تدخل في غيره وهي ليست سلسة ومحتاجة إلى التأويل.)والقول بأن الاحتمال الأول له إشكال آخر، وهو أن نتيجة الاحتمال هي أنّ الشكّ في الأثناء ولو تجاوز عن المحل غير ملغى، والحال أنّ مع التجاوز عن المحل في غير الوضوء يلغى الشك؛ وذلك لصحيحة زرارة «رجل شكّ في الأذان وهو في الإقامة» إلى آخره، ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: «إذا شككت في شيء ودخلت في غيره فشكك ليس بشيء»، فيقع التعارض بين الصحيحة وهذه الرواية.)ويمكن دفع المعارضة بينهما بأن يقال: إن المعتبرة تقول بأن الشكّ في الأثناء - أي في أثناء العمل - يعتنى به، والصحيحة تقول يعتنى به فيما إذا لم يدخل في الغير، وإن كان الدخول في الغير لم يوجب الفراغ، فيمكن تقييد المطلق بهذه الصورة.المورد الثاني: الغسل والتيممذكر الشيخ في الفرائد أنّ بعض المحققين المتأخرين عن المحقق كالعلامة والشهيدين والمحقق الثاني حكموا بعدم جريان التجاوز في الغسل، وألحق بعضهم التيمم. وأما المحقق ومن تقدمه فيظهر أنهم لم يتعرضوا للمسألة.ومن يقول بجريان قاعدة التجاوز في الغسل والتيمم إنّما يقول به مبتنياً على العمومات والإطلاقات، كقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ في صحيحة زرارة: «يا زرارة إذا خرجت من شيء ودخلت في غيره فشكك ليس بشيء» وأمثال ذلك كصحيحة إسماعيل بن جابر.)وأما من يقول بعدم الجريان فيهما فله طريقان لذلك :
إما إنكار الإطلاقات الدالة على قاعدة التجاوز، ولا يستبعد أن يكون القدماء ملتزمين به، كما أنكر المحقق النائيني ذلك، وذهب إلى أنّ الروايات كلها تدل على قاعدة الفراغ، وفي خصوص صحيحتي زرارة وإسماعيل بن جابر طبقت هذه القاعدة على أجزاء الصلاة تطبيقاً تعبدياً، أي أنه اعتبرت أجزاء الصلاة أعمالاً مستقلة، وقد تقدم الكلام فيه.وأنكر الإطلاق أيضاً المحقق الخراساني والهمداني بتقريب أن لا إطلاق للشي في مثل قوله «كل شيء شككت فيه» الى آخره، بل الظاهر أنه كناية عن أجزاء الصلاة، وقد تقدّم الكلام فيه - أيضاً - مفصلاً في الجهة الرابعة.وإما الالتزام بأن الدليل الدال على عدم جريان القاعدة في الوضوء يدل على عدم الجريان في الغسل والتيمم، وهذا ما يظهر من كلام الشيخ في الفرائد، ولكلامه تقریبان :أحدهما ما نذكره، والثاني ما ذكره السيد الخوئي على ما في مصباح الأصول.أما التقريب الأول فهو متوقف على مقدمات ثلاث:المقدمة الأولى: أن الضمير في (غيره في موثقة ابن أبي يعفور المتقدمة: «إذا شككت في شيء من الوضوء ودخلت في غيره فشكك ليس بشيء إنما الشكّ إذا كنت في شيء لم تجزه» راجع إلى الوضوء، وعليه قرينة خارجية، وهي الإجماع.)ويمكن لنا تقوية ذلك بصحيحة زرارة وأنّ القاعدة لا تجري في أجزاء الوضوء مما سمى اللّه، ونضيف بأنّ كلماتهم (عَلَيهِ السَّلَامُ مشتملة على المتشابه والمحكم - كما ورد عنهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) - فمن رد المتشابه إلى المحكم فقد هدي إلى صراط مستقيم، وإن كان كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) متشابهاً في الموثقة، فيمكن تفسيره بما ورد في الصحيحة التي هي المحكم.)المقدمة الثانية: أنه بناءً على المقدّمة الأولى لو تأمل الإنسان في الموثقة لرأى أنّ خروج الوضوء عن القاعدة ليس خروجاً تخصيصياً، بل خروج على نحو الحكومة،
فإنه لو دل الدليل على جريان قاعدة التجاوز في الأجزاء، وقلنا بأنّ الوضوء ذو أجزاء، ودل الدليل على عدم جريان قاعدة التجاوز فيه كان ذلك من باب التخصيص.وأما إذا قلنا بأنّ الوضوء أمرٌ واحد وأجزاؤه أبعاض لشيء واحد، فيكون خروجه على نحو الحكومة، فعدم جريان القاعدة في الوضوء هو من جهة عدم احتساب أجزاء الوضوء أجزاء، بل احتسبت أبعاضاً لشيء واحد، ويستفاد ذلك من الرواية المباركة وأنّ الوضوء بما أنه شيء واحد فلذا لا تجري فيه القاعدة.ويمكن أن نضيف إلى ما ذكره من أن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «إذا شككت في شيء من الوضوء ودخلت في غيره» أي غير الوضوء، فنفس هذا تطبيق لكبرى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إذا شككت في شيء ودخلت في غيره فشكك ليس بشيء»، فتطبيق هذه القاعدة على الوضوء شاهد على احتساب الوضوء أمراً واحداً.)وذكر الشيخ (قدس سره أن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذيل الرواية «إنّما الشكّ إذا كنت في شيء لم تجزه» ضابط في الوضوء، ومعنى ذلك أنّ الشكّ في أثناء الوضوء معتبر لأنه لم يجزه، وإنّما لا يعتبر فيما إذا كان الشكّ بعد التجاوز، فمن هذا نستكشف أن الشارع اعتبر الوضوء عملاً وحدانياً، فقد قال (1): (جعل القاعدة ضابطة لحكم الشكّ في أجزاء الوضوء قبل الفراغ عنه أو بعده) إلى آخره.)المقدمة الثالثة: أنه ليس اعتبار الوضوء أمراً وحدانياً إلا بلحاظ أنّ الوضوء سبب للطهارة والطهارة أمر واحد بسيط، فهذا الاعتبار اعتبره الشارع أمراً واحداً، وهذا جارٍ في الغسل والتيمم، لأنهما - أيضاً - سبب لشيء واحد وهو الطهارة، فقد قال: (إنّ الوضوء بتمامه في نظر الشارع فعل واحد باعتبار وحدة مسببه، وهي الطهارة (2)، وقال في الذيل : (ومما يشهد لهذا التوجيه إلحاق المشهور الغسل والتيمم)
بالوضوء في هذا الحكم؛ إذ لا وجه له ظاهراً إلا ملاحظة كون الوضوء أمراً واحداً يطلب منه أمر واحد غير قابل للتبعيض، أعني الطهارة (1).)وعليه فظهر أن القاعدة غير جارية في الوضوء والغسل والتيمم بملاك واحد.ويرد عليه:أولاً: أن المقدمة الأولى ممنوعة؛ إذ قلنا إنّ الضمير راجع إلى الشيء الذي هو متبوع، لا إلى الوضوء الذي هو تابع.وأما الإجماع المدعى فليس إجماعاً محصلاً ليكون حجة، وعلى فرض وجود الإجماع فهذا لا يوجب حمل الرواية على غير ظاهرها، بل لا بد من طرحها من جهة الإجماع.وصحيحة زرارة لا يمكن أن تكون شارحة لموثقة ابن أبي يعفور.وثانياً: أن المقدمة الثانية - أيضاً - ممنوعة من أجل أنها مبتنية على المقدمة الأُولى.وثالثاً: أن المقدمة الثالثة أشبه شيء بقياس مستنبط العلة؛ إذ على فرض التسليم للمقدمة الثانية وأنّ الشارع اعتبره عملاً واحداً واعتبر أجزاءه بعض شيء واحد بنحو يكون ناظراً إلى كبرى «إذا شككت في شيء ودخلت في غيره»، وأن هذه الكبرى لا تشمل مثل الوضوء لا مجال للقول بأنّ هذا إنما اعتبره الشارع أمراً واحداً من أجل أنّ ما يترتب عليه أمر واحد، فالغسل والتيمم هكذا، وهل هذا إلّا القياس؟!هذا كله بناءً على اشتراط الترتيب في الغسل غير الارتماسي، ومن المعلوم أن هذا محل خلاف بين الفقهاء، والحق فيه أن غسل الرأس مقدم على الجانب الأيمن والأيسر، وأما الأيمن والأيسر فلا ترتيب بينهما.هذا تمام الكلام في التقريب الذي نحن استظهرناه من كلام الشيخ (قدس سره.)
1) فرائد الأصول 3: 338-339.
التقريب الثاني: ما هو مذكور في مصباح الأصول، قال: (ما ذكره شيخنا الأنصاري وهو أنّ التكليف إنّها تعلق بالطهارة، وإنّما الغسل والمسح مقدمة لحصولها فالشك في تحقق شيء من الغسل أو المسح يرجع إلى الشكّ في حصول الطهارة، وهي أمر بسيط، فلا تجري فيه قاعدة التجاوز فلا بد من الاحتياط لكون الشكّ شكاً في المحصل، وهذا الكلام جارٍ في التيمم والغسل - أيضاً - فإنّ المكلف به في الجميع هو الطهارة (1).)ومرجع هذا الكلام بتقريب منا إلى أن قاعدة التجاوز إنما تجري في متعلقات الأحكام التي هي ذات أجزاء، كالصلاة، وأما في مقدمات العمل التي وجوبها مقدمي بحكم العقل فلا تجري فيها قاعدة التجاوز.والمقام من هذا القبيل لأنّ الغسلتين والمسحتين والغسلات الثلاث والمسح على الوجه واليدين ليست من متعلقات الأحكام، وما هو متعلق الحكم إنما هو الظهارة؛ إذ ما هو شرط الصلاة هو الطهارة، والغسلتان والمسحتان محصلة للطهارة ومقدمة لها.وقد أجاب (2عن ذلك بوجهين:)الأول : أنا لا نسلم بأنّ الغسلتين والمسحتين ليست من متعلقات الحكم. قال: (وفيه: أولاً : أن ظاهر الآيات والروايات كون نفس الوضوء متعلقاً للتكليف كقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ (3)، وكقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «افتتاح الصلاة الوضوء وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم» (4)، والوضوء مركب فلا مانع من جريان قاعدة التجاوز فيه).)
الثاني: أنه لو سلمنا أنّ الطهارة هي الشرط فالوضوء محصل شرعي لا محصل عقلي كالذبح والقتل، فإنّ الذبح محصل عقلي للقتل، لا أن يكون محصلاً شرعياً، والمحصل الشرعي متعلق للأمر، قال: (على تقدير تسليم كون الطهارة هي المأمور به وأنّ الوضوء مقدمة لها... هذا بخلاف المقام فإنّ الوضوء من المقدمات الشرعية لحصول الطهارة؛ إذ الشارع جعله مقدمة لها وأمر به وبعد تعلق الأمر الشرعي به وكونه مركباً لا مانع من جريان قاعدة التجاوز فيه.)ومناقشة أصل التقريب تقتضي ذكر الأقوال في باب الطهارات الثلاثة:قيل إنها من قبيل متعلقات الأحكام، فهي متعلق الحكم الوجوبي الضمني، كما ذهب إليه المحقق النائيني.وقيل إنها من قبيل موضوعات الأحكام، يعني إذا توضأت مثلاً تحصل لك الطهارة، ولا دليل على أن قاعدة التجاوز إنّما تجري في متعلقات الأحكام دون موضوعات الأحكام.والكبرى الكلية هي أنه «إذا شككت في شيء ودخلت في غيره فشكك ليس بشيء» أو قوله «كل شيء شككت فيه مما قد جاوزته ودخلت في غيره فشكك ليس بشيء»، وليس فيه ما يدل على عدم جريان قاعدة التجاوز في غير متعلقات الأحكام.نعم، لا بد وأن يترتب على ما يشك فيه أثر شرعي إما بنحو تعلق الحكم، كأن كان هنا واجب وأراد إتيانه، ولا يعلم أنّ المأمور به هل ينطبق على المأتي به أو لا، فإذا قيل: إذا شككت في الإخلال بجزء وقد دخلت في غيره فشكك ليس بشيء، معناه أنّ المأمور به منطبق على المأتي به.وأما إذا كان من قبيل موضوعات الأحكام، كما إذا أتى بالوضوء ليحصل الطهارة ويرتب آثارها من الدخول في الصلاة وغيره، وشك في الإخلال بجزء فيقال له «إذا شككت في شيء ودخلت في غيره فشكك ليس بشيء».
وخلاصة الكلام: أنه كما يمكن للشارع المقدس أن يعبدنا بتطبيق المأمور به على المأتي به في متعلقات الأحكام، كذلك يمكن له أن يعبدنا بترتب الأثر الشرعي في الموضوعات، فاختصاص جريان القاعدة بما إذا كان من قبيل متعلقات الأحكام لا أساس له مضافاً إلى أنه لا يستفاد من كلمات الشيخ ذلك أصلاً.وعلى فرض اختصاص القاعدة في متعلقات الأحكام المولوية فيمكن القول بجريانها على مسلك المشهور، حيث التزم جماعة باستحباب غسل الجنابة واستحباب الوضوء في نفسه، وكذلك في التيمم.وأما الجواب الأول فهو ضعيف؛ لأنّ قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ الى آخره أمر إرشادي لحصول الطهارة، لا أنه أمر نفسي حتى يعاقب على ترك الوضوء أو الغسل أو التيمم، ويشير إلى ذلك قوله تعالى في ذيل الآية المباركة: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ).)مضافاً إلى أنّ الطهارة إن لوحظت في نفسها فيمكن القول بأنها متعلقة للحكم، وأما إن لوحظت بما أنها شرط للصلاة فلا تكون متعلقة للحكم؛ وذلك لأن الشرط (تقيد جزء وقيد خارجي، ولذا استشكل في عبادية الطهارات الثلاث، والمحقق النائيني هو فقط من ذهب إلى أنّ الأمر الضمني يتعدى إلى الشرط.)فظهر أن الصلاة مشروطة بالطهارة، لا بالغسلتين والمسحتين أو بغسل جميع البدن.وأما الرواية «افتتاحها الوضوء» الى آخره التي استشهد بها فليس معناها أنّ الوضوء جزء للصلاة، بل معناها أنّ الإنسان من أول الأمر، أي من أول ما يبتدئ بالوضوء ينبغي أن يكون متوجهاً وخاضعاً، كما في الروايات الأُخر.وأما الجواب الثاني وهو أنّ المحصل بما أنه محصل شرعي متعلق للأمر، فأولاً لا نحتاج في جريان القاعدة فيه كونه متعلقاً للأمر، وثانياً يظهر من كلامه أنه يريد بذلك
توجه الأمر الضمني النفسي، والحال أنّ الأمر الضمني النفسي قطعاً غير متوجه، والأوامر الأُخر - أيضاً - لا دخل لها في جريان القاعدة وعدم جريانها.فتحصل مما ذكرنا أنّ إلحاق الغسل والتيمم بالوضوء لعدم جريان قاعدة التجاوز محل إشكال، فإن تمت الإطلاقات كما بنينا عليه تجري قاعدة التجاوز في الغسل بناءً على لزوم الترتيب فيه وفي التيمم أيضاً.المورد الثالث: الركعتان الأوليان أو خصوص الركوع والسجدتين أو السجدة الواحدةإن من الموارد التي قيل بعدم جريان قاعدة التجاوز فيها هو ما ذهب إليه جماعة من القدماء من عدم جريان قاعدة التجاوز في الركعتين الأوليين أو في خصوص الركوع والسجدتين، بل وحتى في السجدة الواحدة.فقد ذهب جماعة إلى عدم الجريان في الركعتين الأوليين، سواء كان ركناً أم لم یکن.وذهب ابن حمزة في الوسيلة إلى عدم الجريان في الركوع وفي السجود حتى في السجدة الواحدة.وذكر العلامة في التذكرة أنه لا تجري في الركن.والمتأخرون ذهبوا إلى جريان القاعدة بلا فرق بين الركعتين الأوليين وغيرهما، كما لا فرق في الركوع وغيره.ومنشأ القول بعدم جريان القاعدة في الأوليين الروايات الدالة على بطلان الصلاة بالشك في الأوليين، وهم بين من أخذ بالإطلاق فقال سواء كان الشكّ في الركن أم غيره، وبين من قال بأنّ ركن الركعة الركوع والسجدة، والشك إذا كان في الركوع والسجدة في الركعتين الأوليين يوجب بطلان الصلاة، وبين من قال بأنّ الشكّ يوجب البطلان فيما إذا كان في الركوع والسجدتين.
وقد نسب العلامة في التذكرة إلى الشيخين - أي المفيد والطوسي - أن مطلق الشكّ فيهما موجب للبطلان، والعلامة نفسه اختار أنه إذا شكّ في ركن من الأركان في الأوليين فهذا يوجب البطلان ومال إلى أنّ الركن في الركعة الثالثة من المغرب ملحق بالأوليين.والكلام فعلاً فيما ذهب إليه الشيخان، فقد حكما بالبطلان المطلق الشكّ في الأوليين، أي عدم جريان قاعدة التجاوز سواء كان الشكّ بعد التجاوز أم كان الشكّ في المحل.وكلامهم هذا مستند إلى روايات تدل على أن الشكّ في الأوليين موجب للبطلان، وهي عدة من الروايات، ونحن نذكر بعضها مما يتناسب مع هذا المسلك.منها: ما عن الحسين بن سعيد عن النضر عن موسى بن بكر قال: سأله الفضيل عن السهو فقال: «إذا شككت في الأوليين فأعد» (1.)ومنها: ما عن فضالة عن حماد عن الفضل بن عبد الملك قال: قال لي: «إذا لم تحفظ الركعتين الأولتين فأعد صلاتك» (2.)ومنها: ما عن الوشاء قال قال لي أبو الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ : «الإعادة في الركعتين الأُولتين والسهو في الركعتين الأخيرتين» (3).)ومنها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ قال: «عشر ركعات ركعتان من الظهر وركعتان من العصر وركعتا الصبح وركعتا المغرب وركعتا العشاء الآخرة لا يجوز الوهم فيهن، ومن وهم في شيء منهن استقبل الصلاة استقبالاً» (4).)
ومثلها: عن العلا عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ قال سألته عن الرجل يشك في الفجر قال: «يعيد» (1).)وتقريب هذا القول: أنّ هذه الروايات مطلقة من جهة كون الشكّ في عدد الركعات أو في الأجزاء، وهذه الروايات ناظرة إلى قاعدتين:إحداهما : قاعدة البناء على الأكثر، فإنّه لو لم تكن هذه الروايات لقلنا بالبناء على الأكثر حتى إذا كان الشكّ في الأوليين.ثانيتهما : قاعدة التجاوز، فإنّه لو لم تكن هذه الروايات لقلنا بجريان القاعدة عند الشك بعد تجاوز المحل أو بلزوم الإتيان إذا لم يتجاوز المحل، فتوجب إلغاءهما في الأوليين وتكون حاكمة عليهما.ويرد على هذا التقريب إيرادات:الإيراد الأول: أنّ هذا مبتن على أن تكون الروايات في مقام البيان لإلغاء قاعدة التجاوز في الأوليين، كما أنها في مقام البيان لإلغاء قاعدة البناء على الأكثر.وبعبارة أخرى: كما أنها ناظرة إلى الشكّ في عدد الركعتين لا بد وأن تكون ناظرة إلى الشكّ في الأجزاء، ولا شكّ في أنها مطلقة وفي مقام البيان من الجهة الأولى، إلا أنا نشك في كونها في مقام البيان من الجهة الثانية. وقد ذكرنا في مبحث الإطلاق والتقييد أنه إذا كان الكلام مطلقاً من جهة ومشكوكاً من جهة أُخرى فلا يمكن الأخذ بإطلاقه من الجهتين. نعم، إذا شككنا في أنه هل كان في مقام البيان أصلاً أو لا، نقول بأن الأصل أنه في مقام البيان لا في مقام الإجمال.ويؤكد الإطلاق من الجهة الأولى - أي أنّ الروايات مطلقة وفي مقام البيان من الجهة الأولى وهي الشكّ في عدد الركعات - بعض الروايات، وهي الروايات التي
1) تهذيب الأحكام 2: 180.
صرح فيها بذلك، مثل موثقة سماعة قال: قال «إذا سهى الرجل في الركعتين الأولتين من الظهر والعصر والعتمة ولم يدر أواحدة صلى أم ثنتين فعليه أن يعيد الصلاة هكذا في الكافي (1، وفي التهذيب والاستبصار (2): «فلم يدر» بدل «ولم يدر».)فعلى نسخة الكافي يكون للشرط قيدان:الأول: أن يكون السهو في الركعتين الأولتين.الثاني: أن يكون في عدد الركعات، «ولم يدر أواحدة صلى أم ثنتين».وبمفهومه يدلّ على عدم وجوب الإعادة إذا لم يكن السهو في عدد الركعات.وأما على نسخة التهذيب فإنّ ما يستفاد من كتب الأدب أنّ الفاء للعطف والترتيب، وترتيبه قد يكون معنوياً مثل (قام زيد فعمرو، وقد يكون ذكرياً وهو عطف مفصل على مجمل، وفي المقام من قبيل عطف المفصل على المجمل.)مضافاً إلى أنّ الظاهر من الشكّ في الأوليين هو الشكّ في الركعتين، لا في أجزائهما، لا سيما إذا كانت الأجزاء غير مقومة.الإيراد الثاني: أنه على فرض وجود الإطلاق من الجهة الثانية أيضاً، وموضوعه هو الشكّ في الأوليين، أي نفرض أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ كان بصدد البيان من هذه الجهة وقال: إذا شككت في الأوليين فأعد لا يبقى لهذه الروايات موضوع مع وجود صحيحة زرارة وأشباهها؛ لأن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إذا شككت في شيء ودخلت في غيره فشكك ليس بشيء» يوجب أن لا يكون الشكّ في الأجزاء شكاً، يعني أن وجوده كالعدم، وعليه تكون الصحيحة حاكمة على هذه الروايات؛ إذ الصحيحة توجب نفي موضوع هذه الروايات، لا أن يكون الأمر بالعكس.)
الإيراد الثالث: أن صحيحة زرارة المفصلة «رجل شكّ في الأذان وهو في الإقامة» الى آخره إن لم تكن ظاهرة في الاختصاص بالركعة الأولى فلا أقل من أنّ القدر المتيقن منها هو الركعة الأولى بلحاظ الترتيب في الذكر، وليست قابلة للحمل على الركعتين الأخيرتين.وهكذا الروايات الأُخر الواردة في موارد خاصة مثل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ في رواية حماد بن عثمان، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): أشك وأنا ساجد فلا أدري أركعت أم لا، فقال: «قد رکعت امضه» (1).)ورواية عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ رجل أهوى إلى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع، قال: «قد ركع» (2).)ورواية محمد بن مسلم عن أحدهما سألته عن رجل شكّ بعد ما سجد أنه لم يركع، قال: «يمضي في صلاته» (3.)وهكذا في الروايات الواردة في أنّ الشكّ إذا كان في المحل يركع مثلاً أو يسجد.وهذه الروايات روايات استفتائية، ونحن قد ذكرنا مراراً أنّ الروايات تنقسم في مرحلة التفهيم والتفهم إلى قسمين:الأولى: مرحلة التعليم والتعلم للكبريات الكلية، ونعبر عنها بالروايات التعليمية «علينا إلقاء الأصول وعليكم التفريع».الثانية: مرحلة الاستفتاء والفتوى والراوي إنّما يسأل عن مورد ابتلائه.وليس المراد من الفتوى هو المصطلح، بل المراد منه أن السائل يسأل عما ابتلي به، والإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ يجيبه، نظير من يراجع الطبيب ويذكر حالاته والطبيب يفحصه ثم يأمره)
بأوامر وينهاه عن بعض الأمور، أي: أن الطبيب يطبق عليه كبرى من الكبريات في ذهنه ويعطيه وصفةً على طبق تلك الكبرى، وليس بصدد بيان نوع مرضه، بل في مقام إرشاده والأخذ بيده وإيصاله إلى ساحل النجاة، وفي هذه المرحلة كثير من الخصوصيات التي يذكرها السائل غير دخيلة في الحكم.وبين المرحلتين فروق متعددة:منها: أنّ في التعليميات حمل المطلق على المقيد المنفصل وحمل العام على الخاص المنفصل ليس فيه استغراب؛ إذ إنّ بناء التعليم على التدرج، فمثلاً نحن نقول بحجية قاعدتي الفراغ والتجاوز أولاً، ثمَّ نذكر الخصوصيات والشرائط، وهذا طبعاً يحتاج إلى مدة لبيان جميع الشرائط والخصوصيات، ولا يلزم أن تبين جميع الخصوصيات في مجلس واحد.وأما في الاستفتاء، فالاعتماد على القرينة المنفصلة خلاف الذوق العرفي، فإنّه إذا كان هناك دواء لا بد وأن يشرب مع دواء آخر ولم يذكر الطبيب ذلك كان عمله هذا مما لا يرضى به العقلاء.وهذه الروايات الواردة في الموارد الخاصة بما أنّها من الفتيا لا يمكن اختصاصها بالركعتين الأخيرتين.وخلاصة هذا الإيراد أن الجمع بين الروايات بحمل هذه المطلقات على الركعتين الأخيرتين في غاية الضعف، ولا يمكن الالتزام به.الإيراد الرابع: أنّ أحداً من الفقهاء لم يقل بأنّ نسيان القراءة مثلاً موجب للبطلان، والروايات دالة على عدم البطلان، ولا يمكن القول بأنّ الإنسان إذا لم يأت بها نسياناً تكون صلاته صحيحة، وأمّا إذا شكّ في الإتيان وعدم الإتيان صلاته باطلة.الإيراد الخامس: أنّ الروايات التي تدل على بطلان الصلاة، مثل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «إذا شككت في الفجر فأعد»، إن قلنا بأنّها مطلقة من كلتا الجهتين، فلازم ذلك عدم جريان)
قاعدة الفراغ أيضاً، فإنّها كما تشمل عدد الركعات تشمل ما إذا كان الشكّ في الأجزاء بلا فرق بين التجاوز وبين الفراغ، والحال أنه لم يقل بذلك أحد.فظهر أن الالتزام بما نسب إلى الشيخين في غاية الإشكال.وأما ما ذهب إليه العلامة وقواه في التذكرة، وهو أنّ الشكّ إذا كان فيما هو مقوم للركعة في الركعتين الأوليين يكون موجباً للبطلان ويكون الشكّ فيها شكاً في الركعة.توضيح ذلك: أنّ الركعة لها مقوم وهو الركوع والسجود في الجملة، ولها أجزاء يصدق عليها الركعة، لكن بنحو اللا بشرطية في الصدق، يعني عدمها لعارض غير مانع من تحقق الركعة كالقراءة، فالشك في الإخلال بالأجزاء ليس مانعاً من القطع بتحقق الركعة؛ إذ من الممكن أن يحصل له القطع بنسيان القراءة، ومع ذلك هو قاطع بتحقق الركعة؛ لأن الركعة متقومة بالركوع والسجود في الجملة. وأما الشكّ في المقومات فهو شكّ في تحقق الركعة في الحقيقة، فالشك فيها بمقتضى الروايات في الأوليين يكون موجباً للبطلان، وعليه لا بد من حمل الروايات الدالة على جريان قاعدة التجاوز بالركعتين الأخيرتين.ويرد على هذا القول عدة من الإيرادات التي أوردناها على مسلك الشيخين مثل أن صحيحة زرارة غير قابلة للحمل على الركعتين الأخيرتين، وهكذا الروايات الواردة في مقام الاستفتاء عن الشكّ في الركوع وقد سجد.ويرد عليه أنه بناءً على ذلك لا بد وأن نجري قانون البناء على الأكثر فيما إذا شكّ في الركوع أو السجود في الركعتين الأخيرتين؛ لأنّ الشكّ في الركوع أو السجود حقيقته الشكّ في تحقق الركعة، والحال أنه لم يقل به أحد.والروايات كما قلنا ناظرة إلى جهة واحدة، وهي أن قانون البناء على الأكثر لا يجري في الركعتين الأوليين، وليست ناظرة إلى جريان قاعدة التجاوز وعدم جريانها.هذا تمام الكلام في الجهة الخامسة.
### الجهة السادسة في اعتبار الدخول في الغير وعدمههل يعتبر في قاعدتي الفراغ والتجاوز الدخول في الغير أو لا؟وهنا لا بد أن نذكر تمهيداً:حاصله : أن الدخول في الغير يحتمل بدواً أن يراد منه أحد معان ثلاثة:المعنى الأول: أن يكون غير مشغول بالعمل الذي شكّ فيه، لكنه في حالة تكون استمراراً للحالة السابقة بنحو لا يحتاج إلى إرادة جديدة لإحداثها، كما إذا كان قاعداً للوضوء ويشك في بعض أجزاء الوضوء وهو قاعد، ويرى نفسه أنه الآن غير مشغول بالوضوء، فهذا القعود استمرار للقعود الأول، وغير محتاج إلى إرادة جديدة، إلّا أنّ الأول كان قعوداً في حال الوضوء والآن قعود في غير حال الوضوء.المعنى الثاني: أن يكون داخلاً في الغير الذي يحتاج إلى إعمال إرادة جديدة، كأن توضأ قاعداً والآن يرى نفسه مشغولاً بعمل آخر.المعنى الثالث: أن يكون داخلاً في الغير الذي يترتب على المشكوك فيه، كأن شكّ في الوضوء وهو يصلي.والكلام في المعتبر من هذه المعاني الثلاثة في قاعدتي التجاوز والفراغ بحس طبعهما وبحكم الروايات.أما قاعدة التجاوز فبحسب ما ذكر من أنّها عبارة عن الشكّ في الشيء بعد مضي محله، فطبعها يقتضي أن يعتبر فيها الدخول في الغير بالمعنى الثالث؛ إذ التجاوز لا يصدق إلا مع الدخول في الغير المترتب.وأما قاعدة الفراغ فطبعها يقتضي الدخول في الغير وإن كان بالمعنى الأول.والكلام في أنّ المستفاد من الروايات هل هو ما ذكرناه أو أمر آخر؟فنقول: إنا ذكرنا في الجهة الرابعة الأقوال في المسألة - أي في فهم الكبريات الكلية - وقلنا إن للقوم مسالك أربعة:
المسلك الأول: أنها ناظرة إلى قاعدة التجاوز، وقد قلنا على هذا المسلك إنّ التجاوز بحسب الطبع يقتضي الدخول في الغير المترتب والروايات قد صرح فيها بالدخول في الغير، كما في قوله: «ودخلت في غيره».المسلك الثاني: أن الروايات ناظرة إلى قاعدة الفراغ والتجاوز إنما يستفاد من التطبيق التعبدي في أجزاء الصلاة، وعلى هذا المسلك - أيضاً - يعتبر في موارد التجاوز الدخول في الغير على ما صرح به في الروايات التطبيقية المشتملة على الكبرى الكلية.وأما بالنسبة إلى قاعدة الفراغ فسيأتي الكلام فيها عند التعرض للمسلك الرابع. المسلك الثالث: أنّ الروايات على قسمين:قسم: يدلّ على قاعدة التجاوز.و قسم: يدلّ على قاعدة الفراغ.وهذا ما ذهب إليه جمع كثير من الأعلام.والكلام في أنّ القسم الذي يدلّ على قاعدة الفراغ هل يعتبر فيه الدخول في الغير أو لا؟وبعض أدلة قاعدة الفراغ مطلقة، مثل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ في موثقة ابن بكير عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) «كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو» (1).)والروايات الدالة على ذلك بالإطلاق في الموارد الخاصة كثيرة، مثل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ في معتبرة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «كل ما شككت فيه بعد ما تفرغ من صلاتك فامض ولا تعد» (2).)ومثل رواية محمد بن مسلم في الرجل يشك بعد ما ينصرف من صلاته، قال: فقال: «لا يعيد ولا شيء عليه» (3.)
إنما الكلام في أنّ هذه الروايات هل لها مقيد أو لا؟ وسنذكر فيما بعد إن شاء اللّه أن بعض هذه الروايات غير قابلة للتقييد.وادعى بعض أنّ روايتين تدلان على الدخول في الغير:الرواية الأولى: صحيحة زرارة - السابقة - عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ الي قال: «إذا كنت قاعداً على وضوء ولم تدر أغسلت ذراعيك أم لا فأعد عليهما، وعلى جميع ما شككت فيه أنك لم تغسله أو تمسحه مما سمى اللّه ما دمت في حال الوضوء، فإذا قمت من الوضوء وفرغت منه وقد صرت في حال أخرى في صلاة أو غير صلاة فشككت في بعض ما قد سمى اللّه مما أوجب اللّه تعالى عليك فيه وضوء فلا شيء عليك».)هذا بحسب ما هو موجود في التهذيب (1وأما في الكافي (2)فقد ورد لفظ : «فقد صرت» بدل «وقد صرت».)فمن هذه الرواية يستفاد أنّ مجرد الفراغ من العمل غير كاف الجريان قاعدة الفراغ، بل لا بد من الدخول في الغير؛ وذلك لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ : «فرغت منه وقد صرت في حال أُخرى».)ويمكن الجواب عن هذا الاستدلال بوجوه:الوجه الأول: أن الرواية واردة في مورد الوضوء، ونفرض أن في خصوص الوضوء الرواية تدلّ على أن جريان قاعدة الفراغ متوقف على الدخول في الغير، ولا يمكن إسراء حكمه إلى غير الوضوء مع احتمال أن يكون للوضوء خصوصية.
كما لا تجري قاعدة التجاوز في الوضوء - على ما ذهب إليه المشهور - فمن الممكن أن يكون للوضوء خصوصية، فلذا كما لا تجري فيه قاعدة التجاوز لا تجري فيه قاعدة الفراغ إلا بعد الدخول في الغير.الوجه الثاني: أن هذه الرواية منقولة على نحوين، فإنّه على نسخة التهذيب «وقد صرت» وفي نسخة الكافي «فقد صرت»، فإن كان الصحيح ما في نسخة الكافي فلا تدلّ الرواية على التقييد، بل يكون قوله: «فقد صرت» تأكيداً للفراغ من الوضوء، فيكون الدخول في الغير دخولاً في الغير بالمعنى الأول الذي هو خارج عن محل الكلام، ولا تدل على الدخول في الغير بالمعنى الثاني والثالث.نعم، يمكن الاستدلال بها للتقييد على نسخة التهذيب، فإن الواو حالية وتدل على التقييد، ولكن بما أنه لا معين لإحدى النسختين، فلا يمكن الاستدلال بها، مضافاً إلى أنه قيل: إن الكليني أضبط من الشيخ.لا يقال: إن ما ذكر مبني على أن يكون جميع نسخ الكافي «فقد صرت» والحال أنّ هذا غير ثابت؛ إذ غاية ما هنا أن النسخ الموجودة هكذا، والمفروض أنّ الشيخ يرويها عن الكافي بهذه الصورة.فإنّه يقال: إن الشيخ كما يظهر من ملاحظة هذه الرواية وغيرها من الروايات حينما يذكر رواية عن مصدرين إذا كان بينهما اختلاف متني يكتفي بنقل إحداهما، لا سيما إذا لم يكن الاختلاف بنظره موجباً لاختلاف الحكم، أي يجمع بين السندين ويكتفي بذكر متن إحداهما.مضافاً إلى أن كتابي جامع الأحاديث ومنتقى الجمان مع أنهما يذكران موارد الاختلاف لم يذكرا ذلك.فمن هنا نعرف أنه لم يكن بناء الشيخ على ضبط الاختلافات، وعلى هذا فلا مجال للتشكيك بأنّ نسخة الكافي - أيضاً - كانت «وقد صرت».
والنتيجة أنه لا يمكن الاستدلال بها من جهة عدم وضوح متنها، وأنه هل «وقد صرت» أو «فقد صرت».الوجه الثالث: أنّ هذه الجملة التي يراد الاستشهاد بها حتى على نقل التهذيب تفريع على الجملة الأولى، ومعنى تفريع جملة شرطية على جملة شرطية التصريح بمفهوم الجملة الأولى أو ببعض مصاديق الجملة الأولى وليس للجملة الثانية المتفرعة استقلال، وعلى هذا فلا تكون جملة شرطية مستقلة حتى يمكن الأخذ بمفهومها.فإنّه إن قال المولى: (إن جاءك زيد فأكرمه، فإن لم يجئك وذهب إلى عمرو فلا تكرمه، فالجملة الثانية تصريح بمفهوم الجملة الشرطية الأولى، وقوله: (وذهب إلى عمرو) تصريح ببعض مصاديق مفهوم الجملة الشرطية الأولى من أجل خصوصية له، فقوله هذا مساوق لقولك: (إن جاءك فأكرمه وإن لم يجئك فلا تكرمه، لا سيما إذا ذهب إلى عمرو)، فهذه الجملة الشرطية الثانية مضافاً إلى أنها فاقدة لمفهوم الشرط فاقدة لمفهوم القيد أيضاً، ولا يمكن القول بوجوب الإكرام إن لم يذهب إلى عمرو، فإنّا قلنا إن عدم وجوب الإكرام يتأكّد بواسطة ذهابه إلى عمرو، فلا يكون لها مفهوم.)والمقام من هذا القبيل، فإن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «إذا كنت قاعداً على وضوء ولم تدر أغسلت ذراعيك أم لا فأعد عليهما وعلى جميع ما شككت فيه أنك لم تغسله أو تمسحه مما سمى إليه، ما دمت في حال الوضوء».)فيظهر أن الموضوع لوجوب الإعادة هو القعود على وضوء الذي معناه الاشتغال، وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «ما دمت في حال الوضوء» تأكيد له، وهذه الجملة هي الجملة الشرطية الأولى ولها مفهوم وهو (ما لم تكن في الوضوء لا تعتن بالشك).)ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: «فإذا قمت من الوضوء وفرغت منه وقد صرت في حال أُخرى فشككت فلا شيء عليك»، فقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فإذا قمت» الى آخره نظير قوله: «فإن لم يجئك» كما أن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «وقد صرت» نظير: (وذهب إلى عمرو)، فإن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ):)
«وقد صرت» تصريح ببعض مصاديق مفهوم الشرطية الأولى، فلا تدل على اشتراط قاعدة الفراغ بالدخول في الغير، ولا يكون للجملة الثانية مفهوم القيد، وذلك لما ذكرنا من أنّ ذكر بعض المصاديق من أجل العناية والخصوصية، لا لما ذكر في مباني الاستنباط من أن القيد وإن كان الأصل فيه الاحترازية إلّا أنّ هذا فيما إذا لم يكن مورد الغالب، وفي المقام بما أنّ الإنسان حينما يفرغ من الوضوء فهو غالباً ما يكون في حالة أُخرى، فلذا لا يدلّ على المفهوم.ومما ذكرنا ظهر أن مثل هذا القيد سواء كان وارداً مورد الغالب أم لا لم يكن له مفهوم، وذلك لوضوح أن الحكم الأول ينتفي مع وجود هذا القيد.وحتى في مثل (وذهب إلى عمرو الذي لم يرد مورد الغالب فإنّه لا يدلّ على مفهوم القيد، وإنما جيء بهذا القيد تأكيداً، لا تأسيساً.)الوجه الرابع: أنه على فرض التسليم بأنّ الجملة الثانية لها مفهوم أيضاً فلا يمكن الأخذ به أيضاً، وذلك لوقوع المعارضة بين مفهوم الصدر ومفهوم الذيل؛ لأنّ مفهوم الصدر هو عدم الاعتناء بالشك إن لم تكن في حال الوضوء سواء كنت في حال أُخرى أم لم تكن. ومفهوم الذيل هو الاعتناء بالشك إذا لم تكن في حال أخرى مثل الصلاة وغير الصلاة، وإن كنت فارغاً من الوضوء، فيقع التعارض بينهما.لا يقال: إنه يمكن رفع التعارض بتقييذ مفهوم الصدر بمفهوم الذيل، وأنّ مفهوم الأولى هكذا: (لا تعتني بالشك إن فرغت من الوضوء ودخلت في حال أُخرى.)فإنّه يقال: إنّ الجملة الشرطية الأولى مفهومها ليس قابلاً للتقييد، فإنّه قد صرح في الجملة الأولى بأنّ الكون على الوضوء دخيل، أي أنّ الشكّ معتبر ما دمت على الوضوء، فإنّه إن قلنا إنه يعتبر الدخول في الغير - أيضاً - فيها أنه أخص فلا وجه لذكر ما دمت في حال الوضوء ويكون ذكره لغواً، وكذلك قوله: «إذا كنت قاعداً على
وضوء» لم يكن الموضوع «إذا كنت قاعداً»، بل يكون الموضوع (إذا كنت قاعداً على وضوء ولم تدخل في غيره.)والنتيجة إذا وقع التعارض بين المفهومين فيتساقطان، ولا بد من الرجوع إلى الإطلاقات.فظهر مما ذكرنا أن صحيحة زرارة غير لائقة لتقييد المطلقات، هذا مع قطع النظر عن أن الإطلاقات هل هي قابلة للتقييد أو لا؟الرواية الثانية: رواية ابن أبي يعفور المتقدمة «إذا شككت في شيء من الوضوء وقد دخلت في غيره فشكك ليس بشيء» الى آخره بناءً على عود الضمير إلى الوضوء.ويرد عليه أنّ هذا كما تقدم خلاف الظاهر، مضافاً إلى أنّ الرواية ورادة في الوضوء ويمكن أن يكون للوضوء خصوصية.فظهر أنه لو قلنا بأنّ أدلة الفراغ هي غير أدلة التجاوز فلا دليل على اعتبار الدخول في الغير في قاعدة الفراغ.المسلك الرابع : وكل الكلام يقع فيه، وهو أنّ الأدلة تشمل القاعدتين وأنّ مثل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «إذا خرجت من شيء ودخلت في غيره» الى آخره يشمل ما إذا كان الخروج خروجاً عن الشيء بالفراغ منه وما إذا كان الخروج خروجاً عن محله.)وهذا ما ذهب إليه المحقق الأصفهاني وهو المختار.وكذلك يقع الكلام في المسلك الثاني الذي ذهب إليه المحقق النائيني من أنّ الروايات كلها ناظرة إلى قاعدة الفراغ.فعلى هذين المسلكين يقع الكلام في اعتبار الدخول في الغير وأنه هل يمكن تقييد الإطلاقات أو لا؟
وقد ذهب المحققان النائيني والأصفهاني إلى الالتزام بالتقييد، وأنه لا بد من تقييد مثل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «كل ما شككت فيه مما قد مضى» الى آخره بصحيحة زرارة وصحيحة إسماعيل بن جابر.)ربما يقال بأن مقتضى قانون حمل المطلق على المقيد اشتراط الدخول في الغير حتى في قاعدة الفراغ، ومن الواضح أنّ الدخول في الغير إذا كان معتبراً فهو الدخول في الغير بالمعنى الثاني أو الثالث، وأما المعنى الأول فهو غير معتبر جزماً؛ لأن مرجعه في الحقيقة إلى الفراغ من العمل، وإن كان ظاهر عبارة الشيخ كفاية الدخول في الغير حتى بالمعنى الأول، حيث قال في الفرائد: (والأقوى اعتبار الدخول في الغير وعدم كفاية مجرد الفراغ، إلا أنه قد يكون الفراغ عن الشيء ملازماً للدخول في غيره كما لو فرغ عن الصلاة والوضوء فإن حالة عدم الاشتغال بهما تعد مغايرة لحالهما وإن لم يشتغل بفعل وجودي فهو دخول في الغير بالنسبة إليهما (1).)ولعل الصدوق - أيضاً - فهم هذا المعنى من الروايات حيث ذكر في كتاب الهداية عند نقله لرواية نقلاً بالمعنى: (ودخلت في حالة أُخرى.)ثم إنه على مسلك المحقق النائيني فقد ذهب إلى حمل المطلق على المقيد. وأما القول بأنّ القيد وارد مورد الغالب، أو تأويل (الغير بالمعنى الذي ذكره الشيخ فهو خلاف الموازين.)وأما على المسلك الرابع، فالكلام في أنه هل الروايات التي يراد الاستدلال بها على التقييد يستظهر منها المقيدية أو لا؟توضيح ذلك: بما أن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ : «إذا خرجت من شيء» على هذا المسلك كناية عن إلغاء الشكّ فيما مضى من العمل، إما بمضي نفسه أو بمضي محله، وحينئذ فتكون كلمة (الدخول في الغير) بالمعنى الثاني والثالث ذكره مستدركاً، فلو أريد المعنى)
1) فرائد الأصول 3: 334.
الأول كما ذكره الشيخ فيكون مجرد ذكر للازم المعنى تأكيداً، وأما حيث أريد أن يكون قيداً فهذه القيدية ليس لها معنى محصل؛ وذلك لأنّ المفروض أنه بالنسبة إلى أحد الشقين الذي هو قاعدة التجاوز عن المحل فإنه حيث يقال أولاً (خرجت من شيء فالخروج عن المحل يكون مقوماً له؛ وذلك متوقف على الدخول في الغير، فلو قيل (دخلت في غيره) بهذا اللحاظ، فإنه له جهة التأكيد والتبيين؛ إذ يراد الغير المترتب، وهو مندمج فيه.)وأما بالنسبة إلى قاعدة الفراغ فلو ثبت الدخول في الغير إنما يكون تقييداً، أي أنّ الماهية الأولى ليست بتمام الموضوع، بل لا بد من ضم الدخول إلى الغير، فبما أن قوله: «خرجت من شيء» جامع بين ما يقبل التقييد الاصطلاحي وبين ما لا يقبل التقييد الاصطلاحي، فلا يناسب حمله على القيدية.وكذلك في رواية إسماعيل بن جعفر.وعلى فرض معقولية التقييد - كما ذهب إليه المحقق الأصفهاني بدعوى أنّ الجامع مطلق - لا يكون عقلائياً، أي أنّ في مثل هذا المورد العقلاء لا يحملون على التقييد.وعلى هذا فهاتان الروايتان لا تقبلان التقييد في نفسهما، ومع قطع النظر عن سائر الروايات، ومع غض النظر عن ذلك ومعقولية التقييد وعقلائيته، فهل ينطبق قانون حمل المطلق على المقيد في المقام أو لا؟ذهب المحققان النائيني والأصفهاني إلى حمل المطلق على المقيد في المقام وأنه يعتبر في قاعدة الفراغ الدخول في الغير بالمعنى الثاني والثالث.ولا بد من فحص الروايات أولاً لنرى أنّها قابلة للتقييد أو لا؟ فنقول: إنّ الروايات التي هي غير مقيدة بالدخول في الغير على طوائف ثلاثة:
الطائفة الأولى: ما تكون من قبيل التعليميات، ومن هذا القبيل معتبرة محمد بن مسلم كلّ ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو»، وقد ذكرنا سابقاً أن التعليميات نوعها قابل للتقييد بالمنفصل، وذلك لأنّ في التعليميات بناء التعليم على التدرج في البيان، ولا يذكر تمام القيود وشؤون المطلب في مجلس واحد، ولو كان دليل يدل على التقييد لقلنا بتقييد هذه المطلقات ولم يكن مانع من حمل المطلق على المقيد.الطائفة الثانية: ما هي ظاهرة في الإفتاء لا التعليم، مثل صحيحة محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ: رجل شكّ في الوضوء بعد ما فرغ من الصلاة، قال: «يمضي على صلاته ولا يعيد» (1).)ومثل صحيحته الأخرى: عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ في الرجل يشك بعد ما ينصرف من صلاته قال: فقال: «لا يعيد ولا شيء عليه» (2).)ومثل رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ قال: سألته عن رجل يكون على وضوء، شكّ على وضوء هو أم لا؟ قال: «إذا ذكر وهو في صلاته انصرف وتوضأ وأعادها، وإن ذكر وقد فرغ من صلاته أجزأه ذلك» (3).)وأمثال ذلك مما لسانه لسان الاستفتاء والفتيا، وقد ذكرنا سابقاً أن الغاء قيد من القيود في الفتيا يعد كتماناً فيما إذا لم يكن القيد واضحاً، والكتمان يحتاج إلى مصحح.وهذه الطائفة غير قابلة للتقييد بالمقيد المنفصل، أي أنّ حمل المطلق على المقيد في هذه الطائفة لم يكن على الموازين.الطائفة الثالثة: وهي الروايات التي لها تقريب ارتكازي مع قاعدة الف- دة الفراغ، ولا تتناسب مع اعتبار الدخول في الغير، وهي روايتان:
إحداهما : موثقة بكير بن أعين قال: قلت له الرجل يشك بعد ما يتوضأ قال : «هو حين يتوضأ أذكر من حين يشك» ومن الواضح أن الدخول في الغير لا يتناسب مع التعليل والتقريب الارتكازي.ثانيتهما ما رواه الصدوق عن محمد بن مسلم - ولا بد من التذكير بأن سند الصدوق إلى محمد بن مسلم ضعيف - عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «إن شكّ الرجل بعد ما صلى فلم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً، وكان يقينه حين انصرف أنه كان قد أتم لم يعد الصلاة وكان حين انصرف أقرب إلى الحق منه بعد ذلك» (1).)فعلى هذه الرواية - أيضاً - المعيار هو الانصراف (حين انصرف، وهذا لا يتلائم مع الدخول في الغير.)وهذه الرواية الثانية قد رواها صاحب السرائر عن نوادر محمد بن علي بن محبوب بهذا السند: يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ نحوه، إلا أنه قال: «أقرب منه للحفظ بعد ذلك» (2).)وروايات السرائر وإن نوقش فيها، إلا أنه لا يمكن المناقشة فيما يرويه عن كتاب نوادر محمد بن علي بن محبوب؛ إذ هو يذكر أنّ ما يرويه عن ذلك الكتاب كان عن نسخة بخط جده، حيث قال: (وهذا الكتاب كان بخط شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه اللّه (3).)ويؤيد كلامه أنّ ابن طاووس قد ذكر في موارد متعددة أن كتاب نوادر محمد بن علي بن محبوب كان بخط الشيخ، وأنا أنقله عن خطه.
ولكن ما ذكر في هذا السند من أنّ الراوي عن محمد بن مسلم هو ابن أبي عمير محل تأمل ؛ وذلك لأنّ ابن أبي عمير من الطبقة السادسة ومحمد بن مسلم من الطبقة الرابعة، وبحسب العادة كان في البين واسطة، ولا يمكن نقله عنه، فلو كانت الواسطة واحدة فيمكن تصحيحه بأن مشايخ ابن أبي عمير ثقاة، وأما إذا احتملنا تعدد الواسطة المحذوفة فلا يمكن تصحيحه بهذا الطريق.وهذه الطائفة والطائفة الثانية لا تلائم التقييد، وحمل المطلق على المقيد أمر لا يمكن الالتزام به على ما سلكناه في بحث المطلق والمقيد.فظهر مما ذكرنا أنه يعتبر في قاعدة التجاوز الدخول في الغير المترتب.وأما في قاعدة الفراغ فلا يعتبر الدخول في الغير سواء كان مترتباً أم لم يكن.نعم يعتبر الدخول في ما هو لازم الفراغ؛ وذلك لا من أجل اعتبار الدخول في الغير، بل من أجل أنه لازم الفراغ.### الجهة السابعة في تحديد حدود الغيرظهر من المباحث السابقة أنّ جريان قاعدة التجاوز متوقف على الدخول في الغير إما من جهة الروايات أو من جهة اقتضاء نفس عنوان التجاوز والمضي، إلا أنه اختلف في تحديد حدود الغير، ونتيجة لذلك اختلفوا في الصغريات.والبحث يقع في جهتين:الأولى: في ما يستفاد من العمومات.الثانية: في ما يستفاد من الروايات الواردة في الموارد الخاصة التي طبقت فيها كبرى قاعدة التجاوز.أما الجهة الأولى: فالأقوال فيه أربعة:القول الأول: ما عن بعض القدماء من الفقهاء - كما في مفتاح الكرامة والمستمسك وغيرهما - من اختصاص الغير بالركن، أي أنه إذا شكّ في شيء إنما لا
يعتد بالشك ويكون مشمولاً لقاعدة التجاوز فيما إذا دخل في الركن الذي بعده، وإذا حمل الركن على معناه المصطلح - كما يقتضيه ظاهر العبارة - وهو ما يكون زيادته ونقصه مخلاً سواء كان عن سهو أم عمد، فعلى هذا يكون محل الشكّ ومحل السهو محدوداً بحد واحد، فإنّ محل السهو باق ما دام لم يدخل في الركن؛ لأنه إذا دخل في الركن لم يكن تدارك المنسي ممكناً للزوم زيادة الركن ولو سهواً، وقد جعل ذلك هو المعيار في الشكّ أيضاً.وإرادة هذا المعنى من الركن مستبعد؛ لأنّ هذا البعض قد التفت إلى الروايات والكبريات التي هي مشتملة على بعض الصغريات مسلّماً، مثل: (رجل شكّ في الأذان وهو في الإقامة، قال: «يمضي» الى آخره، وغيرها.)ويمكن تأويل الركن بأنّ المراد منه عبارة عن عمل يكون الدخول فيه مانعاً من التدارك إلّا بالاستئناف، فإنّ الدخول في الإقامة مثلاً مانع عن تدارك الأذان إلا بالاستئناف، وهكذا إذا شكّ في الأذان والإقامة وقد كبّر، وهكذا إذا شكّ في القراءة وقد ركع، وإن أمكن تأويل رواية زرارة رجل شكّ في الركوع وقد سجد بالسجدتين، لا سجدة واحدة، إلا أنه لا مجال للتأويل في رواية إسماعيل بن جابر (رجل شكّ في الركوع وقد قام) الى آخره.)وهذا القول حتى مع تأويل الركن لا يتلائم مع الروايات المشتملة على الكبرى، فضلاً عن الروايات الخاصة التي سنذكرها في المقام الثاني، وإنما تعرضنا لهذا القول تبعاً للقوم.القول الثاني: ما يستفاد من جماعة، منهم المحقق العراقي على ما في نهاية الأفكار، فإنّه ذهب إلى أنه يعتبر في الغير أن يكون مترتباً على المشكوك فيه، بمعنى: أنه كان وقوعه بعد المشكوك فيه دخيلاً في صحته، سواء كان بالأمر الوجوبي أم الاستحبابي، فالتجاوز متوقف على الغير المترتب على المشكوك فيه.
والسر فيه: أنّ التجاوز عن المحل غير صادق إلا مع الدخول في الغير المترتب، فقد قال: (كلّ ذلك لاستفادة عموم الحكم بالمضي من الأخبار بالدخول فيما رتب على المشكوك بالجعل الشرعي كان جزءاً للصلاة أو مستحباً نفسياً في حالها أو في خارجها مما هو من تبعاتها كالتعقيب (1).)وعلى هذا فلو شكّ في القراءة وقد دخل في القنوت أو شكّ في السلام وهو في التعقيب لا يعتني بالشك؛ إذ هما مأمور بهما ولو بالأمر الاستحبابي، وكل منهما مترتب على المشكوك فيه.وظاهر كلامه أنه إذا دخل في المنافي فبما أنه غير مأمور به فلا بد من الاعتناء بالشك، وكذلك في الهوي، كما إذا شكّ في الركوع وقد هوى إلى السجود؛ وذلك لأنّ ما هو مأمور به إنّما هو السجود، لا الهوي، والسجود غير ممكن إلا بعد الهوي إلى السجود، فهو مأمور به عقلاً، لا شرعاً.وفيه: أنه لو كان أساس هذا التحديد في مفهوم الغير، هو أن اللازم إنما هو الدخول في الشيء المترتب على المشكوك فيه بالجعل الشرعي، فهذا العنوان غير موجود في الروايات، وإن كان الأساس هو أنّ التجاوز عن المحل لا يصدق إلّا فيما إذا كان الغير مترتباً، فهذا يوجب تعيين المحل للغير، لا للمشكوك فيه، ومن المعلوم أن القراءة مثلاً لا بشرط من جهة القنوت، فلا يعتبر لها محل بالنسبة إلى القنوت وهكذا في التعقيب.اللّهم إلا أن يقال: إنّ التجاوز من شيء إلى شيء آخر متوقف على أن يكون للشيء الآخر محل، وكان محله بعده.ويمكن الجواب عنه بأنّ التجاوز متوقف على أن يكون لكل منهما محل - كما يأتي في تقريب القول الثالث - وعليه فلا بد من القول بأنه يعتبر في الأول أن يكون له محل
1) نهاية الأفكار 4 ق56:2.
بأن يكون قبل الثاني، وسبقه على الثاني مما يتوقف عليه صحته بالمعنى الأعم، أي أعم من الصحة والكمال، والثاني يعتبر فيه أن يكون تأخره عن الأول دخيلاً في الصحة بالمعنى الأعم أيضاً. هذا مضافاً إلى عدم وجود عنوان المحل في الروايات.القول الثالث: ما يستفاد من كلام السيد الخوئي (دام ظله وهو أنه يعتبر في التجاوز الدخول في الغير الذي يكون صحة المشكوك فيه بالمعنى الأعم متوقفاً على تعقب الثاني، والثاني - أيضاً - مأمور به ومتوقف صحته بالمعنى الأعم على التأخر عن الأول.)وأساس هذه الفكرة هو أنا نحتاج إلى التجاوز عن المحل، والتجاوز عن المحل لا بد وأن يكون للشيء المشكوك محل فيه، والمتجاوز إليه له محل، ومحل المشكوك إنما يحصل باعتبار سبقه على الثاني، والمتجاوز إليه يحصل باعتبار تأخره عن المشكوك فيه ولحوقه به.وعلى هذا لو شكّ في السلام، وهو في التعقيب فلا بد من الاعتناء بالشك؛ وذلك لأنا وإن كنا نقول بتأخر التعقيب عن السلام، إلا أنه لا يعتبر في السلام أن يكون متعقباً بالتعقيب، وكذلك في القنوت؛ فإنّه وإن كان القنوت يعتبر فيه أن يكون بعد القراءة، إلّا أنّ القراءة لا يعتبر فيها أن يتعقبها القنوت، والأمر في الهوي أوضح؛ إذ الهوي ليس مأموراً به شرعاً، وإنما يتوقف السجود عليه عقلاً.نعم، لو تصورنا الجزء المستحب، وقلنا إنّ الجزء المستحب جزء أمكن القول بأنّ الدخول في القنوت كاف، إلّا أنّ الجزء المستحب غير متصور للطبيعة، وذلك لأنّ جزئية الشيء للطبيعة تقتضي انتفاء الطبيعة بانتفاء الجزء؛ إذ الكل ينتفي بانتفاء أحد أجزائه، وهذه الخاصية تنافي الاستحباب؛ إذ مرجع الاستحباب إلى أن الإخلال به غير مضرّ بالطبيعة، وما يسمى بالجزء المستحب إنّما هو مستحب في واجب، لا أن يكون جزءاً واقعاً.
ويمكن أن يقال في الجواب عن هذا القول: إنّ هذا غير مذكور في الروايات وإنما نقول بذلك من أجل ما يتحقق به التجاوز فيقال: إنّ التجاوز عن المحل يصدق بأن يكون لكليهما محل، ومن المعلوم عدم ورود دليل بهذا العنوان، أي بعنوان التجاوز عن المحل.ويمكن تصور التجاوز بما سنذكره عند ذكر القول الرابع، ويظهر منه الجواب عن القول الثاني والثالث.القول الرابع: وهو أنّ الروايات التي ورد في بعضها لفظ (التجاوز وفي بعضها عنوان (الخروج) وفي بعضها عنوان (المضي).)وعلى ما استظهرنا من أنّ المراد من المضي هو المضي عن الشيء إما بمضيه حقيقةً أو بمضي محله، والمستفاد من الروايات أن التجاوز عن الشيء أعم من التجاوز عن الشيء حقيقة أو مع العناية، أي ما يقال له عرفاً: أنه مضى وتجاوز.والمضي صادق حتى وإن لم ينطبق عليه قانون القول الثاني أو الثالث. فمثلاً الدخول في القنوت كاف لصدق التجاوز والمضي عرفاً وإن قلنا بأن القنوت مستحب في الواجب، لا أن يكون له أمر ضمني، وكذلك الأمر في السلام إذا شكّ فيه وهو في التعقيب، وكذلك إذا شكّ في السلام بعد إتيانه المنافيات، وكذلك الهوي.والجامع هو أن كل ما لا ينبغي الدخول فيه أو الإتيان به شرعاً مع الإخلال بالمشكوك فيه في حال الالتفات يكون الدخول فيه أو الاتيان به موجباً لصدق المضي والتجاوز، سواء كان مأموراً بالأمر الوجوبي الضمني أم الاستحبابي أم لم يكن مأموراً به أصلاً، كإتيان المنافيات، أو الهوي.فظهر أن الصحيح هو القول الرابع، ولا ملزم للالتزام بما التزم به المحقق العراقي أو السيد الخوئي (دام ظله.)نعم، لو كان وارداً في الروايات عنوان التجاوز عن المحل كان لما ذكروه وجه، إلا أن الوارد في الروايات كما تقدم عنوان التجاوز والمضي والخروج، وهذه العناوين
صادقة فيما إذا دخل الإنسان فيما لا ينبغي دخوله حال الالتفات سواء كان مأموراً به أم لم يكن.### بقي شيء وهو في معقولية الجزء المستحب وعدمهاذكر السيد الخوئي (أيده اللّه وجهاً لعدم الاعتناء بالشك فيما إذا كان في القنوت وشك في القراءة، وهو مبني على تصور الجزء المستحب وعدمه، ولكنه لم يبحث عن ذلك بحثاً إثباتياً، بل بحث بحثاً ثبوتياً، وأنّ الجزء المستحب غير معقول، وذكر ذلك أيضاً السيد الحكيم (رَحمهُ اللّه) في مبحث الخلل.)والكلام في معقولية الجزء المستحب وعدم معقوليته على نحو الإجمال، فنقول: إن أساس عدم معقوليته هو أن حقيقة كون الشيء جزءاً تقتضي انتفاء الكل بانتفائه، والاستحبابية تقتضي جواز الإخلال به والجمع بين هاتين الجهتين من الجمع بين المتناقضين.ويمكن تصوير الجزء المستحب بنحو لا يرد عليه الإشكال، وهو الأمر أولاً بالطبيعة اللا بشرط من هذا الجزء، فهذا يشكل الماهية الواجبة، يعني ما تعلق به الأمر الوجوبي، وأمر آخر بالطبيعة مع هذا الجزء لا الأمر بالجزء استقلالاً. وعليه يكون القنوت مثلاً جزءاً لما تعلق به الأمر الاستحبابي، وهو ينتفي بانتفاء الجزء، ومن قال بالجزء المستحب لا يقول بأنه جزء مستحب للماهية المتصفة بالوجوب، بل المراد أنّ هنا أمراً بالطبيعة اللا بشرط، وأمراً آخر بالطبيعة بشرط شيء، والثاني أمره استحبابي.وقد ذكر السيد الخوئي (حفظه اللّه على ما في مصباح الأصول أن القنوت موجب لفضيلة سائر الأجزاء، وعليه فمعناه أنّ هنا أمراً وجوبي قد تعلق بالطبيعة اللا بشرط وأمراً آخر تعلق بالطبيعة بشرط شيء، وإن كان ذلك موجباً لفضيلة نفسه يكون من قبيل المستحب في الواجب، ومن المعلوم أن توجه الأمر الاستحبابي إلى الماهية)
بشرط شيء، والأمر الوجوبي إلى الماهية اللابشرط لا يلزم منه أي محذور، ولا يمكن المناقشة فيه، فإن أتى بالصلاة مع القنوت فقد امتثل كلا الأمرين؛ لأن الطبيعة اللابشرط توجد في ضمن بشرط شيء، وإن أتى بالصلاة بلا قنوت فقد امتثل الأم الوجوبي فقط، أي أنّ الماهية اللا بشرط تحققت في ضمن بشرط لا.نعم، للسيد الخوئي رأي في مبحث المطلق والمقيد، وهو أن الأمر الوجوبي بالماهية اللابشرط والأمر الوجوبي بشرط شيء غير ممكن عقلاً أو عقلاء؛ ولذا لا بد من حمل المطلق على المقيد، فإذا قال: (اعتق رقبة، و(اعتق رقبة مؤمنة)، فلا بد من حمل المطلق على المقيد؛ لأنّ العرف لا يساعد على هذين الجعلين، وذلك لأنه حينما يأمر بالماهية بشرط شيء، فكأنّ العقلاء يرون نفس الماهية مفروضة الوجود، فيكون معه الأمر بالماهية اللابشرط لغواً.)وهذا على فرض صحته إنّما يتم لو كان الأمر الثاني - أي الماهية بشرط شيء - على نحو الوجوب. وأما في المقام فلا يتم؛ لأن الأمر الثاني استحبابي.هذا تتمة الكلام في الجهة الأولى من الجهتين في هذا البحث.وأما الجهة الثانية وهي البحث عن الروايات الخاصة، وأن مفادها يوافق أياً من الأقوال الأربعة في تحديد الغير الذي لا بد من الدخول فيه.أما على مسلك المحقق النائيني وهو أنّ المستفاد من الروايات قاعدة الفراغ فقط وإنّما طبقت هذه القاعدة على أجزاء الصلاة واعتبرت وقائع مستقلة، فلا بد من تعيين حدود الغير من الأمثلة المذكورة في الروايات.وأما على ما سلكناه فهل يمكن أن تكون الأمثلة المذكورة مقيدة للمطلقات أو لا؟والروايات التي نريد البحث عنها في هذا المقام أربعة:الرواية الأولى: صحيحة زرارة المتقدمة، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ: رجل شكّ في الأذان وقد دخل في الإقامة، قال: «يمضي»، قلت: رجل شكّ في الأذان)
والإقامة وقد كبر، قال: «يمضي»، قلت: رجل شكّ في التكبير وقد قرأ، قال: «يمضي»، قلت: شكّ في القراءة وقد ركع، قال: «يمضي» قلت: شكّ في الركوع وقد سجد، قال: «يمضي على صلاته»، ثمَّ قال: «يا زرارة إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشيء».فالكبرى بناء على مسلك المحقق النائيني ناظرة إلى قاعدة الفراغ، ومورد جميع الصغريات الموجودة الشكّ في جزء مع الدخول في جزء آخر، وليس فيها مورد من الشك في جزء والدخول في مقدمات الجزء الآخر، فلا بد وأن يحدد الغير بهذا الحد.وأما على مسلك غيره من أنّ الكبرى دالة على التجاوز أو دالة على الجهة الجامعة، فلقائل أن يقول: بما أنّ في هذه الرواية قد لوحظ في الأمثلة الدخول في الغير الذي له جزئية استقلالية، فهذا يكون مانعاً من انعقاد الإطلاق للكبرى، فلا تشمل مثل الهوي؛ وذلك من جهة وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب، ومع وجوده لا يمكن الأخذ بالإطلاق.الرواية الثانية: معتبرة إسماعيل بن جابر، قال: قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ : «إن شكّ في الركوع بعد ما سجد فليمض، وإن شكّ في السجود بعد ما قام فليمض كل شيء شك فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه» (1).)ويمكن أن يقال في هذه الرواية: إنّ الأمر فيها أوضح من الرواية السابقة حيث إن التقييد ورد في كلام الإمام، لا الراوي، وبما أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ قال: «إن شكّ في الركوع بعد ما سجد... وإن شكّ في السجود بعد ما قام» لذا يظهر أنّ المعتبر في قاعدة التجاوز هو الدخول في الغير المستقل في الجزئية، ولم يقل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : (إن شكّ في الركوع بعد ما هوى إلى السجود فليمض)، وهكذا في السجدة، فإنه لم يقل الإمام: (إن)
1) تهذيب الأحكام 2: 153.
شك في السجود بعد ما نهض للقيام، فهذا يدلّ على الانتفاء عند الانتفاء، بلحاظ مفهوم الشرط أو مفهوم القيد.)الرواية الثالثة معتبرة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ : رجل رفع رأسه من السجود فشك قبل أن يستوي جالساً فلم يدر أسجد أم لم يسجد قال : «يسجد»، قلت: فرجل نهض من سجوده فشك قبل أن يستوي قائماً فلم يدر أسجد أم لم يسجد، قال: «يسجد» (1).)بتقريب أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ حكم بالاعتناء بالشك مع أنه دخل في المقدمات للدخول في الغير، فهذه الرواية مخالفة للقول بأنّ الدخول في المقدمات كاف الجريان التجاوز.)وقبل أن نجيب عن الروايات نقول: إنّ هذه الرواية - في النظر البدوي - فيها تشويش؛ إذ يبدو أن قوله: (رفع رأسه من السجود فشك قبل أن يستوي جالساً فلم يدر أسجد أم لم يسجد فيه تهافت بين الصدر والذيل؛ إذ المفروض أنه رفع رأسه من السجود، ومورد شكه الشكّ في السجود، فهو إن كان يعلم أنه رفع رأسه من السجود فهو عالم بأنه قد سجد، وإن كان يشك في السجود، فهو لا يدري رفع رأسه من السجود أو لا، وهكذا في الجملة الثانية.)والقوم وإن استدلوا بهذه الرواية، إلا أنه لم أر من تعرض لهذه الجهة تفصيلاً، ولا بد من توجيهها بأحد توجيهين :التوجيه الأول: ما يستفاد من عنوان الباب في الاستبصار، فإنّ الشيخ ذكر هذه الرواية ضمن باب من شكّ في أنه سجد واحدة أو ثنتين، والقول بأن قوله: (رفع رأسه من السجود رفع رأسه من السجود، فشك قبل أن يستوي جالساً أسجد)
1) تهذيب الأحكام 2 : 153.
سجدتين أم سجد سجدة واحدة، ونرفع اليد عن ظهورها وأن الشكّ في أصل السجود، وهكذا في الجملة الثانية.التوجيه الثاني: أن قوله: (رفع رأسه من السجود الى آخره معناه أنه كان عازماً على السجود وانحنى إلى حالة يطلق عليها السجود عرفاً، إلا أن السجود بما أنّ حقيقته وضع الجبهة على الأرض مع سائر الشرائط، فشك في أنه هل سجد أو لا، فإنّ السجود انحناء خاص عرفاً، وفي الشرع عبارة عن وضع الجبهة على الأرض مع شرائط أخر.)وعلى التوجيه الثاني الاستدلال بالرواية محل تأمل من جهة أن ما هو جزء المقدمات عبارة عن النهوض المبدوء بالسجدة والمنتهي إلى القيام، ومثل هذا النهوض إنما يكون من المقدمات العقلية للقيام وهو في المقام مشكوك فيه.وكيف كان يتوجه الإشكال إلينا، إذ نحن قلنا: إنّ المعيار هو الدخول فيما لا ينبغي الدخول فيه مع الإخلال بسابقه حال الالتفات.الرواية الرابعة : صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ : رجل أهوى إلى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع ؟ قال: «قد ركع» (1).)وقد أجابوا عن هذه الرواية بأجوبة :منها : ما عن السيد البروجردي على ما في تقرير بحثه من أن الرواية معرض عنها، ونحن قد ذكرنا في الدورة السابقة وأجبنا عن ذلك بأن الرواية لم يعرض عنها كما يظهر من كتاب مفتاح الكرامة.ومنها ما أجاب به المحقق النائيني وغيره، وهو أنّ (أهوى إلى السجود أعم من أنه وصل إلى السجود أم لم يصل، ونقيد هذه الرواية بمفهوم صحيحة إسماعيل بن)
1) تهذيب الأحكام 2 : 151.
جابر (رجل شكّ في الركوع بعد ما سجد وأنه أهوى إلى السجود، وسجد، وشك في الركوع.)وسيأتي إن شاء اللّه أنه ليس لرواية إسماعيل بن جابر مفهوم كي تقيد به هذه الرواية.ومنها: ما أجاب به السيد الخوئي وهو أنّ (أهوى فعل ماض، ومعنى ذلك أنّ الهوي قد تمّ، فإذا تم الهوي فقد وصل إلى السجدة.)وفيه أنه لو كان الأمر كذلك لا بد وأن يكون السؤال هكذا: (رجل سجد يدر أركع أم لم يركع لا أنه أهوى، وهذا وإن كان صحيحاً من أن الفعل الماضي يدل على المضي إلّا أنّ في المركبات الامتدادية يستعمل الماضي بعد إتيان الجزء الأول منه، فإنّه فيما إذا سئل عن زيد وأنه ذهب إلى أي مكان؟ نجيب بأنه ذهب إلى كربلاء، مع علمنا أنه لم يصل إليها بعد، والهوي أمر امتدادي، فمن حين شروعه يمكن التعبير عنه بأنه أهوى إلى السجود.)ومنها ما احتمله صاحب مفتاح الكرامة وهو الفرق بين قوله (أهوى للسجود و (أهوى إلى السجود)، فإذا قال: (أهوى للسجود) فمعناه أنه بعد لم يصل إلى الغاية، بخلاف ما إذا قال: (أهوى إلى السجود)، فإنّه ظاهر في وصوله إلى السجود.)وهذا الجواب - أيضاً - غير صحيح، فقد عرفت الجواب عن ذلك بما أجبنا به عن السيد الخوئي (أيده اللّه.)وأما الروايات التي استدلوا بها فلا بد من الجواب عنها على الترتيب فنقول:أما صحيحة زرارة فلا يمكن استفادة الكبرى الكلية منها وأنه يكفي الدخول في الغير حتى إذا لم يكن جزءاً. هذا بناء على مسلك المحقق النائيني.وأما على مسلكنا، فنحن قد ذكرنا سابقاً أن ما قيل في الإطلاق والأخذ به من عدم وجود قدر متيقن في البين لا أساس له ولا سيما في التعليميات، فإنّ الإمام قطع أسئلة زرارة وبين الحكم بقوله «يا زرارة» الى آخره.
وأما رواية إسماعيل بن جابر - بتوهم مفهوم الشرط - فالجواب عنها ما ذكرناه في مبحث المفاهيم من أن القضية الشرطية قد تكون ثنائية، وقد تكون ثلاثية، وما يكون لها مفهوم إنّما هي الثلاثية، أي ما تكون مشتملة على ثلاثة أجزاء: الموضوع والشرط والمحمول. فمثلاً إن قال: (زيد إن جاءك فأكرمه فبما أن القضية ثلاثية الأطراف فلها مفهوم؛ إذ أخذ فيها زيد مفروض الوجود والإكرام معلق على مجيء زيد وأداة الشرط أداة تعليق، يعني أن الارتباط بين الموضوع والمحمول متوقف على تحقق المجيء، فإن لم يتحقق ذلك لم يكن بينهما رابط، وهذا هو معنى المفهوم.)وقد تكون القضية ثنائية الأطراف، أي إذا كانت مشتملة على موضوع ومحمول فقط، فلا تدلّ على الانتفاء عند الانتفاء وإن كانت بصورة الجملة الشرطية، مثل قوله: (إن تحقق العالم العادل فأكرمه أو (إن رزقت ولداً فاختنه) فهنا أداة الشرط تعلّق في الحقيقة وجود المحمول على وجود الموضوع، وانتفاء الحكم بانتفاء موضوعه أمر عقلي وليس انتفاؤه بانتفائه من ناحية مفهوم الشرط.)وقد يشتبه الأمر ولا يعلم أنّ القضية ثنائية الأطراف أو ثلاثية الأطراف، كما إذا قال: (إن ركب الأمير يوم الجمعة فخذ ركابه، فهل لا بد وأن يقال: ركوب الأمير إن كان يوم الجمعة، حتى تكون القضية ثلاثية الأطراف، أو لا بد وأن يقال: إنها ثنائية الأطراف؛ إذ يوم الجمعة أخذ من ملابسات القضية، ولم تؤخذ جملة مستقلة، ومعناه: إن تحقق ركوب الأمير يوم الجمعة فخذ ركابه، نعم لو قال: (إن ركب الأمير وكان ركوبه يوم الجمعة) كان له مفهوم.)وفي المقام قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: (إن شكّ في الركوع بعد ما سجد) ثنائية الأطراف، نعم لو كان هكذا: (إن شكّ في الركوع وكان بعد ما سجد) لكانت ثلاثية الأطراف، ولكن بما أنّ (بعد ما سجد) أخذ من ملابسات الشكّ، لا أن تكون جملة مستقلة، فلا بد من)
القول بأنّها ثنائية الأطراف، ولا تدلّ على الانتفاء عند الانتفاء، وعليه فالاستدلال بهذه الرواية غير تام.وأما معتبرة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه، فقد ذكرنا أنها محتاجة إلى التأويل، وذكرنا في تأويلها احتمالين، وطريق الاستدلال بها أنّ هذا الشخص نهض إلى القيام وشك في السجدة، وأمره الإمام بلزوم الإتيان بالسجدة، فيظهر منها أن الدخول في المقدمات غير كاف الجريان التجاوز.ويمكن الجواب عنه:أولاً: أن حكم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ في مقدمة خاصة بعدم جريان القاعدة لا يمكن استفادة الكبرى الكلية منه؛ إذ غاية الأمر أنه نلتزم في مورده بعدم جريان قاعدة التجاوز، كما يظهر ذلك من جماعة - على ما في مفتاح الكرامة - وأنهم التزموا في خصوص هذا المورد بعدم جريان القاعدة، وقد أفتى السيد اليزدي في العروة بذلك في خصوص المورد. وأمّا الدخول في سائر المقدمات فيكتفى به. والاستبعاد الذي ذكره صاحب الحدائق وأنّ التفصيل غير معقول ضعيف، وقد أجابوا عنه بأنّ هذا أمرٌ معقول.)وثانياً: أن الحكم بالسجدة في هذه الصورة على وفق القاعدة، لا أن يكون على خلاف القاعدة؛ وذلك لأنّ النهوض هنا ليس من المقدمات؛ إذ النهوض ليس من السجدة الحقيقية - على التوجيه الثاني الذي ذكرناه لهذه الرواية، وهو أقرب من التوجيه الأول - بل هو بمعنى التهيئ، وما هو جزء المقدمات هو النهوض من السجدة إلى جلسة الاستراحة في الجملة الأولى، والنهوض من السجدة أو النهوض من جلسة الاستراحة التي تكون بعد السجدة الثانية بناءً على القول بوجوب جلسة الاستراحة، كما ذكر جماعة واحتاط السيد في العروة، ولكن الحق أنها غير لازمة.
وكيفما كان فالمقدمة إنّما هي النهوض من السجدة الثانية أو من الجلوس بعد السجدة الثانية، وأما النهوض من الحالة المفروضة وهي هيئة السجدة لا واقع السجدة، فعده من المقدمات غير صحيح، وخارج تخصصاً.لا يقال: إنه بناءً على ما ذكرتم من أنّ المراد من الغير هو كل ما لا ينبغي الدخول فيه مع الإخلال بسابقه في حال الالتفات، وهذا النهوض كذلك، فإنّه لو كان مخلاً بالسجدة لم يكن ينبغي الدخول فيه في حال الالتفات.لأنا نقول: إنّ ما ذكرناه من أنّ الغير هو مطلق الغير إنما ذكرناه في قبال من قال بأن المعتبر هو الدخول في الركن أو الدخول في الغير الذي يكون مأموراً به ومترتباً على المشكوك فيه، أو الدخول في الغير الذي يكون مأموراً به، وكل واحد من الغير والمشكوك فيه لا بد وأن يكون بينهما ربط، أي أنه يعتبر في المشكوك فيه سبقه علىالثاني، ويعتبر في الثاني لحوقه بالمشكوك فيه، وكلاهما لا بد وأن يكون مأموراً به.وعليه: قالوا بأن الدخول في المقدمات غير كاف لجريان القاعدة، ونحن في قبالهم ذكرنا أن ما له محل سواء كان مأموراً به أم لم يكن مأموراً به فالدخول فيه كاف لجريان التجاوز، سواء كان مأموراً به بالأمر الوجوبي، كالأجزاء أم مأموراً به بالأمر الاستحبابي، كالقنوت والتعقيب، وقد يكون جوازه مشروطاً بأن يكون عقيب العمل كالمنافيات؛ فإنها لا تجوز إلّا بعد التسليم، فنحن لم نقل بعدم لزوم المحل، بل قلنا إنّ المحل أعم من أن يكون بالأمر الوجوبي أو الاستحبابي أو بلا أمر، كالدخول في المقدمات أو جوازه مشروط بأن يكون بعد العمل.وعلى كل لا بدّ من العمل بهذه الصحيحة سواء قلنا بأن الصحيحة مخصصة أم قلنا بأنّ المورد خارج تخصصاً.
### الجهة الثامنة في ما يتحقق به الفراغلا بدّ من التذكير بما تقدم من أنّ قاعدة الفراغ تستعمل في معنيين:أحدهما: الفراغ الواقعي عن العمل.ثانيهما: الفراغ البنائي والاعتقادي، أي يعتقد أن عمله كان صحيحاً، ثم يشك.وهما قاعدتان فقاعدة الفراغ الواقعي لها ترابط مع قاعدة التجاوز، وقاعدة الفراغ البنائي قسم من أقسام قاعدة اليقين والشك الساري.ومعنى قاعدة الفراغ البنائي أنه حينما أتى بالعمل كان اعتقاده أنه صحيح، ثم على نحو الشكّ الساري يشك في أن يقينه هل كان مطابقاً للواقع أو لا.فربما يقال بحجيتها في خصوص المورد، لا في كل مورد، وعند تعرضنا لقاعدة اليقين قد ذكرنا هذه القاعدة، كما تعرضنا لها في أوائل مبحث قاعدة الفراغ والتجاوز.وذكرنا أن قدماء الأصحاب مختلفون، فمنهم من قال بقاعدة الفراغ الحقيقي وقاعدة الفراغ البنائي كالشيخ الطوسي في النهاية، ومن المتأخرين صاحب الجواهر، ومنهم من قال بقاعدة الفراغ الحقيقي، دون الفراغ البنائي، ومنهم من قال بقاعدة الفراغ البنائي دون قاعدة الفراغ الحقيقي.والدليل الذي يدلّ على قاعدة الفراغ البنائي روايتان:إحداهما : رواية محمد بن مسلم.ثانيتهما: رواية فقه الرضا.وقد ناقشنا في كلتيهما من جهة السند، ولذا لا نبحث هنا عن الروايتين اللتين هما متمحضتان في الدلالة على قاعدة الفراغ البنائي.وإنما نبحث هنا عن سائر الروايات التي استدل بها على قاعدة الفراغ لنرى أنّ المستفاد منها هل هو قاعدة الفراغ الحقيقي أو البنائي؟
فنقول : إنّه قد أخذ في بعضها عنوان (المضي، كصحيحة محمد بن مسلم «كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو».)وفي رواية أُخرى له يقول: سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ يقول: «كل ما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكراً فامضه ولا إعادة عليك فيه» (1).)وأخذ في بعضها عنوان الفراغ، كصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ قال: «كل ما شككت فيه بعد ما تفرغ من صلاتك فامض ولا تعد» (2).)وفي بعضها أخذ عنوان الخروج، وفي بعضها عنوان التجاوز، هذا على ما سلكنا تبعاً للشيخ والمحقق الأصفهاني من أنها - أيضاً - دالة على قاعدة الفراغ والتجاوز، أي دالة على الجهة الجامعة.والأقوال في ما يتحقق به الفراغ ثلاثة:القول الأول: أنّ المراد هو الفراغ الحقيقي.القول الثاني: أن المراد قاعدة الفراغ الحقيقي والفراغ الادعائي أو العرفي. وهو مسلك المحقق النائيني.القول الثالث: أن المراد هو الفراغ البنائي.أما القول الأول، فتقريبه : أنّ المراد من الكلمات التي جعلت موضوعاً في هذه الروايات مثل (الصلاة و(الطهور) و (الشيء) وأمثال ذلك ليس هو خصوص الصحيح، بل المراد منها هو الأعم من الصحيح والفاسد، أي ما يدور مداره التسمية على القول بالأعم؛ إذ لو كان المراد من الصلاة أو الطهور خصوص الصحيح لما كان وجه للشك.)
فالمراد في هذه الروايات هو الأعم وما تدور التسمية مداره على القول بالأعم، سواء قلنا في مبحث الصحيح والأعم أن أسامي العبادات موضوعة لخصوص الصحيح أم قلنا إنها أعم من الصحيح والفاسد أم قلنا إن الموضوع له في الصلاة وأشباهها هو الخضوع الاعتباري الذي يختلف مصاديقه باختلاف الملل والنحل من قبيل الدينار الذي هو عبارة عن مثقال من الذهب المسكوك، ثم تحولت إلى ورقة نقدية لجهة من الجهات واستعملت في ماهية اعتبارية، وتختلف باختلاف الاعتبارات فالدينار الكويتي دينار والدينار العراقي دينار وهكذا، أي تختلف مصاديقها باختلاف الملل والنحل، ولأجل كثرة التطبيق يمكن أن يراد منها معظم الأجزاء.والمقصود أن الصلاة وأمثالها في هذه الروايات مستعملة في معظم الأجزاء التي تدور التسمية مدارها عرفاً، ومضيها يتحقق بأحد أمرين:الأول: الإتيان بالجزء الأخير، فإن أتى بالجزء الأخير مع الإتيان بمعظم الأجزاء صدق أنه فرغ منه فراغاً حقيقياً.الثاني: الإتيان بالمنافيات، فإنّه إن أتى بالمنافي أو أخل بالموالاة فيما يعتبر فيه الموالاة يصدق عليه أنه فرغ تكويناً.وأما إذا شكّ في الجزء الأخير ولم يأت بالمنافي أو لم يخل بالموالاة فيما يعتبر فيه الموالاة، فلا يصدق عليه الفراغ وهو قابل للتدارك.وعلى هذا لو شكّ في الغسل وأنه هل غسل الطرف الأيسر أو لا، بناء على لزوم الترتيب بين الأيمن والأيسر فيها أنه لا يعتبر فيه الموالاة ولم يأت بالمنافي، فيجب عليه غسل الأيسر، ولا تجري قاعدة الفراغ، وهذا ما سلكه بعض الأكابر، وعبرنا عنه بالفراغ الحقيقي.وأما القول الثاني: وهو أنّ المعيار أعم من المذكور في القول الأول، أي أنّ الفراغ يتحقق بالأمور المتقدمة وبأمر آخر وهو أنه إذا كان بناء الشخص في مثل ذلك على التتابع وأنه عادة لا يبقي مقداراً من الطرف الأيسر في الغسل، والآن يرى نفسه فارغاً
من العمل، ثم شكّ في أنه هل غسل الطرف الأيسر أو مقداراً من الطرف الأيسر أو لا، فتجري قاعدة الفراغ.وهكذا في الوضوء إذا شكّ في مسح الرجل اليسرى وبعد لم يجف البلل الذي في الأعضاء، وهو مشغول بعمل آخر، فيصدق عليه أنه فرغ من وضوئه.وصدق الفراغ عرفاً كاف في جريان القاعدة، ولا يعتبر في الفراغ أن لا يكون متمكناً من التدارك، بل لا بد من الصدق العرفي، وهذا صادق فيما إذا أتى بالمنافي أو أخل بالموالاة فيما يعتبر فيه الموالاة أم لم يأت.ويمكن أن يورد عليه بأنّ هذا من التمسك بالمسامحات العرفية، والحال أنه لا يتمسك بها، لا في تفسير المفاهيم ولا في تشخيص المصاديق.والجواب عن ذلك أنّ العرف بلحاظ مجموع الجهات التي في الروايات يحكم بأنه قد فرغ، والمعيار هو الفهم العرفي.ويمكن تأييد المحقق النائيني بصحيحة زرارة الواردة في الوضوء «ما دمت في حال الوضوء فإذا قمت من الوضوء وفرغت منه فقد صرت في حال أُخرى في صلاة أو غير صلاة» الى آخرها، وهذا أعم من فوت الموالاة أو عدم فوت الموالاة، فبما أنه يعتبر في الوضوء المتعارف التتابع بين أجزائه، فبمجرد أن قام من الوضوء وصار في حالة أُخرى لا يعتني بالشك.وهكذا في الغسل قال :حريز قال زرارة قلت له رجل ترك بعض ذراعه أو بعض جسده من غسل الجنابة فقال: «إذا شكّ وكان به بلة وهو في صلاته مسح بها عليه وإن كان استيقن رجع وأعاد، فإن دخله الشكّ وقد دخل في حالة أُخرى فليمض في صلاته ولا شيء عليه» فنرى أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ حكم بعدم الاعتناء بالشك مع أنه لا يعتبر في الغسل الموالاة، والمفروض أن الجزء هو الجزء الأخير.)
وبما ذكرنا من تفسير لكلام المحقق النائيني ظهر أن الإشكالات الواردة عليه غير واضحة، وسنتعرض للإشكالات عند التعرض للقول الثالث إن شاء اللّه، وأحد هذه الإشكالات ما ذكره بعض الأكابر على ما في مصباح الأصول (1: (إلا في باب الوضوء، فإنّه تجري قاعدة الفراغ عند الشكّ في الجزء الأخير منه مع الاشتغال بشيء آخر ولو لم يتجاوز محل التدارك، كما إذا شكّ في مسح الرجل مع الاشتغال بالصلاة أو بالدعاء المأثور بعد الوضوء، وذلك لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في صحيحة زرارة «فإذا قمت من الوضوء وفرغت منه» - إلى أن قال - وحيث إنّ هذا الحكم على خلاف القاعدة يجب الاقتصار في مورد النص وهو الوضوء، فلو شكّ في الجزء الأخير من الغسل مع الاشتغال بشيء آخر كالصلاة لا مجال لجريان قاعدة الفراغ).)ويظهر من هذه العبارة أنه يعتبر في الوضوء الدخول في الغير لجريان القاعدة، ونحن قد ذكرنا سابقاً أنه لا يظهر من الصحيحة الدخول في الغير.كما يظهر أن الحكم مختص بباب الوضوء، والحال أنّ الذيل الذي ذكرناه ذيل لهذه الرواية، إلّا أنّ صاحب الوسائل ذكر ما يتعلق بالوضوء في باب الوضوء وما يتعلق بالغسل في باب الغسل، مضافاً إلى أنّ المستظهر من الرواية أن حكمه (عَلَيهِ السَّلَامُ في الوضوء بعدم الاعتناء وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «ما دمت في حال الوضوء» على القاعدة، لا على خلافها، ولا يختص بباب الوضوء.)وأما القول الثالث: وهو أن المستفاد من الروايات الفراغ الاعتقادي والبنائي، في قبال القولين السابقين، يعني أن المعيار في الفراغ هو الاعتقاد بأنه فرغ من العمل، ولو التزمنا بهذا القول لم يكن الجزء الأخير أو إتيان المنافي أو فوت الموالاة بعنوانها دخيلاً في قاعدة الفراغ، بل هذه الأمور إنما تكون دخيلة من حيث إنها سبب لليقين بأنّ العمل وقع صحيحاً وفرغ منه، وهذا ما ذكره السيد الحكيم في المستمسك.
1) مصباح الأصول 2: 354.
ولا بد من التذكير بأنّ الألفاظ موضوعة للمعاني النفس الأمرية، لا للمعاني المكشوفة، وعنوان المضي والفراغ وأمثاله طبعها يقتضي حملها على غير معنى الفراغ الاعتقادي، بل بمعنى الفراغ الواقعي والحقيقي أو العرفي.إلا أن السيد الحكيم (رَحمهُ اللّه قد ذكر أمراً يريد به إثبات أن المراد من الفراغ هو الفراغ الاعتقادي، وهو وإن لم يذكر بعنوان أولاً وثانياً وثالثاً، إلا أنه يمكن استفادة ذلك من مجموع كلامه، وهذه الأمور الثلاثة هي:)الأمر الأول: ما ذكره بقوله (1: (إن ثبت اعتبار عنوان الفراغ في جريان قاعدة الفراغ كما هو ظاهر النصوص على ما تقدّم فالمراد به إما الفراغ الحقيقي أو الإدعائي أو البنائي، والأول موجب لسقوط القاعدة عن الحجية؛ إذ مهما شكّ في الجزء فقد شك في الفراغ الحقيقي، فلا يمكن التمسك بها لإثبات الجزء، والثاني مما لا يمكن الالتزام به لتحققه بفعل معظم الأجزاء، ولا ريب في عدم جريان القاعدة حينئذ؛ فإنّه خلاف الصحيح المتقدم - والمراد من الصحيح صحيحة زرارة الواردة في الوضوء والغسل المتقدمة - فلا بد أن يكون المراد الأخير الحاصل بمجرد انتهاء العمل لاعتقاد تمامه).)ومرجع هذا الكلام إلى أنّ الأمر يدور مدار هذه المعاني الثلاثة، وبما أنه يرد المحذور على الأول والثاني فلا بد من الالتزام بالأخير.ونحن نقول في الجواب:أما عن الإشكال الأول وهو الإشكال على القول الأول من أنه موجب لسقوط القاعدة عن الحجية، فيظهر الجواب عنه مما ذكرناه في تقريب القول الأول من أن المراد من الصلاة وأشباهها هو ما تدور التسمية مداره، لا العمل الصحيح، والإشكال مبني على أن يكون المراد هو العمل الصحيح.
1) مستمسك العروة الوثقى 2 : 518.
وأما الإشكال على القول الثاني وأنه لا يمكن الالتزام به لتحققه بفعل معظم الأجزاء الى آخره، فالجواب عنه أن القائل بهذا القول لا يرى فعل معظم الأجزاء محققاً للفراغ، بل فعل معظم الأجزاء من أجل تحقق ماهية خاصة، والفراغ منه إما يحصل بالأمور المذكورة في القول الأول، وإما بالفصل فيما يأتي به متتابعاً عادةً، كما إذا كانت عادته عملاً على تتابع الأجزاء في الغسل، فإذا شكّ بعد الفصل وبعد فوت التتابع يصدق عليه أنه فرغ من العمل.وقد غفل السيد الحكيم (رَحمهُ اللّه رجال عن هذا الركن من كلام المحقق النائيني، كما غفل السيد الخوئي (أيده اللّه) عن ذلك على ما في مباني الاستنباط (1)حيث قال: (وأما ما أفاده المحقق النائيني (قدس سره) من أن مضي معظم الأجزاء يكفي في جريان القاعدة، ولا يلزم مضي جميعها، ففيه أنّ العبرة أنما هو بصدق المضي، ومن الظاهر أن مضي معظم الأجزاء لا يوجب صدق مضي الشيء بما هو شيء مع عدم مضي بعضه).)وهذا غفلة منه، فإنّ المحقق النائيني قد صرح بأنّ الفراغ يدور مدار فعل معظم الأجزاء الذي جرت العادة بالتتابع في أجزائه، قال: (فصدق التجاوز والمضي يدور مدار فعل معظم الأجزاء، لكن مع جريان العادة على التتابع والموالاة بين الأجزاء، فإنه لا يصدق عرفاً التجاوز عن جملة المركب إلا إذا جرت العادة على ذلك (2)، فهو لا يرى أنّ معظم الأجزاء محقق للفراغ سواء جرت العادة على التتابع أم لا، بل معظم الأجزاء التي جرت العادة بالتتابع في أجزائه.)
وقال في أجود التقريرات: (فإنّ جريان العادة بغسل الجميع في زمان واحد يوجب صدق التجاوز عن العمل عند الشكّ في الجزء الأخير مع القطع بتحقق معظم الأجزاء (1).)فالإشكال على القول الثاني غير صحيح ولم يقل أحد بأن معظم الأجزاء كاف لصدق الفراغ، والصحيح المتقدم شاهد على تمامية ما ذكره المحقق النائيني، ولذا قلنا بأن ما ذهب إليه المحقق النائيني هو الصحيح.الأمر الثاني مما يستفاد من كلام السيد الحكيم (رَحمهُ اللّه هو قوله: (وبالجملة: الفراغ بأي معنى أخذ لا يتوقف على الدخول في الغير أو القيام أو نحوهما، بل هي متوقفة عليه، فيقال: (فرغت فقمت)، ولا يقال: (قمت ففرغت) فكيف يصح اعتبارها فيه) (2).)وتوضيح ذلك بتقريب منا هو : أنّ الفراغ على القولين الأولين متوقف في الجملة على أمر آخر من فعل مناف أو فوت موالاة أو فصل كثير في الأمور التي يكون المتعارف فيها هو التتابع بين الأجزاء، أي أنّ هذه الأمور محققة للفراغ، والحال أنّ هذه الأمور مما يفرعها العرف على الفراغ، فيقولون: (فرغت فقمت، ولا يقولون (قمت ففرغت)، وهذا أكبر شاهد على أنّ المنافيات وأمثالها لا دخل لها في الفراغ.)والجواب عن ذلك هو : أنا لا نقول بصحة هذه العبارة في بعض الموارد كما إذا أتى بعمل صحيح وفرغ منه، ثمَّ قام، فيقال: (فرغت فقمت، وقد يكون الإتيان بالمنافي محققاً للفراغ، وهكذا غير المنافي من الفصل الطويل وفوت الموالاة، فيشك أنّ الفراغ قبل هذه الأمور أو بعدها، وما يقال: (فرغت فقمت) على فرض صحته في هذا المورد إنما يكون صحيحاً بلحاظ أنّ الفراغ يحصل بالحالة المستتبعة للمنافي، لا أن)
يحصل الفراغ بعد إتيان المنافي، أي الحالة التي ينتهي إليها الفراغ بنحو يكون الحد خارجاً والمحدود داخلاً، ولذا يصح أن يقال: (فرغت فقمت، فبلحاظ أنّ القيام علة للفراغ يصح أن يقال: (قمت ففرغت)، وبلحاظ أنّ الفراغ متقدم زمانا على القيام يصح (فرغت فقمت)؛ إذ الفراغ يحصل آناً ما قبل القيام والإتيان بالمنافي، مضافاً إلى أن العبارة ليست من العبارات الشائعة حتى في موارد الشكّ ليتمسك بها ويستدل بها.)الأمر الثالث : قوله (رَحمهُ اللّه : (و يوضح ما ذكرنا امتناع التفكيك بين الفراغ بالإضافة إلى غير الجزء الأخير وبينه بالإضافة إليه، ومن المعلوم أن تحقق الفراغ في الأول بفعل الجزء الأخير ليس الخصوصية فيه، وإلّا لتعذر الفراغ في الثاني، فلا تجري فيه القاعدة أصلاً، بل لتحقق الفراغ بنظر الفاعل) (1).)توضيح كلامه: أنّ الفراغ يتحقق بالجزء الأخير، إلا أن الكلام في أنّ الفراغ الذي يحصل بواسطة الجزء الأخير هل هو بواسطة خصوصية في الجزء الأخير - وعليه فلا بد من القول بأنّ الفراغ لا يحصل إلا بالجزء الأخير، لا بإتيان المنافي وفوت الموالاة أو الفصل الطويل - أو بسبب أمر آخر، وهو تحقق الفراغ بنظر الفاعل؟ فيما أنّ الجزء الأخير - أيضاً - مما يوجب تحقق الفراغ بنظر الفاعل فمن هذه الجهة لا بد من تحقق الفراغ في غيره من الأجزاء - أيضاً - بنظر الفاعل.والجواب عن ذلك: أنا لا نقول إنّ الجزء الأخير بما هو جزء أخير له خصوصية، بل إنّ الفراغ العرفي يحصل ويتحقق بتحقق الجزء الأخير بعد الإتيان بمعظم الأجزاء، والأشياء التي كالجزء الأخير كإتيان المنافيات أو فوت الموالاة أو زوال التتابع العرفي بما أنها في نظر العرف محققة للفراغ فلذا حكمها حكم الجزء الأخير، ويكتفى بأحد هذه الأمور.
1) مستمسك العروة الوثقى 2 : 519.
فظهر أنّ هذا القول لا يمكن الاعتماد عليه كما ظهر أن القول الثاني وهو ما ذهب إليه المحقق النائيني أقوى، والوسط أوسط.### الجهة التاسعة في جريان القاعدتين في موارد الغفلة والجهل بالحكمهل تجري قاعدة الفراغ أو التجاوز في موارد القطع بالغفلة والجهل بالحكم أو لا؟يظهر من عبارة المحقق الهمداني أنّ القدماء قد أطلقوا ذلك، وحكموا بالصحة في مطلق موارد الشكّ بعد الفراغ، بلا فرق بين أن يكون قاطعاً بالغفلة أو لا، وبين أن يكون جاهلاً بالحكم أو لا.وهذا ما نقله المحقق الهمداني في حاشيته على الرسائل، واختاره، وذهب إلى أنّ بناء العقلاء عليه، وأنه لو لم نقل به لزم العسر والحرج.وقد ناقش بعض المتأخرين في عدة صور منه.الصورة الأولى ما إذا كان قاطعاً بالغفلة في جهة من الجهات المربوطة بعمله، ومع ذلك يحتمل أن يكون المأتي به مطابقاً للمأمور به من باب صدور عمل منه اتفاقاً.وهذا كما إذا قطع بأنه حين الوضوء كان غافلاً عن أنه لابس للخاتم، ويشك في وصول الماء إلى ما تحت الخاتم، ويحتمل الصحة من جهة أنه من المحتمل أنه قد حوّل الخاتم حين الوضوء أو حرّكه، فهل تجري كل من القاعدتين هنا في موردها أو لا؟ذهب جمع إلى جريان قاعدة الفراغ، ومنشأ ذلك وجهان :الأول: المطلقات مثل صحيحة محمد بن مسلم: «كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو»، فبإطلاقها تشمل ما إذا كان قاطعاً بالغفلة أو لم يكن.الثاني: رواية الحسين بن أبي العلاء قال سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ عن الخاتم إذا اغتسلت؟ قال: «حوّله من مكانه»، وقال: «في الوضوء تديره وإن نسيت حتى تقوم في الصلاة فلا آمرك أن تعيد الصلاة».)
فعدم أمر الإمام بإعادة الصلاة من جهة احتمال وصول الماء إلى ما تحت الخاتم، ولو لم تكن قاعدة الفراغ جارية لأمره الإمام بإعادة الصلاة على القاعدة، وحكم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ بذلك إنما يكون من جهة قاعدة الفراغ؛ وذلك لأجل ما ورد من أنّ فتاويهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) على وفق أُصول يرثونها كابراً عن كابر، وفتوى الإمام هنا على وفق أصل، والأصل في المقام هو قاعدة الفراغ.)واعترض على كل من الوجهين:أما على الوجه الأول فمن جهتين:الأولى: في عدم تحقق الإطلاق لمورد الغفلة.والثانية: في وجود مقيد للإطلاقات.أما الجهة الأولى فقد نوقش في الإطلاق بطريقين:الأول: ما ذكره السيد الخوئي بتقريب منا، وملخصه : أنه بما أنّ على ما سلكناه من أن القاعدتين عقلائيتان و مبتنيتان على أصالة عدم الغفلة، والروايات المتضمنة للكبريات مشيرة إلى القاعدة العقلائية، فلا يمكن أن تكون دائرة الروايات أوسع من القانون العقلائي، والمفروض أن القانون العقلائي محدود باحتمال الغفلة وأصالة عدم الغفلة، فلا ينعقد إطلاق للروايات؛ لأنها مشيرة إلى القاعدة العقلائية، وطبعاً تكون الروايات محدودة بحدود القاعدة العقلائية.والجواب عن ذلك: أنا قد ذكرنا في أوائل مبحث الفراغ والتجاوز أن القاعدتين ليستا من القواعد العقلائية، بل من القواعد التي أسسها الشارع.الثاني: هو أنّ هذه القاعدة المشار إليها - وهي قاعدة التجاوز بناء على أنّ الروايات مشيرة إلى شيء واحد وهو قاعدة التجاوز - مختصة بحسب المرتكزات العقلائية بما إذا كان الشكّ في الغفلة.وبعبارة أخرى: أنا لا نقول بأنّ القاعدة هي قاعدة عقلائية، إلا أن المرتكز في ذهنهم بلحاظ التناسب بين الحكم والموضوع أنّ القاعدة تختص بما إذا كان الشكّ من
جهة احتمال الغفلة، وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «كل ما شككت فيه» وغيره ليس من الأحكام التعبدية المحضة بنظر العرف بحيث لا يطلعون على سره، بل يرون هذا الحكم ملائماً ومناسباً لقانون أصالة عدم الغفلة، وهذا يكون من قبيل القرائن المتصلة بالكلام المانعة من تحقق العموم أو الإطلاق، فقد قال في كتاب الرسائل (1): (وبعبارة أخرى: أن الأحكام الصادرة من الشارع قد تكون تعبدية محضة، لا طريق للعقلاء لفهم سرها، ككثير من التعبديات، وقد تكون إرشاداً إلى طريقة العقلاء كأدلّة أخبار الثقة أو اليد، وقد تكون معنى متوسطاً بينهما، أي لا تكون تعبدية محضة لا يعلم العقلاء سره أصلاً، ولا تكون إرشادية إلى ما لديهم لعدم الحكم الجزمي بينهم، لكن تكون من التعبديات التي يكون للعقل إليها سبيل ويكون في ارتكاز العقلاء ما يناسبها، وهذا الارتكاز والمناسبات المعلومة عند العقلاء قد يوجب الانصراف إلى ما ارتكز بينهم، وما نحن فيه من هذا القبيل، فإذا سمع العقلاء قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو» يصير الأمر الارتكازي موجباً لانصرافه إلى ذلك ويمنع عن فهم الإطلاق فيكون كالقرينة الحافة بالكلام أو ما يصلح للقرينية) الى آخره.)وهذا الاستدلال شبيه باستدلال صاحب الكفاية في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ : «ولا ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك»، وأنّ هذا مرتبط بالأمر الارتكازي، وعمومه يستفاد من قوله: «ولا ينبغي».)وأورد بعض عليه بأن صاحب الكفاية لا يقول بحجية الاستصحاب من باب بناء العقلاء.وأجيب عن هذا الإشكال بأنه فرق بين بناء العقلاء، وبين الأمر الارتكازي.والجواب عنه بوجهين:
1) الرسائل للسيد الخميني 1: 313.
الوجه الأول : أنا لا ننكر المناسبة المذكورة، إلا أنها معارضة بمناسبة أُخرى، وهي المناسبة التي تحصل في ذهن الفقهاء والعارفين بالشريعة المقدسة، ومنشأ حصول هذه المناسبة في أذهانهم هو كثرة الروايات والآيات التي تدل على أن الأحكام الشرعية روعيت فيها جهة السهولة والسماحة، يعني جعلت الأحكام على نحو لا تكون موجبة للضيق والعسر والحرج النوعي، فإذا والعسر والحرج النوعي، فإذا سمع الفقيه العارف بالأحكام الشرعية قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «كل ما شككت فيه مما قد مضى» الى آخره يفهم من ذلك أنّ هذا الحكم مجعول تسهيلاً على الأمة، وهذا الحكم من الأحكام التسهيلية، وكونه من الأحكام التسهيلية يقتضي أن يكون الحكم عاماً وشاملاً حتى لموارد القطع بالغفلة.)الوجه الثاني: أن هذه المناسبات العقلائية في بعض حصص الموضوع لا تكون مانعاً من ظهور الكلام في الإطلاق أو العموم، وإلا لا بد من القول بأنّ من مقدمات الأخذ بالإطلاق أو العموم عدم وجود قدر متيقن في مقام التخاطب، بل حتى في غير موارد التخاطب، كما ذهب صاحب الكفاية إلى عدم وجود قدر متيقن في مقام التخاطب.وهذا غير صحيح؛ لأنه قلما يوجد مورد لم يكن له قدر متيقن ولو في غير مورد التخاطب، أي لم تكن المصلحة في بعض أفراده كافية ووافية بخلاف أفراده الأُخر.فمثلاً: الأدلة التي في الزكاة كقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «في أربعين شاة، شاة» إذا ألقي إلى العرف، فالعرف يتوجه إلى أن الشارع المقدس يريد بذلك حصول الفقراء على شيء وارتفاع التفاوت الكثير بين الأغنياء والفقراء بذلك، وهذا أمر مرتكز، ولعل الزكاة كانت في الأمم السابقة، فلا يمكن الحكم بهذه المناسبة بأنّ «في أربعين شاة شاة» على الأغنياء دون الفقراء، بل كل من كان له أربعين شاة لا بد وأن يعطي شاة من دون فرق بين الغني والفقير.)
وكذا في باب الصوم، فإنه لا يمكن الحكم بوجوب الصوم على السمين دون الضعيف، وأمثال ذلك من المناسبات في مختلف الأبواب، والالتزام بذلك في مختلف أبواب الفقه مما يلزم منه فقه جديد.فظهر أنّ الإطلاق ثابت والجواب بكلا طريقيه غير تام.وأما الجهة الثانية: في المقيد بالنسبة للمطلقات.إن المقيد الذي ذكر في كلام الشيخ إنّما هو خصوص موثقة ابن بكير - وبما أنها مشتملة على التعليل، والتعليل يعمم ويخصص، فهي موجبة للتقييد - قال : قلت له : والرجل يشك بعد ما يتوضأ؟ قال: «هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك»، بدعوى أنّ هذا علة كما فعله الشيخ، ففي الفرائد (1: (فإنّ التعليل يدل على تخصيص الحكم بمورده مع عموم السؤال فيدل على نفيه عن غير مورد العلة)، فيقيد قوله: (لا يعتني بشكه) الذي هو مقدر في هذه الرواية بسبب العلة التي تخصص الحكم وإن كان السؤال عاماً.)وقد أضاف إلى هذه الموثقة بعض من الأكابر على ما في تقرير بحثه موثقة محمد بن مسلم، ففي مصباح الأصول (2: (وقوله: «وكان حين انصرف أقرب إلى الحق منه بعد ذلك» فإن مقتضى هذا التعليل هو الاقتصار على موارد يكون المكلف فيها أذكر وأقرب إلى الواقع حين العمل منه حين يشك).)وهذه الرواية لم يذكرها الشيخ ولم يستند إليها، والرواية بتمامها هكذا: (محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «إن شكّ الرجل بعد ما صلى فلم يدر ثلاثاً صلى أم أربعاً وكان يقينه حين انصرف أنه كان قد أتم لم يعد الصلاة وكان حين انصرف أقرب إلى الحق منه بعد ذلك».)
والاستدلال بالرواية الثانية مخدوشأولاً: أنها ضعيفة سنداً، فإنّ سند الصدوق إلى محمد بن مسلم ضعيف، والسرائر نقلها عن كتاب محمد بن علي بن محبوب، ومن هذه الناحية لا يمكن المناقشة فيها، إلّا أنّ في السند هكذا ابن أبي عمير عن محمد بن مسلم، وبحسب الطبقات لا يمكن أن يروي ابن أبي عمير عن محمد بن مسلم، وهذا إرسال بحذف الواسطة.وثانياً: أنّ هذه الرواية مرتبطة بقاعدة اليقين البنائي، وليس لها ربط بمحل الكلام، وهو قاعدة الفراغ والمفروض أنّ السيد (حفظه اللّه لا يقول بالفراغ البنائي.)نعم، لو كان يقول بالفراغ البنائي كالسيد الحكيم (رَحمهُ اللّه يمكن أن يقال بأن هذا التعليل يوجب تخصيص القاعدة بما إذا كان يحتمل الغفلة، لا فيما إذا كان قاطعاً بالغفلة، وموثقة ابن بكير - أيضاً - مرتبطة بقاعدة اليقين البنائي.)مضافاً إلى أنّ الاستدلال بهاتين الروايتين على فرض تماميتها لا توجبان تخصيص قاعدة التجاوز، بل توجبان تخصيص قاعدة الفراغ.توضیح ذلك: أنا قد ذكرنا أنّ الروايات مشيرة إلى جهة عامة تشمل كلتا القاعدتين، وعليه فلو دل دليل على تخصيص إحداهما كما في المقام، فهذا الدليل لا يوجب تخصيص قاعدة التجاوز أيضاً، وهذا أوضح على مسلكه من أنها قاعدتان، لا قاعدة واحدة، والروايات مشيرة إلى كلتيهما.وأما استدلال الشيخ بموثقة ابن بكير، فالكلام في أنها هل تكون قابلة للتقيد ولو بالنسبة إلى قاعدة الفراغ أو لا؟ وطريق الاستدلال بها هو ما تقدم.إلا أنه يمكن المناقشة فيه:أولاً: أن السؤال ليس عاماً، والاستدلال مبني على أن يكون السؤال عاماً، أي سواء احتمل الغفلة أم كان قاطعاً بالغفلة، وهكذا لو كان السؤال عاماً، كما ذكر الشيخ والإمام ذكر في الجواب علة عدم الاعتناء، فهنا يمكن القول بأن العلة مخصصة.
وأما إذا قلنا بأنّ السؤال ليس عاماً، بل منصرف إلى الأفراد المتعارفة، وهي موارد الشكّ في الغفلة، فالإمام قد أجاب بجواب لتقريب المطلب إلى ذهنه، وليس قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ : «هو حين يتوضأ أذكر» الى آخره حكمة ولا علة، كما سنبين ذلك إن شاء اللّه.)وعليه فلا مجال للقول بتقييد الروايات بهذه الرواية؛ إذ هي في نفسها غير لائقة لتقييد الإطلاقات، وذلك من أجل أنّ الرواية في حدود الإفتاء لا التعليم، وسؤاله عن (الرجل يشك بعد ما يتوضأ ليس سؤالاً تعليمياً، وإلا لم يكن يعنون خصوص الوضوء، وفي الفتاوى الإطلاق لا ينعقد فيها بالنسبة للصور النادرة، بل تكون مرتبطة بالصور التي هي محل ابتلاء الناس كثيراً.)نعم، لو كانت من قبيل التعليميات وأتي بها بصورة الفتوى يمكن استفادة الإطلاق منه والقول بأن السؤال عام.وبالجملة عموم الحكم والسؤال ممنوع، والسؤال إنما هو عما يقع كثيراً محل الابتلاء، وهو الشكّ من جهة الغفلة، وأنه هل غفل وأخل بشيء أو لا.وعليه يكون قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ : «هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك» جواباً عن هذا السؤال وأنه لا يعتنى باحتمال الغفلة.)وعليه فلا مفهوم للرواية ولا تعليل، بل هي بيان للحكم بلسان أقرب إلى فهم السائل.وثانياً: سلمنا أن السؤال عام، إلا أن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «هو حين يتوضأ أذكر» الى آخره كبرى كلية، وفي كثير من الموارد التي يكون الجواب موجوداً في ذهن السائل وهو أصالة عدم الغفلة، فيمكن التمسك بها، فإن اقتضت هذه القاعدة الصحة كما في كثير من الموارد من الصور المتعارفة فيبني على الصحة، فإن علم بالجزئية وشك في أنه هل أخل به أو لا يتمسك بأصالة عدم الغفلة ويبني على الصحة.)
وإن اقتضت البطلان يبني على البطلان، كما إذا اعتقد بأنّ الأمر المضاد مع الجزء هو جزء، كما إذا اعتقد بأن المعتبر هو التوضؤ منكوساً، فهنا أصالة عدم الغفلة عن معتقده موجبة للبطلان، فأصالة عدم الغفلة قد توجب الصحة وقد توجب البطلان وقد لا يكون الحكم مورداً لأصالة عدم الغفلة، أي لا تقتضي الغفلة، أي لا تقتضي الصحة ولا البطلان، كما إذا لم تكن هناك غفلة.والمقصود أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ - أيضاً - قد بين الحكم بنحو عام، فلا بد له وأن يلاحظ أن مقتضى الأذكرية أي شيء؟ هل هو الصحة أو البطلان، أو لا هذا ولا ذاك، لا أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) علل الحكم وهو عدم الاعتناء بالشك بالأذكرية.)وثالثاً: أنّ الرواية غير ناظرة إلى أصالة عدم الغفلة، بل من المحتمل أن يكون الحكم دائراً مدار الأذكرية، يعني إن كان في حال الوضوء أذكر، فلا يعتني بالشك بعد الوضوء، وإن كان الأمر بالعكس، أي لم يكن في حال الوضوء أذكر منه بعد الوضوء فيعتني بشكه، كما إذا اعترضه تشويش خاطر في أثناء الوضوء ثم بعده رجع إلى حاله العادي وهو ليس من الأفراد الذين يعملون شيئاً وينسونه عاجلاً.وهذا مما لم يلتزم به أحد، ولم يقل أحد بأنه من المعتبر ملاحظة الحالتين في قاعدة الفراغ وأنه في أي حال كان أذكر، فلا بد وأن يقال إنها محمولة على جهة أُخرى؛ إذ لو قلنا بأن ظهور الرواية في عليّة «هو حين يتوضأ» الى آخره لذلك فلا بد وأن يقال بأنّ هذا تقريب للحكم في بعض الصور.وإجمال الكلام أنه ليس للرواية ظهور يمكن معه التخصيص.والمحقق النائيني وبعض من تلامذته اختلفوا في أن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «هو حين يتوضأ» الى آخره هل هو علة أو حكمة ؟)ذهب المحقق النائيني إلى أنه حكمة وذهب بعض تلامذته إلى أنه علة، وذكر في رد المحقق النائيني أن المميز بين العلة والحكمة هو العرف، والعرف يرى ذلك علة لا حكمة.
والظاهر أن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ ليس علة ولا حكمة. أما أنه ليس بحكمة فمن جهة أن المحقق النائيني نفسه قد ذكر للحكمة ضابطاً في لباس المشكوك (1)، وهذا الضابط غير موجود في المقام، وأما أنه ليس بعلة فمن جهة عدم وجود أداة تعليل، ولا يناسب أن يكون كبرى كلية.)وأما الوجه الثاني: فهو الاستدلال للصحة برواية الحسين بن أبي العلاء، قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ عن الخاتم إذا اغتسلت قال: «حوّله من مكانه»، وقال في الوضوء: «تديره وإن نسيت حتى تقوم في الصلاة فلا آمرك أن تعيد الصلاة» (2).)ومرجع الرواية إلى إجراء قاعدة الفراغ في الوضوء؛ وذلك من أجل عدم خصوصية للإدارة أو التحويل في أثناء الوضوء أو الغسل، بل إرشاد إلى وصول الماء إلى البشرة، وبما أنه كان يحتمل الصحة قال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ: «فلا آمرك أن تعيد الصلاة».)واعترض على ذلك بأنّ المذكور خلاف ظاهر الرواية؛ إذ الاستظهار مبتن على أن يكون الأمر بالتحويل في الغسل والإدارة في الوضوء أمراً إرشادياً لوصول الماء إلى البشرة، وهذا خلاف الظاهر؛ إذ الظاهر أنّ الأمر استحبابي نفسي، والشاهد على ذلك التفصيل بين الوضوء والغسل، فإنّه أمر في الغسل بالتحويل وفي الوضوء بالإدارة، ولو كان الأمر أمراً إرشادياً لا وجه للتفصيل بينهما، فإذا كان الأمر نفسياً فلا يحمل على الوجوب؛ لأنه مضافاً إلى وضوح عدم وجوبه ذكر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ: «فإن نسيت حتى تقوم في الصلاة فلا آمرك أن تعيد الصلاة». هكذا اعترض على الاستدلال بها في مباني الاستنباط (3).)
وهذه المناقشة مبتنية على التفصيل بين الوضوء والغسل في رواية واحدة، والإشكال يتم على التفصيل.وأما إذا قلنا إنّ الرواية هي جمع بين روايتين، لا أنّ الإمام فصل بينهما، فإنّه تارة يقول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ يستحب التحويل في الغسل والإدارة في الوضوء، وتارة يستفتي السائل مرتين مرة في الغسل ومرة في الوضوء، فقال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الغسل حوله من مكانه، وقال في الوضوء تديره، فهذا من أنواع وصول الماء إلى البشرة، وعلى هذا فلا يستفاد تفصيل من كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ويدل على ما ذكر قوله: (وقال في الوضوء: «تديره») فلو كان السؤال واحداً لم يحتج إلى (وقال)، بل الظاهر من ذلك أن السائل سأل عن الوضوء فأمره الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالإدارة.)والمقصود أنه إذا كان ذلك من الجمع بين الروايتين، فلا يمكن استظهار الأمر النفسي، بل الظاهر الإرشادية إلى وصول الماء إلى البشرة.وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «وإن نسيت» الى آخره شاهد على أنّ الأمر بالتحويل والإدارة أمر إرشادي، وذلك لأنّ الترخيص وعدم الإعادة في المستحبات غير متوقف على النسيان، فإنّه إذا ترك مستحباً نفسياً فلا يترتب عليه شيء.)مضافاً إلى أن الالتزام بالأمر الاستحبابي النفسي غير صحيح، فلا يمكن القول بأنه يستحب في حال الغسل تحويل الخاتم من مكان إلى مكان آخر بلا دخل في إيصال الماء وعدمه، وهكذا في الوضوء، فإنّه لم يقل أحد من الفقهاء على ما نعلم باستحباب التحويل في الغسل وباستحباب الإدارة في الوضوء، سواء قطع بوصول الماء إلى البشرة أو قطع بعدم الوصول أو شكّ في الوصول، أو أنه إذا أدار في الغسل وحوّل في الوضوء فيقال إنه لم يعمل بالاستحباب.نعم إذا قلنا بأن الرواية مجملة، فلا يكون للاستدلال بها الجريان قاعدة الفراغ مجال.
الصورة الثانية : ما إذا كان قاطعاً بالغفلة كالصورة الأولى، إلا أنه يحتمل الصحة من باب المصادفة، لا من جهة صدور عمل من نفسه، كما إذا احتمل وصول الماء في المثال المتقدم من دون صدور عمل منه من جهة أن الخاتم لم يكن ضيقاً بنحو لا يصل الماء إليه إلّا بالتحويل أو الإدارة، فمن الممكن وصول الماء إلى البشرة من باب الصدفة.وكما إذا صلى إلى جهة من الجهات غفلة ولا يدري أنها هل أنه كان متجهاً إلى القبلة أو لا؟فلا تجري قاعدة الفراغ في هذه الصورة عند من يقول باختصاص القاعدة بما إذا احتمل الغفلة والكلام إنّما هو على مسلك من يقول بجريان القاعدة في الصورة الأولى من جهة الإطلاقات وعدم وجود مقيد كالمحقق النائيني، فإنّه حكم بجريان القاعدة في الصورة الأولى، وأمّا في الصورة الثانية فقد أشكل على جريانها، والذي يستظهر من كلا تقريريه أنّ قاعدة الفراغ تجري فيما إذا كان الشكّ ممحضاً في انطباق المأتي به على المأمور به.وأما إذا كان المأتي به بحدوده واضحاً وأنه صلى إلى أي جهة، أو أنه كان غافلاً من لبسه الخاتم ولم يحرّكه، وكان الشكّ في أمر خارج عن المأتي به، فالشك هنا لا يكون ممحضاً في انطباق المأمور به على المأتي به، بل الشكّ في أمر خارج عن المأتي به، فلذا قال بعدم شمول أدلة الفراغ للمورد.وهذا الذي ذكره غير واضح، إذ الشكّ في حدود المأتي به وانطباق المأمور به عليه، وأنه هل كان بنحو ينطبق عليه المأمور به أو لا؟ إذ حتى لو كان عالماً بأنه لم يحرك الخاتم، إلا أن الخاتم ليس بنحو يحصل القطع بعدم وصول الماء إلى البشرة من دون تحريك أو تحويل، ومقتضى الإطلاقات مثل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو» شمول القاعدة للمقام.)
الصورة الثالثة: ما إذا احتمل ترك بعض الأجزاء عمداً، فهل يمكن تصحيح العمل بقاعدة الفراغ أو لا؟ويمكن تصوير ذلك في بعض الحالات النادرة، كما إذا كان مشغولاً بالصلاة وسمع في أثنائها خبراً مدهشاً وبنى على قطع الصلاة، ويحتمل أنه ترك الركوع، إلا أنه عاد إلى إتمام الصلاة، وبعد الصلاة يشك في أن مثل هذه الحالة المستتبعة لترك الركوع غفلة عن ذلك وإتمام الصلاة، هل حصلت له أو لم تحصل؟وهذه المسألة مما عنونها الشيخ في ضمن كلامه، وذكر أن قاعدة الفراغ تشمل هذا المورد.وبناءً على ما ذهبنا إليه من وجود الإطلاقات ولا مقيد لها، فلا إشكال في شمول الإطلاقات لهذا المورد.وأما بناءً على إنكار الإطلاق بأحد الطريقين المتقدمين، فلا مجال للقول بجريان قاعدة الفراغ.وأما بناء على عدم الإطلاق من جهة الارتكاز فله مجال، إلا أنه ذكر عدم شمول الروايات لهذا المورد، ومع ذلك ذكر صاحب الرسائل (1بناءً على إرشادية الروايات إلى القاعدة العقلائية أنه لا يعتني باحتمال الترك العمدي، وقال بل ربما يستحيل ذلك لمن هو بصدد امتثال أمر المولى.)ونحن نقول في الجواب:أولاً : أن هذا ليس بمستحيل كما ادعي، بل قد يتفق كما مثلنا.وثانياً: قوله هذا و أنه لا يعتني باحتمال الترك العمدي ينافي ما ذكره من عدم وجود إطلاقات، ولو كان بناء العقلاء على عدم الاعتناء باحتمال التعمد بالإخلال ببعض الأجزاء أو الشرائط، فلا وجه لإنكار الإطلاق؛ إذ إنّ الإطلاقات والعمومات
1) الرسائل للسيد الخميني 1 : 317.
لهما فردان، وكلاهما مرتكزان في ذهن العقلاء: أحدهما مورد احتمال الغفلة، ثانيهما مورد احتمال التعمد في الإخلال، والمفروض أنّ العقلاء في كليهما يوافقون على عدم الاعتناء، بل الثاني أنسب وأولى.فلا بد من القول بشمول المطلقات لمثل هذا المورد مع أنه ذكر أن المطلقات لا تشمل المورد، ونحن لا نعرف لما ذكره وجهاً.وأما بناءً على وجود المطلقات إلّا أنّ لها مقيد، وهو رواية بكير بن أعين، وقد اختلفت فيها الأنظار، فاستفاد الشيخ منها أنه لا يعتنى باحتمال التعمد بالإخلال، واستفاد المحقق العراقي ذلك - أيضاً - على ما في نهاية الأفكار.والسيد الخوئي (أيده اللّه وكذا صاحب الرسائل استفادا من الرواية عدم شمول القاعدة للمورد.)أما مسلك الشيخ، فأساس استفادته ذلك من الرواية أن الجواب مشتمل على الصغرى المذكورة والكبرى المطوية، يعني أنه لا يعتني باحتمال الغفلة وهو لا يترك عن تعمد، فلا يعتني بهذا الشكّ.وقد ذكر وبين الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ حكم الإخلال عن غفلة بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «هو حين يتوضأ أذكر» الى آخره.)وأما احتمال الإخلال العمدي وأنه لا يعتني به فمطوي في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ وذلك بدلالة الاقتضاء؛ إذ لو كان احتمال الإخلال العمدي موجباً للبطلان لم يكن وجه للحكم بالصحة، فقد قال في الفرائد (1): (فإنّ التعليل يدل على تخصيص الحكم بمورده - إلى أن قال - : نعم لا فرق بين أن يكون المحتمل ترك الجزء نسياناً أو تركه تعمداً والتعليل المذكور بضميمة الكبرى المتقدمة يدل على نفي الاحتمالين).)
1) فرائد الأصول 344:3.
وأما من قال بعدم شمول القاعدة للمقام من جهة هذه الرواية، فإنّه استفاد أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ حكم فيها بالصحة فيما إذا كان هنا احتمال الغفلة، وأما إذا احتمل التعمد، فلا يحكم بالصحة.)يبقى هنا سؤال وهو عما إذا كان السؤال الوارد في الرواية استفتائي أو تعليمي.فإن كان في مقام الاستفتاء فإنه يحمل على الموارد المتعارفة، وهي الشكّ في الغفلة، ويكون جواب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ خاصاً بالنسبة إلى تلك الموارد؛ لأصالة عدم الغفلة، ولا يكون فيها تعرض المورد احتمال التعمد، فلا يمكن الاستدلال بهذه الرواية.)وإن كان في مقام التعلم، والمفروض أن سؤاله عام، فالسؤال عن الشكّ في صحة العمل بعد العمل بأي جهة من الجهات، ومجرد نفي الاعتناء بالشك في الغفلة - كما ورد في جواب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ «هو حين يتوضأ» الى آخره - لا يكفي في الحكم بالصحة مطلقاً، بل يحتاج إلى ما ذكره الشيخ من نفي احتمال التعمد، ومع التردد بين الأمرين أو مع احتمال أمر آخر فلا يجوز التمسك بها أيضاً.)فرواية بكير بن أعين لا تدلّ على الصحة ولا على البطلان.فظهر مما ذكرنا أنه في صورة احتمال التعمد يكون العمل صحيحاً للإطلاقات.الصورة الرابعة: ما إذا كان جاهلاً بالحكم حين العمل، وحين الشكّ لم تكن صورة العمل محفوظة، كما إذا كان جاهلاً بجزئية شيء أو شرطية شيء، وقد أتي بالعمل، ثم بعد ذلك ظهر له أنّ الأمر الفلاني جزء أو شرط، وحين الشكّ لا يدري هل إنّه أتى بما ظهر بعد ذلك أنه جزء أو لا؟وهذه الصورة تنقسم إلى قسمين:القسم الأول : ما إذا كان جهله بالحكم على نحو لا يقتضي إتيان العمل فاسداً، كما إذا لم يكن عالماً بجزئية السورة، أو مانعية شيء، فإنّه كثيراً ما لا يكون عالماً بجزئية
شيء أو مانعية شيء، ومع ذلك يأتي به احتياطاً أو استحباباً، ويترك الإنسان أحياناً بعض الأمور وإن لم يكن عالماً بمانعيته.والمقصود أن الجهل قد لا يوجب إتيان العمل فاسداً، إذ يمكن أن يكون جاهلاً بالحكم ويأتي بالعمل صحيحاً كما مثلنا.القسم الثاني: ما يكون جهله مقتضياً للفساد، كما إذا اعتقد بجزئية شيء مع أنه مانع أو بمانعية شيء والمفروض أنه جزء، وهكذا بالنسبة إلى الشروط.أما في القسم الأول فبناءً على ما سلكناه من وجود الإطلاقات وعدم المقيد لها فلا مانع من التمسك بالإطلاقات وإجراء قاعدة الفراغ، وأما بناءً على مسلك القوم من إنكار الإطلاقات، فلا يمكن الحكم بالصحة من جهة قاعدة الفراغ.وأما في القسم الثاني وفيما إذا احتمل أنه أتى بالعمل الصحيح غفلة عن معتقده، فهل يمكن التمسك بقاعدة الفراغ أو لا؟الظاهر أنّ شمول قاعدة الفراغ له محل إشكال وتأمل، فإنه وإن لم نقل كما قال بعض من أن قاعدة الفراغ أصل عقلائي أو على وفق أصل عقلائي، كما أنه وإن لم نقل إنها محدودة بحد التناسب المرتكز للعقلاء، إلّا أنه إذا كان مخالفاً للمرتكزات العقلائية، كما في المقام؛ إذ نحتمل أنه غفل عما يعتقد أنه جزء - وهو في الواقع مانع - فجاء بالعمل خالياً عنه ليكون صحيحاً، فلا يحكم عليه بالصحة، فإنّ شمول الإطلاقات لمثل ذلك محل تأمل.وإن قيل: إنّه لا وجه للمناقشة في الإطلاق، فيمكن التمسك للحكم بالبطلان بموثقة ابن بكير المتقدمة، فإنّ مقتضى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك» هو البطلان، فإنّ إطلاق قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقتضي أن كل شخص يأتي بالعمل على طبق معتقده و «هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك»، وإتيان العمل على خلاف معتقده، أمر على خلاف القاعدة، ولا يعتني بالشك فيه.)
ولو كنا نحن وهذه الجملة يظهر منها حكم صورتين:الأولى: ما إذا احتمل الغفلة مع توافق اعتقاده السابق واللاحق، إلّا أنّ الكلام في أنه هل غفل و أتى على خلاف معتقده السابق أو لا؟ فحكم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ بعدم الاعتناء بمثل هذا الشكّ، ومقتضى ذلك صحة العمل.)الثانية: ما إذا كان اعتقاده السابق مخالفاً لاعتقاده الفعلي وكان اعتقاده السابق مقتضياً للفساد، وهنا لا يعتنى باحتمال الغفلة أيضاً، ومقتضى ذلك هو البطلان.والذي يمكن أن يقال في قبال ذلك هو أن استظهار هذا المعنى العام من الرواية متوقف على أن لا يكون السؤال في مستوى الإفتاء.وأما إذا كان في مستوى الإفتاء، فهو محمول على الصور المتعارفة، وهي احتمال الغفلة فيما إذا كان الاعتقاد السابق موافقاً لاعتقاده لاحقاً، وعليه فالرواية بصدد بيان شق من المسألة فقط.إلا أنه يمكن القول بأنّ الرواية ظاهرة في أنّها في مستوى التعليم والتعلم، فإنّ لحن الرواية وقوله: (الرجل يشك فرض للقضية، ولم يسأل هكذا: (أني شككت بعد ما توضأت).)مضافاً إلى أنه إن أمكن إثبات مقام علمي لبكير بن أعين فيكون مقتضاه أن يكون سؤاله في مستوى التعليم والتعلم.ويمكن أن يورد ثانياً على ما ذكرنا من أن استفادة التعميم متوقف على أن لا يكون قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «هو حين يتوضأ» الى آخره تعليلاً، وأما إذا قلنا إن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) تعليل للصحة يكون ناظراً إلى صورة واحدة وهي إلغاء احتمال الخلاف مما اعتقده باعتقاد صحيح.)والجواب عن ذلك أن استفادة التعليل متوقف على تقدير الجواب وتقدير أداة التعليل، يعني لا بد وأن يقدر الجواب بأنه (صحيح وتقدير اللام، فيكون: (لأنه حين يتوضأ أذكر)، وهذا خلاف الظاهر.)
وعلى هذا فلا يبعد استظهار البطلان من موثقة ابن بكير فيما إذا كان اعتقاده السابق مخالفاً لاعتقاده اللاحق.نعم، لو شككنا في شمول الإطلاقات للمقام، وكذا شككنا في استظهار البطلان من الموثقة تصل النوبة إلى بقية القواعد.الصورة الخامسة : ما إذا كانت صورة العمل محفوظة، إلّا أنه يشك في عمله من جهة الشكّ في الحكم، كما إذا علم بأنه أتى بالصلاة بلا سورة، إلا أنه لا يدري ما هو حكمه وأنه هل يجب عليه الصلاة مع السورة أو بلا سورة، أو من جهة الشكّ في الموضوع، كما إذا علم أنه اغتسل غسل الجنابة، ولكن يشك في أنه هل كان جنباً أو لا؟ فهل يمكن التمسك لصحة العمل بأدلة الفراغ أو لا؟الظاهر أن أدلة قاعدة الفراغ لا تشمل هذه الصورة، وذلك لأنّ ظاهر الأدلة هو أن يكون الشكّ في حدود المأتي به، وأما إذا كان الشكّ في الحكم سواء كان الحكم مرتبطاً بمتعلقات الأحكام مثل الصلاة والصيام، أو بموضوعات الأحكام مثل العقود والإيقاعات فلا تجري.هذا تمام الكلام في الصور الخمسة التي كنا بصدد بيانها.### بقي شيء وهو في وجود قواعد أخر تقتضي الصحةوهو أنه إن أنكرنا الإطلاق في هذه الموارد أو قلنا بوجود مقيد لها أو شككنا في وجود الإطلاق فهل هنا قواعد أُخر تقتضي الصحة أو لا؟ونحن نذكر هنا قاعدتين :الأولى: قاعدة (لا تنقض السنة الفريضة، التي وردت في ذيل صحيحة (لا تعاد) بناءً على ما ذكرنا من أنّ مفادها هو أنّ كل عمل مركب من الفرائض والسنن - والمراد من الفريضة ما قدره اللّه تعالى في كتابه، كما أنّ المراد بالسنة عمل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أو)
قوله - إذا أخل المكلف بالسنة عن عذر كجهل قصوري أو نسيان وأمثال ذلك، فهذا لا يوجب الإخلال بالفريضة.مثال ذلك الصلاة والوضوء، فلو احتمل الإخلال وكان المحتمل من السنن فبمقتضى القاعدة نقول: إنّ الإخلال بالسنة غير مضر في صورة النسيان أو الجهل القصوري وأمثال ذلك، فضلاً عن احتمال الإخلال بالسنة.وعليه ففي موارد احتمال الإخلال بالسنة لا نحتاج لتصحيح العمل إلى قاعدة الفراغ فيما إذا كان الإخلال عن نسيان أو عن جهل قصوري، والقاعدة إن جرت فإنّما تجري لأجل أمر آخر لنفي سجدة السهو وأمثال ذلك.وهكذا فيما إذا كانت في بعض الصور قاعدة تقتضي الإخلال كما احتملنا في موثقة ابن بكير من أنّها تدل على بطلان العمل فيما إذا كان معتقداً خلاف ما يعتقده لاحقاً وكان مقتضاه الفساد، وكما إذا اعتقد أنّ المانع يكون شرطاً والشرط يكون مانعاً، فيمكن تصحيح العمل بهذه القاعدة، أي قاعدة (لا تنقض السنة الفريضة فيما إذا كان الإخلال إخلالاً بالسنة.)الثانية: الاستصحاب، فإنّه في نفسه - مع قطع النظر عن قاعدة الفراغ ومع قطع النظر عن قاعدة أُخرى تقتضي الإخلال - قد يقتضي الصحة وقد يقتضي البطلان، فإنّه إن شككنا في أنه هل أخل بجزء أو لا؟ فبالاستصحاب يثبت عدم الإتيان به، وإن شككنا في أنه هل أتى بمانع أو لا ؟ فبالاستصحاب يثبت عدم الإتيان به.غاية الأمر أن الاستصحاب غير جارٍ مع وجود قاعدة الفراغ، والقاعدة مقدمة على الاستصحاب، وكذا إذا كان هنا قاعدة تقتض البطلان، فالاستصحاب غير جار.نعم، لو ترددنا في شمول القاعدة ولم تكن قاعدة تقتضي البطلان، فيكون المرجع هو الاستصحاب.هذا تمام الكلام في الجهة التاسعة.
### الجهة العاشرة في حدود جريان قاعدتي الفراغ والتجاوز في الشرائطلا إشكال في جريان القاعدتين في الجملة في الشرائط، إلا أن الكلام في حدود ذلك وأنهما هل تجريان في جميع أقسام الشرائط أو بعضها؟ إذ الشرائط - على ما يستفاد من كلماتهم - تنقسم إلى قسمين: الشرائط العقلية، والشرائط الشرعية.أما الشرائط الشرعية فأمثلتها واضحة كالاستقبال وأمثال ذلك.وأما الشرائط العقلية، فقد تكون شرطاً لتحقق المركب، من قبيل قصد الصلاة؛ إذ الصلاة من الأمور التي لا تتحقق إلا بالقصد كسائر العناوين القصدية.وقد تكون شرطاً لبعض الأجزاء مثل الموالاة في الكلمة، فإنّ حروف الكلمة إذا كانت بينها موالاة تدل على المقصود، وأمّا في صورة فقدان الموالاة، فلا تدلّ على شيء.والكلام فعلاً في الشرائط العقلية التي تكون شرطاً لتحقق المركب، وأنه هل تجري قاعدة الفراغ أو التجاوز إذا شكّ في قصد الصلاة أو لا؟ كما إذا صلى صلاة الظهر وقام وصلى صلاة أُخرى، إلا أنه لا يعلم أنه قصد صلاة الظهر أيضاً، أو أنه قصد صلاة العصر، فهل يمكن إجراء قاعدة الفراغ لتصحيح ما أتى به؟ولتوضيح محل البحث وأنه على أي مسلك يكون مجال للكلام وعلى أي مسلك لا يكون لا بد من ذكر أمور ثلاثة:الأمر الأول: أنّ متعلقات الأحكام أو موضوعات الأحكام تنقسم إلى قسمين:القسم الأول: ما لا يكون تحققه متوقفاً على القصد، مثل الأكل والشرب والقتل وأمثال ذلك.القسم الثاني: ما هو متوقف على القصد ولا يتحقق بدونه، مثل العقود والإيقاعات والتعظيم والتحقير.
ومن هذه الأمور الصلاة، فإن الصلاة عبارة عن ماهية اعتبارية وهي اللين والخضوع الاعتباري، وهذا لا ينطبق على ما في الخارج إلّا بالقصد.و مرادنا من هذا القصد غير قصد القربة، بل ما هو مقوم للصلاة من قصد الصلاة وقصد اللين والخضوع للرب.والصلاة كما أنها متوقفة على القصد، كذلك امتياز إحدى الصلاتين عن الأخرى يكون متوقفاً على القصد أيضاً، مثل صلاة الظهر والعصر، فإنهما مشتركتان في جميع الخصوصيات، وامتياز إحداهما عن الأُخرى لا يكون إلا بالقصد.والشاهد على الاختلاف الماهوي بينهما هو العدول من السابقة إلى اللاحقة، فإنّ العدول لا يعقل إلا مع الاختلاف الماهوي بينهما، ولا يكون الترتيب مميزاً بينهما، فإنّه وإن ورد في الرواية: «إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين إلا أن هذه قبل هذه» (1، إلا أنه يستفاد من نفس هذه الرواية أنّ المغايرة بينهما في الرتبة السابقة على بيان الترتيب.)مضافاً إلى أنّ الترتيب بين الصلاتين شرط ذكري، ولذا لو اعتقد أحد بأنه قد صلى الظهر وأتى بالعصر، ثم التفت إلى أنه لم يصل الظهر لا يجب عليه إعادة العصر بعد صلاة الظهر على المشهور.نعم، ذهب بعض إلى العدول بعد صلاة الظهر إلى العصر، وذلك لتوهم أن ما يدلّ على العدول بعد التمامية رواية صحيحة، وسيأتي إن شاء اللّه تعالى أن قوله: «أربع مكان أربع» (2ليس من الرواية، بل من كلام حريز أو زرارة.)والمقصود أنه كما أن الصلاة متوقفة على القصد، كذلك الامتياز في مثل صلاة الظهر والعصر والنافلة وصلاة الصبح لا يتحقق إلا بالقصد.
الأمر الثاني: أنّ في موارد إجراء القاعدة لا بد وأن يكون من دوران الأمر بين الصحيح والفاسد، بمعنى إن قصد يكون صحيحاً وإن لم يقصد كان باطلاً، أو إذا قصد الظهر مثلاً يكون باطلاً وإذا قصد العصر يكون صحيحاً في المثال المتقدم.وأما إذا لم يكن من دوران الأمر بين الصحيح والفاسد، كما إذا كان العمل مما يتوقف على القصد، إلا أنّ العمل صحيح سواء قصد ذلك العنوان أم عنواناً آخر، كما إذا صلى ركعتين، إلا أنه لا يدري أنه قصد نافلة الصبح أو صلاة الصبح، فهنا لا تجري قاعدة الفراغ أو التجاوز، وذلك لأن العمل صحيح سواء قصد النافلة أم صلاة الصبح، وهذا بخلاف ما إذا أردنا إثبات صلاة العصر بسبب القاعدة.أو كان أحدهما من العناوين غير القصدية، والآخر من العناوين القصدية، إلا أن كلاهما مأمور به كما إذا غسل بدنه، إلا أنه لا يدري هل قصد التنظيف الذي هو مستحب غير قصدي أو أنه قصد غسل الجنابة أو غسلاً آخر؟ فهنا لا يدور الأمر بين الصحة والفساد، وذلك لأنه إن لم يقصد لا يكون عمله فاسداً، فإنّ نفس التنظيف أمر محبوب، وكذا إذا شكّ في قوله : (بعت وأنه هل قصد بذلك الإنشاء أو قاله تعليماً للغير لصيغة البيع؟ فهنا لا يمكن إثبات الإنشاء بواسطة قاعدة الفراغ وأشباهها؛ لأنّ العمل صحيح على كل حال.)نعم، إذا شكّ في صدور هذا القول على نحو الهزل أو الجد، فيمكن القول بدخوله في المقام.والغرض من هذا الأمر الثاني أنّ مورد الكلام هو ما إذا شككنا في أن القصد على تقدير يكون صحيحاً وعلى تقدير آخر يكون باطلاً، وأما إذا كان على كلا التقديرين صحيحاً سواء كان كلاهما قصديين أم أحدهما قصدياً والآخر غير قصدي، فهذا خارج عن محل الكلام.
الأمر الثالث: هو أن البحث ليس على مسلك من يقول بأن المفاد من القاعدتين تطابق المأتي به مع ما أراده العامل، بمعنى أنه لم يغفل عما أراده في بدء العمل؛ إذ على هذا لا بد من الحكم بالفساد؛ لأنّ الشكّ إنّما هو في ما أريد وأنه أي شيء أراد؟ هل أراد صلاة العصر مثلاً حتى يكون صحيحاً أو أراد صلاة الظهر حتى يكون فاسداً؟والبحث إنّما هو على ما سلكناه من التعميم، والتعميم هنا يبين بهذه الصورة، وهي أن مورد القاعدتين هو أن الماهية المشاركة مع الماهية المتعلقة للحكم في وعاء التشريع أو موضوع الحكم كذلك، هل إنّ انطباقها مع الماهية المتعلقة للحكم انطباق بالجملة؟ أي في جميع الشؤون حتى يكون صحيحاً، أو إن انطباقها عليها في الجملة؟ أي في بعض الشؤون حتى يكون فاسداً.وعلى هذا يقع الكلام في جريان القاعدتين وعدم جريانها.فإذا ظهرت هذه الأمور الثلاثة فتصحيح العمل في المثال، إما من جهة قاعدة الفراغ وإما من جهة قاعدة التجاوز.أما من جهة قاعدة الفراغ فقد ذكر طريقان لتصحيح العمل بها :الطريق الأول: إجراء قاعدة الفراغ في أصل القصد.الطريق الثاني: إجراء قاعدة الفراغ في المنوي.أما الطريق الأول وهو إجراء قاعدة الفراغ في أصل القصد - كما ذهب إليه بعض الأكابر في حاشيته على العروة في المسألة الأولى من مسائل الخلل - محل تأمل؛ إذ هذا متوقف على أن يكون لقصد الظهر أو العصر مثلاً محل ووقت محدود وهو أول الصلاة، فيقال: (لا أدري هل إني نويت العصر حتى يكون صحيحاً أو نويت الظهر حتى يكون فاسداً، والقول بأن قصد العصر أو الظهر له محل، محل تأمل، بل الظاهر أن هذا القصد كقصد القربة ليس له محل، بل هو مقارن للعمل كما ذهب إليه المتأخرون في قصد القربة، خلافاً للمتقدمين حيث قالوا: إنّ القصد هو الإخطار، وله محل، واختلفوا في محله.)
ولعل القائل استظهر هذا المعنى من الروايات التي تقول: (الصلاة على ما افتتحت عليه (1)، وقد تعرض الفقهاء لما إذا نوى الفريضة، ثم تخيل في الأثناء أنه نوى النافلة، وأتم الصلاة بنية النافلة أو بالعكس، فحكموا بانّ الصلاة على ما افتتحت عليه، وهذا يكون على وفق القاعدة، لا من جهة أنّ النية لها محل وهو أول الصلاة، بل من جهة أنّ المعيار هو الاستدامة الحكمية للنية، وما نواه ثانياً خلافاً لما نواه أولاً يكون من باب الخطأ في التطبيق، وهذه الروايات التي تدل على أن الصلاة على ما افتتحت عليه ثلاثة وكلها ضعيفة السند.)مضافاً إلى أنه لا يستفاد من هذه الروايات إلا ما ذكروه، وقلنا إن الحكم هناك على وفق القاعدة، لا التعبد بأن النية لها محل معين حتى يمكن إجراء قاعدة الفراغ فيها.هذا مضافاً إلى أنّ قصد العنوان من المقدمات العقلية لتحقق العنوان، ولا تجري قاعدة الفراغ إلّا في متعلقات الأحكام أو موضوعاتها.وأما الطريق الثاني، وهو إجراء قاعدة الفراغ في المنوي، أي في نفس العمل المأتي به.فالجواب عنه: أن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «كل شيء شككت فيه» وأمثال ذلك مفاده أن كل عمل أو واقعة قانونية سواء كان متعلق الحكم أم موضوع الحكم فيها مشابه ومشارك للماهية المتعلقة للحكم أو موضوع الحكم في عالم التشريع إن شككت في أنها هل تطابق مع الماهية التي تعلق بها الحكم أو لا فابن على أنها مطابقة لها.)وأما إذا كان الشكّ في أصل ارتباط المأتي به مع المأمور به، فلا يمكن إجراء القاعدة فيه، والمقام من هذا القبيل؛ إذ فرق بين قصد عنوان صلاة العصر وبين سائر
1) تهذيب الأحكام 2: 197 ح 776.
الأجزاء إذا شكّ فيها، فإن قصد صلاة العصر يوجب ارتباط الأجزاء إلى واقعة قانونية وهي صلاة العصر المتعلقة للتكليف بقوله: صل صلاة العصر.وأما سائر الأجزاء فلا توجب ارتباطاً بين المأتي به والمأمور به.فإذا كان الشكّ فيما هو مرتبط مع الواقعة القانونية وشككنا في التطابق وعدم التطابق نحكم بالتطابق لقاعدة الفراغ.وبعبارة واضحة: إذا كنا مأمورين بصلاة العصر مثلاً، وأتينا بصلاة العصر وشككنا في أنّ المأتي به هل كان مطابقاً للمأمور به في جميع الأجزاء أو لا؟ نحكم بتطابق المأتي به مع المأمور به؛ لأنّ المأتي به مرتبط مع المأمور به.وأما إذا كان الشكّ في الواقعة القانونية وأنه هل أتى بما هو مرتبط مع الواقعة القانونية أو لم يأت؟ فلا يمكن التمسك بقاعدة الفراغ لتصحيح مثل هذا العمل، وكذا في المقام، فإنّه إن قصد صلاة الظهر والمفروض أنه قد صلاها، فهي غير مرتبطة مع الواقعة القانونية في عالم التشريع وهي صلاة العصر، وإن قصد صلاة العصر فهي مرتبطة، فبما أن الشكّ يكون في الارتباط، فلا يمكن تصحيح العمل بالقاعدة.إن قلت: المفروض في هذا المثال أنه قد قصد الصلاة، إلا أنه لا يدري هل إنّه قصد العصر أو الظهر؟ وعليه فلا مانع من التمسك بإطلاق بعض روايات محمد بن مسلم كصحيحته عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ: «كل ما شككت فيه بعد ما تفرغ من صلاتك فامض ولا تعد».)قلنا: إنّ هذه الرواية ليس فيها إطلاق يشمل المقام؛ إذ الظاهر أن الصلاة التي نفى الإعادة عنها مسانخة للمعادة، وفي المقام إن قلنا بلزوم إعادة صلاة العصر لم تكن إعادة لها، لأن في الإعادة لا بد من أن تكون للمعاد مع المعاد له وحدة في النوع.وكذا الكلام في الرواية الأخرى لمحمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ في الرجل يشك بعد ما ينصرف من صلاته قال: فقال: «لا يعيد ولا شيء عليه». فإنّه مضافاً إلى)
قوله: «لا يعيد» يكون قوله: «ولا شيء عليه» شاهداً على ما ذكرنا من أن الاختلاف والشك إنّما هو في الحدود، لا في أصل تشارك الماهيتين.فظهر أن تصحيح العمل بإجراء قاعدة الفراغ في النية، كما ذهب إليه السيد الشاهرودي (رَحمهُ اللّه أو في المنوي محل إشكال وتأمّل.)وأما من جهة قاعدة التجاوز فهل يمكن تصحيح العمل بها أو لا؟يمكن أن يقرّب إجراء قاعدة التجاوز بالنسبة إلى النية بأن نية العصر مثلاً لا بد وأن تكون مقارنة للأجزاء، والتجاوز صادق عليها بتجاوز الأجزاء، ومحلها محل الأجزاء.وجريان قاعدة التجاوز بهذا التقريب قد نوقش فيه بنحوين:النحو الأول : أنّ في قاعدة التجاوز مسلكين:المسلك الأول: تطابق المأتي به مع ما أراد، وقد ذكرنا في الأمر الثالث أن على هذا المسلك لا يمكن إجراء قاعدة التجاوز ؛ لأنّ الشكّ هو في ما أراد وما قصد.المسلك الثاني: تطابق الماهية المشاركة مع الماهية التي هي موضوع للحكم أو متعلق للحكم وقد تحقق تطابقها معها.وعلى هذا المسلك أيضاً لا يمكن التمسك بقاعدة التجاوز؛ وذلك لأنّ النية ليست هي متعلق الحكم الشرعي ولا من شرائط المتعلق شرعاً، بل من الشرائط العقلية التي لولاها لم يكن ما أتى به معنوناً بصلاة العصر مثلاً، ونحن ذكرنا أنه لا تجري القاعدة إلا في متعلقات الأحكام الشرعية أو موضوعات الأحكام.النحو الثاني: ما ناقش به المحقق العراقي وهو مذكور في فروع العلم الإجمالي وكذا في نهاية الأفكار، فقد قال في فروع العلم الإجمالي (1: (وتوهم جريان قاعدة التجاوز فيه - أي في القصد - الحاكم بوجوده في محله مدفوع جداً؛ إذ جهة نشوء)
1) روائع الأمالي في فروع العلم الإجمالي: 7.
الأفعال عن القصد من لوازم وجوده عقلاً، والتعبد به لا يقتضي هذه الجهة أي: أنّ نفس القصد لا دخالة له في الموضوع، وإنما الأفعال لابد أن تنشأ عن القصد، والتعبد بوجود القصد لا يثبت أنّ الأفعال نشأت عن القصد.)وفي عبارته احتمالان :الاحتمال الأول: أن يكون مراده من العبارة أنّ قصد عنوان العصر ليس متعلق الحكم، والأفعال إذا اتى بها بقصد العصر توجب كونها معنونة بعنوان الصلاة ومصداقاً لها، وإجراء القاعدة في نفس القصد لا يترتب عليه أي أثر، وأما إجراء القاعدة في تعنون الأفعال بذلك العنوان القصدي مثل عنوان صلاة العصر وأمثاله، فهو لا يمكن إثباته.الاحتمال الثاني: ما هو ظاهر العبارة من أنّ القصد لا يترتب عليه أثر، وإجراء القاعدة في القصد لا يثبت نشوء الأفعال عن قصد.وقد أورد عليه السيد الخوئي (أيده اللّه في فروع العلم الإجمالي :)أولاً: لا دليل على اعتبار نشوء الأفعال عن القصد حتى يقال إنّه لا يمكن إثباته.وثانياً: على فرض اعتبار النشوء عن قصد فتجري قاعدة التجاوز في النشوء.ونحن نقول: إن كان مراد المحقق العراقي النشوء بعنوانه، فيمكن الجواب عنه بما ذكر وإجراء القاعدة في النشوء، وأما إذا كان مراده من النشوء ما يعبر عنه بالمحقق العقلي، أي في تعنون الأفعال الخاصة بذلك العنوان، فهذا يترتب على وجود القصد، وإجراء القاعدة في القصد لا يثبت تعنون الأفعال الخاصة بذلك العنوان، وذلك لعدم حجية مثبتات هذه القاعدة.والحاصل: إن كان مراد المحقق العراقي الاحتمال الأول فهو صحيح ولا يرد عليه شيء، وإن كان مراده الاحتمال الثاني فيرد عليه ما تقدم من الإيرادين، إلّا أنّ
الإيراد الثاني يمكن الجواب عنه إذا لم يكن مقصوده من النشوء هو النشوء بعنوانه، بل كان مقصوده منه التعنون بذلك العنوان الذي لا يترتب إلا على قصد ذلك العنوان.وأما إجراء قاعدة التجاوز في المنوي، وهذا قد يكون في الأثناء ويرى نفسه أنه قد أتى بالجزء الذي هو فيه بعنوان صلاة العصر، ويشك في أن الأجزاء السابقة هل أتى بها بعنوان صلاة العصر أيضاً أو أتى بها بعنوان صلاة الظهر؟وفي هذه الصورة إجراء قاعدة التجاوز لا محذور فيه؛ إذ لا فرق بين الشكّ في وجود التكبيرة أو وجود القراءة لمن هو في الركوع، وبين الشكّ في القصد فيها؛ إذ بالنتيجة يتحقق في كليهما الشكّ في وجود جزء من صلاة العصر مثلاً.وقد يكون الشكّ في الأثناء، إلّا أنّ الركوع الذي هو فيه الآن مثلاً يشك فيه في أنه أتى به بأي عنوان فهنا إجراء قاعدة التجاوز بالنسبة إلى المجموع لا يمكن؛ إذ الشكّ موجود فيما بيده ولم يتجاوز عنه، وإجراء القاعدة بالنسبة إلى الأجزاء السابقة متوقف على وجود ترابط بينها وبين أجزاء الماهية المتعلقة للحكم، والمفروض أنا نشك في ذلك ولا نعلم بوجود الترابط بينهما.هذا مضافاً إلى أنّ الغير الذي قد دخل فيه هو الركوع مثلاً، وبما أن الركوع لم يتجاوز عنه، فلا بد من إتيانه بعنوان العصر، وإذا أتى بعنوان العصر يوجب تكراره بطلان الصلاة؛ لأنه من زيادة الركن، وهكذا بالنسبة إلى السجدة، وليس لأدلة القاعدة إطلاق لتشمل الغير الواجب تكراره كما في المقام.فظهر أن قاعدة التجاوز في المنوي إنّما تجري فيما إذا كان الارتباط محفوظاً بأن كان الجزء الذي بيده معنوناً بعنوان ما شكّ فيه أنه هل كان من الأول ناوياً له أو لا.وبهذا انتهى الكلام بالنسبة إلى الشرائط العقلية بالنسبة إلى تحقق المركب.
وأما الشكّ في الشرط العقلي بالنسبة إلى الجزء، كما إذا شكّ في موالاة كلمة واحدة مثل التكبيرة، فإنّ الكلمة إنّما تتحقق فيما إذا أتى بها متوالية في حروفها، والموالاة شرط عقلي لتحقق عنوان الكلمة.والظاهر أن قاعدة الفراغ غير جارية في نفس الموالاة، إذ الشكّ في وجودها.مضافاً إلى أن قاعدتي الفراغ والتجاوز تجريان في متعلقات الأحكام وموضوعاتها، لا في المقدمات العقلية لهما، والمفروض أن الموالاة محقق عقلي للكلمة.وقاعدة التجاوز غير جارية - أيضاً - في الموالاة؛ وذلك لما ذكرنا من جريانها في متعلقات الأحكام وموضوعاتها.نعم، إذا دخلنا في الكلمة التي بعدها وشككنا في صحة أو تحقق الكلمة التي قبلها، كما إذا كبر - أي: أتى بحروف التكبيرة - إلّا أنه لا يدري هل أتى بها متوالية حتى تكون مصداقاً ومحققاً للتكبيرة، والمفروض أنه قد دخل في الحمد، فلا يكون مانعاً من جريان التجاوز.هذا تمام الكلام في الشرائط العقلية.وأما الشرائط الشرعية، فهي أيضاً على قسمين:القسم الأول: ما لها محل قبل العمل ولو بملاحظة التكليف الاستحبابي.القسم الثاني: ما ليس لها محل معين، بل لا بد من اعتبارها مقرونة بالعمل كالاستقبال والستر.أما القسم الأول فمثل الأذان والإقامة بناءً على القول بأنهما من شرائط الصلاة الكاملة - وقد اختلف في أنّ الأذان والإقامة هل هما واجبان نفسيان، أو مستحبان نفسيان أو أنهما واجبان شرطيان للصلاة الصحيحة أو للصلاة الكاملة، والأظهر أنهما واجبان شرطيان بالنسبة إلى الصلاة الكاملة - ولا شكّ في جريان قاعدة التجاوز في هذا القسم، وقد دلت على الجريان صحيحة زرارة: (رجل شكّ في الأذان وهو في الإقامة الى آخره.)
وكذلك إذا كان الشكّ في الصحة بعد الفراغ؛ لأنه وإن كان القدر المتيقن من قوله: (رجل شكّ في الأذان هو الشكّ في الوجود، إلا أنه يشمل ما إذا كان الشكّ في الصحة أيضاً، وعلى فرض عدم الشمول يكفينا المطلقات الأخر كقوله: «كلّ شيء شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو».)وأما القسم الثاني فلا تجري فيه قاعدة التجاوز، وذلك للزوم كونها مقارنة للعمل، والمفروض أنه لم يتجاوز.وقد اختلف في بعض الأمور من أنه هل له محل شرعي أو لا؟ منها الوضوء، فإن عمدة المسالك في الوضوء مسلكان:المسلك الأول : أنّ ما هو شرط للصلاة هو المحصل من الغسلتين والمسحتين، وهو الشرط المقارن للصلاة في الحقيقة، وأمّا الغسلتان والمسحتان فمولدة للشرط، وعلى هذا يكون الوضوء خارجاً عن محل الكلام.المسلك الثاني: أن الشرط هو الغسلتان والمسحتان، وهذا المسلك فيه احتمالان:الاحتمال الأول: أنّ الغسلتين والمسحتين بوجودهما الخارجي شرط للصلاة، إلا أنه بوجودهما الحدوثي والبقائي الاعتباري، أي أنّ الوضوء له وجود خارجي ووجود امتدادي في وعاء الاعتبار القانوني، فإنّ الشارع اعتبر الوضوء باقياً ما لم ينتقض بالنواقض المعروفة.الاحتمال الثاني: أن الشرط هو الوضوء الخارجي الذي هو عبارة عن الغسلتين والمسحتين، إلّا أنّ هذا مشروط بعدم تحقق أحد النواقض عقيب الوضوء.فالاحتمالات في المسألة ثلاثة، ونحن لا نبحث في هذا المقام عن الصحيح منها وعدمه، والبحث موكول إلى الفقه وسنتعرض له إجمالاً في بعض المباحث الآتية إن شاء اللّه تعالى.
والمختار مستنداً إلى الآيات والروايات هو الاحتمال الأول، وأن الشرط هو الطهارة والأمر بالوضوء والغسل والتيمم إرشاد إلى ما يحصل به الطهارة، ويدلنا على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطهّرَكُمْ، وعلى هذا المسلك - كما ذكرنا - الوضوء خارج عن محل البحث.)وأما المسلك الثاني الذي ذهب إليه بعض الأكابر، ومنشؤه أنّ هذا هو مقتضى الجمع بين الدليلين، فإنّ ظاهر قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ (1)الى آخره، أنّ الذي هو شرط في الصلاة هو الوضوء بوجوده الخارجي، والجمع بين هذا الدليل وأدلة النواقض يقتضي أن يكون للوضوء وجود امتدادي في وعاء الاعتبار. والنقض صادق بالنسبة إلى هذا الوجود، وإلا فالعمل الخارجي الذي قد تحقق غير قابل للنقض.)وأما الاحتمال الثالث، وهو أنّ الوضوء هو الفعل الخارجي، إلا أنه مشروط بعدم تعقب أحد هذه الأمور الخاصة التي يعبر عنها بالنواقض.وعلى الاحتمال الثاني يكون الوضوء بوجوده الامتدادي شرطاً للصلاة، فيكون من قبيل الشرط المقارن أيضاً، ويكون خارجاً عن محل البحث.وعلى الاحتمال الثالث يكون الوضوء بوجوده الخارجي هو الشرط للصلاة فيكون داخلاً في محل البحث.وأما القسم الثاني من الشروط التي ليست لها محل معين شرعاً، فينقسم إلى قسمين أيضاً:القسم الأول: ما يكون شرطاً للأجزاء كلاً أو بعضاً.القسم الثاني: ما يكون شرطاً لمجموع الصلاة.
1) سورة المائدة الآية: 6.
والفرق بين القسمين هو أن شرط المجموع لا بد وأن يكون موجوداً حتى في حال السكونات، وأما شرط الأجزاء فهو معتبر حين إتيان الجزء أو الأجزاء.وقد مثلوا الشرط الأجزاء بالاستقرار والطمأنينة لجميع الأجزاء، والجهر والإخفات للقراءة فقط.وشرط المجموع يحتمل أن يكون هو الشرط للكون الصلاتي وليس شرطاً للأجزاء إن قلنا بمغايرة الكون الصلاتي للأجزاء؛ إذ الكون الصلاتي يبدأ من التكبيرة إلى آخر التسليم.ويحتمل أن يكون شرط المجموع شرطاً للأجزاء بوجوده المقارن والسابق واللاحق، فيقال إن الاستقبال شرط للركوع في حال الركوع وقبله وبعده. وعلى هذا الاحتمال ليس بين شرط المجموع وشرط الأجزاء فرق لبّاً، إلا أن دائرة الشرط لشرط المجموع أوسع.ويحتمل أن الشارع المقدس جعل ما يكون مناقضاً أو مضاداً مانعاً في حال السكونات، فيقال: إنّ الالتفات بما أنه مضاد للاستقبال مانع.وكيفما كان فالقائلون بالتفصيل لم يذكروا ما هو مرادهم من شرط المجموع، هل مرادهم منه الاحتمال الأول أو الثاني أو الثالث؟ وقد عرفت أنه بناءً على أن يكون مرادهم من شرط المجموع هو الاحتمال الثاني فلا فرق بينه وبين شرط الجزء لباً.والحاصل: أن جريان القاعدة في القسم الأول - وهو شرط الجزء - بعد الفراغ من الصلاة مما لا ريب فيه، كما إذا شكّ بعد الصلاة في الطمأنينة أو الاستقرار في القراءة أو الركوع أو السجود وأمثال ذلك.وأما إذا كان الشكّ في الأثناء وكان في حال السكون، فبما أن الشرط شرط للجزء وليس شرطاً لجميع الأكوان، فبالنسبة إلى حال الشكّ وهو حال السكون لا يحتاج إلى المحرز؛ إذ الشرط شرط للأجزاء وليس شرطاً بالنسبة إلى حال السكون.
وأما بالنسبة إلى الأجزاء السابقة التي فرغ منها، كما إذا شكّ في الجهر أو الإخفات بعد الفراغ من القراءة، فلا ريب أيضاً في جريان قاعدة الفراغ بناء على ما هو الحق من جريان قاعدة الفراغ في الأجزاء كما تجري في الجميع، وذلك للإطلاقات، ولا دليل على اختصاصها بمجموع العمل.وأما جريان قاعدة التجاوز، فقد ذكر في مباني الاستنباط (1أنه لا بد فيها من الدخول في الغير؛ إذ حقيقة قاعدة التجاوز هو التجاوز عن محل الشيء، ومحل الشرط محل المشروط، ومحل المشروط لا ينقضي إلّا بالدخول في الغير المترتب.)والدخول في الغير بناءً على كونه شرطاً تعبدياً لجريان قاعدة التجاوز فلا إشكال من اعتباره الجريانها.وأما إذا قلنا بأنّ الدخول في الغير معتبر لا من جهة التعبد، بل من جهة صدق المضي مع العناية، فلا يعتبر الدخول في الغير هنا لصدق المضي والتجاوز عرفاً.وأما القسم الثاني وهو شرط المجموع فهو على نحوين:النحو الأول : ما إذا رأى نفسه حال الشكّ واجداً لشرط، ويشك في الأكوان السابقة في أنها هل كانت واجدة للشرائط ؟ذهب المحقق العراقي والسيد الخوئي (أيده اللّه إلى جريان قاعدة الفراغ؛ وذلك من جهة أن شرط المجموع مرجعه إلى شرط الجزء، فإن قلنا بأن المراد من شرط المجموع ما هو شرط للأجزاء سابقاً ولاحقاً ومقارناً، فعلى هذا تجري قاعدة الفراغ.)وأما إذا قلنا: إنّ المراد من شرط المجموع ما هو شرط للكون الصلاتي، فلا تجري القاعدة؛ إذ لم يتحقق فراغ من الكون الصلاتي.
1) مباني الاستنباط 4 : 336-337.
نعم، قاعدة الفراغ جارية على الاحتمال الثالث أيضاً، وهو أن يكون المناقض أو المضاد مانعاً، فإذا شككنا في أنه هل تحقق الالتفات من القبلة أو لا، فلا مانع من جريان القاعدة.النحو الثاني: ما إذا كان في حال السكون فاقداً لشرط، وشك في فقدانه لما تقدّم من الأجزاء، كما إذا كان غير مستقبل للقبلة بالفعل، فهنا لا وجه للنزاع في جريان القاعدة وعدم جريانها؛ لأنه لا مصحح لما هو فيه فعلاً حيث إنه فاقد للشرط فيه يقيناً، ولا تجري القاعدة بالنسبة إلى الأجزاء السابقة؛ لأنّ جريانها متوقف على أن يكون الغير الذي دخل فيه صحيحاً.### الجهة الحادية عشر في أنّ القاعدتين من الأمارات أو الأصولهل إنّ القاعدتين متمحضتان في الأصل العملي وأنّ التنزيل يكون إما بلحاظ المكملية أو أنه تنزيل مطلق، أو أنهما أمارتان فتكون مثبتاتهما حجة؟فإن قلنا إنهما كسائر الأصول العملية والتنزيل فيها بلحاظ المكملية، فإذا شككنا في أن الصلاة التي أتينا بها هل كانت مع الطهارة أو لا، فتجري قاعدة الفراغ ونحكم بصحة الصلاة، ولا بد من التوضؤ لصلاة أُخرى.وأما إذا قلنا إنّ القاعدتين من الأمارات، فتكون مثبتاتها حجة أيضاً، يعني يثبت بها الوضوء، ولا نحتاج إلى وضوء آخر لصلاة أُخرى.هذا كله فيما إذا كان للمشكوك فيه آثار فيما بعد، كالوضوء، لا فيما ليس له أثر فيما بعد، كالقراءة والركوعوفي المقام احتمالان، والمرجع في المقام هو الروايات، أي أنه لا بد من فحص الروايات وأنه هل يستفاد منها التنزيل بلحاظ المكملية أو التنزيل بلحاظ جميع الآثار؟والروايات التي استدل بها أو يمكن أن يستدل بها على التنزيل المطلق على قسمين:
القسم الأول: ما عده المشهور من الروايات الدالة على قاعدة الفراغ، ولا أقل من أن القدر المتيقن منها هو موارد قاعدة الفراغ.القسم الثاني: ما عده المشهور من الروايات الدالة على قاعدة التجاوز، ولا أقل من أن القدر المتيقن منها موارد قاعدة التجاوز.وإنما عبرنا بهذا التعبير من أجل أنّ المختار وفاقاً للشيخ والمحقق الأصفهاني هو دلالة جميعها على قاعدة واحدة، وهي أن كل شيء مضى إما بمضي نفسه أو بمضي محله لا يعتني بالشك فيه.أما روايات القسم الأولفمنها: صحيحة محمد بن مسلم كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو» بتقريب أنّ الإمضاء في قوله: «فامضه» بمعنى الإنفاذ كما في اللغة، فكما يثبت بالقاعدة أن الصلاة كانت مع الطهارة يثبت بها الطهارة أيضاً.وهذا مما لا يمكن المساعدة عليه؛ وذلك لأنا ذكرنا في مبحث الأصل المثبت أنّ مجرد تنزيل شيء منزلة شيء لا يقتضي إثبات لوازمه، بل إنما تترتب آثاره.ومنها: رواية محمد بن مسلم أيضاً، قال سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ يقول: «كل ما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكراً فامضه ولا إعادة عليك فيه».)وهذه الرواية مخدوشة سنداً من ناحيتين:الأولى: أنّ الشيخ روى هذه الرواية عن سعد بن عبد اللّه عن موسى بن جعفر، وهو لم يوثق، نعم، موجود في إسناد كامل الزيارات.الثانية: هو يروي عن أبي جعفر، والمراد به أحمد بن محمد بن عيسى وهو يروي عن حسن بن حسين اللؤلؤي الذي اختلف فيه أهل الرجال، فوثقه بعض كالنجاشي وضعفه بعض آخر.وأما دلالتها
فلو كان قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ : «ولا إعادة عليك فيه» تفسيراً لقوله: «فامضه» فتكون هذه الرواية أخص من مورد قاعدة الفراغ، يعني: إن كان الشكّ من الأمور التي يكون الإخلال بها موجباً للفساد مثل الإخلال بالركوع أو السجدتين فالشك فيه لا يعتني به.)وأما سائر الشكوك مثل الشكّ في القراءة أو السجدة الواحدة، أو التشهد وأمثال ذلك، فالرواية غير ناظرة إليها، وعلى هذا يثبت بالرواية عدم الإعادة، وأما تحقق الوضوء وعدمه، فالرواية غير ناظرة إليه.ولو لم يكن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ : ولا إعادة» الى آخره تفسيراً لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فامضه»، بل ذكر خاصية من خصوصيات الإمضاء، وإنّما صرح بها لأهميتها، فعليه ما قلنا في الصحيحة من عدم دلالة قوله: «فامضه» على أنّ المكمل والمحقق نفسه موجود وجارٍ في هذه الرواية أيضاً.)ومثل هذه الرواية صحيحة محمد بن مسلم أيضاً عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ قال: «كل ما شككت فيه بعد ما تفرغ من صلاتك فامض ولا تعد».)والاحتمالان اللذان ذكرناهما في الرواية المتقدمة يجريان في هذه الصحيحة من أنّ قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «ولا تعد» إما تفسير لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فامض» أو ذكر خاصية من الخصوصيات. والجواب نفس الجواب.)ومنها: رواية محمد بن مسلم - أيضاً - وهذه الرواية مذكورة في مصدرين:أحدهما: الفقيه، وسند الصدوق إلى محمد بن مسلم ضعيف.ثانيهما: السرائر، وهو يروي هذه الرواية عن كتاب محمد بن علي بن محبوب، وهذا لا كلام فيه، وإنّما الكلام في رواية ابن أبي عمير عن محمد بن مسلم، فإنه بحسب الطبقات لا يمكن أن يروي عنه؛ إذ إن ابن أبي عمير توفي سنة 217 ومن الطبقة السادسة، ومحمد بن مسلم توفي سنة 150 وهو من الطبقة الرابعة.
وكيف كان فالرواية هكذا: «إن شكّ الرجل بعد ما صلى فلم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً وكان يقينه حين انصرف أنه كان قد أتم لم يعد الصلاة، وكان حين انصرف أقرب إلى الحق منه بعد ذلك» (1.)وهذه الرواية مرتبطة بقاعدة الفراغ البنائي، وهي غير قاعدة الفراغ التي هي مورد كلامنا.مضافاً إلى أنه لا بد من فرض السؤال إمّا في غير الرباعية أو في الرباعية بعد إتيان المنافي، وأما في الرباعية فالشك في الثلاث والأربع غير موجب للإعادة حتى ولو كان الشك في نفس الصلاة، فلا يمكن الاستدلال على كونها أمارة بقوله: «لم يعد الصلاة»؛ إذ هذه الجملة لا تدلّ على شيء.وهكذا لا يمكن الاستدلال بجملة: «وكان يقينه» الى آخره، من جهة أنها تدل على أن اليقين حال الانصراف لا ينقض بالشك الساري، وهذا من فروع قاعدة اليقين التي قلنا بعدم تماميتها.ومنها: رواية بكير بن أعين قال: قلت له: الرجل يشك بعد ما توضأ قال: «هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك».فقد يقال: إن المستفاد من هذه الرواية هو الأمارية؛ إذ مرجع ذلك إلى أصالة عدم الغفلة، ونحن وإن قلنا سابقاً إنّ هذه الرواية ليس لها مفهوم، إلا أنه صدّقنا ذلك في الجملة، لكنه بما أنّ أصالة عدم الغفلة ليست من الأصول العقلائية عندنا وإنما الشارع عبدنا بعدم الغفلة، فعليه لا يمكن استفادة الأمارية من هذه الرواية.فتبين أنه لا يمكن استفادة التعبد من هذه الروايات من جميع الجهات.وأما القسم الثاني: وهو الروايات التي استدل بها المشهور على قاعدة التجاوز.
1) من لا يحضره الفقيه 1 : 352، مستطرفات السرائر : 207.
وبما أنه ذهب بعض ومنهم السيد الحكيم (قدس سره في المستمسك إلى أنّ المستفاد من روايات قاعدة التجاوز هو التعبد بالمشكوك فيه من جميع الجهات، فلا بد من توضيح محل البحث، ثم بعد ذلك نبحث عن الروايات، فنقول:)إن في قبال القول بأنّ المتعبد به هو الشيء المشكوك فيه الذي قد تجاوز عنه أو عن محله، هو القول بأن المتعبد به هو جميع الآثار وأنّ التعبد بالمشكوك فيه بلحاظ جميع الآثار، وهذا بخلاف القول الأول، فإنّ التعبد بالمشكوك فيه إنّما هو بلحاظ الأثر التصحيحي والتكميلي وعدم قضاء الجزء المنسي وعدم لزوم سجدتي السهو وأمثال ذلك. ومن يقول بالقول الثاني فيلتزم - مضافاً إلى ترتب الآثار المتقدمة - بترتب الآثار الوجودية للشيء المشكوك، فمثلاً: من صلى صلاة العصر، ثم شكّ في أنه هل صلى صلاة الظهر أو لا، فاحتمل السيد اليزدي (رَحمهُ اللّه جريان قاعدة التجاوز بالنسبة إلى صلاة الظهر، فلا يحتاج إلى إتيان صلاة الظهر، مضافاً إلى أنها مصححة لصلاة العصر.)فالكلام في أنه هل يترتب على قاعدة التجاوز جميع الآثار حتى الأثر الوجودي للشيء المشكوك، أو يترتب عليه الأثر التصحيحي والتكميلي بلحاظ عدم التدارك وعدم قضاء المنسي وعدم سجدتي السهو وأمثال ذلك الذي لو لا قاعدة التجاوز لحكمنا بلزوم التدارك ولزوم قضائه أو لزوم سجدتي السهو.وينبغي التذكير بأن من قال بترتب جميع الآثار إنما قال به مستفاداً من قاعدة التجاوز، والقول بذلك في قاعدة الفراغ إنما يكون بناء على اتحاد القاعدتين.وأما الروايات التي استدل بها على ترتب جميع الآثار، فهي:الرواية الأولى : صحيحة زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ : رجل شكّ في الأذان وقد دخل في الإقامة، قال: «يمضي»، قلت: رجل شكّ في الأذان والإقامة وقد كبر، قال: «يمضي»، قلت: رجل شكّ في التكبير وقد قرأ، قال: «يمضي»، قلت: شكّ في القراءة وقد ركع، قال: «يمضي»، قلت: شكّ في الركوع وقد سجد، قال: «يمضي»)
على صلاته، ثم قال: «يا زرارة إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشيء».ويمكن الاستدلال بهذه الرواية بتقريبين:التقريب الأول: الاستدلال بكبرى الذيل وأنها تدل على أن التعبد بالشيء المشكوك فيه هو بلحاظ جميع الآثار، أي من حيث نفسه ومن حيث مكمليته ومصححيته.التقريب الثاني: التقريب المذكور في المستمسك وهو الاستدلال بها بسبب الأمثلة المذكورة في الرواية.أما التقريب الأول فهو أن مرجع قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «يا زرارة» الى آخره هو أن الشكّ لا يعتنى به إذا خرج من الشيء، وهذا مطلق، أي سواء كان الشكّ شكاً في امتثال أمره النفسي أو شكاً بلحاظ مصححيته ومكمليته للعمل.)ويمكن الجواب عن هذا الإطلاق بوجوه:الوجه الأول: أن من مقدمات الأخذ بالإطلاق عدم وجود قدر متيقن في مقام التخاطب، والمقدار المتيقن بلحاظ الأمثلة المذكورة في الرواية هو المكملية والمصححية، والأسئلة كلها ناظرة إلى حيثية المصححية.والجواب عن هذا الوجه: أنا لا نلتزم بما قاله المحقق الخراساني، فليس من مقدمات الأخذ بالإطلاق عدم وجود قدر متيقن في مقام التخاطب، بل مجرد كون الكلام في مقام الإثبات مورداً للإرادة التفهيمية كاف في إجراء أصالة التطابق بين الإرادة الجدية والاستعمالية عند الشكّ في التطابق وعدم التطابق، ولا أثر للقدر المتيقن في مقام التخاطب وعدمه.الوجه الثاني: أن المحرر في علم الأصول هو أنه إذا ورد مطلق وكان في مقام البيان من جهة ونشك في كونه في مقام البيان من جهة أخرى، فنأخذ به من حيث نقطع بأنه في مقام البيان من تلك الحيثية، وأما من الحيثية الأخرى فلا يمكن الأخذ
بالإطلاق. وكون الأصل أنّ المولى في مقام البيان إنّما يجري فيما إذا دار الأمر بين كونه في مقام الإجمال أو في مقام البيان، لا فيما إذا علم بأنه في مقام البيان من جهة وشك في أنه هل في مقام البيان من جهة أُخرى أو لا؟وبعبارة أخرى: إذا شككنا في أنّ المولى هل كان بصدد البيان أو كان في مقام الإجمال، فالأصل العقلائي يقول: إن المولى في مقام البيان.وأما إذا شككنا في مقدار ما هو بصدد بيانه وفي تعدد المراد أو تعدد الإرادة، فهنا الأصل غير جارٍ، وعلى هذا قد فرعوا في قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ (1)أنّ الآية بصدد بيان جواز الأكل، لا أن موضع العض طاهر.)وفيما نحن فيه يقال : إن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «إذا خرجت من شيء ودخلت في غيره فشكك ليس بشيء» في مقام البيان من جهة، وهي نفي الاعتناء بالشك من ناحية فقدان ما هو مكمل ومصحح للعمل، ويشك في أنه هل بصدد بيان جهة أُخرى وهي ترتب أثر وجود الشيء، بمعنى أنه امتثل أمره، ولذا لا يمكن الأخذ بالإطلاق.)الوجه الثالث: ما هو مبتن على مقدمتين:المقدمة الأولى: أنّ الأخذ بالإطلاق له ضابط، وهو لزوم تشخيص المراد التفهيمي؛ فإنّ المراد قد يكون مراداً استعمالياً وقد يكون مراداً تفيهمياً، فإنّ (زيد كثير الرماد له مراد استعمالي وهو كثرة رماده ومراد تفهيمي وهو أنه جواد، وكونه جواداً قد يكون بداعي الجد وقد يكون بداعي الهزل أو بداع آخر.)ثم إنه قد يكون المراد الاستعمالي والمراد التفهيمي واحداً، مثل (اعتق رقبة، فإذا شككنا أنّ المراد بالإرادة الجدية هل هو الرقبة المؤمنة أو مطلق الرقبة؟ فهنا تجري أصالة التطابق بين الإرادة الجدية والإرادة الاستعمالية؛ وذلك لوحدة الإرادة الاستعمالية والإرادة التفهيمية.)
1) سورة المائدة الآية: 4.
و قد يكون المراد الاستعمالي غير المراد التفهيمي، كما في باب الكنايات، مثل (زيد كثير الرماد، وشككنا في أنه هل هو كناية عن أمرين أو عن أمر واحد، أي شككنا في أن المراد بالإرادة التفهيمية هل هو واحد أو متعدد؟ فلا تجري أصالة التطابق ولا يمكن الأخذ بالإطلاق.)فالمحقق السبزواري وغيره قد استدلوا لقاعدة اليقين والاستصحاب بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ : «لا تنقض اليقين بالشك» وذلك من جهة الإطلاق، ولا شكّ أن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا يدل على الاستصحاب، أي أنّ الشكّ الطارئ لا يعتنى به، وهل يدلّ على عدم الاعتناء بالشك الساري؟ كما استفاد ذلك المحقق السبزواري وتمسك بإطلاقه على كليهما بالإطلاق.)ونحن قد أجبنا هناك بأن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «لا تنقض اليقين بالشك» ليس مراده الاستعمالي متحداً مع المراد التفهيمي، أي أنّ المراد التفهيمي أمر والمراد الاستعمالي أمر آخر، وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا كناية إما عن اعتبار اليقين بالحدوث يقيناً بالنسبة إلى البقاء، وهذا هو الاستصحاب، وإما عن أنّ اليقين بالحدوث الذي قد زال نعتبره موجوداً، وهذا هو قاعدة اليقين.)والمراد التفهيمي أحد هذين الأمرين، فلا يمكن الأخذ بظاهر كلام ليس مراداً بالإرادة التفهيمية، بل كناية والقول بأنه يعمهما وتعيين المراد بالإرادة التفهيمية لا بدّ وأن يكون بالقرائن، وبما أنّ الرواية واردة فيمن كان على وضوء فشك، فالقدر المتيقن منها الاستصحاب، وأنّ اليقين بالحدوث يقين بالنسبة إلى البقاء. وأما إثبات قاعدة أُخرى فهو محتاج إلى محمول آخر.ويحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِما أَمْسَكْنَ من هذا القبيل، لا من تعدد الحيثيات، وذلك لأن قوله هذا كناية عن تذكية الممسك، وإنما الكلام في أنه هل هذا كناية عن أنه طاهر أو لا؟ وبما أن المراد التفهيمي هو تذكية الممسك، فلا يمكن إثبات الطهارة بذلك والأخذ بالإطلاق.)
ونتيجة هذه المقدمة هي أنه إذا ثبت في مورد أنّ المراد بالإرادة التفهيمية ليس المراد بالإرادة الاستعمالية، فلابد من تشخيص المراد بالإرادة التفهيمية، وبعد ذلك نأخذ بالإطلاق بالإرادة التفهيمية، فمثلاً نأخذ بإطلاق قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِما أَمْسَكْنَ فسواء كان الإمساك من المذبح أم غيره يحكم بتذكيته.)وأما كونه طاهراً أو لا، فهو محمول آخر لا يدلّ عليه الكلام؛ إذ الكناية لا بدّ وأن تعرف بالمناسبات من أنّها كناية عن أي شيء، فإنّ كثرة الرماد مثلاً كناية عن الجود، لا أن يكون كناية عن أنه طباخ أو خباز.المقدمة الثانية: أن الظاهر من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «فشكك ليس بشيء» الوارد في صحيحة زرارة: «إذا خرجت من شيء ودخلت في غيره فشكك ليس بشيء» أنه لا تعتني بالشك.)وهذا الظاهر غير مراد، بل كناية عن أمر آخر؛ إذ لم يكن الكلام في الاعتناء بالشك؛ لأنه إذا لم تكن قاعدة التجاوز لكنا نتمسك بالاستصحاب، فليس الكلام في أنه لولا هذه القاعدة لكنا نعتني بالشك، بل كنا نتمسك بالاستصحاب، والاستصحاب ملغ للشك ومثبت لليقين بعدم إتيان ما شكّ فيه، وقد ذكرنا أن العامة قد عدوا قاعدة التجاوز من مستثنيات الاستصحاب، كما في الأشباه والنظائر للسيوطي.وبعبارة أُخرى: سجدتا السهو أو التدارك أو الإعادة وأمثال ذلك ليس من آثار الشكّ، بل من آثار الواقع، وبحكم الاستصحاب نحكم بعدم تحقق الواقع، فقوله «فشكك ليس بشيء» كناية، لا أن يكون هو المراد التفهيمي، فهذا إما كناية عن أنه اعتبره مصححاً ومكملاً، أو كناية - مضافاً إلى ما ذكر - عن أنه اعتبره مصداقاً لما أُمر بالأمر النفسي، ففي المقام إما أن يكون قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ كناية عن أن صلاة العصر وقعت صحيحةً، وإما كناية عن امتثال الظهر، فلا يحتاج إلى الإعادة.)
والكلام في أنّ هذا يدل على كلتا القضيتين أو على إحدى القضيتين، وهذا عين قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ، ولا يمكن الأخذ بالإطلاق لإثبات كلتا القضيتين.)فظهر مما ذكرنا أنه لا يمكن استفادة ما ادعي من أن رواية زرارة ناظرة إلى جميع الآثار حتى الآثار المترتبة على الشيء في نفسه.التقريب الثاني: ما ذكره السيد الحكيم (رَحمهُ اللّه في المستمسك (1): (ويمكن أيضاً إثبات وجود صلاة الظهر بقاعدة التجاوز، ودعوى أن قاعدة التجاوز إنما تثبت وجود المشكوك بلحاظ صحة الفعل المتجاوز إليه لا غير، ولا تعرض فيها لإثبات وجوده من غير هذه الجهة مدفوعة).)وقد عرفت مما ذكرنا في المقدمة أنّ قاعدة التجاوز تثبت وجود المشكوك فيه بلحاظ الصحة وعدم التدارك وعدم وجوب سجدة السهو وعدم قضاء ما يجب قضاؤه، وغير ذلك من الآثار.وعليه فلا وجه لجعل الصحة في قبال سائر الآثار، وهذا خروج عن النزاع؛ فإنّ التحقيق أنّ ظاهر دليلها جواز البناء على وجود المشكوك بلحاظ سائر آثاره، لا خصوص البناء على صحة الجزء الذي دخل فيه.فقد جعل (رَحمهُ اللّه مورد النزاع خصوص الصحة أو جميع الآثار، والحال أن مورد النزاع جميع الآثار أو الصحة والكمال.)ثم قال (2: (وإلا لم يكن وجه لتطبيق القاعدة في صدر صحيحة زرارة الآتي على الشك في القراءة وقد ركع؛ إذ لا شكّ في صحة الركوع في الفرض، وإنما الشكّ في وجود القراءة بلحاظ الآثار العملية، كسجود السهو، فتطبيق القاعدة إنّما هو بهذا اللحاظ).)
والجواب عن ذلك أنا قلنا: إنّ قاعدة التجاوز تجري بلحاظ التصحيح والتكميل، وأنه في المثال على فرض تمامية الدليل وأنّ لكل زيادة ونقيصة تجب سجدة السهو فبحكم قاعدة التجاوز ننفي وجوبها في صورة الشكّ إذا تجاوز عنه ودخل في غيره، وهذا غير محل كلامنا وهو إثبات جميع الآثار حتى آثار وجود الشيء وأنه لا يجب الإتيان بصلاة الظهر مثلاً بسبب قاعدة التجاوزثم قال (1: (ومثله تطبيقها على الشكّ في الأذان وهو في الإقامة، فإنّه لا شكّ في صحة الإقامة، فلا بد أن يكون التطبيق بلحاظ استحباب الأذان).)والجواب عن ذلك: أنّ هذا متوقف على أن يكون الأذان مستحباً نفسياً، والمختار استناداً إلى موثقة عمار عدم استحبابه استحباباً نفسياً بالنسبة إلى الرجال.والاستدلال إنما يتم فيما إذا أنكر الاستحباب الشرطي الذي معناه أن الصلاة المشروطة بسبق الأذان والإقامة لها أمر استحبابي، وقد ذكرنا سابقاً أنه يمكن الأمر بشيء أمراً وجوبياً والأمر بشيء مع شيء آخر أمراً استحبابياً، وعليه فلا يكون المثال من قبيل الظهر والعصر.الرواية الثانية: رواية حماد بن عثمان (2، وهي معتبرة سنداً، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أشكو وأنا ساجد فلا أدري ركعت أم لا، فقال: «قد ركعت امض». وفي التهذيب: «قد رکعت امضه» (3).)بتقريب أن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ : «قد ركعت» معناه أن التجاوز عن المحل موجب لتنزيل الشيء المشكوك فيه منزلة المتيقن من جميع الجهات.)والجواب عن ذلك:
أولاً: أنّ الشيخ قد نقل هذه الرواية في كل من التهذيب والاستبصار بطريقين، وكلاهما ينتهيان إلى حماد، إلّا أنّ في أحد الطريقين الراوي هو فضالة وفي الآخر صفوان، وفي الطريق الذي فيه فضالة كلمة «قد ركعت» غير موجودة، وموجودة فيما يرويه صفوان عن حماد، وعليه فثبوت كلمة قد ركعت مشكوكة، فلا يمكن الاستدلال بها.إن قلت: إن دار الأمر بين الزيادة والنقيصة فأصالة عدم الغفلة عن الزيادة مقدمة على أصالة عدم الغفلة عن النقيصة؛ إذ غالباً ما ينسى الإنسان كلمة، لا أن يزيد كلمة، وعليه فما هو مذكور في طريق صفوان هو الصحيح.قلنا: إنا ذكرنا في مبحث لا ضرر مفصلاً أنّ هذا ليس من الأصول العقلائية، فإن العقلاء لا يقدمون - عند دوران الأمر بين الغفلة عن الزيادة أو النقيصة - أصالة عدم الغفلة عن الزيادة على أصالة عدم الغفلة عن النقيصة، بل لا بد من ترجيح أحدهما بالقرائن، وإن لم يمكن ترجيح أحدهما بالقرائن يكون الاستدلال ساقطاً من هذه الجهة.وثانياً: على فرض التسليم لثبوت كلمة «قد ركعت» فإنما يكون للاستدلال وجه فيما لو لم تلحقه كلمة «امض» أو «امضه»، ومعه لا وجه للاستدلال؛ إذ قوله: «امض» شاهد على أنّ اعتبار الركوع إنما يكون بلحاظ لزوم المضي والإنفاذ والتكميل.وثالثاً: أن الركوع أثره تصحيحي وتكميلي، وليس له أثر استقلالي، فإذا قيل: «قد ركعت» فالمقدار المستفاد منه هو ترتب الأثر التصحيحي والتكميلي، وذلك لأن الركوع ليس له أثر إلا الأثر التصحيحي.ومن هذا الجواب الثالث يظهر الجواب عن رواية عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه، وهي: قال: قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ: رجل أهوى إلى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع قال: «قد ركع».)
هذا تمام الكلام في هذه الجهة، وقد ظهر أنه لا يمكن استفادة تعميم التنزيل حتى بلحاظ آثار وجود الشيء المشكوك.وبقي أن نذكر فرعين مرتبطين بهذه الجهة والجهة السابقة.الفرع الأول: أنه إذا شكّ في الطهارة في أثناء الصلاة، فهل يمكن تصحيح الصلاة بسبب قاعدة التجاوز أو لا؟وفي المسألة أقوال ثلاثة:القول الأول: أنه لا يمكن تصحيح الصلاة، وهذا ما ذهب إليه صاحب العروة.القول الثاني: أنه يمكن تصحيح الصلاة بالقاعدة، إلا أنه لا بد من الوضوء لصلاة أُخرى، وهذا ما ذهب إليه الشيخ الأنصاري.القول الثالث: أنه يمكن تصحيح هذه الصلاة بسبب قاعدة التجاوز، ولا يحتاج إلى الوضوء لسائر الصلوات، وهذا ما ذهب إليه الشيخ جعفر آل كاشف الغطاء.ولا بد من التذكير بأن هناك رواية في المقام، إلا أنها ضعيفة سنداً ودلالة، وهي رواية علي بن جعفر.ففي قرب الإسناد عن عبد اللّه بن الحسن عن جده علي بن جعفر عن أخيه، قال: سألته عن رجل يكون على وضوء، شكّ على وضوء هو أم لا، قال: «إذا ذكر وهو في صلاته انصرف وتوضأ وأعادها، وإن ذكر وقد فرغ من صلاته أجزأه ذلك» (1.)وهذه الرواية كما قلنا ضعيفة سنداً من جهة عبد اللّه بن الحسن، فإنّه لم يوثق، وأما دلالةً فإنّ ظاهر هذه الرواية أنه كان على وضوء وشك في أنه على وضوء أم لا، فهذا ليس من محل كلامنا وهو الشكّ في أصل الوضوء، بل من موارد جریان الاستصحاب.
1) قرب الإسناد: 177.
وهذه الرواية على فرض تماميتها سنداً معارضة لما يدل على الاستصحاب، وعليه فما سنذكره إنّما نذكره على وفق القاعدة، لا مستنداً إلى هذه الرواية.وعمدة النزاع بين من يقول ببطلان هذه الصلاة وبين من يقول بصحتها، سواء قال بلزوم الوضوء لصلاة أخرى أم لم يقل.وأما النزاع بين الشيخ والشيخ جعفر كاشف الغطاء فهو مرتبط بالجهة الأخيرة التي فرغنا منها قريباً وهي أنه هل تترتب جميع الآثار حتى آثار وجود الشيء المشكوك - وهذا ما ذهب إليه كاشف الغطاء - أو تترتب الآثار التصحيحية والتكميلية وهذا ما ذهب إليه الشيخ - ؟ ولذا لا نتعرض للنزاع بينهما، إذ تقدم آنفاً أن الصحيح في تلك الجهة أن الآثار التصحيحية هي المترتبة فقط.فالكلام في جريان قاعدة التجاوز في الصلاة وعدمه، ومن يقول بجريان القاعدة فأقرب طرق الاستدلال له هو : أنّ الغسلتين والمسحتين المأمور بهما في قوله تعالى ﴿إِذَا قُمْتُمْ إلى الصلاة لها محل، ومحلها قبل الصلاة، والشك فيها شكّ بعد التجاوز عن المحل، فتشملها الإطلاقات مثل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يا زرارة إذا خرجت من شيء» الى آخره.)ويرد عليه وجوه متعددة:الوجه الأول: ما أورده المحقق الهمداني وهو أنه لا توجد إطلاقات تدلّ على جريان قاعدة التجاوز، إلّا بالنسبة لأجزاء الصلاة.وبعبارة أخرى: قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «إذا خرجت من شيء ودخلت في غيره فشكك ليس بشيء» ليس معناه إذا خرجت من أي شيء ودخلت في غيره، بل الشيء المذكور هنا كناية عن المذكورات السابقة وأجزاء الصلاة والوضوء خارج عن الصلاة وليس جزءاً للصلاة حتى تجري فيه قاعدة التجاوز.)والجواب عن ذلك قد تقدّم في المباحث السابقة.
الوجه الثاني: ما ذكره المحقق النائيني على ما في أجود التقريرات، وحاصله : أن قاعدة التجاوز إنّما تجري فيما إذا كان له إرادة كلية بالنسبة إلى عمل، وكان لهذه الإرادة الكلية اقتضاء انبعاث إرادة جزئية بنحو إذا تحقق تخلف يكون ناشئاً من الغفلة. وأما الأشياء التي يؤتى بها بإرادة مستقلة فخارجة عن حدود قاعدة التجاوز، فمثلاً: الوضوء بما أنه من الأمور التي يؤتى بها غالباً لا لأجل الصلاة؛ إذ غايات الوضوء متعددة، فإرادة الوضوء ليست منبعثة من إرادة الصلاة، بل ناشئة من إرادة مستقلة.وكذلك الكلام في الفرع الآتي، فإنّ صلاة الظهر شرط لصحة صلاة العصر، إلّا أن من يصلي صلاة الظهر لا يصليها من أجل تحقق شرط العصر، بل يريدها لنفسها بحسب العادة.وما ذكره لا بد من توجيهه أولاً، فإنّه مع قطع النظر عن المصطلحات الفلسفية التي عبر بها من الإرادة الكلية وانبعاث الإرادة الجزئية، فهذا غير صحيح.نعم، يمكن التعبير بالعزم بالمركب وتعدد الإرادات بناءً على عدم انفكاك الإرادة عن المراد، فمع قطع النظر عن هذه الأمور ما ذكره لا يمكن أن يكون أساس عدم جريان قاعدة التجاوز، بل أساسه هو ما ذهب إليه من أن جميع الروايات المشتملة على الكبرى حتى صحيحة زرارة ترتبط بقاعدة الفراغ، أي: إن شكّ في واقعة واحدة قانونية في وجودها وعدم جودها وقد تجاوز عنه ودخل في غيره فلا يعتني به. وأما أجزاء العمل فلا تجري القاعدة فيها.إلا أنه قد طبق في رواية إسماعيل بن جابر، وصحيحة زرارة على أجزاء الصلاة، فهذا التطبيق تعبدي، فيقول بالتجاوز في حدود التطبيق.والفرق بين المذكورات في الصحيحتين والوضوء وصلاة العصر هو أنّ الإنسان غالباً ما يأتي بالوضوء وصلاة العصر عن إرادة مستقلة، وأما المذكورات
فيؤتى بها من الإرادات الناشئة عن العزم بالمركب فلا يمكن إجراء قاعدة التجاوز فيهما من جهة أنهما خارجان عن حدود التطبيق.ولكنه مع هذا المكمل الذي ذكرناه لا يمكن المساعدة عليه؛ وذلك لما ذكرناه سابقاً من أن التطبيق ليس تعبدياً، وقد تقدم الكلام في ذلك مفصلاً.الوجه الثالث: وهو ما يرد بناء على مسلك السيد الخوئي (أيده اللّه من أنه يعتبر في جريان قاعدة التجاوز أن تكون صحة المشكوك فيه أو كماله متوقفاً على الغير، والغير أيضاً صحته أو كماله متوقف على المشكوك فيه.)وعلى هذا يمكن القول بأن صحة الوضوء لا تتوقف على الصلاة ولو أنّ الصلاة صحتها متوقفة على الوضوء، فلا تجري قاعدة التجاوز في الوضوء. وهو (أيده اللّه وإن لم يتعرض لهذا الاشكال هنا، إلا أنه يأتي على هذا المبنى.)والجواب عن ذلك ما ذكرناه سابقاً أيضاً من أنه لا دليل على أن تكون صحة كلّ واحد أو كماله متوقفاً على الآخر.الوجه الرابع: ما ذكره المحقق العراقي على ما في نهاية الأفكار، وحاصله : أنّ القاعدة تجري فيما إذا كان الوضوء شرطاً لمجموع الصلاة، وعليه فإذا دخل في الصلاة فتجري القاعدة.وأما إذا قلنا: إنّ الوضوء شرط لكل جزء من أجزاء الصلاة - كما هو الحق - فالتجاوز غير صادق بالنسبة إلى ما بيده وما يريد الإتيان به فيما بعد. نعم، قد تجاوز بالنسبة إلى الأجزاء السابقة، فقد قال (1: (لأنّ نسبة الشرط حينئذ إلى جميع اجزاء المشروط نسبة واحدة، وتجاوز محله باعتبار كونه شرطاً للأجزاء الماضية لا يكفي بالنسبة إلى الأجزاء المستقبلة بعد عدم صدق تجاوز المحل بالنسبة إليها).)
1) نهاية الأفكار 4 ق2 : 69.
والجواب عن ذلك أنه لو كان التجاوز بالنسبة إلى الأجزاء السابقة متحققاً، فهو بالنسبة إلى الأجزاء اللاحقة يكون متحققاً بطريق أولى؛ لأنّ محل الأجزاء اللاحقة بعد الأجزاء السابقة، والمفروض أنّ الشكّ بعد تجاوز المحل بالنسبة إلى الأجزاء السابقة.الوجه الخامس: ما هو مذكور في كلمات جمع، وهو أن هذا مبني على أن يكون نفس الوضوء شرطاً للصلاة، وأما إذا قلنا بأنّ المسبب من الوضوء وهو الطهارة شرط للصلاة، أو قلنا بأنّ الوجود البقائي للغسلتين والمسحتين شرط للصلاة، كما ذهب إليه بعض الأكابر حيث ذكر أنّ هذا هو المستفاد من الجمع بين الأدلة، فإنّ ظاهر قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ الى آخره، أنّ المأمور به هو الوضوء ومن أدلة النواقض نستفيد أنّ الشارع جعل له وجوداً بقائياً.)وعليهما فتكون الطهارة شرطاً مقارناً للصلاة، لا أن تكون شرطاً مقدماً حتى يقال بجريان قاعدة التجاوز فيه.وقد أجاب المحقق الهمداني عن هذا الإشكال في حاشيته على الرسائل (1بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (أقول : هذه الدعوى وجيهة، حيث أن محل فعل الوضوء قبل الصلاة كفعل الظهر قبل العصر، و هذا بخلاف مثل الستر والاستقبال و نحوه، فإنّ محل إيجاد مثل هذه الشرائط حال الصلاة، لا قبلها.)لا يقال: إن الوضوء من حيث هو ليس بشرط، بل الشرط هي الطهارة الحاصلة بفعله، وهي كالستر و الاستقبال معتبرة حال الصلاة.لانا نقول: الشكّ في حصول الطهارة حالها مسبب عن الشكّ في فعل الوضوء الذي له محل مقرر شرعاً بعد التجاوز عنه، فالحق عدم الالتفات إليه، بناء على عموم هذه القاعدة.)
1) الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية: 465-466.
وذكر بعض الأكابر كلاماً يمكن أن يكون جواباً عن ذلك، ومحصله : أن هذا التقريب لا يثبت المحل الشرعي للوضوء، بل يثبت له المحل العقلي؛ وذلك لأنّ الطهارة التي هي شرط لجميع أجزاء الصلاة من المبدأ إلى المنتهى والمفروض أنها لا تتحقق إلا بالوضوء، فما ذكره مرجعه إلى أنّ العقل يحكم بفعل الوضوء قبلها، لا أنّ الشارع جعل للوضوء محلاً وهو قبل الصلاة.ويمكن الإيراد على هذا الجواب بأنه ليس في الرواية لفظ المحل، وما هو موجود في الروايات الدخول في الغير، وفسرناه بما لا ينبغي الدخول فيه مع الإخلال بسابقه مع الالتفات، وجعل الشارع الطهارة شرطاً مقارناً مساوق مع جعل المحل له.مضافاً إلى أن المجيب قد ذكر في رد الشيخ بأنّ الوضوء هو المأمور به شرعاً، فقد ذكر في مصباح الأصول (1: (أنّ ظاهر الآيات والروايات كون نفس الوضوء متعلقاً للتكليف كقوله تعالى (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) وكقوله: «افتتاح الصلاة الوضوء وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم») الى آخره.)وعلى هذا يكون للوضوء محل شرعي؛ إذ افتتاح الصلاة بالوضوء.وهنا روايات تؤيد ذلك مثل: «إنما الوضوء حد من حدود اللّه ليعلم اللّه من يطيعه ومن يعصيه وإن المؤمن لا ينجسه شيء إنما يكفيه مثل الدهن» (2.)ويستفاد من هذه الرواية أن وجوب الوضوء ليس وجوباً مقدمياً وعقلياً، وإلا فلا وجه لقوله ليعلم اللّه من يطيعه ممن يعصيه»، ومن المعلوم أن المقدمات لا يتصور فيها العصيان، فيظهر أن الوضوء له أمر نفسي.ومثل: «لا أحب أن أشرك في صلاتي أحداً» (3، فإنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عد الوضوء هنا جزءاً للصلاة.)
ومثل: عد الوضوء من فرائض الصلاة (1، ومعنى ذلك أنّ الأمر الصلاتي يشمل الوضوء، فكيف يقال بأنه ليس له محل، وما ذكرناه من وجود المحل للوضوء صحيح.)وأما الاستناد إلى هذه الروايات فغير صحيح؛ إذ بعضها ضعيف سنداً، مثل «افتتاح الصلاة الوضوء» (2، ومثل الروايات الناهية عن الإشراك في الوضوء.)ولا بد من تأويل بعضها مثل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «إن الوضوء من فرائض الصلاة» بأنّ المراد مقدمة فرض الصلاة، فإنّ فرض الصلاة هو الطهارة وأمثال ذلك.)الوجه السادس: من الإشكالات على جريان قاعدة التجاوز في الوضوء فيما إذا شك فيه في أثناء الصلاة، بناءً على المختار كما ذهب إليه جماعة وهو أنّ الوضوء محصل للطهارة وما هو شرط للصلاة هو الطهارة، لا الوضوء.وعليه فيمكن أن يقال إنّ ما هو قابل لأن يكون مكملاً لم يتجاوز عنه؛ إذ المفروض أنّ الطهارة من قبيل الشرط المقارن، وما تجاوز عنه غير قابل لأن يكون مصححاً ومكملاً؛ إذ المفروض أنه محصل للطهارة، وليس غاية الوضوء خصوص دخول الصلاة، بل يترتب عليه عدة أمور، وله غايات متعددة، وليس للروايات إطلاق بحيث تشمل كلّ ما يكون له حيثية المكملية والمصححية ولو مع الواسطة.هذا تمام الكلام في الفرع الأول.الفرع الثاني: من شكّ في أثناء صلاة العصر بأنه هل أتى بصلاة الظهر أو لا فهل تجري قاعدة التجاوز أو لا؟في المسألة أقوال ثلاثة:
القول الأول: إنّه يجب العدول إلى الظهر من باب العدول من اللاحقة إلى السابقة، ومعناه عدم جريان قاعدة التجاوز، وهذا ما ذهب إليه صاحب العروة وجماعة.القول الثاني: إنّه يتم صلاته عصراً ثم يأتي بالظهر، ومرجع ذلك إلى جريان قاعدة التجاوز من حيثية المكملية للعصر.القول الثالث: إنّه يتم صلاته عصراً، ولا يحتاج إلى إتيان الظهر، وذلك لجريان قاعدة التجاوز وترتب جميع الآثار.وقد عرفت مما تقدم أنّ القول الثالث مما لا يمكن الالتزام به؛ وذلك لأنه لا يمكن إثبات صلاة الظهر بقاعدة التجاوز. وليس محل كلامنا هنا في الترجيح بين المسلكين الثاني والثالث، بل في المسلك الأول الذي ينفي جريان القاعدة والمسلكين الأخيرين اللذين يثبتان جريان قاعدة التجاوز، فالكلام في جريان قاعدة التجاوز وعدم جريانها.والوجه في جريان قاعدة التجاوز هو أنه يعتبر في صلاة العصر أن تكون عقيب الظهر، يعني وجود صلاة الظهر متقدمةً على العصر شرط لصحة صلاة العصر.وأما الظهر فلا يشترط في صحتها كونها متعقبة بصلاة العصر، وكونها شرطاً لصلاة العصر يوجب أن يكون للظهر محل، وبعد الدخول في العصر قد خرج عر محله ودخل في غيره، فتجري قاعدة التجاوز.ويناقش في جريان قاعدة التجاوز في هذا الفرع بعدة من المناقشات المتقدمة في الفرع الأول، كالمناقشة الأولى والثانية وغيرهما. والجواب عنها هو الجواب، وإنما الكلام في المناقشات التي ذكروها في هذا الفرع بالخصوص، وهي مناقشتان مذكورتان في المباني ومصباح الأصول.المناقشة الأولى: (أنّ تقدم الظهر على العصر شرط ذكري لا واقعي، ففي ظرف السهو - كما هو المفروض - ليس تقدمها شرطاً في صحتها حتى يكون لها محل شرعي
ويحكم بتجاوزه (1)، وفي العبارة مسامحة فإن قوله: (ففي ظرف السهو كا هو المفروض) غير صحيح، بل لا بد من القول: ففي ظرف الشكّ واحتمال السهو.)وفيه :أولاً: نحن قد ذكرنا أنّ الغير الذي يكون الدخول فيه موجباً للتجاوز هو ما لا ينبغي الدخول فيه مع الإخلال بسابقه حال الالتفات وعمداً، وهذا المعيار صادق في المقام، مضافاً إلى أنه قد حكم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ بجريان قاعدة التجاوز في صحيحة زرارة، (رجل شكّ في القراءة وقد ركع) الى آخره، والحال أن جزئية القراءة غير ثابتة في حال النسيان.)وثانياً: أن ما ذكره من أنّ الترتيب شرط ذكري - وهذا على خلاف مسلكه (حفظه اللّه - فالبحث في أنّ الترتيب شرط ذكري أو واقعي إنّما هو بعد الفراغ من صلاة العصر، يعني أنه لو صلى صلاة العصر، ثمَّ تذكر أنه لم يصل صلاة الظهر، فإن قلنا بأن الترتيب بينهما شرط ذكري، فلا حاجة إلى إعادة العصر وإنّما تجب عليه صلاة الظهر فقط، كما ذهب إليه المشهور.)وإن قلنا بأن الترتيب بينهما شرط واقعي، فلا بد من العدول إلى صلاة الظهر «إنّما هي أربع مكان أربع» ويأتي بصلاة العصر.فالنزاع بينهم إنما هو فيما إذا أتى بصلاة العصر وبعد الفراغ منها تذكر بأنه لم يصل الظهر، وأمّا في الأثناء فلا ريب بأنه يجب العدول ولا بد من ملاحظة الترتيب، وهذا مما لا خلاف فيه.وفي محل الكلام وهو الشكّ في الظهر أيضاً لا بد من العدول، وذلك من أجل التحفظ على الترتيب، والشاهد على لزوم الترتيب قولهم في صورة نسيان الظهر وتذكره في أثناء العصر بلزوم العدول.
1) مباني الاستنباط 4 : 353.
المناقشة الثانية: (أنه على تقدير كونه شرطاً واقعياً، كما ربما يستظهر من قوله في صحيحة زرارة: «إنّما هي أربع مكان أربع» (1)الى آخره.)و خلاصة كلامه أنّ صلاة الظهر لها جهتان من الوجوب: الوجوب الغيري والوجوب النفسي، أما جهة وجوبها الغيري فبلحاظ أنّ تقدّمها على العصر شرط لصحة صلاة العصر، وأما وجوبها النفسي فبلحاظ أنّها من الواجبات الإلهية التي لا بد من الإتيان بها.وقاعدة التجاوز على فرض جريانها إنّما تجري بلحاظ أنّ صلاة الظهر لها محل، وهذا من جهة وجوبها الغيري؛ إذ لو لم تكن واجبةً بوجوب غيري لم يكن لها محل.ولعل التعبير بالوجوب الغيري فيه مسامحة، والأصح التعبير بالوجوب الشرطي.وأما من جهة الوجوب النفسي فلا تجري قاعدة التجاوز، ولابد من إتيانها بحكم الاستصحاب وقاعدة الاشتغال، والعدول إلى الظهر بحكم الروايات.ويرد عليه : أنه لا معنى للعدول في الأثناء بعد جريان قاعدة التجاوز، فإنّ قاعدة التجاوز تصحح العمل وأنّ هذه الصلاة بعد صلاة الظهر، والعدول إنما شرع تحفظاً على الترتيب بينهما، والمفروض أن قاعدة التجاوز تقول إن الترتيب محفوظ، فلا مقتضي للعدول، ويمكن الإتيان بصلاة الظهر بعد ذلك بمقتضى قاعدة الاشتغال والاستصحاب، فلا وجه للقول بالعدول في هذا المقام، إذ الاستصحاب يقتضي الإتيان بصلاة الظهر وقاعدة التجاوز لا تقتضي عدم إتيانها، بل تقتضي وقوع العصر مترتباً على الظهر، ولا منافاة بينهما.ثم إنه ذكر السيد الخوئي (حفظه اللّه أن الدليل على أن الترتيب بينهما شرط واقعي هو صحيحة زرارة وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «إنما هي أربع مكان أربع»، ولا بد من التذكير)
1) مباني الاستنباط 353:4.
بأنه (حفظه اللّه التزم به، أي أنه يقول فيها إذا أتى بصلاة العصر قبل صلاة الظهر نسياناً يجب عليه العدول إلى الظهر ويأتي بصلاة العصر، والمشهور ذهبوا إلى صحة صلاته عصراً وإنّما يأتي بصلاة الظهر فقط؛ وذلك من جهة عدم الاخلال إلا بالترتيب، وبحكم قانون (لا تعاد) يحكم بصحة العصر. وأما لزوم الإتيان بالظهر فهو على القاعدة.)وأما السيد اليزدي والسيد الخوئي فقد ذهبا إلى العدول بعد صلاة العصر إلى الظهر والإتيان بصلاة العصر، ومستند هذا القول روايتان عبر السيد الخوئي هنا عن إحداهما بالصحيحة، ونعت كل منهما في الفقه بالصحيحة، ويجب العمل عليهما وإن لم يعمل بهما المشهور.ونحن أيضاً نقول بأنّ إعراض المشهور ليس له موضوعية، إلا أنه لا بد من تقويم ذلك وأنه ما هو المنشأ لذلك، فإنّه كثيراً ما يكون إعراض المشهور مرشداً إلى وهن، ولذا لم يعمل المشهور به.وعلى كل حال فالروايتان اللتان استدل بهما:إحداهما : الصحيحة المشار إليها، وهي مروية في الكافي والتهذيب، إلّا أنّ التهذيب يرويها عن الكافي، وهي: علي بن إبراهيم عن أبيه ومحمد بن إسماعيل عن فضل بن شاذان عن حماد بن عيسى عن حريز عن زرارة عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ قال: «إذا نسيت صلاة أو صليتها بغير وضوء وكان عليك قضاء صلاة، فابدأ بأولاهن فأذن لها وأقم ثمَّ صلها ثمَّ صل ما بعدها بإقامة وإقامة لكل صلاة، وقال: قال أبو جعفر : إن كنت قد صليت الظهر وقد فاتك الغداة فذكرتها فصل الغداة أي ساعة ذكرتها ولو بعد العصر ومتى ذكرت صلاة فاتتك صليتها، وقال: إن نيست الظهر حتى صليت العصر فذكرتها وأنت في الصلاة أو بعد فراغك فانوها الأولى ثمَّ صل العصر فإنّما هي أربع مكان أربع» الى آخرها.)
وفي (قال الثاني احتمالان :)الأول: أن يكون معطوفاً على (قال الثاني في قوله: (وقال: قال) وعليه يكون الثاني أيضاً رواية عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ).)الثاني: أن يكون معطوفاً على (قال الأول في قوله: (وقال: قال) فعليه يكون من كلام زرارة الذي ألقاه على حريز.)والأظهر هو الثاني، وعلى فرض أن لا يكون أظهر يكون مجملاً، والشاهد على ذلك هو أنه لو لم يكن حريز معتنياً بهذه الجهة لم يكن يقول في الجملة السابقة (وقال: قال بل كان يقول: (وقال أبو جعفر).)إن قلت: إن كتاب حريز، بل كتب القدماء كانت متمحضة في نقل أقوال الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ وهذا معين من أن هذا الكلام أيضاً من أبي جعفر.)قلنا: إن كتب القدماء نظير كتب المتأخرين منهم كالكافي والتهذيب، فكما آنه يقع النزاع كثيراً في أنّ بعض العبارات هل هي من الرواية أو أنها من الكليني أو الشيخ؟ فنرى أنّ الوسائل ينقل رواية والوافي ينقل قسماً منها بعنوان أن التتمة ليست من الرواية، بل من كلام الصدوق أو الشيخ وأمثال ذلك.وقد ذكر الشيخ حسين بن عبد الصمد في كتاب وصول الأخيار إلى أُصول الأخبار أنه كثيراً ما كان يقع الاشتباه، ولذا قاموا بفصل كلام الشيخ عن كلام الإمام بواسطة خط، وكتاب حريز من هذا القبيل.ويؤيد ذلك قول النجاشي من أنّ له كتابين في الصلاة، وأحدهما (ألطف من الآخر، ولو كان كتابه متمحضاً في نقل الرواية لم يكن لقوله (ألطف) وجه.)ونحن لا نقول إنّا واثقون بأنّ الذيل من كلام زرارة، بل نقول هو مردد بين الأمرين، ولعل منشأ إعراض جماعة من الأصحاب هو ذلك.
ثانيتهما : ما هو مذكور في التهذيب والاستبصار عن الحسين بن سعيد عن ابن سنان عن ابن مسكان عن الحلبي قال: سألته عن رجل نسي أن يصلي الأولى حتى صلى العصر قال: «فليجعل صلاته التي صلى الأولى ثمَّ يستأنف العصر».وذكرنا أنه قد عبر عن هذه الرواية أيضاً بالصحيحة، ولعل الوجه فيه أنه حمل ابن سنان على عبد اللّه بن سنان والظاهر أنّ المراد به هو محمد بن سنان، فإنّ الحسين بن سعيد من الطبقة السابعة، ومحمد بن سنان من الطبقة السادسة ويمكن روايته عنه، وأما عبد اللّه بن سنان فهو من الطبقة الخامسة ولا يمكن أن يروي الحسين بن سعيد بلا واسطة عنه.مضافاً إلى أنه يروي في مائة وتسعة وعشرين مورداً عن محمد بن سنان، على ما في معجم الرجال، ولم ينقل في مورد أنه يروي عن عبد اللّه بن سنان.والغرض من ذكر ذلك بيان أن إعراض الأصحاب فيه جهة إرشاد إلى فحص الرواية مرةً ثانية، وبدقة أكثر حتى نرى هل فيها ما يوهنها أو لا؟وقد عرفنا ببركة إعراض الأصحاب أنه لا يمكن الاستدلال بالصحيحة لاحتمال أن يكون الكلام هو كلام زرارة ولا بالرواية الثانية من أجل ابن سنان.وكيفما كان، فقد كان كلامنا في جريان قاعدة التجاوز وعدمه، ولعل السيد الخوئي بما أنّ المناقشتين كانتا ضعيفتين في نظره لم يتعرض لهما في مبحث خلل الصلاة، بل تمسك بما سلكه من أنه يعتبر في الغير أن يكون كل واحد مترتباً على الآخر.والنتيجة: أن الأقوى جريان قاعدة التجاوز بخلاف الفرع السابق، ولا يجري الإشكال الخامس على الفرع الأول في هذا الفرع، وذلك من أجل أن الظهر بوجوده المتقدم شرط في صحة العصر، وهذا بخلاف الوضوء.
### الجهة الثانية عشرة في تقدم قاعدة الفراغ والتجاوز على الاستصحابلا شكّ في تقدم القاعدتين على الاستصحاب؛ لأنّ القاعدتين في أكثر الموارد مخالفتان للاستصحاب، أي أنّ الاستصحاب يقتضي عدم إتيانه والحال أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ حكم بالمضي والإنفاذ.)ومن هنا يعرف أنّ الالتزام بالتخصيص - ولو على القول بأنها أصلان - غير وجيه من جهة أن النسبة بين أدلة الاستصحاب وأدلة الفراغ والتجاوز هي العموم من وجه، فيتعارضان في مورد الإجتماع، ويدور الأمر بين تخصيص الاستصحاب بقاعدة الفراغ والتجاوز، ولا يلزم من ذلك محذور؛ إذ يبقى للاستصحاب موارد كثيرة، وبين تخصيص القاعدتين، ويلزم منه اختصاص الفراغ والتجاوز بالموارد النادرة.ونحن نقول: إنّ الأمر أعظم مما ذكر، فإنّه يلزم تخصيص مورد العام، فإنّ الموارد المذكورة في صحيحة زرارة كلها مورد الجريان الأصل العدمي، وهذا المبحث مما لا داعي لطرحه وليس هناك ضرورة إلى البحث عنه.إلا أنّ الأعلام من بعد الشيخ ذكروا تفاصيل، فبعظهم ذهب إلى أن التقدم على نحو الحكومة، أي أن قاعدة الفراغ والتجاوز حاكمة على الاستصحاب بتقريبات منها أنهما من الأمارات، ولذا تكون لهما حكومة على الاستصحاب.وأما إذا قلنا بأنهما من الأصول فلا بد من الالتزام بالتخصيص، ويلزم منه محذور حملهما على المورد النادر، وهو مورد تعاقب الحالتين، ومورد الشكّ في المانع.وأما سائر الموارد فتكون داخلةٌ في الاستصحاب، والكلام في ذلك طويل، إلا أن البحث غير منتج.وأما بحسب ما سلكناه في الاستصحاب من أن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «لا تنقض اليقين بالشك»، معناه أنه لا ترفع اليد عن اليقين بالاحتمال الإدراكي على خلافه، وأما رفع اليد عن اليقين بحجة فيتقدمان على الاستصحاب بنحو الورود.)
وأما إذا قلنا بحجية الاستصحاب والقاعدتين من باب بناء العقلاء، فالأمارات التي تكون حجة عند العقلاء مختلفة من حيث المرتبة، وليس عندهم حكومة وتخصيص، أي أنّ العقلاء يقولون بطولية الأمارات، فمثلاً أنهم يرون اليد أمارة على الملكية، والإقرار مقدم على اليد والشهادة مقدمة على الإقرار.هذا تمام الكلام في قاعدة الفراغ والتجاوز.والحمد للّه رب العالمين
## القاعدة الثالثة: أصالة الصحة### إشارة:وفيها أبحاث متعددة:### البحث الأول: في تحرير محل البحثهناك معاني متعددة لأصالة الصحة، وينبغي بيان ما هو منها محل النزاع، ثم بيان المعاني الاخرى.فنقول: إن أصالة الصحة في محل الكلام هي أنّ العمل الصادر من الغير إذا كان له أثر شرعي بالنسبة إلينا، فهل لا بد من حمل عمله على الصحيح بمعنى ترتيب آثار الصحيح عليه أو لا؟ سواء كان العمل عبادياً أم غير عبادي، كما إذا شككنا أن من أتى بالواجب الكفائي كالصلاة على الميت هل أتى بها صحيحة حتى تكون ساقطة عنا أو كانت غير صحيحة حتى تجب علينا، وهكذا في العقود والإيقاعات في ترتيب الآثار.ولأصالة الصحة في كلام الفقهاء معان أخر لا بد من معرفتها:المعنى الأول: أصالة السلامة في الأعيان، ويبحث عن هذه القاعدة في مبحث خيار العيب، كما هو مذكور في المكاسب وغيره.ومعنى ذلك أن الأصل العقلائي أو الأمارة العقلائية قائمة على صحة كل من الثمن والمثمن.وإنما يعنونون ذلك هناك من أجل أنه إذا لم يكن محرزاً لسلامة العين - كما هو في الغالب، فإنّهم لا يحققون غالباً في أن المبيع صحيح أو فاسد - فمقتضى القاعدة
الحكم ببطلان البيع وهكذا في سائر المعاملات، والحال أنه يحكم بصحة المعاملة، إلّا أنه إذا ظهر معيباً فيترتب عليه ما ذكروه من الآثار في مبحث خيار العيب.والسر في الحكم بالبطلان هو من جهة أنّ وصف الصحة ليس بأقل من سائر الأوصاف بل أهمها، مثل الأوصاف المربوطة بكمية المبيع أو كمال المبيع وأشباهها، والحال أنّ الجهل بخصوصيات أحد العوضين موجب لبطلان المعاملة، ووصف الصحة أهم منها، فلا بد من الحكم بالبطلان من جهة الغرر بمعنى الجهالة أو الخطر، فإما أن يكون من باب اعتبار العلم بالعوضين ومانعية الجهالة، وإما من باب أن الخطر مانع، فتكون المعاملة محكومة بالبطلان.وقد ذهب بعضهم دفعاً للإشكال بأنه يتمسك لوصف الصحة بأصالة الصحة، أي أصالة السلامة، وهي إما أصل عقلائي أو أمارة عقلائية، وبها ترفع الجهالة ويرفع الخطر.وبعض من تمسك بهذا الأصل تمسك بالاستصحاب، أي أنا نستصحب عدم طرو شيء عليه.وبعضهم تمسك بالغلبة، وأن الغالب في الثمن والمثمن الصحة، وبعضهم تمسك بأن الأصل في الأشياء الصحة.وما ذهبوا إليه غير صحيح، أي أن أصالة الصحة بهذا المعنى ليست أصلاً أو أمارة عقلائية، ولا يمكن التمسك بالاستصحاب والقول بأن مدرك هذا الأصل هو الاستصحاب؛ إذ الاستصحاب لا يعين الصحة كما إذا لم تكن حالته السابقة معلومة، وأنه من أول ما خلق هل خلق صحيحاً أو معيباً أو كان مورداً لتعاقب الحالتين؟و على فرض تعيين الصحة لم يكن الاستصحاب رافعاً للخطر.
وأما الغلبة وكونها مدركاً للأصل، فهذا أيضاً غير صحيح؛ إذ الغلبة ممنوعة، لأن الأجناس تختلف بحسب الأمكنة والأزمنة من حيث الصحة والفساد، ولم يقل أحد بالتفصيل بين ما تكون الغلبة موجودة وبين ما لم تكن موجودة.مضافاً إلى أنّ الغلبة موجبة للمظنة (إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (1).)وأما ما ذكر من أن الأصل في الأشياء هو الصحة، فهذا أيضاً غير صحيح، ولا سيما في المبيعات المركبة من عدة آلات كالمكائن والساعة، فلا يمكن القول بذلك لإحراز أن الثمن أو المثمن صحيح.والحق ما أشار إليه الشيخ من أنّ منشأ الصحة هو الشرط الارتكازي، والشرط سواء كان شرطاً صريحاً أو ارتكازياً موجب لرفع الغرر بمعنى الجهالة أو الخطر.توضيح ذلك: أن الشرط منقسم إلى الصريح والارتكازي، والشروط الارتكازية في قوة الشروط الصريحة، فإذا قال بعتك هذا الكتاب بشرط أن يكون صحيحاً، فمرجعه إلى الالتزام على ما سلكناه في المكاسب، لا بمعنى الربط، كما ذهب إليه المحقق الإيرواني، أي: أني التزم بأن يكون هذا صحيحاً، ويعبر عنه بالفارسية (قول میدهم وشراؤه معلق على الالتزام، وقوله هذا بمنزلة الإخبار، ولا إشكال في جواز الاعتماد على قول البائع إذا أخبر بالصحة أو بالفساد، فشراء المشتري يكون من باب الاعتماد على قول البائع بالصحة وهذا رافع للجهالة والخطر، وذكرنا أن الشرط الارتكازي في قوة الشرط الصريح. والشاهد على أنه في قوة الإخبار هو أنه إذا قال بعتك هذا بشرط أن يكون صحيحاً، ثم ظهر أنه كان معيباً وكان البائع يعلم بأنه كان معيباً يصدق عليه أنه غشه.)
1) سورة يونس، الآية 36.
وذهب بعض الأكابر إلى ما هو شبيه بما ذكرنا، إلا أنه من باب أن مرجع الاشتراط إلى جعل الخيار، ومعنى ذلك أنه حينما يبيعه بشرط الصحة فإن التزام المشتري يكون مشروطاً بصحة المبيع.وهذا الذي ذكره لا يمكن المساعدة عليه؛ لأنّ هذا على فرض تماميته موجبلرفع الخطر، والحال أن عمدة الإشكال هو ما يرجع إلى الجهالة، وهذا لا يوجب رفع الجهالة والبحث عن ذلك موكول إلى مبحث المكاسب.وعلى كل حال، ليست أصالة الصحة بمعنى أصالة السلامة من الأصول العقلائية، وهذا الأصل لا أصل له.المعنى الثاني : أصالة الصحة في العقود والإيقاعات في الشبهات الحكمية.نتيجة للتطور قد وجدت أنواع من العقود غير العقود المتعارفة المذكورة في الكتب الفقهية، فإذا شككنا في صحة عقد من العقود المستحدثة، فيمكن أن يقال: إنّ مقتضى الأصل في العقود هو الصحة.أو إذا شككنا في شرط من الشروط وأنه هل يعتبر في العقد ذلك أو لا، كما إذا شككنا في أنه هل يعتبر إيقاعه بالعربية أو لا؟ فيقال إنّا نتمسك بأصالة الصحة.وهذا في قبال أصالة الفساد، وأصالة الفساد مرجعها إلى الاستصحاب، أي نستصحب العلقة التي كانت قبل هذا العقد وأن العقد لم يؤثر.والكلام في أنّ في قبال هذا الأصل - أي أصالة الفساد - هل يوجد أصل يدل على الصحة أو لا؟يمكن أن يقال بوجود أصل يدل على الصحة، وهو أصالة الصحة في العقود والإيقاعات في الشبهات الحكمية، فإنّ عموم (أوْفُوا بِالعُقُودِ (1)يقتضي أن تكون)
1) سورة المائدة، الآية: 1.
جميع العقود واجبة الوفاء؛ لأنه عام وفي مقام إلقاء الكبرى الكلية بلا فرق بين أن يكون العقد مستحدثاً أو غير مستحدث، وهذا أصل لفظي في قبال الأصل العملي.وأصالة الإطلاق في مثل (وأحَلَّ اللّه البَيْعَ (1)تقتضي صحة العقد عند الشكّ في شرط وأنه هل يعتبر فيه العربية أو لا، وكذا «الصلح جائز بين المسلمين» (2)، فيتمسك بالإطلاق، إلّا أنّ الإطلاق على قسمين: الإطلاق اللفظي والإطلاق المقامي.)والإطلاق اللفظي متوقف على أن تكون ألفاظ المعاملات موضوعة للأعم.والإطلاق المقامي متوقف على أن تكون ألفاظ المعاملات موضوعة للصحيح.فإذا كانت موضوعة للصحيح، فلا يمكن التمسك بالإطلاق اللفظي؛ لأنا نشك بأنه بيع عند الشارع أو ليس ببيع عنده، ويعتبر في الإطلاق اللفظي القطع بتحقق الماهية، إلا أنه يشك في اعتبار شيء زائد على تحقق الماهية.فإذا كانت ألفاظ المعاملات موضوعة للصحيح وقال الشارع: ﴿وأحَلَّ اللّه البيع (3)أو «الصلح جائز بين المسلمين» وكان مراده البيع والصلح الصحيح، إلا أنه لم يبين أن البيع أو الصلح الصحيح عنده مغاير لما عند العرف أم لا، فإطلاق كلامه يقتضي أن الصحيح عند العرف صحيح عنده، والفاسد عند العرف فاسد عنده، وإلا لزم أن يكون كلامه لغواً.)والمقصود أن أصالة الصحة في العقود والإيقاعات إما بمعنى أصالة العموم أو أصالة الإطلاق اللفظي أو أصالة الإطلاق المقامي في قبال أصالة الفساد التي معناها الاستصحاب.
فأصالة الصحة في العقود بهذا المعنى الثاني مما يعتمد عليه، إلا أنه أيضاً خارج عن محل كلامنا ولسنا بصدد بيانه.المعنى الثالث: أصالة الصحة في عمل الغير، بمعنى أنه إذا صدر عمل من شخص، ولا ندري هل أنه صدر منه منكراً أو حسناً؟ فلا بد من حمله على أنه صدر منه حسناً ونعتقد بأنه صدر منه كذلك، ولا يجوز لنا أن نعتقد صدوره منه قبيحاً، فضلاً من ترتيب آثار القبيح، كما إذا رأينا من يفطر في شهر رمضان ويحتمل أن يكون مريضاً أو ناسياً ويحتمل أن يكون عاصياً، فلا بد من حمل عمله على الصحيح، وأنه لم يرتكب ذلك عصياناً.ويظهر من كلمات الأعلام أنها مورد الاختلاف، فقد يظهر من كتاب العناوين أنه عد أصالة الصحة بهذا المعنى من الضروريات، وفي قباله النراقي الذي معاصر له قد أنكر ذلك في العوائد، وملخص كلام النراقي: أنّ الأخبار التي استدل بها لأصالة الصحة لها معارض، وبلحاظ بعض المعارضات لا بد من التفصيل بين العمل الصادر - الذي هو ذو وجهين - من المؤمن العدل الثقة فيجب حمله على الصحة وبين العمل الصادر من غيره.وبلحاظ بعض المعارضات الأخر لا بد من التفصيل بين أن يكون الجور مستولياً على الزمان فلا يحمل على الصحة وبين ما لم يكن كذلك.فالكلام في وجوب الحمل على الصحة بمعنى عقد القلب على صدوره منه حسناً، كما ذهب إليه المشهور.واستدل لأصالة الصحة التي هي محل كلامنا بأُمور لا يليق بأن يستدل بها، بل لا نفع للاستدلال بها لأصالة الصحة بالمعنى الثالث.
ويمكن الاستدلال بالآيات المباركات والروايات، ومن الآيات قوله تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً (1).)والذي نستفيده من ذلك أمره تعالى بحسن المعاشرة مع الناس والتكلم معهم بكلام حسن، لا أن يكون خشناً وموهناً للطرف المقابل، إلا أنه قال الشيخ (2: (بناء على تفسيره بما في الكافي من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لا تقولوا إلا خيراً حتى تعلموا ما هو»).)وهذه الرواية سندها هكذا عدة من أصحابنا عن البرقي عن ابن فضال عن ثعلبة بن ميمون عن معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ في قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً) قال: «قولوا للناس حسناً ولا تقولوا إلا خيراً حتى تعلموا ما هو» (3).)ثم قال الشيخ : (ولعل مبناه على إرادة الظنّ والاعتقاد من القول.)لكن هذا التفسير وإن ورد في رواية صحيحة، إلّا أنّ في قبال ذلك روايات أُخر، فإنّها وإن كانت ضعيفة، إلا أنها قد ورد فيها ما هو موافق لظاهر الكلام، مضافاً إلى أنه ليس المراد من القول الظن والاعتقاد.واستدل بقوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ (4)، قال الشيخ (5): (فإن ظنّ السوء إثم، وإلا لم يكن شيء من الظن إثماً).)ولا بد من التذكير بأنه لم ترد رواية في تفسير هذه الآية المباركة، كما يظهر من تفسير البرهان ونور الثقلين.
وكلمات الأكابر فيها مختلفة، بعضها تدل على هذا المدعى وبعضها لا تدلّ، وقال الشيخ في التبيان (1: (إنما قال (كَثِيراً) لأن في جملته ما يجب العمل عليه ولا يجوز مخالفته، وقوله: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) فالظن الذي يكون إثماً إنما هو ما يفعله صاحبه وله طريق إلى العلم بدلاً منه مما يعمل عليه، فهذا ظنّ محرم لا يجوز فعله، فأما ما لا سبيل له إلى دفعه بالعلم بدلاً منه فليس بإثم).)فنرى أنه قد فسّره بالعمل بالظنّ في حال الانسداد وعدم جواز العمل بالظن في حال الانفتاح.نعم، ذكر الشيخ ما يدلّ على المدعى بقوله: (يلزم المؤمن أن يحسن الظن به ولا يسيء الظن في شيء يجد له تأويله جميلاً، وإن كان ظاهره القبيح، ومتى فعل ذلك كان ظنه قبيحاً (2).)ونقل في المجمع أيضاً أقوالاً متعددة عن العامة.والمقصود أنه هل الأمر كما ذكر الشيخ الأعظم من أن ظن السوء هو القدر المتيقن مما يجب الاجتناب عنه أو لا؟يمكن القول بأنه ليس الأمر كذلك، أي ليس الظن السوء هو القدر المتيقن؛ وذلك لأنا ذكرنا في مقدمة مبحث المظنة أنّ الظنّ عبارة عن النسبة الإيجابية أو السلبية في النفس، سواء كانت مقرونة بالاعتقاد الجزمي أم بالاعتقاد الراجح أم بالترديد، وقد استعمل الظن في الآيات الشريفة بهذه المعاني.نعم، لا بد وأن لا يكون منشأ حصول النسبة أمراً ضرورياً وبديهياً، فإذا كان المنشأ أمراً ضرورياً فهنا لا يطلق الظن، وأمّا إذا كان المنشأ أمراً غير ضروري بأن كان برهانياً أو ناشئاً من الحب أو البغض وأمثال ذلك فيطلق ويستعمل الظن.
وذكرنا هناك أيضاً أنّ الظن بلحاظ مبادئ حصوله ينقسم إلى أقسام متعددة:فقد يكون منشأ حصوله الحب لشيء أو البغض لشيء والشهوة وغيرها.وقد يكون منشؤه العواطف العالية، كحبه للمؤمنين أو حبه اللّه، الذي أمرنا به في الروايات وأنه لابد من حسن الظن باللّه وأنّ اللّه عند ظن عبده المؤمن، وكذلك حسن الظن بالمؤمنين.وقد يكون منشؤه الاحتمالات وبلحاظ التدقيق في الأمور وملاحظة جميع الاحتمالات، وهذا مما يعتني به العقلاء، وعبرنا عن ذلك بالمظنة الإدراكية.وتختلف النتائج باختلاف المناشئ فما يكون منشؤه الحب والبغض والشهوة وأمثال ذلك فكما أن مباديه منحطة كذلك الآثار المترتبة عليه، وإن كان مبتنياً على العواطف العالية مثل الشفقة والرحمة والحب اللّه وأمثال ذلك، تكون المبادئ والآثار كلها حسنة.وإن كان المنشأ ملاحظة الاحتمالات، فهذا له أثر علمي ولا بد من الاعتناء به.فإذا عرفت ذلك نقول: إنّ الآية مسبوقة بجهات لعله يمكن الاستكشاف منها مقصود الآية المباركة ويرفع بها الإجمال عن الآية، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا. قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالالقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا (1)، فإن غالب هذه الأمور من استهزاء الناس واللمز والتنابز بالألقاب من الأمور الناشئة من حب النفس والبغض ومن الصفات الرذيلة، والظن الناشئ من هذه الأمور إثم، وقد بيّن اللّه تعالى لزوم الاجتناب عن كثير من ظنون السوء التي هي موجبة لارتكاب هذه الأعمال من الاستهزاء واللمز والتنابز)
1) سورة الحجرات الآية: 11 و 12.
بالألقاب، وبيّن أن بعض الظن إثم، حتى يحتاط الإنسان عن كثير من الظنون التي فيها رائحة هذه الصفات النفسية الرذيلة، أي أنّ هذه الصفات هي المنشأ لهذه الظنون.وعلى هذا فالآية المباركة لا تدلّ على أنّ العمل الصادر من الغير إذا كان ظاهره قبيحاً لا بد من حمله على المحمل الصحيح وإن لم يكن مرتبطاً بالإنسان.وأما الروايات التي تعرض لها الشيخ فهي:الأولى: ما في الكافي عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ: «ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يقلبك عنه ولا تظننّ بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً» (1).)و سندها في الكافي هكذا: (عدّة عن أحمد بن محمد بن خالد عن أبيه عمن حدثه عن الحسين بن المختار عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ قال: قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)).)والرواية مرسلة، مضافاً إلى أن والد البرقي ممن قيل فيه: ضعيف الحديث.إلا أنه في الأمالي (2رواها عن (أحمد بن محمد بن يحيى العطار عن أبيه عن ابن أبي الخطاب عن محمد بن سنان، عن أبي الجارود عن أبي جعفر الباقر عن أبيه عن جده).)وهذا السند مما لا يعتمد عليه أيضاً؛ لعدم ثبوت وثاقة أحمد، وكذلك محمد بن سنان.وهذه الرواية موجودة أيضاً في نهج البلاغة مع وجود فرق، فإنّه ورد فيه بلفظ: «أحد» بدل «أخيك».وأما دلالتها فنقول: أما الجملة الأولى وهي: «ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يقلبك عنه» ليست مشتملة على الحكم المولوي؛ إذ الظاهر منها كما أشرنا أنه إذا دار الأمر بين الحسن والأحسن فيجب حمله على الأحسن، وإذا دار الأمر بين
الراجح والمرجوح فيجب الحمل على الراجح بناءً على التوسعة في معنى الأحسن، إلا أن أحداً لم يقل بذلك وأنه إذا دار الأمر بين الحسن والأحسن فيجب حمله على الأحسن، وإنّما يقولون بأنه إذا دار الأمر بين الراجح والمرجوح فيجب الحمل على الراجح.فهذه الرواية مرتبطة بجهة أخلاقية وأنّ الأخوة تقتضي ذلك، ويمكن القول بذلك في الجملة الثانية وأنها بوحدة السياق مرتبطة بالجهات الأخلاقية.وإن قلنا إنا نعتمد على الجملة الثانية فقط من جهة وجودها في النهج، ففي النهج منقول: «ولا تظنّن بكلمة خرجت من أحد سوءاً»، سواء كان أخوك أم غيره.وهذا أيضاً خارج عن محل كلامنا؛ إذ المدعي لا يدعي حمل فعل غير المؤمن على الصحة.وما ذكره العلامة المجلسي في البحار في شرح الرواية بعيد جداً، فإنّه قال: (ومن هذا القبيل ما سماه علماء العربية أسلوب الحكيم، كما قال الحجاج للقبعثري متوعداً له بالقيد: لأحملنك على الأدهم، فقال القبعثري : مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب، فأبرز وعيده في معرض الوعد (1).)إذ من الواضح أنه لا يجب حمل كلام كل واحد حتى الحجاج بمثل هذا الحمل.فظهر أنه لا يستفاد من هذه الرواية التي قلنا إنها أحسن دلالةً من غيرها إلا جهة أخلاقية.وهذه الرواية في نفسها مع قطع النظر عن سندها لا بأس بها دلالة، لكنها لا تدل على مدعاهم.
1) بحار الأنوار 72: 200.
الثانية : رواية محمد بن الفضيل، ففي الكافي (1: (عدّة عن سهل عن يحيى بن المبارك عن ابن جبلة عن محمد بن الفضيل).)ويحيى بن مبارك لم يوثق وابن جبلة واقفي، إلا أنه ثقة، ومحمد بن الفضيل مردد بين الصيرفي الذي هو مرمي بالغلو وضعيف وبين محمد بن قاسم بن فضيل الذي هو ثقة، وابن جبلة يروي عن كليهما، وعلى كلّ فالرواية غير تامة بحسب السند.وأمّا أصل الرواية قال : قلت له : جعلت فداك الرجل من إخواني يبلغني عنه الشيء الذي أكرهه فأساله عن ذلك فينكر ذلك، وقد أخبرني عنه قوم ثقات، فقال لي: «يا محمد كذب سمعك وبصرك عن أخيك، فإن شهد عندك خمسون قسامة، وقال لك قولاً فصدقه وكذبهم، لا تذيعن عليه شيئاً تشينه به و تهدم به مروءته، فتكون من الذين قال اللّه في كتابه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا هُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ»)قال الشيخ (2: (فالمراد من تكذيب السمع والبصر تكذيبهما فيما يفهمان من ظواهر بعض الأفعال من القبح، كما إذا ترى شخصاً ظاهر الصحة يشرب الخمر في مجلس يظن أنه مجلس الشرب). وعليه فالرواية تكون مرتبطة بمحل الكلام.)والظاهر أنها خارجة عن محل كلامنا، فإنّ الظاهر منها أنّ المراد من «كذب سمعك وبصرك» أنه كأنها لم تر شيئاً منه ولم تسمع في ترتيب الآثار من تشيينه وهدم مروته، مع أنك قاطع بصدوره منه.ومن الواضح أنّ الذي يفهم هو القوة العاقلة، والسمع والبصر وسيلتان لإيصال المسموع والمرئي للعقل، حتى يقال كذبهما.
وأما قوله: «خمسون قسامة» فكما ذكر شراح الأحاديث وأرباب اللغة: القسامة بمعنى القسم، وتطلق على من يحلف، وهذا من إحدى طرق إثبات القتل فيما إذا وجد قتيل عند جماعة، وادعي أنّ الجماعة قتلوا هذا الشخص ولم يكن له شاهد، فإنه يحلف خمسين قسامة على ذلك ويثبت به القتل، وإذا كان عددهم أقل فيحلفون خمسين قسماً، فما ذكره الشيخ من أنّ خمسين قسامة - أعني البينة العادلة - غير صحيح.والشاهد على ما ذكرناه روايات أُخر، ففي الوسائل (1عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «من قال في مؤمن ما رأته عيناه وسمعته أذناه فهو من الذين قال اللّه عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لهُمْ عَذَابٌ اليم)»، فما رأته عيناه وسمعته أذناه إذا قاله يكون من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة.)فالرواية غير مرتبطة بما إذا كان العمل ذا وجهين.الثالثة ما في الكافي(2أيضاً علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن إبراهيم بن عمرو اليماني - وإبراهيم هذا وثقه النجاشي (3)وضعفه ابن الغضائري (4)- عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إذا اتهم المؤمن أخاه إنماث الإيمان من قلبه كما ينماث الملح في الماء».)ورواية أُخرى في نفس المصدر (5: عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد عن بعض أصحابه عن الحسين بن حازم عن حسين بن عمر بن يزيد عن أبيه - وهذه الرواية مع قطع النظر عن رجالها مرسلة - قال سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: «من)
اتهم أخاه في دينه فلا حرمة بينهما، ومن عامل أخاه بمثل ما عامل به الناس فهو بريء مما ينتحل».وارتباط الروايتين بالمقام مبني على أن يكون الاتهام بمعنى سوء الظن.وهذا ما ذكره الشيخ (1بقوله: (ومنها ما ورد مستفيضاً من أنّ «المؤمن لا يتهم أخاه» وأنه «إذا اتهم أخاه انماث الإيمان من قلبه كما ينماث الملح في الماء» - إلى أن قال - : (هذا ولكن الإنصاف عدم دلالة هذه الأخبار، إلا على أنه لا بد من أن يحمل ما يصدر من الفاعل على الوجه الحسن عند الفاعل، ولا يحمل على الوجه القبيح عنده، وهذا غير ما نحن بصدده).)وهذا مبتن على أن تكون التهمة بمعنى سوء الظنّ، وأما إذا قلنا إنّ التهمة أن يقول ما ليس فيه في قبال الغيبة، فالروايات غير مرتبطة بالمقام، وقد ذكر ملا صالح المازندراني في شرح أصول الكافي(2: (ولعل المراد بها أن يقول ما ليس فيه مما يكسر شأنه ويوجب شينه، ويحتمل أن يراد بها سوء الظن به. وذكر المجلسي في البحار (3)ما هو شبيه بكلامه.)وهناك روايات تعارض الروايات السابقة ذكرها الشيخ وتصدى للجمع بينهما، وهي:الأولى: عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ: «لا تثق بأخيك كل الثقة، فإنّ صرعة الاسترسال لن تستقال».)
وهذه الرواية مروية في الكافي (1بهذا السند : (محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن علي بن إسماعيل عن عبد اللّه بن واصل - وهذا ليس له رواية في الكتب الأربعة إلّا هذه ولم يوثق - عن عبد اللّه بن سنان).)و في البحار(2رواها مرسلاً.)والظاهر أن هذه الرواية لا ترتبط بالمقام حتى يقال بأنها تعارض تلك الروايات، لأنّ الصرعة اسم من (صرعه إذا طرحه على الأرض، و(الاسترسال): الاستئناس والطمأنينة.)ومعنى ذلك أنّ الإنسان لا ينبسط ولا يسترسل مع أخيه بحيث يفشي له جميع أسراره، فإنّه يمكن أن يحصل بينهما خلاف، فيطرحه على الأرض بسبب ما أفشى له من الأسرار، وهذا أمر إرشادي إلى جهة أخلاقية، ولا ينافي حسن الظن بأخيه وأنه إذا صدر منه ما يكون مردداً بين القبيح والحسن يحمله على الحسن.والعجب من صاحب العوائد، فإنّه عد هذه الرواية مما تسقط تلك الروايات حيث قال (3: (فإنّ هذه الرواية تنهى عن تمام الوثوق بالأخ، فتخصص الأخبار المتقدمة وللإجمال في بعض الوثوق الباقي تخرج الأخبار المتقدمة عن الحجية والاستناد).)الثانية: ما في نهج البلاغة (4، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إذا استولى الصلاح على الزمان وأهله ثمَّ أساء رجل الظنّ برجل لم تظهر منه خزية» - أو حوبة - «فقد ظلم وإذا استولى الفساد على الزمان وأهله فأحسن رجل الظن برجل فقد غرر».)
وهذه الرواية أيضاً ليست معارضة لتلك الروايات، وفيها إشارة إلى أمر عقلائي، والمراد من قوله: «فأحسن رجل الظنّ برجل فقد غرر»، هو ترتیب آثار حسن الظنّ بمعنى الاعتماد عليه وإظهار عقائده عنده.الثالثة: رواية محمد بن هارون الجلاب قال سمعت أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ يقول: «إذا كان الجور أغلب من الحق لم يحل لأحد أن يظنّ بأحد خيراً حتى يعرف ذلك منه».)وهذه الرواية موجودة في الكافي (1بهذا السند : (عدة عن سهل بن زياد عن محمد بن الحسن بن شمون عن محمد بن هارون (الجلاب) والسند غير تام، إلا أن متنها لا بأس به، ومضمونها مضمون الرواية السابقة.)والمقصود أن الروايات التي عدت من المعارضات إمّا أن لا تدلّ أصلاً على المقام، كالرواية الدالة على حرمة اتهام المؤمن وكالرواية الدالة على إفشاء سر المؤمن، وإما أنها تدلّ، ولكن لم نجد لها سنداً صحيحاً، إلا أن أصل المطلب أمر عقلائي، وهي لا تعارض تلك الروايات.وما تسالموا عليه لعله مأخوذ من العامة، إذ للعامة روايات كثيرة في ذلك، ولحن بعضها شديد، مثل ما رواه الشهيد الثاني عنهم: (قال : قال :(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ «إن اللّه تعالى حرم من المسلم دمه وماله وأن يظن به الظن السوء» (2).)هذا تمام الكلام في المعنى الثالث.المعنى الرابع: ما ذكره الشيخ، وهو أصالة الصحة في الأقوال من حيث كشفه عن مقصود القائل - بتعبير الشيخ - وبتعبير أدق من حيث كشفه عن الواقع ومقدماته، فتجري أصالة الصحة في الكلام الصادر عن المتكلم من هذا الحيث، وبين هنا مراحل
ثلاثة، وهذه المراحل التي سنذكرها إنّما نذكرها على وفق تفكرنا، ولذا لعله يختلف عما ذكره الشيخ قليلاً.المرحلة الأولى: إذا صدر كلام من شخص ولا ندري أن المراد بالإرادة التفهمية هل هو ما صدر منه، أو أنه صدر منه اشتباهاً وغلطاً أو لغواً؟فهنا كما ذكر الشيخ يحمل كلامه على الصحيح أي يحمل على أنه أتى به بداعي الإرادة التفهيمية.المرحلة الثانية: ما إذا صدر منه كلام وشككنا في أنه هل هو مطابق للإرادة الجدية أو لا، وهذا تارة يكون في الإخبار وأُخرى في الإنشاء، أما في الإخبار فالمراد من الإرادة الجدية أنّ هذا الكلام على وفق معتقده.وأما في الإنشاء فالمراد من الإرادة الجدية أنه أنشأ ذلك بداعي الجد، فهنا ذكر الشيخ أنه يجري الأصل.أما في الإخبار فلا شكّ في إسناد مضمون الكلام إلى ذلك الشخص والمتكلم مأخوذ بهذا المضمون وأنه أراده بإرادة جدية؛ وذلك من أجل أن هذا مرتبط بميثاق عقلائي، وهو أنّ أهل كل لغة متعهدون على استعمال الألفاظ على وفق قوانين تلك اللغة، ويؤخذون بأقوالهم إذا لم يقيموا قرينة على الخلاف.ومن هذا الباب إقرار العقلاء وقول الطبيب والمجتهد والمقوّم وأمثال ذلك.وأما من ناحية الاستناد، فلا يجوز الاعتماد إلا مع الوثوق، وكلامه إنما يكون حجة في صورة الوثوق.وأما القول بحجية كلامه مطلقاً حتى وإن احتمل أن معتقده على خلاف ما أبرزه فمشكل.المرحلة الثالثة: إذا صدر من المتكلم كلام وشككنا في مطابقته للواقع، كما إذا أخبر حريز بأنه روى زرارة كذا، أو أن الطبيب أو المجتهد قال شيئاً وشككنا في مطابقته للواقع، وهنا تارة يكون الخبر عن حدس وأُخرى عن حس، فإذا كان عن
حدس وكان الطرف من أهل الخبرة - كما إذا كان مجتهداً - فقوله حجة إذا كان معتمداً ومحل وثوق، وإن لم يكن من أهل الخبرة فقوله ليس بحجة.وأما إذا كان الخبر عن حس والمفروض أنا نثق به في المرحلة السابقة، فهل يكون قوله حجة بمجرد أنه ثقة أو كونه مسلماً أو مؤمناً؟ وهذا هو ما يبحث في حجية خبر الواحد.وذهب بعض من جهة بعض الأخبار المتقدمة كالخبر الدال على حرمة اتهام المؤمن وعدم جواز تكذيب المؤمن إلى أن كل إمامي يعتمد على روايته وتكون روايته حجة، وقد ظهر أنّ تلك الأخبار لا تدلّ حتى على الأقل من ذلك.وذهب بعض إلى حجية خبر الثقة وهذا هو المشهور.إلّا أنّ الذي اخترناه تبعاً للشيخ في أواخر مبحث حجية خبر الواحد هو حجية الخبر الموثوق به.فظهر أن أصالة الصحة لا تجري بالنسبة إلى الخبر إذا كان عن حس، هذا تمام الكلام في سرد معاني أصالة الصحة وتمييز ما هو محل البحث، وهو البحث الأول.### البحث الثاني: في الفرق بين أصالة الصحة وقاعدة الفراغ وأن الصحة عند الحامل أو الفاعلومحل الكلام هو ما إذا صدر عمل من شخص وكان عمله هذا منشأ للأثر الإلزامي أو الترخيصي بالنسبة إلينا - على فرض وقوعه مستجمعاً لجميع الشرائط - وشككنا في أن هذا العمل هل وقع هكذا أو لا؟ فقالوا بجريان أصالة الصحة.وقبل الدخول في البحث لا بد أن نشير إلى أنّ العمل الذي يصدر من الإنسان قد يكون بداعي ترتب الأثر القانوني عليه، وهو أمر اعتباري، وهذا كأبواب العقود والإيقاعات، فإنّ المعاملة والعقد الذي يصدر من البائع والمشتري إنما هو بلحاظ ترتب الأثر القانوني عليه في المجتمع الذي يعيشون فيه أي يرونه ملكاً له مثلاً، أو إذا
تزوج يرونها زوجة أو زوجاً، فإذا شككنا في أن هذه المعاملة هل كانت واجدة للشرائط أو لا، فيقال بجريان أصالة الصحة.وقد يكون العمل عملاً خارجياً، إلا أنه أيضاً يؤتى به بداعي ترتب الأثر القانوني عليه، كما إذا غسل ثوباً نجساً بداعي تطهيره، فإنّ الطهارة مترتبة على الغسل مع استجماعها الشرائط.وقد يأتي بالعمل بداعي تفريغ الذمة، إلا أن تفريغ الذمة بالنسبة إليه له أثر بالنسبة إلى الآخرين، كما إذا أتى شخص بواجب كفائي.وأصالة الصحة التي هي محل كلامنا على فرض تماميتها تجري في هذه الموارد الثلاثة فيما كان له أثر بالنسبة إلينا.فإذا ظهر ذلك نذكر جهتين متفرعتين:الجهة الأولى: في الفرق بين أصالة الصحة وقاعدة الفراغ، فنقول بينهما فرقان:الأول: أن قاعدة الفراغ تجري في عمل النفس، وأصالة الصحة تجري في عمل الغير.الثاني: أن قاعدة الفراغ تجري في العمل الذي مضى، وأما أصالة الصحة فلا يعتبر في جريانها كون العمل مما قد مضى، بل تجري حتى إذا لم يأت به بعد، كما إذا كان يهيأ نفسه للصلاة على الميت أو كان في أثناء صلاة الميت.الجهة الثانية : أن محل كلامنا هو إثبات الصحة عند الحامل، أي الصحة الواقعية، وأما إثبات الصحة عند الفاعل، أي أنه أتى بالعمل على وفق القانون الذي هو ملتزم به، أو على وفق المذهب الذي هو ملتزم به، فهو خارج عن محل الكلام.فلو كان المراد من الأصل أصالة الصحة عند الفاعل لكان أمره سهلاً، أي كنا نلتزم به، ولا نحتاج إلى الأدلة التي سنذكرها في البحث الثالث؛ إذ كل متعهد بالقانون سواء كان القانون شرعياً أم عرفياً، فإنّ بناء العقلاء على أنه أتى به على وفق مذهبه و معتقده، مثل التعهد بالتكلم بلغة خاصة، فإنّ التكلم باللغة من المواثيق العقلائية،
و معنى ذلك أنه تعهد بأن يبرز مقاصده بالعربية أو بالفارسية على وفق القوانين التي في هذه اللغة، فكما أن احتمال السهو والغلط والجهل مدفوع، فكذلك بالنسبة إلى القوانين، فكل عمل يصدر منه لا بد وأن يحمل على أنه على وفق مذهبه ومعتقده، و احتمال أنه جاهل أو أنه خالف القانون أو غافل مدفوع.وأصالة الصحة عند الفاعل لا تؤثر بالنسبة إلينا إذا علمنا أو احتملنا أن القانون الذي هو ملتزم به غير القانون الذي نقول به، كما لو كان مذهبه مخالفاً لمذهبنا.نعم، إذا علمنا باتحاده معنا في التزامه بالقانون الذي نحن نلتزم به فتكون أصالة الصحة عنده مؤثرة بالنسبة لنا أيضاً.فأصالة الصحة التي هي مورد كلامنا هي أصالة الصحة عند الحامل لا أصالة الصحة عند الفاعل، وأنّ الصحيح عند الفاعل صحيح عند الحامل، وهذا مبتن على وحدة المذهب والمسلك، ولذا أشكل الأمر في إثبات ذلك.### البحث الثالث: في ما يستدل به على أصالة الصحةوقد استدل لأصالة الصحة بوجوه أخرى غير ما ذكر من الآيات والروايات التي قد عرفت ما فيها.الوجه الأول: قوله تعالى: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ (1)والاستدلال به متوقف على مقدمتين:)المقدمة الأولى: جواز التمسك بالعام في الشبهات المصداقية، كما نسب إلى الفقهاء في كتاب العناوين، وأمّا إذا قلنا بعدم جواز ذلك كما هو التحقيق، فلا يمكن الاستدلال به كما هو واضح.
1) سورة المائدة الآية: 1.
المقدمة الثانية: أن معنى (أوْفُوا بِالعُقُودِ هو أنه يجب على جميع الناس ترتيب آثار الصحة على العقود، وأمّا إذا كان معناه أنه يجب على المتعاقدين الوفاء بالعقود، فأيضاً لا يمكن التمسك به.)ومن الواضح ممنوعية كلتا المقدمتين، فإنّ التمسك بالعام في الشبهات المصداقية ممنوع - على ما حققناه في محله - والوفاء في اللغة بمعنى التمام، والدرهم الوافي أي الدرهم التام والوفاء بالعقد بمعنى إتمام العقد، والعقد اعتبار ذهني ونفسي، ومعناه الوفاء بما التزم به على نفسه بناءً على أن يكون العقد بمعنى العهد، كما في بعض الروايات، أو بناءً على أن يكون المراد هو العقد المشدد، أي الالتزامين اللذين عقد كل منهما بالآخر، وعلى أي حال (يجب الوفاء به بمعنى إتمامه بلحاظ الأعمال الجوارحية، أي لزوم ترتيب آثار العقد على المتعاقدين. فالوفاء مرتبط بالمتعاقدين، لا أن تكون وظيفة الناس الوفاء بالعقد الذي تحقق في قارة من القارات أو في بلد من البلدان.)وأما ما ذكر في بعض التقريرات من أنّ الدليل أخص من المدعى، فهو وإن كان صحيحاً، إلّا أنّ ذلك لا يضر بإثبات أصالة الصحة في العقود والإيقاعات، والقائل لا يستدل به على تمام المدعى بل يستدل به في خصوص العقود.الوجه الثاني: ما ذكره الشيخ في الفرائد (1من التمسك بالإجماع القولي وتتبع أقوال العلماء، حيث قال: (الثالث: الإجماع القولي والعملي. أما القولي فهو مستفاد من تتبع فتاوى الفقهاء في موارد كثيرة، فإنّهم لا يختلفون في أن قول مدعي الصحة في الجملة مطابق للأصل وإن اختلفوا في ترجيحه على سائر الأصول كما ستعرف)، وذكر مثالاً واحداً بقوله: (فإنّهم لا يختلفون) الى آخره.)ولا بد من التذكير بأنّ مورد البحث هو الصحة الواقعية وأصالة الصحة عند الحامل، فإذا عرفت ذلك نقول : إنّه يمكن أن يورد على هذا الاستدلال بعدة إيرادات:
1) فرائد الأصول 3: 350.
الإيراد الأول: أنه كما يظهر من تتمة كلامه أنه ليس فيما هو مورد كلامنا - وهو الصحة الواقعية وأصالة الصحة عند الحامل - إجماع، بل فيه خلاف، فإنه ذكر الشيخ نفسه أنه ذهب جماعة إلى الصحة عند الفاعل، أي أن العمل صحيح عند الفاعل، وأمّا ترتيب الأثر بالنسبة إلى الغير فلم يقولوا به، بل قالوا بعدمه.قال الشيخ (1: (وجهان، بل قولان:)ظاهر المشهور الحمل على الصحة الواقعية، فإذا شكّ المأموم في أن الإمام المعتقد بعدم وجوب السورة، قرأها أم لا ؟ جاز له الائتمام به، وإن لم يكن له ذلك إذا علم بتركها.ويظهر من بعض المتأخرين خلافه:قال في المدارك في شرح قول المحقق ولو اختلف الزوجان، فادعي أحدهما وقوع العقد في حال الإحرام وأنكر الآخر، فالقول قول من يدعي الإحلال ترجيحاً لجانب الصحة، قال: إنّ الحمل على الصحة إنما يتم إذا كان المدعي لوقوع الفعل في حال الإحرام عالماً بفساد ذلك، أما مع اعترافهما بالجهل، فلا وجه للحمل على الصحة، انتهى.ويظهر ذلك من بعض من عاصرناه - في أصوله وفروعه - حيث تمسك لهذا الأصل بالغلبة.بل ويمكن إسناد هذا القول إلى كل من استند في هذا الأصل إلى ظاهر حال المسلم، كالعلامة وجماعة ممن تأخر عنه، فإنه لا يشمل إلا صورة اعتقاد الصحة، خصوصاً إذا كان قد أمضاه الشارع لاجتهاد أو تقليد أو قيام بينة أو غير ذلك.والمسألة محل إشكال من إطلاق الأصحاب، ومن عدم مساعدة أدلتهم، فإن العمدة الإجماع ولزوم الاختلال والإجماع الفتوائي مع ما عرفت مشكل، والعملي في
1) فرائد الأصول 3: 354-355.
مورد العلم باعتقاد الفاعل للصحة أيضاً مشكل، والاختلال يندفع بالحمل على الصحة في غير المورد المذكور.)مضافاً إلى ما نقله (1عن المحقق الثاني (2): (وقال في باب الإجارة ما هذا لفظه : لا شكّ في أنه إذا حصل الاتفاق على حصول جميع الأمور المعتبرة في العقد - من حصول الإيجاب والقبول من الكاملين وجريانهما على العوضين المعتبرين - ووقع الاختلاف في شرط مفسد، فالقول قول مدعي الصحة بيمينه لأنه الموافق للأصل؛ لأنّ الأصل عدم ذلك المفسد، والأصل في فعل المسلم الصحة. أما إذا حصل الشكّ في الصحة والفساد في بعض الأمور المعتبرة وعدمه، فإنّ الأصل لا يثمر هنا فإن الأصل عدم السبب الناقل).)فيظهر من المحقق الثاني أنه منكر لأصالة الصحة.فظهر أن ما قام عليه الإجماع على فرض تحققه غير مرتبط بالمقام، مع أن الإجماع كما يظهر من كلامه غير حاصل.الإيراد الثاني: أنه لو تم إجماع، فإنّما هو من المتأخرين، أي من العلامة ومن تأخر عنه، وهذا المقدار غير كاف لتحقق الإجماع المعتبر، والوجه فيه أن الإجماع على فرض حجيته إنما يكون حجة فيما إذا تحقق الإجماع من المتقدم والمتأخر على اختلاف مبانيهم و مسالكهم في قبول الأخبار وعدمه، فمن اتفاقهم على ذلك يحصل الإطمئنان بأنه كان عندهم دليل شرعي معتبر، والإجماع بنفسه ليس بحجة، بل من جهة حصول الإطمئنان، فإن كان الاتفاق من الكل يحصل الإطمئنان، وأمّا إذا كان اتفاق جماعة قليلة، فمثل هذا الإجماع لا يحصل منه الإطمئنان.
الإيراد الثالث: أنّ الإجماع إنما يكون حجة فيما إذا لم يعلم مستندهم، وأما إذا علم المستند وأنهم أفتوا على ذلك بموجب دليل أو رواية خاصة، والمستند موجود عندنا ونتمكن من معرفة ما إذا كان مستندهم مخدوشاً أو صحيحاً، فهذا الإجماع ليس بحجة وإنما هو مرشد إلى وجود المدرك.والذين ذهبوا إلى أصالة الصحة إما أنهم استندوا إلى الآيات السابقة التي قد عرفت عدم دلالتها على المدعى مثل قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وإما إلى الروايات على اختلافها والتي قلنا إنها غير مرتبطة بحسن الظن، فكيف بترتيب الآثار، وبما أن الإجماع مدركي، فالمرجع نفس المدرك، لا الإجماع.)وأما ما ذكره الشيخ من قوله: (فإنّهم لا يختلفون في أن قول مدعي الصحة في الجملة مطابق للأصل فلا يمكن الاستكشاف من هذا المورد الواحد أنّ حكمهم على تقديم قول مدعي الصحة في الجملة من باب أصالة الصحة، بل يمكن أن يقال: إنّ حكمهم بذلك من جهة أخرى، وهي عدم سماع الإنكار بعد الإقرار، كما أشار إليها السيد في ملحقات العروة، إذ أول ما يقول: إني بعت هذا، فهذا إقرار منه، ثم بعد ذلك قوله بأنه كان غررياً أو معيباً وأمثال ذلك فهذا إنكار منه، والإنكار بعد الإقرار غير مسموع.)ومن الممكن حكمهم بتقديم قول مدعي الصحة من هذا الباب، لا من باب أصالة الصحة.فظهر أن الإجماع القولي غير تام، قال النراقي في كتاب العوائد (1في العائدة الثالثة والعشرين: (وأما الإجماع فهو وإن أمكن ادعاؤه، بل القول بثبوته في موارد جزئية يأتي الإشارة إلى بعضها ولكنه على سبيل الكلية - كما صرح به الفاضل المولى محمد باقر الخراساني في الكفاية وغيره - غير ثابت).)
1) عوائد الأيام: 231.
وذكر في الذيل أنّ حكمهم بالصحة في تلك الموارد مستند إلى أدلة أُخرى.الوجه الثالث: من الوجوه التي استدل بها لأصالة الصحة الإجماع العملي وسيرة المسلمين، وعبر بعض ببناء العقلاء، والشيخ عبر عن بناء العقلاء بحكم العقل، وكيفما كان فنحن نذكر الوجه الثالث والرابع معاً.وقبل الدخول في دليلهم لا بد من التذكير بأنه لا يمكن في مدعى واحد الاستدلال بسيرة المسلمين وبناء العقلاء معاً، وهذا التعبير أي الاستدلال بالسيرة وبناء العقلاء قد يوجد في المكاسب، وهذا غير صحيح.والوجه فيه أن سيرة المسلمين تختلف مع بناء العقلاء في الكاشف والمنكشف والشرط. فإنّ سيرة المسلمين تكون كاشفة عن الحكم الشرعي من جهة أن جماعة خاصة يمتازون في أعمالهم وأفعالهم وأقوالهم عن سائر الملل والنحل، وذلك لمتابعتهم لمشرع خاص، فمثلاً المسلمون يصلّون ويحجون ويصومون ويمتازون بسبب هذه الأعمال عن سائر العقلاء، وبما أنّهم تابعون لشريعة الإسلام، فإذا ثبتت سيرة مستمرة إلى زمان الشارع فتكون كاشفة عن الحكم الشرعي، فالكاشف عبارة عن جماعة ممتازة عن سائر العقلاء باتباعهم لمقنن خاص، فمن امتیاز هم نستكشف أن ما يعملونه ويمتازون به عن غيرهم هو الذي شرعه مشرعهم.وفي بناء العقلاء يكون الكاشف هو جميع العقلاء، لا بعضهم دون بعض، فمن عمل تمام العقلاء نستكشف أن هذا الحكم حكم عقلائي.والمنكشف بالسيرة هو الحكم التأسيسي من المشرع، إذ لا يتحقق الامتياز إلا أن يكون الحكم حكماً تأسيسياً، والمنكشف ببناء العقلاء هو الحكم الإمضائي.وبناء العقلاء إنما يكون كاشفاً عن الحكم الشرعي فيما إذا كان مقروناً بإمضاء المشرع ولو استكشف إمضاؤه من عدم ردعه، وفي السيرة لا يحتاج إلى عدم الردع، بل لا معنى له؛ إذ سيرة المسلمين معناه أن امتيازهم عن سائر الملل بسبب تشريع مشرعهم.
وعليه فما ذكر في مصباح الأصول (1من التمسك بالسيرة وعدم الردع، وكذا في المباني لعله مسامحة من المقرر.)والمقصود أنه لا يمكن الاستدلال بالسيرة وبناء العقلاء معاً، والأنسب هو أن يستدل ببناء العقلاء، وعليه فنبحث عما هو المعيار في بناء العقلاء على الصحة.وفي المقام احتمالات ثلاثة:الاحتمال الأول: أن يكون مرتبطاً بجهة إدراكية، يعني من باب المظنة بأن هذا العمل صحيح، وذلك من جهة الغلبة.الاحتمال الثاني: أن يكون من باب الاحتياج إلى هذا القانون، وإلا لزم اختلال النظام، فلو لم يحكم بالصحة في الأعمال الصادرة من الغير لزم اختلال النظام، كما ذكر الشيخ في بناء العقلاء.الاحتمال الثالث: ما ذكره صاحب الرسائل، وهو أن بعض المقننين في الأعصار القديمة قننوا ذلك لأتباعهم تسهيلاً لهم، ثمَّ بعد ذلك انتشر هذا القانون، وسائر العقلاء قد أخذوا ذلك.والفرق بين الاحتمال الثاني والثالث أنّ في الثاني يكون الملزم الاجتماعي موجباً لترتيب آثار الصحة وإلّا لزم إختلال النظام، وفي الثالث يكون القانون التسهيلي الذي قننه بعض المقننين في الأعصار القديمة هو الموجب للحمل على الصحة.أما الغلبة والظن الإدراكي فلا يمكن الالتزام به، فإنّ محل الكلام هو الصحة الواقعية، ولا غلبة فيها، وأمّا الصحة عند الفاعل فهو وإن قلنا بأنه أصل من الأصول إلا أنه ليس من باب الغلبة، بل من باب أنه من المواثيق العقلائية.وأما الاحتمال الثالث فهو مجرد فرضية ولم يذكر له شاهد تاريخي، بل المطمئن به عدم جعل مثل هذا القانون، فإن القوانين التي نقلت عنهم محدودة جداً، والفقه
1) مصباح الأصول 2 : 391.
الشيعي الذي هو ممتد إلى زمن الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ و له سعة ليس فيه أصالة الصحة بالمعنى الذي هو محل كلامنا، فكيف بغيرنا.)فظهر أن العمدة هو الاحتمال الثاني، فلا بد وأن نرى أن عدم القول بأصالة الصحة هل يوجب إخلال النظام أو لا.والشيخ قد عبّر عن هذا الدليل بحكم العقل حيث قال (1: (الرابع: العقل المستقل الحاكم بأنه لو لم يبن على هذا الأصل لزم اختلال نظام المعاد والمعاش، بل الاختلال الحاصل من ترك العمل بهذا الأصل أزيد من الاختلال الحاصل من ترك العمل بـ (يد المسلم). مع أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال الحفص بن غياث - بعد الحكم بأن اليد دليل الملك ويجوز الشهادة على الملك بمجرد اليد -: «إنّه لولا ذلك لما قام للمسلمين سوق» (2)، فيدل بفحواه على اعتبار أصالة الصحة في أعمال المسلمين، مضافاً إلى دلالته بظاهر اللفظ حيث إنّ الظاهر أنّ كل ما لولاه لزم الاختلال فهو حق؛ لأن الاختلال باطل والمستلزم للباطل باطل فنقيضه حق، وهو اعتبار أصالة الصحة عند الشكّ في صحة ما صدر عن الغير. ويشير إليه أيضاً ما ورد من نفي الحرج (3)، وتوسعة الدين (4)، وذم من ضيقوا على أنفسهم بجهالتهم) (5).)وأورد في المصباح (6على الشيخ بما لفظه: (وهذا الدليل أيضاً أخص من المدعى؛ لأن استقامة سوق المسلمين متوقفة على العمل بأصالة الصحة في العقود والايقاعات)
1) فرائد الأصول 3: 350-351.
2) وسائل الشيعة 18 : 215، الباب 25 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2.
3) سورة المائدة، الآية : 6، وسورة الحج، الآية: 78.
4) سورة البقرة، الآية : 286، وانظر روايات نفي الحرج، وروايات التوسعة في عوائد الأيام : 174 – 181.
5) وسائل الشيعة 2 : 1071، الباب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 3.
6) مصباح الأصول 2 : 391.
فقط؛ إذ لو لم يعمل بها في العبادات بل في المعاملات بالمعنى الأعم كالطهارة والنجاسة، لم يلزم اختلال في السوق أصلاً.)وأنت خبير بأن الشيخ لم يستدل بيد المسلم فقط، بل لكلام الشيخ تتمة وهي الاستدلال بالفحوى، بل الشيخ استظهر من الرواية بأن اختلال السوق ليس له خصوصية، بل اختلال نظام المسلمين هو الموضوع، فهذا الإشكال غير وارد على الشيخ.كما أن الإشكال بأن رواية حفص ضعيفة سنداً لوقوع قاسم في السند، وهو مردد بين قاسم بن يحيى وقاسم بن محمد وغيره في غير محله؛ لأنا لا نحتاج إليها، فإنّه إن قلنا بلزوم اختلال النظام لولا أصالة الصحة، فلا بدّ من الالتزام بأصالة الصحة والقول باعتبارها، ولا نحتاج إلى إثباتها أو تأييدها برواية حفص بن غياث؛ لأنّ الأمر أوضح من أن يتمسك لإثباته بالرواية.إلا أن الكلام في لزوم اختلال النظام على فرض عدم القول بأصالة الصحة. وقد ذكروا أمثلة لإثبات ذلك مثل الروايات الواردة في التحريض على صلاة الجماعة مع أنه غالباً لا يوجد وثوق بصحة صلاة الإمام، ومثل الاعتماد على أذان المؤذن، ومثل إقامة المقيم لإسقاط الأذان والإقامة، ومثل الصلاة على الميت وتغسيله، ومثل أعمال النائب، ومثل المعاملات الصادرة من الوكلاء، ومثل عمل الولي والوصي، فإنّه لو لم يحمل على الصحة يشكل الأمر، ولا يبقى حجر على حجر.ويمكن القول بوجود قواعد أُخر لرفع الاختلال، ومع وجودها لا حاجة إلى أصالة الصحة، فإنّها بلحاظ مجموعها أو بلحاظ جملة منها رافعة للاختلال، وهذه القواعد بين ما هي مسلّمة وبين ما هي : محتملة، وبين ما هي متساوية مع أصالة الصحة لذهاب بعض إلى اعتبارها وذهاب بعض آخر إلى عدم اعتبارها، ومع وجود هذه القواعد لا يمكن التمسك لإثبات أصالة الصحة باختلال النظام.
و قبل بيان هذه القواعد نشير إلى بعض الجهات:الجهة الأولى: أنّ الإنسان في غالب الموارد يكون غافلاً عن الأعمال الصادرة من الغير وغير متوجه إلى احتمال الفساد فيها، فإنّه يغفل عن أنّ ما تركه العامل يكون مفسداً أو أنه أتى بما هو مانع، فإنّه حينما يقال بعت داري أو اشتريت هذا الكتاب أو ذبحت الغنم وأمثال ذلك فلا ينقدح في ذهن الإنسان ولا يحتمل الفساد؛ وذلك من أجل الغفلة؛ لأنّ غالب الناس لا يعرفون موجبات الفساد، ومن المعلوم أن موضوع أصالة الصحة هو الشكّ، فما لم يتحقق موضوعه - وهو الشكّ - لم يكن لأصالة الصحة وجه.وعليه، فيخرج قسم بسبب ذلك، أي بسبب انتفاء موضوع أصالة الصحة وهو الشك.الجهة الثانية: أنّ الإنسان إذا كان واثقاً بأنّ العامل مؤمن متدين ملتزم فيحصل للإنسان الاطمئنان بأنه أتى بالعمل صحيحاً أو يأتي به صحيحاً، كما كان أئمة الجماعة سابقاً كذلك، وكذلك من يتصدى للصلاة على الميت وأشباه ذلك ممن يوثق في أعمالهم، وهذا القسم أيضاً خارج عن أصالة الصحة؛ إذ الأصل دليل حيث لا دليل، ومع وجود الاطمئنان لا معنى لجريان أصالة الصحة.ومن هنا يعلم ما في الاستدلال بعمل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ حيث وكل (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عروة البارقي لشراء شاة، أو أن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكل العباس في زواج أم كلثوم، أو أن الإمام الهادي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكل محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني في طلاق زوجته، فعلى فرض وقوع ذلك فهذه الموارد خارجة من أصالة الصحة، لأن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكذا الإمام الهادي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كانوا واثقين بصحة ما يأتي به وكيلهم، هذا مع قطع النظر من أنهم عارفون بأمور نحن لا نعلمها، ولا يمكن الاستدلال لأصالة الصحة بمثل هذه الأمثلة.)
الجهة الثالثة: أنه كثيراً ما تجري أصالة الصحة عند الفاعل وتكون مثمرة بالنسبة لنا، للقطع بالتزام الطرف بعين القانون الذي نحن نلتزم به، وهذا القسم أيضاً خارج عن أصالة الصحة عند الحامل ولا نحتاج إليها.فظهر أن كثيراً من الموارد تكون خارجة عن أصالة الصحة، أي لا نحتاج لإثبات صحتها بهذا الأصل، إما من جهة الغفلة وإما من جهة الاطمئنان والوثوق وإما من جهة كفاية أصالة الصحة عند الفاعل.وأما القواعد التي يمكن رفع الاختلال بها فهي عدة قواعد:منها : قاعدة اليد - التي استدل الشيخ بفحواها لأصالة الصحة - فإن اليد كما سيجيء البحث عنه إن شاء اللّه تعالى عبارة عن الاستيلاء على شيء من الأعيان، وهذا موجب للحكم بالملكية التامة الطلقة لذي اليد، ولذا يجوز شراؤه أو إيجاره منه، وإليد تكون أمارة على الملكية فيما إذا لم يكن هناك علم أو بيئة أو إقرار على الخلاف، وإذا كان فإما يدلّ على أنه ملك غير طلق له، كما إذا كان من الموقوف عليهم أو مالك للمنافع أو ملكية الانتفاع أو مالكية التصرف بأن يكون ولياً مثلاً، والمقصود أن اليد لها مراتب، فإذا لم تكن قرينة ولا بينة ولا علم حكمنا بأنه ملك طلق له، وإن علمنا أنه ليس ملكاً طلقاً له فنحكم بأنه ملك غير طلق، وإن علمنا بعدمه فنحكم بأنه مالك للمنافع، وإلّا نحكم بأنّ له الانتفاع، وإلّا نحكم بمالكيته للتصرف، كما في الولي والوكيل.وعليه فمدلول اليد يحل به كثير من الموارد، لأنه إذا أردنا شراء دار من شخص فبحكم اليد يكون هو مالكاً لها، بغض النظر عن نحو سبب ملكيته لها.مضافاً إلى أنّ المحقق الأصفهاني ذهب إلى أزيد من ذلك حيث ذكر أن اليد تثبت بها الزوجية، كما إذا كانت امرأة في دار رجل، ونحن لا نعلم وقوع العقد عليها، فضلاً عن الصحة والفساد، ولها من هذا الرجل أولاد، فيحكم باليد على الزوجة أو اليد بلحاظ الاستمتاعات وأنواع المعاشرات بأنها زوجة له.
وكذلك اليد على طفل، فإذا رأينا أنه يتعامل مع الطفل بمثل ما يتعامل الناس مع أطفالهم من إعمال الولاية والحضانة، فهذه اليد على الطفل تدل على النسبة وأنه ابن أو بنت له.وعلى هذا فكثير من الأمور تخرج عن أصالة الصحة لأجل اليد ولا نحتاج إليها.وبمناسبة اليد نذكر سوق المسلم وما صنع في أرض الإسلام من أنها أمارة على التذكية، وكذلك يد المسلم أمارة على التذكية، وحجية قول ذي اليد بالنسبة إلى الطهارة والنجاسة.ومنها: «كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو» على ما في معتبرة محمد بن مسلم، بدعوى أن العمل سواء كان صادراً من الغير أم من نفسه إذا شكّ فيه فيما كان يترتب عليه أثر فلا بد من اعتباره ماضياً وصحيحاً كما هو عليه.والعلماء وإن ذكروها في عمل النفس، إلا أنه ليس فيها قرينة على اختصاصها بعمل النفس، بل تشمل عمل الغير أيضاً، وبها يخرج كثير من العقود والإيقاعات، والتقسيمات والإفرازات في موارد الشركة وغيرها من الأمور الماضية.إن قلت: إن في عمل الغير من الأول الإنسان يشك في صحة أعمالهم من العقود والإيقاعات وغيرها، وهذا بخلاف عمل النفس، فإنّ الإنسان يأتي بالعمل أولاً ثم يحصل له الشكّ، وأما إذا كان الشكّ من الأول، فلا تجري قاعدة الفراغ.قلنا: كون الشكّ حادثاً كاف في أن يكون الشكّ بعد العمل، وإلا كل واحد يشك الآن فيما يأتي به من الصلاة والصيام؛ إذ لا يدري مجموع هذه الأعمال هل تقع واجدة لجميع الأجزاء والشرائط أو لا، ومثل هذا الإبهام لا يضر بجريان قاعدة الفراغ.وعليه، يخرج كثير من الموارد عن أصالة الصحة، ويحكم بصحتها من جهة هذه القاعدة، فإنّ الشكّ غالباً في الأعمال الماضية.
ومنها: الاستصحاب، فإنّ كثيراً من الموارد يكون فيها الاستصحاب دليلاً على الصحة، كما إذا كان مالكاً للشيء، والآن نشك في أنه مالك له أو لا، أو كان ولياً ونشك في ولايته الآن، أو أنه كان خلاً ونشك في تبدله إلى الخمر وأمثال ذلك، فالاستصحاب كثيراً ما يوجب لصحة العمل.ومنها: قانون لا تنقض السنة الفريضة، وهذا القانون مأخوذ من ذيل صحيحة لا تعاد، والمشهور قد أخذوا كبرى لا تعاد، ولذا ألفوا في ذلك رسائل، ولكنا ذكرنا أنّ الكبرى هي الذيل، وهو قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ : «لا تنقض السنة الفريضة» أي أن كل عمل مركب من الفرائض - أي ما قدره اللّه وسماه في كتابه - والسنن ليست الارتباطية بينهما مطلقة، يعني لو أخل بالسنن عن عذر كجهل قصوري أو نسيان وغيرهما لا يكون الإخلال به موجباً للبطلان، وهذا القانون غير مختص بالصلاة، كما يظهر ذلك من روايات الوضوء.)وعلى هذا فلو صدر عمل مركب من الفرائض والسنن وأخل بالسنة لا عن عمد، بل لجهل قصوري، كما إذا اجتهد بأن السورة ليست واجبة وتركها، فصلاته صحيحة واقعاً.وعليه تخرج كثير من الموارد عن أصالة الصحة إلا أنه لا بد من التمييز بين الفريضة والسنة وأن العمل هل هو مركب منهما أو لا.ومنها: القانون الذي نعبر عنه بقانون الإقرار والاحترام لقوانين المذاهب الأخرى.ونحن إنّها عبرنا بهذا التعبير في قبال المشهور حيث إنّهم عبروا بقانون الإلزام وقانون الإلزام لا أساس له عندنا بالتفصيل الذي ذكرنا في مبحث القضاء، والذي استفدنا من مجموع الأدلة وبناء العقلاء هو أنّ الذين لهم حق التعايش في ظل الحكومة الحقة لا بد للمؤمنين من احترام قوانينهم بمعنى ترتيب الآثار على الأسباب التي هي
سبب عندهم وليس لها سببية عندنا، والتعايش السلمي والتعاون الاقتصادي الذي كان معهم في صدر الإسلام يؤكد ذلك.والمقصود أن الروابط التي كانت بينهم سواء كانت الرابطة بين المال والشخص مثل مالكيتهم للخنزير والخمر أم بين الشخص والشخص كالزوجية التي نراها باطلة، وأمثال ذلك لابد للمؤمنين من احترام هذه الروابط ولو أن السبب الذي أدّى إلى هذه الرابطة لم يكن سبباً عندنا.وعليه يخرج كثير من الموارد من أصالة الصحة، ومن البعيد الالتزام بالصحة الواقعية في هذه الموارد، لأنهم ملزمون بالفروع كما أنهم ملزمون بالأصول.إلّا أنّ الروايات الكثيرة في أبواب مختلفة تدلنا على ذلك، مثل الروايات التي تدل على الضمان إذا أتلف خنزير الذمي أو خمره، والتي تدل على أن لكل قوم نكاح، وغيرها من الروايات في مختلف الأبواب.ومنها: قانون من ملك شيئاً ملك الإقرار به.وملخص هذا القانون أنه لو أقر بأنه أتى به صحيحاً يقبل منه، كما إذا قال بأنه طلق زوجته يقبل منه؛ لأنه ملك الطلاق، أو ولي ادعى أنه زوج المولى عليه، وتخرج عدة من الموارد عن دائرة أصالة الصحة بسبب هذه القاعدة.ومنها: قاعدة الإئتمان في الوكيل.قد دلت بعض الروايات على أن الوكيل مؤتمن وليس لنا حق اتهامه، وقد وقع الخلاف في أنه هل يستفاد من تلك الروايات قبول قوله إذا قال بأنه عقد على فلانة وكالة عن موكله أو أنه أتى بصيغة العقد صحيحاً، فقال بعض بأنه يستفاد من دليل هذه القاعدة قبول قوله أيضاً، وقال بعضهم بعدم الاستفادة كما ذهب إليه المحقق الأصفهاني في رسالته في قاعدة اليد (1.)
1) نهاية الدراية 3: 352.
ومنها : ما في مرسلة يونس عن بعض رجاله عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ : «قال: خمسة أشياء يجب على الناس أن يأخذوا بها بظاهر الحال: الولايات والتناكح والمواريث والذبائح والشهادات» الخبر (1).)فإذا كان على الناس الأخذ بظاهر الحال في هذه الموارد الخمسة، فتخرج أيضاً عدة كثيرة من موارد أصالة الصحة.ولصاحب الوافي بيان في معنى الرواية: (يعني: أن المتولي لأمور غيره إذا ادعى نيابته مثلا أو وصايته والمباشرة لامرأة إذا ادعى زواجها والمتصرف في تركة الميت إذا ادعى نسبه وبائع اللحم إذا ادعى تذكيته والشاهد على أمر إذا ادعى العلم به ولا معارض لأحد من هؤلاء تقبل أقوالهم ولا يفتش عن صدقهم حتى يظهر خلافه بشرط أن يكون مأمونا بحسب الظاهر (2).)وهذه بعض القواعد التي تنتج نتيجة أصالة الصحة، وإذا قلنا بتمامية هذه القواعد أو بتمامية بعضها، فلا مانع من القول بأنّ أصالة الصحة ليست أصلاً عقلائياً و ممضاة عند الشارع، ولا يستلزم من عدم القول بها اختلال نظام المعاد والمعاش.ولقائل أن يقول: إنّ الركن في هذه القواعد هو صحة العمل، لا نفس هذه القواعد، أي أنّ العقلاء يرون العمل صحيحاً.ونحن نقول: إنّ هذه القواعد على أقسام :فقسم منها راجع إلى أثر العمل وناظر إليه مثل قاعدة اليد، فإنّ مصبها أثر العمل، فإنّ اليد أمارة على الملكية الطلقة في بعض الموارد، وعلى الملكية غير الطلقة في بعض الموارد، وعلى ملكية المنفعة، وهكذا، وهذه القاعدة ليست ناظرة إلى كيفية صدور العمل من العامل وأنه هل هو اشتراه أو انتقل إليه بإرث أو هبة أو إجارة؟
وهكذا إذا كانت اليد أمارة على الزوجية والنسبة كما ادعى ذلك المحقق الأصفهاني.وهكذا قاعدة الإقرار والاحترام، فإنّ هذه القاعدة كسابقتها ليست بصدد إثبات صحة العمل وأنه صدر منه صحيحاً، بل تثبت نفس الرابطة، فمثلاً لو تزوج مجوسي بأخته، فنحن لا نقول بصحة الزواج، إلا أنه مع ذلك لا بد من التعامل معها بأنّ هذه الزوجة ذات بعل ولا يجوز خطبتها، وهكذا بالنسبة إلى ثمن الخمر والخنزير.وقسم منها ما هو مرتبط بتوسعة دائرة صحة العمل، مثل قانون لا تنقض السنة الفريضة، فإنّه يستفاد من هذا القانون أن الارتباطية بين السنة والفريضة ليست ارتباطية مطلقة بنحو يكون الإخلال بالسنة مطلقاً ولو كان عن عذر موجباً لبطلان العمل، وليس مفاد هذا القانون مفاد أصالة الصحة وأنّ عمله صحيح إن شاء اللّه تعالى.وقسم منها ما هو دليل على صحة العمل، كما إذا قلنا بأن قانون من ملك شيئاً ملك الإقرار به يقتضي قبول قول الولي والوكيل بالنسبة إلى وجود العمل أو صحة العمل الموجود، فهذا أمارة قولية على صحة العمل أو نفس العمل.وقسم منها أمارة غير قولية، مثل ما قويناه من جريان قاعدة الفراغ في عمل الغير أيضاً، لصحيحة محمد بن مسلم «كل ما شككت فيه ما قد مضى فامضه كما هو» ومفاد قاعدة الفراغ مفاد أصالة الصحة، وهكذا ظاهر الحال في الأمور الخمسة الواردة في مرسلة يونس.والمقصود من هذه التشقيقات هو أن لا يتوهم أن هذه القواعد مفادها مفاد أصالة الصحة، فإنّ عدة منها غير ناظرة إلى العمل، وعدة منها ناظرة إلى العمل، إلّا أنها تصحح العمل من نواح أُخر، لا بمفاد أصالة الصحة.فظهر مما ذكرنا أنّ ما ذكره الشيخ من أنه لو لم نقل بأصالة الصحة لزم اختلال نظام المعاد والمعاش، غير تام، ويمكن رفع الاختلال بالقواعد الأُخر.
ثم إنه قال صاحب الرسائل (1: (وإن شئت الاستدلال عليها بدليل لفظي فيمكن أن يستدل عليها بطوائف من الأخبار المتفرقة في أبواب الفقه، منها الروايات الواردة في باب تجهيز الموتى حيث تدل على اكتفاء المسلمين في الصدر الأول تغسيل الموتى وكفنهم وسائر التجهيزات وكانوا يصلّون عليهم من غير التفتيش عن صحة الفعل والكفن مع وجوب الغسل وسائر التجهيزات على جميعهم).)وهذا على فرض تماميته لا يمكن استفادة الكبرى الكلية منه؛ لأنه في مورد خاص يمكن أن يكون مأموراً بأصالة الصحة، مضافاً إلى أنّ في قبال هذا القول قول بأن الواجب أولاً هو على الولي، ويجب على الولي تجهيز الميت من الغسل والكفن والصلاة عليه، وإن لم يفعل فيجب على الآخرين.وهذا القول هو المختار، وعليه فعمله من باب أنه ولي محكوم بالصحة.ثم قال: (ومنها الروايات الواردة في باب الحث على الجماعة والجمعة والأمر بالائتمام خلف من يوثق بدينه وأمانته.)وقد ظهر الجواب عن ذلك مما ذكرناه سابقاً، فإن غالباً يكون الإنسان غافلاً عن جهة فساد عمل إمام الجماعة، وعلى فرض احتمال الفساد غالباً يكون الإنسان واثقاً به وبأنه يعمل على وجه صحيح.ثمَّ قال(2: (ومنها ما دلت على البيع والشراء لرسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) كرواية عروة البارقي في الفضولي وهذه الطائفة كثيرة يطلع عليها المتتبع) وقد ظهر الجواب منه مما تقدم.)وقال: (ومنها ما دلت على توكيل بعض الأئمة غيرهم للزواج والطلاق، فإنّه من الممكن حصول الاطمئنان لهم بعملهم، وثانياً أنهم يعلمون مالا نعلم.)
وقال: (ومنها روايات التوكيل.)وفي الجملة لا يستفاد من مجموع هذه الأمور الحمل على الصحة بنحو الكبرى الكلية، فإنّها لا تدل على أصالة الصحة، ولو دلّت فلا تدلّ على الكبرى الكلية، بل في مورد خاص.### البحث الرابع: في حدود الصحة بلحاظ الحالات الإدراكية للفاعل في نظر الحاملإن الحامل قد يدري بأنّ الفاعل عالم بالصحيح والفاسد، وقد يدري بجهله، وقد يكون شاكاً.وفي الصورة الأولى قد يعلم بأنّ اعتقاد الفاعل متحد مع اعتقاده، وقد يعلم بتخالف اعتقاده معه، وقد يكون شاكاً.وفي الصورة الثانية من التشقيق الأخير - وهو ما إذا علم بتخالف اعتقاده معه في تمييز الصحيح عن الفاسد - فقد لا يكون بين المعتقدين تصادق، مثل ما إذا علم بأنّ الإمام قائل بلزوم الجهر في صلاة الظهر في يوم الجمعة، والحامل قائل بلزوم الإخفات فيها.وقد يكون بين المعتقدين تصادق، بمعنى أنهما وإن كانا مختلفين في العقيدة، كما إذا اعتقد الفاعل عدم وجوب السورة والحامل اعتقد وجوبها، ومع ذلك يحتمل أنه أتى بالسورة، وهذا البحث هو التنبيه الأول الذي ذكره الشيخ في المقام، وقد ذهب إلى عدم جريان أصالة الصحة في كثير من هذه الصور.إلا أن المحقق الهمداني في تعليقته على الرسائل ذهب إلى جريان أصالة الصحة في جميع هذه الشقوق باستثناء صورة واحدة، وهي صورة العلم بالمخالفة مع عدم التصادق.
قال (1: (قوله: إلا أنّ الإشكال في بعض هذه الصور أهون منه في بعض.)أقول : بل لا ينبغي الاستشكال في بعضها كالصورة الأخيرة، بل و سابقتها أيضاً؛ إذ الغالب في موارد الحاجة إلى إعمال هذا الأصل إنما هو صورة الجهل بحال الفاعل أو العلم بجهله، فإنّ ابتلاء عموم الناس إنما هو بأفعال العوام المخالطين معهم من الرجال و النساء من أهل الصحاري و البراري والأسواق الذين لا يعرفون أحكام المعاملات والطهارات والعبادات مع استقرار السيرة على إمضاء أعمالهم و حملها على الصحيح ما لم يعلم فسادها، فالأقوى لزوم الحمل على الصحيح مع احتماله مطلقا إلا في صورة العلم بمخالفة اعتقاد العامل و عدم تصادق الاعتقادين.)وقريب منه كلام المحقق العراقي في نهاية الأفكار.وقبل التعرض لكلام الشيخ الذي قال بعدم جريان الأصل في كثير من هذه الصور نقول:إنّ الاختلاف بحسب الطبع ناشئ من أنّ من اعتمد في مرحلة ترتيب الأثر على أصالة الصحة فقط، وأنه لولا أصالة الصحة لاختل نظام المعاد والمعاش، فلا بد له من توسعة دائرة أصالة الصحة حتى الإمكان.ولعله بناء على هذا ذهب المحقق الهمداني إلى جريان أصالة الصحة في هذه الصور، إلّا صورة واحدة.ولكن بناءً على ما ذكرنا فإنّ دائرة أصالة الصحة محدودة؛ إذ في غالب الموارد لا حاجة لنا بأن نرى أن فعله صحيح أو فاسد، ومع الحاجة إلى صحة فعله فهناك أمارة أو أمارات دالة على صحة عمله، كقاعدة من ملك، وكما إذا كان قول الشخص معتبراً. وكما قلنا في غالب الموارد أنّ ما يهمنا هو أثر العمل، وأثر العمل كثيراً ما يكون محكوماً بالصحة لقاعدة اليد أو سوق المسلمين أو صنع المسلمين، وفي بعض الحالات
1) الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية 1: 113.
لا يكون الأثر محكوماً بالصحة، إلا أنه لا بد من التعامل معه معاملة الصحيح، كما في قانون الاحترام، أو لتوسعة دائرة الصحيح عندنا، بمعنى أن الإخلال بالسنة عن عذر لو كان ذلك عن جهل قصوري لا يوجب البطلان.وبما أن أعمال الآخرين غالباً مجرى لأصل من الأصول، فلا بد من ملاحظة هذه الصور واحدة بعد واحدة من أنه هل تجري فيها أصالة الصحة أو لا؟ ولا بد من ملاحظة أننا في الغالب نواجه أثر أعمال الآخرين، لا نفس الأعمال، أي أنا لو احتجنا إلى أجراء أصالة الصحة، فإنّما نجريها غالباً في أثر أعمال الآخرين.فإذا ظهر ذلك نشرع في محاسبة هذه الصور، فنقول:الصورة الأولى: وهي ما إذا علمنا بأنّ المتصدي للعمل عالم بالصحة والفساد، وعلمنا باتحاد اعتقاده في تمييز الصحة والفاسد مع اعتقادنا، فهذه الصورة هي القدر المتيقن من أصالة الصحة، ولا شكّ في جريانها فيها.والسر في جريانها هو أن ظاهر حال العالم بالقانون الذي هو ملتزم به هو إتيان العمل على وفق القانون، واحتمال الاشتباه والغفلة ملغى، وهذا نظير الملتزم بالتكلم بلغة خاصة، فكما أنّ احتمال الغفلة والاشتباه ملغى هناك، فكذلك هنا.لا يقال: إنّ ما ذكرتموه هنا مغاير ومناف لما ذكرتموه في مبحث قاعدة الفراغ والتجاوز، فإنّكم خالفتم القائلين بأصالة. عدم الغفلة هناك، وهنا تقولون بأصالة عدم الغفلة.فإنّه يقال: إن أصالة عدم الغفلة هناك معارضة مع أصالة. عدم الغفلة عن إتيان شيء ثم نسيانه، فإنّه إذا شكّ في إتيان الركوع وهو في السجدة، فأصالة عدم الغفلة تقتضي إتيان الركوع، إلّا أنّ هذا الأصل معارض بأصالة عدم الغفلة عن إتيان شيء ثم نسيانه.
ونحن استظهرنا من موثقة ابن بكير: «هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك» أنه لا يعتني باحتمال الغفلة، فنحن نقول بأصالة عدم الغفلة شرعاً، إلا أنه لا تجري هناك من أجل المعارضة.الصورة الثانية: وهي ما إذا أحرز أن الطرف الآخر عالم بالصحيح والفاسد، إلا أن اعتقاده مخالف لاعتقادنا في الصحيح والفاسد، وفي هذه الصورة قد يكون التخالف على نحو التباين، وقد يكون على نحو العموم والخصوص المطلق.أما إذا كان التخالف على نحو التباين، كما إذا كان معتقده وجوب الجهر بالقراءة في ظهر الجمعة، وكان معتقدنا وجوب الإخفات فلا تجري أصالة الصحة؛ وذلك لأنه إن أتى بها إخفاتاً، فهذا معناه أنه أتى بها على خلاف معتقده اشتباهاً، وهذا من الأمور التي تكون على خلاف القانون العقلائي؛ لأنّ الأصل عدم الغفلة عما يعتبره. هذا إذا كان في الأثناء، وهكذا فيما إذا كان بعد الصلاة، فلا يمكن التمسك بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ : «كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو» لتصحيح الصلاة بعد الفراغ منها، وذلك لما ذكرنا في مبحث قاعدة الفراغ والتجاوز من عدم الإطلاق لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ)وشموله لمثل هذه الصورة، وهي صورة العلم بالخلاف، وعلى فرض وجود الإطلاق يقيد بموثقة ابن بكير.)وكيفما كان ففي هذه الصورة اتفق الكل - حتى المحقق الهمداني - على عدم جريان الأصل.وأما إذا كان التخالف على نحو العموم والخصوص المطلق، بأن كان معتقده الأعم وكان اعتقادنا الأخص، كما إذا قال بعدم وجوب السورة وقلنا بوجوبها، ونحتمل أنه أتى بالسورة، مع أنه لا يقول بوجوبها.
وبما أنّ الأدلّة قاصرة عن شمولها لمثل هذه الصورة التي ظاهر الحال فيها أنه عمل على وفق علمه، لكن كلمات القوم مطلقة وتشمل هذه الصورة، فلذا استشكل الشيخ في جريان الأصل فيها.إلا أنه نسب إلى الشيخ في مصباح الأصول أنه يقول بجريان الأصل، والحال أنّ الشيخ قال في الفرائد (1: (ففيه الإشكال المتقدم من تعميم الأصحاب في فتاويهم وفي بعض معاقد إجماعاتهم على تقديم قول مدعي الصحة، ومن اختصاص الأدلة بغير هذه الصورة).)وقال في مصباح الأصول (2: (وفي مثله يظهر من كلام شيخنا الأنصاري جريان أصالة الصحة، وللمناقشة فيه مجال).)ونحن نقول: إنّ الشكّ إذا كان في حال العمل وأثنائه، فلا وجه الجريان أصالة الصحة والحكم بالصحة.وأما إذا كان بعد العمل، فيمكن تصحيح العمل بقانون «كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو».ولعل السيرة أيضاً على ذلك، فإنّهم لا يتوقفون بعد إجراء العقد ممن يعتقد جواز الفارسية في العقود في تمامية الزواج مثلاً أو تمامية البيع، مع أن الغير يقول باعتبار العربية في العقود.الصورة الثالثة: ما إذا علم بأنه عالم بالصحيح والفاسد، إلا أنه يشك في أنّ اعتقاده هل موافق لاعتقاد الحامل أو لا؟
قال الشيخ (1: (وإن جهل الحال، فالظاهر الحمل الجريان الأدلة، بل يمكن جريان الحمل على الصحة في اعتقاده). وإجراء الأصل في اعتقاده أمر مشكل لا يمكن الالتزام به.)وذكر بعض أن السيرة قامت على جريان أصالة الصحة في هذه الصورة، وأنه مع احتمال التوافق لا يسأل عن معتقده، فإنّهم يصلّون خلف الإمام من دون تحقق من أنه هل يقول بلزوم السورة أو لا. ولا يبعد أن يكون هذا هو الصحيح؛ وذلك من أجل أنه إذا شكّ في أنّ الفاعل هل اشتبه في ذلك القانون أو لا؟ فالأصل أنه لم يشتبه.الصورة الرابعة: ما إذا علم بأنه جاهل بالصحيح والفاسد، وقد أشكل الشيخ وغيره في جريان الأصل في هذه الصورة.ومنشأ الإشكال هو أن الحمل على الصحيح بلحاظ ظاهر حال المسلم وأن العمل الذي يأتي به على وفق القانون، وأمّا ظاهر حال من هو جاهل بالقانون فلا يقتضي حمل عمله على الصحيح، قال الشيخ (2: (وإن كان عالماً بجهله بالحال وعدم علمه بالصحيح والفاسد، ففيه الإشكال المتقدم خصوصاً إذا كان جهله مجامعاً لتكليفه بالاجتناب).)ونحن نقول على فرض قصور السيرة لشمولها لهذه الصورة، فلا يبعد الحكم بالصحة بعد العمل لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «كل ما شككت» الى آخره، هذا فيما إذا لم يكن احتمال الصحيح موهوماً.)الصورة الخامسة: أن يكون جاهلاً بحاله، قال الشيخ (3: (وكذا إن كان جاهلاً بحاله).)
ولكن ذكر بعض الأكابر ثبوت السيرة في هذه الصورة، والظاهر تمامية ما ذكره.### البحث الخامس: في أنّ أصالة الصحة تصحح العقد بالنسبة إلى جميع الشروط الدخيلة في الصحة والفسادبعد القول بأنّ أصالة الصحة أصل من الأصول ولو بلحاظ أصالة الصحة عند الفاعل مع القطع بتوافق اعتقاد الفاعل مع اعتقاد الحامل هل إن أصالة الصحة تصحح العقد بالنسبة إلى جميع الشروط الدخيلة في الصحة والفساد أو أنه لا بد من التفكيك بين الشروط ؟المشهور بين الفقهاء هو عدم التفكيك بين الشروط، وقالوا بجريانها في العقود مطلقاً، سواء كان الشرط المشكوك فيه من الشرائط العقلائية أم من الشرائط الجعلية الشرعية، وسواء كان الشرط راجعاً إلى نفس العقد الذي هو فعل الفاعل أم كان راجعاً إلى أهلية العاقد أم إلى أهلية المورد، وحكموا في جميع الموارد بجريان أصالة الصحة، وممن ذهب إلى ذلك الشيخ الأعظم والمحقق الهمداني في حاشيته على الرسائل.وفي قبال هذا القول تفصيلان :التفصيل الأول: ما نسب إلى الشيخ في رسالة المحقق الأصفهاني وهو التفصيل بين الشرائط العقلائية والشرائط الشرعية، فإنّ بعض الشرائط الراجعة إلى العقد أو إلى أهلية العاقد أو إلى أهلية المورد تكون من الشرائط العقلائية، أي أن عموم العقلاء يعتبرون هذا الشرط. وقيل إنّ من هذا القبيل مالية العوضين، أي أنه لا بد وأن يكون له قيمة سوقية، وإلا لا يصدق البيع، واستندوا على ما في المصباح المنير من أن الأصل في البيع أن يكون مبادلة مال بمال.ونقول : - مع قطع النظر عن كون كتاب المصباح المنير غير قابل للاعتماد، وذلك لأنه ليس من الكتب اللغوية، فإنّ صاحب كتاب المصباح المنير قد شرح اللغات
الغريبة التي في شرح بعض الكتب الفقهية للشافعي، فإنّه غالباً ما يذكر اللغات والمصطلحات الفقهية.ومع قطع النظر عن أنّ المال الذي يذكر في كلمات اللغويين ليس بمعنى المال في اصطلاح الفقهاء، فإنّ المال في اصطلاح اللغويين هو كل ما يملكه الإنسان سواء كان له قيمة سوقية أم لا - إن كلام المصباح المنير محمول على معنى آخر وناظر إلى أساس كلمة البيع والشراء، فإنّه قبل أن تعرف النقود كان البيع والشراء بتبديل مال بمال، ولم يكن في قديم الأيام ما يكون متمحضاً في المالية كالنقود.وقيل من هذا القبيل - أي من الشرائط العقلائية في البيع - أن يكون المتعاقدان أهلاً للتصرف، بمعنى أن يكونا مالكين للتصرف.ومن الواضح أن مالك التصرف أعم من أن يكون مالكاً للعين أو لم يكن، فإنّه من الممكن أن يكون مالكاً للعين ولم يكن مالكاً للتصرف لصغر أو حجر أو سفه، ومن الممكن أن يكون مالكاً للتصرف ولم يكن مالكاً للعين كالولي والوكيل.وبعض الشرائط تكون من الشرائط الشرعية، مثل أن لا يكون البيع خمراً أو خنزيراً، ومثل بلوغ البائع والمشتري.فإذا ظهر ذلك وأن الشروط على قسمين: الشروط العقلائية والشروط الشرعية، فيمكن أن يقال كما نسب إلى الشيخ إن أصالة الصحة تجري بالنسبة إلى الشروط الشرعية، ولا تجري بالنسبة إلى الشروط العقلائية.والظاهر أن منشأ هذه النسبة هو ما ذكره الشيخ في التنبيه الذي بعد هذا التنبيه - أي في التنبيه الثالث - فإنّه ذكر الشيخ في الأمر الثالث (1: (أنّ هذا الأصل إنما يثبت صحة الفعل إذا وقع الشكّ في بعض الأمور المعتبرة شرعاً في صحته، بمعنى ترتب)
1) فرائد الأصول 3: 363.
الأثر المقصود منه عليه، واستفاد المحقق الأصفهاني من هذه العبارة أنّ الشيخ يقول بالتفصيل بين الشرائط العقلائية والشرائط الشرعية.)والحال أن هذه العبارة لا تدلّ على التفصيل، فإنّ الأمور المعتبرة شرعاً أعم من أن تكون تأسيسية أو إمضائية.وهذا التفصيل - ولا سيما على مسلك الشيخ - غير صحيح؛ إذ مبنى أصالة الصحة عند الشيخ هو بناء العقلاء أو حكم العقل، فإنّ العقلاء يبنون على الصحة بالنسبة إلى الشرائط التي يعتبرونها.نعم، لو كان مستند الشيخ هو سيرة المسلمين - كما استند بعض - لكان لهذا التفصيل وجه، وأما من يستند إلى بناء العقلاء كالشيخ، فلا وجه لهذا التفصيل، والظاهر أنه لا قائل به أيضاً.التفصيل الثاني: هو بين شروط العقد وبين شروط العاقد وأهلية المحل، فتجري أصالة الصحة في شروط العقد دون شروط العاقد وشروط المحل، فإذا شكّ في عربية العقد أو ماضوية الصيغة بناءً على اعتبارهما تجري أصالة الصحة، وأما إذا شكّ في أنّ البائع مثلاً كان بالغاً أو كان عاقلاً أو مختاراً، أو شكّ في أنّ المبيع كان خلاً أو كان عبداً، أو كانت مسوغات البيع للعين الموقوفة موجودة أم لا، فلا تجري أصالة الصحة.وهذا التفصيل مما نسب إلى المحقق الثاني والعلامة (قدس سرهما، وعبارة المحقق الثاني مجملة، ومنشأ هذه النسبة هو أنه ذكر أنّ أصالة الصحة إنّما تجري بعد استكمال أركان العقد.)ونحن قد ذكرنا في أوائل مبحث أصالة الصحة أنه ذهب إلى جريان أصالة الصحة فيما إذا شكّ في إتيان الشرط المفسد فقط، ومن الواضح أن هذا غير مرتبط بأصالة الصحة؛ لأنّ الشكّ في أصل الشرط المفسد، والحاصل: أن مختاره غير واضح، ولسنا بصدد تحديد مراده.
وقد ذهب إلى هذا التفصيل المحقق النائيني والسيد الخوئي (أيده اللّه.)وملخص كلام المحقق النائيني على ما في تقريرات بحثه هو أن دليل أصالة الصحة هو الإجماع، وبما أنّ الدليل لبّي، فلا بد من الأخذ بالقدر المتيقن، وهو ما إذا كان الشكّ في شرائط العقد ونفس الفعل.ونحن لا نبحث عما هو القدر المتيقن من الإجماع، وهل هو ما ذكره المحقق النائيني أو ما ذكره السيد في ملحقات العروة؟ فإنّ السيد عد من القدر المتيقن من الإجماع الشكّ في شرائط العقد وشرائط المحل، لأنّ هذه الأمور ليست من الأمور التي تكون تحت ضابط.والأقوال متشتتة وقد سبق منا أن تحقق الإجماع محل إشكال، هذا بالنسبة إلى دليل المحقق النائيني.واستدل أيضاً على أصالة الصحة ببناء العقلاء، والقدر المتيقن منه ما إذا كان الشك في شروط الفعل، لا الشكّ في شروط الفاعل وشروط المحل، وهذا ما استدل به السيد الخوئي - على ما في مصباح الأصول (1- قال: (والصحيح ما ذهبا إليه لما ذكرناه سابقاً من أنه ليس لأصالة الصحة دليل لفظي يتمسك بعمومه أو إطلاقه، ولم يحرز قيام السيرة [العقلائية] على ترتيب الآثار مع الشكّ في القابلية، بل المحرز قيام السيرة على عدم ترتيب الآثار معه، فإذا باع زيد دار عمرو مع الاعتراف بكونها دار عمرو، وشك في أنه وكيل عن عمرو أم لا، فهل يقدم العقلاء على الشراء وإعطاء الثمن له والتصرف في الدار؟ كلا).)وفيه: أنه صحيح أنّ العقلاء لا يقدمون على مثل هذه المعاملة، إلا أنه خارج عن محل كلامنا؛ إذ مورد الكلام هو ما إذا صدر عقد وتحقق بيع في الخارج، وشككنا في أنه هل كان مستجمعاً لجميع الشرائط أو لا؟
1) مصباح الأصول 2: 395.
ثم قال: (وكذا إذا طلق زيد زوجة عمرو مثلاً، فالسيرة جارية في أمثال هذه الموارد - مما شكّ فيه في القابلية - على عدم ترتيب الآثار، ثمَّ ذكر مع فصل كثير (1): (ولذا لو أنكر عمرو توكيل زيد في الطلاق في المثال الذي ذكرناه فانجر الأمر إلى الترافع يحكم بفساد الطلاق).)ونحن نقول: إنّ العبارة الأولى التي ذكرها للاستشهاد بها على عدم ترتيب الآثار للسيرة، فتقريب الاستشهاد هو أنّ الزوجة بعد ما طلقها عمر و هل يجب عليها أن ترى نفسها مطلقةً من أجل أصالة الصحة أو لا؟ وهذا قابل للاستشهاد به مع قطع النظر عما سنذكره فيما بعد.وأما العبارة الثانية التي ذكرها مع فصل كثير فهي مرتبطة بصورة التنازع والنزاع في تحقق الوكالة وعدمه، وليس الشكّ في صحة وفساد الوكالة، غاية الأمر أنه يترتب على هذا النزاع نزاع آخر.والمورد من الموارد التي قد دل النص على الفساد، فلا يمكن الاستشهاد به لعدم ترتيب الأثر إذا كان الشكّ في أهلية المتعاقدين أو أهلية المحل.وفي المقام روايتان:إحداهما : محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن داود بن الحصين عن عمر بن حنظلة - وعمر بن حنظلة ثقة عندنا من أجل رواية من لا يروي إلّا عن ثقة عنه - عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ قال: سألته عن رجل قال لآخر اخطب لي فلانة فما فعلت من شيء مما قاولت من صداق أو ضمنت من شيء أو شرطت فذاك لي رضا وهو لازم لي ولم يشهد على ذلك، فذهب وخطب له وبذل عنه الصداق وغير ذلك مما طالبوه وسألوه، فلما رجع إليه أنكر ذلك كله، قال: يغرم لها نصف الصداق عنه، وذلك أنه هو الذي ضيع حقها، فلما لم يشهد لها عليه بذلك الذي قال له حل لها أن تتزوج، ولا يحل للأول)
1) مصباح الأصول 2: 396.
فيما بينه وبين اللّه عز وجل إلا أن يطلقها؛ لأنّ اللّه تعالى يقول: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ (1)، فإن لم يفعل فإنّه مأثوم فيما بينه وبين اللّه عز وجل، وكان الحكم الظاهر حكم الإسلام، وقد أباح اللّه عز وجل لها أن تتزوج» (2).)فالزوجة على هذه الرواية الزوجة وإن كان يحل لها أن تتزوج، إلا أنه لا يحكم بالصحة.ثانيتهما: محمد بن الحسن باسناده عن الحسن بن محبوب، عن مالك بن عطية، عن أبي عبيدة، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ في رجل أمر رجلاً أن يزوجه امرأة من أهل البصرة من بني تميم، فزوجه امرأة من أهل الكوفة من بني تميم، قال: «خالف أمره وعلى المأمور نصف الصداق لأهل المرأة، ولا عدة عليها ولا ميراث بينهما، فقال بعض من حضر : فإن أمره أن يزوجه امرأة ولم يسم أرضاً ولا قبيلة، ثم جحد الأمر أن يكون أمره بذلك بعد ما زوجه، فقال: «إن كان للمأمور بينة أنه كان أمره أن يزوجه كان الصداق على الآمر، وإن لم يكن له بينة كان الصداق على المأمور لأهل المرأة ولا ميراث بينهما ولا عدة عليها، ولها نصف الصداق إن كان فرضا لها صداقاً» (3).)وفي هذه الرواية أيضاً نرى أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ حكم بالبطلان، ففي هذا المورد لا يمكن التمسك بأصالة الصحة لأجل وجود النص، كما لا يمكن الاستشهاد به بأنّ الشكّ إذا كان في المتعاقدين أو في أهلية المحل لا يمكن ترتيب آثار الصحة. هذا أولاً.)وثانياً: أن الحكم في هذا المورد على القاعدة وإن قلنا بحجية أصالة الصحة مطلقاً، وذلك لأنّ المورد ليس من مجاري أصالة الصحة؛ لأنّ التوكيل كما سيأتي في الأبحاث الآتية حقيقته توسعة شخصية الموكل بحسب اعتبار القانون العقلائي بنحو
يعد الفعل الصادر منه صادراً من الموكل، ولذا لو تزوج بسبب الوكيل يكون الزوج هو الموكل لا الوكيل والخيار ثابت للموكل فيما إذا كان العمل خيارياً؛ لأن فعله فعله، إلا أنّ الشكّ في هذا المورد هو أنّ الزوج - وهو من بيده الطلاق - هل طلق أو لا.وقال السيد الخوئي (حفظه اللّه في مصباح الأُصول (1): (ومما يتفرع على اعتبار إحراز القابلية في جريان أصالة الصحة أنه لو شكّ في صحة بيع عين موقوفة للشك في كون المورد من الموارد التي قد استثنيت من عدم جواز بيع الوقف، لا تجري أصالة الصحة؛ إذ قابلية المحل غير محرزة بعد كون الوقف غير قابل للبيع، إلا في موارد مخصوصة).)وهذا بظاهره خارج عن محل الكلام؛ إذ ليس لمن يبيع العين الموقوفة أمارة على أنه يجوز له بيعها، ولعل المراد أنه إذا ادعت البطون اللاحقة بأنه لم تكن مسوغات البيع موجودة، فهل يجوز انتزاعه من المشتري أو لا؟ الظاهر هو جواز الانتزاع، إلا أنّ الكلام في سر ذلك ووجهه.وكيف كان ذهب إلى هذا التفصيل المحقق النائيني والسيد الخوئي، فقد قال المحقق النائيني بهذا التفصيل، إلا أنه في باب العقود فقط، وكأنه لا يقول بذلك في أبواب العبادات، فإنّه يقول بجريان أصالة الصحة عند الشكّ في الفعل وإن كان ذلك من جهة الشكّ في الفاعل.والسيد الخوئي عمم ذلك في غير أبواب العقود أيضاً، ومثل لذلك بصلاة الميت وغسل الميت، وأنه لا تجري أصالة الصحة فيما إذا شكّ أنّ الغاسل مؤمن أو عاقل أو بالغ.
1) مصباح الأصول 2: 397.
ومن ناحية أخرى ذكر المحقق النائيني - توضيحاً لما ذهب إليه - أموراً، ولولا ما ذكره لكنا نقول إنّ الشروط المذكورة في كتاب البيع للمتعاقدين راجعة إلى أهلية العاقد، والشروط المذكورة للعوضين راجعة إلى قابلية المورد، إلا أنه لا يقول بذلك.وتوضيح كلام المحقق النائيني هو : أن الشروط المذكورة في باب البيع للمتعاقدين هي شروط للمتعاقدين والشروط المذكورة للعوضين شروط للمورد، إلا أنه (رحمه اللّه أرجع بعض الشروط الراجعة إلى المتعاقدين إلى شروط العقد، كما إذا شككنا في أنه مكره أو لا، بمعنى هل أنه مختار أو لا، وذكر أن هذا من شروط العقد، على ما في فوائد الأُصول.)وأرجع بعض الشروط التي تذكر في الكتب للعوضين إلى شرائط العقد، مثل أنّ العوضين لا بد وأن يكونا معلومين في مقابل الغررية وأشباهها، فذكر أن هذا من شرائط العقد، لا أن يكون من شرائط المورد، وكذا إذا شككنا في وجود التفاضل في معاملة المتجانسين، فذكر أنّ هذا أيضاً من شروط العقد، لا من شروط المورد، أي أنه تجري أصالة الصحة عند الشكّ في التفاضل وعند الشكّ في المعلومية وعند الشكّ في كونه مختاراً.وعلل (رحمه اللّه الجهالة بالنسبة إلى العوضين واعتبار عدم التفاضل بأنهما غير دخيلين في مالية المال ولا في قابليتهما للانتقال، والشاهد على عدم دخلهما في قابلية العين للانتقال هو أن الصلح جائز ولو كان مجهولاً، وكذا في الهبة المعوضة والصلح المستلزم للربا جائز على قول، فمن هنا نستكشف أنّ الجهل غير دخيل بالنسبة إلى قابلية العين للانتقال، وذكر أنّ الاختيار شرط لصحة العقد.)ويمكن لنا تقريبه بأنّ منشأ الحكم بعدم نفوذ معاملة المكره هو «لا يحل مال امرء مسلم إلا عن طيب نفسه» والحلية وترتب الأثر متوقف على طيب النفس، لا أن يكون من شروط العاقد.
وكذا ذكر أن البلوغ - إذا كان مجري الصيغة غير المالك - أيضاً من شرائط العقد، فإنّ العقد لا بد وأن يصدر من البالغ، بناء على القول باعتباره.وقد تقدم أنّ السيد الخوئي وافقه في أصل المطلب، إلا أنه لم يذكر الأمور التي ذكرناها الآن، كما أنّ مدرك أصالة الصحة عند المحقق النائيني هو الإجماع، وقال إنّ ظاهر كلمات المجمعين هو ما إذا كان الشكّ في الشرائط الراجعة إلى العقد، ومدرك أصالة الصحة عند السيد الخوئي (حفظه اللّه هو بناء العقلاء، وقال إن بناء العقلاء قاصر ولا يشمل ما إذا كان الشكّ راجعاً إلى أهلية العاقد أو إلى أهلية المورد.)وغيرهما من الأعلام الذين رأينا كتبهم قالوا بالتعميم، أي قالوا بجريان أصالة الصحة سواء كان الشرط راجعاً إلى العقد أم راجعاً إلى أهلية العاقد أم أهلية المحل.ولعل منشأ ذهاب المحقق النائيني والسيد الخوئي إلى ما ذهبا هو الخلط بين أمرين لا ينبغي الخلط بينهما:أحدهما: ما هو مورد كلامنا وهو ما إذا كان العمل صادراً من شخص واحد ومتقوماً بشخص واحد، كصلاة الميت والإيقاعات، أو ما إذا كان متقوماً بشخصين كالعقود، فإذا صدر العمل من شخص أو شخصين ولم يكن هناك تنازع، فكيف يتم التعامل مع هذا العمل من قبل شخص آخر ليس هو طرفاً للعقد أو الإيقاع.وبعبارة أخرى: هل للأجنبي أن يرتب أثر الصحة على هذا العمل الصادر منه أو منهما، أو ليس له أن يرتب عليه أثر الصحة؟وكلام الأكابر هو في ترتيب أثر الغير، والظاهر أنّ السيرة أو بناء العقلاء تشمل مثل ذلك، ولا يمكن التفكيك بين الشروط، ففي الأمثلة المذكورة إذا شكّ الأجنبي في أهلية الفاعل أو أهلية المورد يرتب أثر الصحة، ويتعامل معه معاملة الصحة.ثانيهما: ما هو مرتبط بالتنازع والتخاصم.
فلا بد وأن لا يخلط بينهما، وقد وقع الخلط بينهما في كلام المحقق النائيني والسيد الخوئي، وقد أشار المحقق الأصفهاني إلى أن موارد التنازع والتخاصم خارج عن البحث.وقد ذكروا في تشخيص المدعي والمنكر أن المدعي من يكون كلامه مخالفاً للأصل أو الظاهر، والمراد من الظاهر بمعنى العرف والعادة، لا بمعنى ظاهر حاله من أنه شخص متدين أو لا.والأصول المتبعة لتشخيص المدعي والمنكر فيه كلام عريض وطويل وفي عين الحال دقيق، وقد لا يمكن تشخيص المدعي والمنكر بحسب الأصل؛ فإنّ ذا اليد قد يكون مدعياً مع أن الأمارة على ملكيته موجودة، وقد مثلنا لذلك في مبحث القضاء بما إذا كانت عمامة في يد واحد غير معمم ويعدوا خلفه معمم بلا عمامة، وتنازعا فيما بينهما، فلا يقال لمن بيده العمامة أنه منكر والآخر مدعي.وقد يكون لكيفية طرح الدعوى دخلاً في تشخيص المدعي والمنكر، فإنّه إذا ادعت الزوجة أنّ الزوج طلقها مع التسبيب والزوج يقول إنّه لم يوكل أحداً في الطلاق، فالقول قول الزوج، والأصل عدم توكيله لأحد في الطلاق، وأما إذا قالت الزوجة إنّ الطلاق وقع صحيحاً والزوج يقول الطلاق لم يقع صحيحاً، فهنا على الزوج إثبات عدم الصحة.والمقصود من ذكر ذلك أنه لا يمكننا البحث فعلاً في تشخيص المدعي والمنكر، فإن قلنا في مورد النزاع بأمر فلا يمكن خلطه بالمقام، فضلاً عن أُمور لا ترتبط بالمقام أصلاً، فلا يمكن الاستشهاد بها على عدم جريان أصالة الصحة.ومن الأمور التي لا ترتبط بالمقام الاستشهاد بما إذا ادعى أحد الوكالة عن شخص في بيع ماله من دون أن يكون ماله تحت تصرفه، فهل يجوز لنا أن نشتري ذلك أو لا؟
والجواب: أنه لا يجوز، إلّا أنّ ذلك غير مرتبط بأصالة الصحة، وذلك لأنّ أصالة الصحة إنّما تجري في الأفعال، لا في الأشخاص.أو ما إذا ادعى متولي العين الموقوفة مسوغاً لبيع العين الموقوفة، فلا يمكن الشراء منه، إلّا أنه غير مرتبط بأصالة الصحة أيضاً، وكذا إذا كان النزاع بين من يقول بأنك وكلتني وبين من ينكر ذلك، فهنا القول قول المنكر، وهذا أيضاً ليس مرتبطاً بأصالة الصحة.وملخص الكلام: أنّ البحث هو في غير مورد التخاصم وفي حدود ترتيب الآثار، وهنا ما ذهب إليه المشهور هو الصحيح من دون فرق بين شروط الفاعل وشروط المورد وشروط الفعل.وأما البحث في مورد التخاصم فهو خارج عن محل الكلام، ولا بد من تشخيص المدعي والمنكر بما ذكرناه في مبحث القضاء.### البحث السادس: في إثبات أصالة الصحة للصحة الفعلية أو التأهليةإن الأبحاث السابقة كانت في دوران الأمر بين الصحة الفعلية والفساد، والبحث الفعلي هو في دوران الأمر بين الصحة الفعلية أو الصحة التأهلية والفساد، أو دوران الأمر بين الصحة الفعلية والصحة التأهلية، فهل أن أصالة الصحة تثبت الصحة الفعلية أو لا؟ ذكر الشيخ أنها لا تثبت، وذكر لذلك فروعاً، وهي:الفرع الأول: أنه إذا علمنا بتحقق الإيجاب وشككنا في تحقق القبول، فيقال: إنّ الإيجاب إذا كان متعقباً بالقبول فهو ذو صحة فعلية، وإلّا فذو صحة تأهلية إذا لم تفت الموالاة، ومع فوت الموالاة فالإيجاب فاسد.فهل يمكن بواسطة أصالة الصحة إثبات أنّ الإيجاب ذو صحة فعلية فتترتب آثار البيع أو لا؟
وقبل التعرض للجواب لا بد من التذكير بأنّ هذا البحث كالبحث السابق مورده عمل الغير مع هذه المعاملة، لا مورد النزاع والتخاصم، فإن اخترنا جريان أصالة الصحة في بعض هذه الفروع، فليس معناه أنا نلتزم به في مورد النزاع أيضاً.وقد ذكروا أنه لا يمكن إثبات الصحة الفعلية، إلا أنهم اختلفوا في تعليله بوجوه:الوجه الأول: أنّ الآثار مترتبة على العقد، والعقد مركب من الإيجاب والقبول وبعبارة أخرى الآثار مترتبة على البيع، لا على مجرد الإيجاب، إذ البيع من العقود، وله رکنان: الإيجاب والقبول وما نعلم به هو الإيجاب فقط، وأما القبول فهو مشكوك فيه، وعليه فنشك في البيع، أي نشك في وجوده، لا في صحته.ويمكن المناقشة في هذا التقريب بأنّ البيع له معنى واحد وهو إيجاب الموجب، وهذا ما قواه الشيخ في أول المكاسب بعد ما نقل كلام بعض معاصريه من أن البيع عبارة عن الإيجاب والقبول، فاختار بأن البيع هو إيجاب الموجب فقط، وعليه يترتب الأثر. فإنّ الموجب حينما يقول: (بعتك هذا الكتاب بدرهم مثلاً، فله تصرفان في المال: تصرف في ماله وتصرف في مال الطرف الآخر، وتصرفان في النفس: تصرف في نفسه بانقطاع الكتاب عن نفسه وتصرف في نفس الآخر بانقطاع الدرهم عنه، فمن حيث إنّه يتصرف في ماله ونفسه فله الولاية، وأمّا تصرفه في نفس الغير وماله فهو تصرف بلا ولاية.)فهو بإيجابه فعل أموراً متعددة، إلا أنه في بعضها يكون له الولاية عليها وفي البعض الآخر لا ولاية له عليها، فإن نفّذ الطرف الآخر ما فعله هو يكون البيع صحيحاً وإلا فالمعاملة باطلة، فالبيع هو الإيجاب فقط، إلا أنه مشروط بتنفيذ الطرف المقابل، وعليه فالشك في الصحة، لا في الوجود.
والسيد اليزدي قد اختار قول بعض معاصري الشيخ، وكذا جماعة من المتأخرين، ونحن قد قوّينا ما اختاره الشيخ في المكاسب.والوجه فيه : أن البيع على ما قيل هو تمليك عين بعوض، فإذا قال: (بعتك هذا الكتاب بدرهم مثلاً، مرجعه إلى تمليك الطرف المقابل الكتاب في قبال درهم، وعندما نحلل ذلك نرى أنّ هذا تصرف في كتابه بتمليكه للطرف المقابل، وله الولاية على ذلك وله تصرف آخر في نفس الطرف المقابل بتمليك الكتاب له، وهذا أمر ليس له الولاية عليه، بل للطرف الآخر الخيار في أنه يملك أو لا يملك.)وبما أنه قال (بدرهم فهذا تصرف منه في نفسه في تملك الدرهم، وداخل تحت ولايته، ولكن بما أنّ المال هو مال الغير، «ولا يحل مال امرء مسلم إلا عن طيب نفسه» فليس له الولاية.)فهو حينما ينشئ البيع ويقول : بعتك هذا الكتاب بدرهم يكون تاماً من ناحيتين، وفيه قصور من ناحيتين، ولذا لا بد من الإنفاذ من الطرف المقابل والقبول.وعليه فلو كان المنشئ ولياً من الطرفين لم يحتج إلى قبول، والسيد اليزدي الذي يقول بذلك قد صرح في العروة في أولياء العقد أنه إن أراد المولى نكاح أمة لعبده فلا يحتاج إلى القبول.وذكر هناك أنه لا يبعد القول به في مطلق العقود، فيما إذا كان ولياً من الطرفين، ومن هنا يعلم أن القبول ليس جزءاً، بل قد لا يكون شرطاً للصحة في بعض الموارد، بل القبول شرط في الصحة فيما إذا لم يكن المنشئ ولياً من الطرفين.وعليه فكيف يمكن القول بأن القبول ركن؟وما قيل من أنّ المتبادر من العقد هو الإيجاب والقبول فهو ليس من حاق اللفظ، بل من جهة ملاحظة الفرد العادي وعدم التحليل.وملخص الكلام: أن البيع عبارة عن الإيجاب، وقد يكون القبول شرطاً للصحة وقد لا يكون، فلا مانع من إجراء أصالة الصحة لإثبات الشرط.
الوجه الثاني: ما ذكره جماعة ومنهم الشيخ وهو: أن صحة كل شيء بحسبه، وصحة الإيجاب هي أن يكون الإيجاب واجداً لشرائط نفسه، من الماضوية والعربية - بناءً على اعتبارهما - ومن الممكن أن يكون الإنسان قاطعاً بصحة الإيجاب، إلّا أنّ صحة الإيجاب لا تتوقف على صحة القبول؛ إذ صحة الإيجاب صحة تأهلية، ومن يريد إجراء أصالة الصحة لا بد وأن يفرق بين الصحة الفعلية والصحة التأهلية؛ لأنّ بعض الأمور قد تتصف بالصحة الفعلية، مثل العقد المركب من الإيجاب والقبول، وبعض الأمور تتصف بالصحة التأهلية، بمعنى أنها بحيث لو انضم إليها القبول لكانت صحيحة.والصحة التي يتصف بها الإيجاب هي الصحة التأهلية، والتي هي غير متوقفة على القبول.نعم، لو انضم إلى الإيجاب القبول لأثر أثره، وفي المقام صحة الإيجاب مقطوع بها، لا أن تكون مشكوكة، وأمّا الصحة الفعلية فهي غير لائقة لأن يتصف بها الإيجاب؛ إذ الصحة الفعلية إنّما هي في صورة تحقق القبول أيضاً، وغاية ما يثبت بأصالة الصحة هي الصحة التأهلية في صورة الشكّ في الصحة، وهذا ليس بأعلى وأرفع من صورة العلم، ففيما إذا كان عالماً بصحة الإيجاب لا يمكنه إثبات القبول، فكيف بأصالة الصحة.والجواب عن ذلك: أنه لا بد من تحليل الصحة الفعلية والتأهلية في قبال الفساد، فنقول: إنّ شرائط العمل قد تكون من قبيل الشرط المقدم، مثل الوضوء بالنسبة إلى الصلاة، بناءً على أنّ الشرط هو الغسلتان والمسحتان، فإذا صلى وكانت صلاته مسبوقة بالوضوء، فمن هذه الناحية تكون صلاته ذات صحة فعلية، وإن لم تكن مسبوقة بالوضوء تكون فاسدة.
وقد تكون من قبيل الشرط المقارن، مثل الطهارة بالنسبة إلى الصلاة، بناءً على أن يكون شرط الصلاة هو الطهارة الحاصلة من الغسلتين والمسحتين، فهنا إما أن تكون له طهارة وإمّا أن لا تكون له طهارة، فإن كان ذا طهارة، فصلاته متصفة بالصحة الفعلية من هذه الناحية، وإلا فلا.وقد تكون من قبيل الشرط المتأخر.والصحة الفعلية دون التأهلية ترتبطة بالشرط المقدم والمقارن، وأما الشرط المتأخر فيتصف بالصحة التأهلية، فإذا انضم إلى العمل الشرط المتأخر يتصف بالصحة الفعلية، وإلّا فلا يتصف بها، بل يتصف بالصحة التأهلية قبل تحقق ما هو من قبيل الشرط المتأخر، فقبل وعاء تحقق الشرط يعبر عنها بالصحة التأهلية، وهذا هو حقيقة الصحة التأهلية.وفي المقام حينما نقول بأنّ الإيجاب ذو صحة تأهلية، فمعناه أن نفوذه متوقف على شرط متأخر، فيترتب الأثر إن تحقق الشرط المتأخر في وعائه، وإلا فلا.فظهر أنّ الصحة التأهلية مرتبطة بنوع واحد من الشروط، والصحة الفعلية مرتبطة بنوعين من الشروط.وأصالة الصحة تثبت الشرط بلا فرق بين أن يكون الشرط من قبيل الشرط المتقدم أو المقارن أو المتأخر.والشك في الشرط المتأخر كالشك في الشرط المتقدم والمقارن، فكما تجري أصالة الصحة بالنسبة إليهما تجري بالنسبة إلى الشرط المتأخر.والقول بان أصالة الصحة إنّها تجري بالنسبة إلى الشرط المتقدم والمقارن دون المتأخر بلا وجه، فإنّه يمكن إجراء أصالة الصحة حينما يرى شخصاً مشغولاً بالصلاة على الميت، والحال أنّ الأجزاء من قبيل الشرط المتأخر بالنسبة إلى الأجزاء السابقة.الوجه الثالث: بناء على ما ذهب إليه المحقق النائيني والسيد الخوئي من لزوم إحراز أهلية العاقد في الرتبة السابقة على العقد، وأنه لا يمكن إحراز الأهلية بواسطة
أصالة الصحة، فيمكن القول بأنه كيف يمكن إجراء أصالة الصحة فيما إذا كان الشكّ في أنّ القابل هل أعمل سلطته أو لا، مع أنكم عند الشكّ في أهليته لا تقولون بإجراء أصالة الصحة، وإن كانت أهليته لإعمال السلطة معتبرة في موضوع أصالة الصحة بحيث لا يمكن إحرازها بأصالة الصحة، فبطريق أولى لا يمكن إثبات إعمال السلطة، وذلك من أجل أن أهليته مقدمة لإعمال السلطة.وبعبارة أخرى: إن لم يكن الشكّ في إعمال السلطة مانعاً من إجراء أصالة الصحة، فلا نحتاج إلى إثبات أهليته.وهذا الوجه صحيح، ويمكن القول بالأولوية، إلا أن أصل الكلام غير صحيح، وقد تقدم الكلام فيه في البحث السابق.الوجه الرابع: أنّ الإيجاب معلق على القبول، بمعنى أنه يلتزم بما أنشأه إذا قبل الطرف المقابل.وعليه فللإيجاب مرحلتان مرحلة الإيجاب الإنشائي ومرحلة الإيجاب الفعلي وبلحاظ أن وجوده الإنشائي وإن تحقق بقوله: (بعتك هذا الكتاب بدرهم، إلّا أنّ المنشأ معلق ومتوقف على قبول الطرف الآخر، فإن تحقق القبول كان الإيجاب فعلياً، وإلا فلا يكون الإيجاب فعلياً، فالمنشأ من قبيل التدبير ومن قبيل الوصية، فإن الحرية إنما تصير فعلية فيما إذا تحقق موت المولى، والحرية قبل الموت حرية إنشائية، كذلك حينما يقول (بعتك هذا الكتاب بدرهم) يكون التمليك تمليكا إنشائياً، وإنما يصير التمليك فعلياً فيما إذا تحقق القبول من الطرف المقابل، وبما أن الآثار مترتبة على ما هو بالحمل الشائع فيكون تمليك عين بعوض، لا ما هو بالحمل الأولي، يعني بعنوان المفهوم الإنشائي، فلذا لا يمكن إثبات تمليك عين بعوض بوجوده الفعلي، لأنّ ما فعله هو الإنشاء المعلق، وهذا لا يترتب عليه الأثر، وما يترتب عليه الأثر هو إنشاء المعلق مع وجود المعلق عليه، أي الوجود الفعلي لمفاد الإنشاء، وهو تمليك عين بعوض،)
وهذا غير قابل لإثباته بأصالة الصحة، وهذا الوجه هو المختار لعدم جريان أصالة الصحة فيها إذا كان عالماً بالإيجاب وشاكاً في تحقق القبول.الفرع الثاني : ما إذا تحقق العقد بين الفضولي والأصيل، وشككنا في إجازة المالك فهل تجري أصالة الصحة أو لا؟ذكروا أن أصالة الصحة غير جارية هنا أيضاً، ولا بد من ملاحظة الوجوه الأربعة السابقة، وأن أياً منها تجري هنا وأياً منها لا تجري.أما الوجه الأول فهو غير جارٍ في هذه المسألة؛ لأنّ البيع على فرض كونه مركباً من الإيجاب والقبول فهذا محقق في هذه المسألة؛ إذ المفروض أن الإيجاب والقبول قد تحقق بين الفضولي والأصيل.وأما الوجه الثاني - على فرض تماميته - فهو جار هنا، وهو أن الصحة التأهلية للبيع الفضولي مقطوع بها، ولا يمكن إحراز الصحة الفعلية وإجازة المالك بأصالة الصحة التي يكون البيع الفضولي قابلاً للاتصاف بها، وهي أصالة الصحة التأهلية.والجواب عن هذا الوجه هو الجواب، فإنّ الصحة التأهلية معناها أن البيع مشروط بشرط متأخر، ولا يفرق بين الشروط - أي سواء كان من الشروط المتقدمة أم المقارنة أم المتأخرة - فيمكن إثباتها بأصالة الصحة.وأما الوجه الثالث فهو أيضاً جارٍ في المقام؛ وذلك لأنّ من له إعمال السلطة هو المالك، لا مجري الصيغة، فإن قلنا في الرتبة السابقة باعتبار سلطته وإحرازها فطبعاً إعمال سلطته بطريق أولى لا بد وأن يحرز، ولا يمكن إحرازها بأصالة الصحة.وأما الوجه الرابع فهو أيضاً جارٍ في المقام، وذلك لأنّ الفضولي والأصيل حين يتعاملان فإن الأصيل لا يتعامل مطلقاً معه، أي سواء أجاز المالك أم لا، بل حينما يقول (قبلت فمعناه أنه إن قبل المالك وأجاز أقبل، فهذا البيع قبل إجازة المالك ليس ببيع بالحمل الشائع، بل بيع بالحمل الأولي، أي الإنشائي.)فظهر أن هذا الفرع أيضاً لا تجري فيه أصالة الصحة لإثبات الصحة الفعلية.
الفرع الثالث: أنه لو شكّ في التقابض والإقباض في بيع الصرف والسلم فهل يمكن إثبات التقابض أو الإقباض بإجراء أصالة الصحة في البيع؟ ومن الواضح اعتبار التقابض في بيع الصرف، واعتبار الإقباض في السلم، أي إعطاء الثمن مقدماً.ومقتضى القاعدة جريان أصالة الصحة في هذا الفرع؛ وذلك لأن التقابض والإقباض من الشروط الشرعية، ونشك في أنّ هذا البيع هل كان واجداً للشروط الشرعية أو لا؟ فيقال بأنه تجري أصالة الصحة.إلا أنه ذهب جمع كثير إلى عدم جريانها ؛ وذلك لأنه وإن لم يكن التقابض والإقباض معتبراً في عنوان البيع، لكنهما معتبران في موضوع النقل والانتقال.وقد ذكر السيد الخوئي - على ما في مباني الاستنباط (1: (وهكذا الكلام في بقية الموارد، فإنّ جريان أصالة الصحة في عقد الصرف والسلم لا يصحح الحكم بحصول النقل والانتقال فيما إذا شكّ في تحقق القبض والإقباض في الخارج؛ لأنّ النقل والانتقال في بيع الصرف والسلم ليسا من آثار مجرد العقد، وإنما هو من آثار المجموع المركب من العقد والقبض والإقباض، ولا يترتب على أصالة الصحة الجارية في العقد تحقق القبض والإقباض؛ لأنهما غير معتبرين في صحة العقد في الصرف والسلم، وإنما هما معتبران في حصول النقل والانتقال، فإن معنى صحة العقد عبارة عن كونه بحيث لو انضم إليه القبض والإقباض لكان مؤثراً في حصول النقل والانتقال).)ونحن نقول: إنّ ما ذكره السيد (حفظه اللّه غير واضح؛ إذ إنّ ما ينشئه المتعاقدان له حدود، والقبض والإقباض غير دخيل في حدود منشئهما بما أنها من العقلاء، غاية الأمر أنّ القوانين العرفية أو المدنية أو الشرعية تشترط في العمل وفي العقود شرائط بحيث لو كان العمل واجداً لتلك الشرائط يكون الأثر المرغوب)
1) مباني الاستنباط 4 : 376-377.
مترتباً، وإن كان فاقداً لها لم يترتب عليه الأثر المرغوب وكان فاسداً، والشروط التي يفرضها القانون قد تكون من الشروط المتقدمة وقد تكون من الشروط المقارنة وقد تكون من الشروط المتأخرة.وعليه فبحسب قانون الإسلام يعتبر في بيع الصرف التقابض، ويترتب عليه الأثر فيما إذا كان في المجلس تقابض، وهذا الشرط كسائر الشرائط، فكما تجري أصالة الصحة بالنسبة إلى الماضوية والعربية والموالاة بين الإيجاب والقبول وأمثال ذلك، فما المانع من جريان أصالة الصحة بالنسبة إلى التقابض ؟ولا يمكن القول بأنّ موضوع النقل والانتقال مركب ونشك في تحقق المركب، وإلا فلا يمكن إحراز أي شرط من الشروط بواسطة أصالة الصحة.وبعبارة أخرى: التقابض والإقباض كسائر الشرائط الشرعية، والشرط الشرعي معناه أنه لولا هذا لكان فاسداً عند الشرع، فإن قال بأن أصالة الصحة لا تحرز الشرائط الشرعية، فهذا خلف، وإن قال بإحرازها للشرائط الشرعية، فما هو الفرق بين هذا الشرط وسائر الشرائط الشرعية؟الفرع الرابع: أنه إذا شكّ في أنّ بيع الراهن للعين المرهونة هل كان مقروناً أو مسبوقاً بإذن المرتهن أو لا؟فقد ذكروا عدم جريان أصالة الصحة، وعُدّ هذا الفرع من فروع المقام.ولا بد أن نبين جهات ثلاثة لبيان دخول هذا الفرع وعدم دخوله في المقام:الجهة الأولى: أنهم اختلفوا في جواز بيع الرهن، فقد ذهب المشهور من العامة والخاصة إلى أنّ تعلق حق الرهانة بالعين وصيرورة العين مرهونة يمنع عن بيعها من قبل المالك، ولذا عده الشيخ من شؤون الملك غير الطلق.وفي قبال هذا المسلك ما ذهب إليه بعض العامة كما يظهر من ابن رشد، وبعض الخاصة كالمحقق الإيرواني وبعض الأكابر في فتاويه وبحث فقهه وهو أنّ حق الرهانة لا يكون مانعاً من البيع، ومثله مثل حق الجناية، فكما يمكن بيع العبد الجاني كذلك
يمكن بيع الرهن وتنتقل العين إلى المشتري بلا توقف على إذن المرتهن، وقد أجابوا عما استدل به لعدم جواز بیع الرهن.وهناك بحث آخر، وهو أن إجازة المرتهن بعد البيع كالإجازة السابقة مؤثرة في صحة البيع أو لا؟ذهب المشهور إلى أنّ الإجازة اللاحقة كالإجازة السابقة، وفي قبالهم ذهب صاحب المقابيس إلى عدم تأثير الإذن اللاحق.وعليه فهذا الفرع إنّما يكون داخلاً في المقام على مسلك المشهور في كلا البحثين، أي فيما إذا قلنا بعدم جواز بيع الرهن وما إذا قلنا بأن الإجازة اللاحقة كالإجازة السابقة؛ لأنه إذا قلنا بجواز بيع الرهن، فالبيع صحيح، سواء أذن أم لم يأذن، وما ذكره بعض الأكابر في بحث أُصوله لعله ذكره على مسلك المشهور، وإلا فهو مخالف لما ذهب إليه في بحث فقهه وفتاويه.وكذا إذا قلنا بمسلك صاحب المقابيس يكون هذا الفرع خارجاً عن محل البحث؛ إذ البحث في دوران الأمر بين الصحة التأهلية والفعلية، وعلى مسلكه ليس هنا صحة تأهلية، بل الأمر دائر بين الصحة والفساد؛ إذ المفروض أن الإذن اللاحق غير مؤثر في صحة البيع.فهذا الفرع إنما يكون داخلاً في المقام على مسلك المشهور في كلا البحثين.الجهة الثانية: في أن عدم جريان أصالة الصحة في المقام يمكن أن يعلل بأحد الوجهين:الوجه الأول: ما يقتضي عدم جريان أصالة الصحة على مسلك المشهور وعلى مسلك صاحب المقابيس، وهو مبني على ما سلكه المحقق النائيني والسيد الخوئي في البحث السابق من أنّ أصالة الصحة في دوران الأمر بين الصحة والفساد إنّما تجري في الشك في الفعل فقط دون الشكّ في أهلية الفاعل أو أهلية المورد.
وبعبارة أخرى: لا بد من إحراز أهلية الفاعل والمورد حتى يمكن إجراء أصالة الصحة، وقد تقدم منا الجواب عن ذلك وأن هذا ليس بصحيح عندنا.إلا أنه بناءً على ما ذكرا يمكن القول هنا بعدم جريان أصالة الصحة؛ إذ الشكّ في أهلية المورد بتعبير وفي أهلية الفاعل بتعبير آخر بناءً على مسلك المشهور من أنّ حق الرهانة مانع من انتقال المال إلى الغير، فالشك في قابلية المال للانتقال.وعبر في فوائد الأصول من جهة الشكّ في أهلية الفاعل، وهذا التعبير بلحاظ أنّ المرتهن لو أذن فللراهن حق البيع، وإلا فليس له ذلك.والمقصود أن أحد التعبيرين بلحاظ الرهن وأنّ حق الرهانة مانع من البيع وعليه فالمورد غير قابل للنقل. وثانيهما بلحاظ الراهن، وأنه الممنوع من التصرف من جهة الإجماع ومن جهة النبوي: «الراهن والمرتهن ممنوعان من التصرف» وعليه فالفاعل ممنوع من التصرف.وهذا الوجه صحيح على ما سلكاه، إلا أنه غير صحيح عندنا؛ لعدم التزامنا بمسلكهما.الوجه الثاني: ما يقتضي عدم جريان أصالة الصحة على مسلك المشهور فقط، ولا يجري على مسلك صاحب المقابيس، وهو أنّ أصالة الصحة إنّما تجري في دوران الأمر بين الصحة والفساد، وهذا هو القدر المسلم عند العقلاء.وأما إذا كان صحيحاً على كل حال، إلا أنه يدور الأمر بين الصحة الفعلية والصحة التأهلية، فأصالة الصحة غير جارية لإثبات إحدى الصحتين وهي الصحة الفعلية.وقد تقدم الجواب عن ذلك حين تعرضنا لهذا الوجه في الفرع الأول، وقلنا بأنه لا فرق بين الصحة التأهلية والصحة الفعلية إلّا بلحاظ الشروط، فإن كان الشرط من قبيل الشرط المتقدم أو المقارن يعبر عنه بالصحة الفعلية، وإن كان الشرط من قبيل الشرط المتأخر فيعبر بالصحة التأهلية.
ولا يفرق العقلاء بين الشرط المتقدم والمقارن والمتأخر، أي أنهم حين يبنون على الصحة يجرون أصالة الصحة في جميع أنواع الشروط.وعلى كل حال، فهذان الوجهان غير كافيين لعدم جريان أصالة الصحة في المقام من وجهة نظرنا.الجهة الثالثة: أنه إذا بنينا على عدم جريان أصالة الصحة في المقام، فإن كان في المقام أصل موضوعي يثبت الصحة أو الفساد فهو المتبع، كما إذا كان هنا استصحاب لعدم الإذن فيما إذا لم يأذن له سابقاً ونشك في الإذن، فيجري استصحاب عدم الإذن إلى زمان وقوع البيع، أو إذا كان مسبوقاً بإذن المرتهن ويشك في أنه هل رجع عن إذنه أو لا فيستصحب بقاء الإذن.وأما إذا تحقق الإذن والرجوع، وشككنا في أنّ البيع هل كان قبل الرجوع أو بعده، فهنا اختلفت كلمات الأعلام، والسيد الخوئي (أيده اللّه ذكر في بحث أصوله أنّ الأصل الذي يقتضي صحة البيع والأصل الذي يقتضي فساد البيع يتعارضان ويتساقطان؛ لأن استصحاب الإذن إلى زمن البيع يقتضي الصحة؛ وذلك لإحراز جزء منه بالوجدان وجزء بالأصل، وفي قباله أصل آخر وهو استصحاب عدم البيع إلى زمن الرجوع، وهذا يقتضي بطلان البيع.)وقد أشير في تقريراته بأنه (حفظه اللّه قد عدل عن ذلك في بحث الفقه وفي مبحث خيار العيب، وقد ذكر هناك أنّ استصحاب الإذن إلى زمن البيع يجري دون استصحاب عدم البيع إلى زمن الرجوع أو في زمن الإذن.)وله تقريبات حلاً ونقضاً، إلا أننا نوافق ما ذكره في الأصول، لا ما ذكره في الفقه، وتفصيل ذلك قد تقدم في أصالة تأخر الحادث.ونتيجة ذلك هي أنه إذا قلنا بعدم جريان أصالة الصحة، ففيما كان البيع مسبوقاً بالإذن والرجوع يحكم بالفساد من جهة تعارض الأصلين وتساقطها.
هذا تمام الكلام في الفرع الرابع وبه ينتهي الكلام في البحث السادس.### البحث السابع: في جريان أصالة الصحة وعدمه عند الشكّ في مقوم العملإن أصالة الصحة إنّما تجري فيها إذا علم بتحقق العمل في الخارج وشككنا في اتصافه بالصحة أو الفساد، وأمّا إذا شكّ في أصل تحقق العمل فلا.ولو شكّ في تعنون العمل بعنوان يكون هذا العنوان مأموراً به أو ما يترتب عليه الأثر، فهل تجري أصالة الصحة أيضاً، أو لا؟وبعبارة أخرى : لو شكّ في مقومات العمل - التي هي على قسمين جوارحي وجوانحي، كما إذا قلنا بأنّ البيع مركب من الإيجاب والقبول، وشككنا في تحقق القبول، فهنا الشكّ في مقوم عنوان البيع. أو شككنا في أنه هل قصد الصلاتية أو لا - فهل تجري أصالة الصحة، ويثبت العنوان أو لا؟ذهب المشهور إلى عدم جريان أصالة الصحة في المقام، وللمحقق الأصفهاني كلام أراد به إجراء أصالة الصحة، ولا نتعرض له، وربما يتضح ضعفه في ضمن ما يأتي.وبما أن الأكثر لم يجر أصالة الصحة فقد ذكرت وجوهاً لإحراز قصد العنوان:الوجه الأول: أن صورة العمل بحسب بناء العقلاء أمارة على قصد العنوان.وقد أشار الشيخ (1إلى ذلك في فرائده، إلا أنه أنكره، قال: (ولذا لو شوهد من يأتي بصورة عمل من صلاة أو طهارة أو نسك حج، ولم يعلم قصده تحقق هذه العبادات، لم يحمل على ذلك).)وذكر المحقق الهمداني في تعليقته على الفرائد (2: (عنوان هذه الأعمال عرفاً يحرز بصورتها، و لذا لا يتوقف أحد في الأخبار عن أن زيداً يتوضأ أو يصلّي أو يزور الحسين)
(عليه السّلام أو نحو ذلك، إذا رآه متلبساً بصورة هذه الأعمال، و لا يعتنى باحتمال كونها مجرد صورة قصد بها التعوّد أو التعليم و نحوه).)وللمحقق العراقي كلام قريب منه في نهاية الأفكار.والظاهر أن ما ذهب إليه الشيخ هو الصحيح، وما ذكره المحقق الهمداني من (أنه لا يتوقف الى آخره من جهة أنّ الاحتمالات الأُخر غالباً ضعيفة، وأما إذا لم تكن الاحتمالات الأُخر ضعيفة، فيتوقفون في الإخبار.)هذا هو الوجه الأول من الوجوه لإحراز العنوان بعد ما لم يمكن إحراز العنوان بأصالة الصحة.الوجه الثاني: لإحراز العنوان في خصوص الأقوال بأن يقال إنه إذا تحقق عقد، وشككنا في قصد الإرادة التفهيمية أو الإرادة الجدية، ففي خصوص موارد العقود والإيقاعات يحمل على الإرادة التفهيمية والجدية.وقد ذكرنا في أوائل مبحث أصالة الصحة أنّ هذه الموارد خارجة عن أصالة الصحة؛ وذلك لأنه إذا شكّ في الإرادة الاستعمالية، فإنه يبنى عليها من باب الميثاق العقلائي، فإن كل من يتكلم بلغة فإنّه ملتزم بحسب الميثاق العقلائي بالجري على وفق میزان تلك اللغة، فمن تكلم بلغة لإبراز مقاصد خاصة وحصل شكّ في الإرادة الجدية، فمقتضى الأصل العقلائي أنه مأخوذ بظاهر كلامه.الوجه الثالث: لإحراز قصد العنوان في خصوص إخبار الوكيل بأن يقال إخبار الوكيل حجة مطلقاً من جهة أنّ كل ما لا يعلم إلا من قبل نفسه فيكون قوله مصدقاً، كما في المرأة، فإنّه يقبل قولها بالنسبة إلى الحيض والطهر والحمل.وهذا الوجه لا يمكن الالتزام به؛ إذ ليس لنا كبرى كلية تدل عليه، نعم، في المرأة وردت روايات.
الوجه الرابع : لإحراز قصد العنوان هو إخبار الوكيل والنائب من حيث إنّه مؤتمن ووكيل ونائب والكلام في قبول قوله وعدم قبوله.ولتحرير محل النزاع لا بد وأن نذكر الموارد التي هي خارجة عن محل الكلام :المورد الأول: فيما إذا حصل الوثوق والاطمئنان من قول الوكيل أو النائب، فإنّه لا إشكال في أنّ الاطمئنان حجة على ما ذكرناه في مبحث الظن، والظاهر أن هذا المورد خارج عن محل كلامهم.المورد الثاني: مورد التخاصم والنزاع بين النائب والمنوب عنه أو الوكيل والموكل، فإنّه لا ريب في أنه يسمع قول النائب والوكيل إذا ادعى أنه أتى بالفعل بقصد النيابة أو عمل وكالةً عنه، وذلك من جهة الروايات الدالة على أنه مؤتمن، ولذا لو تلف المال في يد الوكيل واختلفا في أنه هل كان ذلك بسبب التعدي أو التفريط أو لا؟ يقبل قول الوكيل، ومقتضى الإئتمان قبول قوله عند التنازع.فمورد الكلام ليس صورة التخاصم، بل هو ترتيب الآثار للموكل والمنوب عنه بمجرد إخبار النائب والوكيل، أي أن قوله هل يكون حجة للموكل أو المنوب عنه أو لا؟المورد الثالث: ما إذا كان الوكيل أو النائب متهماً بأن كانت قرينة على الخلاف أو اطمئنان على الخلاف فهذا المورد أيضاً خارج عن محل الكلام.فإذا ظهر محل البحث نقول:إن كلمات الأعلام في المقام مختلفة:القول الأول: ذهب بعض إلى حجية قول الوكيل والنائب مطلقاً سواء كان عادلاً أم لم يكن، وسواء كان ثقة أم لم يكن، وهذا ما يستفاد من كلام السيد المرتضى والسيد الحكيم في المستمسك (1.)
1) مستمسك العروة الوثقى 7:11.
القول الثاني: أنه يعتمد على قوله فيما إذا كان عادلاً، وهذا ما يستظهر من عبارة السيد اليزدي في العروة حيث قال: (يشترط في النائب أن يكون عادلاً، وهذا هو المنسوب إلى صاحب المدارك.)القول الثالث: أنه يعتمد على قوله إذا كان ثقة سواء كان عادلاً أم لم يكن، وهذا ما ذهب إليه السيد الخوئي وغيره.أما القول الأول: فإنّ السيد الحكيم في المستمسك (1في شرح قول الماتن (الرابع: العدالة أو الوثوق بصحة عمله) قال: (إن الظاهر من سيرة المتشرعة قبول خبر المستناب على عمل في أداء عمله نظير إخبار ذي اليد عما في يده ونظير قاعدة (من ملك شيئاً ملك الإقرار ب)ه، ولا يعتبر في جميع ذلك العدالة، بل لا يبعد عدم اعتبار الوثوق بالصدق).)وقد نقل الشيخ عن السيد المرتضى(2في مبحث حجية خبر الواحد كلاماً يستفاد منه ذلك، فقد نقل في الفرائد (3): (وقد حكي اعتراض السيد (قدس سره) على نفسه: بأنه لا خلاف بين الأمة في أن من وكل وكيلاً أو استناب صديقاً في ابتياع أمة أو عقد على امرأة في بلده أو في بلاد نائية، فحمل إليه الجارية وزف إليه المرأة، وأخبره أنه أزاح العلة في ثمن الجارية ومهر المرأة، وأنه اشترى هذه وعقد على تلك : أن له وطأها والانتفاع بها في كل ما يسوغ للمالك والزوج وهذه سبيله مع زوجته وأمته إذا أخبرته بطهرها وحيضها، ويرد الكتاب على المرأة بطلاق زوجها أو بموته فتتزوج، وعلى الرجل بموت امرأته فيتزوج أختها.)
وكذا لا خلاف بين الأمة في أن للعالم أن يفتي وللعامي أن يأخذ منه، مع عدم علم أن ما أفتى به من شريعة الإسلام وأنه مذهبه.فأجاب بما حاصله : أنه إن كان الغرض من هذا الرد على من أحال التعبد بخبر الواحد، فمتوجه ولا محيص. وإن كان الغرض الاحتجاج به على وجوب العمل بأخبار الآحاد في التحليل والتحريم، فهذه مقامات ثبت فيها التعبد بأخبار الآحاد من طرق علمية من إجماع وغيره على أنحاء مختلفة، في بعضها لا يقبل إلا إخبار أربعة، وفي بعضها لا يقبل إلا عدلان، وفي بعضها يكفي قول العدل الواحد، وفي بعضها يكفي خبر الفاسق والذمي، كما في الوكيل ومبتاع الأمة والزوجة في الحيض والطهر.)وربما يقال بأن الموارد التي ذكرها السيد (رَحمهُ اللّه من الموارد التي لا يستنيب الإنسان ولا يوكل أحداً إلا في صورة الإئتمان والوثوق به، وعليه فمرجع ذلك إلى حصول الوثوق والاطمئنان، وهذا خارج عن محل الكلام.)ويمكن الجواب عنه بأنه وإن كان لا يستنيب ولا يوكل أحد أحداً إلا في صورة الوثوق والاطمئنان به، إلّا أنّ هذا لا يستلزم الوثوق والاطمئنان بقاء. فربما يكون الإنسان واثقاً بشخص فيستنيبه، ثمَّ يحصل الاطمئنان بعدم وثاقته أو يشك في وثاقته.وما ذكره السيد الحكيم والسيد المرتضى وجيه، إلّا أنّ القطع به مشكل.وأما القول الثاني: وهو قبول قوله فيما إذا كان عادلاً، فهذا إما من باب حجية خبر العادل في الموضوعات والأحكام، وهذا أحد مصاديقه، وعليه فمرجعه إلى الكبرى الكلية، وهي حجية خبر العادل في الموضوعات.وهذا مخدوش من وجهة نظرنا، ولم يدلّ دليل على حجية خبر العادل مطلقاً.وإما من باب أن القدر المتيقن من السيرة أن يكون المخبر عادلاً، فهذا أيضاً لا يمكن الالتزام به، لأنه كما ذكر السيد المرتضى يكفي خبر الفاسق الذمي حسب السيرة، والقول بأن السيرة ردعت بآية النبأ غير صحيح؛ لأن آية النبأ لا يمكن لها الردع عن السيرة.
وأما القول الثالث: وهو قبول قوله فيما إذا كان ثقةً، وهذا من باب حجية خبر الثقة في الأحكام والموضوعات، ونحن قد ذكرنا في مبحث حجية خبر الواحد أنه لا يمكن الالتزام بحجية خبر الثقة في الأحكام فضلاً عن الموضوعات، وقلنا هناك إنّ الحجة هي الخبر الموثوق به وفاقاً للشيخ الأنصاري وجماعة من القدماء.هذا تمام الكلام في هذا الفرع وبه ينتهي الكلام في البحث السابع.### البحث الثامن: في جريان أصالة الصحة في العمل الذي فيه حيثيتانوهو أنه لو كان عمل ذا حيثيتين، حيثية كونه عملاً للغير وحيثية كونه عملاً للنفس، فهل تجري فيه أصالة الصحة من حيث إنّه عمل للنفس أو لا؟وهذا البحث مما لم يتطرق له الأعلام بهذا العنوان.وكيفما كان من المعلوم أن أصالة الصحة إنّها تجري في عمل الغير، وأما في عمل النفس فلا تجري، بل تجري قاعدة الفراغ، وهذا كعمل النائب عن الحي العاجز، وعمل الوكيل وما يشبههما.فإنّ عمل النائب عن الحي العاجز وكذا عمل الوكيل هو عمل من الغير وصادر منه بالمباشرة، ونفس هذا العمل عمل المستنيب والموكل بالتسبيب.فمن حيث إنّه عمل الغير تجري فيه أصالة الصحة، وأما من حيث إنّه عمل النفس فلا تجري فيه أصالة الصحة، بل تجري قاعدة الفراغ.ولا بد من التذكير بأنّ الفرق بين أصالة الصحة وقاعدة الفراغ هو أن أصالة الصحة تجري قبل العمل وحين العمل وبعده، وأما قاعدة الفراغ فلا تجري إلّا بعد العمل.وعليه فإذا شكّ المستنيب قبل العمل أو حين العمل في أن عمل النائب هل هو صحيح أو لا؟ فلا يمكنه إجراء قاعدة الفراغ، مضافاً إلى أنه يمكن أن يقال إن أدلة قاعدة الفراغ ناظرة إلى الأعمال التي يأتي بها المكلف مباشرة، ولا تشمل صورة
الاستنابة أو الوكالة، وأنه لم تحصل غفلةٌ منه، كما في موثقة ابن بكير: «هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك».ولكن تقدم أنّ الموثقة لا تدلّ على اختصاص القاعدة بصورة المباشرة، ونحن نتمسك بمعتبرة محمد بن مسلم كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو، وهي بإطلاقها تشمل هذه الصورة، وصورة المباشرة.وعلى كل حال فنحن نذكر فروعاً ثلاثة، وتحقيق الكلام يكون في ضمن البحث عن هذه الفروع.الفرع الأول: ما ذكره الشيخ - بناءً على التفسير الصحيح لكلامه - وهو استنابة الحي العاجز عن الحج، فإذا علم المستنيب أن النائب قد حج، ويعلم أنه قد قصد النيابة، إلا أنه يشك في صحة عمله، فذكر الشيخ أنّ هذا العمل له جهتان من الانتساب:انتساب إلى النائب، وبهذا اللحاظ يكون الفعل مباشرياً له، ويترتب على صحته آثار، منها استحقاقه الأُجرة.وانتساب إلى المنوب عنه، وبهذا اللحاظ يكون العمل عملاً له، ويعد فعل النائب فعل المنوب عنه من باب الفعل بالتسبيب والآلة، فكأنه هو الذي حجّ، إلا أنه ببدن غيره.وأصالة الصحة لا تجري من هذه الجهة؛ لأنّ العمل عمل النفس.وهذا الذي ذكره الشيخ (رَحمهُ اللّه مما خالفه الجميع بحيث قال عنه المحقق الأصفهاني: (رموه بقوس واحد).)وقبل الدخول في البحث لا بد من معرفة مورد كلام الشيخ حتى نحكم بصحته أو فساده، فنقول:
إن مورد كلام الشيخ كما ذكرنا هو فيما إذا قصد النائب النيابة، وليس المورد من موارد عدم إحراز قصد النيابة، وعدم إجرائه لأصالة الصحة ليس من جهة أنه لا يمكن إحراز القصد بأصالة الصحة، بل من جهة أنه عمل النفس.ومن هنا يعلم أنّ ما في المصباح وغيره من حمل كلام الشيخ على المورد الذي يكون الشكّ فيه بقصد النيابة لا يتلائم مع ما نفهمه من عبارة الشيخ، وإلا كان خارجاً عن محل كلامنا؛ إذ الكلام في تحقق العمل الذي هو ذو جهتين، فمن جهة أنه عمل الغير فتجري فيه أصالة الصحة ومن جهة أنه عمل نفسه فلا تجري.كما أن حمل كلام الشيخ على مطلق موارد النيابة كما في المصباح وغيره أيضاً غير صحيح، فإن الشيخ صرح بأن ما يقوله إنما هو بالنسبة إلى النيابة عن الحي، وذلك لأنّ ولي الميت أو وصيه لو استناب شخصاً للحج عن الميت لم يكن عمله هذا ذا جهتين، ويمكن للولي أو الوصي إجراء أصالة الصحة، ولا يعد هذا عملاً من الميت بالتسبيب والآلة، ولا يمكن انتساب الحج إليه وأنه حج ولو مجازاً.فمورد كلام الشيخ هو خصوص الاستنابة عن الحي العاجز لا مطلق النيابة، وفيما إذا كان قصد النيابة محرزاً.فإذا تمكنا من إثبات ما فهمناه من العبارة ترتفع بعض الاستغرابات، فإنّه قد ذكر الشيخ في الفرائد (1: (ويمكن أن يقال - فيما إذا كان الفعل الصادر عن المسلم على وجه النيابة عن الغير المكلف بالعمل أولاً وبالذات كالعاجز عن الحج -: إن لفعل النائب عنوانين:)أحدهما: من حيث إنه فعل من أفعال النائب، ولذا يجب عليه مراعاة الأجزاء والشروط المعتبرة في المباشر، وبهذا الاعتبار يترتب عليه جميع آثار صدور الفعل
1) فرائد الأصول 3: 368-369.
الصحيح منه، مثل: استحقاق الأجرة، وجواز استئجاره ثانياً بناء على اشتراط فراغ ذمة الأجير في صحة استئجاره ثانياً.والثاني: من حيث إنه فعل للمنوب عنه، حيث إنه بمنزلة الفاعل بالتسبيب أو الآلة، وكأن الفعل بعد قصد النيابة والبدلية قائم بالمنوب عنه، وبهذا الاعتبار يراعى فيه القصر والإتمام في الصلاة والتمتع والقران في الحج، والترتيب في الفوائت.والصحة من الحيثية الأولى لا تثبت الصحة من هذه الحيثية الثانية، بل لا بد من إحراز صدور الفعل الصحيح عنه على وجه التسبيب.وبعبارة أخرى: إن كان فعل الغير يسقط التكليف عنه، من حيث إنه فعل الغير، كفت أصالة الصحة في السقوط، كما في الصلاة على الميت.وإن كان إنما يسقط التكليف عنه من حيث اعتبار كونه فعلاً له ولو على وجه التسبيب - كما إذا كلف بتحصيل فعل بنفسه أو ببدن غيره، كما في استنابة العاجز للحج - لم تنفع أصالة الصحة في سقوطه، بل يجب التفكيك بين أثري الفعل من الحيثيتين، فيحكم باستحقاق النائب الأجرة، وعدم براءة ذمة المنوب عنه من الفعل. وكما في استئجار الولي للعمل عن الميت.لكن يبقى الإشكال في استئجار الولي للعمل عن الميت ؛ إذ لا يعتبر فيه قصد النيابة عن الولي. وبراءة ذمة الميت من آثار صحة فعل الغير من حيث هو فعله، لا من حيث اعتباره فعلا للولي، فلا بد أن يكتفى فيه بإحراز إتيان صورة الفعل بقصد إبراء ذمة الميت.)ولعل ما فهمناه من هذه العبارة هو الصحيح، وذلك لتصريحه (رَحمهُ اللّه بأن الكلام في صورة قصد النيابة لا في الشكّ في النيابة بقوله: (وكأنّ الفعل بعد قصد النيابة والبدلية قائم بالمنوب عنه)، كما يظهر من صريح كلامه أنّ الحكم خاص بصورة النيابة عن الحي لقوله: (لكن يبقى الإشكال) إلى آخره، وعلى هذا التفسير يرتفع كثير من)
الاستغرابات المذكورة في المصباح وغيره حتى قال المحقق الأصفهاني أنهم (رموه بقوس واحد.)والسر في ما ذهب الشيخ إليه هو أن فعل النائب فعل تسبيبي وفعل بالآلة، وفي موارد الفعل التسبيبي والفعل بالآلة ينتسب الفعل إلى السبب كما ينتسب إلى المباشر، وعليه فلا تجري أصالة الصحة من جهة فعل نفسه.ولكن هل إنّ ما ذهب إليه الشيخ صحيح أو لا؟ فنقول:إن أساس كلام الشيخ صحيح، أي أن قسماً من الأفعال يكون من الفعل التسبيبي والفعل بالآلة، وهذا الفعل منتسب إمّا حقيقة أو شرعاً وقانوناً إلى المسبب.إلّا أنّ لانتساب الفعل إلى المسبب ضابطاً، وهو فيما إذا كان المباشر كالآلة، أي إذا لم تكن للمباشر إرادة أو كانت إلّا أنها مندكة في إرادةالمسبب؛ لضعفها، كما إذا حرك حيواناً لقتل شخص فقتله، فهنا يقال قتله زيد مثلاً، وهكذا إذا حرك صبياً غيرمميز لقتل شخص أو أرسل مجنوناً لقتل شخص فقتله، ففي أمثال ذلك يكون العمل منتسباً إلى المسبب من جهة ضعف المباشر في استقلال الإرادة.وأما في غير ذلك، كما إذا أمر شخصاً بقتل شخص بلا إكراه أو مع الإكراه فالعمل لا ينتسب إلى المسبب الذي جعل للمباشر داعياً للقتل.والمفروض في المثال الذي ذكره الشيخ أنّ النائب ذو إرادة مستقلة وأتي بالحج مباشرة، فلا ينتسب عمله هذا إلى المنوب عنه بوجه؛ لأنه لو كان منتسباً إليه فإما من باب النيابة، أي بما أنه نائب عنه يكون عمله عمل المنوب عنه، أو من جهة الاستئجار، أو من جهة كلا الأمرين، ولا يمكن الالتزام بالانتساب إلى المنوب عنه من أي باب كان.أما من جهة النيابة وأنّ النيابة تقتضي انتساب العمل إلى المنوب عنه انتساباً صدورياً فمما لا يمكن الالتزام به، وذلك لأنّ في موارد النيابة التبرعية أو في موارد
النيابة عن استئجار للميت لا يصدق أن الميت صلى أو حج أو صام، بل ولو كان العمل بأمر منه لا يصدق أن العمل صادر منه، فلو أرسل شخص شخصاً للحضور في حفل نيابةً عنه لا يمكن إسناد العمل إليه وأنّ الملك الفلاني حضر في الحفل مثلاً، بل لا يمكن القول به حتى على سبيل المجاز في الإسناد.وإن قيل بأنه هل هنا ارتباط بين عمل النائب والمنوب عنه؟ قلنا: نعم بينها ارتباط، إلّا أنّ الارتباط ليس في مرحلة الصدور بحيث يعد عمل النائب عملاً للمنوب عنه، بل بلحاظ اشتغال الذمة، ففعل النائب بدل فعل المنوب عنه، والنائب يقوم مقام المنوب عنه في أداء ما كان على المنوب عنه أن يأتي به، وعمل النائب بديل لما في ذمة المنوب عنه، وهذا غاية ما تقتضيه النيابة، لا أن عمله عمل المنوب عنه.وأما من جهة الاستئجار وأنّ الاستئجار يقتضي انتساب عمل النائب والأجير إلى المؤجر، وذلك لأن الإيجار تسبيب إلى عمل الأجير، فإنّه لو لم يكن استئجار لم يكن يأتي بالعمل، ففي الحقيقة الاستئجار سبب لعمل الطرف، وكذا في موارد الأمر بشيء ممن له الأمر، بدعوى أن الفعل التكويني كما ينتسب إلى المباشر ينتسب إلى جميع الأسباب التي هي سبب هذا الفعل التكويني، فهذا أيضاً مما لا يمكن الالتزام به في مطلق موارد الاستئجار للعمل، فإنّه لو استأجر شخص شخصاً لكنس المسجد أو لفعل من الأفعال، فلا ينتسب العمل إلا إلى المباشر.وما قيل للاستشهاد بأن العمل منتسب إلى الأمر بأنه لو أمر شخص عبده أو ابنه لقتل أحد فإنّه يحبس أبداً ويقتل المباشر، فمن هنا نعرف عدم صحة انتساب العمل إليه، ونفس هذا الدليل شاهد على أنّ العمل غير منتسب إليه، ولو كان منتسباً إليه لقتل هو أيضاً، بل من جهة تحريكه إلى شر خاص يحكم عليه بالحبس المؤبد، وعلى فرض التنزل وصحة الإسناد يكون الإسناد مجازياً لا حقيقياً.
ومن الممكن أن يكون المجاز في المسند أو المسند إليه، لا في الإسناد، كما في (بنى الأمير المدينة فإنّه إمّا مجاز في الإسناد بلحاظالتسبيب، وإما مجاز في الكلمة، ومعنى)(بنی بذل مصارفه أو سبب بناء المدينة.)وأما الاستئجار والنيابة بمعنى أن اجتماعهما يوجب انتساب عمل النائب إلى المنوب عنه، فهذا أيضاً لا يمكن الالتزام به، وذلك للأمثلة التي ذكرناها، فإنّه لا يسند الفعل إلى النائب في تلك الأمثلة إسناداً حقيقياً.فالقول بأن عمل النائب عن الحي العاجز له نوعان من الانتساب: انتساب إلى المباشر وانتساب إلى المنوب عنه غير صحيح، وقانون الفعل بالتسبيب والآلة غير صادق في المقام.والعمل الصادر من النائب بجعل الداعي من المنوب عنه يوجب فراغ ذمة المنوب عنه، فإنّ الواجب على العاجز هو أن يحج شخصاً عنه بتحريك منه ومن ماله نيابةً عنه، وبحكم أصالة الصحة في عمله يكون عمله صحيحاً، فلا نحتاج إلى أزيد من ذلك، وليس هنا انتساب آخر، وإن كان انتساب فهو مجازي، ومن المعلوم أنّ الإسناد المجازي لا يترتب عليه أثر.فظهر أن عمل النائب في الحقيقة ذو جهة واحدة، لا أن يكون ذا جهتين، فإذا أتى النائب بالعمل على الوجه الصحيح يكون مستحقاً للأُجرة وبه يسقط الواجب عن ذمة المنوب عنه؛ لأنّ الواجب عن المنوب عنه إرسال شخص ليحج عنه من ماله، والمفروض أنه أرسل شخصاً من ماله وتجري أصالة الصحة في عمل النائب.ثم بعد ما ظهر أن العمل ذو جهة واحدة، لا نرى وجهاً للقول بأنه لا يترتب على أصالة الصحة هذا الأثر، أي أثر فراغ ذمة المنوب عنه؛ وذلك لأنّ الذي يدعي السيرة العقلائية ويقول بأنه لولا أصالة الصحة لاختل النظام يمثل بعمل النائب والوكيل، فإنّ هذه الموارد من الموارد التي يبني العقلاء فيها على الحمل على الصحة.
كما لا وجه للمناقشة في الإجماع بما نقله الشيخ من أنه يعتبر في النائب أن يكون عادلاً، فيقال بأن العدالة من جهة إحراز الصحة واعتبار العدالة لا يمكن أن يكون شاهداً لمدعى الشيخ؛ وذلك لأن العدالة من الممكن أن تكون طريقاً إلى وقوع العمل أو وقوع العمل عن قصد النيابة، لا بلحاظ أنّ العدالة إنّما اعتبرت من أجل إحراز الصحة؛ لأنّ الذي يقول باعتبار العدالة إنّما يقول به في النيابة عن الميت، ومن المعلوم أن في النيابة عن الميت لا يجري إشكال الشيخ، كما تقدم.ولا مجال للقول بأنّ العمل منتسب إلى الميت، فإن الميت ميت وهو لا يجري أصالة الصحة، والذي يمكن له إجراء الأصل إنّما هو الوصي أو الولي، وعلى أي حال فالعمل هو عمل الغير فقط.الفرع الثاني: من الفروع التي هي ذات جهتين عمل الوكيل في الجملة، فإنّ العمل منتسب إلى الموكل فيما لو وكله لبيع دار أو طلاق زوجة وأمثال ذلك، لا سيما فيما إذا كان وكيلاً عنه في إجراء الصيغة.وإنّما قلنا في الجملة من أجل أنّ الوكيل قد يكون وكيلاً في إجراء الصيغة، وقد يكون وكيلاً في عمل خاص مثل شراء دار أو عقار، وقد يكون الوكيل مفوضاً في جميع الأمور، كعامل المضاربة.والكلام في القسم الأول والثاني.وكما أشرنا لا إشكال في أنه ينتسب العمل في الجملة إلى الموكل.والفرق بين النيابة والوكالة أنّ النيابة مواردها الأعمال الجوارحية الخارجية مثل الحج والصوم والحضور في محفل وأمثال ذلك.وأما الوكالة فهي أمر إنشائي قانوني، أي أنّ مواردها الأمور الإنشائية القانونية، مثل البيع والطلاق وأشباه ذلك من الأمور الإنشائية الاعتبارية، ولذا عمل الوكيل منتسب إلى الموكل، فلو باع الوكيل دار زيد يقال زيد باع داره، أو طلق زوجته.
ففي موارد التوكيل كما ينسب العمل إلى الوكيل كذلك ينسب إلى الموكل بلا عناية، وبهذا اللحاظ ذهب جمع من الفقهاء إلى ثبوت خيار المجلس للموكل ولو صدر البيع عن الوكيل، مع أن الدليل قد دلّ على أنّ «البيعان بالخيار ما لم يفترقا» (1.)فإذا ظهر ذلك نقول: لو علم الموكل بصدور العمل عن الوكيل، وعلم بأنه أتى به بقصد النيابة، إلا أنه لا يعلم هل أتى به صحيحاً أو لا؟ فهل تجري أصالة الصحة أو لا؟ وعلى فرض الجريان هل تكون من أصالة الصحة في عمل النفس أو لا؟وقبل الدخول في البحث لا بد وأن نعرف المعيار في كون عمل الوكيل عمل الموكل قانوناً.والوجوه التي ذكرت أو يمكن أن تذكر لذلك ثلاثة:الوجه الأول: ما ذكره المحقق النائيني (2في المسألة الأولى من مسائل خيار المجلس وهو أن كل فعل يصدر من شخص كما ينسب إلى المباشر ينسب إلى جميع أسبابه الطولية، ومثل لذلك بأمثلة تكون من الأعمال الخارجية، وقد ذكرنا أن الفرق بين النيابة والوكالة : أنّ النيابة إنّما تكون في الأعمال الجوارحية الخارجية والوكالة في الأمور الإنشائية القانونية، إلا أنه لو تم ما ذكره لكان مفيداً بالنسبة إلى النيابة.)وعلى أي حال، فقد قال: (كما يصح انتساب الفعل إلى المباشر والسبب في كل فعل، ولذا ورد: (اللّه يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا (3)وأُخرى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ) (4)، وثالثة: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلَائِكَةُ) (5)فنسب)
الفعل تارة إلى اللّه تعالى وأُخرى إلى عزرائيل (عليه السلام وثالثة إلى أعوانه من الملائكة سلام اللّه عليهم).)و كلامه عام يشمل موارد النيابة أيضاً وإن طبقه هو على الوكالة، فيقال: إنّ الموكل بما أنه سبب فينسب إليه العمل الصادر من الوكيل.ولقائل أن يقول: إنّ الإسناد إسناد مجازي، وحينئذ عليه أن يجيب بما قيل بأنّ الإسناد المجازي إنّما يكون في الموارد التي تكون الواسطة واسطة حلولية، مثل حركة السفينة بالنسبة إلى حركة الجالس وأمثال ذلك، وأما في غيره ومنها المقام فالإسناد حقيقي.وما ذكره المحقق النائيني لا يمكن المساعدة عليه، فإنّ مطلق الأمر والتسبيب لا يوجب انتساب العمل إلى المسبب، وفي خصوص الملائكة بما أنه ليس لهم حالة عصيان وإرادتهم مندكة في إرادة اللّه تعالى، وكذا أعوان ملك الموت إرادتهم مندكة في إرادته تعالى فيمكن القول بذلك. وأمّا في مطلق الأعمال فالقول بذلك مشكل جداً، ولو صح الإسناد فإنّما هو إسناد المجازي، والأثر غير مترتب على الإسناد المجازي.الوجه الثاني: أن السر في عد عمل الوكيل عملاً للموكل هو أن الوكالة ليس مرجعها إلى التفويض إلى الغير، بل حقيقة التوكيل إنشاء البيع فعلاً معلقاً على إنشاء الطرف، فحينما يقول: (وكلتك في بيع داري بكذا فمرجعه إلى أنه بعت داري بكذا معلقاً لإنشاء الطرف بقوله: (بعت)، ففي الحقيقة منشئ البيع هو الموكل، ونفس صيغة الوكالة متضمنة للعمل الذي وكّل الغير في تحصيله، إلا أنه على وجه التعليق.)فإن قيل : إن التعليق في العقود مبطل.قلنا: إنه لا دليل على مبطلية التعليق إلا الإجماع، والإجماع لا يشمل مثل هذا التعليق، والشاهد على أنّ الموكل هو المنشئ الارتكاز العقلائي.
وهذا الوجه في غاية الضعف؛ إذ لم يقل به أحدٌ من الفقهاء من العامة والخاصة، كما أن القوانين الحديثة أيضاً ليس فيها ما يدل على ذلك وليس له أي شاهد، مضافاً إلى أن التوكيل تفويض الأمر إليه، لا بيعه فعلاً.الوجه الثالث: في سر انتساب عمل الوكيل إلى الموكل هو جعل الوكيل واعتباره بمنزلة نفسه، فحينما يقول: (وكلتك في بيع داري مثلاً معناه أن بيعك لداري بيعي له، واعتبر عملك عمل نفسي وبتعبير آخر: (جعلت كل عملي عليك) فالوكالة في الحقيقة مشتملة على إنشاء انتساب عمل الغير إلى نفسه، وبما أن جميع العقود والإيقاعات من الاعتبارات القانونية، لا من الاعتبارات الأدبية أي أن النسبة نسبة حقيقية، إلا أنها نسبة قانونية، لا أن تكون النسبة نسبة أدبية ومجازية. وقد ذكرنا مراراً أنّ الفرق بين النسبة الأدبية أو الاعتبار الأدبي والاعتبار القانوني أنّ في الاعتبار الأدبي المراد التفهيمي غير مطابق للمراد الجدي، فإنّه حينما يعتبر الرجل الشجاع أسداً أو الوجيه شمساً لو سئل منه هل هو أسد أو شمس حقيقة؟ فيقول: لا، بل اعتبرته أسداً.)وأما الاعتبار القانوني فالمراد التفهمي منه مطابق للمراد الجدي، فإنّه حينما يعتبر شيئاً نجساً أو محرماً يكون نجساً ومحرماً واقعاً، أي يرى من بيده الاعتبار حراماً وأتباعه أيضاً يرونه حراماً، والعقود والإيقاعات من هذا القبيل.والوكالة على ما ذكرنا حقيقتها اعتبار فعل الغير صادراً عن النفس، فعليه يعتبر فعل الوكيل فعل الموكل حقيقة، إلّا أنه كما قلنا ينسب إليه قانوناً، لا تكويناً.وفرق بين الانتساب قانوناً وتكويناً، فإنّ التكوينيات دائرة مدار العلل والمعلولات التكوينية، مثل أنه شرب الماء أو لم يشرب ومن أي شخص صدر ومن أي شخص لم يصدر، والاعتباريات دائماً تكون على خلاف التكوين، وهذا على قسمين: قد يكون الاعتبار اعتباراً أدبياً ومع العناية، وقد يكون الاعتبار اعتباراً
متأصلاً وبلا عناية، فنعبر عن هذا بالاعتبار القانوني، مثل اعتبار الخمر حراماً أو الكلب نجساً وهذه زوجة وهذا مالكاً.والوكالة كسائر العقود مرجعها إلى الاعتبار القانوني وأن الفعل الصادر عنه صادر عني بما أنه ممثل عني.وهذا هو المصحح لانتساب العمل الصادر منه عملاً له، ولذا يقال باع داره أو طلق زوجته، وإنّما لا يقال إنّه مجاز من جهة أنّ المنشأ في الوكالة في الواقع اعتبار العمل الصادر منه من الموكل بنحو الاعتبار القانوني.إن قلت: لماذا لا تقولون بهذه المقالة في النيابة؟قلنا: إنا ذكرنا أن النيابة تكون في الأعمال الخارجية، ومعناه أن النائب يأتي بالعمل الذي في ذمة المنوب عنه، وليس العمل الصادر منه صادر من المنوب عنه.وهذا الوجه هو الذي يوافق كلمات الفقهاء واللغويين، كما أنه موافق للقوانين الحديثة فإنهم يذكرون بأن الوكيل ممثل عنه.وعليه، فنحن نعترف بأنّ العمل الصادر من الوكيل ينسب إلى الموكل حقيقة، فهل يكون هذا مانعاً من جريان أصالة الصحة؟ أي أنه إذا شكّ الموكل في صحة العمل الصادر من الوكيل هل يمكنه إجراء أصالة الصحة أو لا يمكن من جهة أنّ عمله عمل نفسه، وأصالة الصحة لا تجري في عمل النفس، وإنما تجري قاعدة الفراغ، وقاعدة الفراغ لا تجري إلا بعد العمل، وهذا بخلاف أصالة الصحة في عمل الغير فإنّها تجري قبل العمل وحين العمل وبعده.والظاهر أنّ هذه الشبهة مدفوعة بلحاظ أنّ عمدة الدليل على أصالة الصحة هو بناء العقلاء، وأنه لولاها لاختل النظام، والذي هو معتبر في بناء العقلاء أن يكون العمل صادراً من الغير تكويناً سواء نسب إلى شخص آخر قانوناً أم لم ينسب، وفرق بين العمل الصادر منه تكويناً، والعمل الصادر منه قانوناً، والمستظهر من بناء العقلاء أن يكون العمل صادراً منه تكويناً، والمفروض في المقام أنّ العمل صادر من الوكيل
تكويناً، لا من الموكل. نعم، ينسب إلى الموكل، إلا أنه لا تكويناً بل قانوناً، وهذا لا يكون مانعاً من جريان أصالة الصحة.وبعبارة أخرى: يكفي في جريانها أن يكون العمل تكويناً صادراً من الغير، وفي المقام كذلك، فالحق أنّ الكبرى في المقام ممنوعة ولو أنّ الصغرى مقبولة.الفرع الثالث: مسألة توضئة العاجز، وأمثالها مثل تولية شخص لغسل شخص آخر أو توليته للتيمم، وهي أنه لو لم يتمكن شخص من المباشرة في الوضوء أو الغسل أو التيمم لا بد من توضئته، والمسألة اتفاقية.وهل تكون توضئة العاجز من فروع ما نحن فيه؟ أي أنه هل يكون هذا العمل ذا جهتين صادر من الغير وصادر من النفس، أو أن العمل ذو جهة واحدة؟ في المسألة وجوه عديدة :الوجه الأول: أن تكون التوضئة من باب النيابة، بمعنى أن العاجز عن الوضوء يستنيب شخصاً، ومن يتصدى لذلك ويصدر منه الغسلتان والمسحتان هو النائب والعاجز محل للوضوء، وهذا مقتضى التعبير بالنيابة كما في العروة، وعليه فلا بد للنائب أن يقصد القربة.ولكن هذا الاحتمال لا دليل عليه، وصاحب العروة وإن عبّر بالنيابة، إلا أنه لم يلتزم بأن يكون القصد على الموضّى، بل ذكر أنه على العاجز أن يقصد القربة، وهذا مناف لصدور العمل القربي عن الموضئ.الوجه الثاني: أن يقال إنّ المستفاد من الأدلة هو توضئة العاجز، بمعنى أن على المكلفين إجراء العمل الوضوئي أو الغسلي أو التيممي عليه، فإن أجرى عليه العمل يحصل له الطهارة، فهذا واجب كفائي، ويجوز له أن يتقاضى من المسلمين أجراً على هذا العمل، وعليه أيضاً فالمعتبر هو قصد المتولي، والتكليف بالأصالة متوجه إليه، فلو كان في حال الوضوء غير ملتفت لا يضر ذلك بحصول الطهارة له.
وهذا الوجه بعيد جداً، إذ لا دليل على أنه واجب كفائي، مضافاً استبعاد حصول الطهارة للعاجز وإن كان غير ملتفت حال الوضوء.الوجه الثالث: أن يقال بأن الوضوء وظيفة العاجز، غاية الأمر بما أنه عاجز ولا يمكنه ذلك لا بد له من تسبيب الأسباب لوقوع العمل عليه، ويعتبر أن يكون قاصداً للقربة حين العمل، والمتولي من قبيل الآلة، فسواء كان واجداً لشرائط النيابة من البلوغ والعقل والإيمان أم لم يكن فالوضوء صحيح، بأن يأمر طفلاً بإجراء الماء على وجهه ويديه.وهذا أظهر الوجوه، وقد عبر بعض عن ذلك بالاستعانة، وهذا ليس من الاستعانة حقيقة، بل العمل عمل نفسه، إلّا أنه استعان في مغسولية وجهه ويديه، وهذا هو المستفاد من الروايات.وعلى الوجه الأول الكلام فيه هو الكلام في الفرع الأول، أي أنّ أصالة الصحة تجري وعمل النائب لا يكون عملاً للمنوب عنه.وعلى الوجه الثاني أصالة الصحة جارية؛ لأنه عمل الغير، وإنّما هو محل عمل الغير.وعلى الوجه الثالث، عمل المتولي كأن لم يكن ولا يترتب عليه أي أثر، ولذا قلنا بأنه لا يشترط فيه البلوغ والعقل، بل العمل عمل نفسه، فلا تجري أصالة الصحة.نعم، قاعدة الفراغ جارية، إلّا أنّ موردها ما إذا كان الشكّ بعد العمل، وأما إذا شكّ حين العمل بأنه هل تحقق استيعاب الوجه أو الغسل من الأعلى، فلا تجري قاعدة الفراغ.وما ذكره الشيخ عن بعض الفقهاء من أنه تعتبر العدالة في المتولي لتوضئة العاجز يمكن أن يكون من جهة الاكتفاء بقوله في الاستيعاب والغسل من الأعلى وأمثال ذلك، لا من جهة النيابة كما احتمله الشيخ.
هذا تمام الكلام في الفروع الثلاثة المتفرعة على هذه الكبرى، أي أنّ العمل لو كان ذا جهتين فهل تجري أصالة الصحة أو لا؟### البحث التاسع: في وجه تقدم أصالة الصحة على الاستصحابإن الاستصحاب قد يكون حكمياً وقد يكون موضوعياً، والاستصحاب الحكمي هو أصالة الفساد وعدم ترتب الأثر على العمل المشكوك فيه، وهو جار في جميع موارد أصالة الصحة، والأصل الموضوعي أو الاستصحاب الموضوعي جارٍ في كثير من الموارد، والكلام هو في سر تقدم أصالة الصحة على الاستصحاب.فنقول: إن في دليل أصالة الصحة مسلكين:أحدهما: أن الدليل هو إجماع العلماء أو سيرة المسلمين، وأصالة الصحة حكم تأسيسي من الشارع.وثانيهما: أن يقال بأن دليلها بناء العقلاء والحكم حكم إمضائي من الشارع.فعلى الأول لا ريب في تقدم أصالة الصحة على الاستصحاب، والاستصحاب لا يمكن أن يكون رادعاً عن أصالة الصحة والسر فيه أن الإجماع الذي يكون حجة هو الإجماع الذي يحصل الاطمئنان من تراكم أقوال العلماء بملاحظة الاحتمالات وأنّ هذا الحكم مما أنشأه الشارع.وسيرة المسلمين معناها أنّ هذه الجماعة الممتازة عن سائر الناس بعمل قد أخذت هذا العمل ممن هو معتبر عندهم، وهذا الحكم حكم شرعي، والاستصحاب لا يمكنه ردعه، بل هو مقدم على الاستصحاب على نحو الورود، فإنّ هذا ليس من نقض اليقين بالشك، بل نقض لليقين بحكم شرعي كشفه كشفاً قطعياً إما إجماع العلماء أو سيرة المسلمين.إلا أنا ذكرنا في أوائل بحث أصالة الصحة أن الدليل ضعيف، ولا يمكن التمسك بالإجماع والسيرة.
وعلى الثاني - أي إذا قلنا بأنّ أصالة الصحة مما بنى عليها العقلاء - فهل يمكن أن يكون الاستصحاب رادعاً أو لا؟ومن المعلوم أن بناء العقلاء مما يعتبر فيه عدم الردع، فلقائل أن يقول بأنّ الاستصحاب رادع.فإن قلنا بأن أصالة الصحة إنّما تكون حجة من جهة أنها أمارة، أي يرى العقلاء لها كاشفية عن الواقع، فلا ريب أن الاستصحاب لا يتنافى معها؛ إذ الاستصحاب يقول بعدم جواز نقض اليقين بالشك، وأما نقض اليقين بكاشف وحجة أُخرى، فهذا شيء لا يستفاد من أدلة الاستصحاب.وإن قلنا بأنّ أصالة الصحة أصل عملي - أي: أن العقلاء يجرونها في مقام ترتب الأثر - فيمكن أن يقال إن دليل الاستصحاب رادع عنه، إلّا أنّ هذا مبتن على القول بأنّ الاستصحاب أمر تأسيسي من الشارع.وأما إذا قلنا بأنّ الاستصحاب أمر إمضائي وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ : «لا تنقض اليقين بالشك» إرشاد إلى ما بنى عليه العقلاء، ففي بناء العقلاء لا تنافي بينهما، يعني كل في مورده، مثل اليد والإقرار والبينة، فإنّ اليد حجة لولا الإقرار، والإقرار حجة لولا البينة.)والحق كما تقدم أنّ الاستصحاب حجة من جهة بناء العقلاء، وهكذا القول بحجية أصالة الصحة فإنه من جهة بناء العقلاء، فلا تنافي بينهما، ويكون الاستصحاب معمولاً به فيما إذا لم يكن المورد من موارد أصالة الصحة.وإنّما الكلام على القول بأنّ الاستصحاب حجة من جهة أنه من القواعد التأسيسية الشرعية، فإن قلنا إن أصالة الصحة من الأمارات العقلائية وفيها جهة كاشفية، فعليه لا إشكال في تقدم أصالة الصحة على الاستصحاب، ولا يمكن أن يكون الاستصحاب رادعاً عنها، من جهة أنّ الاستصحاب ليس ناظراً إلى إلغاء الحجج العقلانية، بل دليل الاستصحاب يقول بأنّ الاحتمال المخالف والمضاد ملغى.
ولكن إذا قلنا بأنها ليست بأمارة عقلائية، بل هي أصل من الأصول العقلائية بمعنى أن وظيفة الشاك في عمل الغير ترتيب آثار الصحة عملاً، فيمكن القول بأن الاستصحاب رادع عنها.هذا ولكن يمكن القول بأنّ الاستصحاب لا يمكن أن يكون رادعاً عن أصالة الصحة فيما إذا قلنا - كما قال الشيخ - من أنه لولاها لاختل النظام، فإنّ الاستصحاب لا ينبغي أن تكون نتيجته عملاً يؤدي إلى اختلال النظام، إلّا أنا قد ذكرنا سابقاً أنه وإن كنا نقول بأصالة الصحة في الجملة وأنها أصل من الأصول العقلائية، لكننا ذكرنا أنّ هناك قواعد أُخر يمكنها أن تؤثر أثر أصالة الصحة، ومع وجودها لا يوجب اختلال النظام، وعليه فلا مانع من أن يكون الاستصحاب رادعاً عنها لعدم لزوم اختلال النظام.وللبعض كلام ذكره في الرسائل (1وهو بصدد بيان أن الاستصحاب لا يمكن أن يكون رادعاً عن أصالة الصحة، حتى على هذا المسلك، وما ذكره ضعيف جداً، فقد قال: (بل تكون أدلة الاستصحاب غير صالحة للردع عن بناء العقلاء فيما تحقق بنائهم لأنهم في العمل على أصالة الصحة و ترتيب آثار الصحة على المعاملات و العبادات ارتكازا لا يرون أنفسهم شاكين، لا أقول: إنهم قاطعون، فانه خلاف الضرورة، بل أقول: إنهم يكونون غافلي الذهن عن أن ترتيب آثار الصحة عمل بالشك)، فإنّهم ليسوا غافلين والمفروض أنه يدري أن الاستصحاب يقتضي عدم الصحة وهذه تقتضي الصحة.)هذا تمام الكلام في هذا البحث، وبه ينتهي الكلام في أصالة الصحة.
1) الرسائل للسيد الخميني 1: 336.
## القاعدة الرابعة: اليد### إشارة:من القواعد المهمة قاعدة اليد التي يتعرض لها في الأصول، وفي الفقه في مبحث القضاء؛ لأنها أحد طرق تشخيص المدعي والمنكر، ونحن لا نتعرض لها بالسعة التي تعرضنا لها في مبحث القضاء، ولا بصورة مختصرة جداً، بل نتعرض بصورة متوسطة بينهما.وقاعدة اليد مرجعها إلى الحكم بمالكية من بيده المال ملكية طلقة.والكلام فيها في جهات متعددة:### الجهة الأولى: في اليد وبناء العقلاء.وتوضيح الكلام فيها أنّ مورد البحث فعلاً هو أن الاستيلاء على عين هل هو حجة على ملكيته له أو لا؟وسيأتي إن شاء اللّه تعالى أنّ اليد كاشفة عن الملكية غير الطلقة - كما إذا علمنا بأنّ العين موقوفة ونحتمل أن يكون هو من الموقوف عليهم - وكاشفة عن ملكيته للمنافع - كما إذا علمنا بأنّ المالك غيره ونحتمل أن يكون هو المستأجر - وكاشفة عن أن له حق الانتفاع، كما إذا علمنا بأن المال ليس له على نحو الملك الطلق ولا على نحو الملك غير الطلق ولا مستأجر، إلا أنه نحتمل أن يكون المال موقوفاً على جهة من الجهات العامة، ويده على هذا المال كاشفة عن أن له حق الانتفاع.والمقصود أنا لسنا بصدد سرد كاشفية اليد فعلاً، والذي نحن بصدده الآن هو حجية اليد على الملكية الطلقة للعين.
فإذا ظهر هذا نقول : لا إشكال في أنّ بناء العقلاء مستمر على معاملة ذي اليد معاملة المالك، إلّا أنّ الكلام في أنّ هذا هل هو أصل عقلائي أو أن اليد أمارة عقلائية، يعني أن معاملتهم هذه هل هي مجرد الجري العملي بدون أن يرونه مالكاً من قبيل الأصول العملية التي هي وظيفة الشاك، كما ذهب إليه النراقي واستظهره بعض من عبارة الشيخ. أو أنّ اليد ليست أصلاً من الأصول العقلائية، بل هي أمارة على مالكية ذي اليد؟والحق أنها من الأمارات وليست من الأصول، لا من جهة ما ذكره بعض من أنّ العقلاء ليس لهم أصول تعبدية وأعمالهم تدور مدار رؤيتهم والأمور الكاشفة عندهم، فإنّ للعقلاء أصولاً كما لهم أمارات، فإنّهم يبنون على أحد طرفي الاحتمال فيما لو اقتضت مصلحة نظامهم الاجتماعي ذلك، كما سيأتي في مبحث القرعة إن شاء اللّه تعالى، وأنها ليست فيها أي أمارية عند العقلاء، بل هي مما بنى عليها العقلاء.وإنّما لا نقول بأن اليد من الأصول العقلائية، بل أمارة من جهة أنّ العقلاء يرون ذا اليد مالكاً، ولذا نرى أنهم يحكمون بأنّ فلاناً أغنى من فلان بمجرد رؤيتهم لدكان هذا أو ذاك فيما إذا كان في دكان أحدهم الأجناس المعدة للبيع أكثر وكلاهما لهما عمل واحد، وهكذا إذا دخل شخص بيت شخص ورأى فيه أمتعة كثيرة، ودخل دار شخص آخر ورأى فيه متاعاً قليلاً يحكم بأنّ له كذا مقدار ولفلان كذا مقدار.فلا شكّ أنهم يرون لليد أمارية على الملكية، إلا أنه يقع الكلام في سر أمارية اليد وكاشفيته عن الملكية، وأنه هل هو كشف إدراكي أو كشف إحساسي؟ فإنّا قد ذكرنا في مبحث الاستصحاب أنّ الكشف على قسمين: إدراكي وإحساسي.والكشف الإدراكي هو ما يحصل للإنسان من خلال تجميع الاحتمالات والقرائن التي تكشف له الواقع علماً أو اطمئناناً أو مظنة، والعقلاء يستندون إليه في كثير من أُمورهم.
أما الكشف الإحساسي - سواء كان معتبراً أم لم يكن - هو ما يعتقده الإنسان - باعتباره موجوداً إحساسي - بالنسبة إلى بعض الأشياء، ولا يمكنه إقامة البرهان المنطقي على هذه الرؤية، بل هو من الانفعال النفسي، كما تقدم في مبحث الاستصحاب أنّ العقلاء إذا رأوا شيئاً على حالة فإن شكوا فيه شكاً إدراكياً وأنه هل هو على حالته التي رأوه أو تغير؟ يرونه بعين ما رأوه سابقاً، وهذا هو الاستصحاب، ونظرهم إلى الشيء بعين ما رأوه نظر ورؤية إحساسية، لا أن تكون إدراكية.فإذا ظهر أن الكشف على قسمين هل الحكم بمالكية ذي اليد من جهة الكشف الإدراكي، أو من جهة الكشف الإحساسي؟ذهب بعض إلى أن الكشف إدراكي من جهة أنّ أمارية اليد تكون من باب الغلبة، وأن الظنّ يلحق الشيء بالأعم الأغلب، فإنّه لو كان صنف من الأصناف خمس وتسعون منهم عدولاً، وخمسة منهم غير عدول، فلو رأينا شخصاً منهم وشككنا في أنه هل هو من العدول أو من غير العدول؟ نحكم بأنه عادل لاقتضاء الظن إلحاق الشيء بالأعم الأغلب، وذلك من جهة أنّ خمساً وتسعين في المائة من الاحتمالات تقتضي أن يكون من العدول، وخمس في المائة من الاحتمالات تقتضي أن يكون من غير العدول.والمقصود أن الغلبة تقتضي الحكم الظني بإلحاقه بالأعم الأغلب، فكاشفيته أنه من العدول كشفاً ظنياً تكون من جهة الكشف الإدراكي، وهذا ما ذهب إليه المحقق العراقي (1، وأن اليد المالكية أغلب من اليد العادية ويد الأمانة وغيرها.)
1) قال في نهائية الأفكار: (ولكن الإنصاف هو كونها من الأمارات الكاشفة نوعا عن الواقع؛ لأن الظاهر من بناء العرف والعقلاء على الأخذ باليد انما هو لكشفها الناشئ عن غلبة ما في اليد لصاحبها بنحو موجب لركون النفس إليها؛ لأن الغالب في مواردها كون ذي اليد مالكاً لما في يده، لا أن ذلك منهم لمحض تعبدهم بها لاستقامة نظام معاملاتهم، فإن ذلك وإن كان ممكناً في نفسه كما أشرنا إليه، إلا أنه بعيد جداً). نهاية الأفكار 4 ق21:2.
لكن ما ذهب إليه لا يمكن الالتزام به:أولاً: لا يمكن ادعاء أنّ اليد المالكية أغلب من اليد العادية ويد الأمانة بأقسامها، مع كثرة الأيادي غير المالكية في موارد متعددة، مثل الشركات والدوائر الحكومية، وكذا الشركات الخاصة، فإنّ اليد هي غير مالكية، فإن المشتغلين فيها عمال، وليس المال الذي بيدهم ملكاً لهم، وكذا الأفراد المأذونون في التصرف واليد الأمانية ويد الوكيل ويد الولي بأقسامه. فلو لوحظ مجموع هذه الأيادي في قبال اليد المالكية لعله يمكن القول بأنّ الأغلب هو اليد غير المالكية، لا أن تكون اليد المالكية أغلب، ولا أقل من الشكّ في الأغلبية.وثانياً: على فرض التنزل فإنّ الظنّ الناشئ من الغلبة ليس دائراً مدار الجنس، بل دائر مدار الصنف الخاص، فإنّه لو كان خمس وتسعون بالمائة من طلاب العلوم الدينية عدولاً وخمس بالمائة غير عدول، فإذا فرضنا أنّ النسبة في بلد خاص بالعكس، أي أنّ في تلك البلدة الخاصة خمساً منهم عدول وخمسة وتسعين غير عدول، ورأينا في تلك البلدة من لا نعرف أنه من العدول أو غير العدول لا يلحقه الظن بالأعم الأغلب في الجنس، بل يلحقه بغير العدول في تلك البلدة، وذلك من جهة أن الظن الناشئ من الغلبة ليس دائراً مدار الجنس، بل دائر مدار الصنف الخاص.وبعبارة أخرى: أنه صحيح أن الظنّ يلحق الشيء بالأعم الأغلب، والغلبة موجبة للظن، إلّا أنّ ملاحظة المجموع من دون ملاحظة الأفراد التي ينتمي إليها مما لا وجه له ولو لم نلاحظ ذلك، بل اقتصرت الملاحظة على المجموع فإنه يتنافى مع اليد، فإنه لو كان شخص متوسط الحال لابساً لخاتم يليق بالسلاطين والوزراء المتشخصين،
فيها أن أغلب الناس الذين في مستواه ليس لهم ذلك، فلا بد من الحكم بأن هذا الخاتم ليس ملكاً له، والحال أنهم يقولون بكاشفية اليد حتى في مثل هذا المورد.فظهر أن القول بكاشفيتها من جهة الظنّ الناشئ من الغلبة لا يمكن الالتزام به.ثم إنه لا بد من تصوير الكشف الإحساسي في المقام، والكشف الإحساسي كما قلنا هو الانفعال النفسي كما في باب الاستصحاب، ومثل وجود المقتضى بوجود المقتضي، فإنّه لو تحقق المقتضي يرى الناس تمامية المقتضى، ولذا لو شرب واحد سماً يقولون بأنه مات ولا يعتنون بالمانع.ونحن لا نقول بقاعدة المقتضى والمانع كما قال بها بعض وأنها مما بني عليها العقلاء، بل نقول: إنّ الرؤية الإحساسية هكذا، ويرون المقتضى (بالفتح بوجود المقتضي، وهذا برؤية إحساسية.)والرؤية الإحساسية لها أنواع:منها: العلقة بين الاستيلاء الظاهري والملكية، فإنّ الملكية استيلاء وسيطرة قانونية، والاستيلاء له ربط مع الملكية بحيث يرونه رمزاً لها، بنحو المقتضي والمقتضى، ومرآة لها.ومنها: الكثرة في تقارن التصور، فبما أنّ الناس يرون أن من الأسباب الشرعية للملكية الحيازة، وكثيراً ما تحصل الملكية بالمعاطاة، وهي تقابض الطرفين، وقد يكون القبض دخيلاً في المعاملة كبيع الصرف والسلم والهدية، وأمثال ذلك، فبما أن هذا السنخ من الارتباط التصوري كثير، فينجر إلى التصديق بقانون أن التصورات المتكررة تتحول إلى التصديق، وهذه مسألة عرفية، والدعايات والتلقينيات من هذا القبيل.فإنّ الإنسان حينما يسمع أولاً أنّ الطبيب الفلاني حاذق لا يرتب عليه أثر، ثم إذا تكرر ذلك من أفراد مختلفة ينقدح في ذهنه أنّ هذا الطيب حاذق، ولا يحتمل الخلاف.
وفي المقام كاشفية من جهة الإحساس، إما من جهة العلقة بين الاستيلاء الظاهري والملكية، وإما من جهة كثرة التقارن في التصور.فتحصل : أن الرؤية العقلائية على قسمين: الرؤية الإدراكية، والرؤية الإحساسية.والرؤية الإدراكية مرتبطة بالإنسان بما أنه موجود منطقي لذا فإن اعتقاده بأمر يحتاج إلى ملاحظة الاحتمالات أو البرهان الذي يقتضي ثبوت المحمول أو نفي المحمول عن الموضوع، وسائر طرق تحصيل العلم، ومنها ملاحظة الاحتمالات.والعلم أو الاطمئنان أو الظنّ الحاصل من ملاحظة الاحتمالات مرتبط بجهة الإدراك وأنه بما هو موجود منطقي يلاحظ الاحتمالات، والعلم الذي يطلق في المنطق يراد منه الاحتمال المائة في المائة، كما أن الظن ما إذا كان الاحتمال في أحد الطرفين أقوى، والوهم ما إذا كان احتمال الطرف الآخر أضعف.وبما أنّ الإنسان موجود منطقي فإذا قلنا بأنّ اليد أمارة على الملكية فلا بد أن نقول بانّ أمارية اليد من باب المظنّة، والمظنّة من باب الغلبة، أي أنّ اليد المالكية أغلب من سائر الأيادي.وذكرنا أنه يرد عليه الإيرادان المتقدمان:الأول: عدم ثبوت الغلبة.والثاني: أنه على تقدير التسليم لابد من ملاحظة القطع في الغلبة لا ملاحظة المجموع، ومعه لا يمكن الحكم بأمارية اليد في كثير من الموارد.وفي قبال ذلك الرؤية التي عبرنا عنها بالرؤية الإحساسية والانفعالية، ومنشأ هذه الرؤية غالباً من الأمور التي لا وزن لها عند العقل، أي أنه لا تكون هذه الأمور منشأ للعلم والقطع أو الاطمئنان أو المظنة. إلّا أنّ الإنسان لا تكون معتقداته دائماً على وفق الإدراك، بل كثيراً ما تكون معتقداته من الرؤية الإحساسية، فإن الدعايات
والتلقينيات والحب والبغض وتقليد الآباء والأمهات وأمثال ذلك يكون دخيلاً في رؤيته للشيء على نحو.وقد ذكرنا أن الاستصحاب من هذا القبيل بحيث لا يمكنه إثبات أنه على ما كان على النحو المنطقي إلّا أنه بما رآه سابقاً على حالة خاصة وتأثر نفسياً منه، فبعد مرور زمان يحكم عليه بأنه على تلك الحالة.والظنّ الذي يطلق في القرآن غالباً وكذا في عبارات المتقدمين يراد منه ما لا يكون على وفق البرهان، وإن كان الاعتقاد جزمياً.وفي المقام الاستيلاء الخارجي بما أنّ له ترابط مع الملكية فهم يرون الاستيلاء أمارة على الملكية، فإنّ أساس الملكية من بدء الأمر كان هو الاستيلاء، فإنهم كانوا يطلقون كلمة الملك وأنّ هذا ملك فلان وذلك ملك فلان من جهة استيلاء كل واحد على ما كان يملكه، ولم يكن في بدء الأمر بين السيطرة الخارجية والملكية فرق، أي أنّ المعنى المادي وهو الاستيلاء الخارجي والمعنى الاعتباري وهو الملكية كانا مندمجين ثم فكك بينهما.وبما أنّ في بدء حصول الملكية كانت الملكية من جهة السيطرة، ومن جهة كثرة الترابط بين السيطرة والملكية، فهذان أوجبا الترابط بينهما في مرحلة التصور، وذكرنا أن الارتباط التصوري يتحول إلى الارتباط التصديقي، وهذا التصديق ليس تصديقاً عقلياً من قبيل البراهين ومن قبيل ملاحظة الاحتمالات، بل تصديق إحساسي أي أن يراه الإنسان مالكاً، ولذا لو نوقش فيه بأنه إذا حكم بأنّ فلان أغنى من فلان من جهة أن متاعه أكثر فإنّه من الممكن أن تكون الأمتعة الموجودة في دكانه مال الغير وهو وكيل عنه وأمثال ذلك فلا يكون له دليل لإثبات أنه ماله.ونحن لا نقول بأن الشارع قد أمضى كل رؤية، بل نقول إنّ الشارع قد أمضي بعض هذه المصلحة تقتضيها، كما أنّ الشارع قد أمضى الاستصحاب بلحاظ المصالح العامة، وكذا أمضى أمارية اليد على الملكية.
والمقصود من ذكر ذلك ثانياً توضيح ما تقدم وأنّ الأمر غير منحصر بالغلبة كما ذهب إليها جماعة. وهذا تمام الكلام في الجهة الأولى.### الجهة الثانية: في الروايات المستدل بها على حجية اليدوإنما نذكر الروايات لاستكشاف أمور ثلاثة، وهي:الأول: أنه هل اليد حجة من جهة عدم الردع فقط، أو أن الإمضاء الصريح قد صدر في الروايات؟ فإنّه لو دلت الروايات على حجية اليد، فيكون بناء العقلاء ممضى بإمضاء إثباتي، لا ممضى بعدم الردع فقط.الثاني: أنه هل المستظهر من الروايات أنّ اليد أمارة أو أنها أصل كما ذهب الشيخ إليه في الرواية الأولى التي سنذكرها حيث قال: (يستشعر منها أنّ اليد أصل.)الثالث: أنه هل يوجد في الروايات إطلاق يمكن التمسك به في كل مورد شككنا فيه في أمارية اليد للملكية عند العقلاء؟والروايات الواردة في المقام متعددة:منها: رواية حفص بن غياث، وهي مما رواه المشايخ الثلاث في الكتب الأربعة، وبين متن الفقيه والكافي ومتن التهذيب اختلاف، كما أنّ بين الكافي والفقيه أيضاً اختلاف، إلا أن الاختلاف بينهما يسير جداً.ففي الكافي (1طبع القديم: علي بن إبراهيم عن أبيه وعلي بن محمد القاساني جميعاً عن القاسم بن محمد بن يحيى عن سليمان بن داود المنقري عن حفص بن غياث عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قال له رجل: أرأيت إذا رأيت شيئاً في يدي رجل أيجوز لي أن أشهد أنه له؟ قال: «نعم»، قال الرجل: أشهد أنه في يده ولا أشهد أنه له فلعله لغيره، فقال له أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أفيحل الشراء منه»؟ قال: نعم، فقال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فلعله)
1) الكافي 7: 387.
لغيره، فمن أين جاز لك أن تشتريه ويصير ملكاً لك، ثم تقول بعد الملك: هو لي و تحلف عليه ولا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه من قبله إليك»، ثم قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ : «لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق».)وهذه هي الصورة المنقولة في الكافي والتهذيب مع اختلاف.وفي الفقيه (1منقولة بصورة أُخرى: (أرأيت إذا رأيت شيئاً في يدي رجل أيجوز لي أن أشهد أنه له؟ فقال: «نعم»، قلت)، فعلى ما في الفقيه يكون المستشكل هو حفص، وعلى ما في الكافي يكون المستشكل هو الرجل السائل.)وفي التهذيب (يد رجل بدل (يدي رجل) كما هو في الكافي والفقيه.)وقد استدل بها ولا سيما بالجملة الأخيرة: «لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق» على اليد، وأنه لو لم تكن اليد حجة لما قام للمسلمين سوق، وعليه يستفاد من الرواية أن اليد أمارة على الملكية مطلقاً.وفي هذه الرواية أبحاث ثلاثة:البحث الأول: في سندها وعلى فرض ضعفها هل هي منجبرة بعمل المشهور أو لا؟البحث الثاني: في فقه الحديث.البحث الثالث: في دلالتها على ما ذكروا.أما البحث الأول: فالمعروف والمشهور أنها ضعيفة سنداً، وعمدة الكلام في الوسائط الثلاثة الأخيرة في السند، وعمدتها قاسم بن محمد.أما حفص بن غياث فليس فيها بأيدينا توثيق بالنسبة إليه. نعم، استفاد بعض توثيقه مما ذكر في العدة من عمل الأصحاب بروايات جماعة من العامة ومنهم حفص بن غياث. وبعض ذهب إلى توثيقه من جهة أنّ له كتاب معتمد.
1) من لا يحضره الفقيه 3: 51.
وهذا كما ترى غير مفيد، فإنّ العامة ذكروا - كما في ميزان الاعتدال - أنه إن روي عن كتابه فلا بأس به، ونحن نقول بأنّ له كتاب معتمد إلّا أنه ليس لنا طريق لإثبات أن الرواية من كتابه.وعلى كل حال فليس في حفص كلام كثير، ويمكن القول باعتباره من جهة ما ذكر في العدة، أو من جهة إثبات أن الرواية من كتابه، مضافاً إلى أنه واقع في أسناد تفسير القمي.وأما سليمان بن داود المنقري، فقد وثقه النجاشي (1وقال: (ليس بالمتحقق بنا)، وضعفه ابن الغضائري (2)، وقال: (ضعيف جداً لا يلتفت إليه يوضع كثيراً على المهمات)، وتبعه العلامة وابن داود (3).)وهنا تقع المناقشة المشهورة في صحة نسبة الكتاب إلى ابن الغضائري، فإن نوقش في إسناد الكتاب إليه كما ناقش فيه جماعة من الأكابر، فيبقى توثيق النجاشي بلا معارض، لأنّ المفروض أنّ العلامة وابن داود قد تبعا ابن الغضائري، فيحكم بوثاقته مضافاً إلى وجوده في أسناد كامل الزيارات.وأما إذا قلنا بأنّ الكتاب له كما هو المختار فيكون ممن تعارض فيه الجرح والتعديل، فلا يمكن الاعتماد عليه، بل لا بد من التوقف.والعمدة قاسم بن محمد، الذي يروي عن سليمان، وتعيين قاسم بن محمد مشكل وتوثيقه أشكل، إلا أنه قد عينه السيد الخوئي ووثقه في مباني التكملة.وإنّما قلنا بأن تعيينه مشكل من جهة أنّ في بعض نسخ الكافي وكذا في مرآة العقول (4، والوسائل: (القاسم بن يحيى)، وفي بعض نسخ الكافي والتهذيب (5)بكلا)
طبعتيه القديمة والجديدة: (القاسم بن محمد وفي مشيخة الفقيه: (القاسم بن محمد الأصبهاني).)واختار السيد الخوئي في مباني التكملة (1أن يكون هو القاسم بن يحيى، وحمله على القاسم بن يحيى الراشدي الذي يروي عن جده، ووثقه بما أنه من رجال كامل الزيارات.)فإن تمّ ما ذكره من أنه القاسم بن يحيى، وقلنا بوثاقة رجال كامل الزيارات، يكون ما ذهب إليه تاماً، ولكن الظاهر أنه ليس هذا هو القاسم بن يحيى الراشدي، وذلك لعدم إمكان إثباته مع وجود هذه الاختلافات التي أشرنا إليها. ثم أنّ القاسم بن يحيى الراشدي كما أشرنا لا يروي إلا عن جده، وأمره مردد بين رجلين، فهو إما القاسم بن محمد الأصبهاني الذي لا طريق لإثبات توثيقه بل هو موهون، وإما القاسم بن محمد الجوهري، الذي قيل بأنه ثقة من جهة وجوده في أسناد كامل الزيارات، ومن وجهة نظرنا أنه ثقة لرواية ابن أبي عمير عنه، وعلى كل حال فهو القاسم بن محمد لا القاسم بن يحيى.وذهب السيد الخوئي (حفظه اللّه في كتابه المعجم أنه القاسم بن محمد لا القاسم بن يحيى، وعليه يكون ما ذكره في مباني التكملة منافياً لما ذكره في المعجم.)فتحصل: أن الراوي عن سليمان هو القاسم بن محمد، وهو مردد بين القاسم بن محمد الأصبهاني الموهون وبين القاسم بن محمد الجوهري الثقة، ولا تعين لأحدهما؛ إذ كلاهما يرويان عن سليمان بن داود المنقري، فالحكم بأنّ الرواية معتبرة سنداً غير صحيح على جميع المسالك.
1) مباني التكملة (موسوعة الإمام الخوئي) 41: 140.
والقول بحجيتها يبتني إما من جهة الانجبار - على فرض القول به - وإما من جهة ما ذكره صاحب المسالك - على ما في الجواهر - من أنّها موافقة للقوانين الشرعية.وقد ذكرنا سابقاً: أنّ الخبر الضعيف إذا كان مقروناً بشواهد الكتاب والسنة وكان على وفق القواعد يؤخذ به.وهل الرواية منجبرة بعمل الأصحاب أو لا؟ أو أنها هل تكون مقرونة بشواهد الكتاب والسنة أو لا ؟ وهذا ما يظهر من البحث في فقه الحديث.البحث الثاني: في فقه الحديثولا بد من التعرض للعبائر الواردة فيها والبحث عنها.العبارة الأولى: (قال له رجل: إذا رأيت شيئاً في يدي رجل يجوز لي أن أشهد أنه له؟ قال: «نعم».)والكلام في أنّ المشهور هل قالوا بذلك وأنه يجوز الشهادة بأنه له بمجرد كون المال بيده أو لا؟قال المحقق في الشرائع (1: (لا ريب أن المتصرف بالبناء والهدم والإجارة بغير منازع يشهد له بالملك المطلق. أما من في يده دار، فلا شبهة في جواز الشهادة له باليد. وهل يشهد له بالملك المطلق ؟ قيل: نعم، وهو المروي، وفيه إشكال).)ومراده من قوله: (وهو المروي، رواية حفص التي ذكرناها الآن، والإشكال ناشئ من جهة أنه لا بد وأن تكون الشهادة كما في الروايات على وفق العلم، «على مثلها فاشهد أو دع» (2)، ومجرد اليد مع عدم مقرونيتها بالتصرفات التي ذكرها المحقق وأمثالها لا توجب العلم بالملكية وجواز الشراء مسألة، وجواز الشهادة بأنه ملك له مسألة أخرى، وفوق مسألة الشراء منه.)
فعليه الشهادة بمجرد اليد لا اليد المؤكدة محل إشكال وتأمل بين الأكابر، والحال أن الرواية تدل على الجواز.ويمكن أن يجاب عنه بوجهين:الوجه الأول: ما مال إليه صاحب الجواهر في أوائل كلامه وموجود في مباني التكملة من حمل الشهادة على مجرد الإخبار لا الشهادة التي هي مورد الكلام في مبحث القضاء، وإحدى ركني القضاء «إنّما أقضي بينكم بالبينات والأيمان».فقد ذكر في مباني التكملة (1: (أنّ المراد بالشهادة هو جواز الإخبار عن كون شيء لصاحب اليد استناداً إلى يده لا الشهادة في مقام الترافع - ثم ذكر شواهد - ويؤكد ما ذكرنا من حمل الرواية على الإخبار لا على الشهادة في مقام الترافع ذيل المعتبرة، وهو قوله: «لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق» فإنّه ظاهر الدلالة على أنّ المراد أن يعامل ذو اليد معاملة المالك عملاً وقولاً).)لكن حمل الشهادة في الرواية على خصوص الإخبار لا وجه له.هذا مضافاً إلى أنّ هذا الوجه لا يتلائم مع البحث، فإنّ البحث في جواز الشهادة والحلف على طبق الأمارات، وقد ذكر في الرواية: «وتحلف عليه»، أي أن وزان الشهادة وزان الحلف، فكما لا بد من العلم في الشهادة كذلك لا بد من العلم في الحلف، فكيف يجوز الحلف ولا تجوز الشهادة، فمن هنا يعلم أن المراد بالشهادة ليست خصوص الإخبار، بل المراد بها الشهادة التي هي في وزان الحلف.الوجه الثاني: أنّ الرواية لا تدلّ على جواز الشهادة بمجرد اليد، فإنّ في نسخة الفقيه والكافي: (إذا رأيت شيئاً في يدي رجل، بصيغة التثنيه، وفي نسخة التهذيب (2): (في يد رجل)، فمن الممكن أن يقال بالفرق بين يدي ويد، وسنذكر تصريح الأدباء)
والمفسرين بأنّ التثنية تجيء للمبالغة، وقوله : (في يدي رجل للتأكيد، فيكون معناه: إذا رأيت شيئاً في يدي رجل، بمعنى أن عليه اليد الكاملة والمستقرة عليه، وعليه فتكون الرواية مرتبطة باليد المؤكدة التي أشير إليها في كلام المحقق في الشرائع، ولا تدلّ على جواز الشهادة بمجرد اليد.)وهكذا قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ : (قال: «نعم»)، فيمكن أن يقال إن هذه الرواية على خلاف الموازين، فإنّ الشهادة يعتبر فيها العلم، ومجرد قيام بينة أو سائر الحجج لا يوجب العلم ولا يكون مجوزاً للشهادة؛ لأنه كما قلنا أخذ في الشهادة العلم، والحال أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) حكم بجواز الشهادة بمجرد رؤية المال بيدي الرجل أنه له.)ولا يمكن لأدلة حجية الحجج إثبات قيام اليد وأمثاله مقام العلم الموضوعي، ولا سيما في الشهادة المأخوذة من الشهود.وقد قوى صاحب الجواهر هذه الجهة وأنه لا يمكن القول بذلك، أي بجواز الشهادة بمجرد اليد، بل ذكر في رد صاحب المسالك - الذي ذكر أنها موافقة للقوانين الشرعية - أنّها مخالفة للقوانين الشرعية، فقد قال (1: (ومن ذلك يعرف أنه لا وجه لما في المسالك من دعوى موافقة الخبر المزبور للقوانين الشرعية؛ إذ من المعلوم أنها تقتضي كون الشاهد لا يشهد إلّا بعلم وإلا على مثل الشمس ومثل الكف والفرض أنه يشهد بمشكوك فيه أو مظنون العدم).)وأساس هذا الوجه يتوقف على مقدمتين:المقدمة الأولى: أنّ اليد على قسمين : يد مؤكدة ويد غير مؤكدة، وهذا ما ذكره فقهاء العامة والخاصة، فذهبوا إلى جواز الشهادة في القسم الأول مستنداً إليها، إلّا أنّ عباراتهم مشوشة في تحديد حدود اليد المؤكدة، كما ذكر صاحب الجواهر، فقالوا بلزوم
1) جواهر الكلام 41: 145.
الاقتران بالتصرفات، وهل لا بدّ من تكرار التصرفات أو أن التصرفات في الجملة كافية، وأنه هل لا بد وأن تكون يده على المال مدة طويلة، أو تكفي المدة القصيرة؟ففي بدائع الصنائع - وهو في الفقه الحنفي - ذكر أنه لا بد وأن تكون اليد مقترنة بالتصرفات، ونقل عن أبي يوسف أنه لا بد وأن يقع في قلب الإنسان أنه ملك له.والغرض أنه لا إشكال في تقسيم الفقهاء اليد على قسمين، يد مؤكدة ويد غير مؤكدة، والحكم بجواز الشهادة على وفق اليد المؤكدة مما لا إشكال فيه بين العامة والخاصة. والشهادة على وفق اليد غير المؤكدة وأنه له محل إشكال.والمائز بين القسمين هو ما ذكره صاحب الجواهر في آخر كلامه بعنوان: (اللّهم إلا أن يقال ونحن قد أوضحناه في مبحث الطهارة ومبحث القضاء، وملخصه: أنّ ما يشهد به قد يكون أمراً تكوينياً وقد يكون اعتبارياً وقانونياً مثل الزوجية والملكية وأمثال ذلك.)فإذا كان المشهود به أمراً تكوينياً ومحسوساً بإحدى الحواس كالسمع والبصر وأشباهها، فلا إشكال في جواز الشهادة على وفق الحس.وأما إذا كان المشهود به أمراً اعتبارياً، فهذا إما مستند إلى السبب، أو إلى الطريق.والمراد من السبب هو العقود والإيقاعات، كما لو كان حاضراً في مجلس العقد، فيشهد أنّ هذه المرأة زوجة فلان من باب أن العقود والإيقاعات لها هو هوية مع الزوجية والملكية وأمثالها، أي أنّ العرف يرى ذلك مصداقاً للزوجية، ولا تعد شهادته شهادة من غير علم.كما أن المراد من الطريق ما يكون مساوقاً للسبب، أي أن العرف يرى الزوجية مثلاً مصداقاً له، كما إذا رأينا امرأة في بيت رجل وهو يتعامل معها معاملة الزوجة وله منها أولاد، فنحكم بأنها زوجة فلان وإن لم نكن حاضرين في مجلس عقدهما، والعرف يرى الاقتران بينهما مصداقاً للزوجية بحيث لا يعتني بالتشكيك في زوجيته، وبعبارة أخرى أن الطريق يكون بنحو ينتزع العقلاء منه الزوجية.
وهكذا البنوة، فإنّ من تولد في فراش شخص وتربى في حجره يتعامل معه معاملة الولد، فينتزع العقلاء من ذلك أنه ولد له وإن لم يعلموا حقيقة الأمر، فمن الممكن أن يكون ولد غيره، فالعقلاء لا يعتنون بمثل هذه الاحتمالات، وبتعبير صاحب الجواهر أنّ الطريق مولّد للنسبة العرفية، أي أنّ العرف يرى ذلك حقيقةً الزوجية أو البنوة.وهكذا السيطرة على المال مدة طويلة والتصرف فيه بأنواع التصرفات كالإجارة والبناء وأمثال ذلك من دون أن يكون له منازع ومن دون شاهد من أنه ولي أو وكيل وأمثال ذلك.فالعرف يرى مثل هذه السيطرة مصداقاً للملكية، ويرى هو هوية للطريق مع ذي الطريق بنحو لو قيل إنّي لا أعلم أنّ هذا البيت بيت فلان لرموه بالشذوذ وإن كان الأمر بحسب الواقع كما قال، أي أنه من الممكن أن لا يكون البيت بيتهم، إلا أنّ العقلاء يرون مثل هذه السيطرة على المال أنه ملك له، بحيث لو ألغى الشارع هذه الرؤية لم يكن إلغاء الشارع مانعاً من رؤيتهم، كما أنّ بعض الطوائف كانوا يرون الغارة من أسباب الملكية، فإذا حصلت الغارة واستبدوا بالملك واشترى أحد منهم شيئاً من الآخر يشتريه بعنوان أنه ملك له، فإن قيل له: إنّ الشارع قد ألغى ذلك وهي ليست سبباً للملك، فلا يكون إلغاء الشارع مانعاً من رؤيته أنه ملك له، إلا أنه يقول: إنّ الشارع قد ألغاه.والمقصود أن الطريق قد يكون محققاً للنسبة العرفية أو مصداقاً للنسبة العرفية، فإن كانت الشهادة على وفق هذا الطريق فليست الشهادة من قبيل ما يشك فيه أو يظنّ فيه، بل شهادة على وفق ما يكون احتمال الخلاف ملغى وغير معتنى به، فإنّهم يرون أنّ هذا ملك له أو زوجة له أو ولد له، وأمثال ذلك.
وقد لا يكون بين الطريق وذي الطريق هو هوية، كما إذا ثبتت ملكية شخص بالبينة أو بخبر الثقة، فإن شهد أحدٌ فإنما يشهد على وفق الأمارة، والعرف لا يرى النسبة محققة.وخلاصة الكلام: أن الطريق على قسمين:1 - ما يكون محققاً أو مصداقاً للنسبة العرفية.2 - وما لا يكون كذلك.فإن كان من القسم الأول، فلا إشكال في جواز الشهادة، وهذا هو المراد من اليد المؤكدة التي اختلف في تحديد حدودها وأنها بماذا تتحقق، وإن كان من القسم الثاني بأن كانت الشهادة مستندة إلى حجة شرعية أو بطريق عقلائي كخبر الثقة، ولا يرى العقلاء الطريق محققاً للنسبة العرفية، فلا تجوز الشهادة.المقدمة الثانية: أن رواية حفص نقلت في الكافي والفقيه: (إذا رأيت شيئاً في يدي رجل بصيغة التثنية.)ومنقولة في التهذيب: (إذا رأيت شيئاً في يد رجل بصيغة المفرد، ومفاد (يدي) و (يد) مختلف، فإن كان مفادهما متعدداً، فلا بدّ إما من ترجيح نسخة الكافي والفقيه، أو لا أقل من الترديد، فلا بد من الأخذ بالقدر المتيقن، وهو اليد المؤكدة.)ولتوضيح اختلافهما في المفاد نقول:بأن التثنية تدل على التأكيد، فإنّ المفسرين واللغويين قد ذكروا أن التثنية قد يؤتى بها للتأكيد والتشديد والتكثير، لا لمجرد الاثنينية، ونشير إلى بعض المصادر التي ذكرت ذلك.ففي مجمع البيان (1: (وإنما قال: (يداه) على التثنية، مبالغة).)وفي تفسير الرازي (2: أنّ المراد بالتثنية المبالغة في وصف النعمة).)
وكذا في تفسير التبيان (1: (والتثنية أشدّ مبالغة).)وهامش الكشاف (2و مجازات القرآن للسيد الرضي(3)وفي المنار (4)وفي تاج العروس (5): (لا يدين لك بهذا أي لا قوة لك به لم يحكه سيبويه إلا مثنى ومعنى التثنية هنا الجمع والتكثر)، وفي شرح ابن عقيل. وعليه، فالتثنية في مثل يدي وقوله تعالى: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) (6)لم يؤت بها لتدل على الإثنين، بل أتي بها للدلالة على المبالغة والتكثر.)فعلى نسخة الكافي والفقيه يكون المعنى هكذا إذا رأيت شيئاً بيد رجل وكان له كمال الاستيلاء عليه فهل يجوز لي أن أشهد أنه له أو لا؟ فقال: نعم.فالرواية تدلّ على جواز الشهادة على طبق اليد المؤكدة التي لا خلاف في جواز الشهادة على طبقها بين العامة والخاصة.ومع هذا الوجه لا نحتاج إلى التأويل الذي ذكره صاحب الجواهر واختاره السيد الخوئي.ونتيجة البحث: أنه إما أن يكون هذا المعنى هو المتعين، أو لا أقل من الترديد ولا بد من الأخذ بالقدر المتيقن، ولم يثبت كون هذه الجملة مخالفة للقوانين الشرعية، كما ذكر صاحب الجواهر رداً على صاحب المسالك، أو يقال بأن المشهور لم يعملوا بها، بل بعض الشواهد تدلّ أو تشير إلى أنّ بعض قدماء الأصحاب قد فهموا ذلك من
الرواية، فإنّه نقل صاحب الجواهر عن المبسوط من أن روايات أصحابنا تدل على جواز الشهادة على وفق اليد المؤكدة والمقرونة بالتصرفات.ثم يذكر صاحب الجواهر أنه لم يظفر برواية تدلّ على ذلك إلّا رواية حفص وهي تدل على جواز الشهادة على مطلق اليد فمن هنا يظهر أنه كان في أذهان القدماء ما ذكرنا ولو لم يُذكر في كلمات المتأخرين.العبارة الثانية: قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ في جواب إشكال السائل أو حفص: «أفيحل الشراء منه»؟ قال: نعم، فقال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) «فلعله لغيره من أين جاز لك أن تشتريه».)فلا بد من بيان هذه الجملة، إذ يرد عليها أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ استدل لجواز الشهادة على طبق اليد بحلية الشراء منه، والحال أنّ الشراء لا يتوقف على مالكيته للعين، بل متوقف على أن يكون مالكاً للتصرف، ومن المعلوم أن بين ملك العين وملك التصرف عموم من وجه، فإنّه من الممكن أن يكون مالكاً للعين والتصرف، ويمكن أن يكون مالكاً للتصرف دون العين كما في الأولياء والوكيل المفوض، ويمكن أن يكون مالكاً للعين دون التصرف كما في المحجور عليه، وعليه فلا يمكن الاستدلال بحلية الشراء لملكيته له.)ويمكن أن يجاب عن هذا الإيراد بوجهين:الوجه الأول: ما ذكره المحقق الاصفهاني من أن مورد هذه الرواية - بقرينة صدرها - هو أن من بيده المال يدعي الملكية، ولولا ذلك لما احتيج إلى الشهادة، فإذا كان مدعياً للملك، فهذا لا يتلائم مع كونه ولياً أو مأذوناً من قبل الغير.وعليه فقول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ يدل على المطلوب، ومعناه أنه هل يجوز لك أن تشتري من هذا الشخص الذي أنت تعترف بأنه ليس وكيلاً ولا مأذوناً وأمثال ذلك من قبل أحد؟ فأجاب: نعم، ومعنى ذلك أنه ملك له.)
الوجه الثاني : - الذي هو أقوى من الوجه الأول - هو أن الاستدلال ليس بخصوص الشراء، بل بمجموع جملة «من أين جاز لك أن تشتريه ويصير ملكاً لك ثمَّ تقول بعد الملك هو لي وتحلف عليه».ومعنى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ «من أين جاز لك أن تشتريه ويصير ملكاً لك»: أنك استبددت به و تصرفت فيه وسيطرت عليه لا الملكية العرفية، فهل لك أن تنسبه إلى نفسك بأن تقول هذا ملك لي و تحلف عليه، فأي فرق بين يدك المؤكدة - المفروض أنّ اليد يد مؤكدة إذ الملك بمعنى استبد - الموجبة لجواز الحلف وبين يد غيرك التي هي أيضاً كذلك، مع أن ملكيتك من متفرعات ملكيته.)وخلاصة المعنى: أنه هل يجوز الشراء منه وبعد ما دخل في ملكك وتصرفت فيه بأنواع التصرفات وبعد مدة طويلة إذا ادعيت أنه لك، هل يجوز لك أن تنسبه إلى نفسك - مع أنّ النسبة مأخوذ فيها القطع على نحو الموضوعية؛ إذ القول بغير علم لا يجوز - وتحلف عليه - والحلف أيضاً مأخوذ فيه القطع على نحو الموضوعية - فإذا جاز لك أن تنسبه إلى نفسك وتحلف عليه، فيجوز الشهادة بأنه ملك له.وهذا الذي ذكرناه لعله أوضح على نقل الفقيه، فإنّ مورد الاستشهاد في الفقيه هكذا: (قلت: فلعله لغيره، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ : «فمن أين جاز لك أن تشتريه ويصير ملكاً لك، ثم تقول بعد الملك: هو لي وتحلف عليه»).)وبما أن الملك قد تكرر نحمل هذا الملك على الملكية الخاصة، وسيأتي التعرض لها في رواية علي بن إبراهيم، قال الراغب (1: (فالملك ضبط الشيء المتصرف فيه بالحكم).)وفي القاموس (2وتاج العروس (3): (ملكه يملكه ملكاً احتواه قادراً على الاستبداد به، وملكه يملكه تملكاً استبد به) ومعنى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «تقول بعد الملك» أنه بعد ما دخل تحت سيطرتك من جميع الجهات بالتصرفات.)
وعلى هذا الوجه يدفع الإشكال المتقدم ويكون الاستدلال تاماً.العبارة الثالثة : قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق»، ويظهر من عبارة الشيخ في الفرائد (1)أنه استفاد أنّ اليد إذا لم تكن معتبرة لم يقم للمسلمين سوق، كما يشير إليه في قوله في ذيل رواية حفص الدالة على الحكم بالملكية على ما في يد المسلمين «إنه لولا ذلك لما قام للمسلمين سوق».)واستفادة ذلك - أي: أنّ الحكم بأنّ ما بيد المسلمين ملك لهم - من هذه الجملة مشكل، ؛ إذ مقتضى القاعدة في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق» أن يرجع الضمير إلى ما كان مورد البحث، وهو جواز الشهادة وعدمه على الملكية، فيكون المعنى هكذا: لو لم تجز الشهادة لم يقم للمسلمين سوق، ومن الواضح أن قيام السوق أجنبي عن جواز الشهادة، سواء قلنا بأن القيام بمعنى الرواج في مقابل الكساد، أو وجوده في مقابل تعطيله.)وإن قلنا: إن الضمير راجع إلى جميع الأحكام المترتبة على اليد حتى الشراء الذي كان المستشكل قائلاً بجوازه، وأنه لولا هذه الأمور لما قام للمسلين سوق، فهذا وإن كان له معنى محصل إلا أنه غير مناسب؛ لأنّ المستشكل كان يقول بجواز الشراء وإشكاله إنما كان بالنسبة إلى الشهادة.والظاهر أن المراد أنه لو لم تجز الشهادة على ملكية ذي اليد لاحتمال كونه ملكاً للغير، فلازم ذلك عدم جواز النسبة إلى النفس لو اشتراه وصار ملكاً له، وعدم جواز الحلف عليه.
1) فرائد الأصول 3: 350.
وبعبارة أخرى : كما أن عدم جواز الشهادة مبتن على أن اليد لا تقوم مقام القطع الموضوعي، إذ المفروض أن المأخوذ في الشهادة هو القطع الموضوعي، واليد أمارة، فكذلك أخذ القطع الموضوعي في النسبة والحلف يعني أنه لو تعلم بأنه ملك لك يجوز لك أن تنسبه إلى نفسك أو تحلف عليه، فإن كان احتمال أنه لغيره مانعاً من جواز الشهادة، فكذلك يكون مانعاً من جواز النسبة والحلف إذا اشتراه منه وصار ملكاً له.وعليه، فلا يمكن له إشهاد الغير بأنه ملك له، ولا يمكن له أن ينسب إلى نفسه ولا يمكن له الحلف. وعلى هذا لا يبقى للمسلمين سوق؛ وذلك:أولاً: يوجب تضعيف داعي البيع والشراء، فإنّ الإنسان يشتري شيئاً حتى يتمكن من أن ينسبه إلى نفسه، فلو كان بحيث لو قيل هذا الكتاب مثلاً لمن فلا يمكنه القول بأنه لي، وفي مثله لا يرغب الناس في الشراء، كما أنّ الذي يأخذ الثمن إذا لم يمكنه أن ينسبه إلى نفسه لا يرغب في البيع.وثانياً: يوجب أن لا تكون له حماية قانونية، فإنّه إن جاء أحد وأخذ من دكان شخص متاعاً وقال بأنه لي، فيكون الغاصب مدعياً، وعلى المشهور يعتبر في الدعوى المسموعة أن يكون الادعاء جزمياً. فلو قال: إنّي احتمل أن يكون ما أخذه ملكاً لي، فمثل هذه الدعوى غير مسموعة على المشهور، فلو ادعى أنه أخذه من الدكان قهراً، فهذه الدعوى وإن كانت جزمية إلّا أنه لا يمكنه إقامة البينة؛ إذ البيئة العادلة غالباً لا تكون موجودة.وكذا لو ادّعى أحد أنّ بعض الكتب الموجودة في هذا الدكان لي - مثلاً - فيكون ذو اليد مدعى عليه، وجواب المدعى عليه إما أن يكون بالإقرار أو بالإنكار، أو بقول لا أعلم ولست أدري، أو بالسكوت والمفروض أنه لو أقر بأنه له فهذا سبب لضياع ماله. ولا يمكنه الإنكار، وذلك لعدم جواز النسبة إلى نفسه من دون علم، ومع احتمال أنه لغيره فلا بد له إما أن يسكت أو يقول لست أدري، فإن سكت في قباله
فقد ذكر السيد اليزدي في ملحقات العروة (1: (إذا سكت المدعى عليه عن الجواب بعد مطالبته، فإن كان ذلك لعذر - إلى أن يقول - وإن كان لا لعذر ألزمه بالجواب أولاً بالرفق واللين، ثم بالشدة والغلظة متدرجاً من الأدنى إلى الأعلى على حسب مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن أجاب فهو وإن أصر على السكوت عناداً و لجاجاً، فعن جماعة أنه يحبس حتى يجيب وهو المحكي عن المفيد والشيخ في النهاية والخلاف والديلمي وابن حمزة ونسب إلى كافة المتأخرين، وقيل - وإن لم يعرف قائله - إنه يجبر عليه بالضرب والإهانة، وعن المبسوط والسرائر وبعض المتأخرين أنّ الحاكم يقول له ثلاثاً إن أجبت وإلا جعلتك ناكلاً ورددت اليمين على المدعي، فإن أصر رد اليمين على المدعي، بل عن المبسوط أنه الذي يقتضيه مذهبنا وعن السرائر أنه الصحيح من مذهبنا).)ونحن لسنا بصدد بيان الحكم الفقهي وبيان المختار، بل بصدد بيان أنه لو سكت ماذا يجري عليه؟ ويمكن أن يحلف المدعي ويأخذ ماله.وإن قال: لست أدري، فقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقيل بأنه لا بد له أن يحلف أو يرد القسم إلى الطرف المقابل، وقيل بأنه إذا قال: لست أدري يسأل عن الطرف المقابل أنه يدري أو لا يدري، فإن قال يدري يحلفونه على أنه لا يدري، ثم إذا حلف ذو اليد بأنه لا يدري اختلف في أنه هل تكون لمثل هذه اليد أمارية أو لا؟ذهب جماعة إلى أن مثل هذه اليد ليست لها أمارية، وعليه فرع صاحب المستند في المستند والعوائد بأنه يصبح المال مجهول المالك، وتصل النوبة إلى القرعة بينهما.إلّا أنا ذكرنا في مبحث القضاء بأنّ في هذا المورد يبقى المدعي بلا معارض، غايته يُحلف المدعي على ما ادعاه.وإنما ذكرنا ذلك مناقشة لما ذكروا.
1) تكملة العروة 2: 101-102.
وأما المختار فهو حجية يده حتى إذا قال لست أدري.والغرض من بيان هذه الأمور أنه لو لم تجز النسبة والحلف كيف يكون الأمر؟وقد ظهر مما ذكرنا أنه لم يكن للمشتري أو البائع حماية قانونية، وإذا لم تكن للسوق حماية قانونية، وهو دائماً في معرض السرقة والغارة، فمثل هذا السوق يتعطل لا محالة.البحث الثالث: في دلالتها على المدعى وعدمها.فعلى ما ذكرنا من أنّ هذه الرواية تدل على اعتبار اليد المؤكدة، فلا إطلاق فيها.نعم، بناءً على القول الآخر يمكن القول بأنها تدل على اعتبار اليد مطلقاً.وملخص الكلام فيها، أنها ضعيفة أولاً، ودلالتها على اعتبار اليد مطلقاً ضعيفة ثانياً، والأقوى أنها تدلّ على اعتبار اليد الموكدة.الرواية الثانية منقولة من مصدرين : تفسير علي بن إبراهيم القمي، وعلل الشرائع.ففي الوسائل(1: عن تفسير علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عثمان، عن عيسى وحماد بن عثمان، جميعاً عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث فدك: «أن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال لأبي بكر : أتحكم فينا بخلاف حكم اللّه تعالى في المسلمين؟ قال: لا، قال: فإن كان في يد المسلمين شيء يملكونه ادعيت أنا فيه من تسأل البينة، قال: إياك كنت أسأل البينة على ما تدعيه على المسلمين، قال: فإذا كان في يدي شيء فادعى فيه المسلمون تسألني البينة على ما في يدي وقد ملكته في حياة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وبعده ولم تسأل المؤمنين البينة على ما ادعوا علي كما سألتني البينة على ما ادعيت عليهم» الحديث.)
1) وسائل الشيعة 27: 293.
ورواها الصدوق في العلل(1مرسلاً : (عن أبيه عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عمن ذكره عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)).)وهذه الرواية مروية في الاحتجاج (2مرسلاً، إلّا أنّ العمدة المصدران المتقدمان، تفسير علي بن إبراهيم وعلل الشرائع.)وعلى تفسير علي بن إبراهيم لا مناقشة في السند إلّا أنه مع ذلك يمكن المناقشة في اعتبارها بلحاظ وجودها في هذا التفسير ؛ وذلك لعدم ثبوت كون هذا التفسير الذي بأيدينا لعلي بن إبراهيم القمي، وقد ذكرنا في البحث عن تحريف القرآن وعدمه عدم ثبوت هذا التفسير له.وقد ناقش جماعة في كون هذا الكتاب له منهم صاحب كشف القناع المحقق التستري، والظاهر أنه مجموعة جمعها أبو الفضل عباس بن محمد بن قاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر، وقد أخذ في أوائل الكتاب مقداراً من تفسير علي بن إبراهيم، ثم أضاف إليه مقداراً من تفسير زياد بن منذر أبي الجارود، ثم ذكر روايات عمن كانوا في طبقة علي بن إبراهيم وعن غيرهم من طبقة تلامذة علي بن إبراهيم، وفي أواخر الكتاب ذكر الروايات التي يروويها العامة عن ابن عباس، ويقل النقل عن علي بن إبراهيم في آخر الكتاب.وقد ذكر المحقق الآغا بزرك الطهراني في كتابه الذريعة في الجزء الرابع مباحثاً حول هذا الكتاب، ولا بد من التذكير بأنّ أبا الفضل هذا كان في طبقة الكليني وهو غير معنون في الرجال وحاله مجهول.نعم، هو معنون في كتب النسب، ومن هنا يعرف أن وجود شخص في أسناد هذا الكتاب لا يدل على وثاقته لجهالة الكتاب والكاتب مجهول.
وأما رواية العلل فهي مرسلة، إلّا أنّ إرسالها لا يكون مانعاً من اعتبارها، إذ المرسل هو ابن أبي عمير الذي لا يروي ولا يرسل إلا عن ثقة، ومراسيل ابن أبي عمير وإن اختلفوا فيها إلّا أنّ المختار هو حجيتها تبعاً للشيخ الطوسي، وخلافاً للمحقق في بعض كلماته.وعلى كل حال فالرواية معتبرة عندنا من جهة ابن أبي عمير، ومعتبرة عند جماعة من جهة تمامية سندها على ما في تفسير علي بن إبراهيم.وأما دلالتها على المدعى فيمكن أن يقال إنّها تدل على حجية اليد المؤكدة على ما في تفسير علي بن إبراهيم، وتدل على حجية اليد مطلقاً على ما في العلل، والسر فيه أنّ المذكور في التفسير: «فإن كان في يد المسلمين شيء يملكونه» أي شيء يستبدون به بالتصرف فيه، «وتسألني البينة على ما في يدي وقد ملكت» الى آخره.وفي البرهان نقلاً عن تفسير علي بن إبراهيم: «فما بال فاطمة سألتها البينة على ما في يديها وقد ملكته في حياة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وبعده» أي كان تحت سيطرة فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) في حياة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وبعده، فذكر كلمة «يملكونه» و«ملكته» تشير إلى اليد المؤكدة.)وأما على نسخة العلل فلا يوجد فيها كلمة (يملكونه و(ملكته).)وقد ذهب صاحب الرسائل إلى أنّ هذه الرواية تدل على أمارية اليد، وذلك بقرينة (يملكونه، وهذا كما ترى فإنّ كلمة (يملكونه) لا تدلّ على أمارية اليد، مضافاً إلى عدم وجودها في العلل.)وإن قيل: بأنّ الأمر يدور بين الزيادة والنقيصة، وأصالة عدم الغفلة عن الزيادة مقدمة على أصالة عدم النقيصة.قلنا: إنا قد ذكرنا سابقاً أنّ أصالة عدم الغفلة عن الزيادة ليست أصلاً عقلائياً حتى تقدم على أصالة عدم النقيصة.
الرواية الثالثة: وهي ما رواه الشيخ (1بسنده إلى علي بن الحسن الفضال. ففي الوسائل(2): علي بن حسن الفضال عن محمد بن الوليد عن يونس بن يعقوب عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في امرأة تموت قبل الرجل أو رجل قبل المرأة قال: «ما كان من متاع النساء فهو للمرأة وما كان من متاع الرجال والنساء فهو بينهما ومن استولى على شيء منه فهو له».)ولا بأس بها سنداً، فإنّ علي بن حسن الفضال ومحمد بن الوليد ويونس ثقات وإن كانوا فطحيين، إلّا أنّ الكلام في سند الشيخ إلى كتاب علي بن الحسن الفضال.والمشهور قالوا بضعف السند من جهة أنه في المشيخة والفهرست فيه علي بن محمد بن زبير القرشي وهو لم يوثق في كتب رجالنا، وإن كان يظهر من فهرست ابن النديم أنه من الأكابر وكان معروفاً بابن الكوفي.وقد أجيب عن ذلك بوجوه مذكورة في المعجم وغيره، ويمكن الجواب بوجه آخر وهو أن الشيخ يروي جميع مرويات ابن عقدة بسند صحيح، وحين يروي كتب علي بن الحسن الفضال ينقل أن ابن عقدة نقل تمامها.وعليه، يكون سند الشيخ إلى جميع كتب علي بن الحسن الفضال صحيحاً من طريق ابن عقدة، وطرق أخر أيضاً موجودة لتصحيح السند إليه، إلا أنه لا حاجة لذكرها.وأما دلالتها فهي مشتملة على جمل ثلاث كلها مرتبطة بالمقام :قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «من استولى على شيء منه فهو له» فمعناه إن كان الرجل أو المرأة مستولياً على شيء بحيث لا يكون غيره مشتركاً معه، فهو ماله سواءٌ كان من متاع الرجل أم المرأة.)
فيظهر من هذه الجملة أنّ اليد غير المشتركة حجة، وهذا وإن كان من قبيل الإفتاء، إلا أنه يمكن التعدي منه إلى غيره للقطع بعدم خصوصية المورد.وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «وما كان من متاع الرجال والنساء فهو بينهما» فمعناه أنه إذا كان متاع يعد متاعاً للرجال والنساء، والمفروض أنه كان في يد كليهما ولم يكن أحدهما مستولياً دون الآخر فهو بينهما.)وأما قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «ما كان من متاع النساء فهو للمرأة»، فهذه مسألة مختلف فيها بين فقهاء العامة والخاصة، وفي الروايات، ومرجعه بحسب الظاهر إلى أن اليد التي للشخص على شيء يعتبر فيها المناسبة، فلو كان شخصان ذوا يد بالنسبة إلى شيء، وكان هذا الشيء مناسباً لأحدهما دون الآخر، فلا بد من الحكم - بحسب هذه الرواية - بأن هذا المال لمن يناسبه دون الآخر، وهذا الحكم كان مشهوراً بين العامة والخاصة، ويشبه هذا القول ما نقله الشافعي عن إبراهيم النخعي الذي هو استاذ استاذ أبي حنيفة.)وأشكل على هذا القول بأنه لا يمكن جعل المعيار هو التناسب، وإلا لو قلنا به لزم القول به فيما إذا كان المال مشتركاً بين رجلين، كما إذا كان بيت لأخوين أحدهما فقير والآخر غني، فيحكم بأن البيت للغني لا للفقير، وتحرير هذه المسألة وتأويلها في المبحث الآتي إن شاء اللّه تعالى.الرواية الرابعة : رواية مسعدة بن صدقة، وقد استدل بها النراقي في المستند والسيد اليزدي في ملحقات العروة، وهذه الرواية هي التي يستدل بها للبراءة ومن أدلة أصالة الحل، إلا أنهما استدلا بها لليد، ولم نر لهما تقريباً للاستدلال.والرواية مروية في الكافي (1عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن هارون بن مسلم، وفي التهذيب (2)عن علي عن هارون، وكلاهما ممكن؛ إذ (علي) قد يروي بواسطة أبيه)
عن هارون وقد يروي بلا واسطة أبيه - عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ قال: سمعته يقول: «كل شيء هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة والمملوك عندك لعله حر قد باع نفسه أو خدع فبيع قهراً أو امرأة تحتك وهي اختك أو رضيعتك والأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة».)والبحث فيها من جهتين:الجهة الأولى من جهة السند، وأنها معتبرة من حيث السند أو لا؟الجهة الثانية: في مفادها.اما الجهة الأولى فنقول: إنّ الاشكال فيها من جهة مسعدة بن صدقة، فإنه لم يوثق، وتوثيقه ممكن من جهة وجوده في أسناد كامل الزيارات، وفي أسناد تفسير علي بن ابراهيم القمي، إلا أنّ هذا محل تأمل واشكال.ويمكن توثيقه بما ذكره والد المجلسي من أنه يظهر من مجموع رواياته أنه ثقة، فإن من تتبع رواياته يرى استحكامها وتطابقها مع رواية الثقات، والاستحكام والتطابق مع روايات الثقات وسيلة ودليل على الوثاقة، وذكر أن رواياته أوثق وأكثر استحكاماً من رواية الأجلاء كجميل وحريز.وهذا الطريق لإثبات الوثاقة حسن لو تم ذلك، أي استيفاء جميع رواياته، وهذا الطريق هو المتبع قديماً وحديثاً، فإننا نحكم بوثاقة شخص من ملاحظة مجموع أخباره وموافقتها للواقع وسائر الأخبار من الثقات.لكن تختلف الأنظار في مطابقة رواياته للواقع، فقد تكون رواية مطابقة للواقع بنظر شخص ولا تكون مطابقة للواقع بنظر شخص آخر، فمن باب المثال ما ذكر في لقاء سعد بن عبد اللّه للإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ فذكر الشهيد الثاني أن علائم الكذب)
والوضع مشهودة في هذه الرواية والمجلسي والمامقاني وأمثالهما ذهبوا إلى أن متنها يدلّ على صدقها.وكيفما كان، فلو فرض التتبع والبحث عن رواياته وكانت - كما قيل - سديدة ومتينة فلا بأس بالحكم بوثاقته من هذه الجهة.ونحن بالمقدار الذي راجعنا وجدنا أن أكثر رواياته حسن ولا بأس بها، وبعض رواياته الأمر فيها ليس واضحاً.وأما الجهة الثانية: فيقال إنّ هذه الرواية في بدء النظر يستفاد منها أصالة الحل، إلا أنه يمكن تقريب الرواية بنحو يمكن استفادة قاعدة اليد منها بأن يقال: لو كنا نحن وجملة: «كل شيء هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام» أمكن استفادة أصالة الحل منها، ومرجع أصالة الحل على ما ذكروا (بأنّ كل شيء مشكوك الحلية والحرمة محكوم بالحلية؛ وذلك لأنّ (هو) ضمير فصل، وضمير الفصل عادة يقع بين المبتدأ والخبر أو ما في حكمهما بلحاظ التأكيد، و (كل شيء) مبتدأ و (حلال) خبره، و(لك) جار ومجرور متعلق بحلال، ومن قبيل الظروف التي تدلّ على معناها الأصلية ومتعلقة بفعل غير مقدر ومعناها : كل شيء مشكوك الحلية والحرمة هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام.)إلا أن في قبال ذلك معنى آخر واحتمال آخر، وهو أن تكون جملة (هو لك حلال جملة خبرية جيء بها نعتاً للشيء، ومرجعها إلى أنّ كل شيء هو لك حلال، و(لك) جار ومجرور متعلق بمحذوف هو مستقر أو كائن، ويكون بمعنى (عند) ومن قبيل الظروف، وعليه تدلّ الرواية على قاعدة اليد.)وهذا المعنى وإن كان خلاف الظاهر، إلا أنّ ما يوجب تقويته هو ضعف المعنى الأول من ناحتين:
الأولى: أنه على المعنى الأول لابد وأن يؤخذ الموضوع (كل شيء مشكوك الحرمة والحلية؛ إذ الأصل مأخوذ في موضوعه الشكّ، وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «حتى تعلم أنه حرام» شاهد على أن الموضوع مشكوك الحلية والحرمة.)والحال أنّ (كل شيء حكم عليه بحليته إلى زمان حصول المغيا وهو العلم بالحرمة، فمن جهة أنّ العلم بالحرمة أخذ غاية لابد وأن يكون الموضوع كل شيء لا تعرف حرمته ولا حليته هو لك حلال، وهذا يحتاج إلى مؤونة زائدة ونوع من ارتكاب خلاف الظاهر.)وأما على المعنى الثاني فلا نحتاج فيه للتقدير ؛ اذ في موارد الأمارات لا يقيد بالشك في موارد الإثبات، فإنّه لا يقال خبر الثقة عند الشكّ حجة.الناحية الثانية : أنه ذكر في هذه الرواية أمثلة، وهذه الأمثلة بناءً على المعنى الأول لا تكون من تطبيق الكبرى على الصغرى، بل تكون من باب التنظير، والحال أنّ الظاهر في المثال الذي يذكر بعد بيان الكبرى أن يكون من باب التطبيق.فإنه على المعنى الأول وحمل الرواية على أصالة الحل، لا تكون الأمثلة أمثلة لأصالة الحل، إذ أخذ الشكّ في موضوع أصالة الحل كما في كل أصل، ومع وجود الأمارة - سواء كانت على الوفاق أم على الخلاف - يرتفع موضوع الأصل، ولذا يقال لا تصل النوبة إلى الأصل إذا كانت هناك أمارة.وفي هذه الأمثلة الأمارة أو الأصل الموضوعي يدل على الحلية، وعلى هذا فلا يمكن تطبيق أصالة الحل على هذه الأمثلة، فإن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ «وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة» فهنا الحكم بالحلية ليس من أجل أصالة الحل، بل إما من جهة ثبوت يده عليه فعلاً، فيقال بأنّ يده على هذا المال أمارة ملكيته، وإن تنزلنا عن ذلك فنقول بأنه له من جهة أصالة الصحة في الشراء - بناء على جريانها حتى في موارد الشكّ في أهلية الفاعل كما قلنا بذلك - وإن لم يمكن ذلك نتمسك بيد البائع)
ومع وجود أحد هذه الأمور لا تصل النوبة إلى أصالة الحل، ولا يمكن أن يكون هذا المثال مثالاً لأصالة الحل.وهكذا المثال الثاني «والمملوك عندك لعله حر قد باع نفسه أو خدع فبيع قهراً» فهنا مملوكيته إما مستندة إلى يد نفسه أو باصالة الصحة في البيع - بناء على أن يكون البيع هو الايجاب فقط - أو بيد البائع.وهكذا المثال الثالث أو امراة تحتك وهي أختك أو رضيعتك» ففيما إذا احتمل الإنسان أن زوجته اخته أو رضيعته يكون هذا الاحتمال مدفوعاً إما بيده عليها أو بأصالة الصحة في النكاح، أو بأصالة العدم الأزلي في النسب، أو باستصحاب العدم النعتي في الرضاع.والفرق بين استصحاب العدم الأزلي والنعتي هو أن في استصحاب العدم النعتي الموضوع موجود، إلا أنه فاقد للنعت، فإن من أول تولده لم يتحقق الرضاع المحرم، وفي العدم الأزلي الموضوع غير موجود من الأول وإلا فبعد وجوده إما أن تكون اخته أو ليست بأخته.فظهر أن في جميع الأمثلة المذكورة في الرواية إما أن تجري الأمارة أو الأصل الذي هو مقدم على أصالة الحل، فعلى القول بأنّ الرواية مرتبطة بأصالة الحل لابد من القول بأن الامثلة ذكرت للتنظير لا لبيان الصغرى، إلا أنّ الالتزام بذلك بعيد، وهذا بخلاف المعنى الثاني، فإنّ الامثلة تكون أمثلة للكبرى.وملخص الكلام: أنّ المعنى الأول وإن كان هو الظاهر، إلا أنه لابد من رفع اليد عنه للزوم ارتكاب أمرين، وكلاهما خلاف الظاهر، أحدهما تقدير (مشكوك الحلية والحرمة، وثانيهما الالتزام بأن الأمثلة من باب التنظير، وتحفظاً للظهورين لابد من حمل الرواية على قاعدة اليد.)وهذا التقريب مخدوش من جهتين :
الجهة الأولى: أنّ الشاهد الثاني لا يتلائم مع المعنى الثاني أيضاً، فإن الحكم بالحلية في جميع الأمثلة ليس مستنداً إلى اليد الفعلية عليه، بل إما من جهة أصالة الصحة في الشراء، أو من جهة يد البائع، أو من جهة الاستصحاب العدم الأزلي أو النعتي، ولا يستفاد من الرواية أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ حكم بأنه له من جهة يده عليه، فتطبيق الكبرى على الصغرى لم يحفظ على كلا المعنين.)الجهة الثانية: أنّ هذا المعنى خلاف الظاهر كما هو معترف به.ويمكن أن يقال لدفع كلا الاشكالين بالالتزام بمعنى ثالث، وهو أن يقال: إنّ قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «كل شيء هو لك حلال» إلى آخره يدل على أن الحرمة التي هي أحد الأحكام الالزامية لا أثر لها إلا بعد وصولها وتنجزها بالعلم، وبعبارة أخرى: إن الحكم الالزامي ما لم ينكشف لم يكن له أثر، ولذا لا تصح العقوبة على مخالفته، فهو وإن كان حكماً الزامياً في الواقع إلا أنه غير مكشوف، لا بالعلم الوجداني ولا بالعلم التعبدي، فهذا الحكم وجوده كأن لم يكن أي ليس قابلاً ولائقاً للتحريك أو الزجر.)وخلاصة القول: أن الأحكام لا تصل إلى مرحلة الفاعلية والتنجز إلا إذا كانت مكشوفة، ولا يترتب عليها الخاصية المترقبة منها.ونضيف إليه: أنّ الحكم بالحرمة إذا لم يكن معلوماً فلا ينجز، سواء كان مشكوكاً فيه أم مظنوناً أم كان قاطعاً بضده أي كان قاطعاً بأنه حلال، ففي جميع هذه الموارد لا يصل الحكم بالحرمة إلى مرحلة التنجز، وعليه يكون معنى الرواية: (كل شيء هو لك حلال. والحلية معناها رفع عقدة الحظر، أي أنه منزل منزلة الحلال إلى زمان العلم بالحرمة، سواء كنت قاطعاً بأنه حلال أم كنت شاكاً أم ظاناً.)والمقصود أن السترة مادامت موجودة فهو لك بمنزلة الحلال، وعليه لا يلزم المحذوران المتقدمان، وهذا المعنى يتلائم مع وجود الأمارة الدالة على الحلية؛ إذ المفروض أنّ الغاية هي العلم بالحرمة أو الأمارة التي تقوم مقام العلم بالحرمة كالبينة، فما دام لم يحصل علم على الحرمة أو لم تقم بينة على الحرمة كل شيء لك حلال وإن كان
هنا أمارة أو أصل يدل على الحلية، فتجري أصالة الحل بهذا المعنى، وكذلك تجري الأمارة أو الأصل الآخر الدال على الحلية.وعليه فقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «وذلك مثل الثوب» إلى آخره، يكون من مصاديق كل شيء لك حلال، وأصالة الحل بهذا المعنى تجتمع مع الأمارة على الحلية، وما قيل : من أنّ الأمارة وبعض الأصول مقدمة على أصالة الحل، إنّما يكون صحيحاً في مورد اختلاف المفاد، وأما مع الاتحاد فلا، بل كلاهما جاریان، ولذا نرى قدماء الأصحاب يستدلون بالأمارة والأصل في صورة التوافق.)فظهر أنّ الاستدلال بهذه الرواية لليد بلا وجه وإن استدل بها صاحب المستند والسيد اليزدي في ملحقات العروة.الرواية الخامسة: صحيحة العيص بن القاسم عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ، قال: سألته عن مملوك ادعى أنه حر ولم يأت ببينة على ذلك اشتريه؟ قال: «نعم» (1)، وهذه الرواية تدل في الجملة على اليد في مورد المملوك.)الرواية السادسة: رواية حمزة بن حمران، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ : ادخل السوق وأريد أشتري جارية فتقول: إني حرة، فقال: «اشترها إلا أن يكون لها بينة» (2)، وهذه الرواية أيضاً دالة على اليد في الجملة.)ولابد من الإشارة إلى أنّ السؤال عن العبد والأمة في هذه الروايات من أجل أنّ الكوفيين كأبي حنيفة واتباعه كأبي يوسف ذهبوا إلى أنّ اليد حجة بالنسبة إلى الجمادات والأطفال غير المميزين، وأما إذا كان كبيراً أو كبيرة فيده مقدمة على يد غيره ويُسمع قوله.
وقد نقل ذلك في بدائع الصنائع: (وقال كل شيء في يد إنسان سوى العبد والأمة يسعك أن تشهد أنه له، واستثنى العبد والأمة، فيقضى أن لا تحل له الشهادة بالملك لصاحب اليد فيهما، إلا إذا أقرا بأنفسهما، وإنما أراد به العبد الذي يكون له في نفسه يد بأن كان كبيراً يعبر عن نفسه، وكذا الأمة؛ لأنّ الكبير في يد نفسه ظاهر؛ إذ الأصل هو الحرية في بني آدم والرق عارض (1).)### الجهة الثالثة: في حدود اليد وثبوتها.قد تقدم أنه لا إشكال في أمارية اليد بالنسبة إلى الأعيان، والكلام في أماريتها بالنسبة إلى المنافع أو لا؟ذكر المحقق النراقي في القواعد والمستند بأنه لم يصرح بعموم اليد وشمولها بالنسبة إلى المنافع، واختار بأن اليد بالنسبة إلى المنافع لا أمارية لها، والمتأخرون عنه قد تعرضوا لكلامه كالسيد اليزدي في ملحقات العروة والمحقق الأصفهاني في رسالة اليد.والكلام فعلاً في تقريب كلام المحقق النراقي، وكلامه في العوائد والمستند واحد، إلا أنه غير مرتب، ونحن نذكر كلامه مرتباً مع توضيح منا فنقول:إنكاره لأمارية اليد بالنسبة إلى المنافع وحجيتها مرجعه إلى جهتين:الجهة الأولى: المناقشة الثبوتية.والجهة الثانية : المناقشة الإثباتية في دلالة الروايات وبناء العقلاء.أما المناقشة الثبوتية فمرجعها إلى أنّ متعلق اليد لابد وأن يكون أمراً موجوداً، إذ اليد بمعنى الاستيلاء، والاستيلاء على الشيء المعدوم لا معنى له، والمنافع من الأمور المتدرجة الوجود، وبتعبير آخر غير قار الذات، فمنفعة الدار قابليتها للسكنى ومنفعة
1) بدائع الصنائع 6: 267.
الفرس قابليته للركوب، وأمثال ذلك متدرجة الوجود، ولا يتحقق جميعها في آن واحد كالأعيان، فبالنسبة إلى ما مضى من المنافع وما هو موجود الآن يمكن القول بأنه كان يده عليها، وأما بالنسبة إلى المنافع الآتية فلا يمكن أن تكون اليد أمارة بالنسبة إليها. وكيف يعقل أن يقال هذا الشخص مستول بالنسبة إلى المنافع الآتية؟وقد ذكر شبيه ذلك في بعض مباحثه، فإنه ذكر في بعض العوائد بأن ملكية الشيء الذي ليس بموجود في الخارج غير معقولة، إلا أن يكون هناك تعبد، ولذا قال بأن صحة بيع النسيئة وبيع السلم على خلاف القاعدة، وإنما نقول بها من جهة التعبد.وكأنه يرى الملكية من قبيل الأعراض بالنسبة إلى موصوفها، فكما أن وجودها متوقف على وجود الموصوف كذلك الملكية.وأمّا المناقشة الإثباتية فقد ناقش في إطلاق الروايات بالنسبة إلى المنافع وفي بناء العقلاء.أما بالنسبة إلى الروايات فقد تعرض للروايات السابقة وناقش في إطلاقها وفي إطلاق غيرها، وذكر بأن الدال منها إنّما هي رواية فدك، وأجاب بأن هذه الرواية أيضاً منصرفة إلى الأعيان لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ : «شيء يملكونه».)وذكر بأنه : نعم هنا رواية أخرى تُوهم بأن المنافع والانتفاعات مورد لليد، وعبر عنها بخبر رحى. وهي: عن محمد بن يحيى (العطار، عن محمد بن الحسين (بن أبي الخطاب قال : كتبت إلى أبي محمد (عَلَيهِ السَّلَامُ): رجل كانت له رحى على نهر قرية والقرية لرجل، فأراد صاحب القرية أن يسوق إلى قريته الماء في غير هذا النهر ويعطل هذه الرحى، أ له ذلك أم لا ؟ فوقع (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يتقى اللّه ويعمل في ذلك بالمعروف ولا يضر أخاه المؤمن» (1).)
1) وسائل الشيعة 17 : 342.
وهذه الرواية تدل على أن يده على الماء من حيث إنه كان ينتفع به دالة على أن له حق الانتفاع، فذكر أنه في خصوص المورد نلتزم بأن له حق الانتفاع، مع أنه يمكن القول بأن عدم جواز سد الماء ليس من جهة اليد، بل من الخبر وقاعدة الضرر.وأما بالنسبة إلى بناء العقلاء، فقد قال في العوائد : (وأما ما قد يدعى من ظهور اليد في الملكية، وهو حاصل في المنافع أيضاً، ففيه - بعد تسليم اليد فيها - منع حجية ذلك الظهور أولاً، ومنع الظهور ثانياً، فإنه لو سلم فإنما هو في الأعيان مع التصرفات الملكية، وأما في المنافع التي أعيانها ملك الغير فلا؛ لشيوع مشاهدة الناس متصرفين في كثير من المنافع من غير تحقق جهة اللزوم والملكية، فيحمل الجار على حائط جاره أو المشترك وينصب الميازيب على داره أو ملكه ويطرح الثلج، ويضع خشب السقف على حائطه، ويجري الماء من داره إلى داره، أو ماؤه إلى داره، ويستعمل المسلمون بشاهد الحال بعضهم ماء بعض ويجرون مياههم في دورهم وقد يغيرون مواضع الجريان في كل عام، ويبنون الحياض الكبيرة المجددة، إلى غير ذلك، بل يمكن ادعاء ظهور عدم الملكية في أمثال ذلك وابتناء الأمر أولاً على المسامحة أو شاهد الحال (1).)هذا تمام الكلام في تقريب كلام المحقق النراقي.أما ما ذكره من المناقشة الثبوتية فيمكن الجواب عنه بوجهين:الوجه الأول: ما يستفاد من كلمات المحقق الأصفهاني وهو أنه لا وجه لانكار موجودية المنافع؛ إذ المنافع وإن لم تكن موجودة بالوجود بالأصالة كالأعيان، إلا أنها موجودة بوجود العين بالتبع؛ إذ المراد بالمنافع في محل البحث هو الحيثيات القائمة بالعين، والعين لها قابلية بالنسبة إلى تلك المنافع، فمثلاً منافع الدار عبارة عن قابليتها للمسكونية، وحيثية المسكونية منفعة قائمة بالدار، وكذا المركوبية بالنسبة للفرس، وهذه المنافع موجودة بوجود العين وبالتبع، واليد إنما تكون عليها بالتبع، فإن اليد
1) عوائد الأيام: 746، مستند الشيعة 17: 343.
ابتداءً على العين وثانياً وبالعرض تكون على المنافع - وهذا نظير ما ذكره المحقق الخراساني في الكفاية من وجوب المقدمة بوجوب ذي المقدمة بالتبع - والوجود بالتبع في مقابل الوجود بالعرض، إذ الوجود بالعرض عبارة عن كون الموجود شيئاً آخر، إلا أنه ينسب إلى شيء آخر بالعرض والمجاز، وهذا لا يترتب عليه أثر، وأما الموجود بالتبع فهو ما يكون موجوداً، إلا أن وجوده تابع لوجود شيء آخر، والمنافع با أنها حيثيات قائمة بالعين فلذا تكون موجودة بوجود العين من قبيل وجود المقبول بوجود القابل ووجود المقتضى بوجود المقتضي، فإن المقتضی موجود بوجود مقتضیه.وملخص هذا الوجه أنه لو أنكر المحقق النراقي الوجود بالأصالة للمنافع فهذا صحيح، وأما إذا أراد إنكار الوجود بالتبع فهذا غير صحيح؛ وذلك لأنها حيثيات قائمة بالعين، فالمالك للشيء مالك لمنافعه بالتبع، والمستولي على العين مستول على المنافع بالتبع، فالمنافع لها وجود، وعليه فالاستيلاء بالنسبة إلى المنافع أمر معقول. ويمكن أن يقال في الجواب عن المحقق الأصفهاني بأنّ الوجود على أقسام ثلاثة: الوجود العيني، وهذا كالأشياء الموجودة في الخارج.والوجود الذمي، بمعنى ما يكون في ذمة شخص، مثل الثمن في النسيئة والمثمن في بيع السلم، فهذا الثمن أو المثمن موجود في الذمة.والوجود التقديري، وهو كالمنافع.أما الوجود الذمي فلا بد وأن نذكر أنّ الذمة وعاء من الأوعية يعتبرها العقلاء لأفراد خاصة، أي لمن كان قابلاً للتملك، والذمة عبارة عن ما يعتبرها العقلاء لمن كان إما بالفعل مالكاً لما يعادله أو بالقوة، ومصحح هذا الاعتبار مالكيته للتطبيق في الخارج، فإن العقلاء لا يعتبرون الذمة لمن لا يتمكن من أداء الثمن أو المثمن أصلاً، والذمة محتاجة إلى الرصيد، فهذا الرصيد قد يكون رصيداً فعلياً أو بالقوة من قبيل الأوراق التي يعتبر لها مالية، ومن المعلوم أنّ هذه الأوراق بما أنها أوراق لا قيمة لها
وقيمتها مكتسبة من الرصيد الموجود في البنك أو مكتسبة من المعادن التي تمكن الحكومة من اعتبار هذه الأوراق.والمقصود أن الكلي الذمي أمر موجود، إلا أنه دائر مدار الاعتبار، بمعنى أنه لا بد من التمليك حتى يوجد، بمعنى أنّ الإنسان لا يملك عشرة آلاف دينار في ذمته حتى يقول بأني اشتريت هذه الدار بعشرة آلاف دينار في ذمتي، بل بالتمليك به في وعاء اعتبار الملكية يوجد عشرة آلاف دينار، وغير لازم أن يكون الإنسان أولاً مالكاً للشيء ثم يبيع أو يشتري، أي يملكه للغير، بل له حق التمليك في ذمته، فإذا ملك يكون الطرف المقابل مالكاً في ذمته، ومصحح هذا الاعتبار كما قلنا وجود ما يعادل ذلك إما بالفعل أو بالقوة، وبهذا يظهر الجواب عما ذكره في النسيئة والسلم، وليست الملكية من عوارض الموجود الخارجي التي لا بد وأن يكون موصوفها موجوداً في الخارج، بل يكفي كونه موجوداً في الذمة.وأما الوجود التقديري فهو على قسمين:القسم الأول: ما يكون اعتبارياً ومن قبيل المجاز، وهذا لا يترتب عليه الأثر القانوني.القسم الثاني: ما يكون معتبراً قانوناً.وإنما يترتب الأثر على الوجود التقديري في موردين وفي محل البحث لا يوجد ضابط للموردين، فإنّ الوجود التقديري يحتاج إلى منشأ - كما قلنا إن الوجود الذمي يحتاج إلى مصحح - ومنشأ ومصحح الوجود التقديري أحد أمرين:الأول: العقد، كعقد الإجارة وما يلحق به فإنّه إذا آجر داره للغير لمدة سنة تكون منافع الدار لمدة سنة للغير، فهذه المنفعة موجودة بوجود تقديري وبتبع الوجود الإنشائي.الثاني: التفويت، فإنّه لو فوت شخص منافع دار شخص يحكم عليه بالضمان ويقدر وجود المنافع، وهكذا في عمل الحر الكسوب، وفي سائر الأشياء.
ولا أثر قانوني للوجود التقديري بدون أحد هذين السببين، وإطلاق الوجود التقديري في غير هذين الموردين يكون مجازياً.وإنما ذكرنا ذلك من أجل ما في ألسنة بعض الفقهاء من أنّ الإنسان كما أنه مالك للعين كذلك مالك للمنافع، بل ذكر بعضهم أنه مالك للمنافع المتضادة، أي أنه مالك لأنواع المنافع.وقد ظهر مما ذكرنا أن العقلاء لايرون مالك العين مالكاً للمنافع، بمعنى أنهم عند عدهم لما يملكه لا يعدون منافع الدار مثلاً في قبال نفس الدار، نعم له حق الانتفاع وحق تمليك المنافع، وليس كل من له حق التمليك يكون مالكاً له، ولذا قلنا في الكلي الذمي إنه له حق التمليك، إلا أنه ليس بمالك في ذمته شيئاً، وكذا الحر الكسوب، فإنّ له أن يؤجّر نفسه لمدة شهر، إلا أنه ليس مالكاً لعمله فعلاً، وما قيل من أن الحر مالك لأعماله بالملكية الذاتية ليس له معنى محصل، نعم، الحر مالك لأن يملك عمله للغير، فإذا ملك عمله للغير يكون الغير مالكاً لعمله.فظهر بما ذكرنا أن الجواب الذي ذكره المحقق الأصفهاني غير كاف، لأنا وإن نقول بالوجود التقديري، إلا أنّ مثل هذا الوجود التقديري ليس له أثر قانوني، وإنما يكون الوجود التقديري قانونياً فيما إذا ملكه الغير أو فوت الغير هذه المنفعة.الوجه الثاني: - في الجواب عن الاشكال الثبوتي - ما هو المختار، وهو أن اليد والاستيلاء إنما يكون بالنسبة إلى العين والمكشوف باليد أنواع الاختصاصات، إلا أن الاختصاصات درجات، بمعنى أنّ المكشوف باليد في الرتبة الأولى أمر، وفي الرتبة الثانية أمر آخر، وهكذا.ففي الرتبة الأولى المكشوف باليد أمور:أحدها ملكية العين.
ثانيها: ملكية التصرفات الاعتبارية بالنسبة إلى العين، والتي منها: أن له حق إيجار العين، إذ على مسلكنا - كما ذكرنا في مقام الجواب عن المحقق الأصفهاني - مالك العين لا يكون مالكا للمنافع، بل مالك لأن يملك، أي له حق التمليك من قبيل التمليك في الكلي الذمي، والعقلاء لا يعتبرون مالك العين مالكاً للمنفعة، فإنهم في مقام عدّ ما يملكه لا يعدّون منافع الدار في قبال نفس الدار.وثالثها: حق الانتفاع من العين وسائر التصرفات.فاليد في المرحلة الأولى أمارة على هذه الأمور، وليس بين هذه الأمور ترابط في الثبوت والسقوط في مرحلة الكشف، بمعنى أنه لو كانت هناك حجة على نفي أحد هذه الأمور، واحتمل وجود البقية، فاليد تكون كاشفة بالنسبة إلى البقية، فمثلاً لو أقر من بيده المال أنّ العين ليست له، فاليد تكون كاشفة بالنسبة إلى ملكية التصرفات الاعتبارية، وبالنسبة الى حق الانتفاع وسائر التصرفات فيما إذا كانت البقية محتملة.وكذا إذا دلّ الدليل على أنه في قطعة من الزمان ليس له التصرفات الاعتبارية كحق الإيجار مثلاً، كما إذا آجر داره لمدة، فإنّه ليس له أن يؤجره ثانياً لشخص آخر في هذه المدة، فتكون اليد كاشفة عن ملكية العين وعن حق الانتفاع وسائر التصرفات.أو دل الدليل على أنه ليس له حق الانتفاع، كما في المتولي إذا كان الوقف الجماعة خاصة كالمدارس مثلاً، فمتولي المدرسة ليس له حق الانتفاع، ونعلم بأن العين ليست له، إلا أنّ له التصرف الاعتباري بإيجار الموقوفات الراجعة إلى المدرسة، فتكون اليد كاشفة عن ملكية التصرفات الاعتبارية.والمقصود أنّ اليد ابتداء كاشفة عن أمور لا ترابط بينها في السقوط والثبوت، ففي كل مورد دلّ الدليل أو قامت الحجة على أن أحد هذه الأمور غير ثابت تكون اليد كاشفة عن البقية في صورة احتمال البقية، وهذا من قبيل العام المخصص، فإنّ العام حجة في الباقي والعام ابتداء كاشف عن الجميع، وفي كل مورد دلّ الدليل على الخلاف يرفع اليد بالنسبة إليه فقط وفي ما وراءه نلتزم به.
وعليه لو انتفت هذه المرحلة بأن علمنا بأنه ليس مالكاً للعين وليس مالكاً للتصرفات الاعتبارية، واحتملنا أن يكون مالكاً للمنفعة بأن كانت يده على الدار يد المستأجر فنحكم بأنه مالك للمنفعة من جهة يده عليها، وهكذا لو علمنا بأن يده على الدار ليست يد مستأجر أيضاً فنحكم بأن له حق الانتفاع بعارية وشبهها.واليد تدلّ على حق الانتفاع وقد تدلّ على حق الاختصاص في موارد حق التحجير، فإنّ في موارد التحجير له الحق في التملك بالإحياء، واليد تدلّ على حق التخليل، ومعنى حقه أن يملك الخمر بالتخليل، وهكذا في سائر الموارد، مثل الكلب غير الصيود ليس مالكاً له، إلا أن له حق الاختصاص، فإن بعض الكلاب وإن لم يكن صيوداً، إلا أن له منافع أخر لكشف الجرائم وكشف الإحياء، وهذا لا يختص باليد الشخصية، بل يتصور في الأيادي النوعية، فإنّ اليد النوعية كاشفة عن حقهم في ذلك، كالمرور من مكان، فإنّ يدهم على المرور من ذلك المكان الخاص أمارة على حقهم فيه.والغرض أن اليد سواء كانت شخصية أم نوعية لها مكشوفات متعددة، والمكشوفات باليد ذو درجات، ولا تصل إلى الدرجة المتأخرة مع وجود الدرجات الأخر.وعليه فلا يمكن القول بأنّ اليد لا تدل على المنافع أو على حق الاختصاص،ونحن لا ندعي أن اليد على المنافع تكون أولاً وبالذات، كما ذهب إليه المحقق الأصفهاني، بل نقول إنّ اليد أولاً على العين، إلا أنّ المكشوف بها مختلف عند العقلاء بحسب الموارد.وهذا هو الذي يكون عليه بناء العقلاء، ولا يرد عليه المحذور الثبوتي، فإنا ذكرنا في بعض الموارد أنه لا تكون المنافع ملكاً، وهو كما في مالك العين، فإن المنافع لا تكون ملكاً له، وفي بعض الموارد تكون ملكاً، إلا أنها مقدرة الوجود وموجودة بوجود العقد، وما ذكره النراقي من أنّ المنافع متدرجة الوجود صحيح، إلا أنه تجتمع في وعاء
العقد وحينما يقال: (ملكتك منافع الدار بكذا لمدة سنة مثلاً، ويحكم بملكيته لها، مع أن اليد ليست عليها، بل على نفس العين، ويده على العين تكون كاشفة عن ملكيته للمنافع.)وأما في مقام الإثبات وإنكاره لدلالة الأخبار مع مناقشته في إطلاقها، فنقول: إنه لا مانع من التمسك بخبر الرحى الذي ذكره وأجاب عنه، فإن ظاهر الخبر أنه ذو اليد بالنسبة إلى استفادة الماء، وليس لمالك العين تغيير مجرى الماء وإضاعة حقه.وما أجاب به بأنه نلتزم به في مورد الخبر أولاً ونلتزم به للضر ثانياً غير صحيح؛ لأن الخبر لا يستفاد منه خصوصية، ولا يمكن اختصاصه بالمورد، وإلا لزم زوال الفقه، فإنّه لو سأل السائل عن إصابة البول للثوب وأمره الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ بغسله، لا يمكن الحكم بأنه نلتزم بنجاسة البول في خصوص الثوب، والاستفتاء وإن كان في مورد خاص، إلا أن الجواب على وفق الكبرى الكلية، كما في الروايات من أنهم يفتون في المسائل على وفق أصول علم يرثها كابر عن كابر، نعم لابد لنا من معرفة ما هو دخيل في الموضوع وما هو غير دخيل، ففي كل مورد نقطع بدخالة شيء في الحكم أو احتملنا ذلك فلابد من أخذه، وإذا قطعنا بعدم دخالته فيلغى.)وفيما نحن فيه لا تحتمل دخالة شيء في الموضوع إلا ما ذكرنا من أن له حق الاستفادة من هذا الماء من أجل يده وما ذكر من أنه نلتزم به للضرر، والضرر معناه إزالة حق الآخرين في المقام، وعليه فلا مانع من الاستدلال بالرواية.وهنا رواية أخرى لم يتعرض لها المحقق النراقي، وأشار إليها الشيخ الأنصاري في المكاسب فيما تعرض له في (بيع سكنى الدار التي لا يعلم صاحبها أنه هل لابد و أن يكون متعلق البيع هو العين أو لا؟ وتعرض لها صاحب الجواهر في المسألة الخامسة من مسائل إحياء الموات.)وهي ما رواه الشيخ في التهذيب : اسحاق بن عمار عن العبد الصالح قال سألته عن رجل في يده دار ليست له ولم تزل في يده ويد آبائه من قبله قد أعلمه من مضى من
آبائه أنها ليست لهم، ولا يدرون لمن هي فيبيعها ويأخذ ثمنها، قال: «ما أحب أن يبيع ما ليس له»، قلت: فإنّه ليس يعرف صاحبها ولا يدري لمن هي، ولا أظنه يجيء لها ربّ أبداً، قال: «ما أحب أن يبيع ما ليس له»، قلت: فيبيع سكناها أو مكانها في يده، فيقول: أبيعك سكناي وتكون في يدك كما هي في يدي، قال: «نعم يبيعها على هذا» (1.)وهذه الرواية معتبرة سنداً.وذكر في الوافي (2: (أو مكانها في يده، أي منزلتها عنده، كما يفسره بقوله: وتكون في يدك كما هي في يدي).)وإطلاق البيع هنا من استعمال اللفظ في غير ما وضع له، ومن باب المشاكلة؛ إذ المفروض أنّ هذا الشخص وآباءه كان لهم اليد بالنسبة إلى سكنى هذه الدار، ويرفع اليد عن هذه السكنى التي هي حقهم بموجب اليد بإزاء مال، وعبّر عن هذا ببيع الدار.ومن الواضح أنّ من يبذل المال بإزاء رفع اليد عن سكنى الدار إنما يعتمد على يدهم، كما أن آباءه واحداً بعد واحد كانوا يعتمدون على يد السابق مقرونة باعترافه بأن العين ليست له، فيمكن استفادة أنّ اليد والاستيلاء على المنافع تدلّ على أن المنافع له بحسب الأخبار.وأما بناء العقلاء، فقد أنكره المحقق النراقي بذكر أمثلة:منها: (فيحمل الجار على حائط جاره أو المشترك، فهذا المثال مما التزم به السيد اليزدي في ملحقات العروة (3)فقد ذكر : (أو كان جذوعه على حائط الغير)، والتزم بأنّ هذا يدل على أنّ له حقاً في ذلك، ولا مانع من الالتزام بذلك.)
ومنها: (وبنصب الميازيب على داره أو ملكه وهذا غير متعارف في بلداننا، وكذا طرح الثلج.)والمقصود أن الأمثلة التي ذكرها، إما من الأمثلة التي نلتزم فيها بثبوت الحق، أو لا نلتزم بها من جهة شواهد الحال على أنه ليس له ذلك، بل من جهة تفضل الطرف المقابل وإجازته له، فلا يمكن إنكار بناء العقلاء بهذه الأمثلة، بل بناء العقلاء في اليد سواء كانت شخصية أم نوعية قائمة على أنّ اليد على العين تدلّ على ملكيته للمنافع.وقد ذكر النراقي نفسه أنه لو وقع نزاع بين من بيده المال وغيره بأن يقول كل منهما أنا أجرته، فالقول قول من بيده الدار.فظهر مما ذكرنا أن اليد تدلّ على ملكية المنافع كما تدلّ على ملكية العين وسائر التملكات.### الجهة الرابعة: في حجية اليد في صورة عدم علم صاحب اليد بالملك وعدمهاوفيها أمران:الأول: أن اليد هل هي حجة مطلقاً سواء اعترف ذو اليد بعدم علمه بأن العين له أم لا؟الثاني: في أنّ اليد هل تكون حجة بالنسبة إلى صاحبها فيما إذا لم يعلم بأنه مالك أو لا؟ولابد من البحث فيهما.ولتوضيح الأمر الأوّل نقول: إنّ اليد ليست بحجة إذا أقر ذو اليد بأنها ليست له، وكان إقراره مسموعاً - إذ قد لا يكون إقراره مسموعاً، كما إذا أقر بذلك المفلّس من أجل خروجه عن حق الغرماء، فإنّ مثل هذا الإقرار غير مسموع - ففي هذه الصورة ليست اليد بحجة، والإقرار مقدم على اليد.
كما أنه لا إشكال في أنه لا يعتبر في حجية اليد بالنسبة إلى الغير - الذي يريد ترتيب الآثار - ادعاؤه واعترافه بأنه عالم بأنّها له، وكذا لا يعتبر التصرف المنبئ بأنّ هذا يعتقد بأنه ملكه، بل يكفي في ترتيب الآثار مجرد كونه في يده.والشاهد على ذلك - مضافاً إلى وضوحه - الرواية الدالة على كيفية تقسيم المال بين الرجل والمرأة إذا مات أحدهما، فقد جاء فيها: «ومن استولى على شيء فهو له»، ومن الواضح أن الميت لا ادعاء له لما كان تحت يده.والكلام إنما هو فيما إذا كان ذو اليد معترفاً بعدم العلم بأنه له أو ليس له.ولابد من التذكير بأنّ مورد الكلام ما إذا اعترف بعدم العلم بالنسبة إلى الملكية الظاهرية، وأما إذا قال بأني لا أعلم أنه ملك لي واقعاً أم لا، فإنّي وإن اشتريته إلا أنّي مع ذلك لا أعلم بالملكية الواقعية، فهذا خارج عن محل الكلام.وبعبارة أخرى: الكلام في أنه هل يعتبر في حجية اليد أن لا يكون ذو اليد جاهلاً بالحال أو اليد حجة حتى إذا كان جاهلاً بالحال.والأمر الثاني الذي هو محل الكلام أيضاً هو أنّ اليد هل هي حجة بالنسبة إلى ذي اليد حتى إذا كان يعلم بأنه له أو ليس له كما إذا رأى في بيته كتاباً أو ورقة ولا يدري أنه له أم لغيره، فهل تكون يده حجة له ويحكم بأنه له أو لا؟ذهب المحقق النراقي إلى عدم حجية اليد في كلا الموردين، وكثير قالوا بحجية اليد في كلا الموردين كالسيد اليزدي في ملحقات العروة، وبعض قد تعرض للأمر الثاني فقط، وهو أن اليد هل تكون حجة لذي اليد أو لا؟ والتزم بأنها حجة له. واستدل القائلون بحجية اليد بروايات منها :
الرواية الأولى: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ قال: سألته عن الدار يوجد فيها الورق؟ فقال: «إن كانت معمورة فيها أهلها فهي لهم، وإن كانت خربة قد جلا عنها أهلها فالذي وجد المال أحق به» (1).)وهنا رواية أخرى شبيهة بهذه الرواية ومتنها عين هذا المتن، ولعل أحدهما نقل بالمعنى، فإن الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ حكم بأنها لهم إذا كانت معمورة فيها أهلها، فلا بد وأن يسلّم إلى أهل الدار، سواء قالوا أهل الدار بأنها لهم أم قالوا نحن لا نعلم بأنها لنا - وأما إذا قالوا بأنها ليست لهم، فمن الواضح أنّ يدهم ليست بحجة في هذه الصورة - وهذه الرواية مطلقة من هذه الجهة، وفي مثل الورق غالباً أهل الدار لا يعلمون أنها لهم؛ إذ كثيراً ما يلعب الأطفال بالورق فتقع من أيديهم وأشباه ذلك، ومع ذلك حكم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأنها لهم.)فهذه الرواية مطلقة من جهة أنّ الغير لابد وأن يتعامل مع ذي اليد بأن الورق لأهل الدار ولذي اليد، سواء قالوا بأنا نعلم أنها لنا أم قالوا لا نعلم أنها لنا أو ليس لنا، و أما كيف يتعامل أهل الدار مع هذا المال فيما إذا لم يكونوا عالمين بأنه لهم أو ليس لهم، فهذه جهة أخرى لا يمكن استفادتها من الرواية، والحكم بأنه لهم سواء علموا أم لم يعلموا فإنه لو كان قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «فهي لهم» مسوقاً لبيان حكم الواجد وأنه لابد أن يسلمهم ما وجد، فلا يدلّ على أنهم كيف يتعاملون معه، وأنه لهم كما استفاد ذلك المحقق الأصفهاني.)الرواية الثانية التي استدل بها لحجية اليد مطلقاً هي موثقة يونس بن يعقوب عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ في امرأة تموت قبل الرجل أو رجل قبل المرأة، قال: «ما كان من متاع)
1) وسائل الشيعة 447:25.
النساء فهو للمرأة، وما كان من متاع الرجال والنساء فهو بينهما، ومن استولى على شيء منه فهو له» (1.)والظاهر أنّ موردها موت الرجل أو المرأة فقد بين (عَلَيهِ السَّلَامُ التقسيم الثلاثي، وهو أن الأموال الاختصاصية لأحدهما من حيث الانتفاع فهي له، وما كان بينهما فمشترك بينهما، وما كان تحت استيلاء أحدهما فهو للمستولي.)وهنا العلم والجهل لا يتصور بالنسبة إلى الميت حتى يقول بأني أعلم أو لا أعلم وأما بالنسبة إلى الآخر فهذه الرواية مطلقة من جهة كونه عالماً أو غير عالم، وأما إذا علم بأنه للغير فيقول بأنه للغير، وبإقراره يعطى المال لمن أقر له حتى إذا كان المقرّ مستول عليه.فوظيفة المقسم أن يعطي المال الخاص بالمرأة لها، وكذا ما كانت هي مستولية عليها، سواء اعترفت بأن المال لها أم قالت بأني لا أعلم أن المال لي أو ليس لي.وهذه الرواية كالرواية السابقة ساكتة من حيث معاملتها مع هذا المال الذي لا تعلم بأنه لها أو ليس لها.الرواية الثالثة: رواية مسعدة بن صدقة، إلا أنه قد عرفت مما تقدم أنّ دلالتها على اليد ضعيفة جداً.فقد ظهر أن الروايات تدلّ على الملكية في الجملة حتى إذا اعترف بأنه لا يعلم أنه له أو ليس له، وأما أنّ اليد حجة بالنسبة إلى ذي اليد حتى إذا لم يكن عالماً بأنه له فهذا شيء لا يمكن استفادته من الروايات، فهي ساكتة عن هذه الجهة.وفي قبال ذلك استدل المحقق النراقي لعدم حجية اليد بروايتين:الرواية الأولى: صحيحة جميل بن صالح - التي نقلها المشائخ الثلاثة - قال: قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ: رجل وجد في منزله ديناراً، قال: «يدخل منزله غيره»؟ قلت: نعم)
1) وسائل الشيعة 26: 216.
كثير، قال: «هذا لقطة»، قلت: فرجل وجد في صندوقه ديناراً، قال: «يدخل أحد يده في صندوقه غيره أو يضع غيره فيه شيئاً»؟ قلت: لا، قال: «فهو له» (1.)واستدل المحقق النراقي بكلتا الجملتين على عدم حجية اليد بالنسبة إلى ذي اليد، وقال في المستند: (فإنّه حكم فيما هو في داره الذي لا يعلم أنه له مع كونه في يده على ما مرّ، ومستولياً عليه أنه ليس له و أيضاً علل كون ما وجد في الصندوق له بما يفيد العلم بأنه ليس لغيره (2).)واستدلاله لعله يكون متوقفاً على مقدمتين:الأولى: أنّ المنزل تحت يده، وكل ما يكون المنزل محتوياً له فهو أيضاً تحت يده وعليه فمورد الكلام هو مورد اليد.الثانية: أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ لم يحكم في هذا الفرض أنه ملکه، بل سأله: «يدخل منزله غيره؟»، مع أن المفروض أنه ذو اليد، فلو كان بنحو لم يكن يدخل غيره لكان هنا أمارة أخرى غير اليد على ملكيته، وبما أنه أجاب بـ (نعم كثير)، فلهذا حكم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأنه لقطة، فيظهر من هذه الرواية أنّ اليد ليست بحجة مع عدم علمه بأنه له.)وهكذا بالنسبة إلى الجملة الثانية، فإن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ لم يحكم بأنه له بمجرد أنه ذو اليد، بل سأله بأنه يدخل أحد يده في صندوقه أو يضع فيه شيئاً، وبما أن السائل أجاب بلا، فحكم (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأنه له من جهة أن عدم دخول أحدٍ يده فيه وعدم وضعه شيئاً أمارة على أنها له، لا من جهة اليد، ففي كلتا الصورتين اليد مفروضة، والإمام إنما سأل من أجل وجود أمارة أخرى تدلّ على أنها له أو عدم وجودها، فبما أنه أجاب في الصورة الأولى بأنه (يدخل كثير) حكم (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأنها لقطة؛ وذلك لعدم وجود أمارة تدل على أنها)
له - مع أن اليد كانت موجودة - وفي الصورة الثانية بما أنه أجاب بالنفي، فنفس هذا أمارة على أنها له، فلوجود الأمارة الدالة على أنها له حكم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ بأنها له.)هذا تمام الكلام في تقريب ما ذهب إليه المحقق النراقي.ولكن استفادة ذلك من الرواية والحكم بعدم حجية اليد في صورة عدم العلم مشكل؛ لأن جواب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ في كلتا الصورتين يتلائم مع هذا القول كما يتلائم مع القول بحجية اليد.)فإنّه لو فرضنا في السؤال الأوّل أنّ اليد حجة بالنسبة إلى ذي اليد ولو لم يعلم بأنه له فمجرد ذلك غير كاف لأن يحكم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ بأنها له؛ لأنه لابد من التشقيق الثلاثي بأن يسأل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هل يدخل فيه غيره أو لا؟ وإذا أجاب بنعم فلابد وأن يسأل الإمام أنّ الداخلين كثير وغير محصور أو قليل ومحصور؟)وإنما قلنا بلزوم التشقيق الثلاثي من جهة أنه لو كان الدخول في الدار من قبل الآخرين قليلاً جداً، فلصاحب الدار اليد بالنسبة إلى الدار وما تحتويه.وأما إذا كان الداخلون قليلين ويمرون كثيراً على داره، فمن الممكن اعتبارهم جميعاً ذا اليد، والحكم بأياد مشتركة.وأما إذا كان عددهم كثير ويمرون كثيراً على هذه الدار يحكم بأنها لقطة وليس هو بذي اليد.وبعبارة أخرى: مجرد أنّ اليد حجة بالنسبة إلى ذي اليد لا يثبت أنّ هذا الشخص ذو اليد، بل لابد من إثباته بجهة أخرى، فلو كان الداخلون فيها كثيرين لم تكن يده على الدار يداً على هذه الورقة، ولو كان من يدخلها كثيراً اثنين أو ثلاثة فيمكن القول باشتراك الأيادي، ولو كان الدخول نادراً جداً فتكون يده يداً مختصة.
وبما أن السائل أجاب : (نعم كثير لذا حكم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأنها لقطة، والحكم بأنها لقطة لا يتنافى مع القول بأنّ اليد حجة بالنسبة إلى ذي اليد، وذلك من أجل أنه في هذه الصورة لا يكون ذا اليد.)ولو لم يكن يجيب (نعم كثير، بل كان يقول : نعم يدخل غيره، فلعل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يسأل عنه أنّ الداخلين كثير أو قليل، وإن كان يجيب بأنه قليل فلعل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يحكم بالاشتراك، وكذا لو كان أجاب بأنه لا يدخل أحد غيره؛ لكان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) حكم بأنها له من جهة يده عليها.)وهناك جهة أخرى يمكن أن يكون التشقيق بلحاظها، وهي اعتبار عدم الغلبة على الخلاف في اليد، فإنّه لو قلنا بأنّ اليد حجة وقلنا إنّه لابد من أن لا تكون غلبة على الخلاف، كان حكم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ أيضاً صحيحاً، فإنّ اليد حجة لولا غلبة مانعة من اليد، كالدكاكين المعدة لبيع أموال الناس، وما في أيدي اللصوص، فإنّه هل يتعامل مع أموالهم معاملة الملكية أو لا؟)ولا بد من التذكير بأنا لا نقول بحجية اليد من باب الغلبة، إلا أنّ الغلبة المضادة مانعة من حجية اليد، ومن الممكن أن يكون سؤال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ من هذه الناحية، وبما أنه أجاب بما يفيد غلبة المضاد في الصورة الأولى فلذا حكم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأنها لقطة، فتشقيق الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إما من جهة تشخيصه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه ذو اليد أو لا، وإما من جهة معرفة وجود غلبة المضاد وعدمه.)كما أن جواب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ يتلائم مع القول بعدم حجية اليد بالنسبة إلى ذي اليد، فإنه لو فرضنا أن يده ليست بحجة، فلا بد وأن يسأل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن وجود أمارة أخرى تدل على أنها له، وبما أنه أجاب: (نعم كثير) في الصورة الأولى، فالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) حكم بأنها لقطة من جهة عدم وجود أمارة تدلّ على أنها له، والمفروض أن يده ليست بحجة.)
فلا يستفاد من حكم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ بأنها لقطة أن اليد ليست بحجة بالنسبة إلى ذي اليد.)وبعبارة أخرى أنّ هذه الرواية تتلائم مع القول بحجية اليد كما تتلائم مع القول بعدم حجية اليد، فإنّ من يقول بحجية اليد تارة يقول بحجيتها إذا كانت يداً مختصة، فإن لم تكن كذلك بأن كان معه غيره اثنان أو ثلاث أو أكثر فيسأل عنهم، فإذا قالوا بأنها لهم فيقسم بينهم كما سيأتي إن شاء اللّه، وإن قالوا بأنها ليست لهم فتكون في المسألة مشكلة أخرى، وأما إذا كان الداخلون جماعة كثيرة فليس هو بذي اليد.وأخرى يقول بحجيتها فيما إذا لم تكن غلبة المضاد على خلافها، يعني لابد وأن لا يكون احتمال كونه له موهوماً في قبال كونه لغيره.والكلام في أنّ استفسارات الإمام متوافقة مع أي من المسلكين؟أما الاستفسار الأوّل يدخل منزله غيره فهو موافق لما ذهب إليه المحقق النراقي؛ إذ لو كانت يده حجة لم يكن وجه لهذا السؤال؛ لأنه على تقدير العدم يكون موجباً للاطمئنان بأنه له.وعلى تقدير الوجود كما في الرواية (قلت نعم كثير فهذا يكون منشأ لعدم الحكم بأنه له.)وعلى مسلك من يقول بحجية اليد يكون الوجه في سؤال الإمام أنه تارة يكون صاحب الدار هو ذا اليد، وتارة يكون هو وغيره مشتركاً ذا اليد، وتارة يكون الدخلون في الدار جماعة كثيرة.فإذا كان صاحب الدار هو ذا اليد فقط بأن يكون الداخلون عليه قليل ونادر جداً، ففي هذه الصورة يكون المال له من جهة أنه ذو اليد، وفي الصورة الثانية بأن كان الداخلون أفراداً معدودين فيكونون كلهم ذا اليد، ويحكم بأنه لهم مشتركاً.
وفي الصورة الثالثة تكون لقطة من جهة عدم كون صاحب الدار ذا اليد بالنسبة إلى هذا الورق.فمن الممكن أن يكون وجه سؤال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ هو معرفة وتشخيص ذي اليد، فإنه لو كان يجيب بالنفي وأنه لا يدخل أحدٌ لكانت اليد يداً مختصة به، ولو كان يجيب بنعم ولم يكن يقول (نعم كثير)، فبما أنّ دخول الأفراد عليه بنحو المتعارف لم يكن له أي أثر، إلا إذا عقب هذا السؤال بسؤال آخر، وهو أنّ الداخلين عليه يكون على نحو يوجب اليد حتى يحكم بالشركة، أو ليس بهذا الحد حتى يكون له بلحاظ اليد، أو أنّ الأفراد كثيرة حتى يحكم بأنها لقطة.)والغرض أن سؤال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ هو لتشخيص ذي اليد، وبما أنه أجاب بقوله (نعم كثير) حكم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأنها لقطة وليس صاحب الدار ذا اليد بالنسبة إلى هذه الورقة.)ويمكن أن يكون وجه السؤال وجود غلبة المضاد وعدمه، فإنه لو كان احتمال سقوطه منه اثنان في المائة، واحتمال السقوط من كل واحد من الداخلين واحد في المائة، فبالنتيجة يكون احتمال السقوط منه في قبال احتمال السقوط من الآخرين احتمالاً ضعيفاً.وعلى هذا الوجه أيضاً لو كان الجواب بالنفي لحكم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ بأنها له من جهة عدم وجود غلبة المضاد.)ولو كان الجواب بالإثبات فمجرد هذا الجواب غير كاف للحكم، بل لابد من أن يعقب السؤال بسؤال آخر، وهو أنه هل يكون الداخلون عليه بنحو يكون موجباً ليدهم أيضاً أو لا ؟ فإذا لم يكن دخولهم بهذا النحو، فغلبة المضاد غير موجودة أيضاً ويحكم بأنها له، وإن كان موجباً ليدهم أيضاً فإما أن يكون عددهم محصوراً ففي هذه الصورة يحكم بالاشتراك، وإلا يحكم بأنها لقطة، وبما أنه أجاب رأساً بقوله: (نعم كثير فمن جهة وجود غلبة المضاد حكم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأنها لقطة.)
و مما ذكرنا يظهر أنّ ذيل الرواية أيضاً يتلائم مع كلا القولين، ومع هذه الوجوه الثلاثة التي ذكرناها لوجه السؤال فكما يمكن أن يكون وجه السؤال ما ذكره المحقق النراقي كذلك يمكن أن يكون وجه السؤال أحد الوجهين اللذين ذكرناهما من تشخيص ذي اليد ومن معرفة وجود غلبة المضاد مع اليد وعدمه.فهذه الرواية لا يمكن الاستدلال بها على عدم حجية اليد بالنسبة إلى ذي اليد كما استدل بها المحقق النراقي، كما لا يمكن الاستدلال بها لحجية اليد كما استدل غيره، غاية الأمر بما أنا لم نلتزم بوجود الإطلاق في سائر الروايات وليس لنا دليل يدل على حجية اليد بالنسبة إلى ذي اليد فنقول بعدم حجية اليد بالنسبة إلى ذي اليد.الرواية الثانية : التي استدل بها المحقق النراقي لعدم حجية اليد فيما إذا اعترف بأنه لا يعلم أنه ملكه في قبال ما استظهرناه من الروايات من أن يده حجة في الجملة، وهي معتبرة إسحاق بن عمار، قال سألت أبا إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ عن رجل نزل في بعض بيوت مكة فوجد فيه نحواً من سبعين درهماً مدفونة، فلم تزل معه ولم يذكرها حتى قدم الكوفة، كيف يصنع ؟ قال : يسأل عنها أهل المنزل لعلهم يعرفونها»، قلت: فإن لم يعرفوها؟ قال: «يتصدق بها» (1).)والمراد بالمدفونة في الرواية أي مدفونة بالتراب، لا أنها مكنوزة.وتقريبها أن اليد إذا كانت مقرونة بعدم المعرفة فليست بحجة.والاستدلال بها متوقف على مقدمتين:الأولى: أن يكون أهل المنزل في محل الكلام ذا اليد بالنسبة إلى المال المدفون.الثانية: أن يكون المراد من (لم يعرفوها هو عدم علمهم بأنها، ومن يجيب بأنّي لا أعلم أنّ هذا الشيء لي أو ليس لي يصدق عليه أنه لا يعرفه.)
1) وسائل الشيعة 25: 448.
والجواب الإجمالي عما ذكره هو : أنّ هذه الرواية لا تدلّ على مدعى المحقق؛ لأنه لو كان الأمر كما ذكرنا في المقدمة الأولى من أنّ أهل المنزل ذو اليد بالنسبة إلى المال المدفون، فيجب على الواجد تسليم المال إليهم لأنهم ذو اليد، ولم يكن وجه لأمر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ بالسؤال «يسأل عنها أهل المنزل»، فعلى مسلكه أيضاً لابد من القول بدفع المال إليهم من دون سؤال ؛ لأنّ المفروض أنّ أهل المنزل ذو اليد بالنسبة إليه، وليس في البين اعتراف وإقرار بأنهم لا يعلمون أنه لهم أو ليس لهم، ولا ريب أن يدهم حجة فيما إذا سكتوا أو قالوا بأنه لنا، والمفروض أنّهم بعد لم يعترفوا بشيء، فوظيفته التسليم إليهم من دون سؤال، نعم لو أبرزوا بأنا لا نعلم أو ليس لنا، فهذه مسألة أخرى.)توضيح ذلك : أنّ المقدمة الأولى ممنوعة؛ وذلك لأنّ أهل المنزل في أوقات الحج وغير أوقات الحج إذا كان المنزل معداً لنزول الحجاج والزوار فليسوا بذي اليد بالنسبة إلى الدراهم المدفونة، لأنّ المفروض أنّ البيت تحت يد الحجاج والزوار.والمقدمة الثانية أيضاً ممنوعة، وذلك لأنّ العرفان في اللغة: العلم بخصوصيات الشيء وجزئياته، والإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ أمره بأن يسأل أهل المنزل «لعلهم يعرفونها»، فإن كانوا عارفين بالخصوصيات وأنها كم هي فتعطى لهم، وهذا تعريف اللقطة، فإن لم يعرفوها فلا تعطى لهم وإن قالوا بأنها لنا؛ لأنهم ليسوا بذي اليد بالنسبة إليه، لذا قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «يتصدق بها» وذلك لعدم إمكان التعريف بالنسبة إلى الآخرين.)وعلى هذا المعنى لا تكون الرواية ناظرة إلى ما يريد المحقق إثباته من أن اليد ليست بحجة فيما إذا قال صاحبها بأنه لا يعلم أنه له أو ليس له.فتحصل مما ذكرنا أن في كلتا المسألتين ليس لنا دليل على العدم، وأما في خصوص معاملة غير ذي اليد مع ذي اليد معاملة الملكية حتى في صورة اعترافه بعدم العلم فلنا دليل في الجملة، يعني إيصال المال إليه في مقام القسمة وفيما إذا وجد شيء في دار معمورة فيها أهلها، وأما في غيرهما من البيع أو الشراء فلا دليل، لا من الروايات ولا من بناء العقلاء.
### الجهة الخامسة: في الأيادي المشتركةإن كان الاستيلاء على العين لأكثر من شخص فحينئذ تكون الأيادي مشتركة، وفي اليد المختصة ذكرنا أنها كاشفة عن الملكية، ولكن في الأيادي المشتركة هل تكون اليد كاشفة عن الملكية؟ وما هو مكشوفها؟الأقوال في المسألة مختلفة:قيل: بأن كل واحد من الأيادي أو اليدين كاشفة عن ملكية استقلالية تامة، وذكر بأنه ليس بين الملكيتين الاستقلاليتين تخالف وتناف، وهذا ما يظهر من السيد الطباطبائي في ملحقات العروة.وقيل: بأن كل واحدة من اليدين كاشفة عن ملكية استقلالية، إلا أن الملكيتين الاستقلاليتين بما أنه يستحيل اجتماعهما على عين واحدة فلذا تتعارضان وتتساقطان ولابد من الرجوع إلى القواعد الأُخر التي سنشير إليها قريباً إن شاء اللّه، وهذا ما يظهر من صاحب الجواهر.وقيل : بأن كل واحدة من اليدين كاشفة عن الملكية على نحو الإشاعة، وعليه فلا تنافي بينهما.ولابد من التعرض لأمور ثلاثة مقدمة لتوضيح محل البحث:الأمر الأوّل: في الملكية التي يمكن أن تكون مكشوفة في الأيادي المشتركة.الأمر الثاني: في أنه هل يعقل أن يكون المكشوف بها ملكية تامة أو لا؟ وأنه هل يمكن أن يكون المكشوف هو الملكية على نحو الإشاعة أو لا؟ وفي حقيقة الإشاعة وأنها ما هي؟الأمر الثالث: الاستنتاج من الأمرين.
أما الأمر الأوّل فقد أشرنا إلى أن السيد الطباطبائي قد ذكر في ملحقات العروة بأنه لا مانع من الالتزام بأنّ المكشوف في كل واحدة من اليدين ملكية استقلالية، يعني أن كل واحد من الشخصين يملك هذه العين ملكية مستقلة، وذكر لذلك شواهد.وهذا مما لا يمكن الالتزام به؛ لأنّ العقلاء لا يعتبرون لكل منهما ملكية مستقلة للعين الواحدة، فإنّ العقلاء لا يرون الملكية لدار لرجلين كما يرونها لشخص واحد، وهذا غير قابل للالتزام به، والسر فيه إجمالاً أنّ الملكية - كما ذكرنا في مبحث الأحكام الوضعية - مما يترتب عليها أحكاماً تكون هذه الأحكام بالنسبة إليها كالمقومات، أي أن الملكية متقومة بتلك الأحكام، وتلك الأحكام مانعة من تصور ملكيتين مستقلتين في المقام، فإنّ من تلك الأحكام أنه لولا الحجر لكان لكل مالك أن يتصرف في ملكه بالتصرفات الاعتبارية والخارجية بدون إذن من شخص آخر، ومن تلك الأحكام تبعية تمام المنافع للعين، فحينما يقال : إنّ هذا الشخص مالك، معناه أن مثل هذه الأمور مترتبة عليه، أي أنها مقومة لها، والأحكام المترتبة على الأحكام الوضعية من قبيل المقومات، ولعله بهذا يوجه كلام الشيخ الأنصاري حيث ذهب إلى أن الأحكام الوضعية منتزعة من الأحكام التكليفية.و على هذا الأساس لا يمكن الالتزام بأنّ كلاً منها مالك بالملكية الاستقلالية، حيث إن تصرف كل واحد في المجموع متوقف على إذن الآخر سواء كان التصرف تصرفاً اعتبارياً كالبيع والإجارة وأمثال ذلك أم كان التصرف تصرفاً خارجياً.وهكذا ثمرة هذه العين لا تنتقل إلى أحدهما فقط، بل تنتقل إليهما معاً، فلا يمكن الالتزام بما ذكره السيد؛ من أجل عدم اجتماع ملكيتين مستقلتين على شيء واحد، لا من باب قانون استحالة اجتماع المثلين فإنّه لا تضاد في الأحكام من حيث نفسها، بل التضاد بينها يكون بلحاظ محتوياتها. ومع عدم إمكان الالتزام به فالملكية المتصورة في المقام هي الملكية على نحو الإشاعة.وأما القول الثاني فسيأتي البحث عنه إن شاء اللّه.
### حقيقة الملكية على نحو الإشاعةولابد من معرفة الملكية على نحو الإشاعة وأنه ما هي حقيقتها؟ فهل الفرق بين الملكية المستقلة والملكية على نحو الإشاعة النقصان في المملوك، أو الفرق من جهة النقصان في الملكية؟يمكن أن يقال بأن الفرق بينهما من جهة النقصان في المملوك، بمعنى أن كل واحد منهما يملك حصة غير معينة.ويمكن أن يقال بأنّ الفرق من جهة النقصان في الملكية، بمعنى أن كلاهما مالكان ومملوكهما جميع العين لا حصة غير معينة، إلا أن ملكيتهما ملكية ضعيفة، وبتعبير آخر لكل منهما نصف الملكية.ونحن لسنا فعلاً بصدد بيان الأقوال في الإشاعة، والأقوال فيها كثيرة، بل بصدد بيان قولين منها لهما وزن وربط بالمقام، وهما عبارة من هذين القولين:الأول : أنّ الفرق بين الملكية المستقلة والملكية المشاعة هو من جهة النقصان في الملكية.الثاني: أنّ الفرق بينهما من جهة النقصان في المملوك.والقسمة والإفراز على القول الأول يكون عبارة عن تمركز الملكية التي كانت منبسطة على المجموع بنحو خفيف في النصف المعين، وممن يستظهر من كلماتهم القول الأول هو المحقق العراقي في كتاب القضاء، والسيد الحكيم في نهج الفقاهة، وعدة أخر كصاحب البلغة والشيخ هادي الطهراني في كتاب الصلح وبعض الأساتيذ في بحثه الذي لم يطبع بعد مبحث كسر المشاع في البيع.قال في نهج الفقاهة (1(بمعنى كونها تحت ملكية واحدة لمالكين بعد اعتبارهما كمالك واحد، ولو لم يلاحظا واحداً فالملكيتان ناقصتان لمالكين كما أنه لو اعتبر الشيء)
1) نهج الفقاهة : 423-424.
المشترك كسوراً متعددة كان كل كسر ملكاً لمالك على نحو الاستقلال، فهذه الجهات تختلف باختلاف هذه الاعتبارات، وإلا فما أنشأه البائع حقيقة ليس إلا التشريك، لا أن المبيع حقيقة هو الكسر.)وإنما ذكرنا هذا القول من جهة أنه لو قلنا في الاستيلائين على مال واحد أنّ استيلاء كل منهما استيلاء ناقص وضعيف، فيمكن من خلال استيلائين ناقصين استكشاف ملكيتين ناقصتين فيتطابقان.وأما القول الثاني فمرجعه إلى النقصان في المملوك، بمعنى أن كل واحد من الشخصين مالك لحصة من هذا الشيء الذي يعبر عنه بالكسر المشاع، فيقال هذه الدار نصفها لي ونصفها لفلان مثلاً، لا أن يقال: أنا مالك لتمام الدار بنصف الملكية أو الملكية الضعيفة وهكذا الآخر. وهنا قد يتسائل عن هذا الجزء المملوك هل هو كلي أو جزئي، خارجي أو غير خارجي فلذا يحتاج هذا القول إلى بيان، فنقول:لا إشكال في أن الآيات المباركات والروايات الشريفة والقوانين الحديثة على وفق هذا القول، فإنه عبر في الفرائض بالثلث والربع والثمن وهكذا، والمملوك هو الثلث أو الربع أو الثمن، وهكذا في القوانين الحديثة.وإنما الاشكال في تصوير الإشاعة، فإنّه ليس المراد من النصف مثلاً النصف المعين؛ لأنه ليس فيه إشاعة، كما أنه ليس المراد بالنصف النصف لا بشرط التعين، فإنّه من الكلي في المعين، ومن المعلوم أنه فرق بين الكلي في المعين والمشاع.وإن أُريد من النصف النصف اللا متعين، فهو غير موجود في الخارج، فهل المشاع أمر وهمي أو أمر معنوي حينما يقال بأنّي أملك النصف اللا متعين من هذه الدار؟ ولعل الاشكال في التصوير أوجب الالتزام بالقول الأول.ونحن نشير هنا إلى ما في الوسيط وفي لسان المتجددين، فإنّه ذكر في الوسيط أنّ في المشاع المملوك هو الحصة، إلا أنه أمر معنوي لا أن يكون أمراً واقعياً، فقد ذكر في
الوسيط (1في بيان القسمة (بتعديل جوهري في محله - أي الملك - فبعد أن كانت ملكيته طوال الشيوع واقعة بمجرد حصة معنوية على الشيء الشائع كله دون تحديد) وكأنه يرى أن كسر المشاع أمراً معنوياً، والكسر المعين الذي يعين فيما بعد أمراً مادياً، ويطبق الأمر المادي على الأمر المعنوي.)وبما أن تصوير الكسر المشاع أمر مشكل فنوضحه من خلال بيان أمرين:الأمر الأول: في بيان الكسر وكيفية انتزاعه.الكسر عبارة عن الأقل من عدد الواحد، مثل نصف الواحد أو ثلث الواحد وهكذا، وتقسيم العدد الواحد إلى هذه الكسور متوقف على أمور:منها: أن يكون الشيء واحداً إما بالوحدة الحقيقية كالعبد والأمة، أو بالوحدة الاعتبارية.ومنها: أنه لابد وأن يكون الشيء متكماً بالذات أو بالاعتبار، فإن الكم هو الذي يقبل القسمة (الكم ما بالذات قسمة قبل.)ومنها : أنه لابد من أن تكون الأقسام متساوية.فإذا حصلت هذه الشروط يمكن تقسيم الشيء إلى أقسام متعادلة وتتحصل منها الكسور.وهذا التقسيم إلى الثلث أو الربع وهكذا عمل ذهني لنا وننتزع من الشيء الواحد النصف أو الثلث أو الربع، فهذا العمل عمل ذهني؛ إذ من خواص القوة المدركة تكثر الشيء بأنواع من التكثر وهذا نوع من التكثر، وقد يكون تكثره بالإجمال والتفصيل كالإنسان وحيوان ناطق، وقد يكون بأنحاء أخرى.
1) الوسيط في شرح القانون المدني 8: 953، نقلاً عن الاستاذ حسن كيرة.
ونسبة هذه المتكثرات إلى الواحد الخارجي عين نسبة الأمر الانتزاعي إلى منشأ الانتزاع أو شبيهة بها، ووجود هذه الكسور تكون بوجود الواحد الخارجي، كما أنّ وجود الأمر الانتزاعي بوجود منشأ انتزاعه، وموجود رد منشأ انتزاعه، وموجود بوجوده بالتبع.الأمر الثاني: أنه بعد حصول الكسور بلحاظ التعين وعدمه يقسم إلى أقسام ثلاثة، فإنّ النصف مثلاً قد يكون بشرط شيء، أي بشرط التعين، وقد يكون لا بشرط التعين، وقد يكون بشرط لا عن التعين.والنصف بشرط التعين هو ما يحصل بعد الإفراز مثل النصف الشرقي أو الغربي، والنصف المتعين قابل لأن يتقوم به الصفات الخارجية والصفات النفسية والاعتبارية، فيقال هذا النصف أسود وذاك أبيض، وهذا النصف ملك فلان وذاك ملك فلان وهكذا.والنصف لا بشرط التعين هو ما يكون قابلاً للتعيّن، إلا أنه لا تعيّن له، وهذا هو الذي يعبر عنه بالكلي في المعين، وتعيينه أو تعينه إنّما يكون بيد مالك الكل، فإذا اشترى ثلث شيء لا بشرط التعين يكون هذا من الكلي في المعين، فللمالك تطبيق هذا الثلث من الأثلاث التي يراها، ولو تلف ثلثي المال وبقي ثلث يتعيّن ملكه في الباقي، فهنا تعيّن لا تعيين كما هو مذكور في المكاسب.والنصف بشرط لا عن التعيّن مما لا يقبل الصفات، فلا يقال: إن نصفه اللا متعين أبيض، فإنّ البياض والسواد وأمثال ذلك مما يعرض على الشيء المتعين، والنصف اللا متعين ليس بكلي؛ إذ الكلي قابل للانطباق على كل واحد، ولكنه قابل لتعلق الملكية به فيقال حصة غير معينة من هذه الدار لي وحصة أخرى كذلك لفلان و مرجع هذا إلى أن كل واحد منهما يملك حصة غير معينة.والتقسيم والإفراز يبدل عنوان اللا تعيّن إلى عنوان التعيّن، وهذا هو حقيقة التقسيم في النصف بشرط لا، وهذا بخلاف التقسيم في الكلي في المعين - فإن هناك تعيين، واللا بشرط يوجد في ضمن بشرط شيء وقابل للتطبيق - ولكن النصف اللا
متعيّن غير قابل للتطبيق على جميع الأنصاف؛ إذ كل نصف فرض يكون نصفاً متعيناً ولو تلف المال في الإشاعة يكون التلف على كليهما.وأما على القول الأوّل فمرجع التقسيم إلى تمركز الملكية الضعيفة المنبسطة على الجميع في حصة معينة حتى تصبح ملكية قوية.والكلام فعلاً في اختيار أحد القولين فنقول:أما القول الأول فهو مما لا يمكن الإلتزام به، فإنّ الآيات والروايات التي هي في بيان الفرائض وغيرها قد أضيف فيها نصيب كل من الوراث إلى الكسور، وهكذا في العرف، فإنّه حينما يسأل عن شخص ماذا يملك، فيجيب ربع هذا البستان، أو نصف هذا البيت، وهكذا في القوانين الحديثة، فإنّه قد صرح فيها بأن المملوك في المشاع هو الحصة، لا نصف الملكية أو الملكية الخفيفة.وإن أجاب شخص بأنّ تمام الدار لي بملكية ضعيفة فيرى العقلاء ذلك عدم تأدية المطلب بوجه صحيح، ومن المعلوم أنه لا يمكن تخطئة العقلاء في الاعتبارات العقلائية، والقول بأنّ ما ترونه من أنّ المملوك هو الحصة غلط، بل الصحيح هو الملكية الضعيفة أو نصف الملكية، فإنّ الأمور الاعتبارية من الأمور التي يرجع فيها إلى العقلاء، وليست من الأمور الواقعية حتى يمكن تخطئتهم، بل الأمور الاعتبارية من مخترعات أذهان العقلاء، مثل الوجوب والحرمة والزوجية والملكية، فلا يمكن تخطئتهم في هذه الأمور التي هي من مخترعات أذهانهم.نعم يمكن تخطئتهم في بعض الموارد، إلا أنّ مرجع التخطئة إلى أنّ هذا ليس على وفق المصالح والمفاسد، وأمّا تخطئتهم بأن يقال لا تعلمون ما هي الشركة أو الزوجية فهي أمر غير صحيح؛ لأنه كما قلنا هذه الأمور من مصنوعاتهم.مضافاً إلى ذلك أنّ في الإلتزام بهذا القول مبعدات:
منها : أنه لابد من عدم التفاضل إذا كانت المبادلة بين جنسين ربويين، فإذا كان لأحدهما صاع من صبرة وزنها عشرون صاعاً، وكان لشخص آخر عشرون صاعاً، فعلى هذا القول يجوز بيعها؛ لأن صاحب الصاع مالك لعشرين صاعاً على نحو خفيف، ولا يلزم منه الربا. وهكذا فيما إذا كان لأحد نصف الصبرة وهو عشرة صياع، ويريد بيع هذا النصف بعشرة صياع أخرى لآخر، فعلى القول الأول يلزم منه الربا؛ لأن من يملك عشرة صياع من صبرة وزنها عشرون صاعاً يكون مملوكه عشرين صاعاً، لكن بنحو ضعيف، فلا تحفظ المساواة بين المبيعين.وأما القول الثاني وهو أن المملوك هو الحصة في الكسر المشاع، والمراد من الحصة النصف أو الثلث اللا متعين، ونسبته إلى الكل نسبة الأمور الانتزاعية إلى منشأ انتزاعها، يعني يتصورن واحداً في الذهن، فإنّ كان الواحد متكمما فهو، وإلا يعتبرونه متكماً، ثم يقسمونه إلى أقسام متعادلة، وهذا نحو من التكثر الذهني يوجب حصول الكسور، وهذه الكسور بلحاظ التعيين وعدمه كما قلنا تقسم إلى ثلاثة أقسام بشرط شيء، ولا بشرط، وبشرط لا، فهذا القول أمر معقول ومتصوّر.إلا أنه قد يقال بعدم معقولية هذا القول لوجوه عديدة ذكرنا خمسة منها في بعض المباحث، وعمدتها ما أشير إليها في نهج الفقاهة، ومحصله: أن هذه الحصة التي فسرتموها بالنصف اللا متعين، وهذا النصف إمّا كلي أو جزئي، ولا يمكن الإلتزام بأي منهما ؛ لأنه إن قيل بأنه كلي، فما هو الفرق بين الكلي في المعين والمشاع؟ ومجرد القول بالنصف اللا متعيّن والنصف اللا بشرط التعيّن لا يوجب فرقاً، والحال أنّ بينهما فروقاً كثيرة، كما في المكاسب وغيره.منها: أن تعيين الكلي في المعين بيد البائع الذي هو مالك الكل، وقد يتعيّن بواسطة التلف وأشباهه، وأما في الكسر المشاع فكلاهما على حد سواء، وليس لأحدهما تعيين الحصة.
ومنها : أنّ التلف موجب للتعيّن إذا كان الباقي بمقدار الكلي، وأما في الكسر المشاع فالتلف يكون عليهما، فلا يمكن القول بأن النصف اللا متعيّن كل.وكذلك لا يمكن القول بأنه جزئي؛ إذ الجزئية مساوقة للتشخص والتعين، وهذا كيف يكون جزئياً مع أنه لا تعين له، فهو من الفرد المردد، والفرد المردد غير معقول؛ إذ لا يعقل الترديد في الماهيات ولا في الوجود؛ إذ لكل ماهية حد محدود، والوجود مساوق للتشخص، والنصف اللا متعين مناف للجزئية.ويمكن الجواب عنه بأنا نلتزم بأنّ هذا النصف اللا متعين جزئي، ولا يمكن الإلتزام بأنه كلي؛ لأنّ الكلي قابل للإنطباق على كثيرين، وكل نصف فرض في هذه الدار أو هذا البستان يكون نصفاً معيناً، والحال أنّ هذا النصف بشرط لا عن التعين وغير قابل للإنطباق على كل نصف فرض، فلا يمكن الإلتزام بأنه كلي، بل نلتزم بأنه جزئي، والجزئية وإن كانت مساوقة للتشخص، إلا أنّ هذا جزئي بجزئية منشأ انتزاعه وهو البستان أو الدار، فإنا قد ذكرنا أنّ الكسر المشاع منتزع من الواحد الذي هو في المقام قد فرض بستاناً أو داراً، والبستان الذي هو الكل جزئي، ولا ترديد له في مرحلة الوجود؛ إذ هذا النصف موجود بالتبع أو بالعرض - على اختلاف فيه - بوجود شيء معيّن وهو البستان، فلا ترديد في وجوده، وهذا شبيه ما يقال في الكلي من أن الكلي يوجد بوجود الفرد، فإن وجد بوجود الفرد المعيّن فلا ترديد في وجوده، وهذا النصف اللا متعيّن موجود بوجود الكل؛ إذ ليس له وجود في ما وراء وجود الكل.وهكذا لا ترديد له في مرحلة الماهوية فإنّه نصف أو ثلث، واللا متعيّن الذي نقول به إنّما هو بلحاظ التعينات المتصورة في الأنصاف، فإنّ الدار أو البستان قابلة للتقسيم لأكثر من مليون قسمة على وجه التساوي، وهذا النصف بالنسبة إلى كل من التعينات بشرط لا.
ووصفه (باللا متعين ليس بلحاظ منشأ انتزاعه؛ لأنه متعين وجوده بوجود منشأ انتزاعه، بل كما قلنا بلحاظ الأنصاف المتعيّنة التي لا تنطبق فعلاً - أي مادام هو مشاعاً - على شيء منها، والقسمة على هذا القول مرجعها إلغاء أحد العناصر وهو عنصر اللا تعيّن وتعيينه في حصة معيّنة، والقسمة على مسلك المشهور بين الإمامية - وهو الصحيح - عبارة عن تعيين اللا متعيّن.)فظهر مما ذكرنا أن ما يقبل الكشف في الكسر المشاع هو كون كل منها مالكاً للنصف اللا متعيّن، وبتعبير آخر مالكاً لحصة غير متعيّنة.وأما الأمر الثاني وهو في كاشفية الأيادي المشتركة عن الملكية.وكان مقتضى البحث تقديم الكلام في أنّ الأيادي المشتركة هل تكون كاشفة عن الملكية؟ ثم نرى ما هو المكشوف بها، إلا أنه نظراً لوجود بعض التوهمات نتيجة الخلط في الكاشف والمكشوف قدمنا البحث عن المكشوف.وفي هذا الأمر نقول بأن استيلاء كل من الأيدي على الشيء مقرون باستيلاء الآخر، وليس مثل اليد المختصة حيث إنّ يده واستيلاءه غير مقرونة بيد أخرى، ولا ريب في أنّ اليد بالنسبة إلى المملوك كاشفة، وبالنسبة إلى المباحات مملكة، والكلام في أن الأيادي المتعددة كيف تكون يداً على شيء؟ وأنه هل تعدد الأيادي يوجب نقصاناً في اليد أو في متعلق اليد أو لا يوجب أي نقصان لا في اليد ولا في متعلقها؟في المقام احتمالات ثلاثة:الاحتمال الأول: أن تعدد الأيادي لا يوجب أي نقص، لا في اليد ولا في متعلق اليد، وهذا ما يظهر من المحقق النراقي وصاحب الجواهر والسيد الطباطبائي، أي أنّ الاستيلاء إنما يكون على تمام المال.
الاحتمال الثاني: أن تعدد الأيادي يوجب النقصان في اليد، بمعنى أن الجميعهم استيلاء واحد، فلكل منهم بعض الاستيلاء، وهذا ما ذكره المحقق العراقي في كتاب القضاء (1.)الاحتمال الثالث: أن تعدد الأيادي يوجب النقصان في المتعلق، بمعنى أن لكل منهم استيلاء على النصف المشاع، وهذا ما ذهب إليه المحقق الأصفهاني، وتبعه صاحب الرسائل.والظاهر أن الاحتمال الأول هو الصحيح - مع قطع النظر عن أن المكشوف أي شيء - ولا نرى وجهاً لنقصان اليد أو المتعلق، فإنّه من الممكن أن يكون داراً أو دكاناً تحت تصرف أزيد من يد واحدة، بحيث يتصرف كل منهم في الدكان بجميع أنواع التصرفات كالبيع والشراء وغيرهما، ومجرد ضم استيلاء لاستيلاء لا يوجب نقصاً في الاستيلاء.إلا أنه قيل مقدمة الاحتمال الثاني والثالث أنه ليس لكل منها أو منهم منع الآخر من التصرف، ومن عدم قدرته على منع الآخر من التصرف نعرف أنّ الاستيلاء استيلاء ناقص؛ لأنه لو كان مستولياً بالاستيلاء التام لكان له منع الغير من التصرف، فقد ذكر المحقق العراقي في كتاب القضاء(2: (لأن استيلاء كل واحد مستقلاً ملازم مع قدرته على منع الغير عن التصرف، وهذا المعنى لا يجامع مع قدرة الغير كذلك).)وقال صاحب الرسائل (3: (ألا ترى أنه فرق واضح بين كون شيء تحت يد شخص واحد يتصرف فيه بما يشاء ويمنع تصرف غيره أو يجيزه بأي نحو يشاء من)
إتلاف وإفساد وغيرهما، وبين كونه تحت يد شخصين يكون كل منهما متصرفاً فيه، فإنّ تصرف كل واحد ليس كالأول.)ونحن نسأل القائلين بعدم القدرة على المنع أنه ما مرادهم من القدرة؟ هل المراد القدرة التكوينية، أو القدرة الشرعية؟فإن كان مرادهم القدرة التكوينية، فمن لا يكون قادراً على منع الآخرين لا يكون مسئولياً حتى في اليد المختصة، وهذا مما لا يقول به هذا القائل.وإن كان مرادهم عدم جواز المنع شرعاً، فهذا خلط بين الآثار المترتبة على الكاشف، فإنّه حيث ذهب إلى أنّ الاستيلاء كاشف عن الملكية بالنسبة المنكشف مع إلى الكسر المشاع، ومن آثار مالكيته للكسر المشاع عدم جواز منع الشريك، فبما أنه ليس له حق المنع، فليس هنا استيلاء تام وكلامنا فعلاً في الكاشف مع قطع النظر عن المنكشف، ونحن نفرض الكلام فيما إذا لم يكن المستوليان خاضعين لأي قانون من القوانين، فهل استيلاؤهما على هذا الشيء استيلاء تام أو ناقص؟ مع قطع النظر عن المنكشف وأنه ماذا يكون مكشوفاً بهذا الاستيلاء؟ومن هنا تعرف ما في الاحتمال الثالث من الاستيلاء على النصف المشاع، فإنّ الاستيلاء إنّما يكون بالنسبة إلى مجموع العين الخارجي، والتصرفات تكون واردة على العين، لا على النصف المشاع، فإن أحد الشريكين يتصرف في الدار أو الدكان وأمثالهما بمجموع الدار وبمجموع الدكان، ولذا قلنا في الاحتمال الثاني بأن الاستيلاء استيلاء تام، لا أن يكون الاستيلاء ناقصاً.فظهر أن الاحتمال الأول هو الصحيح، ولا يمكن الإلتزام بالاحتمال الثاني والثالث.وأما الأمر الثالث: في ما هو المكشوف بالأيادي المشتركة.
الظاهر أن الكسر المشاع المتناسب مع الأيادي هو المكشوف في مورد الأيادي المشتركة، فإن كانتا اثنتين، فالمكشوف ملكية النصف، وإن كانت ثلاثة، فالمكشوف هو الثلث، وهكذا.وعمدة الدليل على ذلك بناء العقلاء، ونؤيده بمؤيدين، فإنّه لا إشكال في أنّ العقلاء إذا رأوا بأنّ غير من واحد مستول على دار أو دكان ونحوهما، ويتصرفون فيه وفي الأمتعة بأنواع التصرفات يحكمون بأنه ملك لهم ويرونهم على السواء في المالكية.وربما يستبعد هذا القول بأنه لا تناسب بين الاستيلاء التام وملكية الحصة، وهذا بخلاف بعض المسالك الأخر، فإنّه على القول بأنّ في المشاع المملوك نصف الملكية أو الملكية الضعيفة، وعلى القول بأنّ الاستيلاء استيلاء ناقص يكون الكاشف والمنكشف متناسباً، فإنّ استيلاء الناقص كاشف عن الملكية الناقصة، كما ذهب إليه المحقق العراقي.وهكذا على القول بأنّ المملوك في الكسر المشاع هو الحصة، والاستيلاء يكون على النصف المشاع، فأيضاً يكون التناسب محفوظاً، كما قال به المحقق الأصفهاني.وهكذا لو قلنا بأنّ اليد أصل، لا أن تكون أمارة، كما ذهب إليه المحقق النراقي فإنّه لو قلنا بأنّ اليد أصل وليست فيها كاشفية، فبما أنه غير لازم أن يكون بين الأصل والموضوع تناسب بل لا بد وأن يكون الأصل على وفق المصلحة، فمن الممكن أن يكون الاستيلاء ان أو الأزيد منشأ لحكم العقلاء بملكيتهم على حد سواء وعلى نحو الكسر المشاع، فعلى هذا القول أيضاً لا يلزم محذور عدم التناسب.ولكن قد يشكل بأنّ التناسب بين الكاشف والمنكشف غير محفوظ على هذا القول، إذ تقولون بأمارية اليد وكاشفيتها على نحو الكشف الإحساسي عن الملكية ومن ناحية أخرى التزمتم بأن استيلاء كل واحد منهما استيلاء تام، ومع ذلك تقولون
بأن المملوك هو الحصة، فلا تناسب بين الكاشف - وهو الاستيلاء التام - والمنكشف وهو مملوكية الحصة.ويمكن الجواب عنه بأنّ الذي قلناه في أمارية اليد هو أن اليد أمارة وكاشفة عن الملكية بالكشف الاحساسي، لا أن تكون أمارة على نحو الحكاية حتى تكون الدقة ملحوظة، بل نحن قلنا بما أنّ الاستيلاء الخارجي متناسب مع الملكية، فلذا حين يرى العقلاء الاستيلاء يرون الملكية، وهذا أمر تخيلي، ويحكمون على وفق هذا الأمر الإحساسي والتخيلي بأنّ هذا ملك فلان، والمعيار إنّما هو حكم العقلاء، وحكمهم بالملكية من جهة أنّ هذا الأمر الإحساسي على وفق المصالح، فلذا يكون هذا الأمر الإحساسي معتبراً عندهم بما أنه على وفق المصلحة ويحكمون على وفقه وأنه مالك له.ومن الواضح أن الكشف الإحساسي والتخيلي غير مبني على الدقة والتناسب بين الكاشف والمنكشف، بل يكفي أقل ارتباط بينهما، وأقل الارتباط في المقام هو أنّ المفروض أنّ كلّ واحد منهما له الاستيلاء التام بالنسبة إلى تمام المال، ويترتب بعض آثار الاستيلاء التام، وهو أن لكل منهما الحق في جميع التصرفات، وهنا ليس نقص، نعم في خصوص الملكية بما أنه لا يمكن الجمع بين ملكيتين فلذا يحكمون بأن كلا منهما مالك للحصة، والحصة أمر إنتزاعي وموجودة بوجود الكل بنحو يصح أن يقال هذه الدار لي، فيسأل: أي مقدار لك؟ فيجيب: نصفه أو ثلثه أو ربعه.وهذا المقدار من الارتباط بين المملوك والكل - يعني أن وجوده مندك في وجود الكل وبتبع وجود الكل أو بالعرض، والحال أنّ الاستيلاء بالنسبة إلى الكل، والملكية إنما تكون بالنسبة إلى الأمر الإنتزاعي وهو الحصة - يكفي في الحصة - يكفي في تصحيح الرؤية الإحساسية والتخيلية.وإنما يحكم العقلاء بأنّ لكل منهما النصف فيما إذا كانا اثنين، ويحكمون بأن لكل منهما الثلث فيما إذا كانوا ثلاثة وهكذا، من أجل أنّ الكسور غير متناهية، والحكم بأي
كسر يكون من الترجيح بلا مرجح والحكم بالنصف أو الثلث أو الربع كلّ في مورده هو المتناسب مع الأيدي.وملخص الكلام أنّ هذا الاستبعاد لا يوجب التزلزل في أصل بناء العقلاء، وهذا الاستبعاد لو كان له أثر فإنّما يكون مؤثراً في إنكار أمارية اليد في الأيادي المتعددة، لا في بناء العقلاء.وكما قلنا في أول البحث: إنّ لبناء العقلاء مؤيدين:الأول: إجماع فقهاء العامة والخاصة، فإنّهم يحكمون في مورد الأيادي المتعددة بالحصة التي نعبر عنها بالكسر المشاع، فإن كانت يدان فبالتنصيف بينهما، وإن كانت ثلاثة فيحكم بأنّ لكلّ منهم الثلث، ولا اختلاف بينهم في أن الحكم الفقاهتي هو هذا، فإنّ الحكم قد يكون حكماً فقاهتياً، وقد يكون حكماً قضائياً، والحكم الفقاهتي في مورد الاختلاف بأنّ لكلّ منهما النصف، والحكم القضائي هو الذي ينشؤه الحاكم لفصل الخصومة، وأثره فصل الخصومة، وحرمة تجديد الخصومة بعد ذلك، وعدم جواز الرد وأمثال ذلك.وهناك نزاع في أنّ في مورد الحكم القضائي بالتنصيف هل يحتاج إلى الحلف أيضاً أو لا؟وأما الحكم الإبتدائي بالتنصيف فالظاهر أنه لا إشكال فيه، وفي القضاء با أنه كل واحد منهما مدع ومدعى عليه، فلذا ذهب جمع إلى الحكم بالتنصيف مع الحلف، وهذا هو المشهور بين المتأخرين من فقهائنا وقدماء العامة، وأما القدماء منا فقد قالوا بعدم الاحتياج إلى الحلف.الثاني: الروايات، منها: موثقة يونس بن يعقوب الواردة في متاع الرجل والمرأة «وما كان من متاع الرجال والنساء فهو بينهما، فبما أنّ يدهما على هذه الأمتعة يد
مشتركة، والمفروض صورة تساوي اليدين في القوة والضعف، فلذا حكم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ : «فهو بينهما».)ويؤيد هذه الرواية رواية رفاعة النخاس عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ، وهي كما في الوسائل(1): «إذا طلق الرجل امرأته وفي بيتها متاع [فلها ما يكون للنساء، وما يكون للرجال والنساء قسم بينهما. قال: وإذا طلق الرجل المرأة] (2)فادعت أن المتاع لها، وادعى الرجل أن المتاع له كان له ما للرجال، ولها ما يكون للنساء، وما يكون للرجال والنساء قسم بينهما] (3).)ونقل صاحب الوسائل يوهم أنّ الرواية هكذا في الفقيه والاستبصار، والحال في الفقيه (4هكذا: «إذا طلق الرجل امرأته، فادعت أن المتاع لها، وادعى أن المتاع له، كان له ما للرجال، ولها ما للنساء».)وفي الاستبصار (5هكذا: «إذا طلق الرجل امرأته وفي بيتها متاع، فلها ما يكون للنساء، وما يكون للرجال والنساء قسم بينهما. قال: وإذا طلق الرجل المرأة فادعت أنّ المتاع لها، وادعى الرجل أن المتاع له كان له ما للرجال، ولها ما للنساء».)وهي على نقل التهذيب (6هكذا: «إذا طلق الرجل امرأته وفي بيتها متاع، فادعت أن المتاع لها، وادعى الرجل أنّ المتاع له كان له ما للرجال، ولها ما للنساء، وما يكون للرجال والنساء قسم بينهما».)وفي سند هذه الرواية الحسن بن مسكين، وهو غير مذكور في الرجال ولم يوثق.
إلا أنها صحيحة على نقل الصدوق؛ لأنّ روايها - على نقله - عن رفاعة النخاس هو ابن أبي عمير لا الحسن بن مسكين وهي وإن لم يذكر فيها حكم ما يكون للرجال والنساء، وحكم ما يكون للرجال، إلا أنه بقرينة قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ : «فلها ما يكون للنساء»، يظهر الحكم فيما يكون للرجال من أنه له، وكذا يظهر أن ما يكون للرجال والنساء فهو بينهما، أو لا أقل من أنّ هذه الرواية مؤيدة أيضاً.)ويمكن أن يورد على هذه الروايات - وعمدتها موثقة يونس بن يعقوب - بأنها معارضة ببعض الروايات:الأولى: صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ المذكورة في الوسائل (1): (ثم قضى بقضاء بعد ذلك لولا أني شهدته لم أروه عنه : ماتت امرأة منا ولها زوج وتركت متاعاً فرفعته إليه، فقال: «اكتبوا المتاع»، فلما قرأه قال للزوج: «هذا يكون للرجال والمرأة فقد جعلناه للمرأة، إلا الميزان فإنّه من متاع الرجل فهو لك»، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لي: «فعلى أي شيء هو اليوم»؟ فقلت: رجع - إلى أن قال بقول إبراهيم النخعي - أن جعل البيت للرجل، ثم سألته (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن ذلك فقلت : ما تقول أنت فيه؟ فقال: «القول الذي أخبرتني أنك شهدته وإن كان قد رجع عنه»، فقلت: يكون المتاع للمرأة؟ فقال: «أرأيت إن أقامت بيّنة إلى كم كانت تحتاج»؟ فقلت شاهدين، فقال: «لو سألت من بين لابتيها» - يعني الجبلين، ونحن يومئذ بمكة - «لأخبروك أنّ الجهاز والمتاع يهدى علانية من بيت المرأة إلى بيت زوجها، فهي التي جاءت به، وهذا المدعي فإن زعم أنه أحدث فيه شيئاً فليأت عليه البينة»).)فهذه الصحيحة معارضة لتلك الروايات من جهة حكمه (عَلَيهِ السَّلَامُ بأن ما كان من متاع الرجل والمرأة فهو للمرأة، ولابد من حمل تلك الروايات على التقية.)
1) وسائل الشيعة 26: 214.
ويمكن الجواب عن هذا الإيراد بأنه يمكن الجمع بينهما بأن يقال في خصوص الموارد التي يكون جري العرف والعادة على خلاف اليد المختصة أو المشتركة فالعمل يكون على وفق الجري العرفي، واليد المختصة والمشتركة إنّما تكون حجة فيما لم يكن على خلافها جري العرف والعادة، وعليه فإن كان الجهاز والمتاع من بيت العروس كما يكون ذلك متعارفاً في بعض البلدان حيث يؤتى بجميع لوازم البيت من بيت المرأة، ففي مثل ذلك يحكم بأنّ المتاع كله للمرأة، ولا يعتنى باليد. ومورد موثقة يونس بن يعقوب ورواية رفاعة هو فيما إذا لم يجر العرف والعادة على خلاف اليد، وبهذه الصورة يمكن الجمع بينهما.الرواية الثانية : ما رواه في الوسائل (1من أحكام الصلح محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن عبد اللّه بن المغيرة عن غير واحد من أصحابنا - وعبد اللّه بن المغيرة من الأكابر ومن أصحاب الإجماع والأغلب يحكمون باعتبار السند فيما إذا قال: (عن غير واحد من أصحابنا) حيث إنّه من المستبعد أن يقول بذلك ولم يكن أحد منهم ثقة - عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجلين كان معهما در همان فقال أحدهما: الدرهمان لي، وقال الآخر : هما بيني وبينك؟ فقال: «أما الذي قال هما بيني وبينك فقد أقر بأن أحد الدرهمين ليس له وأنه لصاحبه ويقسم الآخر بينهما».)وهذه الرواية رواها الشيخ في موضعين من التهذيب، إلا أنه ذكر بدل (عن غير واحد: (عن بعض أصحابنا)، وهذه الرواية مختلفة متناً وسنداً، ولا نتعرض فعلاً لهذه الجهات.)فيمكن أن يقال بأن در همين كان بيدهما، وأحدهما يقول: هما بيني وبينك والآخر يقول بأنهما لي، فلو كان ما ذكر تموه صحيحاً لكان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ حكم بالتنصيف والشركة، ومن المعلوم أن من يقول بأنهما لي هو المدعي، والآخر كلامه على وفق الميزان)
1) وسائل الشيعة 18 : 450.
والقاعدة، والقول قول من يكون قوله على وفق القاعدة، والحال أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ حكم بنحو آخر.)ويمكن الجواب عنه بوجوه متعدده، بعضها راجعة إلى اختلاف النسخ، حيث إنّ في بعض النسخ: (في رجلين كان بينهما در همان بدل (كان معها)، فيمكن القول بأنهما لم يكونا ذا اليد، مع شواهد أخر، ولا نتعرض لها فعلاً، وقد تعرضنا لها في مباحث القضاء.)والجواب الذي نذكره فعلاً هو أن النزاع لم يكن في الشركة وعدمها، فإنّه وإن كان الظاهر من قوله: (هما بيني وبينك الشركة، إلا أنّ جواب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فقد أقر بأن الدرهمين ليس له» يعرف أن النزاع لم يكن في الشركة وعدم الشركة، بل أحدهما يقول أحد الدرهمين لي والآخر لك، والآخر يقول كلا الدرهمين لي، وعلى هذا فحكم تنصيف الدرهم يكون على القاعدة، والدرهم الآخر وإن كان تحت يده إلا أنه مقر بأنه ليس له، واليد لا حجية لها مع وجود الإقرار والاختلاف في الدرهم الآخر حيث يقول أحدهما لي والآخر أيضاً يقول بأنه لي، فحكم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالتنصيف، هذا كله فيما إذا كانت الأيادي متساوية في القوة والضعف.)وأمّا إذا كانت الأيادي مختلفة في القوة والضعف، كما إذا كان بعض الأمتعة مورداً لليد الإنتفاعية لأحدهما وبعضها مورداً لليد الإنتفاعية للآخر، كما إذا كان في دكان كبير نجار وخياط والأمتعة الموجودة في هذا الدكان وإن كانت تحت يدهما، إلا أن أحدهما له اليد الإنتفاعية بآلات النجارة، والآخر له اليد الإنتفاعية بالنسبة إلى آلات الخياطة، فهنا اليد المقرونة باليد الإنتفاعية هي التي تكون قوية بالنسبة إلى الآلات التي ينتفع بها.وليس غرضنا من ذلك التناسب الذي نقلنا عن الشافعي في أوائل مبحث اليد، فإنّه يلزم من القول بالتناسب محاذير.
ويمكن تفسير موثقة يونس بن يعقوب بذلك، والقول بأنّ الأمتعة التي للمرأة يد إنتفاعية بالنسبة إليها مثل الحلي واللباس الخاص للنساء فللنساء، ففي مثل ذلك يحكم بأن المال لمن له اليد الإنتفاعية مضافاً إلى استيلائه، وهذا أيضاً عليه بناء العقلاء. هذا تمام الكلام في الجهة الخامسة.### الجهة السادسة: في أنّ المراد من اليد ما تكون قبال اليد العدوانية والأمانيةمن الجهات التي لابد من البحث عنها هي أنّ اليد في محل البحث في مقابل اليد العدوانية واليد الأمانية، فإنّ اليد بحسب اصطلاح الفقهاء قد توصف بالعدوانية، ومرجعها إلى التسلط على مال الغير بغير حق شرعي، وقد توصف بالأمانية، ومرجعها إلى التسلط على مال الغير بحق سواء كان بإذن من المالك من قبيل الوديعة والإجارة والرهن والعارية وأمثال ذلك، أم بإذن شرعي، كما في اللقطة والضالة وأمثال ذلك.وعلى أي حال، فبحسب اصطلاح الفقهاء قد تكون اليد عدوانية وقد تكون أمانية، واليد التي تكون حجة على الملكية ما تكون في قبال اليدين العدوانية والأمانية، من المعلوم أنّ لكل من اليدين أحكاماً خاصة بها، فإنّ اليد العدوانية موجبة للضمان وإن كان التلف من دون تعد وتفريط، ووجوب رده إلى المالك وغير ذلك من الأحكام المذكورة في الكتب.وكذلك اليد الأمانية، فإنّ لها أحكاماً خاصة، كوجوب الحفظ والرد إلى المالك وأمثال ذلك.فلا ريب في أن اليد تتصف بهذين العنوانين في اصطلاح الفقهاء، كما أنه لا ريب في أن اليد التي هي أمارة على الملكية لابد وأن لا تكون معنونة بأحد العنوانين، فإنّه لو كان تعنونها بأحد العنوانين محرزاً فلا يعقل أماريتها على الملكية؛ لأنّ لازم ذلك
التهافت في الجعل، فإنّ مرجع اليد العدوانية إلى أنه ليس بمالك، وكذا اليد الأمانية، ولا يمكن أن تعتبر اليد أمارة على الملكية مع تعنونها بالعدوانية أو الأمانية.فلابد لأمارة اليد على الملكية أن لا يكون العنوانان محرزين، لا بالعلم الوجداني ولا بغيره من قبيل البينة والإقرار، إنّما الكلام في اليد التي يحتمل أنها معنونة بأحد العنوانين، وكانت مسبوقة بأحدهما، كما إذا احتملنا بأن يده على هذا الشيء يد عدوانية، وكانت مسبوقة بالعدوانية، إلا أنه فعلاً نحتمل أنه انتقل إليه فيما بعد بوجه شرعي.والظاهر أنه لا خلاف بينهم - في الجملة - في أنّ اليد المسبوقة بالعدوانية أو الأمانية لا يترتب عليها أثر، أي لا تكون أمارة على الملكية في الجملة، إلا أنّ الكلام في تحديد حدود ذلك.واختلفوا في أنّ اليد التي هي أمارة على الملكية، فقال بعضهم: إنّ اليد التي لا تكون معنونة بأحد العنوانين ولو بحكم الاستصحاب أمارة على الملكية، ومعنى ذلك أن مجرد سبق اليد العنوانية غير مضر، بل لابد من سبق أحد العنوانين مع المحرز لبقاء ذلك العنوان، أي أنه لابد وأن يجري الاستصحاب بأنها - أي اليد - على ما كانت، فلا تكون اليد المسبوقة بالعدوان - التي هي بحكم الاستصحاب فعلاً يد عدوانية - أمارة على الملكية، فكأنّ الدليل هكذا كل يد أمارة على الملكية إلا ما كانت معنونة بأحد العنوانين ولو بحكم الاستصحاب.وهذا ما يظهر من كلام السيد الطباطبائي في ملحقات العروة، وكذا المحقق النائيني والمحقق الأصفهاني.وقال بعض آخر: إنّ اليد التي أمارة على الملكية، هي اليد التي لا تكون مسبوقة بأحد العنوانين، وأما إذا كانت مسبوقة بأحدهما، ولم يكن لدينا محرز على انتفاء ذلك العنوان، فمثل هذه اليد لا تكون أمارة على الملكية.
ومنشأ هذين القولين، بحيث يظهر الفرق بينهما، هو أنّ منشأ القول الأول، أنّ اليد بحسب اصطلاح الفقهاء - كما ذكرنا في أول البحث - قد تعنون بالعدوانية وقد تعنون بالأمانية، ويعبّر عن الأول بالغصب، وهو الاستيلاء على مال الغير عدواناً، ويعبّر عن الثاني بالأمانة، وهي الاستيلاء على مال الغير بحق بأذن من المالك أو الشارع.وما أخذ في موضوع اليد - التي هي أمارة وحجة على الملكية - مضافاً إلى الشكّ في الملكية وعدم الملكية - ومن الواضح أنّ الشكّ مأخوذ في موضوع كل أمارة، فإنّ الأمارات والأصول إنما تكون في مورد الشكّ - أن لا يحرز ولو بحكم الاستصحاب أنها معنونة بأحد العنوانين، فإن أحرز ولو بالاستصحاب أنها معنونة بأحد العنوانين لم تكن حجة، وأما إذا لم يثبت بالاستصحاب أنها معنونة بأحد العنوانين، كما في موارد تعاقب الحالتين، فلا مانع من حجية اليد وأماريتها على الملكية، فإنّ في موارد تعاقب الحالتين إما أن لا يجري الاستصحاب لقصور الدليل وإما أن يجري فيعارضه الاستصحاب الآخر ويتساقطان.وأساس هذه الفكرة أنّ الاستصحاب تارة يكون في مؤدى اليد كاستصحاب عدم الملكية أو استصحاب الملكية.وأخرى يكون في غير مؤدى اليد، لكنه متعرض لحال اليد.واليد إنما تكون مقدمة بالنسبة إلى الاستصحاب الجاري في مؤدى اليد، وإلا لزم سقوط جميع الأيادي؛ إذ ليس مورد إلا ويجري فيه استصحاب عدم الملكية أو عدم الإنتقال وأمثال ذلك.وأما الاستصحاب الثاني - الذي هو ناظر إلى حالة اليد - مثل استصحاب حالة اليد فيما إذا كانت عدوانية، فنحكم بأنّها الآن عدوانية، فمثل هذا الاستصحاب مقدم على اليد، وما يقال من أنّ اليد مقدمة على الاستصحاب المراد به هو الاستصحاب الحكمي مثل استصحاب عدم الملكية، فالاستصحاب الناظر إلى حالة اليد رافع
لموضوع اليد؛ إذ اليد إنما تكون أمارة وحجة عند العقلاء فيما إذا كانت اليد مشكوكة، وحالتها مشكوكة أيضاً، فإذا أحرزنا بالاستصحاب أنها عدوانية فيرتفع موضوع الحجية لليد.وأما أساس القول الآخر، الذي قال به جماعة منهم المحقق العراقي، فهو أنه ليس في المقام استصحاب إلا الاستصحاب الجاري في مؤدى اليد، وهو استصحاب عدم الملكية، وأما استصحاب حالة اليد فلا وجه له.توضيح ذلك : أن اليد مقدمة على استصحاب عدم الملكية، وهذا أمر واضح، وأما الاستصحاب الآخر الذي يكون ناظراً إلى حالة اليد فهو غير جار؛ إذ ذكرنا في مباحث الاستصحاب أنه لابد وأن يكون مجرى الاستصحاب حكم أو موضوع ذي حكم، وأما في الأمور التي ليس لها تأصل في لسان الشارع المقدس، بل نحن ننتزعه، فلا يجري فيها الاستصحاب.فقد ذكر في مبحث تأخر الحادث بأنه لو لم يؤخذ عنوان التقدم أو التقارن أو التأخر في لسان الدليل، بل أخذ منشأ انتزاعه كالصلاة مع الطهارة، ففي مثل ذلك لا يمكن إجراء الاستصحاب بأن نستصحب عدم تقارن الصلاة مع الطهارة؛ إذ ليس في الدليل عنوان التقارن بل نحن نحتاج إلى صلاة وطهارة واجتماعهما في الزمان والتقارن وإن كان أمراً انتزاعياً من تجمعها، إلا أنّ هذا الأمر الانتزاعي ليس مجرى للاستصحاب؛ لأنه لم يؤخذ في لسان الدليل موضوعاً للحكم، وإثبات منشأ الانتزاع أو نفيه بواسطة إثبات الأمر الانتزاعي أو نفيه يكون من الأصل المثبت.والأمر في المقام كذلك، فإنّ تقسيم اليد إلى يد عدوانية ويد أمانية في قبال الملك مجرد اصطلاح من الفقهاء، ومرجعه إلى انتزاع عنوانين لليد إذا كانت مقرونة باستيلاء غير ذي اليد - أي المالك - إما من غير حق أو عن حق، فإذا كانت اليد مقرونة
باستيلاء غير ذي اليد وكانت عن غير حق فينتزع عنوان الغصبية والعدوانية، وإذا كانت السيطرة على مال الغير مع إذن من المالك أو الشارع فينتزع منه اليد الأمانية.فعنوان الأمانية والعدوانية عنوانان منتزعان، وليسا من الأمور التي تكون مجرى للأصول.وما له واقعية ليس إلا الملكية وعدم الملكية، والاستصحاب لو كان يجري فإنّها يجري في عدم الملكية، والمفروض بما أنه يكون في مؤدى اليد فمحكوم لليد، وعليه فلا يجري الاستصحاب في الغصبية والأمانية؛ لأنهما عنوانان منتزعان من عدم الملكية.وعلى ما تقدم من عدم جريان الاستصحاب في حالة اليد هل يحكم بالملكية مع سبق يده على العين بالغصبية أو الأمانية أو لا؟فيقال: بأنه لا يحكم بالملكية؛ وذلك من جهة أنّ اليد إنما تكون حجة وأمارة فيما إذا لم تكن يده مسبوقة بمال الغير، ولم تكن حجة على ارتفاع تلك اليد الغصبية، فالمدعى يكون أنّ ما بنى عليه العقلاء هو أمارية اليد فيما إذا كانت مشكوكة بأنها يد ملك أو غير ملك، ولم تكن مسبوقة بغير الملكية، ومنشأ هذا الشرط هو أن دليل حجية اليد عبارة عن أحد أمرين: بناء العقلاء، ورواية حفص بن غياث، وكل واحد منهما قاصر عن إثبات حجية اليد فيما إذا كانت مسبوقة بملكية الغير، كما إذا كانت يده على هذا الشيء - الذي يده عليه فعلاً - يد عصبية، ونشك في أنه هل انتقل إليه فيما بعد بوجه شرعي أو لا؟ فهنا يده بما أنّها كانت مسبوقة بالغصب - لا من حيث جريان الاستصحاب في حالة اليد - فلا يرى العقلاء مثل هذه اليد أمارة على الملكية.وأما رواية حفص فيما أنه ذكر في ذيلها «لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق» ليس فيها إطلاق بالنسبة إلى اليد المسبوقة بالغصب أو الأمانة؛ إذ السوق غير متقوم بمثل هذه اليد.هذا تمام الكلام في توضيح المسلكين، ووجه ذهاب كل منهم إلى ما ذهب إليه.
وبما ذكرنا ظهر أن الفرق بين المسلكين يظهر في تعاقب الحالتين، كما إذا علمنا بأنه كانت يده على هذا الشيء يد غصب في زمان، ونعلم بأن يده عليه كانت يد ملك في زمان، وشككنا في المتقدم منهما والمتأخر، وبين القولين عموم وخصوص مطلق فإنّه على القول الأول تكون اليد حجة في تعاقب الحالتين؛ إذ ما كان مانعاً من اليد هو إحراز حالة اليد، وبما أنّه لا يمكن إحراز حالة اليد من جهة تعاقب الحالتين فلا يكون هناك مانع من أمارية اليد وحجيتها، فنحكم بحجية يده وأماريتها؛ لأنها مشكوكة الحال، وليس لنا محرز لإثبات الحالة السابقة.وعلى القول الثاني لا يمكن الحكم بحجيتها وأماريتها؛ وذلك من جهة أن الموضوع - وهو اليد المشكوكة - مشروط بعدم سبقها بالغصب أو الأمانة، والمفروض أن يده مسبوقة باليد الغصبية أو الأمانية.والظاهر أن القول الأول هو الصحيح؛ وذلك من جهة تأصل هذه العناوين عند العقلاء، وللغصب في الشريعة المقدسة أحكام، كما أن للأمانة أحكاماً، وتأصل هذه العناوين عند العقلاء كافٍ في جريان الاستصحاب.والعمدة هنا تحديد حدود اليد، وبما أنّ استكشاف بناء العقلاء أمر مشكل، فالعمدة إطلاق الروايات.أما رواية حفص بن غياث، فقد تقدم أنها ضعيفة سنداً ولا يمكن تصحيح سندها بأي وجه من الوجوه.وأما دلالتها فقد تقدم الكلام فيها أيضاً، وقلنا: إنّ قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ : «لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق» مسوق لبيان كساد السوق إذا لم تجز الشهادة والانتساب إلى النفس والحلف عليه، فالاستدلال بها غير ممكن؛ إذ لا إطلاق لها، والرواية صدراً وذيلاً مسوقة لبيان جواز الشهادة وعدم جوازها.)
وأما موثقة يونس بن يعقوب: «ومن استولى على شيء فهو له» - وهي العمدة - والروايات الأُخر المشابهة لها فمن الممكن إستفادة الإطلاق منها، ونقول بأن القدر المتيقن الذي هو خارج عن الإطلاقات هو فيما إذا كان أحد العنوانين محرزاً ولو بالاستصحاب، وفيما عداه نأخذ بالإطلاق. وأما عنوان عدم لزوم سبق ملكية الغير فهو عنوان أعم يوجب التخصيص الزائد وليس عليه دليل، وهو على خلاف الميزان.وبإطلاق الأخبار يترحج القول الأول؛ لأنّ بناءً عليه يكون التخصيص أقل؛ حيث لا يقتضي سقوط اليد في موارد تعاقب الحالتين، بخلاف القول الثاني الذي يقتضي عدم حجية اليد حتى في تعاقب الحالتين حيث لا يجري الاستصحاب، فنرفع اليد عن الإطلاقات بالمقدار المتيقن.وأما السيرة العقلائية - التي هي عمدة الدليل على حجية اليد - فهل تقتض القول الأول، أو القول الثاني؟فنقول: إن السيرة - بناءً على ما ذكرنا في أوائل مبحث اليد - معتمدة على الكشف الإحساسي والتخيلي من أن من بيده المال مالك له، والاستصحاب أيضاً مبتن على الإحساس، وهو من الأصول العقلائية، بمعنى أن من رأى شخصاً على حالة يراه فيما بعد على تلك الحالة، ويتخيله على الحالة التي رآه بها ويرتب الآثار على تلك الحالة في مرحلة الإحساس.وحيث إنّ اليد والاستصحاب كلاهما مما بنى عليه العقلاء من جهة الكشف الإحساسي، وإنّما اعتبرهما العقلاء لمصالح، فعليه لا تكون اليد المسبوقة بأحد العنوانين أمارة عندهم على الملكية؛ لأنّ المفروض أنها كانت عدوانية والآن يرونها على تلك الحالة، ففيما إذا كانت اليد العنوانية محرزة ولو بالاستصحاب، فلا يرون العقلاء مثل هذه اليد أمارة على الملكية، بل يرونها إما يداً عدوانية أو أمانية، والسيرة وإن كانت من الأعمال الخارجية إلا أنه تحت محاسبة نفسانية.
وأما في صورة تعاقب الحالتين وعدم إمكان إحراز أحد العنوانين بالاستصحاب، فمجرد ملكية الغير في بدو حدوث اليد غير مانعة من حجية اليد، فإنّه يسأل بأي معيار ترفعون اليد عن اليد التي كانت كاشفة عن الملكية عند العقلاء بمجرد السبق بأحد العنوانين الذي ليس له محرز فعلاً؟ورفع اليد عن أمارية اليد محتاج إلى تعبد، وأما الذوق العقلائي فهو غير مناسب.وبعبارة أخرى: اليد التي ثبتت حجيتها من باب بناء العقلاء من المناسب أن يكون محدّدها شيئاً يعترف به العقلاء.وإذا فرضنا عدم جريان الاستصحاب الذي هو أيضاً مما بني عليه العقلاء؛ إذ المفروض في صورة تعاقب الحالتين إما أن يقال عدم جريان الاستصحابين لقصور دليل الاستصحاب، أو جريانهما وتساقطهما، فمجرد سبق ملكية الغير الذي لا يمكن إحرازه بالاستصحاب غير كافٍ لرفع اليد عن أمارية اليد.فظهر أنه إذا كان المرجع هو السيرة، فهي أيضاً لا تقتضي عدم حجية اليد في صورة تعاقب الحالتين، كما إذا كان المرجع هو الأخبار، فهي أيضاً لا تقتضي عدم حجية اليد، بل يمكن التمسك بإطلاقها لإثبات الحجية.### بقي هنا شيءثم إنه إذا قلنا بأن سبق اليد العدوانية أو الأمانية مانعة من حجية اليد إما للاستصحاب أو لمجرد سبق اليد على ملك الغير، فكيف يتعامل مع هذا المال الذي بيده؟ وهذا تارة يفرض في غير صورة التنازع وأخرى في صورة التنازع.أما في صورة غير التنازع، فإذا كانت اليد عدوانية، فلا يجوز البيع والشراء والتصرف في هذا المال، وإن كانت اليد أمانية، فلابد من ملاحظة أنه من أي نوع من الأمانة، فإذا كانت يده يد وديعة أو عارية وأمثال ذلك، فلا يجوز بيعه وشراؤه، وإن
كانت يد الوكيل المفوض أو عامل المضاربة وأمثال ذلك فيجوز البيع والشراء والإجارة وأمثال ذلك.وإذا علمنا أنه كانت يده أمانية، إلا أنا لا نعلم أنها من أي نوع من الأمانة، هل من قبيل العارية أو الوكيل المفوض ؟ فأيضاً يجوز البيع والشراء؛ لأنّ يده في أول الأمر كانت كاشفة عن الملكية وملكية التصرف فبالمقدار الذي نعلم نرفع اليد عنها، وهو أن المال ليس له، وأما ملكية التصرف فهي باقية، وقد ذكرنا سابقاً أنه يمكن التفكيك بين الملكية وملكية التصرفات؛ لأنه من الممكن أن لا يكون مالكاً للعين ويكون مالكاً للتصرفات، كالوكيل والولي وأمثال ذلك.وأما صورة التنازع، فقد يكون طرف النزاع هو المالك الأول، وقد يكون غيره، فإن كان طرف النزاع هو المالك، فالقول قوله إذا ادعى أن الملك ملكه، وذلك للاستصحاب أولاً، فإنّه يستصحب بقاء ملكية العين له، وثانياً لإمكان عد المالك الأول ذا اليد؛ لأنّ المفروض أن يد الثاني بالاستصحاب يد عدوانية منه، أو يد أمانية منه، وثبت في محله أن يد الأمين وحتى يد الغاصب يد المالك الأصلي، وفي الحقيقة ذو اليد هو المالك الأول، ويد الأمين يد تبعية.وأما إذا كان طرف النزاع غير المالك الأول، وادعى أنه هو المالك، فهنا يرجع إلى المالك الأول، فإن قال المالك الأول، هذا ليس لي فعلاً، ولم يقل أنه لمن هذا المال، فبمجرد أنه أقر بذلك (من ملك شيئاً ملك الإقرار به، فلا يكون هنا استصحاب، والمفروض أنه لولا الاستصحاب كانت يده حجة، فيكون من بيده المال هو ذو اليد والذي يدعي أنه له يكون مدعياً، ولابد من إثبات مدعاه.)وإن قال المالك الأول هذا لمن بيده المال فعلاً، فالحكم أنه له، وللآخر أن يثبت مدعاه.
وإن قال: إنّ المال لكليهما، أي المدعي ومن بيده المال، فيحكم بأنه لها؛ إذ يده إنما تكون حجة بالنسبة إلى ما أقر المالك الأول أنه له، وليس في هذا المقدار استصحاب، وأما المقدار الذي أقر بأنه للآخر فلا تكون يده عليه كاشفة عن الملكية.نعم إن قال هذا ليس لي بل لهما، أو بل بعضه لفلان فتكون يد من بيده المال فعلاً حجة؛ وذلك لأنه بمجرد أن قال: هذا ليس لي فقد أقر على نفسه بما يجوز الإقرار، وتكون يد من بيده المال حجة، وقوله : (بل لهما أو (بل بعضه لفلان) إقرار على الغير، والإقرار على الغير غير مسموع.)وهناك صور أخرى لم نتعرض لها ويظهر حكمها بالتأمل فيما ذكر.### الجهة السابعة: في إقرار صاحب اليد على أن المال كان لغيرهويقع الكلام في هذه الجهة حول ثبوت ملكية الغير للمال قبل وضع اليد عليه، ويختلف هذا البحث عن البحث السابق الذي كان في ثبوت ملكية الغير حال حدوث اليد، حيث قلنا بأنّ مثل هذه اليد لا اعتبار بها، وهنا الملكية ثابتة قبل حدوث اليد، ولا ريب فيما إذا كانت الملكية ثابتة بالبينة أو العلم الخارجي فاليد مقدمة على الاستصحاب، واستصحاب ملكية الغير غير مفيد؛ لأحد وجهين:الوجه الأول: ما ذكرناه في باب الاستصحاب من أن الاستصحاب لا يمكن له أن يعارض الحجج، ودليل الاستصحاب قاصر عن شموله لموارد وجود الحجة «لا تنقض اليقين بالشك».الوجه الثاني: ما تكرر منا من أنّ الاستصحاب واليد حجتان عقلائيتان والحجج العقلائية ذات درجات عند العقلاء.وفي مورد اليد والاستصحاب - أي استصحاب عدم الملكية - تكون اليد مقدمة عند العقلاء على الاستصحاب، وإلا لزم سقوط اليد مطلقاً، فإنه كل من بيده المال لم
یکن مالكاً له من الأول، والاستصحاب إنما يكون حجة فيما إذا لم تكن اليد، واليد حجة فيما إذا لم يكن إقرار، والإقرار حجة فيما إذا لم تكن بينة.والغرض أنّ الأمارات العقلائية لها درجات، ومع وجود الدرجة العالية لا تصل النوبة إلى الدرجة النازلة، والبحث في أنّ اليد هل هي حاكمة أو لا؟ لا يترتب عليه أثر.ففي دوران الأمر بين اليد والاستصحاب تكون اليد مقدمة، ولا يعتني باليد السابقة، فلو وقع النزاع بينهما يكون من بيده المال هو المدعى عليه والآخر مدعياً، والقول قوله؛ لأنّ اليد السابقة منتفية، والاستصحاب وإن كان جارياً إلا أن اليد مقدمة على الاستصحاب.وعليه فما ذكره المحقق في الشرائع، والعلامة في الارشاد من أن قول المالك السابق مقدم لا نعرف له وجهاً وجيهاً. كما أنّ ما ذكره العلامة في التحرير من تساقط اليدين لا نعرف له وجهاً؛ إذ اليد السابقة لا يمكنها أن تعارض اليد الفعلية؛ لأنها منتفية فعلاً باليد اللاحقة، وما يمكن أن يكون معارضاً إنما هو الاستصحاب، والمفروض أن اليد مقدمة على الاستصحاب.والحق هو ما ذهب إليه المشهور من أنّ القول قول من بيده المال فعلاً.وأما لو أقر ذو اليد بملكية سابقة للغير، فهذا موجب لسقوط يده على المشهور، والكلام في ما هي خصوصية الإقرار، فإنّه لو ثبت بالبينة أو العلم الخارجي أنه كان ملكاً للغير لم يكن يترتب عليه أثر، وأما لو أقر ذو اليد بأنه كان ملكاً لفلان فتسقط يده في قبال المالك الأول لو تنازعا.ذكر المحقق النائيني وبعض من أعاظم تلامذته في توجيه ذلك بأن السر في ذلك ليس في تقدّم الاستصحاب الناشيء من الإقرار على اليد، بل من باب انقلاب الدعوى، فإنّه إذا أقر بذلك عند الحاكم انقلب النزاع، فيكون من بيده المال مدعياً لانتقال المال إليه، والآخر - أي صاحب المال المقر له - ينكر ذلك، والأصل عدم
الإنتقال، واليد الفعلية لا تثبت اللوازم ومنها إنتقال المال إليه، فلذا يكون القول قول المالك الأوّل المقرّ له.ويمكن المناقشة في ذلك:أولاً: مجرد الإقرار بأنه كان له لا يوجب انقلاب الدعوى مطلقاً، كما ذكر في مباني التكملة (1لأنه وإن أقر بأنه كان له سابقاً، إلا أنه لا يقر بانتقاله منه إليه بلا واسطة، بل من الممكن أن تكون هنا واسطة انتقل إليها أولاً ثم إليه، وعليه فهو لا يدعي الانتقال منه مباشرة حتى يمكن تشكيل الدعوى، والمفروض أن الواسطة لیست بطرف النزاع، نعم لو ادعى انتقل منه إليه مباشرة يمكن القول بذلك، وأما مجرد الإقرار بأنه كان ذلك له سابقاً لا يوجب انقلاب الدعوى، فإنّه كما قلنا ليس لازم ذلك انتقاله إليه مباشرة، فإنّ جميع الأموال أو أغلبها هكذا، فإنّ الكتاب أولاً كان لناشر ثم انتقل إلى بياع الكتب، ثم انتقل إليه، ومجرد الإقرار بأن الكتاب كان لناشر ليس معناه انتقاله إليه مباشرة، وهكذا الأشياء الأخر.)فقد قال السيد الخوئي في مباني التكملة (2: (فإنّ الإقرار بالملكية السابقة مع دعوى الملكية فعلاً لا ينفك عن دعوى الإنتقال، ومعنى ذلك أن صاحب اليد يدعي أن ملكيته إنّما هي من جهة الإنتقال ممن اعترف بملكيته سابقاً، وعليه فالملزم بالإثبات وإقامة البينة إنّما هو صاحب اليد وهو المدعي).)وقد عرفت أنه لا ملازمة بين إقراره بملكيته السابقة وبين دعواه انتقل إليه منه مباشرة، بل ربما يكون انتقل إليه بالواسطة، هذا مع قطع النظر عن مناقشته في أنّ الدلالة الإلتزامية غير مؤثرة في طرح الدعوى، ومن أنّ الإقرار في غير محضر الحاكم لا يترتب عليه أثر.
وأما إذا أقر بأنه كان للآخر وانتقل إليه مباشرة، فهل هذا يوجب سقوط اليد أو لا؟فهنا قولان: قول بعدم سقوط اليد، وقول بسقوطها.وللقول بعدم سقوط اليد هنا مسلكانأحدهما: ما ذكره المحقق الأصفهاني من أنّ مثبتات الأمارات حجة، واليد من الأمارات، فلو ادعى بأنّ هذا الكتاب مثلاً له، فهذه اليد تثبت لوازمها التي منها انتقاله إليه، كما تثبت أحكامها مثل الانتقال إلى الوارث.وعليه فكما أن الأمارة مقدمة على الاستصحاب بمدلولها المطابقي، كذلك الأمارة مقدمة على الاستصحاب بمدلولها الإلتزامي، فلا يجري الاستصحاب.ويرد عليه أنه قد تقدم في مبحث الاستصحاب عدم حجية مثبتات جميع الأمارات، بل فيها تفصيل.فإن كانت الأمارة مما لها كشف إدراكي ناقص والشارع المقدس تم كشفها، فمثبتاتها حجة كالخبر والبينة وأمثال ذلك.وأما إذا كان كشفها كشفاً إحساسياً، فمثل هذه الأمارة ليست لها الخاصية المنطقية، بمعنى أن تكون مثبتاتها حجة والاستصحاب واليد من هذا القبيل، ومثبتاتهما ليست بحجة.وهذا الذي ذكره المحقق الأصفهاني من حجية مثبتات اليد ذهب إليه المحقق العراقي أيضاً، إلا أنه ذكر أنّ الإجماع قائم على سقوط اليد فيما إذا أقر بأنه كان له، والظاهر أنه لا إجماع في المسألة كما ادعاه المحقق العراقي.ثانيهما: أن المعيار في تشخيص المدعي والمنكر هل هو مصب الدعوى أو الهدف؟ وبعبارة أخرى هل المعيار هو العنصر الشكلي أو العنصر المعنوي؟
فإن كان المعيار عبارة من العنصر الشكلي فالحق ما ذهب إليه المشهور من سقوط اليد، وأما إن كان المعيار هو العنصر الشكلي والهدف - فإنّ الهدف هو أخذ المال ممن بيده المال - فلا وجه لما ذهب إليه المشهور.والمختار: أن المعيار في تشخيص المدعي والمنكر ليس هو المصب، بل المعيار هو الهدف والعنصر المعنوي.ولتوضيح ذلك نذكر ما عنون في بحث القضاء، وهو: أنه لو تنازع ذو اليد مع من كان له المال سابقاً، بأنه انتقل إليه بالبيع والآخر يدعي أنه انتقل إليه بالهبة، أو بالعكس، فبناءً على أن يكون المعيار مصب الدعوى والعنصر الشكلي، فيكون قول كليهما مخالفاً للأصل، ويكون من باب التداعي والتحالف، ويحكم بعدم تحقق كل واحد منهما إذا حلفا.وأما بناء على أن يكون المعيار هو الهدف، فتختلف المسألة، فقد يكون القول قول من يدعي البيع وقد يكون القول قول من يدعي الهبة، فإنه لو كان النزاع بداعي أن من انتقل إليه المال بالهبة تكون ذمته فارغة وغير مشغولة بالثمن، والمنتقل عنه في الحقيقة يطالب منه الثمن، ويقول بأنه انتقل مني إليه بالبيع، والأصل براءة ذمة من انتقل إليه عن العوض والثمن، فالقول قول من يدعي الهبة.وإن كان النزاع بداع آخر، كما إذا ادعى المنتقل إليه بأنه انتقل الي بالبيع حتى يكون لازماً وليس له أن يرجع، والآخر يدعي أنه انتقل مني بالهبة فلي أن أفسخها، وعليه بما أنّ الأصل في الملكية - كما ذكر في المكاسب - هو اللزوم، فيكون القول قول من يدعي البيع، لا من جهة البيع، بل من جهة أنّ المعيار هو الهدف، والبيع يقتضي اللزوم.ثم إنّه ذهب جماعة إلى أن المعيار في تشخيص المدعي والمنكر هو الهدف والغرض من الدعوى، ونحن ذكرنا في مبحث القضاء أنه يمكن الاستدلال لهذا
المدعى بالإطلاق المقامي لقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ : «البينة على من ادعى واليمين على من ادعي عليه» (1)، وبما أنه لم يبين في الشريعة المقدسة ما يمكن به تمييز المدعي من المدعى عليه، بل أوكل الأمر إلى العرف، والعرف يمييز المدعي من المنكر بالهدف، لا بشكل طرح الدعوى.)وقد استدل لذلك بروايات، ونحن قد ناقشنا في دلالتها في مبحث القضاء، إلا أن أصل المطلب ثابت.وعلى هذا الأساس لابد من ملاحظة الهدف والغرض من الدعوى، فإن كان النزاع والدعوى من أجل أخذ المال تمن بيده المال فعلاً فيكون هو المدعي، ومن يريد التحفظ على ما بيده هو المنكر، وعليه فلا يفرق بين أن تكون الدعوى بهذه الصورة بأن يقول: (كل منهما لي، أو يكون بهذه الصورة بأن يعترف صريحاً كأن يقول: (كان لك إلا أنه انتقل الي)، ولاسيما إذا قال أولاً بأنه لي، ثم قال بأنه كان سابقاً لك، فإنّه لو كان بالمدلول المطابقي لم يكن يترتب عليه أثر فضلاً عن المدلول الإلتزامي، مضافاً إلى أنه ليس في البين مدلول إلتزامي؛ لأنا ذكرنا أن قوله هذا لا يدلّ على الانتقال منه مباشرة. والمختار هو عدم انقلاب الدعوى مطلقاً. ومن هنا يظهر أنه لا نحتاج إلى البحث عن التفصيلات المذكورة من الإقرار في محضر الحاكم وغيره ومن الدلالة المطابقية أو الدلالة الإلتزامية.)وإذا لم نقل بهذا القول، وقلنا بالقول الأول فلابد من البحث عن هذه الأمور. والقول بلزوم الإقرار في محضر الحاكم وأن يكون بالدلالة المطابقية أقوى مما ذهب إليه المحقق النائيني من انقلاب الدعوى مطلقاً، أي سواء كان الإقرار في محضر الحاكم أم لم يكن، وسواء كانت الدلالة مطابقية أم إلتزامية.
1) الكافي 7: 415.
ولعل من ذهب إلى انقلاب الدعوى ومن قال بأنّ اليد السابقة مقدمة على اليد اللاحقة، أو من قال بتعارض اليدين وتساقطها إنما قالوا بهذا من أجل أن الحكم على طبق اليد اللاحقة كثيراً ما يكون خارجاً من الحكم بالقسط والعدل الذي يحكم به ضمير الإنسان، فإنه لو أخذ ظالم قاهر مال رجل، وكان المال حين المحاكمة بيد الظالم، فلو حكم على المالك الأول - والذي يقر له من بيده المال أنه كان سابقاً له - بالإثبات وإقامة البينة، يُرى أن هذا خارج عن القسط والعدل، فلعل هذا هو منشأ من ذهب إلى انقلاب الدعوى أو تعارض اليدين وتساقطها أو أنّ اليد السابقة مقدمة على اللاحقة.إلا أنه لابد للحاكم من ملاحظة اليد، وأنها هل مشوبة بمعارضة العرف والعادة أو لا؟ كما أشير إليه في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج - التي أشرنا إليها سابقاً - حيث إنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ حكم بأن جميع المال للمرأة، فإن العادة كانت على أنّ الجهاز والأمتعة يؤتى بها من بيت المرأة.)ونحن نقول بحجية اليد التي لم تكن مشوبة بمعارضة العرف والعادة، وقد لا يجوز الشراء من بعض الأيادي.مضافاً إلى أنّ القول بانقلاب الدعوى أيضاً قد يكون مخالفاً للضمير والوجدان، فإنّ الأشياء المصنوعة في المصانع والكتب المطبوعة في المطابع وأمثال ذلك، ليس لأحد إنكار أنها كانت لصاحب المصنع أو أنّ هذا الكتاب لناشر وأمثال ذلك، بل إنكاره يكون من إنكار البديهيات، ومع ذلك فالحكم بأن من بيده المال عليه الإثبات حكم على خلاف الضمير والوجدان.وملخص الكلام: أنّ الذي يقتضيه القانون الشرعي هو اعتبار قول ذي اليد، ولا أثر للإقرار، إلا أنّ على القاضي تكشف الأمور، والتفحص من أن هذه اليد أيّ يد؟ وهل تكون مشوبة بمعارضة العرف والعادة أو لا؟
ففي كل مورد تكون اليد عند العرف ساقطة فلا يحكم بحجيتها، كما إذا ادعى سارق ومن هو مشهور بالسرقة أن المال الذي بيده له، وهناك من يدعي أن المال له. ففي مثل ذلك لا يحكم العرف بحجية يد من اشتهر بالسرقة والخيانة.ويمكن الاستدلال لما ذهبنا إليه من عدم انقلاب الدعوى بحديث فدك، ونتعرض له في البحث اللاحق.### الجهة الثامنة : في ما لو أقر صاحب اليد لمن يقوم مقام المالك، بأن المال لهومن الجهات المتفرعة على مسلك المشهور من انقلاب الدعوى هي أنه لو أقر من بيده المال لمن يكون قائماً مقام المالك الأول إما بإرث أو وصاية بأن كان وصياً أو موصی له، فهل هذا الإقرار موجب لسقوط اليد وانقلاب الدعوى أو لا؟فيه أقوال ثلاثة:ونحن حيث قلنا بأنه لو أقرّ من بيده المال للمالك الأول بالدلالة المطابقية لم يكن إقراره موجباً لسقوط يده فبطريق أولى نقول به فيما إذا أقر لمن هو قائم مقام المالك الأول.القول الأول: إن الإقرار للموصي أو الموصى له موجب لانقلاب الدعوى مطلقاً، بالتقريب المتقدم بالبحث السابق، وكما أنّ الإقرار لنفس المالك الأول كان موجباً لانقلاب الدعوى، كذلك الإقرار للوارث أو الوصي أو الموصى له الذي قائم مقام المالك الأول موجب لانقلاب الدعوى، وهذا الإقرار يكون إقراراً لهم؛ لأنّ سلطنتهم امتداد لملكية وسلطنة الميت.القول الثاني: عدم الانقلاب هنا مطلقاً حتى إذا قلنا بالانقلاب في البحث السابق؛ وذلك لأنّ المقر إنّما يقر بأنّ هذا المال كان للميت، والذي هو مقر له المفروض أنه ميت وليس له ادعاء، ومن يقوم مقامه لم يكن الإقرار له، بمعنى أنه لم يقر أنه انتقل منه إلي حتى يدعى عدم الانتقال، فهو خارج عن طرف النزاع، ومجرد أنه وارث أو
وصي أو موصى له، غير مفيد لانقلاب الدعوى؛ لأن الوراثة إنما تكون فيما تركه من حق أو مال، ومن أين يثبت أن هذا شيء تركه لوارثه؟وعلى فرض التسليم والتنزّل عما ذكرناه، فهذا القول أقوى من غيره.القول الثالث: ما ذكره المحقق النائيني والمحقق العراقي، إلا أن المحقق النائيني قال به على طبق القاعدة، والمحقق العراقي قال به من جهة الإجماع، وهو التفصيل في المسألة بين الإقرار للمورث، فهذا موجب لانقلاب الدعوى، وبين الإقرار للموصي، فهذا لا يوجب انقلاب الدعوى بالنسبة إلى الوصي والموصى له.وذكر المحقق النائيني ذلك على وفق نظريته في الملكية، والمحقق العراقي قال بهذا التفصيل وتمسك بالإجماع، وبما أنه لا إجماع في البين، نتعرض لما ذكره المحقق النائيني إجمالاً.وملخص كلام المحقق النائيني في مسألة الملكية هو : أن الملكية عبارة عن علقة إضافية بين المالك والمملوك، فكأنه خيط موهوم بين المالك والمملوك، فقد يكون التغيير والتبديل في ناحية منه، وهذا كما في البيع، فإنّ في باب البيع المبادلة إنما تكون في المملوكين، والإضافة موجودة، بمعنى أنه في بيع الكتاب بدينار ينتقل الدينار إلى البائع والكتاب إلى المشتري، فكأنه فتح الخيط الذي كان مشدوداً بالكتاب، والخيط الموهوم الذي كان مشدوداً بالدينار وتغير مكانها، فبدل ما كان مشدوداً بالكتاب شُد بالبيع بالدينار، وكذا في الطرف الآخر.وقد يكون التغيير في ناحية أخرى من الخيط الموهوم، كما إذا مات المالك، فهنا يقوم وارثه مقامه، يعني أنّ الملكية موجودة إلا أنّ التغيير حصل في ناحية المالك، وقد يكون بإيجاد إضافة، كما في الهبة، فإنّه حينما يهب مالاً للغير يوجد الملكية للغير.
وعلى هذا الأساس بما أنّ ملكية الوارث عين ملكية المورّث، فالإقرار بأنه كان له سابقاً كالإقرار في زمان المالك الأول، فكما أنه كان الإقرار موجباً لانقلاب الدعوى كذلك يوجب الإقرار انقلاب الدعوى للوارث.وأما الوصية فإنّها من قبيل الهبة وإيجاد الملكية للغير، فيكون الموصى له مغايراً حكماً مع المالك الأول.وهذا النوع من التفكر مما لا يمكن الإلتزام به، وله بحث طويل، إلا أننا نجيب بإجمال فنقول: إن البيع ليس من قبيل فتح جانب من الخيط وشده بغيره، فإنّ من يبيع مقداراً من الحنطة أو شيئاً آخر ببيع السلم لم يكن مالكاً لهذا المقدار في ذمته، حتى يقال بأن البيع من قبيل فتح الخيط الموهوم؛ إذ لم يكن قبل البيع شيء في ذمته، بل إنّ الإنسان مالك لأن يملك، كما تقدم ذلك، وهكذا في النسيئة، مضافاً إلى أنه لو كانت الملكية نوع إضافة، فالإضافة متقومة بالطرفين عرفاً وعقلاً، وبانتهاء أحد الطرفين ينتهي أمد الإضافة، وحينما يموت الإنسان تنقطع إضافته إلى ما كان يملكه، ولولا قانون الإرث لم نكن نحكم بأنه لهم، وهذا إضافة أخرى غير الإضافة الأولى، ولعله التزم بذلك لدفع الإشكال في حديث فدك الذي سنتعرض له إن شاء اللّه.فهذا التفصيل الذي ذهب إليه المحقق النائيني لا وجه له، وقد خالفه المتأخرون عنه فيما ذهب إليه في أصل الفكرة، وقلنا إنّ المحقق العراقي وإن وافقه هنا في الحكم، إلا أنه ليس ذلك من جهة أصل الفكرة، بل من جهة الإجماع.وظهر مما ذكرنا : أنا لا نقول بانقلاب الدعوى مطلقاً سواء كان لنفس المالك الأول أم كان للوارث أم الوصي أم الموصى له.ويشهد لما ذهبنا إليه حديث فدك حيث أشكل به على القائلين بانقلاب الدعوى في هذا الفرع وسابقه.ولابد من التذكير بأنّ الإشكال إنّما يرد على من لا يقول بحجية مثبتات اليد؛ إذ لو قلنا بحجية مثبتاتها فيد ذو اليد تُثبت الانتقال. وكذلك يرد على من لا يقول بأنّ
المعيار في تشخيص المدعي والمدعى عليه هو الهدف، بل يقول بأن المعيار هو العنصر الشكلي وكيفية طرح الدعوى.فالإشكال إنما هو على القائل بانقلاب الدعوى فيما إذا أقرّ ذو اليد للمالك السابق أو من يقوم مقامه من الوارث والوصي أو الموصى له، وهذا الإشكال من ناحية حديث فدك. فلابد من ملاحظة دلالة حديث فدك وأنه يدل على خلاف ما ذهب إليه المشهور أو يوافق ما ذهبوا إليه؛ إذ المفروض أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ تمسك باليد، وسأل (عَلَيهِ السَّلَامُ) أبا بكر أنه لماذا تطلب البينة مع وجود اليد.)ذكر بعض أنّ هذا الحديث مخالف لانقلاب الدعوى فيما إذا كان الإقرار للخصم، لا من يقوم مقامه.وذكر بعض أنّ الحديث مخالف لانقلاب الدعوى فيما إذا أقر ذو اليد للخصم أو من يقوم مقامه.وعلى أي حال، تحقيق ذلك وأن حديث فدك مرتبط بأي من المبحثين يقع في ضمن أمور، ويظهر من خلالها ما ذكره الأكابر.الأمر الأول: أنه لا إشكال في أن فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ كانت ذات يد بالنسبة إلى فدك، وهذا يظهر من رواية تفسير على بن إبراهيم، حيث ذكر فيها أن أبا بكر أخرج وكلاء الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) عن فدك، وروايات أُخر تدل على ذلك أيضاً، إلا أن بعض متكلمي العامة كقاضي القضاة الذي يجيب عنه الشريف المرتضى، على ما في الشافي وشرح النهج لابن أبي الحديد، وكذا نفس ابن أبي الحديد، قد أنكروا ذلك وأنها (عَلَيهَا السَّلَامُ) كانت ذات يد، وإنّما ذهبوا إلى ذلك من جهة أنه لو كان بيدها لم يكن وجه للأخذ منها.)ولكن الروايات الواردة عن طريقنا وكذا الروايات الواردة عن العامة تدل على أن فدك كانت بيدها (عَلَيهَا السَّلَامُ.)
ورواياتنا في ذلك كثيرة ولا نحتاج إلى ذكرها، وقد ورد في كلمات الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ في نهج البلاغة: «كانت في أيدينا من كل ما أظلته السماء فدكاً».)وأما روايات العامة، فقد نقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة (1عن أبي سعيد الخدري وغيره أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ) (2)دعا النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)فاطمة فأعطاها فدك.)وقد ذكر ذلك في تفسير هذه الآية المباركة في الدر المنثور (3عن مصادر متعددة، وكذا كنز العمال.)والظاهر من قوله : (فأعطاها فدك أنها أخذته، فلا يلتفت إلى ما ذكره ابن أبي الحديد من أن الإعطاء لا يدلّ على القبض، فإنّ الإعطاء من مادة المعاطاة، وهي الأخذ والعطاء، ولا يمكن القول بأن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أعطاها وهي لم تأخذ ولم يحصل القبض.)إلا أنه أشكل على هذه الرواية المنقولة في مصادر متعددة عن طريقهم بأن الآية المباركة ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ من سورة الإسراء، وقد ذهب بعض إلى أنّ هذه السورة المباركة مكيّة.)ويمكن الجواب بأنّ في قبال البعض عدة ممن يقولون بأن هذه السورة كلّها مكيّة، إلا هذه الآية الشريفة، فإنّها مدنيّة، والظاهر من الذين رووا هذه الرواية في تفسير الآية المباركة أن اعتقادهم على أنّ هذه الآية مدنية، مضافاً إلى أنّ المصاحف الموجودة قد ذكر فيها في أول السورة أنّها مكية، إلا هذه الآية الشريفة.فلا إشكال في أنّ فدك كانت بيد فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ، ورواياتنا تدل على ذلك.)
الأمر الثاني: أنه لا إشكال في أن فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ قد ادعت النحلة، وأنه انتقل إليها من النبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، ولو لم تكن مدعيّة للنحلة، فالرواية غير مرتبطة بمحل البحث.)وقد أنكر ذلك بعض متكلمي العامة، إلا أنّ الرواية التي في تفسير علي بن إبراهيم (1تدل على أنها ادعت النحلة، فعن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لما بويع لأبي بكر واستقام له الأمر على جميع المهاجرين والأنصار بعث إلى فدك، فأخرج وكيل فاطمة بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) منها، فجاءت فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) إلى أبي بكر فقالت: يا أبا بكر منعتني عن ميراثي من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وأخرجت وكيلي من فدك وقد جعلها لي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بأمر اللّه» الخبر.)نعم الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ لم يذكر ذلك عندما اعترض على كيفية المحاكمة.)فلا إشكال في أنها (عَلَيهَا السَّلَامُ قد ادعت النحلة بقولها: «وقد جعلها لي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)» على ما في هذه الرواية، وعليه فلا وجه لإنكار ادعاء النحلة كما في مباني التكملة، حيث إنّ الرواية معتبرة عنده، ولعلّ الوجه في الإنكار هو تقطع الرواية في الوسائل، فإنّ المذكور في الوسائل قطعة من الرواية، فتوهم أن هذه القطعة هي جميع مورد الإحتجاج، فقد ذكر في مباني التكملة (2): (ويندفع أولاً بأن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد ادعى ملكيته ولم يعترف بانتقاله إليه من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، ولا تنقلب الدعوى ما لم يعترف ذو اليد بالانتقال، ومجرد العلم بالملكية السابقة لا أثر له؛ لعدم حجية الاستصحاب مع اليد كما مر).)
ولعل الوجه في عدم ذكر أمير المؤمنين ذلك هو أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ لم يكن طرف الدعوى، بل فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) هي طرف الدعوى، وفاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) قد صرحت بذلك في صدر هذه الرواية.)الأمر الثالث: أن قولها (عَلَيهَا السَّلَامُ: «قد جعلها لي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)» فيه احتمالات ثلاثة:)الاحتمال الأول: أن تكون فدك قبل إعطائها لفاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ كانت ملكاً شخصياً لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وأعطاها لها.)الاحتمال الثاني: أن تكون فدك فيئاً، وهذا ملك للإمام بالمعنى العام الذي ينطبق على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ، وكانت ملكاً لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بعنوان رئيس المسلمين، ويعبر عن هذا في زماننا بملك الدولة وأشباه ذلك.)الاحتمال الثالث: أن تكون فدك فيئاً للمسلمين وملكاً لعامة المسلمين، إلا أنّ النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ من حيث له الولاية قد أعطاها لفاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ).)وعلى بعض هذه الاحتمالات تكون الرواية مرتبطة بالبحث الأول، وهو ما إذا أقرّ ذو اليد للخصم فقط، وعلى بعضها تكون الرواية مرتبطة بالبحث الثاني، وهو ما إذا أقر لمن يقوم مقام المالك السابق، وعلى بعضها يكون جواب المحقق النائيني صحيحاً على مسلكه، وعلى بعضها لا مجال لهذا الجواب.فإنّه على الاحتمال الأول، وعلى فرض كون فدك ملكاً شخصياً للنبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وقد جعلها لفاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ)، وأعداؤها يدعون أن هذا المال صدقة للمسلمين، فعلى هذا الاحتمال يمكن للمحقق النائيني أن يجيب بأنا وإن قلنا بانقلاب الدعوى بالإقرار للمالك أو الوارث، إلا أنا لا نقول بالإنقلاب فيما إذا كان الإقرار للموصى له أو الوصي، والمفروض على هذا الاحتمال أن الخصم يدعي أن ما تركه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بحسب وصيته للمسلمين.)
وأما على الاحتمال الثاني، الذي هو مسلك الإمامية، من أن الفيء والأنفال وأمثال ذلك ملك لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ، إلا أنه ملك العنوان، لا الملك الشخصي، والفرق بينهما أنّ الملك الشخصي ينتقل إلى الوارث، وأما ملك العنوان فينتقل إلى من يوم مقامه ومعنون بذلك العنوان، كما في رواية أبي علي بن راشد.)فعلى هذا الاحتمال - والمحاجة ليست على هذا الاحتمال كما سنذكر - مدعاهم أنّ هذا المال للخليفة الذي يقوم مقام النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ، وعليه لابد للمحقق النائيني وأمثاله أن يقولوا بالإنقلاب؛ لأنّ هذا أوضح من الوارث؛ إذ في الوارث ادعى المحقق النائيني أنه يقوم مقام المالك الأول، أما في هذه الصورة فلا إشكال في أن جميع ما للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ينتقل إلى خليفته مما يكون من ملك العنوان، إلا أنا نقول بأن الخليفة من بعده (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) هو أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهم يدعون أن الخليفة أبو بكر، ففي الحقيقة اعترفت فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) لخصم معتقد بأنه قائم مقام النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).)وعلى هذا فلا يمكن الجواب بما ذكره المحقق النائيني.وأما الاحتمال الثالث الذي يكون الكلام في هذه الرواية مبتنياً عليه، وهو أنّ الأنفال في للمسلمين، إلا أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ من جهة أنه ولي الأمر أعطاها لفاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ)، فعليه تكون الرواية مرتبطة بالبحث السابق، لا بهذا البحث، فإنّها (سلام اللّه عليها) اعترفت بانتقال فدك من المسلمين إليها، فالمقر له والخصم يكون واحداً، فإنّ النقل وإن كان من ناحية النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إلا أن المنتقل عنه هو المسلمون.)ولعلّ نظر الشيخ في الفرائد إلى هذا الاحتمال، حيث تعرض الشيخ للبحث الأول فقط ولم يتعرض لهذا البحث، وذكر أنّ القول بالإنقلاب مناف لحديث فدك، فقد قال (1: (بل يظهر مما ورد في محاجة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع أبي بكر في أمر فدك المروية في الإحتجاج - ورواية الإحتجاج مرسلة وكان على الشيخ أن يقول المروية في تفسير علي)
1) فرائد الأصول 3: 322.
بن إبراهيم أو علل الشرائع - أنه لم يقدح في تشبث فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ باليد ودعواها تلقي الملك عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مع أنه قد يُقال إنها حينئذ صارت مدعية لا تنفعها اليد).)والغرض أنه على الاحتمال الثالث تكون الرواية مرتبطة بما إذا أقر ذو اليد للخصم، وعلى الاحتمالين الأولين تكون الرواية مرتبطة بالبحث الذي نحن فيه، إلا أنه على الاحتمال الأول يمكن للمحقق النائيني الجواب عنه بما ذكره من التفصيل بين الوارث والوصي والموصى له، وعلى الاحتمال الثاني لا يمكنه الجواب بهذا؛ إذ الإعتراف لمن يقوم مقامه فيما إذا كان الملك ملك عنوان أوضح من الوارث، حيث ادعى أن الوارث هو الذي يقوم مقامه، ويكون الإعتراف بأن الملك كان للميت إعتراف للوارث في الحقيقة، فتنقلب الدعوى.وأما في ملك العنوان فانتقال الملك إلى المعنون بعده بذلك العنوان أوضح من صورة الأرث.الأمر الرابع: في إنكار الخصم لكون فدك نحلةإنه حينما ادعت فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ انتقال فدك إليها من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) هل أنكر الخصم ذلك؟ أو قال بأنا لا نعلم؟)وقد سبق أنه لم يتضح من هو الخصم، هل هو المسلمون أو أبو بكر، مع أنّ الحاكم لابد وأن يكون غير الخصم، فكما لا يمكن أن يكون الحاكم شاهداً، كذلك لا يمكن أن يكون نفسه خصماً، ولذا جعل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ الصحابة حكما في قصته مع الأعرابي في ثمن الناقة، ورجع أمير المؤمنين إلى شريح في قصته مع اليهودي.)فإن أنكر خصمها، فتكون الرواية مرتبطة بمحل البحث، يعني تكون الرواية مخالفة للمشهور ؛ إذ يذهب المشهور إلى أنه لو اعترف ذو اليد بملكيته السابقة للمخاصم أو لمن يقوم المخاصم مقامه، وأنكر المخاصم، ففي هذه الصورة تسقط اليد، وتنقلب الدعوى.فهل الخصم أنكر النحلة أو قال بأني لا أعلم؟
ذكر المحقق الهمداني وجماعة من المحققين ومنهم صاحب مباني التكملة أن الخصم لم ينكر النحلة، بل غاية الأمر أنه كان جاهلاً بالنحلة، وبذلك أرادوا أن يجيبوا عن حديث فدك.والجواب الثاني الذي أجاب به السيد الخوئي (حفظه اللّه في مباني التكملة مبني على ذلك، وكذا المحقق الهمداني وجماعة، بل ذكر في الرسائل أن التأريخ يشهد بأنهم لم ينكروا النحلة.)ولكن ما ذكروه غير واضح، بل الظاهر إنكارهم ذلك، وأصروا على أنها فيء، ففي رواية العلل (1التي هي الصحيح عندنا كما ذكرنا سابقاً - فإنها وإن كانت مرسلة إلا أنا نقول باعتبار مراسيل ابن أبي عمير، وأما رواية تفسير علي بن إبراهيم فإنها وإن كانت صحيحة السند، إلا أنه لا يمكن الاعتماد عليها للجهل بالمؤلف للتفسير، كما تقدم - ففيها «فقال عمر : هذا فيء للمسلمين ولسنا من خصومتك في شيء» وهل هذا إلا إنكار النحلة؟)وفي شرح النهج لابن أبي الحديد(2: (إنّ هذا المال لم يكن للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وإنما كان مالاً من أموال المسلمين يحمل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) به الرجال وينفقه في سبيل اللّه)، وقال في موضع آخر (3): (فقال لها سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يقول: «إنّما هي طعمة أطعمناها اللّه، فإذا مت كانت للمسلمين» فلما توفي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وليته كما كان يليه).)فظهر أن القول بأنّهم لم ينكروا ذلك - حتى يدفع الإشكال - لا يمكن القبول به، وهناك شواهد أُخر، ففي الغدير (4: (فكان يضع ما يأتيه منها في أبناء السبيل، ثم)
ولي أبو بكر وعمر وعثمان وعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ فوضعوا ذلك بحيث وضعه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ثم ولي معاوية فأقطعها مروان بن الحكم).)والمقصود أن الظاهر من روايات العامة وكذا من رواياتنا إنكارهم للنحلة.الأمر الخامس: في ما إذا قال الخصم بأنهم لا يعلم بالنحلةلو فرضنا أن الخصم قال بأنه لا يعلم بأنّ فدكاً نحلة، فهل يوجب هذا إنقلاب الدعوى أو لا ؟ وهل يمكن للقائلين بالإنقلاب فيما إذا أقرّ ذو اليد للخصم أو من يقوم مقامه مقامه أن ينكروا الإنقلاب فيما إذا قال الخصم بأنّي لا أعلم أو لا؟يمكن القول بأنه لا محالة تنقلب الدعوى إذا قال الخصم لا أعلم؛ إذ لو ادعت فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ قد جعلها لي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فيدها لا تدلّ على الجعل؛ لأنّ المفروض عدم حجية مثبتات اليد فتكون هي (عَلَيهَا السَّلَامُ) مدعية؛ إذ المفروض سقوط يدها، وتدعي بأن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) جعلها لها بلا فرق بين إنكار المسلمين أو قولهم لسنا ندري، غاية الأمر أنه يجب عليهم الحلف إذا أنكروا، وإذا قالوا بعدم العلم، فإما أن يصدقهم ذو اليد بأنهم لا يعلمون، وإمّا أن لا يصدقهم، فإن صدقهم فتنتهي المخاصمة، وإن لم يصدقهم، فيحلفون على عدم علمهم، وليست نتيجة ذلك عدم إنقلاب الدعوى.)إلا أن المحقق الهمداني ذكر في تعليقته على الفرائد (1أنّ منشأ إنقلاب الدعوى هو إنكار الخصم لا إقرار المقر، قال:)(هذا إذا أنكر الخصم السبب كي يعود نزاعهم إلى التشاجر في وقوع النقل وعدمه، و أما لو لم ينكر النقل، بل اعترف بجهله بالحال بأن قال كان هذا ملكاً لي أو لمورثي و لم أعلم بانتقاله مني أو من مورثي إليك بسبب شرعي، كما في قضية أبي بكر،فليس له مطالبة البينة، بل لا يصغى إلى مثل هذه الدعوى؛ إذ ليس أثر الاعتراف أزيد من العلم بكونه في السابق ملكاً للمدعي، بل ليس للمدعي فيما بينه و بين اللّه
1) الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية 2 : 108.
التصرف في مثل الفرض في ما في يد الغير اعتماداً على ملكيته السابقة التي يحتمل زوالها بناقل شرعي؛ لأنّ اليد كما أنها أمارة لغيره عند الجهل بالسبب كذلك أمارة له ما لم يعلم بكونها عادية، فحكم المشهور بانتزاع العين من يده إنما هو في صورة إنكار السبب الموجب لانقلاب الدعوى، لا الاعتراف بجهله بالحال المستلزم لبقاء الدعوى على ما كانت عليه و هي الملكية الفعلية لا في سببها، فمطالبة أبي بكر البينة منها (عَلَيهَا السَّلَامُ مع أنه لم يكن في مقابلها من ينكر التلقي مما لا وجه له).)فقد زعم المحقق الهمداني أنّ الموجب للإنقلاب هو الخصم، والحال أنّ الموجب لإنقلاب الدعوى هو ادعاء ذو اليد بالإنتقال منه إليه، سواء أنكر الخصم ذلك أم قال بأني لا أعلم.فتحصل مما ذكرنا في ضمن هذه الرواية الشريفة أنّ هذه الرواية دالة على أنّ ما ذهب إليه المشهور من إنقلاب الدعوى إذا أقرّ للخصم أو من يقوم مقامه، غير صحيح، أي أنه لا يمكن القول بأنّ الإقرار موجب لإنقلاب الدعوى.### الجهة التاسعة: في حكم اليد فيما لو علمنا سابقاً أن العين ملكاً غير طلقلو كانت عين تحت يد شخص ويتعامل معها معاملة الملكية، ونحن نعلم سبق هذه العين بكونها ملكاً غير طلق، بمعنى أنا نعلم أنّ هذه العين كانت سابقاً وقفاً، من المعلوم أن الوقف على قسمين:الأول: التحرير، وهو غير قابل للبيع.الثاني: ملك غير طلق، وهو لا يجوز بيعه إلا مع المسوغات المذكورة في محلها.منها : ما إذا شرط الواقف جواز بيعها وتبديلها عند قلة المنفعة.ومنها: ما إذا آل إلى الخراب بحيث لا ينتفع به.ومنها: ما إذا وقع الخلاف والنزاع بين الموقوف عليهم بحيث يستباح به الأموال والأنفس، وغير ذلك من مسوغات بيع الوقف.
والكلام في أنّ اليد الفعلية مع سبق الوقفية هل هي حجة أو لا؟ بمعنى أنه هل تخللت مسوغات بيع الوقف أو لا؟ذهب في ملحقات العروة وكذا في الوسيلة، وعدة من المحشين على الوسيلة والمحقق الأصفهاني، إلى حجية اليد مع سبق الوقفية.إلا أن المحقق النائيني والمحقق العراقي وبعض آخر في أصولهم ذهبوا إلى عدم حجية اليد مع سبق الوقفية.ولتوضيح محل البحث نذكر أمرين خارجين عن محل البحث:الأمر الأول: أنه لا إشكال في أنه لا يعتبر في أمارية اليد إحراز كون العين قابلة للنقل والانتقال فعلاً، فلو كانت عين تحت يد رجل ولا نعلم أنها وقف أو ملك له، فيحكم بأنها ملك له، وكذا إذا كان شخص تحت يد شخص ويتعامل معه معاملة العبد، ولا نعلم أنه حر أو عبد، فلا شكّ في أنه يحكم بأنه عبد، مع أنا نشك في أنّ العين قابلة للنقل والانتقال أم لا.وليس مستند ما نقلناه عن بعض الحنفية من عدم حجية اليد هو قصور دليل اليد، بل إنّما قالوا بذلك من جهة أنّ الإنسان ذو اليد بالنسبة إلى نفسه، ويده على نفسه معارضة مع يد الآخر عليه، فإما أن تكون يده مقدمة على يد من يدعي أنه عبده أو تتساقطان، ويرجع إلى أصالة الحرية.وهذه المسألة من المسائل التي سُئِلَ أئمتنا عنها، وقد أجابوا (عَلَيهِ السَّلَامُ بأن اليد حجة حتى في هذا المورد، ويد العبد على نفسه لا قيمة لها، والمقصود أن هذا المورد خارج عن محل الكلام، ولا ريب في أن اليد حجة حتى مع الشكّ في قابلية العين للنقل والانتقال.)الأمر الثاني: أن تكون العين موصوفة بالوقفية حال وضع اليد عليها.فهذا خارج عن محل الكلام، فإنّ محل الكلام فيما إذا علمنا بأنها كانت وقفاً سابقاً، إلا أنا لا نعلم أنّ وضع اليد عليه هل كان على ملكه أو لم يكن على ملكه؟
وأما إذا علمنا بأنّ وضع اليد كان على غير ملكه، بل كان على الوقف إما بعنوان العدوان أو بغير العدوان ولا نعلم بأنّ اليد هل تبدّلت من العدوانية إلى الملكية أو لا؟ فهذه مسألة تقدم البحث عنها، وقلنا إن استصحاب حالة اليد جار، ومثل هذه اليد لا تكون حجة.فإذا ظهر خروج هذين الموردين يظهر أنّ محل البحث في اليد الموضوعة على عين، ولا نعلم أن من بدو حدوثها هل كانت على ملكه أو كانت على الوقف؟ وفي الحقيقة مرجع هذه المسألة، إلى أنّ الدليل الدال على حجية اليد هل هو مشروط بعدم سبق الوقفية مع استصحاب الوقفية أو لا؟ فلابد من الرجوع إلى أدلة اليد.فقد تمسك المحقق الأصفهاني بالإطلاقات لإثبات حجية اليد حتى إذا كانت العين مسبوقة بالوقفية، إلا أنه لم يبين مراده من الإطلاقات، وأنها إطلاقات أي رواية أو روايات؟فلو كان نظره إلى رواية حفص بن غياث والاستدلال بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق»، فقد ذكرنا أن الرواية غير معتبرة سنداً، وذيل الرواية غير مربوط بحجية اليد، بل مرتبط بجواز الشهادة على طبق اليد والحلف على طبقها، وما يستفاد منه حجية اليد في هذه الرواية هو كلام السائل حيث أجاب عن سؤال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أيحل الشراء منه؟» بـ : (نعم)، فيما أنه أجاب على وفق مرتكزه و با أنه من العقلاء فهذا ليس له إطلاق بل لابد وأن نرى بناء العقلاء، فإن تمكنا من إثبات بناء العقلاء فهو، وإلا لا يمكن الاستدلال بإطلاق قوله: (نعم).)ولو كان نظره إلى موثقة يونس بن يعقوب المشتملة على الجمل الثلاثة، ومن الممكن أن يكون نظره إلى جميع الجمل، ولاسيما بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «ومن استولى على شيء منه فهو له».)
ويمكن أن يناقش فيها بأنّ مورد الرواية هو ما إذا كان ملك الطلق مردداً بين شخصين.ولعله كان نظره إلى حديث فدك؛ إذ سأل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ أبا بكر: «فإن كان في يد المسلمين شيء يملكونه ادعيت أنا فيه من كنت تسأل البينة؟ قال: إياك كنت أسأل البينة على ما تدعيه على المسلمين، إذا ادعيت أنا تسألني البينة، فإذا كان بيدي شيء ادعى فيه المسلمون تسألني البينة على ما في يدي».)بتقريب أن الفيء الذي للمسلمين إذا ادعيت أنا تسألني البينة، فإذا كان في يدي شيء ويدعيه المسلمون كيف تسألني البينة، وعليه فإذا ادعى جماعة أن العين موقوفة عليهم والحال أنّ العين بيد شخص، فلابد لهم من إثبات ذلك بالبينة ولو كانت العين مسبوقة بالوقفية.فمن احتجاجه (عَلَيهِ السَّلَامُ نعرف بأنه لا فرق بين الملك الإجتماعي بأحد ألوانه سواء كان فيئاً أم وقفاً لجماعة أم كان من الأراضي المفتوحة عنوة، حيث أنها باعتقادنا لجميع المسلمين، ولعل أقرب رواية يمكن الاستدلال بها هي هذه الرواية، وإن كان في إطلاقها نظر.)والعمدة في المقام هو بناء العقلاء بناءً على أمارية وكاشفية اليد، فإنّ اليد كاشفة عن الملكية عند العقلاء، فلابد وأن نرى ما هو سر كاشفية اليد؟ وهل هذا السرّ موجود في محل الكلام أو لا؟وقد ذكرنا سابقاً أنّ السر في كاشفية اليد أحد أمرين: الغلبة، والرؤية الإحساسية.فإن قلنا بأمارية اليد من جهة الغلبة وأنّ الظن يلحق الشيء بالأعم الأغلب، فهنا يمكن الحكم بأمارية اليد أيضاً من باب الغلبة، ولا يعتنى بأنه كان وقفاً أو لم یکن.
ويمكن أن يناقش فيه، بأنّ الغلبة لابد وأن تكون في المورد، وبما أن غالب الأوقاف لا تطرأ عليها المسوغات، فلا يمكن الحكم بأماريتها من جهة الغلبة؛ وذلك لأنّ هذه الغلبة تعارض تلك الغلبة.ويجاب عن هذه المناقشة بأنّ الغلبة لليد، وليس هنا غلبة على خلاف الملكية، فإنّ الموقوفات على الأولاد جيلاً بعد جيل أو على العلماء أو على الفقراء، التي مضى عليها مدة مديدة كقرنين أو أزيد غالباً ما تطرأ مسوغات البيع عليها، فإنها في معرض النزاع بين الموقوف عليهم الذي ربما تستباح به الأموال والأنفس، وهو أمر تقتضيه طبيعة الشركة، فإنّ استباحة الأموال والأنفس لم تكن من الأمور المستبعدة في تلك المجتمعات، ولا أقل من أنّ النزاع والاختلاف وكثرة الشركاء ومضي مدة مديدة، وهجرة أهلها لعروض عوارض، وإنقطاع الماء عن البلد، وجريان السيل، والزلزلة وأمثال ذلك من موجبات خراب المال والدار والبستان وعدم الاستفادة منها.نعم ربّما لقصر المدة أو لجهة أخرى يحصل الإطمئنان بعدم طرو مسوغ، ولا شكّ أن في صورة الإطمئنان لم تكن اليد حجة، والكلام إنّما هو فيما إذا لم يكن هناك إطمئنان.ونحن وإن لم نقل بأمارية اليد من باب الغلبة، إلا أنّ هذا الإشكال غير وارد على القول بالغلبة.وأما إذا قلنا بأماريتها من باب بناء العقلاء من الرؤية الإحساسية، فإنّهم يرون المستولي على شيء والمتصرف فيه مالكاً.وفي محل الكلام بما أنّ العقلاء يرونه متصرفاً أو مستولياً على ما كان وقفاً سابقاً، فأيضاً يرونه مالكاً.لا يقال: بأنه صحيح، إلا أن هذا الشيء كان العقلاء يرونه موقوفاً، وهذه الرؤية مخالفة للرؤية الفعلية.
فإنّه يقال: إن حكمهم بأنه مالك لما في يده كثيراً ما يكون معارضاً للاستصحاب الموضوعي أو الحكمي، وفي المقام استصحاب عدم طرو المسوغ لا يترتب عليه أثر إلا بلحاظ نفي الملكية، والحال أن اليد تدل على الملكية الفعلية.وبعبارة أخرى: الاستصحاب هنا يكون معارضاً لمؤدي اليد، ولا يقاس المقام بما إذا لم يبين الاستصحاب حالة اليد.وفي المقام بحسب العرف والعادة لا قصور في الرؤية - أي رؤية ذي اليد مالكاً - ولا يوجد فرق بين هذه الصورة وسائر الصور، ولو لم تكن اليد حجة لم يقدم أحد على شراء الوقف، فإنّ الذي يشتري حماماً أو خاناً كان في السابق وقفاً، فإنّه يشتريه ليستفيد منه، فإذا لم تكن يده حجة لم يأتِ للحمام أو للخان أحد؛ إذ كل واحد يشك في أن يده هل كانت قبل طرو مسوغات البيع أو بعده، والمفروض عدم حجية يده، والحال أنا نرى أنّ الناس يشترون ويتعاملون معه معاملة المالك.وهكذا لو وجد ورقة تثبت أنّ نصف هذا البلد كان وقفاً مثلاً على عشيرة فلان، فلو لم تكن اليد حجة لكان للعشيرة أن تأخذ جميع البيوت الموجودة في تلك المنطقة وإخراج أهلها، وتخريب مساجدها ومدارسها - مع أنّ الوثائق التي يشتري بها الناس أرضاً أو داراً كثيراً ما تتلف بمرور الزمان وعروض الحوادث وموت الكبار وغير ذلك، فلعله كان عندهم ما يثبت أنّ الشراء كان على وجه صحيح - وهذا مما لا يمكن الإلتزام به.ولذا نرى أنّ الذي يشكل في الأصول لا يشكل في الفقه، فإن صاحب الرسائل ذهب في تحرير الوسيلة إلى خلاف ما ذكره في الأصول، وقد أشرنا في أول البحث أنّ السيد الأصفهاني في الوسيلة وجمع من المحشين ذهبوا إلى أن اليد أمارة على الملكية.وهذا تمام الكلام في اليد، وإن كانت مسائل إليد كثيرة، إلا أن المقدار الذي يمكن البحث عنه في الأصول هو هذا المقدار الذي ذكرناه، والحمد لله رب العالمين.
## القاعدة الخامسة :القرعة### إشارة:وفيها أبحاث:### البحث الأول: في أمور:ولهذا البحث حيثية مقدمية للروايات التي نتعرض لها في البحث الثاني حيث يكون هذا البحث مؤيداً في فهم الروايات.الأمر الأوّل: في المعنى اللغوي للقرعةالذي يظهر من كتب اللغة هو أن القرعة من الاقتراع والاقتراع بمعنى الإختيار، والإختيار قد يكون إختياراً مباشراً وقد يكون لا بالمباشرة، بل بمؤونة من المصادفة، فإنّه قد يختار الإنسان أو جماعة شيئاً عشوائياً وعلى سبيل المصادفة. ففي لسان العرب: (الاقتراع: الإختيار، يُقال اقتُرعَ فلان، أي اختير، والقريع: الخيار عن كراع. واقترع الشيء: اختاره. وأقرعوه خيار مالهم ونَهْبِهم : أَعطوه إيَّاه (1).)وفي الصحاح (2: أقرعه : أعطاه خَيْرَ ماله والقرعة والقريعة: خيار المال. وملخّص الكلام أنه قد أُخذ الإختيار في القرعة.)وفي المنجد الذي يتطرق إلى اصطلاح المتأخرين، قال: (الاقتراع: التعيين عن طريق الحظ وضرب القرعة، فاز بالاقتراع ولاء الناخب بصوته (3)فإن في كتب)
القوانين الحديثة يعبرون عن الانتخابات بالاقتراع، والاقتراع بمعنى الإختيار، والاقتراع يعني أن كل واحد يختار شخصاً، إلا أن المنتخب هو الذي حصل على أكثر الآراء، والحصول على الأكثرية إنّما هو على سبيل الحظ.وعلى ما ذكر فالقرعة من الاقتراع بمعنى الاختيار، غاية الأمر أن الاختيار قد يكون مباشرة وقد تتوسط فيه المصادفة، والاختيار الذي يكون على سبيل الحظ والمصادفة يعبّر عنه بالقرعة، وهو المنصرف إليه من لفظ القرعة.الأمر الثاني: هل القرعة مما بنى عليه العقلاء؟إن القرعة - بالمعنى الذي ذُكِر - لها أصل عقلائي وسابقة، والقرعة كانت متعارفة في الأزمنة القديمة، وقد أشير إلى القرعة في القرآن المجيد في موردين:الأول: قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (1).)الثاني: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (2).)وقد ذكر في الروايات في تفسير الآيتين أنهما تدلان على القرعة في الجملة، وقد جاء في مرسلة حريز (3السبق التاريخي للقرعة حيث ذكر فيها قصة مريم وقصة يونس وقصة عبد المطلب.)فلا ريب في أنّ للقرعة سبقاً تاريخياً ولها أصل قرآني، وإنما الكلام في حدود القرعة عقلائياً مع قطع النظر عن الروايات.الأمر الثالث: في حدود القرعة عند العقلاء
إن القرعة قد تكون على نحو الموضوعية وقد تكون على نحو الكاشفية، والقرعة على نحو الموضوعية هي اعتبار وصول السهم الخاص أو مصادفة السهم الخاص حيث لا مرجح، فتكون القرعة معينة حيث لا معيّن في البين.والقرعة على نحو الكاشفية هي مصادفة السهم الخاص أو وصوله، وقد اعتبر كاشفاً وعلماً حيث لا علم في البين.وأما القرعة على نحو الموضوعية فلها موارد، فإنّه قد لا يكون لشيء تعيّن واقعي وقد يكون له ذلك.المورد الأول: فيما إذا لم يكن للشيء تعيّن، فهذا على نحوين: قد يكون الشيء الذي لا معين له - وهو غير متعيّن واقعاً - من الأمور المرغوب فيها، وقد يكون مرغوباً عنه، فيقترع لحفظ احترام رغبات الجميع.مثال الأول : ما إذا كان هناك عشرة آلاف شخص مثلاً متخرجين من الجامعة، والحكومة تريد إرسال مائة منهم إلى الخارج لإكمال دراستهم، وبما أن كل واحد يرغب أن يكون هو المرسل، وبين رغباتهم تشاح وتزاحم، فهنا تقرع الحكومة بينهم حيث لا مرجح لأحدهم على الآخر، فهذا العمل من أجل احترام رغبات الجميع.ومن هذا القبيل قصة مريم؛ إذ كلّ منهم أراد تكفل مريم، وبما أنه لا يمكن أن يتكفلها كل واحد منهم؛ فلذا انتهى الأمر إلى القرعة حيث لا معين ولا مرجح لأحدهم على الآخر.ومن هذا القبيل الاقتراع بين الزوجات فيما إذا أراد اصطحاب واحدة منهن في السفر - كما هو مذكور في الشرائع - وغير ذلك من الموارد المذكورة في الروايات.ومثال الثاني: ما إذا قررت دولة إرسال جماعة من الأطباء إلى القرى والأرياف، فحيث إن كل طبيب لا يرغب إلى ذلك، فيقترع بينهم احتراماً لرغبات الجميع، ومن هذا القبيل قصة يونس حيث إنّه أبق إلى الفلك المشحون، ودار الأمر بين غرق واحد
أو غرق الجميع، وغرق واحد أولى من غرق الجميع، ولا معين ولا مرجح لغرق أي منهم، فانتهى فانتهى الأمر إلى القرعة (فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ المُدْحَضِينَ. وإذا كان الأمر مرغوباً فيه أو مرغوباً عنه فالاقتراع أعدل قضية كما في الرواية: «أيّ قضية أعدل من القرعة» (1).
والمورد الثاني: وهو ما إذا كان لشيء تعيّن واقعاً، كما إذا تنازع اثنان أو أكثر في دار، وفي الواقع يكون الدار ملكاً لأحدهما، فهنا له تعيّن واقعي، فإن تراضيا بالقرعة، فهذه الصورة أيضاً كسابقتيها تكون القرعة فيها أمراً مستحسناً وعقلائياً، لا من باب خصوصية القرعة، بل من باب أنّ الصلح خير، وأحد طرق الصلح هو الصلح على نحو القرعة التي توجب التحفظ على احترام رغبة كلّ منهما.
والمورد الثالث: وهو ما إذا كان لشيء تعيّن واقعاً، إلا أنه ليس من باب تراضي المتخاصمين بالقرعة، بل الحاكم الشرعي يتوسل بالقرعة من جهة عدم وجود ما يمكن رفع التخاصم به، فإنّه إذا فرضنا تولد طفل من امرأة وقد باشرها اثنان بنحو يمكن أن يكون الولد ملحقاً بهما شرعاً، فتنازعا في الولد عند الحاكم، فهنا يقترع بينهما، وقد ذكر الشيخ في الخلاف (2)هذه المسألة ونقل عن الشافعي أن المرجع هو القيافة، وعن أبي حنيفة أنّ الولد لهما، وبما أنّ كلا الأمرين غير صحيح؛ إذ ليست القيافة أمراً عقلائياً، وكذا كون الولد لهما، فالأعدل من الكل هو القرعة.
أو إذا هدم دار على أهلها ولم يبق من أهلها إلا اثنان، أحدهما حر والآخر عبد، فإذا لم يمكن التمييز، فالمرجع هو القرعة، كما في الرواية، إلا أن الكلام فعلاً في بناء العقلاء مع قطع النظر عن الروايات، ولا ريب بأنّ القرعة في هذه الموارد الثلاثة أمر
عقلائي، وأما في المورد الأخير - وهو توسل القاضي بالقرعة - فالأمر فيه محل إشكال وتأمل في عقلائيته.
ولابد من التذكير بأن هذه المسألة لها سبق تاريخي، فقد أنكر أصحاب الرأي ومنهم أبو حنيفة وحماد والنخعي - استاذ حماد - القرعة في الجملة، والباقون قائلون بالإطلاق، فقد نقل في تفسير القرطبي عن أبي حنيفة أنّ القرعة إنما تكون في مورد يمكن التراضي، وأما فيما إذا لم يكن للتراضي أثر فليس هنا قرعة.
وملخص كلامه : أن القرعة إنّما تكون في مورد التراضي، لا في غيره، واختصت بمورد التراضي في آيات الأحكام للجصاص ولم ينسبه إلى أبي حنيفة، إلّا أنّ الجصاص هو حنفي.
وابن عربي - الذي هو مالكي - اعترض على أبي حنيفة في كتابه آيات الأحكام بأن القرعة إنما تكون في مورد التشاح والمنازعة، فكيف تقول بها في مورد التراضي، ومن الواضح أن مقصود أبي حنيفة من ذلك هو إذا تراضا المتنازعان بالقرعة، فإن القرعة عبارة عن انتخاب الأفراد ما كان لهم حق الانتخاب فيه على سبيل المصادفة، وأما كونه حراً أو عبداً، فهذا ليس مما يكون للأفراد انتخابه مباشرة حتى يقال بالاقتراع بينهما، وكذا فيما إذا أعتق جميع مماليكه، إلا أنه ليس له مال سوى المماليك، ففي هذه الصورة يعتق ثلث مماليكه، ويكون إخراج الثلث المعتق بالقرعة، وأبو حنيفة يقول في هذه المسألة إنّه كيف يمكن سلب الحرية عن بعض بالقرعة، والحال أن المالك أعتق جميع مماليكه.
ومحصل الكلام: أن أبا حنيفة يقول بالقرعة فيما إذا أمكن التراضي، أي كان للتراضي أثر، وأما إذا لم يكن للتراضي أثر - كما في هذه المسألة - فلا قرعة، وهذا بخلاف الموارد الثلاثة التي ذكرناها، فإنّ للتراضي فيها أثراً.
فالكلام هو فيما إذا لم يكن للتراضي أثر، فهل تكون القرعة عقلائية أو لا؟ وعلى فرض ثبوت القرعة في هذا المورد، هل تكون القرعة تعبدية أو عقلائية؟ هذا كله بالنسبة إلى القرعة على نحو الموضوعية.
وأما القرعة على نحو الكاشفية فهي متصوّرة في موارد ثلاثة:
المورد الأول في استكشاف الأحكام وموضوعاتها ومتعلقاتها، كما إذا لم نعلم بأن هذا الشيء واجب أو حرام، أو فيما إذا لم نعلم بأن الواجب هو الظهر أو الجمعة، أو إذا لم نعلم بأنّ المجتهد الأعلم هو زيد أو عمرو، أو أنّ هذا عادل أو لا؟
ولا ريب في عدم تعويل العقلاء على القرعة في هذا المورد.
المورد الثاني: في استكشاف مثل الربح والخسارة أو الموت وعدمه، وهكذا، وهذا المورد أيضاً ليست القرعة فيه مما بنى عليه العقلاء.
المورد الثالث: في استكشاف كون العمل خيراً أو شراً، أو أيهما أرجح فيما إذا كان كلّ منهما خيراً. وهذه الصورة على ما نقل كانت متعارفة عند بعض الأقوام في الجاهلية، فقد نقل في التفاسير في ضمن قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ) (1)بأنهم كانوا يتشبثون بالقرعة لمعرفة أن العمل خير أو شر بهذا النحو بأن يكتب إحدى الرقاع أمرني ربي، وعلى الأخرى نهاني ربي ورقعة أخرى لم يكتب عليها شيء. وليس هذا تفسيراً لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَام(، بل له تفسير آخر.
وهذا المورد كسابقيه ليس عقلائياً، مع قطع النظر عن تشريع هذا المورد وعدم تشريعه.
1) سورة المائدة، الآية 3.
وقد ذكر ابن إدريس في السرائر أن روايات القرعة والبنادق وأشباه ذلك من أضعف الروايات (1)، وذكر المحقق في المعتبر (2)أنها شاذة، إلّا أنّ العلامة في المختلف (3)قد ردّ على ابن إدريس.
وكون القرعة والبنادق وأشباه ذلك لها أصل في الشرع أو ليس لها ذلك فهذا أمر لسنا بصدد بيانه الآن بل بصدد بیان عقلائية القرعة في هذا المورد، وكما ذكرنا هذا المورد كسابقيه غير عقلائي، والعقلاء لا يتشبثون بالقرعة في هذا المورد.
نعم العقلاء يتشبثون بالقرعة فيما إذا لاحظوا أطراف القضية بأن لاحظوا العمل من حيث الأهمية واحتمالات حصول النتيجة والاحتمال المضاد وبقية الأمور مما يلاحظها العقلاء في كل ما يريدون إتيانه والتشاور مع الآخرين، فإن تحيّروا في العمل وعدمه تشبثوا بالقرعة، إلا أن تشبثهم بالقرعة ليس من جهة الكاشفية، بل من جهة رفع التحيّر، ولعل روايات الإستخارة والقرعة ناظرة إلى هذه الجهة.
فظهر مما ذكرنا أنّ ما بنى عليه العقلاء هو القرعة فيما إذا لم يكن للشيء تعيّن أو كان ولكن المتخاصمين تراضيا بالقرعة من باب أن القرعة إحدى طرق الصلح (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) (4)، ونحن عبرنا عن هذا القسم بالقرعة على نحو الموضوعية.
إن الآراء في القرعة - كما أشرنا - مختلفة عند العامة، حيث أنكر الكوفيون منهم القرعة، إلا أنه لا مطلقاً، بل فيما إذا لم يكن للتراضي في المورد أثر، وإن ردّ بعضهم روايات القرعة من جهة قياس القرعة بالاستقسام بالأزلام.
والكوفة بما أنها كانت محل تجمع الشيعة وأصحاب الرأي، فقد كانت مركز الفكر للعالم الإسلامي، وكانت معلماً للثقافة، وجمع من أهل الكوفة لم يكونوا يعترفون بأن القرعة في غير مورد التراضي وما إذا كان للتراضي أثر من الأمور التي يعتنى بها ولو في مسألة فصل الخصومة، بمعنى إعمال القرعة لفصل الخصومة.
ففي المغني لابن قدامة (1)أنه قرأ على حماد استاذ أبي حنيفة رواية عمران بن حصين الدالة على أن من أعتق جميع مماليكه ولم يكن له مال سوى مماليك ستة، تقسم المماليك إلى ثلاثة أقسام ويقرع بينهم، وبعدما قرأها عليه، قال حماد: (هذا من قول الشيخ، يعني إبليس).
والمقصود أن أصحاب الرأي لم يكونوا من القائلين بالقرعة لفصل الخصومة؛ إذ القرعة بملاحظة الاحتمالات لا توجب الظن.
وأما غير هذه الطائفة من المالكية والشافعيّة فهم يقولون بالقرعة، وقد كتب الشافعي جزءاً في القرعة في أول الجزء الثامن من الأم، والبخاري قد ذكر في آخر باب الشهادات (باب القرعة والمشكلات) لإثبات إمكان فصل الخصومة بالقرعة وأنها من البينات كما في فتح الباري، والغرض أنّ النزاع بين العامة في القرعة نزاع شديد.
وفي رواياتنا ما يشير إلى مخالفة أبي حنيفة للقرعة، وهذه المسألة كانت مطروحة عند متكليمنا وأن القرعة ما هي حقيقتها، وسنذكر في مبحث تعارض الأدلة الشرعية إن شاء اللّه سراية الفقه الخلافي إلى المتكلمين وأنهم وقعوا تحت تأثير النزاع بما أنهم
1) المغني 10: 298، المسألة 8610.
كانوا مفكرين ومعاشرين لسائر الفرق كالرواية التي فيها قصة الطيار مع زرارة التي سنتعرض لها إن شاء اللّه فيما بعد ورواية محمد بن حكيم.
والغرض أنّ الإختلاف كان شديداً وحاداً بينهم في فصل الخصومة وأمثاله، لا في القرعة على نحو الكاشفية ولا فيما إذا كان للتراضي أثر.
وهذا البحث هو العمدة ولأجله ذكرنا البحثين المتقدمين، وهو أنه هل توجد روايات تدل بعمومها أو إطلاقها على القرعة بحيث يمكن استفادة الكبرى الكلية منها أو لا توجد؟
وهنا روايات قيل بأنها عمومات القرعة، منها ما نقله الشيخ في التهذيب (1)نوادر محمد بن أحمد بن يحيى - وهذا الكتاب كان القميون يسمونه دبة شبيب تشبيهاً له بدبة كانت لرجل يبيع الدهن، وكلّ من جاء إليه وطلب منه أي نوع من الدهن يخرج منه، أي أن فيه كل شيء، وقد كتب الصدوق وابن الوليد لهذا الكتاب مستثنيات، ويسمى مستثنيات نوادر الحكمة - وهو ثقة.
والرواية هي ما رواه محمد بن أحمد بن يحيى عن موسى بن عمر عن علي بن عثمان عن محمد بن حكيم - أو حكم - قال: سألت أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن شيء فقال لي: «كل مجهول ففيه القرعة»، قلت له: إنّ القرعة تخطأ وتصيب، فقال: «كل ما حكم اللّه به فلیس بمخط».
وفي الفقيه (2): (وروي عن محمد بن الحكيم قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)) الخبر.
والرواية مذكورة في الوسائل (3).
والسند كما في التهذيب ضعيف؛ إذ موسى بن عمر هو موسى بن عمر بن يزيد بن ظبيان الصيقل لا موسى بن عمر بن بزيع الذي هو ثقة، نعم، هو موجود في كامل الزيارات.
وعلي بن عثمان لم يوثق، وأما محمد بن الحكيم فقد حملوه على محمد بن الحكيم الخثعمي، وهو ممدوح؛ إذ كان من المتكلمين وممن أجاز له الإمام موسى بن جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) بأن يحاجج الناس على ما ذكره الكشي، وهناك شواهد أخر على أنه كان من المتكلمين.
وأما من وجهة نظرنا، فإنّه محكوم بالوثاقة من جهة ثبوت رواية ابن أبي عمير وصفوان عنه، وروايتهم عنه دليل على وثاقته عندنا.
وأما رواية الفقيه، فيمكن أن يناقش فيها بوجهين:
الوجه الأول: ما ذكر عن بعض الأعلام على نحو الكبرى الكلية بأنه كل ما ورد في الفقيه بلفظ (روي عن فلان) فلا يحكم بكونه مسنداً وإن كان للصدوق إليه سند، وإنما يكون مسنداً فيما إذا قال (روی فلان). وعليه، سواء كان محمد بن الحكيم أم محمد بن حكم فلا يحكم بتمامية السند (1).
وهذا الوجه ضعيف لأمور:
المورد الأول: أن قول الصدوق في المشيخة (وما كان في هذا الكتاب عن فلان) مطلق ويشمل ما إذا قال (روي عن فلان).
الأمر الثاني: أن القول بذلك له لازم فاسد لم يُلتزم به، وهو أن تسعة وأربعين شخصاً من اللذين للصدوق سند إليهم في المشيخة رواياته عنهم منحصرة بلفظ
1) موسوعة الإمام الخوئي 206:22.
(روي عن فلان)، فنتسأل بأي داع ذكر الصدوق السند إليهم في المشيخة إذا لم يكن مفيداً لهذه الروايات؟
الأمر الثالث: أن المطلع على المشيخة عارف بأن المشيخة رتبت على ترتيب الفقيه، يعني أن أول مورد ذكره في الفقيه ذكره في المشيخة، وهكذا، وبحسب التناسب بين أرقام المشيخة ومواضع ذكر الشخص في الفقيه نرى في أزيد من تسعين مورداً ذكر الصدوق طريقه إلى الراوي، والحال أنّ المذكور في الفقيه (روي عن فلان).
و في المشيخة يذكر الصدوق طريقه إلى محمد بن حكم أو الحكيم، بل له طريقان إليه، وكلاهما صحيح، أحدهما حماد عن حريز والآخر ابن أبي عمير، وذكره في المشيخة موافق للترتيب في الفقيه، ومع ذلك نجده في هذه الرواية يذكرها بعنوان: (وروي عن محمد بن حكم).
الوجه الثاني: هو أنّ المذكور في الفقيه هو محمد بن حكم، والحال أن سند الصدوق إلى محمد بن حكيم، فكيف يمكن تصحيحه بمحمد بن حكيم الذي روى الشيخ في التهذيب عنه بسند صحيح، والشاهد على ذلك أن الشيخ الحر العاملي في فهرسته - الذي كتبه لمن ابتدأ بهم الصدوق مع أنه ليس له سند إليهم - ذكر من جملتهم محمد بن حكم، و (محمد بن حكم) لا يوجد في غير هذا المورد، اللّهم إلا أن يقال بأنّ محمد بن حكم هو محمد بن حكيم.
ونحن قد ذكرنا أنه إن كان هو محمد بن حكيم فهو ثقة من أجل رواية صفوان وابن أبي عمير عنه.
وأما إذا كان الصحيح هو محمد بن حكم فليس للصدوق سند إليه، مضافاً إلى أنه مردد بين أفراد.
والذي كنا نذهب إليه في الدورات السابقة هو أنّ الرواية ضعيفة لأجل محمد بن حكم؛ إذ ليس للصدوق طريق إليه وهو مردد بين أفراد، إلّا أنّ الذي يبدو أنّ هذا
الرجل هو محمد بن حكيم، فإنّه من المحتمل قوياً أن يكون الغلط من النساخ، ولاسيما بملاحظة ما ذكرنا من أن ترتيب المشيخة على ترتيب الروايات.
وقد ذهب بعض إلى تمامية الرواية من أجل ما ذكره الشيخ في النهاية: (وكل أمر مشكل مجهول يشتبه الحكم فيه، فينبغي أن تستعمل فيه القرعة، لما روي عن أبي الحسن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعن غيره من آبائه وأبنائه من قولهم: «كل مجهول ففيه القرعة») (1)، فنسب الرواية إلى موسى بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) وغيره من آبائه وأبنائه، والظاهر أن (غيره من آبائه وأبنائه) من زيادة النساخ، فإنّه لو كان كذلك من آبائه وأبنائه لكنا عثرنا على هذه الروايات.
وأما مفادها، قال: سألت أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن شيء فقال لي: «كل مجهول ففيه القرعة»، قلت له: إنّ القرعة تخطئ وتصيب، فقال: «كل ما حكم اللّه به فليس بمخط».
والبحث عن مفادها يقع في جهتين:
الجهة الأولى: أنّ المجهول في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كل مجهول» هو ما كان له واقع متعين وكان مستوراً عنا، وأما إذا لم يكن له تعين واقعي، كما في القسم الأول من القرعة على نحو الموضوعية، أو إذا أعتق ثلث مماليكه، أو الخنثى التي ليس لها ما للرجال والنساء، وأمثال ذلك، فلا يطلق عليه المجهول.
وما كان له واقع معين ومجهول هو مورد اهتمام الأصوليين، وأشكل عليهم بأنه إذا كانت القرعة في جميع الأمور المجهولة، فلا يبقى مورد للاستصحاب والبراءة والتخيير والاشتغال.
1) النهاية في مجرد الفقه والفتاوى: 346.
الجهة الثانية : أنّ المستظهر من كتب اللغة والمؤيد بموارد التطبيق في الروايات هو أن القرعة عبارة عن تعيين حق لأحد الأفراد المتنازعين بالاقتراع، وتكون القرعة لصالح أحدهما أو أحدهم وعلى ضرر الآخرين.
والمقصود أن القرعة إنّما تكون بين اثنين فما فوق، أي أنه إذا تنازع اثنان أو جماعة في شيء فيقرع بينهم، غاية الأمر أنّ الذي يقرع بينهم إمّا وكيلهم وإما الحاكم في باب المرافعات - كما ورد في باب تعارض البينات روايات كثيرة تدل على أن الحاكم يرع بينهما - وإما الوالي من باب الحكومة والولاية، كما وردت أيضاً روايات في ميراث الخنثى وفي معاملة الآخرين معها، فالقرعة محدودة بهذا الحد.
ولا تصدق القرعة في موارد تعيين تكليف نفسه كحرمة شرب التتن وحليته وأمثال ذلك، وحينما نراجع اللغة نرى أن القرعة للتقارع بين القوم.
وعليه فلا منافاة بينها وبين الأصول العملية الواردة في مورد الشاك، فإنّ الشاك موظف بالعمل بالأصول العملية ولا يمكنه القرعة؛ لقصور القرعة عن شمولها لتعيين تكليف نفسه، والقرعة إنّما تكون في موارد تعيين حقه أو حق غيره، فيقرع بينهما أو بينه وبين الآخرين، فمن خرج سهمه يكون هو الأحق، ففي المصباح المنير (1): (وتقارع القوم واقترعوا والاسم القرعة)، وهكذا يظهر من عبارات القاموس وتاج العروس أن القرعة إنّما تكون بين اثنين أو أزيد، وفي اللسان (2): هي السهمة، يقال كانت له القرعة، إذا أقرعهم، أي غلبهم بها).
فالمستظهر من اللغة أنّ القرعة عمل منشؤها الحقوق أو الحق المجهول للأفراد.
أما إذا كان المجهول واقعة واحدة بالنسبة إلى شخص واحد كما إذا كان جاهلاً بحرمة شرب التتن وحليته فلا تصدق القرعة هنا.
نعم وردت روايات في باب الاستخارة - كما في الوسائل (1)- وعبّر فيها بالسهام، وهي وإن كانت قرعة، إلا أن تلك الروايات كلها ضعيفة ولم يعبّر فيها بالقرعة.
وعلى ما ذكرنا ظهر أنّ مفاد الرواية ليس معنى عاماً حتى نقع في الإشكال، بل من نفس كلمة القرعة عرفنا أنها تستعمل في مورد التخاصم وفي تعيين حق مجهول لأحد الأفراد أو الفردين على الآخرين، فلا تدل الرواية على أمر أوسع مما بني عليه العقلاء.
هذه هي الطريقة التي نحن نسلكها، وللأكابر طرق أخر نتعرض لها عند التعرض إلى نسبة الاستصحاب مع القرعة إن شاء اللّه.
الرواية الثانية : - التي عدت من الروايات العامة - وهي مذكورة في مصدرين: أحدهما : بصائر الدرجات للصفار (2)، ثانيهما: كتاب الاختصاص (3)المنسوب للشيخ المفيد، وهي عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسين بن سعيد، ومحمد بن خالد البرقي عن النضر بن سويد عن عيسى بن عمران الحلبي عن عبد اللّه بن مسكان عن عبد الرحيم، قال: سمعت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: «إنّ عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان إذا ورد عليه أمر لم يجئ فيه كتاب ولم تجئ به سنة رجم فيه - يعني ساهم - فأصاب»، ثم قال: «يا عبد الرحيم وتلك من المعضلات».
وهذه الرواية نقلها صاحب المستدرك (4)عن الاختصاص وكأنه غفل عن بصائر الدرجات، مع أن النقل من البصائر أولى من الاختصاص كما سنذكره إن شاء اللّه.
ومفاد هذه الرواية أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يقرع فيما لا يجد فيه نصاً من كتاب أو سنة، وبما أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يكن مبتلى بما نحن مبتلون به، فيجوز لنا التمسك بالقرعة في مورد تعارض النصين وفي موارد الأصول العملية.
ولابد من البحث في هذه الرواية من جهات:
الجهة الأولى: في قيمة كتاب بصائر الدرجات والاختصاص وهل نسبتهما إلى الصفار والمفيد ثابتة أو لا.
أما كتاب الاختصاص فلم يذكر من جملة كتب المفيد في كتب الرجال مع أنه ذكرت فيها تفاصيل كتب المفيد، ولا يناسب وضع الكتاب أن ينقل المفيد ذلك، فإنّ هذه الرواية المذكورة في الاختصاص ابتدأ فيها بأحمد بن محمد بن عيسى مع أن المفيد لا يمكن أن يروي عنه؛ إذ هو من الطبقة السابعة والمفيد من الطبقة الحادية عشر، مضافاً إلى أن من راجع بحار الأنوار والمستدرك والذريعة يرى أن هذا الكتاب مجموعة ألفها بعض المتقدمين، ولا نعلم من هو مؤلفها.
والعمدة هو كتاب بصائر الدرجات، وقد جاء فيه سبع روايات حول القرعة، ستة منها تنتهي إلى عبد الرحيم القصير، ومضمونها متحد، وإحداها هذه الرواية المبحوث عنها التي فيها كلمة (يعني ساهم)، وإحداها عن محمد بن موسى عن موسى الحلبي.
وقد ناقش بعض في كتاب بصائر الدرجات بأنه لا سند لنا إليه، فإنّ الشيخ بعد ما ذكر سنده الصحيح إلى كتب الصفار - وهو سند محمد بن الحسن بن الوليد - يستثني منه كتاب بصائر الدرجات. هذا وإن كان للشيخ سند آخر إليه، إلا أن فيه أحمد بن محمد بن يحيى، وهو لم يوثق.
وهذه المناقشة لا يمكن مساعدتها؛ لأن استثناءه لهذا الكتاب ليس من جهة أنه ليس للصفار، بل من جهة أنّهم كانوا لا يروون مثل هذه الروايات الواردة في مقامات الأئمة من جهة الغلو، كما استثنوا من كتاب نوادر الحكمة وكتاب شرائع علي بن
إبراهيم، كما في رواية تحريم لحم الإبل، فإنّ المفيد وأضرابه إنما يستثنون ذلك ولم يروونه من جهة أنهم إذا رووه ربما استظهر أنهم كانوا يقولون بذلك وملتزمين به.
والتحقيق كما تقدم في مبحث صيانة القرآن المجيد من التحريف أنّ هذا الكتاب له نسخة كبرى ونسخة صغرى كما في الذريعة، ومن لاحظ أسانيد هذا الكتاب يرى أنّ عدة من الروايات مروية عن طبقة متأخرة عنه وكأنه زيد في هذا الكتاب، ولا يمكن الاطمئنان بأن جميع ما في الكتاب للصفار.
الجهة الثانية: أن الروايات المذكورة في بصائر الدرجات ينتهي سند ستة منها إلى عبد الرحيم القصير، وإحداها عن موسى الحلبي. أما موسى الحلبي فهو غير معنون في الرجال، وأما عبد الرحيم القصير فهو وإن كان مذكوراً، إلا أنه لم يوثق وليس لنا طريق لإثبات وثاقته إلّا ما ذكره المحدث النوري في المستدرك (1)من الطرق لإثبات وثاقته، وبعض هذه الطرق لا أمارية لها على الوثاقة عندنا، كنقل المشايخ عنه وأمثال ذلك، والطريق الذي له أمارية على الوثاقة - وهو نقل ابن أبي عمير عنه - لا واقعية له، فإن المصادر التي راجعناها لم نر فيها نقل ابن أبي عمير عنه.
ونقل مثل هذه الروايات عن شخص يوجب الشكّ، فلابد من التأمل فيه.
الجهة الثالثة : أنّ لفظ (ساهم) لم يرد إلا في هذه الرواية (رجم فيه يعني ساهم) ولا يحتمل أن تكون كلمة (يعني ساهم) من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولو كانت من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لقال (أعني) بدل (يعني)، ولذا في غير هذه الرواية غير موجود، بل فيها (رجم فيه)، وهذا المعنى على خلاف اللغة؛ لأنّ (رجم) في اللغة: هو القول بالمظنة والحدس، وفي الصحاح (2): (والرجم: أن يتكلم الرجل بالظن، قال تعالى: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ) (3))فهذا التفسير غير صحيح.
وعلى فرض تمامية الرواية لابد من الحمل الذي ارتكبه المجلسي (رَحمهُ اللّه) وهو أن الرجم بمعنى الإلهام.
وفي نفس هذا الكتاب - أي كتاب بصائر الدرجات - روايات في الباب التاسع من الجزء الخامس (1)وعدة منها صحاح، كصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «كان علي يعمل بكتاب اللّه وسنة رسوله، فإذا ورد عليه شيء والحادث الذي ليس في الكتاب ولا في السنة ألهمه اللّه الحق فيه إلهاماً، وذلك واللّه من المعضلات».
فنرى أنّ كلمة «وذلك واللّه من المعضلات» واردة في هذه الرواية، وفي سائر الروايات التي ذكرها في الباب التاسع.
فكلمة (رجم) إما اشتباه من الراوي، أو أن معناه الإلهام كما في هذه الروايات، فإنّ هناك باب آخر في أن الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) مسددون، ومع هذا كيف يمكن أن ينسب إليهم بأنهم كانوا يساهمون.
الجهة الرابعة: أن الظاهر من هذه الرواية أنّ الرجم بمعنى ساهم من خواص أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) والأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وقرعتهم كانت تصيب، كما ورد من أن قرعة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا تخطأ، ومع هذا لا تكون الرواية مرتبطة بغير الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).
الجهة الخامسة: أنه لا يمكن عدّ هذه الرواية من العمومات، فإن القرعة إنّما تكون في مورد فقدان النص.
فظهر أن هذه الرواية لا يمكن الاعتماد عليها لا سنداً ولا دلالة.
الرواية الثالثة : عن عاصم بن حميد عن أبي بصير عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «بعث رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى اليمن فقال له حين قدم: حدثني بأعجب ما ورد
1) بصائر الدرجات: 254.
عليك، قال: يا رسول اللّه أتاني قوم قد تبايعوا جارية فوطؤوها جميعاً في طهر واحد، فولدت غلاماً، فاختلفوا فيه كلهم يدعي فيه، فأسهمت بينهم ثلاثة، فجعلته للذي خرج سهمه وضمنته نصيبهم، فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) : ليس من قوم تقارعوا وفوضوا أمرهم إلى اللّه إلا خرج سهم المحق» (1).
وهذه الرواية منقولة في موارد متعددة، فقد رويت عن الحلبي (2)وعن معاوية بن عمار (3)، ورويت عن سليمان بن خالد في كتاب النكاح (4)وغير هذه الموارد. ومورد الاستشهاد هو الجملة الأخيرة منها.
ولا إشكال في سندها.
وأما دلالتها فهي لا تدل إلا على ما ذكرنا من أنّ القرعة إنما تكون في موارد الاختلاف عند جماعة غاية الأمر طبقت في قضاء أمير المؤمنين الن، فهذه الرواية ليست من الروايات العامة.
ولابد من التذكير بأنّ هذه المسألة معنونة في الفقه، فقد تطرق إليها في الجواهر في كتابي النكاح والقضاء، واختلفوا في المراد من النصيب هل هو نصيبهم من الولد أو الجارية ؟ وبما أنه ليس مرتبطاً بما نحن فيه فلا نتعرض له.
ولا يخفى أنّ الجملة الأولى قد وردت في روايات عديدة، ونقلها العامة أيضاً، وللشافعي باب في الجزء السابع من كتاب الأم تحت عنوان (اختلاف علي وعبداللّه بن مسعود) (5)، والظاهر من هذا الباب أنه بصدد ذكر مخالفة أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع عبد اللّه
بن مسعود، إلا أنه ليس الأمر كذلك، بل المراد منه هو تضعيف أهل الرأي الذين منهم أبو حنيفة حيث إنهم كانوا ينسبون فقههم إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعبد اللّه بن مسعود، ويريد الشافعي في هذا الباب إثبات أنّ فقههم ليس من علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولا من عبد اللّه بن مسعود، ويذكر في هذا الباب الروايات الواردة عنها التي لم يعمل أصحاب الرأي بها، ومنها هذه الرواية، أي رواية عاصم بن حميد حيث إنهم يقولون بأن الولد للجميع، وإنّما لا نقول نحن بذلك من جهة عدم تمامية الرواية من حيث السند.
وكتاب الأم موضوع لتضعيف فقه أهل الرأي والطحاوي الذي من الحنفية، وله كتب منها معاني الآثار، وقد تعرض لهذه المسألة في الجزء الرابع من معاني الآثار وبين أن الوجه في عدم العمل بهذه الرواية هو أنّ هذا العمل من علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان في صدر الإسلام، والقول بالقرعة كان في صدر الإسلام، إلا أنه نسخ، والدليل عليه ما روي عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن الولد للجميع.
وهذه الرواية التي استشهد بها غير ثابتة من طريقنا.
وأما قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وضمنته نصيبهم» فقد أوضحه صاحب الجواهر بأن الحكم بالضمان من جهة أنّ الجارية بما أنها مشتركة والنماء نماء للجارية، فلابد من اعطاء نصيب الولد الذي هو نماء الجارية للآخرين.
وأما قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) «ليس من قوم تقارعوا وفوضوا أمرهم إلى اللّه إلا خرج سهم المحق» فسيأتي البحث فيه إن شاء اللّه من أنه هل يخرج سهم المحق في القرعة أو لا؟
وهناك رواية أخرى لعباس بن هلال شبيهة بهذه الرواية إلا أنه ذكر فيها : (إلا خرج السهم الأصوب) (1).
1) وسائل الشيعة 26: 313.
فظهر مما ذكرنا أنه ليس للرواية إطلاق بحيث يمكن التمسك بها للقرعة في جميع الموارد، بل هذه الرواية تحرص وترغب على الصلح في المنازعات، إلا أن الصلح على نحو القرعة أعدل.
الرواية الرابعة عن الحسين بن سعيد عن حماد بن عيسى عن سيابة وإبراهيم بن عمر عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل قال : أول مملوك أملكه فهو حر، فورث ثلاثة، قال: «يقرع بينهم فمن أصابته القرعة أعتق»، قال: «والقرعة سنة» (1).
ومورد الإستدلال هو الجملة الأخيرة: «والقرعة سنة»، وأما أصل الرواية فبحسب ظاهرها غير معمول بها؛ لأنه من المسلّمات عندنا أنه لا عتق إلا في ملك، وإنشاء الحرية قبل الملك غير مفيد، ولذا حمل فقهاؤنا هذه الرواية على صورة النذر، وقد ذكر في الجواهر في كتاب العتق كلام الفقهاء.
وأما قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «والقرعة سنّة» يمكن القول بأنه لا إطلاق فيها، بل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بصدد بيان أن القرعة من الأمور التي كان ممشي النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عليها، وليس المراد من السنة ما تكون في قبال الكتاب، فإنّا ذكرنا أن للقرعة أصل قرآني.
وأما موارد استعمالها، فهو من الأمور غير المذكورة، وليس الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بصدد بيان أن القرعة في جميع الموارد حتى يتمسك بإطلاقها.
الرواية الخامسة : علي بن الحسن عن أيوب بن نوح عن صفوان بن يحيى عن عبداللّه بن مسكان قال : سُئل أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأنا عنده عن مولود ليس بذكر ولا أنثى وليس له إلا دبر، فكيف يورث؟ قال: «يجلس الإمام ويجلس عنده أناس من المسلمين، فيدعون اللّه ويجيل السهام عليه على أي ميراث يورثونه»، ثم قال: «وأيّ
1) تهذيب الأحكام 6 : 239، وسائل الشيعة 27: 257، وفيه: عن سيابة وإبراهيم بن عمر جميعاً، عن أبي عبد اللّه. القواعد الفقهية.
قضية أعدل من قضية يجال عليها بالسهام يقول اللّه تعالى ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ المدْحَضِينَ) (1)».
وينبغي التذكير أن هناك عدة روايات مشتملة على جملة: «وأيّ قضية أعدل من قضية يجال عليها بالسهام إنّ اللّه تبارك وتعالى يقول: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ المُدْحَضِينَ)»، إلا أنّ عمدتها هذه الرواية، وعليه ينبغي ملاحظة هذه الرواية سنداً ودلالة.
ورواة هذه الرواية كلهم ثقات والسند إلى علي بن الحسن الفضال يمكن تصحيحه بطريق، ولكن هذه الرواية نقلت بسندين عن صفوان بن يحيى ويذكرهما صاحب الوسائل وينتهي السند إلى صفوان، إلا أن صفوان يروي عن إسحاق العرزمي أو إسحاق الفرازي أو إسحاق المرادي - على اختلاف النسخ - فيمكن أن يقال إن إسحاق سواء كان العرزمي أم الفرازي أم المرادي فهو مجهول ولا يمكن الحكم بوثاقته، ومن الممكن أن تكون الرواية مرسلة بحذف الواسطة؛ إذ الراوي في كلتيهما صفوان، وقد ذكر النجاشي أن روايات عبداللّه بن مسكان عن أبي عبداللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في غاية القلة، وكان لا يدخل على أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) استحياء، وكان يروي عن أصحاب أبي عبداللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وذكر شبيه ذلك الكشي.
إلا أن صاحب المستدرك قد نقض على النجاشي بروايات، وهل هذا النقض صحيح أو ليس بصحيح؟
يمكن القول بأنه محل تأمل من جهة أنّ النجاشي كان مطلعاً على هذه الروايات فلو كان الأمر كما ذكره النجاشي من أنه قليل الرواية عن أبي عبداللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لكان هذا قرينة عامة على إرسال الروايات التي يرويها عن أبي عبداللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وعلى أي نحو كان فمن المحتمل قوياً أن تكون الرواية مرسلة بحذف الواسطة.
1) سورة الصافات، الآية 141.
وبهذا المفاد مرسلة ثعلبة بن ميمون، وللصدوق أيضاً مراسيل ذكر فيها هذه الجملة.
ومعنى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وأي قضية أعدل من قضية يجال عليها بالسهام» أن القضية التي تستعمل فيها القرعة هي أعدل القضايا، وهذا إنما ذكر دفعاً لاستغراب العامة حيث إنهم استغربوا من أن تكون القرعة إحدى الموازين في المرافعات وفصل الخصومة، كما ذهب إليه أهل الرأي من العامة.
والإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بصدد بيان أن القضية التي يقرع فيها أعدل من غيرها؛ إذ لا يحتمل فيها ميل إلى طرف من أطراف القضية كما ربما يحتمل ولو ضعيفاً في سائر الأمور كالبينة، فإنّ في البينة واليمين وأشباههما إرادة الأفراد تكون دخيلة، وما لا يكون دخيلاً فيه إرادة الأفراد هو القرعة، وتساوي المتخاصمين ملحوظ بنحو أشد في القرعة، وليس الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بصدد بيان أن القرعة في كل مورد حتى يتمسك بإطلاقها وعدها من الروايات العامة.
فظهر من هذه الروايات الخمس أنه لا يمكن استفادة أزيد مما بنى عليه العقلاء منها، فلا تكون القرعة منافية للأصول العملية حتى يشكل بأن مع وجود القرعة في جميع الموارد لا تصل النوبة إلى الأصول العملية.
قد يقال : إن عدة من الروايات أجريت القرعة فيها على خلاف القواعد، فلابد من ملاحظة هذه الروايات وأنها هل تكون مخالفة للقواعد أو لا؟
الأولى: روى الشيخ - كما في الوسائل (1)- عن محمد بن أحمد بن يحيى عن محمد بن عيسى - وهو محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني، وهو ثقة من وجهة نظرنا - عن
1) وسائل الشيعة 24: 169، باب تحريم لحم البهيمة التي ينكحها الآدمي ولبنها، ح 1.
الرجل - والمراد إما الإمام الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإما الإمام الهادي (عَلَيهِ السَّلَامُ) - أنه سُئل عن رجل نظر إلى راع نزا على شاة، قال: «إن عرفها ذبحها وأحرقها، وإن لم يعرفها قسمها نصفين أبداً حتى يقع السهم بها، فتذبح وتحرق، وقد نجت سائرها».
وبهذا المضمون نقل صاحب الوسائل (1)عن الحسن بن علي بن شعبة في تحف العقول عن أبي الحسن الثالث في جواب مسائل يحيى بن أكثم الذي كان قاضي القضاة في ذلك العصر، إلا أن نسبة الكتاب إلى الحسن بن علي بن شعبة غير ثابتة، ولا يعلم أن هذا الشخص في أي قرن كان يعيش، ومن أيّ طبقة هو، وفي أي درجة من الوثاقة والفضل؛ إذ لم يترجم في كتب الرجال، نعم يظهر من نفس الكتاب أن الرجل كان ذا فهم، وقد جمع روايات لا بأس بها في الجملة.
فالعمدة في المقام هو ما رواه الشيخ فربما يقال - كما قال جماعة من الأكابر - بأنها مخالفة للقواعد؛ حيث إنّه لا شكّ في حرمة الغنم الموطوء، ومقتضى العلم الإجمالي في أطراف الشبهة المحصورة - كما هو كذلك في المقام - هو الاجتناب عن الكل احتياطاً، وجريان القرعة في مورد تقتضي قاعدة الاشتغال الإجتناب عن الكل على خلاف القاعدة، وقد أشار إلى ذلك صاحب الجواهر.
وقد أجاب صاحب الرسائل عن ذلك بجوابين(2)وأنّ الأمر فيها على القاعدة.
الجواب الأول هو ما لفظه: (والتعبير «بنجاة سائرها» لعله إشارة إلى أنّ هذا المورد أيضاً من قبيل تزاحم حقوق الشياة في بقاء حياتها)، وبما أنه قد عُبر في الرواية «وقد نجت سائرها» توهّم أنّ الغنم وأشباهه له حق الحياة، فتزاحم حقوقهم في الحياة تقتضي ذلك.
إلا أنّ الأمر ليس كذلك، فإنّه لا يستفاد من الروايات والفتاوى أن للحيوان حق الحياة.
نعم في آخر كتاب النكاح حيث يتعرض القوم لبحث النفقات قد تعرضوا كما في الجواهر لنفقة الحيوان المملوك، وظاهر بعض الكلمات حرمة إيذائها ووجوب الإنفاق عليها، وهذا المقدار هو الذي يمكن أن يقال بثبوته من حقوق الحيوان، وأما حق الحياة فهو غير ثابت.
ونحن نرى أنه مع أنّ ذبحه مقدمة للحرق لم يأمر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بإزهاق روحه بأي نحو كان أو حرقه رأساً، وبما أنّ الذبح أسهل الطرق لإزهاق روح الحيوان وأقل أذية له فلذا أمر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالذبح أولاً ثم حرقه.
الجواب الثاني هو ما لفظه : (وربما يحتمل أن يكون مورده من قبيل تزاحم حقوق أرباب الغنم، فإن قطيع الأغنام يكون من أرباب متفرقة غالباً فيتزاحم حقوقهم).
ويمكن الجواب عنه بأنّ العلم الإجمالي إنّما يكون مؤثراً فيما إذا حصل العلم الإجمالي لشخص واحد بأن علم إمّا هذا نجس أو ذاك، أو هذا حرام أو ذاك، وأما العلم الإجمالي بأنه إما هو مجنب أو غيره، فلا يكون مؤثراً، بل هذا ليس من العلم الإجمالي بشيء.
والمقام من قبيل الثاني، فالقاعدة تقتضي عدم وجوب الذبح على أي منهم.
والذي يمكن أن يقال في الجواب هو : أنّ ذبح الغنم وحرقه ودفنه مما ينطبق عليه عنوان الإسراف في نفسه، ويكون محرماً بحسب بناء العقلاء والشرع، وعليه في المقام علمان إجماليان:
أحدهما: وجوب ذبح أحد الأغنام وحرقه ودفنه.
وثانيهما: حرمة ذبح سائر الأغنام وحرقها.
فلا يمكن الموافقة القطعية للعلمين الإجماليين.
وأما موافقتهما الاحتمالية بأن يأخذ أحد الأغنام عشوائياً ويذبحه ويحرقه فغير عقلائي - والعلم الاجمالي تنجيزه وسائر خصوصياته بحسب مسلكنا عقلائي، لا أن يكون عقلياً - لأن احتمال أن يكون هذا هو الموطوء موهوم عند العقلاء؛ فإنّه إذا فرضنا أن يكون القطيع مائة شاة، فاحتمال أن يكون ما أخذناه عشوائياً هو الموطوء واحد في المائة، وأن لا يكون هو بل غيره : تسعة وتسعين في المائة، والعقلاء لا يحكمون بموافقة الاحتمال الموهوم، فيما أنه يقع في التحيّر، فيتوسل بالقرعة، وهذا الحكم لا يختص بهذا المورد فقط، بل في جميع الموارد المشابهة لهذا المورد، ففي كل مورد يكون إتلاف الجميع إسرافاً يتوسل بالقرعة من جهة أنّ اختيار أحدها عشوائياً غير عقلائي، والمفروض أنه يجب ذبح أحدها وحرقه بموجب العلم الإجمالي، ولذا نرى أن يحيى بن أكثم الذي هو قاضي القضاة يقبل الحكم، ولا يمكن القول بإتلاف جميع الأغنام لأجل العلم الإجمالي بوجوب ذبح أحدها وحرقه بناءً على تمامية رواية تحف العقول.
ربما يقال: إن الاسراف والتضييع إنما يكون محرماً فيما إذا كان بلا موجب، وأمّا إذا كان له موجب وإن كان هو العلم الإجمالي كما في المقام، فمثل هذا الاسراف لا يعدّ محرماً ولا ينطبق عليه عنوان التضييع.
ويجاب عن ذلك بأن احتمال واحد في المائة لا يوجب عدم صدق الاسراف.
وهنا جواب آخر وهو: أن الواطئ ضامن لقيمة الحيوان فيما إذا ذبح الحيوان وأحرق ودفن، لا مجرد القيمة سواء ذبح الحيوان وحرق أم لم يذبح، وبعبارة أخرى مجرد العمل لا يوجب الضمان بأن يأخذ صاحب الأغنام قيمة الحيوان من دون ذبح وحرق.
فأما العمل المتعقب بالذبح والحرق فموجب للضمان، أو أن الذبح والحرق إذا تحققا يكون الواطئ ضامناً، وضمانه محدود بحد العمل الذي أتى به وهو وطء أحد الأغنام، فلابد من تعيين أن الشاة الموطوءة أي واحدة هي حتى يحكم بضمانه لقيمتها،
ولولا ذلك لا يمكن الحكم بضمانه، فيتعيّن بالقرعة ويترتب عليه جميع الآثار من الضمان والذبح والحرق.
إن قلت: إن الواطئ ضامن للجميع؛ لأنّ عمله هذا قد أوجب العلم الإجمالي بوجود موطوء في هذا القطيع، فبما أنه أفسد علينا جميع هذه الأغنام يكون ضامناً.
ويمكن الجواب عنه بأنّ المقدار الذي دلّ عليه الدليل هو أن الواطئ لأحد الأغنام ضامن لذلك الغنم، وأما العلم الإجمالي الذي أوجب الاجتناب عن الجميع أو ذبح الجميع - على فرض القول به - إنّما هو ناشئ من جهله، لا من ناحية الواطئ.
الثانية: وهي المنقولة في الوسائل (1)، وهي مفصلة ومشتملة لقصة شاب كان يبكي، وذكر للإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قصة والده وأنه سافر مع جماعة ومعه أموال كثيرة، ثم رجعوا وقالوا بأنه مات ولم يكن له مال وهي رواية أبي بصير، ومورد الاستشهاد في هذه الرواية هو : (ثم إن الفتى والقوم اختلفوا في مال أبي الفتى كم كان، فأخذ علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) خاتمه وجميع خواتيم من عنده، قال: «أجيلوا هذه السهام، فأيكم أخرج خاتمي فهو صادق في دعواه؛ لأنه سهم اللّه عزّ وجلّ، وهو لا يخيب»).
ومثلها الرواية المذكورة بعدها في الوسائل، وهي بما أن روايها مجهول فلذا لا نتعرض لها.
والكلام في أنّ القرعة هنا مخالفة للقواعد حيث إنّ الفتى يدعي عليهم بأزيد مما أقروا على أنفسهم فيكونون هم المدعى عليهم.
وفي المسألة نظريتان، والفقهاء وإن لم يعنونوا نفس هذه المسألة، إلا أنهم عنونوا ما يكون شبيهاً بالمقام، كما في الشرائع (2)والجواهر (3)، وهو أنه لو اختلف في الزيادة
والنقيصة بين المالك والغاصب، فذكر في الشرائع : (إذا تلف المغصوب واختلفا في القيمة، فالقول قول المالك مع يمينه، وهو قول الأكثر، وقيل القول قول الغاصب وهو أشبه).
وفي المقام القول إما قول الفتى مع البينة بناء على ما ورد في صحيحة أبي ولاد - كما في الجواهر - نلتزم بأن القول قول الفتى مع البينة، وإمّا قول المنكر ؛ لأنه مدعى عليه، فلا تصل النوبة إلى القرعة، والحكم بالقرعة هنا مخالف للقواعد.
وقد ذكر العلامة المجلسي في المرآة (1)أنّ المشهور على خلافها، وهذه قضية في واقعة، قال: (ولعله حكم في واقعة لا يتعداه).
وبما أنا نقول بحجية الخبر الموثوق به لا حجية خبر الثقة، وإعراض المشهور لا يوجب سقوط الخبر عن الحجية، إلا أنّ إعراضهم منبه ومرشد إلى أن في الخبر شيء، فلابد من التأمل في متنها وسندها زائداً على الدقة الأولية، فعلينا مراجعة الرواية مرةً ثانية وملاحظتها فنقول:
إن الذي ذكرناه عن الشرائع والجواهر قابل للتأويل، فإنّا قد ذكرنا في مبحث القضاء أنّ الاختلاف بين المدعي والمنكر إذا كان في المتباينين بأن يدعي أحدهما إنّي أعطيتك بعيراً، والآخر يقول أعطيتني غنماً، فهنا يقرع بينهما، خلافاً للنراقي وغيره حيث أرجع الخلاف إلى الاختلاف في القيمة، فإن كان اختلاف الفتى مع القوم في الجنس - كما أنّ الأمر كذلك عادة، فإنّ التجار سابقاً كانوا يحملون معهم الأمتعة الرخيصة عندهم والغالية في البلاد الأخر، فيبيعونها هناك ويشترون الأمتعة الرخيصة عندهم الغالية في بلادهم - بأن كان يدعي أن معه كذا مقدار من الحرير مثلاً والقوم كانوا يقولون بأن معه كذا مقدار من القماش الآخر، والاختلاف في الكمية من جهة أن الاختلاف في الكمية مرآة للنوعية في هذه الموارد.
1) مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول 206:24.
وعليه فلا يرد الإشكال بأن المورد من موارد الأقل والأكثر، وهنا مدعي ومنكر، فلابد من الإلتزام بأحد القولين السابقين.
إلا أن في المقام حيثيتين أخريين ربما لا يحصل الاطمئنان بالرواية من جهتهما.
الحيثية الأولى: أن نوع القرعة في الرواية غير صحيح؛ إذ أساس القرعة على تساوي الاحتمالات مع أفراد المتنازعين، فإن كان قول كل منهم مساوياً من حيث القوة مع القول الآخر، فهنا يقرع بينهم على هذا النحو بأن يجعل خاتمين: أحدهما خاتمه مثلاً وهو سهم المحق، والآخر سهم المبطل، والحال أن الوارد في هذه الرواية هو: «فأخذ على (عَلَيهِ السَّلَامُ) خاتمه وجميع خواتيم من عنده».
فإن كان لكلّ من المدعي والمنكر حق الإخراج مرة واحدة، فيمكن أن يكون المخرج غير خاتمه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيبقى التحير بحاله.
وإن كان لكل من المدعي والمنكر حق الإخراج مرة واحدة، كما إذا فرضنا أنّ المنكرين تسعة والمدعي واحداً فيمكن أن يكون للمدعي حق الإخراج مرة واحدة، ولكل واحد من التسعة حق الإخراج مرة واحدة، فنتيجة ذلك أن القرعة قرعة غير عادلة؛ لأنه بلحاظ الاحتمالات يكون حصول خاتمه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أيديهم تسعة من الاحتمالات، بينما في احتمال واحد من العشرة يكون في يد الفتى.
ويمكن تأويل هذه الحيثية بأنه يمكن فرض تساوي السهام بأن إذا فرضنا أنّ عدد الخواتيم عشرة، يخرج خمسة منها للمدعي وخمسة للمنكرين، فمن كان خاتم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع خواتيمه فهو المحق، دون الآخر.
وربما يقال بأنه لا داعي لجعل الخواتيم عشرة، ويمكن الاقتراع بينهم بخاتمين لا جميع خواتيم من عنده.
مضافاً إلى أن «أيكم أخرج خاتمي» إلى آخره ظاهر في أن لكل منهم حق الإخراج.
الحيثية الثانية: أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان بإمكانه - كما أخذ الإقرار عنهم بقتل أبي الفتى بكتابة ما يقر به كلّ منهم - أن يطلب منهم كتابة مقدار المال الذي يقر كل منهم به، ولأقروا بمثل ما أقروا به في القتل، وانكشف الحال.
فمن هذه الحيثية تكون الرواية مستغربة وأنه لماذا لم يتبع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الطريقة التي تمكن من خلالها إثبات قتلهم إيّاه بالإقرار مما يوجب إقرارهم بالنسبة إلى المال، مع أن الفتى مهتم بأمر أبيه وأمر أمواله من الأول، ومجرد أن دعوى المال الكثير إنما تكون بعد إقرارهم على القتل لا توجب أن يغفل عنه القاضي المتوجه والملتفت وأن لا يلاحظ هذه الجهة من الأول.
وهاتان الحيثيتان توجبان الرجوع إلى سندها وأنّ الرواية هل هي صادرة أو لا؟ وهنا مبعد، وهو أن المفيد نقل هذه الرواية في الإرشاد (1)مع خصوصيات ودقائق أكثر، إلا أنه في تلك الرواية ورد أنّ المال كان مدفوناً وأخرجوه، وليس فيها منازعة الفتى مع القوم في القلة والكثرة، بل فيها : (فأمر من مضى منهم مع بعضهم إلى موضع المال الذي دفنوه، فاستخرجه منه وسلمه إلى الغلام) إلى آخره.
وروايته وإن كانت مرسلة، إلا أنّ المفيد يذكرها بما أنّ نقلة الآثار رووها، فقد عقد فصلاً تحت عنوان: (وكان من قضاياه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد بيعة العامة له ومضي عثمان بن عفان على ما رواه أهل النقل من حملة الآثار) (2)ثم قال المفيد (رَحمهُ اللّه) بعد ذلك (3): (فهذا طرف من ذكر قضاياه وأحكامه الغريبة التي لم يقض بها أحد قبله ولا عرفها من العامة والخاصة أحد إلا عنه، واتفقت عترته على العمل بها).
فالشيخ المفيد يدعي أن هذه الرواية والروايات الأخر التي ذكرها رواها أهل النقل وحملة الآثار ومما اتفقت عترته على العمل بها. فالرواية وإن كانت مرسلة، إلا أنّ المرسلات مختلفة من حيث الاعتبار.
مضافاً إلى أنّ هذه الرواية منقولة في الجعفريات وقرب الإسناد، وليس فيهما الاختلاف في المال، وعدم ذكر الاختلاف في هذه الروايات منبه إلى أنه يمكن أن تكون الرواية غير صادرة بهذا النحو، وحينما نراجع السند نرى أنه - بناء على نقل الكافي (1)والتهذيب (2)- مشتمل على علي بن أبي حمزة البطائني، وهو ضعيف على المشهور. وفي الفقيه (3)روى الرواية إلا أنّ الرواية عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وربما يقال بأنّ هذه الرواية من المراسيل، إلا أنّ الصدوق ذكر سنده إلى جميع القضايا المتفرقة لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المشيخة (4)، والسند صحيح. فيقال بأن هذه من قضايا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وللصدوق سند صحيح إلى قضاياه.
ولكن ما ذكره في المشيخة لا يشمل هذه الرواية، وهذا يظهر من مراجعة الفقيه فإن القضايا المنقولة المتفرقة في قبال القضايا المنقولة المجتمعة، والصدوق نقل عدة من
1) الكافي 7: 371.
2) تهذيب الأحكام 6 : 316.
3) من لا يحضره الفقيه 3: 24.
4) قال في المشيخة: (وما كان فيه متفرقاً من قضايا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقد رويته عن أبي، ومحمد بن الحسن رضي اللّه عنهما عن سعد بن عبد اللّه، عن إبراهيم بن هاشم، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ))، وقد أشار إلى نفس هذا السند في موضع آخر، قال: (ما كان فيه عن محمد بن قيس فقد رويته عن أبي (رَحمهُ اللّه) عن سعد بن عبد اللّه، عن إبراهيم بن هاشم، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن محمد بن قيس). من لا يحضره الفقيه 4 : 486، 527:4.
قضايا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مجتمعة في كتاب القضاء (باب الحيل في الأحكام)، وهذه الرواية التي ذكرت منقولة هناك.
ونقل عدة من قضايا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) متفرقة وفي ضمن الأبواب الفقهية، وما له سند صحيح هو الروايات الواردة في قضايا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) متفرقة، ولا يشمل هذه الرواية.
مضافاً إلى ما ذكرنا سابقاً أنّ مشيخة الفقيه مرتبة على ترتيب الروايات المنقولة في الفقيه، والترتيب يقتضي أن يكون السند الصحيح مرتبطاً بالقضايا المتفرقة، لا القضايا المجتمعة.
والنتيجة: أنه لا وثوق لنا بهذه الرواية من حيث السند، كما أنه لا وثوق لنا بالنسبة إلى ذيلها المشتمل على اختلاف الفتى مع القوم، فلا يمكن القول بأن الرواية على خلاف القواعد، مضافاً إلى أنه يمكن توجيه الرواية بما يكون موافقاً للقاعدة وهو - كما قلنا - أن يكون اختلافهم في الجنس، وإذا كان كذلك فالمصير إلى القرعة موافق للقاعدة، وقد نبهنا على ذلك في مبحث القضاء.
الثالثة ما نقله في الوسائل (1): وبإسناده عن حماد بن عيسى، عمن أخبره، عن حريز، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «أول من سوهم عليه مريم بنت عمران، وهو قول اللّه عز وجل: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلْ مَرْيَمَ) (2)والسهام ستة، ثم استهموا في يونس لما ركب مع القوم فوقفت السفينة في اللجة، فاستهموا فوقع على يونس ثلاث مرات قال فمضى يونس إلى صدر السفينة، فإذا الحوت فاتح فاه فرمى نفسه، ثم كان عند عبد المطلب تسعة بنين، فنذر في العاشر إن رزقه اللّه غلاماً أن يذبحه، فلما ولد عبد اللّه لم يكن يقدر أن يذبحه ورسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في صلبه، فجاء بعشر
من الإبل فساهم عليها وعلى عبد اللّه، فخرجت السهام على عبد اللّه، فزاد عشراً، فلم تزل السهام تخرج على عبد اللّه ويزيد عشراً، فلما أن خرجت مائة خرجت السهام على الإبل، فقال عبد المطلب: ما أنصفت ربي، فأعاد السهام ثلاثاً فخرجت على الإبل فقال: الآن علمت أن ربي قد رضي، فنحرها».
والظاهر أنّ هذا السند غلط ؛ لأنّ حماد يروي بلا واسطة عن حريز يز غالباً، والظاهر أن الصحيح هو حماد عن حريز عمن أخبره، كما في الخصال (1)، فإن حريز هو الذي قيل فيه أنه كان قليل التشرف بخدمة الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)ويروي عنه مع الواسطة.
والرواية يمكن أن يقال: إنها تدلّ على خلاف القواعد؛ إذ أثبتت القرعة في مورد النذر، فإنّ النذر لا ينعقد فيما إذا كان متعلقه مرجوحاً، وعلى فرض إنعقاده فلا يكون جواز العدل ثم القرعة بينهما مشروعاً.
وفي الجواب يقال:
أولاً : أنّ الرواية مرسلة ولا اعتماد عليها.
وثانياً: سوق الرواية ليس لبيان الحكم فعلاً، بل لبيان الإمتداد التاريخي للقرعة، أي أن القرعة من الأمور التي كانت قبل الإسلام بزمان طويل، فإنّه يظهر من بعض الروايات أن الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) قد كانوا بصدد بيان أنّ الأحكام الإسلامية بعضها مما له سابقة تأريخية قبل الإسلام، ثم جاء الإسلام وقد أمضاها بتمامها أو بصورة نقية، والمورد من هذا القبيل، كما وردت روايات في باب الخمس من أن الخمس مما سنه عبد المطلب وأمضاه اللّه في الإسلام، فلا يمكن بأن يستشهد بها على أن القرعة فيها على خلاف الموازين.
الرواية الرابعة ما نقله في المستدرك (2)عن أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره: عن عثمان بن عيسى، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال: «إنّ اللّه تبارك
وتعالى أوحى إلى موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ): أن بعض أصحابك ينم عليك فاحذره، فقال: يا رب لا أعرفه أخبرني به حتى أعرفه، فقال: يا موسى عبت عليه النميمة، وتكلفني أن أكون نماماً ! فقال: يا رب، وكيف اصنع ؟ قال اللّه تعالى: فرق أصحابك عشرة عشرة، ثم تقرع بينهم، فإنّ السهم يقع على العشرة التي هو فيهم، ثم تفرقهم وتقرع بينهم، فإنّ السهم يقع عليه»، قال: «فلما رأى الرجل أن السهام تقرع، قام فقال: يا رسول اللّه، أنا صاحبك، لا واللّه لا أعود».
وهذه الرواية كما ترى فإنّه ليس تشخيص التمام بالقرعة من الأمور العقلائية، مضافاً إلى أنها - كما في الرواية السابقة - لبيان إمتداد القرعة تاريخياً، مضافاً إلى أنّ الكتاب الذي نقل عنه كتاب نوادر أحمد بن محمد بن عيسى، وهذا الكتاب وإن كان يعتمد عليه بعض الأكابر إذا نقل عنه صاحب الوسائل، لا ما ينقله صاحب المستدرك، إلا أنّ هذا الكتاب على ما نقل كان عبارة عن أوراق متفرقة من فقه الرضا، والسند لا ينتهي إلى شخص معيّن، وفي غالب الموارد حذف رجال السند، وبما أنّ حديث الرفع كان من هذا الكتاب فقد صححه بعض الأكابر.
إلا أنه ليس الأمر كذلك، ولا يمكن اعتبار هذا الكتاب بحيث يكون من مصادر الفقه الإسلامي ويكون حجة. هذا كله مضافاً إلى إرسال الرواية فقد نقلها (عن بعض أصحابه).
فظهر أنّ هذه الرواية أولاً بصدد بيان الامتداد التاريخي للقرعة، وثانياً أنّ الكتاب المنقول عنه غير معتمد عندنا وعند جماعة من الفقهاء، وقد تقدم البحث عن هذا الكتاب في مبحث البراءة عند التعرض لحديث الرفع، وثالثاً أنها مرسلة. هذا كله مضافاً إلى أن متنها فيه ما فيه.
هذا تمام الكلام في الروايات التي توهم أن موردها يكون من الموارد التي تكون القرعة مخالفة للقواعد الأصولية أو العقلائية.
إن القرعة - كما ذكرنا - على قسمين:
تارة تعمل القرعة في الموارد التي ليس فيها تعيّن واقعي لأجل تعيينه، وهذا كما إذا كان العمل أو الشيء مرغوباً فيه، وكان تزاحم للرغبات أو كان الشيء أو العمل مرغوباً عنه.
والموارد الواردة في الروايات هي من قبيل إذا أعتق ثلث عبيده، فيعين بالقرعة، وتعيين الزوجة بالقرعة إذا طلق إحدى زوجاته على فرض صحة هذا الطلاق.
ومن الواضح أن القرعة في هذه الموارد لا ربط لها بأدلة الأصول حتى يلاحظ النسبة، فإنّ الأصول العملية وأشباهها من الأصول - كقاعدة الطهارة والحلية وأمثالها - إنما تكون فيما إذا كان لشيء واقع معيّن، وهذه الأدلة بصدد بيان وظيفة الشاك في قبال ذلك الواقع المعين، وأما إذا لم يكن واقع معيّن، فلا يكون شيء من الأصول جارياً.
وعليه لا يكون القسم الأول من القرعة منافياً لأدلة الأصول وأشباهها.
وأخرى ما يكون في موردها واقع معيّن والكلام في هذا القسم من القرعة إن قلنا باختصاصه بالموارد المذكورة في الروايات وأنكرنا وجود عموم أو أطلاق يدل على القرعة، فلا منافاة لهذا القسم أيضاً مع الأصول العملية، فإن بعض الروايات التي عدت من العمومات مثل موارد الترغيب على الصلح على نحو القرعة لا تنافي بينها وبين الأصول.
وإنما تكون رواية محمد بن حكيم منافية للأصول إذا قلنا بتماميتها، وأما إذا ناقشنا فيها سنداً - كما نوقش فيها، وناقشنا في الدورات السابقة - فلا يكون في البين
شيء منافياً للأصول، أو ناقشنا فيها دلالةً وقلنا بأنها لا إطلاق لها، بل الرواية مرتبطة بصورة اختلاف الرغبات وتزاحم الحقوق ومورد التنازع فلا تكون القرعة منافية للأصول أيضاً.
فإذا قلنا بتماميتها سنداً ودلالة وقلنا إنّها مطلقة تشمل جميع الموارد، فيمكن القول بأنّها منافية للأصول، ولابد وأن نلاحظ النسبة بينها وبين الأصول، إلا أنه يمكن المناقشة في الإطلاق بما تقدم وبما سنذكره الآن وهو: أن محمد بن حكيم كما في كتب الرجال من المتكلمين من أصحاب موسى بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وبعض رواياته تدل على ذلك، كروايته في القياس التي تدل على أنه من الأكابر وأراد الاستجازة من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالنسبة إلى القياس، فإنّ فقهاءنا كانوا غالباً في الكوفة ويخالطون أهل الرأي من العامة، وفي كثير من المسائل كانوا يتذاكرون معهم، ولذا في كثير من الموارد التي كانت لأهل الرأي شبهة وإشكال فيها كانوا يعرضون الشبهة على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومن هذه المسائل مسألة القرعة، ففي الكافي: علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن محمد بن حكيم قال: قلت لأبي الحسن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) جعلت فداك فقهنا اللّه في الدين وأغنانا اللّه بكم عن الناس حتى أنّ الجماعة منا لتكون في المجلس ما يسأل رجل صاحبه إلا وتحضره المسألة ويحضره جوابها فيما من اللّه علينا بكم، فربما ورد علينا الشيء لم يأتنا فيه عنك ولا عن آبائك فيه شيء فنظرنا إلى أحسن ما يحضرنا وأوفق الأشياء لما جاءنا عنكم فنأخذ به؟ فقال: «هيهات هيهات في ذلك واللّه هلك من هلك يا بن حكيم»، قال : ثم قال: «لعن اللّه أبا حنيفة كان يقول: قال علي وقلت».
قال محمد بن حكيم لهشام بن الحكم واللّه ما أردت إلا أن يرخص لي في القياس (1).
1) الكافي 56:1.
وهناك رواية أخرى سأله الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أكنت تجلس إليه؟» فقال: لا ولكن هذا كلامه (1).
فيظهر منها ومن غيرها أنّ فقهاءنا كانوا معاشرين لأهل الرأي، ومحمد بن حكيم وإن كان من المتكلمين إلا أنّهم كانوا يتذاكرون المسائل الفقهية التي تكون من المسائل الكلامية، وسنتعرض في مبحث تعارض الأدلة الشرعية إلى أن الكتب التي كتبت في الفقه الخلافي من الأول إنما كتبها المتكلمون، ولذا نرى أن كتاب نهج الحق للعلّامة الذي كتبه رداً على العامة ذا فصول ثلاثة فصل في أصول العقائد، وفصل في أصول الفقه، وفصل في الفقه.
فإذا عرفنا أنه كان معاشراً لهم، فنعرف أن ما يسأله من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان مطروحاً بينهم، إلا أنه نقله على نحو الإجمال بقوله: (سألت أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن شيء) فإذا لاحظ الإنسان المحيط والجو الذي كان يعيش فيه والإشكال الذي كان من قبل المخالفين - وهم أصحاب أبي حنيفة - من أنّ القرعة تصيب وتخطىء يفهم الإنسان أنّ ما كان مورداً للنزاع هو القرعة لفصل الخصومة والتنازع، لا في مورد التراضي، فإنّ أبا حنيفة أيضاً يقول بالقرعة في مورد التراضي، وعليه يكون قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كل مجهول ففيه القرعة» من قبيل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ) (2)يعني أن الكلية بلحاظ النوع - كما ذكر في المغني - لا بلحاظ الفرد، و «كل مجهول ففيه القرعة» في قبال قول أبي حنيفة بمعنى عدم اختصاصها بمورد التراضي، بل يعمّ ذلك، ونظير ذلك قول ابن العربي في كتابه آيات الأحكام، فبعد ما يذكر أقوال المخالفين للقرعة يقول: (والحق عندي أن
تجري في كلّ مشكل) (1)، فقوله هذا في قبال من يقول باختصاص القرعة بموارد خاصة.
والغرض أنّ ملاحظة السائل وملاحظة الجو الذي كان يعيش فيه وحيثية السؤال - فإنّه وإن لم تذكر الحيثية في الرواية إلا أنه من الواضح أن مثل هذا الشخص يسأل عن أي شيء - وملاحظة الاعتراض (القرعة تصيب وتخطىء) حيث إنّ الاعتراض هو اعتراض المخالفين، يحصل منه الإطمئنان بعدم إطلاق الرواية، والإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أجاب عن الاعتراض بأنّ «كلّ ما حكم اللّه به فليس بمخط»، أي أن القرعة مما حكم اللّه به، وحكم اللّه يكون على وفق المصالح، وهو لا يكون بمخطىء مثل أصالة الطهارة، فإنّ أصالة الطهارة يمكن أن تكون على خلاف الواقع، إلا أنّ الحكم بطهارة الشيء المشكوك فيه ليس فيه خطأ.
وللأكابر في المقام كلمات يمكن تقسيمها إلى قسمين:
الأول: القول بأنّ القرعة بما أنا نعلم أنها ليست في كلّ أمر مجهول ولا ريب في ذلك، فلذا في مقام تعيين موارد القرعة نتابع الفقهاء كلاً أو بعضاً، ففي كلّ مورد عمل الفقهاء فيه بالقرعة نعمل بها.
وبعبارة أخرى بما أنّ القرعة مخصصة بتخصيصات كثيرة توجب وهنها، فلذا لا يمكن الاعتماد عليها، وكان عمل الفقهاء متمماً لحجية الرواية ومبيناً لمرادها، وهذا ما ذكره الشيخ في ضمن كلماته، وكثير غير الشيخ قالوا به أيضاً.
وهذا الطريق لا يمكن الإلتزام به؛ لأنّ عمل الفقهاء كلهم أو بعضهم مع احتمال وجود قرائن عندهم ومتابعتهم في تعيين مراد الحديث مما لا يمكن الإلتزام به، فإنّا وإن كنا متأخرين عنهم عصراً، ولكن ربما يكون في الأعصار الأخيرة رجال يكون
1) آيات الأحكام 4 : 31.
اطلاعهم على الجو الفقهي لزمان إلقاء الرواية أكثر وأوسع من المتقدمين، ولا يمكن للفقيه أن يتابع الآخرين فيجري القرعة في الموارد التي أجروا القرعة فيها تبعاً لهم.
القسم الثاني: الإجابة عن حل المعضلة، ونحن نذكر من الأجوبة عدة منها:
الجواب الأول: ما ذكره المحقق الهمداني في حاشيته على الفرائد (1)، فقد قال: (الظاهر أنّ القرعة لا تعارض شيئاً من الأدلة و الأصول الجارية في الأحكام و الموضوعات، بل الظاهر اختصاص موردها بالشبهات الموضوعية التي لم يثبت لتشخيص حكمها طريق شرعي أو أصل عملي تعبّدي).
وملخص كلامه حمل المجهول على ما إذا كان الشيء مجهولاً من حيث الحكم الواقعي ومن حيث الحكم الظاهري التعبدي فقال: (لأن القرعة إنّما هي لكل أمر مشكل).
ثم ذكر علامتين من علائم الحقيقة والمجاز، وهما التبادر وعدم صحة السلب، فقال: (والمتبادر في كونه مشكلاً كونه على وجه يتحيّر المكلف في تشخيص حكمه في مقام العمل، ومع وجود طريق شرعي - ولو تعبدي - يرتفع الإشكال ولا يقال عليه أنه أمر مشكل).
ويمكن المناقشة فيه:
أولاً: أن الوارد في الرواية هو (المجهول)، لا (المشكل) ولا (المشتبه).
وثانياً: على فرض أنه كان في الرواية لفظ (مشكل)، فلماذا لا تكون القرعة طريقاً وأصلاً - ولو أصلاً عقلائياً - حتى تجري في دوران الأمر بين المحذورين في الشبهات الموضوعية وفي العلم الإجمالي.
الجواب الثاني: ما سلكه السيد الخوئي (أيده اللّه) وهو متحد مع ما ذهب إليه المحقق الهمداني في أصل المطلب، إلا أنّ كلامه يختلف عن كلامه من حيث البيان
1) الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية 2: 115.
ولكن بدون ذكر كلمة (مجهول) أو (مشكل) وإن كان يستظهر من كلامه في مستند العروة مبحث الخمس (1)ورود كلمة (مشكل) في الروايات، وبما أن كلامه الذي نحن بصدد بيانه متفرق في بحث فقهه وأصوله، فلذا نقرب كلامه على وفق ما في تقرير بحثه من الفقه والأصول.
وهو : أنّ كلمة (المجهول) في هذه الرواية لابد أن تحمل على ما لا يكون حكمه معلوماً، لا حكمه الواقعي ولا حكمه الظاهري، لا تعبديته ولا عقليته - وقد أشار إلى عدم معلوميته من حيث حكمه العقلي في مستند العروة - وهذا مساوق للفظ (المشكل) الوارد في كلمات الفقهاء حيث يعبرون بقولهم: (لا يخلو عن إشكال) وأمثال ذلك.
وإنما نحمل المجهول على هذا المعنى من جهة أنه لو لم نحمله عليه لزم إعمال القرعة في موارد العلم مطلقاً، وهذا من الأمور التي وهذا من الأمور التي هي واضحة الفساد، وأما إذا حملناه على ما ذكرنا فالقرعة تكون متأخرة عن جميع الأصول، وتختص القرعة بموارد خاصة.
ويرد عليه مضافاً إلى عدم وجود كلمة (مجهول) في الروايات أنّ هذا الاستظهار إن كان من نفس كلمة (مجهول)، فهذا الاستظهار مما لا وجه له؛ إذ الظاهر من كلمة (مجهول) هو الشكّ، أي كلّ شيء مشكوك فيه، فإن كان المشكوك فيه هو الموضوع، فمعناه إذا لم يكن الموضوع معلوماً. وإن كان المشكوك فيه هو الحكم، فمعناه إذا لم يكن الحكم معلوماً. غاية الأمر يمكن أن يقال بأنّ المشكوك فيه إذا كان هو الموضوع فمعناه إذا لم يكن حكم ذلك الموضوع معلوماً. وأمّا حكم هذا الشيء في صورة الشكّ فليس هو حكماً لهذا الشيء، إلا مع المجاز في الإسناد، وكل مجهول معناه أن كل شيء يكون
1) موسوعة الإمام الخوئي 25: 147.
هو مجهولاً، غاية الأمر أنا نقول بأنه مجهول الحكم، كما إذا لا يعلم حكم التتن مثلاً، لا ما لا يعلم أنه خل أو خمر، فهذا الحكم ليس حكم ما إذا لا يعلم أنه خل أو خمر.
وإجمال الكلام أنّ هذا اللسان عين لسان رفع ما لا يعلمون» و«الناس في سعة ما لا يعلمون» وغير ذلك.
وما ذكره من أن لفظ (المجهول) مساوق للفظ (المشكل) الذي هو في كثير من كلمات الفقهاء فيسأل عنه أنه هل تلتزمون بإجراء القرعة فيما إذا قال المقلد: (هذا الحكم مشكل) أو (لا يخلو عن إشكال)؟
وإن كان هذا الاستظهار مستنداً إلى القرينة فهذه القرينة لا تكون معينة لهذا المعنى الذي ذكرتموه، بل توجب الترديد بين المعنى والمعاني الأخر، مضافاً إلى أنه لا يوجد مثال في الموضوعات الفقهية من جهة عمل المكلف، فإنّ المثال المذكور في مستند العروة من أنّ المال الذي لا يعلم أنه مال هذا أو مال ذاك، فإنّ الأصل في مثل ذلك عدم ملكية هذا وعدم ملكية ذاك، إلا أنا نعلم بأن أحد الاستصحابين مخالف للواقع، و مجرد ذلك لا يوجب سقوطها. نعم في مسائل القضاء إن لم تكن القرعة من موازين القضاء قد لا يمكن فصل الخصومة.
وخلاصة الكلام: أن دائرة الأصل موسعة بحيث لا يبقى مورد إلا وهو مجرى لأحد الأصول، ولا يوجد مثال في الموضوعات الفقهية يكون خالياً من أصل.
الجواب الثالث: ما ذكره صاحب الرسائل، ومرجع كلامه إلى إشكالين:
الإشكال الأول: أنّ السؤال في الرواية ليس بهذا النحو المنقول (سألته عن شيء)، بل السؤال كان من جهة خاصة، وبما أنا نحتمل أن يكون في السؤال خصوصية توجب صرف المجهول إلى قسم خاص، وكانت قرينة على أن المراد من المجهول ليس مطلق المجهول، بل قسم خاص منه، فلذا لا يمكن التمسك بهذا العموم والحكم بإجراء القرعة في كل مجهول.
وبعبارة أخرى بما أنّ السؤال محذوف، ومن المحتمل أن تكون في السؤال المحذوف قرينة توجب صرف المجهول إلى بعض الأفراد، فهذا يكون مانعاً من الأخذ بالعموم، والرواية تكون مجملة.
ويمكن الجواب عن هذا الإشكال بأنّ احتمال وجود قرينة في السؤال مدفوع بوثاقة الراوي؛ إذ لو كان الأمر كذلك لوجب على الراوي بيان تلك القرينة وعدم الإخلال بها في النقل، وبما أن المفروض هو وثاقة الراوي، فمن هنا نعرف أنه لم تكن في السؤال خصوصية وقرينة دخيلة في فهم كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وبعبارة أخرى: احتمال وجود قرينة مقالية مانعة عن العموم مدفوع بالأصل، و خلاف ظاهر نقل الثقة.
لا يقال: كيف تقولون بذلك؟ والحال أنكم قلتم باختصاص الرواية بموارد خاصة من جهة القرينة الحالية.
فإنّه يقال : إنّ القرائن الحالية تختلف عن القرائن المقالية، فإنا قد ذكرنا بما أنّ الرجل كان من متكلمي الشيعة ومن أعاظمهم بحيث أمره الإمام موسى بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالجلوس والمحاجة مع الناس - كما في الرجال - فهذه الجهة مع سبق ذهنه لمدرسة أهل الرأي وأفكارهم كانت تقتضي حمل الرواية على ما حملناه، وليس من وظيفة الناقل بيان أنه في أي مقام علمي، وهل كان معاشراً للمخالفين أو لا؟ وأمثال ذلك.
وأما القرائن المقالية، فالإخلال بها يكون مضراً ومنافياً لوثاقته.
الإشكال الثاني: أنّ بناء العقلاء بما أنه مستمر على القرعة في حدود خاصة، وهي اعتبار القرعة في بحث القضاء في موارد فصل الخصومة وفي موارد تنازع الحقوق، فبناء العقلاء عليه مانع من ظهور انعقاد العموم في أوسع تما بني عليه العقلاء، ويحكم بأنّ هذا العموم في الحقيقة إرشاد إلى ما بنى عليه العقلاء، فلا يمكن القول باعتبار القرعة في جميع الأبواب في غير ما بنى عليه العقلاء.
ولكن هذا الذي ذكره محل تأمل وإشكال.
أولاً: أن جعل الموضوع في كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو (المجهول) شاهد على أنّ الحكم ليس بإرشادي إلى ما بنى عليه العقلاء؛ وذلك لأنّ القدر المتيقن تما بني عليه العقلاء في القرعة - كما ذكرنا - ما إذا لم يكن للشيء تعيّن واقعي، فيعمل القرعة لتحصيل المرجح، كما إذا كان العمل عملاً مرغوباً فيه أو كان العمل مرغوباً عنه، فاحتراماً لجميع الرغبات يقرع بينهم.
فالقدر المتيقن من بناء العقلاء ليس مجهولاً، فيكون بين المجهول وما بنى عليه العقلاء تباين.
وإن قلنا بعقلائية القرعة في مورد فصل الخصومة والتنازع فيما إذا كان للشيء واقع معيّن فيكون بينهما عموم وخصوص، إلا أنا ذكرنا أن عقلائية القرعة في فصل الخصومة ليس من الواضحات، بل محل تأمل، ومعه كيف يمكن القول بأن الرواية إرشاد إلى ما بنى عليه العقلاء حتى تحدد الرواية بحدود بناء العقلاء؟
وثانياً: أنه قد أشكل على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ): (القرعة تخطىء وتصيب)، فيظهر من ذلك عدم تلقي المستشكل أنّ القرعة أمر عقلائي؛ إذ أنّ الأمر العقلائي حينما يلقى إلى الطرف المقابل فإنّه يقبل ويسلم له ولا وجه للإشكال؛ فالقرعة مع أنه تخطىء وتصيب عقلائية في مورد احترام الرغبات وفي مورد فصل الخصومة.
وأظهر منه جواب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث تمسك الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالحكم الإلهي والتعبدي «ما حكم اللّه فليس بمخط»، فبما أن الحكم حكم اللّه فلا يمكن القول بأنه خطأ سواء أصابت القرعة أم لم تصب، ولو كان الكلام مسوقاً لبيان بناء العقلاء، وكان الأمر أمراً عقلائياً لم يكن وجه للإشكال كما لم يكن وجه لهذا الجواب التعبدي.
ثمّ إنّ صاحب الرسائل استشهد لما ذهب إليه بكلام الشيخ الطوسي في النهاية والخلاف وغيرهما حيث إنهم ذكروا القرعة في مبحث القضاء وفي بعض الفروع وقالوا: (كل مجهول ففيه القرعة).
وهذا الإستشهاد ضعيف؛ لعدم حجية فهم فقيه على فقيه آخر، مضافاً إلى أنّ الدليل غالباً أعم من المدعى، وهم قد طبقوا الكبرى الكلية في مورد خاص، وبما أنّ هذا الفرع كان في القضاء فلا يفهم منه أنّهم لم يفهموا من الرواية أنها كانت محدودة بما بني عليه العقلاء.
الجواب الرابع : - ما يخطر ببالنا - وهو أنّ الرواية ذات عموم أفرادي «كل مجهول ففيه القرعة»، ولا ريب فيها بهذا اللحاظ، فإنّها من هذه الجهة تشمل جميع موارد الجهل، أي سواء كان المجهول من نوع الاختلاف في النسب، كالولد المردد بين أفراد، أو كان من قبيل الحرية والرقيّة، أو كان من قبيل الزوجة المرددة بين اثنين، أو من قبيل المملوك المردد بين شخصين، وأمثال ذلك، حتى إذا كان من قبيل المولود المردد بين الذكر والأنثى، فالرواية شاملة لجميع هذه الموارد.
وأما بالنسبة إلى المقرع فهل تكون الرواية مطلقة بالنسبة إليه؟ وسيأتي إن شاء اللّه أنه ذهب بعض إلى اختصاص القرعة بالإمام أو بالقاضي.
فهل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) مطلق من هذه الجهة، وأن المجهول يمكن فيه القرعة لكل أحد أو أي أحد؟
وبعبارة أخرى: إن معنى الرواية هل هو كل مجهول من كل أحد فيه القرعة؟ أو كل مجهول ممن وظيفته فصل الخصومة ففيه القرعة؟
وادعاء الإطلاق والشمول من هذه الجهة لا يمكن التمسك له بالعموم الأفرادي، بل لابد من التمسك بالإطلاق؛ إذ العموم الأفرادي إنما هو بالنسبة إلى المجهول، لا بالنسبة إلى من له حق الاقتراع.
فإذا ظهر ذلك نقول: إنّ الكلام إذا كان مسوقاً لجهة من الجهات، وشككنا في أنه هل كان بصدد البيان من جهة أخرى؟ فلا أصل لإثبات أنه في مقام بيان تلك الجهة إن شككنا في أنه هل في مقام البيان أو لا، كما ذكر ذلك في مبحث المطلق والمقيد؟
وعليه فيمكن القول بأن القدر المتيقن هو القرعة لمن يتصدى فصل الخصومة.
توضیح ذلك: أنّ من يواجه مجهولاً تارة يكون بصدد تعيين وظيفته ووظيفة مقلديه، فلابد له أولاً من العلم الوجداني، ثمّ الأمارات، ثمّ الأصول، ثم القرعة إن وصلت النوبة إليها، ولا تصل النوبة إليها أبداً حتى فيما قالوا فيه إشكال، بل وحتى في المثال المذكور في مستند العروة، والمقصود أنه لو وصلت النوبة إلى القرعة، فتكون القرعة مرتبطة بعمله الشخصي، ومتأخرة عن جميع الأصول.
وأخرى يكون المجهول لا بلحاظ عمله الشخصي، بل بلحاظ فصل الخصومة، وفي هذه المرحلة يكون الجهل متأخراً عن العلم، فإنه بناء على جواز العمل على العلم في القضاء فيعمل القاضي أولاً على وفق علمه، وإن لم يكن عالماً فلا تقوم الأمارات مقام علمه، بل لابد من إعمال موازين القضاء، وميزان القضاء البينة واليمين، والقرعة إما لتعيين من عليه اليمين، كما إذا كان الشهود متساوين عدداً وعدالة - كما في الروايات - أو لفصل الخصومة.
والغرض أن المجهول في هذه المرحلة من الجهل الذي لا تقوم الأمارات مقامه ولا الأصول، والأمارات إنّها تكون مفيدة لتشخيص المدعي عن المنكر، والقاضي بما أنه قاض لا يمكنه الاعتماد في مقام فصل الخصومة على الأمارات.
فظهر أن الجهل هنا هو الجهل التكويني، وهذا الجهل هو الذي فيه القرعة إما لتعيين من عليه اليمين أو لفصل الخصومة.
وهذا بخلاف ما إذا كان الجهل بالنسبة إلى تعيين وظيفته الشخصية، فإنّه لابد وأن تكون القرعة متأخرة عن العلم الوجداني والأمارات والأصول.
هذا تمام الكلام في الجواب عن رواية محمد بن حكيم التي قيل إنها من الروايات العامة.
وهذا البحث مشتمل على جهات:
الجهة الأولى: أنه لا ريب في عدم كيفية خاصة للقرعة، بل المعتبر هو اتحاد عدد السهام مع الأشخاص أو الموضوعات، بمعنى لحاظ العدالة في القرعة، وعليه فلو جعل لشخص سهمين وللآخر سهم، وأقرع بينهما، فهنا لم تلاحظ العدالة، بل على خلاف العدالة، وهذا ثابت بحسب بناء العقلاء والروايات، فإنّه ذكر في الروايات «وأي قضية أعدل من القرعة».
ولذا ناقشنا في رواية أبي بصير المخدوشة سنداً بأنّ الظاهر منها هو عدم مراعاة التساوي في السهام.
الجهة الثانية: أنه بعد ما ظهر من لزوم مراعاة التساوي في السهام هل لابد من إعمال القرعة بكيفية خاصة أو لا؟
الظاهر عدم لزوم كيفية خاصة، بمعنى أنه بعد ما قلنا بلزوم مراعاة التساوي في السهام بعدد الأشخاص أو الموضوعات، فهنا كما يمكن القرعة بينهم مرة واحدة وبسهام متعددة بحسب الأفراد أو الموضوعات، كذلك يمكن إعمال القرعة بينهم بسهمين وجعلهم نصفين، وهكذا حتى تنتهي القرعة أو بالعكس، فكما في قطيع الغنم يمكن إعمال القرعة على وفق ما ورد في الرواية كذلك يمكن إعمال القرعة مرة واحدة وبسهام متعددة؛ وذلك لأنه لوحظ في كليهما العدالة، وورود قسم في الرواية - كما في قطيع الغنم - إنّما هو من باب أنه أسهل لا لأجل خصوصية في الاقتراع بهذه الكيفية.
الجهة الثالثة: أن اتحاد السهام مع عدد الأشخاص أو الموضوعات إنما يكون معتبراً فيما إذا كان الاحتمال في كل منهم متساوياً، وأما إذا كان الاحتمال في بعض أقوى وفي بعض أضعف، كما إذا كان لشخص عند شخص درهم و لشخص آخر عند ذلك الشخص در همان و تلف درهم من هذه الدراهم فما هي الوظيفة؟ - والمفروض عدم العمل برواية السكوني لضعف سندها من جهة النوفلي على المختار - فهل يقترع
بينهما بحسب الأفراد؟ أي أنه يجعل سهم لمن له درهم واحد و سهم آخر لمن له درهمان، أو يقترع بينهما بلحاظ الاحتمالات، أي يجعل لمن له درهم سهم ولمن له درهمان سهمان؛ وذلك لأنه بلحاظ الاحتمالات يكون احتمال التالف لمن له در همان أزيد ممن له درهم واحد.
وتوضيح ذلك : أنه لو كان المجموع مائة درهم وكان درهم لشخص والباقي لشخص آخر وتلف منه درهم واحد، فهنا احتمال أن يكون التالف من مال من له تسعة وتسعون تسعة وتسعين في المائة، واحتمال أن يكون التالف من مال من له درهم واحد واحد في المائة، فإن أعمل القرعة على نحو التساوي فيكون الرابح هو من له تسعة وتسعون؛ لأنه بحسب الاحتمالات يكون التالف من ماله بنسبة تسعة وتسعين في المائة، والقرعة على هذا النحو لم تلاحظ فيها العدالة، بل لابد من الاقتراع بينهما بحسب الاحتمالات، هذا كله إذا كانت الاحتمالات قابلة إلى تبديلها بالعدد الرياضي الملموس كما في هذا المثال.
وأما إذا لم يكن كذلك، بل كان على نحو لا يمكن تبديل الاحتمالات بالعدد الرياضي، كما إذا كان لأحدهما شاهدان وللآخر شهود خمسة كما في رواية السكوني، فلا يمكن الإلتزام بتساوي السهام مع الاحتمالات إلا على القول بتمامية الرواية كما هو غير بعيد، فإنّ الرواية معتبرة من وجهة نظرنا، فإنّ الراوي لهذه الرواية اثنان النوفلي وعبد اللّه بن المغيرة، فمن جهة عبد اللّه بن المغيرة تكون الرواية معتبرة وإن لم يعمل بمضمونها الفقهاء، ففي الوسائل (1): «قضى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجلين ادعيا بغلة، فأقام أحدهما شاهدين والآخر خمسة، فقضى لصاحب الشهود الخمسة خمسة أسهم ولصاحب الشاهدين سهمين».
1) وسائل الشيعة 27: 253.
والاستدلال بهذه الرواية متوقف على أن يكون المراد من السهام سهام القرعة، وأما إذا كان المراد من السهام الحصّة، بمعنى أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قسمها بينهم بأن جعل خمس حصص لصاحب الشهود الخمسة وحصتين لصاحب الشاهدين فلا يمكن الاستدلال بالرواية. وبما أنّ في الرواية احتمالين فلا يمكن الاستدلال بها.
وعليه فإنّما نقول بالقرعة على هذا النحو من جهة وجود الأمارات الخارجية، والمفروض اختلافهما في عدد الأمارات، فإنّ لأحدهما شاهدين وللآخر خمسة.
وأما إذا كان الاحتمال في ذهن القاضي فقط بأن يحتمل تسعة وتسعين في المائة أن يكون المال لأحدهما المعين فلا دليل على القرعة بنحو التساوي في الاحتمال.
الجهة الرابعة: أنه هل لابد من السهم الثالث إذا احتمل أن يكون المال لغير المتنازعين أو لا؟
الظاهر عدم لزوم سهم ثالث سواء كان الاحتمال مدفوعاً بأصل من الأصول أم لا؛ لأنا مأمورون بالظاهر، والظاهر أنّ المتنازعين أحدهما مالك، مضافاً إلى أن الاقتراع بينهما بهذا النحو قد لا يوجب فصل الخصومة، وما ورد في رواية جميل المشتملة لمباحثة الطيّار مع زرارة من جعل سهم. ثالث لا يمكن الإلتزام به لما ذكرنا من أن الظاهر أن المال لأحدهما.
نقل عن جماعة أنهم قالوا باختصاصها بالإمام، وتدلّ عليه مرسلة حماد: «القرعة لا تكون إلا للإمام» (1)، وكلام يونس: (قال: في رجل كان له عدة مماليك، فقال: أيكم علمني آية من كتاب اللّه فهو حرّ، فعلمه واحد منهم، ثم مات المولى ولم يدر أيهم الذي
1) وسائل الشيعة 27: 259.
علمه أنه قال يستخرج بالقرعة - وهذا القول قول يونس - قال: ولا يستخرجه إلا الإمام لأنّ له على القرعة كلاماً ودعاء لا يعلمه غيره) (1).
وبما أنّ القرعة عند العقليين من العامة كان أمراً مستغرباً، فلعله ذكر يونس ذلك في مقام الاحتجاج واسنادها إلى الإمام والأمر الغيبي حتى لا يستنكر.
وكيفما كان فمرسلة حماد ليس بحجة، وكذا كلام يونس، ومقتضى القاعدة هو جواز الاقتراع لمن بيده الأمر فيما إذا كانت هناك رغبات سواء كان الشيء مرغوباً فيه أم مرغوباً عنه، وكذا جواز الاقتراع لكلّ من المتخاصمين إذا رضيا بالقرعة.
نعم إذا كانت القرعة من شؤون القضاء سواء أراد القاضي تعيين من عليه اليمين بالقرعة أم أراد فصل الخصومة بها، فالقرعة من وظائف القاضي، وبما أنّ القضاء منصب إلهي، وقد جعل هذا المنصب للإمام ومن يعينه الإمام، وبما أنّ القاضي نائب له فله حق الاقتراع؛ وذلك للروايات التي في باب القضاء.
وللوالي حق الاقتراع في ميراث الخنثى المشكل كما في الرواية، والمقصود أن في كل مورد من يهمه الأمر له حق الاقتراع، وهو قد يكون قاضياً وقد يكون واليا وقد يكون أحد المتخاصمين، وقد يكون الزوج كما إذا أراد اصطحاب أحد الزوجات معه في السفر، فالقول باختصاص القرعة بالإمام مما لا وجه له.
القرعة قد تكون في ما ليس له واقع معيّن، مثل ما إذا كان العمل مرغوباً فيه أو مرغوباً عنه، فالقول بأنّ القرعة كاشفة هنا غير صحيح؛ إذ لا واقع حتى يمكن كشفه بالقرعة، وقد تكون فيما له واقع معين عند اللّه، فهنا يُسأل هل أنّ القرعة لها كاشفية أو لا؟ وهل يعقل جعل الكاشفية للقرعة أو لا؟
1) وسائل الشيعة 23 : 60.
ذهب بعض إلى أنّ القرعة ليست لها كاشفية لا تامة ولا ناقصة، وما ليس له كشف مطلقاً يستحيل جعل الكاشفية بالنسبة له نظير ما ذكره الشيخ في البراءة من أنّ جعل الحجية للشك والاحتمال لا يمكن من جهة أنه لا كاشفية لهما.
مضافاً إلى أن الشارع المقدس قد مشى في القرعة بالمشي العقلائي، وبناء العقلاء على عدم اعتبارها كاشفة.
وما ذكر بالنسبة إلى إمكان اعتبارها كاشفاً واستحالته لا يمكن المساعدة عليه؛ وذلك لأنّ في الأمور الاعتبارية يدور الإمكان والإستحالة مدار المصلحة والمفسدة، فإن رأى الشارع أنه من المصلحة أن يجعل لما ليس له كاشفية كاشفية، فيمكن له جعل ذلك، كما أنه إذا رأى من المصلحة أن يلغي كاشفية ما له كاشفية، ولا شكّ أن لبعض الأقسام من القرعة أو ما في حكم القرعة من الاستخارة عند بعض الاشخاص كاشفية، أي أنّهم يرون الاستخارة كاشفة، وهذه الرؤية قد يوافقها الشارع، وقد يلغيها بحسب المصالح والمفاسد.
فالقول بالإستحالة تما لا وجه له ولابد هنا من ملاحظة الكاشفية.
والكاشفية للقرعة إن كان المراد بها الكشف الواقعي، لا بأسباب غيبية، بمعنى أن سهم المحق له ارتباط مع الواقع ويكشف الواقع بالسهم المحق، فهذا ما لا يمكن القول به؛ لأنّ ضرب القرعة لا يلازم الواقع بالعلية والمعلولية، ولا يتلائم مع ملاحظة الاحتمالات؛ إذ المفروض أنّ الاحتمال بالنسبة إلى كل واحد على حد سواء، فليس لنا طريق إلى استكشاف الواقع ولو ظناً.
وإن كان المراد بها الكشف عن الواقع بسبب غيبي وبعناية إلهية، ففي كلّ مور دل الدليل على وجود العناية الإلهية في التعيين بالقرعة، كما يظهر من الروايات الواردة في قصة يونس أو قصة عبد المطلب، فلا إشكال، ونقول به.
وكذا إذا كان المقترع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ودعا بدعاء لا يرد، فإن دعاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مختلف بحسب الروايات: دعاء لا يردّ، ودعاء يمكن أن يستجاب ويمكن أن لا يستجاب فعلاً لمصالح.
وإنما الكلام فيما إذا لم يدل دليل على وجود سبب غيبي، فهنا المقترع أو المقترعين قد يفوضون أمرهم إلى اللّه ويطلبون منه إخراج سهم المحق وقد لا يطلبون منه تعالى ذلك، بل يقترعون بما أنه مما بنى عليه العقلاء.
فإن دعوا وطلبوا من اللّه إخراج سهم المحق، فبمقتضى (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (1)يمكن القول بأنّ للقرعة ارتباطاً مع الواقع، إلا فيما إذا كان الدعاء على خلاف المصالح أو لم تكن شرائط الدعاء أو الداعي مجتمعة، فارتباط القرعة بالواقع بهذا المقدار.
وإن اقترعوا لا مبتهلين إلى اللّه، بل فوضوا أمرهم إلى المصادفة، فهنا لا وجه للقول بكاشفية القرعة.
ولابد من ملاحظة الروايات وأنها هل تدلّ على كاشفية القرعة أو لا، بل تدلّ على عدم كاشفيتها؟
والروايات على قسمين:
القسم الأول: ما لا يدلّ على كاشفية القرعة، بل مشعر بالخلاف، منها: رواية محمد بن حكيم، فقلت إن القرعة تخطىء وتصيب، قال: «كل ما حكم اللّه به فليس بمخط»، والظاهر من عدول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث لم يقل بأن القرعة لا تخطىء، بل قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ما حكم اللّه به فليس بمخط» هو أن القرعة لا كاشفية لها.
القسم الثاني: ما هو مرتبط بتعارض البينتين، والقرعة في تعارض البينتين لتعيين من عليه اليمين. وليس فيها كاشفية عمّن له الحق فمن قرع، أي غلب بالقرعة يقال
1) سورة غافر، الآية 60.
له: احلف، فإن حلف فيثبت الحق بالحلف، وإن نكل يحكم عليه إن لم يكن له الحلف المردود، وإلا يقال للثاني احلف أنت على اختلاف في مبحث القضاء.
منها : صحيحة الحلبي، قال: سُئل أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجلين شهدا على أمر، وجاء آخران فشهدا على غير ذلك، فاختلفوا، قال: «يقرع بينهم، فأيهم قرع فعليه اليمين، وهو أولى بالحق» (1).
ومنها: صحيحة داود بن سرحان وعبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في شاهدين شهدا على أمر واحد، وجاء آخران فشهدا على غير الذي شهدا عليه، واختلفوا، قال: «يقرع بينهم، فأيّهم قرع عليه اليمين، وهو أولى بالقضاء» (2).
ومنها: رواية حسين بن مختار قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال له أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما تقول في بيت سقط على قوم فبقي منهم صبيان أحدهما حرّ والآخر مملوك لصاحبه فلم يعرف الحر من العبد؟ فقال أبو حنيفة: يعتق نصف هذا ونصف هذا، فقال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ليس كذلك؛ ولكنه يقرع بينهما، فمن أصابته القرعة فهو الحرّ، ويعتق هذا، فيجعل مولى لهذا».
وهذه الرواية منقولة في الوسائل (3)هكذا : (وعنه عن حماد عن المختار)، وهكذا نقل في موضع من التهذيب (4)، إلا أنه في موضع آخر منه (5): (عن حماد بن عيسى عن الحسين بن مختار).
وقد أيد صاحب معجم الرجال أن يكون الصحيح هو الحسين بن مختار، لا المختار فقط.
والظاهر أنّ ما ذكره السيد الخوئي (حفظه اللّه) هو الصحيح، ويمكن الحكم بوثاقة الحسين بن مختار من غير جهة وجوده في أسناد كامل الزيارات.
ثم إنها لو لم تكن الجملة الأخيرة وهي: «ويعتق هذا» إلى آخره لكانت الرواية مناسبة للكاشفية، إلا أن حكم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالنسبة إلى الثاني بالعتق «فيجعل مولى لهذا»، ومعنى ذلك أنّ له حق ولائه، فمن هنا يعرف أن القرعة لا يترتب عليها جميع الآثار، بل يترتب عليها الأثر من جهة، وهذا مناف لكشفها عن الواقع، بل يظهر من الرواية أنّ القرعة معتبرة في حدود الأصل.
وهناك قسم آخر من الروايات تدلّ على كاشفية القرعة عن الواقع، مثل صحيحة أبي بصير: «فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) : ليس من قوم تنازعوا ثمّ فوضوا أمرهم إلى اللّه إلا خرج سهم المحق» (1).
ومثل مرسلة داود بن أبي يزيد العطّار عن بعض رجاله عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «فمن خرج سهمه فهو المحق وهو أولى بها» (2).
ورواية عباس بن هلال المتقدمة وفيها: «خرج السهم الأصوب».
ورواية أبي بصير المتقدمة المشتملة على نزاع الفتى مع قوم: «فأيكم أخرج خاتمي، فهو صادق في دعواه؛ لأنه سهم اللّه عز وجل، وهو لا يخيب» (3).
والإلتزام أو القول بكاشفية القرعة لا بأسباب غيبية أو بأسباب غيبية مطلقاً مما لا يمكن الإلتزام به وإن كان يظهر من رواية جميل أن زرارة فهم من القرعة أنها
كاشفة، فعن ابن أبي عمير عن جميل (قال: قال الطيار لزرارة: ما تقول في المساهمة أليس حقاً؟ فقال زرارة : بلى هي حق، فقال الطيار : أليس قد ورد أنه يخرج سهم المحق؟ قال: بلى. قال: فتعال حتى ادعي أنا وأنت شيئاً ثمّ نساهم عليه، وننظر هكذا هو ؟ فقال له زرارة: إنما جاء الحديث بأنه ليس من قوم فوضوا أمرهم إلى اللّه ثم اقترعوا إلا خرج سهم المحق، فأما على التجارب فلم يوضع على التجارب، فقال الطيار : أرأيت إن كانا جميعاً مدعيين ادعيا ما ليس لهما من أين يخرج سهم أحدهما؟ فقال زرارة: إذا كان كذلك جعل معه سهم مبيح، فإن كانا ادعيا ما ليس لهما سهم المبيح)(1).
ويظهر من هذه الرواية أنّ النزاع بينهما كان في كاشفية القرعة والتلازم الواقعي وزرارة كان ملتزماً بذلك والطيار كان مخالفاً له، والإلتزام بكاشفية القرعة مطلقاً غير صحيح.
وقد أوّل بعضهم هذه الرواية والروايات الدالة على كاشفيتها بأن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «إلا خرج سهم المحق» نظير سائر الروايات، مثل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «هو أحق بها» ومثل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «فعليه اليمين» كما في صحيحة الحلبي، يعني: إن حلف يكون هو أحق.
وهذا التأويل كما أوّله بعض مما لا وجه له في هذه الرواية؛ إذ اليمين كان في تعارض البينتين، لا في مورد هذه الرواية «ليس من قوم تنازعوا ثم فوضوا أمرهم إلى اللّه إلا خرج سهم المحق»، فإنّ هذه الرواية مرتبطة بالصلح على نحو القرعة.
فقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) : «إلا خرج سهم المحق» أمره يدور بين أن يكون هذا في حدود قوله تعالى (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (2)فلو كان الداعي من مستجابي الدعوة وكان دعاؤه
واجداً للشرائط فيمكن أن تشمله العناية الإلهية ويخرج سهم المحق، فهذا وعد منه باستجابة الدعاء.
وبين أن يكون هذا تقوية للكشف الذي يراه بعض العقلاء في الاستخارة، فهذا تقوية لهذا الاعتقاد، فالقرعة لها جهة تعبدية من المتعبدين من العقلاء، والشارع المقدس رأى من المصلحة تقوية هذا الاعتقاد، إلا أنه ليس معنى ذلك أن القرعة لا تتخلف عن الواقع، بل معناه أنّ هذا الكشف الإحساسي حجة ويعتمد عليه في الجملة.
فظهر مما ذكرنا أنّ القرعة حجة في حدود الأصل ومثبتاتها ليست بحجة، كما ظهر من البحث السابق أن القرعة لا تتنافى مع الأصول.
هذا تمام الكلام في القرعة والحمد لله أولاً وآخراً.
القاعدة الأولى والثانية الفراغ والتجاوز ...7
الجهة الأولى في أمور...7
الجهة الثانية في أنّ قاعدتي الفراغ والتجاوز تأسيسية أم إمضائية... 13
الجهة الثالثة في المستفاد من الروايات...18
الجهة الرابعة في ابتناء قاعدة التجاوز على أصل لفظي وعدمه... 140
الجهة الخامسة في الموارد الخارجة عن قاعدة التجاوز تعبداً... 46
الجهة السادسة في اعتبار الدخول في الغير وعدمه... 72
الجهة السابعة في تحديد حدود الغير... 83
بقي شيء وهو في معقولية الجزء المستحب وعدمها... 88
الجهة الثامنة في ما يتحقق به الفراغ... 97
الجهة التاسعة في جريان القاعدتين في موارد الغفلة والجهل بالحكم ...106
بقي شيء وهو في وجود قواعد أخر تقتضي الصحة... 122
الجهة العاشرة في حدود جريان قاعدتي الفراغ والتجاوز في الشرائط... 124
الجهة الحادية عشر في أنّ القاعدتين من الأمارات أو الأصول... 138
الجهة الثانية عشرة في تقدم قاعدة الفراغ والتجاوز على الاستصحاب... 163
القاعدة الثالثة أصالة الصحة... 165
البحث الأول: في تحرير محل البحث... 165
البحث الثاني: في الفرق بين أصالة الصحة وقاعدة الفراغ وأن الصحة عند الحامل أو الفاعل... 182
البحث الثالث: في ما يستدل به على أصالة الصحة.. 184
البحث الرابع: في حدود أصالة الصحة بلحاظ الحالات الإدراكية للفاعل من وجهة نظر الحامل...201
البحث الخامس: في أن أصالة الصحة تصحح العقد بالنسبة إلى جميع الشروط الدخيلة في الصحة والفساد ...207
البحث السادس: في إثبات أصالة الصحة للصحة الفعلية أو التأهلية... 217
البحث السابع: في جريان أصالة الصحة وعدمه عند الشكّ في مقوم العمل.... 229
البحث الثامن: في جريان أصالة الصحة في العمل الذي فيه حيثيتان... 234
البحث التاسع: في وجه تقدم أصالة الصحة على الاستصحاب ...248
القاعدة الرابعة اليد ...251
الجهة الأولى: في اليد وبناء العقلاء... 251
الجهة الثانية في الروايات المستدل بها على حجية اليد... 258
الجهة الثالثة : في حدود اليد وثبوتها... 285
الجهة الرابعة : في حجية اليد في صورة عدم علم صاحب اليد بالملك وعدمها... 295
الجهة الخامسة في الأيادي المشتركة... 306
حقيقة الملكية على نحو الإشاعة... 308
الجهة السادسة: في أنّ المراد من اليد ما تكون قبال اليد العدوانية والأمانية... 325
بقي هنا شيء... 332
الجهة السابعة : في إقرار صاحب اليد على أنّ المال كان لغيره... 334
الجهة الثامنة: في ما لو أقرّ صاحب اليد لمن يقوم مقام المالك بأن المال له... 341
الجهة التاسعة: في حكم اليد فيما لو علمنا سابقاً أنّ العين ملكاً غير طلق... 352
القاعدة الخامسة القرعة... 359
البحث الأول: في أمور... 359
البحث الثاني : أقوال العامة في القرعة... 366
البحث الثالث: الروايات الدالة على القرعة... 367
البحث الرابع: في الروايات التي توهم جريان القرعة على خلاف القواعد... 380
البحث الخامس: النسبة بين أدلة القرعة وأدلة الأصول العملية...392
البحث السادس: في كيفية إعمال القرعة... 403
البحث السابع: في أنّ القرعة كاشفة أو أنها أصل ...406