ghaemiyeh.com
التَمهيدُ لِلظُهُورِ
فِي الكُتُبِ وَ المُصَنَّفَاتُ
الجُزء الثالِث
إعدَاد و تَقدِيْم
مَركَزُ الدراساتِ التَخصصيَة فِی الامامِ المَهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف
محرر الرقمي: ميلاد أحمدي
مَركَزُ الدراساتِ التَخصصيَة فِی الامامِ المَهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف
اسم الکتاب: ... التمهيد للظهور في الكتب و المصنفات/ ج 3
إعداد و تقديم: ... مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف
رقم الإصدار: ... 312
الطبعة: ... الأولى 1446ه-
عدد النسخ: ...طبعة محدودة
جميع حقوق الطبع و النشر محفوظة للمركز العراق- النجف الأشرف
هاتف 07809744474
07816787226
www.m-mahdi.com
info@m-mahdi.com
الثقافة الإسلامية
(5)
دراسة في علاقة الانتظار بالحركة و علاقة الحركة بالانتظار
الإصدار الثاني مع إضافات و تصحيح و تنقيح
محمّد مهدي الآصفي
مختارات من محاضرات و مقالات و مؤلفات الشيخ محمد مهدي الآصفي -5-
اسم الكتاب: ... الإنتظار الموجّه
المؤلف: ... محمّد مهدي الآصفي
الطبعة الخامسة: ... 1431 ه- 2010م
الكمية: ... 5000 نسخة
المطبعة: ...مطبعة مجمع أهل البيت 8 النجف الأشرف
تضافرت طائفة من النصوص الإسلاميّة، من الفريقين (الشيعة و السنّة)، عن جيل الموطّئين الذين يوطّئون الأرض لدولة الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشريف ، و قد حدّدت هذه النصوص عدداً من الأقاليم الإسلامية المعروفة لهذا الجيل، و أهم هذه الأقاليم التي تخصٌ جيل الموطّئين هي: المشرق و خراسان (و يظهر أنّ المشرق هو خراسان) و قم، و الري، و اليمن، و في ما يلي النصوص التي تخصّ جيل الموطّئين في هذه الأقاليم.
روى الحاكم، في المستدرك على الصحيحين، عن عبد الله بن مسعود، قال: أتانا رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم فخرج إلينا مستبشراً يُعرف السرور في وجهه، فما سألناه عن شيء إلاّ أخبرنا به، و لا سكتنا إلاّ ابتدأنا حتّى مرّ فتية من بني هاشم منهم: الحسن و الحسين، فلمّا رآهم التزمهم و انهملت عيناه، فقلنا: يا رسول الله، ما نزال نرى في وجهك شيئاً نكرهه؟
فقال: إنّا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، و إنّه
سيلقى أهل بيتي من بعدي تطريداً و تشريداً في البلاد حتّى ترتفع رايات سودٌ في المشرق، فيسألون الحقّ لا يعطونه، ثُمَّ يسألونه فلا يعطونه، ثُمَّ يسألونه فلا يعطونه- فيقاتلون- فيُنصرون. فمن أدركه منكم و من أعقابكم فليأت إمام أهل بيتي، و لو حبوا على الثلج، فإنّها رايات هدى، يدفعونها إلى رجل من أهل بيتي (1) و عن الإمام الصادق عَلیْهِ السَّلام:
1) راجع المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري، كتاب الفتن و الملاحم/ حديث رقم 8566. و المعجم الاوسط للطبراني، حديث رقم 5860، و المسند الجامع لابي المعاطي النوري 81/12، و سنن ابن ماجة، حديث رقم 4220، باب خروج المهدي و جمع الجوامع (الجامع الكبير) للسيوطي حرف الهمزة، حديث رقم 2815 و حرف السين حديث رقم 13078، و الديلمي 2 / 323، حديث رقم 3470. و مسند ابن أبي شيبة (فيما رواه عبد الله بن مسعود) حديث رقم 308. و المصنف في الاحاديث و الآثار لابن أبي شيبة، عبد الله بن محمد حديث رقم 37727 و مصادر اخرى. و قد اعتمدنا في ترقيم الاحاديث برنامج (المكتبة الشاملة.
كأنّي بقوم قد خرجوا بالمشرق يطلبون الحقّ فلا يعطونه ثُمَّ يطلبونه، فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم فيعطون ما شاءوا فلا يقبلونه حتّى يقوموا ولا يدفعونها إلاّ إلى صاحبكم (أي الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام، قتلاهم شهداء) (1)
عن محمّد بن الحنفية، و يبدو أنّها عن الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عَلیْهِ السَّلام:
ثُمَّ تخرج راية من خراسان يهزمون أصحاب السفياني حتّى تنزل ببيت المقدس توطئ للمهدي سلطانه (2)
رجل من قم يدعو الناس إلى الحقّ يجتمع معه قوم
قلوبهم كزبر الحديد، لا تزلّهم الرياح العواصف، لا يملّون من الحرب و لا يجبنون و على الله يتوكّلون و العاقبة للمُتّقين (1)
عن الإمام الباقر عَلیْهِ السَّلام في قيادة اليماني قبل ظهور الإمام:
و ليس في الرايات أهدى من راية اليماني، هي راية هدی، لأنّه لأنه يدعو إلى صاحبكم (2)
و أوّل ما يلفت النظر في هذا الجيل هو الصّلابة و القوّة و الاستحكام، فهو جيل صعب، شديد المراس، يوطئ الأرض لظهور الإمام، و يواجه وحده طواغيت الأرض. و الإمام
الصادق عَلیْهِ السَّلام يُفسّر- كما في رواية محمّد بن يعقوب الكُليني- قوله تعالى: فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أوْلِي بأس شَدِيد (1)بهذا الجيل، و تصفهم الرواية بهذا الوصف العجيب: قُلُوبُهُمْ كَزُبَرِ الْحَدِيدِ، لَا تزلّهم الرِّيَاحُ الْعَوَاصِفُ...
إنّها قلوب و من طبيعة القلوب اللين و الرقة، و لكنّ هذه القلوب تتحول في مواجهة الطغاة و العتاة إلى زبر من الحديد لا تلين و لا ترق. إنّ الصّلابة و بالقوة من خصائص الأجيال التي يحمّلها الله تعالى مسؤولية التغيير، و الثورة، و من خصائص الأجيال التي يضعها الله تعالى في منعطفات التاريخ الكبرى لنقل الناس من مرحلة إلى مرحلة، و هذا الجيل يحمل هذه الخصائص.
و مهمة هذا الجيل هي تحدّي «النظام العالمي» و التمرّد
1) الإسراء: 5.
عليه، و ما أدراك ما النظام العالمي، و كيف صمّم لخدمة القوى الكبرى و من دار في فلكها، و الاحتفاظ بمراكز القوّة و المواقع الاستراتيجية لها في مختلف مناطق الأرض. إنّها مسؤولية شاقّة و عسيرة و دقيقة يتعهّد بها هذا النظام على مستوى العالم كلّه، و ليس على مستوى منطقة أو إقليم من الأرض فحسب.
إنّ هذا النظام يتكوّن من مجموعة من المعادلات و الموازنات السياسية و الاقتصادية و العسكرية و الإعلامية الدقيقة، و من أنظمة أعضاء الأُسرة الدولية و من مجموعة من الخطوط الحمراء و الخضراء و الصفراء فيما بين هذه الأنظمة و هذه المجموعة من الاتفاقات و التنازلات و تنظيم الأدوار و اقتسام الموارد و الأسواق و مصادر الثروة و مناطق النفوذ.
أقول: إنّ هذه المجموعة المعقّدة تمكّن القوى الكبرى من السيطرة على الوضع العالمي، كما تمكّن العتلة الصغيرة الإنسان من حمل الأثقال الكبيرة بحركة خفيفة. و لذلك فإنّ النظام العالمي قبل سقوط الاتحاد السوفيتي، و بعد ذلك، يبقى
أمراً يحترمه الجميع، لأنّ هؤلاء يستفيدون منه كلٌّ بمقدار حجمه و قوّته ... و هؤلاء الشباب من جيل الموطّئين يخترقون ببساطة و من دون تردّد هذه الخطوط الحمراء، و يغيّرون هذه المعادلات و الموازنات التي يتفاهم عليها الجميع و يتلقونها بالقبول و الاحترام، و يفسدون على هذه الأنظمة و المؤسسات الدولية استقرارها و توازنها و هيبتها الدولية. و لا سبيل لها على هؤلاء الشباب، و لا تستطيع أن تتحملهم و لا تتمكن من أن تدفعهم. فإنّ أكثر قوة هذه الأنظمة و هيبتها الدولية في مواجهة أنظمة و مؤسسات من مثلها، و أقوى ما تملك من السلاح هو القتل و السجن و التعذيب و المطاردة.
و هؤلاء لا يخافون شيئاً من ذلك و لا يرهبهم شيء من ذلك.
و الوصف الموجود في الرواية دقيق. في وصف هذا الجيل:
لا تُزِلُّهُمُ الرّیاحُ الْعَواصِفُ، وَ لا یَمَلُّونَ مِنَ الْحَرْبِ وَ لا یُجْبُنُونَ، وَ عَلَی اللهِ یَتَوَکَّلُونَ، وَ الْعاقِبَة لِلْمُتَّقینَ.
إنّ الذي لا يجبن و لا يملّ الحرب، و لا تزلّه الرياح العواصف بطبيعة الحال لا يقهر و لا يهزم. وقوة هؤلاء و ميزتهم أنّهم لا يجبنون، و هذه هي مشكلتهم في حساب الأنظمة و القوى الكبرى، و ميزتهم الكبرى عند الله و رسوله و المؤمنين.
في موسم الانتخابات العامة للرئاسة الأمريكية، في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق، جرى حوار تلفزيوني ضمن النشاط الإعلامي الذي يقوم به عادة المرشّحون للرئاسة الأمريكية، بين الرئيس الأمريكي الأسبق كارتر و المرشح الآخر المنافس له على الرئاسة، فقال له هذا الأخير: إنّ أمريكا خسرت الكثير من هيبتها الدولية في حادث تفجير مقرّ القوات البحرية الأمريكية في بيروت (المارينز) و تتحمل أنت- مخاطباً الرئيس الأمريكي- مباشرة مسؤولية هذه الخسارة بالكامل، فقال له الرئيس الأمريكي بالحرف الواحد: و ماذا تراني قادراً أن أفعل في مواجهة إنسان جاء هو ليطلب الموت؟! إنّ أقصى ما نتمكن منه أن نردع الناس بالرّعب
و الإرهاب من أمثال ذلك، فإذا كان الذي يقوم على هذا التفجير هو من يطلب الموت و يلقي بنفسه على الموت فماذا تراني قادراً أن أفعل في ردعه؟ و ماذا كنت تفعل أنت لو كنت في مثل موقعي في هذا الظرف؟!
هذه هي بعض ملامح جيل التحدي الذي برز في مواجهة الأنظمة و القوى الكبرى في العراق و إيران و أفغانستان و لبنان و فلسطين و المغرب و الجزائر و مصر و السودان، و أخيراً في الشيشان و البوسنة و الهرسك.
عجيب أمر هذا الجيل، يسبّ جلاديه و يشتمهم، و هو في قبضتهم و تحت سلطانهم و سياطهم، يصبّون عليه العذاب صبّاً فلا ينثني عن قصده، و لا يلين و لا يئن و لا يصرخ. و إنّ أحدهم ليقول الجلاديه، و هم يعذبونه بما لا يعلم إلاّ الله من فنون التعذيب: سوف أُبقي في نفسك حسرة أن تسمع منّي صرخة تألُُّم أو أنين أو توجّع.
و ردود الفعل العالمية تجاه هذا الجيل، كما تصرّح به هذه
النصوص، ردود فعل غاضبة و ساخطة، لأنّ هذا الجيل يعرّض هذه المعادلات و الموازنات لهزّات عنيفة و حقيقية، و لذلك فإنّ ردود الفعل العالمية تجاهه تتّسم بالغضب و السخط دائماً.
روى أبان بن تغلب عن الإمام الصادق عَلیْهِ السَّلام:
إِذَا ظَهَرَتْ رَايَةُ الْحَقَّ لَعَنَهَا أهْلُ الشَّرْقِ وَ أهْلُ الْغَرْبِ أتَدْري لِمَ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: لاَ. قَالَ: لِلَّذِي يَلْقَى النَّاسُ مِنْ أهْل بَيْتِهِ قَبْلَ ظُهورِه (1) و هذا الجيل الذي يتحدى أنظمة الاستكبار العالمي هو الذي يوطئ الارض لظهوره، و يخلق الرعب والقلق و الارتباك لهذه الأنظمة و المؤسسات الدولية، و يسلب استقرارها و راحتها.
روى ثقة الإسلام الكليني في الكافي (كتاب الروضة) في تفسير قوله تعالى: بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِی بَأْسٍ
1) بحار الأنوار 52: 262.
شَدِيد ... (1)عن الإمام الصادق عَلیْهِ السَّلام قال: قَوْمٌ یبْعَثُهُمُ اللَّهُ قَبْلَ خُرُوجِ الْقَائِمِ فَلَا یدَعُونَ واتراً لآِلِ مُحَمَّدٍ، إِلَّا قَتَلُوه (2) و ردود الأفعال العالمية، المذكورة في هذه النصوص، تشبه إلى حدّ كبير ردود الأفعال العالمية اليوم تجاه الصحوة الإسلامية التي يسمونها ب- «الأُصولية الإسلاميّة»، و ينعتونها بالإرهاب و بأقسى النعوت.
توطئة الأرض لثورة الإمام عجل الله تعالی فرجه الشريف مهمة واسعة و كبيرة، و معقّدة ينهض بها هذا الجيل في مواجهة عُتاة الأرض و طغاتها المستكبرين و أئمة الكفر .. و هؤلاء العتاة يعدّون جميعاً جبهة سياسية عريضة، رغم كلّ التناقضات القائمة فيما
بينهم، و هي جبهة تملك الكثير من أسباب القوة من المال و السلطان السياسي و الجيش و الإعلام و العلاقات و النُظم، و تستخدم جميع هذه الأسباب في ضرب الصحوة الإسلامية الناشئة و إجهاضها، و لا بدّ لهذا الجيل الذي ينهض بمشروع إعداد الأرض لظهور الإمام من أن يواجه هذه القوّة بالآلية نفسها التي تستخدمها جبهة الاستكبار العالمية و تزيد عليها بالتربية الإيمانية و الجهادية و التوعية السياسية. و عليه فإنّ مشروع التوطئة الذي ينهض به جيل الموطنين يتكون من بُعدين:
البُعد الأوّل: التربية الإيمانية و الجهادية و التوعية السياسية، و هذا ما تفقده الجبهة المقابلة
البُعد الثاني: الآلية السياسية و العسكرية و الاقتصادية و الإدارية و الإعلامية التي لابدّ منها في مثل هذه المعركة.
و ليس من شكّ في أنّ الفئة المؤمنة التي تعدّ الأرض لظهور الإمام لابدٌ لها من إعداد هذه القوّة، و إن كانت لا تستطيع أن تكافئ الجبهة العالمية المضادة. و هذه الآلية
السياسية و العسكرية و الاقتصادية و الإعلامية لا تتحقق من غير وجود نظام سياسي و دولة على وجه الأرض. و هذه هي دولة الموطّئين التي وردت الروايات بالتبشير بها كثيراً، و لابدّ منها للإعداد لظهور الامام (عَلیْهِ السَّلام) و للإعداد لثورته الكونية، و من دون ذلك لا تتهيأ الأسباب الطبيعية لظهور الإمام... و الإعداد لهذه القوة يحتاج إلى عمل و حركة في واقع الحياة و لا يغني «الرصد» و «الانتظار» عنها شيئاً.
آيَة اللهُ العُظْمَى مَكَارِمْ الشيَرازي
للثقافة و الإعلام مداد
دار الجواد الأَئمة (عَلیْهِ السَّلام)
جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى
1430ه- 2009م
دار جواد الأئمة (عَلیْهِ السَّلام)
بيروت- لبنان ت - 03/137373
لا بدّ أن نذعن بأنّ بلوغ تلك المرحلة التأريخية التي:
يجتمع فيها كافة الناس تحت راية واحدة، و تزول فيها الاسلحة الفتاكة، و تنعدم فيها الطبقات المستعمرة (بالفتح) و المستعمرة (بالكسر) وتنهي فيها النزاعات و الألاعيب السياسية و العسكرية للدول العظمى و يتخلص العالم من اسم «العظمى» و كابوس قدرتها الجهنمية، و تتحول فيها المنافسة الاقتصاديه البغيضة و الهدامة إلى تعاون و تكاتف بشري من أجل حياة أجمل ومعيشة أرغد، ...
کلّ هذه الأُمور تبدو مبكرة و تتطلب استعداداً عاماً، مهما كنا متفائلين و نشعر بالأمل.
لكن بالنظر إلى التطورات و التغيرات التي تحدث بسرعة في العصرالأخير فلا ينبغي أن نراها بعيدة أيضاً لتصبح رؤيا خيالية.
على أيّة حال هنالك أربعة استعدادات ينبغي توفرها لقيام هذه الحكومة.
أي، ينبغي أن يبلغ المستوى الفكري للناس درجة تجعلهم يدركون بأن قضية «العرق» أو «المناطق الجغرافية المختلفة » ليست بالأمور الجديرة بالاهتمام في حياتهم، و ليس للخلافات على أساس اللون و اللغة و الأرض أن تفرق بين أبناء البشر، و يجب أن تموت و إلى الأبد العصبيات القبلية و الفئوية، و لابدّ من طرح الفكرة المقيتة القائلة بالجنس الأفضل، و ليس لهذه الحدود المصطنعة و الأسلاك الشائكة و الجدران الأثرية كجدار الصين أن تبعد الناس بعضهم عن البعض الآخر،
بل ينبغي النظر إليها كضياء الشمس و النسيم المنعش و سحب السماء و سائر النعم التي لا تعرف من معنى لهذه الحدود و الأعراق و تغذي الجميع. و أن يعتبروا العالم بأسره دولة صغيرة.
و لو أمعنا النظر لرأينا أنّ هذا التفكير قد تبلور وتكامل لدى مفكري العالم و مثقفيه، بل أبعد من ذلك فقد جرى الحديث عن اللغة العالمية الواحدة، و قد اقترح لذلك لغة معينة توحد الجميع و قد طبعت عدة كتب بهذه اللغة.
لابد أن يمتعظ الناس من الظلم و الجور و الأنظمة السائدة، و يشعروا بمرارة هذه الحياة المادية، و اليأس التام من أنّ مثل هذه الحياة الاحادية النزعة يمكنها في المستقبل حل المشاكل القائمة.
ينبغي أن يدرك العالم أنّ البشارة في القرن 18 و 19 م بشأن المستقبل
الزاهر للحضارة البشرية في ظلّ التطور الآلي، لم تكن في الواقع سوى حلم أو سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء.
فقد اتسعت رقعة الارباكات الماديه و عدم الأمن و الاستقرار، إلى جانب غياب حالة الرفاه و الرخاء.
و ليس فقط لم تزُل القوانين التي تبدو رصينة و الظلم و الاستعمار و الاستغلال و التفاوت الطبقى الفاحش فحسب، بل استفحل الفساد السابق ليتخذ أشكالاً و انماطاً مرعبة.
إنّ الوقوف على عمق خطورة الوضع الموجود إنما تستلزم بادئ الأمر حالة التفكير، ثمّ الترديد، و بالتالي اليأس من الوضع العالمي القائم و الاستعداد للنهضة الشاملة على كافة الأصمدة و على ضوء القيم الجديدة. فليس هنالك من سبيل لبلوغ تلك المرحلة دون هذا الأمر.
خلافاً لما يراه البعض من أن بلوغ مرحلة التكامل الاجتماعي و عالم مفعم بالأمن و العدل و السلام يقترن ضرورة بالقضاء على التقنية المعاصرة، بل الواقع أنّ هذه التكنولوجيا المتطورة ليس فقط لا تحول دون قيام حكومة العدل العالمية فحسب، بل ربّما يستحيل بدونها تحقيق تلك الحكومة، فلابدّ من وجود سلسلة من الأمكانات و الوسائل الغاية في التطور بغية إيجاد مثل ذلك النظام العالمي و من ثمّ السيطرة عليه، و التمكن من الطوف في أرجائه خلال فترة زمنية قياسية و ايصال المعلومات إلى مختلف مناطقه البعيدة.
فلو عادت الحياة الصناعية لوضعها القديم لتطلب ايصال رسالة من منطقة معينة في هذا العالم إلى أُخرى مدّة سنة، فكيف يمكن إرساء قواعد الحكومة العالمية و بسط العدل و القسط في كافة أرجائها؟ أم كيف يمكن تحقيق هذا الهدف أن تطلب القضاء على حفنة من الاشرار- الذين يفترض وجودهم حتّى فى مثل هذه الحكومة- مدة زمانية طويلة لكى تقف الحكومة على أوضاعهم و المبادرة إلى القضاء عليهم؟
و زبدة الكلام فإنّ مثل هذه الحكومة و بغية اشاعة الأمن و بسط العدل في ربوع العالم تحتاج إلى العلم بكافة المناطقو السيطرة التامة لتتمكن من تربية المجتمع المتأهب للاصلاح، إلى جانب الإبقاء على وعيه و حيويته. و التجهز لكلّ فرد يحاول المساس بنظام تلك الحكومة. و لعلّ من يفكر عكس ذلك كأنه لا يفكر في مفهوم الحكومة العالمية و يقارنها بالحكومات المتداولة المحدودة.
و يبدو أنّ العالم الذي يريد أن يبلغ هذه المرحلة ينبغي أن تتسع فيها رقعة وسائل التربية و التعليم و تتصف بالشمولية بحيث تستند أغلب مشاريعها إلى التثقيف الذاتي، و هذا بدوره يتطلب مراكز ثقافية فاعلة و وسائل ارتباط عامة و صحافة و كتب ضخمة و التي لا تتيسر جميعاً دون و فرة الآلات الصناعية المتطورة.
أجل، يمكن قيام مثل هذا النظام دون الوسائل الصناعية المتطورة إن كانت هناك معجزة في هذه العملية، و لكن هل تتم إدارة شؤون المجتمع البشري على ضوء المعجزة؟
إنّ المعجزة عبارة عن استثناء منطقي في النظام الجاري للطبيعة بغية
إثبات حقانية دين سماوي، و ليست لإدارة أُمور الأُمّة، و عليه فلابدّ أن تتم هذه الادارة وفق القوانين الطبيعية.
سنتحدث في المباحث القادمة أيضاً عن هذا الأمر.
قلنا: السؤال الآخر الذي يطرح بشأن عقيدة الشيعة في المهدي عَلیْهِ السَّلام و موضوع غيبته الطويلة و الذي يرد بعد قبول أمان طول عمره. و السؤال: لماذا لا يظهر المهدي عَلیْهِ السَّلام و قد عمّ الظلم و الفساد؟
لماذا لا يقوم ليملأها عدلاً و قسطاً؟
إلى متى هذا الجلوس و مشاهدة الظلم و سفك الدماء و طغيان حفنة من الغاشمين؟
لماذا هذه الغيبة الطويلة؟ ترى ماذا ينتظر؟
و بالتالي ما سرّ هذه الغيبة الطويلة؟
و لكن ينبغي الالتفات إلى أنّ هذا السؤال و إن طرح عادة على الشيعة بشأن مسألة الغيبة، إلّا أنّ أدنى تمعن سيفيد أنّ للآخرين نصيباً من ذلك، أي يتوجه إلى سائر المؤمنين بظهور مصلح عالمي عظيم ينهض يوماً و يملأ العالم بالعدل و القسط، و إن رفضوا عقيدة الشيعة في طول العمر و الغيبة.
فالسؤال الذي يساورهم لِمَ لم يولد ذلك المصلح العظيم لحدّ الآن، و إنّ ولد لم لا ينهض و يملأ الدنيا بالعدل؟ و عليه فمن الخطأ أن يتوجه هذا الإشكال إلى خصوص الشيعة.
و بعبارة أُخرى، ممّا لا شك فيه أنّ مسألة طول العمر (البحث السابق) و مسألة وجود الإمام في الغيبة (البحث القادم)لمن الأسئلة التي تقتصر على الشيعة، أمّا مسألة تأخير ظهوره فمن المطالب التي ينبغي أن يفكر بها كافة المعتقدين بظهور ذلك المصلح العالمي، في أنّ الظروف العالمية مؤاتية فلماذا لا يحصل ذلك الظهور؟ (ينبغي التمعن).
على كلّ حال لهذا السؤال جواب بسيط و آخر مسهب. الجواب القصير: إنّ وجود الزعيم الكفوء لوحده لا يكفي في قيام نهضة شاملة على مستوى عالمي، بل لابدّ من استعداد عام، و للأسف مازال العالم لحدّ الآن غير مستعد لتلك النهضة و الحكومة، و ما أن يبرز هذا الاستعداد حتّى يكون قيامه قطعياً!
أما توضيح هذا الكلام:
أوّلاً: لابدّ من الالتفات- كما أشرنا سابقاً- إلى أنّ قيام المهدي عَلیْهِ السَّلام كسائر نهضات جميع الأنبياء يتم عبر الوسائل و الأسباب الطبيعية، و ليس هنالك من مجال للاعجاز، فللمعجزات بعد استثنائى و ليس لها من تدخل في المشاريع الاصلاحية للقادة الربانيين سوى في بعض المواقع الاستثنائية.
و من هنا كان الأنبياء يستفيدون من الأسلحة السائدة و إعداد الأفراد الاكفاء و الاستشارة المطلوبة و طرح الخطط المؤثرة و التكتيكات العسكرية اللازمة، و بالتالي توفير كافة الامكانات المادية و المعنوية للنهوض بأهدافهم، و لا يفكرون في حدوث المعجزة في مجابهة العدو، أو اعداد الأنصار و تكاملهم.
و عليه فلابد أن يتحقق تنفيذ مشروع حكومة الحقّ و العدل على المستوى العالمى من خلال الاستعانة بالوسائل المادية و المعنوية اللازمة، سوى في بعض الحالات.
بعبارة أُخرى، إنّ المهدي عَلیْهِ السَّلام لا يأتي بمدرسة جديدة، بل ينفذ المشاريع الثورية السماوية التي لم تدخل حيز التنفيذ، فرسالته لا تكن في الانذار و التربيه و التعليم و التذكير، بل رسالته إجراء كافة الأصول و المبادئ في ظلّ حكومة العلم و الإيمان، و هو الأمر الذي لا يتيسّر دون الاستعدادات المسبقة.
ثانياً: يتضح من خلال ما تقدّم ما نقوله من عدم وجود مثل هذا الاستعداد، و ذلك لأنه ينبغي توفر عدة أنواع من الاستعدادات و هي:
لابدّ أن يقف العالم كما ينبغي على مرارة هذا الوضع القائم و الظلم السائد.
و لابدّ أن يلمسوا ضعف القوانين البشرية و عجزها عن تطبيق العدالة الاجتماعية.
و ينبغى أن يدركوا هذه الحقيقة و هى أنّ المشكلة لا تحل من خلال المعادلات المادية و الضمانة الإجرائية و المقررات التي وضعها الإنسان، بل إنّ هذه المشكلة تسلك منحنياً تصاعدياً في التعقيد بما يرهق كاهل البشرية.
و لابدّ أن يفهم العالم أنّ الأزمات المعاصرة وليدة الأنظمة الراهنة، و هي الأنظمة التي تعجز في خاتمة المطاف عن حلّ هذه الأزمات.
و لابدّ أن يعى العالم ضرورة وجود أنظمة و مبادئ جديدة بغية تحقيق هذه الأهداف الكبرى، المبادئ التي تستند إلى الإيمان و القيم الإنسانية و العواطف البشرية و المثل الأخلاقية لا المبادئ المادية الجافة الخالية من الروح و الإنسانية.
و لابدّ أن يبلغ العالم هذه المرحلة من الوعي الاجتماعي بحيث يدرك أنّ التطور التقني لا يعني الزاماً تطور البشرية و ضمان سعادتها و رفاهيتها، بل الازدهار و التطور التقني الذي يجلب السعادة و الخير للبشرية هو ذلك الذي يتمّ من خلال سلسلة من المبادئ المعنوية و الإنسانية، و إلّا كان هذا التطور- كما لمسناه مراراً- و بالاً على البشرية و سبب دمارها و أنهيارها.
و لابدّ أن يفهم العالم أنّ الصناعات أنّ ارتدت ثوب الصنمية ستضاعف من حجم المشاكل الراهنة.
و لابدّ أن تصبح وسيله تحت سيطرة البشرية.
و بالتالي لابدّ أن يشعر العالم بالعطش و ما لم يشعر به فلا يتجه صوب الماء.
و بعبارة أُخرى، ما لم يعِش العالم قضية الطلب فليس هنالك من تأثير
لعرض أيّة مشاريع اصلاحية، فقانون العرض و الطلب ساري المفعول في القضايا الاجتاعية على غرار المسائل الاقتصادية.
و هنا يرد هذا السؤال: ما هو العامل الذي يفرز حالة العطش و الطلب؟ نقول في الجواب:
جانب من ذلك، مرور الزمان و لا يمكن بدونه، أما الجانب الآخر فيتوقف على التربية و التعليم، فينبغي أن يصبح عملياً من خلال النهضة الفكرية من جانب العلماء الملتزمين و المسؤولين عن شؤون المجتمع.
ينبغي لهؤلاء و بمشاريعهم التي تهدف تهذيب الإنسان أن يبلغوا بالعالم على الأُقل هذه الحالة من الوعي في الانسجام مع هذه المبادئ و القوانين، و هذا الأمر يتطلب بطبيعة الحال قدراً من الزمان.
من جانب آخر فإن حشد العالم تحت راية واحدة و وضع حدّ لغطرسة الجبابرة و الطواغيت و اشاعة أجواء التربية و التعليم في أرقى صورها و إفهام الآخرين بأنّ اختلاف اللسان و العرق و المنطقة الجغرافية و ما شابه ذلك لا تدلّ على أنّ أفراد العالم لا يستطيعون العيش كأخوة ضمن أُسرة واحدة في ظلّ الإسلام و العدل و التآخي.
و توفير اقتصاد سالم و كافٍ لجميع الناس يتطلب وعياً ثقافياً و رفع المستوى العلمي للبشرية من جانب، و تكامل الوسائل الصناعية من جانب آخر؛ الوسائل التي يسعها إرساء ارتباطات سريعة و قريبة و دائمية بين كافة بقاع العالم، و هذا ما لا يتحقق أيضاً دون تقادم الزمان.
و كيف لحكومة أن تتعامل مع الوضع العالمي إن كانت هذه الارتباطات بطيئة؟
أم كيف يمكن إدارة شؤون العالم بالوسائل التي يستغرق إرسال رسالة فيها إلى مناطق العالم النائية عدّة سنوات من الزمان؟
يستفاد من بعض الروايات التي رسمت صورة عن حياة الناس في عصر ظهور المهدي عَلیْهِ السَّلام- و التي سيمر البحث عنها في المباحث القادمة- أنّ التطور التكنولوجي و الصناعي خاصة صنائع الحمل و النقل و الارتباط في ذلك العصر سيكون على درجة من الرقي و الازدهار بحيث تصبح قارات العالم بصورة مناطق متقاربة، و يكون الشرق و الغرب بمثابة بيت واحد، فلا يبقى هنالك من مشكلة على صعيد الزمان و المكان.
طبعاً يمكن أن يحصل بعض هذه الأُمور أثر حركة و ثورة صناعية في ذلك العصر، و لكن لابدّ من استعداد علمي كأرضية لذلك العصر.
بالتالي لابدّ من إعداد ثلّة مهما كانت قليلة تكون نواة الجيش الثوري لذلك المصلح العظيم.
فلابدّ من تبرعم زهور فى هذه النار المحرقة لتكون مقدمة لذلك البستان؛ و ينبغي أن يتحلى أفراد تلك الثلّة بالوعي التام و الشجاعة و الأخلاص و الفداء و التضحية و هذا بدوره يتطلب مقداراً من الزمان و إن تعاقبت الأجيال الثورية.
و إن قيل: مَن الشخص الذي ينبغي أن ينهض بمسؤولية إعداد أولئك الأفراد؟
فالجواب: ذلك الزعيم الذي يمارس هذا المشروع بصورة مباشرة أو غير مباشرة (سيرد شرح ذلك في المبحث القادم إن شاء الله).
إنّ إحدى علل الغيبة كما ورد في بعض الروايات الإسلامية يكمن في اختبار الناس و اختيار الأصلح و الذي يمكن أن يكون إشارة إلى هذا الموضوع.
توضيح ذلك: أنّ الاختبار الإلهي ليس من قبيل الاختبارات بغية التعرف على وضع الذي يؤدي الاختبار، بل يعني تربية الاستعدادات و اظهار الكفاءات و تمييز الصفوف. و بعبارة أُخرى الهدف هو التربية و التكامل أو خلق الاستعداد،ذلك لأن احاطة الله العلمية بكلّ شيء تسلب أي هدف في ابتغاء طلب الوقوف و العلم من الاختبارات.
و هكذا يتضح ممّا تقدّم سبب غيبة المهدي هذه المدة.
خلافاً لما يعتقده البعض من قطع الارتباط المطلق بين الإمام و الأُمّة في عصر الغيبة، بل كما يستفاد من الروايات الإسلامية فإنّ هنالك ثلّة من الأفراد الذين يعيشون عشق الله و يتمتعون بقلب يفيض بالإيمان و الأخلاص و التفكير في إصلاح العالم، مرتبطة بالإمام و تعد بالتدريج من خلال هذه الرابطة و تتكهرب بروح الثورة التي تستأصل جذور الظلم و الجور من كافة أنحاء العالم.
ربّما يتوفى هؤلاء قبل انطلاقة النهضة، و لا يقدح ذلك في الهدف فهم ينقلون تلك التعاليم التعبوية إلى أجيالهم القادمة ليجدوا و يجتهدوا في إعداد الثلّة الصالحة.
قلنا سابقاً أن غيبة الإمام عَلیْهِ السَّلام لا تعني كونه يتحول إلى روح غير مرئية أو أشعة غير ظاهرة، بل يتمتع بحياة طبيعية هادئة و يعيش بشكل مجهول بين الناس و يستقطب القلوب المستعدة و يستحوذ عليها فيجعلها أكثر تأهباً و استعداداً. و يتفاوت الأفراد حسب استعداداتهم في نيل سعادة اللقاء، فبعضهم يلتقيه لحظات و آخر ساعات و ثالث عدة أيّام و شهور و ربّما سنوات!
بعبارة أوضح إنّ البعض بلغ منزلة رفيعة من العلم و الورع و التقوى بحيث أصبح كالراكب في الطائرة التي تحلق في عنان السماء و هي تخترق السحب و الغيوم، بينما ما زال البعض الآخر يعيش تحت السحب في الظلمات.
و هذا هو الحساب الصائب، فلا ينبغي أن أجلس و انتظر لا سحب الشمس تحت السحب و أراه، فهذا الانتظار خطأ محض و وهم زائف؛ أنا الذي ينبغي أن أحلق فوق السحب و الغيوم لا ستضيء بضياء الشمس و انتهل من نورها.
على كلّ حال فإنّ تربية هذه الثلة، تعد من الآثار المترتبة على فلسفة وجوده في هذا العصر.
تعرف إلى الشخص الذي سيغير العالم كيف تصبح مساعدًا لهذا المنقذ الكبير
س. عباس نورالدين
كيف سيتغير العالم س: عباس نور الدين مركز باء للدراسات
الطبعة الأولى 2017 بيت الكاتب للطباعة و النشر جميع الحقوق محفوظة ©
www.Islamona.center
baacenter ✔
96176862741 D
009611477233
إنّ كل من يعمل على إقناع الناس بوجود هذا الإنسان العالِم العادل فهو ممهّدٌ واقعيّ، و عمله هذا سيؤدي إلى ظهوره في النهاية، لأن مشكلة أكثرية البشر هي أنّهم يجهلون- و قد عرفنا كيف وصلوا إلى هذا الجهل. و لكن المعرفة لوحدها لا تكفي بل تحتاج إلى الإيمان، فالإيمان هو الذي يجعل الناس راغبين و قادرين على حماية ودعم هذا الإنسان فيما إذا خرج.
و لكي يؤمن الناس فإنّهم يحتاجون إلى أحد أمرين:
الأوّل: الفكر السليم.
و الثاني: التجربة المقنعة.
فبواسطة الفكر السليم يمكن أن تثبت لهم أن الله تعالى لا يمكن أن يترك الناس من دون هداية. و أنّ كل الشواهد تدل على
عجز الناس عن اكتشاف الحل بأنفسهم. و أنّ الله قد أرسل الأنبياء في السابق، فلا يعجزه أن يجعل الأوصياء من بعدهم.
و بما أنّ أكثر الناس لا يعقلون، و لا يلجأون إلى المنطق العقلي: لتحليل المشاكل و اكتشاف الحلول، فإنّ هذا الأسلوب لا ينفع سوى القلّة القليلة منهم. و أمّا الأغلبية الساحقة فإنها على ما يبدو بحاجة إلى مشاهدة نموذج- و لو مصغَر- لهذا الادّعاء؛ كأن ترى مدى تأثير العِلم الإسلامي و العدالة الإسلامية في تحقيق الازدهار في منطقة جغرافية محدّدة أو بقعة من الأرض، حينها ستبدأ بالمقارنة بين هذه التجربة و غيرها من التجارب المادية و الإلحادية و التجريبية الحسية، لتكتشف الفارق الكبير بينهما، و تبدأ بالمطالبة بتقليد هذه التجربة الإسلامية؛ و قد يكون هذا الأمر عاملًا للضغط على الطبقات الحاكمة و النخبة العلمية في البلاد التي ترزح تحت بؤس التجارب الخاطئة. و في ظلّ مثل هذه الضغوط قد تتوجَه العقول نحو قراءة التجربة الإسلامية التي اتّصلت بذلك الإنسان العظيم.
من الطبيعي أن يقوم هذا العالِم الإلهي العادل بتأييد و قيادة هذه التجربة المصغّرة فيما لو وفّر له أهلها كل متطلّبات النجاح
دور الممهّدين
إقناع الناس بوجود العالم العادل
جعل الناس تؤمن به لتؤازره
من خلال الفكر
إثبات أن الله لا يمكن أن يترك الناس من دون هداية
من خلال تجربة مقنعة
تظهر تأثير العلم الإسلامي و العدالة الإسلاميّة في تحقيق الازدهار
من الإيمان و التقوى؛ الإيمان الذين يجعلهم مستعدّين للمضيّ معه مهما كلّف الأمر، و التقوى التي تعني الصبر و التحمّل.
فلا ننسى أنّ هذه التجربة حين تبدأ ستواجه الكثير من المعارضة الداخلية و الخارجية. و سوف تكون عرضة لكل أشكال العدوان و الضغوط. فمن الخارج الحروب و التهديد بالقتل و الحصار و التجويع. و من الداخل التشكيك و الضعف و الهوان و طلب الدنيا. و مثلما أنّ الضغوط الخارجية تحتاج إلى إيمان و تقوى، فإنّ الضغوط الداخلية ستتطلُب أضعاف هذه التقوى و الإيمان، لأنّ نجاح التجربة في الداخل يحتاج إلى مجموعة من الصفات و الخصائص التي سنتحدّث عنها إن شاء الله.
لتفرض أنّ هذا الإمام قد خرج في هذه البقعة الجغرافية. فما
الذي سيدعو إليه؟
إنّه إمام من الله، و عليه فإنّ دعوته ستكون ممتزجة بالمعنويّات، أي أنّه سيدعو الناس إلى عبادة الله و طاعته و إلى السير نحو المعنويات، لأنّ عبادة الله تستلزم الطهارة و التقوى و الزهد و الروحانية. فهو لن يخدع الناس و يعدهم بالازدهار المادّي بعيدًا عن المعنويّات، لأنّ الازدهار الماديّ مشروطٌ بالتكامل المعنويٌ. و لا يمكن أن يحقّق المجتمع الازدهار المادّي و يقضي على الفقر إلاّ في ظلّ ازدهار المعنويات؛ أى أنّ الفقر و الحرمان لا يزولان و ينعدمان من خلال البرامج الاقتصادية البحتة، بل يجب أن تكون هذه البرامج الاقتصادية نابعة من القيم المعنوية و ممتزجة بها. و قد أثبتت تجارب البشر أنّه لا يمكن لأي برنامج إداري أو اقتصادي أن ينجح إذا عزلناه عن الأمانة و الكفاءة و التقوى و النزاهة و النظام و الوفاء و الصدق.
الأئمّة الإلهيّون لا يخدعون الناس، لأنّهم أمناء عليهم عند الله. و لكي تزدهر المعنويات يجب تحقيق أمر أساسيّ في المجتمع و هو العدل الاجتماعي. فالعدالة هي القاعدة التي تنمو عليها جميع
الفضائل و تترعرع، و هي الأرضية الخصبة التي تُنبت تلك الشجرة الباسقة لكل المعنويات و القيم الجميلة.
و لكي يتحقّق العدل الاجتماعي يجب أن يتخلّى الناس عن المحسوبيات و العصبيات و المحاباة و التحزّبات، و أن ينشدوا الحرية و لا يقبلوا أن يكونوا أزلاما لفلان أو فلان و إن كان ذلك يهدّد مصالحهم الشخصية و معيشتهم.
إنّ العديد من المتحزّبين المتعصّبين للشخصيات، يضعون مبرّرات واهية لتعصّبهم فبعضهم يقول هذا رجل عالِم و خبير، لكنّهم لا يعرفون عن علمه شيئًا، و بعضهم يقول هذا رجل ذو سابقة طويلة فی الجهاد و النضال؛ و بهذه المبرّرات يقنعون الجاهلين الغافلين فيتّبعونهم ظنِّا منهم أنّهم يقولون حقّا.
فالفئة الأولى هي فئة الخواص التي تعلم الحقيقة لكن مصالحها التي تربطها بهذا الزعيم تحجبها عن قولها.
و الفئة الثانية هي فئة العوام الذين صدّقوا فئة الخواص. و هكذا تصبح فئة العوام سببًا لتقوية الزعيم الذي سيفرض شروطه و يفرض برامجه الخاصّة و يفرض الأشخاص الذين يدينون له بالولاء في المراكز الحساسّة.
و لأنّ العدل الاجتماعي يعني وضع الرجل الكفوء الجدير في المكان المناسب لمؤهَلاته و كفاءاته، فسوف يصطدم ذلك التحزّب مع العدل لا محالة. و مع بقاء العوام في تأييدهم الأعمى، سيبقى الزعيم قويّا مانعًا من تحقّق العدل. فيا لها من دورة خبيثة.
لكن لكلّ دائرة شيطانية حل و مخرج.
و لعلّك فهمت أنّ الحل يكون بسحب العوام من تحت سلطة ذلك الزعيم الذي يفرض اتّباعه لضمان مصالحه، و أنّ ذلك يستلزم توعيتهم لكي يدركوا أنّ الخواص قد استغلّوا جهلهم بالمعايير و الشروط الصحيحة للكفاءة.
حين يصبح الشعب كتلة واحدة مطالبة بالعدالة، لا يمكن لأي قوّة أن تمنع من تحقّق العدالة. و لأجل ذلك، ينبغي أن ينتشر الوعي العام بشأن شروط الكفاءة و معاييرها، كيلا يتمكّن أي زعيم و أتباعه من خداع الناس.
و حين يتحرّك المجتمع نحو إقامة العدل، و يضع الشخص المناسب في المكان المناسب، تتحرّك عجلة الإدارة تحرّكًا صحيحًا، فيتم استثمار الطبيعة و استعمال مواردها بالنحو الذي يؤدّي إلى الازدهار العظيم. و في
ظلّ الازدهار العظيم يتمتَع الشعب بالإمكانات الهائلة التي تمكّنه من بناء قوّاته العسكرية و قدراته الأمنية التي تجعله قوّة لا تُقهر.
و قد أثبتت التجارب الحديثة أنّ في الأرض من الإمكانات و الموارد ما يعطي أعظم القدرات التقنية و الدفاعية التي يستحيل معها لأي قوّة عظمى أن تجرؤ على مواجهة المجتمع الذي يتمتّع بها. و كل ما ينبغي أن يحصل هو أن يتوجّه أبناء المجتمع نحو تفعيل هذه الموارد
العدالة الإجتماعية
تتحقّق
وضع الرجل المناسب في المكان المناسب
يؤدي إلى
توعية الناس بمعايير الكفاءة
تؤدي إلى
إزدهار المعنويات
تؤدي إلى
الازدهار العظيم (الاقتصادي، الأمني، العسكري...)
و استخراج تلك الثروات من خلال الإدارة السليمة و التدبير الحكيم.
و لا يمكن أن تقوم الإدارة السليمة و لا يمكن أن تنزل الحكمة على قوم إلا إذا عَدَلوا فيما بينهم و استخدموا الأكفاء في أمورهم.
و هو يعني أن نقوم بالأعمال و المشاريع التي تكون سببا لظهوره و التعجيل به. فإنَ كل من عرف سبب غيابه ، يدرك أن ظهوره الشريف يحتاج إلى تمهيد و استعداد.
قسمٌ من الناس يمهّدون له، و قسمٌ آخر يصبحون مستعدّين لظهوره. و هكذا تتم القاعدة الجماهيرية التي يحتاجها الإمام للانطلاق نحو تغيير العالم.
و للإمام الخامنئي الذي هو أهم ممهّد في عصرنا كلامٌ أساسي لكلّ من يفهم معنى الولاية، فهو يقول: "واجبكم اليوم هو أن تمهّدوا لكي يأتي الإمام المهدي و ينطلق من تلك القاعدة
المهيئة. لا يمكن الانطلاق من نقطة الصفر. المجتمع الذي يمكنه أن يتقبّل حكومة المهدي الموعود أرواحنا فداه هو المجتمع المستعد لذلك.. و إذا لم يكن المجتمع كذلك فإنه سينتهي إلى المصير نفسه الذي انتهى إليه مجتمع الأنبياء على امتداد التاريخ.
.. إذن من الممكن تمهيد الأجواء. و إذا اتّسع بإذن الله وجود مثل هذه الأجواء، تكون الأرضية قد أُُعدّت لظهور بقية الله أرواحنا فداه، و تتحقّق عند ذاك هذه الأمنية العريقة التي لطالما راودت أذهان البشر و المسلمين" 25.
و هذا التمهيد هو المعنى الحقيقي لانتظار الفرج. فالمنتظر الواقعي لإمام الزمان عَلیْهِ السَّلام: هو الذي يعمل كل ما بوسعه لأجل تهيئة الأرضية و القاعدة المناسبة لظهوره، و هو يبحث عن كل من يعمل في هذا الطريق ، و عن كل ما يساعد على ذلك، بل إنه يفتّش دومًا عن أفضل ما يحقّق ذلك و لا يكتفي بالأعمال البسيطة.
و عن أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام. أنه قال: "أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تعالى انْتِظَارُ الْفَرَجِ"26.
و لا شك بأنّ التمهيد يتطلّب الوحدة ورصّ الصفوف و عدم الاختلاف الذي يشتّت الجهود. و نحن إذا نظرنا اليوم إلى الكثيرين ممن يدّعون أنهم موالون لإمام الزمان نجد أنهم غير ملتفتين إلى أهم شرط و عامل لظهوره، و هو وحدة الكلمة، و نبذ التفرق! و هذا هو السبب الأساسي الذي يؤخّر مجيئه و ظهوره المبارك.
و لا يحتاج العاقل الفهيم إلى كثير تفكر حتى يعرف أن أهم عامل لحفظ الوحدة بين المنتظرين هو أن يكون لهم قيادة واحدة قوية بصيرة. و بحمد الله فإن الله تعالى قد منَّ على هذه الأمة بقيادة يعرفها كل العالم و يشهد لها بأنها تقف في مقابل أعداء الدين و الإنسانية.
حين نعرف معنى تهذيب النفس ندرك مدى تأثير هذا الأمر على العلاقة بالإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام. لأنّ النفس الزكية و المهذّبة و المتّصفة بالأخلاق الحسنة تكون مستعدة دومًا لقبول الحق و العمل به، بخلاف النفوس السيّئة و إن كانت تمتلك الاعتقاد السليم.
و قد ورد عن الإمام الصادق عَلیْهِ السَّلام أنه قال: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ
مِنْ أَصْحَابِ الْقَائِمِ فَلْيَنتَظِرْ وَ لْيَعْمَلْ بِالْوَرَع وَ مَحاسِنِ الْأَخْلاقِ وَ هُوَ مُنتَظِرٌ؛ فَإِنْ مَاتَ وَ قَامَ اَلْقَائِمُ بَعْدَهُ، کَانَ لَهُ مِنَ اَلْأَجْرِ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ أَدْرَکَهُ، فَجِدُّوا وَ اِنْتَظِرُوا .." 27.
نبدأ بذكر هذه القصّة المعبرة أوّلاً.. سدير الصيرفي رجل من أصحاب الأئمة عَلیْهِمُ السَّلام، يُذكر أنّه دخل مع المفضل بن عمر و أبي بصير و أبان بن تغلب على الإمام الصادق فجأة فرأوه جالسًا على التراب في حالة عجيبة و هو يبكي بكاء الشكلى التي فقدت أولادها جميعًا، و ظهر الحزن عليه و بللت الدموع خديه و هو يقول:
"سَیِّدی غَیْبَتُکَ نَفَتْ رُقادِی وَ ضَیَّقَتْ عَلَیَّ مِهادِی وَ ابْتَزَّتْ مِنّی راحَةَ فُؤادِی!
سَیِّدِی غَیْبَتُکَ أَوْصَلَتْ مُصَابِی بِفَجَائِعِ الْأَبَدِ وَ فَقْدُ الْوَاحِدِ بَعْدَ الْوَاحِدِ یُفْنِی الْجَمْعَ وَ الْعَدَدَ!
فَمَا أُحِسُّ بِدَمْعَةٍ تَرْقَی مِنْ عَیْنِی وَ أَنِینٍ یَفْتُرُ مِنْ صَدْرِی عَنْ دَوَارِجِ الرَّزَایَا وَ سَوَالِفِ الْبَلَایَا".
فطار عقول أصحابه لمّا سمعوه و تصدّعت قلوبهم و ظنّوا أنّه
سمع بحادثة كبيرة و مصيبة عظيمة فقالوا له: لا أبكي الله يا ابن خير الورى عينيك، من أيّ حادثة تسترق دمعتك و تستمطر عبرتك و أيّ حالة حتمَت عليك هذا المأتم؟
فزفر الإمام الصادق عَلیْهِ السَّلام: زفرة كبيرة و قال: "وَیْلَکُمْ، نَظَرْتُ فی الْجَفْرِ صَبِیحَةَ هذَا الْیَوْمِ وَ هُوَ الْکِتابُ الْمُشْتَمِلُ عَلی عِلْمِ الْمَنایا وَ الرَّزایا، وَ عِلْمِ مَا کانَ وَ ما یَکون إِلی یَوْمِ القِیامَةِ الَّذِی خَصَّ اللّهُ بِهِ مُحَمَّدًا وَ الاْءَئِمَّةَ مِنْ بَعْدِهِ، وَ تَأَمَّلْتُ مَوْلِدَ قائِمِنا وَ غَیْبَتَهُ و إِبْطاءَهُ وَ طُولَ عُمرِهِ وَ بَلْوَی الْمُؤْمِنِینَ فی ذلِکَ الزَّمانِ وَ تَوَلُّدَ الشُّکوکِ فی قُلُوبِهِمْ مِنْ طُولِ غَیْبَتِهِ وَ ارْتِدادَ أَکْثَرِهِمْ عَنْ دِینِهِمْ وَ خَلْعَهُمْ رَبْقَةَ الاْءِسْلامِ مِنْ أَعْناقِهِمُ الَّتی قالَ اللّهُ عزّ و جلّ عنها: "وَ کُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فی عُنُقِهِ" یَعنِی بذلک الْوِلایَةَ، فَأَخَذَتْنی الرِّقَّةُ وَ اسْتَوْلَتْ عَلَیَّ الاْءَحْزانُ" 28.
هذه القصة تعكس مدى حزن الأئمة (عليهم السلام) على غيبة الإمام المهدي، و هو حزن كبير جدًّا، و ما دام الإمام غائبًا فإنَ هذا الحزن باقٍ. و إذا عرفنا من هو المؤمن الحقيقيَ أدركنا ما هي العلاقة بين الحزن على إمام الزمان و الارتباط به. و قد نقل عن أمير المؤمنين
على عَلیْهِ السَّلام: أنه قال: "إِنَّ اَللَّهَ تَبَارَکَ وَ تَعَالَی اِطَّلَعَ إِلَی اَلْأَرْضِ فَاخْتَارَنَا وَ اِخْتَارَ لَنَا شِیعَهً یَنْصُرُونَنَا وَ یَفْرَحُونَ لِفَرَحِنَا وَ یَحْزَنُونَ لِحُزْنِنَا وَ یَبْذُلُونَ أَمْوَالَهُمْ وَ أَنْفُسَهُمْ فِینَا. أُولَئِکَ مِنَّا وَ إِلَیْنَا" 29.
و المطلوب هو التأثّر و الحزن الفعلي، و ليس مجرّد معرفة أحزان الإمام.
تأليفْ
الأستاذ محمّد رضا حكيمْي
ترجَمَة
حیدر آل حيدر
الدّار الاءسلَامّية
جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى
1408ه- -1988م
الدّار الاءسْلامیّة
لبنان
لِطبَاعَة و النشر وَ التَوزيع
كورنيش المزرعة / بناية الحسن سنتر / الطابق الثاني
هاتف 816627 / ص. ب: 14568 تلکس 23212- غدير
فرع ثاني /حارة حريك مفرق الحلباوي/ هاتف 835670
الاستعداد العسكري في عصر الانتظار أمر في غاية الروعة و الأهمية، و هو مهمل أيضاً.
و هل يمكن لإنسان ينتظر نهضة كبرى، و مواجهة عالمية عظمى، و ثورة دامية، أن يعدم أي لون من ألوان التهيؤ للمشاركة في هذه المواجهة و الإسهام فيها؟
يتحتم على المسلم أن يتوفر على استعداد عسكري و يعبيء نفسه باستمرار بالقدرة القتالية، لينضمّ إلى صفوف المقاتلين مع المهدي حين تحرك طلائع الحق، فيساهم في المعركة الفاصلة بين الحق و الباطل بفعالية و حماس. (1)
1) بحار الأنوارج 52 ص 140، نقلًا عن الغيبة، النعماني.
عن الإمام الصادق (عَلیْهِ السَّلام) توجيه وأمر تربوي مشرق، يدعو الإمام في هذا التوجيه القطاع المنتظر ليكون ذا قوة مسلحة على الدوام، و يطوي مرحلة انتظار دولة المهدي (عَلیْهِ السَّلام) و هو مالك لعُدة القتال:
لِیُعِدَّنَّ أَحَدُکُمْ لِخُرُوجِ اَلْقَائِمِ، وَ لَوْ سَهْماً، فَإِنَّ اَللَّهَ إِذَا عَلِمَ ذَلِکَ مِنْ نِیَّتِهِ، رَجَوْتُ لِأَنْ یُنْسِئَ فِی عُمُرِهِ حَتَّی یُدْرِکَهُ، وَ یَکُونَ مِنْ أَعْوَانِهِ وَ أَنْصَارِهِ (1) لقد كانت جماهير الشيعة في الماضي أكثر ارتباطاً بهذا النهج إلى الحدّ الذي كان البعض منهم يحتفظ بالسلاح في زوايا بيته لذلك اليوم، مهيِّاً بهذا الشكل للإسهام في إقرار العدالة العظمى على أرض الإنسانية.
لاحظوا البعد الإنساني الرفيع و المتأصل لهذه السُّنة:
لقد توفر على السلاح قطاع من بني الإنسانية مدة عمرهم، على طول قرون و عصور، ليلتحقوا بمنقذ البشرية و باسط أصول العدالة، و محطّم الجبارين، و مذلّ المستكبرين عند ظهوره، ناهضين لإنقاذ الإنسانية المحرومة و المضطهدة.
فأيّ نبع صاف هذا و أي استقامة طاهرة، و أي اعتقاد مشرق هذا؟ سلام على هذه العقيدة، و تحية لهذا الاستعداد...
خلاصة القول هي أن البعد العسكري و الحضور الثوري إبّان فترة الانتظار بعدٌ هام أيضاً. و سوف أكرر الحديث بهذا الاتجاه ضمن هذا الفصل ذاته بمناسبة بعض فقرات البحث المقبلة.
1) بحار الأنوار ج 52 ص 366، نقلًا عن الغيبة، النعماني.
يحسن بنا و نحن نتحدث حول الإعداد والاستعدادات، أن نشير بصراحة إلى أن للقوى الجماهيرية دوراً في ثورة المهدي (عَلیْهِ السَّلام) الكبرى، و هذا الدور أساسي. صحيح أن بعض المسائل المتعلقة بالإمام الغائب جزء من قضايا ما وراء الطبيعة، فالغيبة، و طول العمر، و امتلاك ميراث النبيّين و الغلبة على أرجاء العالم، كل هذه المسائل ليست بقضايا عاديّة. بل هي أمور إلهية، و المهدي نفسه هو «غيب الله و «سر الله» فظهوره و سيطرته على العالم و انتصاره على شرق العالم و غربه، يرتبط إلى حدود بذلك الجانب الإلهي
(1) المصدر السابق (2) نهج البلاغة ، ص 542
الغيبي، كما سوف نشير، و كل هذه المفاهيم لها واقع، و قد بلغتنا عن طريق تعاليم الرسالات و هي سليمة و صائبة. و لكن لا بدَّ من الأخذ بنظر الإعتبار أن الإنسان طرف في قضية هذا الظهور، و هذه الثورة. فيأتي المهدي لينهض في دعم و إعانة الإنسان و الإنسانية، و يأخذ بيد الإنسان لبناء «عالم إنساني». و الإنسان هو الموجود الذي يتحرك في دائرة «التكليف» و «الاختيار». و على هذا الأساس ففي مرحلة الظهور أيضاً هناك عين هذا التكليف و هذا الاختيار. فللإنسان حضور أيضاً في هذا التحول الضخم، و هو حضور تكليفي مختار. و لذا يختار بعض الناس حين الظهور سبيل الحق و يقتفون المهدي في طريقه و يختار البعض الآخر سبيل الباطل و يقفون في وجه المهدي ليلاقوا الحتف و العدم.
أجل! في يوم ظهور الحق العظيم لا يمنح الباطل و المبطلون و السوء و السيئون مهلة، ليبقوا و يرشدوا شوكاً في بستان الإنسانية، و يلحقوا بالإنسانية آلاماً و متاعب، و يحولوا دون رشد قيم الحق و الفضيلة في آفاق الحياة البشرية،فبعد ذلك اليوم لا يكون الأمر على هذا النحو على الإطلاق.
نعود إلى صلب الموضوع حيث قلنا إن لعنصر التكليف و الاختيار فاعلية في ذلك اليوم، و بشكل كامل. و يرد الإنسان إلى جانب المهدي ميدان الحياة، و يبسط العدل العالمي أجنحته بقيادة المهدي، و دعم المناضلين الصامدين من بني الإنسان. و لا بدَّ أن يعلق هذا الأصل في الأذهان على الدوام ليهيّىء أرضية التوفر على الاستعداد. و ما كان يفعله الشيعة العقائديون قديماً من اقتناء السلاح، و ما كان يمارسه علماء الإسلام من دفع الشباب للتدرّب على شؤون القتال و الرماية إنَّما ينطلق من مفهوم حضور و مشاركة الجماهير في دفع فعالية حكم المهدي إلى الأمام. و الطريف هو هذا: أن يسعى الإنسان نفسه لتحكيم الحق و بسط سلطانه. الإنسان المغترب على طول التاريخ، و الذي مُزق تحت أقدام المستكبرين و الجبارين يعود في ظل هدى و لطف الحق، و تحت قيادة و توجيه خليفة الحق إلى حالة بحيث يمارس هو نفسه بسط سلطان حكومة الحق و العدل العالمي، و يتخذ موقعه بنفسه بين صفوف أنصار مُظهر العدل
المطلق، و ينشر العدالة الآفاقية على كل الأرجاء بدعم القيادة الإلهية، و حينها يعمّق القائد أصول العدالة الأنفسية و يبسطها.
ما أشرنا إليه من حضور القوى الجماهيرية في تشكيل حكم المهدي (عَلیْهِ السَّلام) قد أُخذ من تعاليم الدين و أحاديث القدوة، وهذه الظاهرة تستحق المزيد من التأمل و العناية. فقد جاء بشكل صريح في أحاديث الأئمة الطاهرين (عَلیْهِ السَّلام) أن المهدي حين الظهور يطلب العون و النصرة من الناس. و يعود هذا إلى سبب ذي هدفين: سحب الجماهير باتّجاه طريق الحق و السعادة، و الفوز بنعمة التضحية على طريق شموخ الحق و إقامة دعائم العدالة، و أن تبلغ حركته و نهضته العالمية حدّها الممكن، و تؤتي ثمارها على يد الجماهير نفسها أيضاً.
يدعو رجلاً من أصحابه فيقول له: امض إلى أهل مكة فقل: يا أهل مكة أنا رسول فلان إليكم و هو يقول لكم: إنّا أهل بيت الرحمة، و معدن الرسالة و الخلافة، و نحن ذرية محمد و سلالة النبيين، و إنّا قد ظلمنا و اضطهدنا، و قهرنا و ابتزَّ منَّا حقّنا منذ قبض نبيّنا إلى يومنا هذا، فنحن نستنصركم فانصرونا (1) یَا أَیُّهَا النَّاسُ إِنَّا نَسْتَنْصِرُ اللَّهَ، وَ مَنْ أَجَابَنَا مِنَ الناس ... (2) أِنّا نَستَنْصِرُ اللهَ الیَومَ، وَ کُلّ مُسلِمٍ... (3) و قد جاء في التعاليم أن النساء يشاركن أيضاً في هذه النهضة العظيمة كما نقل عن الإمام محمد الباقر (عَلیْهِ السَّلام)نص يقول فيه:
و يجيء و الله ثلاث مِئة و بضعة عشر رجلاً فيهم خمسون امرأة يجتمعون بمكة... (4)
و العدد المشار إليه في النص المتقدم يمثل تعداد الجماعة الأولى من أنصار المهدي (عَلیْهِ السَّلام)، حيث تقفو أثرهم و تنضمٌ إلى صفوفهم جماعات من الجماهير المناصرة له نساءً و رجالاً.
بعد الإشارة لأبعاد ظاهرة «الانتظار» العميقة، و الخصوصيات الضرورية التي يجب أن يتوفّر عليها قطاع المنتظرين، و بعد إيضاح دور قوى الجماهير في مرحلة الظهور، و أهمية التعبئة العامة و لزوم الاستعداد و الترقب، تلزمنا الإشارة لحديث في غاية الأهمية.
فلعلَّ لدينا مِن أهل العلم و المتديّنين مَن يحسب- نتيجة الضعف و السذاجة و فقدان النظرة الإجتماعية و الإنسانية و تجاوز السنن الحكيمة الإلهية- أنَّ العالم حين الظهور يّغرق بكل أماكنه بالفساد و الضياع، حتى الأرضُ الإسلامية، و مدن و بلدان عالم التشيّع.
و في مثل هذه الظروف يتفق وقوع الظهور العظيم. غير أنَّ التصوّر وفق الأحاديث المباركة ليس كذلك.
صحيح أنَّ عالم عالم عصر الظهور عالم يمتلىء بالظلم و الجور، إلَّا أنَّ هناك في زوايا هذا العالم، و خصوصاً في المعمورة الإسلامية و الشيعية جماهير- رغم ندرتها بالقياس لجماهير أرجاء العالم و تعداد سكان كلِّ البشرية- تعتقد بالحق و على بصيرة بأمره، و تترقب سبيل المهدي، و تمضي حياتها مهيأة للالتحاق به و إعانته و نصرته. و من خلال ملاحظة الأحاديث و الأفكار التي ذُكرت في هذا الفصل نفسه، يتّضح أنَّ هذه الجماهير المنتظرة تنتظم و تأتلف، و لها تشكيلاتها وقوتها. و لا يمكن أن يكون الأمر غير ذلك. يعني أنَََّ حكمة التكليف و طبيعة
الإرادة الإلهية و السنن الربانية و القوانين الاجتماعية تقتضي ذلك أيضاً. فقد جاء في عدة روايات- نقلها السنة و الشيعة- أنّ هناك جماهير تنهض قبل الظهور و تهيّيء مقدمات حكم المهدي.
خصص الحافظ أبو عبد الله الكنجي الشافعي- المحدث السني المعروف- الباب الخامس من كتابه «البيان في أخبار صاحب الزمان» لهذا المفهوم، و عنون هذا الباب ب- الباب الخامس، في ذكر نصرة أهل المشرق للمهدي- عَلیْهِ السَّلام. و نقل في هذا الباب حديثاً عن النبي الأكرم (صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم):
یَخْرُجُ أُنَاسٌ مِنَ اَلْمَشْرِقِ فَیُوطِئُونَ لِلْمَهْدِیِّ سُلْطَانَهُ (1) و يعلّق الحافظ الكنجي بعد نقل الحديث بالقول:
هذا حديث حسن صحيح روته الثقات و الأثبات، أخرجه الحافظ أبو عبد الله بن ماجة القزويني في سننه.
في كتب و مصادر الشيعة جاءت هذه المضامين و الأحاديث أيضاً و روي عن علي (عَلیْهِ السَّلام) قوله:
يكون مبدأه «أي المهدي» من قبل المشرق (2) و قد ذكرت الأحاديث حضور العجم «الإيرانيين» أيضاً في مرحلة حكم
1) البيان في أخبار صاحب الزمان، بحار الأنوار، ج 51، ص 87، و قد نقل هذا الحديث أيضاً في كتاب البرهان، للمتقي الهندي، ص 47.
2) بحار الأنوار ج 52 ص 252، نقلًا عن الغيبة، النعماني. المراد بالمشرق الذي جاء التعبير به في أحاديث المهدي (عَلیْهِ السَّلام) هو شرق العالم الإسلامي في مقاييس القرون الأولى للإسلام، و على هذا الأساس ينطبق هذا التعبير على أرض خراسان و الأقسام الشرقية حتى المقطع المركزي الإيران . و يؤيد القسم الأول أن اسم «خراسان» جاء بالتصريح في بعض الروايات. و يؤيد القسم الثاني «الانطباق على الأقسام الشرقية»، أيضاً تصريحات جاءت في بعض الأحاديث،: و منها التعبير في حديث ب- «خراسان الكوفة»، « البرهان، المتقي الهندي، ص 150» كما يؤيد هذا المفهوم ما جاء بصدد «الطالقان» و أنصار المهدي (عَلیْهِ السَّلام) القادمين من طالقان. و رغم أنَّ طالقان اسم أطلق على أربع أو ثلاث مناطق وفق الجغرافية القديمة للعالم الإسلامي، إلّا أنَّ المراد منها عين طالقان المعروفة و ضواحيها، التي تقع في القطاع المركزي من الأرض الإيرانية.
المهدي (عَلیْهِ السَّلام)- كما أشرنا من قبل- و يحكي ذلك عن حضور جماهير في الميادين المختلفة لحكم المهدي، لتهیّيء مقدمات هذا الحكم، كما تشكّل دليلًا على ضرورة الاستعداد الحلول تلك الأيام..
و على هذا الأساس يُجاب على الإشكال الذي طرحه بعض المفكرين الاجتماعيين السالفين، و الذي مفاده: كيف تتحقق حكومة المهدي دون توطئة و بدءاً من الصفر الساكن؟ فهذا المستشكل لم يلاحظ بإمعان مجمل الأحاديث و الأفكار المتعلقة بالظهور. فتحقق هذه الحكومة لم يك دون مقدمة و بدءاً بالصفر الساكن، بل عبر مقدمة و توطئة ثوار المشرق و حركة رايات خراسان و الخراسانيين. إذن، فهي تبتدىء. بالمتحرك الذي تمثله: الجماهير المؤمنة البصيرة المنتظرة الناهضة...
و هنا يمكن تصور أن المنتظرين أنفسهم قبل ظهور الحق و العدل الكامل ينهضون في محيطهم - وفق المسؤولية الرسالية- على أثر ما يرونه من ضغوط الفساد و بعد ما يشهدونه من هتك للأحكام و النواميس. و يفلحون إلى حدود- رغم كونها محدودة بالنسبة لمستوى العالم- و لعلّهم يشكلون حكماً في زاوية من العالم. و هذا الإنتصار نفسه يشكّل أرضية لتجمع و انضمام الصفوف المؤمنة البصيرة المتحركة المنتظرة، و هذه الصفوف نفسها هي التي تستجيب لنداء المهدي، و ينتهي أمرها لمرحلة دعوته، و تشكل الوجود الأساس لورثة الأرض و للمقاومة المؤمنة.
هناك حديث رُوي عن الإمام محمد الباقر (عَلیْهِ السَّلام) في المصادر المعتبرة يمكن أن ينطبق على هذا المفهوم (1)و الحديث هو:
عن أبي خالد الكابلي، عن أبي جعفر (عَلیْهِ السَّلام) أنَّه قال: كَأَنِّي بِقَوْمٍ قَدْ خَرَجُوا بِالْمَشْرِقِ يَطْلُبُونَ الْحَقَّ فَلَا يُعْطُونَهُ،
1) المعني بهذا المفهوم هو المقطع الأخير من الفقرة التي بين أيدينا و هو نهضة ثوار يمسكون بزمام الأمور، و يسلمون حكمهم و إمكاناتهم للمهدي (عَلیْهِ السَّلام) و إلاََّ فمفاهيم الاستعداد. و ضرورة التهيؤ- حتى الاستعداد العسكري و القتالي- التي ذكرناها حتى الآن، جاءت في الكثير من الأحاديث القطعية غير القابلة للتردد و الشك.
ثُمَّ یَطْلُبُونَهُ فَلاَ یُعْطَوْنَهُ، فَإِذَا رَأَوْا ذَلِکَ وَضَعُوا سُیُوفَهُمْ عَلَی عَوَاتِقِهِمْ، فَیُعْطَوْنَ مَا سَأَلُوا، فَلاَ یَقْبَلُونَهُ، حَتَّی یَقُومُوا، وَ لاَ یَدْفَعُونَهَا إِلاَّ إِلَی صَاحِبِکُمْ، قَتْلاَهُمْ شُهَدَاءُ أَمَا إِنِّی لَوْ أَدْرَکْتُ ذَلِکَ لَأَبْقَیْتُ نَفْسِی لِصَاحِبِ هَذَا اَلْأَمْرِ (1)
1) بحار الأنوارج 52، ص 243، نقلًا عن الغيبة، النعماني. و قد روي أيضاً حديث قريب لمضمون هذا الحديث عن النبي الأكرم (صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم)، في كتاب (البيان في أخبار صاحب الزمان» للحافظ الكنجي الشافعي.
أشرنا إلى وجود سياقين تربويّين أساسيين في ثقافة التشيّع، يتحتم الإفادة منهما على الدوام، و استلهامهما و الاستنارة بهما. أحد هذين السياقين هو «الدعاء»، و الآخر «الزيارة». و قد استثمرت « مدرسة الدعاء و الزيارة» في تخطيط البرنامج التربوي للأئمة الطاهرين بشكل عظيم على طريق إيصال التعاليم و المعارف للأمة. فعبر نصوص الدعاء و الزيارة وردت مفاهيم إسلامية بنّاءة وافرة. و قد أراد أئمتنا (عَلیْهِمُ السَّلام) أن تصغي جماهيرنا حين قراءة الأدعية و الزيارات للمفاههيم و الوصايا التي جاءت بها. و في جو الصفاء الروحي تهضم هذه المفاهيم الخالصة، و تصاغ الشخصية في ضوئها. نقرأ في الزيارة:
و نُصْرَتی لَکُم مُعَدَّةٌ ... (1) كيف و أيّ شيء هي هذه النصرة؟ فإذا كنَّا نحن الشيعة نقرأ و نقول بصدق: يا قدوة الدين نحن مستعدون على الدوام لنصرتكم فهل أنَّ هذا الاستعداد سوف يتحقق بمجرد الكلام؟
و هل أنَّ الاستعداد لفظ فحسب، أم أنَّ الاستعداد لأجل الإمداد و العون و بهيئة وسائل النصرة و الإعانة؟
و يتوفر الاستعداد لتقديم العون في عصر الغيبة على خصوصية أخرى. و هذه الخصوصية هي الاستعداد و التهيؤ للمشاركة في النهضة الكبرى، و الملحمة العظمى- التي أشرنا إليها فيما مضى-. فالعناصر التي تعشق المقام الرفيع الإمام العَصر (عَلیْهِ السَّلام)، و تصدق في حبّها، و ترغب أن تكون صاحبة فعل و عمل لا لفظ و قول ينبغي لها أن ترحّب بثورة الإسلام في إيران، حيث إنَّ
1) وردت في «زيارة الأربعين»، كما جاءت في الزيارة و «الآيات الربانية»، بصيغة، و نُصْرَتی مُعَدَّةٌ لَكُم.
شبابنا تستعد للدفاع و الحرب ببركة هذه الثورة، و لا بدّ لنا من دفع شبابنا للتمتع بهذا الاستعداد و الحفاظ عليه.
كما نقرأ في الزيارة:
سِلْمٌ لِمَنْ سَالَمَكُمْ، وَ حَرْبٌ لِمَنْ حَارَبَكُمْ (1) ماذا يعني هذا الشعار الثوري الكبير؟ أيعني غير أنَّ جماهير الشيعة يتحتم عليها الانسجام مع كلّ فرد أو حركة أو حكم يتبع الحق و يسلّم له، و يقف بوجه كلّ فرد و حركة و حكم يواجه الحق و يقاتله و يقاومه؟ أجل يتحتم على الشيعة قتال المستكبرين و الظالمين المستمر: حرب لمن حاربكم ...
فهذه تعاليم لا ينبغي إغفالها، و لا أقل لا ينبغي إغفالها بعد الآن.
1) الزيارة الجامعة.
حركة الإمام المهدي (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف) و الحتمية الإلهية
التطور الحضاري في دولة الإمام المهدي (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف)
دور العراق في حركة الإمام المهدي (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف)
الإنسان الكامل في دولة الإمام المهدي (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف)
سماحة السيد ياسين الموسوي (دامت بركاته)
مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام
النجف الأشرف- شارع الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم- محلة الحريش رقم الزقاق 54_ رقم الدار 2
هاتف: 332811 و 332813
ص.ب 588
www.m.mahdi.com
m-mahdi@ m-mahdi.com
أضواء على دولة الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام
السيد ياسين الموسوي
إعداد و تحقيق
مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام
الطبعة الثالثة: شعبان 1428ه-
رقم الإصدار: 59
العدد: 3000 نسخة
جميع الحقوق محفوظة للمركز
و العراق له دور مستقبلي في حركة الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام، و بملاحظة الروايات التي تحدّثت عن العراق نجدها قد أخذت عدة صور في الحديث عنه، فمرّة تحدّثت الروايات عن العراق الذي يسبق الظهور،و أخرى تحدّثت عن العراق الذي يمهد للظهور ، و أخرى تحدّثت عن العراق الذي سوف يشارك في الظهور.
بمعنى أن هناك مراحل ثلاث يمر بها العراق، و هذه المراحل الثلاث هي:
و هي المرحلة التي تسبق التمهيد للظهور، و قد قالت عنها الروايات: أن الأمّة في العراق سوف تعاني التمحيص، و سوف تعاني الابتلاء و الشدة من حكام جور سيحكمون هذا البلد، و يحكمون هذه البقعة الجغرافية، حتّى يؤدي هذا الجور إلى حالات صعبة يمر بها العراق و الشعب العراقي، و قد عبرت الروايات عن هذه الحالات بأنواع مختلفة.
و من جملة تلك الأنواع التي يمر بها العراق في عصر قبل التمهيد، و هو العصر الأوّل الذي نتحدّث عنه المرارة التي يمر بها المجتمع العراقي، التي سوف تؤدّي إلى ضغوط كثيرة، منها
ضغوط نفسيّة، و ضغوط دينيّة، و ضغوط اقتصادية، و حتّى ضغوط تكوينية تغير في طوبوغرافية المجتمع العراقي.
و إن هذه الصور المتعددة التي تحدّثت عنها الروايات قد صورت لنا أن العراق سوف يُحكم من قبل حكّام جور، و إن هؤلاء الحكام يغيرون كثيراً من خصوصيّة هذه المنطقة مما يجعل المنطقة تعيش في حصار اقتصادي، و هو المعبر عنه في الروايات بالجوع: یَشْمَلُ أَهْلَ اَلْعِرَاقِ جوع ذَرِيعٌ.. یَشْمَلُ أَهْلَ اَلْعِرَاقِ نَقْصٌ فی اَلْأَمْوَالِ؛ (1)هذا كله موجود في نصوص و روايات وردت عن الإمام الصادق عَلیْهِ السَّلام و الأئمّة عَلیْهِمُ السَّلام حيث تحدّثوا عن الجوع و الحصار و الألم الاقتصادي الذي يمر به الشعب العراقي قبل مرحلة التمهيد.
و من الصحيح أن هذا شيء قد مر به العراق مرات كثيرة، و لكنّه قد يكون آخر مرة خلال الحقبة الزمنية الأخيرة التي تجاوزت العشر سنوات.
و الشيء الآخر الذي يمر به العراق حالة الحروب المتكررة، و كثرة الدم، و كثرة القتل، و كثرة الذبح، مما يؤدي إلى انتشار حالة اجتماعية مرفوضة، و هي حالة الخوف الذريع. و الخوف الذريع سببه إنعدام الأمن الذي سوف يكون في العراق.
1) لاحظ: الإرشاد للشيخ المفيد 2: 369؛ كشف الغمة للإريلي 3: 256.
و هذا الخوف الذريع- للأسف الشديد- سوف يؤثر على إرادة الإنسان، لأن الإنسان بطبيعته تحكمه خصوصيات اجتماعية و نفسية و إن أراد أن يتجرد منها أو يكبر عليها، لكن هناك ضغوط اجتماعية قد تفقد الإنسان في كثير من الأحيان إرادته، و هذه الحالة سببها الخوف، و الذي يمكن أن نرجع سكوت الشعب العراقي أو كثير من قطاعات الشعب العراقي عما مرَّ عليه من الاضطهاد، و الحرمان، و العذاب، و القتل و ما إلى ذلك، مع أنه كان -تقریباً- ساكتاً بالشكل العام نتيجة في كثير من الأحيان لما يفسر بفقدان الإرادة ، فالإنسان عندما يرى الظلم لا بدّ أن يقاتل الظلم لكنه كان فاقد الإرادة أمام الظلم، و غير قادر على أن يجابه الظلام و الحكام الذين سبق و أن حكموه و سلبوا إرادته.
إنّ هذه الحالة تظهر قبل مرحلة التمهيد، و التي عبر عنها الأئمة عَلیْهِمُ السَّلام في كثير من تلك الأحيان بأنه و خوف يشمل أهل العراق و موت ذريع فيه. (1)
هذا الخوف الذريع قد يؤدي إلى تغيير خصوصيات التفكير عند الإنسان، و لكن مع كل ذلك فإن هذا الخوف الذريع، قد يؤدّي إلى حالة إيجابية أيضاً، ليست الحالة سلبية فقط، فقد
1) راجع: روضة الواعظين/ القتال النيسابوري: 263؛ الإرشاد/المفيد 2: 369؛ كشف الغمة/ الإربلي 3: 256؛ الفصول المهمة/ ابن الصباغ المالكي 2: 113.
تكون هناك حالة إيجابية، و هذه الحالة الإيجابية تميز و تغربل الناس بغربال كما يقول الإمام الصادق عَلیْهِ السَّلام تميّزهم على قسمين، و هذه الرواية رواها النعماني في غيبته عن أبي بصير عندما كلّمه الإمام الصادق عمّا يمر على أهل العراق من الفتن و الامتحان و البلايا، و أنهم يغربلون كغربلة الغربال فيميز أحدهم عن الآخر، الرديء عن الحسن. (1)هذا التمييز إنما يأتي من الفتن، يأتي من الضغوط التي يمر بها المجتمع العراقي في هذه المرحلة.و هنا قد يثار سؤال: لماذا يمتحن هذا الشعب بهذا الامتحان دون غيره من شعوب العالم و مناطق الدنيا؟قد نجد أكثر الروايات التي تحدّثت عن عصر الظهور ذكرت فيها منطقة العراق، بحيث أنّ الفقيه و القارئ المستنبط لتلك الروايات التي تحدّثت عن عصر الظهور يجد أكثر تلك الروايات التي تحدّثت عن عصر الظهور و ما فيها من علامات و دلالات و آيات و ما إلى ذلك أنها سوف تحدث في العراق؟ففي هذه المرحلة التمهيدية (المرحلة الأولى نجد أكثر هذه العلامات تحدث في العراق قبل أن تشمل العالم، لماذا هذا)
1) عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلام قال: ... لاَ بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَنْ یُمَحَّصُوا وَ یُمَیَّزُوا وَ یُغَرْبَلُوا وَ سَیَخْرُجُ مِنَ اَلْغِرْبَالِ خَلْقٌ کَثِیرٌ، راجع: كتاب الغيبة للنعماني: 204/ ح 6.
التمحيص و الابتلاء في العراق؟ لماذا هذا الامتحان و شدة الامتحان في العراق؟الجواب: لأن الله سبحانه و تعالى أخذ العراق مكاناً جغرافياً مهماً لحركة الإمام المهدي، و هو الذي نقرؤه في العصر الثالث، و هو عصر ظهوره و عصر حركته عَلیْهِ السَّلام، فإنّ موقع التحرك المهم يكون في العراق، و لذلك سوف يكون هذا الموقع لأهميته بمستوى هذه المهمة، و أن يكون الجمهور و المجتمع و الناس الذين يسكنون في هذا الموقع الجغرافي بمستوى هذه المهمة.بمعنى أنه لا بدّ من تناسب طردي بين المهمة، و بين شخصية المجتمع الذي يسكن في تلك الأرض التي تتحمل هذه المهمة، فعندما نقرأ أن عاصمة الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام سوف تكون في العراق، و تكون في الكوفة، و عندما نقرأ أن مرحلة تحرك الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام تكون من الكوفة، أو من العراق؛ فلا بدّ أن يكون المجتمع في ذلك الموقع قد تحمل كل الامتحانات و لم يسقط أمامها، و تحمل كل الهموم و لم يسقط أمامها.هذا المجتمع الذي لم يسقط، أو الذي خرج من الامتحان ناجحاً يكون مؤهلاً لقيادة البشرية و قيادة العالم ، فلذلك و لأجل أن يكون هذا المجتمع القائد، و المجتمع الرائد الذي يقوم
بمرحلة هداية البشرية، لا بدّ أن يكون قد مر بالامتحانات السابقة الصعبة و قد خرج منها ناجحاً.و بالفعل كان التأكيد الإلهي على العراق؛ لأن العراق دولة الإمام، و لأن العراق مجتمع الإمام، و لأن العراق محط قادة الإمام و جند الإمام، و لذلك فلابد لهذا المجتمع أن يمر بالامتحان.إذن هذا الامتحان و هذا العذاب و هذا التمحيص لم يكن سخطاً إلهياً على المجتمع كما يصوّره بعض الناس عندما يقرؤون حركة الإمام، و إنما هذه العلامات التي تظهر من أجل أن يوفر المجتمع كل خصوصيات، و كل صفات القيادة المؤهلة له لقيادة البشرية.نلاحظ الدور الإيجابي للمجتمع العراقي في عصر الظهور، هذا الدور مترابط بالمراحل.إذن فهذا العذاب و هذه المرارة التي يمر بها العراق و يمر بها المجتمع العراقي سوف يؤهّله و ينظّمه ليأخذ دوره الطبيعي.و نحن في عقيدتنا الإمامية نعتقد أن الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام لا يظهر بصورة إعجازية، و يريد أن يثبت الإعجاز في الأرض، و في الوجود و إنما يظهر عَلیْهِ السَّلام بشكل طبيعي عندما تتوفّر القواعد و تتهيّأ القيادة المؤهّلة لذلك الدور التغييري للعالم، و ليس للعراق فقط، و ليس للعرب فقط، و ليس للمسلمين فقط، و إنما التغيير الأرضي، و بواسطة التغيير الأرضي سوف يكون هناك تغيير كوني، فالكون سوف يتغيّر.
و قد تعجب كيف يكون تغيير الكون؟! و لإزالة هذا التعجب نحتاج إلى حديث خاص حول دور المهدي في تغيير المجموعة الشمسيّة و حركة المجموعة الشمسيّة، و هذا فيه لحاظات ليست انطلاقاً من الروايات و الأحاديث المقدسة فقط و إنما من خلال بحوث علمية تتحدّث عن هذا التغيير الكوني الذي سوف يحدث في عصر المهدي عَلیْهِ السَّلام.### المرحلة الثانية: التمهيد:هذا التغيير الذي يقوم به الإمام يبتدئ من العراق، و لذلك هذا الدور إلى تمهيد، و هو المرحلة الثانية:و في مرحلة التمهيد يأخذ العراق دوراً كبيراً قبل أن يتحرك الإمام، و قبل أن يظهر الإمام.و لا بدّ لهذا المجتمع الذي خرج من الامتحان ناجحاً أن يكون له دور الممهّد لظهور الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام.و هناك روايات تتحدّث عن الممهدين للمهدي سلطانه، و عن الموطّئين الذين تعبّر عنهم الروايات: الموطئون للمهدي سلطانه (1و ان هؤلاء ينطلقون بحركتهم من العراق إلى خراسان، في حركة متواصلة.)و لا أريد أن أتحدّث عن الجانب الجغرافي لوجود هذه الحركة المتّصلة؛ العراق.. خراسان.. و المناطق الأخرى، و إنّما
1) راجع: كنز العمال للمتقى الهندي 14: 263/ ح 38657.
أتحدّث عن هذا الجانب في هذه المحاضرة و هو: أنّ العراق جزء من الموطّنين و الممهّدين للإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام .و هناك روايات متنوّعة تحدّثت عن هذا التمهيد، و من جملة تلك الروايات التي تحدّثت عن أن هناك قوى بمستوى الوعي، و بمستوى الإدراك، و بمستوى المسؤولية للتغيير الشمولي للدنيا في العراق قبل الظهور، اقرأ هذه الرواية عن الإمام الباقر عَلیْهِ السَّلام:قال: ﴿یَدْخُلُ اَلْکُوفَةَ- يعني الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام _ وَ بِهَا ثَلاَثُ رَایَاتٍ قَدِ اِضْطَرَبَتْ فَتَصْفُو لَهُ، و يدخل حتّى يأتي المنبر فَیَخْطُبُ فَلاَ یَدْرِی اَلنَّاسُ مَا یَقُولُ مِنَ اَلْبُکَاءِ. (1)
أنّه يأتي العراق، فلو كان العراق لا يملك التأهيل المناسب لاستمرار ثورته لا نتقلت حركة الإمام إلى منطقة أخرى، مثلاً: إلى الشام، أو إلى خراسان، أو إلى اليمن، أو إلى مصر، لكنه تجاوز كل تلك المناطق و تحرك بمجرّد أن نجح في مكّة و المدينة_ كما تقول الروايات_ و توجّه إلى العراق.
و الجهة التي يتحرّك، و ينطلق منها إلى الدنيا هي العراق فيؤسّس الدولة المهدويّة في العراق، ثمّ بعد ذلك ينطلق إلى الدنيا.
1) الإرشاد للشيخ المفيد 2: 380؛ كتاب الغيبة للشيخ الطوسي: 469.
و لا يتصوّر البعض في حركة الإمام الجانب السلبي الذي سمعناه و قرأناه في كثير من المرّات، حيث تحدّث بعض الناس عن العراق بشكل سلبي فقط، و إنما سوف يكون للعراق دور إيجابي، هذا الدور الإيجابي فيه ثلاث رايات.
بعض الروايات تقول فيها: راية الحسني و راية الحسيني و راية الخراساني هذه ثلاث رايات و هي رايات هدىً؛ يعني أنّ القوى الحاكمة في المنطقة قوىّ لها امتداد عميق في الأمّة، و هي قوىً تشكل براياتها الثلاث- و الراية تمثل عملاً إيجابياً- قوى مسلّحة أو قوى غير مسلحة عسكرياً، و لكن تملك الجمهور الذي یساند هذه الراية؛ و هذه القوى هي الموطّئة و الممهّدة.
و عندما يأتي المهدي تكون هذه القوى قد فَرَّغَتْ العراق له، و لذلك لم نقرأ في الروايات أن هناك حرباً تجري في العراق بين الإمام المهدي و بين أهل العراق، و لا توجد أي رواية بهذا الصدد إلاّ رواية البتريّة التي تحدّثت عن أولئك الستة عشر ألف الذين يخرجون و يسمّون البتريّة يقولون عندما يظهر الإمام: ما لنا و لك يا بن فاطمة ارجع لا شأن و لا شغل لنا معك فيضع السيف فيهم. (1)
أولئك البترية قوم غرباء عن العراق، و البترية لم يكونوا من الشيعة، إنما هم قوم غرباء عن العراق، و غرباء عن التشيع، و غرباء
1) دلائل الإمامة للطبري (الشيعي): 455.
عن شخصيّة هذا المجتمع العراقي، لكنّ الحرب تكون على الأرض العراقية، و أمّا الشعب لم يكن شعباً عراقياً، و لم يكن مجتمعاً عراقياً، و ان الذي يقاتل هؤلاء هو الإمام المهدي بالرايات الثلاث: راية الحسني و راية الحسيني و راية الخراساني التي تكون قد نشرت. و لا نقصد بالغرباء أنهم غرباء الجنسية، و إنما نقصد بالغربة غربة الشخصية فقد يكون أولئك من شذاذ سكنة هذه الأرض و لكنهم غرباء عنها و عن أهلها بالشخصية و الطباع.
الاضطراب الذي تذكره الرواية قد يكون له معنيان: الأول: معنىً من معاني الاضطراب الاهتزازي كما لو اهتزت تلك الرايات لكثرة الجمهور و القواعد التي تسير تحت تلك الرايات يعبّر عنها أيضاً بعبارة: (قد اضطربت ).
و هناك تفسير آخر قد يكون للاضطراب: و هو حالة من اللاتفاهم الجزئي، أو حالة من الاختلاف الجزئي الذي قد يكون بين هذه الرايات، ثمّ تسقط و تتلاشى هذه الاختلافات على يد الإمام عَلیْهِ السَّلام.
و هذا الوضع يوضّح أن هناك قوىً قبل ظهور الإمام، و أن هذه القوى تمهّد للإمام، و توطّئ للإمام عَلیْهِ السَّلام.
و الرواية تتحدّث عن المجتمع العراقي تقول: «حتّى يأتي المنبر»؛ يعني لم يكن للإمام مدّة طويلة عند دخوله العراق، و إنما بمجرد أن يصل الإمام عَلیْهِ السَّلام إلى الكوفة فإنه يصعد المنبر، و يخطب بالناس فَلاَ یَدْرِی اَلنَّاسُ مَا یَقُولُ مِنَ اَلْبُکَاءِ.
لاحظ: قوله عَلیْهِ السَّلام: فَلاَ یَدْرِی اَلنَّاسُ مَا یَقُولُ مِنَ اَلْبُکَاءِ لا يفهم الناس ما يقول الإمام، لأن حالة البكاء شملت الناس، و هذا يفسّر شيئين:
أوّلاً: كثرة الجمهور، لأنه لو كان بكاءاً فردياً لا نتبهوا.
ثانياً: يعطيك مدلول الحالة النفسية و العاطفيّة بين الجمهور و القائد بما تعني الحالة العاطفية و الانفعال في أوج حالات الترقب و الفرح و الحضور و في أعلى مستوياتها، حيث غلب البكاء على الجمهور.
إذن هذه القاعدة التي تكون قبل ظهور الإمام لم تكن قاعدة صغيرة، و لم تكن هذه القاعدة شاذّة أو تعبّر عن حالة فردانية بالحضور، و إنما تكون قاعدة واسعة من حيث الكم، و تكون قاعدة واعية و متّفقة عقائديّاً و عاطفيّاً مع الإمام لذلك يأخذها الانفعال الذي يغلب على كل حواس الإنسان سواء السمع أو غيره، لأنّ الإنسان الحاضر قد توجّه بكلّه إلى الإمام.
هذا الوضع يعطينا أملاً في هذه الظلمة التي نعيشها، إذ ربما الإنسان في مثل هذا الجو يعيش الاحباط فهو عندما يخرج إلى الشارع و عندما يخرج إلى المجتمع يجد كثيراً من الأشياء المنكرة فقد تأخذه حالة من حالات اليأس، و حالة من حالات فقد الإرادة التي يعيشها العالم الإسلامي و العالم العربي الآن.
إن هذا الوضع المأساوي الذي تعيشه الأُمّة ككل، هو فقدان الجانب الفاعل في الإنسان، و الجانب المؤثّر في الإنسان.
و الذي يعطي الزخم المستقبلي الإيجابي هو العقيدة المهدوية عندما تكون في هذه المرحلة بكل خصوصيّاتها الشيعيّة التي تحكم الإنسان و فكر الإنسان، و تكون مؤهّلة للظهور.
إنّ هذه الحالة من حالات الهزيمة التي نعيشها، سواء في الهزيمة السياسية أو الهزيمة العسكرية في عدّة مواقع ابتداءاً من حرب حزيران و انتهاءاً بحرب أمريكا سوف تكون في مرحلة زمنية محدودة، و في مرحلتنا هذه لا تكون طويلة و ممتدّة، و إنما سوف تنقلب هذه الهزيمة إلى حالة إيجابية عندما ترتبط مع الروح الحقيقيّة للعقيدة الشيعيّة بما تفهمه عن الحركة المهدوية. (1)
1) و قد صدق القول هذا و التنبّؤُ انتصار حزب الله الشيعة في لبنان على إسرائيل و غطرستها حتّى أذلوها و هزموها فولى اليهود الدبر، و هي أوّل مرة يعيش الإسرائيليون الهزيمة منذ قيام كيانهم الصهيوني إلى يومنا الحاضر (17/ 9/ 2006م، 22/ شعبان/ 1427ه-).
بتول مرزوق رجاء الشريمي (أُم عمار)
العشق المهدوي
بتول مرزوق رجاء الشريمي
الرافد للمطبوعات
الاخراج الفني: ضياء الخفاف
الطبعة الأولى
1435 ه- 2014 م
isbn: 978-600-6593-16-6
الرباط: هو الإقامة على جهاد العدو، و أصل المرابطة أن يربط الفريقان خیولهم في ثغر كل منهما معدا لصاحبه، فسميَ المقام في الثغور رباطا (1)
و المرابطة مفردة من مرادفات الانتظار، مثل التوطئة، و التذليل و التمهيد، و التهيئة، و الاستعداد. وكلّما ازداد انتظار العاشق لضيفه المعشوق، كلّما ازدادت حالات الاستعداد و التهيؤ لقدومه.
قال الإمام أبو جعفر الباقر عَلیْهِ السَّلام في تفسير قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِِرُوا وَ صَابِرُوا وَ رَابِطُواْ وَ اتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (2)، قال: اصْبِرُوا عَلَى الْمَصَائِبِ، وَ صَابِرُوهُمْ عَلَى التَّقِيَّةِ، وَ رَابِطُوا عَلَى مَنْ تَقْتَدُونَ بِهِ وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (3)
و قال الشيخ الطبرسي «اصبروا» يتناول لزوم العبادات و اجتناب المحرمات، و «صابروا» يتناول ما يتصل بالغير كمجاهدة الجن و الإنس، و ما هو أعظم منها مجاهدة النفس. «و رابطوا» يدخل فيه الدفاع عن المسلمين، و الذب عن الدين. «وَ اتَّقُوا اللَّهَ» يتناول الانتهاء عن جميع المناهي و الزواجر،
و الإئتمار بجميع الأوامر، ثمّ يتبع جميع ذلك الفلاح و النجاح (1)
إنّ المرابطة تعنى الاستعداد و الإعداد، سواء على الصعيد الفردي أو الجماعي، انتظاراً لقدوم الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام، و تعني كذلك حماية و صيانة الثغور الداخلية و الخارجية من الإنحراف و الإنحلال.
و المرابطة على الثغور الداخلية يقصد بها ما يرتبط بداخل الإنسان، و هي نفسه الأمارة بالسوء، و التي تعتبر أعدى أعدائه. إلي إِلَيْكَ أَشْكُو نَفْساً بِالسُّوءِ أَمَّارَةً، و إِلَى الخطيئَةِ مُبَادِرَةٌ، و بِمَعَاصِيكَ مُولَعَةٌ، و لسَخَطِكَ مُتَعَرِّضَةٌ، تَسْلُكُ بِِي مَسَالِكَ الْمُهَالِكِ، و تَجْعَلْنِي عِنْدَكَ أَهْوَنَ مَالِكٍ، كَثِيرَةَ الْعِلَلِ، طَوِيلَةَ الْأَمَلِ، إِنْ مَسَّهَا الشَّرُّ تَجْزَعُ، و إِنْ مَسَّهَا الخَيْرُ تَمْنَعُ، مَيَّالَةً إِلَى اللََّعْبِ و اللَّهوِ، مَمْلُوَّةَ بِالْغَفْلَةِ و السَّهْوِِ، تُسْرِِعُ بِِي إِلَى الْحَوْبَةِ، و تُسَوِّفُني بِالتَّوْبَةِ. (2)
فالإنسان المؤمن العاشق يحب أن يرابط إمام زمانه، أي أن يربط نفسه بحبل ولايته و إتباعه و الاقتداء به و نصرته و خدمته، و أن يكون على أفضل صورة و أفضل حال عند قدوم المحبوب الغائب، و أن لا يكون في نفسه و بيته ما يكدره أو يحزنه، و يهيئ نفسه، بأن يهتم بجمال هيئته و تزيين بيته، حتى يصل إلى أفضل حالة من الاستعداد و التهيئة.
و يقتضي ذلك أن يكون مرابطاً على ثغور العقيدة و الفكر و الأخلاق، لحراسة النفس و صيانتها من الأفكار المنحرفة و العقائد الباطلة التي تبعده عن الخط المستقيم، و يحصل له ذلك من خلال التزود بالمعارف الإسلامية و العلوم الدينية، ثمّ يجاهد على تهذيب نفسه بالورع و الاجتهاد، و كسب
الفضائل الروحية و الأخلاقية، و الابتعاد عن الرذائل الأخلاقية مَنْ سُرَّ أَنْ یَکُونَ مِنْ أَصْحَابِ الْقَائِمِ فَلْیَنْتَظِرْ وَ لْیَعْمَلْ بِالْوَرَعِ وَ مَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ (1)
أحاسنكم أخلاقا الموطّون أكنافا (2) و أما المرابطة على الثغور الخارجية صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فتتمثل في التحرك على الصعيد الاجتماعي، فلابدّ أن يتحرك المنتظر لتهيئة أرضية المجتمع لقدوم الإمام صاحب الزمان و المساهمة في ثورته المباركة. فلا يظنّ الإنسان بأنّ التوطئة تشمل إصلاح النفس فقط، و إنما أيضا تتطلب إصلاح المجتمع؛ لأنَ المجتمع يمثل البيئة التي تحتضن الفرد و يعده عقائدياً و فكرياً و أخلاقياً و روحياً، و تهيئة المجتمع تتطلب القيام بعدة عمليات إصلاحية منها:
1- حثّ أفراد المجتمع على التمسك بكتاب الله و سنة نبيه المصطفى محمّد صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم.
2- تعريف أفراد المجتمع بأهداف الثورة المهدوية و بمهام الغيبة الكبرى، و تفعيل ثقافة الانتظار لصنع مجتمع منتظر للإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام، يتسم أفراده بالعقيدة الإيمانية و القيم الأخلاقية، استعداداً لاستقبال الإشراقات الإلهية المتمثلة في نوره المبارك.
3- نشر الثقافة المهدوية باستخدام الوسائل الجماهيرية المتاحة، كالتلفاز و الانترنت و المنبر الخطابي و المجلس الحسيني و غيرها.
4- تعميق قضايا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.
5- مناقشة قضايا الأمة الإسلامية المعاصرة و الدفاع عن مصالحها، فمن البديهي أن يستشعر الفرد المسلم هموم الأمة و يبادر إلى علاجها قدر المستطاع.
6- توعية الرأي العام المسلم بما يحاك ضدّه من مؤامرات و حملات شعواء، تهدف إلى تحطيم الشخصية الإسلامية و تشويه الفكر الإسلامي.
و من الطبيعي أنّ هذا البرنامج الجهادي يحتاج إلى حالة من الصبر و الثبات و العزيمة في تهذيب النفس و تربيتها، و مقاومة كل العقبات و الصعوبات التي تواجهه في هذه المهمة، حتى يظهر المهدي و يقوم الدين الإسلامي من جديد، لذا قال الله تعالى: و اصبروا
روي عن النبي صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم أنه قال: وَ الَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ بَشِيراً وَ نَذِيراً، إِنَّ الثَّابِتِينَ عَلَى الْقَوْلِ بِإِمَامتِهِ في زَمَانِ غَيْبَتِهِ لَأَعَزُّ مِنَ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ (1).
و قال الإمام موسی بن جعفر عَلیْهِ السَّلام: طوبى لشيعَتِنا الْمُتَمَسِّكينَ بِحَبْلِنا في غَيْبَةِ قائِمِنا، الثَّابِتِينَ عَلى مُوالاتِنا وَ الْبَراءَةِ مِنْ أَعْدائِنا، أُولئِكَ مِنَا وَ نَحْنُ مِنْهُمْ، قَدْ رَضوا بِنا أَئِمَّةً وَرَضِينا بِهِمْ شيعَةً فَطوبى لَهُمْ، ثُمَّ طوبى لَهُمْ ، هُمْ وَ اللَّهِ مَعَنا فِي دَرَجَتِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ (2)
إن خدمة الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام من معاني الانتظار، و هو انتظار حركي و عملي يساهم في عملية التمهيد لظهوره المبارك و إزالة بعض العقبات التي يمكن أن تؤخّر و تؤجل في الدولة الإلهية المنتظرة و المرتقبة لإقامة العدل و العدالة.
روى العالم الفقيه أحمد الأردبيلي في كتابه حديقة الشيعة رواية عن مولانا الإمام الصادق عَلیْهِ السَّلام ما مضمونها: ما من مؤمن يتمنى خدمته و يدعو لتعجيل فرجه إلا أتاه آت علی قبره و ناداه باسمه: يا فلان قد ظهر مولاك صاحب الزمان، فان شئت فقم و اذهب إلى حضرة الإمام، و إن شئت فنم إلى يوم القيام (1)
فمجرّد التمنّي لخدمة الإمام و عقد النية القلبية لخدمته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، هي بحد ذاتها محطة شرف و تقديس إلهي لذلك الموالي، فيخيّر الموالي الخدوم لمولاه بين الرجعة مع الإمام المهدي و رؤية طلعته البهية و الوقوف بجانبه و التشرف بنصرته، و بين المنام و اللقاء به يوم القيامة. فكل هذا التبجيل الإلهي، فقط لأنه تمنى أن يخدم دولة الإمام بقية الله في أرضه و أن يقوم بكل عمل من اجل نصرته و تعجيل ظهوره، فكيف بمن تحرك وسعى في خدمته؟
و الإمام المهدي من أهل البيت الذين تتشرّف بخدمتهم الملائكة، و الإمام الصادق عَلیْهِ السَّلام في مقام آخر يتمنى بنفسه خدمة ابنه القائم عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف، و أي خدمة
1) مكيال المكارم ج 1 ص 345
يتمناها؟ خدمة ليس بجزء من حياته، و إنما خدمة تدوم بدوام عمره الشريف وَ لَوْ أَدْرَکْتُهُ لَخَدَمْتُهُ أَیَّامَ حَیَاتِی و سأل الله في دعائه التوفيق لهذه الخدمة: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِی مِنْ أَنْصارِهِ وَ أَعْوانِهِ، وَ الذّابِینَ بَینَ یَدَیه وَ الْمُسارِعِینَ إِلَیْهِ فِی قَضاءِ حَوائِجِهِ، وَ الْمُمْتَثِلِینَ لِأَوامِرِهِ..
فالموالي العاشق يتعلّم منه أن يبذل كل حياته و عمره من أجل المعشوق، و أن يعدّ نفسه خادماً له.. فعلاقة الخادم مع سيّده تقتضي أن يعمل كل ما يرتضيه منه و يجتنب سخطه منه، و يعينه و يقضي له حوائجه.
روي عن النبي صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم أنه قال: أربَعَةٌ أنَا الشَّفيعُ لَهُم يَومَ القِيامَةِ و لو أتَوني بِذُنوبِ أهلِ الأَرضِ: مُعينُ أهلِ بَيتي، وَ القاضي لَهُم حَوائِجَهُم عِندَما اضطُرّوا إلَيهِ، وَ المُحِبُّ لَهُم بِقَلبِهِِ و لِسانِهِ، وَ الدّافِعُ عَنهُم بِيَدِهِ (1).
فلو تأملنا قليلاً في الرواية السابقة، فسوف نستنبط منها الأمور التي تمنحنا شفاعة النبي محمّد صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، و من بينها خدمة أهل البيت عَلیْهِمُ السَّلام، حيث قال صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم مُعينُ أهلِ بَيتي وَ القاضي لَهُم حَوائِجَهُم عِندَما اضطُرّوا إلَيهِ.
و الإعانة: مصدر من أعان عونا، و تعني المساعدة و النصرة، فالإمام الحجة ابن الحسن عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف يحتاج في غيبته، إلى من يعينه و يسانده على أمر الأمة و إصلاحها، و هذه الإعانة على نوعين: إما أن تكون مادية أو معنوية.
و هی أن يساهم الإنسان الموالي بما رزقه الله من أموال، فالأموال التي يمتلكها إنّما هي ملك لله و ملك لخليفته المنصوب الحجة ابن الحسن، و ما لدينا من خيرات و بركات فمصدرها الإمام عَلیْهِ السَّلام «بيمنه رزق الورى». فعليه،
1) بحار الأنوار ج 27 ص77
ينبغي للموالي أن ينفق أمواله في خدمة مالكها و إعانة صاحبها، فيجعلها طوع يديه و يبذلها في كل ما يحقق رضاه و يسرع في خلاصه من غربته. و ذلك من خلال صرفها في الجهات الخيرية، مثل إنشاء المؤسسات الدينية، و المعاهد العلمية، و طباعة الكتب و المنشورات التي تهتم بالقرآن و علوم أهل البيت عَلیْهِمُ السَّلام و مساعدة المحتاجين من فقراء و أيتام آل محمّد،و المساهمة في كل مشروع خيري، و ذلك من أجل صنع مجتمع مهدوي، مجتمع تتحقق فيه صفات الانتظار تعجيلا في الظهور المبارك.
أن يسعى الموالي في مجتمعه لصناعة أفراد مؤمنين منتظرين لإمام زمانهم، فيكون همه إرشاد الناس و هدايتهم إلى طريق الحق و العدل و يعمل على نشر الثقافة المهدوية بينهم، و تعريفهم بالمهدي و أهداف دولته المباركة، و ترغيبهم في التهيئة و الاستعداد النفسي و الروحي و العلمي لاستقبال إمام زمانهم و التمهيد لهذا الظهور الميمون، و يتم ذلك عن طريق عدة أمور منها:
إنّ الإمام الحجة عَلیْهِ السَّلام اللي يحتاج إلى أنصار و أعوان يمتلكون العلم و المعرفة، ذوي كفاءات عقلية و علمية، فلذلك يتوجب على الموالي أن يسلح نفسه بالعلم و الثقافة و المعرفة و خاصة المستمدة من الثقافة القرآنية التي تمثل نوراً و إشعاعاً للإنسان يستطيع من خلالها أن يميز بين الخير و الشر، و بين الحق و الباطل، و ان يصون نفسه من الانحرافات الفكرية و المادية المضللة، كذلك كلّما كان الإنسان أكثر علماً و معرفةً بإمام زمانه كان أكثر ارتباطاً و تعلقاً بشخصيته المباركة . و لا نقصد هنا المعرفة السطحية التي تتمثل في معرفة اسمه
و كنيته و صفاته الجسمية و الشكلية فقط، و إنما المقصود بها المعرفة الحقيقية و المتكاملة، كمعرفة دلائل ظهوره المبارك، من أجل أن لا تلتبس علينا الأمور و لا تغوينا دعاوى المضللين، و كذلك معرفة الفتن التي ستظهر في آخر الزمان لنعمل على اجتنابها، و أيضا معرفة شروط المنتظِر الحقيقي لطلعته الشريفة بهدف تحقيقها و تطبيقها عملياً.
و بعد أن يغوص في بحار العلم و المعرفة، سوف يكون قادراً على القيام بعد ذلك بمهمة تعليم الآخرين و تثقيفهم، فيسعى جاهداً لانتشال ظلمات الجهل و الغفلة التي تحيط بمن حوله من الناس، و إشاعة نور العلم و المعرفة في أرجاء المجتمع. من كان من شيعتنا عالماً بشريعتنا و أخرج ضعفاء شيعتنا من ظلم جهلهم إلى نور العلم الذي حبوناه به، جاء يوم القيامة و على رأسه تاج من نور يضيء لأهل جميع تلك العرصات، و عليه حلة لا يقوم لأقل سلك منها الدنيا بحذافيرها، ثمّ ينادي مناد يا عباد الله هذا عالم من تلامذة بعض علماء آل محمّد ألا فمن أخرجه في الدنيا من حيرة جهله فليتشبث بنوره ليخرجه من حيرة ظلمة هذه العرصات إلى نزه الجنان (1)
و الأفضل من ذلك أن يكون المعلّم بنفسه قدوة صالحة و خير مثال للشخصية المؤمنة كونُوا دُعَاةَ لِلنَّاسِ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ (2)روي أن الإمام الهادي عَلیْهِ السَّلام قال: لو لا من يبقى بعد غيبة قائمكم عليه الصلاة و السلام من العلماء الداعين إليه والدالين عليه و الذابين عن دينه بحجج الله و المنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس و مردته و من فخاخ النواصب لما بقي أحد إلا ارتد عن دين الله، و لكنهم الذين يمسكون أزمة قلوب ضعفاء الشيعة كما
يمسك صاحب السفينة سكانها أولئك هم الأفضلون عند الله عز و جل (1) عن أبي محمّد الحسن بن علي العسكري عَلیْهِما السَّلام قال: قال الحسين بن علي عَلیْهِ السَّلام: مَن کَفَلَ یَتیما قَطَعَتهُ عَنّا مِحنَتُنا بِاستِتارِنا، فَواساهُ مِن عُلومِنَا الَّتی سَقَطَت إلَیهِ حَتّی أرشَدَهُ و هَداهُ، قالَ اللّهُ عزَّ وَ جلَّ: أیُّهَا العَبدُ کَریمُ المُواسی لِأَخیهِ، أنَا أولی بِالکَرَمِ مِنکَ، اجعَلوا لَهُ یا مَلائِکَتی فِی الجِنانِ بِعَدَدِ کُلِّ حَرفٍ عَلَّمَهُ ألفَ ألفِ قَصرٍ، و ضُمّوا إلَیها ما یَلیقُ بِها مِن سائِرِ النِّعَیمِ (2)
قال موسى بن جعفر عَلیْهِما السَّلام فقيهٌ واحد يُنقذ يتيماً من أيتامنا المنقطعين عنَّا و عن مشاهدتنا بتعليم ما هو محتاج إليه، أشد على إبليس من ألف عابد. لأن العابد همَّه ذات نفسه فقط، و هذا همَّه مع ذات نفسه ذوات عباد الله و إمائه لينقذهم من يد إبليس و مردته، فلذلك هو أفضل عند الله من ألف عابد و ألف ألف عبادة﴾ (3)
إن هداية البشر و تربيتهم من الأهداف السامية التي بعث من أجلها الأنبياء و الرسل عَلیْهِمُ السَّلام: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ. (4)
و الموالي الذي يحمل بقلبه عشق المهدي، لابد أن يكون شخصية رسالية إيمانية تتبع منهج الأنبياء عَلیْهِمُ السَّلام في إصلاح الأمة و توعيتها. يسعى إلى جذب قلوبهم إلى الباري تبارك و تعالى، و تعريفهم بالمنهج التربوي و الأخلاقي عند أهل البيت عَلیْهِمُ السَّلام، و ذلك من خلال الاجتهاد في طرح الدروس الأخلاقية
و التربوية، وحثهم على إصلاح النفس الإنسانية و الارتقاء بها إلى مدارج الكمال روحياً و فكرياً و أخلاقياً.. و نشر معاني المحبة و الألفة فيما بينهم..
فيصنع بذلك مجتمعاً منتظراً مؤهلاً لاستقبال الركب المهدوي و الجهاد بين يدي المولى صاحب العصر و الزمان، فيسعى لتربية جيل مؤمن و صالح عقائدياً و فكرياً و أخلاقياً.
ان التسارع و التسابق في نشر الثقافة المهدوية من صور الخدمة المهدوية، فالعاشق للإمام الحجة عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف لابدّ أن يكثف جهوده و طاقاته في خلق أجواء عامة لتحريك المجتمع نحو الفكر المهدوي و تعريفهم بالعقيدة المهدوية، و نشر الثقافة المهدوية التي تهدف إلى تفعيل قضايا الإصلاح في المجتمع البشري، و هذا من خلال عدة مجالات منها:
1- التعريف بالقضية المهدوية عن طريق برامج إعلامية متعدّدة تواكب عصر التكنولوجيا، و لذلك لابد للموالي أن يكون شخصاً إعلامياً يحمل على عاتقه مسؤولية تأسيس و بناء مجتمع مهدوي منتظِر للإمام الحجة صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف. و هذا من خلال توفير إعلام ثقافي و ثقافة إعلامية تمتلك عناصر جيدة و أساليب ناجحة، و استراتيجيات مقننة لإيجاد حالة من القوة و الفاعلية في عملية التأثير على هذه المجتمعات، حتى تذعن للوعد الإلهي فتجند نفسها لنصرة الحق و العدالة و القيم الإنسانية، و تقف صفاً مع الإمام العادل و الولي الصالح لتحارب معالم الجهل و الطغيان و الظلم و تنشر راية السلام و الأمان، و لنا أن نذكر بعضاً من هذه الطرق:
إقامة المحاضرات و الندوات و المؤتمرات و التي تبحث في هذه القضية و تنمي و عي الجمهور بها، مَن أعانَنا بِلِسانِهِ، عَلی عَدُوِّنا أنطَقَهُ اللّهُ بِحُجَّتِهِ یَومَ مَوقِفِهِ بَینَ یَدَیهِ عزَّ وَ جلَّ (1)
إنتاج مسلسلات و مسرحيات و أفلام سينمائية تاريخية ضخمة تدبلج بمختلف اللغات تتعلق بعقيدة الإمام المهدي.
كتابة المقالات الصحفية و القصص و الأشعار الأدبية، و تأليف الكتب، و نشر المطبوعات من أجل هذه القضية.
عمل مسابقات و أنشطة ثقافية مستمرة تعنى بالقضية المهدوية.
2- تفعيل ثقافة الانتظار لصنع مجتمع ممهّد و منتظر للإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام يتسم أفراده بالعقيدة الإيمانية و القيم الأخلاقية، التي تصبح مؤهلة تأهيلاً سليماً لاستقبال الأنوار و الإشراقات الإلهية المتمثلة في نوره المبارك.
3- تطهير المجتمع الإسلامي من خطورة الأفكار الضالة و الأكاذيب الباطلة و التيارات المغرضة و المعادية لعقائد الإسلام، و التي لا تمت إلى القضية المهدوية بصلة. فعلى سبيل المثال الأفكار التي تنكر الفكرة المهدوية أصلا و تدعي بأنّ المهدي عليه السلام هو عيسى بن مريم، أو التي تدعي المهدوية أو تنسبها إلى أحد من الناس غير صاحبها.
4- تحذير المجتمع من النفوس الخبيثة التي تدّعي المهدوية، و ليس لها هدف سوى زعزعة الإسلام و المسلمين.
5- حثّ أفراد المجتمع الإسلامي بتكوين علاقة روحية و عاطفية مع الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام.
1) بحار الأنوار ج 2 ص 135
فليس من الصعب أن يكون الإنسان من الدعاة إلى محبة الإمام المهدي و من المحركين إلى عشقه، روي أن الإمام الباقر عَلیْهِ السَّلام قال: أَوْحَی اَللَّهُ تَعَالَی أَحْبِبْنِی وَ حَبِّبْنِی إِلَی خَلْقِی، قَالَ مُوسَی: یَا رَبِّ إِنَّکَ لَتَعْلَمُ أَنَّهُ لَیْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَیَّ مِنْکَ فَکَیْفَ لِی بِقُلُوبِ اَلْعِبَادِ؟ فَأَوْحَی اَللَّهُ إِلَیْهِ: فَذَکِّرْهُمْ نِعْمَتِی وَ آلاَئِی فَإِنَّهُمْ لاَ یَذْکُرُونَ مِنِّی إِلاَّ خَیْراً (1)
فلابد أن يسعى الإنسان إلى تحبيب الناس بالإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام و ترغيبهم في الارتباط به؛ لأنه ولي الله و باب الله ولديه ميراث الأنبياء، و هو مصدر للكمالات الإلهية، و بنوره يرتقي الإنسان إلى مدارج السعادة الحقيقية و الأبدية، كما جاء في دعاء الندبة: أَيْنَ بابُ اللَّهِ الَّذِي مِنْهُ يُؤْتي، أَيْنَ وَجْهُ اللَّهِ الَّذِي إِلَيْهِ يَتَوَجَّهُ الْأَوْلِياءُ، أَيْنَ السَّبَبُ الْمُتَّصِلُ بَيْنَ الْأَرْضِ وَ السَّماءِ.
حيث أنه لا حب إلا بمعرفة، و لا ارتباط إلا بمعرفة، فالإنسان الجاهل بالإمام و بمنزلته عند الله و بسيرته العطرة و الكريمة و البعيد عنه روحياً و عاطفياً لا يمكن له أن يعشقه أو يرتبط به.
6- توعية المجتمع بأهمية الاستعداد المستمر و الدائم روحياً و عملياً لظهور الطلعة الرشيدة، و هذا ما وصى به الإمام المهدي بنفسه المؤمنين حيث قال: فَلِيَعْمَلَ كُلُّ اِمْرئٍ مِنْكُمْ مَا يَقْرُبُ بِهِ مِنْ مَحَبَّتِنَا، وَ يَتَجَنَّبَ مَا يُدْنِيهِ مِنْ كَرَاهَتِنَا وَ سَخَطِنَا، فَإنَّ أَمْرَنَا بَغَتُهٌ فجاءةٌ حِينَ لَا تَنْفَعُهُ تَوْبَةٌ، وَ لَا يُنَجِّيهِ مِنْ عِقَابِنَا نَدَمٌ عَلَى حَوْبَةٍ، وَ اَللهُ يُلْهِمُكُم اَلرُّشْدَ، وَ يَلْطُفُ لَكُمْ فِي التَّوْفِيقِ بِرَحْمَتِهِ (2).
و هذه العلاقة تقتضي من الإنسان عشق الإمام و ملازمته و الشعور بغيبته و غربته و الدعاء له بالفرج.
الدكتور بلال نعيم
دَار الهادِی
1- تشخيص اللحظة التاريخية للظهور.
2- الحاجة إلى الممهدين في تهيئة أسباب الظهور.
3- من هم الممهدون و الانصار الاساسيون.
4- أهمية الطموح لبلوغ أعلى مراتب النصرة.
5- مواصفات الأنصار بلحاظ المهام.
إن حركة التاريخ بحسب ما تبين معنا سابقاً و بحسب التفسير الإسلامي القرآني تخضع لعدة عوامل هي:
1- التناقض الذي يفرض صراعاً بين الحق و الباطل.
2- التدافع في المصالح بين الناس خصوصاً بين أهل الباطل الذين يمتلكون مقومات تصلح لأن تكون سبباً للنزاع و التخاصم.
3- المدد الغيبي الإلهي الذي يحصل تارة بإشغال الظالمين بعضهم ببعض (أي من خلال السنن) و تارة أخرى بالتدخل المباشر
لحماية الحق عندما تصل النوبة إلى تشكل الخطر الكبير على اصل وجود الحق و هذا ما كان يحصل مع الأنبياء في مواجهاتهم.
هذه العوامل إذا أضيفت إلى أصالة الحق في الإنسان و أصالة النقاوة لفطرته التي تشكل تغذية و لو غير مباشرة لمحور الحق في صراعه المستمر مع الباطل فإن ذلك يفضي للنتائج و الحقائق التالية:
أولاً: ما يساهم في تقوية الباطل هم أهله لا حقيقته فالباطل أمر عدمي و اعتباري و يتحول إلى قوة من خلال الدعم الذي يتلقاه من أهله الملتفين حوله.
ثانياً: ما يساهم في تقوية الحق أمور عديدة و ذلك على خلاف اعتقاد الكثيرين بأن قلة أهل الحق هي سبب دائم و متواصل لضعف الحق و انحساره في حين أن الحقيقة مخالفة تماماً و ذلك للأسباب التالية:
1- إن قوة الحق ذاتية من جهتين، فالحق في الأرض ظل الله و فيضه وانعكاس إرادته من جهة وَ يُرِيدُ اللهُ أن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ، و أيضاً الحق هو الماهية الأصلية للإنسان من جهة ثانية فِطرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها.
2- إن انشغال أهل الباطل بأنفسهم و تنافسهم على المصالح و على أسباب القوة يساهم في إضعاف هؤلاء و تالياً ضعف الباطل الذي يمثلونه و في المقابل يؤدي إلى حماية الحق و تايه عن الأخطار . وَ لَوْ لَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِِِبَعْضٍٍٍ لَّهَدِّمَتْ صَوَامِعُ وَ بِِیَعٌ وَ صَلَوَاتٌ وَ مَسَجِدُ ... (الحج - 40)
3- إن المدد الغيبي يساهم في تقوية مواقع الحق إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ (آل عمران- 160) إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَ الَّذِينَ امَنُوا فِي الحَيَوةِ الدُّنيا... (غافر- 51).
و في الخلاصة فإنه مع التقدم في الزمان سوف يضعف الباطل تدريجياً و سوف يزداد الحق إشراقاً و سطوعاً إلى حين بلوغ المحطة التاريخية المنتظرة التي يصل فيها الباطل إلى أضعف نقطة له بعد أن يكون قد بلغ أقصى مداه و الحق إلى أقوى نقطة له منذ بداية الخليقة، و عندها يلتقي الطرفان في صراع حاسم، المنتصر فيه سوف يحكم هذا العالم، فتكون النصرة للحق فَأَمَّا الزَّیدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَ أَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ، و هذه اللحظة المصيرية التي على أساسها سيتم تحديد مصير العالم بحاجة إلى الشخص الإنسان الذي يقدر أن يتحمل كل التوجه البشري الهائل نحو الحق، و لابد أن يكون هذا الشخص يمثل تمامية الحق في ذاته، و هذا الأمر لا يتحقق إلا بالمعصوم، و المعصوم موجود إلا انه غائب عن الأنظار فتتشكل الفرصة المناسبة التي تستدعي حضور المعصوم فيحضر ليقوم بمهمة حمل لواء الحق و نشره على الكون كله.
إن مسألة الظهور في أبعادها الأساسية ترتبط بالإنسان و بالتاريخ و هي محكومة بحسب الظاهر لأسباب طبيعية ترتبط بمدى جهوزية الإنسان ليتحمل حدث الظهور و نتائجه، فهناك تاريخ جديد سوف يؤسس على أعقاب الظهور، حيث يحكم الله سبحانه و تعالى الأرض من خلال وليه و بعد ذلك لا حكم لغير الله وَ اللّهُ یَحْکُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُکْمِهِ و إن علة القول بأن مسألة الظهور تخضع للأسباب الطبيعية
و مرتبطة بالإنسان و مدى استعداده، فذلك يعود لنقض العكس، حيث إن فرض كون الظهور مسألة إلهية بحتة فإن ذلك ينفي الحاجة إلى هذا الغياب للإمام المعصوم، فمنذ تلك اللحظة كان بالإمكان فرض قيام الإمام بالثورة و إقامته لحكومة العدل الإلهي، لكن طالما أن الإنسان و ظروفه لم تكن مهيأة لذلك فإن الإمام غاب، فالذي يحدد الطّرف الآخر لفترة غيابه أي الذي يساهم بشكل كبير في إنهاء عملية الغياب هم البشر كما كانوا السبب في الغياب و نخص منهم الممهدين الذين أنيطت بهم مهمة تهيئة الأسباب لعملية الظهور و ذلك من خلال الأدوار التالية:
1- الحجية على الناس في موضوع اتباع الحق.
2- تقوية مواقع الحق و نشره بين الناس.
3- حماية الحق و أهله.
4- دفع الباطل و محاربته.
هذه المهام مجتمعة تساهم في الوصول إلى ذلك الزمن الذي يقوى فيه الحق و يتقلص فيه الباطل و تتوجه أنظار الناس فيه نحو إشراقة وجه الحق (الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام).
طالما قلنا بأن مهمة تهيئة أسباب و مقدمات الظهور تقع على عاتق الممهدين الذين هم أناس مؤمنون موالون منتظرون لإمام زمانهم عاملون وفق إرادته و ما يرتضيه، فالسؤال الأول من هم هؤلاء الممهدون من جهة الرايات (الجماعات) لا من جهة الأفراد و مواصفاتهم (التي ترد في البحث اللاحق).
تحدثت الروايات عن مجموعات من الممهدين أهمهم:
كلها تشير إلى المؤمنين الفرس أو العجم الذين يمهدون للإمام دولته و یوطئون له خروجه، لا سيما الأخبار الواردة عن رجل من أهل قم..
و من الروايات الواردة عن دور العجم في التمهيد لإمام الزمان عَلیْهِ السَّلام:
*عن رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: يخرج ناس من الشرق فيطئون للمهدي سلطانه (1)
*عن رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: ... حتّی یأتیَ قَومٌ مِن قِبَلِ المَشرِقِ مَعَهُم رایاتٌ سُودٌ فیَسْألونَ الحقَّ فلا یُعْطَوْنَهُ فیُقاتِلونَ فیُنْصَرونَ.. حتّی یَدفَعُوها إلی رجُلٍ مِن أهلِ بَیتی... (2)
*و عن أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام: كأنّي بالعجمِ فَساطِيطُهُم في مسجدِ الكوفِة، يُعلِّمونَ النّاسَ القرآنَ كما اُنزِلَ (4)
*عن الإمام الكاظم عَلیْهِ السَّلام: رجل من أهل قم يدعو الناس إلى الحق، يجتمع معه قوم كزبر الحديد لا تزلهم الرياح و العواصف . . . (1)
*و عن أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام: وَیحاً للطالَقانُ،فَإِنَّ للّهِ ِ عزَّ وَ جلَّ فیها کُنوزاً لَیسَت مِن ذَهَبٍ و لا فِضَّة، و لکِن بِها رِجالٌ مُؤمِنونَ عَرَفُوا اللّهَ حَقَّ مَعرِفَتِهِ، و هُم أیضاً أنصارُ المَهدِیِّ عَلیْهِ السَّلام فی آخِرِ الزَّمانِ (2)
*لا تَزالُ طائِفَهٌ مِن امَّتی یُقاتِلونَ عَلَی الحَقِّ ظاهِرینَ إلی یَومِ القِیامَِة (3)
مواصفات الأبدال: عن الرسول صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: إنّ أبْدالَ اُمَّتی لَم یَدخُلوا الجَنّهَ بالأعمالِ و لکنْ إنّما دَخَلوها برَحمةِ اللّهِ و سَماحِة الأنْفُسِ و سَلامةِ الصَّدرِ و رَحمٍة جمیعِ المُسلمینَ (4)
و مما نقل عن أهل الشام و نصرتهم لصاحب الزمان، ما ذكر في أمل الآمل منقولاً عن الشهيد الأول نقلاً عن خط ابن بابويه عن الصادق عَلیْهِ السَّلام انه سئل عن أمور متعلقة بآخر الزمان منها عن أوليائه و شيعته المتمثلين أمر أئمتهم و المقتفين لآثارهم و الآخذين بأقوالهم؟ قال عَلیْهِ السَّلام: بلدة بالشام، قيل يابن رسول الله إن أعمال الشام متسعة؟ قال: بلدة بأعمال الشقيف اوتون و بيوت و ربوع تعرف بسواحل البحار
و أوطئة الجبال، قيل يابن رسول الله هؤلاء شيعتكم؟ قال عَلیْهِ السَّلام: هؤلاء شيعتنا حقاً و هم أنصارنا و إخواننا و المواسون لغريبنا و الحافظون لسرنا، و اللينة قلوبهم لنا و القاسية قلوبهم على أعدائنا و هم كسكان السفينة في حال غيبتنا، تمحل البلاد دون بلادهم و لا يصابون بالصواعق يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و يعرفون حقوق الله و يساوون بين إخوانهم، أولئك المرحومون المغفور لحيهم و ميتهم و ذكرهم و أنثاهم و لأسودهم و أبيضهم و حرهم و عبدهم و ان فيهم رجالاً ينتظرون و الله يحب المنتظرين﴾ (1)
عن أم سلمة عن رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: ...وَ یُبعَثُ إلَیهِ بَعثٌ الشّامِ فَتَنخسَفُ بِهِمُ البَیداءَ بَینَ مَکَّةَ وَ المَدینَةِ فَإِذا رَأَی النّاسُ ذلِکَ أتاهُ أبدالُ الشّامِ و عَصائِبُ أهلِ العِراقِ فَیُبایِعونَهُ ... (2)
بناءً على ما تقدم فإن مجموعات الأنصار الأساسية هي: كنوز طالقان- أبدال الشام- نجباء العراق.
و إن كان أنصاره بحسب ما ورد ينتمون إلى جميع بلاد المسلمين و هم يتوزعون بين الجنود و القادة و النقباء، فالنقباء اثنا عشر رجلاً و القادة ثلاث مائة قائداً و الجنود قد يصل عددهم إلى عشرين مليون جندياً هم تعداد الجيش الذي أمر الإمام الخميني (قدس سره) بتهيئته تحت عنوان جيش المستضعفين في العالم.
مما هو مؤكد أن الفوز بنصرة الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام هو فوز لا مثيل له لأن أثره غير مختص بعالم الدنيا، فمن يكتب له التوفيق بهذه النصرة كان في المؤمنين الفائزين يوم القيامة بشكل لا يحتمل الترديد أو التشكيك فنصرة إمام الزمان المفترض الطاعة هي الباب الباب اليقيني للولوج إلى رضا الله تعالى و الى الفوز بجنته.
و من المؤكد أن الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام عندما يخرج سوف يحكم بين الناس بحسب الأمر الواقع و كذلك سوف يصنف الناس تبعاً لحقائقهم لا تبعاً لمظاهرهم كما هو الحال بالنسبة لأحكام ولاة الأمر و الفقهاء و العلماء في زمن الغيبة حيث يتم الحكم و الإفتاء و كذلك التعامل مع الناس و الأفراد على أساس الظاهر و البادي من حسنِ أو قبح، إلا أنه عندما يخرج الإمام عَلیْهِ السَّلام فإنه يميز الناس بين المؤمن و الكافر و لا وسط بينهما هو حَتَّى يَمِيزَ الْخَيثَ مِنَ الطََّيِِّبِ كما انه عَلیْهِ السَّلام علي يصنف أتباعه على أساس مستوياتهم الخُلقية والدينية و العلمية أي على قاعدة المستويات الفعلية لا الظاهرية، من هنا فإن التصنيف للأتباع على يدي الإمام عَلیْهِ السَّلام، هو تصنيف أخروي و نهائي، و إن الشهادة التي يحملها المؤمن و يتسلمها من الإمام عَلیْهِ السَّلام هي شهادة عن مقامه الفعلي عند الله تعالى أي يوم القيامة، هذا في حال ثبت عليه و لم ينحرف عنه لذا لا ينبغي للمؤمن ان يزهد بالمقام الرفيع عند الإمام عَلیْهِ السَّلام و عليه أن يسعى لبلوغ أعلى مراتب النصرة للإمام، و أن يطمح في هذا الزمان لأن يكون من قادة جيش الإمام و ان يعد نفسه و يهينها لهذا المستوى، و ليس في ذلك منافسة على دنيا و إنما في ذلك
فليتنافس المتنافسون ، صحيح أنه من زحزح عن النار و أدخل الجنة فقد فاز، إلا أنه بعد دخول الجنة يبدأ المؤمن بالتفكير بأهمية أن يكون شهيداً أو أن يكون صديقاً أو أن يحشر مع الرسول و أهل البيت عَلیْهمُِ السَّلام، الأمر هو نفسه بالنسبة لزمن الظهور، حيث يرجو المؤمن أن يفوز بنصرة إمامه لكن بعد ذلك يشعر بأهمية أن يكون من القادة و الأنصار الأساسيين عند الإمام عَلیْهِ السَّلام هذا الطموح الذي يفرض عليه مجموعة إجراءات تتعلق بدينه و جهاده و علمه تبعاً للمواصفات التي ستحدد للأنصار لا حقاً.
هناك جملة من القضايا المرتبطة بعضها ببعض هذه القضايا هي: أولاً: إن واجب كل مؤمن في آخر الزمان ولاية إمام الزمان المفترض الطاعة.
ثانياً: إن ولاية إمام الزمان عَلیْهِ السَّلام الحقيقية تتمثل في الالتزام بنهجه و الثبات عليه و النصرة له.
ثالثاً: إن نصرة إمام الزمان عَلیْهِ السَّلام الغائب تتمثل في الاستعداد للنصرة و التمهيد لها.
رابعاً: إن الاستعداد لنصرة إمام الزمان عَلیْهِ السَّلام يجب أن تكون متناسبة مع طبيعة المهام التي سيقوم بها الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام.
فيتحصل مما تقدم ترتب العلاقة و الملازمة بين المهام الموكلة للإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام و بين طبيعة الاستعداد للنصرة أو طبيعة الأنصار لذا نبدأ أولاً بتحديد المهام.
لقد أوكل الله سبحانه و تعالى إلى خليفته المهدي عَلیْهِ السَّلام جملة مهام أساسية أهمها:
1- إقامة دولة العدل الإلهية على هذه الأرض (للمرة الأولى و الأخيرة).
2- إقامة دين الإسلام و إظهاره على الدين كله.
3- الثأر لجميع الأنبياء و الأولياء و المظلومين.
4- الثأر و الانتقام من خصوص الذين ظلموا أهل البيت عَلیْهِمُ السَّلام لا سيما الزهراء عَلیْها السَّلام و الحسين عَلیْهِ السَّلام.
5- تقويم مسار البشرية و التحول بها من التسافل إلى التكامل.
6- إقامة الأمن و السلام و الطمأنينة على العالم أجمع بما ينتهي إلى استقرار جميع الكائنات و الموجودات .
من هذه المهام يمكن استفادة المواصفات الأساسية التالية:
1- الربانية (فالذين سيتشرفون بحمل لواء الله في الأرض هم صفوة عباد الله تعالى الذين يستحقون هذا الشرف العظيم)، و الربانية تعني التقوى و الورع و الاجتهاد في دين الله تعالى.
2- المعرفة بدين الله تعالى من أجل إظهاره أو المساهمة في إظهاره و يعني ذلك التفقه و الثقافة الإسلامية الواسعة .
3- الجهاد و الاستعداد للقتال و التدرب على وسائله من أجل المساهمة في النهضة التي بها سينتقم الإمام عَلیْهِ السَّلام من الظالمين و الطغاة الذين ظلموا الصالحين على مدى الآلاف من السنين.
4- العالمية و الإنسانية و الشمولية في الفكر و في النظرة إلى الحياة و الى الناس و عدم الضيق في الأفق و الحشرجة للصدر فالمشروع الذي يحمله الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام هو مشروع عالمي إنساني تاريخي يمتد على طول الزمان و عرض المكان.
5- العلم و الوعي و المعرفة و الإدارة و القدرة على ممارسة الأدوار المختلفة التي من خلالها يستطيع المساهمة الفعالة في إقامة منظومة السلام و الأمن و العدالة على هذه الأرض أي الدولة الإسلامية العظمى مع كل مترتباتها .
و في الخلاصة يمكن القول بأن المواصفات الأساسية هي:
1- التقوى.
2- الثقافة الإسلامية.
3- الجهاد.
4- العالمية.
5- العلم و الوعي.
و هذه المواصفات يمكن استفادة معظمها من الروايات التي أكدت على أهمية العنصر الأول حيث يعتبر ضرورياً و لاغياً، أما المواصفات الأخرى فيمكن تعريض الخلل فيها حيث يمسح الإمام على رؤوس المحبين لتزداد حلومهم و يرتفع مستوى تفكيرهم.
و في الخلاصة يمكن القول بأن الارتقاء في هذه المواصفات هو ارتقاء في مستوى النصرة لإمام الزمان أرواحنا له الفداء . فكلما كان
المؤمن أكثر إيماناً و جهاداً و علماً و وعياً و إنسانيةً كلما كان ارفع مقاماً في النصرة حتى يصل إلى مقام النقباء الاثني عشر الذين يمثلون خيار البشرية من غير المعصومين الذين عرفهم التاريخ منذ آدم إلى آخر الخلائق.
دراسة تحليلية شاملة
بقلم
السيد حيدر العذاري
هوية الكتاب
عنوان الكتاب: ... السفياني
المؤلف: ... السيد حيدر العذاري
سنة الطبع: ... 1434 ه- 2013 م
عدد الصفحات: ... 144 صفحة
الطبعة: ... الأولى
عدد النسخ: ... 1000 نسخة
الأخراج الفني: ... قصي الشمري
يتضح من النصوص الشريفة التي تحدثت عن إيران أمور عدة هي:
تمهد للإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام سلطانه، و تدعو له، و تستمر حتى ظهوره، و تسلم راية البلاد له..
غيبة الطوسي : ص 271
النعماني : ص 267 ب 14 ح 37
روى الشيخ النعماني/ 273، عن أبي خالد الكابلي، عن الإمه الباقر عَلیْهِ السَّلام: كأني بقوم قد خرجوا بالمشرق يطلبون الحق فلا يعطونه. ثم يطلبونه فلا يعطونه، فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم، فيعطون ما سألوه فلا يقبلونه حتى يقوموا، و لا يدفعونها إلا صاحبكم. قتلاهم شهداء. أما إني لو أدركت ذلك لاستبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر (1)
و روى أيضا عن الحارث الهمداني، عن أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام أنه قال: الْمَهْدِیُّ أَقْبَلُ، جَعْدٌ، بِخَدِّهِ خَالٌ، یَكُونُ مَبْدَؤُهُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، وَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ خَرَجَ السُّفْیَانِیُّ فَیَمْلِكُ قَدْرَ حَمْلِ امْرَأَةٍ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، یَخْرُجُ بِالشَّامِ فَیَنْقَادُ لَهُ أَهْلُ الشَّامِ إِلَّا طَوَائِفَ مِنَ الْمُقِیمِینَ عَلَی الْحَقِّ یَعْصِمُهُمُ اللَّهُ مِنَ الْخُرُوجِ مَعَهُ. وَ یَأْتِی الْمَدِینَةَ بِجَیْشٍ جَرَّارٍ، حَتَّی إِذَا انْتَهَی إِلَی بَیْدَاءِ الْمَدِینَةِ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِی كِتَابِهِ: ﴿وَ لَوْ تَری إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَ أُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِیبٍ﴾ (2)
و روى ابن حماد: ص 84 عن عبد الله ابن مسعود قال: بينما نحن عند رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، إذ جاء فتية من بني هاشم، فتغير لونه، قلنا: يا رسول الله، ما نزال نرى في وجهك شيئا نكوهه، فقال صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: إِنَّا أَهْلُ بَیْتٍ اِخْتَارَ اَللَّهُ لَنَا اَلْآخِرَهَ عَلَی اَلدُّنْیَا، وَ إِنَّ أَهْلَ بَیْتِی هؤلاء سيقتلون (سَیَلْقَوْنَ بَعْدِی بلاء و تَطْرِیداً وَ تَشْرِیداً، حَتّی يَأتِیَ قَوْمٌ مِن ها هُنا، مِنْ نَحْوِ اَلمَشْرِقِ، اصْحابُ)
راياتٍ سودٍ، يَسْأَلُونَ الحَقَّ فَلا يُعْطَوْنَهُ، مَرَّتَيْنِ أو ثَلاثاً، فَيُقاتِلونَ فَيُنْصَرونَ، فَيِعْطَونَ ما سَألُوا فَلا يَقْبَلْوه حتّی يَدْفَعوها إلی رَجُل مِنْ أهْل بَيْتی، فَيَمْلَؤها عَدلاً كَما مَلَئوها ظُلماً، فَمَنْ أدْرَكَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَلْيَأتِهِمْ و لَوْ حَبْواً عَلَی الثَّلْجِ، فَانَّهُ المَهدِیّ (1)
و معه جماعة يعشقون الجهاد و لا يملون من الحرب..
روى العلامة المجلسي في بحار الأنوار: 215/57: عن الإمام الكاظم عَلیْهِ السَّلام قال رَجُلٌ مِنْ قُمْ، یَدْعُو النّاسَ إلی الْحَقِّ، یَجْتَمِعُ مَعَهُ قَوْمٌ قُلوبهم کَزُبُرِ الْحَدیدِ، لا تُزِلُّهُمُ الرّیاحُ الْعَواصِفُ، وَ لا یَمَلُّونَ مِنَ الْحَرْبِ وَ لا یَجْبُنُونَ، وَ عَلَی اللهِ یَتَوَکَّلُونَ وَ الْعاقِبَة لِلْمُتَّقینَ
و في خطبة المخزون المنسوبة للإمام أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام: ... و تقبل رايات شرقي الأرض ليست بقطن و لا كتان و لا حرير مختومة في رؤوس القنا بخاتم السيد الأكبر يسوقها رجل من آل محمد صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم يوم تطير بالمشرق يوجد ريحها بالمغرب كالمسك الاذفر يسير الرعب أمامها شهرا ... (2).
روى في مجمع الزوائد: 317/7، عن ابن عمر قال: كان رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم جالسا في نفر من المهاجرين و الأنصار، و علي بن أبي طالب عن يساره و العباس عن يمينه، إذ تلاحي العباس و رجل من الأنصار، فأغلظ الأنصاري للعباس،
فأخذ النبي صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم بيد العباس، و يد علي، فقال: سَیَخْرُجُ مِنْ صُلْبِ هَذَا فَتًی یَمْلَأُ الْأَرْضَ جَوْراً و ظُلماً، و سَیَخْرُجُ مِنْ صُلْبِ هَذَا فَتًی یَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطاً وَ عَدْلاً، فَإِذَا رَأَیْتُمْ ذَلِکَ فَعَلَیْکُمْ بِالْفَتَی التَّمِیمِیِّ، فَإِنَّهُ یُقْبِلُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، وَ هُوَ صَاحِبُ رَایَةِ الْمَهْدِیِّ عَلیْهِ السَّلام﴾.
سمته بعض الروايات بشعيب ابن صالح، و بعضها سمته ب-: صالح بن شعیب
كما روى ابن حماد: 314/1، عن علي قال: تخرج رايات سود تقاتل السفياني، فيهم شاب من بني هاشم، في كتفه اليسرى خال، و على مقدمته رجل من بني تميم، يدعى شعيب بن صالح، فيهزم أصحابه.
و تتحدث الروايات بشكل أوسع عن هذا السيد الهاشمي ..
جاء في عقد الدرر: 128، عن أبي جعفر الباقر عَلیْهِ السَّلام: یَخْرُجُ شَابٌّ مِنْ بَنِی هَاشِمِ بِکَفِّهِ الْیُمْنی خَالٌ مِنْ خُراسَان برايات سُودُ، بَيْنَ يَدَيْهِ شُعَيْبِ بْنِ صَالِحٍ، يُقَاتِلُ أَصْحَابِ السُّفْيَانِيُّ فَيَهزِمُهُم.
روى في البحار: 307/52 عن كتاب سرور أهل الإيمان لعلي بن عبد الحميد بسنده عن الإمام الصادق عَلیْهِ السَّلام قال: له كثر بالطالقان ما هو بذهب و لا فضة، و راية لم تنشر مذ طويت، و رجال كان قلوبهم زبر الحديد، لا يشوبها شك في ذات الله، أشد من الجمر، لو حملوا على الجبال لأزالوها لا يقصدون براياتهم بلدة إلا خربوها، كأن على خيولهم العقبان، يتمسحون بسرج الإمام يطلبون بذلك البركة، و يحفون به يقونه بأنفسهم في الحروب، يبيتون قياماً على أطرافهم، و يصبحون على خيولهم! رهبان بالليل، ليوث
بالنهار. هم أطوع من الأمة لسيدها، كالمصابيح كأن في قلوبهم القناديل، و هم من خشيته مشفقون، يدعون بالشهادة و يتمنون أن يقتلوا في سبيل الله. شعارهم يا لثارات الحسين، إذا ساروا يسير الرعب أمامهم مسيرة شهر، يمشون إلى المولى أرسالاً، بهم ينصر الله إمام الحق. و أخرج أبن أعثم الكوفي في كتاب: الفتوح، عن علي بن أبي طالب عَلیْهِ السَّلام قال: وَيحاً لِلطّالقان، فَاِنَّ لِلّه کُنوُزاً لَيسَت مِن ذَهَبٍ وَ لا فِضَّةٍ، وَ لکِن بِها رِجالٌ عَرَفوا الله حَقَّ مَعرِفَتِه، وَ هُم اَيضاً اَنصارُ المَهدی عَلیْهِ السَّلام فی آخِرِالزَمان (1)
كما روي عن الصادق عَلیْهِ السَّلام: أنه قرأ هذه الآية: {فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أَوْلِي بَأْسٍٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلالَ الدِّيَارِ وَ كَانَ وَعْدًا مفْعُولاً}. فسألوه: جعلنا فداك من هؤلاء؟ فقال ثلاث مرات: هم و الله أهل قم (2)
روى العلامة المجلسي في البحار: ج 52، ص 213، عن الحسن بن محمد بن الحسن القمي صاحب كتاب (تاريخ قم) بأسانيد عن الصادق عَلیْهِ السَّلام أنه ذكر الكوفة فقال:
ستخلو (الكوفة من المؤمنين، و يأرز عنها العلم كما تأرز الحية في جحرها، ثم يظهر العلم ببلدة يقال لها قم، و تصير معدنا للعلم و الفضل حتى لا يبقى في الأرض مستضعف في الدين حتى المخدرات في الحجال، و ذلك عند قرب)
ظهور قائمنا، فيجعل الله قم و أهله قائمين مقام الحجة، و لو لا ذلك لساخت الأرض بأهلها و لم يبق في الأرض حجة، فيفيض العلم منه إلى سائر البلاد في المشرق و المغرب، فتتم حجة الله على الخلق حتى لا يبقى أحد على الأرض، يبلغ إليه الدين و العلم، ثم يظهر القائم عَلیْهِ السَّلام و يسير (و يصير سببا لتقمة الله و سخطه على العباد، لان الله لا ينتقم من العباد إلا بعد إنكارهم حجتة). و في منتخب الأثر: ص 263 عن أبي مسلم العبدي، عن أبي عبد الله الصادق عَلیْهِ السَّلام قال: اِنَّ اللَّهَ احْتَجَّ بِالْکوفَةِ عَلی سایِرِ الْبِلادِ، وَ بِالْمُؤْمِنینَ مِنْ اَهْلِها عَلی غَیْرِهِمْ مِنْ اَهْلِ الْبِلادِ، وَ احْتَجَّ بِبَلَدَةِ قُمْ عَلی سائِرِ الْبِلادِ، وَ بِاَهْلِها عَلی جَمیعِ اَهْلِ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ مِنَ الْجِنِّ وَ الاِنْسِ، وَ لَمْ یَدَعِ اللَّهُ قُمَ وَ اَهْلَهُ مَسْتَضْعَفاً، بَلْ وَفَّقَهُمْ وَ اَیَّدَهُمْ، ثُمَّ قالَ: اِنَّ الَّذینَ وَ اَهْلَهُ بِقُمْ ذَلیلٌ|، وَ لَوْ لاذلِکَ لَاَ سْرَعَ النَّاسُ اِلَیْهِ فَخَرِبَ قُمْ وَ بَطَلَ اَهْلَهُ فَلَمْ یَکُنْ حُجَّةً عَلی سایِرِ الْبِلادِ، وَ اِذا کانَ کَذلِکَ لَمْ تَسْتَقِرَّ السَّماءُ وَ الْاَرْضُ وَ لَمْ یُنْظُرُوا طَرْفَةَ عَیْنٍ، وَ اِنَّ الْبَلایا مَدْفُوعَةٌ عَنْ قُمْ وَ اَهْلِهِ. وَ سَیَأتی زَمانٌ تَکُونُ بَلْدَةُ قُمْ وَ اَهْلُها حُجَّةً عَلَی الْخَلایِقِ، وَ ذلِکَ فی زَمَنِ غَیْبَةِ قائِمِنا اِلی ظُهُورِهِ، وَ لَوْ لا ذلِکَ لَساخَتِ الْاَرْضُ بِاَهْلِها، وَ اِنَّ الْمَلائِکَةَ لَتَدْفَعُ الْبَلایا عَنْ قَمْ وَ اَهْلِهِ، وَ ماقَصَدَهُ جَبّارٌ بِسُوءٍ اِلَّا قَصَمَهُ قاصِمُ الْجَبَّارینَ وَ شَغَلَهُ عَنْهُمْ بِداهِیَةٍ اَوْ مُصیبَةٍ اَوْ عَدُوٍّ، وَ یُنْسِی اللَّهُ الْجَبَّارینَ فی دَوْلَتِهِمْ ذِکْرَ قُمْ وَ اَهْلِهِ کَما نَسُوا ذِکْرَاللَّهِ.
ضد السفياني قبيل الظهور، و بالتزامن مع ظهور اليماني... عن بكر ابن محمد الازدي، عن الإمام الصادق عَلیْهِ السَّلام: خُرُوجُ
اَلثَّلاَثَةِ: اَلسُّفْیَانِیِّ وَ اَلْخُرَاسَانِیِّ وَ اَلْیَمَانِیِّ، فِی سَنَةٍ وَاحِدَةٍ فِی شَهْرٍ وَاحِدٍ فِی یَوْمٍ وَاحِدٍ، وَ لَیْسَ فِیهَا رَایَةٌ أَهْدَی مِنْ رَایَةِ اَلْیَمَانِیِّ، لِأَنَّهُ یَدْعُو إِلَی اَلْحَقِّ (1) أقول: (ليس فيها..) أي في تلك السنة التي يظهرون فيها.
و عن أبي بصير عن الإمام الباقر عَلیْهِ السَّلام قال: خُروجُ السُّفیانِیِّ وَ الیَمانِیِّ وَ الخُراسانِیِّ فی سَنَةٍ واحِدَةٍ ، فی شَهرٍ واحِدٍ، فی یَومٍ واحِدٍ، نِظامٌ کَنِظامِ الخَرَزِ یَتبَعُ بَعضُهُ بَعضاً، فَیَکونُ البَأسُ مِن کُلِّ وَجهٍ، وَیلٌ لِمَن ناواهُم. (2)
عن أبي بكر الحضرمي عن الإمام الباقر عَلیْهِ السَّلام قال: لَابُدَّ لِبَنِي فُلَانٍ مِنْ أَنْ يَمْلِكُوا، فَإِذَا مَلَكُوا ثُمَّ اخْتَلَفُوا تَفَرَّقَ مُلْكُهُمْ، وَ تَشَتَّتَ أَمْرُهُمْ، حَتَّى يَخْرُجَ عَلَيْهِمُ الْخُرَاسَانِيُّ وَ السُّفْيَانِيُّ، هَذَا مِنَ المَشْرِقِ، وَ هَذَا مِنَ المَغْرِبِ، يَسْتَبِقَانِ إِلَى الْكُوفَةِ كَفَرَسَيْ رِهَانٍ، هَذَا مِنْ هُنَا، وَ هَذَا مِنْ هُنَا حَتَّى يَكُونَ هَلَاكُ بَنِي فُلَانٍ عَلَى أَيْدِيهِمَا، أَمَا إِنَّهُمْ لَا يُبْقُونَ مِنْهُمْ أَحَداً (3).
و هي تنظيمات مسلحة تتشكل قريب الظهور لنصرة الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام و الدفاع عن الشيعة و مقدساتهم و مصالحهم..
عن الإمام الباقر عَلیْهِ السَّلام قال: كأني بقوم قد خرجوا بالمشرق يطلبون الحق فلا يعطونه، ثم يطلبونه فلا يعطونه. فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم. فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه حتى يقوموا. و لا يدفعونها إلا إلى صاحبكم (أي المهدي قتلاهم شهداء. أما إني لو أدركت ذلك لأبقيت)
نفسي لصاحب هذا الأمر (1)قال العلامة الكوراني العاملي بعد نقله هذ الحديث: و يستفاد من هذا الحديث بصيغه المختلفة عدة أمور: الأول: أنه متواتر بمعناه إجمالاً، بمعنى أنه روي عن صحابة متعددين بطرق متعددة بحيث يعلم أن هذا المضمون قد صدر عن رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، و عمدة مضمونه: إخباره صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم بمظلومية أهل بيته من بعده، و أن إنصاف الأمة لهم يكون على يد قوم من المشرق يمهدون لدولة مهديهم عَلیْهِمُ السَّلام، و أنه يظهر على أثر قيام دولة لهؤلاء القوم فيسلمونه رايتهم و يظهر الله به الإسلام على العالم، فيملأ الأرض قسطاً و عدلاً.
الثاني: أن المقصود يقوم من المشرق و أصحاب الرايات السود: الإيرانيون، و هو أمر متسالم عليه عند جيل الصحابة الذين رووا الحديث الشريف و غيره فيهم، و عند جيل التابعين الذين تلقوه منهم، و من بعدهم من المؤلفين عبر العصور، بحيث تجده عندهم أمراً مفروغاً عنه، و لم يذكر أحد منهم حتى بنحو الشذوذ أن المقصود بهؤلاء القوم و بهذه الرايات أهل تركيا الفعلية مثلاً، أو أفغانستان، أو الهند، أو غيرها من البلاد. بل نص عدد من أئمة الحديث و المؤلفين على أنهم الإيرانيون. بل ورد اسم الخراسانيين في عدة صيغ أو فقرات رويت من الحديث، كما سيأتي في حديث رايات خراسان.
الثالث: أن حركتهم تواجه عداء من العالم و حرباً، و أنها تكون خروجاً على حاكمهم ثم قياماً قرب ظهور المهدي عَلیْهِ السَّلام.
1) الأربعون 243/52/ للحافظ أبي نعيم
الرابع: أن نصرتهم فريضة على كل مسلم من الجيل الذي يعاصرهم، مهما كانت ظروفه صعبة، حتى لو أتاهم حبواً على الثلج.
الخامس: أن الحديث من أخبار المغيبات و المستقبل، وإحدى معجزات النبي صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم الدالة على نبوته، حيث تحقق ما أخبر به صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم من مظلومية أهل بيته عَلیْهِمُ السَّلام و تشريدهم في البلاد على مدى العصور، حتى وصلوا إلى أربع جهات العالم فلا نجد أسرة في العالم جرى عليهم من الإضطهاد و التشريد و التطريد مثل أهل بيت النبي صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم من أبناء علي و فاطمة عَلیْهِمُ السَّلام.
هذا، و قد تضمنت صيغة الحديث المتقدمة عن الإمام الباقر عَلیْهِ السَّلام من وصفاً دقيقاً لحركتهم، و المرجح عندي أنه يتعلق بحديث النبي صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم المذكور.
(كاني بقوم قد خرجوا بالمشرق) يدل على أن هذا الحدث من وعد الله المقدر المحتوم، و هو ما يعبر عنه النبي صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و الأئمة عَلیْهِمُ السَّلام ب(كاني بالشئ الفلاني أو الأمر الفلاني قد حدث)فهو يدل على حتميته و وضوحه في أذهانهم، و يقينهم به حتى كانهم يرونه.
بل يدل على رؤيتهم له بالبصيرة التي خصهم الله بها، المتناسبة مع مقام النبي صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و مقام أهل بيته عَلیْهِمُ السَّلام.
كما يدل على أن حركة الإيرانيين هذه تكون عن طريق الثورة، لأنه المفهوم من قوله (قد خرجوا) أي ثاروا.
يطلبون الحق فلا يعطونه، ثم يطلبونه فلا يعطونه. فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم فيعطون ما سألوا فلا يقبلون حتى يقوموا ولا يدفعونها لا إلى صاحبكم.
و هذا التسلسل في حركتهم يعني أنهم (يطلبون الحق) من أعدائهم أي الدول الكبرى، و هو أن لا يتدخلوا في شؤونهم و يتركوهم مستقلين عن دائرة نفوذهم فلا يعطونهم ذلك، حتى يضطروهم إلى أن يضعوا سيوفهم على عواتقهم أي إلى الحرب فيحاربون و ينتصرون، فيعطيهم أعداؤهم ما سألو أول الأمر فلا يقبلون ذلك، لأنه يصير أمراً متأخراً بعد فوات الأوان و تغير الظروف.
(حتى يقوموا) حيث تبدأ ثورتهم الجديدة. المتصلة بظهور المهدي عَلیْهِ السَّلام إلى أن يظهر فيسلمونه الراية.
و قد ذكرت إحدى روايات الحديث أنهم يقاتلون بعد رفض مطالبهم الأولى، و ينتصرون فيها، كالحديث المروي في البحار: 83/51: (فَیسْأَلُونَ الْحَقَّ فَلَا یعْطَوْنَهُ فَیقَاتِلُونَ وَ ینْصَرُونَ، فَیعْطَوْنَ مَا سَأَلُوا فَلَا یقْبَلُونَ.. الخ.).
و ينبغي الإشارة إلى أن تكرار قوله عَلیْهِ السَّلام: (يطلبون الحق فلا يعطونه) يدل أن مطالبتهم به تكون على مرحلتين قبل الحرب و بعد الحرب، و أن ثورتهم الشاملة (حتى يقوموا) تكون قرب ظهور المهدي عَلیْهِ السَّلام.
و تعبيره عَلیْهِ السَّلام عن بداية حركتهم بالخروج، و عن حركتهم المتصلة بالظهور بقوله عَلیْهِ السَّلام (حتى يقوموا)، يدل على أن هذا القيام أعظم من خروجهم و ثورتهم أول الأمر.
و يدل على أنه مرحلة نضج و تطور لهذه الثورة يصل فيها الإيرانيون إلى مرحلة النفير العام و القيام لله تعالى تمهيداً لظهور المهدي عَلیْهِ السَّلام.
و قد يفهم من التعبير ب- (حتى يقوموا) و ليس (فيقوموا) مثلاً أنه يوجد فاصل زمني بين إعطائهم مطالبهم و بين قيامهم الكبير، أو على وجود مرحلة
من التأمل و التردد عندهم، بسبب وجود اتجاه في داخلهم يريد القبول بما كانوا يطالبون به فقط، أو بسبب الظروف الخارجية التي تحيط بهم، و لكن الاتجاه الآخر يغلب فيقومون من جديد قياماً شاملاً يتحقق فيه التمهيد للمهدي عَلیْهِ السَّلام. (1)
عن جابر، عن أبي جعفر عَلیْهِ السَّلام قال: تنزل الرايات السود التي تخرج من خراسان إلى الكوفة، فإذا ظهر المهدي عَلیْهِ السَّلام بعث إليه بالبيعة﴾ (2)
عن داود الدجاجي، عن أبي جعفر محمد بن علي عَلیْهِ السَّلام، قال: (سئل أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام عن قوله تعالى: فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فقال: انتظروا الفرج من ثلاث، فقيل: يا أمير المؤمنين و ما هن؟ فقال : اختلاف أهل الشام بينهم، و الرايات السود من خراسان، و الفزعة في شهر رمضان﴾ (3)
... فبيناهم كذلك إذ أقبلت رايات من قبل خراسان، تطوي المنازل طيا حثيثا و معهم نفر من أصحاب القائم عَلیْهِ السَّلام، ثم يخرج رجل من موالي أهل الكوفة في ضعفاء فيقتله أمير جيش السفياني بين الحيرة و الكوفة (4) أقول: تَطْوِي الْمَنَازِلَ طَيّاً حَثِيثاً يبدو لي أنها إشارة إلى قدومهم عبر الطائرات (5)، كما بينت سابقا.
الشيخ نجم الدين الطبسي
دار الولاء
بيروت- لبنان
اسم الكتاب: جولة في حكومة الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام
المؤلف: الشيخ نجم الدين الطبسي
ترجمة: الشيخ أحمد سامي وهبي
الناشر: دار الولاء- للطباعة و النشر و التوزيع
الطبعة: الأولى بيروت- 2004 م- 1425ه-
جميع حقوق الطبع محفوظة للناشر
القسم الأساسي من الروايات التي وردت في حوادث ما قبل الظهور و في أصحاب المهدي عَلیْهِ السَّلام، عبرت عن الإيرانيين بتعابير مختلفة مثل: قوم فارس، أهل خراسان، أهل قم، أهل طالقان، أهل الري و غيرها.
يستنتج من دراسة مجموع هذه الروايات أنه يقام في إيران قبل ظهور إمام الزمان عَلیْهِ السَّلام نظام الهي مناصر للأئمة المعصومين عَلیْهِمُ السَّلام و يكون محل إهتمام إمام الزمان عَلیْهِ السَّلام، و أن للإيرانيين دوراً أساسياً في قيام الإمام عَلیْهِ السَّلام سنتكلم عنه في باب القيام. من الجيد أن تذكر هنا عدة روايات. (1)
عن النبي صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم:
يخرج ناس من المشرق يوطئون للمهدي (2)
و عنه صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم:
وَ تَجِیءُ اَلرَّایَاتُ اَلسُّودُ مِنْ اَلْمَشْرِقِ کَأَنَّ قُلُوبَهُمْ زُبَرُ اَلْحَدِیدِ فَمَنْ سَمِعَ بِهِمْ فَلْیَأْتِهِمْ فَبَایَعَهُمْ وَ لَوْ حَبْواً عَلَی اَلثَّلْجِ (1) و عن الإمام الباقر عَلیْهِ السَّلام:
وَ کأنّی بقومٍ خَرَجوا بالمَشرِقِ یَطْلُبونَ الحَقَّ فلا یُعْطَونَهُ، ثُمّ یَطْلُبونَهُ فلا یُعْطَونَهُ حتّی یَقوموا، و لا یَدْفَعونَها إلّا إلی صاحِبِکُم. قَتْلاهُم شُهَداءُ. أمَا إنّی لَو أدْرَکْتُ ذلکَ لا سْتَبْقَیتُ نَفْسی لصاحِبِ هذا الأمرِ (2) و عن الباقر عَلیْهِ السَّلام:
أصْحَابُ الْقَائِم ثَلاَثُ مِائَةٍ وَ ثَلاَثَةَ عَشَرَ رَجُلاً أوْلاَدُ الْعَجَم (3) و إن كانت كلمة العجم تطلق على غير العرب، و لكن هي تشمل الإيرانيين بشكل قطعي، و بالنظر إلى الروايات الأخرى هناك عدد كبير من الإيرانيين في عداد خاص جنود الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام.
عن عبد الرحمن، عن النبي صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم:
سيكون بعدكم أقوام تطوى لهم الأرض و تفتح لهم الدنيا، و تخدمهم بنات فارس و أبناؤهم، تطوى لهم الأرض في أسرع
الطرق، حتى لو شاء أحدهم أن يأتي مشرقها أو غربها في ساعة فعل، ليسوا من الدنيا و ليست الدنيا منهم في شيء (1) و عن أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام:
ويحاً للطالقان، فإن الله- عزَّ وَ جلَِّ- بها كنزاً ليست من ذهب و لا فضة، و لكن بها رجال مؤمنون عرفوا الله حق معرفته و هم أنصار المهدي آخر الزمان (2) و عن النبي صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم:
و في خراسان كنوز لا ذهب و لا فضة، و لكن رجال يحبهم الله و رسوله (3)
سلسلة يسير بسيرة جده 4-3
آية الله المحقق الشيخ نجم الدين الطبسي (دام ظله)
یا ابا الصالح المهدی الدرکنی
الطبعة الأولى
1436 ه- 2015م
إِنَّ الإمام صاحب العصر و الزمان عَلیْهِ السَّلام سوف يضطر إلى خوض الحروب و المعارك الطاحنة ضد أعداء ثورته الإصلاحية العالمية؛ و ذلك من أجل القضاء على أعداء الإسلام و الثأر لدماء المظلومين و الأبرياء، و كذلك من أجل إيصال ثورته العالمية إلى شاطئ النصر و تطبيق أحكام الإسلام و إجراء الحدود الإلهيّة و إقرار حكومة العدل الإلهي في العالم.
و لا يخفى أنَّ هؤلاء الأعداء بعضهم مدجج بالسلاح و العتاد، و بعضهم الآخر عبارة عن علماء منحرفين، و قسم ثالث منهم يمتلكون إمكانات كبيرة و يمسكون بمفاصل الاقتصاد العالمي، بالإضافة إلى التطور في الوسائل و القدرات، و هذا ما يجعلهم يمتلكون جيوشاً منظمة و قادرة على رفع راية العداء و الخصومة للإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام و لمشروعه الإصلاحي.
و لكن في الوقت نفسه هناك جنود و أنصار للإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام يتهيَّؤون قبل قيامه المبارك، فيتربي هؤلاء بفضل عناياته و هدايته الخاصّة و العامّة، بحيث يصل عدد الأنصار- كما تشير بعض الروايات- إلى (313) شخصاً، و في روايات أُُخرى يصل عددهم إلى (10آلاف) أو (100ألف)، و في بعضها الآخر ورد أنّه يصل عددهم إلى (مئات الآلاف).
الإمام المهدي (عَلیْهِ السَّلام) و الادعاءات الكاذبة في العصر الحديث
مجتبى الساده
كافة الحقوق محفوظة و مسجلة للمؤلف و لا يجوز نشر هذا الكتاب أو تصويره إلا بإذن منه.
الطبعة الأولى
2007-1428م
إن الهدف من خلق الإنسان هو عبادة الله سبحانة و تعالى، الغاية الأساسية من إيجاد العبادة الكاملة و الصحيحة، و نشرها في ربوع الأرض، و المتمثلة بتوجيه العقيدة و العبادة الخالصة إلى الله عز و جل، قال تعالى: [وَ مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ] (1).. من هنا نعرف أن الهدف الألهي المقصود لإيجاد الخليقة هو الحصول على الكمال العظيم المتمثل (2):-
1- إيجاد الفرد الكامل:
يعيش الفرد حرية الاختيار، و يتجرد من كل شيء سوى إخلاص عبادة الله.
2- إيجاد المجتمع الكامل:
مجموعة من الأفراد يعيشون على مستوى العدل الإلهى.
3- إيجاد الدولة العادلة:
تحكم المجتمع بالحق و العدل و بشريعة الله.
و لذا كثر عدد الأنبياء من أجل إعداد البشرية و تربيتها للوصول إلى هذا المستوى اللائق، و إفهامها النظرية الكاملة للتشريع الإلهي (العدل)،
و الذي يريد الله تعالى تطبيقها على وجه الأرض، و بها يتحقق الهدف الأساس لإيجاد البشرية.
و لعل أعظم أهداف الخلقة استقلال طائفة من البشر بوظائف العبودية من مرشد سماوي و قائد رباني مع بقاء الدين و حفظه من التحريف، و لذا جاءت الأخبار الدالة على أن انتظار الفرج أفضل الأعمال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أَفضَلُ العِبادَةِ انتِظارُ الفَرَجِ (1).. و قال صلى الله عليه وآله: أَفْضَلُ جِهَادِ أُمَّتِی اِنْتِظَارُ اَلْفَرَجِ (2).. اذاً عبادة الانتظار هي الحكمة و المصلحة العظيمة من الغيبة.
اليقين الذي نملكه بأن دولة الإمام المهدي (عَلیْهِ السَّلام) سوف تطبق العدل الكامل، و هذا وعد إلهي صريح للمؤمنين .. فعندما يتهيأ الوقت المناسب في كل الأمور، و تصبح الأوضاع مساعدة، فإن الله عز و جل سيظهر منجي العالم و لتبدأ عملية إنقاذ البشرية من الظلم و الجور، و نشر العدل و القسط .. و لكن لابد لهذا اليوم الموعود من شروط و مقومات تحقق نجاحه، و إرهاصات تسبقه تهيء الأرضية المناسبة للانتصار، و من هنا نعرف أن اليوم الموعود منوط باجتماع شرائط الظهور .. و لم يبق من شرائط الظهور (3)التي لم يتمخض التخطيط الإلهي عن إيجاده، و لم يحدث حتى الآن أمرآن (4):-
-الأمر الأول: تربية الأمة ككل من الناحية الفكرية، حتى يكون لها القابلية لا ستيعاب و فهم و تطبيق القوانين الجديدة التي تعلن بعد الظهور.
-الأمر الثاني: تربية العدد الكافي للنصر في يوم الظهور من الأفراد المخلصين الكاملين الممحصين، الذين يكونون على مستوى التضحية و الفداء لتطبيق الأطروحة العادلة الكاملة.
و هذان الأمران يحدثان تدريجياً و نتيجة للتربية الطويلة و البطيئة للأمة، و تحت ظروف و خصائص التمحيص و الاختبار .. و لو لا التخطيط الإلهي لإيجاد شرائط الظهور، باعتبار استهدافه لليوم الموعود، لأمكن عدم تحقق شيء من هذه الشروط في أي وقت من عمر البشرية الطويل، و لكن الله تعالى، و هو اللطيف الخبير بعباده، شاء أن يتفضل على البشرية باليوم الموعود، و أن يربيها لأجل أن يزرع فيها بذور المسؤولية تجاهه و إيجاد الشروط التي بها تستطيع تكفل مسؤوليته.
ليس هذا فقط، بل من عدل الله سبحانه و تعالى و رحمته أن جعل الفرصة متاحة لكل البشر .. فالحكمة و الفائدة من فترة الغيبة و طول المدة و كل ذلك التأخير هو التمحيص و الاختبار و الغربلة حتى يتميز المؤمن الحقيقي عن غيره، و تظهر كوامن النفوس و حقيقة المدعين بتطبيق الحق و العدل، و تنكشف خبايا المتلبسين بلباس الدين وزي الناسكين، و ما اشتملت عليه الصدور، قال الله سبحانه و تعالى: [أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أن يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لَا يُفْتَنُونَ- وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ
صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ] (1).. عن أبي بصير عن أبي عبد الله الصادق (عَلیْهِ السَّلام) أنه قال: لَابُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَنْ يُمَحَّصُوا وَ يُمَيَّزُوا وَ يُغَرْبَلُوا وَ سَيَخْرُجُ مِنَ الْغِرْبَالِ خَلْقٌ كَثِيرٌ (2).. و عن الإمام الباقر (عَلیْهِ السَّلام) أنه قال: وَ اللّهِ لَتُمَیَّزُنَّ، وَ اللّهِ لَتُمَحَّصُنَّ وَ اللّهِ لَتُغَربَلُنَّ کَما یُغَربَلُ الزُّؤانُ مِنَ القَمحِ (3).. فبا لتمحيص يعض الزمان و تنكشف حقائق المدعين، و تكشف عورات المتسترين، و تعرف مضمرات القلوب .. إن استجابة الناس لظروف التمحيص و الاختبار و التمهيد تتفاوت من فرد إلى آخر، فمنهم من يستثمر ظروف الامتحان و التمحيص ما أمكن في تربية ذاته و إعدادها بالتوجيه العبادي السليم و المحافظة على الهوية العقائدية و التمسك بالأهداف و الفضيلة مشاعر الانتظار الوجدانية تجاه الإمام الغائب و الاتجاه نحو الولاء لقياده الإمام، و تحملهم مسؤولية مواجهة الواقع الفاسد بإرادة صلبة، و تجديد البيعة للإمام المنتظر (عَلیْهِ السَّلام) .. و بعض الناس يضعف أو يرسب في امتحان التمحيص فيجد نفسه كما أنبأت الروايات في براثن انحراف كبير بنفس مستضعفة قد تكون راغبة في الخلاص من الفساد، لكنَّها بسبب عجزها الداخلى و قبولها المذل بالطاعة للظالم تبقى أسيرة مستلبة الإرادة.
إذاً: التمحيص ينتج أفراداً يكتسبون درجةً عاليةً من الإيمان و قوة الإرادة، نتيجة لردود الفعل الصحيحة تجاه ظروف الظلم و الطغيان، و هؤلاء المؤمنين المخلصين تتفاوت درجاتهم:-
-الدرجة الأولى: قادة الجيش (أصحاب الإمام (عَلیْهِ السَّلام) 313) لهم دور كبير في قيادة الجيوش و فتح البلاد و إدارة الأمور، و أثبت التمحيص و الاختبار جدارتهم و قدرتهم و كفاءتهم على التضحية في سبيل الأهداف الإسلامية العليا، و قد أختُيروا بعناية خاصة.
-الدرجة الثانية: أفراد الجيش (انصار الإمام (عَلیْهِ السَّلام)) و هم المؤمنون الصالحون الذين يلتحقون بالإمام المهدي (عَلیْهِ السَّلام) و ينضوون تحت لوائه و يحاربون أعداءه، و أتبت التمحيص و الاختبار أن لهم نصيباً وافراً من الإيمان الكامل و العقيدة الراسخة، و هم أقل امتيازاً من الأصحاب 313.
إن الاطلاع على شرائط و أسباب الظهور و بالخصوص الشرطان (الأمران: الأول و الثاني) و ما لهما من تأثير واقعى في إيجاد يوم الظهور .. و هل تحققا فعلاً أم لا؟.. فهو مما لا يمكن أن يعرفه الناس إلا عند الظهور، فمن المتعذر تماماً التأكد من اجتماع شروط و أسباب الظهور، فمن ذلك حصول العدد الكافي من المخلصين الممحَّصين في العالم.
و هذا مما لا يكاد يمكن التأكد منه لأحد من الناس الاعتياديين، لأنه لا يمكن أن نعلم في الأشخاص المخلصين أنهم وصلوا إلى الدرجة المطلوبة من التمحيص أو لا .. و بناءً على ذلك: فاليوم الموعود ليس لدينا أي وقت محدد له، و إنما هو منوط بحصول شرائطه و علله، و لذا يمكننا أن نقول: متى اجتمع العدد الكافي من المخلصين الممحَّصين للفتح العالمي المهدوي، كان يوم الظهور ناجزاً، سواءً كان زمان وجودهم و الفترة التي تقتضي تحققهم .. طويلة جداً أو قصيرة .. و هذا دليل آخر على أن التوقيت (بمعنى تحديد أو تعيين وقت الظهور) كذب محض و بدون أي دليل، فعلمه موكّل إلى الله عزَّ و جلَّ، و غموض تام بالنسبة إلى الناس.
إن التمحيص و التمهيد هو السر في عدم التوقيت، و ذلك لإيجاد و تحقق شرائط الظهور، فلم يحجب وقت الظهور(و تحديد زمانه) سوى خوف الانتشار المؤدي إلى عدم تحقق الهدفين المنشودين .. و من هنا، فكيف يكون اختبار تصديق الناس و تسليمهم لظهور الإمام المهدي (ع) الذي لم يعرفوا وقته، و لم يعلموا زمانه ؟؟.. و كيف يكون ثباتهم و صبرهم على أمر لم يطلّعوا على حين تحققه، فيمتُحنون به ؟؟.. فيتبين الحال و تظهر حقائق الرجال، و لذا: اقتضت الحكمة الإلهية البارعة إخفاء زمان الظهور و عدم توقيته.
شذرات فكرية في القضية المهدوية
مجتبى الساده
جَمیع الحقوقْ مَحفوظَةْ
الطبعة الأولى
2016 م- 1437ه-
القطيف- المملكة العربية السعودية
أطياف للنشر و التوزيع
هاتف / فاکس:8549545 (13) 966+
القطيف- شارع القدس
ص، ب 61215 - القطيف 21911
المملكة العربية السعودیة
E-mail: atyaf-pd@hotmail.com
منذ مئات السنين و المؤمنون المنتظرون للإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف ما زالوا يراوحون في مكانهم في المراحل الأولى في مسائل الترويج و التمهيد المهدوي، فبنظرة استراتيجية و رؤية كلية شاملة نجد أن مسيرتنا في طريق التمهيد تحفل بالآتي:-
فمنذ بداية الغيبة الكبرى (عام 329ه-) و حتى أيامنا هذه، و نحن نتكلم و نكتب و نبحث في بعض القضايا الفكرية العقائدية ذات الخصوصية المهدوية و نغذّيها باستمرار، و هي في الأساس مسائل مهمّة و جوهرية و ضرورية، و لكنّ بعضا منها تمّ تكراره و بكثرة، مثل: استمرار الإمامة و بقائها حتى يرث الله الأرض و من عليها، و وجود و ولادة الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف، و مسائل الغيبة، الانتظار و الفهم الإيجابي و السلبي، وعلامات الظهور، و و و ... إلى غيرها من المسائل التقليدية، و هي مهمة و أساسية و لابدّ من معرفتها و الإلمام بها، و لكنّنا أشبعناها بحثاً و نقاشاً و دراسةً، قديماً و حديثاً.
إنّه من المفترض أنْ تصبح هذه المسائل من البديهيات و المسلََّمات عند كل المؤمنين، و يجب أن تكون المعلومات حولها متوفّرة و متاحة للجميع عند أي
استفسار أو تساؤل .. و لكن لابدّ من تجاوز مثل تلك المسائل، و الانطلاق و البحث في مسائل حديثة و جديدة، يجب أنْ نتطرق إليها و نكتب فيها كي تساعد على التمهيد و الترويج للقضية المهدوية عند كل أفراد البشر، و البحث في مسائل تهم الشعوب كافةً و من زوايا القضية المهدوية.
و فيما يخصّ هذا المجال فإنّ هناك قفزات ممتازة لبعض الباحثين للخروج من المربّع الأول، و ذلك بكشف الخطط القذرة للأعداء، و ذلك باستغلالهم بعض مسائل العقيدة المهدويه بهدف القضاء عليها. و قد رأينا و بشكل جلّي هذه الأيام كيف أنّ الأيدي الخفيّة تستغل المنحرفين من الناس، و السذّج من الأفراد لتشويه عقيدة المؤمنين بالقضية المهدوية، أيضاً رأينا و بشكل ملفت للنظر كيف أن أعداء الإسلام في دولة العراق و حدها فقط، و جهت و حركت المدعو ضياء الكرعاوي (من حركة جند السماء) في النجف الأشرف للقضاء على المرجعية، و عند فشل حركته و انتهائها، دعمت و دفعت بالمدعو أحمد كاطع (اليماني المزعوم) في البصرة لخرق الرايات الممهدة للإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف،و عند كشف أمره و خروجه، حرّکت و وجّهت المدعو محمود الصرخي (نائب الإمام المزعوم) في كربلاء و عند افتضاح أمره و هروبه دعمت و حرّكت المدعو فاضل المرسومي (الإمام الرّباني المزعوم) في ديالي و بغداد.. و كلّ هذه الحركات المنحرفة و المشبوهة حاولت و بشتى الطرق تشويه العقيدة المهدوية و القضاء عليها.
هكذا هم الأعداء يتحرّكون و بكل جدية و مثابرة لمحاربة القضية المهدوية، و نحن للأسف ما نزال نتحرك و ببطء شديد لكشفهم و التصدّي لادّعاءاتهم، و لكن بنشاط خجول، و حركة بسيطة، نتحرك في هذا المربع، و بأسلوب الدفاع فقط، و ليس الوقاية و التحصين ثم الهجوم.
إننا مقصرون جدا بالتبشير بالقضية المهدوية عند الشعوب غير المؤمنه بدين الإسلام (الشعوب الغربية و الشرقية)، و التي لم تسمع باسم الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف و لا تعرف شيئا عنه، و اذا حان موعد ظهوره لا تعرف ماذا سيفعل و ماذا سيحقق و ماذا سينشر، فكيف إذاً لمثل هذه الشعوب أن تؤمن به حين ظهوره و كيف ستؤيده و تؤازره و هي لا تعرف أدنى معلومات أو حقائق عن قضيته و أهدافه.
فهل أخذنا على عاتقنا التبشير و التمهيد للقضية المهدوية و بشكل إيجابي و صحيح و بأساليب محببه لدى الغير، خاصة و أن الأعداء يحاولون أن يشوهوا وجه الإسلام الناصع فيضخموا إعلاميا جرائم داعش و الأفعال الوحشية للحركات و الجماعات المشبوهة و المحسوبة على المسلمين.. و فوق كل ذلك للأسف نحن غافلون و مقصرون جداً عن إظهار الوجه المشرق الأصيل للقضية المهدوية و نشر ثقافتها و أفكارها و التعريف بالمستقبل الزاهر الذي ينتظر العالم حين يتم تطبيقها و تنفيذها.
يجب علينا أن نستفيد من القضايا التي تهم الفرد الغربي و الشرقي و يشعر بها و يميل إليها كقضايا الحرية و العدالة و حقوق الإنسان، و القضايا الاقتصادية كالتوزيع العادل للدخل و المحافظة على الموارد الطبيعة الناضبة و الاستخدام الأمثل للطاقة، و قضايا البيئة و حمايتها من التلوث، و قضايا الاجتماع السياسي و و و... الخ، كذلك يجب علينا أن نستفيد من المؤسسات الأكاديمية و التعليمة و الإعلامية الغربية لطرح القضية المهدوية و نخاطبهم باللغة التي يفهمونها و تؤثر فيهم، و بشكل علمي و نفسي و تدريجي سليم لننجح في ترويج فكرة و عقيدة منقذ البشرية الأصيلة.
من المؤسف له أنه ليس بأيدينا حالياً أي فيلم سينمائي يتحدث عن الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف سواءً كان تمثيلياً أو وثائقياً يساعدنا في تعريفه عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف لدى الآخر غير المسلم، كذلك من المخجل أيضا أنه لا يوجد عندنا أي كتاب خاص عن الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف مكتوب
بلغة تناسب العقلية الغربية و الشرقية يساعدنا للتمهيد لقضيته.. نحن و حتى هذه اللحظة لم ننتقل للمربع الثالث و إلى مرحلة التبشير به في مسيرة التمهيد و الاعداد لقدومه الشريف، فيثار لدينا تساؤل كبير و مهم: متى سيتحقق ذلك؟ و من سيأخذ هذا الواجب من المسئولية على عاتقه؟.
مما أثبتته الكتب الحديثية برواياتها المتواترة أنّه إذا ظهر الإمام روحي فداه سينشر العدل و القسط على أرجاء المعمورة كافة، و سيظهر خيرات الأرض و ستنعم البشرية بالرخاء و الرفاهية، هذا ما نظهره و ما نؤكّد عليه في أبحاثنا و فيما ننشره و نقوله.. و نحن حالياً بعيدون كل البعد عن أساليب الحكم و الإدارة و التطور العلمي و التقني الذي سيطبقها الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف في دولته، بل نحن لم نتعرف عليها او حتى نفكر بها، فكيف بدراستها .. نحن أبعد من ذلك بكثير، فحتى الآن لم ننقل القضية المهدوية الى مؤسساتنا الأكاديمية و التعليمية، و للأسف لا يوجد عندنا من الرسائل الجامعية (ماجستير و دكتوراه) حول القضية المهدوية إلا أعداد بسيطة تعد على أصابع اليد، و أغلبها تصبّ في جوانب العقيدة أي في خانة المربع الأول.
و السؤال المهم في مسيرة التمهيد هو: متى تصبح القضية المهدوية موضوعاً مهماً و جوهرياً في الدراسات الجامعية و الأكاديمية لدينا؟.. متى تحين الفرصة و ننتقل إلى دراسة جميع أبعادها و جوانبها، فمثلاً: هل عرفنا و بحثنا ما سبب أنّ الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف يحثي المال حثياً و لا يعدّه، و كذلك لا يجد المزكّي- في زمان ظهوره- من يأخذ منه الزكاة؟ هل درسنا كيف يُظهِِر عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف خيرات الأرض، و كيف يجعل الموارد الطبيعية الناضبة تكفي حاجة البشرية؟ و كيف يعيد صياغة أخلاق و سلوكيات كل البشر؟ هل تأملنا الأساليب الإدارية و السياسية لحكومة مركزية واحدة تسيطر على الأرض كافة، و مع ذلك فإنّها تنشر التوحيد و العدل و القسط.
إنّ نواحي عديدة في القضية المهدوية تحتاج من المؤمنين الممّهدين الى
دراستها و التأمل فيها، و لكن للأسف نحن غافلون و مقصرون عن ذلك.. فكيف إذاً نمهّد للإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف و نساعده في بناء دولته الفاضلة، و نحن لم نفكر حتى في أساليب إدارته و منهج حكمه، و لم نحاول تطبيق ابسط معالم دولته و مناهجها.. حقّاً نحن مقصّرون جداً في مسيرة التمهيد و التوطئة المهدوية.
1ثقافة تطبيق 4
العقيدة أساليب
المهدوية الدولة
المهدوية
التصدي التبشير
للحركات لمنقذ
2المنحرفة البشرية 3
انّ المؤمنين الممهدين لظهور الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف و منذ مئات السنين ما زالوا في المراحل الأولى في مسيرة التمهيد للطور المهدوي، فكان و ما زال شغلهم الشاغل الأمور الفكرية و الثقافية للعقيدة المهدوية.. فحتى الآن لم يتقدّم المؤمنون خطوات وقائية و تحصينية، غناك عن الهجومية في مواجهة خطط الأعداء الشرسة، بل ما زالوا متخذين موقف الدفاع، و ليس التصدّي لتلك الخطط .. فهل يحق لنا أنّ نسمّى ممهدين، و نحن للأسف لم نسجّل أية خطوات تذكر للدعوة و التبشير لمنقذ البشرية لدى الشعوب غير المسلمة، حيث لا يوجد لدينا أي كتاب متخصّص أو فيلم سينمائي معدّ للترويج و التبشير بالقضية المهدوية.. و هل نمتلك القدرة و الكفاءة للاستفادة
من أساليب و مناهج الدولة المهدوية الفاضلة، و تطبيق بعض منها في وقتنا الحالي، أم نحن غافلون عن كل ذلك.
نحن مازلنا نزحف و ببطء شديد في مراحل التمهيد، و أمامنا طريق طويل غير ممهّد حتى نصل الى أعتاب عصر الظهور،نعم قد نكون ركزّنا على أنفسنا و نسينا الآخرين، حاولنا أنْ نربّي أنفسنا على الاستعداد و التهيئة، و غفلنا عن المجتمع و العالم، علماً بأنّ الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف مبعوث لكل البشرية.
نسأل الله أنْ يساعدنا و يوفّقنا في مسيرة التمهيد المهدوي، و أنْ يجعلنا من الممهّدين للظهور الشريف، و أنْ نكون و اعين لحجم المسؤولية الملقاة على عاتقنا و أهلاً لها، و أنْ نحظى بخدمته عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف و العيش تحت ظل رايته الهادية، عجّل اللّه تعالى فرجه و سهل مخرجه.
وجود الإمام المهدي ضرورة حتمية
ما هي الأسباب التي منعت ظهوره على الناس حتى اليوم؟
مركز باء للدراسات
الكتاب: لماذا لم يأت الإمام؟
إعداد: مركز ياء للدراسات
الناشر: الدار الإسلامية
الطبعة الأولى- بيروت- 2001 م
ISBN: 9953-22-026
جميع الحقوق محفوظة
مركز باء للدراسات
بيروت- لبنان
ت: 03/653070-03/380119
فاكس: 01/553863 ص.ب: 14/5680
e-mail: lylas@cyberia.net.lb
e-mail: anourdin@cyberia.net.lb
عن الباقر عَلیْهِ السَّلام: في صاحب هذا الأمر أربع سنن من أنبياء، سنة من موسى و سنة من عيسى و سنة من يوسف و سنة من محمد.فأما من موسى فخائف يترقب و أما من يوسف فالسجن و أما من عيسى فيقال له أن مات و لم يمت و أما من محمد فالسيف (1)
السنة التي ورثها إمامنا (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف) من نبي الله يوسف عَلیْهِ السَّلام هي: السجن؟ ؟
من المعلوم أن نبي الله يوسف قد أدخلوه إلى السجن ظلماً، فهو لم يرتكب أي ذنب و هكذا الإمام المهدي ( عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف)، أو ليست غيبته سجناً له عَلیْهِ السَّلام.
من الذي أدخل الإمام المهدي إلى السجن؟
من خلال هذا الكتاب تبين أن عدم وجود الناصر هو الذي غيّب الإمام (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف) و نحن الذين تخاذلنا عن نصرة إمامنا لأن كل منا يغني على ليلاه. لقد أصر كل منا أن يبحث عن حاجاته و رغباته و تأمين حياته و مستقبله و غير ذلك و كان همنا أنفسنا و لم يكن همنا خدمة إمامنا و تلبية رغباته و التفكير في مستقبله؟
غاب الإمام المهدي (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف) منذ أكثر من ألف سنة فهل حان وقت
1) كمال الدين .
ظهوره أم سيغيب ألف سنة أخرى....، أم أن الأمر لا يهمنا لأنه لا يعني من جوع.
إذا كان الإمام المهدي (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف) لم يخرج من سجنه بعد فهذا لا يوجد من يطالب به، و هذه المطالبة لا تكون بالكلام و الشعارات بل تكون بالعمل و الاستعداد و يجب على كل منا أن يشق طريقاً له ليخدم من خلاله ذلك الإمام المظلوم و يجب أن يكون هدفنا الأكبر هو التمهيد لذلك الظهور المقدس.
التمهيد لظهور الإمام هو بعهدة الفرد و بعهدة المجتمع أيضاً فكما يجب على كل منا أن يؤهل نفسه لظهور الإمام كذلك يجب عليه أن يعمل على تأهيل المجتمع.
فيما سبق قلنا بأنه يوجد ثلاثة أسباب هي التي منعت الشيعة عن الاستعداد لظهور إمامهم و هذه الأسباب الثلاثة هي ساحة عمل الممهد.
ورد عن زرارة قوله: سمعت أبا عبد الله عَلیْهِ السَّلام يقول: للقائم غيبة قبل أن يقوم، فقلت: جعلت فداك إن أدركت ذلك الزمان أي شيء أعمل؟ فقال عَلیْهِ السَّلام: متى أدركت ذلك الزمان فلتدع بهذا الدعاءاَللّهُمَّ عَرِّفْنى نَفْسَكَ فَاِنَّكَ اِنْ لَمْ تُعَرِّفْنى نَفْسَكَ لَمْ اَعْرِف نَبِيَّكَ، اَللّهُمَّ عَرِّفْنى رَسُولَكَ فَاِنَّكَ اِنْ لَمْ تُعَرِّفْنى رَسُولَكَ لَمْ اَعْرِفْ حُجَّتَكَ،
اَللّهُمَّ عَرِّفْنى حُجَّتَكَ فَاِنَّكَ اِنْ لَمْ تُعَرِّفْنى حُجَّتَكَ ضَلَلْتُ عَنْ دينى. (1)
طلب معرفة الإمام من أهم الوظائف التي يجب أن نهتم بها في عصر الغيبة فإن هذه المعرفة هي التي تدفعنا إلى نصرته و التسليم و الجهاد بين يديه كما بينّا ذلك!معرفة الإمام المعصوم له درجات فالذي يعرف اسم الإمام و اسم أبيه و أنه معصوم من الخطأ و الزلل، نقول إن هذا الشخص يعرف لكن معرفة عامة و بالتالي لا توصله إلى التسليم للإمام بل يحتاج إلى تحصيل معرفة أكثر حتى يسلم.التمهيد لظهور الإمام هو مسؤولية الفرد و المجتمع و يجب على الممهد أن يعمل على إيجاد هذه المعرفة في نفسه و في المجتمع أيضاً حتى يكون المجتمع مجتمعاً ممهداً.## السعي إلى امتلاك العلمورد عن الصادق عَلیْهِ السَّلام: ﴿إذا أرادَ اللَّهُ بعَبدٍ خَیراً فَقَّهَهةُ فی الدِّینِ (2) الله عزَّ وَ جلَّ إذا أراد الخير لعبده يرزقه حسن العاقبة مثلاً، و إذا أراد الخير بعبده يجعله واسطة في وصول الخير إلى الناس، فالله تعالى يريد إيصال الخير إلى مجتمع ما فيوصله بعبد من عباده كما يوصل العلم إلى الجاهل بواسطة العالم.
في الرواية المتقدمة الإمام الصادق (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف) يشير إلى صفة لا بد من وجودها في الأشخاص الذين أراد الله بهم الخير و هي: التفقه في الدين.
و الشرع ليس هو المقصود من كلمة الفقه هنا بل المقصود منها العلم كما ورد ذلك في اللغة.
لماذا لا بد من وجود صفة العلم في الأشخاص الذين أراد الله بهم الخير؟
إن العلم من شأنه أن يوضح الطريق الصحيح و بدونه يدخل الإنسان في المهالك من حيث لا يقصد و من الممكن لإنسان يسهر الليالي سعيا إلى خدمة إمام الزمان (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف) و في المقابل نرى ولي العصر أرواحنا فداه يتأذى من أعماله لأنها مبنية على جهل.
هذا الإنسان الذي يريد خدمة الإمام إلا أنه لم يوفق لذلك بل فعل العكس بسبب جهله بتلك الأمور التي يريدها الإمام، و هذا ما ورد في الرواية مَنْ عَمِلَ بِغَیْرِ عِلْمٍ کَانَ مَا یُفْسِدُ أَکْثَرَ مِمَّا یُصْلِحُ (1)
يجب علينا أن نبحث عند كل شرٍٍ عن الجهل الموجود، ثم نبدل الجهل إلى علم و بالتالي يتحول الشر إلى خير و قد ورد عن الإمام الكاظم عَلیْهِ السَّلام:
العِلمُ رأسُ الخَیرِ کُلِّهِ و الجَهلُ رأسُ الشَّرِّ کُلِّهِ (2) ليس المقصود من العلم هنا دراسة الكتب التي تحتوي على المعارف المختلفة بل المقصود منه تلك البينة التي تسبق العمل، أي أن أكون قبل العمل على بينة من أمري بأن هذا العمل هو يخدم الإمام و يمهد
لظهوره، و العلم بهذا المعنى هو الذي من عمل بغيره كان ما يفسد أكثر ممّا يصلح، هذا إن وجد الإصلاح.
إذا كان هدفنا هو التمهيد لظهور الإمام فهذا يعني أن ننظر إلى أعمالنا و موقعها من ذلك التمهيد؟
العمل الذي نقوم به هل يصب في مصلحة الإمام؟ أم أنه لتأمين حاجاتنا فقط؟
لا أقول أن السعي لتأمين حاجياتنا هو شيء مرفوض بل أقول يجب أن نؤمن حاجياتنا لخدمة الإمام و مشروعه في جانب آخر، فيمكن لي أن أعمل لتحصيل المال حتى أستمر في هذه الدنيا و أخدم الإمام في مجالات أخرى.
العلم الذي يجب أن نطلبه هو العلم الذي يخدم الإمام (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف) و تباً لعلم لا يرجى منه خدمة إمامنا (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف).
لا يجب علينا أن نطلب للعلم بل يجب علينا أن نطلب العلم لخدمة ولي العصر أرواحنا فداه و من قضى حياته في تحصيل العلم حتى يصبح عالماً فذاً و لم يقدم بين يدي إمامه شيئاً من الخير فإن هذا العلم هو سبباً للهلاك لأن شغل صاحبه عن إمام زمانه...
معرفة الأمر الذي يخدم الإمام المهدي (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف) شيء في غاية الدقة و يحتاج إلى كثير من العمق في التفكير و نشكر الله عزَّ وَ جلَّ على نعمة وجود الولي الفقيه في عصر الغيبة حتى يرشدنا إلى ما يجب أن نفعله فتكون بطاعتنا له ممهدين للظهور.
فيما تقدم تبين أن تفرق الأمة هو أحد أسباب عدم وجود الناصر و تبين أيضاً أن التفرق سببه تعدد الأئمة الموجودين، فكان لكل منهم أتباعه من عوام الناس و صار لكل فئة هدفها و طريقها ...
الإمام المهدي (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف) لا يريد ثلاث مائة و ثلاثة عشر رجلاً حتى يظهر فإن وجودهم لا يدعو الإمام إلى الظهور لأنه لا يحتاج إلى وجودهم بل يحتاج إلى اجتماعهم.
أصحاب الإمام المهدي (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف) يأتي إليه من أقاصي البلاد و كل منهم من بقعة تحمل الثقافات المختلفة عن الأخرى و مع ذلك يجتمعون في كل شيء فكأنهم رجل واحد و يوجد منه ثلاث مائة و ثلاثة عشر، و قد ورد عن الصادق عَلیْهِ السَّلام في وصفهم بالقول: وَ لا تَختَلِفُ أهواؤُهم وَ إنِ اخْتَلَفَتْ بِهم البُلدانُ (1)
لا يمكن أن نقول نحن الآن و بسبب الغيبة متفرقون فإذا ظهر الإمام المهدي (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف) نجتمع تحت رايته و لا نختلف أبدا، فإننا نملك تجربة مع نائب الإمام الولي الفقيه فهل اجتمع الشيعة تحت ولايته أم يوجد لدى الكثير مصالح هي أهم من هذا التوحد و الاجتماع.
نحن إذا لم نكن قادرين أن نجتمع تحت راية الولي الفقيه فهل نجتمع تحت راية الإمام المهدي (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف) إذا ظهر ...
1) غيبة النعماني ص: 203.
74 الهوامش
68 > كمال الدين ص: 152.
69 > الكافي ج:1 ص:337.
70 > الكافي ج:1 ص:32.
71 > الكافي ج:1 ص:44.
72 > بحار الأنوار ج: 77
ص: 176
73 > غيبة النعماني ص: 203.
فوق زيف الدعاوى و تضليل الأدعياء
تقريراً لأبحاث
سماحة السيّد ضياء الخبّاز القطيفي (دام عزّه)
الجزءُ الثّانى
بقلم عبد الله معرفي
المهدوية الخاتمة
فوق زيف الدعاوى و تضليل الأدعياء
تقريراً لأبحاث سماحة السيد ضياء الخباز (دام عزه)
بقلم: عبد الله سعد معرفي
«الجزء الثاني»
الناشر: باقيات
المطبعة: وفا
الكَمية: 1000نسخة
الطبعة: الأولى
القطع: وزيري
عدد الصفحات: 412 صفحة
تاريخ الطبع: 2014م - 1435ه-.
شابك الجزء الثاني: 4- 145- 213- 600- 978
شابك الدورة: 1- 146- 213- 600- 978
كافة حقوق الطبع في داخل ايران محفوظة و مسجلة للناشر و في حال التعدي على حقوق الدار في خارج ايران سنقوم بالملاحقة القانونية من قبل وكيلنا الشرعي و القانوني في لبنان
عنوان الناشر: ايران- قم- شارع معلم- رقم 44- تلفون: 27743900
مركز التوزيع:
ایران- قم- خیابان صفائيه- كوچه 28 (بيكدلي)- فرعى 18 (روحانی)- پلاك 246 تلفون: 09194521946 مركز الإمام الحجة (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف) لخدمة الطلاب
ایران- قم- مجمع الإمام المهدي (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف)- الطابق الأرضي رقم 117، 116- تلفون: 37822624
مَکتبَةُ فَدَک
و تجد هذه الدعوى كثيرة التداول في كلماتهم، و يستشهدون لها بالعديد من الروايات و الأخبار المتناثرة في كتبهم، و سوف نقف- بتوفيق الله تعالى- عندها؛ لنبيّن حالها واحدةً بعد أُخرى، من خلال تقسيمها إلى طوائف:
و هي روايتان:
عن أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام: یَخْرُجُ رَجُلٌ قَبْلَ الْمَهْدِیِّ مِنْ أَهْلِ بَیْتِهِ بِالْمَشْرِقِ، یَحْمِلُ السَّیْفَ عَلَی عَاتِقِهِ ثَمَانِیَةَ أَشْهُرٍ، یَقْتُلُ وَ یُمَثِّلُ وَ یَتَوَجَّهُ إِلَی بَیْتِ الْمَقْدِسِ، فَلَا یَبْلُغُهُ حَتَّی یَمُوتَ (1)
و يوهن الاستدلال بهذه الرواية: أنّها من مرويّات العامّة، بل هي من مرويّات كتاب الفتن لنعيم بن حماد المروزي، و قد أوضحنا غير مرّة حاله في الوضع و الكذب، ما بالك و هو يرويها عن (أبي سفيان عبد الله بن مروان المروانيّ)، و من المحتمل جدّاً أن يكون هو الدمشقيّ، الذي قيل في حقّه: يلزق المتون الصحاح بطرق آخر، لا يحلّ الاحتجاج به (2)، و هذا بدوره يرويها عن (الهيثم بن عبد الرحمن ) و هو من المجاهيل الذين لا ذكر لهم، و هذا يرويها عن شخصٍ لم يفصح عن اسمه، فسند الرواية في غاية الوهنو التهالك، حتى أنّ السيّد ابن طاووس قُدِّس سِرُّه حين نقلها في كتابه قال عنها: هكذا رأيت الحديث، و فيه نظر (3)
و ممّا يضاعف و هن الرواية: أنّ الخصوصيّة التي ذكرتها لهذا الشخص
الممهّد- و هي حمله السيف على عاتقه ثمانية أشهر- قداستفاضت الروايات الشريفة بعدّها من خصوصيّات صاحب العصر و الزمان (أرواحنا فداه) (1)، و منها:
ما عن عيسى الخشّاب، قال: قُلْتُ لِلْحُسَیْنِ بْنِ عَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلاَمُ: أَنْتَ صَاحِبُ هَذَا اَلْأَمْر؟قَالَ: لاَ، وَ لَکِنَ صَاحِبُ هَذَا اَلْأَمْرِ اَلطَّرِیدُ اَلشَّرِیدُ، اَلْمَوْتُورُ بِأَبِیهِ، اَلْمُکَنَّی بِعَمِّهِ (2، یَضَعُ سَیْفَهُ عَلَی عَاتِقِهِ ثَمَانِیَةَ أَشْهُرٍ) (3)
و عن أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام، قال: إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُفَرِّجُ الْفِتَنَ بِرَجُلٍ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ كَتَفْرِيج الأديم، بِأَبِي إِبْنُ خِيَرَةِ الْإِمَاءِ، يَسُومُهُمْ خَسْفاً، وَ يَسْقِيهِمْ بِكَأْسٍ مُصَبَّرَةِ، فَلَا يُعْطِيهِمْ إِلَّا اَلسَّيْفَ هَرْجاً هَرْجاً، یَضَعُ السَیْفَ عَلَی عَاتِقِةِ ثَمَانِیَةَ أَشْهُرٍ (4)
و لاشكّ في كون (ابن خيرة الإمام) هو الإمام المهدي بن الحسن عَلیْهِ السَّلام، كما تحدّثت عن ذلك العديد من الروايات، و منها: ما ورد من أنّ أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام كان إذا قبّل ابنه الحسن عَلیْهِ السَّلام يقول: مرحباً يا بن رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، و إذا قبل الحسين يقول: بِأَبِی أَنْتَ وَ أُمِّی یَا أَبَا اِبْنِ خَیْرِ اِلْإِمَاءِ.
1) و قد اعترف بذلك المدعو ناظم العقيليّ في كتابه دراسة في شخصيّة اليماني: 58، حيث قال: نعم، توجد روايات- كما أشرت قبل قليل- يظهر منها أنّ الذي يحمل السيف على عاتقه هو الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام الحجّة ابن الحسن.
2) أي: القاسم، و لعلّ هذه العمومة من جهة اعتبار النبيّ صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم السبطين الحسنين عَلیْهِما السَّلام ولدين له (الخبّاز)
3) كمال الدين و تمام النعمة: 318.
4) الغارات: 1: 12.
فقيل له: يا أمير المؤمنين، ما بالك تقول هذا للحسن و تقول هذا للحسين؟ و من ابن خيرة الإماء؟
فقال: ذلك الفقيد الطريد الشريد: محمّد بن الحسن بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين: هذا و وضع يده على رأس الحسين عَلیْهِ السَّلام﴾ (1)
و بالجملة: فإنّ الرواية- بعد ما تبيّن من وهنها- لا يعتمد عليها إلّا موهون مثلها.
عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلام، قال: اللهُ أجَلُّ وَ أكْرَمُ وَ أعْظَمُ مِنْ أنْ يَتْرُكَ الأرْضَ بِلاَ إِمَام عَادِلٍ.قَالَ: قُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، فَأخْبِرْني بِمَا أسْتَريحُ إِلَيْهِ.قَالَ: يَا أبَا مُحَمَّدٍ، لَيْسَ يَرَى اُمَّةُ مُحَمَّدٍ فَرَجاً أبَداً مَا دَامَ لِوُلْدِ بَنِي فُلاَنٍ مُلْكٌ حَتَّى يَنْقَرضَ مُلْكُهُمْ، فَإذَا انْقَرَضَ مُلْكُهُمْ، أتَاحَ اللهُ لاُمَّةِ مُحَمَّدٍ بِرَجُلٍ مِنَّا أهْلَ الْبَيْتَ، يُشِيرُ بِالتُّقَى، وَ يَعْمَلُ بِالْهُدَى، وَ لاَ يَأخُذُ فِي حُكْمِهِ الرَّشَا، وَ اللهِ إِنّي لأعْرفُهُ بِاسْمِهِ وَ اسْم أبِيهِ، ثُمَّ يَأتِينَا الْغَلِيظُ الْقَصَرَةِ، ذُو الْخَال وَ الشَّامَتَيْن الْقَائِدُ الْعَادِلُ، الْحَافِظُ لِمَا اسْتُودِعَ، يَمْلاَهَا عَدْلاً وَ قِسْطاً كَمَا مَلأهَا الْفُجَّارُ جَوْراً وَ ظُلْماً (2)
و الاستناد لهذه الرواية موهون بعدّة موهنات:
الموهن الأوّل: أنّ السيّد ابن طاووس قُدِّس سِرُّه ينقلها عن كتاب الملاحم
للبطائني، و قد ذكر أنّه وجده في نسخة عتيقة بخزانة مشهد الإمام الكاظم عَلیْهِ السَّلام، و هذا يعني أنّه قد وصله بالوجادة لا بالمناولة، فلا تحرز سلامته عن التحريف.
الموهن الثاني: أنّ صاحب الكتاب هو الحسن بن عليّ بن أبي حمزة البطائني، و هو الكذّاب الملعون الذي تحدّثنا عنه غير مرّة.
الموهن الثالث: أنّ الرواية بعد أن تحدّثت عن الرجل الذي يشير بالتقى و يعمل بالهدى، قالت: ثُمَّ یَأْتِینَا اَلْغَلِیظُ اَلْقَصَرَةِ، فاستخدمت مفردة (ثمّ) الدالة على الانفصال و المهلة و التراخي بإجماع أهل اللّغة، و هذا يعني أنّ الشخص الأوّل لا يلتقي الشخص الثاني، و هو خلاف ما يزعمه أدعياء المهدويَة.
الخبر الأوّل: عن كعب، قال: إذا ملك رجل الشام، و آخر مصر، فاقتتل الشامي و المصريّ، و سبى أهل الشام قبائل من مصر، و أقبل رجل من المشرق برايات سود صغار قبل صاحب الشام، فهو الذي يؤدّي الطاعة إلى المهدي (1)
الخبر الثاني: قال أبو قبيل: ثمّ يملك رجل أسمر يملؤها عدلاً، ثمّ يسير إلى المهدي، فيؤدّي إليه الطاعة و يقاتل عنه (2)
و لا تخفاك شناعة الاستناد إلى هذين الخبرين.
أمّا الأوّل: فلأنّ الذي يرويه هو نعيم بن حمّاد، بسنده عن كعب، وكلاهما وضّاعان كذّابان، على أنّه ليس بروايةٍ عن أحد المعصومين عَلیْهِمُ السَّلام ليصحّ الاستناد له.
و أمّا الثاني: فمضافاً إلى أنّه مروي في كتاب الفتن لنعيم بن حمّاد، و عدم كونه مرويّاً عن أحد المعصومين عَلیْهِمُ السَّلام، فهو يأبى الحمل على وجود ممهّد في عصر الظهور، إلّا مع حذف أوله، كما صنع أدعياء المهدويّة؛ لأجل تطبيقه على إمامهم الذي لا يمكن إثبات إمامته إلّا بتقطيع النصوص و التشبّت
بكلمات غير الحجج.
و إليك المقدار المقتطع من الخبر المذكور لتتعرّف على جرائم القوم، قال:يكون بإفريقية أميراً اثنا عشر سنة ثمّ تكون بعده فتنة، ثمّ يملك رجل أسمر يملؤها عدلاً، ثمّ يسير إلى المهدي فيؤدّي إليه الطاعة و يقاتل عنه (1)، و بضميمة المقدار المقتطع يتّضح أنّ الخبر يتحدّث عن رجل أسمر يحكم أفريقيا، و يملؤها عدلاً.
و هذا لا ربط له بفكرة الممهّد التي يطرحها أدعياء المهدويّة.
1) الفتن: 189.
تأليف الشيخ علي الشطري العبادي
مراجعة و تصحيح
مُؤَسَّسَة السِّبْطَيْنِ عَلیْهِمُا السَّلام العالِمَيَّةِ
مؤسسة السبطين العالمية
SIBTAYN INTERNATIONAL FOUNDATION
ایران- قم- شارع انقلاب- زقاق 26- رقم 47 و 49
هاتف: 7703330 - فاکس: 7706238
URL:www.sibtayn.com
E-mail:sibtayn@sibtayn.com
حقوق الطبع محفوظة لمؤسسة السبطين (عَلیْهِ السَّلام) العالمية
هوية الكتاب
کتاب: ... عصر الغيبة، الوظائف و الواجبات
تأليف: ... الشيخ علي الشطري العبادي
مراجعة و تصحيح: ... مؤسسة السبطين (عَلیْهِمُ السَّلام) العالمية
الناشر: ... مؤسسة السبطين (عَلیْهِمُ السَّلام) العالمية
الطبعة: ... الأولى
المطبعة: ... محمّد
التاريخ: ... 1427ه-. ق / 1385 ه-. ش
الكمية: ... 1500 نسخة
السعر: ... 1500 تومان
شابک: ... 978-964-8716-25-2
ISBN: 978-964-8716-25-2
المرابطة مأخوذة من الربط، بمعنى الشدّ، و عرّفها السيّد العلّامة الطباطبائي في تفسير الميزان (1)بأنّها: نسيج الترابط بين قوى و أفعال: أفراد المجموعة الإسلامية في الشدّة والرخاء، و في جميع شؤونهم الدينية و الدنيوية.
و يتحقّق هذا الارتباط من خلال الالتزام العملي بالشريعة و دوام العمل بها، و تحديد مسؤولية كلّ فرد بالنسبة إلى الاجتماع الذي يقع في مقدمته التمسّك بولاية أهل البيت عَلیْهِمُ السَّلام، كما أشار لذلك العلّامة المجلسي رَحمه اللهُ في شرح قول الإمام أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلام: رِبَاطُنَا رِبَاطُ الدَّهْر، حيث قال: أي يجب على الشيعة أن يربطوا أنفسهم على طاعة إمام الحقّ و انتظار فرجه و يتهبّوا لنصرته (2)
و في ضوء ما تقدّم نجد اهتمام و تأكيد القرآن الكريم و أهل البيت عَلیْهِمُ السَّلام على ضرورة المرابطة، كما سيتّضح.
بعد التأمل في حصيلة النصوص الواردة في المرابطة من القرآن و السُنّة يمكن تصوريها على ثلاثة أقسام:
و الاستعداد و التهيّؤ للدفاع عن البلاد الإسلامية في مناطق الثغور و الحدود
مع الكفّار، و هذا القسم من المرابطة واجب لدى وقوع بلاد المسلمين في معرض الخطر من هجوم الكفار، و أمّا إذا لم تكن في معرض الخطر من الكفّار فلا تجب و إن كانت في نفسها أمراً مرغوباً فيه في الشريعة الإسلامية المقدّسة (1)
و لعلّ ما يشير إلى ذلك الروايات التالية:
1- عن أبي جعفر و أبي عبد الله عَلیْهِمُ السَّلام، قالا: الرِّبَاطُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَ أَكْثَرُهُ أَرْبَعُونَ يَوْماً، فَإِذَا کَانَ ذَلِكَ فَهُوَ جِهَادٌ (2)
2- عن النبيّ صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم قال: رِبَاطُ لَیْلَهٍ فِی سَبِیلِ اَللَّهِ خَیْرٌ مِنْ صِیَامِ شَهْرٍ وَ قِیَامِهِ، فَإِنْ مَاتَ جَرَی عَلَیْهِ عَمَلُهُ اَلَّذِی کَانَ یَعْمَلُ، وَ أُجْرِیَ عَلَیْهِ رِزْقُهُ وَ اَمِنَ مِنَ الفُتَّانِ (3)
3- عن النبي صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم قال: كلّ مَيِّتٍ يختم عمله، إلّا المرابط في سبيل الله فإنّه ينمو له عمله إلى يوم القيامة، و يؤمن من أفتان القبر (4)
4- و عن النبي صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم أيضاً أنّه قال: عَیْنانِ لا تَمَسُّهُما النّارُ: عَینٌ بَکَتْ مِن خَشْیَةِ اللَّهِ، و عَینٌ باتَتْ تَحْرُسُ فی سبیلِ اللَّهِ (5)
بأن يربط نفسه بحبل ولايته و يتمسّك به و يلتزم اتباع أوامره و نواهيه، و يمكن القول بوجوب هذا القسم على كلّ فرد، كما تقدّم من عدم قبول العمل إلّا
بولايتهم عَلیْهِمُ السَّلام، و لعلّ ما يشير إلى ذلك من الروايات هي:
1- ما ورد عن الإمام الباقر عَلیْهِ السَّلام في قول الله عزَّ وَ جلَّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَصْبِِرُوا وَ صَابِِرُوا وَ رَابِطُوا قال: اِصبِرُوا علی أداءِ الفَرائِضِ، و صابِرُوا عَدُوَّکُم، و رابِطُوا إمامَکُم المُنْتَظَرَ (1)
2- عن الإمام الكاظم عَلیْهِ السَّلام قال: اِصْبِرُوا عَلَی اَلْمَصَائِبِ، وَ صَابِرُوا عَلَی اَلتَّقِیَّةِ، وَ رَابِطُوا عَلَی مَا تَقْتَدُونَ بِهِ، ﴿وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (2)
3- و عن الإمام الصادق عَلیْهِ السَّلام قال: اصْبِرُوا عَلَى الْفَرائِضِ، وَ صابروا عَلَى الْمَصائب، و رابطوا عَلَى الأئمّة (3)
4- عن يعقوب السرّاج، عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلام في معنى الآية قال: اِصْبِرُوا عَلَی اَلْأَذَی فِینَا. قلت: فصابروا. قال عَلیْهِ السَّلام: عَلَی عَدُوِّکُمْ مَعَ وَلِیِّکُمْ. قُلْتُ: وَ رابِطُوا؟ قَالَ: اَلْمُقَامَ مَعَ إِمَامِکُمْ، وَ اِتَّقُوا اَللّهَ لَعَلَّکُمْ تُفْلِحُونَ، قُلْتُ: تَنْزِیلٌ ؟ قَالَ: «نَعَمْ» (4)
5- و عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلام في حديثٍ آخر أنّه قال: وَ رَابِطُوا إِمَامَکُمْ فِیمَا أَمَرَکُمْ، وَ فَرَضَ عَلَیْکُمْ (5)
6- عن الإمام الصادق عَلیْهِ السَّلام في تفسير الآية قال: اِصْبِرُوا عَلَی اَلْمَصَائِبِ، وَ صَابِرُوا عَلَی اَلْفَرَائِضِ، وَ رَابِطُوا عَلَی اَلْأَئِمَّةِ (6)
و هو أن يربط فرساً أو نحوها، لكي يركبه و يقاتل به أعداء الإمام عَلیْهِ السَّلام انتظاراً ليوم ظهوره. و لعلّ ما تشير إلى استحباب هذا القسم من الروايات هي:
1- عن الإمام الصادق عَلیْهِ السَّلام في معنى آية المرابطة اِصْبِرُوا يقول: عَنِ اَلْمَعَاصِی، وَ صابِرُوا عَلَی اَلْفَرَائِضِ، وَ اِتَّقُوا اَللّهَ، يَقُولُ الله: ﴿وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ثمّ قال عَلیْهِ السَّلام: وَ أَیُّ مُنْکَرٍ أَنْکَرُ مِنْ ظُلْمِ اَلْأُمَّةِ لَنَا وَ قَتْلِهِمْ إِیَّانَا؟وَ رابِطُوا، يَقُولُ: فِی سَبِیلِ اَللَّهِ، وَ نَحْنُ اَلسَّبِیلُ فِیمَا بَیْنَ اَللَّهِ وَ خَلْقِهِ، وَ نَحْنُ اَلرِّبَاطُ اَلْأَدْنَی، فَمَنْ جَاهَدَ عَنَّا فَقَدْ جَاهَدَ عَنِ اَلنَّبِیِّ صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، وَ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اَللَّهِ﴾ (1)
2 - و عن أبي جعفر عَلیْهِ السَّلام في هذه الآية، قال: نَزَلَتْ فينا، وَ لَمْ يَكُنِ الرّبَاطُ الَّذي أُمِرْنا بِِهِ بَعْدُ، وَ سَيَكونُ ذلِكَ مِنْ نَسْلِنَا المُرَابِطُ (2)
3- ما ورد عن ابن طيفور المتطبِّب، قال: سألني أبو الحسن عَلیْهِ السَّلام: أَیَّ شَیْءٍ تَرْکَبُ؟، قلت: حماراً، فقال عَلیْهِ السَّلام: بِکَمِ اِبْتَعْتَهُ؟، قلت: بثلاثة عشر ديناراً، فقال عَلیْهِ السَّلام: إنّ هذا هو السرف أن تشتري حماراً بثلاثة عشر ديناراً. قلت: ياسيدي، إن مؤونة البرذون أكثر من مؤونة الحمار، قال: فقال: إنَّ الَّذی یُمَوُِّتُ الحِمارَ یُمَوِّتُ البِرذَونَ، أما عَلِمتَ أنَّ مَنِ ارتَبَطَ دابَّةً مُتَوَقِّعاً بِهِ أمرَنا و یَغیظُ بِهِ عَدُوَّنا، و هُوَ مَنسوبٌ إلَینا، أدَرَّ اللّهُ رِزقَهُ، و شَرَحَ صَدرَهُ، و بَلَّغَهُ أمَلَهُ، و کانَ عَونا عَلی حَوائِجِهِ (3)
و لا يخفى أن احضار الفرس و نحوه كناية عن حالة التأهّب
و الاستعداد التامّ.
هل الإمام صاحب الزمان مرابط؟:
دلّت جملة من الروايات الواردة عن أهل بيت العصمة و الطهارة عَلیْهِمُ السَّلام على أنّ الإمام صاحب الأمر و الزمان عَلیْهِ السَّلام هو المرابط في سبيل الله عزَّ وَ جلَّ، منها:
1- ما ورد في التوقيع الشريف الخارج إلى الشيخ المفيد، و هو: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ الْمُرابِط فی سَبیلِهِ، اِلی مُلْهَمِ الْحَقِّ وَ دَلیلِهِ (1)
2- ما ورد عن أبي جعفر عَلیْهِ السَّلام في معنى آية المرابطة، قال: نَزَلَتْ فِینَا، وَ لَمْ یَکُنِ اَلرِّبَاطُ اَلَّذِی أُمِرْنَا بِهِ بَعْدُ، وَ سَیَکُونُ ذَلِکَ مِنْ نَسْلِنَا اَلْمُرَابِطُ، وَ مِنْ نَسْلِ اِبْنِ نَاثِلٍ (2اَلْمُرَابِطُ) (3)
3- عن أبي جعفر محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين عَلیْهِمُ السَّلام: أنّ ابن عباس بعث إليه مَن يسأله عن هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَ صَابِرُوا وَ رَابِطُوا (4)، فغضب علي بن الحسين عَلیْهِ السَّلام و قال للسائل:وَدِدْتُ أَنَّ اَلَّذِی أَمَرَکَ بِهَذَا وَ اجَهَنِی بِِهِ، ثمّ قال: نَزَلَتْ فِی أَبِی وَ فِینَا، وَ لَمْ یَکُنِ اَلرِّبَاطُ اَلَّذِی أُمِرْنَا بِهِ بَعْدُ، وَ سَیَکُونُ ذَلِکَ ذُرِّیَّةً (5في نَسلِنا اَلْمُرَابِطُ) (6)
أثر المرابطة في عصر الغيبة:
للمرابطة دور كبير في حياة الفرد و المجتمع، لا سيّما في عصر الغيبة، و لعلّ من أهمّ آثارها هي:
1- إنّها تقوّي الروابط بين الفرد و المجتمع، و تجعلهم متّجهين صوب الهدف، و من هنا نجد اهتمام الإسلام بالمجتمع كاهتمامه بالفرد على حدٍّ سواء في الأهمية، قال تعالى: وَ أَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيَّما فَاتَّبِعُوهُ وَ لَا تَتَّبِعُوا السَّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ (1)
2- حيث إنّ نفس المرابطة لا تتحقّق إلّا بالالتزام العملي بالشريعة، و هذا بدوره يساهم في جعل كلّ حركةٍ من حركات الإنسان قائمةً على أساس الشريعة، و بذلك يتحوّل التزامه بالشريعة إلى همٍّ يوميٍٍّ متحرّك، ممّا يدعم إخلاصه و ارتباطه بالله تعالى و بإمامه عَلیْهِ السَّلام، و هذا بلا شكّ أنّه من مقرِّبات الظهور.
3- من خلال المرابطة يتحقّق حفظ البلاد الإسلامية من الأعداء، و يحفظ النظام في المجتمع، و بدونها يختلّ النظام، و لا يمكن تحصيل السعادة في المجتمع إلّا من خلالها.
4- حيث إنّ المرابطة تكون بكل ما فيه الخير و الصلاح للفرد و المجتمع، ممّا دعت إليه الشريعة، فتشمل العبادات كالصلاة و الصيام...، و تشمل المعاملات بين الأفراد و أحكام الزواج؛ لأنّ جميع ذلك أنزلها الله تعالى لصالح الإنسان و هدايته إلى الكمال، ففي الرواية الواردة في الدرّ المنثور، عن جابر بن عبدالله، قال: قال رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: أَلاَ أَدُلُّکُمْ عَلَی مَا
1) الأنعام: 153.
يهجر الله به الخطايا، و يكفّر الذنوب؟، قلنا: بلى يا رسول الله قال: إِسْبَاغُ اَلْوُضُوءِ مَعَ اَلْمَکَارِهِ، وَ کَثْرَةُ اَلْخُطَی إِلَی اَلْمَسَاجِدِ، وَ اِنْتِظَارُ اَلصَّلاَةِ بَعْدَ اَلصَّلاَةِ، فَذَلِكم الرِّبَاطُ (1) 5- تساهم في إعداد النفس معنوياً لليوم الموعود، و المشاركة في تحمّل المسؤولية، و هذا ما نلمسه في الروايات التي تحتَ على إعداد السلاح، انتظاراً لظهور الإمام عَلیْهِ السَّلام، و من الروايات التي تشير إلى ذلك عن الإمام الصادق عَلیْهِ السَّلام قال: لَيَعُدَّنُ أحدُكم لخروج القائم عَلیْهِ السَّلام و لو سهماً، فإنّ الله تعالى إذا علم ذلك من نيّته رجوت لأن يُنسى من عمره (2)
و عن أبي عبدالله الجعفي قال: قال لي أبو جعفر محمد بن علي عَلیْهِ السَّلام: كم الرباط عندكم؟، قلت أربعون، قال عَلیْهِ السَّلام: لكنّ رباطنا رباط الدهر، و من ارتبط فينا دابّة كان له وزنها و وزن وزنها ما كانت عنده، و مَن ارتبط فينا سلاحاً كان له وزنه ما كان عنده، لا تجزعوا من مرّةٍ، و لا من مرّتين، و لا من ثلاثٍ و لا من أربعٍ، فإنّما مَثَلنا و مَثَلكم مَثَل نبيٍّ كان في بني إسرائيل، فأوحى الله عزَّ و جلَّ إليه أن ادع قومَك للقتال فإنّي سأنصرك، فجمعهم من رؤوس الجبال و من غير ذلك. ثمّ توجّه بهم فما ضربوا بسيف و لا طعنوا برمح حتى انهزموا، ثمّ أوحى الله الیه أن ادع قومك إلى القتال، فإنّي سأنصرك، فدعاهم فقالوا: وعدتنا النصر فما نصرنا، فأوحى الله تعالى إليه: إمّا أن يختاروا القتال، أو النار، فقال: ياربّ القتال أحبّ إليّ من النار.فدعاهم فأجابه منهم ثلاث مائة و ثلاثة عشر عدة أهل بدر، فتوجّه بهم، فما
ضربوا بسيفٍ و لا طعنوا برمح حتّى فتح الله عزَّ وَ جلَّ لهم (1) و قال العلّامة المجلسي قُدِّس سِرُّه في شرح قوله عَلیْهِ السَّلام: كان وزنها... إلى آخره، أي كان له ثواب التصدّق بضعفي وزنها ذهباً و فضة كل يوم، و يحتمل أن يكون من قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس، أي له من الثواب مثِلَي وزن الدابّة﴾ (2)
اَللَّهُمَّ عَجِّلْ لِوَلِیِّک الفَرَج
الشَيْخ حُسَين عَبد الرَضَا الأَسَدى
تقديم: مركز القمر للإعلام الرقمي
علی ضفاف الإنتظار
تأليف
حسين عبد الرضا الأسدي
تقديم
مركز القمر للإعلام الرقمي
الطبعة الأولى: 1438ه-
العدد: 1000 نسخة
جميع الحقوق محفوظة للمؤلِّف
لا شكَّ أنَّ هناك فوارقاً نفسية و بدنية و عاطفية بين الرجل و المرأة، و لكن هذا لا يعني أنَّ دورها في الحياة يقلُّ عن دور الرجل- هذا إن لم
نقل: إنَّه يزيد عليه من حيث التأثير في بناء مستقبل واعٍٍ لمسؤولياته المفترضة عليه-.
و لقد اشتهر أنَّ المرأة تُمثِّل نصف المجتمع، و هذه المقالة إن صحَّت فعلينا أن لا ننسى أثر المرأة الفاعل في النصف الآخر!
و على كلِّ حالٍ، فيما يتعلََّق بعملية التمهيد للإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام، يمكن أن نتكلََّم في جهتين:
و هنا لا فرق بينها و بين الرجل، فإنَّ المطلوب من كلِّ المؤمنين- رجالاً كانوا أو نساءً- أن يهتمّوا بفكرة التمهيد العملية ، و التي تتضمَّن العناصر النفسية و الفقهية و العقائدية و السلوكية المختلفة، ممَّا يصبُّ في عملية بناء أُسس رصينة لقيام دولة الحقِِّ.
و لذلك، فإنَّ دعاء الندبة يساوي بينهما في حرقة الشوق للمولى الغائب، فيقول الدعاء: بِنَفْسِي أَنْتَ أَمْنِيَّةُ شَائِقٍٍِ يَتَمَنَّى مِنْ مُؤْمِنٍٍ وَ مُؤْمِنَةٍ ذَكَرا فَحَنّا (1)
و في حديث للإمام الرضا عَلیْهِ السَّلام: کَمْ مِنْ مُؤْمِنٍ وَ مُؤْمِنَةٍ مُتَأَسِّفٌ مُتَلَهِِّفٌ حَیْرَانُ حَزِینٌ لِفَقْدِهِ... (2)
لا شكَّ أنَّ المفردات العملية للتمهيد تختلف بين الرجل و المرأة، تبعاً لدور كلِّ منهما في الحياة، و تبعاً للاختلافات النفسية و الفسيولوجية (البدنية) بينهما، و يتلخَّص دورها بالتالي:
1- حسن التبعّل.
2- تربية الأولاد تربية إنسانية إسلاميَّة.
3- العفَّة في مختلف جوانبها.
4- نشر مفاهيم الدين و الخير و الصلاح حسب قدرتها.
5- الورع بتمام معنى الكلمة.
إنَّ المرأة تنطلق للتمهيد للظهور المهدوي من مملكة بيتها، و عرش عفَّتها، و حصون أدبها، لترسم لوحة زاهية الألوان، تملؤها العاطفة و الحنان، تغمر بهما بيتها، و أهلها، و معارفها، لتُؤطِّر عملها بأريج الحبِّ المهدوي، و نسمات العشق العلوي، و نفحات العفَّة الفاطمية.
بحث في غيبة الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام
تأليف
ماهر آل شبر
حُقُوق الطَّبع مَحفوظَةُ
الطبعة الأولى
1425ه- / 2004م
عن رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، قال: یَخْرُجُ نَاسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ فَیُوَطِّئُونَ لِلْمَهْدِیِّ (1)
لقد تحدثت الكثير من الروايات الواردة عن النبي و أهل بيته عَلیْهِمُ السَّلام عن مجيء أناس قبل خروج الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام يوطئون له سلطانه و يعملون على تمهيد الأرض و منطقة الشرق الأوسط خصوصاً لقدومه عَلیْهِ السَّلام.
(1) الاحتجاج ج 2 ص 323، خاتمة المستدرك ج 3 ص 226، معادن الحكمة ج 2 ص 303.
1) عقد الدرر ص 192، فرائد السمطين ج 2 ص 333، ينابيع المودة ص 435، منتخب الأثر ص 304.
و لقد خصت هذه الروايات بالذكر أهل المشرق تحديداً، و بالأخص بلاد فارس أو خراسان كما في الحديث التالي.
عن رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم قال: اِذَا رَأیْتُمُ الرّایاتِ السُّودَ قَد اَقْبَلَتْ مِنْ خُراسانَ فَأتُوها وَ لَو حَبْواً عَلَی الثَّلْجِ، فَاِنّ فیها خَلیفَهَ المَهْدِیّ (1)
و هذه الرايات السود بالطبع ليس المقصود بها رايات بني العباس الذين حكموا في الماضي الغابر و كانت بداية خروجهم من المشرق أيضا، كما يدل على ذلك الحديث التالي.
عن رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم قال: يخرج من المشرق رايات سود لبني العباس، ثم يكون ما شاء الله، ثم تخرج رايات سود صغار تقاتل رجلاً من ولد أبي سفيان و أصحابه من قبل المشرق يؤدون الطاعة للمهدي (2)
و قد ذكرت بعض الأحاديث أسماء أشخاص معينين أو صفاتهم كالقول أنه مولى لبني تميم أو أنه رجل كوسج- أي قليل اللحية-أو ربعة أسمر أو ما شابه ذلك من الأوصاف يكونون من الممهدين للمهدي عَلیْهِ السَّلام كما في الحديث التالي.
عن رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: یَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ وَراءِ النَّهْرِ يُقالُ لَهُ الْحارِثُ حَرّاثٍ عَلی مقدمَتِهِ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ مَنْصُورٌ، يُوَطِّئُ أوْ يُمَكِّنُ لِآلِ مُحمَّدٍ كَما مَكَّنَتْ قُرَيْشٌ لِرَسُولِ اللهِ، وَجَبَ عَلی كُلِّ مُؤمِنٍ نَصْرُهُ أو قال إِجابَتُهُ (3)
و كما أن الأرض تهيأت لقدوم النبي محمد صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم حيث كان هناك
العديد من الممالك العربية القائمة وقتئذ، كدولة الغساسنة في الشام و المناذرة في الخيرة و مملكة كندة في وسط الجزيرة و تبَّع في اليمن، و حينما أراد الله سبحانه أن يبعث نبيه بالرسالة الخاتمة أزال هذه الدول و الممالك جميعا، لتخلوا الساحة للنور المحمدي القادم للوجود و تتهيأ الظروف لقيام الدولة الإسلامية الوليدة و لتكون محط أنظار العالم أجمع.
و كان آخر هذه الممالك هي مملكتي الغساسنة بالشام و كانت تتبع الروم و المناذرة بالعراق و كانت تتبع الفرس، فشاء الله العلي القدير أن تنشب حرب بين الروم و الفرس و كان ذلك في بداية البعثة النبوية حيث أنتصر فيها الفرس ليُقضى على مملكة الغساسنة و بعد ذلك بسنوات تعاد الكرة من جديد لينتصر الروم فيقضي على ملك المناذرة كما نبأ سبحانه و تعالى في سورة الروم: غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَ هُم مِّن بَعْد غَلَبِِهِمْ سَيَغْلِبُونَ* فِي بِِضْع سِنِين (1)
هذا بالإضافة لحادثة أصحاب الفيل و غيرها من الأحداث التي وقعت وقتئذٍ و سلطت الأضواء على مكة المكرمة و ولادة النبي محمد صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم.
فكذلك لابد من أن تتهيأ الأرض لقدوم صاحب العصر و الزمان عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف بطريقة ما أو بأخرى، و حسب أرادته سبحانه و تعالى.
و نحن نلاحظ هذه الأيام كيف أن الأجواء تتهيأ لقدوم الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام خصوصاً بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران و رفعهم شعار التمهيد للمهدي و نصرته، فبعد قيام الحكومة الإسلامية هناك بدأت الصحوة الإسلامية في جميع الأقطار الإسلامية ولدى جميع شرائح الأمة و بدأ كثير من أبناء الأمة في التشيع لأهل البيت عَلیْهِمُ السَّلام هذا بالإضافة لدخول الكثير من الناس في الإسلام من جميع دول العالم.
1) سورة الروم (2 - 4).
و في هذه الأيام أيضاً نرى كيف أن مذهب التشيع بدأ في العلو و الارتفاع خصوصاً بعد النصر الذي حققته المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان ضد العدو الصهيوني حتى أصبح مذهب أهل البيت عَلیْهِمُ السَّلام حديث الفضائيات و شاشات التلفزيون و الإنترنت و غيرها و لا تكاد تخلوا قناة من تلك القنوات من برنامج عن الشيعة أو حديث أو مقابلة مع عالم من علمائنا الاجلاء حفظهم الله تعالى.
عماد الكاظمي
الامانة العامّة لِلعَتَّبة الكاظميَّة المُقَّدسَة الشُؤون الفِكريةُ و المحفلة
1431 ه-
إنَّ الحديث عن تلك الحكومة الإلهية التي ستحقق الوعد الإلهي و تملأ الأرض قسطاً و عدلاً حديث عظيم و عظيم و لقد كتبت العديد من المؤلفات و الموسوعات التي تتعلق بالإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف و دولته في آخر الزمان و كذا التي تناولت سيرته الشريفة و غيبته و سفراءه و ما يتعلق بذلك، فكانت العشرات من تلك المؤلفات لعلماء المسلمين من شتى الطوائف. و نقف اليوم عند مؤلَّفِ من تلك المؤلفات التي تسلط الضوء على طبيعة حكومة الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف التي نترقبها، و آلية هذه الحكومة، و كيفية الاستعد و تهيئة الأرضية المناسبة و غير ذلك.
حيث يقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازي (صاحب تفسير الأمثل) في كتابه "الحكومة العالمية للإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف ": لا شك أنَّ القرائن تشير على ضوء النظرة الابتدائية إلى أن الدنيا تمضي قدماً نحو الفاجعة التي تتبين ملامحها من خلال مقارنة الوضع السائد مع الماضي القريب... و لكي يكون الاستعداد نافعاً فهناك عدة خطواتِ يجب العمل على تهيأتها.
لابد أنْ نذعن بأنَّ بلوغ تلك المرحلة التاريخية التي يجتمع فيها كافة الناس تحت راية واحدة و تزول فيها الأسلحة الفتاكة و تنعدم فيها الطبقات المستعمَرة (بالفتح) و المستعمِرة (بالكسر) و تنتهي فيها النزاعات و الألاعيب السياسية و العسكرية للدول العظمى.... و على أية حال، هناك استعدادات ينبغي توفرها لقيام هذه الحكومة:
1- الاستعداد الفكري و الثقافي: أي ينبغي أنْ يبلغ المستوى الفكري للناس درجة تجعلهم يدركون بأنَّ قضية العِزق أو المناطق الجغرافية المختلفة ليست بالأمور الجديرة بالاهتمام في حياتهم و ليس للخلافات على أساس اللون و اللغة و الأرض أن تفرق بين أبناء البشر و يجب أن تموت و إلى الأبد العصبيات القبلية و الفئوية ...
2- الاستعداد الاجتماعي: لابد أنْ يتعظ الناس من الظلم و الجور و الأنظمة السائدة و يشعروا بحرارة هذه الحياة المادية و اليأس التام من أن مثل هذه الحياة الأحادية النزعة يمكنها في المستقبل حل المشكلة القائمة... فقد اتسعت رقعة الإرباكات المادية و عدم الأمن و الاستقرار إلى جانب غياب حالة الرفاه و الرخاء.
3- الاستعدادات التقنية: خلافاً لما يراه البعض من أن بلوغ مرحلة التكامل الاجتماعي و عالم مفعم بالأمن و العدل و السلام يقترن ضرورة بالقضاء على التقنية المعاصرة، بل الواقع أن هذه التكنولوجيا المتطورة ليس فقط لا تحول دون قيام حكومة العدل العالمية فحسب، بل ربما يستحيل بدونها تحقيق تلك الحكومة ... فإن مثل هذه الحكومة و بغية إشاعة الأمن و بسط العدل في ربوع العالم، تحتاج إلى العلم بكافة المناطق و السيطرة التامة لتتمكن من تربية المجتمع المتأهب للإصلاح إلى جانب الإبقاء على وعيه و حيويته ... و يبدو أن العالم الذي يريد أن يبلغ هذه المرحلة ينبغي أن تتسع فيها رقعة وسائل التربية و التعليم و تتصف بالشمولية بحيث تستند أغلب مشاريعها إلى التثقيف الذاتي، و هذا بدوره يتطلب مراكز ثقافية فاعلة و وسائل ارتباط عامة و صحافة و كتب ضخمة و التي لا تتيسر جميعاً دون وفرة الآلات الصناعية المتطورة ... فهذه بعض الاستعدادات التي جيب أن تتوفر كمقدمة لتلك الحكومة العالمية، فإن مسألة انتظار الحق و العدل و قيام المصلح العالمي (المهدي) تتركب في الواقع من عنصرين: عنصر النفي و عنصر الإثبات، و عنصر النفي هو عدم التكيف مع الوضع الموجود، و عنصر الإثبات هو السعي إلى الوضع الأفضل خلافاً لاعتقاد البعض بأنَّ المحور الرئيسي لانتظار ظهور المصلح المطلق يكمن في الإحباطات و الإرباكات
على مستوى الأفكار.
فالانتظار يعني التأهب التام، فإنْ كنتُ ظالماً فكيف يسعني انتظار من يضع سيفه في أعناق الظَلَمَة؟
و إنْ كنتُ ملوَّثاً و فاسداً فكيف أنتظر نهضةً أول شرارتها أن تطيح بالملوَّثين المَرَدَة!.
و الجيش الذي ينتظر الجهاد الأكبر إنما يرفع القدرة القتالية لأفراده و ينفخ فيهم روح الثورة و يصلح فيهم كل ضعف. فالبعد الأول لهذه النهضة يتمثل في القضاء على عوامل الفساد و الانحطاط و يطهر المجتمع من دنس العصاة، و ما أنْ تنتهي هذه المرحلة حتى يأتي دور البعد الإيجابي أي إشاعة عوامل الإصلاح.
هناك عبارة رائعة في عدة روايات بشأن فلسفة وجود الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف في عصر الغيبة يمكن أن تساعدنا في حل هذه المشكلة حيث قال النبي صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم بشأن فائدة الإمام في الغيبة أَیْ وَ الَّذِی بَعَثَنِی بِالنُّبُّوَةِ إِنَّهُمْ یَنْتَفِعُونَ بِهِ وَ یَسْتَضْیِئُونَ بِنُورِ وِلاَیَتِهِ فِی غَیْبَتِهِ کَانِتْفَاعِ النَّاسِ بِالشَّمْسِ وَ إِنْ جَلَّلَهَا السَّحَّابِ
فللأشعة المعنوية غير المرئية لوجود الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف حين تكون
خلف سحب الغيبة عدة آثار تكشف عن فلسفته الوجودية رغم تعطيل مسألة التعليم و التربية و الزعامة المباشرة منها:
إنَّ جَلَّ اهتمام الجنود الأوفياء في ميدان القتال يتمثل في حفظ الراية خفاقة تجاه هجمات الأعداء بينما يسعى العدو جهد الإمكان إلى الإطاحة بهذه الراية ذلك لأن انتصاب الراية يبث روح الأمل و المقاومة و الصمود و ديمومة القتال كما أن وجود القائد (مهما كان صامتاً) يبعث على رفع المعنويات و تجديد القوى و تعبئة الطاقات و الاندفاع نحو القتال حيث يشعرون بقوة حين يرون القائد و اهتزاز الراية ... و الشيعة تعتقد بوجود إمامها حياً و إن لم تره بينها، و بالتالي فهي لا ترى نفسها وحيدة في الساحة (لا بُدَّ من التأمل) فهي تنتظر قدومه و تحتمله في كل لحظة و هذا ما يؤثر على مسيرتها إيجابياً و من هنا يمكن إدراك الأثر النفسي لهذا الأسلوب من التفكير في بث الأمل و الرجاء في قلوب الأفراد وسوقهم نحو التهذيب و الاستعداد لتلك النهضة الكبرى، و لو أضفنا نقطة أخرى إلى هذا الموضوع لأصبحت القضية أكثر جدية و هي على ضوء الاعتقاد العام للشيعة فقد وردت في أغلب الروايات في المصادر الشيعية أن الإمام يتفقد طيلة غيبته و بصورة مستمرة أوضاع شيعته و يقف على تفاصيل أعمالهم عن طريق الإلهام و ما شابه
و حسب الروايات فإن أعمالهم تُعرض عليه كل أسبوع و يحيط علماً بتصرفاتهم و أفعالهم، و هذا الاعتقاد يجعل هؤلاء الأتباع يخضعون لمراقبة دائمية يستحضرونها عند كل قول و فعل، الأمر الذي لا يمكن إنكار دوره النفسي و التربوي.
قال الإمام علي عَلیْهِ السَّلام في بعض الكلمات القصار في إشارته إلى ضرورة وجود الزعماء الربانيين في كل عصر و زمان، اللَّهُمَّ بَلَی لاَ تَخلُو الأَرضُ مِن قَائِمٍ للّهِ بِحُجَّةٍ إِمَّا ظَاهِرًا مَشهُورًا وَ إِمَّا خَائِفًا مَغمُورًا لِئلاَّ تَبطُلَ حُجَجُ اللّهِ وَ بَیِّنَاتُهُ، فإنه كيف يتم حفظ أصالة الدين و الحيلولة دون التحريفات و الانحرافات؟ و هل يتم ذلك سوى من جانب الإمام المعصوم سواء كان مشهوراً و معلوماً أم مغموراً و مجهولاً لِئلاَّ تَبطُلَ حُجَجُ اللّهِ وَ بَیِّنَاتُهُ.
خلافاً لما يعتقده البعض من قطع الارتباط المطلق بين الإمام و الأمة في عصر الغيبة، بل كما يستفاد من الروايات الإسلامية، فإن هناك ثلة من الأفراد الذين يعيشون عشق الله و يتمتعون بقلب ينبض بالإيمان و الإخلاص و التفكير
في إصلاح العالم مرتبطة بالإمام و تعدّ بالتدريج من خلال هذه الرابطة.
فهذه بعض الآثار العملية للاستفادة من الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف في غيبته.
و أما سبل انتصار ذلك المصلح العظيم، فهل ينهض بالسيف فعلى هذا الأساس ترد بعض الأسئلة بشأن قيام المصلح العالمي الكبير و منها:
-هل يعتمد على الأسلحة التقليدية للعصور السابقة بغية تحقيق النصر و هزيمة الجبارة و الطواغيت؟
-هل تزول كل هذه الوسائل الحديثة و المتطورة؟
و غير ذلك من الأسئلة، فإنه بشأن السلاح فنقول: لابد من الإطاحة بالحكومات الجائرة و المستبدة من أجل استقرار حكومة العدل و ينبغي على الأقل توفير الأسلحة الأفضل للقضاء على تلك الحكومات، السلاح الذي ربما يصعب علينا اليوم حتى تصوره. و لا يسعنا الإشارة إلى هذا السلاح من الناحية المادية أو النفسية أو سائر النواحي و كل ما يسعنا قوله أنه سيكون السلاح الأقوى ... (1)
1) الحكومة العالمية للإمام للهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف
إذن يجب العمل الدؤوب في كل المستويات العلمية و الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية و غيرها لتهيأة المجتمع الإسلامي لذلك الأمل الموعود مادياً و معنوياً و الاكتفاء الذاتي بقوة المنتظرين العاملين.
و في الختام أسأله تعالى أنْ يتقبل منَّا هذا العمل بأحسن قبوله، أرجو أنْ أكون قد وفقت لبيان لمحة من اللمحات المباركة حول الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف و ما يتعلق بغيبته و انتظاره، آملاً ليومه الموعود ليكون الانتظار مثمراً قولاً و عملاً في الاستعداد الحقيقي لذلك و التضحية من أجله، و الحمدُ للَّهِ أوّلًا و آخِراً وَ صلَّی اللَّهُ علی محمّدٍ و آلهِ الطّاهرینَ.
شهاب الدين حسينى
بالاسم
سعيد العذاري
عذاری، سعید کاظم
معالم الحكومة في عهد ظهور الامام المهدى عليه السلام/ سعيد كاظم العذاري- تهران منصف.
1383
272 ص
ISBN 964_93922_8_9
فهرست نویسی بر اساس اطلاعات فیبا
عربی.
کتابنامه: ص (247) - 258
1- مهدویت، 2. محمد بن حسن (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف)، امام دوازدهم، 255 ق - 3، مهدویت -- احاديث الف. عنوان
6م 4ع/BP224
462 / 297 8866-م83
کتابخانه ملی ایران
عنوان الكتاب: معالم الحكومه فى عهد ظهور الامام المهدى
المولف: سعید کاظم العذاري
الناشر: منصف
الطبعه الاولى
سنته الطبع: 83
الكميه: 5000
شابک: 9 - 8 - 93922 - 964
دار النشر منصف تلفون: 3794210
دار الجليس بيروت لبنان تلفون: 009613720485
تظافرت الروايات على خروج قوم من المشرق يوطئون للمهدي سلطانه، و يكون لهؤلاء الموطنين الدور الأساسي في انتصارات الامام المهدي عَلیْهِ السَّلام.
ورد عن رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم أنّه قال: یَخْرُجُ ناسٌ مِنَ المَشْرِقِ فَیُوَطِّئُونَ لِلْمَهدِیِّ سُلْطانَه (1)
و روی أنّه صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم قال: تَجِیءُ اَلرَّایَاتُ اَلسُّودُ مِنْ قِبَلِ اَلْمَشْرِقِ کَأَنَّ قُلُوبَهُمْ زُبَرُ اَلْحَدِیدِ، فَمَنْ سَمِعَ بِهِمْ فَلْیَأْتِهِمْ فَبَایَعَهُمْ وَ لَوْ حَبْواً عَلَی اَلثَّلْجِ (2).
و في رواية أنّه صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم قال: إنّا أهلُ بَیتٍ اِختارَ اللّهُ لَنَا الآخِرَهَ عَلَی الدُّنیا، و إنَّ أهلَ بَیتی سَیَلقَونَ بَعدی بَلاءً و تَشریدًا و تَطریدًا، حَتّی یَأتِیَ قَومٌ مِن قِبَلِ المَشرِقِ مَعَهُم رایاتٌ سودٌ، فَیَسأَلونَ الخَیرَ فَلا یُعطَونَهُ، فَیُقاتِلونَ فَیُنصَرونَ فَیُعطَونَ ما سَأَلوا فَلا یَقبَلونَهُ حَتّی یَدفَعوها إلی رَجُلٍ مِن أهلِ بَیتی فَیَملَؤها قِسطًا کَما مَلَئوها جَورًا، فَمَن أدرَکَ ذلِکَ مِنکُم فَلیَأتِهِم و لَو حَبوًا عَلَی الثَّلجِ (3)
و في رواية عنه صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم انه قال: یَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ وَرَاءِ اَلنَّهَرِ یُقَالُ لَهُ: اَلْحَارِثُ بْنُ حَرَّاثٍ عَلَی مُقَدِّمَتِهِ رَجُلٌ یُقَالُ لَهُ مَنْصُورٌ یُوَطِّئُ أَوْ یُمَکِّنُ لِآلِ مُحَمَّدٍ کَمَا مَکَّنَتْ قُرَیْشٌ لِرَسُولِ اَللَّهِ صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم وَجِبٌ عَلَی کُلِّ مُؤْمِنٍ نُصْرَهُ (1)
و قال صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: تَخْرُجُ مِنَ الْمَشْرِقِ رَایَاتٌ سُودٌ لِبَنِي الْعَبَّاسِ، ثُمَّ يَمكُثونُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ تَخْرُجُ رَايَاتٌ سُودُ صِغَارٌ يُقَاتِلُ رَجُلًا مِنْ ولد أَُُبی سُفیانٍ وَ أَصْحَابِهِ مِنْ قِبَلِ اَلْمَشْرِقِ، يُؤَدُّونَ اَلطَّاعَةَ لِلْمَهْدِيِّ (2)
و هنالك روايات عديدة و متواترة تشير إلى خراسان فقومها هم الموطئون للمهدي سلطانه.
روي عن رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم أنّه قال: تَخْرُجُ من خُراسانَ رَايَاتٌ سُودٌ فَلا يَرُدَّهَا شَيْءٌ حَتَّى تُنْصَبَ بِإِيلِيَاءَ (3)
و عن الامام الباقر عَلیْهِ السَّلام قال: تَنزِلُ الرّایاتُ السّودُ الَّتی تَخرُجُ مِن خُراسانَ الکوفَةِ، فَإِذا ظَهَرَ المَهدِیُّ بِمَکَّةَ بَعَثَ إلَیهِ بِالبَیعَة (4)
روي عن الامام علي عَلیْهِ السَّلام أنّه قال: إذا خَرَجَت خَیلُ السُّفیانِیِّ إلَی الکوفَةِ بَعَثَ فی طَلَبِ أهلِ خُراسانَ ، و یَخرُجُ أهلُ خُراسانَ فی طَلَبِ المَهدِیِّ، فَیَلتَقی هُوَ وَ الهاشِمِیُّ بِرایاتٍ سودٍ، عَلی مُقَدِّمَتِهِ شُعَیبُ بنُ صالِحٍ ، فَیَلتَقی هُوَ و أَصحابُ السُّفیانِیِّ بِبابِ إصطَخرَ، فَتَکونُ بَینَهُم مَلحَمَةٌ عَظیمَةٌ، فَتَظهَرُ الرّایاتُ السّودُ، و تَهرُبُ خَیلُ السُّفیانِیِّ، فَعِندَ ذلِکَ یَتَمَنَّی النّاسُ المَهدِیَّ و یَطلُبونَهُ (5)
و خراسان كما في قول ياقوت الحموي: بلاد واسعة أول حدودها ممّا يلي
العراق، و آخر حدودها ممّا يلى الهند طخارستان و غزنة و سجستان و كرمان و ليس ذلك منها أنما هو أطراف حدودها (1)
و يفهم من استعمال المسلمين في صدر الإسلام أنّ الأْصل في كلمة المشرق يقصد بها ايران خاصة، و انها عندما تطلق على غيرها معها تحتاج إلى قرينة، و لذلك يكثر في كتب التاريخ تعبير (بلاد المشرق و ما وراء النهر).
و بناءً على هذا يصبح من المعقول أن يعبر النبي صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم برايات المشرق تارة و رايات خراسان أخرى لأنّ معناهما العرفي واحد أو متقارب، و مضافاً إلى ذلك فانّ الاحاديث الواردة عن أئمة أهل البيت عَلیْهِمُ السَّلام و الصادرة في القرن الأول و الثاني و الثالث تستعمل تارة تعبير (رايات المشرق و من شرقي الأرض) و تارة (رايات خراسان) ممّا يدل على أنّ المعنى المقصود بها واحد (2)
و على جميع الأحوال فان المقصود من (المشرق و خراسان) ایران خاصة، و هذا واضح لمن كتب في الجغرافية و التاريخ و الحديث.
و هنالك مؤيدات من تنبؤات بعض الغربيين و منهم (نوستر دامس) الذي عاش في القرن السادس عشر الميلادي 1503 - 1566 في جنوب فرنسا، و يعتقد أن من أهم مصادر تنبؤاته كتاب (الأسرار المصرية De mysteriis Agyptorum)، و حول تنبؤاته يقول: انها نور ينوّر به بصيرة من يتصدى لهذا الأمر، و انها موهبة و لطف الهى، و انها مطالعة و رصد النجوم و لحركتها (3)
وفيا يلي نستعرض تنبؤاته التي تتعلق بدور الإيرانيين في حركة التاريخ
الاسلامي في آخر الزمان.
القائد من اسكتلنده مع سنة ألمان بارزين سيقبض عليهم رجال بحرية شرقيّون سيعبرون بهم جبل طارق و أسبانيا ثم يُقدَمون فى ايران إلى الزعيم المرعب الجديد (1)
اخرجوا، اتركوا جنيق كل واحد منكم [ساترن] سوف يتبدل من ذهب إلى حديد اولئك الذين هم ضدّ الزعيم الايراني سيبادون قبل الخروج الصاخب ستعرض السماء علامات (2)
سوف تهاجم فرنسا من خمسة اطراف بسبب إهمالها تونس و الجزائر يستثيرهما الإيرانيون [ليون] و [أشبيلية] و [برشلونة] سوف تسقط و لن يمكن انقاذها بواسطة جيش الفينيسيين (3)
مشعل ملتهب سوف يرى في السماء ليلاً بالقرب من منبع و مصبّ نهر [الرون] مجاعة و سلاح، المعونة تأتي متأخرة جداً
ایران سوف تتحرك و تغزو مقدونيا (1)
القائد الايراني يتحشد في أسبانيا الكبرى أسطول من السفن ضد الرجال المحمديين من [پارتيا] و [ ميديا]، و يسلبون اليونان بعدها انتظار طويل في الميناء [أيوني] الكبير (2) و پارتيا اسم دولة قامت في ايران وسط القرن الثالث قبل الميلاد.
و ميديا اسم منطقة قديم تقع شمال غرب ايران في زمن كورش في القرن السادس قبل الميلاد.
و البحر الأيواني هو جزء من البحر الأبيض المتوسط المحصور بين رأس ايطاليا و بين اليونان.
بالنار و الحديد ليس بعيداً من البحر الأسود تأتي قوات من ايران لتحتل [طرابزوند] [فاروس] و [مثلين] ترجفان. سيطرة شاملة بحر الأدرياتيك يغطيه الدم العربي (3) و طرابزوند مدينة تقع إلى الجنوب الشرقي من البحر الأسود في تركيا الحالية. و فاروس هي جزيرة عند مدخل ميناء الاسكندرية.
و مثلين جزيرة يونانية اسمها الحالي لسبوز.
و تحديد أو تخصيص الايرانيين بالتوطئة للامام المهدي عَلیْهِ السَّلام حقيقة موضوعية يثبتها الواقع، فدولة ايران قديماً و حديثاً تتبنى منهج أهل البيت عَلیْهِمُ السَّلام و منه المنهج المهدوي، و تروّج للثقافة المهدوية حكومة كانت أو شعباً في داخل ايران أو في خارجها، بل هي الدولة الوحيدة التي تروج للمهدوية و للامام المهدي عَلیْهِ السَّلام و هذا الأمر في غاية الوضوح و لا يحتاج إلى دليل، فكتبهم و منابرهم و اعلامهم و أدبياتهم متوجهة نحو الامام المهدي عَلیْهِ السَّلام.
و يختص الايرانيون بخصائص تقربهم من النصر في جميع المعارك التي يخوضونها، و خاصة المعارك التي تنطلق من أجل الدين و رفع راية لا اله إلّا الله، و من هذه الخصائص:
1- الامكانات الاقتصادية و القدرة على التموين العسكري الذاتي.
2- الامكانات البشرية؛ حيث انَ قوات التعبئة فى الوقت الحاضر قادرة على اعداد جيش قوامه 20 ملیون مقاتل، في حيث تعجز امريكا و روسيا من اعداد مثل هذا الجيش.
3- الارتباط العقلي و القلبي بالامام المهدي عَلیْهِ السَّلام.
4- انتشار الثقافة المهدوية وسط جميع القوميات و المذاهب.
5- الطاعة للفقهاء و اعتبارهم نواباً للامام المهدي عَلیْهِ السَّلام.
6- وجود أكثر من ثلاثين الف عالم دين يتبنون التبليغ لأهل البيت و للامام المهدي خصوصاً.
7- الاصرار على العمل و الجهاد إلى تحقيق الأهداف.
8- تحمل الصعاب و الشدائد من أجل الدين و المذهب و الكرامة.
9- الاستعداد الدائم للتضحية بالغالي و النفيس من أجل الدين و المذهب و الكرامة.
10- القدرة على المواصلة و الاختصاص بالنفس الطويل.
و من الناحية الواقعية فقد أثبتت ايران قدرتها على الصمود و التحدّي خلال سنوات الحرب الثمان، فقد صمدت أمام قوى الشر و العدوان التي جندت جميع امكاناتها و قدراتها للقضاء على الدولة الاسلامية الفتية، و قد صمدت أمام العالم كلّه الذي ساند النظام العراقي في إعتدائه، و قد اثبت الواقع عجز أمريكا و غيرها من دول الاستكبار من النيل من استقلال ایران و عزتها.
سلسلةُ الاَحادیث المُشْتَركةَ
فِي الاَحادیث المُشْتَركةَ بَينَ السُنَّة و الشيعَة
محمد أمير الناصري
اشراف
الشيخ مُحمّد علي التَسخْيري
مرکز التحقیقات و الدراسات العلمية
المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية
ناصري، محمد امير
الأحاديث المشتركة حول الامام المهدي/ تأليف محمد امير الناصري؛ اشراف محمد علي التسخيري.--تهران: المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية، المعاونية الثقافية، مركز التحقيقات و الدراسات العلمية، 1427ق- 2006م - 1384.
357 ص.
25000 ریال : 5-15- 8889- 964 :ISBN
فهرست نویسی بر اساس اطلاعات فیپا.
عربی.
کتاب نامه: ص [337]- 349؛ هم چنین به صورت زیرنویس.
1- م- ح- م بن حسن(عج)، امام دوازدهم، 255 -- احادیث. 2.مهدویت -- احادیث. الف. تسخيري، محمد علي، اشراف. ب. المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية. مركز البحوث و الدراسات العلمية ج. عنوان.
3الف 16ن/ 51 BP
297/959
کتابخانه ملی ایران
30533 - 84م
المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
اسم الكتاب: الأحاديث المشتركة حول الإمام المهدي [سلسلة الاحاديث المشتركة (11)]
تأليف: محمد أمير الناصري
اشراف: الشيخ محمد علي التسخيري
تقويم النص: شوقي محمد
الناشر: المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية- المعاونية الثقافية/ مركز التحقيقات و الدراسات العلمية
الطبعة: الاولى 1427 ه-.ق / 2006م
المطبعة: نگار
الكمية: 1000 نسخة
السعر: 25000 ريال
ردمك: 5- 15 – 8889 - 964 964-8889-15-5 :ISBN
العنوان: الجمهورية الاسلامية في ايران- طهران- ص. ب: 6995 - 15875
تلفكس: 14 - 88321411 - 21 - 0098
جميع الحقوق محفوظة للناشر
و يشتمل على ثلاثة فصول:
(337) سنن الداني: عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: لا تَزالُ طائِفَةٌ مِن اُمَّتی تقاتل عن الحقّ حتّى... ينزل المهدي (1)
(338) مسند أحمد: حدَّثنا موسى، حدَّثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر: أنّه سمع النبيّ صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم یقول:
لا تَزالُ طائِفَهٌ مِن أُمَّتی یُقاتِلونَ عَلَی الحَقِّ ظاهِرینَ إلی یَومِ القِیامَةِ، فیَنزِلُ عیسَی بنُ مَریَمَ، فَیَقولُ أمیرُهُم: تعال صلِّ بنا، فيَقولُ: لا، إنّ بَعضَكُم على
1) السنن الواردة في الفتن: 143.
بَعضٍ أمیرٌ؛ لِیُکرِمَ اللّهُ هذِهِ الاُمََّة (1) (339) فردوس الأخبار: عن أبي هريرة، عن النبيّ صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم قال:
بنزل عيسى بن مريم على ثمان مائة رجل و أربع مائة امرأة، خيار من على الأرض، و أصلح من مضى. (2)
(340) بشارة المصطفى: عن الحسن عَلیْهِ السَّلام قال: قال رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم:
لا تَزالُ طائِفةٌ مِنْ اُمَّتی يُقاتِلونَ عَلَی الْحَقِّ ظاهرين اِلی يوم القيامة، قال: فَيَنزَلُ عيسی بنُ مَرْيَمَ.(3) (341) مجمع البيان عن الربيع بن أنس، قال: قرأ النبيُّ صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم هذه الآية وَ مِمَّنْ خَلَقْنَا اُمَّةٌ یَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ یَعْدِلُونَ (4)فقال:
إنَّ مِن اُمَّتی قَوماً عَلَی الحَقِّ حَتّی یَنزِلَ عیسَی بنُ مَریَمَ (5)
1) مسند أحمد 3: 345، و في: 384 بسنده عن حجاج، عن ابن جريح، قال: أخبرني أبو الزبير: أنّه سمع جابر بن عبد الله يقول: بمثله، و فيه: «أمراء» و «تكرمة الله عزَّ و جلَّ»، و أخرجه أيضاً مسلم 1: 137 ب 71 ح 247 عن الوليد بن شجاع و هارون بن عبد الله و حجاج بن الشاعر، قالوا: حدّثنا حجّاج «و هو ابن محمّد» ثمَّ أورد بقية سند رواية أحمد الثانية، مثلها بتفاوت يسير، و في 3: 1524 ب 53 ج 1923 كما في روايته الأولى مع اختلاف في أواخرها، و ليس في سنده «الوليد بن شجاع».
2) فردوس الأخبار للديلمي: 515 ح 8935، و أخرجه في زهر الفردوس 403:4 علي ما في هامش الفردوس، و ذكر سند الديلمي له، و في جمع الجوامع 1: 1017 عن الديلمي عن أبي هريرة، و في كنز العمّال 338:14 ح 38863 عن أبي هريرة و فيه: «أخيار و صلحاء»، و في تصريح الكشميري: 254 ح 69 بمثله، و قال: «أخرجه الديلمي كما في كنز العمال».
3) بشارة المصطفى: 249.
4) الأعراف: 181.
5) مجمع البيان 4: 503، و رواه في الصافي 256:2 عن مجمع البيان، و في غاية المرام: 428 ب 186 ح 7 عن مجمع البيان، و كذا في تفسير نور الثقلين 2: 105 ح 386 عن مجمع البيان أيضاً.
(342) فتن ابن حمّاد: حدِّثنا محمّد بن فضيل و عبد الله بن إدريس و جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: بينما نحن عند رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم إذ جاء فنية من بني هاشم ، فتغيّر لونه، قلنا: يا رسول الله، ما نزال نرى في وجهك شيئاً نكرهه، فقال:
یأتیَ قَومٌ مِن هاهُنا، من نحوِ المَشرِقِ، أصْحابُ رایاتٍ سُودٍ، یَسألونَ الحقَّ فلا یُعْطَونَهُ، مَرَّتَینِ أو ثَلاثاً، فیُقاتِلونَ فیُنْصَرونَ، فیُعْطَونَ ما سَألوا، فلا یَقْبَلونَها حتّی یَدْفَعوها إلی رجُلٍٍ مِن أهلِ بَیتی، فَیَملَؤها عَدلاً کما مَلَؤُوها ظُلْما ، فمَن أدْرَکَ ذلکَ مِنکُم فلْیَأتِهِم و لَو حَبْواً علی الثَّلْجِ، فإنَّهُ المَهدیُّ (1)
(343) دلائل الإمامة: حدّثني أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الطبري، قال: حدَّثنا أبو عبد الله محمّد بن زيد بن علي الخفري بالكوفة، قال: حدَّثنا محمّد بن الحسين
1) الملاحم و الفتن: 84، و أخرجه أيضاً جمع كثير من أصحاب الحديث و الرجال و التفسير و المناقب، فقد أخرجه: میزان الاعتدال 4: 423 رقم 9695، المنار المنيف: 149 ف 50 ج 341، فتن ابن كثير 41:1 عن ابن ماجة، مقدّمة ابن خلدون: 251 ف 53، الفصول المهمة: 294 ف 12، الدر المنثور 6: 58 يتفاوت يسير، الخصائص الكبرى 2: 119، جمع الجوامع 1: 284، برهان المتّقي: 90 ف 2 ح 6، كنز العمّال 14: 267 ح 38677، ينابيع المودّة: 135 ب 45 و: 193 ب 56، الإذاعة: 131، العطر الوردي: 53، عقد الدرر: 130 ب 5، و غيرهم. و روی نحو ابن ماجة في السنن 2: 1368 ب 34 ح 287 عن الزبيدي، و الطبراني في الأوسط 1: 200 ح 287، الفرائد السمطين 2: 333 و غيرهم.
بن حفص، قال: حدَّثنا إسماعيل بن إسحاق بن راشد، قال: حدَّثنا يحيى بن سالم، عن مطر بن خليفة و صباح بن يحيى المزني و مندل بن علي كلّهم، عن يزيد بن أبي زياد، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود قال: كّنا جلوساً عند النبيّ صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم ذات يوم فأقبل فتية من بني عبد المطلب، فلمّا نظر إليهم رسول الله اغرورقت عيناه بالدموع، فقلنا: يا رسول الله، أرأيت شيئاً تكرهه؟ قال:
إنّا أهل بيتٍ اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، و إنّ أهل بيتي هؤلاء سيُقتلون (سيلقون بعدي بلاءً و تطريداً و تشريداً، حتّى يأتي قوم من هاهنا، من نحو المشرق، أصحاب راياتٍ سود، يسألون الحقّ فلا يُعطونه، مرَّتين أو ثلاثاً، فيقاتلون فيُنصرون، فيُعطَون ما سألوا، فلا يقبلوها حتّى يدفعوها إلى رجلٍ من أهل بيتي، فيملؤها عدلاً كما ملؤوها ظلماً، فمن أدرك ذلك منكم فليأتهم و لو حَبْواً على الثلج، فإنّه المهدي) (1) (344) غيبة النعماني: حدَّثنا أحمد بن محمّد بن سعيد، قال: حدّثني علي بن الحسن، عن أخيه محمّد بن الحسن، عن أبيه، عن أحمد بن عمر الحلبي، عن الحسين بن موسى، عن معمر بن يحيى بن سام، عن أبي خالد الكابلي، عن أبي جعفر عَلیْهِ السَّلام أنّه قال:
کَأَنّی بِقَومٍ قَد خَرَجوا بِالمَشرِقِ، یَطلُبونَ الحَقَّ فَلا یُعطَونَهُ، ثُمَّ یَطلُبونَهُ فَلا یُعطَونَهُ، فَإِذا رَأَوا ذلِکَ وَضَعوا سُیوفَهُم عَلی عَواتِقِهِم، فَیُعطَون ما سَأَلوهُ، فَلا یَقبَلونَهُ حَتّی یَقوموا، و لا یَدفَعونَها إلّا إلی صاحِبِکُم، قَتلاهُم شُهَداءُ، أما
1) دلائل الإمامة: 233 و 235، و رواه أيضاً في العدد القويّة: 90 ح 156 كما في رواية الدلائل لكن بتفاوت يسير عن عبد الله بن عباس، و في 91 ح 157 كما في رواية الدلائل أيضاً، لكن بتفاوت يسير عن عبد الله بن مسعود، و في البحار 82:51 ب 1 ح 37 عن كشف الغمّة، و في منتخب الأثر: 170 ف 2 ب 1 ح 86 و 87 عن دلائل الإمامة.
إنّی لَو أدرَکتُ ذلِکَ لَاستَبقَیتُ نَفسی لِصاحِبِ هذَا الأَمرِ (1) (345) الإيقاظ من الهجعة: عن الإمام علي عَلیْهِ السَّلام قال:
يا جابر، إذا ... تحرّكت عساکر خراسان، و نبع شعيب بن صالح التميمي من بطن الطالقان، و بويع لسعيد السوسي بخوزستان... فتوقّعوا ظهور مكلّم موسى من الشجرة على الطور، فيظهر هذا ظاهر مكشوف (2) (346) بحار الأنوار: عن تايخ قم بإسناده عن عفّان البصري، عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلام، قال: قال لي:
أتدري لِمَ سُمِّي قم (3؟) قلت: الله و رسوله و أنت أعلم.
قال: اِنَّما سُمِّىَ قُمْ لاَِنَّ اَهْلَهُ يَجْتَمِعُونَ مَعَ قائِمِ آلِ مُحَمَّد، وَ يَقُومُونَ مَعَهُ، وَ يَسْتَقِيمُونَ عَلَيْهِ وَ يَنْصُرُونَهُ. (4)
(347) بحار الأنوار: عن تاريخ قم قال: روى محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن محمّد بن الحسن الحضرمي ، عن محمّد بن بهلول، عن أبي مسلم العبدي، عن أبي عبد الله الصادق عَلیْهِ السَّلام قال:
تُربَةُ قُمَّ مُقَدَّسَةٌ، و أهلُها مِنّا و نَحنُ مِنهُم، لا یُریدُهُم جَبّارٌ بِسوءٍ إلاّ عُجِّلَت عُقوبَتُهُ ما لَم یَخونوا إخوانَهُم ( یُحَوِّلوا أحوالَهُم، فَإِذا فَعَلوا ذلکَ سَلَّطَ اللّهُ عَلَیهِم جَبابِرَةَ سَوءٍ، أما إنَّهُم أنصارُ قائِمِنا، و دُعاةُ حَقِّنا) (5)
1) كتاب الغيبة: 273 ب 14 ح 50، و رواه في البحار 52: 243 ب 25 ح 116، عن النعماني، لكن بتفاوت يسير لا يضرُ.
2) الإيقاظ من الهجمة: 375 ب 10 ح 140.
3) قم: مدينة في ايران بقرب طهران، تعد مركزاً مشعّاً للدراسات الإسلامية للشيعة.
4) البحار 60: 216 ب 36 ح 38، و رواه عنه في منتخب الأثر: 485 ف 8 ب 1 ح 5.
5) البحار 218:60 ب 36 ح 49.
(348) فتن ابن حمّاد: حدَّثنا أبو يوسف، عن محمّد بن عبيد الله بن يزيد ابن السندي، عن كعب قال:
عَلاَمَةُ خُرُوجِ المهْدِى اَلْوَيَّةُ تُقْبِلُ مِنَ اَلْمُعْرِبِ، عَلَيْهَا رَجُلٌ أَعْرَجُ مِنْ كِنْدَة (1) (349) فتن ابن حمّاد: حدَّثنا رشدين، عن ابن لهيعة، عن أبي قبيل، عن شفي، عن تبيع، عن كعب، قال: قال أبو قبيل:
یَکُونُ بافريقية أمير اِثْنَی عَشَرَ سنة، ثُمَّ تَکُونُ بَعْدِه فِتْنَةٌ، ثُمَّ يَمْلِكُ رَجُلٌ اسْمر يَمْلُو هَا عَدْلاً، ثُمَّ يَسِيرُ الى اَلْمَهْدِی، فَيُؤَدَّى اليه اَلطَّاعَةَ وَ يُقَاتِلُ عَنْهُ (2)
(350) غيبة النعماني: أخبرنا علي بن أحمد، عن عبيد الله بن موسى، عن محمّد
1) الملاحم و الفتن: 91، و رواه أيضاً في ملاحم ابن المنادى: 44 عن ابن حمّاد بتفاوت يسير في السند، و في السنن الواردة في الفتن: 73 حدّثنا ابن عفّان، قال: حدّثنا أحمد بن ثابت، قال: حدّثنا سعيد، قال: حدثنا أبو الفتح، قال: حدّثنا علي بن معبد، قال: حدّثنا خالد بن سلام، عن محمّد بن عبيد الله بن يزيد بن سندي، و في عقد الدرر: 51 ب 4 ف 1كما في الداني، و قال: «أخرجه الامام أبو عمر و عثمان بن سعيد المقرئ في سنته، و أخرجه أبو عبد الله نعيم بن حمّاد».
2) الملاحم و الفتن: 85 و رواه أيضاً في عرف السيوطي ضمن الحاوي 68:2 عن ابن حمّاد، و في برهان المتّقي: 194 ب 7 ح 8 و 9 عن عرف السيوطي ضمن الحاوي، و في فرائد فوائد الفكر: 17 ب 5 عن ابن حمّاد.
بن موسى، قال: أخبرني أحمد بن أبي أحمد المعروف بأبي جعفر الورّاق، عن إسماعيل بن عيّاش، عن مهاجر بن حكيم، عن المغيرة بن سعيد، عن أبي جعفر الباقر عَلیْهِ السَّلام أنّه قال: قال أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام:
اَلرَّايَاتِ اَلصُّفْرِ، تُقْبِلُ مِنَ اَلمَغْرِبِ حَتَّى تَحُلَّ بِالشَّامِ، وَ ذَلِكَ عِنْدَ الجَزَعِ الأَكْبَرِ وَ اَلمَوْتِ الأَحْمَرِ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ. ... فَانْتَظِرُوا خُرُوجَ اَلمَهْدِيِّ (1)
1) كتاب الغيبة: 305 - 306 ب 18 ح 16، و رواه أيضاً في البدء و التاريخ (2: 177، و في غيبة الطوسي: 277 قال: أخبرنا جماعة، عن أبي المفضّل الشيباني، عن أبي نعيم نصر بن عصام أبن المغيرة العمري، عن أبي يوسف يعقوب بن نعيم، عن أحمد بن محمّد الاسدي، عن محمّد ابن أحمد، عن إسماعيل بن عيّاش، عن مهاجر بن حكيم، عن معاوية بن سعيد، عن أبي جعفر محمّد بن علي، قال: قال علي بن أبي طالب عَلیْهِ السَّلام: اَلرَّايَاتِ اَلصُّفْرِ، تُقْبِلُ مِنَ اَلمَغْرِبِ حَتَّى تَحُلَّ بِالشَّامِ، فَإذا کانَ ذَلِكَ فَانْتَظُرُوا خَسْفَاً بِقَرْيَةٍ مِنْ قرى الشام. و في الخرائج 3: 1151 ب 20 ح 58 كما في غيبة الطوسي بتفاوت يسير، مرسلاً عن أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام، و في: 76 ح 127 كما في غيبة الطوسي أيضاً، و في منتخب الأنوار المضيئة: 29 ف 3 بمثل الخرائج، و في إثبات الهداة 3: 730 ب 34 ف 6 ح 69 عن غيبة الطوسي، لكن بتفاوت في السند، و في البحار 216:52 ب 25 ح 73 عن غيبة الطوسي بتفاوت يسير، و في: 253 ب 25 ح 144 عن النعماني، و رواء في بشارة الاسلام: 53 ب 2 عن غيبة الطوسي.
غالب السيد محمد علي الحيدري
دار المحجَّة البيضَاء
جميع الحقُوقه مَحفوظَة الطّبعَة الأولى
1437 ه- / 2016م
ISBN 978-614-426-672-4
الرويس - مفرق محلات محفوظ ستورز- بناية رمّال
ص-ب: 14/5479- هاتف: 03/287179- 01/541211
دار المحَجّة البَيْضاء تلفاكس: 01/552847 - E-mail almahajja@terra.netlb
www.daralmahaja.com info@daralmahaja.com
و هو من الوظائف المهمّة في زمان الغَيبة، و خصوصاً قرب الظهور.
و يستفاد ذلك من الروايات، من قبيل ما تقدّم في بيان الوظيفة الرابعة، و هو انتظار فرجه الشريف و ظهوره المبارك.
و من قبيل ما روي عن أبي بصير، عن الصادق عَلیْهِ السَّلام أنه قال: مَنْ سُرَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ الْقَائِمِ فَلْيَنْتَظِرْ، وَ لْيَعْمَلْ بِالْوَرَعِ وَ مَحَاسِنِ الْأَخْلاقِ وَ هُوَ مُنْتَظِرٌ، فَإِنْ مَاتَ وَ قَامَ الْقَائِمُ بَعْدَهُ، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ أَدْرَكَهُ، فَجِدُّوا وَ انْتَظِرُوا، هَنِيئاً لَكُمْ أَيَّتُهَا الْعِصَابَةُ الْمَرْحُومَةُ (1)
و هذه المجاهدة، و هذا التهذيب للنفس، إنّما هو مقدّمة للعزم على طاعة الإمام عَلیْهِ السَّلام بعد ظهوره، الّذي هو من نتائج تمام الإيمان.
و يُستفاد ذلك أيضاً من الآية الشريفة في قوله تعالى: ... يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ (2)
فإنّ هذه الآية الكريمة تفيد أمرين مهمّين:
الأمر الأول: أنّ الذي لم يؤمن إلّا بعد الظهور من المسلمين، لا ينفعه إيمانه شيئاً. و يؤيّد ذلك ما روي في تفسير هذه الآية، عن أبي جعفر عَلیْهِ السَّلام في قوله: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إيمانها خيرًا الآية، قال: إِذَا طَلَعَتِ اَلشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَکُلُّ مَنْ آمَنَ فِی ذَلِکَ اَلْیَوْمِ لاَ یَنْفَعُهُ إِیمَانُهُ [ أبدأخ]*.و ما روي عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلام، أنّه قال في قول الله عزَّ و جلَّ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا: الآيات: الأئمّة، و الآية المنتظرة: القائم عَلیْهِ السَّلام، فيومئذٍ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت [به خ] من قبل قيامه بالسيف، و إن آمنت بمن تقدّم من آبائه عَلیْهِمُ السَّلام.
و ما روي عن أبي جعفر محمّد بن عليّ، عن أبيه، عن جدّه عَلیْهِمُ السَّلام، قال: قال أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام:ِ إنَّ النَّاسَ يُوشِكُونَ أَنْ يَنْقَطِعَ بِهِمُ الْعَمَلُ، وَ يُسَدَّ عَلَيْهِمْ بَابُ التَّوْبَةَ، فَلا يَنفَعُ نَفْساً إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً.
الأمر الثاني: أنّه كلما زاد الإنسان في مجاهدة نفسه و تربيتها، و وصل بها إلى درجةٍ من الكمال، فإنّ هذه الدرجة من الكمال الّتي وصلها قبل قيام القائم عَلیْهِ السَّلام، هي التي ستحدّد منزلته بعد الظهور، و تحدّد مكانته في دولة الإمام المهديّ العالميّة. و يؤيد هذا المعنى الروايات كذلك.
كما عن أبي بصير، عن أحدهما عَلیْهِما السَّلام في قوله: أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا، قال: اَلْمُؤْمِنُ اَلْعَاصِی، حَالَتْ بَیْنَهُ وَ بَیْنَ إِیمَانِهِ- أي: إيمانه الكامل، لأنّه مؤمنٌ حسب الفرض- کَثْرَةُ ذُنُوبِهِ، وَ قِلَّةُ حَسَنَاتِهِ، فَلَمْ یَکْسِبْ فِی إِیمَانِهِ- أي: إيمانه الناقص- خيراً. فالرواية تفيد أنّه مؤمن، لكن لم يستفد من إيمانه في رفع درجته قبل الظهور، فلا يفيده
رفع الدرجة بعد الظهور. هكذا يظهر من الآية، و الله العالم (1)
و ممّا ينبغي أن يعمله الإنسان قبل ظهوره عَلیْهِ السَّلام، هو التوبة الحقيقيّة من الذنوب و المعاصي، و إن كانت التوبة منها واجبةً في كلّ زمان، إلّا أنّ هذا الوجوب يتأكد في زمان الغَيبة الكبرى، من جهة كون هذه الذنوب أحد أسباب غيبة الإمام عليه السلام و طولها، فإنّ ذنوبنا العظيمة الكثيرة أصبحت سبباً لامتناعه عن الظهور.
كما ورد ذلك في التوقيع الشريف المرويّ في الاحتجاج (2)، حيث يقول عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف فيه: فَمَا یَحْبِسُنَا عَنْهُمْ إِلَّا مَا یَتَّصِلُ بِنَا مِمَّا نَکْرَهُهُ، وَ لَا نُؤْثِرُهُ مِنْهُمْ، وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ، وَ هُوَ حَسْبُنَا وَ نِعْمَ الْوَکِیلُ.
و ممّا ينبغي عمله إضافةً إلى التوبة الحقيقيّة، هو ردّ الحقوق إلى أصحابها، و إلّا فالإنسان مرهونٌ و مقيَّدٌ بتلك الحقوق، إن لم يردّها إلى أصحابها.
و ممّا ينبغي إضافته هنا، و هو من متممّات هذا الأمر، هو الاقتداء و التأسي بأخلاق الإمام عَلیْهِ السَّلام و أعماله، حسب الإمكان، و هو معنى التشيّع، و حقيقة الانتمام، و به حصول كمال الإيمان، و تمام الموالاة للإمام عَلیْهِ السَّلام يوم قيامه.
كما ورد في كتاب أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام إلى عثمان بن حنيف: ...أَلَا وَ إِنَّ لِکُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً، یَقْتَدِی بِهِ، وَ یَسْتَضِیءُ بِنُورِ عِلْمِهِ، و هذا معناه أنّ لكلِّ مأمومٍ إماماً يجب يقتدي به، و في مكانٍ آخر من نفس الكتاب، يقول عَلیْهِ السَّلام: اَلا وَ إِنَّكُم لا تقدِرونَ عَلى ذلِكَ وَ لكِن أَعينُونى بِوَرَعِ و اِجتِهادٍ و عِقَةُ وَ سَدادٍ (3)، أي: و لكن إن لم تقدروا على ذلك فأعينونيِ بورعٍ عن محارم الله، و اجتهاد في طاعة الله، و عفّةٍ و هي
سلوك الوسط و الاعتدال في شهوات الدنيا، و سدادٍ في الرأي الذي يحصل بالتعلّم و الاكتساب.
و كما روي عن الإمام زين العابدين عَلیْهِ السَّلام، قال: ... أَلا وَ أَنَّ أَبَغْضَ النّاسِ إِلی اللَّهِ مَنْ یَقْتَدِی بِسُنِّة إِمامٍ وَ لا یَقْتَدِی بِأَعْمالِهِ (1)
و الظاهر- كما يقول صاحب المكيال- أنّ المراد من هذا الكلام أنّ أبغض الناس إلى الله من حيث العمل، من يكون على طريقة الإمام، معتقداً بإمامته و ولايته، و مقرّاً بهما، و هو مع ذلك يخالفه في الأعمال و الأقوال و الأخلاق، فيكون شيئاً و عاراً على الإمام، و سبباً لطعن الأعداء و إزرائهم عليه، و هذا ذنبٌ عظيم، لذا روي عنهم عَلیْهِمُ السَّلام أنّهم قالوا: كُونُوا لَنَا زَيْناً، وَ لَا تَكُونُوا عَلَيْنَا شَيْئاً (2)
و روي عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلام قال: إنّا لا نَعُدُّ الرَّجُلَ مُؤمِناً حَتّی یَکونَ بِجَمیعِ أمرِنا مُتَّبِعاً مُریداً، ألا و إنَّ مِنِ اتِّباعِ أمرِنا و إرادَتِهِ الوَرَعَ، فَتَزَیَّنوا بِهِ یَرحَمکُمُ اللّهُ، و کَبِّدوا [و كيدوا خ ل] أعداءَنا [ بِهِ خ] یَنعَشکُمُ اللّهُ. (3)
و روي عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلام أنه قال: عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَ الْوَرَعِ وَ الْاجْتِهَادِ، وَ صِدْقِ الْحَدِيثِ، وَ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَ حُسْنِ الْخُلُقِ، وَ حُسْنِ الْجَوَارِ، وَ كُونُوا دُعَاةً إِلَى أَنْفُسِكُمْ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ، وَ كُونُوا زَيْناً وَ لَا تَكُونُوا شَيْئاً، وَ عَلَيْكُمْ بِطُولِ الرُّكُوعِ وَ السُّجُودِ،فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَطَالَ الرُّكُوعَ وَ السُّجُودَ، هتَفَ إِبْلِيسُ مِنْ خَلْفِهِ وَ قَالَ: يَا وَيْلَهُ، أَطَاعَ وَ عَصَيْتُ، وَ سَجَدَ وَ أَبَيْتُ (4)
العَلّامَة الشَيخ محمَّد باقر الفَقِيِْه
ترجمة
الشيخ على الإبراهيميْ
مؤسَسَة البَلَاغ
دَارْ سَلوُنى
حقُوق الطَّبْع محفوظَة
الطبْعَة الأولى
1428ه- 2007م
مُوسَسَة البَلاغ
للطباعة و النشر و التوزيع
المكتب بنر العبدستتر الإنماء 1 -ط 2
المستودع: حي الأبيض- شارع القائم
ص- ب: 11 - 7952- بيروت -2250- 1107 - هاتف: (03/514905)- تلفاكس : 1/553119 لبنان
الموقع الإلكتروني: www.albalagh-est.com
E-mail : Albalagh-est@hotmail.com
قال تعالى: اصْبِرُوا وَ صَابِرُوا وَ رابِطُوا (1)
و قال الإمام جعفر بن محمد الصادق (عَلیْهِ السَّلام): اِصْبِرُوا عَلَی اَلْفَرَائِضِ وَ صَابِرُوا عَلَی اَلْمَصَائِبِ وَ رَابِطُوا عَلَی اَلْأَئِمَّة ( عَلیْهِمُ السَّلام أي كونوا في مقام نصرتهم و موالاتهم (عَلیْهِمُ السَّلام)).
1) سورة آل عمران/الآية 200.
و يكون بقيام جماعة من المؤمنين بحماية حدود و ثغور البلاد الإسلامية من أي اعتداء خارجي للكفار، لكي يحافظوا على أمن و استقرار المسلمين الموجود داخل البلاد، و هذا النوع من النصرة التي بها تحفظ بيضة الإسلام و كرامة المؤمنين و المسلمين، تعود أخيراً إلى الوجود المبارك للإمام الحجة (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف) و إعلاء کلمته و عزه و ذلك لأن المشركين إذا استطاعوا الاعتداء على بلاد المسلمين، سوف تحدث صدمة كبيرة للإسلام و للمسلمين و سوف يمتد تأثيرها إلى الإمام (عَلیْهِ السَّلام) في حين إنه إذ استطاع المسلمون دحر المعتدين و المشركين، فإن معالم الدين تبقى ظاهرة في المجتمع من خلال حفظ كرامتهم و شرفهم و دينهم.
هو أن يكون المؤمنون في حالة انتظار كامل لفرج الإمام الحجة (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف) و أَن يكون مستعدين للتسليم و الطاعة لأوامره عند ظهوره الشريف اما في زمن غيبته فعليهم أن يكونوا ثابتي القدم أمام الابتلاءات و المصائب الكثيرة التي يواجهونها و أن يهيئوا أنفسهم روحياً و جسدياً لنصرة الإمام (عَلیْهِ السَّلام) .
في رواية عن أبي عبد الله الجعفي قال: قال لي ابو جعفر محمد بن علي (عَلیْهِ السَّلام: كم الرباط عندكم؟ قلت: اربعون، قال: لكن رباطنا رباط الدهر، و من ارتبط فينا دابة كان له وزنها و وزن وزنها ما كانت عنده، و من ارتبط فينا سلاحاً كان له وزنه ما كان عنده، لا تجزعوا من مرة و لا مرتين و لا من ثلاث و لا من أربع و إنما مثلنا و مثلكم مثل من كان في بني إسرائيل، فأوحى الله عزَّ و جلَّ إليه أن ادع قومك للقتال فإني سانصرك، فجمعهم من رؤوس الجبال و من غير ذلك ثمَّ توجه بهم فما ضربوا بسيف و لا طعنوا برمح حتى انهزموا، ثمَّ أوحى)
الله تعالى إليه أن ادع قومك إلى القتال فإني سانصرك، فجمعهم ثمَّ توجّه بهم فما ضربوا بسيف و لا طعنوا برمح حتى انهزموا، ثمَّ أوحى الله إليه أن ادع قومك إلى القتال فإني سانصرك فدعاهم فقالوا: وعدتنا النصر فما نُصرنا فأوحى الله تعالى إليه إما أن يختاروا القتال أو النار، فقال: يا رب القتال أحبُ إليَّ من النار فدعاهم فأجابه منهم ثلاث مئة و ثلاثة عشر عدّةَ أهل بدر فتوجه بهم فما ضربوا بسيف و لا طعنوا برمح حتى فتح الله (عزَّ وَ جلَّ لهم) (1)أي أنهم قبل أن يُشهروا سيوفهم و رماحهم بوجه أعدائهم أنزل الله (سبحانه و تعالى) عليهم النصر و ذلك لصدقهم و إخلاصهم لنصرة دين الله تعالى. عن الإمام الباقر (عَلیْهِ السَّلام) في قوله (عزَّ وَ جلَّ): اصْبِرُوا وَ صَابِرُوا وَ رَابِطُوا فقال: اِصْبِرُوا عَلَی أَدَاءِ اَلْفَرَائِضِ وَ صَابِرُوا عَدُوَّکُمْ وَ رَابِطُوا إِمَامَکُمْ (2)
يستفاد من حديث الإمام الباقر (عَلیْهِ السَّلام) و من احاديث أخرى في معنى المرابطة، أن التقوى و العمل الصالح هو من القسم الثاني للمرابطة، فعلى هذا الأساس فإن الأفعال التي تصدر عن المؤمن تنقسم إلى أربعة اقسام في مقام ترتيب الأجر و الثواب و هي:
القسم الأول: الافعال التي تصدر عن الإنسان و لا تحمل صبغة عبادية، أي ليست من الأمور العبادية المتعارف عليها في الشرع الإسلامي المقدس. و لهذا، فليس لها اجر و ثواب، إلا ان يصاحب هذه الاعمال قصد العبادة و القربة إلى الله (تبارك و تعالى)، و هذا القسم يشمل جميع الأمور المباحة مثل الأكل و الشرب و النوم و الذهاب و المجيء و المعاشرة، فهذه الأمور إذا اصبحت مقدمة للقيام ببعض الأمور المستحبة أو الواجبة فيمكن بعدها أن يكون لها اجر و ثواب، حيث تكون ضمن الأمور العبادية أيضاً، كان يأكل
الإنسان طعاماً أو يشرب شراباً حلالاً يقصد منه إدخال السرور في قلب مُؤمنٍٍ صالح. في هذه الحالة، سوف يأكل الأكل و الشرب مستحباً يقع فيه الثواب، و يمكن أن يحصل المؤمن على الأجر و الثواب الأكثر من الطعام و الشراب، إذا تناوله بالمقدار الذي يحتاجه لأداء الفرائض و الواجبات الإلهية، فهنا يكون الطعام و الشراب واجباً، يثاب الشخص عليه و يؤجر.
و احياناً تجد بعض الأمور المباحة مقاماً و فضلاً عند وقوعها تبعاً لعمل صالح آخر، فيجد المؤمن الثواب و الاجر بالرغم من أنه لم ينوِ ذلك كنوم العالم مثلاً، فإنه يكون عبادةً لأنه من خلال شرف العلم و فضله. و هكذا الأمر بالنسبة للصائم، فإنّ نومه أيضاً ،عبادة، و ذلك لقداسة الصوم و فضيلة شهر رمضان المبارك.
القسم الثاني: الافعال التي تحمل الوجهة العبادية، شرط يلازمها قصد القربة، فإذا لم يلازمها هذا القصد تزول عنها صفة العبادة و لا يكون في ادائها اجر و لا ثواب، و هذا القسم يشمل جميع العبادات، مثل: الصوم و الصلاة فالصلاة مثلاً تفقد حقيقتها عندما تفقد قصد القربة إلى الله ( سبحانه و تعالى)، و لو أديت بالشكل الكامل و المطلوب.
القسم الثالث: بعض الاعمال تحمل صفة الخير و السعادة، يُحبها الله (سبحانه وتعالى) من خلقه و لو لم يكن فيها قصد القربة إلى الله (سبحانه و تعالى) و لا طلب الاجر و الثواب الأخروي، مثل الإحسان إلى الآخرين من خلال تقديم الطعام أو المال أو اللباس أو غير ذلك، فإن هذا العمل محبوبٌ في نفسه و مطلوب من أي إنسان كان، و لو كان كافراً،و سوف يجازى الفاعل على عمله هذا بالخير في الدُنيا، و لعله في الآخرة يجازى عليه أيضاً، و لو بصورة تخفيف العذاب.
و لكن لو قام المؤمن بهذا العمل الصالح و قصد طلب الأجر و الثواب على عمله فإنه يحصل على الأجر العظيم و الثواب الكثير و المقام العالي عند الله (سبحانه و تعالى).
القسم الرابع: هناك بعض الاعمال لها عنوانٌ و مصداقٌ خارجي واحد، و لكن يمكن أن تكون اعمالاً متعددة حسب النية و القصد، و يكون في كلِّ قصدٍ و نيّةٍ اجرٌ و ثوابٌ مستقل بنفسه فمثلاً، إذا جاءك رجل عالمٌ من ذرية النبي ( صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم) و قد التوت به أمور الحياة الاقتصادية فاحتاج إلى العون و المساعدة و قمت بتقديم الخدمة و الهدية له تحت عنوان أنه رجل عالم مؤمن و لكونه من ذرية النبي (صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم) و لكونه وقع في شدة و ضيق، فإنك في هذه الحالة سوف تحصل على الأجر و الثواب على مقدار رغبتك، فإذا كانت نيتُك كبيرة تشمل جميع هذه الأمور فإنّ اجرك سيكون كبيراً أيضاً.
و هكذا يجري هذا الأمر عند القيام ببعض الأمور الواجبة، فمثلاً إذا أراد الإنسان الإغتسال عن أمر واجب، فإنه يستطيع أن يضم نيات متعددة أخرى سواء أكانت و اجبة ام مستحبة في غسل واحد.
و هكذا يمكن للمصلي أن ينوي في أداء الصلاة عدة أمورٍٍ خيريةٍ، و قد ذكرها الفقهاء بصورةٍ تفصيليةٍ في كتبهم الفقهية.
و كذلك يتم الأمر في باب نصرة الإمام الحجة المهدي المنتظر (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف) حيث يستطيع المؤمن من خلال قيامه بالأمور الشرعية الواجبة و المستحبة أن يقصد بعمله هذا نصرة الإمام (عَلیْهِ السَّلام)، فإذا نوى هذه النية فسوف يكون من المرابطين و الناصرين الدائمين للإمام (عَلیْهِ السَّلام)، و لكن عندما يترتب على هذه النصرة أو المرابطة أثر في الواقع الحياتي فإنها تكون افضل من غيرها، و لو قام الإنسان بأداء بعض الاعمال الصالحة أو بعض الأعمال العبادية و لم يكن يقصد بذلك النصرة للإمام (عَلیْهِ السَّلام) و كانت هذه الاعمال تحمل الطابع العبادي الداعي إلى الخير و الصلاح و التقوى في المجتمع، فإنه يقع في مجال نصرة الإمام (عَلیْهِ السَّلام) ايضاً و لو لم ينوِ او يقصد ذلك، و لكن إذا قرنَ المؤمن بعمله نُصرة الإمام (عَلیْهِ السَّلام)، فإنه يحصل على الأجر و الثواب المضاعف لعمله، حيث يحصل على الثواب من جانبين: من جانب ثواب العمل و من جانب آخر هو ثواب نيّة النصرة للإمام (عَلیْهِ السَّلام).
السَّيِّدُ نَذيرٌ يحيى الحسَنَي
الطبعة الثانية
مؤسسة الكوثر للمعارف الإسلامية
اسم الكتاب: المصلح العالمي من النظرية إلى التطبيق
المؤلف: السيد نذير يحيى الحسني
الناشر: مؤسسة الكوثر للمعارف الإسلامية
الطبعة الأولى: 1424 ه- 2003م
الطبعة الثانية: 1424ه- 2004م
عدد النسخ: 1000 نسخة
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة
1424 ه-. 2004م
مؤسسة الكوثر للمعارف الإسلامية
WWW.ANNAJAT.ORG
ذُكرت الرايات السود في احاديث أهل البيت عَلیْهِمُ السَّلام بشكل متكرر و ذكرت أيضاً فيها قرائن تدل على أن هناك نوعان من الرايات السود تخرج من المشرق و ليس نوعاً واحداً و هما:
و هناك نوع آخر من الرايات تخرج من المشرق أيضاً و لكن تختلف عن الأولى بالمنطلقات و الأهداف، و وردت روايات كثيرة حول هذه الرايات منها:
عن عبد الله بن مسعود قال: أتينا رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم فخرج إلينا مستبشراً يُعرف السرور في وجهه، ما سألناه عن شئ إلا أخبرنا به، و لا سكتنا إلا ابتدأنا حتى مرت فتية من بني هاشم فيهم الحسن و الحسين فلما رآهم التزمهم و انهملت عيناه فقلنا: يا رسول الله مانزال نرى في وجهك شيئاً تكرهه؟ فقال: إنّا أهلُ بَیتٍ اختارَ اللّهُ لَنَا الآخِرَةَ عَلَی الدُّنیا، و إنَّهُ سَیَلقی أهلُ بَیتی مِن بَعدی تَطریداً و تَشریداً فِی البِلادِ حَتّی تَرتَفِعَ رایاتُ سودٍ مِنَ المَشرِقِ فَیَسأَلونَ الحَقَّ فَلا یُعطونَهُ ثُمَّ یَسأَلونَهُ فَلا یُعطونَهُ ثُمَّ یُسأَلونَهُ فَلا یُعطونَهُ فَیُقاتِلونَ فَیُنصَرونَ ... فَمَن أدرَکَهُ مِنکُم وَ مِن أعقابِکُم فَلیَأتِ إمامَ أهلِ بَیتی و لَو حَبواً عَلَی الثَّلجِ (1)
و عن الإمام الباقر: کَأَنِّی بِقَوْمٍ قَدْ خَرَجُوا بِالْمَشْرِقِ یَطْلُبُونَ اَلْحَقَّ فَلاَ یُعْطَوْنَهُ ثُمَّ یَطْلُبُونَهُ فَلاَ یُعْطَوْنَهُ فَإِذَا رَأَوْا ذَلِکَ وَضَعُوا سُیُوفَهُمْ عَلَی عَوَاتِقِهِمْ فَیُعْطَوْنَ مَا سَأَلُوا فَلاَ یَقْبَلُونَهُ حَتَّی یَقُومُوا وَ لاَ یَدْفَعُونَهَا إِلاَّ إِلَی صَاحِبِکُمْ قَتْلاَهُمْ شُهَدَاءُ (2)
و يقول عامر الطفيل إن الرسول صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم قال له:
یا عامِرُ إذا سَمِعْتَ بالرّايَاتِ السُّودِ مُقْبِلَةٌ مِنْ خُراسانَ فَكُنْتَ فِي صُنْدوقٍ مُقْفَلٍ عَلَيْكَ فَاكْسِرْ ذلِكَ الْقُفْلَ وَ ذلِكَ الصُّنْدوقَ حَتَّى تُقْتَلَ تَحْتَهَا (3)
و في حديث آخر:
فيبعث الله عليه (على السفياني فتى من قبل المشرق يدعوهم الى أهل بيت النبي صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم هم أصحاب الرايات السود المتضعفون يعزّهم الله و يُنزل عليهم النصر فلا يُقاتُلهم احد إلا هزمُوُه) (1) و في حديث آخر: تخرج من خراسان رايات سود فلا يردّها شي حتى تنصب في ایلیاء (2)
و من خلال ما ذكرنا نستكشف أن هناك رايات سود لبني العباس و أخرى ممهدة لظهور الإمام وكلاهما يخرج من الشرق أي من خراسان و أياً كانت حدود خراسان فالمقصود هو ایران.
هذه الرايات المُمهدة تخرج من إيران متوجهة الى العراق لإيقاف المد السفياني تجاه الحجاز و مكة، لأن السفياني عندما يعسكر بالكوفة يبدأ بالقتل و التشريد لآل محمد صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم فَیَقتُلونَ شیعَهَ آلِ مُحَمَّدٍ بِالکوفَةِ ثُمَّ یَخرُجُ أهلُ خُراسانَ فی طَلَبِ المَهدِیِّ (3)
و تتمتع هذه الرايات بصفات متعددة منها:
1- على رأس هذه الرايات شاب خراسانی و آخر يسمى شعيب بن صالح. يقول الحديث یَخْرُجُ شَابٌّ مِنْ بَنِی هَاشِمِ بِکَفِّهِ الْیُمْنی خَالٌ وَ یَأِتیْ مِنْ خُراسَان برايات سُودُ بَيْنَ يَدَيْهِ شُعَيْبِ بْنِ صَالِحٍ يُقَاتِلُ أَصْحَابِ السُّفْيَانِيُّ فَيَهزِمُهُم (4)
2- هذه الرايات تمتاز بصلابة و قوة رجالها فلا تعرف للخوف معنى حتى تحقق هدفها و هو تحرير القدس كما يقول الحديث تَخْرُجُ مِن خراسانَ راياتٌ سُودٌ
فلَا يَرُدُّها شَیءٌ حتّی تُنصَبَ بِايلياءَ (1) 3- الظاهر من لحن أحاديث هذه الرايات أنها كانت تطلب من القوى الموجودة في المنطقة أن لا تتدخل بشأنها و أمورها، و لكن هذه القوى ترفض ذلك، لأن هدفها القضاء على هذه الرايات، فيقرر أصحاب تلك الرايات أن ينقلوا المعركة إلى ساحة الخصم بدلاً من مناطق تواجدهم فيقررون الخروج إلى العراق و عندما تعجز قوى السفياني عن هزيمتهم تطلب منهم العودة و أن لهم ما سألوا، فيرفض أصحاب هذه الرايات العودة، و يقول الحديث:
فَیَسأَلونَ الحَقَّ فَلا یُعطونَهُ ثُمَّ یَسأَلونَهُ فَلا یُعطونَهُ ثُمَّ یَسأَلونَهُ فَلا یُعطونَهُ فَیُقاتِلونَ فَیُنصَرونَ (2) 4- إن لهذه الرايات هيبة ترُعب الطرف المقابل وو صفتها الروايات بأن الرعب يسير أمامها اذ قالت: يسير الرعب أمامها شهراً حتى ينزلوا الكوفه طالبين بدماء آبائهم (3)
فهذه الرايات لها مواصفات خاصة و قابليات ذاتية و إمكانات عالية ابتداءً من القيادة السياسية التي يمثلها الخراساني إلى القيادة العسكرية التي يمثلها شعيب بن صالح، فتتوجه الى الكوفه لمواجهة المدّ السفياني. تقول الرواية:
اذا خرجت خيل السفياني الى الكوفة في طلب أهل خراسان، و يخرج أهل خراسان في طلب المهدي، فيلتقي هو و الهاشمي برايات سود علی مقدمته شعیب بن صالح فيلتقي هو و السفياني بباب اصطخر فيكون بينهم ملحمة عظيمة فتظهر الرايات السود و تهرب خيل السفياني فعند ذلك يتمنى الناس المهدي
و يطلبونه (1) و بعد هذا الانتصار تبعث إلى المهدي بالبيعة و تبعث الرايات السود بالبيعة الى المهدى (2)
و الظاهر أن فلول جيش السفياني منذ أن استقرت بالكوفه أخذت تتوجه إلى المدينة و مكة لطلب المهدي بعد أن شاع ظهوره في المدينة فيخرج الإمام من المدينة خائفاً يترقب باتجاه مكة، فيبعث السفياني بجيش خلفه فیخُسف به و هى من أولى علامات الظهور التي يبشِّر بها المهدي و ينتظرها لكي يعلن خطابه للأمة.
إلى هنا استقرت الرايات السود في العراق.
السَيِّد فارُوق البَيَّاني المُوسَوي
هذا ما وعد الرحمن و صدق المرسلون / المجلد الأول
السيّد فاروق البياتي الموسوي
منشورات الإجتهاد/ قم المقدّسة/ هاتف: 989125514426+
الطبعة الأولى/ 1500 دورة
1429 ه- / 2008م
978-600-5331-18-9: «المجلد الثاني» ISBN
978-600-5331-16-5: «الدورة» ISBN
عن رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم قال:
یَخْرُجُ ناسٌ مِنَ المَشْرِقِ فَیُوَطِّئُونَ لِلْمَهدِیِّ سُلْطانَه (1) دولة الإسلام في إيران الإسلام، صانها الله تعالى من أعدائها من شياطين الإنس و الجن.
دولة الإسلام في إيران المحروسة بالعناية الربانية، دولة تدعو للاسلام و لأهل البيت عَلیْهِمُ السَّلام بعد أن هزمت دولة جبروتية دامت قروناً.
و قد اتضح حفظها و صيانتها من خلال:
أولاً: محاولات القضاء على حكومتها و المؤامرات بالتفجير و الاغتيالات، و لكن الله عزَّ وَ جلَّ قيّض لها من يقيمها و يديمها.
ثانياً: معجزة طبس و وضوح الأيادي الخفية.
ثالثاً: اجتماع قوى الشر و الظلم و شياطين الكفر العالمي على محاربتها و العمل على النظام فيها، و رأس الحربة صدام و نظامه في حزب البعث الملحد و فشلهم الذريع، و يومها كانت الثورة فتيّة.
كان ذلك من ألطاف الغيب و التسديد الرباني.
رابعاً: الملايين تهتف و تدعو بالفداء لمقدم حجة الله في أرضه عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف، و فرجنا بفرجه
1) سنن ابن ماجه: 933 ح 4088.
صلوات الله و سلامه عليه و على آبائه الأئمة الهداة الميامين.
عن أنس قال: قال رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: إنّ من أشراط الساعة أن يرفع العلم، و يثبت الجهل و يشرب الخمر و يظهر (الزنى (1)
و الحديث : ليشربنّ ناس من أُمتي الخمر فيسمّونها بغير اسمها، يعزف على رؤوسهم بالمعازف و المغنيات (2)
أولاً: يرفع العلم، يموت العلماء على القدر المحتوم و الأجل المقرر، أو يعدم فيرفع العلم بموت العالم.
العلم موجود في الكتب، أمّا الكتب من غير قراءتها و تطبيق ما فيها فهي مرفوعة على الرفوف العالية.
و بالخصوص تلك العلوم الشرعية الإسلامية، فان القول و العمل بها ممنوع حسب قانون الغاب، قانون العلمانية و العولمة العالمية.
ثانياً: و يثبت الجهل، نعم هو الثابت و هو المعمول به، فكل ما يخالف الشرائع السماوية و يدعو إلى الضلالة و الكفر هو الجهل في شكل من أشكاله، و هو المعمول به و الثابت و المقرّ به اليوم و الجهال هم الذين يتحكمون في رقاب الناس و مصيرهم.
ثالثاً: و الخمر يشرب علانية، مثلاً: الفقاع، ماء الشعير، و كما ورد في الحديث :الشريف: هي خمرة استصغروها الناس (3)، اسمها الجديد: بيرة، و الخمر يشرب اليوم علانية في دول تدّعي الإسلام و الإسلام براء من حكامها، بحجة الدواء و المشافاة بها، و أنه خال من الكحول، أو أنه يحتوي على نسبة %1 من الكحول و غيره من الأعذار المرفوضة و المردودة شرعاً.
رابعاً: الحانات و المشارب و المراقص الليلية و الفنادق التي لا تخلو من الأنغام و السمفونيات و الأغاني، كأن تكون الفرق الموسيقية على المسرح المرتفع و هم في حدائق الحانات و المشارب، فتكون الفرق الموسيقية و المغنون على رؤوس الشاربين، أو أنها تنقل بواسطة سماعات (مكبرات الصوت)، و عادة توضع في أماكن مرتفعة أعلى من رؤوس الجالسين.
خامساً: إنّ عصير التفاح المخمر، و عصير الفواكه المخمرة، و عصير التمر و الزبيب (الويسكي و الشمبانيا و الخمر) كل ذلك مسكر و كل مسكر حرام.
سادساً: الزنا، زنا العين و الأذن، و النفس، و الجوارح لارتفاع الحياء من النساء و قلّة الإيمان و كثرة الاحتكاك بين الجنسين، و تواجد بعضهم مع البعض في ميادين الحياة، و سوء استعمال وسائل الاعلام و البث الخارجي.
سابعاً: الابتعاد عن الشريعة السمحاء، و التعبد بالعرف المستورد، و غلاء المهور و كثرة الطلبات و الشروط و قسوتها أخرت الزواج و كل ذلك يدفع إلى الزنا.
ثامناً: البذخ و البذل على العازفين، و المغنين، و الراقصين و الراقصات أكثر بكثير ممّا يحصل عليه صاحب العلم و الشهادات في مجال اختصاصه.
تاسعاً: نجد كثيراً من حملة الشهادات و أصحاب المواهب يعملون بأعمال خارج اختصاصهم، لأجل أن يحصلوا على لقمة العيش، و هذا على العكس، المغني و المغنية، الراقص و الراقصة، حيث يعيشون عيشة الملوك، يسكنون القصور العالية و يركبون المراكب الفارهة الحديثة و يحصلون على ما تحتاجه النفس و أكثر.
هذه و غيرها من أسباب ممّا نراه و نسمعه.
أحاديث قيلت فوقعت، فانظر و تأمل و احكم.
أيها المؤمن الشيعي الموالي لآل البيت صلوات الله و سلامه عليهم، إنّ العدو هو نفس العدو الذي وقف بوجه رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، يرتدي رداء الإسلام و لكنه بعيد عن مفاهيمه.
إنّ العدو هو نفسه الذي رفع السيف في وجه علي بن أبي طالب عَلیْهِ السَّلام باسم الدين و هو مارق عنه.
و العدو هو نفس العدو الذي سمّ الإمام الحسن عَلیْهِ السَّلام.
و العدو هو نفسه الذي استشهد بسيفه الإمام الحسين عَلیْهِ السَّلام في كربلاء بأفعال الجاهلية و أدخلوا الروع و الفزع على بنات الرسالة.
و العدو هو نفس العدو الذي جاء باسم الخوف على الإسلام و باسم الخلافة و باسم القرابة و باسم الصحابة و إلى يومنا هذا.
القوم يحاربون الحق و الحقيقة المتمثلة في هذه الطائفة التي و اكبت مسيرة الاسلام و أعطت دماءها من أجل عقيدتها و هم الشيعة، لأنّ أعداءهم يخافون على دنياهم من تمسك الشيعة بدينهم.
إنّ سعادة العدو مبنيّة على شقائنا الدنيوي، فلا تغرنّكم الكلمات الرنانة، إنّها إن تك حقاً فيراد بها الباطل، إنهم يخشون من قيام حكومة شيعيّة موالية لآل البيت في العراق و لهذا تجدهم يتكالبون بثقلهم السياسي و العسكري و التكنولوجي، و يخططون للحيلولة دون قيام مثل هذه الحكومة في العراق.
تمسّكوا بحبل الله و استعينوا بالصبر و الصلاة، لا تفرقوا و كونوا يداً واحدة، لأنكم جميعاً هدف الأعداء.
إنهم يريدون النيل منكم بشكل و آخر، ففي وحدتكم قوّة و في فرقتكم ما ترونه من الذي حلّ و يحلّ بالشيعة من المآسي و الآلام و الأحزان.
هذه أحاديث ذكرت فوقعت.
هذا ما يوعدون و صدق المرسلون.
د. بلال نعيم
أربعون مسألة
في معرفة الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف
دار الولاء
بیروت- لبنان
دار الولاء
للطباعة و النشر و التوزيع
لبنان- بيروت- برج البراجنة- الرويس- شارع الرويس
تلفاكس: 009611545133 - 009613680496 - ص.ب. 307/25
www.darahwalaa.com - info@damatwalaa.com
E-mail:dara walaa@yahoo.com
ISBN 978-9953-546-92-6
الكتاب: هل تعرف إمام زمانك
الكاتب : الدكتور بلال نعيم
الناشر: دار الولاء للطباعة و النشر و التوزيع
الطبعة: الثانية- بيروت 1434 ه-- 2012م
جميع حقوق الطبع محفوظة للناشر
إنّ لإيران دوراً محوريّاً في عمليّة التمهيد للإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام من خلال النموذج المصفّر للدولة الإسلاميّة الكبرى و من خلال رجل قُمّ الصورة المصفّرة عن الإمام المعصوم و منهجه الحقّ الذي يشكّل امتداداً لنهج المعصوم، و من خلال كنوز طالقان، و الاسلام الذي يحيونه و يقاتلون من أجله، و من خلال الرجال الأشدّاء كَزُبُر الحديد في جيش الخراساني و على رأسه شعيب بن صالح الذي يمهّد للإمام، و يقطع الطريق على السفياني، و يؤازر الإمام عَلیْهِ السَّلام في حركته باتجاه العراق و بلاد الشام وصولا إلى فلسطين حيث الراية التي تبقى مرفوعة منذ إعلائها لتسلَّم للإمام في إيلياء القدس، و الذي يسلمها هو الخراساني الذي يكون ظهوره قبل الإمام بمدّة طويلة غير محدّدة، لذا هو ليس من الحتميّات . أمّا حركته فتكون مصاحبة لحركتي السفياني و اليماني، و تحديداً لقطع طريق السفياني باتجاه جنوب العراق، و إنّ راية الخراساني أو راية المشرق أو الرايات السود، هي الراية الأضخم بين رايات و مجموعات الهدى الممهّدة للإمام عَلیْهِ السَّلام.
و إن لإيران عدة أدوار في مشروع التمهيد للإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام:
-الدولة النموذجية
-بناء القوة و أسبابها
-جمع الأنصار تحت الراية الواحدة.
إنّ لحزب الله دوراً اساسيّاً في التمهيد للإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام من خلال القيام بمهمّة تأسيسيّة تتمثّل في تدمير الكيان الغاصب في فلسطين، بما يمهّد لانهيار المشروع اليهودي في العالم هذا المشروع الذي يقع في مقابل المشروع الإلهي حيث يخطّط اليهود و يعملون جاهدين لمنع شمس الإسلام من السطوع من خلال ضخّ الفساد و الانحراف و الظلم في هذا العالم. و إنّ نقطة ارتكازهم هي الدولة التي ينشئونها في فلسطين. و إنّ النقطة الارتكازية في المشروع الإلهي المقابل تقوم على تدمير تلك الدولة عاصمة اليهود في العالم. و قد يكون لحزب الله دور آخر منهجي، من خلال النموذج المتلألئ الذي يشكّل حجّة على المسلمين و لاحقا على العالم، النموذج الذي يحكي فكر الإسلام العظيم و منهجه السامي و منطقه الرائع المحبّب. و عندها يمكن أن نتحدّث عن راية لحزب الله و ليس فقط عن مجموعة إلهية
تقاتل اليهود حول بيت المقدس؛ لأنّ الفارق بين الأمرين أنّ
الراية تتمتّع بخصوصيّات تميّزها عن بقيّة الرايات حتى لو كانت امتداداً لها؛ فحزب الله يدور بين طائفة مؤمنة في بلاد الشام تقاتل اليهود حول بيت المقدس و بين راية هي إحدى رايات الهدى الممهّدة. و بين قادة هم من أبدال الشام الذين ورد ذكرهم بين مجموعات القيادة لدى الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام.
سَلام عَلی آلِ یاسِيْن
حَميد عَبْد الجَليل الوَائِليْ
تَقْدِيم وَ تَحْقِيقْ
مَركز الدِّراسَاتِ التَخصصیة فِی الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف
مَركز الدِّراسَاتِ التَخصصیة فِی الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف
اسم الكتاب: ... شرح زيارة آل ياسين
تأليف: ... الشيخ حميد عبد الجليل الوائلي
تقديم و تحقيق: ... مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف
رقم الإصدار: ... 265
الطبعة: ...الأولى 1443ه-
عدد النسخ: ... (طبعة محدودة)
جميع حقوق الطبع و النشر محفوظة للمركز
العراق- النجف الأشرف
هاتف: 07809744474 - 07816787226
www.m-mahdi.com
info@m-mahdi.com
وَ نُصْرَِتی مُعَدَّةٌ لَكُمْ، وَ مَوَدَِّتِی خَالِصَةٌ لَكُمْ، آمِينَ آمِينَ نتناول شرح هذه الفقرة المباركة في نقاط:
استُعمِلَت مفردات الفقرة بعدَّة معانٍ، منها:
1- النصرة: حسن المعونة (1)، و (ن- ص- ر) أصل صحيح يدلُّ على إتيان الخير، و العطاء (2)
2- المُعَدَّة: الميم و العين و الدال (معد) أصل صحيح يدلُّ على غلظ في الشيء (3)
و المعنى من «نُصْرَتِ مُعَدَّةٌ» أي إنَّ معونتي و عطائي لكم جاهز، و إنّي في نصرتي لكم شديد و غليظ و لا أتهاون.
و تقدَّم في شرح فقرة «نَاصِرَ حَقَّهِ» معنى النصرة كذلك.
3- المودَّة: وددت الرجل أودُّه ودًّا إذا أحببته(4)، و هي أخصُّ من الحبِّ حيث إنَّها تكون من جهة ميل الطباع، بينما الحبُّ يكون من جهة ميل الطباع و الحكمة جميعاً (5)
4- الخالصة: تقول: أخلصت إليه، أي وصلت إليه، و تقول: أخلصت الله ديني أي أمحضته، و خلََّصته: نحَّيته من كلِّ شيء، و تخلَّصته كما يتخلَّص الغزل إذا التبس. (1)
و المعنى من «مَوَدَّتِي خَالِصَةٌ» أنَّ حبِّي لأهل البيت و للإمام الحجَّة عَلیْهِمُ السَّلام ممحض و منقَّى من كلِِّ شيء يشوبه.
ورد ذكر المفردات في العديد من الآيات القرآنيَّة، منها:
1- قوله تعالى: وَ لَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (الحج: 40).
2- قوله تعالى: وَ اللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَار (آل عمران: 13).
3- قوله تعالى: قُلْ لَا أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى (الشوری: 23)
ورد ذكر المفردات في العديد من الروايات، منها:
1- عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، عن أبي جعفر الثاني عَلیْهِ السَّلام، عن أبيه، عن جدِّه (صلوات الله عليهم)، قال: قال أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام: قال رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: إِنَّ اللهَ خَلَقَ الْإِسْلَامَ فَجَعَلَ لَهُ عَرْصَةً، وَ جَعَلَ لَهُ نُوراً، وَ جَعَلَ لَهُ حِصْناً، وَ جَعَلَ لَهُ نَاصِراً، فَأَمَّا عَرْصَتُهُ فَالْقُرْآنُ، وَ أَمَّا نُورُهُ فَالْحِكْمَةُ، وَ أَمَّا حِصْنُهُ فَالمَعْرُوفُ، وَ أَمَّا أَنْصَارُهُ فَأَنَا وَ أَهْلُ بَيْتِي وَ شِيعَتُنَا، فَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي وَ شِيعَتَهُمْ وَ أَنْصَارَهُمْ، فَإِنَّهُ لَمَّا أُسْرِيَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَنَسَبَنِي جَبْرَئِيلُ عَلیْهِ السَّلام لِأَهْل
1) العين للفراهيدي (ج 4/ ص 186 و 187).
اَلسَّمَاءِ اِسْتَوْدَعَ اللهُ حُبِّي وَ حُبَّ أَهْلِ بَيْتِي وَ شِيعَتِهِمْ فِي قُلُوبِ المَلَائِكَةِ، فَهُوَ عِنْدَهُمْ وَدِيعَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ هَبَطَ بِي إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَنَسَبَنِي إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَاسْتَوْدَعَ اللهُ عزَّ وَ جلَّ حُبِّي وَ حُبَّ أَهْلِ بَيْتِي وَ شِيعَتِهِمْ فِي قُلُوبِ مُؤْمِنِي أُمَّتِي، فَمُؤْمِنُو أُمَّتِي يَحْفَظُونَ وَدِيعَتِي فِي أَهْلِ بَيْتِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَلَا فَلَوْ أَنَّ الرَّجُلَ مِنْ أُمَّتِي عَبَدَ الله عزَّ وَ جلَّ عُمُرَهُ أَيَّامَ الدُّنْيَا ثُمَّ لَقِيَ الله عزَّ وَ جلَّ مُبْغِضاً لِأَهْلِ بَيْتِي وَ شِيعَتِي مَا فَرَّجَ اللهُ صَدْرَهُ إِلَّا عَنِ النِّفَاقِ (1) 2- عن حفص الدهَّان، قال: قَالَ لِي أبو عَبْدِ الله عَلیْهِ السَّلام: إِنَّ فَوْقَ كُلِّ عِبَادَةٍ عِبَادَةٌ، وَ حُبُّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ أَفْضَلُ عِبَادَةِ (2)
3- عن أبي حمزة الثمالي، عن عليِّ بن الحسين عَلیْهِمُا السَّلام، قال: قال رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: في الْجَنَّةِ ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ، وَ فِي النَّارِ ثَلَاثُ دَرَكَاتٍ. فَأَعْلَى دَرَجَاتِ اَلجَنَّةِ لَمَنْ أَحَبَّنَا بِقَلْبِهِ وَ نَصَرَنَا بِلِسَانِهِ وَ يَدِهِ، وَ فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ مَنْ أَحَبَّنَا بِقَلْبِهِ وَ نَصَرَنَا بِلِسَانِهِ، وَ فِي الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ مَنْ أَحَبَّنَا بِقَلْبِهِ. وَ فِي أَسْفَلِ دَرْكِ مِنَ النَّارِ مَنْ أَبْغَضَنَا بِقَلْبِهِ وَ أَعَانَ عَلَيْنَا بِلِسَانِهِ وَ يَدِهِ، وَ فِي الدَّرْكِ الثَّانِيَةِ مِنَ النَّارِ مَنْ أَبْغَضَنَا بِقَلْبِهِ وَ أَعَانَ عَلَيْنَا بِلِسَانِهِ، وَ فِي الدَّرْكِ الثَّالِثَةِ مِنَ النَّارِ مَنْ أَبْغَضَنَا بِقَلْبِهِ (3)
و نحن على و شك أنْ نغادر هذه الزيارة العظيمة لإمامنا الحجَّة عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف بإعداد النصرة و الحبِّ و المودَّة الخالصة له و لآبائه عَلیْهِمُ السَّلام، و قد عشنا مع مقاطعها من أروع الساعات، و التي تعرَّفنا فيها على مقامات أهل البيت و الإمام الحجَّة عَلیْهِمُ السَّلام، و ما هو الواجب علينا تجاههم.
هذه الزيارة العظيمة لإمام العصر عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف تُربِّي في نفس الإنسان استحضار الحقِّ و موالاته بشكل دائم، و بغض الباطل و أهله و السخط عليه و على من يواليه.
علَّمتنا هذه الزيارة المباركة طريق الحقِّ في ولاية أهل البيت عَلیْهِمُ السَّلام و ودِّهم، و أنَّ النهاية التي سنصل إليها من سلوله هي الجنَّات و الرضوان.
إنَّ الزيارة للإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف هي تربية اجتماعيَّة، فإنَّ المجتمع بكلِّ أطيافه و ألوانه و بغضِّ النظر عن عقائده يأنس بالتزاور، و يستوحش الوحدة و الفراق، فحثَّ الشارع المقدَّس على زيارة أهل البيت عَلیْهِمُ السَّلام، و أنْ نكون في محالِّ وجودهم، و هو تأكيد على نهج اجتماعي إنساني تميل إليه الفطرة، و لا يأباه إلَّا الذوق الأعوج، فضلاً عمَّا في هذه الزيارات من تأثيرات كبرى على روح الزائر، فالتعوُّد على ترتيل هذه الكلمات و قراءتها يوجب آثاراً في النفس، فتبدأ نفس الزائر بلوم صاحبها إذا كان بعيداً عن معانيها السامية، و تُشجِّعه على سلوك سُبُل المكارم و السير على منهجها، و لا يمكن بأيِّ حالٍ من الأحوال، و بهذه العجالة أنْ نذكر الفوائد التي تترتَّب على زيارات أهل البيت عَلیْهِمُ السَّلام وصلتهم التي أمرنا الله سبحانه و تعالى بها، فصِلَتهم أوجب من صِلَة رَحِمنا، و أدنى مراتب الصلة التي يسقط بها هذا التكليف الإلهي العظيم هي زيارتهم و لو عن بعد.
فما أجمل أنْ يكون برنامجنا اليومي مبتدئاً بزيارة أهل البيت عَلیْهِمُ السَّلام لاسيّما الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف، فهل يا ترى سيتساوى حال شخص يبتدئ يومه بتفقُّد إمامه و السؤال عن حاله، و التألُّم لمصابه و ما هو فيه، و الدعاء لرفع البلاء عنه و حفظه، هل حال هذا يساوي حال إنسان غافل لاهٍ عن ذكره؟
أيُّها الأحبَّة قد أمرتنا آيات المودَّة في ذي القربى قُلْ لَا أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى (الشورى: 23) بودِّهم و حبِّهم، و هو أجر الرسالة
التي جاء بها النبيُّ صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، بصلة رحم رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، فإذا أردنا أنْ نصل أهل البيت عَلیْهِمُ السَّلام فإنَّ القناة التي توصلنا إليهم في زماننا هو الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف، فإنَّكم تعلمون أنَّ أيّ عمل- صَغُر أو كَبُر- لا يمكن قبوله إلَّا بأنْ يمرَّ عن طريقه عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف، فلنغتنم فُرَصاً ثمينة تدرُّ علينا كنوزاً و جواهر لا تندثر، لقاء دقائق معدودة نُرتِّل بها هذه الزيارة المباركة التي سعينا أنْ نُبيِِّن بعضاً من المعاني التي حملتها إلينا، ليكون هذا الفهم البسيط دافعاً و حافزاً للإقبال على قراءتها.
نسأل الله سبحانه و تعالى أنْ يجعله ذخراً لنا عند وليِّنا.
تَألِیفْ
حَسَنْ النجّفي
یا قائِمِ آلِ مُحمّد عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف
مُؤسَّسَةُ الْبَلاغ
دَارْ السَلوُنیْ
حقوق الطَّبع و التَّرجمة محفوظةُ للشَّاعر
"الطَّبعة الأُولى"
1422 ه-- 2002 م
مُؤسَّسَةُ الْبَلاغ
للطباعة و النشر و التوزيع
المكتب: بئر العبد سنتر الإنماء 1 - ط 2- المستودع- صغير- جانب فرن الأمراء
ص.ب. 2952-11 بیروت 2250 - 1107 - هاتف: 01/552119 - 02/514905 - لبنان
إن تهيئة المؤمنين و اعدادهم نفسياً و مادياً، في عصر تطيح الفتن فيه بآخر معاقل القيم العليا، و المثل السامية؛ لهَوَ من أهم المهام التي ألقيت على عاتق النبي و أهل بيته (صلوات الله عليهم). إن حرصهم الشديد على توفير كافة مقومات النصر على أعداء الدين، من تهيئة الأرضية الصالحة لإثبات ذلك النموذج المتميز من الرجال الممحصين و ختى قيام دولة الحق على يد الامام المهدي (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف) يتجلى بوضوح لمن إطلّع على موروثهم من الاحاديث المُخبرة بالمغيبات المستقبلية. إن الظفر بالجولة الأخيرة في صراح الحق مع الباطل يستدعي قلع كل الاشواك و الحشائش الضارة التي زرعها دعاة الفتنة عن أرضية النموذج الممحص من الرجال. و ذلك من خلال تقديم الدعم المعنوي للأجيال، من أجل الحؤول دون غلبة عوامل الضعف و الوهنِ على النفوس المؤمنة، فلا بد من بث روح الثقة فيها، و تقويتها عبر تقوية عُرَى الايمان لديها. تلك مهمة جسيمة أدَاها أهل البيت (عَلیْهِ السَّلام) أحسن الأداء.
لقد كان التركيز في تلك الاحاديث على ضرورة التمسك بمنهج أهل البيت (عَلیْهِ السَّلام) لكي يكون الدرع الحصينة ضد الانحراف الذي تبعث إليه الفتن
المقبلة. روي عن الامام الصادق (عَلیْهِ السَّلام) أنه قال: طُوبَی لِمَنْ تَمَسَّکَ بِأَمْرِنَا فِی غَیْبَةِ إمامنَا، فَلَمْ یُزِغْ لِقَلْبِهِ بَعْدَ اَلْهِدَایَةِ (1)و قد ركّز الأئمة (عَلیْهِ السَّلام) كثيراً على مسألة المواجهة الغير مباشرة، أو الانسحاب من خط الصِدام إلى خط الترقب و الصبر– و هذا ما تمت الاشارة إليه آنفاً- و السبب في ذلك، هو انهم (عَلیْهِ السَّلام) يبتغون من وراء ذلك الحفاظ على أنفس مواليهم و محبّيهم حتى لا يصطلمها البلاء بفعل الفتن التي تهب في عصور طغيان الحكام الجبابرة. و لذلك يوجه الامام الصادق هذا الإنذار إلى شيعته، و إن كان المخاطب به أحدهم، قال (سلام الله عليه): يَا سَدِيرُ الْزَمْ بَيْتَكَ وَ كُنْ حِلْسا (2مِنْ أَحْلاَسِهِ ، وَ اسْكُنْ مَا سَكَنَ اللَّيْلُ وَ النَّهَارُ، فَإِذَا بَلَغَكَ أَنَّ السُّفْيَانِيَّ قَدْ خَرَجَ، فَارْحَلْ إِلَيْنَا وَ لَوْ عَلى رِجْلِكَ) (3)إن الدعوة إلى لزم البيت و السكون، لا ينبغي أن تثير حفيظة بعض من يدّعي الروح الثورية، فليست الدعوة- في الواقع- دعوة إلى الكسل و الخمول و الرضا بالاستضعاف، أو هي تحريض على تبني المواقف السلبية التي قوامها الإنهزامية، أو هي تأييد لواقع الركون إلى الذل و المسكنة للعدو. كلا. بل هي دعوة قوامها المحافظة على أنْفَس شيء في الوجود: النفس المؤمنة، كيلا يتسرب إليها- عن طريق وباء الفتن الجارفة- ما يشيها أو يفسدها. فإنّه قلَّ من يسلم في ظل تلك الاجواء المشحونة بالزيغ و الضلالة من الانحراف، إلاّ من أخلص لله تعالى و تمسك بحبل أهل البيت (عَلیْهِ السَّلام). ثم أن الاختلاط بدهماء الناس و هجمهم، هؤلاء الساقطين من غربال الفتن، ربما ورث المؤمن طبعاً ليس فيه، فإن من شأن الطباع أن تسرق من بعضها البعض. و من هنا جاءت التوصية بأهمية لزم البيت.
كما أن تلك الدعوة ليست دعوة إلى الرهبانية، و إن لبستْ شِعار
الزهد، أمّا إنها لا تدل على صواب منهج أهل الاعتكاف و الترهُّب من المسلمين، كالمتصوفة الذين غيَّروا مفاهيم الإسلام عن العبادة و كيفيتها، فابتدعوا فيه طرق البراهمة و البوذيين و الصابئة، و أصبح المسلم من وجهة نظرهم مجرد عضو في حلقة الذكر، لا يحسن إلاّ أن يدير وجهه ذات اليمين و ذات الشمال و يقول: حي حي، على أنغام الدفّ و الطنبور.
لقد حرص آل محمد (عَلیْهِ السَّلام) على نثر بذور الايمان في أرض مستقبل الزمان، و من ثم تقويتها بسماد الإرشاد، لكي تنمو ثم تزهر، و أخيراً تينع و تثمر. و يتجلى هذا المعنى بأبهى صوره في حديث الباقر (عَلیْهِ السَّلام) مع أبي الجارود، حين قال له: أوصني، فقال: اُوصیکَ بِتَقوَی اللّه، و أنْ تَلْزَم بَیتَکَ، وَ لا تَقْعُدَ فی دَهْماءِ هَؤُلاءِ النَّاسِ. وَ إیَّاکَ و الخوارِجَ مِنَّا، فإنَّهُم لَیسوا علی شَیْءٍ وَ لا إلی شَیْءٍ. وَ اعلَمْ أنَّ لِبَنی أُمَیَّةَ مُلْکاً لا تَستَطیعُ النَّاسُ أنْ ترْدَعَهُ، و أنَّ لِأهلِ الحَقِّ دَولَةً إذا جاءَتْ وَ لاَّها اللّه ُ لِمَن یَشاءُ مِنَّا أهلَ البَیتِ، فَمَن أدرَکَها مِنکُم کانَ عِندَنا فی السَّنامِ الأَعلَی. و إنْ قَبَضَه اللّه ُ قَبلَ ذلِکَ خارَ لَهُ. وَ اِعْلَمْ أَنَّهُ لاَ تَقُومُ عِصَابَةٌ تَدْفَعُ ضَیْماً أَوْ تُعِزُّ دِیناً إِلاَّ صَرَعَتْهُمُ اَلْبَلِیَّةُ. حَتَّی تَقُومَ عِصَابَةٌ شَهِدُوا بَدْراً مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ (صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم لاَ یُوَرَی قَتِیلُهُمْ وَ لاَ یُرْفَعُ صَرِیعُهُمْ وَ لاَ یُدَاوَی جَرِیحُهُمْ. فَقُلْتُ: مَنْ هُمْ؟ قَالَ: اَلْمَلاَئِکَةُ) (1)يبين هذا الحديث الرائع- الذي لا يصدر إلاّ عن إمام معصوم- بأبلغ عبارة حرمة الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة. فإنّ النصر لا يزال حليف أهل الباطل حتى قيام دولة الحق، و لا قيام لها حتى يظهر المهدي (عَلیْهِ السَّلام).
أن هناك أحاديث تصف من يبادر بمقارعة أهل الباطل قبل خروج الامام المهدي (عَلیْهِ السَّلام) بأنه يتسبب في مكروه الأئمة (عَلیْهِمُ السَّلام). و هذا معلوم، فإن اهل البيت (عَلیْهِمُ السَّلام) لا يريدون لشيعتهم الهلاك، فما دامت للباطل رايةٌ تخفق فإن الحق مخذول و أهله مغلوبين كلما أرادوا التمرد و الثورة على الطغاة و المتجبرين. روي
1) النعماني، الغيبة، ص 103.
عن الصادق (عَلیْهِ السَّلام) أنه قال: مَا خَرَجَ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ، إِلَى قِيَامِ قَائِمِنَا، أَحَدٌ لِيَدْفَعَ ظُلْماً أَوْ يَنْعَشَ حَقّاً إلَّا اصْطَلَمَتْهُ الْبَلِيَّةُ، وَ كَانَ قِيَامُهُ زِيَادَةً فِي مَكْرُوهِنَا وَ شِيعَتِنَا (1)و قد يتسائل البعض، لماذا ؟ أليس ذلك إجحافاً بأهل الحق؟ ... و الجواب: إنّ الباطل عبر التاريخ له ملك مؤجل لا بد أن يستوفيه، و لا يصح من الناحية المنطقية و لا التاريخية أن ينقطع هذا الملك إلاّ حين أجله. و هذا هو ما أراده أمير المؤمنين (عَلیْهِ السَّلام) حين قال: مُزَاوَلَةُ قَلْعِ اَلْجِبَالِ أَیْسَرُ مِنْ مُزَاوَلَةِ مُلْکٍ مُؤَجَّلٍ. وَ اِسْتَعِینُوا بِاللّهِ وَ اِصْبِرُوا، إِنَّ اَلْأَرْضَ لِلّهِ یُورِثُها مَنْ یَشاءُ مِنْ عِبادِهِ، وَ اَلْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِینَ. لاَ تُعَاجِلُوا اَلْأَمْرَ قَبْلَ بُلُوغِهِ فَتَنْدَمُوا، وَ لاَ یَطُولَنَّ عَلَیْکُمُ اَلْأَمَدُ فَتَقْسُوَ قُلُوبُکُمْ (2)
ولادته- غيبته- سفراؤه- علامات الظهور- أصحابه - كيف ينتصر- مدّة حكمه- سكناه- زواجه- أولاده- ما بعد المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف
السيّد عبّاس علي الموسوي
و ان الرسُول الأكرم (صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم)
جميع الحقوق محفوظة و مسجلة الطّبعة الأولى
1433ه-- 2012م
دارُ الرسُول الأكرم : طباعة- نشر- توزيع
حارة حريك- شارع القسيس- خلف البلدية- ص.ب.: 11/8601 بيروت- لبنان هاتف: 03/814394 - تلفاكس: 01/541930 - E-mail:daralrasool@hotmail.com
وردت روايات معدودة - و من الطرفين، السنة و الشيعة– أنه يقوم عند قيام القائم أناس في المشرق يوطئون للمهدي عَلیْهِ السَّلام سلطانه، و وردت بعض الروايات و فيها مدح لبعض المدن المشرقية و من بينها قُمّ و طالقان و ساجستان و غيرها كما وردت روايات في المدح و الثناء على رجالات عظام من هذه البلدان و وصفتهم بأوصاف رائعة في الكمال و الجهاد و بذل الروح و المال و أنّ قلوبهم كزُبُر الحديد صلابة و إيماناً لا يتزحزحون عن مواقفهم و لا يخرجون عن إيمانهم، و بهذا المقدار من المعاني كفاية لأثبات جدارتهم لتحملْ مسؤولية التمهيد للإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف و لكن بعض المؤلفين الذين تناولوا هذا الموضوع توسعوا به جداً و نسجوا من اجتهاداتهم الشخصية و آرائهم الخاصة مواضيع تجاوزت حدود الروايات و معانيها و ما تحمل من دلالات حتى انسابت أقلامهم إلى كتابة كتب في هذه الروايات التي لم تتجاوز الثماني عشرة رواية فيها المكرّر و المعاد، و قد تكون بضع روايات تقطعت بفعل الرواة فأضحت بهذا العدد- الثماني عشرة- و الأنكى من ذلك أنّ بعضهم أخذ بتطبيق الروايات على أحداث و أشخاص- و وضع ذلك في خانة الإمكان- ليخرج من الحرج فيما لو لم يصدق حدسه فيها، و نحن و إن كنّا نقدّر نبل إخلاصه و نواياه الطيّبة، و لكن هذا لا يعذره أمام بعض الضعفاء من المنتظرين للإمام و ظهوره المبارك إضافة إلى خطأ هذا الاجتهاد في حدّ نفسه و لو اقتصر أصحابنا الذين كتبوا في هذه الجهة على نقل الروايات و تفسير بعض معانيها و بيان مدلولها بشكل إجمالي لكان أبرأ للذمة من جهة و لا يشكّل هذا الإجتهاد- من جهة أخرى - أي خطر على معتقدات بعض الناس أو الإساءة إلى إيمانهم، و بهذه القضيّة الحسّاسة
التي لا يمكن الاجتهاد فيها مع الجهل بحيثيّاتها لأنها من عالم الغيب- المستقبل- التي لا تُعلم تفاصيلها إلا بأخبار المعصوم الذي أطلعه الله عليها، فوضعها لنا و بين أيدينا بحدودها و قيودها و حيثياتها لا يجوز الإضافة إليها و لا النقصان منها، لأنّ ذلك يشوّهها من جهة و يدخل من فعل ذلك في جملة الكَذَبة من جهة أخرى، و كلا الأمرين، قطعاً لا يرتضيهما من فعل ذلك لأنّ قصده شريف بدون شك...
و أنا سأنقل بعض الروايات و أتناولها بإيجاز و أترك للقارئ حرية الاجتهاد على شرط أن يبقى اجتهاده لنفسه و في حدود وعيه و فهمه للروايات و لا يجعل فهمه حجّة على غيره لأنّ ذلك ليس من دأب المحصّلين كما يقول العلماء.
لعّل أوضح الروايات و أصرحها و هي في مجاميع أحاديثنا و قد نقلها الأصحاب بل هي في أقدم كتب الشيعة حيث نقلها النعماني في كتابه «الغيبة» و هو المتوفى في حدود سنة 360 للهجرة فهو أقرب الأصحاب إلى زمن غيبة الإمام المهدي ينقلها بسنده عن أبي عبد الله أنه قال:
کَأَنّی بِقَومٍ قَد خَرَجوا بِالمَشرِقِ یَطلُبونَ الحَقَّ فَلا یُعطَونَهُ ثُمَّ یَطلُبونَهُ فَلا یُعطَونَهُ فَإِذا رَأَوا ذلِکَ وَضَعوا سُیوفَهُم عَلی عَواتِقِهِم فَیُعطَون ما سَأَلوهُ فَلا یَقبَلونَهُ حَتّی یَقوموا و لا یَدفَعونَها إلّا إلی صاحِبِکُم، قَتلاهُم شُهَداءُ أما إنّی لَو أدرَکتُ ذلِکَ لَاستَبقَیتُ نَفسی لِصاحِبِ هذَا الأَمرِ. ينقل الإمام الصادق عَلیْهِ السَّلام صورة في غاية الروعة و الجمال عن قوم يظهرون في المشرق، و المشرق بالنسبة إلى المدينة هي بلاد فارس و ما جاورها من البلاد الإسلامية الأخرى مثل أذربيجان و تركمانستان و غير تلك البلاد، و هي تحكي قصة قوم- شعب- يطلبون حقّهم- و حقّهم يتمثّل في الحرية الدينية و إقامة الدولة العادلة التي تؤسّس على منهاج الشريعة فتكون منهم المحاولة الأولى ثم الثانية. و لعل كلتا المحاولتين كانتا سلميَّتين و بالوسائل التقليدية. و لمّا لم يُعْطَوْا ما طلبوا و أرادوا عمدوا إلى أسلحتهم فحملوها في وجوه الحكام الطغاة. فعندما أدرك
الحكّام الخطر أذعنوا للثوار و أعطوهم ما سألوهم. و لكن الثوار الذين خرجوا مطالبين بحقوقهم أدركوا كذب الحكّام و حيلهم فرفضوا العرض و أكملوا مشوار الثورة حتى انتصروا و حققوا أحلامهم و أهداف ثورتهم. ثم بيّن الإمام الصادق عَلیْهِ السَّلام أنّ هؤلاء القوم ستستمرّ دولتهم إلى أن يخرج القائم المهدي فيدفعون رايتهم بشعارها و مضامينها، رمز الدولة و عنوانها أي يدفعون دولتهم- إلى الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف- فهذه الدولة التي أقامها رجالات كبار ستسلم للإمام المهدي لا إلى غيره فهي ستعيش بعد ظهورها و استقرارها إلى ظهوره حيث سيدفعونها إليه.
و الرواية كما نرى، تجعل القتلى في طريق إقامة هذه الدولة شهداء– يعني قتالهم مشروع و ممضيٌّ من قِبّل ولاة الأمر و قادة الإسلام- و كما أمر الإسلام- و أيضاً نستشرف من خلال ما تمنّاه الصادق عَلیْهِ السَّلام من أنه لو أدرك هذه الثورة لا حتفظ بنفسه لصاحب هذا الأمر الذي يتولّى قيادة هذا المجتمع المتحرِّر ليكون في مسيرته يقاتل معه و ينتصر له و ينصره في حربه تدليلاً على أهميّة قيادة الإمام المهدي في المعارك القادمة التي سيتولّى خوضها في مواجهة العالم كله حتى تحرير هذه الأرض من الطغاة و المستكبرين.
إنّ الرواية- كما هي- لا تحدّد اسم البلاد و تعيّنها بل تذكر هذا العنوان- المشرق- و في المشرق بلاد كثيرة، فلذا ينبغي أن يبقى هذا العنوان هو مدار الحديث دون تخصيص ببلاد دون بلاد، و بهذا نحفظ العنوان و لا نحرم بلاداً يمكن في مستقبل الأيام أن تكون هي المصداق لهذا العنوان أو جزءاً من هذا العنوان ... و من سوء التطبيق ما سلكه بعض المعاصرين، كما سبقه إلى ذلك من تقدّم عليه، حيث قال المجلسي- و إن كان بصيغة الاحتمال و عدم الاستبعاد حيث قال بعد نقل هذا الخبر «بيان»: لا يبعد أن يكون إشارة إلى الدولة الصفوية شيدها الله تعالى و وصلها بدولة القائم عَلیْهِ السَّلام﴾.
الشيخ حبيب الكاظمي
نور المعارف
سمات المنتظرين
الشيخ حبيب الكاظمي
الطبعة: السابعة. 1440ه-
الناشر: نور المعارف
الإخراج الفني: السيد محمّد رضا الحكيم
المطبعة: نينوا- قم
الكميّة: 1000 نسخة
نور المعارف للطباعة و النشر:
إيران: قم، شارع معلم، مجمع ناشران، رقم 508 الهاتف: 982537841133+ الجوال: 989101104538+
مراكز التوزيع:
إيران: قم. شارع سميّة. فرع 12، حوزة الأطهار (عَلیْهِ السَّلام) التخصصية الهاتف: 982537745281+
النجف الأشرف: شارع الإمام الصادق (عَلیْهِ السَّلام)، فرع مصرف الرشيد. مجمع المعارف، الهاتف: 07809180415
لبنان: بيروت. الرويس. شارع الرويس. بناية ناصر، دار الولاء الهاتف: 9611545133+ الجوال: 9613689496+
يعتقد البعض أن الدعاء للفرج لا فائدة فيه، بمعنى أنه لا يؤثر في
تعجيل وقت الفرج، فهو أمر ثابت موقوت لا يتقدم و لا يتأخر، و الحال أن هذا التصور يمكن مناقشته بأن الأمر مما قد يدخل في دائرة المحو و الإثبات، و هي بيد الله تعالى.
و لا شك أن كثرة المتضرعين في زمان الغيبة، لها تأثيرها في تحريك الإرادة الإلهية، إذ قطع على نفسه بإجابة الداعي إذا دعاه، و قد يستفاد من بعض النصوص أن الله تعالى كان قد قدّر الرخاء لهذه الأمة، لو لا تورطهم بقتل الحسين عَلیْهِ السَّلام و هذا لا ينافي ضرورة تحقق العلامات الحتمية قبل الفرج، فإن تقديمها و تأخيرها أيضا بيد الله تعالى.
إن أسلوب الحياة في الدولة المهدوية مما لا يمكن أن يخطر ببال أحد، لأننا اعتدنا على حياة الظلم و التجاوز، أضف إلى أن الله تعالى يُظهر بعض آياته الخفية، كالكلام مع البهائم، و الذي تحقق لسليمان عَلیْهِ السَّلام مثلا في حديث النمل و الهدهد، كما أن الأرض تمكّن نفسها لأصحاب الإمام عَلیْهِ السَّلام، فضلا عن الإمام نفسه. فقد ورد عن أبي جعفر عَلیْهِ السَّلام أنه قال :
كَأَنِّي بِأَصْحَابِ الْقَائِمِ عَلیْهِ السَّلام وَ قَدْ أَحَاطُوا بِمَا بَيْنَ الْخَافِقَيْنِ، فَلَيْسَ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَ هُوَ مُطِيعٌ لَهُمْ حَتَّى سِبَاعُ الْأَرْضِ وَ سِبَاعُ الطَّيْرِ، يَطلُبُ رِضَاهُمْ فِی كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى تَفْخَرَ الْأَرْضُ عَلَى الْأَرْضِِ وَ تَقُولَ: مَرَّ بِيَ الْيَوْمَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ الْقَائِمِ عَلیْهِ السَّلام (1)و حديث الأرض هنا على نحو ما ورد في سورة الزلزلة من أنها تحدّث أخبارها.
1) المصدر السابق، ج 2، ص 673.
إن الدعاء لفرج الإمام صاحب الأمر عَلیْهِ السَّلام أمر مطلوب كما هو معلوم، و لكن ينبغي للمؤمن بالإضافة إلى ذلك أن يكون من الممهدين لظهوره الشريف بجد و اجتهاد، و ذلك بالمساهمة في تطوير المجتمع الإيماني بما آتاه الله تعالى من قوة، فإن من مصاديق قوله تعالى: وَ مِمّا رَزَقْناهُم يُنفِقونَ (1)توجيه الطاقات و القدرات من أجل بناء المجتمع الذي يريده صاحب الأمر عَلیْهِ السَّلام. فعلى كل مؤمن أن يكتشف الطاقات الكامنة في وجوده، ليجعل ذلك في خدمة مولاه: سواء في عصر الظهور، أو الغيبة.
و هنا نقول: إن أهم مقام من الممكن أن يصل إليه العبد قبل موته ، هو أن تندك إرادته في إرادة ربه، و حينها يفجر الله تعالى الطاقات الكامنة في وجوده، ليسيّرها في السبيل الذي يريده الحكيم الخبير و منها التمهيد لظهور وليه عَلیْهِ السَّلام، و هنا رواية ملفتة للإمام الصادق عَلیْهِ السَّلام إذ يتمنى أن يكون في خدمة ولده المهدي عَلیْهِ السَّلام، حيث يقول: لَوْ أَدْرَكْتُهُ خَدَمْتُهُ أَيَّامَ حَيَاتِی (2)
تعدد التعبير في روايات أهل البيت عَلیْهِمُ السَّلام بالنسبة إلى المنتظرين في زمان الغيبة، بما يوحي أنهم في حال جهاد طوال العصور إلى أن يُظهر الله تعالى أمره، فتارة يعبّر عن نصرته بأنه الرباط، و معناه اصطلاحا: القيام في ثغر من ثغور المسلمين للدفاع عنهم، فقد سأل الإمام أبو جعفر محمد بن علي عَلیْهِ السَّلام: كم الرباط عندكم؟ قال الراوي: قلت: أربعون، قال عَلیْهِ السَّلام: لكِنْ رِبَاطنَا رِبَاطُ الدَّهْر (1)
و تارة يطلب الإمام أن يعدّ المنتظر قوته و لو كان سهما، سواء كان ذلك بمعناه الحقيقي أو المجازي، فقد ورد عن الإمام الصادق عَلیْهِ السَّلام أنه قال: ليُعِدَّنَ أَحَدُكُمْ لِخُرُوجِ الْقَائِمِ وَ لَوْ سَهْمَا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا عَلِمَ ذَلِكَ مِنْ نِيَّتِهِ رَجَوْتُ لِأَنْ يُنْسِيَ فِي عُمُرِه (2)
دراسات فكرية
جامعة الكوفة
أحمد الصَحّاَف
آيديو لوجيا الغَيْبَة و يوتو بيا الظُهُور
سوسيو لوجيا المُنقِذ
آيديو لوجيا الغَيْبَة و يوتو بيا الظُهُور
د. أحمد نعمة الصَحَّاف
الناشر جامعة الكوفة
سلسلة «دراسات فكرية»
الطبعة الأولى: بيروت لبنان، 2019
First Edition: Beirut Lebanon, 2019
جميع حقوق النشر محفوظة لسلسلة «دراسات فكرية» جامعة الكوفة.
توزیع: دار الرافدين- بيروت
UNIVERSITY OF
KUFA
ISBN: 978 -1 - 77322 - 903 - 4
Necessities for the preparing the society to the coming change stage
المشروع المهدوي- طبقاً لما ورد في أحاديث صحيحة- مشروع تغيير شامل تعبّر عنه عباراتٌ مثل: إقامة العدل، هزيمة الظلم.. الخ، مما سنشير إليه فيما بعد. إن مراجعةً للسلوك السياسي لمؤسسة الإمامة الشيعية تظهر أن الأئمة و لا سيما بعد الإمام الصادق، و بعد الثورات العلوية التي أشرنا إليها و التي تعامل معها العباسيون بمنتهى القسوة، آثروا أن يمارسوا نشاطهم السياسي بصمت، و هدوء، و أن يجادلوا السلطة بالقلم قبل السيف، و أن يكرّسوا آيديو لوجيا الحذر، و الإمتناع عن المواجهة المسلحة، و هو موقفٌ إلتزم به المريدون و الموالي، فكانوا ينتظرون الفرج و يعالجون أوضاع فقرهم و تهميشهم و العنف الوقع عليهم بالأمل الغامض و الدعاء من الله بإهلاك الفراعنة. و لذلك فإن مشروع الإمام المهدي، تطلّب امتحاناً للناس و إعادة تنشئة لهم حتى يندفعوا بمقاتلة رموز الظلم بإيمانٍ عميق و بدون تردد.
يمكن للمتابع أن يلاحظ حقيقة أن الغيبة الصغرى- و من خلال الوكلاء استهدفت تحقيق غايات متعددة منها:
1- تمكين الناس من الاعتقاد بغياب الإمام- غياباً جزئياً- و بشكل غير مباشر. فهو حاضرٌ من خلال وكلاءه- سفراءه.
2- تدريبهم على الصبر، كقيمة أخلاقية تجعل مصير هم مرتبطٌ بالمشروع النهضوي و ليس بإغراءات السلطة.
3- تشجيعهم على مراجعة الأدبيات الشيعية و استقرار علاقتها بالغيبة.
4- تمكينهم من بناء تصورات لذواتهم، كونهم جنود الإمام الغائب، مما يعزز إيمانهم بالإسلام في صورته الحقيقية، و خلفاء رسول الله، و يتواصل ذلك في الغيبة الكبرى. حيث يكون الإمام وحده حاضراً في الضمير و العقل برغم غيابه عن الرؤية.
إن لهذا الغياب الطويل و غير المحدد (زمنٌ إلهي غيبي) دورٌ مهمٌ في خلق أجيالٍ من الموالين، تجسّرهم بالإمام فلسفة تواصل رمزية مكثّفة، مما يعزز فيما بينهم مبادئ قيمية و عقائدية، تجعل الإمام المهدي في صلب عبادتهم اليومية، و طقوسهم، لا سيما و أن الثقافة الشيعية تربط، و على نحو وثيق، بين استشهاد الإمام الحسين و بين ظهور الإمام الحجة!!.
إن قضية المهدي هي نوعٌ من الاستعادة للتاريخ الإسلامي، منذ عهد النبي (صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم) الذي بشّر بظهور المهدي (1)و اتصالًا بأحاديث الأئمة. و التي
1) و أُثر عن النبي (صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم) جمهرةٌ كبيرةٌ من الأخبار المبشرّة بظهور الإمام المهدي منها: روى حذيفة أن النبي (صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم) قال: لو لم يبقَ من الدنيا إلى يومٌ واحدٌ لبعث الله رجلاً من ولدي اسمه إسمي، و خَلقهُ خلقي، يكنى أبا عبد الله، يبايع له الناس بين الركن و المقام، يردُّ الله به الدين، و يفتح له فتوحاً، و لا يبقى على وجه الأرض إلا من يقول: لا إله إلا الله. فقام سلمان فقال: يا رسول الله، من أي ولدك؟، قال: من ولد إبني هذا، و ضرب بيده إلى الحسين. (يراجع: يوسف بن يحيى بن علي بن عبد العزيز المقدسي الشافعي السلمي، من علماء القرن السابع، عقد الدرر في أخبار المنتظر، ترجمة: عبد الفتاحٍٍ الحلو، قم، منشورات نصایح ط 1،1416ه-، ج 56، الباب 2، الحديث 41، و أخرجه أيضاً الكنجي في كتاب البيان في الباب 13، و أسنده إلى حذيفة، و علّق عليه: هذا حديثٌ حسنٌ رزقناه عالياً. كذلك ينظر: أحمد بن حنبل، المتوفى (241ه-)، مسند أحمد بن حنبل، بيروت، مطبعة دار الفكر، ج 1،1412ه-، ص 376.. و ينظر أيضاً: مستدرك الحاكم النيسابوري على الصحيحين، مصدر سبق ذكره ج 4، ص 465). كل هذه المصادر بعشرات الروايات فيها و غير هذه المصادر أكثر و أكثر كلها تؤكد وجود شخص المهدي و العقيدة به.
تكون بمجموعها آيديو لوجيا علوية مناوئة للسلطة، مرةٌ بالثورة، و مرة بالصمت، و كلاهما مع اختلاف أسلحتهما كانا يقارعان الظلم الذي تبرره آيديو لوجيا السلطة، ثم يأتي الطور المهدوي لينقل آيديو لوجيا الحذر و الصمت إلى يوتوبيا الثورة و التغيير كما سنبين.
إن لكل ثورةٍ مقدماتها. فليس ثمة ثورة تقوم في فراغ. كما أن لكل ثورةٍ أسبابها، و يبدو أن سامراء التي كان العباسيون قد جعلوا منها حاضرةً مميزةً بكل صفات الترف كانت بذاتها، بيئة للرفض و الاحتجاج. غير أن الأمر، أمر الثورة تطلب كاريزما من نوعٍٍ خاص. سنوضح هُويته فيما بعد.
محمد شابث
الكتاب: ... العراق في خارطة الظهور
المؤلف: ... محمد شابث
الطبعة: ... الأولى 1438ه- - 2017م
رقم الإيداع في دار الكتب و الوثائق ببغداد( ) لسنة 2017م
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
ان التغيير الذي يقوم به الامام المهدي (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف) يبتدئ من العراق و لذلك يحتاج هذا الدور الى تمهيد، و في مرحلة التمهيد يأخذ العراق دورا كبيرا قبل ان يتحرك الامام و قبل ان يظهر. ان خروج الامام (عَلیْهِ السَّلام) يحتاج الى ارضية تنصره و تستعد للدفاع عنه و هذه الارضية اذا تحققت و وجد انصارا كزبر الحديد مستميتين في الدفاع عن دولته تحقق الظرف المؤهل لخروجه. و هؤلاء الممهدون هم خير الناس كما في رواية ابي خالد الكابلي عن الامام زين العابدين (عَلیْهِ السَّلام) إنَّ أهلَ زَمانِ غَیبَتِهِ القائِلینَ بِإِمامَتِهِ وَ المُنتَظِرینَ لِظُهورِهِ أفضَلُ مِن أهلِ کُلِّ زَمانٍ لِأَنَّ اللّهَ تَبارَکَ و تَعالی أعطاهُم مِنَ العُقولِ وَ الأَفهامِ وَ المَعرِفَةِ ما صارَت بِهِ الغَیبَةُ عِندَهُم بِمَنزِلَةِ المُشاهَدَةِ و جَعَلَهُم فی ذلِکَ الزَّمانِ بِمَنزِلَةِ المُجاهِدینَ بَینَ یَدَی رَسولِ اللّهِ (صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم بِالسَّیفِ اُولئِکَ المُخلِصونَ حَقّاً و شیعَتُنا صِدقاً وَ الدُّعاةُ إلی دینِ اللّهِ عزَّ وَ جلَّ سِرّاً و جَهراً.) (1)
1) كشف الحق، محمد صادق ابادي، النجف الاشرف، مركز الدراسات التخصصية للإمام المهدي (عَلیْهِ السَّلام)، 1436ه-، ط 4، ص 139.
و قال الامام الصادق (عَلیْهِ السَّلام) : يَا أَبَا بَصِيرٍ طُوبَى لِشِيعَةِ قَائِمَنَا الْمُنْتَظِرِينَ لِظُهُورِهِ فِي غَيْبَتِهِ، وَ الْمُطِيعِينَ لَهُ فِي ظُهُورِهِ أَولَئِكَ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ الَّذِينَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لَا هُمْ يَحْزَنُونَ (1)
ان المجتمع العراقي الذي عانى ما عانى و خرج من الامتحان ناجحا سيكون له الدور الكبير في التمهيد و هذا ما نلمسه من الروايات التي تشير الى الاسراع بالالتحاق بالإمام في مكة و الاذعان للإمام و قدوم الامام الى العراق فهذه كلها دلائل على وجود الارضية المناسبة لا حتضان دولة الامام المهدي (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف).
و هناك رواية في الارشاد للشيخ المفيد عن الامام الباقر (عَلیْهِ السَّلام) يدخل المهدي (عَلیْهِ السَّلام) الكوفة و بها ثلاث رايات قد اضطربت بينها فتصفو له فيدخل حتى يأتي المنبر و يخطب و لا يدري الناس ما يقول من البكاء﴾ (2)
و هذا الحديث فيه دلالات على وجود الممهدين في العراق و من هذه الدلالات:
-اولا: ان الامام يأتي الى العراق، فلو كان العراق لا يملك التأهيل المناسب لا ستمرار ثورته لا نتقلت حركة الامام الى منطقة اخرى مثلا الى الشام او خراسان او اليمن او مصر لكنه تجاوز
کل تلك المناطق و تحرك بمجرد ان نجح في مكة و المدينة و توجه الى العراق، فيؤسس الدولة المهدوية في العراق ثم ينطلق من العراق لإصلاح العالم اجمع.
-ثانيا: ذكرت الرواية انه (عَلیْهِ السَّلام) عندما يدخل الكوفة يجد فيها ثلاث رايات مضطربة و هذا الاضطراب له معنيان: المعنى الاول: هو الاهتزاز و الحركة لكثرة الجمهور و القواعد التي تسير تحت تلك الرايات.
و المعنى الثاني: هو حالة من اللاتفاهم الجزئي او الاختلاف الذي يتلاشى عند مجيء الامام و تجتمع هذه الرايات تحت قيادته اي تصفو له كما عبرت الرواية.
-ثالثا: ان مجيء الامام الى المنبر و خطابه للناس و كثرة البكاء بحيث لا يسمعون كلام الامام من كثرة و شدة البكاء يفسر شيئين:
الشيء الاول: كثرة الجمهور لأنه لو كان بكاءا فرديا لانتبهوا للكلام.
الشيء الثاني: هناك حالة انسجام و امتثال و عاطفية بين الجمهور و القائد في اعلى مستوياتها.
تألیف
آية الله العظمى المرحُوم السّيد صَدر الدين الصَدر "قُدِّس الله سِرُّه"
مكتبة المُهّل
حقوق الطبَع مَحفوظَة
1398 ه- 1978م
عقد الدرر في الباب الخامس، عن جماعة الحفاظ، منهم احمد في مسنده و ابن ماجة في سننه و البيهقي و ابو عمر المدائني و نعيم بن حماد و ابو القاسم الطبراني و ابو نعيم الأصبهاني، عن أمير المؤمنين علي بن ابي طالب كرم الله وجهه، قال: قال رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: المهدي منا اهل البيت يصلحه الله في ليلة.
ابن حجر في الصواعق (ص 98) عن ابن ماجة مرفوعا: يخرج ناس من المشرق فيوطئون للمهدي سلطانه.
عقد الدرر في الباب الخامس، عن ابن ماجة و البيهقي مثله. و فيه في الباب المذكور، عن أبي نعيم في صفة المهدي، عن ثوبان، قال: قال رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: اذا رأيتم رايات سود قد اقبلت من المشرق فآتوها و لو حبوا على الثلج، فان فيها خليفة الله المهدي قال: و اخرج ابو عبد الله الحاكم في مستدركه و الامام ابو عمر في سننه و الحافظ نعيم بن حماد في كتاب الفتن بمعناه، و لعله قوله فيها خليفة الله المهدي، أي فيها توطئة و تمهيد لسلطانه، كما تقدم في حديث عبد الله ابن الحرث.
و فيه، في الباب المذكور عن سعيد بن حماد المسيب، قال: قال
رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: يخرج من المشرق لبني العباس ثم يكون ما شاء الله، ثم تخرج رايات سود صغار يقاتل رجلا من آل ابي سفيان و اصحابه و يردون الطاعة الى المهدي.
اقول: الاحاديث الواردة في توجه الرايات السود من جانب الشرق، بعضها تشير الى الدعوة العباسية، و خروج ابي مسلم الخراساني. و بعضها تشير الى جماعة يخرجون من جانب الشرق اخيرا يدعون الى المهدي المنتظر عليه السلام. و رواية سعيد بن المسيب المذكورة تشير الى هذا التفصيل، و ما ذكرناه سابقا من احتمال ان تكون الاحاديث الواردة في هذا الباب صنيعة الدرهم، و الديار هو القسم الأول منها فلا تغفل.
ينابيع المودة (ص 448) عن فرائد السمطين، عن الحافظ ابي نعيم عن الباقر محمد بن على قال: ان الله يلقى في قلوب محبينا و اتباعنا الرعب، فاذا قام قائمنا المهدي كان الرجل من محبينا أجرى من ليث و أمضى من سنان.
اقول: لا ريب أن الجمعية اذا فقدت قائدها و هي عزمها بل و ربما ضیعت رشدها، بخلاف ما لو كان لها قائد صاحب حزم و عزم و ارادة صادقة و حكمة، فان ذلك يؤثر في جميع اخلاق تلك الجمعية كما هو مشاهد بالعيان، و ربما اشارت الرواية المذكورة الى ذلك، و يمكن ان يقال ان الله سبحانه و تعالى يلقي الرعب في قلوبهم حفظا لهم.
بَقیة اللهُ
خیر لکم ان کنتم المؤمنین
مجموعة مهمّة من الصَلوات و الأدعية و الزيارات و ... حول الإمام القائم المنتظرة عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف
الصّادرة عن الناحية المقدسة أو الواردة عن سائر المعصومين عَلیْهِمُ السَّلام
سرشناسه: مجتهدی، سید مرتضی: 1223-
عنوان و نام پديدآور: الصحیفة المباركة المهديّة/ للمؤلف: السيِّد مرتضي المجتهدي السيستاني
مشخصات نشر: قم: الماس،1391.
مشخصات ظاهری: 1250ص
شایک: 978-964-7753-7-46 180000 ریال
وضعیت فهرست نویسی: فیبا
یادداشت: عربی
یادداشت: كتاب حاضر در سالهایی مختلف توسط ناشران متفاوت منتشر شده است
یادداشت: کتاب نامه: ص 57 - 139 هم چنین به صورت زیرنویس.
اعی امام دوازدهم 255 و - زیارتنامه ها
موضوع: محمّد بن حسن (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف) امام دوازدهم، (255) ق --- زیارتنامه ها
موضوع: محمّد بن حسن (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف) امام دوازدهم، (255) ق --- دعا ها
موضوع: دعا ها
موضوع: زیارتنامه ها
رده بندی کنگره: 21291 ص 2م BP26713
رده بندی دیویی: 297872
شماره کتابشناسی ملّی: 2825101
انتشارات الماس
الصَّحِيفَةُ المُبارَكَةُ المَهْدِيَّة
المؤلّف: السيّد مرتضى المجتهدي السيستاني
الناشر: منشورات ألماس
المطبعة: نينوا
الطبعة: الأُولى شعبان المعظّم 1433 هق
مع الإضافات
القطع و الصفحات: وزيري/ 1250
الكميّة: 1000 نسخة
السعر: 18000 تومان
ردمك: 46- 7- 7753 - 964 - 978 46 - 7 - 7753 - 964 - 978 :ISBN
مركز التوزيع منشورات ألماس: 00989122510358
موقع الإينترنت للمؤلّف: www.almonji.com
بريد الإلكتروني: info@almonji.com
435
السَّلَامُ عَلَيْكَ يَابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، إِنْ لَمْ تَكُنْ أَدْرَكَتْ نُصْرَتَكَ يَدي، فَهَا أَنَا ذَا وافِدٌ إِلَيْكَ بِبَصَرِي، قَدْ أَجَابَكَ قَلْبِي وَ سَمْعِي وَ بَصَرِي وَ بَدَني وَ رَأْيِي وَ هَوَايَ عَلَى التَّسْلِيمِ لَكَ، وَ لِلْخَلَفِ الْبَاقِي مِنْ بَعْدِكَ، وَ الْأَدِلَّاءِ عَلَى اللَّهِ مِنْ وُلْدِكَ، فَنُصْرَتِي لَكُمْ مُعَدَّةٌ، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَ هُوَ خَيْرٌ الْحَاكِمينَ. (1)
1) المزار للمفيد: 107.
مقالات لعدد من الفضلاء حول الإمام المهدي (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف)
ترجمة
حسن الهاشمي
دار النبلاء
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
1414 ه-- 1994م
دار النبلاء
بيروت- لبنان ص- ب 11/8601
هاتف: 837826/ مقسم 114
فاکس: 601005- 1- 00961
تأليف: محمد المحمدي الاشتهاردي
لا تصل كل ثورة إلى هدفها حتى تُعد الأرضية لها من قبل، في مختلف الأبعاد. و لا تنال كل نهضة و ثورة الانتصار بدون المقدمات و إعداد الأرضية.
و لا تستثنى نهضة المهدي القائم أرواحنا فداه العالمية، و هي أهمّ و أوسع و أعمق الثورات العالمية من هذا القانون، بل بسبب عالميتها رحمتها يجب بطريق أولى إعداد الأرضية لها.
المفهوم الحقيقي (للانتظار) الذي اعتُبر أفضل الأعمال في رواياتنا (1)، و شبه بالجهاد مع رسول الله (صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم) (2)، هو إعداد الأرضية و الاستعداد.
و إلاّ فالانتظار وحده، أي الأمل الذهني دون ظهور آثاره في المجتمع، لا يعتبر أبداً من أفضل الأعمال، و لا يكون بمنزلة المحاربة و حمل السيف مع رسول الله (صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم)، كما أن مفهوم كلمة (العمل) و المحاربة تحت لواء الرسول (صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم) تعني الحضور في الميدان و العمل و السعي و الاستعداد العيني و ليس مجرّد النية بدون العمل، أو الأمل الذهني دون الآثار العملية.
الانتظار بمعنى بُعد النظر و مشاهدة المستقبل، و بمعنى عدم الرضا بالوضع الموجود، بل توقع مستقبل أفضل، كالمريض الذي ينتظر الصحة و السلامة، أي يأمل بالخلاص من الوضع الفعلي، ليصل إلى وضع أفضل، و من الواضح أن هكذا تغيير و تحوّل يحتاج إلى الاستعداد.
كان الاستعداد ضرورياً لثورات الأنبياء أيضاً، و كانوا يحققون النصر عندما يهيئون أرضية العمل في كل الأبعاد، و إلاّ فإن ثورتهم تخفق في منتصف الطريق.
و بما أن ثورة المهدي (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف) عالمية و طويلة المدى، و في مختلف الجوانب، و تتمثل فيها كلّ ثورات الموحّدين و الأنبياء على طول التاريخ، و هي الهدف النهائي للثورات البشرية المقدسة، لذا فإنها تحتاج حتماً إلى الاستعداد، و تهيئة الأرضية بشكل أعمق و أوسع، و بعبارة أوضح: عندما نقرأ في الروايات الإسلامية: أنّ حكومة إمام العصر يصل فيها العلم و الصناعة و العدالة و الأخلاق و الفكر، و الاقتصاد إلى قمته و أقصاه، و تستقرّ في ذلك العصر أفضل مدنية بشرية فمن الواضح أن حكومة كهذه تحتاج إلى استعداد واسع و عميق و دائم في هذه الجوانب؛ لأنها لا تقوم على أساس الإعجاز بل هي كثورات الأنبياء تقوم على أساس الفكر و العمل و سعي الناس و بذلهم الجهود في كل المجالات، كما كانت ثورات البشر على طول التاريخ، قائمة على هذا الأساس.
عندما نقرأ في الروايات: قال الإمام الصادق (عَلیْهِ السَّلام): للعلم سبع و عشرون شعبة، كلُّ ما وصلنا من الأنبياء لا يزيد على شعبتين، و عندما يظهر القائم (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف) يكمل الشعبتين إلى سبع و عشرين شعبة﴾ (1)
نستنتج أن انقلاباً عميقاً و شاملاً كهذا يحتاج إلى استعداد عميق و شامل أيضاً أوسع بكثير من الاستعداد للانقلابات و الثورات الأخرى.
1) البحار ط القديمة، ج 13، ص 187.
و هنا سؤال، و هو أنه بحسب الروايات يظهر إمام العصر (عَلیْهِ السَّلام) عندما يمتلىء العالم ظلماً و فساداً، ليملأ الأرض قسطاً و عدلاً، و ليس هذا الأمر استعداداً، بل هو بالعكس على خلاف ثورة المهدي (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف)؟!
و الجواب: أولاً- أن هذا الأمر (امتلاء العالم بالظلم و الفساد) هو نوع من الاستعداد و تهيئة الأرضية؛ لأن النوع البشري لا يرتضي هذا الظلم و الفساد و يؤدي به إلى الغضب و يدفعه للثورة، و ذلك يوجِد أرضية فكرية و معنوية.
ثانياً: لا يتنافى وجود أتباع للإمام المهدي (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف) يعدّون الأرضية لثورته إلى جانب هذا الظلم و الفساد العالمي. فحينما ينشغل مخالفو الثورة بالفساد و الظلم، و يغفلون عن كلّ شيء، يستفيد المسلمون الأحرار من الفرصة و يزيدون من استعدادهم الإيجابي، و يُشعلون العالم فجأة، و هو الذي يصبح ناراً تحت الرماد لصالح الثورة، كما شاهدنا نموذجاً مصغراً لذلك في إيران الإسلامية في 22 بهمن عام 1357 شمسية. و بما أنّ ثورة المهدي (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف) العالمية عميقة و شاملة جداً، فقد تحتاج إلى استعداد (و بالأخص الاستعداد الفكري و الثقافي) أوسع و أكبر في كل العالم.
بما أنّ ثورة المهدي (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف) هي الثورة الإسلامية على أثر أعلى و أعمق مستوى، و بما أن هذه الثورة مكملة لثورة نبي الإسلام (صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم)، و هي نفس ثورة النبي (صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم) كما تقول الروايات و لكن في مستوى أوسع، فإننا نشير إلى عشرة عوامل كان لها الأثر العظيم في ثورة الإسلام بقيادة النبي (صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم) للاستعداد للحكومة الإسلامية. (1)حتى تعدَّ الأرضيّة لثورة المهدي (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف) باتباع
1) يقول أحد أصحاب الإمام الصادق (عَلیْهِ السَّلام): سألت الإمام (عَلیْهِ السَّلام): ما هي طريقة الإمام المهدي (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف )؟ قال: يصنع ما صنع رسول الله، يهدم ما كان قبله كما هدم رسول الله (صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم) أمر الجاهلية، و يستأنف الإسلام جديداً. (البحار، ج 52، ص 352، الطبعة الجديدة).
هذه العوامل في أبعاد مختلفة و عالمية، و نحقق مفهوم «الانتظار» الحقيقي الواقعي.
جاء في الأمثال في النهاية تشقّ الحقيقة طريقها و بالاعتماد على حقائق القرآن و الإسلام الوضّاءة و المحكمة و المنطقية، هذا المذهب الحيّ و الغنيّ و البنّاء، الذي هو أحد عوامل الانتصار، في صدر الإسلام، فقد كان للأمانة و الواقعية و موافقة أوامر الإسلام للعقل و الوجدان و الإنسانية و محاربة الإسلام لكل أنواع الفساد و الفقر و الظلم، كان لذلك جاذبية قوية تجذب الناس نحوها ،لا إرادياً، و قد حقق الرسول (صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم) بهذا الطريق انتصارات عظيمة، حتى أنّ ألدّ أعداء الإسلام كالوليد بن المغيرة عندما عدة آيات من القرآن تتحدث عن قوانين الإسلام عاد إلى مجلس إقامة قبيلته كالمجنون و قال: و الله سمعت من محمد آنفاً كلاماً لا يشبه كلام الإنس و لا كلام الجن، وَ اِنَّ لَهُ لَحَلاوَةً وَ اِنَّ عَلیه لَطَراوَةً وَ اِنَّ اَعْلاهُ لَمُثْمِرٌ وَ اِنَّ اَسْفَلَهُ لَمُعْدِقٌ وَ اِنَّهُ یَعْلُو وَ لاَ یُعْلَی عَلَیْهِ (1)
فالاعتماد على هذا المذهب المحكم اليوم، و مقارنته العلمية و المنطقية بسائر المذاهب و الأديان، يكون من الناحية المعنوية أكبر عامل للحركة و الاستعداد لحكومة العدل العالمية، و يكفي وحده لتحقيق حاجات الإنسان المادية و المعنوية.
و حقاً لو استُخدم القرآن بثورة ثقافية في الجامعات و وصلت حقائق الإسلام الوضّاءة إلى الناس لحصل أكبر استعداد و أقواه الحكومة المهدي (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف) العالمية.
مما لا نشك فيه أنّ العلم أدّى إلى تيسير وتسهيل كثير من الأعمال،
1) نور الثقلين ج 3،، ص 87.
و تقريب كثير من الطرق، و حلّ كثير من التعقيدات في المجالات المختلفة، و قد يُطوى طريق مائة عام في ليلة واحدة بواسطة العلم و المعرفة، و أحد الطرق الثابتة للاستعداد لحكومة الإسلام العالمية بقيادة المهدي (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف) هو تحصيل العلم و المعرفة و استخدامهما عملياً في الأعمال الإيجابية العادلة.
و قد أكّد الإسلام ذلك كثيراً، انظروا إلى قول الرسول (صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم) و الإمام علي (عَلیْهِ السَّلام):
قال النبي (صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم): لِکُلِّ شیءٍ دَعامَةٌ وَ دَعامَةُ هذا الدّینِ الْفِقهُ، وَ الفَقِیهُ الواحِدُ أَشَدٌّ عَلَی الشَّیْطانِ مِنْ أَلْفِ عابِدٍ (1)
و قال علي (عَلیْهِ السَّلام): قِوامُ الدّین وَ الدُّنیا بِأَربَعَةٍ عالِمٍ مُستَعمِلٌٍ لِعِلمَهُ (2)
لذا يجب على كل المسلمين أن يبذلوا الجهد في تحصيل العلم و استعماله عملياً في المجتمع، و بذلك يعدّون الأرضية الفكرية و العلمية في كل المجالات لحكومة المهدي (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف) العالمية.
من عوامل انتصار المسلمين في صدر الإسلام على العواصف و الحوادث، الاستقامة و الثبات و القدرة. و نحن بحاجة الآن إلى الصبر و الثبات لتحقيق النصر في إكمال مسيرة الإسلام على يد المهدي المنتظر (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف).
ما أكثر نماذج صبر المسلمين و استقامتهم في صدر تاريخ الإسلام، و تتضح معنوياتهم العالية في الحروب الإسلامية جيداً، فكانوا يدحضون أكبر عدد من أعدائهم بأقلّ المقاتلين و أبسط الأجهزة و المعدّات الحربية.
و من أمثلة ذلك جعفر الطيار أخو الإمام علي (عَلیْهِ السَّلام) في حرب مؤتة (الحرب مع الروم). فرغم أنّ يديه قطعتا، و حدث في جسمه 90 جرحاً، لكنه بقي يحمل الراية بيديه المقطوعتين و يحارب (3)
كرر القرآن المجيد الحديث عن الصبر و الاستقامة 104 مرات، و قال في سورة آل عمران، الآية (200):
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَ صَابِرُواْ وَ رَابِطُواْ وَ اتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. و من البديهي أن تطبيق هذه الأوامر ضروري للاستعداد لحكومة عالمية.
كان أهم العوامل في نشر الإسلام الزهد و الالتزام بالأخلاق الحسنة من قبل المسلمين في تعاملهم في مختلف جوانب الحياة، و مراعاة الحقوق المالية و النفسية و العرضية التي لها أكبر الأثر في جذب الآخرين و النفوذ في قلوبهم.
إن أخلاق النبي (صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم) و الأئمة (عَلیْهِمُ السَّلام) الحسنة و أخلاق تلامذتهم، جذبت كثيراً من العصاة إلى أحضان الإسلام المليئة بالعطف و الصفاء و الرحمة، و قوّت بذلك الإسلام و المسلمين.
يصف أمير المؤمنين (عَلیْهِ السَّلام) النبي (صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم) و يقول:
فتاسَّ بنبيّك الأطيب الأطهر (صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم قَضَم الدنيا قضما و لم يُعِرها طَرْفا، أهضَمُ أهل الدنيا كشحا، و أخمصُهُم من الدنيا بطنا، و لقد كان (صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم) يأكل على الأرض، و يجلس جلسة العبد، و يخصف بيده نعلّه، و يرقعُ بيده ثوبه، و يركب الحمارَ العاري، و يُردفُ خلفه، و يكون السّتر على باب بيته فتكون فيه التصاوير فيقول: ﴿يا فلانة- لإحدى أزواجه- غيبيه عني، فإني إذا نظرت إليه ذكرت الدنيا و زخارفَها)... و الله لقد رقَعتُ مِذْرعتي هذه حتى استحييتُ من راقعها. و لقد قال لي قائل: ألا تنبذُها عنك؟ فقلت: أغرُب عنّي فعند الصباح يحمدُ القومُ السُّرى﴾ (1)
1) مقاطع من الخطبة 159- نهج البلاغة.
و حقاً لو تُراعى كل الأخلاق الإسلامية. لتحقق أفضل استعداد معنوي لظهور ولي العصر (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف ).
المعنويات العالية و اطمئنان القلب و الاعتماد على النفس من العوامل البنّاءة و الدافعة و المحرّكة و المزيلة للموانع المعيقة للتقدم، و لا تتحقق معنويات كهذه و اطمئنان و ثبات للقلب إلاّ في ظل الإيمان بالله و التوكّل عليه، و إن الدعاء و المناجاة و الصلاة و الصوم من المقويات لهذا الإيمان و التوكّل.
بعد فتح مكة على يد الجيش الإسلامي بقيادة الرسول الأعظم (صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم)، كان أبو سفيان يراقب جيش الإسلام القوي و يقول: ليت شعري بماذا غلبني؟
وضع الرسول (صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم) يده على كتفه و قال: بالله غلبتك.
أجل، إن الإيمان و التوكّل على الله، يصنع الوحدة و الانسجام و المعنويات العالية الثابتة و يصنع الممكن من المستحيل، و ينصر القبضة على المدرّعات و يمكن القول: إن أثر الإيمان و التوكّل في الحروب أكثر بكثير من أثر المعدات الحربية و الأجهزة و الوسائل.
و علينا أيضاً أن نتقدّم بظل الإيمان و التوكّل على الله، و نعدّ العدة فكراً و عملاً لمستقبل زاهر، كما نال مسلمو صدر الإسلام الانتصارات الإعجازية في ضوء الإيمان و التوكّل.
التعاون الاقتصادي و الاجتماعي، على أساس الأخوة الإسلامية و حل المشاكل الاجتماعية، و تأسيس دوائر لهذا الأمر، أمر مهم بنفسه لإيجاد الانسجام و الترابط الوثيق، و معدً لمستقبل زاهر، و له أثر اجتماعي كبير في تحقق الأهداف السامية.
قال الإمام الصادق (عَلیْهِ السَّلام): مَثل المسلمين في توادهم و تراحمهم كمثل
الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسَّهَر و الحمى فلو كان هذا الشعور سائداً في مجتمعنا حقاً، لنال تقدّماً كبيراً في الجوانب المختلفة.
كان النبي (صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم) يناظر و يباحث الفِرق غير الإسلامية المختلفة على أساس العلم و المنطق.
و قد ربّى الإمام الصادق (عَلیْهِ السَّلام) أربعة آلاف تلميذ في الفروع المختلفة، و كان يناظر الملحدين بنفسه.
و كان لهذه البحوث و المناظرات أثر كبير في نشر الإسلام و اتساعه، نقرأ في القرآن في سورة النحل الآية (125): ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (1)
(الحكمة) هي الأساليب الاستدلالية و المنطقية.
(الموعظة الحسنة) عبارة عن المواعظ و النصائح التي لها جانب عاطفي.
(المجادلة الحسنة المناظرة و المباحثة المتقابلة على أساس الاتصاف و حسن النية.
قال علي (عَلیْهِ السَّلام): حضر أتباع خمسة أديان مختلفة عند النبي (صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم) للبحث و المذاكرة و بدأوا بالمناظرة، و تقدمت جماعة اليهود ثم المسيح ثم الماديين ثم الثنوية ثم المشركين، أصغى النبي (صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم ) بوقار إلى كلامهم، ثم أجابهم، و لم تمض أكثر من ثلاثة أيام على هذه المناظرة، حتى اقتنعت الجماعات الخمس و أعلنت إسلامها، و قالوا في الختام: مَا رَأَیْنَا مِثْلَ حُجَّتِکَ یَا مُحَمَّدُ نَشْهَدُ أَنَّکَ رَسُولُ اَللَّهِ (2)
نعم لو واجهنا المثقفين و المتعلمين غير الإسلاميين بهذه الأساليب، لانتشر الإسلام أكثر فأكثر.
إن الثوارت- بنحو عام- تنتصر على يد المستضعفين؛ لأن المستكبرين و الرأسماليين راضون بوضعهم و هم يناؤون الثورة.
لم يذكر الإسلام المستكبرين و الطغاة بخير أبداً، و قد كان حماة الإسلام منذ البداية هم أفراد مستضعفون أمثال بلال، و سلمان، و جويبر، و الخباب، و عمار، و ياسر و سمية الخ.
اهتم الرسول (صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم) بهذه الجماعة اهتماماً خاصاً، حتى أنه صرف كل أموال زوجته خديجة في هذه السبيل، و كان يعيش مع المستضعفين و مثلهم.
و على أية حال، فالاهتمام بالمستضعفين، و قضاء حاجاتهم و استقرار العدالة الاجتماعية و الوقوف ضد الاستعمار و الاستغلال. هو عامل آخر من عوامل الاستعداد لحكومة أمل المستضعفين المهدي الموعود (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف).
و ها أنا ذا أكتب هذه الأسطر و الأخبار تقول: يقول الإمام الخميني (مد ظله):
أنا لا أعطي شعرة واحدة من سكّان المنخفضات و البدو مقابل كلّ الملوك و سكان القصور.
مما لا شك فيه أن (للاتحاد) أثراً كبيراً و مُعجِزاً في تحقيق الأهداف، إنّ الجمع و الاتّحاد يضاعف القدرة مئات بل آلاف الأضعاف. مَثَلُ الاتحاد كالسدّ العظيم الذي يعتبر مبدأً لكثير من القوى الصناعية و سقي الأراضي الواسعة، و إضاءة مدن كثيرة. إنّ تحقيق قوة كهذه هو نتيجة إتحاد قوى بسيطة و ضعيفة و اجتماع قطرات المطر.
قال النبي (صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم): اَلْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ کَالْبُنْیَانِ یَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً (1)
و الآن لو اتّحد المسلمون و انسجموا مع بعضهم حول محور الإسلام، لأصبحوا كالبحر الخضم، الذي يثبت مقابل العواصف العنيفة.
إن لاتحاد المسلمين و انسجامهم أثراً كبيراً و أساسياً في الاستعداد لظهور المهدي (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف) و تشكيل حكومته العالمية، و على المسلمين الابتعاد عن كل الاختلافات الجانبية و الوقوف بوجه العدو المشترك بالاتحاد و الوحدة و التوافق ليعبّدوا الطريق لظهور المصلح لكلّ العالم.
اهتم الاسلام (بالولاية) كثيراً و أكّد أنها لو لم تكن لم يكن أيّ شيء، بل يجب أن تكون كلّ برامج الإسلام و مخططاته تحت ظلّ الولاية. و بعبارة أخرى لا يدور محور الثورة إلاّ بواسطة الولاية فهي علم الطريق و زعيم الأمّة، و يحرّك كل الفرق الإسلامية في خط واحد.
الولاية تعني الحكومة و تولّي أمور الناس الدينية و الدنيوية، و هي مقام عظيمُ المسؤولية و لا يتعهده إلاّ الصالحون و المتكاملون من الناس.
كما كان في صدر الإسلام أثرّ كبير لمواعظ القائد و الإمام الصالح في التقدم و التطور، فيجب أن يُحفظ هذا الخط اليوم أيضاً في طريق انتظار ظهور المهدي (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف) و الاستعداد لحكومته العالمية؛ ليعرف المسلمون طريق الاستعداد الصحيح في نظام و انسجام خاص، و في ظل إرشاد القائد الصالح، الذي يعبّر عنه اليوم (بولاية الفقيه). و بعبارة أوضح: إن النائب و المعاون الحق للمهديّ (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف) هو أقرب و أعلم بسيرة و طريقة المهدي (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف) حتماً و قد تكون إرشاداته و ولايته أقرب أسلوب و أفضله للوصول إلى حكومة إمام العصر و الزمان (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف) مع الالتفات إلى أن أداء تكليفي الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، يُخرج الإنسان عن حالة اللامبالاة و يحرّضه للحضور الفعّال في الساحة .
1) تفسير أبو الفتوح، ج 2 ص 450.
و على أمل العمل بهذه العوامل الأساسية، يمكننا التقدّم كمسلمي صدر الإسلام، لنهيىء العالم لاستقبال حكومة المهدي ( عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف) العالمية، و هذا يعني استمرار الثورة، و نهايته هي المستقبل الزاهر، و ارتفاع راية (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) في كل ربوع العالم، و هذا الأمل بالمستقبل الزاهر (لَا المُبْهَمَ وَ لَا المُظلِمُ) هو العامل الباطني، و هو الانتظار الذي يجب أن يختلط بالعلم و العمل، و يصل إلى نتيجة واقعية.
المؤتمر الدولي الثاني النظرية المهدويّة ادرسين 1227 ق 1385 تهران.
المقالات المنتخبة في المؤتمر الدولى الثانى للنظرية المهدوية/ اعداد الموسة المستقبل المضلى. قم: موسسه آینده روشن
پژوهشکده مهدویت، 1437 الی 1385.
219 ص
ISBN978-96A-96610-1-8
فهرست نویسی براساس اطلاعات فيپا
کتاب نامه
Bp224/4/08
297/462
1385
خالد زَهْری
الرباط المغرب
إن استحضارُ الأبعادِ العملية للبشارات السابقة، قَمين بأن يقدم لنا فهما راقيا للعقيدة المهدوية، و ذلك عن طريق استحضار القيم الروحية، و الأخلاقية، و الجهادية، للإمام المهدي، و أخذ زمام البادرة، بالقيام بالوظائف، التي سيأتي من أجل تحقيقها.
و لذا، فإن الرسول الأكرم صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، لم يخبرنا فقط عن ظهور المهدي، و أنه من آل بيته، و إنما حدثنا أيضا عن أقوام سيظهرون قبله، ممهدين له طريق التمكُّن في الأرض، فقد روى أبو داود، بسنده، "عن هلال بن عمرو، قال: سمعت عليا رَضی الله عنه يقول: قال النبي صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: يخرج رجل من وراء النهر، يقال له: "الحارث بن حَرَّاث"(1)، على مقدمته رجل، يقال له: "منصور"، يوطّيء؛ أو يمكِّن؛ لآل محمد، كما مكْنت قريش لرسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، و حب على كل مؤمن نصره"(2)، أو قال: "إجابته""(3)
و خرَّج ابن ماجه، عن عبد بن الحارث بن جزء الزبيدي، قال: قال رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم:"یَخْرُجُ نَاسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ، فَیُوَطِّئُونَ لِلْمَهْدِیِّ"یَعْنِی: "سُلْطَانَهُ" (1).
و خرَّج الطبراني، في "معجمه الأوسط"، عن ابن عمر، قال: "كان رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم في نفر، من المهاجرين و الأنصار، و على بن أبي طالب عن يساره، و العباس عن يمينه، إذ تلاحى العباس و رجل من الأنصار، فأغلظ الأنصاري للعباس، فأخذ النبي صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم بيد العباس؛ و بيد علي، و قال: "سيخرج من صلب هذا، حتى يملأ الأرض جورا و ظلما. و سيخرج من صلب هذا حتى يملأ الأرض قسطا و عدلا. فإذا رأيتم ذلك، فعليكم بالفتى التميمي، فإنه يُقْبِل من قِبَلِ المَشرِقِ، و هو صاحب راية المهدي" (2)
و روى المفيد، بسنده، "عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: خروج الثلاثة: السفياني، و الخراساني و اليماني، في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد. و ليس فيها راية أهدى من راية اليماني، لأنه يدعو إلى الحق" (3)
فتقدم ظهور اليماني على المهدي، إن لم يكن زمنيا، فهو ربْي. فالتقدم حاصل على كل حال، و لذا قال المفيد: "قد جات الأخبار بذكر علامات لزمان قيام القائم المهدي عليه السلام، و حوادث تكون أمام قيامه، و آیات و دلالات"، منها" خروج اليماني"(4)
و قد تقطن ابن خلدون لهذا البُعْد العملي للعقيدة المهدوية، فربط ظهور المهدي، بتهييء الظروف و الأجواء المناسبة للتمكين في الأرض، فقد قال: "و الحق، الذي ينبغي أن يتقرر لديك، أنه لا يتم دعوة من الدين و الملك، إلا بوجود شوكة عصبية، تظهره، و تدافع عنه من يدفعه حتى يتم أمر الله فيه" (5)، و قال: "فإن صح ظهور هذا المهدي، فلا وجه لظهور دعوته، إلا بأن يكون منهم (6)، و يؤلف الله بين قلوهم، في اتباعه، حتى تتم له شوكة و عصبية و افية بإظهار كلمته، و حمل الناس عليها. و أما على غير هذا الوجه،
و نمثل لذلك بواقع الهزيمة، التي مُنِيَ بها المسلمون، في آخر معقل إسلامي في الأندلس، و هو إمارة بني الأحمر، حيث سيطرت على أذهانهم فكرة المهدي المنتظر، و طفقوا ينتظرونه، و يترقبون خروجه، لينصرهم على الإسبان، و يثأر لهم.
لكن، وضِعت رؤوسهم تحت مفصلة محاكم التفتيش، و طردوا من الأندلس شر طردة، و فقد المسلمون فردوسهم، دون أن يظهر للمهدي أثر، و دون أن تُشَم له رائحة.
إن هذا النوع من الانتظار، إن كان له دور، فهو دور الحيلولة دون ظهور المهدي، لكونه إعلانا صريحا، بأن أجواء ظهوره، لم تتيسر بعدُ. بل إنه مخالف للمنهج القرآني، في الإصلاح و التغيير، القائم على ثلاث دعائم :
أولها: دفع الفساد من الأرض، لقوله تعالى: وَ لَوْلَا دَفْعُ اللّه النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ، وَ لَكِنَّ اللّه ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (1)
ثانيها: مجاهدة النفس و تهذيبها، لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ (2)
ثالثها: مراعاة التدرج، و اعتبار المرحلية. و لا جرم أن انتظار المهدي، ليحدث التغسيير المفاجئ، رأسا على عقب، مخالف لهذه السنة الكونية، التي استفاض بتقريرها القرآن الكريم، و السنة النبوية الشريفة، و سار على هديها السلف و الخلف.
لقد أفضى هذا الموقف السلبي ببعض فرق الشيعة، ممن يصنَّفون بأنهم غلاة، إلى تعطيل الفرائض، و الأحكام الشرعية، و الجهاد، و الحدود، و صلاة الجماعة، و الجمعة، بدعوى أن القيام بها رهين بخروج المهدي.
و أما الموقف الإيجابي، فهو الذي يُشْرَب قلبُ صاحبِِهِ بالعقيدة المهدوية، فيُسَلّم بها نظريا، و يعتبرها من موجبات- أو مُكَمِّلات- الإيمان، لكنه لا يقف مكتوف الأيدي، أمام الواقع المنحرف، الذي يتقلب فيه، بل يعتبر نفسه ممهدا الطريق المهدي، و معبدا له طريق الوظيفة الإلهية، التي سيضطلع بهما في آخر الزمان.
و يمكن أن نستشف هذا المعنى في قوله تعالى: مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ، وَ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (1)
فقد ذكر المفسرون، أن معنى يَمْهَدُونَ:"يوطئون لأنفسهم، في الآخرة، فراشا، و مسكنا، و قرارا، بالعمل الصالح (2)، قال ابن عطية الأندلسي: و يَمْهَدُونَ: معناه يوطئون، و يهيئون، و هي استعارة منقولة من الفرش؛ و نحوها؛ إلى الأحوال و المراتب" (3)و ذكروا أن مجاهدا فسرها ب- " التمهيد للقبر"(4)
فما المانع من اعتبار التمهيد في الآية الكريمة يشمل أيضا التمهيد بالعمل الصالح، استعدادا لمواجهة الفتن السابقة للساعة، و المواكِبة لها، و للجهاد في صف الإمام المهدي، الذي قد يظهر في أي وقت من الأوقات؟!
بل يمكن لهذا الموقف أن يتطور إلى مستوى أسمى و أرقى عندما يعتبر صاحبه نفسه ممثلا للمهدي، و نائبا عنه، عن طريق القيام بكل الوظائف التي سيقوم بها، بحسب ما هو منصوص في الروايات و الأخبار.
و هذا الانتظار الإيجابي، هو المقصود من الخبر، الذي رواه ابن بابويه القمي، بسنده، "عن أبي عبد الله، قال: مَنْ مَاتَ مِنْکُمْ عَلَی هَذَا اَلْأَمْرِ، مُنْتَظِراً لَهُ، کَانَ کَمَنْ کَانَ فِی فُسْطَاطِ اَلْقَائِمِ عَلَیْهِ السَّلاَمُ" (5)
كما توجد أخبار تُشَبِّه المنتظر للمهدي، بالمجاهد في سبيل الله، كالخبر، الذي رواه ابن بابويه القمي أيضا، بسنده، "عن أمير المؤمنين عَلَیْهِ السَّلاَمُ، قال: اَلْمُنْتَظِرُ لِأَمْرِنا، کَالمُتَشَحِّطِ بِدَمِهِ، فی سبیلِ اللّه"(6).
1) سورة الروم، الآية 44.
2) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ضبطه و علق عليه محمد إبراهيم الحفناوي، دار الحديث، القاهرة،1423/ 2002، ج. 14، ص، 366.و انظر أيضا الكشاف عن حقائق التنزيل"للزمخشري، دار الفكر،ط، 1، 1397/ 1977، ج، 3، ص. 225، و تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود ،و اخرين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط، 1، 1422 / 2001، ج، 7، ص. 172.
3) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية الأندلسي، تحقيق المجلس العلمي بمكناس، منشورات وزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية، الرباط، 1408 / 1988، ج. 12، ص.266.
4) تفسير البحر المحيط، ج 7، ص. 172. الجامع لأحكام القرآن، ج. 14، ص. 366. المحرر الوجيز، ج. 12، ص 266.
5) كمال الدين و تمام النعمة، ج 2، ص. 644.
6) كمال الدين و تمام النعمة، ج. 2، ص. 645.
سلمة، و ثوبان و قرة بن إياس، و علي الهلالي، و عبد الله بن الحارث بن جزء، بأسانيد..."(1)
لكنه، بالرغم من ذلك، طعن في أحاديث المهدي، و صرّح بأنه لم يسلم من الطعن منها، إلا أقل القليل (2)
و هذا لا يستقيم، حيث رواه كبار أئمة الحديث، و صرحوا بلقبه (المهدي)، و لم يماروا في التسليم بها. يقول تقي الدين بن تيمية: "فأما المهدي، الذي بشر به النبي صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، فقد رواه أهل العلم العالمون بأخبار النبي صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، الحافظون لها، الباحثون عنها، و عن رواتها، مثل أبي داود، و الترمذي، و غيرهما، و رواه الإمام أحمد في "مسنده" (3)
و جاء في "المعيار": "فهذه الأحاديث كلها في أبي داود، و في مسلم، و هم ألمة الحديث"(4)
و يقول محمد الحسين آل كاشف الغطاء: "و الأخبار في "المهدي"، عن النبي صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم من الفريقين (5)، مستفيضة"(6)
و ذكر القاضي عياض، أن خروج المهدي، من الأمور، التي أطْلَعَ اللهُ عليها نبيِّه محمدا صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، من الغيب، و ما يكون (7)
و من هذه الأحاديث:
روى أبو داود، بسنده، عن علي، عن النبي صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، قال: "لَوْ لَمْ یَبْقَ مِنَ اَلدَّهْرِ، إِلاَّ یَوْمٌ، لَبَعَثَ اَللَّهُ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ بَیْتِی، یَمْلَأُهَا عَدْلاً، کَمَا مُلِئَتْ جَوْراً (8)
1) مقدمة ابن خلدون، ص. 311.
2) مقدمة ابن خلدون، ص. 322.
3) حقوق آل البيت، ص. 51.
4) المعيار المعرب، ج 2، ص. 454.
5) أي: أهل السنة و الشيعة الإمامية.
6) أصل الشيعة و أصولها، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ط. 4، 1413/ 1993، ص. 74.
7) الشفا بتعريف حقوق المصطفى، تحقيق محمد أمين قره علي، و آخرين، دار الفيحاء، عمّان، ط. 2، 1407/ 1986، ج 1، ص. 655.
8) سنن أبي داود، ج. 4، ص، 473 - 474، حديث 4283. و عزاه السيوطي إلى أحمد في "المسند"، و أبي داود ،عن علي، و رمز إليه بالحسن (الجامع الصغير، ج. 2، ص. 459، حديث 7489).
و روی، بسنده، "عن أبي إسحاق قال: قال علي رضي الله عنه؛ و نظر إلى ابنه الحسن؛ فقال: إن ابني هذا سيد، كما سماه رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، سَیخْرُجُ مِنْ صُلْبِهِ رَجُلٌ یسَمَّی بِاسْمِ نَبِیکُمْ، یشْبِهُهُ فِی الْخُلُقِ، وَ لَا یشْبِهُهُ فِی الْخَلْقِ- ثُمَّ ذَکَرَ قِصَّةٌ- یمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلاً" (1)
و روى أيضا، في حديث و صف فيه المهدي، بأنه "يقسم المال، و يعمل في الناس، بسُنة نبيهم صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، و يُلْقِي الإسلامَ بِحِرَ اِنه في الأرض (2)
و روی، بسنده، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: "اَلْمَهْدِیُّ مِنِّی: أَجْلَی اَلْجَبْهَةِ، أَقْنَی اَلْأَنْفِ. یَمْلَأُ اَلْأَرْضَ قِسْطاً وَ عَدْلاً، کَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَ ظُلْماً. وَ یَمْلِکُ سَبْعَ سِنِینَ (3)
و قال رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم- من طريق زيد العمي -: "إن في أمتي المهدي، يخرج و يعيش خمسا، أو سبعا، أو تسعا،- زيد الشاك-، قال: "قلنا: و ما ذاك؟" قال: "سُنَيْن"، قال: "فيجيء إليه، فيقول: يا مهدي اعطني!"، قال: "فيحثو له في ثوبه ما استطاع أن يحمله" لفظ الترمذي، و قال: "هذا حديث حسن"(4)
و لفظ ابن ماجه و الحاكم: "يكون في أمتي المهدي، إن قصر، فسيع، و إلا فتسع. فتنعم أمتي فيه نعمة، لم يسمعوا بمثلها قط. تؤتي الأرض أكلها، و لا يدخر منه شيء. و المال يومئذ كدوس، فيقوم الرجل، فيقول: "يا مهدي! اعطني!"، فيقول: "خذ!" (5)
و روى مسلم، في "صحيحه"، من حديث جابر، قال: قال رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: "یَکُونُ فِی آخِرِ أُمَّتِی خَلِیفَةٌ، یَحْثِی اَلْمَالَ حَثْیاً، لاَ یَعُدُّهُ عَدَّداً" (6)
1) سنن أبي داود، ج. 4، ص. 477، حديث 4290.
2) سنن ابي داود، ج. 4. ص. 475 - 476، حديث 4286.
3) رواه أبو داود (ج. 4، ص 474 - 475، حديث 4285). و عزاء السیوطی إلى أبي داود، و الحاكم في "المستدرك"، عن أبي سعيد، و رمز إليه بالصحة (الجامع الصغیر، ج. 2، ص. 552- 553، حديث 9244).
4) مقدمة ابن خلدون، ص. 315.
5) مقدمة ابن خلدون، ص. 315.
6) صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار عالم الكتب، الرياض، ط. 1، 1417/ 1996، ج. 4 ص. 2234، حدیث 2913.
و روى أيضا، من حديث أبي سعيد و جابر بن عبد الله، قالا: قال رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: "یَکُونُ فِی آخِرِ اَلزَّمَانِ خَلِیفَةٌ، یَقْسِمُ اَلْمَالَ، وَ لاَ یَعُدُّهُ" (1)
و روى الحاكم، عن رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: "یَخرُجُ فی آخِرِ امَّتِیَ المَهدِیُّ، یَسقیهِ اللّهُ الغَیثَ، و تُخرِجُ الأَرضُ نَباتَها، و یُعطِی المالُ صِحاحاً، و تُکثِرُ الماشِیَةَ، و تَعظُمُ الاُمَّةُ، یَعیشُ سَبعاً، أو ثَمانِیا. یَعنی حُجَجاً".
و حديث الرايات، الذي خرجه ابن ماجه، في كتاب "السنن"، عن عبد الله بن مسعود، قال: "بينما نحن عند رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، إذ أقبل فتية، من بني هاشم. فلما راهم رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، ذرفت عيناه، و تغير لونه، قال: فقلت: ما تزال ترى في وجهك شيئا نكرهه، فقال: إِنَّا أَهْلُ البَیْتٍ، اِخْتَارَ اَللَّهُ لَنَا اَلْآخِرَةَ عَلَی اَلدُّنْیَا ، وَ إِنَّ أَهْلَ بَیْتِی سَیَلْقَوْنَ بَعْدِی بَلاَءً، وَ تَشْرِیداً، وَ تَطْرِیداً، حَتَّی یَأْتِیَ قَوْمٌ مِنْ قِبَلِ اَلْمَشْرِقِ، مَعَهُمْ رَایَاتٌ سُودٌ، فَیَسْأَلُونَ اَلْخَبَر، فَلاَ یُعْطَوْنَهُ، فَیُقَاتِلُونَ، وَ یُنْصَرُونَ. فَیُعْطَوْنَ مَا سَأَلُوا، فَلاَ یَقْبَلُونَه، حَتَّی یَدْفَعُوهَا إِلَی رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَیْتِی، فَیَمْلَأُهَا قِسْطاً، کَمَا مَلَأُهَا جَوْراً. فَمَنْ أَدْرَکَ ذَلِکَ مِنْکُمْ، فَلْیَأْتِهِمْ، وَ لَوْ حَبْواً عَلَی الثَّلْجِ" (2)
و خرَّج الطبراني، في "معجمه الأوسط"، عن علي رَضي الله عنه، أنه قال للنبی صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم:"أمِنَّا المهدي؟ أم من غيرنا؟ يا رسول الله"، فقال: "بل منا! بنا یخستم الله، كما بنا فتح، و بما يستنقذون من الشرك، و بنا يؤلف الله قلوبهم، بعد عداوة بَيِِّنة، كما بنا ألف بين قلوبهم، بعد عداوة الشرك"، قال علي: "أمؤمنون؟ أم كافرون؟"، قال: "مَفْتون و کافر" (3)
و في رواية الحاكم، في "المستدرك": "...ثم يظهر الهاشمی، فيرد الله الناس إلى الْفَنهم، و نعمتهم، و قاصيتهم، و رأيهم"(4)
و في حديث علي، عندما سأله رجل عن المهدي، فقال له: "هيهات"، ثم عقد بيده سبعا، فقال: "ذلك يخرج، في آخر الزمان، إذا قال الرجل: "الله الله"، قتل. و يجمع الله له
قوما قرعا كفرع السحاب، يؤلف الله بين قلوبهم، فلا يستوحشون على أحد، و لا يفرحون بأحد دخل فيهم، عدتهم على عدة أهل بدر، لم يسبقهم الأولون، و لا يدركهم الآخرون، و على عدد أصحاب طالوت، الذين جاوزوا معه النهر..." (1)
و خرَّج البزار في، "مسندة"، و الطبراني، في "معجمه الأوسط"؛ و اللفظ للطيراني؛ عن أبي هريرة، عن النبي صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، قال: "يكون في أمني المهدي، إن قصر، فسبع، و إلا فثمان، و إلا فتسع، تنعم فيها أمتي نعمة، لم ينعموا بمثلها، ترسل السماء عليهم مدرارا، و لا تذخر الأرض شيئا من النبات، و المال كدوس، يقوم الرجل، يقول: "يا مهدي! اعطني!"، فيقول: "خذا" (2)
و خرَّج أبو يعلى الموصلي، في "مسنده"، عن أبي هريرة، قال حدثني خليلي أبو القاسم صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، قال: "لا تقوم الساعة، حتى يخرج عليهم رجل، من أهل ببتي، فيضربهم، حتى يرجعوا إلى الحق"، قال: قلت: "و كم يملك؟"، قال: "خمسا و اثنين"، قال: قلت: "و ما خمسا و اثنين؟ "، قال: "لا أدري" (3)
و روى المفيد، في "الإرشاد"، "عن سعيد بن جبير، قال: إن السنة، التي يقوم فيها المهدي عَلیْهِ السَّلام، تمطَر الأرض أربعا و عشرين مطرة، تُرَى آثارها و بر کا تھا" (4).
1434ه- - 2013م
مجموعة مقالات
مؤتمر الإمام المهدي (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف) و مستقبل العالم/ ج 1
تأليف: مجموعة من المؤلفين
الناشر: مجمع اهل البيت (عَلیْهِمُ السَّلام)
الطبعة: الأولى
سنة الطبعة: 1434 ه-. ق
العراق- النجف الاشرف
محمّد مهدي الأصفى
و سوف نتحدّث في هذه المحاضرة إن شاء الله تعالى في ضوء هذه المقدّمة عن تكاليف و مسؤوليات المؤمنين في عصر الغيبة، و هي كثيرة، نقتصر منها على خمس نقاط:
1- المعرفة.
2- الإعداد و التحضير لظهور الإمام.
3- الدعاء للإمام عَلیْهِ السَّلام و لنا بالفرج بظهوره.
4- الطاعة للقيادة النائبة في عصر الغيبة.
5- الثبات على مواثيق الولاية.
و إليك شرح موجز لهذه النقاط الخمسة:
كما ننتظر حلول شهر رمضان، و خسوف القمر و كسوف الشَّمس و أوقات الفريضة.
كانتظار المريض للشفاء، و انتظار الطالب للنجاح، و انتظار المهندس لإكمال البناء.
و الفرق بينهما: أنّ القضايا الّتي ننتظرها من النوع الأوّل لا يمكن
تقديمها و لا تأخيرها، و القضايا الّتي ننتظرها من النوع الثاني يمكن تقديمها و تأخيرها، و انتظار الامام عَلیْهِ السَّلام من النوع الثاني من الانتظار.
و ذلك لأن ظهور الامام عَلیْهِ السَّلام حدث كوني كبير في المساحات الاجتماعيّة و السياسية و الاقتصاديّة و الثقافية و العسكرية و الحضارية. ومثل هذا الحدث الكبير الّذي يخبرنا به القرآن و السنّة المتواترة عن رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم لابدّ أن يكون مشمولاً لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغيَّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ (1)، فلا يمكن أن يشذّ حدث بهذا الحجم من سنَّة التغيير، و إذا كانت سُنّة التغيير نافذة على كلّ قوم (لا يغيّر ما بقومٍ) فكيف يشذّ عنها هذا الانقلاب الكوني الشامل لكلّ الأرض و لكلّ الأقوام؟.
إذن لا يتّم هذا الانقلاب الكوني الشامل في حياة النّاس ما لم يغيِّر النّاس أنفسهم، و يعدّوا أنفسهم و أبناءهم و بناتهم و عوائلهم و مجتمعهم و شعوب الأرض لهذا الانقلاب الكوني الشامل.
و لهذا التغيير مصاديق كثيرة، منها الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و منها الدعوة إلى الله، و منها تربية الجيل الناشئ، و منها تزكيّة النفوس، و منها مكافحة الظالمين و مقاومتهم و التشهير بهم و إسقاطهم، و منها إشاعة ثقافة الإسلام بين النّاس، و منها إعداد الشباب من هذه الأُمّة للقيام بمسؤوليّة التغيير الكبير، و منها إنشاء و إقامة الكيانات السياسية الإسلامية على وجه الأرض، و منها إقامة الحوزات العلمية و الجامعات الإسلامية لنشر الدعوة الإسلامية، و لتفقيه النّاس و تثقيفهم بدينهم، و منها الإنفاق، و منها التربية، و منها الكلمة الناصحة، و منها الموقف، و منها الصَّبر و المصابرة و الصمود ... إلخ.
و كُلّ ذلك من عوامل التحضير و الإعداد لهذه الثورة الكونية الشاملة.
1) الرعد: 11.
و ما لم يتم هذا الإعداد و التحضير لا يتم ظهور الامام عَلیْهِ السَّلام حسب ما نعرف من سنن الله تعالى في التاريخ و المجتمع.
و عليه، فإنّنا يجب أن نبحث بدلاً عن علائم الظهور، عوامل الظهور، و التأكيد في ثقافة الانتظار، و يجب أن نتحوّل من علائم الظهور من الصيحة، و الخسف، و السفياني، و الدجّال، و اليماني، و الحسني، إلى عوامل الظهور من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و الدعوة إلى الله، و تزكية النفوس، و التربية و إقامة المؤسسات الإسلاميّة، و مكافحة الظالمين، و مقاومة الاحتلال و غيرها.
و هو انقلاب ثقافي في ثقافة الانتظار، نرجو أن يحقّقها الشباب المؤمنون في انتظارهم للإمام عجل الله تعالی فرجه الشريف، فينقلبون من بطون كتب (الملاحم و الفتن) للبحث عن علائم الظهور، إلى ساحة الحياة الواسعة للقيام بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و الدعوة إلى الله، و مقاومة الاحتلال و أعوانهم من الظلمة الّذين يحكمون بلاد المسلمين، و إعداد الشباب لهذه المقاومة، و إشاعة ثقافة الشهادة، و الاستماتة،و التضحية، و الصبر، و المقاومة و الثورة والقوة، و الطاعة، و الاخلاص، و التّقوى و ما يتّصل بذلك من شؤون العمل.
و إذا حوّلنا ثقافتنا بهذا الاتجاه في مسألة الانتظار فسوف تفهم الانتظار فهماً مختلفاً تماماً عن الفهم القائم و الموجود في أوساطنا الإيمانيّة.
و هذا الفهم الجديد هو: أنّ الأمام عَلیْهِ السَّلام هو الّذي ينتظر العمل و الكدح و الكفاح و الجهاد و الإنفاق و البذل و التضحية و الشهادة من شيعته و أنصاره ليأذن الله تعالى له بالظهور، و يتحوّل الانتظار من شيعة الامام عَلیْهِ السَّلام إلى الإمام، فيكون هو الّذي ينتظرنا.
و لهذا الانتظار (انتظار الإمام لشيعته) خطاب، و هذا الخطاب هو الدعوة إلى الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و الدعوة إلى الله، و مقاومة الاحتلال و امتداداته من الحُكّام الظلمة في بلاد المسلمين ... إلخ.
و على شيعته و أنصاره أن يستجيبوا لهذا الخطاب، و يلبّوا دعوته،
و ينهضوا بمسؤولية الانتظار في الظروف الأمنية و الثقافية الّتي يحكمها الاستكبار العالمي و امتداداته في بلادنا.
و هذا هو معنى الإعداد و التحضير لظهور الامام عَلیْهِ السَّلام، و الذي تحدّثنا عنه خلال حديثنا عن ( مسؤوليتنا في عصر الغيبة).
و عليه فإنّنا نصل إلى النتيجة التالية من خلال البحث المتقدّم في الطاعة، و هي أنّ الطاعة في عصر الغيبة للفقهاء العدول الأكفّاء المتصدّين للأمر، و طاعتهم من طاعة الإمام المهدي القائم من آل محمّد عَلیْهِمُ السَّلام كما وجدنا في الروايات المتقدّمة.
و قد حرص اهل البيت عَلیْهِمُ السَّلام في تعميق حالة الطاعة في نفوس المؤمنين، و تقوم المؤسّسة الفقهيّة الشيعيّة في مجتمعات الشيعة بهذا الدور منذ عصر الغيبة إلى اليوم، و تتولّى السلطات الثلاثة بصورة عملية، بغضّ النظر عن التنظير الفقهي لهذه المسألة، فهي تتولّى سلطة الإفتاء و سلطة القضاء و سلطة الولاية (السلطانية).
و في عصرنا قامت الجمهورية الإسلامية بقيادة فقيه الأُمّة الإمام الخميني (قُدِّس سِرُّه) على هذا الأساس الشرعي المتين، و تصدّى لولاية الأمر كما تصدّى من بعده خليفته الإمام الخامنئي (حفظه الله) لموقع الولاية و السيادة و الحاكميّة.
من أسباب الفرج و الظهور القوية و المؤثّرة الدعاء، و ليس من ريب و شكّ إن الله تعالى يقرّب بالدعاء ظهور الامام عَلیْهِِ السَّلام و يفرّج بظهوره عَلیْهِ السَّلام عن المؤمنين و المسلمين نكباتهم و أزماتهم و مصائبهم، و يجمع به شملهم، و يعزّ به نصرهم.
فقد أمرنا الله تعالى بالدعاء و وعدنا بالإجابة و هو صادق الوعد، يقول تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}.(1)
إنّ الدعاء مفتاح الرحمة و الفرج، لا شكّ في ذلك.
عن الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عَلیْهِ السَّلام: اَلدُّعَاءُ مِفْتَاحُ اَلرَّحْمَة (2)
و في وصية لأمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام إلى ابنه الإمام الحسن عَلیْهِ السَّلام :ثُمَّ جَعَلَ فِی یَدِکَ مَفاتیحَ خَزائِنِهِ، بِما أَذِنَ فِیهِ مِنْ مَسْأَلَتِهِ، فَمَتی شِئْتَ اِسْتَفْتَحْتَ بِالدُّعاءِ أَبْوابَ خَزائِنِهِ (3)
إنّ خزائن رحمة الله واسعة لا نفاذ لها، و لا يرجع العبد خائباً عنها، و لكن مصيبة الإنسان أنّه لا يتعرّف على مفاتيح هذه الخزائن، و لو أنّه تعرّف على مفاتح خزائن الرحمة من مصادر المعرفة لوجد خيراً كثيراً في دنياه و آخرته.
و قد ورد في تفسير قوله تعالى: مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَها (4)
عن الإمام الصادق عَلیْهِ السَّلام أنّه: الدعاء (5). أي أنّ الله تعالى يفتح للناس خزائن رحمته بالدعاء.
و لكن من شروط إجابة الدعاء العمل، فلو أنّ الإنسان دعا و لم يسلك
المسالك العمليّة الّتي جعلها الله تعالى للنّاس في حاجاتهم لا يرزق الإجابة، فلا يستجاب دعاء مريض يمتنع عن مراجعة الطبيب و الأخذ بالعلاج، و لا يستجاب دعاء مَن يطلب الرزق و لا يذهب إلى السوق ، و لا يتصدّى للرزق في منازله، و لا يستجاب دعاء الطالب الّذي يطلب النجاح و التوفيق في الدراسة من غير جهد و لا سهر و لا حضور في قاعات الدرس.
ذلك أنّ لله تعالى سنن في الكون و في المجتمع و التاريخ، و لا تجري الأُمور في الكون و المجتمع و التاريخ إلّا من خلال هذه السنن.. و الّذي يستجيب الدعاء هو الّذي جعل هذه السنن في الكون و المجتمع و التاريخ.. فلا يصحّ و لا ينفع الدعاء إذا كان صاحب الدعاء يطلب الإجابة خارج دائرة سنن الله تعالى.
روي عن الإمام الصادق عَلیْهِ السَّلام: ثَلاثَةٌ تُرَدُّ عَلَيْهِمْ دَعْوَتُهُمْ: رَجُلٌ جَلَسَ فِي بَيْتِهِ، وَ قالَ: يَا رَبِّ ارْزُقْنِي، فَيُقَالُ لَهُ: أَلَمْ أَجْعَلْ لَكَ السَّبِيلَ إِلى طَلَبِ الرِّزْقِ؟ (1)
و عن الإمام الصادق عَلیْهِ السَّلام أيضا: اَلدَّاعِی بِلاَ عَمَلٍ کَالرَّامِی بِلاَ وَتَرٍ.
و قد يتساءل أحد: إذا كانت السنن الإلهية هي الحاكمة في الكون و التاريخ و المجتمع كما هو كذلك، فلماذا الدعاء؟، و ما دور الدعاء بعد ذلك؟، فنقول في الجواب: إنّ الله تعالى خلق هذه السنن و لم يأذن لأحد باختراقها و تجاوزها، و لكنّه تعالى هو المهيمن عليها دائماً، و هو الباسط القابض المحيي المميت، الرافع الواضع، النافع الضار، و أزمة الكون و المجتمع و التاريخ كلّها بيد قدرته، و تحت إرادته و هيمنة سلطانه.
و لسنا نقول ما يقول اليهود: يَدُ الله مَغْلُولَةٌ (2)، بل نقول ما يقوله
القرآن: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ (1)إن الله إذا شاء أن يسلب التوفيق من عبده فلا يتوفّق في أمره، و إذا شاء أن يمنحه التوفيق فلا أحد بقادر على أن يسلبه الرزق، و إذا شاء أن يقدّر عليه رزقه فلا أحد يستطيع أن يوسّع عليه رزقه، و الدعاء الله القابض الباسط المعطي المانع النافع الضارّ.
و ليس بين الدعاء و العمل تقاطع و تخالف، بل هما يتكاملان، فلا الدعاء يُغني عن العمل، و لا العمل يُغني عن الدعاء.
و لقد قلنا قبل قليل في مسؤولياتنا في عصر الغيبة: إنّ من أعظم هذه المسؤوليات الإعداد و التحضير لظهور الامام عَلیْهِ السَّلام و ثورته الكونية الكبرى، و ذلك بالجهاد و المقاومة، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و نشر- ثقافة القرآن و الإسلام، و التزكيّة، و الإصلاح، و التعبئة الإنسانيّة، و تربية الجيل الصاعد، وإعداده إعداداً إسلامياً قوياً، و إقامة المؤسّسات الثقافية و التربوية و التعليمية و التعبوية، و إصلاح الأُسرة، و إقامة العلاقات الاجتماعيّة على أسس إسلامية صحيحة، و تعبئة الأُمّة تعبئة سياسية و ثقافية و حركية... إلخ.
و الآن إذ نتحدّث عن الدعاء لظهور الامام عَلیْهِ السَّلام و قيامه و ثورته الكونية في سلسلة مسؤولياتنا في عصر الغيبة، لا نقصد بذلك أنّ الدعاء يغني عن التحضير و الإعداد لظهور الإمام.. و هذا خطأ كبير يقع فيه كثير من النّاس للأسف، حيث يتصوّرون أنّ الدعاء للفرج و الظهور يُغنِي عن العمل للتحضير و الإعداد، كما لا يصحّ العكس أيضاً، فلا يغني العمل و التحضير و الإعداد عن الدعاء للإمام بالظهور و الفرج..
1) المائدة: 63.
إنّ التحضير و الإعداد لا يغني عن الدعاء، و الدعاء للظهور و الفرج لا يغني عن التحضير و الإعداد، و هما يتكاملان في تقريب الظهور و تعجيله بالتأكيد.
و قد كان الانبياء عَلیْهِمُ السَّلام يدخلون الحروب الضارية تتساقط فيها الرؤوس و الايدي و الارجل ثم يدعون الله تعالى رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَ ثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَ انصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (1)
و لقد قَدِم رسول الله إلى (بدر) و أعدّ أصحابه لقتال المشركين من قريش، و لم يزل ليلته كلّها كما يقول علي بن ابي طالب عَلیْهِ السَّلام قائماً على قدميه يدعو الله تعالى بالنّصر و يتضرّع و يقول: اَللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ أَنْ لاَ تُعْبَدَ لاَ تُعْبَدُ.
و الدعاء بظهور الامام عَلیْهِ السَّلام و قيامه و ثورته الكونية، الّتي وعد به رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم في آخر الزمان لا يخرج عن دائرة سنن الله تعالى، و لابدّ فيه أن يقترن الدعاء بالعمل، فلا يغني الدعاء عن العمل و لا العمل عن الدعاء.
1) البقرة: 250.
السيد محمّد الشوكي
الدولة العالمية للإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف بخصوصياتها الفريدة، و بحجمها الكبير، لا يمكن أن تنجز بيسر- و سهولة، مع كل التأييد الإلهي الّذي
سيكون لها. و إنّما تحتاج إلى جهود مضنية في إنجازها و تحقيقها. و إلى رجال افذاذ في علمهم و وعيهم، و صبرهم و شجاعتهم، كما نوّهت به الروايات الشريفة.
و هذا النوع من الرجال لا يمكن أن يوجدوا، ما لم يمرّوا بدورة تمحيصية عنيفة. يغربلون فيها، حتّى يخرج بالغربال خلق كثير. و حتى يذهب الزبد و يبقى الذهب الخالص.
و من المعروف أنّ البلاء يصنع الإنسان. و الرجل القوي في إيمانه و وعيه و صبره لا يصنع بالرخاء. فابن الرخاء كالزهرة اللَّطيفة، الّتي اعتمدت على رعاية صاحب البستان، و اعتادت على الظلال و الرغد و الري. و بمجرّد أن تلقى في الصحراء حيث العطش الشديد، و الشّمس المحرقة، و الرياح العاصفة، تذبل و تذوي و تموت.
و أمّا النبتة البرية، الّتي تنشأ في حضن الصحراء، حيث العطش الشديد، و الحر القاتل، و الرياح العاصفة، فإنّها تقاوم الأنواء الجوية السيئة، و تتغلّب على الحرّ و العطش و الرياح لوحدها، و دون معونة أحد من النّاس. و تكون مستعدة لأتعس الظروف. إلى هذا المعنى يشير الإمام علي عَلیْهِ السَّلام بقوله: ألا و إنَّ الشَّجَرَةَ البَریة أصْلَب عوداً، و الرَّوائعُ الخَضِرة أرَقُّ جُلوداً. و النَّباتاتُ البَریّه أقوی و قَوداً، و أبْطَاٌ خموداً (1)
و ممّا نلاحظه في روايات آخر الزمان، أن بلاءه و تمحيصه أشدّ من كلّ الفترات الّتي عاشها الإنسان في التاريخ. و ما ذلك إلّا لهدف الكبير الّذي يقف وراءه. فالهدف الكبير يتطلّب ثمناً كبيراً.
جاء في الحديث عن أبي الحسن عَلیْهِ السَّلام: أما وَ اللّهِ لا یَکونُ الَّذی تَمُدّونَ إلَیهِ أعیُنَکُم حَتّی تُمَیَّزوا، وَ تُمَحَّصوا، حَتّی لا یَبقی مِنکُم إلَّا الأَندَرُ. ثُمَّ تَلا قوله
1) نهج البلاغة: الكتاب 45.
تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَ لَمَّا يَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ (1)،(2) و في غيبة الشيخ الطوسي، عن جابر الجعفي قال: قلت لأبي جعفر عَلیْهِ السَّلام: متى يكون فرجكم؟ فقال: هَیْهَاتَ هَیْهاتَ. لا یَکُونُ فَرَجُنا حَتّی تَغَرْبَلوا، یَقولها ثلاثا؛ حتّی یُذْهِبَ اللّهُ الکَدِرَ وَ یَبْقیَ الصَّفْوُ (3)
فلا يكون الفرج حتّى يمرّ المؤمنون بدورة تمحيصية عظيمة، يسقط فيها أُُناس كثيرون، و يفشلون في الامتحان، و لا ينجح فيها إلّا الأندر، الّذي سيحمل راية العدل مع الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف. و كلّما تحقّقت هذه القاعدة الشعبية الصلبة، و هذه الثلّة المؤمنة، كلّما كان زمن الظهور قريباً.
فعلينا أن نخلق هذه القاعدة، و نحاول أن نقوّي إيماننا أمام الأفكار المنحرفة، و نقوّم أخلاقنا أمام الّتيارات الفاسدة، و نرّسخ تقوانا أمام كلّ دواعي السقوط. خصوصاً في زماننا الحاضر، الّذي أصبح الفساد فيه قانونياً، و موضة حضارية، و مبتذلاً أشدّ الابتذال، بحيث يراه الإنسان في كلّ مكان: في البيت و الشارع و المدرسة و الإدارة، و في كلّ أرجاء الحياة المعاصرة. علينا أن نكون أقوياء أمام كلّ الفتن و المصاعب، فلا نتراجع أو نخضع أو ننكسر، حتى نخرج من كلّ تلك الابتلاءات فائزين ظافرين، و أقوياء صامدين، فنستعدّ للتمهيد لدولة الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف على مستوى عام، بعد أن ننتهي من إصلاح أنفسنا. فإنّنا لو لم نصلح أنفسنا لا نستطيع أن نصلح الآخرين أن نصلح الآخرين. و قد حدّدت لنا الروايات الشريفة جزءاً من وظائفنا الفردية في عصر ما قبل الظهور. و إليك بعض الروايات الّتي تحدّثت عن ذلك:
عن عبد الحميد الواسطي قال: قلت لأبي جعفر عَلیْهِ السَّلام: أصلحك الله،
و الله لقد تركنا أسواقنا انتظاراً لهذا الأمر، حتى أو شك الرجل منّا يسأل في يديه؟! فقال: يَا عَبْدَ الْحَمِيد،ِ أتَرَى مَنْ حَبَسَ نَفْسَهُ عَلَى اللهِ لاَ يَجْعَلُ لَهُ مَخْرَجاً. رَحِمَ اللهُ عَبْداً حَبَسَ نَفْسَهُ عَلَيْنَا، رَحِمَ اللهُ عَبْداً أحْيَا أمْرَنَا. قَالَ: قُلْتُ: فَإنْ مُتُّ قَبْلَ أنْ اُدْركَ الْقَائِمَ؟، قَالَ: الْقَائِلُ مِنْكُنّ إِنْ أدْرَكْتُ الْقَائِمَ مِنْ آل مُحَمَّدٍ نَصَرْتُهُ كَالْمُقَارع مَعَهُ بِسَيْفِهِ وَ الشَّهِيدُ مَعَهُ لَهُ شَهَادَتَان (1)
عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلام قال: قال رسول الله: طُوبی لِمَنْ أدْرَکَ قائِمَ أهْلِ بَیْتی، وَ هُوَ مُقْتَدٍ بِهِ قَبْلَ قِیامِهِ،یَتَوَلّی وَلِیَّهُ، وَ یَتَبرَّأُ مِنْ عَدُوِّه، وَ یَتَوَلَّی الأئِمَّةَ الْهادِیَةَ مِنْ قَبْلِهِ... (2)
و عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلام: مَنْ عَرَفَ هَذَا اَلْأَمْرَ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ یَقُومَ اَلْقَائِمُ عَلَیْهِ السَّلاَمُ کَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ قُتِلَ مَعَهُ (3)
و عنه أيضاً عَلیْهِ السَّلام: إِنَّ لِصَاحِبِ هَذَا الأمْر غَيْبَةً، فَلْيَتَّقِ اللهَ عَبْدٌ عِنْدَ غَيْبَتِهِ وَ لْيَتَمَسَّكْ بِدِينهِ (4)
و عنه أيضاً عَلیْهِ السَّلام: مَن سَرَّهُ أن يَكُونَ مِن أصحَابِ القَائِمِ، فَليَنتَظِر وَ ليَعمَل بِالوَرَعِ وَ مَحَاسِنِ الأخلَاقِ، وَ هُوَ مُنتَظِرٌ... (5).
و عن زرارة، عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلام: اعْرِفْ إِمَامَكَ فَإِنَّكَ إِنْ عَرَفْتَهُ لَمْ يَضُرَّكَ تَقَدَّمَ هَذَا الْأَمْرُ أَوْ تَأَخَّرَ (6)
و عن زرارة، سمعت أبا عبد الله عَلیْهِ السَّلام يقول: إنّ للقائم غيبة ... قلت: فإن أدركت ذلك الزمان فأيّ شيء أعمل؟ قال: يا زرارة، إن أدركت ذلك الزمان فالزم هذَا الدُّعاءِ: اللّهُمَّ عَرِّفنی نَفسَکَ فَإِنَّکَ إن لَم تُعَرِّفنی نَفسَکَ لَم
اَعْرِف نَبِيَّكَ؛ اَللّهُمَّ عَرِّفْنى رَسُولَكَ فَاِنَّكَ اِنْ لَمْ تُعَرِّفْنى رَسُولَكَ لَمْ اَعْرِفْ حُجَّتَكَ... (1) و في التوقيع الشريف الّذي خرج للشيخ المفيد (قُدِّس سِرُّه): فليعمل كلّ امریء منكم بما يقربه من محبتنا، و يتجنب ما يدنيه من كراهتنا و سخطنا، فإن أمرنا بغتة فجأة حين لا تنفعه توبة، و لا ينجيه من عقاب ندم علي حوبة (2)
من هذه الروايات الشريفة و غيرها من الروايات الأخرى نستفيدمجموعة من وظائف المنتظرين:
1- معرفة إمام الزمان و الأئمّة المعصومين عَلیْهِمُ السَّلام بصورة عامة. باعتبار أن من مات و لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية.
2- الولاء لأهل الحقّ و البراءة من الظالمين. لأنّه الخطّ الإسلامي الصحيح، و الضمان الأكيد لاستقامة الإنسان.
3- الاقتداء بالإمام المهدي و بآبائه الطاهرين. الّذين يمثّلون الإسلام مجسّداً على أرض الواقع، و عكس الصورة الحسنة عن أتباع أهل البيت.
4- إحياء أمرهم بشتى الوسائل و السبل. لأنّ أمرهم هو أمر الإسلام. و لأنّنا من خلال إحياء أمرهم نحافظ على ذكرهم و فكرهم، و على علاقتنا و ارتباطنا بهم.
5- التّقوى و الورع عن محارم الله تبارك و تعالى.
6- حبس النّفس على الله عزَّ وَ جلَّ و على اهل البيت عَلیْهِمُ السَّلام.
7- التحلّي بالأخلاق الإسلاميّة الحسنة.
8- التقرّب إلى صاحب الزمان عَلیْهِ السَّلام، و كسب محبّته و رضاه، و الابتعاد
عن كُلّ ما يُبعدنا عنه.
9- الدعاء و الاتّصال الدائم بالله تبارك و تعالى.
10- انتظار القائم عَلیْهِ السَّلام، و توطين النّفس على نصرته و الجهاد بين يديه بصدق و إخلاص.
11- الصّبر و التحمّل للخروج من الامتحان الكبير بنجاحٍٍ فائق، يؤهّل الفرد لكي يكون من أصحاب القائم عَلیْهِ السَّلام.
و ذلك من خلال كسب النّاس لقضية الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف، و تهيئة الأرضيّة العامّة لظهوره المبارك. و يتمّ ذلك عبر عدّة قنوات.
فعلينا قبل كُلّ شيء أن نعمّق الإيمان بقضية الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف في نفوس المسلمين، و نجعلها حاضرة في واقعهم، و نمدّهم بالثقافة المهديّة.
فقضية الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف غير واضحة عند كثير من النّاس. الكثير من النّاس لا يعلم بأنّ قضية الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف من القضايا الثابتة، الّتي لا ريب فيها في الإسلام، و أنّ الأحاديث قد تظافرت فيها إلى حدِّ كبير. فقد يظنون أنّها مسألة هامشيّة وردت بها بعض الأخبار، فلا ينبغي أن تتوفّر على جانب كبير من اهتمامهم.
و الكثير من النّاس لا يعرفون شخصية الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف بدقّة، و لم يطّلعوا على تفاصيل حركته المباركة، و أهدافها و خصائصها و منجزاتها. بل البعض يملكون صورة مشوّهة عن الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف، و يتصوّر أنّه داعيّة حرب، و سفّاك للدماء. علينا أن نوضّح لهم أنّ قضية الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف قضية إسلاميّة أصيلة، وردت فيها الكثير من الروايات الشريفة من طرق الفريقين، السنّة و الشيعة، و أنّه لا مجال للتشكيك فيها بأيّ حال من الأحوال.
و أن هذه المسألة مُتّفق عليها حتّى في الأديان الأخرى، الّتي بشّرت على
لسان أنبيائها بظهور مصلح كبير يظهر في آخر الزمان، فيملأ الأرض قسطاً و عدلاً كما مُلِئَت ظلماً و جوراً. و يقيم دولة الحقّ، الّتي سينعم النّاس بظلّها نعمة لم ينعموها في طوال التاريخ البشري، حيث سيسود الأمن بدل الخوف، و الرخاء بدل الحرمان، و العدل بدل الظلم، و الحبُّ بدل البغض و الكراهية، و يكون المجتمع فيها مجتمعاً ملائكيّاً بكُلّ ما للكلمة من معنى.
و لابدّ أن نربّي الناس على ذلك حتّى يترسّخ في عقولهم و قلوبهم، و خصوصاً النشئ الجديد. علينا أن نربّي أولادنا في البيت، و في المدرسة، و في التلفاز، و في المسجد على ذلك. و نزرع في قلوبهم حُبُّ المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف بالأساليب التربويّة الّتي تتناسب معهم، حتّى يشبّون على هذا الأمل الجميل، و يبقون مشدودين إليه طيلة حياتهم.
بالإضافة إلى ذلك لابدّ أن نبيّن للنّاس وظيفة الانتظار، و مسؤوليّتهم تجاه الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف. و نثقّفهم على ذلك، بحيث تكون قضية المنتظر عَلیْهِ السَّلام حاضرة عندهم، مُعاشة في واقعهم اليومي. و نوفّر جميع العوامل الّتي مِن شأنها أن تجعل هذه القضية حيّة و حاضرة في حياة النّاس.
و أمّا على مستوى غير المسلمين من المجتمعات الأخرى فالمسؤوليّة تكون مضاعفة علي عاتقنا. إذ علينا أوّلاً أن ندعو النّاس للإسلام، الّذي يمثّل الأُطروحة الّتي سيطبّقها الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف عند ظهوره. و هذا ركن من أركان التمهيد للإمام عَلیْهِ السَّلام. لأنّ العالم عندما يطّلع على الإسلام الأصيل، و تعاليمه القيّمة، الّتي جاءت لتخرج النّاس من الظُلمات إلى النّور، و تحقّق لهم سعادة الدنيا و الآخرة، و يقتنعون بأنّ الإسلام دين الله الخالد الحي، الّذي يواكب الزمان، و يقدر على حلّ مشاكل الإنسانيّة المستعصيّة، بل هو الوحيد القادر على حلّها، سوف ينجذبون إلى ذلك المُصلِح الّذي سيطبّق هذه الأطروحة السماويّة على أرض الواقع، و يحقّق من خلالها سعادة الإنسان المنشودة.
و أمّا لو كان العكس من ذلك، و امتلك الناس صورة مختلفة عن الإسلام. كما هو الحاصل اليوم. حيث ينظر العالم إلى الإسلام على أنّه خطر عظيم يهدّد وجودهم و أمنهم و سعادتهم. و ذلك من خلال سوء تصّرف بعض المسلمين، الّذين يعكسون صورة مشوّهة عن الإسلام، أو من خلال الغز و الثقافي المحموم، الّذي تقوم به وسائل الإعلام الغربية عن قصد، لتشويه صورة الإسلام في نفوس النّاس، بعد أن برز في العصر- الراهن كقوّة صاعدة تهدّد مشاريعها الاستعماريّة، و مصالحها اللامشروعة في العالم. إذا كان الحاصل هذا، فإنّ النّاس سوف لن تنجذب لهذا القائد الّذي يريد أن يطبّق الإسلام، و يقضي على سعادتهم به. بل سوف تشمئزّ من ذكر اسمه.
وظيفتنا أن نعكس الصورة الصحيحة و السليمة للإسلام في عيون العالم، و نبيّن لهم زيف ما يرسمه المغرضون عنه، مستفيدين من وسائل الاتصال المتطوّرة في العصر الراهن، و الّتي لا تعترف بالحدود و القيود، و من الظرف المقيت الّذي يعيشه العالم، و اليأس الكبير الّذي ينتابه من المذاهب الأرضيّة الظالمة، و من عطش النّاس للإسلام الّذي نلاحظه في مناطق عديدة من العالم.
ثمّ نبيّن لهم أنّ هذا الدّين العظيم سوف يطبّق بكلّ تعاليمه القيّمة في الأرض، و سوف ينعم النّاس في ظله، و على يدي قائده بالسعادة الّتي كانوا يتصوّرونها. و بذلك نكون قد مهّدنا الأرضيّة الّلازمة لالتفاف النّاس حوله. فإنّه ليس من المنطقي أن يأتي الإمام عَلیْهِ السَّلام ليقتل أكثر العالم.
و يمكن أن أُلخّص ذلك عبر مجموعة نقاط:
إطلاع النّاس على قضية الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف، و تنبيههم إلى عظمتها و أصالتها في الإسلام.
تعريفهم بشخصيّته الكريمة، و خصائصه، و صفاته و مجمل شؤونه.
إعطاؤهم الثقافة المهديّة الصحيحة، و توفير الفهم الصحيح لهم عن الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف، و عن دولته الكريمة و خصائصها و منجزاتها.
المحافظة على إيمان النّاس من التزلزل و ردع المشكّكين و المستهزئين بالإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف و دحض أباطيلهم بالحجّة و البرهان.
المحافظة على حيوية القضية المهديّة، و حضورها في واقع النّاس، حتّى لا تكون قضيةها مشيّة منسيّة، و ذلك عبر البرامج المختلفة، و المدروسة الّتي تُقام لأجل ذلك.
تربية الجيل الجديد، على حبّ المهدي و ولائه و معرفته، بحيث نخلق جيلاً مهدويّاً كاملاً، مسلّحاً بالوعي و العلم و البصيرة و الِّدين، يتحمّل أعباء المسؤوليّة المُلقاة عليه.
الدعوة إلى الإسلام، و تقديم الصورة الصحيحة عن الدِّين الّذي سيطبّقه المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف ، و الّذي سيحكم العالم، في زمانه، و تصحيح بعض المفاهيم المغلوطة الّتي يقدمها البعض عن الإسلام، و الّتي تكون سببا لنُفرة النّاس منه.
تداول قضية المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف، و عدم جعلها قضية إسلامية، أو شيعية محصورة. و إنمّا لابُدّ من إعطائها بُعداً عالمياً، و جعلها همّاً عالميّاً يعيشه الجميع. و ذلك من خلال البحث عن المشتركات في قضية المُنجي العالمي بين الأديان و المذاهب من خلال المؤتمرات العالميّة الّتي تُقام لأجل ذلك.
و للأسف، فإنّنا إلى الآن لم نقم بما ينبغي في هذا المسير المبارك. لم نعقد إلى الآن و لا حتّى مؤتمراً إسلاميّاً عامّاً تُناقشُ فيه قضية الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف. و أنا في الواقع أتمنّى أن يعقد مؤتمر عالمي سنوي تُناقَش فيه قضية الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف من أبعادها و زواياها المختلفة. و يُدعى إليه علماء و مفكّرون و باحثون من مختلف دول العالم، و من المسلمين و غير المسلمين. و أن يُعكَس ذلك إلى العالم؛ لتأخذ قضية الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف بُعدها العالمي، و تكون حاضرة في أذهان النّاس. و هذا قليل في حقّه عَلیْهِ السَّلام، فإنّ قضيّته تستحقّ ما هو
أكبر من ذلك بكثير. ممّا يؤسف له أنّ قضية الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف ظلّت محصورة في إطار الاحتفالات و المناسبات، و الأشعار... و لم تأخذ حظّها الواجب من اهتمامنا.
نعم شاهدنا في الآونة الأخيرة مشاريع مباركة قامت بها بعض المؤسّسات المعنيّة بقضية الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف، نرجو لها التوفيق في هذا المسير المبارك.
بعدما قدّمنا من ضرورة التمهيد لدولة الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف يصبح من الضروري حينئذٍ قيام دولة إسلاميّة، تقوم بتحشيد الطاقات، و رسم البرامج للتمهيد للنهضة المهديّة المباركة، و تربّي النّاس على ذلك. فإنّ البرامج الّتي قدّمناها للتمهيد قد تُنجز بجهود فرديّة، إلّا أنّ تمرتها تكون أقلّ عطاءاً ممّا لو قامت بها دولة إسلاميّة مقتدرة. فالدولة تملك من الإمكانات و الآليات ما لا يملكه الأفراد، من مدارس و جامعات و مؤسّسات و مراكز إعلاميّة، ممّا يجعل من دورها في التمهيد دوراً بالغ الأهمية. هذا من جهة، و من جهَة أخرى فإنّ الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف يحتاج في انطلاقته الأولى إلى قاعدة جماهيريّة و مالية و عسكرية يتكئ عليها. يحتاج إلى جيش أكثر من أصحابه الثلاث مائة و بضعة عشر-، و إلى أموال، و وسائط نقل ، و آليات عسكرية، و أجهزة إعلاميّة، و غير ذلك من الأُمور الّتي تحتاجها كُلّ حركة ثوريّة كانت و تكون. ممّا يحدو من الممهّدين لدولته الكريمة أن يُبذلوا كلّ جهودهم، و يجنّدوا كُلّ طاقتهم لقيام مثل هكذا دولة.
و عندما نرجع للروايات الشريفة نجد أنّها تتضمّن التأكيد على ذلك بصورة واسعة. و تُنَّبئ بقيام حركة مباركة قبل ظهور الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف، توطّئ له الأمر. و هذه الحركة هي حركة ثوريّة سياسيّة كما يظهر من
الروايات الشريفة.
ففي الرواية عن رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: إنّا أهلُ بَیتٍ اختارَ اللّهُ لَنَا الآخِرَةَ عَلَی الدُّنیا. و إنَّهُ سَیَلقی أهلُ بَیتی مِن بَعدی تَطریداً و تَشریدا فِی البِلادِ، حَتّی تَرفَعَ رایاتُ سودٍ مِنَ المَشرِقِ، فَیَسأَلونَ الحَقَّ فَلا یُعطونَهُ، ثُمَّ یَسأَلونَ الحَقَّ فَلا یُعطونَهُ، ثُمَّ یَسأَلونَ الحَقَّ فَلا یُعطونَهُ، فَیُقاتِلونَ فَیُنصَرونَ، فَمَن أدرَکَها مِنکُم أو مِن أعقابِکُم، فَلیَأتِ إمامَ أهلِ بَیتی، و لَو حَبوا عَلَی الثَّلجِ، فَإِنَّها رایاتُ هُدیً، یَدفَعونها إلی رَجُلٍٍٍ مِن أهلِ بَیتی، یُواطِئُ اسمُهُ اسمی... (1)
و عنه أيضاً صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: یَخْرُجُ قَوم مِنَ الْمَشْرِقِ یُوَطِّئُونَ لِلْمَهْدِیِّ سُلْطَانَهُ" (2)
هذه الروايات و أمثالها تذكر بوضوح؛ أنّ هناك أمّة من الناس سوف يقومون بحركة إسلاميّة مباركة؛ يدعون إلى تطبيق الحقّ و الهدى، و يسعون إلى تحقيق أهدافهم من خلال المطالبة السلميّة، و يصرّون على ذلك، و يحرصون على أن يتوصّلوا إلى أهدافهم بلا عنف و إراقة للدماء- كما يظهر من تأكيد مطالبتهم في الرواية ثلاث مرات- فلا يُستجاب لهم. عند ذلك يضطرّون إلى التوسّل بالأُسلوب العسكري، فيقاتلون و ينتصرون، و يستّتبّ لهم الأمر، حتّى يظهر الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف، فيحتضنون حركته المباركة و يؤيّدونها، و يسلّمون الأمر إليه. و أمرتنا الرواية الشريفة بمناصرة هؤلاء، و الوقوف إلى جنبهم، حتّى في أشقّ الظروف و أعسر الحالات.
و قد ثار جدل قدیم حول مشروعيّة قيام الدولة في عصر الغيبة. فذهب بعض العلماء إلى عدم مشروعيّة قيام الدولة في عصر- الغيبة لبعض الروايات الّتي تأمر بالانتظار و تنهى عن أيّ حركة سياسيّة قبل الظهور، و تعتبر كلّ راية ترفع فيها هي راية ضلال، كما ورد في لسان بعض
الروايات. و لأنهم كانوا يرون أنّ الحكم لا يكون لغير المعصوم باعتبار أنّ الإمامة هي شأن من شؤون المعصومين عَلیْهِمُ السَّلام. و قد شلّ هذا اللون من التفكير الحركة السياسية الشيعية لفترات طويلة، و أدّى إلى ركود الفكر السياسي في مدرستهم، و عدم تطوّره، و نموّه ببطء شديد.
و في المقابل يرى كثير من العلماء أنّ الروايات الشريفة الواردة بهذا الشأن لا يُستفاد منها عدم مشروعيّة القيام، و السعي لإنشاء دولة إسلاميّة، و إنّما هي محكومة لظروف تاريخيّة خاصّة، مرّ بها الشيعة في تاريخهم القديم. وأنّ ضرورة قيام الدولة هي نظرية إسلاميّة أصيلة، لها عمقها الكبير في النظرية الإسلامية ، و لا يمكن تجاوزها بحال من الأحوال.
و استمرّ هذا الجدل طويلاً، و بصيغ مختلفة. و لكنّه على الظاهر حُسِمَ لصالح الطائفة الثانية، خصوصاً بعد قيام الجمهورية الإسلاميّة في إيران بقيادة الإمام الخميني، و الّتي تبنّت الإسلام كدستور للبلاد، و نظرية (ولاية الفقيه) كنظرية شيعيّة في الحكم. و لا أريدُ الخوض في تفاصيل ذلك في هذه السطور القليلة، و مَن أراد الإطّلاع على ذلك فليُراجع ما كُتِبَ في ذلك من بحوث.
محمّد فاكر ميبدي
علّم الإمامُ عَلیْهِ السَّلام الزائرَ الأئمة بأن يعلن حكمة انتظاره و ما يتمّناه من الظهور بقوله: يُظْهِِِرَكُمْ لِعَدْلِهِ. و ذلك لأن تحقق الدولة المهدوية منوط بإلزامات عديدة، من جملتها أن يكون المنتظِرون على استعداد تامّ في الجوانب الاعتقادية و القلبية و العلمية. و الشاهد على ذلك أنّ هذه الفقرة الكريمة كانت عقيب إظهار الزائر بأنه : لَائِذُ عَائِذٌ بِقُبُورِكُمْ مُسْتَشْفِعٌ إِلَى الله عَزَّ وَ جَلَّ بِكُمْ وَ مُتَقَرِّبُ بِكُمْ إِلَيْهِ وَ مُقَدِّمُكُمْ أَمَامَ طَلِبَنِي وَ حَوَائِجِي وَ إِرَادَتِي فِي كُلِّ أَحْوَالِي وَ أُمُورِي و الإعلان بأنه مُؤْمِنٌ بِسِرِّكُمْ وَ عَلَانِيَتِكُمْ وَ شَاهِدِكُمْ وَ غَائِبِكُمْ وَ أَوَّلِكُمْ وَ آخِرِكُمْ و الإعلام بأنه مُفَوِّضُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَيْكُمْ وَ مُسَلَّمْ فِيهِ مَعَكُمْ وَ قَلْبِي لَكُمْ سِلْمٌ، و لا سيما قوله: وَ رَأَبِي لَكُمْ تَبَعٌ و نُصْرَتِي لَكُم مُعدّة.
يبدو من ذلك كله أنّ الهدف الأقصى من هذه الأمور هو ظهور دولة الحق و إحياء دين الله بتمامه؛ للتعليل بقوله:حَتَّى يُحْيِيَ اللَّهُ دِينَهُ بِكُمْ و ذلك سيتحقق في أيام الله الموعودة.
من تعاليم الإمام العاشر عَلیْهِ السَّلام للزائر الأئمة أن يخبرهم بأنّ نصرته معدة لهم بقوله: و نُصْرَتي لَكُمْ مُعَدَّةٌ.
قال بعض الشّراح في شرح هذه الفقرة المباركة: أي أنتظر خروجكم و الجهاد في خدمتكم على أعدائكم، أو أعددت نصرتي لإعلاء دينكم صورةً و بالبراهين معنىً (المجلسي، 1429: 9/ 450)، أو لبيان دينكم و إعلاء كلمتكم بالبراهين و الأدلة بحسب الإمكان، (شبر: 172).
و قال بعض الشرّاح: إنّ هذا التعبير أبلغ لإبراز الشوق إلى الأئمة. (نظامي بور الهمداني، 1431 : 539). و ذلك لأن المُخبر في تعبيره هذا، لا يتوجه إلى البُعد الزماني المتصور بينه و بين الرجعة، بل يظنّ أنّ الرجعة كأنها واقعة عند مقام التخاطب أو في الزمن القريب جداً، و كأنه قائل: أنا لنصرتكم مستعدّ. فعليه يكون زمن النصرة و زمن هذا الإحياء العظيم واحد و هو في الرجعة مع المهدي، كما رجّحه المجلسي. (المجلسي، 1429: 450/9).
نعم، يبدو من كلام بعض آخر من الشرّاح أن النصرة يمكن تحققها في عهد الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام في زمن غيبته و قبل ظهوره كزماننا هذا؛ لأنّ الفاء في قوله عَلیْهِ السَّلام: فَمَعَكُمْ مَعَكُمْ لا مَعَ عَدُوِّكُم للتفريع، أي بعد إيماني بكم قلباً و لساناً و سراً و علانية و انتظاري لفرجكم و إعدادي و استعدادي لنصرتكم، فمعكم في حال حياتي باتباعكم، و معكم في الرجعة لنصرتكم و الانتقام من أعدائكم. (الهمداني الدرود آبادي، 1425: 495 ).
و نحن نقول: لو كان المراد من النصرة نصرة كاملة توجب إحياءً الدين إحياءً كاملاً و بتمامه، فلابد من القول بتحققه في الرجعة و بعد الظهور؛ إذ علّله الإمام عَلیْهِ السَّلام بقوله: حَتَّى يُحْيِيَ اللهُ دِينَهُ بِكُمْ أي أنّ فلسفة النصرة
و غايتها هي إحياء دين الله تعالى بعد الاندراس و الانطماس، بحيث يصحّ أن نعبر بإعادة الدين و تجديده.
و جاء في الرواية الرضوية الآمرة بالدعاء للحجة قوله: اللَّهُمَّ وَ طَهِّرْ مِنْهُمْ بِلَادَكَ، وَ اشْفِ مِنْهُمْ عِبَادَكَ، وَ أَعِزَّ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَ أَحْيِ بِهِ سُنَنَ الْمُرْسَلِينَ، وَ دَارِسَ حُكْمِ النَّبِيِّينَ، وَ جَدِّدْ بِهِ مَا يُحِيَ مِنْ دِينِكَ، وَ بُدِّلَ مِنْ حُكْمِكَ، حَتَّى تُعِيدَ دِينَكَ بِهِ وَ عَلَى يَدَيْهِ غَضَاً جَدِيداً صَحِيحاً محْضاً لَاعِوَجَ فِيهِ وَ لَا بِدْعَةَ مَعَه. (المجلسي، 1362: 332/92). و أما لو كان المراد بالنصرة النصرة الممكنة في كلّ زمان و إحياء الدين مقارناً في زمن الغيبة فيشمل الإحياء في عهد الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام قبل ظهوره كزماننا هذا، و بعد الظهور في زمن الرجعة، و يمكن تأييده بإطلاق قوله و نُصْرَتي لَكُمْ مُعَدَّةٌ. ثمّ نجد مثل هذا التعبير في زيارة الحسين عَلیْهِ السَّلام المروية عن الإمام الصادق عَلیْهِ السَّلام بقوله: و نصرتي لك معدة، حتى يحكم الله. (ابن قولویه ، 1398: 385).
ثمّ إن الإحياء في هذه الفقرة يتمّ بعد تحقق الأركان الستّة، و هي:
المُحيي (بالبناء على الفاعل)، و هو الله تعالى بتصريح الزيارة و هو القادر على الإحياء و العالم بأموره.
المُحيَى (بالبناء على المفعول)، و هو الدين كما صُرّح به في الزيارة، و معناه أنّ الدين قبل ذاك الزمان يكون بمنزلة الميت، بل هو ميّت حقاً، أي لا أثر و لا ثمر للدين.
المحيَى به، و هُم الأئمة، أي في جنب الله تعالى الذي يكون علةً لإحياء الدين، و الأئمة هم أسباب الإحياء. كما أن المطر هو يحيي الأرض بعد موتها، لقوله تعالى: وَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها (سورة البقرة: 164)، فشبّه الأئمة بالمطر، و وجه الشبه هو الإحياء.
المحيَى له، أي الغرض للإحياء، و هو ظهور دين الحقّ على الأديان كلّها، و وراثة المستضعفين في الأرض و جعلهم أئمة و أيضاً رفع الفتنة عن العالَم.
المحيَى فيه، و هي البيئة التي يجري فيها أحكام الدين، و هي الأرض كلّها.
زمن الإحياء، و هو دولة المهدي و ما بعدها في الرجعة.
الشیخ أیوب الحائزی
لقد كان للإيرانيّين الدور البارز و المشهود في مساندة الرسالة المحمّدية من بداية عصر الرسالة إلى يومنا هذا،و الروايات الواردة عن المعصومين و العلماء و تاريخ الإسلام تشهد بذلك، و من أراد الاطّلاع على ذلك فليراجع كتاب «الإسلام و إيران» للأُستاذ الشهيد مرتضى مطهري.
و حسب الروايات و الأحاديث الواردة سيكون للإيرانيين الدور المهم في التمهيد لظهور المهدي عَلیْهِ السَّلام و مواكبة و مؤازرة المسيرة الإصلاحية لنهضة حفيد الرسول صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم حتى النصر النهائي، و تشكيل دولته العالمية.
و يمكن تلخيص تلك الأعمال البارزة التي سيقومون بها في ظل حركة الظهور المقدس و إقامة الدولة الكريمة، في ضمن الأمور التالية:
أولاً: وجود أنصار المهدي عَلیْهِ السَّلام الخواص من إيران، فإنّ حضور عدد كبير من إيران بين أصحاب الإمام الخواص، هو خير دليل على الدور المهم الذي سيقوم به الإيرانيون في نهضة الإمام الحجة عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف و هؤلاء من مدن الأهواز و شيراز و الديلم و قزوين و الري و طوس و غيرها من المدن، و أكثرهم عدداً من مدينتي قم و طالقان، و قد ذكرتهم الروايات منها الرواية المنقولة عن أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام فى «دلائل الإمامة» (1)
و لا شك أنّ لقم و أهلها، بحسب ما نستفيد من الأحاديث، دوراً كبيراً في التمهيد لظهور الإمام المنتظر عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف، و سوف يكون لهم الدور الفعال في قيامه و تشكيل دولته العالة، و لقد ورد عن الإمام الصادق عَلیْهِ السَّلام: إِنَّما سُمِّیَتْ قُمّ، لأَِنَّ أَهْلَها یَجْتَمِعُونَ مَعَ قائِمِ آلِ مُحَمَّدٍ صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم وَ یَقُومُونَ مَعَهُ وَ یَسْتَقیمُونَ عَلَیْهِ وَ یَنْصُرُونَهُ (2)
و أيضاً فإنَّ وجود مسجد في قم ينسب إلى صاحب الأمر و الزمان عَلیْهِ السَّلام، و الذي يقصده المسلمون من كلّ مكان، و يدعون لسلامة الإمام و تعجيل ظهوره، يدلّ على مدى أهميّة قم و أهلها كأحد القواعد الأساسية لقيام الإمام المنتظر عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف.
و بالنسبة إلى طالقان لقد عبَّرت عن رجالها في الروايات ب- «كنوز الطالقان»، فقد روى ابن أعثم الكوفي في كتاب «الفتوح» عن أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام أنّه قال: وَیْحاً لِلطَّالَقَانِ، فَإِنَّ فیهَا کُنُوزاً لَیْسَتْ مِنْ ذَهَبٍ وَ لاَ فِضَّةٍ
وَ لَکِنَّ بِها رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ عَرَفُوا اَللَّهَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، وَ هُمْ ایضا أَنْصَارُ اَلْمَهْدِیِّ آخِرَ اَلزَّمَانِ (1) ثانياً: خروج الرايات السود و أهل المشرق بقيادة الخراساني و شعيب ابن صالح: و من العلامات الحتمية التي وردت في سياق علامات الظهور، تلك الروايات التي تشير إلى رايات السود لقوم من المشرق و من خراسان، يخرجون لنصرة المهدي و مؤازرته في قتال أعداء الدين، و لا شك أنَّ هؤلاء القوم من أهل إيران، فعن النبي صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: إِنَّا أهل بَیْتٍ اخْتَارَ اللَّهُ لَنَا الأخرةَ عَلَی الدُّنْیَا، وَ إِنَّ أهل بَیْتِی سَیَلْقَوْنَ بَعْدِی بَلاءً وَ تَطْرِیداً وَ تَشْرِیداً حَتَّی یَأتِیَ قَوْمٌ مِنْ نَحوِ الْمَشْرِقِ أصحاب رَایَاتٌ سُودٌ، یَسْألُونَ الْحَق فَلا یُعْطَوْنَهُ، فَیُقَاتِلُونَ فَیُنْصَرُونَ، فَیُعْطَوْنَ مَا سَألُوا فَلا یَقْبَلُوها حَتَّی یَدْفَعُوهَا إلی رَجُلٍ مِنْ أهل بَیْتِی، فَیَمْلَأُهَا عدلاً کَمَا ملَأوها ظلماً فَمَنْ أدْرَکَ ذَلِکَ مِنْکُمْ، فَلْیَأتِهِمْ وَ لَوْ حَبْواً عَلَی الثَّلْجِ، فَإنّه المهدي (2)، و في رواية أخرى عنه صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم تصرح بأنّ هؤلاء الناس من المشرق، هم من أهل خرسان: إذا رأيتم الرايات السُّود قد جاءت من قبل خراسان فاستقبلوها مشياً على أقدامكم، لأنَّ فيها خليفة الله المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف (3)
إنّ وقوع نهضة الشعب الإيراني و انتصار ثورته الإسلامية المباركة في عصرنا هذا التي بدأت من قم بقيادة الإمام الخميني قُدِّس سِرُّه (4)و أثمرت بتشكيل
1) بحار الأنوار 51: 87 باب 1، و راجع أعيان الشيعة 84:1.
2) بحار الأنوار 56: 82 باب 1.
3) المصدر السابق 82:51 باب 1.
4) الإمام الخميني+: هو أبرز شخصية علمية سياسية، اجتماعية، في العالم الإسلامي المعاصر، و قد في مدينة خمين التابعة المحافظة أراك و ذلك في العشرين من شهر جمادى الثانية سنة 1320 ه- ذكرى ولادة جدته السيدة فاطمة الزهراء+ و قد نشأ و ترعرع و درس في مدينة النجف الأشرف و قم المقدسة، و انطلق بثورته الإسلامية المعروفة من مدينة قم إلى أن انتصرت في (22/ بهمن / 1357 ه-. ش" 11/ شباط / 1979م) و بعد 11 سنة من عمر الثورة الإسلامية توفي في اليوم (14 خرداد/ 1368 ه- ش. 4/ حزيران (1989م)، و دفن في مقبرة بهشت زهراء + (جنة الزهراء) يطهران، عملاً بوصيته، و دفن بعد ذلك بجانبه ابنه السّيد أحمد، و تعلو مرقده قبة رئيسية مطلية باللون الذهبي تحيطها أربعة قَباب. و هذه القباب الخمسة ترمز إلى أصحاب الكساء الخمس حيث كان الإمام الراحل+ متمسكاً و ينهجهم القويم، و المرقد يقع في بداية أتو ستراد طهران قم، و لذا فإنّ أغلب المسافرين الذين يمرون عليه يذكرون الإمام+ بلخیر و يقرأون على روحه سورة الفاتحة، فسلام عليه يوم ولد، و يوم أدّى رسالته ، و يوم مات، و يوم يبعث حيّاً.
الحكومة الإسلامية و التي لا زالت تواصل الإثمار و العطاء بقوةٍ بقيادة الإمام الخامنئي دام ظلة، هو دليل آخر على مكانة إيران و الإيرانيين و دورهم في التمهيد لظهور الحجة المنتظر عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف كما تشير إلى ذلك الرواية التالية الواردة عن الإمام الكاظم عَلیْهِ السَّلام، حيث يقول له عَلیْهِ السَّلام: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ قُمْ يَدْعُو النَّاسَ إلى الحقِّ، يَجْتَمِعُ مَعَهُ قَوْمٌ كَزُبُرِ الْحَديدِ، لا تُزِهُمُ الرّياحُ الْعَواصِفُ، وَ لا يَمَلُّونَ مِنَ الحَرْبِ، وَ لا يُجْبُنُونَ، وَ عَلَى الله يَتَوَكَّلُونَ، وَ الْعاقِبَة لِلْمُتَّقِينَ (1)، و في رواية أخرى عن أبيه الإمام الصادق عَلیْهِ السَّلام: كأني بقوم خرجوا من المشرق يطلبون الحق... و لا يدفعونها إلّا إلى صاحبكم، قتلاهم شهداء، أما إني لو أدرك ذلك لأبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر (2)
إنَّ ما تقوم به الجمهورية الإسلامية في عصرنا هذا من التّصدي لأعداء الدّين و الدعوة إلى الإسلام المحمّدي الأصيل في قبال الإسلام الأمريكي الذي يُروِِّجه الغرب، و الدفاع عن الشعوب المستضعفة و دعم حركات التحرير في العالم، و مساندة المقاومة الإسلامية في لبنان و فلسطين و أفغانستان و العراق و غيرها من البلدان تجاه الاستكبار العالمي، كلّه في الواقع يشكِّل التمهيد العام لظهور الإمام الحجة المنتظر عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف، و سيصبح هذا النظام الإسلامي بشعبه و حكومته من القوائد الأساسية لتشكيل دولة
ذلك المصلح العالمي إن شاء الله.
مجلة علمية تخصصية نصف سنوية تصدر عن مركز الدراسات التخصصية في الامام المهدي عَلیْهِ السَّلام
في هذا العدد:
بدائل الصراع- السيّد محمّد علي الحلو.
قراءة معاصرة للنصّ المهدوي- حسن هادي سلمان النجفی.
البيان في ردِّ من أشكل على صاحب الزمان- الشيخ نزار آل سنبل القطيفی.
إمامة الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام بين الوجوب العقلي و النصّ- مرتضى على الحلّي.
اللقاء بالإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام بين الاثبات و النفي- الشيخ مشتاق الساعدي.
الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام و قبول التوبة- نصرت الله آيتي.
الدعاوى المزيِّفة جذورها التاريخية و طرق مقاومتها- الشيخ حسين الأسدي.
البصيرة الأخلاقية في عصر الظهور- رحيم كاركَر.
التعدّدية الدينية و عصر الظهور- حسن پناهی آزاد.
المذهب التناسخي يعود بلباس الرجعة الروحية- الشيخ حميد الوائلي.
رئيس التحرير
بعد أن استوطنت البشرية الأَرض نمت فكرة التمهيد بنموِّها و توسَّعت بتوسّعها إلى أن غدت من أكبر المفاهيم و أكثر المعاني تجسيداً في حياة الإنسان.
فآمنت الشعوب بعملية التمهيد، و التي تُعتَبر المرحلة المتوسِّطة لتحقيق الأهداف.
فأيُّ فكرة بشرية لا بدَّ أن تمرَّ بمراحل ثلاث تتخلّل كلّ واحدة منها مجموعة من المنظومات المعرفية و السلوكية.
و هذه المراحل هي:
الأُولى: و هي مرحلة الفكرة التي ينشدها شعب ما.
الثانية: و هي مرحلة التمهيد لها.
الثالثة: فهي تجسيدها من خلال تحقّقها الناتج عن اجتماع الأمرين المتقدِّمين، أي من خلال التمهيد- الفردي و الجماعي- على مستواه المعرفي و السلوكي
هذه المراحل الثلاث تُعتَبر محور أيّ فكرة أو حقيقة يتمُّ التمهيد لها.
فعلى سبيل المثال التمهيد لكلِّ نبيِّ كان من خلال التمهيد الذي يقوم به النبيُّ السابق إلى أن وصل إلى نبيِّنا صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم حيث مهَّد له جميع الأنبياء بما فيهم أولو العزم عَلیْهِمُ السَّلام:
إذن التمهيد حقيقة إنسانية و جدانية لا غبار عليها و لا تحتاج إلى دليل لإثباتها، بل هي قائمة بالنفس.
والدين الإسلامي باعتباره أوسع منظومة عرفتها البشرية بما يحمله من قيم معرفية و قواعد سلوكية أعطا للتمهيد أهمّية كبيرة في حركة أفراده التكاملية.
فإطلالة سريعة على مصادر هذه المنظومة تجد أنَّ من بين أهمّ المحاور العقدية و السلوكية عقيدة التمهيد.
فالفرد المسلم يُمهَّد لحياة أخرى من السعي الدؤوب في هذه الدنيا، و الجماعة تُمهِِّد لحياة أفضل لتنعم بحياة أخرى بعيدة عن المنغَّصات و الآلام.
و للتأكيد على هذه الظاهرة و تسليط الضوء عليها نأخذ بالتطبيق لهذه الفكرة من خلال السيرة العملية و النظرية التي قامت بها السماء من أجل التمهيد لسيادة العدل و السعادة من خلال إظهار دين الإسلام و السلام على يد منقذ البشرية و إخراجها من حالة العيش في الظلم و الخنوع للاستبداد و الاستعباد.
و إنَّ أوَّل من قام بأعباء هذه المهمَّة الكبيرة هو الرسول الأكرم صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم من خلال جملة من الأحاديث التي تُركِّز على الانتظار و فضل المنتظرين و الممهِّدين و بيان مراتبهم حتّى جعلهم صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم إخواناً له، و هذه الأُخوَّة جعلها النبيُّ صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم مرتبة أعلى من مرتبة الصحبة.
ثمّ أخذت هذه الظاهرة بالتوسّع على يد الأئمَّة عَلیْهِمُ السَّلام إلى أن تبلورت بشكل واضح و أصبحت مكتملة في زمن الإمامين الهادي و العسكري عَلیْهِمُا السَّلام.
إذ برزت عوامل التمهيد متكاملة عملياً و نظرياً.
و من أبرز عوامل التمهيد التي قام بها الأئمَّة عَلیْهِمُ السَّلام:
1- التمهيد للدولة المهدوية.
2- التمهيد القائد الدولة.
أمَّا التمهيد للدولة و بيان حيثياتها و أهدافها و أين تكون و ما هي مقوِّماتها و ما هي علائمها، فقد برز ذلك جليّاً من خلال الكمّ الكبير من الروايات التي عكست لنا أجواء تلك الدولة المباركة، و التي ستحكم الأرض و يسود فيها العدل و الرضا الجميع البشرية و على مختلف المناحي و الأصعدة.
و هذا نموذج فريد في عملية التمهيد لا نجده في أيِّ فكرة أخرى يمكن تناولها بالدراسة و التحليل.
أمَّا التمهيد لقائد هذه الدولة فقد برز على عدَّة أصعدة:
الصعيد الأوّل: التمهيد للولادة المباركة لهذا القائد، و هذا ما نجده واضحاً من خلال الأدلََّة العامَّة التي سيقت للاستدلال على حقّانية هذه الدولة و حقّانية هذا القائد بإدارتها.
و قد برز من عناصر هذا التمهيد:
1- دلالة سورة القدر التي قرنت التنزّل بشخص معيِّن مشخَّص، و قرنت كلَّ ذلك بليلة مشخَّصة يمكن لمسها من خلال تحديدها تحديداً زمنياً واضحاً.
2- أحاديث قرن الاستقامة و الصلاح و البقاء الديني، بل و الكوني به عَلیْهِ السَّلام، كحديث سيخ الأرض لو لا الحجَّة، و حديث الثقلين، و حديث الاثني عشر.
أمَّا الأدلَّة الخاصَّة فهي كثيرة جدّاً أذكر منها حديثاً واحداً صحيح السند عن الإمام العسكري عَلیْهِ السَّلام، حيث ورد عن أبي هاشم الجعفري أنَّه سأل الإمام العسكري عَلیْهِ السَّلام: هل أنَّ له ولداً، فقال له عَلیْهِ السَّلام: « نعم»، فسأله مرَّة أخرى: إن حدث بك حدث فأين أسأل عنه؟ فقال عَلیْهِ السَّلام: «بالمدينة».
و هذا كلّه كما لا يخفى تمهيد واضح جليّ للإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام.
الصعيد الثاني: أمَّا على صعيد الغيبة و التمهيد لها: فإنَّه أوضح من الصعيد الأوَّل بكثير، ففضلاً عن التواتر الاجمالي إن لم نقل المعنوي فهناك تواتر في نقل هذا التواتر.
و هذا نموذج فريد قلَّ ما نجد له قرين في المعارف الأخرى، و يعكس لنا أهمّية القضيَّة و مقدار التمهيد الذي قام به الأئمَّة و الأنبياء عَلیْهِمُ السَّلام و الصلحاء لها.
هذا من جانب، و من جانب آخر يُوضِّح لنا أهمّية الدور الذي ينبغي أن نقوم به في عملية التمهيد، لأنَّ هذه العملية استمرارية و ليست ابتدائية، و مَحضى بهذه الأهمّية الكبرى، فلا بدَّ أن يكون لنا فيها دور ما.
و قد انعكس لنا هذا الدور من خلال الروايات الكثيرة جدّاً، و التي منها ضرورة وقوع الغيبة في الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام، و التأليفات التي قام بها أصحاب الأئمة عَلیْهِمُ السَّلام قبل وقوع الغيبة و قبل ولادة صاحبها.
أمَّا على الصعيد العملي، فهو ما برز بشكل جليّ في عصر الإمام العسكري عَلیْهِ السَّلام، حيث مارس التمهيد بأوضح صورة من خلال سيرته العملية، كنصب الوكلاء و اعتماده عليهم و تغيير خارطة العمل مع الجمهور بشكل ملتفت، انعكس بعد ذلك واضحاً و مؤثِّراً على تخفيف شدَّة غيبة الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام.
و هناك عوامل أخرى للتمهيد، منها: صغر السنِِّ الذي وقع في كثير من الأئمَّة كالجواد و الهادي و العسكري عَلیْهِمُ السَّلام، بل و في بعض الأنبياء كيحيى و عيسى عَلیْهِما السَّلام، حيث عُدَّ هذا النموذج من أفضل النماذج الاستدلالية على إمكان وقوع الإمامة في صغر السنِّ.
مجلة علمية تخصصية نصف سنوية تصدر عد مركز الدراسات التخصصيّة في الامام المهدي عَلیْهِ السَّلام:
في هذا العدد:
ردِّ الاستدلال برواية الوصيَّة على دعوى المهدويَّة- الشيخ أبو محمد القره غولي.
تحصين الأنام من دعاوى الاتِّصال بالإمام عَلیْهِ السَّلام- الشيخ جاسم الوائلي.
عنصر الخطاء في القضّية المهدوية- الشيخ حسين الأسدي.
الشيخ النعماني و كتابه (الغيبة). المرحوم الشيخ عامر الجابري.
دور الأربعين في صناعة الشخصية المهدوية- الشيخ مشتاق الساعدي.
سلمان المحمّدي عَلیْهِ السَّلام و ارتباطه بالعقيدة المهدوية. الشيخ د. عليّ الفياض.
الدعاء المهدوي و آثاره في بناء الفكر و العقيدة. الشيخ حميد الوائلي.
ضرورة وجود المعصوم عَلیْهِ السَّلام- الشيخ إسكندر الجعفري.
انتظار الفرح و أثره في الحدِّ من الآفات الاجتماعية- محمّد باقر الخوندي.
رئيس التحرير
تُمثِّل بعض القضايا في المجتمعات البشرية الركائز الأساسية للتراث الشعبي، و تتوارث الأجيال قرناً بعد آخر هذا التراث، و تُضحّي لبقائه حتَّى لو لزم بذل النفس من أجله.
و يُعَدُّ التراث المتنّوع تشعب ما مصدراً من مصادر المعرفة، و رافداً للفكر و الإبداع و الارتقاء المعرفي و الأخلاقي في الأُمَّة.
إنَّ هذا الأمر يتكوَّن بمعزل عن كون هذا التراث قد تشكَّل عن عادات و تقاليد، أو كان مستلًا من نظام معرفي أو عقدي.
و من جادَّة هذا الموروث يستلهم الأُدباء و الشعراء، بل و المفكّرون و الفلاسفة مبادئ تنطلق بهم لتشكيل هوَّية مجتمعهم.
و يتمتَّع الكثير من التراث لدى الشعوب في زماننا بحماية قانونية دولية خشية تعرضه للتلاشي و الاندثار، فتنصُّ القوانين الدولية على ضرورة المحافظة على التراث و تطويره و تنميته، و أنَّ هذه المسؤولية تقع على عاتق الأفراد و الجماعات، حيث جاء ذلك في إطار اجتماع المؤتمر
العامّ لمنظََّمة الأُمم المتَّحدة للتربية و العلم و الثقافة عام (1972م)، و انبثقت من ذلك لجنة التراث العالمي التي مهمَّتها حماية التراث للشعوب و الدول.
والجدير بالذكر أنَّ هذه القوانين هي لحماية التراث، و ليس لها علاقة بآلية تكوّن ذلك التراث و أسباب حصوله.
نعم يحلو للبعض أن يرمي جملة من الظواهر التراثية ذات العمق المتأصّل بالخرافة و البدعية...، و هذا شيء آخر.
من الزاوية الدينية لا يختلف الأمر كثيراً، إذ الكثير من الموروثات التراثية هي في الحقيقة ممارسات دينية ابتعدت عن ثوبها الديني، و لبست ثوباً شعبياً، و مع تطاول الزمن لم تعد تُنَسب للدين، و صار شاخصها البارز هو تراثيتها و ما تُمثِّله من عمق في الموروث الشعبي.
و في الحقيقة أنَّ جملة من الطقوس إنَّما تُقام على أساس ما تتمتَّع به من قيمة معنوية و رمزية، و غالباً ما تكون تلك الطقوس أفعالاً تأخذ منحى الضبط و التنظيم، و تكون نابعة- نحواً ما- من عمق استدلالي مرتبط بجهات عليا تُمثِّل للأفراد عنصر القداسة و الارتباط.
نعم قد يبدو في بعض الأحيان بعض من تلك الطقوس أنَّها لا تتمتَّع بقدر من الحكمة، أو أنَّ فيها عدم انسجام أو منفّرية.
و يمكن لنا بنظرة أوَّلية أن نصنّف الطقوس و الموروث الاجتماعي إلى طقوس اجتماعية و دينية و روحية و علمية و سياسية، بل و حتّى رياضية
و ذهنية.
و من زاوية أخرى يمكن تصنيفها إلى طقوس غريبة و عادية و مألوفة، أو لها أساس أو ليس لها كذلك، و طقوس قديمة و حديثة. و هكذا و من بين تلك الطقوس طقس العبور- في اليابان-، و الذي لا زال يُمارس إلى الآن حيث يمارسه الآلاف و يُعبِّر عن عبور أفراد إلى سنِّ البلوغ، أو عن انعزالهم بعد وصولهم لسنِّ معيَّن.
و كذلك طقس الحفل الثلجي لمدينة سابوروا اليابانية الذي يستمرُّ لمدَّة سبعة أيّام و يحضره الآلاف.
و هكذا العشرات، بل المئات من الطقوس و المهرجانات التي يحضرها الآلاف، و التي تُقام في مختلف البلدان و الشعوب المهرجان دفييش (كوينا) التركي، و الذي يُعَدُّ مهرجاناً دينياً يحضره الآلاف، كذا مهرجان الأرز لإندنوسي ، و دي والي الهندي، و الطماطم الإسباني، كذلك دريو البرازيلي، و كمريوز الأمريكي، و المصابيح التايلندي، و الخريف الكوري، و العيش مع الأموات الإندونيسي، و هكذا لا يخلو شعب من الشعوب من مهرجان و طقس، بل العشرات، يحضره الآلاف، يُعبِّر فيه الناس عن انتماء اجتماعي أو اقتصادي أو ديني، و هكذا.
من هذا المنطق فإنَّ إحياء السنن و الطقوس سواء ما كان منها دينياً أو ثقافياً هو سُنَّة عقلائية يمارسونها بدافع تخليدها و الاستفادة منها للأجيال اللاحقة، و استحضار القيم التي تحملها لأجل تجسيدها.
أمَّا في المجتمعات الإسلاميَّة بشكل خاصّ، فإنَّ المنظومة التشريعية قد وظَّفت هذه الموروثات في سبيل المحافظة على المجتمعات، و أثرتها أيّما إثراء، بل أدخلت بعضاً منها في إطار المنظومة الدينية و جعلتها جزءاً من التراث الديني، و من بين تلك الموروثات المقدَّسة التي تنامت بشكل كبير و لافتٍ هي المسيرة الأربعينية لزيارة سيِّد الشهداء ، و التي أضحت اليوم بفضل الجهود الجبّارة من قِبَل جميع الجهات الراعية لها، المسيرة المليونية الأُولى عالمياً، من حيث العدد و المساحة و التعبئة و التنظيم و البذل و الأمان، و تحصيل سُبُل الكمال و التطوّر الذاتي و الروحي.
إنَّ النصوص الشرعية المقدَّسة تنصُّ على أنَّ السائر في هذا الدرب يصل إلى محطََّة يكون فيها قديساً: فقد ورد عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلام: إِنَّ الرَّجُلَ لَیَخْرُجُ إِلَی قَبْرِ الْحُسَیْنِ عَلیْهِ السَّلام فَلَهُ إِذَا خَرَجَ مِنْ أَهْلِهِ بِأَوَّلِ خُطْوَةٍ مَغْفِرَةٌ لِذُنُوبِهِ، ثُمَّ لَمْ یَزَلْ یُقَدَّسُ بِکُلِّ خُطْوَةٍ حَتَّی یَأْتِیَهُ... و إنَّ من آتاه وَکَّلَ اللّهُ بِهِ مَلَکَینِ یَکتُبانِ ما یَخْرَجَ مِن فیهِ مِن خَیرٍ و لا یَکتُبانِ ما یَخرُجُ مِن فیهِ مِن شَرٍّ (1)
و هذه المحطَّة لا تحصل متكاملة ما لم ينظمّ إليها حضور وليِّ الأمر عَلیْهِ السَّلام الذي به قبول الأعمال و سرّ صعودها...
إنَّ هذه المسيرة المليونية تُمثِّل في الحقيقة عقد بيعة مع الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام من خلال طريق: يا حسين عَلیْهِ السَّلام.
1) كامل الزيارات لابن قولويه: 252 و 255 / ح (2- 383) و ح (6/383).
إنَّ هذه الحشود الجبّارة هي النواة الأُولى لدولة الإمام عَلیْهِ السَّلام.
إنَّ بحيرة كربلاء التي تصبُّ فيها هذه الروافد البشرية كفيلة بأن تُغيِّر مسار التاريخ و تفتح نافذة الظهور المبارك.
إنَّ المنظِّم الحقيقي لهذه المسيرة المباركة هو الإمام عَلیْهِ السَّلام، فهو راعيها و حاميها و المدافع عنها، و هي رصيده الذي لا ينضبُّ.
فينبغي أن تُرسَم في هذه الجغرافية الخاصَّة لوحة فريدة لم يسبق للعالم أن رأى جمالها و جلالها و سحرها و ألقها، إنَّها لوحة (التمهيد الأربعيني).
(1) كامل الزيارات لابن قولويه: 252 و 255 / ح (2- 383) و ح (6/383).
مجلة علمية تخصصية نصف سنوية تصدر عن مركز الدراسات التخصصيّة في الامام المهدي عَلیْهِ السَّلام.
في هذا العدد:
رؤية الإمام عَلیْهِ السَّلام في زمن الغيبة- الشيخ كاظم القره غولي
المقومات البنيوية للدولة المهدوية المرتقبة و المتطلبات الواقعية، الباحث مرتضی علي الحلي
الغيبة المهدوية مصداق للعدالة الإلهية هيجاء عبد الحسن كريم
أسباب استمرار غيبة الإمام عَلیْهِ السَّلام في عصر ازدهار الحكومات الشيعية- نعمة الله سفري فروشاني
إشكالية النار و قتل الدراري في العقيدة المهدوية- الشيخ محمد رضا الساعدي
تحليل حول أحاديث الغيبة في كتاب (الغيبة) للنعماني- كاظم قاضي زاده
الآثار المهدويَّة من النصف الثاني من القرن الخامس إلى النصف الثاني من القرن السابع الهجري- السيِّد على الحسيني- ترجمة، السيد جلال الموسوي
النفس الزكية- السيِّد مسعود بورسيِّد اقاني- ترجمة، محمَّد علي القاسمی
الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام في أحاديثِ الإمام علىِّ بن الحسين عَلیْهِ السَّلام قراءةٌ تأويليةٌ. حاكم حبيب الكريطي
بحث مشارك في مسابقة خاتم الاوصياء للابداع الفكري و حاز على المركز التاسع.
الباحث مرتضى علي الحلي
و تفصيل الكلام في هذه المقوِّمات يقع في ثلاثة محاور:
و مقولة التمكين هي واحدة من المقولات القرآنية القويمة، و التي عرضتها الآيات الشريفة بألوان مختلفة في الأُمم و الأفراد و العقائد و الأديان و الأماكن، و قدَّمت فيها الوجهين الإيجابي و السلبي، لتعالج إخفاقات الإنسان في التعاطي معها، و تُظهِر مدى قدرته على النجاح فيها.
استظهر الشيخ ناصر مكارم الشيرازي من الآيات القرآنية التي تتحدَّث عن التمكين بأنَّها تعني نشر تعاليم الحقِِّ بشكل جذري، و في كلِّ مكان، كما يُستفاد من كلمة (تمكين) (1)
و ثَمَّة علاقة حقيقية تكمن بين مقولة التمكين و قيام الدولة العادلة، يعمل على بيانها القرآن الكريم في سلوك منه للوجهة الحقَّة و المطلوبة، و ضمن حراك تتطابق فيه إرادة الله تعالى و إرادة عباده المؤمنين، ففي الجانب الإيجابي الصالح بين الله تعالى إمكان و فعلية التمكين في التحقُّق و الوقوع، و أخذه و عداً على نفسه غير مكذوب، كما في الآيات الشريفة في قوله تعالى:
وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَني لا يُشْرِكُونَ بي شَيْئاً وَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُوليك هُمُ الْفَاسِقُونَ (النور: 55) (2)*(3) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَاهُمْ فِي الْأَرضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكَاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ لِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ( الحجّ: 41).
1) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل/ الشيخ ناصر مكارم الشيرازي 11: 149/ طبعة جديدة منقّحة.
2) عن أبي بصير، عن أبي عبد الله الإمام جعفر الصادق في معنى قوله (عزَّ و جلَّ): وَعَدَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَیَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرضِ كَمَا اسْتَخْلِّفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتّضَی لَهُمْ وَ لَّيُبَدِلَنََّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أََمْناً يَعْبُدُونَني لا يُشْرِكُونَ بي شَيْعاً وَ مَنْ کَفَّر بَعْدََ ذلكَ فَأوليكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (النور: 55) قال: نزلت في القائم و أصحابه(الغيبية/ النعماني: 247/ط 1422/1ه- قم).
3) (و قد وردت في الآية (55) من سورة النور نقطة مهمَّة جديرة بالانتباه، فالآية تقول: وَعَدَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَیَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرضِ كَمَا اسْتَخْلِّفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتّضَی لَهُمْ وَ لَّيُبَدِلَنََّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أََمْناً يَعْبُدُونَني لا يُشْرِكُونَ بي شَيْعاً وَ مَنْ کَفَّر بَعْدََ ذلكَ فَأوليكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (النور: 55)، و الله سبحانه و تعالى يقطع في هذه الآية وعداً على نفسه بأن يُرسِّخ دعائم الدين، الذي ارتضاء للمؤمنين في الأرض). انظر: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل/ الشيخ ناصر مكارم الشيرازي 600:3 /طبعة حديقة منقَّحة.
وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الوارثِينَ وَ نُمَكّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِى فِرْعَوْنَ وَ هَامَانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (القَصص: 5 و 6). إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَ آتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً (الكهف: 84). إنَّ هذه الآيات الشريفة قد نظرت إلى أنَّ قيام الدولة المهدوية العادلة، أو حتَّى التي تسبقها في القيام بحسب الإمكان، و تتَّخذ من العدل منهجاً و سبيلاً في نظام الاجتماع الإنساني، مشروط بفعلية التمكين لمجموعة من الأُصول و القواعد الدينية و العقدية، و التي يقبلها الناس قبولاً إرادياً، ممَّا يُخفِّف من حِدَّة التنازع و الاختلاف في الرؤى الفكرية و العقدية، و يسهم في إقرار الأمن و الثبات و السلم بينهم. و من أهمّ هذه القواعد العقدية هي قاعدة الإيمان بوجود الله تعالى و توحيده، و عدله، و ما يتفرَّع على هذه القاعدة المكينة من وجوب الإيمان بالأنبياء و أوصياتهم المنصوبين من قِبَل الله تعالى، و منهجم في إصلاح الناس، و هدايتهم للحقِِّ، و الحكم بينهم بالعدل و الإحسان و الحقِّ، و رفض الظلم و الفساد.
و تشكِّل قاعدة الإيمان بوجود الله تعالى أصلاً متسالماً عليه عند الموحِّدين في الأرض، من كلِّ الديانات السماوية، و إن شاب بعض اعتقاداتهم شيء من الاختلاف. و قد عرض القرآن الكريم إلى ضرورة تمكين هذه القاعدة الوجودية و العقدية، و اعتبارها الجامع الأعلى و المشترك بين الناس، و ما يندرج تحتها من أحكام عقدية و أخلاقية و اجتماعية، لها دخالة قريبة و أكيدة في قيام الدولة العادلة المرتقبة، و المجتمع الفاضل الموعود، قال تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءِ بَيْنَنَا وَ بَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا الله وَ لا نُشْرِكَ به شيئاً وَ لا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (آل عمران 64).
و كما تقدَّم في الآية (55) من سورة النور، فقد أخذ القرآن الكريم هذه القاعدة العقدية العليا في الدين وعداً في التحقق و الوقوع و بشرط التمكين في القابل- الإنسان المؤمن و الموحِّد، المكلَّف، و في القدرة– إرادة الله تعالى في التحقُّق و الوقوع، و هي لا تختلف و لا تتخلَّف-، و إذا ما أخذنا بهذه القاعدة الجامعة سنتمكَّن من التمهيد و التمكين لقيام الدولة العادلة المرتقبة، إذ إنَّ الإيمان بوجود الله و توحيده، و توافره بين الموحِّدين في الأرض، يُؤسِّس للتصديق بما يتفرَّع عن أصل التوحيد لله تعالى، و منه العدل و الاهتداء بهدي الله تعالى، و الأخذ بدينه الحقِّ إيماناً و عملاً، لأنَّ ما جاء به الأنبياء هو واحد في العقيدة و السلوك و الغاية و الغرض، و إن اختلفت أُمهم فيما بعدهم، المهمُّ هو الأصل التوحيدي و حفظه في العقيدة و السلوك، و إنَّ الوصول إلى الهدف الديني العامّ بين مختلف الناس، لا يمكن تحقُّقه ما لم يتمّ الأخذ بالجامع التوحيدي العقدي و السلوكي في أحكامه و آثاره الاجتماعية و الأخلاقية، و قد بيَّن السیِّد محمّد حسين الطباطبائي رَحمة اللهُ في كتابه (القرآن في الإسلام) هذه الحقيقية العقدية الدينية، و ترابطها الوثيق في الجامع و الأحكام و السلوك بين جميع الديانات التوحيدية، و قال: (القرآن الكريم يحتوي على الغاية الأسمى التي تهدف إليها الإنسانية و يُبيِّنها بأتمّ الوجوه، لأنَّ بالوصول إلى الغاية الأسمى لا يمكن إلَّا بالنظرات الواقعية للكون- الإيمان بوجود الله تعالى و توحيده-، و العمل بالأَُُصول الأخلاقية و القوانين العملية، و هذا ما يتولّى شرحه القرآن بصورة كاملة حيث يقول: قالوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كتاباً أُُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِى إِلَى الحَقِّ وَ إلى طريقٍ مُسْتَقِيم (الأحقاف: 30)، و يقول في موضع آخر بعد ذكر التوراة و الإنجيل: وَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتابَ بالحقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَ لا تَتَّبِعُ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلِّ جَعَلْنَا
مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهَاجاً وَ لَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَ لكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ في ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (المائدة: 48)، و بياناً لاشتماله على حقيقة شرائع الأنبياء يقول: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّين ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَ ما وَصَّيْنَا بِهِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسَى وَ عِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَى إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَ يَهْدِى إِلَيْهِ مَنْ يُنيبُ (الشورى: 13)، و في احتوائه على سائر الأشياء يقول: وَ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَ هُدى وَ رَحْمَةً وَ بُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (النحل: 89)، و مختصر ما في الآيات السابقة: أنَّ القرآن يحتوي على الحقائق المبيَّنة في الكتب السماوية و زيادة، و فيه كلُّ ما يحتاج إليه البشر في سيره التكاملي نحو السعادة من أُسس العقائد و الأُصول العملية﴾ (1) و إنَّ الأخذ بالجامع التوحيدي العقدي- الإيمان بوجود الله تعالى و توحيده و عدله- و السلوكي- تطبيق الشريعة-، هو من جملة ما سيتحقَّق في ظهور الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام، و قيامه بالحقِ، و قد عرضت الروايات المعتبرة (2)لهذا المعنى التوحيدي العامّ دلالةً في مسألة صلاة النبيِّ عيسى بن مريم عَلیْهِ السَّلام خلف الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام، و التي تُقدِّم وجهاً من وجوه الاجتماع على كلمة سواء بين نبيِّ من أهل الكتاب و إمام المسلمين المعصوم، فورد: إنَّ من تكرمة الله لهذه الأُمَّة أنَّ عيسى بن مريم يُصلّي خلف المهدي (3)
و كذلك ورد هذا المعنى رواية في إخراج الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام الكتب السماوية لليهود و النصارى و آثارهم الدينية، في إشارة واضحة لحقيقة الاجتماع على الإيمان بوجود الله تعالى و توحيده و الرجوع إلى الأصل الحق: المهدي يبعث بعثاً لقتال الروم، يُعطى فقه عشرة، يستخرج تابوت السكينة من غار أنطاكية، فيه التوراة، التي أنزل الله على موسى، و الإنجيل الذي أنزل الله على
1) القرآن في الإسلام/ السيِّد الطباطبائي: 20/ تعریب: السيِّد أحمد الحسيني/ مكتبة أهل البیت عَلیْهِمُ السَّلام
2) (و هذه الأخبار ممَّا يثبت طرقها و صحَّتها عند السُّنَّة، و كذلك ترويها الشيعة على السواء، و هذا هو الإجماع من كافَّة أهل الإسلام). (بحار الأنوار/ المجلسي 51: 89/ ط 1403ه-/ بيروت).
3) الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف/ السيِّد عليّ بن طاووس الحلّي: 182/ ط 1399ه-/ قم.
عيسى، يحكم بين أهل التوراة بتوراتهم، و بين أهل الإنجيل بإنجيلهم (1) و أمَّا في الوجه السلبي فقد حذَّر سبحانه من إهمال و إغفال التمكين، فيما لو تُرِِكَ الأخذ به عملاً و طريقاً، و بيِّن آثار ذلك و علاقته بالهلاك و العذاب، فقال تعالى:
وَ قَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَفُ مِنْ أَرْضِنَا أَوَ لَمْ نُمَكِنُ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (القصص: 57). أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَاهُمْ فِي الْأَرضِ ما لَمْ نُمَكِنُ لَكُمْ وَ أََرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَ جَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (الأنعام: 6). وَ لَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فيما إنْ مَكَّنَاكُمْ فِيهِ وَ جَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَ أَبْصاراً و أَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَ لا أَبْصَارُهُمْ وَ لا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَئ إذ كانوا يجْحَدُونَ بِآيات الله وَ حاقَ بِهِمْ ما كانوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُن ( الأحقاف: 26). إنَّ هذه الآيات الشريفة تعرض أمراً مهمّاً جدّاً ينبغي على الإنسان أن يلتفت إليه، قبل فوات الأوان، ألَا و هو ضرورة استثمار حالة التمكُّن و التمكين في هذه الحياة الدنيا في حالة الهدى و عدم الإعراض عن ذلك كلِّه بالإغفال أو عدم الاعتبار به.
و ذلك لأنَّ التمكين الإهي، هو فعل جميع ما لا يتمُّ الفعل إلَّا به، و هو يُعبِّر عن جمع لمصادر القوَّة و القدرة للمؤمنين من التمكُّن في حالة الهدى و الزمان و المكان و الطاقات و التدابير و المعارف و العقائد ، و فلّما يتكرَّر اجتماعه في ظرفٍ ما إلَّا بشروطه و مقتضياته.
و لذا عاتب القرآن الكريم الأُمَّة التي لم تستثمر ذلك و وبَّخها، و اعتبرها أُُمّة غير ملتفَّة لنِعَم الله تعالى عليها في التمكين و اثاره، وَ لَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِِيما إنْ
1) التشريف بالمنن في التعريف بالفتن/ السيِّد عليّ بن طاووس: 142/ ط 1/ نشر مؤسَّسة صاحب الأمر عَلیْهِ السَّلام/ 1416ه-/ أصفهان.
مَكََّنَّاكُمْ فِيهِ وَ جَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَ أَبْصاراً وَ أَفَيدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَ لا أَبْصارُهُمْ وَ لا أَفَئِدَتْهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَ حاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْرُونَ (الأحقاف: 26). و يحكي القرآن الكريم هنا أنَّ هؤلاء الذين مكّناهم، و جعلنا لهم سمعاً و أبصاراً و أفئدة، و لم يعتبروا بها في استثمار حالة التمكين، سيحيق بهم أثر ذلك سلباً و ضرراً.
و قد بيِّن الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام السمة التمكين في القواعد العقدية و السلوكية، و أهمّيتها، و ضرورتها في حراك المؤمنين و الأتباع المنتظرين و الممهِّدين، و آثار إغفالها، و عدم الأخذ بها، في إحدى مكاتباته و توقيعاته المباركة و الموثوقة إلى الشيخ المفيد، في خاتمة الكتاب الثاني، الذي أخرجه إليه، و التي تُعتَبر حقيقة موضوعية و واقعية تقوم على أساس وجوب الاجتماع على طاعة الله تعالى، قلياً و سلوكاً، و تمكين ذلك فعلاً، فقال عَلیْهِ السَّلام:
و لو أنَّ أشياعنا و فَّقهم الله لطاعته على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم، لما تأخَّر عنهم اليمن بلقائنا، و لتعجَّلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حقِّ المعرفة، و صدقها منهم بنا، فما يجينا عنهم إلَّا ما يتَّصل با ممَّا نكرهه، و لا نُؤثِره منهم، و الله المستعان، و هو حسبنا و نعم الوكيل، و صلواته على سيِّدنا البشير النذير، محمّد و آله الطاهرين و سلَّم (1)،(2)
و إنَّ هذا المقطع الأخير من المكاتبة يُقدِّم معطيات عقدية و سلوكية و كونية تنزاح يقيمها من النصِّ إلى الواقع، و بقوَّة لتطالب كلِّ مؤمن، و منتظِر، بأن يتأمَّل في تلك المعطيات، و هي كالتالي:
1- إنَّ توفيق الله تعالى لأتباع الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام يتوقَّف على تمكين حالة الاجتماع على طاعة الله تعالى في النيَّة- القلب- و الفعل و القصد، و الوفاء بعهد اليقين بإمامة الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام، و انتظاره، و التمهيد لظهوره الشريف و قيامه بالحقِّ.
1) تهذيب الأحكام/ الشيخ الطوسي 40:1/ نشر دار الكتب الإسلاميَّة/ طهران.
2) و قد أخرج هذا الكتاب المحدُث الثقة أبو منصور أحمد بن عليِِّ بن أبي طالب الطيرسی في كتاب الاحتجاج 2 :323. هذا الكتاب الثاني المبارك الصادر من الناحية المقدَّسة (الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام). و الشيخ الطبرسي هو من العلماء الثقات و محدِّثي أوائل القرن السادس الهجري، و يُعتقد أنَّ وفاته في سنة (620ه-). انظر: الذريعة إلى تصانيف الشيعة/ المحقّق أنها بزرك الطهراني 1: 281. و قد ذكر هذا الكتاب أيضاً جمع من ثقات أعلام الأُمَّة كالشيخ المحدِّث المجلسي في موسوعته بحار الأنوار 53: 177 . و الشيخ الحائري في كتابه إلزام الناصب في إثبات الحجَّة الغائب 409:1، و السيِّد بحر العلوم في كتابه الفوائد الرجالية 319:1. و من المعلوم أنَّ هذا التوقيع المبارك تحكيه و ترويه كافَّة الشيعة و تتلقّاه بالقبول، و قد حكى ذلك العلَّامة المحدِّث الشيخ يوسف البحراني (طاب ثراه) في كتابه لؤلؤة البحرين:367/ ط 1386 ه-/ النجف الأشرف. عن المحقِّق النقّاد يحيى بن بطريق الحلّي في رسالته نهج العلوم إلى نفي المعدوم. و ورد هذا الكتاب الثاني من قِبَل الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام يوم الخمیس الثالث و العشرين من ذي الحجَّة، مسنة اثنتي عشرة و أربع مائة، و قبل وفاة الشيخ المفيد (رحمه الله تعالى) في سنة 413 هجري. و ذكر موصله أنَّه تحمَّله من ناحية متَّصلة م بالحجاز، نسخته: «اللاخ السديد و الوليِّ الرشيد الشيخ المفيد أبي عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان، هذا كتابنا إليك أيّها الأخ الوليُّ، و المخلِص في وقِّنا الصفي، و الناصر لنا الوفي، حرسك الله يعينه التي لا تنام، فاحتفظ به و لا تُظهِر على خطْنا الذي سطرناه بما له ضمنّاه أحداً، و أدّ ما فيه إلى من تسكن إليه، و أوص جماعتهم بالعمل عليه إن شاء الله، و صلّى الله على محمّد و آله الطاهرين. و هذه نسخته: من عبد الله المرابط في سبيله إلى ملهم الحقِّ و دليله....» الخ.
و إعمال ذلك التمكين و تقريره يسهم في تقريب الفرج، و تعجيل الظهور الشريف.
قال تعالى: وَ أَطِيعُوا اللهَ وَ رَسُولَهُ وَ لا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَ اصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ( الأنفال: 46).
2- إنَّ الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام يُعلِّل بوجِه ما، و يُبيِِّن سبب تأخير الظهور الشريف في قوله: فما يحبسنا عنهم إلَّا ما يتَّصل بنا ممَّا تكرهه، و لا تؤثِره منهم.
و هنا يبدو جليّاً مدى تأثير ما یرتكبه الناس من المحرَّمات و المكروهات في الحيلولة دون وقوع الفرج الشريف، لما لذلك من دخالة وضعية و تكوينية و وجودية في تأخير التغيير المرتقب، إذ يجب أن يسبق الظهور الشريف التأهُّل النفسي و المجتمعي، جماعةً و أفراداً، صالحين في عقيدتهم و سلوكهم، يسعون إلى إيجاد حالة التمكين للحقِّ و العدل، كي تبقى ممتدَّة في خطواتها إلى وقت الظهور الشريف، و تحقيق القيام المهدوي.
3- ختم الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام لكتابه و توقيعه الشريف بالاستعانة بالله تعالى، و التوكُُّل عليه، هو تقديم لحالة تمكين العقيدة بأصلها الأوَّل و المكين، و ضرورتها اليقينية في حراك المنتظِرين المؤمنين، ممَّا يُحقِّق الدرجات العالية في الإيمان بالله تعالى، و التكامل في عبادته، و طاعته و واقعاً أنَّ الاستعانة الحقيقية بالله تعالى، تؤتي أُكُلها فوراً و فعلاً، و قد أطلق هذه الوسيلة الأنبياء و الأئمَّة المعصومون عَلیْهِمُ السَّلام من قبل، فأثمرت استعانتهم ثمراً صالحاً.
قال الله تعالى: قالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَ اصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلهِ یُورِثها مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ الْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (الأعراف: 128).
و الاستعانة بالله تعالى هي رديف عبادته و توحيده سبحانه، و لابدَّ من الالتفات إلى ذلك، إذ إنَّنا يومياً،و مراراً، نقول: إيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (الفاتحة: 5)، في قراءة سورة الحمد الواجبة في الصلاة، و هذه ثنائية عقدية يجب تمكينها في نفوسنا و سلوكنا، و أن لا نغفل عنها.
و يظهر واقعاً أنَّ عدم التمكين هو سبب رئيس من أسباب الغيبة الكبرى للإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام، و هو الذي يحول دون قيامه و ظهوره و تحقيق أغراضه، و قد بيَّن السیِِّد الشريف المرتضى ذلك السبب في رسالته في الغيبة، و قال ما نصُّه:
السبب في الغيبة هو إخافة الظالمين له، و منعهم يده من التصرُّف فيه فيما جُعِلَ إليه التصرُّف فيه، لأنَّ الإمام إنَّما يُنتَفع به النفع الكلّي إذا كان متمكِّناً مطاعاً، مخلّى بينه و بين أغراضه، ليقود الجنود، و يحارب البغاة، و يقيم الحدود و يسدُّ الثغور، و ينصف المظلوم، و كلُّ ذلك لا يتمُّ إلَّا مع التمكُّن، فإذا حيل بينه و بين أغراضه من ذلك سقط عنه فرض القيام بالإمامة، و إذا خاف على نفسه، وجبت غيبته، و التحرُّز من المضارِّ واجب عقلاً و سمعاً، و قد استتر النبيُّ صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم في الشُّعب، و أُخرى في الغار، و لا وجه لذلك إلَّا الخوف و التحرُّز من المضارِِّ (1)
1) رسائل الشریف المرتضی/ السیِّد الشریف المرتضی 295:3/منشورات دار قرآن الکریم/ قم.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل/ الشيخ ناصر مكارم الشيرازي 11: 149/ طبعة جديدة منقّحة.
عن أبي بصير، عن أبي عبد الله الإمام جعفر الصادق عَلیْهِ السَّلام في معنى قوله (عزَّ و جلَّ): وَعَدَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَیَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرضِ كَمَا اسْتَخْلِّفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتّضَی لَهُمْ وَ لَّيُبَدِلَنََّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أََمْناً يَعْبُدُونَني لا يُشْرِكُونَ بي شَيْعاً وَ مَنْ کَفَّر بَعْدََ ذلكَ فَأوليكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (النور: 55)،قال: نزلت في القائم و أصحابه. (الغيبية/ النعماني: 247/ط 1422/1ه- قم).
(و قد وردت في الآية (55) من سورة النور نقطة مهمَّة جديرة بالانتباه، فالآية تقول: وَعَدَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَیَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرضِ كَمَا اسْتَخْلِّفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتّضَی لَهُمْ وَ لَّيُبَدِلَنََّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أََمْناً يَعْبُدُونَني لا يُشْرِكُونَ بي شَيْعاً وَ مَنْ کَفَّر بَعْدََ ذلكَ فَأوليكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (النور: 55)، و الله سبحانه و تعالى يقطع في هذه الآية وعداً على نفسه بأن يُرسِّخ دعائم الدين، الذي ارتضاء للمؤمنين في الأرض). انظر: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل/ الشيخ ناصر مكارم الشيرازي 600:3 /طبعة حديقة منقَّحة.
القرآن في الإسلام/ السيِّد الطباطبائي: 20/ تعریب: السيِّد أحمد الحسيني/ مكتبة أهل البیت عَلیْهِمُ السَّلام.
(و هذه الأخبار ممَّا يثبت طرقها و صحَّتها عند السُّنَّة، و كذلك ترويها الشيعة على السواء، و هذا هو الإجماع من كافَّة أهل الإسلام). (بحار الأنوار/ المجلسي 51: 89/ ط 1403ه-/ بيروت).
الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف/ السيِّد عليّ بن طاووس الحلّي: 182/ ط 1399ه-/ قم.
التشريف بالمنن في التعريف بالفتن/ السيِِّد
عليّ بن طاووس: 142/ ط 1/ نشر مؤسَّسة صاحب الأمر عَلیْهِ السَّلام/ 1416ه- / أصفهان.
تهذيب الأحكام/ الشيخ الطوسي 40:1/ نشر دار الكتب الإسلاميَّة/ طهران.
و قد أخرج هذا الكتاب المحدُث الثقة أبو منصور أحمد بن عليِِّ بن أبي طالب الطيرسی في كتاب الاحتجاج 2 :323. هذا الكتاب الثاني المبارك الصادر من الناحية المقدَّسة (الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام ). و الشيخ الطبرسي هو من العلماء الثقات و محدِّثي أوائل القرن السادس الهجري، و يُعتقد أنَّ وفاته في سنة (620ه-). انظر: الذريعة إلى تصانيف الشيعة/ المحقّق أنها بزرك الطهراني 1: 281. و قد ذكر هذا الكتاب أيضاً جمع من ثقات أعلام الأُمَّة كالشيخ المحدِّث المجلسي في موسوعته بحار الأنوار 53: 177 . و الشيخ الحائري في كتابه إلزام الناصب في إثبات الحجَّة الغائب 409:1، و السيِّد بحر العلوم في كتابه الفوائد الرجالية 319:1. و من المعلوم أنَّ هذا التوقيع المبارك تحكيه و ترويه كافَّة الشيعة و تتلقّاه بالقبول، و قد حكى ذلك العلَّامة المحدِّث الشيخ يوسف البحراني (طاب ثراه) في كتابه لؤلؤة البحرين:367/ ط 1386 ه-/ النجف الأشرف. عن المحقِّق النقّاد يحيى بن بطريق الحلّي في رسالته نهج العلوم إلى نفي المعدوم. و ورد هذا الكتاب الثاني من قِبَل الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام يوم الخمیس الثالث و العشرين من ذي الحجَّة، مسنة اثنتي عشرة و أربع مائة، و قبل وفاة الشيخ المفيد (رحمه الله تعالى) في سنة 413 هجري.
و ذكر موصله أنَّه تحمَّله من ناحية متَّصلة م بالحجاز، نسخته: «اللاخ السديد و الوليِّ الرشيد الشيخ المفيد أبي عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان، هذا كتابنا إليك أيّها الأخ الوليُّ، و المخلِص في وقِّنا الصفي، و الناصر لنا الوفي، حرسك الله يعينه التي لا تنام، فاحتفظ به و لا تُظهِر على خطْنا الذي سطرناه بما له ضمنّاه أحداً، و أدّ ما فيه إلى من تسكن إليه، و أوص جماعتهم بالعمل عليه إن شاء الله، و صلّى الله على محمّد و آله الطاهرين. و هذه نسخته: من عبد الله المرابط في سبيله إلى ملهم الحقِّ و دليله....» الخ.
38.رسائل الشریف المرتضی/ السیِّد الشریف المرتضی 295:3/منشورات دار قرآن الکریم/ قم.
مجلة علمية تخصصية نصف سنوية تصدر عن مركز الدراسات التخصصيّة في الامام المهدي عَلیْهِ السَّلام
في هذا العدد:
إثبات ولادة الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام- الشيخ كاظم القره غولي
المسار الاستراتيجي للشيعة في الغيبة الكبرى- السيد محمود المقدس الغريقي
تاريخ المرجعية و نيابتها عن الإمام عَلیْهِ السَّلام في زمن الغيبة- الشيخ جاسم الوائلي
جدلية المقدس و تمثّل المقدس- تمثلات ظاهرة المهدوية في مخيال شعوب المغرب الإسلامي أنموذجاً- السيد خالد سيساوي الجزائري
دور الإمام الغائب عَلیْهِ السَّلام في بقاء حجج الله تعالى و بيِّناته و في هداية البشر الشيخ حسن الكاشاني
تعريف المهدوية للحضارات الأخرى- مجتبى السادة
حكم تسمية إمام العصر عَلیْهِ السَّلام- وفتان خضير محسن الكعبي
دور المرأة في القيام المهدوي- الشيخ محمد رضا الساعدي
عولمة الغرب و عالمية الدولة المهدوية- الدكتور عاطي عبيات
منهج الشيخ الصدوق في كتاب كمال الدين و تمام النعمة- پرويز آزادي
أثر غيبة الإمام عَلیْهِ السَّلام الكبرى في تكامل المجتمع المسلم- علاء إبراهيم رزوقي
أ. علاء إبراهيم رزوقي
عندما نتأمل في حیاة الأئمة عَلیْهِمُ السَّلام و مواقف ما عرف أنا لكل منهم موقفاً ينصب في الغاية القصوى التي من أجلها بعث الرسل عَلیْهِمُ السَّلام و شرع الدين، فنشاهد أن أدوار أئمتنا عَلیْهِمُ السَّلام مختلفة فكل كان يهيئ الأرضية من جانب خاص و هذا لا يعني أن الزمان و الوضع لم يكن لهما أي دور في تلك المواقف بل كان للظروف دور و لكنه ها مشي لا يغير في الاستراتيجية بل له تأثير في الخطة و التكتيك.
فمثلاً الإمام الحسين عَلیْهِ السَّلام كان بصدد إيجاد روحية أخذ الثأر الذي هو شعار المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف و هو جانب روحي له دور رئيسي في قيام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف حيث أن شعاره هو يا لثارات الحسين و خروجه يوم عاشوراء و عدوه السفياني الذي هو امتداد يزيد بن معاوية.
كما أن الإمام الرضا عَلیْهِ السَّلام بهجرته التاريخية تمكن من إيجاد المدرسة الخراسانية التي لها الأثر الكبير في تعزيز جيش الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام، فغريب خراسان عَلیْهِ السَّلام بهجرته المؤلمة و تحمله الصعوبات و الضغوط الروحية و الجسمية كان بصدد خلق
أرضية عملية لتلك الدولة المباركة التي يتحدث عنها و هو في نيسابور كما في الحديث عن الهروي قال: سمعت دعبل ابن علي الخزاعي يقول: أنشدت مولاي علي بن موسى الرضا عَلیْهِ السَّلام قصيدتي التي أولها:
مدارس آیات خلت من تلاوة *** و منزل وحي مقفر العرصات
فلما انتهيت إلى قولي:
خروج إمام لا محالة خارج *** يقوم على اسم الله و البركات
يميز فينا كل حق و باطل *** و يجزي على النعماء و النقمات
بكى الرضا عَلیْهِ السَّلام بكاءً شديداً، ثم رفع رأسه إلىَّ فقال لي: یا خُزَاعِيُّ نَطَقَ رُوحُ الْقُدُسِ عَلَى لِسَانِكَ بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ، فَهَلْ تَدْرِي مَنْ هَذَا الْإِمَامِ وَ مَتَى يَقُومُ؟ فقلت لا يا مولاي إلّا أنّي سمعت بخروج إمام منكم يطهر الأرض من الفساد و يملأها عدلاً، فقال: یَا دِعْبِلُ، اَلْإِمَامُ بَعْدِی مُحَمَّدٌ اِبْنِی، وَ بَعْدَ مُحَمَّدٍ اِبْنُهُ عَلِیٌّ، وَ بَعْدَ عَلِیٍّ اِبْنُهُ اَلْحَسَنُ، وَ بَعْدَ اَلْحَسَنِ اِبْنُهُ اَلْحُجَّةُ اَلْقَائِمُ اَلْمُنْتَظَرُ فِی غَیْبَتِهِ، اَلْمُطَاعُ فِی ظُهُورِهِ، وَ لَوْ لَمْ یَبْقَ مِنَ اَلدُّنْیَا إِلاَّ یَوْمٌ وَاحِدٌ لَطَوَّلَ اَللَّهُ ذَلِکَ اَلْیَوْمَ حَتَّی یَخْرُجَ فَیَمْلَأَهَا عَدْلاً کَمَا مُلِئَتْ جَوْراً (1).
و هكذا بالنسبة إلى سائر الأئمة عَلیْهِمُ السَّلام، كل له موقف ينصبٌ في الغاية القصوى التي من أجلها بعث الرسل و شرع الدين و ذلك لا يتحقق إلّا بظهور الإمام الثاني عشر المهدي المنتظر عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف.
لقد كان للإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام نفسه دور في تهيئة الذهنية العامة للأمة لليوم الموعود، تلك التهيئة التي توفر له شروطه الأساسية، و ذلك باتخاذه خطوات ثلاث:
الخطوة الأولى: إقامة الحجة على وجوده بتكرار المقابلات مع عدد من
1) الصدوق، أبی جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه التمي، عيون أخيار الرضاء، صححه: حسين الأعلمي (ط 1، مؤسسة الأعلمي، لبنان، بيروت، 1404ه- 1984م) ج 2، ص 396.
الناس كبير نسبياً و بذلك يؤسس للمسلمين أساس الصمود ضد واجهة كبرى للشك في وجوده.
الخطوة الثانية: إعطاء الفكرة التامة لدولة العدل الإلهي من غيبته و ظهوره (1)
الخطوة الثالثة: العمل على إزالة الظلم و الطغيان، و حسب ما تقتضيه الحاجة من وجوده على مر التاريخ.
فالإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام في كل هذه الخطوات، يسير في خط التخطيط الإلهي العام لليوم الموعود، كما سار على ذلك الأنبياء و الأئمة عَلیْهِمُ السَّلام.
إن الإنسان المسلم محتاج في استمراره على إخلاصه و إيمانه، إلى قوة الإرادة و شعور بالمسؤولية الإسلامية، أعلى من المستوى المطلوب. و كان الأشخاص الممثلون لهذا الإخلاص، قد نجحوا في عملية التمحيص و الاختبار الإلهية، بهذا المقدار.
إلّا أن هذا المقدار غير كافٍ في إيجاد الإخلاص الذي يتطلبه القيام بمسؤولية اليوم الموعود، فكان لابد أن تمر الأمة بتمحيص ضخم و عملية غربلة حقيقية، حتى ينكشف كل فرد على حقيقته، فيفشل في هذا التمحيص كل شخص قابل للانحراف، لأجل أي نقص في إيمانه أو عقيدته أو إخلاصه.
إن للتربية الروحية علاقة صميمة و ارتباطاً وثيقاً ب-(استقامة المسيرة) على خط الإسلام فكرياً و عملياً لأنها تجعل المؤمن في علاقة محكمة مع الله يعبده و لا يعبد سواه، و يرجوه و لا يرجو غيره، و يخافه و لا يخاف غيره و يعمل له لا لغيره، يتأثر بوحيه، و رسالته، و يقطع صلة (التأثر) بالناس، و يقيم معهم بدل ذلك صلة (التأثير) و التوجيه.. لأن الانفصال عن الناس و حضارتهم.. و عن
1) الأربلي، أبي الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح، كشف الغمة في معرفة الأئمة (دار الأضواء، بيروت- لبنان، د.ت) ج 3، ص 338.
أهواء النفس و شهواتها لا يتم إلّا من خلال عمل تربوي جاد يبني الإنسان فيه نفسه مع الله تعالى و يقطعها به عما سواه.. و بكلمة يقطع قلبه و شعوره و كيانه عن كل شيء عدا الله تعالى و ما أمر الله تعالى به (أن يوصل) بهذا وحده يمكن تقيم مسيرة المؤمن و تثبت على خط الإسلام و يكون مستعداً لاستقبال دولة الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام و يكون عضواً فعالاً فيها.
1- الأثر الكبير في الحفاظ على الدين و الثبات عليه و الدفاع عنه في الأيام الصعبة، و امتصاص المحن و الآلام التي يمر بها الإنسان المسلم في زمن الغيبة.
2- الوعي الإيماني بدولة العدل الإلهي و تعني- هنا- المدركات الذهنية التي تتمتع بالاستحضار المستمر، و المعايشة الدائمة لذكر الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف من قبل الإنسان المؤمن و إحساسه بوجوده معه و يرى سلوكياته.
3- الوجدان الإسلامي و يشمل العواطف كحب الإمام عَلیْهِ السَّلام، و الخوف عليه، و الرجاء من الله تعالى بتعجيل ظهوره، و الغضب له.
4- تقوية الإرادة، و الإخلاص، أو الدافع الديني في شخصية الإنسان المسلم، الذي ينظم حركة هذه الشخصية و تصرفاتها، و يعتبر الجهاز الحاكم فيها في زمن الغيبة.
5- توحيد المنطلق النفسي للمؤمنين في العمل (الدافع و الهدف) في حب الرسالة و تطبيقها، و الحرص على المصلحة الدينية و إعلائها و تفضيلها على الرغبات الشخصية و الأهداف الذاتية التي تختلف عادة من شخص إلى آخر نتيجة (اختلاف الآراء، و المصالح الشخصية التي تغلب على المصلحة العامة عند بعض الناس، و اختلاف المذاقات و المشاعر... إلخ).
الصدوق، أبی جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه التمي، عيون أخيار الرضاء، صححه: حسين الأعلمي (ط 1، مؤسسة الأعلمي، لبنان، بيروت، 1404ه- 1984م) ج 2، ص 396.
الأربلي، أبي الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح، كشف الغمة في معرفة الأئمة (دار الأضواء،
بيروت- لبنان، د.ت) ج 3، ص 338.
في هذا العدد:
نظرات في دعاء العهد
السيد علاء الدين السيد عبد الصاحب الموسوي
دخالة البشر في تعجيل فرج الإمام المنتظر عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف
الشيخ كاظم القره غولي
المختصر من إقامة الحُجّة على من أنكر ولادة الحُجّة عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف
الشيخ جاسم الوائلي
آيات في القائم عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف
السيد باسم الصافي
الأبواب و السفراء
موقعهم من العقيدة و دورهم في دولة أهل البيت عَلیْهِمُ السَّلام
الشيخ حسن الكاشاني
السيدة نرجس عَلیْهِا السَّلام - شبهات وردود
الشيخ علي الفياض
أخبار المهديين بين النفي و الإثبات
السيد زين العابدين المقدس الغريفي
علم الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف بوقت ظهوره
مرتضى علي الحلي
مراجعة مصادر كتاب (الغيبة) للشيخ الطوسي قُدِّس سِرُّه
محمد المسعودي- ترجمة: السيد جلال الموسوي
الشيخ كاظم القره غولي
الحمد لله و الصلاة و السلام على أشرف خلق الله النبي الأمين و آله الطاهرين.
و بعد..
فإن اجتماع الخالقية و المديرية و المشرعية في وجود واحد و هي الذات المقدسة التي أحاطت بكل شيء قد أوجد انسجاماً عجيباً بين الحلقة و شؤونها و الأنظمة التشريعية و تفصيلاتها، بما في ذلك طبيعة الآثار الجزائية على طاعة العباد و معاصيهم، كما أوجد ترابطاً بين هذه الجهات. فكم من قانون في التكوين كان تجسيداً لقوانين الجزاء. فحين تجعل النتيجة وفق قانون التكوين مترتبة على فعل اختياري للمكلفين بقيد أنه إطاعة أو معصية كان ذلك القانون التكويني تجسيداً لقوانين الجزاء.
إن قوانين التكوين مخلوقة لله تعالى ككل ما سواه تعالى من الوجود، و الحكمة إطار الخلقة الذي لا تتعداه، و نفس الحكمة التي دعت إلى خلقة النوع دعت إلى تحميله عبء التكليف، فطريق وصوله إلى غاية خلقته مركبه التكليف و لا سبیل آخر سواه. و لو لا هذا المركب لا نقطعت بالإنسان سبل الوصول إلى ما رامت الإرادة السماوية للإنسان أن يصل إليه. نفس تلك الحكمة دعت إلى إشراك التكوين في المؤثرية في تحريك الإنسان، فنفسه تتوق إلى أشياء و تنزعج و ربما
تفرق من أشياء أخرى، فشكّل التنفر و التعلق ساحة استثمار ليكون ذلك أداة معينة للإنسان في الارتقاء، بل هي الساحة الأساسية إن لم تكن الوحيدة:
و من تلك الأشياء ما ظرف تحققه هذه النشأة و منها ما محله النشأة الأخرى، و النشأة الآخرة هي دار الجزاء أصالة، و الدنيا دار الامتحان و ظرف التكليف و الاستكمال، فرتبت الآثار الحسنة في الأخرى على الأعمال الحسنة و رتبت الآثار السيئة فيها على الأعمال السيئة، فالدار الآخرة متمحضة للجزاء.
و لما كان الإنسان قد خلق على صفة الاستعجال لم يقبل أن يقدم على ترك نفع دنيوي دفعاً لضرر أخروي بعيد.
كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ، وَ تَذَرُونَ الْآخِرَة (القيامة: 20- 21). دعت الحكمة إلى أن تكون بعض آثار الأعمال في الدنيا متلبسة بلباس الجزاء حتى قبل التكليف، و وظف ذلك في التكوين ليكون داعماً للتشريع و الاستجابة له و امتثاله.
ظَهَرَ الْفَسادُ في البَرِّ وَ الْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (الروم :41). وَ أَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْناهُمْ مَاءً عَدَقا (الجن: 16). فأفعال الإنسان الاختيارية قد جعل الله بعضها مقدمات لآثار في التكوين، و لو لم تكن تلك الآثار مقصودة حين الإتيان بهذه الأفعال، بل و لو كانت تلك الآثار مبغوضة للفاعلين.
فالفعل فعل الإنسان، أمّا ترتب الأثر عليه فليس اختيارياً عادة للإنسان، فمن تناول السم القاتل قتله، علم بسميته أم لم يعلم، و أراد أن يسم أم لم يرد.
بل هناك تأثير لبعض الأفعال البشرية في التشريع، و يحفظ لنا القرآن من ذلك مفردة قد حصلت في بني إسرائيل، قال تعالى:
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَ بِِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيل اللهِ كَثِيراً (النساء: 160).
و في أُُمّة الإسلام قد حصل ذلك في إلغاء صدقة النجوى التي أوجبت على المسلمين أولاً، بقوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً (المجادلة: 12). رفعها عنهم بعد أن تثاقلوا عنها و لم يفعلوها.
أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجُواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاة (المجادلة: 13). و ظهور الإمام الثاني عشر عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف و الفرج الذي سيحصل للمؤمنين من مفردات التكوين، فهل لأعمال الناس دخالة في حصوله كما تنبه لذلك بعض الوجوه التي سيأتي التعرض لها، أم لا دخالة لعامة الناس في هذا الأمر كما هو مؤدى بعض الوجوه التي تضمنها البحث.
هذا ما سنحاول البحث فيه و الوقوف على واقع الحال فيه.
ما هو مقتضى القاعدة؟
للننظر أولاً إلى ما تقتضيه القاعدة و الأصل في المقام، فنقول:
لما كان قيام دولة الحق مسألة اكتسبت عناية كبيرة في نفوس الناس و تهفو إليها أرواح المؤمنين كان من الطبيعي أن يطلبوها من الله تبارك و تعالى. و أي شيء تسعى إليه الناس أفضل و أهم من قيام دولة الحق و إعلاء كلمة الله و إزهاق كلمة الباطل و كسر رايته و إخراج الأرض خيراتها و إنزال السماء بركاتها و انتشار الأمن بين بني النوع و امتلاء الأرض قسطاً و عدلاً كما ملئت ظلماً و جوراً؟
و يشهد لذلك الكم الكبير من الروايات التي يسأل المؤمنون فيها عن الفرج متى يكون، و واضح من جملة من هذه الروايات أن الباعث نحو السؤال ليس مجرد الاستعلام، بل إن الدافع نحو السؤال هو شدة تعلق النفوس بذلك الفرج.
و مادام هذا الفرج ممكنا لله تعالى من جهة تقديم وقته و تعجيله، فتعلق النفوس به و سؤاله من الله تعالى يمكن أن يكون مؤثراً في تعجيله ما لم يكن هناك مانع منه، فمقتضى القاعدة هو التأثير و لو من خلال التوسل إلى الله تعالى و التوجه بالدعاء له عزَّ وَ جلَّ.
قد يقال إن تأسيس الأصل لا فائدة فيه لأن المبحوث عنه في المقام ليس حكماً شرعياً لنقوم بتحديد الموقف العملي الذي يؤمن معه من التبعة السيئة عند المخالفة للواقع مما يستدعي البحث عن المؤمن، و لكن يرده أن تحديد الأصل و مقتضى القاعدة في الفروع لا يقتصر دوره على إيجاد المؤمِّن عن مخالفة الأحكام الإلزامية غير المعلومة عند فقد الدليل، بل يعم الفروع و لو لم يكن الحكم إلزامياً فيشمل الاستحباب و الكراهة، و قد تقتضي القاعدة الوجوب أو الحرمة، كذلك تشمل القاعدة الأحكام الوضعية كالصحة و الفساد في المعاملات و عدم الجزئية و عدم الشرطية في العبادات و المعاملات على حد سواء.
و يضاف إلى ذلك أن القاعدة قد تكون مؤدى دليل اجتهادي كآية أو رواية و قد تكون تطبيق أصل عملي شرعي كما في الاستصحاب و البراءة و الاحتياط و التخيير و قد تكون أصلاً عقلياً، و رجوعنا في القاعدة إلى الأصل العملي الشرعي متوقف على عدم وجود دليل اجتهادي و رجوعنا إلى الأصل العملي العقلي متوقف على عدم وجود الأصل العملي الشرعي.
و رجوعنا إلى الأصل الشرعي أو حتى العقلي في غير موارد التأمين من الأحكام التكليفية الإلزامية هو نوع تلبس بالعبودية و انقياد موجب لاستحقاق الثواب. ففائدة الرجوع إلى الأصول في موارده تتمثل في استحقاق الثواب.
و في محل كلامنا قد يقال إنه لا مجال للأصل العملي سواء كان شرعياً أو عقلياً لأننا نبحث عن أن طبيعة هذا الأمر يمكن أن يؤثر فيه البشر أو لا، و لا معنى للأصل فالأثر المبحوث عنه يمكن بشكل أو بآخر أن يرجع إلى التكوين فقد جعل الله لكل شيء سبباً.
لكن يرده:
أولاً: أن الأثر المتصور هنا قد يكون في جهة استحقاق الثواب، فمن عمل عملاً قام الدليل على أنه يؤثر في تعجيل الفرج فقد أتى بعمل مطلوب شرعاً فيكون مستحقاً للثواب، و يكفي هذا الاستحقاق أثراً للأعمال، بل هو المراد أساساً من المكلفين، و لذا عبرت الآيات عن الاستجابة و الامتثال للأوامر الشرعية بالبيع و الشراء و التجارة (1)
فَاسْتَبْشِرُوا بِِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُم بِهِ (التوبة: 111). يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ. (فاطر: 29). هَلْ أَدُلُّکُمْ عَلَی تِجَارَةٍ تُنجِیکُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِیمٍ (الصف: 10).
و ثانياً: أن ذلك ليس كالآثار التكوينية، فإن الدعاء و الاستكانة إلى الله تعالى قد تؤثر في حصول المدعو به لكنه لا يدخل تحت المؤثرات التكوينية، فاستجابة الدعاء أمر بيد الله حصراً، نعم ما كان من مقدمة من العبد قد تجعل الله يفعل مثل هذا الأمر، و هذا كالعفو و المغفرة ليس محكوماً صرفاً بيد قواعد التكوين و قوانينه.و على كل حال فإن القاعدة في المقام هي مؤدى دليل لفظي يكفي مثالاً عليه قوله تعالى:
ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ (غافر: 60). و التعجيل أمره بيده تعالى لا بيد غيره.
و بناءً عليه يمكن القول إن ظاهر الأدلة الشرعية أن الدعاء مؤثر هنا لإطلاق متعلق الدعاء في الآية الشريفة و نظائرها من الأدلة اللفظية، فيصح بناءً عليه العمل بهذه الظواهر إن لم يدل دليل على الخلاف يمنعنا من التمسك بظواهر هذه الأدلة.
1) فَلْیُقَاتِلْ فِی سَبِیلِ اللّهِ الَّذِینَ یَشْرُونَ الحَیَاةَ الدُّنْیَا بِالآخِرَةِ (النساء : 74).
فالقاعدة هنا هي إطلاق الدليل، و الأصل يراد الأصل اللفظي لا الأصل العملي. و لا ترفع اليد عنه إلّا إذا وجد المانع من الرجوع إلى هذا الأصل.
و المانع المتصور يمكن العثور عليه لو أمكن في ما توفرت عليه الروايات من بيانات لعلة الغيبة و غيرها، فلننظر إلى ما يمكن أن يكون شاهداً أو دليلاً على التأثير البشري في تعجيل الظهور أو عدمه في علل الغيبة، بضميمة الوجوه الأخرى إن وجدت.
هناك بعض من علل الغيبة قد يستدل بها على عدم دخالة المكلفين بتعجيل الظهور، و منها:
ففي رواية مسندة إلى حنان بن سدير عن أبيه عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلام قال: إِنَّ لِلْقَائِمِ مِنَّا غَيْبَةً يَطُولُ أَمَدُهَإ، فقلت له: يا بن رسول الله، و لَم ذلك؟ قال: لِأَنَّ اَللَّهَ عزَّ وَ جلَّ أَبَی إِلاَّ أَنْ تَجْرِیَ فِیهِ سُنَنٌ اَلْأَنْبِیَاءِ عَلیْهِمُ السَّلام فِی غَیْبَاتِهِمْ، وَ إنَّهُ لابُدَّ یا سَدیرُ مِن إستیفاءِ مُدَدِ غَیباتِهِم، قال تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ [ الانشقاق: 19] أی سُنَنَ مَن کانَ قَبلَکم﴾ (1)
و الذي يظهر من هذه الرواية أنه لابد من استيفاء مدد الأنبياء في غيباتهم، وهذا يعني أن ذلك غير خاضع لانعكاس فعل من المكلفين، فلا يؤثر دعاء أو توطئة و نشر الحق في تقديم زمان الحضور و الظهور.
لكن يرد عليه أن الرواية و إن ذكرت حتمية استيفاء مدد غيبة الأنبياء عَلیْهِمُ السَّلام، لكن ليس من المعلوم أن مدة غيبته عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف بمقدار مجموع مدد غيباتهم، إذ ليس ببعيد أن التحديد من جهة عدم النقصان و لا ربط لها بعدم الزيادة، فيكون
1) كمال الدين: ج 2، باب علة الغبية، ج 6.
تأثیر دعوات المؤمنين و أثر أعمال البشر- لو كانت مؤثرة- في أن لا تزيد مدة غيبته عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف عن مجموع مدد غيباتهم بمدة طويلة أو لا تتحقق أصل الزيادة.
اللهم إلّا إذا كانت جملة و إنه لابد يا سدير من استيفاء مدد غيباتهم هی نفس مضمون قوله قبل ذلك: إلّا أن تجري فيه سنن الأنبياء عَلیْهِمُ السَّلام، و تكرار له، فنفهم حينئذٍ من الجملة الثانية أيضاً أن غيبته عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف محددة بمقدار مساوي لمجموع غيباتهم عَلیْهِمُ السَّلام، و ظاهر العطف المغايرة، فتكون السنة التي تجري فيه أيضاً هي أصل الغيبة، و يشهد لذلك أن سؤال السائل كان عن علة أصل الغيبة لا عن مدتها. و تكون الجملة الثانية في مقام بيان شيء آخر و هو مقدار هذه المدة من جهة الحد الأدنى.
هذا أولاً.
و ثانياً: و هو وجه استبعادي- إنه لم يردنا عن غيبات الأنبياء ما يمكن أن يصل إلى أكثر من ألف سنة كما حصل للمولى عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف و لو بالمجموع، و لو كان الأمر كذلك لتعرضت له بعض الروايات و لم تذكر غيبة لمثل إدريس عَلیْهِ السَّلام في عشرين سنة (1)، و غيبة صالح عَلیْهِ السَّلام مدة يسيرة (2)و ظاهر الرواية أنه لم يمكث طويلاً فقد عاد إلى نفس الجيل الذي عرفه قبل ذلك و لكن مع تغير الهيأة فأنكره الكثير منهم، و إبراهيم عَلیْهِ السَّلام لكن ما نقله الصدوق رَحِمَه اللهُ من الروايتين في كمال الدين غير ظاهرتين في غيبته، و غيبة يوسف عَلیْهِ السَّلام عن أهله، و غيبة موسى عَلیْهِ السَّلام و قد ذكرت رواية أن مدة غيبته ثمان و عشرون سنة (3)، و تحدثت رواية طويلة عن غيبة للوصي الحادي عشر بعد يوشع بن نون و غيره من بني إسرائيل) (4)
لكن مجموع تلك الغيبات لا يقارب غيبة الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف في طول المدة، و لو كان ثمة غيبة طويلة لتعرضت لها الروايات، و في ذلك شهادة على أن مدة الغيبات السابقة هي الحد الأدنى في الطول الغيبة الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف.
و إنما قلنا إنه وجه استبعادي، لأن الحكمة اقتضت أن لا يعلم الشيعة و لو إجمالاً بطول هذه الغيبة و إلّا كان ذلك باعثاً على اليأس و طول الأمد و هو على خلاف ما ورد عن الإمام الكاظم عَلیْهِ السَّلام من أن الشيعة تربى بالأماني.
و إذا أمكن أن يكون هذا الوجه لبيان الحد الأدنى للغيبة فهو لا يدل على عدم دخالة الخلق في التعجيل لظهوره عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف بتوسل و دعاء أو بإيجاد مقدمات قد تعجل الظهور.
في رواية مستدة عن عبد الله بن الفضل الهاشمي قال: سمعت الصادق جعفر بن محمد عَلیْهِما السَّلام يقول: إنّ لِصاحبِ هذَا الأمرِ غَیبةً لابُدَّ مِنها، یَرتابُ فیها کلُّ مُبطل، فقلت له: و لَم جعلت فداك؟ قال: لِأَمْرٍ لَمْ یؤْذَنْ لَنَا فِی کَشْفِهِ لَکُمْ، قلت: فما وجه الحكمة في غيبته ؟ فقال: وَجْهُ الْحِكْمَةِ فِي غَيْبَتِهِ وَجهُ الْحِكْمَةِ فِي غَيَابَ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنْ حُجَجِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُه ، إِنَّ وَجْهَ الْحِكْمَةِ في ذلك لَا يَنْكَشِفُ إِلَّا بَعْدَ ظُهُورِهِ، كَما لَا يَنْكَشِفْ وَجْهُ الْحِكْمَةِ لِما أَتَاهُ الخصْرُ مِنْ خَرْقِ السَّفِينَةِ، وَ قَتْلِ الْغُلامِ، وَ إِقَامَةِ الْجِدارِ لِموسى ، إِلَّا وَقْتَ افْتِراقِهِما.يَا بن الفَضلِ، إِنَّ هَذَا الأمرَ أَمْرٌ مِنْ أمرِ اللهِ، و سِرٌّ من سرِّ اللهِ، و غَيبٌ مِنْ غَيْبِ اللهِ، و متي عَلِمنا أَنَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ حكيمٌ صَدَّقنا بِأَنَّ أَفعالَهُ كُلَّها حِكمَةٌ، و إِنْ كانَ وَجْهُها غَيْرَ مُنكَشَفٍ لنا (1)
وجه الدلالة أنه لو كان للناس دور في ذلك لكان مما أراده الشارع المقدس و لو أراده لبينه، و لمّا قال الإمام عَلیْهِ السَّلام إنه سر لا ينكشف إلّا بعد ظهوره، علمنا أنه ليس مما يمكن أن يعجل في الظهور بفعل من أفراد الأُمّة.
1) كمال الدين: ج 2، ب 44، ح 11.
فإن قلت: قد تمنع بعض الموانع من بيان ذلك، كأن يتقي الإمام سلطان زمانه و زبانيته فلا يصرح بما ينبغي للناس أن يفعلوه لأجل تعجيل الفرج بظهوره عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف.
قلت: إن ذلك مندفع أولاً بأنه عَلیْهِ السَّلام بيَّن أنه لا ينكشف هذا السر إلّا بعد الظهور، و هذا يعني أن المسألة غير مرتبطة بمانع خاص في ظرف خاص، و إلّا لقال لا ينكشف إلّا بعد حين. و ثانياً: أن الروايات التي تعرضت لما يراد من المؤمنين في الغيبة حدوث ذلك بالسكون و الثبات على ما كانوا عليه. فهي بالتالي لا تريد فعلاً معيناً من المكلفين بل تريد عدم التحرك.
لكن يرد على هذا الوجه: أن الحكمة قد اقتضت أصل الغيبة و بقائها لمدة، و هذا المقدار يبدو أنه لا دخالة للناس فيه، و ذلك لا يمنع من أن هناك تأثيراً لأعمال العباد في إطالة هذه المدة و اختزالها. فيكون لتلك المدة حد أدنى، و لم تتعرض الرواية للحكمة فيه و أمرتنا بالسكون في مدة الغيبة، لأن بني النوع قد خلقوا مع الاستعجال الذي قد يرجع سببه إلى ضيق قدرة الإنسان على التحكم بالأمور فيخشى فوات شيء يريده فيستعجل عليه، و إنما يعجل من يخاف الفوت.
و لو كانت الروايات قد بينت الحكمة من الغيبة بنحو قد يلوح منها أنها طويلة، فإن ذلك سينعكس إحباطاً على الأتباع و يأساً عند كثير منهم بكل ما لذلك من تبعات فكان الأولى ترك بيان الحكمة.
و أمّا الأمر بالسكون فلأن ذلك كان بمثابة عنصر موازنة للناس في مقابل حالة الاستعجال التي فطروا عليها و ليست في مقابل أيّ تحرك لإقامة الحق، و لذا لم يفهم الكثير من فقهاء زماننا أن إقامة دولة الحق و النهوض بأعباء الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و تجييش الجيوش و محاربة الكفار و جيوش التطرف مخالف للشريعة، و قد أفتى الفقهاء بمقاتلة الا نكليز في أوائل القرن العشرين
و مقاتلة اليهود و مقاتلة التيارات السلفية المتعجرفة، مما يعني أن الروايات التي أمرت الشيعة بأن يكونوا أحلاس دورهم و أن يسكنوا ما سكنت السماء و الأرض لم يُرَد منها عدم الحركة مطلقاً و بشكل جدي.
فلا تنافي هذه الروايات دليلاً دل على تأثير البشر في تعجيل فرج الإمام الثاني عشر عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف.
من جملة ما ذكرته الروايات في مقام تعليل الغيبة أن الله تعالى علم أن في أصلاب الكافرين من هو مؤمن، و أن الإمام لا يظهر إلّا إذا أخرج هؤلاء المؤمنين، أي إلّا بولادتهم و خروجهم من أصلاب الآباء، ففي مرسلة ابن أبي عمیر عمّن ذكره عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلام قال: قلت له: ما بال أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام لم يقاتل مخالفيه في الأول؟ قال: لآية في كتاب الله عزَّ وَ جلَّ ﴿لَوْ تَزيلُوا لَعَذَّبُنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أليماً [الفتح: 25]، قال: قلت: و ما يعني بتزايلهم؟ قال: ودائع مؤمنون في أصلاب قوم كافرين، فكذلك القائم عَلیْهِ السَّلام لن يظهر أبداً حتى تخرج و دائع الله عزَّ وَ جلَّ، فإذا خرجت ظهر على من ظهر من أعداء اللهعزَّ وَ جلَّ فقتلهم (1)
و واضح أن المؤمنين لا فعل لهم لكي تخرج تلك الودائع من أصلاب الكافرين: فلو كانت هذه هي علة التأخير لما كان للمؤمنين ربط بخروج المؤمنين من أصلاب الكافرين، بل حتى لو وجدت علل أخرى للغيبة و تأخيرها لم يمكن التأثير في تعجيل الفرج، اللهم إلّا بعد خروج الودائع.
لكن من قال إن الودائع ستبقى إلى آخر الأجيال؟
و بتعبير آخر: هذه الرواية تقول لا يخرج الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف حتى تخرج الذراري الطاهرة من الأصلاب الكافرة، و تلك مقدمة لها وقتها المحدد، إذ من البعيد
1) كمال الدين: ج 2، ب 54، ح 1.
أن الدعاء يخرج أجيالاً أو أفراداً من أجيال قبل زمانها من خلال الاستجابة إلّا أن ذلك لا يستدعي عدم دخالة البشر في التعجيل، لأن مجرد كون الظهور بعد التزايل لا يعني الفورية بعده. فقد يكون تأثير الدعاء في أن لا يتأخر الظهور بعد التزايل بمدة طويلة.
و يرد هذا الكلام أن الرواية قالت في فقرتها الأخيرة: فَإِذَا خَرَجَتْ ظَهَرَ عَلَی مَنْ ظَهَرَ مِنْ أَعْدَاءِ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ، و ظاهرها أنه عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف سيظهر بمجرد التزايل، و وجه هذا الظهور قوله: «فإذا» الشرطية.
فالأولى في رد هذا الوجه أن يقال: إن الرواية قد صدرت و فيها احتمال قوي أنها من باب أُمِرْنَا أَنْ نُكلِّمَ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ، فإنه ينبغي ملاحظة بقية الروايات الواردة في بيان علة الغيبة، إذ بعضها قال لأجل الابتلاء، و الآخر قال إنه سر لا ينكشف إلّا بظهوره و غير ذلك، و ليس إخراج المؤمنين من أصلاب الكافرين سراً يفترض أن لا ينكشف، كما أن التقية و خوف الذبح الذي تكثرت الروايات في أنه علة للغيبة، بل هو أكثر العلل وروداً في الروايات، بل مجموع الروايات الواردة في بيان علل الغيبة الأخرى لا يصل إلى عدد ما ورد منها في تحديد خوف الذبح، و أن لا تكون الأحد بيعة في عنقه، و هذه لا علاقة لها بظهور الودائع، مضافاً إلى أن ظهور الودائع مرتبط بالظهور و هو انتهاء الغيبة و التقية، و عدم البيعة مرتبط بأصل الغيبة و علة لها.
إن أصل غيبة الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف من القضاء المحتوم الذي لم يتغير و لم يتبدل و ظهوره و إقامة دولة الحق كذلك، فهي من وعد الله و الله لا يخلف الميعاد، لكن وقت الظهور الذي نبحث عن دخالة البشر فيه قد يشكل في كونه مما لهم دخالة فيه من جهة أن الناس قد دعت بحصول ذلك دهراً و دعا المعصومون عَلیْهِمُ السَّلام بأن يعجل الله به و لم يحصل، و هذا قد يكون قرينة على أنه ليس مما للناس و دعائهم دخالة فيه.
و لا يرد هنا ما حاصله: كيف لا تكون للناس دخالة فيه و لو من خلال الدعاء و المفروض أن المعصومين عَلیْهِمُ السَّلام قد دعوا الله تبارك و تعالى أن يفعله (1)
قال: أليس قد دعوت لنفسك جعلت فداك؟ قال: دعوت لنور آل محمد و سابقهم و المنتقم بأمر الله من أعدائهم [ مكيال المكارم: ج 2، ص 10].
و ما ورد عن الحجة عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف أنه عند ولادته دعا في حال السجود بقوله: اللَّهُمَّ أنْتَ ثِقَتی وَ رَجَائی فَاکْفِنِی مَا أهَمَّنِی وَ مَا لَمْ یُهِمُّنی وَ مَا أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنّی، عَزَّ جَارُکَ وَ جَلَّ ثَنَاؤُکَ وَ لَا إله غَیْرُکَ صَلِّ عَلَی مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ وَ عَجِّلْ فَرَجَهُمْ الخبر [مكيال المكارم: ج 2، ص 26].
؟ إذ ادعاء المعصوم عَلیْهِ السَّلام دليل على أن المدعو به مما يمكن أن يحققه الله تعالى عندما يدعوه عباده له.قلنا:
أولاً: يكفي في الدعاء الاحتمال و لا دليل على ضرورة علم المعصومين عَلیْهِمُ السَّلام بمفردة كون وقت الظهور حتمياً أو لا. خصوصاً و أنها مفردة مستقبلية، و لا يجري من أدلة علم المعصومين عَلیْهِمُ السَّلام بالحوادث دليل وساطة الفيض و لا دليل كونهم شهوداً على الناس، فإنهما مرتبطان بالحاضر لا بالمستقبل، على أنهم إن علموا بزمان ظهوره لم يكن ضرورياً أن يعلموا أنه مما يمكن أن يحصل البداء فيه أو أنه بخصوص مدته من القضاء المحتوم.
ثانياً: أن دعاء المعصوم عَلیْهِ السَّلام لا يمكن أن يتعلق بأمر تعلق القضاء المحتوم بخلافه، فلا يكون الدعاء مستجاباً و القرآن شاهد فإن موسى عَلیْهِ السَّلام و هو من
1) و من أمثال ذلك: ما ورد عن الإمام الصادق عَلیْهِ السَّلام في رواية عباد بن محمد المدائني، قال: دخلت على أبي عبد الله بالمدينة حين فرغ من مكتوبة الظهر و قد رفع يديه إلى السماء و هو يقول: أي سامع كل صوت، أي جامع كل قوت، أي باري كل نفس بعد الموت... أسألك بحقك على خيرتك من خلفك و يحقهم الذي أو جيت على نفسك أن تصلي على محمد و أهل بيته و أن تمن علىَّ الساعة يفكاك رقبتي من النار، و أنجز لوليك و ابن نبيك الداعي إليك بإذنك و أمينك في خلقك و عينك في عبادك و حجتك على خلقك عليه صلواتك و بركاتك و عده، اللهم أيّده بنصرك و انصر عبدك و قوِّ أصحابه و صبرهم و افتح لهم من لدنك سلطاناً نصيراً و عجل فرجه و أمكنه من أعدائك و أعداء رسولك يا أرحم الراحمين.
أولي العزم من الرسل حين دعا الله تعالى أن ينظر إليه جاء النفي الإلهي بما يفيد التأييد إذ استعمل كلمة (لن).
وَ لَمَّا جاءَ مُوسى لمِيقاتِنا وَ كَّلْمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أرني أنظرُ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرانِي وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَل جَعَلَهُ دَكَّا وَ خَرَّ مُوسى صَعقا (الأعراف: 143). و ليس هذا الطلب من باب الإثبات لبني إسرائيل أن ما طلبوه من أن يروا الله جهرة غير ممكن كما دلت عليه الآية الشريفة: وَ إِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ 55 ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (البقرة: 55- 56).
فتلك واقعة أخرى، لأن طلب الرؤية من موسى عَلیْهِ السَّلام له قد كان في ذهابه لميقات ربه و هو غير ذهابه مع طائفة من قومه، و قد بين الله تعالى أن تجليه لشيء من خلقه غير قابل للتحقق فقال تعالى:لَنْ تَراني وَ لكِن انْظُر إلى الْجَبَل فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرافِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَل جَعَلَهُ دَا وَ خَرٌ مُوسى ضَعِقاً فَلَمَّا أفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ( البقرة: 143)
و لسنا بصدد إثبات أن موسى عَلیْهِ السَّلام للطلب أن يرى الله ببصره ليقال كيف لنبي عظيم مثله أن يقوته أن الله تعالى لا تدركه الأبصار، بل نقول إن موسى عَلیْهِ السَّلام طلب شيئاً من الله عبّر عنه بالنظر إليه و الله تعالى نفى ذلك يا يفيد التأييد.
لكن الأولى في الجواب أن يقال إن دعاءهم عَلیْهِمُ السَّلام بذلك مع عدم تحقق الظهور لا يعني عدم الاستجابة ليستفاد من عدم استجابة المعصوم أن المدعو به لا يقبل البداء لأنه من القضاء المحتوم، إذ قد يكون ما كتب في اللوح من تاريخ اقتضائي أبعد مما سيتحقق فيه و بدعائهم قد قرب الموعد فلا دليل على عدم ترتب الأثر على دعائهم عَلیْهِمُ السَّلام.
و قد دعا النبي إبراهيم عَلیْهِ السَّلام ببعثة نبي:
رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتاب وَ الحِكْمَةَ وَ يُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الحكيمُ (البقرة: 129). و استجاب الله له دعوته ببعثة النبي صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم بعد دهر طويل قد يقرب من ألفي سنة.
و قد دعا موسى عَلیْهِ السَّلام على فرعون و قومه:
وَ قالَ مُوسى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَ مَلَاهُ زِينَةً وَ أَمْوالاً في الحياة الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اظمِسُ عَلى أَمْوَالِهِمْ وَ اشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذاب الأليم (يونس: 88). و أخبره الله تعالى بأنه استجاب دعوتهما:
قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيمَا وَ لا تَتَّبِِعانُ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يعْلَمُونَ (يونس: 89) و جاء في كتاب الخصال عن زرارة عن أبي جعفر عَلیْهِ السَّلام قال: أَمْلَى اللَّهُ [أي أمهله] تعالی لِفِرْعَوْنَ مَا بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ أَرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ أَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَ الْأُولى، وَ كَانَ بَيْنَ أَنْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِمُوسَى وَ هَارُونَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما وَ بَيْنَ أَنْ عَرَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْإِجَابَةَ أَرْبَعونَ... الخبر (1)
و في أصول الكافي عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلام قال: بين قول الله عزَّ وَ جلَّ قَدْ أُجِيبَت دَعْوَتُكُمَا وَ بَیْنَ أُخِذَ فِرْعَوْنُ أَرْبَعِینَ (2عاماً) (3)
و حين دعا نوح عَلیْهِ السَّلام بإهلاك قومه و قال:
وَ قالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَدْرُ عَلَى الأرضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيَّاراً ، إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ
يُضِلُّوا عِبادَكَ وَ لا يَلِدُوا إِلَّا فاجراً كفاراً (نوح: 26-27). لم تتحقق له الاستجابة إلّا بعد عشرات السنين.
فعن تفسير القمي بسند تام عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلام قال: بقي نوح في قومه ثلاث مائة سنة يدعوهم إلى الله فلا يستجيبون، فهمْ أن يدعو عليهم فوافاه عند طلوع الشمس اثنا عشر ألف قبيل من قبائل ملائكة سماء الدنيا و هم العظماء من الملائكة فقال لهم نوح: ما أنتم؟ فقالوا: نحن اثنا عشر ألف قبيل من قبائل ملائكة السماء الدنيا... فلما أتى عليهم تسع مائة سنة و لم يؤمنوا همَّ أن يدعو عليهم فأنزل الله عَزَّ وَ جَلَّ ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَنِسُ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ [هود: 36]، فقال نوح: رَبِّ لا تَذَرُ عَلَى الْأَرضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَ لا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً [نوح: 26- 27]، فأمره الله عَزَّ وَ جَلَّ من أن يغرس النخل فأقبل بغرس النخل فکان قومه يمرون به فيسخرون منه و يستهزؤون به و يقولون: شيخ قد أتى له تسع مائة سنة يغرس النخل و كانوا يرمونه بالحجارة، فلما أتى لذلك خمسون سنة و بلغ النخل و استحكم أمر بقطعه و سخروا منه و قالوا: بلغ النخل مبلغه، إن هذا الشيخ قد خرف و بلغ منه الكير...»الخبر (1)
و هناك روايات أخرى دلّت على أن استجابة الله تعالى لدعوة نوح عَلیْهِ السَّلام قد حصلت بعد مدة مديدة من دعائه عَلیْهِ السَّلام.
مضافاً إلى أن دعاءهم عَلیْهِ السَّلام بتعجيل الفرج و هو بحث مؤجل قد يكون دليلاً على أنه أمر قابل للحصول.
في الرواية عن أبي لبيد المخزومي قال: قال أبو جعفر عَلیْهِ السَّلام: يَا بَا لَبِيدٍ إِنَّهُ يَمْلِكُ مِنْ وُلْدِ الْعَبَّاسِ إِثْنَا عَشَرَ تُقْتَلُ بَعْدَ الثَّامِنِ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ، تُصِبُ أَحَدَهُمُ
1) تفسير القمي: ج 2 ،ص 468، طبعة مؤ سسة الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف
الذبحة فيذبحه، هم فئة قصيرة أعمارهم، قليلة مدتهم، خبيثة سريرتهم، منهم الفويسق الملقب بالهادي و الناطق و الغاوي.يا أبالبيد، إن في حروف القرآن المقطعة لعلماً جماً، إن الله تعالى أنزل ﴿اَلَمْ © ذلِكَ الْكِتابُ [البقرة: 1- 2]، فَقَامَ مُحَمَّدٌ صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم حَتَّی ظَهَرَ نُورُهُ وَ ثَبَتَتْ کَلِمَتُهُ وَ وُلِدَ یَوْمَ وُلِدَ وَ قَدْ مَضَی مِنَ اَلْأَلْفِ اَلسَّابِعِ مِائَةُ سَنَةٍ وَ ثَلاَثُ سِنِینَ﴾. ثُمَّ قَالَ: وَ تِبْیَانُهُ فِی کِتَابِ اَللَّهِ فِی اَلْحُرُوفِ اَلْمُقَطَّعَةِ إِذَا عَدَدْتَهَا مِنْ غَیْرِ تَکْرَارٍ، وَ لَیْسَ مِنْ حُرُوفٍ مُقَطَّعَةٍ حَرْفٌ یَنْقَضِی إِلاَّ وَ قِیامٌ قَائِمٌ مِنْ بَنِی هَاشِمٍ عِنْدَ اِنْقِضَائِهِ.
ثُمَّ قَالَ: اَلْأَلِفُ وَاحِدٌ وَ اَللاَّمُ ثَلاَثُونَ وَ اَلْمِیمُ أَرْبَعُونَ وَ اَلصَّادُ تِسعونَ، فَذَلِکَ مِائَهٌ وَ إِحْدَی و سِتُّونَ، ثم كان بدو خروج الحسين بن علي عَلیْهِ السَّلام ﴿اَلَمْ*الله فلما بلغت مدته قام قائم ولد العباس عند المص، و يقوم قائمنا عند انقضائها ب الر فافهم ذلك و عه و اكتمه﴾ (1)
و الخبر فيه مجموعة من النقاط الغامضة، و التحديدات التي لا يقبل بظاهرها فلابد من التأويل، هذا مضافاً إلى الإشكال في تحديد ظهور الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف ب الر و قد ذكر المجلسي وجوهاً في دفع الشبهة بعضها أسقطه مرور السنين المحددة دون ظهور الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف، أي أن الواقع التاريخي أثبت بطلانه.
لكن الذي يهم أن الرواية دلت على وجود تاريخ محدد لظهور الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف، و التحديد ظاهره الثبات و عدم التغير، فلا يكون لأعمال العباد دخالة في تغييره.
هذا ما قد يستظهر من هذا الحديث، و سلامة هذا الظهور في الاحتجاج مرهون بعدم قيام قرينة على خلافه، فإذا تم الدليل على دخالة البشر في الظهور أمكن رفع اليد عن ظاهر هذا الحديث و لو من خلال الالتزام بأن ذلك في حدود الاقتضاء، و الواقع بعد ذلك يتعين في حدود الاقتضاء ما لم
1) بحار الأنوار: ج 52، ص 106.
يتحقق المانع أو يرتفع الشرط، و يمكن أن تكون أعمال العباد فعلاً أو تركاً من الموانع.
و هذا يعني أننا سننتظر إلى حين البحث في أنه يوجد دليل مخالف أو لا.
هناك وجوه متعددة يمكن الاستناد إليها لإثبات أن للناس دخالة في إنهاء مدة الغيبة، و هذا يعني تحملهم مسؤولية الإتيان بما يعجل الظهور و يرفع موانعه و سنحاول استعراضها و مناقشة ما لا نرى أنه تام منها.
هناك جملة من الروايات التي تحدثت عن موعد أولي للفرج و تجاوزته الإرادة الإلهية لتقصير من الناس.
فعن الطوسي في الغيبة عن الفضل بن شاذان عن محمد بن علي عن سعدان بن مسلم عن أبي بصير، قال: قلت لأبي عبد الله عَلیْهِ السَّلام: ألهذا الأمر أمد نريح إليه أبداننا و تنتهي إليه؟ قال: بلى، و لكنكم أذعتم فراد الله فيه (1)
و في صحيحة الثمالي قال: قلت لأبي جعفر عَلیْهِ السَّلام: إن علياً عَلیْهِ السَّلام كان يقول: إِلَی اَلسَّبْعِینَ بَلاَءٌ، وَ کَانَ یَقُولُ: بَعْدَ اَلبلاء رَخَاءٌ، وَ قَدْ مَضَتِ اَلسَّبْعُونَ وَ لَمْ نَرَ رَخَاءً، فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عَلَیْهِ السَّلاَمُ: یَا ثَابِتُ، إِنَّ اَللَّهَ کَانَ وَقَّتَ هَذَا اَلْأَمْرَ فِی اَلسَّبْعِینَ، فَلَمَّا قُتِلَ اَلْحُسَیْنُ عَلَیْهِ السَّلاَمُ اشتد غَضِبَ اَللَّهُ عَلَی أَهْلِ اَلْأَرْضِ فَأَخَّرَهُ إِلَی اَلْأَرْبَعِینَ وَ مِائَةِ سَنَةٍ فَحَدَّثْنَاکُمْ فَأَذَعْتُمُ اَلْحَدِیثَ وَ کَشَفْتُمُ قِنَاعَ اَلسِّرِّ فَأَخَّرَهُ اَللَّهُ وَ لَمْ یَجْعَلْ لَهُ بَعْدَ ذَلِکَ وَقْتاً عِنْدَنا، وَ یَمْحُوا اَللّهُ ما یَشاءُ وَ یُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ اَلْکِتابِ، قَالَ أَبُو حَمْزَةَ: وَ قُلْتُ ذلک لِأَبِی عَبْدِ اَللَّهِ عَلَیْهِ السَّلاَمُ،فقال: قد كان ذلك (2)
و عن إسحاق بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله عَلیْهِ السَّلام يقول: قَدْ کَانَ لِهَذَا
اَلْأَمْرِ وَقْتٌ وَ کَانَ فِی سَنَةِ أَرْبَعِینَ وَ مِائَةٍ، فَحَدَّثْتُمْ بِهِ وَ أَذَعْتُمُوهُ فَأَخَّرَهُ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ (1) دلت هذه الروايات على أن قيام دولة الحق ليس مرهوناً بحضور أجل معين و زمان خاص بنحو لا يقبل التغيير، و إنما هو أمر له مقتضيه الذي قد يتبدل كما و حصل أن تبدل لمرة أو مرتين كما ذكرت الروايات، و علة التغير سوء تصرف من الأتباع من خلال إذاعة ما أمروا بكتمه و عدم إظهاره.
فإن قلت: كيف كان له زمان بعد السبعين أو المائة و الأربعين مع أن الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف حامل راية الحق و قائد دولة العدل لم يكن مولوداً في أي من الموعدين، و الأئمة عَلیْهِمُ السَّلام يعلمون أنه لابد من أن يتم عقد الإمامة بجواهره الاثني عشر؟ ألا يعتبر إخبارهم بحضور الموعد ثم تأجيله منافياً لذلك العلم؟
قلنا: لا توجد منافاة إذ كان الأجل الأولي الذي تبدل أجلاً بنحو الاقتضاء و هو لا ينافي علم الأئمة عَلیْهِمُ السَّلام بأنه سيتحقق المانع الذي هو الإذاعة.
فيكون الغرض من هذا الإخبار المتأخر عن واقع التغيير في التقديرات بيان أنكم أيها الموالون قد يكون لكم دور في التأخير في صورة صدور تقصير ما منكم أو تقصير معين. و هذا هو الذي أردنا الوصول إليه. إذن لا تنافي بين علمهم بأن المقدر النهائي قيام دولة حق متأخرة زماناً و بين إخبارهم عَلیْهِمُ السَّلام بأن هناك أجل مقدر قد فات.
كما لا مشكلة في صدور هذا الإخبار من جهة اللغوية أو العبثية، إذ إن هذا الإخبار قد ترتبت عليه فائدة. و هي اطِّلاع أفراد الأُمّة بأن بعض ما يواجههم من مفردات سيئة كتأخير الفرج آثار تقصیر صدر منهم. و هي في الضمن دعوة لنبذ التقصير.
و يبدو أن السائلين في الروايات المتعددة كانوا يسألون عن أمر محدد لهم علم إجمالي به إلّا أنهم لم يعلموا وقته، و هذا الأمر المحدد هو قيام القائم من آل محمد صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم.
1) بحار الأنوار: ج 52، ص117.
فعن المحاسن مسندة إلى عبد الحميد الواسطي قال: قلت لأبي جعفر عَلیْهِ السَّلام: أصلحك الله، و الله لقد تركنا أسواقنا انتظاراً لهذا الأمر حتى أو شك الرجل منا يسأل في يديه، فقال: يا عبد الحميد أترى من حبس نفسه على الله لا يجعل الله له مخرجاً؟ بلى و الله ليجعلن الله له مخرجاً، رحم الله عبداً حبس نفسه علينا، رحم الله عبداً أحيى أمرنا، قال: قلت: فإن مت قبل أن أدرك القائم؟ فقال: القائل منكم إن أدركت القائم من آل محمد نصرته، كان كالمقارع معه بسيفه، و الشهيد معه له شهادتان (1)
و واضح من القسم الأخير من الرواية أن الأمر المنتظر هو قيام القائم، و قائمهم هو آخرهم.
ويلوح ذلك أيضاً من رواية الفضيل، قال: سألت أبا عبد الله عَلیْهِ السَّلام عن قول الله عزَّ وَ جلَّ: يَوْمَ نَدْعُوا كل أناس بإمامهم [الإسراء: 71]، فقال: يا فضيل اعرف إمامك فإنك إذا عرفت إمامك لم يضرك تقدم هذا الأمر أو تأخر، و من عرف إمامه ثم مات قبل أن يقوم صاحب هذا الأمر، كان بمنزلة من كان قاعداً في عسكره لا بل بمنزلة من كان قاعداً تحت لوائه (2)
فصاحب هذا الأمر معلوم إجمالاً للرواة و أصحاب الأئمة عَلیْهمُِ السَّلام.
و هناك روايات أخرى يمكن أن يستفاد منها ذلك، لم نذكرها للاختصار.
و يضاف إلى ذلك أنه يعد التأمل في الروايات التي نقلت لنا السؤال عن القائم لم يتضح منها أنه كان محدداً بشخص الإمام الأخير منهم صلوات الله عليهم، و ليس ببعيد أن يكون قد وصل إلى الناس أن في قادم الأيام دولة حق يقودها إمام حق هذا هو المعلوم لديهم و أمّا أنه آخر الأئمة عَلیْهِمُ السَّلام فلا دلالة في الروايات عليه.
لو صح هذا فإنه لا يلغي عشرات الروايات في تحديد العدد ثم إن نفس الحديث متواتر عند كل الفرق.
قد يستند هنا إلى ما يذكر من بعض وجوه ضرورة وجود الإمام أو الحجة في كل زمان، و من ذلك قاعدة اللطف. فإن الله تعالى لطيف بعباده مادام عندهم القابل المستعد، و لطفه هذا اقتضى بعث الأنبياء.
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ وَ الحِكْمَةَ وَ إنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِين (الجمعة: 2). و كل نفس هي ساحة تدافع و نزاع بين نوازع الشر و بواعث الخير، و دفع العواطف و الغرائز و إرشاد العقل ، و لا ينتهي هذا الصراع إلّا بطي صفحة النشأة الدنيوية، و أشد الطرفين تأثيراً عاطفة الإنسان حتى مع كل مفردات لطف الله تعالى و عنايته.
و ما أكثرُ النَّاسِ وَ لَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (يوسف: 103). و دائرة فهم الإنسان محدودة لا تتيح له الإحاطة بكل ما ينفعه أو يضره شخصاً أو نوعاً، فاقتضى ذلك أن يوجد من يمكن أن يكون هادياً إلى الله بإذنه و سراجاً منيراً، و قد نجد ذلك في شخص النبي في زمانه. و بعد رحلة النبي إلى جوار ربه كان لابد في كل زمان من حجة الله تعالى و هو الإمام، و اللطف يقتضي أن يكون الإمام ظاهراً يمكن الوصول لمن أراد أن يذكر.
و إنما ساعت غيبة الإمام مع أن اللطف يلزم بوجوده الظاهر لا لتعطيل في اللطف بل ما اقتضاه اللطف تحقق و لكن الله تعالى ربط عدم غيبته بعدم تقصير الناس. و حينما غاب مع تقصير الناس لم يتعطل اللطف عن مقتضاه إذ مقتضاه أن الله يظهره إن لم يقصر الناس، و أما مع تقصيرهم فالمانع منع من تحقق المقتضى.
و هذا يعني أنه متى ما ارتفع المانع تعين أن يترك المقتضي أثره و هو ظهور الإمام عَلیْهِ السَّلام و انقطاع غيبته. فاستقامة الناس معجلة لظهور الإمام بل موجبة له وفق هذا الاستدلال.
و لكن هذا الاستدلال مخدوش ب-:
أولاً: التشكيك في اقتضاء اللطف لضرورة وجود إمام في كل زمان أو حجة على مر العصور من زمان آدم عَلیْهِ السَّلام إلى زماننا كما هو مقتضى الدليل، إذ لقائل أن يقول: لِمَ لم يقتض اللطف أن يظهر الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف كل هذه القرون المتمادية فهو غائب يعسر الاتصال به إلّا للأندر، فمن غير المعلوم أن يقتضي اللطف أصل وجوده. و نحن نتحدث عن ضرورة ثبوته اقتضاءً للطف، و إلّا فوجوده بالنسبة لنا حقيقة لا تقبل التشكيك، و الأدلة جعلت ذلك أوضح من الشمس و أبين من الأمس، كما لا شك عندنا في أن غيبته موافقة للحكمة الإلهية.
ثانياً: لقائل أن يقول إن أكثر نقاط العالم من أول رحلة النبي صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم لم يكن لها الاتصال بالإمام علي عَلیْهِ السَّلام و لم يخطر ببالها وجود وصي له، بل لم تسمع بوجود النبي الخاتم صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و استمر الأمر لقرون في الأُمم النائية، فلم يكن العالم قد اكتشف الأمر يكتين و لا استراليا و لا الجزر النائية كهاو اي و أمثالها، فلم يقتض اللطف اتصال الإمام بهم فضلاً عن النبي الأكرم صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم.
و لا شك أن المستدل باللطف لم يقصد أن الإمام يؤثر تكويناً في تقريب الناس للطاعة و إبعادهم عن المعصية، و إلّا ورد عليه أن ذلك لا يقتضي وجود الإمام في هذه النشأة، فالمؤثرات التكوينية ليست كلها من هذه النشأة، فأهل البيت عَلیْهِمُ السَّلام مؤثرون في التكوين رغم انتقالهم إلى الدار الآخرة.
و الملائكة مؤثرون رغم أنهم ليسوا من عالم الطبيعة، و قد شهد القرآن بذلك بقوله تعالى:
فَالْمُدبّرات أمراكم (النازعات: 5).
لكن الاستدلال باللطف على ضرورة وجود الإمام كلامي، و المتكلمون لا يقولون بوجود عالم سوى عالم الواجب و عالم المادة و الطبيعة، و لذا فالنقض عليهم بوجود مؤثرات تكوينية غير عالم الطبيعة ليس في محله.
و ثالثاً: وجود شواهد في الكتاب على خلاف هذه القاعدة و مقتضاها، كقوله تبارك و تعالى:
يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أن تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَ لا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَ نَذِيرٌ وَ اللَّهُ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (المائدة: 19). فالقرآن الكريم يشهد بأنه قبل النبي صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم بفترة لم يكن بشير و لا نذير، فلا يقال إن الآية نفت وجود رسول و لم تنف وجود حجة، فإن الآية الشريفة :قالت: أن تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَ لا نَذِيرٍ و لو كان هناك نبي أو حجة لما كان المناسب أن يقول تعالى ذلك لأهل الكتاب.
على أنه قال عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ و لم يقيد الرسل بالظاهرين، و قوله: مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍٍ وَ لَا نَذِيرٍٍ يعمم الحكم للحجة مطلقاً و لو لم يكن رسولاً.
مضافاً إلى أنه تعالى قال في سورية يس:
لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (يس: 6). فلو كان اللطف يقتضي وجود المنذر في كل زمان، فلمَ لم يقتض ذلك في الآباء؟
و قد يقال بأن قوله تعالى:
كانَ النَّاسُ أمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمْ الْكِتابَ بِالْحَقِّ (البقرة: 213) ظاهر في أن الناس كانوا ملة واحدة كافرة ثم بعد ذلك بعث الأنبياء، فاللطف لم يقتض بعثة الأنبياء قبل ذلك.
لكن يرده أن تتمة الآية تنفي ذلك لأنها قالت بعد ما نقلناه مباشرة لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَ مَا اخَتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيْناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ.
ففئة منهم كانت تعرف الحق و إنما دعاهم البغي إلى الاختلاف، مضافاً إلى أن حاجات الناس كانت محدودة فلا يحتاج الإنسان إلى المزاحمة مع الآخرين و الاختلاف انطلاقاً من اختلاف الرؤى و النزعات،ليشمل النزاع مساحة واضحة فاحتاج التوسع في تسخير الأشياء عند الناس إلى قانون ينظم حقوقهم و يحكم بينهم به.
و نحن لا نشك أن النبوة كانت قرينة انطلاقة هذا النوع البشري على الأرض، فآدم عَلیْهِ السَّلام نبي و ابنه شيث نبي و هكذا.
فالآية لا شهادة فيها على أنه لم يكن للناس نبي، لذا كانوا أُمة واحدة على الكفر، بل هي ناظرة إلى بساطة الحياة التي اقتضت انحسار مساحة الاختلاف، و حين بدأت بالتطور اتَّسعت هذه المساحة فاحتاج الناس إلى تشريعات تنظم الحقوق و هذه هي التي جاء بها الأنبياء.
و إنّما قلنا إن القرآن الكريم يشهد و لم نقل يدل، لأن دلالته إن تمت فهي في حدود الظهور، و حجية الظهور منوطة بعدم قيام القرينة على الخلاف، و مما يمكن أن يكون قرينة على الخلاف الدليل العقلي القطعي، فإذا تم دليل اللطف استلزم ذلك سقوط ظهور الأدلة و لو كانت قرآنية عن الحجية في ما خالف مقتضى ذلك الدليل، فالمشكلة في دليل اللطف و تطبيقه هنا أنه غير تام في نفسه، و عدم تمامه في نفسه يمكن إثباته من خلال أحد طريقين أولهما النقض عليه و هو أوقع في إبطاله إذا تم النقض، و قد سلكنا هذا الطريق و الآخر هو الحل، و يكفي فيه التشكيك في صحة إحدى مقدمات الاستدلال، و قد شككنا في اقتضاء اللطف لضرورة وجود إمام ظاهر.
یؤيد ما ذكرناه أنه لا يوجد في الروايات عن الأئمة عَلیْهِمُ السَّلام الأثر من ذلك، فإن المستند إن كان قاعدة اللطف، و المانع هو عدم استقامة الناس لكان ذلك علة الأصل الغيبة و لم يرد في علل الغيبة شيء يرجع إلى ذلك. فالذي يقوى في النظر أن الباحثين من الأعلام حين ألزموا أنفسهم بأن قاعدة اللطف تقتضي ضرورة وجود إمام ظاهر بين الناس و خالف ذلك واقع كون الإمام الثاني عشر عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف غائباً كل هذه المدة لجأوا إلى دفع الإشكال بأن اللطف باق على ما اقتضاه فقد نصب الله تعالى بمقتضى لطفه للناس إماماً حقاً، لكنهم حين قصّروا غيّبه عنهم، و متى ما رفعوا التقصير ظهر الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف لهم، نعم في التوقيع الصادر للشيخ المفيد تعليل لاستمرار الغيبة بتقصير الناس لا لأصلها، و سيأتي التوقيع.
و لنا أن نتساءل إن كانت غيبة الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف نوع عقوبة للناس على تقصيرهم فقد غرقت أُمم سابقة في الارتداد عن الدين و العصيان، بل و الكفر، و لم يبلغنا حصول غيبة الحجج الله عنهم كعقوبة على ما ارتكبوا من المعاصي.
و مما يمكن أن يكون قرينة على رفع اليد عن ظهور الآية في خلو فترة من الحجة، الروايات التي دلت على أن الأرض لا تخلو من حجة، و هي مستفيضة إن لم تكن متواترة معنى، و لذا ذهب الصدوق في إكمال الدين إلى أن الفترة التي وردت في الآية الشريفة معناها.
لا يكون نبي و لا وصي ظاهر مشهور، و قد كان بين نبينا صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و بين عيسى عَلیْهِ السَّلام أنبياء و أئمة مستورون خائفون منهم خالد بن سنان العبسي﴾ (1)
و قد يدعم ذلك بقوله تعالى في الآية ما جاءَنَا مِنْ بَشِيرٍٍ وَ لا نَذِيرٍ (المائدة: 19)، إذ يمكن القول إن هذا المقطع يشير إلى الحجة الظاهر، فإن وجود الحجة المستور لا يمنعهم من الاحتجاج بالقول ما جاءنا من بشير و لا نذير.
فإذا تم هذا القول سقط ظهور الآية في وجود فترة تخلو من الحجة، بل
1) تفسير الصافي: ج 2، ص 24.
لو كان في هذا المقطع احتمال معتد به في إرادة هذا المعنى امتنع ظهور الآية أيضاً لا حتفافها بما يمكن أن يكون قرينة على الخلاف، و القرينة المحتملة المتصلة تمنع من الظهور.
نعم ذهب البعض إلى أنه لم يكن في الفترة نبي، فقد قال في التبيان: و فيه دلالة على أن زمان الفترة لم يمكن فيه نبي (1)
و ذهب الطبرسي لذلك حيث قال:
و فيه دلالة على أن زمان الفترة لم يكن فيه نبي و كانت الفترة بين عيسى عَلیْهِ السَّلام و محمد صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و كانت النبوة قبل ذلك متصلة في بني إسرائيل (2)
و اختار ذلك صاحب الأمثل حيث قال:
تكرر هذه الآية الخطاب إلى أهل الكتاب من اليهود و النصارى فتبين لهم أن النبي المرسل إليهم مرسل من عند الله أرسله في عصر ظلت البشرية قبله فترة دون أن يكون لها نبي (3)
إلّا أن ذلك لا يعارض روايات أن الأرض لا تخلو من حجة، فالحجة أعم من النبي و الرسول و لذا قال في الأمثل بعد ذلك:
إنما ينفي وجود الرسل في تلك المدة، و لا يتنافى هذا الأمر مع القول بوجود أوصياء للرسل في ذلك الوقت.
و هذا يعني أن الدليل على ضرورة وجود حجة في كل زمان من رسول أو نبي أو وصي نبي هو دليل شرعي.
و أمّا ما ذكر من غيبة لبعض الأنبياء كموسى عَلیْهِ السَّلام لمدة أربعين ليلة و غيبة يوسف عَلیْهِ السَّلام عن أهله و غيبة إدريس عَلیْهِ السَّلام، فالروايات و إن أشارت إلى أنها
مشابهة لغيبة الحجة عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف إلّا أنها مشابهة في أصل الغيبة لا في تفاصيلها، على أن موسى عَلیْهِ السَّلام له قد غاب عنهم و هم مؤمنون و رجع إليهم و هم كفار يعبدون العجل، إن عددنا ذهابه إلى ميقات ربه غيبة مع إخبارهم سلفاً بطولها، نعم، زاد عليها عشرة أيام، و غيبة يونس لم تدم إلّا يسيراً مع أن أُمّته قد اختارت الكفر، و إدريس حين رفع لم تبق أُمّته بدون حجة الله عليهم كل هذه المدة.
و أمّا التشبيه بالخضر فهو في خصوص طول العمر، و لم يثبت أنه نبي بل هو عبد صالح، نعم ورد في علل الشرائع رواية دلت على أنه نبي (1)، لکن البعض الآخر نفى النبوة عنه، و منها ما هو تام السند كرواية بريد التي في الكافي، (2)، و لو كان نبياً فهو ليس نبياً للأُمم اللاحقة التي جاءها أنبياء و رسل كانوا حججاً لله عليهم.
و كيف كان فلا يمكن الاستناد إلى قاعدة اللطف لإثبات أن هناك دخالة بشرية ممكنة في تعجيل فرج المولى عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف، و أنا هنا أنفي الدلالة على المدعى و لا أنكر أصل المدعى إذ قد يدل عليه دليل آخر، و هو ما سيتضح من طيات البحث.
و بنفس هذا الرد يتَّضح الرد على الاستدلال بوجوه أخرى كقاعدة الرحمة التي قال بها بعض الفلاسفة و قياس الأولوية الذي أشار إليه هشام بن الحكم في قصته مع عمرو بن عبيد عالم البصرة و القصة معروفة (3)
و هذا الوجه غير تام.
1) رواية ابن عمارة عن أبيه عن الصادق عَلیْهِ السَّلام أنه قال: إِنَّ اَلْخَضِرَ کَانَ نَبِیّاً مُرْسَلاً بَعَثَهُ اَللَّهُ تَبَارَکَ وَ تَعَالَی إِلَی قَوْمِهِ فَدَعَاهُمْ إِلَی تَوْحِیدِهِ، وَ اَلْإِقْرَارِ بِأَنْبِیَائِهِ وَ رُسُلِهِ وَ کُتُبِهِ... الخبر [علل الشرائع: ج 1، ب 54، ح1].
2) الكافي: ج 1، ص 269، ح 5، علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن ابن أذينة عن بريد بن معاوية عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلام قال: قلت له: ما منزلتكم و من تشبهون ممن مضى؟ قال: صاحب موسى و ذو القرنين كانا عالمين و لم يكونا تبيين.
3) الكافي: ج 1، ص 169- 171.
هناك جملة من الروايات التي أمرتنا بالدعاء بفرج الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف، و لو لم يكن للدعاء أثر لما كان مناسباً أن يتوجه أمر بالدعاء به.
فمن رواية محمد بن محمد بن عصام الكليني رَضی اللهُ عَنه عن محمد بن يعقوب الكليني عن إسحاق بن يعقوب، قال: سألت محمد بن عثمان رَضی اللهُ عَنه له أن يوصل لي كتاباً قد سألت عن مسائل أشكلت عليَّ، فوردت في التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان عَلیْهِ السَّلام: أمّا ما سألت عنه- أرشدك الله و ثبتك- ... و أمّا علة ما وقع من الغيبة فإن الله عزَّ وَ جلَّ يقول: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أشياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [المائدة: 101]، إِنَّهُ لَمْ یَکُنْ أَحَدٌ مِنْ آبَائِی عَلیْهِمُ السَّلام إِلاَّ وَقَعَتْ فِی عُنُقِهِ بَیْعَةٌ لِطَاغِیَةِ زَمَانِهِ، وَ إِنِّی أَخْرُجُ حِینَ أَخْرُجُ وَ لاَ بَیْعَةَ لِأَحَدٍ مِنَ اَلطَّوَاغِیتِ فِی عُنُقِی، فَأَمَّا وَجْهُ اَلاِنْتِفَاعِ بِی فِی غَیْبَتِی فَکَالاِنْتِفَاعِ بِالشَّمْسِ إِذَا غَیَّبَهَا عَنِ اَلْأَبْصَارِ اَلسَّحَابُ، وَ إِنِّی لَأَمَانٌ لِأَهْلِ اَلْأَرْضِ کَمَا أَنَّ اَلنُّجُومَ أَمَانٌ لِأَهْلِ اَلسَّمَاءِ، فَأَغْلِقُوا أَبْوَابَ اَلسُّؤَالِ عَمَّا لاَ یَعْنِیکُمْ، وَ لاَ تَتَکَلَّفُوا عَلَی مَا قَدْ کُفِیتُمْ، وَ أَکْثِرُوا اَلدُّعَاءَ بِتَعْجِیلِ اَلْفَرَجِ فَإِنَّ ذَلِکَ فَرَجُکُمْ، وَ اَلسَّلامُ عَلَیْکَ یَا إِسْحَاقَ بْنَ یَعْقُوبَ وَ عَلی مَنِ اِتَّبَعَ اَلْهُدی﴾ (1).
و واضح أن الفرج المعني- خصوصاً و المسؤول هو الحجة عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف- يراد به ظهور الإمام و قيام دولة الحق على يديه. أتراه يأمر بالإكثار من الدعاء بأمر و هو يعلم أنه لا فائدة بدعائه من جهة تحقق المدعويه؟
و مثل هذه الرواية و الروايات التي وردت في أدعية من فقراتها طلب الفرج من الله تبارك و تعالى كثيرة أشار إلى الكثير منها في مكيال المكارم الجزء الثاني، و لا حاجة إلى استعراضها جميعاً، و من يراجع الأدعية المزبورة يجد الكثير من هذه المضامين فيها.
1) كمال الدين: ج 2، ب 45، ح 4.
و وجه دلالتها على المطلوب أنها حين أمرتنا بالدعاء بالفرج فهذا يعني إمكان أن يتحقق المدعو به وإلّا فلا حاجة إلى الدعاء به إذا كان محال التحقق.
فهذا الوجه تام الدلالة على المطلوب.
مما يمكن أن يقال بالنظر البدوي إن روايات الموطنين تثبت التأثير البشري في تعجيل فرج المولى عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف.
ففي رواية عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي قال: قال رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: یَخْرُجُ نَاسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ فَیُوَطِّئُونَ لِلْمَهْدِیِّ- یَعْنِی سُلْطَانَهُ- (1)
وجه الدلالة أن لفظة التوطئة ظاهرة في دخالة الناس في الظهور المبارك.
و عن سنن ابن ماجة عن عبد الله بن مسعود قال: بينما نحن عند رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم إذ أقبل فتية من بني هاشم، فلما رآهم النبي صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم اغرورقت عيناه و تغير لونه، فقلت: ما تزال ترى في وجهك شيئاً نكرهه؟ قال: إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، و إن أهل بيتي سيشهدون بلاء و تشريداً و تطريداً، حتى يأتي قوم من أهل المشرق و معهم رايات سود يسألون الحق فلا يعطونه فيقاتلون فينصرون فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه، حتى يدفعونها إلى رجل من أهل بيتي فيملؤها قسطاً كما ملئت جوراً، فمن أدرك ذلك منكم فليأتهم و لو حيواً على الثلج (2)
وجه الدلالة أنهم يمهدون الأمر حتى يظهر فيدفعون الراية له عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف.
لكن الدلالة غير تامة فضلاً عن سند الرواية، و عدم تمامية الدلالة من جهة أن الرواية تحدثت عن قضية خارجية، و المبحوث عنه هو دخالة البشر في تعجيل الأمر مما ينعكس محركاً لهم في توطئة الأمر و تمهيده، و بتعبير آخر مورد السؤال و البحث هو هل يمكن للمكلفين نوعاً أن يكونوا سبباً في تعجيل
ظهور الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف؟ و هذا يعني أننا كمكلفين بالإمكان إذا تحركنا أن نسهل من ذلك. و ليس مورد البحث أن ظهور الإمام قد تسبقه بعض المقدمات المرتبطة بفعل اختياري للمكلفين أو لمكلفين خاصين، و تلك واقعة مستقبلية محددة لا يمكن لغيرهم أن يؤدي دورهم فيها.
هذا أولاً، و ثانياً: أن الرواية تحدثت عن واقعة مستقبلية تحدث قبل ظهور الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف ثم يظهر الإمام، فهي تشير إلى تسلسل حدثين دون أية إشارة إلى سببية بينهما.
و نفس الإشكال السندي و الدلالي يردان على الرواية الأولى، و إن كان في الرواية الأولى قد ورد تعبير يوطئون الظاهر في السببية، لكن يبقى الإشكال الدلالي الأول على حاله، إذ ليس من المعلوم أنه إذا قام قوم آخرون بما يقوم به أهل الرايات السود فإن الإمام سيظهر، فالسببية لا تعني التعجيل و إنما يمكن أن يكون له زمن محدد محتوم لا يتقدم و لا يتأخر، و في ذلك الزمان يتحتم ظهور حركة قوم من جهة المشرق.
و هذا الوجه نظراً للإشكالين الذين فيه لا يصلح إلّا للتأييد.
و من تلك الأدلة التوقيع الصادر عن الناحية المقدسة للشيخ المفيد قُدِّس سِرُّه حيث جاء فيه:
لَوْ أَنَّ أَشْیاعَنَا وَ فَّقَهُمْ اللَّهُ لِطَاعَتِهِ عَلَی اجْتِمَاعٍ مِنَ الْقُلُوبِ فِی الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ عَلَیهِمْ لَمَا تَأَخَّرَ عَنْهُمُ الْیُمْنُ بِلِقَائِنَا وَ لَتَعَجَّلَتْ لَهُمُ السَّعَادَةُ بِمُشَاهَدَتِنَا عَلَی حَقِّ الْمَعْرِفَةِ وَ صِدْقِهَا مِنْهُمْ بِنَا، فَمَا یحْبِسُنَا عَنْهُمْ إِلَّا مَا یتَّصِلُ بِنَا مِمَّا نَکرَهُهُ وَ لَا نُؤْثِرُهُ مِنْهُمْ وَ الله المُستَعانُ وَ هُوَ حَسبُنا وَ نِعمَ الوَكيل و صَلَواتُهُ عَلی سَیِّدِنَا البَشیرِ النَّذیرِ مُحَمَّدٍ و آلِهِ الطّاهِرینَ وَ سَلَّمَ. (1)
1) الاحتجاج: ج 2، رقم 360.
و الذي يظهر من هذا التوقيع الذي صدّر بحرف (لو) و هو حرف امتناع لا متناع- أي يمتنع الجزاء لا متناع الشرط- أن الممتنع لأجل امتناع اجتماع قلوب الشيعة على الوفاء بالعهد هو اللقاء بعمومهم و المشاهدة لعامتهم و هو يعني انتهاء الغيبة.
و كيف كان ففي التوقيع الشريف أكثر من فقرة تدل على أن تقصير الأُمّة هو المانع من ظهوره.
الأولى: قوله عَلیْهِ السَّلام: وَ لَوْ أَنَّ أَشْيَاعِنَا وَ فِّقْهُمْ اللَّهِ لِطَاعَتِهِ عَلَى اجْتِمَاعِ مِنَ الْقُلُوبِ فِي الْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ عَلَيْهِمْ.
الثانية: قوله عَلیْهِ السَّلام: فَمَا یحْبِسُنَا عَنْهُمْ إِلَّا مَا یتَّصِلُ بِنَا مِمَّا نَکْرَهُهُ وَ لَا نُؤْثِرُهُ مِنْهُم.
و ما يتصل بنا أراد به ما يصل إليه عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف من سوء العمل.
و هذا الدليل تام الدلالة إلّا أن في سنده مشكلة، و إشكاله السندي لا يمنع من الاستفادة منه كمؤيد و قرينة احتمالية إضافية.
و من ذلك روايات بألسنة أخرى، منها:
ما في تفسير العياشي عن الفضل بن أبي قرة قال: سمعت أبا عبد الله عَلیْهِ السَّلام يقول: أوْحَى اللهُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ أنَّهُ سَيُولَدُ لَكَ، فَقَالَ لِسَارَةَ، فَقَالَتْ: أَأَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ؟ فَأوْحَى اللهُ إِلَيْهِ أنَّهَا سَتَلِدُ وَ يُعَذَّبُ أوْلاَدُهَا أرْبَعَ مِائَةِ سَنَةٍ بِرَدَّهَا الْكَلاَمَ عَلَيَّ، قَالَ: فَلَمَّا طَالَ عَلَى بَني إِسْرَائِيلَ الْعَذَابُ ضَجُّوا وَ بَكَوْا إِلَى اللهِ أرْبَعِينَ صَبَاحاً، فَأوْحَى اللهُ إِلَى مُوسَى وَ هَارُونَ يُخَلّصُهُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ، فَحَطَّ عَنْهُمْ سَبْعِينَ وَ مِائَةَ سَنَةٍ.
قال: فقال أبو عبد الله عَلیْهِ السَّلام: هَکَذَا أَنْتُمْ لَوْ فَعَلْتُمْ لَفَرَّجَ اَللَّهُ عَنَّا، فَأَمَّا إِذْ لَمْ تَکُونُوا فَإِنَّ اَلْأَمْرَ یَنْتَهِی إِلَی مُنْتَهَاهُ(1)
و ما عن جابر الأنصاري عن النبي صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم قال: يَغِيبُ عَنْهُمُ الْحُجَّةُ، لَا يُسَمَّى حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ، فَإِذَا عَجَّلَ اللَّهُ خُرُوجَهُ يَمْلَا الْأَرْضِ قِسْطاً وَ عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَ جَوْراً (2)
و هذه الرواية واضحة الدلالة على أن الظهور قابل للتعجيل، و أن له أمداً إن لم يعجل الله به فسيبقى على أمده، لكن لا دلالة فيها على أن للاتباع تأثيراً في تعجيل الظهور.
اللهم إلّا بضميمة أن ما كان ممكناً في نفسه و لم يكن ضمن دائرة القضاء المحتوم الذي لا يغير و لا يبدل كان الدعاء ذا تأثير فيه أو محتمل التأثير فيه.
و حاصل البحث أن القاعدة و الأصل يقتضي تأثير الناس في تعجيل الظهور، و الوجوه التي تنفي ذلك إمّا مخدوشة أو معارضة بما هو أقوى منها و مقدم عليها من وجوه الإثبات، و وجوه الإثبات، و إن لم نقبل ببعضها إلّا أن البعض الآخر تام لا غبار عليه، و المطلب الحق لا يحتاج أكثر من دليل واحد.
أعاذنا الله تعالى من زلل القول و خطل الفعل و هو ولي التوفيق.
في هذا العدد:
أثر الحركات المنحرفة في الموروث المهدوي (الواقفة نموذجاً)
السيِّد محمدَّ القبانجي
أشراط القيام
الشيخ جاسم أفضل الوائلي
الولاية التدبيرية للامام الغائب عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف
الشيخ حسين عبد الرضا الأسدي
وظيفة المنتظر
علي السيد محمد حسين الحكيم
الانتظار و التمهيد (الأدوار و المكتسبات)
مرتضى علي الحلي
الدولة المهدوية و إشكالية الزمان
الشيخ حميد عبد الجليل الوائلي
علي السيد محمد حسين الحكيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و المرسلين محمد و على أهل بيته الطيبين الطاهرين و اللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين الى قيام يوم الدين.
و نحن نعيش فترة غيبة إمام العصر و الزمان عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف قد يتساءل الكثير عن دور المؤمن المنتظر و ما يلزم عليه من العمل في فترة الانتظار.
و حيث توجد عدَّة نظرياتٍ تُذكر للانتظار فقد يتساءل البعض عن أيِّ منها يمكن التمسك به حتّى لا نكون مقصرين تجاه إمام العصر و الزمان عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف، و أمام الله تعالى بواجبنا و نحن في حال زمان الانتظار، و كلّ صاحب نظريةٍ منها يحاول أن يجعل نفسه هو الذي يريد أن يعجِّل بظهور الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف، لما يطرحه من نظريةٍ و عملٍٍ في زمان الانتظار، و لمناسبة اختصار الجلسة نسلط الضوء على ثلاث نظرياتٍ لأهميتها.
و هي تبتني على الإعداد النفسي و الفكري و العقائدي للمجتمع تمهيداً لظهور الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف، و ذلك بما أنَّه عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف إذا ظهر فإنَّه سيُحدث تغييراً كبيراً في كثير من المفاهيم العبادية، و العقائدية، و الأحكام الشرعية، لما مرَّت به الأُمّة في خلال فترة الغيبة من تضييعٍ للأحكام، و استيلاء الظالمين على الحكم، مما أوجب العمل بالظاهر و الممكن من الأدلة دون الرجوع إلى الإمام عَلیْهِ السَّلام و اللقاء به و أخذ الأحكام منه مباشرة، بل حتّى مع وجود الأئمة عَلیْهِمُ السَّلام فإنَّ جملةً من أحكامهم كانت تصدر تقيةٌ خوفاٌ من الظالمين، بينما إذا ظهر الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف فإنَّه سيُظهر الأحكام الحقيقية من مصادرها فلا توجد تقيةٌ كما ذكر في النصوص أنَّه يخرج و لا يكون في عنقه بيعة لظالم (1)، و الحكم سوف يؤخذ من مشرّعه مباشرةً، و عليه لابدّ من الإعداد النفسي و الفكري لهذه المرحلة.
بمعرفه الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف و مقامه و منزلته و دوره في بيان الأحكام، و إذا عرف الإنسان مقام الإمامة و منزلتها و الدور
1) عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمد بن عثمان العمري رَحِمَه اللهُ أن يوصل لي كتاباً قد سئلت فيه عن مسائل أشكلت علىَّ فورد التوقيع بخط مولينا صاحب الدار عَلیْهِ السَّلام: .... إنَّه لم يكن أحد من آبائي إلّا و قد وقعت في عنقه بيعة الطاقية زمانه، و إلي أخرج حين أخرج و لا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي. [الغيبة للشيخ الطوسي: ص 290، ح 247].
الذي لابدّ أن يقوم به الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف و ما له عند الله من سلطةٍ و منزلةٍ من أجل تشريع الأحكام يكون مسلّماً للإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف في كل ما يأمر به و ينهى عنه، و من كمال الإيمان هو التسليم للإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف في كل أقواله و أفعاله و عدم الاعتراض عليه؛ لأنَّه مسدَّدٌ من الله تعالى، و لأنَّنا مع الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف أقلِّ مما كان عليه النبي موسى عَلیْهِ السَّلام مع الخضر عَلیْهِ السَّلام و مع ذلك فلمّا خفي عليه وجه الحكمة اعترض على فعله، و لذا ينبغي علينا أن ندرك و نسلّم بمقام الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف و نُعدَّ أنفسنا لذلك بقراءة الروايات الواردة في ذلك و كيفية تسليم بعض أصحاب الأئمة عَلیْهِمُ السَّلام العارفين بمقام الأئمة عَلیْهِمُ السَّلام، كما ورد عن تسليم سلمان الفارسي حينما عرف مقام أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام بالسكوت عن غصب الخلافة و ظلم الزهراء عَلیْهِا السَّلام، و ما حصل مع عبد الله بن يعفور مع الإمام الصادق عَلیْهِ السَّلام: قال: قلت لأبي عبد الله عَلیْهِ السَّلام: و الله لو فلقت رمانة بنصفين، فقلتَ هذا حرام و هذا حلال، لشهدت أنَّ الذي قلتَ حلالٌ حلالٌ، و أنَّ الذي قلتَ حرامٌ حرامٌ، فقال: رحمك الله، رحمك الله (1)
بل يمكننا استفادة التسليم حتّى ممّا حصل لكبراء علماء الشيعة في عصر السفراء الأربعة، كما في الواقعة المشهورة من جعفر بن أحمد بن مُتيل مع الحسين بن روح (سلام الله عليهما).
و سمعت أبا الحسن علي بن بلال بن معاوية المهلبي، يقول في حياة جعفر بن محمد بن قولويه: سمعت أبا القاسم جعفر بن محمد بن قولويه القمّي يقول: سمعت جعفر بن أحمد بن مُتيل القمّي يقول: كان محمد بن عثمان أبو جعفر العمري رَضِی اللهُ عَنْهُ له من يتصرف له ببغداد نحو من عشرة أنفس و أبو القاسم بن روح رَضِی اللهُ عَنْهُ فيهم، و كلّهم كان أخصّ به من أبي القاسم بن روح رَضِی اللهُ عَنْهُ حتّی أنَّه كان إذا احتاج إلى حاجة أو إلى سبب ينجزه على يد
1) اختيار معرفة الرجال للطوسي: ج 2.
غيره لما لم يكن له تلك الخصوصية، فلمّا كان وقت مُضيّ أبي جعفر رَضِی اللهُ عَنْهُ، وقع الاختيار عليه و كانت الوصية إليه (1) قال: و قال مشايخنا: كنّا لا نشك أنَّه إن كان كائنةٌ من أبي جعفر لا يقوم مقامه إلّا جعفر بن أحمد بن مُتيل أو أبوه لما رأينا من الخصوصية به، و كثرة كينونته في منزله حتّى بلغ أنَّه كان في آخر عمره لا يأكل طعاماً إلّا ما أُصلح في منزل جعفر بن أحمد بن مُتيل و أبيه بسببٍ وقع له، و كان طعامه الذي يأكله في منزل جعفر و أبيه.و كان أصحابنا لا يشكّون إن كانت حادثة لم تكن الوصية إلّا إليه من الخصوصية فلمّا كان عند ذلك (و وقع الاختيار على أبي القاسم سلّموا و لم ينكروا و كانوا معه و بين يديه كما كانوا مع أبي جعفر رَضِی اللهُ عَنْهُ، و لم يزل جعفر بن أحمد بن مُتيل في جملة أبي القاسم رَضِی اللهُ عَنْهُ و بين يديه كتصرفه بين يدي أبي جعفر العمري إلى أن ماته رَضِی اللهُ عَنْهُ فكل من طعن على أبي القاسم فقد طعن على أبي جعفر و طعن على الحجة صلوات الله عليه) (2) و عن غيبة الشيخ الطوسي: و بهذا الإسناد، عن محمد بن علي بن الحسين، قال: أخبرنا علي بن محمد بن مُتيل، عن عمّه جعفر بن أحمد بن مُتيل، قال: لما حضرت أبا جعفر محمد بن عثمان العمري الوفاة كنت جالساً عند رأسه أسأله و أحدثه و أبو القاسم بن روح عند رجليه فالتفت إلىَّ ثم قال: أُمرت أن أوصي إلى أبي القاسم الحسين بن روح، قال: فقمت من عند رأسه و أخذت بيد أبي القاسم و أجلسته في مكاني و تحولت إلى عند رجليه (3)
الاهتمام بأداء الدور التبليغيي فی عصر الغيبة، من طلب العلم في مسائل الحلال و الحرام و المسائل العقائدية، و محاولة إيصالها إلى الناس المحتاجين إليها، و الأمر بالمعروف، و النهي عن المنكر، و أداء العلم لأهله، لكي تبقى رسالة النبي محمد صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و الهدف الذي جاء من أجله مستمراً الى ظهور الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف التي تُوكل إليه المهمة لاستمرار الرسالة، و لأجل أن لا يتعطّل الدين و الأحكام الشرعية،لأنَّ الهدف من إرسال الرسل و الأوصياء و الأنبياء هو إيصال الحجة إلى جميع البشر و إيصال هذه الأحكام إلى الناس لتكون لله الحجة البالغة، و لا يجوز تعطيل هذه الأحكام كما قال الله تعالى في كتابه: فَلَوْ لا نَفَّرَ مِنْ كُلَّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (التوبة: 122) و قد حثّ النبيّ صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم الناس على طلب العلم و نشره.
الذي يفهم من النصوص التي حثَّت على عدم الخروج و الاختلاط بالناس هو التقية من أجل الحفاظ على سلامة أرواح المؤمنين من القتل و الهلاك، كما أُمرنا بذلك من أجل الحفاظ على الدّين الحق، و شيعة أهل البيت عَلیْهِمُ السَّلام، و يكون الرجوع في وظيفة العمل بالتقية و كيفية العمل لأهل العلم.
التصدّي لمعرفة الأحكام الشرعية، إمّا من طريق الاجتهاد لمن يجد في نفسه الكفاءة في معرفة استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها طبلة فتره غيبة الإمام، حيث الواجب على الإنسان معرفة أحكامه الشرعية و الخروج عن عهدة التكاليف الشرعية، و حيث إنَّ طريق الاجتهاد غير متيسر لجميع الناس فلابد من وجود طريق آخر لمعرفة الأحكام الشرعية، و لا يمكن أن يبقى الإنسان بدون عمل.
و إمّا من طريق التقليد للأعلم من المراجع، بما شاهدناه من الأثر الواضح لتلك الجهود التي قام بها علماؤنا الأعلام في بذل أنفسهم من أجل
استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها و إيصالها للمؤمنين، و لولاهم لما قامت لهذا الدين قائمة، فلم يبق دينٌ حقٌّ إلّا بجهود أهل العلم الذين أفنوا أنفسهم لخدمة الدين و قاموا بإيصال الأحكام الشرعية إلى المكلفين طوال فترة الغيبة و إلى يومنا هذا.
و هذا الأمر هو الذي يجري عليه جميع الناس في جميع أمورهم الحياتية من الرجوع لأهل الخبرة في كل مجال من مجالات الحياة، فإنَّهم إذا احتاجوا إلى دواء يرجعون إلى الطبيب، و إذا احتاجوا إلى بناء شيءٍ ما يرجعون إلى المهندس، و إذا احتاجوا إلى أيّ شيءٍ في حياتهم فإنَّهم يرجعون لمن له الاختصاص في ذلك، و المراجع هم أهل الخبرة في معرفة و استنباط الأحكام الشرعية، لأنَّهم قد أجهدوا أنفسهم في استنباط الأحكام من مصادرها و إيصالها للمكلفين، و لذا يجب على الناس في عصر الغيبة الرجوع إلى المرجع الأعلم القادر على استنباط الأحكام الشرعية و تقليده، و بذلك يكون المكلف معذوراً مع الله تعالى في حال عدم إمكانه الاجتهاد بنفسه.
التخلّق بأخلاق أهل البيت عَلیْهِمُ السَّلام، و بيان ذلك للمجتمع، حتّى نكون خير دعاةٍ للمذهب الحق و هو مذهب أهل البيت عَلیْهِمُ السَّلام، و التمهيد لظهوره عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف، و ذلك لنرسم صورةً جميلةً عن كيفية تربية أهل البيت عَلیْهِمُ السَّلام لشيعتهم و أخلاقهم، و ليعرف المجتمع أنَّه إذا ظهر الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف سوف يكون حال المجتمع نحو الأحسن باتِّباع هذه التعاليم و الأخلاق الحميدة، بل سيشتد عندهم الشوق لانتظار ظهوره عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف ليرون كيف سيكون المجتمع صالحاً بوجوده عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف، فتكون بذلك نِعْم الممهدين و المرغّبين لظهوره عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف.
وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وَ صَلَّي اللَّهُ عَلَي سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ الطَّاهِرِينَ.
مرتضى علي الحلي
قبل الشروع في بيان مقاصد البحث و أغراضه، لابد من توضيح المبادئ التصورية فيه، و هي المفاهيم العقدية التي تدور حولها وظيفة الإنسان المؤمن في عصر الغيبة الكبرى، من الترقب و الانتظار و التمهيد، بحسب لسان الروايات المأثوره، حتى يكون القارئ على بصيره في تلقي الدلالات التصديقية من هذه المفاهيم، و ما يترتب عليها من آثار و معطيات، لها مساس مباشر بالية التعاطي الاعتقادي السليم مع ما يعتقد به في عصر غيبة إمام العصر الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف.
قال ابن منظور في لسان العرب: و ارتَقَيَه: انتَظَرَه و رَصَدَه.
والتَّرَقُُّبُ: الانتظار، و كذلك الارتِقابُ.
و الرَّقِيبُ: المُنتَظِرُ﴾ (1)
و ذكر الزبيدي في تاج العروس: و الرَّقِيبُ: المُنتَظِرُ (2)
ذكر ابن منظور في لسان العرب: و النَّظَرُ: الانتظار. و يقال: نَظَرتُ فلاناً و انتَظَرتُه بمعنى واحد (1).
و قال ابن الأثير: يقال نظرته و انتظرته، إذا ارتقبت حضوره (2)
قال ابن منظور: مَهَدتُ لنَفسى و مَهَّدت أي جعلت لها مكاناً وَ طيئاً سهلًا.و مَهَدَ لنفسه خيراً و امتَهَدَه: هَيّأَه و تَوَطَّأَه (3)و ذكر الشريف الرضي رَحِمَه اللهُ: ﴿و المهد أيضاً: مصدر مهد، يمهد، مهداً، إذا مكن موضعاً لقدمه (4)
و بيَّن الشيخ الطوسي رَحِمَه اللهُ: الماهد الموطئ للشيء المهيئ لما يصلح الاستقرار عليه، مهد يمهد مهداً، فهو ماهد، و مهد تمهيداً، مثل وطأ توطئة. (5)
إنَّ تداخل هذه المفاهيم الثلاثة (الترقب- الانتظار- التمهيد) في دلالاتها المعطاة، مع بعض الفارق النفسي و العملي بينها في حدِّ ذاتها، يمكن أن يجعلها مندرجةً تحت جامع مفهوم الانتظار، و الذي أخذته الروايات المأثورة في لسانها
1) لسان العرب: ابن منظور، ج 5، ص 216.
2) النهاية في غريب الحديث و الأثر: ابن الأثير، ج 5، ص 78، ط - مؤسسة إسماعيليان للطباعة و النشر و التوزيع، قم، إيران.
3) لسان العرب: ابن منظور، ج 3، ص 411، مادة مهد.
4) تلخيص البيان في مجازات القرآن: الشريف الرضي، ص 226، ط 1، القاهرة- 1955م.
5) التبيان في تفسير القرآن، الشيخ الطوسي، ج 9، ص 395، ط 1 - 1409 هجري.
أخذاً إطلاقياً، توسعةً لمعناه، و استيعاباً لمصاديقه، بحسب مقتضيات الحكمة و الظروف الموضوعية و القدرة و الإمكانات عند المؤمنين.
و قد ذكر الراغب الأصفهاني صاحب المفردات في مادة (نظر) ما يفيد ذلك، فقال: (النظر تقليب البصر و البصيرة لإدراك الشيء و رؤيته، و قد يراد به التأمل و الفحص، و النظر الانتظار، يقال نظرته و انتظرته، قال تعالى: وَ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ (هود: 122)، و قال تعالى: فَهَل يَنتَظِرُونَ إِلَّا مِثلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلُوا مِن قَبْلِهِم قُل فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِنَ المُنتَظِرينَ (يونس: 102)) (1)
و على أساس ذلك التداخل المفاهيمي دلالياً، فإنَّ فهمنا المعنى الانتظار لغةً و استظهاراً يجعلنا قادرين على فهم سناء اعتقاداً و تبداً، لأنَّ مفهوم انتظار الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف، قد أخذ موقعاً مكيناً في المنظومة العقائدية و العبادية للإنسان المسلم و المؤمن معاً في لسان الروايات المعتبرة و المتكاثرة، حتى أصبح حقيقةً عقديةً، تحددت معالمها و ثمراتها في عصر النبي الأكرم محمد صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و الأئمة المعصومين عَلیْهِمُ السَّلام، فعن أمير المؤمنين علي عَلیْهِ السَّلام، أنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ انْتِظَارُ الْفَرَجِ (2)
فالانتظار يستبطن الترقب و التهيؤ للإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف، و هو وظيفة عقدية للمنتظر و المترقب، لأنه مرتكز على الاعتقاد الحق بالإمامة الواجبة الباقية.
و طبقاً لما حدده المعصومون عَلیْهِمُ السَّلام لنا من معالم مفهوم انتظار الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف ، و بيان صبغته التعبدية، يمكن لنا إدراك ماهية الانتظار و مقتضياته، و تجليه في صورة التزام الإنسان المؤمن بالعقيدة الحقة و السلوك الصالح في عصر الغيبة الكبرى، فضلاً عن اشتمال معناه اللغوي على التفحص و الترقب الفطن في شأن العقيدة و التشريع و الحياة، هذا من جهة.
و من جهة أخرى فإنَّ مفهوم الانتظار قد تم بيانه قرآنياً، قال الله تعالى: هَل يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أَو يَأْتِيَ رَبُّكَ أَو يَأْتِي بَعضُ آياتِ رَبِّكَ يَومَ يَأتِي بَعضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْساً إيمانُها لَم تَكُن آمَنَت مِن قَبْلُ أَو كَسَبَت في إيمانِها خَيراً قل انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ (الأنعام: 158)، فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِنَ المُنتَظِرِينَ (الأعراف: 71) وَ يَقُولُونَ لَو لا أُُنزِلَ عَلَيهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ فَقُل إِنَّمَا الغَيبُ لله فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِنَ الْمُنتَظِرِينَ (يونس: 20)، فَهَل يَنتَظِرُونَ إِلَّا مِثل أيَّامِ الَّذِينَ خَلَوا مِن قَبْلِهِم قُل فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِنَ الْمُنتَظِرِينَ (يونس: 102)، وَ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ (هود: 122).
فالانتظار في مفهومه القرآني يرتبط كلياً بحتمية تحقق الشيء المنتظر وقوعاً، و صدقيته من أول وهلة إلى يوم تحققه بإذن الله تعالى.
و الملاحظ في سياقية الآيات القرآنية المتقدمة هو أن الانتظار قد يأخذ بُعداً زمانياً طويلاً في امتداده، و بُعداً عقدياً عميقاً، يستدعي الإعداد و العمل المسبق، و التوطئة للمكان و الظرف و التقبل، ليتجلى اختبار المنتظرين به إيماناً و سلوكاً، إلى أن يتحقق استقرار الأمر بالهدى و إقامة الحق و العدل في الأرض، و تترجح کفته على جانب الباطل و الظلم.
إنَّ مفهوم التمهيد، و إن لم يرد بلفظه نصاً في لسان الروايات الخاصة في بیان وظيفة المكلف المؤمن في عصر الغيبة الكبرى، و طريقة تعاطيه الاعتقادي مع ما يؤمن به من غيبة إمام زمانه، الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف، إلّا أنَّه يمكن تصيد هذا العنوان و انتزاعه من مجمل إطلاقات بعض الروايات المأثورة في هذا المجال، و التي سنذكرها ضمناً.
أو يمكن انتزاع مفهومه و دلالاته من بعض المفاهيم العقدية المناظرة المذكورة نصاً في متن بعض الروايات، بما يساوقه في الإفادة و المعطى، و ذلك بحكم التناظر اللغوي استعمالاً بين مفهومي التمهيد و التوطئة، كمفهوم ( التوطئة للمهدي سلطانه)، الذي ورد في لسان روايات مختلفة، نذكر نماذج منها:
1- ما رواه السيد ابن طاووس عن محمد بن الحنفية، قال: تخرج راية سوداء لبني العباس، ثم تخرج من خراسان أخرى سوداء، قلانسهم سود،و ثيابهم بيض، على مقدمتهم رجل يقال له: شعيب بن صالح، أو: صالح بن شعيب من تميم، يهزمون أصحاب السفياني حتى ينزل بيت المقدس، يوطئ للمهدي سلطانه، و يمد إليه ثلاث مائة من الشام يكون بين خروجه و بين أن يسلم الأمر للمهدي اثنان و سبعون شهراً﴾ (1)
1) التشريف بالمنن في التعريف بالفتن: السيد ابن طاووس، ص 118، مؤسسة صاحب الأمر، الطبعة الأولى،- 1416ه-.
و هذه الرواية تنص على مفهوم التوطئة للإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف، و تكشف عن الإعداد المسبق من قبل المنتظرين له، قبل خروجه و ظهوره، بحيث يسهم في تثبيت دعائم القيام، و استقرار سلطة الدولة المهدوية الموعودة.
2- و عن محمد بن الحنفية، قال: تخرج راية من خراسان، ثم تخرج أخرى، ثيابهم بيض، على مقدمتهم رجل من بني تميم، يوطئ للمهدي سلطانه، بين خروجه و بين أن يسلم الناس للمهدي سلطانه اثنان و سبعون شهراً (1)
و هذه الرواية أيضاً تؤكد نفس مضمون الرواية الأولى آنفة الذكر في التوطئة للمهدي من قبل المنتظرين، بفارق عدم ذكر اسم الرجل من بني تميم، و هو شعيب بن صالح، أو: صالح بن شعيب، على الاختلاف في اسمه.
3- عن عبد الله بن الحرث، قال: قال رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: یَخْرُجُ نَاسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ فَیُوَطِّئُونَ لِلْمَهْدِیِّ- یَعْنِی سُلْطَانَهُ (2)
و يحكم منطوق هذه الرواية في عدم ذكر راية التوطئة أو اسم صاحبها، يمكن استظهار أن التوطئة للمهدي لا تنحصر براية معينة أو برجل ما، و إن حددت جهة التوطئة مكانياً، كما في سابقاتها من الروايات، بل تتوسع لتشمل عامة المنتظرين المؤمنين المعتقدين بالظهور و القيام بالحق.
1) عقد الدرر في أخبار المنتظر: المقدسي الشافعي السلمي (من علماء القرن السابع الهجري)، تحقيق الدكتور عبد الفتاح محمد الحلو- 126- الطبعة الأولى 1399 ه- 1979م.
2) شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار: القاضي أبي حنفية النعمان المغربي، ج 3، ص 563، مؤسسة النشر الإسلامي، التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرقة- إيران.
4- روى العلامة المجلسي (طاب ثراه) في بحار الأنوار، في باب نصرة أهل المشرق للمهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف: عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي قال: قال رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: یَخْرُجُ نَاسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ، فَیُوَطِّئُونَ لِلْمَهْدِیِّ یَعْنِی سُلْطَانَهُ (1)
5- قد بين الشيخ علي الكوراني في المعجم الموضوعي أن معنى التوطئة التجهيز في حديث یَخْرُجُ نَاسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ فَیُوَطِّئُونَ لِلْمَهْدِیِّ سُلْطَانَهُ، هو التجهیر و التهيأة، طبقاً لما ذكرته طرق العامة، و التي خرج أسانيدها و مصادرها و توثيقها من كتبهم.
فقال: حديث یَخْرُجُ نَاسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ فَیُوَطِّئُونَ لِلْمَهْدِیِّ عَلیْهِ السَّلام رواه ابن ماجة: 2/ 1368 عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي، قال: قال رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم:﴿یَخْرُجُ نَاسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ، فَیُوَطِّئُونَ لِلْمَهْدِیِّ، و معنى وطاً له الأمر: جهزه و هياه، و مثله الطبراني في الأوسط: 1/ 200، بتفاوت يسير، و عنه بيان الشافعي/ 490، و قال: هذا حديث حسن صحيح، روته الثقات و الأثبات﴾ (2)
و بناءً على ما ذكره الشيخ الكوراني هنا في بيان معنى التوطئة و تفسيرها بالتجهيز و التهيأة، و من مجمل الروايات المذكورة، يتضح المراد بالتمهيد المساوق و المناظر لغةً للتوطئة، و يمكن تصيده عنواناً منتزعاً من سياقاتها اللفظية و الدلالية، دون أي مشاحة في الأخذ به، كاصطلاح غیر مذکور نصاً.
لم يكن مفهوم الترقب أو الانتظار من جانب الأنبياء و المؤمنين لنبي ما، أو حتى التمهيد و التوطئة من قبل الله تعالى لبعثة نبي أو تنصيب وصي، أمراً مستبعداً عن أحداث حراك النبوة و الوصاية على مر التاريخ المنصرم.
بل كان أمراً معهوداً و معروفاً، و لم يكن أيضاً هناك مانع عقلي أو شرعي، يحول دون تعاهد الأنبياء بالتبشير و الانتظار و التمهيد لبعضهم بعضاً، سيما مع وجود مقتض عقدي، و هو تبليغ الرسالات و إتمام الحجة الإلهية على الناس أجمعين.
و قد نص عليه القرآن الكريم في آيات شريفة عدة، منها ذكر اسم النبي الأكرم محمد صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم باسمه و وصفه: الَّذينَ يَتَّبِعَونَ الرَسولَ النَّبِيُ الأُميٌ الَّذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُم فِي التَّوراةِ وَ الإنجيلِ يَأْمُرُهُم بِِالمعرُوف وَ يَنهاهُم عَنِ المُنكَرِ وَ يُحِلُّ هُمُ الطَّيِّبَاتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخيالِثَ وَ يَضَعُ عَنهُم إصرَهُم وَ الأَعْلالَ الَّتِي كانَت عَلَيهِِم فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ المُفَلِحُونَ (الأعراف: 157).
وَ إذْ قَالَ عِیسَی ابْنُ مَرْیَمَ یَا بَنِی إسْرَائِیلَ إنِّی رَسُولُ اللّهِ إلَیْکُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَیْنَ یَدَیَّ مِنَ التَّوْرَاِة وَ مُبَشِّراً بِرَسُول یَأتِی مِنْ بَعْدِی اسْمُهُ أحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالبَیِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِینٌ (الصف: 6). و في الرواية المفصلة عن الإمام محمد الباقر عَلیْهِ السَّلام ما ينص على ذلك التعاهد و التبشير و الانتظار، و فيها أيضاً دلالات تصديقية، تاريخية التحقق، و مستقبلية الوقوع حتماً: (فلما نزلت التوراة على موسى عَلیْهِ السَّلام، بشر بمحمد صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، و كان بين يوسف و موسى من الأنبياء، و كان وصي
موسى يوشع بن نون عَلیْهِ السَّلام، و هو فتاه الذي ذكره عَزَّ وَ جَلَّ و في كتابه، فلم تزل الأنبياء تبشر بمحمد صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، حتى بعث الله تبارك و تعالى المسیح عيسى بن مريم فبشر بمحمد صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، و ذلك قوله تعالى: يَجِدُونَهُ اليهود و النصارى: مَكتُوباً يعني صفة محمد عِندَهُم يعني فِی التَّوراةِ وَ الإنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِِالمَعرُوفِ وَ يَنْهَاهُم عَنِ المُنكَرِ و هو قول الله عَزَّ وَ جَلَّ يخبر عن عيسى:
وَ مُبَشِّراً بِرَسُولِ يَأْتِي مِن بَعدِي اسمُهُ أَحَمَدٌ، و بشر موسى و عيسى بمحمد صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، كما بشر الأنبياء عَلیْهِمُ السَّلام، بعضهم ببعض، حتى بلغت محمداً صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، فلما قضى محمد نبوته و استكملت أيامه، أوحى الله تبارك و تعالى إليه يا محمد قد قضيت نبوتك و استكملت أيامك، فاجعل العلم الذي عندك و الإيمان و الاسم الأكبر و ميراث العلم و آثار علم النبوة في أهل بيتك عند علي بن أبی طالب عَلیْهِ السَّلام، فإني لم أقطع العلم و الإيمان و الاسم الأكبر و ميراث العلم و آثار علم النبوة من العقب من ذريتك كما لم أقطعها من بيوتات الأنبياء الذين كانوا بينك و بين أبيك آدم....﴾ (1) فمفاهيم الترقب و الانتظار و التوطئة و التمهيد تمثل في حد ذاتها عند المؤمنين نوعاً من الاستجابات العقدية للإيمان و العمل الصالح في تقريب تحقق الهدى و العدل المنتظر في الأرض، رفضاً للضلال و الظلم على يد الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف.
و لقائل أن يقول: إنَّ انتظار بعثة الأنبياء و التبشير بهم، لا يسبقه تمهيد أو توطئة فعلية من قبل الأنبياء أنفسهم، و إنما يقتصر فقط على ذكر أسمائهم و صفاتهم في الكتب السماوية المنزلة بين الأديان الإلهية، كما في مورد الآيات
1) الكافي: الكليني، ج 8، ص 117، الطبعة الثالثة 1388 ه- - الناشر: دار الكتب الاسلامية- طهران.
القرآنية آنفة الذكر، فكذلك في جانب الترقب و الانتظار للإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف فقد لا تسبقه التوطئة الفعلية أو التمهيد أيضاً، بل يقتصر على ذكر العلامات قبیل ظهوره؟
و الجواب: يكمن في عدم وجود المانع من الاستجابة الفعلية لمقتضيات التقريب و التمكين للإمام المنتظر الموعود في الواقع على مستوى الاستعداد و الطاعة، بوصفها توطئةً معقولة و مشروعة، لها تأثيرها الموضوعي و الظرفي في ما يرتجى حصوله و تحققه يقيناً، بحسب ما أشارت إليه دلالات روايات الانتظار و الترقب، و الدعاء بتعجيل الفرج و تقريبه له عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف بوصفه خاتم الأوصياء و الحجج الإلهية.
و هذا المعنى القيم و المعقول و المشروع بيَّنه الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في كتابه الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، و قال ما نصه: فإن مسألة انتظار حكومة الحق و العدل، أي حكومة المهدي عَلیْهِ السَّلام و ظهور المصلح العالمي، مركبة في الواقع من عنصرين: عنصر نفي، و عنصر إثبات، فعنصر النفي هو الإحساس بغرابة الوضع الذي يعانيه المنتظر، و عنصر الإثبات هو طلب الحال الأحسن !و إذا قدر لهذين العنصرين أن يحلا في روح الإنسان، فإنهما يكونان مدعاة لنوعين من الأعمال و هذان النوعان هما:1- ترك كل شكل من أشكال التعاون مع أسباب الظلم و الفساد، بل عليه أن يقاومها، هذا من جهة.2- و بناء الشخصية و التحرك الذاتي و تهيئة الاستعدادات الجسمية و الروحية و المادية و المعنوية، لظهور تلك الحكومة العالمية الإنسانية، من جهة أخرى.
و لو أمعنّا النظر لوجدنا أن هذين النوعين من الأعمال، هما سبب في اليقظة و الوعي و البناء الذاتي.و مع الالتفات إلى مفهوم الانتظار الأصيل، ندرك بصورة جيدة معنى الروايات الواردة في ثواب المنتظرين و عاقبة أمرهم، و عندها نعرف لم سمّت الروايات المنتظرين بحق، بأنهم بمنزلة من كان مع القائم تحت فسطاطه عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف، أو أنهم تحت لوائه، أو أنهم كمن يقاتل في سبيل الله بين يديه أو كالمستشهد بين يديه، أو كالمتشحط بدمه!ترى أليست هذه التعابير تشير إلى المراحل المختلفة و درجات الجهاد في سبيل الحق و العدل التي تتناسب و مقدار الاستعداد و درجة انتظار الناس؟كما أنَّ ميزان التضحية و معيارها ليس في درجة واحدة، إذا أردنا أن نزن تضحية المجاهدين، في سبيل الله و درجاتهم و آثار تضحياتهم، فكذلك الانتظار و بناء الشخصية و الاستعداد، كل ذلك ليس في درجة واحدة، و إن كان كل من هذه العناوين من حيث المقدمات و النتائج يشبه العناوين آنفة الذكر، فكل منهما جهاد، و كل منهما استعداد و تهيؤ لبناء الذات ... (1) و بناءً على ما تقدم من المدخل، يقع البحث في محاور أساسية ثلاثة، هي:
المحور الأول: قراءة في الوظيفة العامة للمؤمن في تحريه عن إمام زمانه من خلال الأدلة الروائية، و دخالة ذلك في الترقب و الانتظار و التمهيد، على هدى و بصيرة و يقين:
المحور الثاني: بيان منظومة العلامات في العقيدة المهدوية، و لماذا التركيز على العلامة؟ و ماذا تعني لنا و ما فائدتها ، فهل هي لتطمئن القلوب دون التمهيد المسبق أم ماذا؟
1) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، ج 6، ص 25.
المحور الثالث: قد يقال: نحن مأمورون بالانتظار، و لا يوجد أمر بالتمهيد، فهل الانتظار بإطلاقه و بمعناه الواسع يشمل التمهيد فعلاً؟
نماذج من بحث بعض الأصحاب، و تحريهم عن الإمام المعصوم بعد الإمام السابق:
ما روي عن أبي خالد الكابلي أنه قال: قلت لعلي بن الحسين عَلیْهِما السَّلام: من الإمام بعدك؟ قال: محمد ابني، يبقر العلم بقراً، و من بعد محمد جعفر اسمه عند أهل السماء (الصادق. قلت: كيف صار اسمه الصادق و كلكم الصادقون (1)؟ قال: حدثني أبي، عن أبيه أن رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم قال: إذا ولد ابنى جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فسموه (الصادق) فإن الخامس الذي من ولده الذي اسمه جعفر يدعي الإمامة اجتراءً على الله و كذباً عليه، فهو عند الله، جعفر الكذاب المفتري على الله، ثم بكى علي بن الحسين عَلیْهِ السَّلام، فقال: كأني بجعفر الكذاب، و قد حمل طاغية زمانه على تفتيش أمر ولي الله و المغيب في حفظ الله، فكان كما ذكر) (2) إنما كانت و تكون وظيفة المؤمن مرتكزة في التحري و البحث عن الإمام اللاحق بعد السابق، اسماً و نصاً و تعييناً و علامةً، و ذلك لقطع الطريق على المدعين للإمامة، كذباً و زوراً في كل زمان، و حتى يكون مصب اعتقاده في محله واقعاً و إجزاءً، وهذه الوظيفة هي في حد نفسها تمثل نحواً من أنحاء الترقب
و الانتظار و التمهيد في طول تسلسل الأئمة المعصومين عَلیْهِمُ السَّلام، عبر مراحل التاريخ و الغيبة حتى الظهور الشريف.
عن أبي حمزة الثمالي (1،قال: كنت عند أبي جعفر محمد بن علي الباقر عَلیْهِ السَّلام ذات يوم، فلما تفرق من كان عنده قال لي: يا أبا حمزة، من المحتوم (2الذي لا تبديل له عند الله قيام قائمنا، فمن شك فيما أقول لقي الله سبحانه، و هو به کافر، و له جاحد، ثم قال: بأبي و أمي المسمى باسمي، و المكنى بكنيتي، السابع من بعدي، بأبي من يملأ الأرض عدلاً و قسطاً، كما ملئت ظلماً و جورا- ثم قال: يا أبا حمزة، من أدركه فلم يسلم له فما سلم لمحمد و علي عَلیْهِما السَّلام، و قد حرم الله عليه الجنة، و مأواه النار، و بنس مثوى الظالمين﴾ (3) و هنا يبين الإمام محمد الباقر عَلیْهِ السَّلام للمؤمنين المنتظرين وظيفة التسليم المطلق بإمامة الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف، و حتمية ظهوره و قيامه يقيناً، و خطورة عدم التسليم له في حال إدراك ظهوره و عصره، من حيث المصير و العاقبة و الجزاء.
1) هو ثابت بن دينار، الثقة الجليل صاحب التفسير، و راوي الدعاء المعروف في أسحار شهر رمضان، كان من زهاد أهل الكوفة و مشايخها، و كان عربيا أزديا، خدم علي بن الحسين، و محمد بن علي، و جعفر بن محمد عَلیْهِمُ السَّلام- انظر الكافي: الكليني، ج 1، ص 34- الهامش.)و قال النجاشي العالم الرجالي عنه: هو كوفي، ثقة، لقي علي بن الحسين و أبا جعفر الباقر و أبا عبد الله الصادق، و أبا الحسن الرضا عَلیْهِمُ السَّلام و كان من خيار أصحابنا و ثقاتهم و معتمديهم- انظر: رجال النجاشي: ص 115.
2) المحتوم هو القضاء الذي يكون فيه تقدير الله تعالى للأمور مبرماً و قطعياً، لا يرد، و لا يدل، و لا يتغير، و هو الذي عبر عنه القرآن الكريم بالسنة الالهية في قوله تعالى: ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبدِيلاً وَ لَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحوِيلاً) (فاطر : 43) ، سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَد خَلَت مِن قَبلُ وَ لَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبدِيلاً (الفتح: 23).
3) الغيبة ابن أبي زينب النعماني، ص 89، منشورات أنوار الهدى- إيران- قم، الطبعة الأولى- 1422 ه- ق.
و أمّا لماذا يجب أن يكون قيام القائم بأمر الله تعالى و بإذنه، و هو الإمام المهدی عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف من المحتوم الذي لا تبديل له عند الله تعالى؟
فالجواب: ذلك لأن عدم حتمية قيام القائم الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف سوف يلزم منها المعذرية و الحجية للناس في آخر الزمان على الله تعالى، في حال تركه الناس من دون حجة منصوبة لهم، و حاشاه سبحانه، إذ إنه هو العزيز الحكيم، و لذلك ركز القرآن الكريم على هذه الحقيقة الدينية، حقيقة حتمية نصب الحجج الإلهية،أنبياءً و أئمةً، و حتمية قيامهم بأمر الله تعالى في هذه الحياة الدنيا، فقال الله تعالى: رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَ مُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعدَ الرُّسُل وَ كَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً (النساء: 165).
عن المفضل بن عمر قال: دخلت على الصادق عَلیْهِ السَّلام فقلت: لو عهدت إلينا في الخلف من بعدك، فقال: الإمام بعدي ابني موسى، و الخلف المأمول، المنتظر محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى (1) و يلاحظ في هذه الرواية أن جواب الإمام الصادق عَلیْهِ السَّلام على سؤال الراوي، قد ذكر بالتفصيل مجموع الأئمة المعصومين المنصوبين من بعده اسماً و نصاً، بما فيهم خاتمهم الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف، بما تكتمل به وظيفة البحث و التحري لكل من يعتقد بهم جميعاً، و حتى يكون الانتظار و مقتضياته العقدية على بصيرة و هدى و يقين.
ذكر الشيخ الكليني في الكافي: عن داود بن سليمان، قال قلت لأبي إبراهیم -الإمام موسى الكاظم عَلیْهِ السَّلام، إني أخاف أن يحدث حدث، و لا ألقاك فأخبرني من الإمام بعدك، فقال ابني فلان، يعني أبا الحسن- الإمام الرضا عَلیْهِ السَّلام.
1) وسائل الشيعة: الحر العاملي، ج 16، ص 246، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.
و عن النصر بن قابوس قال قلت لأبي إبراهيم عَلیْهِ السَّلام، إني سألت أباك عَلیْهِ السَّلام، من الذي يكون من بعدك فأخبرني أنك أنت هو فلما توفي أبو عبد الله عَلیْهِ السَّلام، ذهب الناس يميناً و شمالاً، و قلت: فيك أنا و أصحابي فأخبرني من الذي يكون من بعدك من ولدك، فقال: ابني فلان- يعني أبا الحسن الرضا عَلیْهِ السَّلام (1)،(2)
عن داود الرقي قال: قلت لأبي إبراهيم موسى بن جعفر عَلیْهِ السَّلام جعلت فداك قد كبر سني فحدثني من الإمام بعدك؟ قال: فأشار إلى أبي الحسن الرضا عَلیْهِ السَّلام، و قال: هذا صاحبكم من بعدي (3) و هكذا يستمر البحث و التحري عن معرفة الإمام اللاحق للسابق، بحكم المنعطفات التي قد تحدث نتيجة إلقاء الشبهات و كثرة الفتن و وقوع الانصراف القائدي، كما حصل بعد استشهاد الإمام موسى الكاظم عَلیْهِ السَّلام و ظهور القائلين بالوقف، أمثال علي بن أبي حمزة البطائني و غيره.
بحيث وصل بهم الحال إلى إنكار موت الإمام الكاظم عَلیْهِ السَّلام و ابتداع عقيدة الوقف، طمعاً بالمال.
عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: سمعت دعبل بن علي الخزاعي يقول: أنشدت مولاي الرضا علي بن موسى عَلیْهِما السَّلام، قصيدتي التي أولها:
مدارس آيات خلت من تلاوة *** و منزل و حي مقفر العرصاتفلما انتهيت إلى قولي:خروج إمام لا محالة خارج *** يقوم على اسم الله و البركاتيميز فينا كل حق و باطل *** و يجزي على النعماء و النقماتبكى الرضا عَلیْهِ السَّلام، بكاءً شديداً، ثم رفع رأسه إلىَّ فقال لي:﴿یا خزاعي نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين، فهل تدري من هذا الإمام، ومتى يقوم؟ فقلت: لا يا مولاي، إلّا أني سمعت بخروج إمام منكم، يطهر الأرض من الفساد و يملأها عدلاً، كما ملئت جوراً. فقال: يا دعبل الإمام بعدي محمد ابني، و بعد محمد ابنه علي، و بعد علي ابنه الحسن، و بعد الحسن ابنه الحجة القائم المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره، لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد لطول الله عَزَّ وَ جَلَّ، ذلك اليوم حتى يخرج، فيملأ الأرض عدلاً، كما ملئت جوراً، و أمّا متى، فإخبار عن الوقت، فقد حدثني أبي، عن أبيه عن آبائه عَلیْهِمُ السَّلام أن النبي صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، قيل له: يا رسول الله متى يخرج القائم من ذريتك؟ فقال عَلیْهِ السَّلام: مثله مثل الساعة التي لا يجليها لوقتها إلّا هو، ثقلت في السماوات و الأرض، لا تأتيكم إلّا بغتة (1)
و نموذج هذه الرواية المأثورة عن الإمام الرضا عَلیْهِ السَّلام يضعنا أمام معطيات مختلفة و قيمة في مجمل وظائف المؤمن، و حراك الترقب و الانتظار و التمهيد، من لزوم الاعتقاد بحتمية خروج الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف بعد مضي سلسلة الأئمة المنصوبين من قبله، كالجواد و الهادي و العسكري عَلیْهِمُ السَّلام، مهما طال الزمان، و حتمية قيامه بالحق و تطهيره للأرض من الفساد، و العمل على إقامة العدل
1) كمال الدين و تمام النعمة الصدوق، ص 373، الناشر- مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة.
فيها، و أن الجهل بوقت ظهوره الشريف لا يكون مدعاة للغفلة عن انتظاره، فظهوره حتمي و قطعي كقيام الساعة، لا محالة، يأتي فجأةً و بغتةً، مثله مثلها.
عن يعقوب بن منقوش قال: دخلت على أبي محمد الحسن بن علي عَلیْهِما السَّلام، و هو جالس على دكان في الدار، و عن يمينه بيت عليه ستر مسبل، فقلت له: يا سيدي من صاحب هذا الأمر؟ فقال: ارفع الستر، فرفعته فخرج إلينا غلام خماسي، له عشر أو ثمان أو نحو ذلك، واضح الجبين، أبيض الوجه، دري المقلتين، شئن الكفين، معطوف الركبتين، في خده الأيمن خال، و في رأسه ذؤابة، فجلس على فخذ أبي محمد عَلیْهِ السَّلام، ثم قال لي: هذا صاحبكم، ثم وثب، فقال له: يا بني ادخل إلى الوقت المعلوم، فدخل البيت، و أنا أنظر إليه، ثم قال لي: يا يعقوب انظر من في البيت، فدخلت فما رأيت أحداً (1)
و في هذه الرواية نتلقى انطباعاً دقيقاً عن وظيفة المؤمنين في البحث و التحري عن إمام زمانهم، كما حدث مع الراوي يعقوب بن منقوش، و تمكين الإمام الحسن العسكري عَلیْهِ السَّلام له من رؤية إمام زمانه رأي العين، و معرفته بالوصف و التنصيص.
من المعلوم بداهةً و عند العقلاء، أن العلامات إنما تنصب و تجعل للاهتداء بها في الطريق الموصل إلى المطلوب، أو أنها تفيد الإراءة و الكشف عن معالم الطريق من أول السلوك و الشروع فيه، فتكون أسباباً للإرشاد إلى المبتغى و المقصد، و هو معرفة الإمام المنتظر الموعود.
1) کمال الدين و تمام النعمة: الصدوق، ص 408، الناشر- مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة.
و في نطاق العقيدة المهدوية قد جعل النبي الأکرم صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و الأئمة المعصومون عَلیْهِمُ السَّلام علامات منصوصة و موثوقة، للتمييز بين الحق و الباطل، و للإرشاد إلى الحق و أهله، و التي من خلالها تتم المعرفة اللازمة اعتقاداً و انتظاراً في التعاطي مع مقتضيات الإيمان بإمامة الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف و مجريات الغيبة الكبرى و التطلع الراشد و التوطئة الفعلية للظهور و القيام بالحق و العدل و الهدى.
و لسنا بصدد الخوض في تفاصيل هذه العلامات بقدر ما نقصد التركيز على حكمة العلامة، و المراد منها و أغراضها البنيوية في حراك المؤمن المنتظر، و تكليفه في حينها، و مدى ارتباطها بالتمهيد.
و حتى أنَّ القرآن الكريم قد جعل العلامات في حد نفسها، مفهوماً و مصداقاً في نظره الحكيم للاهتداء بها في الوصول إلى المطلوب فعلاً و غرضاً و قصداً.
قال الله سبحانه: وَ عَلاماتِ وَ بِِالنَّجمِ هُم يَهْتَدُونَ (النحل: 16).
و إلى هذا المعنى القويم أشارت الروايات، كبيان لغرض جعل العلامات و المراد منها، فعن معلى بن محمد عن الوشاء، قال سألت الرضا عَلیْهِ السَّلام عن قول الله تعالى: وَ عَلاماتِ وَ بِِِالنَّجمِ هُم يَهْتَدُونَ، قال: نحن العلامات، و النجم رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم (1)
و يمكن بيان جملة من الأغراض المترتبة على جعل العلامة:
1- إن جعل العلامة المنصوصة و الموثوقة مصداقاً، يمثل ضماناً عقدياً المعرفة الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف في وقت ظهوره، و لسد الباب على المدعين أو المشككين أو الجاحدين.
1) الكافي: الكليني، ج 1، ص 207، الطبعة الثالثة 1388 ه- الناشر: دار الكتب الإسلامية- طهران.
و هذا ما يستدعي ركوز الطمأنينة النفسية و العقائدية عند المؤمن المنتظر، ليتقبل عصراً جديداً لم يعهده من قبل.
و في الرواية المأثورة في باب من ادَّعى الإمامة، و ليس لها بأهل، و من جحد الأئمة أو بعضهم، و من أثبت الإمامة لمن ليس لها بأهل، عن عمر بن أبان، قال سمعت أبا عبد الله- الإمام جعفر الصادق عَلیْهِ السَّلام-، يَقُولُ: اعْرِفِ الْعَلَامَةَ، فَإِذَا عَرَفْتَهُ لَمْ يَضُرَّكَ تَقَدَّمَ هَذَا الْأَمْرُ أَوْ تَأَخَّرَ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ، فَمَنْ عَرَفَ إِمَامَهُ كَانَ كَمَنْ كَانَ فِي فُسْطَاطِ الْمُنْتَظَرِ عَلیْهِ السَّلام﴾ (1)
و قد بين الفيض الكاشاني في كتابه الوافي مفهوم العلامة في هذه الرواية، و قال ما نصه:
يعني بالعلامة الإمام، كما ورد عنهم عَلیْهِ السَّلام، في قوله عَزَّ وَ جَلَّ: ﴿وَ عَلاماتِ وَ بِا لنَّجمِ هُم يَهْتَدُونَ، إن العلامات هم الأئمة و النجم رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، أو يعني بها علامة الإمام و نعته المختص به، و أنه من، و ابن من، و في نسخة الشيخ الشهيد الثاني زين الدين العاملي، اعرف الغلام يعني المهدي عَلیْهِ السَّلام، فإنه قد مضى ذكره بهذا العنوان، و الفسطاط الخيمة، و في بعض النسخ المهدي بدل المنتظر، و في بعضها فسطاطه بالإضمار﴾ (2) و فصل الميرزا محمد تقي الأصفهاني في بيان مفهوم العلامة في لسان الروايات أكثر، بما يؤكد ضرورة تحصيل المعرفة بها عقائدياً، فذكر قوله: اعرف العلامة، كلمة جامعة في معرفة الإمام...
بیان ذلك: أن المراد بالعلامة ما يمتاز به صاحبها عن غيره، بحيث لا يشتبه على من عرف ،علامته، و علامة الإمام إمّا راجعة إلى نسبه، أو إلى بدنه أو إلى علمه و أخلاقه، أو إلى خصائصه في حال ظهوره، و العلامات المحتومة التي أخبر بها الأئمة الأطهار...لا ريب أنَّ المقصود من المعرفة التي أمرنا أئمتنا عَلیْهِمُ السَّلام، بتحصيلها بالنسبة إلى إمام زماننا هو أن نعرفه على ما هو عليه، بحيث يكون سبباً لسلامتنا من شبهات الملحدين، و نجاةً لنا من إضلال المفترين المضلين، و ذلك لا يحصل إلّا بأمرين:أحدهما: معرفة شخص الإمام باسمه و نسبه.و الثاني: معرفة صفاته و خصائصه، و تحصيل هاتين المعرفتين من أهم الواجبات (1) 2- إن معرفة العلامات و التيقن منها اعتقاداً يستدعي التوطئة و التمهيد المسبق فعلاً، لما يرجى وقوعه منها مصداقاً، ففي الروايات المأثورة يوجد تركيز على هذا البعد العملي من و الاستعداد لنصرته عند خروجه و فرجه.
ف عن أبي عبد الله الجعفي، قال، قال لي أبو جعفر محمد بن علي- الإمام الباقر عَلیْهِ السَّلام، كم الرباط عندكم؟ قلت: أربعون قال: لكن رباطنا رباط الدهر، و من ارتبط فينا دابةً كان له وزنها و وزن و زنها ما كانت عنده، و من ارتبط فينا سلاحاً كان له وزنه ما كان عنده، لا تجزعوا من مرة، و لا من مرتين، و لا من ثلاث، و لا من أربع... (2)
و بين العلامة المجلسي رَحِمَه اللهُ في شرح قوله: رباطنا رباط الدهر: اَیْ یَجِبُ عَلَی الشّیعَةِ أَنْ یَرْبِطُوا أَنْفُسَهُمْ عَلی طاعَهِ إِمامِ الْحَقِّ، وَ إِنْتِظارِ فَرَجِهِ، وَ یَتَهَیَّاؤُا لِنُصْرَتِهِ (1)
و قد ذكر الفقهاء مفهوم المرابطة في كتاب الجهاد، و قالوا: و المرابطة مستحبة، و حدُّها ثلاثة أيام إلى أربعين يوماً، فإذا زاد على ذلك كان جهاداً (2)
و بينوا المراد بها: و هو أن يقيم المؤمن و يربط دابته في ثغر من الثغور، لحفظ بلاد الإسلام من تهاجم الكفار، فيدفعهم إذا هجموا على المسلمين، و أقل زمان هذه المرابطة ثلاثة أيام، و أكثره أربعون يوماً، فإذا تجاوز الأربعين كان ثوابه ثواب المجاهدين و لا فرق في استحباب هذه المرابطة بين زمان حضور الإمام عَلیْهِ السَّلام و غيبته، و فيها فضل كثير (3)
و قد أشار القرآن الكريم نصاً إلى معنى المرابطة و دورها في حفظ الدين و الثغور من الأعداء، من خلال الثبات و الجهاد، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِِرُوا وَ صَابِرُوا وَ رَابِطُوا وَ اتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُم تُفْلِحُونَ (آل عمران 200).
و كذلك في الرواية عن بريد بن معاوية العجلي، عن أبي جعفر محمد بن علي- الإمام الباقر عَلیْهِ السَّلام في معنى قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصبِروا وَ صابِرُوا وَ رَابِطُوا وَ اتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، قال: اِصبِرُوا علی أداءِ الفَرائِضِ و صابِرُوا عَدُوَّکُم، و رابِطُوا إمامَکُم المُنْتَظَرَ (4).
1) مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول: العلامة المجلسي، ج 26، ص 582.
2) الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد، الشيخ الطوسي، ص 312، منشورات مطبعة الخيام- قم، 1400ه-
3) مکیال المکارم: میرزا محمد تقي الأصفهاني، ج 2، ص 397 - 398، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت- لبنان.
4) الغيبة: النعماني، ص 34، منشورات أنوار الهدى، إيران- قم المقدسة.
و عن الإمام جعفر الصادق عَلیْهِ السَّلام في معنى رابِطُوا، قال:اَلْمُقَامَ مَعَ إِمَامِکُمْ (1)
و للشيخ حسين الكوراني العاملي رَحِمَه اللهُ بيان قيم لمفهوم المرابطة في عصر الغيبة الكبرى و ارتباطها الوثيق بالانتظار و التمهيد و الإعداد.
قال ما نصه: و لا شك أنَّ الوقوف مع الإمام المنتظر عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف أثناء غيبته إنما يتحقق بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و الجهاد في سبيل الله مع نائبه الفقيه الجامع للشرائط، انطلاقاً من الاهتمام بأمور المسلمين و مواجهة الطواغيت الذين يريدون ليطفؤوا نور الله تعالى.و في هذا السياق يمكن فهم الروايات التي تتحدث عن إعداد السلاح، أو واسطة النقل (الدابة و غيرها ، فالانتظار عمل دائب باتجاه تزكية النفس (الجهاد الأكبر)، و حمل همَ المسلمين لا ينفك عن الجهاد الأصغر.)إنَّ الانتظار لا يعني على الإطلاق تأجيل الصراع مع أعداء الله حتى إشعار آخر، و إنما يعني استمرار الصراع حتى تكون الجولة الفاصلة بإذن الله على يدي وليه الإمام المنتظر.و من النتائج العملية المترتبة على ذلك الاهتمام بالتدريب العسكري، و إن المرابطة مع عدم القدرة على القتال أمر عبثي.و إن المرابطة في غيبة الإمام المنتظر تعني امتلاك الأمة رصيداً كبيراً من الإحساس بالمسؤولية، يحملها على تحصين ساحتها بالإعداد العسكري، الذي يمكنها من حماية ثغورها، و المرابطة عليها في مواجهة كل قوى الكفر و النفاق (2)
3- للعلامات- و لو البعض منها كاليماني- دور مكين و راسخ و فاعل في تربية المؤمنين المنتظرين تربيةً روحيةً و فكريةً و سلوكيةً، قادرةً على تحمل انتظار الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف و تلقي فرجه الموعود، طبقاً لمقتضيات الظروف الزمانية و المكانية، و الحيثيات الموضوعية.
و هل الانتظار بإطلاقه و بمعناه الواسع يشمل التمهيد فعلاً، بحيث يكون من أعلى مراتبه؟
مما لا ريب فيه اعتقاداً هو أننا مأمورون بانتظار إمامنا المهدي الموعود عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف، بحسب ما جاء في لسان الروايات الكثيرة و المعتبرة و الصحيحة، انتظاراً يتقوم بحيثيات عبادية و نفسية و فكرية و سلوكية، لها تأثيرها المؤكد في بناء الشخصية القادرة على تحمل التكليف الشرعي و العقائدي، في وقت الغيبة و الظهور، و قيام الحق فعلاً.
و إنَّ طبيعة الانتظار غير قاصرة عن شمول التمهيد كحصة أو مصداق عملي، بحكم إطلاقه مفهوماً و تطبيقاً.
و وجه كون الانتظار واجباً عقائدياً، لما يمثله من كونه محققاً لما هو المطلوب بحسب المرتكزات الشرعية و العقلانية في التعاطي مع ما يرجى وقوعه حقاً، و يرغب فيه أملاً، و يتيقن به وعداً و حتماً.
و إلى هذا المعنى المعقول أشار الشيخ بشير النجفي (حفظه الله تعالى) في كتابه (ولادة الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف)، بما نصه:
إن الانتظار واجب بحكم العقل و الشرع، أما العقل- فلما تعلم من طبيعة البشر أنه لا يندفع إلى فعل، لا ينبغي أن يندفع إليه، إلّا إذا أحرز أنه يؤدي إلى ما يرغب فيه و يتمناه، و توقع الوصول إلى البغية يدفعه إلى العمل، فالتوقع و الانتظار لدولة الحق على يد الإمام المنتظر عَلیْهِ السَّلام مقدمة أساسية و منطلق فكري و عملي، نحو بذل الطاقة و الجهد في سبيل الوصول إلى تلك البغية.و أمّا الشرع- فقد ورد الأمر بالانتظار في كثير من الروايات فبلغ حد التواتر، بل في بعضها أن الانتظار من أفضل الأعمال في عصر غاب عنه الحق عن البسيطة، و أصبحت الأرض بيد الطغاة، يلعبون بالصالحين و بمقدراتهم، بل مقدرات الشعوب كلها، حسب ما تشتهي أنفسهم، و تدفع إليه أهواؤهم، کما عن رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم ضمن حديث ﴿انتظار الفرج عبادة (1)...، و في رواية عن الإمام علي عَلیْهِ السَّلام: إِنْتَظِرُوا الْفَرَجَ، وَ لا تَیْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللّهِ، فَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمالِ إِلَی اللّه ِ عَزَّوَجَلَّ إِنْتِظارُ الْفَرَجِ (2)، (3) و من المعلوم أنه لا يوجد نهي اعتقادي أو شرعي عن التوطئة و التمهيد خلال الغيبة الكبرى، و قبيل الظهور و القيام الشريف، فيندرج هذا المفهوم و الحراك تحت مظلة الانتظار المأمور به اعتقاداً و نقلاً، بحيث يمكن أن يمثل أحد معالمه و ركائزه الفعلية في الامتثال و التطبيق.
و قد بين هذا المعنى القيم آية الله السيد محمد باقر الحكيم رَحِمَه اللهُ:
فذكر نصاً: و أصبح من ثم التمهيد للظهور أحد معالم هذا الانتظار، و أحد العوامل المؤثرة في التحرك من أجل إقامة حكومة العدل المطلق في تأريخ هذه الجماعة الصالحة (1)
و قال رَحِمَه اللهُ في مقطع آخر: شعور الانسان المؤمن بفكرة الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف، بأن مجمل أعماله و نشاطاته هي مساهمة في الدور التاريخي، و أداء له في التمهيد لقيام حكومة العدل الإلهي المطلق، التي يحققها الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف.فبدلاً من أن ينظر الانسان المؤمن إلى تقويم دوره و أعماله و نشاطاته من خلال الأهداف المنظورة في حياته الشخصية القصيرة، أو من خلال ما يمكن أن يحققه، أو يتحقق من إصلاحات في المجتمع الانساني، و عندئذٍ قد يرى كل تلك الأعمال و النشاطات محدودة التأثير و الأهداف فيزهد فيها، نرى أن الانسان المؤمن بفكرة الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف إنما يقوم بدوره الخاص في سلسلة المراحل و الأهداف و الأعمال التي تنتهي مجتمعةً إلى إقامة ذلك المجتمع الانساني الفاضل .و هذا بطبيعة الحال يمنح الانسان مستوى عالياً من الروح المعنوية في التعامل مع نشاطاته و أعماله و تضحياته، حيث يصبح الهدف كبيراً و عظيماً يغطي كل هذه النشاطات و الأعمال و الجهود و التضحيات مهما كانت كبيرة و صعبة، أو صغيرة و محدودة (2)
1) دور أهل البيت في بناء الجماعة الصالحة: السيد الشهيد محمد باقر الحكيم، ج 1، ص 196، الناشر: مركز الطباعة و النشر للمجمع العالمي لأهل البيت عَلیْهِمُ السَّلام الطبعة الأولى: 1419 ه-ق.
2) دور أهل البيت في بناء الجماعة الصالحة: السيد الشهيد محمد باقر الحكيم، ج 1، ص 203، الناشر: مركز الطباعة و النشر للمجمع العالمي لأهل البيت عَلیْهِمُ السَّلام الطبعة الأولى: 1419 ه-.ق.
فالتمهيد يمثل الاستحضار الحي و الفاعل لانتظار الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف، و أعلى مراتبه في مجمل المستويات الاعتقادية و المعرفية و السلوكية و التربوية و التكاملية و التدبيرية.
بناءً على إمكان تصيد عنوان التمهيد من الإطلاق الأحوالي لكثير من الروايات المعتبرة و الصحيحة، التي أكدت على أهمية وظيفة الانتظار و ضرورتها عبادةً و سبيلاً في عصر الغيبة الكبرى، و لكونه مناظراً لغوياً و دلالياً لمفهوم التوطئة للإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف، يمكن تصنيفه– أي التمهيد– في المراتب العليا للانتظار الراشد، و المرتكز على التفاضل في حراك المنتظرين.
كما ورد ذلك بلسان الرواية المأثورة، من أن الإمام علي بن الحسین عَلیْهِ السَّلام قال:
یا أبا خالِدٍ إنَّ أهلَ زَمانِ غَیبَتِهِ القائِلینَ بِإِمامَتِهِ وَ المُنتَظِرینَ لِظُهورِهِ أفضَلُ مِن أهلِ کُلِّ زَمانٍ، لِأَنَّ اللّهَ تَبارَکَ و تَعالی أعطاهُم مِنَ العُقولِ وَ الأَفهامِ وَ المَعرِفَةِ ما صارَت بِهِ الغَیبَةُ عِندَهُم بِمَنزِلَةِ المُشاهَدَةِ، و جَعَلَهُم فی ذلِکَ الزَّمانِ بِمَنزِلَةِ المُجاهِدینَ بَینَ یَدَی رَسولِ اللّهِ صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم بِالسَّیفِ، اُولئِکَ المُخلِصونَ حَقّاً، و شیعَتُنا صِدقاً، وَ الدُّعاهُ إلی دینِ اللّهِ عَزَّ وَ جَلَّ سِرّاً و جَهراً .و قالَ عَلِیُّ بنُ الحُسَینِ عَلیْهِما السَّلام: اِنتِظارُ الفَرَجِ مِن أعظَمِ الفَرَجِ (1) و للشيخ المنتظري رَحِمَه اللهُ تعليق قيم في بيان مفاد و دلالة هذه الرواية، بما يجعل الانتظار تمهيداً و من مقدمات الفرج، فذكر ما نصه: إن انتظار الفرج ليس مجرد شعار أجوف، و إنما هو صبر، و استقامة و استعداد عملي،
1) كمال الدين و تمام النعمة: الصدوق، ص 320، الناشر- مؤسسة النشر الإسلامي التابعة الجماعة المدرسين يقم المقدسة.
و تمهيد لمقدمات الفرج، فإن الذي ينتظر ضيفاً عزيزاً، يبادر إلى إعداد داره، بشكل يتناسب و شأن ضيفه، و عليه فإن المنتظرين له يشعرون بالحاجة إليه، و يدركون أهدافه، و يتوقعون ظهوره في كل لحظة، و أنه سيطلب منهم العون و النصرة، للوصول إلى أهدافه المقدسة﴾ (1)
عند مراجعة بعض الروايات المأثورة في شأن القيام و الظهور و الفرج، يظهر معطى دلالي قيم، يؤكد على عدم عفوية أمر ظهور الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف، و استسهال ظهوره، و مدى ارتباطه المكين بشروط واقعية و موضوعية، تستدعي العمل المسبق و المنظم، و الذي يقوم على أساس التخطيط و بذل الوسع من الجهد و المشقة و مواجهة الصعاب، و تقديم التضحيات، حتى يستقيم ذلك الأمر الإلهي الموعود حتماً و تحققاً.
و قد أورد الشيخ الطوسي قُدِّس سِرُّه في كتابه (الغيبة) هذه المعاني الاعتقادية و الموضوعية و الواقعية في عدة روايات، يستظهر ذلك منها بوضوح و صراحة.
فروى عن بشير النبال، أنه قال: لما قدمت المدينة، قلت لأبي جعفر، الإمام محمد الباقر عَلیْهِ السَّلام: إنهم يقولون: إن المهدي لو قام، لا ستقامت له الأمور عفواً، و لا يهريق محجمة دم، فقال: كَلَّا، وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوِ اسْتَقَامَتْ لِأَحَدٍ عَفْواً لَا سْتَقَامَتْ لِرَسُولِ الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم حِينَ أُدْمِيَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وَشُجَّ فِي وَجْهِهِ، كَلَّا، و الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى نَمْسَحَ نَحْنُ وَ أَنْتُمُ الْعَرَقَ وَ الْعَلَقَ (2،ثُمَّ مَسَحَ جَبْهَتَهُ) (3)
فإنَّ نفي عفوية القيام المهدوي دون ملاقاة الشدائد قبل الظهور الشريف، في متن هذه الرواية، يؤكد على أن استقامة الأمر الموعود، و تحققه مرهون واقعاً و فعلاً بالتمهيد المنظم، و التوطئة على وجه يتحمل فيه المؤمنون المنتظرون مواجهة الصعاب و التضحيات و الأذى على مستوى أنفسهم و الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف معاً.
و في رواية أخرى عن المفضل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله الإمام جعفر الصادق عَلیْهِ السَّلام، و قد ذكر القائم عَلیْهِ السَّلام، فقلت: إني لأرجو أن يكون أمره في سهولة، فقال: لا يَكُونُ ذُلك حتّى تَمْسَحُوا العَلَقَ والْعَرَقَ (1)
و كذلك الحال في هذه الرواية أيضاً، يتبيَّن أن أمر الظهور و القيام ليس بالأمر السهل في تحققه، ضمن معطيات و حيثيات الظروف و الشرائط في وقتها، إلّا بعد بذل الجهد المنظم، و تجاوز الشدائد بتحملها، و ملاقاتها بما فيها من تحمل الأذى و المشقة و الضرر.
إنَّ التتبع الدقيق في ما تحمله متون بعض الروايات المهدوية المعتبرة، يغطي مجمل وظائف الإنسان المؤمن في تعاطيه الاعتقادي مع مسألة الغيبة الكبرى للإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف و مقتضياتها، من الترقب و الانتظار و التوطئة أو التمهيد، و ما يكتنف ذلك من تطبيقات و خيارات، و أدوار و مكتسبات، يبين للباحث ثمة تداخل مفاهيمي دلالي عميق بين هذه المرتكزات الثلاثة في حراك الوظيفة و العلاقة بين المؤمنين و إمامهم المهدي المنتظر الموعود، و دخالتها
1) الغيبة: الطوسي، ص 295، منشورات أنوار الهدى- الطبعة الأولى- 1422 ه- ق.
المباشرة في تعجيل الفرج و تحقق الظهور، و قيام العدل و الحق و الهدى، و دفع الظلم و الجور عن العباد، و محاربة الفساد في الأرض.
فهذه المفاهيم الثلاثة (الترقب- الانتظار- التمهيد) هي وظائف اعتقادية و عقلية مشروعة، و منصوصة في لسان الروايات، بل هي أفضل العبادات في منظومة التعاطي العقدي مع الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف في عصرالغيبة الكبرى.
الانتظار الموجه- الشيخ محمد مهدي الأصفي ... 3
جيل (الموطّّئين) في النصوص الإسلامية/ 1- الموطّئون في المشرق ... 5
2- الموطّئون من (خراسان)/ 3- الموطّئون من (قم) و (الري) ... 7
4- الموطئون من اليمن/ الدلالات: 1- الجيل الصلب ... 8
2- جيل التحدّي و التمرّد ... 9
3- ردود الفعل العالمية ... 13
مشروع التوطئة/ التحضير لظهور الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف ... 15
حكومة عصر الظهور- الشيخ مكارم الشيرازي ... 19
الاستعدادات الضرورية للحكومة العالمية ... 21
الاستعدادات العامّة ... 22
1- الاستعداد الفكري و الثقافي/ 2- الاستعداد الاجتماعي ... 23
3- الاستعدادات التقنية ... 24
2- فلسفة الغيبة ... 27
ا) استعداد القبول (الاستعداد النفسي) ... 29
ب التكامل الثقافي و الصناعي ... 31
ج) إعداد القوى الثورية ... 32
3- إعداد ثلّة ثورية واعية ... 34
كيف سيتغير العالم- السيد عباس نور الدين ... 37
دور الممهدين الواقعيّين ... 39
التمهيد لظهوره ... 46
تهذيب النفس ... 48
الحزن و البكاء على فراقه ... 49
كتاب شمس المغرب- الأستاذ محمد رضا الحكيمي ... 53
و- بُعد الاستعداد العسكري ... 55
14- دور القوى الجماهيرية ... 57
26- نهضة الموطّئين من المشرق ... 61
28- أنصار مهيّأون و معركة مستمرة ... 65
أضواء على دولة الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف- السيد ياسين الموسوي ... 67
مراحل دول العراق/ المرحلة الأولى: قبل التمهيد ... 69
المرحلة الثانية: التمهيد ... 75
لاحظ شيئين: الأول: أنّه [المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف] يأتي من العراق ... 76
الثاني: اضطراب الرايات معنيان: الأول: الاهتزاز/الثاني: اللاتفاهم الجزئي ... 78
العشق المهدوي- بتول مرزوق رجاء الشريمي (أم عمار) ... 81
ج) المرابطة استعداداً لظهوره ... 83
الفصل الثالث: خدمة المعشوق ... 87
الإعانة المادية ... 88
الإعانة المعنوية/ أ) العلم و التعليم ... 89
ب) تهذيب الناس و هدايتهم ... 91
ج) نشر الثقافة المهدوية ... 92
مسيرة الزمان حتى صاحب الزمان عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف- الدكتور بلال نعيم ... 95
دور الممهدين في صناعة أسباب الظهور ... 97
أولاً: تشخيص اللحظة التاريخية للظهور ... 97
ثانياً: الحاجة إلى الممهدين في تهيئة أسباب الظهور ... 99
ثالثاً: الممهدون و الانصار الأساسيون ... 100
1- رايات المشرق/ الرايات السود/ أهل قم/ كنوز طالقان ... 101
2- أبدال الشام ... 102
3 - عصائب أهل الحق في العراق ... 103
4- أهمية الطموح لبلوغ أعلى مراتب النصرة ... 104
5- مواصفات الأنصار الحقيقيّين تبعاً للمهام ... 105
السفياني- السيد حيدر العذاري ... 109
الفصل الثامن: الحكومات المتزامنة مع حكومة السفياني ... 111
3- حكومة تمهّد للمهدي سلطانه في إيران ... 112
أولاً: قيام دولة في أرض المشرق (إيران) ... 112
ثانياً: رجل من قم يدعو الناس إلى الحق ... 114
ثالثاً: لها قوة عسكرية بقيادة شاب تميمي ... 114
رابعاً: فيها رجال كأنّ قلوبهم زبر الحديد، شعارهم يالثارات الحسين ... 115
خامساً: دور علمي فلكي كبير لمدينة قم ... 116
سادساً: التحرك الميداني للخراساني ... 117
سابعاً: الرايات السود ... 118
جولة في حكومة الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام- الشيخ نجم الدين الطبسي ... 123
الممهدون للظهور ... 125
روايات القتل و سفك الدماء في عصر الظهور- الشيخ نجم الدين الطبسي ... 129
تربية جنود الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام و إعداد المقدّمات للحرب ... 131
النور الغائب- مجتبى السادة ... 133
خامساً: تحدّي وقت الظهور يتعارض مع سنن الله في مسألة التمحيص و التمهيد ... 135
رؤی مهدوية- مجتبى السادة ... 141
الفصل الثالث: قراءة استراتيجية في مسيرة التمهيد المهدوي... 143
أولاً: الاستمرار في عرض المسائل الفكرية و العقائدية المهدوية الأصيلة ... 143
ثانياً: التصدّي إلى أعداء الإسلام في محاربتهم للقضية المهدوية ... 144
ثالثاً: التبشير للقضية المهدوية لدى غير المسلمين ... 145
رابعاً: الاستفادة من أساليب و مناهج الدولة المهدوية الفاضلة ... 146
خلاصة القول ... 147
لماذا لم يأتِ الإمام- مركز باء للدارسات ... 149
كيف نمهّد للإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف ... 151
العمل على معرفة الإمام ... 153
السعي إلى امتلاك العلم ... 154
العمل على توحيد الأمّة ... 157
المهدوية الخاتمة- السيد ضياء الخبّاز: الجزء الثاني ... 159
الدعوى الثامنة: اهتمام الروايات الشريفة بشخصية (أحمد) ... 161
الطائفة الثالثة: ما دلّت على وجود ممهّد من أهل البيت قبل الظهور ... 162
الرواية الأولى/ مناقشة الاستدلال بالرواية الأولى ... 162
الرواية الثانية/ مناقشة الاستدلال بالرواية الثانية ... 164
الطائفة الرابعة: ما دلّت على وجود ممهّد قبل الظهور، و هي خبران ... 166
وجه التأمل في الخبرين ... 166
عصر الغيبة الوظائف و الواجبات- الشيخ علي الشطري العبادي ... 169
المرابطة/ أقسام المرابطة/ القسم الأول: الإرصاد لحفظ حدود و ثغور المسلمين ... 171
الثاني: مرابطة المؤمن الإمام زمانه عَلیْهِ السَّلام ... 172
الثالث: ربط الفرس و نحوها لقتال أعداء الإمام انتظاراً لظهور ... 174
على ضفاف الانتظار- الشيخ حسين الأسدي ... 179
(19) هل تختلف المرأة في دورها التمهيدي؟ ... 181
الجهة الأولى: دورها في أصل عملية التمهيد/ الجهة الثانية: مفردات التمهيد ... 182
شمس خلف السحاب- ماهر آل شبر ... 185
11- ظهور الأشخاص و الجماعات الممهدّين للمهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف ... 187
كيف يكون الانتظار للإمام المهدي- عماد الكاظمي ... 191
الحكومة العالمية للإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف و الاستعداد لها ... 193
الاستعدادات العامّة ... 194
آثار الأشعة المعنوية لوجود الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف: أولاً: بث الأمل ... 197
ثانياً: حماية الدين/ ثالثاً: إعداد ثلة ثورية ... 198
ثالثاً: إعداد ثلة ثورية واعية... 198
معالم الحكومة في عهد ظهور الإمام المهدي- شهاب الدين حسيني ... 201
دور الموطّئين في انتصارات الإمام المهدي عَلیْهِ السَّلام ... 203
الإمام المهدي في الأحاديث المشتركة بين السنة و الشيعة- محمد أمير الناصري ... 211
الباب الثالث عشر: المنتظرون و الممهّدون لظهور المهدي ... 213
الفصل الأول: أنّ الحركات الممهّدة تدوم حتى قيام الساعة/ عن طريق السنة ... 213
عن طريق الإمامية ... 214
الفصل الثاني: أنّ الممهدون من المشرق/ عن طريق السنة/ عن طريق الإمامية ... 215
الفصل الثالث: أنّ الممهدون من المغرب/ عن طريق السنة/ عن طريق الإمامية ... 218
المختصر من وظائفنا نحو الإمام المنتظر- غالب السيد محمد علي الحيدري ... 221
الوظيفة العشرون: مجاهدة النفس و تهذيبها استعداداً للظهور ... 223
كيف تنصر إمام زمانك عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف- الشيخ محمد باقر الفقيه ... 227
السبيل الخامس: نصرة الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف بالمرابطة ... 229
أقسام المرابطة: القسم الأول: حماية حدود و ثغور البلاد الإسلامية ... 230
القسم الثاني: الكون على حالة انتظار كامل للفرج ... 230
ثواب أعمال الإنسان ... 231
المصلح العالمي من النظرية إلى التطبيق– السيد نذير الحسني ... 235
إيران/ تحرير محل النزاع في الرايات السود: النوع الأول: رايات بني العباس ... 237
النوع الثاني: رايات سود ممهّدة للمهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف ... 238
هذا ما وعد الرحمن و صدق المرسلون من علامات الظهور- السيد فاروق البياتي: الجزء الثاني ... 243
ثانياً: الشيعة هم الموطّئون لدولة المهدي- الموطّئون للمهدي- ... 245
هل تعرف إمام زمانك- الدكتور بلال نعيم ... 249
(15) العجم و التمهيد لإيران ... 251
(16) دور أهل عاملة ... 253
شرح زيارة آل ياسين- الشيخ حميد عبد الجليل الوائلي ... 255
الفقرة السابعة و العشرون و الأخيرة: «و نصرتي لكم مُعدّة ...» ... 257
النقطة الأولى: (النصرة و المودّة) في اللغة ... 257
النقطة الثانية: (النصرة و المودة) في القرآن الكريم ... 258
النقطة الثالثة: (النصرة و المودة) في الروايات الشريفة ... 258
النقطة الرابعة: المستفاد من الفقرة ... 259
علائم الظهور في المستقبل المنظور- حسن النجفي ... 263
الفصل الثالث: الإعداد و التعبئة ... 265
الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف عدالة السماء- السيد عباس الموسوي ... 269
المشرقيّون الممهدون ... 271
سمات المنتظرين- الشيخ حبيب الكاظمي ... 275
أثر الدعاء في التعجيل ... 277
تمكين الأرض له عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف ... 279
التمهيد لفرجه ... 280
الاستعداد و لو بسهم ... 281
سوسيو لوجيا المنقذ- أحمد الصحّاف ... 283
3- ضرورات إعداد المجتمع لمرحلة التغيير القادمة ... 285
ماذا يعني ذلك من وجهة نظر سوسيو لجية؟ ... 286
العراق في خارطة الظهور- محمد شابث ... 289
التمهيد للظهور ... 291
المهدي- السيد صدر الدين الصدر ... 295
تمهيد أسباب نصره ... 297
الصحيفة المباركة المهدية- السيد المجتهدي السيستاني ... 299
(435): إظهار التهيّؤ لنصرته في زيارة الشهداء ... 301
بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين- مقالات لعدد من الفضلاء ... 303
إعداد الأرضية لحكومة المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف العالمية/ محمد المحمدي الاشتهاروي ... 305
جواب على سؤال: يظهر الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف بعد امتلاء الظلم و هذا ليس استعداداً، بل هو على خلاف ثورة المهدي/ عشرة عوامل مهمة للاستعداد ... 307
1- جاذبية القرآن وحقانية الإسلام/ 2- العلم و التفكير و العمل بهما ... 308
3- الاستقامة و الثبات و الشجاعة ... 309
4- الزهد و مراعاة الأخلاق و الحقوق ... 310
5- الإيمان و التوكل على الله/ 6- التعاون ... 311
7- تعامل الناس مع بعضهم و الأساليب المنطقية بينهم ... 312
8- الاهتمام بالطبقة المستضعفة/ 9- اتّحاد المسلمين و انسجامهم ... 313
10- القائد الصالح ... 314
المقالات المنتخبة في المؤتمر العالمي الثاني للنظرية المهدوية- مؤسسة المستقبل المضني ... 317
المهدي المنتظر و هْمُ الانتظار و همُّ الفرج/ خالد زهري، الرباط، المغرب ... 319
البعد العملي للعقيدة المهدوية ... 320
مقالات مؤتمر الإمام المهدي و مستقبل العالم: الجزء الأول- مجمع أهل البيت ... 329
مسؤوليات عصر الغيبة/ محمد مهدي الأصفي ... 331
تكاليف المؤمنين و مسؤولياتهم في عصر الغيبة ... 332
2- الإعداد و التحضير لظهور الإمام/ الانتظار قسمان ... 333
أولاً: الرصد/ ثانياً: التحضير و الإعداد ... 333
الطاعة في عصر الغيبة/ 4- الدعاء/ الدعاء من أسباب الفرج ... 337
مفاتيح خزائن رحمة الله/ الدعاء و العمل ... 338
بين الإعداد و التحضير و الدعاء ... 340
الانتظار الواعي و مسؤوليتنا تجاه الدولة العالمية/ السيد محمد الشوكي ... 342
التمهيد على مستوى الذات ... 343
التمهيد على مستوى عام ... 348
على المستوى السياسي ... 352
العقيدة المهدوية في الزيارة الجامعة الكبيرة/ محمد فاكر ميبدي ... 355
الانتظار و الاستعداد للظهور ... 356
نصرة المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف ... 357
الانتظار الحقيقي لدولة الإمام المهدي/ الشيخ أيوب الحائري ... 360
ما هو دور الإيرانيين في نهضة المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف؟ ... 361
إيران الإسلام تمهّد لظهور الحجة عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف ... 363
الموعود (3)- مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف ... 367
تمهیدنا: محورية التمهيد في المنظومة المهدوية/ رئيس التحرير ... 369
الموعود (4)- مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف ... 375
التمهيد الأربعيني/ رئيس التحرير ... 377
الموعود (6)- مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف ... 383
المقوّمات البنيوية للدولة المهدوية المرتقبة و المتطلّبات الواقعية/ مرتضى الحلى ... 385
المقوّمات البنيوية العقدية و السلوكية و المعرفية، و فيه ثلاثة محاور ... 386
المحور الثاني: تمكين القواعد العقدية و الكونية في السلوك الإنساني ...387
الهوامش ... 395
الموعود (7)- مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف ...397
أثر غيبة المهدي الكبرى في تكامل المجتمع المسلم/ أ. علاء إبراهيم رزوقي ... 399
دور الأئمة عَلیْهِمُ السَّلام في التمهيد لدولة الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف ... 400
المهدي يهيّء ذهنية الأمة لليوم الموعود ... 401
التمحيص الضخم ... 402
المبحث الثاني: الإعداد الروحى لاستقبال دولة الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف ... 402
تكمن أهمية التربية الروحية في عصر الغيبة في عدةً أمور ... 403
الهوامش ... 404
الموعود (11)- مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف ... 405
دخالة البشر في تعجيل فرج الإمام المنتظر عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف/ الشيخ كاظم القره غولي ... 407
وجوه المنع من دخالة البشر في تعجيل الظهور/ الأول: علل الغيبة ... 412
1- جريان سنن الأنبياء فيه ... 412
2- كونه سراً لم يُؤذن في كشفه ... 414
3- إخراج المؤمنين من أصلاب الكافرين ... 416
الثاني: عدم استجابة دعاء المعصومين بتعجيل الظهور ... 417
الثالث: ما دل على أنّ مدة الغيبة محدّدة بحساب الحروف .... 421
الوجوه التي تثبت دخالة البشر في تعجيل الظهور ... 423
الأول: ما دل على تأخير الفرج لتقصير الأمة ... 423
الثاني: قاعدة اللطف ... 426
الثالث: ما دل على الأمر بالدعاء بالفرج ... 433
الرابع: روایات الموطّئین ...434
الخامس: التوقيع الشريف الصادر للشيخ المفيد ... 435
السادس: روايات أخرى ... 436
الخلاصة: الأصل دخالة البشر في التعجيل، و وجوه النفي مخدوشة أو معارضة ...437
الموعود (16)- مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف ... 439
وظيفة المنتظر/ علي السيد محمد حسين الحكيم ... 441
النظرية الثانية: و هي نظرية البناء العقائدي ... 442
و يمكن إعداد النفس بأمور: الأمر الأول: التحصين العقائدي ... 442
الأمر الثاني: أداء الدور التبليغي/ الأمر الثالث: التقية ... 445
الأمر الرابع: معرفة الأحكام الشرعية ... 445
الأمر الخامس: التخلّق بأخلاق أهل البيت عَلیْهِمُ السَّلام ... 446
الانتظار و التمهيد/ الأدوار و المكتسبات/ مرتضى على الحلى ...447
بيان المصطلحات لغة و مفهوماً: 1- الترقّب ... 447
2- الانتظار/ 3- التمهيد/ التداخل الدلالي بين هذه المفاهيم الثلاثة ... 448
مدخل تصديقي في المطلبين ... 451
المطلب الأول: تصيّد العنوان و انتزاعه من الأدلة اللفظية روائياً ... 451
المطلب الثاني: معهودية انتظار بعثة النبي، و انتظار ظهور الإمام المهدي ... 454
البحث في محاور أساسية ثلاثة ... 457
المحور الأول: نماذج من بحث بعض الأصحاب، و تحرّيهم عن المعصوم بعد الإمام السابق ... 458
1- نموذج في وقت الإمام علي بن الحسين عَلیْهِ السَّلام ... 458
2- نموذج في وقت الإمام محمد الباقر عَلیْهِ السَّلام ... 459
3- نموذج في وقت الإمام جعفر الصادق عَلیْهِ السَّلام ... 460
4- نموذج في وقت الإمام الكاظم عَلیْهِ السَّلام ... 460
5- نموذج في وقت الإمام علي بن موسى الرضا عَلیْهِ السَّلام ... 461
6- نموذج في وقت الإمام الحسن العسكري عَلیْهِ السَّلام ... 463
المحور الثاني: هداية العلامات إلى معرفة الإمام المنتظر عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف ... 463
المحور الثالث: قد يقال: نحن مأمورون بالانتظار، و لا يوجد أمر بالتمهيد ... 469
خلاصة البحث: مجمل وظائف المؤمن هي الترقّب و الانتظار و التوطئة أو التمهيد ... 474
الفهرس ... 477