روضة المتقین فی شرح من لا یحضره الفقیه للصدوق المجلد 19

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

رَوْضَةُ الْمُتَّقِينَ

فِي

شَرْحُ مَنْ لَایَحْضَرُةُ الْفَقِيهُ لِلْصَدُوقِ

سرشناسه : مجلسی، محمد تقی بن مقصود علی، 1003-1070ق.

عنوان قراردادی: من لايحضره الفقيه، شرح

عنوان و نام پدیدآور: روضه المتقين فى شرح من لا يحضر الفقيه / تأليف محمد تقی مجلسی، وثقت اصوله و حققته و علقت عليه ، لجنه التحقيق في موسسه دارالکتاب الاسلامی

مشخصات نشر : قم دار الكتاب الاسلامی، 1387ش. مشخصات ظاهری : 1-20 جلد یاداشت عربی .

کتاب حاضر شرحی بر من لا یحضره الفقيه ابن بابویه است .

موضوع : ابن بابویه، محمد بن علی ،311-381 ق من لا يحضره الفقيه - نقد و تفسير - احادیث شیعه - قرن 4ق.

رده بندی کنگره: 1387 80217 م 2الف/BP129 رده بندی دیویی: 297/212

شماره کتابشناسی ملی : 1185375

با مشارکت و حمایت معاونت امور فرهنگی وزارت فرهنگ و ارشاد اسلامی چاپ و منتشر گردید

الكتاب: ...............روضة المتقين (ج5)

المؤلف :................ المولى محمد تقى المجلسي (رحمۀ الله علیه)

الناشر: .................مؤسسة دار الكتاب الاسلامي

الطبعة :...........الاولى 1429 هـ ق / 2008م

المطبعة :......... مطبعة ستار

عدد المطبوع :...........(3000) دوره

الترقيم الدولي (للمجموعة) : ...........5-216-465-964-978

الترقيم الدولي (ج 5) :........... 9-221-465-964-978

قم - ميدان المعلم - شارع رقم 22 - المبنى رقم 26

تلفن: 7744970 - 7730994 فاکس: 7837383

اشارة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رَوْضَةُ الْمُتَّقِينَ

فِي

شَرْحُ مَنْ لَایَحْضَرُةُ الْفَقِيهُ لِلْصَدُوقِ

تَأْلِیفُ

العَلَّامَةَ الْحَورَا الْمُحَمَّدْ تَقِيُ الْمَجْلِسِي

الْجُزْءُ الْتَّاسِعَ عَشَرَ

تَوْثِيقُ وَ تَدْقِيقُ وَ تَصْحِيحُ

قِسم التَّحْقِيقْ فِي مُؤَسَسَةِ دَار الْكِتَابْ الْاِسْلَامِي

مُؤَسَسَةِ دَار الْكِتَابْ الْاِسْلَامِي

دَار الْكِتَابْ الْاِسْلَامِي

سرشناسه : مجلسی، محمد تقی بن مقصود علی، 1003-1070ق.

عنوان قراردادی: من لايحضره الفقيه، شرح

عنوان و نام پدیدآور: روضه المتقين فى شرح من لا يحضر الفقيه / تأليف محمد تقی مجلسی، وثقت اصوله و حققته و علقت عليه ، لجنه التحقيق في موسسه دارالکتاب الاسلامي

مشخصات نشر : قم دار الكتاب الاسلامی، 1387ش. مشخصات ظاهری : 1-20 جلد یاداشت عربی .

کتاب حاضر شرحی بر من لا یحضره الفقيه ابن بابویه است .

موضوع : ابن بابویه، محمد بن علی ،311-381 ق من لا يحضره الفقيه - نقد و تفسير - احادیث شیعه - قرن 4ق.

رده بندی کنگره: 1387 80217 م 2الف/BP129 رده بندی دیویی: 297/212

شماره کتابشناسی ملی : 1185375

با مشارکت و حمایت معاونت امور فرهنگی وزارت فرهنگ و ارشاد اسلامی چاپ و منتشر گردید

الكتاب: ...روضة المتقين (ج19)

المؤلف :... المولى محمد تقى المجلسي (رحمة الله علیه)

الناشر: ...مؤسسة دار الكتاب الاسلامي

الطبعة :...الاولى 1429 هـ ق / 2008م

المطبعة :... مطبعة ستار

عدد المطبوع :...(3000) دوره

الترقيم الدولي (للمجموعة) : ...5-216-465-964-978

الترقيم الدولي (ج 5) :... 9-221-465-964-978

قم - ميدان المعلم - شارع رقم 22 - المبنى رقم 26

تلفن: 7744970 - 7730994 فاکس: 7837383

تتمة باب النوادر

اشارة

بسم الله الرحمن الرحيم

[باب علائم الدين وعدمه ]

يا عليّ للمؤمن ثلاث علامات الصّلاة والزّكاة والصّيام.

وللمتكلّف ثلاث علامات : يتملّق إذا حضر، ويغتاب إذا غاب، ويشمت بالمصيبة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(وللمتكّلف) أي من ليس إيمانه حقيقيّاً (يتملّق) أي يظهر المحبة (إذا حضر ويشمت) أي يفرح بالمصيبة.

روى الكليني والمصنف في القوي كالصحيح، عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: «بئس العبد عبد يكون ذا وجهين وذا لسانين، يطري أخاه شاهداً ويأكله غائباً، إن اُعطي حسده وإن اُبتلي خذله»(1).

وفي القوي كالصحيح، عن ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله(عليه السلام) . قال: «من لقي المسلمين بوجهين ولسانين جاء يوم القيامة وله لسانان من نار»(2).

وفي القوي، قال: «قال الله تبارك وتعالى لعيسى: يا عيسى ليكن لسانك في السر والعلانية لساناً واحداً وكذلك قلبك. إنّي أحذَّرك نفسك وكفى بي خبيراً، لا يصلح لسانان في فم واحد، ولا سيفان في غمد واحد، ولا قلبان في صدر واحد، وكذلك الأذهان»(3). إلى غير ذلك من الأخبار.


1) الكافي 2 : 343، باب ذي اللسانين ح .2. ثواب الأعمال : 269، ح 3.

2) الكافي 2 : 343، باب ذي اللسانين، ح 1. ثواب الأعمال : 268، ح 1. وفيه : «له لسان من نار».

3) الكافي 2 : 343، باب ذي اللسانين، ح 3. ثواب الأعمال : 269، ح 5.

وللظّالم ثلاث علامات: يقهر من دونه بالغلبة، ومن فوقه بالمعصية، ويظاهر الظّلمة.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

هذا مع عدم التقيّة. وأمّا معها فيجب.

وفي الموثق عن أبان بن عبد الملك، عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه قال: «لا تبدي الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويصيّرها بك» وقال: «من شمت بمصيبة نزلت بأخيه لم يخرج من الدنيا حتى يفتتن بها»(1)

[ للظالم ثلاث علامات ]

(وللظالم) إلى آخره، روى المصنف في الموثق عن حماد بن عيسى عن أبي عبد الله، قال: «قال لقمان لابنه : لكلّ شيءٍ علامة يعرف بها ويشهد عليها، وإنّ للدين ثلاث علامات: العلم، والإيمان، والعمل به، وللإيمان ثلاث علامات: الإيمان بالله. وكتبه. ورسله. وللعالم ثلاث علامات: العلم بالله، وبما يحب، ويكره. وللعامل ثلاث علامات: الصلاة، والصيام، والزكاة. وللمتكلّف ثلاث علامات: ينازع من فوقه، ويقول ما لا يعلم، ويتعاطى ما لا ينال. وللظالم ثلاث علامات: يظلم من فوقه بالمعصية، ومن دونه بالغلبة، ويعين الظلمة. وللمنافق ثلاث علامات: يخالف لسانه قلبه، وقلبه فعله، وعلانيته سريرته، وللآثم ثلاث علامات: يخون، ويكذب، ويخالف ما يقول. وللمرائي ثلاث علامات: يكسل إذا كان وحده، وينشط إذا كان الناس عنده، ويتعرّض كلّ امرئ للمحمدة. وللحاسد ثلاث علامات: يغتاب إذا غاب.


1) الكافي 2 : 359، باب الشماتة، ح 1.

وللمرائي ثلاث علامات: ينشط إذا كان عند النّاس، ويكسل إذا كان وحده، ويحبّ أن يحمد في جميع اُموره،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ويتملّق إذا شهد، ويشمت بالمصيبة. وللمسرف ثلاث علامات: يشتري ما ليس له. ويلبس ما ليس له، ويأكل ما ليس له. وللكسلان ثلاث علامات: يتوانى حتى يفرط. ويفرط حتى يضيّع، ويضيّع حتى يأثم. وللغافل ثلاث علامات: السهو، واللهو، والنسيان».

قال حماد بن عيسى: قال أبو عبد الله(عليه السلام) : «ولكلّ واحدة من هذه العلامات شعب، يبلغ العلم بها أكثر من ألف باب، وألف باب، وألف باب. فكن يا حماد: طالباً للعلم في آناء الليل والنهار، فإن أردت أن تقرَّ عينك وتنال خير الدنيا والآخرة فاقطع الطمع ممّا في أيدي الناس، وعدّ نفسك في الموتى، ولا تحدّثنَّ نفسك أنّك فوق أحد من الناس، واخزن لسانك كما تخزن مالك»(1).

[ للمرائي ثلاث علامات ]

(وللمرائي ثلاث علامات: ينشط) أي يعمل كثيراً بطيب النفس.

روى الكليني عن السكوني، قال: قال النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم): «إنّ الملك ليصعد بعمل العبد مبتهجاً به، فإذا صعد بحسناته يقول الله عزّوجلّ: اجعلوها في سجّين إنّه ليس إياي أراد بها»(2).


1) الخصال : 121، ح 113.

2) الكافي 2 : 294 ، باب الرياء، ح 7.

..............................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

وعن أمير المؤمنين(عليه السلام) ، قال :« ثلاث علامات للمرائي: ينشط إذا رأى الناس، ويكسل إذا كان وحده، ويحب أن يحمد في جميع اُموره»(1).

وقال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) :« سيأتي على الناس زمان تخبث فيه سرائرهم وتحسن فيه علانيتهم طمعاً في الدنيا، لا يريدون به ما عند ربهم، يكون دينهم رياءً. ولا يخالطهم خوف، يعمّهم الله بعقاب، فيدعونه دعاء الغريق فلا يستجيب لهم»(2).

وفي القوي عن يونس بن ظبيان، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام)يقول: «قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): إنّ الله عزّوجلّ يقول: ويل للذين يختلون الدنيا بالدين، وويل للذين يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، وويل للذين يسير المؤمن فيهم بالتقيّة أبي يغترون؟ أم عليَّ يجترون؟ فبي حلفت : لأمتحنَّ (أو لأتيحن أي لأقدرن) لهم فتنة تترك الحليم منهم حيراناً »(3). والختل : الخدعة.

وروى المصنف في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عن أبيه عن آبائه(عليهم السلام)، قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : يؤمر برجل إلى النار فيقول الله جلّ جلاله لمالك: قل للنار: لا تحرقي لهم أقداماً فقد كانوا يمشون إلى المساجد، ولا تحرقي لهم وجوهاً فقد كانوا يسبغون الوضوء، ولا تحرقي لهم أيدياً فقد كانوا يرفعونها بالدعاء، ولا تحرقي لهم السنة فقد كانوا يكثرون تلاوة القرآن، قال: فيقول


1) الكافي 2 : 296، باب الرياء، ح 8.

2) الكافي 2 : 296، باب الرياء، ح 14.

3) الكافي 2 : 299 ، باب اختتال الدنيا بالدين، ح 1.

................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

لهم خازن النار: يا أشقياء ما كان حالكم؟ قالوا: كنا نعمل لغير الله، فقيل: لتأخذوا ثوابكم ممّن عملتم له»(1).

اعلم أنّ ظاهر الخبر يدلّ على تحريم الرياء، وعلى ما ذهب إليه السيد المرتضى(رضی الله عنه) من أنّ العمل الذي يعمل رياء مجز، ولكنّه غير مقبول(2)، وفرّق بينهما بأن العبادة المقبولة يستحق بها الخلاص من النار ولا يستحق بها دخول الجنة. ويحتمل أن يكون عدم الاحتراق تفضّلاً منه تعالى باعتبار التشبه بالعابدين، كما ورد «أن من تشبّه بقوم فهو منهم»(3).

وفي الصحيح عن مسعدة بن زياد عن جعفر بن محمد عن أبيه: «إنّ رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) سئل ما النجاة؟ قال: إنّما النجاة في أن لا تخادعوا الله فيخدعكم، فإنّ من يخادع الله يخدعه ويخلع الإيمان ونفسه تخدع لو يشعر. فقيل له: وكيف يخادع الله ؟ قال: يعمل بما أمره الله ثمَّ يريد به غيره، فاتّقوا الرياء فإنّه شرك بالله، إنّ المرائي يدعى يوم القيامة بأربعة أسماء: يا كافر، يا فاجر، یا غادر، یا خاسر، حبط عملك وبطل أجرك، ولا خلاق لك اليوم، فالتمس أجرك ممّن كنت تعمل له»(4).

وفي الصحيح عن أبي عبد الله عن أبيه(عليهم السلام) ، قال: «إن الله عزّ وجلّ كتاباً كتبه على


1) علل الشرائع 2 : 465، باب النوادر ، ح 18.

2) انظر: الانتصار : 100.

3) عوالي اللآلي 1 : 165 ، ح170.

4) الأمالي للشيخ الصدوق : 677 ، ح 23.

....................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

نبيّ من الأنبياء أنّه يكون خلق من خلقي يلحسون الدنيا بالدين (أو يختلون كما في الكافي(1)أي يأكلون بأطراف لسانهم أو يأكلونها بالمخادعة مع الله ) يلبسون مسوك الضأن على قلوب كقلوب الذئاب أشدّ مرارة من الصبر، وألسنتهم أحلى من العسل، وأعمالهم الباطنة أنتن من الجيفة، فبي يغترون أم إيّاي يخادعون؟ أم عليَّ يجترون؟ فبعزّتي حلفت لأبعثنَّ عليهم فتنة يطافي حطامها حتى يبلغ أطراف الأرض، تترك الحكيم (أو الحليم) فيها حيراناً يضل فيها رأي ذي الرأي وحكمة الحكيم ألبسهم شيعاً ويذيق بعضهم بأس بعض، أنتقم من أعدائي بأعدائي فلا اُبالي»(2)بما أُعذِّبهم جميعاً ولا اُبالي.

وروى الكليني عن السكوني، قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : «سيأتي على الناس زمان تخبث فيه سرائرهم وتحسن فيه علانيتهم طمعاً في الدنيا، لا يريدون به ما عند ربهم، يكون دينهم رياء لا يخالطهم خوف، يعمّهم الله بعقاب فيدعونه دعاء الغريق فلا يستجيب لهم»(3).

وفي الصحيح عن عمر بن يزيد، قال: إني لأتعشى عند أبي عبد الله(عليه السلام) إذ تلا هذه الآية: «بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةًولَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ يا أبا حفص ما يصنع الإنسان أن يتقرّب إلى الله عزّوجلّ بخلاف ما يعلم الله، إنّ رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)


1) الكافي 2 : 299 ، باب اختتال الدنيا بالدين، ح 1.

2) ثواب الأعمال : 255، ح 2.

3) الكافي 2 : 296، باب الرياء، ح 14

.................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

كان يقول: من أسرّ سريرة رداه الله رداءها، إن خيراً فخيراً وإن شرّاً فشرّاً»(1).

وفي الموثق كالصحيح، عن عقبة بن خالد، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) : «يقول اجعلوا أمركم هذا الله ولا تجعلوه للناس، فإنّه ما كان الله فهو الله وما كان للناس فلا يصعد إلى الله »(2).

وفي الحسن كالصحيح ، عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «كلّ رياء شرك. إنّه من عمل للناس كان ثوابه على الناس، ومن عمل الله كان ثوابه على الله » (3).

وفي القوي كالصحيح عن جراح المدائني عن أبي عبد الله(عليه السلام)في قول الله عزّوجلّ: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلَا يُشْرِكَ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً قال: «الرجل يعمل شيئاً من الثواب لا يطلب به وجه الله، إنّما يطلب تزكية الناس، يشتهي أن يسمع به الناس، فهذا الذي أشرك بعبادة ربه أحدا» ثمَّ قال: «ما من عبدٍ أسرّ خيراً فذهبت الأيام أبداً حتى يظهر الله له خيراً، وما من عبد يسرّ شراً فذهبت الأيّام حتى يظهر الله له شراً»(4).

وفي الصحيح عن عمر بن يزيد قال: إنّي لأتعشّى مع أبي عبد الله(عليه السلام) إذ تلا هذه الآية: «بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةُوَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ يا أبا حفص


1) الكافي 2 : 296، باب الرياء، ح 15. والآيتان في سورة القيامة : 14 و 15.

2) الكافي 2 : 293، باب الرياء، ح 2.

3) الكافي 2 : 293، باب الرياء، ح 3.

4) الكافي :2 : 293 باب الرياء، ح 4. والآية في سورة الكهف : 110.

................................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

ما يصنع الإنسان أن يعتذر إلى الناس بخلاف ما يعلم الله منه؟ إن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) كان يقول: من أسرّ سريرة ألبسه الله رداها، إن خيراً فخيراً وإن شرّاً فشرّاً»(1).

وفي الصحيح عن فضل عن أبي العباس عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «ما يصنع أحدكم أن يظهر حسناً ويسر سيّئاً؟! أليس يرجع إلى نفسه فيعلم أن ذلك ليس كذلك؟! والله عزّوجلّ يقول: بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ) إِنَّ السريرة إذا صحت قويت العلانية»(2)

وفي الحسن كالصحيح عن داود الرقي عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «من أظهر للناس ما يحب الله وبارز الله بما كرهه لقي الله وهو ماقت له»(3).

[ وجوب الإخلاص في العمل ]

وفي الموثق كالصحيح، عن علي بن سالم، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام)يقول: قال الله عزّوجلّ: أنا خير شريك، من أشرك معي غيري في عمل عمله لم أقبله إلّا ما كان لي خالصاً»(4).

وفي القوي عن محمد بن عرفة ، قال : قال لي الرضا(عليه السلام):« ويحك يا ابن عرفة


1) الكافي 2 : 294، باب الرياء، ح 6.

2) الكافي 2 : 295 ، باب الرياء، ح 11. والآية في سورة القيامة : 14.

3) الكافي 2 : 295، باب الرياء، ح 10

4) الكافي 2 : 295 باب الرياء، ح 9

................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

اعملوا لغير رياء ولا سمعة، فإنّ من عمل لغير الله وكله الله إلى من عمل (أو ما عمل) ويحك ما عمل أحد عملاً إلّا ردّاه الله به (أي جعل عمله ملازماً له كالرداء) إن خيراً فخيراً وإن شرّاً فشرّاً»(1).

وعن ابن القداح عن أبي عبد الله(عليه السلام)أنّه قال لعباد بن كثير البصري في المسجد: « ويلك يا عباد إياك والرياء، فإنّه من عمل لغير الله وكله الله إلى من عمل له »(2).

وفي القوي كالصحيح، عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام) : «ما من عبد يسرٌّ خيراً إلّا لم تذهب الأيام حتى يظهر الله له خيراً، وما من عبد يسرّ شرّاً إلّا لم يذهب الأيام حتى يظهر الله له شرّاً»(3).

وفي القوي عن يحيى بن بشير عن أبيه عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «من أراد الله عزّوجلّ بالقليل من عمله أظهر الله أكثر ممّا أراد، ومن أراد الناس بالكثير من عمله في تعب من بدنه وسهر من ليله أبى الله عزّوجلّ إلّا أن يقلّله في عين من سمعه»(4).

وعن أبي جعفر(عليه السلام) أنّه قال: «الإبقاء على العمل أشدّ من العمل» قلت: وما الإبقاء على العمل؟ قال« يصل الرجل بصلة وينفق نفقة الله وحده لا شريك له، فكتبت (أو يكتب) له سراً، ثمَّ يذكرها فتمحى فتكتب له علانية، ثمَّ يذكرها فتمحى


1) الكافي 2 : 294، باب الرياء، ح 5.

2) الكافي :2 : 293، باب الرياء، ح 1.

3) الكافي 2 : 295 ، باب الرياء، ح 12

4) الكافي 2 : 296 ، باب الرياء، ح 13.

............................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

وتكتب له رياء»(1).

أمير المؤمنين(عليه السلام). قال: «اخشوا الله خشية ليس بتعذير، واعملوا الله في غير رياء ولا سمعة، فإنّ من عمل لغير الله وكله الله إلى عمله»(2).

وفي الحسن كالصحيح، عن زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: سألته عن الرجل يعمل الشيء من الخير فيراه إنسان فيسرّه ذلك، قال: «لا بأس، ما من أحد إلّا وهو يحب أن يظهر له في الناس الخير إذا لم يكن يصنع ذلك لذلك»(3).

اعلم أنّ النيّة هي الباعث للعبد على الفعل، فإن كان الباعث له هو رضى الله تعالى فالعمل صحيح، وإن سرّ برؤية الغير عمله، والظاهر أنّ هذا السرور من لوازم الطبيعة، والانفكاك متعذّر إلّا من أولياء الله الذين لا يرون غيره تعالى من شدّة حبّهم له تعالى حتى صار الحب بمرتبة العشق أو تجلّى لهم عظمته تعالى بحيث يعدم عندهم ما دونه، وتكليف غيرهم بذلك تكليف بما لا يطاق إلّا من حيث إيجاد السبب من الحب والعرفان.

فما رواه الخاصة والعامة أنّه جاء رجل إلى النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فقال: إنّي أتصدّق وأصل الرحم ولا أصنع ذلك إلّا لله فيذكر ذلك منّي وأحمد عليه فيسرّني ذلك وأعجب به فسكت رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)ولم يقل شيئاً فنزل: أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا


1) الكافي 2 : 296، باب الرياء، ح 16.

2) الكافي 2 : 297، باب الرياء، ح 17

3) الكافي :2 : 297، باب الرياء، ح 18

..........................................ــــــــــــــــــــــــــلِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (1)ويظهر منه أنّ السرور بالعمل يكشف عن أنّه لم يعمل الله. فالحق أنّ المكلّف بهذه الرتبة المقرّبون الذين هم في المشاهدة، أوصلنا الله وسائر المؤمنين إليها حتى لا نرى غيره تعالى.

وعن أبي عبد الله(عليه السلام) في قول الله عزّوجلّ:لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً(2)قال: «ليس يعنى أكثركم عملاً ولكن أصوبكم عملاً، وإنّما الإصابة خشية الله والنية الصادقة والخشية أو الحسنة». ثمَّ قال: «الإبقاء على العمل حتى يخلص أشدُّ من العمل والعمل الخالص الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحدٌ إلّا الله عزّوجلّ، والنية أفضل من العمل، ألا وإنّ النية هي العمل، ثمَّ تلا قوله عزّوجلّ: كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شاكِلَتِهِ يعني على نيته»(3).

وعنه(عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عزّوجلّ: إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ قال: «القلب السليم الذي يلقى ربّه وليس فيه أحد سواه» قال: «وكل قلب فيه شرك أو شك فهو ساقط، وإنّما أرادوا الزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للآخرة»(4).

وعن السدي عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «ما أخلص عبد الإيمان بالله أربعين يوماً»


1) انظر الكافي :2 : 293 ، باب الرياء ، ح .4 تفسير القرطبي 11 : 70.

2) هود : 7. الملك : 2.

3) الكافي 2 : 16 ، باب الإخلاص ، ح .4. والآية في سورة الإسراء : 84.

4) الكافي 2 : 16 باب الإخلاص، ح5 .والآية في سورة الشعراء : 89

..............................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

أو قال: «ما أجمل عبد ذكر الله أربعين يوماً إلّا زهّده الله في الدّنيا وبصّره داءها ودواءها وأثبت الحكمة في قلبه وأنطق بها لسانه، ثمَّ تلا إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيْنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ، فلا ترى صاحب بدعة إلّا ذليلاً ومفترياً على الله عزّوجلّ وعلى رسوله وأهل بيته صلى الله عليهم أجمعين إلّا ذليلاً»(1).

والظاهر أنّ الغرض من ذكر هذه الآية أنّه لا يحصل هذه الكمالات لغير المؤمن فلا ينفع مجاهدة هؤلاء العامة وإن اجتهدوا غاية جهدهم، وكل من وصل إليها فبهداية الأئمة المعصومين(عليهم السلام) وصل، وهذا هو سرّ الصوفية كما ذكره العطّار في كتابه مظهر العجائب: إنّي كنت في الطفولية مع أبي ذاهباً إلى الشيخ نجم الدين الكبرى فلقّنني أولاً أسامي الأئمة(عليهم السلام)، ثمَّ الذكر، وقال: هذا التلقين عن شيخي، عن شيخي إلى أمير المؤمنين(عليه السلام) عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، عن جبرئيل، عن الله تبارك وتعالى، فلا تظهر هذا السر إلّا إلى من جربته من المريدين.

وفي القوي عن علي بن أسباط عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام) : «أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام)كان يقول: طوبى لمن أخلص الله العبادة والدعاء ولم يشغل قلبه بما ترى عيناه ولم ينس ذكر الله بما تسمع اُذناه ولم يحزن صدره بما اُعطي غيره(2).

وفي الصحيح عن عبد الله بن مسكان عن أبي عبد الله(عليه السلام) في قول الله عزّوجلّ:


1) الكافي 2 : 16، باب الإخلاص، ح 6. والآية في سورة الأعراف : 152.

2) الكافي 2 : 16، باب الإخلاص، ح 3.

.....................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

حَنِيفًا مُسْلِمًا قال: «خالصاً مخلصاً ليس فيه شيء من عبادة الأوثان»(1). وروينا مشافهة بأقرب الطرق عن أمير المؤمنين(عليه السلام)، قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) لبعض أصحابه ذات يوم: يا عبد الله أحبب في الله وأبغض في الله و وال في الله وعاد في الله، فإنّه لا ينال ولاية الله إلّا بذلك، ولا يجد رجل طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصيامه حتى يكون كذلك وقد صارت مؤاخاة الناس يومكم هذا أكثرها في الدنيا، عليها يتوادّون وعليها يتباغضون، وذلك لا يغني عنهم من الله شيئاً» فقال له: وكيف لي أن أعلم أنّي قد واليت وعاديت في الله عزّوجلّ فمن ولي الله حتى اُواليه؟ ومن عدوه حتى اُعاديه ؟ فأشار له رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) إلى علي (عليه السلام) «فقال: أترى هذا؟» فقال: نعم، فقال: «وليُّ هذا وليُّ الله عزّوجلّ فوالِه، وعدوُّ هذا عدوُّ الله فعاده، وال وليِّ هذا ولو أنّه قاتل أبيك وولدك، وعادِ عدوٌّ هذا ولو أنّه أبوك أو ولدك»(2).

وروى المصنف في القوي عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، بل كاد أن يكون متواتراً لكثرة طرقه: «إنّ الناس يعبدون الله عزّوجلّ على ثلاثة أوجه، فطبقة يعبدونه رغبة في ثوابه فتلك عبادة الحرصاء وهي الطمع، وآخرون يعبدونه فرقاً أو خوفاً من النار فتلك عبادة العبيد وهي رهبة، ولكنّي أعبده حبّاً له فتلك عبادة الكرام، وهو الأمن لقوله عزّوجلّ: وهُمْ مِنْ فَزَعِ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (3). ولقوله عزّوجلّ:قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ(4)، فمن أحب الله أحبّه الله


1) الكافي 2 : 15 باب الإخلاص، ح .1. والآية في سورة آل عمران : 67.

2) الأمالي للشيخ الصدوق : 61، ح 7.

3) النمل : 89.

4) آل عمران : 31

وللمنافق ثلاث علامات: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان .

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

عزّوجلّ، ومن أحبّه الله عزّوجلّ كان من الآمنين»(1).

و تقدم خبر معاذ بن جبل في الإخلاص ، ولو عن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) أنه قال: «الناس كلهم هلكي إلّا العالمين، والعالمون كلّهم هلكى إلّا العاملين، والعاملون كلّهم هلكي إلّا المخلصين، والمخلصون على خطر عظيم»(2).

[ علائم المنافق ]

( وللمنافق ثلاث علامات) الأخبار بذلك كثيرة، وقد تقدم بعضها.

وروى الكليني في القوي عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم): ثلاث من كنّ فيه كان منافقاً وإن صام وصلّى وزعم أنّه مسلم: من إذا اُؤتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف إنّ الله عزّوجلّ قال في كتابه: إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ(3)، وقال: أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الكاذِبِينَ(4)، وفي قوله عزّوجلّ :واذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا(5).

(وإذا وعد أخلف) روى الكليني في الحسن كالصحيح، عن هشام بن سالم، قال:


1) علل الشرائع : 1 : 12، باب علة خلق الخلق واختلاف أحوالهم، ح 8.

2) انظر: تنبیه الخواطر 2 : 118 ، وفيه العلماء بدل الناس.

3) الأنفال : 58

4) النور : 7.

5) الكافي 2 : 290، باب في أصول الكفر وأركانه ، ح8. والآية في سورة مريم : 54.

.....................................

ــــــــــــــــــــ

سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: «عدة المؤمن أخاه نذر لا كفارة له، فمن أخلف فبخلف الله بدأ، ولمقته تعرّض، وذلك قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (1).

وفي الحسن كالصحيح، عن شعيب العقرقوفي عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليف إذا وعد»(2).

وفي القوي عن مسمع عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): ما زاد خشوع الجسد على ما في القلب فهو عندنا نفاق»(3).

وفي القوي عن أبي حمزة عن علي بن الحسين(عليه السلام) . قال: «إنّ المنافق ينهى ولا ينتهي ويأمر بما لا يأتي، وإذا قام إلى الصلاة اعترض» قلت: يا ابن رسول الله وما الاعتراض؟ قال: «الالتفات، وإذا ركع ربض، يمسي وهمّه العشاء وهو مفطر، ويصبح وهمّه النوم ولم يسهر، إن حدّثك كذبك، وإن ائتمنته خانك، وإن غبت اغتابك، وإن وعدك أخلفك»(4).

وفي خبر آخر مثله وزاد فيه: «إذا ركع ربض (أي لم يتجاف - كبروك الغنم)، وإذا سجد نقر (أي كنقر الغراب) وإذا جلس شغر (أي أقعى)»(5).

وفي الحسن كالصحيح، عن الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «إنّ


1) الكافي 2 : 363، باب خلف الوعد، ح 1. والآية في سورة الصف : 2.

2) الكافي 2 : 364، باب خلف الوعد، ح 2.

3) الكافي ،2 : 396، باب صفة النفاق والمنافق، ح 6.

4) الكافي 2 : 396، باب صفة النفاق والمنافق، ح 3.

5) الكافي 2 : 396، باب صفة النفاق والمنافق، ح 4

.......................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الله عزّ وجلّ لم يبعث نبيّاً إلّا بصدق الحديث وأداء الأمانة إلى البرِّ والفاجر»(1).

وفي الموثق كالصحيح، عن إسحاق بن عمار وغيره عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال:« لا تغترّوا بصلاتهم ولا بصيامهم، فإنّ الرجل ربّما لهج بالصلاة والصوم حتى لو تركه استوحش، ولكن اختبر وهم بصدق الحديث وأداء الأمانة»(2).

وفي الحسن كالصحيح، عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «إنّما سُمّي إسماعيل صادق الوعد؛ لأنّه وعد رجلاً في مكان فانتظره في ذلك المكان إلى سنة، فسمّاه الله عزّوجلّ صادق الوعد. ثمَّ إنّ الرجل أتاه بعد ذلك، فقال له إسماعيل: ما زلت منتظراً لك»(3).

وروى المصنف في القوي عن سليمان الجعفري عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام) ، قال: «أتدري لم سُمّي إسماعيل صادق الوعد؟» قال: قلت: لا أدري قال: «وعد رجلاً فجلس له حولاً ينتظره»(4).

وفي الصحيح عن محمد بن أبي عمير ومحمد بن سنان عمّن ذكره عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «إنّ إسماعيل الذي قال الله عزّوجلّ: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا لم يكن إسماعيل بن إبراهيم. كان نبيّاً من الأنبياء بعثه الله عزّوجلّ إلى قومه فأخذوه فسلخوا فروة (أي جلدة)


1) الكافي 2 : 104، باب الصدق وأداء الأمانة، ح 1

2) الكافي 2 : 104، باب الصدق وأداء الأمانة، ح 2.

3) الكافي 2 : 105، باب الصدق وأداء الأمانة، ح 7.

4) علل الشرائع 1 : 77 باب العلة التي من أجلها سمّي إسماعيل بن حزقيل(عليه السلام)صادق الوعد ح 1. عيون أخبار الرضا(عليه السلام)1 : 85، ح 9.

..........................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

رأسه ووجهه، فأتاه ملك فقال: إن الله جل جلاله بعثني إليك فمرني بما شئت، فقال: لي اُسوة بما يصنع بالحسين(عليه السلام)»(1).

وفي القوي عن أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) : «إن إسماعيل كان رسولاً نبيّاً سلّط عليه قومه فقشروا جلدة وجهه وفروة رأسه، فأتاه رسول من ربّ العالمين فقال له : ربُّك يقرئك السلام ويقول: قد رأيت ما صنع بك وقد أمرني بطاعتك فمرني بما شئت. فقال: يكون لي بالحسين بن علي(عليه السلام) اُسوة»(2).

وعن عبد الله بن سنان، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام)يقول: «إن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)وعد رجلاً إلى صخرة فقال: أنا لك هاهنا حتى تأتي، قال: فاشتدّت الشمس عليه، فقال أصحابه يا رسول الله : لو أنّك تحوّلت إلى الظل، قال: قد وعدته إلى هاهنا وإن لم يجيء كان إلى المحشر (3).

وروى الكليني في القوي كالصحيح، عن أبي كهمش، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام) : إنّ عبد الله بن أبي يعفور يقرئك السلام، قال(عليه السلام) : «إذا أتيت عبد الله فاقرأه السلام وقل له: إنّ جعفر بن محمد يقول لك: اُنظر ما بلغ به علي عند رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فالزمه، فإنّ عليّاً(عليه السلام) إنّما بلغ ما بلغ به عند رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بصدق


1) علل الشرائع 1 : 77 ، باب العلة التي من أجلها سمّي إسماعيل بن حزقيل(عليه السلام)صادق الوعد، ح2 . والآية في سورة مريم : 54.

2) علل الشرائع 1 : 78 ، باب العلة التي من أجلها سمّي إسماعيل بن حزقيل(عليه السلام)صادق الوعد، ح3 .

3) علل الشرائع 1 : 78 باب العلة التي من أجلها سمّي إسماعيل بن حزقيل(عليه السلام)صادق الوعد، ح4 .

.......................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحديث وأداء الأمانة»(1).

وفي القوي كالصحيح، عن الفضيل بن يسار، قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): «يا فضيل إنّ الصادق أوّل من يصدّقه الله عزّوجلّ يعلم أنّه صادق وتصدّقه نفسه يعلم أنّه صادق»(2).

وفي الصحيح عن عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «كونوا دعاة الناس( للناس - خ) بغير ألسنتكم ،ليروا منكم الاجتهاد والصدق والورع»(3). ويدلّ على أنّه إذا قصد برؤية الخلق التأسّي فممدوح.

وفي الموثق عن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: «إنّ العبد ليصدق حتى يكتب عند الله من الصادقين، ويكذب حتى يكتب عند الله من الكاذبين، فإذا صدق قال الله عزّوجلّ صدق وبرّ، وإذا كذب قال الله عزّ وجلّ: كذب وفجر»(4).

وفي القوي عن الحسن الصيقل، قال أبو عبد الله(عليه السلام) : «من صدق لسانه زکی عمله، ومن حسنت نيّنه زيد في رزقه، ومن حسن برّه بأهل بيته مدّ له في عمره»(5).

وعن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال :« لا تنظروا إلى طول ركوع الرجل وسجوده فإن ذلك شيءٌ قد اعتاده، فلو تركه استوحش لذلك، ولكن اُنظروا إلى صدق حديثه وأداء


1) الكافي 2 : 104، باب الصدق وأداء الأمانة، ح 5.

2) الكافي 2 : 105، باب الصدق وأداء الأمانة، ح 6.

3) الكافي 2 : 105، باب الصدق وأداء الأمانة، ح 10.

4) الكافي 2 : 105، باب الصدق وأداء الأمانة، ح 9.

5) الكافي 2 : 105، باب الصدق وأداء الأمانة، ح 11.

يا عليّ: تسعة أشياء تورث النّسيان: أكل التّفّاح الحامض، وأكل الكزبرة، والجبنّ، وسؤر الفأرة، وقراءة كتابة القبور، والمشي بين امرأتين، وطرح القملة، والحجامة في النّقرة، والبول في الماء الرّاكد.

يا عليّ: العيش في ثلاثة: دار قوراء، وجارية حسناء، وفرس قبّاء.

قال مصنّف هذا الكتاب (رحمة الله علیه) : سمعت رجلاً من أهل المعرفة باللّغة بالكوفة يقول: الفرس القبّاء الضّامر البطن، يقال: فرسّ أقبّ وقبّاء؛ لأنّ الفرس يذكّر ويؤنّث، ويقال للاُنثى قبّاء لا غير.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أمانته»(1).

وعن عمرو بن أبي المقدام، قال: قال لي أبو جعفر(عليه السلام) - في أول دخلة دخلت عليه - : «تعلّموا الصدق قبل الحديث»(2).

(يا علي تسعة أشياء تورث النسيان) رواه المصنف عن إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن الأوّل(عليه السلام)(3)أيضاً، وتقدّم أيضاً في أخبار اُخر.

[ العيش في ثلاثة ]

(يا علي العيش في ثلاثة دار قوراء) أي واسعة. وفي بعض النسخ نوراء بالنون بمعناها. والظاهر أنّه من تصحيف النسّاخ، وفي الخصال بالقاف والراء.


1) الكافي 2 : 105، باب الصدق وأداء الأمانة، ح 12.

2) الكافي 2 : 104، باب الصدق وأداء الأمانة، ح 4.

3) الخصال : 422 ، ح 22.

قال ذو الرّمّة:

تنصّبت حوله يوماً تراقبه*** صحرٌ سماحيج في أحشائها قببٌ

الصّحر جمع أصحر، وهو الذي يضرب لونه إلى الحمرة، وهذا اللّون يكون في الحمار الوحشيّ والسّماحيج الطّوال، واحدها سمحجٌ، والقبب الضّمر.

يا عليّ: والله لو أنّ الوضيع في قعر بئر لبعث الله عزّوجلّ إليه ريحاً ترفعه فوق الأخيار في دولة الأشرار.

يا عليّ: من انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله، ومن منع أجيراً أجره فعليه لعنة الله، ومن أحدث حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله، فقيل يا رسول الله وما ذلك الحدث؟ قال: القتل.

يا عليّ: المؤمن من أمنه المسلمون على أموالهم ودمائهم والمسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه، والمهاجر من هجر السّيّئات.

يا عليّ: أوثق عرى الإيمان الحبّ في الله والبغض في الله.

يا عليّ: من أطاع امرأته أكبّه الله عزّوجلّ على وجهه في النّار، فقال عليٌّ(عليه السلام) : وما تلك الطّاعة قال: يأذن لها في الذّهاب إلى الحمّامات والعرسات والنّائحات ولبس الثّياب الرقاق.

يا عليّ: إنّ الله تبارك وتعالى قد أذهب بالإسلام نخوة الجاهليّة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( من انتمى إلى غير مواليه) الذين جعلهم الله تعالى مواليه من الأئمة المعصومين(عليهم السلام) و تقدّم الأخبار الكثيرة في باب القتل. وكذا أكثر ما سيأتي. (نخوة) بالفتح الكبر (الجاهلية) روى الكليني في الصحيح عن أبي حمزة الثمالي.

و تفاخرها بآبائها، ألا إنّ النّاس من آدم وآدم من تراب وأكرمهم عند الله أتقاهم.

يا عليّ: من السّحت ثمن الميتة وثمن الكلب وثمن الخمر ومهر الزّانية والرّشوة في الحكم وأجر الكاهن.

ــــــــــــــــــــــــــــ

قال: قال علي بن الحسين(عليه السلام) :« عجباً للمتكبرّ الفخور الذي كان بالأمس نطفة ثمَّ هو غدا جيفة»(1).

وأقول: وفيما بينهما حامل القاذورات الملازمة له أبداً من البول والغائط، والدم، والصفراء، والبلغم، والظاهر أنّه تعالى لأجل أن لا يتكبّر جعلها ملازمته.

وفي الموثق كالصحيح، عن الضحاك (أو عيسى بن الضحاك، وهو مجهول) قال: قال أبو جعفر(عليه السلام) : «عجباً للمختال الفخور، وإنّما خلق من نطفة ثمَّ يعود جيفة، وهو فيما بين ذلك لا يدري ما يصنع به»(2).

وفي القوي عن علي بن عقبة بن بشير الأسدي، قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام): «أنا عقبة بن بشير الأسدي، وأنا في الحسب الضخم من قومي، قال: فقال: «ما تمنّ علينا بحسبك، إنّ الله رفع بالإيمان من كان الناس يسمّونه وضيعاً، ووضع بالكفر من كان الناس يسمّونه شريفاً إذا كان كافراً، فليس لأحد فضل على أحد إلّا بالتقوى»(3).

وعن السكوني، قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : «آفة الحسب الافتخار والعجب».


1) الكافي 2 : 328، باب الفخر والكبر، ح 1.

2) الكافي 2 : 329، باب الفخر والكبر، ح 4.

3) الكافي 2 : 328 باب الفخر والكبر، ح 3.

يا علي: من تعلّم علماً ليماري به السفهاء أو يجادل به العلماء أو ليدعو النّاس إلى نفسه فهو من أهل النار.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال: أتى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) الرجال فقال : يا رسول الله أنا فلان بن فلان حتى عدّ تسعة، فقال له رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : «أما أنك عاشرهم في النار»(1).

[ ذمّ تعلّم العلم لهذه الموارد ]

( يا علي من تعلّم علماً ليماري) ويجادل (به السفهاء) أي أمثاله ممن لا عقل له، والظاهر أنّ المراد به أنه كان غرضه من تعلّم العلوم إحدى هذه الخصال، مع أنّه من أعلى العبادات وأفضلها، ويجب أن يقصد رضى الله سبحانه. ويمكن أن يكون المراد به حرمة الثلاث، ويكون بمعنى الغاية، ويكون المعنى أنه يجب لطالب للعلم أن يتجنب هذه الخصال.

وروي الكليني في القوي كالصحيح، عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: «من طلب العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس إليه فليتبوأ مقعده من النار، إن الرئاسة لا تصلح إلا لأهلها»(2).

وفي الصحيح عن حماد بن عيسى عن عمر بن أذينة عن أبان بن أبي عياش عن سليم بن قيس قال سمعت أمير المؤمنين(عليه السلام) يقول: «قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : منهومان (أي حريصان) لا يشبعان: طالب دنيا وطالب علم، فمن اقتصر من الدنيا


1) الكافي 2 : 329، باب الفخر والكبر، ح 5 و 6.

2) الكافي 1 : 47، باب المستأكل بعلمه والمباهي به، ح 6.

على ما أحلّ الله له سلم، ومن تناولها (طلبها - خ) من غير حلّها هلك إلّا أن يتوب أو يراجع، ومن أخذ العلم من أهله وعمل بعلمه نجا، ومن أراد به الدنيا فهي حظّه»(1).

وفي القوي كالصحيح عن أبي خديجة عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «من أراد الحديث لمنفعة الدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب، ومن أراد به خير الآخرة أعطاه الله به خير الدنيا والآخرة»(2).

وفي القوي عن حفص بن غياث عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «من أراد الحديث المنفعة الدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب»(3).

وبالإسناد عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: «إذا رأيتم العالم محبّاً لدنياه فاتّهموه على دينكم. فإنّ كلّ محبٍ لشيء يحوط ما أحب» وقال: «أوحى الله إلى داود(عليه السلام) : لا تجعل بيني وبينك عالماً مفتوناً بالدنيا فيصدّك عن طريق محبّتي، فإنّ أولئك قطّاع طريق عبادي المريدين، إنّ أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع حلاوة مناجاتي من قلوبهم»(4).

وعن السكوني، قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : «الفقهاء اُمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا» قيل: يا رسول الله وما دخولهم في الدنيا ؟ قال: «اتباع السلطان، فإذا فعلوا


1) الكافي 1 : 46، باب المستأكل بعلمه والمباهي به ح 1.

2) الكافي 1 : 46 ، باب المستأكل بعلمه والمباهي به ح 2.

3) الكافي 1 : 46، باب المستأكل بعلمه والمباهي به، ح 3.

4) الكافي 1 : 46 ، باب المستأكل بعلمه والمباهي به ، ح 4.

.................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

ذلك فاحذروهم على دينكم»(1).

وفي القوي كالصحيح، عن عباد بن صهيب البصري عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، وبطريق آخر أيضاً عنه(عليه السلام)(2). وروى المصنف بإسناده عن سعيد بن علاقة عن أمير المؤمنين (عليه السلام).

وفي الموثق كالصحيح، عن أبان بن تغلب عن عكرمة عن عبد الله بن عباس عن أمير المؤمنين(عليه السلام)، قال : طلبة العلم ثلاثة - فاعرفهم بأعيانهم وصفاتهم - : صنف يطلبه للجهل والمراء، وصنف يطلبه للاستطالة والختل (أي التفوّق والخداع) وصنف يطلبه للفقه والعقل، فصاحب الجهل والمراء مؤذ ممار متعرض للمقال في أندية الرجال بتذاكر العلم وصفة الحلم، قد تسربل بالخشوع وتخلّى من الورع، فدقّ الله من هذا خيشومه، وقطع منه حيزومه (أي وسطه)، وصاحب الاستطالة والخطل ذو خب (أي خداع) وملق يستطيل على مثله من أشباهه ويتواضع للأغنياء من دونه، فهو لحلوانهم (أي رشوتهم أو بالهمزة أو بالتاء) هاضم ولدينه حاطم، فأعمى الله على هذا خبره، وقطع من آثار العلماء أثره، وصاحب الفقه والعقل ذو كآبة(3)وحزن وسهر قد تحنّك في بُرنسه، وقام الليل في حندسه، يعمل ويخشى وجلاً داعياً مشفقاً مقبلاً على شأنه عارفاً بأهل زمانه مستوحشاً من أوثق إخوانه، فشدّ الله


1) الكافي 1 : 46 ، باب المستأكل بعلمه والمباهي به ، ح 5.

2) الكافي 1 : 49 ، باب النوادر، ح 5. وفيه بسندين.

3) بالتحريك والمد والتسكين والانكسار من شدة الهم والحزن.

...................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من هذا أركانه وأعطاه يوم القيامة أمانه»(1). هذه الجمل يمكن أن يكون دعائية وإخبارية.

[حديث عليّ(عليه السلام) الكميل في بيان العلم وفوائده ومدح العلماء ]

وروى المصنف بطرق كثيرة والسيد رضي الدين أيضاً عن كميل بن زياد النخعي من خواص أمير المؤمنين(عليه السلام) وأصحاب أسراره، قال: خرج إليَّ عليُّ بن أبي طالب(عليه السلام) فأخذ بيدي وأخرجني إلى الجبّان، فلمّا أصحر تنفس الصعداء، ثمَّ قال: «يا كميل، إنّ هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها، فاحفظ عنّي ما أقول لك: الناس ثلاثة: عالم ربّاني، ومتعلّم على سبيل النجاة، وهمج رعاع، أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق.

يا كميل العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق، وصنيع المال يزول بزواله.

يا كميل بن زياد معرفة العلم دين يدان به يكسب الإنسان الطاعة في حياته، وجميل الاُحدوثة بعد وفاته والعلم حاكم والمال محكوم عليه.

يا كميل بن زياد هلك خزان الأموال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة. ها. إنّ هاهنا لعلماً جمّاً» وأشار إلى صدره،« لو أصبتُ له حملةً، بلى أصبت لقنا غير مأمون عليه مستعملاً آلة الدين للدنيا (في الدنيا - خ) ومستظهراً بنعم الله على عباده وبحججه على أوليائه أو منقاداً


1) الخصال : 194 ، ح 269.

...........................................

ــــــــــــــــــــــــــ

لحملة الحق، لا بصيرة له في أحنائه (أي أطرافه أو بالياء) ينقدح الشك في قلبه لأوّل عارض من شبهة ألا، لا ذا ولا ذاك أو منهوماً باللذّة سلس القياد للشهوة أو مغرماً بالجمع والادِّخار ليسا من رعاة الدين في شيء، أقرب شبهاً بهما الأنعام السائمة. كذلك يموت العلم بموت حامليه. اللهمّ بلى لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة، إمّا ظاهراً مشهوراً أو خائفاً (خافياً - خ) مغموراً لئلّا تبطل حجج الله وبيناته، وكم ذا؟ وأين اُولئك؟. اُولئك والله الأقّلون عدداً، والأعظمون قدراً، بهم يحفظ الله حججه وبيّناته حتّى يودِّعوها نظراءهم ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة وباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعره المترفون وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالمحل الأعلى، اُولئك خلفاء الله في أرضه، والدعاة إلى دينه، آه آه شوقاً إلى رؤيتهم. انصرف إذا شئت»(1).

فتأمّل في هذين الخبرين واعرض نفسك عليهما، وتفكّر في عاقبتك، عسى أن يهديك الله إلى صراطه المستقيم.

واعلم أنّ النيّة روح العبادات سيّما في طلب العلوم، فإنّه لا تحصل بدون النية الخالصة، ولو حصل شبه العلم كان سبباً لضلالة وإضلال العالمين.

وروى الشيخان الأعظمان، الكليني، ومحمد بن الحسن الصفار والشيخ الأجل أحمد بن محمد بن خالد البرقي بطرق متعددة عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال:


1) نهج البلاغة 4 : 35 الخصال : 186 ، ح .257 كمال الدين وتمام النعمة : 289، ح 2.

......................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

«قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : طلب العلم فريضة على كل مسلم ألا إنّ الله يحب بغاة العلم»(1).

وفي القوي عن عيسى بن عبد الله الهاشمي عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «طلب العلم فريضة»(2). وفي البصائر «من فرائض الله»(3).

وروى الكليني في الصحيح عن أبي حمزة عن أبي إسحاق السبيعي عمّن حدثه، قال: سمعت أمير المؤمنين(عليه السلام) يقول: «أيّها الناس اعلموا أنّ كمال الدين طلب العلم والعمل به، ألا وإنّ طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال، إنّ المال مقسوم مضمون لكم قد قسّمه عادل بينكم وضمنه وسيفي لكم، والعلم مخزون عند أهله وقد اُمرتم بطلبه من أهله فاطلبوه»(4).

وفي الصحيح عن يونس بن عبد الرحمن عن بعض أصحابه، قال: سئل أبو الحسن (عليه السلام) هل يسع الناس ترك المسألة عمّا يحتاجون إليه؟ فقال: «لا»(5)

وفي الموثق عن علي بن أبي حمزة، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: «تفقّهوا في الدين، فإنّ من لم يتفقّه منكم في الدين فهو أعرابي إنّ الله تعالى يقول في كتابه:


1) الكافي 1 : 30 باب فرض العلم ووجوب طلبه والحث عليه ، ح 1. بصائر الدرجات : 22، ح 1.المحاسن 1 : 225 باب فرض طلب العلم، ح 146

2) الكافي 1 : 30، باب فرض العلم ووجوب طلبه والحث عليه ، ح 2. والراوي فيه عيسى بن عبد الله العمري، إلّا أنّهما شخص واحد. المحاسن 1 : 225 ، باب فرض طلب العلم، ح 146.

3) بصائر الدرجات : 23، ح 4.

4) الكافي 1 : 30، باب فرض العلم ووجوب طلبه والحث عليه، ح 4.

5) الكافي 1 : 30، باب فرض العلم ووجوب طلبه والحث عليه، ح 3.

.....................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (1).

وفي الصحيح (على المشهور)، عن أبان بن تغلب عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: « لوددت أنّ أصحابي ضربت رؤوسهم بالسياط حتى يتفقهوا»(2).

وعن المفضّل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: «عليكم بالتفقه في دین الله، فلا تكونوا أعراباً، فإنّه من لم يتفقه في دين الله لم ينظر الله إليه يوم القيامة ولم يزکِّ له عملاً»(3).

وعن أبي عبد الله(عليه السلام) قال له رجل: - جعلت فداك - رجل عرف هذا الأمر لزم بيته ولم يتعرّف إلى أحد من إخوانه قال : فقال: «كيف يتفقه هذا في دينه؟»(4).

[ فضل العالم ]

وفي الصحيح كالصفار عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: «عالم ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد»(5).

ورويا في القوي كالصحيح، عن معاوية بن عمار، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام)رجل راوية لحديثكم يبثّ ذلك في الناس ويشدّده في قلوبهم وقلوب شيعتكم،


1) الكافي 1 : 31، باب فرض العلم ووجوب طلبه والحث عليه ، ح 6. والآية في سورة التوبة :122 .

2) الكافي 1 : 31 باب فرض العلم ووجوب طلبه والحث عليه، ح 8.

3) الكافي 1 : 31 باب فرض العلم ووجوب طلبه والحث عليه، ح 7.

4) الكافي 1 : 31 ، باب فرض العلم ووجوب طلبه والحث عليه، ح 9.

5) الكافي 1 : 33 باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء، ح 8.

....................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

ولعلّ عابداً من شيعتكم ليست له هذه الرواية أيهما أفضل؟ قال: «الرواية لحديثنا يشدّ به قلوب شيعتنا أفضل من ألف عابد»(1).

ويمكن الجمع بينهما بأن يكون المراد من الأوّل العالم، ومن الثاني الراوي، أو الأوّل من ينتفع به، والثاني من لا ينتفع به أو الأوّل العالم الذين ينتفع به، والثاني الراوي فقط.

وروى الصفار في الصحيح عن معاوية بن وهب، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام)عن رجلين أحدهما فقيه راوية للحديث والآخر عابد ليس له مثل روايته فقال: «الراوية للحديث المتفقه في الدين أفضل من ألف عابد»(2).

وفي الصحيح عن البرقي عمن ذكره عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: «عالم أفضل من ألف عابد». وقال: «عالم ينتفع بعلمه أفضل من عبادة ألف عابد (3).

وفي الصحيح عن عبد الله بن ميمون عن أبي عبد الله(عليه السلام) عن أبيه(عليه السلام) . قال: «قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : افضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر »(4).

وعنه(عليه السلام) في الصحيح، قال: فضل العلم أحب إليّ من فضل العبادة»(5).

وفي الصحيح عن الثمالي عن علي بن الحسين أو أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: «متفقه


1) الكافي ،1 : 33 باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء، ح .9 بصائر الدرجات : 27، ح 6.

2) بصائر الدرجات : 28 ، ح 10.

3) بصائر الدرجات : 28 ، ح 9

4) بصائر الدرجات : 27، ح 2.

5) بصائر الدرجات : 27 ، ح 3. وفيه : «فصل العالم».

في الدين أشدّ على الشيطان من عبادة ألف عابد»(1).

وفي الصحيح عن مسعدة بن زياد عن جعفر عن أبيه «أنّ النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، قال: إنّ فضل العالم على العابد كفضل الشمس على الكواكب، وفضل العابد على غير العابد كفضل القمر على الكواكب»(2).

وفي الصحيح عن يونس بن عبد الرحمن عمن رواه عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «إذا كان يوم القيامة بعث الله عزّ وجلّ العالم والعابد، فإذا وقفا بين يدي الله قال للعابد: انطلق إلى الجنة ، وقيل للعالم: قف فاشفع للناس بحسن تأديبك لهم»(3).

وروى الكليني في القوي عن إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن موسى(عليه السلام) ؛ قال: «دخل رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) المسجد فإذا جماعة قد أطافوا برجل، فقال: ما هذا. فقيل: علّامة، فقال: وما العلّامة؟ فقالوا: أعلم الناس بأنساب العرب ووقائعها وأيّام الجاهلية والأشعار والعربية، قال: فقال النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم): ذالك علم لا يضرّ من جهله ولا ينفع من علمه، ثمَّ قال النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : إنّما العلم ثلاثة : آية محكمة (أي واضحة الدلالة) أو فريضة عادلة أو سنّة قائمة وما خلاهن فهو فضل»(4).

والمراد بالفريضة العادلة المستقيمة التي لا تنسخ، وهو ما يتعلق باُصول الدين


1) بصائر الدرجات : 27، ح 5

2) بصائر الدرجات : 28 ، ح 8

3) بصائر الدرجات : 27، ح 7.

4) الكافي ،1 : 32 باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء، ح 1.

...................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

وبالسنة القائمة، ما تتعلق بفروعه مما لم ينسخ ويكون حكمه باقياً، أو الواجبات والمندوبات التي لم تنسخا أو العقلية والنقلية كذلك.

وفي القوي كالصحيح، عن حماد بن عثمان عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «إذا أراد الله بعبد خيراً فقّهه في الدين»(1).

وفي القوي كالصحيح، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إنّ العلماء ورثة الأنبياء، وذلك أنّ الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً وإنّما أورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظّاً وافراً، فانظروا علمكم هذا عمّن تأخذونه، فإنّ فينا أهل البيت، في كلّ خلف عدوٌّ لا ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين»(2).

الظاهر أنّ عدم التوريث باعتبار عدم الاعتناء بما يتخلف عنهم(عليهم السلام) بالنظر إلى ما يبقى عنهم(عليهم السلام) من العلوم والكمالات أو عدم التوريث بالنظر إلى غير الورثة من العالمين بقرينة التوريث، فإنّه لا يختص بالوارث بل عام للاُمة، مع أنّ عدم توريثهما لا ينافي توريث غيرهما.

والعدول يمكن أن يراد بهم أصحابهم أو مع الإمام الذي كان يعدهم أو الإمام مبالغة، والضمير في «عنه» راجع إلى العلم أو الدين بقرينة المقام أي يحفظونه عن تحريف الغالين ألفاظه أو معانيه وفقا لمذهبهم الباطل. (وانتحال المبطلين) أي


1) الكافي ،1 : 32 باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء، ح 3.

2) الكافي 1 : 32 باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء، ح 2.

...............................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

يحفظون الدين أو العلم عن إبطال من يتّخذ بدعةً دينه ويتمسّك بالأخبار المفتراة منهم أو بتأويل الأخبار الصحيحة أو بعدم التأويل فيما يحتاج إليه كأخبار الجبر والتشبيه أو تأويل جاهل بكلام الأئمة(عليه السلام)(1).

وفي القوي كالصحيح، عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: «الكمال كل الكمال التفقه (أي التعلم) في الدين والصبر على النائبة (أي المصيبة) وتقدير المعيشة »(2).

أي تقتيرها لئلّا يحتاج إلى الناس بالإسراف، أو التعديل باختيار الوسط في المعاش لا الإسراف ولا التقتير. والمراد بالتفقه: الاجتهاد في طلب العلم من الأئمة المعصومين(عليه السلام) في أزمنتهم أو من آثارهم كما في هذا الزمان، ومن محكمات القرآن بتأييد الأخبار إلا أن يكون دلالته صريحة لا تحتاج إلى الخبر، وذلك نادر. أما الإجماع الذي علم دخول المعصوم(عليهم السلام) فيه فذلك ممتنع عادة عادة في هذا الزمان. وأمّا دلالة العقل فما كانت قطعية فهي حجة، لكنّها كالإجماع في ندرة حصولها، بل لم نطّلع عليها إلى الآن.

وأمّا البراءة الأصلية والاستصحاب وأمثالهما فلم يدلّ دليل عندنا على حجيتها إلّا في موارد خاصة ورد الأخبار فيها مثل اليقين في الطهارة، والشك في الحدث أو بالعكس(3).


1) الكافي 1 : 155، باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين.

2) الكافي 1 : 32 باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء، ح 4.

3) الاستبصار 1 : 183، باب الرجل يصلي في ثوب فيه نجاسة قبل أن يعلم، ح 13. التهذيب 1 : 421 ، باب تطهير البدن والثياب من النجاسات، ح 8.

......................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

فظهر أنّ التفقه في هذا اليوم منحصر في معرفة الأخبار، والجمع بينهما ما أمكن. بحيث يحصل العلم بمرادهم (عليهم السلام)أو الظن المتاخم للعلم فإنّه كالعلم، ومع عدمهما فالاحتياط مهما أمكن، وهو أيضاً بالأخبار، كما تقدمت.

وفي القوي عن بشير الدهان، قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام) : «لا خير فيمن لا يتفقه أصحابنا، يا بشير إنّ الرجل منكم إذا لم يستغن بفقهه احتاج إليهم، فإذا احتاج إليهم أدخلوه في باب ضلالتهم وهو لا يعلم»(1).

وفي القوي عن إسماعيل بن جابر عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «العلماء اُمناء والأتقياء حصون، والأوصياء سادة»(2).

وفي رواية اُخرى: «العلماء منار، والأتقياء حصون، والأوصياء سادة»(3).

وفي الصحيح عن أبي حمزة الثمالي، قال: قال لي أبو عبد الله(عليه السلام): «اُغدُ عالماً أو متعلّماً أو أحب أهل العلم، ولا تكن رابعاً فتهلك ببغضهم»(4).

وفي الصحيح عن جميل عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: سمعته يقول: «يغدو الناس على ثلاثة أصناف: عالم، ومتعلّم، وغثاء، فنحن العلماء، وشيعتنا المتعلمون وسائر الناس غثاء»(5). أي أراذل الناس وسقاطهم.


1) الكافي 1 : 33 باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء، ح 6.

2) الكافي ،1 : 33 باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء، ح 5.

3) الكافي 1 : 33 باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء، ذيل ح 5.

4) الكافي 1 : 34، باب أصناف الناس، ح3 .

5) الكافي 1 : 34، باب أصناف الناس، ح 4.

..........................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي الصحيح عن أبي حمزة عن أبي إسحاق السبيعي عمّن حدثّه ممّن يوثق به. قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام)يقول: «إنّ الناس آلوا بعد رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) إلى ثلاثة: آلوا إلى عالم على هدى من الله قد أغناه الله بما علم عن علم غيره، وجاهل مدّعٍ للعلم لا علم له، معجب بما عنده قد فتنته الدنيا وفتن غيره، ومتعلّم من عالم على سبيل هدى من الله ونجاة. ثمَّ هلك من ادّعى وخاب من افترى»(1).

وروى الصفار في الصحيح والكليني في الحسن كالصحيح، عن عبد الله بن ميمون عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال : «قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة، وإنّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً به، وأنّه ليستغفر لطالب العلم من في السماء ومن في الأرض حتى الحوت في البحر. وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر، وإنّ العلماء ورثة الأنبياء، إنّ الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً ولكن ورّثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر»(2).

وروى الصفار في الصحيح عن أبي عبيدة عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: «إنّ جميع دواب الأرض لتصلّي على طالب العلم حتى الحيتان في البحر» (3).

وفي الحسن كالصحيح، عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:


1) الكافي 1 : 33، باب أصناف الناس، ح 1.

2) الكافي 1 : 34، باب ثواب العالم والمتعلم، ح 1. بصائر الدرجات : 23، ح 2.

3) بصائر الدرجات : 24، ح 4.

..................................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

« طالب العلم يستغفر له كلّ شيء، والحيتان في البحار والطير في جو السماء»(1).

وفي القوي عن جابر عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : إنّ معلّم الخير يستغفر له دواب الأرض وحيتان البحر وكل ذي روح في الهواء وجميع أهل السماء والأرض، وإنّ العالم والمتعلّم سواء يأتيان يوم القيامة كفر القيامة كفرسي رهان یز دحمان»(2).

ورويا في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: «إنّ الذي يعلّم العلم منكم له أجر مثل أجر المتعلّم، وله الفضل عليه. فتعلّموا العلم من حملة العلم وعلِّموه إخوانكم كما علّمكم العلماء»(3).

وفي الصحيح عن أبي عبيدة الحذاء عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: «من علّم باب هدى فله مثل أجر من عمل به، ولا ينقص اُولئك من اُجورهم شيئاً، ومن علّم باب ضلال كان عليه مثل أوزار من عمل به، ولا ينقص اُولئك من أوزارهم شيئاً»(4)رواه الكليني.

وروي في القوي عن أبي حمزة عن علي بن الحسين(عليه السلام) ، قال: «لو يعلم الناس ما في طلب العلم لطلبوه ولو بسفك المهج (أي الأرواح) وخوض اللجج (أي البحار


1) بصائر الدرجات : 23، ح 3.

2) بصائر الدرجات : 23، ح 1.

3) الكافي 1 : 35 باب ثواب العالم والمتعلم، ح 2 بصائر الدرجات : 24، ح 9.

4) الكافي 1 : 35، باب ثواب العالم والمتعلم، ح 4.

................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الموّاجة) إنّ الله تبارك وتعالى أوحى إلى دانيال: إنّ أمقت عبيدي إلىَّ الجاهل المستخف بحق أهل العلم التارك للاقتداء بهم، وإنّ أحبّ عبادي إليَّ التقي الطالب للثواب الجزيل، اللازم للعلماء، التابع للحلماء (أي العقلاء) القابل عن الحكماء»(1).

وفي القوي عن حفص بن غياث قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): «من تعلّم العلم وعمل به وعلّم الله، دعي في ملكوت السماوات عظيماً» فقيل: تعلّم الله وعمل الله وعلّم الله(2).

وفي الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «قال أمير المؤمنين(عليه السلام) : ألا اُخبركم بالفقيه حق الفقيه ؟ من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يؤمنهم من عذاب الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله ، ولم يترك القرآن رغبة عنه إلى غيره. ألا لا خير في علم ليس فيه تفهم. ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبّر، ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفكّر »(3).

وفي رواية اُخرى: «ألا لا خير في علم ليس فيه تفهم، ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبّر، ألا لا خير في عبادة لا فقه فيها، ألا لا خير في نسك لا ورع فيه»(4).

وفي الصحيح عن الحارث بن المغيرة عن أبي عبد الله(عليه السلام) في قول الله عزّوجلّ


1) الكافي 1 : 35، باب ثواب العالم والمتعلم، ح 5.

2) الكافي 1 : 35، باب ثواب العالم والمتعلم، ح 6.

3) الكافي 1 : 36 ، باب صفة العلماء، ح 3.

4) الكافي 1 : 36 ، باب صفة العلماء، ذيل ح 3.

......................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ قال: «يعني بالعلماء من صدّق فعله قوله. ومن لم يصدّق فعله قوله فليس بعالم»(1). وفي الصحيح عن صفوان بن يحيى عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام) ، قال: «إنّ من علامات الفقيه أو الفقه الحلم والصمت»(2).

وفي الصحيح عن معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: «اُطلبوا العلم وتزيّنوا معه بالحلم والوقار، وتواضعوا لمن تعلّمونه العلم، وتواضعوا لمن طلبتم منهم العلم، ولا تكونوا علماء جبّارين فيذهب باطلكم بحقكم»(3).

وفي القوي عن معاوية بن وهب عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «كان أمير المؤمنين(عليه السلام) يقول : يا طالب العلم إنّ للعالم ثلاث علامات: العلم، والحلم، والصمت. وللمتكلّف ثلاث علامات: ينازع من فوقه بالمعصية، ويظلم من دونه بالغلبة، ويظاهر الظلمة»(4).

وعن أمير المؤمنين(عليه السلام) قال : لا يكون السفه والغرة (5)في قلب العالم»(6).


1) الكافي 1 : 36 ، باب صفة العلماء، ح 2. والآية في سورة فاطر : 28.

2) الكافي 1 : 36 ، باب صفة العلماء، ح 4.

3) الكافي 1 : 36 ، باب صفة العلماء، ح 1.

4) الكافي ،1 : 37 باب صفة العلماء، ح 7.

5) والغرّة بكسر الغين المعجمة والرّاء المشدّدة: الغفلة. وفي المخطوط : العزة بالعين المهملة والزاء المعجمة، وهي التكبر.

6) الكافي 1 : 36 ، باب صفة العلماء، ح 5.

................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــ

وعن محمد بن سنان رفعه، قال: قال عيسى بن مريم(عليه السلام) : يا معشر الحواريين لي إليكم حاجة، اقضوها لي، قالوا: قضيت حاجتك يا روح الله، فقام فغسل أقدامهم فقالوا: كنّا نحن أحق بهذا يا روح الله، فقال: إنّ أحق الناس بالخدمة العالم، إنّما تواضعت هكذا لكيما تتواضعوا بعدي في الناس كتواضعي لكم، ثمَّ قال عيسى(عليه السلام) : بالتواضع تعمر الحكمة لا بالتكبرّ وكذلك في السهل ينبت الزرع لا في الجبل»(1).

وروى المصنف بأسانيد قوية عن الأصبغ بن نباتة وغيره عن أمير المؤمنين، قال:« تعلّموا العلم، فإنّ تعلّمه الله حسنة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وهو عند الله أو بذله لأهله قربة؛ لأنّه معالم الحلال والحرام، وسالك بطالبه سبيل الجنة، وهو أنيس في الوحشة، وصاحب في الوحدة، ودليل على السرّاء والضرّاء، وسلاح على الأعداء، وزين الأخلاء.

يرفع الله به أقواماً يجعلهم في الخير أئمة يقتدى بهم، ترمق (أي تنظر وتلاحظ) أعمالهم وتقتبس آثارهم وترغب الملائكة في خلّتهم، يمسحونهم بأجنحتهم في صلاتهم، ويستغفر لهم كلّ شيء حتى حيتان البحور وهوامها، وسباع البر وأنعامها؛ لأنّ العلم حياة القلوب ونور الأبصار من العمى، وقوة الأبدان من الضعف، ينزل الله حامله منازل الأخيار (الأبرار - خ) ويمنحه مجالس الأبرار (الأخيار - خ) في الدنيا والآخرة، بالعلم يطاع الله ويعبد، وبالعلم يعرف الله ويوحّد، وبالعلم توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال والحرام، والعلم أمام العمل، والعمل تابعه، يلهمه الله السعداء


1) الكافي 1 : 37، باب صفة العلماء، ح 6.

....................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــ

ويحرمه الأشقياء»(1).

وروى الكليني في الصحيح، وفي الموثق كالصحيح، عن سليمان بن خالد عن أبي عبد الله(عليه السلام) . قال: «ما من أحد يموت من المؤمنين أحبَّ إلى إبليس من موت فقیه»(2).

وفي الحسن كالصحيح، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إذا مات المؤمن الفقيه ثلم في الإسلام ثلمة (أي فرجة) لا يسدها شيء»(3)

وفي الموثق كالصحيح، عن علي بن أبي حمزة، قال: سمعت أبا الحسن موسى ابن جعفر(عليه السلام) يقول: «إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة وبقاع الأرض التي كان يعبد الله عليها وأبواب السماء التي كانت يصعد فيها بأعماله، وثلم في الإسلام ثلمة لا يسدّها شيءٌ؛ لأنّ المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام كحصن سور المدينة (لها - خ)»(4).

وفي الصحيح عن سليمان بن جعفر الجعفري عمّن ذكره عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «كان أمير المؤمنين(عليه السلام) يقول: إنّ من حق العالم أن لا تكثر عليه السؤال، ولا تأخذ بثوبه (أي لا تلح عليه)، وإذا دخلت عليه وعنده قوم فسلّم عليهم جميعاً.


1) الأمالي للشيخ الصدوق : 713، ح 1. الخصال : 522، ح 12.

2) الكافي ،1 : 38 باب فقد العلماء، ح 1 و 4.

3) الكافي 1 : 38، باب فقد العلماء، ح 2.

4) الكافي 1 : 38، باب فقد العلماء، ح 3.

.............................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

وخصّه بالتحيّة دونهم واجلس بين يديه، ولا تجلس خلفه، ولا تغمز بعينك، ولا تشر بيدك، ولا تكثر من القول قال فلان وقال فلان خلافاً لقوله، ولا تضجر بطول صحبته، فإنّما مثل العالم مثل النخلة تنتظرها متى (أو حتى) تسقط عليك منها شيء. والعالم أعظم أجراً من الصائم القائم الغازي في سبيل الله»(1).

[ فضل مجالسة العلماء وسائر أهل الدين ]

وفي القوي عن المفضل بن أبي قرة عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : قالت الحواريون لعیسی(عليه السلام): یا روح الله من نجالس؟ قال: من : يذكّركم الله رؤيته، ويزيد في علمكم منطقه، ويرغّبكم في الآخرة عمله» (2).

وفي الصحيح عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم): مجالسة أهل الدين شرف الدنيا والآخرة»(3).

وفي القوي عن مسعر بن كدام، قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول: « لمجلس أجلسه إلى من أثق به أوثق في نفسي من عمل سنة»(4).

وفي الصحيح عن يونس رفعه، قال: قال لقمان لابنه: يا بُنّي اختر المجالس


1) الكافي 1 : 37، باب حق العالم، ح 1.

2) الكافي ،1 : 39 باب مجالسة العلماء وصحبتهم، ح 3.

3) الكافي ،1 : 39 باب مجالسة العلماء وصحبتهم، ح 4.

4) الكافي 1 : 39 باب مجالسة العلماء وصحبتهم، ح 5.

......................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

على عينك، فإن رأيت قوماً يذكرون الله جل وعزّ فاجلس معهم، فإن تكن عالماً نفعك علمك، وإن تكن جاهلاً علموك، ولعلّ الله أن يظلّهم برحمته (أو برحمة) فتعمّك معهم، وإذا رأيت قوماً لا يذكرون الله فلا تجلس معهم، فإن تكن عالماً لم ينفعك علمك، وإن كنت جاهلاً يزيدوك جهلاً ، ولعل الله أن يظلّهم بعقوبة فتعمّك معهم»(1).

[سؤال العالم والتذاكر معه ]

وفي الصحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم وبريد العجلي، قالوا: قال أبو عبد الله(عليه السلام) لحمران بن أعين في شيء سأله: «إنّما يهلك الناس لأنّهم

لا يسألون»(2).

وفي الصحيح عن الأحول عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «لا يسع الناس حتى يسألوا ويتفقّهوا ويعرفوا إمامهم، ويسعهم أن يأخذوا بما يقول، وإن كان تقيّة»(3).

وفي الصحيح عن يونس عمّن ذكره عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : اُفٍ لرجل أو لكلّ مسلم لا يفرِّغ نفسه في كلّ جمعة لأمر دينه فيتعاهده ويسأل عن دينه»(4).


1) الكافي ،1 : 39 باب مجالسة العلماء وصحبتهم، ح 1.

2) الكافي 1 : 40 ، باب سؤال العالم وتذاكره، ح 2.

3) الكافي 1 : 40 ، باب سؤال العالم وتذاكره، ح 4.

4) الكافي 1 : 40 ، باب سؤال العالم وتذاكره، ح 5.

.............................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

وفي الحسن كالصحيح، عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: «قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : إنّ الله عزّوجلّ يقول: تذاكر العلم بين عبادي ممّا تحيى عليه القلوب الميتة إذا هم انتهوا فيه إلى أمري»(1).

وفي الحسن كالصحيح، عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: سألته عن مجدور أصابته جنابة فغسلوه فمات، قال: «قتلوه ألا سألوا؟ فإنّ دواء العيّ (أي الجهل) السؤال»(2).

وفي القوي عن ابن القداح، والسكوني عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «إنّ هذا العلم عليه قفل ومفتاحه المسألة»(3).

وفي القوي كالصحيح، عن منصور الصيقل، قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام)يقول:« تذاكر العلم دراسة، والدراسة صلاة حسنة»(4).

وعنه(عليه السلام) ، قال: «رحم الله عبداً أحيا العلم» قال: قلت: وما إحياؤه؟ قال: «أن يذاكر به أهل الدين وأهل الورع»(5).

وقال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : «تذاكروا وتلاقوا وتحدّثوا ، فإنّ الحديث جلاء القلوب، إنّ القلوب لترين (أي تطبع) كما يرين السيف وجلاؤه (ئها - خ) الحديد (أو الحديث)»(6).


1) الكافي 1 : 40 ، باب سؤال العالم وتذاكره، ح 6.

2) الكافي 1 : 40 ، باب سؤال العالم وتذاكره ، ح 1.

3) الكافي 1 : 40 ، باب سؤال العالم وتذاكره، ح 3.

4) الكافي 1 : 41 ، باب سؤال العالم وتذاكره، ح 9.

5) الكافي 1 : 41 ، باب سؤال العالم وتذاكره، ح 7.

6) الكافي 1 : 41 ، باب سؤال العالم وتذاكره ، ح 8.

.........................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

وفي الموثق عن طلحة بن زيد عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «قرأت في كتاب علي(عليه السلام) : إنّ الله لم يأخذ على الجهال عهداً بطلب العلم حتى أخذ على العلماء عهداً ببذل العلم؛ لأنّ العلم كان قبل الجهل»(1).

أي إنّ الله تعالى أنزل العلم على الأنبياء والأوصياء أوّلاً من آدم إلى الخاتم ثمَّ أمر الناس بالطلب.

وفي الموثق كالصحيح، عن طلحة بن زيد عن أبي عبد الله(عليه السلام)في هذه الآية وَلا تُصَعِّرْ (أي لا تمل خَدَّكَ لِلنَّاسِ) ، قال: «ليكن الناس عندك في العلم سواء»(2).

وعن جابر عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: «زكاة العلم أن تعلّمه عباد الله»(3).

وفي الصحيح عن يونس عمّن ذكره عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «قام عیسی بن مريم(عليه السلام) خطيباً في بني إسرائيل فقال: يا بني إسرائيل لا تحدِّثوا الجهال بالحكمة فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم»(4).

وفي الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج، قال: قال لي أبو عبد الله(عليه السلام) : «إيّاك وخصلتين، فيهما هلك من هلك، إيّاك أن تفتي الناس برأيك، أو تدين بما لا تعلم»(5).


1) الكافي 1 : 41، باب بذل العلم، ح 1.

2) الكافي 1 : 41 باب بذل العلم ، ح .2. والآية في سورة لقمان : 18.

3) الكافي 1 : 41، باب بذل العلم، ح 3.

4) الكافي 1 : 42، باب بذل العلم، ح 4.

5) الكافي 1 : 42 باب النهي عن القول بغير علم، ح 2.

............................................

ـــــــــــــــــــــــــــ

وفي الصحيح عن أبي عبيدة الحذاء عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: «من أفتى الناس بغير علم ولا هدى لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، ولحقه وزر من عمل بفتياه»(1)

وفي الحسن عن مفضل بن مزيد، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «أنهاك عن خصلتين- فيهما هلاك الرجال - : أنهاك أن تدين الله بالباطل وتفتي الناس بما لا تعلم»(2).

وفي الموثق كالصحيح، عن أبي عبيدة عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: «ما علمتم فقولوا. وما لم تعلموا فقولوا: الله أعلم ، إنّ الرجل لينتزع الآية من القرآن يخرّ (أي يسقط) فيها أبعد ما بين السماء والأرض»(3).

وفي الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «إذا سئل الرجل منكم عما لا يعلم فليقل: لا أدري ولا يقول: الله أعلم فيوقع في قلب صاحبه شكّاً وإذا قال المسؤول لا أدري فلا يتهمه السائل»(4).

وفي الصحيح - على المشهور - عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله(عليه السلام) . قال:« للعالم إذا سئل عن شيء وهو لا يعلمه أن يقول: الله أعلم، وليس لغير العالم أن يقول ذلك»(5).

وفي الحسن كالصحيح، عن إسحاق بن عبد الله عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «إنّ الله


1) الكافي 1 : 42 باب النهي عن القول بغير علم، ح3 .

2) الكافي 1 : 42 ، باب النهي عن القول بغير علم، ح 1.

3) الكافي 1 : 42 ، باب النهي عن القول بغير علم، ح 4. وليس الراوي فيه أبو عبيدة.

4) الكافي 1 : 42 ، باب النهي عن القول بغير علم، ح 6.

5) الكافي 1 : 42 ، باب النهي عن القول بغير علم، ح 5.

.............................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

خصّ عباده بآيتين من كتابه أن لا يقولوا حتى يعلموا ولا يردّوا ما لم يعلموا، وقال عزّوجلّ: أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ وقال:بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ(1).

وفي القوي كالصحيح، عن زرارة، قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام) ما حقّ الله على العباد؟ قال: «أن يقولوا ما يعلمون ويقفوا عند ما لا يعلمون»(2).

وفي القوي كالصحيح، عن ابن شبرمة، قال: ما ذكرت حديثاً سمعته عن جعفر بن محمد إلّا كاد أن يتصدّع قلبي، قال: حدّثني أبي عن جدّي عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) . وقال ابن شبرمة : واُقسم بالله ما كذب أبوه على جدِّه ولا جدُّه على رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم). قال: «قال: رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم): من عمل بالمقائيس فقد هلك وأهلك، ومن أفتى وهو لا يعلم الناسخ من المنسوخ والمحكم من المتشابه فقد هلك وأهلك»(3).

[وجوب الكف والتثبت عند عدم العلم ]

وفي الحسن كالصحيح، عن هشام بن سالم، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام) : ما حقّ الله على خلقه؟ فقال: «أن يقولوا ما يعلمون ويكفّوا عمّا لا يعلمون، فإذا فعلوا ذلك فقد أدّوا إلى الله حقّه»(4).


1) الكافي 1 : 43، باب النهي عن القول بغير علم، ح 8. والآية الأولى في سورة الأعراف : 169. والثانية في سورة يونس : 39.

2) الكافي 1: 43 باب النهي عن القول بغير علم، ح 7.

3) الكافي 1 : 43 ، باب النهي عن القول بغير علم، ح 9.

4) الكافي 1 : 50، باب النوادر ، ح 12.

.......................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي الصحيح عن داود بن فرقد عن أبي سعيد الزهري عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: «الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة، وتركك حديثاً لم تروه خير من روايتك حديثاً لم تحصه»(1).

وفي الموثق كالصحيح، عن حمزة بن الطيّار أنّه عرض على أبي عبد الله(عليه السلام) بعض خطب أبيه حتى إذا بلغ موضعاً منها قال له: «كفّ واسكت» ثمَّ قال أبو عبد الله(عليه السلام) : «لا يسعكم فيما ينزل بكم ممّا لا تعلمون إلّا الكف عنه والتثبّت والردّ إلى أئمة الهدى حتى يحملوكم فيه على القصد، ويجلو عنكم فيه العمى، ويعرِّفوكم فيه الحق، قال الله تعالى: (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ )(2).

والغالب في الأخبار دخول معرفة النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)والأئمة(عليهم السلام) في معرفة الرب؛ لأنّهم يعرفونه تعالى، ولا يمكن حقّ معرفته تعالى إلّا منهم(عليه السلام) ، ولهذا يطلق عليهم وجه الله ؛ لأنّه يتوجّه إلى الله تبارك وتعالى بعد معرفتهم.

وفي القوي عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «من حفظ من أحاديثنا أربعين حديثاً بعثه الله يوم القيامة عالماً فقيهاً»(3).

وروى المصنف في القوي عن إبراهيم بن موسى المروزي عن أبي الحسن(عليه السلام) ، قال: « قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : من حفظ من اُمتي أربعين حديثاً ممّا يحتاجون إليه من


1) الكافي 1 : 50، باب النوادر ، ح 9.

2) الكافي 1 : 50، باب النوادر، ح 10 . والآية في سورة النحل : 43. الأنبياء : 7.

3) الكافي 1 : 49، باب النوادر، ح 7.

...............................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

أمر دينهم بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً »(1).

[ تفسير قوله تعالى:فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ]

وفي القوي عن زيد الشحام عن أبي عبد الله(عليه السلام) في قول الله عزّوجلّ: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ قال: قلت: ما طعامه؟ قال: «علمه الذي يأخذه عمّن يأخذه»(2).

وفي القوي، عن سفيان بن عيينة، قال سمعت أبا عبد الله(عليه السلام)يقول: «وجدت علم الناس كلّه في أربع: أولها : أن تعرف ربّك والثاني: أن تعرف ما صنع بك، والثالث: أن تعرف ما أراد منك، والرابع: أن تعرف ما يخرجك من دينك»(3).

[فضيلة حفظ الحديث ]

وفي القوي عن حنان بن سدير، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: «من حفظ عنّا أربعين حديثاً من أحاديثنا في الحلال والحرام بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً ولم يعذِّبه»(4).


1) الخصال : 541 ، ح 15 ثواب الأعمال : 134.

2) الكافي 1 : 49 باب النوادر ، ح 8. والآية في سورة عبس : 24.

3) الكافي 1 : 50 باب النوادر ، ح .11 الخصال : 239، ح 87

4) الخصال : 542، ح 18.

...........................................

ـــــــــــــــــــــــــ

وبإسناده عن ابن عباس عن النبي(1)قال: «من حفظ من اُمّتي أربعين حديثاً من السنّة كنت له شفيعاً يوم القيامة»(2).

وعن أنس، قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : «من حفظ عنّي من اُمتي أربعين حديثاً في أمر دينه يريد به وجه الله عزّ وجلّ والدار الآخرة بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً(3).

وفي القوي عن إسماعيل بن الفضل الهاشمي وإسماعيل بن أبي زياد جميعاً . جعفر بن محمد عن أبيه عن أبيه عن أبيه الحسين بن علي(عليه السلام) ، قال: «إنّ رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) أوصى إلى أمير المؤمنين(عليه السلام) ، وكان فيما أوصى به أن قال له: يا علي من حفظ من اُمّتي أربعين حديثاً يطلب بذلك وجه الله عزّوجلّ والدار الآخرة حشره الله يوم القيامة مع النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.

فقال علي(عليه السلام) : يا رسول الله أخبرني ما هذه الأحاديث؟ فقال: أن تؤمن بالله وحده لا شريك له وتعبده ولا تعبد غيره، وتقيم الصلاة بوضوء سابغ في مواقيتها ولا تؤخّرها فإنّ في تأخيرها من غير علّة غضب الله عزّوجلّ، وتؤدّي الزكاة، و تصوم شهر رمضان، وتحج البيت إذا كان لك مال وكنت مستطيعاً، وأن لا تعق والديك، ولا تأكل مال اليتيم ظلماً، ولا تأكل الربا ولا تشرب الخمر، ولا شيئاً من الأشربة المسكرة، ولا تزني، ولا تلوط، ولا تمشي بالنميمة، ولا تحلف بالله كاذباً. ولا تسرق، ولا تشهد شهادة الزور لأحدٍ قريباً كان أو بعيداً، وأن تقبل الحق ممّن


1) (صلّی الله علیه وآله وسلّم)

2) الخصال : 541 ، ح 16.

3) الخصال : 542 ، ح 17.

....................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

جاء به صغيراً كان أو كبيراً، وأن لا تركن إلى ظالم وإن كان حميماً قريباً وأن لا تعمل بالهوى، ولا تقذف المحصنة، ولا ترائي فإنّ أيسر الرياء شرك بالله عزّوجلّ، وأن لا تقول لقصير: يا قصير، ولا الطويل : يا طويل تريد بذلك عيبه، وأن لا تسخر بأحد من خلق الله، وأن تصبر على البلاء والمصيبة، وأن تشكر نعم الله التي أنعم بها عليك، وأن لا تأمن من عقاب الله على ذنب تصيبه، وأن لا تقنط من رحمة الله، وأن تتوب إلى الله عزّوجلّ من ذنوبك فإنّ التائب من ذنوبه كمن لا ذنب له، وأن لا تصرّ على الذنوب مع الاستغفار فتكون كالمستهزئ بالله وآياته ورسله، وأن تعلم أنّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأنّ ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن لا تطلب سخط الخالق برضى المخلوق، وأن لا تؤثر الدنيا على الآخرة؛ لأنّ الدنيا فانية والآخرة باقية، وأن لا تبخل على إخوانك بما تقدر عليه، وأن تكون سريرتك كعلانيتك، وأن لا تكون علانيتك حسنة وسريرتك قبيحة، فإن فعلت ذلك كنت من المنافقين.

وأن لا تكذب، ولا تخالط الكذّابين، وأن لا تغضب إذا سمعت حقّاً، وأن تؤدِّب نفسك وأهلك وولدك وجيرانك على حسب الطاقة، وأن تعمل بما علمت. ولا تعاملنّ أحداً من خلق الله إلّا بالحق، وأن تكون سهلاً للقريب والبعيد، وأن لا تكون جباراً عنيداً، وأن تكثر من التسبيح والتهليل والدعاء وذكر الموت وما بعده من القيامة والجنة والنار، وأن تكثر من قراءة القرآن وتعمل بما فيه، وأن تستغنم البر والكرامة بالمؤمنين والمؤمنات، وأن تنظر إلى كلّ ما لا ترضى فعله لنفسك فلا تفعله بأحد من المؤمنين، ولا تعمل من فعل الخير، ولا تثقل على أحد، ولا تمنّ على أحد

.......................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إذا أنعمت عليه، وأن تكون الدنيا عندك سجناً حتى يجعل الله لك جنّته، فهذه أربعون حديثاً(1)من استقام عليها وحفظها عنّي من اُمتي دخل الجنة برحمة الله وكان من أفضل الناس وأحبّهم إلى الله عزّوجل بعد النبيين والصديقين وحشره الله يوم القيامة مع النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً (2).

والظاهر أنّها فرد من أفراد الأربعين حديثاً، بل الفرد الأكمل، ويظهر منه أنّ المراد بالحفظ العمل بها. ويمكن أن يكون الفرد الكامل كما روي أنّ المراد به حفظ أربعين حديثاً في فضائل أمير المؤمنين(عليه السلام)(3). ويحتمل أن يكون المراد به حفظها عن ظهر القلب أو الأعم منه ومن كتابته وتأليفه وتصحيحه وشرحه. وظهر أيضاً اشتراط نية القربة فيه، وكذا كونها في أمر الدين والحلال والحرام. والجمع أكمل.

وروى الكليني وغيره في القوي عن علي بن حنظلة، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: «اعرفوا منازل الناس على قدر روايتهم عنّا»(4). والظاهر الكمية. ويحتمل الكيفية والأعم.

وفي القوي عن أمير المؤمنين(عليه السلام) ، قال: «يا أيها الناس اعلموا أنّه ليس بعاقل من انزعج من قول الزور فيه، ولا بحكيم من رضي بثناء الجاهل عليه، الناس أبناء


1) لا يخفى أنّ هذه الصفات أكثر من أربعين فلاحظ الحديث وعدد الأخلاق المذكورة اللهمّ إلّا أن يتداخل بعضها مع بعض والأمر سهل والله العالم.

2) الخصال : 543 ، ح 19.

3) مقتضب الأثر : 12، نقلاً عن الشافعي.

4) الكافي 1 : 50 باب النوادر ، ح .13 منية المريد 1 : 372.

....................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

ما يحسنون، وقدر كلّ امرئ ما يحسن فتكلموا في العلم تبين أقداركم»(1).

وفي الصحيح عن حمّاد بن عثمان عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : نعم وزير الإيمان العلم ونعم وزير العلم الحلم، ونعم وزير الحلم الرفق، ونعم وزير الرفق العبرة (أو الصبر ) »(2).

وفي القوي كالصحيح، عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّه كان يقول: «روِّحوا أنفسكم ببديع الحكمة فإنّها تكلّ كما تكلّ الأبدان»(3).

وفي القوي، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام)يقول: «كان أمير المؤمنين(عليه السلام)يقول: يا طالب العلم إنّ العلم ذو فضائل كثيرة، فرأسه التواضع. وعينه البراءة من الحسد، واُذنه الفهم، ولسانه الصدق، وحفظه الفحص، وقلبه حسن النية، وعقله معرفة الأشياء والاُمور، ويده الرحمة، ورجله زيارة العلماء، وهمّته السلامة وحكمته الورع ومستقرّه النجاة، وقائده العافية، ومركبه الوفاء، وسلاحه لين الكلام، وسيفه الرضا، وقوسه المداراة، وجيشه محاورة العلماء، وماله الأدب، وذخيرته اجتناب الذنوب، وزاده المعروف، وماؤه الموادعة (أي المصالحة)، ودليله الهدى ورفيقه محبة الأخيار»(4).


1) الكافي 1 : 50 ، باب النوادر ، ح 14. الاختصاص : 1 و 2.

2) الكافي 1 : 48 باب النوادرح3. عوالي اللآلي 4 : 75 ، ح 57

3) الكافي 1 : 48، باب النوادر ، ح .1. وصول الأخيار إلى أصول الأخبار : 124.

4) الكافي 1 : 48 باب النوادر ، ح .2. تحف العقول : 200

.................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

وعن ابن القداح عن أبي عبد الله عن آبائه(عليهم السلام) ، قال: «جاء رجل إلى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فقال: یا رسول الله ما العلم؟ قال: الإنصات، قال: ثمَّ مه؟ قال: الاستماع قال ثمَّ مه ؟ قال : الحفظ، قال: ثمَّ مه؟ قال: العمل به، قال: ثمَّ مه يا رسول الله؟ قال: نشره»(1)

وفي القوي عن حفص بن غياث عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: قال: «يا حفص يغفر للجاهل سبعون ذنباً قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد»(2).

قال : وقال أبو عبد الله(عليه السلام) : قال عیسی بن مریم(عليه السلام) : ويل للعلماء السوء كيف تلظى (أي تلتهب) عليهم النار»(3).

وفي الصحيح عن جميل بن دراج، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: «إذا بلغت النفس هاهنا وأشار بيده إلى حلقه لم يكن للعالم توبة، ثمَّ قرأ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ»(4).

وفي الموثق عن أبي بصير عن أبي جعفر(عليه السلام) في قول الله عزّوجلّ: فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ والْغَاوُونَ قال: هم قوم وصفوا عدلاً بألسنتهم ثمَّ خالفوه إلى غيره»(5).


1) الكافي 1 : 48 ، باب النوادر ، ح 4. مشكاة الأنوار : 236.

2) الكافي 1 : 47، باب لزوم الحجة على العالم وتشديد الأمر عليه ، ح 1. تفسير القمي 2 : 146.

3) الكافي 1 : 47 ، باب لزوم الحجة على العالم وتشديد الأمر عليه، ح 2.

4) الكافي 1 : 47، باب لزوم الحجة على العالم وتشديد الأمر عليه ، ح 3. والآية في سورة النساء :17.

5) الكافي 1 : 47، باب لزوم الحجة على العالم وتشديد الأمر عليه، ح 4. والآية في سورة الشعراء : 94.

يا عليّ: إذا مات العبد قال النّاس ما خلّف وقالت الملائكة: ما قدّم.

......................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

أي لم يعملوا بعلمهم.

وفي الموثق عن طلحة بن زيد، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام)يقول: «إنّ رواة الكتاب كثير، وإنّ رعاته قليل، وكم من مستنصح (أو مستصح)للحديث مستغش للكتاب، فالعلماء يحزنهم ترك الرعاية، والجهّال يحزنهم حفظ الرواية - أو عدم حفظ الرواية، كما في التوحيد - فراع يرعى أهلكته فعند ذلك اختلف الراعيان وتغاير الفريقان»(1).

وفي القوي كالصحيح، عن هشام بن سالم وحماد بن عثمان وغيره قالوا: سمعنا عبد الله(عليه السلام) يقول: «حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدّي، وحديث جدّي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) و صلوات الله عليهم أجمعين، وحديث رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) قول الله عزّوجلّ»(2).

فكلّما يرويه الأئمة (عليه السلام) قول الله عزّوجلّ، وليس عندهم الرأي والاجتهاد، ولكن فوض الله تعالى إليهم لكمال عقولهم وارتباطهم إليه تعالى، فلو وقع منهم بالتفويض فهو أيضاً قول الله تعالى.

[ما ورد في ذمّ الدنيا والزهد فيها وصفات الزهّاد وتارك الدنيا ]

(يا علي الدنيا سجن المؤمن) وإن كان في نعمة وفراغ بالنظر إلى ما أعدّ الله له


1) الكافي 1 : 49 باب النوادر، ح .6. ولم تعثر عليه في التوحيد

2) الكافي 1 : 53 ، باب رواية الكتب والحديث وفضل الكتابة والتمسك بالكتب، ح 14.

يا عليّ الدّنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ممّا لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

(وجنة الكافر) وإن كان في السجن بأنواع العذاب بالنظر إلى عذاب الآخرة أو يجزيه الله تعالى في الدنيا ما عمل من الخيرات عكس المؤمن.

روى الكليني في الصحيح عن أبي حمزة عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: «قال علي بن الحسين(عليه السلام) إنّ الدنيا قد ارتحلت مديرة، وإنّ الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، ألا وكونوا من الزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة، ألا إنّ الزاهدين في الدنيا اتّخذوا الأرض بساطاً والتراب فراشاً، والماء طيباً، وقرضوا (أي قطعوا) من الدنيا تقريضاً، ألا ومن اشتاق إلى الجنة سلا (أي صبر) عن الشهوات، ومن أشفق (أي خاف) من النار رجع عن المحرّمات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصائب، ألا إنّ لله عباداً كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلّدين، وكمن رأى أهل النار في النار معذبين.

شرورهم مأمونة، وقلوبهم محزونة، أنفسهم عفيفة ، وحوائجهم خفيفة، صبروا أياماً قليلة فصاروا بعقبى راحة طويلة . أمّا الليل فصافّون أقدامهم تجري دموعهم على خدودهم وهم يجأرون (أي يصيحون بالبكاء) إلى ربّهم يسعون في فكاك رقابهم. وأمّا النهار فحكماء، علماء، بررة، أتقياء، كأنّهم القداح قد برأهم الخوف من العبادة ينظر إليهم الناظر فيقول: مرضى وما بالقوم من مرض أم خولطوا (أي جنوا) فقد خالط القوم أمر عظيم من ذكر النار وما فيها»(1).


1) الكافي :2 : 131 ، باب ذم الدنيا والزهد فيها، ح 15.

.................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي الصحيح عن الهيثم بن واقد الجريري عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «من زهد في الدنيا أثبت الله الحكمة في قلبه وانطلق بها لسانه وبصّره عيوب الدنيا داءها ودواءها، وأخرجه من الدنيا سالماً إلى دار السلام»(1).

وفي الصحيح عن أبي حمزة عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: «قال أمير المؤمنين(عليه السلام) إنّ من أعون الأخلاق على الدين الزهد في الدنيا(2).

وفي الصحيح عن أبي عبيدة الحذّاء، قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام) : حدّثني بما انتفع به، فقال: «يا أبا عبيدة أكثر ذكر الموت، فإنّه لم يكثر إنسان ذكر الموت إلّا زهد في الدنيا»(3).

وعن حفص بن غياث عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: سمعته يقول: «جعل الخير كلُّه في بيت، وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا » ثمَّ قال: قال رسول الله : لا يجد الرجل حلاوة الإيمان في قلبه حتى لا يبالي من أكل الدنيا» ثمَّ قال أبو عبد الله(عليه السلام) : «حرام على قلوبكم أن تعرف في قلبه حلاوة الإيمان حتى تزهد في الدنيا»(4).

وفي الحسن كالصحيح، عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «قال أمير المؤمنين(عليه السلام): إنّ علامة الراغب في ثواب الآخرة زهده في عاجل زهرة


1) الكافي :2 : 128 باب ذم الدنيا والزهد فيها، ح 1.

2) الكافي :2 : 128 ، باب ذم الدنيا والزهد فيها، ح3 .

3) الكافي :2 : 131 ، باب ذم الدنيا والزهد فيها، ح 13.

4) الكافي :2 : 128 ، باب ذم الدنيا والزهد فيها، ح 2.

.............................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(الحياة) - خ) الدنيا، أما إنّ زهد الزاهد في هذه الدنيا لا ينقصه ممّا قسم الله عزّوجلّ فيها وإن زهد، وإن حرص الحريص على عاجل زهرة (الحياة- خ)الدنيا لا یزیده فيها وإن حرص، فالمغبون من حرم حظّه من الآخرة»(1).

وعن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «إذا أراد الله بعبد خيراً زهّده في الدنيا وفقّهه في الدين وبصّره عيوبها، ومن اُوتيهن فقد اُوتي خير الدنيا والآخرة» وقال: «لم يطلب أحد الحق بباب أفضل من الزهد في الدنيا، وهو ضد لما طلب أعداء الحق» قلت: - جعلت فداك - من ماذا؟ قال:« من الرغبة فيها» وقال: «ألا من صبّار كريم فإنّما هي أيام قلائل، ألا إنّه حرام عليكم أن تجدوا طعم الإيمان حتى تزهدوا في الدنيا» قال: وسمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: «إذا تخلّى المؤمن من الدنيا سما (أي علا) ووجد حلاوة حب الله وكان عند د أهل الدنيا كأنّه قد خولط، وإنّما خالط القوم حلاوة حبّ الله فلم يشتغلوا بغيره»ظ قال: وسمعته يقول: «إنّ القلب إذا صفا ضاقت به الأرض حتى يسمو»(2).

وفي الصحيح عن يونس عن أبي جميلة، قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام) : «كتب أمير المؤمنين(عليه السلام) إلى بعض أصحابه يعظه : اُوصيك ونفسي بتقوى من لا تحلّ معصيته ولا يرجى غيره ولا الغنى إلّا به، فإنّ من اتقى الله جل وعزّ وقوى، وشبع. وروي، ورفع عقله عن أهل الدنيا فبدنه مع أهل الدنيا وقلبه وعقله معاين الآخرة.


1) الكافي :2 : 129 ، باب ذم الدنيا والزهد فيها، ح 6.

2) الكافي :2 : 130 ، باب ذم الدنيا والزهد فيها، ح 10.

..................................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

فأطفأ بضوء قلبه ما أبصرت عيناه من حب الدنيا فقذر أو فيذر حرامها، وجانب شبهاتها، وأضرّ والله بالحلال الصافي إلا ما لابد (له - خ) منه من كسرة يشدّ بها صلبه، وثوب يواري به عورته من أغلظ ما يجد وأخشنه ولم يكن له فيما لابد له منه ثقة ولا رجاء، فوقعت ثقته ورجاؤه على خالق الأشياء، فجد واجتهد وأتعب بدنه حتى بدت الأضلاع، وغارت العينان فأبدل الله له من ذلك قوة في بدنه وشدّة فيعقله، وما ذخر له في الآخرة أكثر.

فارفض الدنيا، فإن حب الدنيا يعمي ويصم ويبكم ويذل الرقاب، فتدارك ما بقي من عمرك، ولا تقل غداً وبعد (أو بعد - خ) غد، فإنّما هلك من كان قبلك بإقامتهم على الأماني والتسويف حتى أتاهم أمر الله بغتة وهم غافلون، فنقلوا على أعوادهم إلى قبورهم المظلمة الضيقة، وقد أسلمهم الأولاد والأهلون، فانقطع إلى الله بقلب منيب من رفض الدنيا وعزم ليس فيها انكسار ولا انخزال، أعاننا الله وإياك على طاعته، ووفقنا وإياك لمرضاته»(1).

وفي الموثق كالصحيح، عن طلحة بن زيد عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «مثل الدنيا كمثل ماء البحر كلّما شرب منه العطشان ازداد عطشاً .

حتى يقتله»(2).

وفي القوي عن الوشاء، قال: سمعت الرضا(عليه السلام)يقول: «قال عیسی بن مریم(عليه السلام) للحواريين: يا بني إسرائيل لا تأسوا على ما فاتكم من الدنيا، كما لا يأسى أهل الدنيا


1) الكافي :2 : 136 ، باب ذم الدنيا والزهد فيها، ح 23.

2) الكافي 2 : 136 ، باب ذم الدنيا والزهد فيها، ح 24.

على ما فاتهم من دينهم إذا أصابوا دنياهم»(1).

وعن هاشم بن البريد أنّ رجلاً سأل علي بن الحسين (عليه السلام)عن الزهد؟ فقال: «عشرة أشياء، فأعلى درجة الزهد أدنى درجة الورع، وأعلا درجة الورع أدنى درجة اليقين، وأعلا درجة اليقين أدنى درجة الرضا، ألا وإن الزهد في آية من كتاب الله عزّوجلّ: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ)(2)وعن سفيان بن عيينة قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام)يقول: «كل قلب فيه شك أو شرك فهو ساقط، وإنّما أرادوا بالزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم في الآخرة»(3).

وعن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال خرج النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وهو محزون، فأتاه ملك ومعه مفاتيح خزائن الأرض فقال: يا محمد هذه مفاتيح خزائن الدنيا (الأرض - خ) يقول لك ربك: افتح وخذ منها ما شئت من غير أن تنقص شيئاً عندي. فقال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): الدنيا دار من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له، فقال الملك: والذي بعثك بالحق لقد سمعت هذا الكلام من ملك يقوله في السماء الرابعة حين أعطيت المفاتيح»(4).

وفي الحسن كالصحيح عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال:


1) الكافي :2 : 137 ، باب ذمّ الدنيا والزهد فيها، ح 25.

2) الكافي 2 : 128، باب ذم الدنيا والزهد فيها، ح .4 والآية في سورة الحديد : 23.

3) الكافي :2 : 129، باب ذم الدنيا والزهد فيها، ح 5.

4) الكافي 2 : 129 ، باب ذم الدنيا والزهد فيها ، ح 8.

................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

مر رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بجدي أسك (1)ملقى على مزبلة ميتاً، فقال لأصحابه: كم يساوي هذا؟ فقالوا: لعله لو كان حيّاً لم يساو درهماً، فقال النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : والذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذا الجدي على أهله»(2).

وفي الموثق عن طلحة بن زيد عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «ما أعجب رسول الله شيء (أو) بشيء) من الدنيا إلا أن يكون فيها جائعاً خائفاً»(3).

وفي الموثق كالصحيح، عن ابن بكير عن أبي عبد الله ، قال: «قال رسول الله إن في طلب الدنيا إضراراً بالآخرة، وفي طلب الآخرة إضراراً بالدنيا فأضروا بالدنيا، فإنها أحق (أو أولى) بالإضرار»(4).

وعن داود الأبزاري، قال: قال أبو جعفر(عليه السلام) : ملك ينادي كل يوم: ابن آدم لد للموت، واجمع للفناء، وابن للخراب»(5). واللام فيها للعاقبة.

وفي الصحيح عن جابر، قال: دخلت على أبي جعفر(عليه السلام) فقال: «(یا جابر) والله إنِّي لمحزون وإنّي لمشغول «القلب قلت: - جعلت فداك - وما شغلك؟ وما حزن قلبك؟ فقال: «يا جابر، إنّه من دخل قلبه صافي خالص دين الله شغل قلبه عمّا (عمن - خ) سواه. يا جابر ما الدنيا؟ وما عسى أن تكون الدنيا؟ هل هي إلا طعام


1) الجدي ولد المعز في السنة الأولى، أسك أي مصطلم الأذنين.

2) الكافي :2 : 129 ، باب ذم الدنيا والزهد فيها، ح 9.

3) الكافي :2 : 129 باب ذم الدنيا والزهد فيها، ح7 .

4) الكافي :2 : 131 باب ذم الدنيا والزهد فيها، ح 12.

5) الكافي :2 : 131 ، باب ذم الدنيا والزهد فيها، ح 14.

........................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ-

أكلته أو ثوب لبسته أو امرأة أصبتها؟ يا جابر إنّ المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا ببقائهم فيها ولم يأمنوا قدومهم الآخرة. يا جابر الآخرة دار القرار والدنيا دار فناء وزوال، ولكن أهل الدنيا أهل غفلة، وكأنّ المؤمنين هم الفقهاء أهل فكرة وعبرة لم يصمهم عن ذكر الله جل اسمه ما سمعوا بآذانهم ولم يعمهم عن ذكر الله ما رأوا من الزينة بأعينهم، ففازوا بثواب الآخرة كما فازوا بذلك العلم.

واعلم يا جابر أنّ أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤنة وأكثرهم لك معونة، تذكر(1)فيعينونك وإن نسيت ذكروك، قوالون بأمر الله قوامون على أمر الله، قطعوا محبّتهم بمحبة ربّهم ووحشوا الدنيا لطاعة مليكهم، ونظروا إلى الله عزّوجل وإلى محبته بقلوبهم، وعلموا أن ذلك هو المنظور إليه لعظيم شأنه، فأنزل الدنيا كمنزل نزلته ثمَّ ارتحلت عنه، أو كمال وجدته في منامك فاستيقظت وليس معك منه شيء، إنّي إنما ضربت لك هذا مثلاً؛ لأنها عند أهل اللب والعلم بالله كفيء الظلال.

یا جابر فاحفظ ما استرعاك الله عزّوجلّ من دينه وحكمته، ولا تسألن عما لك نده إلّا ماله عند نفسك، فإن تكن الدنيا على غير ما وصفت لك فتحوّل إلى دار المستعتب، فلعمري لرُبّ حريص على أمر قد شقى به حين أتاه، ولربّ كاره لأمر قد أتاه، وذلك قول الله عزّوجل :ولِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ سعد به حین الْكَافِرِينَ (2).


1) أي إن كنت ذاكراً لله وطاعته هم يعينونك، وإن كنت ناسياً لهما ذكروك، حاشية أصول الكافي 134:2

2) الكافي :2 : 132، باب ذمّ الدنيا والزهد فيها، ح .16 . والآية في سورة آل عمران :141.

...........................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

والعتبى الرضا، والاستعتاب الاسترضاء بالإقالة والندامة، وكأن المراد أنه إن لم تفهم ما قلت لك فتفكر وتأمل في أنّ مقاصد الدنيا إذا حصلت فالغالب الندامة من تضييع الوقت في تحصيلها، أو تأمل في الدار الآخرة فإنّه لا ينفع فيها الندامة ولا يمكن الاستقالة والاسترضاء وفي الحسن عن أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «كان أبو ذر(رضی الله عنه) يقول في خطبته يا مبتغي العلم كأنّ شيئاً من الدنيا لم يكن شيئاً إلا ما ينفع خيره ويضرّ شرّه إلا من رحم الله يا مبتغي العلم لا يشغلك أهل ولا مال عن نفسك، أنت يوم تفارقهم كضيف بت فيهم ثمَّ غدوت عنهم إلى غيرهم، والدنيا والآخرة كمنزل تحوّلت منه إلى غيره، وما بين الموت والبعث إلا كنومة نمتها ثم استيقظت منها (أو عنها)، يا مبتغي العلم قدّم لمقامك بين يدي الله عزّوجلّ، فإنّك مئاب بعملك كما تدين تدان يا مبتغي العلم»(1).

وعن موسى بن بكر، عن أبي إبراهيم(عليه السلام) قال: قال أبو ذر (رحمة الله علیه) : جزى الله الدنيا عنّي مذمة بعد رغيفين من الشعير أتغدى بأحدهما وأتعشى بالآخر، وبعد شملتي الصوف أتزر بإحداهما وأرتدي (أتردى - خ) بالأخرى»(2).

وفي القوي عن يحيى بن عقبة الأزدي عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «قال أبو جعفر(عليه السلام) : مثل الحريص على الدنيا كمثل دودة القز كلما ازدادت على نفسها لفاً كان أبعد لها عن الخروج حتى تموت عمّا قال: وقال أبو عبد الله(عليه السلام) : «كان فيما وعظ


1) الكافي :2 134 ، باب ذم الدنيا والزهد فيها، ح 18.

2) الكافي :2 : 134 ، باب ذم الدنيا والزهد فيها، ح 17.

.................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــ

لقمان ابنه: يا بني إنّ الناس قد جمعوا قبلك لأولادهم، فلم يبقى ما جمعوا ولم يبق من جمعوا له، وإنّما أنت عبد مستأجر قد أمرت بعمل ووُعِدت عليه أجراً، فأوف عملك واستوف أجرك، ولا تكن في هذه الدنيا بمنزلة شاة وقعت في زرع أخضر فأكلت حتى سمنت فكان حتفها عند سمنها، ولكن اجعل الدنيا بمنزلة قنطرة على نهر جزت عليها وتركتها ولم ترجع إليها آخر الدهر أخربها ولا تعمرها فإنك لم تؤمر بعمارتها.

واعلم أبليته، وعمرك فيما أفنيته، ومالك ممّا اكتسبت وفيما أنفقته، فتأهب لذلك وأعد له جواباً، ولا تأس على ما فاتك من الدنيا، فإنّ قليل الدنيا لا يدوم بقاؤه، وكثيرها لا يؤمن بلاؤه، فخذ حذرك وجد في أمرك، واكشف الغطاء عن وجهك، وتعرّض لمعروف ربّك، وجدد التوبة في قلبك واكمش (أي أسرع) في فراغك قبل أن يقصد قصدك ويقضي قضاؤك، ويحال بينك وبين ما تريد»(1). وفي القوي كالصحيح، عن ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: فيما ناجی الله عزّوجلّ به موسى(عليه السلام) : يا موسى لا تركن إلى الدنيا ركون الظالمين وركون من اتخذها أباً وأمّاً.

أنك ستسأل غداً إذا وقفت بين يدي الله عزّوجل عن أربع: شبابك فيما يا موسى لو وكلتك إلى نفسك لتنظر إليها (لها - خ) إذا لغلب عليك حبُّ الدنيا وزهرتها.

يا موسى نافس في الخير أهله واستبقهم إليه، فإنّ الخير كاسمه، واترك من الدنيا ما بك الغنى عنه، ولا تنظر عينك إلى كل مفتون بها وموكل إلى نفسه.


1) الكافي :2 : 134 ، باب ذم الدنيا والزهد فيها، ح 20.

.................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

واعلم أنّ كل فتنة بدؤها حبُّ الدنيا، ولا تغبط أحداً بكثرة المال، فإنّ مع كثرة المال تكثر الذنوب لواجب الحقوق، ولا تغبطن أحداً برضى الناس عنه حتى تعلم إن الله راض عنه، ولا تغيطن مخلوقاً بطاعة الناس له، فإنّ طاعة الناس واتباعهم إياه على غير الحق هلاك له ولمن اتبعه»(1).

وفي الموثق كالصحيح، عن غياث بن إبراهيم عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «إنّ في كتاب عليّ(عليه السلام) : إنما مثل الدنيا كمثل الحيّة ما ألين مسها (أي ظهرها أو مسها) وفي جوفها السم الناقع، يحذرها الرجل العاقل ويهوي إليها الصبي الجاهل»(2).

[قصة شراء شريح داراً وتخطئة عليّ(عليه السلام)له ]

وروى الصدوق في القوي والسيد رضي الدين في نهج البلاغة عن شريح(3)القاضي، قال: اشتريت داراً بثمانين ديناراً وكتبت كتاباً وأشهدت عدولاً، فبلغ ذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) فبعث إليَّ مولاه قنبر فأتيته، فلما أن دخلت علیه قال: «یا شریح اشتريت داراً وكتبت كتاباً وأشهدت عدولاً ووزنت مالاً؟» قال: قلت: نعم، قال: «یا شريح اتق الله فإنّه سيأتيك من لا ينظر في كتابك ولا يسأل عن بينتك حتى يخرجك من دارك شاخصاً ويسلّمك إلى قبرك خالصاً، فانظر أن لا تكون اشتريت هذه الدار من غير مالكها ووزنت مالاً من غير حله، فإذا أنت


1) الكافي :2 : 135 باب ذم الدنيا والزهد فيها، ح 21.

2) الكافي :2 : 136 ، باب ذم الدنيا والزهد فيها، ح 22.

3) شریح كان قاضياً وأقل ما قيل في قضاوته ستين سنة وأكثره خمساً وسبعين سنة ويكفى في ذمّه أنّه أوّل من جعله قاضياً عمر بن الخطاب توفي سنة 78 أو 80 أو 87 وعمره مائة سنة أو بإضافة عشر أو عشرين والله العالم.

..................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

قد خسرت الدارين جميعاً الدنيا والآخرة».

ثم قال(عليه السلام) : «يا شريح فلو كنت عند ما اشتريت هذه الدار أتيتني فكتبت لك كتاباً على هذه النسخة إذا لم تشترها بدرهمین قال: قلت: وما كنت تكتب يا أمير المؤمنين؟ قال: كنت أكتب لك هذا الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما اشترى عبد ذليل من ميت أزعج بالرحيل، اشترى منه داراً داراً في دار الغرور من جانب الفانين إلى عسكر الهالكين، وتجمع هذه الدار حدود أربعة: فالحد الأوّل منها ينتهي إلى دواعي الآفات والحد الثاني منها ينتهي إلى دواعي العاهات والحد الثالث منها ينتهي إلى دواعي المصيبات والحدّ الرابع منها ينتهي إلى الهوى المردي والشيطان المغوي، وفيه يشرع باب هذه الدار اشترى هذا المفتون بالأمل من هذا المزعج بالأجل جميع هذه الدار بالخروج من عزَّ القنوع والدخول في ذلّ الطلب فما أدرك هذا المشتري من دَرَك، فعلى مُبلى أجسام الملوك وسالب نفوس الجبابرة مثل کسری(1)و قیصر(2)، وتبع (3)و (4)، ومن جمع المال إلى المال فأكثر وبنى


1) كسرى ملك من ملوك الفرس بفتح الكاف وكسرها، وهو معرب ،خسرو، والنسبة إليه كسروى وإن شئت کسری، مجمع البحرين 41:4.

2) قيصر كبيدر لقب هرقل ملك الروم، وكذا يلقب كلّ من ملك فارس بكسرى، وكل من ملك الحبشة بالنجاشي، مجمع البحرين 3: 575

3) تبع كسكر واحد التبابعة من ملوك حمير، سمّي تبعاً لكثرة اتباعه، وقيل سموا تبابعة؛ لأن الأخير يتبع الأوّل في الملك، وهم سبعون تبعاً ملكوا جميع الأرض ومن فيها من العرب والعجم، مجمع البحرين 1 : 280.

4) حمير بكسر الحاء وسكون الميم وفتح الياء المثناة التحتانية أبو قبيلة من اليمين، كان منهم الملوك في الزمن القديم، مجمع البحرين 1: 583.

..............................................

وشيد، ونجد وزخرف، وادّخر بزعمه للولد، إشخاصهم جميعاً إلى موقف العرض لفصل القضاء وخسر هنالك المبطلون.

شهد على ذلك العقل إذا خرج من أسر الهوى، ونظر بعين الزوال لأهل الدنيا. وسمع منادي الزهد ينادي في عرصاتها ما أبين الحق لذي عينين أن الرحيل أحد اليومين، تزوّدوا من صالح الأعمال وقربوا الآمال بالآجال، فقد دنا الرحلة والزوال»(1).

وروى الكليني في الصحيح عن عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: من أصبح وأمسى والدنيا أكبر همه جعل الله تعالى الفقر بين عينيه وشتت أمره ولم ينل من الدنيا إلا ما قسم له، ومن أصبح وأمسى والآخرة أكبر همه، جعل الله الغنى في قلبه وجمع له أمره»(2).

وفي الصحيح عن أبي أسامة عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : من لم يتعزّ (أي لم يصبر) بعزاء الله تقطعت نفسه حسرات على الدنيا، ومن أتبع بصره ما في أيدي الناس كثر همه ولم يشف غيظه، ومن لم يرَ أنّ الله عزّوجلّ عليه نعمة إلا في مطعم أو مشرب أو ملبس فقد قصر عمله ودنا عذابه»(3).


1) الأمالي للشيخ الصدوق : 389، ح 10. نهج البلاغة 3 : 4.

2) الكافي 2 : 319 باب حب الدنيا والحرص عليها، ح 15.

3) الكافي 2 : 315 باب حب الدنيا والحرص عليها، ح 5.

يا علي: موت الفجأة راحة للمؤمن وحسرة للكافر.

يا عليّ أوحى الله تبارك وتعالى إلى الدنيا اخدمي من خدمني وأتعبي من خدمك.

يا علي: إنّ الدنيا لو عدلت عند الله تبارك وتعالى جناح بعوضة لما سقى الكافر منها شربةً من ماء.

يا علي ما أحدٌ من الأولين والآخرين إلا وهو يتمنى يوم القيامة أنه لم يعط من الدنيا إلّا قوتاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(يا علي أوحى الله تعالى إلى الدنيا اخدمي من خدمني) فإنه قد جرب، إن من توجه إلى عبادة الله تعالى أتنه الدنيا وهي راغمة، ومن توجّه إلى الدنيا فليس له إلا التعب، كما ورد في أخبار كثيرة أيضاً(1).

[تمنّى الناس يوم القيامة الزهد في الدنيا ]

(يا علي ما أحد من الأولين إلى آخره، فإنّه بقدر ما يؤتى المؤمن من الدنيا ينقص حظه من الآخرة، حتى إنه روي أن سليمان(عليه السلام) يدخل الجنة بعد الأنبياء بخمسمائة عام أو بأربعين عاماً مع كمال زهده(عليه السلام)(2).

وروى الكليني في القوي كالصحيح، عن ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «إنّ فقراء المؤمنين يتقلبون في رياض الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفاً، ثم قال:


1) انظر: الخصال : 64، ح 95.

2) انظر: کنز العمال 6 : 475 ، ح 16621.

..................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سأضرب لك مثل ذلك، إنّما مثل ذلك مثل سفينتين مرّ بهما على عاشر، فنظر في إحداهما فلم ير فيها شيئاً فقال: أسربوها، ونظر في الاُخرى فإذا هي موقورة (أو موقّرة) فقال: احبسوها»(1).

وفي الحسن كالصحيح عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: «إذا كان يوم القيامة قام عنق من الناس حتى يأتوا باب الجنة فيضربوا باب الجنة، فيقال لهم: من أنتم؟ فيقولون نحن الفقراء، فيقال: لِمَ أقبل الحساب؟ فيقولون: ما أعطيتمونا شيئاً تحاسبونا عليه، فيقول الله عزّوجلّ: صدقوا اُدخلوا الجنة»(2).

وفي القوي كالصحيح، عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: «إذا كان يوم القيامة أمر الله تبارك وتعالى منادياً ينادي بين يديه: أين الفقراء فيقوم عنق من الناس كثير، فيقول: عبادي فيقولون: لبيك ربّنا، فيقول: إنّي لم أفقركم (أو ما أفقرتكم) لهوان بكم عليَّ ولكن (أو ولكنّي) إنّما اخترتكم لمثل هذا اليوم، تصفّحوا وجوه الناس، فمن صنع إليكم معروفاً لم يصنعه إلّا فيَّ فكافوه عنّي بالجنة»(3).

وفي الحسن كالصحيح، عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: «قال أمير المؤمنين(عليه السلام) : الفقر أزين للمؤمن من العذار على خدّ الفرس»(4).


1) الكافي 2 : 260 ، باب فضل فقراء المسلمين، ح 1.

2) الكافي 2 : 264 ، باب فضل فقراء المسلمين، ح 19.

3) الكافي 2 : 263 ، باب فضل فقراء المسلمين، ح 15.

4) الكافي 2 : 265 ، باب فضل فقراء المسلمين، ح 22

.................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــ

وفي القوي كالصحيح، عن سعدان، قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام) : «إنّ الله عزّوجلّ يلتفت يوم القيامة إلى فقراء المؤمنين شبيهاً بالمعتذر إليهم فيقول: وعزّتي وجلالي ما أفقرتكم في الدنيا من هوان بكم عليَّ ، ولترون ما أصنع بكم اليوم، فمن زوّد منكم في دار الدنيا معروفاً فخذوا بيده فأدخلوه الجنة، قال: فيقول رجل منهم: يا ربِّ إنّ أهل الدنيا تنافسوا في دنياهم فنكحوا النساء، ولبسوا الثياب الليّنة، وأكلوا الطعام. وسكنوا الدور، وركبوا المشهور من الدواب، فأعطني مثل ما أعطيتهم، فيقول تبارك وتعالى: لك ولكل عبد منكم مثل ما أعطيت أهل الدنيا منذ كانت الدنيا إلى أن انقضت الدنيا سبعون ضعفاً»(1).

وبالإسناد عن سعدان، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «المصائب منح من الله، والفقر محزون عند الله »(2).

وفي القوي عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: «قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : يا علي إنّ الله جعل الفقر أمانة عند خلقه، فمن ستره أعطاه الله مثل أجر الصائم القائم، ومن أفشاه إلى من يقدر على قضاء حاجته فلم يفعل فقد قتله، أما إنّه ما قتله بسيف ولا رمح، ولكن قتله بما نكأ من قبله» (3).

وفي القوي عن مفضل، قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام) : «كلّما ازداد العبد إيماناً ازداد


1) الكافي 2 : 261، باب فضل فقراء المسلمين، ح 9.

2) الكافي 2 : 260 ، باب فضل فقراء المسلمين، ح 2.

3) الكافي 2 : 260 ، باب فضل فقراء المسلمين، ح 3.

................................................

ضيقاً في معيشته»(1).

ــــــــــــــــــــــــــــــ

وبإسناده، قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام) : «لولا إلحاح المؤمنين على الله في طلب الرزق، لنقلهم من الحال التي هم فيها إلى حال أضيق منها»(2).

وقال(عليه السلام) : «ما اُعطي عبد من الدنيا إلّا اعتباراً، ولا زوي عنه إلّا اختباراً»(3).

وفي القوي كالصحيح، عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «جاء رجل موسر إلى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) نقي الثوب فجلس إلى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، فجاء رجل معسر دون الثوب فجلس إلى جنب الموسر فقبض الموسر ثيابه من تحت فخذيه، فقال له رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : أخفت أن يمسّك من فقره شيء قال: لا، قال: فخفت أن يصيبه من غناك شيء؟ قال: لا، قال فخفت بأن يوسّخ ثيابك؟ قال: لا، قال: فما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رسول الله إنّ لي قريناً يزيّن لي كل قبيح، ويقبّح لي كل حسن، وقد جعلت له نصف مالي، فقال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) للمعسر : أتقبل قال: لا، فقال له الرجل: ولم؟ قال: أخاف أن يدخلني ما دخلك»(4).

وعن حفص بن غياث عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: «في مناجاة موسى (عليه السلام): يا موسى إذا رأيت الفقر مقبلاً فقل مرحباً بشعارالصالحين، وإذا رأيت الغنى مقبلاً


1) الكافي 2 : 261 ، باب فضل فقراء المسلمين، ح 4.

2) الكافي 2 : 261 ، باب فضل فقراء المسلمين، ح 5

3) الكافي 2 : 261 ، باب فضل فقراء المسلمين، ح 6.

4) الكافي 2 : 262 ، باب فضل فقراء المسلمين، ح 11

......................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فقل: ذنب عجّلت عقوبته»(1)

وعن السكوني عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): طوبي للمساكين بالصبر(أو الصبر ) وهم الذين يرون ملكوت السماوات والأرض»(2).

وقال(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : «يا معشر المساكين طيبوا نفساً، وأعطوا الله الرضا من قلوبكم يثبكم الله عزّوجلّ على فقركم، فإن لم تفعلوا فلا ثواب لكم»(3).

وفي القوي كالصحيح، عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: قال لي: «أما تدخل السوق؟ أما ترى الفاكهة تباع والشيء ممّا تشتهيه؟ فقلت: بلى، فقال: «أما إنّ لك لكل ما تراه فلا تقدر على شرائه حسنة»(4).

وعن مبارك غلام شعيب، قال: سمعت أبا الحسن موسى(عليه السلام) يقول: «إنّ الله عزّوجلّ يقول إنّي لم أغن الغني لكرامة به عليّ، ولم أفقر الفقير لهوان به عليَّ، وهو ممّا ابتليت به الأغنياء بالفقراء، ولو لا الفقراء لم يستوجب الأغنياء الجنة»(5).

وفي القوي كالصحيح، عن إسحاق بن عمار والمفضل بن عمر، قالا: قال أبو عبد الله(عليه السلام) : «مياسير شيعتنا اُمناؤنا على محاويجهم، فاحفظونا فيهم يحفظكم الله »(6).


1) الكافي 2 : 263 ، باب فضل فقراء المسلمين، ح 12.

2) الكافي 2 : 263 ، باب فضل فقراء المسلمين، ح 13.

3) الكافي 2 : 263 ، باب فضل فقراء المسلمين، ح 14

4) الكافي 2 : 264 ، باب فضل فقراء المسلمين، ح 17.

5) الكافي 2 : 265 ، باب فضل فقراء المسلمين، ح 20.

6) الكافي 2 : 265 ، باب فضل فقراء المسلمين، ح 21

يا علي شرّ النّاس من اتّهم الله في قضائه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وعن سعيد بن المسيب قال: سألت علي بن الحسين(عليه السلام) عن قول الله عزّوجل: وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً قال: «عنى بذلك اُمة محمد(صلّی الله علیه وآله وسلّم) أن يكونوا على دين واحد كفاراً كلهملَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقْفًا مِنْ فِضَّةٍ(1)ولو فعل الله ذلك باُمة محمد(صلّی الله علیه وآله وسلّم) لحزن المؤمنون وغمّهم ذلك ولم يناكحوهم ولم يوارثوهم»(2).

[ شرّ الناس من اتهم الله في قضائه ]

(يا علي شر الناس من اتهم الله في قضائه) بأن توهم أنّه لو لم يفعل الله تعالى ذلك لكان خيراً له، وهو كالكفر؛ لأنّه يرجع إلى أنّه أعلم من الله. وإن احتمل أن يكون مراده أنّ قضاءه تعالى عليه أو على غيره ذلك للغضب ولو لم يحتمل ذلك لكان كفراً.

روى الكليني في الصحيح، عن عبد الله بن مسكان، عن ليث المرادي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إنّ أعلم الناس بالله أرضاهم بقضاء الله عزّوجلّ»(3).


1) معنى الآية: لولا كراهة أن يجتمع الناس على الكفر لجعلنا للكفار سقوفاً من فضة، ومعنى الحديث أنّها نزلت في هذه الاُمة خاصة، يعني لولا كراهة أن يجتمع هذه الاُمة يعني عامتهم و جمهورهم على الكفر فيلحقوا بسائر الكفار ويكونوا جميعاً اُمة واحدة ولا يبقى إلّا قليل ممن محض الإيمان محضاً، فعبّر بالناس عن الأكثرين لقلة المؤمن فكأنهم ليسوا منهم. الوافي 786:5 .

2) الكافي 2 : 265 ، باب فضل فقراء المسلمين ح 23 والآية في سورة الزخرف : 33.

3) الكافي 2 : 60 ، باب الرضا بالقضاء، ح 2.

يا عليّ: أنين المؤمن تسبيحٌ، وصياحه تهليلٌ، ونومه على الفراش عبادةٌ، وتقلّبه من جنب إلى جنب جهادٌ في سبيل الله، فإن عوفي مشى في النّاس وما عليه من ذنب.

يا عليّ: لو أهدي إليّ كراعٌ لقبلته، ولو دعيت إلى كراع لأجبت.

يا عليّ: ليس على النّساء جمعةٌ، ولا جماعةٌ، ولا أذانٌ ولا إقامةٌ، ولا عيادة مريض، ولا اتّباع جنازة، ولا هرولةٌ بين الصّفا والمروة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي القوي كالصحيح، عن صفوان الجمال عن أبي الحسن الأوّل(عليه السلام) ، قال: «ينبغي لمن عقل عن الله أن لا يستبطئه في رزقه ولا يتّهمه في قضائه»(1)وتقدمالأخبار في ذلك في مناهي مناهي النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) .

(يا علي أنين المؤمن تسبيح) أي في المرض، وتقدم الأخبار في ثواب المرض.

يا علي لو اُهدي إليَّ كُراع) بالضم، مستدق الساق (لقبلت، ولو دُعيت إلى كُراع) بالمعنى المذكور أو كراع الغميم وهو موضع بعيد من المدينة (لأجبت) وتقدم الأخبار في الهدية وفي حقوق المؤمن.

[جملة ممّا اختصت به النساء ]

(يا علي ليس على النساء جمعة) أي وجوباً أو الأعم، كما تقدم (ولا جماعة) أي استحباباً مؤكداً، كالرجال وإن استحبت لهن أيضاً، أوفي المساجد وإن استحبت في بيوتهن (ولا أذان ولا إقامة) أي مؤكداً، وبأن يسمع صوتهن الأجنبي (ولا عيادة مريض) أي مؤكداً، أو بدون إذن أزواجهن (ولا اتباع جنازة) كالسابق (ولا هرولة بين الصفا والمروة) لمنافاتها سترهن، والظاهر عدم الاستحباب، بل الكراهة.


1) الكافي 2 : 61 ، باب الرضا بالقضاء، ح 5.

ولا استلام الحجر، ولا حلقٌ ، ولا تولّي القضاء، ولا تستشار، ولا تذبح إلّا عند الضّرورة، ولا تجهر بالتّلبية، ولا تقيم عند قبر، ولا تسمع الخطبة، ولا تتولّى التّزويج بنفسها، ولا تخرج من بيت زوجها إلّا بإذنه، فإن خرجت بغير إذنه لعنها الله وجبرئيل وميكائيل، ولا تعطي من بيت زوجها شيئاً إلّا بإذنه، ولا تبيت وزوجها عليها ساخطٌ وإن كان ظالماً لها.

ــــــــــــــــــــــــــــ

ويحتمل التحريم. ويحتمل استحبابها إذا لم يكن هناك أجنبي.

(ولا استلام الحجر) مؤكداً ( ولا حلق) مطلقاً، والظاهر الحرمة (ولا تولّي القضاء)كما ذكره الأصحاب في أنّه يشترط في القاضي أن يكون رجلاً(1). والظاهر أنّه في المنصوب الخاص، فلو كانت عالمة وقضت بين النساء أو الرجال المحارم فالظاهر عدم البأس، ويحتمل التعميم.

وهو أحوط (ولا تستشار) لضعف عقولهن إلّا مع إرادة المخالفة، كما تقدم.

(ولا تذبح إلا عند الضرورة) لضعف قلوبهنّ (ولا تجهر بالتلبية) مطلقاً، أو مع سماع الأجنبي صوتهنّ. والتعميم أحوط.

(ولا تقيم عند قبر) كما كان في الجاهلية؛ لمنافاته الرضا بالقضاء مع منافاته الستر (ولا تسمع الخطبة) في الجمعة والعيدين؛ لسقوطها عنهن (ولا تتولّى التزويج بنفسها) مع البكارة استحباباً مؤكداً، ومع عدمها أيضاً. وقيل بعدم الصحة مع البكارة، وتقدم.


1) شرائع الإسلام .4 : 860 تحرير الأحكام 5 : 110. شرح اللمعة 3 : 67.

يا عليّ: الإسلام عريانٌ فلباسه الحياء وزينته الوفاء ومروءته العمل الصّالح وعمادة الورع ولكلّ شيءٍ أساسٌ وأساس الإسلام حبّنا أهل البيت.

يا عليّ: سوء الخلق شؤمٌ وطاعة المرأة ندامةٌ.

يا عليّ: إن كان الشّؤم في شيءٍ ففي لسان المرأة.

يا عليّ نجا المخفّون.

يا عليّ: من كذب عليّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النّار.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(فلباسه الحياء) من الله تعالى، أو الأعم (وزينته الوفاء) بعهد الله تعالى، أو الأعم، أو الوقار.

(نجا المخفّون) أي من يخفّف في المطعم والمشرب والملبس، وفي سائر اُمور الدنيا ولو كان في الحلال؛ لأنّ في حلالها حساب وفي حرامها عقاب.

[تأكد حرمة الكذب على النبيّ(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ]

(من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) أي ليعلم أنّه جعل النار موضعه. والظاهر أنّه يدخل فيه القول بالقياس والآراء الباطلة والاستحسانات العقلية وأمثالها مما لم يدلّ دليل عليه.

[خطبة علي(عليه السلام) في بدء وقوع الفتن ]

روى الكليني في الموثق كالصحيح، عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال :

.....................................

ــــــــــــــــــــــــــ

«خطب أمير المؤمنين(عليه السلام) الناس فقال : أيها الناس إنّما بدء وقوع الفتن أهواء تتّبع وأحكام تبتدع، يخالف فيها كتاب الله ، يتولّى فيها رجال رجالاً، فلو أنّ الباطل خلص لم يخفَ على ذي حجى (أي عاقل)، ولو أنّ الحق خلص لم يكن اختلاف، ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان ويجيئان معاً، فهنالك استحوذ الشيطان على أوليائه ونجا الذين سبقت لهم من الله الحسنى»(1).

(والضغث) بالكسر قطعة حشيش مختلطة الرطب باليابس(2).

وفي الحسن كالصحيح، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت (له-خ):اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ َورُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فقال: «أما والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم، ولو دعوهم ما أجابوهم ولكن أحلّوا لهم حراماً وحرّموا عليهم حلالاً فعبدوهم من حيث لا يشعرون»(3).

وفي الصحيح - على المشهور - عن أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) : في قول الله عزّوجلّ: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فقال: «والله ما صاموا لهم ولا صلّوا، ولكن أحلّوا لهم حراماً وحرّموا عليهم حلالاً فاتّبعوهم»(4).

وفي الصحيح عن معاوية بن وهب، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام)يقول: «قال


1) الكافي 1 : 54، باب البدع والرأي والمقائيس، ح 1.

2) الصحاح 1 : 285.

3) لكافي 1 : 53 ، باب التقليد، ح 1. والآية في سورة التوبة : 31.

4) الكافي 1 : 53 باب التقليد، ح 3. والآية في سورة التوبة : 31.

رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم): إن كل بدعة تكون من بعدي يكاد بها الإيمان، وليّاً من أهل بيتي موكّلاً به يذبّ عنه ينطق بإلهام من الله ويعلن الحق، وينوره، ويردّ كيد الكائدين، يعبر عن الضعفاء، فاعتبروا يا اُولي الأبصار وتوكّلوا على الله»(1).

ويدلّ على أنّه لا يخلو الزمان من المعصوم الحافظ للشريعة، وغيبته بتشأم الناس، وإلّا لكان يظهر، ويظهر الحق لا أنّه مع غيبته (عليه السلام) ليظهر ويظهر الحق لئلّا يجتمع الاُمة على الخطأ، كما قيل فيه وفي أمثاله من الأخبار. أو يكون هذا الحكم مختصّاً بزمان الحضور. أو ظهر منهم ما يجب وتلف لغلبة حكّام الجور.

وروى الكليني وغيره بطرق قويّة - كالصحيحة - عن أبي عبد الله(عليه السلام) وعن أمير المؤمنين(عليه السلام)، قال: «إنّ من أبغض الخلق إلى الله عزّ وجلّ لَرجلين: رجل وكله الله إلى نفسه فهو حائر (جائر - خ) عن قصد السبيل، مشعوف بكلام بدعة قد لهج بالصوم والصلاة فهو فتنة لمن افتتن به، ضال عن هدى من كان قبله، مضل لمن اقتدى به في حياته وبعد موته حمّال خطايا غيره، رهن بخطيئته، ورجل قمش جهلاً في جهال الناس، عان (2)(غان - خ) بأغباش الفتنة قد سمّاه أشباه الناس عالماً ولم يغن فيه يوماً سالماً، بكر(3)فاستكثر ما قلّ منه خير ممّا كثر، حتى إذا


1) الكافي 1 : 54، باب البدع والرأي والمقائيس، ح 5.

2) بالعين المهملة والنون بمعنى الإسارة والحبس أو التعب أو الاهتمام والاشتغال، وبالغين المعجمة بمعنى الإقامة والعيش.

3) أي خرج للطلب بكرة، وهي كناية عن شدة طلبه واهتمامه في كل يوم أو في أوّل العمر إلى جمع الشبهات والآراء الباطلة.

....................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ارتوى من آجن واكتنز من غير طائل، جلس بين الناس قاضياً ماضياً ضامناً لتخليص ما التبس على غيره وإن خالف قاضياً سبقه، لم يأمن أن ينقض حكمه من يأتي بعده كفعله بمن كان قبله، وإن نزلت به إحدى المبهمات المعضلات هيّأ لها حشواً من رأيه ثمَّ قطع به، فهو من لبس الشبهات في مثل غزل العنكبوت، لا يدري أصاب أم أخطأ، لا يحسب العلم في شيءٍ ممّا أنكر، ولا يرى أنّ وراء ما بلغ فيه مذهباً، إن قاس شيئاً بشيء لم يكذب نظره، وإن أظلم عليه أمره اكتنم به؛ لما يعلم من جهل نفسه لكي لا يقال له: لا يعلم، ثمَّ جسر فقضى فهو مفتاح عشوات، ركّاب شبهات، خبّاط جهالات، لا يعتذر ممّا لا يعلم فيسلم، ولا يعضّ في العلم بضرس قاطع فيغنم، يذري الروايات ذرو الريح الهشيم(1)تبكي منه المواريث وتصرخ منه الدماء، يستحلّ بقضائه الفرج الحرام، ويحرم بقضائه الفرج الحلال لا مليء بإصدار ما عليه ورد، ولا هو أهل لما منه فرط من ادعائه علم الحق»(2).

قوله(عليه السلام)«حائر» أي متحيّر عن الصراط المستقيم، وأشرب قلبه - حتى دخل في شغاف قلبه ووسطه - حبُّ البدعة.« قد لهج» و ولع أو تكلم في العبادات لإضلال العوام. وقمش أي جمع «عان» من العناية، والغبش الظلمة(3)«ولم يغن» من الغناء


1) أي كما أنّ الريح في حمل الهشيم وتبديده لاتبالي بتمزيقه واختلال نسقه كذلك هذا الجاهل يفعل بالروايات ما تعفل الريح الهشيم، والهشيم ما يبس من النبت وتفتت.

2) الكافي 1 : 54 ، باب البدع والرأي والمقائيس، ح 6.

3) الغبش بالتحريك ظلمة آخر الليل، مرآة العقول 1 : 188.

...............................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

«بكر» أي أصبح، وكان يستكثر من الأقوال التي قليلها خير من كثيرها، أي عدمها أفضل من وجودها، حتى صار مرتوياً من الجهالات التي هي كالماء المتغيّر وجمع ما لا طائل تحته. والعشوات الظلمات أو الخبطات، خبط العشواء أي ركبه من غير بصيرة، ويخبط في الجهالات التي حسبها علوماً.« يذري» الروايات ويضيّعها؛ لعدم العمل بها أو للتأويلات الفاسدة أو لجهله بها. والإصدار ردّ الجواب. وفرط أي سبق. فتأمل صحيحاً؛ فإنّها أحوال أكثر الفضلاء الذين تركوا اتِّباع الأئمة المعصومين(عليهم السلام) واشتغلوا بالاستحسانات العقلية.

[تحريم البدعة والعمل بالقياس والاستحسانات ]

وفي القوي عن يونس بن عبد الرحمن، قال: قلت لأبي الحسن الأول(عليه السلام) بما اُوحد الله ؟ فقال: «يا يونس لا تكوننّ مبتدعاً، من نظر برأيه هلك، ومن ترك أهل بيت نبيّه ضلّ، ومن ترك كتاب الله وقول نبيّه كفر»(1).

وفي الحسن كالصحيح، عن محمد بن حكيم، قال: قلت لأبي الحسن موسى(عليه السلام) : جعلت فداك فقّهنا في الدين وأغنانا الله بكم عن الناس حتى إنّ الجماعة ليكون في المجلس ما يسأل - الظاهر أنّه فاعل يكون - رجل صاحبه يحضره المسألة ويحضره جوابها فيما منّ الله علينا بكم، فربّما ورد علينا الشيء لم يأتنا فيه عنك ولا عن آبائك شيءٌ فنظرنا إلى أحسن ما يحضرنا وأوفق الأشياء لما جاءنا عنكم


1) الكافي 1 : 56، باب البدع والرأي والمقائيس، ح 10.

.......................................

ـــــــــــــــــــــــــ

فنأخذ به، فقال: «هيهات هيهات فى ذلك، والله هلك من هلك يا ابن حكيم» قال: ثمَّ قال: «لعن الله أبا حنيفة كان يقول قال: عليٌّ، وقلت». قال محمد بن حکیم لهشام ابن الحكم: والله ما أردت إلّا أن يرخّص لي في القياس(1).

وفي القوي عن أبي شيبة الخراساني، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: «إنّ أصحاب المقاييس طلبوا العلم بالمقاييس فلم يزدهم المقاييس من الحق إلّا بعداً. وإنّ دين الله لا يصاب بالمقاييس »(2).

وفي الحسن عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام) : يرد علينا أشياء لا نعرفها في كتاب ولا سنة فننظر فيها؟ قال: «لا ، أما إنّك إن أصبت لم تؤجر، وإن أخطأت كذبت على الله عزّوجلّ»(3).

وفي الموثق كالصحيح، عن سماعة بن مهران عن أبي الحسن موسى(عليه السلام) ، قال: قلت: أصلحك الله، إنا نجتمع فنتذاكر ما عندنا فلا يرد علينا شيءٌ إلّا وعندنا فيه شيء مستطر، وذلك ممّا أنعم الله علينا بكم، ثمَّ يرد علينا الشيء الصغير ليس عندنا فيه شيء فينظر بعضنا إلى بعض وعندنا ما يشبهه فنقيس على أحسنه، فقال: «ما لكم وللقياس؟ إنّما هلك من هلك من قبلكم بالقياس» ثمَّ قال: «إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا به، وإن جاءكم ما لا تعلمون فها» وأهوى بيده إلى فيه، ثمَّ قال:


1) الكافي 1 : 56 ، باب البدع والرأي والمقائيس، ح 9.

2) الكافي 1 : 56، باب البدع والرأي والمقائيس ، ح 7.

3) الكافي 1 : 56 ، باب البدع والرأي والمقائيس ، ح 11.

............................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

لعن الله أبا حنيفة كان يقول: قال: عليٌّ» وقلت وقالت الصحابة وقلت، ثمَّ قال: «أكنت تجلس إليه؟» فقلت: لا، لكن هذا كلامه، فقلت: أصلحك الله أتى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) و الناس بما يكتفون به في عهده؟ قال:« نعم، وما يحتاجون إليه إلى يوم القيامة» فقلت: فضاع من ذلك شيء؟ قال: «لا، هو عند أهله»(1).

وفي الصحيح - على المشهور - عن أبان بن تغلب عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «إنّ السنّة لا تقاس، ألا ترى أنّ المرأة تقضي صومها ولا تقضي صلاتها، يا أبان إنّ السنة إذا قيست محق الدين»(2).

وفي الصحيح عن زرارة، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن الحلال والحرام؟ فقال: «حلال محمد حلال أبداً إلى يوم القيامة، وحرامه حرام أبداً إلى يوم القيامة، لا يكون غيره ولا يجيء غيره» وقال: قال علي(عليه السلام) : ما أحد ابتدع بدعة إلّا ترك بها سنة»(3).

وفي الصحيح عن قتيبة، قال: سأل رجل أبا عبد الله(عليه السلام)عن مسألة فأجابه فيها، فقال الرجل: أرأيت إن كان كذا وكذا ما كان يكون القول فيها فقال له: «مه، ما أجبتك فيه من شيءٍ فهو عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) و لسنا من أرأيت في شيء»(4).


1) الكافي 1 : 57، باب البدع والرأي والمقائيس، ح 13.

2) الكافي 1 : 57، باب البدع والرأي والمقائيس، ح 15.

3) الكافي 1 : 58 ، باب البدع والرأي والمقائيس، ح 19.

4) الكافي 1 : 58 ، باب البدع والرأي والمقائيس ح 21.

..................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

اعلم أنّ «أرأيت» قد يطلق على ما رأيت فيه؟ كما هو هنا، وقد يطلق على أخبرني، كما يقع كثيراً عن أصحاب الأئمة(عليهم السلام). ولمّا كان السائل هنا من العامة أجاب(عليه السلام)«لسنا من أرأيت» أي لا نقول في شيء من المسائل بالرأي والظن، كما هو شأن المجتهدين.

وفي القوي كالصحيح، عن أبي شيبة قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) : «يقول: ضلّ علم ابن شبرمة عند الجامعة إملاء رسول الله وخطط علي (عليه السلام) بيده، إنّ الجامعة لم تدع لأحد كلاماً، فيها علم الحلال والحرام، إنّ أصحاب القياس طلبوا العلم بالقياس فلم يزدادوا من الحق إلّا بعداً، إنّ دين الله لا يصاب بالقياس»(1).

وفي الموثق كالصحيح، عن عثمان بن عيسى، قال: سألت أبا الحسن موسى(عليه السلام) عن القياس؟ فقال: «ما لكم وللقياس (أو والقياس) إنّ الله لا يسأل كيف أحلّ وكيف حرّم»(2).

وفي القوي عن عيسى بن عبد الله القرشي، قال: دخل أبو حنيفة لعنه الله على أبي عبد الله(عليه السلام) فقال: «يا أبا حنيفة بلغني أنّك تقيس؟» قال: نعم، قال: «لا تقس، فإنّ أول من قاس إبليس حين قال: خلقتني من نار وخلقته من طين، فقاس ما بين النار والطين، ولو قاس نوريّة آدم بنوريّة النار عرف فضل ما بين النورين وصفاء أحدهما على الآخر»(3).


1) الكافي 1 : 57، باب البدع والرأي والمقائيس، ح 14.

2) الكافي 1 : 57 ، باب البدع والرأي والمقائيس ح 16.

3) الكافي 1 : 58، باب البدع والرأي والمقائيس، ح 20.

..................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

والظاهر أنّ المراد بنوريّة آدم تجرّد نفسه أو إيمانه وارتباطه بالله تعالى. والأوّل أظهر، يعني: يغلط المقائيس، فربّما كانت العلة خلاف ما توهمه، كما وقع من إبليس مع كمال فضله وعلمه وبسببه صار مطروداً ملعوناً.

وعن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: «إنّ إبليس قاس نفسه بآدم فقال: خلقتني من نار وخلقته من طين، فلو قاس الجوهر الذي خلق الله منه آدم بالنار، كان ذلك أكثر نوراً وضياء من النار»(1).

وفي القوي كالصحيح، عن مسعدة بن صدقة، قال: حدّثني جعفر عن أبيه: «أنّ عليّاً(عليه السلام)قال: من نصب نفسه للقياس لم يزل دهره في التباس، ومن دان الله بالرأي لم يزل دهره في ارتماس» قال : وقال أبو جعفر(عليه السلام): «من أفتى الناس برأيه فقد دان الله بما لا يعلم، ومن دان الله بما لا يعلم فقد ضادّ الله حيث أحل وحرّم فيما لا يعلم»(2).

وفي الموثق كالصحيح: عن سماعة عن أبي الحسن موسى(عليه السلام) ، قال: قلت له: أكلّ شيء في كتاب الله وسنّة نبيّه(صلّی الله علیه وآله وسلّم) أو تقولون (أي برأيكم؟) قال: «بل كلّ شيء في كتاب الله وسنّة نبيّه(صلّی الله علیه وآله وسلّم)»(3).

وفي الصحيح عن إسماعيل بن جابر عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «كتاب الله فيه نبأ


1) الكافي 1 : 58 ، باب البدع والرأي والمقائيس، ح 18.

2) الكافي 1 : 57 ، باب البدع والرأي والمقائيس ، ح 17.

3) الكافي 1 : 62 ، باب الرد إلى الكتاب والسنة، ح 10.

...........................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وفصل ما بينكم، ونحن نعلمه»(1).

وفي الموثق كالصحيح عن عبد الأعلى بن أعين قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: «قد ولدني رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)وأنا أعلم كتاب الله، وفيه بدء الخلق وما هو كائن إلى يوم القيامة، وفيه خبر السماء، وخبر الأرض، وخبر الجنة وخبر النار، وخبر ما كان، وما هو كائن، أعلم ذلك كما أنظر إلى كفّي، إنّ الله يقول: فيه تبيان كل شيء»(2).

وفي الصحيح عن حماد عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: سمعته يقول: «ما من شيء إلّا وفيه كتاب أو سنة»(3).

وفي القوي كالصحيح، عن معلّى بن خنيس، قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام) : «ما من أمر يختلف فيه اثنان إلّا وله أصل في كتاب الله، ولكن لا تبلغه عقول الرجال»(4).

وفي الصحيح، عن عبد الله بن سنان عن أبي الجارود قال: قال أبو جعفر(عليه السلام) : «إذا حدثتكم بشيء فسألوني من كتاب الله» ثمَّ قال: في بعض حديثه: «إنّ رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) نهى عن القيل والقال وفساد المال وكثرة السؤال» فقيل له: يا ابن رسول الله أين هذا من كتاب الله ؟ قال: «إنّ الله عزّوجلّ يقول:لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ


1) الكافي 1 : 61، باب الرد إلى الكتاب والسنة، ح 9.

2) الكافي 1 : 61 ، باب الرد إلى الكتاب والسنة، ح 8.

3) الكافي 1 : 59 ، باب الرد إلى الكتاب والسنة، ح 4.

4) الكافي 1 : 60 ، باب الرد إلى الكتاب والسنة، ح 6.

نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وقال: ولا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا وَقَالَ: لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ (1). وفي القوي كالصحيح، عن سليمان بن هارون، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام)يقول: «ما خلق الله حلالاً ولا حراماً إلّا وله حد كحد الدار، فما كان من الطريق فهو من الطريق وما كان من الدار فهو من الدار حتى أرش الخدش فما سواه، والجلدة ونصف الجلدة»(2).

وفي القوي عن مرازم عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «إنّ الله تبارك تعالى أنزل في القرآن تبيان كل شيء، حتى والله ما ترك شيئاً يحتاج إليه العباد، حتى لا يستطيع عبد يقول : لو كان هذا اُنزل فى القرآن ألا وقد أنزله الله فيه»(3).

الاستثناء من قوله(عليه السلام) : يحتاج إليه العباد، والجملة معترضة، ولو للتمني.

وفي القوي كالصحيح، عن عمر بن قيس عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: سمعته يقول: «إنّ الله تبارك وتعالى لم يدع شيئاً يحتاج إليه الاُمة إلّا أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، وجعل لكلِّ شيءٍ حدّاً، وجعل عليه دليلاً يدلّ عليه، وجعل على من تعدّى ذلك الحد حدّاً» (4).


1) الكافي 1 : 60، باب الرد إلى الكتاب والسنة، ح5 . والآية الاُولى في سورة النساء : 114. والثانية في سورة النساء : 5 والثالثة في سورة المائدة : 101.

2) الكافي ،1 : 59 ، باب الرد إلى الكتاب والسنة، ح 3.

3) الكافي 1 : 59 ، باب الرد إلى الكتاب والسنة، ح 1.

4) الكافي 1 : 59 ، باب الرد إلى الكتاب والسنة، ح 2.

.............................................

ــــــــــــــــــــــــــ

وفي القوي عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «قال أمر المؤمنين(عليه السلام) : أيّها الناس إنّ الله تبارك وتعالى أرسل إليكم الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وأنزل إليه الكتاب بالحق وأنتم اُمّيون عن الكتاب ومن أنزله، وعن الرسول، ومن أرسله على حين فترة من الرسل وطول هجعة (أي نوم) من الاُمم وانبساط من الجهل واعتراض من الفتنة وانتقاض من المبرم وعمى عن الحق واعتساف من الجور، وامتحاق (أي إبطال) من الدين وتلطّى من الحروب على حين اصفرار من رياض جنّات الدنيا ويبس من أغصانها، وانتشار من ورقها، ويأس من ثمرها واغورار من مائها، قد درست أعلام الهدى وظهرت أعلام الردى، فالدنيا متجهّمة (أي عابسة) في وجوه أهلها مكفهرة بمعناها مدبرة غير مقبلة، ثمرتها الفتنة ، وطعامها الجيفة، وشعارها الخوف، ودثارها السيف، مزقتم كل ممزق، وقد أعمت عيون أهلها، وأظلمت عليها أيامها، قد قطعوا أرحامهم، وسفكوا دماءهم، ودفنوا في التراب الموؤدة من أولادهم. يختار دونهم (أو يجتاز دونهم أو يجتازونهم) طيب العيش ورفاهيّة خفوض الدنيا لا يرجون من الله ثواباً ولا يخافون والله منه عقاباً، حيُّهم أعمى نحس (أي ذو نحوسة أو بخس) (أي ناقص) أو نجس لكفرهم، وميتهم في النار مبلس، فجاءهم بنسخة ما في الصحف الاُولى تصديق الذي بين يديه وتفصيل الحلال من ريب الحرام.

ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق لكم، اُخبركم عنه أنّ فيه علم ما مضى وعلم ما يأتي إلى يوم القيامة وحكم ما بينكم وبيان ما أصبحتم فيه تختلفون، فلو سألتموني عنه لعلّمتكم»(1).


1) الكافي 1 : 60 ، باب الرد إلى الكتاب والسنة، ح7.

...............................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

[خطبة لعلي(عليه السلام) في تقسيم الناس في نقل السنة على أربعة ]

وروى الكليني، والمصنف في الحسن كالصحيح عن إبراهيم بن عمر اليماني والمصنف أيضاً عن عمر بن اُذينة عن أبان بن أبي عيّاش عن سليم بن قيس الهلالي - وهو موجود في كتاب سليم(1)عندنا مع جل ما يرويه الكليني عنه - قال: قلت لأمير المؤمنين(عليه السلام) : إنّي سمعت من سلمان، والمقداد، وأبي ذر شيئاً من تفسير القرآن، وأحاديث عن النبي (أو نبي (أو نبي الله )(صلّی الله علیه وآله وسلّم) غير ما في أيدي الناس، ثمَّ سمعت منك تصديق ما سمعت منهم، ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن، ومن الأحاديث عن نبي الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) أنتم تخالفونا فيها وتزعمون أنّ ذلك كله باطل أفترى الناس يكذّبون على رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) متعمّدين ويفسّرون القرآن بآرائهم؟ قال: فأقبل عليٌّ فقال: «قد سألت فافهم الجواب: إنّ في أيدي الناس حقّاً وباطلاً. وصدقاً وكذباً، وناسخاً ومنسوخاً، وعاماً وخاصاً، ومحكماً ومتشابهاً، وحفظاً ووهماً، وقد كذّب على رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) على عهده حتى قام خطيباً فقال: أيّها الناس قد كثرت عليَّ الكذّابة، فمن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار، ثمَّ كذّب عليه من بعده، وإنّما أتاكم الحديث من أربعة ليس له خامس: رجل منافق يظهر الإيمان متصنّع بالإسلام ولا يتأثّم ولا يتحرّج أن يكذب على رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)متعمداً، فلو علم الناس أنّه منافق كذّاب لم يقبلوا منه ولم يصدِّقوه ولكنّهم قالوا: هذا قد صحب


1) انظر کتاب سليم بن قيس : 26.

........................................

ــــــــــــــــــــــــ

رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ورآه وسمع منه فأخذوا عنه وهم لا يعرفون حاله، وقد أخبره الله عزّوجلّ عن المنافقين بما أخبره ووصفهم بما وصفهم، فقال عزّوجلّ: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ َوإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ(1)ثمَّ بقوا بعده فتقرّبوا إلى أئمة الضلالة والدعاة إلى النار بالزور والكذب والبهتان، فولّوهم الأعمال وحملوهم على رقاب الناس وأكلوا بهم الدنيا، وإنّما الناس مع الملوك والدنيا إلّا من عصم الله، فهذا أحد الأربعة.

ورجل سمع من رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)شيئاً لم يحفظ على وجهه ووهم فيه ولم يتعمّد كذباً فهو في يده يقول به، ويعمل به، ويرويه، ويقول: أنا سمعته من رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) . فلو علم المسلمون أنّه وهم لم يقبلوه، ولو علم هو أنّه وهم لرفضه.

ورجل ثالث سمع من رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) شيئاً أمر به ثمَّ نهى عنه وهو لا يعلم أو سمعه ينهى عن شيء ثمَّ أمر به وهو لا يعلم فحفظ منسوخه ولم يعلم (أو لم يحفظ) الناسخ، فلو علم أنّه منسوخ لرفضه، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنّه منسوخ لرفضوه.

وآخر رابع لم يكذب على رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، مبغض للكذب خوفاً من الله وتعظيماً لرسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) لم يسه، بل حفظ ما سمع على وجهه فجاء به كما سمع، لم يزد فيه ولم ينقص عنه، وعلم الناسخ من المنسوخ، فعمل بالناسخ ورفض المنسوخ، فإنّ أمر النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم) مثل القرآن ناسخ ومنسوخ، وخاص وعام، ومحكم ومتشابه، وقد كان يكون من رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) و الكلام له وجهان، وكلام عام، وكلام


1) المنافقون : 4.

.........................................

ــــــــــــــــــــــــ

خاص مثل القرآن، وقال الله عزّوجلّ في كتابه: مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (1)فيشتبه على من لم يعرف ولم يدر ما عنى الله به ورسوله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، وليس كل أصحاب رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)كان يسأله عن الشيء فيفهم. وكان منهم من يسأله ولا يستفهمه حتى ولا يستفهمه حتى أن كانوا ليحبّون أن يجيء الأعرابي والطاري فيسأل رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) حتى يسمعوا.

وقد كنت أدخل على رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)كل يوم دخلة وكل ليلة دخلة فيخليني فيها أدور معه حيث دار، وقد علم أصحاب رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) أنّه لم يصنع ذلك بأحد من الناس غيري، فربّما كان في بيتي يأتيني رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) أكثر ذلك في بيتي، وكنت إذا دخلت عليه بعض منازله أخلاني (أو) بي) وأقام عنّي نساءه، فلا يبقى عنده غيري، وإذا أتاني للخلوة معي في منزلي لم تقم عني فاطمة ولا أحد من بنيّ، وكنت إذا سألته أجابني وإذا سكتّ عنه وفنيت مسائلي ابتدأني.

فما نزلت على رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)آية من القرآن إلّا أقرأنيها وأملاها عليَّ فكتبتها بخطّي وعلّمني تأويلها، وتفسيرها، وناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها. وخاصها، وعامها، ودعى الله أن يعطيني فهمها وحفظها فما نسيت آية من كتاب الله. ولا علماً أملاه عليَّ، وكتبته منذ دعا الله لي بما دعا، وما ترك شيئاً علّمه الله من حلال ولا حرام، ولا أمر ولا نهي كان (أو يكون) ولا كتاب منزل على أحد قبله من طاعة أو معصية إلّا علّمنيه وحفظته فلم أنس حرفاً واحداً، ثمَّ وضع يده على صدري ودعا الله لي أن يملأ قلبي علماً وفهماً وحكماً ونوراً، فقلت: يا نبي الله: بأبي


1) الحشر : 7.

.............................................

ــــــــــــــــــــــــــ

أنت واُمّي منذ دعوت الله لي بما دعوت لم أنس شيئاً ولم يفتني شيءٌ لم أكتبه أفتتخوّف عليَّ النسيان فيما بعد؟ فقال: لا، لست أتخوّف عليك النسيان والجهل»(1).

وفي الحسن كالصحيح، عن منصور بن حازم، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام) : ما بالي أسألك المسألة عن فتجيبني فيها بالجواب، ثمَّ يجيئك غيري فتجيبه فيها بجواب آخر؟ فقال:«إنّا نجيب الناس على الزيادة والنقصان» قال: قلت: فأخبرني عن أصحاب رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) صدقوا على محمد(صلّی الله علیه وآله وسلّم)أم كذبوا؟ فقال: «بل صدقوا (أي على سبيل الفرض)» قال: قلت: فما بالهم اختلفوا؟ فقال: «أما تعلم إنّ الرجل كان يأتي رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) فيسأله عن المسألة فيجيبه فيها بالجواب، ثمَّ يجيبه بعد ذلك بما ينسخ ذلك الجواب، فنسخت الأحاديث بعضها بعضاً»(2).

وفي الموثق كالصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قلت له: ما بال أقوام يروون عن فلان وفلان عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) لا يتهمون بالكذب فيجيء منكم خلافه؟ قال: «إنّ الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن»(3).

أي يمكن أن يكون منسوخاً، وإلّا فاحتمال الكذب أظهر، كما هو الغالب، سيّما بالنظر إلى أمثال أبي هريرة، وعائشة، وأنس، وابن عمر، كما رواه المصنف في الخصال في القوي عن محمد بن عمارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) يقول: «ثلاثة كانوا


1) الكافي 1 : 62 ، باب اختلاف الحديث ، ح 1. الخصال : 255، ح 131.

2) الكافي 1 : 65 ، باب اختلاف الحديث، ح3 .

3) الكافي 1 : 64 ، باب اختلاف الحديث، ح 2.

..............................................

ـــــــــــــــــــــــــــــ

يكذبون على رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : أبو هريرة، وأنس بن مالك وامرأة»(1).

وفي الموثق كالصحيح، عن زرارة بن أعين عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: سألته عن مسألة فأجابني، ثمَّ جاءه رجل فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني، ثمَّ جاءه آخر فأجابه بخلاف ما أجابني وأجاب صاحبي، فلمّا خرج الرجلان قلت: يا ابن رسول الله رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان فأجبت كل واحد منهما بغير ما أجبت به صاحبه؟ فقال: «يا زرارة إنّ هذا خير لنا ولكم وأبقى لنا ولكم، ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا ويكون (أو ولكان) أقل لبقائنا وبقائكم» قال: ثمَّ قلت لأبي عبد الله(عليه السلام) : شيعتكم لو حملتموهم على الأسنّة أو على النار لمضوا وهم يخرجون من عندكم مختلفين قال: فأجابني بمثل جواب أبيه(2).

واعلم أنّ هذا الاختلاف للتقيّة والاتّقاء عليهم، كما تقدم في اختلاف الروايات في الأوقات.

وفي القوي كالصحيح، عن أبي عبيدة عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: قال لي: «يا زياد ما تقول: لو أفتينا رجلاً ممّن يتولّانا بشيء من التقيّة؟» قال: قلت له: أنت أعلم جعلت فداك، قال: «إن أخذ به فهو خير له وأعظم أجراً»(3).

وفي رواية اُخرى: «إن أخذ به أوجر وإن تركه - والله - أثم»(4).


1) الخصال : 190، ح 263.

2) الكافي 1 : 65 ، باب اختلاف الحديث، ح 5.

3) الكافي 1 : 65 ، باب اختلاف الحديث، ح 4.

4) الكافي 1 : 65 ، باب اختلاف الحديث، ح 4.

..............................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

وفي القوي عن نصر الخثعمي، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: «من عرف أنا لا نقول إلا حقاً فليكتف بما يعلم منا، فإن سمع منا خلاف ما يعلم فليعلم أن ذلك دفاع منّا عنه»(1).

وفي القوي كالصحيح، عن المعلّى بن خنيس، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام) : إذا جاء حديث عن أولكم، وحديث عن آخركم فبأيّهما نأخذ؟ قال: «خذوا به حتى يبلغكم عن الحي، فإن بلغكم عن الحي فخذوا بقوله» قال: ثمَّ قال أبو عبد الله(عليه السلام) : «إنّا والله لا ندخلكم إلّا فيما يسعكم».

وفي حديث آخر: «خذوا بالأحدث»(2).

وفي الموثق عن الحسين بن المختار عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله(عليه السلام) . قال: «أرأيتك لو حدّثتك بحديث العام، ثمَّ جئتني من قابل فحّدثتك بخلافه بأيّهما كنت تأخذ؟» قال: قلت كنت آخذ بالأخير. فقال لي: «رحمك الله»(3). وتقدم أخبار كثيرة في القضاء في الجمع بين

الأخبار، وسيجيء.

[في تفويض الله بيان أحكامه إلى النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) والأئمة(عليهم السلام) ]

وروى الكليني في الصحيح كالصفار ، عن أبي إسحاق النحوي - وهو ثعلبة بن


1) الكافي 1 : 65، باب اختلاف الحديث، ح 6.

2) الكافي 1 : 67 ، باب اختلاف الحديث، ح 9.

3) الكافي 1 : 67 ، باب اختلاف الحديث، ح 8

.......................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ميمون - عن أبي جعفر(عليه السلام). وفي القوي كالصحيح عنه عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: سمعتهما يقولان: «إنّ الله عزّوجلّ أدّب نبيّه (صلّی الله علیه وآله وسلّم) على محبته، فقال: وإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ثمَّ فوّض إليه، فقال عزّوجلّ:﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) وقال عزّوجلّ: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ نبيَّ الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فوّض إلى عليٍّ(عليه السلام)وائتمنه فسلمتم وجحد الناس، فوالله لنحبّكم أن تقولوا إذا قلنا وأن تصمتوا إذا صمتنا، ونحن فيما بينكم وبين الله عزّوجلّ ما جعل الله لأحد خيراً في خلاف أمرنا»(1).

وفي الصحيح، وفي الموثق كالصحيح، عن زرارة أنّه سمع أبا جعفر(عليه السلام) وأبا عبد الله(عليه السلام) يقولان: «إنّ الله تبارك وتعالى فوّض إلى نبيّه(صلّی الله علیه وآله وسلّم) أمر خلقه لينظر كيف طاعتهم، ثمَّ تلا هذه الآية: مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا(2).

وفي الصحيح، عن زرارة عنهما(عليهم السلام)مثله(3).

وفي الصحيح عن محمد بن الحسن الميثمي عن أبي عبد الله(عليه السلام). قال: سمعته يقول:«إنّ الله عزّوجلّ أدّب رسوله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) حتى قوّمه على ما أراد، ثمَّ فوّض إليه فقال عزّ ذكره: مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ومَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا فما فوّضه إِلى


1) الكافي 1 : 265 ، باب التفويض إلى رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)وإلى الأئمة(عليه السلام) في أمر الدين، ح 1. والآية الاُولى في سورة القلم : 40. والثانية في سورة الحشر : 7. والثالثة في سورة النساء : 80.

2) الكافي 1 : 266 ، باب التفويض إلى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وإلى الأئمة(عليهم السلام)في أمر الدين، ح 3.

3) الكافي 1 : 267 ، باب التفويض إلى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وإلى الأئمة(عليهم السلام) في أمر الدين، ح 5.

...........................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

رسوله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)فقد فوّضه الينا»(1).

وفي القوي كالصحيح، عن موسى بن أشيم قال كنت عند أبي عبد الله(عليه السلام) فسأله رجل عن آية من كتاب الله عزّوجلّ فأخبره بها، ثمَّ دخل عليه داخل فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبر الأول، فدخلني من ذلك ما شاء الله حتى كان (كاه- ظ) قلبي يشرح بالسكاكين فقلت في نفسي: تركت أبا قتادة في الشام لا يخطئ في الواو وشبهه وجئت إلى هذا يخطئ هذا الخطأ كلّه فبينا أنا كذلك، إذا دخل عليه آخر فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبرني وأخبر صاحبي فسكنت نفسي فعلمت أنّ ذلك منه تقية، قال: ثمَّ التفت إليَّ، وقال لي: «يا ابن أشيم إنّ الله عزّوجلّ فوّض إلى سليمان بن داود(عليه السلام) فقال: هذا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وفوّض إلى نبيّه(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فقال : مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا فما فوّض إلى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فقد فوّضه إلينا»(2).

وفي القوي كالصحيح، عن زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «وضع رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)دية العين، ودية النفس وحرّم النبيذ وكل مسكر» فقال له رجل: وضع رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)من غير أن يكون جاء فيه شيء؟ فقال: «نعم، ليعلم من يطيع الرسول ممّن يعصيه» (3).


1) الكافي 1 : 268 ، باب التفويض إلى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)وإلى الأئمة (عليهم السلام)في أمر الدين، ح 9.

2) الكافي 1 : 265 ، باب التفويض إلى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)وإلى الأئمة(عليهم السلام)في أمر الدين، ح 2.

3) الكافي 1 : 267 ، باب التفويض إلى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)وإلى الأئمة(عليهم السلام)في أمر الدين، ح7 .

...........................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

وفي القوي عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «إنّ الله تبارك وتعالى أدّب نبيّه(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فلمّا انتهى به إلى ما أراد قال له: إِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ففوّض إليه دينه فقال: ﴿وما آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)وَإِنَّ الله عزّوجلّ فرض الفرائض ولم يقسم للجد شيئاً، وإن رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) أطعمه السدس فأجاز الله جل ذكره له ذلك، وذلك قول الله عزّ وجلّ :هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكَ بِغَيْرِ حِسَابٍ(1).

وفي القوي عن عبد الله بن سنان، قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام) : «لا والله ما فوّض الله إلى أحد من خلقه إلا إلى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وإلى الأئمة(عليهم السلام)، قال عز وجل: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وهي جارية في الأوصياء (عليهم السلام) »(2).

وفي القوي، عن زيد الشحام قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام)في قوله تعالى: هذا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ؟ قال: «أعطى سليمان ملكاً عظيماً ثمَّ جرت هذه الآية في رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فكان له أن يعطي من شاء ما شاء ويمنع من شاء وأعطاه أفضل ممّا أعطى سليمان؛ لقوله : وما آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ


1) الكافي 1 : 267 ، باب التفويض إلى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وإلى الأئمة(عليهم السلام)في أمر الدين، ح 6. والآية الأولى في سورة القلم : 4. والثانية في سورة الحشر : 7. والثالثة في سورة ص : 40.

2) الكافي 1 : 267 ، باب التفويض إلى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وإلى الأئمة(عليهم السلام)في أمر الدين، ح 8. والآية في سورة النساء : 105.

..................................................ـــــــــــــــــــــــــــــفَانْتَهُوا (1). وفي القوي كالصحيح، عن عبد الله بن سليمان عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: سألته عن الإمام فوّض الله إليه كما فوّض إلى سليمان بن داود؟ فقال: «نعم، ذلك أنّ رجلاً سأله عن مسألة فأجابه فيها وسأله آخر عن تلك المسألة فأجابه بغير جواب الأول، ثمَّ سأله آخر فأجابه بغير جواب الأوّلين، ثمَّ قال: هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب، وهكذا هي في قراءة عليٍّ(عليه السلام)» قال: قلت أصلحك الله فحين أجابهم بهذا الجواب يعرفهم الإمام؟ قال: «سبحان الله أما تسمع الله يقول: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ وهم الأئمة(عليهم السلام) :وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ(2)لا يخرج منها أبداً».

ثمَّ قال لي: «نعم، إنّ الإمام إذا أبصر الرجل عرفه وعرف لونه، وإن سمع من خلف حائط عرفه وعرف ما هو إنّ الله يقول:وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ(3)وهم العلماء فليس يسمع شيئاً من الأمر ينطق به إلّا عرفه ناج أو هالك، فلذلك يجيبهم بالذي يجيبهم»(4).

والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى وتقدم صحيحة الفضيل بن يسار مفصّلاً


1) الكافي 1 : 268 ، باب التفويض إلى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وإلى الأئمة(عليهم السلام) في أمر الدين، ح 10.

2) الحجر : 75 و 76

3) الروم : 22.

4) الكافي 1 : 438، باب في معرفتهم أولياءهم والتفويض اليهم، ح 3.

.....................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وغيرها.

والفرق بين التفويض والاجتهاد: أنّ الاجتهاد يفيد الظن، والتفويض من العلم وأنواع علوم الأئمة(عليهم السلام) كثيرة:

فمنها ما هو من وحي الله تبارك وتعالى كما تقدم الأخبار المستفيضة، بل المتواترة من الخاصة والعامة أنّه قال الله تعالى: «إنّ العبد يتقرّب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله، فبي يسمع وبي يبصر، وبي ينطق، وبي يبطش، وبي يمشي»(1).

والعجب من العامة أنّهم يجوِّزون هذه الرتبة للحسين بن منصور الحلّاج وأمثاله، ولا يجوِّزون لخلفاء الله تعالى بنصوصهم عليهم.

[أقسام الأرواح التي في النبي والأئمة(عليهl السلام)]

ومنها: ما هو من تحديث روح القدس كما رواه الصفّار والبرقي والكليني في الصحيح عن جابر الجعفي، قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام) : «يا جابر إنّ الله تبارك وتعالى خلق الخلق ثلاثة أصناف وهو قول الله عزّوجلّ: وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وأَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ والسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ(2)فالسابقون هم رسل الله وخاصة الله من خلقه، جعل


1) عوالي اللآلي 4 : 103، ح 152. صحيح البخاري :7 190 السنن الكبرى للبيهقي 3: 346.

2) الواقعة : 7 - 11.

فيهم خمسة أرواح أيّدهم بروح القدس فيه عرفوا الأشياء، وأيدهم بروح الإيمان فيه خافوا الله عزّوجلّ، وأيّدهم بروح القوّة فيه قدروا على طاعة الله، وأيدهم بروح الشهوة فيه اشتهوا طاعة الله عزّوجلّ وكرهوا معصيته، وجعل فيهم روح المدرج الذي به يذهب الناس ويجيئون، وجعل في المؤمنين وأصحاب الميمنة روح الإيمان فيه خافوا الله، وجعل فيهم روح القوة فيه قدروا على طاعة الله وجعل فيهم روح الشهوة فيه اشتهوا طاعة الله عزّوجلّ، وجعل فيهم روح المدرج الذي به يذهب الناس ويجيئون»(1).

وفي الصحيح عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام)عن قول الله تبارك وتعالى: وكَذَلِك أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ ولا الإيمان(2)؟ قال: «خلق من خلق الله عزّوجلّ أعظم من جبرئيل وميكائيل كان مع رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يخبره ويسدّده وهو مع الأئمة من بعده»(3).

وفي الصحيح عن ابن مسكان عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن قول الله عزّوجلَّ: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي قال: «خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل كان مع رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وهو مع الأئمة (عليهم السلام)وهو من


1) بصائر الدرجات : 465 ، ح 1. الكافي 1 : 271، باب فيه ذكر الأرواح التي في الأئمة(عليهم السلام) ، ح 1. ولم نعثر عليه في المحاسن.

2) الشورى : 52.

3) بصائر الدرجات : 475 ، ح .2 الكافي ،1 : 273 باب الروح التي يسدد الله بها الأئمة(عليهم السلام)، ح 1. ولم نعثر عليه في المحاسن.

.................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الملكوت»(1).

وفي الصحيح عن أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال : سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ؟ قال: «خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل لم يكن مع أحد ممّن مضى وهو مع الأئمة يسدّدهم، وليس كلّما طلب وجد»(2).

ويمكن أن يكون ذلك عقولهم المقدّسة التي كانت أعظم من الملائكة المقرّبين ويكون راجعاً إلى الأول، والظاهر أنّ ذلك بعنوان التذكير؛ لأنّ الأخبار متواترة بأنّه كان عندهم علم القرآن وفيه علم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وكان عندهم الجفر ومصحف فاطمة(عليها السلام) وغيرهما(3).

كما رواه الكليني وغيره في الصحيح عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله(عليه السلام) فقلت له: جعلت فداك إني أسألك عن مسألة، هاهنا أحد يسمع كلامي؟ قال فرفع أبو عبد الله(عليه السلام) ستر بينه وبين بيت آخر فاطّلع فيه ثمَّ قال: «يا أبا محمد سل عما بدا لك» قال: قلت: جعلت فداك إنّ شيعتك يتحدّثون أنّ رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) علّم عليّاً(عليه السلام) باباً يفتح له منه ألف باب قال: فقال: «يا أبا محمد علّم رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)


1) بصائر الدرجات : 482، ح 9. الكافي 1 : 273 ، باب الروح التي يسدد الله بها الأئمة(عليهم السلام)، ح 3. ولم نعثر عليه في المحاسن والآية في سورة الإسراء : 85

2) بصائر الدرجات : 481 ، ح 2 . الكافي 1 : 273 ، باب الروح التي يسدد الله بها الأئمة(عليهم السلام) ، ح 4. والآية في سورة الإسراء : 85.

3) بصائر الدرجات : 170. الكافي 1 : 260 ، باب أن الأئمة (عليهم السلام)يعلمون علم ما كان وما يكون.

عليّاً(عليه السلام) ألف باب يفتح من كلّ باب ألف باب» قال: قلت: هنا والله العلم، قال: فنكت ساعة في الأرض ثمَّ قال: «إنّه لعلم وما هو بذلك».

قال: ثمَّ قال: «يا أبا محمد وإنّ عندنا الجامعة وما يدريهم ما الجامعة؟» قال: قلت: جعلت فداك وما الجامعة؟ قال: «صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وإملائه، من فلق فيه وخطّ عليٍّ(عليه السلام) بيمينه، فيها كلّ حلال وحرام وكلّ شيء يحتاج الناس إليه حتى الأرض في الخدش» فضرب بيده إليَّ فقال لي:« تأذن يا أبا محمد؟» قال: قلت له: جعلت فداك إنّما أنا لك فاصنع ما شئت، قال: فغمزني بيده وقال: «حتى أرش هذا» كأنّه مغضب، قال: قلت: هذا والله العلم، قال: «إنّه لعلم وليس بذاك».

ثمَّ سكت ساعة ثمَّ قال: «وإنّ عندنا الجفر وما يدريهم ما الجفر؟» قال: قلت: وما الجفر ؟ قال :«وعاء من أدم فيه علم النبيين والوصيين وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل» قال: قلت: إن هذا هو العلم، قال: «إنّه لعلم وليس بذاك».

ثمَّ سكت ساعة، ثمَّ قال: «وإنّ عندنا لمصحف فاطمة (عليها السلام)، وما يدريهم ما مصحف فاطمة(عليها السلام)» ؟ قال قلت وما مصحف فاطمة (عليها السلام)؟ قال: «مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرّات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد» قال: قلت: هذا والله العلم، قال: «إنّه لعلم، وما هو بذاك».

ثمَّ سكت ساعة، ثمَّ قال: «إن عندنا علم ما كان وعلم ما هو كائن إلى أن تقوم

..........................................

ـــــــــــــــــــــــــ

الساعة» قال: قلت: جعلت فداك هذا والله هو العلم، قال: «إنّه لعلم وما هو بذاك» قال: قلت: جعلت فداك فأيُّ شيءٍ العلم؟ قال: «ما يحدث بالليل والنهار الأمر من بعد الأمر، والشيء بعد الشيء إلى يوم القيامة» (1).

وفي الصحيح عن أبي عبيدة، قال سأل أبا عبد الله(عليه السلام) بعضُ أصحابنا عن الجفر؟ فقال: «هو جلد ثور مملوء علماً» قال له: فالجامعة؟ قال: «تلك صحيفة طولها سبعون ذراعاً في عرض الأديم مثل فخذ الفالج، فيها كلما يحتاج الناس إليه، وليس من قضيّة إلّا وهي فيها حتى أرش الخدش» قال فمصحف فاطمة(عليها السلام) ؟ قال : فسكت طويلاً، ثمَّ قال: «إنّكم لتحثون(2)عمّا تريدون، وعمّا لا تريدون، إنّ فاطمة (عليها السلام)مكنت بعد رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) خمسة وسبعين يوماً، وكان دخلها حزن شديد على أبيها، وكان جبرئيل (عليه السلام) يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها ويطيب نفسها ويخبرها عن أبيها ومكانه (صلّی الله علیه وآله وسلّم)ويخبرها بما يكون بعدها في ذرِّيتها، وكان علي(عليه السلام) يكتب ذلك فهذا مصحف فاطمة(عليها السلام)»(3).

والأخبار بذلك وغيره من أنواع علومهم(عليهم السلام) فوق التواتر، فمن أرادها فعليه


1) الكافي 1 : 238، باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة(عليها السلام) ، ح 1. بصائر الدرجات : 171، ح 3.

2) أي تفتشون عما تريدون وعمّا لا تريدون، مرآة العقول 3 : 59.

3) الكافي 1 : 241، باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة(عليها السلام) ، ح 5. بصائر الدرجات : 173 ، ح 6.

................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بالمحاسن للبرقي(1)والبصائر للصفار(2)والكافي(3).

والحاصل أنّ التفويض بهذا المعنى متواتر عن الأئمة(عليهم السلام). وأمّا الذي هو الغلو فهو أن أمر يقال: بأنّ الأئمة خالقوا السماوات والأرض وأنّهم محيون ومميتون وبيدهم العالم، وهذا قول بما لا يعلم وإن ورد أخبار بذلك لكن لم نحقق صحتها(4). ولو قيل: بأنّهم شركاء الله فذلك كفر بالإجماع، أمّا لو قالوا: بأنّهم يدعون الله تعالى فيجيبهم في ذلك، أو قالوا: إنّهم كالملائكة في التفويض إليهم أمر الخلق - كما ورد أنّ أمر الأرزاق بيد ميكائيل(عليه السلام)(5)- فهذا قول بما لا يعلم. والاحتراز عن هذه الأقوال أحوط.


1) هو أحمد بن محمد بن خالد بن عبد الرحمن بن محمد بن علي بن البرقي كان جده الثالث محمد بن علي كوفياً وبعد شهادته بيد يوسف بن عمر بعد شهادة زيد هرب عبد الرحمن جده الثاني مع ابنه الصغير إلى برق رود قرية من سواد قم وتولد هناك أبوه محمد بن خالد فاحمد بن محمد اشتهر بكونه البرقي وقد صنف كتاب المحاسن وكان هو في نفسه ثقة، لكن قالوا: إنّه يروى عن الضعفاء ويعتمد المراسيل وزيد في محاسنه ونقص وتوفى سنة 274 أو سنة 280 بقم وليس لقبره الشريف أثر في هذا الزمان، الكنى والألقاب 2 : 78.

2) أبو جعفر محمد بن الحسن بن فروخ القمي وعن النجاشي أنّه كان وجهاً في أصحابنا القميين ثقة عظیم القدر انتهى ومن كتبه بصائر الدرجات وهو غير بصائر الدرجات لسعد بن عبد الله الأشعرى القمي وتوفى الصفار بقم سنة 290، الكنى والألقاب 2 : 418.

3) الكافي 1 : 238 ، باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة(عليها السلام) . بصائر الدرجات : 150 و 155 و 192 و 170.

4) انظر: البحار 25 : 343 فصل في بيان التفويض ومعانيه.

5) انظر: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل 3 : 500. تفسير الرازی 27 : 240.

..............................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

وروى الشيخ في كتاب الغيبة عن الحميري عن أبي نعيم محمد بن أحمد الأنصاري قال: وجَّه قوم من المفوِّضة والمقصِّرة كامل بن إبراهيم المدني إلى أبي محمد(عليه السلام)، قال : كامل، فقلت في نفسي: أسأله، لا يدخل الجنة إلّا من عرف معرفتي وقال بمقالتي، قال: فلما دخلت على سيِّدي أبي محمد(عليه السلام)نظرت إلى ثياب بياض ناعمة عليه، فقلت في نفسي: وليُّ الله وحجته يلبس الناعم من الثياب ويأمرنا نحن بمواساة الإخوان وينهانا عن لبس مثله ؟ فقال متبسماً: «يا كامل» وحسر عن ذراعيه، فإذا مسح أسود خشن على جلده، فقال: «هذا الله وهذا لكم» فسلّمت وجلست إلى باب عليه ستر مرخی فجاءت الريح فكشفت طرفه، فإذا أنا بفتى كأنّه فلقة(1)قمر من أبناء أربع سنين أو مثلها فقال لي: «يا كامل بن إبراهيم» فاقشعررت من ذلك واُلهمت أن قلت: لبيك يا سيدي فقال:« جئت إلى وليِّ الله وحجته وبابه تسأله هل يدخل الجنة إلّا من عرف معرفتك وقال بمقالتك؟» فقلت: إي والله، قال:« إذن والله يقلّ داخلها والله إنّه ليدخلها قوم يقال لهم الحقية». قلت: يا سيدي ومن هم؟ قال: «قوم من حبِّهم لعلي(عليه السلام) يحلفون بحقِّه ولا يدرون ما حقِّه وفضله».

ثمَّ سكت صلوات الله عليه عنّي ساعة ثمَّ قال: «وجئت تسأله عن مقالة المفوّضة، كذبوا بل قلوبنا أوعية لمشية الله، فإذا شاء شئنا والله يقول: وَمَا تَشَاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ ثُمَّ رجع الستر إلى حالته فلم أستطع كشفه، فنظر إليَّ أبو محمد(عليه السلام) متبسماً فقال: «يا كامل ما جلوسك ؟ قد أنبأك بحاجتك الحجة من بعدي» فقمت وخرجت ولم اُعاينه بعد ذلك، قال أبو بعد ذلك، قال أبو نعيم: فلقيت كاملاً فسألته عن هذا الحديث


1) أي شقه، والفلق بالسكون الشق، مجمع البحرين 3: 429.

يا عليّ: ثلاثةٌ يزدن في الحفظ ويذهبن البلغم : اللّبان، والسّواك، وقراءة القرآن.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

فحدثني به(1). ورواه الشيخ في القوي عن أبي نعيم مثله(2).

وفي القوي كالصحيح، عن محمد بن علي بن بابويه أو قال: أبو الحسن علي بن محمد بن الدلال القمي: قال اختلف جماعة من الشيعة في أنّ الله عزّوجلّ فوّض إلى الأئمة صلوات الله عليهم أن يخلقوا ويرزقوا، فقال قوم: هذا محال لا يجوز على الله تعالى؛ لأنّ الأجسام لا يقدر على خلقها غير الله عزّوجلّ، وقال آخرون: بل الله تعالى أقدر الأئمة(عليه السلام) على ذلك وفوّضه إليهم فخلقوا ورزقوا وتنازعوا في ذلك تنازعاً شديداً. فقال قائل: ما بالكم لا ترجعون إلى أبي جعفر محمد بن عثمان العمري فتسألونه عن ذلك فيوضّح لكم الحق فإنّه الطريق إلى صاحب الأمر(عليه السلام) فرضيت الجماعة بأبي جعفر وسلمت وأجابت إلى قوله، فكتبوا المسألة وأنفذوها إليه فخرج إليهم من جهته توقيع، نسخته« أنّ الله تعالى هو الذي خلق الأجسام وقسّم الأرزاق؛ لأنّه ليس بجسم ولا حالٍّ في جسم، ليس كمثله شيء، وهو السميع العليم. وأمّا الأئمة

(عليهم السلام)فإنّهم يسألون الله تعالى فيخلق، ويسألونه فيرزق إيجاباً لمسألتهم وإعظاماً لحقّهم»(3).

(يا علي ثلاثة يزدن في الحفظ ويذهبن البلغم) فإنّ ذهابه سبب للحفظ ولدفع أمراض اُخر، سيّما إذا مجّ ريقه عندها (اللبان)بالضم الكندر. والظاهر أنّ المراد به مضغة كالمصطكي. ويحتمل التعميم (والسواك، وقراءة القرآن) وهو مجرّب.


1) الغيبة : 246، ح 216. والآية الأولى في سورة الإنسان : 30 والثانية في سورة التكوير : 29.

2) الغيبة : 246، ذيل ح 216.

3) الغيبة : 294، ح 248. الاحتجاج 2 : 284.

يا علىّ: السّواك من السّنّة، ومطهرةٌ للفم، ويجلو البصر، ويرضي الرّحمن، ويبيّض الأسنان، ويذهب بالحفر، ويشدّ اللّثة، ويشهّي الطّعام، ويذهب بالبلغم، ويزيد في الحفظ، ويضاعف الحسنات، وتفرح به الملائكة.

يا عليّ: النّوم أربعةٌ: نوم الأنبياء(عليهم السلام) على أقفيتهم، ونوم المؤمنين على أيمانهم، ونوم الكفّار، والمنافقين على أيسارهم، ونوم الشّياطين على وجوههم.

يا عليّ: ما بعث الله عزّوجلّ نبيّاً إلّا وجعل ذرّيته من صلبه ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

( يا علي السواك من السنة) ورواه المصنف بطرق قويّة عن عبد الله بن سنان وغيره عن أبي عبد الله(عليه السلام)وعن النبي(1).

(والحَفَر) بالتحريك ويسكن سلاق في اُصول الأسنان أو صفرة تعلوها (ويضاعف الحسنات) كما في الخصال أو (ويزاد الحسنات).

[ النوم على أربعة أوجه ]

(يا علي النوم أربعة) رواه المصنف في القوي عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام) عن آبائه عن الحسين بن علي(عليه السلام) ، قال: «كان علي بن أبي طالب(عليه السلام) بالكوفة في الجامع، إذ قام إليه رجل من أهل الشام فسأله عن مسائل، فكان فيما سأله أن قال له: أخبرني عن النوم على كم وجه؟ فقال: النوم على أربعة وجوه، الأنبياء(عليهم السلام) تنام على


1) الخصال : 481 ، ح 53 و 54

وجعل ذرّيتي من صلبك، ولولاك ما كانت لي ذرّيّةٌ.

يا عليّ: أربعةٌ من قواصم الظّهر: إمامٌ يعصي الله عزّوجلّ ويطاع أمره، وزوجةٌ يحفظها زوجها وهي تخونه، وفقرٌ لا يجد صاحبه مداوياً، وجار سوء في دار مقام.

يا عليّ: إنّ عبد المطّلب(عليه السلام) سنّ في الجاهليّة خمس سنن أجراها الله

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

أقفيتها مستلقية وأعينها لا تنام متوقعة لوحي الله عزّوجلّ، والمؤمن ينام على يمينه مستقبل القبلة، والملوك وأبناؤها تنام على شمائلها ليستمرئوا ما يأكلون، وإبليس وإخوانه وكل مجنون وذو عاهة ينام على وجهه منبطحاً»(1).

( وجعل ذرّيتي من صلبك) وهذا من المعجزات، ويدلّ على أنّ أولاد البنت ذرية. كما تقدم في الآيات والأخبار.

(من قواصم الظهر) والقصم الكسر، أي شاقة لا يمكن الصبر عليها.

[ما سنّه عبد المطلب في الجاهلية وقرّره النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)]

(إنّ عبد المطلب سنّ في الجاهلية) قبل بعثة النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، ويظهر منه أنّه كان من الأوصياء الملهمين المحدّثين، كما ورد الأخبار بذلك(2). وأجمع الأصحاب على أنّه كان مؤمناً، صنف كثير منهم كتباً في إيمانه وإيمان أبي طالب، كما يظهر من


1) الخصال : 262، ح 140.

2) انظر: البحار 15 : 117 ، وفيه مائة حديثاً. أبو طالب حامي الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)وناصره : 73. موسوعة التاريخ الإسلامي 1 : 241.

عزّوجلّ في الإسلام حرّم نساء الآباء على الأبناء فأنزل الله عزّوجلّ وَ لا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ(1)ووجد كنزاً فأخرج منه الخمس و تصدّق به فأنزل الله عزّوجلّ: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ(2)الآية، ولمّا حفر بئر زمزم سمّاها سقاية الحاجّ فأنزل الله تبارك وتعالى: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ(3)الآية، وسنّ في القتل مائةً من الإبل فأجرى الله عزّوجلّ ذلك ذلك في الإسلام، ولم يكن للطّواف عددٌ عند قريش فسنّ لهم عبد المطّلب سبعة أشواط فأجرى الله عزّوجلّ ذلك في الإسلام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فهرستي الشيخ(4)والنجاشي(5). وروى الكليني في الصحيح عن زرارة بن أعين عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «يحشر عبد المطلب يوم القيامة اُمة واحدة (أو وحده) وعليه سيماء الأنبياء وهيبة الملوك»(6).

وفي القوي كالصحيح بسندين، عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «نزل جبرئيل (عليه السلام)على النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فقال : يا محمد إنّ ربّك يقرئك السلام ويقول إنِّي قد حرّمت النار على صلب أنزلك وبطن حملك، وحجر كفلك، فالصلب صلب أبيه عبد الله بن عبد المطلب، والبطن الذي حملك فآمنة بنت وهب، وأّما حجر كفلك فحجر أبي


1) النساء : 22.

2) الأنفال : 41.

3) التوبة : 19.

4) الفهرست : 161.

5) رجال النجاشي : 87 و 95 و 186 و 265 و 399.

6) الكافي 1 : 446، باب مولد النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ووفاته، ح 22.

..........................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

طالب»(1).

وفي رواية ابن فضال: «وفاطمة بنت أسد»(2).

وفي القوي عن مقرن عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «إنّ عبد المطلب أول من قال: بالبداء، يبعث يوم القيامة اُمة واحدة (أو وحده) عليه بهاء الملوك وسيماء الأنبياء»(3).

وفي القوي كالصحيح، عن عبد الرحمن بن الحجاج والمفضل بن عمر عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «يبعث عبد المطلب اُمة وحده ( أو واحدة) عليه بهاء الملوك وسيماء الأنبياء وذلك أنه أول من قال بالبداء» قال: «وكان عبد المطلب أرسل رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) إلى رعاته في إبل وقد ندت (4)له فجمعها فأبطأ عليه فأخذ بحلقة باب الكعبة، وجعل يقول: يا رب أتهلك آلك، إن تفعل فأمر ما بدا لك، فجاء رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بالابل وقد وجّه عبد المطلب في كل طريق وفي كل شعب في في طلبه، وجعل يصيح يا رب أتهلك آلك. إن تفعل فأمر ما بدا لك، ولما رأى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) أخذه فقبّله وقال: يا بُنيّ لا وجّهتك بعد هذا في شيء فإنّي أخاف أن تغتال فتقتل» (5).

وفي الصحيح عن أبان بن تغلب، قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام) : «لمّا أن وجّه صاحب


1) الكافي 1 : 446 ، باب مولد النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ووفاته، ح 21

2) الكافي 1 : 446، باب مولد النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ووفاته، ذيل ح 21

3) الكافي 1 : 447، باب مولد النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ووفاته، ح 23.

4) ندّ البعير يند نداء ونداداً وندوداً : نفر وذهب على وجهه شارداً، الصحاح 2 : 543.

5) الكافي 1 : 447، باب مولد النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ووفاته، ح 24.

.............................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

الحبشة بالخيل ومعهم الفيل ليهدم البيت مرّوا بإبل لعبد المطلب فساقوها فبلغ ذلك عبد المطلب، فأتى صاحب الحبشة فدخل الآذن فقال: هذا عبد المطلب ابن هاشم. قال: ما يشاء؟ قال الترجمان: جاء في إبل له ساقوها يسألك ردّها، فقال ملك الحبشة لأصحابه : هذا رئيس قوم وزعيمهم جئت إلى بيته الذي يعبده لأهدمه وهو يسألني إطلاق إبله، أمّا لو سألني الإمساك عن هدمه لفعلت رُدّوا عليه إبله، فقال عبد المطلب لترجمانه: ما قال لك الملك ؟ فأخبره، فقال عبد المطلب: أنا ربّ الإبل ولهذا البيت ربُّ يمنعه، فردّت إليه إبله وانصرف عبد المطلب نحو منزله فمرّ بالفيل في منصرفه، فقال للفيل: يا محمود، فحرّك الفيل رأسه، فقال له: أتدري لم جاؤوا بك؟ فقال الفيل برأسه: لا، فقال عبد المطلب: جاءوا بك لتهدم بيت ربِّك، أفتراك فاعل ذلك ؟ فقال برأسه: لا، فانصرف عبد المطلب إلى منزله، فلمّا أصبحوا غدوا به لدخول الحرم فأبى وامتنع عليهم، فقال عبد المطلب لبعض مواليه عند ذلك: اُعلُ الجبل وانظر ترى شيئاً؟ فقال: أرى سواداً من قبل البحر، فقال له: تصيبه بصرك أجمع، فقال له: لا، وأوشك أن يصيب، فلمّا أن قرب قال هو طير كثير ولاأعرفه، يحمل كلّ طير في منقاره حصاة مثل حصاة الخذف أو دون حصاة الخذف، فقال عبدالمطلب: وربُّ عبد المطلب ما تريد إلّا القوم حتى لمّا صاروا فوق رؤوسهم أجمع ألقت الحصاة، فوقع كل حصاة على هامة رجل فخرجت من دبره فقتلته، فما انفلت منهم إلّا رجل واحد يخبر الناس، فلمّا أن أخبرهم ألقت عليه حصاة فقتله»(1).


1) الكافي 1 : 447 ، باب مولد النبي ووفاته، ح 5

.........................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

وفي الحسن كالصحيح عن رفاعة عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: «كان عبد المطلب يفرش له بفناء الكعبة لا يفرش لأحد غيره، وكان له ولد يقومون على رأسه فيمنعون من دنا منه، فجاء رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وهو طفل يدرج حتى جلس على فخذيه، فأهوى بعضهم إليه لينحّيه عنه، فقال له عبد المطلب: دع ابني فإنّ الملك قد أتاه»(1). يحتمل الفتح والضم. وعلى أي حال فهو إخبار بالغيب.

[إسلام أبي طالب وبيان فضله ]

وفي الحسن كالصحيح عن هشام بن سالم والمصنف في القوي عن عبد الله بن الفضل الهاشمي عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «إنّ مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان وأظهروا الشرك فآتاهم الله أجرهم مرتين»(2).

وفي الصحيح عن بكر بن محمد الأزدي عن إسحاق بن جعفر عن أبيه(عليهم السلام) ، قال: قيل له: إنّهم يزعمون أنّ أبا طالب كان كافراً؟ فقال: «كذبوا كيف يكون كافراً وهو يقول:

ألم تعلموا أنّا وجدنا محمداً**** نبيّاً كموسى خُطّ في أول الكتبِ»(3)

وفي حديث آخر كيف يكون أبو طالب كافرا وهو يقول:


1) الكافي 1 : 448، باب مولد النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ووفاته، ح 26.

2) الكافي 1 : 448، باب مولد النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ووفاته، ح 28.

3) الكافي 1 : 448، باب مولد النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ووفاته، ح29.

............................................

ـــــــــــــــــــــــــــ

لقد علموا أنّ ابننا لا مكذب**** لدينا ولا يعبأ بقول الأباطل

وأبيض يستسقي الغمام بوجهه**** ثمال اليتامى عصمة للأرامل(1)

وفي الموثق كالصحيح، عن إسماعيل بن أبي زياد عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: « أسلم أبو طالب بحساب الجمل وعقد بيده ثلاثاً وستين»(2).

والظاهر أنّ المراد به أنّه أسلم بثلاث وستين لساناً، كما روي أنّه أسلم بلسان الحبشة بكذا وبلسان غيرها بكذا(3).

وروى الكليني وغيره في القوي عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «إنّ أبا طالب أسلم بحساب الجمل، قال بكل لسان»(4).

وكان شيخنا البهائي يقول : المراد به سج (أي أخف) تقية من العامة.

وروى المصنف والشيخ في القوي عن محمد بن أحمد الروداني عن أبيه، قال: كنت عند أبي القسم الحسين بن روح قدس الله روحه فسأله رجل: ما معنى قول العباس للنبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) إن عمك أبا طالب قد أسلم بحساب الجمل وعقد بيده ثلاثة وستين؟ قال: عنى بذلك إله أحد جواد.

وتفسير ذلك أنّ الألف واحد، واللام ثلاثون، والهاء خمسة، والألف واحد، والحاء


1) الكافي 1 : 449، باب مولد النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ووفاته، ذيل ح 29.

2) الكافي 1 : 449، باب مولد النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ووفاته، ح 33.

3) انظر: البحار 35، ح 18. الغدير 7 : 398، ح 36.

4) الكافي 1 : 449، باب مولد النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ووفاته ، ح 32 معاني الأخبار : 285، ح 1. وفيه إلى قوله : بحساب الجمل

.......................................

ـــــــــــــــــــــــ

ثمانية، والدال أربعة، والجيم ثلاثة، والواو ستة، والألف واحد، والدال أربعة، فذلك ثلاثة وستون(1).

وفسّر بعضهم بأنّه وضع إبهامه على عقد السبابة مشيراً بها بقوله : لا إله إلّا الله كما هو المتعارف، وفي بعض حساب العقود كذلك. والذي رأيت من حساب العقود فهو كثير يمكن أن يكون بعضها كذلك لكنّه خلاف المتعارف، ويمكن إرادة الجميع وإن كان بعيداً (2). والذي ذكره الحسين فالظاهر أنّه من الحجة(عليه السلام) ؛ لأنّه كثيراً ما يقول: إنِّي لا أتكلّم من قبل نفسي فعلى هذا ليس إلّا.

وروى الكليني في الحسن كالصحيح ، عن هشام بن الحكم عن أبي عبد الله(عليه السلام) . قال: «بينا النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)في المسجد الحرام وعليه ثياب له جدد، فألقى المشركون عليه سلا ناقة، فملأوا ثيابه بها، فدخله من ذلك ما شاء الله، فذهب إلى أبي طالب فقال له: يا عم كيف ترى حسبي فيكم؟ فقال له : وما ذلك يا ابن أخي؟ فأخبره الخبر فدعا أبو طالب حمزة وأخذ السيف وقال لحمزة خذ السلا (أو السلاح) ثمَّ توجّه إلى القوم والنبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) معه فأتى قريشاً وهم حول الكعبة، فلمّا رأوه عرفوا الشرّ في وجهه، ثمَّ قال لحمزة: أمِرَّ السلا على أسبلتهم (أو سبالهم) ففعل ذلك حتى أتى على آخرهم، ثمَّ التفت أبو طالب إلى النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فقال : يا ابن أخي هذا حسبك فينا»(3).


1) كمال الدين وتمام النعمة : 519، ح 48 معاني الأخبار : 286، ح 2.

2) انظر: البحار 35 78 ح .19 الخرائج والجرائح 3: 1075 ، ح 11

3) الكافي 1 : 449، باب مولد النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ووفاته، ح 30.

...........................................

ـــــــــــــــــــــــــــــ

وفي القوي كالصحيح عن عبد الله بن مسكان قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام) : «إنّ فاطمة بنت أسد جاءت إلى أبي طالب لتبشِّره بمولد النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، فقال أبو طالب: اصبري سبتاً اُبشِّركِ بمثله إلّا النبوة، وقال: السبت ثلاثون سنة، وكان بين رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وأمير المؤمنين(عليه السلام) ثلاثون سنة»(1).

وفي القوي كالصحيح، عن المفضل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول« لمّا ولد رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فتح مكة لآمنة بياض فارس وقصور الشام، فجاءت فاطمة بنت أسد اُم أمير المؤمنين(عليه السلام) إلى أبي طالب ضاحكة مستبشرة، فأعلمته ما قالت آمنة، فقال لها أبو طالب: وتعجبين من هذا؟ إنّك لتحبلين وتلدين بوصيّه ووزیره»(2).

وعن أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «لمّا ولد النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) مكث أيّاماً ليس له لبن، فألقاه أبو طالب على ثدي نفسه، فأنزل الله فيه لبناً فرضع منه أياماً حتى وقع أبو طالب على حليمة السعدية فدفعه إليها»(3).

وعن درست بن أبي منصور أنّه سأل أبا الحسن الأوّل(عليه السلام) : أكان رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) محجوجاً بأبي طالب؟ فقال: «لا، ولكنّه كان مستودعاً للوصايا فدفعها إليه(صلّی الله علیه وآله وسلّم)» قال: فدفع إليه الوصايا على أنّه محجوج به؟ فقال: «لو كان محجوجاً به ما دفع إليه الوصية» قال: فقلت فما كان حال أبي طالب؟ قال: «أقرّ بالنبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وبما جاء به


1) الكافي 1 : 452، باب مولد أمير المؤمنين(عليه السلام) صلوات الله عليه، ح 1.

2) الكافي 1 : 454 ، باب مولد أمير المؤمنين صلوات الله عليه، ح 3.

3) الكافي 1 : 448، باب مولد النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ووفاته، ح 27.

............................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

ودفع إليه الوصايا ومات من يومه»(1).

وفي القوي كالصحيح، عن عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «لمّا توفي أبو طالب(عليه السلام) نزل جبرئيل(عليه السلام) إلى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)فقال : يا محمد . اُخرج من مكة فليس لك بها ناصر، وثارت قريش بالنبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، فخرج هارباً حتى جاء إلى جبل بمكة يقال له : الحجون فصار إليه»(2).

وروى المصنف في الأمالي في القوي عن عبد الله بن عباس أنّه سأله رجل فقال له: يا ابن عم رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)أخبرني عن أبي طالب هل كان مسلماً؟ قال: وكيف لم يكن مسلماً وهو القائل:

وقد علموا أنّ ابننا لا مكذّب**** لدينا ولا يعبأ بقيل الأباطل

إنّ أبا طالب كان مثله كمثل أصحاب الكهف حين أسرّوا الإيمان وأظهروا الشرك فأتاهم الله أجرهم مرتين(3).

وفي القوي عن عبد الله بن عباس عن أبيه، قال: قال أبو طالب لرسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): يا ابن أخ الله أرسلك؟ قال: «نعم» قال: فأرني آية قال: اُدعُ لي تلك الشجرة، فدعاها فأقبلت حتى سجدت بين يديه ثمَّ انصرفت فقال أبو طالب: أشهد أنّك صادق، يا علي صلِّ جناح ابن عمّك (4).


1) الكافي 1 : 445، باب مولد النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ووفاته، ح 18.

2) الكافي 1 : 449، باب مولد النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ووفاته، ح 31.

3) الأمالي للشيخ الصدوق : 712، ح 12.

4) الأمالي للشيخ الصدوق : 711، ح 11.

يا عليّ: إن عبد المطلب كان لا يستقسم بالأزلام، ولا يعبد الأصنام، ولا يأكل ما ذبح على النّصب ويقول: أنا على دين أبي إبراهيم(عليه السلام) . يا عليّ: أعجب النّاس إيماناً وأعظمهم يقيناً قومٌ يكونون في آخر الزّمان لم يلحقوا النبيّ وحجب عنهم الحجّة فآمنوا بسواد على بياض.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

وروي أنّه ذكر عند العالم(عليه السلام) أنّه روينا أنّ أبا طالب في النار؟ فقال: «كيف يكون كذلك وابنه قسيم النار والجنة»(1). إلى غير ذلك من الأخبار من طرق العامة والخاصة.

وفي النهاية في شعر أبي طالب يمدح النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم):

وأبيض يستسقي الغمام بوجهه**** ثمال اليتامى عصمة للأرامل

الثمال بالكسر، الملجأ والغياث، وقيل: هو المطعم في الشدّة(2).

( كان لا يستقسم بالأزلام) وهو القمار بالأقداح. وتقدم في باب الأطعمة والنصب بضمتين كلّما عبد من دون الله كالنصب بالضم.

[ فضل المسلمين في آخر الزمان ]

(يا علي: أعجب الناس إيماناً) أي أفضلهم وأكثرهم ثواباً (لم يلحقوا النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)) أي لم يدركوا أيّامه (وحجب عنهم الحجة) أي المعصوم، وهم أصحاب صاحب الأمر(عليه السلام) إلى زمان ظهوره(عليه السلام) . ويحتمل المعجزة. لكنّه بعيد؛ لأنّ المعجزة حجة وإن لم يروها، بل سمعوها متواترة. 3(فآمنوا بسواد على بياض) أي علموا صحة نبوة النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بالقرآن والأخبار


1) انظر: الأمالي للشيخ الصدوق : 305 ، ح 59.

2) النهاية لابن الأثير 1 : 222.

يا عليّ: ثلاثةٌ يقسين القلب: استماع اللّهو، وطلب الصّيد، وإتيان باب السّلطان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المتواترة المثبتة في الكتب، وفيه تعريض على أصحاب النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) والأئمة(عليهم السلام)، فإنّ أكثرهم لم يؤمنوا مع رؤيتهم المعجزات الباهرة، والذين آمنوا منهم لم يكونوا بتلك المنزلة.

وروى الكليني والمصنف في كتاب إكمال الدين وإتمام النعمة وغيرهما أخباراً متواترة وفوق التواتر أنّ المنتظرين لظهور صاحب الأمر(عليه السلام) في غيبته أفضل من شهداء بدر و اُحد ألف مرّة، وأمثال هذه المثوبة وأخبار أفضليّتهم منقولة عن سيد المرسلين والأئمة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين(1)، بل ورد الأخبار الكثيرة بأنّهم المراد من قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ(2)، ولخوف الإطالة لم نذكرها.

[ثلاثة يقسين القلب ]

( يا علي : ثلاثة يقسين القلب) وهي من علامات النفاق (استماع اللهو) شامل لجميع الملاهي من المزامير والكوبات والدفوف والصنج والبرابط وأمثالها، بل الغناء في الملاهي ولو لم يكن مع هذه الملاهي.

(وطلب الصيد) لهواً لا للنفقة والتجارة، ويحتمل التعميم بأن يكونا مكروهين (وإتيان باب السلطان) وتقدم الأخبار فيه في التجارة.


1) الكافي 1 : 335 ، باب في الغيبة كمال الدين وتمام النعمة : 318.

2) كمال الدين وتمام النعمة : 17 و 18 كمال الدين وتمام النعمة : 340، ح 20. والآية في سورة البقرة : 3.

يا عليّ: لا تصلّ في جلد ما لا تشرب لبنه، ولا تأكل لحمه، ولا تصلّ في ذات الجيش، ولا في ذات الصّلاصل، ولا في ضجنان.

يا عليّ: كل من البيض ما اختلف طرفاه، ومن السّمك ما كان له قشرٌ، ومن الطّير ما دفّ، واترك منه ما صفّ، وكل من طير الماء ما كانت له قانصةٌ أو صيصيةٌ.

ــــــــــــــــــــــــــــ

( يا علي لا تصل في جلد ما لا تشرب لبنه، ولا تأكل لحمه) تقدم الأخبار في ذلك في باب الصلاة، وكذا في المواضع الثلاثة.

( كل من البيض) بالفتح جنس ( ما اختلف طرفاه) أي إذا اشتبه أنّه من جنس ما يؤكل لحمه أو ما لا يؤكل فيعمل بالاختلاف والاتفاق، أو يعم. وهو بعيد.

(و) كذا (من السمك ما كان له قشر ) أي فلس ( ومن الطير ما دفّ) أي ما كان دفيفه أكثر من صفيفه (واترك منه) ولا تأكل (ما صفّ) أي ما كان صفيفه أكثر هذا في غير المنصوص.

(وكل من طير الماء ما كانت له قانصة) وفي النهاية: قوانص الطير حواصلها(1). وفي القاموس: القانصة للطير كالمصارين (أي الأمعاء) لغيرها(2). والحوصلة - وتشدّد لامها - في الطير بمنزلة المعدة للإنسان. والمعروف أنّ القانصة محل الحجر، والحوصلة محل الغذاء .

(أو صيصيّة) وهي شوكة الديك التي تكون خلف رجله. وهذه العلامات معتبرة


1) النهاية لابن الأثير 4 : 112.

2) القاموس المحيط 2 : 315.

يا عليّ: كلّ ذي ناب من السّباع ومخلب من الطّير فحرامٌ أكله لا تأكله.

يا عليّ: لا قطع في ثمر ولا كثر.

يا عليّ: ليس على زان عقرٌ، ولا حدّ في التّعريض.

ولا شفاعة في حدّ.

ولا يمين في قطيعة رحم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في غير المنصوص، كما تقدم.

وكما تقدم حرمة السباع من الطير وغيرها ( يا علي: لا قطع في ثمر) أي الرطب أو الأعم (ولا كثر) بفتحتين جمار النخل، وهو شحمه الذي في وسط النخلة، وحمل على أنّهما إذا كانا على الشجر ولم يكن له حرز ، كما هو الغالب في أكثر البلاد، و تقدّم أنّ القطع في السرقة إنّما يكون إذا سرق من الحرز.

(ليس على زان عقر) أي مهر، والعقر الجرح، وأصله أنّ واطئ البكر يعقرها ويجرحها إذا افتضّها فسمّي ما تعطاه للعقر عقراً بالضم، ثمَّ صار عاماً لها وللثيّب، ويطلق غالباً على الإماء المغتصبة، لكنّها مستحقة لأرش البكارة، كما تقدم. أو يحمل على أنّ الزاني إذا قرّر للزانية شيئاً لا يلزمه الأداء، بل يحد، ولا حد في التعريض، والكناية وإن كان يستحق التعزير للإيذاء والإهانة، فربّ كناية تكون أبلغ من الصريح.

( ولا شفاعة في حد) عند ما وصل إلى الحاكم، كما تقدم.

(ولا يمين) أي لا يجوز ولا ينعقد (في قطيعة رحم) بأن يحلف أن يقطع الرحم أو لا يزوِّرهم، أو جعله شرطاً شكراً بأن يحلف أن يصلي ركعتين لو قطعهم، أمّا لو كان

ولا يمين لولد مع والده، ولا لامرأة مع زوجها، ولا للعبد مع مولاه.

ولا صمت يوماً إلى اللّيل، ولا وصال في صيام.

ولا تعرّب بعد هجرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

زجراً فيصح.

(ولا يمين لولد مع والده) أي لا ينعقد أصلاً، كما هو الظاهر، أو للوالد حلّه(1)، أو انعقادها موقوف على رضاه(2)، كما ذهب إلى كلّ منهما جماعة من الأصحاب(3). وكذا المرأة مع زوجها والعبد مع مولاه. وهل النذر والعهد حكمهما حكم اليمين؟ فيه خلاف.

(ولا صمت يوماً إلى الليل) كما كان صوم بني إسرائيل، لكن إن صام وصمت عمّا لا يعني فهو عبادة.

(ولا وصال في صيام) بأن يصوم يومين ولا يفطر بينهما، أو جعل عشاءه سحوره مع النية أو الأعم، وربما يطلق على وصل شعبان برمضان تقية، وتقدم.

(ولا تعرب بعد هجرة) أي لا يجوز سكنى البادية بعد المهاجرة إلى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) . وهذا الحكم كان قبل فتح مكة، وروي الأخبار في أنّه لا هجرة بعد الفتح (4)، فيمكن أن يكون المنسوخ وجوبه وبقي الاستحباب، وقال بعضهم: إنّ ترك


1) المختصر النافع : 263. كشف الرموز 2 : 324. المهذب البارع 4 : 128.

2) تحرير الأحكام 4 : 303. المهذب البارع 4 : 128.

3) انظر: مسالك الأفهام 11 : 206. مجمع الفائدة 6: 108 و 109

4) الكافي 5: 443، باب أنه لا رضاع بعد فطام، ح. الأمالي للشيخ الصدوق : 461، ح 4. الخصال : 193 ح 268 عيون أخبار الرضا(عليه السلام) 1: 93، ح 34.

يا علي: لا يقتل والدٌ بولده.

يا عليّ: لا يقبل الله دعاء قلب ساه.

يا عليّ: نوم العالم أفضل من عبادة العابد.

يا عليّ: ركعتين يصلّيهما العالم أفضل من ألف ركعة يصلّيها العابد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

طلب العلم تعرّب (1).

(لا يقتل والد بولده) وإن كان قتله عمداً، بل عليه الدية في ماله لغيره من الوارث، وهو لا يرثه مطلقاً.

(قلب ساه) إذا لم يكن له حضور ويكون خاطره إلى غير الله تعالى. أمّا إذا كان متوجهاً إليه تعالى، ولا يعرف يعني الدعاء، فالظاهر أنّه لا يكون داخلاً فيه وإن احتمله .

(نوم العالم أفضل من عبادة العابد) لأنّ العالم لا ينام عبثاً، بل لا ينام ما لم يكن واجباً أو مستحباً؛ ليكون له نشاط في العبادة.

(ركعتين يصليهما العالم) وهو العالم العامل الذي يعلم مكائد النفس والشيطان من أرباب القلوب، كما ذكره الشهيد الثاني رضي الله تعالى عنه(2)، ولهذا كان ضربة أمير المؤمنين(عليه السلام)أفضل من عبادة الثقلين إلى يوم القيامة(3).

وروى المصنف وغيره في القوي عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «إذا كان القيامة


1) تحف العقول : 111 ، الهامش ، وانظر: البحار 75 : 267 ، الهامش .. مجمع البحرين 3 : 127

2) انظر: منية المريد : 142

3) انظر: حلية الأبرار 2 : 158 ، ح 3 اختيار معرفة الرجال 1 : 257.

يا عليّ : لا تصوم المرأة تطوّعاً إلّا بإذن زوجها، ولا يصوم العبد تطوّعاً إلّا بإذن مولاه، ولا يصوم الضّيف تطوّعاً إلّا بإذن صاحبه.

يا عليّ: صوم يوم الفطر حرامٌ، وصوم يوم الأضحى حرامٌ، وصوم الوصال حرامٌ، وصوم الصّمت حرامٌ، وصوم نذر المعصية حرامٌ، وصوم الدّهر حرامٌ.

ـــــــــــــــــــــــــــ

جمع الله عزّوجلّ الناس في صعيد واحد ووضعت الموازين فتوزن دماء الشهداء مع مداد العلماء، فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء»(1).

والظاهر أنّ الرجحان لما أنّ العالم يقوّي الدين بالبراهين، بخلاف الشهداء فإنّهم يقوّون بالسيوف، وظاهر الدين يقوى بها وباطنه بالبرهان، وهو أعلى مع فوائد اُخر لا تحصى، وتقدم الأخبار في وصف العلماء وثوابهم.

(يا علي: لا تصوم المرأة تطوّعاً إلّا بإذن زوجها) ظاهره الحرمة. ويحتمل الكراهة، بمعنى أقل ثواباً، بأن تصوم وتفطر بالجماع إذا أراد الزوج لئلّا ينافي حقّها. والظاهر أنّه إذا منع كان حراماً؛ لمنافاته لحقّه في الجملة ولو لنقصان الحسن. أمّا العبد فالظاهر الحرمة بدون إذن المولى صريحاً أو بشاهد الحال. وأمّا الضيف فالمشهور الكراهة. ويحتمل الحرمة، وتقدم الأخبار في ذلك.

(وصوم الدهر حرام) لاشتماله على صوم العيدين، أو يكون للمبالغة في الكراهة؛ لأنّ الصوم جنة من النار إلّا أن يعتقد أنّه سنة مؤكدة، فحينئذ يكون آثماً في هذا الاعتقاد. ويحتمل الحرمة حينئذ ؛ لكونه تشريعاً، والأحوط الإفطار أحياناً.


1) الأمالي للشيخ الصدوق : 233 ح2 مستطرفات السرائر : 622. مشكاة الأنوار : 241.

يا عليّ: في الزّنا ستّ خصال: ثلاثٌ منها في الدّنيا، وثلاثٌ منها في الآخرة: فأمّا التي في الدّنيا فيذهب بالبهاء، ويعجّل الفناء، ويقطع الرّزق. وأمّا التي في الآخرة فسوء الحساب، وسخط الرّحمن، وخلودٌ في النّار.

يا عليّ: الرّبا سبعون جزءاً فأيسرها مثل أن ينكح الرّجل أُمّه في بيت الله الحرام. يا عليّ: درهمٌ رباً أعظم عند الله عزّ وجلّ من سبعين زنيةً كلّها بذات محرم في بيت الله الحرام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

[ في الزنا ست خصال ]

(في الزنا ست خصال) روى المصنف في الموثق كالصحيح، عن عبدالله بن ميمون عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «للزاني ست خصال، ثلاث في الدنيا، وثلاث في الآخرة: فأمّا التي في الدنيا فإنّه يذهب بنور الوجه ويورث الفقر، ويعجّل الفناء. وأمّا التي في الآخرة فسخط الربِّ جلَّ جلالُهُ، وسوء الحساب، والخلود في النار»(1).

وقريب منه في القوي عن حذيفة بن اليمان عن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)(2). والمراد بالخلود المكث الطويل، أو إذا كان مستحلّاً له.

[ تأكّد حرمة الربا ]

(الربا سبعون جزءاً) قد تقدّم الأخبار الصحيحة في ذلك، وفي الزكاة والحج،


1) الخصال : 321، ح 4. ثواب الأعمال : 262.

2) الخصال : 320، ح 2.

يا عليّ: من منع قيراطاً من زكاة ماله فليس بمؤمن ولا بمسلم ولا كرامة.

يا عليّ: تارك الزكاة يسأل الله الرجعة إلى الدنيا، وذلك قول الله عزّوجلّ: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ الآية (1).

يا عليّ: تارك الحجّ وهو مستطيعٌ كافرٌ، يقول الله تبارك وتعالى: وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ(2).

يا عليّ: من سوّف الحجّ حتى يموت بعثه الله يوم القيامة يهوديّاً أو نصرانياً.

يا عليّ: الصّدقة تردّ القضاء الذي قد أبرم إبراماً.

يا عليّ: صلة الرّحم تزيد في العمر.

يا عليّ: افتتح بالملح واختتم بالملح، فإنّ فيه شفاءٌ من اثنين وسبعين داءً.

يا عليّ: لو قد قمت على المقام المحمود لشفعت في أبي واُمّي وعمّي وأخ كان لي في الجاهليّة.

ــــــــــــــــــــــــــ

والمراد بالكفر في ترك الحج كفر أصحاب الكبائر أو إذا كان مستحلّاً.

(يا عليّ : لو قد قمت المقام المحمود) وهو الشفاعة، كما قال الله تعالى: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُوداً(3).


1) المؤمنون : 99

2) آل عمران : 97

3) الإسراء : 79

يا عليّ: أنا ابن الذّبيحين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

روى المصنف في القوي كالصحيح، عن هارون بن خارجة عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «هبط جبرئیل(عليه السلام) علی رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فقال : يا محمّد إنّ الله عزّوجلّ قد شفعك في خمسة: في بطن حملك وهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف، وفي صلب أنزلك وهو عبد الله بن عبد المطلب، وفي حجر كفلك وهو عبد المطلب بن هشام، وفي بيت آواك وهو عبد مناف بن عبد المطلب أبو طالب، وفي أخ كان لك في الجاهلية (أي قبل البعثة) قيل يا رسول الله : من هذا الأخ؟ فقال: كان انسي وكنت آنسه، وكان سخياً يطعم الطعام»(1). وذكر المصنف أنّه كأنّه اسمه الحلاس بن علقمة(2)وظاهر أنّ الشفاعة في غيره لعلو درجاتهم، وللأخ لتخفيف عذابه لو كان كافراً. ويمكن أن يكون مسلماً على دين إبراهيم(عليه السلام) وتكون لعلوّ درجاته أيضاً. ورأيت في بعض الأخبار أنّه (صلّی الله علیه وآله وسلّم) و أحيا أباه واُمّه وأسلما له (صلّی الله علیه وآله وسلّم)(3). ويمكن أن يكون الشفاعة في احيائهم وإسلامهم له(صلّی الله علیه وآله وسلّم).

[معنى قول النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم): أنا ابن الذبيحين ]

(أنا ابن الذبيحين) إسماعيل وعبد الله ، كما تقدم. واحتمل المصنف أن يكون المراد بهما إسماعيل وإسحاق، ويكون إطلاق الأب على العم على المجاز الشائع،


1) الخصال : 293، ح 59

2) الخصال : 294.

3) يمكن أن يقال بمنافاة مضمون هذا الحديث لقواعد المذهب من كون آباء الأنبياء(عليهم السلام)وأمهاتهم كلهم موحدين إلى آدم(عليه السلام) ، ويشهد له ما في الزيارات الواردة عنهم(عليه السلام) من قولهم : أشهد أنك كنت نوراً في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها إلى آخره، وغيرها، كما لا يخفى على المتتبع.

يا عليّ: أنا دعوة أبي إبراهيم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

كما أطلق الله تعالى على آذر بقوله: يا أَبَتِ(1)مع أنّ أباه كان تارخ، والأوّل أظهر للإخبار به(2).

(أنا دعوة أبي إبراهيم(عليه السلام) ) وهو قوله تعالى حكاية عن إبراهيم(عليه السلام) : رَبَّنَا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ والْحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3).

روى المصنف في الموثق كالصحيح، عن الحسن بن علي بن فضّال، قال: سألت أبا الحسن علي بن موسى الرضا(عليه السلام) عن معنى قول النبي أنا ابن الذبيحين. قال: «يعني إسماعيل بن إبراهيم الخليل(عليه السلام) وعبد الله بن عبد المطلب، أمّا إسماعيل فهو الغلام الحليم الذي بشّر الله به إبراهيمفَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَا ذَا تَرى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُولم يقل له: يا أبت افعل ما رأيتسَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (4).

فلمّا عزم على ذبحه فداه الله بذبح عظيم بكبش أملح، يأكل في سواد، ويشرب في سواد، وينظر في سواد، ويمشي في سواد، ويبول في سواد، ويعبر في سواد، كان يرتع قبل ذلك في رياض الجنة أربعين عاماً، وما خرج من رحم اُنثى، وإنّما قال الله


1) مريم : 42 - 45.

2) الخصال : 55 ، ح 78 عيون أخبار الرضا الله 2 : 189، ح 1.

3) البقرة : 129.

4) الصافات : 102.

....................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

عزّوجلّ له كن فكان ليفتدي به إسماعيل، وكلّما يذبح بمنى فهو فدية لإسماعيل إلى يوم القيامة، فهذا أحد الذبيحين.

وأمّا الآخر فإنّ عبد المطلب كان تعلّق بحلقة باب الكعبة ودعا الله عزّوجلّ أن يرزقه عشر بنين ونذر الله عزّوجلّ أن يذبح واحداً منهم متى أجاب الله أجاب الله دعوته، فلمّا بلغوا عشرة قال: قد وفى الله لي فلافينّ الله عزّوجلّ، فأدخل ولده الكعبة وأسهم بينهم، فخرج سهم عبد الله أبي رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)وكان أحب ولده إليه، ثمَّ أجالها ثانية فخرج سهم عبد الله ، ثمَّ أجالها ثالثة فخرج سهم عبد الله، فأخذه وحبسه وعزم على ذبحه، فاجتمع نساء قريش ومنعنه من ذلك، واجتمع نساء عبد المطلب يبكين ويصحن، فقالت له ابنته عاتكة : يا أبتاه أعذر فيما بينك وبين الله عزّوجلّ في قتل ابنك. قال: فكيف أعذر يا بنيّة ؟ فإنّكِ مباركة قالت اعمد إلى تلك السوائم التي لك في الحرم فاضرب بالقداح على ابنك، وعلى الإبل وأعط ربك حتى يرضى.

فبعث عبد المطلب إلى إبله فأحضرها وعزل منها عشراً وضرب بها بالسهام فخرج سهم عبد الله ، فما زال يزيد عشراً عشراً حتى بلغت مائة، فضرب فخرج السهم على الإبل فكبَّرت قريش تكبيرة ارتجّت لها جبال تهامة، فقال عبد المطلب: لا حتى أضرب بالقداح ثلاث مرّات، فضرب ثلاثاً كلّ ذلك يخرج السهم على الإبل. فلمّا كان في الثالثة اجتذبه الزبير وأبو طالب وإخوانه من تحت رجليه فحملوه وقد انسلخت جلدة خده الذي كان على الأرض وأقبلوا يرفعونه ويقبِّلونه ويمسحون عنه التراب، وأمر أبو طالب أن ينحر الإبل بالحزورة ولا يمنع أحد منها وكانت مائة.

...............................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

فكانت لعبد المطلب خمس سنن أجراها الله عزّوجلّ في الإسلام: حرّم نساء الآباء على الأبناء، وسنّ الدية في القتل مائة من الإبل، وكان يطوف بالبيت سبعة أشواط، ووجد كنزاً فأخرج منه الخمس، وسمّي زمزم لمّا حفرها سقاية الحاج.

ولو لا أنّ عبد المطلب حجة وإن عزمه على ذبح ابنه عبد الله شبيه بعزم إبراهيم على ذبح ابنه إسماعيل لما افتخر النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بالانتساب إليهما لأجل أنّهما الذبيحان فی قوله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : أنا ابن الذبيحين، والعلة التي من أجلها رفع الله عزّوجلّ عن إسماعيل هي العلة التي من أجلها رفع الذبح عن عبد الله وهي كون النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) والأئمة (عليهم السلام)في صلبيهما، فببركة النبي والأئمة صلوات الله عليهم رفع الله الذبح عنهما. فلم يجر السنة في الناس بقتل أولادهم، ولو لا ذلك لوجب على الناس كلّ أضحى التقرّب إلى الله تعالى ذكره بقتل أولادهم، وكلّما يتقرّب الناس به إلى الله عزّوجلّ من أضحية فهو فداء لإسماعيل إلى يوم القيامة»(1).

وذكر المصنف خبراً عن الصادق(عليه السلام) : أنّ إسحاق(عليه السلام) لمّا تمنّى أن يكون ذبيحاً أعطاه الله ثواب ذلك»(2).


1) الخصال : 55، ح 78. عيون أخبار الرضا(عليه السلام) 2 : 189.

2) قال في الخصال : 57. قال مصنف هذا الكتاب أدام الله عزه : قد اختلف الروايات في الذبيح؛ فمنها ما ورد بأنه إسماعيل، ومنها ما ورد بأنه إسحاق، ولا سبيل إلى ردّ الأخبار متى صح طرقها، وكان الذبيح إسماعيل، لكن إسحاق لما ولد بعد ذلك تمنى أن يكون هو الذي أمر أبوه بذبحه فكان يصبر لأمر الله ويسلّم له كصبر أخيه وتسليمه فينال بذلك درجته في الثواب، فعلم الله عزّوجلّ ذلك من قلبه فسمّاه بين ملائكته ذبيحاً لتمنّيه كذلك. حدثنا بذلك محمد بن علي البشاري القزويني(قدس سره الشریف) ، قال: حدثنا المظفر بن أحمد القزويني، قال : حدثنا محمد بن جعفر الكوفي الأسدي عن محمد بن إسماعيل البرمكي عن عبد الله بن داهر عن أبي قتادة الحراني عن وكيع بن الجراح عن سليمان بن مهران عن أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمد(عليه السلام) ، ثم قال: وقول النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : أنا ابن الذبيحين يريد بذلك العم؛ لأنّ العم قد سمّاه الله عزّوجلّ أباً في قوله تعالى : أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلْهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ البقرة : 133. وكان إسماعيل عم يعقوب، فسّماه الله في هذا الموضع أباً انتهى موضع الحاجة من كلامه رفع في الخلد مقامه.

...............................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

وروي في الحسن كالصحيح، عن الفضل بن شاذان، قال: سمعت الرضا(عليه السلام) يقول: «لمّا أمر الله عزّوجلّ إبراهيم(عليه السلام)أن يذبح مكان ابنه إسماعيل الكبش الذي أنزله عليه تمنّى إبراهيم أن يكون قد ذبح ابنه إسماعيل بيده، وأنّه لم يؤمر بذبح الكبش مكانه ليرجع إلى قلبه ما يرجع إلى قلب الوالد الذي يذبح أعزّ ولده عليه بيده فيستحق بذلك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب، فأوحى الله عزّوجلّ إليه يا إبراهيم: من أحبُّ خلقي إليك؟.

فقال: يا رب ما خلقت خلقاً . هو أحبُّ إليَّ من حبيبك محمد(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، فأوحى الله إليه : أفهو أحبُّ إليك أو نفسك؟ قال: بل هو أحب إليَّ من نفسي، قال: فولده أحب إليك أم ولدك ؟ قال: بل ولده، قال: فذبح ولده ظلماً على أيدي أعدائه أوجع لقلبك أو ذبح ولدك بيدك في طاعتي؟.

قال: يا رب بل ذبحه على أيدي أعدائه أوجع لقلبي، قال: يا إبراهيم فإنّ طائفة

يا عليّ: العقل ما اكتسبت به الجنّة وطلب به رضا الرّحمن.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تزعم أنّها من اُمّة محمد(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ستقتل الحسين ابنه من بعده ظلماً وعدواناً كما يذبح الكبش، ويستوجبون بذلك سخطي، فجزع إبراهيم(عليه السلام) لذلك وتوجّع قلبه وأقبل يبكي، فأوحى الله عزّوجلّ إليه : يا إبراهيم قد فديت جزعك على ابنك إسماعيل لو ذبحته بيدك بجزعك على الحسين(عليه السلام) وقتله، وأوجبت لك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب، وذلك قوله عزّوجلّ:وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ(1).

[ في العقل ]

(يا علي: العقل) أي الكامل (ما اكتسبت به الجنة وطلب به رضى الرحمن) فإنّ العقل يتوجه إلى ما هو خير، ولا شك أنّ الباقي أفضل من الفاني فيفعل ما هو رضى الله تعالى، وهو أعظم من جميع مراتب الجنة ويلزمه أعلاها.

واعلم أنّ أقل مراتب العقل هو الذي يناط التكليف به ويقوى بالعلوم والعبادات إلى أن يصير بحيث لا يرتكب خلاف ما يرضي الله سبحانه ولا يمكنه إلّا ما يرضي الله تعالى، فهذا هو الذي قال الله تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ(2)، وقال تعالى:فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَام(3). إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة والأخبار المتواترة.


1) الخصال : 58 ، ح 79. والآية في سورة الصافات : 107.

2) الزمر : 22.

3) الأنعام : 125.

يا عليّ: إنّ أوّل خلق خلقه الله عزّوجلّ العقل.

ــــــــــــــــــــــــــــ

روى الكليني والمصنف في القوي كالصحيح عن أبي عبد الله(عليه السلام) . قال: قلت له: ما العقل؟ قال: «ما عُبِدَ به الرحمنُ وأكتُسِبُ به الجنانُ» قال: قلت: فما الذي كان في معاوية ؟ فقال: «تلك النكرى (أي الدهاء) تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل»(1).

( يا علي: إنّ أوّل خلق خلقه الله العقل) يطلق العقل على النفس الناطقة، وهي لطيفة روحانية يكون الإنسان بها إنساناً، وهي من عالم الأمر والمجرّدات، وهو المكلّف بتكاليفه تعالى، وعلى لطيفة روحانية تكون بمنزلة الوزير للنفس، وهو المسمّى بالعقل الإلهي، كما تقدم الإشارة إليه في الآيات والأخبار، ويطلق على النفس إذا كان معها تلك اللطيفة، أو إذا كملت بالعلوم والكمالات.

فإنّ النفس أوّلاً باعتبار تعلّقها بالبدن مائلة إلى الشهوات واللذّات، وتسمى بالأمّارة، كما قال تعالى: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي (2)وتصير لوّامة بكثرة الطاعات والعبادات والمجاهدات إلى أن تعلم قبح المقابح وحسن المحاسن، لكنّها لاُلفتها بالمشتهيات ما يمكنها تركها بالكليّة، وفي هذه المرتبة تسمى بالقلب؛ لتقلّب أحوالها، وعندها يكون مفتناً توّاباً، وقال تعالى: وَ لا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوْامَةِ(3).


1) الكافي 1 : 11 ، كتاب العقل والجهل، ح 3. معاني الأخبار : 239، ح 1.

2) يوسف : 53.

3) القيامة : 2.

فقال له : أقبل فأقبل ثمَّ قال له: أدبر فأدبر فقال: وعزّتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحبّ إليَّ منك.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

فإذا كلمت بالمجاهدات تصير ملهمة بإلهامه تعالى، كما قال تعالى: ونَفْسِ وما سَوَّاهَافَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَاوَقَدْ خَابَ مَنْ دسَّاها(1). وفي هذه المرتبة تسمى بالعقل، لكنّها لم يحصل له جميع الكمالات وإنّما هو في الترقي إلى أن يفنى عنها بالكليّة ويبقى بربّه تعالى، وفي هذه المرتبة تسمى بالمطمئنة، يطمئن بذكره تعالى، كما قال تعالى: أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (2)، ويسمع مخاطباته تعالى آناً فآنا، كما قال تعالى: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكَ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي(3)أي المقربين الذين همفِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكَ مُقْتَدِرٍ(4)وادْخُلِي جَنَّتِي(5)، وهي جنة القرب والوصال، ولهذا أضافها إلى نفسه تعالى، وفي هذه المرتبة تسمى بالروح إلى أن تصير سرّاً، وبعده خفيّاً.

فالأخبار التي وردت في العقل بحسب هذه المراتب، وعليك بالتدبّر في تنزيلها على مراتبه.

(فقال له: أقبل فأقبل، ثمَّ قال له أدبر فأدبر) يمكن أن يكون المراد بهما قابليته


1) الشمس : 7 - 10.

2) الرعد : 28.

3) الفجر : 27 - 29.

4) القمر : 55

5) الفجر : 30.

......................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

للأوامر والنواهي واكتساب العلوم والكمالات والترقيات، وبهذا المعنى يكون أشرف من الملائكة، فإنّ لهم مقاماً معلوماً لا يمكنهم الترقي، كما قال تعالى: وما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ(1).

أو يكون المراد بالإقبال التوجه إلى جناب قدسه وفناؤه في الله وبقائه بالله واتصافه بصفاته تعالى، وبالإدبار التوجه إلى الدنيا والشهوات البهيمية، فلمّا كان قابلاً للطرفين توجّه التكليف إليه، كما رواه المصنف في الصحيح عن عبد الله بن سنان، قال: سألت أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام) فقلت: الملائكة أفضل أم بنو آدم؟ فقال: « قال أمير المؤمنين(عليه السلام) : إنّ الله عزّوجلّ ركب في الملائكة عقلاً بلا شهوة وركّب في البهائم شهوةً بلا عقل، وركّب في بني آدم كلتيهما، فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة، ومن غلبت شهوته عقله فهو شرٌّ من البهائم»(2). ويشير إلى ذلك قوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ والْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وأَشْفَقْنَ مِنْهَا وحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جهولاً(3). وظاهرها أنّ الظلومية والجهوليّة اللتين في الإنسان بسبب حيوانیة بدنه صارتا سببين لقابليته لحمله الأمانة التي هي التكليف أو المعارف الحقة


1) الصافات : 164.

2) علل الشرائع 1 : 4 باب العلّة التي من أجلها صار في الناس من هو خير من الملائكة وصار فيهم من هو شرّ من البهائم، ح 1.

3) الأحزاب : 72.

بك آخذ، وبك اُعطي، وبك اُثيب، وبك اُعاقب.

ـــــــــــــــــــــــــــ

والحكم الإلهية أو المحبة والعشق أو الفناء والبقاء، والاتصاف بصفاته تعالى، بخلاف الملائكة، ولهذا أجاب الله تعالى الملائكة حين قالوا: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا ويَسْفِك الدِّمَاءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ (1).

يعني يلزم العبد أن يعلم مجملاً أنّ الله الحكيم العليم لا يفعل إلّا الأصلح، ثمَّ أظهر الحكمة بقابلية الإنسان لتجرّده لجميع العلوم بمجرد إلقائها في نفسه وصارت معجزة لآدم(عليه السلام) على الملائكة واشتغلوا بتعلم العلوم عنده في مدّة مديدة ولم يحصلوا عشر عشيرها، ولا يمكن التصديق الحقيقي بذلك ما لم يصل المكلف إليه. ولا يمكن الوصول إلّا بالمجاهدات، كما قال تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا(2).

(بك آخذ) أي اُعاقب، أو أحبس وامنع العطاء لو توجّهت إلى المراتب السافلة (وبك اُعطي) الجنة والمراتب العالية، والحاصل أن الترقيات بحسب العقل، بل التكاليف أيضاً تختلف بحسبه.

روى المصنف بإسناده عن موسى بن جعفر عن آبائه عن أمير المؤمنين(عليه السلام) ، قال: «قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : إنّ الله خلق العقل من نور مخزون مكنون في سابق علمه الذي لم يطّلع عليه نبيٌّ مرسل ولا ملكٌ مقرب، فجعل العلم نفسه، والفهم روحه، والزهد رأسه، والحياء عينيه، والحكمة لسانه، والرأفة همه، والرحمة قلبه، ثمَّ


1) البقرة : 30.

2) العنكبوت : 69.

...........................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

حشاه وقوّاه بعشرة أشياء: باليقين، والإيمان، والصدق، والسكينة، والإخلاص، والرفق والعطية، والقنوع، والتسليم، والشكر.

ثمَّ قال عزّوجلّ : أدبر فأدبر، ثمَّ قال له: أقبل فأقبل ، ثمَّ قال له: تكلم، فقال: الحمد الله الذي ليس له ضدّ، ولا ندّ، ولا شبه، ولا كفو، ولا عديل، ولا مثل، الذي كلّ شيء لعظمته خاضع ذليل، فقال الرب تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحسن منك ولا أطوع لي منك، ولا أرفع منك، ولا أشرف منك، ولا أعزّ منك، بك اُوحّد، وبك أعبد، وبك أدعى، وبك أرتجي، وبك أبتغي، وبك أخاف، وبك أحذر، وبك الثواب وبك العقاب.

فخر العقلُ عند ذلك ساجداً، فكان في سجوده ألف عام، فقال الرب تبارك وتعالى: ارفع رأسك وسل تعط، واشفع تشفع، فرفع العقل رأسه، فقال: إلهي أسألك أن تشفعني فيمن خلقتني فيه، فقال الله جلّ جلاله لملائكته: اُشهدكم أنّي قد شفّعته فيمن خلقته فيه»(1).

وفي القوي عن سليمان بن خالد عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: «قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : لم يعبد الله عزّوجلّ بشيءٍ أفضل من العقل، ولا يكون المؤمن عاقلاً حتى يجتمع فيه عشر خصال، الخير منه مأمول، والشر منه مأمون يستكثر قليل الخير من غيره، ويستقل كثير الخير من نفسه، ولا يسأم من طلب العلم طول عمره، ولا يتبرّم بطلّاب الحوائج قبله، الذلُّ أحبُّ إليه من العزِّ، والفقر أحبُّ إليه من الغنى، نصيبه من الدنيا


1) الخصال : 427 ، ح 4. معاني الأخبار : 312، ح 1.

................................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

القوت، والعاشرة لا يرى أحداً إلّا قال: هو خير منّي وأتقى، إنّما الناس رجلان، فرجل هو خير منه وأتقى، وآخر هو شرٌّ منه وأدنى، فإذا رأى من هو خير منه وأتقى تواضع له ليلحق به، وإذا لقي الذي هو شرپٌ منه وأدنى، قال: عسى خير هذا باطن وشرُّه ظاهر، وعسى أن يختم له بخير، فإذا فعل ذلك فقد علا مجده وساد أهل زمانه»(1).

وروى الكليني والمصنّف رضي الله عنهما بإسنادهما عن سماعة بن مهران، قال: كنت عند أبي عبد الله(عليه السلام)و عنده جماعة من مواليه، فجرى ذكر العقل والجهل فقال أبو عبد الله(عليه السلام) : « اعرفوا العقل وجنده والجهل وجنده تهتدوا».

قال سماعة: فقلت: جعلت فداك لا نعرف إلّا ما عرّفتنا.

فقال أبو عبد الله(عليه السلام): «إنّ الله عزّوجلّ خلق العقل وهو أوّل خلق من الروحانيين عن يمين العرش من نوره، فقال له: أدبر فأدبر، ثمَّ قال له: أقبل فأقبل، فقال الله تبارك وتعالى: خلقتك خلقاً عظيماً وكرّمتك على جميع خلقي» قال: «ثمَّ خلق الجهل من البحر الاُجاج ظلمانياً فقال له: أدبر فأدبر ، ثمَّ قال له: أقبل فلم يقبل، فقال له: استكبرت فلعنه.

ثمَّ جعل للعقل خمسة وسبعين جنداً، فلمّا رأى الجهل ما أكرم الله به العقل وما أعطاه أضمر له العداوة، فقال الجهل: يا ربِّ هذا خلق مثلي خلقته وكرّمته وقوّيته وأنا ضدّه ولا قوّة لي به فأعطني من الجند مثل ما أعطيته، فقال: نعم، فإن عصيت بعد


1) الخصال : 433 ، ح 17.

.................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

ذلك أخرجتك وجندك من رحمتي، قال: قد رضيت فأعطاه خمسة وسبعين جنداً. فكان ممّا أعطى العقل من الخمسة والسبعين الجند، الخير وهو وزير العقل، وجعل ضدّه الشر وهو وزير الجهل، والإيمان وضدّه الكفر، والتصديق، ضدّه الجحود، والرجاء وضدّه القنوط، والعدل وضدّه الجور، والرضا وضدّه السخط، والشكر وضدّه الكفران، والطمع وضدّه اليأس، والتوكّل وضدّه الحرص - بالمهملة أو المعجمة بمعنى شدة الحزن - والرأفة وضدّها القسوة، والرحمة وضدّها الغضب.

والعلم وضدّه الجهل (أي البسيط) ، والفهم وضدّه الحمق، والعفّة وضدّها التهتّك. والزهد وضدّه الرغبة، والرفق وضدّه الخرق( بالضم والتحريك ضد الرفق)، والرهبة وضدّها الجرأة، والتواضع وضدّه الكبر، والتؤدة (1)وضدّها التسرع، والحلم وضدّه السفه، والصمت وضدّه الهذر(2).

والاستسلام وضدّه الاستكبار، والتسليم وضدّه الشك، والصبر وضدّه الجزع، والصفح وضدّه الانتقام، والغنى وضدّه الفقر (أي إلى الناس)، والتفكر (أو التذكر) وضدّه السهو، والحفظ وضدّه النسيان، والتعطف وضدّه القطيعة، والقنوع وضدّه الحرص، والمواساة وضدّها المنع.

والمودّة وضدّها العداوة، والوفاء وضدّه الغدر والطاعة وضدّها المعصية


1) التؤدة : هي بضم التاء وفتح الهمزة وسكونها الرزانة والتأنّي أي عدم المبادرة إلى الاُمور بلا تفكر فإنّها توجب الوقوع في المهالك، مرآة العقول 1 : 69.

2) الهذر : الكلام الذي لا يعبأ به، لسان العرب 5: 259.

...................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

والخضوع وضدّه التطاول، والسلامة وضدّها البلاء، والحب وضدّه البغض، والصدق وضدّه الكذب، والحق وضدّه الباطل، والأمانة وضدّها الخيانة، والإخلاص وضدّه الشوب (أو الشرك كما في العلل).

والشهامة وضدّها البلادة، والفهم (أو الفطنة كما في العلل) وضدّه الغباوة، والمعرفة وضدّها الإنكار، والمداراة وضدّها المكاشفة، وسلامة الغيب وضدّها المماكرة، والكتمان وضدّه الإفشاء، والصلاة وضدّها الإضاعة، والصوم وضدّه الإفطار، والجهاد وضدّه النكول، والحج وضدّه نبذ (أو نسيان كما في العلل) الميثاق.

وصون الحديث وضدّه النميمة، وبرّ الوالدين وضدّه العقوق، والحقيقة وضدّها الرياء (أي رؤية غير الله تعالى)، والمعروف وضدّه المنكر، والستر وضدّه التبرج، والتقية وضدّها الإضاعة، والإنصاف وضدّه الحمية، والتهيئة (1)(وفي العلل المهنة أي الخدمة) وضدّها البغي، والنظافة وضدّها القذر، والحياء وضدّه الخلع (بالخاء المعجمة أو بالجيم قلّة الحياء).

والقصد وضدّه العدوان، والراحة وضدّها التعب، والسهولة وضدّها الصعوبة، والبركة وضدّها المحق، والعافية وضدّها البلاء، والقوام وضدّه المكاثرة، والحكمة وضدّها الهوى، والوقار وضدّه الخفة، والسعادة وضدّها الشقاوة، والتوبة وضدّها الإصرار.

والاستغفار وضدّه الاغترار، والمحافظة وضدّها التهاون، والدعاء وضدّه


1) التهيئة: الموافقة والمصالحة بين الجماعة وإمامهم، مرآة العقول 1 : 73.

...................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الاستنكاف، والنشاط وضدّه الكسل، والفرح وضدّه الحزن، والألفة وضدّها الفرقة (أو العصبية كما في العلل) والسخاء وضدّه البخل.

فلا (ولا - خ) يجتمع هذه الخصال كلّها من أجناد العقل إلّا في نبيٍّ أو وصي نبي أو مؤمن قد امتحن الله قلبه للإيمان، وأمّا سائر ذلك من موالينا فإنّ أحدهم لا يخلو من أن يكون فيه بعض هذه الجنود حتى يستكمل وينفى من جنود الجهل، فعند ذلك يكون في الدرجة العليا مع الأنبياء والأوصياء، وإنّما يدرك ذلك بمعرفة العقل وجنوده ومجانبة الجهل وجنوده، وفّقنا الله وإيّاكم لطاعته ومرضاته»(1).

وفي الخصال والعلل: والتسليم وضدّه التحيّر (أو التجبر)، والعفو وضدّه الحقد، والرحمة وضدّها القسوة، واليقين وضدّه الشك( ولم يكن في العلل) والرأفة وضدّها القسوة، والرحمة وضدّها الغضب، والرهبة وضدّها الجرأة، والسلامة وضدّها البلاء، والتهيئة وضدّها البغي، فالظاهر أنّ الزيادة من النسّاخ أو الرواة.

وروى الكليني والمصنف رضي الله عنهما في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: «لمّا خلق الله العقل استنطقه (أي جعله ناطقاً أو عالماً) ثمَّ قال: أقبل فأقبل، ثمَّ قال له: أدبر فأدبر، ثمَّ قال: وعزّتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحبُّ إليَّ منك ولا أكملتك إلّا فيمن اُحبُّ. أما إنّي إيّاك آمر وإيّاك أنهى، وإيّاك اُعاقب، وإيّاك اُثيب»(2).


1) الكافي 1 : 20، كتاب العقل والجهل ، ح .14 علل الشرائع 1 : 113، علّة الطبايع والشهوات والمحبات، ح 10. الخصال : 588 ، ح 13.

2) الكافي 1 : 10، كتاب العقل والجهل ، ح 1. الأمالي للشيخ الصدوق : 503، ح 5.

.................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي القوي كالصحيح، عن محمد بن مسلم ما يقرب منه(1).

وفي الموثق كالصحيح عن الحسن بن الجهم عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام) ، قال: ذكر عنده أصحابنا، وذكر العقل قال: فقال: «لا يعبأ بأهل الدين ممن لا عقل له» قلت: جعلت فداك إنّ ممّن يصف هذا الأمر قوماً لا بأس بهم عندنا وليست لهم تلك العقول ؟ فقال : «ليس هؤلاء ممّن خاطب الله ، إنّ الله خلق العقل فقال له: أقبل فأقبل، وقال له: أدبر فأدبر، فقال: وعزّتي ما خلقت شيئاً أحسن منك وأحبُّ إليَّ منك، بك آخذ، وبك أعطي»(2).

وفي القوي كالصحيح، عن يحيى بن عمران عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «كان أمير المؤمنين(عليه السلام) يقول بالعقل استخرج غور الحكمة، وبالحكمة استخرج غور العقل، وبحسن السياسة يكون الأدب الصالح، قال: وكان يقول: التفكّر حياة قلب البصير كما يمشي الماشي في الظلمات بالنور بحسن التخلّص وقلّة التربص»(3).

أي يستخرج المعاني الدقيقة والإشارات اللطيفة والتنبيهات المنيعة من الكتاب والسنة بالعقل، وبهذه التدبّرات والتفكرات يصير العقل غائراً فهماً بحسن السياسة من الولاة والآباء يصير المرء كاملاً صالحاً عاقلاً، وإذا صار العقل بصيراً بالعلم والآداب فلابدّ له من التفكر والتدبر فى القرآن والأخبار؛ ليتخلص بنورهما من


1) الكافي 1 : 26 ، كتاب العقل والجهل، ح 26.

2) الكافي 1 : 27 ، كتاب العقل والجهل، ح 32.

3) الكافي ،1 : 28 ، كتاب العقل والجهل، ح 34.

........................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الظلمات، والشكوك والأوهام بحسن التخلّص من العوائق الدنيوية وقلّة التربّص في الدنيا الفانية الزائلة، كما ورد صحيحاً عن النبي لا في تفسير قوله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ إنّ علامة شرح الصدر التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله (1).

وفي القوي عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «ليس بين الإيمان والكفر إلّا قلّة العقل» قيل: وكيف ذاك يا ابن رسول الله؟ قال: «إنّ العبد يرفع رغبته إلى مخلوق(2). فلو أخلص نيّنه الله لأتاه الله(3)الذي يريد في أسرع من ذلك» (4).

أي الواسطة بينهما قلّة العقل، ولولاها لكان كافراً في الالتجاء إلى المخلوق فكيف في مخالفة الله تعالى.

وفي القوي عن ميمون بن علي عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «قال أمير المؤمنين(عليه السلام) : إعجاب المرء بنفسه دليل على ضعف عقله» (5).


1) مكارم الأخلاق للشيخ الطبرسي : 447 مجمع البيان 4 158 والآية في سورة الأنعام : 125.

2) أي مرغوبة، ومراده من حوائجه إلى مخلوق؛ لقلة عقله، واعتقاده بأن الحصول لا يكون إلا بالرفع إليه فيعظمه ويذلل له ويتخذه رباً معطياً، ولو كان عاقلاً كامل العقل لعرف أن إخلاص النية الله والرفع إليه دون غيره سرعة الوصول إلى المطلوب الحاشية على أصول الكافي الرفيع الدين النائيني (رحمة الله) : 88.

3) أما على بناء المجرد فالموصول فاعله أو على بناء الافعال ففاعله الضمير الراجع إلى الله والموصول مفعوله، مرآة العقول 1 : 94.

4) الكافي 1 : 28 ، كتاب العقل والجهل، ح 33.

5) الكافي ،1 : 27 ، كتاب العقل والجهل، ح 31

.......................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أي لم يعرف نقائص نفسه من أعجب بكمالاته، فإنّ من تدبّر فيها يعرف أنّ أكثرها نقائص، ولو لم يكن كذلك لم يعرف نقائصه، فإنّها غير محصورة وهي محصورة.

وعن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال : « دعامة الإنسان العقل، والعقل منه الفطنة، والفهم. والحفظ، والعلم، وبالعقل يكمل، وهو دليله، ومبصره، ومفتاح أمره، فإذا كان تأييد عقله من النور كان عالماً، حافظاً ذاكراً، فطناً، فهماً فعلم بذلك كيف؟ ولم؟ وحيث؟ وعرف من نصحه، ومن غشّه، فإذا عرف ذلك عرف مجراه موصولة ومفصولة، وأخلص الوحدانية الله والإقرار بالطاعة، فإذا فعل ذلك كان مستدركاً لمّا فات، و وارداً على ما هو آت، يعرف ما هو فيه، ولأيّ شيءٍ هو هاهنا؟ ومن أين يأتيه؟ وإلى ما هو صائر ؟ وذا (أو وذلك) كله من تأييد العقل»(1).

اعلم أنّ هذا الخبر مشتمل على حقائق كثيرة، ولا يمكن بيانه؛ لأنّ هذه أحوال أوليائه تعالى الذين، نوّروا عقولهم بأنوار الذكر الدائم حتى صار قلوبهم خزائن الله تعالى، ويلهمون في كلّ آن بما يحتاجون إليه من الترقّي إلى المراتب العالية من محبّنه، ومعرفته، وقربه، ووصاله، أوصلنا الله تعالى وسائر المؤمنين إليها.

وعن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : يا علي لا فقر أشد من الجهل. ولا مال أعود (أي أنفع )من العقل» (2).

وقال(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : «العقل دليل المؤمن»(3).


1) الكافي 1 : 25 ، كتاب العقل والجهل، ح 23.

2) الكافي 1 : 25 ، كتاب العقل والجهل ، ح 25.

3) الكافي 1 : 25 ، كتاب العقل والجهل، ح 24.

.............................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي القوي عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «حجة الله على العباد النبي، والحجة فيما بين الله وبين العباد العقل»(1).

وفي القوي عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: «إنّما يداق الله العباد في الحساب يوم القيامة على قدر ما آتاهم من العقول في الدنيا»(2).

وعن السكوني، قال:« قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): إذا بلغكم عن رجل حسن حال فانظروا في حسن عقله فإنّما يجازي بعقله»(3).

وفي القوي عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)قال: «ما قسّم الله للعباد شيئاً أفضل من العقل. فنوم العاقل أفضل من سهر الجاهل، وإقامة العاقل أفضل من شخوص الجاهل، ولا بعث الله نبياً ولا رسولاً حتى يستكمل العقل ويكون عقله أفضل من عقول جميع اُمّته، وما يضمر النبي في نفسه أفضل من اجتهاد المجتهدين وما أدّى العبد فرائض الله حتى عقل عنه، ولا بلغ جميع العابدين في فضل عبادتهم ما بلغ العاقل، والعقلاء هم اُولو الألباب الذين قال الله: إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبَابِ »(4).

إلى غير ذلك من الآيات والأخبار الكثيرة في أنّ المدار على العقل والعقلاء. وتسميتهم باُولي الألباب كافية في شرفهم، لكن لو لم يستعمل العقل فهو بمنزلة


1) الكافي 1 : 25 ، كتاب العقل والجهل، ح 22

2) الكافي ،1 : 11 ، كتاب العقل والجهل، ح7 .

3) الكافي ،1 : 12 ، كتاب العقل والجهل ، ح 9.

4) الكافي 1 : 12 ، كتاب العقل والجهل ، ح .11. والآية في سورة الرعد : 19.

يا عليّ: لا صدقة وذو رحم محتاجٌ.

يا عليّ: درهمٌ في الخضاب خيرٌ من ألف درهم ينفق في سبيل الله وفيه أربع عشرة خصلةً: يطرد الرّيح من الاُذنين، ويجلو البصر، ويليّن الخياشيم، ويطيّب النّكهة، ويشدّ اللّثة، ويذهب بالضّني، ويقلّ وسوسة الشّيطان، وتفرح به الملائكة، ويستبشر به المؤمن، ويغيظ به الكافر، وهو زينةٌ وطيبٌ، ويستحيي منه منكرٌ ونكيرٌ، وهو براءةٌ له في قبره.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

البهائم، كما قال تعالى:إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْانْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً(1).

[في الخضاب ]

(وفيه أربع عشرة خصلة) وروى المصنف بإسناده إلى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) أنّه قال: «درهم في الخضاب أفضل من نفقة ألف درهم في سبيل الله، وفيه أربع عشرة خصلة: يطرد الريح من الاُذنين، ويجلو الغشاوة عن البصر، ويليِّن الخياشيم، ويطيِّب النّكهة، ويشدّ اللثة، ويذهب بالضّني، ويقلُّ وسوسة الشيطان، وتفرح به الملائكة، ويستبشر به المؤمن، ويغيظ به الكافر، وهو زينة وطيب وبراءة في قبره، ويستحيي منه منكر ونكير»(2).

والضناء الضعف، وخبر المتن موجود في الخصال المصحح، وفيه الضبا، وفي كثير من النسخ الصنان، وهو تصحيف، كما تقدم، وهو ريح الإبط.


1) الفرقان : 44.

2) الخصال : 497 ، ح 1.

يا عليّ: لا خير في القول إلّا مع الفعل، ولا في المنظر إلّا مع المخبر، ولا في المال إلّا مع الجود.

ولا في الصّدق إلّا مع الوفاء.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(لا خير في القول إلّا مع الفعل) أي لا ينفع العلم بدون العمل، كما قال تعالى: لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ(1)، وقال تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ(2).

(ولا في المنظر إلّا مع المخبر )(3)

(عليه السلام):« لا خير في المنظر إلّا مع حسن المخبر». فتدبر، من حاشية نسخة خطية.

الظاهر أنّ المراد أنّه لا عبرة بما يظهر في بادئ النظر إلّا بعد الاختبار والامتحان. ويحتمل أن يكون على سبيل القلب، كما روي أنّه ليس الخبر كالمعاينة(4). ويحتمل أن يكون التقديم والتأخير من النساخ، وأن يكون المراد به الحث على نشر العلوم، كما تقدم الأخبار فيه.

(ولا في الصدق إلّا مع الوفاء) الظاهر أنّ المراد به النهي عن العلم بدون العمل، أو يعم بحيث يشمل الوفاء بجميع العهود، فإنّه وإن كان اللازم حين العهد أن يكون في


1) الصف : 2 و 3.

2) البقرة : 44.

3) قال في القاموس المحيط 2 : 144 ، المنظر والمنظرة ما نظرت إليه فأعجبك أو ساءك، وقال : المخبر نقيض المرائي، والمرائي - بالفتح - المنظر، فالظاهر أنّ المعنى : لا خير في حسن الظاهر إلّا مع موافقة الباطن له في الحسن، وقوله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : إلّا مع المخبر : أي مع حسن المخبر، وأورد الامدي في الغرر والدرر من كلمات كلام الله الناطق ومبيّن الحقائق أميرالمؤمنين

4) من لا يحضره الفقيه 4 : 378 باب ألفاظ رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، ح 5788. وانظر: نهج البلاغة68:4

ولا في الفقه إلّا مع الورع، ولا في الصّدقة إلّا مع النيّة، ولا في الحياة إلّا مع الصّحّة، ولا في الوطن إلّا مع الأمن والسّرور.

يا عليّ: حرّم من الشّاة سبعة أشياء: الدّم، والمذاكير، والمثانة، والنّخاع، والغدد، والطّحال والمرارة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

باله أنّه يفعله لكنّه لا يكفى ذلك فالفعل بدون العهد أولى من العكس.

( ولا في الفقه إلّا مع الورع) فإنّ زلّة العالم زلة العالم (ولا في الصدقة إلّا مع النية) أي القرية، كما قال تعالى: وما آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ(1). وغير ذلك من الآيات والأخبار.

(ولا في الحياة إلا مع الصحة) أي صحة الدين بالعمل أو صحة البدن للعبادات وإن كان من حيث التكفير للسيّئات المرض حسناً أيضاً.

[ ما حرم من الشاة ]

(حرم من الشاة سبعة أشياء) قد تقدم الأخبار في ذلك.

وروى المصنف في الصحيح عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «لا يؤكل من الشاة عشرة أشياء: الفرث، والدم، والطحال، والنخاع، والغدد، والقضيب، والاُنثيين، والرحم، والحياء، والأوداج (أو قال: العروق)»(2).


1) الروم : 39.

2) الخصال : 433 ، ح 18.

يا عليّ: لا تماكس في أربعة أشياء: في شراء الاُضحيّة، والكفن، والنّسمة، والكرى إلى مكّة.

يا عليّ: ألا أخبركم بأشبهكم بي خلقاً؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: أحسنكم خلقاً وأعظمكم حلماً وأبرّكم بقرابته وأشدّ كم من نفسه إنصافاً.

يا عليّ: أمانٌ لاُمّتي من الغرق إذا هم ركبوا السّفن فقرأوا: بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَ الْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (1).

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

فيحمل الأوداج على الكراهة وكذا الغدد وإن كان موجوداً في كثير من الأخبار.

والأحوط الاجتناب من الجميع.

(لا تماكس في أربعة) فإنّ الثمن كلّما كان فيها أكثر كان الثواب أكثر، وتقدم أن المغبون لا محمود ولا مأجور، فيحمل المماكسة على شراء الدون، بل ينبغي أن يشتري النفيس، أو مع الشيعة دون غيرهم.

وما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ أي ما عرفوه حقّ معرفته أو ما عظّموه حقّ جلالتهوالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ (2)أي مقبوضته بالاستيلاء والقهر بالتبديل، كما قال تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ(3)أو أهلها بالحساب والجزاء، والتعبير


1) هود : 41.

2) الزمر : 67.

3) إبراهيم : 48.

يا عليّ : أمانٌ لاُمّتي من السّرققُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (1)إلى آخر السّورة.

يا عليّ: أمانٌ لاُمّتي من الهدم إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (2).

يا عليّ: أمانٌ لاُمّتي من الهمّ: لا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم لا ملجأ ولا منجى من الله إلّا إليه.

يا عليّ: أمانٌ لاُمّتي من الحرقإِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (3)وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ الآية.

يا عليّ: من خاف من السّباع فليقرأ: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ(4)إلى آخر السّورة.

يا عليّ: من استصعبت عليه دابّته فليقرأ في اُذنها اليمنى: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (5).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بالقبضة كناية عن حقارتها وحقارة أهلها بالنظر إلى جلاله وعظمته. وكذاالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ (6)، كما قال تعالى: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ


1) الإسراء : 110.

2) فاطر : 41

3) الأعراف : 196.

4) التوبة : 128.

5) آل عمران : 83

6) الزمر : 67.

يا عليّ: من كان في بطنه ماءٌ أصفر فليكتب على بطنه آية الكرسيّ وليشربه؛ فإنّه يبرأ بإذن الله عزّوجلّ.يا عليّ: من خاف ساحراً أو شيطاناً فليقرأ: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ(1)الآية. يا عليّ: حقّ الولد على والده أن يحسن اسمه وأدبه ويضعه موضعاً صالحاً، وحقّ الوالد على ولده أن لا يسمّيه باسمه، ولا يمشي بين يديه، ولا يجلس أمامه، ولا يدخل معه في الحمّام.

يا عليّ: ثلاثةٌ من الوسواس: أكل الطّين، وتقليم الأظفار بالأسنان، وأكل اللّحية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ﴾(2). ويمكن أن يكون المراد به إعدامها، كما هو المشهور بين المسلمين؛ لقوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِك إِلَّا وَجْهَهُ (3)بِسْمِ اللهِ مَجْراها و مُرْسَاهَا(4)، أي أستعين به، أو أتبرّك باسمه عند جريها وعند ثباتها على اللنجر، أو الأعم، وقرئ مجريها ومرسيها بأن تكونان صفة الله تعالى، والآيات المزبورة للمطالب المذكورة مجرّبة، بل جرّبنا كل آية من القرآن لكل مطلب وهذه إحدى معجزاته الباهرة.


1) الأعراف : 54. يونس : 3.

2) الأنبياء : 104.

3) القصص : 88

4) هود : 41.

يا عليّ: لعن الله والدين حملا ولدهما على عقوقهما.

يا عليّ: يلزم الوالدين من عقوق ولدهما ما يلزم الولد لهما من عقوقهما.

يا عليّ: رحم الله والدين حملا ولدهما على برّهما.

يا عليّ: من أحزن والديه فقد عقّهما.

يا عليّ من اغتيب عنده أخوه المسلم فاستطاع نصره فلم ينصره خذله الله في الدّنيا والآخرة.

يا عليّ: من كفى يتيماً في نفقته بماله حتى يستغني وجبت له الجنّة البتّة.

يا عليّ: من مسح يده على رأس يتيم ترحّماً له أعطاه الله عزّوجلّ بكلّ شعرة نوراً يوم القيامة.

يا عليّ: لا فقر أشدّ من الجهل، ولا مال أعود من العقل، ولا وحشة

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

( لعن الله والدين حملا ولدهما على عقوقهما) بأن يكلّفاه التكاليف الشاقة فإنّه سبب لعقوقه، وتقدم أخبار برّ الوالدين.

(ولا وحدة أو حش من العجب) لأنّ من أعجب بنفسه وتخيّل أنّه عالم أو صالح أو زاهد مثلاً توقع من العالمين احترامه وتعظيمه، بل لا يبدأهم بالسلام، ويتوقع منهم الابتداء، وهم أيضاً مبتلون بذلك، فيصير ذلك سبباً للوحشة، بل لو كان صادقاً في حصول الكمالات يلزمه اتِّباع سيد المرسلين(صلّی الله علیه وآله وسلّم) في التواضع مع العالمين، حتى إنّه (صلّی الله علیه وآله وسلّم)كان يسلّم على كل أحد حتى الصبيان والنسوان، ومتى يحصل العلم

أوحش من العجب، ولا عقل كالتّدبير، ولا ورع كالكفّ عن محارم الله تعالى، ولا حسب كحسن الخلق، ولا عبادة مثل التّفكّر.

يا عليّ آفة الحديث الكذب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بالكمال فإنّه إذا كان عالماً مثلاً، فينبغي أن يعلم أنّ العلم ليس بكمال إذا لم يحصله خالصاً الله، فإنّ الشيطان أعلم من كلّنا، ولا ينفع ما لم يعمل به، وأين العمل الخالص فإنّ الإنسان على نفسه بصيرة، ويعلم أنّجميع الكمالات الحاصلة مشوبة إمّا بالرياء أو لحب الكمال، ورفع النقص عن النفس، ولا ينفع ذلك، بل تضرّ غاية الضرر.

( ولا عقل كالتدبير) أي تدبير المعاش؛ بأن لا يسرف ولا يقتر، بل يقتصد. ويمكن التعميم، وتقدم أكثره.

[ في بعض الآفات ]

(آفة الحديث) أي الكلام (الكذب) خصوصاً الكذب على الله، وعلى رسوله، وعلى الأئمة المعصومين صلوات الله عليهم، وبعده الكذب على العلماء، فإنّه يرجع غالباً إلى ما تقدم، ولهذا ورد الخبر بأنّه لو كان الكلام فضة كان السكوت ذهباً(1).

هذا بالنسبة إلى أكثر العالمين. وأمّا بالنظر إلى العلماء الراسخين الربانيّين فكلامهم درر غرر، لكن ينبغي للعالم أن لا يتكلم ما لم يتوسل إلى الله تعالى بالتضرّع والابتهال، ويقرأ قوله تعالى: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ويَسِّرْ لِي


1) الكافي 2 : 114 ، باب الصمت وحفظ اللسان، ح 6.

وآفة العلم النسيان.وآفة العبادة الفترة.ــــــــــــــــــــــــــــــــأَمْرِي واحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِييَفْقَهُوا قَوْلِي (1)حتى يجري الله سبحانه على لسانه ما هو الحق والصواب، وهكذا دأبي سيّما في هذا الشرح، وجرّبت زائداً من ألف مرّة أنّه لو كان وقع النسيان في التوسل كان يقع السهو في السطر الأوّل غالباً وأتنبه وأتوسل، وروي عن الصادق(عليه السلام)«أنّه ينبغي للمؤمن أن يكون محدّثاً»(2). ولا يحصل ذلك إلّا بالتوسل إلى جناب قدسه تعالى. (وآفة العلم النسيان) وعلاجه بالعمل، والغالب على أبناء الزمان تعلّم العلم لتصحيح الكتاب حتى يمكنه التدريس ولا يغلط فيه، وبعدهم من كان غرضه كمال النفس وأمثاله، ولو كان الغرض من التحصيل العمل والتقرّب إلى الله تعالى فبوعده تعالى يفيض العلوم على القلب ويصير ملكة ولا ينسى. وهو المجرّب، ولكنّه يلزم العالم بالكتاب والسنة أن يداوم تلاوة كتاب الله تعالى بالتدبّر والتفكر، وكذا أخبار رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) والأئمة صلوات الله عليهم بعد التوسل إليه تعالى حتى لا ينسى.

( وآفة العبادة الفترة )وليست إلّا لعدم التوجّه وحضور القلب الذي هو روح العبادة، فإنّه كلّما كان الحضور أكثر كان الشوق والذوق أكثر، ولا يحصل الفتور. وهو أيضاً مجرّب.


1) طه : 25 - 28

2) انظر: عيون الأخبار الرضا(عليه السلام) : 275، ح .68. قريباً بهذا المضمون ولكن عن الرضا(عليه السلام).

وآفة الجمال الخيلاء.

وآفة العلم الحسد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

(وآفة الجمال الخيلاء) بالكسر والضم: الكبر والعجب، والمراد بالجمال الكمالات المعنوية من العلم والعقل، والزهد، والعبادة وأمثالها، ويلزمها العجب، وعلاجه التفكر في أنّها لا تنفع ما لم تكن خالصة مع الشرائط، ومنها التقوى، كما قال تعالى: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ(1)والعمدة التضرّع إليه تعالى بأن يعرِّفه عيوبه، وإذا عرفها فيشذ أن يعجب بشيءٍ منها، والتضرّع في رفع الآفات ودفعها أحسن، والأولى بل الأوجب الرياضة والمجاهدة مع التوسل.

(وآفة العلم الحسد) وهو في المتسمين بالعلماء أظهر من الشمس، مع أنّ الحسد أرذل الصفات الذميمة، لكن العالم الحقيقي يجاهد في نشر العلوم الدينية ويحب كثرة العلماء والعبّاد والزهّاد، فإنّه ينظر إلى أنّ اتباع الشيطان كثيرة، بل كلّ العالم إلّا شاذاً قليلاً، فكلّما كان العلماء أكثر كان جنود الله تعالى أكثر، وكان فضل الله عليهم أعظم، وقال تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ(2).

والعجب من أكثرهم أنّهم يتكاثرون على الأموات من العلماء، ويحسدون الأحياء. وعلاجه التضرّع والابتهال إلى الله تعالى مع المجاهدة، فإنّه على نفسه بصير وخبير، ويعلم أنّه لو مات أحدهم يسرّ بموته، ولو حصل لأحدهم مال أو جاه يغتم بذلك. ويعلم أنّ الحسد من الكبائر فكيف لا يعالج نفسه بالمجاهدات الشاقة، ولو اُبتلي


1) المائدة : 27.

2) النساء : 54

يا عليّ: أربعةٌ يذهبن ضياعاً: الأكل على الشّبع، والسّراج في القمر، والزّرع في السّبخة، والصّنيعة عند غير أهلها.

يا عليّ: من نسي الصّلاة عليّ فقد أخطأ طريق الجنّة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

بجذام أو برص يسعى نهاية السعي في إزالتهما ولو بقطع العضو، مع أنّ البدن بمعرض الفناء، والنفس تبقى مع هذه الصفات الخسيسة، بل تصير بمنزلة السباع والهوام وتضرّها أبد الدهر، فكيف! لا يرحم نفسه، أنّه عالم بالنشأة الاُخرى مع وبعقوباتها، ويساهل في ذلك إمّا بأنّ هذه المرتبة مرتبة الأولياء ولا يمكننا ذلك، وإمّا بتسويلات الشياطين له بأن هذا ليس بحسد، بل هو بغض لله؛ لأنّ المحسود ليس بأهل لذلك، مع أنّه يعلم أنّ الدنيا مضرّة لمحسوده ومع هذا يحسده، أعاذنا الله وسائر المؤمنين منها بفضله وكرمه.

(أربعة يذهبن ضياعاً) أي إسراف وتضييع للمال، وتقدم الأخبار في ذم الإسراف، مع أنّ ( الأكل على الشبع ) سبب الأمراض كثيرة (والسراج في القمر) سبب لذم العقلاء، إلّا أن يريد بذلك القراءة والمطالعة (والإحسان عند غير أهله) مذموم إذا لم يكن له سبب راجح، مثل أن يعلم من يريد القضاء وأمثاله كان غرضه هدايته بالعلم؛ لئلّا يتوجّه إليه أو يرجو بالإحسان صلاحه.

(يا علي: من نسي الصلاة عليَّ)عند ذكره(صلّی الله علیه وآله وسلّم)أو الأعم (فقد أخطأ طريق الجنّة) لأنّه لو كان يصلي لوصل إلى الجنّة. ويحتمل أن يكون المراد أنّه وصل إلى النار؛ لأنّه لا واسطة بينهما، والأخبار بذلك متواترة تقدم بعضها.

يا عليّ: إيّاك ونقرة الغراب وفرشة الأسد.

يا عليّ: لأن أدخل يدي في فم التّنّين إلى المرفق أحبّ إليّ من أن أسأل من لم يكن ثمّ كان.

يا عليّ: إنّ أعتى النّاس على الله عزّوجلّ القاتل غير قاتله والضّارب غير ضاربه، من تولّى غير مواليه فقد كفر بما أنزل الله عزّوجلّ عليّ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(إيّاك ونقرة الغراب) كناية عن تعجيل الصلاة وتخفيفها، كما ورد أنّ أخس (أسرق - خ) السرّاق سارق الصلاة (1).

(وفرشة الأسد) أي في السجود، بل يستحب أن يكون متجافياً إلّا في الشكر، وأنّه يستحب أن يوصل صدره وذراعيه على الأرض، وتقدم.

(في فم التنين) وهو ضرب من الحيّات القاتلة (من لم يكن ثمَّ كان) أي لم يكن له مال ثمَّ حصل له المال؛ فإنّ الغالب في أمثالهم الخسّة والبخل وردّ السائل، بخلاف من نشأ في المال والخيرات.

(إنّ أعتى الناس) أي أظلمهم. والعتو: التجاوز فوق الحد على الله عزّوجلّ، كأنّه بالظلم على الناس ظلم الله تبارك وتعالى، كما تقدم الأخبار الصحيحة في أنّ من أهان مؤمناً فقد بارز الله بالمحاربة.

(ومن توّلى غير مواليه) الذين جعلهم الله تعالى مواليه في قوله تعالى: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ ورَسُولُهُ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ راكِعُونَ (2)بأن يتولّى لصوص الخلافة فقد كفر بما أنزل الله عليَّ. ويظهر منه ومن


1) المحاسن 1 : 82 عقاب من تهاون بالصلاة ، ح 11 دعائم الإسلام 1 : 135.

2) المائدة : 55.

يا عليّ: تختّم باليمين، فإنّها فضيلةٌ من الله عزّوجلّ للمقرّبين، قال: بم أتختّم يا رسول الله؟ قال: بالعقيق الأحمر؛ فإنّه أوّل جبل أقرّ الله تعالى بالرّبوبية ولي بالنّبوّة ولك بالوصيّة ولولدك بالإمامة، ولشيعتك بالجنّة ولأعدائك بالنّار.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

غيره من الأخبار المتواترة في هذا المعنى وغيره (1)أنّ الإمامة من اُصول الدين كما رواه العامة والخاصة متواتراً أنّه من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية(2). إلّا أن يقول العامة سيّما فضلاءهم إنّا نعرف أنّ الأئمة الاثنى عشر هم خلفاء الله، كما ورد في أخبارهم المتواترة(3)، لكنّا قدّمنا غيرهم عليهم للمصالح الملكية. كما قال ابن أبي الحديد(4)، وغير ذلك من الوجوه التي تضحك منها الثكالى.

(تختم باليمين) قد تقدم الأخبار فيه، وفي جواز التختم باليسار، وكأنّه للتقيّة؛ لأنّه ورد في أخبار العامة استحباب التختم باليمين(5)، ولكن ذكروا أنّ الأولى التختم باليسار رغماً للروافض(6).


1) المحاسن 1 : 18، باب وصايا النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، ح 49.

2) كمال الدين وتمام النعمة : 409 ، ح ،9 كفاية الأثر : 296 المحاسن 1 : 92، عقاب من لا يعرف إمامه، ح 46. الكافي 1 : 377 باب من مات وليس له إمام من أئمة الهدى، ح 3. وفي كتب العامة : (من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية) هي بكسر الميم، أي على صفة موتهم من حيث هم فرضى لا إمام لهم. شرح مسلم :12 : 238 مجمع الزوائد 5 : 218. مسند أحمد 2: 70. صحيح البخاري : 87.

3) مسند أحمد 1 : 398. المستدرك 3 : 617. مجمع الزوائد 5 : 190.

4) انظر: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 17 : 154 - 227.

5) سنن ابن ماجة 2 : 1203 ، ح 3647. سنن أبي داود 2 : 296، ح 4226.

6) انظر: شرح مسلم 14 : 72. فتح الباري 10 : 275

يا عليّ: إنّ الله عزّ وجلّ أشرف على أهل الدّنيا فاختارني منها على رجال العالمين، ثمّ اطّلع الثّانية فاختارك على رجال العالمين، ثمّ اطّلع الثّالثة فاختار الأئمّة من ولدك على رجال العالمين، ثمّ اطّلع الرّابعة فاختار فاطمة(عليها السلام) على نساء العالمين.

يا عليّ: إنّي رأيت اسمك مقروناً باسمي في ثلاثة مواطن فآنست بالنّظر إليه، إنّي لمّا بلغت بيت المقدس في معراجي إلى السّماء وجدت على صخرتها لا إله إلّا الله محمّدٌ رسول الله أيّدته بوزيره ونصرته بوزيره، فقلت لجبرئيل(عليه السلام) : من وزيري؟ فقال: عليّ بن أبي طالب.

فلمّا انتهيت إلى سدرة المنتهى وجدت مكتوباً عليها إنّي أنا الله لا إله إلّا أنا وحدي محمّدٌ صفوتي من خلقي أيّدته بوزيره ونصرته بوزيره، فقلت لجبرئيل(عليه السلام) : من وزيري؟ فقال: عليّ بن أبي طالب.

فلمّا جاوزت سدرة المنتهى انتهيت إلى عرش ربّ العالمين جلّ جلاله فوجدت مكتوباً على قوائمه إنّي أنا الله لا إله إلّا أنا وحدي محمّدٌ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(فاختار الأئمة من ولدك على رجال العالمين) ويدلّ على أفضليتهم على الأنبياء، كما يدلّ الأخبار المتواترة على ذلك، كما هو مذكور في الكافي والمحاسن والبصائر وغيرها، وكذلك أخبار فضائلهم وكمالاتهم(1).


1) بصائر الدرجات : 92. الكافي 1 : 525 ، باب ما جاء في الاثنى عشر والنص عليهم(عليهم السلام). المحاسن 1 : 60 - 63 ، من ثواب من تولّى آل محمّد(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، إلى ثواب من اصطنع إلى آل محمّد(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يداً. الإمامة والتبصرة : 139.

حبيبي أيّدته بوزيره ونصرته بوزيره

يا علي: إنّ الله تبارك وتعالى أعطاني فيك سبع خصال: أنت أوّل من ينشق عنه القبر معي، وأنت أوّل من يقف على الصّراط معي، وأنت أوّل من يكسى إذا كسيت ويحيّا إذا حيّيت، وأنت أوّل من يسكن معي في عليّين، وأنت أوّل من يشرب معي من الرّحيق المختوم الذي ختامه مسك.

ثمّ قال(صلّی الله علیه وآله وسلّم)لسلمان الفارسيّ رحمة الله عليه: يا سلمان إنّ لك في علّتك إذا اعتللت ثلاث خصال أنت من الله تبارك وتعالى بذكر ودعاؤك فيها مستجابٌ، ولا تدع العلّة عليك ذنباً إلّا حطّته، متّعك الله بالعافية إلى انقضاء أجلك.

ــــــــــــــــــــــــ

[وصيّة النبيّ(صلّی الله علیه وآله وسلّم) لسلمان ]

(ثمَّ قال لسلمان) روي بطرق كثيرة (1)أنّه قال ذلك لسلمان في مرضه ( بذكر) أي شرّفك بالمرض للتطهير، ولعلوّ الدرجات، أو أنت مشتغل حالته بذكره تعالى، كما هو حال الإنسان في أنّهم في البلايا أشدّ ذكراً من حال العافية.

روى المصنف في الموثق كالصحيح، عن أبان بن عثمان عن أبي عبد الله(عليه السلام) . قال: «عاد رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)سلمان الفارسي(رحمة الله) فقال: يا سلمان إنّ لك في علتك ثلاث خصال: أنت من الله عزّوجلّ بذكرٍ، دعاؤك فيه مستجاب، ولا تدع العلّهُ عليك


1) الخصال: 170، ح 224 مكارم الأخلاق للشيخ الطبرسي : 361.

ثمَّ قال(صلّی الله علیه وآله وسلّم) لأبي ذرّ رحمة الله عليه: يا أبا ذرّ إيّاك والسّؤال، فإنّه ذلٌّ حاضرٌ وفقرٌ تتعجّله، وفيه حسابٌ طويلٌ يوم القيامة، يا أبا ذرّ تعيش

ــــــــــــــــــــــــــــ

ذنباً إلّا حطته، متعك الله بالعافية إلى انقضاء أجلك»(1). والمروي أنّه لم يمرض إلى آخر عمره.

وقال له رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : «إنّ علامة موتك أن يتكلّم معك ميت»فلمّا مرض قال للأصبغ بن نباتة: أن أحملني إلى المقبرة، فلمّا دخل المقبرة سلّم على الموتى فأجابه أحدهم، وذكر أحواله التي مرّت عليه، فقال للأصبغ: جهّزني، فلمّا جاء الأصبغ وجده ميّتاً. وروي أنّه صلى عليه أمير المؤمنين (عليه السلام)وجاء بطيِّ الأرض من المدينة إلى المدائن ودفنه ثمَّ رجع من ساعته(2). والأخبار بذلك طويلة لم نذكرها للإطالة.

[وصية النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) لأبي ذرّ ]

(ثمَّ قال(صلّی الله علیه وآله وسلّم) لأبي ذر(رضی الله عنه) الظاهر أنّه في ضمن خبر طويل يوصي رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) أباذر، مشتمل على وصايا كثيرة وأحكام جمّة، مذكور في كتاب مكارم الأخلاق للطبرسي(3)وكتاب ورام بن أبي فراس(4)(يا أبا ذر تعيش وحدك)


1) الأمالي للشيخ الصدوق : 553.

2) الفضائل : 86.

3) مكارم الأخلاق : 458.

4) قال منتجب الدين : ورام بن أبي فراس من أولاد المالك بن الحرث الأشتر النخعي صاحب أمير المؤمنين(عليه السلام)، الأمير ، الزاهد أبو الحسين، فقیه، صالح، شاهدته بحلة ووافق الخبر الخبر بالضم في الثاني قرأ على شيخنا الإمام سديد الدين محمود الحمصي انتهى، فهرست منتجب الدین : 128 / 522. وعن فلاح السائل : 75 ، كان جدى ورام بن أبي فراس ممن يقتدى بفعله قد أوصى أن يجعل في فمه فص عقيق عليه أسماء الأئمة(عليهم السلام) ، فنقشت أنا فصّاً عقيقاً عليه اسم الله ربي إلى آخره، تنقیح المقال 3: 278

وحدك وتموت وحدك وتدخل الجنّة وحدك يسعد بك قومٌ من أهل العراق يتولّون غسلك وتجهيزك ودفنك يا أبا ذرّ لا تسأل بكفّك وإن أتاك شيءٌ فاقبله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الظاهر أنّه كان مأموراً بعدم التقية غالباً.

وروي أنّه دخل على عثمان وكان بين يديه مائة ألف درهم فقال: لعثمان: ما هذا المال؟ فقال: مائة ألف درهم حملت إليَّ من بعض النواحي اُريد أن أضمّ إليها مثلها، ثمَّ أكنزها، فقال أبو ذر يا عثمان أيُّما أكثر مائة ألف درهم أو أربعة دنانير قال: بل مائة ألف درهم، قال: أما تذكر أني وأنت دخلنا على رسول الله عشيّاً فرأيناه كئيباً حزيناً فسلّمنا عليه فلم يرد علينا السلام، فلمّا أصبحنا أتيناه فرأيناه ضاحكاً مستبشراً فقلنا له: بآبائنا واُمّهاتنا دخلنا إليك البارحة فرأيناك كئيباً حزيناً ثمَّ عدنا اليوم فرأيناك فرحاً مستبشراً؟ فقال: «نعم كان قد بقي عندي من فييء المسلمين أربعة دنانير لم أكن قسّمتها وخفت أن يدركني الموت وهي عندي وقد قسّمتها اليوم واسترحت منها».

فنظر عثمان إلى كعب الأحبار فقال له يا أبا إسحاق ما تقول في رجل أدّى زكاة ماله المفروضة هل يجب عليه فيها بعد ذلك شيء؟ قال: لا، ولو اتخذ لبنة من ذهب ولبنة من فضة ما وجب عليه شيء، فرفع أبو ذر عصاه فضرب بها رأس كعب ثمَّ قال

..............................................

ـــــــــــــــــــــــــــ

له: يا ابن اليهوديّة الكافرة ما أنت والنظر في أحكام المسلمين؟ قول الله أصدق من قولك حيث قال: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ(1).

فقال عثمان: يا أبا ذر إنّك شيخ قد خرفت وذهب عقلك، ولولا صحبتك الرسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) لقتلتك، فقال: كذبت يا عثمان ويلك أخبرني حبيبي رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)فقال: «لا يقتلونك يا أبا ذر ولا يفتنونك» وأمّا عقلي فقد بقي منه، ما أذكرني حديثاً سمعته من رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فيك وفي قومك.

قال: وما سمعت من رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)فيَّ وفي قومي؟ قال: سمعته يقول: «إذا بلغ آل أبي العاص ثلاثين رجلاً صيّروا مال الله دولاً ، وكتاب الله دغلاً، وعباده خولاً، والفاسقين حزباً، والصالحين حرباً» فقال عثمان يا معشر أصحاب محمد(صلّی الله علیه وآله وسلّم) هل سمع أحد منكم هذا الحديث من رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ؟ فقالوا: لا، ما سمعنا هذا من رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) . فقال عثمان: ادع عليّاً فجاء أمير المؤمنين(عليه السلام) ، فقال له عثمان: يا أبا الحسن اُنظر ما يقول هذا الشيخ الكذّاب ؟ فقال أمير المؤمنين(عليه السلام) : «مه يا عثمان لا تقل كذّاب فإنّي سمعت رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يقول: ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر» فقال أصحاب رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : صدق عليٌّ(عليه السلام)قد سمعنا هذا من رسول الله، فبكى أبو ذر عند ذلك فقال: ويلكم كلكم قد


1) التوبة : 34 و 35.

............................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

مد عنقه إلى هذا المال ظننتم أني أكذب على رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) .

ثم نظر إليهم فقال: من خيركم؟ فقالوا: أنت تقول: إنك خيرنا؟ قال: نعم، خلفت حبيبي رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)في هذه الجبّة وهي عليّ بعد وأنتم قد أحدثتم أحداثاً كثيرة والله سائلكم عن ذلك ولا يسألني فقال عثمان: يا أبا ذر أسألك بحق رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) إلّا ما أخبرتني عن شيءٍ أسألك أسألك عنه، فقال أبو ذر: والله لو لم تسألني بحقِّ محمدٍ أيضاً لأخبرتك. فقال: أيُّ البلاد أحبُّ إليك تكون فيها؟ فقال: مكّة حرم الله وحرم رسوله أعبد الله فيها حتى يأتيني الموت، فقال: لا، ولا كرامة، فقال: المدينة، حرم رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) . قال : لا ، ولا كرامة لك، قال: فسكت أبوذر، فقال عثمان: أيُّ البلاد أبغض إليك أن تكون فيها؟ قال: الربذة التي كنت فيها على غير دين الإسلام، فقال عثمان سر إليها.

فقال أبوذر: قد سألتني فصدقتك وأنا أسألك فأصدقني؟ قال: نعم، قال أبوذر: أخبرني لو بعثتني فيمن بعثت من أصحابك إلى المشركين فأسروني فقالوا: لا نفديه إلّا بثلث ما تملك، قال: كنت أفديك، قال: فإن قالوا: لا نفديه إلّا بنصف ما تملك. قال: كنت أفديك قال: فإن قالوا: لا نفديه إلّا بكل ما تملك، قال: كنت أفديك، قال أبو ذر الله أكبر قال لي حبيبي رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يوماً: «يا أبا ذر كيف أنت إذا قيل لك أي البلاد أحبپُ إليك أن تكون فيها، فتقول: مكة حرم الله وحرم رسوله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) أعبد الله فيها حتى يأتيني الموت، فيقال لك: لا، ولا كرامة، فتقول: فالمدينة حرم رسوله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فيقال لك : لا ، ولا كرامة، ثمَّ يقال لك: فأي البلاد أبغض إليك أن تكون

...........................................

ـــــــــــــــــــــــــــ

فيها؟ فتقول: الربذة التي كنت فيها على غير دين الإسلام، فيقال لك: سر إليها».

فقلت: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله ؟ فقال: «إي والذي نفسي بيده إنّه لكائن فقلت: يا رسول الله أفلا أضع سيفي هذا على عاتقي؟ فأضرب به قدماً قدماً؟ قال: «لا اصبر واسكت، وقد أنزل الله فيك وفي عثمان آية» فقلت: وما هي يا رسول الله ؟ فقال: «قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (1).

رواه علي بن إبراهيم في تفسيره(2).

وروى العامة(3)والخاصة أنّه أخرجه إلى الربذة، فلمّا حضره الموت بكى عليه أهله وقالوا: تموت غريباً وليس هنا من يصلّي عليك، فقال: أخبرني حبيبي رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) «أنّك تعيش وحدك وتموت وحدك وتدخل الجنة وحدك، يسعد بك قوم من أهل العراق يتولّون غسلك وتجهيزك ودفنك» فاذبحوا شاة وأطبخوها


1) البقرة : 84 و 85

2) تفسير القمي 1 : 51.

3) انظر: مسند أحمد 5 : 144 . السقيفة وفدك : 78. المستدرك للحاكم النيسابوري 3 : 51 و 345.

ثمَّ قال(صلّی الله علیه وآله وسلّم) لأصحابه : ألا أخبركم بأشراركم، قالوا: بلى يا رسول الله،

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

فإنّهم يأتون واشتغل بالله، واشتغلوا بالطبخ فمات(رضی الله عنه) ، فجاء جماعة من أصحاب أمير المؤمنين(عليه السلام) - منهم مالك الأشتر - بعثهم أمير المؤمنين(عليه السلام) فغسّلوه وكفّنوه وصلّوا عليه ودفنوه(1)، وقبره معروف هنا يزار.

وروى المصنف بإسناده عن ابن عباس قال: كان النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ذات يوم في مسجد قبا وعنده نفر من أصحابه فقال: «أول من يدخل عليكم الساعة رجل من أهل الجنة» فلمّا سمعوا ذلك قام نفر منهم فخرجوا، وكلّ واحد منهم يحب أن يعود ليكون هو أوّل داخل فيستوجب الجنّة فعلم النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ذلك منهم، فقال: لمن بقي عنده من أصحابه: «سيدخل عليكم جماعة يستبقون، فمن بشّرني بخروج آذار فله الجنّة» فعاد القوم ودخلوا ومعهم أبو ذر(رضی الله عنه) فقال لهم: «في أيّ شهر نحن من الشهور الرومية؟» فقال أبو ذر : قد خرج آذار یا رسول الله فقال(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : قد علمت ذلك يا أبا ذر، ولكن أحببت أن يعلم قومي إنّك رجل من أهل الجنة وكيف لا تكون كذلك؟ وأنت المطرود عن حرمي بعدي لمحبّتك لأهل بيتي فتعيش وحدك، وتموت وحدك، ويسعد بك قوم يتولون تجهيزك ودفنك، اُولئك رفقائي في جنّة الخلد التي وعد المتقون» (2)والأخبار في فضائله كثيرة من أرادها فعليه بالكشي.

( ثمَّ قال(صلّی الله علیه وآله وسلّم) لأصحابه) الظاهر أن لفظة ثمَّ لمجرد العطف هنا، ولم يكن هنا هذه


1) تفسير القمي 1 : 295. روضة الواعظين : 284. شرح الأخبار للقاضي النعمان 2 : 168.

2) علل الشرائع 1 : 175 العلّة التي من أجلها قال رسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) من بشّرني بخروج آذار فله الجنة، ح 1.

وحدك والمشّاؤون بالنّميمة، المفرّقون بين الأحبّة، الباغون للبراء العيب.

من ألفاظ رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) الموجزة التي لم يسبق إليها:

5763 - اليد العليا خير من اليد السفلى.

5764 - ما قلّ وكفى خير ممّا كثر وألهى.

5765 - خير الزاد التقوى.

5766 - رأس الحكم مخافة الله عزّوجلّ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الوصايا في وقت واحد، وتقدم الأخبار في ذلك.

(ومن ألفاظ رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) الموجزة) ألفاظه (صلّی الله علیه وآله وسلّم)أكثر من أن تحصى، فجمع بعض الأصحاب ألف كلمة، وهو معروف، وشرحه جماعة من الأصحاب، وجمع(1)بعض أصحابنا كتاباً سمّاه بالغرر والدرر من ألفاظ أمير المؤمنين(عليه السلام) يقرب من عشرة آلاف كلمة، وكلامه كلام رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) .

وروى العامة كتاب فردوس الأخبار عن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)ويقرب من الدرر والغرر، لكنّه مشتمل على الدرّ والخزف .

(اليد العليا) أي المعطية، وقيل: الآخذة باعتبار الثواب والأوّل أظهر، وتقدّم أكثرها.

(رأس الحكم) جمع الحكمة (مخافة الله عزّوجلّ) فإنّها سبب لإفاضة العلوم الحقة أو مبالغة، فيشمل ترك المنهيات والعمل بالواجبات، بل اجتناب الشبهات منهما أيضاً بالعمل بما يشبه وجوبه وندبه، وترك ما يشتبه حرمته وكراهته، ويلزمها العلم


1) وهو عبد الواحد الآمدي التميمي.

5767 - خير ما ألقى في القلب اليقين.

5768 - الارتياب من الكفر.

5769 - النياحة من عمل الجاهلية.

57770 - السَكَر جمر النار.

5771 - الشعر من إبليس.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

بالجميع، وهو عين الحكمة.

(خير ما ألقى في القلب اليقين) ويظهر منه أنّ اليقين وهبي، أوّله علم اليقين، ثمّ عين اليقين، ثمّ حق اليقين.

وتقدّم الأخبار فيه.

(الارتياب من الكفر) الظاهر المراد به الخوض في الشبهات، أو يجب في الاعتقادات اليقين، فإذا ورد شكّ عليه فعلاجه التضرّع إلى الله تعالى في إزالته وبعده الرجوع إلى أخبار العلماء الراسخين.

(النياحة من عمل الجاهلية) وهي مكروهة إذا لم يقل الأكاذيب ومعه حرام. وتقدم أخبار الجواز.

(السَكَر) محرّكة المسكر، وقرئ بالضم والسكون (جمر النار) أي بخورها، أي مقدّمتها، أو الحرارة التي تحصل عاجلاً تصير ناراً في جهنم،كما قال تعالى: إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً(1).

(الشعر) أي أكثره (من إبليس) لأنّ أكثره مشتمل على الكذب وأوصاف المُرد


1) النساء : 10.

5772 - الخمر جماع الآثام.

5773 - النساء حبالة الشيطان.

5774 - الشباب شعبة من الجنون.

ـــــــــــــــــــــــــــ

من الرجال وتهييج شهوتهم، أو النساء المعروفات، أو الهجو.

وروي أنّ من الشعر لحكماً(1).

وهو ما يكون في التوحيد والمدح والمنقبة والزهد والمواعظ، كأشعار الحكيم الغزنوي، والحكيم الرومي، والحكيم العطار.

(الخمر جماع الآثام) أي سبب لجميعها، فإنّه إذا ذهب العقل لا يقبح عنده وطء بنته واُمّه، بل الكفر والردة، كما تقدّم الأخبار ومشاهد للأخيار والأشرار.

(النساء حبالة الشيطان) روي أنّه لما خلق الله آدم وأعطاه العلم والكمالات، قال إبليس: إلهي أعطيت آدم ما أعطيت فكيف لي بمعارضته؟ فقال الله تبارك وتعالى: لك الملاهي وغيرها ممّا تخطف به قلوب بني آدم، وكان لا يرضى حتى قال تعالى: لك النساء، فقال: حسبي حسبي(2). ونقلته بالمعنى، وظاهر أنّ أكثر زلّات بني آدم من النساء، كما في آدم وحواء(عليهم السلام) :

.........................**** شنشنة أعرفها من أخزم(3)

(الشباب شعبة من الجنون) فإنّ الجنون فنون وباعتبار قوة الشهوات فيهم يصيرون


1) الأمالي للشيخ الصدوق : 718 ، ح 9887. البحار 68 : 445 ، ح 36.

2) انظر: تفسير العياشي 1 : 387 ح 139 البحار 68 : 248، ح 10.

3) أوّله: إنّ بني زملوني بالدم.

5775 - شرّ المكاسب كسب الربا.

5776 - شرّ المآكل أكل مال اليتيم ظلماً.

5777 - السعيد من وعظ بغيره.

ــــــــــــــــــــــــــ

بحيث كأنّه لا عقل لهم، وهو ظاهر، ولهذا كان ثوابهم أكثر، وعقوبات المشايخ أعظم، كما رواه الصدوقان في الصحيح عن أبي بصير، قال: قال الصادق أبو عبد الله جعفر ابن محمد(عليه السلام) : «إنّ العبد لفي فسحة من أمره ما بينه وبين أربعين سنة، فإذا بلغ أربعين سنة أوحى الله عزّوجلّ إلى ملائكته أنّي قد عمّرت عبدي عمراً وقد طال فغلّظا وشدّدا وتحفّظا، واكتبا عليه قليل عمله وكثيره وصغيره وكبيره»(1).

لكنّه إذا صار شيخاً وقرب من أرذال العمر يعتق، كما تقدّم الأخبار فيه.

وروی المصنّف في القوي كالصحيح عن خالد القلانسي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «يؤتى بشيخ يوم القيامة فيدفع إليه كتابه، ظاهره ممّا يلي الناس، لا يرى إلّا مساوي، فيطول ذلك عليه فيقول: يا رب أتأمرني بالنار وقد كنت لك مصلّياً؟ فيقول الجبار جلّ جلاله: يا شيخ إنّي استحيي أن اُعذبك، وقد كنت تصلّي لي في دار الدنيا، اذهبوا بعبدي إلى الجنة»(2).

(السعيد من وعظ بغيره) فإنّه إذا تأمّل في عقوبات الله تعالى لأهل المعاصي في الاُمم السابقة واللاحقة يعلم أنّ سنّة الله واحدة، ولن تجد لسنّة الله تبديلاً، فيتعظ ويترك ما يريده من المعاصي، فكيف يكون حال من لا يتعظ بنفسه في السنين والدهور؟! ويعلم أنّ الشيطان عدوّه، والنفس أعدى عدوّه، والدنيا أعدى عدوّيه،


1) الأمالي للشيخ الصدوق : 90 ، ح .. الكافي :8 : 108 ، باب أنّ المؤمن لفي وسعة من غفران الله تعالى حتى إذا بلغ الأربعين، ح 84 .

2) الأمالي للشيخ الصدوق : 91، ح 63.

5778 - والشقيّ من شقي في بطن اُمه.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

وهم أبداً في إضلاله وإبعاده عن الحق وهو يطيعهم، مع أنّ أحبّ أحبائه وأولى أوليائه ومواليه من الله ورسوله والأئمّة المعصومين والملائكة المقرّبين يدعونه إلى الصراط المستقيم، وهو يتّبع الأعادي، ولا يعتبر بمزلّاتهم.

(والشقي من شقي في بطن اُمه) أي الشقي الحقيقي من كان في علم الله تعالى أنّه يموت على الشقاوة ولو كان الحال في زمرة السعداء، وكذا السعيد ولو كان بحسب الظاهر من الأشقياء؛ لأنّ المدار على الخاتمة وهي مخفيّة على العالمين، فينبغي للمؤمن أن يتضرّع إلى الله أبداً بأن يحسن خاتمته، وتقدّم الأخبار الصحيحة: أنّه يكتب في بطن اُمه أنّه شقيّ أو سعيد.

والذي يكتب هنا خاتمته، كما رواه الصدوقان في الصحيح - على الظاهر - عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن الله خلق السعادة والشقاء قبل أن يخلق خلقه، فمن خلقه الله سعيداً (أي علم أنّه يموت على السعادة) لم يبغضه أبداً. وإن عمل شرّاً أبغض عمله ولم يبغضه، وإن كان شقياً لم يحبّه أبداً، وإن عمل صالحاً أحبّ عمله وأبغضه لما يصير إليه. فإذا أحب الله شيئاً لم يبغضه أبداً، وإذا أبغض شيئاً لم يحبّه أبداً»(1).

وفي الصحيح عن علي بن حنظلة عن أبي عبد الله (عليه السلام)أنّه قال: «يسلك بالسعيد في طريق الأشقياء حتى يقول الناس ما أشبهه بهم، بل هو منهم ثمَّ يتداركه السعادة، وقد يسلك بالشقي طريق السعداء حتى يقول الناس: ما أشبهه بهم، بل هو منهم ثمَّ


1) المحاسن 1 : 279 باب السعادة والشقاء، ح 405. الكافي 1 : 152، باب السعادة والشقاء، ح 1. التوحيد : 357، ح 5.

5779 - مصيركم إلى أربعة أذرع.

5780 - أربى الربا الكذب.

5781 - سباب المؤمن فسوق، قتال المؤمن كفر، أكل لحمه من معصية الله عزّوجلّ، حرمة ماله كحرمة دمه.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

يتداركه الشقاء، إنّ من كتبه الله سعيداً وإن لم يبق من الدنيا إلّا فواق ناقة ختم له بالسعادة»(1). فظهر أنّ هذا الخبر وأمثاله لا يدلّ على الجبر ولا التفويض، وإنّما يدلّ على الاعتبار بالخاتمة والعلم ليس بعلّة.

(مصيركم إلى أربعة أذرع) أي عاقبتكم الموت، وبيتكم القبر فلم تسعون في طلب الدنيا، وهي فانية ولا تجيء معكم، وإنّما تبقى لغيركم كما بقي من غيركم لكم. فينبغي للعاقل أن يحصل ما يكون معه من العلم النافع والعمل الصالح.

(أربى الربا الكذب) أي كما أنّ الله تعالى يمحق الربا يمحق الكذب، وما يحصل منه أشدّ حقّاً محقاً ممّا يحصل من الربا، أو عقابه أفظع من عقاب الربا، أو أنّ ما يحصل من الربا بحسب الظاهر المال الكثير، وبحسب الواقع نقصان الدين، ففي الحقيقة لم يحصل له شيء، وهذا المعنى في الكذب أظهر فإنّه لا حقيقة له.

(سباب المؤمن فسوق) أي خروج عن الدين ودخول في مخالفة الله تعالى.

(قتال المؤمن كفر) أي بمنزلته في العذاب، أو إذا كان لإيمانه، أو كفر أصحاب الكبائر، وهو غير الكفر المعروف من كونه نجساً يستحق الخلود، أو يستحق الخلود، أو بمعنى المكث الطويل، كما تقدّم الأخبار فيه.

(أكل لحمه من معصية الله) كما قال تعالى: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ


1) المحاسن 1 : 280 ، باب السعادة والشقاء، ح 409. الكافي 1 : 154، باب السعادة والشقاء، ح 3. التوحيد : 357، ح 4.

5782 - من يكظم الغيظ يأجره الله عزّوجلّ.5783 - من يصبر على الرزية يعوّضه الله.5784 - الآن حمى الوطيس.ـــــــــــــــــــــــــــــــــأَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ (1). وذكر المحقّق الدواني أنّ أمثال هذه المعاني على معانيها الحقيقية لا المجازية، كما رأه الأنبياء والأوصياء بنور العيان، ولهذا أمر رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) و المغتاب أن يقي، فقاء اللحم الميتة. (حرمة ماله كحرمة دمه) مبالغة، وتقدّم.

(الرزية) وقد يشدّد، المصيبة.

(الآن حمى الوطيس) أي اشتد الحرب وقام على ساق، قاله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)(2)في حنين، والوطيس: شبه التنور، وقيل: هو الضراب في الحراب، وقيل: هو الوطء الذي يطسّ الناس: أي يدقّهم، وقيل: هو حجارة مدوّرة إذا حميت لم يقدر أحد يطأها(3)، والمراد به أنّه ينفع الشجاعة الآن، ويجب على كلّ أحد أن يبذل جهده حينئذٍ، ولو وقع بعض الفتور أو الاحتياط وقع المغلوبية، وفيها خسران الدنيا والآخرة، ويشعر بأنّه إذا حصل التوفيق في العبادات والحضور والإخلاص يجب على المؤمن أن يغتنمه ولا يضيّعه، كما قيل: إنّ الصوفي ابن الوقت وإشارة إلى ما روي عنه(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : «لي مع الله وقت لا يسعني ملك مقرّب ولا نبي مرسل »(4)، وهو مثل العجم أنّ


1) الحجرات : 12.

2) الإرشاد 1 : 143 السنن الكبرى 5 : 195. مسند أبي يعلى 6 : 290، ح 3606.

3) النهاية لابن الأثير 5 : 204.

4) شرح أصول الكافي لمولى صالح المازندراني 3 : 82 البحار 18 : 360. فيض القدير 4 : 8. تفسير الصافي 1 : 118.

5785 - لا يلسع المؤمن من جحر مرتين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

التنّور ما دام حارّاً يغتنم، ويدخل فيه الخمير حتى يصير خبزاً.

[لا يلسع المؤمن من حجر مرّتين ]

(لا يلسع) بالضم على وجه الخبر، أو بالكسر على وجه النهي (المؤمن من حجر مرّتين) واللسع واللدغ بمعنى، والجحر ثقب الحية، وهو استعارة، أي ينبغي للمؤمن أن لا ينخدع من النفس والشيطان من جهة، بعد ما انخدع عنهما من هذه الجهة، فإنّهما يزيّنان للمرء كلّ قبيح، مثل أن يطلب إلى طعام الفسّاق مع علمه بفسقهم يقولان له: إنّه مؤمن، وحقوق المؤمن عظيمة، منها: إجابة دعوتهم ويمكنك إصلاحهم بل يجب عليك، فلمّا ذهب إليهم دخل بالتكاليف في فسوقهم، وأقلّ مراتبها الغيبة التي صارت زينة مجالسهم، فلمّا خرج علم أنّ ذهابه كان من تسويل الشياطين، فيجب عليه أن لا ينخدع مرّة اُخرى من هذه الجهة. وكذا إذا كان يصلّي النوافل في بيته فوسوسه الشيطان أنّه لو صلّيت في المسجد أمكن أن يتابعك جماعة كثيرة ويساعده النفس الأمّارة لحبّ الجاه والمنزلة في القلوب، فلمّا ذهب علم أنّه يحبّ الجاه ويريد أن يطّلع الناس عليه، وعلى هذا القياس.

بل يجب على المؤمن أن يجتنب مع الانخداع مرّة عن جميع شعبه، ولا يكون غالباً إلّا بمخالفة النفس في جميع ما تدعوه إليه ولو إلى العبادة، لا بأن يترك العبادة بل بأن يوقعها في الخلوة بحيث لا يطّلع عليها أحد.

والحاصل أنّ الإنسان سخرة الشيطان، ولا يمكن التخلّص منه إلّا بالاستغاثة إليه تعالى بعد المجاهدات العظيمة، وعندها أعاذنا الله وسائرالمؤمنين من شرّه وشرّ النفس الأمّارة بالسوء.

5786 - لا يجنى على المرء إلّا يده.

5787 - الشديد من غلب نفسه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[ لا يجني على المرء إلّا يده ]

(لا يجنى على المرء إلا يده) أي الغالب على العالمين أنّ الضرر الذي يحصل لهم من عند أنفسهم، قال الله تعالى: ما أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ(1). والضرر الذي يحصل من المعاصي فمن نفسه، كما قال(صلّی الله علیه وآله وسلّم) :« أعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك»(2). والضرر الذي يحصل من الناس عليه إمّا لغيبتهم، أو بمجالستهم أو لمحبّتهم، أو ترك الآداب معهم وترك التقية منهم. والحاصل أنّ جميع المضرّات من نفسه فعليك بإصلاح النفس بمخالفتها في جميع الاُمور حتى تكون سالماً في الدنيا والآخرة.

[الشديد من غلب نفسه ]

(الشديد من غلب نفسه) روى الصدوقان في الموثق عن غياث بن إبراهيم عن أبي عبد الله(عليه السلام) عن آبائه(عليه السلام) ، قال: «مرّ رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بقوم يربعون (أي يرفعون) حجراً فقال: ما هذا؟ فقالوا: نعرف بذلك أشدّنا وأقوانا، فقال(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : ألا اُخبركم بأشدّكم وأقواكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أشدّكم وأقواكم الذي إذا رضي لم


1) الشورى : 30.

2) عدة الداعي : 259 . إثنا عشر رسالة للمحقق الداماد 8: 32 عوالي اللآلي 4 : 118، ح 187. البحار 67 : 64 ، ح 1. التفسير الأصفى 2 : 816. مجمع البحرين 1 : 419.

5788 - ليس الخبر كالمعاينة.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

يدخله رضاه في إثم ولا باطل، وإذا سخط لم يخرجه سخطه من قول الحق، وإذا قدر لم يتعاط ما ليس له بحق»(1). أي لم يخض فيه.

وروي أنّه(صلّی الله علیه وآله وسلّم) قال هذه الكلمة في المصارعة(2). ولا شكّ في أنّ الغلبة على النفس أشدّ الجهاد، كما قال(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر»(3).

وقال هو: «مجاهدة النفس في ترك هواها»(4). وقال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاها(5)أي أغواها وأفسدها. وقال تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى(6).

(ليس الخبر كالمعاينة) لأنّه يحتمل الصدق والكذب غالباً في غير المعصوم ولو كان خبر الثقة، أمّا المتواتر منه فهو كالمعاينة. ويمكن أن يكون المراد أنّ على المؤمن أن يسعى في تحصيل العلوم بالمكاشفة، فإنّه ليس الخبر وإن كان مفيداً للعلم كالمشاهدة.

[حقيقة الإيمان واليقين ]

وتحصل بمخالفة النفس الأمّارة ، كما رواه الكليني في الموثق كالصحيح عن


1) الأمالي للشيخ الصدوق : 72، ح 3.

2) المغني لابن قدامة 11 : 127

3) انظر: الكافي 5 : 12، باب وجوه الجهاد، ح .. الأمالي للشيخ الصدوق: 553، ح 9. مسند الرضا (عليه السلام): 124

4) البحار 64 : 360.

5) الشمس : 9 و 10.

6) النازعات : 41.

..........................................

ــــــــــــــــــــــــ

إسحاق بن عمار، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام)يقول: «إنّ رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)صلّى بالناس الصبح فنظر إلى شابّ في المسجد وهو يخفق ويهوى برأسه مصفرّاً لونه قد نحف جسمه وغارت عيناه في رأسه، فقال له رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : كيف أصبحت يا فلان؟ قال: أصبحت يا رسول الله موقناً، فعجب رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) من قوله وقال: إنّ لكلّ يقين حقيقةً فما حقّية يقينك؟ فقال: إنّ يقيني يا رسول الله هو الذي أحزنني وأسهر ليلي وأظمأ هو أجري، فعزفت نفسي عن الدنيا وما فيها، حتى كأنّي أنظر إلى عرش ربي وقد نصب للحساب وحشر الخلائق لذلك وأنا فيهم، وكأنّي أنظر إلى أهل الجنة يتنعّمون في الجنة ويتعارفون على الأرائك متكتون، وكأنّي أنظر إلى أهل النار وهم فيها معذّبون مصطرخون، وكأنّي الآن أسمع زفير النار يدور في مسامعي. فقال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) لأصحابه : هذا عبد نوّر الله قلبه بالإيمان، ثمَّ قال له: ألزم ما أنت عليه، فقال الشاب: اُدع الله لي يا رسول الله أن اُرزق الشهادة معك، فدعا له رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم) فاستشهد بعد تسعة نفر وكان هو العاشر »(1).

فتدبّر أيّها الأخ في الله في الآيات والأخبار المتواترة ولا تقنع بهذا الإيمان الذي لك، ولا تظنن أنّ هذا اليقين يحصل بكثرة أدلّة الحكماء، فإنّ الغالب فيها زواله، كما هو المشاهد، بل إنّما يحصل بالمجاهدة، كما قال تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (2).


1) الكافي 2 : 53 ، باب حقيقة الإيمان واليقين، ح 2.

2) العنكبوت : 69.

......................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

وعن السكوني عن أمير المؤمنين(عليه السلام) ، قال: «إنّ على كلّ حق حقيقة، وعلى كلّ صواب نوراً»(1).

وعن جابر، قال: قال لي أبو عبد الله(عليه السلام) : «يا أخا جعف إنّ الإيمان أفضل من الإسلام، وأنّ اليقين أفضل من الإيمان، وما من شيء أعزّ من اليقين»(2).

وفي الصحيح عن البزنطي عن الرضا(عليه السلام) ، قال : الإيمان فوق الإسلام بدرجة، والتقوى فوق الإيمان بدرجة، واليقين فوق التقوى بدرجة، ولم يقسّم بين العباد شيء أقلّ من اليقين»(3).

وفي الصحيح عن يونس، قال: سألت أبا الحسن الرضا(عليه السلام) عن الإيمان والإسلام، فقال: «قال أبو جعفر(عليه السلام) : إنّما هو الإسلام، والإيمان فوقه بدرجة، والتقوى فوق الإيمان بدرجة، واليقين فوق التقوى بدرجة، ولم يقسّم بين الناس شيء أقلّ من اليقين» قال: قلت: فأيّ شيء اليقين؟ قال: «التوكّل على الله والتسليم الله والرضا بقضاء الله والتفويض إلى الله» قلت: فما تفسير ذلك؟ قال: «هكذا قال أبو جعفر (عليه السلام) (4).

الظاهر أنّ عدم التفسير لعدم القابلية أو التقية.


1) المحاسن 1 : 226، باب حقيقة الحق، ح 150 الكافي 1 : 69 ، باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب، ح 1. الأمالي للشيخ الصدوق : 449، ح 608.

2) الكافي :2 : 51 ، باب فضل الإيمان على الإسلام واليقين على الإيمان، ح 1.

3) الكافي 2 : 52 ، باب فضل الإيمان على الإسلام واليقين على الإيمان، ح 6.

4) الكافي 2 : 52 ، باب فضل الإيمان على الإسلام واليقين على الإيمان، ح 5.

..............................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي القوي كالصحيح عن أبي بصير، قال: قال لي أبو عبد الله(عليه السلام) : «يا أبا محمد الإسلام درجة ؟» قلت: نعم، قال: «والإيمان على الإسلام درجة؟» قلت: نعم، قال:« واليقين على التقوى درجة ؟» قلت نعم قال: «فما اُوتي الناس أقلّ من اليقين، وإنّما تمسّكتم بأدنى الإسلام، فإيّاكم أن ينفلت من أيديكم»(1).

وفي الحسن كالصحيح عن سليمان الجعفري عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام) عن أبيه(عليه السلام) قال:« رفع إلى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) قوم في بعض غزواته فقال: من القوم؟ فقالوا: مؤمنون یا رسول الله، قال: وما بلغ من إيمانكم؟ قالوا: الصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء والرضا بالقضاء، فقال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : حكماء علماء، كادوا من الفقه أن يكونوا أنبياء. إن كنتم كما تصفون فلا تبنوا ما لا تسكنون، ولا تجمعوا ما لا تأكلون، واتقوا الله الذي إليه ترجعون»(2).

وروي أنّه قيل: يا رسول الله ما الإحسان؟ قال: «أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تراه فإنّه يراك»(3).

وتقدّم بعض الأخبار في ذلك، وقال تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ للإسلام (4).

وقال تعالى: «سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ


1) الكافي 2 :52 باب فضل الإيمان على الإسلام، ح 4

2) الكافي 2 : 48 ، باب خصال المؤمن، ح 4.

3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 11 : 203 مجمع البيان 3 : 200. حقائق الإيمان للشيهد الثاني : 98

4) الزمر : 22.

......................................................ــــــــــــــــــــــــــــــــأَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ(1). فتدبّر فيها فإنّه تعالى أشار في هذه الآية إلى مراتب علم اليقين، وعين اليقين. وحق اليقين، والآيات بذلك كثيرة، وإنّما علينا الإشارة، وعليك بالتدبّر. ولا تقل: إنّ هذا تصوّف، كما يقوله الجهلة.

وروى الكليني في الصحيح عن محمد بن عذافر عن أبيه عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال:« بينا رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)في بعض أسفاره إذ لقيه ركب فقالوا: السلام عليك يا رسول الله، فقال: ما أنتم؟ فقالوا: نحن مؤمنون يا رسول الله، فقال: فما حقيقة إيمانكم؟ قالوا: الرضى بقضاء الله والتفويض إلى الله والتسليم لأمر الله، فقال رسول الل(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : علماء حكماء، كادوا أن يكونوا من الحكمة أنبياء، فإن كنتم صادقين فلا تبنوا ما لا تسكنون، ولا تجمعوا ما لا تأكلون، واتقوا الله الذي إليه ترجعون»(2).

وفي الصحيح - كالمصنّف - عن جابر عن أبي جعفر(عليه السلام) ، وبأسانيد مختلفة عن الأصبغ بن نباتة، قال: خطبنا أمير المؤمنين(عليه السلام) في داره - أو قال في القصر - ونحن مجتمعون، ثمَّ أمر فكتب في كتاب وقرئ على الناس(3).

وروی غيره: أنّ ابن الكواء (4)سأل أمير المؤمنين(عليه السلام)عن صفة الإسلام والإيمان


1) فصلت : 53 و 54.

2) الكافي :2 : 52 باب حقيقة الإيمان واليقين، ح 1.

3) الكافي 2 : 49 باب تتمة (خصال المؤمن)، ح 1.

4) عبد الله بن الكوا كان من الخوارج، مرآة العقول 7 : 298.

.................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــ

والكفر والنفاق؟ فقال: «أمّا بعد فإنّ الله تبارك وتعالى شرع الإسلام وسهّل شرائعه لمن ورده، وأعزّ أركانه لمن جار به وجعله عزّاً لمن تولّاه، وسلماً لمن دخله وهدى لمن ائتمّ به، وزينة لمن تجلّله، وعذراً لمن انتحله، وعروة لمن اعتصم به، وحبلاً لمن استمسك به، وبرهاناً لمن تكلّم به، ونوراً لمن استضاء به، وشاهداً لمن خاصم به، وفلجاً لمن حاج به، وعلماً لمن وعاه، وحديثاً لمن روى، وحكماً لمن قضى، وحلماً لمن جرب، ولباساً لمن تدبّر، وفهماً لمن تفطن، ويقيناً لمن عقل، وبصيرة لمن عزم، وآية لمن توسّم، وعبرة لمن اتعظ، ونجاة لمن صدق، وتؤدة لمن أصلح، وزلفى لمن اقترب، وثقة لمن توكّل، ورجاء لمن فوض، وسبقة لمن أحسن، وخيراً لمن سارع، وجُنّة لمن صبر، ولباساً لمن اتقى، وظهيراً لمن رشد، وكهفاً لمن أمن، وآمنة لمن أسلم، وروحاً - أو رجاء - لمن صدق، وغنى لمن قنع.

فذلك الحق سبيله الهدى، ومأثرته(1)المجد، وصفته الحسنى، فهو أبلج المنهاج، مشرق المنار، ذاكي الصباح، رفيع الغاية يسير المضمار، جامع الحلبة، سريعا السبقة أليم النقمة، كامل العدة، كريم الفرسان، فالإيمان منهاجه، والصالحات مناره، والعفة مصابيحه، والدنيا مضماره، والموت غايته، والقيامة حلبته، والجنة سبقته، والنار نقمته، والتقوى عدته، والمحسنون فرسانه.


1) المأثرة بفتح الميم وسكون الهمزة وضم الثاء وفتحها وفتح الراء واحدة المآثر وهي المكارم من الأثر وهو النقل والرواية لأنها تؤثر وتروى، والمجد نيل الكرم والشرف ورجل ماجد أي كريم شریف، مرآة العقول 7 : 306.

...........................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

فبالإيمان يستدلّ على الصالحات، وبالصالحات يعمر الفقه، وبالفقه يرهب الموت، وبالموت يختم الدنيا، وبالدنيا تجوز القيامة، وبالقيامة تزلف الجنّة، والجنة حسرة أهل النار والنار موعظة المتقين، والتقوى سنخ الإيمان»(1).

وفي الصحيح عن جابر عن أبي جعفر(عليه السلام) ، ورواه المصنّف عن الأصبغ عن أمير المؤمنين(عليه السلام) ، قال : سئل أمير المؤمنين(عليه السلام) عن الإيمان؟ فقال: «إنّ الله عزّوجلّ جعل الإيمان على أربع دعائم: على الصبر، واليقين، والعدل، والجهاد، فالصبر من ذلك على أربع شعب: على الشوق، والإشفاق، والزهد، والترقّب.

فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن الحرمات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصائب، ومن راغب الموت سارع إلى الخيرات.

واليقين على أربع شعب: تبصرة الفطنة، وتأوّل الحكمة، ومعرفة العبرة، وسنة الأوّلين، فمن أبصر (أو تبصّر) في الفطنة عرف الحكمة، ومن تأوّل الحكمة عرف العبرة، ومن عرف العبرة عرف السنّة، ومن عرف السنّة فكأنّما كان مع الأوّلين واهتدى إلى التي هي أقوم، ونظر إلى من نجا بما نجا، ومن هلك بما هلك، وإنّما أهلك الله من أهلك بمعصيته، وأنجا من أنجا بطاعته.

والعدل على أربع شعب : غامض الفهم، وغمر العلم، وزهرة الحكم، وروضة الحلم، فمن فهم فسّر جميع العلم، ومن علم عرف شرائع (أو غرائب) الحكم ، ومن حكم لم يفرط في أمره وعاش في الدنيا حميداً.


1) الكافي 2 : 49، باب (بدون العنوان)، ح 1.

5789 - اللهمّ بارك لاُمتي في بكورها يوم سبتها وخميسها.

5790 - المجالس بالأمانة.

5791 - سيّد القوم خادمهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والجهاد على أربع شعب: على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق في المواطن، وشنآن الفاسقين، فمن أمر بالمعروف شدّ ظهر المؤمن، ومن نهى عن المنكر أرغم أنف المنافق وأمن كيده، ومن صدق في المواطن قضى الذي عليه. ومن شنئ الفاسقين غضب الله، ومن غضب لله غضب الله له، فذلك الإيمان وشعبه و دعائمه»(1).

والتؤدة: التأنّي والوقار، والزلفى: القرب، والسبقة: العوض والثواب، والمأثرة: كالمكرمة ويفتح بمعناها، والمجد: نيل الشرف والكرم أو ما يكون بالآباء، وذكت النار: أو قدت، والغاية: النهاية، واليسير : القليل والهيّن، والمضمار: الموضع يضمر فيه الخيل وغاية الفرس في السباق، والحلبة - بالفتح -: الدفعة من الخيل في الرهان وخيل تجتمع للسباق من كل أوب للنصرة، والإشفاق: الخوف، والتبصّر: التأمّل والتعرّف، والغمر: الكثير، والشنآن: البغض. فتأمّل في هذه الأخبار فإنّها مشتملة على علوم جمة، وحقائق كثيرة.

(المجالس بالأمانة) أي يلزم أن لا يحكى في المجالس من قول أو فعل فكان ذلك أمانة عند من سمعه ورآه، إلّا أن ينقل ما رضي أهلها من محاسن الكلام والأحاديث.

(سيّد القوم) أعظمهم (خادمهم) أي ينبغي له الخدمة تواضعاً الله ولهم، شكراً لله


1) الكافي 2 : 50 باب صفة الإيمان، ح 1 الخصال : 231، ح 74.

5792 - لو بغى جبل على جبل لجعله الله دكّاً.

5793 - إبدأ بمن تعول.

5794 - الحرب خدعة.

5795 - المسلم مرآة لأخيه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعالى على ما أعطاه من السيادة.

(لو بغى جبل) أي تجاوز عن حدّه وتطاول وتكبّر.

(إبدأ بمن تعول أي نفقة العيال والإحسان إليهم مقدّمان على غيرهم.

(الحرب خدعة) في النهاية: يروى بفتح الخاء وضمها مع سكون الدال وبضمها مع فتح الدال.

فالأول: معناه أنّ الحرب ينقضي أمرها بخدعة واحدة من الخداع، أي أنّ المقاتل إذا خدع مرة واحدة لم تكن لها إقالة، وهو أفصح الروايات وأصحها.

ومعنى الثاني: هو الاسم من الخداع.

ومعنى الثالث: أنّ الحرب تخدع الرجال وتمنّيهم ولا تفي لهم، كما يقال: فلان رجل لعبة وضحكة للذي يكثر اللعب والضحك(1).

والأظهر من الروايات الواردة هي فيها المعنى الثاني، ويدلّ على جواز الخدعة فيها.

(المسلم مرآت لأخيه) قد تقدّم الأخبار فيه، والظاهر أنّ المراد به أنّه للمؤمن على المؤمن إصلاح عيوبه بالنصائح والمواعظ، فإنّ المرآة لا يرى نفسها، وغيرها


1) النهاية لابن الأثير 2 : 14.

5796 - مات حتف أنفه.

5797 - البلاء موكل بالمنطق.

5798 - الناس كأسنان المشط سواء.

5799 - أيّ داء أدوى من البخل.

5800 - الحياء خير كلّه.

5801 - اليمين الفاجرة تَذَر الديار من أهلها بلاقع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يراها، أو إذا رأى عيباً في أخيه فهو عيبه لا عيب أخيه، فينبغي أن يسعى أوّلاً في إصلاح نفسه، فإذا أصلح نفسه فلا يرى بعده عيباً في أخيه، أو ينبغي أن لا يغتم بما يصل إليه من أخيه في إظهار عيوبه فإنّه رأى عيب نفسه لا عيبه، والأوّل أظهر لفظاً والثاني معنى، أو بمعنى أنّه يستحب أن يشاور في اُموره مع أخيه حتى يقول ما هو خير له، وربّما يظهر ذلك من بعض الأخبار، ويمكن إرادة الجميع، فإنّها من جوامع الكلم المشتملة على معان كثيرة بألفاظ وجيزة.

(مات حتف أنفه) أي من نفسه لا بسبب آخر من جراحة أو قتل. وفي النهاية: من مات حتف أنفه في سبيل الله فهو شهيد، هو أن يموت على فراشه كأنّه سقط لأنفه فمات، والحتف الهلاك كانوا يتخيّلون أن روح المريض يخرج من أنفه، فإنّ جرح خرج من جراحته(1)انتهى.

(الناس كأسنان المشط سواء) أي في أكثر الأحكام، أو ينبغي للمؤمن أن لا يفضل بعضهم على بعض؛ لأنّ المدار على الخاتمة، وهي مخفية عنّا، أو بالتقوى،


1) النهاية لابن الأثير 1 : 337.

5802 - أعجل الشرّ عقوبة البغي.

5803 - أسرع الخير ثواباً البرّ.

5804 - المسلمون عند شروطهم، إنّ مِن الشعر لحكمة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كما قال تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ (1). وهو أيضاً مخفي غالباً. والأوّل أظهر، فإنّا مأمورون بتعظيم المؤمنين بحسب كمالاتهم، مع أنّه لم نطّلع على سند هذا الخبر من كتب العامة والخاصة ، وسيجيء ما يخالفه.

( المسلمون عند شروطهم) أي يلزمهم الوفاء بها. أمّا وجوبه فلا يظهر، وذكر الأصحاب أنّه يجب الوفاء بها إذا كانت في عقد لازم(2)، والذي يظهر من الأخبار أنّ الشرط يخرجه من اللزوم إلى الجواز، إلّا في النكاح والعتق فإنّ مبناهما على اللزوم، وتقدّم الأخبار فيه.

[ في الشعر ]

(إنّ مِن الشعر لحكمة) أي نافعاً يمنع من الجهل والسفه، أو إلهاماً من الله تعالى. وإطلاق الحكمة على العلوم الالهامية شائع في الأخبار، كما رواه الكليني في القوي عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «ما أخلص عبد الإيمان بالله أربعين يوماً - أو قال: ما أجمل عبد ذكر الله أربعين يوماً - إلّا زهده الله في الدنيا وبصّره داءها ودواءها، وأثبت الحكمة في قلبه، وأنطق بها لسانه»(3)الخبر.


1) الحجرات : 13

2) انظر: الحدائق الناضرة 20 : 135.

3) الكافي 2 : 16، باب الإخلاص، ح 6.

..............................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي الصحيح عن ابن محبوب عن الهيثم بن واقد عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «من زهد في الدنيا أثبت الله الحكمة في قلبه وأنطق بها لسانه»(1)الخبر. إلى غير ذلك من الأخبار التي تقدّمت في الزهد.

والظاهر أنّهم المراد من قوله تعالى: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَأَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَوَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَإِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا (2). فالأولون منهم ما تقدم، والمستثنون منهم حكماء الشعراء، كما تقدّم.

وروى المشايخ - رضي الله عنهم - في قوله تعالى:وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «نزلت في الذين غيروا دين الله وخالفوا أمر الله تعالى، هل رأيتم شاعراً قط يتبعه أحد ؟ إنّما عنى ذلك الذين وضعوا ديناً بآرائهم فتبعهم الناس على ذلك»(3). فيمكن أن يكون ذلك بطن الآية، وأن يكونا مرادين منها.

وروي الأخبار المستفيضة في أنّ حسان بن ثابت كان شاعر النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وكان يقرأ عنده(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وينشد فيه (صلّی الله علیه وآله وسلّم)وكان(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يقول: «لا يزال مؤيّداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك(4)وروى العامة والخاصة أشعار حسان في غدير خم(5).


1) الكافی 2 : 128 باب ذم الدنيا والزهد فيها، ح 1.

2) الشعراء : 224 - 227.

3) تفسير القمي 2 : 125. معاني الأخبار : 385.

4) خصائص الأئمة للشريف الرضي : 42.

5) کتاب سليم بن قيس : 355 الأمالي للشيخ الصدوق : 670 ، ح 898. خصائص الأئمة للشريف الرضي : 42. نظم درر السمطين : 112. خصائص الوحي المبين : 94.

وإنّ من البيان لسحراً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

يقول فينا»(1).

وذكر المصنّف وغيره أخباراً متواترة مشتملة على أن الأئمة(عليهم السلام) أنشدوا الشعر(2)، وديوان أمير المؤمنين(عليه السلام) مشهور(3)

الناس من جملة التمثال أكفاء****أبوهم آدم والأم حواء

نقم بعلم ولا تبقى له بدلاً **** فالناس موتى وأهل العلم أحياء

وقد نسب إليه أيضاً قوله(عليه السلام) :

رأيت الناس قد ذهبوا إلى من عنده ذهب**** فمن لا عنده ذهب فعنه الناس قد ذهبوا

رأيت الناس قد مالوا إلى من عنده مال**** فمن لا عنده مال فعنه الناس قد مالوا

.

(وإنّ من البيان لسحراً) وفي النهاية : أي فيه ما يصرف قلوب السامعين وإن كان غير حق، وقيل: معناه أنّ من البيان ما يكتسب به من الإثم ما يكتسبه الساحر بسحره فيكون في معرض الذم، ويجوز أن يكون في معرض المدح؛ لأنّه تستمال به القلوب ويترضى به الساخط ويستذل به الصعب، والسحر في كلامهم صرف الشيء عن وجهه(4).

والبيان إظهار المقصود بأبلغ لفظ، وهو من الفهم وذكاء القلب، وأصله الكشف والظهور.


1) الكافي 8: 102 ، ح 75

2) عيون أخبار الرضا(عليه السلام) 1 : 189. الاحتجاج 2 : 47 مناقب آل أبي طالب 3 : 282

3) من جملة ما فيه من الأشعار قوله(عليه السلام) :

4) النهاية لابن الأثير 2 : 346

5806 - ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء.

5807 - من قتل دون ماله فهو شهيد.

5808 - العائد في هبته كالعائد في قيئه.

5809 - لا يحلّ للمؤمن أن يهجر أخاه المؤمن فوق ثلاث.

5810 - من لا يرحم لا يرحم.

5811 - الندم توبة.

5812 - الولد للفراش وللعاهر الحجر.

5813 - الدالّ على الخير كفاعله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

وقيل : معناه أنّ الرجل يكون عليه الحق، وهو أقوم بحجته من خصمه، فيقلب الحق ببيانه إلى نفسه؛ لأنّ معنى السحر قلب الشيء في عين الإنسان، وليس بقلب الأعيان. ألا ترى أنّ البليغ يمدح إنساناً حتى يصرف قلوب السامعين إلى حبه، ثمّ يذمه حتى يصرفها إلى بغضه(1). والأظهر أنّه في معرض المدح، كما قال تعالى: خَلَقَ الْإِنْسَانَ ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ(2).

( يرحمك من في السماء) أي الملائكة بالدعاء والاستغفار. ويمكن أن يكون المراد به من أمره وتقديره في السماء، كما قال تعالى: وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ(3). أو المراد بها سماء العظمة والجلال، وتقدّم أكثر الألفاظ في ضمن


1) النهاية لابن الأثير 1 : 174.

2) الرحمن : 2 و 3

3) الذاريات : 22.

5814 - حبّك للشيء يعمي ويصمّ.

5815 - لا يشكر الله من لا يشكر الناس.

5816 - لا يؤوي الضالة إلّا الضال.

5817 - اتقوا النار ولو بشق تمرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأخبار مع شرحها.

(حبّك للشيء يعمي ويصم) وهو أيضاً يحتمل المدح بأنّ محبة الإخوان إن كانت صادقة فهي تعميك عن رؤية عيوبهم وتصمّك عن سماعها، فإن كنت ترى وتسمع العيوب فلست بمحبّ، مع أنّ المحبّة لازمة والذم بأنّ الإنسان لمحبته الدنيا، وكلّ باطل يصير أعمى وأصمّ، وهو أيضاً ظاهر، فلا ينبغي محبة الباطل، ويجب إخراجها عن نفسه بالمجاهدات، كما تقدّم الأخبار في الزهد، وفيها ما يغنيك.

(لا يشكر الله من لا يشكر الناس) قد تقدّم الأخبار في ذم ترك شكر المنعمين من الناس، وليس في بعض النسخ لفظة «لا» وكأنّه من النسّاخ. ويمكن أن يكون المراد به من كان نظره إلى الناس فقط.

(لا يؤوي الضالّة إلّا الضال) يمكن أن يكون المراد به عدم إرادة ردّها بأن لا يعرّفها، ويمكن أن يكون المراد به منع العلوم من أهلها، كما ورد عنه (صلّی الله علیه وآله وسلّم) : «أنّ الحكمة ضالّة المؤمن يأخذها أينما وجدها» (1)أي لا ينبغي أن يلاحظ المتكلّم. بل يجب أن يلاحظ الكلام، فإذا وجد ضالّته من الحكم والعلوم والمعارف فليعرّفها إلى المسترشدين فإنّها ضالّتهم أيضاً.


1) الكافي 8 : 167 ، الحكمة ضالّة المؤمن، ح 186.

5818 - الأرواح جنود مجنّدة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

[في الأرواح ]

(الأرواح جنود مجنّدة) أي مجموعة ، كما يقال: ألف مؤلف وقناطير مقنطرة (فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف) يعني أنّ الأرواح قبل تعلّقها بالأجساد كانت مختلفة، فبعضها الذي كان من السعداء مؤتلفة مع أمثاله، وكذا الأشقياء، ولكن كان بينهما اختلاف، أو اجتمع اتفاقاً بعضها مع بعض، فمن كان بينهما معرفة وائتلاف يأتلفون، ومن لم يكن هنا بينهما ائتلاف فهناك يختلفون، أو خلق الله تعالى الأرواح متفاوتة، وكان بينهم بحسب قابلياتهم اختلاف عظيم، وكانت أصنافاً كثيرة، فهناك يأتلف كلّ صنف مع صنفه، أو ائتلاف الأجساد بحسب ائتلاف الأرواح.

روى المصنّف في الصحيح عن حبيب، قال: حدثني الثقة عن أبي عبد الله(عليه السلام) . قال: «إنّ الله تبارك وتعالى أخذ ميثاق العباد وهم أظلّة (أي أرواح مجرّدة قبل الميلاد أو في عالم المثال) فما تعارف من الأرواح ائتلف وما تناكر منها اختلف»(1).

وفي الصحيح عن حبيب عمّن رواه عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «ما تقول في الأرواح أنّها جنود مجنّدة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف؟» قال: فقلت: أنا نقول ذلك قال: «فإنّه كذلك إنّ الله عزّوجلّ أخذ من العباد ميثاقهم وهم


1) علل الشرائع 1 : 84، باب العلة التي من أجلها صار بين الناس الائتلاف والاختلاف، ح 1.

.............................................

ـــــــــــــــــــــــــــ

أظلّة قبل الميلاد، وهو قوله عزّوجلّ: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ»(1)إلى آخر الآية، قال: «فمن أقرّ له يومئذ جاءت اُلفته هاهنا، ومن أنكر يومئذٍ جاء خلافه هاهنا»(2).

وفي الصحيح عن ابن أبي عمير عن عبد الأعلى مولى آل سام، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام)يقول: «لو يعلم الناس كيف كان أصل الخلق لم يختلف اثنان»(3).

وعن عبد المؤمن الأنصاري، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام) : إن قوماً رووا أنّ رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) قال: اختلاف اُمّتي رحمة، فقال: «صدقوا» فقال: إن كان اختلافهم رحمة فاجتماعهم عذاب؟ قال: «ليس حيث تذهب وذهبوا، إنّما أراد قول الله عزّوجلّ: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ(4)، فأمرهم أن ينفروا إلى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)ويختلفوا إليه فيتعلّموا ثمّ يرجعوا إلى قومهم إنّما أراد اختلافهم من البلدان لا في دين الله، إنّما الدين واحد، إنّما الدين واحد»(5).

اختلافاً في دين وفي القوي كالصحيح عن عبد الله بن الفضل الهاشمي، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام) : لأيّ علة جعل الله عزّوجلّ الأرواح في الأبدان بعد كونها في ملكوته


1) الأعراف : 172.

2) علل الشرائع 1 : 84 ، باب العلة التي من أجلها صار بين الناس الائتلاف والاختلاف، ح 2.

3) علل الشرائع 1 : 85 ، باب العلة التي من أجلها صار بين الناس الائتلاف والاختلاف، ح 3.

4) التوبة : 122.

5) علل الشرائع 1 : 85 العلة التي من أجلها صار بين الناس الائتلاف والاختلاف، ح 4.

5819 - مطل الغني ظلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأعلى في أرفع محل ؟ فقال(عليه السلام) : «إنّ الله تبارك وتعالى علم أنّ الأرواح في شرفها وعلوّها متى تركت على حالها نزع أكثرها إلى دعوى الربوبية دونه عزّوجلّ، فجعلها بقدرته في الأبدان التي قدّر لها في ابتداء التقدير نظراً لها ورحمة بها وأحوج بعضها إلى بعض، وعلّق بعضها على بعض، ورفع بعضها فوق بعض درجات، وكفى بعضها ببعض، وبعث إليهم رسله، واتخذ عليهم حججه، مبشّرين ومنذرين، يأمرون بتعاطي العبودية والتواضع لمعبودهم بالأنواع التي تعبّدهم بها، ونصب لهم عقوبات في العاجل وعقوبات في الآجل، ومثوبات في العاجل ومثوبات في الآجل؛ ليرغبهم بذلك في الخير ويزهدهم في الشر، وليذلّهم بطلب المعاش والمكاسب فيعلموا بذلك أنّهم بها مربوبون وعباد مخلوقون، ويقبلوا على عبادته فيستحقوا بذلك نعيم الأبد وجنة الخلد، ويأمنوا من الفزع إلى ما ليس لهم بحق».

ثمَّ قال(عليه السلام) : يا ابن الفضل إنّ الله تبارك وتعالى أحسن نظراً لعباده منهم لأنفسهم، ألا ترى أنّك لا ترى فيهم إلّا محباً للعلوّ على غيره حتى أنّ منهم لمن قد نزع إلى دعوى الإمامة بغير حقّها، وذلك مع ما يرون في أنفسهم من النقص والعجز والمهانة والحاجة والفقر والآلام والمناوبة والموت الغالب لهم والقاهر لجميعهم ، يا ابن الفضل إنّ الله تبارك وتعالى لا يفعل بعباده إلا الأصلح لهم، ولا يظلم الناس شيئاً. ولكن الناس أنفسهم يظلمون» (1).

(مطل الغني) أي تسويفه وتأخيره بالدين بعد حلوله (ظلم) ويجوز للحاكم جبره وبيع ماله في قضائه، أمّا لو كان فقيراً ولم يقدر على أدائه فلا حرج عليه.


1) علل الشرائع 1 : 15، باب العلة التي من أجلها جعل الله عزّوجلّ الأرواح في الأبدان، ح 1.

5820 - السفر قطعة من العذاب.

5821 - الناس معادن كمعادن الذهب والفضة.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(السفر قطعة من العذاب) فينبغي للعاقل أن لا يختاره ما لم يضطرّ إليه، كما تقدّم. وينبغي سرعة الرجوع بعد قضاء الوطر.

[الناس معادن كمعادن الذهب والفضة ]

(الناس معادن) مختلف الأصناف (كمعادن الذهب والفضة) والتعبير بالمعدن لما فيهم من القابليات، والحكمة اقتضت أن لا يكونوا سواء، كما أنّ باني الدار لو جعل جميعها بيوتاً مزخرفة مزيّنة ولم يكن فيها مطبخ وبيت الخلاء والاصطبل للدواب وأمثالها لا يكون الدار داراً، ولا يمكن التعيّش فيها ، لكن جعل في الجميع قابلية الكمال اللائق بهم، ولهذا يصير الكفار مسلمين، ولم يجعلهم بحيث لا يمكنهم الإسلام والعبادات.

روى المصنّف في الصحيح، وعلي بن إبراهيم في الحسن كالصحيح، عن جابر عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: «قال: أمير المؤمنين(عليه السلام) : إنّ الله تبارك وتعالى لمّا أحبّ أن يخلق خلقاً بيده وذلك بعد ما مضى الجن والنسناس في الأرض سبعة آلاف سنة قال: ولمّا كان من شأنه أن يخلق آدم (عليه السلام)الذي أراد من التدبير والتقدير لما هو مكنونه في السماوات والأرض وعلّمه لما أراد من ذلك كلّه كشط عن إطباق السماوات، ثمّ قال للملائكة: انظروا إلى أهل الأرض من خلقي من الجن والنسناس، فلما رأوا ما يعملون فيها من المعاصي وسفك الدماء والفساد في

..............................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

الأرض بغير الحق عظم ذلك عليهم وغضبوا الله وأسفوا على أهل الأرض، ولم يملكوا غضبهم أن قالوا: يا رب أنت العزيز القادر الجبار القاهر العظيم الشأن وهذا خلقك الضعيف الذليل في أرضك يتقلّبون في قبضتك ويعيشون برزقك ويستمتعون بعافيتك وهم يعصونك بمثل هذه الذنوب العظام، لا تأسف ولا تغضب ولا تنتقم لنفسك لما تسمع منهم وترى، قد عظم ذلك علينا وأكبرناه فيك.

فلمّا سمع الله عزّوجلّ ذلك من الملائكة قال: إنّي جاعل في الأرض خليفة لي عليهم فيكون عليهم حجة لي عليهم في أرضي على خلقي، فقالت الملائكة: سبحانك أتجعل فيها من يفسد فيها كما أفسدت بنو الجانّ، ويسفك الدماء كما سفكت بنو الجان ، ونحن نسبّح بحمدك ونقدس لك؟! فاجعل ذلك الخليفة منّا، فإنّا لا نفسد في الأرض ولا نسفك الدماء، قال الله جلّ جلاله: يا ملائكتي إنّي أعلم منكم أنّي اُريد أن أخلق خلقاً بيدي أجعل ذريته أنبياء مرسلين وعباداً صالحين وأئمّة مهتدين، أجعلهم خلفاء على خلقي في أرضي، فينهونهم عن معصيتي، وينذرونهم من عذابي، ويهدونهم إلى طاعتي، ويسلكون بهم طريق سبيلي، وأجعلهم لي حجة عليهم عذراً أو نذراً، واُبين النسناس عن أرضي واُطهّرها منهم، وأنقل مردة الجن العصاة عن بريتي وخلقي وخيرتي، وأسكنهم في الهواء وأقطار الأرض فلا يجاورون نسل خلقي، وأجعل بين الجن وبين خلقي حجاباً فلا يرى نسل خلقي الجن ولا يجالسونهم ولا يخالطونهم، فمن عصاني من نسل خلقي الذين اصطفيتهم أسكنتهم مساكن العصاة، وأوردتهم مواردهم ولا أبالي.

...............................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

قال: فقالت الملائكة: يا ربنا افعل ما شئت، لا علم لنا إلّا ما علّمتنا إنّك أنت العليم الحكيم، قال: فباعدهم الله من العرش مسيرة خمسمائة عام، قال: فلاذوا بالعرش وأشاروا بالأصابع فنظر الرب عزّوجلّ إليهم، ونزلت الرحمة فوضع لهم البيت المعمور، فقال: طوفوا به ودعوا العرش فإنّه لي رضى، فطافوا به وهو البيت الذي يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه أبداً.

فوضع الله البيت المعمور توبة لأهل السماء، ووضع الكعبة توبة لأهل الأرض. فقال الله تبارك وتعالى: إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصَالٍ أي من طين يابس له صوت إذا ضرب به مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ(1)وكان ذلك من الله تقدمة في آدم (أو كان ذلك من أمر الله عزّ وجلّ تقدمة إلى الملائكة في آدم) قبل أن يخلقه واحتجاج منه عليهم، فقال: فاغترف ربنا عزّوجلّ غرفة بيمينه من الماء العذب الفرات وكلتا يديه يمين فصلصلها في كفه فجمدت، فقال لها: منك أخلق النبيين والمرسلين وعبادي الصالحين والأئمة المهتدين والدعاة إلى الجنة وأتباعهم إلى يوم القيامة، ولا اُبالي ولا أسال عما أفعل وهم يسألون. ثمّ اغترف غرفة اُخرى من الماء المالح الاُجاج فصلصلها في كفه فجمدت، ثمّ قال لها: منك أخلق الجبارين والفراعنة والعتاة وإخوان الشياطين والدعاة إلى النار إلى يوم القيامة وأشياعهم، ولا اُبالي ولا اُسأل عمّا أفعل وهم يسألون، قال: وشرط في ذلك البداء ولم يشترط في أصحاب اليمين البداء.


1) الحجر : 28 و 29

.........................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثمّ خلط الماءين جميعاً في كفه فصلصلها ثمّ كفاهما أو ألقاهما قدّام عرشه وهما سلالة من طين، ثمّ أمر الله الملائكة الأربعة الشمال والجنوب والصبا والدبور أن يجولوا على هذه السلالة الطين فأبدوها وانشؤوها ثمّ ابروها (أي أصلحوها) وجزوها وفصّلوها وأجروا فيها الطبائع الأربع: الريح والدم والمرة والبلغم، فجالت الملائكة عليها وهي: الشمال والجنوب والصبا والدبور، وأجروا فيها الطبائع الأربع الريح في الطبائع الأربع من البدن من ناحية الشمال، والبلغم في الطبائع الأربع من ناحية الصباء والمرة في الطبائع الأربع (أو الأربعة في الجميع) من ناحية الدبور، والدم في الطبائع الأربعة من ناحية الجنوب.

قال: فاستقلّت النسمة وكمل البدن فلزمه من ناحية الريح حب النساء، وطول الأمل والحرص، ولزمه من ناحية البلغم حب الطعام والشراب والبر والحلم والرفق، ولزمه من ناحية المرة الغضب والسفه والشيطنة والتجبر والتمرّد والعجلة، ولزمه من ناحية الدم حب النساء واللذات وركوب المحارم والشهوات».

قال أبو جعفر(عليه السلام) : «وجدنا هذا في كتاب علي(عليه السلام)»(1).

وفي القوي عن أمير المؤمنين(عليه السلام) كالكليني والسيد الرضي أنّه قال: «أعجب ما في الإنسان قلبه وله مواد من الحكمة وأضداد من خلافها، فإن سنح له الرجاء أذلّه الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ وإن أسعده الرضى نسى التحفّظ، وإن ناله الخوف شغله الحذر، وإن اتّسع له الأمن استلبته العزة، وإن أصابته مصيبة فضحه الجزع، وإن أفاد


1) علل الشرائع 1 : 104 ، باب علّة الطبايع والشهوات والمحبّات ، ح 1. تفسير القمي 1 : 36.

5822 - صاحب المجلس أحق بصدر مجلسه.

5823 - أحثوا في وجوه المدّاحين التراب.

5824 - استنزلوا الرزق بالصدقة.

5825 - إدفعوا البلاء بالدعاء.

5826 - جبلت القلوب على حبّ من أحسن إليها وبغض من أساء إليها.

5827 - ما نقص مال من صدقة.

5828 - لا صدقة وذو رحم محتاج.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مالاً أطغاه الغنى وإن غضّته الفاقة شغله البلاء، وإن جهده الجوع قعد به الضعف، وإن أفرط به الشبع كظته البطنة، فكلّ تقصير به مضرّ، وكلّ إفراط له مفسد»(1).

( احثوا في وجوه المدّاحين التراب) أي خيّبوهم ولا تعطوهم شيئاً لما يحصل لكم العجب من المدح في الحضور أو لمدح غير المستحق، كما هو الغالب من الاطراء ولا مبالغة في الأكاذيب سيّما إذا كان شعراً، وحمل بعضهم على ظاهره ويقول باستحباب رمي التراب بكفّه - أو بكفية - على وجهه، وأوّله بعض الشعراء بأنّ المراد بالتراب الذهب الذي لا يعتبر كالتراب أي أعطوهم الدنانير كالتراب؛ لما ورد من الإعطاء عند المدح من سيد العابدين(عليه السلام) الفرزدق (2)والرضا(عليه السلام) الدعبل(3)، ومن غيرهما من الأئمة المعصومين(عليه السلام) ولم يسمع منهم خلافه، لكنّهم أهل لكلّ ما


1) الكافي ،8 :18 خطبة لأمير المؤمنين(عليه السلام) وهي خطبة الوسيلة ، ح 21. نهج البلاغة 4 : 25.

2) الخرائج والجرائح 1 : 267، ح 10.

3) عيون أخبار الرضا(عليه السلام) 1: 153 ، ح 8

5829 - الصحة والفراغ نعمتان مكفورتان.

5830 - عفو الملك أبقى للملك.

5831 - هبة الرجل لزوجته تزيد في عفتها.

5832 - لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

5833 - وروى لي محمد بن إبراهيم بن إسحاق(رضی الله عنه)، عن أحمد بن بن سعيد الهمداني قال: حدثني الحسن بن القاسم قراءة قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن المعلّى قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن خالد قال: حدثنا عبد الله بن بكر المرادي، عن موسى بن جعفر، عن أبيه(عليهم السلام)، عن جده، عن علي بن الحسين، عن أبيه(عليهم السلام) قال بينا أمير المؤمنين(عليه السلام) ذات يوم جالس مع أصحابه يعبّيهم للحرب إذ أتاه شيخ عليه شحبة السفر،

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

يقال فيهم سوى الألوهية والنبوّة، بل كلّ مدائحنا ذمّهم.

(الصحة والفراغ) أي الأمنيّة (نعمتان مكفورتان) ولا يعرف قدرهما أحد ما لم يبتل بزوالهما، أي ينبغي للمؤمن أن يشكر هاتين النعمتين زائداً على سائر النعم الظاهرة. روى المصنّف في الموثق كالصحيح عن السكوني، قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : «نعمتان مکفورتان: الأمنوالعافية»(1).

[ مواعظ نافعة من أمير المؤمنين(عليه السلام) لشيخ من الأشياخ ]

(روی) (محمد بن إبراهيم بن إسحاق) في القوي ( يعبّيهم) أي يهيّتهم (للحرب) بالتعليم أو دفع الزاد والراحلة وأمثالها (شحبة السفر) بالحاء المهملة والباء الموحدة.


1) الخصال : 34 ، ح 5 ، وفيه : عن إسماعيل بن مسلم.

فقال: أين أمير المؤمنين؟ فقيل: هو ذا فسلّم عليه، ثمّ قال: يا أمير المؤمنين إنِّي آتيك من ناحية الشام وأنا شيخ كبير قد سمعت فيك من الفضل ما لا أحصي، وإنّي أظنّك ستغتال فعلّمني مما علمك الله، قال: نعم.

يا شيخ من اعتدل يوماه فهو مغبون، ومن كانت الدنيا همّته اشتدت حسرته عند فراقها، ومن كان غده شرّ يوميه فهو محروم، ومن لم يبال بما رزئ من آخرته إذا سلمت له دنياه فهو هالك. ومن لم يتعاهد النقص من نفسه غلب عليه الهوى، ومن كان في نقص فالموت خير له.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

والشاحب المتغيّر اللون والجسم من مرض أو سفر أو نحوهما (فقيل: هوذا) وفي الأمالي(1)هو هذا (ستغتال) أي ستهلك لكثرة أعاديك من الجانبين.

(من اعتدل يوماه فهو مغبون) أي يجب أن يكون المؤمن في كلّ يوم في الزيادة في العلم وإصلاح العمل بالإخلاص والحضور والقرب إلى الله تعالى، لا في الكمية فإنّه غير ممكن، والكيفية لا تتناهى، فإذا كان رأس ماله العمر وكان يمكنه الترقّي، فإذا لم يفعل فمغبون ضيّع رأس ماله خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين، و خسران دنیاه خسران لذاته من مراتب القرب فإنّها أقوى اللذات.

(همته) أو همّه، والرزء: النقص.

(ومن لم يتعاهد النقص من نفسه) بإزالته بالمجاهدات أو لم يتفكّر في نقائصه، بل توجه إلى كمالاته (فالموت خير له) لأنّه لو مات لا يحصل له العذاب والحسرة على ما فات منه.


1) الأمالي للشيخ الصدوق : 477، ح 4.

يا شيخ: ارض للناس ما ترضى لنفسك، وائت إلى الناس ما تحبّ أن يؤتى إليك.

ثمَّ أقبل على أصحابه فقال: أيّها الناس أما ترون إلى أهل الدنيا يمسون ويصبحون على أحوال شتّى، فبين صريع يتلوّى وبين عائد ومعود، وآخر بنفسه يجود، وآخر لا يرجى، وآخر مسجّى،

ــــــــــــــــــــــــ

والظاهر أنّ المراد به الذم؛ لأنّ الحياة أحسن، فربّما تلافي مافات ويحسن الرجاء إلى الله تعالى فيما سيأتي.

وفي الأمالي زيادة: «يا شيخ أنّ الدنيا خضرة حلوة ولها أهل، وأنّ الآخرة لها أهل ظلفت (أي كفت) ومنعت أنفسهم عن مفاخرة أهل الدنيا لا ينافسون في الدنيا ولا يفرحون بغضارتها ولا يحزنون لبؤسها يا شيخ من خاف البيات (أي الأخذ بغتة) فلّ نومه ما أسرع الليالي والأيام في عمر العبد، فاخزن لسانك وعدّ كلامك (أي من أعمالك) يقلّ كلامك إلّا بخير».

(یا شيخ ارض للناس) من الخيرات (ما ترضى لنفسك) ولا تحسدهم، بل اطلب من الله لهم كما تطلب لنفسك، وامدحهم وعظّمهم، وأكرمهم كما تحب أن يكونوا لك كذلك وأت إلى الناس بالتعظيم والتكريم.

(فبين صريع يتلوّى) أي أحوالهم متفرّقة، فأمّا أن يكون ساقطاً من المرض ينقلب من جانب إلى آخر (وبين عائد ومعود) أي أحدهم مريض والآخر يذهب إلى عيادته، ولا يتفكّرون في أن المرض باب الموت وهو لكلّ نفس لازم، ويمكن أن يجيء بغتة، فإن شذ موت الفجأة فالمرض دائماً فجأة (وآخر بنفسه يجود) أي في السكرات (وآخر لا يرجى) من شدة المرض (وآخر مسجّی) میت مغطى بثوب

وطالب الدنيا والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه، وعلى أثر الماضي يصير الباقي.

فقال له زيد بن صوحان العبدي: يا أمير المؤمنين أيّ سلطان أغلب وأقوى؟ قال: الهوى، قال: فأيّ ذل أذل؟ قال: الحرص على الدنيا، قال: فأيّ فقر أشد قال: الكفر بعد الإيمان، قال: فأيّ دعوة أضل؟ قال: الداعي بما لا يكون، قال: فأيّ عمل أفضل؟ قال: التقوى، قال: فأي عمل أنجح؟ قال: طلب ما عند الله عزّوجلّ، قال: فأيّ صاحب لك شر؟ قال: المزيّن لك معصية الله عزّوجلّ، قال: فأيّ الخلق أشقى؟ قال: من باع دينه بدنيا غيره، قال: فأيّ الخلق أقوى؟ قال: الحليم، قال: فأيّ الخلق أشحّ؟ قال: من أخذ المال من غير حلّه فجعله في غير حقه، قال: فأيّ الناس أكيس؟ قال: من

ـــــــــــــــــــــــ

وآخر (طالب الدنيا والموت يطلبه) ومع مشاهدة هذه الحالات يطلبها، ولا يعلم أنّ الموت طالبه ويصل إليه ألبتة، ولا يعلم أنّه يصل إلى مطلوبه أم لا، بل الغالب عدم الوصول (وعلى أثر) محركة أو بالكسر (الماضي يصير الباقي) أي الباقون يعلمون أنّهم كانوا في غفلة وهلكوا ومع هذا لا يتنبّهون، أو مدار الدنيا على هذه الأحوال المختلفة الباطلة الفانية.

(قال الداعي بما لا يكون) أي طلب الرفاهية في الدنيا مثلاً أو طلب جمع الدنيا مع الآخرة، أو الطلب من أهل الدنيا شيئاً يعلم أنّه لا يحصل منهم وأمثالها.

( من باع دينه بدنيا غيره) كالشهادة بالباطل، أو ترك شهادة الحق وأمثالهما.

(فجعله في غير حقه) وإن كان في الصدقات؛ لأنّه بخل بأن يعطى الحق إلى ذي الحق وأعطى غيره.

أبصر رشده من غيّه فمال إلى رشده، قال: فمن أحلم الناس؟ قال: الذي لا يغضب، قال: فأيّ الناس أثبت رأياً ؟ قال: من لم يغرّه الناس من نفسه ومن لم تغرّه الدنيا بتشوّفها، قال: فأيّ الناس أحمق؟ قال: المغتر بالدنيا يرى وهو ما فيها من تقلّب أحوالها، قال: فأيّ الناس أشد حسرة؟ قال: الذي حرم الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين، قال: فأيّ الخلق أعمى؟ قال: الذي عمل لغير الله، يطلب بعمله الثواب من عند الله عزّوجلّ، قال: فأيّ القنوع أفضل؟ قال: القانع بما أعطاه الله عزّوجلّ، قال: فأيّ المصائب أشد؟ قال: المصيبة بالدين، قال: فأيّ الأعمال أحب إلى الله عزّوجلّ؟ قال: انتظار الفرج، قال: فأيّ الناس خير عند الله؟ قال: أخوفهم الله وأعملهم بالتقوى وأزهدهم في الدنيا، قال: فأيّ الكلام أفضل عند الله عزّوجلّ؟ قال: كثرة ذكره والتضرّع إليه بالدعاء، قال: فأيّ

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(فأيّ الناس أحمق) الظاهر أنّه أفعل التفضيل كالأعمى فيه وجاء في كلام الفصحاء، ويحتمل أن يكون المراد به مطلق الأحمق، لا أشدّ حماقة كالاعمى يرى. (فمن أحلم الناس)(1)أي أعقلهم أو من الحلم بالكسر (بتشوفها) بالفاء أي تزيّنها، وفي بعضها بالقاف، وفي بعضها بتسوفها من التسويف، والظاهر أنهما تصحيف.

(بالدين) وهي مخالفة الله تعالى في المعاصى، أو ترك الطاعات ولو كانت مندوبة، وقرئ بالفتح.


1) هكذا في النسخ التي عندنا حيث جعل هذه الجملة متأخّرة عن قوله : «فأي الناس أحمق» ولكن في متن الفقيه متقدمة عليه كما ترى.

القول أصدق؟ قال: شهادة أن لا إله إلّا الله، قال: فأيّ الأعمال أعظم عند الله عزّوجلّ؟ قال: التسليم والورع، قال: فأيّ الناس أصدق؟ قال: من صدق في المواطن.

ثمَّ أقبل(عليه السلام) على الشيخ فقال: يا شيخ إنّ الله عزّوجلّ خلق خلقاً ضيّق الدنيا عليهم نظراً لهم فزهّدهم فيها وفي حطامها، فرغبوا في دار السلام التي دعاهم إليها، وصبروا على ضيق المعيشة وصبروا على المكروه، واشتاقوا إلى ما عند الله عزّوجلّ من الكرامة، فبذلوا أنفسهم ابتغاء رضوان الله، وكانت خاتمة أعمالهم الشهادة فلقوا الله عزّوجلّ وهو عنهم راض، وعلموا أنّ الموت سبيل من مضى ومن بقى، فتزوّدوا لآخرتهم غير الذهب والفضة، ولبسوا الخشن، وصبروا على البلوى، وقدموا الفضل، وأحبّوا في الله وأبغضوا في الله عزّوجلّ، أولئك المصابيح وأهل النعيم في الآخرة والسلام.

قال الشيخ: فأين أذهب وادع الجنة وأنا أراها وأرى أهلها معك، يا

ــــــــــــــــــــــــــ

(من صدق في المواطن) أي في كلّ موضع أو في مواضع الحرب فإنّه يكثر فيه الكذب خدعة وهو جائز، كما تقدّم لكن الصدق أولى، أو في المجالس التي ينفعه الكذب ويصدق.

(وصبروا على الطوى)(1)أي الجوع، أو البلوى، أو القوت كما في الأمالي(2).


1) في المتن : البلوى.

2) الأمالي للشيخ الصدوق : 479.

أمير المؤمنين جهزني بقوّة أتقوّى بها على عدوك، فأعطاه أمير المؤمنين سلاحاً وحمله وكان في الحرب بين يدي أمير المؤمنين يضرب قدماً وأمير المؤمنين يعجب مما يصنع، فلما اشتد الحرب أقدم فرسه حتى قتل الله وأتبعه رجل من أصحاب أمير المؤمنين لا فوجده سريعاً ووجد دابته ووجد سيفه في ذراعه، فلما انقضت الحرب أتى أمير المؤمنين بدابته وسلاحه وصلى عليه أمير المؤمنين وقال: هذا والله السعيد حقاً، فترحموا على أخيكم.

5834 - وقال أمير المؤمنين في وصيته لابنه محمد بن الحنفية الله:

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

( يضرب قدماً) بضمين أي شجاعاً، أو لم يحول وجهه عن الحرب.

(فترحّموا على أخيكم) يدلّ على جواز هذا القول، وتقدّم خبران في النهي، وحملا على الاستحقار.

[وصية علي(عليه السلام) لابنه محمد بن الحنفية ]

(وقال أمير المؤمنين(عليه السلام)) رواه المصنّف في الحسن كالصحيح عن حماد بن عيسى، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله(عليه السلام) (1). ورواه العامة والخاصة بطرق متكثّرة(2). وربّما تنسب إلى أبي محمد الحسن(عليه السلام)(3)، ولا منافاة بينهما وإن كان


1) الخصال : 54 ، ح 71. و 147، ح 178.

2) كشف المحجة لثمرة المهجة : 159 عيون الحكم والمواعظ : 96 کنز العمال 16 : 177، ح 44215. تفسير نور الثقلين 4 : 211، ح 78.

3) كشف المحجة لثمرة المهجة : 159.

يا بني إيّاك والاتكال على الأماني فإنّها بضائع النوكي وتثبيط عن الآخرة، ومن خير حظّ المرء قرين صالح.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأنسب بالوصية محمد، ولو كان إلى أبي محمد(عليه السلام) فالمراد غيره، كما في وصايا النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)لأمير المؤمنين(عليه السلام).

(يا بُنّي إيّاك والاتكال) والاعتماد (على الأمانيّ) جمع الاُمنيّة، وهي التمنّي أو الاُكذوبة، فإنّ التمنّيات الباطلة أكاذيب الشيطان، كما قال الله تعالى: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا(1)، وقال تعالى: كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ أي حتى اُحصّل مراداتك فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ (2).

(فإنّها بضائع النوكي) بالفتح كسكرى جمع الانوك: الأحمق، والنوك - بالضم والفتح - الحمقى أي الحمى، ليس لهم رأس مال إلّا أكاذيب الشيطان والمتمنّيات الباطلة، فإنّه يقول لك: أخّر التوبة إلى آخر العمر، ولا يعلم أنّه ربّما كان ذلك الوقت آخر عمره.

(وتثبيط) و تعويق (عن الآخرة ) أي عملها، أو يقنط عن الآخرة، كما في كثير منها. والأوّل أظهر.

(ومن خير حظّ المرء) ونصيبه (قرين (صالح) يزيّن له الآخرة ويقبح له الدنيا، وأفضلهم القلب البصير السليم، كما رواه المفضل عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، قال: «من لم يكن له واعظ من قلبه وزاجر من نفسه ولم يكن له قرين مرشد استمكن عدوه من


1) البقرة : 268.

2) الحشر : 16.

جالس أهل الخير تكن منهم، باين أهل الشرّ ومن يصدّك عن ذكر الله عزّوجلّ. وذكر الموت بالأباطيل المزخرفة والأراجيف الملفقة

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

عنقه»(1).

(جالس أهل الخير) من العلماء الصالحين (تكن) أي تصير (منهم) بمجالستهم أو الآن أيضاً (باين) وابعد من أهل الشر) من الفساق والظلمة.

(ومن يصدّك) ويمنعك ( عن ذكر الله عزّوجلّ).

(وذكر الموت بالأباطيل) متعلّق بيصدّ (المزخرفة) المزينة ظاهرها (والأراجيف) والأكاذيب (الملفّقة) المجتمعة من أقاويل الكذابين، كما هو شأن أكثر الناس فإنّهم إذا التقوا يسألون عن أنفسهم هل عندكم خبر من السلطان أو غيره فيشتغلون بنقل الأراجيف والحكايات الباطلة، ولو كانت حقاً فإنّه لا فائدة في ذكرها، وليس فائدتها إلّا تضييع العمر والغفلة عن الله تعالى، وكان دأب السلف أنّهم إذا التقوا كانوا يقولون: كيف أصبحت؟

فكانوا يجيبون تارة بمثل ما رواه الكلينى في القوي كالصحيح عن عبدالله بن مسكان عن أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «استقبل رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)حارثة بن مالك بن النعمان الأنصاري فقال له : كيف أنت يا حارثة بن مالك النعماني؟ فقال: يا رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) مؤمن حقاً. فقال له رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : لكلّ شيء حقيقة فما حقيقة قولك؟ فقال: يا رسول الله عزفت (أي زهدت) نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي، وأظمأت هواجري، وكأنّي أنظر إلى عرش ربّي وقد وضع للحساب، وكأنّي أنظر إلى أهل


1) الأمالي للشيخ الصدوق : 526، ح 711.

.............................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

الجنة يتزاورون في الجنة، وكأنّي أسمع عواء أهل النار في النار، فقال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : عبد نوّر الله قلبه أبصرت فاثبت، فقال: يا رسول الله ادع الله لي أن يرزقني الشهادة معك، فقال: اللهمّ ارزق حارثة الشهادة، فلم يلبث أياماً حتى بعث رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)بسرية فبعثه فيها فقاتل فقتل تسعة أو ثمانية ثم قُتل»(1).

وفي رواية اُخرى عن أبي بصير، قال: «استشهد مع جعفر بن أبي طالب بعد تسعة نفر وكان هو العاشر »(2).

وفي القوي كالصحيح عن سليمان الجعفري عن أبي الحسن موسى(عليه السلام)عن آبائه(عليهم السلام) ، قال: «مرّ أمير المؤمنين(عليه السلام) برجل يتكلّم بفضول الكلام فوقف عليه، ثمّ قال: يا هذا إنّك تملي على حافظيك كتاباً إلى ربك فتكلّم بما يعنيك ودع ما لا يعنيك»(3).

ومرّة يتكلمون بما رواه المصنّف في القوي كالصحيح، عن المفضل بن عمر عن أبي عبد الله(عليه السلام) عن جده(عليه السلام) ، قال :« سئل الحسين بن علي(عليه السلام) فقيل له: كيف أصبحت يا ابن رسول الله؟ قال: أصبحت ولي رب فوقي، والنار أمامي، والموت يطلبني، والحساب محدق بي، وأنا مرتهن بعملي، لا أجد ما أحبّ، ولا أدفع ما أكره، والاُمور بيد غيري، فإن شاء عذبني، وإن شاء عفى عني، فأيّ فقير أفقر


1) الكافي :2 : 54 باب حقيقة الإيمان واليقين، ح 3

2) الكافي ،2 ،54 باب حقيقة الإيمان واليقين ذيل ح3 .

3) الأمالي للشيخ الصدوق : 85، ح 53.

تبن منهم.

ولا يغلبن عليك سوء الظن بالله عزّوجلّ، فإنّه لن يدع بينك وبين خليلك صلحاً.

إذك بالأدب قلبك كما تذكى النار بالحطب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

منّي»(1).

(تبن منهم) أي باينهم حتى لا تكون منهم، وإلّا فأنت منهم.

(ولا يغلبن عليك سوء الظنّ بالله عزّوجلّ) بالنظر إلى إخوانك إذا رأيت منهم مخالفته تعالى (فإنّه لن يدع بينك وبين خليلك صلحاً) لأنك تظنّ حينئذٍ أنّه معذّب فلا يمكن الصلح معه، مع أنّك في أعمالك القبيحة تعتقد أنّ الله تعالى يغفر لك فكيف لا يغفر لأخيك؟! مع أنّ قبائحك أعظم أو يعمّ سوء الظن؛ لأنّه إذا أساء الظنّ بالله تعالى بالنظر إلى نفسه ويقنط من رحمته فلا يبقى بينك وبين الله صلح؛ لأنّه قال تعالى: أنا عند حسن ظنّ عبدي المؤمن بي(2)، مع أنّ القنوط من رحمة الله تعالى من الكبائر، فعلى هذا يكون المراد بالخليل الله تبارك وتعالى، ولا يخفى لطفه بالتعبير بالخليل والصلح.

(اذك) أي نوّر (بالأدب) مع الله تعالى (قلبك) بالمداومة على الذكر، ومراعاة الحياء منه تعالى، فإنّ القلب يموت بترك الذكر وينطفي نوره حتى يران ويطبع عليه.

وروي عن سيد المرسلين (صلّی الله علیه وآله وسلّم) أنّه قال: «وأنّه ليغان على قلبي وأنّي لأستغفر الله في كلّ يوم سبعين مرة»(3).


1) الأمالي للشيخ الصدوق : 707، ح 971.

2) انظر: الکافی 2 : 72، باب حسن الظن بالله عزّوجلّ، ح 3.

3) المجازات النبوية للشريف الرضي : 390 ، ح 306. مفتاح الفلاح : 118.

.............................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

أو يكون المراد بالأدب العبادات والأذكار باللسان؛ فإنّها سبب لتنوّر القلب.

[موعظة الله لعيسى بن مريم ]

وروى المصنّف في الموثق كالصحيح والكليني عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «كان فيما وعظ الله تبارك وتعالى به عيسى بن مريم(عليه السلام) أن قال له:

يا عيسى أنا ربّك ورب آبائك، اسمي واحد وأنا الأحد المتفرّد بخلق كلّ شيء وكلّ شيء من صنعي وكلّ خلقي إليّ راجعون.

یا عیسی أنت المسيح بأمري، وأنت تخلق من الطين كهيئة الطير باذني، وأنت تحيي الموتى بكلامي، فكن إليّ راغباً ومنّي راهباً ، فإنّك لن تجد منّي ملجئاً إلّا إليّ.

يا عيسى اُوصيك وصية المتحنّن عليك بالرحمة حين حقّت لك مني الولاية بتحريك(1)منّي المسرّة، فبوركت كبيراً، وبوركت صغيراً حيثما كنت، أشهد أنّك عبدي وابن أمتي.

يا عيسى انزلني من نفسك كهمك، واجعل ذكري لمعادك. وتقرب إليّ بالنوافل وتوكّل عليّ أكفك، ولا تولّ غيري فآخذ لك.

يا عيسى اصبر على البلاء، وارض بالقضاء، وكن كمسرّتي فيك، فإنّ مسرّتي أن اُطاع ولا اُعصى.

يا عيسى أحي ذكري بلسانك، وليكن ودّي في قلبك.


1) التحري بتشديد الراء: طلب ما هو الحرى والمتحنن المترحم.

....................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

یا عیسی تيقظ في ساعات الغفلة واحكم لي لطيف(1)الحكمة.

يا عيسى كن راغباً راهباً وأمت قلبك بالخشية.

یا عیسی راع الليل لتحري مسرّتي واظماً نهارك ليوم حاجتك عندي.

یا عیسی نافس في الخير جهدك تعرف بالخير حيثما توجّهت.

يا عيسى احكم في عبادي بنصحي وقم فيهم بعدلي، فقد أنزلت عليك شفاء لما في الصدور من مرض الشيطان.

يا عيسى لا تكن جليساً لكلّ مفتون.

یا عيسى حقاً أقول: ما آمنت بي خليقة إلّا خشعت لي، وما خشعت لي إلّا رجت ثوابي، فاشهد أنّها آمنة من عقابي ما لم تغيّر أو تبدل سنتي.

يا عيسى بن البكر البتول: ابك على نفسك بكاء من قد ودّع الأهل وقلى الدنيا (أي أبغضها) وتركها لأهلها وصارت رغبته فيما عند إلهه.

يا عيسى كن مع ذلك تلين الكلام، وتفشي السلام، يقظان إذا نامت عيون الأبرار حذاراً للمعاد والزلازل الشداد وأهوال يوم القيامة حيث لا ينفع أهل ولا ولد ولا مال.

یا عيسى اكحل عينيك بميل الحزن إذا ضحك البطّالون.

یا عیسی کن خاشعاً صابراً، فطوبى لك إن نالك ما وعد الصابرون.

يا عيسى رح من الدنيا يوماً فيوماً، وذق لما قد ذهب طعمه فحقاً أقول: ما أنت


1) في نسخة : «بلطيف».

.............................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

إلّا بساعتك ويومك فرح من الدنيا بالبلغة (1)وليكفك الخشن الجشب (أي الغليظ من الثياب) فقد رأيت إلى ما تصير ومكتوب ما أخذت وكيف أتلفت.

يا عيسى إنّك مسؤول فارحم الضعيف كرحمتى إيّاك، ولا تقهر اليتيم.

يا عيسى ابك على نفسك في الخلوات وانقل قدميك إلى مواضع(2)الصلوات واسمعني لذاذة نطقك بذكري، فإنّ صنيعي إليك حسن.

یا عیسى كم من اُمة قد أهلكتها بسالف ذنب قد عصمتك منه.

یا عیسی ارفق بالضعيف وارفع طرفك(3)الكليل إلى السماء، وادعني فإنّي منك قريب، ولا تدعني إلاّ متضرعاً إليّ وهمك هماً واحداً، فإنّك متى تدعني كذلك أجبك.

يا عيسى إنّي لم أرض بالدنيا ثواباً لمن كان قبلك ولا عقاباً لمن انتقمت منه.

يا عيسى إنّك تفنى وأنا أبقى، ومنّي رزقك، وعندي ميقات أجلك، وإليّ إيابك.. وعليّ حسابك، فسلني ولا تسأل غيري، فيحسن منك الدعاء ومنّي الإجابة.

يا عيسى ما أكثر البشر وأقلّ عدد من صبر، الأشجار كثيرة وطيبها قليل، فلا يغرّنك حسن شجرة حتى تذوق ثمرتها(4).


1) في نسخة : يبلغة.

2) في نسخة : مواقيت.

3) في نسخة : طرفك الذليل.

4) في نسخة : ثمرها.

.................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

يا عيسى لا يغرنك المتمرّد عليّ بالعصيان، يأكل رزقي، ويعبد غيري، ثمّ يدعوني عند الكرب فاُجيبه، ثمّ يرجع إلى ما كان عليه أفعليّ يتمرد؟ أم بسخطي يتعرّض ؟ فبي حلفت لآخذنه أخذة ليس له منها منجي ولا دوني ملتجأ أين يهرب من سمائي وأرضي؟ يا عيسى قل لظلمة بني اسرائيل: لا تدعوني والسحت تحت أحضانكم - أي أباطكم - والأصنام في بيوتكم، فإني وأيت (أي وعدت) أو آليت (أي حلفت) أن أجيب من دعاني، وأن أجعل إجابتي إياهم لعنا عليهم حتى يتفرّقوا.

يا عيسى كم اُطيل النظر و اُحسن الطلب والقوم في غفلة لا يرجعون تخرج الكلمة من أفواههم لا تعيها قلوبهم، يتعرّضون لمقتي ويتحبّبون بي إلى المؤمنين.

يا عيسى ليكن لسانك في السرّ والعلانية واحداً، وكذلك فليكن قلبك وبصرك. واطو قلبك ولسانك عن المحارم، وغضّ(1)طرفك عمّا لا خير فيه، فكم ناظر نظرة قد زرعت في قلبه شهوة ووردت به موارد حياض الهلكة.

یا عیسی کن رحيماً مترحّماً، وكن للعباد كما تشاء أن تكون العباد لك، وأكثر ذكر(2)الموت ومفارقة الأهلين ولا تله فإنّ اللهو يفسد صاحبه ولا تغفل، فإنّ الغافل منّي بعيد، فاذكرني بالصالحات حتى أذكرك.

يا عيسى تب إليّ بعد الذنب، وذكّر بي الأوابين، وآمن بي، وتقرّب إلى المؤمنين. ومرهم يدعوني معك، وإيّاك ودعوة المظلوم فإنّي وأيت - أو آليت - على نفسي أن أفتح لها باباً من السماء بالقبول وأن أجيبه ولو بعد حين.


1) في نسخة : كف.

2) في نسخة : ذكرك.

..............................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

يا عيسى إنّ صاحب السوء يغوي(1)، وإنّ قرين السوء يردي، فاعلم من تقارن. واختر لنفسك إخواناً من المسلمين(2).

يا عيسى تب إليّ فإنّه لا يتعاظمني ذنب أن أغفره، وأنا أرحم الراحمين.

يا عيسى اعمل لنفسك في مهلة من أجلك قبل أن لا يعمل لها غيرك، واعبد لي ليوم كألف سنة ممّا تعدون فإنّي اُجزي بالحسنة أضعافها، وأنّ السيئة توبق صاحبها (أي تهلكه) فامهل لنفسك في مهلة، وتنافس(3)في العمل الصالح، فكم من مجلس قد نهض أهله و هم مجارون من النار.

يا عيسى ازهد في الفاني المنقطع وطأ رسوم منازل من كان قبلك فادعهم وناجهم هل تحسّ منهم من أحد فخذ موعظتك منهم، واعلم أنّك ستلحقهم في اللاحقين.

يا عيسى قل لمن تمرّد عليّ بالعصيان وعمل بالإدهان ليتوقع عقوبتي وينتظر هلاكي إيّاه سيصطلم مع الهالكين، طوبى لك يا ابن مريم، ثمّ طوبى لك إن أخذت بآداب الملك الذي يحسن عليك ترحماً وبدأك بالنعم منه تكرّماً وكان لك في الشدائد، أي تخلّق بأخلاق الله أن لا تعصيه.

يا عيسى فإنّه لا يحل لك عصيانه قد عهدت إلى من كان قبلك وأنا على ذلك من


1) في نسخة : بعدي.

2) في نسخة : المؤمنين.

3) في نسخة : نافس.

...................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الشاهدين.

يا عيسى ما أكرمت خليقة بمثل ديني(1)، ولا أنعمت عليها بمثل رحمتي.

يا عيسى اغسل بالماء منك ما ظهر وداو بالحسنات منك ما بطن فإنّك إليّ راجع.

یا عیسی أعطيتك ما أنعمت به عليك فيضاً من غير تكدير، وطلبت منك قرضاً لنفسك، فبخلت به عليها لتكون من الهالكين.

یا عیسی تزیّن بالدین(2)وحبّ المساكين، وامش على الأرض هوناً، وصلّ على البقاع، فكلّها طاهر(3).

یا عیسی شمّر فكل ما هو آت قريب، واقرأ كتابي وأنت طاهر، واسمعني منك صوتاً حزيناً.

یا عیسی لا خير في لذاذة لا تدوم، وعيش من صاحبه يزول.

يا ابن مريم لو رأت عينك ما أعددتُ لأوليائي الصالحين ذاب قلبك وزهقت نفسك شوقاً إليه، فليس كدار الآخرة دار تجاور فيها الطيبون ويدخل عليهم فيها


1) أي بشيء مثل ديني وضمير (عليها) راجع إلى الخليقة، مرآة العقول 25 : 323.

2) أي بآثاره وأعماله وأخلاقه فإنه زينة المتقين و من أحسن زينتهم حب المساكين والمعاشرة معهم وقوله: هَوْنَا قال الجوهري الهون الوقار والسكينة وفلان يمشي على الأرض هوناً، مرآة العقول 25 : 323

3) هذا خلاف ما هو المشهور من أنّ جواز الصلاة في كلّ البقاع من خصائص نبينا(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بل كان يلزمهم الصلاة في بيعهم وكنايسهم فيمكن أن يكون هذا الحكم فيهم مختصاً بالفرائض، مرآة العقول 25 : 324.

..................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

الملائكة المقرّبون، وهم ممّا يأتي يوم القيامة من أهوالها آمنون، دار لا يتغيّر فيها النعيم ولا يزول عن أهلها.

يا ابن مريم نافس فيها مع المتنافسين فإنّها اُمنية المتمنّين حسنة المنظر، طوبي لك يا ابن مريم إن كنت لها من العاملين مع آبائك آدم وإبراهيم في جنات ونعيم. لا تبغي بها بدلاً ولا تحويلاً، كذلك أفعل بالمتقين.

يا عيسى اهرب إليّ مع من يهرب من نار ذات لهب ونارذات أغلال وأنكال(1). لا يدخلها روح ولا يخرج منها غمّ أبداً، قطع كقطع الليل المظلم، من ينج منها يفز، ولن ينجو منها من كان من الهالكين، هي دار الجبارين والعتاة الظالمين، وكلّ فظ غلیظ، وكل مختال فخور.

يا عيسى بئست الدار لمن ركن إليها، وبئس القرار دار الظالمين، إنّي اُحذرك نفسك فكن بي خبيراً.

يا عيسى كن حيثما كنت مراقباً لي، واشهد عليّ إنِّي خلقتك وأنت عبدي، وإنِّي صوّرتك وإلى الأرض أهبطتك.

یا عيسى لا يصلح لسانان في فم واحد، ولا قلبان في صدر واحد، وكذلك الأذهان.

یا عیسى لا تستقظنّ عاصياً (2)ولا تستنبهنّ لاهياً، وافطم نفسك عن الشهوات


1) النكل بالكسر: القيد الشديد والجمع أنكال أو قيد من نار، القاموس المحيط 4: 60.

2) نصب على الحال وكذا (لاهياً) وفي بعض النسخ (ولا تسترحن لاهياً) وقوله: (افطم) أي اقطع، والموقبات: المهلكات

..............................................

الموبقات، وكلّ شهوة تباعدك منّي فاهجرها، واعلم أنّك منّي بمكان الرسول الأمين. فكن منّي على حذر، واعلم أنّ دنياك مؤديتك إليّ، وأنّي آخذك بعلمي، فكن ذليل النفس عند ذكري، خاشع القلب حين تذكرني، يقظاناً عند نوم الغافلين.

يا عيسى هذه نصيحتي إيّاك وموعظتي لك، فخذها مني وإنّي ربّ العالمين.

يا عيسى إذا صبر عبدي في جنبي كان ثواب عمله عليّ، وكنت عنده حين يدعوني، وكفا بي منتقماً ممن عصاني، أين يهرب منّي الظالمون.

يا عيسى أطب الكلام وكن حيثما كنت عالماً أو متعلماً.

یا عیسى افض بالحسنات إليّ حتى يكون لك ذكرها عندي، وتمسّك بوصيتي فإنّ فيها شفاء للقلوب.

يا عيسى لا تأمن إذا مكرت مكري، ولا تنس عند خلوات الدنيا ذكري.

يا عيسى حاسب نفسك بالرجوع إليّ حتى تتنجّز ثواب ما عمله العاملون اُولئك يؤتون أجرهم، وأنا خير المؤتين.

يا عيسى كنت خلقاً بكلامي(1)، ولدتك مريم بأمري المرسل إليها روحي جبرئيل الأمين من ملائكتي حتى قمت على الأرض حيّاً تمشي كلّ ذلك في سابق علمي.

يا عيسى زكريا بمنزلة أبيك وكفيل أُمّك إذ يدخل عليها المحراب فيجد عندها


1) أي بلفظ (كن) من غير والد، مرآة العقول 25 : 328

.........................................

ــــــــــــــــــــــــــ

رزقاً، ونظيرك يحيى(1)من خلقي وهبته لاُمّه بعد الكبر من غير قوّة بها، أردت بذلك أن يظهر لها سلطاني ويظهر فيك قدرتي، أحبّكم إليّ أطوعكم لي وأشدّكم خوفاً منّي.

يا عيسى تيقّظ ولا تيأس من روحي، وسبّحني مع من يسبّحني وبطيب الكلام فقدّسني.

یا عيسى كيف يكفر العباد بي ونواصيهم في قبضتي وتقلّبهم في أرضي، يجهلون نعمتي، ويتولّون عدوي، وكذلك يهلك الكافرون.

يا عيسى أنّ الدنيا سجن منتن الريح وحسن فيها ما قد ترى مماّ قد ألحّ (2)عليه الجبارون(3)، وإيّاك والدنيا فكلّ نعيمها يزول وما نعيمها إلّا قليل.

يا عيسى أبغني عند وسادك(4)تجدني، وادعني وأنت لي محبّ، فإنّي أسمع السامعين، استجيب للداعين إذا دعوني.

يا عيسى خفني وخوّف بي عبادي لعلّ المذنبين أن يمسكوا عمّا هم عاملون به. فلا يهلكوا إلّا وهم يعلمون(5).


1) أي في الزهد والعبادة وسائر الكمالات، مرآة العقول 25 : 328

2) في نسخة : تذابح.

3) (حسن فيها) أي زين للناس فيها ما قد ترى من زخارفها التي اقتتل عليها الجبارون وذبح بعضهم بعضاً لأجلها، مرآة العقول 25 : 329.

4) أي اطلبني وتقرب إلي عند ما تتكئ على وسادك للنوم بذكرى تجدنى لك حافظاً في نومك أو قريباً منك مجيباً، مرآة العقول 25 : 329.

5) أي إن هلكوا ضلوا وأصروا على المعاصي يكون بعد إتمام الحجة عليهم، مرآة العقول 330:25.

...........................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

يا عيسى ارهبني رهبتك من السبع والموت الذي أنت لاقيه، فكلّ هذا أنا خلقته فإيّاي فارهبون.

يا عيسى أنّ الملك لي وبيدي، وأنا الملك، فإن تطعني أدخلتك جنتي في جوار الصالحين.

يا عيسى إنّي إذا غضبت عليك لم ينفعك رضى من رضي عنك، وإن رضيت عنك لم يضرّك غضب المغضبين.

يا عيسى اذكرني في نفسك أذكرك في نفسي(1)، واذكرني في ملائك أذكرك في ملاء خير من ملاء الآدميين.

یا عیسی ادعني دعاء الغريق الحزين الذي ليس له مغيث.

يا عيسى لا تحلف بي كاذباً فيهتزّ عرشي غضباً.

يا عيسى الدنيا قصيرة العمل وقصيرة العمر طويلة الأمل، وعندي دار خير ممّا تجمعون.

يا عيسى قل لظلمة بني اسرائيل: كيف أنتم صانعون إذا أخرجت لكم كتاباً ينطق بالحق وأنتم تشهدون بسرائر قد كتمتموها وأعمال كنتم بها عاملين.

يا عيسى قل لظلمة بني إسرائيل: غسلتم وجوهكم ودنستم قلوبكم أبي تغترّون أم عليّ تجترئون، تتطيّبون بالطيب لأهل الدنيا وأجوافكم عندي بمنزلة الجيف المنتنة كأنّكم أقوام ميّتون.


1) أي أفيض عليك من رحماتي الخاصة من غير أن يطلع عليها غيري، مرآة العقول 25 :330.

.......................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

يا عيسى قل لهم: قلّموا أظفاركم من كسب الحرام، وأصمّوا أسماعكم عن ذكر الخنا (أي الفحش) واقبلوا عليّ بقلوبكم، فإنّي لست اُريد صوركم.

يا عيسى افرح بالحسنة فإنّها لي رضى، وابك على السيئة فإنّها لي سخط(1)، وما لا تحب أن يصنع بك فلا تصنعه بغيرك. فإن لطم خدك الأيمن فأعطه الأي الأيسر، و تقرّب إليّ بالمودة جهدك، واعرض عن الجاهلين.

يا عيسى ذلّ لأهل الحسنة وشاركهم فيها، وكن عليهم شهيداً، وقل لظلمة بني اسرائيل: يا أخدان السوء والجلساء عليه إن لم تنتهوا أمسخكم قردة وخنازير.

يا عيسى قل لظلمة بني اسرائيل: الحكمة تبكي فرقاً منّي، وأنتم بالضحك تجهرون، أتنكم براءتي أم لديكم أمان من عذابي ؟ أم تتعرضون لعقوبتي، فبي حلفت لأتركنكم مثلاً للغابرين.

ثمّ إنّي أوصيك يا ابن مريم البكر البتول بسيد المرسلين وحبيبي منهم، أحمد صاحب الجمل الأحمر، والوجه الأقمر، المشرق بالنور، الطاهر القلب، الشديد البأس الحيي، المتكرّم، فإنّه رحمة للعالمين، وسيد ولد آدم عندي، يوم يلقاني أكرم السابقين عليّ، وأقرب المرسلين منّي العربي الاُمّي(2)، الديان بديني، الصابر في ذاتي، المجاهد للمشركين ببدنه(3). عن ديني.


1) في نسخة : شين.

2) في نسخة : الأمين.

3) في نسخة : بيده.

..................................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

يا عيسى آمرك أن تخبر به بني إسرائيل وتأمرهم أن يصدّقوا به، وأن يؤمنوا به، وأن يتّبعوه، وأن ينصروه.

قال عيسى(عليه السلام) : إلهي من هو ؟ قال: يا عيسى ارضه فلك الرضي، قال: اللهمّ رضيت فمن هو ؟ قال: محمد رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) إلى الناس كافّة أقربهم منّي منزلة، وأوجههم عندي شفاعة، طوبى له من نبي وطوبى لاُمته إن هم لقوني على سبيله، يحمده أهل الأرض ويستغفر له أهل السماء، أمين مأمون(1)، طيب مطيب، خير الماضين والباقين عندي، يكون في آخر الزمان إذا خرج أرخت السماء عزاليها(2)(أي مطرها) وأخرجت الأرض زهرتها حتى يروا البركة، واُبارك لهم فيما وضع يده عليه كثير الأزواج قليل الأولاد، يسكن بكة موضع أساس إبراهيم (عليه السلام) .

یا عيسى دينه الحنيفية وقبلته مكية(3)، وهو من حزبي وأنا وأنا معه، فطوبى له ثمّ طوبى له، له الكوثر والمقام الأكبر، في جنات عدن يعيش أكرم معاش(4)، ويقبض شهيداً له حوض أكبر من بكة إلى مطلع الشمس من رحيق مختوم، فيه آنية مثل نجوم السماء، وأكواب مثل مدر الأرض، ماؤه عذب فيه من كلّ شراب وطعم كلّ ثمار في الجنة، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً، وذلك من قسمي له وتفضيلي إيّاه أبعثه على فترة بينك وبينه، يوافق سرّه علانيته، وقوله فعله، لا يأمر


1) في نسخة : ميمون.

2) أي أفواها والعزالي بفتح اللام وكسرها: جمع العزلاء مثل الحمراء وهو فم المزادة، مجمع البحرين 3 :174 المزاد والمزادة ما يوضع فيه الزاد انظر: لسان العرب 3 : 199.

3) في نسخة : يمانية.

4) في نسخة : من عاش.

.......................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الناس إلّا بما يبدأهم به، دينه الجهاد في يسر وعسر، تنقاد له البلاد، ويخضع له صاحب الروم على دينه ودين أبيه إبراهيم(عليه السلام).

يسمي عند الطعام ويفشي السلام ويصلّي والناس نيام، له كلّ يوم خمس صلوات متواليات، ويفتح بالتكبير، ويختتم بالتسليم، ويصفّ قدميه في الصلاة كما تصفّ الملائكة أقدامها، ويخشع لي قلبه النور في صدره، والحقّ في لسانه، وهو مع الحق حيثما كان.

أصله يتيم ضال برهة من زمانه عمّا يراد به (1)تنام عيناه ولا ينام قلبه، له الشفاعة، وعلى اُمته تقوم الساعة، ويدي فوق أيديهم إذا بايعوه، فمن نكث فإنّما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه أوفيت له بالجنة.

فمر ظلمة بني اسرائيل أن لا يدرسوا اسمه أو كتبه، ولا يحرّفوا سنته، وأن يقرؤوه السلام، فإنّ له في المقام شأناً من الشأن.

يا عيسى كلمّا يقربك منّي فقد دللتك عليه، وكلّما يباعدك منّي فقد نهيتك عنه، فارتد لنفسك.

يا عيسى إنّ الدنيا حلوة، وإنّما استعملتك فيها لتطيعني، فجانب منها ما حذرتك، وخذ منها ما أعطيتك عفواً.


1) أي بلا أب أو بلا نظير أو منفرد عن الخلق (ضال برهة) أي طائفة من زمانه (عما يراد به) أي الوحي والبعثة أو ضال بين قومه لا يعرفونه بالنبوة فكأنه ضل عنهم ثم وجدوه، مرآة العقول 25 : 337 و 338

..............................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

يا عيسى انظر في عملك نظر العبد المذنب الخاطئ، ولا تنظر في عمل غيرك نظر(1)الرب، وكن فيها زاهداً، ولا ترغب فيها فتعطب.

يا عيسى اعقل و تفكّر وانظر في نواحي الأرض كيف كان عاقبة الظالمين.

یا عیسی کلّ وصيتي(2)نصيحة لك، وكلّ قولى حق، وأنا الحق المبين حقاً أقول، لإن أنت عصيتني بعد أن أنبأتك ما لك من دوني ولي ولا نصير.

يا عيسى ذلل(3)قلبك بالخشية، وانظر إلى من هو أسفل معك، ولا تنظر إلى من هو فوقك، واعلم أنّ رأس كلّ خطيئة وذنب هو حبّ الدنيا، فلا تحبّها فإنّي لا اُحبّها.

يا عيسى أطب لي قلبك وأكثر ذكري في الخلوات، واعلم أنّ سروري أن تبصبص (أي تتملّق) إليّ، وكن في ذلك حياً ولا تكن ميتاً.

يا عيسى لا تشرك بي شيئاً، وكن منّي على حذر، ولا تغتر بالصحة، ولا تغبط نفسك، فإنّ الدنيا كفيء زائل، وما أقبل منها كما أدبر، فنافس في الصالحات جهدك. وكن مع الحق حيثما كان، وإن قطعت أو حرقت بالنار فلا تكفربي بعد المعرفة، ولا تكن من الجاهلين، فإنّ الشيء يكون مع الشيء.

یا عيسى صبّ لي الدموع من عينيك، واخشع لي بقلبك.

يا عيسى استغث في حالات الشدّة فإنّي أغيث المكروبين، واُجيب المضطرين، وأنا أرحم الراحمين»(4).


1) في نسخة : بمنزلة.

2) في نسخة : وصفي.

3) في نسخة : أذل.

4) الكافي 8 : 131، باب فيما ناجى الله عزّوجلّ عيسى بن مريم(عليه السلام) ، ح 103. الأمالي للشيخ الصدوق : 606 ، ح 841.

فنعم العون الأدب للنحيزة(1)، والتجارب لذي اللبّ.

اضمم آراء الرجال بعضها إلى بعض، ثمّ اختر أقربها إلى الصواب وأبعدها من الارتياب، يا بني لا شرف أعلى من الإسلام، ولا كرم أعزّ من التقوى، ولا معقل أحرز من الورع، ولا شفيع أنجح من التوبة،

[ شرح بقية وصية على(عليه السلام)لابنه محمد بن الحنيفة ]

(فنعم العون الأدب) أي الأعمال الصالحة بالجوارح (للنحيزة) أي النفس، فإنّ العبادات الظاهرة لطف في العبادات الباطنة من الإخلاص والشكر والرضى وأمثالها. وفي بعض النسخ: للخيرة، أي الأخيار (والتجارب) أي نعم العون في المعرفة والزهد، التجارب لأولي العقول.

(اضمم آراء الرجال) كما قال تعالى لسيد العالمين: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ(2)أو تفكّر في علوم العلماء بالله واختر أحسنها، ولا شك أنّ الأحسن ما كان من الله تعالى.

(ولا كرم) أي الكمال والمجد (أعز) وأنفس (من التقوى) إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ(3)(ولا معقل) ولا حصن (أحرز من الورع) عن الشبهات، فإنّ من تحرّز عنها نجا من الحرمات والهلكات.

(ولا شفيع أنجح) وأوصل إلى المطلوب الذي هو النجاة (من التوبة) كما قال الله


1) النحيزة : الطبيعة، الصحاح 3 : 899.

2) آل عمران : 159

3) الحجرات : 13.

ولا لباس أجمل من العافية، ولا وقاية أمنع من السلامة، ولاكنز أغنى من القنوع، ولا مال أذهب للفاقة من الرضى بالقوت.

ومن اقتصر على بُلغة الكفاف فقد انتظم الراحة وتبوّأ خفض الدعة.

الحرص داع إلى التقحّم في الذنوب، الق عنك واردات الهموم بعزائم الصبر، عوّد نفسك الصبر ، فنعم الخُلق الصبر، واحملها على ما أصابك من أهوال الدنيا وهمومها، فاز الفائزون، ونجي الذين سبقت لهم من الله

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعالى ورسوله والأئمة (عليهم السلام)(1)(ولا لباس أجمل من العافية) من الأمراض، فلو لم يكن اللباس جديداً فالعافية كافية.

(ولا وقاية) الذي يقي من النار (أمنع من السلامة) في الدين فإنّها حافظة منيعة من عذاب الله في الدنيا والآخرة، كما تقدّم، أنّ المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه، وإذا سلموا منه فهو سالم منهم أيضاً، كما هو المجرّب.

( ولا كنز أغنى من القنوع) فإن من قنع استغنى وشبع.

(ولا مال أذهب للفاقة) والفقر ( من الرضى بالقوت) فإنّ من رضى به يصير غنياً بلا مال، ومن لم يرض لم ينفعه جميع أموال الدنيا، كما تقدّم الأخبار فيه.

والبلغة - بالضم - ما يكتفى به من المعاش واضافتها إلى الكفاف بيانية (فقد انتظم) سلسلة (الراحة) واستراح من جميع الآلام والغموم (وتبوّأ خفض الدعة) أي سكن مسكن سعة العيش والراحة.

(الحرص داع إلى التقحم) والتهجّم في المهالك بلا روية (في الذنوب) لأنّ


1) انظر: نهج البلاغة 4 : 87 . الاعتقادات في دين الإمامية : 66.

الحسنى، فإنّه جنّة من الفاقة. وألجئ نفسك في الاُمور كلّها إلى الله الواحد القهار فإنّك تلجئها إلى كهف حصين وحرز حريز ومانع عزيز.

وأخلص المسألة لربّك، فإنّ بيده الخير والشر، والإعطاء والمنع، والصلة والحرمان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحريص لا يقنع بالحلال (فإنّه) أي الصبر.

(وألجئ نفسك) بالتوكّل والتفويض ثمّ أدع، أو ادع الله في جميع الاُمور مفوّضاً إليه، بأن يكون مطلوبك من الدعاء موقوفاً على رضى الله سبحانه في صلاحك، لا بأن تدعو جزماً وإن لم تكن مصلحتك في الإجابة.

( وأخلص المسألة لربك) أي لا تسأل شيئاً من غيره تعالى، أو اسأل خالصاً لله لما أمرك بالدعاء لا لحصول المطلوب، فإنّ الغرض من الدعاء توجّه العبد إلى الله تعالى، وهو حاصل سواء استجيب له أو لا.

وفي وصية الحسن(عليه السلام) ، قال(عليه السلام): «واعلم أنّ الذي بيده خزائن السماوات والأرض قد أذن لك في الدعاء وتكفّل لك بالإجابة، وأمرك أن تسأله ليعطيك. وتسترحمه ليرحمك، ولم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه ولم يلجئك إلى من يشفع لك إليه ولم يمنعك إن أسأت من التوبة ولم يعاجلك بالنقمة، ولم يفضحك حيث الفضيحة ولم يشدد عليك في قبول الإنابة، ولم يناقشك بالجريمة، ولم يؤيّسك من الرحمة، بل جعل نزوعك عن الذنب حسنة وحسب سيئتك واحدةً وحسب حسنتك عشراً، وفتح لك باب المتاب، فإذا ناديته سمع نداك، وإذا ناجيته علم نجواك فأفضيت إليه بحاجتك وأبثثنه ذات نفسك، وشكوت إليه همومك،

وقال(عليه السلام) في هذه الوصية: يا بني الرزق رزقان: رزق تطلبه ورزق يطلبك، فإن لم تأته أتاك، فلا تحمل همّ سنتك على هم يومك، وكفاك كلّ يوم ما هو فيه، فإن تكن السنة من عمرك ، فإن الله عزّوجلّ سيأتيك في كلّ غد بجديد ما قسم لك، وإن لم تكن السنة من عمرك فما تصنع بغمّ وهمّ ما ليس لك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

واستكشفته كروبك، واستعنته على اُمورك وسألته من خزائن رحمته ما لا يقدر على إعطائه غيره من زيادة الأعمار وصحة الأبدان وسعة الأرزاق، ثمَّ جعل في يديك مفاتيح خزائنه بما أذن لك فيه من مسألته، فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبواب نعمه واستمطرت شآبيب (أي قطرات) رحمته، فلا يقنطك إبطاء إجابته، فإنّ العطية على قدر النية، وربّما أخّرت عنك الإجابة ليكون ذلك أعظم لأجر السائل وأجزل لعطاء الآمل، وربّما سألت الشيء فلا تؤتاه و اُوتيت خيراً منه عاجلاً أو آجلاً أو صرف عنك لما هو خير لك، فلرب أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو اُوتيته فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله وينفى عنك وباله، والمال لا يبقى لك ولا تبقى له»(1).

فتأمّل في خزائن رحمة الله، فإنّ كلّ فقرة منها خزينة من خزائنه تعالى ألقاها على لسان وليّه(عليه السلام) .

(وقال(عليه السلام) في هذه الوصية) الظاهر أنّ هذه الوصية طويلة أخذ بعضها المصنّف(رضی الله عنه) ، وأخذ بعضها السيد الرضي(رضی الله عنه).

(يا بُنيّ الرزق رزقان: رزق تطلبه) وهو الزيادة على الكفاف (ورزق يطلبك) وهو


1) نهج البلاغة 3 : 47

واعلم أنّه لن يسبقك إلى رزقك طالب، ولن يغلبك عليه غالب، ولن يحتجب عنك ما قدّر لك.

فكم رأيت من طالب متعب نفسه مقتر عليه رزقه ومقتصد في الطلب قد ساعدته المقادير، وكلّ مقرون به الفناء اليوم لك وأنت من بلوغ غد على غير يقين، ولربّ مستقبل يوماً ليس بمستدبره، ومغبوط في أوّل ليلة قام في آخرها بواكية، فلا يغرّنك من الله طول حلول النعم وإبطاء موارد النقم، فإنّه لو خشى الفوت عاجل بالعقوبة قبل الموت.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

الكفاف، أو مع الزائد إذا كانت مصلحتك فيه.

(ولربّ مستقبل يوماً ليس بمستدبره) بل يموت قبل اليوم أو في اليوم (و) ربّ (مغبوط) ومحسود بالنعم (فلا يغرّنك) فربّما كان استدراجاً.

روى الكليني في الحسن كالصحيح عن حفص بن غياث عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: «كم من مغرور بما قد أنعم الله عليه، وكم من مستدرج بستر الله تعالى عليه، وكم من مفتون بثناء الناس عليه»(1).

وفي الصحيح عن سفيان بن السمط، قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام) : «إنّ الله تعالى إذا أراد بعبد خيراً فاذنب ذنباً أتبعه بنقمة ويذكره الاستغفار، وإذا أراد بعبد شراً فاذنب ذنباً أتبعه بنعمة لينسيه الاستغفار ويتمادى فيها أو بها، وهو قول الله عزّوجلّ: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ عند المعاصي»(2).


1) الكافي 2 : 452، باب الاستدراج، ح 4.

2) الكافي 2 : 452، باب الاستدراج ح .1 علل الشرائع 2: 561 باب العلة التي من أجلها تعجل العقوبة للمؤمن في الدنيا، ح .1. والآية في سورة الأعراف : 182.

يا بُني اقبل من الحمكاء مواعظهم، وتدبّر أحكامهم، وكن آخذ الناس بما تأمر به، وأكفّ الناس عما تنهى عنه، وأمر بالمعروف تكن من أهله، فإنّ استتمام الاُمور عند الله تبارك وتعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وتفقّه في الدين، فإنّ الفقهاء ورثة الأنبياء، إنّ الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً ولكنّهم ورثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظّ وافر.

واعلم أنّ طالب العلم يستغفر له من في السماوات والأرض حتى الطير في جوّ السماء والحوت في البحر، وأنّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى به، وفيه شرف الدنيا والفوز بالجنة يوم القيامة؛ لأنّ الفقهاء هم الدعاة إلى الجنان والأدلّاء على الله تبارك وتعالى.

وأحسن إلى جميع الناس كما تحبّ أن يحسن إليك، وارض لهم ما ترضاه لنفسك، واستقبح من نفسك ما تستقبحه من غيرك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي الحسن كالصحيح عن ابن رئاب عن بعض أصحابه، قال: سئل أبو عبد الله(عليه السلام) عن الاستدراج؟ فقال: «هو العبد يذنب الذنب فيملي

(أي يمهل) له ويجدّد له عنده النعم فيلهيه عن الاستغفار من الذنوب فهو مستدرج من حيث لا يعلم»(1).

وعن سماعة بن مهران، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن قول الله عزّوجلّ: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ؟ قال: «هو العبد يذنب الذنب فيجدّد له النعمة


1) الكافي 2 : 452، باب الاستدراج، ح 2.

وحسّن مع جميع الناس خلقك حتى إذا غبت عنهم حنوا إليك، وإذا متّ بكوا عليك، وقالوا: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا تكن من الذين يقال عند موته: الحمد لله رب العالمين.

واعلم أنّ رأس العقل بعد الإيمان بالله عزّوجلّ مداراة الناس.

ولا خير فيمن لا يعاشر بالمعروف من لابدّ من معاشرته حتى يجعل الله إلى الخلاص منه سبيلاً، فإنّي وجدت جميع ما يتعايش به الناس وب-ه يتعاشرون ملاء مكيال ثلثاه استحسان وثلثه تغافل، وما خلق الله عزّوجلّ شيئاً أحسن من الكلام ولا أقبح منه، بالكلام ابيضّت الوجوه، وبالكلام اسودّت الوجوه.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

معه تلهيه تلك النعمة عن الاستغفار من ذلك الذنب» (1).

(حنّوا) من الحنين بمعنى الاشتياق.

(مداراة الناس) التقية منهم (ثلثاه استحسان) أي جعله (2)حسناً، فإنّه ما أمكن أن يصرف(3)فعل المؤمن على الوجه الحسن يجب أن يصرفه(4)عليه، فإذا لم يمكن فالتغافل بأن لا يتوجّه إليه، أو الجميع تقية إذا خاف منهم، وإلّا فهو مداهنة محرمة، كما تقدّم آنفاً من وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.


1) الكافي 2 : 452، باب الاستدراج، ح3. والآية في سورة الأعراف : 182.

2) في نسخة : عدّة.

3) في نسخة : يحمل.

4) في نسخة : يحمله.

واعلم أنّ الكلام في وثاقك ما لم تتكلّم به، فإذا تكلّمت به صرت في وثاقه، فاخزن لسانك كما تخزن ذهبك وورقك، فإنّ اللسان كلب عقور، فإن أنت خليته عقر، وربّ كلمة سلبت نعمة.

من سيّب عذاره قاده إلى كلّ كريهة وفضيحة، ثمّ لم يخلص من دهره إلّا على مقت من الله عزّوجلّ وذمّ من الناس.

قد خاطر بنفسه من استغنى برأيه، ومن استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ .

من تورّط في الاُمور غير ناظر في العواقب فقد تعرّض لمفظعات النوائب.

والتدبير قبل العمل يؤمنك من الندم، والعاقل من وعظته التجارب.

وفي التجارب علم مستأنف، وفي تقلّب الأحوال علم جواهر الرجال، الأيام تهتك لك عن السرائر الكامنة تفهم وصيتي هذه.

ولا تذهبن عنك صفحاً، فإن خير القول ما نفع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

( من سيّب عذاره) أي أرسل نفسه بلا لجام التقوى، بل يجب أن يلجمه ولا يدعها مع هواها، فإنّ رداها في هواها.

(فقد تعرّض لمفظعات النوائب) أي المصائب المفضحة، أو بالقاف والطاء المهملة، أي المصائب اللازمة كالجبة الملاصقة للبدن.

(وفي تقلب الأحوال) في العسر واليسر، والصحة والمرض، والمعاملة والسفر.

( ولا تذهبنّ) الوصية ( عنك صفحاً) بأن تعرض عنها بصفحة وجه قلبك.

اعلم يا بني أنّه لابدّ لك من حسن الارتياد وبلاغك من الزاد مع خفّة الظهر، فلا تحمل على ظهرك فوق طاقتك، فيكون عليك ثقلاً في حشرك

ونشرك في القيامة، فبئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد.

واعلم أنّ أمامك مهالك ومهاوي وجسوراً وعقبة كئوداً

ــــــــــــــــــــــــــ

(من حسن الارتياد) طلب الآخرة على الوجه الأحسن في المجاهدة في الطاعات (وبلاغك من الزاد) أي بقدر ما يكفيك في سفرك، وسفر الآخرة لا نهاية له، فليكن سعيك في طلب الزاد جميلاً، وأنّ خير الزاد التقوى (مع خفة الظهر) من الآثام، سيّما تبعات العباد.

(واعلم أنّ أمامك) من الموت إلى الحشر، وإلى دخول الجنة أو النار (مهالك) من عذاب القبر وسؤال منكر ونكير والضغطة وسؤال رومان فتان القبور وكتابة ما فعلته من الخير والشرّ في دار الدنيا مع قطع النظر عن شدّة الموت، وأنّه بمنزلة سلخ جلد الشاة حيّاً، كما ورد به الأخبار: أنّه سئل إبراهيم الخليل وموسى الكليم(عليه السلام) بعد موتهما كيف وجدتما الموت؟ فقالا: كشاة سلخت جلدها وهي حيّة(1)، وتقدم أنّ بين الدنيا والآخرة ألف عقبة، أهونها وأيسرها الموت.

(ومهاوي) من أهوال يوم القيامة، فإنّ له مئتي اسم في القرآن والأخبار، وكلّ واحد منها يدلّ على هول (وجسوراً) وهو الصراط الممدود على متن جهنم. ويمكن أن يكون لكلّ صنف جسراً خاصاً بهم، أو باعتبار أحواله من الصعود والهبوط والاستواء جمعه.

(وعقبة كثوداً) شاقة، التي في الصراط من الصعود إلى الهبوط. ويمكن أن يكون


1) تفسير القرطبي 6: 133.

لا محالة أنت هابطها، وأنّ مهبطها إمّا على جنة أو على نار، فارتد لنفسك قبل نزولك إيّاها.

وإذا وجدت من أهل الفاقة من يحمل زادك إلى القيامة فيوافيك به غداً حيث تحتاج إليه فاغتنمه وحمله، وأكثر من تزوده وأنت قادر عليه، فلعلّك تطلبه فلا تجده، وإيّاك أن تثق لتحميل زادك بمن لا ورع له ولا أمانة، فيكون مثلك مثل ظمآن رأى سراباً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً فتبقى في القيامة منقطعاً بك.

وقال(عليه السلام) في هذه الوصية: يا بُنّي البغي سائق إلى الحين(1)، لن يهلك امرؤ عرف قدره من حصن شهوته صان قدره.

قيمة كلّ امرئ ما يحسن.

ــــــــــــــــــــــــــ

الجميع استعارة عن أهوال ما بعد الموت.

( لا محالة أنت هابطها) بعد صعودها (فارتد لنفسك) واختر قبله طريق الجنّة، بأن يكون مهبطك إليها.

(وإذا وجدت) أي إذا تصدّقت في الدنيا على الفقراء الصالحين فكأنّك حملتهم زادك، وتقدّم أنّ الفقراء يشفعون في الأغنياء الذين أعطاهم شيئاً ويدخلونهم الجنة.

(البغي) والظلم (سائق إلى الحين) والهلاك (ومن حظر) أي منع أو حصن: أي حفظ (شهوته صان) أي حفظ (قدره) فإنّ الشهوات تضيع قدره في الدنيا والآخرة.

(قيمة كلّ امرئ ما يحسن) أي تزيد القيمة بزيادة العلم كمّاً وكيفاً، فإنّ شرف


1) الحين بالفتح: الهلاك يقال: حان الرجل أي هلك واحانه الله اهلكه، الصحاح 5 : 2106.

الاعتبار يفيدك الرشاد.

أشرف الغني ترك المني.

الحرص فقر حاضر.

المودّة قرابة مستفادة، صديقك أخوك لأبيك واُمك، وليس كلّ أخ لك من أبيك و اُمك صديقك.

ــــــــــــــــــــــــــــ

العلم بشرف الموضوعات، فلا شكّ في أنّ العالم بعظمة الله وجلاله أعظم قدراً ممّن هو كان عالماً بأحكامه، وهكذا في المقدّمات، ولا شك أنّ بعض العلوم ضرره أعظم من نفعه كما لا يخفى، وما كان المقصود منه الدنيا فقيمته ما يحصل له في الدنيا وما له في الآخرة من نصيب إلّا الحسرة والندامة الدائمة، فتأمّل حق التأمّل في هذا الخبر.

(الاعتبار يفيدك الإرشاد) بأن تنظر إلى الدنيا وأهلها وفنائهما وتنظر إلى جميع الأشياء بأنّها مشتملة على حكم ومصالح ومنافع، وتستدلّ بها على قدرة موجدها وعلمه وإرادته وكونه رب العالمين، وتنظر إلى تربيته للأشياء ووضعها مواضعها، وتنظر إلى رحمانيته تعالى بنعمائه الظاهرة، وإلى رحيميته بآلائه الباطنة من بعثة الأنبياء والأوصياء، وإلقاء العلوم والحكم والواردات على القلوب القابلة.

( أشرف الغنى ترك المني) فإنّ الفقر للاحتياج، فإذا ترك المطالب الدنيوية استغنى عن الجميع ويصير غنياً بالله .

(الحرص فقر حاضر ) لأنّ الفقر هو الحاجة، والحريص محتاج إلى جميع الدنيا وإن كان أكثرها له.

(المودة قرابة مستفادة) بل هي أحسن القرابة، فإنّ الأغلب أنّ الأقارب كالعقارب، فإذا استفاد قرابة بالمودّة بإعطاء المال والعلم والكمال صار بمنزلة الأخ

لا تتخذن عدو صديقك صديقاً فتعادي صديقك، كم من بعيد أقرب منك من قريب.

وَصولٌ مُعدم خير من مثر جاف، الموعظة كهف لمن وعاها.

مَن منّ بمعروفه أفسده.

من أساء خلقه عذب نفسه وكانت البغضة أولى به.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

والأب والاُم.

(لا تتخذنّ عدوّ صديقك صديقاً) كما قال الله تعالى: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ(1). وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ(2)إلى غير ذلك من الآيات والروايات.

(وَصولٌ مُعِدمٌ) فقير (خير من مثر) ذي ثروة من المال (جاف) من الجفاء والبعد (الموعظة) والنصيحة (كهف) حريز وحصن منيع من عذاب الله في الدنيا والعقبى (لمن وعاها) وحفظها وعمل بها.

(من منّ بمعروفه) وإحسانه (أفسده) كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ(3).

(من أساء خلقه) بعدم اصلاحه بالتواضع وحسن الخلق مع الناس (عذّب نفسه) بيده ويكون دائماً في الغم والهم بإيذائه الناس وإيذائهم له، والأغلب من العجب.


1) المجادلة : 22.

2) الممتحنة : 1.

3) البقرة : 264

ليس من العدل القضاء بالظنّ على الثقة.

ما أقبح الأشر عند البطر، والكآبة عند النائبة المعضلة، والقسوة على الجار والخلاف على الصاحب، والخبث من ذي المروءة.

ـــــــــــــــــــــــــ

( ليس من العدل القضاء بالظنّ على الثقة) أي إذا كنت تثق بأحد في الدين والديانة والمحبّة وغيرها، فما لم يحصل لك اليقين بزوال هذه الأشياء لا تحكم عليه بالزوال، فإنّ الظنّ لا يغنى من الحق شيئاً .

(ما أقبح الأشر)والنشاط والطغيان (عند البطر) بكثرة نعم الله تعالى، وسمّاها بطراً لاستلزامه الأشر، بل يجب أن يقابل نعمه بالإحسان إلى المستحقين والتواضع للمؤمنين.

(والكآبة) أي ما أقبح الغم ( عند النائبة المعضلة) الشديدة؛ لأنّها مصيبة اُخرى. بل يجب الشكر، فإن لم يكن له هذه المرتبة فليصبر، وليعلم أنّه لا فائدة في الغم. نعم إذا حصل أمارات المصيبة فلا بأس بأن يغتم ويهتم في دفعه بالدعاء والتضرّع، فإذا وقعت فعليه بالرضى بقضاء الله تعالى.

(و) ما أقبح (القسوة) والغلظة (على الجار) بمن يجار بك أو بمجاوريك في المنزل، فإنّ حقوقهما عظيمة، وتقدّم أنّ الجار كالنفس، وأنّه قال(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : «ما زال جبرئيل(عليه السلام) يوصيني بالجار حتى ظننت أنّه سيورّثه»(1).

(و) ما أقبح (الخلاف) والمخالفة على الصاحب) بل يلزم أن يكون موافقاً له وإن خالف نفسه.

(و) ما أقبح (الخبث) والغيبة، أو مطلق القبيح، أو الحنث - كما في بعض النسخ - أي مخالفة اليمين، أو مطلق الإثم (من ذي المروءة) والعادل.


1) دعائم الإسلام 2 : 88، ح 265 الأمالي للشيخ الصدوق : 514.

والغدر من السلطان.

كفر النعم موق، ومجالسة الأحمق شوم.

اعرف الحق لمن عرّفه لك شريفاً كان أو وضيعاً.

من ترك القصد جار، من تعدى الحق ضاق مذهبه .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

روى المصنّف في الحسن كالصحيح عن حماد بن عيسى عمّن ذكره عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين(عليه السلام)في وصيته لابنه محمد بن الحنفية، وهي هذه: واعلم أنّ مروءة المرء المسلم مروءتان: مروءة في حضر، ومروءة في سفر. فأمّا مروءة الحضر فقراءة القرآن، ومجالسة العلماء، والنظر في الفقه، والمحافظة على الصلاة في الجماعات. وأمّا مروءة السفر فبذل الزاد، وقلّة الخلاف على من صحبك، وكثرة ذكر الله عزّوجلّ في كلّ مصعد ومهبط ونزول وقيام وقعود»(1).

(و) ما أقبح (الغدر) والمكر ونقض العهد (من السلطان) فإنّه يذهب بهاؤه ومقداره عند العالمين.

(كفر النعمة) من الله أو من غيره (مؤف) في محلّ الآفة التي هي زوال النعمة. أو موق بالقاف. أي حماقة في غباوة.

(أعرف الحق لمن عرّفه لك) فإنّه لما عرف حقك فاعرف حقه، وإن كنت عالماً وهو متعلّم، ولهذا قال(عليه السلام) (شريفاً كان أو وضيعاً) كما تقدّم في الحقوق.

(من ترك القصد) أي الاقتصاد والتوسّط في جميع الاُمور سيّما في الإنفاق (جار) من الجور، أو بالمهملة من الحيرة ( من تعدّى) وتجاوز ( عن الحق) والصواب (ضاق مذهبه) ولا يدري أين يذهب، والعقل يحكم ببطلانه ولا مفرّ له إلّا بالرجوع إلى الحق.


1) الخصال : 54 ، ح 71.

کم من دنف قد نجا وصحيح قد هوى.

قد يكون اليأس إدراكاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

(كم من دنف) مريض مزمن مرضه (قد نجا) وصحّ (وكم) من (صحيح قد هوى) ومات، أو يكون استعارة عن المرض والصحة المعنويين، ويكون إشارة إلى عدم الاغترار بصحته وعدم القنوط من مرضه أو مرض غيره.

كما رواه الصدوقان عن الصادق(عليه السلام) ، قال :« يدخل رجلان المسجد أحدهما عابد والآخر فاسق فيخرجان من المسجد والفاسق صديق والعابد فاسق، وذلك أنّه يدخل العابد المسجد وهو مدل - أي بعبادته- وفكرته في ذلك، ويكون فكرة الفاسق في التندّم على فسقه فيستغفر الله من ذنوبه»(1).

(قد يكون اليأس إدراكاً) فإنّه إذا يئس من الناس كلّهم يتداركه الله بمعونته وقضاء حوائجه، أو أصل اليأس من الناس تدارك الله تعالى إيَّاه، فإنّه لا يحصل ذلك أيضاً إلّا من فضله.

كما رواه الكليني في الحسن كالصحيح عن عبد الأعلى بن أعين قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: «طلب الحوائج إلى الناس استلاب للعزّ ومذهبة للحياء، واليأس ممّا في أيدي الناس عزّ للمؤمن في دينه، والطمع هو الفقر الحاضر»(2).

وفي القوي كالصحيح عن حفص بن غياث قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام) : «إذا أراد


1) الكافي 2 : 313، باب العجب، ح .6. علل الشرائع 2 : 354 باب العلّة من أجلها قد يدخل الرجلان المسجد، أحدهما عابد والآخر فاسق، ح 1.

2) الكافي 2 : 148 ، باب الاستغناء عن الناس ، ح 4.

..............................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

أحدكم أن لا يسأل الله شيئاً إلّا أعطاه فلييأس من الناس كلّهم، ولا يكون له رجاء إلّا عند الله، فإذا علم الله ذلك من قلبه لم يسأل شيئاً إلّا أعطاه» (1).

وفي القوي عن الزهري عن علي بن الحسين(عليه السلام) ، قال: «رأيت الخير كله قد اجتمع في قطع الطمع عمّا في أيدي الناس ولم يرج الناس في شيء وردّ أمره إلى الله عزّوجلّ في جميع اُموره استجاب الله عزّوجلّ له في كلّ شيء»(2).

وفي الصحيح عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «شرف المؤمن قيام الليل وعزّه استغناؤه عن الناس»(3).

وفي الصحيح عن البزنطي، قال: قلت لأبي الحسن الرضا(عليه السلام) : جعلت فداك اكتب إلى إسماعيل بن داود الكاتب لعلّي اُصيب منه، قال: «أنا أضنّ بك - أو أعزّ بك - أن تطلب مثل هذا وشبهه ولكن عوّل على مالي»(4).

وفي القوي كالصحيح عن يحيى بن عمران وعن عمار الساباطي عن أبي عبد الله(عليه السلام). قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام)يقول: ليجتمع في قلبك الافتقار إلى الناس والاستغناء عنهم، فيكون افتقارك إليهم في لين كلامك وحسن بشرك، ويكون


1) الكافي 2 : 148 ، باب الاستغناء عن الناس، ح 2.

2) الكافي 2 : 148 ، باب الاستغناء عن الناس، ح3

3) الكافي 2 : 148 ، باب الاستغناء عن الناس، ح 1

4) الكافي 2 : 149، باب الاستغناء عن الناس، ح5.. أي إذا كانت لك حاجة اعتمد على مالي، مرآة العقول 8 : 355.

والطمع هلاكاً استعتب من رجوت عتابه.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

استغناؤك عنهم في نزاهة عرضك وبقاء عزّك»(1).

وفي القوي كالصحيح عن نجم بن حطيم عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: «اليأس ممّا في أيدي الناس عزّ المؤمن في دينه أوما سمعت قول حاتم: إذا ما عزمت اليأس الفيته الغنى (أي وجدته) إذا عرفته النفس والطمع الفقر »(2).

(والطمع هلاكاً) وفي النهج: «إذا كان الطمع هلاكاً»(3)أي اليأس الممدوح اليأس من الناس؛ لأنّ الطمع منهم هلاك، بخلاف اليأس من الله، فإنّ الطمع منه نجاة (استعتب) أي استرض (من رجوت) أي خفت (عتابه) سواء كان من الله أو من غيره.

وفي النهج: «ووطىء المنزل قبل حلولك، فليس بعد الموت مستعتب، ولا إلى الدنيا منصرف»(4).

وروى الكليني في الحسن كالصحيح عن أبي حمزة، عن علي بن الحسين(عليه السلام) ، قال:« كان أمير المؤمنين(عليه السلام)يقول : الدهر ثلاثة أيام أنت فيما بينهن، مضى أمس بما فيه ولا يرجع أبداً، فإن كنت عملت فيه خيراً لم تحزن لذهابه وفرحت بما أسلفته أو استقبلته منه، وإن كنت قد فرطت فيه فحسرتك شديدة لذهابه، وتفريطك فيه


1) الكافي 2 : 149 ، باب الاستغناء عن الناس، ح 7.

2) الكافي 2 : 149 ، باب الاستغناء عن الناس، ح 6.

3) نهج البلاغة 3: 55 و 56

4) نهج البلاغة 3 : 47

.................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأنت في يومك الذي أصبحت فيه من غد في غرة، ولا تدري لعلك لا تبلغه، وإن بلغته لعلّ حظّك فيه في التفريط مثل حظّك في الأمس الماضي عنك. فيوم من الثلاثة قد مضى أنت فيه مفرط، ويوم تنتظره لست أنت فيه أو منه على يقين من ترك التفريط، وإنّما هو يومك الذي أصبحت فيه، وقد ينبغي لك إن عقلت وفكرت فيما فرّطت في الأمس الماضي ممّا فاتك فيه من حسنات أن لا تكون اكتسبتها، ومن سيئات أن لا تكون أقصرت عنها وأنت على - أو مع - هذا من استقبال غد على غير ثقة من أن تبلغه وعلى غير يقين من اكتساب حسنة أو مرتدع عن سيئة محبطة، فأنت من يومك الذي تستقبل على مثل يومك الذي استدبرت فاعمل عمل رجل ليس بآمل من الأيام إلّا يومه الذي أصبح فيه وليلته فاعمل أودع والله تعالى المعين على ذلك»(1).

وفي الحسن كالصحيح عن ابراهيم بن عمر اليماني عن أبي الحسن الماضي(عليه السلام)قال: «ليس منّا من لم يحاسب نفسه في كلّ يوم، فإن عمل حسناً استزاد الله، وإن عمل سيّئاً استغفر الله منه وتاب اليه»(2).

وفي القوي كالصحيح عن أبي النعمان عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: «يا أبا النعمان لا يغرّنك الناس من نفسك، فإنّ الأمر يصل إليك دونهم، ولا تقطع نهارك بكذا وكذا، فإنّ معك من يحفظ عليك عملك، وأحسن فإنّي لم أر شيئاً أحسن دركاً ولا أسرع


1) الكافي 2 : 453، باب محاسبة العمل، ح 1.

2) الكافي :2 : 453 ، باب محاسبة العمل، ح 2.

....................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

طلباً من حسنة محدثة لذنب قديم »(1).

وفي القوي كالصحيح عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «اصبروا على الدنيا فإنّما هي ساعة، فما مضى منه لا تجد له ألماً ولا سروراً، وما لم يجيء فلا يدري ما هو، وإنّما هي ساعتك التي أنت فيها فاصبر على طاعة الله تعالى، واصبر فيها عن معصية الله تعالی»(2).

وعن أبي عبد الله(عليه السلام) :« احمل نفسك لنفسك، فإن لم تفعل لم يحملك غيرك»(3).

وقال(عليه السلام) لرجل: «إنّك قد جعلت طبيب نفسك، وبيّن لك الداء وعرفت آية الصحة ودللت على الدواء، فانظر كيف قيامك على نفسك» (4).

وقال(عليه السلام) لرجل: «اجعل قلبك قريناً برّاً أو ولداً وأصلاً، واجعل عملك والداً تتبعه، واجعل نفسك عدواً تجاهدها واجعل مالك عارية تردّها»(5).

وقال(عليه السلام) : «اقصر نفسك عمّا يضرها من قبل أن تفارقك، واسع في فكاكها كما تسعى في طلب معيشتك، فإنّ نفسك رهينة بعملك» (6).

وقال(عليه السلام) : «المسجون من سجنته دنياه عن آخرته»(7).


1) الكافي 2 : 454، باب محاسبة العمل، ح 3.

2) الكافي 2 : 454، باب محاسبة العمل، ح 4.

3) الكافي 2 : 454 باب محاسبة العمل، ح 5.

4) الكافي 2 : 454 باب محاسبة العمل، ح 6.

5) الكافي 2 : 454، باب محاسبة العمل، ح7 .

6) الكافي 2 : 455، باب محاسبة العمل، ح 8.

7) الكافي 2 : 455، باب محاسبة العمل، ذيل ح 9.

............................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

وفي الصحيح عن زيد الشحّام قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام) : «خذ لنفسك من نفسك. خذ منها في الصحة قبل السقم، وفي القوّة قبل الضعف، وفي الحياة قبل الممات»(1).

وفي القوي عن أمير المؤمنين(عليه السلام) ، قال: «لا يصغر ما ينفع يوم القيامة، ولا يصغر ما يضرّ يوم القيامة، فكونوا فيما أخبركم الله عزّوجلّ كمن عاين»(2).

وفي القوي كالصحيح عن الحكم بن سالم، قال: دخل قوم فوعظهم ثمّ قال: «ما منكم من أحد إلّا وقد عاين الجنة وما فيها وعاين النار وما فيها إن كنتم تصدّقون بالكتاب»(3).

وفي الحسن كالصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: سمعته يقول: «ما أحسن الحسنات بعد السيئات، وما أقبح السيئات بعد الحسنات»(4).

وفي القوي عن عبد الله بن سنان عن أبي سنان عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «جاء رجل إلى أبي ذر فقال: يا أباذر ما لنا نكره الموت؟ فقال: لأنّكم عمرتم الدنيا وأخربتم الآخرة فتكرهون أن تنتقلوا من عمران إلى خراب، فقال له: فكيف ترى قدومنا على الله تعالى؟ فقال: أمّا المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأمّا المسيء فكالآبق يرد على مولاه، قال: فكيف ترى حالنا عند الله تعالى؟ فقال: اعرضوا أعمالكم على


1) الكافي 2 : 455، باب محاسبة العمل، ح 11.

2) الكافي 2 : 456 ، باب محاسبة العمل، ح 14

3) الكافي 2 : 257 ، باب محاسبة العمل، ح 16.

4) الكافي 2 : 258 ، باب محاسبة العمل، ح 18.

.............................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

الكتاب إنَّ الله تعالى يقول: إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَارَ لَفِي جَحِيمٍ(1). قال: فقال الرجل فأين رحمة الله ؟ قال رحمة الله قريب من المحسنين» قال أبو عبد الله(عليه السلام) : «وكتب رجل إلى أبي ذر يا أباذر اطرفني بشيء من العلم، فكتب إليه: إنّ العلم كثير ولكن إن قدرت على أن لا تسيء إلى من تحبّه فافعل، قال: فقال له الرجل: وهل أحد يُسيء إلى من يحبّه؟ فقال: نعم نفسك أحبّ الأنفس إليك، فإذا عصيت الله فقد أسأت إليها»(2).

وفي الموثق كالصحيح عن سماعة عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: سمعته يقول: «اصبروا على طاعة الله تصبروا عن معاصي الله ، فإن الدنيا ساعة، فما مضى فلا تجد له سروراً ولا حزناً، وما لم يأت فليس تعرفه فاصبر على تلك الساعة التي أنت فيها فكأنّك قد اغتبطت(3)بالمهملة، أي متّ بلا سبب فجأة.

وفي الصحيح عن يونس عن رجل عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «قال الخضر لموسى(عليه السلام) : يا موسى إن أصلح يومك الذي هو أمامك فانظر أيّ يوم هو وأعدّ له الجواب فإنّك موقوف ومسؤول، وخذ موعظتك من الدهر فإنّ الدهر طويل قصير. فاعمل كأنّك ترى ثواب عملك ليكون اطمع لك في الآخرة - أو في الأجر - فإنّما هو آت من الدنيا كما قد ولى منها»(4).


1) الانفطار : 13 و 14.

2) الكافي 2 : 258، باب محاسبة العمل، ح 20.

3) الكافي 2 : 259، باب محاسبة العمل، ح 21

4) الكافي 2 : 459 ، باب محاسبة العمل، ح 22

..............................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

وعن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال :« قيل لأمير المؤمنين(عليه السلام)عظنا وأوجز، فقال: الدنيا حلالها حساب وحرامها عقاب وأنّى لكم بالروح، ولمّا تأسوا بسنّة نبيكم، تطلبون ما يطغيكم ولا ترضون بما يكفيكم»(1).

وفي القوي كالصحيح عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «إنّكم في آجال مقبوضة - أو منقوصة - وأيام معدودة والموت يأتي بغتة، ومن يزرع خيراً يحصد غبطة، ومن يزرع شرّاً يحصد ندامة، ولكلّ زارع ما زرع، ولا يسبق البطيء منكم حظّه، ولا يدرك حريص ما لم يقدّر له، من اُعطي خيراً فالله أعطاه، ومن وقى شرّاً فالله وقاه»(2).

وفي الصحيح عن هشام بن سالم عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «إنّ النهار إذا جاء قال: يا ابن آدم اعمل في يومك هذا خيراً أشهد لك عند ربك يوم القيامة فإنّي لم آتك فيما مضى ولا آتيك فيما بقي، وإذا جاء الليل قال: مثل ذلك»(3).

وفي القوي عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: «إذا أتت على الرجل أربعون سنة، قيل له: خذ حذرك فإنّك غير معذور وليس ابن الأربعين بأحق بالحذر من ابن العشرين، فإنّ الذي يطلبهما واحد وليس براقد فاعمل لما أمامك من الهول ودع عنك فضول


1) الكافي 2 : 459، باب محاسبة العمل، ح 23.

2) الكافي 2 : 458، باب محاسبة العمل، ح 19.

3) الكافي :2 : 455 باب محاسبة العمل، ح 12.

لا تبيتنّ من امرئ على غدر الغدر شرّ لباس المرء المسلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

القول»(1).

وقال: «جاء رجل إلى أمير المؤمنين(عليه السلام) فقال: يا أميرالمؤمنين أوصني بوجه من وجوه البرّ أنج - أو أنجو - به فقال: أمير المؤمنين(عليه السلام) : أيّها السائل استمع ثمّ استفهم، ثمّ استيقن، ثمّ استعمل. واعلم أنّ الناس ثلاثه: زاهد، وصابر، وراغب. فأمّا الزاهد فقد خرجت الأحزان والأفراح من قلبه، فلا يفرح بشيء من الدنيا، ولا يأسى على شيء منها فاته فهو مستريح. وأمّا الصابر فإنّه يتمنّاها بقلبه، فإذا نال منها ألجم نفسه عنها لسوء عاقبتها وشتاتها - أو شنآنها، أو شنائها أي قبحها - ولو اطلعت على قلبه عجبت من عفّته و تواضعه وحزمه. وأمّا الراغب فلا يبالي من أين جاءته الدنيا من حلّها أو من حرامها، ولا يبالي ما دنّس منها عرضه وأهلك نفسه، واذهب مروءته فهم في غمرتهم يعمهون وفي غمرة يضطربون»(2).

(لا تبيتن من امرئ على غدر) قد تقدّم الأخبار في ذلك.

وروى الكليني في الصحيح عن ابن مسكان عن أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) . قال: «أيّما رجل من شيعتنا أتاه رجل أو أتى رجلاً من إخوانه فاستعان به في حاجة ولم يعنه وهو يقدر إلّا ابتلاه الله تعالى بأن يقضي حوائج عدة من أعدائنا يعذبه الله عليها يوم القيامة»(3).


1) الكافي 2 : 455، باب محاسبة العمل، ح 10.

2) الكافي 2 : 455، باب محاسبة العمل، ح 13.

3) الكافي 2 : 366، باب من استعان به أخوه فلم يعنه، ح 2.

.............................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي القوي كالصحيح عن علي بن جعفر عن أبي الحسن(عليه السلام) ، قال: سمعته يقول: «من قصد إليه رجل من إخوانه مستجيراً - أو يستجير - به في بعض أحواله فلم يُجره بعد أن يقدر عليه فقد قطع ولاية الله تعالى»(1).

وفي القوي كالصحيح عن أبي حمزة عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: قلت له: جعلت فداك ما تقول في مسلم أتى مسلماً زائراً وهو في منزله فاستأذن عليه فلم يأذن له ولم يخرج إليه؟ قال: «يا أبا حمزة أيّما مسلم أتى مسلماً زائراً أو طالب حاجة وهو في منزله فاستأذن عليه فلم يأذن له ولم يخرج إليه لم يزل في لعنة الله تعالى حتى يلتقيا» فقلت: جعلت فداك في لعنة الله حتى يلتقيا ؟ قال: «نعم يا أبا حمزة»(2).

وفي القوي كالصحيح عن مفضل عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال : «أيّما مؤمن كان بينه وبين مؤمن حجاب ضرب الله تعالى بينه وبين الجنّة سبعين ألف سور، غلظ كلّ سور مسيرة ألف عام، ما بين السور إلى السور مسيرة ألف عام»(3).

وفي القوي عن محمد بن سنان قال: كنت عند الرضا(عليه السلام) فقال لي: «يا محمد إنّه كان في زمن بني اسرائيل أربعة نفر من المؤمنين، فأتى واحد منهم الثلاثة وهم مجتمعون في منزل أحدهم في مناظرة بينهم، فقرع الباب فخرج إليه الغلام فقال: أين مولاك ؟ فقال: ليس هو في البيت فرجع الرجل ودخل الغلام إلى مولاه فقال له:


1) الكافي 2 : 366، باب من استعان به أخوه فلم يعنه، ح 4.

2) الكافي 2 : 365 ، باب من حجب أخاه المؤمن، ح 4.

3) الكافي 2 : 365، باب من حجب أخاه المؤمن، ح 3.

مَن غدر ما أخلَقَ أن لا يوفّى له.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

من كان الذي قرع الباب؟ فقال: كان فلان فقلت له: لست في المنزل فسكت ولم يكترث ولم يلم غلامه ولا اغتم أحد منهم لرجوعه عن الباب وأقبلوا في حديثهم. فلمّا كان من الغد بكر إليهم الرجل فأصابهم وقد خرجوا يريدون ضيعة لبعضهم فسلّم عليهم وقال: أنا معكم ؟ فقالوا له : نعم، ولم يعتذروا إليه، وكان الرجل محتاجاً ضعيف الحال، فلمّا كانوا في بعض الطريق إذا غمامة قد أظلّتهم فظنّوا أنّه مطر فبادروا، فلمّا استوت الغمامة رؤوسهم إذاً مناد ينادي من جوف الغمامة: أيّتها النار خذيهم وأنا جبرئيل رسول الله، فإذا نار من جوف الغمامة قد اختطفت الثلاثة نفر وبقي الرجل مرعوباً يعجب ممّا نزل بالقوم ولا يدري ما السبب، فرجع إلى المدينة فلقي يوشع بن نون(عليه السلام) فأخبره الخبر وما رأى وما سمع، فقال له يوشع بن نون(عليه السلام) : أما علمت أنّ الله تعالى سخط عليهم بعد أن كان عنهم راضياً وذلك بفعلهم بك، قال: وما فعلهم بي؟ فحدّثه يوشع، فقال الرجل: فأنا أجعلهم في حلّ وأعفو عنهم، فقال: لو كان هذا قبل النفعهم، وأمّا الساعة فلا، وعسى أن ينفعهم من بعد»(1).

(من غدر ما أخلق) وأليق ( أن لا يوفّى له) أي إذا آمَنَ أحداً ثمّ أضر به يصير بحيث يستجير إلى أحد لا يوفّى له كما في أكل مال اليتيم، أو إذا مكرمع المؤمنين الله يمكر به بالاستدراج وغيره، كما قال تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ(2)أو لا يفي الله له فيما عاهد إيّاه ووعده .


1) الكافي 2 : 364، باب من حجب أخاه المؤمن، ح 2.

2) آل عمران : 54

الفساد يبير الكثير، والاقتصاد ينمي اليسير.

من الكرم الوفاء بالذمم، من كرم ساد، ومن تفهّم از داد.

امحض أخاك النصيحة.

ـــــــــــــــــــــــــــ

(الفساد) أي الإسراف (يبير) ويهلك المال الكثير ويذهب بركته ولا يبارك له، وتقدّم ذمّ الإسراف ومدح الاقتصاد.

(من الكرم الوفاء بالذمم) أي من الكمال أو الجود الوفاء بالعهود مع الله ومع الخلق، أو الوفاء بالرحم أو الوقار، والظاهر التصحيف فيهما.

(من كرم) أي جاد أو كمل (ساد) أي علا وارتفع عن الناس. (من تفهّم) أي استفهم من استاذه (ازداد) من العلوم.

(امحض أخاك النصيحة) أي يلزم أن تحبّ له ما تحبّ لنفسك، أو إذا استشارك أو أنصحه خالصاً الله ولا تنظر إلى صلاحك مع صلاحه، وقل ما يصلحه وإن ضرّك.

روى الكليني في القوي كالصحيح عن عمر بن يزيد عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: « من استشار أخاه فلم يمحضه محض الرأي سلبه الله عزّوجلّ رأيه»(1).

وفي الموثق كالصحيح عن سماعة، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام)يقول: «أيّما مؤمن مشى مع أخيه المؤمن في حاجة فلم يناصحه فقد خان الله تعالى ورسوله»(2)

وفي الصحيح عن أبي حفص الأعشى عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: سمعته يقول: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : « من سعى في حاجة لأخيه ولم ينصحه فقد خان - أو حاد - الله


1) الكافي :2 : 363 ، باب من لم يناصح أخاه المؤمن، ح 5.

2) الكافي 2 : 362، باب من لم يناصح أخاه المؤمن، ح 2.

وساعده على كل حال ما لم يحملك على معصية الله عزّوجلّ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ورسوله»(1)

وعن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: «أيّما رجل من أصحابنا استعان به رجل من إخوانه في حاجة فلم يبالغ فيها بكلّ جهده فقد خان الله ورسوله والمؤمنين». قال أبو بصير: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام)ما تعني بقولك: والمؤمنين؟ قال: من لدن أمير المؤمنين(عليه السلام) إلى آخرهم(عليهم السلام)(2).

(وساعده على كلّ حال) في الغيبة والحضور والفقر والغنى والعسر واليسر.

(لا تصرم) ولا تقطع (أخاك على ارتياب) أي إذا حصل لك ريبة في أخيك في محبته أو فسقه، وأمثال ذلك، فلا تقطع عنه بمجرّد ذلك.

كما رواه الكليني عن الحسين بن المختار عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «قال أمير المؤمنين(عليه السلام) في كلام له: ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك منه ، ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوء وأنت تجدلها في الخير محملاً» (3).

و في الحسن كالصحيح عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «إذا اتّهم المؤمن أخاه انماث (أي ذاب) الإيمان من قلبه كما ينمات الملح في الماء»(4).

وفي القوي كالصحيح عن عمر بن يزيد، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول:


1) الكافي 2 : 362، باب من لم يناصح أخاه المؤمن، ح 1.

2) الكافي 2 : 362، باب من لم يناصح أخاه المؤمن، ح 3.

3) الكافي 2 : 362، باب التهمة وسوء الظن، ح 3.

4) الكافي 2 : 361 ، باب التهمة وسوء الظن، ح 1.

زل معه حيث زال، لا تصرم أخاك على ارتیاب، ولا تقطعه دون استعتاب، لعلّ له عذراً وأنت تلوم، أقبل مِن متنصّل عذره فتنالك الشفاعة.

وأكرم الذين بهم تصول، وازدد لهم طول الصحبة برّاً وإكراماً وتبجيلاً وتعظيماً، فليس جزاء من عظم شأنك أن تضع من قدره، ولا جزاء من سرّك أن تسوءه أكثر البرّ ما استطعت لجليسك فإنّك إذا شئت رأيت رشده.

ــــــــــــــــــــــــ

«من اتّهم أخاه في أخاه في دينه فلا حرمة بينهما، ومن عامل أخاه بمثل ما يعامل به الناس فهو بريء ممّا ينتحل»(1).

(زل معه حيث زال) (2)أي وافقه في جميع الاُمور إلّا في المعاصي، وهذه مقدمة على ما تقدّمه (ولا تقطعه دون استعتاب) أي إذا وصل إليك منه شيء فاسأل عنه لأيّ شيء فعلت هذا لعلّه يرضيك (لعلّ له عذراً) فيما فعل وإن كان محرّماً، مثل أن رأيته سكران، فلعلّه وقع منه جهلاً بأنّه خمر، أو جبراً (اقبل من متنصّل عذره)، أي كلّ من جاء بعذر في فعله فاقبل منه واعذره، وإن ظننت كذبه (فتنالك الشفاعة) شفاعة محمد(صلّی الله علیه وآله وسلّم)وأهل بيته(عليهم السلام) الله والمؤمنين، ويقبل عذرك في الآخرة وإن لم تكن معذوراً. (وأكرم الذين بهم تصول) على أعاديك من العشيرة والإخوان (وازدد لهم على طول الصحبة برّاً وإكراماً) حتى لا يزول المحبّة، ولا تقل: إنّه حينئذٍ كنفسي وأولادي، ولا يلزم ذلك كما هو الشائع، بل ينبغي أن لا يترك الآداب مع العبيد أيضاً (أن تضيع) أو تضع (من قدره) أي شيئاً من منه.


1) الكافي 2 : 361، باب التهمة وسوء الظن، ح 2.

2) هكذا، حيث جعل هذه الجملة متأخّرة عن قوله : «لا تصرم».

من كساء الحياء ثوبه اختفى عن العيون عيبه.

من تحرّى القصد خفّت عليه المؤن، من لم يعط نفسه شهوتها أصاب رشده.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

( من كساه الحياء) من الله ومن الناس (ثوبه) أي كان بمنزلة الثوب في الاشتمال على جميع الأعضاء، ويكون جزاؤه أيضاً كذلك يكون ستراً لجميع العيوب أو من كان حبیباً لا يفعل إلّا الأحسن، والحياء هو الإحسان الذي روي «الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه»(1).

(من تحرّى) واجتهد أو قصد (القصد ) أي الوسط (خفّت عليه المؤن) كما قال(عليه السلام): «ما عال امرئ في اقتصاد»(2).

(من لم يُعط نفسه شهوتها أصاب رشده) وخيره وصوابه، كما رواه عن عبد الرحمن بن الحجاج، قال: قال لي أبو الحسن(عليه السلام) : «اتق المرقى - أو المرتقى - السهل إذا كان منحدره وعراً» أي شاقاً، قال: وكان أبو عبد الله(عليه السلام) يقول: لا تدع النفس وهواها، فإنّ هواها [ في ] رداها، وترك النفس وما تهوى داؤها أو أذاها وكف النفس عما تهوى دواؤها»(3).

وفي الصحيح عن ابن محبوب عن أبي محمد الوابشي، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: «احذروا أهواءكم كما تحذرون أعداءكم، فليس شيء أعدى


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 11: 203. مجمع البیان 3 : 200.

2) الكافي 4 : 53، باب فضل القصد، ح 9.

3) الكافي 2 : 336، باب اتباع الهوى، ح 4.

مع كلّ شدة رخاء، ومع كلّ أكلة غصص، لا تنال نعمة إلّا بعد أذى. لِن لمن غاظك تظفر بطلبتك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

للرجال من اتباع أهوائهم وحصائد ألسنتهم»(1).

وعن أبي حمزة عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم): يقول الله عزّوجلّ: وعزتي وجلالي وعظمتي وكبريائي ونوري وعلوي وارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواه على هواي إلّا شتّت عليه أمره ولبّست عليه دنياه وشغلت قلبه بها. ولم اُوته - أو اعطه - منها إلّا ما قدّرت له، وعزتي وجلالي وعظمتي ونوري وعلوي وارتفاع مكاني (أي رتبتي) لا يؤثر عبد هواي على هواه إلّا استحفظته ملائكتي وكفّلت السماوات والأرضين رزقه وكنت له من وراء تجارة كلّ تاجر، وأتنه - أو آتيه - الدنيا وهي راغمة»(2).

(مع كلّ شدة) في الدنيا (رخاء) في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراًإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (3). وتعريف العسر وتنكير اليسر يشعر بأنّ مع العسر يسرين.

(ومع كلّ أكلة غصص) والغصة أن تقع اللقمة في الحلق فلم تكد تسيغه، والمراد به أنّ مع كلّ لذة من لذات الدنيا بليات متكثّرة وآفات عظيمة.

(لن لمن غاظك) أي إذا كان أخوك بالغيظ معك، فينبغي أن تكون باللين والمداراة معه حتى يذهب غيظه (و تظفر بطلبتك) ومقصودك منه.


1) الكافي 2 : 335، باب اتباع الهوى، ح 1.

2) الكافي 2 : 335، باب اتباع الهوى، ح 2.

3) الانشراح : 5 و 6.

ساعات الهموم ساعات الكفّارات.

ــــــــــــــــــــــــ

(ساعات الهموم ساعات الكفارات) ففي القوي كالصحيح عن الحكم بن عتيبة قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام) : «إنّ العبد إذا كثرت ذنوبه ولم يكن عنده من العمل ما يكفرها ابتلاه بالحزن ليكفّرها»(1).

وفي القوي كالصحيح عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : ما يزال الهم والغم بالمؤمن حتى ما يدع له ذنباً»(2).

وفي القوي كالصحيح عن عمرو بن جميع، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام)يقول: «إنّ العبد المؤمن ليهتمّ في الدنيا حتى يخرج منها ولا ذنب عليه»(3).

وفي الصحيح عن معاوية بن وهب عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)قال الله عزّوجلّ ما من عبد اُريد أن اُدخله الجنة إلّا ابتليته في جسده، فإن كان ذلك كفارة لذنوبه، وإلّا شدّدت عليه موته حتى يأتي، ولا ذنب له ثمّ أدخله الجنة. وما من عبد اُريد أن اُدخله النار إلّا صحّحت عليه جسمه، فإن كان ذلك تماماً لطلبته عندي، وإلّا آمنت خوفه من سلطانه، فإن كان ذلك تماماً لطلبته عندي، وإلّا وسّعت عليه في رزقه، فإن كان ذلك تماماً لطلبته عندي، وإلّا هوّنت عليه موته حتى يأتيني، ولا حسنة له عندي ثمّ اُدخله النار»(4).


1) الكافي 2 : 444، باب تعجيل عقوبة الذنب، ح 2.

2) الكافي 2 : 445 باب تعجيل عقوبة الذنب، ح 7.

3) الكافي 2 : 445، باب تعجيل عقوبة الذنب، ح 8.

4) الكافي 2 : 446 ، باب تعجيل عقوبة الذنب، ح 10.

............................................

ــــــــــــــــــــــــــ

وفي الصحيح عن أبي الصباح الكناني، قال: كنت عند أبي عبد الله(عليه السلام) فدخل عليه شيخ فقال: يا أبا عبد الله أشكو إليك ولدي وعقوقهم وإخواني وجفاهم عند كبر سنّي، فقال أبو عبد الله(عليه السلام) : «يا هذا إنّ للحق دولة وللباطل دولة، وكلّ واحد منهما في دولة صاحبه ذليل، وإنّ أدنى ما يصيب المؤمن في دولة الباطل العقوق من ولده والجفاء من إخوانه، وما من مؤمن يصيب شيئاً من الرفاهية في دولة الباطل إلّا ابتلي قبل موته إمّا في بدنه وإمّا في ولده، وإمّا في ماله حتى يخلصه الله تعالى ممّا اكتسب في دولة الباطل ويوفّر له حظه في دولة الحق فاصبر وابشر»(1). وفي الصحيح عن أبان بن تغلب، قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام) : «إنّ المؤمن ليهوّل عليه في نومه فيغفر له ذنوبه، وأنّه ليمتهن في بدنه فيغفر له ذنوبه»(2).

وفي الحسن عن حمران عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: «إنّ الله عزّوجلّ إذا كان من أمره أن يكرم عبداً وله ذنب ابتلاه بالسقم، فإن لم يفعل ذلك ابتلاه بالحاجة، فإن لم يفعل ذلك به شدّد عليه الموت ليكافيه - أو فيكافيه - بذلك الذنب» قال: «وإن - أو إذا- كان من أمره أن يهين عبداً وله عنده حسنة صحّح بدنه، فإن لم يفعل به ذلك وسّع عليه في رزقه، فإن هو لم يفعل ذلك به هوّن عليه الموت ليكافيه بتلك الحسنة»(3).


1) الكافي 2 : 447، باب تعجيل عقوبة الذنب، ح 12.

2) الكافي 2 : 444 باب تعجيل عقوبة الذنب، ح 4.

3) الكافي 2 : 444 باب تعجيل عقوبة الذنب، ح 1.

.............................................

ـــــــــــــــــــــــــــ

وعن ابن القداح عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) قال: الله عزّوجلّ: وعزتي وجلالي لا اُخرج عبداً من الدنيا أنا اُريد أن أرحمه حتى استوفي منه كلّ خطيئة عملها، إمّا بسقم في جسده، وإمّا بضيق في رزقه، وإمّا بخوف في دنياه، فإن بقيت عليه بقية شدّدت عليه عند الموت، وعزتي وجلالي لا اُخرج عبداً الدنيا وأنا اُريد أن اُعذبه حتى اُوفيه كلّ حسنة عملها، إمّا بسعة في رزقه، وإمّا بصحة في جسمه، وإمّا بأمن في دنياه فإن بقيت عليه بقية هوّنت عليه بها الموت»(1).

وفي الحسن كالصحيح عن السري بن خالد عن أبي عبد الله(عليه السلام) . قال: «إذا أراد الله عزّوجلّ بعبد خيراً عجّل عقوبته في الدنيا، وإذا أراد الله بعبد سوء أمسك عليه ذنوبه حتى يوافی به - أو بها - يوم القيامة»(2).

وعن مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: «قال أمير المؤمنين(عليه السلام) : في قول الله عزّوجلّ: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ )(3)ليس من التواء عرق(4)، ولا نكبة حجر، ولا عثرة قدم، ولا خدش عود إلّا بذنب ولما يعفو - أو يغفر - الله أكثر، فمن عجل الله تعالى عقوبة ذنبه في الدنيا فإنّ الله أجلّ وأكرم وأعظم من أن يعود في عقوبته في الآخرة»(5).


1) الكافي 2 : 444، باب تعجيل عقوبة الذنب، ح 3.

2) الكافي 2 : 445، باب تعجيل عقوبة الذنب، ح 5.

3) الشورى : 30.

4) الالتواء الانفتال والانعطاف :وقال نكب الحجارة رجله لثمتها أو أصابتها.

5) الكافي 2 : 445 باب تعجيل عقوبة الذنب، ح 6.

..............................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

وعن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: «مرّ نبي من أنبياء بني اسرائيل برجل بعضه تحت حائط وبعضه خارج منه قد شعثته الطير ومزّقته الكلاب ثمّ مضى فرفعت - أو عرضت - له مدينة فدخلها فإذا هو بعظيم من عظمائها ميت على سرير مسجّى بالديباج حوله المجامر، فقال: يا رب أشهد أنّك حكم عدل لا تجور، هذا عبدك لم يشرك بك طرفة عين أمتَّه بتلك الميتة، وهذا عبدك لم يؤمن بك طرفة عين أمتَّه بهذه الميتة، فقال: عبدي أنا كما قلت: حكم عدل لا أجور، ذلك عبدي كانت له عندي سيئة أو ذنب أمتَّه بتلك الميتة لكي يلقاني ولم يبق عليه شيء، وهذا عبدي كانت له حسنة فأمتُّه بهذه الميتة لكي يلقاني وليست له عندي حسنة»(1).

وروی المصنّف في الصحيح عن محمد بن قيس، قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام)يقول: «ملكين هبطا من السماء فالتقيا في الهواء فقال أحدهما لصاحبه: فيما هبطت؟ قال: بعثني الله عزّوجلّ إلى بحر إيل أحشر سمكة إلى جبّار من الجبابرة اشتهى - أو أشير عليه - سمكة في ذلك البحر فأمرني أن أحشر إلى الصياد سمك البحر يأخذها له ليبلغ الله عزّوجلّ الكافر غاية مناه في كفره، ففيما بُعثتَ أنت؟ قال: بعثني الله عزّوجلّ في أعجب من الذي بعثك فيه، بعثني إلى عبده المؤمن الصائم القائم المعروف دعائه وصوته في السماء لاُكفئ قدره التي طبخها لإفطاره ليبلغ الله في المؤمن الغاية في اختبار إيمانه»(2).


1) الكافي 2 : 446، باب تعجيل عقوبة الذنب، ح 11.

2) علل الشرائع 2 : 465، باب النوادر ، ح 16.

والساعات تنفد عمرك، لا خير في لذّة بعدها النار، وما خير بخير بعده النار، وما شرّ بشر بعده الجنّة، كلّ نعيم دون الجنّة محقور، وكلّ بلاء دون النار عافية، لا تضيعن حق أخيك اتكالاً على ما بينك وبينه، فإنّه ليس لك بأخ من أضعت حقّه، ولا يكونن أخوك على قطيعتك أقوى منك على صلته، ولا على الإساءة إليك أقوى منك على الإحسان إليه.

يا بنيّ إذا قويت فاقوِ على طاعة الله عزّوجلّ، وإذا ضعفت فاضعف عن معصية الله عزّوجلّ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

( والساعات تنفد عمرك) وتفنيه، فإنّه مركب من ساعات، وكلّما مضت ساعة ذهب منه شيء، مع أنّك لا تعلم هل بقي منه ساعة أم لا (لا خير في لذة بعدها النار) فإنّ لذة الزنا أقلّ من نصف ساعة ويترتّب عليه عذاب الأبد أو كالأبد، وربّما كان ثلاثمائة ألف سنة، كما ورد في الخبر(1)(وما خير بخير) أي مال، أو ما توهمته خيراً من اللذات الفانية (وما شرّ بشرّ) أي مشقّة العبادات وترك المنهيات (لا يكونن أخوك) إلى آخره، أي كلّما أراد أخوك القطع عنك فاسع في الوصل.

(إذا قويت فاقو على طاعة الله) أي اصرف جميع قواك في قواك في الطاعة حتى لا يبقى لك قوّة المعصية، واصرف ضعفك حينئذٍ في المعصية، أي لا تعص؛ لأنّه لم يبق لك القوّة عليها، أو اصرف شبابك في الطاعة، فإذا وسوس إليك الشيطان فقل له: افعل ما تقول في سنة اُخرى، وهكذا يؤخّر المعصية شيئاً فشيئاً وساعة فساعة إلى الشيب، فإذا جاء الشيب فيرتفع إرادة العصيان.


1) انظر: الاعتقادات في دين الإمامية : 51 و 52. ثواب الأعمال : 282.

وإن استطعتَ أن لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فافعل، فإنّه أدوم لجمالها وأرخى لبالها وأحسن لحالها، فإنّ المرأة ريحانة وليست بقهرمانة، فدارها على كلّ حال، وأحسن الصحبة لها فيصفو عيشك.

واحتمل القضاء بالرضى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(وإن استطعت أن لا تملك المرأة ما جاوز نفسها فافعل) الظاهر أنّه إشارة إلى معنيين، فظاهره يدلّ على أن لا تتكلّف المرأة جميع خدمات الدار مع الإمكان وأن يكون لها خادم يفعل هذه الأشياء كالطبخ وغسل الثياب والكنس، ويدلّ أيضاً على أن لا يدع إليها تدبير الدار فإنّه أمر عظيم ولا عقل لهنّ.

(واحتمل القضاء بالرضى) أي ارض من الله تعالى فيما قضى وقدّر مطلقاً، سيّما بالنظر إلى نفسك، فإنّه لا يفعل إلّا الأصلح.

وروى الكليني في الصحيح عن ليث المرادي عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «إنّ أعلم الناس بالله أرضاهم بقضاء الله عزّوجلّ»(1).

وفي الصحيح عن أبي حمزة الثمالي وغيره عن علي بن الحسين(عليه السلام) ، قال:« الصبر والرضى عن الله رأس طاعة الله، ومن صبر ورضى عن الله فيما قضى عليه فيما أحبّ أو كره لم يقض الله عزّوجلّ له فيما أحبّ أو كره إلا ما هو خير له»(2).

وفي الصحيح عن أبي عبيدة الحذّاء عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: «قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): قال الله عزّوجلّ: إنّ من عبادي المؤمنين عباداً لا يصلح لهم أمر


1) الكافي 2 : 60 ، باب الرضا بالقضاء ، ح 2.

2) الكافي 2 : 60 ، باب الرضا بالقضاء، ح3 .

...........................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

دينهم إلّا بالغنى والسعة، والصحة في البدن فابلوهم بالغنى والسعة وصحة البدن فيصلح عليه - أو عليهم - أمر دينهم، وأنّ من عبادي المؤمنين لعباداً لا يصلح لهم أمر دينهم إلّا بالفاقة والمسكنة والسقم في أبدانهم فابلوهم بالفاقة والمسكنة والسقم فيصلح عليه - أو عليهم - أمر دينهم وأنا أعلم بما يصلح عليه أمر دين عبادي المؤمنين، وأنّ من عبادي المؤمنين لمن يجتهد في عبادتي فيقوم من رقاده ولذيذ وساده فيجتهد - أو فيتهجد - لي الليالي فيتعب نفسه في عبادتي فاضربه بالنعاس الليلة والليلتين نظراً منّي له - أو إليه - وإبقاء ( أي إشفاقاً) عليه فينام حتى يُصبح فيقوم وهو ماقت لنفسه زارئ (أي متنقص) عليها، ولو أخلّى بينه وبين ما يريد من عبادتي لدخله العجب من ذلك، فيصيره بالعجب إلى الفتنة باعماله فيأتيه من ذلك ما فيه هلاكه لعجبه بأعماله ورضاه عن نفسه حتى يظنّ أنه قد فاق العابدين وجاز في عبادته حد التقصير، فيتباعد منّي عند ذلك وهو يظنّ أنّه يتقرّب إليّ، فلا يتكل العاملون على أعمالهم التي يعملونها لثوابي، فإنّهم لو اجتهدوا وأتعبوا أنفسهم وأفنوا أعمارهم في عبادتي كانوا مقصّرين غير بالغين في عبادتهم كنه عبادتي فيما يطلبون عندي من كرامتي، والنعيم في جناتي ورفيع درجات العلى في جواري، ولكن برحمتي فليتقوا، وبفضلي فليفرحوا، وإلى حسن الظنّ بي فليطمئنّوا، فإنّ رحمتي عند ذلك تداركهم، ومنّي ( أي فضلي) يبلغهم رضواني، ومغفرتي تلبسهم عفوي. فإنّي أنا الله الرحمن الرحيم، وبذلك تسميت»(1).


1) الكافي 2 : 60 ، باب الرضا بالقضاء، ح 4.

.....................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي الصحيح عن داود بن فرقد، عن أبي عبد الله(عليه السلام) : «أنّ فيما أوحى الله عزّوجلّ إلى موسى بن عمران(عليه السلام) : یا موسی بن عمران ما خلقت خلقاً أحبّ إليّ من عبدي المؤمن، فإنّي إنّما ابتليته لما هو خير له، واُعافيه لما هو خير له، وازوي عنه لما هو خير له، وأنا أعلم بما يصلح عليه عبدي فليصبر على بلائي وليشكر نعمائي، وليرض بقضائي، اكتبه في الصديقين عندي إذا عمل برضاي وأطاع أمري»(1).

وفي الصحيح عن ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «عجبت للمرء المسلم لا يقضي الله عزّوجلّ عليه - أو له - قضاء إلّا كان خيراً له، وإن قرض بالمقاريض كان خيراً له، وإن ملك مشارق الأرض ومغاربها كان خيراً له»(2).

وعن عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «لم يكن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يقول لشيء قد مضى لو كان غيره»(3).

وفي القوي عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال : «أحق خلق الله أن يسلم لما قد قضى الله عزّ وجلّ، من عرف الله عزّوجلّ ومن رضي بالقضاء أتى عليه القضاء وعظّم الله أجره، ومن سخط القضاء مضى عليه القضاء وأحبط الله أجره»(4).


1) الكافي 2 : 61 ، باب الرضا بالقضاء، ح 7.

2) الكافي 2 : 62 ، باب الرضا بالقضاء، ح 8.

3) الكافي ،2 : 63 ، باب الرضا بالقضاء، ح 13.

4) الكافي 2 : 62 ، باب الرضا(عليه السلام) بالقضاء، ح 9.

.............................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

وفي القوي كالصحيح عن صفوان الجمال عن أبي الحسن الأوّل(عليه السلام) ، قال : « ينبغي لمن عقل عن الله أن لا يستبطئه في رزقه ولا يتّهمه في قضائه»(1).

وفي القوي كالصحيح عن عمرو بن نهيك بياع الهروي، قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام) : «قال الله عزّوجلّ: عبدي المؤمن لا أصرفه في شيء إلّا جعلته خيراً له، فليرض بقضائي وليصبر على بلائي وليشكر نعمائي اكتبه يا محمد من الصدّيقين عندي»(2).

وعن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال : لقي الحسن بن علي(عليه السلام) عبد الله بن جعفر فقال: «يا عبد الله كيف يكون المؤمن مؤمناً؟ وهو يسخط قسمه ويحقّر منزلته والحاكم عليه الله، وأنّا الضامن لمن لم يهجس في قلبه إلّا الرضى أن يدعو الله فيستجاب له»(3).

وعن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال : قلت له بأيّ شيء يعلم المؤمن بأنّه مؤمن؟ قال: «بالتسليم الله والرضى فيما ورد عليه من سرور أو سخط» (4).

وفي الصحيح عن أبي حمزة عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: «إن الله عزّوجلّ ضنائن يضن بهم عن البلاء، فيحييهم في عافية، ويرزقهم في عافية، ويميتهم في عافية، ويبعثهم في عافية، ويسكنهم الجنّة في عافية»(5).


1) الكافي 2 : 61 ، باب الرضا بالقضاء، ح 5

2) الكافي 2 : 61 ، باب الرضا بالقضاء، ح 6.

3) الكافي 2 : 62 ، باب الرضا بالقضاء، ح 11.

4) الكافي 2 : 62 ، باب الرضا بالقضاء، ح 12.

5) الكافي 2 : 462 ، باب المعافين عن البلاء، ح 1.

وإن أحببت أن تجمع خير الدنيا والآخرة فاقطع طمعك ممّا في أيدي الناس والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. هذا آخر وصيته(عليه السلام) لمحمد بن الحنفية.

ـــــــــــــــــــــــــــ--

وفي الموثق كالصحيح عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال : سمعته يقول: «إنّ الله عزّوجل خلق خلقاً ضنّ بهم عن البلاء خلقهم في عافية، وأحياهم في عافية، وأماتهم في عافية، وأدخلهم الجنّة في عافية»(1).

وفي القوي كالصحيح عن ابن القدّاح عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سمعته يقول: «إنّ لله عزّوجلّ ضنائن من خلقه، يغذوهم بنعمته، ويحبوهم بعافيته - أو بنعمته أو عافيته - ويدخلهم الجنّة برحمته تمرّ بهم البلايا والفتن لا تضرّهم شيئاً»(2).

واعلم أنّ هؤلاء في أولياء الله قليل، والغالب فيهم أهل البلاء. ويمكن أن يكون المراد باُولئك أنّهم لا يتأثّرون من البلاء لقوّة محبّتهم ومعرفتهم، كما يظهر من الخبر الأخير.

(وإن أحببت أن تجمع خير الدنيا والآخرة فاقطع طمعك مما في أيدي الناس) فإنّ جميع الآفات من الطمع والمذلّة عند الله تعالى وعند العالمين من الطمع، وإذا قطع الطمع من الناس فبالضرورة يتوجّه إلى الله تعالى في كلّ شيء، ولكلّ مطلوب، وهذا هو الكمال.

ففي القوي عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «ما أقبح بالمؤمن أن تكون له رغبة


1) الكافي 2 : 462 ، باب المعافين عن البلاء، ح 2

2) الكافي 2 : 462 باب المعافين عن البلاء، ح3 .

...................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

تذلّه»(1).

وعن الزهري، قال: قال علي بن الحسين(عليه السلام) :« رأيت الخير كلّه قد اجتمع في قطع الطمع عمّا في أيدي الناس»(2).

وعن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال : «بئس العبد عبد له طمع يقوده، وبئس العبد عبد له رغبة تذلّه»(3).

وفي القوي كالصحيح عن سعدان عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: قلت له: ما الذي يثبت الإيمان في العبد؟ قال: «الورع» والذي يخرجه منه؟ قال: «الطمع»(4).

واعلم أنّ الأصحاب مختلفون في نسبة هذه الوصية إلى أبي . محمد الحسن(عليه السلام) وإلى محمد بن الحنفية، والظاهر من نهج البلاغة أنّهما وصيّتان، وبينهما بون بعيد.

ولمّا كان تلك الوصية أيضاً مشتملة على علوم وحقائق جمّة فبالحريّ أن نذكرها :

[ وصية علي(عليه السلام) لابنه الحسن بن علي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ]

قال السيد الرضي(رضی الله عنه) : ومن وصية له(عليه السلام) للحسن بن علي(عليه السلام) كتبها بحاضرين


1) الكافي 2 : 320، باب الطمع، ح 1.

2) الكافي 2 : 320، باب الطمع ، ح 3.

3) الكافي 2 : 320، باب الطمع، ح 2.

4) الكافي 2 : 320، باب الطمع، ح 4.

............................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

اسم بلدة عند انصرافه(عليه السلام) من صفين(1): «من الوالد الفان المقرّ للزمان (أي بالغلبة والقهر مجازاً) المدير العمر، المتسلّم للدهر، الذام للدنيا، الساكن مساكن الموتى. الطاعن عنها غداً، إلى المولود المؤمّل ما لا يدرك، السالك سبيل من قد هلك، غرض الأسقام، ورهينة الأيام، ورمية المصائب، وعبد الدنيا (أي مقهورها كالعبد) وتاجر الغرور، وغريم المنايا، وأسير الموت، وحليف الهموم ، وقرين الأحزان، ونصب الآفات، وصريع الشهوات، وخليفة الاموات.

أما بعد فإنّ فيما تبيّنت من إدبار الدنيا عنّي، وجموح الدهر عليّ، وإقبال الآخرة إليّ ما يزعني (أى يمنعني) عن ذكر من سواي والاهتمام بما وراي، غير أنّي حيث تفرّد بي دون هموم الناس همّ نفسي فصدّقني رأیي، وصرفني عن هواي وصرح لي محض امرئ فأفضى بي إلى جدّ لا يكون فيه لعب، وصدق لا يشوبه كذب، وجدتك بعضي، بل وجدتك كلّي حتى كأنّ شيئاً لو أصابك أصابني، وكأنّ الموت لو أتاك أتاني، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي، فكتبت إليك كتابي هذا مستظهراً به إن أنا بقيت لك أو فنيت.

فإنّي اُوصيك بتقوى الله (أي بُنيّ) ولزوم أمره، وعمارة قلبك بذكره، والاعتصام بحبله، وأيّ سبب أوثق من سبب بينك وبين الله إن أنت أخذت به أحي قلبك بالموعظة، وأمته بالزهادة، وقوّه باليقين، ونوّره بالحكمة، وذلّله بذكر الموت، وقرّره بالفناء، وبصّره فجائع الدنيا، وحذّره صولة الدهر، وفحش تقلّب الليالي والأيام


1) نهج البلاغة 3 : 37، ح 31

............................................

ـــــــــــــــــــــــــــ

وأعرض عليه أخبار الماضين، وذكّره بما أصاب من كان قبلك من الأوّلين، وسر في دیارهم وآثارهم.

فانظر فيما فعلوا وعمّا انتقلوا وأين حلّوا ونزلوا، فإنّك تجدهم قد انتقلوا عن الأحبّة وحلّوا ديار(1)الغربة، وكأنّك عن قليل قد صرت كأحدهم فاصلح مثواك. ولا تبع آخرتك بدنياك ، ودع القول فيما لا تعرف والخطاب فيما لا تكلف، وأمسك عن طريق إذا خفت ضلالته، فإنّ الكفّ عند حيرة الضلال خير من ركوب الأهوال.

وأمر بالمعروف تكن من أهله، وأنكر المنكر بيدك ولسانك، وباين من فعله بجهدك، وجاهد في الله حق جهاده ولا تأخذك في الله لومة لائم وخذ الغمرات (أي الشدائد) للحق حيث كان، وتفقّه في الدين، وعوّد نفسك الصبر(2)على المكروه، ونعم الخلق التصبّر وألجئ نفسك فى الاُمور كلّها إلى إلهك، فإنّك تلجئها إلى كهف حريز ومانع غريز، وأخلص في المسألة لربّك، فإنّ بيده العطاء والحرمان، وأكثر الاستخارة وتفهّم وصيتي، ولا تذهبن عنها صفحاً، فإنّ خير القول ما نفع.

واعلم أنّه لا خير في علم لا ينفع، ولا ينتفع بعلم لا يحق تعلّمه.

أي بُنيّ إنّي لمّا رأيتني قد بلغت سنّاً ورأيتني ازداد وهنا بادرت بوصيتي إليك، وأوردت خصالاً: منها: أن يعجّل بي أجلي دون أن أفضي إليك بما في نفسي، أو أن أنقص في رأيي كما نقصت في جسمي، أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى، أو فتن


1) في نسخة : دار.

2) في نسخة : التصبر.

................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الدنيا فيكون كالصعب النفور، وإنّما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقى فيها من شيء قبلته، فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبّك لتستقبل بجد رأيك من الأمر ما قد كفاك أهل التجارب بغيته وتجربته، فتكون قد كفيت مؤونة الطلب و عوفيت من علاج التجربة، فأتاك من ذلك ما قد كنّا نأتيه، واستبان لك ما ربّما أظلم علينا منه - أو فيه -.

أي بنيّ إنّي وإن لم أكن عمرت عمر من كان قبلي فقد نظرت في أعمالهم، وفكّرت في أخبارهم، وسرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم، بل كأنّي بما انتهى إليّ من اُمورهم قد عمرت مع أوّلهم إلى آخرهم، فعرفت صفو ذلك من كدره ونفعه من ضرره، فاستخلصت لك من كلّ أمر نخيلته وتوخّيت لك جميله، وصرفت عنك مجهوله، ورأيت حيث عناني من أمرك ما يعني الوالد الشفيق، وأجمعت عليه من أدبك أن يكون ذلك وأنت مقبل العمر ومقتبل الدهر، ذو نية سليمة ونفس صافية، وأن أبتدئك بتعليم كتاب الله عزّوجلّ وتأويله وشرائع الإسلام وأحكامه وحلاله وحرامه، ولا اُجاوز ذلك بك إلى غيره، ثمّ أشفقت أن يلتبس عليك ما اختلف الناس فيه من أهوائهم وآرائهم مثل الذي التبس عليهم، فكان أحكام ذلك على ما كرهت من تنبيهك له أحبّ إليّ من إسلامك إلى أمر لا آمن عليك فيه الهلكة، ورجوت أن يوفقك الله فيه لرشدك، وأن يهديك لقصدك، فعهدت إليك هذه.

واعلم يا بنيّ أن أحبّ ما أنت آخذ به إليّ من وصيتي تقوى الله، والاقتصار على ما فرضه الله عليك، والأخذ بما مضى عليه الأوّلون من آبائك والصالحون من أهل

..................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

بيتك، فإنّهم لم يدعوا أن نظروا لأنفسهم كما أنت ناظر وفكروا كما أنت مفكّر، ثمّ ردّهم آخر ذلك إلى الأخذ بما عرفوا والإمساك عمّا لم يكلفوا، فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما علموا فليكن طلبك ذلك بتفهّم وتعلّم، لا بتورط الشبهات وعلوّ الخصومات.

وابدأ قبل نظرك في ذلك بالاستعانة بالهك والرغبة إليه في توفيقك، وترك كلّ شائبة أولجتك في شبهة أو سلمتك إلى ضلالة، فإذا أيقنت أن قد صفا قلبك فخشع وتمّ رأيك واجتمع وكان همّك في ذلك همّاً واحداً فانظر فيما فسّرت لك، وإن أنت لم يجتمع لك ما تحبّ من نفسك وفراغ نظرك وفكرك فاعلم أنّك إنّما تخبط العشواء و نتورّط الظلماء، وليس طالب الدين من خبط أو خلط والإمساك عن ذلك أمثل. فتفهّم يا بنيّ وصيتي.

واعلم أنّ مالك الموت هو مالك الحياة، وأنّ الخالق هو المميت، وأنّ المفني هو المعيد، وأنّ المبتلي هو المعافي، وأنّ الدنيا لم تكن لتستقرّ إلّا على ما جعلها الله عليه من النعماء والابتلاء والجزاء في المعاد، وما شاء ممّا لا نعلم، فإن أشكل عليك شيء من ذلك فاحمله على جهالتك به، فإنّك أوّل ما خلقت جاهلاً ثمّ علمت وما أكثر ما تجهل من الأمر ويتحيّر فيه رأيك ويضلّ فيه بصرك ثمّ تبصره بعد ذلك. فاعتصم بالذي خلقك ورزقك وسوّاك، وليكن له تعبّدك وإليه رغبتك ومنه شفقتك.

واعلم يا بنيّ أنّ أحداً لم ينبئ عن الله سبحانه كما أنبأنا عنه نبيّنا(صلّی الله علیه وآله وسلّم)(1).


1) في نسخة : الرسول.

..................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

فارض به رائداً وإلى النجاة قائداً، فإنّي لم آلك (أي لم أقصرك) نصيحة، وأنّك لم تبلغ في النظر لنفسك وإن اجتهدت مبلغ نظري لك.

واعلم يا بنيّ أنّه لو كان لربك شريك لأنتك رسله، ولرأیت آثار ملكه وسلطانه. ولعرفت أفعاله وصفاته، ولكنّه إله واحد كما وصف نفسه، لا يضاده في ملكه أحد ولا يزول أبداً، ولم يزل أوّل قبل الأشياء بلا أوّلية، وآخر بعد الأشياء بلا نهاية، عظم أن تثبت ربوبيته بإحاطة قلب أو بصر.

فإذا عرفت ذلك فافعل كما ينبغي لمثلك أن يفعله في صغر خطره، وقلة مقدرته وكثرة عجزه، وعظيم حاجته إلى ربه في طلب طاعته، والرهبة(1)من عقوبته. والشفقة من سخطه، فإنّه لم يأمرك إلّا بحسن، ولم ينهك إلّا عن قبيح.

يا بنيّ إنّي قد أنبأتك عن الدنيا وحالها وزوالها وانتقالها، وانبأتك عن الآخرة وما أعدّ لأهلها فيها، وضربت لك فيهما الأمثال لتعتبر بها وتحذو عليها (أي تقتدي بها) إنّما مثل من خبر الدنيا كمثل قوم سفر (أي مسافرين) بنا بهم(2)(أي لم يوافقهم) منزل جديب، فاتوا منزلاً خصيباً وجناباً (أي فضاء) مريعاً (أي ذا كلاء وماء) فاحتملوا وعثاء السفر (أي مشقّته) وفراق الصديق وخشونة السفر وجشوبة المطعم (أي غلظه) ليأتوا سعة دارهم ومنزل قرارهم فليس يجدون لشيء من ذلك


1) في نسخة : الخشية.

2) بنا بفلان منزله: لم يوافقه، كتاب العين 8: 379 . وفيه نبا بفلان منزله : إذا لم يوافقه. والجديب القحط.

...........................................

ـــــــــــــــــــــــــــ

ألماً ولا يرون نفقة مغرماً، ولا شيء أحبّ إليهم ممّا قربهم من منزلهم وأدناهم من محلّهم.

ومثل من اغتر بها كمثل قوم كانوا بمنزل خصيب فنبا بهم إلى منزل جديب، فليس شيء أكره إليهم ولا أفظع عندهم من مفارقة ما كانوا فيه إلى ما يحجمون عليه ويصيرون إليه.

يا بنيّ اجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك، فأحبب لغيرك ما تحبّ لنفسك، واكره له ما تكره لها، ولا تظلم كما لا تحبّ أن تظلم، وأحسن كما تحبّ أن يحسن إليك، واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك، وارض من الناس ما ترضاه لهم من نفسك، ولا تقل ما لا تعلم وإن قل ما تعلم، ولا تقل ما لا تحبّ أن يقال لك.

واعلم أنّ الإعجاب ضد الصواب وآفة الألباب فاسع في كدحك (أي فيما يشق عليك) ولا تكن خازناً لغيرك. وإذا أنت هديت لقصدك فكن أخشع ما تكون لربّك.

واعلم أنّ أمامك طريقاً ذا مسافة بعيدة ومشقّة شديدة، وأنّه لا غنى بك فيه من حسن الارتياد، وقدر بلاغك من الزاد مع خفّة الظهر، فلا تحملنّ على ظهرك فوق طاقتك، فيكون ثقل ذلك وبالاً عليك، وإذا وجدت من أهل الفاقة من يحمل لك زادك إلى يوم القيامة فيوافيك به غداً حيث تحتاج إليه فاغتنمه وحمّله إيّاه، وأكثر من تزويده وأنت قادر عليه فلعلّك تطلبه فلا تجده، واغتنم من استقرضك في حال غناك ليجعل قضاءه لك في يوم عسرتك. واعلم أنّ أمامك عقبة كؤوداً ، المخفّ فيها أحسن حالاً من المثقل، والمبطئ(1).


1) في نسخة: البطيء.

............................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

عليها أقبح حالاً من المسرع، وأنّ مهبطها بك لا محالة على جنّة أو على نار. فارتد لنفسك قبل نزولك، ووطّئ المنزل قبل حلولك، فليس بعد الموت مستعتب (أي إقالة) ولا إلى الدنيا منصرف.

واعلم أنّ الذي بيده» إلى آخره. قد قدّمنا هذه الجملة سابقاً في هذا الخبر إلى قوله: «ولا تبقى».

«واعلم أنّك إنّما خلقت للآخرة لا للدنيا، وللفناء لا للبقاء، وللموت لا للحياة. وأنّك في منزل قلعة، ودار بلغة، وطريق إلى الآخرة، وأنّك طريد الموت الذي لا ينجو منه هاربه ولابدّ أنّه مدركه، فكن منه على حذر أن يدركك وأنت على حال سيئة قد كنت تحدّث نفسك منها بالتوبة فيحول بينك وبين ذلك، فإذا أنت قد أهلكت نفسك.

يا بنيّ أكثر من ذكر الموت وذكر ما تهجم عليه وتقضي بعد الموت إليه حتى يأتيك، وقد أخذت منه حذرك وشدّدت له أزرك، ولا يأتيك بغتة فيبهرك (أي يدهشك) وإيّاك أن تغتر بماترى من إخلاد (أي ركون) أهل الدنيا إليها وتكالبهم (أي حرصهم) عليها، فقد نبأك الله عنها ونعتت هي لك نفسها وتكشّفت لك عن مساويها، فإنّما أهلها كلاب عاوية وسباع ضارئة (أي حريصة على الطعمة) يهرّ بعضها بعضاً، ويأكل عزيزها ذليلها، ويقهر كبيرها صغيرها.

نعم معقلة، واُخرى مهملة، قد أضلّت عقولها وركبت مجهولها، سروح عاهة بواد وعث(1))، ليس لها راع يقيمها ولا مسيم يسيمها، سلكت بهم الدنيا طريق العمى


1) الوعث هو المكان السهل الكثير الرمل الذي يتعب فيه الماشى ويشق عليه يقال: رمل وعث ورملة وعثاء، مجمع البحرين 4 : 521.

.......................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأخذت بأبصارهم عن منار الهدى، فتاهوا في حيرتها، وغرقوا في نعمتها. واتخذوها ربّاً، فلعبت بهم ولعبوا بها، ونسوا ما وراءها رويداً يسفر الظلام، كأن قد وردت الأظعان(1)يوشك من أسرع أن يلحق.

واعلم يا بنيّ أنّ من كانت مطينه الليل والنهار فإنّه يسار به وإن كان واقفاً، ويقطع المسافة وإن كان مقيماً وادعاً.

واعلم يقيناً أنّك لن تبلغ أملك ولن تعدو أجلك، وأنّك في سبيل من كان قبلك فخفض في الطلب، واجمل في المكتسب فإنّه رب طلب قد جرّ إلى حرب حرب (أيّ سلب ونهب) فليس كلّ طالب بمرزوق ولا كلّ مجمل (أي متأن في الطلب) بمحروم، وأكرم نفسك عن كلّ دنية وإن ساقتك إلى الرغائب فإنّك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضاً.

ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرّاً، وما خير خير (أي أيّ شيء حسن خير) لا يوجد(2)إلّا بشر، ويسر لا ينال إلّا بعسر ، وإيّاك أن توجف (أي تسرع) بك مطايا الطمع فتوردك مناهل الهلكة، وإن استطعت أن لا يكون بينك وبين الله ذو نعمة، فافعل فإنّك مدرك قسمك وآخذ سهمك، وأنّ اليسير من الله سبحانه أكرم وأعظم(3)من الكثير من خلقه وإن كان كلّ خلقه وإن كان كلّ منه، وتلافيك ما فرط من صمتك أيسر


1) يقال: ظعن ظعناً وظعناً بالإسكان والتحريك من باب نفع أي ساروا وارتحل، مجمع البحرين 88 :3

2) في نهج البلاغة : لا ينال

3) في نسخة : أعظم وأكرم.

............................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

من إدراكك ما فات من منطقك، وحفظ ما في الوعاء بشدّ الوكاء وحفظ ما في يدك أحبّ إليّ من طلب ما في يدي غيرك، ومرارة اليأس خير من الطلب إلى الناس، والحرفة مع العفّة خير من الغنى مع الفجور، والمرء أحفظ لسرّه، ورُبّ ساع فيما يضرّه.

من أكثر أهجر، ومن تفكّر أبصر . قارن أهل الخير تكن منهم، وباين أهل الشرّ تبن عنهم، بئس الطعام الحرام، وظلم الضعيف أفحش الظلم، إذا كان الرفق خرقاً كان الخرق رفقاً. ربّما كان الدواء داءً والداء دواء، وربّما نصح غير الناصح وغشّ المستنصح.

وإيّاك والاتكال على المنى فإنّها بضائع النوكى(1)، والعقل حفظ التجارب، وخير ما جرّبت ما وعظك، بادر الفرصة قبل أن تكون غصة، ليس كلّ طالب يصيب، ولا كلّ غائب يؤوب، ومن الفساد إضاعة الزاد ومفسدة المعاد، ولكلّ أمر عاقبة، سوف يأتيك ما قدّر لك، التاجر مخاطر، وربّ يسير أنمى من كثير، ولا خير في معين مهين ولا في صديق ظنين.

ساهل الدهر ما ذلّ لك قعوده، ولا تخاطر بشيء رجاء أكثر منه، وإيّاك أن تجمح(2)مطية اللجاج، احمل نفسك من أخيك عند صرمه على الصلة، وعند


1) في نهج البلاغة : الموتى.

2) جمع أي أسرع يقال: جمع في أثره جمعاً أي أسرع إسراعاً لا يرده شيء، مجمع البحرين 392:1

.................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

صدوده على اللطف والمقاربة، وعند جموده على البذل، وعند تباعده على الدنو، وعند شدّته على اللين، وعند جرمه على العذر حتى كأنّك له عبد، وكأنّه ذو نعمة عليك، وإيّاك أن تضع ذلك في غير موضعه أو أن تفعله بغير أهله.

لا تتخذن عدوّ صديقك صديقاً فتعادي صديقك، وامحض أخاك النصيحة حسنة كانت أم(1)قبيحة، وتجرع الغيظ، فإنّي لم أر جرعةً أحلى منها عاقبة، ولا ألذّ منها مغبّة (أي عاقبة) ولن لمن غالظك فإنّه يوشك أن يلين لك، وخذ على عدوّك بالفضل فإنّه أحلى - أو أحد - الظفرين وإن أردت قطيعة أخيك فاستبق له من نفسك بقية ترجع عليها إن بدأ ذلك له يوماً مّا.

ومن ظنّ بك خيراً فصدّق ظنّه، ولا تضيعن حقّ أخيك اتكالاً على ما بينك وبينه. فإنّه ليس لك بأخ من أضعت حقّه، ولا يكن أهلك أشقى الخلق بك، ولا ترغبن فيمن زهد عنك، ولا يكوننّ أخوك على قطيعتك(2)أقوى منك على صلته، ولا يكوننّ على الإساءة أقوى منك على الإحسان، ولا يكبرن عليك ظلم من ظلمك، فإنّه يسعى في مضرّته ونفعك، وليس جزاء من سرّك أن تسوءه.

واعلم يا بني أنّ الرزق رزقان: رزق تطلبه ورزق يطلبك، فإن أنت لم تأته أتاك. ما أقبح الخضوع عند الحاجة، والجفاء عند الغنى، إنّما لك من دنياك ما أصلحت به مثواك، وإن جزعت على ما تفلت من يديك فاجزع على كلّ ما لم يصل إليك.


1) في نسخة : أو.

2) في نسخة : مقاطعتك.

..................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

استدلّ على ما لم يكن بما قد كان، فإنّ الاُمور أشباه، ولا تكوننّ ممّن لا تنفعه العظة إلّا إذا بالغت في إيلامه، فإنّ العاقل يتّعظ بالأدب، والبهائم لا تتّعظ إلّا بالضرب، إطرح عنك واردات الهموم بعزائم الصبر وحسن اليقين، من ترك القصد جار، والصاحب مناسب، والصديق من صدق غيبه، والهوى شريك العمى، و ربّ بعيد أقرب من قريب، وقريب أبعد من بعيد، والغريب من لم يكن له حبيب .

من تعدى الحقّ ضاق مذهبه، ومن اقتصر على قدره كان أبقى له، وأوثق سبب أخذت به سبب بينك وبين الله، ومن لم يبالك فهو عدوك، قد يكون اليأس إدركاً إذا كان الطمع هلاكاً ليس كلّ عورة تظهر، ولا كلّ فرصة تصاب، وربّما أخطأ البصير قصده، وأصاب الأعمى رشده.

أخّر الشرّ فإنّك إذا شئت تعجّلته، وقطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل، من آمن الزمان خانه، ومن أعظمه أهانه، ليس كلّ من رمى أصاب، إذا تغيّر السلطان تغيّر الزمان، سل عن الرفيق قبل الطريق، وعن الجار قبل الدار. إيّاك أن تذكر من الكلام ما كان مضحكاً وإن حكيت ذلك عن غيرك.

وإيّاك ومشاورة النساء فإنّ رأيهنّ إلى أفن (أي نقص) وعزمهنّ إلى وهن، وأكفف عليهن من أبصارهنّ بحجابك إيّاهنّ فإنّ شدّة الحجاب أبقى عليهنّ، وليس خروجهنّ بأشدّ من إدخالك من لا يوثق به عليهنّ، وإن استطعت أن لا يعرفن غيرك فافعل، ولا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها. فإنّ المرأة ريحانة وليست بقهرمانة، ولا تعد بكرامتها نفسها، ولا تطمعها في أن تشفع لغيرها، وإياك والتغاير

5835 - وروى محمد بن أبي عمير عن أبان بن عثمان وهشام بن سالم ومحمد بن حمران عن الصادق(عليه السلام) ، قال: عجبت لمن فزع من أربع كيف لا يفزع إلى أربع: عجبت لمن خاف كيف لا يفزع إلى قوله عزّوجلّ: حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فإنِّي سمعت الله عزّوجلّ يقول بعقبها: فَانْقَلَبُوابِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءُ(1).

ـــــــــــــــــــــــــــــ

في غير موضع غيرة فإنّ ذلك يدعو الصحيحة إلى السقم والبريئة إلى الريب.

واجعل لكلّ إنسان من خدمك عملاً تأخذه به فإنّه أحرى أن لا يتواكلوا في خدمتك، وأكرم عشيرتك فإنّهم جناحك الذي به تطير وأصلك الذي إليه تصير ويدك التي بها تصول.

استودع الله دينك ودنياك، وأسأله خير القضاء لك في العاجلة والآجلة والدنيا والآخرة والسلام»(2).

فتدبّر أيّها الأخ في الله في كلّ فقرة من فقراتها؛ فإنّها من كنوز الله تعالى ألقاها على لسان وليّه وصفيه صلوات الله عليه.

(وروى محمد بن أبي عمير عن أبان بن عثمان وهشام بن سالم و محمد بن حمران) في الصحيح كالكليني(3)( عن الصادق(عليه السلام)) وتقدّم مشروحاً في تعقيب الصلاة.


1) آل عمران : 173 و 174.

2) نهج البلاغة 3 : 37، ح 31.

3) لم نعثر عليه في الكافي. الخصال : 218، ح 43.

وعجبت لمن اغتمّ كيف لا يفزع إلى قوله تعالى: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فإنِّي سمعت الله عزّوجلّ يقول بعقبها: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(1).

و عجبت لمن مكربه كيف لا يفزع إلى قوله تعالى: وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ فإنِّي سمعت الله عزّوجلّ يقول بعقبها: فَوَقَاهُ اللهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا (2).

و عجبت لمن أراد الدنيا وزينتها كيف لا يفزع إلى قوله تعالى: مَا شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ فإنّي سمعت الله عزّوجلّ يقول بعقبها: إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَ وَلَداً فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ (3)الآية، وعسى موجبة.

5836 - وروى محمد بن زياد الأزدي عن أبان بن عثمان الأحمر عن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(وعسى موجبة) أي ما ورد من أمثاله في كلام الله تعالى فهو وعد واجب، فإنّ أمثاله من الكريم بمنزلة الواقع، سيّما إذا كان من أكرم الأكرمين، وجرّبنا كثيراً هذه الآيات لما ذكر فوقع كما وعد الله تعالى بلا تأخير.

[موعظة عن الصادق(عليه السلام)]

(وروی محمد بن زياد الأزدي) ابن أبي عمير ( عن أبان بن عثمان الأحمر)


1) الأنبياء : 87 و 88

2) غافر : 44 و 45

3) الكهف : 39 و 40.

الصادق جعفر بن محمد(عليه السلام) أنّه جاء إليه رجل فقال له: بأبي أنت واُمي يا ابن رسول الله علّمني موعظة ؟ فقال له(عليه السلام) : إن كان الله تبارك وتعالى قد تكفّل بالرزق فاهتمامك لماذا ؟ وإن كان الرزق مقسوماً فالحرص لماذا؟

ــــــــــــــــــــــــــــــ

في الموثق كالصحيح (إن كان الله تبارك وتعالى قد تكفّل بالرزق) في قوله تعالى:وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا(1)، وقال تعالى: وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَ رَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ(2). أي كما وصل إليكم رزق النطق وأنتم لا تعلمون أنّه من أي عالم (فاهتمامك) وغمك (لماذا؟) ولا ينافي ذلك أن يفتح باب دكانه ويتوكّل على الله سبحانه، كما تقدّم، أو هذا بالنظر إلى العلماء الربانيين المتوكلّين، فإنّ أسبابهم قطع الأسباب.

( وإن كان الرزق) الحلال (مقسوماً فالحرص لماذا؟) وهو كالسابق، بل إدخال فإنّ القسمة لا تنغيّر وليس في المبالغة إلّا التعب، بل ينبغي أن يرضى بما قسّمه الله تعالى له، وتقدّم الأخبار هنا وفي باب التجارة.

وروى المصنّف في القوي كالصحيح عن حماد بن عيسى عن أبي الله(عليه السلام) قال:« قال أمير المؤمنين(عليه السلام) كان فيما وعظ به لقمان ابنه أن قال له: يا بنيّ ليعتبر من قصر يقينه وضعفت نيّته في طلب الرزق، إنّ الله تبارك وتعالى خلقه في ثلاثة أحوال من أمره وآتاه رزقه، ولم يكن له في واحدة منها كسب ولا حيلة، إنّ الله تبارك و تعالى سيرزقه في الحال(3)الرابعة.


1) هود : 6.

2) الذاريات : 22 و 23

3) في نسخة : حال.

وإن كان الحساب حقّاً فالجمع لماذا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

أما أوّل ذلك فإنّه كان في رحم اُمّه يرزقه هناك في قرار مكين حيث لا يؤذيه حرّ ولا برد. ثمّ أخرجه من ذلك وأجرى له رزقاً من لبن اُمه يكفيه به ويربّيه وينعشه من غير حول ولا قوّة. ثمّ فطم من ذلك فأجرى له رزقاً من كسب أبويه برأفة ورحمة له من قلوبهما لا يملكان غير ذلك، حتى أنّهما يؤثّرانه على أنفسهما في أحوال كثيرة، حتى إذا كبر وعقل واكتسب لنفسه ضاق به أمره، وظنّ الظنون بربّه، وجحد الحقوق في ماله، وقتر على نفسه وعياله مخافة اقتار رزق وسوء يقين(1)بالخلف من الله تبارك وتعالى في العاجل والآجل، فبئس العبد هذا يا بني»(2). وعن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : «من أصبح معافاً في جسده آمناً في سربه عنده قوت يومه فكأنّما حيزت له الدنيا، يا ابن جعشم يكفيك منها ما سدّ جوعتك، وواري عورتك، فإن يكن بيت يكنّك فذاك، وإن تكن دابة تركبها فبخ بخ، والخبز وماء الحر(3)، وما بعد ذلك حساب عليك أو عذاب»(4). ((وإن كان الحساب حقاً فالجمع لماذا؟) أي إن كنت مؤمناً بما قاله الله ورسوله كما تقدّم أنّ في حلالها حساب وفي حرامها عقاب، وتقدّم الأخبار في ذم الدنيا.

وفي الأمالي بعد هذه الجملة قوله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): « وإن كان الثواب من الله (أي حقّاً) فالكسل لماذا؟»(5)، مع أنّه لا يكسل في طلب الدنيا والحال أنّ أكثر طلّابها محرومون، فليس ذلك إلّا لعدم اليقين.


1) في نسخة : ظنّ و.

2) الخصال : 122، ح 114.

3) والحر - بالضم -: من الطين والرمل، مجمع البحرين 1 : 486.

4) الخصال : 161، ح 211.

5) الأمالي للشيخ الصدوق : 56، ح 12.

وإن كان الخلف من الله عزّوجلّ حقّاً فالبخل لماذا؟ وإن كانت العقوبه من الله عزّوجلّ النار فالمعصية لماذا؟ وإن كان الموت حقّاً فالفرح لماذا؟ وإن كان العرض على الله عزّوجلّ حقّاً

ـــــــــــــــــــــــــــ

(وإن كان الخلف) أي العوض في الدنيا والعقبى (من الله عزّوجلّ حقاً) كما قال تعالى: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (1). وغيرها من الآيات والأخبار التي لا تحصى.

(وإن كان العرض على الله عزّوجلّ حقّاً) كما روي أنّه يعرض أعمال الليل في الصبح على الله تعالى وأعمال النهار في الليل(2)، أو العرض في يوم القيامة للحساب فإنّه لا يحتاج إلى العرض، بل هو عالم في أزل الآزال بما يفعله عبده في أبد الآباد عياناً، فيمكن أن يكون المراد يعرضها عليه تعالى عرضها على أنبيائه وأوصيائه في الدنيا والآخرة.

كما رواه الكليني في الصحيح عن يعقوب بن شعيب، قال: سألت أبا عبد الله عن قول الله عزّوجلّ: اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ(3)قال: «هم الأئمة(عليهم السلام)»(4).

وفي الصحيح عن الوشاء، قال: سمعت الرضا(عليه السلام) يقول: «إنّ الأعمال تعرض على رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) أبرارها وفجارها»(5).


1) سبأ : 39.

2) شرح أصول الكافي 5 : 291.

3) التوبة : 105.

4) الكافي 1 : 219، باب عرض الأعمال على النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) والأئمة(عليهم السلام) ، ح 2.

5) الكافي ،1 : 219، باب عرض الأعمال على النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) والأئمة(عليهم السلام)، ح 1.

فالمكر لماذا؟ ، وإن كان الشيطان عدواً فالغفلة لماذا؟

ــــــــــــــــــــــــــــ

وفي الموثق كالصحيح عن سماعة عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: سمعته يقول:« ما لكم تسوؤون رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ؟ فقال له رجل: كيف نسوؤه؟ فقال: «أما تعلمون أنّ أعمالكم تعرض عليه، فإذا رأى فيها معصية ساءه ذلك، فلا تسوؤوا رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وسرّوه»(1).

وفي القوي عن أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «تعرض الأعمال على رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) كلّ صباح أبرارها وفجّارها فاحذروها، وهو قول الله عزّوجلّ:اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ» وسكت(2).

وفي القوي عن عبد الله بن أبان الزيات وكان مكيناً عند الرضا(عليه السلام) ، قال: قلت للرضا(عليه السلام) : ادع الله لي ولأهل بيتي، فقال: «أولست أفعل، والله أنّ أعمالكم لتعرض عليّ في كلّ يوم وليلة» فقال: فاستعظمت ذلك، فقال لي: «أما تقرأ كتاب الله عزّوجلّ: وَ قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ؟» قال: «هو والله علي بن أبي طالب(عليه السلام)»(3).

(فالمكر لماذا؟) أي المكر مع الناس أو الأعم، فإنّ الرياء مكر مع الله تعالى.

والظاهر أنّ العرض في اليوم والليلة لطف للعباد حتى يستحيوا منهم ولا يعملوا سيئة، ويظهر من الأخبار المتواترة أنّ المتوسّمين هم(عليهم السلام) ويعرفون كلّ أحد بسيماهم، كما رواه الكليني في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام) : في


1) الكافي 1 : 219 باب عرض الأعمال على النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : والأئمة(عليهم السلام)، ح3

2) الكافي 1 : 219، باب عرض الأعمال على النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) والأئمة (عليهم السلام)، ح 1.

3) الكافي 1 : 219، باب عرض الأعمال على النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) والأئمة(عليه السلام)، ح4

وإن كان الممرّ على الصراط حقاً فالعجب لماذا؟

ــــــــــــــــــــــــــ

قول الله عزّوجلّ: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ قال: «هم «هم الأئمة صلوات الله عليهم قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : اتقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله عزّوجلّ في قول الله تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ(1).

وفي الحسن كالصحيح عن أسباط بياع الزطي، قال: كنت عند أبي عبد الله(عليه السلام) فسأله رجل عن قول الله عزّوجلّ: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ قال: فقال: «نحن المتوسمون والسبيل فينا مقيم»(2).

وفي الصحيح عن عبد الله بن سليمان عن أبي عبد الله(عليه السلام) : في قول الله عزّوجلّ:إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ، فقال: «هم الأئمة؟» وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ قال: «لا يخرج منّا أبداً»(3).

وعن جابر عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: «قال أمير المؤمنين(عليه السلام) في قوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ» قال: «كان رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) المتوسّم وأنا من بعده. والأئمة من ذريتي المتوسّمون»(4).

إلى غير ذلك من الأخبار، وستذكر إن شاء الله تعالى.

(وإن كان الممرّ على الصراط حقّاً فالعجب لماذا؟) أي لا يمرّ عليه إلّا من عمل جميع الصالحات على الوجه الذي اُمروا بها، ولو كان وقع منهم التقصير في عبادة


1) الكافي 1 : 218، باب أنّ المتوسمين الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه هم الأئمة(عليهم السلام) ، ح .

2) الكافي 1 : 218، باب أنّ المتوسمين الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه هم الأئمة(عليهم السلام) ، ح 1.

3) الكافي 1 : 218 ، باب أنّ المتوسمين الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه هم الأئمة(عليهم السلام)، ح 4.

4) الكافي 1 : 218 ، باب أنّ المتوسمين الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه هم الأئمة(عليهم السلام) ، ح 5.

وإن كان كلّ شيء بقضاء من الله وقدره فالحزن لماذا؟، وإن كانت الدنيا فانية فالطمأنينة إليها لماذا.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

أو معصية فيسقط في جهنم عند عقبتها، فمن ذا الذي يمكنه العجب بأعماله مع شرائطها الكثيرة التي منها الإخلاص؟! والمخلصون على خطر عظيم مع أنّ العجب مفسد لأعماله؟! كما تقدّم قريباً.

(وإن كان كلّ شيء بقضاء من الله وقدره فالحزن لماذا؟) وتقدّم الأخبار في الأعمال، وأنّها لا جبر فيها ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين، ولا ينافي تقدير الله تعالى وقضائه مع اختيار العبد فإنّهما يرجعان إلى العلم، سيّما في البلايا والمحن التي لا تكليف فيها، قال الله تبارك وتعالى:لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بمَا آتَاكُمْ(1)، والقرآن مشحون بها.

وروى الكليني في الصحيح عن صفوان الجمّال عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «كان أمير المؤمنين(عليه السلام) يقول: لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يعلم أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأنّ ما أخطأه لم يكن ليصيبه وأنّ الضارّ النافع هو الله عزّوجلّ»(2).

وفي الصحيح عن أبي ولاد الحناط وعبد الله بن سنان عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «من صحة يقين المرء المسلم أن لا يرضى الناس بسخط الله ولا يلومهم على ما لا يؤته الله، فإنّ الرزق لا يسوقه حرص حريص ولا يردّه كراهية كاره، ولو أنّ أحدكم فرّ من رزقه كما يفرّ من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت»، ثمّ قال: «إنّ الله تعالى بعدله وقسطه جعل الروح والراحة في اليقين، وجعل الهمّ والحزن في الشكّ


1) الحديد : 23.

2) الكافي 2 : 58، باب فضل اليقين، ح 7.

.....................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والسخط»(1).

وفي الصحيح عن هشام بن سالم قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: «إنّ العمل الدائم القليل على اليقين أفضل عند الله من العمل الكثير على غير يقين»(2).

وفي الصحيح عن سعيد بن قيس الهمداني، قال: نظرت يوماً في الحرب إلى رجل عليه ثوبان فحرّكت فرسي فإذا هو أمير المؤمنين(عليه السلام)، فقلت: يا أمير المؤمنين في مثل هذا الموضع أو الوضع؟ فقال: «نعم يا سعيد بن قيس إنّه ليس من عبد إلّا وله من الله عزّوجلّ حافظ وواقية، معه ملكان يحفظانه من أن يسقط من رأس جبل أو يقع في بئر، فإذا نزل القضاء خليا بينه وبين كلّ شيء»(3).

والظاهر أنّ يقينه(عليه السلام) باعتبار أنّه كان متوكّلاً توكلاً صحيحاً على الله تعالى، ومعه كان يعلم أنّ الله تعالى يحفظه، وقيل: كان يقينه من قول رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) أنّه أخبره أنه يقتل في سنة الأربعين على يد ابن ملجم لعنه الله، فكان يعلم أنّه محال قتله(عليه السلام) في أمثال هذه المواضع، والظاهر أنّ هذا فرد لا أنّه كان منحصراً فيه.

وفي الحسن كالصحيح عن زيد الشحام عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «إنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) جلس إلى حائط مايل يقضي بين الناس فقال بعضهم: لا تقعد تحت هذا الحائط فإنّه معور، فقال أمير المؤمنين(عليه السلام) : حرس امرئ أجله فلمّا قام سقط


1) الكافي 2 : 57، باب فضل اليقين، ح 2.

2) الكافي 2 : 57، باب فضل اليقين، ح 3.

3) الكافي 2 : 58، باب فضل اليقين، ح 8.

.............................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الحائط» قال: «وكان أمير المؤمنين (عليه السلام)ممّا يفعل هذا وأشباهه وهذا اليقين»(1).

وفي الصحيح عن عبد الرحمن العرزمي، عن أبيه، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «كان قنبر غلام علي(عليه السلام) وكان يحبّ علياً(عليه السلام)حبّاً شديداً ، فإذا خرج علي خرج على(عليه السلام) أثره بالسيف، فرآه ذات ليلة فقال: يا قنبر ما لك؟ فقال: جئت لأمشي خلفك يا أمير المؤمنين، قال: ويحك أمِن أهل السماء تحرسني أو من أهل الأرض؟ فقال: لا بل من أهل الأرض، فقال: إنّ أهل الأرض لا يستطيعون لي شيئاً إلّا باذن من السماء فارجع» فرجع(2).

وفي الصحيح عن يونس عمّن ذكره قال : قيل للرضا(عليه السلام): إنّك تتكلّم بهذا الكلام والسيف يقطر دماً، فقال: «إنّ الله وادياً من ذهب حماه بأضعف خلقه النمل، فلو رامه البخاتي لم تصل إليه»(3).

وفي القوي، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «ليس شيء إلّا وله حدّ» قال: قلت له: جعلت فداك فما حدّ التوكّل؟ قال: «اليقين» قلت: فما حدّ اليقين؟ قال: «أن لا تخاف مع الله شيئاً »(4).

وفي القوي كالصحيح عن زرارة عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «قال: أمير المؤمنين(عليه السلام) على المنبر : لا يجد أحدكم طعم الإيمان حتى يعلم أنّ ما أصابه


1) الكافي ،2 : 58 باب فضل اليقين ، ح 5. أي هذا من ثمرات اليقين بقضاء الله وقدره وقدرته ولطفه وحكمته وصدق أنبيائه ورسله مرآة العقول 7 : 363 و 364.

2) الكافي 2 : 59 ، باب فضل اليقين، ح 10.

3) الكافي 2 : 59، باب فضل اليقين، ح 11.

4) الكافي 2 : 57 ، باب فضل اليقين، ح 1.

5837 - وقال(عليه السلام) : إنّي لأرحم ثلاثة وحقّ لهم أن يرحموا: عزيز أصابته مذلة بعد العزّ، وغني أصابته حاجة بعد الغنى، وعالم يستخفّ به أهله والجهلة.

5838 - وقال(عليه السلام) : خمس هن كما أقول: ليست لبخيل راحة، ولا للحسود لذّة.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه»(1)، وسيجيء أيضاً.

(وقال(عليه السلام)) رواه المصنّف في الصحيح عن ابن أبي عمير، عن أبان وغيره(2)، عن أبي عبد الله(عليه السلام)(عزير أصابته مذلة بعد العز) يمكن أن يكون إشارة إلى النفس الناطقة التي كانت في عالم القدس مع في عالم القدس مع المقدّسين ثمّ ابتلى بالبدن مع معارضاته الكثيرة التي هي الخمسة والسبعون جند الجهل، وتقدّم. أو يعمّ بحيث يشمل القوى العقلية المجرّدة فرحمه بأن تزين بالعلم والمعرفة والرضى وأمثالها. وظلمها باشتغالها بالأكل والشرب والجماع واغتمامها بتحصيلها وفواتها وأمثالها.

( وغني أصابته حاجة بعد الغنى) وهو كالسابق واللاحق، ويكون التعدّد باعتبار أحوالها الثلاث، والظاهر بحاله.

( وقال:(عليه السلام)) رواه المصنّف في القوي عن أبي عبد الله(عليه السلام)(3)(ليست لبخيل راحة) لأنّه لا يصرف المال، وبسببه يصير كلّ الناس أعدائه ويسرقون منه وهو أبداً في الحفظ والغمّ هذا في الدنيا، وأمّا في الآخرة فإنّ الجنّة محرمة عليه، كما تقدّم.

(ولا لحسود لذّة) لأنّه لا يمكنه أن يرى أحداً بنعمة الله، ونعمته تعالى متواترة


1) الكافي 2 : 58 باب فضل اليقين، ح 4.

2) الأمالي للشيخ الصدوق : 62، ح 8. الخصال : 86، ح 18.

3) الخصال : 271، ح 10.

........................................

ـــــــــــــــــــــــــــ

على كل واحد وهو مغتمّ أبداً فكيف يكون له لذّة أبداً؟!

مع ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح عن محمد بن مسلم، قال: قال أبو جعفر(عليه السلام) : «إنّ الرجل ليأتي بأيّ بادرة فيكفر، فإنّ الحسد ليأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب»(1).

وفي الصحيح عن معاوية بن وهب قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام) : «آفة الدين الحسد والعجب والفخر»(2).

وفي الصحيح عن داود الرقّي عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: «قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم): قال الله عزّوجلّ لموسى بن عمران: يا ابن عمران لا تحسدنّ الناس على ما آتيهم من فضلي، ولا تمدّن عينيك إلى ذلك، ولا تتبعه نفسك، فإنّ الحاسد ساخط لنعمي صاد لقسمي الذي بين عبادي، ومن يك كذلك فلست منه وليس منّي»(3).

وعن السكوني، قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : كاد الفقر أن يكون كفراً، وكاد الحسد أن يغلب القدر»(4).

أمّا لو تمنّى مثل ما للمحسود فهو غبطة، ولا بأس؛ لما رواه عن الفضيل بن عياض عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال :« إنّ المؤمن يغبط ولا يحسد، وأنّ المنافق يحسد ولا يغبط»(5). إلى غير ذلك من الأخبار.


1) الكافي 2 : 306، باب الحسد، ح 1.

2) الکافی 2 : 307، باب الحسد، ح 5.

3) الكافي 2 : 307، باب الحسد، ح 6.

4) الكافي 2 : 307، باب الحسد، ح 4.

5) الكافي :2 : 307، باب الحسد، ح 7.

ولا لمملوك وفاء، ولا لكذوب مروءة، ولا يسود سفيه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

( ولا لكذاب(1)مروءة) وإنسانية، فإنّ بالكذب يخرج عن الانسانية (ولا يسود سفيه). وفي الخصال: سفه(2)، أي السفيه لا يصير له السيادة والتفوّق والسفه: الجهالة والطيش.

ففي الحسن كالصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي الحسن موسى(عليه السلام) : في رجلين يتسابان، فقال: «البادي منهما أظلم، ووزره ووزر صاحبه علیه»(3).

وفي القوي عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «إنّ السفه خلق لئيم يستطيل على من دونه ويخضع لمن فوقه»(4).

وفي القوي كالصحيح عن عيص بن القاسم عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «إنّ أبغض الخلق إلى الله عبداً تقى الناس لسانه»(5).

وفي القوي كالصحيح عن الحلبي، عن أبي عبد الله(عليه السلام) . قال: «لا تسفهوا، فإنّ أئمتكم ليسوا بسفهاء». وقال أبو عبد الله(عليه السلام) : « من كافى السفيه بالسفه فقد رضي بما اُتي إليه حيث احتذى مثاله»(6).

وفي الصحيح عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام) : «من خاف الناس


1) في المتن : ولا لكذوب.

2) انظر: الخصال : 271 ، ح 10.

3) الكافي 2 : 322، باب السفه، ح 3.

4) الكافي 2 : 322، باب السفه، ح 1.

5) الكافي 2 : 322 باب السفه، ح .4. وفيه: «وإن أبغض خلق الله».

6) الكافي 2 : 322، باب السفه، ح 2.

5839 - وقال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : إنّكم لن تسعوا الناس بأموالكم مسعوهم بأخلاقكم.

5840 - وروی یونس بن ظبيان عن الصادق جعفر بن محمد(عليه السلام)

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

لسانه فهو في النار»(1).

وفي القوي كالصحيح عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله: «شرّ الناس يوم القيامة الذين يكرمون اتقاء شرّهم»(2). وتقدّم الأخبار فيه.

(وقال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ) رواه المصنّف في القوي كالصحيح عن غياث بن إبراهيم. عن أبي عبد الله(عليه السلام) عنه(صلّی الله علیه وآله وسلّم)(3)أي ليس لكم من المال ما تُرضون به كلّ الناس فارضوهم بسعة أخلاقكم بتقديم السلام والزيارة وطيب الكلام، وعيادة المرضى، وشهادة الجنائز، والتواضع وأمثالها.

[مواعظ عن الصادق(عليه السلام)مشتملة على فوائد جليلة ]

(وروی یونس بن ظبیان) ضعّفه الأصحاب(4)، ويمكن أن يكون حكم المصنّف بصحّته بناء على موافقته للأخبار الصحيحة، أو كان نقل الخبر قبل الزلّة. ورواه المصنّف في القوي عنه(5).


1) الكافي :2 : 327، باب من يتّقى شره، ح 3.

2) الكافي :2 : 327، باب من يتّقى شره، ح 4.

3) عيون أخبار الرضا(عليه السلام)1 : 58.

4) رجال النجاشي : 448. اختيار معرفة الرجال 2 : 657 رجال ابن الغضائري : 101

5) معانى الأخبار : 195 ، ح 1.

أنّه قال: الاشتهار بالعبادة ريبة أنّ أبي حدّثني، عن أبيه، عن جدّه(عليه السلام) : أن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) قال: أعبد الناس من أقام الفرائض، وأسخى الناس من أدّى زكاة ماله، وأزهد الناس من اجتنب الحرام، وأتقى الناس من قال الحق فيما له وعليه، وأعدل الناس من رضى للناس ما يرضى لنفسه

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(الاشتهار بالعبادة) أي المستحبّات (ريبة) أي يحصل الشك في إخلاصه، أي يخاف أن يدخله العجب والكبر والرياء والسمعة، فكلما كانت أخفي كان بالإخلاص أنسب.

والظاهر أنّ ما يقوله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) و استشهاد له ويكون المراد أنّ إظهار الواجبات كاف في العبادة الظاهرة، وهو بعيد من الرياء؛ لأنّها يفعلها كلّ الناس، إلّا أن يعلم من حاله الرياء، وهو إذا لم يفعلها في السرّ وكان يفعلها عند الناس فلا شكّ في أنّه رياء باطل. أمّا إذا أوقعها في السرّ فليس برياء، وما يخطر بباله فهو من الوسواس، إلّا أن يزيد في كيفيتها.

و من الرياء أنّه إذا خلّى ونفسه يوقعها سريعاً، وإذا كان عند الناس يطولها فيطول في عباداتها في المنزل لتكون مساوية للخارج منه، فحينئذ عبادات منزله رياء ولو لم يره أحد؛ لأنّ مقصوده المساواة لا رضى الله سبحانه.

(أعبد الناس من أقام الفرائض) الحصر إضافي بالنسبة إلى من يقيم النوافل رياء. أو يكون المراد جميع الفرائض التي منها اجتناب جميع المحرمات، ويكون المراد بها حينئذٍ أنّ مثل هذه العبادة في غاية الإشكال، لا أنّ من يفعلها كذلك، ويؤدي النوافل معها يكون الأوّل أعبد من الثاني، والأوّل أظهر، وكذلك البواقي.

وكره لهم ما يكره لنفسه، وأكيس الناس من كان أشد ذكراً للموت،

وأغبط الناس من كان تحت التراب قد أمن العقاب ويرجو الثواب، وأغفل الناس من لم يتعظ بتغيّر الدنيا من حال إلى حال، وأعظم الناس في الدنيا خطراً من لم يجعل للدنيا عنده خطراً، وأعلم الناس من جمع علم الناس إلى علمه، وأشجع الناس من غلب هواه، وأكثر الناس قيمة أكثرهم علماً، وأقلّ الناس قيمة أقلهم علماً، وأقلّ الناس لذّة الحسود، وأقلّ الناس راحة البخيل، وأبخل الناس من بخل بما افترض الله عزّوجلّ عليه، وأولى الناس بالحقّ أعلمهم به، وأقلّ الناس حرمة الفاسق، وأقلّ الناس وفاء المملوك، وأقلّ الناس صديقاً المَلِك، وأفقر الناس الطامع، وأغنى الناس من لم يكن للحرص أسيراً، وأفضل الناس إيماناً أحسنهم خلقاً، وأكرم الناس أتقاهم.

ــــــــــــــــــــــــــــ

( وأكيس الناس) أي أعقلهم، والخطر القدر والمنزلة.

( وأقل الناس حرمة الفاسق) ولهذا لاغيبة له؛ لأنّه لا حرمة له، كما تقدّم.

وروى المصنّف في الصحيح عن هارون بن الجهم عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال : «إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له ولا غيبة» (1).

(من ترك ما لا يعنيه) أي لا فائدة فيه قولاً وفعلاً (من ترك المراء) المجادلة بأن يكون الغرض التفوّق، وإن كان الغرض ظهور الحقّ فلا بأس به، بل ربّما كان واجباً، كما قال الله تعالى: وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ(2).


1) الأمالي للشيخ الصدوق : 93، ح 68.

2) النحل : 125.

وأعظم الناس قدراً من ترك ما لا يعنيه، وأورع الناس من ترك المراء وإن كان محقّاً، وأقل الناس مروءة من كان كاذباً، وأشقى الناس الملوك.

وأمقت الناس المتكبّر، وأشد الناس اجتهاداً من ترك الذنوب.

وأحكم الناس من فرّ من جهّال الناس وأسعد الناس من خالط كرام الناس، وأعقل الناس أشدّهم مداراة للناس، وأولى الناس بالتهمة من جالس أهل التهمة، وأعتى الناس من قتل غير قاتله أو ضرب غير ضاربه، وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة.

وأحق الناس بالذنب السفيه المغتاب، وأذلّ الناس من أهان الناس، وأحزم الناس أكظمهم للغيظ، وأصلح الناس أصلحهم للناس، وخير الناس من انتفع به الناس.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(وأمقت الناس) أبغضهم عند الله (المتكبر ) فإنّ التكبر من الشرك، كما تقدّم.

(وأحكم الناس) وأكثرهم علماً مع العمل (من فرّ من جهال الناس) الظاهر الجهل المركب أو الأعم إذا لم يكونوا في مقام التعلّم (وأعتى الناس) وأطغاهم وأظلمهم (من قتل غير قاتله) أي من يريد قتله أو قاتل مورثه فإنّه كقاتله.

(السفيه المغتاب) أي الذي يسفه في الحضور ويغتاب في الغيبة.

روى المصنّف في القوي كالصحيح عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «لا تغتب فتغتب، ولا تحفر لأخيك حفرة فتقع فيها، فإنّك كما تدين تدان، والحزم ضبط الأمر، والأخذ فيه بالثقة ومراعاة العاقبة»(1).


1) الأمالي للشيخ الصدوق : 505، ح 697.

5841 - ومرّ أمير المؤمنين(عليه السلام) برجل يتكلّم بفضول الكلام فوقف عليه ثمّ قال: يا هذا إنّك تملي على حافظيك كتاباً إلى ربّك، فتكلّم بما يعنيك ودع مالا يعنيك.

5842 - وقال(عليه السلام) : لا يزال الرجل المسلم يكتب محسناً ما دام ساكتاً، فإذا تكلّم كتب محسنا أو مسيئاً.

5843 - وقال الصادق(عليه السلام): الصمت كنز وافر ، وزين الحليم، وستر الجاهل.

5844 - وقال(عليه السلام) : كلام في حقّ خير من سكوت على باطل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( ومرّ أمير المؤمنين(عليه السلام)) رواه المصنّف في القوي كالصحيح، عن سليمان بن جعفر الجعفري عن أبي الحسن(عليه السلام)(1).

(وقال الصادق(عليه السلام)) رواه الصدوقان في القوي عن أبي عبد الله(عليه السلام) . وتقدّم الأخبار في الصمت.

(وقال(عليه السلام) كلام في حقّ خير من سكوت على باطل) بل ربّما كان السكوت حراماً والكلام واجباً.

روى المصنّف فى القوي عن مسعدة بن صدقة، قال: سئل جعفر بن محمد(عليه السلام)عن الحديث الذي جاء عن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) أنّ أفضل الجهاد كلمة عدل عند إمام جائر ما معناه؟ قال: «هذا على أن يأمره بقدر معرفته، وهو مع ذلك يقبل منه وإلّا فلا»(2).

ومع خوف الضرر لا يجوز؛ لأنّ المؤمن عند الله عزيز، وتقدّم وجوب التقية.


1) الأمالي للشيخ الصدوق : 85، ح 53.

2) الخصال : 6 ، ح 16.

5845 - وروى إسماعيل بن مسلم، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه(عليهم السلام) قال: قال أمير المؤمنين(عليه السلام) كانت الفقهاء والحكماء إذا كاتب بعضهم بعضاً كتبوا بثلاث ليس معهنّ رابعة: من كانت الآخرة همّه كفاه الله همّه من الدنيا، ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن أصلح فيما بينه وبين الله أصلح الله فيما بينه وبين الناس.

وروى المصنّف في الصحيح عن إبراهيم بن عمر اليماني عن أبي عبد الله(عليه السلام) ،قال: «المؤمن أعظم حرمةً من الكعبة»(1).

(من كانت الآخرة همّه)روى المصنّف في الموثق كالصحيح عن أبي عبيدة الحذاء عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: «إنّ الله عزّوجلّ يقول: بجلالي وجمالي وعلائي وارتفاعي لا يؤثّر عبد هواي على هواه إلّا جعلت غناه في نفسه وهمّه في آخرته، و كففت عنه ضيعته وضمنت السماوات والأرض رزقه، وكنت له من وراء تجارة كلّ تاجر»(2). أي كنت معينه وظهيره بعد تجارة كلّ تاجر له، ولا يحتاج إلى تجارة تاجر فإنّي تاجر له، أو اُلقي في قلوب التاجرين حتى يتجروا له، أو يصير محبّاً لي ولا يحتاج إليهم.

وفي القوي عن أبي بصير عن أبي عبد الله عن أبيه عن جده(عليهم السلام) ، قال: «كتب رجل إلى الحسين بن علي(عليه السلام) يا سيدي أخبرني بخير الدنيا والآخرة؟ فكتب إليه:


1) الخصال : 27، ح 95.

2) الخصال : 3 ، ح 5.

5846 - وقال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : طوبى لمن طال عمره وحسن عمله فحسن منقلبه إذ رضي عنه ربّه، وويل لمن طال عمره وساء عمله فساء منقلبه إذ سخط عليه ربِّه عزّوجلّ.

5847 - وروى عمرو بن شمر عن جابر بن يزيد الجعفي عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر(عليه السلام)، قال: أوحى الله عزّوجلّ إلى رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) أنّي شكرت لجعفر بن أبي طالب أربع خصال، فدعاه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد فإنّه من طلب رضى الله بسخط الناس كفاه الله اُمور الناس، ومن طلب رضى الناس بسخط الله وكلّه الله إلى الناس والسلام»(1).

[طول العمر حسن إذا حسن عمله ]

( وقال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ) رواه المصنف في الحسن كالصحيح عن عبد الله بن الفضل الهاشمي عن الصادق عن آبائه[عليهم السلام](2)عنه(صلّی الله علیه وآله وسلّم) .

وفي الموثق عن غياث عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) ، قال: «قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): من أحسن فيما بقى من عمره لم يؤاخذ بما مضي من ذنبه، ومن أساء فيما بقي من عمره أخذ بالأوّل والآخر»(3).

(وروی عمرو بن شمر) رواه المصنّف في القوى كالصحيح(4). ويدلّ على جواز العمل بالعقل، وأنّ الحسن والقبح عقليان.


1) الأمالي للشيخ الصدوق : 268، ح 14.

2) الأمالي للشيخ الصدوق : 111، ح 8.

3) الأمالي للشيخ الصدوق : 111، ح 9.

4) الأمالي للشيخ الصدوق : 133، ح 12.

النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فأخبره فقال: لولا أنّ تبارك وتعالى أخبرك ما أخبرتك ما شربت خمراً قطّ؛ لأنّي علمت أنّي إن شربتها زال عقلي، وما كذبت قط؛ لأنّ الكذب ينقص المروءة، وما زنيت قطّ؛ لأنّي خفت أنّي إذا عملت عمل بي، وما عبدت صنماً قطّ؛ لأنّي علمت أنّه لا يضر ولا ينفع، قال: فضرب النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يده على عاتقه وقال: حقّ على الله عزّوجلّ أن يجعل لك جناحين تطير بهما مع الملائكة في الجنة.

5848 - وقال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): قال الله جل جلاله: عبادي كلكم ضال إلّا من هديته، وكلّكم فقير إلّا من أغنيته، وكلّكم مذنب إلّا من عصمته.

5849 - وفي رواية السكوني، قال: قال علي(عليه السلام): ما من يوم يمرّ على

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(وقال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)) رواه المصنّف في القوي عن علقمة بن محمد الحضرمي عن الصادق عن آبائه عنه (صلّی الله علیه وآله وسلّم) (عبادي كلّكم ضال إلّا من هديته)(1). أي بالهدايات الخاصة، أو الأعم بحيث يشمل هدايات الأنبياء والأوصياء، والأوّل أظهر. والظاهر أنّ الخاصّة تحصل بعد العمل بالعامة، كما قال تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (2). (وكلّكم فقير) كما في الخصال(3)أيضاً. أو فقراء، كما في بعض النسخ. وكأنّه أصلح مع أنّ المراد به كلّ واحد منكم أو باعتبار لفظ الكلّ فإنّه مفرد (إلّا من أغنيته) بالغناء المعنوي والظاهري والباطني.

(وفي رواية السكوني) رواه المصنّف في الموثق (4). وشهادة اليوم يمكن


1) الأمالي للشيخ الصدوق : 162، ح 1.

2) محمد : 17.

3) لم نعثر عليه في الخصال.

4) الأمالي للشيخ الصدوق : 169، ح 2.

ابن آدم إلّا قال له ذلك اليوم: أنا يوم جديد، وأنا عليك شهيد، فقل فيّ خيراً، واعمل في خيراً، أشهد لك بيوم القيامة، فإنّك لن تراني بعد هذا أبداً.

5850 - وفي رواية مسعدة بن صدقة قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : للمؤمن على المؤمن سبعة حقوق واجبة من الله عزّوجلّ عليه الإجلال له في عينه، والودّ له في صدره ،والمواساة له في ماله، وأن يحرم غيبته، وأن يعوده في مرضه، وأن يشيّع جنازته، وأن لا يقول فيه بعد موته إلّا خيراً.

5851 - وروى ابن أبي عمير عن أبي زياد النهدي عن عبد الله بن وهب عن الصادق جعفر بن محمد(عليه السلام)، قال: حسب المؤمن من الله نصرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

يكون على الحقيقة، وهو الظاهر، أو باعتبار شهادة الملائكة فيه.

(وفي رواية مسعدة بن صدقة) في القوي كالصحيح (1). وتقدّم الأخبار الكثيرة فيه، والمراد بالوجوب اللزوم أعم من الوجوب والاستحباب.

(وروى ابن أبي عمير عن أبي زياد النهدي). والظاهر زيادة (عن) و(أبي) من النسّاخ، وكان هكذا: محمد بن أبي عمير زياد النهدي، فإنّ اسم أبيه زياد (عن عبد الله بن وهب). والظاهر أنّه أيضاً تصحيفهم لكنّه في الأمالي(2)كما في المتن، وفي الخصال في الصحيح عن ابن أبي عمير عن قتيبة الأعشى(3). (حسب المؤمن من الله نصرة) لما تقدّم من الأخبار في أنّ الله تعالى يريد أن يكون ثواب المؤمن في


1) الأمالي للشيخ الصدوق : 84، ح 2.

2) الأمالي للشيخ الصدوق : 92 ، ح 6.

3) الخصال : 27، ح 96.

أن يرى عدوّه يعمل بمعاصي الله عزّوجلّ.

5852 - وروى ابن أبي عمير عن معاوية بن وهب عن الصادق جعفر ابن محمد(عليه السلام) ، قال : اصبر على أعداء النعم فإنّك لن تكافئ من عصى الله فيك بأفضل من أن تطيع الله فيه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآخرة، ولا يحصل مراده في الدنيا جعل هذه النعمة المعنوية انتقامه، فإنّ أقصى مراتب الانتقام القتل، وهو مع كونه حراماً إذا لم يكن الظلم قتلاً، فهو بالنسبة إلى عذاب الآخرة لا شيء، سيّما إذا رآه يعمل بمعاصي الله، وكلّما يعملها يزداد عذابه.

(وروى ابن أبي عمير عن معاوية بن وهب) في الصحيح. ورواه الكليني في الحسن كالصحيح عن معاوية بن وهب عن معاذ بن مسلم، كما في الأمالي(1). فالظاهر سقوطه من النسّاخ وإن أمكن أن يكون معاوية سمع من الصادق(عليه السلام) أيضاً. لكنّه بعيد (عن الصادق(عليه السلام) قال: : اصبر على أعداء النعم) أي الظلمة، فإنّ الظلم يزيل النعم، وفيه: تسلية أيضاً (فإنّك لن تكافئ من عصى الله فيك) أي في ظلمك (بأفضل من أن تطيع الله فيه) فإنّه إذا افترى عليك فإن جازيته بالافتراء تستحقّ عذاب الله مثله، وإن رفعته إلى حكّام الجور فهو أيضاً حرام، فأفضل المكافأة أن تصبر حتى تصير به من أهل الجنّة وصار هو من أهل النار، أو مع إمكان الرفع إلى الإمام، أو من نصبه لو رفعته إليهما وجازاه مشروعاً فات منك فضيلة الصبر والإحسان إلى من أساء إليك، وهو أعظم أخلاق المؤمن، بل هو صفة الله تعالى والتخلّق بأخلاقه من صفات أوليائه، كما تقدّم الأخبار فيه.


1) الكافي 2 : 109، باب كظم الغيظ، ح 3. وفيه عن على بن النعمان ومحمد بن سنان، عن عمار ابن مروان، عن أبي الحسن الأوّل(عليه السلام) . الأمالي للشيخ الصدوق : 158، ح 5.

5853 - وروى المعلى بن محمد البصري عن أحمد بن محمد بن عبد الله عن عمرو بن زياد عن مدرك بن عبدالرحمن عن أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمد(عليه السلام) ، قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله عزّوجلّ الناس في صعيد واحد ووضعت الموازين، فتوزن دماء الشهداء مع مداد العلماء، فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

[رجحان مداد العلماء على دماء الشهداء ]

(وروى المعلّى بن محمد البصري) في القوي (ووضعت الموازين) أي الأنبياء والأوصياء، والتعبير عنهم بها لإقامتهم(عليهم السلام) للعدل، ويمكن أن يكون المراد ظاهره. ويكون الميزان كثيراً، أو اُطلقت عليه لكبره، وظاهر هذا الميزان منطبق على تجسّم الأعمال، ويمكن أن يثقل الله تعالى صحيفة الأعمال بحسب ما يعلمه من مراتبها، لكن روى المصنّف في الاعتقادات أنّ المراد بالميزان النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) والأئمة(عليهم السلام)(1).

ويحمل الخبر على أنّهم(عليهم السلام) الميزان الحقيقي، ويبقى الظاهر من الآيات والأخبار بحاله.

(فتوزن دماء الشهداء مع مداد العلماء) وعلى الظاهر أنّ المراد بالميزان ذو الكفّتين، فهل يكون هذا الوزن؛ لأنّ العالم غير الشهيد، فأيّ فائدة في أن يعلم أيّهما أفضل، بل الظاهر أنّه إذا اُثيب العالم بحسب مراتبه والشهيد بحسب مراتبه يظهر على العالمين أنّ درجات العلماء أعلى من درجات الشهداء.


1) لم نعثر عليه في الاعتقادات. نعم، يوجد في كتاب التوحيد : 268.

5854 - وروى محمد بن أبي عمير عن عبد الله بن القاسم عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه عن علي(عليه السلام) ، قال: كُن لما لا أرجى منك لما ترجو، فإنّ موسى بن عمران(عليه السلام) خرج يقتبس ترجو لأهله ناراً

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ويمكن أن يوزن الدماء مع المداد ليعلم الناس أنّ تفضيل العلماء بحسب العدل، وينبغي أن يكون الموازنة بين العالم المخلص والشهيد اللذان يكونان سواء في الإخلاص حتى يظهر أفضليّة العلم، ولا شكّ في أفضليّته، فإنّ بالعلم يكون كمال الدين الواقعي، وبالسيف يكون كماله ظاهراً، فربّما كانوا منافقين كما كان في زمان النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، ولهذا ارتدّ الناس إلّا ثلاثة من العلماء: سلمان، وأبوذرّ، والمقداد(1).

لا يقال: يظهر من قوله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : « لضربة عليّ يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين إلى يوم القيامة»(2)أنّ مرتبة السيف أعلى.

لانّا نقول: لما ظهر من هذا الخبر أفضليّة العلم فيظهر أن علم أمير المؤمنين(عليه السلام) أفضل علوم الثقلين بالطريق الأولى، وهكذا كلّ فعل من أفعاله(عليه السلام) ، على أن أفضليّة ضربته(عليه السلام) باعتبار أفضليّة إخلاصه الذي هو من العلم.

[كن لما لا ترجو أرجي منك لما ترجو ]

(وروى محمد بن أبي عمير) في القوي كالصحيح، وتقدّم ذلك في باب التجارة بأسانيد متعدّدة (كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو) أي إذا نظرت إلى نفسك


1) الاختصاص : 6.

2) شرح أصول الكافي لمولى صالح المازندراني 12 : 413. عوالي اللآلي 4 : 86، ح 102.

فكلّمه الله عزّوجلّ فرجع نبيّاً، وخرجت ملكة سبأ فأسلمت مع سليمان(عليه السلام)، وخرج سحرة فرعون يطلبون العزّة لفرعون فرجعوا مؤمنين.

5855 - وروى عبد الله بن عباس عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)أنّه قال: أشراف اُمتي حملة القرآن.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تجدها أنّ رجاءها من مواضع اعتادت النفع منها، فينبغي أن تعارضها بأن تقول: إنّه كثيراً ما كان رجاءك من موضع ولم يحصل منه، ووقع من موضع لم تكن ترجوها، فيجب عليك أن يكون رجاءك من فضل الله تعالى، ولا يكون إلى موضع أكثر من غيره، بل إذا كنت ترجو الله فهو تعالى يحصل مطلوبك في أيّ موضع يريد، والغالب أنّه لا يحصل من موضع ترجوه؛ لئلّا تتوجّه إلى الأسباب، بل لتتوجّه إلى مسبّب الأسباب، بل إذا كان الرجاء من غيره فحاصله الخيبة والحرمان، كما تقدّم في خبر الحسين بن علوان، وغيره من الأخبار.

[أشراف الاُمة حملة القرآن ]

(وروی عبد الله بن عباس) رواه المصنّف(1)عنه من طرق العامّة (أشراف اُمتي حملة القرآن) الظاهر أنّ المراد منه أعمّ من أن يكون بحفظ ألفاظه أو معانيه، ويمكن أن يكون المراد بهم الأئمة المعصومون(عليهم السلام) فإنهم حملة معاني القرآن جميعها، ولا يعلم جميعها غيرهم بالأخبار المتواترة عن العامّة والخاصّة من حديث الثقلين(2)

الأمالي للشيخ الصدوق: 500، ح 15. مسند أحمد 3 : 14. سنن الدارمي 2 : 431 و 432. فضائل الصحابه للنسائي: 15.


1) الخصال: ل : 7 ، ح 21

2) الكافي 1 : 293 باب الإشارة والنص على أمير المؤمنين(عليه السلام)، ح 3. دعائم الإسلام 1 : 28.

.................................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

وغيره من قوله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : «أنا مدينة العلم - أو الحكمة - وعليٌّ بابها »(1).

روى الكليني في الصحيح عن جابر قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام)يقول: «ما ادّعى أحد من الناس أنّه جمع القرآن كله كما أنزل إلّا كذّاب، وما جمعه وحفظه كما نزّله الله إلّا عليّ بن أبي طالب والأئمة(عليهم السلام) من بعده»(2).

وفي الحسن كالصحيح عن بريد بن معاوية قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام): قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ(3)، قال: «إيّانا عنى، وعليّ أوّلنا وأفضلنا وخيرنا بعد النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)(4).

وعن جابر عن أبي جعفر(عليه السلام)أنّه قال: «ما يستطيع أحد أن يدّعي أنّ عنده جميع القرآن كلّه ظاهره وباطنه غير الأوصياء»(5).

وعن سلمة بن محرز، قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام)يقول: «إنّ من علم ما اُوتينا تفسير القرآن وأحكامه وعلم تغيير الزمان وحدثانه إذا أراد الله بقوم خيراً لأسمعهم.


1) الخصال : 574. المجازات النبوية للشريف الرضي : 207، ح 166. الإرشاد 1: 33 كنز الفوائد : 149. المستدرك للحاكم النيسابوري 3: 126. مجمع الزوائد 9 : 114.

2) الكافي 1 : 228، باب أنّه لم يجمع القرآن كلّه إلّا الأئمة(عليهم السلام) ، ح 1.

3) الرعد : 43.

4) الكافي 1 : 229 ، باب أنّه لم يجمع القرآن كلّه إلّا الأئمة(عليهم السلام)، ح 6.

5) الكافي 1 : 228، باب أنّه لم يجمع القرآن كلّه إلّا الأئمة(عليهم السلام) ، ح 2.

...................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ولو أسمع من لم يسمع لولّى معرضاً كأن لم يسمع» ثمّ أمسك هنيئة، ثمّ قال:« لو وجدنا أوعية أو مستراحاً لقلنا»(1).

وعن عبد الأعلى مولى آل سام قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «والله إنّي لأعلم كتاب الله من أوّله إلى آخره كأنّه في كفّي، فيه خبر السماء، وخبر الأرض، و خبر ما كان، وخبر ما هو كائن، قال الله عزّ وجلّ: تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ(2).

وعن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قَالَ:قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ، قال: ففرّج أبو عبد الله(عليه السلام) بين أصابعه فوضعها في صدره، ثمّ قال: «وعندنا والله علم الكتاب كلّه»(3).

وعن جابر الجعفي عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): من سرّه أن يحيى حياتي ويموت ميتتي ويدخل الجنّة التي وعدنيها ربّي ويتمسّك بقضيب غَرَسه ربِّي بيده فليتولّ علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام وأوصيائه، فإنّهم لا يدخلونكم في باب ضلال ولا يخرجونكم من باب هدى، فلا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم، وإنّي سألت ربّي أن لا يفرّق بينهم وبين الكتاب حتى يردا عليّ الحوض


1) الكافي 1 : 229، باب أنّه لم يجمع القرآن كلّه إلّا الأئمة(عليهم السلام) ، ح 3.

2) الكافي 1 : 229 باب أّنه لم يجمع القرآن كلّه إلّا الأئمة(عليهم السلام)، ح 4. والآية في سورة النحل :89.

3) الكافي 1 : 229، باب أنّه لم يجمع القرآن كلّه إلّا الأئمة(عليهم السلام)، ح 5. والآية في سورة النمل :40.

............................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

هكذا »وضمّ بين اصبعيه، وعرضه ما بين صنعاء(1)إلى إيلة(2)فيه قدحان: فضة وذهب عدد النجوم(3).

وفي الحسن كالصحيح عن عبد الله بن جندب: أنّه كتب إليه الرضا(عليه السلام) : «أمّا بعد فإنّ محمداً(صلّی الله علیه وآله وسلّم) كان أمين الله في خلقه، فلمّا قبض(صلّی الله علیه وآله وسلّم) كنّا أهل البيت ورثته فنحن اُمناء الله في أرضه، عندنا علم البلايا والمنايا، وأنساب العرب، ومولد الإسلام، وأنّا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان، وحقيقة النفاق، وأنّ شيعتنا المكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، أخذ الله علينا وعليهم الميثاق يردون موردنا ويدخلون مدخلنا ليس على ملّة الإسلام غيرنا وغيرهم، نحن النجباء النجاة، ونحن أفراط الأنبياء، ونحن أبناء الأوصياء، ونحن المخصوصون في كتاب الله تبارك وتعالى، ونحن أولى الناس بكتاب الله ، ونحن أولى الناس برسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، ونحن الذين شرع الله لنا دينه، فقال في كتابه: شَرَعَ لَكُمْ یا آل محمد مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا قد وصّانا بما وصّى به نوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ يا محمّد وَ مَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى فقد علمنا وبلغنا علم ما علمنا واستودعنا علمهم، نحن ورثة اُولي العزم من الرسل أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ


1) صنعاء ممدودٌ فى الأكثر، بلد باليمن نقل أنّه أوّل بلد بنى بعد الطوفان والنسبة إليه صنعاني على غير القياس والقياس بالواو، مجمع البحرين 2 : 639.

2) أيلة جبل بين مكة والمدينة قرب ينبع، وإيلة بالكسر قرية بين مدين والطور، وأيلة بالفتح فالسكون بلد بين ينبع ومصر ومنه حديث حوض رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)عرضه ما بين صنعاء إلى أيلة، مجمع البحرين 1 : 140.

3) الكافي 1 : 209 ، باب ما فرض الله عز وجل ورسوله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) من الكون مع الأئمة(عليهم السلام) ، ح 1.

.............................................

ـــــــــــــــــــــــــــــ

يا آل محمد وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ وكونوا على جماعةكَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ من أشرك بولاية علي ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ من ولاية علىإِنَّ اللهَ يا يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنيبُ من يجيبك إلى ولاية علي(1).

وفي القوي كالصحيح عن إبراهيم، عن أبيه عن أبي الحسن الأوّل ، قال: قلت له: جعلت فداك أخبرني عن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ورث النبيين كلّهم؟ قال: «نعم» قلت: من لدن آدم حتى انتهى إلى نفسه؟ قال: «ما بعث الله نبياً إلّا ومحمد(صلّی الله علیه وآله وسلّم)أعلم منه» قال: قلت: إنّ عيسى بن مريم كان يحيي الموتى بإذن الله؟ قال:«صدقت، وسليمان ابن داود كان يفهم منطق الطير، وكان رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يقدر على هذه المنازل» قال: «فقال: إنّ سليمان بن داود قال للهدهد حين فقده وشك في أمره فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ حين فقده وغضب عليه، قال: لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ(2).

وإنّما غضب لأنّه كان يدلّه على الماء، فهذا وهو طائر قد اُعطي ما لم يعط سليمان وقد كانت الريح والنمل والجنّ والإنس والشياطين المردة له طائعين. ولم يكن يعرف الماء تحت الهواء، وكان الطير يعرفه، وإن الله يقول في كتابه: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلَّمَ بِهِ الْمَوْتَى(3).


1) الكافي 1 : 223، باب أنّ الأئمة ورثوا علم النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وجميع الأنبياء و الأوصياء، ح 1. والآية في سورة الشورى : 13.

2) النمل : 20 و 21.

3) الرعد : 31

..........................................

ـــــــــــــــــــــــــــ

وقد ورثنا نحن هذا القرآن الذي فيه ما يسيّر به الجبال، وتقطع به البلدان، ويحيي به الموتى، ونحن نعرف الماء تحت الهواء، وأنّ في كتاب الله لآيات ما يراد بها أمر إلّا أن يأذن الله به، مع ما قد يأذن الله ممّا كتبه الماضون، جعله الله لنا في اُمّ الكتاب. إنّ الله يقول: وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (1). ثمّ قال: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا(2)فنحن الذين اصطفانا الله عزّوجلّ وأورثنا هذا الذي فيه تبيان كلّ شيء»(3).

[أهل الذكر هم الأئمة(عليهم السلام)]

وتقدّم الأخبار في أنّ عندهم علم القرآن ولهذا أمر الله تعالى العالمين بسؤالهم في قوله تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ(4). والمراد بالذكر القرآن والرسول، وعلى الأمرين هم أهله كما رواه الكليني والصفار وغيرهما في الصحيح عن أبي بصير عن أبي عبد الله : في قول الله جل جلاله: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْتَلُونَ (5)«فرسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، الذكر، وأهل بيته(عليهم السلام) المسؤولون وهم


1) النمل : 75.

2) فاطر : 32.

3) الكافي 1 : 226، باب أنّ الأئمة ورثوا علم النبي وجميع الأنبياء و الأوصياء، ح 7.

4) النحل : 43.

5) الزخرف : 44.

...........................................

ـــــــــــــــــــــــــــ

أهل الذكر»(1).

وفي الصحيح عن الفضيل عن أبي عبد الله(عليه السلام) : في قول الله تبارك وتعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْتَلُونَ، قال: «الذكر القرآن ونحن قومه ونحن المسؤولون»(2).

وفي الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام)قلت: إن من عندنا يزعمون أن قول الله عزّوجلّ:فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ إنهم اليهود والنصارى، قال: «إذاً يدعونهم - أو يدعونكم - إلى دينهم» ثمَّ قال بيده إلى صدره: «نحن أهل الذكر ونحن المسؤولون»(3).

وفي الصحيح عن الوشّاء عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام)، قال: سمعته يقول: «قال علي بن الحسين(عليه السلام): على الأئمة من الفرض ما ليس على شيعتهم، وعلى شيعتنا ما ليس علينا، أمرهم الله عزّوجلّ أن يسألونا قال: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ فأمرهم أن يسألونا وليس علينا الجواب، إن شئنا أجبنا، وإن شئنا أمسكنا»(4)

وهذا أحد معاني التفويض وكأنه للتقية؛ لما في الصحيح عن البزنطي، قال:


1) الكافي ،1 : 211 ، باب أنّ أهل الذكر الذين أمر الله الخلق بسؤالهم هم الأئمة(عليهم السلام)، ح 4.

2) الكافي ،1 : 211 ، باب أنّ أهل الذكر الذين أمر الله الخلق بسؤالهم هم الأئمة(عليهم السلام)، ح 5.

3) الكافي ،1 : 211 ، باب أن أهل الذكر الذين أمر الله الخلق بسؤالهم هم الأئمة(عليهم السلام)، ح7

4) الكافي ،1 : 212 ، باب أنّ أهل الذكر الذين أمر الله الخلق بسؤالهم هم الأئمة(عليهم السلام)، ح 8.

............................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

كتبت إلى الرضا كتاباً وكان في بعض ما كتبت قال الله عزّوجلّ: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ. وقال الله عزّوجلّ: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (1)، فقد فرضت عليهم المسألة ولم يفرض عليكم الجواب؟ قال: «قال الله تبارك وتعالى: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ »(2)(3).

وفي الموثق عن أبي بكر الحضرمي، قال: كنت عند أبي جعفر(عليه السلام) ودخل عليه الورد أخو الكميت فقال: جعلني الله فداك اخترت لك سبعين مسألة ما يحضرني منها إلا مسألة واحدة، قال: «ولا واحدة يا ورد؟» قال: بلى حضرني منها واحدة، قال: «وما هي؟» قال: قول الله تبارك وتعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ مَن هم؟ قال: «نحن» قال: قلت علينا أن نسألكم؟ قال: «نعم» قلت: عليكم أن تجيبونا؟ قال: «ذاك إلينا»(4).

وفي القوي كالصحيح عن الوشاء. قال: سألت الرضا(عليه السلام) فقلت له: جعلت فداك فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ؟ فقال: «نحن أهل الذكر ونحن


1) التوبة : 122.

2) القصص : 50.

3) الكافي 1 : 212، باب أن أهل الذكر الذين أمر الله الخلق بسؤالهم هم الأئمة(عليهم السلام)، ح 9.

4) الكافي ،1 : 211 ، باب أن أهل الذكر الذين أمر الله الخلق بسؤالهم هم الأئمة(عليهم السلام) ، ح 6.

...............................................

ـــــــــــــــــــــــــــــ

المسؤولون» قلت: فأنتم المسؤولون ونحن السائلون؟ قال: «نعم» قلت: حق علينا أن نسألكم؟ قال: «نعم» قلت حق عليكم أن تجيبونا؟ قال: «لا ذاك إلينا، إن شئنا فعلنا، وإن شئنا لم نفعل، أما تسمع قول الله تبارك وتعالى: هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ(1)(2).

وفي القوي كالصحيح عن عبد الله بن عجلان عن أبي جعفر(عليه السلام) : في قول الله عزّوجلّ: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، قال: «رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): الذكر أنا والأئمة(عليهم السلام) أهل الذكر، وقوله عزّوجلّ: إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ»(3)قال أبو جعفر(عليه السلام) :« نحن قومه ونحن المسؤولون»(4). إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة، وتقدّم بعضها.

[ما ورد في فضل حامل القرآن ]

ويحتمل أن يكون المراد بـ« أشراف اُمتي حملة القرآن» أن يكون حمل القرآن شرفاً، سواء كان بحفظه أو درس ظاهره أو التعلّم من أئمة الهدى علومه، ويكون الشرف بحسب السعي والعلم، ويكون الأشرف الأئمة(عليهم السلام) .


1) ص : 39.

2) الكافي 1 : 210 ، باب أنّ أهل الذكر الذين أمر الله الخلق بسؤالهم هم الأئمة(عليهم السلام) ، ح 3.

3) الزخرف : 44.

4) الكافي 1 : 210 ، باب أنّ أهل الذكر الذين أمر الله الخلق بسؤالهم هم الأئمة(عليهم السلام)، ح 1.

........................................

ــــــــــــــــــــــــ

كما رواه الكليني في الصحيح عن الفضيل بن يسار عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «الحافظ للقرآن العامل به مع السفرة الكرام البررة»(1).

وفي الصحيح عنه عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال : قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : تعلّموا القرآن فإنّه يأتي يوم القيامة في صورة شابّ جميل شاحب اللون (أي متغيّره) فيقول له: أنا القرآن الذي كنت أسهرت ليلك وأظمأت هواجرك (أي بالصوم) وأجففت ريقك وأسلت دموعك أؤول معك حيثما ألت ، وكلّ تاجر من وراء تجارته وأنا لك اليوم من وراء تجارة كلّ تاجر (أي لست مثلهم) وسيأتيك كرامة الله عزّوجلّ فابشر قال: فيؤتى بتاج فيوضع على رأسه ويعطى الأمان بيمينه والخلد في الجنان بيساره ويكسى حلّتين ثمّ يقال له: اقرأ ،وأرق فكلّما قرأ آية صعد درجة ويكسى أبواه حلّتين إن كانا مؤمنين، ثمّ يقال لهما : هذا لما علّمتماه القرآن»(2).

وفي الموثق كالصحيح عن سماعة بن مهران، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «إنّ العزيز الجبار أنزل عليكم كتابه وهو الصادق البار، فيه خبركم، وخبر من قبلكم. وخبر من بعدكم، وخبر السماء والأرض ولو أتاكم من يخبركم عن ذلك لتعجّبتم»(3).

وفي القوي عن سعد الخفّاف عن أبي جعفر(عليه السلام) أنّه قال: «يا سعد تعلّموا القرآن


1) الكافي 2 : 603 ، باب فضل حامل القرآن، ح 2

2) الكافي 2 : 603، باب فضل حامل القرآن، ح 3.

3) الكافي 2 : 599، کتاب فضل القرآن، ح 3.

........................................

ـــــــــــــــــــــــــــــ

فإنّ القرآن يأتي يوم القيامة في أحسن صورة نظر إليها الخلق والناس صفوف. عشرون ومائة ألف صف، ثمانون ألف صف اُمّة محمد(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وأربعون ألف صف من سائر الاُمم فيأتي على صف المسلمين في صورة رجل فيسلم فينظرون إليه ثمّ يقولون: لا إله إلّا الله الحليم الكريم، إنّ هذا الرجل من المسلمين نعرفه بنعته وصفته غير أنّه كان أشدّ اجتهاداً منّا في القرآن، فمن هناك أعطى من البهاء والجمال والنور ما لم نعطه.

ثمّ يتجاوز حتى يأتي على صف الشهداء فينظر إليه الشهداء ثمّ يقولون: لا إله إلّا الله الرب الرحيم، إنّ هذا الرجل من الشهداء نعرفه بسمته وصفته غير أنّه من شهداء البحر، فمن هناك أعطى من البهاء والفضل ما لم نعطه».

قال: «فيجاوز حتى يأتي صف شهداء البحر فيكثر تعجّبهم، ويقولون: إنّ هذا من شهداء البحر نعرفه بسمته وصفته غير أنّ الجزيرة التي اُصيب فيها كانت أعظم هولاء من الجزيرة التي أصبنا فيها، فمن هنالك أعطى من البهاء والجمال والنور ما لم نعطه.

ثمّ يجاوز حتى يأتى صف النبيين والمرسلين في صورة نبي مرسل فينظر النبيّون والمرسلون إليه فيشتدّ لذلك تعجّبهم ويقولون: لا إله إلّا الله الحليم الكريم. إنّ هذا النبي مرسل نعرفه بصفته وسمته غير أنّه أعطى فضلاً كثيراً».

قال: «فيجتمعون فيأتون رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فيسألونه ويقولون: يا محمد من هذا؟ فيقول لهم: أوَما تعرفونه؟ فيقولون: ما نعرفه هذا ممّن لم يغضب الله عليه، فيقول

.........................................

ــــــــــــــــــــــــــ

رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): هذا حجة الله على خلقه فيسلم.

ثمّ يجاوز حتى يأتي على صف الملائكة في صورة ملك مقرّب فينظر إليه الملائكة فيشتدّ تعجّبهم ويكبّر ذلك عليهم لما رأوا من فضله ويقولون تعالى ربنا وتقدّس أنّ هذا العبد من الملائكة نعرفه بسمته ووصفه غير أنّه كان أقرب الملائكة إلى الله عزّوجلّ مقاماً ، فمن هناك ألبس من النور والجمال ما لم نلبس.

ثمّ يجاوز حتى ينتهي إلى ربّ العزّة تبارك وتعالى فيخرّ تحت العرش فيناديه تبارك وتعالى: يا حجّتي في الأرض وكلامي الصادق الناطق إرفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع، فيرفع رأسه فيقول الله تبارك وتعالى: كيف رأيت عبادي؟ فيقول: يا ربّ منهم من صانني وحافظ عليّ ولم يضيّع شيئاً، ومنهم من ضيّعني واستخف بحقي وكذّب بي وأنا حجّتك على جميع خلقك، فيقول الله تبارك وتعالى: وعزّتي وجلالي وارتفاع مكاني لاُثيبنّ عليك اليوم أحسن الثواب، ولاُعاقبنّ عليك اليوم أليم العقاب».

قال: «فيرفع القرآن رأسه في صورة اُخرى».

قال: فقلت له: يا أبا جعفر في أيّ صورة يرجع؟ قال: «في صورة رجل شاحب متغيّر ينكره أهل الجمع، فيأتي الرجل من شيعتنا الذي كان يعرفه ويجادل به أهل الخلاف فيقوم به بین یدیه فيقول: ما تعرفني؟ فينظر إليه الرجل فيقول: ما أعرفك يا عبد الله، قال فيرجع في صورته التي كانت في الخلق الأول، فيقول ما تعرفني فيقول: نعم، فيقول القرآن: أنا الذي أسهرت ليلك وأنصبت عيشك فيّ وسمعت

...........................................

ــــــــــــــــــــــــــ

الأذى ورجمت بالقول فيّ، ألا وأنّ كلّ تاجر قد استوفي تجارته وأنا وراءك اليوم».

قال: «فينطلق به إلى ربّ العزّة تبارك وتعالى فيقول: يا ربّ عبدك وأنت أعلم به قد كان نصباً بي مواظباً عليّ، يعادي بسببي ويحبّ فيّ، ويبغض، فيقول الله عزّوجلّ: ادخلوا عبدي جنّتي واكسوه حلة من حلل الجنّة، وتوجّوه بتاج، فإذا فعل ذلك به عرض على القرآن فيقال له: هل رضيت بما صنع بوليك؟ فيقول: يا ربّ إِنِّي استقلّ هذا له فزده مزيد الخير كلّه، فيقول: وعزّتي وجلالي وعلوي وارتفاع مكاني لأنحلنّ له خمسة أشياء مع المزيد له ولمن كان بمنزلته، ألا أنّهم شباب لا يهرمون، وأصحّاء لا يسقمون، وأغنياء لا يفتقرون، وفرحون لا يحزنون، وأحياء لا يموتون، ثمّ تلا هذه الآية: لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولى »(1).

قال: قلت جعلت فداك يا أبا جعفر: وهل يتكلّم القرآن؟ فتبسّم.

ثمّ قال: «رحم الله الضعفاء من شيعتنا أنّهم أهل تسليم» ثمّ قال: «نعم يا سعد، والصلاة تتكلّم ولها صورة وخلق تأمر وتنهى» قال سعد: فتغيّر لذلك لوني، وقلت: هذا شيء لا أستطيع أتكلم به في الناس، فقال أبو جعفر(عليه السلام): «وهل الناس إلّا شيعتنا، فمن لم يعرف الصلاة فقد أنكر حقّنا» ثمّ قال: «يا سعد أسمعك كلام القرآن؟» قال سعد: فقلت: بلى صلّى الله عليك فقال: «إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ(2)، فالنهي كلام، والفحشاء والمنكر رجال،


1) الدخان : 56.

2) العنكبوت : 45.

........................................

ـــــــــــــــــــــــــ

ونحن ذكر الله، ونحن أكبر»(1).

وفي القوي عن سعد الاسكاف، قال: قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) : «اُعطيتُ السور الطوال مكان التوراة، واُعطيت المئين مكان الإنجيل، واُعطيت المثاني مكان الزبور، وفضلت بالمفصل ثمان وستون سورة وهو مهيمن على سائر الكتب، فالتوراة لموسى، والإنجيل لعيسى، والزبور لداود (عليه السلام)»(2).

وفي الموثق عن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: «إنّ القرآن زاجر وآمر، يأمر بالجنّة ويزجر عن النار»(3).

وفي القوي عن جابر عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: «يجيء القرآن يوم القيامة في أحسن منظور إليه صورة، فيمرّ بالمسلمين فيقولون: هذا رجل منّا، فيجاوزهم إلى النبيين فيقولون: هو منّا، فيجاوزهم إلى الملائكة المقرّبين فيقولون هو منّا، حتى ينتهي إلى ربّ العزّة عزّ وجلّ فيقول: يا ربّ فلان بن فلان اظمأت هواجره وأسهرت ليله في دار الدنيا، وفلان بن فلان لم أظم هو اجره ولم أسهر ليله، فيقول تبارك و تعالى ادخلهم الجنّة على منازلهم، فيقوم فيتبعونه فيقول للمؤمن: إقرأ وارق، قال: فيقرأ ويرقى حتى يبلغ كلّ رجل منهم منزلته التي هي له فينزلها»(4).


1) الكافي 2 : 596، كتاب فضل القرآن، ح 1.

2) الكافي 2 : 601 ، كتاب فضل القرآن، ح 10.

3) الكافي 2 : 601، كتاب فضل القرآن، ح 9

4) الكافي 2 : 601 ، كتاب فضل القرآن، ح 11.

................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

[ الدواوين ثلاثة يوم القيامة ]

وفي الصحيح عن مالك بن عطية عن يونس بن عمار، قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام) : «إنّ الدواوين يوم القيامة ثلاثة: ديوان فيه النعم، وديوان فيه الحسنات، وديوان فيه السيئات، فيقابل بين ديوان النعم وديوان الحسنات فيستغرق النعم عامة الحسنات، ويبقى ديوان السيئات فيدعا بابن آدم المؤمن للحساب فيتقدّم القرآن أمامه في أحسن الصورة فيقول: يا ربّ أنا القرآن وهذا عبدك المؤمن قد كان يتعب نفسه بتلاوتي ويطيل ليله بترتيلي، وتفيض عيناه إذا تهجّد فأرضه كما أرضاني» قال:« فيقول العزيز الجبّار عبدي ابسط يمينك فيملأها من رضوان الله العزيز الجبار ويملأ شماله من رحمة الله، ثمّ يقال: هذه الجنّة مباحة لك فاقرأ واصعد، فإذا قرأ آية صعد درجة»(1).

وفي الموثق كالصحيح عن إسحاق بن غالب، قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام) : «إذا جمع الله عزّوجلّ الأوّلين والآخرين إذا هم بشخص قد أقبل لم يرقطّ أحسن صورة منه، فإذا نظر إليه المؤمنون وهو القرآن قالوا: هذا منّا هذا أحسن شيء رأينا، فإذا انتهى إليهم جازهم ثمّ ينظر إليه الشهداء حتى إذا انتهى إلى آخرهم جازهم فيقولون: هذا القرآن، فيجوزهم كلّهم حتى إذا انتهى إلى المرسلين فيقولون: هذا القرآن، فيجوزهم حتى ينتهي إلى الملائكة فيقولون: هذا القرآن، فيجوزهم ثمّ ينتهي حتى


1) الكافي 2 : 602 ، كتاب فضل القرآن، ح 12

.................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

يقف عن يمين العرش فيقول الجبار: وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لأكرمنّ اليوم من أكرمك ولاُهيننّ من أهانك»(1).

وفي القوي عن الزهري، قال: قال علي بن الحسين(عليه السلام) : «لو مات من بين المشرق والمغرب لما استوحشت بعد أن يكون القرآن معي، وكان (عليه السلام) إذا قرأ مالك يوم الدين يكرّرها حتى كاد أن يموت»(2).

وروى العامة: أنّه سئل (صلّی الله علیه وآله وسلّم)عن التكرار ؟ فقال(صلّی الله علیه وآله وسلّم) :« ما زلت اُكرّرها حتى سمعت من قائلها»، وذكروا أنّ لسانه(صلّی الله علیه وآله وسلّم) صار بمنزلة الشجرة حين قالت: إنّي أنا الله ربّ العالمين(3).

وفي القوي عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام)عن آبائه(عليهم السلام) ، قال: «قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : أيّها الناس إنّكم في دار هدنة وأنتم على ظهر سفر، والسير بكم سريع، وقد رأيتم الليل والنهار والشمس والقمر يبليان كلّ جديد ويقرّبان كلّ بعيد ويأتيان بكلّ موعود، فأعدّوا الجهاز لبعد المجاز»، قال: «فقام المقداد بن الأسود فقال: يا رسول الله وما دار الهدنة؟» قال:« دار بلاغ وانقطاع، فإذا التبس عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن، فإنّه شافع مشفّع وماحل (أي ساع) مصدّق، ومن جعله أمامه قاده إلى الجنّة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، هو الدليل يدلّ


1) الكافي 2 : 602، كتاب فضل القرآن، ح 14.

2) الكافى 2 : 602 ، كتاب فضل القرآن، ح 13.

3) لم نعثر عليه.

............................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

على خير سبيل، وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل، وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن فظاهره حكم، وباطنه علم، ظاهره أنيق (أي معجب) وباطنه عميق، له نجوم وعلى نجومه نجوم، لا تحصى عجائبه، ولا تبلى غرائبه، مصابيح الهدى ومنار الحكمة، ودليل على المعرفة(1)لمن عرف الصنعة فليجل جالٍ بصره، وليبلغ الصفة نظره ينج من عطب، ويتخلّص من نشب(2)(أي المال والعقار) فإنّ التفكّر حياة قلب البصير كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور، فعليكم بحسن التخلّص وقلة التربّص»(3).

وعن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال : قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم): أنا أوّل وافد على العزيز الجبار يوم القيامة وكتابه وأهل بيتي، ثمّ اُمّتي، ثمّ أسألهم ما فعلتم بكتاب الله وأهل بيتي ؟ »(4)

[في أن القرآن منار الهدى ومصابيح الدجى ]

وفي الموثق عن طلحة بن زيد عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «إنّ هذا القرآن فيه منار الهدى ومصابيح الدجى، فليجل جالٍ بصره ويفتح للضياء نظره، فإنّ التفكر


1) في نسخة : الصفة.

2) في نسخة : المغفرة.

3) الكافي 2 : 598، كتاب فضل القرآن، ح 2.

4) الكافي 2 : 60 ، كتاب فضل القرآن، ح 4.

...............................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

حياة قلب البصير كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور»(1).

وفي الصحيح عن يونس عن أبي جميلة قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام) : «كان في وصية أمير المؤمنين(عليه السلام) لأصحابه : اعلموا أنّ القرآن هدى النهار ونور الليل المظلم على ما كان من جهد وفاقة»(2).

وعن السكوني، قال: قال: «شكى رجل إلى النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وجعاً في صدره. فقال(صلّی الله علیه وآله وسلّم): استشف بالقرآن، فإن الله عزّوجلّ يقول: وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ(3).

وعن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال :« لا والله لا يرجع الأمر والخلافة إلى آل أبي بكر وعمر أبداً، ولا إلى بني اُمية أبداً، ولا في ولد طلحة والزبير أبداً، وذلك أنّهم نبذوا القرآن وأبطلوا السنن وعطّلوا الأحكام، وقال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : القرآن هدى من الضلالة، وتبيان من العمى، واستقالة من العثرة، ونور من الظلمة(4)، وضياء من الأحداث، وعصمة من الهلكة، ورشد من الغواية، وبيان من الفتن، وبلاغ من الدنيا إلى الآخرة، وفيه كمال دينكم، وما عدل أحد عن القرآن إلّا إلى النار»(5).

وفي القوي كالصحيح عن السكوني، عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «قال:


1) الكافي 2 : 600، كتاب فضل القرآن، ح 5.

2) الكافي 2 : 600، كتاب فضل القرآن، ح 6.

3) الكافي 2 : 600 ، كتاب فضل القرآن، ح 7 ، والآية في سورة يونس : 57.

4) في نسخة : الضلالة.

5) الكافي 2 : 600 ، كتاب فضل القرآن، ح 8.

...............................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): إنّ أهل القرآن في أعلى درجة من الآدميين ما خلا النبيين والمرسلين، فلا تستضعفوا أهل القرآن حقوقهم، فإنّ لهم من الله العزيز الجبار لمكاناً علياً»(1).

[فضل الشباب الذين يقرؤون القرآن ]

وفي الصحيح عن مالك بن عطية عن منهال القصاب عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «من قرأ القرآن وهو شابّ مؤمن اختلط القرآن بلحمه ودمه وجعله الله عزّوجلّ مع السفرة الكرام البررة، وكان القرآن حجيزاً أو حجزاً عنه يوم القيامة يقول: يا ربّ إنّ كلّ عامل قد أصاب أجر عمله غير عاملي فبلغ به أكرم عطائك، فيكسوه الله العزيز الجبار حلّتين من حلل الجنّة، ويوضع على رأسه تاج الكرامة، ثمّ يقال له: هل أرضيناك فيه؟ فيقول القرآن: يا ربّ قد كنت أرغب له فيما هو أفضل من هذا. فيعطى الأمن بيمينه والخلد بيساره ثمّ يدخل الجنّة، فيقال له: اقرأ واصعد درجة، ثمّ يقال له: هل بلغنا به وأرضيناك ؟ فيقول: نعم »قال: «ومن قرأه كثيراً وتعاهده بمشقة من شدة حفظه أعطاه الله عزّ وجلّ أجر هذا مرّتين»(2).

وفي القوي عن عمرو بن جميع عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال : قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : إنّ أحقّ الناس بالتخشّع في السر والعلانية لحامل القرآن، وأنّ أحقّ الناس في السرّ


1) الكافي ،2 : 603 ، باب فضل حامل القرآن، ح 1.

2) الكافي ،2 : 603 ، باب فضل حامل القرآن، ح 4.

..............................................

ـــــــــــــــــــــــــــــ

والعلانية بالصلاة والصيام(1)لحامل القرآن، ثمّ نادى بأعلى صوته: يا حامل القرآن تواضع به يرفعك الله، ولا تعزّز به فيذلّك الله، يا حامل القرآن تزيّن به لله، يزينك الله(2)، ولا تزيّن به للناس فيشينك الله به، من ختم القرآن فكأنّما أدرجت النبوّة بين جنبيه، ولكنّه لا يوحى إليه، ومن جمع القرآن فنوله (أي حقّه) لا يجهل مع من يجهل عليه، ولا يغضب فيمن يغضب عليه، ولا يحدّ فيمن يحدّ(3)، ولكنّه يعفو ويصفح ويغفر ويحلم لتعظيم القرآن، ومن اُوتي القرآن فظنّ أنّ أحداً من الناس اُوتي أفضل ممّا اُوتي فقد عظّم ما حقّر الله وحقّر ما عظّم الله»(4).

وفي الصحيح عن أبان بن تغلب عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «الناس أربعة» فقلت: جعلت فداك وما هم؟ فقال: «رجل اُوتي الإيمان ولم يؤت القرآن، ورجل اُوتي القرآن ولم يؤت الإيمان، ورجل اُوتي القرآن واُوتي الإيمان، ورجل لم يؤت القرآن ولم يؤت الإيمان» قال: قلت: جعلت فداك فسّر لي حالهم، فقال: «أمّا الذي اُوتي الإيمان ولم يؤت القرآن فمثله كمثل التمرة(5)طعمها حلو ولا ريح لها، وأمّا الذي اُوتي القرآن ولم يؤت الإيمان كمثل الآس(6)ريحها طيب وطعمها مر، وأمّا من


1) في نسخة : الصوم.

2) في نسخة : الله به.

3) في نسخة : يحد عليه.

4) الكافي 2 : 604 ، باب فضل حامل القرآن، ح 5.

5) في النسخة: الثمرة.

6) الآس شجر معروف ويقال لها بالفارسية: مورد.

..........................................

ـــــــــــــــــــــــــــ

اُوتي القرآن والإيمان فمثله كمثل الاُترجة ريحها طيّب وطعمها طيّب، وأمّا الذي لم يؤت الإيمان ولا القرآن فمثله كمثل الحنظلة طعمها مرّ ولا ريح لها»(1).

وفي القوي عن الزهري قال: قلت لعلي بن الحسين(عليه السلام): «أيّ الأعمال أفضل؟ قال: الحال المرتحل» قلت وما الحال المرتحل؟(2)قال: «فتح القرآن وختمه كلّما جاء بأوّله ارتحل في آخره »والظاهر أنّه على القلب، وقال: «قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) :من أعطاه الله القرآن فرأى أنّ رجلاً أعطى أفضل ممّا أعطى فقد صغّر عظيماً وعظّم صغيراً» (3).

وفي القوي كالصحيح عن معاوية بن عمار، قال: قال لي أبو عبد الله(عليه السلام) : «من قرأ القرآن فهو غنيّ ولا فقر بعده، وإلّا ما به غنى»(4).

[لزوم التقوى على قرّاء القرآن ]

وفي القوي عن جابر عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: «قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم): يا معشر


1) الكافي 2 : 604، باب فضل حامل القرآن، ح 6.

2) أي عمله وفي النهاية : 430 و 431. فيه أنّه سئل : أيّ الأعمال أفضل؟ فقال: الحال المرتحل، قيل: وما ذاك؟ قال: الخاتم المفتتح وهو الذي يختم القرآن بتلاوته، ثمّ يفتتح التلاوة من أوّله، شبهه بالمسافر يبلغ المنزل فيحل فيه، ثمّ يفتتح سيره: أي يبتدءه، وكذلك قرّاء أهل مكة إذا ختموا القرآن بالتلاوة ابتدؤوا وقرؤوا الفاتحة وخمس آيات من أوّل سورة البقرة إلى قوله: هُمُ الْمُفْلِحُونَ ثمّ يقطعون القراءة ويسمّون فاعل ذلك: الحال المرتحل أي أنّه ختم القرآن وابتدأ بأوّله ولم يفصل بينهما بزمان، مرآة العقول 12 : 488

3) الكافي 2 : 605 ، باب فضل حامل القرآن، ح 7.

4) الكافي 2 : 605 ، باب فضل حامل القرآن، ح 8

.................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

أو معاشر - قرّاء القرآن اتقوا الله عزّوجلّ فيما حملكم من كتابه، فإنّي مسؤول وإنّكم مسؤولون، إنّي مسؤول عن تبليغ الرسالة، وأمّا أنتم فتسألون عمّا حمّلتم من كتاب الله وسنّتي»(1).

وفي القوي عن حفص، قال: سمعت موسی بن جعفر(عليه السلام) يقول لرجل: «أَتُحبّ البقاء في الدنيا؟» فقال: نعم، قال: «ولم؟» قال: لقراءة قل هو الله أحد، فسكت عنه، فقال لي بعد ساعة: «يا حفص من مات من أوليائنا وشيعتنا ولم يحسن القرآن علم في قبره ليرفع الله به من درجته، فإنّ درجات الجنّة على قدر آيات القرآن يقال له: إقرأ آية وارق، فيقرأ ثمّ يرقى» قال حفص: فما رأيت أحداً أشدّ خوفاً على نفسه من موسى بن جعفر(عليه السلام) ، ولا أرجأ الناس منه، وكانت قراءته حزناً، فإذا قرأ فكأنّه يخاطب إنساناً(2).

وعن السكوني عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): حملة القرآن عرفاء أهل الجنّة، والمجتهدون قوّاد أهل الجنّة، والرسل سادة أهل الجنّة»(3).

وفي الصحيح عن الفضيل بن يسار عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سمعته يقول: «إنّ الذي يعالج القرآن ويحفظه بمشقّة منه وقلّة حفظ له أجران»(4).


1) الكافي 2 : 606، باب فضل حامل القرآن، ح 9.

2) الكافي 2 : 606 ، باب فضل حامل القرآن، ح 10.

3) الكافي 2 : 606، باب فضل حامل القرآن، ح 11.

4) الكافي 2 : 606 ، باب من يتعلم القرآن بمشقة، ح 1.

............................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

وفي القوي كالصحيح عن الصباح بن سيابة، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: «من شدّد عليه في القرآن كان له أجران، ومن يسر عليه كان مع الأوّلين»(1).

وفي القوي كالصحيح عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «ينبغي للمؤمن أن لا يموت حتى يتعلّم القرآن أو أن يكون في تعليمه - أو تعلّمه - كما في بعضها»(2).

وتقدّم الأخبار في نسيان القرآن وفي قراءته بالحزن.

وفي الصحيح عن يعقوب الأحمر، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام) : جعلت فداك أنّه أصابتني هموم وأشياء لم يبق شيء من الخير إلّا تفلت منّي منه طائفة حتى القرآن لقد تفلت منّي طائفة منه، قال: ففزع عند ذلك حين ذكرت القرآن ثمّ قال: «إنّ الرجل لينسى السورة من القرآن فتأتيه يوم القيامة حتى يشرف عليه من درجة من بعض الدرجات فيقول: السلام عليك فيقول: وعليك السلام من أنت؟ فيقول: أنا سورة كذا وكذا ضيّعتني وتركتني، أما لو تمسكت بي بلّغت بك هذه الدرجة» ثمّ أشار بإصبعه، ثمّ قال: «عليكم بالقرآن فتعلّموه، فإنّ من الناس من يتعلّم القرآن ليقال: فلان قارئ، ومنهم من يتعلّمه فيطلب - أو فيطيب - به الصوت فيقال: فلان حسن الصوت، وليس في ذلك خير، ومنهم من يتعلّمه فيقوم به في ليله ونهاره ولا يبالي من علم ذلك ومَن لم يعلمه»(3).


1) الكافي 2 : 606، باب من يتعلم القرآن بمشقّة، ح 2.

2) الكافي 2 : 607 ، باب من يتعلم القرآن بمشقّة، ح 3.

3) الكافي 2 : 608، باب من حفظ القرآن ثم نسيه، ح 6.

........................................

ـــــــــــــــــــــــــــــ

وروى الكليني والمصنّف في الصحيح عن عيسى بن هشام عمّن ذكره عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: «قرّاء القرآن ثلاثة: رجل قرأ القرآن فاتخذه بضاعة واستدرّ به الملوك واستطال به على الناس، ورجل قرأ القرآن فحفظ حروفه وضيّع حدوده وأقامه إقامة القدح فلا كثّر الله هؤلاء من حملة القرآن، ورجل قرأ القرآن فوضع دواء القرآن على داء قلبه فأسهر به لیله واظماً به نهاره وقام به في مساجده وتجافى به عن فراشه، فباُولئك يدفع الله العزيز الجبار البلاء، وباُولئك يديل الله عزّوجلّ من الأعداء، وباُولئك ينزل الله تبارك وتعالى الغيث من السماء، فوالله لهؤلاء في قرّاء القرآن أعزّ من الكبريت الأحمر»(1).

وروی المصنّف في الصحيح عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «القرّاء ثلاثة: قارئ قرأ ليستدرّ به الملوك ويستطيل به على الناس فذاك من أهل النار، وقارئ قرأ القرآن فحفظ حروفه وضيّع حدوده فذاك من أهل النار، وقارئ قرأ فاستتر به تحت برنسه فهو يعمل بمحكمه ويؤمن بمتشابهه ويقيم فرائضه ويحلّ حلاله ويحرّم حرامه فهذا ممّن ينقذه الله من مضلّات الفتن، وهو من أهل الجنّة ويشفع فيمن شاء»(2).

وأكثر هذه الأخبار ذكرها المصنّف في كتبه سيّما ثواب الأعمال(3)، مع أخبار


1) الكافي 2 : 627 ، باب النوادر ، ح .1 الخصال : 142 ، ح 164.

2) الخصال : 142 ، ح 65.

3) انظر: ثواب الأعمال : 104 - 129.

.........................................

ــــــــــــــــــــــــــ

كثيرة رواها في فضل كلّ سورة، وكذا رواها الطبرسي(1)في تفسيريه عن اُبي بن كعب وغيره، وكذا غيرهما من الأصحاب(2).

[ القرآن عهد من الله فليقرأ منه في كلّ يوم خمسين آية ]

وروی الكليني في الحسن كالصحيح عن حريز عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال:« القرآن عهد الله( أي وصيته) وحكمه إلى خلقه، فقد ينبغي للمرء المسلم أن ينظر في عهده، وأن يقرأ منه في كلّ يوم خمسين آية»(3).

والظاهر استحباب كونها غير مكرّرة، كما يشعر به العهد، فإنّه إذا أرسل ملك من ملوك الدنيا إلى أحد خدمه أحد خدمه فرماناً، فإنّه ينظر فيه آناً فاناً ليطّلع على ما فيه ويعمل به، والقرآن فرمانه تعالى إلى كلّ واحد، واحد فينبغي أن يكون لا أقل مثل فرمان الملك، ولاشكّ في أنّه إذا أرسل الملك حكمه إلى أحد فإنّه ينظر إلى إشاراته وتنبيهاته وكناياته، فاللازم على المؤمن أن يتأمّل في كلّ آية من آياته، وليلاحظ بعين التفكّر والتدبّر فيه.

كما رواه في القوي كالصحيح عن الزهري، قال: سمعت علي بن الحسین(عليه السلام)


1) انظر: مجمع البيان 1 : 48.

2) انظر: المحاسن 1 : 267 ، باب إنزال الله في القرآن تبياناً لكلّ شيء. الكافي 2 : 596 - 634، كتاب فضل القرآن.

3) الكافي 2 : 609، باب في قراءته، ح 1.

........................................

ــــــــــــــــــــــــ

يقول: «آيات القرآن خزائن كلّما فتحت خزانة ينبغي لك أن تنظر ما فيها »(1).

والذي وجد هذا الضعيف في أزمنة الرياضات أنّي كنت في مطالعة التفاسير إلى أن رأيت في ليلة فيما بين النوم واليقظة سيّد المرسلين(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فقلت في نفسي: تدبّر في كمالاته وأخلاقه، فكلّما كنت أتدبّره يظهر لي عظمته (صلّی الله علیه وآله وسلّم)وأنواره بحيث ملأ الجوّ، واستيقظت فاُلهمت بأنّ القرآن خلق سيّد الأنبياء(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، فينبغي أن أتدبّر فيه، فكلّما ازداد تدبّري في آية واحدة كان يزداد الحقائق إلى أن ورد عليّ من العلوم ما لا تتناهى دفعة واحدة، ففي كلّ آية كنت أتدبّر فيها كان يظهر مثل ذلك، ولا يمكن التصديق بهذا المعنى قبل الوقوع فإنّه كالممتنع العادي، ولكن غرضي من ذكره الإرشاد للإخوان في الله.

وقانون الرياضة الصمت عمّا لا يعني بل عن غير ذكر الله تعالى، وترك المستلذّات من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح والمنازل وأمثالها والعزلة عن غير أوليائه تعالى، وترك النوم الكثيرة ودوام الذكر مع المراقبة، وقد جرّب القوم المداومة على ذكر « ياحي يا قيّوم يا مَن لا إله إلّا أنت» وجرّبته أيضاً ، لكن كان أكثر ذكري (يا الله) مع إخراج غيره تعالى عن القلب بالتوجّه إلى جنابه تعالى. والعمدة هو الذكر مع المراقبة، والبواقي ليست كالذكر.

والمداومة على ما ذكر أربعين يوماً تصير سبباً لأن يفتح الله تعالى على قلبه أنوار حكمته ومعرفته ومحبّته، ثمّ يترقّى إلى مقام الفناء في الله والبقاء بالله، كما


1) الكافي 2 : 609، باب في قراءته، ح 2.

.................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

تقدّم، والأخبار المتواترة في ذلك.

ولمّا كان هذا الطريق أقرب الطرق إلى الله تعالى كان معارضة النفس والشياطين الظاهرة والباطنة فيه أشدّ، فإنّه لو اشتغل الناس جميعاً بطلب العلوم لا يعارضونهم غالباً؛ لأنّ الغالب في طلب العلوم حبّ المال والجاه والعزة عند الخلائق، وحينئذٍ يمدّهم الشياطين. أمّا لو كان الغرض من طلب العلم رضاه تعالى يحصل المعارضات، فما لم تحصل ينبغي أن يتدبّر في أنّ للشيطان في إمهاله غرضاً.

وأنا في أربعين سنة مشتغل بهداية الناس ولم يتفق أن يجلس أحدهم بهذا القانون، وليس ذلك إلّا لعزّته ونفاسته، وفي الهدايات العامة ونشر العلوم الدينية اهتدى أكثر من مائة ألف نفس.

واتفق لي في هذه الأيام أن رأيت سيّد المصطفين وسألته(صلّی الله علیه وآله وسلّم) عن أقرب الطرق إلى الله سبحانه ؟ فقال(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : هو ما تعلم، والإنسان بمجرّد قول كاذب يقول: إنّي أعرف الكيمياء يصرف أمواله وأوقاته فيه، مع أنّه يعلم أنّه لو كان صادقاً لا يحتاج إلى الإظهار، بل لا يظهره وإن قتل بأشدّ العذاب، ومع هذا يصرف أمواله باحتمال الصدق.

والذي أقوله هو عين آيات الله وأخبار سيّد المرسلين والأئمة المهتدين الهادين صلوات عليهم الله أجمعين وصدقه حكماء الظاهر كأبي علي في إشاراته في النمط التاسع(1)، فلا بأس بأن تصرف أوقاتك أربعين يوماً في العبادات، مع أنّك مكلّف


1) الإشارات والتنبيهات 3: 363

.................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

في جميع عمرك بذلك، لكن مع التضرّع والابتهال إليه تعالى في حصول هذا المطلب لا بقصد الامتحان، بل بقصد العبادة الله تعالى كما قاله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : «مَن أخلص الله أربعين صباحاً فتح الله تعالى ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه»(1). وتقدّم قريباً. والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

وروي عن سيد الساجدين(عليه السلام)خمس عشرة مناجاة (2)ينبغي للسالك أن يداوم عليها، وهي مشهورة بين الناس حتى أنّه قلما يكون له معرفة بالخطّ لا يوجد عنده ومجموع ذلك بمحض تأييد الله وتأييد سيّد المرسلين والأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين.

وروى الكليني في الصحيح عن الحلبي عن عبد الأعلى مولى آل سام عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «إنّ البيت إذا كان فيه المرء المسلم يتلو القرآن يتراياه أهل السماء كما يترايا أهل الدنيا الكوكب الدرّيّ في السماء»(3).

[فضل البيت الذي يقرأ فيه القرآن ]

وفي القوي كالصحيح عن ابن القدّاح عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «قال أمير المؤمنين(عليه السلام) : البيت الذي يقرأ فيه القرآن ويذكر الله عزّوجلّ فيه يكثر بركته،


1) عيون أخبار الرضا(عليه السلام) : 1 : 74 ، ح 321. مسند زيد بن علي : 384.

2) الصحيفة السجادية (ابطحي) : 401 - 422.

3) الكافي 2 : 610 ، باب البيوت التي يقرأ فيها القرآن، ح 2.

....................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

وتحضره الملائكة، وتهجره الشياطين، ويضيء لأهل السماء، كما يضيء الكواكب لأهل الأرض، وأنّ البيت الذي لا يقرأ فيه القرآن ولا يذكر الله عزّوجلّ فيه تقلّ بركته، وتهجره الملائكة، وتحضره الشياطين»(1).

وفي القوي عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، قال: «نوّروا بيوتكم بتلاوة القرآن، ولاتتخذوها قبوراً كما فعلت اليهود والنصارى صلّوا في الكنائس والبيع وعطّلوا بيوتهم، فإنّ البيت إذا كثر فيه تلاوة القرآن كثر خيره، واتسع أهله، وأضاء لأهل السماء، كما تضيء نجوم السماء لأهل الدنيا»(2).

وتقدّم خبر أمير المؤمنين(عليه السلام) في ثواب قيام الليل بالقرآن.

وفي الصحيح عن معاذ بن مسلم عن عبد الله بن سليمان عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال:« من قرأ القرآن قائماً في صلاته كتب الله له بكلّ حرف مائة حسنة، ومن قرأ في صلاته جالساً كتب الله له بكلّ حرف خمسين حسنة، ومن قرأ في غير صلاته كتب الله له بكلّ حرف عشر حسنات»(3).

وفي الصحيح عن الفضيل بن يسار عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «ما يمنع التاجر منكم المشغول في سوقه إذا رجع إلى منزله أن لا ينام حتى يقرأ سورة من القرآن، فيكتب له مكان كلّ آية يقرأها عشر حسنات ويمحى عنه عشر سيّئات»(4).


1) الكافي 2 : 610 ، باب البيوت التي يقرأ فيها القرآن، ح 3.

2) الكافي 2 : 610 ، باب البيوت التي يقرأ فيها القرآن، ح 1.

3) الكافي ،2 : 611 ، باب ثواب قراءة القرآن، ح 1.

4) الكافي ،2 : 611 ، باب ثواب قراءة القرآن، ح 2.

..................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي القوي عن بشر بن غالب الأسدي عن الحسين بن علي(عليه السلام) ، قال: «من قرأ آية من كتاب الله عزّوجلّ في صلاته قائماً يكتب له بكلّ حرف مائة حسنة، فإذا قرأها في غير صلاة كتب الله له بكلّ حرف عشر حسنات، وإن استمع القرآن كتب الله له بكلّ حرف حسنة، وإن ختم القرآن ليلاً (1)صلّت عليه الملائكة حتى يصبح وإن ختمه نهاراً صلت عليه الحفظة حتى يمسي، وكانت له دعوة مجابة، وكان خيراً له ممّا بين السماء إلى الارض» قلت: هذا لمن قرأ القرآن فمن لم يقرأه؟ قال: «يا أخا بني أسد إنّ الله جواد ماجد كريم إذا قرأ ما معه أعطاه ذلك»(2).

[ فضل ختم القرآن ]

وفي القوي كالصحيح عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: «من ختم القرآن بمكة من جمعة إلى جمعة أو أقل من ذلك أو أكثر وختمه في يوم جمعة كتب له من الأجر والحسنات من أول جمعة كانت في الدنيا إلى آخر جمعة يكون فيها، وإن ختمه في سائر الأيام فكذلك» (3).

وفي القوي كالصحيح عن سعد بن ظريف عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: «قال


1) لعلّ المراد بختمه ليلاً ونهاراً فراغه منه فيهما لا ختمه كلّه فيهما ، وأمّا الدعوة المجابة فإنّما تترتب على ختمه كلّه، الوافي 9 : 1727

2) الكافي 2 : 611، باب ثواب قراءة القرآن، ح 3.

3) الكافي 2 : 612، باب ثواب قراءة القرآن، ح 4.

...................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : من قرأ عشر آيات في ليلة لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ خمسين آية كتب من الذاكرين، ومن قرأ مائة آية كتب من القانتين، ومن قرأ مائتي آية كتب من الخاشعين، ومن قرأ ثلاثمائة آية كتب من الفائزين، ومن قرأ خمسمائة آية كتب من المجتهدين، ومن قرأ ألف آية كتب له قنطار من برّ، القنطار خمسة عشر ألف مثقال من ذهب، المثقال أربعة وعشرون قيراطاً، أصغرها مثل جبل اُحد. وأكبرها ما بين السماء والأرض»(1).

[استحباب استماع قرائة القرآن ]

وفي القوي عن محمد بن بشر عن علي بن الحسين(عليه السلام) قال: وقد روى هذا الحديث وعن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «من استمع حرفاً من كتاب الله من غير قراءة كتب الله عزّ وجلّ له حسنة ومحا عنه سيئة ورفع له درجة، ومن قرأ نظراً في غير صلاة كتب الله له بكلّ حرف حسنة ومحا عنه سيئة ورفع له درجة، ومن تعلّم حرفاً ظاهراً كتب الله له عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات» قال: «لا أقول له بكلّ آية ولكن بكلّ حرف باء أوتاء أو شبههما» وقال: «من قرأ حرفاً وهو جالس في صلاة كتب الله له خمسين حسنة ومحا عنه خمسين سيئة ورفع له خمسين درجة، ومن قرأ حرفاً وهو قائم في صلاته كتب الله له بكلّ حرف مائة حسنة ومحا عنه مائة سيئة ورفع له مائة درجة، ومن ختمه كانت له دعوة


1) الكافي 2 : 612 ، باب ثواب قراءة القرآن، ح 5.

..................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

مستجابة مؤخّرة أو معجّلة» قال: قلت: جعلت فداك ختمه كلّه، قال: «ختمه كلّه»(1).

وفي القوي عن منصور عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «سمعت أبي(عليه السلام) يقول: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : ختم القرآن إلى حيث تعلم»(2).

وفي القوي كالصحيح عن حماد بن عيسى عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «إنّه ليعجبني أن يكون في البيت مصحف يطرد الله عزّوجلّ به الشياطين»(3).

وفي القوي كالصحيح كالمصنّف عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «ثلاثة يشكون إلى الله عزّوجلّ: مسجد خراب لا يصلّي فيه أهله وعالم بين جهّال، ومصحف معلّق قد وقع عليه الغبار لا يقرأ فيه»(4).

الظاهر أنّ الشكاية على الحقيقة، ويمكن أن تكون مجازاً، ويستحب أن يقرأ القرآن ولو كان حافظاً؛ لأنّ فيه إعمال العين فيما خلق له، وجرّب أنّ الإفاضات الإلهية على هذه الحال أكثر غالباً.

وروى الكليني في القوي كالصحيح عن معاوية بن وهب عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال : قلت له: جعلت فداك إنّي أحفظ القرآن على ظهر قلبي.


1) الكافي ،2 : 612 ، باب ثواب قراءة القرآن، ح 6.

2) الكافي :2 : 613 ، باب ثواب قراءة القرآن، ح 7.

3) الكافي ،2 : 613 باب قراءة القرآن في المصحف، ح 2.

4) الكافي :2 : 613 ، باب قراءة القرآن في المصحف ح .3. الخصال 142 ، ح 163.

.............................................

ـــــــــــــــــــــــــــــ

فأقرأ على ظهر قلبي أفضل أو أنظر في المصحف؟ قال: فقال لي: «بل اقرأه وانظر في المصحف فهو أفضل، أما علمت أنّ النظر في المصحف عبادة» (1).

وفي القوي عنه(عليه السلام)، قال : «من قرأ في المصحف متّع ببصره، وخفّف على والديه وإن كانا كافرين»(2).

وعنه(عليه السلام) ، قال: «قراءة القرآن في المصحف يخفّف العذاب عن الوالدين ولو كانا کافرین»(3).

وينبغي أن يكون بالتدبّر والتأنّي، كما قال تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (4).

وروي في القوي عن عبد الله بن سليمان، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام)عن قول الله عزّوجلّ: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً ؟ قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام)بينّه تبييناً ولا تهذّه (أي لا تسرعه) هذّ الشعر، ولا تنثره نثر الرمل - أو الدقل، أي التمر اليابس الذي يسقط من الشجر، وفي تفسير علي بن إبراهيم(5): وكتب العامّة: الدقل(6).

والظاهر أنّه صحّف - ولكن أفزعوا به قلوبكم القاسية، ولا يكن همّ أحدكم آخر السورة»(7).


1) الكافي 2 : 613 ، باب قراءة القرآن في المصحف، ح 5.

2) الكافي ،2 : 613 ، باب قراءة القرآن في المصحف، ح 1.

3) الكافي ،2 : 613 ، باب قراءة القرآن في المصحف، ح 4

4) المزّمل : 4.

5) انظر: تفسير القمي 2 : 392.

6) مسند أحمد 1 : 417. سنن الترمذي 2 : 57 ، ح .599. السنن الكبرى 3 : 120.

7) الكافي2 : 614 ، باب ترتيل القرآن بالصوت الحسن، ح 1.

................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[كراهة قرائة سورة التوحيد بنفس واحد ]

وفي الموثق كالصحيح عن محمد بن الفضل، قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام) : «يكره أن يقرأ قل هو الله أحد بنفس واحد»(1).

وعن جابر عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال : قلت: إنّ قوماً إذا ذكروا شيئاً من القرآن أو حدثوا به صعق أحدهم حتى يرى أنّ أحدهم لو قطعت يداه ورجلاه لم يشعر بذلك، فقال: «سبحان الله ذاك من الشيطان ما بهذا نعتوا، إنّما هو اللين والرقة والدمعة والوجل»(2).

الظاهر أنّه إذا حصل وجد من سماع القرآن والذكر فدفعه بالبكاء أحسن، كما تقدم عنه(عليه السلام) أنّه إذا وجد أحدكم فليفض.

ولمّا كان العامّة يراؤون الناس بأمثال هذه حتى يقول الناس: إنّهم أولياء قال(عليه السلام) :« إنّه من الشيطان»، وإن حصل ذلك بلا اختيار فيه، فالظاهر أنّه لا يكون حراماً، كما تقدّم في خبر همام: أنّه صعق ومات، فقال أمير المؤمنين(عليه السلام) : «هكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها»(3)أو لأنّهم يعدّونه كمالاً، وليس بكمال باتفاق أهل التحقيق.

وفي الصحيح عن علي بن المغيرة عن أبي الحسن(عليه السلام) ، قال : قلت له: إنّ أبي سأل


1) الكافي 2 : 616، باب ترتيل القرآن بالصوت الحسن، ح 12.

2) الكافي 2 : 616 ، باب فيمن يظهر الغشية عند قراءة القرآن، ح 1.

3) نهج البلاغة 2 : 165، ذيل خطبة 193.

......................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

جدك عن ختم القرآن في كلّ ليلة فقال له جدك: في كلّ ليلة، فقال له: في شهر رمضان؟ فقال له جدك: في شهر رمضان، فقال له أبي: نعم ما استطعت فكان أبي يختمه أربعين ختمة في شهر رمضان ثمّ ختمته بعد أبي فربّما زدت وربّما نقصت على قدر فراغي وشغلي ونشاطي وكسلي، فإذا كان في يوم الفطر جعلت لرسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ختمة ولعلي(عليه السلام) اُخرى و لفاطمة(عليها السلام) اُخرى ثمّ للأئمة(عليهم السلام) حتى انتهيت إليك فصيرت لك واحدة منذ صرت في هذا الحال، فأيّ شيء لي بذلك؟ قال:« لك بذلك أن تكون معهم يوم القيامة» قلت: الله أكبر لي بذلك؟ قال: «نعم» ثلاث مرّات(1).

والظاهر أنّ ذلك للأقوياء، وهم قليلون، وبالنسبة إلى الأكثر لا يمكنهم التدبّر إذا كان كذلك.

لما روي في الموثق عن علي بن أبي حمزة، قال: سأل أبو بصير أبا عبد الله(عليه السلام) وأنا حاضر، فقال له: جعلت فداك أقرأ القرآن في ليلة؟ فقال: «لا» فقال: في ليلتين؟ فقال: «لا» حتى بلغ ست ليال، فأشار بيده فقال: «ها» ثمّ قال أبو عبدالله(عليه السلام) : «يا أبا محمد إنّ من كان قبلكم من أصحاب محمد(صلّی الله علیه وآله وسلّم)كان يقرأ القرآن في شهر وأقل. إنّ القرآن لا يقرأ هذرمة (أي بالسرعة) ولكن يرتّل ترتيلاً إذا مررت بآية فيها ذكر النار وقفت عندها وتعوّذت بالله من النار». فقال أبو بصير: أقرأ القرآن في رمضان ليلة؟ فقال: «لا» فقال: في ليلتين؟ فقال: «لا» فقال: في ثلاث؟ فقال: «ها» وأوماً بیده فقال: «نعم شهر رمضان لا يشبهه شيء من الشهور، له حق وحرمة، أكثر من


1) الكافي 2 : 618، باب في كم يقرأ القرآن ويختم، ح 4.

...............................................

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الصلاة ما استطعت»(1).

وفي الموثق عن محمد بن عبد الله، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام) : أقرأ القرآن في ليلة؟ قال: «لا يعجبني أن تقرأه في أقلّ من شهر»(2).

وفي الصحيح عن حسين بن خالد عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: قلت له: في كم أقرأ القرآن ؟ فقال: «إقرأه أخماساً. إقرأه أسباعاً، أمّا أنّ عندي مصحفاً مجزأ أربعة عشر جزء»(3).

وعن السكوني، قال: قال النبي : «إنّ الرجل الأعجمي من اُمّتي ليقرأ القرآن بعجمته فترفعه الملائكة على عربيّته»(4).

وعن أبي الحسن(عليه السلام) ، قال: قلت له: جعلت فداك إنّا نسمع الآيات في القرآن ليس هي عندنا كما نسمعها، ولا نحسن(5)أن نقرأها كما بلغنا عنكم فهل نأثم؟ فقال: «لا، إقرؤوا كما تعلّمتم فسيجيئكم من يعلّمكم »(6)، أي في زمان الحجة(عليه السلام) .

وعن جابر عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: «لكلّ شيء ربيع، وربيع القرآن شهر رمضان»(7).


1) الكافي 2 : 618، باب في كم يقرأ القرآن ويختم، ح 5.

2) الكافي 2 : 617، باب في كم يقرأ القرآن ويختم، ح 1. تفسير الصافي 1 : 70.

3) الكافي ،2 : 617 ، باب في كم يقرأ القرآن ويختم، ح 3.

4) الكافي 2 : 619 ، باب القرآن يرفع كما أنزل ح .1 تفسير نور الثقلين 3: 170، ح 234.

5) في نسخة : نحصى.

6) الكافي 2 : 619، باب القرآن يرفع كما أنزل، ح 2.

7) الكافي 2 : 630، باب النوادر، ح 10.

....................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[معنى قوله(عليه السلام) : ما ضرب رجل القرآن بعضه ببعض إلّا كفر ]

وفي القوي كالصحيح عن القاسم بن سليمان عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «قال أبي: ما ضرب رجل القرآن بعضه ببعض إلّا كفر»(1).

يمكن أن يكون المراد الضرب الظاهر استخفافاً به، أو إذا أراد إخراج الغبار عنه مبالغة؛ لأنّه ينافي تعظيم القرآن، والأظهر تفسيره بالرأي، وجمعه الآيات المتعارضة ظاهراً بالرأي، كما هو شأن المفسّرين من العامّة ويتبعهم الخاصّة، بل الواجب التوقّف حتى يصل الجمع أو التفسير عن الأئمة(عليهم السلام). والظاهر أنّ ذلك في المتشابهات. وأمّا المحكمات الواضح الدلالة فالظاهر جواز ذلك، ولو احتاط في ذلك أيضاً بأن لا يجزم وقاله على سبيل الاحتمال فهو أولى، مثلاً آية الوضوء والغسل والتيمم فيها أحكام محكمة، مثل: غسل الوجه واليدين إلى المرافق، ومسح الرأس والرجلين إلى الكعبين فإنّها محكم، لكن في أنّه هل يدلّ على النيّة من قوله تعالى: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا(2)إلى آخره، أي لأجل الصلاة، وعلى أنّ الغسل من الأعلى، وعلى أنّ مقدار الوجه ما يواجه به أم لا، وعلى الابتداء من المرفق أو دخوله في الغسل أو خروجه متشابه.

فإن ورد من أئمة الهدى(عليه السلام)ما يدلّ على أنّ مراد الله تعالى ذلك فيعمل به و إلّا فالتوقّف؛ لأنه افتراء على الله تعالى، وكذلك الأخبار.


1) الكافي 2 : 632 و 633 ، باب النوادر، ح 17 و 25.

2) المائدة : 6.

............................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

والعجب من جماعة تركوا القرآن رأساً وأخذوا بالأخبار، مع أنها أيضاً مثل القرآن في المحكم والمتشابه مع أنّ الله تعالى يقول: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الأَلْبَابِ(1). وقوله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ(2). إلى غير ذلك من الآيات فيجب أن يتدبّر في الآيات والأخبار بعد أن يبتهل إلى الله تعالى، كما تقدّم في وصية أمير المؤمنين(عليه السلام)حتى يفيض الله تبارك وتعالى عليه ما هو الحق.

وروى الشيخان عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: «لا يتفال بالقرآن»(3).

والظاهر أنّ المراد بالتفأّل من القرآن أن يقول: هذه الآية تدلّ على أنّ مريضك يصح في يوم كذا ويجيء غائبك في يوم كذا؛ لأنّه كثيراً ما يخطئ ويظنّ من سمعه أنّ الله أخلف وعده، بخلاف الاستخارة فإنّه لو أخطأ ولم يقبل الدعاء فيها أو قبل وأضرّ العمل به يمكن أن يقول: كان خيري في الضرر، كما تقدّم الأخبار فيه.

وفي الموثق كالصحيح عن أبي بصير عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: «نزل القرآن أربعة أرباع: ربع فينا، وربع في عدوّنا، وربع سنن وأمثال، وربع فرائض وأحكام»(4).

وفي القوي كالصحيح عن الأصبغ بن نباتة، قال: سمعت أمير المؤمنين(عليه السلام) يقول: « نزل القرآن أثلاثاً: ثلث فينا وفي عدوّنا، وثلث سنن وأمثال، وثلث فرائض


1) ص : 29.

2) النساء : 82.

3) الكافي 2 : 629، باب النوادر ، ح 7. ولم نعثر عليه في كتب الشيخ.

4) الكافي 2 : 628، باب النوادر، ح 4.

..................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

وأحكام»(1)

فيجمع بينهما بأنّه أربعة أقسام، ولا يجب أن تكون مساوية فأحدهما على القسمة الحقيقية أو كلاهما على مجرّد القسمة، كما روي أيضاً عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: «إنّ القرآن نزل أربعة أرباع: ربع حلال، وربع حرام، وربع سنن وأحكام، وربع خبر ما كان قبلكم ونبأ ما يكون بعدكم وفصل ما بينكم»(2).

والذي يظهر من الأخبار أنّ الذي نزل فيهم (عليه السلام) أكثر من الثلث، مع أنّ الذي أسقطوه يقرب من الثلثين، وكان فيهم وفي أعدائهم، كما تقدّم.

وفي الحسن كالصحيح عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «لو قُرئت الحمد على ميّت سبعين مرة ثمّ ردّت فيه الروح ما كان ذلك عجباً»(3)

وفي الصحيح عن عبد الله بن الفضل النوفلي رفعه قال: «ما قرئت الحمد على وجع سبعين مرة إلّا سكن»(4).

وفي القوي عن سلمة بن محرز، قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول: «من لم يبرئه الحمد لم يبرئه شيء»(5).

ولهذا سميت بالشافية، وأنا جرّبت أزيد من ألف رجل كانوا في المرض الشديد الذي أيسوا منه فبرأوا بالحمد والحمد لله ربّ العالمين وهذا أيضاً من معجزات


1) الكافي 2 : 627، باب النوادر، ح 2.

2) الكافي 2 : 627، باب النوادر، ح 3.

3) الكافي 2 : 623 ، باب فضل القرآن، ح 16.

4) الكافي 2 : 623 ، باب فضل القرآن، ح 15

5) الكافي 2 : 626، باب فضل القرآن، ح 22.

...............................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

القرآن، بل كلّ آية من آيات القرآن معجزة، فإنها إذا قرئت لأيّ مطلب كان فهو حاصل إذا كان مع الإخلاص واليقين.

وفي الحسن كالصحيح عن ابن أبي عمير عن الحسين بن أحمد المنقري، قال: سمعت أبا ابراهيم(عليه السلام) يقول: «من استكفى بآية من القرآن من الشرق إلى الغرب كفي إذا كان بيقين»(1).

[خواص قرائة التوحيد ]

وعن مفضل بن عمر قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام) : «يا مفضل احتجز من الناس كلّهم ببسم الله الرحمن الرحيم، وبقل هو الله أحد، إقرأها عن

يمينك وعن شمالك ومن بين يديك ومن خلفك ومن فوقك ومن تحتك، وإذا دخلت على سلطان جائر فاقرأها حين تنظر إليه ثلاث مرات، واعقد بيدك اليسرى، ثمّ لا تفارقها حتى تخرج من عنده»(2).

وهو أيضاً مجرّب.

وفي القوي عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع أن يقرأ في دبر الفريضة بقل هو الله أحد فإنّه من قرأها جمع الله له خير الدنيا والآخرة، وغفر له ولوالديه وما ولدا»(3).


1) الكافي 2 : 623، باب فضل القرآن، ح 18.

2) الكافي 2 : 624 ، باب فضل القرآن، ح 20.

3) الكافي 2 : 622، باب فضل القرآن، ح 11.

.................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــ

وفي القوي عن محمد بن مروان، عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: «من قرأ قل هو الله أحد مرّة بورك عليه، ومن قرأها مرّتين بورك عليه وعلى أهله، ومن قرأها ثلاث مرّات بورك عليه وعلى أهله وعلى جيرانه، ومن قرأها اثنى عشر مرّة بنى الله له اثنى عشر قصراً في الجنة، فيقول الحفظة: اذهبوا بنا إلى قصور أخينا فلان فننظر إليها، ومن قرأها مائة مرّة غفرت له ذنوب خمسة وعشرين سنة ما خلا الدماء والأموال، ومن قرأها أربعمائة مرّة كان له أجر أربعمائة شهيد كلّهم قد عقر جواده واُريق دمه، ومن قرأها ألف مرّة في يوم وليلة لم يمت حتى يرى مقعده في الجنة»(1)أو يرى له.

وفي القوي كالصحيح عن عبد الله بن طلحة عن جعفر(عليه السلام) ، قال: «قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): من قرأ قل هو الله أحد مائة مرّة غفر الله له ذنوب خمسين سنة »(2).

وفي الصحيح عن يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله ، قال: «كان أبي(عليه السلام)

يقول: قل هو الله أحد ثلث القرآن وقل يا أيّها الكافرون ربع القرآن»(3).

[قصة سلمان في صوم الدهر وإحيائه لليل وختمه للقرآن ]

وروی المصنّف القوي كالصحيح عن أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) عن


1) الكافي 2 : 619 ، باب فضل القرآن، ح 1.

2) الكافي 2 : 620، باب فضل القرآن، ح 4.

3) الكافي 2 : 621، باب فضل القرآن، ح 7.

...............................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

آبائه(عليهم السلام) ، قال: «قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يوماً لأصحابه: أيّكم يصوم الدهر؟ فقال سلمان: أنا يا رسول الله ، قال : فأيّكم يحيي الليل؟ قال سلمان: أنا يا رسول الله، قال: فأيّكم يختم القرآن في كلّ يوم؟ فقال سلمان: أنا يا رسول الله، فغضب بعض أصحابه فقال: يا رسول الله إنّ سلمان رجل من الفرس يريد أن يفتخر علينا معاشر قريش، قلت: أيّكم يصوم الدهر ؟ فقال: أنا وهو أكثر أيامه أو نهاره يأكل، وقلت: أيّكم يحيي الليل، فقال: أنا. وهو أكثر ليله نائم، وقلت: أيّكم يختم القرآن في كلّ يوم؟ فقال: أنا، وهو أكثر نهاره صامت فقال النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم) : مه يا فلان أنّى لك بمثل لقمان الحكيم سله فإنّه ينبئك.

فقال الرجل لسلمان: يا أبا عبد الله أليس زعمت أنّك تصوم الدهر ؟ فقال: نعم، فقال: رأيتك في أكثر نهارك تأكل فقال: ليس حيث تذهب إنِّي أصوم الثلاثة في الشهر، وقال عزّوجلَّ:مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِها(1)وأصِلُ شعبان بشهر رمضان فذلك صوم الدهر، فقال: أليس زعمت أنّک تحيى الليل؟ فقال: نعم، فقال: أنت أكثر ليلك نائم، فقال: ليس حيث تذهب ولكنّي سمعت حبيبي رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يقول: من بات على طهر فكأنّما أحيى الليل كلّه، فأنا أبيت على طهر، فقال: أليس زعمت أنّك تختم القرآن في كلّ يوم؟ قال: نعم، قال: فأنت أكثر أيامك صامت، فقال: ليس حيث تذهب، ولكنّي سمعت حبيبي رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)يقول لعلي(عليه السلام) : يا أبا الحسن مثلك في اُمتي مثل قل هو الله أحد، فمن قرأها مرّة فقد قرأ ثلث القرآن، ومن قرأها مرتين فقد قرأ ثلثي القرآن، ومن قرأها ثلاثاً فقد ختم القرآن، فمن


1) الأنعام : 160.

.................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحبّك بلسانه فقد كمل له ثلث الإيمان، ومن أحبّك بلسانه وقلبه فقد كمل له ثلثا الإيمان، ومن أحبّك بلسانه وقلبه ونصرك بيده فقد استكمل الإيمان، والذي بعثني بالحق نبياً يا عليّ لو أحبّك أهل الأرض كمحبّة أهل السماء لك لما عُذّب أحد بالنار، وأنا أقرأ قل هو الله أحد في كلّ يوم ثلاث مرات» فكأنّه قد الجم(1)حجراً (2). أي بهت ولم يقدر أن يتكلم.

وفي القوي عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «من مضى به يوم واحد فصلّى فيه بخمس صلوات ولم يقرأ فيها بقل هو الله أحد قيل له: عبد الله لست من المصلّين»(3).

وعن السكوني عن أبي عبد الله(عليه السلام) : «أنّ النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) صلّى على سعد بن فقال: لقد وافى من الملائكة سبعون ألفاً وفيهم جبرئيل(عليه السلام) يصلّون عليه، فقلت له: یا جبرئيل بما استحقّ صلاتكم عليه؟! فقال: بقراءته قل هو الله أحد قائماً وقاعداً وراكباً وماشياً وذاهباً وجائياً»(4).

والأولى أن يصلّى ما رواه المصنّف في الحسن كالصحيح عن أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «من صلّى أربع ركعات بمائتي مرة قل هو الله أحد في كلّ ركعة خمسين مرة لم ينفتل وبينه وبين الله عزّوجلّ ذنب إلّا غفر له»(5).


1) في نسخة : القم.

2) الأمالي للشيخ الصدوق : 85، ح 54.

3) الكافي 2 : 622، باب فضل القرآن، ح 10. ثواب الأعمال : 127.

4) الكافي 2 : 622 ، باب فضل القرآن، ح 13. الأمالي للشيخ الصدوق : 480 ، ح 645.

5) الأمالي للشيخ الصدوق : 158، ح 152.

.............................................

ـــــــــــــــــــــــــــــ

وفي القوي عن سليمان الجعفري عن أبي الحسن(عليه السلام) قال: سمعته يقول: «ما من أحد في حدّ الصبي يتعهدّ في كلّ يوم قراءة قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس كلّ واحدة ثلاث مرّات، وقل هو الله أحد مائة مرّة، فإن لم يقدر فخمسين إلّا صرف الله عزّوجلّ عنه كلّ لمم أو عرض من أعراض الصبيان والعطاش وفساد المعدة وبدورة الدم (أي فساده) أبداً ما تعوهد بهذا حتى يبلغه الشيب، فإن تعهدّ نفسه بذلك أو تعوهد كان محفوظاً إلى يوم يقبض الله عزّوجلّ نفسه»(1).

وفي الموثق عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «لمّا أمر الله عزّوجلّ هذه الآيات أن يهبطن إلى الأرض تعلّقن بالعرش وقلن: أي ربّ إلى أين تهبطنا إلى أهل الخطايا والذنوب؟ فأوحى الله عزّوجلّ إليهن: أن اهبطن فوعزّتي وجلالي لا يتلوكن أحد من آل محمّد وشيعتهم في دبر ما افترض - أو افترضت - عليه إلّا نظرت إليه بعيني المكنونة في كلّ يوم سبعين نظرة، أقضي له في كلّ نظرة سبعين حاجة وقبلته على ما كان(2)من المعاصي (أي يصير بحيث لا يعصي) وهي اُم الكتاب، و شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ﴾ الآية (3). وآية الكرسي، وآية الملك»(4).

وفي الصحيح عن بكر بن محمد الأزدي، عن رجل، عن أبي عبد الله(عليه السلام) : في


1) الكافي 2 : 623، باب فضل القرآن، ح 17.

2) في نسخه : ما كان فيه.

3) آل عمران : 18.

4) الكافي 2 : 620 ، باب فضل القرآن، ح 2.

..............................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

العوذة، قال: «تأخذ قُلّة جديدة فتجعل فيها ماء ثمّ تقرأ عليها إنّا أنزلناه في ليلة القدر ثلاثين مرة، ثمّ تعلق وتشرب منها وتتوضّأ ويزاد فيها ماءً إن شاء»(1).

وفي القوي كالصحيح عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: «من قرأ إنّا أنزلناه في ليلة القدر يجهر بها صوته كان كالشاهر سيفه في سبيل الله، ومن قرأها سرّاً كان كالمتشحط بدمه في سبيل الله، ومن قرأها عشر مرّات له على كلّ مرّة محا ألف ذنب من ذنوبه»(2).

وفي الصحيح عن إبراهيم بن مهزم عن رجل سمع أبا الحسن(عليه السلام) يقول: «من قرأ آية الكرسي عند منامه لم يخف الفالج إن شاء الله ، ومن قرأها في دبر كلّ فريضة لم يضرّه ذو حمة» وقال: «من قدّم قل هو الله أحد بينه وبين جبّار منعه الله عزّوجلّ منه يقرأها من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، فإذا فعل ذلك رزقه الله عزّوجلّ خيره ومنعه من شرّه» وقال: «إذا خفت أمراً فاقرأ مائة مرّة آية من القرآن من حيث شئت ثمّ قل: اللهمّ اكشف عني البلاء ثلاث مرّات»(3).

وعن جابر، قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول: «من قرأ المسبّحات كلّها قبل أن ينام لم يمت حتى يدرك القائم(عليه السلام)، وإن مات كان في جوار محمّد النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)»(4).

والظاهر أنّ المسبحات السور المفتتح بالتسبيح من سورة الإسراء إلى الأعلى.


1) الكافي 2 : 623، باب فضل القرآن، ح 19.

2) الكافي 2 : 621 ، باب فضل القرآن، ح 6.

3) الكافي 2 : 621، باب فضل القرآن، ح 8.

4) الكافي 2 : 620 ، باب فضل القرآن، ح3

..........................................

ــــــــــــــــــــــــ

وفي القوي عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، قال: «من قرأ أربع آيات من أوّل البقرة وآية الكرسي وآيتين بعدها وثلاث آيات من آخرها لم يرفي نفسه وماله شيئاً يكرهه، ولا يقربه شيطان، ولا ينسى القرآن»(1).

وفي الموثق كالصحيح عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «من قرأ مائة آية يصلّي بها في ليلة كتب الله عزّوجلّ له بها قنوت ليلة، ومن قرأ مائتي آية في غير صلاة لم يحاجّه القرآن يوم القيامة، ومن قرأ خمسمائة آية في يوم وليلة في صلاة النهار والليل كتب الله عزّوجلّ له في اللوح المحفوظ قنطاراً من حسنات، والقنطار ألف ومائتا أوقية، والأوقية أعظم من جبل اُحد»(2).

وعن أبي عبد الله(عليه السلام) قال : قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): من قرأ الهاكم التكاثر عند النوم وقي فتنة القبر»(3)أي عذابه.

وفي الحسن كالصحيح عن سدير عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: «سورة الملك هي المانعة تمنع من عذاب القبر، وهي مكتوبة في التوراة سورة الملك، ومن قرأها في ليلته فقد أكثر وأطاب ولم يكتب من الغافلين، وأنّي لأركع بها بعد عشاء الآخرة وأنا جالس، وأنّ والدي كان يقرأها في يومه وليلته، ومن قرأها إذا دخل عليه في قبره ناكر ونكير من قبل رجليه قالت رجلاه لهما: ليس لكما إلى ما قبلي سبيل قد كان هذا العبد يقوم عليّ فيقرأ سورة الملك في كلّ يوم وليلة، فإذا أتياه من قبل جوفه


1) الكافي 2 : 621، باب فضل القرآن، ح 5.

2) الكافي 2 : 621، باب فضل القرآن، ح 9.

3) الكافي 2 : 623، باب فضل القرآن، ح 14

..............................................

ـــــــــــــــــــــــــــــ

قال لهما: ليس لكما إلى ما قبلي سبيل قد كان هذا العبد أوعاني سورة الملك، وإذا أتياه من قبل لسانه قال لهما: ليس لكما إلى ما قبلي سبيل قد كان هذا العبد يقرأ بي في كلّ يوم وليلة سورة الملك»(1).

وفي الحسن كالصحيح عن سعيد الأعرج، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن الرجل يقرأ القرآن ثمّ ينساه ثمّ يقرأ ثمّ ينساه أعليه فيه حرج؟ فقال: «لا»(2).

وفي الموثق كالصحيح عن سعيد بن يسار، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام) : سليم مولاك ذكر أنّه ليس معه من القرآن إلّا سورة يسيرة أويس فيقوم من الليل فينفد ما معه من القرآن أيعيد ما قرأ؟ قال: «نعم، لا بأس»(3).

وفي القوي كالصحيح عن عبد الله بن بكير عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «نزل القرآن بإيّاك أعني واسمعي يا جارة»(4).

و عنه(عليه السلام)قال : معناه ما عتب الله عزّوجلّ به على نبيّه(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فهو یعنی به ما قد قضى في القرآن مثل قوله تعالى: وَلَوْ لا أَنْ تَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قليلاً وعنى بذلك غيره»(5). أي كلّ ما عوتب(صلّی الله علیه وآله وسلّم) به فالمقصود غيره، وإن كان هو المخاطب(صلّی الله علیه وآله وسلّم) .

وفي القوي عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله(عليه السلام)أنّه قال: «من قرأ إذا أوى


1) الكافي 2 : 633، باب النوادر، ح 26.

2) الكافي 2 : 633، باب النوادر، ح 24.

3) الكافي 2 : 632، باب النوادر، ح 22

4) الكافي 2 : 630، باب النوادر، ح 14.

5) الكافي 2 : 631 ، باب النوادر ذيل ح .14. والآية في سورة الإسراء : 74.

وأصحاب الليل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

إلى فراشه: قل يا أيّها الكافرون وقل هو الله أحد كتب الله عزّوجلّ له براءة من الشرك»(1).

وعنه(صلّی الله علیه وآله وسلّم) أنّه قال: «لا تملّوا من قراءة إذا زلزلت الأرض زلزالها، فإنّه من كانت قراءته بها في نوافله لم يصبه الله عزّوجلّ بزلزلة أبداً ولم يمت بها ولا بصاعقة ولا بآفة من آفات الدنيا حتى يموت، وإذا مات نزل عليه ملك كريم من عند ربّه فيقعد عند رأسه فيقول: يا ملك الموت ارفق بوليّ الله فإنّه كان كثيراً ما يذكرني ويذكر تلاوة هذه السورة، وتقول له السورة مثل ذلك، ويقول ملك الموت: قد أمرني ربّي أن أسمع له واُطيع ولا أخرج روحه حتى يأمرني بذلك، فإذا أمرني أخرجت روحه. ولا يزال ملك الموت عنده حتى يأمره بقبض روحه، وإذا كشف له الغطاء فيرى منزله في الجنّة، فيخرج روحه في ألين ما يكون من العلاج، ثمّ يشيع روحه إلى الجنّة سبعون ألف ملك يبتدرون بها إلى الجنّة»(2).

( وأصحاب الليل) تقدّم.

وروى المصنّف عن المفضل بن عمر قال: سمعت مولاي الصادق(عليه السلام) : «كان فيما ناجی الله عزّوجلّ به موسى بن عمران(عليه السلام) أن قال له: يا ابن عمران کذب من زعم أنّه يحبّني، فإذا جنّه الليل نام عنّي، أليس كلّ محبّ يحبّ خلوة حبيبه،ها أناذا يا ابن عمران مطلع على أحبائي إذا جنّهم الليل حوّلت أبصارهم من قلوبهم ومثلت عقوبتي بين أعينهم يخاطبونني عن المشاهدة ويكلّمونني عن الحضور، يا ابن


1) الكافي 2 : 626 ، باب فضل القرآن، ح 23.

2) الكافي 2 : 626 ، باب فضل القرآن، ح 24.

5856 - ونزل جبرئيل على النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فقال له: يا جبرئيل عظني، فقال له: يا محمد عِش ما شئت فإنّك ميت، وأحبب من شئت فإنّك مفارقه، واعمل ما شئت فإنّك ملاقيه، شرف المؤمن صلاته بالليل، وعزّه كفّ الأذى عن الناس.

5857 - وروى الحسن بن موسى الخشاب، عن غياث بن كلوب، عن إسحاق بن عمار عن الصادق جعفر بن محمد، عن آبائه(عليهم السلام): أنّ عليّاً (عليه السلام)كان يقول: ما من أحد ابتلى وإن عظمت بلواه بأحق بالدعاء من المعافى الذي لا يأمن البلاء.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

عمران هب لي من قلبك الخشوع، ومن بدنك الخضوع، ومن عينيك الدموع في ظلم الليالي، وادعني فإنّك تجدني قريباً مجيباً»(1).

وفي الصحيح عن عبد الله بن سنان قال سمعت أبا عبد الله(عليه السلام)يقول: «ثلاث هنّ فخر المؤمن وزينته في الدنيا والآخرة الصلاة في آخر الليل، ويأسه ممّا في أيدي الناس، وولاية الإمام من آل محمد(صلّی الله علیه وآله وسلّم)(2).

(ونزل جبرئيل) قد تقدّم، ووردت به أخبار كثيرة صحيحة(3).

(وروى الحسن بن موسى الخشاب) في الموثق(4)، ويدلّ على أنّه كما يلزم الدعاء لرفع البلاء في المرض كذلك يلزم لدفع المرض في الصحة والدفع


1) الأمالي للشيخ الصدوق : 438، ح 577.

2) الكافي 8 : 234، ح 311 الأمالي للشيخ الصدوق : 637 ، ح 858.

3) الخصال : 7 ، ح 19. من لا يحضره الفقيه 1 : 471، ثواب صلاة الليل، ح 1360.

4) الأمالي للشيخ الصدوق : 337، ح 5.

5858 - وروى علي بن مهزيار، عن الحسين بن سعيد، عن الحارث بن محمد بن النعمان الأحول صاحب الطاق، عن جميل بن صالح، عن أبي عبد الله الصادق، عن آبائه(عليهم السلام) قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : من أحبّ أن يكون أكرم الناس فليتق الله، ومن أحبّ أن يكون أتقى الناس فليتوكّل على الله تعالى، ومن أحبّ أن يكون أغنى الناس فليكن بما عند الله عزّوجلّ أوثق منه بما في يديه، ثمّ قال(عليه السلام) : ألا اُنبئكم بشرّ الناس؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: من أبغض الناس وأبغضه الناس، ثمّ قال: ألا اُنبئكم بشرّ من هذا؟ قالوا: بلی یا رسول الله، قال: الذي لا يقيل عثرة، ولا يقبل معذرة، ولا يغفر ذنباً، ثمّ قال: ألا اُنبئكم بشرّ من هذا؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: من لا يؤمن شرّه، ولا يرجى خيره، إنّ عيسى بن مريم(عليه السلام) قام في بني إسرائيل فقال: يا بني إسرائيل لا تحدثوا بالحكمة الجهّال فتظلموها، ولا تمنعوها

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

أسهل من الرفع، ويلزم أن يكون الاهتمام به أكثر.

(وروى علي بن مهزيار) في القوي كالصحيح(1)(فليتق الله) وقال الله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ (2)(فليتوكّل على الله تعالى) ويستعيذ به حتى يحفظه من المعاصي (من أبغض الناس) لسوء سريرته حسداً (لا يقيل عثرة) من أخيه لو وقع منه زلّة بالنظر إليه أو غيره. (ولا يقبل معذرة) لو أتى بعذره ولو لم يكن عذراً فإنّ الاعتراف بقبح ما فعل كاف لقبول عذره، كما أنّه يرجو من الله تعالى ذلك مع كثرة


1) الأمالي للشيخ الصدوق : 381، ح 11.

2) الحجرات : 13.

أهلها فتظلموهم، ولا تعينوا الظالم على ظلمه فيبطل فضلكم، الاُمور ثلاثة: أمر تبين لك رشده فاتبعه، وأمر تبين لك غيّه فاجتنبه، وأمر اختلف فيه فردّه إلى الله عزّوجلّ.

5859 - وروى الحسن بن علي بن فضال، عن الحسن بن الجهم، عن الفضيل بن يسار قال: قال الصادق جعفر بن محمد(عليه السلام) : ما ضعف بدن عمّا قويت عليه النية.

5860 - وروى ابن فضال عن غالب بن عثمان عن شعيب العقرقوفي عن الصادق جعفر بن محمد(عليه السلام) ، قال: من ملك نفسه إذا رغب، وإذا رهب، وإذا اشتهى، وإذا غضب، وإذا رضي حرّم الله جسده على النار.

5861 - وسئل الصادق(عليه السلام) عن الزاهد في الدنيا، قال: الذي يترك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ذنوبه وخطاياه. (وأمر اختلف فيه) أي اشتبه عليك رشده من غيّه أو اختلف الناس فيه (فردّه الى الله تعالى) وقل: الله تعالى يعلم، أو توقّف حتى يهديك الله إلى الصواب بقول المعصوم، أو الإلهام إن كنت من أهله، وتقدّم الأخبار في ذلك في باب القضايا.

(وروى الحسن بن علي بن فضال) في الموثق كالصحيح(1)، ويدلّ على أنّ المدار على العزم الجازم في جميع الاُمور.

(وروى ابن فضال) في الموثق كالصحيح(2)، ويدلّ على أنّ مالك النفس الأمّارة ي هذه الاُمور العظيمة من أهل الجنة.

(وسئل الصادق(عليه السلام)) رواه الكليني(3)في الحسن كالصحيح عنه(عليه السلام) .


1) الأمالي للشيخ الصدوق : 408، ح 6

2) الأمالي للشيخ الصدوق : 408، ح 7.

3) لم نعثر عليه في الكافي. نعم يوجد في الأمالي للشيخ الصدوق : 439، ح 4.

حلالها مخافة حسابه، ويترك حرامها مخافة عذابه.

5862 - وروى محمد بن سنان عن عبد الله بن مسكان عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: إنّ أحق الناس بأن يتمنّى للناس الغنى البخلاء؛ لأنّ الناس إذا استغنوا كفّوا عن أموالهم، وإنّ أحق الناس بأن يتمنّى للناس الصلاح أهل العيوب؛ لأنّ الناس إذا صلحوا كفوا عن تتبّع عيوبهم، وإنّ أحق الناس بأن يتمنّى للناس الحلم أهل السفه الذين يحتاجون أن يعفى عن سفههم، فأصبح أهل البخل يتمنّون فقر الناس، وأصبح أهل العيوب يتمنّون معايب الناس، وأصبح أهل السفه يتمنّون سفه الناس، وفي الفقر الحاجة إلى البخيل، وفي الفساد طلب عورة أهل العيوب، وفي السفه المكافاة بالذنوب.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

وروى المصنف في القوي عن أمير المؤمنين(عليه السلام) قال: «كونوا على قبول العمل أشدّ عناية منكم على العمل: الزهد في الدنيا قصر الأمل، وشكر كلّ نعمة الورع عمّا الله عزّوجلّ، من أسخط بدنه أرضى ربّه، ومن لم يسخط بدنه عصى ربِّه»(1). حرم وتقدّم الأخبار في الزهد.

(وروی محمد بن سنان) وثّقه المفيد(2)وضعفه الشيخ(3)، لكن مدار الصدوقين


1) الخصال : 14، ح 50.

2) نقله عنه في اختيار معرفة الرجال 1 : 6. ولكنّ المفيد في كتبه ضعّفه وطعن عليه، انظر: المسائل السروية : 38 جوابات أهل الموصل : 20.

3) اختيار معرفة الرجال 1 : 270.

5863 - وروي عن أبي هاشم الجعفري أنّه قال: أصابتني ضيقة شديدة فسرت إلى أبي الحسن علي بن محمد(عليه السلام) فاستأذنت عليه فأذن لي، فلمّا جلست قال لي: يا أبا هاشم أيّ نعم الله عليك تريد أن تؤدي شكرها؟ قال أبو هاشم: فوجمت فلم أدر ما أقول له، فابتدأني(عليه السلام) فقال: إنّ الله عزّوجلّ رزقك الإيمان فحرّم به بدنك على النار، ورزقك العافية فأعانك على الطاعة، ورزقك القنوع فصانك عن التبذّل، يا أبا هاشم إنّما ابتدأتك بهذا لأنّي ظننت أنّك تريد أن تشكو إلي من فعل بك هذا، قد أمرت لك بمائة دينار فخذها.

5864 - وروی محمد بن سنان عن طلحة بن زيد، قال: سمعت أبا عبد الله الصادق(عليه السلام) يقول: العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق، فلا تزيده سرعة السير من الطريق إلّا بعداً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

على أخباره، مع أنّ متن الخبر شاهد على صحته. نه، فتأمّل وتدبّر فيه.

(وروي عن أبي هاشم الجعفري) في القوي كالصحيح(1)، والظاهر أنّه من أصله فيكون صحيحاً. (فوجمت) أي سكت وأطرقت رأسي (فصانك عن التبذّل) أي حفظك بالقناعة عن تبدّل وجهك عند لنام الناس ويدلّ على قبح إظهار الفقر عند خير الناس أيضاً، وأنّه شكاية الله تعالى.

(وروی محمد بن سنان) في القوي كالكليني(2)، ويدلّ على أنّ العمل بدون العلم عبث بل ضلال، وتقدّم.


1) الأمالي للشيخ الصدوق : 497، ح 11.

2) الكافي 1 : 43، باب من عمل بغير علم، ح 1.

5865 - وقال الصادق(عليه السلام) : النوم راحة للجسد، والنطق راحة للروح، والسكوت راحة للعقل .

5866 - وروى محمد بن سنان عن المفضل بن عمر، قال: قال الصادق جعفر بن محمد(عليه السلام) : من لم يكن له واعظ من قلبه وزاجر من نفسه، ولم يكن له قرين مرشد استكمن عدوّه من عنقه.

ــــــــــــــــــــــــــــ

وروى المصنّف في الصحيح في الأمالي عن أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين(عليه السلام) ، قال: «لا حسب لقرشي ولا عربي إلّا بتواضع، ولا كرم إلّا بتقوى. ولا عمل إلّا بنيّة، ولا عبادة إلّا بتفقّه، ألا وأنّ أبغض الناس إلى الله عزّوجلّ من يقتدي بسنّة إمام ولا يقتدي بأعماله»(1).

(والنطق) أي بالحكمة والعلوم الدينية (راحة للروح والسكوت) عمّا لا يعنى.

( من لم يكن له واعظ من قلبه) بأن يكون قلبه منوّراً ومشروحاً ويتعظ بالعبر. (وزاجر من نفسه) بإلهام الله تعالى إيّاها، كما قال تعالى: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَها وَتَقْواها(2)، أو يكون تأكيداً، أو يكون المراد بالأوّل إلهام الملك، كما تقدّم.

(ولم يكن له قرين مرشد) وهو الملك وروح الإيمان أو الإخوان في الله الذين يرشدونه، كما تقدّم أنّ المؤمن مرآة المؤمن. وروي عن الصادق(عليه السلام): «أنّه ينبغى للمؤمن أن يكون محدّثاً - بالفتح - بإلهام الملك»(3)أي يسعى في أن يصير قابلاً له. أو بالكسر؛ لأنّ الحديث جلاء القلوب، أو بالفتح بأن يتعلّم فيه. (استمكن عدوّه) من الشياطين ( من عنقه) أي يجب أن يسعى في ما تقدّم حتى لا يسلّط الشيطان عليه


1) لم نعثر عليه في الأمالي. نعم، يوجد في الخصال : 18، ح 62.

2) الشمس : 8.

3) لم نعثر عليه.

5867 - وروى جعفر بن محمد بن مالك الفزاري الكوفي قال: حدّثنا جعفر بن محمد بن سهل، عن سعيد بن محمد، عن مسعدة، قال: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر(عليه السلام) : إنّ عيال الرجل اُسراؤه، فمن أنعم الله عليه نعمة فليوسّع على اُسرائه، فإن لم يفعل أوشك أن تزول تلك النعمة.

5868 - وروى صفوان بن يحيى عن أبي الصباح الكناني، قال: قلت للصادق جعفر بن محمد(عليه السلام) : أخبرني عن هذا القول قول من هو؟ أسأل الله الإيمان والتقوى، وأعوذ بالله من شرّ عاقبة الاُمور،

ــــــــــــــــــــــــــــــ

ولا يصير سخرة له.

(وروی جعفر بن محمد) في القوي(1)، وتقدّم الأخبار في نفقة العيال.

وروى الكليني في الصحيح عن أبي حمزة عن علي بن الحسين(عليه السلام) ، قال: كان يقول: «إنّ أحبّكم إلى الله عزّوجلّ أحسنكم عملاً، وأن أعظمكم عند الله عملاً أعظمكم عند الله رغبة، وأنّ أنجاكم من عذاب الله أشدّكم من خشية الله، وأنّ أقربكم من الله أوسعكم خلقاً، وأنّ أرضاكم عند الله أسبغكم على عياله، وأنّ أكرمكم على الله أتقاكم الله».

[ كلمات موجزة عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)]

(وروى صفوان بن يحيى) في الحسن كالصحيح(2)(من شرّ عاقبة الاُمور) بأن


1) الأمالي للشيخ الصدوق : 526 ، ح 3.

2) الأمالي للشيخ الصدوق : 576، ح 1.

أنّ أشرف الحديث ذكر الله تعالى ورأس الحكمة طاعته.

وأصدق القول وأبلغ الموعظة وأحسن القصص كتاب الله.

ـــــــــــــــــــــــــــ

يكون الخاتمة شرّاً وفسقاً أو كفراً نعوذ بالله منها، أو نسأل من الله تعالى أن يجعل عواقب جميع اُمورنا بالخير، فإنّ العبد يطلب من الله تعالى الولد، وربّما كان الولد قاتل أبيه، فالتعميم أولى.

(إنّ أشرف الحديث) والتكلّم (ذكر الله تعالى) بأن يذكر آلاءه ونعماءه ورحمته دنيا وآخرة، أو إذا أردت أن تحدّث مع الناس فليكن صحبتك مع الله تعالى بذكره فإنّه جليس من ذكره، والتعميم أولى.

( ورأس الحكم) جمع الحكمة، وفي الأمالي: الحكمة (طاعته) فإنّ الحكيم «راست گفتار، درست کردار» ولا قول أصدق من كلامه تعالى، ولا فعل أشرف من طاعته، ويمكن أن يكون المراد أنّ الطاعة الخالصة تصير سبباً لإفاضة العلوم والحكم الإلهية، كما هو المجرّب.

( وأصدق القول) لأنّ نفسه باعتبار الإعجاز دليل صدقه (وأبلغ الموعظة) فإنّ البلاغة الإتيان بالكلام الفصيح المطابق لمقتضى الحال، وليس يعرف أحوال العبد إلّا المولى العليم، ولهذا جعله مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ(1)ولا يوجد آية في الخوف إلّا ومعه الرجاء.

(وأحسن القصص) لأنّها أصدق وأنفع؛ لأنّ أكثر قصص الماضين التي يذكرونها الناس لا فائدة في ذكرها، بل تضييع للعمر الذي هو رأس مال العبد، بخلاف قصص


1) الزمر : 23.

وأوثق العرى الإيمان بالله، وخير الملل ملة إبراهيم(عليه السلام)، وأحسن السنن سنة الأنبياء.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

القرآن فإنّها إمّا للاعتبار بعقوباتهم، وإمّا لبيان رحمته تعالى عليهم، وإمّا لبيان تعبّدهم ومحبّتهم الله تعالى، وعلى هذا القياس.

(وأوثق العرى) أي المستمسك، كما قال تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَالله سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1)شبّه الله تعالى الإيمان بالعروة والحبل وأمثالهما؛ كأنّه بهما يصل إلى سماء المحبّة والمعرفة والقرب، كمن يستمسك بحبل يذهب إلى السماء، والحبل الذي يصعد به له عقد يأخذ بها وهي العرى.

( وخير الملل ملّة إبراهيم) المراد بها اُصول الدين، وهو ملّة جميع الأنبياء، لكن لما كانت قريش ينسبون دينهم إلى إبراهيم(عليه السلام)قال تعالى رّداً عليهم: إن دينه كسر الأصنام لا عبادتها، ولهذا وصفه بالحنيف، وقال تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ (2). وكانت اليهود والنصارى أيضاً كانوا ينسبون أنفسهم إليه(عليه السلام) ، وقال تعالى مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيَّاً وَلا نَصْرَانِيَّاً وَلكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا (3)، وإلّا فكان نبينا(صلّی الله علیه وآله وسلّم) أفضل الأنبياء وسيّدهم. وكان جميعهم مأمورين بالإيمان به، كما قال الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ


1) البقرة : 256.

2) البقرة : 130.

3) آل عمران : 67.

وأحسن الهدى هدى محمد، وخير الزاد التقوى، وخير العلم ما نفع.ــــــــــــــــــــــــــــوَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (1). وقال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): «لو كان موسى حياً لما وسعه إلّا اتباعي»(2)ويصلّي خلف خليفته عیسی بن مریم(عليه السلام)(3). وروي الأخبار المستفيضة، بل المتواترة: أنّه لما أخذ الميثاق منهم، قال تعالى: «ألستُ بربّكم ومحمد نبيّكم وعلي إمامكم والأئمة من ولده أئمتكم ؟ فقالوا: بلى»(4)ولهذا قال [ وأحسن الهدى ] (5).

(وأحسن الهدى) بالضم أي الهداية، أو بالفتح أي السيرة والطريقة والشريعة والحقيقة ، ولهذا يكون يوم القيامة على الوسيلة مع الأئمة المقدّسين، ويكون الأنبياء والأوصياء على درجاتهما بحسب درجاتهم، كما تقدّم.

وروى الكليني(رحمة الله) في خطبة الوسيلة، وهي مشتملة على علوم كثيرة وحقائق جمّة لم نذكرها خوف الإطالة، وفيها: «أيّها الناس إنّ الله عزّوجلّ وعد نبيّه (صلّی الله علیه وآله وسلّم) الوسيلة ووعده الحق ولن يخلف الله وعده، ألا وأنّ الوسيلة أعلى درج الجنّة


1) آل عمران : 81.

2) الدعوات لقطب الدين : 170، ح 475 معاني الأخبار : 282 عوالي اللآلي 4 : 121 ، ح 199.

3) سعد السعود : 191. تفسير القمي 1 : 158. مجمع البيان 3: 236.

4) انظر: بصائر الدرجات : 92 الكافي ،2 : 8 باب طينة المؤمن والكافر، ح 1. الأمالي للشيخ الطوسي : 333، ح 412.

5) ما بين المعقوفتين أضفناها لاقتضاء السياق

.....................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

وذروة ذوائب الزلفة، ونهاية غاية الأمنية، لها ألف مرقاة ما بين المرقاة إلى المرقاة حضر (أي عدو) الفرس الجواد مائة عام - وفي نسخة: ألف عام - وهو ما بين مرقاة درّة إلى مرقاة جوهرة، إلى مرقاة زبرجدة، إلى مرقاة لؤلؤة، إلى مرقاة ياقوتة، إلى مرقاة زمردة، إلى مرقاة مرجانة، إلى مرقاة كافور، إلى مرقاة عنبر، إلى مرقاة يلنجوح (أي عود) إلى مرقاة ذهب، إلى مرقاة فضة، إلى مرقاة غمام، إلى مرقاة هواء، إلى مرقاة نور قد أنافت (أي ارتفعت) على كلّ الجنان، ورسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)يومئذٍ قاعد عليها مرتدٍ بريطتين (أي ثوبين) ريطة من رحمة الله، وريطة من نور الله، عليه تاج النبوّة واكليل الرسالة، قد أشرق بنور الموقوف وأنا يومئذٍ على الدرجة الرفيعة وهي دون درجته، وعليّ ريطتان، ريطة من ارجوان (أي ارغوان) النور، وريطة من كافور، والرسل والأنبياء قد وقفوا على المراقي وأعلام الأزمنة، وحجج الدهور عن إيماننا، قد تجلّلتهم حلل النور والكرامة، لا يرانا ملك مقرّب ولا نبي مرسل إلّا بهت بأنوارنا وعجب من ضيائنا وجلالتنا، وعن يمين الوسيلة عن يمين رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) غمامة بسطة البصر يأتي منها النداء: يا أهل الموقف طوبى لمن أحبّ الوصي وآمن بالنبي الاُمي العربي، ومن كفر فالنار موعده، وعن يسار الوسيلة، عن يسار الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ظلّة يأتي منها النداء: يا أهل الموقف طوبى لمن أحبّ الوصي وآمن بالنبي الاُمي، والذي له الملك الأعلى لا فاز - أو لا نجا أحدٌ - ولا نال الروح والجنّة إلّا من لقى خالقه بالإخلاص لهما والاقتداء بنجومهما، فايقنوا يا أهل ولاية الله بتبييض - أو بياض - وجوهكم وشرف مقعدكم وكرم مآبكم وبفوزكم اليوم على سرر متقابلين، ويا أهل الانحراف والصدود عن الله عزّ ذكره ورسوله وصراطه وإعلام الأزمنة أيقنوا بسواد وجوهكم وغضب ربّكم جزاء بما كنتم تعملون، وما من رسول سلف ولا نبيّ مضى إلّا وقد كان مخبراً اُمته بالمرسل

وخير الهدى ما اتبع، وخير الغنى غنى النفس، وخير ما اُلقي في القلب اليقين، وزينة الحديث الصدق، وزينة العلم الإحسان، وأشرف الموت قتل الشهادة.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الوارد من بعده، ومبشراً برسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، وموصياً قومه باتباعه ومحلّيه عند قومه -أو اُمته - ليعرفوه بصفته وليتبعوه على شريعته ولئلّا يضلّوا فيه من بعده، فيكون من هلك وضل(1)بعد وقوع الإعذار والإنذار عن بينة وتبيين(2)حجة فكانت الاُمم في رجاء من الرسل وورود من الأنبياء، ولأن اُصيبت بفقد نبي بعد نبي على عظم - أو عظيم - مصائبهم وفجائعها(3)بهم، فقد كانت على سعة من الأمل، ولا مصيبة عظمت ولا رزية جلت كالمصيبة برسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)»(4).

إلى آخر ما ذكر من استخلاف الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) إيّاه في غدير خم وغصب الأشقيان(5)الخلافة، وكذلك خبر المنزلة وغيرها. والحق أنّه يجب على كلّ أحد أن يحفظها، وكذلك جميع خطبه(عليه السلام) .

(وخير الهدى ما اتبع) أى يعمل بالعلم (وخير ما القى في القلب اليقين) ويدلّ على أنّه ليس بمكتسب إلّا باعتبار مقدّماته من العبادات والرياضات، وتقدّم مراتب اليقين (وزينة العلم الإحسان) إلى المتعلّمين في التعليم، أو الأعم، أو الإخلاص، بأن يعبد الله كأنّه يراه، أو المجموع وإن كان مجازاً لكنّه شائع.


1) في نسخة : وأفضل.

2) في نسخة : وتعيين.

3) في نسخة : وفجعائهم.

4) الكافي 8 : 24، خطبة الوسيلة.

5) الظاهر أنّه : الأشقيين.

وخير الاُمور خيرها عاقبة، وما قلّ وكفى خير ممّا كثر وألهى، والشقي من شقى في بطن اُمه والسعيد من وعظ بغيره.

وأكيس الكيس التقى، وأحمق الحمق الفجور، وشرّ الروايا روايا الكذب، وشرّ الاُمور محدثاتها، وشرّ العمى عمى القلب، وشرّ الندامة ندامة يوم القيامة، وأعظم المخطئين عند الله عزّوجلّ لسان الكذاب، وشرّ الكسب كسب الربا، وشرّ المآكل أكل مال اليتيم ظلماً، وأحسن زينة الرجل السكينة مع الإيمان، ومن تتبّع المشمعة يشمع الله به(1).

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(وأكيس الكيس) مخففة الكياسة، أو مشدّدة بمعنى العاقل (التقى) كذلك، فإنّ العاقل لا يبيع دينه بالدنيا، وكذا الفقرة الثانية الحمق أو الحمقى كسكرى: الأحمق، وفي الأمالي: الحمق(2).

(وشرّ الاُمور محدثاتها) أي البدع في الدين، أو يعم في كلّ ما لم يكن في أزمنة النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) والأئمة(عليهم السلام) (السكينة) الوقار (والطمأنينة) بذكره تعالى أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ.)(ومن تتبّع السمعة بالمهملة ( يسمع الله به) أي من كان غرضه من العبادات أن يسمع الناس فيعطيه الله في الدنيا، وما له في الآخرة من نصيب، أو يظهر الله على الخلائق أنّه مراء في الدنيا، أو في الآخرة، أو يستهزئ به كما استهزأ بالله بأن يريه)


1) في النهاية 2 : 101 501. في الحديث: من يتتبع المشمعة يشمع الله به، المشمعة: المزاح والضحك أراد من استهزء بالناس جازاه الله مجازاة فعله، وقيل: أراد من كان من شأنه العبث والاستهزاء بالناس أصاره الله إلى حالة يعبث به ويستهزء منه فيها.

2) الأمالي للشيخ الصدوق : 577، ح 1.

ومن يعرف البلاء يصبر عليه، ومن لا يعرفه ينكره.والريب كفر، ومن يستكبر يضعه الله.ومن يطع الشيطان يعصى الله، ومن يعصى الله يعذّبه الله، ومن يشكره يزده الله، ومن يصبر على الرزية يغيثه الله.ومن يتوكّل على الله فحسبه الله، ومن يتوكّل على الله يوجره الله، لا تسخطوا الله برضى أحد من خلقه.ولا تتقرّبوا إلى أحد من الخلق بتباعد من الله، فإنّ الله عزّوجلّ ليس بينه وبين أحد من الخلق شيء فيعطيه به خيراً أو يصرف به عنه سوءً إلّا بطاعته وابتغاء مرضاته، أنّ طاعة الله تبارك وتعالى نجاح كل خير يبتغي، ونجاة من كلّ شرّ يتقى، وأنّ الله عزّوجلّ يعصم من أطاعه، ولا يعتصم منه من عصاه.ولا يجد الهارب من الله مهرباً ، فإنّ أمر الله تعالى ذكره نازل بإذلاله ولوــــــــــــــــــــــــــــثوابه ولا يعطيه، أو بالمعجمة وهو المزاح والضحك والاستهزاء بالناس، كما قال تعالى:﴿ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ(1). (ومن يعرف البلاء) بأنّه من الله تعالى، ولا يفعل إلّا الأصلح به، وأنّه شعار المحبّين ومن لوازم المحبّة، كما تقدّم.

(ومن يتوكّل على الله يوجره الله) ليس هذه الجملة في الأمالي، والظاهر أنّ


1) الحجرات : 11.

كره الخلائق، وكلّما هو آت قريب.

ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، تعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله أنّ الله شديد العقاب، فقال الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام): هذا قول رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) .

5869 - وقال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): قال الله جلّ جلاله: أيّما عبد أطاعني لم أكِله إلى غيري، وأيّما عبد عصاني وكلته إلى نفسه، ثمّ لم اُبال في أيّ واد هلك.

ــــــــــــــــــــــــ

الزيادة من النسّاخ (ما شاء الله كان) بالمشية اللازمة، أو يقع معلوماته ألبتة.

[أثر الإطاعة أو المعصية ]

(وقال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)) رواه المصنّف في الموثق كالصحيح عن مروان بن مسلم عن الصادق(عليه السلام) عن آبائه(عليه السلام) عنه(صلّی الله علیه وآله وسلّم)(1).

وروي في الحسن كالصحيح عن الصادق(عليه السلام) ، قال : «ما أحبّ الله من عصاه ثمّ تمثّل فقال:

تعصى الإله وأنت تظهر حبّه*** هذا محال في الفعال بديع

لو كان حبّك صادقاً لأطعته*** إنّ المحب لِمن يحبّ مطيع»(2)

وبالإسناد، قال: كان أبو عبد الله(عليه السلام)كثيراً ما يقول:


1) الأمالي للشيخ الصدوق : 577، ح 2.

2) الأمالي للشيخ الصدوق : 578، ح 3.

.........................................

ـــــــــــــــــــــــــــــ

«علم المحجة واضح لمريده*** وأرى القلوب عن المحجة في عمى

ولقد عجبت لهالك ونجاته*** موجودة ولقد عجبت لمن نجا»(1)

وبهذا الإسناد، قال: كان الصادق(عليه السلام)يقول:

«اعمل على مهل فإنّك ميت*** واختر لنفسك أيّها الإنسان

فكأنّما قد كان لم يك إذ مضى*** وكأنّما هو كائن قد كان»(2)

وبهذا الإسناد، قال: كان الصادق(عليه السلام)يقول:

«لكلّ اُناس دولة يرقبونها*** ودولتنا في آخر الدهر يظهر»(3)

وروى الكليني في الصحيح عن عمر بن يزيد عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: «في التوراة مكتوب: يا ابن آدم إفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى، ولا أكِلُك إلى طلبك، وعليّ أن أسدّ فاقتك وأملأ قلبك خوفاً منّي، وإلّا تفرغ لعبادتي أملأ قلبك شغلاً بالدنيا، ثمّ لا أسدّ فاقتك وأكلك إلى طلبك»(4).

وفي الحسن كالصحيح عن هارون بن خارجة عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «إنّ العباد ثلاثة: قوم عبدوا الله عزّوجلّ خوفاً فتلك عبادة العبيد، وقوم عبدوا الله تبارك وتعالى طلب الثواب، فتلك عبادة الاُجراء، وقوم عبدوا الله عزّوجلّ حبّاً له فتلك عبادة الأحرار وهي أفضل العبادة»(5).


1) الأمالي للشيخ الصدوق : 578، ح 5.

2) الأمالي للشيخ الصدوق : 578، ح 6.

3) الأمالي للشيخ الصدوق : 578، ح 4.

4) الكافي 2 : 83 باب العبادة، ح 1. وفيه: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي.

5) الكافي 2 : 84، باب العبادة، ح 5.

5870 - وروى محمد بن أبي عمير عن عيسى الفراء، عن عبد الله بن أبي يعفور، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام) : من كان ظاهره أرجح من باطنه خفّ میزانه.

ـــــــــــــــــــــــــــ

وروى المصنّف بإسناده إلى يونس بن ظبيان قال قال الصادق(عليه السلام) : «إنّ الناس يعبدون الله عزّوجلّ على ثلاثة أوجه: فطبقة يعبدونه رغبة في ثوابه فتلك عبادة الحرصاء وهي الطمع، وآخرون يعبدونه فرقاً- أو خوفاً- من النار فتلك عبادة العبيد وهي رهبة، ولكنّي أعبده حبّاً له فتلك عبادة الكرام، وهو الأمن؛ لقوله عزّوجلّ: وَهُمْ مِنْ فَزَعِ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ) ولقوله عزّ وجلّ: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ). فمن أحبّ الله عزّوجلّ أحبّه الله عزّوجلّ، ومن أحبّه الله عزّ وجلّ كان من الآمنين»(1).

ورويا في الصحيح عن يونس عن عمرو بن جميع عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): أفضل الناس من عشق العبادة فعانقها وأحبّها بقلبه وباشرها بجسده وتفرّغ لها فهو لا يبالي على ما أصبح من الدنيا على عسر أم على يسر»(2).

[من كان ظاهره أرجح من باطنه خفّ ميزانه ]

(وروى محمد بن أبي عمير) في الصحيح عن عيسى الفراء اُسند عنه(3): (من كان ظاهره أرجع من باطنه) أي إذا كان عند الناس كانت عبادته أطول وأحسن من


1) الخصال: 188، ح 259 والآية الأولى في سورة النمل : 89 والثانية في سورة آل عمران: 31. 259.

2) الكافي ،2 : 83 باب العبادة ، ح 3. ولم نعثر عليه في كتب المصنف.

3) الأمالي للشيخ الصدوق : 580، ح 11.

5871 - وقال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : قال الله عزّوجلّ: إذا عصاني من خلقي من يعرفني سلّطت عليه من خلقي من لا يعرفني.

ــــــــــــــــــــــــــ

عبادته في الخلوة، أو كان أفعاله الظاهرة أحسن من أخلاقه الباطنة من الإخلاص والزهد والتواضع، بأن تكون ضعيفة، فكيف إذا كانت أضدادها في قلبه من الرياء وحبّ الدنيا والكبر والحسد والعجب والبغض وأمثالها (خفّ ميزانه) يوم القيامة وكانت عباداته بلا وزن؟! بل تكون في كفة السيئات نعوذ بالله منه.

[ في العصيان ]

(وقال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)) رواه الكليني في الموثق كالصحيح عن عباد بن صهيب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «يقول الله عزّوجلّ: إذا عصاني من عرفني سلّطت عليه من لا يعرفني»(1). وهو مجرّب.

وروى الكليني في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: «إنّ العبد يسأل الله الحاجة فيكون من شأنه قضاؤها إلى أجل قريب أو إلى وقت بطيء فيذنب العبد ذنباً فيقول الله تبارك وتعالى للملك: لا تقض حاجته واحرمه إيّاها فإنّه تعرّض لسخطي واستوجب الحرمان منّي »(2).

وفي الصحيح عن أبي حمزة عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: سمعته يقول: «إنّه ما من سنة أقلّ مطراً من سنة ولكن الله يضعه حيث يشاء، إنّ الله عزّوجلّ إذا عمل قوم


1) الكافي 2 : 276، باب الذنوب، ح 30.

2) الكافي 2 : 271، باب الذنوب، ح 14.

.........................................

ـــــــــــــــــــــــــــ

بالمعاصي صرف عنهم ما كان قدّر لهم من المطر في تلك السنة إلى غيرهم وإلى الفيافي والبحار والجبال، وأنّ الله ليعذب الجعل في جحرها بحبس المطر من الأرض التي هي بمحلّها بخطايا من بحضرتها، وقد جعل الله لها السبيل في مسلك سوى محلّة أهل المعاصي»قال: ثمّ قال أبو جعفر(عليه السلام): فاعتبروا يا أولي الأبصار»(1).

وفي الصحيح عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «أما أنّه ليس من عرق يضرب ولا نكبة ولا صداع ولا مرض إلّا بذنب، وذلك قول الله عزّوجلّ في كتابه: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ » قال: ثمّ قال: «وما يعفو الله أكثر ممّا يؤاخذ به»(2).

وفي الحسن كالصحيح عن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: «ما من نكبة نصيب العبد إلّا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر »(3).

وفي الموثق كالصحيح عن ابن مسكان، عمّن ذكره عن أبي عبد الله(عليه السلام) في قول الله عزّوجلّ: فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ، فقال: «ما أصبرهم على فعل ما يعلمون أنّه يصيّرهم إلى النار»(4).


1) الكافي 2 : 272، باب الذنوب، ح 15.

2) الكافي 2 : 268 ، باب الذنوب، ح 3. والآية في سورة الشورى : 30.

3) الكافي 2 : 269، باب الذنوب، ح 4.

4) الكافي 2 : 268 ، باب الذنوب، ح .2. والآية في سورة البقرة : 175

.................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي الموثق كالصحيح عن أبي أسامة عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: سمعته يقول:« تعوّذوا بالله من سطوات الله بالليل والنهار» قال: قلت: وما سطوات الله ؟ قال: «الأخذ على المعاصي»(1).

وفي الموثق كالصحيح عن زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام). قال: «الذنوب كلّها شديدة. وأشدّها ما نبت عليه اللحم والدم؛ لأنّه إمّا مرحوم أو معذّب، والجنّة لا يدخلها إلّا طيّب»(2). أي لو كان مرحوماً أيضاً يعاقب حتى يطهر ثمّ يدخل الجنّة.

وفي الموثق كالصحيح عن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: «إذا أذنب الرجل خرج في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب انمحت، وإن زاد زادت حتى تغلب على قلبه فلا يفلح بعدها أبداً»(3).

وفي الموثق الصحيح عنه(عليه السلام) ، قال : «إنّ الرجل يذنب الذنب فيحرم صلاة الليل، وانّ العمل السيّئ أسرع في صاحبه من السكّين في اللحم»(4).

وفي الموثق كالصحيح عن ابن بكير عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «من همّ بسيئة فلا يعملها، فإنّه ربّما عمل العبد السيئة فيراه الربّ تبارك وتعالى فيقول: وعزّتي وجلالي لا أغفر لك بعد ذلك أبداً»(5).


1) الكافي 2 : 269، باب الذنوب، ح 6.

2) الكافي 2 : 269، باب الذنوب، ح 7.

3) الكافي 2 : 271، باب الذنوب، ح 13.

4) الكافي 2 : 272، باب الذنوب، ح 16.

5) الكافي 2 : 272، باب الذنوب، ح 17.

............................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

وفي الحسن كالصحيح عن سدير، قال: سأل رجل أبا عبد الله(عليه السلام)عن قول الله عزّوجلّ: قَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ الآية؟ فقال: «هولاء قوم كانت لهم قرى متصلة ينظر بعضهم إلى بعض وأنهار جارية وأموال ظاهرة، فكفروا أنعم الله عزّوجلّ، وغيّروا ما بأنفسهم من عافية الله، فغيّر الله ما بهم من نعمة، وانّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم، فأرسل الله عليهم سيل العرم فغرق قراهم وخرب ديارهم وأذهب أموالهم وأبدلهم مكان جنّاتهم جنتين ذواتي اُكل خمط وشيء من سدر قليل، ثمّ قال: ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَ هَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُور»(1).

وفي الصحيح عن الهيثم بن واقد الجزري، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام)يقول: «إنّ الله عزّوجلّ بعث نبياً من أنبيائه إلى قومه وأوحى إليه: أن قل لقومك: إنّه ليس من أهل قرية ولا ناس كانوا على طاعتي فأصابهم فيها سرّاء فتحوّلوا عمّا أحب إلى ما أكره إلّا تحوّلت لهم عما يحبّون إلى ما يكرهون، وليس من أهل قرية ولا أهل بيت كانوا على معصيتي فأصابهم فيها ضرّاء فتحوّلوا عمّا أكره إلى ما اُحب إلّا تحوّلت لهم عمّا يكرهون إلى ما يحبون، وقل لهم: إنّ رحمتي سبقت غضبي، فلا تقنطوا من رحمتي فإنّه لا يتعاظم عندي ذنب أغفره، وقل لهم: لا يتعرّضوا معاندين لسخطي ولا تستخفّوا بأوليائي فإنّ لي سطوات عند غضبي لا يقوم لها شيء من خلقي»(2).


1) الكافي 2 : 274، باب الذنوب، ح 23. والآية الأولى في سورة سبأ : 19. والثانية في سورة سبأ :17.

2) الكافي 2 : 274، باب الذنوب، ح 25.

.............................................

ـــــــــــــــــــــــــ

وفي الموثق عن يونس بن يعقوب عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه قال: «إنّ أحدكم ليكثر به الخوف من السلطان، وما ذاك إلّا بالذنوب، فتوقّوها ما استطعتم ولا تمادوا فيها»(1).

وفي الصحيح عن يونس رفعه، قال: قال أمير المؤمنين(عليه السلام) : «لا وجع أوجع للقلوب من الذنوب، ولا خوف أشدّ من الموت، وكفى بما سلف تفكّراً، وكفى بالموت واعظاً»(2).

وعن الرضا(عليه السلام) ، قال: «كلّما أحدث العباد من الذنوب ما لم يكونوا يعملون أحدث الله لهم من البلاء ما لم يكونوا يعرفون»(3).

وعن ابن عرفة عن أبي الحسن(عليه السلام) ، قال: «إن الله عزّوجلّ في كلّ يوم وليلة منادياً ينادي مهلاً مهلاً عباد الله عن معاصي الله، ولولا بهائم رتّع وصبية رضّع وشيوخ ركّع لصيبت عليكم البلاء صباً ترضّون به رضّاً»(4).

وفي القوي عن طلحة بن زيد عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: كان أبي يقول: «ما من شيء أفسد للقلب من خطيئة، أنّ القلب ليواقع الخطيئة، فما يزال به حتى يغلب عليه فيصير أعلاه أسفله»(5).

وعن علي بن أسباط عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام) ، قال: «قال أمير المؤمنين(عليه السلام):


1) الكافي 2 : 275 باب الذنوب، ح 27.

2) الكافي 2 : 275، باب الذنوب، ح 28.

3) الكافي 2 : 275، باب الذنوب، ح 29.

4) الكافي 2 : 276، باب الذنوب، ح 31.

5) الكافي 2 : 268، باب الذنوب، ح 1.

.....................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

لا تبدين عن واضحة (أي لا تضحك حتى يظهر سنّك) وقد عملت الأعمال الفاضحة، ولا تأمن البيات وقد عملت السيئات»(1).

وفي القوي كالصحيح عن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: «إنّ العبد ليذنب الذنب فيزوي عنه الرزق»(2).

وعن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال : قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : ملعون ملعون من عبد الدينار والدرهم، ملعون ملعون من كمّه أعمى، ملعون ملعون من نكح بهيمة»(3).

وفي القوي كالصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: سمعته يقول: «إنّ الذنب يحرم العبد الرزق»(4).

وفي القوي كالصحيح عن أبي بصير عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: سمعته يقول: «اتقوا المحقّرات من الذنوب، فإنّ لها طالباً يقول أحدكم: اذنب واستغفر، إن الله عزّوجلّ يقول : وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ، وقال عزّوجلّ: إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ»(5).


1) الكافي 2 : 273، باب الذنوب، ح 21.

2) الكافي 2 : 270، باب الذنوب، ح 8.

3) الكافي 2 : 270، باب الذنوب، ح 9.

4) الكافي 2 : 71، باب الذنوب، ح 11.

5) الكافي ،2 : 270 باب الذنوب، ح 10 . والآية الأولى في سورة يس : 12، والثانية في سورة لقمان : 16.

..............................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي القوي كالصحيح عن سليمان الجعفري عن الرضا(عليه السلام) ، قال: «أوحى الله عزّوجلّ إلى نبي من الأنبياء: إذا أطعت رضيت، وإذا رضيت باركت، وليس لبركتي نهاية، وإذا عصيت غضبت، وإذا غضبت لعنت، ولعنتي تبلغ السابع من الورى - أو الولد - والورى ولد الولد »(1).

وفي القوي كالصحيح عن الفضيل عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: «إنّ الرجل ليذنب الذنب فيدرأ عنه الرزق» وتلا هذه الآية: «إِذْ أَقْسَمُوا لَيَضْرِ مُنَّهَا مُصْبِحِينَوَلَا يَسْتَثْنُونَ فَطَافَ عَلَيْها طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (2). الظاهر أنّ ذنبهم عدم قول: «إن شاء الله» مع حرمان الفقراء.

وفي القوي عن أبي الحسن(عليه السلام) ، قال: «حق على الله أن لا يعصى في دار إلّا أضحاها للشمس حتى تطهّرها »(3).

وفي القوي كالصحيح عن زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: «ما من عبد إلّا وفي قلبه نكتة بيضاء، فإذا أذنب ذنباً خرج في النكتة نكتة سوداء، فإن تاب ذهب ذلك السواد، وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطّي البياض، فإذا غطّى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبداً، وهو قول الله عزّوجلّ:كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى


1) الكافي :2 275، باب الذنوب، ح 26

2) الكافي 2 : 271 باب الذنوب، ح 12. والآيات في سورة القلم : 17 - 19.

3) الكافي 2 : 272، باب الذنوب، ح 18.

5872 - وروى ابن أبي عمير عن إسحاق بن عمار، قال: قال الصادق(عليه السلام: يا إسحاق صانع المنافق بلسانك، وأخلص ودّك للمؤمن، وإن جالسك يهودي فأحسن مجالسته.)5873 - وروى المفضّل بن عمر عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه عن جده(عليهم السلام، قال: قيل للحسين بن علي(عليه السلام): كيف أصبحت يا ابن)ـــــــــــــــــــــــــــــقُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ»(1). وعن مسمع عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : إنّ العبد ليحبس على ذنب من ذنوبه مائة عام، وأنّه لينظر إلى أزواجه في الجنّة يتنعّمن»(2).

وفي القوي كالصحيح عن أبي عمر المدائني عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: سمعته يقول: «إنّ الله قضى قضاء حتماً أن لا ينعم على العبد بنعمة فيسلبها إيّاه حتى يحدث العبد ذنباً يستحق بذلك النقمة»(3).

وفي القوي عن سماعة، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: «ما أنعم الله على عبد نعمة فيسلبها إيّاه حتى يذنب ذنباً يستحق بذلك السلب»(4).

(وروى ابن أبي عمير) في الموثق كالصحيح(5)، ويدلّ على وجوب التقية والمصانعة المداراة والمداهنة.


1) الكافي 2 : 272، باب الذنوب، ح 20. والآية في سورة المطففين : 14.

2) الكافي 2 : 272 باب الذنوب، ح19.

3) الكافي :2 : 273، باب الذنوب، ح 22

4) الكافي 2 : 274، باب الذنوب، ح 24.

5) الأمالي للشيخ الصدوق : 727، ح 8.

رسول الله؟ قال: أصبحت ولي ربّ فوقي ، والنار أمامي، والموت يطلبني، والحساب محدق بي، وأنا مرتهن بعملي، لا أجد ما أحبّ ولا أدفع ما اكره، والاُمور بيد غيري، فإن شاء عذّبني، وإن شاء عفا عنّي، فأيّ فقير أفقر مني؟!

5874 - وروى المفضل عن الصادق(عليه السلام) أنّه قال: وقع بين سلمان الفارسي رحمة الله عليه وبين رجل خصومة، فقال الرجل لسلمان: من أنت؟ وما أنت؟ فقال سلمان: أمّا أوّلي وأوّلك فنطفة قذرة، وأمّا آخري وآخرك فجيفة منتنة، فإذا كان يوم القيامة ونصبت الموازين فمن ثقلت موازینه فهو الكريم، ومن خفّت موازينه فهو اللئيم.

5875 - قال المفضل: وسمعت الصادق(عليه السلام) يقول: بلية الناس علينا عظيمة إن دعوناهم لم يجيبونا، وإن تركناهم لم يهتدوا بغيرنا.

5876 - وقال أمير المؤمنين(عليه السلام) : جمع الخير كلّه في ثلاث خصال:

ــــــــــــــــــــــــــــ

(ولي ربّ فوقي) أي بالمكانة والمرتبة، أي أنا ذليل له (والحساب محدق بي) أي مطيف بي ويحاسبني ربي (وأنّا مرتهن) أي رهن بعملي، فإن عملت ما وجب عليّ فككت نفسي عن الرهانة، وظاهر أنّ هذا تعليم منه(عليه السلام) أصحابه بأن يقولوا هذه في جواب كيف أصبحت لا كما هو المتعارف أنّهم يقولون: أنا حيّ وأكلت البارحة كذا وأمثال ذلك ممّا لا فائدة فيها مع تضييع العمر.

[الخير كلّه في ثلاث خصال ]

(وقال أمير المؤمنين(عليه السلام)) رواه المصنّف في الصحيح عن أبي حمزة، عن أبي

النظر، والسكوت والكلام، فكلّ نظر ليس فيه اعتبار فهو سهو، وكلّ كلام ليس فيه ذكر فهو لغو، وكلّ سكوت ليس فيه فكر فهو غفلة.

فطوبى لمن كان نظره عبراً، وسكوته فكراً، وكلامه ذكراً، وبكى على

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

جعفر(عليه السلام)، قال : قال أمير المؤمنين(عليه السلام)(1)(فكلّ نظر ليس فيه اعتبار فهو سهو) كما قال الله تعالى: فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ(2). ومراتب الاعتبار لا تتناهى، فإمّا أن يعتبر بالخرابات ويقول: أين ساكنوك وأين بانوك ويتفكّر في أنّهم ماتوا والموت سبيل العالمين، فعن قريب ينزل عليّ ما نزل إليهم. وإمّا أن يعتبر في كلّ ذرّة من الذرّات بأنّها ممكنة ولا بد لها من واجب أو حادثة ولابد لها من محدث، ويتفكّر في عناية الله تعالى في أنّه ربّ العالمين وخلق الأشياء وربّاهم ورحمهم بالمراحم الظاهرة والباطنة. ويستدلّ بهذه الأشياء على قدرته تعالى وعلمه وإرادته وحياته حتى يصير بأن يستدلّ بكلّ شيء عليه تعالى وعلى وحدانية وجوده، ثمّ يصير إلى أن لا يرى شيئاً إلّا ويرى الله تعالى قبله ومنه يستدلّ عليها ثمّ إلى أن لا يرى شيئاً إلّا ورأى الله، وهنا عند سماع نداء الله تعالى بسمع قلبه: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ثمّ يقول:اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ(3)فهذا هو الخير في النظر، وإذا نظر في شيء ولم يعتبر فهو سهو.

( وأمن الناس شرّه) لأنّه متوجّه إلى إصلاح نفسه، ولا يمكن الفراغ منه ما دام حياً


1) الخصال : 98 ، ح 47.

2) الحشر : 2.

3) غافر : 16.

خطيئته، وأمن الناس شرّه.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

وإن كان إلى القيامة.

روى الكليني في الصحيح عن أبي حمزة، عن علي بن الحسين وأبي جعفر(عليه السلام). قالا: «إنّ أسرع الخير ثواباً البرّ، وأسرع الشرّ عقوبة البغي، وكفى بالمرء عيباً أن ينظر في عيوب غيره ما يعمى عليه من عيب نفسه أو يؤذي جليسه بما لا يعنيه أو ينهي الناس عمّا لا يستطيع تركه»(1).

وفي الصحيح عن أبي حمزة، قال: سمعت علي بن الحسين(عليه السلام) يقول: «قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): كفى بالمرء عيباً أن يبصر من الناس ما يعمى عليه من نفسه، وأن يؤذي جليسه بمالا يعنيه»(2).

وفي الحسن كالصحيح عن الثمالي عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: «إن أسرع الخير ثواباً البرّ، وانّ أسرع الشرّ عقوبة البغي، وكفى بالمرء عيباً أن يبصر من الناس ما يعمى عنه من نفسه أو يعيّر الناس بما لا يستطيع تركه، أو يؤذي جليسه بما لا يعنيه»(3).

وفي القوي كالصحيح عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال : «كفى بالمرء عيباً أن يتعرّف من عيوب الناس ما يعمى عليه من أمر نفسه أو يعيب على الناس أمراً هو فيه لا يستطيع التحوّل عنه إلى غيره أو يؤذي جليسه بما لا يعنيه»(4).


1) الكافي 2 : 460 ، باب من يعيب الناس، ح 4.

2) الكافي 2 : 460، باب من يعيب الناس، ح 2.

3) الكافي 2 : 459، باب من يعيب الناس، ح 1.

4) الكافي 2 : 460، باب من يعيب الناس، ح 3.

5877 - وقال الصادق(عليه السلام) : أوحى الله عزّوجلّ إلى آدم(عليه السلام) يا آدم إنّي أجمع لك الخير كلّه في أربع كلمات؛ واحدة لي، وواحدة لك، وواحدة فيما بيني وبينك، وواحدة فيما بينك وبين الناس، فأمّا التي لي فتعبدني ولا تشرك بي شيئاً، وأمّا التي لك فاُجازيك بعملك أحوج ما تكون إليه، وأمّا التي فيما بيني وبينك فعليك الدعاء وعليّ الإجابة، وأمّا التي فيما بينك وبين الناس فترضى للناس ما ترضى لنفسك.

5878 - وقال الصادق جعفر بن محمد(عليه السلام): العافية نعمة خفيّة إذا وجدت نسيت، وإذا فقدت ذكرت .

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(وقال الصادق(عليه السلام)) رواه المصنّف في القوي عن يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله(عليه السلام)(1)

وروي عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): أنّه قال فيما يرويه عن ربّه جل جلاله أنّه قال: «أربع خصال: واحدة لي، وواحدة لك، وواحدة فيما بيني وبينك، وواحدة فيما بينك وبين عبادي، فأمّا التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئاً، وأمّا التي لك فما عملت من خير جزيتك به، وأمّا التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعليّ الإجابة، وأمّا التي بينك وبين عبادي فأن ترضى لهم ما ترضى لنفسك»(2).

(وقال الصادق(عليه السلام)) رواه المصنّف في القوي عنه(عليه السلام)(3)وقال بعده قال: وسمعت


1) الأمالي للشيخ الصدوق : 706 ، ح 1. ولكن روي عن الباقر(عليه السلام)ولم يرو عن يعقوب بن شعيب.

2) الخصال : 224، ح 99.

3) الأمالي للشيخ الصدوق : 299، ح 13.

5879 - وروى السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه(عليهم السلام) ، قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): کلمتان غریبتان فاحتملوهما: كلمة حكمة من سفيه فاقبلوها، وكلمة سفه من حكيم فاغفروها.

5880 - وروى عمرو بن شمر، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الصادق(عليه السلام)يقول: «العافية نعمة يعجز الشكر عنها»(1).

وروي في الموثق عن رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) أنّه قال: «نعمتان مكفورتان: الأمن والعافية»(2).

وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : «نعمتان مفتون فيهما كثير من الناس: الفراغ والصحة»(3). وعن السكوني مثله (4).

(كلمة حكمة من سفيه) كما روي أنّ الحكمة ضالة المؤمن يأخذها حيث يجدها (5).

وقال صلوات الله عليه: «انظر إلى ما قال ولا تنظر إلى مَن قال»(6).

[ نقل خطبة الوسيلة لأمير المؤمنين(عليه السلام)]

(وروى عمرو بن شمر عن جابر بن يزيد الجعفي) روى الكليني والمصنّف في


1) الأمالي للشيخ الصدوق : 300، ح 14.

2) الخصال : 34، ح 5.

3) الخصال : 34، ح 7.

4) الخصال : 34 ، ح 6.

5) انظر: الكافي 8: 167 ، الحكمة ضالة المؤمن فحيثما وجد أخذ، ح 186.

6) فرج المهموم : 220. شرح كلمات أمير المؤمنين(عليه السلام)للعبد الوهاب : 12، ح 11.

جعفر محمد بن علي الباقر، عن أبيه، عن جده(عليهم السلام) : أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) قال في خطبة خطبها بعد موت النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم): أيّها الناس أنّه لا شرف أعلى من الإسلام، ولا كرم أعزّ من التقوى، ولا معقل أحرز من الورع، ولا شفيع أنجح من التوبة، ولا كنز أنفع من العلم، ولا عزّ أرفع من الحلم، ولا حسب أبلغ من الأدب، ولا نصب أوضع من الغضب، ولا جمال أزين من العقل، ولا سوأة أسوأ من الكذب، ولا حافظ أحفظ من الصمت، ولا لباس أجمل من العافية، ولا غائب أقرب من الموت.

أيّها الناس إنّه من مشى على وجه الأرض فإنّه يصير إلى بطنها، والليل والنهار مسرعان في هدم الأعمار، ولكلّ ذي رمق قوت، ولكلّ حبّة آكل، وأنت قوت الموت، وأنّ من عرف الأيام لن يغفل عن الاستعداد، لن ينجو من الموت غنى بماله ولا فقير لإقلاله.

أيّها الناس من خاف ربّه كفّ ظلمه، ومن لم يرع في كلامه أظهر هجره، ومن لم يعرف الخير من الشرّ فهو بمنزلة البهم، ما أصغر المصيبة مع عظم الفاقة غداً، هيهات هيهات وما تناكرتم إلّا لما فيكم من المعاصي والذنوب، فما أقرب الراحة من التعب والبؤس من النعيم، وما شرّ بشرّ بعده الجنّة، وما خير بخير بعده النار، وكلّ نعيم دون الجنّة محقور، وكلّ بلاء دون النار عافية.

ــــــــــــــــــــــــــ

الأمالي (1)خطبة الوسيلة التي ذكرنا بعضها عن قرب، وأولها على ما روياه بهذا


1) الكافي ،8: 18 خطبة لأمير المؤمنين(عليه السلام) وهي خطبة الوسيلة، ح 4. الأمالي للشيخ الصدوق : 398، ح 9.

..............................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإسناد عن أبي جعفر(عليه السلام): «أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام)خطب الناس بالمدينة بعد سبعة أيام - وفي الأمالي: تسعة أيام - من وفاة رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، وذلك حين فرغ من جمع القرآن وتأليفه فقال: الحمد الله الذي منع - أو أعجز - الأوهام أن تنال إلّا وجوده، وحجب العقول أن تتخيّل ذاته؛ لامتناعها من الشبه والتشاكل - أو الشكل - بل هو الذي لم يتفاوت في ذاته ولم يتبعّض بتجزية العدد في كماله، فارق الأشياء لا على اختلاف الأماكن، ويكون - وفي الامالي: وتمكن - فيها لاعلى وجه الممازجة، وعلمها لا بأداة لا يكون إلّا بها ،وليس بينه وبين معلومه علم غيره (أي غير ذاته) به كان عالماً بمعلومه، إن قيل: كان فعلى تأويل أزلية الوجود (أي لم يكن زمان حتى يقال: كان بل على ما ينتزع من وجوب الوجود) وإن قيل: لم يزل فعلى تأويل نفي العدم، فسبحانه وتعالى عن قول من عبد سواه (أي من عبده بتوهّم الجسمية فلم يعبده بل عبد متخيّله واتخذ إلهاً غيره) علواً كبيراً نحمده بالحمد الذي ارتضاه لخلقه - أو من خلقه - واوجب قبوله على نفسه.

وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، شهادتان ترفعان القول وتضاعفان العمل، خفّ میزان ترفعان منه وثقل ميزان توضعان فيه، وبهما الفوز بالجنّة، والنجاة من النار، والجواز على الصراط، وبالشهادتين تدخلون الجنّة، وبالصلاة تنالون الرحمة، فأكثروا من الصلاة على نبيكم وآله،إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلَّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا(1).


1) الأحزاب : 56.

...............................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

أيّها الناس أنّه لا شرف أعلى من الإسلام - إلى قوله - وكلّ بلاء دون النار عافية».

وإلى هذا ذكره المصنّف في الأمالي وفي الكافي زيادات، وكأن المصنّف انتخب هذه الكلمات منها؛ لأنّه رواها في الأمالي عن محمد بن يعقوب الكليني، وليس في الكافي غير هذه الخطبة، واحتمال أن وصلت تلك بهذه العبارات إلى المصنّف بعيد جداً؛ لأنّه لم نطّلع إلى الآن على خبر من الكليني لا يكون في الكافي، والظاهر أنّه أسقط منها ما تقدّم في أخبار اُخر فلنذكر عبارة الكافي: «أيّها الناس أنّه لاشرف أعلى من الإسلام، ولا كرم أعزّ من التقوى، ولا معقل أحرز من الورع، ولا شفيع أنجح من التوبة، ولالباس أجمل من العافية، ولا وقاية أمنع من السلامة (أي في الدين أو الأعم) ولا مال أذهب بالفاقة من الرضى بالقناعة، ولا كنز أغنى من القنوع، ومن اقتصر على بلغة الكفاف فقد انتظم الراحة وتبوّأ (1)خفض الدعة والرغبة مفتاح التعب، والاحتكار (أي جمع الأقوات زائداً على قوته) مطية النصب. والحسد آفة الدين، والحرص داع إلى التقحّم في الذنوب وهو داعي الحرمان، والبغي سائق إلى الحين (أي الهلاك) والشره - وهو غلبة الحرص - جامع لمساوي العيوب، ربّ طمع خائب وأمل كاذب ورجاء يؤدي إلى الحرمان، وتجارة تؤول إلى الخسران، ألا ومن تورّط في الاُمور غير ناظر في العواقب، فقد تعرّض


1) أي تمكن واستقر في متسع الراحة، والاحتكار: الجمح والإمساك، الوافي 26 : 29.

....................................

ـــــــــــــــــــــــ

لمفضحات(1)النوائب، وبئست القلادة قلادة الذنب للمؤمن.

أيّها الناس أنّه لا كنز أنفع من العلم، ولا عزّ أرفع من الحلم ولا حسب أرفع من الأدب، ولا نصب(2)أوضع من الغضب، ولا جمال أزين من العقل، ولا سوأة أسوأ من الكذب، ولا حافظ أحفظ من الصمت، ولا غائب أقرب من الموت.

أيّها الناس من نظر في عيب نفسه اشتغل عن عيب غيره، ومن رضي برزق الله لم يأسف على ما في يد غيره، ومن سلّ سيف البغي قتل به، ومن حفر لأخيه بئراً وقع فيها، ومن هتك حجاب غيره انكشفت عورات بيته، و من نسى زلله استعظم زلل غيره، ومن أعجب برأيه ضلّ، ومن تكبّر على الناس ذلّ، ومن سفه على الناس شتم، ومن خالط الأنزال (أي الإخساء) حقر، ومن حمل مالا يطيق عجز.

أيّها الناس أنّه لا مال أعود أي أنفع من العقل، ولا فقر أشدّ من الجهل، ولا واعظ أبلغ من النصح (أي إرادة الخير لخلق الله أو النصيحة) ولا عقل كالتدبير - أو التدّبر - ولا عبادة كالتفكّر، ولا مظاهرة أوثق من المشاورة، ولا وحشة أشدّ من العجب ، ولاورع كالكف عن المحارم، ولا حلم كالصبر والصمت.

أيّها الناس في الإنسان عشر خصال يظهرها لسانه: شاهد يخبر عن الضمير، وحاكم يفصل بين الخطاب، وناطق يردّ به الجواب، وشافع يدرك به الحاجة، وواصف يعرف به الأشياء، وأمير يأمر بالحسن، و واعظ ينهى عن القبيح، ومُعزٍّ


1) في نسخة : لمفظعات.

2) في نسخة : نسب.

...........................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

(أي مسلّ من التعزية) يسكّن به الأحزان، وحاضر تجلى به الضغائن، ومونق تلتذ به الأسماع أي بحسن الصوت.

أيّها الناس أنّه لا خير في الصمت عن الحكم، كما أنّه لا خير في القول بالجهل.

واعلموا أيّها الناس أنّه من لم يملك لسانه يندم، ومن لا يعلم يجهل، ومن لا يتحلّم لا يحلم، ومن لا يرتدع لا يعقل، ومن لا يعقل يهن، ومن يهن لایوقر، ومن لايوقر - أو يتوفّر - يتوبّخ - وفي بعض النسخ بدله: ومن يتق ينج - ومن يكتسب مالاً من غير حقه يصرفه في غير أجره، ومن لايدع وهو محمود يدع وهو مذموم، ومن لم يعط قاعداً منع قائماً، ومن يطلب العزّ بغير حق بذل، ومن يغلب بالجور يغلب، ومن عاند الحق لزمه الوهن، ومن تفقّه وقر، ومن تكبّر حقر، ومن لا يحسن لا يحمد، أو لا يجمل.

أيّها الناس أنّ المنية قبل الدنية (أي ينبغي أن تجاهدوا مع أعداء الدين قبل أن يتسلّطوا عليكم) والتجلّد(1)قبل التبلّد (أي التحيّر كما تقدم) والحساب قبل العقاب (أي حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وتعذَّبوا) والقبر خير من الفقر (أي إلى الناس) وغضّ - أو عمى - البصر خير من كثير من النظر، والدهر يوم لك ويوم عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر فبكليهما تمتحن - وفي نسخة بكليهما: تستخبر أوستخبر - .

أيّها الناس أعجب ما في الإنسان قلبه وله مواد من الحكمة وأضداد من


1) التجلد: تكلف الشدة والقوة والتبلد ضدّه، الوافي 26 : 30

............................................

ـــــــــــــــــــــــــــ

خلافها، فلو سنح له الرجاء أذلّه الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، وإن أسعد بالرضى أو أسعده الرضى - كما في النهج(1)- نسى التحفّظ، وإن ناله - أو غلبه - كما في النهج - الخوف شغله الحذر، وإن اتسع له الأمن استلبته العزّة، وإن أفاد (أي اكتسب) مالاً أطغاه الغنى، وإن عضّته (2)فاقة شغله البلاء - وفي نسخة جهده البكا - وإن أصابته مصيبة فضحه الجزع، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف، وإن أفرط به - أو في - الشبع كظّته البطنة (أي الامتلاء) فكلّ تقصير به مضر، وكلّ إفراط به مفسد.

أيّها الناس أنّه من قلّ ذلّ (أي إن أصابكم مذلّة للفقر فاصبروا فإنّها من لوازمه، أو القلّة من الكمالات، أو عدم الاُلفة مع الناس) ومن جاد ساد، ومن كثر ماله رأس. ومن كثر حلمه نبل، ومن أفكر في ذات الله تزندق، ومن أكثر من شيء عرف به، ومن كثر مزاحه استخفّ به، ومن كثر ضحکه ذهبت هیبته.

فسد حسب من ليس له أدب، أنّ أفضل الفعال صيانة العرض بالمال، ليس من جالس الجاهل بذي معقول، من جالس الجاهل فليستعد لقيل وقال، لن ينجو من الموت غني بماله ولا فقير لإقلاله.

أيّها الناس لو أنّ الموت يشترى لاشتراه من أهل الدنيا الكريم الأبلج (أي المشرق الوجه، أي العالم بالآخرة) واللئيم الملهوج (أي البخيل الحريص على


1) نهج البلاغة 4 : 87، ح 371

2) عضه عضاً وعضيضاً: أمسكه بأسنانه يتعدى بعلى وبالباء أيضاً، القاموس المحيط 2: 337

.........................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الدنيا، وشراؤهما الموت باعطاء المال لئلّا يموتا، فالأوّل لتحصيل الآخرة، والثاني للدنيا أو ليموتا، فالأوّل للوصال، والثاني لأنّه أبداً في الغم أو الملفّق منهما).

أيّها الناس إنّ للقلوب شواهد تجري الأنفس عن مدرجة أهل التفريط (أي لها دلائل في الاجتهاد والسعي إلى الآخرة لئلّا يبقى في حضيض الجهل بسبب التقصير، أو لها شواهد في الجري إلى الكمال).

وفطنة الفهم للمواعظ ما يدعو النفس إلى الحذر من الخطر» يمكن أن يكون الفطنة عطفاً على الشواهد، وتكون لفظة «ما» بمعنى ما دام، أو تكون مبتدأ وخبره ما يدعو.

وللقلوب خواطر للهوى ، والعقول تزجر وتنهى، وفي التجارب علم مستأنف (أي ولو كان قبل التجربة عالماً فإنّه يحصل بها علم جديد لم يكن له قبلها).

والاعتبار يقود إلى الرشاد، وكفاك أدباً لنفسك ما تكرهه لغيرك، وعليك لأخيك المؤمن مثل الذي لك عليه، لقد خاطر من استغنى برأيه، والتدبّر قبل العمل (مبتدأ وخبره «فإنّه يؤمنك من الندم» والمظنون أنّ لفظة «فإنّه» زيد من قلم النّساخ) ومن استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ، ومن أمسك عن الفضول عدلت رأيه العقول، ومن حصن - أو حصرت - شهوته فقد صان قدرته، ومن أمسك لسانه أمنه قومه ونال حاجته.

وفي تقلّب الأحوال علم جواهر الرجال، والأيام توضح لك السرائر الكامنة، وليس في البرق الخاطف مستمتع لمن يخوض في الظلمة» والظاهر أنّ المراد به أنّ

...........................................

ـــــــــــــــــــــــــــ

الكمالات مالم تصر ملكة لا ينتفع بها كاملاً «ومن عرف الحكمة لحظته العيون بالوقار والهيبة، وأشرف الغنى وترك المنى، والصبر جنّة من الفاقة، والحرص علامة الفقر والبخل جلباب المسكنة، والمودة قرابة مستفادة، ووصول معدم خير من جاف مكثر، والموعظة كهف لمن وعاها، ومن أطلق طرفه (أي لسانه أو نظره) كثر أسفه. وقد أوجب الدهر شكره على من ناله سؤله (أي إذا حصل مطلوبك فيجب شكر الزمان والحال أنّه لا يحصل مقصود أحد فيه، وهو على المجاز، كقوله: أنبت الربيع البقل).

وقل ما ينصفك اللسان من أوفى نشر قبيح أو إحسان (أي الغالب عليه أنّه لا يطيعك فيهما بل يتكلّم بما يريد والمراد حفظه) ومن ضاق خُلقه ملّه أهله- فكيف بغيرهم - ومن نال استطال.

وقل ما تصدّقك الأمنية، والتواضع يكسوك المهابة، وفي سعة الأخلاق كنوز الأرزاق، كم من عاكف على ذنبه في آخر أيام عمره - أو عهده - ومن كساه الحياء ثوبه خفي على الناس عيبه، وأنح القصد من القول(1)، فإنّ من تحرّى القصد خفّت عليه المؤن، وفي خلاف الناس رشدك، من عرف الأيام لم يغفل عن الاستعداد.

ألا وإنّ مع كلّ جرعة شرقاً، وأنّ في كلّ أكلة غصصاً - والشرق والغصّة أن يبقى الماء أو الطعام في الحلق ولا يدخل - لا تنال نعمة إلّا بزوال أخرى، ولكلّ رمق


1) أي اقصد الوسط العدل من القول، وجانب التعدي والإفراط والتفريط، ليخف عليك المؤن فإنّ من قال جوراً أو ادعى أمراً باطلاً يشتد عليه الأمر لعدم إمكان إثباته، مرآة العقول 25 : 52.

...........................................

ـــــــــــــــــــــــــــ

أو ذي رمق - قوت، ولكلّ حبّة آكل وأنت قوت الموت.

اعلموا أيّها الناس أنّه من مشى على وجه الأرض فإنّه يصير إلى بطنها، والليل والنهار يتنازعان - وفي نسخة اُخرى: يسارعان أو يتسارعان - في هدم الأعمار. يا أيّها الناس كفر النعمة لؤم، وصحبة الجاهل شؤم، أنّ من الكرم لين الكلام، ومن العبادة إظهار - أو إطهار - اللسان (أي بما يجب أو عما يجب عليه) وإفشاء السلام. إيّاك والخديعة فإنّها من خلق اللئيم، ليس كلّ طالب يصيب، ولا كلّ غائب يؤوب، لا ترغب فيمن زهد فيك، ربّ بعيد هو أقرب من قريب، سل عن الرفيق قبل الطريق، وعن الجار قبل الدار.

ألا ومن أسرع في المسير أدركه المقيل(1)، استرعورة أخيك كما(2)تعلمها فيك (أي فتسترها) اغفر زلّة صديقك ليوم يركبك عدوك، من غضب على من لا يقدر على ضرّه طال حزنه وعذب نفسه، من خاف ربّه كفّ ظلمه» وفي نسخة: من خاف ربّه كفى عذابه. اعلم أنّ هذه النسخ بهذه العبارات من قول الكليني وكلّما أقول: «أو» فهو من قولي.

« ومن لم يرع كلامه أظهر فخره - أو هجره. وهو الأظهر، ولعلّه من النسّاخ - ومن لم يعرف الخير من الشرّ فهو بمنزلة البهيمة، إنّ من الفساد إضاعة الزاد،


1) قال يقيل قيلاً وقائلة وقيلولة ومقالاً ومقيلاً نام في القائلة أي نصف النهار، لسان العرب 11: 577

2) في نسخه : لما.

..........................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

ما أصغر المصيبة مع عظم الفاقة غداً هيهات هيهات، وما تناكرتم إلّا لما فيكم من المعاصي والذنوب، ما أقرب الراحة من التعب والبؤس من النعيم، وما شرّ بشرّ بعده الجنّة، وما خير بخير بعده النار، وكلّ نعيم دون الجنّة محقور، وكلّ بلاء دون النار عافية، وعند تصحيح الضمائر تبدو الكبائر، تصفية العمل أشدّ من العمل، وتخليص النية من الفساد أشد على العاملين من طول الجهاد، وهيهات لولا التقى لكنت أدهى العرب».

ثمّ ذكر(عليه السلام) أوصاف الوسيلة بالعبارة التي قدمناها عن قرب إلى قوله: «كالمصيبة برسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم): لأنّ الله حسم - أو ختم - به الانذار والاعذار، وقطع به الاحتجاج، والعذر بينه وبين خلقه، وجعله بابه الذي بينه وبين عباده ومهيمنه الذي لا يقبل إلّا به، ولا قربة إليه إلّا بطاعته، وقال في محكم كتابه: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا(1)

فقرن طاعته بطاعته ومعصيته بمعصيته، فكان ذلك دليلاً على ما فوّض إليه وشاهداً له على من اتبعه وعصاه، وبيّن ذلك في غير موضع من الكتاب العظيم، فقال تبارك وتعالى في التحريض على اتباعه والترغيب في تصديقه والقبول لدعوته: قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ(2)، فاتباعها(صلّی الله علیه وآله وسلّم) محبّة الله، ورضاه غفران الذنوب وكمال الفوز - أو النور ووجوب الجنّة، وفي التولّي عنه والإعراض محادة الله وغضبه وسخطه، والبعد منه مسكن


1) النساء : 80.

2) آل عمران : 31.

النار، وذلك قوله: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ(1). يعني الجحود به والعصيان له، فإنّ الله تبارك اسمه امتحن بي عباده وقتل بي- أو بيدي- أضداده، وأفنى بسيفي جحّاده، وجعلني زلفة للمؤمنين وحياض - أو حياص - موت (أي شدّته) على الجبارين، وسيفه على المجرمين، وشدّ بي أزر رسوله، وأكرمني بنصره، وشرّفني بعلمه، وحباني بأحكامه، واختصّني بوصيته، واصطفاني بخلافته في اُمته.

فقال(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وقد حشده (أي جمعه) المهاجرون والأنصار وانغصت (أي امتلأت)بهم المحافل: أيّها الناس إنّ علياً منّي كهارون(2)من موسى، إلّا أنّه لا نبي بعدي، فعقل المؤمنون عن الله نطق الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) إذ عرفوني أنّي لست بأخيه لأبيه واُمه كما كان هارون أخا موسى لأبيه واُمه، ولا كنت نبياً فاقتضى نبوّة، ولكن كان ذلك منه استخلافاً لي كما استخلف موسى هارون صلى الله عليهما حيث يقول: اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ(3).

وقوله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) حين تكلمت طائفة فقالت: نحن موالي رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، فخرج رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) إلى حجة الوداع ثمّ صار إلى غدير خم فأمر فأصلح له شبه المنبر ثمّ علاه وأخذ بعضدي حتى رأى بياض إبطيه(صلّی الله علیه وآله وسلّم) رافعاً صوته قائلاً في محفله :من كنت مولاه فعليُّ مولاه اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه، فكانت على ولايتي


1) هود : 17.

2) في نسخة : بمنزلة.

3) الأعراف : 142.

............................................

ــــــــــــــــــــــــــ

ولاية الله، وعلى عداوتي عداوة الله، وأنزل الله عزّوجل في ذلك: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا (1). فكانت ولايتي كمال الدين ورضى الربّ جلّ ذكره، وأنزل الله تبارك وتعالى اختصاصاً لي وتكريماً نحلنيه، وإعظاماً وتفضيلاً من رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) منحنيه(2)، وهو قوله تعالى: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ(3)، فيّ مناقب لو ذكرتها لعظم بها الارتفاع وطال لها الاستماع.

ولئن تقمّصها دوني الأشقيان ونازعاني فيما ليس لهما بحق وركباها ضلالة واعتقداها جهالة فلبئس ما عليه وردا ولبئس ما لأنفسهما مهّدا، يتلاعنان في دورهما، ويتبرأ كلّ منهما من صاحبه يقول لقرينه إذا التقيا: يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (4)فيجيبه الأشقى على رثوثة (أي سوء حال)يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلاً لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ


1) المائدة : 3.

2) لعلّ مراده(عليه السلام) أنّ الله سبحانه سمى نفسه بمولى الناس، وكذلك سمى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) نفسه به ثمّ نحلاني ومنحاني واختصاني من بين الاُمّة بهذه التسمية تكريماً منهما لي وت وتفضيلاً وإعظاماً أو أراد(عليه السلام) أن ردّ الاُمة إليه بعد رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)ردّ إلى عزّوجلّ وأنّ هذه الآية إنما نزلت بهذا المعنى كما نبّه عليه بقوله :(وكانت على ولايتي ولاية الله) وذلك لأنّه به كمل الدين وتمت النعمة ودام من رجع إليه من الاُمّة واحداً بعد واحد إلى يوم القيامة أو أراد(عليه السلام) أنّ المراد بالمولى في هذه الآية نفسه(عليه السلام)وأنّه مولاهم الحق لأنّ ردهم إليه ردّ إلى الله تعالى، الوافي 26 : 34.

3) الأنعام : 62.

4) الزخرف : 38.

.....................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــالشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً (1). فأنا الذكر الذي عنه ضلّ، والسبيل الذي عنه مال، والإيمان الذي به كفر، والقرآن الذي إياه هجر، والدين الذي به كذب، والصراط الذي عنه نكب.

ولئن رتعا في الحطام المنصرم والغرور المنقطع وكانا منه على شفا حفرة من النار لهما على شرّ ورود في أخيب وفود، وألعن مورود يتصارخان باللعنة ويتناعقان نعق (أي صاح) بالحسرة ما لهما من راحة، ولا من عذابهما من مندوحة، أنّ القوم لم يزالوا عباد أصنام، وسدنة أوثان، يقيمون لها المناسك، وينصبون لها العتائر، ويتخذون لها القربان، ويجعلون لها البحيرة والوصيلة والسائبة والحام ويستقسمون بالأزلام».

والعتيرة شاة كانوا يذبحونها لأصنامهم. والبحر: شق الأذن، ومنه البحيرة، كانوا إذا نتجت الناقة أو الشاة عشرة أبطن بحروها وتركوها ترعى، وحرّموا لحمها إذا ماتت على نسائهم وأكلها الرجال. وقيل فيها تفاسير اُخر، وكذا في البواقي لا فائدة في ذكرها؛ لاختلاف الأقاويل فيها. والحاصل أنّ أمثالها يجعلونها لآلهتهم.

« عامهين عن الله عز ذكره حائرين عن الرشاد مهطعين (أي مسرعين) إلى البعاد، قد استحوذ عليهم الشيطان، وغمرتهم سوداء الجاهلية، ورضعوها جهالة، وانفطموها ضلالة (2)، فأخرجنا إليهم ،رحمة، واطلعنا عليهم رأفة، وأسفر بنا عن الحجب نوراً


1) الفرقان : 28 و 29

2) في بعض النسخ رضعوا جهالة وانفطموا جهالة، والانفطام الفصل عن الرضاع أي كانوا في صغرهم وكبرهم في الجهالة والضلالة وفي بعض النسخ (وانتظموها ضلالة) فالضمير راجع إلى الجهالة أي انتظموها مع الجهالة في سلك ولعله تصحيف انظر: مرآة العقول 25 : 65.

................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

لمن اقتبسه، وفضلاً لمن اتبعه، وتأييداً لمن صدّقه فتبوء العزّ بعد الذلّة والكثرة بعد القلّة، وهابتهم القلوب والأبصار، وأذعنت لهم الجبابرة وطواغيتها أو وطوائفها - وصاروا أهل نعمة مذكورة، وكرامة منشورة - أو ميسورة - وأمن بعد خوف، وجمع بعد كوف (أي اختلاف و تفرّق) وأضاءت بنا مفاخر معد بن عدنان (وهو أبو العرب) وأولجناهم باب الهدى، وأدخلناهم دار السلام، وأشملناهم ثوب الإيمان، وفلحوا بنا في العالمين.

وأبدت لهم أيام الرسول آثار الصالحين من حام مجاهد، ومصلّ قانت، ومعتكف زاهد، يظهرون الأمانة، ويأتون المثابة (أي الكعبة) حتى إذا دعا الله عزّوجلّ نبيّه(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ورفعه إليه لم يك ذلك بعده إلّا كلمحة من خفقة أو وميض (أي لمعان) من برقة إلى أن رجعوا على الأعقاب، وانتكصوا على الأدبار، وطلبوا بالأوتار، وأظهروا الكتائب (أي الجيوش) وردموا الباب (أي باب الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وهو بابهم) وفلوا الدار (أي كسروها أو بالقاف) وغيّروا آثار رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، ورغبوا عن أحكامه، وبعدوا من أنواره، واستبدلوا بمستخلفه بديلاً اتخذوه وكانوا ظالمين، وزعموا أنّ من اختاروا من آل أبي قحافة أولى بمقام رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ممّن اختاره رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)لمقامه، وأنّ مهاجر آل أبي قحافة خير من مهاجري الأنصار الرباني، ناموس هاشم ابن عبد مناف.

.........................................

ـــــــــــــــــــــــــــــ

ألا وأنّ أوّل شهادة زور وقعت في الإسلام شهادتهم، أنّ صاحبهم مستخلف رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، فلما كان من أمر سعد بن عبادة ما كان رجعوا عن ذلك وقالوا: إنّ رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) مضى ولم يستخلف، وكان رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) الطيّب المبارك أوّل مشهود عليه بالزور في الإسلام، وعن قليل يجدون عبّ (أي عاقبة) ما يعملون، وسيجد التالون غبّ ما استنه أو أسّسه الأوّلون.

ولئن كانوا في مندوحة من المهل(1)وشفا (أي قليل) من الأجل، وسعة من المنقلب، واستدراج من الغرور، وسكون من الحال، وإدراك من الأمل، فقد أمهل الله عزّوجلّ شداد بن عاد وثمود بن عبّود (2)وبلعم بن بحور - أو باعور - وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، وأمدّهم بالأموال والأعمار، وأتتهم الأرض ببركاتها ليذكروا آلاء الله، وليعرفوا الإهابة له والإنابة إليه، ولينتهوا عن الاستكبار، فلما بلغوا المدة واستتموا الآكلة أخذهم الله عزّوجلّ واصطلمهم، فمنهم من حصب، ومنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من أحرقته الظلّة، ومنهم من أودته (أي أهلكته) الرجفة، ومنهم من أردته الخسفة،وَ مَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(3).


1) أي كانوا في سعة من المهلة، والشفا مقصوراً: الطرف، أراد(عليه السلام) به طول العمر فكأنهم في طرف والأجل في طرف آخر، الوافي 26 : 36.

2) عبود كتنور، وثمود اسم قوم صالح النبي(عليه السلام) ، مرآة العقول 25 : 68.

3) العنكبوت : 40.

...............................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

ألا وأنّ لكلّ أجل كتاباً، فإذا بلغ الكتاب أجله لو كشف لك عمّا هوى إليه الظالمون وآل إليه الأخسرون لهربت إلى الله عزّوجلّ ممّا هم عليه مقيمون وإليه صائرون.

ألا وأنّي فيكم أيّها الناس كهارون في آل فرعون، وكباب حطة في بني إسرائيل وكسفينة نوح في قوم نوح، وأنّي النبأ العظيم، والصدّيق الأكبر، وعن قليل ستعلمون ما توعدون، وهل هي إلّا كلعقة الأكل ومذقة الشارب وخفقة الوسنان، ثمّ تلزمهم المعرّات (أي الاثام) جزاء خزياً في الدنيا وَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (1)فما جزاء من تنكب محجته وأنكر حجته وخالف هداته وحاد عن نوره واقتحم في ظلمه واستبدل بالماء السراب وبالنعيم العذاب وبالفوز الشقاء وبالسرّاء الضرّاء وبالسعة الضنك إلّا جزاء اقترافه، وسوء خلافه - أو خلاقه- فليوقنوا بالوعد على حقيقته، وليستيقنوا بما يوعدون، يوم يأتي﴿ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوج )﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَ إِلَيْنَا الْمَصِيرُ) ﴿ يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا) (2)(3)إلى آخر السورة.)وروى العامة : أنّه(عليه السلام لمّا فرغ من الخطبة قال رجل من الأنصار: يا علي لو كان هذا الكلام في اليوم الأوّل لم يختلف عليك اثنان وهو مذكور ف-ي تاريخ أعثم الكوفي، ومحمد بن جرير الطبري(4)وغيرهما(5).)


1) البقرة : 85.

2) ق : 42 - 44.

3) الكافي 8 : 18 - 30، خطبة الوسيلة، ح 4.

4) لم نعثر عليه

5) انظر: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6: 12.

5881 - وفي رواية إسماعيل بن مسلم، قال: قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم: ثلاث أخافهنّ على اُمّتي من بعدي، الضلالة بعد الهدى، ومضلّات الفتن، وشهوة البطن والفرج.)### [ثلاثة خاف منهنّ رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم على اُمّته ])(الضلالة بعد الهدى وقد وقع كما قال الله تعالى: ﴿ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) (1)فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (2). وقد ذكرنا من البخاري ومسلم أخبار ارتدادهم بعد رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)(3). (ومضلّات الفتن) وهي أيضاً وقعت وكانت شبهة بالنظر إلى بعضهم من ضعفاء العقول، وكانوا يقولون: نحن بايعنا فكيف نفعل ولم يعلموا أنّ البيعة التي كانت في غدير خم في ذمتهم ولم يذهب منها ثلاثة أشهر، وكذا فتنة الإجماع الباطل الذي ادّعوه والقياسات والاستحسانات العقلية وأمثالها ممّا لا تحصى.

(وشهوة البطن والفرج) فإنّ أكثر ضلالاتهم كان منها، وبشهوة الفرج قتل خالد ابن الوليد مالك بن نويرة، وكانوا ممّن بقى على الحق ولم يرتدّوا، وكان أبوبكر يعلم تنازع خالد معه في زوجته فسمّوهم المرتدّين، وأرسل إليهم خالداً وقتله مع أصحابه، وتزوّج في تلك الليلة زوجته، وأرسل الأصحاب بأخباره إلى عمر.


1) آل عمران : 144.

2) آل عمران : 149

3) صحيح البخاري 4 : 143 و 7 : 208 شرح مسلم للنووي 1 : 201 و 202.

...............................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

وذكر عمر كلّ ذلك لأبي بكر ولم يقبل منه إلى أن أرسل الصحابة جميعاً مكاتيب فيما فعل وطلبه، فلما جاء أرسل بدنانير إلى حاجب أبي بكر أن لا يدع غيره أن يدخل داره، فلمّا جاء خالد ورأه عمر وسلّم عليه لم يلتفت إليه، وكان راكباً وعمر راجلاً حتى جاء إلى باب الدار منعه الحاجب وقال: هكذا قال خليفة رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، فلمّا دخل خالد وسلّم قال: يا أبابكر أما تعلم أنّ عمر عدوّي ويفتري عليّ ما شاء وأنا اُريد أن اُتمّم لك أمر الخلافة وأنت لا تدعني وتطلبني. فقال أبوبكر: سر على اسم الله ولا أقبل بعد ذلك كلام أحد فيك، فلمّا مات أبوبكر و غصب عمر الخلافة كان أوّل كتاب كتب كان عزل خالد عن الأمارة. وذكر ذلك سليم بن قيس الهلالي(1)مفصّلاً.

وذكره المأمون لما جمع العلماء واحتجّ عليهم بأنّ الخلافة حق علي بن أبي طالب(عليه السلام)واستشهد العلماء بخبر وضعه أبو هريرة بأنّه قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، قال المأمون: هذا الخبر باطل لم يقله رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وقال: كان أبداً بينهما المخالفة، فكيف يمكن أن يحكم رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) بالاقتداء بالضدّين؟! وذكر ذلك مع أشياء أخر، فمن أراد الخبر بطوله فعليه بكتاب سليم والعيون(2).


1) انظر: عيون أخبار الرضا(عليه السلام)1 : 200.

2) عيون أخبار الرضا(عليه السلام) 1 : 200.

5882 - ومرّ رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بقوم يتشاءلون حجراً، فقال: ما هذا، وما يدعوكم إليه؟ قالوا لنعرف أشدّنا وأقوانا، قال: أفلا أدلّكم على أشدّكم وأقواكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أشدّكم وأقواكم الذي إذا رضى لم يدخله رضاه في إثم ولا باطل، وإذا سخط لم يخرجه سخطه من قول الحق، وإذا ملك لم يتعاط ما ليس له.

وفي خبر آخر: وإذا قدر لم يتعاط ما ليس له بحق.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(ومر رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)) رواه المصنّف في الموثق عن غياث بن إبراهيم(1)، عن أبي عبد الله(عليه السلام) عن آبائه(عليهم السلام) يتشاءلون أي يرفعون، وفي الأمالي(2): يربعون بمعناه.

وروى المصنّف في الصحيح عن أبي عبيدة الحذّاء عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: «إنّما المؤمن الذي إذا رضى لم يدخله رضاه في إثم ولا باطل، وإذا سخط لم يخرجه سخطه من قول الحق، والمؤمن الذي إذا قدر لم يخرجه قدرته إلى التعدّي وإلى ما ليس بحق»(3).

وفي الصحيح عن عبد الله بن سنان، قال: ذكر رجل المؤمن عند أبي عبد الله(عليه السلام)فقال: «إنّما المؤمن الذي إذا سخط لم يخرجه سخطه من الحق، والمؤمن الذي إذا رضى لم يدخله رضاه في باطل، والمؤمن الذي إذا قدر لم يتعاط (أي لم يأخذ)


1) معاني الأخبار : 366 ، ح 1.

2) الأمالي للشيخ الصدوق : 72، ح 3.

3) الخصال : 105، ح 65.

.................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

ما ليس له»(1).

وفي القوي كالصحيح عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) مثله معنی(2).

وفي القوي عن هشام بن معاذ، قال: كنت جليساً لعمر بن عبد العزيز حيث دخل المدينة فأمر مناديه فنادى: من كانت له مظلمة - أو ظلامة - فليأت الباب، فأتى محمد بن علي - يعني الباقر(عليه السلام) - فدخل إليه مولاه مزاحم فقال: إنّ محمد بن عليّ بالباب، فقال له : ادخله يا مزاحم، قال: فدخل وعمر يمسح عينيه من الدموع، فقال له محمد بن علي(عليه السلام) : «ما أبكاك يا عمر ؟» فقال هشام: أبكاه كذا وكذا يا ابن رسول الله، فقال محمد بن علي(عليه السلام) : «يا عمر إنّما الدنيا سوق من الأسواق، منها خرج قوم بما ينفعهم، ومنها خرجوا بما يضرّهم، وكم من قوم قد ضرّهم بمثل الذي أصبحنا فيه حتى أتاهم الموت فاستوعبوا (أي فاستوصلوا) فخرجوا من الدنيا ملومين لما لم يأخذوا لما أحبّوا من الآخرة عدّة ولا ممّا كرهوا جُنةً قسم ما جمعوا من لا يحمدهم وصاروا إلى من لا يعذرهم، فنحن والله محقوقون أن ننظر إلى تلك الأعمال التي كنا نغبطهم بها فنوافقهم وننظر إلى تلك الأعمال التي كنّا نتخوّف عليهم منها فنكفّ عنها، فاتق الله واجعل في قلبك اثنتين، تنظر الذي تحب أن يكون معك إذا قدمت على ربّك فقدّمه بين يديك، وتنظر الذي تكرهه أن يكون معك إذا قدمت على ربّك فابتغ به البدل، ولا تذهبنّ إلى سلعة قد بارت على من كان قبلك ترجو


1) الخصال : 106 ، ح 67.

2) الخصال : 105 ، ح 66.

....................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يجوز عنك. واتق الله يا عمر وافتح الباب وسهّل الحجاب، وانصر المظلوم، وردّ المظالم».

ثمّ قال:« ثلاث من كنّ فيه استكمل الإيمان بالله» فجثا عمر على ركبتيه، وقال: ايه يا أهل بيت النبوّة؟ فقال: «نعم: يا عمر من إذا رضى لم يدخله رضاه في الباطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق، ومن إذا قدر لم يتناول ما ليس له» فدعا عمر بدواة وقرطاس وكتب بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما ردّ عمر بن عبد العزيز ظلامة محمد بن علي فدك(1).

وفي الصحيح عن عبدالرحمن العرزمي عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «يقول إبليس لعنه الله: ما أعياني ابن آدم فلن يعييني منه واحدة من ثلاث: أخذ مال في غير حلّه. أو منعه من حقه، أو وضعه في غير وجهه»(2).

وفي الصحيح عن أبي بصير عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: «ثلاث من أشدّ ما عمل العباد؛ إنصاف المرء من نفسه، ومواساة المرء أخاه، وذكر الله على كلّ حال، وهو أن يذكر الله عند المعصية يهمّ بها فيحول ذكر الله بينه وبين تلك المعصية، وهو قول الله عزّوجلّ: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ(3)


1) الخصال : 104 ، ح 64.

2) الخصال : 132، ح 141.

3) الخصال : 131، ح 138. والآية في سورة الأعراف : 201.

.....................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي القوي كالصحيح عن أبي حمزة عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: «قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : ثلاث خصال من كن فيه كان في ظلّ عرش الله عزّوجلّ يوم لا ظّل إلّا ظلّه: رجل أعطى الناس من نفسه ما هو سائلهم، ورجل لم يقدّم رِجلاً ولم يؤخّر اُخرى حتى يعلم أنّ ذلك الله فيه رضى أو سخط، ورجل لم يعب أخاه المسلم بعيب حتى ينفي ذلك العيب من نفسه فإنّه لا ينفي منها عيباً إلّا بدا له عيب، وكفى بالمرء شغلاً بنفسه عن الناس»(1).

وفي القوي عن خضر بن مسلم عن أبي عبد الله(عليه السلام) مثله(2).

وفي القوي عن سيد المرسلين(صلّی الله علیه وآله وسلّم) . قال: «قسّم العقل على ثلاثة أجزاء فمن كانت فيه كمل عقله ومن لم تكن فيه فلا عقل له: حسن المعرفة بالله عزّوجلّ وحسن الطاعة له، وحسن الصبر على أمره»(3).

وفي الصحيح عن ابن أبي عمير رفعه إلى أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «إنّما يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر من كانت فيه ثلاث خصال: عالم - أو عامل - بما يأمر، تارك لما ينهى عنه، عادل فيما يأمر عادل فيما ينهي، رفيق فيما يأمر رفيق فيما ینهی»(4).


1) الخصال : 80، ح 30.

2) الخصال : 81، ح 4.

3) الخصال : 102 ، ح 58

4) الخصال : 109، ح 79.

5883 - وروى الحسن بن محبوب عن أبي ولّاد الحناط، قال: سألت أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام)عن قول الله عزّوجلّ: وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا(1)ما هذا الإحسان؟ فقال: الإحسان أن تحسن صحبتهما وأن لا تكلّفهما أن يسألاك شيئاً ممّا يحتاجان إليه وإن كانا مستغنيين، إنّ الله عزّوجلّ يقول: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي الصحيح عن محمد بن قيس عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: «الله عزّوجلّ جنّة لا يدخلها إلّا ثلاثة: رجل حكم في نفسه بالحق، ورجل زار أخاه المؤمن في الله. ورجل آثر أخاه في الله عزّوجلّ»(2).

[ معنى الإحسان ]

(وروى الحسن بن محبوب، عن أبي ولاد الحناط) في الصحيح كالكليني(3)حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ(4)الاستشهاد به، إمّا لأنّ المراد بالبرّ في هذه الآية برّ الوالدين أو الاعم، ويدخل فيه برّهما، وأنّه لا يحصل البرّ حتى ينفق ممّا يحبّ، والمال محبوب العالمين، فإن كان الوالدان فقيرين فلا تعب على النفس في الإنفاق عليهما، مع أنّه واجب عليه كالوجوب على الأولاد، أمّا لو كانا غنيّين وأنفق عليهما،


1) البقرة : 83.

2) الخصال 131، ح 136.

3) الكافي 2 : 157 ، باب البر بالوالدين، ح .1 الخصال 131 ، ح 136.

4) آل عمران : 92.

..............................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

فحينئذٍ يظهر حبّه الله .

ويمكن أن يكون المراد به مطلق الإنفاق على الغني والفقير، ويكون قوله(عليه السلام) رفعاً لتوهّم أنّ البرّ يحصل بخدمتهما وأدبهما، ولا يجب دفع المال، فبين(عليه السلام) أنّه لا يحصل البرّ حتى ينفق ماله وجوباً في الفقير أو راجحاً في الغني، وإنّما لم نقل بالاستحباب فيه لأنّه يحتمل الوجوب باعتبار تفسير الآيتين.

أما الآية الاُولى فظاهره، أنّ المراد بها أحسنوا بالوالدين إحساناً، والأمر محتمل للأمرين، ولا شكّ في وجوب بعض أنواع البرّ بالنظر إليهما، مع أنّه(عليه السلام) يبيّن مراد الله تعالى بما ذكر، فلا ريب في احتمال الوجوب لو لم نقل بأنّ الأمر للوجوب، سيّما أمر القرآن، كما ذهب إليه أكثر الأصحاب(1).

وتقدّم الأخبار الصحيحة في إطلاق الفرض على ما عرف وجوبه بالقرآن، ولمّا كان أدلّة الوجوب مدخولة فنحن من المتوقّفين حتى يظهر الوجوب أو الندب من دليل آخر، ولا نقول بأنّه إذا لم يظهر الوجوب والطلب معلوم فيحمل على الندب؛ لأنّ عدم المدرك مدرك؛ لأنّ هذا المعنى أيضاً لم يثبت. والاستدلال بقوله تعالى:وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً(2)غير تام؛ لأنّ الظاهر عدم العذاب قبل بعثة الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) لا قبل ظهور ما اُرسل به.

وكذا الأخبار في أنّ الجاهل معذور، مثل ما رواه المصنّف في الصحيح والكليني


1) تذكرة الفقهاء 3 : 213 مختلف الشيعة 1 : 346 و 2 : 143 . منتهى المطلب 2 : 463

2) الإسراء : 15

...............................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

في القوي عن حريز بن عبد الله عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): رفع عن اُمّتي تسعة: الخطا، والنسيان، وما اُكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه، والحسد، والطيرة، والتفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة»(1). وتقدّم مرسلاً عن المصنّف.

وفي الحسن عن عبد الأعلى بن أعين قال سألت أبا عبد الله(عليه السلام) من لم يعرف هل عليه شيء؟ قال: «لا»(2).

وفي الحسن كالصحيح عن ابن الطيار، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إنّ الله احتج على الناس بما آتاهم وعرّفهم»(3).

وفي الموثق كالصحيح عن حمزة بن محمد الطيار في قول الله عزّوجلّ: وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ(4)، قال: «حتى يعرفهم ما يرضيه وما يسخطه» وقال: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَها وَتَقْواها(5)، قال: «بيّن لها ما يأتي وما تترك» وقال: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً(6)قال:


1) الكافي 2 : 463، باب ما رفع عن الاُمة، ح 2 ، وفيه : عن محمد بن أحمد النهدي. الخصال : 417 ، ح 9. تحف العقول : 50.

2) الكافي 1 : 164 ، باب حجج الله على خلقه، ح 2.

3) الكافي 1 : 162 ، باب البيان والتعريف ولزوم الحجة ، ح 1. التوحيد : 410، ح 2.

4) التوبة : 115.

5) الشمس : 8.

6) الإنسان : 3.

............................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

«عرفناه إمّا آخذ وإمّا تارك» وعن قوله: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدى (1)قال: «عرّفناهم فاستحبّوا العمى على الهدى وهم يعرفون» وفي رواية بينا لهم(2).

وفي الموثق كالصحيح عن حمزة بن محمد، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن قول الله : وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (3)؟ قال: «نجد الخير والشرّ»(4).

وفي الصحيح عن حماد، عن عبد الأعلى قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام) : أصلحك الله هل جعل في الناس أداة ينالون بها المعرفة؟ قال: فقال: «لا» قلت: فهل كلّفوا المعرفة؟ قال: «لا، على الله البيان، لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا (5)ولا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا »(6)قال: وسألته عن قوله: وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ (7)؟ قال: «حتى يعرفهم ما يرضيه وما يسخطه»(8)


1) فصلت : 17.

2) الكافي 1 : 163 ، باب البيان والتعريف ولزوم الحجة، ح 3. التوحيد : 411.

3) البلد : 10.

4) الكافي 1 : 163 ، باب البيان والتعريف ولزوم الحجة، ح 4. التوحيد : 411.

5) البقرة : 286.

6) الطلاق : 7.

7) التوبة: 115.

8) الكافي 1 : 163 ، باب البيان والتعريف ولزوم الحجة ، ح 5. التوحيد : 414، ح 11.

.......................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي الموثق كالصحيح عن أبي الحسن زكريا بن يحيى عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «ما حجب الله عن العباد فهو موضوع عنهم»(1).

بل ورد الأخبار في الإمامة التي هي من اُصول الدين أنّ الجاهل معذور مادام في الطلب .

مثل: ما رواه المصنّف والكليني في الصحيح عن محمد بن مسلم، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام) : أصلحك الله بلغنا شكواك وأشفقنا فلو أعلمتنا - أو علمتنا - من؟ فقال: «إن عليّا(عليه السلام) كان عالماً، والعلم يتوارث، فلا يهلك عالم إلّا بقي من بعده من يعلم مثل علمه أو ما شاء الله» قلت: أفيسع الناس إذا مات العالم أن لا يعرفوا الذي بعده؟ فقال: «أمّا أهل هذه البلدة فلا يعنى المدينة، وأمّا غيرها من البلدان فبقدر مسيرهم، إنّ الله يقول: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ(2)قال: قلت: أرأيت من مات في ذلك؟ فقال: «هو بمنزلة من خرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثمّ يدركه الموت فقد وقع أجره على الله» قال: قلت: فإذا قدموا بأيّ شيء يعرفون صاحبهم؟ قال: «يعطى السكينة والوقار والهيبة»(3).


1) الكافي 1 : 164 ، باب حجج الله على خلقه، ح 3. التوحيد : 413، ح 9.

2) التوبة : 122.

3) الكافي 1 : 379 باب ما يجب على الناس عند مضي الإمام ، ح 3. علل الشرائع 2 : 591 باب نوادر العلل، ح 40

................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي الصحيح عن يعقوب بن شعيب قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام) : إذا حدث على الإمام حدث كيف يصنع الناس؟ قال: أين قول الله عزّوجلّ: فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ(1)» قال: «هم في عذر ما داموا في الطلب، وهؤلاء الذين ينتظرونهم في عذر حتى يرجع إليهم أصحابهم»(2).

وفي الصحيح عن حماد، عن عبد الأعلى، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام)عن قول العامة : إنّ رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)قال: من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية؟ فقال:« الحق والله »قلت: فإنّ إماماً هلك ورجل بخراسان لا يعلم من وصيّه لم يسعه ذلك؟ قال: «لا يسعه، إنّ الإمام إذا هلك وقعت حجة وصيّه على من هو معه في البلد، وحق النفر على من ليس بحضرته إذا بلغهم، إنّ الله عزّوجلّ يقول: فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ.

قلت: فنفر قوم فهلك بعضهم قبل أن يصل فيعلم؟ قال: «إن الله جلّ وعزّ يقول:وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ» (3).


1) التوبة : 122.

2) الكافي 1 : 378 باب ما يجب على الناس عند مضي الإمام، ح 1. وانظر: علل الشرائع 2: 591، باب نوادر العلل، ح 41.

3) النساء : 100.

.............................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

قلت: فبلغ البلد بعضهم فوجدك مغلقاً عليك بابك ومرخى عليك سترك لا تدعوهم إلى نفسك ولا يكون من يدلّهم عليك فيما - أو فيم - يعرفون ذلك؟ قال: « بكتاب الله المنزل» قلت: فيقول الله عزّوجلّ كيف؟ قال: «أراك قد تكلّمت في هذا قبل اليوم» قلت: أجل، قال:« فذكر ما أنزل الله في علي (عليه السلام) ، وما قال له رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) في حسن وحسين (عليهم السلام) ، وما خصّ الله به علياً(عليه السلام)، وما قال فيه رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) من وصيّنه إليه ونصبه إيَّاه وما يصيبهم وإقرار الحسن والحسين(عليهم السلام) بذلك ووصيّته إلى الحسن (عليه السلام)و تسليم الحسين (عليه السلام) له بقول الله: النّبِيَّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ(1). وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ الله(2)».

قلت: فإنّ الناس تكلّموا في أبي جعفر(عليه السلام)ويقولون: كيف تخطّت من ولد أبيه من له مثل قرابته ومن هو أسن منه وقصرت عمّن هو أقصر منه؟ فقال: «يعرف صاحب هذا الأمر بثلاث خصال لا يكون في غيره : هو أولى الناس بالذي قبله، وهو وصيّه، وعنده سلاح رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) و وصيّته، وذلك عندي لا اُنازع فيه».

قلت: إنّ ذلك مستور مخافة السلطان؟ قال: «لا يكون في سرّ إلّا وله حجة ظاهرة، أنّ أبي استودعني ما هناك فلمّا حضرته الوفاة قال: ادع لي شهوداً، فدعوت أربعة من قريش فيهم نافع مولى عبد الله بن عمر، قال: اكتب: هذا ما أوصى به يعقوب بنيه: يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ(3)


1) الأنفال : 75.

2) الأحزاب : 33.

3) البقرة : 132.

.............................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

وأوصى محمد بن علي إلى ابنه جعفر بن محمد وأمره أن يكفّنه في برده الذي كان يصلّي فيه الجمع، وأن يعمّمه بعمامته، وأن يربّع قبره، ويرفعه أربع أصابع، ثمّ يخلّى عنه، فقال اطووه، ثمّ قال للشهود: انصرفوا رحمكم الله، فقلت بعد ما انصرفوا: ما كان هذا يا أبة أن تشهد عليه، فقال: إنّي كرهت أن تغلب، وأن يقال: إنّه لم يوص. فأردت أن تكون لك حجة، فهو الذي إذا قدم الرجل البلد قال: من وصيّ فلان؟ قيل: فلان» قلت: فإن أشرك في الوصيّة؟ قال: «تسألونه فإنّه سيبيّن لكم»(1).

فظهر أنّ الوصي بأيّ شيء كان دليل الإمامة وغير ذلك من الأخبار، والجواب عن الكلّ واحد، فإنّها تدلّ على أنّ الجهل عذر فيما يكون مجهولاً، وفي خصوص هذه المسألة، الطلب معلوم والوجه مجهول، فلا يمكن القول بعدم الوجوب واقعاً. بل ظاهراً أيضاً؛ لأنّ المفتي يحكم على أنّ هذا حكم الله في الواقع بحسب ظنّه والواقع مجهول عنده، فلا يجوز أن يحكم بأنّ الواقع الندب، بل لا يعرف الواقع، وإنّما يعرف مطلق الطلب، وهو الرجحان المطلق. فإن قيل: قد تقدّم أنّه لا عمل إلّا بنية، وإنّما الأعمال بالنيات، ولاشكّ في انقسام أحكام الله بالوجوب أو الندب أو الكراهة أو الحرمة أو الإباحة، والواجب يمتاز عن الندب بالنية، فإذا لم ينو الوجوب فلم يأت بالفعل.

قلنا: أخبار النيّة تدلّ على لزوم نيّة، وظهر من أخبار اُخر أنّه يلزم نيّة القربة، فإذا أتى بالفعل متقرّباً فقد عمل بالأخبار، وأمّا امتياز الواجب عن الندب فلم يدلّ دليل


1) الكافي 1 : 378، باب ما يجب على الناس عند مضي الإمام، ح 2.

ثمّ قال :إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُيّ

ــــــــــــــــــــــــــــــ

عليه، ولو سلّم فنيّة التعيين كافية، فإن صلاة الظهر لا يكون إلّا واجباً، إلّا إذا أراد الإعادة فعلمه بالإعادة كاف في الامتياز.

ولهذا قال الشهيدان(1): إنّه لا يحتاج في الوضوء إلى نيّة الوجه؛ لأنّه إن كان مشغول الذمة بصلاة مثلاً فهو واجب واقعاً، وإلّا فهو مندوب، فلا يوجد وضوء مشترك حتى يحتاج إلى التمييز، والنيّة التي هي مطلوبة هي أن يوقع الفعل لإطاعة أمره أو لشكره أو لمحبّنه أو لكونه أهلاً له وأمثالها، وهذه اُمور عسرة تحتاج إلى رياضة النفس بحيث لا يكون له مقصد إلّا الله تعالى، ويكون نظره مقطوعاً عن الجنّة أو الخلاص من النار، وإن كان الظاهر أنّ أكثر الناس لم يكلّفوا بهذه النيّة، كما تقدم الأخبار قريباً أنّه(عليه السلام) وصف هاتين العبادتين بالعبادة لكنهما ليستا كما تنبغيان.

وأنت تشاهد أنّ مدار المتسمين بالعلماء البحث عن أمثال هذه النيّات، ولا يشتغلون مدة أعمارهم بإصلاحها، فمرّة يقولون: نحن من المخلصين، ومرّة يقولون: هذه رتبة الأنبياء والأوصياء، وليس ذلك من دأب العلماء، جعلهم الله وإيّانا من المخلصين ، ولا يدعنا مع أنفسنا فإنّها أمّارة بالسوء إلّا من رحم الله إيّاه.

[وظيفة الولد عند كبر الوالدين ]

(إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ )(2)الظاهر أنّ التقييد بالكبر للاهتمام؛ لأنّ الإنسان


1) انظر: الذكرى 2 : 116.

2) الإسراء : 23.

إن أضجراك، وَلا تَنْهَرْهُمَا﴿ إن ضرباك، ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا والقول الكريم أن تقول لهما: غفر الله لكما فذاك منك قول كريم وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وهو أن لا تملأ عينيك من النظر إليهما وتنظر إليهما برحمة ورأفة، وأن لا ترفع صوتك فوق أصواتهما، ولا يدك فوق أيديهما ولا تتقدّم قدّامهما.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

كلّما كبر يرجع إلى عادة الأطفال؛ لضعف قواهم ومحبّتهم، وما داموا في سن الشباب يتجاوزون عن الأولاد عثراتهم، ولا يحصل العقوق غالباً بخلاف حالة الكبر.

(إن أضجراك) الظاهر من الخبر أنّ مراده تعالى ذلك، ولا يحتاج إلى الذكر غير حالة الإضجار، كما أنّ النهي عن اُف يدلّ على غيره بمفهوم الموافقة، أو لأنّه لا يحتاج إليه لظهوره. ويمكن أن يكون مراده(عليه السلام) ذكر الفرد الأخفى، فإنّها بعمومها تدلّ على جميع الأحوال حتى حالة الإضجار، وكذلك البواقي. (أن تقول لهما: غفر الله لكما) أي تطلب لهما المغفرة مطلقاً، أو لأجل الضرب، فربّما كانا مخطئين أو متجاوزين عن الحدّ اللازم، وينبغي أن لا يسمعهما ذلك؛ لأنّه كناية عن إثمهما، وهو ست لهما، وإن أمكن أن يريد بهذا القول طلب المغفرة ولو كانا مقصّرين في الضرب الآن أو سابقاً بأنّ استحقاقي للضرب الآن يمكن أن يكون بسبب تقصير كما في تأديبي، ولو لم يسمعهما لا يحتاج إلى أمثاله، بل ينبغي أن يسلم نفسه للضرب حتى يشفي نفوسهما، ولا يهرب منهما إلّا إذا خاف القتل أو الجرح.

وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ شبّه الولد بالدجاج الذي يجمع أولاده تحت جناحه شفقة عليها أو بالملائكة الذين يبسطون أجنحتهم لطالب العلم

مالك 5884 - وروى الحسن بن محبوب عن بن عطية عن عائذ الأحمسي عن أبي حمزة الثمالي، قال: قال زين العابدين علي بن الحسين(عليه السلام) : ألا أنّ أحبّكم إلى الله عزّوجلّ أحسنكم عملاً، وأنّ أعظمكم عند الله حظاً أعظمكم فيما عند الله رغبة، وأنّ أنجي الناس

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حتى يمشي على أجنحتهم تيمّناً وتبرّكاً، والمراد به أن يكون ذليلاً عندهما مطيعاً لأوامرهما مشفقاً عليهما، ومنه ما ذكره(عليه السلام) ، ويمكن ذلك مراد الله تعالى: وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً(1)إشعار بأنّه يجب الإحسان إليهما بما ذكر؛ لأنّهما تعبا كثيراً في تربيته، وتقدّم الأخبار في برّهما وعقوقهما.

وروی المصنّف في الصحيح عن عمر بن يزيد، قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام) : «المعروف شيء سوى الزكاة فتقربوا إلى الله عزّوجلّ بالبرّ وصلة الرحم»(2).

[أحبكم إلى الله أحسنكم عملاً ]

(وروى الحسن بن محبوب) في الصحيح(3)(أحبّكم إلى الله) بالمحبّة أو المحبوبيّة أو هما (أحسنكم عملاً) كمّاً وكيفاً معاً (أعظمكم فيما عند الله رغبة) أي كلّما كان الرجاء من فضله أكثر كان المرجو أكثر ، كما تقدّم في الحديث القدسي أنّه قال الله تعالى: «أنا عند ظنّ عبدي المؤمن بي»(4).

( وأنّ أنجى الناس) أي كما يجب الرجاء يجب الخوف، وكلّما يزداد رجاء


1) الإسراء : 24.

2) الكافي ،8 : 68 ، حديث علي بن الحسين(عليه السلام)، ح 24. 5. الخصال : 48 ، ح 52.

3) الكافي 8 : 68 حديث علي بن الحسين(عليه السلام) ، ح 24.

4) الكافي 2 : 72، باب حسن الظن بالله عزوجل، ح 3.

من عذاب الله أشدّهم الله خشية، وأنّ أقربكم من الله أوسعكم خلقاً.

وأنّ أرضاكم عند الله أسبغكم على عياله، وأنّ أكرمكم عند الله أتقاكم.

ــــــــــــــــــــــــــــ

المؤمن من رحمة الله يزداد خوفه من أعماله؛ لأنّ زيادة الرجاء من زيادة الإيمان فكذلك الخوف، وكلّما كان الخوف والرجاء أشدّ كان العمل بطاعته والترك لمعصيته أشدّ، وهما سبب النجاة أو الخوف والرجاء في أنفسهما سبب النجاة فكيف إذا اجتمع معه العمل؟!

وروى المصنّف في الحسن كالصحيح عن أبي حمزة الثمالي عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «ارج الله رجاء لا يجريك على معاصيه، وخف الله خوفاً لا يؤيّسك من رحمته»(1).

(وأنّ أقربكم من الله أوسعكم خلقاً) أي الخلق الحسن سبب للثواب العظيم، أو يستلزم التواضع مع الناس كلّهم وعيادة مرضاهم وشهادة جنائزهم وإعطاء محتاجيهم وإغاثة ملهوفيهم، وأن يكون مع الله تعالى بالتعظيم، ومع الخلق بالشفقة. وهما ركنا الإيمان، أو كلّما كان التخلق بأخلاقه تعالى أكثركان أقرب، ولهذا قال تعالى لسيد أنبياء(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : إِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (2)أو الجميع.

( وأنّ أرضاكم عند الله أسبغكم) وأكملكم (على عياله) أي من يعوله وينفق عليه، أو على الخلق، فإنّ الخلق عيال الله تبارك وتعالى، أو الأعم.

(وأنّ أكرمكم) وأعزكم ( عند الله أتقاكم) بأن يتقى من المحرّمات ولا يترك


1) الأمالي للشيخ الصدوق : 65 ، ح 69.

2) القلم : 4.

5885 - وروى الحسن بن محبوب عن سعد بن أبي خلف عن أبي الحسن موسى بن جعفر(عليه السلام)أنّه قال لبعض ولده: يا بنيّ إيّاك أن يراك عزّ وجلّ في معصية نهاك عنها ، وإيّاك أن يفقدك الله تعالى عند طاعة أمرك بها، وعليك بالجد، ولا تخرجنّ نفسك من التقصير في عبادة الله، فإنّ الله عزّ وجلّ لا يعبد حق عبادته، وإيّاك والمزاح فإنّه يذهب بنور إيمانك

ــــــــــــــــــــــــــ

الواجبات، وهذا أقل مراتبه، ثمّ بعدها الإتيان بالواجبات والمندوبات لما يعلم أنّهما مراده تعالى منه، ويخاف من أن يصرف الله تعالى وجهه عنه لترك مراده تعالى، وكما في المحرّمات والمكروهات، وبعدها أن لا يغفل عن الله تعالى لمحة ويكون في مقام المراقبة، والإحسان والمحبة والمعرفة والفناء والبقاء بالله تعالى، وهذه تقوى المقرّبين، وإليه الإشارة بقوله تعالى: اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ(1)فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ (2).

(وروى الحسن بن محبوب) في الصحيح ( وعليك بالجد) في تحصيل مرضاة الله و ترك ما يكرهه الله، ومع هذا ينبغي أن تعتقد أنّك مقصّر عن طاعته، فإنّ العبد وإن سعى فلا ينفكّ عن التقصير، ولا تعجب بنفسك؛ لأنّ شرائط الأعمال كثيرة، ومن يستطيع الإتيان بمراد الله تعالى منه. (وإيّاك والمزاح) أي كثرته، فإنّ القليل منه من حسن الخلق، أو يختلف باختلاف الأشخاص فإنّه يليق بذوي المروءات. والأوّل أظهر؛ لما اشتهر عن سيد الأوصياء(عليه السلام) بل سيد الأنبياء(صلّی الله علیه وآله وسلّم) قلته (فإنّه يذهب بنور إيمانك) فإنّ من كان في مقام الإحسان والمراقبة فإن اشتغل بأمثاله يذهب منه


1) آل عمران : 102.

2) التغابن : 16.

ويستخّف بمروءتك، وإيّاك والكسل والضجر فإنّهما يمنعانك حظك من الدنيا والآخرة.

5886 - وروى علي بن الحكم عن هشام بن سالم عن الصادق جعفر ابن محمد(عليه السلام)، قال: الدنيا طالبة ومطلوبة، فمن طلب الدنيا طلبه الموت حتى يخرجه منها، ومن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى توفيه رزقه.

5887 - وقال الصادق(عليه السلام): حسب المؤمن من الله نصرة أن يرى عدوّه يعمل بمعاصي الله عزّوجلّ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ذلك المقام (ويستخف بمروءتك) لأنّه يصير مضحكة، وينافي ذلك المروءة، كما ذكره الأصحاب(1)(فإنّهما يمنعان حقك) لأنّه إذا كسل لم يؤدّ حق الله تعالى. ولا حقوق الخلائق، وإذا ضجر وعبس وضاق قلبه لم يؤدّ حق الناس من التواضع وحسن الخلق معهم.

(وروى علي بن الحكم) في الصحيح (فمن طلب الدنيا) لم يصل إليها غالباً، ولو وصل إلى بعضها فلا يرضى بها ويشتغل بتحصيل غيرها ويأتيه الموت ولم يصل إلى مراده، ولو وصل فتركها والخروج منها أشدّ والحسرة أعظم (ومن طلب الآخرة) فالله تعالى في مراده، كما ورد: «من كان الله كان الله له»(2)ويوصل رزقه إليه ألبتة. فحينئذٍ حصل له الدنيا والآخرة.

(وقال الصادق(عليه السلام)) رواه المصنّف في الصحيح عن قتيبة الأعشى عنه(عليه السلام)(3). وتقدّم.


1) انظر: قواعد الأحكام 3: 495. إيضاح الفوائد 4 : 424 و 425. مدارك الأحكام 4 : 67 و 68.

2) شرح اُصول الكافي 4 : 163.

3) الخصال : 27، ح 96.

5888 - وقال نبي الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم): بادروا إلى رياض الجنّة، قالوا: يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

[المبادرة إلى مجالس الذكر ]

(وقال نبي الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)) رواه المصنّف في القوي عن أمير المؤمنين(عليه السلام) عنه(صلّی الله علیه وآله وسلّم)(1)(بادروا) اسعوا (إلى رياض الجنّة) أي إلى ما يوصل إليها، أو ذلك من رياض الجنّة المعنوية (قال: حلق الذكر ) أي المجامع التي يطلب فيها العلوم الدينية، فإنّ الحلق التي وصلت إلينا من طرق الأصحاب إلى النبي والأئمة(عليهم السلام) هي الهي هذه، أو المجامع التي يوعظ فيها، كما روي عنهم(عليهم السلام) أنّهم كانوا يعظون، وأمّا التي اشتهرت من الاجتماع للذكر الجلي فلم يصل إلينا عنهم(عليهم السلام) .

وهذه بطرق العامة أشبه كما رواه الكليني في القوي عن أمير المؤمنين(عليه السلام) قال:« من ذكر الله في السرّ فقد ذكر الله كثيراً، أنّ المنافقين كانوا يذكرون الله علانية، ولا يذكرونه في السرّ، فقال عزّوجلّ: (يُرَاؤُنَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلاً) »(2).

وفي الحسن كالصحيح عن زرارة عن أحدهما(عليهم السلام) ، قال: «لا يكتب الملك إلّا ما سمع، وقال الله عزّوجلّ: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً)، فلا يعلم ثواب ذلك الذكر في نفس الرجل غير الله عزّوجلّ لعظمته»(3).


1) الأمالي للشيخ الصدوق : 444، ح 2.

2) الكافي 2 : 501، باب ذكر الله عزّوجل في السر، ح .2. والآية في سورة النساء : 142.

3) الكافي 2 : 502، باب ذكر الله عزوجل في السر، ح 4. والآية في سورة الأعراف : 205.

..........................................

ــــــــــــــــــــــــــ

وفي الصحيح عن ابراهيم بن أبي البلاد عمّن ذكره عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «قال الله من ذكرني سرّاً ذكرته علانية»(1).

وفي الموثق كالصحيح عن ابن فضال ،رفعه قال: قال الله عزّوجل لعيسى(عليه السلام) : يا عيسى اذكرني في نفسك أذكرك في نفسي، واذكرني في ملاءك أذكرك في ملاء خير من ملاء الآدميين (أي باظهار آلائي ونعمائي وأمثاله) يا عيسى ألن لي قلبك، وأكثر ذكري في الخلوات واعلم أنّ سروري أن تبصبص (أي تملق) إليّ وكن في ذلك حياً، ولا تكن ميتاً»(2).

وفي الصحيح عن الفضيل بن يسار، قال: قال أبو عبد الله : «ما من مجلس فيه أبرار وفجّار فيقومون على غير ذكر الله عزّوجلّ إلّا كان حسرة عليهم يجتمع يوم القيامة »(3).

وفي الصحيح عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: «مكتوب في التوراة التي لم تغيّر أنّ موسى(عليه السلام) سأل ربّه فقال: يا رب أقريب أنت مني (أي تحبني) فاُناجيك - على نهج المحبّين - أم بعيد فاُناديك فأوحى الله عزّوجلّ إليه يا موسى أنا جليس من ذكرني (أي أنا متوجّه إليهم بإفاضة الرحمة وتقريبهم إلي) فقال موسى: فمن في سترك يوم لا ستر إلّا سترك؟ قال: الذين يذكرونني فأذكرهم


1) الكافي 2 : 501، باب ذكر الله عزّوجلّ في السر، ح 1.

2) الكافي 2 : 502، باب ذكر الله عزّوجلّ في السر، ح 3.

3) الكافي 2 : 496، باب ما يجب من ذكر الله عزّوجلّ في كل مجلس، ح 1.

.............................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

ويتحابون في فأُحبّهم فاُولئك الذين إذا أردت أن اُصيب أهل الأرض بسوء ذكرتهم فدفعت عنهم بهم»(1).

وفي الصحيح بالإسناد، قال: مكتوب في التوراة التي لم تغيّر أنّ موسى سأل ربّه: إلهي أنّه يأتي مجالس - أو مجلس - أعزك واُجلّك أن أذكرك فيها، فقال: يا موسى أنّ ذكري حسن على كلّ حال»(2).

وفي الصحيح عن صفوان بن يحيى عن حسين بن يزيد - وكأنّه زيد - عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال : قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : ما من قوم اجتمعوا في مجلس فلم يذكروا الله عزّوجلّ ولم يذكروا على نبيّهم(صلّی الله علیه وآله وسلّم)إلّا كان ذلك المجلس حسرة ووبالاً عليهم»(3).

وفي الصحيح عن ابن محبوب عمّن ذكره عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «قال الله عزّ وجلّ: من ذكرني في ملاء من الناس ذكرته في ملاء من الملائكة»(4).

وفي الموثق عن بشير الدهان عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «قال الله عزّوجلّ: يا ابن آدم اذكرني في ملاء أذكرك في ملاء خير من ملئك»(5).

وفي الموثق عن أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «ما اجتمع في مجلس قوم


1) الكافي 2 : 496، باب ما يجب من ذكر الله عزوجل في كل مجلس، ح 4.

2) الكافي 2 : 497، باب ما يجب من ذكر الله عزّوجل في كل مجلس، ح 8.

3) الكافي 2 : 497، باب ما يجب من ذكر الله عزّوجل في كل مجلس، ح 5.

4) الكافي 2 : 498، باب ما يجب من ذكر الله عزّوجل في كل مجلس، ح 13.

5) الكافي 2 : 498 ، باب ما يجب من ذكر الله عزّوجل في كل مجلس ح 12.

.............................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

لم يذكروا الله عزّوجلّ ولم يذكرونا إلا كان ذلك المجلس حسرة عليهم يوم القيامة» ثمّ قال أبو جعفر(عليه السلام) : «إنّ ذكرنا من ذكر الله، وذكر عدوّنا من ذكر الشيطان»(1).

وفي الموثق عن أبي بصير عن أبي جعفر، قال: «من أراد أن يكتال بالمكيال الأوفى فليقل إذا أراد أن يقوم من مجلسه:سُبْحَانَ رَبَّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ سَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(2).

وفي القوي كالصحيح عن الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «لا بأس بذكر الله وأنت تبول، فإنّ ذكر الله حسن على كلّ حال، فلا تسأم من ذكر الله»(3).

وفي الموثق كالصحيح، عن ابن فضال عن بعض أصحابه عمّن ذكره عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: «قال الله عزّوجلّ لموسى: أكثر ذكري بالليل، وكن عند ذكري خاشعاً، وعند بلائي صابراً، واطمئن عند ذكري، واعبدني ولا تشرك شيئاً إليّ المصير، يا موسى اجعلني ذخرك، وضع عندي كنزك من الباقيات الصالحات، وقال: یا موسى لا تنسني على كلّ حال، فإنّ نسياني يميت القلب»(4).

وفي الصحيح عن داود بن سرحان عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): من أكثر ذكر الله عزّوجلّ أحبّه الله ومن ذكر الله كثيراً كتبت له


1) الكافي 2 : 496، باب ما يجب من ذكر الله عزّوجلّ في كلّ مجلس، ح 2.

2) الكافي 2 : 496، باب ما يجب من ذكر الله عزّوجلّ في كلّ مجلس، ح 3. والآيات في سورة الصافّات : 180 - 182

3) الكافي 2 : 497، باب ما يجب من ذكر الله عزّوجلّ في كلّ مجلس، ح 6.

4) الكافي 2 : 497 ، باب ما يجب من ذكر الله عزّوجلّ في كلّ مجلس ، ح 9.

..............................................

ــــــــــــــــــــــــــ

براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق»(1).

وفي الصحيح عن زرارة بن أعين وزيد الشحّام ومنصور بن حازم وسعيد الأعرج عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال : « تسبيح فاطمة الزهراء من الذكر الكثير الذي قال الله عزّوجلّ: اذكروا الله ذكراً كثيراً»(2).

وفي الحسن كالصحيح عن بريد بن معاوية العجلي، قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام) : «إنّ الصواعق لا تصيب ذاكراً» قال: قلت: وما الذاكر؟ قال: «من قرأ مائة آية»(3).

وفي الموثق عن أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «شيعتنا الذين إذا خلوا ذكروا الله كثيراً»(4).

يمكن أن يكون المراد الخلوة من العامّة، وذكر أحاديث الأئمة (عليهم السلام)ورواية بعضهم لبعض، كما يفهم من بعض الأخبار، أو يعمّ.

وفي القوي عن ابن القداح عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «ما من شيء إلّا وله حدّ ينتهى إليه إلّا الذكر - أو ذكر الله - فليس له حدّ ينتهى إليه، فرض الله عزّوجلّ الفرائض، فمن أدّاهن فهو حدّهن، وشهر رمضان فمن صامه فهو حدّه. والحج فمن حج فهو حدّه، إلّا الذكر فإنّ الله عزّوجلّ لم يرض منه بالقليل ولم يجعل له حدّاً


1) الكافي 2 : 499، باب ذكر الله عزّوجلّ كثيراً، ح 3.

2) الكافي 2 : 500، باب ذكر الله عزّوجلّ كثيراً، ح 4.

3) الكافي 2 : 500، باب أنّ الصاعقة لا تصيب ذاكراً، ح 2

4) الكافي 2 : 499 ، باب ذكر الله عزّوجلّ كثيراً، ح 2.

............................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

ينتهى إليه» ثمّ تلا: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيراً ، وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً» فقال: «لم يجعل الله عزّوجلّ له حدّاً ينتهي إليه» قال: «وكان أبي(عليه السلام) كثير الذكر، قد كنت أمشي معه وإنّه ليذكر الله، وآكل معه الطعام وإنّه ليذكر الله، ولقد كان يحدّث القوم وما يشغله ذلك عن ذكر الله، وكنت أرى لسانه لازقاً بحنكه يقول: لا إله إلّا الله ، وكان يجمعنا فيأمرنا بالذكر حتى تطلع الشمس، ويأمرنا بالقراءة ومن كان يقرأ منّا، ومن كان لا يقرأ منّا أمره بالذكر، والبيت الذي يقرأ فيه القرآن ويذكر الله عزّوجلّ فيه تكثر بركته، وتحضره الملائكة، وتهجره الشياطين، ويضيء لأهل السماء كما يضيء الكوكب الدرّي لأهل الأرض، والبيت الذي لا يقرأ فيه القرآن ولا يذكر الله فيه تقلّ بركته وتهجره الملائكة وتحضره الشياطين.

وقال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : ألا اُخبركم بخير أعمالكم أرفعها لكم في درجاتكم وأزكاها عند مليككم، وخير لكم من الدينار والدرهم، وخير لكم من أن تلقوا عدوّكم فتقتلوهم ويقتلوكم ؟ فقالوا: بلى قال: ذكر الله عزّوجلّ كثيراً» ثمّ قال: جاء رجل إلى النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)فقال: من خير أهل المسجد؟ فقال: أكثرهم الله ذكراً. وقال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم): من أعطى لساناً ذاكراً فقد أعطى خير الدنيا والآخرة، وقال في قوله تعالى: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ» قال: «لا تستكثر ما عملت من خير الله»(1).

وفي القوي كالصحيح عن داود الحمّار عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «من أكثر


1) الكافي 2 : 498 ، باب ذكر الله عزّوجلّ كثيراً ، ح 1. والآيتان الأوّلتان في سورة الأحزاب : 41 و 42 . والآية الثالثة في سورة المدثر : 6.

...............................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ذكر الله عزّوجل أظلّه الله في جنّته»(1).

وفي الموثق عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام)عن ميتة المؤمن؟ قال: «يموت المؤمن بكلّ ميتة: يموت غرقاً، ويموت بالهدم ويبتلي بالسبع، ويموت بالصاعقة، ولا تصيب ذاكر الله عزّ وجلّ»(2).

وفي القوي كالصحيح عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «يموت المؤمن بكلّ ميتة إلّا الصاعقة، لا تأخذه وهو يذكر الله عزّوجلّ» (3).

وفي الحسن كالصحيح عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «إنّ الله عزّوجلّ يقول: من شغل بذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما اُعطي من سألني»(4).

وفي الموثق عن هارون بن خارجة عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «إنّ العبد لتكون له الحاجة إلى الله عزّوجلّ، فيبدأ بالثناء على الله والصلاة على محمّد وآل محمّد(عليه السلام) حتى ينسى حاجته فيقضيها الله له من غير أن يسأله إيَّاها»(5).

وروى المصنّف بإسناده إلى بعض الصالحين(عليهم السلام) - وهو في مصباح الشريعة المنسوب إلى الصادق(عليه السلام)-« أنّ الذكر مقسوم على سبعة أعضاء: اللسان، والروح، والنفس، والعقل، والمعرفة، والسرّ، والقلب، وكلّ واحد منها يحتاج إلى الاستقامة، فأمّا استقامة اللسان فصدق الإقرار، واستقامة الروح صدق الاستغفار، واستقامة


1) الكافي 2 : 500، باب ذكر الله عزّوجل كثيراً، ح5

2) الكافي 2 : 500 ، باب أنّ الصاعقة لا تصيب ذاكراً، ح 3.

3) الكافي 2 : 500 ، باب أنّ الصاعقة لا تصيب ذاكراً، ح 1.

4) الكافي 2 : 501، باب الاشتغال بذكر الله عزّوجلّ، ح 1.

5) الكافي 2 : 501، باب الاشتغال بذكر الله عز وجل، ح 2.

5889 - وروی محمّد بن أحمد بن يحيى عن محمّد بن آدم عن أبيه عن أبي الحسن الرضا عن آبائه عن علي(عليه السلام)، قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) لعلي(عليه السلام): يا علي لا تشاورنّ جباناً فإنّه يضيق عليك المخرج، ولا تشاورنّ بخيلاً فإنّه يقصر بك عن غايتك، ولا تشاورنّ حريصاً فإنّه يزين لك شرّها، واعلم أنّ الجبن والبخل والحرص غريزة يجمعها سوء الظن.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

النفس صدق الاعتذار، واستقامة العقل صدق الاعتبار، واستقامة المعرفة صدق الافتخار، واستقامة السرّ السرور بعالم الأسرار. وذكر اللسان الحمد والثناء، وذكر النفس الجهد والعناء، وذكر الروح الخوف والرجاء، وذكر القلب الصدق والصفاء، وذكر العقل التعظيم والحياء، وذكر المعرفة التسليم والرضى، وذكر السرّ على رؤية اللقاء»(1).

وعليك بكتاب مصباح الشريعة رواه الشهيد الثاني(رضی الله عنه) بأسانيده عن الصادق(عليه السلام)(2)، ومتنه يدل على صحته.

[ عدّة لا يشاورون ]

(وروى محمّد بن أحمد بن يحيى) في القوي كالصحيح (واعلم أنّ الجبن والبخل والحرص غريزة) أي كلّ واحد منها طبيعة ( يجمعها سوء الظن) بالله تعالى؛ لأنّه إذا حسن ظنّه بالله لا يجبن عن الأعادي، ويعتمد على الله ويجاهد في سبيله، ويعلم أنّه


1) الخصال : 403 ، ح 114. مع الزيادة.

2) لم نعثر عليه في مصباح الشريعة وكتب الشهيد الثاني رحمه الله تعالى.

5890 - وروى الحسن بن محبوب عن الهيثم بن واقد، قال: سمعت الصادق جعفر بن محمد(عليه السلام) يقول: من أخرجه الله عزّوجلّ من ذلّ المعاصي إلى عزّ التقوى أغناه الله بلا مال وأعزّه بلا عشيرة

ــــــــــــــــــــــــــــ

لو كان مصلحة في الظفر فينصره الله تعالى على الأعادي، وإلّا فالشهادة إحدى الحسنيين، وكذلك البخل والحرص فإنّه لو حسن ظنّه بالله يعلم أنّ الله تعالى يعوّضه أضعافاً كثيرة، ولا يحرص في طلب الدنيا، فإنّ الله تعالى لو علم صلاحه أعطاه. وما يكون في خزانة الله تعالى أحفظ ممّا يكون بيده، فلا ينبغي المشورة مع هؤلاء، فإنّ الجبان يمنعك عن المقصود؛ لأنّ الشجاعة ضرورية في أكثر المطالب، سيّما الجهاد والحج والزيارات، بل القرض وحضور المساجد، وكذلك ما بقي، والأولى أن يستخير في جميع اُموره من الله تعالى، ثمّ يشاور العقلاء الصالحين المهذب أخلاقهم، وتقدّم في صلاة الاستخارة.

(وروى الحسن بن محبوب) في الصحيح ( عن الهيثم بن واقد) وثّقه ابن داود(1)(من أخرجه الله عزّوجلّ) بتوفيقاته (من ذلّ المعاصي) فإنّه لا مذلّة أقبح من أن يكون سخرة النفس والشيطان مع ذلّته عند الله تعالى وعند أوليائه، بل عند نفسه لو كان مؤمناً (إلى عزّ التقوى) فإنّ المتقين في مقام أمين عكس الفاسقين (أغناه الله بلا مال) أي يجعل الغنى في قلبه، فإنّ الغنى غنى القلب، ويصدق قوله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًاوَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ (2)(وأعزّه بلا عشيرة) فإنّ


1) رجال ابن داود 77 / 454.

2) الطلاق : 2 و 3.

وآنسه بلا أنيس، ومن خاف الله عزّوجلّ أخاف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله عزّوجلّ أخافه الله من كلّ شيء، ومن رضى من الله عزّوجلّ باليسير من الرزق رضى الله منه باليسير من العمل، ومن لم يستح من طلب المعاش خفت مؤونته ونعم أهله، ومن زهد في الدنيا أثبت الله الحكمة في قلبه، وأنطق بها لسانه، وبصره عيوب الدنيا داءها ودواءها، وأخرجه من الدنيا سالماً إلى دار السلام.

5891 - وروى أبو حمزة الثمالي، قال: قال لي أبو جعفر(عليه السلام): لمّا حضرت أبي(عليه السلام)الوفاة ضمّني إلى صدره ثمّ قال: يا بني اصبر على الحق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

الغالب عند الناس سيّما العرب أنّهم أعزّة بالعشيرة، لكن الله يعزّه بالتقوى وإن لم يكن له عشيرة أو كانت وكانت له أعداء فإنّه تعالى يعزّه، كما هو المشاهد، إنّ الملوك يستعينون بأدعيتهم في المطالب فكيف بغيرهم؟! (وآنسه) الله بذكره وعبادته (بلا أنيس) بل يستوحش من العالمين، وتقدّم الأخبار في الجميع.

وروى الكليني في القوي كالصحيح عن يعقوب بن شعيب، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: «ما نقل الله عزّوجلّ عبداً من ذلّ المعاصي إلى عزّ التقوى إلّا أغناه من غير مال، وأعزّه من غير عشيرة، وآنسه من غير بشر»(1).

[فضل الصبر على الحق ]

(وروى أبو حمزة الثمالي) في القوي كالصحيح كالكليني(2)(اصبر على الحق)


1) الكافي 2 : 76 ، باب الطاعة والتقوى، ح 8.

2) الكافي ،2 : 91 ، باب الصبر ، ح 13. وفيه مع اختلاف

وإن كان مرّاً يوفّ إليك أجرك بغير حساب.

5892 - وروى ابن مسكان عن عبد الله بن أبي يعفور، قال: قال الصادق جعفر بن محمد(عليه السلام) لرجل: اجعل قلبك قريناً تزاوله، واجعل علمك والداً تتبعه، واجعل نفسك عدوّاً تجاهدها، واجعل مالك عارية تردّها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في القول والتصديق والفعل وغيرها (وإن كان مرّاً) أي الحق مرّ أبداً أو تكون وصلية (يوف) كما قال الله تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (1)، أي لا يحاسب في الآخرة، أو أعطاه في الدنيا والآخرة ما لا يمكن عدّه وحصره.

[وظيفة القلب والعلم والمال ]

(وروى ابن مسكان)ق في الصحيح (اجعل قلبك قرينا) ومصاحباً (تزاوله) وتعاشره، اعلم أنّ الله تبارك وتعالى أعطى الإنسان قلباً قابلاً للترقيات إلى مراتب الكمالات التي لا تتناهى من المحبّة والمعرفة والزهد والفناء والبقاء، وهم ضيّعوه بمحبّة الدنيا والرياء والحسد والكبر والبغض وأمثالها من الرذائل، وهو أمير البدن، فلو زاوله ويكون أبداً في إصلاحه وتحصيل كمالاته أفاض الله تعالى عليه ما لا عين رأت ولا اُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

ويمكن أن يكون المراد به أيضاً ما قال الله تعالى: بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةًوَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ(2)، مثلاً إذا قيل له: إنّه متق فالنفس تقبل والشيطان


1) الزمر : 10.

2) القيامة : 14 و 15.

.............................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

يؤيّدها بوجوه باطلة، مثل أنّه يزيّن له أنّك اليوم أعلم الناس وأزهد الناس وأخلص الناس، لكنّه يجب على المسترشد أن ينظر إلى نفسه بعين قلبه بأنّه يسرّ بمدح المادحين ويغتم بذمّ الذامين، وليس ذلك إلّا بالرياء المستكن فيها، ولا تعلمه فإنّ المخلص يخاف على عمله الذي فعله بأن لا يضيّع، بل يغتم بمدحهم ويسرّ بذمّهم. وعلى هذا القياس في جميع الصفات.

ولو اشتغل بإصلاح نفسه لكفى به شغلاً عن العالمين، ولكنّ الغالب على العالمين الاشتغال بالدنيا الفانية، إمّا بالمال أو بالجاه وقبول القلوب، ومتى حصل ذلك لا يحتاجون إلى الإصلاح، فحالهم كما قال الله تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاًالَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (1). لكن النفس والشيطان يوسوسانه بأنّ هذه الآية نزلت في شأن الكفّار وأنت من المؤمنين، فينبغي أن يشاور مع قلبه قولهما فإنّه يقول لك: إذا كان الكفّار ملومين بذلك فملامة المؤمنين به أظهر وهم ألوم.

لكن أكثر القلوب طبع عليها بملازمة المعاصي، فيجب على السالك أن يزيل طبعه ورينه وغشاوته بالرياضات والمجاهدات في العبادات والطاعات مع الدعوات والتضرّعات حتى يظهر عليه أنّه كان من الضّالين، وجعله الله تعالى بفضله من المهتدين، وأنطق بالحكمة لسانه بعد تنوير قلبه، وبصّره عيوب الدنيا داؤها ودواؤها، وأخرجه من الدنيا ومحبتها سالماً إلى دار السلام، وهي الزهد والانقطاع


1) الكهف : 103 و 104.

5893 - وقال(عليه السلام) : جاهد هواك كما تجاهد عدوّك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والمحبّة له وصار من المخلصين، كما قال تعالى: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ(1)وقال: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(2)، وقال:إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (3).

( وقال(عليه السلام): جاهد هواك كما تجاهد عدوّك) فإنّه أعدى الأعادي، وقال تعالى: وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى(4)، ومن أكاذيبه أنّه إذا سمع ما ينافي أفعاله يقول أوّلاً: إنّه حديث مرسل لا يجب عليّ العمل به، ولا يتفكّر في أنّ القرآن والأخبار مشحون منه .

وثانياً : إنّ المجاهدة في ترك المعاصي وفعل الواجبات، ولا يتفكّر في تسويلات النفس والشيطان في كثير من الموارد التي أورداه لها بأمثال هذه، بل يجب مجاهدتهما وإن كان في الطاعات؛ لأنّهما لا يأمران بالطاعة إلّا أن تكون تلك سبباً لمعاصي كثيرة، مثلاً: إذا دعاه فاسق إلى ضيافة، فمع أنّه يعلم أنّ أمواله حرام حصل من الظلم يسوّلان له أنّه مؤمن، وكيف تعلم أنّ هذا المال حرام وأفعال المسلمين محمولة على الصحة؟ ومن الحقوق الواجبة إجابة الدعوة، وبعد أن قبل قولهما


1) الحجر : 42.

2) يونس : 62.

3) القمر : 54 و 55

4) النازعات : 40.

5894 - وروى الحسن بن راشد عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: أتى رجل رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) فقال: علّمني يا رسول الله شيئاً، فقال(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : عليك باليأس ممّا في أيدى الناس فإنّه الغنى الحاضر، قال: زدني يا رسول الله، قال: إيّاك والطمع فإنّه الفقر الحاضر، قال: زدني يا رسول الله قال : إذا هممت بأمر فتدبّر عاقبته فإن يك خيراً أو رشداً اتبعته، وإن يك شرّاً أو غيّاً تركته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

وذهب إليها رأى أنّ المدار على الغيبة ويشاركهم؛ لئلّا يقولوا: إنّه مجنون أو زاهد يابس أو مراءٍ، وهم في إيذاء المؤمنين ويشاركهم. إلى غير ذلك من الأفعال الشائعة.

فلو قال قلبه أو الملك: إنّه كان هذا محض الفسق وظننت أنّها طاعة تب إلى الله تعالى من ذلك ولا تقبل بعده أبداً، فلو قبل قوله وتاب فلم يخرج من هذه الدار حتى طلبه فاسق آخر ؛ لأنّ ضيافاتهم دورية فيقبل ويجيب بتسويلهما أنّه لم يقع منك في هذا المجلس نهي عن المنكر، لكن أنهاهم في مجلس آخر؛ لئلّا يكون مجيئي حراماً، ولا يتفكّر فى أنّ النفس والشيطان قريناه، ويصير المجلس الآخر الآخر أقبح.

فإنّ المرّة الاُولى كان يمكنه الاعتذار ولم يعتذر وأكل الطعام الحرام وفعل الأفعال المحرّمة، وحينئذٍ يصير استيلاؤهما عليه أكثر، وهكذا دأبه معهما، والعمر يضيع إلى أن يجيء الموت، ولا ينفع التوبة بعده.

فتفكّر أيّها العالم الخبير بدقائق حواشي الدواني أنّ ما أقوله حقّ فاقبل وإلّا فأنت وشأنك، أعاذنا الله تعالى وسائر المؤمنين منهما بفضله وكرمه.

(وروى الحسن بن راشد) فإنّه وإن كان ضعيفاً لكن كان كتابه معتمد الأصحاب(1)، ولهذا روى المصنّف عنه، مع أنّ متنه متواتر كما تقدّم، ومتنه يشهد


1) رجال النجاشي : 38 / 76

5895 - وروى الحسين بن يزيد عن علي بن غراب، قال: قال الصادق جعفر بن محمد(عليه السلام): من خلا بذنب فراقب الله تعالى ذكره فيه واستحيى

من الحفظة غفر الله عزّوجلّ له جميع ذنوبه، وإن كانت مثل ذنوب الثقلين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

بصحته أيضاً لو لم يكن غيره.

(فراقب الله تعالى ذكره) فيه أي علم أنّ الله تعالى مطلع عليه فتركه ولم يفعل، أو فعل مع شدّة الغم والهم بأنّه أسير النفس والشيطان، كما رواه الكليني في القوي عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال : سمعته يقول: «إنّ الرجل ليذنب الذنب فيدخله الله به الجنة» قلت: يدخله الله بالذنب الجنّة؟ قال: «نعم إنّه ليذنب فلا يزال منه خائفاً ماقتاً لنفسه فيرحمه الله فيدخله الجنّة»(1). والأوّل أظهر.

[في زهد يحيى بن زكريا (عليه السلام)]

وروى المصنّف عن سيد المرسلين(صلّی الله علیه وآله وسلّم) أنه قال: «كان من زهد يحيى بن زكريا(عليه السلام) أنّه أتى بيت المقدس فنظر إلى المجتهدين من الأحبار والرهبان عليهم مدارع الشعر وبرانس الصوف قد خرقوا تراقيهم (أي شدّدوا عليها ) وسلكوا فيها السلاسل وشدّوها إلى سواري المسجد، فلمّا نظر إلى ذلك أتى اُمّه فقال: يا اُمّاه انسجي لي مدرعة من شعر وبرنساً من صوف حتى آتي بيت المقدس فأعبد الله فيه مع الأحبار والرهبان، فقالت له اُمّه: حتى يأتي نبيّ الله فاُوامره في ذلك.


1) الكافي 2 : 426 ، باب الاعتراف بالذنوب والندم عليها، ح 3.

.........................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

فلمّا دخل زكريا(عليه السلام) أخبرته بمقالة يحيى(عليه السلام) ، فقال زكريا(عليه السلام) : يا بنيّ ما يدعوك إلى هذا؟ وإنّما أنت صبي صغير فقال له: يا أبه أما رأيت من هو أصغر سنّاً منّي وقد ذاق الموت؟ قال: بلى، ثمّ قال له: انسجي له مدرعة (أي قميصاً) من صوف وبرنساً من صوف ففعلت، فتدرّع المدرعة على بدنه ووضع البرنس على رأسه، ثمّ أتى بيت المقدس فأقبل يعبد الله عزّوجلّ مع الأحبار حتى أكلت مدرعة الشعر لحمه فنظر ذات يوم إلى ما قد نحل من جسمه، فبكى، فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: يا يحيى أتبكي ممّا قد نحل من جسمك؟ وعزتي وجلالي لو اطلعت على النار اطلاعة لتدرّعت مدرعة الحديد فضلاً عن المنسوج، فبكى حتى أكلت الدموع لحم خديه، ثمّ بدا للناظرين أضراسه، فبلغ ذلك اُمّه فدخلت عليه وأقبل زكريا، واجتمع الأحبار والرهبان فأخبروه بذهاب لحم خدّيه، فقال: ما شعرت بذلك.

فقال زكريا: يا بنيّ ما يدعوك إلى هذا؟ إنّما سألت ربي أن يهب لي لتقرّ بك عيني، قال: أنت أمرتني بذلك يا أبه، قال: ومتى ذلك يا بني؟ قال: ألست القائل: إنّ بين الجنّة والنار لعقبة لا يجوزها إلّا البكاؤون من خشية الله ؟ قال: بلى فجد أو اجتهد وشأنك غير شأني، وقام يحيى فنفض مدرعته فأخذته اُمّه فقالت: أتأذن لي يا بني أن اتخذ لك قطعتي لبود يواريان أضراسك وينشفان دموعه، فبكى حتى ابتلتا من دموع عينيه، فحصر عن ذراعيه ثمّ أخذهما فعصرهما فتحدر الدموع من بين أصابعه، فنظر زكريا(عليه السلام) إلى ابنه وإلى دموع عينيه فرفع رأسه إلى السماء وقال: اللهمّ إنّ هذا ابني وهذه دموع عينيه وأنت أرحم الراحمين.

...................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

وكان زكريا(عليه السلام) إذا أراد أن يعظ بني اسرائيل يلتفت يميناً وشمالاً فإن رأى يحيى(عليه السلام) لم يذكر جنّة ولا ناراً، فجلس ذات يوم يعظ بني اسرائيل وأقبل يحيى(عليه السلام) وقد لفّ رأسه بعباءة فجلس في غمار الناس (أي كثرتهم) والتفت زكريا يميناً وشمالاً فلم ير يحيى(عليه السلام).

فأنشأ يقول: حدثني جبرئيل(عليه السلام)عن الله تبارك وتعالى: أنّ في جهنّم جبلاً يقال له: السكران، في أصل ذلك الجبل واد يقال له الغضبان، يغضب لغضب الرحمن تبارك وتعالى، في ذلك الوادي جبّ قامته مائة عام، في ذلك الجبّ توابيت من نار، في تلك التوابيت صناديق من نار، وثياب من نار، وسلاسل من نار، وأغلال من نار. فرفع يحيى(عليه السلام)رأسه فقال: واغفلتاه من السكران.

ثمّ أقبل هائماً على وجهه فقام زكريا(عليه السلام) من مجلسه فدخل على اُمّ يحيى فقال لها: يا اُمّ يحيى قومي فاطلبي يحيى فإنّي تخوّفت أن لا نراه إلّا قد ذاق الموت، فقامت وخرجت في طلبه حتى مرّت بفتيان من بني اسرائيل فقالوا لها: يا اُمّ يحيى أين تريدين؟ قالت: اُريد أن أطلب ولدي يحيى ذكرت النار بين يديه فهام على وجهه، فمضت اُمّ يحيى والفتية معها حتى مرّت براعي غنم فقالت لها: يا راعي هل رأيت شاباً من صفته كذا وكذا؟ فقال لها : لعلّك تطلبين يحيی بن زکریا (عليه السلام)؟ قالت: نعم ذاك ولدي ذكرت النار بين يديه فهام على وجهه، قال: إنّي تركته الساعة على عقبة ثنية كذا وكذا، ناقعاً قدميه في الماء، رافعاً رأسه إلى السماء يقول: وعزتك مولاي لا ذقت بارد الشراب حتى أنظر إلى منزلتي منك.

5896 - وروى العباس بن بكار الضبي قال: حدثنا محمد بن سليمان الكوفي البزاز، قال: حدثنا عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن أبيه علي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأقبلت اُمّه فلمّا رأته اُمّ يحيى دنت منه فأخذت برأسه فوضعته بين ثدييها وهي تناشده بالله أن ينطلق معها إلى المنزل فانطلق معها حتى أتى المنزل، فقالت له اُمّ يحيى: هل لك أن تخلع مدرعة الشعر وتلبس مدرعة الصوف فإنّها ألين، ففعل فطبخ له عدس فأكل واستوفي فنام ، فذهب به النوم فلم يقم لصلاته، فنودي في مقامه: يا يحيى بن زكريا أردت داراً خيراً من داري وجواراً خيراً من جواري فاستيقظ فقام، فقال: يا ربّ أقلني عثرتي، إلهي فوعزّتك لا أستظلّ بظلّ سوى بيت المقدس، وقال لاُمّه: ناوليني مدرعة الشعر فقد علمت أنّكما ستورداني المهالك، فتقدّمت اُمّه فدفعت إليه المدرعة وتعلّقت به، فقال لها زكريا: يا اُمّ يحيى دعيه فإنّ ولدي قد كشف له قناع قلبه ولن ينتفع بالعيش فقام يحيى فلبس مدرعته ووضع البرنس على رأسه، ثمّ أتى بيت المقدس فجعل يعبد الله عزّوجلّ مع الأحبار حتى كان من أمره ما كان»(1).

[بيان خواص موت المؤمن في كلّ واحد من أيام الاُسبوع ]

(وروى العباس بن بكار الضبي) في القوي، وتقدّم أنّ الموت يوم الخميس بعد الزوال إلى آخر يوم الجمعة يدفع عذاب القبر، وهذا الخبر يدلّ على أنّ المؤمن في أيّ يوم مات فهو بمنزلة الشهيد، وتقدّم أيضاً أنّ المرض والموت والفقر كفارات لذنوب المؤمن ثمّ قال(عليه السلام)»(2).


1) الأمالي للشيخ الصدوق : 80، ح 48.

2) الظاهر أنّ عبارة «ثم قال(عليه السلام)» زائدة.

ابن الحسين عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) قال: من مات يوم الخميس بعد زوال الشمس إلى يوم الجمعة وقت الزوال وكان مؤمناً أعاذه الله عزّوجلّ من ضغطة القبر، وقبل شفاعته في مثل ربيعة ومضر، ومن مات يوم السبت من المؤمنين لم يجمع الله عزّوجلّ بينه وبين اليهود في النار أبداً، ومن مات يوم الأحد من المؤمنين لم يجمع الله عزّوجلّ بينه وبين النصارى في النار أبداً، ومن مات يوم الاثنين من المؤمنين لم يجمع الله عزّوجلّ بينه وبين أعدائنا

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

روى المصنّف بطرق صحيحة والكليني في القوي كالصحيح عن أبان بن تغلب عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:« يا أبان إذا قدمت الكوفة فارو هذا الحديث: من شهد أن لا إله إلّا الله مخلصاً وجبت له الجنّة» قال: قلت له: إنّه يأتيني من كلّ صنف من الأصناف أفأروي لهم هذا الحديث؟ قال:« نعم يا أبان إنّه إذا كان يوم القيامة وجمع الله الأوّلين والآخرين فتسلب لا إله إلّا الله منهم إلّا من كان على هذا الأمر»(1).

وفي الأخبار الصحيحة: أنّ الصادقين(عليهم السلام) قالا: (من قال: لا إله إلّا الله مخلصاً دخل الجنّة، وإخلاصه أن تحجزه لا إله إلّا الله عمّا حرم الله» (2).

والظاهر أنّ المراد بالإخلاص أن يعلم أن لا إله إلّا هو يقيناً، وكلّ من كان متيقّناً بوحدانيته تعالى لا يعبد النفس والشيطان، فمن فعل محرماً يظهر أنّه ليس بمخلص في الشهادة.


1) الكافي 2 : 520 ، باب من قال: لا إله إلّا الله مخلصاً، ح 1 ولم تعثر عليه في كتب المصنّف.

2) التوحيد : 27، ح 26.

من بني اُمية في النار أبداً، ومن مات يوم الثلاثاء من المؤمنين حشره الله عزّوجلّ معنا في الرفيق الأعلى، ومن مات يوم الأربعاء من المؤمنين وقاه الله نحس يوم القيامة، وأسعده بمجاورته، وأحلّه دار المقامة من فضله، لا يمسّه فيها نَصَب ولا يمسّه فيها لغوب، ثمّ قال : المؤمن على أيّ الحالات مات وفي أي يوم وساعة قبض فهو صديق شهيد، ولقد سمعت حبيبي رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يقول : لو أنّ المؤمن خرج من الدنيا وعليه مثل ذنوب أهل الأرض لكان الموت كفارة لتلك الذنوب، ثمّ قال:(عليه السلام) من قال: لا إله إلّا الله بإخلاص فهو بريء من الشرك، ومن خرج من الدنيا لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنّة، ثمّ تلا هذه الآية: إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ(1)من شيعتك ومحبّيك يا علي.

[حديث سلسلة الذهب في التوحيد والولاية ]

وروى المصنّف وغيره بطرق كثيرة أنّه لمّا وافى أبو الحسن الرضا(عليه السلام) بنيسابور وأراد أن يرحل منها إلى المأمون فاجتمع إليه أصحاب الحديث فقالوا له: يا ابن رسول الله ترحل عنّا ولا تحدثنا بحديث فنستفيده منك؟ وقد كان قعد في العمارية فأطلع رأسه، وقال:« سمعت أبي موسى بن جعفر يقول: سمعت أبي جعفر بن محمد يقول: سمعت أبي محمد بن علي يقول: سمعت أبي علي بن الحسين


1) النساء : 48.

قال أمير المؤمنين(عليه السلام) : فقلت: يا رسول الله هذا لشيعتي؟ قال: إي وربّي أنّه لشيعتك، وإنّهم ليخرجون يوم القيامة من قبورهم وهم يقولون: لا إله إلّا الله، محمد رسول الله، علي بن أبي طالب حجة الله، فيؤتون بحلل خضر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

يقول: سمعت أبي الحسين بن علي يقول: سمعت أبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين يقول : سمعت رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يقول: سمعت جبرئيل(عليه السلام) يقول: سمعت الله عزّوجلّ يقول : لا إله إلّا الله حصني، فمن دخل حصني امن عذابي» فلمّا مرت الراحلة نادانا:« بشروطها، وأنا من شروطها»(1).

فيمكن أن يكون المراد بالإخلاص أيضاً أن لا يشرك مع الأئمة الذين أقامهم الله تعالى للإمامة غيرهم.

وروى المصنّف بإسناده عن علي بن بلال عن علي بن موسى الرضا عن موسى ابن جعفر عن جعفر بن محمد عن محمد بن علي عن علي بن الحسين عن الحسين ابن علي عن علي بن أبي طالب(عليه السلام) عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) عن جبرئيل عن ميكائيل عن إسرافيل عن اللوح عن القلم، قال: «يقول الله عزّوجلّ: ولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام)حصنى فمن دخل حصني أمن من ناري»(2).

(قال: إي وربي إنّه لشيعتك) لأنّه لا ثواب لغيرهم، كما روى في الأخبار المتواترة (3)، وما ورد في الأخبار أنّ ثوابهم للشيعة أي الثواب التقديري تفضّلاً


1) ثواب الأعمال : 6. الأمالي للشيخ الصدوق : 306 ، ح .. الأمالي للشيخ الطوسي : 588، ح 9. عوالي اللآلي 4 : 94 ، ح 134.

2) الأمالي للشيخ الصدوق : 306، ح 9.

3) انظر الكافي 2 : 47 باب خصال المؤمن ح .3 المحاسن 1 : 168، باب بدون العنوان

من الجنّة وأكاليل من الجنّة وتيجان من الجنّة ونجائب من الجنّة، فيلبس كل واحد منهم حلّة خضراء ويوضع على رأسه تاج الملك واكليل الكرامة ثمّ يركبون النجائب فتطير بهم إلى الجنّة، لا يحزنهم الفزع الأكبر، وتتلقّاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون.

5897 - وسئل الصادق (عليه السلام)ما حدّ حسن الخلق؟ قال: تلين جانبك، وتطيب كلامك، وتلقى أخاك ببشر حسن.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

من الله تعالى عليهم، وتقدّم الأخبار في ذلك.

[ حديث شريف في ذكر فضائل الشيعة ]

وروى الكليني في الحسن كالصحيح عن عمرو بن أبي المقدام والمصنّف في الموثق كالصحيح عن أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال:

«خرجت أنا وأبي حتى إذا كنّا بين القبر والمنبر إذا هو باُناس من الشيعة، فسلّم عليهم فردّوا عليه السلام ثمّ قال: إنّي والله لأحبّ ريحكم(1)وأرواحكم فأعينوني على ذلك بورع واجتهاد، واعلموا أنّ ولا يتنا لا تنال إلّا بالعمل والاجتهاد، ومن انتم منكم بعبد فليعمل بعمله، أنتم شيعة الله، وأنتم أنصار الله، وأنتم السابقون الأوّلون والسابقون الآخرون، والسابقون في الدنيا إلى ولايتنا والسابقون في الآخرة إلى الجنّة، وقد ضمنّا لكم الجنّة بضمان الله، وضمان رسوله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ما على درجات الجنّة أكثر أزواجاً منكم. فتنافسوا في فضائل الدرجات أنتم الطيبون، ونساؤكم الطيبات، كلّ مؤمنة حوراء


1) في نسخة : رياحكم.

................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

عيناء، وكلّ مؤمن صديق، ولقد قال أمير المؤمنين(عليه السلام) القنبر: يا قنبر أبشر وبشّر واستبشر(1)، فلقد مات رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وهو على اُمته ساخط إلّا الشيعة، ألا وإنّ لكلّ شيء عروة وعروة الإسلام الشيعة، ألا وإنّ لكلّ شيء دعامة ودعامة الإسلام الشيعة، ألا وإنّ لكلّ شيء ذروة وذروة الإسلام الشيعة، ألا وإن لكلّ شيء شرفاً وشرف الإسلام الشيعة، ألا وإنّ لكلّ شيء سيداً وسيد المجالس مجالس الشيعة. ألا وإنّ لكلّ شيء(2)إماماً وإمام الأرض أرض يسكنها الشيعة، والله لولا ما في الأرض منكم ما رأت عين عشباً، والله لولا ما في الأرض منكم لما أنعم الله على أهل خلافكم ولا أصابوا الطيبات ما لهم في الدنيا وما لهم في الآخرة من نصيب، كلّ ناصب، وإن تعبّد واجتهد فمنسوب إلى هذه الآية: عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌتَصْلَى ناراً حَامِيَةً ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍلَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ لَا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ(3). كلّ ناصب مجتهد فعمله هباء شيعتنا ينظرون بنور(4)الله عزّوجلّ، ومن خالفهم يتقلّب (أو ينفلت - يتفلت خ)(5).


1) أي خذ هذه البشارة و (بشر) أي غيرك و(استبشر) أي افرح وسر بذلك، مرآة العقول 26 : 133.

2) في نسخة : شيء أرض.

3) الغاشية : 3 - 7.

4) في نسخة : بنور أمر.

5) ومن يخالفهم ينطقون بتفلت - خ ، أي يصدر عنهم فلتة من غير تفكّر و روية وأخذ من صادق، مرآة العقول 26 : 134.

.....................................

ـــــــــــــــــــــــــــــ

والله ما من عبد من شيعتنا ينام إلّا أصعد الله عزّوجلّ بروحه إلى السماء، فإن كان قد أتى عليها أجلها جعلها في كنوز رحمته وفي رياض جنّته وفي ظلّ عرشه، وإن كان أجلها متأخّراً عنه بعث به مع أمنته من الملائكة ليردّوها إلى الجسد الذي خرج منه ليسكن فيه، والله إنّ حجّاجكم وعمّاركم لخاصة الله، وإنّ فقراءكم لأهل الغنى(1)، وإن أغنياءكم لأهل القنوع، وإنّكم كلّكم لأهل دعوة الله وأهل إجابته»(2).

وفي الكافي بزيادة: «ألا وإنّ لكلّ شيء جوهراً وجوهر ولد آدم محمد (صلّی الله علیه وآله وسلّم)،ونحن وشيعتنا بعدنا، حبّذا شيعتنا ما أقربهم من عرش الله عزّوجلّ، وأحسن صنع الله إليهم يوم القيامة، والله لولا أن يتعاظم الناس ذلك أو يدخلهم زهو لسلّمت عليهم الملائكة قُبُلاً، والله ما من عبد من شيعتنا يتلو القرآن في صلاته قائماً إلّا وله بكلّ حرف مائة حسنة، ولا قرأ في صلاته جالساً إلّا وله بكلّ حرف خمسون حسنة، ولا في غير صلاة إلّا وله بكلّ حرف عشر حسنات، وأنّ للصامت من شيعتنا لأجر من قرأ القرآن ممن خالفه، أنتم والله على فرشكم نيام لكم أجر المجاهدين، وأنتم والله في صلاتكم لكم أجر الصافّين في سبيله، وأنتم والله الذين قال الله عزّوجلّ: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ(3)إنّما شيعتنا أصحاب الأربعة الأعين: عينان في الرأس، وعينان في القلب، ألا والخلائق كلّهم


1) أي غنى النفس والاستغناء عن الخلق بتوكلهم على ربّهم، مرآة العقول 26 : 134.

2) الكافي 8: 212 ، باب فضل الشيعة ، ح 259. الأمالي للشيخ الصدوق : 725، ح 992.

3) الحجر : 47.

.................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

كذلك، إلّا أنّ الله عزّوجلّ فتح أبصاركم وأعمى أبصارهم»(1).

وفي الصحيح عن زرارة، قال: قلت له: قوله عزّوجلّ: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ، قال: فقال أبو جعفر(عليه السلام): «يا زرارة إنّه إنّما صمد- عمد - لك ولأصحابك، فأمّا الآخرون فقد فرغ منهم» (2).

وفي الصحيح عن عبد الله بن مسكان عن بدر بن الوليد الخثعمي قال: دخل يحيى بن سابور على أبي عبد الله(عليه السلام)ليودّعه فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): «أما والله إنّكم لعلى الحق، وإنّ من خالفكم لعلى غير الحق، والله ما أشك لكم في الجنّة ، وإنّي لأرجو أن يقرّ الله أعينكم عن قريب» (3).

وفي الصحيح عن ابن مسكان عن أبي بصير، قال: قلت له: جعلت فداك أرأيت الرادّ عليّ هذا الأمر فهو كالرادّ عليكم؟ فقال: «يا أبا محمد من ردّ عليكم هذا الأمر فهو كالرادّ على رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)وعلى الله تبارك وتعالى، يا أبا محمد إنّ الميت منكم على هذا الأمر شهيد» قال: قلت: وإن مات على فراشه، قال: «إي والله على فراشه حيّ عند ربه يرزق»(4).


1) الكافي ،8: 214 ، باب فضل الشيعة الإمامية، ح 260.

2) الكافي : 145 ، باب فضل الشيعة ومدح يحيى بن سابور ، ح 118. والآيتان في سورة الأعراف : 16 و 17.

3) الكافي 8 : 145 ، باب فضل الشيعة ومدح يحيى بن سابور، ح 119.

4) الكافي 8 : 146 ، باب من مات ولم يكن له إمام مات ميتة الجاهلية، ح 120.

5898 - وسئل الصادق(عليه السلام) ما حدّ السخاء؟ قال: تخرج من مالك الحق الذي أوجبه الله عزّوجلّ عليك فتضعه في موضعه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي الصحيح عن ابن مسكان عن حبيب - والظاهر أنّه الثقة - قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام)يقول: «أما والله ما أحد من الناس أحبّ إليّ منكم، وإنّ الناس سلكوا سبلاً شتّى، فمنهم من أخذ برأيه، ومنهم من اتّبع هواه، ومنهم من اتبع الرواية، وأنّكم أخذتم بأمر له أصل، فعليكم بالورع والاجتهاد، واشهدوا الجنائز، وعودوا المرضى، واحضروا مع قومكم في مساجدهم للصلاة، أما يستحيي الرجل منكم أن يعرف جاره حقه ولا يعرف حق جاره؟!»(1)أي للتقية أو لتأليف قلوبهم.

وفي الصحيح عن ابن مسكان عن مالك الجهني، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «يا مالك أما ترضون أن تقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة وتكفوا وتدخلوا الجنة، يا مالك إنّه ليس من قوم ائتمّوا بامام في الدنيا إلّا جاء يوم القيامة يلعنهم ويلعنونه إلّا أنتم ومن كان على مثل حالكم، يا مالك إنّ الميت والله منكم على هذا الأمر لشهيد بمنزلة الضارب بسيفه في سبيل الله»(2).

(وسئل(عليه السلام)) رواه الكليني في القوي كالصحيح أنّه سئل أبو عبد الله(عليه السلام)(3)، ويحمل على أنّ السخاء الواجب هو أن يخرج الواجب ويعطيه المستحق.


1) الكافي 8 : 146 ، ح 121.

2) الكافي 8: 146 ، ح 122.

3) الكافي 4 : 39 باب معرفة الجود والسخاء، ح 2.

5899 - وروى يعقوب بن يزيد عن أحمد بن الحسن الميثمي عن الحسين بن أبي حمزة قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: أنفق وأيقن بالخلف، واعلم أنّه من لم ينفق في طاعة الله ابتلى بأن ينفق في معصية الله عزّوجلّ، ومن لم يمش في حاجة وليّ الله ابتلى بأن يمشى في حاجة عدو الله عزّوجلّ.

5900 - وروى أحمد بن إسحاق بن سعد عن عبد الله بن ميمون عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه(عليهم السلام) ، قال : قال الفضل بن العباس: اُهدي إلى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بغلة أهداها له كسرى أو قيصر فركبها النبي صلى الله عليه وسلم بجلّ من شعر وأردفني خلفه، ثمّ قال لي: يا غلام احفظ الله يحفظك.

واحفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله عزّوجلّ في الرخاء

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(وروى يعقوب بن يزيد) في الموثق (أنفق وأيقن بالخلف) لأنّ الله تعالى قال: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ (1). أي يعوّض عن واحد عشراً إلى سبعمائة.

[موعظة النبي للفضل بن عباس ]

( وروى أحمد بن إسحاق بن سعد) الثقة ( عن عبد الله بن میمون) الثقة (احفظ الله) بالتقوى (يحفظك) في الدنيا والآخرة عن المكاره، كما قال تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامِ أَمِينٍ(2). وغيرها من الآيات (تجده أمامك) أي حاضراً عندك في دفع الشدائد وإعطاء الخيرات (تعرف إلى الله) أي حصل المعرفة (في الرخاء)


1) سبأ : 39

2) الدخان : 51.

يعرفك في الشدة إذا سألت فاسأل الله.

وإذا استعنت فاستعن بالله عزّوجلّ، فقد مضى القلم بما هو كائن، فلو جهد الناس أن ينفعوك بأمر لم يكتبه الله لك لم يقدروا عليه، ولو جهدوا أن يضرّوك بأمر لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل، فإن لم تستطع فاصبر، فإنّ في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً، واعلم أنّ النصر مع الصبر، وأنّ الفرج مع الكرب، وأنّ مع العسر يسراً، إنّ مع العسر يسراً.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

بأن لا تنسى الله في عبادته، فإنّ الغالب على الإنسان أنّه يطغى في الرخاء، إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى(1). ( يعرفك في الشدة) بقضاء الحوائج وإجابة الدعوات، كما رواه الكليني في الصحيح عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «من تقدّم في الدعاء استجيب له إذا نزل به البلاء وقيل: صوت معروف ولم يحجب عن السماء، ومن لم يتقدّم في الدعاء لم يستجب له إذا نزل به البلاء، وقالت الملائكة: إنّ ذا الصوت لانعرفه »(2). وتقدّم الأخبار فيه.

(فقد مضى القلم بما هو كائن) أي قضاء وقدر جميع ما كان وما يكون فلا يمكن تغيير المقدّر إلّا الله، وهذا أيضاً مقدّر بأن يتغيّر بالدعاء، ولو لم يتغيّر يحصل للعبد ما هو أحسن منه في الدنيا والآخرة. (بالصبر مع اليقين) أي الرضى بما قضى الله تعالى، فإنّه غاية الكمال، وإن لم يحصل له هذه الرتبة فلا أقل من الصبر.


1) العلق : 6 و 7 .

2) الكافي 2 : 472 باب التقدم في الدعاء، ح1. وفيه : «وقالت الملائكه» بدل «وقيل».

5901 - وروى محمد بن علي الكوفي عن إسماعيل بن مهران عن مرازم عن جابر بن يزيد عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : إذا وقع الولد في بطن اُمّه صار وجهه قبل ظهر اُمّه إن كان ذكراً، وإن كانت اُنثى صار وجهها قبل بطن اُمها، ويداه على وجنتيه، وذقنه على ركبتيه كهيئة الحزين المهموم، فهو كالمصرور منوط بمعاء من سرّته إلى سرّة أُمّه، فبتلك السرّة يغتذى من طعام اُمّه وشرابها إلى الوقت المقدّر لولادته، فيبعث الله عزّوجلّ إليه ملكاً فيكتب على جبهته شقي أو سعيد، مؤمن أو كافر، غني أو فقير، ويكتب أجله ورزقه وسقمه وصحته، فإذا انقطع الرزق المقدّر له من سرّة أُمّه زجره الملك زجرة، فانقلب فزعاً من الزجرة وصار رأسه قبل المخرج.

فإذا وقع على الأرض دفع إلى هول عظيم وعذاب أليم، إن أصابته ريح أو مسّته يد وجد لذلك من الألم ما يجد المسلوخ عند جلده، يجوع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

[ كيفية حصول الجنين في بطن اُمّه ]

(وروی محمد بن علي الكوفي) الظاهر أنّه أبو سمينة، وضعّفه بعض الأصحاب(1)، ولكن كتبه معتمد الأصحاب، وتقدّم الأخبار في ذلك في أبواب النكاح، منها صحيحتا زرارة، والمصرور: المشدود، والوجنة: ما ارتفع من الخدين (شقي أو سعيد) أي يكتب ما يعلمه الله تعالى أنّه يصير إليه من السعادة والشقاوة


1) خلاصة الأقوال : 429 / 37. رجال ابن داود : 274/ 469. التحرير الطاووسي : 514 / 375.

فلا يقدر على الاستطعام، ويعطش فلا يقدر على الاستسقاء، ويتوجّع فلا يقدر على الاستغاثة، فيوكّل الله تبارك وتعالى برحمته والشفقة عليه والمحبّة له اُمّه، فتقيه الحرّ والبرد بنفسها، وتكاد تفديه بروحها، وتصير من التعطّف عليه بحال لا تبالي أن تجوع إذا شبع، وتعطش إذا روى، وتعرى إذا كسى، وجعل الله تعالى ذكره رزقه في ثديي أُمّه في إحداهما شرابه وفي الاُخرى طعامه، حتى إذا رضع آتاه الله عزّوجلّ في كلّ يوم بما قدّر له فيه من رزق، فإذا أدرك فهّمه الأهل والمال والشره والحرص.

ثمّ هو مع ذلك يعرض للآفات والعاهات والبليّات من كلّ وجه، والملائكة تهديه وترشده، والشياطين تضلّه وتغويه، فهو هالك إلّا أن ينجيه الله عزّوجلّ ، وقد ذكر الله تعالى ذكره نسبة الإنسان في محكم كتابه فقال عزّوجلّ: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ.

ــــــــــــــــــــــــــــ

والعلم ليس بعلّة (والملائكة تهديه).

روى الكليني في الصحيح عن أبان بن تغلب عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «ما من مؤمن إلّا ولقلبه اُذنان فى جوفه: اُذن ينفث فيه الوسواس الخناس، واُذن ينفث فيها الملك فيؤيّد الله المؤمن بالملك، فذلك قوله: وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ(1).


1) الكافي 2 : 267 ، باب أنّ للقلب اُذنين ينفث فيها الملك والشيطان، ح 3. والآية في سورة المجادلة : 22.

.................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي الحسن كالصحيح عن حمّاد عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «ما من قلب إلّا وله اُذنان، على إحداهما ملك مرشد، وعلى الاُخرى شيطان مفتّن هذا يأمره، وهذا يزجره، الشيطان يأمره بالمعاصي، والملك يزجره عنها، وهو قول الله عزّوجلّ: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ »(1).

وعن أبي خديجة، قال: دخلت على أبي الحسن(عليه السلام) فقال لي: «إنّ الله تبارك وتعالى أيّد المؤمن بروح تحضره في كلّ وقت يحسن فيه ويتقي وتغيب عنه في كلّ وقت يذنب فيه ويعتدّي فهي معه تهتز سروراً عند إحسانه ويسيخ (أي يغيب) في الثرى عند إساءته، فتعاهدوا عباد الله نعمه بإصلاحكم أنفسكم تزدادوا يقيناً أو تربحوا نفيساً ثميناً، رحم الله امرءاً همّ بخير فعمله أوهمّ بشرّ فارتدع عنه» ثمّ قال: « نحن نؤيد الروح بالطاعة الله والعمل له»(2).

وفي القوي كالصحيح عن أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «ما من مؤمن إلّا ولقلبه اُذنان فى جوفه: اُذن ينفث فيها الوسواس الخناس، واُذن ينفت فيها الملك ، فيؤيّد الله المؤمن بالملك، فذلك قوله: وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ »(3).

واعلم أنّ الحكمة الإلهية مقتضية، لأن تكون الكمالات والترقّيات بعد المعارضات، ولهذا خلق الإنسان بعد الملائكة، ولمّا لم يكن لهم معارضة لا يكون


1) الكافي 2 : 266، ح .1. والآيتان في سورة ق : 17 و 18.

2) الكافي :2 : 268 ، باب الروح الذي أيد به المؤمن، ح 1.

3) لم نعثر عليه.

قال جابر بن عبد الله الأنصاري: فقلت: يا رسول الله هذه حالنا فكيف حالك وحال الأوصياء بعدك في الولادة؟ فسكت رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ملياً،

ــــــــــــــــــــــــــ

لهم الترقّي كما قال تعالى: وَمَا مِنَّا إِلّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (1)وجرّبناه كثيراً أنّه كلّما كانت المعارضة أشدّ كان الترقّي أكثر.

وروى الكليني في الصحيح عن الأحول عن سلام بن المستنير، قال: كنت عند أبي جعفر(عليه السلام) فدخل عليه حمران بن أعين وسأله عن أشياء، فلمّا همّ حمران بالقيام قال لأبي جعفر(عليه السلام): أخبرك أطال الله بقاك لنا وأمتعنا بك إنّا نأتيك فما نخرج من عندك حتى ترقّ قلوبنا وتسلوا أنفسنا عن الدنيا ويهون علينا ما في أيدي الناس من هذه الأموال، ثمّ نخرج من عندك فإذا صرنا مع الناس والتجّار أحببنا الدنيا، قال: فقال أبوجعفر

(عليه السلام): «إنّما هي القلوب مرّة تصعب ومرّة تسهل» ثمّ قال أبو جعفر(عليه السلام): «أما إنّ أصحاب محمد(صلّی الله علیه وآله وسلّم) قالوا: یا رسول الله نخاف علينا النفاق، قال: فقال لهم: ولم تخافون ذلك؟ قالوا: إذا كنّا عندك فذكرتنا ورغّبتنا وجلنا ونسينا الدنيا وزهدنا كأنّا نعاين الآخرة والجنّة والنار ونحن عندك ، فإذا خرجنا من عندك ودخلنا هذه البيوت وشممنا الأولاد ورأينا العيال والأهل نكاد أن نحوّل عن الحالة التي كنّا عليها عندك حتى كأنّا لم نكن على شيء، أفتخاف علينا أن يكون ذلك نفاقاً؟ فقال لهم رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : كلّا ، إنّ هذه خطوات الشيطان فيرغبكم في الدنيا، والله لو تدومون على الحالة التي وصفتم أنفسكم بها لصافحتكم الملائكة ومشيتم على


1) الصافات : 164

..................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

الماء، ولولا أنّكم تذنبون وتستغفرون الله لخلق الله خلقاً حتى يذنبوا ثمّ يستغفروا الله فيغفر لهم، إنّ المؤمن مفتّن توّاب. أما سمعت قول الله عزّوجلّ:

إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ. وقال: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ »(1). وفي الصحيح عن الحسين بن نعيم الصحاف، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام) : أيكون- أو لم يكون - الرجل عند الله مؤمناً قد ثبت له الإيمان عند الله ثمّ ينقله الله عزّوجلّ بعد من الإيمان إلى الكفر ؟ قال: فقال: «إنّ الله عزّوجلّ هو العدل، إنّما دعا العباد إلى الإيمان عند الله لم ينقله الله عزّوجلّ بعد ذلك من الإيمان إلى الكفر» قلت له: فيكون كافراً قد ثبت له الكفر عند الله عزّوجلّ ثمّ ينقله الله بعد ذلك من الكفر إلى الإيمان؟ قال: فقال: «إنّ الله عزّوجلّ خلق الناس كلّهم على الفطرة التي فطر عليها، لا يعرفون إيماناً بشريعة ولا كفراً بجحود، ثمّ بعث الله الرسول يدعو العباد إلى الإيمان به، فمنهم من هدى الله، ومنهم من لم يهده الله»(2).

وفي الصحيح عن علي بن جعفر عن أبي الحسن موسى(عليه السلام)، قال: «إنّ الله خلق قلوب المؤمنين مطويّة مبهمة على الإيمان، فإذا أراد استنارة ما فيها نضحها (أي رشها) بالحكمة وزرعها بالعلم وزارعها والقيم عليها ربّ العالمين»(3).


1) الكافي 2 : 423، باب تنقل أحوال القلب، ح .1. والآية الأولى في سورة البقرة : 222. والثانية في سورة هود : 3.

2) الكافي 2 : 416، باب ثبوت الإيمان ، ح 1. مع اختلاف يسير

3) الكافي 2 : 420، باب سهو القلب، ح3 .

ثمّ قال: يا جابر لقد سألت عن أمر جسيم لا يحتمله إلّا ذو حظ عظيم، إنّ الأنبياء والأوصياء مخلوقون من نور عظمة الله جل ثنائه، يودّع الله أنوارهم أصلاباً طيبة وأرحاماً طاهرة، يحفظها بملائكته، ويربّيها بحكمته، ويغذوها بعلمه، فأمرهم يجلّ عن أن يوصف، وأحوالهم تدقّ عن أن تعلم؛ لأنّهم نجوم الله في أرضه، وأعلامه في بريّته، وخلفائه على عباده، وأنواره في بلاده، وحججه على خلقه، يا جابر هذا من مكنون العلم ومخزونه فاكتمه إلّا من أهله.

ــــــــــــــــــــــــــ

وفي الصحيح عن أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: سمعته يقول: «إنّ القلب يكون في الساعة من الليل والنهار ليس فيه إيمان ولا كفر، أما تجد ذلك ثمّ تكون بعد ذلك نكتة من الله في قلب عبده بما شاء. إن شاء بإيمان وإن شاء بكفر»(1). أي بسوء عمله.

[كيفية خلق الأنبياء والأوصياء ]

(إنّ الأنبياء والأوصياء مخلوقون من نور عظمة الله) أي من نور عظّمه الله.

وروى الشيخ الصدوق محمد بن الحسن الصفار في الصحيح والصدوق الكليني(2)في القوي كالصحيح عن علي بن الحسين(عليه السلام)، قال: «إن الله عزّوجلّ


1) الكافي 2 : 420 ، باب سهو القلب، ح .1.

2) هكذا في المخطوط والمطبوع من دون واو، والظاهر سقوط الواو من النساخ، خصوصاً مع ورود الرواية في أحد كتب الصدوق وهو العلل. ويحتمل إطلاق الصدوق على الكليني كما أطلقه على الصفّار. ويحتمل أيضاً سقوط الواو من محمد بن الحسن الصفار.

...............................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

خلق النبيين من طينة عليّين قلوبهم وأبدانهم، وخلق قلوب المؤمنين من تلك الطينة. وخلق أبدان المؤمنين من دون ذلك، وخلق الكفّار من طينة سجين قلوبهم وأبدانهم، فخلط بین الطينتين، فمن هذا يلد المؤمن الكافر، ويلد الكافر المؤمن، ومن هاهنا يصيب المؤمن السيئة، ومن هاهنا يصيب الكافر الحسنة، فقلوب المؤمنين تحنّ إلى ما خلقوا منه، وقلوب الكافرين تحنّ إلى ما خلقوا منه»(1).

وفي القوي كالصحيح عن محمد بن مروان، عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال : سمعته يقول: «إنّ الله خلقنا من نور عظمته، ثمّ صوّر خلقنا من طينة مخزونة مكنونة من تحت العرش، فأسكن ذلك النور فيه فكنّا نحن خلقاً وبشراً نورانيين لم يجعل لأحد في مثل الذي خلقنا منه نصيب، وخلق أرواح شيعتنا من طينتنا وأبدانهم من طينة مخزونة مكنونة أسفل من ذلك الطينة، ولم يجعل الله لأحد في مثل الذي خلقهم منه نصيباً إلّا للأنبياء والمرسلين، فلذلك صرنا نحن وهم الناس، وصار سائر الناس همج للنار وإلى النار»(2).

وفي القوي كالصحيح عن أبي حمزة الثمالي، قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول:« إنّ الله خلقنا من أعلى علّيين، وخلق قلوب شيعتنا ممّا خلقنا، وخلق أبدانهم من

ـــــــــــــــــــــــــــــــ


1) الكافي 2 : 2 باب طينة المؤمن والكافر ، ح .1. بصائر الدرجات : 35 ، ح ه علل الشرائع 1 : 82 باب العلة في خروج المؤمن من الكافر وخروج الكافر من المؤمن، ح 2.

2) بصائر الدرجات : 40 ، ح3. الكافی 1 : 389 باب خلق أبدان الأئمة(عليهم السلام)، ح 2.

........................................

ـــــــــــــــــــــــــــ

دون ذلك، فقلوبهم تهوي إلينا ؛ لأنّها خلقت ممّا خلقنا منه، ثمّ تلا هذه الآية: كَلاً إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَوَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ كِتَابٌ مَرْقُومٌيَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (1)، وخلق عدوّنا من سجّين، وخلق قلوب شيعتهم ممّا خلقهم منه وأبدانهم من دون ذلك، فقلوبهم تهوي إليهم؛ لأنّها خلقت ممّا خلقوا منه، ثمّ تلا هذه الآية: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍوَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌكِتَابٌ مَرْقُومٌ(2)(3). إلى غير ذلك من الأخبار المتواترة التي ذكرها البرقي والصفار والكليني رضي الله عنهم، وهذه موافقة للآيات التي لا يمكن ردّها كما قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ(4). وقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ(5)إلى آخرها، وتقدّمت، وغير ذلك من الآيات.

فذهب جماعة من المعتزلة لعنهم الله إلى ردّ الآيات والأخبار الكثيرة؛ لمخالفتها


1) المطففين : 18 - 20.

2) المطففين : 7 - 9.

3) المحاسن 1 : 132، باب خلق المؤمن من عليين ح .5 بصائر الدرجات : 34 ، ح 3. الكافي 1 390 ، باب خلق أبدان الأئمة(عليهم السلام) ، ح4 . علل الشرائع 1 : 116، باب علة الطبايع والشهوات والمحبات، ح 12.

4) الأعراف : 172.

5) آل عمران : 81

.............................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

لعقولهم الضعيفة الباطلة، ونفوا وجود المجرّدات والملائكة والجن، وتقدّم الأرواح على الأبدان. بأنّ ذلك مذهب أهل التناسخ، ويستلزم وجود الشريك للباري جلّ جلاله في التجرّد، وأوّلوا الآيات والأخبار بتأويلات أقبح من الردّ، كما أنّ السوفسطائية نفوا وجود شيء؛ لأنّه يستلزم الشريك.

وأيّ نسبة بين الممكن والواجب حتى يستلزم المشابهة؟

أمّا ما تضمنه الأخبار من الاختلاف في الطينة فيمكن أن يكون المراد به العاقبة. كما تقدّم من كتابة السعادة والشقاوة؛ لأنّ الله تعالى يعلم عواقبهم والعلم ليس بعلّة أو يقال: إنّه لاشكّ في اختلاف الأحوال والأمزجة، فمن الناس من يكون في نهاية الفهم والفطنة، ومنهم في غاية الحماقة والغباوة، فيمكن أن يكون الشقي مخلوقاً على الشقاوة، بأن يكون مائلاً إليها، لكنّ الله تعالى أعطاه من العقل ما يعلم به الشقاوة والسعادة، ومن الاختيار ما به يمكنه اختيار السعادة، وبه يتم حجته عليهم.

وذكروا أنّه لو كنّا مخلوقين قبل الأبدان لكان في بالنا، ولم يتفطّنوا أنّ الإنسان بسبب نوم لمحة ينسى أيّام يقظته بالكلية ويتخيّل في حالة النوم أنّه لا عالم إلّا هذا العالم، فكيف لا يمكن النسيان مع تعلّق مدّة مديدة بهذا البدن ؟!

[حديثهم (عليهم السلام)صعب مستصعب ]

مع أنّه روي في الأخبار المتواترة: أنّ حديثنا صعب مستصعب لا يحتمله

5902 - وروى المفضل بن عمر ، عن ثابت الثمالي، عن حبّابة الوالبية - رضي الله عنها - قال: سمعت مولاي أمير المؤمنين(عليه السلام) يقول: إنّا أهل بيت لا نشرب المسكر ، ولا نأكل الجري، ولا نمسح على الخفين، فمن كان من شيعتنا فليقتد بنا وليستنّ بسنّتنا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إلّا ملك مقرّب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان، رواه جابر، وأبو بصير. وأبو حمزة الثمالي ، ومسعدة بن صدقة، وأبو الربيع الشامي، ومحمد بن عبد الخالق، ومحمد بن مسلم، وأبان بن عثمان، ومرازم، ومحمد بن الفضيل، وغيرهم من الأصحاب في أخبار كثيرة بعضها صحيحة وبعضها حسنة وموثقة وقوية، ورواها الكليني والمصنّف والصفار والبرقي(1)وغيرهم، ولخوف الإطالة لم نذكرها وذكرنا غيرها من الأخبار، أنّ حق الله على العباد أن لا يردّوا ما لم يصل إليه عقولهم كما قال الله : بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ(2). نعم لو كان ظاهره ظاهر البطلان مثل آيات الوجه واليد، وكونه تعالى على العرش وكذا أخبار ذلك يجب تأويلها، والأئمة(عليهم السلام) أولوها لنا.

(ولا نمسح على الخفين) حتى في التقية؛ لأنّه يمكن غسل الرجل، وهو مقدّم، إلّا أن يعلم أو يظنّ أنّهم به يستدلون على أنّه رافضي، ولكن الفرض بعيد.


1) انظر: بصائر الدرجات : 40 - 49. الكافي 1 : 401 و 402 ، باب فيما جاء أن حديثهم صعب مستصعب الخصال : 207 ، ح 27. الأمالي للشيخ الصدوق : 52 ، ح 6، ولم نعثر عليه في المحاسن.

2) یونس : 39.

5903 - وروى حماد بن عثمان عن الصادق جعفر بن محمد(عليه السلام)، قال: في حكمة آل داود: ينبغي للعاقل أن يكون مقبلاً على شأنه، حافظاً للسانه، عارفاً بأهل زمانه.

5904 - وروى صفوان بن يحيى ومحمد بن أبي عمير عن موسى بن بكر عن زرارة عن الصادق جعفر بن محمد(عليه السلام) ،قال: الصنيعة لا تكون صنيعة إلّا عند ذي حسب أو دين، الصلاة قربان كلّ تقي، الحج جهاد كلّ ضعيف، لكلّ شيء زكاة وزكاة الجسد الصيام، جهاد المرأة حسن التبعل، استنزلوا الرزق بالصدقة، من أيقن بالخلف جاد بالعطية، إنّ الله تبارك وتعالى ينزل المعونة على قدر المؤونة، حصّنوا أموالكم بالزكاة، التقدير نصف العيش، ما عال امرئ اقتصد، قلّة العيال أحد اليسارين، الداعي بلا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(وروی حماد بن عثمان) في الصحيح (مقبلاً على شأنه) أي لا يتوجّه إلى عيوب غيره ما لم يزلها عن نفسه أو كان متوجّهاً إلى ما ينفعه في الآخرة (حافظاً للسانه) عمّا لا يعنيه (عارفاً بأهل زمانه) فإنّ أكثرهم مضيّع لوقته، فلا يجلس إلّا مع من ينتفع به في دينه، ولا يبثّ إلى كلّ أحد أسراره.

(وروى صفوان بن يحيى) في القوي كالصحيح (الصنيعة) الإحسان (الصلاة قربان كلّ تقي) أي تكون سبب القرب للمتّقين، كما قال تعالى: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ(1)(التقدير) أي التضييق أو الاقتصاد. (ما عال) أي لم يفتقر، والوتر : ذه كمان وحبل القوس، أي يشترط في الداعي أن يكون صالحاً حتى يستجاب دعائه.)


1) المائدة : 27.

عمل كالرامي بلا وتر، التودّد نصف العقل، الهمّ نصف الهرم، إنّ الله تبارك وتعالى ينزل الصبر على قدر المصيبة، من ضرب يده على فخذه عند المصيبة حبط أجره، من أحزن والديه فقد عقّهما.5905 - وقال الصادق(عليه السلام: إنّ الله تبارك وتعالى قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم.)ـــــــــــــــــــــــــــــــ(التودّد والمحبة مع الناس كلّهم، فمع المؤمنين بالقلب، ومع غيرهم مداراة وتقية. (الهمّ) والغمّ سبب للهرم، فينبغي للعاقل أن لا يغتم عبثاً فإنّه كالقاتل نفسه بيده. (من أحزن والديه) بأيّ وجه كان وإن كان بإظهار الفقر والبلاء لهما.)### [تقسيم الأخلاق كتقسيم الأرزاق ]الكمالات.(وقال الصادق(عليه السلام - إلى قوله - أرزاقكم) الظاهر أنّ المراد به أنّه اغتنموا من إخوانكم بعض الأخلاق، ولا تتوقّعوا عن كلّ أحد منهم جميع الکمالات .)كما رواه الكليني في القوي عن أمير المؤمنين(عليه السلام أنّه قال: «من استحكمت فيه خصلة من خصال الخير احتملته عليها واغتفرت فقد ما سواها، ولا اغتفر فقد عقل ولا دين؛ لأنّ مفارقة الدين مفارقة الأمن، فلا يتهناً بحياة مع مخافة، وفقد العقل فقد الحياة، ولا يقاس إلّا بالأموات»(1).)وفي القوي كالصحيح عن شهاب، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلاميقول: «لو علم الناس كيف خلق الله تبارك وتعالى هذا الخلق لم يلم أحد أحداً» فقلت: أصلحك الله)


1) الكافي ،1 : 27 ، كتاب العقل والجهل، ح 30.

.................................................ــــــــــــــــــــــــــــوكيف ذلك؟ قال: «إنّ الله تبارك وتعالى خلق أجزاء بلغ بها تسعة وأربعين جزءاً ثمّ جعل الأجزاء أعشاراً، فجعل الجزء عشرة أعشار، ثمّ قسّمه بين الخلق فجعل في رجل عُشر جزء وفي آخر عُشري جزء حتى بلغ به جزءاً تامّاً، وفي آخر جزءاً وعشر جزء وآخر جزءاً وعُشري جزء، وآخر جزءاً وثلاثة أعشار جزء حتى بلغ به جزءين تامين، ثمّ بحساب ذلك حتى بلغ بأرفعهم تسعة وأربعين جزء، فمن لم يجعل فيه إلّا عشر جزء لم يقدر على أن يكون مثل صاحب العشرين، وكذا صاحب العشرين لا يكون مثل صاحب الثلاثة أعشار، وكذلك من تمّ له جزء لا يقدر على أن يكون مثل صاحب الجزءين، ولو علم الناس أنّ الله عزّوجلّ خلق هذا الخلق على هذا لم يلم أحد أحداً»(1.)ويمكن أن يكون المراد به الشكر على ما أعطاكم الله تعالى والرغبة إليه في الزيادة، فإنّه كما قسّم الأخلاق أعطى الدعاء والسعي للزيادة في الكمالات، كما تقدّم.وروى المصنّف في القوي كالصحيح عن أمير المؤمنين(عليه السلام، قال: «إنّ يهودياً كان له على رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)دنانير، فتقاضاه فقال له: يا يهودي ما عندي ما أعطيك. فقال: فإنّي لا اُفارقك يا محمد حتى تقضيني، فقال(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : إذاً أجلس معك فجلس(صلّی الله علیه وآله وسلّم) معه حتى صلى في ذلك الموضع الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والغداة، وكان أصحاب رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) يتهدّدونه، ويتواعدونه، فنظر)


1) الكافي 2 : 44، باب آخر (من درجات الإيمان)، ح 1.

..................................................ــــــــــــــــــــــــــــــــرسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم إليهم فقال: ما الذي تصنعون به؟ فقالوا: يا رسول الله يهودي يحبسك ؟ فقال (صلّی الله علیه وآله وسلّم): لم يبعثني ربي عزّوجلّ بأن أظلم معاهداً ولا غيره، فلمّا علا النهار قال اليهودي: أشهد أن لا إله إلّا الله وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، وشطر مالي في سبيل الله، أما والله ما فعلت بك الذي فعلت إلّا لأنظر إلى نعتك في التوراة، فإنّي قرأت نعتك في التوراة: محمد بن عبد الله مولده بمكة ومهاجره بطيبة، وليس بفظّ ، ولا غليظ، ولا صخاب (أي شديد الصوت) ولا متزين بالفحش، ولا قول الخنا، وأنا أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّك رسول الله ، وهذا مالي فاحكم فيه بما أنزل الله، وكان اليهودي كثير المال»(1).)ثمّ قال علي(عليه السلام: «كان فراش رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) عباءة، وكانت مرفقته أدم، حشوها ليف، فثنّيت له ذات ليلة، فلمّا أصبح قال: لقد منعني الفراش الليلة الصلاة. فأمر(صلّی الله علیه وآله وسلّم)أن يجعل بطاق واحد»(2).)فتأمّل في خلقه(صلّی الله علیه وآله وسلّم ، ولهذا قال الله تعالى :﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)(3). وفي القوي كالصحيح عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام) ، قال: «إنّ جبرئيل الروح الأمين نزل على [محمد] من عند ربّ العالمين فقال: يا محمد عليك بحسن الخلق، فإنّ سوء الخلق يذهب بخير الدنيا والآخرة، ألا وإنّ أشبهكم بي أحسنكم خُلقاً»(4).


1) الأمالي للشيخ الصدوق : 551 ، ح 6.

2) الأمالي للشيخ الصدوق : 552، ح 7.

3) القلم : 4.

4) الأمالي للشيخ الصدوق : 552 ، ح 738.

5906 - وروي عن أبي جميلة المفضل بن صالح عن سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قال: هبط جبرئيل على آدم(عليه السلام) فقال : يا آدم إنّي اُمرت أن اُخيّرك واحدة من ثلاث، فاختر واحدة ودع اثنتين، فقال له: وما تلك الثلاث؟ قال: العقل والحياء والدين، فقال آدم(عليه السلام): فإنّي قد اخترت العقل، فقال جبرئيل(عليه السلام) للحياء والدين: انصرفا ودعاه، فقالا: يا جبرئيل إنّا اُمرنا أن نكون مع العقل حيث كان، قال: فشأنكما وعرج.

5907 - وروی أحمد بن محمد بن عيسى عن علي بن إسماعيل عن عبد الله بن الوليد عن أبي بصير عن أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمد

(عليه السلام) ، قال: أربع يذهبن ضياعاً: مودة تمنح من لا وفاء له، ومعروف يوضع عند من لا يشكره، وعلم يعلم من لا يستمع له، وسرّ يودع من

لا حصانة له.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(وروي عن أبي جميلة) كالكليني(1)، ويدل على أنّ العقل يستلزم الحياء من الله تعالى فلا يعصيه، بل لا يريد إلّا الأحسن، وكذا الدين؛ لأنّ الله تعالى أوضح دلائل الدين لكلّ عاقل.

(وروى أحمد بن محمد بن عيسى) في الحسن كالصحيح (وعلم يعلم من لا يستمع له) أي ليس له جدّ في الفهم والتدبير، بل كان مراده تصحيح اللفظ والكتاب كما هو الشائع، أو إذا لم يعمل به، والحصانة: الحفظ والحبس.


1) الكافي 1 : 10 ، كتاب العقل والجهل ، ح 2 الخصال : 102، ح 59.

5908 - وقال الصادق(عليه السلام) : إنّ الله تبارك وتعالى بقاعاً تسمّى المنتقمة، فإذا أعطى الله عبداً مالاً لم يخرج حق الله عزّوجلّ منه سلّط الله عليه بقعة من تلك البقاع فأتلف ذلك المال فيها، ثمّ مات وتركها.

5909 - وقال الصاق(عليه السلام) : من لم يبال ما قال وما قيل فيه فهو شرك شيطان، ومن لم يبال أن يراه الناس مسيئاً فهو شرك شيطان، ومن

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(وقال الصادق(عليه السلام)) رواه المصنّف في القوي عنه (عليه السلام)(1)(من لم يبال ما قال) من الفحش والسبّ والإيذاء. (وما قيل فيه) من أمثالها كما يفعلها الأجلاف، فلو تأثّر و صبر أو عفا فهو كمال (فهو شرك شيطان) أي شارك الشيطان أباه في الجماع وحصل هذا الولد كما تقدّم الأخبار فيه.

وروى الكليني في القوي كالصحيح عن سليم بن قيس عن أمير المؤمنين(عليه السلام) ، قال: « قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): إنّ الله حرّم الجنّة على كلّ فحّاش بذي قليل الحياء، لا يبالي ما قال ولا ما قيل فيه، فإنّك إن فتشته لم تجده إلّا لغية أو شرك شيطان. قيل: يا رسول الله وفي الناس شرك شيطان؟ فقال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) : أما تقرأ قول الله عزّوجلّ: (وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ » (2).

وقال: وسأل رجل فقيهاً هل في الناس من لا يبالي ما قيل له؟ قال: «من تعرّض للناس يشتمهم وهو يعلم أنّهم لا يتركونه، فذلك لا يبال ما قال ولا ما قيل له»(3).

(ومن لم يبال أن يراه الناس مسيئاً) فكأنّه مستحلّ لما فعله، مع أنّه يتعدّى إلى


1) الأمالي للشيخ الصدوق : 87، ح 57.

2) الكافي 2 : 323، باب البذاء، ح 3. والآية في سورة الإسراء : 64.

3) الكافي 2 : 324، باب البذاء، ذيل ح 3.

اغتاب أخاه المؤمن من غير ترة (1)بينهما فهو شرك شيطان، ومن شغف بمحبّة الحرام وشهوة الزنا فهو شرك شيطان، ثمّ قال(عليه السلام) : لولد الزنا علامات: أحدها: بغضنا أهل البيت، وثانيها: أنّه يحنّ إلى الحرام الذي خلق منه، وثالثها: الاستخفاف بالدين، ورابعها: سوء المحضر للناس، ولا يسيء محضر إخوانه إلّا من ولد على غير فراش أبيه، أو من حملت به اُمّه في حيضها.

5910 - وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): من رضي من الدنيا بما يجزيه كان أيسر الذي فيها يكفيه، ومن لم يرض من الدنيا بما يجزيه لم يكن شيء فيها يكفيه.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الغير، سيما إذا كان من العلماء (من غير ترة) أي عداوة، ومعها قبيح أيضاً، لكن لو لم تكن بينهما عداوة واغتابه كان أقبح وعذابه أشدّ.

(ومن شغف بمحبة الحرام) أي دخلت في شغاف قلبه، أي غلافه أو سويداءه. أو بالمهملة بمعناه (سوء المحضر ) بأن يؤذي المؤمنين بلسانه صريحاً أو كناية.

(وقال أمير المؤمنين(عليه السلام)) رواه الكليني مرسلاً عنه(عليه السلام)(2).

وروى في الحسن كالصحيح عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله(عليه السلام) عن أمير المؤمنين(عليه السلام) ما في معناه(3).


1) وتره يتره وتراً وترة: أصابه بذحل أو ظلم فيه، انظر: القاموس المحيط 2 : 152.

2) الكافي 2 : 140، باب القناعة، ح 11.

3) الكافي 2 : 138، باب القناعة، ح 6.

5911 - وروى إسحاق بن عمار عن الصادق(عليه السلام) أنّه قال: تنزل المعونة من السماء على قدر المؤونة.

5912 - وروى الحسن بن علي بن فضال عن ميسر، قال: قال الصادق جعفر بن محمد(عليه السلام): إنّ فيما نزل به الوحي من السماء لو أنّ لابن آدم واديين يسيلان ذهباً وفضة لابتغى إليهما ثالثاً، يا ابن آدم إنّما بطنك بحر من البحور وواد من الأودية لا يملأه شيء إلّا التراب.

5913 - وقال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر، وأكل لحمه من معصية الله تعالى، وحرمة ماله كحرمة دمه.

5914 - وروى أحمد بن محمد بن سعيد الكوفي، قال: حدثنا علي بن الحسن بن فضال عن أبيه عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا(عليه السلام)، قال: للإمام علامات: يكون أعلم الناس، وأحكم الناس، وأتقى الناس، وأحلم

ـــــــــــــــــــــــــ

(وروى إسحاق بن عمار) في الموثق كالصحيح، ويدلّ على أنّ الله تعالى يرزق بقدر الحاجة.

(وروى الحسن بن علي بن فضال) في الموثق كالصحيح.

(وقال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)) قد تقدّم.

[علامات الإمام(عليه السلام)]

(وروى أحمد بن محمد بن سعيد الكوفي) في الموثق. (وأحكم الناس) من الحكمة أو باللام من الحلم أو العقل، وعلى هذا يكون أحلم الناس بمعنى غيره.

الناس، وأشجع الناس وأسخى الناس وأعبد الناس، ويولد مختوناً، ويكون مطهّراً، ويرى من خلفه كما يرى من بين يديه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(ويكون مطهراً) من دم النفاس أو معصوماً. (ويرى من خلفه) كما كان لرسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) كما ذكر، فما ذكره الأصحاب(1)من اختصاصه واختصاص كثير ممّا ذكر به (صلّی الله علیه وآله وسلّم)محمول على السهو ومتابعة للعامة في ذكرهم خصائصه(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، أو لعدم اعتبارهم لهذا الخبر بظنّ أنّه من الآحاد، لكنه مؤيّد بقوله تعالى: وَأَنْفُسَنَا)(2)وبأخبار سنشير إليها إن شاء الله .

كما روى الكليني والصفار والبرقي والمصنّف وغيرهم رضي الله تعالى عنهم بأسانيد متكثرة عن أبي جعفر وأبي عبد الله(عليه السلام)(3).

فعن سعيد الأعرج، قال: دخلت أنا وسليمان بن خالد على أبي عبد الله(عليه السلام) فابتدأنا فقال: «يا سليمان ما جاء عن أمير المؤمنين(عليه السلام) يؤخذ به، وما نهي عنه ينتهى عنه، جرى له من الفضل ما جرى لرسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) والرسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) الفضل على جميع من خلق الله المعيب(4)أو المعقب (أي من يتخذ غيره بدله أو المتعقّب بمعناه، أو المتأخّر عن المتابعه، أو المتفضّل كما في خبر آخر) على أمير المؤمنين(عليه السلام) في شيء من أحكامه كالمعيب - أو كالمعقب، وهو أظهر،


1) المبسوط 4 : 154 شرائع الإسلام .2 : 497 جامع المقاصد 12 : 64.

2) آل عمران : 61

3) انظر: الكافي 1 : 388، باب مواليد الأئمة(عليهم السلام) ، ح 8. بصائر الدرجات : 219 - 222. الخصال : 428، ح 5. مناقب آل أبي طالب 1 : 217.

4) على بناء التفعيل من عيبه إذا نسبه إلى العيب، مرآة العقول 2 : 373.

........................................

ـــــــــــــــــــــــــــــ

أو كالمتعقب - على الله عزّوجلّ وعلى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، والرّاد عليه في صغيرة كبيرة على حدّ الشرك بالله.

كان أمير المؤمنين(عليه السلام) باب الله الذي لا يؤتى إلّا منه، وسبيله الذي من سلك بغيره هلك، وبذلك جرت الأئمة - أو جرى للأئمة - واحداً بعد واحد؛ جعلهم الله أركان الأرض أن تميد بهم، والحجة البالغة على من فوق الأرض ومن تحت الثرى».

وقال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): أنا قسيم الله بين الجنّة والنار، وأنا الفاروق الأكبر. وأنا صاحب العصا والميسم (أي دابة الأرض، أي أخرج عند قيام المهدي من الأرض، وأسِم بعصاي على جبهة المؤمن فيكتب عليه: أنا مؤمن حقاً وبميسمي على جبهة الكافر، فينقش عليه أنّه كان كافر حقاً، كما روي ذلك في أخبار كثيرة من العامة والخاصة)(1)ولقد أقرّت لي جميع الملائكة والروح» وفي أخبار اُخر بزيادة: «والرسل بمثل ما أقرت لمحمد(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، ولقد حملت على مثل حمولة محمد(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وهي حمولة الربّ، وأنّ محمداً(صلّی الله علیه وآله وسلّم)و يدعى فيكسى ويستنطق، واُدعى فاُكسي وأستنطق (أي بمحامد الله تعالى والشفاعة) فانطق على حدّ منطقه، ولقد اُعطيت خصالاً لم يعطهنّ أحد قبلي، علمت علم المنايا والبلايا والأنساب وفصل الخطاب، فلم يفتني ما سبقني ولم يعزب عني ما غاب عنِّي، اُبشر بإذن الله واُؤدّي


1) كمال الدين وتمام النعمة : 527. مختصر بصائر الدرجات : 32 الخرائج والجرائح 3: 1136. كنز العمال 14 : 614. سنن الترمذي 5 : 21، ح 3240.

............................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

عن الله عزّ وجلّ كلّ ذلك مكتني الله فيه بإذنه»(1).

ورووا الأخبار المتواترة في أنّهم ورثة جميع الأنبياء والمرسلين في جميع العلوم والكمالات والمزايا(2)، وتقدّم بعضها.

وفي الصحيح عن ضريس الكناسي، قال: كنت عند أبي عبد الله(عليه السلام) وعنده أبو بصير، فقال أبو عبد الله(عليه السلام) : «إنّ داود ورث علم الأنبياء، وأنّ سليمان ورث داود، وأنّ محمد(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ورث سليمان، وإنّا ورثنا محمداً(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وإنّا عندنا صحف إبراهيم وألواح موسى» فقال أبو بصير: إنّ هذا لهو العلم فقال: «يا أبا محمد ليس هذا هو العلم إنّما العلم ما يحدث بالليل والنهار يوماً بيوم وساعة بساعة»(3).

قال المؤلّف - عفا الله عنه وأفاض الله تعالى عليه - : إنّ عبدهم(عليهم السلام) حصل له بعد الرياضات من إفاضة العلوم ساعة، فساعة ما لايحصى، ويعتبر بحاله على أحوالهم، ولا يصدّقهم حق التصديق إلّا من حصل له هذه المرتبة في الجملة.

وفي الصحيح عن ابن مسكان عن أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: قال لي: «يا أبا محمد إنّ الله عزّوجلّ لم يعط الأنبياء شيئاً إلّا وقد أعطاه محمداً(صلّی الله علیه وآله وسلّم) » قال: «وقد أعطى محمداً(صلّی الله علیه وآله وسلّم) جميع ما أعطى الأنبياء، وعندنا الصحف التي قال الله


1) الكافي 1 : 197، باب أنّ الأئمة هم أركان الأرض، ح 2.

2) بصائر الدرجات : 129 - 132 و 134 - 137 و 138 - 140. الكافي 1 : 223، باب أنّ الأئمة ورثوا علم النبي وجميع الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام).

3) الكافي 1 : 225 ، باب أنّ الأئمة ورثوا علم النبي، ح 4.

عزّ وجلّ: صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى» قلت: جعلت فداك هي هي الألواح؟ قال: «نعم»(1).

يقول عبدهم(عليهم السلام) : إنّي رأيت سيد الأنبياء وأمير المؤمنين والصادق والقائم صلوات الله عليهم أجمعين كلّ واحد منهم في واقعة ،ورسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وأمير المؤمنين(عليه السلام) في الوقائع المكرّرة، وكلّما رأيتهم كان دأبي معهم مدحهم بأنّهم(عليهم السلام) مظاهر أخلاق الله وكمالاته تعالى من العلم والقدرة وغيرهما، وكانوا (عليهم السلام)يصدقونني حتى أنّي رأيت أمير المؤمنين(عليه السلام) نائماً وكنت أقول: السلام عليك يا من اختاره الله بعد رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) - وكان قصدي أنّك بعده(صلّی الله علیه وآله وسلّم) في الرتبة - السلام عليك يا من اجتباه الله بعد رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، السلام عليك يا من اصطفاه الله بعد رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وهكذا، لكن الذي حفظته كان هذه الفقرات، ففتح(عليه السلام)عينيه وقال: عليك السلام ورحمة الله وبركاته، وجلس فأسقطت نفسي على رجليه فرفع رأسي ووضعه على ركبتيه، وكنت أبكي، وكان(عليه السلام) يلاطفني فاستيقظت وتوجّهت في الساعة إلى زيارته(عليه السلام) لراجلاً.

وانكشف عليّ في الطريق، وفي الضرائح المقدسة من الواردات القدسية ما لا اُحصي، وكان في ذاك الصوب قريباً من الطاعون ومات كثير ممّن كان معي ولم يحصل لي مكروه ببركة سلامه(عليه السلام)عليّ، بل جميع ما حصل لي كان ببركتهم(عليهم السلام) وأرجو من الله تعالى ببركتهم وبما وعدوني ما لا يتناهى من الكمالات والدرجات.


1) الكافي 1 : 225، باب أن الأئمة ورثوا علم النبي، ح 5. والآية في سورة الأعلى : 19.

ولا يكون له ظلّ، وإذا وقع على الأرض من بطن اُمّه وقع على راحتيه رافعاً صوته بالشهادتين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

وأصل هذا التأليف كان ببركة سيد المرسلين(صلّی الله علیه وآله وسلّم) والواقعة التي حصلت قبل التصنيف طويلة.

و مجمله أنّه(صلّی الله علیه وآله وسلّم) عادني وكان معه(صلّی الله علیه وآله وسلّم) أمير المؤمنين(عليه السلام) والزهراء(عليها السلام)وبعد العيادة بعثوا إليّ ثمرة من الجنّة كان فيها من اللذات والطعوم ما لا اُحصيها، وكنت أعطي من الناس وكان لا ينقص وكنت أقول: ألم أقل لكم أنّ هذه من صفات ثمرات الجنّة، وكان معها ثلاثة سفافيد(1)من الذهب من كباب الجنة، وكانت كالثمرة كلّما أعطي الناس منه لا ينقص، وكنت أقول لهم ما قلته في الثمرة، والثمرة هذا الشرح؛ لأنّي اشتغلت به بعده بلا فصل وتمّ بفضل الله تعالى في زمان يسير، وأرجو من الله تعالى أن يسهّل لي أن أكتب حواشي على الكليني والتهذيب والفقيه، كما وعدني.

(ولا يكون له ظلّ) كما لم يكن لرسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، وذلك من معجزاتهم (عليهم السلام)، وعلّل بأنّ الروح المقدّسة أثرت في البدن حتى صار بمنزلة الروح.

[للإمام(عليه السلام) عشر علامات ]

(وإذا وقع على الأرض من بطن أُمّه) روى الكليني في القوي كالصحيح عن زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: «للإمام عشر علامات: يولد مطهّراً مختوناً، وإذا وقع


1) جمع سفود بالفتح كتنور: الحديدة التي يشوى بها اللحم، مجمع البحرین 2 : 378

.................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

على الأرض وقع على راحتيه رافعاً صوته بالشهادتين، ولا يجنب، وتنام عينه ولا ينام قلبه، ولا يتثاوب ولا يتمطّى، ويرى من خلفه كما يرى من قدّامه، ونجوه كرائحة المسك والأرض موكّلة بستره وابتلاعه، وإذا لبس درع رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)كانت عليه وفقاً، وإذا لبسها غيره من الناس طويلهم وقصيرهم زادت عليه شبراً. وهو محدّث إلى أن تنقضي أيامه(عليه السلام)»(1).

وفي القوي عن أبي بصير، قال: حججنا مع أبي عبد الله(عليه السلام) في السنة التي ولد فيها ابنه موسى(عليه السلام)، فلمّا نزلنا الأبواء(2)وضع لنا الغذاء، وكان إذا وضع الطعام لأصحابه أكثر وأطاب، قال: فبينا نحن نأكل إذ أتاه رسول حميدة، فقال له: إنّ حميدة تقول: قد أنكرت نفسي وقد وجدت ما كنت أجد إذا حضرت ولادتي وقد أمرتني أن لا أسبقك بابنك هذا، فقام أبو عبد الله(عليه السلام) فانطلق مع الرسول، فلمّا انصرف قال له أصحابه: سرّك الله وجعلنا الله فداك فما أنت صنعت من حميدة؟ قال: «سلّمها الله وقد وهب لي غلاماً، وهو خير من برأ الله من خلقه، ولقد أخبرتني حميدة عنه بأمر ظنّت أنّي لا أعرفه ولقد كنت أعلم به منها».

فقلت جعلت فداك: فما الذي أخبرتك به عنه؟ قال: «ذكرت أنّه سقط من بطنها حين سقط واضعاً يده على الأرض رافعاً رأسه إلى السماء، فأخبرتها أنّ ذلك أمارة رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وأمارة الوصي من بعده».


1) الكافي 1 : 388 باب مواليد الأئمة(عليهم السلام) ، ح 8.

2) بفتح الهمزة وسكون الباء موضع بين الحرمين والغداء: طعام الضحى، مرآة العقول 4 : 259.

..............................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

فقلت: جعلت فداك : وما هذا من أمارة رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وأمارة الوصي من بعده؟ فقال لي: «إنّه لمّا كانت الليلة التي علق فيها بجدي أتى آت جد أبي بكأس فيه شربة أرقّ من الماء وألين من الزبد وأحلى من الشهد وأبرد من الثلج وأبيض من اللبن، فسقاه إيّاه وأمره بالجماع، فقام فجامع فعلق بجدي، ولمّا أن كانت الليلة التي علق فيها بأبي أتى آت جدي فسقاه كما سقا جد أبي وأمره بمثل الذي أمره، فقام فجامع فعلق بأبي، ولما أن كانت الليلة التي علق فيها بي أتى أت أبي فسقاه بما سقاهم وأمره بالذي أمرهم به فقام فجامع فعلق بي، ولمّا أن كانت الليلة التي علق فيها بابني أتاني آت كما أتاهم ففعل بي كما فعل بهم، فقمت بعلم الله، وأنّي مسرور بما يهب الله لي فجامعت فعلق بابني هذا المولود فدونكم، فهو والله صاحبكم من بعدي.

وأنّ نطفة الإمام(عليه السلام) ممّا أخبرتك، وإذا سكنت النطفة في الرحم أربعة أشهر وأنشأ فيها الروح بعث الله تبارك وتعالى ملكاً يقال له: حيوان، فكتب على عضده الأيمن: وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَ عَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.

وإذا وقع من بطن اُمّه وقع واضعاً يديه على الأرض، رافعاً رأسه إلى السماء، فأمّا وضعه يديه على الأرض فإنّه يقبض كلّ علم الله أنزله من السماء إلى الأرض، وأمّا رفع رأسه إلى السماء فإنّ منادياً ينادي به من بطنان العرش من قبل ربّ العزّة من الاُفق الأعلى باسمه واسم أبيه يقول: يا فلان بن فلان أثبت تثبت فلعظيم ما خلقتك أنت صفوتي من خلقي وموضع سرّي، وعيبة علمي، وأميني على وحيي، وخليفتي

ولا يحتلم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

أرضي لك ولمن تولّاك، أوجبت رحمتي، ومنحت جناني، وأحللت جواري.

ثمّ وعزتي وجلالي لاُصلين من عاداك أشدّ عذابي وإن وسعت عليه في دنياي من سعة رزقي، فإذا انقضي الصوت - صوت المنادى - أجابه هو واضعاً يديه رافعاً رأسه إلى السماء يقول: شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلَائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» قال: «فإذا قال ذلك أعطاه الله العلم الأوّل، والعلم الآخر، واستحق زيارة الروح في ليلة القدر».

قلت: جعلت فداك الروح ليس هو جبرئيل؟ قال: «الروح أعظم من جبرئيل، أنّ جبرئيل(عليه السلام) من الملائكة، وأنّ الروح هو خلق أعظم من الملائكة(عليهم السلام) أليس يقول الله تبارك وتعالى: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ »(1). إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة(2).

(ولايحتلم) لأنّ الاحتلام من الشيطان، وهم معصومون من مقاربة الشيطان منهم، وهذا هو المراد من خبر زرارة من قوله(عليه السلام) :«ولايجنب» (3)وإن احتمل أن يكون لا يحصل لهم النجاسة المعنوية، ويكون غسلهم مستحباً، لكنّه بعيد.

روى الكليني عن أحمد بن محمد الأقرع، قال: كتبت إلى أبي محمد(عليه السلام) أسأله


1) الكافي 1 : 385 باب مواليد الأئمة(عليهم السلام)، ح 1. والآية الأولى في سورة الأنعام : 115. والثانية ا، في سورة آل عمران : 18. والثالثة في سورة القدر : 5.

2) الكافي 1 : 385 باب مواليد الأئمة(عليهم السلام).

3) الكافي 1 : 388 باب مواليد الأئمة(عليهم السلام)، ح 8.

وتنام عينه ولا ينام قلبه.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

عن الإمام هل يحتلم ؟ وقلت في نفسي بعد ما فصل الكتاب: الاحتلام شيطنة وقد أعاذ الله تبارك وتعالى أولياءه من ذلك، فورد الجواب: «حال الأئمة(عليهم السلام) في المنام حالهم في اليقظة، لا يغيّر النوم منهم شيئاً ، وقد أعاذ الله أولياءه من لمّة الشيطان كما حدثتك نفسك»(1).

[الإمام تنام عينه ولا تنام قلبه ]

(وتنام عينه ولا ينام قلبه) كما كان رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، والظاهر أنّ المراد به أنّ نفوسهم العلية كانت بحيث لا يعتريهم الحوادث البشرية، وكانت في النوم كاليقظة مطلعة على العالمين. ومنه يظهر أنّ الخبر الذي تقدّم أنّ النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم) نام حتى فاته صلاة الصبح غير واقع، وإن أمكن أن يكون هذه حالهم مع قطع النظر عن إرادة الله تعالى، فلمّا أراد الله تعالى نومه(صلّی الله علیه وآله وسلّم) نام.

ويمكن أن يكون(صلّی الله علیه وآله وسلّم) في ذلك الوقت في العروج إلى العرش، كما ذكره العارف الرومي، ولهذا سمّي موضعه بالمعرس(2)لكن الظاهر من الأخبار أنّهم كانوا في مقام جمع الجمع دائماً، وكان لا يمنعهم (عليهم السلام)اشتغالهم بالعوالم السفلية عن الارتباط


1) الكافي 1 : 509 ، باب مولد أبي محمد الحسن بن على(عليه السلام)، ح 12.

2) المعرس بالفتح: فرسخ من المدينة بقرب مسجد الشجرة بإزائه مما يلى القبلة ذكره في الدروس وهذا الموضع مسجد النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) حيث أنه نزل به استحب النزول به مطلقاً ليلاً أو نهاراً تأسياً، مجمع البحرين 3 : 151.

.............................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

بجناب قدسه تعالى، كما تقدّم أنّهم(عليهم السلام) يأكلون ويشربون، وكانوا ذاكرين الله تعالى.

وكما روي في الأخبار الكثيرة أنّ لهم عموداً يعرفون أحوال العالمين(1)، والظاهر أنّه كناية عن سعة علمهم لتجرّدهم عن العلائق الكونية.

فروى الكليني والصفار بطرق كثيرة عن محمد بن مروان، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: «إنّ الإمام ليسمع في بطن اُمّه، فإذا ولد خطّ بين كتفيه: وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَ عَدْلاً لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ فإذا صار الأمر إليه جعل الله له عموداً من نور يبصر به ما يعمل أهل كلّ بلدة»(2)

وروى ذلك أيضاً إسحاق بن جعفر، والحسن بن راشد، وجميل بن دراج، ويونس بن ظبيان، وغيرهم، عن أبي عبد الله(عليه السلام)(3).

وفي الصحيح عن محمد بن عيسى بن عبيد، قال كنت أنا وابن فضال جلوس إذ أقبل يونس فقال: دخلت على أبي الحسن الرضا(عليه السلام) فقلت له: جعلت فداك قد أكثر الناس في العمود، قال: فقال لي: « يا يونس ما تراه؟ أتراه عموداً من حديد يرفع لصاحبك؟» قال: قلت: ما أدري قال:« لكنّه ملك موكل بكلّ بلدة يرفع الله به أعمال تلك البلدة» قال: فقام ابن فضال فقبّل رأسه فقال: رحمك الله يا أبا محمد لا تزال


1) بصائر الدرجات : 451 - 454. الكافي 1 : 387 و 388 باب مواليد الأئمة(عليهم السلام) ، ح 4 و 7.

2) بصائر الدرجات : 456 ، ح 5. الكافي ،1 : 387 باب مواليد الأئمة(عليهم السلام)، ح 4. والآية في سورة الأنعام : 115.

3) الكافي 1 : 387- 388 باب مواليد الأئمة(عليهم السلام) ، ح 2 و 3 و 5 و 6.

ويكون محدّثاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

تجيء بالحديث الحق الذي يفرج الله به عنّا(1).

والظاهر أنّ ذلك أيضاً بقدر عقولهم، بل لا يحتاجون إلى الملك، ويمكن أن يكون المراد به الروح القدس التي تكون معهم، وورد أنّه أعظم من جبرئيل(عليه السلام)(2). وهو تقدّس أرواحهم القدسية.

( ويكون محدّثاً) أي يلقي إليهم الروح المقدّسة، أو الله تبارك وتعالى.

روى الكليني والصفار في الصحيح عن زرارة قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام)عن قول الله عزّوجلّ: وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً ما الرسول؟ وما النبي؟ قال: «النبي الذي يرى في منامه ويسمع الصوت ولا يعاين الملك، والرسول الذي يسمع الصوت ويرى في المنام ويعاين الملك» قلت: الإمام ما منزلته؟ قال: «يسمع الصوت ولا يرى ولا يعاين» ثمّ تلا هذه الآية: «وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيِّ ولا محدّث»(3). إلى غير ذلك من الأخبار الصحيحة.

ورويا في الصحيح عن محمد بن إسماعيل، قال: سمعت أبا الحسن(عليه السلام) يقول:« الأئمة علماء صادقون مفهّمون محدّثون»(4). إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة(5).


1) الكافي 1 : 388 باب مواليد الأئمة (عليهم السلام) ح 7.

2) الكافي 1 : 273، باب الروح التي يسدد الله بها الأئمة(عليهم السلام)، ح 1 و 3 و 4.

3) الكافي 1 : 176 ، باب الفرق بين الرسول والنبي والمحدّث ح 1. بصائر الدرجات : 388 ح 2. والآية الأولى في سورة مريم : 54 والثانية في سورة الحج : 52.

4) الكافي ،1 : 271، باب أنّ الأئمة(عليهم السلام)محدّثون مفهّمون، ح 3. بصائر الدرجات : 339، ح 1.

5) بصائر الدرجات : 339 - 344.

ويستوي عليه درع رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم).

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي الصحيح عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام)عن قول الله تبارك وتعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الإِيمَانُ؟

قال: «خلق من خلق الله عزّوجلّ أعظم من جبرئيل وميكائيل كان مع رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يخبره ويسدّده، وهو مع الأئمة(عليهم السلام) من بعده»(1).

وفي الصحيح عن ابن مسكان عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن قول الله عزّوجلّ: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي، قال: «خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل كان مع رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وهو مع مع الأئمة(عليهم السلام) ، وهو من الملكوت» (2).

وقد ذكرنا الأخبار المعتبرة في أنّ العبد يتقرّب إلى الله تعالى بالنوافل حتى يتكلّم بالله ويسمع من الله ويبصر بالله، فلا استبعاد في أن يكونوا محدّثين من الله تعالى، لكنّهم كانوا يتكلّمون على حسب عقولهم، وكانوا يتّقون من أصحابهم أكثر من العامة؛ لأنّ الطبائع مائلة إلى الغلو.

(ويستوي عليه درع رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)) الذي يظهر من الأخبار(3)أنّه كان لهم


1) الكافي 1 : 274 باب الروح التي يسدد الله بها الأئمة(عليهم السلام)، ح 1. بصائر الدرجات : 475، ح 2. والآية في سورة الشورى : 52.

2) الكافي 1 : 273، باب الروح التي يسدد الله بها الأئمة(عليهم السلام) ، ح3. بصائر الدرجات : 482 ، ح 9. والآية في سورة الإسراء : 273.

3) انظر: الكافي 1 : 232، باب ما عند الأئمة من سلاح رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ومتاعه.

..............................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

درعان: درع الإمامة، وبلبسه يعرف الإمام(عليه السلام) ، ودرع الجهاد، وبلبسه يعرف أنّه هل اُذن لهم فيه أم لا أو كان واحداً، ويعرف به الأمر أنّ معجزة كما كان لا شمويل ولبسه أكابر بني إسرائيل، فلم يستو إلّا على قامة طالوت ولبسه الشجعان منهم، فلم يستو إلّا على قامة داود.

ورويا في الصحيح عن سعيد الأعرج السمان، قال: كنت عند أبي عبد الله(عليه السلام) إذ دخل عليه رجلان من الزيدية فقالا له: أفيكم إمام مفترض الطاعة؟ قال: فقال: «لا» فقالا له: قد أخبرنا عنك الثقات: إنّك تفتي أو تقرّ بدله- وتقرّ وتقول به ونسمّيهم لك فلان وفلان، وهم أصحاب ورع وتشمير وهم ممّن لا يكذب، فغضب أبو عبد الله(عليه السلام) وقال: «ما أمرتهم بهذا» فلما رأيا الغضب في وجهه خرجا فقال لي: « أتعرف هذين؟» قلت: نعم، هما من أهل سوقنا، وهما من الزيدية، وهما يزعمان أنّ سيف رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) عند عبد الله بن الحسن، فقال: «كذبا لعنهما الله، والله ما رآه عبد الله ابن الحسن بعينيه ولا بواحدة من عينيه إلّا أن يكون رأه عند علي بن الحسين(عليه السلام).

فإن كانا صادقين فما علامة في مقبضه وما أثر في موضع مضربه، وأنّ عندي لسيف رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، وأنّ عندي الراية رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ودرعه ولامته ومغفره، فإن كانا صادقين فما علامة في درع رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وأنّ عندي لراية رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) المغلبة، وأنّ عندي عندي ألواح موسى وعصاه، وأنّ عندي لخاتم سليمان ابن داود(عليه السلام)، وأنّ عندي الطشت الذي كان موسى يقرب بها القربان، وأنّ عندي الاسم الذي كان رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) إذا وضعه بين المسلمين والمشركين لم يصل من

.................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

المشركين إلى المسلمين نشابة، وأنّ عندي لمثل الذي جاءت به الملائكة.

ومثل السلاح فينا كمثل التابوت في بني إسرائيل كانت بنو اسرائيل في أيّ أهل بيت وجد التابوت على أبوابهم اُوتوا النبوّة، ومن صار إليه السلاح منّا اُوتي الإمامة، ولقد لبس أبي درع رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فخطّت على الأرض خطيطاً، ولبستها أنا فكانت وكانت وقائمنا من إذا لبسها ملأها إن شاء الله تعالى»(1).

الظاهر أنّ قوله(عليه السلام) : «فكانت» أي مساوية للإمامة، وقوله : «وكانت» أي زائدة للجهاد، والظاهر أنّهم(عليهم السلام) كانوا عالمين بأنّهم ليسوا بالقائم، وأنّ القائم الثاني عشر، ولكن كانوا لا يصرّحون لضعفاء الشيعة؛ لأنّهم كانوا يرجون أن يكون الإمام الذي في زمانهم هو القائم ليتخلّصوا من ظلم الأعادي، فلو كان يقال لهم: إنّ الخروج للثاني عشر وبعد الغيبة الطويلة لصاروا مأيوسين كما ورد به الأخبار المتواترة.

ورويا في الصحيح عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، قال: سألته عن ذى الفقار سيف رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) من أين هو ؟ قال: هبط به جبرئیل(عليه السلام) من السماء وكانت حليته من فضة وهو عندي»(2).

وفي القوي كالصحيح عن فضيل بن يسار - وفي البصائر في الموثق كالصحيح -


1) الكافي 1 : 232 ، باب ما عند الأئمة من سلاح رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)ومتاعه. ح 1. بصائر الدرجات : 194 ، ح 2.

2) الكافي 1 : 234، باب ما عند الأئمة من سلاح رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ومتاعه. ح 5. الأمالي للشيخ الصدوق : 364، ح 453.

ولا يرى له بول ولا غائط؛ لأنّ الله عزّوجلّ قد وكّل الأرض بابتلاع ما يخرج منه، وتكون رائحته أطيب من رائحة المسك، ويكون أولى بالناس منهم بأنفسهم، وأشفق عليهم من آبائهم واُمّهاتهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: «لبس أبي درع رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ذات الفضول فخطّت، ولبستها أنا ففضلت»(1).

إلى غير ذلك من الأخبار الصحيحة المتواترة(2)التي تدلّ عليه، وتدلّ على أنّ السلاح فيهم كالتابوت في بني إسرائيل، أينما كان كان الملك وأينما كانت السلاح كانت الإمامة.

واعلم أنّ الدليل الأعظم المعجزات التي كانت تظهر منهم(عليهم السلام) في كلّ يوم كما يظهر من الأخبار المتواترة، والظاهر أنّ الغرض من أمثال ذلك أنّ السلاح علامة الإمامة والجهاد، فمن لم تكن عنده فلا يجوز له الجهاد، ومن كان عنده فلا يجاهد حتى يخرج من غمدها، وكان غرضهم الردّ على الزيدية وتسلية ضعفاء الشيعة، والله تعالى يعلم.

(و) كان (لا يرى) إلى آخره، قد تقدّم فى باب الطهارة (ويكون أولى بالناس منهم بأنفسهم) أي هو واجب الإطاعة من الله، أو يجب تفدية العالمين نفوسهم من الإمام كما كان للنبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، وقال الله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ(3).


1) الكافي 1 : 234 ، باب ما عند الأئمة من سلاح رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)ومتاعه، ح 4. بصائر الدرجات : 206، ح 49.

2) انظر: الكافي 1 : 232، باب ما عند الأئمة من سلاح رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ومتاعه.

3) الأحزاب : 6.

..............................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) في غدير خم «ألستُ أولى بكم من أنفسكم؟» فقالوا: بلى يا رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، فقال: « من كنت مولاه فعلي مولاه » فقال عمر: بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة(1). كما رواه العامة متواتراً فكيف الخاصة.

[نقل مناقب عليّ(عليه السلام) من طرق العامة من صحاحهم الستة ]

فمن ذلك ما رواه البخاري عن ابن أبي نجيح عن أبيه وربيعة الحرسي أنه ذكر علي(عليه السلام)عند رجل وعنده سعد بن أبي وقاص فقال له سعد: أبي وقاص فقال له سعد: أتذكر علياً (عليه السلام) أنّ له مناقب أربع لان تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من كذا وكذا، وذكر حمر النعم قوله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): «لاُعطينّ الراية» وقوله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» وقوله : «من كنت مولاه فعليّ مولاه» ونسى سفيان واحدة(2).

وروى مسلم عن زيد بن أرقم أنّه قال: قام رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خمّاً بين مكة والمدينة : فحمد الله تعالى وأثنى عليه ووعظ وذكر، ثمّ قال: «أمّا بعد أيّها الناس إنّما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فاُجيب وأنا تارك فيكم الثقلين: أوّلهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به» فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه، ثمّ قال: «وأهل بيتي، اُذكركم الله في أهل بيتي،


1) الأمالي للشيخ الصدوق : 50، ح 2.

2) انظر صحيح البخاری 4 : 207 و 208 صحیح مسلم 7 : 120.

............................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اُذكركم الله في أهل بيتي اُذكركم الله في أهل بيتي» ثمّ ذكر بطريقين آخرين قريباً ممّا ذكر(1).

وفي صحيح أبي داود السجستاني وصحيح الترمذي ورزين من الصحاح الستة المجمع عليها بينهم، عن زيد بن أرقم وغيره أنّ رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، قال: «من كنت مولاه فعلی مولاه»(2).

ثمّ في الثلاثة: أنّ رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) خرج علينا ظهراً بالجحفة وهو آخذ بيد علي(عليه السلام)، فقال: «أيّها الناس ألستم تعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟» قالوا: بلی، قال: «فمن كنت مولاه فعليّ مولاه»(3).

ومن تفسير أبي إسحاق الثعلبي بإسناده عن أبي جعفر محمد(عليه السلام)في تفسير قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ(4)قال: «معناه بلغ ما أنزل إليك من ربك في فضل علي بن أبي طالب(عليه السلام)» ثمّ روى عنه أنّه قال: «يا أيّها الرسول بّلغ ما اُنزل إليك من ربّك في علي» وقال: هكذا اُنزلت، رواه جعفر بن محمد(عليه السلام). فلمّا نزلت هذه الآية أخذ رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بيد علي(عليه السلام) وقال:


1) صحیح مسلم 7 : 122 - 123.

2) سنن الترمذي ،5 : 297 ، ح 3797. صحيح ابن حبان 15 : 376 سنن ابن ماجة 1 : 45، ح 121. مسند أحمد 4 : 372. المستدرك الحاكم 3 : 109.

3) مسند أحمد 4 : 368 كتاب السنة : 591 ، ح 1361. المعجم الكبير 5 : 195. كنز العمال 13 : 105، ح 36343.

4) المائدة : 67.

..............................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

من كنت مولاه فعليّ مولاه»(1).

وبالاسناد عن البراء، قال: لمّا أقبلنا مع رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) في حجة الوداع بغدير خم فنادانا: «الصلاة جامعة وكسح للنبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) تحت شجرتين، فأخذ بيد علي(عليه السلام) فقال: «ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «ألست أولى بكلّ مؤمن من نفسه؟» قالوا: بلى، قال: «هذا مولى من أنا مولاه اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه» قال: فلقيه عمر فقال: هنيئاً لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة (2).

وبإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ الآية نزلت في علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، أمر النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بأن يبلّغ فيه، فأخذ النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بيد علي(عليه السلام) فقال: «من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه»(3).

وبإسناده أنّه سئل عن سفيان بن عيينة في قوله تعالى: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ واقع(4)إلى آخرها، فيمن نزلت ؟ فقال : لقد سألتني عن مسألة ما سألني عنها أحد قبلك، حدثني جعفر بن محمد عن آبائه(عليهم السلام) قال: «لمّا كان رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بغدير خم فنادى في الناس فاجتمعوا فأخذ بيد علي(عليه السلام) فقال: من كنت مولاه فعلي


1) تفسير الثعلبي 4 : 92.

2) تفسير الثعلبي 4 : 92.

3) تفسير الثعلبي 4 : 92.

4) المعارج : 1.

..............................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

مولاه فشاع ذلك وطار في البلاد، فبلغ ذلك الحارث بن النعمان الفهري فأتى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)وهو في ملأ من أصحابه على ناقة حتى أتى المدينة فنزل عن ناقته فأناخها وعقلها، وأتى النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فقال : يا محمد أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلّا الله وأنّك رسول الله فقبلناه منك، وأمرتنا أن نصلّي خمساً فقبلناه منك، وأمرتنا أن نصوم شهر رمضان فقبلنا، وأمرتنا أن نحجّ البيت فقبلنا، ثمّ لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمك ففضّلته علينا ؟ وقلت من كنت مولاه فعليّ مولاه، وهذا شيء منك أم من الله ؟ فقال: «والذي لا إله إلّا هو أنّه من أمر الله» فولّى الحارث بن النعمان يريد راحلته وهو يقول: اللهمّ إن كان ما يقول محمد حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فما وصل إليها حتى رماه الله بحجر فسقط على هامته فخرج من دبره فقتله، وأنزل الله تعالى: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعِ لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (1).

وفي مسند أحمد بن حنبل بإسناده عن سعيد بن وهب، قال: نشد عليّ(عليه السلام) الناس فقام خمسة أو ستة من أصحاب النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فشهدوا أن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) قال: «من كنت مولاه فعلي مولاه». وفي رواية أخرى، قال: «اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه»(2).

وفي المسند عن البراء بن عازب، قال: أقبلنا مع النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم)في حجة الوداع


1) تفسير الثعلبي 10 : 35.

2) مسند أحمد 1: 118.

............................................

ـــــــــــــــــــــــــــــ

حتى كنّا بغدير خم فنودي فينا: الصلاة جامعة، وكسح لرسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بين شجرتين فأخذ بيد علي(عليه السلام) فقال:« ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟» قالوا: بلى يا رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، قال : «هذا مولى من أنا مولاه، اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه» فلقيه عمر فقال: هنيئاً لك يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة(1). وروى مضمونه في المشكاة.

وفي المسند بطرق خمسة عن ابن عباس عن بريدة، قال: غزوت مع علي(عليه السلام) اليمن فرأيت منه جفوة، فلما قدمت على رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ذكرت عليا(عليه السلام) فتنقّصته فرأيت وجه رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يتغيّر، قال: «يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ »قلت: بلى يا رسول الله، فقال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه»(2).

وعن زيد بن أرقم بطرق متعددة بمثل ما ذكرناه عن صحيح مسلم(3).

وفي مناقب الفقيه أبي الحسن المغازلي بإسناده عن البراء بن عازب وزيد بن أرقم بطرق متكثرة بمثل ما ذكرناه عنهما مع زيادات كثيرة (4).

وروى عبد الله بن أحمد بن حنبل بإسناده إلى بريدة، وزيد بن أرقم والبراء باثني عشر طريقاً بمثل حديث البراء مع زيادات كثيرة.


1) مسند أحمد 4 : 281.

2) مسند أحمد 5 : 347.

3) مسند أحمد 4 : 366 و 367.

4) المناقب : 24 - 27 ، 80.

.............................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

وذكر محمد بن جرير الطبري صاحب التاريخ خبر يوم الغدير من خمسة وسبعين طريقاً بمثل حديث البراء مع زيادات كثيرة (1).

وذكر محمد بن جرير الطبري صاحب التاريخ خبر يوم الغدير من خمسة وسبعين طريقاً في كتاب الولاية.

وروى ابن عقدة بمائة وخمسة طريق.

وروى أحمد بن محمد الطبري من ثقاتهم المشهور بالخليلي في كتاب المناقب، قال: خطبة رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)و أخبرني محمد بن أبي بكر بن عبد الرحمن، قال: حدثني الحسن بن علي أبو محمد الدينوري، قال: حدثنا محمد بن الهمداني، قال: حدثنا محمد بن خالد الطيالسي، قال: حدثنا سيف بن عميرة عن عقبة بن قيس بن سمعان عن علقمة بن محمد الحضرمي عن أبي جعفر محمد بن علي ، قال: «حج رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) من المدينة وقد بلّغ جميع الشرائع قومه غير الحج والولاية فأتاه جبرئيل فقال: يا محمد إنّ الله يقرئك السلام ويقول لك: إنّي لم أقبض نبياً من أنبيائي ورسولاً من رسلي إلّا من بعد كمال ديني وتمام حجتي وقد بقي عليك من ذلك فريضتان ممّا يحتاج أن تبلّغ قومك: فريضة الحج، وفريضة الولاية والخليفة من بعدك، فإنّي لم أخل أرضي من حجة ولن اُخليها أبداً، وأنّ الله عزّوجلّ يأمرك أن تبلّغ قومك الحج وليحج معك من استطاع السبيل من أهل الحضر والأطراف


1) انظر: مسند أحمد 1 : 84 و 118 و 119 و 152 و 4 : 281 و 368 و 370 و 372. و 5 : 347 و 366 و 370.

...................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والأعراب فتعلّمهم من حجهم مثل ما علّمتهم من صلاتهم وزكاتهم، وصيامهم. وتوقّفهم من ذلك على مثل الذي أوقفتهم عليه من جميع ما بلغتهم من الشرائع. فنادى منادي رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)أن رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) يريد الحج وأن يعلّمكم من ذلك مثل الذي علّمكم من شرائع دينكم، ويوقفكم من ذلك على مثل ما أوقفكم» قال: « فخرج رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وخرج معه ناس وصفّوا له لينظروا ما يصنع، وكان جميع من حجّ مع رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) من أهل المدينة والأطراف والأعراب سبعين ألفاً أو يزيدون» على نحو عدد أصحاب موسى السبعين ألفاً الذين أخذ عليهم ببيعة هارون فنكثوا واتبعوا السامري والعجل، وكذلك أخذ رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) البيعة لعلي(عليه السلام) بالخلافة على نحو عدد موسى(عليه السلام) سبعين ألفاً فنكثوا البيعة واتبعوا العجل سنة سيئة مثلاً بمثل «لم يخرم (أي لم يقطع) منه شيء واتصلت التلبية ما بين مكة والمدينة.

فلمّا وقف رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بالموقف أتاه جبرئيل(عليه السلام) فقال: يا محمد إنّ الله يقرأ عليك السلام ويقول لك: إنّه قد دنا أجلك ومدتك وإنّي استقدمك على ما لابدّ منه، ولا عنه محيص، اعهد عهدك وتقدّم في قضيتك، واعهد إلى ما عندك من العلم و میراث علوم الأنبياء من قبلك والسلاح والتابوت وجميع ما عندك من آيات الأنبياء، فسلّمه إلى وصيك وخليفتك من بعدك حجتي البالغة على خلقي علي بن أبي طالب، فأقمه للناس وجدّد عهدك وميثاقك وبيعته وذكّرهم ما في الذر من بيعتي و ميثاقي الذي وثقتهم به وعهدي الذي عهدت إليهم من الولاية لمولاهم ومولى كلّ

................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

مؤمن ومؤمنة علي بن أبي طالب، فإنّي لم أقبض نبياً إلّا من بعد إكمال ديني، وتمام نعمتي بولاية أوليائي، ومعاداة أعدائي، وذلك تمام كمال توحيدي وتمام نعمتي على خلقي باتباع وليّي وطاعته، وذلك أنّي لا أترك أرضي بغير قيّم ليكون حجة لي على خلقي، فاليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً. بولیّي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة على عهدي ووصي نبيّي والخليفة، وحجتي البالغة على خلقي، مقرون طاعته بطاعتي كما هو مقرون طاعة محمد(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بطاعتي، فمن أطاعه أطاعني، ومن عصاه عصاني، جعلته علماً بيني وبين خلقي، من عرفه كان مؤمناً، ومن أنكره كان كافراً، ومن أشرك معه كان مشركاً، من لقيني بولايته دخل الجنة، ومن لقيني بعداوته دخل النار. فأقم يا محمد علياً، وخذ عليه البيعة، وجدّد عهدي وميثاقي لهم الذي أو ثقتهم عليه، فانّي قابضك إليّ ومستقدمك».

قال: «فخشی رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)و قومه أهل النفاق والشقاق أن يتفرّقوا أو يرجعوا جاهلية لما عرف وعهد من عداوتهم وما ينطوي على ذلك أنفسهم لعلي(عليه السلام) من البغضاء، وسأل(صلّی الله علیه وآله وسلّم) جبرئيل(عليه السلام) أن يسأل ربّه العصمة من الناس إلى أن بلغ مسجد الخيف، فأمره أن يعهد عهده ويقيم علياً للناس ولم يأته بالعصمة من الناس بالذي أراد حتى إذا أتى كراع الغمم بين مكة والمدينة أتاه جبرئيل (عليه السلام) فأمره بالذي أتاه من قبل ولم يأته بالعصمة فقال: يا جبرئيل إنّي أخشى قومي أن يكذبوني ولا يقبلون قولي في علي(عليه السلام) فرفع حتى بلغ غدیرخم قبل الجحفة بثلاثة أميال أتاه جبرئيل على خمس ساعات من النهار بالزجر والانتهار والعصمة من الناس، فكان

..................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوّلهم قرب الجحفة، فأمر أن يردّ من تقدّم منهم ويحبس من تأخّر عنهم في ذلك المكان، وأن يقيمه للناس، ويبلغهم ما أنزل إليه في علي(عليه السلام) وأخبره أنّ الله قد عصمه من الناس، فأمر رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) مناديه ينادي في الناس: الصلاة جامعة، وتنحّى إلى ذلك الموضع وفيه سلمات(1)، فأمر رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) أن نقم ما تحتهن. وأن ينصب له أحجار كهيئة منبر يشرف على الناس، فرجع أوائل الناس واحتبس أواخرهم.

فقام رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)فوق تلك الأحجار فقال: الحمد لله الذي علا بتوحيده، ودنا بتفريده، وجلّ في سلطانه، وعظم في برهانه، مجيداً لم يزل، ومحموداً لا يزال. بارئ السماوات، وداحي المدحوات، وجبار السماوات، سبّوح، قدوس، ربّ الملائكة والروح، متفضّل على جميع من برأه متطوّل على من أدناه، يلحظ كلّ عين، والعيون لا تراه، كريم، حليم، ذو أناة قد وسع كلّ شيء رحمته، ومن عليهم بنعمته، ولا يعجّل بانتقام، ولا يبادر إليهم بما استحقوا من عذابه، قد فهم السرائر، وعلم الضمائر ، ولم يختف عليه المكنونات ولا اشتبهت عليه الخفيّات. له الإحاطة بكلّ شيء، والغلبة على كلّ شيء، والقوّة بكلّ شيء، وهو منشئ الشيء حين لا شيء، ودائم غني، وقائم بالقسط، لا إله إلّا هو العزيز الحكيم.

جلّ عن أن تدركه الأبصار وهو اللطيف الخبير، لا يلحق أحد وصفه من معانيه. ولا يحد - بالحاء أو الجيم - أحد، كيف هو من سرّ وعلانية، إلّا بما دلّ عزّوجل


1) السلام بالكسر شجر مر الطعم والواحدة سَلامة وسِلامة، انظر: الصحاح 5 : 1951.

...............................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

على نفسه، أشهد بأنّه الله الذي ملأ الدهر قدسه، والذي يغشى الأبد نوره، والذي ينفذ أمره بلا مشاورة، ولا معه شريك في تقديره، ولا تفاوت في تدبيره، صوّر ما ابتدع على غير مثال، وخلق ما خلق بلا معونة من أحد، ولا تكلّف، ولا احتيال أنشأها فكانت، وأبرأها فبانت، فهو الله الذي لا إله إلّا هو المتقن الصنعة، والحسن المنعة(1)العدل الذي لا يجور، والأكرم الذي يرجع إليه الاُمور.

أشهد أنّه الذي تواضع كلّ شيء لعظمته، وذلّ كل شيء لعزّته، واستسلم كلّ شيء لقدرته، وخضع كلّ شيء لهيبته، مالك الأملاك ومسخّر الشمس والقمر كلّ لأجل مسمّى، يكوّر الليل على النهار، ويكوّر النهار على الليل يطلبه حثيثاً، قاصم كلّ جبار عنيد، ومهلك كلّ شيطان مريد، لم يكن له ضد ولاند، أحد صمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.

إله واحد، رب ماجد، يشاء فيمضي، ويريد فيقضي، ويعلم ويحصي، ويميت ويحيي، ويفقر ويغني، ويضحك ويبكي، ويدني ويقصي، ويمنع ويثري، له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كلّ شيء قدير، يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، لا إله إلّا هو العزيز الغفّار، مستجيب الدعاء، ومجزل العطاء، ومحصي الأنفاس، ورب الجنّة والنار، الذي لا يشكل عليه شيء، ولا يصرخه المستصرخة -أو المستصرخين - ولا يبرمه إلحاح الملّحين، العاصم للصالحين، الموفق


1) المنعة محركة: العز يقال: هو في منعة أي في عز قومه ومعه من يمنعه من عشيرته فلا يقدر عليه من يريده من الأعداء، انظر: الصحاح 1287:3

........................................

ــــــــــــــــــــــــــ

للمفلحين، مولى المؤمنين، وربّ العالمين الذي استحق من كلّ خلق أن يشكره ويحمده على السرّاء والضراء والشدة والرخاء.

فاُومن به وبملائكته وكتبه ورسله، اسمع لأمره وأطيع، واُبادر إلى كلّ ما يرضاه، واستسلم بما قضاه، رغبة في طاعته، وخوفاً من عقوبته، إنّه الذي لا يؤمن مكره ولا يخاف جوره، اُقرّ له على نفسي بالعبودية، وأشهد له بالربوبية، وأؤدّي ما اُوحي إليّ به، حذراً أن لا أفعل فتحلّ بي منه قارعة، لا يدفعها عنّي أحد، وإن عظمت حيلته وصفت جبلته.

لا إله إلّا هو؛ لأنّه قد أعلمني عزّوجلّ أنّي إن لم أبلغ ما اُنزل إلي فما بلغت رسالته، وقد ضمن لي العصمة وهو الكافي الكريم، وأوحى إليّ: بسم الله الرحمن الرحيم يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (1).

معاشر الناس وما قصرت في تبليغ ما أنزله، وأنا اُبيّن لكم هذه الآية أنّ جبرئيل هبط إليّ مراراً ثلاثاً يأمرني - عن السلام ربِّ السلام - أن أقوم في هذا المشهد، فأعلم كلّ أبيض وأسود أنّ علي بن أبي طالب أخي ووصبي وخليفتي والإمام من بعدي، محلّه منّي محل هارون من موسى، إلّا أنّه لا نبي بعدي، وهو وليكم بعد الله ورسوله، أنزل الله عزّوجلّ عليّ بذلك آية هي في كتابه: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (2).


1) المائدة : 67.

2) المائدة : 55.

...............................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

فعلي بن أبي طالب(عليه السلام) الذي أقام الصلاة وآتى الزكاة وهو راكع، يؤيّده الله في كلّ حال، فسألت جبرئيل(عليه السلام)أن يستعفي لي السلام عن تبليغ ذلك إليكم.

أيّها الناس لعلمي بقلّة المتقين وكثرة المنافقين وادعاء اللائمين وحيل المستترين بالإسلام، الذين وصفهم الله في كتابه بأنهميَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ (1)وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (2)وكثرة أذاهم لي غير مرّة حتى سمّوني اُذناً، وزعموا أنّي كذلك لكثرة ملازمتهم إياي وقبولي عليهم حتى أنزل الله في ذلك - لا إله إلّا هو - : الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ(3).

ولو شئت أن اُسمّي القائلين بذلك بأسمائهم لسميت، وأن اُومئ إلى أعيانهم لأومأت، وأن أدلّ عليهم لدلّلت، ولكنّي والله في اُمورهم قد تكرّمت، وكلّ ذلك لا يرضى الله منّي إلّا أن اُبلّغ ما اُنزل عليّ.

ثم تلا(صلّی الله علیه وآله وسلّم) :يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ فاعلموا معاشر الناس ذلك فيه، فإنّ الله قد نصب لكم علياً ولياً، وإماماً مفروضاً طاعته على المهاجرين والأنصار، وعلى التابعين بإحسان، وعلى البادي والحاضر، وعلى الأعجمي والعربي، والحرّ والعبد، والصغير والكبير، وعلى الأبيض والأسود، وعلى كلّ موحّد ماض حكمه، جائز قوله، نافذ


1) الفتح : 11.

2) النور : 15.

3) التوبة : 61.

.............................................

ـــــــــــــــــــــــــــــ

أمره، ملعون من يخالفه، مأجور من تبعه، ومن صدّقه فقد غفر الله له ولمن سمع وأطاع له.

معاشر الناس أنّه آخر مقام أقومه المشهد فاسمعوا وأطيعوا وانقادوا لأمر الله ربكم، فإنّ الله هو مولاكم، ثمّ رسوله المخاطب لكم، ثمّ عليّ بعدي وليكم وإمامكم. والإمامة في ذريتي من ولده إلى يوم تلقون الله ورسوله، لا حلال إلّا ما أحلّه الله ورسوله وهم(عليهم السلام) ، ولا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله وهم (عليهم السلام) والله عزّوجل عرّفني الحلال والحرام وأنا عرّفت علياً.

معاشر الناس فلا تضلوا عنه ولا تفرّوا منه ولا تستنكفوا من ولايته فإنّه يهدي إلى الحق، ويعمل به ويزهق الباطل وينهي عنه، لا تأخذه في الله لومة لائم؛ لأنّه أوّل من آمن بالله ورسوله لم يسبقه إلى الإيمان مذ بعثت ملك مقرّب ولا نبي مرسل، أوّل الناس صلاة، وأوّل من عبد الله معي، أمرته عن الله أن ينام في مضجعي ففعل فادياً لي بنفسه ففضّلوه فقد فضّله الله، واقبلوه فقد نصبه الله .

معاشر الناس أنّه إمامكم بأمر الله، لا يتوب الله على من يكرهه، ولا يغفر له حتماً على الله تبارك اسمه أن يعذب من يجحده ويعانده عذاباً نكراً أبد الآبدين ودهر الداهرين، واحذروا إن تخالفوه فتصلوا بنار وقودها الناس والحجارة اُعدّت للكافرين.

معاشر الناس بي والله بشِّر الأوّلون من النبيين والمرسلين، وأنا خاتم النبيين والمرسلين، والحجة على جميع المخلوقين من أهل السماوات والأرضين، فمن شكّ في ذلك فقد كفر كفر الجاهلية الاُولى، ومن شكّ في شيء من قولي فقد شكّ في كلّ ما اُنزل عليّ، ومن شكّ في واحد من الأئمة فقد شكّ في الكلّ منهم، والشاكّ

.................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

فينا في النار.

معاشر الناس أنّ الله عزّوجلّ جاءني بهذه الفضيلة منّة عليّ وإحساناً منه إليّ، فالحمد لله الذي لا إله إلّا هو أبد الآبدين ودهر الداهرين وعلى كلّ حال. معاشر الناس إنّ الله قد فضّل علي بن أبي طالب على الناس كلّهم، وهو أفضل الناس بعدي من ذكرِ واُنثى، ما أنزل الرزق وبقي واحد من الخلق، ملعون ملعون من خالف قولي هذا ولم يوافقه، إلّا أنّ جبرئيل(عليه السلام) يخبرني عن الله عزّوجلّ بذلك ويقول: من عادى علياً ولم يتوالاه فعليه لعنتي وغضبي، فلتنظر نفس ما قدّمت لغد، واتقوا الله أن تزل قدم بعد ثبوتها أنّ الله خبير بما تعملون أنّه جنب الله الذي ذكر في كتابه: يَا حَسْرَتي عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ الآية(1).

معاشر الناس تدبّروا القرآن وافهموا آياته، وانظروا في محكماته، ولا تتبعوا متشابهه، فوالله لن يبيّن لكم زواجره ولا تفسيره إلّا الذي أنا آخذ بيده، وشائل بعضده، ورافعه بيدي، ومعلّمكم أنّ من كنت مولاه فعليّ مولاه أخي ووصبي، موالاة من الله أنزلها عليّ.

معاشر الناس أنّ علياً والطاهرين من ذريتي(عليهم السلام) ولدي هم الثقل الأصغر، والقرآن الثقل الأكبر، وكلّ واحد منهما منبئ عن صاحبه وموافق له، لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض. ألا إنّهم اُمناء الله في خلقه وحكّامه في أرضه ألا وقد أدّيت. ألا وقد أسمعت، ألا وقد بلّغت، ألا وقد أوضحت، ألا وإنّي أقول عن الله : إنّه


1) الزمر : 56

...........................................

ــــــــــــــــــــــــــ

لا أمير للمؤمنين غير أخي، ولا يحل لأحد بعدي غيره.

ثمّ ضرب بيده إلى عضده فرفعها وكان أمير المؤمنين(عليه السلام) مذاول ما صعد رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)منبره على درجة دون مقامه فبسط يده نحو وجه رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)بیده حتى استكمل بسطهما إلى السماء وشال علياً(عليه السلام) حتى صارت رجله مع ركبة رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم).

ثمّ قال: معاشر الناس هذا أخي عليّ وصبي، وواعي علمي، وخليفتي في اُمتي على مَن آمن بي، ألا أنّ تنزيل القرآن عليّ وتأويله وتفسيره بعدي عليه، والعمل بما يرضي الله ومحاربة أعدائه، والدالّ على طاعته والناهي عن معصيته، رسول الله وأمير المؤمنين، والإمام الهادي، وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين. بأمر الله أقول، ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ (1)بأمرك يا ربي أقول: اللهمّ فوال من والاه وعاد من عاداه والعن من أنكره واغضب على من جحد حقه، اللهمّ إنّك أنزلت عليّ: أنّ الإمامة لعلي، وإنّك عند بياني ذلك ونصبي إيّاه لمّا أكملت لهم دينهم وأتممت عليهم نعمتك ورضيت لهم الإسلام ديناً ، وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ(2)اللهمّ إني أشهدك أنّي قد بلّغت.

معاشر الناس أنّه قد أكمل الله لكم دينكم بإمامته، فمن لم يأتمّ به وبمن يقوم بعده بولدي من صلبه إلى يوم العرض على الله فاُولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا


1) ق : 29.

2) آل عمران : 85.

.................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــ

والآخرة، وفي النارهم خالدون، لا يخفّف عنهم العذاب ولا هم ينصرون.

معاشر الناس هذا أنصركم لي وأحقكم وأقربكم إليّ، وأعزكم عليّ، والله عنه وأنا راضيان، وما نزلت آية رضى في القرآن إلّا فيه، ولا خاطب الله الذين آمنوا إلّا بدأ به، ولا شهد الله بالجنّة في هل أتى على الإنسان إلّا له، ولا أنزلها في سواه ولا مدح بها غيره.

معاشر الناس هو قاضي ديني والمجادل عني والتقي النقي الهادي المهدي، نبيه خیر الأنبياء، وهو خير الأوصياء.

معاشر الناس إنّ ابليس أخرج آدم من الجنّة بالحسد، فلا تحسدوه فتحيط أعمالكم ونزلّ أقدامكم، فإنّ آدم أهبط إلى الأرض بذنبه وخطيئته، وأنّ الملعون حسده على الشجرة، وهو صفوة الله فكيف بكم وأنتم أنتم وقد كثر أعداء الله؟! ألا وإنّه لا يبغض علياً إلّا شقي، ولا يتوالاه إلّا تقي، ولا يؤمن به إلّا مؤمن مخلص فيه نزلت سورة العصربِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍإِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (1).

معاشر الناس قد أشهدت الله وبلغتكم، وما عليّ إلّا البلاغ.

معاشر الناساتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (2)آمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزل مع آمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلمِنْ قَبْلِ أَنْ


1) العصر : 1 - 3.

2) آل عمران : 102.

......................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــنَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ (1)بالله ما عنى بهذه الآية إلّا قوماً من أصحابي أعرفهم بأسمائهم وأنسابهم، وقد أمرت بالصفح عنهم، فليعمل كلّ امرئ على ما يجد لعلي في قلبه من الحبّ والبغض. معاشر الناس النور من الله مسبوك فيّ، ثمّ في علي بن أبي طالب(عليه السلام)، ثمّ في النسل منه إلى القائم المهدي الذي يأخذ بحق الله، وبكلّ حق هو لنا على المقصّرين والمعاندين والمخالفين والخائنين والآثمين والظالمين والغاصبين من العالمين.

معاشر الناس أنذركم أنّي رسول الله قد خلت من قبلي الرسل أفإن مت أو قتلت انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ الله شيئاً، وسيجزي الله الشاكرين، ألا إنّ علياً الموصوف بالصبر والشكر، ثمّ من بعد في ولدي من صلبه.

معاشر الناس لا تمنّوا عليّ إسلامكم، بل لا تمنّوا على الله فينا بما لا يعطيكم ويسخط عليكم ويبتليكم بشواظ من نار ونحاس أنّ ربّكم لبالمرصاد. معاشر الناس سيكون من بعدي أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون الله وأنا بريئان منهم ومن أشياعهم وأنصارهم، وجميعهم في الدرك الأسفل من النار، وبئس مثوى المتكبرين، ألا إنّهم أصحاب الصحيفة، فلينظر أحدكم في صحيفته، قال: فذهب على الناس إلّا شرذمة منهم أمر الصحيفة.

معاشر الناس إنّي أدعها إمامة ووراثة، وقد بلّغت ما اُمرت بتبليغه حجة على كلّ


1) النساء : 47.

.............................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

حاضر وغائب، وعلى من شهد ولم يشهد فليبلّغ حاضركم غائبكم إلى يوم القيامة، وسيجعلون الإمامة بعدي ملكاً واغتصاباً، ألا لعن الله الغاصبين والمتغصبين عند ما يفرغ لكم أيّها الثقلان من يفرغ فينزل عليكم شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران.

معاشر الناس لن نذركم على ما أنتم عليه حتى يميّز الخبيث من الطيب، وما كان الله ليطلعكم على الغيب.

معاشر الناس أنّه ما من قرية إلّا والله مهلكها بتكذبيها، وكذلك يهلك قريتكم، وهو المواعد كما ذكر الله في كتابه وهو منّي ومن صلبي، والله منجز وعده.

معاشر الناس قد ضل قبلكم أكثر الأوّلين، فأهلكهم الله وهو مهلك الآخرين، ثمّ تلا الآية إلى آخرها، ثمّ قال: إنّ الله تبارك وتعالى أمرني ونهاني، وقد أمرت علیاً(عليه السلام). ونهيته بأمره، فعلم الأمر والنهي لديه فاسمعوا الأمر منه تسلموا، وأطيعوه تهتدوا، وانتهوا عما ينهاكم عنه ترشدوا ولا تتفرّق بكم السبل عن سبيله.

معاشر الناس أنا الصراط المستقيم الذي أمركم أن تسألوا عن الهدى إليه، ثمّ عليّ بعدي، وقرأ سورة الحمد وقال: فيهم نزلت، فيهم ذكرت، لهم شملت، إيّاهم خصت وعمت، اُولئك أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ألا إنّ حزب الله هم المفلحون، ألا إنّ أعداءهم هم السفهاء الغاوون، إخوان الشياطين يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ، ألا إنّ أولياءهم الذين ذكر الله في كتابه: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ(1)أَلَا إِنَّ


1) المجادلة : 22.

...................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أولياءهم الذين وصفهم الله فقال: لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (1). ألا إنّ أولياء هم الذين آمنوا ولم يرتابوا، ألا إنّ أولياء هم الذين يدخلون الجنّة بغير حساب، ألا إنّ أعداءهم الذين يسمعون لجهنّم شهيقاً ويرون لها زفيراً كلّما دخلت اُمة لعنت اُختها، ألا إنّ أعداءهم الذين قال الله عزّوجلّ: كُلَّما أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى إلى قوله: فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ (2))، ألا إنّ أولياء هم الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير.

معاشر الناس قد بيّنا ما بين السعير والأجر الكبير، عدونا مَن ذمّه الله ولعنه، ووليّنا من أحبّه الله ومدحه.

معاشر الناس ألا إنّي النذير، وعليّ البشير، ألا إنّي المنذر وعلي الهادي، ألا إنِّي النبي، وعلي الوصي، ألا إنّي الرسول، وعلي الإمام والوصي بعدي، ألا إنّ الإمام المهديّ منّا، ألا إنّه الظاهر على الأديان، ألا إنّه المنتقم من الظالمين، ألا إنّه فاتح الحصون وهادمها وقاتل كلّ قبيلة من الشرك المدرك لكلّ ثار لأولياء الله، ألا إنّه ناصر دین الله، ألا إنّه الممتاح (3)من بحر عميق، ألا إنّه المجازي كلّ ذي فضل


1) الأنعام : 82.

2) الملك : 8 - 11.

3) المائح: الذي ينزل البئر فيملأ الدلو إذا قل ماء الركية، يقال ماح الرجل ميحاً من باب باع: إذا انحدر في الركية ليملأ الدلو بالاغتراف باليد، مجمع البحرين 4 : 252.

................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

بفضله ، وكلّ ذي جهل بجهله ألا إنّه خيرة الله ومختاره، ألا إنّه وارث كلّ علم والمحيط به، ألا إنّه المخبر عن ربّه السديد المفوض إليه، ألا إنّه بشّر به من سلف بين يديه، ألا إنّه باقي حجج الحجيج ولاحق إلّا معه، ألا وإنّه ولي الله في أرضه ، وحكمه في خلقه، وأمينه في علانيته وسرّه.

معاشر الناس إنّي قد بيّنت لكم وفهمتكم، وهذا عليّ يفهمكم بعدي، ألا إنّي أدعوكم عند انقضاء خطبتي إلى مصافقتي على بيعته والإقرار به ثمّ مصافقته بعدي، ألا إنّي قد بايعت الله، وعليّ قد بايعني وأنا آخذكم بالبيعة له، إنّ الذين يبايعون الله ورسوله يد الله فوق أيديهم، فمن نكث فإنّما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً.

معاشر الناس إنّ الحج والعمرة مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ الآية(1).

معاشر الناس حجّوا البيت فماورده أهل بيت إلّا استغنوا وانشالوا (أي ارتفعوا) من الفقر، ولا تخلفوا عنه إلّا بتروا وافتقروا، وما وقف بالموقف مؤمن إلّا غفر له ما سلف من ذنبه، فإذا قضی حجه استانف به.

معاشر الناس الحاج معانون ونفقاتهم مخلفة، والله لا يضيع أجر المحسنين.

معاشر الناس حجّوا البيت بكمال في الدين والتفقّه، ولا تنصرفوا من المشاهد إلّا بتوبة، أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة كما أمركم، فإذا طال عليكم الأمد فقصّر تم أو نسيتم


1) البقرة : 158، وفي الآية: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللهِ.

.......................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فعلي وليّكم قد نصبه الله لكم بعدي، وهو ومن تخلّف من ذريتي يخبرونكم بما تسألون وينبئونكم فيما إليه ترجعون ممّا لا تعلمون، ألا وإنّ الحلال والحرام أكثر من أن اُحصيهما وأعدّهما، فآمر بالحلال وأنهي عن الحرام في مقام واحد، وقد اُمرت فيه أن آخذ عليكم بالبيعة والصفقة بقبول ما جئت به من الله في علي والأوصياء الذين هم منّي، ومنه الإمامة، فيهم قائمة خاتمها المهدي إلى يوم يلقي الله النبي، يقدر ويقضي، كلّ حلال دللتكم عليه وحرام نهيتكم عنه فإنّي لم أرجع عن ذلك ولم اُبدله، ألا فاذكروا واحفظوا وتراضوا ولا تبدّلوا ولا تغيّروه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وامروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، ألا وإنّ رأس أعمالكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فعرّفوا من لم يحضر مقامي ولم يسمع مقالي هذا، فإنّه بأمر الله ربي وربّكم ولا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر إلّا مع إمام.

معاشر الناس إنِّي أخلّف فيكم القرآن والأئمة من ولده بعدي، وقد عرفتم أنّهم منّي، فإن تمسّكتم بهم لن تضلّوا، ألا إنّ خير زادكم التقوى، احذروا الساعة إنّ زلزلة الساعة شيء عظيم، واذكروا الموت والمعاد والحساب والميزان والثواب والعقاب، فمن جاء بالحسنة اُثيب، ومن جاء بالسيئة فليس له في الجنّة نصيب.

معاشر الناس إنّكم أكثر من أن تصافقوني بكف واحدة في وقت واحد، وقد أمرني الله أن آخذ من ألسنتكم الإقرار بما عقدت لعلي من امرة المؤمنين ولمن جاء بعده من ولده الأئمة من ذريتي، فقولوا بأجمعكم: بأنّا سامعون مطيعون راضون منقادون لما بلّغت عن ربّنا وربّك وإمامنا وأئمتنا من ولده، نبايعك على ذلك بقلوبنا

.........................................

ـــــــــــــــــــــــــــ

وأنفسنا وألسنتنا وأيدينا، على ذلك نحيى وعليه نموت، وعليه نبعث، لا نغيّر ولا نبدّل ولا نشكّ ولا نجحد ولا نرتاب عن العهد، ولا ننقض الميثاق وعظتنا بوعظ الله في عليّ أمير المؤمنين والأئمة التي ذكرت من ذريتك من ولده بعد الحسن والحسين ومن نصبه الله بعدهما، فالعهد والميثاق لهم مأخوذ منّا من قلوبنا وأنفسنا وألسنتنا وضمائرنا وأيدينا من أدركها بيده، وإلّا فقد أقرّ بها بلسانه، ولا نبغي بذلك بدلاً، ولا يرى الله من أنفسنا حولاً، نحن نؤدّي ذلك عنك الداني والقاصي من أولادنا وأهالينا، ونشهد الله بذلك، وكفى بالله شهيداً.

معاشر الناس ما تقولون: فإنّ الله يعلم كلّ صوت وخائنة الأعين وما تخفي الصدور، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضلّ فإنّما يضلّ عليها، ومن بايع فإنّما يبايع الله، يد الله فوق أيديهم، فمن نكث فإنّما ينكث على نفسه فبايعوا الله، وبايعوا علياً والحسن والحسين والأئمة منهم في الدنيا والآخرة بكلمة باقية.

معاشر الناس لقّنوا ما لقّنتكم، وقولوا ما قلته، وسلّموا على أميركم وقولوا:سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ(1)و الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لَا أَنْ هَدَانَا اللهُ(2).

معاشر الناس إنّ فضائل علي وما خصّه الله به في القرآن أكثر من أن أذكرها في مقام واحد، فمن أنبأكم به فصدّقوه، من يطع الله ورسوله واُولي الأمر منكم فقد فاز


1) البقرة : 285.

2) الأعراف : 43.

..................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

فوزاً عظيماً، السابقون السابقون إلى بيعته والتسليم عليه بامرة المؤمنين اُولئك المقرّبون في جنّات النعيم، فقولوا: ما يرضى الله عنكم وإن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فلن يضر الله شيئاً، اللهمّ اغفر للمؤمنين والمؤمنات بما أدّيت وأمرت، واغضب على الجاحدين والكافرين، والحمد لله رب العالمين.

قال: فتبادر الناس إلى بيعته، وقالوا: سمعنا وأطعنا لما أمرنا الله ورسوله بقلوبنا وأنفسنا وألسنتنا وجميع جوارحنا.

ثمّ انكبّوا على رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وعلى عليّ(عليه السلام) بأيديهم، وكان أوّل من صافق رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير، ثمّ باقي المهاجرين والأنصار والناس على طبقاتهم ومقدار منازلهم إلى أن صلّيت الظهر والعصر في وقت واحد، والمغرب والعشاء الآخرة في وقت واحد، ولم يزالوا يتواصلون البيعة والمصافقة ثلاثاً، ورسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) كلما بايعه فوج بعد فوج يقول: الحمد لله الذي فضّلنا على جميع العالمين» وصارت المصافقة سنّة ورسماً واستعملها من ليس له حق فيها.

واعلم أنّه روى هذا الخبر بطوله شيخنا الأعظم المفيد وشيخنا المقدّم السيد بن طاووس(1)وغيرهما.

وروى شيخ الطائفة خطبة في المصباح(2)عن مولانا أمير المؤمنين(عليه السلام) ، وروى


1) اليقين : 343، ولم نعثر عليه في كتب المفيد الاحتجاج للشيخ الطبرسي 1 : 66.

2) مصباح المتهجد : 752.

ويكون أشدّ الناس تواضعاً الله جل ذكره، ويكون آخذ الناس بما يأمر به، وأكف الناس عمّا ينهى عنه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

خطب اُخر عن الأئمة المعصومين(عليهم السلام)في ذلك اليوم، اقتصرنا عليها لاشتمالها على أحكام كثيرة. فتدّبر فيها، ومن أراد الاستقصاء مع عدم إمكانه فعليه بكتاب اليقين في تسمية مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام)للسيد الأعظم علي بن طاووس وكتاب الطرائف له وكتاب كشف الحق ونهج الصدق للعلّامة وكتاب الألفين له وكتب الصدوق(1). والحق أنّ الكافي كاف في معرفة الأئمة المعصومين(عليهم السلام).

[زهد الأئمة(عليهم السلام) وتواضعهم ]

( ويكون أشدّ الناس تواضعاً الله جل ذكره) ولا ريب في ذلك بالنظر إلى الأئمة المعصومين(عليهم السلام)، فإنّ العامة ذكروا عبادتهم وزهدهم، ذكر اليافعي في كتاب رياض الرياحين طرفاً منها، وذكر ابن طلحة المالكي في كتابه المقصور على ذكر الأئمة الاثني عشر، وذكر فيه كثرة عبادتهم(2).

وروى الصدوق في الصحيح عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) أنّه قال: «والله إن كان علي(عليه السلام) ليأكل أكل الفقير ويجلس جلسة العبيد، وأنّه كان ليشتري القميصين السنبلانيين، فيخيّر غلامه خيرهما ثمّ يلبس الآخر، فإذا جاز حد


1) انظر: الطرائف : 139 - 153 . نهج الحق وكشف الصدق : 192 . الكافي 1 : 168، كتاب الحجة، ح 4. الخصال : 479 ، ح 46. الأمالي للشيخ الصدوق : 436.

2) انظر: مطالب السؤول في مناقب آل الرسول(عليهم السلام). ولم نعثر على رياض الرياحين.

...............................................

ـــــــــــــــــــــــــــــ

أصابعه قطعه. وإذا جاز كعبه حذفه، ولقد ولّى خمس سنين ما وضع آجرة على آجرة، ولا لبنة على لبنة، ولا أقطع قطيعاً، ولا أورث بيضاء ولا حمراء، وأنّه كان ليطعم الناس خبز البر واللحم، وينصرف إلى منزله، ويأكل خبز الشعير والزيت والخلّ، وما ورد عليه أمران كلاهما الله رضى إلّا أخذ بأشدّهما على بدنه، ولقد أعتق ألف مملوك من كدّ يده، وتربّت فيه يداه وعرق فيه وجهه، وما أطاق حمله أحد من الناس، وإن كان ليصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة وإن كان أقرب الناس شبهاً به علي بن الحسين(عليه السلام)، وما أطاق عمله أحد من الناس بعده»(1).

[ في عبادة الأئمة(عليهم السلام)]

وسمع رجل من التابعين أنس بن مالك يقول: نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب(عليه السلام) :أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةً قال الرجل: فأتيت علياً (عليه السلام)لأنظر إلى عبادته فأشهد بالله لقد أتيته وقت المغرب فوجدته يصلي بأصحابه المغرب، فلمّا فرغ منها جلس في التعقيب إلى أن قام إلى عشاء الآخرة، ثمّ دخل منزله فدخلت معه فوجدته طول الليل يصلّي ويقرأ القرآن إلى أن طلع الفجر، ثمّ جدّد وضوءه وخرج إلى المسجد فصلّى بالناس صلاة الفجر، ثمّ جلس في التعقيب إلى أن طلعت الشمس، ثمّ قصده الناس فجعل يختصم إليه رجلان فإذا فرغا قام آخران إلى أن قام إلى صلاة الظهر، قال: فجدّد لصلاة الظهر


1) الأمالي للشيخ الصدوق : 356، ح 14.

..........................................

ـــــــــــــــــــــــــــــ

وضوء، ثمّ صلّى بأصحابه الظهر، ثمّ قعد في التعقيب إلى أن صلّى بهم العصر، ثمّ أتاه الناس فجعل يقوم رجلان ويقعد آخران يقضي بينهم ويفتيهم إلى أن غابت الشمس، فخرجت وأنا أقول: أشهد بالله أنّ هذه الآية نزلت فيه(1).

وروى المفضل بن عمر عن أبي عبد الله، عن أبيه عن أبيه(عليهم السلام)، قال: «إنّ الحسن ابن علي(عليه السلام) كان أعبد الناس في زمانه وأزهدهم وأفضلهم، وكان إذا حج حج ماشياً، وربّما مشى حافياً، وكان إذا ذكر الموت بكى، وإذا ذكر القبر بكي، وإذا ذكر البعث والنشور بكي، وإذا ذكر الممرّ على الصراط بكي، وإذا ذكر العرض على الله تعالى ذكره شهق شهقة يغشى عليه منها، وكان إذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يدي ربّه عزّوجلّ، وكان إذا ذكر الجنّة والنار اضطرب اضطراب السليم، وسأل الله الجنّة وتعوّذ به من النار، وكان(عليه السلام)لا يقرأ من كتاب الله عزّوجلّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إلّا قال: لبّيك اللهمّ لبّيك، ولم ير في شيء من أحواله إلّا ذاكراً الله سبحانه، وكان أصدق الناس لهجة وأفصحهم منطقاً، ولقد قيل لمعاوية لعنه الله ذات يوم: لو أمرت الحسن بن علي بن أبي طالب(عليه السلام) فصعد المنبر فخطب لتبيّن للناس نقصه، فدعاه فقال له : اصعد المنبر وتكلّم بكلمات تعظنا بها، فقام فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أيّها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن ابن علي بن أبي طالب وابن سيدة النساء فاطمة بنت رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، أنا ابن خير خلق الله أنا ابن رسول الله أنا ابن صاحب الفضائل، أنا ابن صاحب المعجزات والدلائل، أنا ابن أمير المؤمنين، أنا ابن المدفوع عن حقي، أنا وأخي الحسين سيّدا


1) الأمالي للشيخ الصدوق : 356 ، ح 15. والآية في سورة الزمر : 9.

...........................................

ـــــــــــــــــــــــــ

شباب أهل الجنة، أنا ابن الركن والمقام، أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن المشعر وعرفات.

فقال له معاوية: خذ في نعت الرطب، ودع هذا فقال(عليه السلام) : الريح تنفخه، والحرور تنضجه، والبرود يطيّبه، ثمّ عاد(عليه السلام)في كلامه فقال: أنا إمام خلق الله وابن محمد رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، فخشي معاوية أن يتكلّم بعد ذلك بما يفتتن به الناس فقال: يا أبا محمد انزل فقد كفى ما جرى فنزل»(1).

وكذا عبادة الحسين(عليه السلام) وزهده، وكفى بما جرى عليه(عليه السلام) شاهداً فإنّه مع علمه بالشهادة فدى نفسه لرضى الله سبحانه وأهل بيته، وجاءت الملائكة لنصرته فلم يقبل، واختار ما عند الله.

وعبادة ابنه علي بن الحسين(عليه السلام) مشهورة بين العامة والخاصة حتى رووا أنّه(عليه السلام) صلّى أربعين سنة صلاة الصبح بوضوء المغرب، ودعواته صلوات الله عليه تدلّ على كمالاته سيّما الصحيفة الكاملة الملقّب بـ (زبور داود) وإنجيل أهل البيت(عليهم السلام) ، كما أنّهما اُلقيا على لسان داود وعيسى بن مريم(عليه السلام) اُلقيت الصحيفة من الله تعالى على لسانه، وكذا باقي دعواته الكاملة، فإنّ العامة معترفة بأنّ الدعاء مخصوص بأهل البيت(عليه السلام)، وقد ضبط بعضهم أدعية النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) على ما رووا لا تصير جزواً، وأدعيتهم منتشرة في المشارق والمغارب.

وكان(عليه السلام) يصلي كلّ ليلة ألف ركعة(2)، ويدعو بالدعوات المنقولة عنه(عليه السلام) ،


1) الأمالي للشيخ الصدوق : 244، ح 10.

2) دعائم الإسلام 2 : 330 الخصال : 517، ح. 4. علل الشرائع 1 : 232، باب العلّة التي من أجلها سمي على بن الحسين زين العابدين(عليه السلام)، ح 10.

.............................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

وعند الصباح ينظر إلى كتاب أمير المؤمنين(عليه السلام)وكان يقول: «أين عبادتنا وعبادته(عليه السلام)» وكان يسمّي ذو الثفنات؛ لأنّه صار جبهته من كثرة العبادة بمنزلة ركبة البعير، وكان يقرض بالمقراض في كلّ سنة تسع مرات(1).

وكذلك الباقر والصادق والكاظم والرضا والجواد والهادي والعسكري سلام الله عليهم أجمعين، كانوا يصلون في كلّ ليلة ألف ركعة، ولو اشتغلنا بذكر الأخبار الواردة في هذا الباب وغيره من فضائلهم(عليه السلام)لطال، مع أنّه ليس هذا الكتاب موضعها، ولكن أردنا أن نختم الكتاب بالختام المسكي ذكرنا قليلاً من كثير.

وسئل الخليل بن أحمد(2)عن أمير المؤمنين(عليه السلام) ، فقال: كيف أصف رجلاً كتم أعاديه محاسنه حسداً، وأحبّائه خوفاً، وما بين الكتمين ملأ الخافقين(3).

وعن أبي زيد النحوي الأنصاري، قال: سألت الخليل بن أحمد العروضي فقلت:


1) انظر: مفتاح الفلاح : 126. شرح الأخبار 3 : 254، مناقب آل أبي طالب 3 : 304. تفسير الألوسي 26 : 125.

2) الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم المتولد (على المعروف) سنة مائة، والمتوفى سنة سبعين ومائة أو سنة خمس وسبعين ومائة، أو أربعاً وسبعين مائة وعن الخلاصة : 140 / 10 للعلامة أنّه كان أفضل الناس في الأدب وقوله حجة فيه واخترع علم العروض وفضله أشهر من أن يذكر و كان إمامي المذهب انتهى وعن ابن داود في رجاله : 89 / 574 أنه شيخ الناس في علوم الأدب وفضله وزهده أشهر من أن يخفى كان إمامي المذهب انتهى، وعن روضات الجنات أن أباه كان في زمن الصادق(عليه السلام)ويقال أنّه كان من جملة أصحابه وله الرواية عنه في كتب أصحابنا المتدينين انتهى ملخص ما يستفاد من رجال المامقاني 1 : 402 - 403.

3) الرواشح السماوية : 288.

ويكون دعاؤه مستجاباً حتى أنه لو دعا على صخرة لانشقّت بنصفين.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

لم هجر الناس عليا(عليه السلام) وقرباه (عليه السلام)من رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) قرباه، وموضعه(عليه السلام) من المسلمين موضعه، وعناؤه(عليه السلام) في الإسلام عناؤه ؟ فقال: بهر والله نوره أنوارهم، وغلبهم على صفو كلّ منهل، والناس إلى أشكالهم أميل، أما سمعت الأوّل حيث يقول:

وكلّ شكل لشكله آلف *** أما ترى الفيل يألف الفيلا

وقال وأنشدنا الرياشي في معناه عن العباس بن الأحنف:

و قائل كيف تهاجرتما*** فقلت قولا فيه أنصاف

لم يك من شكلي فهاجرته*** والناس أشكال والاف(1)

( ويكون دعاؤه مستجاباً) لأنّهم خيرة الله وصفوة الله، وأحباء الله، والظاهر أنّ هذا الكلام على حسب عقول العوام أو العامة، والأخبار في استجابة دعائهم متواترة(2)، والكلّ من معجزاتهم؛ لأنّها قارنت دعوى الإمامة، فلو كانوا كاذبين لكانت الاستجابة لدعائهم إغراء للمكلّفين على القبيح، وهو محال على الله سبحانه. أمّا دعواهم فمتواتر لا يشكّ فيه إلّا معاند، وكيف لا يدعون رتبة جعلها الله تعالى لهم كما رواه العامة متواتراً في أنّ الخلفاء اثنا عشر(3)ولم يكن للاُمة فهم اثني عشر


1) الأمالي للشيخ الصدوق : 300، ح 341.

2) الكافي 1 : 462 ، باب مولد الحسن بن علي صلوات الله عليهما ، ح 4. الخرائج والجرائح 2 : 569 ، ح 26. الخصال : 527 ، ح .1 عيون أخبار الرضا(عليه السلام) 2 : 192، ح 1.

3) مسند أحمد 1: 398 و 5 : 86 - 108. صحيح البخاري :8: 127. صحیح مسلم 6: 3.

.......................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

باعترافهم؛ لأنّهم لو اعتبروا خلفاء الحق بادعائهم فهم أربعة، والباطل يزيد على أربعين، مع أنّه روي متواترة عن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) أنّه قال: «من مات لا يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية»(1).

ويلزمهم أن يقولوا بوجوب معرفة يزيد عليه اللعنة مع هتكه حرمة أهل بيت رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)وقتله إيّاهم، وقتل ثمانية آلاف من المهاجرين والأنصار وأولادهم واستباحة فروجهم وتخريبه الكعبة المعظّمة، وكذلك سائر بني اُمية، فإنّ ما فعله الحجّاج اللعين في أزمنتهم معروف لا يحتاج إلى البيان من قتله كثيراً من الصحابة والتابعين لمحبّتهم أمير المؤمنين(عليه السلام) وسبّهم خير الخلق بعد رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) على ما رووه متواتراً في صحاحهم الستة، وتواريخهم وتفاسيرهم(2).

[أخبار الأئمة الاثنى عشر في كتب أهل السنة ]

ولنذكر أخبار الأئمة الاثنى عشر من كتبهم المسمّيات عندهم بالصحاح الستة.

فمن ذلك من رواه البخاري في أواخر صحيحه: حدثنا محمد بن المثنى، قال: أخبرنا غندر، قال: أخبرنا شعبة عن عبد الملك، قال: سمعت جابر بن سمرة، قال:


1) المحاسن 1 : 92، باب عقاب من لا يعرف إمامه ، ح 46. الكافي 1 : 377، باب من مات وليس له إمام، ح 3 ثواب الأعمال : 205.

2) انظر: المستدرك للحاكم النيسابوري 3: 553 و 556 شرح مسلم :1 : 93. تفسير الثعالبي : 63 - 65. معرفة الثقات للعجلي :1 : 288 تاريخ مدينة دمشق 12 : 121.

............................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

سمعت النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم) يقول: «يكون اثنى عشر أميراً» فقال كلمةً لم أسمعها، فقال: أبي أنّه قال: «كلّهم من قريش»(1).

وبإسناده عن ابن عيينة قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) :« لا يزال أمر الناس ماضياً. ما وليهم اثنى عشر رجلاً» ثمَّ تكلّم النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)و بكلمة خفيت عليّ، فسألت أبي ماذا قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ؟ فقال: «كلّهم من قريش»(2).

وروی مسلم بن الحجاج في صحيحه عن حصين عن جابر بن سمرة، قال: دخلت مع أبي على النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)و فسمعته يقول: «إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة» قال : ثمّ تكلّم بكلام خفي علي، قال: قلت لأبي: ما قال؟ قال: كلّهم من قريش»(3).

وعن جابر بن سمرة، قال: سمعت النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يقول: «إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فهيم اثنا عشر خليفة» إلى آخره(4).

وعن جابر بن سمرة، قال: دخلت مع أبي على النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فسمعته يقول: «إنّ هذا لا ينقضي حتى يمضي فيها اثنا عشر خليفة» إلى آخره(5).

وعن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة، قال: سمعت النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يقول:


1) صحيح البخاري 8: 127.

2) العمدة : 420 ، ح 872 فتح الباري 13 : 181. كشف الغمة 1 : 57.

3) صحيح مسلم 6: 3 و 4.

4) صحیح مسلم 6: 3 و 4.

5) صحیح مسلم 6: 3 و 4.

..........................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

«لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً» إلى آخره(1).

وعن سماك عن جابر عن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)ما في معناه(2).

وعن سماك بن حرب ، قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: سمعت رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يقول: «لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة» إلى آخره (3).

وعن الشعبي عن جابر بن سمرة، قال: انطلقت إلى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)ومعي أبي فسمعته يقول: «لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة» إلى آخره(4).

وعن الشعبي عن جابر ما في معناه(5).

وعن عامر بن سعد بن أبي وقاص، قال: كتبت إلى جابر بن سمرة مع غلامي نافع: أن أخبرني بشيء سمعته من رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، فقال : كتب إليّ: سمعت رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) عشية رجم الأسلمي يقول: قال: «لا يزال الدين قائماً حتى يقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش» إلى آخره(6).

وعن عامر بن سعد العدوي: أنّه أرسل إلى ابن سمرة العدوي حديثاً ما سمعت من رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) فقال: سمعت رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) يقول: «لا يزال الدين قائماً حتى


1) صحیح مسلم 6: 3 و 4.

2) صحیح مسلم 6: 3 و 4.

3) صحیح مسلم 6: 3 و 4.

4) صحیح مسلم 6: 3 و 4.

5) صحیح مسلم 6: 3 و 4.

6) صحیح مسلم 6: 3 و 4.

..............................................

ــــــــــــــــــــــــــــــ

تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش» إلى آخره(1).

وعن رزين العبدري في الجمع بين الصحاح، وفي الجمع بين الصحيحين للحميدي ما في معنى ما ذكرا من الأخبار بتسعة طرق(2).

ومن صحيح أبي داود - وهو كتاب السنن - عن عامر قال: كتبت إلى جابر: أخبرني بشيء سمعته من رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فكتب إليّ: إنّي سمعته يقول: «لا يزال هذا الدين ظاهراً حتى تقوم الساعة، ويكون عليكم اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش» إلى آخره(3).

وروى الصدوق من طرق العامة عن عامر، قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : «لا يزال أمر اُمّتي ظاهراً حتى يمضي اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش»(4).

وعن عبد الملك عن جابر، قال: كنت مع أبي عند النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) سمعته يقول:« يكون بعدي اثنا عشر أميراً» ثمّ أخفى صوته، فقلت لأبي: ما الذي أخفى رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) قال: قال «كلّهم من قريش»(5).

وعن الشعبي عن مسروق، قال: بينا نحن عند عبدالله بن مسعود نعرض مصاحفنا عليه، إذ يقول له شاب: هل عهد إليكم نبيكم(صلّی الله علیه وآله وسلّم) كم يكون من بعده خليفة؟


1) صحیح مسلم 6: 3 و 4.

2) الجمع بين الصحيحين 1 : 337، ح 520.

3) سنن أبي داود 2 : 209، ح 4280، مع اختلاف.

4) الخصال : 475، ح 37.

5) الخصال : 469 ، ح 12.

..............................................

ـــــــــــــــــــــــــــــ

قال: إنّك لحدث السن، وأنّ هذا شيء ما سألني عنه أحد قبلك، نعم عهد إلينا نبيّنا(صلّی الله علیه وآله وسلّم) أن يكون بعده اثنا عشر خليفة عدد نقباء بني اسرائيل(1).

وبإسناده من طرقهم عن قيس بن عبد الله ، قال : كنّا جلوساً في حلقة فيها عبد الله ابن مسعود فجاء أعرابي فقال: أيّكم عبد الله بن مسعود؟ قال عبد الله : أنا عبد الله بن مسعود، قال حدثكم نبيّكم(صلّی الله علیه وآله وسلّم) كم يكون بعده من الخلفاء؟ قال: نعم اثنا عشر عدة نقباء بني اسرائيل(2).

وبسندين عن الشعبي عن عمّه قيس بن عبد الله، قال: كنّا جلوساً في المسجد ومعنا عبد الله بن مسعود، فجاء أعرابي فقال : أفيكم عبد الله؟ قال: نعم أنا عبد الله فما حاجتك؟ قال: يا عبد الله أخبركم نبيّكم(صلّی الله علیه وآله وسلّم) كم يكون فيكم من خليفة؟ قال: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد منذ قدمت العراق، نعم اثنا عشر عدة نقباء بني إسرائيل. وفي خبر آخر، قال: نعم، عدة نقباء بني اسرائيل(3).

وعن جرير عن أشعث عن ابن مسعود عن النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، قال: «الخلفاء بعدي اثنا عشر، كعدة نقباء بني اسرائيل»(4).

وصنّف الصدوق كتاباً ضخيماً في الأخبار الواردة في الأئمة الاثنى عشر من


1) عيون أخبار الرضا(عليه السلام) 2 : 53 ، ح 10.

2) الخصال : 467، ح 7.

3) الأمالي للشيخ الصدوق : 386، ح 6.

4) الأمالي للشيخ الصدوق : 387، ح 7. كفاية الأثر : 26.

..........................................

ـــــــــــــــــــــــــــ

طرق العامة تجاوز عن حدّ التواتر أضعافاً مضاعفة حتى الأخبار الواردة في تسميتهم(عليه السلام).

وأنت تعلم أنّ اعتبار العامة هذه الصحاح الستة وتلقّيهم إياها بالقبول ليس الّا لتعصّبهم سيّما البخاري، فإنّه مهما أمكنه لا يذكر الخبر الذي ينافي مذهبهم وبعده مسلم وبعدهما الأربعة، وبعدهم مسند أحمد بن حنبل، وكلّما أمكنه من طرحه لندرته لا يذكره في كتابه.

وذكر أنّه أخرج صحيحه من سبعمائة ألف حديث كانت محفوظة، فلو أمكنه طرح هذا الخبر لم يذكره، ومع ذكره لم يذكره إلّا من طريق جابر بسندين، مع أنّ الأخبار التي ذكرها مسلم أكثرها على شروط البخاري، فإنّه يروي مسلم من جماعة يروي عنهم البخاري إلّا نادراً، وكذلك الخمسة الاُخر سيّما أحمد، لكن لمّا كان أحمق وذكر أخباراً كثيرة تنافي مذهبهم الباطل لم يعتبروا أخباراً كاعتبار أخبار البخاري.

ومن أراد الاستقصاء فعليه بكتاب جامع الاُصول، وشرح ابن أبي الحديد على نهج البلاغة، وكتب محمد بن جرير الطبري، وغيرها ممّا لا يمكنهم طرحها وردّها، لكن بحمد الله ربّ العالمين لا نحتاج إلى كتبهم لتواتر الأخبار عن الأئمة المعصومين(عليهم السلام) أضعافاً مضاعفة، والعامة يعترفون بأفضليتهم(عليه السلام) على العالمين ،وينقلون عنهم في صحاحهم حتى البخاري مع عناده وكفره.

ومن أراد الاستقصاء فعليه بكتاب إكمال الدين وإتمام الحجة، وكتاب عيون

ويكون عنده سلاح رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وسيفه ذو الفقار، ويكون عنده صحيفة يكون فيها أسماء شيعته إلى يوم القيامة، وصحيفة فيها أسماء أعدائه إلى يوم القيامة.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

أخبار الرضا(عليه السلام) ، وكتاب الكافي، وسائر ذلك من الكتب التي ألّفها أصحابنا لخصوص ذلك.

(ويكون عنده سلاح رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وسيفه ذو الفقار) الظاهر أنّه عطف تفسيري للسلاح، ويمكن أن يكون تخصيصاً بعد التعميم؛ للاهتمام، كما روينا سابقاً في كتاب الحج أنّه كان لرسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)أسلحة كلّها وصلت إلى أمير المؤمنين(عليه السلام). وروى الأخبار المتواترة أنّ السلاح بمنزلة التابوت في بني إسرائيل دليل الإمامة(1).

(ويكون عنده صحيفة - إلى قوله - إلى يوم القيامة) كما ذكره العامة أنّ رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)ذکر مراراً، مرّة في يوم كسوف الشمس بعد الصلاة الطويلة التي قرأ فيها سورة البقرة واستقبل أصحابه: وقال: «انكشف لى أصحاب الجنّة وأصحاب النار» وأشار صلوات الله عليه بيديه، وأشار بيده اليمنى مقبوضة أنّ فيها أصحاب اليمين، وأشار بيده اليسرى مقبوضة أنّ فيها أصحاب الشمال(2).

وروينا عن الأئمة المعصومين(عليهم السلام)بالأخبار المتواترة أنّه ذكرهم(عليهم السلام) لعلي بن أبي طالب(عليه السلام) إملاء وكتبهم أميرالمؤمنين (عليه السلام) في كتاب ضخيم وكانت الشيعة


1) الكافي 1 : 233 باب ما عند الأئمة (عليهم السلام)من سلاح رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، ح 1 و 238، باب أنّ مثل سلاح رسول الله مثل التابوت في بني إسرائيل.

2) لم نعثر عليه.

وتكون عنده الجامعة، وهي صحيفة طولها سبعون ذراعاً فيها جميع ما يحتاج إليه ولد آدم، ويكون عنده الجفر الأكبر والأصغر، أهاب ماعز

ــــــــــــــــــــــــــــــ

أحياناً ينظرونه ويجدون أسماءهم فيه(1).

فروى الصفار في الصحيح عن عبد الصمد بن بشير عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال:« قال أبو جعفر(عليه السلام) : انتهى النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) إلى السماء السابعة، وانتهى إلى سدرة المنتهى، قال: فقالت السدرة: ما جازني مخلوق قبلك، ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (2)قال: فدفع إليه كتاب أصحاب اليمين. وكتاب أصحاب الشمال، فأخذ كتاب أصحاب اليمين بيمينه ففتحه ونظر فيه فإذا فيه أسماء أهل الجنّة وأسماء آبائهم وقبائلهم، وأخذ كتاب أصحاب الشمال بشماله ففتحه فإذا فيه أسماء أصحاب النار، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثمّ نزل ومعه الصحيفتان فدفعهما إلى علي بن أبي طالب(عليه السلام)»(3).

[ الجامعة وما فيها ]

( ويكون عنده الجامعة) روى الكليني والصفار والبرقي والصدوق أخباراً متواترة فی أنّه كان عند الأئمة(عليهم السلام) الجامعة (4).


1) انظر بصائر الدرجات : 163 ، ح 1 و 190.

2) النجم : 8 - 10.

3) بصائر الدرجات : 212، ح 6.

4) الكافي 1 : 238 ، باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة (عليها السلام). بصائر الدرجات : 162. الخصال : 528. ولم نعثر عليه في المحاسن.

وأهاب كبش، فيهما جميع العلوم حتى أرش الخدش حتى الجلدة ونصف الجلدة وثلث الجلدة، ويكون عنده مصحف فاطمة(عليها السلام) .

ــــــــــــــــــــــــــــــ

فمن ذلك ما رووه في الصحيح عن أبي عبيدة، قال: سئل بعض أصحابنا أبا عبد الله(عليه السلام)عن الجفر ؟ قال : «هو جلد ثور مملوء علماً» قال له: فالجامعة؟ قال: «تلك صحيفة طولها سبعون ذراعاً في عرض الأديم مثل فخذ الفالج فيها، كلّما يحتاج الناس إليه وليس من قضية إلّا وهي فيها حتى أرش الخدش» قال: فمصحف فاطمة(عليها السلام) ؟ قال: فسكت طويلاً، ثمّ قال: «إنّكم لتبحثون عمّا تريدون وعمّا لا تريدون ، إنّ فاطمة (عليها السلام) مكثت بعد رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)خمسة وسبعين يوماً، وكان دخلها حزن شديد على أبيها، وكان جبرئيل(عليه السلام) يأتيها فيحسن عزاها على أبيها و تطيب نفسها، ويخبرها عن أبيها ومكانه، ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها، وكان علي(عليه السلام)يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة(عليها السلام)(1).

وتقدم أيضاً أنّه رآه زرارة ومحمد بن مسلم وغيرهما.

والظاهر أنّ ما كان في إهاب الماعز وجلد الكبش كان مرموزاً ويعرفه الأئمة (عليهم السلام)، كما اشتهر بين العامة والخاصة أنّ الجفر هو الكتاب المرموز الآن، ويعرف بعض أولياء الله بعض ما فيه، والظاهر أنّه غيره.

والظاهر أنّه ما يمكن ضبط جميع العلوم في الكتاب إلّا مرموزاً أو بالقواعد


1) الكافي 1 : 241، باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة(عليها السلام)، ح 5. بصائر الدرجات : 173 ، ح 6.

...........................................

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الكلية، كما تواتر عن العامة والخاصة: أنّ رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)علّم علياً(عليه السلام) عند موته ألف باب يفتح من كلّ باب الف باب(1).

وفي أخبار اُخر: أنّه علّمه ألف كلمة يفتح من كلّ كلمة ألف كلمة (2).

وفي أخبار اُخر: أنّه(صلّی الله علیه وآله وسلّم) علمه(عليه السلام) ألف حرف يفتح من كلّ حرف ألف حرف(3).

ولا يمكن ضبطها إلّا بالرمز، أو بعلم المكاشفة التي كان لهم(عليهم السلام).

والحاصل أنّه كما لا يمكن إدراك ذواتهم، لا يمكن إدراك كمالاتهم، كما ورد الأخبار المتواترة فيه. ولا ريب في أنّه كما لا يمكن للعوام إدراك فضيلة العلماء والتمييز بينهم، كذلك لا يمكن للمبتدئين إدراك فضيلة المنتهين، وكذلك لا يمكن للعلماء الظاهرية إدراك حالات العلماء الباطنية من أولياء الله تعالى. ولا ريب أنّ الجميع عندهم(عليهم السلام) كالأطفال، فمتى يمكن إدراك علومهم وكمالاتهم؟

وروي بطرق متكثرة: أنّه قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)لعلي بن أبي طالب(عليه السلام): «يا علي لا يعرف الله تعالى إلّا أنا وأنت ولا يعرفني إلّا الله وأنت، ولا يعرفك إلّا الله


1) الكافي 1 : 297 ، باب الإشارة والنص على أمير المؤمنين(عليه السلام) ، ح 9 بصائر الدرجات : 172 ح .. الخصال : 644 ح .25 ينابيع المودة لذوي القربى للقندوزي 1 : 231 ، ح 71. فتح الباري 5 : 270. نظم درر السمطين : 113.

2) بصائر الدرجات : 329، ح .1 الخصال : 1 64 ح .19 كنز العمال 13 : 164 ، ح 36500.

3) الكافي 1 : 296 ، ح.5 بصائر الدرجات : 327، ح 2 الخصال : 648، ح 41.

5915 - وروى لنا عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري(رضی الله عنه)، قال: حدثنا علي بن محمد بن قتيبة، عن الفضل بن شاذان قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: لمّا حمل رأس الحسين(عليه السلام) إلى الشام أمر يزيد - لعنه الله - فوضع ونصب عليه مائدة فأقبل هو وأصحابه يأكلون ويشربون الفقّاع، فلمّا فرغوا أمر بالرأس فوضع في طست تحت سريره وبسط عليه رقعة الشطرنج، وجلس يزيد - لعنه الله - يلعب بالشطرنج ويذكر الحسين بن علي، وأباه وجده(عليهم السلام) ويستهزئ بذكرهم، فمتى قامر صاحبه تناول الفقّاع فشر به ثلاث مرات، ثمّ صبّ فضلته على ما يلي الطست من الأرض، فمن كان من شيعتنا فليتورّع عن شرب الفقّاع واللعب بالشطرنج، ومن نظر إلى الفقّاع أو إلى الشطرنج فليذكر الحسين(عليه السلام) وليلعن يزيد وآل زياد، يمحو الله عزّوجلّ بذلك ذنوبه ولو كانت بعدد النجوم.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

وأنا»(1).

إلى غير ذلك من الأخبار المتواترة في هذا المعنى.

(وروى لنا عبد الواحد بن محمد بن عبدوس) في الحسن كالصحيح(2)، ووصفه الشهيد الثاني بالصحة (3)( فمتى قامر صاحبه) أي غلبه.

(ومن نظر إلى الفقاع) عند ما يشربه غيره أو الأعم.


1) مختصر بصائر الدرجات : 125.

2) عيون أخبار الرضا(عليه السلام) 1 : 25، ح 50

3) مسالك الأفهام 2 : 23. و 10 : 16.

5916 - وقال الرضا(عليه السلام) : من أصبح معافى في بدنه مخلّى في سربه وعنده قوت يومه فكأنّما حيزت له الدنيا.

5917 - وقال(عليه السلام) : جبلت القلوب على حبّ من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها.

5918 - وروى سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة، قال: قال أمير المؤمنين(عليه السلام) في بعض خطبه: أيّها الناس اسمعوا قولي واعقلوه عنّي،

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(وقال الرضا(عليه السلام)) رواه الصدوق مسنداً، وروى ذلك عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)(1)(مخلّى في سربه) بالفتح الطريق، أي لم يكن محبوساً في يد ظالم (فكأنّما حيزت) أي جمعت (له الدنيا) وفي بعض الروايات(2)بزيادة «بحذافيرها» أي بأجمعها، فإنّ فائدة الدنيا ذلك والباقي زيادة فيجب شكر هذه النعمة العظمى.

(وقال(عليه السلام)) رواه المصنّف(3)مسنداً، ويدلّ على فوائد كثيرة:

منها: أنه يجب على المؤمن ألّا يؤذي المؤمنين، بل يحسن إليهم حتى يحبّوه، ويشعر بأنّه إذا وصل إليكم من أحد نعمة فعليكم برعاية المحبّة البشرية، بأن لا يمنعكم من قول الحق عليه وبالعكس، ولهذا حرمت الرشوة على الحاكم حتى الرشوة الخفية، وغير ذلك ممّا يظهر بالتأمّل.

(وروی سعد بن طريف) في الحسن.


1) الخصال : 161، ح 211.

2) مصباح الشريعة : 115.

3) لم نعثر عليه في كتب المصنف. تحف العقول : 37.

فإن الفراق قريب. أنا إمام البرية، ووصيّ خير الخليقة، وزوج سيدة نساء الاُمّة، وأبو العترة الطاهرة، والأئمة الهادية. أنا أخو رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، و وصيّه ووليّه ووزيره، وصاحبه وصفيّه، وحبيبه وخليله، أنا أمير المؤمنين، وقائد الغرّ المحجلين، وسيّد الوصيين، حربي حرب الله، وسلمي سلم الله، وطاعتي طاعة الله، وولايتي ولاية الله، وشيعتي أولياء الله، وأنصارى أنصار الله، والذي خلقني ولم أك شيئاً، لقد علم المستحفظون من أصحاب محمد(صلّی الله علیه وآله وسلّم) أنّ الناكثين والقاسطين والمارقين ملعونون على لسان النبي الاُمّي، وقد خاب من افترى.

5919 - وقال أمير المؤمنين(عليه السلام) : قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : اللهمّ ارحم

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(ولقد علم المستحفظون) بالكسر، أي الذين كان سعيهم في حفظ العلوم بالعمل. أو بالفتح من وفّقه الله تعالى لحفظ العلوم بالعلم بها، وجميع ما في هذا الخبر منقول متواتراً في كتب العامة والخاصة(1). فمن أراد التفصيل فعليه بجامع يحيى بن البطريق (2)، فإنّه روى من كتبهم المعتمدة عندهم كالستة وغيرها ما يؤيّدها.

وروى الصدوق في الأمالي وغيره من طرق العامة ما يكفيك(3).

(وقال أمير المؤمنين(عليه السلام)) رواه المصنّف بطرق معتبرة في الأمالي والعيون(4)


1) انظر: الأمالي للشيخ الصدوق : 88 - 90 و 92 و 450. بصائر الدرجات : 50 ، ح8 . المستدرك للحاكم النيسابوري 3 : 137 و 138 مجمع الزوائد 9 : 121. المعجم الصغير للطبراني 2 : 88.

2) العمدة لابن البطريق

3) الأمالي للشيخ الصدوق : 702 ، ح 961.

4) عيون أخبار الرضا(عليه السلام) 1 : 40 ، ح 94. الأمالي للشيخ الصدوق : 247، ح 4.

خلفائي، قيل: يا رسول الله ومن خلفائك؟ قال: الذين يأتون من بعدي يروون حديثي وسنّتي.

5920 - وروى المعلّى بن محمد البصري عن جعفر بن سلمة عن عبد الله بن الحكم عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: قال

ــــــــــــــــــــــــــــ

ويدلّ على أنّ المحدّث خليفة رسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم).

وروى الصدوق في القوي كالصحيح، عن عبيد بن هلال، قال: سمعت أبا الحسن الرضا(عليه السلام) يقول: «إنّي أحبّ أن يكون المؤمن محدّثاً» قال: قلت وأي شيء المحدّث؟ قال: «المفهّم»(1).

اعلم أنّه ذكر هذا الخبر بعض أصحابنا وقرأ المحدّث بالكسر(2)، وكذا المفهّم أي يكون ناقلاً للحديث، والظاهر أنّ المراد به أن يكون ملهماً بإلهام الله تعالى بترك الدنيا والرياضات، والمجاهدات حتى يفتح الله تعالى ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه كما تقدّم الأخبار في ذلك.

(وروى المعلى بن محمد البصري عن جعفر بن سلمة) إلى آخره، وهو من رجال


1) عيون أخبار الرضا(عليه السلام) 2 : 275، ح 68.

2) الكافي 1 : 177، باب الفرق بين الرسول والنبي والمحدث ح .4 ويؤيّد الفتح خبر بريد عن جعفر وأبي عبد الله(عليه السلام)في قوله عزّوجلّ: وَ ما أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لَا نَبِي (ولا محدث) (بالفتح) قلت: جعلت فداك ليست هذه قرائتنا فما الرسول والنبي والمحدّث؟ قال: الرسول الذي يظهر له الملك فيكلمه، والنبي هو الذي يرى في منامه، وربما اجتمعت النبوة والرسالة لواحد، والمحدث الذي يسمع الصوت ولا يرى الصورة، قلت: أصلحك الله كيف يعلم أنّ الذي رأى في النوم حق وأنّه من الملك؟ قال: يوفق لذلك حتى يعرفه، لقد ختم الله بكتابكم الكتب وختم بنبيّكم الأنبياء.

النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : إنّ علياً وصيي وخليفتي وزوجته فاطمة سيّدة نساء العالمين ابنتي، والحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة ولداي، من والاهم فقد والاني، ومن عاداهم فقد عاداني، ومن ناو أهم فقد ناوأني، ومن جفاهم فقد جفاني، ومن برّهم فقد برّني، وصل الله من وصلهم، وقطع الله من قطعهم، ونصر الله من أعانهم، وخذل من خذلهم، اللهمّ من كان له من أنبيائك ورسلك ثقل وأهل بيت فعلي وفاطمة والحسن والحسين أهل بيتي وثقلي، فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

العامة إلى ابن عباس، وذكره من طرقهم تاييداً وردّاً عليهم، والأخبار في ذلك من طرقهم لا تحصى، ومن طرقنا لا يحتاج إلى الذكر، فمن أراد التفصيل فعليه بالكتب التي ذكرنا، بل القرآن كافٍ في ذلك، فإن الله تعالى جعل محبّتهم أجر رسالة النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) في قوله تعالى: قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى(1).

وذكر العامة في صحاحهم في وجوب مودة أهل البيت(عليهم السلام) عموماً وفي الحسن والحسين وفاطمة - سلام الله عليهم - أخباراً كثيرة(2)، وفي آية التطهير أنّها نزلت في الخمسة أهل العبا. وفي تفاسيرهم وتواريخهم ما لا يحصى(3)، ولكنّهم يدعون


1) الشورى : 23.

2) انظر: مسند أحمد :6 304 و 305 سنن الترمذي 5 : 360 ، ح 3936

3) انظر: مسند أحمد 1: 331 و 3 : 259، 285 و 6 : 292. صحيح مسلم 7 : 130. سنن الترمذي 5: 30 و 31 مستدرك الحاكم 2 : 416 جامع البيان للطبری 22 : 9 و 10. معاني القرآن 5: 348 تفسير الثعلبي 8 36 تاریخ بغداد :9 128 و 10 : 277. تاریخ مدينة دمشق 4 : 290 و 13 : 202 تاريخ الإسلام للذهبي 3 : 44.

.....................................

ــــــــــــــــــــــــــــ

أنّهم يحبّون أهل البيت(عليهم السلام)، ويحبّون أعداءهم، ولا شكّ في أنّ محبة الأعادي لا تجتمع مع محبة الموالي، بل ذكروا أن محبّة علي(عليه السلام) لا تجتمع مع محبّة أعداء..

ورأس التسنّن بغض أهل البيت(عليهم السلام) ، ذكر ذلك مفصّلاً الفاضل السيد التستري القاضي نور الله كتاب مجالس المؤمنين وفي كتابه في الرد على ميرزا مخدوم الشيرازي، فإنّه كتاب حسن، وفي الحقيقة شرح على كشف الحق ونهج الصدق للعلّامة، ولابدّ للشيعة من هذين الكتابين، فإنّه ذكر مقابح العامة والأخبار التي وردت فيها، ولمّا كان هذا الكتاب في الفقه والفروع لا يحتاج فيه إلى ذكر هذه الأخبار، ولكن ذكره المصنّف تيمناً وتبرّكاً.

قد تمَّ المجلد التاسع عشر حسب ما جزّأناه، ويتلوه المجلّد العشرون، والحمد الله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً.


مصادر التحقيق

1 - القرآن الكريم

2 - إثنا عشر رسالة : المحقق الداماد .

3- الاحتجاج : أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي، ط / انتشارات اُسوة - قم، سنة 1413هـ .

4 - الاختصاص : محمّد بن محمّد بن النعمان الشيخ المفيد، ط / مؤسسة النشر الإسلامي - قم.

5 - الإرشاد الشيخ المفيد ط / دار المفيد، بيروت، سنة 1414 = 1993 م.

6 - الاستبصار : محمّد بن الحسن الطوسي، ط / دار الكتب الإسلامية - طهران سنة 1390هـ.

7- الاعتقادات في دين الإمامية : الشيخ الصدوق، ط / دار المفيد، بيروت، سنة 1414 = 1993 م.

8- الأمالي : محمّد بن الحسن الطوسي، ط / مؤسسة البعثة - قم، سنة 1414هـ .

9- الأمالي : الشيخ الصدوق، ط / مؤسسة البعثة، قم، سنة 1417.

10 - الإمامة والتبصرة : ابن باويه قمي، ط / مدرسة الامام المهدي.

11 - الانتصار : السيد علي بن الحسين بن موسى، الشريف المرتضى علم الهدى، ط/ مؤسسة النشر الإسلامي - قم، سنة 1415هـ.

12 - إيضاح الفوائد : محمّد بن الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي، فخر المحققين، ط / مؤسسة كوشانپور - طهران، سنة 1388هـ .

13 - بحار الأنوار : محمّد باقر المجلسي، ط / مؤسسة الوفاء - بيروت، سنة 1403 هـ = 1983م.

14 - بصائر الدرجات : الصفار الحسين بن فروغ، ط / مؤسسة الأعلمي - طهران، سنة 1404ق.

15 - تاريخ الإسلام : الذهبي، ط / دار الكتاب العربي - بيروت، سنة 1407 = 1987 م.

16 - تاریخ بغداد : الخطيب البغدادي، ط / دار الكتب العلمية - بيروت، سنة 1417 = 1997 م.

17 - تاريخ مدينة دمشق : ابن عساكر، ط / دار الفکر، بيروت، سنة 1415.

18 - تحرير الأحكام : الحسن بن يوسف بن المطهّر، العلّامة الحلّي، ط / مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) - قم، سنة 1420هـ .

19 - التحرير الطاووسي : الشيخ حسن صاحب المعالم، ط / سيد الشهداء - قم، سنة 1411.

20 - تحف العقول : ابن شعبة الحراني ط / مؤسسة النشر الإسلامي، سنة 1404.

21 - تذكرة الفقهاء : الحسن بن يوسف بن المطهّر العلّامة الحلّي، ط / مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) لإحياء التراث -قم، سنة 1414هـ . والطبعة الحجرية.

22 - تفسير الأصفى : محمّد محسن، الفيض الكاشاني، ط دار نشر اللوح المحفوظ - طهران - قم، سنة 1423 هـ = 1381 ش.

23 - تفسير الثعلبي : ط / دار الإحياء التراث العربي، بيروت، سنة 1422 = 2001 م.

24 - تفسير الرازي : الرازي .

25 - تفسير الصافي : محمّد محسن الفيض الكاشاني، ط / مؤسسة الهادي - قم، سنة 1416هـ .

26 - تفسير القرطبي : القرطبي، ط / دار الإحياء التراث العربي - بيروت سنة 1422-2002م.

27 - تفسير القمي : علي بن ابراهيم القمي، ط / مؤسسة دار الكتاب - قم، سنة 1367 ش.

28 - تفسير العياشي : محمّد بن مسعود العياشي، ط / المكتبة العلمية الإسلامية، طهران.

29 - تفسير نور الثقلين : الشيخ الحويزي، ط / مؤسسة اسماعيليان، قم سنة 1412 = 13709 ش.

30 - تنبيه الخواطر : ورام بن أبي فراس .

31 - تنقيح المقال في علم الرجال : المامقاني (الحجري).

32 - التوحيد : محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه، الشيخ الصدوق، ط / مؤسسة النشر الإسلامي - قم .

33 - تهذيب الأحكام : محمّد بن الحسن الطوسي، ط / دار الكتب الإسلامية - طهران، سنة 1390هـ .

34 - ثواب الأعمال : محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، الشيخ الصدوق، منشورات الرضي - قم، سنة 1368 ش .

35 - جامع البيان : محمّد بن جرير الطبري، ط / دار الفكر - بيروت سنة 1408 هـ = 1988 م.

36 - جامع المقاصد : علي بن الحسين بن عبد العالي الكركي، المحقّق الثاني، ط / مؤسسة آل البيت(عليهم السلام)لإحياء التراث قم، سنة 1408هـ .

37 - جوابات أهل الموصل : الشيخ المفيد، ط / دار المفيد - بيروت، سنة 1414 = 1993 م.

38 - الحاشية على اُصول الكافي : رفيع الدين محمّد بن حيدر النائيني، ط / دار الديث - قم المقدسة، سنة 1424 = 1382 ش.

39 - الحدائق الناضرة : يوسف البحراني، ط / مؤسسة النشر الإسلامي - قم، سنة 1408هـ .

40 - حقائق الإيمان الشهيد الثاني ط / مطبعة السيد الشهداء(عليه السلام)، قم، سنة 1409 .

41 - حلية الأبرار : السيد هاشم البحراني، ط / مؤسسة المعارف الإسلامية، قم، سنة 1411.

42 - الخرائج والجرائح : قطب الدين الراوندي، ط / العلمية قم، سنة 1409.

43 - خصائص الأئمة(عليهم السلام): محمّد بن الحسين بن موسى، الشريف الرضي، ط / مجمع البحوث الإسلامية - مشهد، سنة 1406هـ .

44 - خصائص الوحي المبين : الحافظ ابن البطريق، ط / نگین، قم، سنة 1417.

45 - الخصال: محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، الشيخ الصدوق، ط/ مؤسسة النشر الإسلامي - قم، سنة 1403هـ .

46 - خلاصة الأقوال : العلامة الحلّي، ط / مؤسسة النشر الإسلامي - قم، سنة 1417.

47 - دعائم الإسلام : النعمان بن محمّد بن منصور بن أحمد بن حيّون التميمي المغربي ط/ دار المعارف القاهرة.

48 - الدعوات : سعيد بن هبة الله، القطب الراوندي، ط / الأمير - قم، سنة 1407هـ .

49 - ذكرى الشيعة : محمد بن مكي العاملي الشهيد الأوّل، ط / مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) لإحياء التراث - قم، سنة 1419هـ .

50 - رجال ابن داود ابن داود الحلّي، ط / منشورات مطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، سنة 1392 = 1972 م .

51 - رجال الغضائري : أحمد بن الحسين الغضائري الواسطي البغدادي، ط / سرور، سنة 1422 = 1380 ش.

52 - رجال الكشي ( اختيار معرفة الرجال ) : محمّد بن الحسن الطوسي، ط / انتشارات دانشگاه - مشهد .

53 - رجال النجاشي : أحمد بن علي بن أحمد بن العباس النجاشي، ط / مؤسسة النشر الإسلامي - قم، سنة 1407هـ .

54 - الرواشح السماوية : ميرداماد محمد باقر الحسيني الأستر آبادي، ط دار الحديث - قم المقدسة، سنة 1422 = 1380 ش.

55 - الروضة البهية : زين الدين بن علي العاملي، الشهيد الثاني، ط / مؤسسة دار العالم الإسلامي. ودار الإحياء التراث العربي - بيروت سنة 1403هـ .

56 - روضة الواعظين : الشهيد محمّد بن فتال النيسابوري زين المحدّثين، ط / المكتبة الحيدرية - النجف الأشرف، سنة 1386 هـ = 1966م.

57 - سعد السعود : السيد بن طاووس، ط / أمير - قم، سنة 1363.

58 - السقيفة وفدك : لأبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري البصري البغدادي، ط / شركة الكتبي - بيروت، سنة 1413.

59 - سنن ابن ماجة : محمد بن يزيد القزويني، ط / دار الفكر - بيروت.

60 - سنن أبي داود : أبي داود سليمان ابن الأشعث السجستاني، ط / دار الإحياء التراث العربي - بيروت.

61 - سنن الترمذي : أبو عيسى محمّد بن عيسى بن سورة، ط / دار الفكر - بيروت.

62 - سنن الدارمي : عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل الدارمي، ط/ دار الفكر - القاهرة، سنة 1398 هـ = 1978م.

63 - السنن الكبرى : أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، ط / دار المعرفة - بيروت سنة 1413هـ = 1992م.

64 - شرائع الإسلام : نجم الدين جعفر بن الحسن المحقّق الحلّي، ط / الآداب - النجف الأشرف، سنة 1389هـ - 1969م.

65 - شرح الأخبار : القاضي النعمان المغربي، ط / مطبعة مؤسسة النشر الإسلامي - قم سنة 1414.

66 - شرح أصول الكافي : محمّد صالح المازندراني، ط/ دار الإحياء التراث العربي -بيروت، سنة 1421هـ = 2000 م.

67 - شرح كلمات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) : عبد الوهاب، ط / منشورات جامعة المدرسين - قم المقدسة، سنة 1390 = 1349 ش.

68 - شرح مسلم : النووي، ط دار الكتاب العربي - بيروت، سنة 1407 = 1987 م.

69 - شرح اللمعة : زين الدين بن علي العاملي، الشهيد الثاني، ط / مطبعة أمير - قم سنة 1410ق.

70 - شرح نهج البلاغة : ابن أبي الحديد، ط / مكتبة المرعشي النجفي - قم

71 - صحيح البخاري : محمّد بن اسماعيل بن إبراهيم البخاري، ط / دار ابن كثير - بيروت سنة 1410هـ = 1990م.

72 - الصحاح : اسماعيل بن حماد الجوهري، ط / دار العلم للملايين - بيروت سنة 1407هـ 1987م.

73 - صحیح ابن حبان : ابن حبان، ط / مؤسسة الرسالة، سنة 1414 = 1993 م.

74 - صحیح مسلم : مسلم بن الحجاج بن مسلم القشري النيشابوري، ط / دار الإحياء التراث العربي - بيروت سنة 1374 هـ = 1955م.

75 - الصحيفة السجادية : الإمام السجاد زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(عليه السلام) ، ط / مؤسسة النشر الإسلامي - قم، سنة 1374 ش.

76 - الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف : السيد بن طاووس، ط / الخيام - قم، سنة 1399.

77 - عدّة الداعي : أحمد بن محمّد بن فهد الحلي، ط / مكتبة وجداني - قم .

78 - علل الشرائع : محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي الشيخ الصدوق، ط/الحيدرية -النجف الأشرف، سنة 1386 هـ = 1966م.

79 - عيون أخبار الرضا(عليه السلام) : محمّد بن على بن الحسين بن بابويه القمي، الشيخ الصدوق ط/ مؤسسة الأعلمي - بيروت، سنة 1404هـ .

80 - العمدة : ابن البطريق، ط / مؤسسة النشر الإسلامي، قم المقدسة، سنة 1407.

81 - عوالي اللآلي : محمّد بن علي بن إبراهيم الاحسائي، ط / سيد الشهداء - قم، سنة 1403هـ .

82 - عيون الحكم والمواعظ : أبي الحسن علي بن محمد الليثي الواسطي، ط / دار الحديث - قم، سنة 1376.

83 - الغدير : الشيخ الأميني، ط / دار الكتاب العربي - بيروت، سنة 1397 - 1977م.

84 - الغيبة : محمد بن الحسن الطوسى، ط / مؤسسة المعارف الاسلامية قم المقدسة، سنة 1411 .

85 - فتح الباري : شهاب الدين أحمد بن علي العسقلاني، ابن حجر، ط / دار الإحياء التراث العربي - بيروت سنة 1348هـ .

86 - فرج المهموم : السيد بن طاووس، ط / أمير - قم، سنة 1363 ش.

87 - الفضائل : شاذان بن جبرئيل القمي، ط / الحيدرية - نجف، سنة 1381 = 1962م.

88 - فضائل الصحابة : النسائي، ط / دار الكتب العلمية - بيروت.

89 - فلاح السائل : السيد بن طاووس.

90 - الفهرست : الشيخ الطوسي، ط / مؤسسة النشر الإسلامي - قم، سنة 1417.

91 - فهرست منتجب الدين : منتجب الدين بن بابويه ط / مهر - قم، سنة 1366 ش.

92 - فيض القدير في شرح الجامع الصغير : المناوي، ط / دار الكتب العلمية - بيروت سنة 1415 = 1994م.

93 - القاموس المحيط : محمّد بن يعقوب الفيروز آبادي، ط / دار الإحياء التراث العربي - بيروت سنة 1412 هـ = 1991م.

94 - قواعد الأحكام : الحسن بن يوسف بن المطهّر، العلّامة الحلّي، ط / مؤسسة النشر الإسلامي - قم سنة 1413هـ.

95 - الكافي : محمّد بن يعقوب بن إسحاق الكليني، ط / دار الكتب الإسلامية - طهران سنة 1367ش.

96 - کتاب سلیم بن قيس : سليم بن قيس.

97 - كتاب السنة : عمرو بن أبي عاصم، ط / المكتب الإسلامي - بيروت سنة 1413 = 1993م.

98 - كتاب العين : الخليل بن أحمد الفراهيدي، ط / مؤسسة دار الهجرة - قم، سنة 1409هـ .

99 - الكشاف : أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري، ط / مكتبة العبيكان - الرياض سنة 1418 هـ = 1998م.

100 - كشف الرموز : الحسن بن أبي طالب بن أبي المجد اليوسفي، الفاضل الآبي، ط /مؤسسة النشر الإسلامي - قم، سنة 1408هـ .

101 - كشف الغمة : ابن أبي الفتح الإربلي، ط دار الأضواء -بيروت، سنة 1405 = 1985م.

102 - كشف المحجة لثمرة المهجة : السيد ابن طاووس، ط / المطبعة الحيدرية - نجف، سنة 1370 = 1950م.

103 - كفاية الأثر: الخزاز القمي، ط / الخيام - قم، سنة 1401.

104 - كمال الدين وتمام النعمة : الشيخ الصدوق، مؤسسة النشر الإسلامي قم سنة 1405 = 1363ش.

105 - كنز العمال : علاء الدين المتقي بن حسام الدين الهندي، ط / مؤسسة الرسالة - بيروت، سنة 1409 هـ = 1989 م.

106 - لسان العرب : ابن منظور الافريقي، ط / دار الإحياء التراث العربي - بيروت سنة 1408هـ = 1988م.

107 - المبسوط : محمّد بن الحسن الطوسي، ط / المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية - طهران.

108 - المجازات النبوية : محمّد بن الحسين بن موسى، الشريف الرضي، ط / مكتبة بصيرتي - قم .

109 - مجمع البحرين : فخر الدين الطريحي، ط / مؤسسة البعثة قم المقدسة، سنة 1414هـ .

110 - مجمع البيان: الطبرسي الفضل بن الحسن، ط / مؤسسة الأعلمي - طهران، سنة 1415هـ

111 - مجمع الزوائد : الهيثمي، ط دار الكتاب العلمية - بيروت، سنة 1408= 1988م.

112- مجمع الفائدة والبرهان : أحمد بن محمّد المقدس الأردبيلي، ط / مؤسسة النشر - الإسلامي - قم، سنة 1405 هـ = 1364 ش.

113 - المحاسن : أحمد بن محمّد بن خالد البرقي، ط / دار الكتب الإسلامية - قم .

114 - مختصر بصائر الدرجات : الحسن بن سليمان الحلي، ط / منشورات المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، سنة 1370 = 1950م.

115 - المختصر النافع : نجم الدين جعفر بن الحسن المحقق الحلي، ط / دار الأضواء - بيروت، سنة 1405 هـ = 1985 م.

116 - مختلف الشيعة : الحسن بن يوسف بن مطهر، العلامة الحلّي، ط/ مكتب الاعلام الإسلامي - قم، سنة 1417 هـ = 1375 ش.

117 - مدارك الأحكام : السيد محمّد بن علي الموسوي العاملي، ط / مؤسسة آل البيت(عليهم السلام)لإحياء التراث - قم، سنة 1410هـ .

118 - مرآة العقول : محمّد باقر المجلسي، ط / دار الكتب الإسلامية - طهران، سنة 1405 هـ = 1363 ش.

119 - المسائل السروية : الشيخ المفيد، ط / دار المفيد - بيروت سنة 1414 = 1993 م.

120 - مسالك الأفهام : زين الدين بن علي العاملي الشهيد الثاني، ط / مؤسسة المعارف الإسلامية - قم، سنة 1414هـ .

121 - المستدرك على الصحيحين : محمّد بن عبد الله الحاكم، ط دار الكتب العلمية - بيروت سنة 1411هـ = 1990م.

122 - مستطرفات السرائر : ابن ادريس الحلّي، ط/ مؤسسة النشر الإسلامي قم، سنة 1411.

123 - مسند أبي يعلى : أبو يعلى الموصلي، ط / دار المأمون للتراث.

124 -مسند أحمد : أحمد بن محمّد بن حنبل، ط دار الإحياء التراث العربي - بيروت سنة 1991 م = 1412هـ .

125 - مسند الرضا(عليه السلام) : داود بن سليمان الغازي، ط / مركز النشر التابع مكتب الأعلام الإسلامي، سنة 1418هـ

126 - مسند زید بن علي : زيد بن علي، ط / دار المكتبة الحياة - بيروت.

127 - مشكاة الأنوار : علي الطبرسي، دار المكتبة الحيدرية، سنة 1385.

128 - مصباح الشريعة : المنسوب الإمام الصادق(عليه السلام)، ط / مؤسسة الأعلمي -بيروت، سنة 1400 = 1980 م.

129- مصباح المتهجد : محمّد بن الحسن الطوسي، ط / مؤسسة فقه الشيعة - قم، سنة 1411هـ = 1991م.

130 - مطالب السؤول في مناقب آل الرسول : محمد بن طلحة الشافعي.

131 - معاني الأخبار : محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، الشيخ الصدوق، ط/ مؤسسة النشر الإسلامي - قم، سنة 1361 ش.

132 - معاني القرآن : أبي زكريا يحيى بن زياد الفراء، ط / انتشارات ناصر خسرو - طهران سنة 1360 ش.

133 - المعجم الصغير : الطبراني، ط / دار الكتب العلمية، بيروت.

134 - المعجم الكبير : الحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، ط/ دار الإحياء التراث العربي - بيروت.

135 - معرفة البقات : العجلي، ط / مكتبة الدار - المدينة المنورة، سنة 1405.

136 - المغني : موفق الدين أبي محمّد عبد الله بن أحمد بن محمّد بن قدامة، ط / دار الكتاب العربي - بيروت.

137 - مقتضب الأثر : احمد بن عياش الجوهري، ط / العلمية - قم.

138 - مفتاح الفلاح : البهائي العاملي، ط / مؤسسة الأعلمي، بيروت.

139 - مكارم الأخلاق الحسن بن الفضل الطبرسي، ط / مؤسسة النشر الإسلامي - قم، سنة 1414هـ .

140 - مناقب آل أبي طالب : ابن شهر آشوب، ط / الحدرية - نجف، سنة 1376 - 1956م.

141 - منتهى المطلب : الحسن بن يوسف بن المطهّر، العلّامة الحلّي، ط / مجمع البحوث الإسلامية - مشهد، سنة 1414هـ .

142 - من لا يحضره الفقيه : محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، الشيخ الصدوق، ط/ مؤسسة النشر الإسلامي - قم سنة 1404 هـ = 1363 ش.

143 - منية المريد : الشهيد الثاني، ط / مكتب الأعلام الإسلامي، قم، سنة 1409 .

144 - موسوعة التاريخ الإسلامي : محمد هادي اليوسفي، ط / مؤسسة الهادي - قم، سنة 1417.

145 - المهذب البارع : أحمد بن محمد بن فهد الحلّي، ط / مؤسسة النشر الإسلامي - قم، سنة 1411هـ.

146 - نظم درر السمطين : الزرندي الحنفي، سنة 1377 - 1958م.

147 - النهاية في غريب الحديث : المبارك بن محمد الجزري، ابن الأثير، ط / مؤسسة اسماعيليان - قم، سنة 1364 ش.

148 - نهج البلاغة : تحقيق صبحي الصالح، ط / دار الهجرة - قم، سنة 1412.

149 - نهج الحق وكشف الصدق : العلامة الحلّي، ط / ستارة - قم، سنة 1421.

150 - الوافي : محمد محسن الفيض الكاشاني، ط / مكتبة الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) - اصفهان، سنة 1406 هـ = 1365 ش.

151 - وصول الأخيار إلى الأخبار : الشيخ حسين عبد الصمد العاملي، ط / مطبعة الخيام -قم.

152 - اليقين : السيد ابن طاووس، ط / مؤسسة دار الكتاب، ایران، سنة 1413 ق.

153 - ينابيع المودة : الشيخ سليمان إبراهيم القندوزي الحنفي، ط / اسوه، سنة 1416.


فهرست التفصيلي

[باب علائم الدين وعدمه ]....5

[للظالم ثلاث علامات ].....6

[للمرائي ثلاث علامات ].....7

[وجوب الإخلاص في العمل ]....12

[ علائم المنافق ].....18

[ العيش في ثلاثة ] ....23

[ذمّ تعلم العلم لهذه الموارد ]....26

[حديث عليّ(عليه السلام)لكميل في بيان العلم وفوائده ومدح العلماء ]....29

[ فضل العالم ] ....32

[ فضل مجالسة العلماء وسائر أهل الدين ]...44

[سؤال العالم والتذاكر معه ] .....45

[وجوب الكف والتثبت عند عدم العلم ]....49

[ تفسير قوله تعالى: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ]....51

[فضيلة حفظ الحديث ]...57

[ما ورد في ذمّ الدنيا والزهد فيها وصفات الزهّاد وتارك الدنيا ]....57

[قصة شراء شريح داراً وتخطئة عليّ(عليه السلام) له]....67

[تمنّى الناس يوم القيامة الزهد في الدنيا ] .....70

[ شرّ الناس من اتهم الله في قضائه ].....75

[جملة مما اختصت به النساء ] ....76

[تأكّد حرمة الكذب على النبيّ(صلّی الله علیه وآله وسلّم)] ...78

[خطبة علي الله في بدء وقوع الفتن ] .....78

[تحريم البدعة والعمل بالقياس والاستحسانات ]....82

[خطبة لعلي(عليه السلام)في تقسيم الناس في نقل السنة على أربعة ]....90

[في تفويض الله بيان أحكامه إلى النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) والأئمة(عليه السلام) ]....95

[ أقسام الأرواح التي في النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) والأئمة(عليهم السلام) ] ....100

[ النوم على أربعة أوجه ].....108

[ما سنّه عبد المطلب في الجاهلية وقرّره النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم)] ....109

[إسلام أبي طالب وبيان فضله ]....113

[فضل المسلمين في آخر الزمان ] ....118

[ ثلاثة يقسين القلب ] .....119

[في الزنا ست خصال ]....125

[ تأكّد حرمة الربا ].....125

[ معنى قول النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : أنا ابن الذبيحين ] ....127

[ في العقل ].....132

[ في الخضاب ]....146

[ ما حرم من الشاة ]....148

[ في بعض الآفات ] ....153

وصية النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) لسلمان ]....160

[ وصية النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) لأبي ذرّ ] ....161.

[لا يلسع المؤمن من حجر مرّتين ].....174

[لا يجني على المرء إلّا يده ] ....175

[الشديد من غلب نفسه ]....175

[حقيقة الإيمان واليقين ].....176

[ في الشعر ] ....186

[ في الأرواح ] ....191

[الناس معادن كمعادن الذهب والفضة ] .....194

[ مواعظ نافعة من أمير المؤمنين(عليه السلام)لشيخ من الأشياخ ]....199

[وصية علي (عليه السلام)لابنه محمد بن الحنفية ]....205

[موعظة الله لعيسى بن مريم ].....210

[ شرح بقية وصية على(عليه السلام)لابنه محمد بن الحنيفة ]....224

[وصية علي الله لابنه الحسن بن علي(عليه السلام)].....264

[موعظة عن الصادق(عليه السلام)].....277

[مواعظ عن الصادق للمشتملة على فوائد جليلة ].....289

[طول العمر حسن إذا حسن عمله ]....295

[رجحان مداد العلماء على دماء الشهداء ]....299

[كن لما لا ترجو أرجي منك لما ترجو ]....300

[ أشراف الأمة حملة القرآن ] ....301

[أهل الذكر هم الأئمة(عليهم السلام)] ....306

[ما ورد في فضل حامل القرآن ] .....309

[الدواوين ثلاثة يوم القيامة ] .. .315

[في أنّ القرآن منار الهدى ومصابيح الدجى ] ....317

[فضل الشباب الذين يقرؤون القرآن ] .....319

[لزوم التقوى على قراء القرآن ] ....321

[ القرآن عهد من الله فليقرأ منه في كلّ يوم خمسين آية ]....325

[فضل البيت الذي يقرأ فيه القرآن ] ....328

[ فضل ختم القرآن ] ....330

[استحباب استماع قرائة القرآن ] ....331

[كراهة قرائة سورة التوحيد بنفس واحد ] ....334

[معنى قوله(عليه السلام) : ما ضرب رجل القرآن بعضه ببعض إلّا كفر ]....337

[خواص قرائة التوحيد ] .....340

[قصة سلمان في صوم الدهر وإحيائه لليل وختمه للقرآن ] .....341

[كلمات موجزة عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)] ....355

[أثر الإطاعة أو المعصية ] .....363

[من كان ظاهره أرجح من باطنه خفّ ميزانه ] ....365

[ في العصيان ] .....366

[الخير كله في ثلاث خصال ] ...374

[نقل خطبة الوسيلة لأمير المؤمنين(عليه السلام) ] ....378

[ثلاثة خاف منهنّ رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) على اُمته]...395

[ معنى الإحسان ] .....401

[وظيفة الولد عند كبر الوالدين ] .....409

[أحبكم إلى الله أحسنكم عملاً ] ....411

[المبادرة إلى مجالس الذكر ].....415

[ عدّة لا يشاورون ] ....422

[فضل الصبر على الحق ]....424

[وظيفة القلب والعلم والمال ]..... 425

[ في زهد يحيى بن زكريا(عليه السلام) ]....429

[بيان خواص موت المؤمن في كلّ واحد من أيام الأسبوع ]...432

[ حديث سلسلة الذهب في التوحيد والولاية ]....434

[ حديث شريف في ذكر فضائل الشيعة ] ....436

[موعظة النبي للفضل بن عباس ] ...440

[كيفية حصول الجنين في بطن اُمّه ]....443

[كيفية خلق الأنبياء والأوصياء ] ....448

[حديثهم(عليهم السلام)صعب مستصعب] ...451

[تقسيم الأخلاق كتقسيم الأرزاق ] ....454

[علامات الإمام(عليه السلام) ] .....460

[للإمام (عليه السلام)عشر علامات ] .....465

[الإمام تنام عينه ولا تنام قبله ] ....469

[نقل مناقب علي(عليه السلام)من طرق العامة من صحاحهم الستة ] ....476

[زهد الأئمة(عليه السلام) وتواضعهم ] ....499

[في عبادة الأئمة(عليه السلام)] .....500

[ أخبار الأئمة الاثنى عشر في كتب أهل السنة ] ....505

[ الجامعة وما فيها ]. ...512

مصادر التحقيق.....521