ghaemiyeh.com
تَاريخُ كَرْبَلاء
كَربَلاءُ ... ( التَّارِيخ وَالقَدَاسَة )
الجُزء الثالث
السَّيد عبدالصَّاحِب نَاصِر آل نَص اللّه
تاريخ كَرْبَلاء
جميع الحُقوق محفوظةٌ
لا يجوز نشر أي جزء من هذا الكتاب أو اختزان مادته بطريقة الاسترجاع، أو نقله، على أي نحو، أو بأي طريقة سواء كانت إلكترونية أو ميكانيكة، أو بالتصوير، أو بالتسجيل، أو خلاف ذلك، إلاّ من بعد موافقة كتابية من المؤلف ومقدماً.
رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد 1527 لسنة 2016
محرر الرقمي: خديجة محمد جاني
تَاريخُ كَرْبَلاء
كَربَلاءُ ... ( التَّارِيخ وَالقَدَاسَة )
الجُزء الثالث
السَّيد عبدالصَّاحِب نَاصِر آل نَص اللّه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بتوفيق من اللّٰه سبحانه وتعالى أتممنا الجزء الثاني من هذا الكتاب بموضوع كربلاء إثناء الفترة الأولى للحكم الصفوي في العراق، بعد أن بحثنا في كامل الجزء الثاني تأريخ كربلاء في فترات الدول الحاكمة في العراق من عصر سومر وأكد إلى نهاية العصر الساساني، ومن ثَمَّ في عصر الإسلام الأول في حياة الرسول الأعظم ( صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَعَلَىٰ آلِهِ وَسَلَّمَ) وفي أيام خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيْهِ السَّلامُ). وبحثنا عن تاريخ كربلاء في العصر الأموي والعصر العباسي بعهوده الخمسة، حيث تركز العهد الثالث منها في فترة حكم البويهيين ومن بعدهم السلاجقة في العهد العباسي الرابع، وإستعرضنا ما كانت عليه كربلاء في العصر العباسي الخامس الذي كانت في نهايته إضمحلال وأفول الدولة العباسية بإحتلال المغول الإيلخانيين لبغداد بقيادة هولاكو حفيد جنكيز خان، إلى أن حكم الجلائريون العراق بعدهم وانتهاء دولتهم على يد تيمورلنك، وذكرنا ما جرى في كربلاء أيام حكم دولتي الخروف الأسود (قره قوينلو) والخروف الأبيض (أق قوينلو)، الذي تقوّض حكمهم عندما إحتل الصفويون بغداد وخضعت كربلاء لسلطتهم في دورهم الأول في العراق.
وقد أنهينا الجزء الثاني بنهاية فترة الصفويين الأولى عندما تمكن السلطان العثماني من إحتلال بغداد سنة 941ه- / 1534م . وبحثنا على مدى تلك الفترات جميع ما
يخص كربلاء من حوادث ووقائع ووثّقنا ما يخصّها من الجوانب الإدارية والإجتماعية والعمرانية والعلمية والأدبية، وقد إتّبعنا اسلوب التحليل والنقاش البنّاء لكثير من المفردات التي ذكرها البعض ممن كتب عن تاريخ المدينة حيث كان يتطلب الكثير منها إلى التصحيح والتوثيق السليم، ولم يكن ذلك من باب تقليل الشأن أو الإنتقاد، وإنمّا لحاجة الباحثين إلى جوانب الصدقية والمقبولية في النقل والتوثيق، والإبتعاد عن الغلو والتفرد بالآراء أو الأنانية الذاتية لدى البعض بحيث إبتعدوا عن النهج العلمي في البحث والتلاعب بالمصادر حسب أهواء من كان يكتب لغاية في نفس يعقوب !!، وكانت نتيجتها تشويه الحقائق ووضع القارئ والباحث في دوامة بين أخطاء النقل وإغفال وترك الموجبات كأن أحدًا لن يقوم بعدهم بالبحث والتقصي لتلافي الأخطاء وما أكثرها ... وقد إعتمدنا هذا الاسلوب في جميع أجزاء هذا الكتاب، ليظهر بصورة واضحة وجلية للمتلقي ليس الغاية منه التجريح وإنما الموضوعية لا غيرها.
وفي الجزء الثالث هذا سنستمر على ذات النهج في التوثيق الزمني لتأريخ المدينة، والذي سنقوم فيه بالتطرّق إلى فترة الحكم العثماني الأولى في العراق، بعد أن نقدّم شرحًا مختصرًا عن بداية نشوء الدولة العثمانية، وما حصل فيها وسلاطينها وصراعاتها، ثم نتحدث عن مدينة كربلاء في هذا العصر الذي أخذت فيه نصيبها الوافر من الإهتمام.
وسنبحث في هذا الجزء العهد الصفوي الثاني الذي بدأ بإحتلال الشاه عباس الصفوي الكبير لبغداد، وما آلت إليه الأمور في كربلاء، ولم يستمر هذا العهد طويلاً حتى إعادة إحتلال بغداد ثانية من قِبَل السلطان العثماني مراد الرابع.
وعاشت المدينة في العهد العثماني الثاني الذي تخللته فترات حكم متعددة حدثت فيها صراعات داخلية في العراق بين الحكومة والعشائر والدويلات القبلية في وسط وجنوب العراق حيث كان لها تأثيرها الواضح على كربلاء، وكذلك صراع الدولة المستمر مع الحكومات الإيرانية وخاصة مع نادر شاه الأفشاري وطموحاته في العراق، إلى أن تمكن المماليك من السيطرة على مقاليد السلطة في العراق، وكان
علينا أن نقدّم شرحًا مبسطاً عن المماليك ومن ثَمَّ فترة حكمهم في العراق ومحاولتهم الاستقلال عن الدولة العثمانية التي تمكنت فيما بعد من إنهاء سيطرتهم بتقويض سلطة الوالي المملوكي داود باشا في سنة 1247ه- / 1831م. وبذلك أعيدت سلطة الدولة العثمانية المتمثلة بالباب العالي في إسطنبول.
وكانت فترة حكم المماليك قد مرّت بأدوار مهمة وصعبة صاحبتها غزوات ووقائع كانت شديدة على مدينة كربلاء وأهلها، وكان الصراع العثماني القاجاري قد إستفحل بين الدولتين وقد تأثرت به كربلاء كثيرًا. وقمنا بدراسة هذه الفترة بتأنّ وتحليلها وتسطير وقائعها. كما ذكرنا في هذا الجزء حكم الدويلات العشائرية التي خضعت كربلاء لسيطرتها وحكمها. واعتمدنا في بحثنا على العديد من المصادر الموثوقة والمحايدة في نقل الأحداث والوقائع ومجريات الأمور. وقد تضمن الجزء الثالث هذا فترة زمنية مرّت على كربلاء قاربت مدتها ثلاثة قرون من الزمن إبتدأت من سنة 941ه- / 1534م إلى سنة 1234ه- / 1819م.
وسيلي بعد هذا الجزء تدوين تأريخ كربلاء أيام ولاية داود باشا في الجزء الرابع إن شاء اللّٰه، ونستمد العون من الباري سبحانه وتعالى في إتمامه بالشكل الذي يليق بتاريخ مدينة سيد الشهداء الأمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ)، والحمد للّٰه رب العالمين.
المؤلف
لقد تحدثنا في الجزء الأول من الكتاب عن دولة السلاجقة، وعن نهايتها على يد (المغول) حيث كان السلاجقة بيدهم الحكم الفعلي، بينما كان الخليفة العباسي يحكم بالاسم وذلك في العهد الأخير (الخامس) للدولة العباسية.
كان الأمير (علاء الدين السلجوقي) سلطان (قونية) وهي إحدى الإمارات السلجوقية التي تأسست بعد تفكك دولة سلاجقة الروم وكان ذلك في نهاية القرن الحادي عشر الميلادي. وقد إستمال الأمير علاء الدين القبائل التركمانية التي نزحت من سهول آسيا الغربية إلى مناطق آسيا الصغرى.
كانت إحدى هذه القبائل قد إستقرت في أقصى الشمال الغربي ومجاورة لإمارة قونية وسلطانها علاء الدين السلجوقي. فدخل زعيم هذه القبيلة واسمه (أرطغل) في خدمة الأمير علاء الدين وأصبح أحد قادته الذين لعبوا دورًا مهمًا في حروب علاء الدين أمام هجمات قبائل التتار، وفي إحدى المعارك كاد جيش علاء الدين أن ينهزم لولا صلابة (أرطغل).
بعد هذا الموقف أقطع علاء الدين بعض الأقاليم إلى أرطغل مكافئة لمواقفه البطولية معه. وعندما توفي أرطغل قام الأمير السلجوقي علاء الدين بتثبيت ولده (عثمان) وهو أكبر أولاد أرطغل على الأقاليم التي كانت بيد والده المتوفى. وفي سنة 688ه-/ 1286م تمكن (عثمان) من فتح قلعة مهمة قرب مدينة قونية مقر الأمير السلجوقي الذي منحه لقب (بك).
في سنة 699ه- / 1300م كان (عثمان) يستقر في مدينة (يني شهر) في نفس الوقت الذي إجتاح التتار القبائل الذهبية وتمكنوا من القضاء على حكومة السلاجقة في قونية. عندها إنتهز (عثمان بك) الفرصة وأعلن نفسه (بادشاه) أي سلطان وإتخذ من مدينة ( يني شهر) عاصمة لمملكته الجديدة(1). وعلى اسمه سمّيت الدولة الجديدة بالدولة العثمانية. وعليه فإن تأسيس عثمان (بك) لدولته الجديدة كان بعد إحتلال بغداد من قبل هولاكو ب- 42 عامًا.
جاء في نسب آل عثمان في كتاب كلشن خلفا بشكل مطول نقتبس منه ما يلي:
«يروي ناقلوا الأخبار القدماء وناظمي لئآلي الكلام اللطيف أن سلسلة نسب آل عثمان ترجع بالأصل إلى الجد الأعلى لعثمان بك الغازي وهو يافت بن نوح عليه السلام كما ذكره سولاق زادة في تاريخه إذ قال:
إن نسب آل عثمان خلد اللّٰه ملكهم إلى أبد الزمان هو بصورة مفصلة كما أورده المؤرخون: عثمان خان بن أرطغرل غازي بن سليمان شاه(2)بن قيا ألب بن قزل بوغا، ... إلخ »(3).
وقامت هذه الدولة في فترة تفكك الدولة السلجوقية من جهة، والبيزنطية الشرقية من جهة أخرى. فاستغل (عثمان) ذلك كله وتمكن من استقطاب أمراء
1) تاريخ الدولة العلية :العثمانية محمد فريد بك – 118.
2) كان سليمان شاه هذا (وهو جد عثمان بك الذي أسس الدولة العثمانية فيما بعد) أحد قادة جنكيز خان وقد غرق في منطقة (جعبر) الواقعة حاليا شمال مدينة الرقة وهو يعبر جسرها ودفن قبالة البلدة، ويقول مؤلف كتاب كلشن خلفا عن هذه الحادثة في الصفحة 189 : «ولكن جنكيز خان إمتدت شرارة فتنته إلى هناك أيضًا وإتجه بقبيلته نحو الروم وبينما كانوا يعبرون جسر جعبر غرق رئيس قواد جيشه سليمان شاه بن قيا ألب في نهر الفرات وأودع جسمه اللطيف في التربة الطيبة قبالة البلدة المذكورة ... ».
3) کلشن خلفا، ص188 .
الإقطاع البيزنطيين وزعماء قبائل التركمان للوقوف بوجه قبائل التتار، ونجح في ذلك وتمكن من الاستيلاء على مدينة بورصة (1).
كان عثمان قد خلّف ولدين الأكبر هو ( علاء الدين)، والثاني هو (أورخان). وأن السلطان عثمان قد أوصى لخلافته على السلطنة ابنه الثاني (أورخان) لأن ولده البكر كان ميّالاً إلى الورع والعبادة والإبتعاد عن شؤون الملك والسلطنة. وعندما توفي عثمان أصبح (أورخان) خلفًا له على السلطنة.
ذكر ابن بطوطة في رحلته إلى مدينة بورصة السلطان أورخان حيث قال:
«نزلنا في زاوية الفتى أخي شمس الدين يوم عاشوراء. وسلطان برصي (بورصة) هو إختيار الدين أورخان بن السلطان عثمان جوق وهو أكبر ملوك التركمان وأكثرهم مالًا وبلادًا وعسكرًا ... »(2).
بدأ أورخان بتنظيم جيش خاص به بعد أن كان يعتمد في حروبه على مقاتلي القبائل التركمانية وعلى المرتزقة، وعندما كثرت أعداد جيشه، وصاحب ذلك إزدياد مشاكلهم وأخطارهم وخاصة أنهم من القبائل الذين تقلد الكثير من أفرادها مناصب عسكرية مهمة، فبدأ يتوجس منهم خيفة على دولته الفتية.
عندها أشار عليه أحد رجاله المخلصين ويدعى (قرة خليل) بضرورة تأسيس جيش يتم إعداده بإشراف السلطان يعتمد على خطف الأطفال والصبيان من القرى والبلدات المسيحية التي يتم الاستيلاء عليها، ويقوم بفصلهم عن كل ما يذكّرهم بأهلهم وأصلهم، ويقوم أيضاً بتربيتهم تربية إسلامية وأن يصبحوا محترفي القتال ولا يوالون سيّداً غير السلطان.
وهكذا تأسس الجيش الإنكشاري، وإستمرت عملية خطف الصبية والأطفال لتتم تنشئتهم في قصر السلطان ويصبحون كمماليك خاصين به. بعد فترة من الزمن أصبح هؤلاء قوة كبرى بيد السلطان، فهم حرسه الخاص ومقاتلوه الفدائيون الذين كانوا يلتفون حوله في معاركه.
وضع أورخان قواعد لهذا الجيش، فقد كان محرمًا على أفراده الزواج، ويحرم عليه ممارسة أية مهنة غير عسكرية. وحتى رتبهم العسكرية كانت لها أسماء خاصة ترتبط بأنواع الطبخ وذلك لتقديسهم قدور الطبخ التي يعتبرونها من نِعَم ولي الأمر السلطان. فقائدهم يسمى (شوربجي باشي) أي طباخ الحساء، و(آشي باشي) و(سقا باشي) وغيرها من الألقاب. ومن بعد أورخان إعتمد السلاطين العثمانيون على الجيش الإنكشاري الذين إستمروا بإعداده. وكان يعتمد عليهم السلاطين في فتوحاتهم.
كنا قد تحدثنا عن الطريقة البكتاشية وعن مؤسسها في القرن الثامن الهجري وعن الطرق الصوفية التي كانت قد إنتشرت حينها في كربلاء. كان السلطان أورخان يعظم مشايخ الطرق الصوفية، وفي زمانه بلغت شهرة الحاج (محمد بكتاش ولي) مؤسس الطريقة البكتاشية مرتبة عالية، وبلغت مسامع السلطان ،به، فقرر السلطان أورخان الذهاب إليه بنفسه مصطحبًا معه رجال فرقته الجديدة (الإنكشارية) ليباركها.
عند لقاء السلطان بالحاج محمد بكتاش آمن به وأعلن انتماءه هو وفتيانه المماليك إلى طريقته الصوفية، وطلب منه السلطان مباركة جيشه الجديد (الإنكشارية) وأن يكون بكتاش أباً روحيّاً لهم.
«فقطع الشيخ بكتاش نهاية ردن قبائه ووضعها على رأس أحد أولئك الجنود ثم قدم لهم كما تشير الروايات، راية حمراء يتوسطها هلال وسيف يرمز لسيف ذي الفقار ثم دعا اللّٰه أن ينصرهم على الكفار، وأن تكون سيوفهم بتارة كسيف ذي الفقار. ثم
أطلق الحاج بكتاش عليهم اسم (الجيش الجديد) وتلفظ بالتركية (يني جري) وتكتب (ينكي جري). وقد حُرّف لفظ تلك الكلمة حينما شاع في البلاد العربية فأصبح يلفظ إنكشاري»(1).
فأطلق الناس بعد ذلك على أفراد جيش الإنكشارية اسم أولاد الحاج بكتاش، ومن ذلك الحين إرتبط الجيش الجديد بالطريقة الصوفية البكتاشية. وأصبح السلطان أورخان من أشد المؤمنين بها. حتى ألقاب قادة الجيش هذا ورتبهم العسكرية كانت مرتبطة بالطبخ، حيث كان من إحدى طقوس الطريقة هذه تقديس (قدور) (2)الطبخ كما أسلفنا سابقاً ...
عقيدة البكتاشية هي مزيج من التصوف والتشيع. ويعتقدون بالأئمة الإثني عشر، ويعتقدون بأن الإمام علي ( عَلَيْهِ السَّلامُ) تظهر فيه الحقيقة الإلهية!!، ويؤمنون بغيبة الإمام المهدي، ولديهم الدعاء المعروف (نادِ عليّاً مظهر العجائب...)، وهم متمسكون بمبدأ (التولي والتبرئ) أي ولاية أهل البيت والبراءة من أعدائهم و (غاصبي حقوقهم)، وهناك رأي يقول عنهم بإشتراط مريديهم أن يكونوا من أهل السنة والجماعة !! (3).
عندما توفي السلطان أورخان تولى عرش الدولة ولده (مراد الأول) الذي إستمر في توسيع الجيش الإنكشاري، وبدأ بتشكيل عسكري جديد أطلق عليه اسم
1) العراق بين سقوط الدولة العباسية وسقوط الدولة العثمانية: عبد الأمير الرفيعي، ج 1 ص 253 .
2) عثرتُ على بعض القدور العائدة للتكية البكتاشية التي كانت في كربلاء ومقرها الروضة الحسينية، وعليها نقوش وأشعار صوفية، ومنقوشة بشكل بديع، وأدخلتها في محضر الجرد السنوي لعام 2000م. وحُفظت ضمن النفائس في مخزن رقم (83) في الروضة الحسينية.
3) للمزيد من المعلومات، راجع كتاب (الرسالة الأحمدية في تاريخ الطريقة البكتاشية) المطبوع بالقاهرة عام 1955م لأحد مشايخهم المدعو (أحمد سري دده بابا).
(السباه) وإعتبر هذا الجيش هو الثاني، ليشكّل مع الجيش الإنكشاري القوة العسكرية للدولة العثمانية.
كان أساس (السباه) كنظام يعتمد على أن يقطع السلطان لأحد العسكريين أو القادة أرضاً زراعية في البلاد المفتوحة، فيقيم فيها ويديرها باسم السلطان لقاء حصة له من إنتاجها بشرط أن يكون مستعدًا هو ومقاتليه الخروج إلى الحرب متى طلب منه السلطان ويتكفل الأخير بنفقات الحرب، وهذه التشكيلات تشبه النظام الإقطاعي بصيَغِه العسكرية، ومفرد السباه (سباهي) أي الفارس.
بتشكيل نظام (السباه) خلق طبقة من الإقطاعيين العسكريين الذين إرتبطت حياتهم ومصالحهم بالسلطة المركزية العثمانية، وبذلك تم إحكام السيطرة على الأقاليم والبلدان المفتوحة من قبل الدولة العثمانية.
بعد إشتداد قوة السلطان مراد الأول تمكن من الاستيلاء على (أنقرة) وعلى غرب الأناضول وغيرها، وفي أوربا إستولى سنة 772ه-/ 1371م على مدينة (أدرنة) وإتخذها عاصمة لملكه.
کان مراد الأول من أعظم سلاطین آل عثمان، ففي زمانه أحتل الکثیر من البلاد الأوربیة، و أصبحت حدود دولتة تتاخم امارات الصرب و البلغار و الألبان التي أحتلها فیما بعد، کما إستولی علی صوفیا و سیلانیک، و کانت أکبر معارکه التی إنتصر فیها هی معرکة (کوسوفو) و کان معه ولداه الأمیر (بایزید) و الآمیر (یعقوب) الذي أبدی بطولة متناهیة، و بعد المعرکة التی إحتل فیها بلغاریا، کان السلطان مراد الأول یسیر بین أکداس الجثث في ساحة المعرکة، فنهض جندي(صربي) و عاجل السلطان السابع من عمره، و کانت المعرکة قد حدثت سنة 791ه-/1389م.
بعد وفاة (مراد الأول) جرى تنصيب ولده البكر (بايزيد) وأصبح السلطان الجديد على عرش الدولة العثمانية. ومما يذكره المؤرخون بأن أول عمل قام به هو قتل أخيه الأمير (يعقوب) المشهور بالشجاعة والإقدام خوفًا منه على أن يطمع يوماً في الحكم، وتم تنفيذ القتل على يد نفر من (الإنكشارية) خنقاً، لأن تقاليد الأقوام (التركومغولية) تحرّم قتل الملوك بسفك دمائهم(1). وكانت هذه أول حادثة من نوعها منذ تأسيس الدولة العثمانية وأصبحت فيما بعد تقليدًا إتبعه الكثير من سلاطين آل عثمان.
كان السلطان (بايزيد الأول) جسورًا ويهوى الحروب والفتوحات، وينتقل بسرعة من معركة إلى أخرى وسمّي (يلدرم) ومعناها باللغة التركية البرق أو الصاعقة، ولكنه كان يختلف عن والده السلطان مراد بإفتقاره لبُعد النظر وتسرّعه وذو مزاج وطباع متقلبة بسرعة. خاض عدة معارك في أقاليم آسيا وأوربا وقضى على ما تبقى من إمارات السلاجقة سنة 793ه- / 1391م ، كما تمكن من دحر الحلف الأوربي الذي تم بتحريض من البابا سنة 798ه-/1396م.
في أيام حكم السلطان بايزيد الأول ظهر ( تيمورلنك) وإستولى على أقاليم لثلاث إمبراطوريات، ووصل إلى سور الصين العظيم شرقًا حى سهول روسيا غربًا ونهر الكنج جنوبًا، ولم يبق أمامه إلاّ الدولة العثمانية التي تحادده من الغرب.
ففي عام 802ه- / 1400م بدأ تيمورلنك يتحرك نحو الغرب حيث إستولى على (سيوس) في شمال الأناضول، ثم توجه منها إلى حلب ودمشق وبغداد (2)، فقرر سنة 804ه-/ 1402م الزحف غربًا والتوغل في الأراضي العثمانية، وكان وقتها السلطان (بايزيد الأول) يُحْكم حصاره على القسطنطينية، فإضطر إلى رفع الحصار
والتوجه على عجل إلى آسيا لمواجهة (تيمورلنك) الذي أسر أحد أولاد بايزيد وقطع رأسه.
إلتقى جيشا تيمور لنك وبايزيد في (سهل أنقرة) وكانت الغلبة لتيمورلنك الذي تمكن من تحطيم الجيش العثماني الذي قاتل ببسالة ولكن تسرّع بايزيد وأخطاءه الكثيرة في (التعبئة والتكتيك العسكري) هي التي تسببت في هذه الخسارة الفادحة التي أدّت إلى أسره هو وولده (موسی)، بينما تمكن أولاده (سليمان) و(محمد) و (عيسى) من الفرار، ولم يُعرف مصير ولده الخامس (مصطفى).
في البداية عامل تيمورلنك أسيره السلطان بايزيد بما يليق به، ولكن السلطان حاول الهرب عدة مرّات مما إستدعى بتيمورلنك إلى حبسه بقفص حديدي يحمله معه أينما ذهب وكانت تتفرج عليه شعوب كانت تحت حكم العثمانيين، فقد عانى بايزيد من وضعه هذا كثيرًا وإنهارت قواه ومات كمدًا بعد ثمانية أشهر في الأسر وكان عمره آنذاك 44 سنة . وبعد وفاته تفككت إمبراطوريته العظيمة وسارت نحو الزوال.
عمل تيمورلنك على تقطيع أوصال الإمبراطورية العثمانية وإزالتها من الوجود بعد أن سحق جيوشها في معركة سهل أنقرة.
وبدأت الدولة في حال التفكك خاصة عندما سمح تيمورلنك لأولاد بايزيد التصرف ببعض المناطق كأمراء محليين بعد أن قدّموا له الطاعة وأقرّوا بتبعيتهم إلى سلطنته وكان هذا ما يريده تيمورلنك لينهي الدولة العثمانية بيد أولاد بايزيد الأول أنفسهم من خلال زرع الفتنة بينهم والتنازع على ملك الأقاليم المتبقية لهم. أمّا تيمورلنك فقد كان ينوي التوجه إلى لغزو الصين، ولكن أمنيته لم تتحقق حيث وافته المنية وهو متوجه إليها سنة 807ه- / 1405 م ، كان العراق حينذاك تحت سلطته.
لقد أصاب الدولة العثمانية الإنهيار والشلل بعد معركة (سهل أنقرة)، وكما مرّ ذكره أعلاه، فقد بدأ أولاد السلطان بايزيد المتوفى بالتنازع على الحكم فيما بينهم،
فسيطر الابن الأكبر (سليمان) على ( أدرنة)، أمّا (عيسى) فقد ظهر في (بورصة) بينما (محمد) ظهر في جبال الأناضول ومعه فلول الجيش الإنكشاري.
فقضى (محمد) على أخيه (عيسى) وقتله ، وأرسل أخاه (موسى) لقتال أخيه الأكبر (سليمان) الذي تمكن في سنة 812ه-/ 1410م من القضاء على حكمه في (أدرنة) وقتله. عندها طمع (موسى) بالحكم وشق عصا الطاعة على أخيه (محمد)، وتمكن في النهاية الأمير (محمد) من أسر أخيه (موسى) وقتله سنة 815ه-/ 1413م. بذلك فقد قتل الأخوة أحدهم الآخر(1)، وإستقر الأمر للأمير محمد الذي نُصّب على العرش باسم السلطان (محمد الأول) ولقّب فيما بعد (محمد الغازي).
تسلم العرش (محمد بن بايزيد الأول) وكان وصوله إلى الحكم بمساعدة العسكر الإنكشاري الذي ساعده على القضاء على إخوته، وكان عمره عندما تسلم عرش السلطنة قد ناهز الخامسة والثلاثين، وحكم ثمانية أعوام، وكان الإنكشارية هم المسيطرون على الوضع العام وحاولوا بأمرة السلطان إعادة الأقاليم التي إنسلخت من الدولة.
داهم الموت (محمدالأول) سنة 824 ه- / 1421م فإعتلى عرش الدولة ولده (مراد الثاني) وكان عمره 18 سنة، ودام حكمه إلى سنة 855ه-/ 1451م، وفي زمانه تمت السيطرة مرة أخرى على أراضي الإمبراطورية السابقة في آسيا الصغرى (تركيا الحالية)، وتوجهت الأنظار نحو أوربا في زمانه مرة أخرى.
1) هذا الأمر يتكرر في التاريخ مراراً ، فلو أخذنا تأريخ الدول جميعها نجد ما يشابه ذلك، ولكن ضمن بحثنا هذا لو رجعنا إلى البويهيين ثم إلى السلاجقة ومن بعدهم المغول والجلائريين ودولتي الخروف الأسود والخروف الأبيض ثم الدولة الصفوية وما تلاها من حكومات حكمت إيران، ومعهم العثمانيين. وما ذكرناه هنا في الأزمة الأولى التي حدثت في الدولة العثمانية، سنجد في تاريخ هذه الدولة أحداثًا أكبر فظاعة من تلك التي جرى الحديث عنها، ولكن الضحية هي الشعوب التي تسيل دماءها دون حق نتيجة الرغبة في التنازع على الحكم ونهب الثروات والسيطرة على الدول والشعوب.
وكان مراد الثاني يحب البساطة ويهتم برفاه الناس والسلام، فأحبه شعبه طيلة فترة حكمه، وتمكن من بناء إدارة مركزية متينة إلاّ أن الإنكشارية قد زاد نفوذهم وسيطروا على أغلب مرافق الدولة.
عندما توفي مراد الثاني سنة 855ه- / 1451م إعتلى العرش بعده السلطان (محمد الثاني) الذي بدأ حكمه بقتل أخيه ( أحمد ) الذي كان رضيعاً يوم إعتلائه العرش.
في زمن السلطان (محمد الثاني) الملقب ب- (الفاتح) تم فتح (القسطنطينية) وهي (إسطنبول) الحالية و(الإستانة) سابقاً. وكان يوم فتحها مصادفًا ليوم 20 جمادي الأول سنة 857ه-/ أيار سنة 1453م ، وأصبحت عاصمة الدولة العثمانية وسميت في البداية (إسلامبول) أي مدينة الإسلام، فكان سقوط القسطنطينية هو آخر ما تبقى من الإمبراطورية البيزنطية. وكان محمد الثاني قد أكمل الفتوحات الواسعة في أوربا سنة 866ه- / 1462م. وهزم جيوش السلطان حسن الطويل مؤسس دولة الخروف الأبيض.
عندما توفي السلطان محمد الثاني سنة 886ه- / 1481م إعتلى العرش ولده (بايزيد الثاني) ودام عهده أكثر من ثلاثة عقود وكان الناس يدعونه بالصوفي، حيث كان يميل للسلم ومحباً للعلوم والآداب وحياة الزهد، وكانت علاقاته مع دول أوربا جيدة ولم يقم بفتوحات خارجية تذكر. وفي عهده إنهارت دولة الخروف الأبيض (الآق قوينلو) على يد إسماعيل الصفوي كما ذكرنا ذلك سابقاً.
«غير أن عصر السلطان بايزيد الثاني شهد تحولات تاريخية كبيرة، هزّت مجتمع الشرق الإسلامي وما حوله بصورة عامة، ومجتمعات التركمان بصورة خاصة. فقد إنهارت في عهده إمبراطورية الآق قوينلو على يد الثائر الصوفي التركماني الشاه إسماعيل الصفوي، الذي أقام على أنقاضها دولة تركمانية، مشبعة بروح دينية صوفية تستوحي فكرها من الطريقة الصفوية، التي لم تكن تختلف كثيرًا عن فكر الطريقة البكتاشية. و بسرعة مذهلة، سيطرت جيوش تلك الدولة الناشئة على إيران وبلاد الرافدين وبقية
أقاليم إمبراطورية الآق قوينلو . ثم أخذ نفوذها الروحي، ينمو في مجتمعات الترك بصورة لم تكن متوقعة، ولا مقبولة من قبل بعض الأوساط السياسية والعسكرية في إستانبول» (1).
كان لبايزيد الثاني ثلاثة أولاد أصغرهم (سليم) ، وكان سليم طموحاً يهوى الحكم وقد تمكن من سحب الإنكشارية إلى صفه، وبصراع طويل حمل الجيش سليم إلى إستنبول وساروا به إلى سراي السلطان، وفي حدث لم يحصل قبله في الدولة العثمانية فقد دخل جيش الإنكشارية على السلطان وأجبروه على التنازل عن العرش ونصّبوا ولده الأصغر سليم الذي عُرف ب- (سليم الأول) المعروف (بالياوز) وكان ذلك في سنة 918ه- / 1512م. وأقدم على نفي والده المخلوع إلى إحدى مدن اليونان وهو في السبعين من عمره، ولكنه مات وهو في طريقه إلى المنفى، وأتهم ابنه سليم بموته (2).
تقدم سليم على رأس جيوشه لقمع الحركات الثورية التي إنتشرت في البلاد والملاحقة إخوته الذي تمكن من قتلهم ومعهم أولادهم، وعيّن ابنه سليمان حاكماً على إستانبول. كما بدأ السلطان سليم بحركة شعواء ضد الطرق الصوفية الشيعية المنتشرة في القبائل التركمانية وخاصة في الأناضول وبدأ صراعه مع الصفويين.
في عام 926ه- / 1520م توفي السلطان سليم الأول وإعتلى عرش الدولة العثمانية ولده السلطان (سليمان القانوني) بعد وفاة أبيه. كان السلطان سليمان القانوني على النقيض من والده، ودام حكمه ثمانية وأربعون سنة، وصلت الدولة العثمانية في أيامه إلى أوج عظمتها.
كان السلطان سليمان القانوني من أعظم وأقوى سلاطين آل عثمان، وقد قويت الدولة وتوسعت في زمانه وأصبحت إمبراطورية كبرى.
«فقد أدركه الهرم والهزال ومع ذلك فإن أمامه ثلاث غزوات كان ينوي القيام بها وفعلاً تحرك ركابه العالي متجهاً نحو قلعة سكتوار وهناك أقعده المرض مدة، واصل تقدمه بعدها وفي ليلة الفتح قضى نحبه، وكانت ولادته سنة 900ه- وجلوسه سنة 926ه- ومدة سلطنته 48 سنة وبلغ من العمر 74 سنة » (1).
توفي السلطان سليمان سنة 974ه- / الخامس من أيلول 1566م وإعتلى العرش السلطان (سليم بن سليمان بن سليم الياوز) وهو أحد أولاد السلطان سليمان القانوني الأربعة، كما أن الروايات تؤكد تقدمه على إخوته نتيجة مؤامرات النساء في القصر، وكذلك وقوف الصدر الأعظم ( محمد باشا) معه. وتاريخ ولادته سنة 930 ه- / 1529م ومدة حكمه ثماني سنوات وتوفي عن عمر بلغ الاثنين والخمسين وكانت وفاته سنة 982ه- / 1574م (2).
لم يكن سليم (الثاني) كأبيه بل كان خاملاً ميالاً للهو ويفضل حياة القصور ومجالس الشراب حتى لقّب بسليم (السكران) ولم يملك من المؤهلات غير نظم الشعر، وقد سلّم أمر الدولة بيد الصدر الأعظم محمد باشا. وكان للسلطان سليم ستة أولاد هم: مراد، محمد، سلیمان، مصطفی، جهانكير، وعبد اللّٰه. وبعد وفاته إعتلى
1) کلشن :خلفا نظمي زادة مرتضى أفندي، ص 206.
2) كان الابن الأكبر هو الأمير مصطفى الذي قتله والده بمكيدة من زوجة أبيه الجارية الروسية الأصل أم الأمير سليم، كما تم قتل ابن الأمير مصطفى وهو رضيع. أمّا الابن الأصغر للسلطان سليمان وهو الأمير (جهانكير) الذي كان مريضاً وقد ساءت حالته بسبب مقتل أخيه مصطفى الذي كان يحبه، وفضح المؤامرة المدبرة على أخيه أمام والده (سليمان) وهو يجهش بالبكاء وأخرج خنجراً أمام والده وإنتحر به. أمّا الابن الآخر فهو الأمير (بايزيد) الذي كان على خلاف دائم مع أخيه سليم، وخاف من سطوة والده فهرب إلى الشاه طهماسب في إيران، وتمكن السلطان سليمان بأمر منه أن يكيد لابنه وهو في إيران ويتم قتله مع أولاده الأربعة. وبقي سليم ابن الجارية الروسية والتي كان سليمان يحبها ويفضلها على باقي حريمه. ويقول محمد فريد بك في كتابه تاريخ الدولة العلية العثمانية ص 246 ما نصّه: «... وكانت هذه الفعلة الشنعاء نقطة سوداء في تاريخ السلطان سليمان... ولولا دسيسة هذه المرأة الأجنبية، لبقى اسمه لا تشوبه شائبة ... » .
العرش بعده ولده الأكبر (مراد) الذي أصدر أمرًا بعد توليه العرش بقتل إخوته الخمسة !! حسب السُنّة الدموية العثمانية. ولقب نفسه بالسلطان (مراد الثالث).
إستمرت الحروب بين الدولة العثمانية والصفويين وخاصة إثناء الإضطرابات الداخلية التي حدثت في إيران بعد وفاة طهماسب.
كما إشتدت المؤامرات والمنافسة على السلطة في إسطنبول وعلى إثرها تم قتل الصدر الأعظم (محمد باشا) الصقللي الأصل على يد أحد الإنكشارية. وإستلم بعده منصب الصدارة عدة باشوات، كما أن الحالة بدأت تسوء في الدولة العثمانية، وواصل الإنكشارية أعمال العنف والسلب وكانوا يفضلون الحروب للحصول على غنائم ...
فعمّت الفوضى !! وأصبحت خزينة الدولة في زمن مراد الثالث خاوية، والمناصب تباع وتشترى. وبدأت نساء البلاط يتدخلن في شؤون الدولة وخاصة بين والدة السلطان مراد وبين إحدى جواريه التي تميل إلى بلدها إيطاليا.
في سنة 1003ه- / 1595م توفي السلطان مراد الثالث عن عمر يناهز الخمسين عاماً، وقد حكم إحدى وعشرين سنة وتولى الحكم بعده ولده السلطان (محمد الثالث) وهو ابن الجارية الإيطالية، عندها وبأمر منه قام جمع من الجيش الإنكشاري بقتل جميع إخوته الأمراء وعددهم تسعة عشر أميرًا حيث تم خنقهم حسب التقاليد العثمانية وتم دفنهم مع والدهم السلطان مراد الثالث.
كما أمر بقتل محضيات والده السلطان من الحوامل، وهكذا بدأ عهده الذي إستمر تسعة أعوام إزدادت الأوضاع فيها سوءاً وإنتشر الفساد في أجهزة الدولة وبدت معالم الإنحطاط تظهر على الدولة العثمانية. وحدثت ثورات في الأناضول وإلتحقت بالثورات فرق من قوات (السباه).
توفي السلطان محمد الثالث سنة 1012ه- / نهاية سنة 1603م عن عمر37 سنة فخلفه في الحكم ولده السلطان( أحمد الأول) وله من العمر أربعة عشر عامًا. وكان له أخ واحد مختل العقل اسمه (مصطفى) لم يُقتل وإنما تم حجره داخل جناح
الحريم وعُزل عن العالم الخارجي. ووقع السلطان أحمد تحت تأثير حرم القصر وفساد الجيش والوزراء، وبدأت تواجه الدولة العثمانية مخاطر تهددها من الداخل والخارج، فالحروب مع الدول الأوربية مستمرة في الغرب، وفي الشرق كانت أخطار إنتصارات الصفويين وخاصة في عهد الشاه عباس تقلق الدولة العثمانية.
إضطرت الدولة العثمانية على عقد معاهدة صلح مع الشاه عباس الصفوي سنة 1021 ه- / 1612م بعد أن توالت هزائمها أمام الجيوش الصفوية، وقد تخلى العثمانيون عن جميع الأقاليم والحصون والقلاع الصفوية التي استولوا عليها منذ عهد سليمان الأول بما فيها بغداد.
في سنة 1026ه- / 1617م توفي السلطان أحمد وله من العمر 27 عامًا ولصغر سن ولده البكر (عثمان)، أخرج الإنكشارية أخا السلطان أحمد المختل عقلياً الأمير مصطفى وأجلسوه على العرش بعد أن كان معزولاً 14 عام عن العالم الخارجي.
وبعد ثلاثة أشهر من تفاقم الفوضى والإرتباك في إسطنبول قام الإنكشارية بعزله وإعادته إلى مكان حجزه القديم، ونصّبوا (عثمان) ابن السلطان أحمد الذي لم يبلغ الرابعة عشر من عمره وأصبح يلقب بالسلطان (عثمان الثاني).
حاول السلطان عثمان الثاني بعد أن أصبح شابًا قيادة الجيوش بنفسه ولكن حدثت شقة كبيرة من الخلاف بينه وبين الإنكشارية وأراد القضاء عليهم وعلى (السباه) ولكن خطته لم تنجح، وتمكن الإنكشارية من كشف الخطة ومن ثَمَّ قاموا بالهجوم على القصر وقبضوا على السلطان عثمان وقتلوه شرّ قتله وكان عمره حينذاك 18 عاماً، و هو أول سلطان يقتله الإنكشارية، ووضعوا أخاه المختل عقلياً (مصطفى) على العرش ولكن الحكم بيدهم، وحينها وقعت العاصمة إسطنبول تحت رحمة الجيش الإنكشاري، يرتكبون الفضائع ويقتلون الناس على الشبهة وينهبون الأموال ويعزلون الوزراء وينصبون آخرين حسب رغباتهم. عند ذلك إنفجرت الثورات في مختلف أنحاء البلاد خاصة بعد سماعهم بمقتل السلطان عثمان.
برزت في جميع تلك الثورات، ظاهرة إنتقام الثوار من رجال الإنكشارية والسباه، بإعتبارهم قتلة السلطان عثمان الثاني. وهكذا أصبحت تلك الثورات، بالنسبة للترك السكان الأصليون، رمزًا للقضاء على العسكر الإنكشاري. أولئك الدخلاء، الذين عاثوا في الأرض فسادًا، وإستعبدوا الترك الذين استوطنوا تلك البلاد منذ أيام السلاجقة.
بعد سنة ونصف من الفوضى في إسطنبول، كان الصدر الأعظم الذي نصبّه الإنكشارية (كمانكش علي باشا) الذي أشار عليهم بوجوب عزل السلطان مصطفى المختل عقليًا نتيجة تأزم الأوضاع، فوافق الإنكشارية على رأيه وأعادوا السلطان إلى مكان حجره القديم ونصّبوا مكانه أحد أبناء السلطان أحمد الأول واسمه مراد الذي لقب بالسلطان (مراد الرابع) وذلك في سنة 1032ه-/ أيلول 1623م، وهو الذي إحتل بغداد وأنهى خضوعها الاحتلال الصفوي الثاني للعراق، وإستمر حكم العثمانيين في العراق لحين إحتلال بغداد من قبل الإنكليز سنة 1336 ه- / 1917م.
كان إسماعيل الصفوي عندما أسس دولته في إيران معاصرًا للسلطان العثماني (بايزيد الثاني) والسلطان (سليم الأول الياورز).
والشاه إسماعيل الصفوي هو الذي فرض التشيع في إيران بالقوة والقسر، وجعله المذهب الرسمي للحكومة الإيرانية، وإتخذ وسيلة سب الخلفاء (أبو بكر وعمر وعثمان) ليمتحن الإيرانيين، وفرض الشهادة الثالثة فى الآذان (أشهد ان عليّاً وليُّ اللّٰه). ورفع شعار مظلومية أهل البيت، وجعلها حجة على أهل السنة الذي كان منهم منذ وقت قصير، وقام بتوجيه ( علماء السلاطين) بالكتابة والوَضْع في أمور ما أنزل اللّٰه بها من سلطان!
أمر الشاه إسماعيل بإقامة المأتم الحسيني ومجالس التعزية وهذه أمور إعتاد عليها الشيعة وتُعتبر من طقوسهم ولا غبار عليها، ولكنه أضاف عليها إقامة بعض الممارسات والشعائر الدخيلة على الإسلام ولا تمت بصلة عن موضوع استشهاد الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ). علماً بأن هناك من يقول بأن البويهيين الذين حكموا (إيران والعراق) في القرن الرابع الهجري كانوا هم أول من أقاموا المجالس الحسينية والاحتفالات، وتضاءلت بعدهم عندما إستولى السلاجقة على الحكم...(1)
1) تحدثنا عن المأتم الحسيني ومجالس التعزية عند الحديث عن الحكم البويهي، وقد كررنا ذلك عند الحديث عن الصفويين، وذلك حسب ما نقل في مصادر شيعية كثيرة عندما تذكر العهدين، على أن ذلك من إنجازات الحُكمين المذكورين. وعلى ذلك نوضح ما يلي: لا نعتقد بصحة الأخبار المنقولة عن البويهيين بأنهم أول من أقاموا المأتم الحسيني ومجالس التعزية، لعدم وجود مصدر موثوق به يؤكد أن أتباع أهل البيت كانوا يقومون بممارسات اللطم والتطبير وغيرها قبل القرن العاشر الهجري، وعندما نسبوا الممارسات هذه منذ العهد البويهي ليؤكدوا زوراً بأنها ممارسات قديمة للشيعة قبل الصفويين. كما لم تكن هناك إختلافات مذهبية حادة كالتي حصلت منذ القرن العاشر ولحد الآن. وكان التشيع علويًا بحثًا والمعتقدات الفقهية للشيعة لا ترقى إلى الخصام مع معتقدات المذاهب الأخرى عدا بعض الإختلافات في الفروع وليس في الاصول، وفي بعض نصوص التفسير وهذا إجتهاد مباح للفقهاء في نقله وليس إلزاما عينيًا مفروعًا منه والشيعة ينقلون عن أئمة أهل البيت دون غيرهم بإعتبارهم السلسلة الذهبية التي تناقلت الفقه والشريعة أبًا عن جد مستلهمين توارث العلم عن جدهم رسول اللّٰه ( صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ ) وعن جدهم الإمام علي ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) باب مدينة علم النبي ( صَلَّ اللّٰهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ). وكان الشيعة يحيون مناسبة استشهاد الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) باستذكار البطولة والفداء وعظم التضحيات لتكون منهاجاً قويماً يسيرون على نهجه، وليس باللطم وشج الرؤوس وغيرها من الممارسات التي لا تدخل ضمن السياق الشرعي والعقلاني ومنها التأكيد على مظلومية أهل البيت وإثارة العصبيات والتوجه إلى الطائفية المقيتة. وأن أغلب العلماء منذ القدم وحتى يومنا الحاضر لا يقرّون بالممارسات الدخيلة على المجتمع والدين إلّا البعض منهم ممن يتخذونها سبيلاً لمصالحهم وإنقيادهم سياسياً أو تبعية لأقوام آخرين إتخذوا الدين والمذهب حجة للتهديم والعداوة لاغير . بل جميع تلك الممارسات جاءت منذ العهد الصفوي، فهي دخيلة على الإسلام، وكان وعّاظ السلاطين من العلماء الذين كتبوا ونقلوا مالاصحة له بأمر الحاكمين من الصفويين، ونحن اليوم نحصد أخطاء هؤلاء وتوجهاتهم، والتي كانت أغراضها سياسية لا غير، بل عنصرية ممجوجة، وليراجع القارئ كتاب نهج البلاغة فسيجد أقوالاً للإمام علي يمدح بها الخلفاء قبله، بينما يقوم الصفويون بسبهم. فهذا التشيع ليس علويًا بل صفويًا مقينًا وغريبًا عن النهج القويم للتشيع. والخلاف الذي حصل بعد النبي حول الخلافة، من غير المعقول أن يتم تاجيجه في وقت لا يمكن للمرء أن يغيّر من الواقع بشيء.
ونعتقد أن إسماعيل الصفوي بإتخاذه التشيع مذهبًاً كان لأغراض سياسية، وهو يحتاج إلى ما هو جديد لتثبيت حكمه الذي كان في بدايته... وتُجاوِره دولة (سنية) نصب لها العداء منذ البداية وهي الدولة العثمانية. ويحدثنا التاريخ أن الشاه إسماعيل الصفوي والسلطان سليم العثماني كان كلاهما من أتباع الطريقة البكتاشية.
في 25 جمادي الثاني عام 914ه- الموافق للعام 1508م، دخل الشاه إسماعيل الصفوي بغداد محتلاً وهو يعلم بأن نسبة الشيعة في العراق كبيرة، فأعلن عند دخوله بغداد سب الخلفاء، وقتل الكثير من أهل السنة، ونَبش قبر الإمام أبو حنيفة النعمان...!!
زار إسماعيل الصفوي العتبات المقدسة في الكاظمية وكربلاء والنجف، وأجرى عليها الهدايا، وأمر بالتعمير في بعضها.
بعد أربع سنوات من إحتلال الشاه إسماعيل لبغداد، تولى السلطان (سليم ياوز) أي (الصارم) الحكم في الدولة العثمانية، وقد أثّرت مذبحة العجم لأهل السنّة في بغداد تأثيرًا كبيرًا في نفسه يصاحبه ألم دفين. فأعلن نفسه حامياً لأهل السنة وزعياً لهم. وإستحصل فتوىً من رجال الدين في سلطنته تجيز له قتل الشيعة بإعتبارهم مارقين عن الإسلام!!
إعتبر السلطان سليم بأن الدولة الصفوية هي العدوة الأولى فجهّز جيشاً لمحاربتها وكان له ذلك، حيث وقعت عام 920 ه- / 24 آب 1514م معركة (جالدران) قرب تبريز، وكان النصر فيها حليفاً للسلطان العثماني. لكن العراق (ولاية بغداد) بقيت بأيدي الصفويين. بينما فتح السلطان سليم (القاهرة) في 13 نيسان 1517م، ولقّب بعدها ب-(أمير المؤمنين ) و ( خليفة رسول رب العالمين).
إعترض البعض على ذلك مستندين إلى قول النبي ( صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) بأن (الأئمة من قريش). وكان أبو حنيفة النعمان لا يأخذ بهذا الحديث، ويرى جواز الخلافة في غير قريش مما دعا بالدولة العثمانية لأن تكون متمسكة وبشدة بالمذهب الحنفي. فإستفادت الدولة العثمانية من فكرة الخلافة، وكان لهذه الفكرة تأثير على الشعوب التي إحتلها العثمانيون فيما بعد ومنها المجتمع العراقي.
حاول الشاه إسماعيل تجاوز تهديدات سليم الياوز وذلك بالتراجع أمامه معركة جالديران وكان غرضه كسب الوقت لتدعيم ركائز دولته الفتية، رغم أن رجال القزلباش التركمان قاتلوا بضراوة ومعهم عشرات الألوف من القبائل التركمانية الآذرية التي آمنت بالطريقة الصوفية الصفوية والذين هرعوا لنجدة الشاه إسماعيل ضد السلطان سليم وعسكره الإنكشاري.
«ومن الذين ساهموا في تلك المعركة الرهيبة، نقيب أشراف العراق السيد محمد كمونة، الذي جاء على رأس جيش كبير من أبناء العشائر العراقية، غير أن تلك الجموع لم تتمكن من الصمود طويلا أمام فرق الإنكشارية ونيران المدافع العثمانية التي كانت تحصد المقاتلين بالآلاف . . . »(1).
إنّ فرق القزلباشية الثورية لم تكن قد بلغت التسليح والتدريب العسكري بحيث تجاري قوة الجيش العثماني وخاصة من الإنكشارية، حتى إضطر إسماعيل الصفوي الإنسحاب إلى مشارف العاصمة تبريز. وفي 14 أيلول 1514م دخل السلطان سليم مدينة تبريز وإستولى على خزائنها وهي عاصمة الصفويين وأمر بملاحقة الشاه وأتباعه، ولكن تمردًا حصل بين الإنكشارية إضطر السلطان سليم إلى إيقاف الملاحقة والعودة إلى عاصمته في عام 1516م ، وتمكن من قتل المتمردين من قادة الإنكشارية، ومن ثَمَّ إستولى على ماردين وأورفة والموصل، وعلى مدينة الرقة على نهر الفرات في بلاد الشام.
شن السلطان سليم حملات شعواء سياسية وإقتصادية لإضعاف الدولة الصفوية، وفتحت إنتصاراته الباب على مصراعيه أمام الجيوش العثمانية، لإكتساح البلدان العربية، ورغم استيلائه على الموصل إلاّ أنه لم يتقدم نحو بغداد، بل هاجم مصر التي كانت تسيطر على بلاد الشام. وبعد دحره المماليك في مصر فقد رحل عن القاهرة في أيلول 1517م، وبعد عودته إلى إستانبول بدأ يستعد لشن حرب جديدة ضد الشاه إسماعيل للقضاء عليه وعلى دولته.
وهو يعد العدة لذلك داهمه الموت إذ توفي سنة 926ه-/ 22 أيلول 1520م بعد أن قضى ثمانية أعوام في سدة الحكم، وقد خلفه بعد وفاته ولده الشاب الأمير سليمان الذي عرف فيما بعد ب- (السلطان سليمان القانوني)(2).
1) العراق بين سقوط الدولة العباسية وسقوط الدولة العثمانية: عبد الأمير الرفيعي ، ج 1 ص 296 .
2) هو سليمان الأول بن السلطان سليم (الياوز) بن بايزيد الثاني بن محمد الثاني بن مراد الثاني بن محمد الأول بن بايزيد الأول بن مراد الأول بن أورخان بن عثمان الأول، ولقب سليمان بالقانوني وكما يذكر فيليب حتي في الجزء الثاني من (تاريخ العرب المطول) ص 841 : « أصبح سليمان معروفًا عند بني قومه ب-(القانوني) وهو لقب رفيع وذلك للتقدير الذي نالته الشرائع التي قرنت باسمه من ابناء الأجيال اللاحقة. وقد عهد إلى إبراهيم الحلبي (1549) في وضع كتاب في الشريعة وهو ملتقى الأبحر. وقد ظل هذا الكتاب العمدة في أمور الشريعة العثمانية حتى عهد الإصلاحات التي تمت في القرن التاسع عشر. اما الأوربيون فقد عرفوا هذا العاهل باسم سليمان الكبير وقد كان كبيرًا حقًّا وكان بلاطه دون نزاع من أفخم البلاطات في أوربا وآسية » . كانت ولادته سنة 900ه-/1495م، وإعتلى عرش السلطنة العثمانية سنة 926ه-/ 1520م ، ودام حكمه 48 عاماً وتوفي سنة 974ه-/1566م.
وأشار عليه مستشاريه بتخليص بغداد من أيدي الإيرانيين وإعادة بناء مرقد أبي حنيفة النعمان، بإعتباره الإمام الأعظم.
في سنة 930ه- / 1524م توفي الشاه إسماعيل الصفوي وجاء بعده ابنه (طهماسب) الأول. وعندما عرف طهماسب بنيّات العثمانيين، حاول ان يستجلب ملك هنكَاريا إلى جانبه للضغط على العثمانيين.
في فترة خضوع بغداد للدولة الصفوية، وفي عهد الشاه طهماسب حاول حاكم بغداد المدعو (ذو الفقار ) الخروج عن سلطة الشاه الصفوي والاستقلال في بغداد وإتجه فكره نحو العثمانيين، لكن الشاه طهماسب تمكن من القضاء عليه، وإعادة بغداد تحت سلطته.
إلاّ أن السلطان سليمان تحرك نحو (تبريز) في عام 941ه- / 1534م نازلاً إلى الغرب من إيران فاتحاً هذه المناطق. وتوجه إلى همدان ومنها إلى بغداد حاملاً معه المدافع التي لم يعرفها العراقيون من قبل.
وتلافيًا لخطر العثمانيين على دولته وعاصمته تبريز، قرر الشاه طهماسب نقل عاصمته إلى قزوين التي تقع خارج مناطق التركمان الآذريين.
كانت بغداد تخضع لحكم الصفويين في عهد الشاه طهماسب بن إسماعيل الصفوي دخل السلطان سليمان القانوني بغداد (فاتحاً كما يقولون) في سنة 941ه-/ 31 كانون أول من عام 1534م ، ولم يسمح بإيذاء الناس ولا بالسلب والنهب.
في بداية الزحف نحو بغداد، سار جيش عثماني بقيادة (إبراهيم باشا)(1)وإستولى على الموصل. وإصطحب معه (أولامة بك)، أحد أمراء قبيلة (تكلو) التركمانية الموالية للصفويين، وكان حاكم تبريز ومن الموالين للشاه طهماسب، ولكنه تحول في تلك الأيام إلى الجانب العثماني. وكان حينها والي بغداد عن الصفويين هو (محمد خان تكلو) التركماني الأصل الذي تمت مراسلته ولكنه رفض تسليم بغداد وإستعد للحرب.
في إثناء ذلك ورد بغداد رسول من قبل الشاه طهماسب، طلب من الوالي محمد خان إخلاء بغداد والإنسحاب مع رجال قبيلته إلى إيران. وحينما إجتمع محمد خان
1) إبراهيم باشا، كان الصدر الأعظم والساعد الأيمن للسلطان سليمان القانوني وهو مملوكي الأصل وذو علاقة وصداقة حميمة مع السلطان وشاركه في أغلب معاركه، وزوّجه السلطان من أخته، ومن ثَمَّ أمر بقتله بوشاية من زوجة السلطان والمتعاونين معها من رجال الدولة.
برجال قبيلته للتشاور، عبّر غالبيتهم عن رغبتهم في البقاء في بغداد، ولكن محمد خان هددهم بتخريب بيوتهم لإجبارهم على الرحيل معه. غير أن نقيب الأشراف السيد حسین (1)ابن السيد محمد كمونة توسط في الأمر، وطلب من الوالي عدم إيذاء أفراد قبيلته، فأذعن محمد خان وإستجاب لوساطة نقيب الأشراف.
وحينما إقتربت طلائع الجيش العثماني من مشارف بغداد، عبر محمد خان تکلو نهر دجلة بمن تبعه من رجال التركمان وسار نحو الشاه طهماسب عن طريق البصرة. دخل إبراهيم باشا بغداد يوم 22 جمادي الأولى بلا حرب وبعد يومين وصل موكب السلطان سليمان مرقد أبي حنيفة في الأعظمية حيث ترجل وزار المرقد، ثم مضى نحو بغداد ودخلها في 24 جمادي الأولى 941 ه- بدون قتال.
قام بعد ذلك بزيارة العتبات المقدسة في الكاظمية وكربلاء والنجف. وحمل الهدايا إلى مراقد أهل البيت، وأمر بإكمال إعمار الروضة الكاظمية التي أمر بها الشاه إسماعيل الصفوي. وقام بعمل جليل في كربلاء وهو تعميق وتوسيع نهر السليمانية (الحسينية حالياً) حيث أصبحت مياهه تجري بسهولة من الفرات وتصل كربلاء
بشكل منتظم (2). وزار قبر أبي حنيفة النعمان وأمر بإعادة بنائه.
بدأ العهد العثماني الأول في العراق بدخول السلطان سليمان القانوني بن سليم الأول بغداد بدون مقاومة تذكر، وقد هرب حاكمها ( محمد خان تكلو) إلى البصرة ومنها إلتحق بالشاه. أما الجيش الإيراني فقد عبر ديالى قاصدًا إيران بإتجاه (قم) و (قاشان). وتركت بغداد خالية من العسكر. وقبل دخول السلطان سليمان بغداد علم بهروب حاكمها فأرسل وزيره الصدر الأعظم (إبراهيم باشا) أولاً ودخلها
1) السيد حسين بن السيد محمد كمونة، كان قد تسلم نقابة الأشراف بعد وفاة والده النقيب السيد محمد كمونة، الذي تم ذكره وترجمته سابقاً حيث كان نقيب الأشراف عند إحتلال إسماعيل الصفوي بغداد، واِحتل عنده مكانة عالية.
2) أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث : ستيفن همسلي لونكريك، ترجمة جعفر الخياط ص39. وفي الحقيقة أنه أمر بشق مجرى جديد لنهر يصل إلى كربلاء.
يوم 22 جمادي الأولى بلا نزاع ولا قتال، ثم دخلها السلطان بعد يومين أي في 24 جمادي الأولى سنة 941ه- / 1534م.
كان جيش السلطان سليمان يقدر بمائة ألف مقاتل، ودخول السلطان وجيشه بغداد قد صاحبه فرحًا وسرورًا من قبل الأهليين، لأنهم لم يروا ضررًا من الجيش خلاف ما كان يحدث. « وقد زينت بلدة بغداد وأقامت معالم الأفراح مدة وجوده فيها. وقد زار قصبة الأعظمية، وأصدر أمره إلى الجنود بعدم التعرض بالأهلين، ومنعهم منعاً باتاً من الإضرار بهم. ونشر لواء العدل والأمن في طول البلاد وعرضها. وقد مدحه الشاعر المشهور فضولي البغدادي بقصيدة مطلعها: أيّد اللهم في الآفاق أمن المسلمين... وقد زار البادشاه أيضاً العتبات المقدسة وزار مرقد الإمام الأعظم وعمّر ضريحه وعمّر بعض الأمكنة وأنعم على الخدم وخصص له الأوقاف الوافرة. وزار أيضاً مرقدي الإمامين الكريمين موسى الكاظم ومحمد الجواد وعيّن لخدمهما رواتب من خزينة بغداد وأتم الأبنية التي كان قد بدأ بها الشاه إسماعيل وتركها قبل إنجازها ووسع الجامع) (1)(2).
جاء في كتاب (العراق بين سقوط الدولة العباسية وسقوط الدولة العثمانية) فيما يخص ما قام به السلطان سليمان القانوني في تعمير الروضة الكاظمية على نحو يختلف عن مانقل في المصادر التي ذكرناها وللقارئ الكريم النص التالي:
«بعد زيارة مرقدي الإمامين موسى بن جعفر وحفيده محمد الجواد، أصدر السلطان سليمان فرمانًا بمواصلة العمل الجاري في تشييد المرقدين، الذي بدأ في عهد الشاه إسماعيل الصفوي. فحينما زار الشاه إسماعيل الكاظمية، وجد أن بناية مرقدي الكاظم ومحمد الجواد قديمة وصغيرة، ولا تسع المصلين والزوار. فأمر بقلع العمارة
القديمة، وتشييد عمارة أوسع. وأمر بتشييد أربع مآذن بدلاً من المئذنتين القديمتين، وتشييد مسجد كبير في الجهة الشمالية للحرم.
وحينما زار السلطان سليمان الكاظمية بعد حوالي ربع قرن من الزمن، وجد أن جميع الأعمال في هيكل الحرم وروضته والقبتين والمسجد قد أنجزت، بما في ذلك أعمال الرخام والقاشاني. بينما كان العمل قائماً، لإكمال تشييد المنائر الأربع الكبيرة، التي بلغت إرتفاعاً يعلوا سطح الحرم بقليل. فأمر السلطان سليمان بالاستمرار بالعمل وإكمال تشييد المآذن. وإثناء ذلك أقر مرتبات وعطايا السدنة والمقيمين على خدمة المرقدين، على أن تدفع من خزينة بغداد» (1).
يعني ذلك بأنه لا يمكن إطلاق تسمية التعمير بشكل شامل على الروضة الكاظمية حسب ما نقل، بل عمل السلطان سليمان وأوامره كانت على أمرين لا ثالث لهما: إكمال تشييد المنائر الأربع وهي كانت في المراحل الأخيرة من إنجازها، ودفع مرتبات للقائمين على خدمة المرقدين ومن خزينة بغداد.
وعليه فإن الحقيقة هنا يجب عدم نكرانها بأن الشاه إسماعيل الصفوي هو الذي أمر بالتعمير الكامل للمرقدين، وزيارة السلطان بعد (حوالي) ربع قرن هي الفترة التي تم فيها إحتلال بغداد من قبل الشاه إسماعيل الصفوي سنة 914ه- ، ومجيء السلطان سليمان القانوني وإحتلاله بغداد سنة 941ه-.
فإن العمارة إستمرت للمدة المذكورة وهو أمر طبيعي لضخامة العمل، والروضة الكاظمية بقيت متميزة بطرازها المعماري لحد الآن وهي أكبر العتبات المقدسة مساحة.
بعد أربعة أيام من دخول السلطان سليمان القانوني بغداد سافر إلى كربلاء والنجف لزيارة مرقد الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلامُ) ومرقد الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) في
1) العراق بين سقوط الدولة العباسية وسقوط الدولة العثمانية: الرفيعي، ج 2 ص87.
النجف، وأمر بأعمال كثيرة تخص مرقد الإمام الحسين وأمور عظيمة شملت مدينة كربلاء وأهلها من الساكنين فيها وحواليها وزوارها الكرام.
جاء في كلشن خلفا ما نصّه: «وفي الثامن والعشرين من جمادي الأولى من السنة المذكورة (أي سنة 941ه-) سافر أيضاً إلى كربلاء والنجف الأشرف وحظي بالمثول بين يدي حضرة سيد الشهداء وأمرَ بشق نهر كبير من الفرات وأوصله إلى كربلاء وجعلها كالفردوس الأمر الذي زاد من محصولاتها وأثمارها وأشجارها وأنعم على الخدمة والسكان كما انعم على ساكني دار السلام (1)فكان الجميع ألسنة شكر وثناء للسلطان سليمان والمقدمه الميمون» (2)
أمّا في تاريخ العراق بين إحتلالين فقد ورد النص التالي: « كان دخول السلطان بغداد يوم الإثنين 24 جمادي الأولى سنة 941ه- / 1534م. رافقه أمراء وولاة كثيرون بينهم أمير أمراء مصر سليمان باشا، ونصوح المطراقي الذي حكى هذا الفتح. ثم تجول السلطان في 28 جمادي الأولى سنة 941ه- في أنحاء عديدة من العراق قضاها في زيارة المراقد المباركة في الكاظمية وكربلاء والنجف ومرَّ بطريقه بالكوفة والحلة... »(3).
جاء في كتاب أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث للونكريك حول زيارة سليمان القانوني لكربلاء ما يلي: «وكانت عنايته الثانية أن يزور العتبات المقدسة في الفرات الأوسط، وأن يفعل هناك أكثر مما فعله الزائر الصفوي في العهد الأخير. فوجد
1) دار السلام يقصد بها النجف الأشرف. وعن زيارة السلطان سليمان إلى النجف وتقديم الهدايا إلى حضرة الإمام علي فقد شاهدت هدايا السلطان سليمان القانوني في خزانة الروضة الحيدرية عند جردها عام 1994م، حيث كنت وسادن الروضة العسكرية في سامراء السيد رياض الكليدار، ووزير الأوقاف الدكتور عبد المنعم أحمد صالح وآخرين من المختصين حاضرين ومشرفين على عملية جرد الخزانة وتسليمها إلى المرحوم السيد حيدر الرفيعي سادن الحضرة الحيدرية حينها. كما وان هدايا السلطان سليمان في الروضة الحسينية موجودة لحد الآن، وكانت بعهدتي عندما كنت سادنا للروضة الحسينية، منها شمعدانات رائعة ومصاحف مخطوطة، وسيف مُطعّم بالذهب.
2) کلشن خلفا، ص200- 201.
3) تاريخ العراق بين إحتلالين، ج 4 ص 29.
مدينة كربلاء المقدسة حائرة في حائرها بين المحل والطغيان. إذ كان الفرات الفائض في الربيع يغمر الوهاد التي حول البلدة بأجمعها من دون أن تسلم منه العتبات نفسها. وعند هبوط النهر كانت عشرات الألوف من الزوار يعتمدون على الري من آبار قذرة شحيحة. فرفع مستوى (روف السليمانية ) - وهي سدة ما تزال نافعة – لوقاية البلدة من الفيضان. ثم وسع الترعة المعروفة بالحسينية وزاد من عمقها لكي تأتي بالماء باستمرار، ولأجل أن تجعل الأراضي الخالية المغبرة حولها بساتين وحقول قمح. وصارت هذه الترعة تنساب في أرض كان الجميع يظنونها أعلى من النهر الأصلي. فإستبشر الجميع للمعجزة وإقتسم الحسين الشهيد والسلطان التركي جميع الثناء والإعجاب. وبعد أن زار سليمان قبر الإمام علي في النجف قفل راجعاً إلى بغداد »(1)
تذكر بعض المصادر أنه عندما وصل إلى منطقة (تل مرعز) وهذا التل يقع في أراضي (البكيرة) الذي يبعد عن مدينة كربلاء القديمة بمسافة 18 كم شمالها، وكان القادمون في ذلك الزمان من نواحي بغداد يمرون به ويصعدون عليه ليشاهدوا قبة الإمام الحسين والمنائر، وعندها يمنحون الكرواني (دليل الطريق) أو المسؤول عن القافلة مبلغاً من المال كهدية عند رؤيتهم القبة الشريفة، وكانت على التل صخرة كتبت عليها زيارة وارث.
وهذه المصادر تقول بأن السلطان عندما وصل إلى هذا التل وشاهد القبة ترجّل عن جواده. وإستفسر منه بعض القادة الذين كانوا معه وكذلك قاضي القضاة الذي يرافقه عن سبب ذلك وأن المسافة ما زالت بعيدة للوصول إلى مدينة كربلاء، فقال لنستخير في كتاب اللّٰه، فتناول المصحف وإستخار اللّٰه به وإذا بالآية الكريمة تظهر في الصفحة التي فتحها وهي: «فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى» و هی (الآية 12 من سورة طه) ، فأخذ يركب تارة ويترجّل تارة إلى أن وصل المدينة وتوجه إلى مرقد الإمام الحسين مقبّلاً أعتاب الروضة بخشوع.
1) أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث: لونكريك، ص39.
وحادثة تل مرعز ذكرت من قِبل آخرين بأنها كانت عند ذهابه إلى النجف شاهد قبة الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ، وقد أكدها المرحوم السيد جعفر بحر العلوم في كتابه تحفة العالم في ج 1 ص 265.
ونعتقد بأن الحادثة كانت في خان المصلى( القريب من النجف وتم ذكره في الجزء الأول من هذا الكتاب) وهذا الخان هو المرحلة الأخيرة للوصول إلى مرقد أمير المؤمنين. وهذه الحادثة ذكرت على عدة أشكال وإختلف فيها الرواة، وهذا الإختلاف دلیل حصولها أكانت في كربلاء أو في النجف الأشرف (1)
تزّاحم تيجان الملوك ببابه*** ويزداد عند الإستلام إزدحامها
إذا ما رأته من بعيد ترجلت*** وإن هيَ لم تفعل ترجل هامها
.كان السلطان سليمان القانوني هو الوحيد من الملوك والشاهات والسلاطين الذين استولت وإحتلت دولهم العراق الذي بقيت أعماله التي قام بها في كربلاء خالدة إلى يومنا هذا، وإذا إستثنينا تعميره لمرقد الحسين عليه السلام فإن أمره بشق نهر
1) روي أن السلطان سليمان القانوني عندما وصل إلى مقربة من النجف، حيث تراءت له القبة البيضاء على ضريح الإمام علي ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) ، لأن القبة كانت تشاهد من مسافة بعيدة لأن مرقد الإمام علي يقع على رابية ترتفع عن ما حولها من الأراضي. فترجل عن فرسه ونزع عمامته وسار ماشيًا على قدميه تهيِّبا وإجلالاً للمنظر الذي شاهده وهو قادم لزيارة بطل الإسلام فترجل من كان معه من الحاشية والجند، ونزعوا ما كانوا يلبسون على رؤوسهم بمثل ما عمل السلطان، إلّا قاضي القضاة الذي كان يرافقه في رحلته حيث نزل عن فرسه ... وقال للسلطان: « لماذا ترجلت ونزعت عمامتك؟ ». فقال السلطان: « هيبة وإحترامًا للسلطان أبا الحسن » . فرد عليه قاضي القضاة: « أنت سلطان الآن وكان الإمام علي سلطان زمانه، وهو ميّت وانت حي، والحي أبقى من الميّت »، ولم ينزع قاضي القضاة قلنسوته أو عمامته من رأسه ، فنظر السلطان سليمان إليه نظرة شزرة ولم يجبره على نزع ما على رأسه... وعندما وصلوا إلى حرم ومرقد الإمام علي إنحنى السلطان ومن معه لتقبيل عتبة الروضة الشريفة، وفعل مثله قاضي القضاة، إلّا أن القاضي عندما إنحنى لتقبيل العتبة، سقطت قلنسوته من رأسه بعيدًا عنه، فنهض إليها مسرعًا وجعلها بين يديه، ووقف أمام السلطان سليمان وهو يومئ إلى القبر الشريف وقد ذكر قصة مرة بن قيس وأنشد:
جدید تصل مياهه إلى مدينة كربلاء من نهر الفرات والذي إستمر جريان الماء فيه إلى يومنا هذا وإلى ما شاء اللّٰه تعالى، هو الذي يخلّد ذكراه بهذا النهر المعجزة لإحياءه أرضاً ماتت عطشاً، وإرواءه لسكان المدينة وزائريها، مما جعل ضواحي كربلاء إلى هذا اليوم جنّة غنّاء من الحقول والمزارع والبساتين، فأصبحت المدينة القديمة التي كانت محاطة بسور كالقلعة وسط غابة خضراء عامرة.
وحتى اليوم عندما توسعت المدينة من جميع أطرافها، فإذا ما شوهدت من الجو تراها شامخة وسط جنة مخضرة. ومن أعماله الجليلة التي تخلّد ذكراه في مدينة
كربلاء هي:
ذكرنا بأن السلطان سليمان توجه يوم 28 جمادي الأولى سنة 941ه- / 1534م إلى كربلاء لزيارة مرقد الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وعند وصوله للمرقد الشريف قام بتقبيل الأعتاب المقدسة وقام بتوزيع الهدايا للعاملين في المرقد وعلى سكّان كربلاء وقدم هدايا ثمينة للحرم الشريف.
وإثناء هذه الزيارة أمر السلطان بتجديد قبة المرقد، وتجديد المئذنتين (المنارتين)، حيث لم يتم ترميمها أو تجديدهما منذ أن بناهما الجلائريون في نهاية القرن الثامن الهجري.
2- حفر نهر الحسينية (1)وإنقاذ مدينة كربلاء وضواحيها
إن أعظم ما قام به السلطان سليمان القانوني هو أمره بحفر نهر تصل مياهه إلى مدينة كربلاء، لأن جميع الأنهار التي حفرت لأجل الغرض نفسه قد إضمحلت وإندثرت ، لكون أرض كربلاء هي أعلى من المجرى الرئيسي للفرات.
1) راجع موضوع أنهار كربلاء عن نهر الحسينية في الجزء الأول من كتابنا هذا.
و الحقیقة هی أن الموضوع كان يحتاج إلى دراسة وخبرة عالية من رجال أكفاء ضالعين في مثل هذه الأعمال ليقوموا بعمل أشبه بالمعجزة.
وذكر نظمي زادة في كتاب كلشن خلفا: وأمر بشق نهر كبير من الفرات واوصله إلى كربلاء وجعلها كالفردوس... ومما ذكره المؤرخون أن المهندسين وذوي الخبرة كانوا قد قرروا بعدم إمكان إيصال الماء إلى قصبة كربلاء من نهر الفرات، ولكن بكرامة الإمام الهمام ويمن وإقبال السلطان جرى النهر وإنكشف كذب أقوال أولئك الذين قرروا إستحالة ذلك (1).
جاء في تاريخ العراق بين إحتلالين النص التالي عن حفر نهر الحسينية والذي بالسليمانية عند حفره نسبة إلى السلطان سليمان القانوني: هذا النهر من أعظم أعمال السلطان. كان يسمى باسمه (النهرالسليماني) والآن يسمى نهر (الحسينية). أجراه إلى كربلاء فأحياها. ولم يوفق السلاطين السابقون أيام غازان وغيره ومنهم الشاه إسماعيل، والشاه طهماسب. وأعتقد أن السلطان كان يملك أكابر المهندسي، فتمكن من العمل. وتم المشروع على يده.
ويقال أن هندسته كانت فائقة تدل على خبرة ومقدرة ممن أحضر هم من المهندسين ولا شك أنه كان أقرب لاستخدام أعاظم المهندسين وهو أعظم الملوك وليس لدينا ما يوضح الأعمال الهندسية ووصف خطورة المشروع والخطط التي قام بها رجاله ولا علمنا عن هؤلاء المهندسين. والأعمال التي تنسب إلى السلطان وحده والنهر بوضعه شاهد العظمة. والآن كربلاء قائمة بدوامه والعمارة المشهودة في كربلاء والحياة الزراعية، والبساتين فيها قامت بسبب من هذا الأثر، فتجددت حياة اللواء، وصار يعد من أعظم المشاريع الإصلاحية بل كان حقيقة مشروعاً جليلاً في حياة البلد وما جاوره من بقاع تصل مياهه إليها.
1) کلشن ،خلفا، ص 200 وص 201
ثم بعد مشروعه هذا بمدة طويلة تم قامت (سدة الهندية) وإكتسبت شكلاً أعظم ونتائج مهمة خصوصاً بعد إتخاذ الأبواب واستخدام لوازم العمارة والإرواء الحديثة. فعليه الآن عمارة اللواء وقوام حياته.
وعلى ما حققه بعض المؤرخين أن المهندسين كانوا يرون أن كربلاء في محل عالٍ ونهر الفرات منخفض عنها فيستحيل إيصال الماء إليها فكان إيصال الماء إليها يحتاج إلى خبرة هندسية كاملة فتمت في عهد هذا السلطان (1)
وقد وثّق نصوح المطراقي (2)زيارة السلطان سليمان القانوني مدوناً بالكتابة والرسوم ما قام به السلطان من أعمال وزيارات. وعن كربلاء يقول مطراقي في كتابه (منازل سفر العراقين للسلطان سليمان خان) ما يلي: وفي أرض (الكرب والبلاء) حيث يرقد صاحب القبة الخضراء في الجنة، وخاتم الخلفاء الراشدين عند أهل السنّة، والصابر على البلاء والمحنة الشهيد في أرض (كربلا) الإمام المقتدى وابن المرتضى (أبو عبد اللّٰه الحسين)، وكذلك مرقد سيد المجتهدين وسند المتعبدين (علي بن الحسين زين العابدين)(3)
مقام الإمام جعفر الصادق يقع في أراضي الجعفريات في المنطقة المسماة اليوم ب- (الهيّابي)، وحسب المرويات أن الصادق عندما كان يزور قبر جده الحسين، ينزل في هذا الموقع ثم يتسلل لزيارة القبر من الناحية الشرقية للمرقد بسبب وجود المسالح لمنع الزيارة. والإمام الصادق مدفون في بقيع الغرقد بالمدينة
. واللسان الناطق والأصل السابق، مقام الإمام (جعفربن محمد الصادق)، وجميل الذات وكريم الصفات سيد الشهداء وسعد اللباس1) تاريخ العراق بين إحتلالين، ج 4 ص 36 وص 37.
2) نصوح المطراقي: هو نصوح أفندي السلاحي ابن عبد اللّٰه قرة كوز، الشهير بمطراقي زادة. مؤرخ ورحّالة ، ورياضي، وأصله من البوسنة ، تقدم في الوظائف العسكرية ومهر في الفنون الفروسية حتى إكتسب لقبه (المطراقي) وهو الدرع المغلف بالجلد الذي يستخدمه الفرسان إثناء القتال. وكان ماهراً في فنون الكتابة ويمتلك ثقافة تاريخية وجغرافية، وكان مهندس عسكري بارع ورسّام. إصطحبه السلطان في حملته على بغداد، ودوّن الحملة بالكامل وكذلك زيارات السلطان ومنها زيارته لكربلاء.
3) نعتقد بأنه يقصد علي الأكبر الشهيد مع والده والمدفون عند الرجل في موضع قبر الحسين مع أخيه اللّٰه الرضيع. لأن الإمام علي زين العابدين دُفن في البقيع بالمدينة.
والمحمود عند اللّٰه ،والناس ابن الإمام علي حضرة(العباس)، والمعتصم بعناية اللّٰه ، الملك العاصم وسلطان الشهداء حضرة (قاسم) (1)ابن الإمام المرتجى وسبط المصطفى وابن المرتضى صاحب الجود والكرم والمنن (أبي محمد الحسن).
والنورين الأزهرين الأنورين درتي الصدفة النبوية ونجمتي بحر الفتوة، السيدين الشهيدين والمقتولين المظلومين ( علي الأكبر وعلي الأصغر)(2)ولدي (أبي عبد اللّٰه الحسين)، وبر جبل المحسن المدفون في صحراء (كربلاء) أكرم أرباب السعد وأفخر أصحاب الشهد حضرة (حُر الشهيد) (3).
صورة رقم(1) رسمها مطراقی لمرقد الإمام الحسین و مرقد ولده علی بن الحسین
1) القاسم بن الحسن دُفن في حفرة الشهداء بالقرب من قبر الحسين، وفي المخيم مقامه.
2) إلتبس الأمر على نصوح مطراقي في هذا الوصف، فالابن الأكبر للإمام الحسين هو (علي الأكبر) المدفون عند رجله، و (علي الأصغر) هو الإمام زين العابدين، والذي يقصده مطراقي بعلي الأصغر هو عبد اللّٰه الرضيع المدفون بجنب علي الكبر عند الرجل، وليس زين العابدين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ) .
3) يُقصد به الحر بن يزيد الرياحي.
صورة رقم(2) رسمها مطراقی لمرقد أولاد صورة الحسین و مرقد الحُربن یزید الریاحی
صورة رقم(3) رسمها مطراقی لمقام جعفر الصادق و مرقد العباس و مقام القاسم
تدوين الزيارة ورسم اللوحات وردت في كتاب مطراقي زادة (1)عن مرافقته للسلطان سليمان القانوني في شهر ج 1 سنة 941ه- / 1534م(2)
1) رحلة مطراقي زادة: نصوح أفندي السلاحي الشهير بمطراقي زادة، المتوفى بعد عام 957ه- ، ترجمة صبحي ناظم توفيق. تحقيق د. عماد عبد السلام رؤوف، ص 95 - ص 97. طبع في أبو ظبي بالامارات العربية المتحدة سنة 2003م. وأصل اسم الكتاب (منازل سفر العراقين للسلطان سليمان خان ).
2) راجع كتابنا (كربلاء في أدب الرحلات)، ص58 - ص63.
مما يؤسف له أن تقرأ لبعض الذين كانت مهمتهم توثيق وقائع حدثت في كربلاء على أنهم كتّاب تاريخ، لا أن يقوموا بتسطير ما يمليه عليهم التأثير المذهبي للطائفة، أو ما إعتمدوا عليه من كتب الغلاة ومشوّهي التاريخ والذين ينحازون طبيعيًا إلى بلدهم وإلى ملوكهم وسلاطينهم، وينسون أو يتناسون بأن الجميع أيّاً كان إيرانيًا أو تركياً ما جاء العراق إلّا محتلاً سواء أكانت فيه عتبات مقدسة أو لم تكن فيه. لأن الموضوع برمّته هو سلطوي سياسي ناهب للثروات.
لقد مرّت مدينة كربلاء في تلك الفترات بحالة تستوقف الباحث عندها قليلاً ... مدينة صغيرة تقع على حافة الصحراء الغربية وفيها مراقد مقدسة للمسلمين ويؤمها الآلاف من الزائرين، وقد تعرضت للعديد من الحوادث والنكبات والوقائع، فقد تم غزوها ونهبها أكثر من مرة، وإستغلتها الدول التي حكمت العراق، ووقعت تحت سيطرة إمارات فراتية تأسست بقربها وأصبحت تحت سيطرتها .
كانت كربلاء هي الميناء البري بين الفرات الأوسط والجنوب من جهة، وبين مدن أعالي الفرات والشام من جهة أخرى، فلها شأن إقتصادي وتجاري كبير لوفود الزائرين إليها، وحينها كان جميع سكانها تقريبًا من العرب، سادة علويين وعشائر عربية عريقة غير علوية كانت تسكن الأرض والمدن والقرى المحيطة بها قبل تمصيرها وبعده. ونزوح عشائر وأسر عربية إليها إثناء الهجرات المتوالية للقبائل من الجزيرة العربية أو من وسط وجنوب العراق خاصة بعد إشتداد النزاعات بين القبائل العربية والإمارات العربية المتأسسة في الوسط والجنوب، وبين الحكومات الأجنبية التي سيطرت وحكمت العراق منذ سقوط الدولة العباسية.
وما نزوح هؤلاء ومجيئهم إلى كربلاء والاستقرار فيها وفي ضواحيها إلاّ لكونها آمنة من جهة وفيها نشاط تجاري وزراعي من جهة أخرى. ولم يسكنها الأجانب بعد.
وأصبح في المدينة التي تحيط بها الأسوار تجمع سكاني عربي أصيل خليط من العلويين وغير العلويين، وإمتلك أهلها أماكن إيواء الزائرين والقيام بخدمتهم... وإنتعشت فيها الأسواق وإمتلأت بالبضائع، كما أشار الرحّالة الذين زاروها وكتبوا عنها، و خیر من أعطانا عنها هذا التصور هو الرحالة ابن بطوطة الطنجي الذي زارها سنة 726ه- وغيره ممن زارها بعده، وكل ذلك كان قبل أن يبدأ الصراع الإيراني التركي (الصفوي - العثماني) على العراق.
ومثلما كانت هذه حالها فقد أهملتها الحكومات في أهم الخدمات التي كانت تحتاجها مثل الحفاظ على أمنها، والأهم من ذلك الغائلة المستديمة التي كانت تطالها وهي العطش وقلة المياه الواصلة إليها وهي من أعظم الضرورات التي كانت تحتاجها.
وكانت تحيط بالمدينة القديمة أراضي واطئة وخاصة في ناحية الجنوب منها، وتكون عرضة لتجمع المياه في الشتاء وفي مواسم طغيان نهر الفرات وقرب المستنقعات من ناحيتها الشرقية.
كانت مشكلة المدينة هي المياه وشحتها في الغالب، لأن المدينة القديمة المحاطة بالسور هي أعلى مما جاورها من الأراضي. كما أن الأنهار التي حفرت لغرض إيصال المياه إلى مقربة منها قد إضمحلت لعدم الإهتمام بها وعدم إدامتها من منطقة تفرعها من الفرات الأصلي، وإهمال كرْيها وتعميقها وهذه تحتاج إلى جهود دولة وليس الأهالي، وهي من مهمات الحكومات التي لم تُعِر أهمية لها بسبب كثرة مشاكلها ونزاعاتها على السلطة وعلى نهب الأموال وفرض المكوس والضرائب. فاعتمد الناس على حفر الآبار في البيوت وفي المناطق العامة داخل المدينة، وكذلك في المزارع والبساتين، ورغم أن النهر الذي حفره السلطان سليمان لم تنقطع المياه فيه إلى يومنا هذا، ولكن بقيت الآبار في البيوت وفي البساتين مدامة للضرورة، وإلى خمسينيات وستينيات القرن العشرين الميلادي كانت أغلب بيوت المدينة القديمة فيها آبار وكذلك البساتين المحيطة بالمدينة.
كان الناس في ذلك الوقت منشغلين في أمورهم المعيشية والإجتماعية، وحتى قبل القرن العاشر الهجري لم تكن مدينة كربلاء المركز الديني الأول للعلوم الإسلامية، أي لم تكن فيها الحوزة أو المرجعية الدينية رغم وجود العتبات فيها، بل كانت مدينة الحلة هي مركز العلوم الدينية الرئيسي وبعدها مدينة كربلاء، ثم النجف الأشرف حيث يتواجد فيهما علماء المذهب، وتكثر فيهما المدارس الدينية.
ومن الحلة خاصة ومن مناطق أخرى من العراق ومن بلدان عربية مثل الإحساء والبحرين وجبل عامل في لبنان ومن أهلها الأصليين، بدأ نزوح العلماء إليها حبًا في مجاورة قبر الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) ، وأخذوا يؤسسون المدارس الدينية ونشطت فيها حلقات الدروس الفقهية والعقائدية وأصبحت فيما بعد مركزاً لاستقطاب طلاب العلوم الدينية وكثُر فيها علماء المذهب الإمامي الإثني عشر.
في هذا المختصر ذكرنا ما كانت عليه مدينة كربلاء إلى أوائل القرن العاشر الهجري، وحدثت التغييرات في المدينة منذ أن نشأ الصراع الإيراني التركي (الصفوي – العثماني)، وبدأت أطماع الدولتين الصفوية والعثمانية نحو العراق تأخذ مداها السلطوي ولكن الطابع المذهبي كان هو الغالب على الأمور كلها، ويظهر ذلك جليًا من المحتلين، فالصفويون عندما دخلوا العراق عملوا السيف بأهل السنة، وعلى شاكلتهم عندما دخل مراد الرابع لم يكن رحيمًا بسكان بغداد من الشيعة، وهذا ما نقلته لنا التواريخ وخاصة التي عاصر كتّابها تلك الأحداث أو كانوا في وقت قريب منها.
وعلى ذلك فإن الواعز المذهبي كان سبيلاً للتحرك و(كلٌ يبكي على ليلاه)!! فيحتل الصفويون العراق ويأتي بعدهم العثمانيون ويطردوا الصفويين، ثم يعود الصفويون وبعدها يأتي الأتراك والنزاع والصراع مستمر ودماء أبناء البلد تجري أنهارًا ولا حول لهم ولا قوة.
كانت أطماع الصفويين في العراق بحجة وجود العتبات لأهل البيت ووضعوا أنفسهم حماة للشيعة، بل طالب ملوكهم بأن تكون مدينة النجف لهم ويستغنوا عن
بغداد للأتراك، وشاه آخر يريد بغداد فقط دون بقية بقاع العراق ليورثها لابنه. وقد وثق التاريخ هذه المطالبات.
جاء في تاريخ العراق بين إحتلالين في حوادث سنة 1035ه-/ 1625م عندما تقدم حافظ أحمد باشا الصدر الاعظم العثماني لاسترداد بغداد، وعن رسالة أرسلها الشاه عباس للصدر الاعظم بيد رسول يقول فيها : « إنني أخذت بغداد من يد جلالي (أي من أحد الذين ثاروا على الدولة العثمانية وصار كل ثائر يسمى جلاليا) وإنّي مُرسِل إلى السلطان برسول وكتاب راجيًا أن يترك بغداد لابني وإذا أبى فإني أسلّمها لكم فلا تدخلوا معي الأن في حرب. أجابه حافظ أحمد باشا بقوله انا وكيل السلطان المطلق وجوابه عندي فلا حاجة لكتابة كتاب إليه رأسًا. نحن لا نترك بغداد بأمثال هذه الأقوال» (1).
جاء في فذلكة التواريخ لكاتب جلبي الذي كان شاهد عيان في تلك الأحداث وقد نقلها العزاوي في نفس الموضوع ما يلي: ان العثمانيين رغم تكبدهم الخسائر الكبيرة تمكنوا من إنقاذ معسكرهم من السقوط عدة مرات، وأن قوة إيرانية مؤلفة من ألف وخمسمائة مقاتل أُبيدت عن آخرها. وسكنت الاشتباكات بينهما عندما هبت عواصف ترابية كثيفة إستحالت معها الرؤية، ثم إرتد الطرفان تاركين في حومة الوغى جثث القتلى مكدسة بعضها فوق بعض ... إلى أن يقول:
وأعقبت ذلك سلسلة من المفاوضات بين الجانبين، وقد ذكر الشاه (يقصد الشاه عباس) في كتاب بعثه إلى الصدر الأعظم أن بغداد بيدي، فما الباعث للقتال بين المسلمين وقد أُهلكت الرعية ؟ وردّ عليه الصدر الأعظم قائلاً (أنا لم أتكم لأسلّم لكم المدينة) (2).
وجدد ممثل الشاه في المفاوضات بأن بغداد إيرانية ! وأكد تبعيتها للدولة الصفوية. ثم قَبِل (الشاه) في إحدى الجلسات إعادة بغداد للدولة العثمانية، على أن تعطى مدينة النجف مكانها. فقد جاء في كتاب أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث للونكريك ما يلي: وبعد مضي إسبوعين إقترح الشاه عودًا على بدأ الدخول في مفاوضات. فبعث حافظ أحمد رئيس مرافقيه وجماعة من الضباط الآخرين إلى المعسكر الإيراني ثم عادوا مع سفير الشاه فجدد الإيراني ادعاءه ببغداد، وفي جلسة متأخرة جلسوها قَبِل (أي الشاه) إبقاء بغداد للترك إذا أعطي النجف مكانها . فكان جواب الوزير أن كل حجر من النجف يعادل عنده ألف إنسان، وما بغداد إلاّ حماها (1).
فلينظر القارئ الكريم كأن مدن العراق مجتزأة الأطماع، فالشاه الصفوي يريد بغداد، وإلاّ فمدينة النجف بدلاً عنها !! ، فليحكم المتتبع والمنصف بل والعراقي العربي الأصيل إلى هؤلاء الطغاة مدّعين الشريعة والدين، فأي دين وأي مذهب يحق لهم القول بذلك، وكأن العراق ومدنه الغرّاء قد توارثوها أباً عن جد!!
أما العثمانيون فقد إعتبروا أنفسهم حماة الدين والملة وهم خلفاء المسلمين ووجب عليهم الحفاظ على مذهب أهل السنة، وأفتى علماؤهم بوجوب قتال الرافضة (يعنون بهم الشيعة)!! كونهم مارقين عن الشريعة والدين حسب رأيهم. كل ذلك يحدث ولم يأخذ أحد الطرفين رأي أبناء البلد المبتلى بهم لأنهم إعتادوا على سيطرة وحكم الأجنبي، ولم يقف أحد منهم أو تتكاتف جماعات للوقوف بوجههم.
وتاريخنا يحمل أمثلة كثيرة لتعاون الكثير من العراقيين أفرادًا وأعيانًا ورؤساء قبائل مع المحتل، منذ أن جاء البويهيون وبعدهم السلاجقة والمغول (وحادثة ابن العلقمي) ليست بعيدة عن الأذهان، وكذلك الذين ألّفوا كتاب (البشارة) لهولاكو ونقلوا زورًا عن الإمام علي ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) بما يسمى بخطبة الزوراء !! ثم جاء الجلائريون
1) أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث: لونكريك، ص 84 وص 85
وتيمورلنك ودولتي الخروف الأسود والخروف الأبيض، ومن بعد كل ذلك إبتُليَ البلد بالصفويين والعثمانيين.
وما يخص كربلاء، فنجد الدولتين تريدان القيام بما يخلّد ذكراهم ويقرّبهم إلى الأهالي، وما نُقل إلينا كان مغاليًا من الطرفين، فإننا لا نؤمن بأن يمْننْ على المدينة أحد من هؤلاء، فالكل كان محتل وغاصب، وما يؤسف له أن نجد البعض قد تأثر بكتابات فارسية وطغت الطائفية والمذهبية والإنحياز على تحليلاته لأنه قد تشبع بأفكار تلك المصادر بحجة التمذهب، ولا نستثني أحدًا ممن كتب عن تاريخ كربلاء من ذلك الأمر أبدًا، وخاصة من كتّاب القرن العشرين الكربلائيين وللأسف الشديد.
وأقولها متأسفاً لأنهم عرب أصلاء ومن عشائر وأسر كريمة، ويذكرون عملاً صفويًا مهما كان ضئيلاً في الأهمية كأنه إنجاز عظيم يدلّ على حب وإحترام الصفويين لآل البيت كونهم (شيعة)، بينما يذكرون إنجازات العثمانيين مثلاً والتي فاقت بكثير بما قام به الصفويون جميعهم، على أن ذلك تزلّفاً واستجلابًا لمحبة أهل المدينة وكسب عطفهم والرضا عن حكمهم !! فلماذا ؟ ... إنه التحيّز والمذهبية المقيتة!! ولهم الحق في ذلك ما داموا يذكرون ( وللأسف) بأن الصفويين هم الذين يبعثون روح القومية العربية !! وهم المجددين للعروبة وإلى غير ذلك من الترهات السقيمة !!
سيجد القارئ الكريم صدق قولنا عندما نذكر لا حقاً عن الشهيد الأول والشهيد الثاني وهم من علماء المذهب الشيعي العرب، وغيرهم من الأفاضل والجهابذة الذين علمّوا الصفويين مذهبهم وقلبوا عليهم ظهر المجن وما على القارئ إلاّ الحكم.
وحريٌّ بنا أن نذكر أن العشائر والقبائل التي كانت تسكن مناطق الفرات الأوسط وجنوب العراق، لم تسلّم أمرها بيد المحتلين من الدولتين الصفوية والعثمانية. فكانت سيطرة الصفويين لا تتعدى بغداد وضواحيها القريبة، أما ما يلي جنوبها فكان خارج عن سيطرتها إلى البصرة التي بقيت عصية عليهم.
وعندما جاء العثمانيون حاولوا جاهدين إخضاع مدن الوسط والجنوب المتمردة على حكم الدولة، والتي كانت بيد العشائر التي تسيطر على مناطقها، بل تأسست فيها إمارات أرغمت الدولة العثمانية التعامل معها بشكل مستقل ولا تتدخل في شؤونها، قدر ما تفرض عليها بعض الرسوم والضرائب لا غير. وكثيرًا ما قام الولاة العثمانيون بإعداد حملات عسكرية على العشائر، ورغم بعض النجاحات إلا أن العشائر تعود إلى فرض سيطرتها على مناطقها رغم أنف الحكومة. وتاريخ العراق لم يغفل هذه الوقائع وقد ذُكِرَتْ بتفاصيليها.
إلاّ أن الحكومة أخذت تتبع سياسة جديدة تسير على محورين، الأول منها تحويل مجاري الأنهار بل وقطعها حتى تؤثرّ على القبائل والعشائر وعلى مصدر رزقهم من الزراعة والرعي. والمحور الثاني تأليب العشائر بعضها على بعض للاستحواذ على الأراضي التي يمكن الاستقرار فيها، ما أدى إلى حدوث صراعات ومشاكل ومعارك بين القبائل وخاصة في الفرات الأوسط، مما إضطر العشائر إلى تغيير مناطق تجمعها في الفرات الأوسط وجنوب العراق. ومنذ أربعة قرون ولحد الآن نجد القبائل قد إستقرت في مناطقها الحالية وأسست لها تجمعات جديدة ودخلت في أحلاف عشائرية، جميعها كان يصب في مصلحة الدولة التي كانت تقرّب بعضها لتضرب بها غيرها.
ونتيجة هذه الحالة التي أوردناها بشكل مختصر لأنها لا تدخل ضمن أصل بحثنا عن كربلاء، إلاّ أن ذلك كلّه كان له التأثير الكبير على الحالة المجتمعية داخل المدينة، وذلك عندما نزح إليها المئات بل الآلاف من تلك العشائر العربية ليسكنوا فيها، أو في ضواحيها حيث أسسوا تجمعات زراعية وبدأوا يستقرون في أعمال الزراعة، مثل زراعة البساتين التي تشمل النخيل والحمضيات، وأراضي شاسعة لزراعة الحبوب.
أمّا الذين سكنوا داخل المدينة فقد مارسوا أعمال التجارة وخاصة تجارة الحبوب والتمور وأصبح البعض منهم من الأعيان والملاّكين، وكِلا الفئتين رفدوا المدينة
بمشاركتهم في مجتمعها العربي الأصيل وأسسوا لهم أسرًا عريقة ما زالت تسكن المدينة ويُعتبرون من أبنائها الأصلاء. وأمّا إرتباطاتهم القبلية فبقيت بالاسم بعيدًا عن الدخول في الحروب والمشاكل التي كانت بين قبائلهم والدولة في مناطقهم القديمة.
وهذا الأمر في علم الإجتماع يسمّى بالتحول العشائري إلى الإرتباط المناطقي، فتأثيرهم وسلوكهم العشائري طبّق على المناطق أو المحلات (الحارات) التي سكنوها وإستقرّوا فيها ، بل إن بعضهم تجمّع في منطقة واحدة في المدينة القديمة وتم إطلاق اسم عشيرتهم على المنطقة والمحلة.
فإن مدينة كربلاء وإلى بداية القرن العاشر الهجري كانت مدينة خالصة للعرب من سكانها الأجلاء، ولكن سنرى ماذا سيحدث فيها في القرن العاشر الهجري وما تلاه، بعد أن امتلأت بالأعاجم من إيرانيين وأتراك وأفغان وهنود.
تحدثنا سابقاً عن إنتشار التصوف في كربلاء في القرنين السابع والثامن الهجري، وذكرنا معنى التصوف و تاريخه وطرقه المتعددة، وهنا ونحن نبحث عن كربلاء في العهد العثماني، فإن أهم الطرق الصوفية التي بقيت في كربلاء لعدة قرون وكانت ملتَزَمة من قبل العثمانيين هي الطريقة البكتاشية التي إتخذت من إحدى زوايا صحن الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) مقراً لها، وممارسة شعائرها، والذين يتولون هذه الطريقة أصبحوا من سادات وأعيان البلد، وكانوا جزءاً من نسيجها الإجتماعي وأسرها العريقة وهم السادة (آل الددة).
البكتاشيون أو البكتاشية هي إحدى الطرق الصوفية، وهم (الدراويش). وكما ذكرنا سابقاً بأن مؤسس هذه الطريقة هو السيد محمد الموسوي الخراساني الملقب (محمد بكتاش ولي)، وتعتمد البكتاشية على التتلمذ وأخذ الإجازة، ومن ثَمَّ لبس
الخرقة وهي ثوب (الدراويش) . وتمكن محمد بكتاش ولي من نشر تعاليم طريقته، وإستطاع أن يستميل السلطان العثماني إلى جانبه، مما ساعده وأيده في آرائه الصوفية، وسمح له بفتح تكايا لطريقته في البلاد التركية وفي العراق وسوريا ... وأقنع السلطان بتأسيس طابور من العسكر سماه الجند الجديد لغرض حماية السلطان، وكان هذا الطابور من العسكر قد تطور وتوسع معتمدًا على التعاليم البكتاشية، وأصبح فيما بعد يسمّى بالجيش الإنكشاري ويعمل بمباركة الرجل الصوفي العلوي النسب الحاج محمد بكتاش ولي.
ولّما إرتبط هذا الجيش بالطريقة البكتاشية التي كانت من طقوسها تقديس قدور الطبخ، حتى أن ألقاب قادة هذا الجيش ورتبهم العسكرية كانت مرتبطة بالطبخ...
فقائدهم يسمى (شوربجي باشي) أي طباخ الحساء، و (آشي باشي) و (سقّا باشي).
جاء في كتاب مباحث عراقية عن معنى (جوربجي) ما نصّه: «والأصح جوباجي أو جوربه جي من (الشوربة ) كما نقول مع أداة (جي) أي صاحب الجوربة (الشوربة) أو طبّاخها، والكلمة من أسماء الرتب القديمة لضباط الينجرية (الإنكشارية) من جنود العثمانيين وهي تقابل عندهم رتبة يوزباشي في العصر الأخير، وعندنا تقابلها اليوم رتبة رئيس أول أو مقدم. وهناك سبب التسمية وهو أن الجوربجي لم يكن طبّاخاً للجوربة بل تسميته هذه هي تحدّث بنعمة السلطان. ولاتزال في بغداد في يومنا هذا أسرة معروفة وجيهة شهرتها الجوربه جي »(1).
وعلى ذكر القدور التي يقدسها البكتاشيون، فهناك مثل عامي قديم في العراق هو (شايل قزان بكتاش)، ويضرب لمن يتحمل أمرًا عظيمًا غير ملتزم بتحمله. و(القزان) هو القدر الكبير كما هو معروف لدى العامة.
1) مباحث عراقية : يعقوب سركيس ، القسم الثاني، ص 388 وص 389 . وراجع بشأن الجورباجي في معجم شمس الدين سامي وكتاب عثمانلي تشكيلات وقيافت عسكرية سي (باللغة التركية) لمحمود شوکت باشا ص 54 .
عقيدة البكتاشية هي مزيج من التصوف والتشيّع، ويعتقدون بالأئمة الإثني عشر، ويعتقدون بأن الإمام علي ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) تظهر فيه الحقيقة الإلهية، ويؤمنون بغيبة الإمام المهدي (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، ولديهم الدعاء المعروف (ناد عليّاً مظهر العجائب...) وهم متمسكون بمبدأ (التولي والتبريء)، أي ولاية أهل البيت والبراءة من أعدائهم و (غاصبي حقوقهم). وهناك رأي يقول عنهم بإشتراط مريديهم أن يكونوا من أهل السنة والجماعة ! ! (1).
وكانت للبكتاشية شعائر منها إحترام ليالي الجمع، وإقامة مراسيم العزاء وتقديم الخيرات في يوم عاشوراء. والطريقة الصوفية لم يكن أحد يعرف عنها شيء في العراق عامة وفي كربلاء خاصة إلاّ بعد دخول العثمانيين العراق سنة 941ه-/ 1534م رغم ان في العراق طرق صوفية عديدة ومعروفة منذ العهد العباسي منها القادرية والمولوية وغيرها من الطرق الصوفية.
ولم يسجل لهذه الطريقة أي وجود عدا أن مؤسسها محمد بكتاش ولي زار کربلاء في أواخر القرن الثامن الهجري، وإتصاله بالحروفيين وهم أصحاب الطريقة الحروفية الصوفية والتي كانت معروفة حينها في كربلاء ولها تكية في الزاوية الشمالية من الصحن الحسيني الشريف ومؤسسها فضل اللّٰه الحروفي.
وقد تكلمنا عن تأسيس هذه الطريقة سابقاً في عدة مواضع من هذا الكتاب.
فقد ذكرناها عند الحديث عن التصوف في كربلاء، وفي الجزء الثاني هذا ذكرناها عند تأسيس الدولة العثمانية، وتأسيس الجيش الإنكشاري التركي.
لكن هذه الطريقة جاءتنا من الترك العثمانيين وهي خاصة بهم، ولم تعرف في العراق وفي كربلاء خاصة إلاّ بعد إحتلال العثمانيين للعراق وتم بعد ذلك تأسيس تكايا (خانکَاه) لها في عدة مدن في العراق وكان أكبرها وأهمّها في كربلاء.
1) راجع كتاب الرسالة الأحمدية في تاريخ الطريقة البكتاشية : للشيخ أحمد سري ددة بابا، وهو أحد مشايخ البكتاشية، المطبوع بالقاهرة سنة 1955م .
يقول الأستاذ عباس العزاوي في تاريخ العراق بين إحتلالين: «وطريقة البكتاشية في الحقيقة كانت طريقة زهد وتقوى، ولم تدخلها البدع، ولا الابطان إلاّ حين دخل الحروفيّة والأخيّة بين صفوفهم. وكان قد ألغى السلطان العثماني محمود الثاني تكايا البكتاشية سنة 1241ه- عندما قضى على الينكجرية (1)ولكن ذلك لم يتم إلّا أيام رئيس الجمهورية السابق المغفور له أتاتورك (مصطفى كمال)، فكان القضاء المبرم.
لم تنل هذه الطريقة رواجاً في العراق ولا في البلاد العربية. ومؤسسها الأصلي الحاج (بكتاش ولي ) المتوفى سنة 738ه-. والكلمة متفقة على أنه كان من أهل الصلاح والتقوى، إلاّ أن الحروفية دخلوها فأفسدوها من جرّاء أن هؤلاء إستغلوا شهرة بكتاش فالوا إليها. وبدخول العثمانيين تأسست في العراق، فإتخذت جملة تكايا فتمكنوا من تكوين طريقتهم في بغداد والأنحاء العراقية الأخرى، فتكونت لهم (تكية خضر إلياس) و (تكية بابا کَورکَور). كان مسجدًا، فصار تكية لهم. وتكايا أخرى في النجف وكربلاء وغيرهما.
وهؤلاء أهل أبطان (يعني أهل باطنية) تستروا بالتشيع، وإن مؤلفاتهم التي عرفت لحد الآن تنبئ على أنهم من الغلاة دخلوا طريق التصوف بل إن تصوفهم كان غاليًا (يشتهر بالمغالاة) وفي العراق ظهرت بعض حوادثهم. وتأتي في حينها.
وعندنا من أهم العناصر القريبة منهم العلي اللهية، والكاكائية، والقزلباشية، والباباوات، ولا يفرقون عن غيرهم إلاّ بما دخل هذه الطوائف من أمور دخيلة مما فرضه الرؤساء... وكلهم اليوم في قلة. وفي كركوك تكية للبكتاشية يقال لها (تكية مردان علي) ، وفي دقوقا ( داقوق ) ( تكية ددة جعفر).
1) كان الينكجرية وهم الإنكشارية جميعهم من البكتاشية، حيث إن تأسيس هذا الجيش كان بمباركة وإقتراح بكتاش ولي بداية، فكان هو الأب الروحي لهم. وعندما تمادي الإنكشارية في التمرد والفوضى فقد إتخذ السلطان محمود الثاني قراراً بالقضاء عليهم سنة 1241ه- / 1825م ، وإغلاق تكايا البكتاشية في كل البلدان التي تقع تحت سلطة الدولة العثماني، وحتى التكية البكتاشية في كربلاء شملها هذا الأمر، وقد فتحت مرة أخرى باسم (تكية النقشبندية) والطريقة النقشبندية كانت منتشرة في العراق، وليست لها علاقة بالعثمانيين وجيشهم الإنكشاري المتمرد على الدولة التي أنشأته دائماً.
وهم في العراق لم يحدثوا تأثيرًا كبيرًا على الأهلين بالرغم من وجود مؤسساتهم فهي ضعيفة الأثر... إشتهروا في حكاياتهم التي ينددون بها بالأمور الشرعية، والفرائض المكتوبة، ويقولون بترك الرسوم الدينية، وتتداول بين الناس هذه الحكايات يحفظها الكثيرون في مقام يعين وضعهم في شرب الخمر وسائر المنكرات والتهاون بالعبادات إلاّ أنهم يتظاهرون بأنهم إثنا عشرية وهم بعيدون عنهم (1)فأبطنوا ما أبطنوا. ولولا ما قامت به السلطة من التنكيل بهم، أو القضاء عليهم فأدى إلى إنتشار كتبهم لبقوا على هذا التكتم مدة أطول» (2). كُتب الكثير عن البكتاشية وكان أهمها (كاشف أسرار بكتاشيان) للخواجة إسحق. وهو من أجلّ الآثار في التعريف بهم، وبما يكتمون، كما يوضح أغراضهم ويرد عليهم. وهناك الكثير ممن تناول الطريقة البكتاشية وأعدّ دراسات مطولة عنها.
أمّا كُتبهم الخاصة فكانت متأثرة بالطريقة الحروفية، بل جاءت نصاً تقريبًا عنها لتأثرها بها ولأنها الأقدم منها ولكن إندماج الحروفيين بالبكتاشيين كان بسبب التزام الدولة العثمانية للطريقة البكتاشية ومساعدتها في وقتها.
وفي مقال ورد في أحد مواقع الإنترنيت، نقتطف منه بعض ما جاء فيه:
« في أواسط القرن السابع الهجري ظهر في نيشابور من أعمال خراسان شخص يدعى السيد محمد الموسوي من سلالة إبراهيم المجاب حفيد الإمام الكاظم ( عَلَيْهِ السَّلَامُ)،
1) كان علماء الدين الشيعة الإمامية الإثني عشرية وخاصة الأصوليين منهم قد كفرّوا المتصوفة أمثال هؤلاء وإعتبروهم مارقين، وذلك لأن هؤلاء لا يلتزمون بالعبادات الواجبة من صلاة وصوم وزكاة وحج وغيرها، ويعتبرون أنفسهم أنهم وصلوا إلى معرفة اللّٰه بتصوفهم فسقطت عنهم الواجبات. كما أن طقوسهم وشعائرهم مخالفة صريحة لنهج التشيّع ، ومغالاتهم بالإمام علي ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) كان إلى الحد إيصاله إلى الإلوهية في بعض الأحيان. وبالمناسبة أن كل الحركات الباطنية كانت محل شك وإختلاف مع الأصوليين الشيعة. حيث إن عقيدة الشيعة ظاهرية ولا تقبل بالإبطان مطلقًا، وما الصراع العقائدي الذي حدث بين الأصوليين وفرقة الكشفية والشيخية إلاّ دليل على ما نقوله. كذلك الخلاف العقائدي مع الإسماعيلية والنصيرية وغيرهم يصب في هذا المجال أيضًا.
2) تاريخ العراق بين إحتلالين: عباس العزاوي، ج 4 ص 154 وص 155 وص 156.
وأسس طريقة صوفية إثنا عشرية غير إصولية، سميت بالطريقة البكتاشية، و (بكتاش) معناه الأمير. وسافر محمد الموسوي (بكتاش ولي) إلى تركيا في زمن (أورخان)، وإستوطن قرية (قير شهر) وهي القرية التي سميت باسمه بعد ذلك، ويلقب بالحاج بكتاش ولي، وكان نسبه العلوي هو الذي جعل له مكانة بين معاصريه من الأولياء العلويين كالرفاعي في العراق، والدسوقي وأحمد البدوي في مصر، وأبناء الشيخ عبد القادر الجيلي (الكَيلاني) في العراق.
وبصفته المرجع الروحي الأعلى لهذه الطريقة ومؤسسها سمی ب- (الددة)، ولم تكن هذه الكلمة معروفة في الدول العربية والإسلامية إلّا بعد الفتح العثماني، وإنتشار الطريقة البكتاشية في أنحاء الإمبراطورية العثمانية، وإعتنقها الكثيرون. وأينما وجدت تكية بكتاشية وجدت هذه الكلمة. أمّا مراتب الطريقة البكتاشية فهي :
1- المريد/ وهو الذي ينتسب لأول مرّة ويقوم بممارسة الطقوس الخاصة بهذه الطريقة.
2- البابا/ وهي مرتبة اعلى من الولى.
3- الخليفة/ وهي مرتبة أعلى من البابا وله مكانة عالية عند المنتمين لهذه الطريقة.
4 - الددة/ بعد أن يجتاز المريد المراتب المتقدمة، يكون له حظوة من الرئيس الأعلى يمنح بموجبها هذا اللقب، ويتولّى التكية وينصهر في الأب الروحي الكبير ثم يخضع له جميع المنتمين لهذه الطريقة. ولهم عادات وتقاليد يختصون بها »(1).
وأعلى مرتبة يصلها المنتمي إلى البكتاشية هي (الددة)، وهي كلمة أو مصطلح تركي معناه الأب الروحي الكبير، وأطلقت أول مرّة على السيد محمد خنكار ولي (محمد بكتاش ولي) بن إبراهيم بن عيسى الموسوي، مؤسس الطريقة.
وأول شخص قدم العراق من أحفاد المؤسس والزعيم الروحي لهذه الطريقة( بكتاش ولي) هو السيد عبد المؤمن الددة وذلك في القرن العاشر الهجري. فقد هاجر
1) مقال للسيد حسين بن عبد بن دهش الددة الموسوي، منشور في موقع (انساب أون لاين) أحد مواقع الإنترنيت عنوانه (معلومات عن آل الددة الموسوية في العراق).
عبد المؤمن من قرية (قير شهر) وسكن بجوار الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلامُ) وأنشأ التكية البكتاشية في الروضة الحسينية مكان تكية الحروفية، وعندما توفي دفن فيها، وكان قبره يزار من قبل الدراويش الذين يطلق عليهم كلمة (المسراة) والذين ياتون من تركيا وبقية البلاد الإسلامية. والسيد عبد المؤمن الددة هو الجد الأعلى لأسرة السادة آل الددَة(1)المعروفين في كربلاء.
التكية البكتاشية في الروضة الحسينية
في مدينة كربلاء وتحديدًا في صحن الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) تقع (تكية البكتاشية) وتسمى (تكية الددوات). وموقعها في الجانب الجنوبي الأيمن من الصحن الشريف، فهي على يمين الداخل من باب قبلة الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) وتطل على الصحن الشريف. وكان تولاها المرحوم السيد حسين الددة مدة طويلة إلى أن توفى في صيف سنة 1367ه-/ 1948م في خراسان في المشهد الرضوي.
1) السادة آل الددة أسرة علوية مشهورة في كربلاء منذ القرن العاشر الهجري، ويرجع نسبها إلى الإمام علي بن موسى الرضا ( عَلَيْهِ السَّلَامُ). بينما يؤكد قسم منهم بأن آل الددة هم من احفاد السيد إبراهيم المجاب بن السيد محمد العابد بن الإمام موسى الكاظم ( عَلَيْهِ السَّلَامُ). وعندما توفي السيد عبد المؤمن الددة إنتقلت تولية التكية فيما بعد إلى حفيده السيد صادق بن جعفر الددة، صاحب الوقفية المشهورة عام 962ه-/1554م. أما شقيقه السيد إسماعيل بن جعفر الددة فقد سكن جنوب الحلة في المنطقة المسماة حاليًا ب-(تكية الددوات). وبقيت التولية تتناقل إلى أحفاد السيد صادق بن جعفر الددة إلى أن وصلت إلى السيد أحمد الددة الحسيني، وكان يسمى ب- (بسريك صان) حيث قام الرئيس الأعلى للطريقة البكتاشية في تركيا بتنصيبه متوليًا على التكية في كربلاء وذلك في القرن الثالث عشر الهجري. وإشتهر منهم عميد الأسرة في القرن الثالث عشر الهجري السيد أحمد الددة المتوفى بالطاعون سنة 1261ه- / 1845م ، وخلفه ولده السيد محمد تقي الدرويش بن أحمد الددة (متولي التكية). وكان منهم السيد عباس بن محمد تقي الددة، والسيد عبد الحسين بن عباس بن محمد تقي الددة، وما زالت هذه الأسرة في كربلاء وكان ديوان السيد عبد الحسين معروفا ومشهورا إلى وقت قريب في محلة المخيم، واعقابهم اليوم من السادة عبد الحسين وموسى ومحمد وجعفر أولاد السيد عباس بن محمد تقى بن السيد أحمد الددة.
ويرجع عهد تأسيس هذه التكية في أوائل أيام الإحتلال العثماني الأول للعراق، وكان من مشاهيرها (كلامي) الذي كان من مشاهير المتصوفة البكتاشيين في كربلاء ويعرف ب- (جهان ددة).
ويقال عنه أنه كان منطيق بارع، وعارف وحيد في العالم حسب ادعاء جماعته، وكان من أصدقاء المتصوف الشاعر (روحي البغدادي )(1)وكان من البكتاشية، كما أن الشاعر (فضولي) وهو من البكتاشية أيضاً ، وقد دفن في هذه التكية. وفيها أيضاً مدافن أسرة السادة آل الددة في كربلاء، والتي كانت التولية منحصرة فيهم. إلاّ أن آل الددة لا يعرف عنهم إعتناق طريقة البكتاشية، فهم من الشيعة الأصوليين كباقي السادة في كربلاء.
إنَّ تكية البكتاشية في صحن الحسين هي من أقدم التكايا البكتاشية في العراق، ولم ينقطع إتصالها بالبكتاشيين من الترك إلاّ بعد الحرب العالمية الأولى سنة 1914م، وإزداد هذا الإنقطاع عندما ألغيت التكايا عند تأسيس الجمهورية التركية بقيادة مصطفى كمال اتاتورك.
بقيت تكية الدراويش إلى وقت قريب (منتصف القرن العشرين الميلادي) تفتح أبوابها في صحن الحسين ويرتادها المريدون والشعراء وكانت أيضاً بمثابة ديوان للسادة آل الددة في كربلا.
1) روحي البغدادي: أصله من الروم إلاّ أن والده كان من المماليك، وهو أمير أمراء بغداد (إياس باشا) الذي التحق بجيش المتطوعين ببغداد، وإن ابنه روحي واسمه (عثمان) ولد في بغداد فنعت بالبغدادي، وكان شاعراً وله نظم جميل وذهن مستقيم، فقد برع في النظم باللغتين التركية والفارسية، وكان قد إستقر في آخر أيامه بدمشق... وكانت وفاته سنة 1014ه- / 1605م.
صورة قدیمة لتکیة الدراویش(البکتاشیة) في الروضة الحسنیة
صورة قدیمة لبعض مشایخ و دراویش التکیة البکتاشیة في الروضة الحسینیة
خلال وجودي سادناً للروضة الحسینیة المقدسة، وجدت بقایا محتویات التکیة من اعلام وكشاكيل والقدور والكثير من المواد التي كان يستعملها الدراويش، وتم حفظها في مخزن رقم 60 في الطابق الثاني من الصحن عند الواجهة الشمالية.
وللطريقة البكتاشية تكايا أخرى منتشرة في العراق، منها تَكْيتهم في النجف ويرجع قِدم تأسيسها على غرار تكيتهم في كربلاء، وكان من مشاهيرهم في النجف الحاج السيد أحمد ويراني سلطان، فقد كان من أكابر شيوخ البكتاشية. ومن تكاياهم في بغداد هي تكية البكتاشية في محلة (الجعيفر) ، وهي ذاتها تكية خضر إلياس. ولهم في كركوك وداقوق وتلعفر وسنجار تكايا مماثلة أيضاً.
هو السيد سلطان كمال الدين بن إدريس بن جماز بن نعمة اللّٰه، من آل زحيك. تولّى نقابة الحائر بعد وفاة والده النقيب سنة 948ه-/ (1541م) حتى سنة 957 ه-/ (1550م) حسب ما ورد في مشجرة آل زحيك(1).
حقيقة زيارة الوالي إياس باشا (2)لكربلاء
في سنة 953ه- / 1546م كان الوالي على بغداد هو إياس باشا. وقد جاء في كتاب مدينة الحسين بأن هذا الوالي زار كربلاء، حيث ذكر مؤلفه النص التالي:
«تشرّف الوزير اياس باشا العثماني والي بغداد عام 953ه- بزيارة المشهدين المعظمین متبرکاً بضریح قتیل کربلاء الحسين بن علي عليه السلام وضريح فاتح خيبر
1) تحفة الأزهار وزلال الأنهار ضامن بن شدقم، ج 3 ص 174 .
2) إياس باشا : إستلم ولاية بغداد سنة 952ه- / 1546م بعد عزل الوالي صولاق فرهاد باشا، وإستمر إلى نهاية عام 953ه-. وإياس باشا ألباني الأصل وهو أخو سنان باشا فاتح اليمن والصدر الأعظم المشهور. وعهدت الدولة لإياس باشا فيما بعد ولاية ديار بكر سنة 956ه- ، ثم ولاية أرض روم، وتوفى سنة 967ه- / 1560م. ويقال بأنه أعدم في تلك السنة في أرضروم لتسهيله هرب الشهزادة بايزيد إلى إيران سنة 966 ه- ، وخلف من الأبناء محمود باشا ومصطفى باشا.
علي بن أبي طالب مستمدًا منهما البركة والظفر على أعدائه ثم سار بركابه لمنازل عشيرة قشعم في البصرة » (1).
ونشك في أن هذا الوالي قد زار مدينة كربلاء أو مرقد الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، حيث إن المدونات التاريخية تشير بأنه زار في هذه السنة مرقد الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فقط وهو في طريقه إلى البصرة لإخضاع حاكمها (راشد) (2)الذي أبدى العصيان على الدولة العثمانية، وهو في طريقه إشتبك مع عشيرة ( قشعم) التي رفع شيخها راية التمرد، وبعد القضاء على تمرد هذه العشيرة واصل مسيره إلى البصرة التي دخلها بعد فرار حاكمها (راشد) وأخضعها لحكومة الدولة العثمانية.
فقد جاء في كلشن خلفا : « وعندما كان السلطان في بغداد عرض عليه حاكم البصرة راشد ولائه وطاعته كما ذكرنا ولكنه نقض عهده بعدئذٍ وأخلف وعده فأوعز إلى وزيره اياس باشا بوجوب إتخاذ ما يقتص بحقه، فجمع قواته وتحرك بها بداية 953 وفي طريقه زار الروضة الرضية لفاتح خيبر وفي هذه الظروف رفع شيخ آل قشعم راية التمرد فال عليه وقضى على فتنته، ثم واصل سفره إلى البصرة، ولّما إلتحم بقوات راشد لم تتمكن من الثبات أمامه وولت الأدبار فدخل البصرة منصوراً» (3). ومن هذا النص نجد بأن الوالي لم يزر كربلاء ولا مرقد الحسين، وإنما زار النجف ومرقد الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلامُ) ، ولو كان قد زار كربلاء لكان صاحب كلشن خلفا قد ذكر ذلك.
1) مدينة الحسين : السلسلة 3 ص30 عن مجلة لغة العرب ج 4 لسنة 1937م.
2) راشد حاكم البصرة : هو راشد بن مغامس كان قد عرض سنة 945ه- / 1539م مع مانع بن راشد والأمير محمد مفاتيح القلاع التي كانت تحت إمرتهم إلى السلطان العثماني سليمان القانوني، فكان عملهم هذا مدعاة لسروره ، وبعدها نقضوا عهدهم وولائهم للسلطان الذي أمر واليه إياس باشا للتوجه إليه والقضاء على حكمه.
3) کلشن :خلفا مرتضی نظمي زادة، ص 201 .
وفي تاريخ العراق بين إحتلالين لم يرد ذكر لزيارة الوالي إياس باشا لكربلاء، وإنما ذكر زيارته لمرقد الإمام علي ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) فقط. حيث ذكر العزاوي في حوادث سنة 953 ه- توجه الوالي إلى البصرة للقضاء على حاكمها راشد حيث قال: «وفي سفر الوالي هذا مرّ بالنجف لزيارة ( مشهد الإمام علي ) (رض). ولما كان (شيخ قشعم) سلك طريق العصيان قام بتأديبه وكسر طغيانه بل قضى الوزير على حياته وأزال الفتنة. ثم سار إلى البصرة. ولما رأى حاكم البصرة أن لا قدرة على المقاومة ركن إلى الفرار فدخل الوالي المدينة وقضى على حكومة راشد ...» (1).
ومن ذلك كله فإن الوالي اياس باشا لم يقم بزيارة كربلاء ولا مرقد الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلامُ)، ونتأسف بأن يقوم البعض بنقل وقائع دون التمحص والتأكد منها من مصادر موثوقة.
والكتب التي وثّقت العهد العثماني الأول في العراق غير كتابي كلشن خلفا وتاريخ العراق بين إحتلالين، لم تذكر لهذا الوالي زيارة لمدينة كربلاء.
كما أن المصدر التي ذكره مؤلف مدينة الحسين لم يذكر الزيارة لكربلاء بعد الرجوع إليها، فمؤلف مدينة الحسين ربط زيارة الوالي لمرقد الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وإستنتج على ذلك بأنه زار كربلاء وهو أمر لم يحدث!!
هو السيد تاج الدين ترجم بن شرف الدين (نقيب الأشراف) بن طعمة كمال الدين (نقيب الأشراف) بن أبي جعفر أحمد بن يحيى ضياء الدين بن أبي جعفر محمد (سادن الحسين) بن أحمد شمس الدين (ناظر رأس العين) بن أبي الفائز محمد. وهو من آل فائز. تولّى نقابة الحائر الشريف (2). وقد ذُكر في المشجرات النسبية
الموجودة لدى الأسر الفائزية في كربلاء، أنه كان حيّاً سنة 943ه- - 980ه-(1)(1536م - 1572م) ، ولم نتأكد من تاريخ توليه النقابة، وأغلب الظن إنه إستلمها بعد وفاة النقيب السيد سلطان كمال الدين سنة 957ه-/ (550 (1550م)
هو نظام شاه سلطان الدكن في الهند، والدكن هي مقاطعة تقع في جنوب الهند ومن مدنها (حيدر آباد)، فقد قام هذا السلطان في سنة 957ه-/ 1550م بإرسال هدايا إلى الروضة الحسينية المقدسة. حيث قام بإرسال قطع كثيرة من الطنافس الحريرية والمجوهرات الثمينة وكمية من الأواني الذهبية والقناديل للروضة الحسينية.
في سنة 961ه-/ 1553م زار كربلاء والمراقد المقدسة فيها (سيدي علي رئيس) القائد البحري الذي أرسله السلطان سليمان القانوني من حلب إلى مصر. فمن هو سيدي علي رئيس ؟ :
في زمن السلطان سليمان القانوني كان للدولة العثمانية اسطول بحري يتكون من عدة سفن يرسو في (بندر البصرة) ويقوده (مراد رئيس). وجاء الأمر بأن تتحرك السفن العثمانية من البصرة وتتوجه إلى (مصر)، وقد إصطدمت هذه السفن بالإسطول البرتغالي عند مضيق هرمز وتكبدت القوة العثمانية خسائر كبيرة ممّا دعا بقائدها (مراد رئيس) العودة إلى البصرة للحفاظ على ما تبقى من القوة البحرية.
وعندما علم السلطان سليمان بما جرى عهد بالمهمة إلى (الكاتبي الرومي) وهو (سيدي علي بن حسين) الذي كان متضلعاً في علم البحار، وإكتسب خبرة عالية عندما شارك في الغزوات والفتوحات العثمانية في البحر الأبيض المتوسط.
1) مشجرة آل فائز المودعة لدى إدارة الأوقاف العامة، وذُكر فيها أنه كان نقيب الأشراف في الحائر ولم يُعقِّب.
ولفظة ( رئيس ) كانت تطلق على القبطان أو القائد البحري، وهي بمثابة رتبة (الأدميرال) البحرية في الوقت الحالي. فقد وجد السلطان سليمان في سيدي علي رئيس القدرة والكفاءة فأودع إليه (قبطانية مصر ) وأمره أن يذهب بالسفن الموجودة في البصرة إلى مصر. وفي شهر محرم من سنة 961ه- / 1553م خرج سيدي علي من حلب متوجاً إلى الموصل ثم بغداد ومنها إلى البصرة.
جاء في تاريخ العراق بين إحتلالين عن مرآة الممالك ص 16 ما نصّه:
«... وعبر الفرات من أمام قصبة المسيب فوصل الحائر (كربلاء) وهنا زار حضرة الإمام الحسين، ومشهد الشهداء، والحر الشهيد، ثم مضى من جهة شفاثة (شفائي) من طريق البر إلى المشهد وفي اليوم الثاني وصل الغري (النجف) ... »(1).
في الأزمنة التي كانت تفتقد فيها الرعاية الصحية من قِبل الدولة الحاكمة، ونقص وعي المواطنين حول ضرورة المحافظة على الصحة العامة، ومنع إنتشار الأمراض والأوبئة، وطالما كان العراق يتعرض بين حين وآخر إلى نكبات نتيجة إنتشار أمراض معدية تنتشر بسرعة البرق بين مدنه، فقد ظهر مرض الطاعون في سنة 963ه-/1556م في كربلاء وتفشى بين الأهالي ومات من جرائه خلق كثير، ومن الذين قتلهم الطاعون الشاعر فضولي البغدادي الذي كان يسكن كربلاء والذي سنأتي على ترجمته لا حقاً، وكذلك الكثير من أعيان المدينة وساداتها، وبعد شهرين بدأت حدة الوباء تخف إلى أن إنتهى بعد أن نشر الرعب والموت في المدينة.
1) تاريخ العراق بين إحتلالين: عباس العزاوي، ج 4 ص 73.
شاعر عراقي المولد والأصل، وهو من قبيلة البيّات القديمة السكنى في العراق (1)واسمه محمد بن سليمان البغدادي، ويقال بأن ولادته كانت في مدينة الحلة وإكتسب الصيت في بغداد فنسب إليها، وإرتحل إلى كربلاء وعاش فيها إلى أواخر أيامه، وتوفي سنة 963 ه- / 1555م بمرض الطاعون ودفن فيها.
كان يُلقّب عند العثمانيين ب- ( رئيس الشعراء) ويعدّه الترك من أكابر أدبائهم ولا يقدّمون عليه أحد. والفضولي البغدادي كان بليغاً في اللغة العربية والفارسية والتركية. وتنوعت أشعاره وكتاباته باللغات الثلاث.
يقول المرحوم عباس العزاوي في تاريخ العراق بين إحتلالين: «كان ولايزال من فحول الشعر، مبدعاً في نهجه الأدبي. ومكانته في الصف الأول ويعد الترك أكابر أدبائهم المؤسسين (سنان باشا) وفضولي . وله نحو خاص في نظمه ونثره لا يكاد يضارعه فيه أحد. واليوم نرى الترك لا يقدمون عليه أحدا. ولأدباء إيران في العراق مثل سلمان ساوجي، وخواجو كرماني، وعبيد زاكاني وحافظ ... تأثير كبير عليه، وهو أيضاً ذو ثقافة كاملة، وفكر وقّاد. والقطر مساعد على التفكير والتأمل يفيض عليه بإلهامه. فلا بدع أن ينبغ كما نبغ سابقوه في آدابهم ومناحي تربيتهم وثقافتهم. والأدب العراقي زاخر به وبأمثاله وله في اللغة الإيرانية وآدابها المكانة المعروفة، يحل مركزاً لائقاً بين شعراء إيران وديوانه في لغتهم معروف متداول. وله شعر عربي أيضا »(2).
وذكره صاحب كلشن خلفا بأنه : كامل بكمال المعرفة. فاضل بفنون الفضائل، رقيق الطبع، حلو الصحبة، من أهل الحكمة في علم الحياة والأبدان، ومن خدّام شيوخ الطريقة (يعني الصوفية البكتاشية)... ترجم روضة الشهداء للمولى
حسين الواعظي وسماها (حديقة السعداء). فهي أشبه بحلة ذهبية إكتستها المعاني، وأشعاره في العربية ذائعة بين فصحائها، وأقواله مذكورة بين ترك المغول، وديوانه الفارسي مقبول لدى أبناء الفرس، وأشعاره التركية مقبولة عند ظرفاء الروم. توفي سنة 963ه- بمرض الطاعون.
وكان متصوفاً ومن مؤلفاته: ديوان شعري عربي وآخر فارسي يحتوي على ثلاثين ألف بيت حسب ما يقال وتوجد نسخة مخطوطة منه سنة 959ه-/ 1552م، ومطلع هذا الديوان جاء باللغة العربية:
باسمك اللهم يا فتاح أبواب المني *** يا غني الذات يا من فيه برهان الغنى
والديوان العربي توجد منه نسخة مخطوطة في مكتبة لينينغراد في روسيا، وديوان شعر تركي، وكتاب ( حديقة السعداء) وكتاب ( مطلع الإعتقاد) و (مجنون ليلى) باللغة التركية، وغيرها من المؤلفات.
عاصر الشاعر فضولي البغدادي أحداث إحتلال السلطان سليمان القانوني لبغداد سنة 941ه- ، حيث يقول صاحب كلشن خلفا عن وجود سليمان القانوني في بغداد فقد مدحه الشاعر المشهور فضولي البغدادي بقوله:
أيّد اللهم في الآفاق أمن المسلمين *** بادوام دولت باینده سلطان دین
نوّراللهم مصباح البقا *** بإثبات حشمت شاهنشه روي زمين
خلّد اللهم سلطانا به باها الزمان *** شهر ز فيض أو قضاي ملك فردوس برين
وكان يعرف عن الشاعر فضولي البغدادي بأنه من صنف الغلاة في التصوف أو في الإبطان.
جاء في موسوعة العتبات المقدسة - قسم كربلاء - بأنه دُفن في مقبرة آل الددة، عند تكية البكتاشية. والمعلوم بأن مقبرة الددة وتكية البكتاشية هي داخل الصحن الحسيني الشريف وتحديدًا في الجزء الجنوبي الشرقي من الصحن، فالداخل إلى صحن الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) من باب القبلة يتجه يميناً حيث تبدأ التكية ومقبرة آل الددة.
والملاحظ أن قبر الشاعر فضولي كان ظاهرًا وموجودًا بداية القرن العشرين وحتى عام 1975م خارج الصحن الحسيني، وتحديدًا أمام باب القبلة عند بداية سوق الحسين المؤدي إلى المخيم الحسيني، وكان القبر ظاهرًا على شكلٍ سداسي قطر قاعدته متران ويرتفع إلى مترين ونصف، ويحتل مكانه المثلث المؤدي إلى السوق من جانب وإلى شارع باب القبلة القديم، ويمكن أن يكون هذا الموضع هو رمزي لإثبات وجوده، بينما القبر الحقيقي في الزاوية الجنوبية الغربية من التكية ومقبرة الددة، وتحديدًا الآن في مدخل مكتبة الروضة الحسينية الحالية، أي بعد مترين فقط للداخل من باب القبلة يمينًا . وبعد توسعة شارع باب قبلة الحسين في بداية سبعينيات القرن العشرين، قيل بأن رفاة الشاعر فضولي نقل إلى داخل الصحن بعد إزالة شاهد القبر السداسي لدخوله ضمن الشارع الجديد.
الشاعر فضولي البغدادي من کتاب تاریخ العراق بین إحتلالین
ونعتقد حقيقة بأن قبر فضولي في موضعه الحالي والذي كان خارج الصحن هو رمزي، ونؤيد ما جاء في موسوعة العتبات لأن موضع القبر القديم كان في الممر الرئيسي الخارج من باب القبلة، وقبل أن تُفتح الشوارع داخل قصبة كربلاء كانت هناك أزقة تبدأ من أبواب المرقدين وتبدأ بالتوزع على شكل أزقة أضيق وتنتشر في حارات المدينة القديمة. فليس من المعقول أن يقع الضريح في وسط أهم زقاق في المدينة إذا ما تصورنا شكل دروب المدينة سابقاً.
وقبر فضولي شُيّد في باحة دار مخطوطات ومكتبة الروضة الحسينية وهو عبارة عن دكّة من المرمر يعلوها على الجدار نقش من الطابوق الكاشاني الكربلائي، ذكر فيه اسمه وتاريخ مولده ووفاته.
كان فضولي البغدادي قد لجأ إلى الإعتزال والزهادة وآثر الإنقطاع، وإختار زاوية الوحدة وقنع بالكفاف وإعتكف في كربلاء التي سماها (إكسير الممالك) وجاور قبر الامام الحسين عليه السلام، لا شغل لديه غير العبادة. ولاحظت خلال وجودي سادناً للروضة الحسينية المقدسة بأن إقبال الزائرين (الآذربايجان) شديدًا لزيارة كربلاء والمشاهد المقدسة فيها، كانوا يطلبون بإلحاح زيارة قبر الشاعر فضولي، فنفتح لهم الباب المؤدي إلى قبره ونراهم يقفون بإحترام على موضع القبر، ويبدأون بقراءة سورة الفاتحة ثم يقومون بترديد بعض أشعاره، ويطلبون مني تزويدهم بتأييد مكتوب ومختوم على أنهم زاروا قبر الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) (1)وتحديدًا يطلبون في التأييد ذكر زيارتهم قبر الشاعر فضولي!! والمعلوم بأن الأذربيجانيين هم من الأمة التركية أصلاً.
1) في آذار من عام 1995م زرت جمهورية آذربيجان مع وزير الأوقاف العراقي الدكتور عبد المنعم أحمد صالح والسيد رياض الكليدار سادن الروضة العسكرية المقدسة، وبدعوة رسمية، وكان من ضمن جولتنا في العاصمة (باكو) زيارة أحد المعالم الدينية، وكان طريق الوصول إلى هذا المَعْلم الديني الإسلامي يتم عن طريق المرور بمقبرة كبيرة، ولفت إنتباهي الأسماء المكتوبة على شواهد القبور، فوجدت الكثير منها مكتوب بعد أسماء الموتى لقب (كربلائي) ، فسألت صديقنا ومرافقنا (شيخ الإسلام، رئيس الدائرة الدينية للقوقاز) عن ذلك، فأجابني بأن كل من يزور كربلاء يرجع ومعه تأييد خطي من سادن (كليدار) الحرم الحسيني، وأعتقد بأن ذلك كان يحصل حتى قبل إستلامي للسدانة، ويقدّم طلبًا إلى دائرة الأحوال الشخصية عندهم ويغيّر لقبه إلى (كربلائي) تفاخراً بزيارة قبر الامام الحسين وتيمنًا به، كالذاهب إلى حج البيت الحرام عندما يعود يسمى ويلقّب ب- (الحاج)، علماً بأن غالبية سكان آذربایجان هم من أتباع مذهب آلبيت عليهم السلام
في عام 1417ه-/ 1996م إرتأت جمهورية العراق أن يتم الإهتمام بقبر الشاعر فضولي وفق بروتوكول تم بين العراق وجمهورية آذربيجان. فقمنا بتجديد بناء موضع القبر وقد زارت لجنة رسمية من أذربايجان وشاهدت التجديدات على القبر وفق الاتفاق. وعندما زار الرئيس الشيشاني (جوهر دوداييف) كربلاء، فقد طلب زيارة قبر الشاعر فضولي بعد الانتهاء من زيارة قبر الامام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلامُ) .
علماً بأن هناك إتفاقية بين الحكومة العراقية (منذ العهد الملكي) والحكومة التركية على أن تقوم الحكومة العراقية بالإهتمام بقبر الشاعر فضولي، على أن تقوم الحكومة التركية بالمقابل بالإهتمام بقبر السيد الشهيد (نصر اللّٰه الفائزي الحائري) (مدرّس الطف) الذي أستشهد مقتولاً بوشاية مغرضة عام 1168ه-/ 1755م، والمدفون في إسطنبول وله فيها قبرٌ شاهد ومعلوم.
وخلّف الشاعر فضولي ولدًا واحدًا اسمه (فضلي)، سار على نهج أبيه فيما بعد.
وجاء في تاريخ العراق بين إحتلالين عن فضلي بن فضولي البغدادي ما يلي:
« وفضلي هذا ابن سابقه. ونعته عهدي البغدادي بقوله: (صافي الذهن، مستقيم الذكاء والطبع. لا يزال مشغولاً في علوم الظاهر، معتزل في زاوية بقناعة تامة، وقدرة معجزة في التواريخ، وأبيات عشقية فريدة جاذبة آخذة بمجامع القلوب)... والمفهوم أنه كان لا يزال حيّا عند تحرير التذكرة ( كلشن شعراء) . ومن تذكرة عهدي البغدادي وتاريخ بناء جامع المرادية سنة 978ه- أنه لا يزال حيّاً إلى هذه السنة والملحوظ انه بقى إلى ما بعد وفاة عهدي البغدادي. والتراجم قليلة في بيان أحواله، وقد تحرینا
مراجع عديدة فلم نظفر ببغية في تاريخ وفاته» (1).
شکل توضیحی للموقع القدیم و الموضع الحالی لقبر الشاعر فضولي البغدادي
1) تاريخ العراق بين إحتلالين: عباس العزاوي، ج 4 ص 103.
تولّى الشيخ العلامة شمس الدين بن شجاع القاضي والخطيب الحائري الأسدي سدانة الروضتين في كربلاء كان من علماء كربلاء وله مكانة وشهرة واسعة فيه، وكان قد أجيز بالرواية من الشهيد الثاني الشيخ زين الدين بن علي بن أحمد العاملي الجبعي. وقد ذكره الطهراني في الطبقات بأنه كان من أعلام القرن العاشر الهجري (1).
وجاء في كتاب مدينة الحسين: « أنه تولى سدانة الروضتين في كربلاء قبل شوال 963ه- وبقي سادنًا إلى ما بعد عام 990ه- واليه تنتسب عائلة شمس الدين الحائري وباسمه سمّيت الفرقة الحائرية وقد إنقرض اليوم نسل هذه العائلة»(2).
زار الشاه طهماسب كربلاء للمرة الثانية عام 980ه-/ 1572م، وحينها كان العراق تحت سلطة الدولة العثمانية، وكانت زيارته هذه بعد عقده لمعاهدة مع العثمانيين، وعند زيارته هذه لمدينة كربلاء قام بالأعمال التالیة:
1 - تبرعه بترميم (منارة العبد) وقد تم إنجاز الإصلاح فيها عام 982ه- / 1574م، وقد أرخ العمل هذا الشيخ السماوي في إرجوزته (3)حيث قال:
ثم تداعى ظاهر المنارةْ*** للعبد وإستدعى له عُمارةْ
فمد کفّه له طهماسبُ*** وعمّرت بما لها يناسبُ
وأرخت مابين عُجْمٍ وعَرَبْ*** ( أنکَشت يار) وهي (خنصر المحب)
2- تبرع بتوسيع الجهة الشمالية للصحن الحسيني الشريف، والذي لم يكتمل إلاّ في زمن الشاه صفي الدين حفيد الشاه عباس الكبير أيام الإحتلال الثاني من قبل الصفويين للعراق.
بعد وفاة نقيب الحائر السيد تاج الدين ترجم الفائزي تولى السيد إسماعيل بن سلطان كمال الدين بن إدريس بن جماز بن نعمة اللّٰه، من آل زحيك نقابة الحائر في سنة 991ه-/ (1583م) . وإستمر في النقابة لحين وفاته سنة 997ه-/ (1589م)(1).
أصدر الباب العالي في الإستانة (إسطنبول) في سنة 998ه-/ (1590م) فرمانًا بتعيين السيد (علم الدين) ناظرًا (متولياً ) لأوقاف الحائر الحسيني، ويقصد بالحائر الحسيني مدينة كربلاء، فجميع الموقوفات في كربلاء يتولاها السيد علم الدين ويقوم بإدارتها مخوّلاً من الباب العالي. ويقال بأنه كان ناظرًا منذ سنة 981ه-/ (1573م). وهو السيد علم الدين بن طعمة (الثاني) بن شرف الدين (نقيب الأشراف) بن طعمة (الأول) كمال الدين ( نقيب الأشراف) بن أبو جعفر أحمد بن يحيى ضياء الدين بن أبي جعفر محمد (سادن الحسين سنة 796ه-/ (1394م) بن أحمد شمس الدين (ويطلق عليه العامة أحمد بن هاشم ناظر رأس العين سنة 797ه-) بن أبي الفائز محمد (الذي سميت قبيلة آل فائز باسمه)، ويرجع نسبه إلى السيد إبراهيم المجاب بن
1) الأسر الحاكمة ورجال الإدارة والقضاء في العراق: د. عماد عبد السلام رؤوف ص359. ومدينة الحسين: محمد حسن الكليدار السلسلة الأولى ص 96.
محمد العابد بن الإمام موسى الكاظم (عَلَيْهِ السَّلَامُ). كان السيد علم الدين حيّاً إلى ما بعد عام 995ه- ، وأعقب من البنين ثلاثة هم: السيد جميل وهو الجد الأعلى للسادة آل نصر اللّٰه . والسيد طعمة الثالث وهو الجد الأعلى للسادة آل طعمة. والسيد حسن وهو الجد الأعلى للسادة آل سيد أمين (جلوخان الفائزيين). كان السيد علم الدين حياً عام 957ه- إلى عام 1006ه-.
والسيد علم الدين كان من العلماء المتضلعين، وله مكانة عليّة بين سكان الحائر (كربلاء) ويحظى بمنزلة كبيرة لدى السلطات العثمانية.
في سنة 984ه- / 1576م توفي الشاه طهماسب مسموماً، تولى بعده ابنه (حيدر) وقُتل بعد بضع ساعات قبل دفن أبيه... ثم تولى بعده (إسماعيل بن طهماسب) الذي كان مسجونًا في قلعة الموت وقد بويع له في قزوين، وبعد سنة من حكمه مات مسمومًا عام 986ه-/ 1577م.
عندما إستلم الشاه إسماعيل الثاني العرش في إيران كان العراق تحت سلطة الدولة العثمانية. وجاء في كتاب دائرة المعارف الحسينية / تاريخ المراقد ما نصّه:
«وفي سنة 984ه- توفي السلطان طهماسب وتولى الحكم ابنه إسماعيل الثاني، فأوصى الملك إسماعيل الثاني والي بغداد علي باشا الوند بمتابعة تعمير وترميم الروضة الحسينية المباركة التي بدأها والده فإنتهى من بناء وإعمار المسجد والرواق وأمر بتعمير قباب الشهداء كما حثّه على المضي في تعمير القبة »(1).
وقد إعتمد الشيخ محمد صادق الكرباسي مؤلف الكتاب على مصادر وردت في هامش رقم 4 وهي: تراث كربلاء ص 42 ، وكلشن خلفاء ص208. وعند مراجعتنا
1) دائرة المعارف الحسينية، تاريخ المراقد، ج 2 ص79.
للمصادر التي إعتمد عليها الشيخ الكرباسي لم نجد ما يؤيد كلامه أعلاه في تلك المصادر وسنورد ما ذُكِر فيها نصاً وكما يلي:
1- لا يوجد ما يدل على قوله في النص الذي أورده أعلاه في كتاب (تراث كربلاء) وفي ص 42 بالذات، حيث لم يذكر مؤلف كتاب تراث كربلاء في تلك الصفحة غير (تاريخ الروضة العباسية). والذي ورد في تراث كربلاء حول نفس الموضوع كان في الصفحة 33 ما نصّه: «وبعد حلول سنة 983ه- جدد بناء القبر والي بغداد السلطان (1)على باشا الملقب بوندزادة » (2).
2- أمّا المصدر الثاني الذي أورده الشيخ الكرباسي هو كتاب (كلشن خلفا) ص 208 ، وعند مراجعتنا للكتاب المذكور وجدنا النص التالي : « وفي سنة 984 مات الشاه طهماسب مسموماً وخلفه ابنه إسماعيل مرزا الذي كان سجينًا في قلعة الموت، وفي هذه الأيام صدرت الإرادة الهمايونية بتعيين علي باشا الوند والياً على بغداد وبأمر من السلطان شيّد ضريح سيد شباب أهل الجنة وقرة عين أهل السنة الإمام الحسين رضي اللّٰه تعالى عنه وكذلك شيد المسجد والرواق والقبة وعمّر أيضاً قبور شهداء كربلا »(3).
1) أخطا المؤلف بتسمية (السلطان) والصحيح هو (الوالي) أو الوزير كما كان يطلق على الولاة، والسلطان هو الباب العالي وملك الدولة العثمانية.
2) تراث كربلاء: سلمان هادي طعمة ص 33 ، الطبعة الأولى سنة 1383ه- / 1964م، وهو من منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، كربلاء، والمطبوع في مطبعة الآداب في النجف، وقد أوردنا كل ما يخص عنوان الكتاب لغرض عدم التحريف وهو الكتاب ذاته الذي بين أيدينا. فلا ذِكْر لوصية إسماعيل الثاني ولا حثّه لوالي بغداد العثماني قد ذُكِر في كتاب تراث كربلاء ، لأنه لا سلطة عليه كون العراق يُحكم من قبل الدولة العثمانية. وما ورد في تراث كربلاء أن الأعمال جرت من قبل علي باشا الوند زادة (كما سيتم الحديث عن هذا الإختلاف في النقل لاحقاً).
3) کلشن خلفا: نظمي زادة مرتضى أفندي، ص208 ، نقله إلى العربية موسى كاظم نورس عضو جمعية المؤلفين والكتاب، وساعد المجمع العلمي العراقي على نشره. وطبع في مطبعة الآداب. علمًا بأن هذا الكتاب كتب بالغة التركية، وطبع لأول مرة في الإستانة سنة 1143ه-. ومؤلفه توفى سنة 1136ه-. واسم الكتاب كلشن خلفا ولا همزة بعد خلفا، ويعني روضة الخلفاء.
فلم يذكر مؤلف كلشن خلفا أي شيء عن مساهمة إسماعيل الثاني بن طهماسب الصفوي في تعمير مشهد الحسين، ونستغرب أن يكتب أحد عن أمرٍ وينسبه إلى مصادر هي أصلاً لم تتطرق إليه، كما ذكرنا اعلاه وللقارئ اللبيب الرجوع إلى تلك المصادر ليتأكد من صدق ما أوردناه...!!
فهل هو تعظيم وهمي للصفويين؟ أم لأغراض أخرى واللّٰه أعلم، وما هكذا تورد الإبل. وذكر مؤلف كلشن خلفا ما يلي: « وقد وردت الأخبار بأن الشاه إسماعيل مرزا تَرَكَ معتقدات الروافض (1)وإتبع معتقدات أهل السنة ومال إليهم ولكن بعض الغلات (2)قتلوه بالسم وطارت روحه إلى باريها، ولم يدم في منصبه كشاه أكثر من سنة واحدة وخلفه أخوه محمد خدابندة. وفي سنة 995 تمرض وإعتزل وصار بمكانه ابنه عباس میرزا شاهاً على إيران» (3).
ومن ذلك كله نستشف بأن إسماعيل الثاني وأخاه محمد خدابندة لم يزورا كربلاء، حيث لم يرد ذلك من قِبل المؤرخين جميعاً ولا في الكتب التي كتبت عن كربلاء وتاريخها، وفي زمانهما كان العراق تحت حكم الدولة العثمانية.
1) الروافض: الكاتب نظمي زادة يقصد بهم ،الشيعة، وهذه الكلمة نوهنا عنها في هامش سابق، حيث إن الكثير يطلقون كلمة الروافض على عموم الشيعة وهذا خطأ فاحش لجهلهم بما يعتقدون في هذا الرأي. لأن هناك فرقة واحدة من فرق الشيعة العديدة يطلق عليها هذا اللفظ وهي من الفرق الزيدية التي رفضت خلافة أبي بكر وعمر وخرجت على زيد بن الإمام زين العابدين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وليس جميع من يسير على مبدأ أهل البيت ( عَلَيْهِ السَّلامُ ) .
2) الغلات كما وردت في النص، والصحيح (الغلاة).
3) کلشن خلفا، ص209.
الوالي علي باشا الوند زاده (1)وتعمير مرقد الحسين (علية السلام)
بأمر من السلطان العثماني مراد بن سليم بن سليمان القانوني تم الإيعاز إلى والي بغداد علي باشا الوند بزيارة كربلاء وتعمير مرقد الإمام الحسين عليه السلام.
فقد جاء في كتاب كلشن خلفا النص التالي : « وفي سنة 984ه- مات الشاه طهماس مسموماً وخلفه ابنه إسماعيل مرزا الذي كان سجينًا في قلعة الموت، وفي هذه الأيام صدرت الإرادة الهمايونية بتعيين علي باشا الوند والياً على بغداد وبأمر من السلطان شيّد ضريح سيد شباب أهل الجنة وقرة عين أهل السنة الإمام الحسين رضي اللّٰه تعالى عنه وكذلك شيد المسجد والرواق والقبة وعمّر أيضاً قباب شهداء كربلا، ومن جملة أقوال بعض الشعراء في مدح السلطان والوالي قول بعضهم: بحمد اللّٰه كه إلهي نخونده خدمة شاه شهیدان شه کشورستان خاقان اعظم مراد بن سليم بن سليمان بنا کرد ابن مكان عرش أساکه تاکرده ملك روي ثناخوان بسعي كامل والي بغداد علي باشا ابن الوند زیشان ضعیف سال تاریخش رقمز دازان مرقد يکي ميکرد نقصان که ناکه هاتف غيب أين نداداد كه أي مانده زکَار خویش خیران بنه شمعي بران مرقد كه بأبي مراد از مرقد ياك شهيدان سنة 991 تاريخ جامع ثاني كعب مسجد جابر سنة 984 وتاريخ منارة أنکَشت يار سنة 982»(2).
1) الوالي الوند زاده علي باشا نشأ في سلك الأمراء وولى بغداد سنة 982ه-/1572م أثر جلوس مراد الثالث على عرش الدولة العثمانية، وإنفصل عن بغداد سنة 995ه- /1587م ، ثم ولّي إدارة نجد والإحساء، وفي سنة 1001ه- /1593م إنفصل من هناك وسكن مدينة حلب، وفي ربيع الآخر سنة 1007 ه- / 1599م ولي بغداد أيضًا، وبعد شهرين أي في جمادي الثانية توفى ونقل نعشه إلى حلب وكان شيخًا قد بلغ الثمانين من العمر. وهو غير الوالي علي باشا الدرويش الذي ولى بغداد سنة 982 ه- ولم يكمل السنة فيها ومات ودفن في بغداد. فقط كان هناك تشابه في الأسماء.
2) کلشن خلفا: نظمي زادة ص 208 وص 209 ، وقد أوردنا قسماً مما ذكره عن أقوال ومدح باللغة التركية، ولاحاجة لإكماله وإنما تم إيراد جزء منه للتاكيد على ما جاء بالمصدر الذي أثبتناه اعلاه.
هذا الوالي تم الإختلاف عن سنة تولّيه بغداد، ففي كلشن خلفا ذكر إنه تولى بغداد سنة 984ه- وينسب للوالي تعمير منارة العبد سنة 982ه- ، وغيره من المصادر قد ذكرت ذلك أيضا.
جاء في تاريخ العراق بين إحتلالين ما يلي: «... والمستفاد من كلشن خلفا إنه أورده في حوادث سنة 984ه-. ولكنه نسب إليه من الحوادث ما جرى سنة 982ه-. وقال صاحب كلشن أنه أثر وروده وبأمر من السلطان مراد الثالث عمّر جامع الحسين رضي اللّٰه عنه سنة 984ه- ومرقده المبارك سنة 991ه- ومنارته سنة 982ه-... وهذه المنارة وتعرف بمنارة العبد . . .» (1)
وجاء في كتاب أربعة قرون من تاريخ العراق للونكريك ما نصّه: «... فمن المحتمل أن الذي خلف درويش علي، موطد النظام في البصرة سنة 1567م (975ه-)، كان مراد باشا الذي عيّنه سليم الثاني من قبل.
وقد كان راولف قد شهد الباشا في 1575م (983ه-)، ولم يذكر اسمه، وهو الوندزادة علي باشا. فأصابت العتبات المقدسة لكلا الطائفتين أعماله الخيرية. فإنه جدد بناء قبة الحسين العظيمة في كربلا وصحن عبد القادر الكَيلاني في بغداد »(2).
وقد أخطأ مؤلف مدينة الحسين في ذكر التاريخ الذي ذكر فيه أعمال الوالي علي باشا الوندزادة، حيث قال عن كلشن خلفا أنه « في عام 931ه- أمر السلطان العثماني مراد بن سليم بن سليمان الشهير ب- (مراد الثالث) علي باشا الوند زادة بتعمير قبة الحسين عليه السلام وتبييض خارجها بالجص وترميم جامع الروضة المطهرة ))(3).
ففي سنة 931 ه- لم يكن العثمانيون قد دخلوا العراق بعد، وإنما كان تحت السيطرة الصفوية الأولى، كما أننا ذكرنا النص الوارد في كلشن خلفا الذي ذكر سنة التعمير من قبل علي باشا الوندزادة هي سنة 984ه- وليس 931ه- !
منذ منتصف القرن العاشر الهجري تم نقل جثامين ورفات بعض المشاهير من الملوك والأمراء خاصة إلى كربلاء لتدفن في ثراها، طلبًا للشفاعة بإعتبار إن أرض كربلاء لها جانب كبير من القدسية لأنها تضم بين حناياها جثامين سيد الشهداء الإمام الحسين وإخوته وأولاده وأبناء عمّه وأصحابه عليهم السلام جميعاً، الذين سقطوا شهداء في واقعة الطف بكربلاء.
ومن المشاهير الذين وردت جثامينهم أو نقل رفاتهم إلى كربلاء لتدفن فيها هم:
1- في سنة 957ه- / 1550م ورد جثمان (طاهر شاه الأنجداني)، نسبة إلى أنجدان من أعمال (قم). كان كبير الإسماعيلية وقد هرب إلى الهند وسكن مقاطعة (الدكن) أو ما تسمى ب- (أحمد دنكر)، وبقي بحماية السلطان (نظام شاه). وكان قد توفي سنة 956ه- وقد أوصى بأن يدفن في حضرة الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وأرسل مع الجثمان هدايا وسيوف للروضة الحسينية.
2- في سنة 966ه- / 1559م تم نقل رفات سلطان الدكن (برهان الأول بن أحمد النظامشاهي) وهو ثاني ملوكهم، ونقل معه رفات والده السلطان أحمد إلى كربلاء ودفنا في الروضة الحسينية. ويقول مؤلف مدينة الحسين في س3 ص 29 وص30 بأنه توفي سنة 961 ه- فدفن بجنب والده في الهند، ثم نقل رفاتهما مع رفات الملك نظام شاه بن حسين المعروف ب- (ديرا) في عام 966ه- إلى كربلاء ودفنوا في الروضة الحسينية.
3-في سنة 988 ه-/ 1580 م ، تم نقل جثمان السلطان ميران النظامشاهي وهو ميران بن حسين بن برهان الأول بن أحمد الأول ابن نظام شاه إلى كربلاء ودفن في الروضة الحسينية.
4 - في سنة 997ه- / 1589م ، تم نقل رفات الأمير الصفوي حمزة ابن السلطان خدابندة إلى كربلاء ليدفن في الروضة الحسينية. والأمير حمزة هذا هو شقيق الشاه عباس الصفوي الكبير وقد مات مقتولاً على يد أحد غلمانه. ويقول مؤلف کتاب مدينة الحسين عن مجموعة المرحوم السيد عبد الحسين الكليدار الخطية، بأن الجثمان نقله (محراب باب) من دار الإرشاد في أردبيل إلى كربلاء ودفن في الحائر الحسيني.
ونعتقد بأن عملية نقل جثامين الموتى أو رفاتهم إلى كربلاء قد إزدادت بعد الإحتلال الصفوي لبغداد سنة 914ه-.
جاء في كتاب تكملة أمل الآمل للسيد حسن الصدر عند ترجمة العلامة الشيخ نور الدين علي بن شهاب الدين أحمد بن أبي جامع العاملي الذي كان علماً فاضلاً جليلاً بأنه هاجر من بلدته جبع وقيل من عيناثة وهما بلدتان في جبل عامل بلبنان مع أولاده وعياله إلى كربلاء وأقام بها . وإنَّ رجلاً جليلاً من كربلاء بنى الجامع تجاه الضريح المقدس، وعمّر الحرم الحسيني، وأوصى هذا الرجل الذي لم يُذكر اسمه للشيخ علي المذكور ولعالم آخر هو السيد محمد بن أبي الحسن العاملي في أمواله ثم توفي ذلك الرجل. وللقارئ الكريم نص ما ورد في تكملة أمل الآمل عن الشيخ جواد الدين محیي الدین أحد أحفاد الشيخ علي بن أحمد العاملي في رسالة يقول فيها: «... وسبب إنتقال الشيخ علي المزبور على ما رأيت بخط الفاضل الشيخ علي بن الشيخ رضي
الدين بن الشيخ علي المزبور، هو أنه لّما جرى ما جرى في تلك البلاد من القضاء المحتوم على المبرور المرحوم الشهيد الثاني (ره) (1)، تضعضعت البلاد، واضطرب أهلها، وشملهم الخوف والتقيّة، خرج الشيخ علي المزبور ولكن لم أدرِ من أي قرية من تلك القرى، فقيل : من جبع ، وقيل من عيناثة، وقد خرج مع أولاده وعياله خائفاً يترقّب حتى وصل كربلاء، فأقام بها.
وكان عالما فاضلاً، فقيها محدثًا، تقيّاً نقياً صالحًا ، ذا ثروة ونعمة جزيلة غير محتاج إلى أهلها، وسكن بها مدّة.
وكان السيد محمد بن أبي الحسن العاملي أيضاً قد جاء من البلاد وسكن كربلاء، وكان بكربلاء رجل جليل، وهو الذي بنى الجامع تجاه الضريح المقدّس، وعمّر الحرم الحسيني، فأوصى الرجل المذكور للشيخ علي، والسيد محمد، في أمواله وتوفّي.
فشاع هذا حتى وصل إلى السلطان العثماني، فأرسل بإحضار الوصيّين، فجاء المأمور بالإحضار إلى كربلاء وأخذ السيد محمد، ولم يكن الشيخ علي حاضراً، بل كان في النجف، فقيّد السيّد وتوجه إلى النجف للقبض على الشيخ علي. وكان المرحوم السيد حسين كمونة (2)والياً على النجف، فاحتال على المأمور حتى خلّص السيد من يده، وتوجّه السيد هاربًا إلى مكة والشيخ علي هرب إلى بلاد العجم، فما وصل إلى الدورق (3)والحاكم بها السيد مطلب ولد السيد مبارك، ألزم الشيخ بالإقامة عنده.
1) هو الشيخ زين الدين بن علي بن أحمد العاملي المعروف بالشهيد الثاني، وقتله حاكم الشام (رستم باشا) سنة 965ه-. وعندما قتل ظلماً خاف الكثير من علماء الشيعة وقتها من جور الحاكم والدولة العثمانية، فهاجر الكثير من علماء جبل عامل إلى خارج لبنان.
2) هو السيد حسين بن السيد محمد كمونة، كان والده السيد محمد كمونة حاكماً على كربلاء والحلة والنجف، بأمر من الشاه إسماعيل الصفوي. تولى السيد حسين حاكية النجف فقط بعد وفاة والده.
3) دورق: مدينة في الأحواز ، نسب إليها الكثير من الرواة والمحدّثين.
ثم انتقل السيد مطلب مع الشيخ إلى الحويزة وسكناها ، حتى مات الشيخ علي بها سنة 1005ه- ، ونُقل إلى النجف، وهو أوّل من نقل من الحويزة إلى النجف... »(1).
من ذلك يتبيّن أن أحد أثرياء كربلاء قام بأعمال تعمير في الروضة الحسينية المقدسة، علماً بأن الجامع الموجود في حرم الحسين كان موجودًا حينه ولابد المعني بالجامع هو ترميم جامع الرأس بين قبر حبيب بن مظاهر و (الكشك خانة) المؤدية إلى الجامع الحالي. أما تعمير الحرم الحسيني فلم يتعيّن ذلك من المقال فهو شامل، وربما أن يكون قد قام هذا الرجل الذي لم نعرف اسمه ببعض الترميمات التي كان يحتاجها بناء الحرم الشريف وهذا كثيرًا ما يحدث مع ذلك كلّه فهو يُجزى على عمله رحمه اللّٰه وأجزل له الثواب. أمّا تاريخ البناء فقد يكون في الثلث الأخير من القرن العاشر الهجري، وهي الفترة التي كان يتواجد فيها الشيخ علي بن أحمد العاملي في كربلاء قبل أن يطلبه السلطان العثماني كما ورد في تكملة أمل الآمل وهروبه إلى الدورق. ومن ثَمَّ وفاته في الحويزة سنة 005 10ه- / 1596م.
زار كربلاء في أواخر القرن العاشر الهجري/ القرن السادس عشر الميلادي القاضي نور اللّٰه الشوشتري (التستري كما ورد في بعض المصادر)، وقد وصف مدينة كربلاء بشكل يسير، وكانت رحلته بعد وفاة الشاعر فضولي، حيث إستشهد الشوشتري بشواهد شعرية منها رباعية الشاعر فضولي البغدادي.
والشوشتري هو: نور اللّٰه بن عبد اللّٰه المرعشي الحسيني المولود ب- (شوشتر) في إيران سنة 956ه- / 1549م والمتوفى سنة 1019ه- / 1610م. رحل من إيران إلى الهند وتولى القضاء فيها وكان إمامي المذهب ولكنه يحكم على المذاهب الأربعة. له عدة
1) تكملة أمل الآمل : للعلامة السيد حسن الصدر تحقيق د. حسين علي محفوظ وعبد الكريم الدباغ وعدنان الدباغ. ج 1 ص 246 - ص 247 . دار المؤرخ العربي، بيروت.
مؤلفات منها مجالس المؤمنين، تذهيب الأحكام، الحسن والقبيح. ويقال بأنه أغتيل بسبب تأليفه كتاب (إحقاق الحق).
جاء في كتاب بغية النبلاء في تاريخ كربلاء عن هذه الزيارة ما نصّه: « وقد أكثر المتأخرون من وصفها (أي مدينة كربلاء) والإشادة بها. فكان ممن وصفها القاضي نور اللّٰه الشوشتري - القرن العاشر - وصفاً يسيرًا في مجالسه (ص25) بقوله:... والحال أن مشهد كربلاء من أعظم الأمصار ومجمع أخيار كل الديار، والماء العذب يجري في غدرانها. والبساتين الغنّاء تحيطها. وقد قيل في فضيلة تربة كربلاء وثواب زيارة المرقد المنوّر الحسيني روايات كثيرة ومعظمها صيغة (1)بصورة شعرية» (2).
توفي النقيب السيد إسماعيل بن سلطان كمال سنة 997ه- ولم يُعقّب من الذكور، فتولى النقابة بعده أخوه السيد سليمان بن سلطان كمال الدين النقابة، وهو والد النقيب السيد محمد درّاج الذي سيتم ذكره لاحقاً.
ذکر توليته نقابة الحائر مؤلف موارد الإتحاف بدون أن يذكر المصدر (3). وإذا صح ذلك فإن توليته النقابة لم تتعدى السنة الواحدة، لأن أخاه النقيب إسماعيل توفي سنة 997ه-، والثابت في المصادر أن السيد يحيى شرف الدين الفائزي تولى النقابة سنة 998ه-. وقد ذكره ضامن بن شقم في تحفة الأزهار وذكر عقبه ولكنه لم يذكر تولّيه النقابة.
بعد وفاة النقيب السيد سليمان بن سلطان كمال الدين من آل زحيك، شغر منصب نقيب الحائر فقد أصدر البلاط العثماني أمرًا بتولية النقابة إلى السادة آل فائز ثانية، فقد تسلمها على التوالي كل من:
1 - السيد يحيى بن شرف الدين (نقيب الأشراف) بن طعمة كمال الدين (نقيب الأشراف) بن أبي جعفر أحمد بن ضياء الدين يحيى بن أبي جعفر محمد (سادن الحسين) بن السيد أبي الفائز محمد (نقيب أشراف الحائر). وذلك سنة 998ه- / (1590م) ، وإستمر في توليّها لحين وفاته سنة 1010ه-. وجاء في موارد الإتحاف أنه تولاها سنة 899ه- (1)، وهذا التاريخ بعيد عن الصحة لأن السيد يحيى بن شرف الدين كان حيّاً في كربلاء سنة 943ه- - 1010ه- ، حسب وثائق ومشجرات آل فائز.
2- السيد ضياء الدين بن يحيى بن شرف الدين بن طعمة الأول كمال الدين. وهو الجد الأعلى للسادة آل ضياء الدين ( ضوي) الفائزيين في كربلاء. وقد تسلم نقابة الحائر (2)بعد وفاة والده سنة 1010 ه- حتى وفاته نهاية سنة 1031ه- / (1622م)، وكان الشاه عباس الصفوي محاصرًا لبغداد وقبل أن يحتلها بثلاثة أشهر.
إنحسار مجرى نهر (الحسينية) وسنان باشا (1)يأمر بكْريِه
نهر السليمانية (الحسينية الحالي) كان قد أمر بحفره السلطان سليمان القانوني، وكان معجزة وقته وذلك لنجاح إيصال الماء إلى مدينة كربلاء التي كانت عطشى لإندثار الأنهار التي كانت تصل إليها.
وبعد ما يزيد قليلاً عن نصف قرن من الزمان بعد حفره، أصابه الشلل وقلّت المياه التي تجري فيه حاله حال بقية الأنهار وأفرع الفرات لعدم الإهتمام بها أو كريها لإرتفاع الطمى فيها، مما يؤدي إلى صعوبة جريان الماء فيها.
كان نهر السليمانية (الحسينية) قد أصابته نفس الغائلة، مما دعا بالوالي سنان باشا المعروف بجغان زادة أو جغالزادة أن يأمر بكريه كما بقية الأنهار، ولكنه أعطى الأولوية لمدن العتبات المقدسة.
وعن أيام الوالي سنان باشا جاء في كتاب أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث مانصّه: «وصادف في أيامه أن قلَّ الماء في عتبات الفرات الشيعية وتركها الزوار من أجل ذلك، لأن الجدول الخيري الذي حفره من تقدمه من الولاة قد طمرته كثرة التفن (2)فيه فإستحال من أجل ذلك جريان الماء فيه. فحاول جيغالزادة إحياء الأنهر
1) جاء في كتاب سجل عثماني ونقله مؤلف تاريخ العراق بين إحتلالين عن سنان باشا ما يلي، جغالة زادة سنان يوسف باشا وهو اسم ولقب جمع بينهما وقال: هو من بوسنه وابن قبطان الفرنك جغاله. أخذ والده في عصر السلطان سليمان وتربى فى البلاط ونال مناصب عديدة منها ولاية بغداد، وقبطانية البحر وآخر ما عهد إليه سردارية العجم. تولى ولاية بغداد مرتين كانت الأولى سنة 995ه-/1586م إلى سنة 998ه- / 1589م. والثانية من سنة 999ه- / 1590م إلى سنة 1000ه- / 1591م، حيث ولي البصرة وعزل منها بعد سنة واحدة. توفى في شهر رجب سنة 1014ه- / 1605م. وكانت له أعمال مهمة في أيام ولايته على بغداد منها إنشاءه الخان الشهير الذي سمي باسمه (خان جغان).
2) يقول المرحوم جعفر الخياط، التفن: هو الطين الذي يبقى في الجدول والمسيل والنهر ثم يجف فيتشقق حتى ييبس فيصير صلصالاً .
وإرجاع الماء والزوار إلى هذه العتبات »(1). والمقصود بهذا الجدول هو نهر الحسينية الحالي، حيث تم كرْيَهُ سنة 999ه- / 1590م في أيام الولاية الثانية للوالي سنان باشا جغاله زادة أو (جغان زادة). فعاد لمدينة كربلاء رواءها وتغلبت على العطش بساتينها ومزارعها وأهلوها والزائرون.
في كتاب تاريخ العراق بين إحتلالين ورد ما يخص الشاعر والمؤرخ والكاتب المشهور ( عهدي البغدادي) الذي عُرف برحلته العلمية إلى إسطنبول (كلشن شعرا) المسماة (تذكرة أرباب الصفا). فقد جعل كتابه على شكل روضات أربع، وفي هذه الروضات ذكر قائمة بأسماء من ذكرهم مع بيان نتف يسيرة عنهم. ومن هؤلاء كتب عن محيطي.
يقول العزاوي في تاريخه عن محيطي ما نصّه : « محيطي... من القضاة ولد في جزيرة رودس (2). ودرس العلوم عن بوستان زادة محمد جلبي من الموالي العظام، تولى النيابة في الشام وأدرنة والإستانة أمدًا طويلا. وقد تقلب في مناصب شرعية حتى صار قاضي الفيلق. وله وقوف على العلوم العربية وشعر لطيف. وعُيّن ابنه أحمد أفندي دفتريًا لبغداد سنة 996ه- .
1) أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث : لونكريك ، ص 51، ط6 سنة 1985م.
2) رودس جزيرة تقع في اليونان وبالقرب من الساحل الجنوبي لتركيا في منتصف المسافة بين جزر اليونان وقبرص. وتعرف الجزيرة تاريخيًا بكونها موقع تواجد (أبولورودس) سابقاً، وهو من عجائب الدنيا السبع. كان يوجد في الجزيرة عام 280 ق. م تمثال كبير من البرونز يبلغ ارتفاعه حوالي 50م، وهو عبارة عن فارس يحمل مشعلاً باليد اليسرى وقوس ونشّاب في اليد الأخرى، ماداً قدميه لتمر السفن البحرية بين قاعدته. وقد دمّر التمثال عام 65 للميلاد نتيجة زللزال حدث في المنطقة. ويقال إن أهل مدينة رودس كانوا يضعون النار في عيون التمثال لتهتدي السفن في البحر. وجزيرة رودس اليوم من الجزر السياحية الجميلة في اليونان.
ذهب لزيارة مشهد الحسين (رض) ونظم قصيدة في الغزل قدّمها للحضرة. شعره في الغزل معروف. ومقطعاته جميلة رقيقه، وله (فتح نامه) تتضمن وصف الحروب في الجبهة الشرقية. فكان ممن توطن بغداد». (1)
ولم يعرف تاريخ زيارته هذه (2)، ونعتقد إنها كانت في الربع الأخير من القرن العاشر الهجري. وإن قصيدته الغزليه التي قدّمها للروضة الحسينية كانت في الغزل العرفاني، كما المتصوفة في أشعارهم.
الزائرون عندما يفدون لزيارة كربلاء ومراقدها المقدسة ينزلون في الخانات المعدة لإيوائهم في زمن لم تكن فيه محلات إيواء على منوال الفنادق الحالية قد أوجدت بعد، فالخانات هي التي تأخذ هذه المهمة.
الخانات في كربلاء على نوعين في ذلك الوقت، منها ما يدفع لأصحابها ومتسلميها مبالغ نقدية لقاء المبيت فيها والسكن للفترة التي يرغب الزائر بها، والنوع الآخر كان خانات عامة لإيواء الزائرين بدون أن يدفع لقاء الإقامة فيها أي مبلغ، ويبنى هذا النوع من قبل الدولة حينها باسم الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلامُ)، أو يتبرع ببنائها المحسنون من الأثرياء ويجعلونها وقفاً للحسين ليستفيد منها زواره، وهم يكسبون ثواب الدنيا والاخرة، وهذه الخانات كانت في مركز المدينة القديمة وقريبة من المرقدين.
1) تاريخ العراق بين إحتلالين: عباس العزاوي، ج 4 ص 137.
2) جاء في دائرة المعارف الحسينية: تاريخ المراقد ، ج 2 ص 80 بأن زيارة محيطي إلى كربلاء كانت في سنة 996ه-، وهذا غير صحيح بتاتاً، بل إن في هذا التاريخ تشير المصادر إلى تعيين ابنه أحمد دفترياً في بغداد. كما أنه أشار إلى مصدرين في هامش رقم (6) من نفس الصفحة، وعند مراجعتنا إلى المصدرين المذكورين في هامشه لم نجد فيهما ما يشير على الإطلاق ،لمحيطي، وهذه من الهفوات الكثيرة الموجودة في كتابه المنوّه عنه.
وكان في أغلب الأحوال توفر الطعام المجاني للزائرين يقوم به الناس للحصول على المثوبة وهذه عادة قديمة جدًا لدى الكربلائيين، ودليلنا على ما نذكره في هذا الصدد هو قول الرحالة ابن بطوطة الطنجي الذي زار كربلاء سنة 726ه-، وفيما قال عن رحلته .... وفيها الطعام للشارد والوارد...
في ذلك الوقت كانت الخانات محل إيواء الوافدين لزيارة قبر الحسين وكذلك التجار الذين يعقدون صفقات تجارتهم في المدينة التي يدب دائماً فيها النشاط التجاري. وغالبًا ما كانت الخانات تحوي على أماكن إيواء الحيوانات التي يركبها الزائرون أو التي تتبع لقوافلهم، مثل الخيل والجمال والبغال، وإذا كانت أعدادها كبيرة فتربط في مرابط خاصة قرب أبواب المدينة وفي خارج السور ويتم وضع كافة المستلزمات لها. وإذا تركنا الحديث عن الخانات هذه بشكليها فنجد أشكالاً أخرى للإيواء منها أن مدينة كربلاء كانت تحتوي على الكثير من الدواوين التابعة لقبائلها وعشائرها العربية من العلويين وغير العلويين من سكان المدينة الأصليين، وكانت هذه الدواوين والمضافات مهيئة أيضاً لاستقبال الزائرين والوافدين على طريقة الكرم العربي التي كان يشتهر بها أهل المدينة القدماء ويفتخرون بذلك. وكانت هناك حالة أخرى لدى الفقراء والبسطاء من أهل المدينة الذين يعتاشون من خلال إستضافة الزائرين في منازلهم لقاء هدايا أو مبالغ رمزية، وتكثر هذه الحالة في أيام الزيارات المخصوصة لمرقد الحسين حيث يدخل المدينة الآلاف من الزائرين. أما من يزور المدينة من طلبة العلم أو رجال الدين فكانت المدارس الدينية المنتشرة في كربلاء هي المأوى المفضل لديهم.
في العقد الأول من القرن الحادي عشر الهجري وفي السنة الأولى من القرن السابع عشر الميلادي وتحديدًا سنة 1010 ه-/ 1601م، نزحت قبيلة المسعود من شبه الجزيرة العربية وكانت مرابعها في (تهامة ونجد) وفي أراضٍ يقال لها (السروات) وكانت في هذه المنطقة مساكن غزيّة العدنانية منذ القدم.
كان سبب نزوح قبيلة المسعود من مرابعها في شبه الجزيرة وقدومها إلى العراق بسبب خلاف(1)بين المسعود الذي كان يرأسهم الشيخ (عطيش بن شبرم بن شباب) وبين الشريف حسن بن أبي نمّي محمد بن الشريف بركات بن عجلان المنتهي نسبه إلى الإمام الحسن المجتبى بن الإمام علي بن أبي طالب عليهما السلام (2)، وهو أحد أجداد الشريف حسين بن علي قائد الثورة العربية في الحجاز.
نزلت قبيلة المسعود شمال شرق كربلاء وعلى نهر الحسينية وإمتد تواجدهم إلى القرب من المسيّب الواقعة على نهر الفرات. وقد كان يتواجد في المنطقة التي نزلوا فيها آل قشعم وهم من رؤساء غزيّة، وإختيار المسعود هذه المنطقة ليكونوا بقرب أولاد عمومتهم من آل حُميد وآل رُفيع وآل دعيج وساعدة، وكل هؤلاء كانوا يسكنون المنطقة قبل نزوح المسعود إليها ورغم نزوح المسعود من مناطقهم الأصلية في شبه الجزيرة العربية وقدومهم إلى العراق ليستقروا فيه بعد خلافهم مع الأمير (الشريف حسن) إلّا أن الأخير أعدّ جيشاً من أعراب البادية وجاء على رأسه ليقاتل المسعود في منطقتهم الجديدة التي نزلوا فيها، وحدثت معركة حامية بين الطرفين سقط فيها الكثير من القتلى والجرحى، وكان من بين القتلى (الشريف حسن) الذي قتله الشيخ (عطيش بن شبرم) شیخ
المسعود، والذي قُتِل هو أيضاً في المعركة ودُفن في الأرض التي دارت بها الأحداث والتي سمّيت فيما بعد ب- (العطيشي) على اسمه، والتي أصبحت قرية ثم بلدة صغيرة وهي الآن مركز ناحية الحسينية التابعة لمركز قضاء كربلاء. وهذه المنطقة هي ملاصقة لأنقاض قرية (باروسما) (1)القديمة.
عاشت مدينة كربلاء أحداثًا غاية في الأهمية في سنة 1013ه-/ 1604م، وقد إختلفت الروايات عنها وعن اسبابها. ففي هذه السنة كانت كربلاء من ضمن العراق تخضع للحكم العثماني الأول الذي إبتدأ بإحتلال السلطان سليمان القانوني بغداد عام 941ه- . ورغم ان العثمانيين هم الحكام وكانت لهم في كربلاء حامية عسكرية تضم عددًا كبيرًا من الضباط الانكشاريين ومن الجنود (السكمانية) (2)، إلّا أن السلطة الفعلية في كربلاء كانت بيد إمارة آل مهنا وبعلم ودراية العثمانيين الذين كانوا يتعاونون من أمير هذه الإمارة والتي سوف نتحدث عنها عن قريب.
كانت هذه الإمارة تسيطر على البادية و على مدن الفرات في وقت كانت الحكومة العثمانية في العراق عاجزة عن وضع حدٍّ لسيطرة الإمارات العربية والمشيخات القبلية التي كان لها السيطرة من جنوب بغداد وحتى البصرة، وطالما شنت الحكومة معارك ضدها ولكنها سرعان ما تفقد السيطرة على مناطق نفوذ القبائل والإمارات العربية.
كان مركز حكم إمارة آل مهنا حتى قبل سنة 1013ه- ليس داخل مدينة كربلاء بل في أطرافها من جهة البادية أو من مناطق الفرات الزراعية الخصبة.
كان جنود وضباط الحامية العثمانية قد بلغ بهم الأمر إلى التمادي في الضغط على الأهالي والتدخل في شؤونهم وكثيرًا ما يتجاوزون على سكان المدينة بدون واعز من
ضمير فينهبون الأموال ويعتدون على الناس، حتى ضاقت المدينة بهم ذرعاً وقرر الأهالي التخلص منهم بشتى الوسائل.
ذُكرت حوادث هذه السنة في عدة مصادر، سنقوم بتدوينها ومن ثَمَّ مناقشتها لأن فيها شيئًا من الإلتباس في التدوين التاريخي يتطلب البحث والتحقيق والدراسة لنصل إلى حقيقة الأمر.
والي بغداد في تلك السنة (يوسف باشا) وهو خصي شركسي تم تعيينه في تلك السنة، ويقول ستيفن همسلي لونكريك:
« وفي خريف 1604م وصل إلى العراق موكب حكومي مؤلف من خمسة عشر (قبوجيًا) ومعه الخلعة والفرمان، والسيف والسلسلة الذهبية الدالة على تعيين خصي جر كسي يدعى يوسف باشا.
وفي عهده حدث هياج مهم في كربلا قتلت فيه الحامية التركية ونهب أموالها الأهلون (1).
جاء في كتاب مدينة الحسين عنوان حوادث عام (1013ه-) وتحته النص التالي:
« حدث في هذا العام إضطراب عظيم بين أهالي كربلاء وحامية الأتراك على عهد الوزير العثماني المعروف ب- (الخصي جركس) يوسف باشا – فنهب الكربلائيون الحامية وطردوهم من كربلاء »(2).
وفي زيارة الرحالة (تكسيرا ) إلى كربلاء في نفس السنة التي نحن بصددها، فقد ذكر مقتطفات من مشاهداته التي تدل على وقوع حادثة ما قبل مجيئه إلى كربلاء بفترة
1) أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث: لونكريك، ص 52.عن كتاب رحلة تكسيرا ص53.
2) مدينة الحسين: السلسلة الثالثة ص 55 ، وقد أشار في نصه هذا بأنه مأخوذ من كتاب تاريخ العراق بين إحتلالين، المجلد/ 4 - العزاوي. ولم يذكر فيه الصفحة. وعندما راجعنا المصدر لم نجد العزاوي قد أشار إلى الحادثة ضمن حوادث تلك السنة ، كما لم نجد أي إشارة إليها في المجلد (الجزء) الرابع من تاريخ العراق بين إحتلالين، وكثيراً ما كان يقع المرحوم مؤلف مدينة الحسين بمثل هذه الأخطاء التي تربك الباحثين والمتلقين معاً. رغم إننا سوف نؤكد حصول ووقوع الحادثة.
وجيزة، حيث ذكر بأنه شاهد بنفسه ما خلفته الأحداث التي وقعت في كربلاء والتي سوف نذكرها في رحلته لاحقاً.
وعلى ذلك كله ومن خلال دراستنا لإمارة آل مهنا وأميرها ناصر بن مهنا آل قشعم فيمكننا أن نثبت الآتي:
كانت الحامية التركية وافرادها قد تمادوا في إيذاء أهالي مدينة كربلاء، وقد سئم الكربلائيون من سيطرة الأغراب عليهم من صفويين وعثمانيين، من خلال حامياتهم التي كانوا ينشئونها في المدينة متى ما سيطر أحدهم على العراق.
وكانت الحامية التركية أشد أذىً من التي قبلها، والسيطرة العثمانية الأولى فاقت في عدد السنوات التي حكمت فيها من سنوات الإيرانيين الصفويين، فقد تاقت أنفسهم إلى من يحكمهم من بني جلدتهم من العرب العراقيين، فهم يفضلونهم على الأغراب والمحتلين الأجانب، فقد هيأ الأهالي أمرهم وإتصلوا بالأمير ناصر بن مهنا آل قشعم ليتخلصوا من الأتراك، فقد هبّوا بمساعدة قوات الأمير ناصر الذي حاصر المدينة ودخلها بترحيب من الأهالي الذين إنتفضوا على الأتراك وتمكنوا من القضاء على الحامية التركية. ومنذ هذا التاريخ إتخذ الأمير ناصر بن مهنا آل قشعم مدينة كربلاء لتصبح (ديرته) ومركز حكمه التي يدير منها إمارته كما تذكر المصادر التاريخية.
وإستمر حكمه فيها أربعين سنة، رغم انه أعطى الولاء للشاه عباس الصفوي عندما إحتل بغداد، ولكنه وبعد فترة وجيزة طرد حامية الصفوين وعاد ليتعاون مع العثمانيين ضد الشاه الصفوي، وهذا ما تبين لنا من محاولات العثمانيين لثلاث مرات لاسترداد بغداد من الصفويين إلى أن تم لهم ذلك بقيادة السلطان مراد الرابع سنة 1048ه- / 1638م.
نشأت إمارات عربية في الفرات الأوسط وجنوب العراق، وقد تمكنت من فرض سيطرتها على المدن والقصبات في تلك المناطق رغم ان العراق كان تحت الإحتلال من قبل دول متعددة وأسر أجنبية إيرانية وتركمانية ومغولية تمكنت من السيطرة عليه.
وكان لهذه الإمارات العربية شأن كبير وأدوار لعبتها مرة بالتعاون مع الحكومات المحتلة للعراق، وفي احيان كانت تختلف معها، وحصلت معارك وحروب نتيجة عصيانها عن الدول الحاكمة.
وكثيرًا ما كانت مدينة كربلاء تخضع لحكم هذه الإمارات، بل وتتأثر بالأحداث التي كانت تجري وقتئذٍ، وأقرب مثال هو الإمارة المزيدية في الحلة والتي كانت كربلاء وضواحيها تابعة لها لسنوات طوال.
وفي القرن العاشر الهجري كانت تخوم البادية الغربية للعراق تسيطر عليها إمارتان عربيتان. الأولى تمتد مناطق نفوذها من جنوب العراق إلى الفلوجة، وهي إمارة آل مهنا من قبيلة قشعم . وضَمّت إلى مناطق نفوذها المدن المحاذية للبادية. وكان أميرها هو (ناصر بن مهنا) الذي كان يسمى ب- (شيخ العراقين) بإعتبار ان البصرة والكوفة كانتا تحت سيطرته وحكمه.
والإمارة الثانية وهي إمارة (أبو ريشة) والتي كانت شمال إمارة آل مهنا وتمتد من (هيت) إلى مناطق العشائر السورية وتصل سيطرتها إلى تخوم (حلب)، وكان أميرها حينذاك هو (مطلق أبو ريشة) الذي كان يلقب ب- ( ملك العرب) وقتها، كما كان يطلق في بعض الأحيان لقب (الملك العربي) على الأمير ناصر بن مهنا.
وقد لعبت هاتان الإمارتان أدوارًا مهمة في تاريخ العراق، وعلاقاتهما مع الأتراك والإيرانيين كانت تتبع الظروف المحيطة بهما في ذلك الزمان. وعليه كان يلقب الأمراء ب- (ملوك العرب) في العراق.
وفي سنة 1013ه- / 1604م دخل الأمير ناصر بن مهنا إلى كربلاء وسيطر عليها وأخضعها تحت سلطته بعد أن طرد الحامية العثمانية فيها، وإتخذها مركزاً لحكم إمارته وأصبحت (ديرته) أي منطقة سكنه التي يدير منها إمارته، لوقوعها على تخوم الصحراء أولاً، ولقربها من مناطق الفرات الأوسط التي كان يسيطر على مدنه أيضاً، وقد ساعده سكان مدينة كربلاء على دخولها حيث إنتفضوا على الحامية العثمانية فيها، ورحبوا به كونه أمير عربي وقد فضلوه على الأتراك الذين كانوا يحكمون العراق وقتها، وكذلك على الإيرانيين الذين حكموا قبل العثمانيين في إحتلالهم الأول. ولأن الطابع العشائري العربي الذي كان يسود مدينة كربلاء حينذاك هو الذي جعلهم يقفون هذا الموقف.
جاء في كتاب العراق في العهد العثماني ما يلي: «كانت البادية تخضع لحكم هذين الأميرين، وكانت قواتهما لا تخرج عن حلفين بدويين، وقد كان ناصر المهنا (ملك) القسم الجنوبي الممتد من النجف إلى الفلوجة، وكانت كربلاء مركز (ديرته). وقد إعترف ناصر بولائه للسلطان العثماني، غير أن أتوقراطيته في البادية، وجمعه للخاوة، والشدائد التي كان يصادفها المسافرون المارون بديرته، كانت تجعل منه خصمًا للحكم العثماني. وعند سقوط بغداد في أيدي الفرس سنة 1623م(1)، سارع في تقديم الولاء لهم وعدهم منقذين، على أنه حاول بعد سنتين طردهم من ديرته كربلاء.
أمّا أبو ريشة، والذي كان يعد (ملك بلاد العرب)، فإن سطوته كانت إلى شمال منطقة ناصر المهنا وغربها ، وكانت ( عانة) قاعدة حكمه، كما كانت ديرته ممتدة من هيت إلى بيره جك وأطراف من العشائر السورية، مما جعل اسمه مخيفاً لباشوات ديار بكر وبغداد وحلب. وقد إعترف العثمانيون بإمارته في (عانة) غير أنه قام عند إحتلال
1) - يقصد به الإحتلال الصفوي الثاني لبغداد عند دخول الشاه عباس الأول الكبير سنة 1033ه- / 1623م، وكنا قد تقدمنا بشرحه سابقاً، وعن تقديم الأمير ناصر للشاه عباس عندما ذهب مع السيد محمد الدراج آل النقيب إلى بغداد.
الفرس لبغداد بطرد الحامية العثمانية الموجودة في عانة. ومع هذا فإنه كان متذبذبًا في الولاء بين العثمانيين والفرس، بل كان ينهب الفريقين أيضاً ويناوئهما من دون أن يخدم أحدًا منهما، وهذا مما جعل الصدر الأعظم خسرو باشا يرسل في سنة 1631م حملة صغيرة لتأديبه »(1). والمصادر التاريخية تؤكد بأن إمارة آل مهنا وفي زمن أميرها ناصر بن مهنا أخضعت كربلاء تحت حكمها لمدة أربعين سنة.
وفي هذا الصدد لم يذكر بعض الذين كتبوا عن كربلاء بأنها كانت تحت حكم ناصر بن مهنا ومن بعده خلفه ابنه ( أبي طالب). كما حصل إلتباس لدى أحدهم بدون إمعان ودراسة كافية لهذا الجانب المهم من تاريخ كربلاء، حيث ذكر حادثة وقعت سنة 1013 ه- على أن ( حركة عصيان) حدثت في كربلاء وإستولى الأهالي على الحامية التركية ونهبوها واخرجوا الأتراك من المدينة، وهذا المرور العابر على مثل هذا الحدث من دون دراسة وتحليل لهذه الحادثة وأسبابها، قد يترك المتلقي الكريم في حالة من الالتباس، لذا سنوضحه لاحقاً بمصادره الموثوقة.
جاء في مباحث عراقية ليعقوب سركيس عن قشعم في التاريخ ما يلي:
«يقول الأعراب (جشعم) بجيم كجعفر . وفي مختصر مطالع السعود ص27 (2)عن القاموس أن قشعم لقب ربيعة بن نزار وفي هذا المختصر المشهور بين العرب أنهم (آل قشعم) من بني ماء السماء يعني من قحطان».
«ويقال ابن قشعم لكل فرد من هذه الحمولة ولاسيما للشيخ منهم إذا أرادت الأعراب تعظيمه أو حكت عن أيام مجد بيتهم. فابن قشعم علم لكل منهم كما يقال ابن سعود وابن رشيد وابن هذال وابن سويط في مثل هذه الحالة » (1).
نقول:
آل قشعم (جشعم) من قبيلة شمّر ومن عبدة ومن الجْعَفَر. ووقد نزحوا مع أبناء عمومتهم من آل جعفر عند رحيل الضياغم من جنوب شبه الجزيرة العربية إلى شمالها منتصف القرن السابع الهجري، وكانوا قد نزلوا جبل شمر بعد إزاحتهم لبهيج واتباعه، وقد إكتسب الضياغم سمعة ومهابة من خلال المعارك التي خاضوها مع القبائل في نجد إثناء رحيلهم من الجنوب إلى الشمال، وكانت أكبر المعارك التي خاضوها هي معركتهم مع سلطان مارد وقتله بالأسياح، وكذلك إزاحتهم لبهيج وعشيرته من الجبل مع أبناء عمومتهم من شمّر. وعلى ذلك فقد زادت قوتهم وقويت شوكتهم وأصبحوا قوة لا يستهان بها. فقد رأى السلطان (2)أنه يمكن أن يعتمد عليهم في إخماد فتنة الأمير نعير بن حيار، ووالي حلب المتحالفين ضد الملك برقوق.
وقد إعتمد السلطان برقوق على الأمير (ثامر بن قشعم) لقيادة الحملة، بعد أن أرسل إليه خلعة سلطانية. وقد أجاب الأمير ثامر بن قشعم السلطان لما یریده ولبس الخلعة وقال: السمع والطاعة الله ولرسوله ولمولانا السلطان!! فجمع عشيرته وأمرهم بأن يرحلوا تباعاً وعلى مجموعات ويتوجهوا إلى جهة نعير وكان معه مائة
1) مباحث عراقية : يعقوب سركيس، القسم الأول ص 91 ، عن مجلة لغة العرب من سنة 14/1912 وسنة 31/1927... المطبوع في بغداد سنة 1367ه- / 1948م.
2) هو السلطان الظاهر سيف الدين برقوق بن أنس اليبغاري الذي حكم سنة 783ه-/1382م إلى سنة 801ه-/ 1399م. وبرقوق من المماليك البرجيون، الشراكسة، وهو من سلالة الجنود المماليك الذين حكموا في مصر والشام والعراق والجزيرة العربية للسنوات من 648ه- / 1250م إلى 923ه-/1517م. فهم عبيدًا إستقدمهم الأيوبيون حتى إستولوا على السلطة عام 1250م ، وقاموا بجلب المماليك من بلدان غير إسلامية وكانوا في الغالب اطفالاً . قضى على دولتهم السلطان العثماني سليم الأول، وضمت مصر والشام والحجاز للعثمانيين.
خيّال من شمّر وتمكن من مطاردة نعير وإستطاع القضاء عليه قرب حلب، وأتوا على أملاكه في البصرة وإستولوا عليها ونهبوها.
فسلّمه السلطان برقوق إمارة العرب في جنوب العراق، وإستقر هو ومن معه في هذا المكان حيث وفرة الماء والكلاْ، وأرسل إلى ابناء عمومته وحثهم على الرحيل ناحيته، حيث بدأت مرحلة أخرى للرحيل من شمال الجزيرة إلى جنوب العراق.
والمنطقة التي إستقر فيها آل قشعم ما زالت معروفة باسم (وديان مهنا) التي تقع من شمال شعيب العود (العيدان) ويصل الشعيب إلى حوران من جهة الشمال. ومن الشرق شعيب (الأبّيض) وفيه قصر أثري، وهو الآن بقايا أطلال أناخ عليها الدهر بكلكله، يقال له قصر ابن قشعم .
وعلى ذلك فإن أول أمرائهم وشيوخهم هو (شيخ الشيوخ ثامر بن قشعم) بن سعد بن غزي، الذي تولى المشيخة عام 795ه-/ 1393م بأمر من السلطان برقوق.
ولا ينكر أحدًا ما كان للقشعم من دور في جنوب العراق، فقد كانوا يأخذون الأموال التي يسيمونها على عدد كبير من القبائل، وكانت قبائل غزية تدفع لهم مدة طويلة من الزمن.
وذلك يعني لنا وقتها ان الكثير من القبائل إلتفّت حول القشعم مثل قبائل الحميد، الرفيع، ساعدة، البعيج، الخزاعل وغيرهم.
جاء في تاريخ العراق بين إحتلالين عن قبيلة قشعم ما نصّه:
«معروفة في العراق برياستها القبلية، ولكن الأيام جردتها من قبائلها فصارت مفردة عن غيرها لمحافظتها على بداوتها.
وأول ما ورد ذكرها في تاريخ العراق في حوادث سنة 953ه-/1456م. وأول ذكر لها جاء في قصيدة للشاعر فضولي البغدادي مدح فيها إياس باشا والي بغداد في إنتصاره على هذه القبيلة.
كما أن صاحب كلشن خلفا بيّن أن هذا الوالي وجد في هذه القبيلة سلكت طريق العصيان فقام بتأديبها. وأعاد القول فيها في حوادث سنة 1018 ه- – 1020ه-. ثم توالى ذكرها في التاريخ لمجلداته الأخرى، ولا تزال إلى اليوم. والمعروف أن الرياسة القبائلية كانت لابن قشعم إلاّ أن القبائل التي تحت سلطته إنعزلت منه وإستقلت بتسميتها، وعرفت بأسمائها الحالية وضعفت قدرته فتكونت من بيته قبيلة تفرعت إلى أفخاذ. ولم تعرف قبيلة قديمة باسم ( قشعم ) من قبل هذا. والظاهر أن هذه القبيلة من الأجود وابن جشعم أحد رجالها تولى رياستها. ولما سارت قبائلها إلى الحالة الريفية إنفصلت الرياسة العشائرية ولم تبقَ على البداوة »(1). وبعد الأمير ثامر جاء عدد من المشايخ، ولكن الذي جاء من حيث الأهمية والذكر في كتب التاريخ هو (الملك العربي ناصر بن مهنا آل قشعم). وهو ناصر بن مهنا بن سعد بن المنذر بن قسام بن ثامر بن قشعم بن سعد بن غزي.
يأتي ناصر بن مهنا بعد ثامر بن قشعم من حيث المكانة التاريخية، فثامر إستلم الإمارة سنة 795ه- ، وجاء بعده الأمير ناصر بن مهنا بما يزيد عن مئتي سنة حسب ما يذكره بعض الرواة. وناصر بن مهنا هذا هو الذي إستولى على كربلاء سنة 1013ه- / 1604م.
يقول لونكريك في كتابه ( أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث) وهو يتحدث عن فترة الحكم العثماني الأول للعراق الذي إمتد من سنة 1534م إلى 1623م (941ه- إلى 1033ه-) في معرض حديثه عن البادية، غربي الفرات فأورد ما نصّه:
«فمن جهة البادية، غربي الفرات وجنوبي غربه كانت قبائل نجد بواحاتها ما زالت شديدة الإختلاف وخاملة بحيث لم يكن بوسعها إقلاق المراكز العراقية، وذلك قبل التجديد الديني العظيم الذي حدث في القرن الثامن عشر. وكان التعرض الوحيد الذي يحتمل حدوثه لا يخرج عن كونه غزوات متعاودة في المراعي الربيعية. وكان بنو
1) تاريخ العراق بين إحتلالين: عباس العزاوي ، ج 4 ص 50 وص 51.
خالد في الإحساء قد عظم شانهم في بلادهم. وبدأوا يتحرشون في بعض المواسم بأبعد الخيام التابعة لقبائل الفرات. غير أن قوات البادية التي يهمنا أمرها أكثر من هذا كانت لا تخرج عن كونها حلفين بدويين يمر من مناطقهما المسافرون من الخليج إلى حلب بعدة مراحل من طريقهم. فكان الأمير ناصر - أعني - ناصر بن مهنا في 1604م (1013 ه-) (ملك) القسم الجنوبي الممتد من النجف إلى الفلوجة.
وكانت بلدة النجف، ذات العصبية الدينية الدائمة التي أفقرها إنقطاع الخيرات عنها منذ موت الشاه طهماسب، معترفة بسلطة حاكم البادية هذا. وكانت كربلاء، وهي أوسع وأكثر حركةً وليست بأقل من أختها تعصباً مركز (ديرته). وكان يلاقي المسافرين من بغداد إلى الفلوجة، على بضعة أميال من العاصمة، وكلاؤه الذين يقبضون الأتاوة (الخاوة) له. وقد إعترف ناصر، وهو أحد أفراد سلالة الشيوخ – موالي أو عنزة - مسيطرة في ذلك العهد، بولائه للسلطان. ومن المحتمل أن شيئًا من الهدايا التي كانت يرسل بها بين حين وآخر للباشا يذكره بهذا العبد المتواضع. غير أن أتوقراطيته في البادية، وجمعه للخاوة، والشدائد التي كان يصادفها المسافرون المارون بديرته، وإرهابه للزوار، كانت تقص لنا قصة أخرى. وكانت الحاميات التركية الصغيرة تقيم بحسب العادة في العتبات المقدسة غير أن مكثهم هناك لم يكن إلاّ بسماح من الشيخ.
وفي 1604م (1013ه-) كانت عاقبة الحامية في كربلاء - كما قيل - وخيمة »(1). وعلى ما نقله لونكريك في النص اعلاه يتبين لنا أن ناصر بن مهنا كان قد فرض سيطرته على كربلاء قبل عام 1013ه-/ 1604م وإنها كانت تابعة له بحكم سيطرته على البادية التي تقع كربلاء على حافتها، ولكن ناصر بن مهنا دخل مدينة كربلاء في السنة المذكورة بعد أن إشتبك الأهالي مع الحكومة التركية وحاميتها
1) أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث : ستيفن همسفلي لونكريك ص 55 و 56 من الطبعة السادسة ومن ترجمة جعفر الخياط، ويلاحظ بأن لونكريك قد إعتمد في جزء من نصّه الذي أوردناه على ما أورده الرحالة تكسيرا (طبعة سنكلير وفير غوسن) ص 53 ، حسب هامش جعفر الخياط رقم 29 من ص 56.
فيها وتمكنوا بمساعدته من طرد الجنود الأتراك الذين كانوا يؤذون سكان المدينة ويعاملونهم بقسوة، وهنا إتخذها ناصر بن مهنا مركزاً لحكمه وإستمر حكمه فيها قرابة الأربعين عاماً.
جاء في كتاب مباحث عراقية ليعقوب سركيس ما نصّه : «إن لناصر المهنا ذكرًا في كتب التاريخ الثلاثة ولاسيما في كتاب عالم آراي عباسي لإسكندر بك تركمان من رجال القرن الحادي عشر وهو مطبوع في طهران سنة 1314 ه- / 1896م. وذكره الأوربيين تكسيرا فنعته (بملك عربي) في رحلته المترجمة إلى الإنكليزية في ص 53 فقال « أن هذه البلدة (مشهد الحسين أي كربلاء) ومشهد علي (النجف الإشرف) هما تابعتان لمير (الأمير) ناصر وهو ملك عربي رافد للأتراك يعيش في أعالي تلك الأراضي » وقال في ص 72 بتاريخ 13 كانون أول سنة 1604م (1013ه-):
وبعد أن سرنا فرسخاً ونصف الفرسخ حططنا لدفع الرسوم التي يجب دفعها إلى المير ناصر وهو ملك عربي من عشيرة أمانة وهو حاكم مشهد علي ومشهد الحسين - وما أمانة إلا تشويه (مهنا) - إذ يصعب على سائح أن يضبط الأعلام وهي غريبة عنه.
وذكر ناصرًا أيضاً ديلا فاله في رحلته الشهيرة (1616م 1025ه-) في عدة مواضع جاء فيها في سنة 1616م (1025ه-) ما تعريبه من رسالته السابعة عشرة المؤرخة في 10 كانون الأول سنة 1616 « فبتنا في بئر النص (أي بئر النص بين بغداد والحلة)... وبعد مرورنا بيومين نهبت قافلة هناك أو بمقربة من ذلك المكان.
نهبتها جماعة قوية من الأعراب. أما أنا فلحسن حظي – فضلاً عن إني لم أر أحدًا من هؤلاء - لقيت أحد كبار قواد بغداد كان قدم إلى هنا قبلي من الباشا(1)ومعه
1) الحقيقة أن التاريخ الذي ذكره ديلافالة وذكر به لفظ الباشا من بغداد، فإن بغداد كانت بيد الصفويين في ذلك التاريخ، وفي المحاولة الأولى لاسترداد العثمانيين التي قاموا بها بقيادة حافظ أحمد باشا الذي حاصر بغداد لإعادتها للدولة العثمانية، فقد أرسل أحد الباشوات للسيطرة على الحلة وكربلاء وقد ساعدهم في ذلك الأمير ناصر بن مهنا وبالإتفاق معه لقطع الإمدادات التي قد تصل من (القزلباش) إلى حاكم بغداد الصفوي (صفي قلي خان)، على أن تبقى سيطرة الأمير ناصر على المناطق التي بيده. وكان قبل ذلك التاريخ بسنتين تقريباً عندما إحتل الشاه عباس الصفوي بغداد قدم ناصر بن مهنا ولانه له ولكن سرعان ما إنقلب عليه وطرد الحامية الإيرانية من كربلاء والنجف والحلة. وإستمر يتعاون مع العثمانيين رغم أن سيطرته على كربلاء كانت في زمانهم.
نيف ومائتا فارس ليستميل شيخاً ويصحبه إلى بغداد وهذا الشيخ هو قائد من قواد الأعراب - وإن شئت فقل أميرًا من أمرائهم - وإني لأظنه أميرًا لأنه من عداد الذين يهمون الأتراك في النفع والغرض من طلب مجيئه إلى بغداد هو حشد القوى فيها للشروع بعدئذٍ بمحاربة ملك فارس وقد أكثر قائد بغداد من فرسانه زيادة في تعظيم هذا الشيخ. وكان يسمى هذا الشيخ أو الأمير ناصر بن مهنا لأنه ابن مهنا أو إنه من ذريته... وذكر المؤرخ إسكندر بك وديلا فاله إن لناصر إبناً اسمه أبو طالب وقال ديلا فاله أنه كان قد قام مقام أبيه المتقدم في السن. قال روسو قنصل فرنسة في بغداد في رحلته في سنة 1808 من بغداد إلى حلب في ص 136 ما تعريبه: (فمررنا بجبة على الفرات... فرأينا على الضفة المقابلة جبل أردى وعلى منتهاه شيء كالقبة قيل لي إنه قبر ناصر المهنا ابن جشعم، ويعتقد الأعراب أنه من أصحاب الكرامات). ولا تزال ذكرى ناصر على ألسنة الأعراب تلهج بمدحه والثناء على أخلاقه ورفعة مقامه» (1). من خلال هذه النصوص يتبين لنا أن (ناصر بن مهنا آل قشعم) كان حاكمًا فعلياً على كربلاء، والنجف بالإضافة إلى الحلة وبادية العراق، وأنه كان يأخذ الرسوم والأتاوات، وكان ولاة بغداد يسترضونه ويرسلون له مئات الجنود بقادتهم لاستقدامه إلى بغداد كرامة له وزيادة في الإحترام والتوقير. وثمة نقطة أخرى مفادها أنه كان مواليًا للأتراك، ومؤازرًا لهم منذ دخولهم بغداد، وربما كان والده قبله مؤازراً لهم.
إستلم ناصر بن مهنا الإمارة سنة 993ه-/ 1585م تقريبًا، ويبدو أنه عمّر طويلاً لدرجة أنه سلّم الملك في حياته إلى ولده أبي طالب. كما أن قبره ظل إلى مدة
1) مباحث عراقية: يعقوب سركيس، القسم الأول ص 93 وص 94.
قريبة معروفًا وعليه قبة، وله هيبة في نفوس الأعراب. كما أنه كان من ملوك العرب وأمرائهم القلائل الذين جاء ذكرهم في رحلات الأوربيين القدامى.
وناصر بن مهنا قدّم الولاء للشاه عباس الصفوي عندما إحتل بغداد، وبقي على مكانته في مناطق نفوذه رغم أن الشاه عباس قد أمر بإنشاء حامية عسكرية من القزلباش الصفويين في كربلاء، إلاّ أن ناصر بن مهنا إنقلب على الصفويين وتمكن من طرد الحامية العسكرية الإيرانية في كربلاء بعد سنتين.
بل عاد ليتعاون مع الأتراك. والدليل هو ما ذكرناه في النص الذي أورده يعقوب سركيس في (مباحث عراقية) حيث إن الأمير ناصر بن مهنا كان المعني بالاستقبال من قبل الأتراك عندما أرادوا أن يستعيدوا بغداد من الصفويين في محاولتهم الأولى وكان هو من ساعدهم على قطع طرق الإمداد التي تصل من جنوب بغداد إلى المحاصرين داخلها، كما أن طرده للحامية الإيرانية كان في ذات الوقت الذي ذكرناه.
ولناصر بن مهنا وآله من آل قشعم الآثار الباقية لحد الآن وهي:
1 - منطقة المهناوية المشهورة الواقعة بين كربلاء والحلة بإتجاه سدة الهندية، ومثلها وبنفس الاسم منطقة بين الحلة والديوانية.
2 - شط المهناوية - نسبة إلى مهنا آل قشعم.
3- غدير الشيخ – بئر على ستة عشر مقامًا حفره ناصر ابن قشعم للخيل، تجتمع فيه مياه الشِعبان فتروي الخيل والإبل.
4- شط المشورب- وهو نهر لازال معروفا ويمر في منطقة السادة العرد وعشيرة الدعوم وعشائر أُخرى ويقطع طريق كربلاء – طويريج (قضاء الهندية) قبل مركز القضاء بأربعة كيلومترات، وسمّي بالمشورب باسم ناصر بن مهنا آل قشعم الذي كان يلقب ب- (المشورب).
وبالعودة إلى قشعم فإن أفراد هذه القبيلة يؤكدون أن حكم آل جشعم إزدهر حتى وصل إلى حدود الشام ولهم في ذلك قصيدة لأحد شعرائهم يقول فيها:
نخل العراق إذا نمت أكمامه*** فلأننا كنا عليه غمائما
والدجلتان أمان من أمسى بها*** فالقشعمي نما هناك صوارما
والشام جنة كوثر مرصودة*** تعطي وإن شح الزمان مواسما
نزل القشاعم نورها وكرومها*** وغدوا وأهل الغوطتين توائما
يونين تعرف حين ثار عجاجها*** إن الضياغم لا تكون غنائما
مع العلم أن حكم آل قشعم لم يسقط بإحتلال الدولة العثمانية الثاني وتعيين الولاة الأتراك، رغم الوقائع التي حدثت بينهما، بل ضعف حكمهم من مملکة إلی مشيخة قبيلة كان سبب ذلك هو إجتماع الفرس والأتراك عليهم لإضعاف سلطة ابن جشعم، رغم ذلك فإن إمارتهم ومشيختهم إستمرت إلى القرن الثالث عشر الهجري.
ومن اشهر مشايخهم المتاخرين هو :
ثويني بن عبد العزيز بن حبيب بن صقر بن حمود بن محمد بن مانع بن کنعان بن أبي طالب بن ناصر بن مهنا بن مانع بن سعد بن غزي بن زيد بن عامر بن قشعم بن راشد بن جعفر بن عجيل بن راشد بن ضيغم. وهذا التسلسل النسبي ورد عن موقع قبيلة قشعم من مواقع القبائل في الإنترنيت، بينما يختلف يعقوب سركيس في كتاب مباحث عراقية حيث يذكر تسلسل نسب حفيد ثويني ويقول: «نسَبَ إليَّ عقاب بن قشعم شيخهم الحالي نفسه وهو في أول الشيخوخة من العمر فقال: أنا عقاب بن صقر بن ثويني بن عبد العزيز بن حبيب بن صقر بن حمود بن کنعان بن ناصر بن مهنا بن سعد بن غزي» (1).
أمّا المرحوم عباس العزاوي فيقول : «وكان الأستاذ يعقوب سركيس قد ذكر رئيسهم المعاصر عقابًا فعدد أجداده. ورأيت الشيخ محمدًا وهو أخو عقاب فذكر لي
1) مباحث عراقية : يعقوب سركيس، ج 1 ص 93 . وكان المرحوم سركيس قد ذكر بأن هناك خطا في هذا النسب في هامش الصفحة ذاتها.
الشيخ محمد أن أخاه هو الرئيس وهو (عقاب بن صقر بن ثويني بن عبد العزيز بن حبيب بن صقر بن حمود بن کنعان بن مهنا بن ناصر بن مهنا بن سعد بن المنذر بن قسام ابن ما (من) بن قشعم بن سعد بن غزي »(1).
ويلاحظ القارئ الكريم الإختلاف في النسب واضح، ولا نحتاج التحقيق فيه لأنه خارج عن بحثنا، وكان الغرض من تثبيت ذلك كله لعلاقة إمارة آل قشعم وحكمها لمدينة كربلاء التي هي أصل البحث.
بيدرو تكسيرا رحّالة برتغالي ولد في الثلث الأخير من القرن السادس الميلادي في البرتغال، وتوفي سنة 1051ه- / 1641م ، وكانت وفاته في البرازيل عندما كانت إحدى المستعمرات البرتغالية. وهو من الرحالة الذين جابوا البلاد وزاروا المناطق التي خضعت للإمبراطورية البرتغالية التي تمكنت من السيطرة وقتها على العديد من البلدان وإكتشفت الكثير منها كانت إحدى رحلات (تكسيرا) قد إبتدأها من (الهند) وبالذات من جزيرة (غوا) متوجهاً إلى إيطاليا عن طريق الخليج العربي وما بين النهرين (العراق) فحلب فقبرص، وعندما وصل البصرة لم يتخذ الأنهار مسلكاً له، بل سلك طريق البادية من البصرة إلى النجف.
وصل تكسيرا إلى كربلاء في يوم الجمعة 29 ربيع الثاني 1013ه- الموافق 24 أيلول 1604م قادماً من النجف بعد أن زارها وبقي فيها عدة أيام.
وما دوّنه بيدرو تكسيرا في رحلته عن مدينة كربلاء يعطي إنطباعاً مهماً جداً على ما كانت عليه المدينة المقدسة في أوائل القرن الحادي عشر الهجري (الذي يوافق أوائل القرن السابع عشر الميلادي)، وهذا الإنطباع والتصور الذي سوف نذكره عنه من كتاب رحلته ومن مصادر أُخرى نقلت عنه، يعطي للقارئ الكريم صورة
1) تاريخ العراق بين إحتلالين : عباس العزاوي، ج 4 ص 51.
واقعية لِما كانت عليه مدينة كربلاء في( القرن العاشر الهجري)، (القرن السادس عشر الميلادي)، لأن زيارته ووصفه لما كان في المدينة من النواحي العمرانية والدينية والعسكرية والإجتماعية والزراعية وغيرها من الأمور، يعني أن حالتها كانت تسير على المنوال الذي شاهده لما يقارب من القرن من الزمان قبل قدومه إلى كربلاء.
نزل في أحد الخانات العامرة التي كان بناؤها يعد من الأعمال الخيرية التي يتم إنشائها من قبل الحكومة أو من المحسنين.
سمّى تكسيرا مدينة كربلاء ب- (مشهد الحسين)، وقال: « مشهد الحسين بلدة تحتوي على أربعة آلاف بيت معظمها من البيوت الحقيرة. وكان سكانها من العرب، وبعض الإيرانيين، والأتراك، الذين كانوا يعينون للإشراف على المناطق المحيطة بها كذلك. لكن الأتراك كلهم كانوا قد إنسحبوا يومذاك إلى بغداد بسبب الحرب مع الإيرانيين فأدى إلى رحيل العجم عنها أيضاً لأنهم لم يعودوا يشعرون بالطمانينة والأمان». ومن ثَمَّ أعطى تكسيرا وصفاً دقيقاً لما شاهده وهو يتجول في المدينة حيث قال: « وقد كانت أسواقها مبنيّة بناءً محكماً بالطابوق وملأى بالحاجات والسلع التجارية لتردد الكثيرين من الناس عليها».
وعند وصفه للمدينة فيشير إلى الروضة الحسينية ويقول: «... وتوارد المسلمين لزيارتها (أي الروضة الحسينية) من جميع الجهات... وفي الروضة السقاة الذين كانوا يسقون الماء للناس في سبيل اللّٰه وطلبًا للأجر، أو إحياءً لذكرى الإمام الشهيد الذي قتل عطشانًا في هذه البقعة من الأرض.
وإنهم يدورون بقربهم الجلدية الملأى بالماء، وهم يحملون بأيديهم طاسات النحاس الجميلة ...».
ومن أهم الأمور التي أشار إليها تكسيرا ضمن مشاهداته في المدينة هي كثرة المواد التي يحتاجها الناس في حياتهم اليومية والمعاشية من مأكل وملبس واستعمال يومي للإنسان حيث يشير إلى «تيسّر الأرزاق ورخصها ، وتوفر المأكولات والحبوب
بكثرة مثل الحنطة والرز والشعير والفواكه والخضروات واللحوم ». ويعزي ذلك كله إلى «لطف الهواء فيها وكون الجو فيها أحسن منه في جميع الأماكن التي أتى على ذكرها من قبل ».
ويقول أنه « وجد في كربلاء عددًا من الآبار العامة الحاوية على الماء العذب الجيد جداً وكثيرًا من الأشجار، وبعض الفاكهة الأوربية ( على حد تعبيره). وكانت الأراضي فيها تسقى من جدول (1)خاص يتفرع من الفرات الذي يبعد عن البلدة بثمانية فراسخ وكان هناك بالإضافة إلى ذلك عدد كبير من الأغنام والماشية التي شاهدها ترعى في المراعي المحيطة بالبلدة. وفي نهايتها من جهة الفرات كانت هناك برکتان كبيرتان من الماء مربعتا الشكل أنشئتا للنزهة والتسلية وحولها بعض الأبنية والملاجئ المؤقتة ».
ونعتقد بأن البركتين التي أشار إليهما تكسيرا هي مواقع هوري السيب والمالح الواقعين شرق مدينة كربلاء تتجمع فيهما زوائد مياه الأنهر التي تمر قريباً من كربلاء، وكذلك في أيام طغيان الفرات، ويمكن أن يكون قد إعتبرها اماكن للنزهة والتسلية لوجود بنايات واطلال قديمة حولها، وكما بينا في الجزء الأول من كتابنا هذا انه بقرب تلك الأهوار كانت قرى نينوى والنواويس وقد تكون الأطلال التي رآها هي لتلك القرى القديمة.
وهناك إحتمال آخر قد يكون صحيحًا أيضاً هو أن قصبة كربلاء القديمة والتي يدور حولها السور، كانت على هضبة (كما شرحناه في جغرافية كربلاء في الجزء الأول)، وذلك يعني أن مجرى نهر الحسينية كان يبعد عن السور بمسافة تقارب الكيلومتر، كما أن الضواحي خارج السور من الناحية الجنوبية المؤدية إلى طريق النجف كانت منخفضة وفي ايام الشتاء والفيضانات فتركبها المياه وتشبه حالة المستنقعات، وهذا الواقع كان حاضرًا أيام المحن والوقائع التي كانت تهاجم وتغزو فيها كربلاء من
1) هو نهر الحسينية الحالى الذي حفره السلطان سليمان قبل مجيئ تكسيرا بسبعين عاماً.
قبل القبائل وحتى جيوش الحكومة، وكان يستفيد منها الأهالي لإعاقة تقدم المهاجمين عليهم من جهتها الجنوبية، وحتى مدحت باشا عندما عمد إلى تأسيس محلة جديدة في ذات المنطقة فقد قام بردم المستنقعات، ومن ثَمَّ تخطيط الأرض وتقسيمها على شكل شوارع منظمة وأراضي سكنية، ولكن بقت المنطقة إلى يومنا هذا أخفض منسوبًا من المدينة القديمة.
وبالرجوع إلى البركتين المشار إليهما، فقد تكون الحكومة أو الأهالي قد حفروا هاتين البركتين واحدة في الناحية الجنوبية مقابل (باب النجف) والثانية من الناحية الشرقية بإتجاه باب العلقمي وقد يكون تحديدها في منطقة (الفسحة) الحالية التي كانت قديماً خارج السور، وربطوهما بقنوات تغذيهما من النهر حتى تكونان قريبتين من سور المدينة وأبوابها ويسهل للسقائين جلب الماء منهما وتوزيعه على بيوت الأهالي وهو النظام المعمول به سابقاً، وقد يكون الناس قد زرعوا حولها الأشجار فأصبحتا مكانا للتسلية والإنشراح لسكان المدينة التي يعيشون في نظام الأزقة الضيقة التي تقع دورهم فيها، فكانت في ذلك الوقت متنفساً لهم.
وقد ذكر تكسيرا الأمير ناصر بن مهنا آل قشعم الذي كانت كربلاء والنجف زارهما حيث يقول : « ان كربلاء والنجف كانتا تخضعان إلى المير (الأمير) ناصر المهنا الذي يطلق على نفسه لقب (ملك) وأنه كان تابعاً للأتراك الذين كانوا يغتصبون واردات الأراضي الممتدة في المنطقة كلها ». ويقول تكسيرا بأنه «شاهد بنفسه الأعراب التابعين للأمير ناصر يبيعون في وضح النهار: خيول، وملابس، وأثاث وأسلحة أربعة وثلاثين تركياً من رجال الحكومة التركية في كربلاء بعد أن قتلوهم وسلبوهم ما يملكون » (1).
1) نعتقد بأن حادثة قتل الجنود الأتراك في كربلاء، التي ذكرها تكسيرا هي الحادثة التي تم فيها الهجوم على كربلاء من قبل الأمير ناصر بن مهنا وسيطرته على المدينة وإتخذها ديرته ومركز حكمه وكان ذلك عام 1013ه- / 1604م ، وهو وقت قريب من زيارة تكسيرا لكربلاء.
كما ذكر تكسيرا أنه «وجد في الخان الذي نزل فيه أربعين (سکَمانياً )(1)مع ضابطهم الخاص، وكان الناس يخشونهم لأنهم كانوا متعودين على التجاوز على الناس في كل فرصة أو مناسبة، وكانوا من دون وجدان أو ضبط».
جاء في موسوعة العتبات المقدسة / قسم كربلاء عن نهاية زيارة تكسيرا لمدينة كربلاء ما نصّه: وبعد إقامة ثمانية أيام في كربلاء توجه تكسيرا إلى بغداد مع القافلة في اليوم الثاني من تشرين الأول. فسلكت القافلة طريق الحسينية المعروف على ما يبدو وعبرت الفرات من مكان كان فيه خان حصين واسع الأرجاء بعد أن قضوا ليلتهم فيه . وقد تم العبور بعبّارتين خاصتين تقاضى أصحابهما من أفراد القافلة (معدنًا) واحدًا عن الشخص الواحد أو الحمل الواحد، وهي عملة فضية تعادل في سعرها أحد عشر (ماقريدي) أو بنساً ونصفاً. وقد إستغرق عبور القافلة من طلوع الشمس حتى العاشرة زوالية قبل الظهر. وهو يقول أنهم وجدوا في الجهة المقابلة ما بين النهرين على حد تعبيره، خانًا كبيرًا آخر يقوم في موقع مناسب على الفرات فوق أنقاض مدينة قديمة كانت تسمى (المسيب) على ما يقول. والظاهر ان بلدة المسيب كانت موجودة قبل ذلك التاريخ (1604) وتهدمت، ثم عادت إلى الوجود من جديد أو إنتقلت إلى مكانٍ ثانٍ. وقد كان يبدو للمناظر هناك بقايا سورها المحاط ببساتين وحقول يانعة تستمد ماءها من الفرات بواسطة (ماكنة خاصة تتألف من عدة قرب وتسحبها الثيران) (2).
1) السكَمانيون هم من أفراد الجيش المحلي التابع للحكومة. ويبدو من كلام تكسيرا أنهم كانوا مختفين في الخان بعد أن أسقط ناصر المهنا الحكومة المحلية في كربلاء بمساعدة الأهالي.
2) موسوعة العتبات المقدسة: قسم كربلاء لجعفر الخليلي، ص 284 وص 285 عن بحث كتبه وترجمه الأستاذ جعفر الخياط للموسوعة بعنوان (كربلاء في المراجع الغربية).
مما يتبين من رحلة تكسيرا إلى مدينة كربلاء وتثبيت مشاهداته ووصفه لما رآه وعايشه خلال ثمانية أيام، فقد أوصل لنا معلومات قيّمة عن كربلاء في ذلك الوقت، لم يسبقه أحد في مثل تلك التفاصيل، وقد أكد بأن مدينة كربلاء وضواحيها الخصبة كانت هي مصدر الغذاء من خلال ما كان يزرع حولها من مختلف المحاصيل الزراعية والفواكه والخضروات (1).
وعلى ذكر مدينة المسيب من قِبَل الرحالة بيدرو تكسيرا ولأهميتها لكونها تقع قريبًا من كربلاء، وهي في طريق الزائرين ومنطقة عبور نهر الفرات منها، وإرتباطها فيما بعد بأحداث كربلاء التي سوف نذكرها...
فنقول:
المسيب هي ليست من المدن التاريخية القديمة مثل بابل والنيل وبرس وبارسسبا وباروسما ونينوى وسورى وغيرها من المدن القديمة الأخرى، فمدينة المسيب مدينة حديثة التأسيس وهي من مدن المواصلات النهرية التي ذكرها لونكريك في كتابه أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث، فكانت عبارة عن قرية تربط طريق المواصلات للزائرين الذين يفدون إلى مدينة كربلاء حيث يعبرون نهر الفرات منها، وذكرها تكسيرا كما أوردناه سابقاً، وكان فيها خان لإستراحة الزائرين في صوبها الصغير وهو الخان الذي ذكره تكسيرا في رحلته، ولا أظن أنها كانت مدينة وخربت ثم أعيد بناؤها. وأهم موقع قديم كان بقربها هو قصر ابن هبيرة وأطلاله التي كانت بائنة في بداية القرن السابع عشر الميلادي.
1) راجع كتابنا (كربلاء في أدب الرحلات) ص 67 - ص 76 . وفيه تفصيل كامل لزيارة الرحالة تكسيرا إلى كربلاء، مع شرح وافي للمفردات التي ذكرها في رحلته.
جاء في كتاب السِفر الُمطَيب في تاريخ مدينة المسيب للعلامة الشيخ علي القسام الذي كان وكيل المرجع الديني السيد محسن الحكيم فيها فيقول: أن سبب تسميتها نسبتها إلى نهر السيب الذي كان يجري قرب الحلة وكان من ضمن طسوج سورى(1)أما السيد عبد الرزاق الحسني فيقول في كتابه العراق قديمًا وحديثًا ص 147 «أن مدينة المسيب سميت باسم (المسيب بن نجبة الفزاري) وقد أتخذت القرية التي سميت باسمه مقرًا للحركات الحربية »(2).
والمسيب هذا هو من التوابين الذين ندموا على عدم نصرتهم للحسين ( عَلَيْهِ السَّلامُ) مع سليمان بن صرد الخزاعي وعبد اللّٰه بن سعد بن نفيل الأزدي وعبد اللّٰه بن وائل التميمي وغيرهم، والذين إستشهدوا في (عين الوردة) عندما ذهبوا لمقاتلة جند الشام لأخذ الثأر على مقتل الحسين، وكان المسيب من اصحاب الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلامُ). ويذكر الشيخ القسام ان المؤرخين وأصحاب المعاجم لم يذكروا المسيب، حيث قال ما نصه:
«... ولم يذكروا مدينة باسم المسيب وإنما شأنها الأول قرية لا تضم أكثر من ثلاثين أسرة تعيش في أكواخ من سعف النخيل وبيوت الطين وهي منزل من منازل القوافل ومرحلة من مراحل إستراحة المسافرين العابرين الطريق للعتبات المقدسة وغيرها، إتخذت لذلك لتوسطها بين بغداد وكربلاء وكانت الواسطة آنذاك في عبور النهر المار بها والذي يقسمها إلى جانبين، عبارة بأي نحو أتفق وليس فيها وسائل الإنتفاع يومذاك إلاّ نقل المسافرين من جانب إلى آخر وبيع بعض الحاجات الخفيفة الذي يحتاجها المسافر في طريقه.
ويذكر أن أول جسر وضع على نهرها يصل بين جانبيها جسر خشبي متحرك كان في عهد داود باشا التركي والي بغداد سنة 1240ه- / 1816م».
والمسيب اليوم تقع على مسافة تقارب 32 كم عن كربلاء، ولأهلها إرتباط وثيق بمدينة كربلاء، وتحتل موقعاً من أجمل وأبدع مواقع المدن في العراق، وكانت في بعض الأدوار تابعة إداريًا لكربلاء، وهي الان تابعة إلى محافظة بابل، ولكن بقي إرتباط أهاليها بمدينة كربلاء وثيقاً ومستمرا وهي أقرب إلى كربلاء من مدينة الحلة.
عندما ذكر الرحالة بيدرو تكسيرا عند وصفه لمشاهداته في الروضة الشريفة:
«وفي الروضة السقاة الذين كانوا يسقون الماء للناس في سبيل اللّٰه وطلبًا للأجر، أو إحياءً لذكرى الإمام الشهيد الذي قتل عطشانًا في هذه البقعة من الأرض. وإنهم يدورون بقربهم الجلدية الملأى بالماء، وهم يحملون بأيديهم طاسات النحاس الجميلة...).
عن هذه الظاهرة كان العديد من الأفراد يقومون بسقاية الزائرين الماء، وهؤلاء الأفراد نوعين، الأول: كان بعض الناس يقوم بتوزيع الماء على الزائرين لنذر عليهم أو لكسب الأجر والثواب في أوقات فراغهم بإعتبار أن الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قُتِل عطشاناً... والنوع الثاني: السقايين الأجراء الذين يوزعون الماء على الزائرين،
وكانت أجرة هؤلاء تدفع من المحسنين والميسورين قربة إلى اللّٰه تعالى. ولم يكن يؤخذ من الزائر أي مبلغ لقاء ما يشربه من الماء، لأنه من المعيب أن يؤخذ من زوار المرقد أي أجر على تلك الخدمة، وإستمر وجود السقاة لعدة قرون رغم بناء بعض السقايات من قِبل الدولة أو من بعض المحسنين والتي توفر للزائر مياه الشرب والوضوء أيضاً.
وللأسف الشديد أصبحت هذه الحالة وسيلة للتكسب والإرتزاق أشبه ما تكون بالتسوّل، وفي الخمسينيات وإلى منتصف السبعينيات من القرن العشرين كنا نشاهد هؤلاء السقايين يدورون في الصحنين الشريفين وهم يسألون الزائرين وبطريقة الإلحاح الفجة لكي ( يسبّلوا) الماء بثواب الحسين أو العباس عليهما السلام لقاء مبلغ زهيد من النقود، وكان بعض الزائرين يعطي مبلغاً لجرة كاملة من الماء لتوزع على الزائرين. ولم یکن وجود للقرب وإنما السقائين كانوا يحملون الجرار الفخارية بدلاً من القرب.
عندما توفي العلامة الشيخ شمس الدين بن شجاع الحائري الأسدي(1)، تولى سدانة الحسين عدد من أفراد أسرته وهم:
1 - الشيخ جعفر بن شمس الدين الحائري الأسدي: ويحتمل أن يكون قد توفي سنة 1025ه- (2).
2- الشيخ محي الدين بن علي الحائري الأسدي(3): الذي تسلم السدانة سنة 1025 ه- / (1616م) . وقد إستمر في السدانة إلى سنة 1033 ه- / (1624م) حيث إستلمها السيد النقيب محمد دراج آل زحيك.
نحن نؤكد بأن سدانة الروضة الحسينية سنة 1025ه- / 1660م كانت بيد الشيخ جعفر شمس الدين الحائري، ومن المؤكد إنه ابن الشيخ شمس الدين بن شجاع الحائري الأسدي. وقد ورد إختلاف في المصادر التي ذكرت هذا الأمر عن السدانة، كما أن هناك فترة زمنية بن السادن شمس الدين وابنه لم يتطرق إليها أحد. والمصادر التي بأيدينا وجدنا فيها هذا الإختلاف، وكلها لم تذكر أي مصدر إعتمدت عليه في النقل. فقد ذكر مؤلف كتاب مدينة الحسين في السلسلة الأولى من كتابه بأن الشيخ شمس الدین بن شجاع تسلم سدانة الحسين في سنة 963ه- وبقي فيها إلى ما بعد سنة 990 ه- . وهنا يبدأ الغموض، فإلى أي سنة بقي؟ هل إستمر إلى سنة 1025ه-؟ وهذا ما نشك فيه! أي أنه في هذه الحالة قد بقي مدة 62 سنة في السدانة!! وهذا
1) لم يذكر أي مصدر السنة التي توفى فيها العلامة شمس الدين بن شجاع، فإنه كان سادناً إلى ما بعد سنة 990ه-، حسب ما ذُكر في كتاب مدينة الحسين.
2) مدينة الحسين: السلسلة الأولى 1 ص 76 .
3) جاء في كتاب تاريخ مرقد الحسين والعباس عليهما السلام لسلمان هادي طعمة في ص210، بأنه عيّن خازنًا عام 1025ه- وما بعدها، ولم يذكر المصدر الذي إعتمده.
لم يذكره أحد. كما أن نفس المؤلف في كتابه المذكور ذكر بأن (جعفر شمس الدين الحائري) كان خازنا في عام 1025ه-، ولم يذكر متى تولى السدانة.
بينما مؤلف كتاب تاريخ مرقد الحسين والعباس ذكر بأن جعفر شمس الدين الحائري. عيّن سنة 1025ه-. وفي الصفحة نفسها من المصدر نفسه يذكر بأن محي الدين بن علي الحائري الأسدي. كان نقيبًا لأشراف بغداد وقيل لكربلاء، ثم عيّن خازنًا عام 1025 ه- وما بعدها.
أمّا مؤلف كتاب مدينة الحسين فعندما ذكر السدنة لم يذكر المرحوم الشيخ محيي الدين بن علي الحائري، بل ذكر الذي تولى السدانة بعد الشيخ جعفر شمس الدين هو أخوه إبراهيم شمس الدين.
وبالرجوع إلى النص الذي أورده مؤلف كتاب تاريخ مرقد الحسين والعباس عن محيي الدين بن علي الحائري الأسدي حيث قال: « محي الدين بن علي الحائري الأسدي، كان نقيبًا لأشراف بغداد وقيل لكربلاء، ثم عُيّن خازنًا عام 1025ه- وما بعدها ».
ولنا في ذلك وقفة، ونقول:
أ. لم يذكر المؤلف المصدر الذي إستند إليه في هذا النص.
ب. الأغرب من ذلك فإنه يقول (كان نقيبًا لأشراف بغداد وقيل لكربلاء)، فهل نسي السيد سلمان طعمة إن نقابة الأشراف يتولاها سيد علوي هاشمي من نسل الإمام الحسن أو الإمام الحسين ولدي الإمام علي عليهم السلام حصريًا وهما سبطي رسول اللّٰه (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ ) ، فيكون هو نقيب (السادة) من نسل الإمامين ويطلق عليهم الأشراف دون نسل إخوتهم من أولاد الإمام علي أو إخوته كما هو معروف. وهل فات السيد سلمان بأنه ذكر المرحوم محي الدين هو إنه من بني أسد، وبنو أسد ليسوا من العلويين حتى يتسلّموا نقابة الأشراف !!
ت. وهل أن الشيخ جعفر شمس الدين الذي يقول عنه عيّن سنة 1025ه- توفى أو عزل في نفس السنة التي عيّن فيها الشيخ محيي الدين؟
نضع ذلك كلّه بيد القارئ الكريم ليستوعب الأمر على طريقته، ونحن لا نؤيد ولا ننفي ما أوردوه لحصول الشك والإلتباس في هذا الأمر خاصة إن ما نقلوه لم يُبنَ على أي مصدر موثوق يمكن الإعتماد عليه، حيث لم يذكر أحد منهم المصدر الذي إعتمد عليه، وحتى نحن لم نجد ضالتنا في المصادر الكثيرة التي بين أيدينا.
في سنة 1025ه- / 1616م كان محمد بن نعمة اللّٰه سادنًا للروضة العباسية المقدسة، والوثيقة الوحيدة الموجودة والتي تدل على أنه كان سادنًا (خازناً) للعباس (ع) هي وقفية فدان السادة المؤرخة في سنة 1025ه- حيث وجد ختمه فيها بأنه خازن العباس، ولاتُعرف ترجمته ونسبه، ولا السنة التي تولى فيها السدانة أو المدة التي قضى فيها.
بيترو ديلافاله، نبيل من نبلاء إيطاليا، قام برحلة في بلدان الشرق ومنها العراق وذلك في الربع الأول من القرن السابع عشر الميلادي. وإستغرقت رحلته تسع سنوات من عام 1616م إلى عام 1625م (1025ه- إلى 1034ه-).
قدم للعراق من بلاد إيران بعد أن زار فيها آثار مدينة (برسيبوليس)(1)
وفي عام 1979م أعلنت منظمة اليونسكو أن برسيبوليس موقع من مواقع التراث العالمي.
. فقد زار المناطق الأثرية في بابل وأور. ومن هاتين المدينتين أخذ معه أجرًا مختوما بالخط المسماري الغريب.1) مدينة برسيبوليس : هي عاصمة الدولة الأخمينية التي تأسست في بلاد فارس من عام 550 ق. م إلى عام 330 ق. م. وهي مدينة أثرية تبعد عن مدينة شيراز الإيرانية (70) كم في شمالها الشرقي. وبرسيبوليس كلمة يونانية معناها المدينة الفارسية أو (مدينة الفرس). وتعرف اليوم باسم (تَخْتِ جَمْشيد)، وتخت جمشيد تعني عرش جمشيد. وأقدم بقايا موقع مدينة برسيبوليس يعود تاريخه إلى عام 515 ق . م ، وهذا الموقع يعرف عند الفرس القدماء باسم (بارسه) والتي تعني مدينة الفرس.
وعند زيارته إلى بابل عرّج على زيارة كربلاء ومنها إلى قصر الأخيضر، وكان أول شخص أوربي يزور بقايا موقع الأخيضر الشهير، وقد وصفه وصفاً دقيقاً. ولم يصلنا عن زيارته لمدينة كربلاء أي وصف لها، عدا ما نقل عن رحلته لوصفه لموقع الأخيضر ، وقد يكون قد مرّ بها مرورًا وهو في طريقه إلى قصر الأخيضر، لأن إهتماماته كانت آثارية وليست لاستطلاع الحواضر.
وجاء ذكر رحلة ديلا فاله في كتاب مباحث عراقية ليعقوب سركيس(1)، حيث ذكر ديلافاله حديثًا عن الأمير ناصر بن مهنا، وقد أوردنا ذلك سابقاً عندما تحدثنا عن إمارة آل قشعم وأميرها.
ويعتقد أن زيارته هذه للإخيضر كانت في سنة 1616م (سنة 1025ه-). وذلك حسب ما نقله الأستاذ (يعقوب سركيس) في مباحث عراقية بنص التاريخ الذي كتبه ديلا فاله عند مشاهدته للأمير ناصر في الرسالة السابعة عشرة المؤرخة في 10 كانون الأول 1616م، حيث كان يومها في منطقة بئر النص بين الحلة وبغداد. ويمكن أن يكون ديلافاله قد عاد إلى العراق مرة ثانية لأن طريق عودته إلى بلاده كان عن طريق البصرة حسب ما تذكره المصادر.
هو السيد محمد (درّاج) بن سليمان بن سلطان كمال الدين بن إدريس بن جماز بن نعمة اللّٰه بن علي القصير بن أبي القاسم محمد بن يحيى زحيك. كان نقيب أشراف العراق (نقيب النقباء) قبل إحتلال الشاه عباس الصفوي لبغداد. وبالإضافة لكونه
1) مباحث عراقية : يعقوب سركيس، القسم الأول ص 93.
نقيب النقباء فقد تولى نقابة الحائر بعد وفاة السيد ضياء الدين بن يحيى الفائزي (نقيب الحائر)، وكان ذلك أيام خضوع كربلاء لحكومة (ناصر بن مهنا من آل قشعم) الذي كانت كربلاء (ديرته) مقرّه في الحكم.
وإستمر السيد محمد دراج في توليّه النقابة ثم أضيفت بعهدته سدانة الحسين سنة 1033 ه- من قِبل الشاه عباس. لحين استشهاده سنة 1047ه- بأمر من والي بغداد درویش باشا. وقد ذكر توليه نقابة الحائر السيد ضامن بن شدقم في تحفة الأزهار وزلال الأنهار (1). كما ذكر نقابته لأشراف العراق المحبي في خلاصة الأثر (2). والسيد محمد الدراج هو الجد الأعلى للسادة آل النقيب الحاليين في كربلاء.
ضمن المخططات الصفوية لإحتلال بغداد للمرة الثانية، أقدم الشاه عباس الصفوي بإرسال قوة عسكرية متألفة من خمسة آلاف مقاتل من (القزلباش) وهم الجناح العسكري الصفوي، وعلى شكل دفعات بحجة إنهم من زائري إيران لمشهد الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ) .
بينما كان الغرض من دخول هؤلاء هو تقدمهم إلى بغداد من ناحية الجنوب عندما تتقدم جيوش الشاه عباس الصفوي لمحاصرة بغداد، في الأيام التي إتفق بكر صوباشي مع الشاه لمساعدته على جيش حافظ أحمد باشا الذي حاصر بغداد للقضاء عليه، ووعده بأن يسلمه مفاتيح بغداد.
جاء في تاريخ العراق بين إحتلالين عن تاريخ الغرابي حول دخول القزلباش إلى كربلاء ما نصّه : «فلما أتى حافظ أحمد باشا إلى بغداد ليزيل بكر صوباشي، ويجلس سليمان باشا مكانه بلغ الخبر بكرصوباشي فأرسل إلى الشاه عباس بأني أنقاد لك،
فأمدني بعسكر كي أدفع هذه الغائلة، فلما أتى الحافظ إلى بغداد قابله بكر صوباشي خارج بغداد للقتال فلم يكن نصيبه غبر الهزيمة فتحصن في بغداد وبقي الحافظ متوقفاً خارج بغداد من غير قتال راجيًا أخذ البلد بالسهولة فبينما هو منتظر التسليم أتاه الخبر بأنه من طرف الشاه اتى إلى مشهد الحسين (رض) خمسة آلاف مقاتل لإمداد بكر صوباشي ... »(1).
كان دخول القزلباش لمدينة الحسين (كربلاء) في الربع الأخير من سنة 1032ه-. وهذا الجيش لاقى مواقف صعبه، وتم قتل الكثير منهم في المحاولات الثلاث التي قام بها العثمانيون عند محاولتهم استرداد بغداد.
كما أن هذا الجيش من القزلباش هو الذي أسس الحامية العسكرية في كربلاء بعد أن إحتل الشاه عباس بغداد.
وهو الجيش نفسه الذي طرده الأمير ناصر بن مهنا الذي كانت كربلاء تحت سلطته في تلك الأيام، بعد سنتين من إعطاء ولائه للشاه وإنقلابه عليه فيما بعد وتعاونه مع العثمانيين مرة ثانية.
1) المصدر السابق، ج 4 ص 179 . علماً بأن الغرابي صاحب التاريخ كان قد عايش تلك الأحداث ووثقها.
سيتم البحث في الفترة التي عاشتها مدينة كربلاء في العهد الصفوي الثاني الذي قام الشاه عباس الصفوي بإحتلال بغداد في محرم سنة 1033ه-/ (1623م)، وعلى مدی خمسة عشر عامًا إستمر الإحتلال الصفوي الثاني لغاية إحتلال بغداد من قِبل السلطان مراد الرابع سنة 1048ه- / (1638م) .
تعرّض الحكم العثماني لهزات كثيرة كانت ممهدة لإحتلالٍ إيراني صفوي ثانٍ.
فبُعد بغداد عن العاصمة مركز السلطة العثمانية، وضعف الدولة العثمانية نتيجة الخلافات والإضطرابات فيها، لأن من جاء من السلاطين بعد سليمان القانوني كانوا مفسدين وغير قادرين على إدارة الدولة فدبّ فيها الفساد، والإنكشارية الذين شيّدوا أركان الدولة العثمانية هم ذاتهم كانوا من عوامل وأسباب تدهورها.
إنتقل ذلك كلّه على الولايات والأقاليم التي كانت تحت النفوذ العثماني ومنها العراق ومركزه (ولاية بغداد).
فالإنكشارية في بغداد لعبوا دورًا كبيرًا في الفتن الداخلية، وكثيرًا ما كانوا يقاتلون القوات المحلية ولم يتمكن ولاة بغداد العثمانيون من كبح جماحهم. كما أن الناس
بدأوا يتذمرون منهم، فقد إستولى أحد الإنكشاريين وهو (محمد بن أحمد الطويل) سنة 1016 ه- / 1607م على السلطة في بغداد، وتمكن من أن يهزم جيشاً عثمانيًا جاء للقضاء عليه ولكنه قُتِل وجاء بعده أخوه (مصطفى) الذي أسقطته ثورة في بغداد وعادت السلطة بيد الباب العالي.
بعد فترة ظهر إنكشاري آخر هو (بكر صوباشي) وإستولى على السلطة في بغداد سنة 1032ه-/ 1623م وتمكن من قتل والي بغداد فأصبح (سيّد بغداد بلا منازع)، وأراد ان ينفصل عن الدولة العثمانية. فأرسلت الدولة العثمانية جيشاً إلى بغداد بقيادة (حافظ أحمد باشا) للقضاء عليه.
عندما علِم بكر شوباصي بقدوم جيش حافظ أحمد باشا، كتب إلى الشاه عباس الصفوي طالبًا منه المساعدة وأنه سيكون تحت إمرته إذا ما قَدِم إلى بغداد لمساعدته وأرسل إليه مفاتيح بغداد.
وكانت هذه فرصة لا تعوّض للشاه عباس الصفوي العدو اللدود للدولة العثمانية وخاصة أنه كان يرنو ويطمع في العراق بحجة مذهبية أولاً ووجود العتبات المقدسة فيه ثانيًا، والحقيقة هي غير هذا بل التوسع والسيطرة والنفوذ ونهب الثروات.
عندما أرسل بكر صوباشي مفاتيح بغداد إلى الشاه عباس الصفوي « على أن يكون هو الحاكم فيها والخطبة والسكة للشاه» (1). فرح الشاه بذلك وهي فرصته التي يجب استغلالها ليتوسع غرب دولته على حساب العثمانيين، بعد أن تم تأمين حدود بلاده الشرقية من الأوزبك.
فبعث بجيش كبير إلى بغداد لإحتلالها بقيادة حاكم همدان (صفي قلي خان)، «وأوعز إليهم بالتحرك فورًا إلى بغداد لمعاونة بكر صوباشي» (2). على أن يتبعه هو بجيش آخر.
قبل وصول الجيش الإيراني كان (حافظ أحمد باشا ) قد وصل أطراف بغداد وقام بمحاصرتها، وبعد معارك على سورها ومفاوضات بين الطرفين التي كان يصرُّ فيها بكر على باشوية بغداد رغم الحصار الشديد المفروض على المدينة...
عَلِم حافظ باشا بأن بكر صوباشي إستنجد بالشاه الإيراني لعدم قدرته على المطاولة في قتال الجيش العثماني، قام بإتخاذ الاستعدادات ليحاول عرقلة تقدم الجيش الصفوي وأن يحافظ على بقية عساكره، فكتب إلى بكر صوباشي يعلمه بأنه سوف يعفو عنه وأن يحصل له أمرًا من الدولة العثمانية بتثبيته حاكمًا على بغداد وأن ينسى الماضي، على أن يحافظ على البلد وعدم تدخّل أية قوة أجنبية لأن ذلك الأمر سيحدث حربًا عامة قد تشمل بقية الأقاليم. فقبل بكر صوباشي هذا الأمر.
جاء في كلشن خلفا ما نصّه: «لّما رأى بكر صوباش أنه أصبح معرّضاً للعقاب أكثر من الأول وانه لا يوجد من يستعين به، فقد جمع أركان حكومته وعرض عليهم الحالة وما ينتظره من العواقب السيئة من الدولة العثمانية. وبعد المداولة والأخذ والرد تقرر أن يسلّم مفاتيح بغداد إلى شاه إيران لإنقاذ حياتهم من عقاب حافظ أحمد باشا الذي ولا شك سوف يعاود الكرّة ويجمع ما يحتاجه من قوّات ويهجم على بغداد ووضعوا هذا القرار موضع التنفيذ وأرسلوا المفاتيح إلى الشاه بيد أحدهم المسمّى عباس وسيّروه حالاً ... »(1).
كان حافظ أحمد باشا قد وجد إن الواجب يقتضي الصلح مع بكر صوباشي للحيلولة دون سقوط بغداد بيد الصفويين.
عندما فرض حافظ أحمد باشا حصارًا على بغداد، وعرف باستنجاد بكر بالصفويين، أرسل إلى قائد الجيش الصفوي رسالة مؤداها نصيحة بعدم التدخل وأن المشکلة هي بين الدولة العثمانية وحاكم لولاية متمرد ، ولم يجد حافظ باشا إذاناً صاغية لا من قائد الجيش الإيراني ولا من الشاه نفسه، وإعتقد بأن الصفويين عازمون على
1) کلشن خلفا، ص217 .
الوصول إلى بغداد بجيش كبير، فإضطر إلى التفاوض مع بكر صوباشي وأقنعه بأنه سوف ينهي الحصار على بغداد ويحصل من الباب العالي له على عفو تام وأن يبقيه والياً على بغداد بشكل رسمي وبموافقة الدولة العثمانية، فَقَبِل بكر صوباشي بذلك، ورجع الصدر الأعظم إلى الإستانة بقواته.
يقول المرحوم عباس العزاوي في تاريخ العراق بين إحتلالين: « ولم يجد القائد العثماني حافظ أحمد باشا بداً من إقرار الأمر الواقع إذ بات من الواجب الحيلولة دون سقوط بغداد بأيدي الفرس ولا سيّما وقد تردد أن النقود أخذت تضرب باسم الشاه» (1).
قبل أن يتخذ حافظ أحمد باشا قراره الصلح مع بكر صوباشي وجد بأن طلائع القوات الصفوية دخلت الأراضي العراقية وأرسل قائدها رسولاً إلى معسكر الجيش العثماني الذي يقوده حافظ أحمد باشا يقول له : « إن بغداد قد أصبحت فارسية، فهل للباشا أن ينسحب من جوارها ليدوم السلم بين الأمتين؟ »، فردّ عليه الباشا (حافظ أحمد) قائلاً: «إن هذه ليست أرض فارسية ونحن نقوم بواجب تأديب ثائر من الثوّار» (2). عندما علم بكر صوباشي بتقدم جيش الشاه من خانقين ندم كثيرًا على فعلته، فارسل إلى قائد الجيش بأنه تصالح مع دولته ولا داعي للقدوم لمساعدته، ويخبره بأنه سيستقبل قواتهم بإعتبارهم (ضيوف) مرحب بهم لا غير، مما أغضب القائد الإيراني.
كتب قائد الجيش إلى الشاه عباس الصفوي بذلك فأظهر الشاه استياءه الشديد وقرر المضي نحو بغداد، والطلب من بكر صوباشي تنفيذ ما وعد به. فردّ بكر بأنه مستعد لدفع كافة المصاريف التي تحمّلها الجيش الصفوي، ولا يمكنه تسليم بغداد. فتصلّب الشاه عباس في موقفه وأمر قائد جيشه بالتقدم نحو بغداد وفرض حصار شديد عليها وأنه قادم على رأس جيش جرار على إثره.
وكتب بكر صوباشي إلى الشاه عباس ما يلي: «إنّي تصالحت مع السلطان وصرت أحد الوزراء ووليت بغداد، فإرحل عنّا بسلام» (1).
وصل الجيش الصفوي على مشارف بغداد وقام بمحاصرتها في صيف 1032ه- / 1623م. وإستعجل الشاه باللحاق بالجيش المهاجم.
عندها ندم بكر صوباشي كثيرًا وقام بالتحكيمات وتحصين سور بغداد وقلعتها الرئيسية، وإتخذ الاستعدادات لذلك وطلب من الدولة العثمانية المساعدة.
أحكم الشاه عباس حصاره على بغداد، وبعد الشهر الثالث من الحصار بدأت المجاعة تسود فيها، وبدأ اليأس ينتشر في قوات بكر صوباشي وتخلّى عنه أعوانه، وحتى ابنه (محمد) المكلف بحماية القلعة وأبواب المدينة فقد خانه وطلب الأمان الشاه لقاء فتح أبواب المدينة له. رغم المقاومة الشديدة والحصار المفروض منذ ثلاثة أشهر والمجاعة لم يتمكن الشاه عباس من إقتحام بغداد حتى تمكن من إستمالة ابن بكر الصوباشي (محمد) الذي كان مكلفاً بحماية أبواب السور والقلعة وأقنعه بأن يعطيه الأمان إذا ما دخل بغداد محتلاً، وقد خان الابن والده وفتح أحد أبواب بغداد للصفويين الذين إخترقوا المدينة، وحدث قتال شديد وسالت دماء كثيرة، وألقي القبض على بكر صوباشي وتم إعدامه، وأمر الشاه عباس جيشه بقتل كل من كان على غير مذهبه، وحدثت مجزرة كبيرة وتم تهديم مرقدي الشيخ عبد القادر وأبي حنيفة النعمان. وكانت حينها وقفة مشرّفة لنقيب الأشراف في العراق السيد (محمد درّاج ) (2)آل النقيب، عندما حمى خلق كثير من أهل السنة وتم إيوائهم في أماكن تابعة
1) العراق في العهد العثماني (دراسة في العلاقات السياسية 1700 - 1800) /د. علاء نورس، ص35، عن زبدة الآثار الجليلة لياسين العمري.
2) النقيب السيد محمد الدراج هو الجد الأعلى للسادة آل النقيب في كربلاء. وهو السيد محمد بن سليمان بن سلطان كمال الدين بن إدريس بن جماز بن نعمة اللّٰه بن علي القصير بن أبي القاسم محمد بن يحيى زحيك، وآل زحيك من سلالة السيد إبراهيم المرتضى بن الإمام موسى الكاظم ( عَلَيْهِ السَّلَامُ). وسيتم الحديث عنه لاحقًا بالتفصيل في مواضع أخرى من هذا الكتاب. جاء في كتاب مدينة الحسين ج 3 ص 55 وص 56 ما نصّه: « وبينما هو (أي الشاه عباس) على أبواب بغداد سافر من كربلاء وفد بزعامة السيد محمد الدراج نقيب نقباء العراق وقيادة الأمير ناصر بن المهنا من آل قشعم لاستقبال الشاه. وعندما دخل الشاه عباس الكبير إلى بغداد فاتحاً ، إلتقى النقيب مع الشاه ونال عنده منزلة سامية وبذلك إستطاع أن ينجي الكثير من بيوتات إخواننا أهل السنة وقد ضمن لهم السلامة والأمان والحياة ». وهذا النص فيه شيء من الإلتباس، فإنه يوحي أولاً بأن السيد النقيب كان متواطناً مع المحتل، وهذا غير صحيح أصلاً، وان السيد النقيب عندما حاصر الشاه عباس بغداد كان في بغداد حينها لأنه نقيب نقباء .العراق. وللتأكيد على ما نذهب إليه هو ما ذكره المحبي في (خلاصة الأثر) ج 1 ص 383 حيث قال انه « كان نقيب الأشراف في بغداد ». كما جاء في (موارد الإتحاف) ج 1 ص 152: « انه كان نقيبًا في كربلاء لكنه كان في بغداد حين دخول الشاه عباس بغداد ... ».
له على أنهم من أتباع أهل البيت، فنجت أعداد كبيرة منهم من القتل الذي أخذ شكلاً طائفيًا وتنكيلاً عنصريًا.
كان دخول جيش عباس الصفوي بغداد في نهاية محرم سنة 1233ه-، وفي اليوم الثاني من شهر صفر 1033ه- / المصادف 28 تشرين الثاني 1623م إكتمل سقوط بغداد بيد الشاه الذي ألقى القبض على بكر صوباشي وتم إعدامه، بعد أن قصف المدينة بالنيران وبدأت عملية القتل على الأساس المذهبي بعد أن أعطى الأمان الخادع لأهل بغداد، وبعد دخوله بغداد بعث الشاه عباس بقواته لإحتلال ما تبقى من العراق فإستولى على كركوك والموصل، وخضع له أميرا البادية(1)وقدّما الولاء للشاه ومنهم: (مطلق أبو ريشة) (2)و (ناصر المهنا)(3).
1) العراق في العهد العثماني: د. علاء نورس، ص37.
2) مطلق أبو ريشة كان من أمراء البادية وكانت له سطوة تمتد من الفلوجة إلى مناطق أعالي الفرات حتى العشائر في الأراضي السورية، وكانت إمارته مركزها في ( عانة) وقد إعترف العثمانيون بإمارته، وعندما إحتل الشاه عباس الصفوي بغداد قام أبو ريشة بطرد الحامية العثمانية من (عانه)، فكان متذبذب الولاء بين الفرس والعثمانيين، وينهب الفريقين دون أن يخدم أحدهما ، وفي سنة 1631م قام الصدر الأعظم خسرو باشا بإرسال حملة صغيرة لتأديبه.
3) تم الحديث عنه سابقًا. بإعتبار أنه كان يتخذ كربلاء مركزاً لإمارته، وقد وقف ضد العثمانيين، ومن ثَمَّ أعطى الولاء للشاه عباس وبعد سنتين إنقلب عليه.
لم يتمكن الصفويون من إحتلال البصرة إلى أن إنتهى حكمهم في العراق رغم أنهم قاموا بعدة حملات للاستيلاء عليها ولم يتمكنوا منها، وكان واليها العثماني (أفراسياب)(1)قد حافظ على ولائه للسلطان العثماني رغم إغراءات الشاه عباس له، وفي ثلاث حملات على البصرة تمكن أفراسياب ومن بعده ابنه علي باشا من صدها بمساعدة الإسطول البرتغالي المتواجد قرب البصرة. بينما وضع الصفويون حاميات في السماوة والحسكة والحلة والعتبات المقدسة. وبعد أن إستتب الأمن، عاد الشاه إلى بلاده تاركاً صفي قلي خان حاكمًا على بغداد.
وإستمر الحكم الثاني للصفويين مدة 15 عام حاول خلالها العثمانيون إعادة السيطرة على بغداد عدة مرات ولم يفلحوا في ذلك إلى أن تمكن السلطان العثماني مراد الرابع سنة 1048ه- / 1638م من إحتلال بغداد وكامل العراق.
1) أفراسياب: كان كاتب الجند في البصرة، وعند عجز واليها ( علي باشا) من السيطرة على حركات العشائر وعدم تمكنه من دفع الجراية السنوية للدولة العثمانية، تنازل عن منصب الولاية إلى افراسياب كاتب الجند سنة 1005ه- /1596م الذي دفع له مبالغ من المال لقاء ذلك، وأوعد بأن يرسل الجراية السنوية إلى إسطنبول وأن يبقي الخطبة للسلطان العثماني وعند وصول الوالي علي باشا إلى إسطنبول تم إعدامه لأنه باع ولايته بدون إذن من الدولة، ولم يفِ أفراسياب بوعوده بل إستقل بولايته وأسس حكم أسرته في البصرة إلى أن تم القضاء على الأفراسيابية من قبل والي بغداد العثماني قره مصطفى سنة 1078ه- / 1667م ، بعد أن حكمت الأسرة البصرة اكثر من 70 سنة.
كان إحتلال الشاه عباس لبغداد سنة 1033ه- / 1623م. وبعد أن إستتب له الأمر قام بزيارة الروضة الكاظمية وتوجّه بعدها لزيارة العتبات في النجف وكربلاء.
الشاه عباس الصفوی الکبیر
كانت كربلاء حينها تخضع لحكم آل مهنا، وقد ذهب ناصر بن مهنا إلى بغداد للترحيب بالشاه الصفوي المحتل، وتقديم الولاء له، وقد رافق الشاه والسيد محمد الدراج عند زيارته إلى النجف وكربلاء.
عندما إستتب للشاه عباس الأمر في بغداد، أرسل قسماً من جيوشه لإحتلال الموصل وكركوك وقد تمكن من ذلك، ثم توجه لزيارة النجف وكربلاء يرافقه النقيب السيد محمد الدراج، وكانت وجهته الأولى إلى النجف عن طريق الحلة. وبعد انتهاء الشاه من زيارة النجف ومرقد أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، توجه قاصدًا مدينة كربلاء لزيارة مرقد الإمام الحسين فيها.
ويقال بأنه توجّه راجلاً وعندما وصل إلى أبواب مرقد الحسين دخله مهرولاً باكيًا وطاف حول القبر ثلاث مرات وأكرم الحاضرين وقدم هدايا للمرقد الشريف(1).
عند زيارته لمشهد الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) أمر الشاه عباس الصفوي بما يلي:
1 - أمر بصنع شباك (نحاسي) يوضع على الصندوق الخاتمي الذي تبرع بصنعه الشاه إسماعيل الصفوي.
2- كما أمر بإكساء قبة مشهد الحسين بالقاشاني (الطابوق المزجج المفخور والمنقوش)، كما أمر بزخرفة القبة من داخل الحرم بالفسيفساء.
3- وتبرع أيضاً بأستار حرير مطرزة بالديباج توضع على القبر الشريف.
وقد نظم هذه الأعمال شعرًا الشيخ محمد السماوي في أرجوزته حيث قال:
ثمَّ أتى العباسُ في الأملاكِ ***فَصّيَّر الصنْدوقَ في شباكِ
وَزَيّنَ القبة بالكاشاني*** والبَهْوَ في شأنٍ يغيظُ الشاني
ورَوَّقَ الرواق والصحن نَظمْ*** وإستجلب الفراش من صُنعِ العجمْ
واطلق الكفَّ بفضلٍ وافرِ*** لسادن الروضة والمجاور (2)
كان الشاه عباس الصفوي يكُنُّ للسيد محمد الدراج بالغ الإحترام، وكان السيد محمد الدراج نقيب نقباء العراق ونقيب كربلاء في بغداد عندما دخلها الشاه عباس، وأصبحت لديه عند الشاه منزلة كبيرة، وذلك لمقامه العالي كونه نقيب النقباء من جهة، ومن جهة أخرى كان الشاه عباس من الذكاء فسعى لإستمالة رجالات العراق وخاصة من الشيعة إلى جانبه، مع أن السيد الدراج كان غير متعصب مذهبيًا وتبين من خلال عمله الجليل الذي قام به عندما حفظ أرواح الكثير من أهل السنة عندما أمر الشاه عباس التنكيل بهم وهدم مراقدهم على أساس مذهبي طائفي وبقي التاريخ يذكر للسيد النقيب عمله الجليل بفخر وإعتزاز.
رافق السيد النقيب الشاه عباس في زيارته للنجف، وعاد معه إلى كربلاء، وفي كربلاء أمر الشاه بأن يتولى السيد محمد الدراج النقيب آل زحيك سدانة الروضة الحسينية المقدسة بدلاً من سادنها الشيخ محي الدين الأسدي وكان ذلك في شهر صفر من عام 1033 ه-/ 1623م. وقد جمع السدانة ونقابة الأشراف.
والسيد محمد الدراج هو ابن سليمان بن سلطان كمال الدين من آل زحيك، والعقب منه هم السادة نقباء كربلاء السادة آل النقيب الحاليين في كربلاء.
وقضى السيد محمد الدراج نحبه مقتولاً رحمه اللّٰه سنة 1049ه-/ 1639م بأمر الوالي العثماني (درويش محمد باشا) الذي تولى ولاية بغداد في محرم 1049ه-. جاء في تاريخ العراق بين إحتلالين في حوادث سنة 1049ه- / 1639م ما نصّه :
«نقیب سادات بغداد (السيد دراج) كان سادن حضرة الإمام الحسين (رض) وكان من الأعيان المشهورين، وهو صاحب قوة ومكنة، فلما إستولى شاه العجم (الشاه عباس) على بغداد أحسن الظن به وإعتقد فيه الإعتقاد الجميل، فرعاه وأكرمه. فكان في مقام الخدمة. يفكر في العواقب، فلم يغفل أمر العثمانيين. وكان في ذلك الحين أراد الشاه أن يقتل أهل السنة قتلاً عامًا، فتوسط (السيد دراج) فقال له سأختار محبي آل
علي، وما عداهم فإقتلهم، وبهذه الوسيلة أنقذ خلقاً كثيرًا من القتل. وهذا العمل المشكور كله لم يمنع الوالي من الوقيعة به بعلة أنه كان شيعياً معروفًا بتشيعه، فلم يتحمل شهرته ومكانته فإتخذ ذلك وسيلة للقضاء عليه (قتله)، وإستولى على أمواله الوافرة وكان يدعي أنه ( درويش)، فلم تردعه هذه الخدمة النبيلة، ولا المكانة المقبولة. أراد هذا الوالي أن يستقل بنفوذ العراق وحده، وأن تكون بغداد والأنحاء العراقية خالصة للدولة العثمانية. وقد جاء ذلك في تاريخ نعيما، وفي فذلكة كاتب جلبي، وفي خبر صحيح. والآن من بقايا السيد دراج (أسرة نقيب كربلاء) ...»(1).
جاء في كتاب دائرة المعارف الحسينية / تاريخ المراقد، ما نصّه: « وفي عام 1032ه- تولى السدانة للروضة الحسينية السيد محمد الدراج خلفاً للشيخ محي الدين الأسدي» (2). ومصدره موسوعة العتبات المقدسة قسم كربلاء ص118، وتاريخ العراق بين إحتلالين ج 4 ص 240 وتراث كربلاء ص153، وتاريخ مرقد الحسين والعباس ص 210 .
نقول:
عند مراجعتنا إلى هامش رقم 4 من تاريخ المراقد الجزء الثاني ولغرض التحقق من المصادر التي نقل عنها وذكرناها أعلاه وجدنا التالي:
ذُكِر في موسوعة العتبات/ قسم كربلاء ص 118 وفي تاريخ العراق بين إحتلالين ج 4 ص 240 نفس النص الذي ذكرناه أعلاه عن تاريخ العراق بين إحتلالين وهو نفس النص الذي ذُكر في موسوعة العتبات، وفي النص ذكر أن السيد محمد دراج النقيب كان سادن الحسين، ولكن لم يذكر أي المصدرين عن السنة التي تولّى فيها السيد النقيب السدانة، وإنما الحديث كان عن أحداث سنة 1049ه- التي قُتل فيها السيد النقيب !!
أما المصدر الآخر الذي أشار إليه مؤلف تاريخ المراقد هو كتاب تراث كربلاء ص 153 ، وعندما راجعنا المصدر ذاته لم نجد ما يشير إلى الموضوع لا من بعيد ولا من قريب في تلك الصفحة أو التي قبلها والتي بعدها !!
بقي المصدر الرابع هو تاريخ مرقد الحسين والعباس ص210، فقد أورد ذات النص أنه تولى السدانة سنة 1032ه- ، علماً بأن مؤلف تراث كربلاء هو ذاته مؤلف تاریخ مرقد الحسين والعباس، وعليه ففي المصادر الثلاثة الأولى التي أخطا فيها الشيخ الكرباسي في النقل قد تكرر ذلك في موسوعته في اكثر من محل.
وعليه نقول : إن إحتلال الشاه عباس الصفوي لبغداد كان في نهاية محرم سنة 1033ه- وأكمل سيطرته في الثاني من صفر، وبعد دخوله بغداد واستقرار الأمر له فيها ذهب لزيارة النجف وكربلاء ورافقه السيد محمد الدراج، وفي كربلاء فإن الشاه عباس هو الذي ولّاه سدانة الحسين، فالشيخ الكرباسي قد أخطأ كما أخطأ غيره في تاريخ تلك التولية، علماً بأن الشيخ الكرباسي أقرّ في هامش الصفحة ذاتها حيث قال: «ولعل السلطان عباس هو الذي نصّبه سادنًا ».
في شهر ربيع الأول من نفس السنة زار الشاه عباس مدينتي كربلاء والنجف، وفي زيارته لكربلاء أهدى لأهل الحائر الشيء الكثير من الهدايا (1). وجاء في تاريخ الكوفة للبراقي ما يلي: وعندما زار النجف أمر بتنظيف النهر الذي كان حفره الشاه إسماعيل عند زيارته للنجف، بعد أن طمي هذا النهر في زمن محاصرة الروم (الأتراك) أرض النجف في أيام السلطان سليم فتم كريه وجرى فيه الماء حتى دخل مسجد الكوفة، ويعرف هذا النهر ب- (نهر الشاه) نسبة إلى الشاه عباس.
1) مدينة الحسين : السلسلة الثالثة ص 58 ، ولم يَذْكر المصدر ما نوع هذه الهدايا الكثيرة!!
نظمي البغدادي هو والد مؤلف كلشن خلفا مرتضی نظمي زادة. ولد نظمي في 4 رمضان سنة 1002ه- / 1594م ببغداد. وقد مال في أول نشأته إلى المعارف كآبائه وأجداده فظهرت مواهبه وجالس العلماء والأدباء، وكان أديباً وشاعرًا منذ الصغر، وكاتبًا نحريرًا، فقد أجاد في النظم والنثر. وهو ابن بنت عهدي البغدادي مؤلف (كلشن شعرا).
كان يعيش ببغداد في راحة ورغد من العيش، حتى كان من أمر بكر صوباشي وهجوم الصفويين على بغداد وإحتلالها سنة 1033ه- . وقد هرب من أعمال القتل والخراب التي أمر بها الشاه عباس الصفوي في بغداد، فهرب منها مع والدته وهو يرتدي زي الدراويش إلى كربلاء متخفيًا عند أحد ساداتها، حتى لا يعرف حاله، وبقي في كربلاء إلى سنة 1035ه- / 1626م عندما قَدِم حافظ باشا لاسترداد بغداد من الصفويين في المحاولة الأولى، حيث دخل العثمانيون كربلاء لقطع الإمداد الصفوي عن بغداد من جنوبها، فإلتحق بالباشا ومدحه بقصيدة.
عندما فشلت محاولة حافظ أحمد باشا، هرب نظمي زادة إلى (الرها) (1)وهناك عُرفت له مكانته ونال مكانة سامية. وحدث له حادث فكسرت ساقه فلازم بيته وقرأ (منظومة مجنون ليلى) للشاعر فضولي البغدادي فكتب رواية تباريها سمّاها (ناز و نیاز).
1) الرها: مدينة تاريخية في الجزيرة الفراتية، تقع الآن على الحدود السورية التركية. ومعناها بالسريانية (أورهي) وباليونانية إدّسا، وعرفت لاحقًا في العصور الكلاسيكية باسمها الإغريقي إديسا وتعرف حاليًا باسم (أورفة) في تركيا. كانت عاصمة مملكة الرها وكان أهلها يتحدثون اللهجة السريانية من اللغة الآرامية، ضمت إلى الإمبراطورية الرومانية سنة 212م ، ثم أصبحت بعد إنتشار المسيحية فيها مركزاً دينيًا وثقافيًا هاما للمسيحية السريانية. تعاقب عليها البيزنطيون والفرس الساسانيون قبل أن يدخلها المسلمون صلحاً بقيادة عياض بن غنم سنة 638م أقام فيها الصليبيون كونتية الرها سنة 1198م التي إستمرت إلى أن إسترجعها منهم عماد الدين زنكي. دخلها العثمانيون سنة 1517م. ثم صارت بعد سقوط الدولة العثمانية جزءاً من تركيا.
لّما جاء السلطان مراد الرابع إلى الرها وهو في طريقه لإحتلال بغداد، مدحه بقصيدة وتمنى له السلامة والنصر. وفي سنة 1643/1053م عاد إلى بغداد مع اهله وولده فحصل على مكانة مرموقة ومناصب في كتابة الديوان.
وقبل وفاته بخمس سنوات تقريبًا ترك الأعمال ولازم العبادة وقراءة القرآن إلى أن توفي سنة 1074ه- / 1663م.
جاء في تاريخ العراق بين إحتلالين عن نظمي البغدادي ما نصّه: «... له اليد الطولى في النظم والنثر. كان فذّاً في الفارسية والعربية. يعد فريد عصره. وهو صاحب عرفان وزهد وسلوك مقبول، وتصوف مرغوب فيه، وله مساعٍ خيرية وأعمال فاضلة... وفي كل أحواله راعى القوانين الشرعية ولم يَحِدْ عنها »(1).
وإثناء فترة مكوثه في مدينة كربلاء، فقد كتب الكثير عنها وعن مشاهداته فيها، وعن بعض الأسر والشخصيات التي عرفها بالمدينة وهو متخفي فيها، وكل ما كتبه عن مدينة كربلاء كان مدحًا لها ولأهلها الذين أووه.
عندما إحتل الشاه عباس الصفوي الكبير بغداد في سنة 1033ه- / 1623م، بقي فيها عدة أشهر إلى أن رتّب الأمور وتأكد من إحتلال الموصل ووصول جيشه إلى كركوك، ولم يتمكن من إخضاع البصرة التي كان يحكمها علي باشا بن أفراسياب الذي كان يساند العثمانيين، ولكن الشاه تمكن من تنصيب الحاميات العسكرية في مدن العتبات المقدسة في كربلاء والنجف وكذلك في الحلة، وأغلب الظن كان ذلك بمساعدة الأمير ابن مهنا الذي قدّم الولاء للشاه. وعيّن قائد قواته (صفي قلي خان) حاكماً على العراق ومركزه في بغداد.
1) تاريخ العراق بين إحتلالين، ج 5 ص 71.
ففي هذه الأشهر التي بقي فيها الشاه عباس في بغداد زار مدينتي كربلاء مرتين، الأولى كانت بعد إحتلاله بغداد مباشرة، والثانية كانت قبل مغادرته العراق إلى عاصمته في إيران، وكِلا الزيارتين كانتا في عام 1033ه-.
لكن البعض ممن كتبوا عن تاريخ كربلاء ذكروا بأن الشاه عباس زار كربلاء ومشهد الحسين زيارة ثالثة سنة 1035ه- / 1625م ، وبعد البحث الطويل لم نجد ما يثبت صحة هذه الزيارة لعدم ذكرها في المصادر التي عايشت أحداث تلك السنة، ومن الذين ذكروا الزيارة بدون إسناد قوي هم:
1-جاء في كتاب مدينة الحسين ما نصّه: «وفي عام 1035ه- وعلى أثر نشوب فتنة في بغداد، جاء الشاه وحاصرها، وفي إثناء الحصار زار مشهد الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) في كربلاء ومشهد الإمام علي ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) في النجف وإستمد منهما البركة والنصر.
ثم رجع إلى بغداد، وتم له الاستيلاء عليها بهمة ومساعدة النقيب السيد محمد الدراج الذي تمكن من تهدئة الأحوال في الداخل ومهّد السبيل لدخول الشاه إلى بغداد مجدداَ »(1).
عند مراجعتنا إلى المصادر التي ذكرت أحداث سنة 1035ه- لم نجد فيها ما يُذكر عن زيارة الشاه عباس لكربلاء ومساعدة النقيب المرحوم السيد محمد دراج له. لأن الذي كان في بغداد ليس فتنة في داخلها وإنما حوصرت من قبل جيش عثماني كثيف لمدة تسعة أشهر لم يتمكن فيها الشاه من دخولها إلى أن إنسحب الجيش العثماني. وإن حَشْر اسم السيد الدراج سادن الحسين حينها ونقيب نقباء العراق هو إساءة له لم يقم بها أصلاً ولم يذكرها أحد، وهي تعطي صورة مشوهة إلى النقيب كونه يتعاون مع المحتل والغازي وهي مثلبة في كل الأحوال !!
والذي يتعجب منه المرء أن يسمع بأن محتلاً يستمد من الإمام علي والإمام الحسين البركة والنصر !!... فهل العجم والترك هم أصحاب البلد؟ وإنما بغداد هي مدينة
1) مدينة الحسين: السلسلة الثالثة ص 58 وص 59 ولم يذكر المصدر الذي إعتمد عليه.
عربية مسلمة يتعايش فيها الجميع وأبتليت بأطماع الإيرانيين والعثمانيين على حد سواء كالذين قبلهم ممن إحتلوها ودنسوها... فهل ذكر المؤلف ما أصاب أهل بغداد سنتهم وشيعتهم وباقي الملل خلال تسعة أشهر من حصار العثمانيين لها وحصار آخر من الإيرانيين، والناس داخلها أصابتهم غائلة الجوع والمرض حتى قيل أن الأمهات بدأن يأكلن أولادهن وسعر الحمار بكذا دينار،... إلخ، وأهلها لاحول لهم ولا قوة، فإن أئمة أهل البيت عليهم السلام لا يمدون ببركتهم من يسفك الدماء ويحتل البلاد الآمنة أياً كان.
2-وعلى نفس هذه الشاكلة من النقل فقد جاء في كتاب دائرة المعارف الحسينية / تاريخ المراقد ما نصّه: « وفي عام 1035ه- زار السلطان عباس الكبير ثانية مرقد الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) وإستمد منه العزيمة لينتصر على العثمانيين في إضطرابات بغداد ورجع إليها فاتحاً». (1)
3- جاء في كتاب بغية النبلاء في تاريخ كربلاء، ليس في أصل المتن الذي كتبه المؤلف بل في هامش المحقق وهو حفيد المؤلف عن زيارات الشاه عباس إلى كربلاء ما يلي:
1) دائرة المعارف الحسينية: تاريخ المراقد ، ج 2 ص 84 ، ويعتمد مؤلفه الشيخ الكرباسي بمصدر هذا النص على كتاب تاريخ العراق بين إحتلالين لعباس العزاوي في الجزء الرابع. وعندما رجعنا إلى أصل المصدر لم نجد فيه شيء يذكر عن الزيارة هذه مطلقاً وإنما كتب مؤلف تاريخ العراق بين إحتلالين عن حوادث سنة 1035ه- / 1625م من ص 185 إلى ص 195 عن حصار العثمانيين لبغداد و مجیء الشاه ومحاصرته القوات العثمانية والمعارك التي دارت خلال تسعة أشهر إلى أن إنسحب العثمانيون وانتهاء الحصار. ولم يذكر زيارة الشاه لا من بعيد ولا من قريب! فلا أدري هل أن كتاب (شهر حسين) أي مدينة الحسين الفارسي التأليف هو أدق صحة من بقية المصادر مثل المصدر الذي ثبته الكرباسي آنف الذكر ، وكلشن خلفا الذي عاصر مؤلفه الأحداث وكان حينها مختفياً في كربلاء وهو موثوق النقل ويعتمد عليه الذين ذكرناهم في مواضع كثيرة، أو تاريخ الغرابي الذي وثق الحوادث التي عاشها عن قرب!!
«زار كربلاء أيضاً الشاه عباس الأول الصفوي. فقد جاء في فارسنامة ناصري ما ترجمته: غادر الشاه عباس الأول الصفوي إصفهان في سنة 1033 هجري متجها نحو بغداد، وفي غرة ربيع الأول من نفس السنة دخل بغداد فاتحاً... ثم توجه إلى النجف الأشرف في محرم الحرام، وعلى بعد 30 كيلومترًا ترجل عن فرسه وخلع نعله، وأنعم على كافة سكنة النجف وتوجه بعد ذلك مسرورًا فرحاً إلى زيارة كربلاء، وطاف البقعة الطاهرة، ثم أقفل راجعاً إلى بغداد وزار الإمامين الكاظمين وسامراء. وفي ربيع هذه السنة أعاد الكرة لزيارة كربلاء والنجف الأشرف. وقبل أعتاب هاتين الحضرتين وأدى لوازم الزيارة واهدى الصناديق القيمة والطنافس الحريرية المطرزة والديباج، والشيء الكثير ورجع إلى بغداد. وأعاد الزيارة مرة أخرى إلى الروضة الحسينية . . .» (1)
ويلاحظ أن محقق الكتاب المذكور ذكر عن مصدره الفارسي بأن الشاه دخل بغداد في ربيع الأول من نفس السنة، فكيف زار كربلاء والنجف في محرم الحرام من نفس السنة ؟!! لأن شهر محرم يسبق ربيع الأول بشهرين. وعندما ذكر (وأعاد الزيارة مرة أخرى إلى الروضة الحسينية) لم يذكر تاريخ هذه الزيارة...
على ما ذكر اعلاه فإن الزيارة الثالثة لم تؤيد من قبل المصادر التي اعتمدت عليها النصوص التي ذكرناها وهي الواردة في مدينة الحسين وفي تاريخ المراقد من دائرة المعارف الحسينية.
عندما إحتل الشاه عباس بغداد لم يهنأ للدولة العثمانية بال إلاّ أن تُسْترجع بغداد والعراق كله من سيطرة الصفويين وكان ذلك من ضمن الصراع المستديم بين
1) بغية النبلاء في تاريخ كربلاء، ص 72 في الهامش رقم 35 .
الدولتين. فقامت الدولة العثمانية بثلاث محاولات لإستعادة بغداد من الإيرانيين، كانت المحاولة الأولى بقيادة الصدر الأعظم حافظ أحمد باشا، والثانية بقيادة السردار خسرو باشا، والثالثة التي تم فيها إعادة إحتلال بغداد وطرد الصفويين منها بقيادة السلطان العثماني مراد الرابع بنفسه.
وهنا نتطرق إلى المحاولة الأولى التي كانت بقيادة حافظ أحمد باشا، لأننا نتحدث عن موضوع يقع زمانه ضمن فترة الأحداث تلك.
في محرم من عام 1035ه- / 1625م سار الصدر الأعظم حافظ أحمد باشا بجيش لجب ومعه قادة كُثُر نحو بغداد. وفي شهر صفر من نفس العام نزل الجيش قرب مرقد أبي حنيفة (في الأعظمية)، وبدأ بمحاصرة بغداد من جميع جوانبها ووضعوا حولها المتاريس ونصبوا المدافع وقطعوا أشجار النخيل من حولها وحفروا خندقًا حولها، ووصلت إليهم الإمدادات من البصرة ومن ديار بكر، وقد أحكموا الحصار على المدينة.
في نفس الوقت أرسلت قوة من الجيش العثماني لإحتلال (الحلة وكربلاء) وتم لهم ذلك لقطع الإمدادات من تلك الناحية التي كانت تصل للإيرانيين في بغداد، ولقطع الطريق على الآلاف من القزلباش الذين توجهوا إلى النجف في إحدى المناسبات، ورغم ذلك فقد تمكن ثمانية آلاف منهم العودة ودخول بغداد، ولم يتمكن الباقون من ذلك.
في تلك الفترة كانت كربلاء والحلة كذلك تحت سيطرة الأمير ناصر بن مهنا الذي كان قد أعطى ولائه للشاه عباس عند إحتلاله بغداد، وذكرت المصادر أنه بعد عامين إنقلب على الصفويين وتمكن من طرد الحامية العسكرية الإيرانية من كربلاء التي كانت هذه المدينة (ديرته) ومقر حكمه. ولربط الموضوع فنعتقد بأن الأمير ناصر المهنا تعاون مع القوة العثمانية التي جاءت واحتلت كربلاء والحلة (وسنذكر تفاصيل الحادثة بمصادرها في موضع آخر).
وعليه فإن مدينة كربلاء أصبحت بيد العثمانيين طيلة فترة حصارهم على بغداد الذي إستمر لمدة تسعة أشهر.
وعلى كل ما ذُكر وجب للقارئ الكريم أن يطّلع على الخلاصة التالية وبإيجاز شديد والتي إستقينا قسم منها من كتاب تاريخ العراق بين إحتلالين وسنشير إليه، ويليها نص ما جاء في كتاب كلشن خلفا . وكما يلي : في غرّة شهر رجب من نفس العام جاء الشاه عباس الصفوي بجيشه ووصل إلى (نهر ديالى). وتواصلت المعارك بين الجيش العثماني المحاصر لبغداد وبين المحصورين داخلها من جهة، ومن جهة أخرى مع القوات التي يرسلها الشاه عباس، وحدثت رسائل ومكاتبات بين الشاه وحافظ أحمد باشا تلتها مفاوضات لم تسفر عن شيء.
في 2 شعبان حدثت معركة بين العثمانيين والقزلباش لم تسفر عن شيء، وجاءت للعثمانيين إمدادات (سفن حربية) من البصرة التي كانت حينها بيد علي باشا ابن أفراسياب الذي أراد نصرة الدولة العثمانية ليبقى على استقلاله فيها (1). والشاه عباس يرسل التعزيزات لمنع وصول الإمدادات للعثمانيين. وأرسل الشاه رسولاً إلى حافظ أحمد باشا بكتاب يقول فيه: «إنني أخذت بغداد من يد جلالي (أي من الذين ثاروا على الحكومة العثمانية) وإني مرسل إلى السلطان برسول وكتاب راجياً أن يترك بغداد لابني وإذا أبى فإني أسلمها لكم فلا تدخلوا معي الآن في حرب» (2). فأجابه حافظ أحمد باشا بأنه وكيل السلطان المطلق والجواب عنده وسوف لن يترك بغداد بأمثال هذه الأقوال.
وحدثت معركة ثانية على أسوار بغداد من جهة الكرخ حيث ظهر لهم القزلباشية من جهة الرصافة، ولم تحسم هذه المعركة من الأمر شيء.
في12 رمضان من نفس السنة هاجم عسكر الشاه من ناحية الشرق ومن الغرب وإشتد القتال بين الطرفين، وصاحب ذلك اليوم تصاعد غبار كثيف وريح عاتية یصعب خلالها النظر، وعندما إنجلى كل ذلك كان الجيش العثماني في مكانه والعجم قد إنسحبوا (1).
في 2 شوّال إجتاز العجم دجلة وجاءوا إلى الجسر على حين غرّة وهناك جرت معركة عظيمة، وأرسل الشاه رسوله (توخنه خان) طالبًا الصلح على أن تبقى بغداد لابنه، ورفض قائد الجيش العثماني حافظ أحمد باشا، وحدثت إضطرابات في معسكر الجيش العثماني، وأتهم القائد بخيانة السلطان العثماني.
في 7 شوال إضطر الوزير (الصدر الأعظم) العودة وتحرك الجيش المحاصر يوم 8 شوال وأخذوا معهم رسول الشاه، وبعد عدة أيام تم إطلاق سراحه ولكن الجيش الإيراني ظل يتعقب العثمانيين وحاربه عدة مرات.
إنتهى الحصار الذي دام تسعة أشهر، أثبت فيه الصدر الأعظم قدرة وإمكانية فائقة في إدارة العمليات، ولكنه لم يستطع إقتحام ،بغداد، لقلة إمدادات دولته له وبعكس شاه إيران عباس الصفوي الذي كان قريبًا من جيشه وتمكن بتوجيهاته ودعمه من المحاصرة والإلتفاف حول الجيش العثماني.
فالإيرانيون هنا إكتفوا برفع الحصار عن بغداد وعادوا إلى بلدهم إيران، وحينها كانت الدولة العثمانية مشغولة في حوادثها الداخلية، كما أن العراق بقي مفكك الأوصال، والصفويون يسيطرون على بغداد ومناطق قليلة أُخرى وليس العراق كلّه كان يخضع إليهم خاصة بعد تلك الأحداث التي ذكرناها.
في نفس الوقت لم تكن هناك أي إشارة لزيارة قام بها الشاه عباس الصفوي إلى كربلاء في تلك السنة، كما أن كربلاء في ذلك الوقت كانت تحت سلطة الأمير ناصر بن مهنا وفيها حامية عثمانية يقودها (كنج عثمان). وذلك يعني انه في تلك الأحداث
1) تاريخ العراق بين إحتلالين، ج 4 ص 191 .
كانت كربلاء خارج السيطرة الصفوية، وعليه لم يتمكن الشاه عباس من زيارتها، وإنما عاد إلى بلاده مكتفياً برفع الحصار عن بغداد.
أما ما جاء في كتاب كلشن خلفا فهو النص الآتي حرفياً: «... بعد استيلاء الإيرانيين على بغداد دار السلام عهد الشاه بحكمها إلى صفي قلي خان نيابة عنه ورجع إلى إيران بعدما ترك بغداد يلفها الدمار والخراب، فبيوتها مهدمة وحدائقها إندثرت من الجفاف والإهمال ومخلفات العباسيين وآثارهم ومدارس ومساجد تكاد تكون بحكم المندرسة إذ صارت إصطبلات للحمير والبغال، وبيوت الأهلين معظمها قد نالها الدمار منذ الهجوم عليها، وبقيت على هذه الحالة مدة طويلة ولما بلغ سمع السلطان مراد خان ما وصلت إليه البلاد من التدمير هب من رقدته وأخذ يفكر في الإنتقام وإنقاذ بغداد برج الأولياء مما حل بها. وفي سنة 1035 أوعز إلى الوزير حافظ أحمد باشا بالاستعداد للسفر إلى بغداد وجعله قائدًا عامًا للقوات التي تجمعت من روم إيلي والأناضول ومصر والشام وتزود بمقدار من العتاد والأسلحة والمدافع وتحرك على مهل إعجابًا بنفسه وغير مكترث بعدوه، وكان يعتقد أن حاكم بغداد سيبعث إليه مفاتيح البلدة ويعلن الخضوع والاستسلام خوفًا من بطشه، وقد إقترب من برية بغداد في فصل آذار ونصب خيامه بالقرب من البلدة وإتخذ له ولقواته الحصون والخنادق والقلاع وأدوات الحصار، وبعد إتمام استعداداته سلّط نيران مدافعه عليها، وإشتعلت نار الحرب بين الجانبين. ونظرًا لإهتمام السلطان مراد في إنقاذ بغداد أرسل مقدارًا من حرسه الخاص وقواته إلى الحلة وكربلاء حيث إستولت عليهما وأسكتت مدافعه نيران المقاومة وتغلب على القوات المدافعة وإبادتها. وقد قويت معنويات جنوده بهذا التقدم وعزم على التقدم لإحتلال البلدة ولكن القدر لم يكتب له ذلك، إذ بلغت مسامع الشاه أخبار الحصار المضروب حولها فأرسل قوة تقدر بثمانين ألف مقاتل من القزلباش بقيادة زينل خان مددًا لقوات بغداد المحاصرة، وقد تقدمت هذه القوات ووصلت إلى شهربان وعسكرت هناك. لقد سبق أن ذكرنا أن كوجك أحمد كان قد إستولى على
شيروانه بغير حرب وأنه تخلص من قبضة قاسم خان وأرسل مقدارًا من قواته التي تقدر بخمسمائة مقاتل بقيادة ولده كلب علي إلى قائد الجيش وكل واحد منهم يحمل كيسا من البارود وإنظموا إليه وإتجه كلهم إلى بغداد وبذلك أنقذ أباه من مغبة التقصير في المعاونة. هذا وتقدم زينل خان حتى وصل بهرز وإتخذ من السفن جسرًا لعبور قواته بإتجاه بغداد ثم تقدم حتى صار على مقربة منها بمسافة أربع ساعات وشيد جسرًا على نهر ديالى ولم يتلق أخبارًا عن العدو. وفي تلك الأثناء وصل مراد باشا حاکم دیار بکر وإصطدم بهذه القوات ولكنه إنخذل ورجع، أما الخان الموما إليه فإنه بعد إقامة دامت بضعة أيام تقدم نحو المحل المسمى صوقوشان ورفع الجسر يمنع عدوه من العبور وظل تناوش القوات المتقدمة لمدة شهرين مما خفف وطأة الحصار على قوات المتفرقة لمدة شهرين مما خفف الحصار على قوات بغداد. وتوجه الشاه أيضاً نحو بغداد في أعقاب زينل وبذلك إرتفعت معنويات الجيوش الإيرانية في الوقت الذي ضعفت فيه قوات السلطان وإعتراها الفتور، الأمر الذي شجع العدو على أخذ المبادرة بيده وقامت قواته بهجوم معاكس ولم تقصر قوات السلطان في المقاومة والمدافعة بالرغم من كونها أصبحت محصورة . ودامت الحرب بين الفريقين مدة تسعة أشهر إنتشرت فيهم خلالها الأمراض الفتاكة وقَلّتْ الأرزاق ونفذ العتاد وأستشهد مراد باشا. ومع كل هذه المحن بقيت قوات الدولة العلية تصارع العدو وتقاومه ببسالة من حصونها وخنادقها برغم الضيق الشديد ونفاذ الأرزاق وأخيرًا إستسلمت وأسرتهم قوات العدو وجاءت بهم إلى المدينة. أما المرضى منهم فقد تقاسمهم الأغنياء على قدر الإمكان وأما الباقون فقد سمح لهم بالعودة إلى ديارهم. وبعدئذٍ عاد الشاه عباس إلى إيران وفي سنة 1038 توفي الشاه المذكور واخلفه صفي مرزا»(1).
ولم يذكر مؤلف كتاب كلشن خلفا أي شيء عن زيارة الشاه عباس لمدينة كربلاء علماً بأنه وقتها كان يسكن في مدينة كربلاء مع والده متخفيًا على شكل درويش منذ
1) کلشن ،خلفا، ص 222 - ص 224 .
إحتلال الشاه عباس الصفوي لبغداد، وقد رعته إحدى الأسر العريقة فيها، وبعدها تمكن وعن طريق البادية من اللحاق بجيش حافظ أحمد باشا عند رجوعه إلى الإستانة.
عندما إحتل الشاه عباس الصفوي بغداد سنة 1033ه-، لم تهدأ الدولة العثمانية على خسارتها لبغداد ونواحيها فقد أعدّت عدة حملات لإستعادتها، وكانت الحملة الأولى بقيادة حافظ أحمد باشا، الذي حاصر بغداد ولم يتمكن منها، بل تمكن إلى دفع قسم من جيوشه نحو الجنوب، وكانت حينها الحلة والنجف وكربلاء تحت سلطة الصفويين، فأرسل حافظ باشا أحد قوّاد جيشه وهو مراد باشا إلى النجف وكربلاء. وحتى نستوضح من وجود حاكمًا على مدن العتبات فقد ذكر المرحوم يعقوب سركيس في كتابه (مباحث عراقية) وهو يتحدث عن مراد باشا ما يلي:
وفي عالم أراى عباسي التاريخ الفارسي في أخبار سنة 1034 الصفحة 727 على ما تُرجم لي «ان مراد باشا توجه إلى كربلاء والنجف وكان في الحلة سارو سلطان بيكرلي المتولى على العتبات المقدسة وكان أبو القاسم سلطان استاجلو حاكماً هناك»(1).
و من ذلك يتضح أن النجف وكربلاء كان لهما في عام 1034ه- / 1625 1625م متولياً للعتبات المقدسة فيهما يقوم بإدارة شؤونهما، وكذلك حاكمًا لإدارة المدينتين وقيادة العساكر فيهما ، فالمتولي هو ( بيكرلي) ومقرّه في الحلة بإعتبار ان النجف وكربلاء كانتا تابعتين للحلة إداريّاً وقتئذٍ، والحاكم هو (استاجلو).
ولا يفوتنا أن نذكر بأن كربلاء في ذلك الوقت وعند إحتلال الشاه عباس الصفوي لبغداد تخضع لحكم إمارة آل مهنا وهم من جشعم وكان أميرهم (ناصر بن مهنا) يتخذ من كربلاء ( ديرته ) حيث يقوم بإدارة إمارته منها، وقد تعاون في
1) مباحث عراقية : يعقوب سركيس، ج 2 هامش ص 342 ، بغداد - 1374ه-/1955م.
بداية الأمر مع الشاه عباس الصفوي، وبعد فترة إنقلب عليه وطرد الحامية الصفوية من كربلاء.
توفي الشاه عباس الكبير الصفوي سنة 1038ه- / 1629م الذي حكم قرابة 42 عاماً، وإعتلى العرش الصفوي بعده حفيده صفي الدين المشهور ب- (ميرزا آصفي) بن سام بن عباس الأول، وقد حكم بعد جده من عام 1038ه- / 1629م إلى عام 1052ه- / 1642م، وتوفي في 12 صفر 1052ه- وهو الأصح وقيل غير ذلك، وكانت وفاته في مدينة كاشان ونُقل جثمانه إلى مدينة (قم) ودفن فيها.
في زمانه إحتل السلطان العثماني مراد الرابع بغداد سنة 1048ه- / 1638م، وبذلك خضع العراق كله إلى الحكم العثماني إلى أن سقطت بغداد ومن ثَمَّ العراق كله بيد الإنكليز عام 1917م. وخاض الشاه صفي الدين عدة حروب مع العثمانيين وخاصة حول بغداد والتي سيتم الحديث عنها لاحقاً.
لابد هنا أن نشير قبل التوغل في التفاصيل التي تهم كربلاء إثناء حكم صفي الدين الصفوي، فهل كان للشاه عباس الكبير أولاد أم لا؟ وكيف وصل حفيده بعده مباشرة! واليك التفصيل:
كان الشاه عباس الكبير لم يطق أن يرى أبناءه وذويه ينعمون بشعبية تحببهم إلى نفوس العامة من الناس، وذلك خشية أن يفرض أحدهم نفسه عليه وينتزع العرش منه، لذا لم يتورع عن قتل ولده البكر (صفي ميرزا) بعد أن أوجس خيفة منه بسبب الشعبية التي كانت له بين الناس، كما سمل أعين إثنين آخرين من أولاده(1)وإبتدع سياسة تقضي بجعل الوريث للعرش وإخوته محصورين ضمن أسوار الحريم، حيث يتم عزلهم عن العالم الخارجي ولا ينالون سوى قسط ضئيل من التعليم، ولم يكن يباح
1) موجز تاريخ الشرق الأدنى: نعيم فرح، ص 275 .
لهم أن يتدربوا على فنون الحرب أو حتى فنون الحكم داخل هذه الأسوار، ونتيجة لذلك أخذت الدولة في الإضمحلال بعد وفاته (1)، إذ لم يكن خلفاؤه على قدر من الكفاءة والمقدرة (2).
يتعجب المرء عندما يقرأ لكتّاب ذكروا حوادث ومواقف هي لم تحصل أصلاً، كما لم تُذكر في المصادر التاريخية المشهورة والموثوقة، ولا ندري لماذا يحصل ذلك هل هو إختلاق أم توجيه... وما الغرض منه؟... غير الإيغال في التعنصر والمذهبية.
وهنا نطرح أحد هذه النماذج وهي أن البعض ممن كتبوا عن كربلاء ذكروا بأن الشاه صفي الدين الصفوي زار كربلاء وعمّر المرقد الحسيني... مع العلم بأنه لم يَزُر كربلاء في حياته ولم يُعمّر أي شيء في المرقد !!
ولأهمية الموضوع ولغرض تصحيح أخطاء هؤلاء الكتّاب وما أكثرها للأسف رغم أننا ناقشنا الكثير منها سابقاً في هذا الكتاب !! والمؤسف جداً أن الكثير بدأ يأخذ عنهم بدون تمعّن أو تركيز ودراسة واقعية.
فقد جاء في مدينة الحسين ما نصّه: «ثم فتح العراق مجددًا من قبل الشاه صفي الدين الصفوي في سنة 1042ه- حسب قول البراقي(3)
1) راجع في هذا الكتاب موضوع سقوط الدولة الصفوية.
2) العراق في العهد العثماني: د. علاء نورس ص72.
3) يقصد بالبراقي هو السيد حسون (حسين) أحمد البراقي مؤلف كتاب تاريخ الكوفة. ولم يُشر مؤلف مدينة الحسين إلى الجزء أو الصفحة التي ذكر فيها البراقي خبره هذا ، علماً أن في التاريخ المذكور خطأ واضح وسيتم تناوله ضمن المتن، وكان على مؤلف مدينة الحسين دراسة التواريخ هذه لأهميتها ولا يمكن النقل جزافاً.
أما المصادر الفارسية فإنها تشير إلى أن تاريخ فتح العراق (1)على يد الشاه صفي الدين الصفوي كان سنة 1048ه- (2)على الأرجح. ولعل السبب الذي دعى الشاه صفي الدين لغزو العراق هو ما ذهب إليه بعض المؤرخين من انه عندما قام الوالي العثماني (3)بقتل 1000 نسمة من جيش (القزلباش) في النجف والكاظمية في أواسط عام 1048ه- أثار هذا الحادث المؤسف ثائرة الشاه صفي الدين فبادر إلى العراق ليستولي على بغداد. وبعد استيلائه عليها توجه لتقبيل عتبة الحائر الحسيني المقدس في كربلاء »(4). وبعدها يذكر مؤلف مدينة الحسين عماّ قام به الشاه عند زيارته للمرقد الحسيني من تقديم النذور والهدايا وإجراء الترميمات والتعميرات وتشييد (رواق الشاه) وتوسيع الصحن من الجهة الشمالية والمصدر الذي إعتمد عليه فارسي أيضاً وهو (شاهان در كربلاي معلي – مخطوط فارسي - ) ويقول أن مؤلفه مجهول.
وذكر في موضع آخر أن الشاه صفي الدين هو الذي أحدث الجهة الشمالية للصحن وبنى الحجرات على طول خط الجهة الشمالية، مع إيوان كبير يتوسط الحجرات وزينها بالكاشاني ،البديع، وكان يعرف هذا الإيوان قديمًا باسم (صافي صفا) أو إيوان ليلو نسبة إلى الشاه صفي الدين (5)
1) هو ليس فتحاً لأن بغداد إلى ذلك الحين كانت تحت السيطرة الصفوية ولم يتمكن العثمانيون من دخولها بعد.
2) في شعبان سنة 1048ه- إحتل السلطان مراد الرابع بغداد أي أن ذلك تم في النصف الثاني من السنة.
3) لم يكن هناك والي عثماني في العراق لأن السلطة كانت بيد الصفويين، وموضوع القزلباش هؤلاء له حادث قبل هذه الفترة الزمنية وقد ذكرناه في الحصار الذي تم على بغداد من قبل العثمانيين.
4) مدينة الحسين: السلسلة الثالثة ص 61 ، عن مصدر فارسي هو (فارسنامة ناصري لميرزا حسين خان الحسيني) بدون الإشارة إلى الصفحة.
5) المصدر السابق نفسه، ص 62 ، علماً بأن ما ورد في النص هو مختلف عليه، ولم يجزم به أحد وسيتم شرح الإختلاف في المتن لاحقًا.
أما في كتاب بغية النبلاء في تاريخ كربلاء فقد جاء في أحد هوامشه على ما كتبه محققه ما يلي: «وفي سنة 1034ه- أعاد السلطان مراد الرابع العراق في حوزة دولته (1). وفي 27 جمادي الأولى سنة 1039ه- إحتل بغداد (2)مرة أخرى الشاه صفي حفيد الشاه عباس الأول، وزار كربلاء في سنة 1048ه- في يوم عيد. فقبّل اعتاب ضريح سيد الشهداء وأخيه العباس. بعد أن أنذر النذور. وأكرم ذوي الحاجة» (3).
جاء في دائرة المعارف الحسينية / تاريخ المراقد ، ما نصّه : « وفي عام 1042ه- بذل السلطان صفي الدين الصفوي الكثير من الأموال لتعمير الروضة الحسينية المشرفة حيث وسع المسجد الكبير الملحق بالحائر الحسيني» (4).
وبعد ذلك يذكر الشيخ الكرباسي في دائرة المعارف الحسينية/ تاريخ المراقد، النص التالي: «وفي عام 1048ه- حاصر السلطان صفي الدين بغداد وفتحها ثم زار المرقد الحسيني والعباسي وأجزل العطاء على خدمة الروضتين وعلى الفقراء المجاورين كما أمر بتوسعة الرواق الشمالي لمرقد الإمام الحسين عليه السلام والذي عرف فيما بعد برواق الشاه، ومن جهة أخرى أمر بتوسعة الصحن من الجهة ذاتها حيث قام بشراء البيوت المجاورة وألحقها بالصحن الشريف ثم أمر وزيره القزاق
1) وهذا خطأ واضح لأن السلطان مراد الرابع أعاد العراق لحوزة دولته في النصف الثاني من سنة 1048ه-. والخطأ من محقق الكتاب عادل الكليدار.
2) في هذه السنة كانت بغداد لا تزال تحت سيطرة الحكم الصفوي ولم يتمكن العثمانيين إحتلالها بعد وحتى الحملة العثمانية الثانية بقيادة خسرو باشا لم تتم بعد، فلماذا يحتلها الشاه في تلك السنة وواليها صفي قلي خان يحكمها باسم الصفويين!!
3) بغية النبلاء في تاريخ كربلاء: هامش (35) من ص 73 ، وقد إعتمد محقق الكتاب عادل الكليدار على مصدر فارسي أيضاً وهو (روضة الصفاي ناصري. المجلد الثامن) بدون تمحيص ودراسة التواريخ بشكل صحيح للأسف.
4) دائرة المعارف الحسينية: تاريخ المراقد ، ج 2 ص 84 ، معتمدًا على كتاب تراث كربلاء ص44، وعندما رجعنا إلى المصدر لم نجد في ص 44 ولا التي قبلها أو التي بعدها أي إشارة إلى النص الذي أورده أعلاه، وقد تكرر ذلك في دائرة المعارف الحسينية لمرات عديدة وللأسف الشديد.
خان بیکَلربكي للإشراف على تشييد الرواق والصحن والمسجد وأن يبني الحجرات في الصحن الشريف من الجهة الشمالية وإكساءها والإيوان التي (الصحيح الذي) أمامها بالقاشاني الفاخر، كما أحدث إيوانًا كبيرًا في تلك الجهة وكساه بأفخر أنواع القاشاني وعرف بإيوان صافي صفا، ومما يجدر ذكره أن المسجد - مسجد شاهين - أصبحت مساحته 25 × 10 مترًا »(1).
بينما لم يذكر مؤلف كتاب تاريخ كربلاء وحائر الحسين (وهو صادر قبل كتاب دائرة المعارف الحسينية للكرباسي) من هذه المصادر التي ذكرناها أي شيء هذا القبيل، بل ذكر بأن كل التعميرات المذكورة أعلاه كانت من أعمال الشاه طهماسب الصفوي !!
على ضوء ما ورد أعلاه فإنه في جميع المصادر التي ذكرناها عن زيارة الشاه (صفي الدين الصفوي) لكربلاء فيها إختلاف في النقل والتدوين من ناحية، ومن ناحية أخرى إعتمدت هذه النصوص على مصادر فارسية فقط وليس على مصادر تاريخية محايدة وموثوقة ويعتمد عليها أيضاً المؤلفون الذين ذكرنا النصوص في كتبهم وقد نقل عنهم الكثير ، بالإضافة إلى أن بعض الذين ذكرنا نصوصهم أعلاه قد أشاروا في هوامشهم للمصادر التي اعتمدوا عليها.
وعندما رجعنا إلى تلك المصادر لم نجد فيها صحة ما ذكروه للأسف، وهذا سوء وعدم الإلتزام الصحيح في التدوين! ، وقد أشرنا إلى ذلك في الهوامش السابقة والتالية أيضا، وليس الغرض منها التشهير بل لنقل الحقيقة لاغير.
1) دائرة المعارف الحسينية، ص 85 وص 86. عن حضارة العراق ج 10 ص318. علمًا بأن النص الوارد في كتاب حضارة العراق وفي نفس الجزء والصفحة هو الآتي : «يحيط غرفة القبر ومن ثلاث جهات رواق عريض نسبيًا مصمم بطريقة بحيث يكون القسم الشمالي منه بهيئة مسجد تقام فيه الصلاة حيث يتقدمه قبر الشهيد الحسين وتبلغ مساحة المسجد 25 × 10 متر وجدران الرواق هذه سميكة، ... إلخ »، فمن أين جاء الشيخ الكرباسي ببقية الكلام عدا الأبعاد الخاصة بالمسجد؟!!
والمصادر التي نقلت وصول الشاه صفي الدين إلى العراق لم تذكر أي إشارة إلى زيارته إلى كربلاء عدا أنه إحتل الحلة وأمر بتعمير مرقد وصي النبي ( صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ ) الإمام على (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ، ولم تشر حتى إلى زيارة له في النجف.
إن الفترة التي إحتل الشاه عباس الصفوي بغداد سنة 1033ه- / 1623م دامت 15 عامًا عاش منها عباس الصفوي خمس سنوات فقط حيث توفي الشاه عباس سنة 1038ه- ، والعشر سنوات الأخرى كانت بغداد في ظل حكم الشاه (صفي الدين الصفوي) حفيد الشاه عباس، حيث تم إحتلال بغداد من قبل السلطان مراد الرابع سنة 1048ه- / 1638م.
والعثمانيون حاولوا ثلاث مرات استرجاع بغداد، وقد فشلوا في المحاولتين الأوليتين ونجحوا في الثالثة، ففي المحاولة الأولى سنة 1035ه- التي قادها الصدر الأعظم حافظ أحمد باشا، تصدى لهم الشاه عباس عندما قدم بجيشه إلى العراق ورفع الحصار عن بغداد بإسناده للقوات الصفوية، وهزيمة القوات العثمانية بعد حصار ومعارك أستمرت تسعة أشهر.
أما المحاولة الثانية للعثمانيين فكانت سنة 1040ه-/ 1630م بقيادة الصدر الأعظم (خسرو باشا) وحوصرت بغداد وتم إحتلال مدن أخرى، وكانت بغداد بید حاكمها صفي قلي خان قبل وفاته بعدة أشهر، وفي هذه المحاولة دخل الشاه صفي الدين الأراضي العراقية وتمكن من مساندة قواته، وبعد حصار ومعارك حول أسوار بغداد دامت أربعة أشهر هُزم العثمانيون مرة ثانية وإنسحبوا نحو الشمال ولكن بقيت مدينة (الحلة) بيد العثمانيين، وكان الغرض من بقاء سيطرتهم على الحلة أنه في حال تكرار المحاولة فسوف تساعدهم القوات العثمانية فيها، وحينها لم تكن مناطق الفرات الأوسط وجنوب العراق تحت سيطرة الصفويين وخاصة الحلة والنجف وكربلاء لأنها كانت تحت سيطرة إمارة ناصر بن مهنا المتعاون مع العثمانيين، وفيها حاميات عسكرية عثمانية أقواها في مدينة الحلة.
جاء في كتاب کلشن خلفا ما نصّه: « هذا وقد كانت قصبة الحلة ما زالت تحت إدارة القائد الموما إليه (1)، وفيما كانت القوات الموجودة هناك تفكر تخليتها إذ تواترت الأخبار بقدوم خليل باشا على رأس قوة تقدر بعشرين ألف جندي مضافًا إليها عدد كافٍ من الجنود الإنكشاريين للمحافظة على الحلة وإبقائها في أيديهم. وقد إتخذ الباشا (أي خليل باشا) عند وصوله ما يقتضي من التحصينات والاستعدادات المقتضية، ولكنه بينما كان منشغلاً بهذه الأمور، هجم رئيس الرؤساء توخنه خان على القوات التركية التي كانت مرابطة في درنة ودرتنك وفرقها مما شجع قوات العجم التي تحت قيادة رستم خان على التقدم نحو الحلة فطلب خليل باشا من الدولة أن تمده بالقوات اللازمة ليتمكن من الصمود ، ولكن إرسال بعض القوات إلى هناك في ذلك الوقت من الأمور المتعذرة، ولذلك لم يتلق لطلب النجدة إستجابة من الجهات المختصة ...»(2). وذكر كذلك في محل آخر « أما القوة التي في الحلة فقد داهمتها قوات القزلباش وألقت بأثقالها عليها وإضطرتها إلى التسليم بعدما أعياها الدفاع مدة تتراوح بين الثلاثة والأربعة أشهر ونفذت خلالها ذخيرتها وعتادها ولم تتلق مددًا أو نجدة، وتقدمت قوات القزلباش وإحتلت البلدة وعاثت فيها فسادًا وتنكيلاً بالسكان الأبرياء من المساء حتى الصباح، وكانت تلك الليلة على بلدة الحلة من أسوأ الليالي، ووقع فيها القتل والتدمير مالا يمكن وصفه...
وبعدئذٍ عاد الشاه إلى إيران بعد انجلاء الموقف في جانب قواته، وقبل عودته أمر ببناء مرقد وصي النبي ( صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ ) الإمام علي كرم اللّٰه وجهه وأمر أيضا بإقامة سور للحلة وتعميق الخندق المحيط بها وترميم ما إنهدم من بيوت وأراضي زراعية وبساتين وأنعم على سكانها الضعفاء.
وكانت البلدة في حالة إهمال عندما كانت تعسكر فيها قوات خليل باشا، ثم طرأت على الإيرانيين فكرة كون الروم (1)قد يستولون عليها وعندئذٍ يصعب استرجاعها منهم ولذلك أهملت ثانية وهدمت حصونها »(2).
ومن ذلك كله يتبين لنا ان القوات العثمانية بقيادة خسرو باشا عندما جاءت لاسترجاع بغداد، فإن الشاه صفي الدين الصفوي قدم إلى العراق وبقي قريباً من قواته المدافعة عن بغداد، ولكنه كان مع قواته التي إحتلت الحلة(3)، كما تبين من النص، وأنه أمر ببناء مرقد الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ولم يذكر في النص أنه زار النجف، كما لم يذكر أنه زار كربلاء.
وإذا كانت للشاه صفي الدين أوامر بتعمير مرقد الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وحتى لو لم يزر كربلاء لكان صاحب كتاب كشن خلفا قد ذكر ذلك كما ذكر ما يخص مرقد الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ولم يكن يمنعه شيء من ذكره حينها، علماً بأن المؤلف ووالده قد عايشا تلك الفترة وأحداثها.
وفي كتاب تاريخ العراق بين إحتلالين ورد النص التالي في حوادث سنة 1040ه- / 1630م : «هاجم الشاه بنفسه الحلة بنحو أربعين ألف جندي بعد أن رآها إستعصت على جيوشه فحاصرها لمدة ثلاثة أشهر وكان محافظها آنئذٍ خليل باشا فلم يصل إليه المدد وكان أصاب الدولة العثمانية قحط وبيل فلم تتمكن من معاونته بل كانت في حالة إضطراب من جراء هذا الغلاء. فقطع أمله من المعاونة ولم يفكر الاّ في طريقة الخلاص من هذه الغائلة المحدقة به.
1) الروم: يقصد بهم الأتراك، وهم يكوّنون الأمة العثمانية حينها.
2) کلشن خلفا، ص228.
3) جاء في الهامش (25) من الصفحة 91 من كتاب ( أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث) للونكريك عن ذكر قدوم الشاه صفي إلى الحلة حسب ما ذكر في كلشن خلفا ما يلي:« هكذا ذكر في کَولشن إلاّ أن الرواة الأتراك لا يذكرون هذا ، والظاهر أن مجيء الشاه من أصفهان لحملة على الحلة أمر مشكوك فيه » .
وكانت مدة الحصار بلغت الثلاثة أشهر أو الأربعة ففي بعض الأيام هجم بما لديه من فوارس على جبهة العدو فخرقها وتمكن من الخروج ولم يتمكن منهم العدو بشيء فوصل إلى الموصل. كان لهذه الشجاعة التي أبداها في شق الجبهة مما تذكر له وتزيد من سمعته. وحينئذٍ أوقع العجم بأهل الحلة ما شاؤا من قتل ونهب.
وفي اليوم التالي نادى المنادي بالأمان فإنقطع النهب وكفوا عن الغارة والقتل.
وأن الجنود التي بقيت في المؤخرة طلبت الأمان.
ثم عاد الشاه ومن معه من الجنود العثمانيين الذين طلبوا الأمان إلى بغداد وسيّر الروم وهم الجنود إلى الموصل ومنها توجه إلى إيران. ولم ينج منهم إلاّ القليل. سيّر الجنود الرومية إلى أوطانهم ولطفهم وإذن لهم بالذهاب. ثم أمر أن يعمر مرقد الإمام علي (رض) فبوشر العمل في الحال. وأما الحلة فإنه ضيق عليها أذل أهليها وأمر أن تبنى قلعة محكمة هناك ويتخذ خندق فشرع في العمل فدمرت دور وبساتين وحدائق للأهلين فتضرروا كثيرا »(1).
أما السيد عبد الأمير الرفيعي مؤلف كتاب (العراق بين سقوط الدولة العباسية وسقوط الدولة العثمانية) وهو بأربعة أجزاء لحد الآن، فإن السيد الرفيعي لم يترك شاردة ولا واردة تخص العراق في فترة بحثه وخاصة ما يخص مدن العتبات كونه أسرة علوية نجفية مشهورة ولها سدانة الروضة الحيدرية، فلم يذكر عن زيارة الشاه للنجف ولا لكربلاء عدا ما نقله عن النص الذي أورده مؤلف كتاب تاريخ العراق بين إحتلالين عن أمر الشاه بتعمير مرقد الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ). وكل ما ذكره عن الشاه وإحتلاله الحلة هو النص التالي:
«بعد فشل تلك الحملة العسكرية العثمانية، جهز الشاه صفي صفي الأول حملة عسكرية كبيرة بلغت نحو أربعين ألف مقاتل، سار على رأسها نحو مدينة الحلة وضرب الحصار حولها. بعد اكثر من أربعة أشهر من الحصار، دب اليأس في نفوس
1) تاريخ العراق بين إحتلالين : عباس العزاوي، ج 4 ص 202 - 203. عن تاريخ نعيما.
العثمانيين الذين إنتظروا طويلاً ولم تردهم الإمدادات اللازمة من الحكومة المركزية، مما إضطر القائد العثماني تدبير خطة هروب لإنقاذ نفسه وجنوده. وفي اليوم المقرر، إندفع القائد العثماني بما لديه من فرسان وهجم بهم على جبهة محددة، مما سهل عليه إختراق الحصار والإفلات من قبضة الصفويين. وسار القائد العثماني بعد هروبه من الحلة نحو الموصل، وأما باقي العساكر العثمانيين الذين لم يتيسر لهم الهروب فقد طلبوا من الشاه الأمان...» (1)
وفي نفس الصفحة أورد الرفيعي النص الوارد في ج 4 من ص 202 من كتاب تاريخ العراق بين إحتلالين والذي أوردناه سابقاً.
ذكرنا بعض المصادر التي نقلت احداث تلك الفترة التي جرت فيها الحوادث في العراق من سنة 1040ه- إلى سنة 1048ه-، وإطلعنا على الكثير من المصادر التي ذكرت تلك الأحداث فتبين بشكل لا يقبل النقاش والجدل، أن الشاه صفي الدين الصفوي جاء إلى العراق مرتين فقط، الأولى كانت عندما حاصر الصدر الأعظم (خسرو باشا) سنة 1040ه- بغداد ولم يتمكن من إسقاطها حيث القوة الإيرانية داخلها قد دافعت عنها بشكل مستميت، وكان الشاه قد وصل للمساندة وهو الذي إحتل مدينة الحلة ومنها أمر بتعمير مرقد الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ولم تكن هناك أي إشارة له بزيارة النجف وكربلاء (2).
1) العراق بين سقوط الدولة العباسية وسقوط الدولة العثمانية، ج 2 ص 162.
2) إذا إستعرضنا تاريخ نعيما أو فذلكة كاتب جلبي أو تاريخ أوليا جلبي أو تاريخ الغرابي، وهذه من الكتب التي كانت مخطوطة وطبعت لاحقًا وقد عايشت الفترة تلك تقريبا مثل كلشن خلفا. وكذلك الكتب الحديثة التي نقلنا منها بعض النصوص وغيرها مثل العراق في العهد العثماني للدكتور علاء نورس، وتاريخ العراق في العهد العثماني من سنة 1638 - 1750م لمؤلفه علي شاكر علي، وصور من تاريخ العراق في العصور المظلمة لجعفر الخياط، وتاريخ الأمة العربية (عصرالإنحدار) لمؤلفه محمد أسعد طلس الذي بحث فيه منذ سقوط بغداد بيد هولاكو منتصف القرن السابع الهجري إلى القرن الثالث عشر الهجري، ومباحث عراقية بجزئيه ليعقوب سركيس وغيرها الكثير من المصادر التي أردنا فيها تثبيت زيارة للشاه صفي الدين إلى كربلاء وتعمير المرقد الحسيني، لم نجد فيها شيء عن ذلك، لا في المرةالأولى ولا الثانية من مجيئه إلى العراق.
أمّا المرة الثانية التي جاء بها الشاه صفي الدين إلى العراق كانت سنة 1048 ه- / 1638م عندما علم بأن السلطان العثماني مراد الرابع قد عزم أمره على إحتلال بغداد، وعندما جاء الشاه إلى بغداد تشاور مع حاكمها (بكتاش خان) الذي تولى حكم بغداد بعد وفاة حاكمها السابق (صفي قلي خان) سنة 1041ه- / 1631م، وطلب من القوة الموجودة في بغداد الصمود وأمدهم بالقوات والمعدات... وقبل وصول السلطان مراد الرابع غادرها الشاه وإتخذ له موقعاً شرق بغداد يبعد عنها بست ساعات، والبعض يذكر إنه كان مخيّماً خلف نهر ديالى.
وعندما إحتل السلطان مراد الرابع بغداد غادر الشاه صفي الدين العراق إلى إيران، أما بكتاش خان حاكم بغداد الصفوي وبقية قادة الجيش الإيراني قد إستسلموا للسلطان. وحتى في المرة الثانية من مجيء الشاه إلى العراق سنة 1048ه- لم يذكر أي مصدر موثوق به زيارته للعتبات أو إجراء تعمير في المرقد الحسيني.
جاء في كتاب أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث للونكريك شيئًا يخص الموضوع، خاصة عند ذكره لإحتلال الشاه الحلة، والذي لا يختلف نصه عن الآخرين في معناه عدا أنه ذكر شيئًا يخص الزيارة للعتبات، ولكنه لم يذكر أية عتبة زارها، كما لم يذكر أي أمر بالتعمير في مرقد الإمام علي كما ذكر آخرون، ولا أي تعمير للمرقد الحسيني، واليك النص : « فإحتل خليل باشا حاكم ديار بكر الحلة بعشرين ألفاً من الإنكشاريين وغيرهم. فأعدّت البلدة للدفاع الذي كانت بها أمس الحاجة إليه، إلاّ أن رستم خان بعد أن أتم عمله في كردستان ورجعت المياه إلى مجاريها هناك أصبح بوسعه معالجة قضية الحلة. فتوجه إليها وخيّم بالقرب منها، ثم بدأت المناوشات الأولى فكانت تدل على خسرانه. فأنهيت أنباء ذلك إلى الشاه صفي، فخف إلى الموقعة مسرعاً. فصمدت الحلة للحصار مدة أربعة أشهر تقريبًا ورأى خليل باشا بعد ذلك أن قوىً غير متعادلة مثل هذه لا يمكنها أن تتحمل النضال. فركب وحده في ليلة
ظلماء وإخترق خطوط الإيرانيين والسيف بيده ونجا بنفسه. فإستسلمت قوّاته بشروط وإستتبع ذلك النهب والقتل فداما ليلة واحدة حتى مطلع الفجر، وذلك حين نادى المنادون بإعلان الهدنة.
ثم رسمت الخطة لتشييد قلعة جديدة وأنجز بناؤها بكلفة باهظة. وبعد ذلك رجع الشاه إلى بلاده بعد أن زار العتبات المقدسة، وأعيد وضع الحاميات في الفلوجة وغيرها» (1).
هذه المصادر جميعها التي ذكرت الحوادث في السنوات التي قدم فيها الشاه صفي الدين الصفوي للعراق، وذلك عندما تحدثت عن حصار خسرو باشا لبغداد وفيها إحتل الحلة ومنها أمر بتعمير مرقد الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ولم يذكر أحد أيّ زيارة قام بها الشاه في هذه السنة 1040ه- إلى النجف أو كربلاء، وكان مجيء الشاه صفي للعراق مرة أخرى سنة 1048ه- عندما علم بأن السلطان مراد الرابع قد عزم أمره على استرجاع بغداد فقد بقي أيامًا في بغداد، وأعطى أوامره إلى حاكمها (بكتاش خان) الذي خلف صفي قلي خان حاكمها السابق الذي توفى أوائل سنة 1041ه-، وغادر الشاه بغداد وإستقر في شرقها على بعد ست ساعات، ولم يشر أي مصدر زار كربلاء وعمّر فيها مرقد الحسين ( عَلَيْهِ السَّلامُ)، وعندما إحتل السلطان مراد الرابع بغداد سنة 1048ه- / 1638م كان الشاه قد غادر إلى إيران، وأن حاكم بغداد بكتاش خان وبقية القادة الإيرانيين قد إستسلموا للسلطان العثماني وإنتهى كل شيء.
والمصدر الوحيد الذي ذكر شيئًا مقتضبًا عن الموضوع هو ما ورد في كتاب أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث للونكريك الذي ذكرنا نصّه قبل قليل.
إلى القارئ الكريم بعض المصادر الكربلائية التي عنت بتاريخ كربلاء وسوف نرى ما سجلت هذه الكتب عن زيارة الشاه صفي من عدمها.
1) أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث: للونكريك، ص 90 وص 91 .
ففي كتاب تاريخ كربلاء وحائر الحسين لعبد الجواد الكليدار فقد ذكر مطولاً الأعمال التي قام بها الشاه إسماعيل الصفوي، وبعدها ما قام ابنه الشاه طهماسب والشاه عباس الأول وذلك في الفصل الثالث حول الحائر وإصلاحاته في الدولة الصفوية، لم يذكر شيئًا عن زيارة أو تعمير أو ترميم قام به الشاه صفي الدين الصفوي، حيث نسب إلى الشاه طهماسب الأول توسيع المسجد الكبير في الحرم الحسيني وبناء الرواق الشمالي ثم إحداثه القسم الشمالي من الصحن. وأشار على المجلد الثامن عشر من بحار الأنوار ص 753 للمجلسي.
كما ذكر الكليدار النص التالي : «وإذا أضفنا إلى ذلك ما جاء في (الحدائق الناضرة ج 2 ص 346) للشيخ يوسف البحراني بأن (المسجد الجامع الموجود الآن في ظهر القبة السامية لم يكن قبل وإنما أحدث فيما يقرب من مائتي سنة، ولما أحدثوه أخّروا جدار الصحن عن تلك الجهة ليتسع مثل باقي جهاته) وقد توفي الشيخ يوسف سنة 1186ه- وإذا كان المسجد والصحن الشمالي أحدثا بمائتي سنة قبل زيارته في أواخر حياته فيصادف ذلك تماماً في أيام الشاه طهماسب الصفوي فيكون المسجد الحالي والرواق والصحن في تلك الجهة من إنشاءات الشاه طهماسب المذكور وهي عمارات جدًا عظيمة كلّفت خزائن الصفويين مبلغاً عظيماً من الأموال مما كان يدل على تعلقهم الكبير بمشاهد الأئمة الأطهار»(1).
أمّا كتاب تاريخ مرقد الحسين والعباس فقد ذُكر فيه أعمال الصفويين للمرقد الحسيني فلم يذكر فيها شيئًا يخص الشاه صفي الدين الصفوي، بل لم يذكر أيضاً أعمال الشاه طهماسب !! ، وإنما ذكر أعمال الشاه إسماعيل الأول عند زياراته لكربلاء، وأعمال الشاه عباس الأول الصفوي فقط لا غير(2). ولنفس المؤلف أعلاه كتاب (تراث كربلاء) فقد إستعرض تاريخ الروضة الحسينية من ص 27 إلى ص38، وذكر
ما قام به بعض الشاهات الصفوية من أعمال وتعميرات وهدايا للروضة الحسينية المقدسة، وذكر منهم الشاه إسماعيل والشاه طهماسب فقط ولم يذكر هنا الشاه عباس ولا الشاه صفي الدين موضوع بحثنا، وذكر النص التالي:
«وقد بذل الشاه طهماسب الصفوي الكثير من الأموال لأجل تعمير الروضة الحسينية خلال الأعوام (930 - 984ه-) ووسع المسجد الكبير الملحق بالحائر الحسيني» (1)، وذكر أيضاً ما أشار إليه الشيخ يوسف البحراني الذي ذكرناه قبل قليل.
والغريب هنا نجد مؤلف تراث كربلاء ذكر الشاه طهماسب ولم يذكر الشاه عباس، على عكس ما جاء في كتابه تاريخ مرقد الحسين والعباس (وهو لنفس المؤلف) الذي أشرنا إليه اعلاه.
أما ما جاء في كتاب بغية النبلاء في تاريخ كربلاء للسيد عبد الحسين الكليدار وقد ألّف كتابه وهو سادن للروضة الحسينية فإليك نص ما ورد فيه: «... وفي سنة 920ه- أهدى الشاه إسماعيل الصفوي صندوقاً إلى القبر الشريف ولم يرد ما يهم خبره من أخلافه الصفوية (أي الذين أتو بعده من ملوك الصفويين) إلاّ الإقدام بأمور طفيفة لا مجال لذكرها. إلاّ أنه بلغني - ولم أتثبت من ذلك – ان الشاه سليمان الصفوي قام ببناء القسم الشمالي من الصحن المطهر، والإيوان الكبير الذي فيه المسمى (صافي صفا) نسبة إلى الصفويين...»(2).
مؤلف بغية النبلاء أثبت حقيقة بالغة الأهمية ولأمرين، أولهما: أن الشاه سليمان الصفوي هو ابن الشاه عباس الثاني بن الشاه صفي الدين، لم يزر كربلاء أصلاً ولم يذكر أي مصدر أنه أمر بشيء لتعمير مرقد الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ). والثاني: أن أخلاف الشاه إسماعيل لم يقوموا بأعمال كبيرة ومهمة وإنما أقدموا بأمور طفيفة لا مجال
لذكرها، ولو كانت ذات أهمية لكان قد ذكرها المؤلف على وسع تتبعه لما يخص مرقد الحسين خاصة وأنه كان سادنه وابن سادنه، وكثرة إطلاعاته ومطالعاته.
وحتى لو راجعنا كتاب مجالي اللطف من أرض الطف للمرحوم الشيخ محمد السماوي والذي تضمّن أرجوزة مطولة في تاريخ كربلاء وكان قد أرخ جميع الأعمال التي قام بها السلاطين والملوك وشاهات العجم والوزراء، ولم يذكر أي شيء يخص صفي الدين الصفوي. والأهم من ذلك كله في موضوع زيارة الشاه صفي الدين من عدمها، أو الأعمال التي نسبها البعض له بتعمير المرقد الحسيني، فكان يصعب عليه زيارة كربلاء وقتها وهو في الحلة لأن كربلاء كانت تحت حكم الأمير (ناصر بن مهنا) الذي كانت كربلاء مركز حكمه (ديرته) ، وناصرًا هذا كان قد ساعد (كنج عثمان) القائد العثماني الذي إحتل كربلاء والرماحية عام 1040ه- إثناء حملة خسرو باشا.
أوردنا ذلك كلّه لنزيل الشك عن البعض الذي قد يقول أن الشاه إذا وصل وإحتل الحلة لماذا لم يتمكن من زيارة كربلاء؟ ، ولدينا الأمثلة الكثيرة والأسباب التي كانت تمنعه ولكن يطول بنا البحث ونكتفي بما قدمناه.
وعليه فإن الشاه صفي الدين الصفوي لم يزر كربلاء ولم يقم بأي عمل يخص المرقد الحسيني، وما أوردته بعض المصادر الإيرانية التي إعتمد عليها البعض ويؤكدونها وهذا ديدنهم للأسف هو غير حاصل البتة، وقد أثبتنا تناقضها في مجريات البحث.
ومنذ وفاة الشاه عباس الأول الصفوي إلى أن سقطت الدولة الصفوية حيث إعتلى أربعة ملوك العرش وهم صفي الدين وعباس الثاني وسليمان وحسين الصفوي، فلم يقوموا بأي شيء يذكر لكربلاء، كونهم ملوك دولة شيعية توالي أهل البيت وتهتم بالعتبات المقدسة (كما يقول كتاب سلاطينهم)، وحتى لو كان العراق ليس بأيديهم(1)، فقد وقعوا إتفاقيات مع الدولة العثمانية كان بإمكانهم القيام بما يريدون ولكن الأسباب كانت:
1) ذكر البعض في مواضع قليلة بأن الشاه الفلاني كلف الوالي العثماني بأن يقوم بعمل ما في مرقد الحسين، ونحن نجزم بأن ذلك لم يحدث ومن كتب عن ذلك فقد جانب الحقيقة، بل والأكثر من ذلك أن بعض الولاة العثمانيين قاموا بأعمال جليلة لمدينة كربلاء وللمراقد الشريفة فيها من قبلهم أو بأوامر من السلطان العثماني، فقد نسبها البعض لحكام إيران وبتوجيه منهم... ونؤكد كما سيتم تقديم ذلك لاحقاً بأن الدولة العثمانية كانت تمنع تدخل إيران في شؤون العراق وخاصة العتبات المقدسة كما سنذكره بعد قليل، ولكنها قبلت في حالات قليلة تقديم الهدايا للأضرحة وإذا كانت قد قبلت ذلك فكان الأمر بعد سقوط الدولة الصفوية مثلما قام به نادر شاه وبعض ملوك الدولة القاجارية.
1 - الأموال التي كانت تصرف على العتبات المقدسة في العراق هي من أموال وثروات البلد الذي إحتلوه وليس من جيوبهم وأموالهم الخاصة، فعندما يكون العراق بيد غيرهم فما الداعي أن يصرفوا على العتبات من أموالهم أو من موارد مملكتهم، والشيء ذاته ينطبق على العثمانيين أيضاً .
2- لو أحصينا ما قام به ثلاثة ملوك صفويين هم إسماعيل الأول وطهماسب الأول وعباس الأول لمدينة كربلاء والمراقد المقدسة فيها، فهو لا يجاري ولا يساوي بمقدار و معيار من قام به قبلهم ومن جاء بعدهم...
ولكن الذين مجّدوا بهم وإعتبروهم حماة الدين والمذهب، كانت كتاباتهم تطفو على سطحها الطائفية والمذهبية. والتاريخ يؤكد لنا ذلك من خلال استعراض الحال العام، وكلها تدخل ضمن الصراع الإيراني التركي، أي الصفوي العثماني، ومن ثَمَّ الحكومات الإيرانية التي تعاقبت بعد الصفويين. كما أن الدولة العثمانية لا تقل عن الإيرانيين شراسة وخبثاً وتسلطاً وطائفيةً ومذهبية.
إن التغيير نحو إنحطاط الدولة الصفوية وبداية أفول نجمها بدأ من عهد الشاه عباس الصفوي الذي إعتلى العرش سنة 995ه- / 1587م، ورغم إنه كان من أقوى الملوك (شاهات) الذين إستلموا العرش، إلاّ أن حكمه تميّز بالاستبداد وهيمن على مختلف نواحي الحياة. فقد نقل العاصمة إلى (إصفهان)، وبدا أرستقراطيًا يميل إلى حياة الترف، وأخذ يحتقر الكادحين والطبقات الشعبية العامة، وهو بذلك قد خرج
عن التقاليد التركمانية ذات الطابع الشيعي الصوفي، وبدأ يتوجه إلى إقامة مجتمع حديث مبني على إحياء ثقافة فارس القديمة.
كما أنه نقل الحوزة الدينية إلى إصفهان ليضمن بأن رجال الدين سوف يكونون تحت مراقبته، بل بسط تأثيره عليهم من خلال إغداق الأموال والألقاب عليهم. ففقدت المؤسسة الدينية الشيعية في زمنه أصالتها وقدرتها على التجديد بسبب إهتمام رجالها بمصالحهم الشخصية وميلهم إلى الترف.
بل إهتم الشاه عباس ورجال الدين حينها بالطقوس والممارسات الشيعية التي أوجدها الصفويون والمظاهر المبالغ فيها ، والمبالغة أيضاً في تزيين مراقد أئمة آل البيت بالذهب(1)، وبدت الطقوس التي كانت تمارس، بدائية وفي بعض الأحيان غير مستساغة لدى الكثيرين حتى من الشيعة أنفسهم...
كما لا يخفى عن الشاه عباس وحسب مادوّنه أغلب الذين أرّخوا عصره بأنه كان منغمساً في حياة الترف ومجالس الشرب وتناول وممارسة المحرمات.
وقد أشار مرّة المرحوم الدكتور علي شريعتي عن ذلك... بأن الدولة الصفوية تحولت إلى دولة رجعية استبدادية متخلفة وأن الصفويين حرّفوا التشيّع وحوّلوا مركزه من أكواخ الفقراء وصفوف الجماهير إلى قصور الحكام...
عندما إستلم الشاه (عباس الصفوي) الحكم في إيران عام 996ه- / 1588م، وصلت الدولة الصفوية في عهده قمة مجدها، حيث قام بجلب العلماء من جبل عامل في لبنان، كما فعل الشاه إسماعيل قبله، وأصبحت إيران قادرة بعد ذلك من إنتاج
1) يؤكد بعض المؤرخين بأن الشاه عباس كان مولعًا بالإهتمام بالعتبات وخاصة تذهيبها بل الأكثر من ذلك كان يلقب نفسه ب- (كلب علي)، وأنه سار مرة إلى مرقد الإمام الرضا ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) من إصفهان إلى مشهد مشيًا على الأقدام، وكل تلك الأمور يُعتقد بأنه كان يقوم بها ليثبت إلتزامه الديني و المذهبي، ولكن ذلك لا يبرر ما كان يقوم به بما ينافي العرف والشرع والدين، وما قام به من مذابح في بغداد عند إحتلاله لها تعد مخالفة صريحة لكل توجه أخلاقي وإسلامي.
ما تحتاجه من العلماء (1). وفي عهده هاجم (الأزبك) شرق إيران وكان على تخومها الغربية العثمانيون، أعداء إيران التقليديين. فلم يقدر أن يحارب بجبهتين في أن واحد، فصالح العثمانيين عام 998ه- / 1590م ليتفرغ لصد الأوزبك، وتعهد للدولة العثمانية أن يسلّم لها آذربيجان وجورجيا وقسم من لورستان، وأن يمنع سب الخلفاء الراشدين الثلاثة.
إهتم الشاه عباس ببناء مرقد الإمام علي بن موسى الرضا (عَلَيْهِ السَّلامُ)، وشجّع الإيرانيين على زيارته رغبة منه لتحويل أنظارهم عن زيارة العتبات المقدسة في العراق الذي يقع تحت سيطرة أعداءه العثمانيين...
في عام 1033ه- / 1623م قام الشاه عباس بإحتلال بغداد بعد أن حاصرها ثلاثة أشهر، وفعل بها مثل ما فعل الشاه إسماعيل، وزاد عليه بهدم قبر أبي حنيفة النعمان، والشيخ عبد القادر الكَيلاني، وعمل السيف بأهل السنة، فقد أنقذ الكثير منهم نقيب نقباء العراق السيد (محمد الدرّاج) الذي كان نقيباً في بغداد، وكانت له حظوة عند الشاه عباس، وسجل أسماء خلق كثير منهم وآواهم على أنهم من محبي الخمسة أهل الكساء، فبذلك حافظ على حياة الكثيرين منهم. وزار الشاه العتبات المقدسة في الكاظمية وكربلاء والنجف، وأجرى عليها الأموال والهدايا، وأنفق المبالغ في تعميرها. إلاّ أن طريقة إدارته للدولة وحياة الترف وإفساده للمؤسسة الدينية وإعتماده على المغالاة في الطقوس والممارسات الشيعية التي كان يشجعها رغم ممارسته المحرمات وشرب الخمور، وإتجاهه إلى الثقافة الفارسية القديمة، فقد إبتعد
1) راجع لمحات اجتماعية للدكتور علي الوردي، الذي أبدع في المقال عندما ذكر أيضاً أن علماء المسلمين قبل الصفويين وخاصة للمذاهب الإسلامية الأربعة كانوا من مدن بلاد إيران، وبعد قيام الدولة الصفوية وإتخاذهم التشيع مذهبًا، نجد علماء المذهب المغالي هذا في تشيعه كانوا من الإيرانيين أيضاً، ومن الطبيعي فإن ذلك يعني إنقياد العلماء إلى السلاطين ومذاهبهم وكانوا هم أيضًا يطلق عليهم (كتّاب السلاطين).
على ما كان عليه الصفويون الأوائل من إلتزامهم بالروح الصوفية لطريقتهم التي أسسوا بها دولتهم.
وإطلاق يده لجيشه من القزلباش الذين بدأ الناس النفور منهم لاستعلائهم على طبقات الشعب الفقيرة، وغيرها من الأسباب التي أوجدت المبررات إلى أن يبدأ الناس بالتذمر من حكمه، ولكن الخوف من سطوته كانت تلقم أفواههم.
عندما توفي الشاه عباس و مجئ أربعة ملوك (شاهات) بعده وهم على التوالي الشاه (صفي الدين) والشاه (عباس الثاني) والشاه (سليمان) ثم الشاه (حسين). ففي عهد هؤلاء بدأ الضعف والإنحلال يدبُّ في جسد الدولة الصفوية، وبانت واضحة سلبيات الحكم الصفوي وإنتشار الفساد الإداري في جميع مفاصل الدولة وتفاقم ظاهرة الإنحلال والتفسخ الأخلاقي في بلاط الدولة، وإنتشرت ممارسة شرب الخمور والأفيون، وبدأ العسكر يضعف ويعجز عن أداء مهامه العسكرية في الدفاع عن الدولة وخاصة في عهد الشاه سليمان.
فبدأت الدولة الصفوية تسير نحو الإنحطاط وإزداد ذلك في زمن الشاه حسين الصفوي الذي كان ضعيف الرأي والقدرة على إدارة شؤون البلاد التي بدأ الإضطراب يعمّ في مؤسساتها ...
أثار ذلك كلّه أطماع أعدائها الخارجيين وبدأت الثورات وحركات التمرد لدى الشعوب التي كانت تحت حكم الصفويين، وأخطرها كان في شرق إيران وتحديدًا في (أفغانستان) الحالية التي كانت تمثل إقليمي (قندهار) و (هراة) أهم المناطق فيها. وإن سكان هذه الأقاليم والقبائل كانوا على مذهب (أهل السنة).
تمكنت الدولة الصفوية من قمع هذه الثورات بالقوة والبطش بقيادة (كوركين خان) والقبض على زعيم التمرد الأمير (ويس) ويسمّيه البعض (مير ويس) وجلبه مكبلاً إلى إصفهان (عاصمة الدولة) إلاّ أنه تمكن من إقناع الشاه حسين بإلتزامه وخضوعه التام له، مما أتاح ذلك للأمير ويس العودة إلى بلده...
لكن استمرار سياسة القوة والبطش والتنكيل ضد القبائل الأفغانية جعلت تلك القبائل أن تتمرد وتثور مرة أخرى. وعاد الأمير (ويس) إلى ما كان عليه سابقاً بقيادة الثورة وجمع شمل القبائل الأفغانية وبدأوا بالزحف نحو إصفهان.
إستعمل الصفويون (سلاح التشيع ) لبسط نفوذهم على تلك القبائل وأقاليمهم، وأن هذه القبائل إتخذت (سلاح التسنن) للمطالبة بالاستقلال، وإنشاء إمارة سنيّة لإيقاف تعسف الحكام الصفويين الذين كانوا يتولون إدارة تلك الأقاليم وخاصة على أهل السنة.
كان الأمير ويس يجمع حوله المؤيدين عن طريق إثارة مشاعر الأفغان الوطنية والمذهبية، ويحاول كسب الدولة العثمانية (السنية) إلى جانبه، فقد شنَّ حملة طائفية ضد الصفويين الشيعة وإعتمد على فتاوى لعلماء أهل السنة في (مكة) و (إسطنبول) تبيح دم الشيعة وتدعوا إلى نقض البيعة للصفويين والثورة عليهم.
وفي أول معركة بين جيش الأمير ويس والجيش الصفوي، تمكن الأمير ويس من هزيمة الجيش الصفوي وأن يحرر المناطق التي إستولى عليها ويعلن استقلال إمارة (قندهار). من ثَمَّ بدأ بالزحف نحو إصفهان ولكنه توفي قبل أن يحقق حلمه وإستلم مقاليد الأمور ابنه الشاب (محمود بن ويس).
في (هراة) تمكن أميرها (أسد اللّٰه ) من هزيمة الصفويين وأعلن استقلال (هراة)، و بعد ذلك بدأت الثورات تتوالى في الأقاليم الأخرى غير الأفغانية والخاضعة حينها لسلطة الدولة الصفوية.
في سنة 1133ه- / 1721م أعلن (الحاج داود) الثورة في (شيروان) وإنضمت إليه قبائل (داغستان)، وقد دعمته الدولة العثمانية. وكانت ثورة الحاج داود تأخذ بُعْدَ الاستقلال الوطني وكذلك رفع الشعارات الطائفية ضد السكان الشيعة، وتمكن من الاستيلاء على مدينة (شامخلي) وقتل ما يزيد عن أربعة آلاف شيعي من سكانها،
وبعد هذا الإنتصار أعلن إنضمامه للدولة العثمانية التي عينته حاكمًا على الأقاليم التي سيطر عليها.
بعد أن تمكن الأمير (محمود بن ويس) من السيطرة على الأقاليم الشرقية لإيران، بدأ سنة 1134ه- / 1722م بالزحف نحو إصفهان وتمكن من الاستيلاء على (كرمان)، وبدأ يتوغل في الأراضي الإيرانية بدون مقاومة حتى وصل (إصفهان) التي كانت محاطة بسور عظيم وفيها جيش جرار يزيد على الخمسين ألف مقاتل، رغم كل ذلك فإن إقتراب الأمير محمود من إصفهان أربك الحكومة الصفوية وأرعب السكان. حاصر الأمير محمود إصفهان وقام بإحراق القرى والمزارع حولها، وإستمر الحصار عدة أشهر والشاه حسين وجيشه داخل أسوار إصفهان، وعندما طال الحصار قرر الصفويون الخروج لمواجهة الأفغان. وحدثت مواجهة عنيفة بين الجيشين إنتصر فيها جيش الأمير محمود وإنهيار الجيش الصفوي، وهرب قادة الجيش كل واحد مع أفراده إلى بلدانهم وبقي مع الشاه حسين حرسه الملكي فقط وبعض المقاتلين الذين كانت تغلب عليهم الأنفة والأبهة وهم لا يصلحون للقتال، وإستمر الحصار على إصفهان وإستمرت معاناة السكان داخلها. فإضطر الشاه حسين إلى الاستسلام والتنازل عن العرش، وأرسل إلى الأمير محمود بذلك.
كان محمود يجلس في أحد القصور الملكية التي إستولى عليها حين قَدِمَ عليه الشاه حسين مستسلماً حيث قال له : « يا ولدي إن اللّٰه لا يريد لي أن أملك زمانًا أطول من وقد جاءت ساعة صعودك على عرش إيران، فأنا أتنازل لك عنه وعن السلطنة، جعل اللّٰه حلمك سعيدًا، وإن حكمت فاحكم بسلام »(1). عندها تَوّج الشاه حسين الأمير محمود بعد أن نزع غطاء رأسه الملكي ووضعه على رأس الأمير محمود، وحدث ذلك كله في 1722/10/22م (1134ه-).
1) تاريخ الشيعة السياسي الثقافي الديني: عبد اللّٰه سليمان ظاهر ، ج 3 ص 393.
كان الأمير (طهماسب) ابن الشاه حسين الصفوي حينها في شمال إيران، وعندما وصلته أخبار تنازل والده عن العرش واستسلامه إلى الأمير محمود، رفض ذلك وأعلن من شمال إيران نفسه ملكاً على إيران في 1722/11/24م ولقّب نفسه ب- (طهماسب الثاني) (1).
أمّا الأفغان فقد إعتبروا تنازل الشاه حسين عن العرش هو نهاية الدولة الصفوية الشيعية، وتأسيس دولة وحكومة أفغانية سنيّة، ونصّب الأمير محمود نفسه سلطانًا على الدولة السنية الجديدة والتي تشمل بلاد الأفغان وجميع الأقاليم الإيرانية الصفوية. وكان محمود بأمس الحاجة إلى دعم الدولة العثمانية لبناء حكومة أفغانية سنية قوية في إيران.
المؤشرات التاريخية تدل أن الأمير الأفغاني كان بصدد إتباع سياسة طائفية مشابهة لتلك التي إتبعها الشاه إسماعيل الصفوي ولكن بصورة معكوسة، لإجبار سكان إيران الشيعة إعتناق مذهب أهل السنة، ومن المرجح انه كان يحلم بإقامة دولة سنية قوية في إيران تتوافق مع الدولة العثمانية وتعيش معها بسلام، وربما تقيم معها حلفا إسلاميًا يكون بإمكانه التصدي للتوسع الغربي نحو الشرق(2).
مع ذلك كله فإن روسيا القيصرية والدولة العثمانية بدأوا يُطْبقون على الأفغان بإحتلال مناطق إيرانية ... بذلك فقدت الدولة الجديدة ثقتها بالدولة العثمانية، وفي نفس الوقت إنتشرت حركات تمرد في مدن وأقاليم صفوية، هنا إرتاب السلطان محمود واعتقد بأن سكان إصفهان يتآمرون عليه وعلى حكومته، فأقدم على مذبحة رهیبة عندما جمع أعيان المجتمع الصفوي في العاصمة ومن تبقى من حرس الشاه
1) في رواية أخرى ذكرها البعض من المؤرخين بأن طهماسب هذا هو الذي تمكن الهرب من إصفهان بعد أن إستسلم وتنازل والده، وعندما عرف الأمير محمود بهروبه اقدم على المجزرة الرهيبة التي قام بها للتخلص من العائلة المالكة الصفوية كما سيرد الحديث عنها لاحقًا.
2) العراق بين سقوط الدولة العباسية وسقوط الدولة العثمانية: عبد الأمير الرفيعي ج 3 ص 77 وص 78.
وحاشيته، وجمع أولاد الصفويين وقطع رؤوسهم، وكان عدد القتلى يزيد عن الثلاثة آلاف إنسان على حسب روايات المؤرخين، وأطلق العنان لجنوده لينتشروا في إصفهان ويقتلون من يصادفونه.
و مما أثار السلطان محمود بشكل أكبر هو خبر هرب أحد أولاد الشاه حسين من إصفهان وإلتحاقه بالصفويين الرافضين لحكمه فأمر بإلقاء القبض على جميع أفراد العائلة المالكة الصفوية من الأمراء الصفويين وأولادهم وأحفادهم وكانوا قرابة الأربعين شخصاً ومن بينهم أطفال قُصّر ، فخرج إليهم بسيفه وقتلهم جميعاً أمام أنظار الشاه حسين الصفوي، بعد هذا العمل الفظيع وصل محمود إلى آخر درجات الجنون(1). وبسبب حالته الجنونية ومرضه النفسي قرر الأفغان عزله وتنصيب الأمير (أشرف) مكانه.
أمّا طهماسب الثاني ابن الشاه حسين الذي هرب من الأمير محمود، حاول التعاون مع الروس والعثمانيين، فعرض عليهم إعترافه بالأقاليم الصفوية التي إحتلتها الدولتان بشرط الإعتراف بحكومته وتقديم العون له. لكن الدولة العثمانية رفضت عرضه والإعتراف به، بينما وافق (الروس) على أن يتنازل طهماسب الثاني عن الولايات الشمالية التي إستولوا عليها بموجب معاهدة بينهما، ومن هذه الأقاليم شیروان و دربند و داغستان و مازندران وإستراباد وباكو، على أن يتعهد قيصر روسيا (بطرس الأكبر) بطرد الأفغان من إيران.
بينما قام العثمانيون بالتوسع والسيطرة على أقاليم ومدن صفوية منها كوردستان وخوي ونخجوان وأيروان ومراغة وأرمينيا وقسم كبير من آذربيجان، إلى أن تمكنوا من الاستيلاء على (تبريز) عاصمة طهماسب الثاني بعد معارك عديدة وحصار طويل.
وكان طهماسب قد غادرها إلى أردبيل ومنها إلى طهران.
1) تاريخ العراق بين إحتلالين: عباس العزاوي، ج 3 ص 396.
إستمر النزاع لتقسيم إيران بين روسيا والدولة العثمانية، بينما يحاول (الأفغان) ترصين حكمهم.
أمّا الشاه طهماسب الثاني ظل يحارب ويحاور بدون أي فائدة لأن أيام الصفويين قد إنتهت وأصبحت بلادهم طعماً بين الروس والعثمانيين والأفغان.
في هذا الوقت كانت الدولة العثمانية بعد سليمان القانوني قد بدأ الضعف يدبُّ فيها، وأصبح الجيش الإنكشاري آلة فساد وفوضى. وقبل إحتلال بغداد من قبل الشاه عباس الصفوي، قاموا بقتل السلطان (عثمان الثاني)، ونصّبوا (مراد الرابع) على عرش الدولة العثمانية، الذي بدأ يفكر باسترجاع بغداد.
وحاول مرّتين، كانت الأولى في عام 1035ه-/ 1626م، والثانية عام 1040ه- / 1630م، ولم يتمكن من ذلك بسبب شغب الجيش الإنكشاري الذي تمكن من كسر شوكته عام 1042ه-/ 1632م. وكان الضغط السنّي على السلطان مراد قويًا نتيجة إمتعاض السنّة من استمرار بقاء بغداد في أيدي الإيرانيين.
في عام 1048ه- / 1638م قرر السلطان مراد استرجاع بغداد، وزحف عليها وحاصرها لمدة أربعين يوماً. وفي 22 كانون أول من عام 1638م دخلها بعد قتال مستميت. وحدثت بعد الفتح مذبحة هائلة في بغداد وذهب السلطان مراد بعد هدوء الحالة لزيارة قبر أبي حنيفة النعمان، وغادر بغداد في 17 شباط عام 1639م. وأصبح العراق منذ ذلك التاريخ تحت سلطة الدولة العثمانية لحين زوالها بعد الحرب العالمية الأولى والإحتلال البريطاني.
كان دخول السلطان مراد الرابع بغداد وإستعادتها من الصفويين في زمن الشاه الصفوي (صفي) حفيد الشاه عباس الكبير الذي إستلم الحكم سنة 1038ه- / 1629م. وبعد عام من إحتلال بغداد، عُقد الصلح بين الدولتين العثمانية والصفوية، وتم الإتفاق على أن تبقى بغداد بيد الدولة العثمانية، ويأخذ الصفويون بلدة (ايروان) في أرمينيا، ودام هذا الصلح 90 عامًا.
بعد الشاه (صفي) جاء ابنه الشاه (عباس الثاني)، وبعده جاء الشاه (سليمان) الذي حكم من عام 1077ه- / 1666م إلى عام 1105ه- / 1694م. في نفس الوقت الذي كانت فيه الدولة الصفوية تضعف، نرى بأن الدولة العثمانية كانت تعاني أيضاً من الوهن والضعف وكان من أسباب ذلك هو سيطرة رجال الدين وكثرتهم وتدخلهم بشكل مباشر في شؤون الحكم...
ولكون العراق كان في هذه الفترة لا يزال يخضع لحكم الأتراك، فقد أصابه الوهن أيضاً حيث إن ولاية بغداد كانت بمثابة المنفى للولاة والحكام، وبدأ هؤلاء بإغتنام الفرص لكسب المال والثروات. ودخل العراق في فوضى دائمة ..
وكانت كربلاء قد شملها الأمر، والأحداث التي جرت فيها في زمن العثمانيين كانت نتيجة هذه الفوضى.
في أيام سيطرة الأفغان على إيران كان والي بغداد وقتئذٍ (حسن باشا) يترقب أخبار إيران، وكان متخوفًا من تنامي قوة الأفغان وإمكانية توجههم إلى العراق، فطلب من إسطنبول الموافقة على محاربة العجم، وإستحصل فتوى دينية تقول بأن العجم (روافض) ويسبون الخلفاء فهم زنادقة ... وإحتل (كرمنشاه) ومات فيها.
جاء بعده ابنه (أحمد باشا) والياً على بغداد، وتوجه على رأس جيش عام 1137ه- / 1724م إلى (همدان)، وأصبحت همدان بعد أن تم إخضاعها ولاية عثمانية، ويُذكر اسم السلطان العثماني في الصلاة العامة فيها.
في عام 1138 ه- / 1725م بدأ الخلاف الأفغاني العثماني نتيجة جدال فقهي تحوّل إلى قتال فيما بعد. حيث تحالفت الدولة العثمانية مع روسيا، وإتفقا على إقتسام إيران بينهما.
إتسم الصراع الفقهي بادعاء الأفغان بأنهم من أحفاد خالد بن الوليد، ولابد للخلافة أن تكون على أساس (الأئمة من قريش) . ولا بأس أن يكون هناك إمامان...
وأفتى شيخ الإسلام العثماني بعدم إجتماع إمامين، فإن الثاني باغٍ يجب قتاله...
حدثت المعركة في سنة 1139ه- / تشرين الثاني 1726م بين همدان وإصفهان، وفشل العثمانيون، وتم الصلح بينهما في أواخر عام 1727م على أن تكون المناطق المفتوحة في إيران بيد فاتحيها، ويعترف (أشرف خان) ملك الأفغان بخلافة السلطان العثماني.
كلُّ هذه الأحداث كان لها تأثيرها على مناطق العراق بشكل أو بآخر وخاصة على مدينة كربلاء.
في هذه الفترة بدأ ظهور (نادرقلي) الذي أصبح فيما بعد (نادر شاه)، ويقال بأن نادرًا هذا رأى في منامه الإمام علي وهو يقلده سيفاً ويطلب منه إنقاذ إيران!!...
في (مازندران) قام (طهماسب شاه ابن الشاه حسين آخر ملوك الصفويين) بالمطالبة بعرش إيران، فوضع نادر قلي نفسه تحت خدمته، وقاد الجيش ضد أشرف خان في عام 1141ه-/ 1729م ، فقتله وطرد الأفغان من إيران.
بعد سنة من طرد الأفغان تمكن من طرد العثمانيين من غرب إيران. مما حدا بوالي بغداد (أحمد باشا) أن يقود جيشاً إلى همدان، وكان ذلك في سنة 1144ه-/16 أيلول 1731م ، وهزم جيش طهماسب شاه بقيادته، وقتها كان نادر قلي في خراسان، فعاد سريعاً وعزل طهماسب وألغى إتفاقية الصلح التي عقدت بعد الهزيمة، ونصّب ابنه وكان عمره ثمانية أشهر مكانه، وأصبح هو وصيّاً عليه.
أرسل نادر رسالة إلى أحمد باشا والي بغداد يقول فيها : «ليكن معلومًا لديكم يا باشا بغداد، أننا نطالب بحق لا نزاع فيه في زيارة قبور الأئمة علي والحسين والمهدي وموسى، ونطالب بجميع الإيرانيين الذين أُسِروا في الحرب الإخيرة... ونحن سائرون حالاً على رأس جيشنا المظفر لنتنسم هواء سهول بغداد العليل، ولنستريح في ظل أسوارها» (1).
1) أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث: لونكريك، ص 169 وص 170.
في بداية عام 1733م (1146ه-)، عبر نادر قلي نهر ديالى وفرض حصارًا طويلاً على بغداد، وكان حصارًا مؤلماً على أهل بغداد، فحدثت المجاعة فيها وإنتشر الموت بشكل فظيع، ودام الحصار سبعة أشهر إلى أن جاء المدد العثماني بجيش يقوده (عثمان باشا الأعرج). وحدثت المعركة قرب (بلد) بتاريخ 19 تموز 1733م (1146ه-).
وإنهزم جيش نادر قلي وهرب بفلوله إلى إيران.
إستمر بعدها نادر قلي يَعدُّ العدّة للإنتقام من خصمه عثمان باشا الأعرج، فهو يدرك بأنه لا يتمكن من دخول بغداد مادام الأعرج فيها. وفي فترة كان الأعرج مخيّماً قرب كركوك، فتوجه إليه نادر قلي. وفي تشرين أول سنة 1733م حدثت المعركة وقد سقط الأعرج من على ظهر جواده ومات... وأرسل نادر قلي جثمانه إلى بغداد بصورة مهيبة، فحاصر بغداد مرّة ثانية وكان حصارًا قصيرا، حيث وردت أنباء من إيران بوجود أعمال شغب، فطلب الصلح مع أحمد باشا، فوافق الأخير، وزار نادر العتبات المقدسة وعاد بعدها إلى إيران.
بعد ثلاث سنوات وتحديدًا في 21 آذار سنة 1736م (1148ه-)، دعا نادر قلي إلى وليمة جمع فيها وجهاء الإيرانيين، وأخبرهم بموت الشاه الطفل الذي كان هو وصيّا عليه، وطلب منهم أن يختاروا ملكًا عليهم فنادوا به، لكنه تمنّع ورفض ذلك لمدة شهر كامل وهم يلحّون عليه، وبعد ذلك قَبلَ ولكن بشروط منها أن يترك الإيرانيون سب الخلفاء، وترك مواكب العزاء، وكل ما من شأنه يفرّق بين الشيعة والسنة، وقُبلت شروطه وتم تتويجه ملكا وأصبح اسمه (نادر شاه).
في عام 1156ه- / 1743م، طلب نادر شاه من العثمانيين الإعتراف بالمذهب الجعفري كونه المذهب الخامس. فأفتى علماء الدين العثمانيين بعدم قبول ذلك وإعتبار الشيعة مارقين. فتوجه نادر شاه لغزو العراق. ولم يدخل إلى بغداد وإنما توجه إلى الموصل وحاصرها أربعين يومًا، وعقد معهم الصلح وعاد إلى بغداد، فزار
الكاظمية التي فيها مرقدي الإمامين موسى الكاظم ومحمد الجواد بن علي بن موسى الرضا ( عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وزار قبر أبي حنيفة، وذهب إلى النجف الأشرف.
دعا نادر شاه الوالي أحمد باشا إلى عقد مؤتمر لتوحيد المذاهب، فجلس علماء السنة والشيعة في (مؤتمر النجف). حدثت بعد ذلك معارك بين نادر شاه والدولة العثمانية، وأبرم الصلح بينهما في 21 آذار سنة 1747م (1160ه-). وفي نفس السنة قُتل نادر شاه، وبعد فترات من الفوضى في إيران وتسلم العرش عدة ملوك.
في عام 1211ه- / 1796م تأسست (الدولة القاجارية) في إيران، وسارت هذه الدولة الجديدة على نهج الدولة الصفوية، وبذلك عاد الصراع والنزاع الطائفي بين الإيرانيين والعثمانيين، بعد أن هدأ في فترة حكم (نادر شاه) الأخيرة وما تلاه. وحدثت حروب بين القاجاريين والعثمانيين إلى أن عقد الصلح بينهما في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي.
لقد تقدمنا بشرح موجز عن الحكم الصفوي إبتداءً من تأسيسه وكذلك فترات إحتلاله للعراق، وكذلك نشوء الدولة العثمانية وسيطرتها وإحتلالها العراق، وفي إعتقادنا بأن الشرح كان ضروريًا على إيجازه ليتم البحث عن أوضاع مدينة كربلاء وما حدث فيها من عمران وتطور، وكذلك عن مجمل الحوادث التي وقعت فيها في كل المجالات، وذلك حسب التسلسل الزمني لكل ذلك.
وارتأينا شرح أدوار الحكمين وذلك لتداخل الموضوع زمنيًا حتى نتمكن من إيصال المعلومات عن تلك الفترات التاريخية متسلسلة حسب أهميتها إلى القارئ الكريم، وسيكون تسلسل مواضيع البحث شاملاً لحين فترة حكم (المماليك)، والذي سيتم الحديث عن فترة المماليك بشيء من الإسهاب والتفصيل لأهمية تلك المرحلة في تاريخ مدينة كربلاء.
بالإضافة إلى فترة القاجاريين الذين حكموا إيران وكان لهم تأثير واضح على الوضع في العراق عموماً ، وعلى مدينة كربلاء خصوصاً وإثناء استمرار العراق تحت
حكم الدولة العثمانية، لأن القاجاريين لم يحتلوا العراق ولكن كانت لهم بصمات فيه سيتم ذكرها في محلها أن شاء اللّٰه تعالى.
كان هَمّ السلطان مراد الرابع الوحيد، بعد أن قضى على الإضطرابات الداخلية، أن يسترجع بغداد من أيدي الصفويين، إذ لم يعد بوسع الدولة العثمانية أن تحتمل بقاء العراق خارج حكمها.
وقد إقتربت النهاية بعد سبع سنوات مرت على فشل الصدر الأعظم خسرو باشا في حملته عليها سنة 1631م (1041ه- ). إذ قاد السلطان مراد الرابع الحملة الثالثة بنفسه على غرار ما كان يفعله أسلافه العظام كسليم الأول أو ياوز وسليمان القانوني بعد أن أخذ السلاطين بعدهم يحجمون شيئًا فشيئًا عن الإشتراك الفعلي شخصيًا في الحملات العسكرية (1).
كان العثمانيون قبل ذلك قد قاموا بعدة حملات لاسترجاع بغداد ولم يتمكنوا من ذلك وجرت مفاوضات عديدة في آخر حملة بين قائدها الصدر الأعظم وبين الشاه حيث لم تفلح شيئا.
تقدم جيش مراد الرابع نحو بغداد وحاصرها أربعين يوماً وتمكن من إحتلالها بمعارك دامية راح ضحيتها الأهالي والجيش الصفوي فيها على حد سواء، ودخل بغداد يوم 18 شعبان 1048ه- / 25 كانون الأول 1638م، وكان هذا الإحتلال في زمن الشاه (صفي) حفيد الشاه عباس، وبهذا الإحتلال إنتهى النفوذ الإيراني في العراق وبدأ العهد العثماني الثاني الذي إستمر إلى عام 1917م.
بعد إحتلاله بغداد تركها السلطان مراد الرابع في رمضان 1048ه- / شباط 1639م وعاد إلى بلاده وعيّن حسن (باشا الصغير) والياً عليها.
1) العراق في العهد العثماني: د. علاء نورس، ص53.
بعدها طلب الشاه صفي من العثمانيين عقد الصلح بين الدولتين لإحلال السلام بينهما فعقدت معاهدة ( زهاب ) (1)للصلح وتحديد الحدود بين الدولتين وذلك في 14 محرم 1049 ه- / 17 مايس 1639م.
في صراع مع المرض توفي السلطان مراد الرابع بعد أربعة أشهر من توقيع معاهدة زهاب، وهو في مرضه أراد أن يقتل أخاه إبراهيم ولي عهده، إلّا ان والدة السلطان أنقذته يوم وفاة مراد التي كانت في شباط 1640م وله من العمر 31 سنة، وإعتلى العرش بعده أخوه الأصغر إبراهيم الذي لقّب ب- (إبراهيم الأول) وكان عمره 25 عامًا.
في زمن إبراهيم الأول كان الفساد و بیع المناصب قد بلغ حدًا، وَكَثُرَتْ وبيع الإضطرابات وميل السلطان للجواري واللذة في الحصول على الحسناوات منهن رغم محاولة الصدر الأعظم قره مصطفى باشا إصلاح الأمر، ولكن جهوده كانت تضيع في الجو الفاسد الذي يحيط بالسلطان.
تم قتل السلطان الفاسد إبراهيم وتم تنصيب ابنه (محمد الرابع) الذي يبلغ السابعة من العمر وذلك في سنة 1058 ه- / 1648م. ودخلت الدولة في فوضى لأربعة عقود أخرى.
أمّا بالنسبة للعراق الذي سالت دماء أبنائه في صراع الدولتين وإحتلال مراد الرابع له، فقد عاش العراق ما يقارب العقد من الزمان في ظل سلطان عثماني فاسد كالسلطان إبراهيم وارتقاء العرش صبي في السابعة من عمره.
1) هذه المعاهدة تضمنت بنود كثيرة خاصة بالحدود بين الدولتين، وقسمّت عشائر الجاف الكردية بين الدولتين، وأن تمتنع الحكومة الصفوية عن استعمال الكلمات غير اللائقة بحق الصحابة والخلفاء الراشدين، وأن لا تتدخل الدولة العثمانية في الشؤون الداخلية للدولة الصفوية، ورغم أن الصلح دام ثمانين عاماً ولم يحدث قتال جدي بين الدولتين، إلاّ أن الصراع لم يتوقف فهناك جوانب للتصادم كانت قائمة بسبب ادعاء الحكومات الإيرانية المتعاقبة الدائم بسلب قوافل الزوار الإيرانيين، وإقامة الأمراء الإيرانيين المنشقين عنها في بغداد وفي بعض مدن العتبات وتعاونهم مع العثمانيين.
في سنة 1098 ه- / 1687م تم عزل السلطان محمد الرابع وجلس على العرش أخوه السلطان (سليمان الثاني) بعد فوضى عارمة في الداخل وهزائم عسكرية. وكان سليمان الثاني منقادًا إلى الإنكشارية الذين نصّبوه على العرش.
توفي سليمان الثاني وتولى العرش أخوه السلطان (أحمد الثاني) سنة 1102ه- / 1691م. في سنة 1107ه- / 1695م توفي أحمد الثاني وتولى العرش بعده مصطفى بن السلطان محمد الرابع ولقّب یالسلطان(مصطفى الثاني)، وفي زمنه عقدت معاهدة كارلوفيتش سنة 1699م التي كانت نقطة تحوّل في تاريخ العلاقات العثمانية الأوربية، وحينها بدأت أوربا تتفوق إقتصاديًا وعسكريًا وأجبرت العثمانيين على الكثير من التنازلات.
وتوالى على العرش العثماني السلطان (أحمد الثالث) بن مراد الرابع سنة 1115ه- / 1703م. ثم جاء بعده السلطان (محمود الأول) بن مصطفى الثاني سنة 1147ه- / 1730م.
وفي زمن السلطان محمود الأول ظهر نادر قلي الأفشاري (سيتم الحديث عنه لاحقاً) كقائد عسكري في خراسان، ووضع نفسه تحت خدمة الأمير طهماسب بن الشاه حسين الصفوي والمطالب بالعرش الصفوي بعد أن إحتل الأفغان إصفهان وقتلوا الشاه حسين وأسسوا دولتهم. وتمكن نادر قلي من إحراز إنتصارات على حكومة الأفغان، وإلتحق بطهماسب الذي تمكن من لملمة فلول الصفويين، وكان يطلب من العثمانيين والروس مساعدته لدحر الأفغان مقابل إعترافه لهم بالأقاليم التي إستولوا عليها إثناء سقوط الدولة الصفوية.
عندما تمكن نادر من تأسيس جيش قوي تمكن من إحتلال إصفهان وأجلس طهماسب على العرش باسم الشاه طهماسب الثاني الصفوي. فكافأه الشاه بأن عيّنه قائداً عامًا للجيش وحاكمًا على عدة أقاليم ومدن مهمة في الدولة.
بدأ نادر قلي باسترداد بعض الأقاليم من الدولة العثمانية وخاض معها حروبًا طاحنة من أجل ذلك، وعندما كان مشغولاً بإخماد حركات تمرد في الشمال الشرقي من إيران، زحف الشاه طهماسب نحو الجيش العثماني الذي يقوده والي بغداد أحمد باشا، وإشتبك معه في معركة إنتهت لصالح العثمانيين مما دعا بالشاه إلى طلب الصلح وعقد معاهدة مع العثمانيين.
عندما سمع نادر قلي بذلك لم يقبل بما أقدم عليه الشاه وطلب من الشاه الرجوع عن رأيه، ولكن الشاه أصرّ على توقيع المعاهدة، عندها رجع نادر قلي إلى إصفهان لإقناع طهماسب ولكنه لم يفلح في مسعاه، فقام نادر بخلع الشاه وسجنه ونصّب ابنه الرضيع (عباس) الذي يبلغ الثمانية أشهر على العرش باسم الشاه (عباس الثاني) وجعل نفسه وصيّاً على العرش وغيّر لقبه من (طهماسب قلي) عبد الشاه إلى لقب (وكيل الشاه) ...
بعد فترة أعلن عن وفاة الشاه الرضيع وإعتلى هو العرش. وقد خاض حروبًا عديدة مع الدولة العثمانية وتمكن من استرداد اقاليم عديدة، ولم يكتف بذلك بل زحف على بغداد ثلاث مرات وحاصرها وإحتل مدنًا عديدة من العراق، ورغم وصوله إلى أسوار بغداد إلاّ أنه لم يتمكن من إحتلالها، وفي النهاية إضطر إلى عقد معاهدة للصلح مع والي بغداد أحمد باشا.
في زمن السلطان محمود الأول أيضاً إستقل المماليك في العراق بشكل غير معلن وحكموه بعيدًا عن سلطة الباب العالي إلّا بالاسم وكان حكمهم في العراق من سنة 1162ه- إلى سنة 1247ه- / 1749م إلى 1831م.
وفي زمانهم حدثت عدة وقائع في كربلاء سيتم الحديث عنها حسب التسلسل الزمني للأحداث.
بعد السلطان محمود الأول إعتلى العرش أخوه (عثمان الثالث) سنة 1167 ه- / 1754م . ثم تلاه السلطان (مصطفى الثالث) بن أحمد الثالث سنة 1170ه- / 1757م. وجاء بعده أخوه السلطان (عبد الحميد الأول) سنة 1188ه- / 1774م. تم إعتلى العرش السلطان (سليم الثالث) بن مصطفى الثالث سنة 1203ه- / 1789م . وفي زمانه حدثت غزوة الوهابيين على مدينة كربلاء. وتلاه السلطان (مصطفى الرابع ) بن عبد الحميد الأول سنة 1222ه-/1807م، وبعده بسنة واحدة إعتلى العرش أخوه السلطان (محمود الثاني) سنة 1223ه- / 1808م . ثم تولى العرش ولده السلطان (عبد المجيد) بن محمود الثاني سنة 1255ه-/ 1839م، وفي زمنه حدثت في كربلاء واقعة نجيب باشا (غدير دم) سنة 1258ه-/ 1842م.
وجاء بعده أخوه السلطان (عبد العزيز ) سنة 1278ه- / 1861م، ومن بعده إرتقى العرش أربعة من أولاد السلطان عبد المجيد وهم على التوالي:
السلطان(مراد الخامس) سنة 1293ه- / 1876م ، وبعده بعدة أشهر من نفس السنة إعتلى أخوه السلطان (عبد الحميد الثاني) الذي تنحى عن العرش بعد أن حكم 33 سنة، نتيجة الضغوط التي مورست عليه بسبب عدم قبوله التوقيع على إعطاء (فلسطين) لليهود ورفضه تأسيس وطناً لهم فيها . وجاء بعده السلطان (محمد رشاد) سنة 1327 ه- / 1909م وفي أيامه دخلت الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى بجانب الألمان، حيث هُزمت جيوشها وأطلق عليها (الرجل المريض).
في السنة التي إنتهت فيها الحرب العالمية الأولى 1337ه- / 1918م تولى العرش السلطان (محمد وحيد الدين) وتم تقسيم الدول والولايات التابعة لها بعد انتهاء الحرب، وإستمر في الحكم إلى سنة 1341 ه- / 1922م، حيث سقطت الدولة العثمانية وتم تأسيس الجمهورية التركية بقيادة كمال أتاتورك.
كما ورد سابقاً فإن الدولة العثمانية إحتلت العراق مرتين الأولى كانت على يد السلطان سليمان القانوني سنة 941ه- / 1534م . وإستمر الحكم العثماني على العراق إلى نهاية سنة 1032ه-، عندما إحتل الشاه عباس الأول الصفوي بغداد ودخلها سنة 1033ه- / 1623م، وبعد خمسة عشر عامًا من الحكم الصفوي الثاني إحتل السلطان مراد الرابع بغداد سنة 1048ه- / 1638م، وبذلك خضع العراق للعثمانيين مرّة ثانية إلى سنة 1917م عندما إحتل الإنكليز العراق وخروج العثمانيين منه إلى الأبد.
كانت فترة السيطرة العثمانية الأولى على العراق قد إستمرت بحدود التسعين سنة كانت كربلاء فيها تحت حكم العثمانيين وفي فترات تحت حكم بعض الإمارات العربية، وقد حدثت فيها وقائع وأحداث وتغييرات كثيرة شملت جميع النواحي والتي ذكرناها سابقاً.
أما الفترة الثانية التي حكم العثمانيون فيها العراق فكانت فترة طويلة وهامة وقد إستمرت ما يقرب من مائتين وتسع وسبعين سنة ،كان نصيب كربلاء منها كبيرًا في الأحداث والوقائع والتغييرات الديمغرافية والعمرانية والتوسع والحروب والوقائع المؤلمة تارة وإصلاحات في أوقات متفرقة أخرى. ويعزى سبب ذلك كله إلى الأسباب التالية:
1 - الصراع الدائم بين الدولة العثمانية وبين الحكومات الإيرانية المتعاقبة من الصفويين إلى نهاية الحكم القاجاري تقريبًا، وكانت كربلاء في تلك الاوقات محورًا هامًا في الصراع، هي وبقية مدن العتبات المقدسة في العراق.
2- سيطرة بعض الإمارات العربية التي كانت تحكم مناطق الفرات الأوسط والبادية الغربية من العراق. وتأثيرها البالغ على مدينة كربلاء.
3- سيطرة المماليك على العراق وهم الولاة الذين حكموا العراق باسمهم وكانت تابعيتهم للدولة العثمانية محدودة، ولا سيطرة من الدولة المركزية عليهم.
4- الحروب والمعارك التي شنّها الولاة العثمانيون وكذلك المماليك ضد القبائل والعشائر العربية في الفرات الأوسط والجنوب، فقد تأثرت بها كربلاء كثيرًا.
5- نشوء الحركات العقائدية والفرق الدينية الجديدة التي إتخذت من كربلاء مركزاً لتلك الصراعات الفقهية والعقادية، وأحدثت إنقسامات كثيرة بين علماء المذهب، وجرّت تلك الأحداث إلى وقوع الكثير من المشاكل والفتن راح ضحيتها الكثير من الأرواح والأنفس من أهالي المدينة.
6- إزدياد الغرباء والأعاجم في مدينة كربلاء مدفوعين بعوامل دينية وسياسية وإقليمية ومذهبية، وربما كان إزدياد هذه الأعداد مخطط له من دولهم لضمان موطئ قدم لتلك الدول في السيطرة الثقافية والديموغرافية والمذهبية داخل مدينة كربلاء.
7-الخلافات المناطقية والعشائرية داخل مدينة كربلاء كان وقودها على الأغلب الغرباء الذين سكنوا المدينة، وأصبحت لهم اليد الطولى في مجتمعها العربي الملتزم من خلال تصدي هؤلاء الغرباء للواقع الديني في المدينة، كونها بالأساس مدينة يغلب عليها الطابع الديني وتكثر فيها المدارس والمعاهد الدينية.
8- في تلك الفترة نجد الشعور الوطني والتعصب البلدي للمدينة من قبل الأهالي العرب القدماء قد وصل مداه الأقصى في الإتحاد والوقوف متراصّين متكاتفين
أيام المحن، وبرز من أهلها أناس ظل التاريخ يذكرهم بفخر وإعتزاز إلى يومنا هذا.
9- ولا يفوتنا أن نذكر بأن الكثير جدًا من العشائر والبيوتات العربية الأصيلة قد نزحت إلى مدينة كربلاء من مختلف مناطق العراق العربية ذات الأصالة والنخوة والشجاعة، وأسست لها تجمعات مناطقية كبيرة وسلالات نسبية إستمرت فيها إلى الآن.
10 - توسيع الرقعة الزراعية حول المدينة القديمة، واستقرار العشائر العربية التي أسست المزارع والبساتين في ضواحي المدينة وكان هؤلاء هم الرافد الكبير لسكانها العرب على مر السنين المتعاقبة.
11- كما شهدت كربلاء إثناء الحكم العثماني الثاني تدخلات دول أجنبية مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا في دراسة شؤونها كبقية مناطق العراق الأخرى، ولوحظ الكثير من المستشرقين الأجانب قد قاموا بزيارتها وتثبيت المعلومات عنها، وكان نصيب بريطانيا (إنكَلترا) من هذه الدول هو الأعلى في الدراسة والتدخل كما سنجده من خلال الأحداث التي سوف نذكرها.
من ذلك كله سوف نقوم بسرد كل ما يخص مدينة كربلاء في هذا الفصل من البحث منذ الاحتلال العثماني الأول على يد سليمان القانوني إلى أيام انتهاء السيطرة العثمانية على العراق، داعمين كل ما نورده بالمصادر الموثوقة متجنبين حالة الوقوع في حبال البعض ممن كتب عن تاريخ المدينة بروح مرتمية على نوع معين من المصادر المغالية بل والكاذبة أحيانا والتي تفوح منها روح الطائفية والمذهبية والتبعية لغير العرب.
ذكرنا في سياق الحديث عن إحتلال الشاه عباس الأول الصفوي لبغداد في سنة 1033ه-/ 1623م، وزياراته لمدينة كربلاء وما قام به من أعمال للمراقد المقدسة فيها، وقد كانت حينها مدينة كربلاء تخضع لحكم إمارة ناصر بن مهنا الذي أعطى الولاء للشاه عباس في البداية، والذي بقي يدير إمارته من كربلاء، فقد أقيمت حامية صفوية عسكرية من القزلباش في كربلاء، وبعد فترة وجيزة إنقلب على الصفويين وتمكن من طرد حاميتهم من كربلاء، وأعاد الولاء للعثمانيين رغم ان بغداد كانت خاضعة للصفويين. وبقيت كربلاء خاضعة لحكم ابن مهنا حتى الإحتلال العثماني الثاني لبغداد من قبل السلطان مراد الرابع سنة 1048ه- / 1638م. وهو الذي ساعد العثمانيين بالسيطرة على كربلاء والحلة وقدّم لهم المساعدة لمنع إمداد حاكم بغداد من الجنود القزلباش الذين يتقدمون من الجنوب إلى بغداد، وخاصة في أيام المحاولة الأولى لاسترداد بغداد بقيادة الصدر الأعظم حافظ أحمد باشا.
دامت الفترة بين الإحتلال الصفوي الثاني لبغداد بقيادة الشاه عباس الكبير، والإحتلال العثماني الثاني لبغداد خمسة عشر عامًا، بدأت عام 1033ه- وإنتهت عام 1048ه-. وخلال هذه الفترة جرت أحداث وأمور كثيرة في كربلاء، ذكرنا قسم منها في فصل (كربلاء تحت الحكم الصفوي) خاصة ما قام به الصفويون من تعميرات وغيرها.
وفي هذه الفترة البالغة خمس عشرة سنة، كانت مدينة كربلاء غير خاضعة لحكم الصفويين عدا فترة قصيرة جدًا عندما تعاون ناصر بن مهنا معهم في البداية، علمًا بأن فترة الإحتلال الصفوي الثانية لم يتمكن الإيرانيون فيها من فرض سيطرتهم على وسط وجنوب العراق، وكانت جلّ سيطرتهم على بغداد والنواحي القريبة منها أو
التي تحيط بها. وحتى الشاه صفي الدين عندما إحتل الحلة لم يتمكن من الوصول إلى كربلاء، كما ذكرنا ذلك سابقاً.
قامت الدولة الصفوية وبأمر من الشاه عباس الصفوي الكبير وقبل أن يحتل بغداد بإرسال مجاميع عسكرية من القزلباش إلى مدينتي كربلاء والنجف بحجة أنهم زوّار للعتبات المقدسة، وهذه الخطوة هي من ضمن استعداداته لإحتلال العراق، ليكون هؤلاء قوة عسكرية مستعدة للتقدم من الجنوب نحو بغداد عندما يحاصرها، وقد تمكن هؤلاء من رفد جيش عباس شاه عندما حاصر بغداد.
وعندما نجح في دخول بغداد بعد حصار دام ثلاثة أشهر بمساعدة ابن حاكمها الذي خان والده وفتح أبواب المدينة للجيش الغازي، وضمان تقدم القزلباش من جنوب بغداد، فقد إتخذ الصفويون دائمًا خطة وجود قوات لهم غير معلنة استخدامها عند الحاجة لمعرفتهم بأن العثمانيين لن يتركوا العراق للإيرانيين. وعلى هذه الخطوة فقد تنبّه العثمانيون لهذا المقصد، ووضعوا في خططهم لأي تقدم نحو بغداد لاستردادها من الصفويين، فلابد أن يؤمنوا طرق جنوب بغداد لمنع محاولات القوى الإيرانية الكامنة للغرض المذكور. وقد حصل ذلك بالفعل، وقد ذكرت كتب التاريخ عن معارك حدثت بين الترك وقوات القزلباش الصفوية، والتي أبيد فيها ألفي جندي من القزلباش نزحوا من النجف وكربلاء والحلة نحو بغداد، وطالما إعتبرت الدولة الصفوية ذلك حجة للقتال، ومنها مثلاً إحتلال الشاه صفي الدين للحلة كما ذكرنا التفاصيل سابقاً ...
وعليه فإن الدولة العثمانية أخذت ذلك الأمر بنظر الإعتبار، وكانت من خططها للتقدم واسترجاع بغداد فيجب أن تؤمن جنوبها بالسيطرة على المدن التالية: الحلة وكربلاء والنجف والرماحية (مناطق الديوانية).
عندما إستولى الشاه عباس الصفوي على بغداد عام 1033ه- / 1623م، حاولت الدولة العثمانية استرداد بغداد وقامت بثلاث محاولات كانت اخرها في عام 1048 ه- / 1638م حيث قاد الحملة السلطان العثماني مراد الرابع وتمكن من دخول بغداد وإحتلالها، وبذلك أنهى خمسة عشر عاماً من السيطرة الثانية للصفويين عليها.
وفي سنة 1035ه-/ 1625م كانت الحملة الأولى للعثمانيين لاسترداد بغداد بقيادة الصدر الأعظم حافظ أحمد باشا، وكانت خطة الجيش العثماني محاصرة بغداد وقطع الطرق للحيلولة دون وصول الإمدادات الإيرانية إلى القوة المرابطة في بغداد.
جاء في كتاب صور من تاريخ العراق في العصور المظلمة ما نصّه: «ومع أن الجيوش الزاحفة لم تكن مستعدة تمام الاستعداد لهذا الزحف الطويل الخطير فقد سارت أرتالها وقطعاتها إلى بغداد حتى وصلت إلى منطقة الأعظمية فخيمت في شمالها. وعند ذاك تقرر ان تبادر هذه الجيوش إلى محاصرة بغداد في الحال، وأن تضرب طوقًا محكماً حولها قبل أن تصل إليها النجدة من إيران. فتوزعت القطعات حول السور، وأقيمت المتاريس والطوابي، ثم نصبت المدافع، وقطعت الآلاف من أشجار النخيل فرميت مع التراب في الخندق المحيط بالسور لدفنه. ولإحكام الحصار من جميع الجهات نصب جسرٌ على دجلة فعبرت القوات التركية عليه إلى جانب الكرخ. وقد إستغرق ذلك کله مدة شهرين بالعمل المتواصل، تم خلالها الاستيلاء على الحلة وكربلاء»(1).
وجاء في كتاب تاريخ العراق بين إحتلالين في الحديث عن (خلاصة حصار بغداد) ما نصّه: « أن الوزير الأعظم حافظ أحمد باشا حاصر بغداد بالوجه المشروح.
وكان مدبرًا، ومفكرًا عميقاً ... ولم يكن هذا الحصار موافقاً لرغبته كما قصه شاهد عيان (كاتب جلبي) وكان رأيه التسلط على النقاط الحربية المهمة لقطع طريق إمداد
1) صور من تاريخ العراق في العصور المظلمة، جعفر الخياط، ج 1 ص 73 – ط1 سنة 1971م.
الشاه فلم يفلح فتابع رغبة الأمراء الذين كانوا معه فإبتدأ بمحاصرة بغداد... وفي خلال الحصار تم الاستيلاء على الحلة وكربلاء ... »(1).
وجاء في موسوعة العتبات المقدسة / قسم كربلاء عن تاريخ العراق بين إحتلالين ما نصّه: «في خلال (حصار بغداد)... تم الاستيلاء على الحلة وكربلاء. كما أدى إلى حرب دامية قتل فيها الألوف...» (2).
وجاء أيضاً في كتاب كلشن خلفا ما نصّه : «ونظرًا لإهتمام السلطان مراد في إنقاذ بغداد أرسل مقدارًا من حرسه الخاص وقواته إلى الحلة وكربلاء حيث إستولت عليهما وأسكتت مدافعه نيران المقاومة وتغلب على القوات المدافعة وإبادتها. وقد قویت معنویات جنوده بهذا التقدم ... » (3).
الحصار الأول هذا دام تسعة أشهر ومن بعده إنسحب الجيش العثماني إلى الشمال، وعليه فإن مدينة كربلاء إحتلها العثمانيون لتسعة أشهر، وتم طرد الحامية الصفوية من القزلباش التي كانت فيها ، وأسست فيها حامية عثمانية رغم أن كربلاء كانت في تلك الفترة من الحكم الصفوي تابعة إلى إمارة ناصر بن المهنا.
ويُعتقد بأن إحتلال العثمانيين لكربلاء والحلة عند محاصرتهم الأولى لبغداد كان بالتعاون مع إمارة آل مهنا وقتها. وتشير بعض المصادر بأن القائد العثماني (كنج عثمان)(4)هو الذي قام بالاستيلاء على الحلة وكربلاء.
1) تاريخ العراق بين إحتلالين : عباس العزاوي، ج 4 ص 193 .
2) موسوعة العتبات المقدسة: قسم كربلاء، ص 117.
3) کلشن ،خلفا، ص223.
4) جاء في الأساطير البغدادية أن رجل اسمه (كنج عثمان) كان من قادة الجيش العثماني، وقد جاء إلى العراق قبل مجيء السلطان مراد الرابع تصحبه قوة من الجيش فإحتل الحلة والرماحية وكربلاء والنجف، ولكنه مات قبل فتح بغداد، فنقلت جنازته بعد الفتح إلى بغداد ودفنت قرب السراي، وظن أهل بغداد إنه من الذين استشهدوا في معركة فتح بغداد وإنتشرت بينهم الأساطير عنه وعن كراماته، فقيل أنه كان عند إحتلال بغداد يحمل الراية أمام السلطان مراد فقطعت يداه، ولكن الراية ظلت تمشي وحدها من غير أن يكون لها أحد يحملها، ولم تسقط إلاّ بعد أن شاهدها أحد الناس ودهش لمنظرها العجيب، وصار قبره مزاراً ، وجدد قبره الوالي حسن باشا سنة 1133ه-/1721م.
أما الأسباب التي جعلت قائد الجيش يأمر بالاستيلاء على الحلة وكربلاء هي:
1- وجود حامية إيرانية من جيش القزلباش في كل من الحلة وكربلاء، والاستيلاء عليهما يعني قطع الإمدادات التي ترد من جنوب بغداد (مناطق الفرات). عندما إحتل الشاه عباس الصفوي بغداد سنة 1033ه- (1)، تقدم خمسة آلاف مقاتل كانوا في مشهد الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) أي في كربلاء وساعدوه في حصار بغداد، ويعتقد بأن هؤلاء قد أرسلوا إلى كربلاء إثناء التخطيط لإحتلال بغداد بصفة زائرين للعتبات، والعثمانيون إتخذوا هذا الإجراء لكي لا يتكرر الموقف السابق.
و عن هذه الحادثة جاء في تاريخ العراق بين إحتلالين عن تاريخ الغرابي، عندما أتى حافظ أحمد باشا إلى بغداد ليزيل بكر صوباشي وقد ذكرنا نصّه في موضوع دخول جيش من القزلباش إلى كربلاء سراً.
2- تأمين طريق الإمدادات التي يتوقع العثمانيون وصولها من البصرة، ومن قبل حاكمها علي باشا ابن أفراسياب الذي كان يناصر العثمانيين لمصلحته.
عندما إستولى (كنج عثمان) على الحلة وكربلاء ضمن الحملة التي قادها خسرو باشا وكانت بغداد ما زالت بيد الصفويين، فقد إستقر كنج عثمان في كربلاء ونصّب
1) في الحقيقة أن البعض يذكر بأن الشاه عباس الكبير الصفوي إحتل بغداد سنة 1032ه-، بينما يؤكد آخرون بأنه إحتلها سنة 1033ه-، ولتوضيح ذلك نقول: أن جيش الشاه عباس حاصر بغداد قرابة الثلاثة أشهر قبل أن يتمكن من دخولها. فقد بدأ حصاره عليها في ربيع عام 1032ه-، وكان حينها في الأشهر الثلاثة الأخيرة من تلك السنة. أمّا دخوله إليها بعد أن خان (محمد) ابن بكر صوباشي والده، فكان في الأيام الأولى من شهر محرم سنة 1033ه- / خريف سنة 1623م ، وهو الشهر الأول من السنة الهجرية، والتاريخ نفسه في السنة الميلادية 1623 لم يتغير بسبب الفارق بين السنين الهجرية والميلادية. ونحن إذا ذكرنا التواريخ فإننا نذكرها حسب المصادر التي نشير إليها في الهوامش، وعليه نلفت أنظار القارئ عن هذا الاختلاف، ويمكن مراجعة كتاب تاريخ العراق بين إحتلالين ج 4 ص 178 ففيه توضيح لهذا الإختلاف في التواريخ.
نفسه حاكمًا عليها وعلى الحلة ليضمن عدم وصول المساعدات إلى الصفويين نحو بغداد من الجنوب.
فقد جاء في كتاب مباحث عراقية للمرحوم يعقوب كوركيس عن تاريخ نعيما ج 1 ص 477 ما يخص كنج عثمان أحد القادة الذين جاءوا مع خسرو باشا في الحملة الثانية لاسترداد بغداد من أيدي الصفويين ما يلي: «... أمّا الذي دخل كربلاء ثم النجف ظافرًا فهو كنج عثمان ثم ضبط الحلة والرماحية، وعلى أثر ذلك أقام في كربلاء مع جنوده، وكان ذلك سنة 1040 »(1).
1) مباحث عراقية : يعقوب سركيس، ج 2 ص 342 .
في سنة 1048ه- / 1638م قَدِمَ السلطان مراد الرابع إلى العراق بجيش جرار وتمكن من محاصرة بغداد وإحتلالها، وطرد الإيرانيين الصفويين منها بعد محاولتين لم تنجح كانتا بقيادة الصدر الأعظم حافظ أحمد باشا، والثانية بقيادة خسرو باشا، وكان الشاه الصفوي في المحاولة الأولى هو عباس شاه الكبير، والثانية في زمن الشاه صفي الدين الصفوي. وإحتلال بغداد من قبل مراد الرابع كان في زمن صفي الدين الصفوي وحاكمه على بغداد بكتاش خان.
السلطان مراد الرابع العثمانی بملابس الحرب
وعندما دخل السلطان مراد الرابع بغداد جرت مذابح مشابهة لما قام بها الشاه عباس الصفوي سنة 1033ه- / 1623م في بغداد.
وبذلك دخل العراق مرة ثانية تحت سيطرة الدولة العثمانية، وعندها بدأ أنحاء العهد العثماني الثاني وتم بعد هذا الإحتلال لبغداد فرض السيطرة على جميع إنحاء العراق، وإستمر العراق تحت سيطرة العثمانيين إلى أن دخل الإنكَليز وإحتلوا بغداد سنة 1917م.
كان حاكم بغداد الإيراني (بكتاش خان) قد إستسلم ومن معه إلى القوات العثمانية بعد حصار دام 40 يوماً على بغداد، وأصدر السلطان مراد الرابع العفو العام بداية وطلب من القزلباش إلقاء سلاحهم، وتم تجميعهم في الباب الشرقي من بغداد وتمت إبادتهم.
توفي (بكتاش خان) ويقال بأنه إنتحر متأثراً بما أصابه من غم نتيجة تخاذل قواته، وكان قد حكم بغداد مدة سبع سنوات. وكان قبله (قلي خان) الذي حكمها ثماني سنوات. فيكون مجموع حكم الصفويين للعراق في عهدهم الثاني خمس عشرة سنة.
وعند دخول السلطان مراد الرابع بغداد، عيّن أحد الأغوات الإنكشاريين من الينكجرية المتقاعدين حاكمًا عليها وهو (كوجك حسن باشا) أي حسن باشا الصغير، الذي بدأ حكمه في نهاية شهر شعبان 1048ه- / 1638م، وإستمر لمدة أربعة أشهر وعدة أيّام إلى يوم الرابع من شهر محرم الحرام سنة 1049ه- (1).
وفي الرابع عشر من شهر محرم عقدت إتفاقية الصلح بين الدولتين الصفوية والعثمانية بعد أن كانت القوات العثمانية قد تحركت إلى إيران بقيادة الصدر الأعظم قره مصطفى باشا، وإقتربت من مقر الشاه الذي أوفد للعثمانيين وفدًا يطلب الصلح، فقبل الباشا، ومن خلال الإتفاقية عُيّنت الحدود بين الطرفين وأرسلت للمصادقة عليها إلى البلاط العثماني.
1) کلشن خلفا، ص 235.
«ثم رأت الدولة ان محافظ (والي) بغداد حسن باشا السالف الذكر والمعروف بالتسامح والحكم، لم يتمكن من ضبط الأمن فيها كما ينبغي إذ لا تزال بعض الفئات من عرب وأكراد يعيشون في أطرافها ويتمردون على النظام ولابد للبلد من حاكم حازم ولذلك تقرر إعهاد الحكم في دار السلام إلى الدرويش محمد باشا وصدرت الأوامر بعد المشاورة مع الصدر العالي. غير أن الحاكم المذكور وإن كان متصفاً بصلابته في الحكم وفي ضبط النظام ولكن كانت أعماله ينقصها العدل والإنصاف والمرونة » (1).
ولابد من الإشارة بأن هذا الحاكم الظالم قد بدأ حكمه في بغداد من اليوم الخامس من شهر محرم سنة 1049ه- / 1639م إلى الثامن عشر من محرم سنة 1052ه- / 1642م، وبذلك فإن مدة حكمه ثلاث سنوات وثلاثة عشر يوماً ، إبتدأ حكمه بجريمة نكراء هي قتله لنقيب الأشراف وسادن الحسين المرحوم السيد محمد دراج.
بعد إحتلاله بغداد وقبل عودته إلى مقر حكمه في إسطنبول، زار السلطان مراد الرابع مدينة كربلاء في يوم الخامس عشر من شهر مايس 1638م (1048ه-). وتشرف بزيارة مرقد الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ).
أمر إثناء زيارته بتعمير قبة المرقد الشريف وتبييضها من الخارج بالجص. ويعتقد بأنه قام بتجصيصها ليتم بعدها إكسائها بالكاشاني. ويعرف بأن مراد الرابع عندما إحتل بغداد أمر بتعمير مرقد أبي حنيفة النعمان، ومرقد الشيخ عبد القادر الكَيلاني الذي خربهما الشاه عباس الصفوي عند إحتلاله .بغداد فقام السلطان بإعادة بناء
1) کلشن خلفا، ص 235 و 236 .
المرقدين وفي نفس الوقت أراد ان يقوم بعمل مرادف للعتبات المقدسة وزيارتها، ليعطي لإحتلاله هذا وجه آخر يختلف عن الإحتلال الصفوي.
ذكرنا سابقاً بأن السيد محمد الدراج وهو الجد الأعلى لأسرة السادة الأشراف (آل النقيب) في كربلاء، وكان قد قام بأعمال ومواقف جليلة للحفاظ على أرواح الناس من أهل السنة في بغداد عندما شرع الشاه عباس بإعمال السيوف عليهم عندما إحتل بغداد سنة 1033ه-/1623م، وتمكن السيد الدراج من المحافظة على أرواح الكثير منهم وإنقاذهم من عمليات القتل والتشريد، وكان حينها نقيب الأشراف في العراق، وكان الشاه عباس يكن له الإحترام والتقدير، حيث رافق الشاه في زيارته للحلة والنجف وكربلاء، وإستلم سدانة الإمام الحسين بالإضافة إلى نقابة الأشراف.
فلم يتورع والي بغداد الدرويش محمد باشا (1)من استقدامه والفتك به لغائلة في نفسه وحقده على السيد النقيب بجريرة مذهبية لا غير وذلك في عام 1049ه- / 1639م.
يقول المرحوم عباس العزاوي في تاريخ العراق بين إحتلالين عن موقف والي بغداد الغاشم درویش محمد باشا من السيد دراج والسعي إلى قتله، ما نصّه:
«وهذا العمل المشكور كله لم يمنع الوالي من الوقيعة به بعلّة أنه كان شيعيّاً معروفًا بتشيّعه، فلم يتحمل شهرته ومكانته فإتخذ ذلك وسيلة للقضاء عليه (قتله)،
1) جاء في خلاصة الأثر للمحبي عن درويش محمد باشا هذا ما يلي: (هو جركسي كان أولاً في خدمة مصطفى أغا ضابط الحرم السلطاني في عهد السلطان أحمد ، ثم خدم الوزير الأعظم محمد باشا المعروف ب- (دال طبان). وكان السلطان عثمان يحبه لفروسيته وشجاعته. ذهب في خدمة الوزير إلى مصر حينما صار محافظها وكان يقدمه على جميع أعوانه، ولي الخدمات السامية حتى صيّره كتخدا له. ولما ولي الوزارة العظمى عهد إليه بولاية الشام في أواسط 1045ه-. وكان ظالمًا جبَّارًا فتك بأهليها وتجاوز في ظلمه الحد. وتنقل في الايالات.
وأستولى على أمواله الوافرة وكان يدعى أنه (درويش)، فلم تردعه هذه الخدمة النبيلة، ولا المكانة المقبولة . أراد هذا الوالي أن يستقل بنفوذ العراق وحده، وأن تكون بغداد والأنحاء العراقية خالصة للدولة العثمانية. وقد جاء ذكر ذلك في تاريخ نعيما، وفي فذلكة كاتب جلبي، وفي خبر صحيح. والآن من بقايا السيد دراج (أسرة نقيب كربلاء) . . . » (1).
كان المرحوم السيد محمد درّاج آل النقيب يُمثل رمزًا كبيرًا لدى أهالي كربلاء، وكان حادث مقتله غيلة بأمر من الوالي درويش محمد باشا قد أصابهم بحزن وألم كبير لفقده، وتوقد لديهم شعور بالعداء والكره الشديد للحكم العثماني، لأن السيد المقتول لم يكن شخصية هامشية بل كان نقيبًا لأشراف العراق، وسادنا للروضة الحسينة، وهو المقدّم في المدينة على شيوخها وأعيانها لمكانته الكبيرة.
بعد سماع خبر استشهاده حدثت في المدينة إضطرابات مناوئة للعثمانيين، وتمرد الأهالي غضبة لمقتل نقيب الأشراف سادن الحسين، وقام الأهالي بالهجوم على الحامية العثمانية وتمكنوا من طرد المتولي (الحاكم) العثماني للمدينة وهروب جنود الحامية منها.
حاولت الحكومة تهدئة الوضع ولكنها لم تفلح ولعدة مرات في مسعاها. علمًا بأن كربلاء كانت حينها تخضع لسيطرة آل قشعم حيث كان مقر حكمهم فيها وتُعتبر ديرتهم، فقد ساعد هؤلاء بعدم تمكن حكومة الوالي من تعيين حاكم على المدينة يمثل الدولة العثمانية تجنبًا للمزيد من المشاكل. وإستمر تمرد الأهالي لأكثر من سنتين دامت فيهما القطيعة بين الكربلائيين والحكومة العثمانية، إلى أن حلّت سنة 1052ه- / 642 1642م
عندما تم عزل والي بغداد درویش محمد باشا.
1) تاريخ العراق بين إحتلالين، ج 4 ص 241 .
تولّى السيد علي بن النقيب محمد درّاج بن النقيب سليمان بن النقيب سلطان كمال الدين من آل زحيك نقابة الحائر (1)، وذلك بعد استشهاد والده سنة 1049ه- / 1639م.
عُزل الوالي الظالم درويش محمد باشا من ولاية بغداد في 18 محرم سنة 1052 ه- وتم تعيين الوالي كوجك حسن باشا للمرة الثانية حيث كان أوّل والٍ على بغداد بعد فتحها من قِبَل السلطان مراد الرابع.
وأجمع المؤرخون بأنه كانت «أخلاقه حميدة وأوصافه مقبولة، إستجمع السجايا المرضية »(2).
أخذ الوالي الجديد حسن باشا (كوجك) (3)موضوع تمرد مدينة كربلاء بعين الإعتبار، وأراد إنهاء التمرد بالتوافق والتراضي وعدم استمرار الأحداث وتحقيق التهدئة، فقام بمساعي كثيرة من أجل ذلك لإقناع الكربلائيين على إنهاء التمرد والقطيعة وقد نجح في مسعاه بعد عدة أشهر من إستلامه ولاية بغداد. فوافق أهل المدينة على مساعي الوسطاء.
عندها تم تعيين متولي جديد لكربلاء هو (أحمد آغا ) وباشر في منصبه فيها في جمادي الآخرة من سنة 1052ه- / 1642م، وعاد جنود الحامية إليها .
1) تحفة الأزهار: ضامن بن شدقم ج 3 ص 175 . وقال ابن شدقم « فعليّ كان نقيبًا بعد والده ولم يزل بها حتى توفى».
2) تاريخ العراق بين إحتلالين، ج 5 ص 24.
3) كوجك: تعني الصغير، وحسن باشا هذا كان يلقّب ب- (كوجك حسن آغا) وكان آغا الينكرجية في بغداد، وعند إرتحال السلطان مراد الرابع من بغداد بعد أن أعاد إحتلالها أصدر أمراً إلى آغا الينكرجية هذا بإستلام إيالة بغداد (أي أصبح واليها) وذلك في شهر رمضان سنة 1048ه- /1638م.
ويذكر يعقوب سركيس في مباحث عراقية تأكيد لتولّي أحمد أغا للمشهدين الشريفين فيقول: «... وفي نسخة منقولة عن أصل قديم لوثيقة تاريخها في 11 جمادي الآخرة 1052 أن متولي المشهدين الشريفين إذ ذاك اسمه أحمد أغا» (1).
عندما أستشهد سادن الحسين ونقيب الأشراف المرحوم السيد محمد الدراج بن سلیمان بن سلطان كمال الدين على يد والي بغداد درویش محمد باشا سنة 1049ه-، لم يذكر المؤرخون شيئًا عن الشخص الذي تولى السدانة بعده مباشرة.
ولم نعثر على مصدر يؤكد لنا الشخص الذي إستلم سدانة مرقد الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) مباشرة بعد استشهاد السيد محمد الدرّاج.
مع العلم بأن كربلاء شهدت أحداث تمرد ضد السلطات بعد استشهاد السادن، وبقيت الحالة غير مستقرة في المدينة إلى أن تم عزل والي بغداد درويش باشا ومجيء الوالي كجك حسن باشا سنة 1052ه- وتم في نفس السنة تعيين أحمد أغا متولياً على كربلاء حيث هدأت الحالة فيها. وفي تلك السنوات لم يذكر أحد الشخص الذي إستلم السدانة، ولا في السنوات التي تلت إلّا التأكيد جاء في سنة 1075 بأن السدانة كانت بيد الشيخ إبراهيم شمس الدين.
مما لا يقبل الشك فإن الشيخ إبراهيم بن شمس الدين بن شجاع الحائري كان سادنًا لمرقد الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلامُ) سنة 1075 ه-/ 1664م لحين وفاته
1) مباحث عراقية : يعقوب سركيس ، ج 2 ص 339 - 340 .
سنة 1106 ه- / 1694م، ولم يتبيّن لنا شيء عن الشخص الذي تولى السدانة من عام 1049ه- إلى عام 1075ه-.
وهذه السبع والعشرون سنة تقريبًا بقيت محل شك عن الشخص الذي تولى السدانة. فإذا كان الشيخ إبراهيم بن شمس الدين الحائري هو الذي تولاها بعد مقتل السيد محمد الدراج فبذلك يكون قد إستمر في السدانة سبعة وخمسين عاماً !
ومن المحتمل أن يكون السيد علي بن محمد دراج هو السادن قبل إبراهيم بن شمس الدين وفي نفس الوقت كان نقيباً للحائر، لأن والده الشهيد كان يجمع النقابة والسدانة بيده. ووعدد من المصادر ومنها كتاب مدينة الحسين (1)، تؤكد بأن الشيخ إبراهيم كان سادنًا في سنة 1075 ه- حتى سنة 1106ه-. والذين أكّدوا ذلك لم يذكروا أي مصدر قديم إعتمدوا عليه.
تولّى النقابة في الحائر الحسيني السيد عبد الكاظم بن النقيب محمد دراج بعد أخيه النقيب علي. ويقول ضامن بن شدقم في تحفة الأزهار: «تولّى النقابة بعد أخيه علي، وكان سيّدًا جليلاً، كاملاً ، عظيم الشأن، ذا مروءة وشهامة وحسن خلق ورئاسة وكرم وسخاوة، ومواساة بالأهل بصداقة ورأفة بالرعايا، مات سنة 1070ه-»(2). وعلى ذلك لم يذكر أي مصدر السنة التي توفي فيه والده السيد علي، ولا التأكيد على السنة التي تولّى السيد عبد الكاظم النقابة عدا سنة وفاته.
1- عندما توفي النقيب السيد عبد الكاظم بن محمد دراج سنة 1070ه- / 1660م، تولى النقابة بعده ولده السيد إدريس بن عبد الكاظم. وإستمر في النقابة لغاية
سنة 1075ه- / 1664م ، حيث إنتزعها منه عمّه (عباس). ويؤكد ابن شدقم توليه النقابة ويقول عنه : «لاطف الأهل والرعايا بحسن أخلاقه وطيب أفعاله، فأقبلوا عليه وخضعوا لديه، فبلغ ذلك عمّه (عباس) فغار من إصفهان عليه كالبرق الخاطف فإنتزعها منه ...» (1). عندها توجّه السيد إدريس إلى الشاه (عباس الثاني) فأعزّه وأكرمه.
2- تولّى النقابة السيد عباس بن محمد درّاج، عندما إنتزعها من ابن أخيه وإستمر فيها لحين استدعائه من قبل والي بغداد قره مصطفى باشا وذلك لكثرة الشكاوى التي قُدّمت ضده لتأسيسه مظالم عديدة، وطلب منه الوالي الإقامة عنده في بغداد.
ويقول ابن شدقم في تحفة الأزهار عن السيد عباس ما نصّه: «أسس مظالم عديدة وأهان القرابة والأعيان المخلصة لهم القديمة والرعايا البعيدة، فرفعوا ما نالهم منه من الإساءة إلى قره مصطفى باشا (والي بغداد) فطلبه وأمره بالإقامة عنده، ثم إنتزعها عزيز بأمر سلطاني وذلك بشهر شعبان 1079 ه-» (2).
ويمكن أن يكون استدعاء النقيب من قِبل الوالي ما بين سنة 1077 ه- وسنة 1079ه- في ولاية الوالي الثالثة على بغداد التي بدأت سنة 1077ه-لغاية 1081ه- . أما تحديدنا للفترة التي أستدعي فيها لأن المدعو (عزيز) قد إستلمها سنة 1079ه-.
3- عندما كان السيد عباس في بغداد مقيماً فيها بأمر من الوالي العثماني قام ابن أخيه السيد زيد بن عبد الكاظم بن محمد دراج بأمور النقابة نائبًا عن عمّه السيد
(عباس) الموجود حينها في بغداد (3).
4-إستلم (عزيز) نقابة الحائر سنة 1079ه- / (1668م)، حسب قول السيد ضامن بن شدقم(1)، الذي كان قد عاش تلك المرحلة عند زيارته الثانية لكربلاء في رجب 1079ه-، وكان قريبًا من آل السيد محمد دراج حيث نزل في دار السيد سلطان بن عبد الكاظم بن محمد الدراج (شقيق النقيب إدريس) مدة خمسة وعشرين يوماً ضيفًا، وقام بتدوين المعلومات التي ذكرناها. ولم نجد ل- (عزيز) ذكر في مصدر آخر، ولم نتمكن من معرفة اسمه الكامل حيث لم يذكر ابن شدقم غير اسمه عزيز فقط. ونحن نؤكد إستلامه النقابة على ما ورد عن ابن شدقم الذي عاش تلك الفترة بتفاصيلها.
الوالي (قره مصطفى باشا)(2)يزور كربلاء
كان الوالي قره مصطفى باشا قد تولى ولاية بغداد مرتين قبل أن يوليها للمرة الثالثة. وكانت الأولى في 22 رمضان سنة 1061ه- / 1650م وإستمرت إلى 13 شوال سنة 1063ه- / 1652م. أمّا ولايته الثانية فكانت قد إبتدات في شهر صفر سنة 1075ه- / 1664م وإنتهت في ذي القعدة سنة 1075ه- / 1665م. وولايته هذه وهي الثالثة قد إبتدأت في 14 شوال سنة 1077ه- / 1666م وإستمرت إلى نهاية شهر ذي الحجة سنة 1081ه- / 1670م.
1) نفس المصدر، ج 3 ص 174.
2) قره مصطفى باشا: نشأ في البلاط العثماني، ونال رتبة سلحدار، ثم ولي بغداد سنة 1061ه- ، وعامل الناس على إختلافهم بحسن المعاملة. كان فصيح الكلام حليم الطبع، نافذ الأحكام، غير متكبر ولا مغرور، وظهر متواضعًا. وبعد بغداد ولي ديار بكر فحلب ومصر القاهرة. فاقبلت عليه الدنيا، ثم إنقلبت عليه وغضب عليه السلطان وعزله من ولاية مصر ، وأمر بالقبض عليه بوشاية مناوئيه... وتوجه إلى إسطنبول، وفي الطريق علم بالأمر فترك ما لديه من أموال ونفائس، وذهب بنفسه فارَّا فدخل إسطنبول بزيّ متخفٍ فإنزوى لمدة سبع سنوات لم يُعْثر عليه وسمّي بلقب (مصطفى باشا الفار). بعدها عفا عنه السلطان وأنعم عليه بولاية (وان) التي تقع شرقي تركيا، ثم ولي بغداد ثانية. وفي بغداد أبدى الزهد والدروشة وعامل الأهلين بالحسنى وولايته الثانية دامت عدة أشهر. أما ولايته الثالثة لبغداد فقد زادت عن أربع سنوات بأشهر.
كانت البصرة تحت حكم حسين باشا أفراسياب، وكانت علاقة حاكم البصرة هذا قد ساءت مع الدولة العثمانية لأسباب كثيرة (خارج نطاق بحثنا). فقد صدرت أوامر الدولة العثمانية بإعهاد حكومة البصرة إلى الكتخدا يحيى أغا. ولأجل تنفيذ هذه الإرادة فقد أحيل أمرها إلى والي بغداد قره مصطفى باشا، فعهدت إليه الدولة العثمانية استخلاص البصرة من حاكمها حسين باشا ومن رجاله وأعوانه. على أن يساعد والي بغداد كل من والي ديار بكر وعساكره و محافظ شهرزور كنعان باشا وعساكره ومير ميران الموصل والرقة موسى باشا وعساكره ، على أن يكونوا تحت قيادة والي بغداد.
عندما توالى الجند إليه من أطراف عديدة وتكامل جمعهم بقادتهم وعساكرهم، توجه بهم قره مصطفى باشا إلى البصرة عن طريق الحلة. وقد سار خلف الجيوش في 7 جمادي الثانية سنة 1078ه- / 1667م. فوصل الإسكندرية ومنها توجه إلى مدينة كربلاء تصحبه زوجته، وزارا ومن معهما مرقد الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلامُ).
كانت هذه الزيارة في 12 جمادي الثانية سنة 1078ه- / 1667م. وبعد إتمامه مراسيم الزيارة غادر كربلاء متوجهًا إلى الحلة، ورجع إلى قرية (جناجة) (1)ومنها توجه إلى زيارة مرقد الإمام علي ( عَلَيْهِ السَّلَامُ). وجاء في كلشن خلفا ما نصّه: «أما هو (أي قره مصطفى) وبقية القوات فقد تحرك حسب الخطة المرسومة في اليوم السابع من جمادي الآخر سنة 1078 حتى وصل إلى قلعة قوشلر (2)فحط رحاله هناك بضعة أيام واصل بعدها سفره إلى الإسكندرية ومن هناك إتجه إلى زيارة سليل حيدر الكرار ونور عين أحمد المختار الإمام الجلي أبي عبد اللّٰه الحسين بن علي رضي اللّٰه تعالى عنهما. وبعد أداء الزيارة
1) جناجة : إحدى قرى قضاء الهندية (طويريج)، وكانت قديماً تسمّى (قناقيا) وهي بابلية.
2) قلعة قوشلر : هي ذاتها قلعة الطيور القديمة. وعن هامش في صفحة 219 من ج4 من تاريخ العراق بين إحتلالين ذكر عباس العزاوي قلعة الطيور بأنها «تقع بالقرب من تكية خضر إلياس للبكتاشية. وكانت في رأس الجسر . وموقعه هناك. وان الجسر الموجود إتخذ له الطريق من المدرسة المستنصرية فهو حادث ».
إتجه نحو الحلة ومن هناك عطف على زيارة الإمام الهمام وعند عودته سافر إلى الشنافية (1). ثم إذن لبقية الوزراء والأمراء بزيارة الروضة الرضية لأسد اللّٰه الغالب ومظهر العجائب رابع الخلفاء أمير المؤمنين علي المرتضى كرم اللّٰه وجهه الأبهى، ثم سافروا إلى الرماحية (2)ومنها إلى العرجة (3)حيث مكثوا فيها بإنتظار ورود السفائن »(4).
وذكر المرحوم عباس العزاوي في تاريخ العراق بين إحتلالين الزيارة حيث قال: «...ثم جاء يحيى باشا ثم توالى الجنود والكل نزلوا بغداد ولّما تكامل جمعهم بعساكرهم ووزرائهم توجه الوزير مصطفى باشا إلى البصرة عن طريق الحلة، وكان الوزير قد سار خلف الجيوش في 7 جمادي الثانية سنة 1078ه-، نزل أولاً (قلعة الطيور ) ثم مضى فقطع منازل في سيره فوصل الإسكندرية ومنها ذهب بإمرأته لزيارة الإمام الحسين (رض) ثم توجه إلى الحلة ومنها إلى قناقية (هي ذاتها قرية جناجة في الهندية)، ومنها ذهب الوزير وأمراؤه إلى زيارة الإمام علي (رض) ومن هناك توجهوا نحو المطلوب وقطعوا البيد حتى جاؤوا (الرماحية)، ومنها وافوا إلى العرجة (العرجاء) فإجتمعت العساكر هناك »(5)
1) الشنافية: إحدى نواحي الديوانية وتقع في منتصف طريق غماس - الحمزة الشرقي يمينًا، وتشتهر بزراعة الشلب كالمناطق المجاورة لها، وهي تطل على تخوم البادية بعد مرقد عبد اللّٰه بن علي.
2) الرماحية : مدينة قديمة موجودة قبل العثمانيين، وكانت تعد من ألوية بغداد أيام السلطان سليمان القانوني. ثم خُربت في وقت متأخر، وتكوّن بدلها لواء الديوانية الذي أصبح مركز محافظة القادسية ولا تزال أطلال الرماحية معروفة في الديوانية.
3) العرجة : أو (العرجاء) قرية قديمة تقع شمالي الناصرية بنحو ثلاثة كيلومترات، وكانت تقع على ضفة نهر الفرات.
4) کلشن خلفا، ص270.
5) تاريخ العراق بين إحتلالين، ج 5 ص 91 وص 92 .
هو السيد ضامن بن شدقم (1)بن زين الدين علي بن بدر الدين حسن النقيب بن حسين الشهيد بن علي بن شدقم بن ضامن بن محمد الحمزي الحسيني المدني من ذرية أبي القاسم الطاهر المحدث بن يحيى النسابه بن الحسن بن جعفر الحجة بن عبيد اللّٰه الأعرج بن الحسين الأصغر بن الإمام علي زين العابدين بن الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب (عَلَيْهِ السَّلَامُ).
كان عالماً فاضلاً شاعرًا أديباً كاتبًا مشهورًا بعلمه في الأنساب وله كتاب مشهور هو : «تحفة الأزهار وزلال الأنهار في نسب وحسب الأئمة الأطهار ». قال عنه صاحب الأعلام في ج 3 ص 213 : ضامن بن شدقم بن علي بن حسن النقيب المدني: أديب إمامي: له علم بالأنساب. صنّف (تحفة الأزهار وزلال الأنهار في نسب الأئمة الأطهار) نسخة منه في المكتبة القادرية ببغداد تحت رقم 657، ونسخة ثانية مجلدان، في مكتبة الشيخ محمد رضا كاشف الغطاء بالنجف.
كما ذكره صاحب الذريعة العلامة أغا بزرك الطهراني النجفي حيث قال: «... جدّه بدر الدين الحسن النقيب مؤلف (زهر الرياض) سنة 922ه- الذي ينقل عنه السيد ضامن في كتابه (التحفة) ... » . وذكره السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة في عدة مواضع.
ولد السيد ضامن بن شدقم في المدينة المنورّة، وقرأ على والده، ولّما نشأ سافر إلى العراق وبلاد فارس لطلب العلم فجمع بها أنساب الطالبيين، وكان آخر خبر عن حياته في صفر سنة 1090ه- بإصفهان. درس الفقه وغيره على السيد علي بن محمد بن
1) جاء في (المنجد في اللغة) عن معنى الشَدْقَم ما نصّه: « الشَّدْقَم والشُداقِم: الواسع الشِدْقَين. (ح): الأسد » . هذا ما ذُكِر في المنجد. والمعروف لدى أصحاب اللغة بأن الشدقم هي الشفّة الغلیضة (البراطم) وعليه فإن الشدقم والشداقم تعني الواسع الشدقين أي واسع البراطم (المتدلية).
جُوَيْبر الحسيني المدني. روى عن خاله السيد محسن بن حسن الشدقمي، وعن عبد الرضا بن شمس الدين بن علي الحسيني نزيل البصرة (1).
زار السيد ضامن بن شدقم مدينة كربلاء المقدسة سنة 1078ه- / 1667م، وقد إلتقى بالعلماء الأعلام فيها، وإتصل بساداتها وأشرافها، وذكر في كتابة تحفة الأزهار عن إجتماعه بالسيد (نعمة اللّٰه)، وذكر السيد طعمة الأول كمال الدين الذي كان سيدًا جليلاً ومهابًا في الحائر ما نصّه: «... إلى عامنا هذا سنة سبع وثمانين وألف في مشهد الحائر الحسيني ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) إجتمعت بالسيد الحسيب نعمة اللّٰه (2)بن طعمة(3)بن علم الدین (4)بن طعمة(5)بن شريف الدين (6)بن طعمة الكبير – كمال الدين – الفائزي
1) الروض المعطار في تشجير تحفة الأزهار: كامل سلمان الجبوري ج 1 - والروض المعطار هو الجزء الرابع من تحفة الأزهار الذي حققه الأستاذ كامل سلمان الجبوري، ويعد هذا التحقيق هو الأفضل لكتاب التحفة لابن شدقم، وقد حاز هذا التحقيق على الجائزة الأولى في طهران.
2) السيد نعمة اللّٰه هو ابن السيد طعمة (الثالث) بن علم الدين. والسيد نعمة اللّٰه المعني هو ليس نعمة اللّٰه بن يحيى ضياء الدين الذي يقال بأنه إستلم النقابة في كربلاء. والسيد نعمة اللّٰه الذي ذكره السيد ضامن بن شدقم قد أعقب السيد خليفة، وخليفة أعقب السيد يحيى ضياء الدين (وهو ليس الجد الأعلى لآل ضياء الدين (ضوي) من آل فائز في كربلاء)، ويحيى ضياء الدين أعقب ولدين هما السيد نعمة اللّٰه وهو جد السادة آل الوهاب من آل طعمة الفائزيين، والسيد أحمد وهو الجد الأعلى لأسرة آل طعمة الفائزيين وأولاده الأربعة الذين خرجت منهم أفخاذ آل طعمة وهم السادة مصطفى (جد بيت القطب وبيت فتح اللّٰه وبيت رزوق) وجواد ومحمد (جد آل الشروفي وآل خيمكَة) ودرويش (جد بيت الكليدار وبيت السعيد).
3) هو السيد طعمة الثالث الذي يتلقب السادة آل طعمة الحاليون في كربلاء باسمه.
4) السيد علم الدين بن طعمة (الثاني) أعقب ثلاثة أبناء هم جميل (جد السادة آل نصر اللّٰه) وحسن (جد السادة آل سيد أمين، جلوخان الفائزيين - )، وطعمة الثالث (جد السادة آل طعمة).
5) السيد طعمة هذا هو (طعمة الثاني) بن شرف الدين بن طعمة (الأول) كمال الدين.
6) شريف الدين والأصح هو السيد شرف الدين (نقيب الأشراف) بن السيد طعمة الأول كمال الدين (نقيب الأشراف). وشرف الدين هو والد السيد مساعد (جد السادة آل عوج الفائزيين). كما أن شرف الدين هو جد السيد ضياء الدين (نقيب الأشراف) الجد الأعلى للسادة (آل ضياء الدين) وهو ضياء الدين بن يحيى (نقيب الأشراف) بن شرف الدين.
الذي كان سيّدًا جليلاً مهابًا في الحائر يطعم الفقراء كثيرًا ولذلك يقال لولده آل – طعمة كمال الفائزي (1)- سادات أجّلاء ذوو أهل ورياسة ونقابة وعظمة وجلال في الحائر ».
وجاء في بغية النبلاء نصاً آخر مشابهًا للنص المذكور أعلاه وهو مكتوب بخط مؤلف بغية النبلاء وكما يلي : «قال ضامن بن شدقم الحسيني المدني في المجلد الثالث من (تحفة الأزهار وزلال الأنهار في نسب أبناء الأئمة الأطهار) عند ذكره لعقب تاج الدين إبراهيم المجاب عند ذكره لطعمة (السيد طعمة الأول): (وفي نسخة أخرى أن طعمة هو ابن أبي جعفر أحمد أبو طراس المذكور من غير واسطة واللّٰه تعالى أعلم، ويقال لولده آل طعمة سادات أجلاء ذو اهل ورياسة ونقابة وعظمة وجلالة بالحائر» (2). ومما يؤكد زيارة ابن شدقم إلى كربلاء في التاريخ الذي ذكرناه، هو ما أورده الشيخ يوسف كركوش في كتابه تاريخ الحلة عند الحديث عن السيد حسن بن يحيى الأعرجي (3)حيث إلتقى به السيد بن شدقم في كربلاء، حيث قال الكركوشي:
«ذكره السيد ضامن بن شدقم في تحفة الأزهار ، وعبّر عنه بالسيد الجليل النبيل، وقال إنه إجتمع به في شهر رجب سنة 1078 في حائر الحسين عليه السلام »(4). وفي كتابه
1) السيد طعمة كمال الدين الفائزي ويطلق عليه (طعمة الأول) وهو (نقيب الأشراف) بن أبي جعفر أحمد بن يحيى ضياء الدين بن أبي جعفر محمد بن السيد أحمد شمس الدين (ناظر رأس العين) ويطلق عليه العامة (أحمد بن هاشم) بن السيد أبي الفائز محمد (الذي سُمّيت قبيلة آل فائز باسمه). والسادة آل طعمة الحاليون في كربلاء يتلقبون بهذا الاسم من السيد (طعمة الثالث بن علم الدين) وليس باسم (طعمة الثاني) أو (طعمة الأول) كما يحلو للبعض أن يطلق ذلك حتى يتبادر للبعض إن جميع عشائر آل فائز هم من آل طعمة !! فآل طعمة الحاليون في كربلاء هي إحدى الأسر الفائزية كآل نصر اللّٰه وآل ضياء الدين وآل مساعد (عوج) وآل التاجر وآل سيد أمين (جلوخان) وغيرهم.
2) بغية النبلاء في تاريخ كربلاء، ص134.
3) من علماء وشعراء الحلة، كان من المشهورين في زمانه وكان والده من العلماء والشعراء المعروفين بالحلة في زمانه.
4) تاريخ الحلة : الشيخ يوسف كركوش، ج 2 ص117.
تحفة الأزهار كتب ابن شدقم الكثير عن شخصيات كربلاء الذي إلتقى بهم، وأثبت المشجرات النسبية للعلويين فيها.
ومن مؤلفاته النسبية هي: تحفة الأزهار الذي تم ذكره سابقاً، وكتاب لب اللباب في ذكر السادة الأنجاب، وكتاب زهرة النوار في نسب الأئمة الأطهار.
وقد زار ابن شدقم كربلاء مرة ثانية سنة 1079ه-/ (1668م)، ونزل في دار السيد سلطان بن عبد الكاظم بن محمد الدراج مدة خمسة وعشرين يوماً ضيفاً، وإثناء مكوثه في كربلاء عند السيد سلطان قام بتدوين الكثير من المعلومات، فيقول: « قد منَّ اللّٰه تعالى عليَّ بزيارتي الثانية لأبي عبد اللّٰه الحسين عليه السلام في شهر رجب سنة 1079 ، فاجتمعت بالسيد سلطان بن عبد الكريم بن محمد الدراج، والسيد نصر اللّٰه بن علي بن جماز الآتي ذكرهما فأمليا عليَّ نسل (علي يعيش)(1)المذكور فرقمته بمجموعتي،... إلخ »(2).
الوالي حسين باشا (3)يزور كربلاء والنجف
كان الوالي حسين باشا المعروف بالسلحدار قد ولي بغداد في الأول من محرم سنة 1082ه- / 1671م وبقي في ولايته إلى العشرين من جمادي الأولى سنة 1085ه-.
1) يذكر ضامن بن شدقم في تحفة الأزهار «علي يعيش هو ابن النظير بن أبي القاسم محمد بن يحيى زحيك. والعقب من علي يعيش في ولده نعمة اللّٰه بن علي يعيش، فنعمة اللّٰه خلف جمازاً، ثم جماز خلف إدريس ويقال لولده آل إدريس بالحائر، سادات أجلاء، أهل رئاسة وعظمة وصولة ودولة ونجابة ونقابة، فإدريس خلف ثلاثة بنين: محمدًا وسلطان ونعمة ». وسلطان هو جد السيد محمد الدراج والسيد ثابت جد السادة آل ثابت.
2) تحفة الأزهار وزلال الأنهار: ضامن بن شدقم، ج 3 ص 174 .
3) حسين باشا السلحدار: كان يلقب (قز حسين باشا) أي حسين باشا البنت لجماله وحسنه. وأصله من البوسنة، وكان من الغلمان أيام السلطان مراد الرابع. تقلد عدة مهام في الجيش وأصبح سلحداراً وبعدها ولي بغداد ومنها نقل إلى البصرة ومنها إلى ديار بكر ، كما تقلد مناصب أخرى. ويقال بأنه كان حليماً سخيًّا وله الخيرات المبرورة توفي سنة 1098ه- /1687م.
قام في نهاية صفر سنة 1082 ه- / (1671م) بزيارة إلى المشهدين الحسيني في كربلاء والغروي في النجف. وفي زيارته لكربلاء توجه بداية إلى مرقد الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وبعدها تجول في المدينة ليطّلع على أحوال الناس، ويسمع من الأعيان ما تحتاجه مدينتهم. وزيارته لمدينتي كربلاء والنجف جاءت للترويح عن نفسه بعد أن واجه منذ إستلامه الولاية خلافات بين صاحب الديوان ونائب الوالي.
ولم يتمكن من إنهاء النزاع بينهما فطلب من الدولة في إسطنبول النظر في خلافهم وعرض عليهم الحال الذي لم يتمكن من السيطرة عليه لإشتداد الخلاف الذي كان قد بدأ قبل مجيئه إلى بغداد والياً.
ذكر زيارته إلى كربلاء صاحب كتاب كلشن خلفا حيث قال: « ولما عجز الوالي من إزالة سوء التفاهم ما بين الإثنين. عرض أمرهما على الدولة العلية وسافر إلى البصرة. وبعد بضعة أيّام عاد ثم تحرك ركابه العالي إلى زيارة المراقد الشريفة في كربلاء والنجف الأشرف» (1).
ويذكر العزاوي عن زيارة الوالي لكربلاء والنجف : « ولّما ولي بغداد كان كاتب دیوانه مصطفى العدلي. وكان لهذا عداوة قديمة مع كتخدا الوالي السابق ومن جرّاء محاسبة الأموال الأميرية في بغداد حصلت مشادة بين أتباع الطرفين أدت إلى النزاع بين الوزيرين (2)ولم تنقطع. وبالنتيجة عرض الأمر على الدولة وعلى هذا ذهب الوزير السابق بكدورة خاطر إلى البصرة. وبعد أيام عزم الوزير الحاضر على زيارة المشهدين ترويحاً للنفس ثم عاد إلى بغداد » (3).
الوالي قبلان مصطفى باشا (1)يزور كربلاء
تولّى ولاية بغداد بعد واليها (عبد الرحمن باشا) الوالي قبلان مصطفى باشا في 27 صفر سنة 1087ه- / 1676م. وعندما ولّي بغداد يقال بأنه بسط الأمن فيها وقضى على الأشرار والشقاة. وكان محباً وميّالاً لزيارة قبور أولياء اللّٰه .
ففي منتصف شعبان سنة 1088ه- / 1677م قام بزيارة كربلاء ومرقد الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) وكان الوقت إثناء زيارة النصف من شعبان التي يزور آلاف الزائرين كربلاء لإحياء مناسبة النصف من شعبان وزيارة ضريح الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ). وبقي في كربلاء يومين ومنها إرتحل إلى مدينة النجف الأشرف لزيارة مرقد الإمام علي ( عَلَيْهِ السَّلَامُ). وبعد زيارته هذه بأيام وعند عودته إلى بغداد تم عزله.
جاء في كلشن خلفا عن زيارة الوالي قبلان مصطفى باشا للعتبات المقدسة في كربلاء والنجف ما يلي : « وفي بداية سنة 1088 (2)توجه الوالي إلى زيارة العتبات المقدسة في كربلاء والنجف الأشرف، وذلك في شهر شعبان وأنعم على الخدم(3)ثم عاد إلى بغداد وعند عودته ورد أمر عزله » (4).
1) قبلان مصطفى باشا: كان يعرف بقبلان أي (النمر) لبسالته وشجاعته. بسط الأمن وقضى على الفتن في بغداد، كان نقي السريرة محباً لزيارة الأولياء وقام ببناء جامع القبلانية في بغداد. وفي زمانه لم يتمكن حجاج العراق من أداء فريضة حجهم بسبب تعيين الوزير أحد أغواته المسمى (بكتاش) لإمارة الحج، وكان هذا جاهلاً وسيء التدبير ولم يتمكن الحجاج من الوقوف بعرفة، بل عادوا من المدينة وهاجمهم الأعراب وسلبوهم كل شيء وتركوهم عراة رجالاً ونساءً، فمات الكثير منهم في البوادي لإفتقارهم للطعام والماء ولم ينج إلاّ القليل منهم. وقبلان مصطفى باشا إمتدت ولايته على بغداد سنة واحدة وستة أشهر وستة أيام.
2) هناك خطأ ورد في النص، فإن الزيارة كانت في شهر شعبان كما ورد في المتن وليس في بداية السنة، وشهر شعبان هو الشهر الثامن من السنة الهجرية.
3) الخدم: يقصد بهم القائمين على خدمة المرقد والزائرين، ويطلق عليهم الخدام أو (القوّام) و(الكَوام) بالعامية.
4) کلشن خلفا، ص282.
كما جاء عن هذه الزيارة في تاريخ العراق بين إحتلالين ما نصّه: « كان الوزير الحالي صافي القلب. له ميل عظيم إلى زيارة الأولياء. وفي شعبان ذهب لزيارة الإمام الحسين (رض) والإمام علي (رض) فقضى بضعة أيام ثم عاد. فوقع عزله ومدة حکومته من 27 صفر سنة 1087ه- إلى 3 من شهر رمضان 1088 ه- »(1).
تولّى السيد خليفة بن نعمة اللّٰه بن طعمة (الثالث) بن علم الدين بن طعمة الثاني بن شرف الدين بن طعمة الأول كمال الدين نقابة الحائر سنة 1091ه- (2)
والسيد خليفة بن نعمة اللّٰه هو أوّل من تولى نقابة الحائر الحسيني من أسرة السادة آل طعمة الحاليين في كربلاء، فهو حفيد جدّهم الأعلى السيد طعمة الثالث بن علم الدين.
الشيخ حمزة السلامي هو رئيس السلاميين في كربلاء في زمانه وعُرف بأنه كان عالما فاضلاً، ومصاهرًا لآل شمس الدين الأسديين. ومن خلال بعض الوثائق التي وجد ختمه عليها في سنة 1091 ه- / 1680م حتى سنة 1108 ه-/ 1696م، تبين أنه كان سادنًا للعباس حينها ولا تُعرف السنة التي تولى فيها السدانة أو السنة التي توفي فيها، والمؤكد أنه كان سادنًا في الفترة التي ذكرناها ، وهو والد الشيخ محمد حمزة السلامي (رئيس السلاميين) أيام واقعة المناخور.
في زمن والي بغداد (أحمد باشا الكتخدا) (1)قام بتعيين (عبد اللّٰه أغا) متولياً (حاكماً) على كربلاء سنة 1104ه-/ 1693م، ولم تُشر المصادر إلى المدة التي إستمر فيها حاكماً على المدينة. ذكره الدكتور عماد عبد السلام رؤوف في كتابه: (الأسر الحاكمة)، ص356.
وقد ذكره مؤلف مدينة الحسين في الاستدراكات الواردة في السلسلة الرابعة من كتابه ص 44 وأشار بأن مصدره مباحث عراقية ليعقوب سرکیس ج1 ص339، وعند مراجعتنا للمصدر لم نعثر ما يشير إلى ما ذُكر في مدينة الحسين!!
في موضوع غاية في الأهمية لابد أن نتطرق إليه، هو ان الحكومات الإيرانية منذ تأسيس الدولة الصفوية تحاول جاهدة فرض تأثيرها على مدن العتبات المقدسة في العراق وخاصة كربلاء والنجف.
ظهر ذلك جليًا عندما إحتل الصفويون بغداد مرتين، وبعد انتهاء حكمهم في العراق على يد السلطان العثماني مراد الرابع فقد خضع البلد لسلطة الدولة العثمانية بشكل نهائي منذ عام 1048ه- / 1638م، نجد بأن الحكومات الإيرانية تحاول وبشكل مستمر أن تجد لها موطئ قدم في العراق متخذة أساليب شتى يدفعها الجانب المذهبي والطائفي لتحقق أغراضاً سياسية تتعلق بطبيعة الصراع الطويل بين الدولتين. ومن هذه الأساليب دفعها لمجاميع من الإيرانيين للسكن في كربلاء والنجف وبقيّة مدن العتبات، بحجة رغبة مجاورتهم للمراقد المقدسة لآل البيت الأطهار. وكانت إيران
1) إستلم أحمد باشا الكتخدا منصب ولاية بغداد في محرم سنة 1103 ه- بعد أن صدر أمر تعيينه في 17 ذي الحجة 1102ه-.
تدفع هؤلاء لغايات معروفة لدى سلطات الدولة العثمانية التي كانت في صراع دائم مع حكومات إيران المتعاقبة.
كانت إيران ترغب بهجرة علماء دين من إيران إلى العراق بحجة مجاورة العتبات، وعن طريقهم تقوم بالطلب من السلطات العثمانية بالمشاركة في إعمار المراقد بأموال الإيرانيين... فكانت السلطات العثمانية قد تنبهت لهذا الأمر، ووقفت أمامه بشدة، والأكثر من ذلك فإنها أصدرت أوامرها بعدم بقاء الزائرين الإيرانيين مدة طويلة في مدن العتبات المقدسة إلا بتصريح وموافقات خاصة.
ولعلّ حادثة دخول خمسة آلاف من (القزلباش) إلى مدينة كربلاء بحجة إنهم زائرون لمشهد الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ)، بينما نجد بأنهم أرسلوا من قِبَل الشاه عباس الصفوي ليكونوا على أهبة الاستعداد للتقدم نحو بغداد من جنوبها عندما يتقدم الشاه نحو بغداد لإحتلالها (تم شرح الحادثة سابقاً)، ومن ذلك كان للعثمانيين تحسس دائمي، وعليه لم يكونوا ليسمحوا بتكرار ذلك.
وعن هذا الموضوع المهم نورد الحادثة التالية : أرسل خان خانان محمد مؤمن خان رسالة إلى الصدر الأعظم في إسطنبول في أيام السلطان مصطفى الثاني (الذي إعتلى العرش من سنة 1107ه- / 1695م إلى سنة 1115ه- / (1703م) ومع الرسالة تحف وهدايا ثمينة. وكانت الهدايا كلها بعدد التسعة من كل صنف، لأن التتر والأتراك يحبون هذا العدد. وكان مطلب الخان في هذه الرسالة من الصدر الأعظم هو إن بعض علماء إيران يرغبون في مجاورة العتبات في النجف الأشرف وكربلاء. ويلتمس منه أن يسمح بإعطاء إذن إلى مجاورة هؤلاء. وبما أن قباب العتبات المقدسة قد أصابها الخراب أراد الإذن بالسماح لأن ترمم هذه القباب بأموال الإيرانيين. وكان جواب الصدر الأعظم على ذلك بأن زوار النجف وكربلاء سيعاملون مثل حجاج بيت اللّٰه الحرام من رعاية، وحماية. أمّا من جهة مجاورتهم للعتبات، وتعمير القباب من أموالهم فذلك ما لا يجب الكلام فيه. إذ إن الدولة قد تصالحت مع الدول الأجنبية، وتوقفت
حادثة عساكر الوزير إسماعيل باشا (3)في كربلاء
في سنة 1110 ه- / 1698م، كان والي بغداد إسماعيل باشا قد خرج بجيش للقضاء على التمرد في مدن الفرات الأوسط والجنوب وخاصة البصرة التي أعلنت العصيان، ولكنه فشل في مسعاه ورجع خاسراً.
وعند عودته من مهمته هذه عرج على كربلاء بعساكره ليقوموا بزيارة الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) وعند دخولهم إلى كربلاء ضاقت بهم المدينة لكثرتهم، وفي الحقيقة كادوا أن يتمردوا على قادتهم عند فشل الحملة على البصرة، وفلت زمام الضبط عليهم في كربلاء وباتت السيطرة عليهم صعبة فأخذوا يقومون بالاعتداء على أهل المدينة ويسلبون أموالهم. وحدثت فوضى عارمة في المدينة وضجر الأهالي من أفعالهم وإسائتهم للناس الآمنين في مدينتهم، مما إضطر الوالي بأن يأمر بمغادرة المدينة وإخلائها من الجيش على وجه السرعة.
جاء في كلشن خلفا عن هذه الحادثة ما نصّه: «صدرت التعليمات إلى والي حلب الوزير حسن باشا ووالي ديار بكر الوزير جلبي يوسف باشا ووالي الموصل الحاج حسن باشا الذي كان سابقاً والياً على البصرة، بوجوب جمع العساكر التي تحت قيادتهم
1) وبالفعل قام الوالي حسن باشا الجديد بأعمال جديرة بالإهتمام في تعمير العتبات ومنها قباب مراقد الأئمة والأواوين وغيرها من الأعمال التي تذكر في فترة حسن باشا.
2) تاريخ الإمبراطورية العثمانية، جوزيف فون هامر، ج 3 ص 686 .
3) إسماعيل باشا تولّى بغداد في 2 ربيع الأول سنة 1110ه-. وكان قبلها والياً على مصر. كان قبله علي باشا والياً على بغداد، وقد غُضب عليه من جراء إهماله وتكاسله بحيث ترك البصرة حتى إستولى عليها أمير الحويزة، فتم عزله سنة 1109 ه- وعُهد إلى إسماعيل باشا بمنصب والي بغداد. وبدأ فور إستلام مهام عمله ببذل جهود لضبط البلد والمحافظة على النظام والقضاء على المتمردين في مدن وسط وجنوب العراق.
فتمكنوا من جمع مائة علم واكثر من ألف جندي من الإنكشاريين وألف من اللاوند، وذلك لإنقاذ المدن من المتمردين الذين سيطروا عليها ولاسيما البصرة ووجوب إعادة حاكمها إليها، ولكن شاء اللّٰه أن لا تكون هذه الحملة موفقة إذ عادت ككل حملة قبلها بالخسران، وكادت العساكر تتمرد على قادتها، حتى أنهم عند وصولهم إلى كربلاء لزيارة الإمام الحسين رضي اللّٰه عنه لم يتمكنوا من ضبطهم، إذ راحوا يفعلون ما يشاؤون بغير نظام، وإعتدوا على الكثير من الأهليين، وعند عودتهم إلى بغداد صدرت الأوامر بعزل رؤسائهم، وفرّ قسم منهم نحو إيران خوفًا من العقاب» (1).
ويقول العزاوي عن الحادثة ما يلي : «وفي هذه الأيام كان كل من والي حلب الوزير حسن باشا ووالي ديار بكر الوزير يوسف باشا الجلبي في صحبة الوزير جاؤوا إلى حسن باشا والي البصرة السابق وكان آنئذ والي الموصل ودعوه لضبط حكومة البصرة وعيّن من جانب الحكومة مع هؤلاء مائة (بيرق) وأكثر من ألف ينكَجري من نوع (سردن کَيجدي ) (2)ونحو ألف من اللوند (اللاوند) (3).
أرسل هذا الجيش إلى البصرة إلاّ أنه عاد مخذولاً مقهورًا فإن الوزير جّمع الجيش وذهب للزيارة في كربلاء فحصلت منه إعتدءآت كثيرة. مدَّ الجند أيديهم إلى النهب وعادوا بتلك الحالة. وحينئذٍ وردت رسائل عتاب وتقريع من حكومة إيران من جراء هذه الأعمال. والأغرب أن هذا الوزير (يقصد به إسماعيل باشا) حينما عزل عهد إليه
1) کلشن خلفا، ص303 وص 304.
2) سردن كَيجدي، صنف من العساكر وهم نوع من جند (السباه).
3) اللاوند: (لوند) كلمة معروفة عند الفرس القدماء ومعناها عندهم الحُر المستقل. وجاء في مباحث عراقية القسم الأول ص 31: (فأخذ البنادقة هذه الكلمة من الترك ومنهم الإيطاليون ومنهم الفرنسويون وكان اللوند عسكراً خاصاً بالباشا ومن حرسه الخاص). وجاء في ج 4 ص 219 من تاريخ العراق بين إحتلالين، بأن اللوند كسوتهم خاصة، ويعدون من أفراد الجيش البحري في الأصل، ثم صاروا يستخدمون في خيالة الجيش، وألغي هذا النوع من الجند سنة 1186 ه- إلاّ أنهم بقوا في بغداد وفي الولايات النائية، وفي بغداد محلة خان اللاوند من بقايا تسمياتهم. في كربلاء أسرة علوية سكنتها في القرن 13 الهجري يسمون بآل اللاوندي نسبة إلى جدهم العسكري من صنف اللاوند.
بمنصب (وان) ولكنه إستولى عليه الوهم من الدولة وخشي بطشها به ففر إلى أنحاء إيران وهناك أصابته أنواع النكبات فتوفى»(1).
بعد حادثة جنود الوالي إسماعيل باشا وأعمالهم السيّئة في مدينة كربلاء، فقد تم عزل إسماعيل باشا، وإستلم ولاية بغداد (مصطفى باشا) المشهور ب- (دال طبان). مصطفى باشا دال طبان، كان قد تربى في دائرة قره مصطفى باشا، ثم نال مناصب عديدة منها أغا الينكَجرية، ثم ولي مراتب أخرى حتى نقل من أدرنة إلى بغداد في ربيع الثاني من سنة 1111ه- / 1699م ، وإستمرت ولايته على بغداد إلى 14 صفر سنة 1114 ه- / 1702م، وبعد عزله أقام بضعة أيام قرب الأعظمية ومنها ذهب إلى إسطنبول، حيث أصبح الصدر الأعظم في ربيع الثاني من نفس العام وتوفي في شهررمضان من ذات السنة، وكانت ولايته على بغداد سنتين وأربعة أشهر، وجاء بعده (يوسف باشا).
وكانت في زمن هذا الوالي أوضاع جسام يمر بها العراق منها أن البصرة قد إستولى عليها الشيخ مانع شيخ المنتفق في أواخر سنة 1106 ه- / 1694م. وفي شهر رمضان من سنة 1108ه-/ 1696م إستولى عليها أمير الحويزة (المولى فرج اللّٰه)، ولما أخبر الشاه لم يْرض بعمله، وضبط المدينة وعيّن لها داود خان والياً إلى أن تتسلمها الدولة العثمانية منه. وفي شهر رمضان سنة 1112 ه- عادت الدولة ودخلت في حوزتها (2).
وكذلك ما بدر من عشائر بني لام وغيرها، وكانت أغلب العشائر جُبلت على العصيان والامتناع عن أداء الميري (الضرائب) التي وجدوها قد إزدادت فإغتنموا الفرصة وخرجوا عن الطاعة للدولة. ومن أهم ثورات العشائر التي كان لها تأثير
كبير على مدينة كربلاء هي (ثورة الخزاعل) في الفرات الأوسط بقيادة رئيسهم الشيخ (سلمان العباس الخزعلي) الذي لم يذعن للحكومة بل سيطر على (الرماحية) و (خالد كبشة) و (الحسكة) و (بني مالك) و (نهر الشاه) حتى إنه لم يكتفِ بكل ذلك بل إستولى على (النجف الأشرف) (1). ولم يتمكن ولاة بغداد من إخضاعه أو القضاء عليه رغم مهاجمتهم إيّاه مرّتان أو ثلاث، وتكبدوا خسائر كبيرة وعادوا بالخيبة.
أمّا الشيخ سلمان الخزعلي فقد إكتسب ثروة وقدرة، وأخذ ينادي بالاستقلال، وتطاول على القرى والنواحي والطرق، وكان يأخذ ضريبة (التسيار) من أبناء السبيل وسالكي الطرق، وتذهب هذه الضريبة إلى رئيس العشيرة التي يمر بها الناس في مناطق نفوذه. كما أن الشيخ سلمان الخزعلي قد جمع جيشاً من العشائر وحاصر بهم (الحلة) بقصد الاستيلاء عليها وذلك في سنة 1112ه-/ 1700م، فأخذت الدولة إحتياطاتها وتعاون معها الأهالي ولم يتمكن الخزعلي من دخولها.
عندها دعا الوالي بجمع العساكر بعد أن ورد الفرمان من الدولة العثمانية بلزوم القضاء على ظاهرة الشيخ سلمان الخزعلي، فتحركت العساكر في 6 رجب سنة 1113ه- / 1701م ، وتمكنوا في النهاية من القضاء على جموع الشيخ سلمان الذي ولى الأدبار. وفي الأول من شهر ذي القعدة من نفس السنة وبعد استتباب الوضع، رحلت القوات الحكومية إلى بغداد وسلكت طريق النجف، وقد مرّوا بمدينة كربلاء مستعرضين إنتصاراتهم على العشائر الثائرة، ومنها واصلوا مسيرهم إلى بغداد. رغم ذلك كله فإن الشيخ سلمان الخزعلي رجع وسيطر على مدينة الحسكة وأخذ مبدأ العصيان مرة ثانية على الحكومة.
كل تلك الحوادث كان تاثيرها واضحًا على مدينة كربلاء، فهذه المدينة جاذبة للوافدين وأوضاعها تتأثر بالحوادث التي تحيط بها. وإستمرت حالة الخزاعل هذه إلى نهاية سنة 1114ه- / 1702م. فعم الهدوء وأصاب مدينة كربلاء شيئًا من الاستقرار.
1) المصدر السابق، ج 5 ص 153.
كان فصل الشتاء سنة 1117 ه- / (1705م) في العراق شديد البرودة، ولم يشهد البلد مثله منذ عدّة قرون، فقد عصفت الرياح الباردة بشدة لم يشهدها الناس، وصاحب ذلك هطول أمطار غزيرة وتساقط الثلج (الوفر). حيث شهدت مناطق وسط العراق ومنها مدينة كربلاء نزول الوفر عدّة مرّات صاحبه برد شديد وصل إلى حد الإنجماد. وبما أن مدينة كربلاء تحفها المزارع والبساتين العامرة، وأن أغلب سكان المدينة يعتمدون برزقهم على واردات بساتينهم التي تشتمل على النخيل وأشجار الحمضيات والعديد من أصناف الخضروات، فقد ضربها البرد وأحدث ضررًا كبيرًا في جميع المغروسات، وأصبحت فيما بعد حطبًا.
ذكر البعض أن ذلك حدث في شهر رمضان سنة 1117ه-، وذكر آخرون أنه كان في شهر شوال من نفس السنة، وشهدت أزقة المدينة والطرق المؤدية إليها تجمع الوفر بمقدار شبرين أو أكثر، ودام الإنجماد خمسة عشر يوماً.
جاء في تاريخ العراق بين إحتلالين / ج 5 ص 169، حيث ذكر أن الحادث كان في 8 ،رمضان، أما في كلشن خلفا / ص 321 فقد ذكر الحادث أنه كان في اليوم السابع والثامن من شعبان. وراجع كذلك حديقة الزوراء في سيرة الوزراء لابن السويدي ص 37 - 38. فكان وقع ذلك عظيمًا على الأهالي الذين خسروا واردات بساتينهم ومزارعهم، وبعد تلف المغروسات إضطروا إلى تشجير بساتينهم التي كانت عامرة من جديد. وفي داخل المدينة ونتيجة سقوط الأمطار والوفر بكثافة فقد تهدمت الكثير من البيوت، كما أجهز البرد القارص على الكثير من الشيوخ والعجائز والأطفال.
كانت مدينة كربلاء تختلف عن بقية المدن العراقية من حيث الحكومات التي كانت تخضع لها، فرغم سلطة الدولة العثمانية في دور إحتلالها الثاني، فقد عاشت وضعاً مختلفاً نظراً لخصوصيتها الدينية، وكانت محل صراع بين الإمارات العربية المتسلطة على منطقة الفرات الأوسط والبادية من جهة ، وبين التدخل الإيراني في شؤونها، وقد فشل هذا التدخل بعد الإحتلال الصفوي الثاني بوقت قصير عندما طُردت حاميتهم منها من قبل ناصر بن مهنا.
والعثمانيون كانوا ينظرون إليها نظرة خاصة وإعتبروها في غاية الأهمية ووجهوا لها انظارهم بالسيطرة عليها عند محاولاتهم استرداد بغداد من الصفويين المتكررة حيث قاموا بإحتلالها وبقيت في إيديهم بمساعدة إمارة آل مهنا العربية رغم أنهم لم يتمكنوا من إحتلال بغداد.
وقد إستمر حكم إمارة آل مهنا عليها ردحًا طويلاً من الزمن، فتكوّن للمدينة طابع خاص، وعند إحتلال السلطان مراد الرابع لبغداد، بقيت مدينة كربلاء على خصوصيتها الدينية والإجتماعية.
إن جميع الولاة العثمانيين الذين تولوا ولاية بغداد حيث كانت كربلاء تابعة لحكمهم، لم نجد فيهم ما يشير إلى إهتمامهم بالمدينة عدا محاولتهم لمنع أي تدخل إيراني في شؤونها، آخذين الجانب المذهبي بنظر الإعتبار.
ولم يذكر التاريخ عنهم شيئًا يخص كربلاء عدا زيارة البعض القليل منهم إليها وزيارة مرقد الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) .
كما أن العراق وخاصة في مناطق الفرات الأوسط والجنوب، كانت ثورات العشائر قد أخذت مأخذها، وشُغل الولاة بهذه الثورات وأعمال العصيان. فلم تكن كربلاء بعيدة عن هذه الأوضاع والتأثر بها، إن ثورات العشائر ومحاربة الدولة العثمانية لها أسهم برفد المدينة بالكثير من الأسر العربية التي إستوطنت المدينة وضواحيها وإستقروا فيها وأصبحوا جزءاً مهماً من نسيجها المتنوع من العشائر والقبائل.
في هذه الفترة توسعت الرقعة الزراعية في ضواحي كربلاء وكثُرت التجمعات السكانية في المناطق المحيطة بها، وإنشغل الناس بتجارتهم وزراعتهم لأن تلك الأنشطة المربحة كانت نتيجة توافد الآلاف من الزائرين للمدينة سنويًا.
لكن المدينة القابعة داخل سورها القديم لم تكن في مأمن من الحوادث وإنما كانت مترقبة على الدوام نتيجة ما عاشته من أحداث جسام سبقت هذا التاريخ.
ومنذ سنة 1116 ه- / 1704م عندما تغيرت الإدارة في العراق، وحصل تجديد غير مقصود من الدولة العثمانية، فقد تولى (حسن باشا الجديد) ولاية بغداد ومن بعده ابنه (أحمد باشا)، فقد تيّسر لهما ما لم يتيسر لأحدٍ قبلهما من الولاة في مجال حسن الإدارة والتنظيم. وكان عهد هذا الوالي وابنه يمتاز بحنكة الإدارة ولو إنه أصابه الإضطراب أيام هجومات نادر شاه المتوالية، وأيام تصدّر المماليك للإدارة والصراع فيما بينهم.
لكن مدينة كربلاء في عهد حسن باشا الجديد وابنه أحمد باشا عاشت عهدًا
جديداً، وتوجه لها الإهتمام الكبير على نحو يختلف عمّن سبقهم من الولاة.
ففي هذا الفصل سنتحدث عن مدينة كربلاء أيام حكم الوالي حسن باشا الجديد وحكم ابنه من بعده أحمد باشا، وتدخلات نادر شاه و محاولاته لإحتلال العراق، وما قدمه الشاه إلى مدينة كربلاء والمراقد فيها. حيث إن هذين الواليين هما آخر الولاة العثمانيين قبل أن يسيطر المماليك على حكم العراق والذين هم صنيعة هذين الواليين، وسوف نجد بأن مدينة كربلاء عانت الأمرّين أيام حكم المماليك والذي سنذكره لاحقاً ونبيّن شرحاً وافيًا عن الحوادث والوقائع التي حدثت فيها أيام حكمهم.
وقبل أن نبحث عن كربلاء فترة حكم الوالي حسن باشا وابنه أحمد باشا، فمن المفيد أن نذكر بإختصار شديد الولاة الذين حكموا بغداد منذ العهد العثماني الثاني الذي بدأ عام 1048ه- / 1638م.
جدول بأسماء ولاة بغداد في العهد العثماني الثاني في العراق لحين حكم المماليك للعراق
في 13 صفر سنة 1116ه- / 1704م إستلم ولاية بغداد الوزير (الوالي) حسن باشا والذي كان يلقّب بالجديد، وبالأيوبي نسبة إلى محلة أبي أيوب الأنصاري في إسطنبول. وهو الذي أنشأ محلة (جديد حسن باشا) في بغداد، وجامع السراي الذي سمي باسمه لحد الآن.
إشتهر بالمقدرة وحسن الإدارة، وتم الثناء عليه من قبل كتّاب التاريخ وأبدوا حنكته ومهارته في الإدارة والحروب. وفي عهده عاش العراق بهدوء وطمأنينة التي كان بأمس الحاجة إليها، وإشتهر بإنتصاراته على الموالي رؤساء طيء عندما ولي
منصب (الرها). وعندما ولي ديار بكر (آمد) وأطاعته العشائر (الملية) من الكرد. وعند تولّيه بغداد ظهرت مواهبه وبانت أعماله فنال بذلك شهرة واسعة.
وإشتهر الوالي حسن باشا أيضاً بإنتصاراته على الدولة الإيرانية، ووجّه إهتمامه نحو العشائر للسيطرة عليها وكان له ذلك. والدولة العثمانية كانت مهتمة بأمر بغداد لبعدها عن العاصمة، ولمجاورتها لإيران. وأعماله التي قام بها أرضى الدولة العثمانية بها رغم أنه إستعمل الشدة والقسوة. وبدأ في الداخل بالسيطرة على عشائر الغرير والشهوان. كان ابتداء هذا العمل مع العشائر بمثابة إنذار إلى بقية العشائر التي تعلن العصيان.
كما إنه كان شديد الميل لزيارة المشاهد والعتبات المقدسة وقبور الأئمة والأولياء، وعن طريق زياراته هذه كان يتخذها وسيلة للتعرف عن الَمواطِن والمواقع ويترصدها.
وإهتم بتعمير خانات المنازل التي تنتشر في الطرق المؤدية إلى المدن خارج بغداد، كمحلات إستراحة للمسافرين ولأغراض أخرى منها حراسة الطرق وتأمينها، وخاصة طريق بغداد - الحلة – كربلاء – النجف.
كان الوالي حسن باشا الجديد من أكثر الولاة العثمانيين إهتمامًا بمدينة كربلاء ومرقد الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ). فهذا الوالي الذي دام حكمه على العراق عشرين عاماً، أولى رعاية خاصة لمدينة كربلاء حيث زارها أربع مرات، وقام بأعمال جليلة فيها تنم عن حسن إدارته ، وعظيم إحترامه لمراقد الأولياء والصالحين كما هو معروف عنه إثناء فترة ولايته على بغداد. كما عمل جاهدًا للحفاظ على استتباب الأمن والاستقرار.
فکان من المصلحين القلائل الذين تولوا الحكم في العراق من قبل العثمانيين.
وكان محل مديح المؤرخين والكتّاب والشعراء المعاصرين لحكمه.
ونأخذ عليه إثناء فترة حكمه فيما قام به من مقاتلة العشائر العربية التي كانت تبدي العصيان على الحكم العثماني بسبب الشدة والظلم والتعسف الذي كان يصيب أهل العراق حينها، وفرض الضرائب المجحفة، والأهم من ذلك هي
النزعة التحررية لقبائل وعشائر العراق ضد المحتل العثماني، وخاصة عشائر الفرات الأوسط و الجنوب.
فقد إستعمل معهم هذا الوالي سياسة البطش والتفرقة بين القبائل بإستمالة البعض منها على الأخرى، وتقريب رؤساء العشائر الذين يساندون الحكم العثماني لضرب العشائر التي تقف ضد الحكومة. ورغم نجاحه في التغلب على هذه العشائر إلاّ أن النفس العروبي والتحرري لأهل الوسط والجنوب لم يقف عند حد رغم الشدة والقسوة التي إستعملها هذا الوالي ومن كان قبله والذين جاؤوا بعده من الولاة (1).
تذكر المصادر التاريخية أن الوالي حسن باشا زار كربلاء أربع مرات وكما يلي:
في السنة الأولى من تولّيه ولاية بغداد والتي إبتدأت في شهر صفر سنة 1116 ه- / 1704م ، قام بزيارة كربلاء ومرقد الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ).
جاء في كلشن خلفا عن زيارته الأولى ما نصّه: « وفي شهر شوّال من السنة المذكورة (2)سافر لزيارة سيد شباب أهل الجنة وقرة عين أهل السنة حضرة الإمام الحسين رضي اللّٰه عنه وفرّق هناك المبالغ الطائلة على الفقراء والمحتاجين ثم واصل
1) سيتم التطرق لهذا الموضوع لاحقًا لعلاقته المباشرة على الواقع الإجتماعي لمدينة كربلاء فيما بعد.
2) هي سنة 1116ه-، وقد أخطأ مؤلف كتاب مدينة الحسين عندما ذكر في ص 72 من السلسلة الثالثة، بأن الزيارة كانت سنة 1115ه- ، لأن الوالي حسن باشا إستلم ولاية بغداد بعد الوالي علي باشا في صفر سنة 1116ه-. ووقع في نفس الخطأ الشيخ الكرباسي في دائرة المعارف الحسينية: تاريخ المراقد ج 2 ص 90 ، الذي ذكر بأن زيارة الوالي كانت سنة 1115 ه- بينما يذكر في الهامش رقم (2) من نفس الصفحة أن هذا الوالى تولى ولاية بغداد عام 1116ه- وحتى عام 1136ه- !!
سفره لزيارة ضريح رابع الخلفاء وابن عم الرسول وزوج البتول الجليل المناقب حضرة علي بن أبي طالب رضي اللّٰه تعالى عنه وهناك أيضاً فرّق الكثير من المبالغ وبعدها إتجه نحو الكوفة وصلّى في مسجدها ركعتين تقرباً إلى اللّٰه تعالى وهناك أيضاً فرّق الكثير من المبالغ ثم تحرك ركابه فوصل بلدة ذي الكفل ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) وتبرك بزيارة ضريحه وبات هناك. وفي اليوم التالي واصل سفرته إلى الحلة الفيحاء ... »(1).
كما جاء في تاريخ العراق بين إحتلالين في حوادث سنة 1116ه- / 1704م عن الوالي حسن باشا وزيارة المشاهد، حيث ذَكرَ النص التالي: « ثم ذهب الوزير إلى زيارة سلمان الفارسي (رض). وبقي هناك بضعة أيّام في الصيد. إتخذه وسيلة لسبر المواطن. ثم عاد. وفي شوّال ذهب لزيارة كربلاء والنجف. وفي طريقه مرَّ بنهر الشاه. وزار مشاهد الكوفة، ومنها مضى إلى ذي الكفل فالحلّة ومنها جاء إلى خان النصف (النص) (2). وجدهُ مهدمًا فعمّره» (3).
لم يأمر الوالي في زيارته الأولى بأي عمل في كربلاء ولا للمرقد الحسيني، فقد كانت هذه الزيارة لاستطلاع الَمواطِن والتعرف على أحوال المدينة والمراقد فيها كما في النجف والكوفة والحلة(4). والأهم من ذلك استطلاع أوضاع العشائر في الفرات
1) کلشن خلفا، ص318 وص 319 .
2) خان النصف هذا هو ليس خان الحماد بين كربلاء والنجف، وإنما هو خان النصف بين الحلة وبغداد وموقعه في منطقة اللطيفية الحالية.
3) تاريخ العراق بين إحتلالين، ج 5 ص 164.
4) أخطأ مؤلف مدينة الحسين للمرّة الثانية في ذكره زيارة الوالي حسن باشا إلى كربلاء، والخطأ الأول كما ذكرناه سابقاً في السنة التي زار فيها كربلاء للمرة الأولى. أما الخطأ الثاني فهو في وجهة سير الوالي وتعميره خان النص. فالمصادر التاريخية تؤكد بأن الوالي وصل كربلاء أولاً ومنها ذهب إلى النجف وفي طريقه مرّ بنهر الشاه ومن النجف إلى الكوفة ومنها إلى ذي الكفل فالحلة، ومن الحلة رجع إلى بغداد دار السلام. أمّا خان النصف (النص) أو بئر النص المقصود هو ليس خان النص بين كربلاء والنجف، وإنما خان النص بين بغداد والحلة ويقع قرب منطقة اللطيفية الحالية. وهنا الإختلاف حيث ذكر مؤلف مدينة الحسين في ص 72 وص 73 من السلسلة الثالثة النص التالي:«زار كربلاء والنجف الوزير حسن باشا الجديد بن مصطفى بك السباهي ومعه لواء من (السباهي) العسكر، وذلك في سنة 1115 هج ومرّ في طريقه على - نهر الشاه – ثم مضى إلى ذي الكفل فالحلة ثم رجع إلى خان الحماد الواقع في منتصف طريق كربلاء - النجف - فوجده مهدمًا فأمر بتعميره، ثم قصد كربلاء فزار مشهد الإمام الحسين وأمر بتجديد (صدر الحسينية) وفي طريقه إلى بغداد أمر بإنشاء بعض (خانات) بين بغداد وكربلاء لإيواء زوار العتبات المقدسة » . وهنا يجد القارئ الكريم موضع الإختلاف، علماً بأن تجديد صدر الحسينية وبناء الخانات بين بغداد وكربلاء، وخان النص بين كربلاء والنجف لم يكن في هذه السنة ولا إثناء زيارته الأولى لكربلاء كما سنذكره لاحقاً من المصادر التاريخية التي عاصرت فترة حكمه.
الأوسط التي طالما كانت تخرج عن طاعة الدولة والحكومة، وقد شَغل عصيانها الحكومة التي فشلت في محاولات عديدة في السيطرة على الموقف.
في شهر شوّال من عام 1117 ه- / 1705م قام والي بغداد حسن باشا الجديد بزيارة مدينة كربلاء ومرقد الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس عليهما السلام.
جاء في كتاب حديقة الزوراء في سيرة الوزراء وهو ذاته (تاريخ بغداد لابن السويدي) (1)، عندما يتحدث عن السنة السابعة عشرة بعد المائة والألف (1117 ه-/ 1705م) وأعمال الوالي حسن باشا في هذه السنة حيث يقول:
«وفي شوّال هذه السنة رفع اللواء بالمسير إلى كربلاء لزيارة سيد الشهداء، وإمام الصلحاء، وقرة عين أهل السنة، وسيد شباب أهل الجنة، أبي عبد اللّٰه الحسين، رضي
1) کتاب تاريخ بغداد لابن السويدي أو (حديقة الزوراء في سيرة الوزراء) لمؤلفه الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ عبد اللّٰه (مفتي كربلاء لأهل السنة) بن الحسين السويدي، وهو بحث في تاريخ العراق في النصف الأول من القرن الثامن عشر الميلادي (1704 - 1747م) تحت حكم الوالي حسن باشا وابنه أحمد باشا. والشيخ عبد الرحمن السويدي ولد عام 1722م وتوفى سنة 1805م في بغداد. ويعتبر هذا الكتاب من الكتب المهمة التي تبحث في تاريخ العراق لفترة محدودة إعتبرت فيها (الإدارة الجديدة) من قبل الحكم العثماني التي تختلف عن فترات عديدة عاشها العراق. لأن إدارة حسن باشا وابنه للعراق ولمدة طويلة نسبيًا كان لها أثر كبير في صد المحتلين من الخارج، وإخماد ثورات العشائر، وتحقيق إصلاحات عديدة، وهذه الفترة المنوّه عنها هي التي أسست لحكم المماليك بدايات سيطرتهم على العراق والفترة المظلمة التي عاشها في ظل الولاة المماليك.
اللّٰه عنه، وإلى زيارة الليث الجسور، والشجاع الغيور، قاطع الأنفاس، من كل ضال كالخناس، أبي الفضل العباس.
فدخل كربلاء وزار أصحاب العباء، وأطلقت المباخر، وظهرت المفاخر، فأجزل على خدامها، وأجمل في فقرائها، ودعا بحصول المراد وزوال الأنكاد، ودعى له بما يروم، وأنجح سعيه بالقدوم. وبقي يومًا واحدًا لضيق القصبة بأحزابه وأعوانه وأصحابه، ثم إرتحل قاصدًا أرض الغري والنجف ...»(1).
في سنة 1126ه- / 1714م زار الوالي حسن باشا مدينة كربلاء ومعه العساكر التي كانت ترافقه. فقد جاء في تاريخ العراق بين إحتلالين ما يلي: « مضى الشتاء ببرد شديد. صار البرد قارصاً والهواء زمهريرًا ولذا رأى الوزير أن لا يخرج من بغداد خشية أن يضر بالجنود. ولكن التجارب قضت بأن الحكومة إذا سكتت يثور أهل الشغب. ولذا إقتضى ترقب الأحوال حذرًا من وقوع حوادث... أبدى عزمه في زيارة الإمام الحسين (رض) فذهب وزار. خيّم خارج البلد مدة يومين. ثم توجه إلى زيارة الإمام علي (رض) . وفي هذه المرّة جدد صندوق ضريحه»(2).
في عام 1127ه- / 1716م زار الوالي كربلاء ومرقد الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ)، ووجد بأن إيوان الروضة الحسينية (الطارمة) قد تآكل سقفها المصنوع من الأخشاب فأمر بتجديد الإيوان. وفي هذه الزيارة أمر أن يبنى خان كبير لإيواء الزائرين في
كربلاء. وقد إشتكى له أعيان المدينة تدهور حال نهر الحسينية (السليماني) بسبب الناظم عند تفرع النهر من الفرات، فأمر بحفر صدر جديد له.
كما ذكرنا في بداية الحديث عن الوالي حسن باشا وعن زياراته المتكررة إلى مدينة كربلاء والمراقد المقدسة فيها، فقد وجّه عنايته إليها في بعض الأعمال المهمة جدًا والتي كانت مدينة كربلاء في أمس الحاجة إليها، وخاصة تدفق مياه نهر الحسينية إليها فهو عصب الحياة للساكنين فيها والوافدين إليها، وللمزارع والبساتين التي تحيط بها.
ومن جملة الأعمال التي قام بها وبقيت تذكر له هي:
في حوادث سنة 1127ه- / 1716م ذكر العزاوي في تاريخ العراق بين إحتلالين النص التالي حول تعمير الطارمة الحسينية: «في هذه السنة عمّر الوزير طارمة الروضة الحسينية. ومدحه يوسف عزيز المولوي (1)بقصيدة»(2).
أمّا في كتاب كلشن خلفا فقد ذكر مؤلفه مرتضى نظمي زادة تعمير الإيوان عند ذكره لحوادث سنة 1129 ه- / 1717م. حيث قال عن أعمال الوالي حسن باشا ما يلي: «... وما عدا هذه الأعمال الطيبة فإنه شيّد المساجد وعمّرها وكذلك مراقد الأولياء العظام وخاصة مرقد أمير المؤمنين ويعسوب الدين أبي الحسنين الأحسنين علي الولي كرم اللّٰه وجهه وجدد الصندوق الموضوع على ضريحه الشريف. وكذلك
1) يوسف عزيز المولوي: كان شيخ الطريقة المولوية في بغداد، وهي إحدى الطرق الصوفية. وكان شاعرًا وخطاطًا ومؤرخًا، وقد عاصر الفترة التي حكم فيها حسن باشا الجديد في ولاية بغداد، وقد مدح الوالي كثيراً بقصائده. كان يتقن اللغتين العربية والتركية وجاءت أشعاره فيهما. وله عدة مؤلفات أشهرها (قويم الفرج بعد الشدة). توفى ببغداد سنة 1153ه- / 1740م.
2) تاريخ العراق بين إحتلالين، ج 5 ص 193 .
رمم الأواوين في صحني قرة العين حضرة الإمام الحسين والإمام موسى الكاظم رضي اللّٰه عنهما »(1).
كما جاء في كتاب حديقة الزوراء في سيرة الوزراء (تاريخ بغداد لابن السويدي) في معرض حديثه عن الوالي حسن باشا وأعماله وهو يذكر حوادث سنة 1129 ه-حيث قال:
«... وله أيضاً من تعمير الجوامع والمساجد وإجراء المياه إلى الأماكن البعيدة عن دجلة في جانبي بغداد ما لا يعد ولا يحصى، وتجديد بناء قبّة مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّٰه عنه وأحدث هناك مسقفاً لطيفاً منيعاً وأيضاً جدد مسقفي الإمام الشهيد الحسين والإمام موسى الكاظم حين أبصر هما مشرفين على الوقوع لبلاء الأخشاب وخوى الجذوع ...» (2).
ونعتقد بأن ما جاء في كلشن خلفا وحديقة الزوراء عن السنة التي تحدثا عنها في تعمير إيوان الروضة الحسينية، هي السنة التي تم إكمال التعمير فيها، حيث إن أمر التعمير كان سنة 1127 ه- وإستمر العمل لمدة سنتين تقريبًا.
عند زيارة الوالي حسن باشا سنة 1127ه- / 1716م إلى كربلاء، وجد المدينة بحاجة إلى مأموى كبير للزائرين، يشتمل على كل الخدمات التي يحتاجها الزوار. فإن الخانات المعدة لإيواء الزائرين كانت قليلة في المدينة، وبمساحات صغيرة لا تستوعب جموع الزائرين والوافدين الكثر لزيارة المراقد المقدسة في كربلاء.
فأمر بتشييد خان كبير للغرض المنوّه عنه، وكان قد إشترى من المال العام عددًا من العقارات القريبة جدًا من الروضة الحسينية، وتم بناء الخان محلها. كان الخان
ذا سعة كبيرة ويشتمل على أماكن الإستراحة والنوم والحمامات والمرافق الصحية ليستخدمها الزائرون، وأعتبر الخان من الموقوفات، وإشتهر هذا الخان باسم (خان الباشا) كناية للوالي حسن باشا الذي أمر ببناءه.
وكان المرحوم العلامة السيد نصر اللّٰه الحائري الفائزي (مدرّس الطف) الذي كان معاصرًا للوالي حسن باشا قد مدحه على عمله هذا بقصيدة منها :
لّما تولى أمرنا الوالي الذي*** بسخائه كتب السماحة عنونا
أعني به الحسن الذي عن مدحه*** أضحى لسان ذوي الفصاحة ألكنا
يا أيها الوالي الذي خضعت له*** صم الجهال وكل خصم أذعنا
فإفخر على كل الأنام بخدمة*** للمشهدين علاك فيها زُيّنا
وبنيت خانًا قد هوت شهب السما*** لو تغتدي آجر ذّياك البنا(1)
إستمر وجود هذا الخان الذي يقع خارج صحن الإمام الحسين من ناحیته الجنوبية الشرقية، ملاصقاً لديوان (السادة آل النقيب) إلى منتصف القرن العشرين الميلادي، حيث تم هدمه وبناء حسينية جديدة مكانه، وعند الانتهاء منها سميت بالحسينية (الطهرانية) ومن ثَمَّ الحسينية (الحيدرية).
وقد رافق موضوع بناء الحسينية و (تسميتها) بعض الإشكاليات، وللمرحوم السيد صادق آل طعمة حديث موسع عن موضوع إعمار هذه الحسينية ذكره في كتابه (الحركة الأدبية المعاصرة في كربلاء)، ولأهمية الموضوع الكبيرة سنقوم بتدوينه والتعليق عليه إيجابًا في محله من هذا الكتاب حسب التسلسل الزمني للأحداث.
في أيام الوالي حسن باشا الجديد كان نهر الحسينية (السليماني) قد أصابه الضمور وقلَّ جريان الماء فيه بسبب تراكم الطمى في مجراه وخاصة في صدره عند تفرعه من
1) تم إختيار هذه الأبيات المتفرقة من القصيدة المنشورة في ديوان السيد نصر اللّٰه ص208 - 209.
الفرات. وكان الأمر يتطلب حفر وبناء ناظم جديد على صدر النهر عند تفرعه. عندها إمتدت يد الوالي إليه وأمر بحفر وبناء صدر جديد للنهر. وبذلك عادت المياه تجري فيه بغزارة وقوة لتسقي الحقول والبساتين، وتروي الأهالي والزائرين في كربلاء.
جاء في كتاب كلشن خلفا عندما كان يستعرض مؤلفه في سنة 1129ه- / 1717م أعمال الوالي حسن باشا حيث قال: «... وجدد صدر الحسينية ووسعه وسهّل بذلك مرور نهر الفرات منه . . .» (1).
وذكر العزاوي في كتابه تاريخ العراق بين إحتلالين عن بناء الصدر الجديد لنهر الحسينية وهو يعدد أعمال الوالي حسن باشا حيث يقول: «ذكرنا بعض أعماله من بناء قنطرة الذهب (آلتون كوبري)، وقناطر أخرى، وبناء مسناتين لجسر دجلة، وأصلح في الضرائب وعمّر بعض المراقد المباركة. وبنى صدرًا جديدًا لنهر الحسينية في كربلاء وكان معروفًا بالنهر السليماني (2).
ولم يذكر الذين كتبوا عن بناء صدر نهر الحسينية التاريخ الذي تم فيه الحفر والبناء، ويُعتقد أنه تم بين سنة 1117ه- و 1129ه-.
من أعمال الوالي حسن باشا المشهورة هو تأمينه طرق المواصلات، لتسهيل تنقل المسافرين بين المدن والحفاظ على أمنهم وتوفير أماكن الإستراحة لهم. ومدينة كربلاء كانت دائماً محط أنظار الوافدين ومنتهى رغبة الزائرين لقبر الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) الذين كانوا يُعدّون بعشرات الآلاف سنويًا في ذلك الزمان.
فكان لابد من تأمين أماكن لراحة الزوار والمسافرين لمدن العتبات المقدسة مثل كربلاء والنجف، وكذلك لحجاج بيت اللّٰه الحرام في مكة.
جاء في كلشن خلفا عن هذا الموضوع ما يلي : « وأعاد تجديد الخانات الكائنة في شرقي بغداد وغربيها وذلك لإراحة الزوار والمسافرين كما وشيّد خانًا ما بين النجف الأشرف وكربلاء وعيّن له بعض الحرّاس لمحافظته» (1).
والخان المعني بين النجف وكربلاء هو خان النص (خان الحماد الذي يقع بمنتصف الطريق بين كربلاء والنجف، علمًا بأن الخان كان موجودًا قبل ولاية الوالي حسن باشا، فإمّا أن يكون قد جدد بناؤه، أو هو الذي بنى الخان المجاور له مباشرة (الذي ذكره بعض الرحالة) ليستوعبا جموع الزائرين.
علماً بأن تسمية خان النص جاءت لخانين، الأول يقع مابين بغداد والحلة، وكان فيه بئر ويسمى بخان النص أو خان (بئر النص) ، وهو الخان الذي أمر بتعميره الوالي حسن باشا عام 1117ه- / 1705 ، عند عودته من زيارة قام بها لكربلاء والنجف والكوفة وذي الكفل والحلة ( وقد أشرنا إليه سابقاً وهو الذي أخطأ فيه مؤلف مدينة الحسين وإعتبره خان الحماد) ويقع بين الإسكندرية والمحمودية.
والخان الثاني هو خان النص (خان الحماد) بين كربلاء والنجف الذي إمتدت إليه يد الوالي لتعميره سنة 1127ه- / 1716م حسب ما تذكره المصادر.
وجاء في حديقة الزوراء في سيرة الوزراء إشارة إلى أعمال الوالي حسن باشا في تعمير الخانات حيث ذكر مؤلفه ما يلي: «... وله في جانبي بغداد الشرقي والغربي من الخانات في الطرقات والمسافرخانة في تلك الجهات وسائر الخيرات، ما شاع وذاع وملأ الأسماع فلا حاجة إلى بيانه » (2).
وفي مكان آخر من كتابه ذكر ابن السويدي عن زيارة الوالي إلى كربلاء والنجف والحلة في شهر شوال سنة 1117 ه- / 1705م ما نصّه:
«وزار سيدنا ذا الكفل على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ثم إنه قفل لابساً حُلة الثناء، ودخل حِلّة الفيحاء، وجلس فيها يومًا للإستراحة، ثم رفع في اليوم الثاني لواء المجد والسماحة، وقصد دار السلام وسار بسلام، فلمّا وصل إلى المرحلة الوسطى المعبّر منها بئر النصف رآها خالية وأبصر جدرانها هاوية خاوية، قد إنهزم حرّاسها من الأعراب، وذهبت ناسها وسوّاسها وإعتراها الخراب، بتجديد بناها، وإرجاع حراسها إلى فناها، ثم إرتحل عنها ونزل الدورة بالجماعة وهي مرحلة بينها وبين بغداد سیر ساعة . . .» (1).
في مجمل حديثه عن أعمال الوالي حسن باشا ذكر العزاوي في تاريخه ما نصّه: «... وبنى خانات بين كربلاء وبغداد وعمّر المندثر منها » (2).
و في مكان آخر من كتابه ذكر العزاوي النص التالي : «وزار مشاهد الكوفة، ومنها مضى إلى ذي الكفل فالحلة ومنها جاء إلى خان النصف (النص) وجده مهدمًا فعمّره. وفي كل هذه التجولات لم يقطع غزو جهة. وإنما كان يترصد المواطن والأوضاع الملائمة فجاء في عودته إلى الدورة. والملحوظ أن خان النص هو الخان القريب من مخفر الشرطة بين الإسكندرية والمحمودية . وهو الآن مندثر. ومثله (خان الحصوة) (3)أهمل في هذه الأيام. و (خان الناصرية ) (4)إندثر من مدة. وهذه في طريق بغداد - الحلة » (5).
1) حديقة الزوراء في سيرة الوزراء، ج 1 ص 26 .
2) تاريخ العراق بين إحتلالين، ج 5 ص210.
3) خان الحصوة : كان يقع في منطقة (حصوة الإسكندرية) وهي النقطة التي يتفرع منها الطريق إلى فرعين، الأيمن للقادم من بغداد بإتجاه كربلاء، والثاني يستمر إلى الحلة.
4) خان الناصرية : وهو خان قرب المسيّب ويقع على نهر (الناصرية) المتفرع من الفرات، وكانت حول الخان قرية تسمى ب- (ناصرية الشط) تسكنها عشيرة (النصاروة) من قبيلة عبادة، ويتمركز النصاروة اليوم في المسيّب وكربلاء.
5) تاريخ العراق بين إحتلالين، ج 5 ص 164 .
وفي كتاب أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث، ذكر لونكريك أعمال الوالي حسن باشا حيث قال: «وربط الباشا - وهو حاج عابد - الديانة بالحكومة بتأسيس الجوامع ومنح الأراضي والأموال للأغراض الدينية. ولهذا عرف حتى اليوم بأبي الخيرات أي المحسن. وكان يعني كذلك بأمور الزيارة لعتبات الطوائف جمعاء... كما أثبت ترميمه للخانات عنايته بالزوّار والمسافرين »(1).
هذه الأعمال التي أخذ الوالي حسن باشا على عاتقه القيام بها، تعتبر من الأعمال الجليلة التي تخلد اسمه في خدمة مدينة الحسين والوافدين إليها من زوّار المراقد المقدسة، وكذلك ساكنيها الذين وقعت كل تلك الإنجازات لصالحهم. فكانت بحق أعمال صالحة يجعلها اللّٰه من حسناته إذا كانت بنيّة خالصة.
ولكن تلك المنجزات والخدمات التي قام بها نجدها في مقارنة صعبة على ما قام به في حروبه ضد العشائر العربية التي سوف نذكرها لاحقاً، حيث أبدى من القسوة والشدّة ما يؤاخذ عليه مع الأسف.
لقد ذكرنا زيارات الوالي حسن باشا وأعماله في كربلاء، ولابد للقارئ الكريم عندما يتمعن فيما ذكرناه عن مصادره، فسوف يقع في نفسه كل عمل قام به الوالي في كربلاء كان يدل على حُسن إدارة الوالي وإهتمامه بالمراقد المقدسة... فمن هذه الناحية فقد كانت أعماله مشكورة، وقد مدحهُ عليها من عاصره من كتّاب السلاطين والشعراء الذين غرّتهم هذد الإصلاحات، بينما هم لم يتعمقوا في أسباب أنهار الدماء التي سالت في مناطق عديدة من العراق نتيجة الحروب التي شنها الوالي حسن باشا ضد القبائل والعشائر العربية بغرض إخضاعها وإجبارها على التشتت والتشرذم
1) أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث : لونكريك، ص 158.
وفرض الضرائب عليها ونهب أموالها ومزروعاتها ومواشيها لتغطية العجز المالي لولاية بغداد، ودفع مستحقات الولاية إلى الدولة العثمانية.
لقد كانت سلطة الدولة العثمانية قد إنهار نفوذها في مناطق العراق العديدة وبان شبح سقوطها أمام تزايد قوة العشائر العربية التي أحكمت سيطرتها على مناطق تواجدها، وكوّنت شبه إمارات مستقلة عن سلطة الدولة، وعقدت فيما بينها التحالفات، بل وهددت في بعض الأحيان عاصمة الولاية بغداد.
وعندما إستلم الوالي حسن باشا ولاية بغداد سنة 1116ه- / 1704 م، كان تعيينه في هذا المنصب لمهمة كبيرة أُنتدب إليها هذا الوالي المعروف بشدته وقسوته ودهائه وحبّه للمغامرة، ومحاولته إرضاء سلطة الباب العالي من جهة، وتأسيس وضع عائلي جديد له من خلال تشكيل قوات من المماليك، وإستلام ابنه أحمد باشا الولاية من بعده، ومن ثَمَّ إستلم المماليك الذين جلبهم حسن باشا وهم صغار إلى بغداد، وقد شبّوا فيها خلال أربعين سنة من حكمه وحكم ابنه، فإستلموا منصب ولاية بغداد وإستقلّوا فيها لعقود (كما سيتم ذكره لاحقاً) وكانت فترة حكمهم من أشدّ فترات الحكم الظلامية في العراق.
فعندما كان يزور مدن العتبات ومناطق أخرى من العراق في السنة الأولى من حكمه، كان يستطلع المدن والمناطق، ويتعرف على مواطن سيطر عليها رؤساء العشائر و القبائل، ويبدأ استعداداته بخطط محكمة رافقتها نفسية الإنتقام...
وما زالت أخبار معركته الفاصلة في الجنوب عندما حارب المنتفك والعشائر المتحالفة معهم والتي كان يكافئ بها مقاتليه على عدد الرؤوس التي كانت تقطع وتجلب إليه عند خيمته، وعندما تكاثرت الرؤوس عند مقاتليه صعب عليهم جلبها فقبل منهم إنتزاع قلوب مقاتلي العشائر لسهولة نقلها (1)... وقضية غدره برئيس قبيلة (زبيد) الشيخ (عبد القادر ) عندما إستنفره لمساعدته، فإستجاب له الشيخ
1) راجع تاريخ العراق بين إحتلالين، ج 5 ص178.
ورافقه قرابة ثلثمائة ،فارس، فرحّب به الوالي وأخرجه معه لقتال إحدى القبائل، وفي الطريق فتك برئيس زبيد ومن معه حيث شدّ وثاقهم وأمر بقتلهم جميعاً (1). وعندما إنتشر خبر تلك المذبحة الغادرة في أنحاء العراق ساد الذهول والغضب بين الناس، وكان يوماً أسْوَدًا من أيام حكم حسن باشا في العراق (2).
إنَّ أهم الكيانات والتحالفات العشائرية لعرب العراق في الوسط والجنوب و شمال بغداد كانت كما يلي:
1 - عشائر الفرات الأوسط برئاسة الخزاعل ومنهم غزية وساعدة وآل حميد والرفيع وغيرهم.
2- عشائر جنوب العراق برئاسة المنتفك.
3- عشائر شرق دجلة برئاسة بني لام.
4 - عشائر شمّر في غرب الفرات والبادية الغربية.
5 - عشائر زبيد وحلفائها.
6 - عشائر الغرير والشهوان في شرق دجلة بين كركوك والموصل.
عندما أكمل الوالي استعداداته، فقد هاجم في بداية الأمر عشائر الغرير والشهوان وإتهمهم بالسلب والنهب وقطع الطريق العام، ورغم إرسالهم وفدًا من مائتي فارس محملين بالهدايا وقدّموا له الطاعة، وأنكروا ما نسب إليهم وتعهدوا بحفظ الطريق العام، لكنه رفض كل ذلك، لأنه كان قد اتخذ القرار بتدمير تلك القبائل ونهبها.
رغم أن عرب الغرير والشهوان قد قاتلوا جيش الوالي قتالاً مستميتاً، ولكنهم لم يتمكنوا الصمود أمام قوة نيران مدافعه وجيشه الجرار ، فقد تمكن من الإنتصار عليهم وأباد أكثر مقاتليهم وأسر منهم عددًا من الذين إستسلموا.
وعاد الوالي إلى بغداد محملاً بالغنائم بعد أن سلب ونهب أموال وحلال هذه العشائر (1)
وقعت هذه المعركة في سنة 1116 ه- / 1704م وسميت بموقعة (الخانوقة) أو الخانوكة. كما ورد في كتاب غاية المرام النص التالي: «... وفي سنة ستة عشر ومائة وألف ولي بغداد الوزير حسن باشا والد الوزير أحمد باشا قدم من الروم وملك هذه التخوم فلما إستقر في بغداد سار إلى مكان يعرف بالخانوكه وهي قلعة خربة على جبل مطل على نهر دجلة بين بغداد والموصل فحاصرهم ونهبهم وقتل معظم رجالهم ... »(2).
وبعد هذه المعركة فقد تشتت شمل هذه العشائر ونزح الكثير منهم عن مناطقهم، فمثلاً الغرير إنتقلوا إلى مناطق المحمودية، وحديثة في أعالي الفرات، ومنهم من نزح إلى كربلاء وهم اليوم يعرفون ب- (المناکَیش) (3).
وعندما زار الوالي العتبات المقدسة في كربلاء والنجف والكوفة وذي الكفل ومن ثَمَّ الحلة في أول زيارة له علم 1116ه-، فقد منحته هذه الزيارات الفرصة الاستطلاع في مناطق الفرات الأوسط تمهيدًا لحملته القادمة على الخزاعل.
ويبدو أنه أجّل هذه الحملة على سلطة الخزاعل والعشائر المتحالفة معهم مؤقتًا، فتوجه إلى قبيلة بني لام التي أسست لها إمارة تشمل مناطق دجلة من الكوت شمالاً
1) راجع حديقة الزوراء في سيرة الوزراء: لابن السويدي ج 1 من ص 18 إلى ص22. رغم أن ابن السويدي كان يمدح عمل الوالي ويعتبره نصراً ، فقد كان من كتّاب السلاطين !! وراجع تاريخ العراق بين إحتلالين، ج 5 ص 162 .
2) غاية المرام في تاريخ محاسن بغداد دار السلام: الشيخ ياسين خير اللّٰه العمري، ص177، طباعة دار المنشورات البصري، بغداد سنة 1388ه- /1968م.
3) المناكَيش: من عشائر كربلاء المعروفة وتجمعهم كان ولا يزال في محلة المخيم بكربلاء، وهم من الغرير، وإستلموا مختارية محلة المخيم لسنين طويلة، وشاركوا في الأحداث والوقائع التي جرت في المدينة، وإتصف رجالاتهم بدماثة الخلق والسمعة الطيبة، وقد ذكرنا هذه الحمولة الكريمة في كتابنا (بيوتات كربلاء القديمة) ص 335
وتمتد جنوبًا لتشمل جميع مناطق العمارة بما فيها الأهوار. وكانت عشائر تلك المناطق قد دخلت تحت سيطرة بني لام.
المعروف أن قبيلة بني لام هي من القبائل الطائية القحطانية. نزحوا من الجزيرة العربية إلى العراق وكانوا بدوًا رُحّل يتنقلون بين الكوفة والبصرة (غرب الفرات)، وبعدها عبروا الفرات وتوجهوا إلى المناطق الرعوية في شواطئ شرق دجلة. وكانوا يتبعون أمراء المنتفك في البداية، ومن ثَمَّ دخلوا تحت نفوذ أمراء الحويزة من السادة المشعشعين.
بعد فترة من الزمن تمكن بنو لام من إقامة إمارة مستقلة عن نفوذ المشعشعين وعن إمارة المنتفك. بل خاضوا معارك ناجحة ضدهما وإنتصر بنو لام فيها. وإستمرت سيطرتهم على مناطق شرق دجلة لأكثر من قرنين من الزمان إلى أن ظهرت عشيرة ألبو محمد الذين خاضوا معارك مع بني لام وكوّنوا إمارة لهم في مناطق العمارة في عام 1841م.
بنو لام خاضوا معارك مع العثمانيين وإنتصروا فيها مستفيدين من وعورة مناطق سيطرتهم، وكانوا يمتنعون عن دفع الرسوم والضرائب للعثمانيين وقد إستقلّوا عن حكومة بغداد.
فقد حشّد الوالي حسن باشا قواته وتوجه إليهم، وكانوا يعلمون بتحرك الوالي فإنسحبوا من مناطقهم فتابعهم الوالي بجيشه وإلتحم معهم في معركة قاسية، وتمكن من هزيمتهم، وعندها إستولى على أموالهم وممتلكاتهم وعاد إلى بغداد (1).
وبعد هذا الإنتصار وجد الوالي إنه مستعد لمحاربة عرب الفرات الأوسط وكسر شوكتهم. ومن المعلوم حينها عن منطقة الفرات الأوسط أن القبائل والعشائر فيها قد قطعت شوطاً طويلاً على طريق الاستقلال والتحرر من حكم العثمانيين برئاسة الخزاعل.
1) تاريخ العراق بين إحتلالين، ج 5 ص 162 . وتاريخ العراق في العهد العثماني: علي شاكر علي ص108.
كان الشيخ (سلمان) رئيس الخزاعل قد أحكم سيطرته على أكثر مناطق الفرات الأوسط الزراعية، وأقام سلطة تشبه سلطة الدولة المزيدية التي أسسها بنو أسد من قبل في الحلة. وكان الشيخ سلمان يعتبر (نفسه أمير العرب) وينادي دائماً بالزحف على بغداد وتخليصها من العثمانيين.
أدرك الوالي حسن باشا خطورة الوضع، وهو يعلم أن مهمة سحق قوة قبائل الفرات الأوسط والسيطرة على تلك المناطق مهمة شاقة، ولابد أن يحقق الإنتصار فيها وإلاّ فالنتائج ستكون وخيمة سياسيًا وإقتصاديًا. إستنفر الوزير (الوالي) كل إمكاناته العسكرية وزحف في سنة 1705م جنوبًا نحو الخزاعل بجيش قوامه أربعون ألف فارس تسنده المدفعية وأسلحة أخرى (1).
بينما الشيخ سلمان الخزعلي قد أدرك بأن لا قدرة له ولرجال العشائر المتحالفة معه الخوض في معركة خاسرة لتفوق الجيش العثماني عدة وعتادًا، فقرر الإنسحاب إلى السماوة وطلب التفاوض مع الوالي حسن باشا الذي رفض ذلك من موقع قوة، عندها إضطر الشيخ سلمان الخزعلي التوجه إلى البصرة واللجوء عند أميرها مغامس بن مانع بن شبيب رئيس حكومة المنتفك الذي أجاره.
أمّا الوالي فقد أحكم سيطرته على مناطق الفرات الأوسط بعد أن دخل الحسكة وبقية مناطق الخزاعل بدون مقاومة وكتب إلى القبائل التي كانت متحالفة مع الخزاعل يدعوها للعودة إلى ديارها بشرط أن تنقض تحالفها مع الخزاعل وتتعهد بدفع ما عليها من رسوم وضرائب إلى حكومة الوالي في بغداد.
وبهذا التقدم للوالي فقد عاد إلى بغداد منتصرًا محملاً بالأموال والمحاصيل الزراعية والمواشي التي إستحوذ عليها بالقوة. كان ذلك سنة 1117ه- / 1705م.
1) العراق بين سقوط الدولة العباسية وسقوط الدولة العثمانية، ج 3 ص39.
في سنة 1118ه- / 1706م ، قرر الوالي حسن باشا مهاجمة قبيلة (شمّر) التي كانت حليفة للخزاعل بسبب مصالحها الرعوية في منطقة الفرات الأوسط التي وجدت التحالف مع هذه العشائر وعلى رأسها الخزاعل ضرورية جدًا.
وقبيلة (شمّر) تعد بطنًا من طي وفيهم بطون أخرى تعود إلى القبائل القحطانية. ولشمّر مجموعة من القبائل منهم ( شمّر الجبل ) نسبة لموقعهم في نجد عند جبل شمر المعروف. ومنهم ( شمّر الجرباء) التي هاجرت إلى العراق قبل قيام إمارة ابن الرشيد.
و (شمّر طوقه) طوكَه وعشائر (الصايح).
ومن المهم القول أن عشائر شمّر إنفصلت عن الأصل وهاجرت إلى العراق قبل الوالي حسن باشا، وعندما إستقروا فيه إتخذوا لهم أسماء مستقلة كما كان حال عشائر (المسعود) الذين إستقروا بين المسيّب وكربلاء.
جاء في كتاب عشائر العراق ما نصّه : «... أن قبائل شمّر منها من فصل من أصله وسكن العراق مستقلاً باسمه من زمن بعيد وكاد ينسى الأصل الذي درج فيه والقبيلة التي تفرع منها مثل المسعود... ومنها تظهر درجة إنتشار هذه القبائل وتوغلها في العراق بصورة متوالية حتى كادت تحتله جميعه وتضع يدها على كافة مراعيه ووديانه خصوصاً بعد إنقراض آل الرشيد . . . »(1).
فأصبحت قبيلة شمّر تهيمن على بوادي العراق، وخاصة البادية الغربية، وإزدادت قوتها عندما إستمر نزوح عشائرها للعراق من الجزيرة العربية.
«كانت هذه العشيرة تظهر الطاعة أحيانًا إلاّ أنها كانت في الخفاء تغري العشائر البدوية وتحرّضها على الإشتراك معها، وبذلك تؤذي السكان غربي الفرات بالنهب والغارة» (2).
عندما حقق الوالي إنتصاره على الخزاعل والسيطرة على مواقعهم، فقد شدَّ إنتباهه نحو قبيلة شمّر الحليف الكبير للخزاعل بموجب مصالحها، فأراد القضاء على سطوة هذه القبيلة الكبيرة والقوية. وخاصة عندما علم بعصیان شیخ شمّر (غانم الحسان) في غربي الفرات الأوسط فشدّ الوالي ساعده لإيقاف هذه القبيلة عند حدودها.
فوجد شيخ شمّر بأن الوقوف مع الخزاعل غير مجدٍ، فأرسل إلى الوالي حسن باشا «مذعنًا بالطاعة وعند خروجه رفع الراية وأبدى أنه صار شيخاً في حين إنه لم يقدّم (البيتيه) وإنها وافقه على ذلك شيوخ آخرون» (1). والبيتية ضريبة تؤخذ على البيوت من اهل البادية وتسمى (الخانه).
جهز الوالي جيشاً بقيادته، وتوجه نحو عشائر شمّر، وعبر نهر الفرات من جسر الرضوانية ووصل إلى موطنهم فلم يجد لهم أثرًا وذهب إلى الطريق السلطاني ونزل ناحية (مشيهد) وأرسل العيون والدوريات لاستطلاع أماكن تواجد (شمّر) حتى عثروا عليهم ليلاً. وإشتبك الجانبان في الصباح في معركة شرسة لم يشهد لها مثيل، وقد أبدى الجانبان شجاعة متناهية وخاصة عشائر شمّر الذين أبدوا بسالة لا توصف، إلاّ أنهم لم يستطيعوا المقاومة أمام مدافع الوالي فعمدوا إلى الإنسحاب نحو البادية.
يقول العزاوي في تاريخ العراق بين إحتلالين : «وفي هذه الحرب نالهم ما لم تنله عشيرة. وأن الجند نهبوا مواشيهم وأغنامهم وربحوا منهم أموالاً كثيرة... ومما يحكى أن الحكومة حين استولت على العراق إلى اليوم لم تنل ظفرًا مثل هذا. وأن العشائر لم ترَ حربًا كهذه. ظهرت فيها الشجاعة والفروسية من الجانبين بكل معانيها... وأبلى العربان وإستماتوا... جادلوا بكل طاقتهم وبما أتوه من قوة. لكنهم قُهِروا. وقتل منهم خلق كثير . . .» (2).
كانت هذه المعركة في شهر شعبان من سنة 1118ه- / 1706م. فغنم الوالي غنائم لا تحصى وعاد إلى بغداد فإستقبله العلماء والوجهاء استقبالاً فخبًا (1).
يقول العزاوي في تاريخه: وهذه الوقعة كانت السبب في إنفصال شمّر طوقة (طوكَه) وبعض العشائر مثل المسعود فتبدد شملهم فصاروا شذر مذر...
فالمسعود استقروا في أطراف المسيب وكربلاء، وشمّر طوقة في جزيرة حميد بين ديالى وكوت العمارة (2).
وعن عشيرة المسعود فقد جاء في كتاب عشائر العراق ما يلي: «والآن لا يشبهون شمّر في حياتهم المعاشية ولا يأتلفون غالبًا معهم في آدابهم وعوائدهم وسائر أحوالهم وسكناهم، فهم من القبائل الريفية، ولم يكونوا بعيدي الإنفصال ولكنهم مالوا إلى الأرياف وألفوها فصاروا من أهلها بلا فرق . وغالبهم في كربلاء وفي المسيب، ولا يزال بعض أفخاذهم المعروفين بهذا الاسم مع شمّر طوکَه... ويسكنون في أطراف نهر الحسينية في كربلاء وأفخاذهم متداخلة ومختلطة ببعضها ولا يظهرون بكيان مجتمع وكتلة واحدة، وإنما هم متفرقون في البساتين والمزارع... ويجاورهم ويساكنهم بنو حسن والجنابيون واليسار، وبني سعد، والنصاروة» (3).
وفي سنة 1119ه- / 1707م ، هاجم الوالي عشائر زبيد ومنهم الجحيش والسعيد والمعامرة وآل خالد، وكذا عشائر الدليم وآل نوفل وآل حسين. كانت عشائر زبيد تنقاد إلى رئيسهم وشيخهم (عبد القادر ) الذي غدر به الوالي، وكانت لهم وقائع مع الأتراك العثمانيين إنتصروا فيها على عساكر الحكومة من قبل.
وقبيلة زبيد من القبائل العربية الكبيرة والقوية في العراق، وتتفرع بانتماءها إلى فرعين رئيسيين هما: (زبيد الأكبر) و (زبيد الأصغر). وإلى زبيد الأكبر تنتمي العشائر
التي إستقرت في الحلة شرق الفرات وتنتشر إلى الشمال الشرقي حيث نهر دجلة وحتى الصويرة. ولازال القسم الأكبر منهم يحتفظ باسم (زبيد)، أمّا الآخرون منهم فقد تبنوا أسماء خاصة بهم مثل الجحيش وألبو سلطان والسعيد وآل خالد وألبو طيف وغيرهم. كما أن الجنابيين والدليم يرجعون إلى زبيد الأكبر.
أمّا العشائر التي تنتمي إلى (زبيد الأصغر ) فهم (العبيد والعزة والجبور) وغيرهم، وقد إنتشروا في مناطق ديالى و شمال بغداد وجنوبها ومناطق أخرى.
عندما علمت عشائر زبيد بنيّة الوالي شن الحرب عليهم، إجتمع رؤساء زبيد لدى الشيخ عبد القادر محاولة منهم بعدم إراقة الدماء، فأعلنوا للوالي ولائهم ودفع الضرائب، ولكن الوالي رفض ذلك وقرر الحرب.
فقد حشّدوا مع أحلافهم قوّات قُدّرت بمائة ألف مقاتل بين فارس وراجل.
بينما إستدعى الوالي قوات من شهرزور، ومن أمراء الإقطاع العسكري (السباه) بالموصل، وكذلك بعض العشائر العربية مثل عشيرة (العبيد) التي هي نفسها من زبيد وكان يرأسها ( شاوي) وهو الجد الأعلى لآل الشاوي حاليًا في بغداد وشمالها.
وفي معركة شرسة في أرض مفتوحة فتكت مدافع الوالي بالعشائر رغم أنهم أبدوا بسالة فائقة وشجاعة متناهية، فتفرق شملهم وإضطروا للفرار من أرض المعركة وإنتصر عليهم جيش الوالي، وحلّ بعشائر زبيد الموت والدمار. وبعدها بدأت عمليات السلب والنهب وعاد الوالي إلى بغداد محملاً بالغنائم (1).
وفي سنة 1120ه- / 1708م وبعد أن أخضع الوالي حسن باشا العشائر التي تعوقه في طريق البصرة ، عزم التحرك إلى البصرة لمحاربة عشائر المنتفق (المنتفك) بقيادة الشيخ مغامس بن مانع بن شبيب.
1) راجع حديقة الزوراء في سيرة الوزراء، ج 1 ص 47 إلى ص 52 . وتاريخ العراق بين إحتلالين، ج 5 من ص 173 إلى ص 175 . والعراق بين سقوط الدولة العباسية وسقوط الدولة العثمانية، ج 3 من ص 44 إلى ص 47 .
إلتحق بالوالي المدد من يوسف باشا (محافظ كركوك) ووالي (ديار بكر) رجب باشا ووالي (كوتاهية ) حسن باشا من سلحدارية السلطان، ووالي (الموصل) شهسوار زادة ومعهم جيوشهم. وتحرك الوالي من بغداد في 7 رجب سنة 1120ه- ووصل الحلة وبقي فيها أيامًا حتى 22 منه ثم السماوة التي وصلها في أوائل شعبان ومنه تحرك نحو البصرة. أما شيخ المنتفك فجاءه المدد من بغداد والإحساء والحويزة وجموع الشيخ سلمان الخزعلي، وإلتحق بهم آل السراج (سرّاي ) وهم من ربيعة، وكذلك من زبيد وبني خالد وميّاح وشمّر وغيرهم...
وفي نظرة سريعة للمجموعات العشائرية المتحدة تحت راية رئاسة المنتفك، فقد كانوا ثلاثة أثلاث يعرفون بأثلاث المنتفك وهم: (ثلث الأجود) و(ثلث بني مالك) و (ثلث بني سعيد). كان ثلث الأجود وهم من بني عقيل أخوة المنتفك وجدهم أجود بن زامل (ملك الإحساء). من أكبر وأقوى أثلاث المنتفك ويضم عشائر : غزية وآل إزيرج وبني ركاب وخفاجة والحميد والشويلات والعصوم والجوارين والرغيم والتيوس وغيرهم.
أما ثلث بني مالك وهم أخوة بني المنتفك أولاد مالك بن عوف، وكان مع هذا الثلث عشائر (بني أسد) وبني حطيط والحجام وعبادة الذين أسسوا إمارة لهم قبل المنتفك، وآل إبراهيم والعمايرة وألبو صالح والمطيرات وآل جمعان والشواليش والحساوية.
وثلث بني سعيد وهم آل فهد والدريع والعيسى وآل معيوف وآل مريان الصلبية والبزون.
وهذه العشائر تفرقت أغلبها بعد انتهاء سلطة المنتفك. ومن المعروف أن أفراد عشائر المنتفك كانوا تحت نفوذ قبيلة ( قشعم ) التي سادت على جنوب العراق قبلهم. دامت الحرب إلى يوم 19 رمضان وكانت بين اخذ ورد، وسقط في المعركة شيخ الأجود (تركي)، وبمقتله خُذل الجميع وفرَّ الشيخ مغامس وهرب البقية. وكانت
هذه الحرب قد أهلكت نحو عشرة آلاف مقاتل، بقيت أشلائهم في أرض المعركة، وكان الوالي يدفع لكل من يأتي إليه برأس أو قلب، ولم يراع رأفة ولا ذمّة. ودخل البصرة وعيّد فيها، ثم أقفل راجعاً منتصرًا إلى بغداد وفي طريقه كان يبحث عمّن بقي من العشائر باديًا العصيان. فلم يجد ضالته ، فوصل بغداد محملاً بالغنائم وقد إستقبله المتزلفون من الأعيان والشعراء بفرح كبير.
في هذه الظروف لابد أن نشير إلى أن كربلاء كانت لا تزال تخضع لسيطرة إمارة قشعم المتعاونة مع السلطات العثمانية. وآل قشعم كانت (ديرتهم) مدينة كربلاء وضواحيها. وقد إستمر حكمهم في المنطقة حتى أواخر القرن الثاني عشر الهجري أو أوائل القرن الثالث عشر الهجري.
وفي أيام الوالي حسن باشا كان (أمير قشعم) هو (شبيب) ولعلّه (شبيب بن حبيب بن صقر بن حمود بن کنعان بن مهنا بن ناصر بن مهنا بن سعد بن المنذر بن قسام بن مامن بن قشعم بن سعد بن غزى) حسب النسب الذي ذكره العزاوي في تاريخه في ج 4 ص 51 .
أمّا ما جاء في كتاب مباحث عراقية للأستاذ يعقوب سركيس في القسم الأول ص 93 فقد جاء عن حبيب هو والد عبد العزيز وشبيب وكما يلي (حبيب بن صقر بن حمود بن کنعان بن ناصر بن مهنا بن سعد بن غزى أو (غزى بن سعد) كما ذكر مرة أخرى في هامش الصفحة ذاتها.
قالوا عن شبيب «وأن آل قشعم من أهل النسب العريق بين العشائر. وإن رئيسهم صادق اللهجة وله خدمات تذكر له فهو منقاد لأوامر الحكومة. ولذا عادته العشائر حتى أنهم نهبوا بيته مرّات. وحاولوا إهانته فإستحق من الوزير كل رعاية... ». فقد كان على المرام. وقام بكل ما فوّض إليه من المهام حبّاً في الأطماع والرئاسة. وأمير قشعم الشيخ (شبيب) ذهب إلى الوالي يشكو من عشيرة غزيّة وساعدة وآل حميد وآل الرفيع، مبينًا أنهم أغاروا على المجاورين وأخذوا أغنامهم وأموالهم وعاثوا في
أنحاء السماوة والرماحية (الديوانية الحالية) ونهر الشاه وما والى. فأحدثوا أضرارًا بليغة (1). لم يصدّق الوالي كلام أمير قشعم إلى أن جاء رسول من ضابط الحلة يؤيد ما قال أمير قشعم . فعزم الوالي على التحرك بسرعة ووصل الحلة ومنها عبر الشط فتمكن من ملاحقة العشائر المذكورة والإنتصار عليها، ثم سمع الوالي بأن القوم قد تشتتوا حينما علموا بالتأهب عليهم فسكن قسم منهم (الأخيضر) والقسم الآخر أقام في (دبلة). حينئذٍ أرسل الوالي أمير قشعم (شبيب) مع أربعة آلاف فارس أمّره عليهم ليذهبوا إلى حدود (شفاثا) غرب كربلاء. وذهب الوالي نفسه إلى دبلة. أمّا شبيب فقد عقّب الفارين وإستولى على إبلهم وأموالهم حيث نجوا بأنفسهم، فنال هو وابنه تكريم الوالي.
وإشتبك الوالي مع عشائر ربيعة ومنهم المياح وكانوا من المساندين للشيخ مغامس، وغنم الغنائم من عشيرة (ساعدة) وكذلك آل حميد حيث كان شيخهم (سعد الصعب) في الرماحية، والعشائر هناك تنقاد له. وكان داهية وإمتد نفوذه إلى الحلة والبصرة، كما كان مساندًا للشيخ سلمان الخزعلي.
وتمكن الوالي من هزيمة هذه العشيرة وغنم أموالها وحلالها. وحينها وصل أمير قشعم شبيب إليه أرسله إلى (هور نجم) ومعه ألفي فارس فتمكن على من هناك.
بعد أن سيطر الوالي على هذه العشائر أرسل غنائمه إلى الحلة، وعاد إلى النجف وزار مرقد الإمام علي ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) وعاد إلى بغداد عن طريق الحلة بما غنم. وكانت هذه الأحداث قد وقعت في سنة 1121ه-/ 1709م.
من مجرى هذه الحوادث نجد أن العشائر كانت متذمرة من إدارة الحكومة وكذا الأهلون. تجمعوا عليها من كل صوب وقاتلوا قتالاً عنيفاً. لكن في مثل هذه المواطن يعوزهم النظام والتدريب ... وهذا سبب الخذلان، ولو كانت هذه الحرب نجحت لصالحهم لأستقلوا من ذلك الحين ولأخفق سعي الدولة ولما بقي لها أمل في العراق.
1) حديقة الزوراء في سيرة الوزراء ، ج 1 ص 43 .
وما ذلك إلاّ أنها لا تريد التحول من سياسة واحدة مع كل الأقوام. وهذا أحد أسباب الفشل وإن التغلب لم يثن العزم. ودامت الوقائع مستمرة متوالية. قارعهم العرب بعدها مقارعة وبيلة، رأوا العطب منهم وصاروا يخافون من ظل العربي وخياله، ومن عرف أن المنتفق قارعوهم أكثر من مائة وسبعين سنة بعد هذا الحادث، علم درجة هذه المطاحنات ومقدار النفوس الهالكة في هذا السبيل بل إمتد ذلك أكثر وأكثر (1).
ومعركة البصرة مثلّت نقطة تحوّل في تاريخ العراق لصالح الحكم العثماني بعد أن تمكن الوالي حسن باشا من إعادة تنظيم أجهزة السلطة في بغداد، والقضاء بالقوة العسكرية على قوة كيانات وعشائر عرب العراق، وعليه فإن الإنتصارات التي حققها حسن باشا في ذلك الوقت كانت إنتكاسة ليست للقبائل والعشائر بل لسكان المدن الذين ضاقوا ذرعاً من سلطة العثمانيين. كما أن إنتصاراته هذه أعطت للحكم العثماني دفعة جديدة وحمته من الإنهيار والسقوط في العراق.
بعد هذا الاستعراض السريع للحروب التي خاضها الوالي حسن باشا ضد القبائل والعشائر العربية في أنحاء عديدة من العراق وتمكن من إخماد ثوراتها والقضاء على الإمارات التي أسستها تلك العشائر ، فقد بقي حال العشائر في تفرق وتشرذم، ونزوح مجاميع من أفراد تلك العشائر من مواطنها الأصلية إلى مناطق أخرى من جهة. ومن جهة أخرى ميول الكثير من العشائر إلى الاستقرار في أماكن زراعية ورعوية في نفس الوقت، وقد إستغلوا تغيّر مجاري الأنهار واستحواذهم على مناطق جديدة لتجمعاتهم.
1) راجع تاريخ العراق بين إحتلالين، ج 5 ص 179 وص 180 . والعراق بين سقوط الدولة العباسية وسقوط الدولة العثمانية، ج 3 من ص 49 إلى ص 64 . وراجع تاريخ العراق في العهد العثماني: علي شاكر علي، من ص108 إلى ص111.
لكن الأهم من ذلك والذي يخص بحثنا الذي إستوجب ان نتطرق إلى تلك الحروب لنؤكد بأن الكثير من هذه المعارك بين السلطات العثمانية والعشائر حدثت في مناطق الفرات الأوسط وفي البادية الغربية.
ولكون مدينة كربلاء وضواحيها التابعة لها هي ضمن مناطق الفرات الأوسط، ولكربلاء إطلالة على البادية الغربية، فقد تأثرت بشكل كبير في خِضمِّ تلك الأحداث لقربها منها ونشوب معارك في تخومها.
ونتيجة تشتت العشائر وميلهم إلى الاستقرار فقد نزح الكثير منهم إلى مدن الفرات الأوسط ومنها كربلاء. حيث سكن المدينة أفراد وأسر من جميع تلك العشائر داخل مدينة كربلاء، وأسسوا لهم تجمعات أسرية وعشائرية مناطقية ما زالت تتواجد إلى اليوم في المدينة، وفي أطرافها القريبة جدًا منها فقد أسسوا تجمعات سكانية وزراعية.
ونجد اليوم في ضواحي كربلاء الزراعية عشائر عربية عريقة كان لها ولا يزال تأثير كبير على الخليط المجتمعي العربي داخل المدينة، وكانت عشائر المسعود أكبر مثال على ذلك، ومثله أفخاذ كثيرة من عشائر شمّر إستقرت في ضواحيها، وفي داخل المدينة منهم السلاميون وآل العواد وغيرهم. ومن عشائر خفاجة أمثال الوزون والطهامزة، وكذلك (عبادة) ومنهم النصاروة، وعشيرةیییی بني سعد حيث كانت وما زالت مشيختهم في كربلاء، وأسر كثيرة من جشعم وكعب وزبيد وربيعة والعبيد والجنابيين والمعامرة والحميرات والخزرج والسعيد والجبور وغيرهم، وقبل كل هؤلاء قبيلة بني أسد وأفخاذ من بني تميم.
ولو نستعرض تاريخ نزوح العشائر والأسر المتفرقة من بعض القبائل إلى مدينة كربلاء وتكوينها للمجتمع الكربلائي الحالي، نجد تواريخ نزوحها يرجع إلى تلك الحقبة الزمنية التي حاربت فيها العشائر حكومة حسن باشا العثمانية وما تلاها. ومن المفيد أن نذكر بأن مشايخ الكثير من هذه العشائر إتخذت كربلاء مقراً لها، ما زالت تعرف لحد اليوم وأسست لها الدواوين، وسميت بأسمائها مناطق بعينها في كربلاء.
في فترة حروب الوالي حسن باشا الجديد مع عشائر الفرات الأوسط والجنوب والتي تأثرت كربلاء منها كما ذكرنا سابقاً، ولعروبة المدينة وساكنيها من أفراد العشائر العربية التي ثار الكثير منها ضد الحكم العثماني، ولأهمية مدينة كربلاء وتأثيرها الواضح على مجريات الأحداث، فقد قام الوالي حسن باشا بتعيين حاكم جديد لكربلاء هو (حسين آغا) في سنة 1120 ه- / 1708م، ويبدو ان هذا الحاكم الجديد قد عُرِفَ مسبقاً من قبل الكربلائيين بشدته وبغْيه بحيث أطلق الأهالي عليه اسم (الباغي). ويبدو أنه قام بأعمال عدوانية مارس فيها سياسة القوة والبطش خلال فترة ده حاكمًا على كربلاء، مما دعا المرحوم العلامّة السيد نصر اللّٰه الفائزي الحائري (مدرس الطف) الذي كان من أكابر علماء المدينة وأدبائها بأن يؤرخ تاريخ توليته شعرًا بالبيتين التاليين الواردين في ديوانه المطبوع ص 162: وجوده
بمِصْرنا ولّى العُتِلّ*** ذاك الذي بالشقاء تمسّك
وساء حُكمه فأرخ*** (فرعَوْن الطف قَدْ تملّك)
بعد وفاة النقيب السيد خليفة بن نعمة اللّٰه الفائزي، عادت النقابة إلى آل زحيك حيث تولّاها السيد عبد المطلب بن النقيب علي بن النقيب محمد درّاج بن النقيب سليمان بن النقيب سلطان كمال الدين.
كان نقيبًا في الحائر قبل سنة 1125ه-/ (1713م). فقد سافر إلى إسطنبول ليلاقي السلطان العثماني (أحمد الأول) وقد وافته المنيّة هناك سنة 1125ه- ودفن في محل وفاته، وبنوا عليه قبة (1).
1) وثائق السادة آل النقيب في كربلاء، والمشجر الخاص بهم والموثّق رسميًا.
في الثلث الأول من القرن الثاني عشر الهجري كانت سدانة الروضة الحسينية بيد المرحوم السيد حسين الموسوي. ولم يحدد أي مصدر تاريخي السنة التي تولّى فيها السدانة.
كما أن اسمه الكامل ونَسَبه قد اختُلف عليه من قبل الذين دونوا أسماء سدنة الروضة الحسينية. ولكن ما وجدناه في التوثيق أنه كان يلقب بالسيد حسين الكليدار وأنه في سنة 1131ه- كان سادنًا للحسين حسب ما ذكره الرحّالة السيد عباس بن علي بن نور الدين المكي الذي زار كربلاء في ربيع الأول سنة 1131ه-/1719م حيث قال في رحلته : « وإجتمعت بالرئيس المعظم، والعظيم المفخم، ذي الشرف الباذخ والفخر الوضاح، مولانا السيد حسين الكليدار، وبأخيه الشهم النجيب الكريم، مولانا السيد مرتضى حماه اللّٰه تعالى من حوادث القضا... ».
والسادن السيد حسين الكليدار كان معاصرًا للعلامة السيد نصر اللّٰه الحائري الفائزي، فقد قال فيه السيد نصر اللّٰه مهنئًا بقصيدة من 49 بيتاً ذُكرت في ديوانه ص 105 - 106 بمناسبة عودته من سفرة قام بها إلى الهند مطلعها:
لقد لاح صبح الفتح من مشرق النصر *** فجلى ظلام الهم عن ساحة الصدرِ
وهبّت نسيمات السرور بحيّنا *** فمالت غصون الأنس في الحلل الخضر
وغنّى على غصن الهنا طير سعدنا *** فأطرب حتى من ثوى في ثرى القبر
وقد ذكر في القصيدة نجله الذي أناب عنه في السدانة فترة غيابه حيث يقول:
ونجلكم ذو المجد قد ناب عنكمُ *** كما ناب عن شمس الضحى ألق البدر
ونال نداه عن نوال يمينكم *** كما ناب ماء الورد عن ورده النَظرِ
تراه إذا الخدّام حفوا بقربه *** كبدر الدجى إذ حفَّ بالأنجم الزُهْر
وكلهم قد كان طوع يمينه *** وما زال فيهم نافذ النهي والأمرِ
فقد جاء في كتاب مدينة الحسين إنه « السيد حسين من أحفاد السيد موسى من سلالة السيد محمد يوسف بن معالي بن أبي محمد عبد اللّٰه الحائري من ذرية إبراهيم الأصغر بن الإمام موسى بن جعفر (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ولم يعرف تاريخ توليته السدانة بالضبط بل جل ما عرف عنه ما هو مثبت في القصيدة المؤرخة عام 1123ه- التي ألقاها العلامة السيد نصر اللّٰه الفائزي بمناسبة رجوع السيد المذكور من سفرته التي قام بها إلى الهند وكان خازنًا إلى ما بعد عام 1131ه- كما ذكر ذلك الرحالة عباس بن علي بن نور الدين المكي الموسوي الحسيني عند زيارته كربلاء في رمضان من السنة نفسها والذي قال عنه إنه سيد كريم جواد عالي الهمة حسن الإدارة. وقد أناب عنه مدة غيابه عن كربلاء في سفرته المذكورة السيد إبراهيم من أحفاد السيد موسى من أسرة سيد محمد يوسف ابن عم الخازن السابق وقد إنقطع نسله كما يلاحظ ذلك من القصيدة المنوه عنها» (1).
وجاء في كتاب تاريخ مرقد الحسين والعباس في موضوع سدنة الروضة الحسينية حيث قال: «وإلى القارئ قائمة بأسماء سدنة الروضة الحسينية بموجب الوثائق
1) مدينة الحسين: السلسلة الأولى، ص 76 وص 77 .
الرسمية التي إطلعنا عليها منذ القرن العاشر حتى يومنا هذا» ، ويذكر التسلسل رقم 7 وهو: « السيد حسين بن محمد قاسم بن إبراهيم الزعفراني - عيّن سادناً سنة 1125 ه- حتى عام 1139ه- »(1).
ولنا في المصدرين المذكورين أعلاه رأي وتوضيح لأهمية الموضوع تأريخياً... أولاً : ماجاء في كتاب مدينة الحسين لمحمد حسن الكليدار الكثير من الأمور المبهمة والمغلوطة ومنها: أنه لم يذكر اسم السيد حسين الكامل ولو اسم أبيه وجده لكان قد تم التحقق من نسبه على أقل تقدير فقد ذكر اسمه المفرد فقط، فهو يذكر أنه من أحفاد السيد موسى، (ولا ندري من هو السيد موسى) ومن سلالة السيد محمد يوسف بن معالي بن أبي محمد عبد اللّٰه الحائري.
فآل السيد محمد يوسف (آل السيد يوسف ومنهم اليوم في كربلاء آل الوهاب وآل جلوخان) هم أولاد السيد محمد يوسف بن أبي المعالي بن علي بن أبي محمد عبد اللّٰه الحائري (نقيب الطالبيين الذي إرتحل إلى كربلاء في نهاية القرن الخامس الهجري). ومن هنا يتبين خطأ مؤلف مدينة الحسين، فقد ذكر محمد يوسف بن معالي (والصحيح أبي المعالي) ، وإن معالي بن أبي محمد عبد اللّٰه الحائري، والصحيح هو حفيده وابن ولده علي لأن أبي محمد عبد اللّٰه لديه أربعة أولاد هم: أبي الحرث محمد، وعلي، والسيد النفيس، وأبو السعادات. وأبي المعالي هو ابن علي بن عبد اللّٰه الحائري.
كما ذكر بأنه لم يعرف تاريخ توليته السدانة بالضبط وجل ما عرف عنه ما هو مثبت في قصيدة السيد نصر اللّٰه المؤرخة عام 1123ه-.
وفي الحقيقة أنه لا يوجد تاريخ مثبت للقصيدة فمن أين جاء بهذا التاريخ ولو كان لها تاريخ لثُبّت في ديوانه الذي ذُكرت فيه القصيدة المتكونة من 49
1) تاريخ مرقد الحسين والعباس: لسلمان طعمة ص 210 .
بيت وليس من 30 بيت كما ورد في هامش الصفحة 77، وذلك يعني إن المؤلف لم يطّلع على القصيدة حتى ! وعند ذكره لزيارة عباس المدني فقد ذكر إنها في رمضان سنة 1131ه-، بينما هي كانت في شهر ربيع الأول.
وأن الذي أناب عنه في سفره هو السيد إبراهيم (لم يذكر اسم أبيه) ويقول ابن عم الخازن السابق، فهل هو ابن عم السيد حسين أو ابن عم السادن (الخازن) الذي سبق السيد حسين!... ومن القصيدة التي ذكرنا مقاطع منها يتبيّن أن الشخص الذي أناب عن الكليدار إثناء سفره هو نجله (ابنه) وليس أحداً غيره.
كما أنه يقول: «وقد إنقطع نسله كما يلاحظ ذلك في القصيدة المنوه عنها» ، وهذا غير صحيح لأننا أوردنا من القصيدة أبياتاً تخص ابنه (نجله) الذي أناب عنه إثناء سفره ، ولم يذكر في القصيدة كلها شيء عن إنقطاع نسله!!
على عكس ما يذكره مؤلف مدينة الحسين. كما أن مؤلف كتاب تاريخ مرقد الحسين والعباس يذكر أن ابنه (محمد منصور) كان سادنًا قبله، وإستلمها السيد حسين ومن بعده إستلم السدانة حفيده السيد علي بن محمد منصور بن حسين محمد قاسم بن إبراهيم. وهنا يحتار المرء لمن يصدّق !! (1).
ثانيًا : ما جاء في كتاب تاريخ مرقد الحسين والعباس لسلمان هادي طعمة اسم صريح للسادن وهو السيد حسين بن محمد قاسم بن إبراهيم الزعفراني، وحدد فترة من سدانته سنة 1125ه- إلى سنة 1139 ه-، ولم يذكر مؤلف الكتاب المصدر الذي إعتمد عليه أو (الوثيقة الرسمية) التي تؤيد أقواله، حيث ذكر في البداية أنه يعتمد على الوثائق الرسمية التي إطلع عليها من القرن العاشر (لم يذكر هل هو الهجري أو الميلادي) حتى يومنا هذا. فهل هكذا تورد الإبل!!، والقارئ
1) راجع المصدر السابق، ص 210.
يجب أن يعرف المصدر حتى يتيقن من صواب النقل. وهكذا جرى على أغلب أسماء السدنة الذين ذكرهم في كتابه.
كما أن مؤلف تاريخ مرقد الحسين والعباس ذكر السادن الذي تولى السدانة قبل السيد حسين هو ابنه السيد محمد منصور بن حسين بن محمد قاسم بن إبراهيم الزعفراني الرضوي الذي عُيّن سادنًا سنة 1106ه- حتى (عام) 1125ه-.
فهل يمكن أن يكون الابن سادناً في حياة أبيه، وأبوه يتوارث من بعده السدانة !! ، وإن كان ذلك قد حدث وهو من الأمور المستغربة ويعرفها جيدًا المؤلف (1)، فمن الواجب أن يذكر الأسباب، فهل أعفي الابن أو مات ومن أين جاء هذا النقل وماهو مصدره أو (الوثيقة الرسمية) التي إطّلع عليها !!
كما ذكر في نسب ابنه الذي كان سادنًا قبله بأنه (رضوي)، أي من سلالة الإمام علي الرضا ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) ، فلا ندري من نصدق !! المصدر الأول الذي يقول بأنه من سلالة إبراهيم الإصغر بن الإمام موسى الكاظم (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، أم المصدر الذي نحن بصدده.
ومن ذلك كلّه فقد أطلنا الحديث في هذا الجانب لأن موضوع سدانة الروضة الحسينية خاصة وكذلك سدانة الروضة العباسية هي من أهم مواضيع تأريخ كربلاء ومرقدي الحسين والعباس، وعليه ومن هذا المثال الذي ناقشناه كان لزاماً علينا أن نفرد للسدانة فصلاً مستقلاً في هذا الكتاب إن شاء اللّٰه، ليتبيّن الغث من السمين والصحيح من غيره حتى نجد الموضوعية في تدوين الأحداث و التواريخ.
1) الحالتان الوحيدتان التي حصلت في السدانة حيث الابن يتولى السدانة في حياة أبيه هي ما حصل عندما تنازل السيد عبد الحسين الكليدار إلى ولده الأرشد السيد عبد الصالح، وكذلك عندما تنازل السيد عبد الصالح إلى ثاني أولاده السيد عادل، وسنذكر أسباب التنازل لكلا الحالتين عند الحديث عن إستلام كل منهما السدانة حسب التسلسل الزمني للبحث.
ثالثًا: إننا نؤكد بأن سدانة الروضة الحسينية كانت بيد (السيد حسين) وهو من الموسوية الحسينية، لأن السادة الحسنيين في كربلاء لم يستلموا السدانة يوماً في المرقدين الشريفين، بالرغم من إستلامها من غير العلويين وخاصة من بني أسد.
ونثبت هنا بأن السيد حسين كان في سنة 1131ه- / 719 1719م سادناً للحسين من رحلة السيد عباس المكي، وأنه كان معاصراً للسيد نصر اللّٰه الحائري الفائزي الذي كان حيّاً في زمانه والذي نظم له القصيدة المشار إليها، ولكن لم يتأكد من مصدر موثوق به اسمه الكامل ونَسَبه، ولا السنة التي تولى فيها السدانة أو السنة التي إنتهت فيها توليته لها.
عندما توفي نقيب الحائر السيد عبد المطلب وهو في إسطنبول سنة 1125ه-، فقد تولى النقابة بعده ولده السيد محمد بن عبد المطلب بن علي بن محمد الدراج (1). وجاء في مشجر آل النقيب في كربلاء أنه كان نقيبًا بكربلاء في سنة 1135ه-، وكان معاصرًا للسيد نصر اللّٰه الحائري مدرس الطف الذي له قصيدة يمدح بها النقيب ومن أبياتها :
أيا نقيبَ العَصْرِ والبحْر الذي*** يقْذِفُ للراجين كفَّهُ دُرَرْ
ويامَن الدهر لديه خاضِعٌ*** يطيعه فيما نَهَى وَمَا أَمَرْ
ومنها يهنئه بزواج ولده الحسين:
تَهَنَّ في عُرس (الحُسَيْن) الذي*** يَجْلي بِنُورِ وَجْهِهِ قَذَى النظر (2)
إستمر في النقابة لحين وفاته سنة 1148 ه- كما جاء في الأسر الحاكمة ص 361.
في حادثة غريبة من نوعها جرت في حرم الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) وهي سقوط القناديل (الثريات والمعلقات) التي تستخدم للإنارة، وكان ذلك سنة 1128ه-/ (1716م)، ويُحتمل أن يكون السبب هو كثرتها وعدم تحمّل (المحامل) التي تعلق بها، وكان لسقوطها صوت مدّوي ففزع الزائرون وهربوا من الحرم إلى الصحن الشريف وهم في حالة هلع.
وصف الحادثة وأرّخها شعرًا الشاعر الأديب محمد بن حسين بن محمد الأعرجي الحائري المتوفى سنة 1180ه- والملقّب (محمد بن أمير الحاج) وكان من تلاميذ السيد نصر اللّٰه الحائري حيث قال:
إن القناديلَ على غفْلةٍ*** تساقطتْ والصَوت منها إرْتَفَع
في حضرة السبط الحسين الذي*** لكلِّ وصفٍ حَسنٍ قد جَمَعْ
كأنها خرّت لها سُجدًا*** لّما رأت نورَ هداهُ سطَع
أو أنها إشتاقَتْ للثم البرى(1)ففيه كلّ وجهه قد وضعْ
أو أنها من عُسر جيرانه*** تواقعت حتى بها ينتقَعْ
أو أنه قد هدَّ منها القوى*** رُزءُ الذي منه الوتين (2)إنقطع
فانْهزم الزوّار من وَقْعَةٍ*** منها الصدى أوْقَعهم بالفَزَع
فطار قلب الناس بالطف من*** تاريخها (الخير فيما وقعْ)
شهدت كربلاء في زمن حاكمها الباغي حسين آغا الكثير من الشقاء بسبب سيرة هذا الحاكم الظالم الذي كان شديدًا في تعامله من السكان، وكان أفراد حاشيته يصولون ويجولون في المدينة ونواحيها. وتقدم العلماء وأعيان المدينة بطلبات إلى الوالي عدة مرات لنقله من كربلاء، واخيراً إستجاب الوالي حسن باشا لطلباتهم بعد أن تأكد له صحة الادعاءات.
ومما لا يُخفى بأن حسن باشا كان قد التزم الحاكم ويعلم بما يقوم به، ولكنه كان على نحو من ذلك قابلاً لإبعاد تأثير العشائر الثائرة في الفرات على المدينة، وعندما إستتب الأمر وتمكن الباشا من القضاء على ثورات العشائر بادر بتغییر حاکم کربلاء، وحتى الإصلاحات التي قام بها الوالي كانت في فترة حاكمها الجديد الذي عيّنه الوالي و هو (أحمد السيّاف).
سار هذا الحاكم سيرة حسنة وتقبّله الأهالي بقبول حسن، وقد مدحه الأهالي لتقرّبه منهم والإحسان إليهم. وكان تعيينه في سنة 1129ه-/ 1717م.
وقد أرّخ تاريخ توليته حاكمية كربلاء العلامة السيد نصر اللّٰه الحائري ومدحه شعرًا بالبيتين التاليين الواردين في ديوانه:
أحمد السياف مُذْ وُلّيَ ***في کربلاء أضحى به الظلم مُمَزّق
فأتى تاريخه (ربح به ***أحمد السيّاف جُندْ الجور فرّق) (1)
هو العالم الكامل أبو الفتح عز الدين نصر اللّٰه بن الحسين بن علي بن يونس بن جميل بن علم الدين بن طعمة الثاني بن شرف الدين (نقيب الأشراف) بن طعمة الأول كمال الدين (نقيب الأشراف) بن أبو جعفر أحمد (أبوطراس) بن يحيى ضياء
1) ديوان السيد نصر اللّٰه الحائري، ص158.
الدين بن أبي جعفر محمد (سادن الحسين) بن السيد أحمد شمس الدين (ناظر رأس العين) الذي يلقبه العامة (أحمد بن هاشم) بن السيد أبي الفائز محمد الذي سميت قبيلة آل فائز في كربلاء باسمه. ويمتد نسبه إلى السيد إبراهيم المجاب بن السيد الزاهد محمد العابد بن الإمام موسى الكاظم ( عَلَيْهِ السَّلَامُ).
ولد في كربلاء سنة 1101ه- ، وأستشهد في القسطنطينية (إسطنبول) بوشاية إلى السلطان العثماني محمود الثاني الذي أمر بقتله ودفن هناك سنة 1168ه- / 1755م. كان السيد نصر اللّٰه الحائري يُعد من أكابر العلماء في عصره، ويتمتع بشخصية علمية فذة إعترف بها من ذكره من المؤرخين. وكان شاعرًا أديباً ، إشتهر بالتدريس في الروضة الحسينية وعلى ذلك لقّب ب- (مدرّس الطف).
جاءت ترجمته في بداية ديوانه المطبوع سنة 1373ه- / 1954م، نقتطف منه ما يلي: قال عنه السيد عبد اللّٰه التستري الجزائري ما نصّه:
« السيد الجليل النبيل المحقق المحدث نصر اللّٰه بن الحسين الموسوي الحائري المدرس بالروضة الحسينية قدس سرّه كان آية في الفهم والذكاء وحسن التقرير وفصاحة التعبير، شاعرًا أديبًا له ديوان حسن وله اليد الطولى في التاريخ والمقطعات وكان مقبولاً عند المخالف والموالف » إلى أن يقول «وكان يدرّس بالاستبصار ويجتمع في مدرسه جم غفير وجمع كثير من الطلبة إعجابًا منهم لحسن منطقه» (1).
أطنب وأكثر المرحوم العلامة (صاحب الذريعة) الشيخ اغا بزرك الطهراني في مدحه وإتيان مبلغ علمه ومكانته في كتابه (الكواكب المنتثرة) (2).
1) كان تدريسه الاستبصار في (قم) عندما سافر إليها سنة 1142ه-/ 1729م ، وإتصل به العلماء هناك فقضى برهة من الزمن تذكره ألسن العارفين بالمدح والثناء لما رأوا من سعة تبحرّه في العلوم.
2) طبقات أعلام الشيعة (كتاب الكواكب المنتثرة في القرن الثاني بعد العشرة)/ للعلامة الشيخ آغا بزرك الطهراني، ج 9 ص 775 - ص778. دار إحياء التراث العربي، ط 1 1430ه- / 2009م.
ونقل المرحوم السيد حسن الصدر في كتابه (تكملة أمل الآمل) عن عصام الدين العمري الموصلي في (الروض النضر) ما نصّه : العلامة السيد نصر اللّٰه الحائري:
وحيدٌ أريب في الفضائل واحد*** غدا مثل بسم الله فهو مقدّمُ
إذا كان نور الشمس لازم جرمها*** فطلعته الزهراء نورٌ مجسّمُ
واسطة عقد بيت السيادة وإكليل هام النجابة والسعادة تجسم من شرف باهر، وكرم سعی إليه الظلف والحافر. فهو من بيت يُحيي شذاهم الميّت، وهو غصن من نبعة مَكارم قد تعفّرت بتراب أعتابها وجوه الأعاظم بيت النبوّة والرسالة، ومهبط الوحي والبسالة، الذي تشرّفت بدعائمه الأرض، وكان حبّه على الخليقة من أنواع الفرض، حيث ينفع حبّه لدى اللّٰه يوم العَرض، وهذا السيد ريحانة من تلك الحديقة، وزهرة من تلك الروضة النيقة، وقد جمع لأشتات الكمال، وملك لأصناف الَمعال، فهو مُزن الفضل الهاطل وعِقد جِيد الدب العاطل، ونرجس مروج الفصاحة، ووردة روضة المكارم والسماحة، وسُحب الأدب الزاخر، وبحر الأدب الذي ما له آخر، ... إلخ(1).
كان يعرف الرجل بالعلم والفضيلة إذ سجل له التاريخ ناحيتين، كون اساتذته من البارعين في فنون المعارف والفضيلة. والثانية إذا إتسع نطاق بحثه بين الناس فعرف مدى قدرته العلمية بفيوضاته وإشعاع ذهنه الوقّاد بحيث يستضيء به أفق الفضيلة والأدب.
وعلى هذا المقياس فقد حاز السيد رحمه اللّٰه على هاتين الناحيتين بغير منازع، فلأساتذته الكرام منزلة خاصة من حيث الرقي والجدارة يطلع عليها كل من تصدى لاستعراض حياته المتوشحة بكل ما يحلي الإنسانية من صفات جمّة ومؤهلات فاضلة.
1) تكملة أمل الآمل: للإمام السيد حسن الصدر ، ج 6 ص 149 . تحقيق الدكتور حسين علي محفوظ وعبد الكريم الدباغ. وعدنان الدباغ دار المؤرخ العربي، بيروت، ط 14291ه-/ 2008م.
ولولا استعراض مشايخه لحياته وثقتهم بما يحمله من أسرار الشريعة لما منحوه الإجازة في الرواية والإجتهاد، وكان اساتذته من مشاهير الأعلام وأعاظم الرجال ومنهم: المولى محمد حسن بن أبي أحمد البغمجي المتوفى سنة 1125ه-. والشيخ أحمد بن إسماعيل الجزائري المتوفى سنة 1126ه-. وأبو الحسن الشريف العاملي المتوفى سنة 1127ه- . والشيخ محمد باقر بن العلامة المولى محمد حسين النيسابوري المكي المتوفى سنة 1130ه-.
والشريف بن محمد مهدي الخوانونآبادي المتوفى سنة 1140ه-. ومحمد صالح الهروي المتوفى سنة 1144ه- . والشيخ عبد اللّٰه بن علي بن أحمد البلادي المتوفى سنة 1145ه-. والمير محمد حسن بن مير محمد صالح الخوانونآبادي المتوفى سنة 1145ه- . والشيخ ياسين بن صلاح الدين المتوفى سنة 1145ه-. والسيد رضي الدين بن محمد بن علي بن حيدر العاملي المكي المتوفى سنة 1155ه-. والسيد عبد اللّٰه بن نور الدين السيد نعمة اللّٰه الجزائري. والشيخ علي بن جعفر بن علي البحراني. هؤلاء أساتذته من العلماء الأعلام الذين أكدوا علميته واجازوه. وذكر المحقق السيد حسن الصدر في كتابه (تكملة أمل الآمل ) العلماء الذين روى عنهم فهم مجموعة كبيرة أيضاً، منهم المجلسي الأول المولى محمد تقي بواسطة الشيخ أحمد الجزائري عن المولى محمد نصير، ويروي عن السيد علي خان شارح الصحيفة السجادية الكاملة بواسطة الشيخ محمد باقر المكي، ويروي عن الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي صاحب الرسائل بواسطة المولى محمد حسين الطبرسي البغمجي، ويروي عن المجلسي الثاني محمد باقر بن محمد تقي بواسطة السيد محمد صالح الخوانون آبادي، وأبو الحسن الشريف العاملي الغروي.
ثم يقول السيد حسن الصدر في تكملة أمل الآمل ما يلي: «أمّا من يروي عنه فجماعة كثيرة أكثر مما يحصوا يعرفهم الواقف على الإجازات منهم أبو رضا أحمد بن
الحسن الشهير بالشيخ أحمد النحوي، والسيد مير حسين بن مير رشيد النقوي الحائري (الذي جمع ديوانه فيما بعد وكان أحد تلامذة السيد نصر اللّٰه الحائري).
أما الشيخ أغا بزرك الطهراني فقد ذكر في الكواكب المنتثرة ممن روى عنه منهم الشيخ علي بن الحسين البحراني كما في إجازته للشيخ شرف الدين بن محمد المكي. والسيد شبر بن محمد بن ثنوان.
وجاء في شهداء الفضيلة بأن من كان يروي عنه هو السيد عبد اللّٰه بن نور الدین بن السيد نعمة اللّٰه الجزائري الذي إجتمع بالسيد نصر اللّٰه الحائري في قم سنة 1142ه-.
وجاء في مقدمة ديوانه أيضاً ما نصّه: «ثم نقلب الصفحة الثانية – حسب ما ذكرنا من المقياس - لنطلع جليًا على مدى نبوغه العلمي من غضون التاريخ، الذي سجل له صفحة خالدة مدى الدهر. فله من التلاميذ طائفة كبيرة حافلة بالمجد والعبقرية منهم السيد محمد بن أمير الحاج شارح قصيدة أبي فراس والشيخ علي بن أحمد العادلي العاملي، والشيخ أحمد بن الشيخ حسن النحوي، والسيد حسين بن مير رشيد الرضوي (جامع ديوانه).
و من تصانيف العلامة السيد نصر اللّٰه الحائري ما يلي:
1 - كتاب الروضات الزاهرة في المعجزات بعد الوفاة.
2 - كتاب سلاسل الذهب المربوطة بقناديل العصمة الشامخة الرتب.
3- رسالة في تحريم التتن.
وغيرها من المؤلفات العديدة والرسائل.
كان السيد نصر اللّٰه الحائري قد حاز فضيلة العلم، وفي نفس الوقت حاز على فضيلة الأدب، فكانت مكانته الأدبية هذه لم تؤثر على مكانته العلمية كما أشار إليها المرحوم العلامة محمد الحسين كاشف الغطاء.
فإرتفع شأنه الأدبي بين أقرانه كما أشادت بذلك كتب الأدب والتراجم، وقد سار على نهج صفي الدين الحلي رحمه اللّٰه . فنجد في فنونه الأدبية من البديع والجناس والتورية والإقتباس إلى غير ذلك من انواع البديع.
و من آثاره الخالده تخميسه لقصيدة الفرزدق في مدح الإمام زين العابدين ( عَلَيْهِ السَّلامُ) وهي:
هذا الذي ضمن القرآن مدحته*** هذا الذي ترهب الآساد صولته
هذا الذي تحسد الأمطار راحته*** هذا الذي تعرف البطحاء وطأته
والبيت يعرفه*** والحِل والحرمُ
هذا ابن من زيّنوا الدنيا بفخرهم*** وأوضحوا ديننا في صبح علمهم
وأخصبوا عيشنا في قطر جودهم*** هذا ابن خير عباد اللّٰه كلهم
هذا التقي النقي الطاهر العلم
هذا الذي لم يخب في الدهر قاصده*** هذا الذي لم يكذب قط حامده
هذا الذي ما ونى في الحرب ساعده ***هذا الذي أحمد المختار والده
وابن الوصّي الذي في سيفه النقم
هذا الذي ليس يحكي البحرُ نائله*** هذا الذي كرم الباري فضائله
وشابه الزهر الزاهي شمائله*** هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله
بجده أنبياء اللّٰه قد ختموا
هذا الذي حلّ منه العدى كمدٌ*** هذا الذي للموالي دائماً عضدُ
هذا الذي حوى إقدامه أسد*** هذا ابن حيدرة الكرار لا أحد
إلاّ بهذا عليه الفضل والكرم
هذا الذي إن يصل فاللّٰه عاضده*** هذا الذي إن يقل فالذكر شاهده
هذا الذي جحد الرحمن جاحده*** هذا علي أمين اللّٰه والده
أمست بنور هداه تهتدي الأمم
هذا الذي نشرت دراً يراعته*** وحيّرت كل ذي عقل براعته
ومن قلاه فلم تربح بضاعته*** هذا الإمام الذي ترجى شفاعته
یوم المعاد إذا ما النار تضطرم
هذا الذي ذاب منه قلب حسده*** هذا الذي فاض بحر الجود من يده
هذا الذي قط لم يكذب بموعده*** ما قال لا قطٌّ إلاّ في تشهده
لولا التشهد كانت لاءه (نعم)
هذا الذي منه سيف الحق قد شحذا*** هذا الذي من رجاه لم يصب أذى
ومن يعاديه في النيران قد نبذا*** من يعرف اللّٰه يعرف أولية ذا
فالدين من بيت هذا ناله الأمم
كالبدر يزهر والظلما قد إعتكرت*** كالغصن يهتز إذ ريح الثنا خطرت
كالطود يثبت والأرماح قد شجرت*** ينمى إلى ذروة العز التي قصرت
عن نيلها عرب الإسلام والعجم
هذا ابن من قط لم تحجب فضائلها*** من ذا يفاخرها من ذا يساجلها
هذا ابن من عمّ كل الناس نائلها*** إذا رأته قريش قال قائلها
إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
هذا الذي فاقت الأقمار طلعته*** هذا الذي ألسن التنزيل تنعته
من ليس ترقا لخوف اللّٰه دمعته*** مشتقة من رسول اللّٰه نبعته
طابت عناصره والخيم والشيم
هذا الذي فاق (قسّاً) في فصاحته*** وفاق (حاتم طيٌّ) في سماحته
فهل درى البيت من يمشي بساحته*** یکاد یمسکه عرفان راحته
ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
تاهت عقول الورى في حسن سيرته*** حارت عيونهم في حسن صورته
إذا أتى نحوه العافي بحاجته*** يغضي حياءً ويغضى من مهابته
فلا يكلم إلاّ حين يبتسم
في قوله قول كل الناس متفق*** وفي محّياه بدر الحسن مُتسق
وفي شذاه أريج المسك منتشق*** في كفه خيزران ريحه عبق
من كف أروع في عرنينه شمم
برغم مبغضه الرحمن كمّله*** وبالبهاء وبالأنوار جمّله
وللعلوم اللديات حمله*** من جده دان فضل الأنبياء له
وفضل أمّته دانت له الأمم
هذا الذي قدره فوق السماك سما*** هذا الذي لم يزل بالمجد متّسما
يمينه لم تزل تهمي لنا كرما ***كلتا يديه غياث عمّ نفعهما
يستوكفان فلا يعروهما عدم
مفخم كل من في الأرض شاكره*** مکرم خالق الأكوان ناصره
مهذب ماله مثل يناظره ***سهل الخليقة لا تخشى بوادره
يزينه الخصلتان الخلق والكرم
من معشر عن عظيم الجرم قد صفحوا*** حساده قط ما فازوا ولا ربحوا
أتباعه في بحار الجود قد سبحوا*** حمال أثقال أقوام إذا فدحوا
حلو الشمائل تحلو عنده نعم
قلوب اهل الورى طرًا أسيرته*** وكيف لا وهو قد طابت سريرته
وشابهت سيرة المختار سيرته*** لا يخلف الوعد مأمون نقيبته
رحب الفناء أريب حين يعتزم
له الفضائل في الدارين قد جمعت*** و من محيّاه شمس الدین قد طلعت
وراية الجود في كفّيه قد رفعت*** عمّ البرية بالإحسان فإنقشعت
عنها القتارة والإملاق والعدم
في حسن باطنه مع حسن ظاهره*** قد فاق فهو فريد في مفاخره
ففضله ليس ذو علم بحاصره*** فليس قولك من هذا بضائره
العرب تعرف من أنكرت والعجم
مبجل من أناس عز جارهم*** قوم سمت فوق هام النجم دارهم
وشاع في ساير الآفاق مدحهم*** من معشر حبهم دين وبغضهم
كفرٌ وقربهم منجيً ومعتصم
السيف والرمح والأقلام تخدمه*** واللّٰه من كيد من عاداه يعصمه
قدسر قلب (الصفا) و(الحجر) مقدمه*** لو يعلم (البيت) من قد جاء يلثمه
لظل يلثم منه ما وطى القدم
من معشر أوضح الباري محجتهم*** وأحكم اللّٰه في القرآن حجتهم
ولم يزل قارناً بالصدق لهجتهم*** إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم
أو قيل من خير كل الخلق قيل هم
المؤمنون جميعاً تحت رايتهم*** قد أبصر وا بصباح من هدايتهم
وقد رعوا في رياض من رعايتهم*** لا يستطيع جواد بعد غايتهم
ولا يدانيهم قوم وإن كرموا
أفعالهم بالتقى والرشد قد وسمت*** همّاتهم قد علت فوق السها وسمت
بين الندى والوغى أيامهم قسمت*** هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت
والأسد أسد الشرى والبأس محتدم
لا يثمر الرشد إلاّ غصن هديهم*** لا يطلع السعد إلاّ افق مدحهم
لا يذبح الفقر إلاّ سيف بذلهم*** لا ينقص العسر بسطاً من أكفهم
سيّان ذلك أن أثروا وإن عدموا
قد طرزوا حلل العليا بفخرهم*** وإنقاد كل أخي علم لعزهم
قوم إذا طرقت أبوابنا النقم*** يستدفع السوء والبلوى بحبهم
ویستزاد به الإحسان والنعم
لم تحوِ شمس الضحى يوماً صباحتهم*** كلا ولا حاز ذو حلم رجاحتهم
ولاحوى الغيث هطالاً سماحتهم*** يأبى لهم أن يحل الذم ساحتهم
خیم کریم وأيد بالندى هُضم
علومهم حيرتنا في عجائبها*** أكفهم غمرتنا في سحائبها
أنوارهم بهرتنا في ثواقبها*** بيوتهم من قريش يستضاء بها
في النائبات وعند الحكم إذ حكموا
أيام أتباعهم خفض بلا نكد*** وكف أعدائهم كف بلا عضد
وشمس علياهم لم تخف عن أحد*** (بدر) لهم شاهد و (الشعب) من (أحد)
و (الخندقان) ويوم (الفتح) إذ صمدوا
يوم (البصيرة) كم أرضى مناصلهم*** ويوم (صفين) كم أروى ذوابلهم
ووقعة (النهر) كم أصفت مناهلهم*** و ( خيبر) و (حنين) يشهدان لهم
وفي (قريضة) يوم صيلم قتم
يجري بأمر إله الخلق أمرهم*** مسلم عند كل الناس فخرهم
علا على سائر الأقدار قدرهم*** مقدم بعد ذكر اللّٰه ذكرهم
في كل بدء ومختوم به الكلم
يارب فإغفر لمنشيها الذي سبقا*** وللذي جاء بالتخميس متسقا
ومن قراها وغالي طيبها نشقا*** والسامعين وسلم ما السحاب سقى
على النبي كذا لآل الألى كرموا
وبقية آثاره الشعرية جاءت في ديوان جمعه تلميذه السيد میر حسین بن میر رشید النقوي، وقد نشره وعلق عليه (عباس الكرماني) وطبع على نقة المرحوم السيد حسن السيد حمود آل نصر اللّٰه سنة 1373 ه- / 1954م.
كان للعلامة السيد نصر اللّٰه الفائزي موقف متميز في (مؤتمر النجف) الذي عقد سنة 1156ه- / 1743م للتقريب بين المذاهب، والذي عقد برعاية (نادر شاه الأفشاري).
أمّا فيما يتعلق في نسب العلامة السيد نصر اللّٰه الحائري الفائزي، فقد نسبه البعض إلى السادة آل مساعد الفائزيين، بينما الحقيقة والمذكور في الوثائق والمشجرات القديمة للسادة آل نصر اللّٰه بأنه حفيد السيد يونس بن جميل بن علم الدين. كما توهّم البعض حيث ذكر بأنه الجد الأعلى للسادة آل نصر اللّٰه، وهذا غير صحيح لأن العلامة السيد نصر اللّٰه هو (دارج) ولم يعقب. والجد الأعلى للسادة آل نصر اللّٰه هو : السيد نصر اللّٰه بن ناصر الدين بن يونس بن جميل بن علم الدين، الذي كان حيّاً سنة 1093ه- / 1682م.
أمّا العلامة السيد نصر اللّٰه الحائري هو : نصر اللّٰه بن حسين بن علي بن يونس بن جميل بن علم الدين. كما في أقدم المشجرات والوثائق النسبية لآل نصر اللّٰه الفائزيين.
ويؤكد هذا النسب المرحوم الحجة العلامة اغا بزرك الطهراني في كتابه (الكواكب المنتثرة) حيث يقول: « السيد أبو الفتح عزالدين نصر اللّٰه بن الحسين بن يونس
الموسوي الفائزي الحائري المدرس الشهيد قبل سنة 1168ه- وله تقريض الكرارية لناظمها الشيخ شريف بن فلاح الكاظمي سنة 1166ه- » (1).
وقد ذكر السيد جواد شبّر في كتابه (أدب الطف أو شعراء الحسين) في هامش الصفحة 251 من الجزء الخامس ما نصّه عن نسب السيد نصر اللّٰه الحائري:
« أقول وسلسلة نسبه هكذا: نصر اللّٰه بن الحسين بن علي بن يونس بن جميل بن علم الدين بن طعمة (الثاني) بن شرف الدين بن نعمة اللّٰه (وهو طعمة الأول كمال الدين الذي يلقبه البعض بنعمة اللّٰه) بن أبي جعفر أحمد بن ضياء الدين يحيى بن أبي جعفر محمد بن شرف الدين (الصحيح شمس الدين) أحمد المدفون في عين التمر – شفاثا – بن أبي الفائز محمد بن أبي الحسن علي بن أبي جعفر محمد خير العمال بن أبي فويرة علي المجذور بن أبي عاتقة أبي الطيّب أحمد بن محمد الحائري بن إبراهيم المجاب بن محمد العابد بن الإمام موسى الكاظم ( عَلَيْهِ السَّلامُ ) » (2).
وقد ذكره المرحوم الشيخ محمد السماوي في مجالي اللطف في فصل أسر العلم وذكر بيوتهم، ونسبه إلى آل نصر اللّٰه حيث قال:
وآلِ نَصْرِ اللّٰه ذي الشهادَة*** مُدَرّس الحَائِر بالإفَادَة (3)
والأهم مما ورد حول نسبه الذي لا يقبل الشك بتاتاً هو ورود اسم السيد نصر اللّٰه بن حسين بن علي بن يونس كأحد الورثة في وثيقة وقفية بساتين (يونس) العائدة لآل نصر اللّٰه والمشهورة باسم (مال يونس)، وهذه الوثيقة المحررة من قِبل جدنا المرحوم
1) طبقات أعلام الشيعة الكواكب المنتثرة في القرن الثاني بعد العشرة : أغا بزرك الإصفهاني، ج 9 ص 775.
2) أدب الطف أو شعراء الحسين: السيد جواد شبّر ، ج 5 ص 251 ، منشورات دار الأعلمي للمطبوعات، الطبعة الأولى سنة 1969م. وضعنا بعض التوضيحات بين قوسين لم تكن في الهامش، وقد أخطأ المرحوم السيد جواد شبّر في بقية عمود نسبه من بعد أبي الفائز محمد فقد حذف بعض الأسماء من سلسلة النسب.
3) مجالي اللطف بأرض الطف : الشيخ محمد بن طاهر السماوي، ص 566 ، من منشورات الروضة العباسية المقدسة - 1432ه- / 2011م.
السيد جواد بن كاظم بن نصر اللّٰه الكليدار (سادن الروضة الحسينية) ومؤرخة في سنة 1219ه- / (1804م)، والتي كانت بحوزة المرحوم السيد إبراهيم شمس الدين بن العلامة السيد حسين القزويني، ولدينا صورة عنها.
أمّا تاريخ استشهاده فقد أختلف عليه، ففي تكملة أمل الامل للسيد حسن الصدر ذكر بأن استشهاده كان في السنة (وهي 1156ه-) التي أرسله نادر شاه إلى السلطان العثماني، (1)، أما في روضات الجنات للخونساري حيث ذكر بأنه أستشهد فيما بين الخمسين والستين من بعد الألف والمائة (2). بينما جاء في (شهداء الفضيلة) للعلامة الأميني ما نصّه : « أن السيد نصر اللّٰه أرسله (نادر شاه) إلى السلطان محمود سنة 1154 ه- فقتل » (3).
ولا نعتقد بصحة التاريخ الذي أورده مؤلف شهداء الفضيلة، لأن مؤتمر النجف عُقد سنة 1156ه-، وبعد فترة من المؤتمر ذهب السيد نصر اللّٰه بهدايا نادر شاه إلى مكة، وبعدها بسنوات وهو في طريقه إلى إسطنبول تمت الوشاية به في دمشق حيث سجن في قلعتها وأرسل مكبلاً إلى إسطنبول وفيها تم إعدامه بأمر السلطان محمود العثماني لأسباب مذهبية.
ونؤكد بأن تاريخ استشهاد العلامة السيد نصر اللّٰه الحائري الفائزي هو سنة 1168 ه-/ 1755م، وقد أرّخ الشيخ محمد السماوي تاريخ استشهاده في إرجوزته الشهيرة في مجالي اللطف(4)حيث قال:
فكالشهيد ذي العلى والجاهِ*** مدرس الحائر نصرُ اللّٰه
نجل الحسين الفائزي المنتمى*** فكم وكمْ من المراثي نظما
جاهد في نقص الثلاث مفردا*** فأرِخوا (إستشهد ناصر الهدى)
وللسيد نصر اللّٰه الفائزي قبر معروف في إسطنبول الآن يزار، وعليه قبة من الكاشاني، وبين الحكومتين التركية والعراقية إتفاقية متبادلة حول قبر الشاعر فضولي في كربلاء بحيث تهتم الحكومة العراقية به، على أن تقوم الحكومة التركية بالمحافظة والإهتمام بقبر السيد نصر اللّٰه في إسطنبول، وقد ذكرنا ذلك عند الحديث عن الشاعر فضولي الكربلائي.
زار مدينة كربلاء ومرقد الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) سنة 1131ه-/ (1719م) العالم والأديب والشاعر الرحّالة عباس بن علي بن نور الدين حيدر المكي الموسوي الحسيني، المولود في مكة والمتوفى سنة 1180ه- / 1766م.
كان عالماً فاضلاً وشاعرًا فصيحاً، وله عدة مؤلفات منها (الأزهار الناظرة في أخبار الأولين والآخرين)، وكذلك (نزهة الجليس ومنية الأديب النفيس)، الذي ذكر فيه رحلته إلى كربلاء.
كان السيد عباس المكي قد إلتقى في مكة إثناء موسم الحج لسنة 1130 ه- / 1718م بالسيد نصر اللّٰه الفائزي الحائري (مدرّس الطف) الذي كان بصحبة والده السيد حسين بن علي بن يونس بن جميل بن علم الدين، وقد تأثّر السيد عباس المكي بالسيد نصر اللّٰه وأخذ منه الرواية وإعتبره أستاذه، وذكر في كتابه نزهة الجليس لقاءه بمدرس الطف حيث قال:
«ظفرت بجهينة الأخبار، ونادرة الفلك الدوّار من هو من غير الفضائل والمكارم برى، مولانا أبي الفتح السيد نصر اللّٰه بن حسين الحسيني الحائري، فأنشدني لسان الحال على سبيل الاستعجال :
ظفرت بالكنز فاحمل من نفائسه*** وقد وقفت ببحر الفضل فإغترفِ
فساقني بكأس من معين بيضاء لذة للشاربين وناولني راية الأدب فتناولها عرابة فكر باليمين:
ومن كان الهزار له دليلا*** يمرُّ به علی ورد نضيدِ
فإشتغلت بالطلب لديه أسدل اللّٰه ستره الضافي عليه، ففتح الفتاح ومنح، وجاد لي الوقت ببغيتي ونلت الأدب بعون رب الملأ وإن كان قد إنقضى زمانه فلا ولا، وكان إجتماعي به بمكة المشرفة أعفى اللّٰه قدره السامي وشرفه عام ألف ومائة وثلاثين من هجرة خاتم النبيين».
ففي السادس من ربيع الأول سنة 1131ه- / الموافق لسنة 1719م وصل المكي مدينة كربلاء ومكث فيها شهرين وغادرها إلى بغداد ثم إلى إصفهان.
و من كلامه نستشف بأن السيد نصر اللّٰه الفائزي قد أثّر في العلامة السيد عباس المكي، وقد يكون هو الذي فتح له الرغبة في زيارة العراق وخاصة كربلاء التي هي موطن السيد نصر اللّٰه الفائزي، بدليل إنه عندما قدم إلى العراق كان قدومه مع قافلة الحجاج العراقيين وفيها السيد نصر اللّٰه والتي كانت بقيادة أمير الحاج يومذاك (يوسف باشا) حاكم الحلة حيث غادر مكة عصر يوم الثامن عشر من ذي الحجة عام 1130ه- وهو (يوم الغدير).
جاء في كتابه (نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس) ما يلي عن زيارته لكربلاء:
وفي سادس الشهر، دخلنا أرض الحائر، مشهد الحسين الطاهر سلام اللّٰه عليه، وعلى أخيه، وعلى جده وأبيه، وأمه سائر مواليه ومحبيه:
للّٰه أیام مضت بكربلاء*** محروسة من كل كرب وبلا
بمشهد الطهر الحسين ذي العلا*** ونسل خير الخلق من كل البلا
فحفّني بجوده تفضلا*** ونلت ما كنت له مؤملا
من زاره بالصدق فيه والولا*** يعود مجبورًا بلا شك ولا
ويستمر في تدوين زيارته حيث يقول: فتشرفت والحمد للّٰه بالزيارة، ولاح لي من جنابه الشريف إشارة، فإنّي قصدته لحال، وما كل يعلم يقال. وقرت عيني بزيارة الشهيد علي الأصغر ابن مولانا الحسين الشهيد الأكبر، وزيارة سيدي الشهيد العباس بن علي بن أبي طالب رضوان اللّٰه تعالى عنهم أجمعين. وأمّا ضريح سيدي الحسين، فيه جملة قناديل من الورق (1)المرصع والعين (2)، ما يبهت العين. ومن أنواع الجواهر الثمينة، ما يساوي خراج مدينة. وأغلب ذلك من ملوك العجم.
وعلى رأسه الشريف قنديل من الذهب الأحمر ، يبلغ وزنه منّين(3)بل أكثر. وقد عليه قبة رفيعة السماك، متصلة بالأفلاك. وبناؤها عجيب، صنعة حكيم لبيب. وقد أقمت شهرين، بمشهد مولاي الحسين، بلدة من كل المكاره جُنّة كأنها من رياض الجنة. نخيلها باسقات، وماؤها عذب زلال من شط الفرات. وأقمارها مبدرة، وأنوارها مسفرة، ووجوه قطانها ضاحكة مستبشرة.
وقصورها كغرف من الجنان مصنوعة، فيها سُرر مرفوعة، وأكواب موضوعة، وفواكهها مختلفة الألوان. وأطيارها تسبّح الرحمن على الأغصان. وبساتينها مشرقة بأنوار الورود والزهور، وعرف ترابها كالمسك ولونه كالكافور (4)وأهلها كرام أماثل، ليس لهم في عصرهم مماثل، لم تلق فيهم إلاّ غير عزيز جليل، ورئيس صاحب خلْق زخُلُق جميل، وعالم فاضل، وماجد عادل. يحبون الغريب، ويصلونه من برهم وبُرّهم بأوفر نصيب.
ولا تلتفت إلى قول ابن إياس في نشق الأزهار (1)، بأنهم من البخلاء الأشرار، فلله خرق العادة، فإنهم فوق ما أصف وزيادة:
هينون لينون أيسار ذوو كرم*** سواس مكرمة أبناء أيسار
إن يسألوا الحق يعطوه وإن خبروا*** في الجهد أدرك منهم طيب أخبار
لا ينطقون عن الفحشاء إن نطقوا ***ولا يمارون أن ماروا بإكثار
فيهم ومنهم يعد المجد متلدا*** ولا يعد ثنا خزي ولا عار
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم*** مثل النجوم التي يسري بها الساري
ويذكر بأنه إلتقى بسادن الحسين السيد حسين الكليدار وأخيه السيد مرتضى وبالعلامة أبو الحسن الذي جمعه بأحد أمراء سلطان العجم الذي كان يزور كربلاء والذي دعاه لزيارة إصفهان لملاقاة الشاه حسين الصفوي.
وقد غادر كربلاء مع الأمير الإيراني في اليوم الرابع من شهر جمادي الأول سنة 1131 ه- متوجهين إلى بغداد ومنها إلى إصفهان (2).
1) ابن إياس : هو محمد بن أحمد بن إياس صاحب كتاب (نشق الأزهار في عجائب الأمصار) الذي ألفه سنة 922ه- / 1516م ، وكان رحّالة وقد زار كربلاء وكتب مالا يليق بها وبأهلها، وقد ذكرنا ذلك في أيام الحكم الصفوي للعراق.
2) نزهة الجليس ومنية الأديب النفيس، للسيد عباس الموسوي الحسيني المكي، طبعة مصر سنة 12933ه- / 1876م ، الجزء الأول في الصفحات من 84 إلى 88 وفي الصفحة 112. وراجع كتابنا كربلاء في أدب الرحلات ص 89 - 93 ففيه تفصيل رحلة عباس المكي إلى كربلاء.
الشيخ مصطفى الصدّيقي الخلوتي الدمشقى (1)في كربلاء
في سنة 1139ه- / 1727م زار كربلاء أحد كبار مشايخ الصوفية، وهو العالم الشيخ مصطفى كمال الدين البكري الصدّيقي الدمشقي الخلوتي. المولود في دمشق سنة 1099 ه- / 1688م والمتوفى فيها سنة 1162ه- / 1748م.
كانت زيارته إلى مدينة كربلاء في أواخر شهر ذي القعدة أو أوائل ذي الحجة سنة 1139ه-، حيث غادر الحلة إلى الهندية ومن ثَمَّ كربلاء ورجع إلى الحلة حيث يقول في رحلته : «فذهبنا بعد العصر إلى الهندية، وبتنا في تلك البرية، وسرنا في الصباح إلى المشهد الحسيني، ولقد أنشدت لما بدت لعيني هاتيك القباب اللامعة:
لحمى جدي الحسن والحسين*** جئت أسعى له على عين وعين
سید جده إمام البرايا*** أفضل الخلق ملجأ الخافقين
وأبوه مولى الأنام جميعاً*** وأخوه ذو قدوة الثقلين
1) الشيخ مصطفى كمال الدين الملقّب بالبكري الصديقي نسبة إلى رجوع نسَبه إلى الخليفة أبي بكر الصديق، والدمشقي لأنه ولد في دمشق. وأصبح من علماء دمشق وسلك طريق التصوف على كبار مشايخ الصوفية. وكانت له مؤلفات عديدة حيث يقول محقق (رحلته العراقية) والمعلق عليها السيد ميعاد شرف الدين الكيلاني الحسني القادري البغدادي: « وقد بلغت كتبه ورسائله أكثر من منتي مصنف، منها ستون مصنفًا أحزابًا وأورادًا ، وله إثنتا عشرة مقامة، وإثنتا عشرة رحلة، وسبعة دواوين شعرية وتسع أراجيز في علوم الطريقة وغيرها الكثير ». إشتهر برحلاته إلى العديد من البلدان، ومن خلال سمعته الطيبة وأخباره التي كانت تسبقه، فكان الناس يسارعون في استقباله وضيافته وخاصة في رحلته إلى العراق المخصصة لزيارة المشاهد المقدسة والأضرحة الشريفة، وكانت رحلته إلى العراق قد إستغرقت أربعة عشر شهراً منها إثنا عشر شهراً داخل العراق تقريبًا. إبتدأها من تركيا حيث غادرها في 3 محرم 1139 ه- الموافق 3 أيلول 1726م، فوصل حلب ومنها إلى الموصل ثم بغداد، ومنها غادر إلى البصرة ثم رجع منها إلى الحلة التي إتخذ منها مستقراً ليزور ما حولها من المراقد المقدسة ، ومن الحلة توجه إلى كربلاء وعاد إليها ومنها غادر إلى بغداد التي رحل عنها متوجهًا إلى الموصل عن طريق كركوك، وقد غادر الموصل في أول ربيع الأول سنة 1140ه-/ 1728م عائدًا إلى بلده، وسميت رحلته العراقية هذه ب- (كشط الصدأ وغسل الران في زيارة العراق وما والاها من البلدان.)
وأمه بضعة النبي المفدى*** عمه جعفر سنا النيرين
ثم أتينا تكية الحاج خنكار بكتاش ولي(1)، فتلقانا شيخها إسماعيل ددة(2)، بالترحيب بلغه اللّٰه مراده، وأنزلنا داخل التكية. ثم إنّا بعد أن توضأنا قصدنا زيارة السيد العظيم والسند الأفخم، فزرنا تلك الروضة الجنانية، وكان مقامنا عند الأقدام الشريفة، لدى مقام الشهداء أولي المراتب المنيفة. ثم إنّا في اليوم الثاني قصدنا زيارة العباس نجل الإمام علي، طيب الأنفاس وقصدنا بعد أيام زيارة الحر، الشهيد المقدام، وحصل لنا عنده حظ تام، للروحانية التي عايناها في ذلك المقام. ثم منه صرنا إلى الحمى خيمكة (3)... ثم إنا ترددنا على تلك البقعة المباركة، لما رأينا لها بركة.
ودعانا علي أغا لداره مرارًا. والدادا إسماعيل ... يزيد في الصدق بالمحبة وصفاء الشرب، وتابعه رضا وباقي الخدم كانوا معنا على اثبت قدم. ولقد جاءنا أحد أدباء شعراء المشهد، الذين لهم حسن أدبهم بالمعرفة يشهد السيد نصر اللّٰه ابن السيد حسين الموسوي الحائري الملقّب بالصفي... وطلب رسالة العرب والعرائس المؤذنة بالطرب (4)، والمقامة الرومية، ثم أخذ كراريس الرحلة العراقية، وأوقفني على رسالة له سمّاها النشوة من روضة القهوة(5)
سليلة البن التي نشرها ***بهزأ بالعنبر فوق الضّرام
في القدح المبيضّ لاحت لنا*** فأذكرتنا عهد (حام وسام)
وله في القهوة أيضًا:
لقد قالت السودا إبنة البنّ جهرة*** وقد حُسدت في لثم ثغر الرشا الأحوى
صبرت على حرق ودّقٍ لأجل ذا*** بلغت المنى في لثم ثغر الذي أهوى
، جعلها في وصف القهوتين، ثم جائني برحلته1) هي التكية البكتاشية الصوفية في الروضة الحسينية، ولكون الشيخ مصطفى الصديقي هو من المتصوفة فقد كان ضيفاً على التكية المذكورة وكان فيها مقامه في كربلاء.
2) إسماعيل ،ددة، هو متولي التكية البكتاشية حينها.
3) خيمكة: هي موقع المخيم الحسيني الحالي الواقع حينها خارج سور المدينة في جهتها الجنوبية الغربية، وكان عبد المؤمن دده هو الذي أسس هذا المخيم ليرمز إلى المكان الذي خيّم فيه الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلامُ)، ولم يكن هو المكان الصحيح وإنما أتخذ رمزاً. وذكر الصديقي للمخيم في زيارته هو دحض للرأي القائل أنه المكان الذي خيّم في نادر شاه ثم جعل رمزًا وإن المخيم قائم قبل نادر لكربلاء.
4) يقصد به كتاب الشيخ مصطفى الصديقي (المؤذن بالطرب في الفرق بين العجم والعرب) كما ورد في هامش المحقق رقم (3) من ص 116 من كتاب الرحلة العراقية.
5) للسيد نصر اللّٰه الفائزي الحائري رسالة في القهوة وقد أورد في ديوانه العديد من المقطوعات والأبيات الشعرية عن القهوة منها:
المكية(1)التي تكحل عين الأدب إكحالها السبكية. وديوان أدبه السحر. وعدنا إلى الحلة يوم السبت... ونزلنا المدرسة الزينبية ثانياُ (2)، ونوينا على زيارة المشهد العلوي، كما عزمنا في الأول، فرأينا شمّر وزبيد قد قاربا للتوافق في القتال (3)ولم يستحسن بعض
الأصحاب توجهنا خوفًا من تعدي فبقي القلب متلهفاً على زيارة مرقده السامي(4)... ولما عزمنا على المسير إلى دار السلام، توجهت إلى القبلة مع من حضر من إخواننا الكرام وأهديت إلى جنابه الرفيع الفاتحة »(5).
1) الرحلة المكية: هي تدوين لذهاب السيد نصر اللّٰه الفائزي إلى حج بيت اللّٰه الحرام بصحبة والده السيد حسين، والتي إلتقى في موسم الحج بالسيد عباس المكي الذي صحبه إلى العراق عند عودته من الحج.
2) المدرسة الزينبية في الحلة كانت محل إقامة الشيخ الصديقي عند استقراره في الحلة.
3) أن رحلة الشيخ مصطفى الصديقي إلى مناطق جنوب ووسط العراق كانت في الفترة التي نشبت فيها الحروب بين العشائر العربية العراقية والحكومة العثمانية بقيادة والي بغداد حسن باشا ثم ابنه أحمد باشا. وقد ذكرنا ذلك سابقاً حيث تكون حلف عشائري سمي ب- (حلف ذي الكفل) من شمّر وبني لام وساعدة والشبل وغيرهم لمقاتلة الحكومة، فقطعت الطرق وأثارت الفوضى فقاتلتهم الحكومة وكسرتهم، ولكن شمّر جمعت قُواها ثانية وكسروا ثانية.
4) كان قد زار مرقد الإمام علي ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) في يوم الأربعاء السابع عشر من شهر ربيع الثاني، كما جاء في ص 26 من الرحلة العراقية. وكان يريد زيارته للمرة الثانية ولم يوفق.
5) الرحلة العراقية (كشط الصدأ وغسل الرّان في زيارة العراق وما والاها من البلدان) للشيخ مصطفى الصدّيقي الخلوتي الدمشقي المتوفى سنة 1162ه- /1748م ، وهو رحلة للأولياء والصالحين في مدن المسلمين: تحقيق وتعليق السيد ميعاد شرف الدين الكيلاني، ص 114 - 117 . ط 1 بيروت، دار الكتب العلمية، سنة 1433ه- / 2012م.
من هذه الرحلة يتبيّن أن الشيخ العالم مصطفى كمال الدين البكري الصديق الخلوتي الدمشقي، كان قد زار كربلاء وإلتقى بداية بمتولي التكية البكتاشية الذي إستضافه في التكية مدة زيارته إلى كربلاء التي إستغرقت عدة أيّام، وقد ذكر في رحلته بعض أسماء الذين أشرفوا على إستضافته وخدمته.
وما كان لقاءه بالسيد نصر اللّٰه الفائزي إلاّ كونه شخصية علمية معروفة وصلت أخباره إلى كربلاء قبل مجيئه إليها، ويتبين ذلك من طلب السيد نصر اللّٰه لأحد مؤلفاته، ويومها عندما يزوره السيد نصر اللّٰه وهو كبير علماء زمانه في كربلاء يشير إلى علو قدر صاحب الرحلة.
تعيين الشيخ عبد اللّٰه السويدي (1)مفتياً في كربلاء
في سنة 1145ه-/ 1732م وبأمر من الوالي أحمد باشا، تم تعيين الشيخ عبد اللّٰه السويدي مفتيًا لأهل السنة في كربلاء والنجف ومقره في كربلاء. وورد في موسوعة العتبات المقدسة - قسم كربلاء في ص178 نقلاً عن مخطوطة (حديقة الزوراء) المحفوظة في المتحف البريطاني بلندن ص 248 ما نصّه:
«مفتيًا في قصبتي المشهدين الشريفين مشهد الإمام علي بن أبي طالب ومشهد ولده الحسين رضي اللّٰه عنهما ».
1) كان من أكابر علماء بغداد، ومقربًا من الوالي أحمد باشا ومن والده حسن باشا الجديد، وكثيراً ما كان يمدح الوالي بقصائد يمجد إنتصاراته في معاركه مع القبائل العربية أو حروبه في إيران. وعندما طلب نادر شاه الأفشاري من الوالي أحمد باشا أن يرسل مندوباً عن علماء اهل السنة لحضور مؤتمر النجف للتقارب بين المذاهب، أرسل أحمد باشا الشيخ عبد اللّٰه السويدي بإعتباره أكبر علماء أهل السنة في بغداد في زمانه. أما نسبه فهو : أبو البركات عبد اللّٰه بن حسين بن مرعي بن ناصر الدين بن حسين بن علي بن أحمد بن عبد اللّٰه بن محمد بن عبد اللّٰه بن أحمد بن إسحق بن جعفر بن أحمد بن الموفق بن طلحة بن جعفر بن محمد بن الرشيد بن محمد بن عبد اللّٰه المنصور بن محمد بن علي بن عبد اللّٰه بن العباس بن عبد المطلب. ولد سنة 1104ه- / 1692م والمتوفى فى بغداد سنة 1174ه- / 1760م والمدفون في مقبرة الشيخ معروف الكرخي.
وعبد اللّٰه السويدي هو والد (1)عبد الرحمن السويدي مؤلف كتاب حديقة الزوراء المولود سنة 1134 ه- / 1722م والمتوفى سنة 1220ه- / 1805م.
كان مقره في الجامع الملاصق لحرم الحسين من جهة الشمال(2)الذي أدمج سنة 1217ه- بالروضة المطهرة.
بعد وفاة النقيب السيد محمد بن عبد المطلب سنة 1148ه-/ (1735م)، تولّى نقابة الحائر أحد أفراد أسرته وهو السيد عباس بن بهاء الدين بن أحمد بن النقيب محمد درّاج من آل زحيك(3). وبقي نقيبًا في كربلاء لغاية سنة 1187ه-/ (1773م). وكان معاصرًا للسيد نصر اللّٰه الحائري، وقد جاء ذكره في ديوانه بأبيات شعر في عدة مواضع.
جيش أحمد باشا (4)يدخل كربلاء
في سنة 1152 ه- / 1739م قرر الوالي أحمد باشا محاربة عشائر (قشعم) التي بسطت نفوذها على مناطق البادية غرب كربلاء، فأعدّ جيشاً وقسّمه قسمين، الأول
1) أخطأ مؤلف كتاب مدينة الحسين في السلسلة الثالثة ص 79 ، حيث ذكر السيد عبد اللّٰه السويدي بأنه مؤلف كتاب ( حديقة الزوراء)، وأنه جاء مع والده عبد الرحمن السويدي إلى كربلاء إثناء حصار بغداد من قبل نادر شاه عام 1156ه- !! والصحيح هو أن مؤلف حديقة الزوراء هو ولده الشيخ عبد الرحمن السويدي، وإنه عندما جاء إلى كربلاء كان معه ولده عبد الرحمن. وذلك يعني أن عبد الرحمن هو ابن عبد اللّٰه وليس والده كما ذكره مؤلف مدينة الحسين.
2) ذكر البعض أن الجامع هذا كان يسمى مسجد شاهين، وهذا غير صحيح لأن مسجد شاهين يقع في الجهة الغربية من الحرم الحسيني. ولموضوع دمج الجامع بالحرم حادثة مشهورة سيتم ذكرها لاحقا.
3) موارد الإتحاف، ج 1 ص 153 . كما ورد إستلامه النقابة في وثائق السادة آل النقيب.
4) أحمد باشا: هو ابن الوالي حسن باشا الجديد، كان والياً على البصرة عندما توفى والده، لازم والده في حروبه وتدرب على يديه وظهرت مواهبه في حياة والده. فقد رشحه والده لإدارة (شهرزور) برتبة ميرميران سنة 1127ه- / 1716م ثم نال منصب (قونية). وفي سنة 1129ه- /1717م أصبح والياً على حلب، وفي أوائل سنة 1131ه- / 1718م إستلم ولاية البصرة وعندما توفى والده سنة 1136ه-/ 1723م خلّفه في ولاية بغداد. ثم ولي حلب مرة أخرى سنة 1147ه-/1734م ومنها أعيد إلى بغداد سنة 1149ه-، وأصبح من أشهر ولاة بغداد، وهو الذي قاد المعارك ضد نادر شاه ومنعه من إحتلال بغداد إلى أن تم عقد الصلح بينهما، وبقي والياً على بغداد لحين وفاته سنة 1160ه- / 1747م في منطقة (دلي عباس) التابعة إلى بعقوبة.
كان بقيادة الكتخدا سليمان باشا وأمره أن يتّجه إلى (هيت) بمحاذاة نهر الفرات، والقسم الثاني جعله بقيادته حيث سار به إلى كربلاء ليتقدم منها إلى (شثاثا). وذلك لأن عشائر قشعم قد إتفقت مع عشائر السرحان والسلم وبني صخر، وتجمعوا في منطقة تبعد عن (شثاثا) بضع أميال وهي (سبروت) قرب (الرحالية) الحالية (1). وهو مكان منقطع خالٍ من المياه تحصنوا فيه، وأخذوا يناوئون الحكومة فقررت الحكومة محاربتهم لما ظهر من تحالفهم من خطر عليها وعلى استقرار المنطقة، وكانت قشعم حينها بقيادة رئيسها (صقر).
دخل جيش أحمد باشا إلى كربلاء وتزوّد بالمؤن وأحدث إرتباكاً داخل المدينة، إلى أن خرج الوالي بجيشه نحو شثاثا. وفي شمالها إلتقى مع العشائر في معركة ضارية في منطقة الرحالية قبل أن يصل إليه القسم الأول من جيشه بقيادة الكتخدا سليمان باشا، وتمكن جيش الوالي من الإنتصار على قشعم والمتحالفين معهم، وجمع الغنائم وعاد إلى بغداد بعد أن سلب ونهب ما لدى العشائر (2).
1) الرحّالية : هي الآن ناحية تتبع محافظة الأنبار، وتقع في الشمال الغربي لقبر السيد (أحمد بن هاشم) كما يطلق عليه العامة، وهو أحمد بن أبي الفائز محمد. وعندما صدر نظام المحافظات في بداية سبعينيات القرن العشرين الميلادي ألحقت الرحالية بمحافظة كربلاء، كما أن عين التمر التابعة لكربلاء أصبحت قضاء بعد أن كانت ناحية فإرتبطت بها ناحيتا الرحاليّة ومعها ناحية النخيب المستحدثة حينها، حيث عادت محافظة كربلاء بإعتبارها محافظة حدودية كما كانت في خمسينيات القرن العشرين. ثم أعيدت الناحيتان إلى محافظة الأنبار وأصبحت كربلاء محافظة غير حدودية.
2) دوحة الوزراء: للكركوكلي ص 45 و 46. وحديقة الزوراء للسويدي ج 1 ص 150 .
محمد سعيد بن عبد اللّٰه السويدي(1)مفتى المشهدين في كربلاء والنجف
كان الشيخ محمد سعيد مفتيًا للحنفية في النجف وكربلاء ومقرّه في كربلاء. «هذا مع أنه نفسه كان شافعيّاً وهكذا كان أبوه وأخوه الأكبر عبد الرحمن» (2)
ولم يتسنى معرفة تاريخ توليه الإفتاء في المشهدين إلّا انه ذكر في كتابه «ورود حديقة الوزراء بورود وزارة مواليهم في الزوراء » أنه كان مفتيًا في كربلاء إثناء الحملة التي قام بها والي بغداد أحمد باشا على قبيلة (قشعم) التي كان شيخها (صقر بن حُمود بن شبيب)، ويؤكد الشيخ محمد سعيد بأنه مفتي الحنفية في كربلاء عندما ذكر واقعة أحمد باشا وقبيلة قشعم حيث يقول : «وسار (يقصد به الوالي أحمد باشا) في هذه الوقعة قريبًا من بلد كربلا التي فيها مشهد سيدنا الحسين، فأرسل المال والأيتام مع كَتخُداه للحلة، وجاء بنا من العسكر ، وهو والدامات وباقي العسكر، ووصلوا قريب الظهر غفلة إلى كربلا، وقد كنت ذلك الوقت هناك لأنّي مفتي الحنفية في المشهدين الشريفين، هذا ومشهد الإمام علي رضي اللّٰه عنه في النجف...» (3).
1) هو أبو الكمال مهذب الدين محمد سعيد بن عبد اللّٰه بن حسين بن ناصر الدين السويدي البغدادي الشافعي. ينحدر من أسرة علمية شهيرة نزحت من بلدة الدور شمال سامراء وسكنت في إحدى محلات كرخ بغداد. فأبوه الشيخ عبد اللّٰه السويدي الذي كان مفتيًا في كربلاء ( كما تم ذكره) وهو أول من عُرف بهذا اللقب ويرجع نسبهم إلى عبد اللّٰه بن العباس بن عبد المطّلب. وأخوه الأكبر الشيخ عبد الرحمن السويدي مؤلف كتاب ( حديقة الزوراء في سيرة الوزراء)، وله أخوة آخرون أصغر منه سنَّا عرفوا بالتدريس والتأليف. ولد محمد سعيد في بغداد وتوفي فيها ودُفن في مقبرة الشيخ معروف الكرخي. وكان كسائر أسرته معجبًا بوالي بغداد( أحمد باشا) وقبله بوالده (حسن باشا). وهو مؤلف كتاب (ورود حديقة الوزراء بورود وزارة مواليهم في الزوراء) يتحدث فيه عن تاريخ العراق من سنة 1161 إلى ه- / 1748 إلى 1787م.
2) ورود حديقة الوزراء بورود وزارة مواليهم في الزوراء : محمد سعيد بن عبد اللّٰه السويدي، تحقيق د. عماد عبد السلام، ص 10 ، ط 1 دار الزمان، دمشق، 2012
3) ورود حديقة الوزراء بورود وزارة مواليهم في الزوراء ، ص 65 .
عندما تم للوالي أحمد باشا النصر على قبيلة قشعم (1)وهروب شيخها (صقر بن حمود بن شبيب) وبعد أن نهب الوالي جميع ما يملكه صقر وعشيرته أخذ اهل بيته أسارى معه وفيهم الكثير من النساء والأطفال، وبضمنهم زوجة صقر واخته، وإنحدر بإتجاه كربلاء ودخلها بدون أن يعلم به أحد إلّا القليل، حيث قام بزيارة الحضرة الحسينية وإستقبل أعيان المدينة في التكية البكتاشية الموجودة في القسم الجنوبي الشرقي من الصحن الشريف، ويبدو أنه جلس في سطح التكية ويشرف على الصحن وإستقبل المتسلم وأعيان المدينة، وقد دخلت عليه أخت صقر تسترحمه ليعفو عن الأسرى من النساء والأطفال وقد وافق بعد إمتناع. وبعدها غادر كربلاء إلى الحلة ومنها إلى بغداد.
ويذكر الشيخ محمد سعيد السويدي الذي كان مفتيًا للحنفية في كربلاء في كتابه (ورود حديقة الوزراء) ص 65 ، بأن الوالي أحمد باشا عندما إنتهى من إنتصاره على قشعم ونهبه أموال ( صقر ) شيخهم وأسر عياله، جاء إلى كربلاء ولم يشعر به أحد ولا بالذي صنعه بقشعم حيث يقول : « وقبل وصوله ما أحد يشعر بهم ولا بصنيعهم كلّه إلّا أن أتباع المتسلّم (حاكم كربلاء) أتت إلى وجوه البلد تخبر بأن الباشا دخل للحضرة للزيارة، فكل منا وصل إلى الحضرة، وما أن تم جمعنا إلّا وقد تمَّت زيارته، فوقفنا لأخذ سلامه فسلّم وأشار إلينا للحضور إليه... وفي صحن الحضرة بناء مرتفع من أبنية تكية البكداشيين الملاصقة للحضرة يُشرَف على جميعها، فصعد إليه وصعدنا معه، فامر لنا بالجلوس فجلسنا، وأمر بقهوة فشَرب وشربنا، ثم جاءت في الأسفل خنساء أخت صقر باكية ذليلة، فإسترحمته وقالت:
1) راجع كتابنا (الحوادث والوقائع في تاريخ كربلاء) ص 143 - 144 وفيه التفصيل عن غارة الوالي أحمد باشا على قشعم شمال شثاثا (عين التمر).
أجِرنا على عوائدك وعوائد أسلافك من صيانة الحريم، والمال فداك. فقال: قولوا لها ما رأيت لكم مؤدِّباً غير الحَبس ! فلم تزل تبكي لكي تشفع إلى أن رَحمَمها وأمر بإطلاق المأسورين من النساء والأطفال. ثم أنه أمر المتسلم، ويقال له المتولّي في عُرفهم، ان يلبس عنه كلٌ خلعته المعتادة له، ونهض، وركب سائرًا إلى مقر أورِديه في الحلة ... ».
عُدَّتْ مدينة كربلاء مركزاً دينيًا كبيرًا للشيعة منذ بداية القرن العاشر الهجري إلى نهاية القرن الثالث عشر الهجري، وذلك من خلال تواجد الكثير من علماء الدين والمراجع فيها. وبتواجدهم فيها أو عند إرتحالهم إليها إنتشرت المدارس الدينية بمختلف إتجاهاتها، وبذلك فقد عاشت المدينة تطورًا ونشاطًا فكريًا وعقائديّاً وعلميّاً وأدبياُ... وكان لذلك أسباب عديدة لابد من ذكرها...
المركز الديني للشيعة في العراق كان في مدينة الحلّة من خلال تواجد الكثير من علماء المذهب فيها والمدارس الدينية أيضاً. وقد عاشت الحلة نهضتها العلمية والأدبية منذ أن مصّرها الأمير سيف الدولة (صدقة المزيدي). وبلغت الحلة أوج عظمتها في القرن السابع الهجري، فصارت دار هجرة لطلاب العلوم والمعارف والآداب، فقصدوها ليدرسوا العلوم على علمائها، فنبغ فيها العلماء والحكماء والأدباء. فأصبحت المدرسة الحلية أكبر جامعة إسلامية. وسبب تقدمها هو ان مؤسسيها المزيديين الذين أسسوا إمارتهم فيها كانوا ممن يعظمون مكانة العلم والعلماء ويحمونهم في نفس الوقت. وكانوا هم إمامية المذهب.
ولأن الحلة قريبة جدًا من مدينتي كربلاء والنجف، وفي هاتين المدينتين مراقد أئمة آل البيت عليهم السلام ولقدسيتهما، فقد كانت للحلة علاقة وثيقة بالنجف
أولاً، وخاصة عندما إرتحل المرحوم العلامة الكبير الشيخ (الطوسي) إلى النجف من بغداد سنة 448ه- / 1056م بعد أن أحرق (طغرل بك) السلجوقي مكتبته ومدرسته، فإستوطن النجف وبقي يدرّس فيها إلى أن توفي سنة 460ه- / 1068م.
والشيخ الطوسي هو : هو محمد بن الحسن الطوسي شيخ الطائفة الشيعية ومجددها في القرن الخامس الهجري. ويُعتبر الشيخ الطوسي من المجددين وقد قدّم خدمات جليلة للتشيّع، وتمكن من مواجهة بعض التيارات المخالفة للفكر الشيعي من خارجه ومن داخله. وهو صاحب كتابي (التهذيب) و (الاستبصار) وهما من الكتب الأربعة المعتمدة بالإضافة لكتابي ( الكافي) للكليني و (من لا يحضره الفقيه) للشيخ الصدوق. وللشيخ الطوسي عدة مؤلفات أخرى منها كتاب (عدة الأصول) الذي فنّد فيه الإجتهاد بمعناه القديم كما بحث في باب القياس وباب الإجتهاد. ومن كتبه الشهيرة كتاب (الخلاف) وكتاب (المبسوط). بالإضافة إلى مؤلفات أخرى في العقائد والرجال وغيرها.
أمّا بالنسبة إلى مدينة كربلاء ولكونها مدينة مقدسة وتابعة لسيطرة الإمارة المزيدية حينها، ولقربها من الحلة والنجف، وإجلال وتقديس علماء الدين وطلاب العلم لها لوجود مرقد الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) فيها، فكانت محط توجه أنظارهم للاستيطان بها والإرتحال إليها . فقد سكنها الكثير من العلماء الذين نزحوا من الحلة منذ القرن التاسع الهجري أمثال العلامة ابن فهد الحلي وغيره ممن ذكرناهم في الجزء الأول من هذا الكتاب. ومن ثَمَّ إرتحل إليها علماء من النجف ومن البحرين ومن جبل عامل في لبنان ومن إيران في مناسبات وظروف مختلفة. كما وبرز من أهلها رجال علم تصدروا الساحة العلمية والفكرية، فأصبحت مدينة تعج بالنشاط الفكري والعلمي والعقائدي، وضمت تيارات عقائدية مختلفة ونشأت فيها صراعات فقهية إستمرت طويلاً ولعدة قرون، وحدثت فيها مساجلات وصلت إلى حد الخصام والتكفير للبعض، وقد ساهمت بعض الحكومات في تأجيج هذا الصراع مثل الحكومات
الصفوية المتعاقبة في إيران، وكذلك في زمن نادر شاه الأفشاري وبعده الحكومات القاجارية التي إستلمت الحكم في إيران، وتدخلت هذه الحكومات بالدين والشريعة محاولة منها في تسييس الدين لأغراض سلطوية وتنافسية أيضاً مع الدولة العثمانية (السنّية). ومن أخطر تلك الصراعات التي حدثت في مدينة كربلاء هو الصراع العقائدي بين الأصوليين والإخباريين، وكذلك الصراع بين الأصوليين من جهة والشيخية والكشفية من جهة أخرى.
لم يكن الصراع الفقهي جديدًا على الساحة الشيعية، فقد بدأ في العقود الأخيرة من القرن الرابع الهجري، وخاصة بعد غيبة الإمام محمد بن الحسن المهدي المنتظر عليه السلام. فقد كان الفكر الشيعي يقوم على (مدرسة الحديث)، وهذه المدرسة تعتمد على ما جاء من أحاديث عن أئمة آل البيت عليهم السلام.
وعند ظهور الفقيه الشيخ محمد بن محمد بن النعمان البغدادي المعروف بالشيخ (المفيد) في أواخر القرن الرابع الهجري، الذي إنتقد منهج أهل الحديث السطحي وتمكن من تنحية مدرسة الحديث عن السلطة العلمية، وكان نجاحه هذا وتأسيس مدرسته الجديدة هو نقده لبعض المحدثين الذين كانت لهم آراء غير مقبولة خلال قولهم في الأئمة وينسبون إليهم أمور غير طبيعية أوصلتهم إلى الغلو.
كان الشيخ المفيد ومن أيّده في نهجه الجديد يرفضون آراء في الأئمة غير مقبولة لدى عامة الشيعة كما كانوا يرفضون نسبة أي أمر غير طبيعي إليهم، وكانوا ينسبون الغلو إلى كل من يؤمن بأن النبي مصون عن السهو والخطأ وكذلك الأئمة. فإنتقد الشيخ المفيد أستاذه (الصدوق) وأمثاله، لأن أصحاب مدرسة الحديث كانوا يقولون بصحة الأحاديث التي وردت عن الأئمة جميعها ولزوم الأخذ بها وعدم إتيان التثبت من صحتها. فتمكن الشيخ المفيد أن يثبت أركان مدرسته الجديدة التي يتقدمها هو والسيد الشريف المرتضى والشيخ الطوسي، حيث قام ومن أيّده بإسناد فقه المتكلمين إلى القواعد الأصولية، حيث يقوم على أساس الأحاديث الثابتة الصدور عن الأئمة.
أمّا الأخبار المشكوك في صدورها فلا يعتمد عليها في الاستنباط. ولم يوافقوا على أخبار الآحاد في نقل الحديث. فقد قال الشريف المرتضى بعدم الأخذ بها مطلقاً، لأن الحديث يحتاج إلى إثبات صدوره ببيّنة. وآخرون ذهبوا إلى إعتماد خبر الواحد في شروط معينة منها أن يكون الخبر محفوف بالقرائن التي تثبت صحته.
وعندما جاء الشيخ الطوسي فقد تمكن من تأسيس مدرسته الخاصة التي هيمنت على الساحة العلمية بعد أن أصدر تآليفه في مختلف صنوف العلم. فقد تمكن من الجمع بين مدرسة الحديث ومدرسة المتكلمين، ففي الوقت الذي إعتمد فيه على القواعد العقلية في الاستنباط، أعطى للحديث دوره فتمكن من تصحيح الكثير من روايات الآحاد وإعتبر السند المعتبر مصححاً للحديث.
إستمرت مدرسة الشيخ الطوسي هي السائدة حتى بعد وفاته إلى أن جاء العلامة (ابن إدريس) (1)وهو العلامة فخر الدين أحمد بن إدريس الحليّ العجلي، وكان أصوليًا بحتاً ومجتهدًا صرفًا. فهو الذي أحيا الإجتهاد ، وقد تلقّى سهام النقد من فقهاء عصره فلم يثنه ذلك، منهم (سديد الدين الحمصي) الذي قال عن ابن إدريس (لا يعتمد على تصنيفه) كما عبّروا عنه (بالشاب المترف). الذي وجّه مجموعة من الإنتقادات والإعتراضات للكثير من المسائل التي طرحها الشيخ الطوسي (وهو جده لأمه) التي وردت في كتبه، فقد فتح ابن إدريس باب النقد والتحقيق والخروج من حالة التقليد.
وابن إدريس هو الذي عمل على فتح باب (الإجتهاد) من جديد، لأن روح الإجتهاد كاد يقضى عليه، لأن الفقهاء بعد الطوسي كاد أن يتلاشى منهم روح الاستنباط والإجتهاد والتفريع، نتيجة تأثرهم بالشيخ الطوسي ومدرسته. فأخذ الفقه الشيعي يتقدم خطوات حتى جاءت مدرسة العلامة والمحقق الحلي (2)لترسي
1) توفي ابن إدريس في 18 شوّال سنة 598ه-/ 1202م ، وقبره مشهور في مدينة الحلة جنوبي حديقة الجبل. ومن مصنفاته كتاب (السرائر في الفقه)، وكتاب (التعليقات).
2) هو نجم الدين أبو القاسم جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد، كان عالماً بالفقه وأصوله وقد بلغ فيهما مبلغًا لم يدانيه أحد في عصره، وقال عنه الشيخ يوسف البحراني: « كان محقق الفضلاء ومدقق العلماء حاله في الفضل والنبالة والعلم والفقه والجلالة والفصاحة والشعر والأدب والإنشاء أشهر من أن يذكر، وأظهر من أن يُسطر » .وجاء في تاريخ الحلة ليوسف كركوش ج 2 ص 22: « أنه ولد في الحلة سنة 602 ه- وتوفي سنة 676ه-، وقد أختلف في تاريخ ولادته ومماته». له عدة مؤلفات وأهمها وأشهرها هو كتاب شرائع الإسلام، وهو عمدة كتب الشيعة في الفقه.
قواعد الفقه الشيعي وتثبيت أركانه، كما أضافت مدرسة الشهيدين الأول والثاني فروع ومنهجية جديدة للفقه.
كان الفكر الإمامي يحصر مهمة الإمامة في (الأئمة المعصومين) ولا يجيز لأي شخص غيرهم أن يقوم بشيء من مهام الإمامة، وعليه فقد كان من الطبيعي أن يؤدي الفكر الإمامي إلى حتمية إفتراض وجود الإمام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري) وهو المنتظر، وتحريم العمل السياسي في (عصر الغيبة).
وعلى ذلك فقد قال الشيخ محمد بن علي الصدوق: « لا قائم غير المهدي وإن طالت الغيبة بعمر الدنيا ... وقال أيضاً : التقية واجبة وتركها لا يجوز حتى خروج القائم، فمن تركها فقد خالف دين الإمامية... ويجب الإعتقاد أن حجة اللّٰه في أرضه وخليفته على عباده في زماننا هذا هو القائم المنتظر ابن الحسن... ويجب أن يعتقد إنه لا يجوز أن يكون القائم غيره بقي في غيبته ما بقي، ولو بقي عمر الدنيا لم يكن القائم غيره ».
فالفكر الإمامي كان يعطي للإمام مهمتين رئيسيتين هما:
1- التشريع في المسائل الحادثة التي لا توجد في القرآن الكريم أو السنّة النبوية المطهرة، ويرفض اللجوء إلى الإجتهاد الذي يعتبره نوعاً من الظن غير جائز في الدين، وعن الإمام المعصوم يحصل على العلم من اللّٰه مباشرة بطريقة أو بأخرى.
2- تنفيذ الشريعة الإسلامية وتطبيق أحكام الدين، وقيادة المسلمين.
وعندما قام الشيخ المفيد والشريف المرتضى والشيخ الطوسي في القرن الخامس الهجري بفتح باب الإجتهاد في (عصر الغيبة) إعتبر الإخباريون أو (الإماميون القدماء) اللجوء إلى الإجتهاد خروجاً عن الخط الإمامي كونه يهدم ركناً أساسيًا من أركان نظرية الإمامة التي تشترط العلم الإلهي في أحكام الدين، وتحصر عملية التشريع والإفتاء.
هذه الرؤى والتيارات كانت محل مناقشة ودراسة عميقة في المدارس والحوزات الدينية في مدينة كربلاء، وإنشغل مراجع الدين المتواجدين في المدينة على تثبيت الخط الأصولي في الفقه الشيعي، ، فكانت مدرسة كربلاء مدرسة أصولية أثرى فيها علماء الدين بمؤلفاتهم الكثيرة جدًا تثبيت هذا الخط المعتدل في الأساس الفقهي للمذهب، وبذلك كانت الحركة العلمية في كربلاء كخلية نحل ظهر فيها علماء سمّوا بالمجددين، ونتيجة هذا النشاط وكثرة المدارس العلمية أصبحت كربلاء قبلة لمن يريد الإستزادة في العلم وتثبيت نهجه الدراسي وصولاً لنيل أعلى المراتب العلمية من مدرسة كربلاء. وهذا النشاط الفقهي الواسع لم يترك المجال مغلقاً على نهج سير المسيرة العلمية، فقد ظهرت إتجاهات فقهية مختلفة عارضت قسمٌ منها النهج الأصولي في الفكر الشيعي، وطلبت الرجوع إلى المدارس الفقهية القديمة وخاصة فيما يخص علم الحديث، ودخلت في سجالات فكرية تقبلت في البداية من إنتقدها وناقشت في نفس الوقت الحجج التي كانت تعتقد بصحتها، فتجد بأن الحركة العلمية كانت دائبة النشاط لم تصل إلى الخصام بل كانت على مبدأ تقبل الرأي والرأي الآخر للوصول إلى حالة الإقناع والإلتزام المبدئي في أحكام الشريعة بما يخص العقائد والمعاملات وغيرها. والملفت للنظر أنه في ذلك الوقت لم تكن إختلافات الرأي تظهر على السطح بحيث يسارع العامة والأتباع في القبول أو الرفض بإعتبار أن المسألة هي تخص علماء الدين والشريعة من أجل إغناء الفكر الشيعي وتجديده أو بقائه على ما كان عليه في ذلك الوقت.
ولوجود فطاحل العلماء في كربلاء في تلك الحقب الزمنية فكان طلاب العلم والمتخصصون في علوم الشريعة يتوجهون شطر كربلاء ليدرسوا ويناقشوا ومن ثَمَّ يحصلوا على مراتبهم العلمية من علماء ذلك العصر.
وإستمرت كربلاء مركزاً للحوزة الدينية لحين إنتقالها إلى النجف الأشرف التي أصبحت فيما بعد هي المركز الرئيسي والمدرسة الفقهية العالية للشيعة. ورغم هذا الإنتقال بقيت مدرسة كربلاء الدينية قائمة بوجود مراجع دين خلدهم التاريخ وأسسوا فيها مدارسهم وحوزاتهم إلى يومنا هذا.
وفي الجزء السابع من هذا الكتاب سيتم الحديث بشكل مفصل عن الحوزة العلمية في كربلاء، ويتم كذلك التطرق لأشهر العلماء الذين تواجدوا في كربلاء منذ القرن الثالث الهجري، والمراحل التي مرّت على حوزة كربلاء، وكذلك سيتم الحديث عن المدارس الدينية التي تأسست في المدينة المقدسة.
أدى قيام الدولة الصفوية في القرن العاشر الهجري إلى تدخل الملوك الصفويين في شؤون الدين والشريعة من خلال تقريبهم لبعض العلماء لأسباب سلطوية وسياسية، وقد إحتضنوا المحقق (الكركي) (1)الذي سعى إلى تطوير نظرية (النيابة العامة للفقهاء) إلى نظرية سياسية ليفتح الباب أمام فقهاء الشيعة لمنح الملوك الصفويين ومن ثَمَّ القاجاريين في إيران (إجازة شرعية) والحكم بالوكالة عن (نائب الإمام المهدي - الفقيه العادل). ونتج عن ذلك حدوث إنشقاق عميق وعنيف في المجتمع
1) هو الشيخ علي بن عبد العالي الكركي (نسبة إلى قرية كرك نوح في سهل البقاع في لبنان). المولود سنة 870ه- / 1465م . هاجر إلى العراق سنة 909ه- /1503م ودرس في النجف ومنها إرتحل إلى إيران سنة 916ه- / 1510م وقرّبه الشاه إسماعيل، وكان الكركي يُعَدّ واضع الخطوط العامة لبناء مؤسسة دينية شيعية في الدولة الصفوية.
الشيعي الإمامي الإثني عشري، وهو ما عرف بالصراع الأصولي – الإخباري، الذي إمتد إلى سنوات طوال.
كان الصراع الأصولي الإخباري يتعلق في موضوع الهوية العقائدية، وكان في حقيقته صراعاً بين المحافظين والمجددين، أي بين الخط الإمامي المتمسك بنظرية (الإنتظار) تحديدًا، وبين التيار الشيعي المتحرر من شروط الإمامة المتصلبة كالعصمة والنص، والمتحرر من نظرية (الإنتظار).
في مطلع القرن الحادي عشر الهجري ظهرت حركة جديدة على مسرح الفقه الشيعي في النجف قادها أحد العلماء وهو العلامة محمد أمين الاستربادي(1)الذي تمكن من تغيير مسار الفكر الشيعي على نحو مغاير لما كان متعارفًا لدى (الإمامية) الذين يطلق عليهم الأصوليون والذين يعتمدون على (الإجتهاد).
والأصوليون هم فقهاء الإمامية الذين يعترفون بدور (العقل) في (الإجتهاد) وإدراك بعض الأحكام، حيث إنهم رفضوا خصوص (القياس) بالمعنى القديم، أي إعمال الرأي، ويقول فقهاء الشيعة الأصوليين بأن رفضهم للقياس والعمل بالرأي لم يأتِ من تعصّب أو لأنه من أهل السنّة، وإنما كان رفضهم للقياس جاء من الدليل العلمي.
ويقول الأصوليون بأن (العقل) يلعب دورًا مهماً في مجال الفقه، فإن تبيان معالم العقل يُمَكّن الفقه الإسلامي من مواكبة العصر دون الحاجة إلى إعمال القياس أو
1) محمد أمين الاستربادي: من اعلام القرن الحادي عشر الهجري، فقيه إخباري عرف بالذكاء والتقى. كان فاضلا ومحققًا ومدققاً ماهراً في الأصوليين، والحديث إخباريًا صلبًا كما قال عنه العلامة الشيخ يوسف البحراني في (اللؤلؤة). وكان مشهوراً بذكائه وفطنته، واعيًا كثير المطالعة، تمكن من تأسيس مدرسته الإخبارية وجلب لها الأتباع حيث آمن بأفكاره الكثير من العلماء وطلاب العلم ومن خلالهم الكثير من العامة. ومن أشهر كتبه (الفوائد المدنية) حيث ناقش فيه المتكلمين والفلاسفة والحكماء والفقهاء، وينسب إلى نفسه فيه بأنه وصل إلى أمور لم يسبقه إليها أحد. وعندما كان في النجف أجازه الشيخ حسن بن الشهيد الثاني (صاحب المعالم)، وكذلك العلامة السيد محمد (صاحب المدارك). وجاء في روضات الجنات للخونساري إنه توفي في المدينة المنورة سنة 1032ه- /1623م.
الرأي، ولبطُلتْ كل التيارات والمذاهب السطحية والجامدة المبنيّة على أمور قشرية في الاستدلال.
فيعتمد الأصوليون على تطوير طرق الاستدلال التي أظهرت الإجتهاد الحقيقي الذي توضحت معالمه بما يتناسب مع العصر دون الخروج عن تعاليم الشريعة وأهل البيت عليهم السلام.
وقبول الأصوليين لدور العقل في الفقه لكونهم يعدون (العقل) من مصادر التشريع التي إتفقوا على أنها أربعة وهي: (الكتاب والسنّة والإجماع والعقل). وإن الأصوليين من فقهاء الشيعة يقسّمون (الخبَر) إلى أربعة أقسام وهي: (الصحيح والحسِن والموثّق والضعيف).
قاد العلامة المولى محمد أمين الاستربادي حركته الجديدة التي سميّت ب- (الإخبارية) وتمكن أن يقف ضد التيار الأصولي، حيث إن حركته تدعو إلى التعبّد والتسليم بالأخبار والأحاديث الواردة، وإنكار كل قيمة إعتبارية للعقل. وأنكر الإجتهاد بمعناه الجديد المقبول عند الشيعة حيث يقول الاستربادي إن الإجتهاد بدعة في الدين ولا يجوز لأحد أن يقلد غير المعصوم. وغيرها من الأمور التي لابد أن نذكرها ليتبيّن لنا نوع الصراع الفقهي بين الأصوليين والإخباريين الذي شغل الآفاق وكان مركزه مدينة كربلاء، حيث استمر هذا الصراع لسنوات طوال، وبسببه ظهرت حركات جديدة منها الشيخية التي أسست الكشفية، وهذه الأخيرة التي تسببت بظهور البابية عن قصد أو غير قصد كما سنأتي على ذكره في محلّه... ومن مساوئ البابية هي ظهور البهائية التي خرجت عن الإسلام برمته وأصبحت ديانة خاصة.
والإخبارية هي حركة أو فرقة من فرق الشيعة الإمامية الإثني عشرية، أسسها العلامة المولى محمد أمين الاستربادي الذي يزعم بأن جذور الحركة الإخبارية وإتجاهاتها كانت هي السائدة بين فقهاء الإمامية إلى عصر الكليني والصدوق، ولم يتزعزع هذا الإتجاه إلاّ في أواخر القرن الرابع الهجري وبعده حين بدأ جماعة من
علماء الإمامية ينحرفون عن الخط الإخباري، ويعتمدون على العقل في استنباطهم ويربطون البحث الفقهي بعلم الأصول تأثراً بالطريقة السنيّة في الاستنباط، ثم أخذ هذا الإنحراف بالتوسع والإنتشار. لكن الكثير من الفقهاء لا يؤيدون المولى الاستربادي فيما ذهب إليه، رغم أن للعلامة الحلّي رحمه اللّٰه كلام على سبق الإتجاه الإخباري تاريخيًا. ونختصر الفكر الإخباري بما يلي:
1 - الإخبارية القديمة تعبّر عن مستوى من مستويات الفكر الفقهي لا عن مذهب من مذاهبه. وتقتصر تعاليمهم على القرآن والخبر ولذلك عرفوا بالإخبارية.
2- إنكار ظهورات القرآن، حيث يقول الإخبارية أن القرأن لا يفهمُهُ إلاّ من خوطب به وهم النبي ( صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) وآله وأهل بيته ( عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فلا يمكن الإعتماد على الكتاب من دون مراجعة الروايات وما ورد عنهم عليهم السلام، فهم وحدهم القادرون على تفسيره وتأويله.
3-رفضت الحركة الإخبارية البحث في الأسانيد والمتون. بل قالت لم تعد هناك حاجة إلى علم الرجال ولا علم الأصول. فيقولون بعدم الحاجة إلى تعلم أصول الفقه، لأنهم لا يقبلون دليل (الإجماع) حيث يقولون إنه بدعة جاء بها أهل السنّة، فلا يسْلَم عندهم من مصادر التشريع الأربعة وهي (الكتاب والسنة والعقل والإجماع) إلاّ الكتاب وهو القرآن الكريم والسنّة وهي الروايات والأخبار الواردة عن النبي واهل بيته عليهم السلام.
4- الإخباريون ينكرون (قيمة العقل)، بدليل أنه لا يمكن الاستدلال والإحتجاج به إلاّ في الأمور الحسيّة أو القريبة من الحس كالرياضيات. وعلى ذلك فإنهم رفضوا (الإجتهاد)، بحيث إن المولى الاستربادي أورد بحوثاً كثيرة لإبطال حجية العقل، وأنكر الإجتهاد حتى بمعناه الجديد المقبول عند الشيعة وقال إنه بدعة في الدين. وهو أول من فتح باب الطعن على المجتهدين كما ذكر في كتابه
(الفوائد المدنية) الكثير من التشنيع والإنتقاد على المجتهدين. بل ربما نسبهم إلى تخريب الدين. وقال بأنه لا يجوز لأحد أن يُقلّد غير المعصوم.
وبذلك فإن الحركة الإخبارية ترفض بشدة تقسيم الأمّة إلى مجتهدين ومقلدين، وكانت ترفض الإعتراف بأية ولاية (للفقهاء) وتعتبرهم منحرفين عن خط أخبار أهل البيت ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) .
5- يعتمد الإخباريون على جميع الأخبار الواردة في الكتب الأربعة التالية والمعتبرة عند الشيعة الإمامية على أنها قطعية السند وموثوق بها ، ولا حاجة للبحث عن
سندها، ويعتقدون بل يجزمون أن جميع ما فيها من الأخبار صحيح وهي:
أ .كتاب الكافي: لمؤلفه محمد بن يعقوب الكليني، المتوفى سنة 329ه-/ 941م، والذي يروي (16199) حديثًا مسندًا ومرسلًا جمعه في (20) عامًا.
ب. كتاب من لا يحضره الفقيه: للشيخ الصدوق وهو محمد بن علي بن بأبويه القمّي المتوفى سنة 381ه-/ 991م ، ويحتوي على (3913) حديثًا مسندًا ومرسلًا.
ت. كتاب التهذيب: لمؤلفه شيخ الفقهاء أبي جعفر محمد بن حسن الطوسي المتوفى سنة 460ه-.
ث. كتاب الاستبصار : وهو أيضاً للشيخ الطوسي، وقد جمع في الكتابين التهذيب والاستبصار (5511) حديثًا مسند ومرسل.
وهنا فإن الإخباريين يختلفون عن الأصوليين في هذا الإتجاه، حيث يقول الأصوليون بأنهم يعتقدون بالكتب الأربعة هذه، إلاّ أنهم لا يعتقدون بالسند القطعي الذي جاءت بها الأحاديث في الكتب الأربعة، وإنما يقول الأصوليون حول السند القطعي للأحاديث بأن فيها (الصحيح والحسن والموثق والضعيف).
بينما السند القطعي عند الإخباريين للأحاديث إما (صحيح أو ضعيف).
6- يقول الإخباريون بجواز تقليد الميّت حيث يؤكدون على أن: (الرعية كلها مقلدة للإمام المعصوم) ولا يجوز الرجوع إلى المجتهد بغير حديث صحيح وصريح.
7- الإخباريون لا يرون أي قيمة ( للتواتر) وذلك لعدم وروده في أي رواية أو نص شرعي. فقد تعبدوا بكل شيء ورد في الروايات.
هذه أهم معتقدات الإخباريين العقائدية والتي إختلفوا فيها مع الأصوليين، ومنها نشأ الصراع الفكري داخل الشيعة الإمامية الذي إستوجب أن يهيئ كل طرف وسائله الخاصة للدفاع عن فكره، عندها تصلّب الأصوليون في موقفهم ضد الإخباريين، وأخذ العديد من العلماء يقفون بوجه المد الإخباري الذي أخذ يستقطب فئات كثيرة من العلماء وطلاب العلم ومن العامة، واخذوا يصفون الفكر الإخباري بالجمود لإعتقادهم بأن عقائد الإخباريين أدّت إلى الإستهانة بالعقل والاستدلالات العقلية وحرمت التفكير في القرآن. وان الحركة الإخبارية جعلت الحديث مقياساً للقرآن بدلاً من أن تجعل القرآن مقياسًا للحديث، وما استهدافهم لحجية ظواهر القرآن والطعن فيها إلاّ بدعوى حماية الحديث والتمسك به.
وكان أكثر موارد الخلاف حول مصادر التشريع الأربعة، فهم يعتمدون على السنّة فقط كمصدر وحيد بإعتمادهم على الأحاديث الواردة عن أهل البيت والمنسوبة إلى النبي ( صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ ) .
ومن ذلك كان إصرار الإخباريين على رفض( الإجتهاد) ومحاربته بعنف، كما حرّموا التقليد لغير المعصوم، ورفضوا النيابة العامة عن الإمام المعصوم وعلى هذا المبدأ فقد قبلوا بتقليد الميّت، وبذلك فقد أنكروا دور المجتهد كواسطة فيما يتعلق بالحكم الشرعي.
والحقيقة تقال بأن الإخباريين كانت لهم حججهم القوية التي تمكنوا فيها من الوقوف بوجه الأصوليين، ولكن الأصوليين تمكنوا من رد الكثير من حججهم بل
وصفوا فكر الإخباريين بالجمود وأن العصر يتغير وبتغيره فإن الكثير من الأحكام يجب أن تواكب العصر.
و من الأمور التي كان الأصوليين ينعتون بها الإخباريين بالجمود هو قولهم بأن الإخباريين تعبدوا بكل شيء ورد في الروايات، حتى أنهم كانوا يأمرون بكتابة الشهادتين على كفن كل ميّت بالعبارة التالية : « إسماعيل يشهد أن لا إله إلاّ اللّٰه » ولا يكتبون اسم الميّت المعروف به، وما ذلك إلاّ لأن الإمام جعفر الصادق عليه السلام كتب تلك العبارة على كفن ولده إسماعيل.
وفي مثل آخر ينعتون به الإخباريين بالجمود هو قولهم بأنه إذا ورد حكم لمناسبةٍ ما ثم زالت تلك المناسبة، فإنهم يُبقون الحكم كما هو حتى وإن كان بقاؤه مخالفًا للعرف والطبيعة وظروف الحياة المستجدة.
كما أن الأصوليين وجهوا نقدهم إلى الإخباريين ونعتوهم بتقسيم الإمامية إلى فرقتين، مما سوّغ للبعض أن يصف الإمامية بالإنقسام حيث قال عن الإمامية متصيداً بالماء العكر: «... ثم لّما إختلفت الروايات عن أئمتهم وتمادى الزمان إختارت كل فرقة طريقة، وصارت الإمامية بعضها (معتزلة) إمّا وعيدية أو تفضيلية، و (إخبارية) إمّا مشبهة وإمّا سلفية ».
رغم إن الحركة الإخبارية ظهرت في الربع الأول من القرن الحادي عشر، وإستمر السجال بينها وبين الأصوليين، إلاّ أن إنتشار أفكار هذه الحركة كان على أشدّه في القرن الثاني عشر الهجري.
وكانت مدينة كربلاء هي الحاضنة لهذه الحركة حينها، وفيها كانت المساجلات الفقهية، وخاصة عندما كان يتصدر الحركة الإخبارية في كربلاء العلامة الشيخ ((يوسف البحراني ) (1)المتوفى سنة 1186ه- / 1772م. و (الملا إسماعيل الخواجوئي
1) سيتم الحديث عن الشيخ يوسف البحراني وترجمته لاحقًا.
الإصفهاني) المتوفى سنة 1197ه-/ 1783م، وآقا محمد بيد آبادي المتوفى في السنة التي توفي فيها الملا إسماعيل، والشيخ محمد رفيع الكيلاني.
وكان على رأس المتصدين للحركة الإخبارية من الأصوليين هو العلامة السيد محمد باقر البهبهاني (1)الذي إرتحل من إيران إلى كربلاء ليتصدى فيها للحركة الإخبارية، حيث أفتى حينها بكفرهم، وتمكن من تحقيق النصر للمدرسة الأصولية التي إستمرت في تلاميذه.
عندما تأسست الدولة القاجارية في إيران مطلع القرن الثالث عشر الهجري، وتحديدًا في زمن الشاه فتح علي القاجاري، فقد تأرجحت الدولة الإيرانية (الشيعية) بين علماء المدرسة الأصولية التي كانت حينها بزعامة العلامة الكبير الشيخ (جعفر كاشف الغطاء) (2)في النجف، والسيد (محمد المجاهد) (3)في كربلاء.
1) هو محمد باقر بن محمد أكمل البهبهاني، المولود في بهبهان بإيران سنة 1118ه- / 1706م، إنتقل إلى كربلاء عند استفحال أمر الإخباريين فيها، وإنتهت إليه الزعامة الدينية ورئاسة المذهب الإمامي، وهو الذي تصدى للإخباريين وكان الند القوي للشيخ يوسف البحراني، وتتلمذ على يديه العديد من العلماء الكبار أمثال النراقي وأبو القاسم القمي والسيد محسن الأعرجي والميرزا محمد مهدي الشهرستاني والسيد مهدي بحر العلوم والعلامة الكبير الشيخ جعفر (كاشف الغطاء) وغيرهم. كان كثير التعبد ومواضبًا على زيارة الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ)، ويقال أنه في أواخر أيامه كان يُغشى عليه ويسقط على أرض مدخل الروضة كلما دخل لزيارة الحسين. توفي سنة 1208ه- /1793م بعد الشيخ يوسف البحراني بعشرين سنة تقريبًا، ودفن في الرواق الشرقي من الحرم الحسيني الشريف بالقرب من الباب القريبة من ضريح الشهداء، وكان على قبره صندوق خشبي مزخرف. ومن غرائب الصدف أن يكون قبره مجاوراً لقبر الشيخ يوسف البحراني فهما اختلفا في الحياة وتشاركا سوية في موضع القبر.
2) هو شيخ الطائفة الإمامية الأصولية الشيخ جعفر العلي المالكي الجناجي الملقب ب- (كاشف الغطاء)، وهذا اللقب إشتهر به عند تأليفه كتابه (كشف الغطاء عن معايب ميرزا محمد عدو العلماء) والميرزا محمد هو شيخ الإخباريين وقتها، وقد اهدى الكتاب إلى الشاه فتح علي القاجاري، وأجاز له أن يحكم بالوكالة عنه بإعتباره نائباً عن الإمام المهدي عليه السلام.
3) سيتم الحديث لاحقاً وبالتفصيل عن العلامة الكبير السيد محمد المجاهد بن العلامة السيد علي الطباطبائي (صاحب الرياض)، بإعتباره أحد أكابر علماء عصره في كربلاء.
وبين علماء المدرسة الإخبارية بزعامة الميرزا (جمال الدين محمد الإخباري) (1)
والوعد الذي أعطاه الشاه إلى ميرزا محمد بمناصرة مذهبه، هو الذي دفع الشيخ جعفر كاشف الغطاء بالإسراع في تأليف كتابه (كشف الغطاء...) وأهداه إلى الشاه. رغم ذلك كله فإن الروابط بين الشاه والإخباريين لم تنقطع، فقد أقام الشاه علاقة ورابطة أخرى مع الشيخ أحمد الإحسائي الذي استدعاه إلى طهران، وكتب له رسالة يشير فيها إلى أنه يعتقد بوجوب طاعة الشيخ الإحسائي وحرمة مخالفته ويعتذر من استدعائه، ومن حسن حظ الأصوليين أن الشيخ أحمد الإحسائي لم يوافق على الإقامة في طهران داعمًا للشاه، رغم إن الشاه ظلَّ يدعم الشيخ الإحسائي ويمده بالأموال محاولاً تقوية شعبيته.
وعندما سقطت أفكار الشيخ الإحسائي في كربلاء وغيرها من المدن التي كان له أتباع فيها نتيجة تكفير العلماء الأصوليين له، كان على الشاه القاجاري فتح علي أن يبحث عن غطاء شرعي لدولته الجديدة في ظل التحريم الذي تقول به نظرية (التقية والإنتظار ) ، لذا كان يعلن الإخلاص والمحبة لمرجع ذلك الزمان في كربلاء الذي أعقب الشيخ جعفر كاشف الغطاء في المرجعية وهو السيد محمد المجاهد بن صاحب الرياض السيد علي الطباطبائي، وكان الشاه يدعي الطاعة له في جميع الأمور. وعندما أعلن السيد محمد الجهاد ضد الروس بعد إحتلالهم لأجزاء من آذربيجان وسمي بالمجاهد على هذا الأساس وقاد الحرب بنفسه، عندها وجد الشاه نفسه مجبراً على مسايرة المرجع الديني، وعندما إنهزم الجيش الإيراني ألقى الشاه اللوم عليه، بل وإنقلب عليه، ومات في الطريق عند عودته. وهنا يلاحظ القارئ الكريم علاقة السلطة بالدين وتأثير السياسة على مجريات الأحداث، وما كانت الصراعات العقادية إلّا من قِبل الحكومات التي لا يهمها شيء سوى البقاء في الحكم والسلطة.
المتوفى سنة 1232ه- / 1817م، والشيخ أحمد زين الدين الإحسائي(2)المتوفى سنة 1241ه- / 1825م. وبنظرة سريعة على فكر الحركة الإخبارية، ورفضهم لمصادر التشريع الأربعة، نجدهم هنا يشابهون عقائد المذهب الحنبلي وهو من المذاهب الأربعة لأهل السُنّة الذي يُعرف بأنه متشدد في فقهه بإعتماده على الكتاب والسنّة فقط.1) الميرزا جمال الدين محمد الإخباري كان قد إستغل ضعف الشاه فتح علي في صراعه مع الروس الذين إجتاحوا شمال إيران في أيامه، فتعهد الميرزا محمد الإخباري للشاه بأن يأتي له برأس قائد الجيوش الروسية (سيسيانيف) خلال أربعين يوماً ، بصورة غيبية، بشرط أن يعلن الشاه المذهب الإخباري مذهباً رسميًا للدولة القاجارية ويلغي المذهب الأصولي، فوافق الشاه حينها، ووفى الميرزا محمد بوعده فدخل على الشاه ذات يوم وهو يحمل رأس القائد الروسي. أمّا كيف تم قتل القائد الروسي، فكان على يد حاكم (لنكران) الذي كان من أتباع الميرزا محمد الإخباري وبمؤامرة منه فقد دعاه لوليمة وعندما خلا به قتله وقطع رأسه وسلمه للميرزا الذي جاء به إلى الشاه. ولكن الشاه القاجاري خاف على ملكه وشعر أنه من الصعب تغيير مذهب الناس في بدء حكم القاجاريين، فأعطاه أموالاً وسفّره إلى العراق.
2) سيتم الحديث عن الشيخ الإحسائي لاحقًا، وهو الذي كان من الاخباريين وأسس الشيخية.
ومما نُقل عن الإخباريين في أيام صراعهم مع الأصوليين، فقد وصل بهم الأمر إلى درجة أن بعضهم يمسك (الكتب الأصولية) بمنديل، لكي لا تتوسخ أيديهم منها، أو بالأحرى حتى لا تتنجس أيديهم!!
وكان رجال الدين الإخباريين يميّزون أنفسهم عن غيرهم ب- (الحنك)، أي إرسال حنك عمامة الراس من جهة الكتف الأيمن وإمرارها من تحت اللحية، ورميها على الكتف الأيسر ، ليس في حال الصلاة فقط بل في كل الأحوال.
رغم أن مدينة النجف تعتبر المدينة التي تأسس الفكر الإخباري فيها على يد المولى محمد أمين الاستربادي، فإن مدينة كربلاء هي التي إحتضنت هذه الحركة وإنتشرت أفكار الإخبارية فيها، خاصة في أيّام العلامة الشيخ يوسف البحراني، وكادت هذه الحركة أن تنهي العقيدة الأصولية التقليدية التي كانت قد نشأت منذ قرون عديدة، ولكن العقيدة الأصولية تمكنت من إستعادة مكانتها العلمية والفكرية في كربلاء بعد أن تمكن الأصوليون من دحض الفكر الإخباري.
فعادت مدينة كربلاء مركزاً رئيسياُ للشيعة الإمامية الأصولية في ذلك الوقت، ورغم ذلك كلّه لم تنته الحركة الإخبارية، فقد بقي لها أنصار ومريدين في كربلاء وغيرها من المدن والبلدان وخاصة في الإحساء والبحرين وإيران.
في خضم الصراع الصفوي الأفغاني العثماني، وخاصة عندما فشل الوالي أحمد باشا في محاولتين حربيتين مع الأفغان الذين يقودهم (أشرف)، وتراجع أحمد باشا إلى همدان بقواته المبعثرة، لم يرغب أشرف بمواصلة إنتصاره هذا حيث كان بحاجة للوصول إلى تفاهم مع السلطان العثماني بسبب نمو قوة عدوه الأمير طهماسب ميرزا بن الشاه حسين الصفوي، الذي لازم بلاطه الصغير في إقليم مازندران تسانده قوات قبيلة القاجار (1)القوية في إستراباد، حيث إنظم إليه زعيمهم فتح علي خان (2)بعد أن ناشده طهماسب بأن يساعده ضد الأفغان. كما إلتحقت به قوة أخرى من المحاربين الأفشار والأكراد يقودها نادر قلي (3)الذي كانت شهرته كقائد عسكري قد إنتشرت في شمالي بلاد فارس(4).
1) قبيلة قاجار تركية الأصل، وكانت تتخذ من أرمينية مستقراً لها ، ويذكر المؤرخون بأن تيمورلنك هو الذي احضرها إلى بلاد فارس. وكانت قبيلة قاجار قد ساندت الصفويين وكان أفرادها يعدون من القزلباش الجناح العسكري للدولة الصفوية عند تأسيسها. وتمكنت هذه القبيلة فيما بعد وفي الفوضى التي عمّت إيران بعد مقتل نادر شاه من أن تؤسس دولة سميت بالدولة القاجارية التي إستمرت في حكم إيران لحين الإطاحة بها من قبل رضا بهلوي في الثلث الأول من القرن العشرين الميلادي.
2) فتح علي خان، هو زعيم قبيلة قاجار وهو جد مؤسس الدولة القاجارية (أغا محمد خان) الذي جاء بعده الشاه (فتح علي القاجاري) الذي سميّ باسم جده الأعلى زعيم القبيلة القاجارية.
3) هذا هو أول ظهور لنادر قلي الأفشاري على الساحة كقائد مساند للأمير طهماسب الثاني بن الشاه حسين الصفوي الذي قضى عليه الأفغان.
4) راجع العراق في العهد العثماني: د. علاء نورس ص130 وص 131.
ولد نادر قلي في 6 محرم 1100 ه- / 1688م في خراسان، وكانت أسرته تنتمي إلى فرع (كير كلو) من قبيلة الأفشار التركمانية، حيث نزحوا من تركستان إلى شمال غرب بلاد فارس إبان الإحتلال المغولي، وسكنوا أذربيجان ، ثم هاجروا أيام حكم الشاه إسماعيل الصفوي إلى خراسان.
فترعرع نادر في خراسان وبدأ حياته راعيًا كأبيه ، ثم دخل في خدمة حاكم مدينة (أبيورد) واسمه (بابا علي بيك أحمد لو) وزعيم قبائل الأفشار فيها.
أصبح نادر فيما بعد حاكمًا على ( أبيورد) بعد وفاة حاكمها الذي أتهم نادر بقتله وفق بعض الروايات.
وإثناء الفوضى التي سادت إيران إثر الغزو الأفغاني لها، والإحتلالات الروسية والعثمانية لبعض أقاليمها، تمكن نادر من الاستيلاء على قلعة مهمة في خراسان عرفت فيما بعد باسم (قلعة نادري) وإتخذها مقرًا لقيادته.
نادر شاه الأفشاري
ومن ثَمَّ إستولى على مدينة نيسابور الذي أعلن بعد استيلائه عليها أنه فتحهاباسم الأمير طهماسب الثاني. وبدأت شهرته تزداد فطلب منه (طهماسب الثاني) الإلتحاق به ومساعدته، فإستجاب نادر لطلبه وإلتحق بطهماسب على رأس قوة من خمسة آلاف مقاتل من الأفشار والأكراد سنة 1139 ه- / 1726م. وتمكن بذكائه أن يقيم علاقة حميمة مع طهماسب الثاني الصفوي وكانت خطط نادر في هذا الصدد مستغلاً إمكانياته وقدراته أن تكون له اليد الطولى والتأثير الكبير على طهماسب وأن يكون العقل المدبر لكل شيء.
وطلب منه طهماسب استرجاع خراسان وتمكن نادر من ذلك حيث إستولى على مدينة (مشهد) ثم إستولى على ( هراة) حيث أنزل الهزائم بالأفغان. وكانت هذه الفتوحات خطوة مهمة نحو إعادة السلطة الصفوية في إيران، مما جعل ذلك إزدياد المتطوعين الموالين للصفويين. وتمكن نادر من تشكيل جيش قوي لغرض تحرير البلاد من الأفغان. وبسبب هذه الفتوحات والأعمال كافأه طهماسب بلقب (طهماسب قولي خان) أي عبد طهماسب، وعيّنه قائدًا لجميع قوّاته.
وفي سنة 1142ه- / 16 تشرين الثاني 1739م دخل نادر بقواته إلى إصفهان وأرسل إلى طهماسب يدعوه للقدوم واعتلاء العرش، بعد تحريرها من الأفغان. فأسرع طهماسب إلى إصفهان التي مضى على مغادرته لها مهزوماً سبع سنوات ونصف، وعيّن قائده نادر قلي حاكمًا على أقاليم (خراسان و سیستان و کرمان ومازندران) مكافأة له على جهوده، كما منحه حق جمع الضرائب لدفع رواتب جنده(1)
وبعد مقتل أشرف تلاشت قوة الأفغان الذين حكموا اجزاء من إيران، وعاد الحكم الصفوي متمثلاً بالشاه طهماسب الثاني. ولكن عودة الصفويين إلى الحكم لم
1) العراق في العهد العثماني ص 142 عن تاريخ إيران لمؤلفه شاهين مكاريوس ص197. والشعوب الإسلامية لعبد العزيز نوار ص 306.
تتم بعد لأن الدولتين الروسية والعثمانية كانتا تحتلان أجزاء واسعة من إيران، فكان على نادر أن يحارب الدولتين.
في البداية أرسل طهماسب وبتحريض من نادر قلي رسالة إلى الدولة العثمانية يطلب منهم إعادة الأقاليم التي إحتلها العثمانيون، وكان ذلك سنة 1142ه-/ 1730م، وتوصل مبعوث الشاه إلى عقد معاهدة بإعادة الأقاليم على أن تدفع حكومة الشاه مبلغاً سنويًا للعثمانيين عن الخسائر التي تكبدوها.
لكن نادر قلي لم ينتظر نتائج توقيع المعاهدة فقام بالهجوم على نهاوند وإحتلها وقتل ألفين من جنود الحامية العثمانية فيها، وتمكن من إستعادة همدان وأردلان وكرمنشاه، وبدأ يتهيأ لطرد العثمانيين من آذربيجان فإحتل تبريز وأردبيل.
وحدثت من جرّاء ذلك فوضى في الدولة العثمانية نتيجة هزائم جيوشها أمام نادر قلي، وبذلك كان نادر قد تمكن من استرجاع جميع مناطق غرب إيران، ولكنه لم يكمل بقية فتوحاته حيث توجه إلى هراة في أفغانستان لقيام ثورة فيها ضد الصفويين، وعقد هدنة مع العثمانيين.
بينما كان نادر قلي يقود حملته ضد الأفغان في (هراة) تحرك طهماسب بدفع من النبلاء في إصفهان على رأس جيش لطرد العثمانيين من الأقاليم التي مازالت تحت سيطرتهم. في نفس الوقت أصدرت الدولة العثمانية أمرًا إلى (أحمد باشا) والي بغداد للتوجه نحو إيران لإستعادة المدن التي إحتلها نادر قلي.
وقرب همدان وفي 13 ربيع الأول 1144ه- / 14 أيلول 1731م إستطاع العثمانيون بقيادة أحمد باشا من هزيمة طهماسب الذي هرب إلى طهران وقد تكبد خسائر هائلة. ومن جهة أخرى تمكن ( علي باشا) من استرجاع بقية المناطق التي إستولى عليها نادر قلي، وهنا طلب الشاه طهماسب من العثمانيين عقد معاهدة للصلح . وبعد مفاوضات بين أحمد باشا والي بغداد وممثل الشاه (محمد رضا قلي) إستمرت عدة أشهر للتوقيع على معاهدة سميت باسم (معاهدة أحمد باشا) في 13
رجب 1144 ه- / 10 كانون الثاني 1732م تنازل بها الشاه عن عدة مناطق بينما بقيت تبريز تحت سلطته. وتم إنتقاد المعاهدة من قبل الكثير في البلاط العثماني بسبب تبريز.
وعندما علم نادر قلي بأمر المعاهدة ثار غضبه وإعتبرها ضد مصلحة الدولة، ولابد من نقضها، وأرسل إلى الشاه ووزرائه يحتج على كل ما قاموا به، وإنه سوف يقوم باسترداد جميع المناطق التي أخذها العثمانيون في المعاهدة بالقوة ومن لم يقف معه في رأيه سيكون من الأعداء ولابد من القصاص منه. وفي نفس الوقت أرسل نادر مبعوثًا إلى إسطنبول مطالباً بإعادة الأقاليم أو الاستعداد للحرب.
فإستعد العثمانيون للحرب، وعندها بعث نادر رسالة إلى الشاه طهماسب يطلب منه مغادرة إصفهان على رأس جيش للتقدم سوية ضد العثمانيين. ولكن طهماسب رفض طلبه مما جعل نادر قلي يضطر للزحف نحو إصفهان ودخلها في ربيع الأول 1145 ه-/ آب 1732م و قابل الشاه طهماسب وطرح عليه موضوع إلغاء المعاهدة، إلاّ أن الشاه لم يستجب لطلبه ... وبذلك أعطى الحجة لنادر لتحقيق الهدف الذي يسعى إليه وهو الوصول إلى العرش. فتمكن نادر من عزل الشاه طهماسب عن العرش وسجنه في مازندران تحت حراسة مشددة وإعتقل جميع المقربين من الشاه.
وأعلن تنصيب ابن الشاه واسمه ( عباس ) الذي كان يبلغ من العمر ثمانية أشهر فقط وعرف ب- (الشاه عباس الثالث) ووضع نادر نفسه وصياً على العرش وألغى لقبه القديم (طهماسب قلي خان) أي عبد طهماسب وإتخذ لقب (وكيل الشاه)(1).
تقدم نادر سنة 1145 ه- / 1732م نحو بغداد، وأرسل رسالة إلى أحمد باشا والي بغداد يتوعده وينذره وهو زاحف لإحتلال بغداد قائلاً في رسالة له: «ليكن معلومًا لديكم، ياباشا بغداد، إننا نطالب بحق لا نزاع فيه في زيارة قبور الأئمة علي والحسين والمهدي وموسى ونطالب بجميع الإيرانيين الذين أسروا في الحرب الأخيرة... نحن
1) راجع تاريخ العراق بين إحتلالين: عباس العزاوي، ج 5 ص233.
سائرون حالاً على رأس جيشنا المظفر لنتنسم هواء سهول بغداد العليل، ولنستريح في ظل أسوارها»(1).
وصل نادر إلى أطراف بغداد وقام بمحاصرتها وتمكن من أن يصل ويحتل جانب الكرخ منها وذلك في الأول من رمضان 1145 ه- / الرابع عشر من شباط 1733م ولم يستطع من العبور إلى جانب الرصافة، وقد فتكت المجاعة بالناس وكان أحمد باشا يقود قواته داخل بغداد بكل شجاعة وحكمة، وعندما سمع نادر بزحف جيش من إسطنبول بقيادة (طوبال عثمان باشا) إلى بغداد لمساندة أحمد باشا تقدم نادر قلي نحوه بجيش كبير وترك قسماً من قواته لاستمرار محاصرة بغداد. وفي 6 صفر 1146ه- / الثامن عشر من تموز 1733م إلتقى الجيشان، وفي معركة ضارية بالقرب من سامراء إنهزم فيها جيش نادر قلي وإنتصر الجيش العثماني، وهرب نادر وهو جريح ومعه فلوله بإتجاه الأراضي الإيرانية.
وبعد ثلاثة أشهر من هزيمته إستعد نادر للهجوم ثانية على بغداد، وسلك طريقه نحو كركوك حيث علم بعودة طوبال عثمان باشا إلى بلاده فأراد أن يفتك به ويتحول بعدها إلى بغداد، فحدثت معركة في جنوب شرقي كركوك في 15 جمادي الأولى 1146ه- / 23 تشرين الأول 1733م تمكن نادر قلي من الإنتصار على الجيش العثماني بعد مقتل قائده طوبال عثمان باشا الذي أبدى بطولة متناهية وقد سقط من على صهوة جواده ومات على إثرها، وقد أظهر نادر إحترامًا كبيرًا لجثمان طوبال وشيعه إلى بغداد بموكب مهيب لبسالته. وهنا إستعد والي بغداد أحمد باشا لمقاومة جيش نادر قلي.
كان نادر قلي واثقاً هذه المرة من إحتلال بغداد، فبدأ بالزحف عليها وأرسل قوة من جيشه لإحتلال الحلة والنجف وكربلاء لمنع المدد إلى بغداد، وعند وصول
1) أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث: ستيفن هيمسلي لونكريك ص169 وص 170.
نادر وتطويقه بغداد وصلته أخبار تفيد بأن حاكم إقليم فارس قد قام بثورة لصالح الصفويين ونادى بطهماسب السجين شاهاً على البلاد.
فإضطر نادر قلي إلى طلب الصلح مع أحمد باشا وعقدت بينهما معاهدة في 11 رجب 1146ه-/ 17 كانون الأول 1733م ، إعتبرت معاهدة زهاب الموقعة بين الإيرانيين والعثمانيين سنة 1049ه- / 1639م هي الأصل في ترسيم الحدود، كما نصت المعاهدة الأخيرة على إطلاق الأسرى من الجانبين، وإعادة المدافع المستولى عليها، وكذلك تسهيل زيارة الإيرانيين إلى العتبات المقدسة. وعاد نادر قلي إلى بلاده لإخماد الثورة التي نشبت في بلاده.
تمکن نادر قلي من إخماد الثورة وعاد إلى إصفهان في 25 ذو القعدة 1146ه- / 28 نيسان 1734م. وعندما ذهبت معاهدته مع أحمد باشا للتصديق عليها في إسطنبول جاءه رد السلطان العثماني بأنه خوّل القائد العام للقوات العثمانية في آسيا صلاحية المفاوضات، يعني أن المعاهدة لم يصادق عليها، فإعتبر نادرًا ذلك الأمر كسب وقت للعثمانيين، لذا قرر أن يضرب ضربته، فقام بالتحرك لاسترداد الأقاليم المحتلة من قبل العثمانيين، ووجه قواته لإحتلال البصرة ولم يتمكن منها. وتمكن من إعادة جميع الأقاليم والولايات الصفوية وضمها مجددًا لإيران.
في هذه الأثناء أعلن عن وفاة الشاه الطفل (عباس الثالث) فأصبح بإمكان نادر قلي تحقيق هدفه في الحصول على العرش. ودعا قادة الجيش وحكام الأقاليم والقضاة والعلماء إلى إجتماع لمنح التاج للشخص الذي يرونه مناسبًا، فأجمع الحاضرون على إختياره هو على العرش من أجل حماية البلاد، فتظاهر بالرفض وأكّد عدم قبوله التاج وظل يرفض لمدة شهر كامل. وإستمرت توسلات المجتمعين ثم إنتهت المسرحية إلى قبوله ارتقاء العرش ولكنه إشترط تخلي الشعب الإيراني عمّا جاء به مؤسس الدولة الصفوية والعودة إلى الدين القويم ، لأن التعصب المذهبي أوصل البلاد إلى التدهور وإنعزالها عن جيرانها وإلى إراقة أنهار من الدماء.
وطلب منهم أن يعيدوا الوحدة بين أتباع المذاهب المختلفة، وتوعد بأن يكون المذهب الجعفري هو المذهب الخامس. ولكن المجتهد الأكبر من العلماء تحدث عن جهود نادر قلي وقال على نادر أن يحصر جهوده في الأمور الدنيوية ويترك قضايا الدين للمختصين به، ولكن نادر أمر بشنقه مما جعل جميع الحاضرين يوافقون على مطلبه من دون إعتراض.
عندها توّج نادر شاهاً لإيران في 24 شوال 1148ه- / 7 آذار 1736م، وأصدر أوامره لكل الأقاليم بأن يبتعد الناس عن التعصب المذهبي، وان يذكروا الخلفاء بكل إحترام. وأرسل مبعوثاً إلى الدولة العثمانية ليتفاوض من أجل السلام وفق الشروط التالية:
1- الفرس لهم الحق في أن يميزوا بعد أن إبتعدوا عن التعصب، كفرقة خامسة تعرف باسم الجعفرية، وعلى الدولة العثمانية أن تعترف بذلك.
2- لما كان لكل مذهب من المذاهب الأربعة ركن في الكعبة، فيجب أن يكون للمذهب الجعفري ركن أيضاً.
3- الموافقة على تعيين أمير فارسي خاص بالحج، يُسمح له بمرافقة الحجاج الفرس إلى مكة. ويكون في مركز متساوٍ لمركز أمير الحج السوري والمصري.
4- تبادل الأسرى بين كل من الطرفين، ولا يجوز أن يباع أحد منهم أو يشترى.
5- تبادل السفراء بين الدولتين (1).
1) العراق في العهد العثماني: د. علاء نورس، ص 181 وص 182 ، عن دره نادره لمؤلفه ميرزا مهدي خان ص 756 وعثمانلي تاريخي لأحمد راسم ج 2 ص 387 وغيرهم من المستشرقين الأوربيين. إلاّ أننا لم نطلع شخصيًا على هذه المصادر التي إعتمد عليها الدكتور علاء نورس، ولكن نشك في كل كلمة جاءت باسم فرس أو فارسي، لأن الفرس هم جزء من الشعب الإيراني وليس كل إيراني هو فارسي، فإيران تتكون من عدة قوميات منهم الفرس والتركمان والأكراد والبلوش الذين هم من اصول عربية وغيرهم، كما أن نادر شاه وقبله الصفويين وبعده القاجاريين هم جميعًا من أصول تركمانية، فمن الخطأ وحتى في وقتنا الحاضر أن نطلق على الإيرانيين جميعًا كلمة (فرس).
وإتفق الجانبان على تبادل الأسرى والسفراء وتعيين أمير إيراني للحج وأن تكون الحدود بين الدولتين وفق معاهدة زهاب، ولم يوافق العثمانيون على إعتبار المذهب الجعفري مذهبًا خامساً، ولا على إعطاء ركن خامس لهم في الكعبة، فبقيت هاتان النقطتان قيد المناقشة بعد توقيع المعاهدة الذي تم في 11 جمادي الآخرة 1149ه- /16 تشرين الأول 1736م.
وفي السنوات 1150 - 1153 ه- / 1737 - 1740م إنشغل نادر شاه بفتوحاته ضد الأفغان وإستولى على قندهار، وتمكن من غزو الهند سنة 1152ه- / 1739م وأتم فتح حوض السند. وتوجه في السنة التالية نحو تركستان وإستولى عليها، عندها إمتدت إمبراطوريته أكثر مما كانت في عهد الصفويين.
بدأت علاقاته مع العثمانيين تتدهور، فقام بالتحرك نحو بغداد سنة 1156ه- / تموز 1743م ، فأرسل قسم من جيشه نحو بغداد والقسم الآخر إلى الموصل لمحاصرتها وإحتلالها، وكان أحمد باشا ذاته والياً على بغداد فأخذ يستعد لذلك.
وأحكم الحصار على الموصل ولم يتمكن من إقتحامها فإضطر إلى طلب الصلح وتم ذلك وإنسحب نادر بعد حصار دام أربعين يوماً وتوجه إلى بغداد، وعند وصوله إليها عقد صلحاً مع أحمد باشا الذي إشترط عليه العودة لبلاده، كما أصدر نادر شاه أوامره برفع الحصار عن البصرة.
وتوجه لزيارة العتبات المقدسة في كربلاء والنجف وإنهمك في النجف بعقد مؤتمر سمّي بمؤتمر النجف لتوحيد المذاهب الإسلامية، وعاد بعدها إلى بلاده.
وفي 11 جمادي الآخرة 1160ه- / 19 حزيران 1747م قُتِل نادر شاه، ومن بعده عمّت الفوضى والفتن في إيران لمدة عشر سنوات، تخلصت فيها الدولة العثمانية من خصم عنيد أشغلها مدة طويلة.
قبل التحدث عن نادر شاه وزياراته وأعماله إلى مدينة كربلاء، لابد من توضيح صورة مختصرة عن محاولاته لإحتلال بغداد، ومنها نتعرف عن عدد زياراته لمدينة
كربلاء وما قدّمه لها وللأضرحة المقدسة فيها هو وزوجته شقيقة الشاه طهماسب الثاني بنت الشاه حسين الصفوي (كوهر خانم). لأننا وجدنا إختلافًا واضحاً في ما دوّن تاريخيًا عن كل ذلك، بين مغالٍ بأعمالهِ حبًا وتأييدًا، وقطعاً هؤلاء ممن يميلون دائماً إلى الأعاجم في توجهاتهم بل ويعتمدون مصادر كتبت بتوجيه من الشاه نفسه أو متعصبة لإيران، أو من الشاهات قبله وهم كتّاب السلاطين. والذين إعتمدوا على هؤلاء للأسف ممن كتب عن كربلاء وعن بقية مدن العتبات تسيطر عليهم المذهبية في نقلهم للحوادث.
بينما نجد آخرين إتخذوا الإعتدال في نقلهم للوقائع والحوادث ودرسوها جيدًا بل قاموا بتحليلها ليتم نقلها للمتلقي من دون تحريف أو أي نقل زائف للحقيقة.
وللأسف الشديد ونحن نكتب عن كربلاء وجدنا في المصادر التي كتبت عن تاريخ هذه المدينة العربية العريقة ما يؤلم حقاً، بل الأغرب من ذلك كانوا يخترعون بعض المواقف التي لم تحدث أصلاً وإعتبروها استنتاجات لابد أن تكون قد حدثت من دون الإشارة لأي مصدر ولو كان غير موثوق به.
وفي بحثنا هذا قد أشرنا للكثير مما ورد أعلاه وخاصة في الجزء الأول من هذا الكتاب وفي الجزء الثاني منه، وسنستمر كذلك في الجزء الثالث الذي نحن بصدده الآن، لتثبيت الحقائق للقارئ الكريم.
فقد أعطوا لنادر شاه حجمًا أكبر من حجمه رغم إن المحللين قد ذكروا نيّاته التي أراد من وراءها السيطرة والنفوذ عن طريق إسلوب الإحتلال البغيض، كما ذكروا قبله عن الملوك والسلاطين والشاهات الذين حكموا إيران وإحتلوا العراق وجعلوه ساحة للصراعات الإقليمية بل والمذهبية، وكل ذلك لمصالحهم الخاصة.
كنّا قد تحدثنا عن مسيرة نادر شاه الأفشاري وكيفية وصوله إلى سدة الحكم في إيران، وأطماعه التوسعية المعلنة والمخفية لإحتلال العراق بل محاولاته المتكررة التي
باءت جميعها بالفشل، رغم ان العراق كان ليس بيد أهله وإنما كان محتل من قبل الدولة العثمانية التي لم تكن أقل خطورة ووحشية من الدولة الإيرانية بمختلف حكوماتها.
ونادر شاه هذا ورغم أن جيشه تمكن في إحدى المرات من محاصرة بغداد حصارًا قاسيًا دام عدة أشهر وتمكن من إحتلال جانب الكرخ منها، ولكنه لم يفلح في مسعاه بأن يحتل كامل المدينة ومن خلالها يقع العراق تحت نفوذه، مما إضطره دائماً لعقد إتفاقية صلح مع واليها الذي كان نداً قويًا له وهو (أحمد باشا).
وبعد عقد الصلح طلب نادر شاه زيارة العتبات المقدسة، فكان له ذلك وترحيب الحكومة العثمانية.
1 - المحاولة الأولى كانت في 25 رجب سنة 1145 ه- / 1732م ودامت إلى 7 صفر 1146ه- / 1733م ، وكان نادر شاه حينها (وكيل الشاه) ولم يتسلم العرش بعد، وتمكن حينها من إحتلال الجانب الغربي (الكرخ)، وأرسل قواته لإحتلال مناطق جنوب بغداد ومناطق الفرات الأوسط، وقد ساعدته العشائر التي قاتلها أحمد باشا ومن قبله أبوه حسن باشا، وعندها قام جنوده بزيارة المراقد المقدسة في النجف والكوفة وكربلاء، ولكنه لم يزرها هو شخصياً حيث لم تذكر المصادر الموثوقة بذلك على عكس ما ذكره البعض. وعندما وصل المدد العثماني إشتبك جيش نادر شاه مع العثمانيين في معركة قرب تكريت، وقد إنهزم حينها وجرح في المعركة وإنسحب هو وجيشه إلى الأراضي الإيرانية، وإنتهى الحصار.
2- كانت المحاولة الثانية في نفس السنة بعد أن جمع نادر شاه فلوله وتوجه بجيش كبير نحو بغداد وأرسل قائده (بابا خان) إلى جهة الحلة ليستولي على مناطق جنوب بغداد لقطع الإمدادات. وتوجه نحو الجيش العثماني العائد إلى إسطنبول وإشترك معه بمعركة جنوب كركوك وتمكن من الإنتصار بعد أن قُتِل القائد
العثماني طوبال عثمان باشا. وبعدها حاصر بغداد عشرين يوماً وقد وجد الأهلون مضايقة أشد من المحاصرة الأولى.
«ولكن المحاصرة لم تطل بل طلب نادر قلي الصلح بسرعة فأرسل رسولاً يدعو الوالي إلى إعادة المدافع التي أخذت في همذان ليقبل الصلح. وكانت هذه المعاهدة ترمي إلى لزوم بقاء الحدود بين إيران والدولة العثمانية على ماكانت عليه قبل حرب الأفغان... إكتفى بهذا لأنه ورد إليه الخبر بأن محمد خان بلوج ثار عليه فتزايد ضرره وتسلط على بلاد كثيرة في فارس، قَبِل الوزير (الوالي) بالصلح ...»(1).
قَبل الوزير بالصلح وأمضى العهد بين الجانبين، وفي الحال ذهب نادر شاه لزيارة العتبات المقدسة إلى إيران (2). وهذه الزيارة كانت الأولى له ورجع للعتبات المقدسة ومنها كربلاء.
كانت هاتان المحاولتان لإحتلال بغداد من قبل نادر شاه قبل أن يعلن موت (عباس الثالث) وينصّب نفسه على عرش إيران.
3- أمّا المحاولة الثالثة فكانت سنة 1156ه- / 1743م بعد أن أعلن نفسه شاهاً على إيران بسبع سنوات تقريبًا وعندها كان قد تزوج من أخت الشاه طهماسب (کوهر خانم)، حيث يقول مؤلف دوحة الوزراء: «فقد قام نادر شاه بغزوالهند وتغلب عليها ومنها زحف على التركستان وإستولى عليها، ثم إستولى على بلاد الأفغان وبلخ وبخارى، فعندها لقّب نفسه (شاهنشاه) أي ملك الملوك، وعمد إلى نقض ما أبرمه من العهود والمواثيق مع الدولة العثمانية، ثم رجع من غزواته تلك عن طريق بغداد متظاهرًا بالزحف على الروم من هذا الطريق وأرسل إلى الوزير (الوالي) أحمد باشا يعلمه بذلك. وبعد وصوله إلى العراق تأخر ولم يواصل
سفره حتى انتهاء موسم الحصاد وقد وافق أحمد باشا على مروره ومكوثه وإعتبره ضيفًا ولسان حاله يقول (إذا كنت مأكول الطعام فرّحبِ). ثم أرسل الشاه بضعة من آلاف الجنود تحت ستار شراء الأطعمة للجيش ولكنه حاصر بهم بغداد، وحصل من جرّاء ذلك إضطراب أدّى إلى أن يترك الأهلون بيوتهم ويفرّوا إلى الجانب الثاني من دجلة. وقد إستولى جيش الشاه على جميع قرى بغداد وضياعها يعاونه بعض الأعراب (1).
ثم أرسل الشاه تسعين ألفاً من الجنود إلى البصرة محاصرتها وأرسل قسماً آخر إلى شهرزور (2). وبعد أن خضعت له شهرزور زحف على مدينة كركوك ... » (3).
وتمكن نادر شاه من فتح كركوك وزحف على أربيل وإحتلها، ثم زحف على الموصل وحاصرها أربعين يوماً وقام برميها بقنابل المدافع إلاّ أنه لم يتمكن من إحتلالها لصمود المدافعين عنها من أهاليها، وعند فشله في إحتلال الموصل توجه إلى بغداد المحاصرة أيضاً فطلب الهدنة من والي بغداد الذي وافق حقنًا للدماء، ويذكر الكركوكلي في دوحة الوزراء: « إلاّ أن هذه الموافقة تستوجب أخذ مصادقة الدولة العليّة عليها وقد كتبوا بذلك وإنهم في إنتظار جواب الدولة العلية. ولكن الشاه أعلن الهدنة من قبله وسافر إلى زيارة العتبات المقدسة وأمر بتعمير مرقد الخليفة الرابع، كما أمر أن تطلى القبّة بالذهب، ثم توجه إلى كربلاء
1) يقصد بالأعراب : العشائر التي كانت دائماً في ثورة متواصلة ضد الوالي أحمد باشا ومن قبله والده الوالي حسن باشا الجديد... فوجدت هذه العشائر من مصلحتها أن تؤازر نادر شاه ضد أحمد باشا لما لقيت منه من الشدة والقهر والإذلال، منها عشائر قشعم وشمّر وزبيد والخزاعل وبني لام والمنتفك وغيرها.
2) شهرزور: مقاطعة في شمال شرق العراق، كانت (ولاية) تضم إليها مناطق واسعة في السهل المسمّى باسمها، وأصبحت قضاءً فيما بعد عند التعديلات العثمانية في القرن التاسع عشر الميلادي، ومن أهم مدنها مدينة (حلبجة). وسهل شهرزور من أخصب السهول ليس في العراق وحسب بل في الشرق الأوسط بأجمعه.
3) دوحة الوزراء: للكركوكلي، ص 49 وص 50.
وأشاع أنه على مذهب أهل السنّة، وكتب إلى أحمد باشا أنه يريد أحد علماء السنّة لمناظرة علماء الشيعة وإزالة سوء التفاهم من بينهم »(1).
من ذلك يتضح أن نادر شاه في محاولته الأولى لإحتلال بغداد، لم يقم بزيارة العتبات المقدسة ومنها كربلاء، وإنما زار جنوده الذين إحتلوا مناطق الفرات الأوسط ومدنه كربلاء والنجف والكوفة والحلة، هم الذين زاروا المراقد في كربلاء، ولم يكن هو معهم على عكس مانقل بعض الموالين لحكام إيران.
في سنة 1146ه- / 1733م، وعندما كان نادر قلي محاصرًا لبغداد بعد إنتصاره على عثمان باشا الأعرج (طوبال)، والمحاصرة الثانية هذه لم تدم طويلاً فطلب عقد معاهدة للصلح في شهر كانون أول سنة 1733م. وعندما قبل الوالي بالصلح زار نادر قلي العتبات المقدسة ومنها مدينة كربلاء، حيث زار المراقد المقدسة فيها وقفل راجًا إلى إيران. وكانت هذه هي زيارته الأولى لمدينة كربلاء.
في سنة 1156ه- / 1743م ، وعندما فشل نادر شاه من إحتلال الموصل فقد توجه نحو بغداد ووصل الأعظمية فإرتاب أهالي بغداد من تقدمه هذا، فأتخذت التدابير للمقاومة، لكنه أرسل رسولاً إلى الوالي أحمد باشا طالبًا الصلح مع الدولة العثمانية من دون قيد أو شرط، وتم تأسيس الصلح بين الطرفين على أن يعود إلى إيران، وعندها توجه إلى زيارة العتبات المقدسة في النجف وكربلاء بترحيب من الحكومة العثمانية وموافقتها.
كان قد توجه بداية إلى مدينة النجف عن طريق الحلة ووصل النجف في يوم الأحد الحادي والعشرين من شهر شوّال سنة 1156ه- المصادف لليوم السابع من كانون الأول سنة 1743م ، وزار مرقد الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وتطلّع على إنهاء
1) دوحة الوزراء، ص 51.
التعميرات في الروضة الحيدرية التي تبرع بها سنة 1155ه- / 1742م وهي تذهيب قبة مرقد الإمام علي ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) والإيوان والمأذنتين(1).
وبقي في النجف عدة أيام حضر فيها المؤتمر الذي دعا إليه للتقارب بين المذاهب، وبعد انتهاء المؤتمر توجه إلى كربلاء لزيارة مرقد الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ).
وصل كربلاء يوم السبت المصادف 27 شوال سنة 1156ه- المصادف ليوم 13 كانون أول 1743م وكان بصحبته العلامة السيد نصر اللّٰه الحائري الفائزي مدرس الطف الذي ترأس علماء الشيعة في مؤتمر النجف وكان خطيب وإمام الجماعة لصلاة الجمعة التي أقيمت في مسجد الكوفة وحضرها علماء المذاهب الإسلامية الخمسة.
وقد نزل نادر شاه خلف سور المدينة في منطقة المخيم الحسيني حالياً مع عساکره وحاشيته حيث نصبوا الخيام والمنطقة التي خيّم فيها سميّت ب- (خیمکَاه) والتي أقيم فيها فيما بعد مباني ترمز إلى مخيم الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) (2). وقد زار المرقد الحسيني الشريف وتبرع بهدايا ثمينة للمرقد ، ومكث في كربلاء عدة أيّام وغادرها يوم الأربعاء الأول من شهر ذي القعدة 1156 ه- المصادف ليوم 20 كانون أول 1743م متوجهًا إلى بلده إيران.
1) ذكر الكرباسي في دائرة المعارف الحسينية (تاريخ المراقد) ج 2 ص 98 وفي الهامش (2) ص99 أن نادر شاه أمر سنة 1155ه- بتعمير الحائر الحسيني، وهذا محض افتراء وعدم دقة في نقل الحوادث وحتى المصادر التي أشار إليها لم تذكر ذلك بتاناً، وإنما ذكرت تعميراته التي تبرع بها من غنائم الهند لتعمير مرقد الإمام علي ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) ، وسنذكر لاحقاً بأن نادر شاه لم يقم بأي تعمير في الروضة الحسينية عدا تقديمه بعض الهدايا، وقد تبرعت زوجته بمبلغ من المال لبعض الترميمات فقط وتقديمها هدايا وصنع صندوق خشبي يوضع على القبر لاغير . وهذا النقل غير المبرر كانت له أبعاده التي هي تعظيم شأن الأعاجم المحتلين بأعمال نسبوها لهم وهم لم يقوموا بها أصلاً !!
2) سيتم الحديث لاحقًا عن المخيم الحسيني بالتفصيل وحسب السياق الزمني للبحث.
وجاء في تاريخ العراق بين إحتلالين عن الزيارة ما يلي: «... وحينئذٍ عزم على زيارة العتبات فذهب أولاً إلى النجف الأشرف لمشاهدة القبة المذهبة وكان أمر ببنائها ومنها ذهب إلى كربلاء ...» (1).
وفي كتاب ماضي النجف وحاضرها في عنوان السلاطين والخلفاء والوزراء الذين زاروا المرقد العلوي المطهر في النجف حيث جاء النص التالي:
«وزارهُ أيضاً السلطان نادر شاه الأفشاري فإنه توجه نحو العراق عن طريق خانقين إلى بغداد سنة 1156ه- ومنها إلى الحلة ثم إلى النجف دخلها يوم الأحد الحادي والعشرين من شوال، وإرتحل عنها يوم الجمعة ودخل كربلاء يوم السبت وأقام فيها خمسة أيام هو ووزراؤه وعساكره وأرباب دولته ومعه نديمه ميرزا زكي...» (2).
جاء في موسوعة العتبات المقدسة عة العتبات المقدسة عن (الموسوعة الإسلامية الموجزة) مانصّه: «...وزار نادر شاه كربلاء سنة 1743م وعلى حين أنه يعزى إليه تذهيب قبة مشهد الإمام علي فقد قيل عنه كذلك إنه صادر أوقافًا مخصصة لأئمة كربلاء »(3)
فإذا كانت الأموال والنفائس التي إستولى عليها نادر شاه الذي إحتل بلادًا غير بلاده مخصصة أصلا لأوقاف العتبات المقدسة ومراقد أئمة آل البيت فلا بأس أن تصرف لتعمير المراقد وتقديم الهدايا، وأمّا إذا تم الاستيلاء عليها غصباً بالإحتلال فلا يجوز شرعًا صرفها على مثل ذلك ولو جزءاً يسيراً منها !!
.1) تاريخ العراق بين إحتلالين، ج 5 ص 269 .
2) ماضي النجف وحاضرها: المرحوم العلامة الشيخ جعفر الشيخ باقر آل محبوبة، ج 1 ص222 وص 223 ، ط 2 مطبعة الآداب في النجف، سنة 1378ه- / 1958م.
3) موسوعة العتبات المقدسة: قسم كربلاء، ص 201 عن الموسوعة الإسلامية الموجزة. وعن موضوع مصادرته لأوقاف مخصصة لأئمة كربلاء، ربما كان المقصود بها الأوقاف المخصصة باسم الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) والموجودة في الهند عندما إحتلها نادر شاه ، والذي أخذ يهدي من إيراداتها هدايا باسمه إلى المشاهد المقدسة في كربلاء وغيرها من العتبات. أو أنه صادر أموالا عظيمة وهو في الهند ومنها بدأ يصرف ويرسل هدايا على مبدأ ( وهب الأمير بما لا يملك). وتأكيدًا لِما نقول نقدم للقارئ الكريم النص التالي الذي جاء في كتاب (تاريخ كربلاء وحائر الحسين) للدكتور عبد الجواد الكليدار في ص 254 رغم إعتراضنا على قوله بأن (نادر شاه الأفشار الذي خلف الصفويين على عرش إيران أوفر بكثير من غيره في خدمة العتبات المقدسة)، لأن الذي قام به نادر شاه لمرقد الحسين مثلاً لاشيء سوى تقديم الهدايا، وكذلك لبقية العتبات عدا ما قام به لمرقد أمير المؤمنين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) وبأموال الهند التي غنمها !! ونص الدكتور عبد الجواد هو : «وكان حظ نادر شاه الأفشار الذي خلف الصفويين على عرش إيران أوفر بكثير من غيره في خدمة العتبات، فقد فتح الهند وأتى بخزائنه المملوءة بالنفائس العظيمة إلى إيران وكان نصيب العتبات قسمًا غير قليل منها لاسيما النجف الأشرف، تلك الخزائن العظيمة التي يقول عنها السيد جمال الدين الأفغاني في (العروة الوثقى) بأن الإنكليز لازال يذكرونها بشيء كثير من التأسف لأن سبقهم إليها نادر شاه بسنين قبل استيلائهم على الهند ».
وعن زيارة نادر شاه إلى كربلاء ذكر مؤلف مدينة الحسين نصاً غريبًا يدل على ضعف المؤلف رحمه اللّٰه في نقل الوقائع والأحداث وكما يلي:
«أمّا نادر شاه بعد أن مكث بعض اليوم غادرها إلى النجف والكوفة بعد أن راسل أحمد باشا بأن يرسل إليه عالماً من بغداد للمناظرة مع علماء الشيعة لعلّه يقارب بين الطائفتين وهكذا تم له عقد الإجتماع في مسجد الكوفة ولكنه لم يحقق أمله فترك العراق عائدا إلى إيران»(1)
أ. إن الشاه نادر بقي في مدينة كربلاء خمسة أيام وليس (مكث بعض اليوم) كما يقول، وذلك معناه أنه مكث ساعات في كربلاء.
ب. لم يغادر نادر شاه كربلاء متوجهًا إلى النجف والكوفة ليعقد الإجتماع (المؤتمر) للمناظرة بين السنة والشيعة لتوحيد المذاهب، بل جاء إلى كربلاء بعد أن أنهى إشرافه على المناظرات في (مؤتمر النجف) الذي عقد يوم الأربعاء 24 شوال 1156 ه- المصادف 13 كانون أول 1743م وبقي في النجف إلى أن أقيمت صلاة الجمعة جماعة حضرها جميع علماء المذاهب في (مسجد الكوفة) والتي أمّها العلامة السيد نصر اللّٰه الحائري الفائزي مدرس الطف الذي كان الخطيب وإمام الجمعة يومها، وعند انتهاء الصلاة توجه نادر شاه إلى كربلاء وكان بصحبته السيد نصر اللّٰه الحائري، ومن كربلاء غادر إلى بلده إيران.
ت. يقول الكليدار (وهكذا تم له عقد الإجتماع في مسجد الكوفة ولكنه لم يحقق أمله فترك العراق عائدًا إلى إيران). وهنا أخطأ الكليدار مرة أخرى، حيث إن المؤتمر عقد في الصحن العلوي الشريف بالنجف، وصلاة الجمعة أقيمت في مسجد الكوفة. وإن نتائج المؤتمر كانت ناجحة في حينها وأقرّها المجتمعون من العلماء من مختلف المذاهب واتفقوا عليها، وبعد أن نال مراده توجه إلى كربلاء ومنها غادر إلى إيران، كما ذكرت ذلك جميع المصادر التي بحثت موضوع مؤتمر النجف.
.1) مدينة الحسين: محمد حسن الكليدار ، السلسلة الثالثة ص 85 . وما ورد في النص أعلاه جملة من الأخطاء لم يحسن المؤلف إثباتها ... فنقول:
المرّة الأولى التي تم فيها إرسال هدايا من نادر شاه إلى مرقد الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) كانت في سنة 1153ه- / 1740م بعد غزوه الهند وغيرها من البلدان.
وقد ذكر الشيخ رسول الكركوكلي في دوحة الوزراء عن أحداث سنة 1153 ه- ما نصّه : «خلال هذه السنة أرسل الشاه هدايا مالية جسيمة وتحفاً ثمينة إلى المراقد المقدسة: مرقد الإمام أبي حنيفة، والخليفة الرابع علي المرتضى كرّم اللّٰه وجهه وسيد الشهداء الإمام الحسين، والإمام موسى الكاظم، ثم أرسل هدية ثمينة إلى أحمد باشا وزير دار الخلافة الزوراء صحبة أحد سفرائه، فتقبل الهدايا شاكرًا، وأنعم على السفير بما يليق به » (1)
جاء في تاريخ العراق بين إحتلالين في حوادث سنة 1153ه- / 1740م ما يلي: «... أرسل نادر شاه مع أحد أمرائه هدايا نقودًا وافرة إلى الإمام الأعظم والعتبات المقدسة المباركة وتحفاً سنيّة. ولّما وردت بغداد كتب الوزير بها دفترًا وسلّم ما يخص العتبات بواسطة السفير الإيراني فأوصلها إلى محلّها وأكرم السفير » (2).
كما جاء في كتاب مدينة الحسين معتمدًا على ما ذكره مؤلف دوحة الوزراء ولكنه أضاف من عنده ما لم يذكره المصدر العبارة التالية: «كما وزّع من الدراهم مالا يحصى عددها على مجاوري هذه المشاهد » (3)!!
وذكر مؤلف كتاب العراق بين سقوط الدولة العباسية وسقوط الدولة العثمانية الهدايا التي أرسلها نادر شاه سنة 1740م حيث قال : «حينما وصلت بعثة نادر شاه إلى بغداد إستُقبِلْت استقبالاً رسميّاً حافلاً، وأبدى أحمد باشا إحتراماً فائقاً لرئيس البعثة، وإصطحبه وأنزله في قصره الفخم الذي يشرف على هور عقرقوف الواقع
بجانب الكرخ. نظّم أحمد باشا سجلاً خاصاً بتلك الهدايا التي جرى توزيعها على مختلف المراقد المقدسة بالنجف وكربلاء والكاظمية وبغداد. ومن ثَمَّ سارت البعثة إلى إسطنبول» (1).
من كل ما تقدم عن نادر شاه وإهتمامه بكربلاء والمراقد فيها، حيث أطنب من كتب عن ذلك وزاد من دون وجه حق، لأن نادر شاه لم يقُم بأي تعمير أو إصلاح في العتبات المقدسة في كربلاء عدا تقديمه الهدايا والتي كانت من أموال الهند والسند، على مبدأ وهب الأمير بما لا يملك.
ولكن زوجته (کَوهر بكم) (2)
فنقول : بأن نادر شاه لم يكن قد ظهر على الساحة في إيران أصلا في ذلك التاريخ، ولم يكن قد تزوج بعد من كوهر بكم، وكانت التعميرات التي أمرت بها إثاء زيارتها لكربلاء مع زوجها نادر شاه في آخر زيارة له إلى كربلاء بعد مؤتمر النجف.
بنت السلطان حسين الصفوي تبرعت بأموال لإجراء بعض التصليحات والترميمات في الروضة الحسينية، وأهدت ستائر حريرية ومعلقات إنارة، وأمرت بصنع صندوق خاتمي يوضع على قبر الإمام الحسين داخل الضريح المشبك وقد تم ذلك.1) العراق بين سقوط الدولة العباسية وسقوط الدولة العثمانية: السيد عبد الأمير الرفيعي، ج 3 ص 158 .
2) کَوهر بکَم: هي رضية بنت السلطان حسين بن سليمان الصفوي (الذي قضى على والدها الأفغان الغزنويين). وكان نادر الأفشاري قد تعاون مع أخيها (طهماسب الثاني) محاولين إعادة الحكم الصفوي، وقد تزوجها نادر الأفشاري سنة 1149 ه- قبل أن يتسلم عرش إيران بسنة واحدة. وقد أخطأ الكثير ممن كتبوا عن كربلاء بأنها قامت بالصرف على التعميرات سنة 1135ه- /1723م. كما جاء في بغية النبلاء للسيد عبد الحسين الكليدار ص79 ، وتاريخ مرقد الحسين والعباس للسيد سلمان هادي طعمة ص 90 ، الكرباسي في دائرة المعرف الحسينية : تاريخ المراقد ج 2 ص 93 وص 95 وغيرهم ممن نقل عنهما.
في 23 ذي الحجة سنة 1047ه- المصادف لليوم الثامن من نيسان سنة 1638م السلطان العثماني ( مراد الرابع) لاسترجاع العراق من سيطرة إيران الصفوية، وقد تم له ذلك في عام 1048ه- ورجعت بغداد إلى سيطرة الدولة العثمانية بموجب معاهدة (قصر شيرين) التي عقدت في 17 أيار 1639م، والتي تعهدت فيها الدولة الصفوية بعدم القيام بأي هجوم على بغداد، ومناطق أخرى تابعة للدولة العثمانية.
توالى على بغداد بعد استردادها من الصفويين عدة ولاة عثمانيين حكموا العراق بشكل كامل بإعتباره تابعاً للدولة العثمانية. وكان آخرهم قبل أن تخضع بغداد لحكم المماليك واستقلالهم عن الدولة العثمانية، هو الوالي (أحمد باشا) المتوفى سنة 1163ه- / 1749م ، وهو ابن الوالي حسن باشا الجديد.
«وقد أرسلت الدولة في عهد ولاية أحمد باشا لبغداد مجموعة من الجنود لتأمين النظام في بغداد وما حولها، وبدلاً من أن ينصاع هؤلاء الجند لأوامر أحمد باشا خرجوا عليه، ولهذا أراد أحمد باشا أن يشكّل فرقة من الجنود تطيع أوامره دون أدنى تردد، وبذلك ظهرت طائفة المماليك في بغداد، وتمكنوا من السيطرة على الحكم» (1).
ولأهمية الموضوع فلابد من معرفة أسباب تفوّق المماليك...
کان حسن باشا والياً على بغداد قبل ولده أحمد باشا، وفي زمنه كَثُرت الحروب والمشاكل العشائرية في العراق، وصاحب ذلك الكثير من تمرد (الإنكشارية)، فقد
1) كربلاء في الأرشيف العثماني: ديلك ،قايا، ترجمة سعيد منتصر ومصطفى زهران، ص 30 .
فکّر حسن باشا ومن بعده ابنه أحمد باشا بضرورة تكوين قوة جديدة لتكون الأداة المنفذة بإخلاص لأوامر الباب العالي، والسبب كان فساد (الإنكشارية) التي كانت تعتمد عليهم الدولة العثمانية وولاتها بضبط الأمور وإعداد الجيوش.
والإنكشارية كانوا أصلاً من الصبية والأطفال المسيحيين الذين يُخطفون من البلدان المفتوحة من قبل العثمانيين، وتتم تربيتهم وتعليمهم على مبادئ الإسلام والعلوم العسكرية، فيصبحون جنودًا وقادة في الجيش العثماني، وكثيرًا ما قاموا بالتمرد على السلاطين الذين خضعوا لقوتهم والإستجابة لمطاليبهم، رغم أن ولاءهم كان للدولة العثمانية بشكل مطلق.
ونظام جمع الصبية المسيحيين من بلدانهم كان يسمى ب- (الديوشرية)، ففي القرن السابع عشر الميلادي أُبطلت هذه العملية بسبب قلة الحروب مع الدول الغربية من جهة، وتوقف الفتوحات العثمانية بسبب إنشغال الدولة في مشاكل داخلية، وصراع وتنازع مع مناطق شرق الدولة العثمانية ومنهم الإيرانيين من جهة أخرى.
فقد توقف إرسال جند الإنكشارية إلى الولايات ومنها (بغداد)، مما أثرَ على استفحال قوة الإنكشارية المتبقين في بغداد وفسادهم الشامل في العراق. وبسبب ذلك فإن الكثير من المسلمين الأحرار بدأوا يدخلون في الإنكشارية في العراق، ودائماً كان إرتباط هؤلاء بأسرهم وحرفهم حتى أصبحت الإنكشارية في العراق عبارة عن رجال مدنيين في الغالب وُضعت أسماؤهم في قوائم الإنكشارية ليحصلوا على إمتيازات الإنكشارية فقط، وأصبح الكثير من البغداديين إنكشارية.
كانت القوة الأخرى التي يعتمد عليها الوالي في بغداد هي القوات المحلية التي كانت تؤلف من الحرس الخاص للباشا (الوالي)، وهذه القوة يجمعها الوالي ويدفع لها رواتب منتظمة. كما أن الوالي كان يعتمد على قوّات عشائرية كُلفت بالخدمة العسكرية تحت قيادة الوالي مثل عشيرة (البيّات) ذات الأصول التركية، وعشيرة (العقيل) وهي من العشائر العربية التي ساهمت في عدة معارك تحت راية والي بغداد، وقد إشتهرت
هذه العشيرة بالشجاعة والصلابة في القتال والمقاومة. وأن هذه القوات العشائرية مرتبطة بكيانها العشائري وليس من السهل تدريبها على الحركات العسكرية الشاملة.
«ولم يكن أمام (حسن باشا) ليكوّن جيشاً نظاميّاً هجوميّاً مخلصاً يحقق به أهدافه في إيران وبغداد والبصرة وشهرزور سوى أحد الطريقين:
أ. إمّا أن يعتمد على العشائر العربية والكردية.
ب. أو يستخدم قوّة مرتزقة من غير العراقيين. ولكن العصبية القبلية وإرتباط أفراد القبيلة بعشيرتهم و بمرعاها، وعدم ثبات ولاء هذه العصبيات أدى كل هذا إلى أن يفكر حسن باشا في تكوين جيش من المماليك »(1).
ظهر المماليك في مختلف بلدان العالم الإسلامي آنذاك، ومنذ أيام الدولة الفاطمية فقد في مصر فقد كثُر استخدامهم حتى تمكنوا فيما بعد من تأسيس دولة لهم في مصر. كما ظهروا في( إسطنبول) خلال الحكم العثماني، وكذلك في إيران.
كانوا يُجلبون من (تفليس) (2)ومن عشائر (القوقاز)، وكانت لهم مميزات عسكرية أهلتهم لما وُكِّل إليهم. ومن هناك إشترى حسن باشا أعدادًا كثيرة منهم،
1) داود باشا والي بغداد: عبد العزيز سليمان ،نوار ، ص 24 ، القاهرة 1388ه- / 1968م.
2) تفليس: هي ذاتها الآن مدينة (تبليسي) عاصمة جمهورية جورجيا الحالية. فقد عرفت لدى العرب في القرون الوسطى باسم تفليس بكسر التاء، وقد ظل هذا الاسم رسميَّا حتى عام 1936م عندما تغّير اسمها إلى تبليسي الذي يعني الينابيع الحارة أو المكان الدافئ. وتأسست في القرن الخامس الميلادي على يد ملك جورجيا وفتحها الأمويون عام 117ه- / 735م على يد (مروان بن محمد) في زمن ولايته على أرمينية وآذربيجان، وقبل أن يتولى الخلافة الأموية (حيث كان آخر الخلفاء الأمويين وفي زمنه أسقط العباسيون الدولة الأموية سنة 132ه-). وقبل هذا التاريخ وفي العام 22ه- /643م دخل العرب المسلون في عهد الخليفة عمر بن الخطاب (جورجيا) بقيادة حبيب بن مسلمة، وفرضوا الجزية على السكان وأصبحت تفليس عاصمة لما سمي بالإمارة العربية التي إستمرت حتى عام 1122ه-/ 1710م حين قضی عليها الملك الجورجي (دافيد). وتعرضت لهجوم العثمانيين، والصفويين. وبعدها ضُمّت إلى روسيا القيصرية وأصبحت مقراً للجيش الروسي في القفقاس. وفي زمن الشيوعيين أصبحت (تبليسي) عاصمة لجمهورية جورجيا السوفيتية، وبعد تفكك الإتحاد السوفيتي إستقلت جورجيا وأصبحت تبليسي (تفليس) عاصمة لجمهورية جورجيا المستقلة.
وربّاهم تربية خاصة تُعِدّهم لحياة إدارية وعسكرية سليمة. فقد نشأ حسن باشا في سراي السلطان. وعلى غرار النظام الداخلي لسراي السلطان كوّن فرقًا وجماعات من المماليك، وكانت كل جماعة تقيم في ثكنة مخصصة لها ولكل فرقة اسم (1).
كان أخطر أعمال السلطان العثماني (أورخان) الذي تولى الحكم سنة 726ه-/ 1326م هو تأسيس جيش خاص به قوامه الصبيان المماليك المخطوفين من القرى المسيحية البيزنطية التي دخلت تحت سلطته، وهكذا ولد جيش أورخان الإنكشاري الذي صنع تاريخ الإمبراطورية العثمانية.
و في مطلع القرن الثامن عشر، أي بعد إنصرام أربعة قرون تقريبًا من ولادة جيش أورخان الإنكشاري، تبنى والي بغداد الجديد حسن باشا مشروعاً مماثلاً، وأقدم على تأسيس جيش خاص به قوامه صبيان مماليك كان يشتريهم من مناطق القفقاس الفقيرة وينقلهم إلى بغداد(2).
أنشأ حسن باشا لفرق المماليك مدارس خاصة لتعليمهم وفق نظام دراسي مرتب ودقيق، وعندما يبلغون سن المراهقة يوزعون على المدارس كتلاميذ، ويزودون بالثقافة الدينية والأدبية وعليهم مدرسون (مؤدبون) وأساتذة لتعليمهم القراءة والكتابة، وفي نفس الوقت يتدربون على الأعمال العسكرية، منها ركوب الخيل وإصابة الأهداف والسباحة وغيرها من الأمور التي تقوّي الجوانب الحربية فيهم...
وبعد أن يتمّوا تعليمهم وتدريبهم يدخلون في صف (أغوات الداخل)، ومنهم يختار الوالي كبار رجال حكومته.
ولم يقتصر حسن باشا على إدخال المماليك الذين يشتريهم من خارج العراق ويضمهم إلى هذه المدارس الخاصة بل ألحق بهذه المدارس الكثير من أبناء الأسر العريقة والمعروفة من داخل بغداد وبقية مناطق العراق الأخرى. وقد سار على نهج حسن باشا ابنه (أحمد باشا) الذي تولى ولاية بغداد بعد أبيه.
والمهم في ذلك كله فإن تلك المدارس بدأت تخرّج قادة عسكريين ومثقفين وكتّاب في مختلف المجالات العلمية ومنها الفقه والتشريع.
ومن خلال حياة المماليك المشتركة التعاونية في العراق فقد شعروا بأنهم أقلية في مجتمع العراق الكبير، وزاد عددهم من خلال استجلابهم من الخارج وقليل منهم ولد في بغداد فيما بعد... كل ذلك جعل منهم تكوين عصبية متماسكة وإستطاعوا السيطرة على العراق إبتداءً من (سليمان باشا) (1)الملقب (أبو ليلة) الذي كان صهرًا للوالي أحمد باشا ابن حسن باشا.
كانت الدولة العثمانية تخشى من الولاة الأقوياء، وكان السلطان العثماني قد حاول إبعاد خطر استقلال والي بغداد عن سلطته، وأن المكانة التي إحتلها (حسن باشا) ومن بعده ولده (أحمد باشا) لدى العراقيين عامة والبغداديين خاصة الذين كانوا يعتبرونهم ولاة مصلحين (2)وأقوياء، فخشي السلطان من نفوذهم، فتم إبعاد الوالي أحمد باشا عن بغداد سنة 1147ه- / 1734م ونقل إلى ولاية أخرى...
1) سليمان باشا (أبو ليلة) هو أحد المماليك (الكرج) الذي تبناهم أحمد باشا وأوكل إليه مهام كثيرة، وزوّجه من ابنته (عادلة خاتون) وان أحمد باشا لم يُرزق بولد، وسمي سليمان من قبل البغداديين ب- (أبو ليلة) لأنه كان يقوم بأعمال المراقبة والتفقد والإقتحام في الليل بشكل دائم. هو أول الولاة المماليك الذين بدأوا حكمهم في العراق سنة 1749م وقد إستقلوا بشكل شبه تام عن سلطة الدولة العثمانية وبالذات عن الباب العالي.
2) الحقيقة ... هذا الرأي كان يخص البغداديين، لأن حسن باشا وأحمد باشا خاضا حروبًا ومعارك ضد أغلب عشائر وقبائل العراق التي كانت تستقل في مناطقها، ودائمًا ما كانت تهدد بغداد وإنهاء السيطرة العثمانية على مناطق العراق. وكان حكم الوالي حسن باشا وابنه أحمد باشا قد جعل الحياة في بغداد آمنة في أيامهم، وخاصة بعد حروبهم وإيقاف زحف الخطر الإيراني عنهم.
السلطان العثماني كان يحتاج إلى شخص قوي يدير الأمور في العراق. ولأن أحمد باشا كان ندّاً قويّاً ضد أطماع (نادر شاه) الذي خاض حروباً دامت من سنة 1730 إلى سنة 1743م ، لم يتمكن خلالها نادر شاه من تحقيق حلمه بإحتلال بغداد رغم وصوله إلى ضواحيها واستيلائه على جانب الكرخ منها ومحاصرتها، وذلك بسبب قوة أحمد باشا وإدارته المنازلة بشكل جيد وحسن التفاوض من خلال شخصيته القوية وحنكته في إدارة شؤون البلد.
ساعد المماليك أحمد باشا بشكل قوي في معاركه، وتمسك البغداديون بأحمد باشا بعد أن جرّبوا عدة ولاة، عندها إضطر السلطان العثماني إعادة أحمد باشا إلى بغداد، وكان موقف المماليك مع أحمد باشا هو الذي أحبط محاولات السلطان لإبعاده، ودعم أهل بغداد ومحبتهم وإحترامهم له.
توفى أحمد باشا سنة 1160ه- / 1747م، وكانت وفاته قد أتاحت للباب العالي الحل لمشكلة كانت تقلقه بشكل دائم وهي قيام حكم شبه مستقل في بغداد مثلما حدث في بعض ولايات الدولة العثمانية.
وبوفاة أحمد باشا أقدمت الدولة العثمانية على تعيين ولاة لم يتمكنوا من السيطرة على الأوضاع بسبب وجود الإنكشارية ضدهم ووقوف المماليك مع هؤلاء الولاة بداية الأمر، وأناطت الدولة سليمان باشا أبو ليلة ولاية (أظنه) لإبعاده وإبعاد المماليك عن بغداد، ولكن الأمر لم يستتب ولمدة تقرب العامين من الزمن.
كان المرشح القوي لولاية بغداد هو سليمان باشا أبو ليلة المملوكي وصهر أحمدباشا الذي كان يتولى منصب (الكتخدائية) (1)في زمنه.
كما أن البغداديين وجدوا في سليمان باشا هذا أصلح شخص ليتولى ولاية بغداد حيث خبروه لمدة خمس عشرة سنة أثبت خلالها كفاءة وقدرة في الحرب والسلم. وفي
1) الكتخدائية : أرفع منصب في الولاية بعد الوالي، وهذا المنصب يماثل (الصدارة) أي منصب الصدر الأعظم لدى مقر الدولة المركزية، أو لدى السلطان العثماني. والذي يتصدره يلقب (كتخدا).
معرفته بإدارة شؤون البلاد ومشكلاتها، وتمرس على أساليب الحكم فيها فكان هو المقدم لدى الناس عندما كان (كتخدا) في عهد صهره الوالي أحمد باشا.
ولكن الدولة العثمانية لم ترغب بإسناد الولاية له، ورغم تعيينه خارج العراق إلاّ أنه لم يرغب في تنفيذ أمر الدولة بل قاوم الوالي الذي عينته الدولة والذي كان سابقاً (الصدر الأعظم) مقاومة عنيفة ... والأمر يطول شرحه ويخرجنا عن الإيجاز الشديد الذي نحن بصدده للتعريف بالمماليك.
«ولكن الباب العالي أخفق في إبعاد سليمان أبو ليلة عن حكم العراق، لأن (ولاة الخارج) وأموال الباب العالي لم تتمكن من تسكين ثائرة القبائل السريعة التمرد التي كانت قد صاهر بعضها أحمد باشا وسليمان باشا أبو ليلة. ولم تتمكن أيضاً من تهيئة البغداديين المتمسكين برجلهم المفضل وعجزت أمام فتن الإنكشارية المتعددة، وأمام دعايات سليمان أبو ليلة الذي كان يطالب بكل قوة بباشوية بغداد، خصوصاً وقد وقفت العصبية المملوكية إلى جانبه. وإستطاع سليمان أن يتولى الباشوية برغم ما أبداه منافسه الباشا العثماني من مقاومة عنيفة (1162ه- / 1749 م»(1).
بعض الكتّاب في مؤلفاتهم قد إنتقدوا تسليم ولاية بغداد إلى سليمان باشا، وذكروا بأن هذا التكليف شغل الدولة بمماليك العراق بما يقارب القرن من الزمان، وأن الدولة طمعت بأن يقدم لها سليمان باشا الأموال دون أن تجرّبه... والحقيقة أن إسناد الولاية له كان أمرًا مفروضاً على الدولة رغم أنها حاولت إبعاده، ولكن مشاكلها الداخلية والخارجية في أوربا وروسيا وإيران لم تسمح لها كل تلك الأسباب من إبعاد سليمان عن ولاية بغداد البعيدة عن إسطنبول.
وهكذا تولى مملوك حكم العراق، وبه بدأ المماليك الحكم بعد أن تمكن سليمان باشا من توحيد كافة (سناجق العراق) (2)وأعادها إلى نفوذه، بعد حملات قوية
وتوجيه ضربات سريعة وقاسية لمن لم يكن تحت سلطته، وعندها فقد إستقر البلد ونشطت التجارة وعمَّ الهدوء (نسبيّاً) في أغلب مناطق العراق إلى حين!
كان الوالي حسن باشا قد حكم من سنة (1116ه- إلى 1136ه-) يقابلها سنة (1704م إلى 1723م) باستثناء سنوات قليلة، وجاء بعده ابنه أحمد باشا الذي تولى ولاية بغداد من سنة (1136 ه- إلى 1160 ه-) يقابلها سنة (1723م إلى 1747م) عدا فترة قصيرة ولي فيها ولاية أخرى وأعيد إلى بغداد لحاجة الدولة إلى رجل قوي مثله.
إستمر حكم المماليك في العراق قرابة أربعة وثمانين عاماً، وفي العامين الأولين كان المماليك فيهما يخضعون لسلطة الدولة العثمانية ويقفون مع ولاة الدولة ضد الإنكشارية. فإنهم بذلك حكموا إثنتين وثمانين سنة بشكل مستقل يرتبطون بالحكومة المركزية في إسطنبول شكليّاً ويدفعون لها الرسوم السنوية.
وقد إستقل المماليك في حكم العراق منذ عام 1162ه-/ 1749م لغاية عام 1247ه- / 1831م ، أي ما يقارب 82 عاماً وكان آخر الولاة المماليك هو (داود باشا) الذي ناصب العداء لأهالي كربلاء وخاصة في واقعة المناخور التي دامت سجالاً عدة سنوات، ولكن أهلها وقفوا بشجاعة أمام قوته وجبروته، وسيتم الحديث عن ذلك لاحقاً.
وأدناه جدول بأسماء ولاة بغداد في عهد المماليك وكما يلي:
أما سلاطين الدولة العثمانية الذين كانوا يتولون عرش الدولة إثناء فترة حكم المماليك في العراق فهم:
1- محمود الأول: حكم من عام 1730م إلى عام 1754م، الذي في زمنه إستقل المماليك في العراق.
2- عثمان الثالث: حكم من عام 1754م إلى عام 1757م.
3- مصطفى الثالث : حكم من عام 1757م إلى عام 1773م.
4 - عبد الحميد الأول: حكم من عام 1773م إلى عام 1789م.
5- سليم الثالث: حكم من عام 1789م إلى عام 1807م.
6 - مصطفى الرابع : حكم من عام 1807م إلى عام 1808م.
7- محمود الثاني : حكم من عام 1808م إلى عام 1839م، وهو الذي تمكن من إبعاد (داود باشا) آخر الولاة المماليك من بغداد عام 1831م.
وأنهى بذلك حكم المماليك في العراق، وعندها عاد العراق تحت سلطة ونفوذ الدولة العثمانية مركزيًا.
ولحاجة البحث أيضاً، فلابد من ذكر شاهات (ملوك) إيران الذين كانوا على عرش الدولة الإيرانية أيام حكم المماليك في العراق، رغم ما رافق تلك الفترة في إيران من نزاع على العرش، وفوضى عارمة في بعض الفترات.
فبعد وفاة (نادر شاه) الذي حكم من عام 1149ه-/ 1736م إلى 1160ه- / 1747م
تسلم الحكم في إيران (عادل شاه) حتى عام 1749م ، وتحديداً في أوائل حكم المماليك في العراق، فقد إعتلى العرش الإيراني (شاه رخ) وحدثت في زمنه فوضى على العرش إستمرت إلى عام 1757م ، حينها إستلم (كريم خان) الوصي الزندي العرش إلى عام 1779م حيث حدثت فوضى أخرى، إلى أن إستلم الحكم في إيران سنة 1796م (أغا محمد) مؤسس الدولة القاجارية، ومن ثَمَّ (فتح علي ) القاجاري الذي حكم من عام 1797م إلى عام 1834 م ، وكان من ملوك إيران المشهورين وقد طال حكمه فيها، وقد عاصر أربعة من السلاطين العثمانيين وهم (سليم الثالث) و(مصطفى الرابع) و (محمود الثاني) و (السلطان عبد الحميد).
لقد تطرقنا في الحديث عن بدايات المماليك وحكمهم في العراق بشكل موجز، لأن الموضوع يطول شرحه بشكل أوسع من ذلك بكثير ... وما تم تدوينه أعلاه فقط ليقرّب للقارئ الكريم مبتغى بحثنا .
عاشت مدينة كربلاء وضواحيها إثناء فترة المماليك أحداثا ووقائع على جميع المستويات الإجتماعية والعمرانية والصراعات الفقهية ونشوء فرق إجتهادية في مجالات الشريعة، ووقائع ومعارك وغزوات ظل التاريخ يذكرها إلى يومنا هذا.
ذكرنا في سياق الحديث السابق الحروب التي دارت رحاها بين الإيرانيين وبين العثمانيين، حيث إن نادر شاه قاد حملة وقدم على رأسها إلى بغداد سنة 1146ه- / 1733م، وحاصرها في زمن واليها (أحمد باشا)، وعلى الرغم من شدة الحصار لم يتمكن من دخولها، فسار في ذلك الوقت إلى الموصل وحاول أخذها عنوةً فأخفق.
كان بُعد بغداد عن الإستانة (إسطنبول)، وإنقطاع الإتصالات والمواصلات بينهما، يشجعان الولاة الترك على الإنتفاض على حكومتهم والاستقلال بالبلاد التي يُرسَلون إليها. لهذا كانت تنهال المصائب على الأهليين، ولاسيما في أيام المماليك الذين بدأت حكومتهم في العراق سنة 1163ه- / 1750م. حيث تولّى أيالة بغداد (سليمان باشا أبو ليلة)، وإنتهت في عام 1247ه- / 1831م حين زحف (علي باشا اللاز) على بغداد وقبض على (داود باشا) فسيّره إلى الإستانة وجمع المماليك في القلعة وقتلهم شرَّ قتلة (1). فإن حكم الماليك دام قرابة ثمانين عاماً في العراق، وكان لحكمهم التأثير البالغ لما حدث في كربلاء من أحداث نتيجة سوء تصرف ولاتهم واستعمالهم القسوة والشدة في حالات كثيرة.
وما الوقائع التي حدثت في كربلاء إلّا تفصيل للواقع حينذاك، وكان هَمُّ الولاة المماليك جمع الضرائب والأموال واستعمال سياسة تؤدي إلى التفرقة بين الأهالي، وحتى إستدعى الأمر لإستمالة رجال الدين وعلماء شيعة ليقفوا معهم، بل ليساعدوهم على فرض سيطرتهم على البلاد وعلى مدينة كربلاء بالذات والتي هي موضوع بحثنا. وأفضل مثال على ذلك هو التعمق في بحث ودراسة واقعتي المناخور ونجيب باشا (غدیر دم)...
مما تم ذكره فإن فترة حكم المماليك الأتراك دامت قرابة إثنين وثمانين سنة. كانت هذه السنوات عجاف على مدينة كربلاء، ووقعت فيها أحداث كثيرة، وصاحبتها
1) تاريخ العراق السياسي الحديث: عبد الرزاق الحسني ج1 ص33.
تغييرات عديدة في الإدارة والحكم والحياة الاجتماعية عامة. وتولى حاكمية كربلاء خلال فترة حكم المماليك عدة أشخاص أغلبهم كانوا من الأتراك الذين يعينون بأمر من الوالي في بغداد، كما أن قسمًا من شخصيات كربلاء قد تولوا حاكمية المدينة تبعاً للظروف التي مرت بها، كما أن المدينة تأثرت بعصيان العشائر في الفرات الأوسط، وسبق ذلك النكبة التي حلّت بكربلاء عندما غزاها الوهابيون. كما شهدت المدينة عدة تغييرات في سدانة المرقدين ونقابة الأشراف، وغيرها من الأمور التي سنذكرها ضمن تسلسلها الزمني.
في الحقيقة أن المصادر التي تؤكد تسلسل سدنة العباس في القرن الحادي عشر والثاني عشر شحيحة جدًا، وجاء في كتاب مرقد الحسين والعباس ص 308 أن الشيخ محمد شريف كان سادنًا للروضة العباسية في سنة 1161ه- مستنداً إلى وجود ختمه في أوراق المعملجي المؤرخة في نفس السنة (محمد شريف كليدار العباس)، ولم نجد في أي مصدر آخر ذِكر للشيخ محمد شريف، ولا السنة التي تولى فيها السدانة والمدة التي قضاها فيها، ونحن نشك في معلومات السدانة التي وردت في الكتاب المذكور لكثرة الأخطاء والشطحات الواضحة التي كتبها مؤلفه بخصوص موضوع وإذا كان قد شاهد بنفسه (ولم يذكر ذلك مثلما قال عن وثيقة الشيخ علي عبد الرسول ووثيقة السادن عبد الجليل) أوراق المعملجي التي ذكرها فيصح أن يكون الشيخ محمد شريف كان في سنة 1161ه- (1748م) واللّٰه اعلم.
هو السيد مهدي بن حسن بن منصور بن ناصر الدين بن يونس بن جميل بن علم الدين بن طعمة (الثاني) بن شرف الدين بن طعمة (الأول) كمال الدين (نقيب الأشراف) بن أبو جعفر أحمد (أبو طراس) بن يحيى ضياء الدين (نقيب الأشراف) بن
أبي جعفر محمد (سادن الحسين) بن أحمد شمس الدين (ناظر رأس العين والذي يدعوه العامة بأحمد بن هاشم) بن السيد أبي الفائز محمد (الذي سميت قبيلة آل فائز باسمه) من ذرية السيد إبراهيم المجاب بن محمد العابد بن الإمام موسى الكاظم (عَلَيْهِ السَّلَامُ). وقد تولى السدانة (1)سنة 1165 ه- / 1752م، وقيل أنه تولاها سنة 1140ه-. ودامت سدانة الحسين بيده لحين وفاته سنة 1204 ه- / 1790م . وقد رثاه الشاعر المرحوم السيد صادق الفحّام الأعرجي بقصيدة تضمنها ديوانه ومطلعها:
رضى بقضاء اللّٰه فالأمر أمره*** له الحكم يقضي ما يشاء ويفعلُ
وختامها:
نعاه لنا الناعي فقلت مؤرخا*** (لمهدينا دار الكرامة منزلُ)
يعتبر الرحّالة الألماني كارستن نيبور من أشهر الرحالين الأوروبيين الذين زاروا كربلاء بعد الرحّالة البرتغالي (تكسيرا).
وهو مستكشف ورياضياتي وعالم خرائط ألماني خدم في الدنيمارك. ولد في 17 آذار 1733م في قرية بشمال غرب ألمانيا، عمل فلاحاً في مزرعته أول سنين حياته ثم أظهر ميلاً لدراسة الرياضيات وتلقى الدروس في علم المساحة والخرائط.
رُشّح للمشاركة برحلة علمية أمر بها ملك الدنمارك سنة 1760م وكان هدف الرحلة كتابة تقرير علمي وإجتماعي شامل عن الجزيرة العربية والعراق وسوريا ومصر، فتعلّم اللغة العربية بوقت قصير. وبدأت الرحلة سنة 1761 م من خمسة علماء ورحّالة دامت ثمان سنوات وزار عدة بلدان، وعاد إلى الدنمارك سنة 1770م حيث توفي بقية أعضاء الرحلة. شغل عدة مناصب عسكرية في العاصمة كوبنهاكَن حتى
1) مدينة الحسين: السلسلة الأولى ص77.
عام 1778م ، وبعدها إستلم منصبًا مدنيّاً رفيعاً في مقاطعة هولشتاين حتى وفاته فيها في 26 نيسان 1815م. وله عدة مؤلفات عن رحلاته على شكل ثلاثة مجلدات.
وصل كربلاء بتاريخ 27 كانون الأول 1765م/1179ه- ، قادمًا من مدینة الحلّة. ويقول نيبور عن رحلته وزيارته لمدينة كربلاء والتي يسميها (مشهد الحسين) ما يلي: «بقيت في الحلة في اليوم السادس والعشرين من كانون الأول. وفي اليوم التالي شرعت بالسفر إلى مشهد الحسين، المدينة التي شُيّدت في موضع مشهور لدى المسلمين باسم (كربلاء). وتقع على مسافة ما يقارب السبع ساعات أو خمسة أميال ألمانية من الحلة بإتجاه الشمال الغربي ولا يشاهد على طول هذا الطريق شيء آخر غير القرية المسماة (Tomasie).(1)وهي قرية كبيرة بكثير من بساتين النخل، يجب أن يكون الشاه عباس (2)أول من عمَّرها.
لم تكن منطقة كربلاء مأهولة بعد، عندما فقد الحسين والكثير من أقاربه وأصدقاءه حياتهم هناك، غير أن تلك الموقعة، سبَّبت إعمار هذه المنطقة، حيث جلب الماء من الفرات إلى هناك، وتُشاهد هناك في الوقت الحاضر غابة واسعة للنخيل. تكون المدينة التي في داخلها أوسع من مشهد علي، كما أن عدد سكانها أكثر منها. إلا أن بيوتها ليست متينة نسبيًا ومعضمها مشيَّدة فقط بالطابوق غير المفخور، كما هي الحالة في البصرة والحلة. وهناك خمسة أبواب لسور المدينة، ولكن السور هو الآخر، مشيد فقط باللبن والطابوق المجفف في الشمس، وقد تخرب بأجمعه الآن.
وأكثر ما يستدعي الإنتباه هناك هو جامع كبير يضمّ في داخله مسجدًا يسميه الشيعة
1) وهي الطهمازية: أو الطهماسية، تقع في الجنوب الغربي من مدينة الحلة، وسمّيت بالطهمازية على اسم الشاه طهماسب الأول الصفوي الذي جلب ما يقارب 2500 من العمال المختصين بحفر النهر، ليحفر نهراً من الفرات ليوصل الماء إلى مدينة النجف، وقد أسكنهم في هذه المنطقة التي كانت تنتشر فيها قبيلة خفاجة العربية، ولكن المشروع فشل وبقي العمّال الإيرانيون في المنطقة وإختلطوا مع الأعراب فيها.
2) كلام مشكوك فيه، وأن نيبور قد إقتبسه من مرافقية، والمقصود هو الشاه طهماسب.
بمذبح الحسين وقد شُيّد هذا المسجد في عين المكان الذي داست فيه الخيول على حفيد محمد ( صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ ) هذا وقد دُفن فيه .
وقد وجدت أن محاولة وضع رسم تخطيطي لهذا الجامع، أخطر عاقبة من سابقه في مشهد علي. ولم أتمكن من التجاسر بالدخول إلى صحنه حتى في وضح النهار. وقد قمت في هذه الأثناء بالذهاب إلى هناك ليلاَ مرتديًا عمامة تركية، برفقة زميلي في الرحلة . وحيث كافة الأطراف كانت مضاءة إحتفالاً بالعيد، فقد رسمت بعد عودتي رسماً لها، يوجد في اللوحة 42 (ج) ليعطي للقارئ فكرة على الأقل عن طرز إنشاء هذا الجامع. وجداره من الأمام يحفل بالنوافذ وهو يشكِّل منظرًا غريبًا في هذه البلاد، التي لا يشاهد فيها زجاج النوافذ . والواقع أنَّ من المحتمل أنها كانت هدية من إيراني أرسلها إلى هناك من معمل في شيراز.
وتقوم قبة عالية خلف البناية الأمامية، حيث الإمام الحسين مدفون تحتها. وتحيط بها أربع منارات صغيرة، وعلى مسافة أبعد منها في الخلف تقوم قبة أخرى أوسع منها عرضاً بكثير ولكنها ليست عالية للغاية، لذا لم أتمكن من إظهارها في الرسم من تلك الجهة. وهذه الأبنية جميعاً كائنة في ساحة خالية مُحاطة من كافة أطرافها الأربعة، بمساكن العلماء والدراويش (1). وهناك أمام المدخل الرئيسي للجامع، شمعدان نحاسي كبير جدًا ذو عدة مصابيح، كما هي الحال في مشهد علي. ولا يمكن مشاهدة أي ذهب من الخارج، إلاّ أن هناك كما يقال عدة حاجات ثمينة قرب ضريح الحسين، وأن لا يمكن مقارنتها بأي شكل من الأشكال مع الحاجيات الموجودة قرب ضريح الإمام علي (رض).
1) يقصد بها الغرف (الأواوين) المطلة على أطراف الصحن والملاصقة بسور الروضة الخارجي. وكانت هذه الغرف يجلس فيها العلماء ورجال الدين وأصبحت فيما بعد مقابر للأسر المعروفة في المدينة. أما إشارته للدراويش فيقصد بها الأواويين التي كانت تشغلها التكية البكتاشية ويقيم فيها الدراويش وتقع في الجانب الجنوبي الشرقي من الصحن الحسيني على يمين الداخل للصحن من باب القبلة.
ويشير الشيعة هناك أيضاً إلى مقابر كثير من أقرباء الإمام الحسين وأصحابه، ممن فقدوا حياتهم في الحرب التي جرت في كربلاء وهؤلاء جميعاً يعتبرهم الشيعة من الشهداء وقد شيّدوا جامعاً كبيرًا داخل المدينة، إجلالاً للعباس الذي كان أخاً للحسين من أمٍّ أخرى وقد تحدثوا إلي بأمور كثيرة عنه.
ويتحدث نيبور عن زيارته للمخيم الحسيني وعن البئر الموجودة فيه وعن غرفة القاسم، ويذكر أن موقع المخيم في حديقة كبيرة ولكن البناء كان خرباً.
كما تحدث عن (حثالة الإنكشارية) (1)الذين يبتزون الزوّار أموالهم بمختلف الحجج وخاصة الوافدين من إيران.
كما ذكر مجاميع الحمام التي تنتشر في صحن المشهد الشريف ويقدم لها الناس الحبوب لإطعامها، كما ذكر إنتشار صناعة (التُرَب) والمسابح في كربلاء وإقبال الناس على شرائها. وفي ختام زيارته إلى كربلاء يقول :
عدت إلى الحلة من مشهد الحسين أو كربلاء برفقة ما يقارب المائتين من الزوار. وقد سافر الآن إلى هناك كثير من الناس ممن لم يحضروا في مشهد علي قبل البدر وذلك لأداء زياراتهم، بينما إتخذ الآخرون الطريق المؤدي مباشرة من كربلاء إلى بغداد - ويقدر الطريق من مشهد الحسين إلى مشهد علي بمسافة سبع ساعات أو خمسة أميال ألمانية - وتبدو أولاً على بعد ميل واحد تقريبًا من المدينة المذكورة، بساتين
1) الإنكشاريون هم من أفراد الجيش العثماني (وقد تم الحديث عن الإنكشارية)، وشهدت فترة المماليك خصوصاً الكثير من حوادث التمرد والعصيان على الولاة من قبل أفراد الجيش الإنكشاري وخاصة من قبل قادتهم من (الأغوات)، وكانت تواجههم حكومة بغداد بالقوة في اغلب الأحيان، مما يستدعي الكثير منهم إلى الهروب إلى مدن العراق الأخرى أو ينقلون إليها ليبعدوهم عن بغداد ويعيثون في هذه المدن فساداً وخاصة مدن العتبات المقدسة التي يؤمها الكثير من الزوار الأجانب. فيقومون بأخذ الخاوة والاعتداء على ممتلكات الناس وقطع الطرق في أحيان أخرى. وذلك يؤكد ضعف حكومة بغداد المملوكية وعدم تمكنها من استتباب الأمن، وكانت مدينة كربلاء حينها تعاني من ضعف متوليها المعينين من قبل المماليك، وقد كانت المدينة تعيش دائماً في إضطراب أمني بسبب كثرة هؤلاء الشقاة من اليرمازية والإنكشاريين.
النخيل غامرة المكان، ويكون الطريق بعدها رمليًا، ولا يصادف المرء أي بناء سوى خان (KNESA) (1)وهو كروان سراي يقع في محل لا يبعد عن كفيل(2).
ولا يكون هذا الطريق في العادة أمينًا بالنسبة للمسافرين المنفردين، وخلال إقامتي هناك عاد إلى مشهد الحسين ذات مرة أناس قد نهبهم العرب. وفي اليوم الثاني وصل أُناس قد نهبتهم خيّالة الباشا الذين يفرض فيهم حماية الأمن في الطريق. فكان على هؤلاء المسافرين أن يسلّموا كل ما له قيمة مما بمعيتهم. ولم تستثن بنادقهم أيضاً وقد اطلق سراحهم بعد ذلك . ويقدر الطريق من كربلاء إلى بغداد بمسافة ست عشرة ساعة كما يلي: خمس ساعات إلى (المسيّب) وهي قرية على الفرات، لها جسر شُيّد على العوامات. أربع ساعات إلى ال- (كروان سراي) المسمى (BIR UNUS) (3)ومنها إلى بغداد عن طريق الحلة في سبع ساعات (4).
في سنة 1180ه- / (1766م) تبرع محمد حسن خان القاجاري وهو والد مؤسس الدولة القاجارية في إيران (الشاه محمد خان) ببناء مدرسة دينية في كربلاء تقع في شمال غرب مقابر بني بويه (الصحن الصغير)، حيث إشترى داراً وقام بتهديمه وبنى المدرسة عليه. وقد تم الانتهاء من بنائها سنة 1183ه-/ (1769م) وأوقفها لتكون مدرسة دينية بإشراف العلامة محمد باقر بن محمد أكمل البهبهاني الشهير بالوحيد البهبهاني. وهي غير مدرسة السردار حسن خان الكبيرة وإنما أدمجت بها فيما بعد.
1) المقصود به خان النص (خان الحماد)، ناحية الحيدرية الحالية.
2) يقصد به قرية (الكفل).
3) هو خان بئر النص (النصف) الواقع في منتصف الطريق بين بغداد والحلة.
4) رحلة نيبور الكاملة إلى العراق: مراجعة وتعليق وتقديم الأستاذ سالم الآلوسي، ص 132 - ص 140 . وراجع كتابنا (كربلاء في أدب الرحلات) ص 99 - ص 111 وفيه التفصيل الكامل لرحلة نيبور.
الكثير من المصادر التاريخية ذكرت إنتشار مرض الطاعون في العراق سنة 1186ه- / 1776م، وكان شديدًا هذه المرّة وقد أزهق الكثير من أرواح الناس في أكثر المدن والمناطق العراقية، في وقت كانت الوقاية من هذا الوباء الفتاك قليلة في ظل التخلف الصحي في أيام مظلمة من تاريخ العراق.
وقد ضرب هذا الوباء مدينة كربلاء في بداية إنتشاره، فقد نقل إليها من الوافدين الذين فرّوا من مناطق إنتشاره الأولى، وقد حصد أرواح الكثير من أهلها، وبسببه توفى عدد من العلماء والأعيان المشهورين في المدينة. وجاء في تاريخ العراق بين إحتلالين ج 6 ص46 عن كتاب (تحفهء عالم) لعبد اللطيف بن أبي طالب الموسوي الشوشتري الجزائري ص 86 مانصّه :«حدث سنة 1189 ه- مرض الطاعون في العراق جاءه من إسطنبول وإنتشر في أنحاء العراق. هلك فيه خلق لا يحصى عددهم إلاّ اللّٰه. وفي مدينة بغداد مات في اليوم الأول بهذا المرض سبعون ألفاً، وفي اليوم الثاني والثالث لم يحص عدد المصابين. وأن العتبات العاليات كان فيها أفاضل العلماء. ذهبوا ضحية هذا المرض إلاّ نفرًا معدودًا فروا اتقاء منه وكان في أجلهم تأخير. وان السيد محمد بن زينا الذي هو من . أدباء ذلك العصر نعت في تاريخه هذا المرض (بالطاعون العظيم). سرى إلى البصرة وبوشهر بحيث هلك القسم الأعظم من سكان البلاد المشهورة والقرى والبوادي...».
إستمر وباء الطاعون من أوائل شهر شعبان سنة 1186ه-/ 1772م إلى أواخر شهر محرم سنة 1187ه- / 1773م.
في سنة 1187ه- (1773م) توفي الشيخ أحمد الخازن سادن الروضة العباسية المقدسة، ولم تذكر المصادر التي تحدثت عن الشيخ أحمد أي ترجمة عنه، ولكن ذُكر إنه كان من معاصري السيد نصر اللّٰه الحائري، ولم يذكر أحد السنة التي تولّى فيها السدانة.
فإذا أخذنا بالوثيقة التي أوردها مؤلف كتاب مرقد الحسين والعباس عن الشيخ محمد شريف أنه كان سادنًا للعباس سنة 1161ه- من خلال وجود ختمه في أوراق المعملجي في تلك السنة، فإن الشيخ أحمد كان سادنًا للعباس بعد سنة 1161ه-. ومما يؤكد كون الشيخ أحمد كان سادنًا للعباس وهو من معاصري السيد نصر اللّٰه الحائري الذي أجابه بقصيدة يمدحه فيها حيث يقول:
ألئالئاً نظمت مع المرجان*** في جيد ظبي فاتر الأجفانِ
أم روضة جاد الحيا أكنافها*** فاحْمرّ خدّ شقايق النعمانِ
أم نسمة سحراً سرتْ فتمايلتْ*** منها قدودُ عرائسِ الأغصانِ
أم خمرة جُليتْ بكأسٍ رائقٍ*** أم ريقَ من قد هامَ فيه جناني
أم أنجماً سطعت لنا أم نظمَ من ***فاقَ الورى بالحسنِ والإحسان
أعني به ربّ المعالي (أحمدًا)*** والجودُ بلبلَ روضة العرفان
من حلّ مفتاح الفتى (العباس) في*** یده ففاقَ علاً على (رضوان)
صلّى عليك (اللّٰه) يا (عباس)*** ما قد سال دمعُ الوابلِ الهتانِ (1)
كان الشيخ أحمد الخازن شاعرًا أديباً أريباً ذكره السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة.
في أوائل شهر شوال من سنة 1187ه- / (1773م) تولّى السيد عباس بن نعمة اللّٰه بن خليفة بن نعمة اللّٰه بن طعمة (الثالث) بن علم الدين من آل فائز نقابة الأشراف في كربلاء (2)بعد وفاة السيد النقيب عباس بن بهاء الدين من آل زحيك.
1) ديوان السيد نصر اللّٰه الحائري ص 215 - ص 216 .
2) موارد الإتحاف، ج 1 ص 151 . وذكر إنه تولى النقابة بعد والده، والغريب بما جاء في موارد الإتحاف للسيد عبد الرزاق كمونة عن توليه النقابة بعد والده مع العلم أن والده لم يكن نقيبًا، وأن المؤلف كمونة لم يذكره من نقباء الحائر في كتابه موارد الإتحاف !! ، لأنه ذكر ثلاثة فقط من أسرة السادة آل طعمة تولوا النقابة فقط لم يكن والد السيد عباس وهو السيد نعمة اللّٰه من بينهم !!
ولم يستمر السيد عباس بن نعمة اللّٰه في النقابة سوى شهرين ونصف تقريبًا، فقد وافته المنية في منتصف ذي الحجة سنة 1187ه- (1). ولم يكن والده المرحوم السيد نعمة اللّٰه نقيبًا حسب ما ذكر البعض!
بعد وفاة الشيخ أحمد الخازن سنة 1187 ه- / (1773م) تولى سدانة مرقد العباس ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) الشيخ علي بن عبد الرسول بن مهدي الجشعمي، ويذكر مؤلف مدينة الحسين في السلسلة الأولى ص 87 أن والي بغداد (2)أصدر أمر توليته في 25 شوال سنة 1187ه- وجاء في الأمر:
« نظرًا لوفاة الخازن السابق دون عقب وتقديمك طلبًا لتولية سدانة الروضة العباسية فقد إرتأينا ذلك »، ولم يذكر مؤلف مدينة الحسين المصدر الذي إعتمد عليه في هذا الأمر، ولا نشك في كون الشيخ علي عبد الرسول سادنًا للعباس، فقد ورد ختمه واسمه ومنصبه في وثائق عديدة واستشهادات محلية، وهو تأكيد على إستلامه السدانة ولفترة طويلة إستمرت لغاية سنة 1224ه- / (1809م)(3).
1) مدينة الحسين: السلسلة الأولى ص97 - ص98.
2) كان والي بغداد حينها ( عمر باشا) وهو ثالث الولاة المماليك، تسلّم ولاية بغداد سنة 1177ه- /1188ه-/ (1764م. 1775م).
3) أعقب الشيخ علي عبد الرسول ولدين هما الشيخ (أحمد) الذي كان حيًا في كربلاء سنة 1243ه- / (1827م)، والشيخ (حسين). ومن نسل الشيخ علي عبد الرسول الجشعمي اليوم في كربلاء (آل الشيخ)، كان منهم المرحوم الشيخ محمد علي (الكشوان) بن الشيخ محمود بن الشيخ حسين بن الشيخ علي عبد الرسول الكليدار، الذي أعقب الشيخ حسين والشيخ عباس والتربوي مهدي، ولهؤلاء أبناء وأحفاد. كما كان من أحفاد الشيخ علي عبد الرسول المرحوم الشيخ عبد الكريم الكربلائي الأديب والشاعر والمربي الكبير، والرادود الحسيني وله ديوانان مطبوعان في الشعر الشعبي في مدائح ومراثي أهل البيت بعنوان (المنظومات الحسينية) وهو والد المرحوم المربي الأستاذ محفوظ عبد الكريم، وكميل وقيس وآخرين، ولهم اليوم أبناء وأحفاد في كربلاء. وقد صاهر آل الشيخ أسرة السادة آل نصر اللّٰه وأسر كربلائية كريمة أخرى منها آل عصفور وغيرهم.
لم تدم تولية السيد عباس بن نعمة اللّٰه الفائزي النقابة سوى شهرين ونصف حيث وافته المنية، فقد تولاها بعده السيد إبراهيم بن النقيب عباس بن بهاء الدين بن أحمد بن النقيب محمد دراج من آل زحيك، وذلك في أواخر سنة 1187ه-، وإستمر فيها إلى ما بعد عام 1196ه-/ (1782م) . وجاء في وثائق السادة آل النقيب أنه كان نقيبًا بعد عام 1196ه- ، وكذلك في مشجرهم الخاص.
الوالي سليمان باشا (1)
وبعد ثلاث سنوات نقل منها ، ثم أعيد إلى البصرة في عام 1185ه- / 1771م. وكان سليمان اغا يرى أهمية التعاون مع السلطات البريطانية ذات النفوذ والمصالح الواسعة في منطقة الخليج العربي. ويقول عنه لونكريك في كتابه أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث: « لم يكن بين المماليك... أمثل في منظره الجميل وظرفه الإجتماعي وأدبه الجم من سليمان آغا. فقد تأيدت في عهد أبي ليلة مواهبه التي كان يتوسمها فيه الجميع. فنال الحضوة والترفيع من الباشوات من بني جنسه حتى عيّن في 1765م لأعظم منصب في الباشوية (عدا منصب الكهية) وهو متسلمية البصرة ... ».
وعندما داهم البصرة خطر الإيرانيين قام سليمان أغا الاستعداد لدرء الخطر وهو ينتظر وصول النجدات من والي بغداد (عمر باشا) التي لم تصله، وقد إعتمد على عشائر المنتفك وقد ساعده البريطانيون ودعموه بإسطولهم ، و أثيرت شكوك حول النجدة التي ستاتيه من بغداد... وفي بغداد تم عزل عمر باشا ومجيئ (مصطفى باشا) وكان قائد الجيش الإيراني يتفاوض على مبالغ كبيرة من الأموال لقاء فك الحصار والعودة إلى شيراز وإلاّ يتم إحتلال البصرة. ودامت هذه المفاوضات طويلاً ولكن سليمان آغا لم يتوانَ عن الاستعداد للمقاومة، وحدثت نتيجة ذلك مشاكل كبيرة في بغداد، والبصرة محاصرة لمدة أربعة أشهر. ونفذت الذخائر والمؤن فيها وفقد الجميع الأمل في وصول النجدة المرتقبة من بغداد، ويقول السيد عبد الأمير الرفيعي في الجزء الرابع من كتابه العراق بين سقوط الدولة العباسية وسقوط الدولة العثمانية:
« وفي تلك الأثناء إستلم سليمان آغا كتابًا من مصطفى باشا يعتذر فيه عن إمكانية نجدة البصرة بينما الفتنة مستمرة في بغداد. ويشير عليه أن يحاول رفع الحصار بدفع مبلغ من المال إلى حكومة إيران وإلاّ استسلام البصرة بعد أن يأخذ من الإيرانيين عهدًا بالمحافظة على الأموال والأعراض... تداول سليمان آغا مع رجال حكومته ومع أعيان البلد وبعد أن عرض عليهم ذلك الكتاب، قرر الجميع تسليم البصرة إلى الإيرانيين » . وأرسل وفد إلى صادق خان وأخذ منه المواثيق، وفي اليوم التالي دخل الجيش الإيراني إلى البصرة، وألقى القبض على المتسلم سليمان آغا والدفتري وصاحب الكمرك ، وعدد من رؤساء الجيش والأعيان، وتم إرسالهم كأسرى إلى كريم خان في شيراز.
وعندها ضرب صادق خان المواثيق والعهود وعاث بالبصرة فسادًا وخرابًا وتقتيلا. وسليمان باشا هو الذي حارب عشائر خزاعة (الخزاعل ) وكان أميرهم حمد بن حمود و هزمه قرب (الديوانية) غرب الفرات وعزله وولى القبيلة مكانه محسن بن محمد سنة 1195ه-، وعفا عن خزاعة وفرض عليهم الخراج وأعاد أميرهم السابق الشيخ حمد بن حمود
في كربلاءفي سنة 1194 ه- / 1780م وصل إلى مدينة كربلاء قادمًا من البصرة لتسلم منصب ولاية بغداد الوالي (سليمان باشا) الذي كان متسلمًا للبصرة قبل إحتلالها
1) سليمان باشا هذا كان يدعى (سليمان أغا) وهو من المماليك الكرج، تسلم منصب متسلمية البصرة عام 1179ه- / 1765م والذي كان يعد هذا المنصب أعلى المناصب في العراق بعد الوالي والكتخدا.
من قبل جيش كريم خان الزندي سلطان إيران بعد نادر شاه الذي كان يقوده أخوه صادق خان.
وبعد إحتلال البصرة تم أسره وحُمل إلى (شيراز) حيث سجن هناك وعُذّب، وأستُعيدت البصرة من أيدي الإيرانيين عندما إنسحب صادق خان بجيشه منها بعد موت كريم خان الزندي وحدوث نزاع على المُلك في إيران، فقد تم الإفراج عن الأسرى وفي مقدمتهم (سليمان) حيث عاد إلى البصرة متسلماً. وكان يساعده أمراء قبائل المنتفق حينها.
كانت ولاية بغداد قد شغرت بعد إخراج حسن باشا منها وذهابه إلى ديار بكر وداهمه الموت هناك... إتفق اهل بغداد ان يجعلوا (إسماعيل بك) قائم مقام الوالي إلى أن يحضر أمر الدولة العثمانية، فما يشعرون بعد أيام قلائل إلاّ ورود الفرمان من الدولة بأن وزارة بغداد لسليمان باشا متسلم البصرة، ولا يعلمون بالمكاتبات التي كانت تدور بين سليمان باشا وبين السلطان العثماني الذي وافق على توجّه إيالة بغداد والبصرة وشهرزور لسليمان باشا في 15 شوال سنة 1194ه-/ 1780م، وورود أمر
آخر لسليمان باشا بن أمين باشا الموصلي أن يحافظ أمور بغداد ويؤمن طرقها إلى أن ياتيها سليمان باشا والي البصرة.
وعن وصوله إلى كربلاء ذكر صاحب كتاب مطالع السعود الذي عاش تلك الفترة تقريبًا ما نصّه « فتوجه سليمان باشا والي البصرة إلى بغداد ومعه ثويني بن عبد اللّٰه (1)بعشائره وجملة من عسكر الزبير أهل نجد، فلما وصل إلى (العرجاء) من أرض المنتفق لاقاهم إسماعيل بك الكتخدا ومعه عسكر أيضاً يشدّ عضدهم، فما كان من الوالي أن أمر بقطع رأسه وقيد من كان معه لأمور ينقمها عليه قديمًا، وولّى على البصرة متسلما رجلًا اسمه سليمان أفندي وأرسل معه مهرداره أحمد الزكي ثم إرتحل. ولّما وصل (كربلاء) إلتمس منه ثويني الرجوع فإذن له... »(2).
وقد ورد في الرواية بأن الوالي سليمان باشا الكبير ( وكان هذا لقبه فيما بعد، وللتفريق بينه وبين سليمان باشا أبو ليلى أول الولاة المماليك قبله، وبعده الوالي سليمان باشا أبو سعيد) عندما دخل كربلاء مع حاشيته الكبيرة ، ومعه الشيخ ثويني بن عبد اللّٰه أمير المنتفك وعساكره، فقد ضاقت بهم المدينة، وقد إستقبله أهلها على مضض، ورغم ان ثويني إستأذنه بالعودة إلى (ديرته) وخرج من كربلاء بعساكره، فقد كان سليمان خارجاً من أسر العجم له في شيراز وتعذيبه، فكان لا يروق له ما رأى من تواجد الإيرانيين وخاصة رجال الدين في كربلاء، رغم انه أدّى مراسيم الزيارة للمرقد الحسيني الشريف. ومن كربلاء توجه سليمان باشا إلى الحلة ومنها إلى بغداد.
1) هو ثويني بن عبد اللّٰه بن محمد بن مانع القرشي الهاشمي العلوي ،الشبيبي، أمير عشائر المنتفك. كان له مركز متقدم في جنوب العراق وله سطوة على المناطق التي كانت تخضع له، وكان ومعه (ثامر بن سعدون بن محمد بن مانع) شأن كبير في ذلك الوقت وتخضع لهم عشائر الجنوب، وطالما حاربوا الفرس وهزموهم مرتين عندما كانوا يحتلون البصرة ، وجاء من بعدهم حمود بن ثامر وغيره من الأمراء حيث كانت لهم فيما بعد وقائع مع الحكومة العثمانية.
2) مختصر مطالع السعود: أمين بن حسن الحلواني المدني، ص 31.
ويُذكر أن فترة حكم سليمان باشا قد طالت إلى سنة 1217ه-، وفي أيامه حدثت غارة الوهابيين على كربلاء.
تولى السيد مرتضى بن محمد علي بن مرتضى بن عبد المطلب بن علي بن محمد الدراج نقابة الحائر بعد عام 1196ه- / (1782م)، حيث خلف السيد ابراهيم بن عباس الدراج، واستمر في النقابة سنوات طوال لحين وفاته سنة 1236ه-/ (1821م)، كما جاء في مدينة الحسين/ السلسلة الأولى ص 98 ، وكتاب الأسر الحاكمة ص361، ومشجر السادة آل النقيب في كربلاء.
في بداية شهر كانون الثاني سنة 1790م (1204ه-) وصل الإنكَليزي الميجر جون تايلر إلى بادية كربلاء قادمًا من حلب متخذاً طريقه إلى مدينة النجف ليسلك طريق الصحراء حتي يصل جنوب العراق، ويبدو أن رحلته كانت استطلاعية استخبارية يستطلع بها مناطق غرب العراق، وفق أجندات عسكرية كان يتم التخطيط لها من قِبل مجموعة من الدول التي لها اطماع في العراق ودول الشرق.
ففي الأول من كانون الثاني وصل إلى منطقة أطراف عين التمر (المنطقة التي يقع فيها قبر السيد أحمد بن هاشم) ووصف المنطقة بما فيها الآبار المعدنية و(قصر البرذويل) وشاهد بعض القبور حسب وصفه والتي كانت على مرتفع قريب من الماء، ويمكن أن تكون قبور السيد أحمد وابنه واخيه.
ثم وصل إلى (شفاثا) ووصف الطريق ثم وصف (قصر الإسالي) المعروف في شفاثا. وقد وصف قرية شفاثا حينها ، وتزودوا بما يحتاجونه منها في سفره، وشاهد
استعراض الجنود المرافقين لهم وهم يرقصون ويحملون أسلحتهم، وقد أثنى على مهارة العرب في طريقة الإمساك بالسلاح وفي طريقة استعماله.
ثم وصل إلى قصر الأخيضر الذي كان على خط قافلته سیر وقام بوصفه، ثم تطرّق إلى وادي الأبيّض الذي ساروا نحوه والذي يؤدي إلى منخفض بحر النجف، ثم شاهد في طريقه قبة الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) المغشية بالنحاس المذهّب وهي تلمع من بعيد ويقول بأنه سار بمحاذاة مدينة النجف، ثم واصل تايلر رحلته إلى السماوة والمنتفق ثم الزبير حتى وصل البصرة (1).
بعد وفاة السيد مهدي بن حسن بن منصور، أنيطت سدانة الحسين إلى السيد موسى بن محمد علي بن محمد بن موسى من سلالة آل السيد يوسف من آل زحيك، ويرجع نسبه إلى السيد إبراهيم المرتضى (الأصغر) بن الإمام موسى الكاظم ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) ، وذلك في سنة 1204ه- / 1790م وإستمر في السدانة لحين غزوة الوهابيين حيث أستشهد فيها نهاية سنة 1216 ه- / 1802م، وهو يدافع عن حرم الحسين، كما أستشهد معه أخويه السيد حسن والسيد حسين .
وجاءت تسمية السادة آل الوهاب من سلالة السيد يوسف من آل زحيك (غير آل الوهاب من آل طعمة )عن طريق ابن أخيه السيد حسين بن حسن بن محمد علي، الذي تسلم سدانة العباس سنة 1251ه- ولقّب نفسه بآل الوهاب تخليداً لذكرى والده السيد حسن وعمه السيد حسين وعمه السيد موسى (سادن الحسين) الذين إستشهدوا في غزوة الوهابيين، فيكون هو الجد الأعلى لآل الوهاب من آل زحيك.
1) راجع كتابنا (كربلاء في ادب الرحلات)، ص 112 - 118 ، وفيه تفصيل للرحلة.
وجاء في دائرة المعارف الحسينية - تاريخ المراقد - للكرباسي في ص117 منه النص التالي : «وفي سنة 1215ه- تولى السدانة الحسينية على ما يبدو السيد موسى آل الوهاب مرة أخرى إلاّ أنه لم تدم له حيث قُتل في أواخر عام 1216ه- ». ولم يذكر المصدر، علماً بأن الشيخ الكرباسي ذكر قبل ذلك بأنه تسلّم السدانة سنة 1204ه- في ص109 من نفس الكتاب، ولم يذكر بأنه عُزل عنها ومن ثَمَّ أعيد إليها، كما انه سمّاه بالسيد حسين آل الوهاب، وفي التأريخين لم يتلقب أحد من آل زحيك بآل الوهاب إلى أن قام ابن أخيه بإعتماد هذا اللقب بعد استشهاده بسنوات. والمرحوم السادن هو من آل السيد يوسف من آل زحيك.
كما لم نجد مصدرًا يؤكد إستلام السدانة بين التاريخين أعلاه لأحد سوى في كتاب مرقد الحسين والعباس ص211 ، دون أن يذكر المصدر الذي إعتمد عليه، حيث يذكر بأن السيد حسين الصحاف عُيّن سادنًا سنة 1206 ه- حتى سنة 1215ه-.
ونحن نشك في معلومات مؤلفه سلمان طعمة والدليل هو ما ذكرناه من أخطاء في تدوينة عن السدانة، وإلى القارئ الكريم آخرها هو ذكره بأن السيد موسى بن محمد علي بن محمد الحائري آل الوهاب عيّن سادناً سنة 1204 حتى عام 1206ه-.
فنقول:
1 - ذكر بأنه من آل الوهاب، وهذا اللقب لم يكن معروفًا لدى أسرته إلّا بعد عام 1251ه- وأول من تلقّب به هو ابن أخيه السيد حسين بن حسن آل سيد يوسف عندما إستلم سدانة العباس (عَلَيْهِ السَّلَامُ).
2- لم يذكر سلمان طعمة في ص 211 من كتابه أن السيد موسى إستلم السدانة مرة أخرى بعد حسين الصحاف مثلاً الذي ولاه السدانة من دون مصدر !!
3- أن المرحوم السيد موسى كان سادنًا للحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) إثناء غزوة الوهابيين، وقد أستشهد من جرّائها، فلماذا لم يثبته سلمان طعمة وإكتفى أن يقول عن السيد جواد بن كاظم آل نصر اللّٰه أنه تولى السدانة عام 1217ه- بعد مقتل السادن
السابق السيد موسى آل السيد يوسف !! ، فإذا إعترف بأنه كان سادناً قبل السيد جواد فلماذا لم يذكره ؟ !! (1)
ذكر في ص 209 إنه ذكر أسماء السدنة وتواريخ توليهم بموجب الوثائق (الرسمية)! التي إطّلع عليها منذ القرن العاشر حتى يومنا هذا (أي سنة 1996م) ، واليكم الوثائق الرسمية:
أ. كتاب الأسر الحاكمة ورجال الإدارة والقضاء في العراق/د. عماد عبد السلام رؤوف ص 364 .
ونعلم القارئ بأن الدكتور عماد ذكر اسم شمس الدين بن شجاع ومصدره كتاب مدينة الحسين كما ذكر في هامشه ، فلماذا يذكره سلمان ولم يذكر المصدر من مدينة الحسين ومؤلفه من أولاد عمّه، فهل هذا مصدر رسمي؟
ب. كتاب مدينة الحسين ج 1 ص 76 على نفس السادن، فلماذا يذكر كتاب د. عماد عبد السلام، وما ذلك إلّا ليريد أن يكثر من المصادر ليستغفل القرّاء.
ت. نسخة خطية نقلها سلمان لكتاب (نزهة الإخوان في بلد المقتول العطشان) الذي إستعاره من السادة آل النقيب، حيث كان فيها ذكر للسادن السيد محمد علي بن موسى (أبو ردن) ويقول أن نسخة الكتاب موجودة في خزانته.
ث. مقالته (شعراء منسيون - الشيخ عباس الكربلائي) المنشورة بمجلة (الرائد) الكربلائية العدد 1 السنة الأولى .1968م. ص 59. فهل هذه وثيقة رسمية؟
ج. إرجوزة في كتاب مجالي اللطف بأرض الطف للشيخ محمد السماوي ص 73 يذكر فيها الشاعر (السادن السيد جواد بن حسن طعمة)!!
ح. إذا إعتبرنا أن هذه الوثائق الخمسة التي وردت في هوامشه (رسمية)! وهي إثنان تخص شمس الدين بن شجاع، وإثنان تخص السيد محمد علي (أبو ردن) ووثيقة عبارة عن مقطع شعري ليس بقديم يخص السيد جواد بن حسن طعمة، فأين بقية المصادر (الرسمية) عن السدنة الآخرين؟!!
وللقارئ ننقل بعض الملاحظات عن مقالة سلمان طعمة عن السدنة في نفس كتابه الذي ذكر السدنة حسب تسلسله:
1 - ذكر التسلسل (3) بأن: «محي الدين بن علي الحائري الأسدي. كان نقيباً لأشراف بغداد وقيل لكربلاء، ثم عيّن خازنًا (سادناً) عام 1025 ه- وما بعدها». نقول: كيف يكون محيي الدين نقيباً للأشراف وهو (أسدي) أي من قبيلة بني أسد وهذه القبيلة ليست من القبائل العلوية، ونقابة الأشراف يتولاها من كان علويًا من نسل الإمام الحسن أو الإمام الحسين عليهما السلام !!
2- لم يذكر تولي السيد مهدي بن حسن بن منصور بن ناصر الدين بن يونس بن جميل بن علم الدین!!
الذي هو موثق لدى أوراق السادة آل نصر اللّٰه بإعتبار أنه حفيد شقيق السيد نصر اللّٰه الجد الأعلى لأسرة آل نصر اللّٰه ولم يأخذ بما أورده أحد مصادره وهو مدينة الحسين في ص 77 ، مع أن الأخير إستدرك (حسب قوله) فيما بعد والسبب كان الخلاف بين أسرة آل نصر اللّٰه وآل طعمة منذ حادثة (مغيث وجلال) أولاد السيد جواد طعمة في ثلاثينيات القرن العشرين الميلادي.
3- ذكر في ص 210 بأن السيد محمد علي بن موسى (أبو ردن) عيّن سادناً في السنوات 1181ه- / 1195، 1204ه- ، بينما يذكر السادن التاسع السيد مهدي بن محمد الزعفراني أنه عُيّن سادئًا سنة 1165 ه- حتى عام 1204ه- ! ! فمتى كان موسى أبو ردن سادناً بنظره؟!!
4 - ذكر أن محمد علي أبو ردن كان سادناً عام 1204 ه- كما ذكرنا أعلاه ولم يذكر السادن الحادي عشر السيد موسى بن محمد علي بن محمد الحائري عيّن سادناً سنة 1204ه-!!! وقد ذكرنا هذا الخطأ سابقاً.
5-لم يذكر إستلام السيد علي (الطويل) آل نصر اللّٰه السدانة بعد والده السيد جواد بن كاظم الذي توفي سنة 1222ه-، ولدينا من الوثائق التي تثبت سدانته بتوقيعه وختمه الصريح في عدة استشهادات.
ولا السيد أحمد بن نصر اللّٰه بن موسى بن إبراهيم بن نصر اللّٰه الذي إستلم السدانة وقد ورد اسمه ومنصبه في استشهاد آل النهري في التخويل الذي منح للسيد مهدي النهري السندي من قبل السلطة العثمانية سنة 1283ه-.
6 - ذكر بأن السيد محمد علي بن عباس آل طعمة عيّن سادناً للروضة الحسينية سنة 1218 حتى سنة 1240ه-، وقد نسي أنه ذكر قبل ذلك بثلاثة أسطر من ص 211 من كتابه أن « السيد جواد بن کاظم آل نصر اللّٰه تولى السدانة عام 1217 ه- وبقي خازنًا (سادنًا) حتى عام 1219ه- !!، فكيف يكون السيد محمد على سادئًا سنة 1218ه- ؟!!
7- هناك إختلاف في تدوين أسماء السدنة بين ما ثبته في كتابه وبين كتاب ابن عمّه محمد حسن الكليدار مؤلف مدينة الحسين، وهذا الإختلاف في التدوين إنطبق على ذكرهما لسدنة الروضة العباسية أيضًا.
8-وفي ص 211 يذكر السادن الخامس والعشرون بأن: «السيد عادل بن عبد الصالح آل طعمة، تولى السدانة بعد إحالة والده على التقاعد سنة 1401ه- (1981/6/7) حتى اليوم» ، وعندما يقول (حتى اليوم) أي تاريخ إصدار كتابه سنة 1996م، بينما السيد عادل عُزل عن السدانة بعد أحداث كربلاء في آذار 1991م، وبقيت السدانة شاغرة لحين إستلام (كاتب هذه السطور) الذي تولى السدانة في 19 آذار 1992م وإستمر فيها إلى 9 نيسان 2003م إثناء إحتلال الأمريكان العراق.
9- أمّا ما يخص كتابه المذكور فإنه أخطأ في عنوانه حيث أسماه: (مرقد الحسين والعباس عليهما السلام) وكان من المفترض تسميته (مرقدي الحسين والعباس)، لأنهما منفصلان في موقعهما. والغريب أن يذكر اسمه على غلاف الكتاب ويمنح نفسه لقب (الدكتور) وهو لم يحصل على تلك الشهادة العلمية ولا على الماجستير حتى، وخيراً فعل ابن عمّه السيد زهير آل طعمة عندما ذكر هذه المثلبة في كتابه (سلمان هادي طعمة في الميزان) المطبوع في بغداد سنة 1436ه-/2015م من ص 135 إلى ص 146 .
.1) 1- راجع كتاب مرقد الحسين والعباس لسلمان طعمة ص 211 وسيجد القارئ الكريم الأخطاء الكثيرة التي أوردها مؤلف الكتاب في موضوع سدانة الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) من ص209 – ص213 من كتابه الذي أصدره سنة 1996م، مؤسسة الأعلمي، بيروت. ولتوضيح تلك الأخطاء نقول:
في شهر جمادي الآخرة سنة 1207ه- / 1792م، زار الوالي سليمان باشا الكبير مدينة كربلاء ومرقد الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) للمرة الثانية. وجاء في تاريخ العراق بين إحتلالين في حوادث سنة 1207ه- ما يلي: «أراد الوزير أن يبدي سطوته في أنحاء الفلوجة ويرهب عدوه. فذهب للصيد هناك. تحرك من بغداد في 2 جمادي الثانية فقضى فيها بضعة أيام للنزهة. ثم مال منها إلى كربلاء فزار مرقد الإمام الحسين وعاد إلى بغداد». (1)
في التاسع عشر من شهر جمادي الثانية سنة 1209ه- / 1794م، زار كربلاء وللمرة الثالثة خلال فترة حكمه في بغداد الوالي سليمان باشا الكبير بقصد زيارة مرقد الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ).
جاء في دوحة الوزراء في حوادث سنة 1209 ه- ما نصّه: «بالنظر لهدوء الأحوال وجريان الأمور وفق المطلوب، فقد رأى الوزير أن يخفف عنه بعض المتاعب وذلك بالتمتع بهواء الفلوجة، وسافر نحوها مستصحبًا معه آلات الصيد ومعداته، وبعد مكوثه عدة أيام في تلك الجهات سافر من هناك إلى كربلاء لزيارة ضريح سيد الشهداء، ثم عاد إلى بغداد في اليوم العشرين من شهر جمادي الآخرة». (2).
الزيارات الثلاث للوالي سليمان باشا الكبير لمدينة كربلاء منذ تسلّمه ولاية بغداد سنة 1194ه- / 1780م لحين وفاته سنة 1217 ه- / 1802 م، كانت الأولى عند مجيئه من البصرة متوجهاً إلى بغداد لإستلام الولاية، والزيارة الثانية كانت بعد توليه بعد 13 سنة من حكمه، والزيارة الثالثة كانت قبل وفاته بثمان سنوات.
وجميع زياراته كانت تأخذ جانب زيارته للمرقد الشريف، ولم نجد ما يشير إلى قیامه بأي عمل آخر يخدم المدينة وسكانها طيلة فترة حكمه الطويل، وكانت حينها المدينة بحاجة إلى الكثير من النواحي العمرانية والأمنية والصحية، وأهم الأمور التي كانت تحتاجها هو تحصين سورها القديم والمدينة وهي تترقب هجمات العشائر التي تعلن العصيان دائماً، والخطر الوهابي المتزايد على تخوم العراق.
وهذا الأمر غير خافٍ خلال فترة حكم المماليك، حيث كانت مدينة كربلاء في أحلك حالاتها إثناء فترة حكمهم البغيض، وسنشهد من خلال سردنا للحوادث إثناء حكمهم بأن مدينة كربلاء وأهلها قد ثاروا مرارًا ضد حكم المماليك وكانت أقسى الظروف في أيام حكم الوالي المملوكي (داود باشا).
الفرنسي (أوليفييه) في كربلاء (1)
زار الرحاّلة أوليفييه مدينة كربلاء سنة 1211ه- / 1796م قادمًا إليها من النجف الأشرف، وقد كتب عن كربلاء بعد زيارته لها: « ليس مشهد علي (يقصد بها النجف) المدينة الوحيدة التي يقصدها الزوّار للحج (2)، إذ إنهم يقصدون أيضاً مشهد الحسين أو الإمام الحسين حيث يوجد قبر الحسين بن علي الذي قُتِل مع عدد كبير من أقاربه وأصحابه في واقعة كربلاء، ومعلوم أن الحسين بعد وفاة معاوية قصد الكوفة مع مائة وخمسين شخصاً وسائر أهل بيته حيث كان ينتظره أنصاره، غير أن يزيد بن معاوية قد أرسل ضدّه ستة آلاف شخص قاتلوه، فاستشهد الحسين وسلاحه بيده، لأنه حارب حتى الرمق الأخير ضد العدد الغفير من المناوئين.
1) هو الرحالة الفرنسي ( غيوم أنطوان أوليفييه) المولود سنة 1756م والمتوفى سنة 1814م. رحالة وعالم حشرات فرنسي، قام برحلات عديدة من سنة 1793م حتى سنة 1797م، في عدد من أقاليم الدولة العثمانية ومنها العراق.
2) يقصد بالحج هنا زيارة المرقد الشريف، ومن حج إلى مكان زاره ،ووصله، والشائع إن الذهاب لبيت اللّٰه الحرام في مكة يسمّى (الحج) وهي فريضة من فرائض الإسلام واجبة التحقيق عند الإستطاعة.
وأقيم له ضريح قريب من ميدان المعركة، وعلى هذا الضريح شُيّد فيما بعد مسجد، وتكونت حوله المدينة» (1).
في أيام ولاية سليمان باشا الكبير (والي بغداد) تم تعيين (مراد بيك) حاكمًا لقصبة كربلاء وذلك في سنة 1212 ه-/ (1797م)، وإستمر في منصبه بكربلاء ثلاث سنوات حيث نقل منها سنة 1215ه-/ (1800م).
لقد ذكرنا عند الحديث عن ابتداء حكم المماليك، أن الأسرة القاجارية في إيران تمكنت من الاستيلاء على السلطة في إيران بشكل كامل إبتداءً من سنة 1211ه- / 1796م. وقد عايش القاجاريون جانبًا من حكم المماليك في العراق، وإستمرت دولة آل قاجار بالحكم في إيران إلى سنة 1925م عندما قام رئيس وزراء إيران وهو (رضا خان بهلوي) بإنقلاب على الشاه أحمد آخر الملوك القاجاريين، وتمكن من الاستيلاء على الحكم في إيران، ونصّب نفسه (شاهنشاه) أي ملك الملوك، وعندها بدأت الأسرة البهلوية تحكم إيران حتى عام 1978م.
وللقاجاريين إهتمامات وأعمال قاموا بها للعتبات المقدسة في العراق، وخاصة للمراقد في مدينة كربلاء، وبعض الأعمال الأخرى للمدينة، وحتى في السنوات التي لم يؤسسوا بها دولتهم بشكل كامل على ربوع إيران. وسنقوم بذكر أعمالهم جميعها في كربلاء، وسنذكر أيضاً الحوادث والتدخلات التي قاموا بها بخصوص كربلاء وخلافاتهم مع الدولة العثمانية. ولابد من تقديم شرح مختصر عن نشوء الدولة القاجارية، وملوكها، ومن ثَمَّ أفولها... فنقول:
1) رحلة أوليفييه إلى العراق (1794 - 1796)/ ترجمة الأب يوسف حبّي، من مطبوعات المجمع العلمي العراقي، سنة 1408ه-/ 1988م .بغداد
القاجار: سلالة تركمانية، وهي أسرة من البدو الرحّل التركمان، تنحدر من إحدى قبائل (القزلباش أو قزلباشي). كانت هذه الأسرة قد إستقرت في (طهران) منذ سنة 1200ه-/ 1786م. وكانوا قبلها قد إستولوا على منطقة (أستراباد) شمال شرق إيران سنة 1163ه- / 1750م.
إستطاع قائد القبيلة (أغا محمد خان) الملقّب ب- (الخصي) أن يستولي على الحكم في بلاد فارس بعد قيامه سنة 1188 ه- / 1774م بتصفية (الخانات الزند) في كرمان بطريقة دموية، ثم قضى وبنفس الطريقة على (الأفشاريين) في (مشهد). ولم تكن حينها جميع البلاد بيده، وخاض حربًا مع الكرج، وتمكن منهم بعد أن نجح في إزالة خطر الزنديين بقيادة (جعفر خان الزندي) الذي كانت بيده المناطق الجنوبية من إيران ولكنه لم يتمكن من القضاء عليه، حيث كانت الفوضى حينها تعم إيران لعقد من الزمان... وبعد ذلك كله تمكن اغا محمد خان من إدخال شمال إيران ووسطها في طاعته، وبقي قسم آخر من إيران خارج سلطته، وتوّج نفسه ملكاً في (عيد النوروز) سنة 1200ه-/ 1786م بمدينة طهران.
وبعد عشر: سنوات من هذا التأريخ تمكن من توحيد البلاد بأكملها وجعلها خاضعة لحكمه بعد حروب خاضها مع الزنديين وإنتصر فيها، عندها أعلن سنة 1211ه- / 1796م تأسيس الدولة القاجارية على جميع مناطق البلاد، وإتخذ لنفسه لقب (شاه) على إيران وإتخذ (طهران) عاصمة لملكه بسبب قربها من (إستراباد) مقر قبيلة القاجاريين.
إختار أغا محمد خان لولاية عهده (بابا خان) وهو الابن الأكبر لأخيه (حسين قلي جهانسور)، والذي عرف بابا خان فيما بعد بالشاه (فتح علي). ثمَّ قسّم الولايات على رؤساء القاجاريين وكبارهم.
دخل مؤسس الدولة القاجارية (أغا محمد خان) في صراع مع الكرج بعد تتويجه شاهاً على إيران، وتمكن من التغلب عليهم.
عندها هرب قائدهم إلى (داغستان). وعملية هروب هذا الأخير أججت حالة من الاستياء لدى الشاه أغا محمد، فصبَّ جام غضبه على ثلاثة من خدمه الخاص لأسباب واهية وهددهم بالقتل، فإتفق الثلاثة سرّاً على قتله، فقتلوه وهو نائماً وقت السحر في الحادي والعشرين من ذي الحجة سنة 1211ه-/1796م، وحملوا تاجه وحزامه وجواهره التي كان يحتفظ بها إلى (صادق خان الشقاقي) الذي كان أحد قوّادِه، ودفع آغا محمد خان الذي كان يتمتع برشادة عقل وتدبير صائب، حياته ثماً لشدة طبعه وقسوته وحبّه الشديد للمال وحرصه عليه، وهو لم يكمل بعد السنة الأولى من حكمه على كامل إيران.
بعد أن إنتشر خبر مقتل آغا محمد خان في اليوم التالي، ثار الجند ثورة كبرى إلى حد أنهم غفلوا عن دفنه، وسلك كل قائد من قوّاده طريقاً، فإرتحل (حاجي إبراهيم خان - إعتماد الدولة -) إلى طهران على عجل، بينما إتجه (صادق خان الشقاقي) إلى آذربيجان وأعلن بها سلطنته.
وعندما سمع ابن أخيه وولي عهده (بابا خان) بخبر مقتل عمّه، حيث كان يقيم وقتئذ في (شيراز)، توجّه مسرعاً إلى طهران فوصلها في بداية شهر صفر سنة 1212ه- / 1797ه- ، وكان إعتماد الدولة قد أبدى كفاءة ممتازة في تأمين وصول ولي العهد إلى العاصمة طهران وإحكام قبضته على زمام السلطة، بالرغم من وجود أعداء كُثر لولي العهد الشاب (بابا خان).
تم تتويج بابا خان رسميّاً سلطاناً على البلاد باسم (فتح علي شاه) سنة 1212ه- ، والمواقف إعتماد الدولة فقد نُصّب وزيرًا للشاه.
وتحرك الشاه الجديد نحو (صادق خان الشقاقي) الذي كان قد أتى إلى قزوين لمحاربته، فتمكن فتح علي شاه من تحقيق النصر عليه في آذربيجان، ثم عفا عنه بعد مدة وجيزة بعد أن قام صادق خان بتسليمه الجواهر السلطانية التي كانت ملكاً لعمه،
فولاّه ولاية (سراب) مكافأة له ، ثم أمر فتح علي شاه بنقل جثمان عمّه أغا محمد خان إلى النجف الأشرف ليدفن هناك.
كانت فترة حكم فتح علي شاه مليئة بالمشاكل الداخلية والخارجية وخاصة مع الروس والإنكَليز، وتمكن أن يدير البلاد خلال حكمه بصعوبة، وقد داهمه المرض وإشتد عليه، وعلى إثره فقد توفي سنة 1250ه- / 1834م، وهو في سن الثامنة والستين من عمره، بعد أن حكم سبعة وثلاثين عاماً، ودفن بمدينة (قم).
كان فتح علي شاه قد إختار في سنة 1213 ه- / 1798م لولاية عهده ابنه الرابع (عباس میرزا)، بناءً على وصيّة أغا محمد خان، وعيّنه حاكمًا على (آذربيجان)، لكنه توفي في حياة والده، فإختار فتح علي لولاية عهده وحكومة آذربيجان حفيده (محمد میرزا بن عباس ميرزا) رغم معارضة بقيّة أبناء فتح علي شاه الآخرين.
لّمابلغ ولي العهد محمد ميرزا بن عباس ميرزا خبر وفاة جدّه فتح علي شاه، سارع وجلس على عرش السلطنة في (تبريز) باسم (محمد شاه) بعد أيّام من وفاة الشاه فتح علي، ثم توجّه إلى طهران بصحبة سفيري إنكَلترا وروسيا، ورافقته وحدة مدفعية من جیشه، بالإضافة إلى جيش كبير يقوده (لندساي) القائد الإنكَليزي، والشاه الجديد في طريقه إلى طهران، قام عمّه (علي ميرزا ظل السلطان) بالاستيلاء على طهران وأعلن نفسه سلطانًا على البلاد. وحينما وصل محمد شاه طهران ومعه الجيش إستسلم عمّه (ظل السلطان) فعفا عنه محمد شاه.
كان أخوا محمد شاه (حسين علي ميرزا فرمان فرما) و (شجاع السلطنة حسن علي ميرزا) قد أعلنا الثورة في شيراز وحاولا الاستيلاء على العراق، فأرسل محمد شاه جيشاً وتمكن من هزيمتهما وإستعادة شيراز منهما وأسرهما، فسمل عيني أحدهما، أمّا الآخر فقد لقي حتفه في وباء عام أصاب طهران. وقد بذل محمد شاه جلَّ جهده إثناء فترة حكمه لتحسين الحالة الداخلية للبلاد، فقد تم إلغاء التعذيب، ومنع استيراد
العبيد إلى إيران، وقد خطبت روسيا ودَّ إيران إثناء فترة حكمه، حتى تتمكن من تدعيم نفوذها فيما أحرزته من ولايات القوقاز وتركستان.
وتمكن محمد شاه وبمساعدة روسيا بمحاولة لإعادة فتح (هراة)، ولكن هذه المحاولة واجهت معارضة شديدة من قبل بريطانيا، حتى أنها قد أرسلت ضابطًا بريطانياً لتنظيم المقاومة ضد محمد شاه، والتي قد إنتهت بالنجاح في هراة، ما أدى إلى وقوع خلاف دائم بين إيران والدولة العثمانية، وإشتدَّ هذا الخلاف على الحدود بين البلدين في عهد محمد شاه، وخاضا معارك متعددة على المناطق الحدودية، وتدخلت روسيا وإنكَلترا لفضّ هذا الخلاف وأجريا مفاوضات بينهما في مدينة (أرض روم) لحل الخلاف بينهما.
وعُقدت معاهدة مع العثمانيين في سنة 1262ه-/ 1857 م، صرفت إيران بموجبها النظر عن المطالبة بأي حق لها في ولاية السليمانية، في مقابل إعتراف العثمانيين رسميّاً بسيادة إيران على ميناء المحمرة وجزيرة خضر والساحل الشرقي لشط العرب، وحق ملاحتها في هذه الجزاء... وتعتبر هذه المعاهدة من أهم الأحداث التي تمّت في عهد محمد شاه.
في نفس سنة 1262ه- أعلن (حسن خان سالار بن آصف الدولة) العصيان على محمد شاه، مستغلاً مرض محمد شاه الدائم، ولكن الشاه أجبره على السفر إلى مدينة النجف في العراق والإقامة بها. لكنه حاول رفع راية العصيان مرّة أخرى، فأرسل له الشاه أخاه (حمزة ميرزا حشمة الدولة) لصدّه فهزمه، فهرب سالار إلى قبائل التركمان، و قد سعی حشمة الدولة لتعقبه ولكنه تراجع بسبب نشوب فتنة جديدة في (مشهد). وقد ظهرت في عهد محمد شاه آخر الحركات الدينية التي ظهرت في إيران وهي الحركة (البابيّة)، على يد شخص يدعى (ميرزا على محمد) والذي لقّب ب- (الباب) من قبل أتباعه الكُثر الذين إلتفوا حوله وآمنوا به وبمعتقده. وقد تم قتل (الباب) بأمر
الحكومة الإيرانية في تبريز سنة 1267ه- / 1850م ( في زمن ناصر شاه)، وبعد سنتين تقريبًا بلغ عدد القتلى من أتباعه (40) ألف شخص.
وبعد قتل الباب، أصبح أحد أتباعه وهو ( ميرزا يحيى) رئيساً للطائفة البابية، والذي هاجر من إيران إلى (أدرنة) في تركيا. وهناك حدث خلاف بين أفراد الطائفة أدى إلى وفاة ميرزا يحيى في عام 1912م، فتولى أخوه لأبيه (ميرزا حسن) زعامة الطائفة، وإتخذ لنفسه لقب (بهاء اللّٰه) أو البهاء الإلهي، وسلّمت بذلك البابية زمام أمورها إلى البهائية التي خرجت بشكل كلّي عن الإسلام.
توفي محمد شاه سنة 1264ه- / 1848م في قصره الجديد في غرب (تجريش) وهي إحدى ضواحي شمال طهران، عن عمر يناهز الثانية والأربعين بعد أن حكم أربعة عشر عامًا وثلاثة أشهر ، وقد عُرف بضعف النفس والعجز، وإزدادت أوضاع البلاد سوءاً بعد وفاته، لولا أن قامت زوجته (مهد عليا) أم ولي العهد بإدارة دفّة الأمور بمساعدة (قلي ميرزا) الذي لُقّب ب- (إعتضاد الدولة) بعد ذلك. وقد قامت (مهد عليا) بعقد مفاوضات مع ممثلي روسيا وإنكَلترا.
وأستدعي ولي العهد (ناصر الدين ميرزا) من تبريز إلى طهران، من قبل والدته وممثلي إنكَلترا وروسيا، وكان وقتها في السادسة عشر من عمره. وجلس (ناصر الدين شاه) على عرش أبيه في الحادي والعشرين من ذي القعدة سنة 1264ه- / 1848م.
كان ناصر الدين شاه من أعظم من تولى الحكم من القاجاريين، وقد أثبت إثناء حكمه قدرة كبيرة على إدارة البلاد، رغم أن المشاكل الداخلية والخارجية لم تنته، ولكنه تمكن أن يستمر في الحكم قرابة النصف قرن من الزمان، وقد زار مدينة كربلاء في رحلة كتبها بالتفصيل، وكان قبل رحلته قد قام بالتبرع لإعمار العتبات المقدسة فيها. توفي ناصر الدين شاه على أثر طلقة نارية تلقاها من شخص يدعى (میرزا صادق) عندما كان الشاه يهم الدخول إلى مشهد السيد عبد العظيم ب- (الري) جنوب طهران.
وبعد مقتل ناصر الدین شاه تولى الحكم بعده ابنه (مظفر الدين). كان مظفر الدين شاه قد أمضى شبابه في الكسل والبحث عن الملذات، حيث كان يقيم في تبريز بإقليم آذربيجان (التي كانت تقع في ذلك الوقت تحت سيطرة الفرس) فلمّا تولّى المُلك بعد والده سنة 1314ه- / 1896م أبقى على أمين السلطان (وزير والده) في منصبه، ولم يبذل أي مجهود أو إهتمام صادق بمهام الدولة في بداية حكمه. وخلال الفترة التي حكم فيها تغيّرت الكثير من الأمور في إيران، حيث أعلِن الدستور وتشكّل في زمنه البرلمان، وكانت تدخلات الدول الأجنبية فاعلة في أيّامه. وتوفي مظفر الدين شاه سنة 1324 ه- / 1907م ، وكان ابنه (محمد علي ميرزا) قد تولّى ولاية العهد سنة 1313ه- ، وكان يحكم آذربيجان من قِبل والده. وقد أستدعي إلى طهران في إثناء فترة مرض أبيه، فتولى الحكم بعد وفاة والده باسم (محمد علي شاه) سنة 1324ه-/ 1907م.
أقرّ القانون الأساسي للدستور الذي وقّع عليه والده قبل وفاته، و وعد بأنه سوف يسير وفق الدستور وبنوده، ولكنّه إنقلب على الدستور بعد اعتلاءه العرش بقليل. إثناء حكمه حدثت إضطرابات واسعة في إيران بسبب مواقفه من الدستور والبرلمان، وقاد البرلمانيون ضدّه حملة شعواء إنظمَّ إليهم رجال الدين، وتسارعت الأحداث إلى أن أدّت إلى هروبه من سطوة الجماهير الثائرة عليه في الشارع الإيراني، وإلتجأ إلى السفارة الروسية.
فإجتمعت القوات الوطنية المنتصرة وقررت عزل الشاه، وتولية ابنه الصغير (أحمد ميرزا) الذي كان في الثانية عشر من عمره خلفاً لوالده، وتكليف (عضد الدولة )رئيس الوزراء بإدارة شؤون الحكم كنائب للشاه الجديد. وعقدت القيادات الوطنية إتفاق مع كلّ من روسيا وبريطانيا في أيلول من عام 1909م يقضي بتحديد مرتب للشاه المخلوع في منفاه بروسيا، وألزموه بعدم التعرض عسكريًا إلى إيران أو محاولة إستعادة الحكم مرّة أخرى
إستمر (أحمد شاه) في الحكم إلى أن قام رئيس وزراءه (رضا بهلوي) بإنقلاب عسكري على الحكم القاجاري، وتمكن من السيطرة على مقاليد الحكم، وأسس الدولة البهلوية في إيران، ولقّب نفسه ب- (شاهنشاه) أي ملك الملوك وذلك في سنة 1343 ه- / 1925م.
كانت الدولة القاجارية كسابقاتها في خصام دائم مع العثمانيين، وكانت أنظارهم تتجه إلى العراق، وقد قاموا بعدة تدخلات بحجة علاقتهم بمدن العتبات المقدسة فيه وحمايتها بإعتبارهم من المذهب الشيعي... وكان القاجاريون قد قاموا بأعمال في كربلاء لا يمكن أن يتغاضاها المرء، وخاصة في مجال تعمير العتبات وبعض الأعمال الأخرى التي تخص المدينة، وسوف نقوم بذكرها حسب التسلسل الزمني لتوثيق الأحداث في هذا الكتاب.
وفي زمن حكمهم إزداد عدد الإيرانيين في كربلاء، من رجال دين أو من العامة بحجة دراسة العلوم الدينية، أو السكن ومجاورة قبر الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وأصبح لهؤلاء نفوذ في كربلاء، وربما كانت الحكومة الإيرانية هي الداعم الأول لهجرتهم رغم أن الحكومة العثمانية كانت تعارض وجودهم واستمرار إقامتهم في مدن العراق لمعرفتها بنيّات الدولة الإيرانية ...
وأول عمل قام به القاجاريون في كربلاء وكان قبل تأسيس دولتهم على كامل الأراضي الإيرانية هو:
فقد تبرع أغا محمدخان(الخصی) مؤسس الدولة القاجاریة في إیران في سنة 1207ه- / 1792م (قبل أربع سنوات من إخضاع كامل البلاد الإيرانية تحت سلطته)، بأموال لتذهيب قبة مرقد الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وهو أول تذهيب للقبة الشريفة.
جاء في كتاب بغية النبلاء ص 76 عن مجلد القاجارية من ناسخ التواريخ للسان الملك سبيهر النص التالي: وقام أغا محمد خان ( الخصي) مؤسس الدولة القاجارية في إيران، بتذهيب القبة السامية للسنة السابعة بعد المائتين والألف الهجرية، وقد نظم بهذه المناسبة الميرزا سليمان خان المشهور بصباحي الشاعر، مؤرخاً هذا التذهيب بقوله:
كلك صباحي أزين تاريخ أونشت*** در کبند حسین علی زیب یافت زر
الشاه القاجاري الأول آغا محمد خان عندما تبرع بتذهيب قبة مرقد الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) كان يُرسل كمّيات الذهب إلى كربلاء على دفعات ومعها الأموال اللازمة للعمل، وقد أوصى أن يتم إرسال الذهب حتى بعد وفاته فيما إذا لم يكتمل تذهيب القبة. في سنة 1211ه- / 1796م مات الشاه آغا محمد مقتولاً، وعند وفاته كان التذهيب لم ينجز، وإستلم العرش بعده ابن أخيه فتح علي القاجاري فقام بإرسال وجبة واحدة من الذهب فقط والعمل لا زال يحتاج إلى كميات أخرى، فأمر الشاه بإيقاف إرسال الذهب تحاشيًا من خطر الوهابيين إلى أن كتب له العلامة السيد علي الطباطبائي (صاحب الرياض) بعد حادثة غزو الوهابيين لكربلاء بضرورة إرسال بقية الذهب لإكمال تذهيب القبة.
فقام الشاه بإرسالها إلى كربلاء في عام 1217ه- بعد حادثة الوهابيين بعدّة أشهر، مع الأموال التي تبرّع بها لبناء سور للمدينة، وفي نهاية سنة 1217ه-/ 1802م تم إكمال تذهيب القبة، وعلى ذلك فإن عملية التذهيب هذه إستغرقت أكثر من عشر سنوات وهي مدّة طويلة جدًا لمثل هذا العمل.
حدث تمرد للعشائر القريبة من مدينة كربلاء، فإضطرت الحكومة لمحاربتها وكانت مدينة كربلاء في بعض الأحيان مسرحًا لمرور الجيش منها إلى المناطق المحيطة بها، وعندما تحدث مثل تلك الوقائع فيكون لها تأثير بالغ على مدينة كربلاء التي لم تشهد الاستقرار في تلك الفترة حيث كانت ضعيفة التحصين وكان يهددها الخطر الوهابي من ناحية البادية الذي إستفحل في ذلك الوقت.
في سنة 1214ه- / 1799م حدثت في بادية كربلاء غارة قادها (الكتخدا) علي بك في زمن ولاية سليمان باشا الكبير والي بغداد. ذُكر في مختصر مطالع السعود عن تلك الغارة ما نصّه: «... حيث غزا الكتخدا علي بك آل قشعم والدليم، فأغار أولاً على آل قشعم (1)فلم يظفر بهم لإنهزامهم، فلماّ إنهزموا جدَّ في طلبهم حتى وصل إلى شفاثى(2)، ثم عطف على الدليم فغنم من أغنامهم، وعاد إلى الفلوجة فراسل آل قشعم ثم الدليم وأمّن كلاً منهم فرجعوا إلى ديارهم وعاد هو إلى بغداد » (3).
کان سبب هذه الغارة على ماذكرته الروايات هو ان قبيلة (عنزة) أغارت على عشائر الدليم، ولّما غنم العنزيون منهم ومن غيرهم من عرب العراق، أمر الوالي سليمان باشا شيخ العنزيين فاضلاً أن يؤدي ما غنمته قبيلته من أموال إلى الدليم وغيرهم، فلما أراد فاضل الأداء عنهم لم يطيعوه، فخرج عليهم الكتخدا علي بك
1) كانت إمارة آل قشعم مستمرة في السيطرة على مناطقها ، وكثيراً ما دخلت مع عسكر حكومة المماليك بمعارك عديدة، وقد بقي نفوذها في مناطق الفرات الأوسط وغرب كربلاء إلى منتصف القرن الثالث عشر الهجري (الربع الأول من القرن التاسع عشر الميلادي).
2) شفائی: المقصود بها (عين التمر الحالية)، ومن الناحية التاريخية أن شفاثا كانت جزءاً من عين التمر، وفي الوقت الحالي يذكر العامة على حد سواء شفانا أو عين التمر كمنطقة واحدة وهي الآن مركز قضاء عين التمر.
3) مختصر مطالع السعود، ص71.
بعسكر وأحاط بهم على غرّة، فإلتجأ العنزيون بآل قشعم ومن معهم من عرب العراق، وعند التجاءهم للقشعميين لم يعطوا الكتخدا ثلاثة آلاف بعير وخمسين فرساً التي طلبها منهم ، فقد قرر الإغارة وحصل على ما يريد.
وعن ذات الموضوع وفي سنة 1214ه- بدأت عشائر (عنزة) بالتعرض للعشائر والقرى والقصبات. فكانت البادية غرب كربلاء هي (ديرة) قبيلة عنزة، فتقدمت هذه القبيلة من نواحي كربلاء ووصلت إلى (الطهمازية) التابعة للحلة.
وجاء في كتاب دوحة الوزراء عن تلك الوقائع في حوادث سنة 1214ه- ما يلي:
أرسل الوالي سليمان باشا صهره علي باشا على رأس حملة ضد (عنزة) ولكن شيخ عنزة حينها المدعو (فاضل) قدم إلى بغداد وقابل الوالي وأعتبر ضيفًا وأكرم مثواه وأستقبل بالترحاب، وتم الإيعاز إليه بالكف عن العصيان وأعطيت له مهلة عشرة أيام لرد ما نهبته عشيرته فتعهد بذلك وعاد إلى مقره، وعندما لم يف شيخ عنزة بعهده للوالي أصدر الوالي أمره للكتخدا علي باشا بالسفر حالاً لإخضاع العشيرة المذكورة، وراح علي باشا يطوي الطريق إلى أن وصل جسر الهندية ليلاً، وعندما علمت عنزة بالأمر أرادت الرجوع والعبور من جسر الهندية فلم يتيسر لها، وعندئذٍ لجأت إلى عشائر القشعم والأسلم والرفيع تستنجد بهم، فقررت هذه العشائر حماية عنزة على العادات العربية وخرج شيوخ تلك العشائر وإستقبلوا الجيش ورحبوا بهم وطلبوا من قائد الجيش عدم المساس بأفراد عشيرة عنزة، وإن لهم الحق في إجارة من يستجير بهم، فقدموا لقائد الجيش ثلاثة آلاف بعير وخمسين فرساً وطلبوا العفو لعشيرة عنزة. فقبل علي باشا بما حصل عليه وعاد إلى بغداد (1).
وأعلنت عشيرة قشعم العصيان على الحكومة فتقدم نحوهم الكتخدا علي باشا ووصل بجيشه إلى المسيب وعبر الفرات من المسيب متجهاً نحو كربلاء حيث علم
1) دوحة الوزراء، ص 210 وص 211 . وتم النقل بتصرف.
بأن قشعم عندما علموا بقدومه فقد تفرقوا بإتجاه البادية، وظلَّ علي باشا يطاردهم حتى (شفاثة) (1).
كل تلك الحركات كان لها تأثيرها الكبير على مدينة كربلاء وعلى الوافدين إليها من زوار العتبات المقدسة، فكلما حدثت حركات للعصيان من قبل العشائر حولها، فتوقع تلك الحوادث بظلالها على مدينة كربلاء من جميع النواحي وخاصة الأمنية والإقتصادية.
(فتح علي شاه) (2)يهدي شباك فضي لقبر الحسين (عليه السلام)
في سنة 1214ه- / 1799م، أهدى شاه إيران (فتح علي شاه) القاجاري شبّاك مصنوع من الفضة لوضعه على قبر الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وقد جاء في بغية النبلاء ما نصّه: «وفي أوائل(3)القرن التاسع عشر (1214ه-). أهدى فتح علي شاه القاجاري – أحد ملوك إيران - شبكة فضيّة. وهي إلى اليوم موجودة على القبر الشريف». (4).
1) دوحة الوزراء، ص211.
2) فتح علي شاه القاجاري هو ثاني ملوك القاجاريين، وهو ابن أخ مؤسس الدولة (أغا محمد خان)، إعتلى عرش إيران بعد مقتل عمّه. وقد حكم إيران من بداية سنة 1212ه- إلى سنة 1250ه- /1797م إلى سنة 1834م ، وكانت وفاته في (إصفهان) ودفن في (قم)، وقد حكم (37) سنة وتولى الحكم بعده حفيده محمد خان بن عباس ميرزا.
3) الصحيح هو أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، ويمكن أن يكون نصب الشباك قد تم في أوائل القرن التاسع عشر.
4) بغية النبلاء في تاريخ كربلاء، ص77 ، عن مجلد القاجارية من ناسخ التواريخ ص 63. أما ذكر مؤلف بغية النبلاء بأن (الشبكة الفضية )ويعني بها الشباك الموضوع على القبر الشريف، أنه موجود إلى اليوم ، يقصد به في زمن تأليفه الكتاب، والمعروف أن هذا الشباك قد أستبدل بشباك تبرع به سلطان البهرة (طاهر سيف الدين) وتم نصبه سنة 1358ه- / 1939م. أما الشباك الفضي القديم فقد تم ترميمه ونقله إلى مرقد الإمامين العسكريين كما جاء في تاريخ سامراء للمحلاتي ص324. وفي دائرة المعارف الحسينية، تاريخ المراقد ، ج 2، ذكر الشيخ الكرباسي بأن عمل شباك الفضة كان سنة 1218ه-.
في نفس السنة التي أمر فيها فتح علي شاه بعمل المشبك الفضي لقبر الحسين عليه السلام، تبرعت زوجته بتذهيب المئذنتين القبليتين للروضة الحسينية حتى الحوض (1).
في زمن الوالي المملوكي سليمان باشا تم تعيين (عمر آغا) حاكماً لكربلاء سنة 1215ه- / 1800م، وفي زمانه حدثت غزوة الوهابيين على كربلاء في ذي الحجة سنة 1216 ه- / (1801م) ، والذي هرب إثناءها هذا الحاكم من مقر إدارته في كربلاء إلى إحدى القرى المجاورة للمدينة، ولم يبدِ أي إجراء أو مقاومة لحماية المدينة وجعلها طعماً بيد الوهابيين، وعلى ذلك فقد إتهمه اهل المدينة بالخيانة، بل بالتواطئ مع الغزاة.
وبعد الغزوة بشهر وإبعادًا للشبهة على الحكومة بعدم حمايتها للمدينة المقدسة فقد تم استدعاءه إلى بغداد وتم إعدامه في أوائل سنة 1217ه- / 1802م.
محمد على خان هذا هو أحد قوّاد فتح على شاه ومن المقربين له، وكان قد زار كربلاء سنة 1212ه- بصحبة جثمان أغا محمد خان الذي جيء به من إيران لدفنه في النجف، وفي سنة 1216ه- / 1801م تبرع بتزيين الروضة الحسينية بالمرايا، ووجد في وقت لاحق توثيق هذا العمل وسنته في أعلى أحد أبواب الحرم الشريف التي تم تغييرها لاحقاً، وثبّت التأريخ أيضاً داخل القبة على الضريح الشريف. وكذلك
1) نفس المصدر، ص77.
أهدى في سنة 1251ه- مصحفاً ثمينًا للروضة الحسينية. والمصحف موجود حاليًا ضمن نفائس الروضة الحسينية باسمه.
غارة الوهابيين (1)
في أيام حكم المماليك الأتراك في العراق وإثناء ولاية والي بغداد (سليمان باشا الكبير) الذي إبتدأ حكمه سنة 1194 ه- / 1780م لغاية وفاته سنة 1217ه- /1802م، تجرأ الوهابيون بالهجوم على مدينة كربلاء، ودخلوها على حين غفلة وكان أكثر سكانها ذاهبين إلى مدينة النجف الأشرف لزيارة مرقد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام بمناسبة عيد الغدير الذي يصادف يوم 18 ذي الحجة من كل عام. وقام جيش الوهابيين الذي قاده (سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود) بدخول المدينة وعمل السيف بأهلها وهدّم ودمّر وسلب ونهب وإستحل حرمة مرقد الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وسرق ما بداخله وأحرق الضريح المقدس وعاد من حيث أتى دون أن يكون لحكومة كربلاء وحاكمها (عمر أغا) أي دور بالتصدي للهجمة الوهابية الشرسة، بل ترك الحاكم المدينة وهرب إلى إحدى القرى وتبعه جنوده وموظفيه فبقيت المدينة تلاقي مصيرها في مجزرة يندى لها جبين الإنسانية، وبالرغم من تصدي الكثير من الكربلائيين الباقين في المدينة ومقاومتهم إلّا أن الهجمة كانت أكبر من إمكانيتهم فإستشهد الكثير من المقاومين وعلى رأسهم سادن الحسين المرحوم السيد موسى وإمتلأت دروب المدينة وأزقتها بجثث القتلى من الرجال والنساء والأطفال ولم يسلم حتى الكثير من زوّار الحسين من الأجانب حيث تعرضوا للقتل والسلب والنهب .
1) راجع كتابنا (الحوادث والوقائع في تاريخ كربلاء) من ص 160 إلى ص 180 وفيه التفصيل عن غزوة الوهابيين، ومن هم الوهابية، ومن كتب عنها من المؤرخين.
في تلك الأيام كانت الحركة الوهابية (نسبة إلى مؤسسها محمد بن عبد الوهاب)(1)قد إستفحل أمرها بحيث تمكنوا من إحتلال الإحساء وبدأوا يهددون العراق ومدنه. بدأت عملياتهم التعرضية على مدن العراق الجنوبية حيث إصطدموا بجيش الحكومة عدة مرات وكانوا يتّبعون إسلوب الكر والفر وقاموا بقتل بعض رؤساء العشائر في المدن الجنوبية وتكبدوا أيضاً خسائر لا يستهان بها، إلّا أنهم كانوا مصممين على غزو مدن العراق وفق منهاجهم الوهابي حيث يعتبرون أنفسهم موحدين ولديهم فكر تجديدي حيث أعلنوا الجهاد المقدس وتبنّى (محمد بن سعود) مساندتهم، وبدأوا بتهديم الأماكن المقدسة والأضرحة وحوّلوا إتجاه دعوتهم من دعوة سلمية إلى العمليات الحربية بحجة نشر دعوتهم. وأعلن الجهاد المقدس بأنه أحد الفروض الدينية... فكان الغزو والقتل والنهب إسلوبًا لأعمال الوهابيين، فإلتف حوله البدو بعد كل غزوة يقوم بها للحصول على الغنائم.
وأن موضوع الاستنكار لعقيدة الشفاعة وتكفير أصحابها، هو الحجة التي يستند إليها الوهابيون لغزو المخالفين بإعتبارهم مشركين !! فقد كان محمد بن عبد الوهاب أن مبدأ الشفاعة والتوسل بالقبور والراقدين فيها من الأمور التي تنافي عقيدة التوحيد !!!، فإعتبر هذا الشيخ بأن المسلمين قد خالفوا ما جاء بالقرآن، كما إعتبر أن الأضرحة وزيارتها هي كالأوثان وعبادتها.
1) جاء في شهداء الفضيلة للشيخ الأميني ص 293 : «الوهابية فئة منسوبة إلى محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي، ولد سنة 1111 ه- وتوفي سنة 1206 ه- ، كان من أعراب نجد مقيماً في البصرة تلميذاً للشيخ محمد مهدي البصري مخالفًا لعلماء عصره محصلا للعلوم في أول أمره حتى آل أمره إلى إتباع الهوى والاغترار بالأباطيل والمنى فإخترع مذهبًا خارجاً عن فرق الإسلام بناه على أنقاض ما أسسه ابن تيمية الحراني وتلميذه ابن القيّم ».
وصلت أخبارهم إلى بغداد فأخذ الكتخدا علي باشا صهر الوالي سليمان باشا الكبير الإذن بمحاربة الوهابيين، وقام بعدة محاولات لصدّهم إلى تم الصلح ما بين الطرفين ولكن الوهابيين لم يلتزموا بالصلح متحججين بعدة أمور.
في سنة 1214ه- / 1799م هجم الوهابيون على النجف الأشرف فتصدت لهم عشيرة الخزاعل وقتلت منهم حوالي الثلثمائة قتيل، ولّما وصل خبر هذا الهجوم إلى والي بغداد سليمان باشا الكبير فقد إستاء من تصرف الوهابيين لأنه يتنافر مع شروط الصلح، ففكر في ضربهم.
وبعدها وصلت أخبارهم بأنهم تحركوا نحو بادية كربلاء عندئذٍ أمر الوالي بإرسال ( علي باشا) على رأس جيش ليحول دون تعرّض الوهابيين للعراقيين، فإتجه علي باشا نحو (الهندية) ونزل قرب (نهر الشاه) وبقي بالقرب من كربلاء عدة أيام، ثم إرتحل بجيشه نحو (شفاثة)... ولما وصلوا قرب شفاثة رأوا القوات الوهابية قد حطّت رحالها هناك وإستعدت للقتال، ولكن الوهابيين إنسحبوا من أمام جيش علي باشا قبل التصادم.
وعندها قرر علي باشا دخول شفاثة والبقاء فيها لوفرة المياه فيها، ودام مكوث علي باشا في شفاثة قرابة ثلاثة أشهر ثم عاد إلى الحلة وأقام في قرية النبي أيوب (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، ولما يئس من عودة الوهابيين ترك قوة كافية في المكان المذكور بقيادة رئيس الأغوات لتترصد صد الأخبار وتحافظ على الأمن ، وعاد بقية أفراد الحملة إلى بغداد (1)...
إن حركات الوهابيين وتعمدهم على غزو مناطق ومدن العراق، فقد كانوا يتطلعون إلى الغزو والنهب والسيطرة على مناطق العشب والكلأ. فكانت أغراضهم متعددة وأهمها العامل المذهبي ومعاداتهم بشكل كبير لمدن العتبات المقدسة التي لها
1) راجع دوحة الوزراء في تاريخ وقائع بغداد الزوراء : الشيخ رسول الكركوكلي، ص207 - ص210 وص 213 - 214 .
تأثير كبير لمحبي آل البيت عليهم السلام مثل مدينتي كربلاء والنجف الأشرف لأنها تضم في حناياها المراقد المقدسة للأئمة الأطهار ومراقد أخرى لآل البيت.
وفي شهر ذي القعدة سنة 1216ه- / شباط 1802م إنتشر (الطاعون) في بغداد، وإضطر الوالي الهرم (سليمان باشا الكبير ) وحاشيته مغادرتها والهرب من الوباء إلى (الخالص) ومعه عياله، وهناك وصله نبأ من شيخ المنتفك (حمود الثامر) يعلمه ان جيشاً وهابّيًا قادماً نحو العراق يقوده سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود ومعه جموع غفيرة من الفرسان، عندها أمر الوالي ولمرضه أن يوكل مجابهة الخطر للكهية (علي باشا)، وخرج هذا من بغداد وتوقف في منطقة (الدورة) منتظراً لحاق العشائر به، وعندما أوشك بالسفر لمواجهة الخطر وصلته أنباء كارثة كربلاء.
في يوم (عيد الغدير) وهو من أهم أعياد الشيعة والموافق 18 ذي الحجة من عام 1216ه- المصادف 22 نيسان 1802م ، وكان معظم سكان مدينة كربلاء قد ذهبوا إلى النجف لزيارة مرقد الإمام علي ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) في مناسبة يوم الغدير، وهو ما إعتاد عليه أهل كربلاء سنويًا، فقد قام (سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود) بقيادة جيش يزيد على الألف(1)
وأخذت المدينة تموج بالخوف والذعر والفزع، ولم يسلم من القتل حتى الفارّون من هول الكارثة، وكذلك الذين لاذوا بضريح الإمام الحسين عليه السلام ، فقد عمل فيهم السيف، ويقال بأن خمسين شخصاً قتلوا ملاصقين لضريح الحسين وخمسمائة في الصحن فقط!!
محارب وهجم على مدينة كربلاء من ناحية البادية المتاخمة لها. ولّما علم أهل المدينة الباقين فيها بتقدم الوهابيين نحو البلدة، شرعوا إلى إغلاق أبواب سور المدينة وكان الجيش الغازي يشتمل على ستمائة هجّان وأربعمائة1) يذكر الرحالة الهندي أبو طالب خان بأن عدد المهاجمين يقدر بخمسة وعشرين ألف !! كان حاكم كربلاء في ذلك الوقت (عمر آغا) الذي لم يفعل أي شيء لدرء الخطر، مما إتهمه البعض بالتواطئ مع الوهابيين. والنتيجة فقد دخل الغزاة المدينة على حين غرّة يذبّحون ويقتلون كل من صادفهم من رجل وشيخ وإمرأة وطفل...
فارس نصبوا الخيام خارج السور وقسّموا قوتهم الغازية إلى ثلاثة أقسام، وقد تمكنوا من فتح أحد أبواب السور بالقوّة وشقّوا طريقهم إلى داخلها وقاموا بالتخريب والتدمير والقتل.
دخل الوهابيون إلى الأضرحة المقدسة وبدأوا بتخريبها، ونهب خزائن العتبتين بما كانت تحويه من نفائس لا تعد ولا تحصى، وسرقوا الشمعدانات والسجاد والمعلقات والستائر وكانت هذه من أثمن موجودات العتبات وطالت أياديهم إلى أبواب الحرم المقدس. وتذكر المرويات بأن عددًا كبيرًا منهم دخلوا الحرم وهم يمتطون الخيل وجالوا في الحرم... وبعد تخريب الأضرحة واصلوا عدوانهم بسلب ونهب الدور وإستمروا بالقتل. وقدّر عدد القتلى بألف شخص، بينما قدّر آخرون أن القتلى خمسة أضعاف العدد الأول (1). ولم يكتف الوهابيون بكل هذه الإمور حتى طالت أيديهم إلى إحراق الضريح المقدس للإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) وإمتد الحريق إلى بعض جوانب الحرم. وكان الضريح المقدّس يحتوي على صندوق خشبي وما زالت إلى الآن داخل الصندوق الخاتمي وعلى بعض الأعمدة المرتكز عليها آثار لذلك الحريق (2).
1) أربعة قرون من تاريخ العراق: ستيفن هيمسلي لونكريك ص 261 ، ترجمة جعفر الخياط، بغداد ط6 1985 .
2) بعد أحداث كربلاء في آذار عام 1991م ، فقد أصيب ضريح الإمام الحسين بأضرار (سوف نتحدث عن الموضوع لاحقاً)، وتم البدأ بإعادة إعمار الروضة وبعد سنة من هذه الأحداث شرّفني اللّٰه بإستلامي سدانة الروضة الحسينية ... ومن خلال إشرافي على التعمير في المرقد الشريف، فقد قمنا بفتح الصندوق الخاتمي الموضوع على القبر الشريف، وشاهدت أن عدد الأعمدة الإثني عشر قد بقي على بعضها آثار الحريق، وعند استبدال الصندوق الخاتمي المحترق نتيجة الغزوة بالصندوق الحالي لم يتم تغيير الأعمدة التي أصابها الحرق ولا نعرف السبب. فقد شرعت إلى أعمدة الطارمة التي تم الإحتفاظ بها في أحد مخازن الروضة الحسينية الواقعة قرب مرقد الحر، وهي أعمدة خشبية مثمنة بطول 10 - 12 متر من أجود أنواع الأخشاب الهندية (الساج) وكانت عرضة للتلف. وقد نقلنا أربعة منها إلى بغداد وقطّعت ونجّرت بقياسات الأعمدة داخل الضريح، وتم تهيئتها لاستبدالها بأقرب فرصة، وحفظت مؤقتًا في مقبرة السادة آل طعمة في الصحن، منتظرين الوقت الملائم لاستبدالها، ولم يحالفني الحظ بالتشرف بعملها بسبب التطورات التي رافقت الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003م التي حالت دون إتمام العمل.
الحقيقة أن هذه الغارة خُطط لها بذكاء على أن تكون بالذات على كربلاء، وفي وقت محسوب جدًا لأن غالبية أهل المدينة وخاصة رؤسائها وأعيانها والرجال الذين يعتمد عليهم في الملمات، كانوا في النجف لزيارة قبر الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) في عيد الغدير حيث دأب أهل كربلاء ومن ضمن طقوسهم السنوية (بتجديد الولاء) أن يحضروا في 18 ذي الحجة من كل سنة إلى النجف... مما أتاح للغزاة الفرصة السانحة، وإطمئنانهم بعدم وجود مقاومة قوية لهم.
وكربلاء مدينة تقع على تخوم البادية الغربية، وهي مفتوحة تمامًا من دون معوقات لأي غزو من تلك الناحية، ولا بد للبدو المنتشرين في تلك الأصقاع أن يكون لهم دور في الادلاء على الطرق والممرات الآمنة وكذلك تقديم المعلومات للغزاة، هذا إن لم یكن لهم عيون في الداخل. كما أن سورها كان قديمًا ومتهاويًا ولم يكن من الصعب تجاوزه أو تهديم أبوابه المتهالكة.
يضاف إلى ذلك ضعف الحامية التركية المتواجدة في كربلاء، وعدم إتخاذها أي تدبير أمني لأي طارئ مما جعل أهل كربلاء يعتقدون بأن (عمر آغا) حاكمها التركي كان متواطئ مع الغزاة. لأن الغزاة خيّموا قبل يوم واحد بالقرب من أسوار المدينة... فما هو دور الحامية؟ يضاف إلى ذلك أن الغزاة لم يبقوا في كربلاء سوى يوم الغارة فقط، وغادروها بعد تخريب كل ما صادفهم، وحملوا الغنائم عائدين من حيث أتوا، بحيث لا يتسنى لأحد أن يقوم بهجوم مقابل ضدهم. وعندما عاد أهل المدينة من النجف وجدوا الكارثة أمامهم ولا وجود للمعتدي.
ومن الأمور ور التي ساعدت الوهابيين بإقتحام المدينة هي تهالك سور المدينة وقِدمِه، وعدم وجود التحصينات الواقية لصد أي تعرض، فقد كانت المدينة مكشوفة امام الغزاة، وكان هذا الأمر تتحمله الحكومات العثمانية المتوالية وخاصة المماليك، بدليل أنهم وبعد الواقعة اخذوا يفكرون ببناء سور لللمدينة.
و بعد الحادثة مباشرة أجريت تغييرات واسعة داخل مدينة كربلاء شملت المسؤوليات الإدارية وأمور ضبط الأمن، ومنها إستلام جدّنا السيد جواد بن كاظم آل نصر اللّٰه سدانة الروضة الحسينية المقدسة . بعد استشهاد سادن الروضة إثناء الدفاع عن حرمتها.
وعندما ترك الوهابيون كربلاء سالكين طريق البادية حيث أتوا، وهم فرحين ب- (نصرهم) على ما يعتقدونه وغنائمهم، فقد أقرّوا أمرهم بأن يهاجموا النجف والتي تقع هي الأخرى على تخوم البادية، وكانوا في طريقهم على مقربة منها... ولكنهم لم ينجحوا في مسعاهم فخابوا ورجعوا خاسئين بعد أن علم أهل النجف ما حلَّ بكربلاء فإستعدّوا استعدادًا كبيرًا وقاتلوا قتالاً مستميتًا وردّوا المعتدين تاركين عددًا من قتلاهم خارج أسوار مدينة النجف التي لم يتمكنوا من دخولها.
وأشهر من قتل في غارة الوهابيين سادن الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وهو المرحوم السيد (موسى بن محمد علي بن محمد بن موسى من سلالة آل السيد يوسف، وأخواه السيد حسن والسيد حسين). وكذلك السيد محمد كنعان النقيب آل دراج وابن عمّه السيد علي بن مرتضى النقيب، والكثير من السادة خدّام المشهدين ومن أفراد عشائر کربلاء الذين هبوا للدفاع عن المدينة والحرمين والأهالي العزّل... ولكثرة القتلى من الكربلائيين فقد أخذ أهلهم يعّدون العدة للأخذ بثأرهم.
بدأ أهل المدينة يلملمون جراحهم بأنفسهم، ويدفنون قتلاهم، ويعمّرون دورهم وأسواقهم ومحلاتهم التي خُربت، وتوجهوا بتنظيف مخلفات الغزو عن حرم الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) والبدء بتصليح ما يتمكنون عليه.
ذكر الكثير من الكتّاب والمؤرخين هذه الحادثة، كما وثّقت من قبل الأدباء والشعراء تؤرخ وتتحدث عن هذه الواقعة المروعة.
فقد ذكر الرحالة أبو طالب خان تفاصيل غزوة الوهابيين، فكان نقله للحادثة هو أقرب إلى الحقيقة لأنه زار كربلاء بعد عدة أيام من وقوع الكارثة، حيث قال: «في
اليوم الثامن عشر من ذي الحجة (نيسان 1802م) حينما خرج معظم أتقياء كربلاء لزيارة مشهد النجف رعفت الصحراء بخمسة وعشرين ألف وهابي، بعضهم على الخيل وبعضهم على الجمال ودخلوا كربلاء بمساعدة ناس قد إستنفروهم من قبل، وكانوا يتنادون بقولهم: أقتلوا الشيعة، إقطعوا رقاب الملحدين. فذبحوا السكان ونهبوا ما في الدور وحاولوا قلع صفائح الذهب من المشهد، إلاّ أنها كانت من وثاقة الإلصاق بحيث لم يستطيعوا ذلك، غير أنهم شعثوا بالقبور وبقية ما في المشهد وعادوا من حيث اتوا في أفول الشمس، وقد إتّهم الناس عمر أغا. كان ذا عقيدة فاسدة بمراسلة الوهابيين وممالاتهم على الفساد، ويؤيد ذلك انه هرب عند أول إنذار بهجومهم إلى قرية بجوار كربلاء من غير أن يقاوم ولو أقل مقاومة، وآل أمره إلى المحكمة فحكم عليه سليمان باشا بالإعدام. وقد قتل الوهابيون في إثناء مكثهم بالمدينة، على قلّتهم، خمسة آلاف إنسان وجرحوا عشرة آلاف. وحملوا معهم الذهب والفضة والأشياء الثمينة التي وجدوها فيها. وقعت هذه الحادثة في هذه الأيام القريبة بحيث لا يتكلم الشعب إلاّ عليها وإقتصاص هذه الأفعال الوحشية جعل شعر رأسي يقف، ويظهر أن أهل كربلاء إستسلموا للذبح بجبن واستخذاء دون أن يدفعوا عن أنفسهم(1).
ولّما عاد الوهابيون إهتبل الأعراب الساكنون بالقرب من كربلاء الذعر العام فدخلوا المدينة وسلبوا جميع ما ترك الوهابيون مما لم يحملوه، وقتلوا بسيوفهم جملة كبيرة من السكان ومكثوا في كربلاء يومين وليلة» (2).
1) هذا غير صحيح فقد قاوم أهل المدينة الذين لم يذهبوا إلى النجف بدليل استشهاد سادن الحسين والعديد من السادة ومن أهالي كربلاء، ولكن الهجوم كان عليهم مباغتاً، والحكومة لم تاخذ دورها بالحماية.
2) بغداد مدينة السلام: ريجارد كوك، نقله إلى العربية وترجمه الدكتور مصطفى جواد وفؤاد جميل ج2 هامش 25 ص 106 ، والنص الذي أوردناه عن رحلة أبو طالب خان جاء من كتاب: رحلة ميرزا أبو طالب خان ص 401 وص 402 .
ومن أقدم من ذكر الحادثة هو الشيخ ياسين خير اللّٰه العمري الخطيب الموصلي (1)في كتابه غاية المرام في تاريخ محاسن بغداد دار السلام الذي إنتهى منه في 21 شعبان سنة 1220ه- المصادف (15 تشرين الثاني سنة 1805م) أي بعد ما يقارب من أربع سنوات على وقوع الحادثة حيث قال: «... وفي هذه السنة (يقصد بها 1216ه-) قدم ركب من الوهابي في ثمانمائة بعير، على كل بعبير إثنين، وغاروا على مشهد الحسين رضي اللّٰه عنه ثامن عشر ذي الحجة، وقتلوا جميع أهل المشهد وهدموا القبة ورحلوا من يومهم بالغنائم، وجملة من قُتل ثمانية آلاف رجل وإمرأة وطفل وغلام، وقيل خمسة آلاف . . ». (2).
ونختار أحد النصوص التي ذكرت الغارة لنعقّب عليها، فقد ذكر الشيخ رسول الكركوكلي في دوحة الوزراء عن حوادث سنة 1216ه- ما يلي:
«في شهر ذي القعدة من السنة المذكورة ظهر وباء الطاعون في مدينة بغداد، وبدأ ينتشر ويسري إلى ضواحيها وأطرافها، مما إضطر الوزير إلى الهروب نحو مدينة الخالص والمكوث فيها ريثما ينجلي كابوس الطاعون عن بغداد، وقد إستصحب معه عياله وخدمه والمتعلقين به والمنتسبين له، ونصب سرادقه هناك، وكان الفصل ربيعاً فقرر إمضاء هذا الفصل في تلك الربوع. وفي هذه الأثناء ورد إليه كتاب من حمود الثامر شيخ عشائر المنتفك يخبره ان سعود بن عبد العزيز وجموعاً غفيرة من الوهابيين قد إنحدروا نحو العراق، فأصدر أمره إلى علي باشا بالسفر لصد غاراتهم، ونزولاً على
1) هو ياسين بن خير اللّٰه بن محمود بن الشيخ موسى الخطيب العمري، المولود في الموصل سنة 1157ه-. ختم القرآن الكريم وتعلم القراءة والكتابة، وأخذ يشتغل بالوراقة ومطالعة كتب التاريخ والسير والأدب والشعر والطب، فحصل على معرفة بهذه العلوم، وقد درس الفقه في كهولته ، وكان يعتبر من متصوفة زمانه، إذ كان يلازم مجالس المتصوفة ويحضر حلقات الذكر . فألّف نحو عشرين كتابًا أكثرها تاريخية منها غاية المرام الذي خطه بيده سنة 1220ه- ، وكان يقدم كل كتاب يفرغ منه إلى الأمراء أو العلماء والموسرين لينال عطاياهم، توفي وعمره حوالي ثمانين عاماً أو أكثر.
2) غاية المرام في محاسن بغداد دار السلام: ياسين خير اللّٰه العمري، ص199 ، دار منشورات البصري، بغداد، 1388ه- / 1968م.
أمر الوزير تحرك الموما إليه إلى الدورة، وإنتظر هناك ريثما إلتحقت به بعض العشائر. وبينما كان يزمع مواصلة السفر، وردت الأنباء بأن الوهابيين هجموا على كربلاء وإستولوا على مرافقها ونهبوها وقتلوا منها حوالي الألف نفس، فأوفد علي باشا محمد بيك الشاوي إلى الوزير ليخبره بهذه الحادثة، ثم سافر مسرعاً نحو كربلاء على أمل أن يظفر بالوهابيين وينتقم منهم، وينقذ البلدة من قبضتهم. إلاّ أن الأخبار قد وردته وهو حينئذٍ في الحلة بأن الوهابيين بعدما نهبوا وقتلوا خرجوا قبيل العصر نحو الأخيضر، فتوقف علي باشا في الحلة لأسباب إضطرته إلى هذا التوقف، ولعدم بقاء ما يدعو للسفر إلى كربلاء بعد هروب الوهابيين منها. وفي هذه الأثناء وصل متصرف البصرة الداماد سليم بيك هو وعثمان آغا، وإلتحقا بالحملة التي إتجهت نحو الهندية وعسكرت فيها. وهناك إنتشرت شائعة مفادها أن الوزير الذي يشكو من مرض المفاصل، قد إشتد عليه مرضه ولم يخرج من بغداد إلاّ لإخفاء المرض الذي أقعده عن الحركة تمامًا، ويوشك ان يقضي عليه وهو الآن في أشد حالات المرض. ومن جهة أخرى وردت الأخبار بأن الطاعون أخذ يفتك بسكان بغداد فتكاً ذريعاً، ويحصد منهم ما يقرب من سبعين نفساً في اليوم، وهذه الأخبار المحزنة أقلقت الحملة وأقعدتها عن تنفيذ نهمتها، فإكتفى علي باشا بإرسال بعض القوات إلى كربلاء من باب الإحتياط، وقد إلتحق بهذه القوات متصرف بابان إبراهيم باشا وأتباعه أيضا. هذا وقد نقلوا خزينة النجف الأشرف خوفًا عليها من غارات الوهابيين، وضموها إلى خزينة موسى الكاظم رضي اللّٰه عنه. وقد إنتدب لنقلها الدفتري الحاج محمد سعيد بيك، وأخبروا الحكومة الإيرانية بما حدث وبما أتخذ من الإجراءات. وبعد مكوث علي باشا في الهندية حوالي الشهرين ونصف الشهر، وردته التعليمات بوجوب تقسيم القوات التي تحت إدارته وقيادته إلى عدة أقسام، يقيم قسم منها في ذي الكفل، وقسم في كربلاء، وقسم في الحلة، وأن يتخذوا التحصينات في هذه الأمكنة ثم يعود إلى بغداد، وقد فعل ما أمر به» (1).
1) دوحة الوزراء: الشيخ رسول الكركوكلي ، ص 216 إلى ص 218 .
نتوقف هنا قليلاً لكي نذكر جملة أمور ذكرها الشيخ رسول الكركوكلي الذي عايش الفترة ذاتها من حكم المماليك، وهو المتوفى سنة 1240ه- / 1824م. وكتابه دوحة الوزراء في تاريخ وقائع بغداد الزوراء مصدر معتمد نقل عنه الكثير من مؤرخي فترة المماليك كونه عايش الكثير من الأحداث... فنقول:
كان العراق يعيش في الفترة المظلمة من تاريخه أيام حكم المماليك، وقد ذكرنا تاريخهم وكيف وصلوا إلى سدة الحكم في بغداد.
وعن حادثة الوهابيين التي أبتليت بها مدينة كربلاء المقدسة في زمانهم، فيمكن أن نلقي اللوم عليهم فيما أصاب كربلاء من دمار وأنهار الدم التي سالت من أبنائها ظلماً وعدوانًا، فلا بد أن يقع اللوم على حكومة المماليك التي لم تكن قد سيطرت على جوانب الأمن في العراق وخاصة المناطق المهددة بالغزو الوهابي التي كانت الحكومة على علم به بشكل كامل.
ففي مجمل عهد المماليك كان الأمن غير مستتب، والإضطرابات تعم البلاد، والخطر الخارجي يهدد البلاد من نواحيها الغربية والجنوبية، وثورات وإنتفاضات العشائر مستمرة ضد حكم المماليك كما كان الحال قبلهم مع الحكومات العثمانية المتعاقبة على الحكم في بغداد. وكان الولاة المماليك وأعوانهم مشغولين دائماً بتوطيد حكمهم في بغداد ومحاولين الاستقلال والإبتعاد من قبضة الدولة العثمانية.
وكان لا يهم المماليك سوى جمع الضرائب والرسوم والويل لمن يتأخر عن دفعها أو من يعترض عليها ويثور من أجل استقلال بلده العراق، خاصة من مدن وعشائر الفرات الأوسط والجنوب وكذلك المناطق الكردية في شمال العراق.
ومما يؤكد هذا الرأي هو عدم وجود قوات عسكرية كافية لحماية المدن والمناطق المهددة بالغزو الوهابي بشكل خاص، وهذا ما تبيّن عندما هوجمت مدينة كربلاء. فقد فرَّ حاكمها (عمر آغا) ولم يُبدِ أي مقاومة، علماً بأن الوهابيين خيموا خارج أسوار البلدة قبل يوم من الهجوم عليها.
وحتى رأس الحكومة (الوالي) وكتخداه وقائد عساكره علي باشا قد علما بوقت كافٍ من قبل شيخ عشائر المنتفك بتحرك الوهابيين نحو العراق، فتباطئ علي باشا بحجة الاستعدادات ولملمة قواته في منطقة (الدورة) التي بقي فيها فترة للاستعداد!
ومنها علم بأن الوهابيين قد هاجموا كربلاء (كما يذكر الكركوكلي) فأرسل يخبر الوالي بالخبر، وبعدها تحرك عسى أن يظفر بالغزاة، فذهب إلى الحلة، كأن الوهابيين جاءوا من منتصف العراق وليس من البادية !! ، ويقول الكركوكلي بأن علي باشا وهو في الحلة وردته الأخبار (بأن الوهابيين بعدما نهبوا وقتلوا خرجوا قبيل العصر نحو الأخيضر ) !! وذلك يعني بديهيًا أن يوم وجود علي باشا في الحلة كان الوهابيون قد غادروا كربلاء عصرًا، فنسأل: لماذا ذهب علي باشا إلى الحلة ولم يذهب إلى كربلاء عن طريق المسيب، وهي نفس المسافة بين كل من مدينتي الحلة وكربلاء من الدورة القريبة من بغداد. ولو كان قد توجه إلى كربلاء لكان بالإمكان اللحاق بالغزاة أو على الأقل متابعتهم على طريق إنسحابهم إلى الأخيضر الذي يبعد عن كربلاء 35 كم، بل والأكثر من ذلك لكان قد أثر عليهم وأبعدهم عن مهاجمة النجف بعد كربلاء التي لم يتمكن الوهابيون من إقتحامها لشدة المقاومة التي واجهوها.
وحتى لو لم يكن علي باشا قد وصل الحلة مساء نفس اليوم الذي هاجم الوهابيون فيه كربلاء... فكم من الوقت إستغرق إجراء الاستعدادات في الدورة، والذي كان على الحكومة التحرك بأقصى سرعة لردء الخطر ... علماً بأن شيخ المنتفك أخبر الحكومة بتحرك الوهابيين نحو العراق في شهر (ذي القعدة)، ولنفترض في العشر الأواخر منه، والحادث وقع في 18 ذي الحجة، أي أن هناك فترة تزيد على الثلاثة أسابيع بين علمهم بالغزو وبين يوم الواقعة في كربلاء، فلماذا لم يبادروا بدرء الخطر بأقصى سرعة. وإذا كانوا لا يعلمون (بمكان الهدف) الذي يخطط له الوهابيون ومهاجمته، فهل يغيب على الحكومة علمها بالمدن الواقعة على البادية مثل كربلاء والنجف والسماوة... وهي أهداف دائمة للوهابيين.
وهل يُعقل بأن حاكم كربلاء (عمر آغا) قد شاهد تخييم الوهابيين خارج السور ولم يخبر حكومته في نفس اليوم، حيث كان بالإمكان إيصال المعلومة خلال ساعات قليلة إلى مصدر القرار في الحكومة، أو قد يكون الحاكم عمر آغا حقا متواطئًا مع الغزاة، فمن غير المعقول أن لا توجد حامية عسكرية في كربلاء وهي من المدن المهمة في العراق. وعلى كل حال فقد ذهب (عُمر آغا) كبش فداء أكان مذنبًا (حسب رأي الأهالي) أو بريئًا، لتغطية فشل حكومة المماليك التي كان البلد يعيش في أيامهم زمنًا مظلمًا، وتم إعدامه لعدم إتخاذه أي إجراء لمنع الغزو أو صدّه، والذي آثر حينها الهروب إلى إحدى القرى القريبة من كربلاء.
وكما يقول الكركوكلي فإن ( علي باشا توقف في الحلة لأسباب إضطرته إلى هذا التوقف، ولعدم بقاء ما يدعو للسفر إلى كربلاء بعد هروب الوهابيين منها)...!
وإذا كان هذا القول صحيحا أَلاَ يستدعي وصول الجيش إلى كربلاء لمساعدة أهلها المنكوبين؟... والتعرف ميدانيًا عن ما جرى من تخريب وتدمير وقتل... وعلى مبدأ الإحساس لأهل المدينة بأن الحكومة أرسلت الجيش لرفع المعاناة على الأقل لسكانها الثكلى وتخفيف معاناتهم وتهدئة روعتهم مما أصابهم ومساعدتهم على إعادة النظام والإعمار بعد الحادثة ...
كل ما قام به علي باشا هو بقاءه في (الهندية) شهرين ونصف وقد إلتحق به متصرف البصرة الداماد سليم بيك هو وعثمان أغا، وعندما وردته أنباء بإشتداد المرض على الوالي وهو في الخالص، وإزدياد خطر الطاعون في بغداد، فقد إكتفى بإرسال بعض القوات إلى كربلاء من باب الإحتياط، وإلتحق بهذه القوات متصرف (بابان) إبراهيم باشا وأعوانه. كما تم إرسال قوات إلى ذي الكفل، وأخرى إلى الحلة وقفل راجعاً إلى بغداد ولم يكلّف نفسه حتى الوصول إلى كربلاء خلال وجوده في الهندية التي تبعد 18 كم عن كربلاء!
والحقيقة أن علي باشا كان توّاقاً للعودة بسبب إشتداد مرض الوالي وهو (صهره) حتى يتمكن من الاستحواذ على الحكم في حال وفاة الوالي، ومنع من يطمع بالمنصب المذكور، (فالكلُّ يغني على ليلاه !!)(1).
النكبة التي حلّت بمدينة كربلاء خلفت وراءها أعداد غفيرة من الشهداء القتلى من الذين كانوا داخل المدينة من أهلها وبعض زوّارها، ومثلهم من الجرحى، أمّا نهب الممتلكات ومسلوبات الناس فكانت لا تحصى، وفي مقدمتها ما نهب من مرقد الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) من نفائس لا تقدر بثمن، فقد إستباح المهاجمون دور المدينة وحملوا ما إستطاعوا حمله وتركوا جثث القتلى في دروبها والجرحى يتخبطون بدمائهم.
وعن عدد القتلى من الأهالي فقد تضاربت الأرقام، فمن المؤرخين من فصل قتلى الحرم والصحن فقط، ومنهم من ذكر المجمل ومنهم من زاد وأنقص.
أمّا ياسين العمري فقد ذكر في غرائب الأثر بأن عدد القتلى يقدر بثمانية آلاف (2).
بينما ذكر الكركوكلي في دوحة الوزراء بأن عدد القتلى ألف قتيل(3). ويقول لونكريك في أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث في ص 261 ما نصّه: «... وقد أخذ سلاح الوهابيين من أهل كربلاء مأخذة كبيرة، وتناول حتى الذين لاذوا بضريح الإمام الحسين فقد قُدّر عدد القتلى في الضريح بخمسين قتيلاً، وفي الصحن بخمسمائة قتيل».
كان لغارة الوهابيين على كربلاء أصداء واسعة على صعيد المدينة والعراق وخارجه، فقد سارع الوالي سليمان باشا بإخبار كل من الباب العالي وحكومة إيران
بما وقع في كربلاء (1). لأن غارة الوهابيين على كربلاء كانت أعنف ما شنّه الوهابيون من غزوات على العراق.
فأصداء هذه الغزوة بدأت تعم مدن العراق لتأخذ الحيطة والحذر من هجمات قد يقوم بها الوهابيون، وخاصة المدن الواقعة على اطراف البادية والجزيرة، كما أنها أثرت على حكم الماليك للإنتقادات التي وُجّهت إليهم، ونختصر الأصداء بما يلي:
1- تلقت حكومة إيران نبأ غزو الوهابيين لكربلاء ببالغ الحزن والأسى، وأمر الشاه (فتح علي القاجاري) (2)بإعلان الحداد العام في أرجاء إيران، وإقامة المآتم ولبس السواد. وأرسل رسالة إلى والي بغداد سليمان باشا شديدة اللهجة، يحتج فيها بشدة على وقوع الحادث ملقيًا اللوم على حكومة بغداد لكونها لم تتخذ الإجراءات اللازمة لدرء الخطر عن مدن العتبات المقدسة التي يهتم بها الإيرانيون وخاصة كربلاء، وقد حمّل حكومة بغداد تبعة ما حدث وعليها فقد طلب من والي بغداد أخذ الثأر من الوهابيين، لأن العراق والجزيرة العربية تابعة لحكم الدولة العثمانية، وفي حالة عدم التحرك نحوهم لتأديبهم فإنه توعّد بأن يقوم بذلك بنفسه، وزاد بلهجته حيث هدد بالهجوم على بغداد وإحتلالها إذا لم يُتخذ أي إجراء حيال الواقعة. فلم يردّ الوالي سليمان باشا على الشاه بسبب إشتداد مرضه، حيث يذكر المقيم البريطاني في بغداد ( هارفورد جونز بريدجس) في تقرير له إلى حكومته في 2 مايس 1802م أي بعد الواقعة بعشرة أيام، أن والي بغداد سليمان باشا أصبح مشلولاً من الخصر حتى أسفل جسمه شللا كاملاً، وان حكومة الوالي في بغداد وصلت أقصى درجات التفكك والغباء.
أمّا الشاه فتح علي القاجاري بالرغم من أنه لم يستلم ردّاً من الوالي، فإنه لم يتخذ أي إجراء ولم ينفّذ تهديده فقد إنشغل بهجوم مفاجئ من روسيا القيصرية على حدود بلاده الشمالية ونسي موضوع الإنتقام وما حلَّ بكربلاء حينها.
2- بعد ثلاثة أشهر ونصف من غزوة الوهابيين على كربلاء توفى الوالي المملوكي سليمان باشا وتحديدًا في الثامن من ربيع الثاني 1217ه- الموافق 1802/8/7م. وبالنظر لإشتداد المرض على (سليمان باشا) فقد إستدعى إليه رئيس الدامادية (1)والكتخدائية علي باشا كما إستدعى الخزنة دار داود آغا والداماد سليم آغا، وبعد التشاور معهم عهد بولاية بغداد إلى علي باشا وأوصاهم بطاعته وإمتثال أوامره، وبذل لهم النصائح والإرشادات والتوصيات. وبعد مرور يومين لفظ أنفاسه الأخيرة (2).
وبعد وفاة الوالي وتسلم علي باشا ولاية بغداد وقبل صدور الفرمان له من الباب العالي، حدثت في بغداد معارك قادها (أحمد آغا) أغا الإنكشارية الذي رغب بالولاية والذي تمكن من جر سليم آغا لصفه، وجمع الأعوان له وإتصل بالقنصل البريطاني طالبًا التأييد منه والذي لم يستجب له، وحدثت معارك وإضطرابات في بغداد وأعمال عنف ونهب للمحلات مما إستدعى بعلي باشا ان يتبع وسائل الحيلة عندما أذعن لأحمد أغا وأبلغه أنه متنازل عن الباشوية، وإنتقل إلى جانب الكرخ وطلب العون من العشائر الذين هاجموا السراي ليلاً وتمكنوا من الإمساك بأحمد آغا وأعوانه وتم إعدامهم. فما علاقة هذه الحوادث بواقعة الوهابيين في كربلاء؟.
بعض الذين كتبوا عن تلك الأحداث ذكروا بأن الأمر أخذ بعدًا طائفيًا ومنهم ياسين العمري في كتابه غرائب الأثر الذي أكد بأن الرافضة ويعني بهم الشيعة إلتزموا جانب آغا الإنكشارية (أحمد آغا ) وعندما هُزم أحمد آغا شرع علي باشا بقتل الرافضة (الشيعة) ومصادرة أموال اغنيائهم(1). بينما لم يذكر مؤلف دوحة الوزراء الذي عاصر الأحداث أي بُعد طائفي للنزاع(2). وللمرحوم الدكتور علي الوردي رأي آخر في هذا النزاع حيث يؤكد بأن الطابع الطائفي ظهر في هذه الحادثة لأول مرة في بغداد طيلة عهد المماليك، وعن السبب يقول الوردي: «يبدو لي أن هناك عوامل متنوعة وراء ذلك أهمها إثنان، أولهما أن أحمد آغا رئيس الإنكشارية كان نفسه شيعيّاً وقد وصفه مؤلف (أعيان الشيعة) بقوله: (سيد شريف جليل القدر من السلالة الطاهرة النبوية العلوية). والظاهر أن أحمد أغا كان على صلة وثيقة مع شيعة بغداد يحبهم ويحبونه، فلما حدثت الحادثة إستنجد بهم على خصمه علي باشا الكهية فهبوا لنصرته. أما العامل الثاني فهو أن علي باشا الكهية لم يكن محبوبًا في أوساط الشيعة من جرّاء تقاعسه عن حماية كربلاء أثناء الغزو الوهابي، ويجب أن لا ننسى هنا أن حادثة بغداد حدثت بعد أربعة أشهر من واقعة كربلا، ومعنى هذا أن القلوب كانت لا تزال متأثرة بالواقعة على أي حال»(3).
3-وبعد حادثة الوهابيين على كربلاء فقد إعتمد علي باشا على محاربة خصومه السیاسیین و من يخالفه بأن ينعتهم بالوهابين أو إلصاق تهمة التعاون معهم، مثلما حدث مع آل الشاوي وهو من رؤساء العبيد، فقد تخلص من (محمد الشاوي) الذي كان يشغل منصب (باب العرب) ومن أخيه عبد العزيز، وملاحقة ابن الأول.
4- كانت مدينة كربلاء مهملة في عهد المماليك، ولم توجه إليها الرعاية الكافية والإهتمام الواجب كونها مدينة مقدسة ويؤمها سنويّاً آلاف الزائرين من داخل البلد وخارجه، إن موقعها على تخوم البادية قد يعرّضها إلى اخطار الهجمات مرة أخرى من قبل الوهابيين.
ونتيجة الضغط المتزايد على حكومة المماليك وما تلقته من لوم شديد بعد الحادثة فقد شرعت الحكومة القيام ببعض الأعمال والإجراءات منها:
أ. استدعاء حاكم كربلاء (عُمر آغا) وإعدامه في بغداد لتخاذله عندما غزا الوهابيون كربلاء، وكان يشك الأهالي بأنه كان متعاوناً معهم.
ب. أن علي باشا أمر بإنشاء سور لمدينة كربلاء (1).
ت. إرسال قوة عسكرية ترابط في مدينة كربلاء، ومثلها في مدينة النجف للمحافظة عليهما من هجمات الوهابيين.
ث. تعيين (أمين أغا ترك) حاكم جديد لمدينة كربلاء، وإصدار بيولوردي بتولية سدانة الروضة الحسينية للسيد جواد بن كاظم آل نصر اللّٰه.
ج. توجيه السلطان العثماني لعلي باشا بضرورة محاربة الوهابيين والقضاء على خطرهم.
قرأت في مذكرات المرحوم السيد إبراهيم شمس الدين القزويني في ص5 من الدفتر السابع ما نصّه : « في كتاب عنوان المجد في أحوال نجد ص86 في حوادث سنة 1218ه-... قتل عبد العزيز بن محمد السعود في مسجد الطريف (المعروف في الدرعية) وهو ساجد في إثناء صلاة العصر، قضى عليه رجل قيل أنه كردي من أهل العمادية (قرب الموصل) اسمه عثمان على هيئة درويش، وقيل أنه رافضي خبيث من أهل بلد الحسين (كربلا) خرج من وطنه لهذا القصد واللّٰه العالم، ولكن ليس الرجل
1) تاريخ جودت: أحمد جودت ، ج 7 ص 141 .
كردي لأن الأكراد من أهل السنة والجماعة وهم مؤمنين. والسبب كما منقول ثلاثة أنفار من أولاده قتلوا في هجمة الوهابية على كربلاء سنة 1216ه-»(1).
وجاء في دوحة الوزراء للكركوكلي في ذكر وقائع سنة تسعة عشرة ومائتين وألف للهجرة، عن مقتل عبد العزيز ما يلي: «كان يقيم في بغداد شخص أفغاني الأصل يقال له ملا عثمان، وقد نذر نفسه للدفاع عن الدين الحنيف وعن المسلمين، وكان قد عزم على أن يقتل رئيس الوهابيين عبد العزيز، وعليه فقد سافر نحو الدرعية متستراً بزي الوهابيين. ولّما وصل إلى هناك إختلط بهم وراح يعمل عملهم حتى إطمأنوا إليه وصادقوه، وذات يوم جمعة وعندما حضر عبد العزيز إلى المسجد لإقامة الصلاة تصدّى له الملا عثمان وضربه ضربة قضى بها عليه، ولم يتمكن ملا عثمان من الإفلات لأن الحرّاس والخدم تجمهروا عليه وقتلوه فورًا»(2).
بعد إعدام (عمر أغا) حاكم كربلاء إثناء غزوة الوهابيين لكربلاء، فقد أصدر الوالي سليمان باشا وهو في مرضه أمره إلى الكتخدا علي باشا بأن يعيّن متوليًا جديدًا لحاكمية كربلاء، فقد تم إختيار (أمين آغا تُرك) الحاكمية كربلاء الذي إستلم منصبه في أواخر شهر محرم سنة 1217ه- / الموافق لشهر مايس 1802م. وإستمر في منصبه قرابة العشر سنوات ولغاية سنة 1227ه- / 1812م.
1) مذكرات خطيّة للمرحوم السيد إبراهيم بن المرحوم السيد حسين بن محمد باقر بن المرحوم العلامة الكبير السيد إبراهيم القزويني (صاحب الضوابط). والسيد إبراهيم الملقب بشمس الدين كان نسّابة ومؤرخ وباحث معروف في كربلاء، ولد فيها سنة 1318ه- / 1900م وتوفي في سبعينيات القرن العشرين، ألف كتاب (البيوتات العلوية في كربلاء)، وله مذكرات سطّر فيها الكثير من الحوادث التي شهدتها كربلاء ولدينا صورة منها، كما كان يحتفظ بالكثير من الوثائق والاستشهادات عن الموقوفات ومشجرات النسب وغيرها. كان والده المرحوم السيد حسين المولود في كربلاء سنة 1288ه- / 1871م والمتوفى سنة 1376ه- / 1956م أحد رجال ثورة العشرين في كربلاء.
2) دوحة الوزراء، ص227.
تولي السيد جواد (1)بن كاظم آل نصر اللّٰه سدانة الحسين (عليه السلام)
بعد استشهاد المرحوم السيد موسى بن محمدعلي بن محمد بن موسى من آل الوهاب (ذرية آل السيد يوسف من آل زحيك) في غزوة الوهابيين في 18 ذي الحجة سنة 1216ه- / 22 نیسان 1802م، فقد شغرت سدانة الروضة الحسينية المقدسة.
فطلب وجهاء وعلماء المدينة يتقدمهم المرحوم العلامة السيد علي الطباطبائي (صاحب الرياض)، والمرحوم السيد مرتضى بن محمد علي بن مرتضی بن عبد المطلب آل دراج (نقیب كربلاء)، والمرحوم الشيخ علي عبد الرسول (سادن العباس) بمضبطة إلى الوالي سليمان باشا مدعومة بأختامهم طالبين إسناد سدانة الحسين للمرحوم السيد جواد بن كاظم بن السيد نصر اللّٰه .
وتم تسليم المضبطة إلى الكتخدا علي باشا عندما كان في (الهندية)، وقد أرسل مضمون الطلب إلى الوالي الذي وافق عليه، فصدر ( بيورلدي) (2)من الوالي سليمان باشا في التاسع والعشرين من شهر محرم سنة 1217ه- (الموافق لليوم الثاني من شهر حزيران (1802م) بإسناد تولية السدانة إلى السيد جواد، والبيور لدي أرسل إلى السيد
1) هو جدنا المرحوم السيد جواد بن كاظم بن نصر اللّٰه (الجد الأعلى للسادة آل نصر اللّٰه) بن ناصر الدين بن يونس بن جميل بن علم الدين بن طعمة (الثاني) بن شرف الدين (نقيب الأشراف) بن طعمة (الأول) كمال الدين (نقيب الأشراف) بن أبو جعفر أحمد بن يحيى ضياء الدين بن أبي جعفر محمد بن السيد أحمد شمس الدين (ناظر رأس العين الذي يطلق عليه العامة أحمد بن هاشم) بن أبي الفائز محمد (الذي سميت قبيلة آل فائز باسمه) من سلالة السيد إبراهيم المجاب بن محمد العابد بن الإمام موسى الكاظم ( عَلَيْهِ السَّلَامُ). وقد أخطأ السيد سلمان هادي طعمة حين ذكر اسمه في ص211 من كتابه تاريخ مرقد الحسين والعباس حيث ذكر بأنه (السيد جواد بن كاظم الطويل آل نصر اللّٰه)، والسيد سلمان يعرف جيدًا بأن فخذ (الطويل) من آل نصر اللّٰه سمي باسم السيد علي (الطويل) بن جواد بن كاظم بن نصر اللّٰه. وكان للسيد جواد ولدين هما السيد علي (الطويل) والسيد باقر . وباقر أعقب (صالح) الذي كان يلقب (أبو صماخ)، ومنه خرج فخذ (ألبو صالح أبو صماخ) من آل نصر اللّٰه.
2) البيورلدي: مرسوم يصدره الوالي، و (الفرمان) المرسوم الذي يصدره الباب العالي.
نقيب كربلاء مرفق برسالة له يحثه بالتعاون مع الحاكم الجديد لكربلاء وأنه أجاب طلبهم هذا ليشدوا أزرهم ويبنوا ما خرّبه الأعداء.
وقد إستمر السيد جواد بن كاظم نصر اللّٰه في السدانة لحين وفاته في شهر ذي القعدة سنة 1222ه- / 1807م.
لقد ذكرنا في الجزء الأول من هذا الكتاب بشكل مفصل عن أهمية الأسوار وأنواعها واستخداماتها، وعن أول سور بني حول مدينة كربلاء الذي تم بناءه في زمن البويهيين وبناه الحسن بن الفضل بن سهلان الرامهرمزي وزير سلطان الدولة البويهي في بداية القرن الخامس الهجري.
ونحن الآن نبحث عن كربلاء في بداية القرن الثالث عشر الهجري، وخاصة الفترة التي أعقبت غزوة الوهابيين على المدينة وما نتج عنها من خراب ودمار وقتل بعد إستباحة المدينة على حين غرّة.
ومن أسباب تمكّن الوهابيين من المدينة هو عدم إحكام سورها المتهالك والذي لم تمتد له الأيادي للترميم والإصلاح لقدمه وإنهدام أجزاء كبيرة منه، وعليه بات من الضروري جدًا في ذلك الوقت تحكيم وإعادة بناء سور المدينة بشكل يحوط جميع أجزائها بعد أن أخذت الدور والمنشآت تقام خارج سورها القديم نتيجة زيادة عدد سكانها وكثرة الوافدين إليها قبل غزوة الوهابيين لضيق المدينة وعدم إمكانية توسعها داخل سورها القديم.
لم تبادر الدولة حينها بترميم وإحكام السور لأنها كانت مشغولة بالصراعات والحروب مع القبائل، وأن بعض الإمارات العربية كانت تسيطر على المدينة لسنوات طوال ولم تهتم بهذا الجانب الحيوي الذي يُحافظ على أم المدينة وسكانها.
وبعد غزوة الوهابيين وجدت الحكومة نفسها مضطرة لأن تقوم بعملية إصلاح وتقويم لسور مدينة كربلاء ولكن قلة إمكانياتها جعلها تتلكأ في هذا الموضوع أو لوجود أسباب أخرى لا مجال هنا في إطالة الخوض بها.
وسنذكر بعد قليل في موضوع زيارة يمين الدولة علي خان أحد ملوك مملكة أودة بأنه بنی سور للبلدة ومصادر أخرى تؤكد بأن الوالي علي باشا الكهية الذي إستلم ولاية بغداد بعد سليمان باشا هو الذي أمر ببناء السور. ويؤكد آخرون بان الشاه فتح علي هو الذي صرف الأموال لبناء السور بإشراف العلامة (صاحب الرياض) السيد علي الطباطبائي.
ونحن هنا بصدد موضوع بناء السور الجديد للمدينة بعد غزوة الوهابيين، وللأهمية التاريخية البالغة توجب مناقشة الموضوع بالتفصيل بعيدا عن التصلب والتمايز بين من قام بهذا العمل الجليل ولغرض تصحيح بعض المجريات التي يتناقلها البعض ويؤرخوها حسب أهوائِهم إنحيازاً إلى تلك الدولة أو الفئة أو الأشخاص. وعلى ذلك كلّه نؤكد على مناقشة ما يلي:
1 - بعد حادثة الوهابيين تعرّضت حكومة المماليك إلى إنتقادات شديدة، وتلقّت اللوم على تقصيرها في درء خطر الوهابيين التي كانت على علم بتحركاتهم، ولم تتخذ الإجراءات الكفيلة على تفادي أخطارهم... ونتيجة الضغط المتزايد عليها قامت بتوجيه عنايتها وإهتمامها بمدينة كربلاء لما تحتلّه من أهمية بالغة، فإتخذت عدة خطوات على صعيد توجه إهتمامها منها بناء سور جديد للمدينة لحمايتها من الغارات خاصة وأنها تقع على تخوم البادية الغربية. فقد ذكر أحمد جودت في الصفحة 141 من الجزء السابع من تاريخه بأن علي باشا (الكهية) الذي أصبح واليًا على بغداد بعد وفاة سليمان باشا، قد أمر بإنشاء سور لمدينة كربلاء. كما ذكر مثل ذلك في تاريخ العراق بين إحتلالين (1). وتؤكد المصادر بأنه
1) تاريخ العراق بين إحتلالين، ج 6 ص 145 . وجاء في دوحة الوزراء للشيخ رسول الكركوكلي ص218 أن على باشا أمر بإتخاذ التحصينات في كربلاء.
شرع بالعمل بعد تولّيه ولاية بغداد بأربعة أشهر. وعلى ذلك يتبيّن بأن حكومة المماليك في العراق هي التي قامت ببناء السور الجديد للمدينة.
2- ذكرنا في موضوع زيارة يمين الدولة علي خان أحد ملوك مملكة أودة في الهند معتمدين على كتابي بغية النبلاء وتاريخ كربلاء وحائر الحسين، بأن يمين الدولة عندما زار كربلاء بعد غزوة الوهابيين فقد تأثر لحالة الخراب الذي أصاب المدينة فأمر بإنشاء سور للمدينة يحصنها كما ينقل المصدران أعلاه «... وبنى سورًا حصينا لصد هجمات الأعداء. وأقام حوله الأبراج والمعاقل ونصب له آلات الدفاع على الطرز القديم وصارت على من يهاجمها أمنع من عقاب الجو. فأمنت على نفسها وعاد إليها بعض الرقي والتقدم ». ولم يذكر مؤلفا الكتابين أعلاه المصدر الذي إعتمدا عليه !!
ومن كلامهما نفهم بأن يمين الدولة هو الذي بنى السور بعد غزوة الوهابيين ولم يتطرقا إلى الوالي علي باشا وأمْرُه ببناء السور.
3-ويذكر مؤلف مدينة الحسين رواية أخرى عن بناء سور كربلاء بعد حادثة الوهابيين، ولكن هذه الرواية تختلف عن سابقاتها بشكل كلّي، فهو ينفي الروايات السابقة ويوعز بناء السور إلى السردار محمد حسين خان الشيرواني (حاكم إيروان) (1)
وأخطأ مؤلف مدينة الحسين، لأن السردار محمد حسين خان الشيرواني لم يكن حاكم إيروان وإنما كان (حاجب الديوان) لدى الشاه فتح علي القاجاري.
. حيث يقول:بينما كان السيد الطباطبائي (يعني به العلامة السيد علي الطباطبائي صاحب الرياض) مهتمًا بتسوير النجف الأشرف قبيل غارة الوهابيين، في حين كانت أسوار كربلاء معرّضة للغارات الوهابية سنة 1216ه- وكان صاحب
1) كان القوقاز مقراً للصراعات عبر القرون. وكان إقليما إيروان ونخجوان في ما وراء القوقاز في البداية إقليمان حدوديان مع الدولة القاجارية الإيرانية. وفي بداية القرن التاسع عشر إقتطعتهما روسيا من القاجاريين وفق معاهدة تركمانجاي سنة 1828م.
الرياض قد تقدم إلى الشاه الإيراني الآغا محمد خان القاجاري قبل وفاته يطلب منه إرسال جماعة من رجاله الأشداء الأقوياء ليجاوروا الحائر الحسيني ويصونوه من عبث العابثين والمقاومة غزوات الوهابيين... ومات أغا محمد شاه بعد أن أمر بإكساء قبة الحسين بالذهب. وإرتقى العرش فتح علي قاجار الذي حدثت في زمانه غزوة الوهابيين فقام بإرسال ألفي شخص من قبيلة البلوش إلى كربلاء ومعهم بقية الذهب لإكمال إكساء القبة، وأن يلازموا قبر الحسين للمحافظة عليه من أي عدوان...
فجاء البلوش واستوطنوا كربلاء سنة 1217ه-، وممن جاء برفقة أفراد عشيرة البلوش لزيارة العتبات المقدسة في العراق السردار محمد حسین خان الشيرواني حاكم إيروان. ولّما قصد كربلاء وأقام فيها ردحاً من الزمن وبلغه ما فعله الوهابيون فيها بسبب عدم وجود سور منيع يحيط بها ويمنع عنها غائلة العدوان، إذ كان سورها يومئذٍ مركّبًا من أفلاك النخيل مرصوصة خلف حائط من الطين هزّته الأريحية لبناء سور حصين لكربلاء. فطلب من السيد علي صاحب الرياض أن يبادر بتشييد سور على نفقته الخاصة، وقدّم له المال اللازم لبناء السور حول مدينة كربلاء. وبعدها قام المعمارون من أفراد قبيلة البلوش الإيرانية بمسح مدينة كربلاء ووضعوا التصاميم اللازمة لتسوير المدينة.
وعندها نفّذ المرحوم السيد (علي صاحب الرياض) هذا المشروع الجبّار، فشيّد سورًا منيعاً بمؤازرة ومعاونة أفراد هذه القبيلة الذين تقدّموا متبرعين متطوعين لبناء السور بالسرعة الفائقة وكان منهم البناؤون والعمال وذلك بغية المحافظة على مرقد سبط الرسول الأعظم (صَلَّ اللّٰهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) الحسين بن علي ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) وصيانة كربلاء من الكوارث والملمات. ولايزال بعض آثار هذا السور ماثلاً للعيان حتى يومنا هذا. وعندما تم بناء السور جعل فيه السيد علي
صاحب الرياض ستة أبواب للمدينة وعرف كل باب باسم خاص. وإستبدل أسماء الأطراف بأسماء تلك الأبواب.
4 - جاء في ترجمة السيد علي الطباطبائي صاحب الرياض في كتاب تراث كربلاء ص 184 ما نصّه: وللسيد صاحب الرياض خدمات جليلة للحائر المقدس فقد شيّد عام 1217 ه- سورًا لكربلاء على إثر حركة الوهابيين لحماية البلد من صولة الأعداء. ويذكر مؤلف هذا الكتاب أن صاحب الرياض هو الذي شيّد السور ولم يذكر من هو الممول لبناء السور، فالقارئ هنا يتصور أن صاحب الرياض شيد السور من أمواله الخاصة، وكعادته فإن هذا إسلوب مبهم لا ينم عن التحقيق والدراسة لموضوع مهم كالذي نتحدث عنه!
5- هناك روايات تذكر بأن الشاه فتح علي القاجاري هو الذي أمر بإرسال أفراد من قبيلة البلوش ومعهم الأموال ليقوموا ببناء سور للمدينة وبإشراف السيد علي صاحب الرياض!! وكلّفه أيضاً بإكمال تذهيب القبة بعد أن أمدّه بوجبة أخرى من الذهب تنفيذاً لوصيّة عمّه الشاه أغا محمد القاجاري.
هنا يحار المرء على أية رواية يعتمد في موضوع بناء سور المدينة؟!! ولمناقشة ذلك يتبيّن لنا من خلال ذلك كلّه بأن كربلاء كانت تخضع لحكم المماليك الأتراك، ومهما كانت الظروف فإن لتلك الحكومة سيطرة على مجريات الأمور في ذلك الوقت على مدينة كربلاء، وعندما تقام مشاريع كبيرة مثل هذا الإنجاز الكبير فلابد أن يكون بعلمها وتحت سيطرتها، وللمدينة حاكم عثماني هو (أمين آغا ترك) تم تعيينه بعد حاكمها (عمر آغا) الذي تم إعدامه نتيجة تخاذله إثناء غزوة الوهابيين.
والمصادر العثمانية أكدت بأن الحكومة هي التي قامت ببناء السور، وإعتمد على تلك المصادر ممن كتبوا عن تاريخ العراق في تلك المرحلة مثل مؤلف مطالع السعود، ودوحة الوزراء، وتاريخ العراق بين إحتلالين وغيرهم.
أمّا ما جاء في بغية النبلاء للسيد عبد الحسين الكليدار ، وكذلك في تاريخ كربلاء وحائر الحسين للسيد عبد الجواد الكليدار، بأن يمين الدولة علي خان أحد ملوك مملكة أودة هو الذي بنى السور ، فلم يذكر كلا المؤلفين المصدر الذي إعتمدا عليه لتتأكد الرواية على الأقل، ولم نجد مصدرًا غيرهما ذكر وأكّد ما أورداه فنستبعد أن يكون يمين الدولة هو الذي بني السور.
والذي جاء به مؤلف مدينة الحسين عن مجموعة الشيخ محمد الفارسي بأن السردار محمد حسين خان الشيرواني ( حاكم إيروان) هو الذي طلب من السيد علي الطباطبائي أن يقوم ببناء السور على نفقته الخاصة عندما جاء زائرا لمرقد الحسين بعد غزوة الوهابيين، فنستبعد ذلك أيضاً بشكل قطعي، لأن السردار محمد حسين هو (حاجب الديوان) لدى الشاه فتح علي وليس حاكمًا لإيروان حيث أخطأ مؤلف مدينة الحسين فكتب ( حاكم ) بدلاً من (حاجب)، و (إيروان) بدلاً من (الديوان)!!
وإذا رجعنا إلى المصدر وهو الشيخ محمد الفارسي، فنؤكد أن بيت الفارسي (1)لم يكونوا من سكنة كربلاء قبل واقعة الوهابيين، ولكن عندما أرسل الشاه فتح علي قاجار بقية كمية الذهب لإكمال تذهيب قبة الحسين وإرساله ألفي شخص من عشيرة البلوش ليرابطوا في كربلاء ويدافعوا عن المراقد المقدسة فيها، جاء معهم رجل دين هو الشيخ إسماعيل الفارسي وهو والد العلامّة الشيخ حسين بن إسماعيل الملقّب ب- (أغا بابا الفارسي)، وسكن مع البلوش في منطقتهم المعروفة في محلة باب النجف ولقّب بالبلوجي أي (البلوشي) وهو ليس منهم.
والشيخ محمد الفارسي هو أصغر أبناء الشيخ حسين (أغا بابا) بن إسماعيل الفارسي(2). وعليه فإن روايته التي نقلها مؤلف مدينة الحسين والتي لم ينقلها نصاً، وإنما
1) راجع كتابنا (بيوتات كربلاء القديمة)، ص 353.
2) طبقات أعلام الشيعة، ج 10 ص 379 ، حيث يقول الشيخ آغا بزرك الإصفهاني عن العلامة الشيخ حسين ما نصّه: « هو الشيخ حسين بن إسماعيل الفارسي الحائري البلوجي (وفي الهامش... نسبة إلى محلة البلوج بكربلاء التي كان يسكنها المترجم)، عالم فقيه. كان من أجلّاء علماء كربلاء الأعلام في عصره، وله آثار منها (إجماعيات الفقه) في ثلاثة مجلدات فرغ من ثانيها وهو إلى آخر المواريث في 1288ه- ، فالظاهر أن وفاته بعد التأريخ ... ».
سمعها من راويها الذي كان صديقه، ويمكن أن حصل بعض الإلتباس في النقل.
وعلى العموم فهي قريبة في بعض تفاصيلها من الحقيقة حول بناء السور، لأن والده الشيخ حسين بن إسماعيل الفارسي الذي عمّر طويلاً كان على علم بمجريات الأمور الخاصة ببناء السور من جدّه الشيخ إسماعيل المكلّف بمرافقة البلوش القادمين من
إيران كعالم ديني معهم.
وبالنتيجة نتمكن أن نؤكد بأن علي باشا الكهية هو الذي أمر ببناء السور من ضمن بعض الإجراءات التي إتخذها لحماية كربلاء، تمت المباشرة به في الربع الأول من سنة 1217ه-، وكان البناء متسارعاً على نمط السور القديم وشملت أعمال البناء على الأجزاء المتهرئة والمتهدمة من السور، وكانت الغاية من ذلك تحكيم السور لأن خطر تعرّض المدينة لغزوات الوهابيين لا يزال قائماً .
لم يقتنع أهالي المدينة بذلك العمل وقرروا بناء سور جديد للمدينة يتمتع باستحكامات جيدة ويضم بعض أجزاء المدينة التي توسعت خارج سورها القديم، ويحميها من غائلة الزمن. ولّما كان شاه إيران قد إنتقد الحكومة العثمانية على عدم تأمينها مدينة كربلاء بعد أن غزاها الوهابيون، وكان الشاه محمد خان قد تبرّع بتذهیب قبة الحسين وتأخر إكمال العمل بسبب عدم وصول بقية كميات الذهب التي تبرع بها الشاه بسبب حادثة الوهابيين.
فقد أرسل السيد علي الطباطبائي إلى الشاه فتح علي القاجاري الذي تولى عرش إيران بعد عمّه أغا محمد خان طالبًا منه إرسال بقية الذهب لإكمال تذهيب القبة الشريفة، وكذلك شرح له حالة كربلاء بعد الغزوة مقترحاً عليه التبرّع لبناء سور بمواصفات جديدة لمدينة كربلاء.
عندها وافق الشاه فتح علي على إرسال ما تحتاجه القبة من كميّات الذهب تنفيذاً لوصية عمّه الشاه السابق من ناحية، ومفاتحة الحكومة العثمانية وطلب موافقتها على التبرع ببناء السور والتي رحّبت بتبرعه.
عند ذلك هيأ الذهب المطلوب وأمر بإحضار ألفي شخص من قبيلة البلوش التي تسكن جنوب إيران لخبرتهم المعمارية، وقد إشتهروا ببناء الأسوار والقلاع ليقوموا بتصميم وبناء سور لمدينة كربلاء على أن يستقروا فيها بعد إنهائهم بناء السور ليكونوا من المدافعين عنها وعن العتبات المقدسة في حالة تعرضها إلى الهجوم أو الغزو لقوّتهم وبأسهم الشديد.(1)
أوفد الشاه حاجب ديوانه السردار محمد حسين خان الشيرواني ومعه الذهب المخصص للقبّة والمبالغ اللازمة لبناء السور بصحبة ألفي شخص من البلوش ويرافقه معهم العلامة الشيخ إسماعيل الفارسي، وأمر الشاه حاجب ديوانه أن يسلّم الأموال بيد العلامة السيد علي الطباطبائي ( صاحب الرياض) وكان حينها من أكبر العلماء في كربلاء ليكون بناء السور بإشرافه المباشر، وبعدها ينتهي دور حاجب الديوان ويعود إلى عمله في إيران.
بدأ المعماريون البلوش بوضع التصاميم للسور آخذين بمشورة بعض المعماريين المعروفين من الكربلائيين، وقرروا بناء السور بمادة الطابوق المشوي بالنار (المفخور) أو المجفف بأشعة الشمس، وبتصميم جديد وإرتفاعات مناسبة تتخلله مواضع للرصد والحراسة ومزاغل للرمي في جميع جهاته، وتعيين مواقع لستة أبواب تحيط بالمدينة، وتم جعل لكل باب اسم محدد، وعلى أسماء تلك الأبواب ظهرت التسميات الجديدة لمحلات كربلاء. والمحلات هي:
باب بغداد (باب العلوة) لأن الباب هذا يفضي إلى طريق بغداد، والعلوة تعني علاوي الخضروات الواقعة أمام الباب.
1) أعيان الشيعة: السيد محسن الأمين العاملي، ج 42 ص 46 .
ومحلة باب الخان لوجود خان الجندرمة (الشرطة) فيها، وكانت تسمّى أحيانًا بباب العلقمي لوقوعها بإتجاه مجرى نهر العلقمي القديم.
ومحلة باب النجف لأن الباب كان يفضي إلى طريق النجف وتسمّى أحيانًا بباب طويريج، لأن الطريق إلى طويريج (الهندية) يبدأ منها .
ومحلة باب المخيم، حيث من الباب الذي فيها يتم الوصول إلى المخيم الحسيني وفي بعض الأحيان كان قسم من المحلة يسمّى باب الزينبية لأن تل الزينبية الذي فيه مقام العقيلة زينب (عَليهَا السَّلامُ) يقع بالقرب من هذا الباب.
ومحلة باب الطاق حيث الواصل إلى الباب يمر بطاق الزعفراني وطاق كبيسة الشهيران في المدينة، وتوجد في المحلة طيقان صغيرة أخرى. والباب الذي سمّيت المحلة هذه عليه كان يُطلق عليه في بعض الأحيان بباب الحر لأنه يفضي إلى طريق مرقد الحر الرياحي.
والمحلة السادسة هي محلة باب السلالمة، لأن المنطقة تسكنها الغالبية من عشيرة السلاميين.
صورة للسور من جهة باب الطاق قبل تهدیمه
كان السور الجديد عبارة عن جدارين داخلي وخارجي، والجدار الداخلي هو الملاصق بالمنازل وإرتفاعه 6 أمتار وعرضه ذراع أي ما يقارب (75 سم). أما الجدار الخارجي فإرتفاعه بحدود عشرة أذرع أي ما يقرب من ثمانية أمتار وعرضه ذراعان
أي ما يقارب المتر والنصف، وفيه قطوعات متساوية على طوله للمراقبة والرصد. و على كل باب برجان من اليمين ومن الشمال نصف دائريان.
والمسافة بين الجدارين الداخلي والخارجي بحدود خمسة أذرع وقد تم رصف الأرضية بين الجدارين بالحجر (حجر الكلس المتوفر في صحراء كربلاء)، فبدا كشارع يحيط بالمدينة (1).
وربط الجدارين بطيقان عرض الطاق متران تقريبًا (ثلاثة أذرع) وبمسافات متساوية على طول الممر بين الجدارين لسهولة التنقل بين الجدارين في حالة نشوب الحوادث والوقائع، وكذلك لأغراض تقوية إرتكاز الجدارين. وبالقرب من كل باب سلالم بعرض ذراع واحد بنيت على الجدار الخارجي من داخل الممر. ليتم من خلالها الصعود إلى السور الخارجي من داخل السور. والمعلومات التي أوردناها عن وصف السور إقتبسناها من مصادر عدة منها :
1 - ما كان يتناقله السلف من أهالي المدينة من حكايات عن السور وشكله وموقعه عندما يتحدثون عن واقعة أو حادثة أو عن عائلة أو شخص، يقومون بسرد للمواقع، فهذا كان بيته خلف السور من الجهة الفلانية من المدينة، وذلك وُجد مقتولاً بين جداري السوق في منطقة كذا من المدينة. وهكذا ومن خلال تناقل الأحاديث يأخذ المرء انطباعاته عن السور ويظل شكل السور يطبع في الأذهان إلى أن وصلنا عنه الشيء الكثير.
2 - أغلب الرحّالين الذي زاروا كربلاء ذكروا سورها ولكنهم لم يصفوه مثلما وصفه الرحّالة الروسي (إيليا نيكولا بيرزين) الذي زار كربلاء في النصف الثاني من
1) في واقعة نجيب باشا التي حدثت عام 1258ه- ، وعندما إقتحم الجند السور بعد رمْيه بالمدافع فقد تقدم رتلان من جهة الفتحة التي دخلوا منها بالقرب من باب النجف، رتل أخذ يتقدم في جهة اليمين بإتجاه باب الخان ثم باب بغداد، ورتل سار بإتجاه باب المخيم ثم باب الطاق وتلاقى الرتلان في باب السلالمة ودخلا المدينة وإستباحوها. كما أن هذا الممر كان مأوى للفقراء والمساكين الذين لا يملكون سكناً، ويستغله الزائرون في أيام الزيارات المخصوصة للمرقدين الشريفين.
القرن التاسع عشر الميلادي وتحديدًا في سنة 1258ه-/ 1843م. وكان بيرزين قد دخل العراق من البصرة التي وصلها في شهر تموز من عام 1843م. وكانت زيارته لكربلاء بعد حادثة نجيب باشا بسنة واحدة. وفي دراسة له نشرها في مجلة (دراسات الأرض والرحلات) في موسكو سنة 1858م حول أبنية كربلاء قال في جزء منها : «... والبيوت تبنى غالبًا متلاصقة الواحدة بالأخرى، ولا وجود للساحات والميادين في المدينة، ويحيط بها سور من الطابوق المجفف بأشعة الشمس، ويتألّف من صَفّيْن، الصف العلوي يكون بمثابة مدارج ومشارف، وأمّا الصف السفلي فيتكوّن من أقسام خالية ومكشوفة يفصل بعضها عن البعض بالحواجز، وتكون هذه الفروع مأوى للفقراء الذين لا سكن لهم، كما هي الحال في بغداد تماماً ». وهنا يعطي بيرزين معلومات متطابقة تقريبًا عن الشكل الذي أوردناه للسور.
3- من كتب عن واقعة نجيب باشا التي حدثت في كربلاء سنة 1258 ه- ذكر الكثير عن سور المدينة الذي من خلاله تم دخول الجيش وقاموا بتطويقها ثم إستباحتها ومن هؤلاء ما ذكره السيد عبد الرزاق الحسني عند سرده سرده الواقعة فيقول : «.. أخذت المدافع في إطلاق قنابرها على السور بشدّة فإستطاعت أن تفتح ثغرة واسعة من ناحية باب النجف، وإذا بفريق من الجند يتسلّق السور ويمشي فوقه بسلاحه، وفريق آخر يدخل من الثغرة ويتغلغل في أطراف السور. وكان الفريقان يطلقان النار على كل من يلقيانه ...»(1). والشكل التالي يبينّ لنا حدود سور مدينة كربلاء الذي تم البدء ببنائه منتصف عام 1217ه- وإستمر العمل فيه لأكثر من سنتين.
1) کراس تسخير كربلاء: السيد عبد الرزلق الحسني، ص34.
حدود السور الذي ثم بناءه سنة 1217ه-بعد غزوة الوهابیین حول مدینة کربلاء
وللأسف وجدنا في عدة مواقع ولأشخاص نشروا صورة لمدينة سامراء محاطة بسور وذكروا أنها مدينة كربلاء، وهذا جهل واضح وعدم دراية، لأن مدينة كربلاء فيها مرقدان منفصلان، وحواليها من جميع الجهات بساتين النخيل، أما الصورة المنشوره تفتقر لذلك كلّه. كذلك نشر البعض في مواقع الإنترنيت صورة جوية لمدينة النجف الأشرف ويظهر فيها مرقد الإمام علي ( عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وذكروا أنها لمدينة كربلاء.
وللقارئ الكريم ننشر الصورتين مع التعليق عليهما، والغرض أن لا يقع أحد في الخطأ وينشر إحدى الصورتين في كتاب أو كرّاس أو مجلة أو إعادة نشرها على صفحات التواصل من غير دراسة وتمحيص.
صورة لمدينة سامراء ويظهر فيها مرقد الإمامين العسكريين (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) وفي الوسط تظهر القبة المبنيّة على سرداب الغيبة للإمام المهدي ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) والصورة ملتقطة من ملوية سامراء ويظهر في الصورة سياج جامع الملوية
صورة جوية لمدينة النجف الأشرف من الجو التقطت سنة 1922م ويظهر في الوسط مرقد الإمام علي ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) وعلى يمين الصورة (وادي السلام) أو المقبرة خارج السور.
ونحن ننشر هاتين الصورتين أيضاً لفائدة مرجوّة للقارئ الكريم، ليتعرّف على شكل المدن التي تحاط بالأسوار.
زيارة الرحّالة أبو طالب خان (1)إلى كربلاء
زار كربلاء في بداية عام 1217 ه-/ 1802 م ، بعد غزوة الوهابيين للمدينة المقدسة بأيام قليلة الرحالة أبو طالب خان، وذكر في رحلته ما حلّ بها من خراب ودمار على أيدي العصابات الوهابية المسلحة.
سافر أبو طالب خان من بلده الهند إلى إنكَلترا ومنها إلى فرنسا ومن ثَمَّ عبر البحر المتوسط ليصل إلى إسطنبول، ومنها توجّه إلى العراق عن طريق الأناضول، فزار سامراء وبعدها بغداد التي مكث فيها عدة أيام، ومنها قصد إلى زيارة مدينة كربلاء ومشهد الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ)، ووصلها وهي تئنُّ من الخراب والدمار والقتل والتسليب لأهلها وزوار العتبات، وقد نقل الحادثة بدقّة لأنه وصلها بعد الغزوة بأيام، وقد دوّنا ما ذكره في رحلته عند شرحنا لغزوة الوهابيين.
وقد ألّف كتابًا أسماه (مسير طالبي) (2)دوّن فيه مشاهداته عن البلدان التي سافر إليها ومنها كربلاء. ووصف في كتابه تفصيل زيارته إلى كربلاء (3)، منها لقاءه بحاكمها (أمين أغا ) وإلتقائه بعمته (كربلائي بكَم) التي جاءت للزيارة وتحدثت له عمّا جرى لها وللنساء معها، حيث تم تسليبهن من قِبل الوهابيين ولم يبق لهن ما يمكنهن من البقاء أو الرجوع إلى بلدهن.
1) هو الرحالة الهندي والتركي الأصل أبو طالب بن حاجي محمد بك خان الإصفهاني المتوفى سنة 1221ه- / 1806م.
2) كتاب (مسير طالبي) ألّفه أبو طالب خان ودوّن فيه مشاهداته عن البلدان التي زارها، وقد تم طبع الكتاب في الهند سنة 1227ه- / 1812م بعد وفاته بست سنوات.
3) راجع كتابنا (كربلاء في أدب الرحلات) ص 121 - 125 وفيه تفصيل كامل للرحلة.
كما تحدث أبو طالب خان عن نهر الحسينية وتفرعاته وخاصة نهر (الهنيدية) الذي يلتف حول المدينة من شمالها الغربي إلى غربها ثم جنوبها الشرقي حتى وصوله إلى هور السليمانية.
وبعد انتهاء زيارته لكربلاء غادرها متوجهًا إلى النجف عن طريق الحلة، فتوقف في (الهندية) وأراد أن يقيس عرض شط الهندية، وواصل رحلته إلى الحلة ومنها إلى النجف الأشرف، ثم عاد إلى بغداد ومنها إلى البصرة، ومن البصرة وعن طريق البحر وصل إلى بومبي ومنها إلى كلكتا مدينته في الهند.
ونحن نبحث في المصادر التي يُذكر فيها ما يخص مدينة كربلاء في تأريخها وخاصة عن غزوة الوهابيين ليتم تثبيته، فقد وجدنا شيئاً عُجاب من الافتراءات التي لا يمكن أن تحصل أبداً، أو أن تكون من باب التلفيق على المدينة وأهلها لأسباب سياسية أو طائفية مذهبية. والغريب في الأمر وجدنا في مصادر قد إعتمد عليها الكثير من كبار الكتاب والمؤرخين، ونقلهم عنها يعني أنها مصادر قديمة وموثوقة.
وفي خِضمّ عملية البحث في المصادر وجدنا الكثير من الادعاءات والأقوال والبحوث التي عبّر أصحابها عن رأيهم أو نقلوا أخبارًا كاذبة أو مالوا إلى جهة الحاكم على مبدأ كتّاب السلاطين، أو أنهم إعتمدوا على النقل إذا لم يكونوا قد عاشوا الواقع في حياتهم على مصادر لم يتمعنوا من صدقها أو من عدمه، كما لم يدققوا ببصيرة ثاقبة فيها ولم يحللوا أبعادها ومخاطرها، لأنها ستكون مصدرًا ووثيقة للأجيال التي تليهم.
نذكر ذلك ونأتي بمثال عن ما نتحدث عنه، وهذا المثال عن حادثتين نُقلت عن كربلاء من مصدر قديم ،و مشهور بل ونحن في بحثنا هذا قد إعتمدنا عليه في نقل بعض الوقائع والأحداث، مثل ما نقل عنه كتّاب ومؤرخون أفاضل تعلمنا من كتبهم الكثير في الدراسة والبحث وعمق وصواب التحليل.
وهذا المصدر هو كتاب مختصر مطالع السعود (خمسة وخمسون عاماً من تاريخ العراق 1188 ه- – 1242ه- ) للشيخ أمين بن حسن الحَلوانيّ المدني المدرس بالحرم النبوي الشريف وأسماه (مختصر مطالع السعود) إختصارًا لكتاب (مطالع السعود في أخبار الوالي داود) للشيخ عثمان بن سَنَد البصري الوائلي المولودسنة 1180ه- / 1766م والمتوفى سنة 1250ه- / 1834م.
والسبب في إختصاره وحسب ما يذكر العلامة محمد بهجة الأثري الذي قدّم للمختصر بتفصيل عن عثمان بن سند هو أن نصف الكتاب الأصلي كان شعر للمؤلف في الغزل والحماسة والمدح والرثاء والشكر والتهنئة أورده في المناسبات، وفيه أيضاً نقد لشعر بعض معاصريه وفوائد شتی.(1)
وفي نفس الصفحة التي ذكر فيها العلامة الأثري ذلك، كتب المحقق والمعلق على كتاب المختصر وناشره (محب الدين الخطيب) في هامش الصفحة ما يلي: «وقد طواه الشيخ أمين الحلواني مقتصرًا على الحوادث التاريخية ».
كان عثمان بن سند قد ألّف كتابه مادحًا الوالي داود باشا، ولكنه لم يذكر ما قام به داود باشا في واقعة المناخور ضد مدينة كربلاء والوقائع فيها إستمرت أربع سنين لم يخضع له أهالي كربلاء بسهولة!! ومن الغريب بأن صاحب كتاب مطالع السعود لم يذكر الحادثتين التي سوف نوردها، وإنما كتبهما صاحب المختصر لغاية في نفسه، وقد إعتبرناها افتراءات لا صحة لها وقد كتبها على نهج طائفي. علماً بأنه كان ينتقد الوهابيين وأفعالهم وسلوكهم بل ومذهبهم.
1) يذكر العلامة محمد بهجة الأثري أن هذا الكتاب يعرف باسم (مطالع السعود، لشموس أخبار الوزير داود)، والنسخة الموجودة منه في أكثر من 600 صفحة، وهو أهم ما كتب ابن سند، و به خلد ذكره وذاع صيته وإن لم يطبع بعد. رتبه على السنين بادئًا بتسجيل حوادث العراق من عام ولادة داود باشا، فدوّن فيه اخباراً مهمة ووقائع خطيرة لا يصيبها الباحث سواه، ووصف احوال العراق السياسية والإجتماعية وشؤون القبائل العربية من أيام حكومة عمر باشا حتى حكومة داود باشا. وفى سنة 1341ه- / 2010م قام الدكتور عماد عبد السلام رؤوف بتحقيقه.
كان عثمان بن سند قد ذكر في حوادث سنة 1216 للهجرة غزو الوهابيين لكربلاء، وهو مستمر بالحديث عن واقعة الغزو الوهابي كما ذكر ذلك في المختصر، ولكن صاحب المختصر يدخل فجأة في موضوعين متتاليين لم يُذكرا أصلاً من قبل عثمان بن سند الوائلي، وليس لهما علاقة بغزو الوهابيين، أولهما كما جاء في مختصر مطالع السعود: « ولنذكر نبذة من أخبار جيَف الشيعة المعبر عنها عندهم بالتوابيت التي يدفنونها بكربلاء، وهي أنه إذا مات الشيعي في أقصى المشرق أو المغرب فيوصي بأنهم يدفنونه في كربلاء وينذر على ذلك النذور . فيتحمل أهله بجيفته وينقلونه إلى كربلاء، وهناك تأخذ عليهم الحكومة شيئًا معلومًا من الدراهم في مقابلة دفن الميت في كربلاء، وهناك صهاريج كبار لبعض أهل البلدة من الشيعة معدّة لطرح تلك الجيف فيها، ولهم شيء معلوم أيضاً على كل جيفة، فيطرحون الميّت داخل الصهريج، ويسدون عليه، وكلما وردت جيف أيضاً يطرحونها داخل تلك الصهاريج، وربما تتكلف الجيفة الواحدة من حيدر آباد الدكن إلى كربلاء مثلاً نحو ألف روبية، هذا مع الأواسط، وأمّا مع أغنياء الشيعة فربما تتكلف الجيفة ألوفًا. ثم إنه إذا إمتلأ ذلك الصهريج من الجيف والتوابيت تجد لتلك الأماكن وما جاورها عفونة ونتانة تُشم من مسافة لا يطيقها إلاّ أهل تلك الجهات الذين ألفوها، ولذلك كلما إمتلأت الصهاريج فصاحب الصهريج يبيع ما به من تلك الجيف المعبر عنها بالتوابيت على صاحب الحمّام بثمن معلوم، فيحضر صاحب الحمّام وينقل جميع تلك الجيف ويَقِدْ بها حمّامه. فأنظر لحماقة هؤلاء الشيعة كيف يصرفون الذهب والفضة لأجل حرق آبائهم. وياليت شعري ما الفرق بينهم وبين مجوس الهند الذين يحرقون موتاهم» ! (1)
نقول:
1) مختصر مطالع السعود، ص 75.
إن ذلك محض افتراء على قدسية مدينة كربلاء وعلى سكانها أولاً، كما هو في نفس الوقت تعرّض غير لائق بالمذهب الديني لأهل المدينة ثانيًا.
فإن الشيعة يتمنون أن يدفنوا في النجف وكربلاء للقدسية التي تتمتع بها البلدتان، ولكن ذلك لم يكن لجميع الشيعة في البلدان إلاّ القليل منهم إمكانية نقل جثث موتاهم من بلدانهم إلى النجف أو كربلاء، وإنتشار هذه الظاهرة بدأت منذ أوائل القرن العاشر الهجري وإبتدأت من إيران في العهد الصفوي. وشُرّعت لذلك إتفاقيات وقانون خاص بها على مقدار الضريبة التي تدفع، والإجراءات الصحية تتخذ، وكيفية عملية النقل والدفن، وهذا ما سنبحثه في سياق الحديث عن المشاكل التي حصلت بين الدولة الإيرانية والدولة العثمانية.
كما أن صاحب المختصر ذكر الموضوع عن شيعة الهند ولم يذكر شيعة إيران ولا نعرف ما السبب؟ كما أنه لم يذكر نوع وشكل الصهريج هل هو من الحديد أم من الفخار وكم هي سعته وهل شاهد الأمر بنفسه أم نقله عن غيره؟!! لأن هذا الطرح وبهذه الشكلية لم يسبقه به أحد من المؤرخين ولا من الرحّالة الذين زاروا كربلاء وهم كُثر ولم يتركوا شيئًا إلاّ وأثبتوه .
وهل يُعقل أن يتم بيع الجثث لصاحب حمّام في المدينة حتى يستعمل الجثث وقودًا لحمّامه؟... وكربلاء في ذلك الوقت كانت تعج بالعلماء وبالنهضة الدينية الكبيرة وتصدرها في هذا المقام بإعتبارها المركز الديني الأكبر في الزمن الذي يتحدث عنه مؤلف مطالع السعود، كما أن المواد التي يحتاجها البلد لإشعال النار في حمّاماته متوفرة وبكثرة من الخشب وغيره، فمدينة كربلاء محاطة بالبساتين ومخلفاتها من سعف النخيل والكَرَب وتشذيب أغصان الأشجار كافية بل وفائضة عن الحاجة، فما الداعي لحرق الجثث، والذهاب إلى تحمّل خطيئة يحاسب عليها الدين والشرع والعرف السائد.
كما انه تحدّث عن هذا الأمر في كربلاء ، فلماذا لم يتحدث عن وجود هذه الظاهرة في النجف فهي الأكثر استقبالاً للجنائز من الخارج. فلو قال هذا المؤرخ بأن التوابيت
الخشبية وحدها التي تُنقل فيها الجنائز يتم حرقها بعد إفراغها من الجثث ودفنها حتى يتم التخلص من آثارها الصحية لكان ذلك مقبولاً ومنطقياً، ويمكن أن يكون ذلك هو الحاصل قطعاً ولكنه ولأغراض مذهبية تحدث بهذه الكيفية.
وأخيرًا فهو يقول : « فانظر لحماقة هؤلاء الشيعة يصرفون الذهب والفضة لأجل حرق آبائهم. وياليت شعري ما الفرق بينهم وبين مجوس الهند الذين يحرقون موتاهم »!!!
وهنا بان عدم تقدير صاحب مختصر مطالع السعود وقلّة فهمه وإطلاعه، لأن الذين يحرقون أجساد موتاهم هم (الهندوس) وليس المجوس في الهند، لأن الهندوس يعتقدون بعدد كبير من الآلهه ولكل إله عندهم له شأن يختلف عن غيره، بينما (المجوس) في الهند وهم عبدة النار وطريقتهم ليس حرق الموتى لأنهم يُعظَّمون النار ويبعدون الدنس عنها، فطريقتهم في التعامل مع موتاهم هي ليس (الدفن) في باطن الأرض ولا حرق الجثث وتسييرها في الأنهر لإعتقادهم بأن الماء يطفئ النار التي يعبدونها، وإنما يضعون جثة الميت في مكان خاص محاط بالأشجار ويعرّونها ويتركوها للغربان لتأكلها حتى تبقى أرواح موتاهم تحملها الطيور (1)
1) زُرت الهند عام 1999م، وإثناء جولتي في مدينة (بومباي) الشهيرة وهي بوابة الهند على المحيط والعاصمة التجارية للهند، فقد قادني مرافقي إثناء جولة للتعرف على معالم المدينة، فأراني (حديقة كبيرة) تقع على كورنيش المدينة الطويل والجميل، وتقدر هذه الحديقة التي يعلو سياجها عن الرصيف بمقدار ستة امتار تقريبًا، بمساحة تزيد عن الخمسة دونمات من الأرض، وفيها أشجار كثيفة وعالية جدًا، وكان لون الأشجار يميل إلى العتمة (السواد) من كثرة الغربان التي تقف على أغصانها، وفي منتصف الحديقة (دكات) عديدة تعلو عن الأرض بمقدار مترين، وأبعاد مساحة الواحدة منها 3م × 4م تقريبا وهي معمولة من الإسمنت الصقيل، توضع عليها جثث الموتى من طائفة المجوس عارية وتترك، فتنزل عليها آلاف الغربان وتاكلها ولم تبق منها شيئًا حتى العظام بمناقيرها، وبوقت قصير جدا تتلاشى الجثة ولم يبق منها أيّ أثر.
أما الموضوع الثاني فيقول صاحب مختصر مطالع السعود ما يلي: «ومن عجائب كربلاء أن هناك حفرة على صورة قبر وعليها غطاء من حجر الرخام، ويزعم شيعة أهل تلك البلدة أنه إذا أهلَّ شهر المحرم يفيض إلدم من تلك الحفرة وبه يعرفون ظهور الهلال، ومع أنها بطول السنة ناشفة يعني أنهم ليلة الشك يذهبون إلى تلك الحفرة ويمدّون فيها عصا فإن ظهر رأس العصا وفيه صورة دم ممسّك فيعرفون أن هذه الليلة هي أول شهر المحرّم، فتضجُّ البلدة بالصراخ، ولا يحتاجون إلى النظر في الأفق لرؤية الهلال، بل يكتفون بمد العصا في تلك الحفرة. وهذا أيضاً من دكيّاتهم وحيلهم لنصرة مذهبهم» ! ! (1).
ومن دون توقف يستمر بالحديث عن واقعة الوهابيين مباشرة فيقول... فلما بلغ الوزيرَ ما صُنع في كربلاء أمر الكتخدا علي بك ان يخرج بعسكره،.... إلخ.
وهذه فِرْيَة ثانية حيث أوردها صاحب المختصر مباشرة بعد الأولى ومن دون توقف، وقد وقفنا عندها متأملين ما ذا يقول؟!... فنسأل هل رآى الحادث بنفسه؟
فأین من أمكنة كربلاء؟ هل في داخل حرم الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ)، أم في داخل المدينة القديمة المسّورة بسور آنذاك؟ أم خارجها ؟ فلم يوضح ذلك. وهل نَقَل الحادثة عن أحد؟ فلماذا لم يذكر المصدر الناقل، وهل هو زار كربلاء أصلاً؟ فهو لم يزرها وإلاّ كان قد كتب ذلك ... فهي محض افتراء قطعاً.
نحن لا نشك بقدسية الأرض التي سال عليها دم الحسين العظيم، وإذا كان صحيحًا ما نقله فلن نستبعد المعجزات بحق سيد الشهداء، وقد إعتقد بعض العامة ولم يروا بأن في إحدى المرّات وجد دم في بقعة من حرم الحسين...
وحتى ذلك أن حصل فهو لم يكن سنويًا قد إستمر بالظهور ولو كان صحيحاً لذُكر ووُثّق من قبل مئات المؤرخين الذين كتبوا عن كربلاء وعاشوا احداثها، أو ممن
1) مختصر مطالع السعود، ص 76 .
زارها، أو من سَكنتِها على الأقل !! ويمكن أن يكون مؤلف الكتاب قد سمع بموقع (المذبح) الذي يقدس الناس هذا المكان ويعتبرون أن في هذا الموضع ذبح الإمام الحسين روحي له الفدا، فروى من عنده الحادثة لشيء في نفسه.
وأخيرًا نتعجّب من مؤرخ يكتب عن حادثة وقعت في كربلاء وهي غزوة الوهابيين وفي إثناء سرده للواقعة يذكر حوادث مفترات ليست لها علاقة بالحادثة ثم يستمر ويكمل مباشرة ودون إنقطاع واقعة الغزو الوهابي فيقول... «فلمّا بلغ الوزير ما صُنع في كربلاء أمر الكتخدا علي بك أن يخرج بعسكره ويتبعه إلى مقرّ ملكه العارض، فما وصل الهندية حتى نجا سعود على المهرية القود وإلتحق بالقفار والصحارى، فجبن الكتخدا، ولم يمكنه أن يلحقه».
نعزو كل ما تقدم هو ان عثمان بن سند كتب مطالع السعود، ليؤرخ ولاية داود باشا، هذا الوالي المملوكي الطائفي الذي كان يكُنّ العداوةً لمدينة كربلاء بشكل غير طبيعي لوقوف أهالي كربلاء وعصيانهم ضد حكومته، كما سنشرحه في واقعة المناخور. والشيخ أمين بن حسين المدني الحلواني الذي كتب مختصر مطالع السعود كانا يجانبان الحق في بعض المواقع لأغراض مذهبية طائفية لاغير، ووجدنا بين أسطر الكتابين كلمة الروافض ويعنيان بها الشيعة على وجه التحديد.
والأدهى من ذلك نجد محقق كتاب مختصر مطالع السعود والمعلق على حواشيه والواقف على طبعه، والذي يسمي نفسه خادم العلم الشريف (محب الدين الخطيب) يعلق في هامش الصفحة 86 من المختصر على النص التالي لصاحب المختصر الذي يقول عن ابن سعود: «... فأنظر لهذه السياسة التي ملك بها جزيرة العرب أجمع بغیر دراهم ولا دنانير، ولم يفتح معدناً ولا جبى خراجاً، بل كان كلُّ ما يحصله من الدراهم والمغانم في غزواته ومن أثمان المجوهرات التي نهبها من كربلاء ومن الحجرة النبوية كان يدَّخرها ويصرف منها في العمارات وشراء الأسلحة للفداوية (1)التي
1) المقاتلين الذين يلتفون حوله ويقومون بعمليات القتل والسلب ويسميهم بمعنى الفدائيين.
حوله ...»(1).
وجاء تعليق محقق الكتاب (خادم العلم الشريف !! ) في الهامش وفي نفس الصفحة عن ما ينهبه ابن سعود في غزواته، حيث يقول: «وهذه هي سُنّة الإسلام وحكم شريعته في هذه الأمور ».
وكأن من يقتل ويسلب وينهب ويعتدي على الحجرة النبوية (قبر النبي محمد عليه الصلاة والسلام رسول السلام الذي بعثه اللّٰه رحمة للعالمين) وينهب ما فيها، ويقطع عشرات المئات من الأميال ليعتدي على مدينة آمنة ويقتل أهلها ويسلب الأموال ويهدم الدور والأسواق، وينهب كل ما وجد في حرم الحسين (سبط الرسول وريحانته وسيد شباب أهل الجنة ) ويحرق الضريح والحرم المطّهر ويجول بخيله داخل الحرم، ويقتل النساء والأطفال والشيوخ الآمنين، ويُجري أنهارًا من الدماء... ويقول خادم العلم الشريف ( هي سنة الإسلام وحكم شريعته في هذه الأمور)!! ولا يمكن قول المزيد سوى (حسبنا اللّٰه ونعم الوكيل).
يمين الدولة علي خان هو الحاكم السادس من ملوك ( مملكة أودة) في الهند، وقد حكم في مملكته مابين سنة 1213 ه-- 1229ه- / 1798 م - 1814م. وكان ملوك مملكة أودة يهتمون بالعتبات المقدسة في كربلاء خصوصاً، وقد خصصوا أموالاً ترسل إلى كربلاء سنويًا توزع للفقراء وإقامة المشاريع الخيرية في المدينة، وكان لهم وكلاء أربعة من رجال الدين يقومون بهذه المهمة، وإستمروا بإرسال المبالغ إلى منتصف القرن العشرين الميلادي حسب المعلومات المتوفرة لدينا.
1) مختصر مطالع السعود (خمسة وخمسون عاماً من تاريخ العراق) / الشيخ أمين بن حسن الحلواني المدني، ص 86 ، وفي نفس الصفحة الهامش رقم (1) الذي ورد فيه التعليق.
ويبدو أن زيارة ملك أودة يمين الدولة علي خان جاءت بعد حادثة الوهابيين، حيث شاهد ما أصاب المدينة من خراب ودمار فأشفق على حالها، فبذل أموالاً كثيرة وقام بأعمال جليلة حينها.
جاء في بغية النبلاء في تاريخ كربلاء عن هذه الزيارة ما نصّه: « وقد زارها في أوائل القرن التاسع عشر أحد ملوك الهند فأشفق على حالتها وبنى فيها أسواقاً عامرة وبيوتًا قوراء(1)أسكنها بعض من نكبوا وبنى للبلدة سورًا حصينا لصد هجمات الأعداء. وأقام حوله الأبراج والمعاقل ونصب له آلات الدفاع على الطراز القديم وصارت على من يهاجمها أمنع من عقاب الجو. فأمنت على نفسها وعاد إليها بعض الرقي والتقدم» (2).
النص الوارد أعلاه حول سور المدينة الذي شيده يمين الدولة علي خان فيه خلاف، وخاصة إن المؤلف لم يُشر إلى مصدر يؤكد بناء السور من قبل يمين الدولة.
والمشهور أنه بعد غزوة الوهابيين قام السيد علي الطباطبائي (صاحب الرياض) بالإشراف على بناء سور جديد ومنيع للمدينة بأموال أرسلها الشاه فتح علي القاجاري سنة 1217ه- / 1802م مع (2000) شخص من قبائل البلوش ليقوموا ببناء السور وهم مشهورون بخبرتهم في هذا المجال.
فإن يمين الدولة إمّا أن يكون قد زار كربلاء بعد غزوة الوهابيين بمدة وجيزة، فقام بالصرف على ترميم السور المتهالك حينها، ضمن أعماله الخيرية التي قام بها أو قد يكون بدأ ببناء السور لمرحلة، وعندما وردت الأموال إلى السيد الطباطبائي من الشاه القاجاري قام بإكمال بناء السور الذي بقيت منه أجزاء حتى منتصف القرن العشرين، وتداعى بعد ذلك عند توسع المدينة القديمة.
في عام 1218ه- / 1803م إنتشر مرض الطاعون في كربلاء بشكل مخيف، وكان مبدأه سنة 1217ه- ، فيذكر المؤرخون أنه إنتشر في العراق الطاعون في هذه السنة والذي أفنى أهله، وكان ينتقل من بلدة إلى أخرى ومن قرية إلى قرية، وكان نصيب كربلاء من هذا الوباء كثيرًا في سنة 1218ه- ، فمات بسببه من أهلها الكثير، وكان قد سبقه غزو الوهابيين في أقل من سنة وقد مات بسبب الغزو الالاف من الكربلائيين، ثم جاء الوباء، فأي مصيبة حلّت بالمدينة وسكانها لم ينسوا بعد قتلاهم من قبل الوهابيين.
كان علي باشا قد إستلم ولاية بغداد سنة 1217ه- / 1802م بعد وفاة سليمان باشا الكبير، وفي سنة 1218ه- / 1803م جهّز حملة ضد عشائر (العبيد) التي لجا إليها جاسم بيك بن محمد بيك الشاوي بعد أن قُتِلَ والده في حادثة سنجار.
وقاد الوالي الحملة بنفسه ولكنه إنكسر أمام عشيرة العبيد، فإستعد لها ثانية وخرج من بغداد بحملة عسكرية كبيرة في السادس من شهر رجب 1218ه-/ 1803م، وعندما وصل (الدجيل) أحسّت به العشيرة المذكورة وإتجهت نحو (الشامية) في الفرات الأوسط، مما إضطر الوالي علي باشا إلى تغيير إتجاهه والإنحراف نحو الفلوجة. فبقي فيها بعض الوقت وتوجه إلى الشامية ووصل النجف، وفيها علِمَ بأن الوهابيين يحاولون الهجوم على مدن العتبات كربلاء والنجف، فوجّه قوة كبيرة إلى (حصن الأخيضر ) لعلمه بأن الوهابيين أغاروا على كربلاء سنة 1216ه- من طريق البادية الغربية ومنها أغاروا على النجف وفشلوا بعد غارتهم على كربلاء.
عندما وصلت القوة إلى حصن الأخيضر ونزلت بالقرب منه، أخذت ترصد حركات الوهابيين، ومن ثَمَّ علمت القوة بأنهم وصلوا إلى (القطقطانة) في الجهة
الغربية من النجف، فأسرعوا نحوهم فلم يدركوهم، وربما عَلِمَ الوهابيون بعسكر الوالي فعادوا أدراجهم إلى مناطق شبه الجزيرة العربية.
وقد جاء في دوحة الوزراء عن هذه الحملة ما نصّه : « أمّا الوالي فبعد مكوثه حول الفلوجة بعض الوقت عبر الفرات نحو الشامية، وواصل سفره حتى بلغ المشهد(1)وعسكر هناك. ثم قسّم الحملة إلى عدة فرق بما فيهم الكرد والعرب والعثمانيين وجماعة فارس الجربا، وسيّرها نحو جبل شمّر لأنه علم بتجمع الوهابيين هناك، وإنهم يحاولون الإغارة على العراق، ولّما بلغوا قلعة الأخيضر أقاموا بالقرب منها وبثّوا العيون والأرصاد، ثم بلغهم أن الوهابيين وصلوا موقعاً من الجهة الغربية من المشهد يسمّى الطغطغانة (2)، فنهضوا نحوهم، ولّما وصلوا الموقع المذكور لم يجدوا أثرًا للوهابيين، فعادوا من حيث أتوا»(3).
توفي سادن الحسين السيد جواد بن كاظم آل نصر اللّٰه في 3 ذي القعدة سنة 1222ه- / (1807م) وتولى السدانة بعده ولده السيد علي الملقب ب- (الطويل). فقد أصدر والي بغداد (بيولوردي) بتوليه السدانة بعد والده، واستمر في السدانة إلى سنة 1225ه- (4). وقد تم عزله عن السدانة بدواعي صغر سنّه فقد كان شابًا حينها
1) المشهد يطلق على مدينة النجف، تيمناً بمشهد (مرقد) الإمام علي بن أبي طالب ( عَلَيْهِ السَّلامُ).
2) الصحيح هي (القطقطانة) القريبة من العُذيب وخفّان في البادية المقابلة للحيرة.
3) دوحة الوزراء في تاريخ وقائع بغداد الزوراء : الشيخ رسول الكركوكلي، ترجمة موسى كاظم نورس، ص 225 - ص 226 .
4) نحتفظ باستشهاد لبستان في (أم العكاريك) مؤرخ في 2 ربيع الثاني سنة 1224 ه- موقعًا بختمه عليه مع بعض وجهاء المدينة على أعلى الورقة من جهة اليسار (وأنا الأقل علي الطويل كليتدار الإمام الحسين).
ولم يرق لكبار السن ذلك!، ففي سنة 1224ه- سافر السيد محمد علي بن عباس بن نعمة اللّٰه آل طعمة إلى إيران وتمكن من مقابلة شاه إيران (فتح علي القاجاري) حاملاً معه رسالة إلى الشاه من العلامة السيد علي الطباطبائي (صاحب الرياض) راجيًا فيها التوسط لدى الباب العالي بإسناد سدانة الحسين للسيد محمد علي، ومن إيران توجه إلى الإستانة حاملاً طلبًا موجها إلى الباب العالي مشفوعاً بتوسط شاه إيران، وبقي الأمر لعدة أشهر وبعدها أبلغ الصدر الأعظم والي بغداد (عبد اللّٰه باشا) بموافقة عزل السيد علي من السدانة وإناطتها إلى السيد محمد علي بن عباس طعمة أصدر الوالي بيولردي مؤرخا في 18 رجب 1225ه- (1)(1810م).
بعد وفاة الشيخ علي عبد الرسول لم يستلم السدانة أحد من اعقابه على ما يبدو، وذكرت المصادر ان الشخص الذي تولى السدانة هو ( عبد الجليل) ولم يذكر أحد ترجمته واسمه الكامل وهل كان من السادة العلويين أم كان من العامة، وكل ما عرف عنه هو انه كان سادنًا عام 1224ه-/ (1809م)، وتذكر المصادر أن توقيعه وختمه ظهر في بعض الوثائق بعد سنة 1225ه- بأنه: (عبد الجليل كليدار العباس السابق)، ويذكر مؤلف كتاب مرقدي الحسين والعباس أنه شاهد توقيعه في وصية السيد حسين النقيب (نقيب الأشراف) مؤرخة في 25 ذي القعدة سنة 1247ه- تقرأ: (عبد الجليل کلیدار العباس السابق).
1) من وثائق مكتوبة من قبل المرحوم السيد محسن السيد علي الطويل آل نصر اللّٰه التي كان يحتفظ بها المرحوم السيد باقر بن كاظم بن صالح آل نصر اللّٰه الملقب (أبو مناذر) والتي عادت بعد وفاته لابن أخيه السيد كاظم بن محمد علي بن كاظم آل نصر الله الملقّب ب- (بالسيد كاظم الشرع)، أطلعني عليها في ديوان سدانة الروضة الحسينية يوم 18 شباط 1994م.
ويبدو انه لم يستمر في السدانة سوى سنة واحدة تقريبًا، وربما يكون قد عُزل عن السدانة، أو لوجود حوادث في ذلك الوقت كانت سبب في توليه السدانة وعزله منها، حيث لم نجد بعد بحث طويل أي مصدر يبحث أكثر مما أوردناه آنفاً.
في سنة 1225 ه- / (1810م) تولّى السيد محمد علي بن درويش بن محمد بن حسين بن ناصر بن نعمة اللّٰه بن ثابت (الجد الأعلى للسادة آل ثابت في كربلاء) بن سلطان كمال الدين (نقيب الأشراف) سدانة الروضة العباسية بعد السادن السابق (عبد الجليل) الذي خرج من السدانة سنة 1225ه- . وبقي السيد محمد علي سادنًا للعباس حتى وفاته سنة 1231ه- / 1816م(1).
في رجب من سنة 1225 ه- تولّى السيد محمد علي بن عباس بن نعمة اللّٰه بن يحيى بن خليفة بن نعمة اللّٰه بن طعمة (الثالث) بن علم الدين، سدانة الروضة الحسينية بعد عزل السيد علي الطويل آل نصر اللّٰه منها . إستمر السيد محمد علي في السدانة لغاية سنة 1237ه- / (1822م) عندما عيّنه الوالي داود باشا معاونًا لحاكم كربلاء (علي أفندي)، وقد فضّل السيد محمد علي منصبه الجديد على السدانة للأسف ضمن فترة الفوضى التي كانت تسود كربلاء قبل واقعة المناخور.
1) من وثائق المرحوم السيد محمد سعید آل ثابت.
في سنة 1229ه- / 1814م وفي أيام ولاية والي بغداد (سعيد باشا)(1)، أعلنت عشائر الأعراب في الفرات الأوسط والبادية الغربية العصيان على الحكومة وهم الخزاعل وزُبيد وشمّر وآل الظفير. فقد إمتنعوا عن دفع الخراج للحكومة وأخذوا يقطعون السبل، ويمنعون الناس سفرهم وكذلك على زائري العتبات المقدسة من الأجانب وخاصة الإيرانيين الذين يتنقلون من بغداد إلى كربلاء ثم النجف ويعودون
على خط مسيرهم هذا.
ولمعاداتها لحكم المماليك إنتهزت هذه العشائر الفرصة وحاصرت أربعين ألف زائر إيراني، من بينهم حرم الشاه في كربلاء (2)وقسم منهم كان قد وصل مدينة النجف ولم يتمكن من الرجوع. وعندما بلغ الخبر والي بغداد سعيد باشا بحصار العشائر لمدينة كربلاء، حاول جاهدًا وأرسل بعض القوات لمقاتلة العشائر ولكنه عجز عن إنقاذ الزوّار الإيرانيين في كربلاء ومعهم زوجة شاه إيران من بطش العشائر العربية.
ولا شك أن الوزير (الوالي) قدّر النتائج السياسية الخطيرة المترتبة على ما یصیب هؤلاء الزوار من أذىً ونهب في وقت كانت فيه الدولة القاجارية تتطلع بشغف إلى العراق، شأنها في ذلك شأن حكومات إيران السابقة خصوصاً أن العلاقات العثمانية الإيرانية أصبحت تنذر بالخطر لإخفاق المفاوضات التي كانت جارية بين البلدين. ولأن الباب العالي عقد الصلح مع روسيا على غير رغبة إيران سنة 1812م
1) إستلم سعيد باشا وهو ابن سليمان باشا الكبير ولاية بغداد سنة 1228ه- / 1813م، وهو من ولاة المماليك، ودامت ولاية سعيد باشا إلى سنة 1231ه- / 1816م ، وخاض سعيد باشا نزاعاً مع صهره داود باشا حول السلطة، وحدثت نتيجة ذلك معارك وحروب وأزمات إقتصادية ألقت بظلالها على العراق من شماله إلى جنوبه، وكان سعيد باشا واقعاً تحت تأثير والدته وشيخ المنتفك، وبعض الأعوان المسيئين، لا هياً غير مبالٍ بما يحدث، وقد تم إغتياله أمام والدته، وإستلم بعده الوالي داود باشا وهو آخر الولاة المماليك الذي كان ينصب العداء لمدينة كربلاء وحدثت في زمانه واقعة المناخور فيها.
2) مختصر مطالع السعود: طبعة القاهرة ص 120 .
(1227 ه-)، ولذا كانت إيران بالمرصاد للعراق، فيكون ما يصيب الزوار حجة قوية لتدخل إيراني عنيف. «والحق أن الوزير (سعيد باشا) لم يتحرك لعلاج المشكلة إلّا بعد أن ساءت الأمور وضج أهل العقد والحل في بغداد من تقاعسه عن إنقاذ الزوار، فطالبوه بإتخاذ تدابير حاسمة لإنقاذ سمعة الباشوية ولتوطيد الأمن حتى تظل سيول الزوار متدفقة على العراق. وتلفت الوزير حوله فلم يجد من بين أصفيائه من له جلد لمثل هذه المشكلات. فإلتفت إلى داود (1)وعهد إليه بقيادة الحملة الموجهة لإنقاذ المحاصرين وتأديب المتمردين ولإقالة سمعة الباشا من عثرتها...» (2). فتولى داود باشا المهمة التي أسندت إليه بكل إهتمام، فعبأ القوة الكافية وزحف بها إلى كربلاء (3).
ومما تقدم فإن سبب ثورة العشائر وحصارها لكربلاء ومدن أخرى هو العشائر كانت تعاني من إنتشار الفساد الإداري وغياب العدالة، وقد شجعها على التمرد والثورة ضد حكومة المماليك هو فشل وخذلان الوالي سعيد باشا في مهاجمة الخزاعل وعودته إلى بغداد من دون أن يحصل على شيء وهو الأمر الذي أثّر على سمعته وسمعة حكومة المماليك . وعندما ثارت في الفرات الأوسط عشائر الخزاعل وزبيد على الحكومة وقطعت الطرق وتعرضت للقوافل ومحاصرة كربلاء والزائرين فيها، وعدم تدخّل الحكومة بسرعة فشمل هذا التمرد عشائر أخرى مثل شمّر الجربا
1) كان داود باشا حينها بمنصب (الدفتردارية) لا بمنصب الكتخدائية كما يقول مؤلف مطالع السعود، ومنصب الدفتر دار أقل من منصب الكتخدا الذي هو بمقام نائب الوالي أو الشخص الثاني في الولاية بعد الوالي. وعدم إختيار الوالي سعيد باشا لداود في هذا المنصب هو سبب العداء بين الإثنين والذي فقد سعيد باشا بسببه الولاية مما دعا السلطان لعزله وتولية داود باشا الذي كان ملتزم من قِبل خالد أفندي الموجود عند الباب العالي والذي كان مسؤولاً عن شؤون ولاية بغداد والعراق بأجمعه، وفي النتيجة تم قتل سعيد باشا ودخل داود باشا بغداد منتصراً وبيديه فرمان الولاية من السلطان.
2) داود باشا والي بغداد: د. عبد العزيز سلیمان نوار، ص59.
3) المصدر السابق، ص 98 ، ومطالع السعود، ص 403 - ص 404 . ودوحة الوزراء، ص 263 - ص 264. وكتابنا الحوادث والوقائع في تاريخ كربلاء وفيه التفصيل.
والظفير، وبذلك إنتشرت الفوضى. كما أن تحرك الحكومة لإنهاء الفوضى لم يكن يخلو من تدخل الحكومة الإيرانية وضغطها وإتصالاتها.
ورغم دخول الجيش الذي قاده داود باشا لفك الحصار عن كربلاء، وتمكنه من إنهاء تمرد وعصيان العشائر بالسياسة والحرب مما إضطر العشائر الثائرة إلى إعلان الخضوع لحكومة الوالي، وقد أعتبر ذلك نصرًا لداود باشا وليس للوالي وقد أخذ الأدباء والشعراء والطبقة القريبة من داود بمدحه كما يُمدح الملوك، مشيرين إلى عجز الوالي عن تحقيق هذا النصر لولا داود، فقد قال أحدهم وهو رسول حاوي الكركوكلي صاحب دوحة الوزراء بحقه:
أمدبرًا قطر الممالك بعد ما*** عجزت ولاة الأمور عن تدبيرها
رغم ذلك كلّه بقي الحال في كربلاء تحيطه الفوضى وغياب سلطة الدولة عنها عدة سنوات لإنشغال الوالي بخلافاته وحروبه فيما بعد مع صهره داود باشا، فلم يسع المجال للحكومة أن تقوم بأي تغيير على الوضع السائد في كربلاء التي بقيت تحكم نفسها بنفسها.
منذ سنة 1227ه- / (1812م) كانت الإدارة في العراق في أسوأ حالاتها، حيث الصراع على المناصب كان على أشدّه فالإهتمام كان منصباً على من يثبت قدمه في مقدمة السلطة في بغداد، وفي هذه الحالة أفتقدت مدن كثيرة في العراق حماية الحكومة وتقديم الخدمات، ومن هذه المدن كانت كربلاء. ورغم أهميتها وقدسيتها فلم تلتفت عناية الحكومة لها.
كما أن عشائر الوسط والجنوب قد أضعفت الحكومة بحركاتها، حتى تمادت العشائر بالضغط على الحلة وكربلاء والنجف، بل وقامت بمحاصرة الزوار الإيرانيين. وكان لكل ذلك تأثير كبير على كربلاء كمدينة.
نتيجة سوء إدارة حكومة المماليك في أيام والي بغداد (سعيد باشا) والتي شملت بظلالها مدينة كربلاء التي بدأت تعاني من الإهمال وسياسة الفساد التي كانت تعم الأرجاء، وتجبّر حاكم المدينة أمين أغا ترك، وسوء معاملة جنود الحامية العسكرية في كربلاء وقيامهم بأخذ الأتاوات من الأهالي، ونتيجة حركات العشائر في الفرات الأوسط ونشاطها المسلح ضد سلطة المماليك قبل إعلان هذه العشائر العصيان والتمرد على الحكومة. فقد تأثرت مدينة كربلاء حينها بكل ما كان يجري فيها وحواليها فقد أقدم الأهالي بإتخاذ خطوة للتخلص من الوضع المتردي عندما رأوا
ضعف الحكومة بأن يحكموا مدينتهم بأنفسهم وطرد الحاكم والحامية العسكرية المتواجدة فيها، فقد شكّل رؤساء المدينة من الأعيان ورؤساء المناطق وساعدهم بعض رجال الدين الكبار على إتخاذ قرار ينقذون به المدينة وتخليصها من سوء إدارة الحكومة وضبط الأمن.
فتشكلت لجنة من نقيب الأشراف في المدينة السيد مرتضى بن محمد علي النقيب والسيد محمد علي بن عباس بن نعمة اللّٰه آل طعمة والسيد محمد علي بن درويش آل ثابت، ومعهم رؤساء مناطق المدينة لإدارة شؤون البلدة.
كان هذا الإجراء محل استهجان حكومة والي بغداد (سعيد باشا) الذي كان في بداية حكمه، وقد وجّه إهتمامه بإنهاء عصيان عشائر الفرات الأوسط، وقد أجّل إجراءاته على كربلاء إلى حين توفر الفرصة المناسبة لذلك.
في هذه الفترة ورغم الخطوات التي إتخذها الأهالي، كانت المدينة تعيش في حالة غير مستقرة لغياب سلطة الدولة المركزية وظهور الخلافات بين الرؤساء.
كانت الخلافات الإيرانية - العثمانية المستمرة تلقي بظلالها على الإيرانيين الذين يتواجدون في كربلاء المقيمون والزوار والتجار. وكانت الدولة العثمانية بكل مراحل سيطرتها على العراق تعير لهذا الموضوع أهمية بالغة لإعتقادها بأن حكومات إيران المتعاقبة من الصفويين إلى نادر شاه ومن ثَمَّ القاجاريين وجميعهم إصطدموا بالعثمانيين بحروب أو إحتلالات أو التآمر للتأثير وإيجاد وضع غير مستقر في العراق وخاصة في مدن العتبات الشيعية المقدسة، أو تحريض عشائر الوسط والجنوب لإعلان التمرد والعصيان.
كانت إيران تتخذ من ذلك ذرائع جلّها مذهبية، والحقيقة هي سياسية لإدامة الصراع مع الدولة العثمانية. ولم تكن الدولة العثمانية غافلة عن ذلك، فأصبح الأمر عندها ذا أهمية بالغة وخاصة منذ بداية القرن التاسع عشر الميلادي الذي زاد فيه تدخل الدولة الإيرانية بشؤون العراق بحجة المحافظة على العتبات المقدسة ونصرة المذهب!
كان ملوك إيران يشجعون رجال الدين والعلماء للإنتقال إلى مدن العتبات بحجة الدراسة الحوزوية أو مجاورة قبور أئمة أهل البيت عليهم السلام. وكان هؤلاء يستقرون في مدن العتبات وأصبح لهم تأثير على الواقع وخاصة في مدينة كربلاء، فتأسست منهم أسر وكان لهم نصيب وافر من التصرف بحرية وطالما تدخل الكثير منهم من خلال موقعهم العلمائي في شؤون المدينة وأحداثها.
كما أن آلاف الزوار الإيرانيين الذين كانوا يفدون إلى المراقد الطاهرة نجد قسمًا منهم يفضل البقاء في كربلاء مثلاً بحجة الرغبة بمجاورة قبر الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ويُعتبرون من رعايا إيران ولا يشملون كبقية السكان الذين يخضعون إلى القوانين العثمانية بإعتبار أن العراق يخضع لحكم الدولة العثمانية.
وهناك من كان يأتي من التجار بحجة الزيارة والتجارة في نفس الوقت، وهؤلاء يستغلون زيارة المراقد في المناسبات العديدة ويقوم بأعمال التجارة أيضاً أو يتخذ من الزيارة للإنتقال فيما بعد بتجارتهم إلى الغرب مثل تجارتهم مع الشام.
وفي بداية القرن التاسع عشر الميلادي والقرن الثالث عشر الهجري كثُرت حالات لجوء الإيرانيين إلى كربلاء وكان منهم عدد من أمراء السلطة الحاكمة، فكانت الدولة العثمانية ترحب بهم بإعتبارهم معارضين للحكومة الإيرانية وتتكفل بدفع رواتب لهم وتسهيل إجراءات الإقامة لهم.
بالإضافة إلى قدوم قوافل الجنائز من إيران لدفنها في النجف أو كربلاء، وكانت هذه عادة لكثير من الإيرانيين حيث يوصون ذويهم بذلك.
ولا يغيب عن بالنا بأن أعداد من الإيرانيين يرسلون إلى العراق لغايات سياسية محضة بحجة الزيارة وباطنها لإغراض أخرى تصب في موضوع الصراع الدائم بين الدولتين. ومن هؤلاء كان يأتي بزي المتسولين وحتى لا يشملون بالضرائب.
رغم أن تعليمات الدولة العثمانية كانت شديدة وصريحة بإتخاذها إجراءات تصل في أيام تصاعد الصراع بين الحكومتين إلى التشدد والعرقلة وفرض الرسوم والضرائب على القادمين إلى العراق من الإيرانيين، وحتى أن الدولة الإيرانية منعت في بعض الأوقات رعاياها من زيارة العراق بحجة شدة الإجراءات المتخذة ضدهم.
كانت معاهدة أرضروم الأولى الموقعة بين الدولتين سنة 1823م قد عالجت الكثير من المشاكل التي تخص الزائرين والرعايا الإيرانيين، إلّا أن شكاوى الزوّار كانت متواصلة بسبب كثرة الرسوم والضرائب التي تجبى منهم، ومن سوء المعاملة التي يتلقونها من موظفي الحدود أو عند عبور الأنهار والجسور، وكان الأهم في شكواهم هو إنعدام الأمن في مناطق سيرهم ونزولهم في الطريق إلى العتبات المقدسة، وكان ريب الإيرانيين أن الإجراءات المشددة على زوّار كربلاء تطبق في الفترات التي تضطرب فيها العلاقات بين الدولتين (1).
كانت تبريرات الحكومة العثمانية بأن سوء استعمال الموظفين لوظائفهم سبب مثل هذا الإشكال والحقيقة أن الدولة العثمانية كانت تتخوف من تحريض الأهالي الشيعة ضدها، أو عمل دعاية ضد الدولة العثمانية. ففي معاهدة 1823م حاولت الحكومة العثماني تخفيف معاناة الزوار بعد دراسة المشاكل التي عرضتها إيران.
فيما تقدم ورغم إجراءات الحكومة العثمانية إزدادت أعداد المقيمين في كربلاء، وقد أثّر ذلك على النسيج الإجتماعي في المدينة بل تعدى ذلك إلى الجوانب الإقتصادية والسياسية وحتى الثقافية، وقد تأثرت كربلاء بذلك كثيرًا.
1) كربلاء في الأرشيف العثماني: ديلك قايا، ص 242 إلى ص 246 .
إنّ نوع التأثير الكبير من قِبل الإيرانيين في المجتمع الكربلائي أحدث فجوات عديدة لا يمكن ردمها بسهولة، فقد إختلط الإيرانيون بالأهالي، وأخذت حالات المصاهرة بينهم تزداد.
ولأن المجتمع الكربلائي هو مجتمع عشائري عربي، فقد أخذ الكثير من الإيرانيين الإندماج ببعض العشائر العربية في المدينة، وتطور الأمر إلى أنهم بدأوا ينتسبون لتلك العشائر، ولم يكن رؤساء تلك العشائر غافلين عمّا يحدث، بل قبل البعض منهم انتماء هؤلاء إليهم لحاجات مختلفة منها زيادة العدد، أو النصرة في فترة الخلافات المناطقية التي طالما كانت تحدث في كربلاء، أو لغرض التمويل والمشاركة في المناسبات والفصول العشائرية وغيرها.
أحدث ذلك خرقًا كبيرًا في المجتمع الكربلائي، فبدأت تسود المفردات الإيرانية في لغة التخاطب العامة من جهة، ومن جهة ثانية نشأت عادات وتقاليد غريبة عن مجتمع المدينة العربي. وأمور أخرى يطول شرحها، إلى أن تطور الأمر لزامًا بوجوب معرفة وإتقان الكثير من أهالي المدينة اللغة الفارسية للتخاطب والتعامل التجاري وخاصة مع الزوّار الإيرانيين.
وقد ذكرنا في هذا الكتاب أن الحكومة العثمانية كانت تمنع في كثير من الأحيان طلبات الإيرانيين الخاصة بتعمير العتبات، حيث كانوا يعتبرونها من الحجج التي يتخذونها للإقامة في المدينة.
وعلى مدى الأزمان المتعاقبة نجد مشكلة الإيرانيين في كربلاء ومدن العتبات قائمة ولحد الان، وقد أخذت مداها الأقصى خاصة في السنوات التي عشناها ونعيشها الآن.
تولى السيد ثابت بن درويش بن محمد بن حسين بن ناصر بن نعمة اللّٰه بن ثابت بن النقيب سلطان كمال الدين سدانة الروضة العباسية سنة 1231ه-/ (1816م) بعد وفاة شقيقه السيد محمد علي بن درويش آل ثابت، وإستمر في السدانة لحين وفاته قبل مقتل فتح اللّٰه خان بشهر واحد.
كانت المدينة وزعماؤها يتهيأون لمواجهة داود باشا، فقام السيد حسين(1)بن حسن بن محمد علي بن موسى من آل السيد يوسف الذي كان يطمع بالسدانة أصلاً برفع طلب إلى الوالي ليستلم السدانة، ولم يحظَ بها (2).
1 - تاريخ الدولة العلية العثمانية / محمد فريد بك. تحقيق إحسان حقي – دار النفائس ط 1 1401ه- / 1981م. بيروت، لبنان.
2- كلشن خلفا/ نظمي زادة مرتضى أفندي - نقله للعربية موسى كاظم نورس. ساعد المجمع العلمي العراقي على نشره. مطبعة الآداب – بغداد.
3- العراق بين سقوط الدولة العباسية وسقوط الدولة العثمانية / السيد عبد الأمير الرفيعي، ج 1 وج 2 دار الفرات - بيروت سنة 2002 و 2005م. وج 3 وج 4 دار العارف للمطبوعات. بيروت 2010.
4 - تحفة النظّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار (رحلة ابن بطوطة)/ ابن بطوطة الطنجي. تحقيق الدكتور محمد مصطفى زيادة.
5- الرسالة الأحمدية في تاريخ الطريقة البكتاشية / أحمد سري دده بابا – طبع القاهرة سنة 1959.
6 - أربعة قرون من تأريخ العراق الحديث / ستيفن همسلي لونكريك. ترجمة جعفر الخياط، ط 6 بغداد - 1985م.
7- تاريخ العراق بين إحتلالين / المحامي عباس العزاوي. ط1، مطبعة بغداد.
8- منازل سفر العراقين للسلطان سليمان خان (رحلة مطراقي زادة)/ نصوح أفندي السلاحي الشهير بمطراقي. ترجمة صبحي ناظم توفيق، تحقيق الدكتور عماد عبد
السلام رؤوف - طبع في أبو ظبي بالإمارات العربية المتحدة، سنة 2003م.
9- كربلاء في أدب الرحلات / السيد عبد الصاحب ناصر آل نصر اللّٰه، ط 1 مؤسسة البلاغ - بيروت، 1434ه- / 2013م.
10 - مباحث عراقية / يعقوب سركيس، ط 1 شركة التجارة والطباعة المحدودة، ج 1 طُبع في بغداد سنة 1367 ه- / 1948م، وج 2 سنة 1374ه- / 1955م.
11 - تحفة الأزهار وزلال الأنهار في نسب أبناء الأئمة الأطهار/ ضامن بن شدقم الحسيني المدني، تحقيق كامل سلمان الجبوري، ط 1 طهران - 1420ه- / 1999م.
12 – مدينة الحسين/ محمد حسن مصطفى الكليدار. مطبعة تموز. كربلاء.
13 - موارد الإتحاف في نقباء الأشراف/ السيد عبد الرزاق كمونة. مطبعة الآداب في النجف الأشرف، 1388ه- / 1968م.
14 - فضولي البغدادي / د. حسین علی محفوظ - طبع بغداد - سنة 1378 ه- / 1958م.
15 - طبقات أعلام الشيعة (الكواكب المنتثرة في القرن الثاني بعد العشرة)/ الشيخ آغا بزرك الطهراني، دار إحياء التراث العربي - ط 1 بيروت 1430ه- / 2009م.
16 - مجالي اللطف بأرض الطف / الشيخ محمد طاهر السماوي – إصدارات العتبة العباسية المقدسة 1432ه- / 2011م.
17 - الأسر الحاكمة ورجال الإدارة والقضاء في العراق في القرون المتأخرة/ الدكتور عماد عبد السلام رؤوف. بغداد، 1992م.
18 - دائرة المعارف الحسينية (تاريخ المراقد)/ الشيخ محمد صادق الكرباسي. المركز الحسيني للدراسات - لندن.
19 - تراث كربلاء/ سلمان طعمة - ط 1 مؤسسة الأعلمي، مطبعة الآداب. النجف، سنة 1383ه- / 1964م.
20 - تكملة أمل الآمل / للإمام السيد حسن الصدر، تحقيق د. حسين علي محفوظ وعبد الكريم الدباغ وعدنان الدباغ، دار المؤرخ العربي، بيروت. ط 1 - 1429ه- / 2008م.
21 - بغية النبلاء في تاريخ كربلاء/ عبد الحسين الكليدار – تحقيق عادل الكليدار، مطبعة الرشاد - ط 1 بغداد.
22 - الحوادث والوقائع في تاريخ كربلاء/ عبد الصاحب ناصر آل نصر اللّٰه. ط1 مؤسسة البلاغ، بيروت سنة 2014 م.
23 - أمراء مكة في العهد العثماني/ إسماعيل حقي وزون – ترجمة خليل علي مراد.
24 - العراق في العهد العثماني (دراسة في العلاقات السياسية 1700 – 1800م)/د. علاء نورس. دار الرشيد للنشر - وزارة الثقافة والإعلام، بغداد.
25 - خمسة وخمسون عاماً من تأريخ العراق 1188ه- - 1242ه- (مختصر مطالع السعود)/ أمين بن حسن الحلواتي المدني. تحقيق محب الدين الخطيب، المطبعة
السلفية، القاهرة 1371ه- / (1951 1 م).
26 - موسوعة العتبات المقدسة - قسم كربلاء - / جعفر الخليلي. دار التعارف – بغداد ط 1 سنة 1386ه- / 1966م.
27- تاريخ مرقد الحسين والعباس/ سلمان هادي طعمة. مؤسسة الأعلمي، بيروت – 1996م.
28 - خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر / محمد أمين بن فضل اللّٰه المحبّي. مكتبة الخياط، بيروت.
29 - موجز تاريخ الشرق الأدنى / نعيم فرح. دار الفكر - بيروت.
30- حضارة العراق / نخبة من الباحثين العراقيين - بغداد - سنة 1985 م
31-تاريخ كربلاء وحائر الحسين / د. عبد الجواد الكليدار. مطبعة المعارف – بغداد سنة 1368ه- / 1949م.
32- لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث/ د. علي الوردي، دار الرشد – بيروت – ط 2 1426ه-/ 2005م.
33 - تاريخ الشيعة السياسي الثقافي الديني/ العلامة سليمان ظاهر، عضو المجمع العلمي العربي بدمشق. تحقيق عبد اللّٰه سليمان ظاهر- مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت – 1422ه-/ 2002م.
34- صور من تاريخ العراق في العصور المظلمة / جعفر الخياط، ط1 بغداد سنة 1971م.
35- تاريخ الامة العربية (عصر الانحدار) محمد أسعد طلس. دار الأندلس – بيروت – 1963م.
36- تاريخ الشعوب الإسلامية / د. عبد العزيز سليمان نوار. دار النهضة العربية. بيروت – 1973م.
37- كربلاء في المراجع الغربية/ جعفر الخياط. في بحث ورد في موسوعة العتبات - قسم كربلاء عن رحلة (بيدرو تكسيرا) لكربلاء.
38 - المنجد في اللغة. دار المشرق - بيروت. ط39 سنة 2002م.
39- الروض المعطار في تشجير تحفة الأزهار / تقديم وتشجير كامل سلمان الجبوري، بإشراف مركز نشر التراث المخطوط، ط 1 طهران، سنة 1420ه- / 1999م.
40 - تاريخ الحلة/ الشيخ يوسف كركوش الحلي، منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها في النجف. ط 1 1385 ه- / 1965م.
41 - تاريخ الإمبراطورية العثمانية / جوزيف فون هامر.
42 - حديقة الزوراء في سيرة الوزراء/ عبد الرحمن السويدي، تحقيق د. صفاء خلوصي - مطبعة الزعيم، بغداد 1962م.
43 - ديوان السيد نصر اللّٰه الحائري / نشره وعلق عليه عباس الكرماني. مطبعة الغري الحديثة في النجف - 1373ه- / 1954م.
44- غاية المرام في تاريخ محاسن بغداد دار السلام/ الشيخ ياسين خير اللّٰه العمري - طباعة دار منشورات البصري - بغداد 1388 ه- / 1968م.
45 - عشائر العراق/ عباس العزاوي. الدار العربية للموسوعات - بيروت - 2005م.
46 - تاريخ العراق في العهد العثماني/ علي شاكر علي، ط 1 سنة 1985 – مكتبة 30 تموز، نینوی.
47 - أدب الطف أو شعراء الحسين/ السيد جواد شبّر - منشورات دار العلمي للمطبوعات، ط 1 سنة 1969م.
48- روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات/ الميرزا محمد باقر الخوانساري. دار إحياء التراث العربي، بيروت ط 1 / 1431ه- / 2010م.
49 - شهداء الفضيلة/ الشيخ عبد الحسين الأميني- مؤسسة الوفاء، ط2 بيروت – 1983م.
50 - نشق الأزهار في عجائب الأمصار / محمد بن أحمد بن إياس. (مخطوط) سنة 922ه-.
51 - نزهة الجليس ومنية الأديب النفيس/ السيد عباس الموسوي الحسيني المكي، طبعة مصر سنة 1293ه- / 1876م.
52 - الرحلة العراقية (كشط الصدأ وغسل الرّان في زيارة العراق وما والاها من البلدان)/ الشيخ مصطفى الصدّيقي الخلوتي الدمشقي – تحقيق السيد ميعاد شرف الدين الكَيلاني - ط 1 ، دار الكتب العلمية، بيروت سنة 1433ه- / 2012م.
53- دوحة الوزراء في تاريخ وقائع بغداد الزوراء/ الشيخ رسول الكركوكلي، نقله إلى العربية موسى كاظم نورس، دار الكتاب العربي – بيروت، ومكتبة النهضة – بغداد.
54 - ورود حديقة الوزراء بورود وزارة مواليهم في الزوراء/ الشيخ محمد سعيد بن عبد اللّٰه السويدي، تحقيق د. عماد عبد السلام رؤوف، دار الزمان – دمشق – ط 1 سنة 2012م.
55- ماضي النجف وحاضرها/ الشيخ جعفر الشيخ باقر آل محبوبة، ط2 مطبعة الاداب في النجف، 1378ه- / 1958م.
56 - رحلة نيبور الكاملة إلى العراق/ كارستون نيبور، ترجمة سعاد هادي العمري ومصطفى جواد ومحمود حسين الأمين. مراجعة وتعليق وتقديم سالم الآلوسي - ط 1 دار الورّاق – 2012م، بيروت.
57 - كربلاء في الأرشيف العثماني/ ديلك قايا - ترجمة سعيد منتصر و مصطفی زهران، الدار العربية للموسوعات، بيروت ط 14281ه- / 2008م.
58- داود باشا والي بغداد/ د. عبد العزيز سليمان .نوار دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة – 1388ه- / 1968م.
59 - تاريخ المماليك (الكوله مند) في بغداد/ سليمان فائق بك. ترجمه إلى العربية محمد نجيب أرمانزي. مراجعة وتقديم د. طالب البغدادي، دار ضفاف- ط 1
سنة 2012م.
60 - الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة / العلامة الشيخ يوسف البحراني. تحقيق محمد علي تقي الإيرواني - ط 2 المصححة - دار الأضواء، بيروت – لبنان سنة 1985م.
61 - لؤلؤة البحرين في الإجازات وتراجم رجال الحديث/ العلامة الشيخ يوسف البحراني. تحقيق وتعليق السيد محمد صادق بحر العلوم – ط1 سنة 2008م / 1429ه-، دار الأضواء- بيروت - لبنان، منشورات مكتبة فخراوي.
62- داود باشا ونهاية المماليك في العراق / الدكتور يوسف عز الدين – منشورات دار البصري، ط 1 سنة 1386 ه- / 1967م بغداد.
61 - تحفة العالم في شرح خطبة المعالم/ السيد جعفر بحر العلوم. تحقيق أحمد علي مجيد الحلي. ط 1 سنة 1433ه- منشورات مركز تراث السيد بحر العلوم - النجف الأشرف - العراق.
64 - نهج الحق وكشف الصدق/ العلامة الحلّي.
65 - رحلة أوليفيه إلى العراق (1794 - 1796م) / ترجمة الأب يوسف حبّي، من مطبوعات المجمع العلمي العراقي سنة 1408ه-/ 1988م، بغداد.
66- بغداد مدينة السلام ريجارد كوك، نقله إلى العربية وترجمه الدكتور مصطفى جواد وفؤاد جميل، ط 1 سنة 1387ه- / 1967م، مطبعة شفيق، بغداد.
67- غرائب الأثر في حوادث ربع القرن الثالث عشر / ياسين العمري - طبع الموصل، 1940م.
68 - تاريخ جودت/ أحمد جودت، ط 1 إسطنبول، 1302ه-/ 1885م.
69 - بيوتات كربلاء القديمة / عبد الصاحب ناصر آل نصر اللّٰه-مؤسسة البلاغ، بيروت – ط 1 سنة 1432ه- / 2011م.
70- أعيان الشيعة / العلامة السيد محسن الأمين، دار التعارف للمطبوعات، بيروت.
71- مآثر الكبراء في تأريخ سامراء/ الشيخ ذبيح اللّٰه المحلاتي. منشورات المكتبة الحيدرية - ط 1 سنة 1426ه-.
72- عنوان المجد في أحوال بغداد والبصرة ونجد/ إبراهيم فصيح الحيدري البغدادي، تحقيق معن حمدان علي. صادر عن (مصر مرتضى) للكتاب العراقي، بغداد 1434ه- / 2013م.
73- تسخير كربلاء (غدير دم) / السيد عبد الرزاق الحسني. مطبعة دار الكتب، بيروت سنة 1398ه- / 1978م.
74- كتاب مسير طالبي / أبو طالب خان. طبع في الهند بالمطابع الحجرية. سنة 1227ه- / 1812م.
75- نزهة الأخوان في وقعة بلد المقتول العطشان/ مؤلف مجهول. (مخطوط)، نسخة مكتبة معهد الدراسات العليا - جامعة بغداد برقم (97).
76 - مذكرات السيد إبراهيم شمس الدين القزويني الخطيّة.
77- مقال في الإنترنيت للسيد حسين بن عبد بن دهش الددة الموسوي، منشور في موقع (أنساب أون لاين) بعنوان (معلومات عن آل الددة الموسوية في العراق).
78- تاريخ العراق السياسي الحديث/ السيد عبد الرزاق الحسني، دار الكتب،بيروت، ط 2 المنقحة، 1377ه- / 1957م.
79- مطالع السعود بطيب أخبار الوالي داود/ عثمان بن سند الوائلي البصري، تحقيق: د. عماد عبد السلام رؤوف، الدار العربية للموسوعات ، ط 1، 2010م/ 4131ه-.
انتهى الجزء الثالث
يتبعه الجزء الرابع بعون اللّٰه
مقدمة الجزء الثالث...7
الدولة العثمانية، نشأتها واحتلالها بغداد...10
تأسيس الجيش الإنكشاري ...12
الطريقة البكتاشية والسلطان أورخان...13
السلطان مراد الأول وتشكيل (السباه)...14
سلاطين آل عثمان لحين الإحتلال العثماني الثاني لبغداد ...15
صراع الدولة العثمانية مع الدولة الصفوية...25
كربلاء في العهد العثماني الأول 941 ه- - 1033ه- . (1534م - 1624م) ...30
إحتلال بغداد من قبل سليمان القانوني...30
السلطان سليمان القانوني وكربلاء ...33
أعمال السلطان سليمان القانوني في كربلاء...36
1 - إعمار مرقد الإمام الحسين (علية السلام) ...37
2- حفر نهر الحسينية وإنقاذ مدينة كربلاء وضواحيها ...37
كربلاء في القرن العاشر والحادي عشر الهجري (أحوال كربلاء بين عهدين)...42
البكتاشية والتكايا الصوفية...49
الطريقة البكتاشية ...49
التكية البكتاشية في الروضة الحسينية ...55
السيد سلطان كمال الدين نقيباً للحائر الحسيني... 58
حقيقة زيارة الوالي إياس باشا لكربلاء ...58
السيد تاج الدین ترجم يتولى نقابة الحائر ...60
هدايا سلطان الدكن لمشهد الحسين (علية السلام)...61
زيارة (سيدي علي رئيس) لكربلاء ...61
مرض الطاعون يضرب كربلاء ...62
وفاة فضولي البغدادي ...63
الشيخ شمس الدين بن شجاع الحائري الأسدي يتولى سدانة الروضتين ...69
زيارة طهماسب الثانية لكربلاء...69
السيد إسماعيل بن سلطان كمال الدين يتولى نقابة الحائر ...70
السيد علم الدين الفائزي ناظراً لأوقاف الحائر الحسيني لدى الباب العالي ...70
الشاه إسماعيل الثاني وكربلاء ... 71
الوالي علي باشا الوند زاده وتعمير مرقد الحسين (علية السلام) ...74
نقل جثامين ورفات بعض المشاهير إلى كربلاء...76
أحد أثرياء مدينة كربلاء يقوم بتعميرات في مشهد الحسين (عليه السلام) ...77
القاضي نور اللّٰه الشوشتري في كربلاء...79
السيد سليمان بن سلطان كمال الدين نقيبا للحائر...80
عودة نقابة الحائر إلى آل فائز ...81
إنحسار مجرى نهر (الحسينية) وسنان باشا يأمر بكرْيِه ...82
العالِم والقاضي (محيطي) يزور كربلاء...83
خانات الزائرين والمسافرين في كربلاء ...84
نزوح قبيلة المسعود ومعركتهم مع الشريف حسن شمال شرق كربلاء ... 86
كربلاء في سنة 1013ه- / (1604م)...87
الأمير ناصر بن مهنا آل قشعم وسيطرته على كربلاء...90
من هو ناصر بن مهنا آل قشعم ...92
الرحّالة ( بيدرو تكسيرا) في كربلاء...101
مدينة المسيب وعلاقتها بكربلاء...106
إنتشار ظاهرة السقائين في الصحنين الشريفين...108
سدانة الحسين تستمر في آل شمس الدين الحائري الأسدي ...110
محمد بن نعمة اللّٰه سادنا للعباس (عليه السلام)...112
الرحالة بيترو ديلا فاله في كربلاء وضواحيها ...112
نقيب أشراف العراق السيد محمد درّاج آل زحيك يتولى نقابة الحائر...113
جيش من القزلباش يدخل كربلاء سرّاً...114
كربلاء في العهد الصفوي الثاني 1033ه- - 01048ه- 1623 م - 1638م ...116
الإحتلال الصفوي الثاني لبغداد...116
الشاه عباس الكبير وزيارته للكربلاء ...123
أعمال الشاه عباس في كربلاء عند زيارته لها...124
تولّي السيد محمد الدراج سدانة الحسين (عليه السلام) ...125
زيارة الشاه عباس الثانية لكربلاء...127
نظمي البغدادي في كربلاء ...128
حقيقة زيارة الشاه عباس الثالثة لكربلاء...129
محاولات الدولة العثمانية لاسترجاع بغداد من سيطرة الصفويين...132
متولى العتبات المقدسة سارو سلطان بيكرلي والأمير أبو القاسم سلطان استاجلو حاكماً على كربلاء والنجف ...138
كربلاء والشاه صفي الدين الصفوي...139
هلْ زار الشاه صفي الدين كربلاء وعمّر المرقد الحسيني؟ ...140
سقوط الدولة الصفوية ...154
الإحتلال العثماني الثاني لبغداد ...167
نادر شاه وحروبه مع الدولة العثمانية... 169
استقلال المماليك في العراق...171
كربلاء تحت حكم الدولة العثمانية...172
مدينة كربلاء في فترة ما بين الإحتلال الصفوي الثاني والإحتلال العثماني الثاني ...175
إحتلال كربلاء من قِبل العثمانيين ...177
كنج عثمان حاكماً لكربلاء...179
كربلاء في العهد العثماني الثاني 1048ه- - 1335 ه-16380م - 1917م ...181
زيارة السلطان مراد الرابع لكربلاء...183
تعمير قبة مرقد الحسين ...183
استشهاد السيد محمد درّاج نقيب أشراف العراق وسادن الحسين...184
تمرّد أهالي كربلاء ضد الحكم العثماني ...185
السيد علي بن محمد الدرّاج يتولّى نقابة الحائر...186
تعيين (أحمد آغا) متولياً على كربلاء ...186
سدانة مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) ...187
الشيخ إبراهيم شمس الدين الحائري سادنًا لمرقد الحسين (عليه السلام) ...187
السيد عبد الكاظم بن محمد الدراج نقيباً لكربلاء...188
النزاع على نقابة أشراف الحائر ...188
الوالي (قره مصطفى باشا) يزور كربلاء...190
النسّابة الشهير ضامن ابن شدقم في كربلاء ...193
الوالي حسين باشا يزور كربلاء والنجف...196
الوالي قبلان مصطفى باشا يزور كربلاء ...198
السيد خليفة بن نعمة اللّٰه الفائزي يتولى نقابة الحائر ...199
الشيخ حمزة السلامي سادنًا للعباس (ع) ...199
(عبد اللّٰه آغا) حاكماً على كربلاء...200
الدولة العثمانية تمنع علماء إيران من السكن في كربلاء...200
حادثة عساكر الوزير إسماعيل باشا في كربلاء ...202
جيش الوالي مصطفى باشا (دال طبان) يمر بكربلاء ... 204
الصقيع والبرد يضرب كربلاء...206
أحوال كربلاء في العهد العثماني الثاني قبل الإدارة الجديدة...207
الوالي حسن باشا الجديد وكربلاء ...211
زیارات حسن باشا لمدينة كربلاء ومرقد الحسين (عليه السلام)...213
الزيارة الأولى ...213
الزيارة الثانية...215
الزيارة الثالثة...216
الزيارة الرابعة ...216
أعمال الوالي حسن باشا في كربلاء...217
1 - تجديد إيوان (طارمة) الروضة الحسينية ...217
2 - بناء خان الباشا ...218
3- بناء صدر نهر الحسينية ...219
4- تعمير الخانات في الطرق المؤدية إلى كربلاء ...220
حروب الوالي حسن باشا وتأثيرها في كربلاء...223
تعیین (حسين آغا) متولياً على كربلاء...238
السيد عبد المطلب بن علي بن محمد الدرّاج نقيباً للحائر...238
السيد حسين الموسوي سادن الحسين (عليه السلام)...239
السيد محمد بن عبد المطلب نقيباً للحائر...244
حادثة تساقط القناديل في حرم الحسين...245
تعيين (أحمد السيّاف) حاكماً لكربلاء ...246
السيد نصر اللّٰه الفائزي الحائري مدرّس الطف ...246
العلّامة السيد عباس المكي يزور كربلاء...259
الشيخ مصطفى الصدّيقي الخلوتي الدمشقي في كربلاء ...263
تعيين الشيخ عبد اللّٰه السويدي مفتيًا في كربلاء 266
السيد عباس بن بهاء الدين يتولّى نقابة الحائر...267
جيش أحمد باشا يدخل كربلاء ...267
محمد سعيد بن عبد اللّٰه السويدي مفتي المشهدين في كربلاء والنجف ... 269
الوالي أحمد باشا في كربلاء ... 270
مدينة كربلاء مركز كبير للعلوم الدينية من القرن العاشر إلى نهاية القرن الثالث عشر الهجري ...272
الحركة الإخبارية وإنتشارها في كربلاء وصراع الأصوليين والإخباريين ...278
كربلاء ونادر شاه الأفشاري...288
محاولات نادر شاه لإحتلال بغداد...298
زياراته لكربلاء ...301
هدایا نادر شاه ...305
كربلاء في فترة حكم المماليك ...307
من هم المماليك؟ ...309
الشيخ محمد شريف سادناً للعباس...318
السيد مهدي بن حسن بن منصور سادناً للحسين (عليه السلام)...318
الرحالة كارستون نيبور في كربلاء ...319
والد مؤسس الدولة القاجارية يبني مدرسة في كربلاء...323
الطاعون يضرب كربلاء ...324
سادن العباس (عليه السلام) الشيخ أحمد الخازن...324
السيد عباس بن نعمة اللّٰه الفائزي يتولّى نقابة الحائر...325
الشيخ علي عبد الرسول سادنًا للروضة العباسية ... 326
السيد إبراهيم بن عباس بن بهاء الدين يتولّى نقابة الحائر...327
الوالي سليمان باشا في كربلاء ...327
السيد مرتضى بن محمد علي الدراج آل زحيك نقيباً للحائر ...330
الميجر جون تايلر في بادية كربلاء ...330
السيد موسى بن محمد علي آل سيد يوسف سادناً للحسين (عليه السلام) ...331
زيارة الوالي سليمان باشا الثانية لكربلاء ...335
سليمان باشا الكبير يزور كربلاء للمرة الثالثة...335
الفرنسي (أوليفييه) في كربلاء...336
تعيين (مراد بيك) حاكماً لكربلاء...337
الدولة القاجارية وكربلاء في أيام المماليك...337
تذهيب قبة مرقد الإمام الحسين (عليه السلام)...344
غارة علي بك الكتخدا على عنِزَه وقشعم قرب كربلاء ...346
(فتح علي شاه ) يهدي شباك فضي لقبر الحسين (عليه السلام)...348
تذهيب المئذنتين في الروضة الحسينية ...349
تعيين (عمر آغا) حاكماً على كربلاء ...349
تبرعات (محمد علي خان القواينلو) لحرم الحسين (عليه السلام)...349
غارة الوهابيين...350
أسباب الغارة ...351
تفاصيل الغارة ...353
مجموع الخسائر في الأرواح والممتلكات... 363
أصداء الغارة...363
تعيين (أمين آغا ترك) حاكماً لكربلاء...368
تولي السيد جواد بن كاظم آل نصر اللّٰه سدانة الحسين (عليه السلام) ...369
بناء سور كربلاء بعد الواقعة ...370
زيارة الرحّالة أبو طالب خان إلى كربلاء ...383
افتراءات عن كربلاء من بعض المحدثين...384
1 - عن الجنائز التي تدفن في كربلاء...386
2 - حُفرة الدم في كربلاء ...389
زيارة (يمين الدولة علي خان) لكربلاء...391
وباء الطاعون يفتك بأهالي كربلاء...393
محاولة الوهابيين غزو كربلاء مرّة ثانية...393
السيد علي الطويل بن جواد بن كاظم آل نصر اللّٰه سادنا للحسين (عليه السلام)...394
عبد الجليل سادن العباس (عليه السلام)...395
السيد محمد علي بن درويش آل ثابت سادناً للعباس (عليه السلام) ...396
السيد محمد علي بن عباس بن نعمة اللّٰه آل طعمة سادناً للحسين (عليه السلام)...396
عشائر الفرات تحاصر مدينة كربلاء ...397
كربلاء من سنة 1227ه- إلى سنة 1234ه- 18120 م - 1819م ...400
أوضاع الإيرانيين في كربلاء قبل وبعد معاهدة أرضروم سنة 1823م... 401
السيد ثابت بن درويش آل ثابت يتولى سدانة العباس (عليه السلام)...405
المصادر...406