الشافی فی الإمامة المجلد 4

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

سرشناسه:سیدمرتضی، علی‌بن حسین، 355 - 436 ق.

Sharīf al-Murtaḍá, ʻAlam al-Hudá ʻAlī ibn al-Ḥusayn,

عنوان و نام پديدآور:الشافی فی‌الامامه/للشریف المرتضی علی‌بن الحسین الموسوی، علم‌الهدی؛ تحقیق محمدحسین الدرایتی؛ تهیه‌کننده مرکز همایش‌های علمی و پژوهش‌های آزاد دارالحدیث.

مشخصات نشر:مشهد: بنیاد پژوهشهای اسلامی، 1441ق. = 1398 .

مشخصات ظاهری:5ج.

فروست:الموتمر لدولی لذکری‌الفیه‌الشریف‌المرتضی. مولفات‌الشریف‌المرتضی؛ 13، 14، 15، 16، 17.

شابک:دوره:978-600-06-0405-9 ؛ 710000 ریال: ج.1:978-600-06-0406-6 ؛ 700000 ریال: ج.2‌978-600-060407-3 : ؛ 700000 ریال: ج.3‌978-600-060408-0 : ؛ 720000 ریال: ج.4‌978-600-060409-7 : ؛ 760000 ریال: ج.5‌978-600-060410-3 :

وضعیت فهرست نویسی:فاپا

يادداشت:عربی.

يادداشت:چاپ قبلی: تهران: موسسه الصادق، 1410ق.= 1370-

موضوع:علی‌بن ابی‌طالب (ع)، امام اول، 23 قبل از هجرت - 40ق -- اثبات خلافت

موضوع:Ali ibn Abi-talib, Imam I, 600-661 -- *Proof of caliphate

موضوع:امامت

Imamate

شناسه افزوده:درایتی، محمدحسین، 1343 -

شناسه افزوده:بنیاد پژوهشهای اسلامی

شناسه افزوده:Islamic Research foundation

شناسه افزوده:موسسه علمی فرهنگی دارالحدیث. مرکز همایش‌های علمی و پژوهش‌های آزاد

رده بندی کنگره:BP223

رده بندی دیویی:297/45

شماره کتابشناسی ملی:5946228

اطلاعات رکورد کتابشناسی:فاپا

محرر رقمی: میثم حیدری

اشارة

بسم الله الرحمن الرحيم

الشافی فی‌الامامه

للشریف المرتضی علی‌بن الحسین الموسوی، علم‌الهدی

تحقیق محمدحسین الدرایتی

تهیه‌کننده مرکز همایش‌های علمی و پژوهش‌های آزاد دارالحدیث.

بنیاد پژوهشهای اسلامی، 1441ق. = 1398 .

الفهرس الإجمالي

7.

فصل في اعتراض كلامه فيما يجب أن يكون الإمام عليه من الصفات... 7

8.

فصل في اعتراض ما أورده من الكلام في القدر الذي يختصّ به...... 25

9.

فصل في اعتراض كلامه في الأفضَل... 43

10.

فصل في اعتراضِ كلامِه في أنّ الأئمّةَ مِن قُرَيشٍ ... 59

11.

فصل في الاعتراض علىٰ كلامه في هل يجوز العدول عن قريش في...... 93

12.

فصل في الكلام علىٰ ما اعتمد عليه في عدد العاقدين للإمامة... 105

13.

فصل في اعتراض كلامه في إمامة أبي بكر... 125

14.

فصل في تتبّع كلامه في الردّ علىٰ من طعن في الاختيار... 227

15.

فصل في اعتراض كلامه في أنّ أبا بكر يصلح للإمامة... 235

16.

فصل في تتبّع كلامه على الطاعن علىٰ أبي بكر و ما أجاب به عن مطاعنهم... 323

الطعن الأوّل: منع ميراث النبيّ صلى الله عليه و آله... 325

الطعن الثاني: غصب فدك... 386

الطعن الثالث: وصيّةُ فاطمة عليها السلام أن لا يصلّي عليها الشيخان، و...... 423

الطعن الرابع: كلام أبي بكر في حقّ نفسه، الدالّ علىٰ عدم صلاحه للإمامة... 442

الطعن الخامس: وصف عمر بيعة أبي بكر بأنّها فلتة... 448

الطعن السادس: شكّ أبي بكر في صحّة بيعته... 474

الطعن السابع: تولية عمر، خلافاً لرسول اللّٰه صلى الله عليه و آله... 480

الطعن الثامن: تخلّف أبي بكر عن جيش أُسامة... 488

الطعن التاسع: عدم تولية أبي بكر من قِبَل رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، و...... 504

الطعن العاشر: جهلُ أبي بكر بمسألة الكَلالة و ميراث الجدّة و...... 514

الطعن الحادي عشر: تعطيله الحدَّ عن خالد بن الوليد في قصّة مالك بن نويرة... 521

الطعن الثاني عشر: التَّسَمّي باسم «خليفة رسول اللّٰه»... 535

الطعن الثالث عشر: دفنُ أبي بكر و عمر مع الرسول صلى الله عليه و آله في بيته... 536

7 فَصلٌ في اعتراضِ كلامِه فيما يَجِبُ أن يَكونَ الإمامُ عليه مِن الصفات

اشارة

7 فَصلٌ في اعتراضِ كلامِه فيما يَجِبُ أن يَكونَ الإمامُ عليه(1)مِن الصفات


1) . في المطبوع و الحجري: «أن يكون عليه الإمام».

مقدّمة في صفات الإمام

اعلَمْ أنّه و إن كانَ لا خِلافَ بَينَنا و بَينَ صاحبِ الكتابِ و أصحابِه في الأوصافِ التي أثبَتَها للإمامِ ، مِن كَونِه عاقلاً حُرًّا مُسلِماً عَدلاً، فإنّه قد استَدَلَّ علىٰ بعضِ ما وَقَعَ عليه الخِلافُ مِن ذلكَ بما لا يَدُلُّ عليه، و نَحنُ و(1)إن أثبَتنا كَونَ الإمامِ عَدلاً، و نَفَينا(2)كَونَه فاسقاً، فطَريقُنا في ذلكَ ما تَقدَّمَ بيانُنا له مِن أدِلّة عِصمتِه و طهارتِه(3)فمَن لَم يَسلُكْ في ذلكَ ما سَلَكناه لَم يَصِلْ إلَى المطلوبِ منه. و نَحنُ نَعتَرِضُ علىٰ ما استَدَلَّ به علىٰ كَونِه عَدلاً، و نُبيِّنُ ما يُمكِنُ أن يَطعَنَ به مَن جَوَّزَ مِن الأُمّةِ كَونَ الإمامِ (4)بخِلافِ هذه الصفةِ (5).


1) . في المطبوع و الحجري: - «و».

2) . في المطبوع: «و تيقّنّا»، و هو سهو.

3) . تقدّمت في ج 2، ص 135 و ما بعدها.

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «الأئمّة».

5) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «هذه الصفات».

بيان قصور كلام القاضي عن إثبات عدالة الإمام

بيان قصور كلام القاضي عن إثبات عدالة الإمام(1)

قالَ صاحبُ الكتابِ - بَعدَ أن قَدَّمَ فَصلاً يَتضمَّنُ اختلافَ الناسِ في صفاتِه(2)، و بَعدَ أن ذَكَرَ أنّه لا خِلافَ في كَونِه حُرّاً عادلاً مُسلِماً -:

فأمّا الذي يَدُلُّ علىٰ وجوبِ كَونِه عَدلاً؛ فلأنّه(3)قد ثَبَتَ أنّ العَدالةَ مطلوبةٌ في الشاهدِ و الحاكمِ ، و لا خِلافَ أنّ الإمامةَ أعلىٰ مَنزِلةً منهما فيما يَتعلَّقُ بأمرِ الدينِ ؛ لأنّ إليه ما إليهما و زيادة، فإذا كانَ الفِسقُ يَمنَعُ مِن كَونِه شاهداً و حاكماً، فبأن يَمنَعَ مِن كَونِه إماماً أَولىٰ .

ثُمّ قالَ :

فإن قيلَ‌: إذا لَم يَمنَعْ فِسقُه مِن أن يَكونَ (4)إماماً في الصلاةِ ، فهَلّا قُلتم: إنّه لا يَمنَعُ مِن كَونِه إماماً(5)؟


1) . إنّ معظم الآراء المعروضة في هذا الفصل لا تمثّل رأي المصنّف رحمه اللّٰه، و إنما أوردها هنا بهدف النقض و إثبات قصور كلام القاضي عن إثبات عدالة الإمام.

2) . راجع: المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 198-200، الكلام في الصفات التي إذا اختصّ بهاالمرء صلح أن يكون إماماً.

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «فأمّا الذي يدلّ علىٰ وجوب العدالة فهو أنّه».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «من كونه».

5) . بناءً على تجويزهم إمامة الفاسق في الصلاة عملاً بالحديث الذي يكذّب متنُه سندَه: «صلّ

قيلَ له: إن دَلَّ ذلكَ علىٰ جوازِ كَونِه إماماً(1)، فجَوِّزوا كَونَه حاكماً و شاهداً لمِثلِه(2). و إنّما جُوِّزَ أن يَكونَ إماماً في الصلاةِ لأنّها لا تَتعلَّقُ بحقوقٍ تَتعلَّقُ بالغَيرِ(3)، فجُوِّزَت إمامتُه(4)كَما جُوِّزَت صَلاتُه؛ لأنّها مَبنيّةٌ في الجوازِ علىٰ جوازِ صَلاتِه(5). و مِن حَقِّ الإمام أن يَقومَ‌(6)بالحقوقِ‌؛ كالحدودِ و الأحكامِ‌، و الإنصافِ و الانتصافِ‌، و أخذِ الأموالِ مِن وجوهِها(7)و صَرفِها في حَقِّها؛ و الفاسقُ لا يؤتَمَنُ‌(8)علىٰ ذلكَ‌. [و كذلكَ القولُ في الأمرِ بالمعروفِ‌؛ إذِ الفِسقُ لا يَمنَعُ عنه؛ لأنّه لا يَتَّصِلُ بالحقوقِ‌، فصارَ الإمامُ كالحاكمِ في وجوبِ كَونِه عَدلاً. و كذلكَ لَو صَحَّ مِن كُلِّ أحَدٍ القيامُ بإنكارِ المُنكَرِ؛ و لَم يصِحَّ (9)أن يَكونَ إماماً](10).

خلف كلّ بَرّ و فاجر» [كنز العمّال، ج 6، ص 54، ح 14815] الذي وضعه وعّاظ السلاطين؛ لأنّ إمامة الصلاة كانت للأمير و الوالي، و اجتراح أكثرهم للموبقات معلوم، فخافوا أن ينفضّ الناس عنهم، فطلبوا من أُولئك الوعّاظ أن يقولوا للناس: لا مانع من الصلاة خلفهم لأنّ الائتمام يجوز بالبرّ و الفاجر، عملاً بالحديث الذي ما نطق به من لا ينطق عن الهوىٰ .


1) . في المغني: + «في الصلاة».

2) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «بمثله».

3) . في المطبوع: «بحقوق الغير» بدل «بحقوق تتعلّق بالغير».

4) . أي في الصلاة.

5) . في المغني: + «علىٰ ما تقدّم القول به».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «أن يكون قائماً».

7) . في «ج، ص، ف»: «من وجهها».

8) . هكذا في المغني. و في «د» و المطبوع: «لا يؤمَن». و في «ب، ج، ص، ف»: «و لا يؤمَن الفاسق».

9) . قال محقّق المغني في الهامش: في الأصل بين قوله: «و لم يصحّ » و قوله: «أن يكون إماماً» بياض.

10) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 201-202، و ما بين المعقوفين من المغني.

بيان حدود فسق الإمام عند مَن يجوّز ذلك

يُقالُ له: إنّ لِمَن خالَفَ في هذا البابِ أن يَقولَ لكَ‌(1): أنا أُسَوّي فيما أجَزتَه بَينَ الإمامِ و الحاكمِ و الشاهدِ؛ لأنّني إنّما أُجيزُ أن يَكونَ الإمامُ فاسقاً بما يَرجِعُ إلَى المَذاهبِ و الاعتقاداتِ‌، و يَدخُلُ التأويلُ فيه و الشُّبهةُ‌؛ كاعتقادِ مَذهبِ الخَوارجِ بالشُّبهةِ ، أو بعضِ البِدَعِ التي يَحمِلُ عليها سوءُ التأويلِ (2)، دونَ ما يَتعلَّقُ بأفعالِ الجَوارحِ و يَجِبُ الحَدُّ علىٰ مُرتَكِبِه. و إذا كانَ هذا هو المُحصَّلَ مِن المَذهبِ في الإمامِ ، سَوَّيتُ بَينَه و بَينَ الشاهدِ و الحاكمِ ، و جَوَّزتُ في كُلِّ واحدٍ ما جَوَّزتُه في الآخَرِ؛ فمِن أينَ لكَ أنّي أمتَنِعُ مِن إجازةِ ذلكَ في الشاهدِ و الحاكمِ؟

فإن قُلتَ : لا خِلافَ في أنّ الشاهدَ يَجِبُ أن يَكونَ عَدلاً، و كذلكَ الحاكمُ .

قيلَ لكَ : إنّما الذي لا خِلافَ فيه مِن عَدالتِه أن لا يَكونَ فاسقاً بفِسقٍ يَتعلَّقُ بأفعالِ الجَوارحِ ، و بما لا يَرجِعُ إلَى المَذاهبِ و الاعتقاداتِ التي يَسوغُ فيها التأويلُ ؛ و ما عَدا ذلكَ فكُلُّ (3)الخِلافِ فيه.

و له أيضاً أن يَقولَ : لَو فَرَّقتُ بَينَ الإمامِ و الحاكمِ في وجوبِ العَدالةِ ، لَجازَ لي أن أقولَ أيضاً(4):

إنّ الإمامَ إذا كانَ فاسقاً فلَيسَ له أن يَحكُمَ بنفسِه الحُكمَ الذي يُعتَبَرُ فيه العَدالةُ ، و إن كانَ له أن يُوَلّيَ الحُكّامَ فيَحكُموا إذا كانوا عُدولاً؛ و كَيفَ يَسوغُ لأحَدٍ أن يَجمَعَ بَينَ القولِ بأنّ الحُكمَ يوجِبُ العَدالةَ ، و بَينَ القولِ بأنّ الإمامَ له أن يَحكُمَ مع كَونِه غيرَ عَدلٍ؟


1) . في المطبوع و الحجري: - «لك».

2) . في «د» و المطبوع: + «فيه».

3) . في «ص»: «فكان».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «لجاز أن أقول».

فبَطَلَ قولُ صاحبِ الكتابِ : «إنّ إليه ما إليهما و زيادةً ».

فأمّا قولُه - في جوابِ مَن عارَضَه بإمامةِ الصلاةِ (1)-: «فجَوِّزوا كَونَه حاكماً و شاهداً لهذه العِلّةِ »؛ فقَد بيّنّا أنّهم يُجوِّزونَ ذلكَ علَى الحَدِّ الذي جَوَّزوه في الإمامِ ، و هو فيما دَخَلَ فيه التأويلُ و الشُّبهةُ ، دونَ ما عَداه.

إمكان تعلُّق إمامة الصلاة بحقوق الغير، كما في إمامة المسلمين

فأمّا فَرقُه بَينَ الأمرَينِ‌: بأنّ إمامةَ الصلاةِ لا تَتعلَّقُ بحقوقِ الغَيرِ، و إمامةَ المُسلِمينَ كُلِّهم تَتعلَّقُ بالحقوقِ المُتعدّيةِ‌(2)فلِقائلٍ أن يَقولَ (3): إنّ إمامةَ الصلاةِ أيضاً تَتعلَّقُ بحقوقٍ تَتعدّىٰ إلىٰ غيرِ الإمامِ ؛ أ لا تَرىٰ أنّ صَلاةَ المؤتَمِّ بخِلافِ صَلاةِ المُنفَرِدِ، و أنّ الإمامَ يَتحمَّلُ عن المؤتَمّينَ ما لا يَكونُ حاصلاً إذا كانوا مُنفَرِدينَ ، و تَسقُطُ عنهم في حالِ الإمامةِ أفعالٌ تَجِبُ عليهم إذا انفَرَدوا بالصلاةِ ؛ فكَيفَ يُقالُ مع ذلكَ أنّ إمامةَ الصلاةِ لا تَتعلَّقُ بحقوقٍ تَتعدّىٰ إلَى الغَيرِ؟

عدم ائتمان من كان مُظهراً للعدالة و يجوز أن يكون مُبطناً للفسق

فأمّا قولُه: «إنّ الفاسِقَ لا يؤتَمَنُ (4)في إقامةِ الحدودِ و أخذِ الأموالِ و صَرفِها في وجوهِها»؛ فهو كذلكَ ، إلّاأنّه يَلزَمُ عليه أن يُقالَ في مُقابَلتِه: و مَن لا يؤمَنُ مِن(5)أن يَكونَ فاسقاً و يَجوزُ أن يَكونَ مُبطِناً للفِسقِ - و إن كانَ مُظهِراً للعَدالةِ - لا يؤمَنُ أيضاً في شَيءٍ ممّا ذَكرتَه(6).


1) . في المطبوع: «من عارضه بالصلاة».

2) . في «ب، ج، ص،»: «المنصوبة».

3) . في «ب، ف»: + «له».

4) . في «ب»: «لا يؤمن».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: - «من».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «ممّا ذكره».

علىٰ أنّ لِمَن خالَفَ في وجوبِ عَدالةِ الإمامِ أن يَقولَ : هذا لا يَلزَمُ علَى

المَذهبِ الذي جَوَّزناه و بيّنّاه(1)لأنّه(2)إذا كانَ مُقدِماً علَى اعتقادٍ فاسدٍ لشُبهةٍ (3)مع تَحَرّيهِ (4)الحَقَّ في كُلِّ ما يَعتَقِدُه قَبيحاً، أمِنّا منه أن يُقدِمَ علىٰ أخذِ الأموالِ و وَضعِها في غيرِ مَوضِعِها(5)لأنّ ذلكَ لا يَشتَبِهُ عليه قُبحُه أصلاً.

ثُمّ قالَ صاحبُ الكتابِ :

و بَعدُ، فإنّ فِسقَه إن لَم يَمنَعْ مِن الإمامةِ‌، فيَجِبُ تجويزُ كَونِه إماماً و إن ظَهَرَ(6)منه ما يوجِبُ الحدودَ. و مَن هذا حالُه لا يؤتَمَنُ (7)علىٰ إقامتِها(8).

و بَعدُ، فقَد ثَبَتَ أنّ الواجبَ (9)التوصُّلُ إلىٰ أن(10)لا يَضيعَ الحَدُّ(11)فلَو جازَ كَونُه إماماً و هذا(12)حالُه، لَكانَ الحَدُّ الواجبُ ضائعاً.

و بَعدُ، فقَد ثَبَتَ بإجماعِ الصَّحابةِ أنّ الإمامَ يَجِبُ أن يُخلَعَ بحَدَثٍ يَجري مَجرَى الفِسقِ ؛ لأنّه لا خِلافَ بَينَ الصَّحابةِ في ذلكَ ، و إنّما


1) . تقدّم في ص 12.

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «و بيّنّا أنّه».

3) . في «ج، ص»: «بشبهة».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «مع تجويزه».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «غير مواضعها».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «و إن يظهر».

7) . في «ب»: «لا يؤمن».

8) . في المغني: «علىٰ إمامته».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: «أنّ الواحد يمكنه» بدل «أنّ الواجب».

10) . هكذا في النسخ و المغني. و في المطبوع و الحجري: «إلىٰ أنّه».

11) . في «د» و المطبوع: «لا يضيع الحدود». و في المغني: «لا يمنع الحدّ». و قوله: «فلو جاز كونه إماماً» ساقط من المغني.

12) . في «ب، ج، ص، ف»: «و هذه».

اختَلَفوا في أيّامِ عُثمانَ هَل أحدَثَ ما يوجِبُ (1)خَلعَه(2)، أم لَم يُحدِثْ؟

فهذا أيضاً يُبيِّنُ ما قُلناه(3).

عدم جواز أن يُقدم الإمام علىٰ ما يوجب الحدّ

يُقالُ له: قد بيّنّا أنّ مَن خالَفَ في وجوبِ عَدالة الإمامِ لا يُجوِّزُ(4)كَونَه مُتَظاهِراً بما يوجِبُ الحَدَّ علىٰ فاعلِه، و إنّما يُجوِّزُ أن يَكونَ فاسقاً باعتقادٍ فاسدٍ حَمَلَه عليه سوءُ التأويلِ (5)، و لَيسَ في ضُروبِ الفِسقِ الذي يوجِبُ الحدودَ ما يَجوزُ أن يَدخُلَ الشُّبهةُ علىٰ أحَدٍ فيه حتّىٰ يُعتَقَدَ بالتأويلِ إباحتُه؛ فلا يَلزَمُ علىٰ هذه الجُملةِ أن يُجوِّزوا كَونَه إماماً و إن أقدَمَ علىٰ ما يوجِبُ إقامةَ الحدودِ، قياساً علىٰ كَونِه خارِجيّاً(6)أو صاحبَ بِدعةٍ اعتَقَدَها لشُبهةٍ (7).

عدم إجماع الصحابة علىٰ وجوب خلع كلّ إمام عاصٍ

فأمّا خَلعُ الإمامِ للحَدَثِ‌، فلا يَنقُضُ هذه الجُملةَ ؛ لأنّ الصَّحابةَ لَم تُجمِعْ (8)علىٰ وجوبِ خَلعِ كُلِّ عاصٍ ، و إنّما اعتَقَدوا وجوبَ خَلعِ مَن أقدَمَ علىٰ ما لا شُبهةَ في مِثلِه، و لا انتظامَ لأمرِ الإمامةِ معه؛ مِثلُ أخذِ الأموالِ و صَرفِها في غيرِ وجوهِها(9).

و لَيسَ كُلُّ حَدَثٍ يَجري هذا المَجرىٰ ؛ أ لا تَرىٰ أنّه لَيسَ لأحَدٍ أن يُعلِّلَ ما أجمَعَت


1) . في المغني: «في أمر عثمان هل أحدث حدثاً يوجب».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «عزله».

3) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 202-203.

4) . في «د» و المطبوع: «لم يجوّز».

5) . تقدّم في ص 12.

6) . في «د»: «خارجاً».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «بشبهة».

8) . في «ج، ص، ف»: «لم تجتمع». و في الحجري: «لم يجتمع».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: «غير وجهها».

الصَّحابةُ علَى استحقاقِ‌(1)الخَلعِ له مِن المَعاصي بأن يَقولَ‌: «لا عِلّةَ لذلكَ إلّاكَونَه معصيةً ، فيَجِبُ أن أَخلَعَ الإمامَ لكُلِّ (2)معصيةٍ و إن كانَت معصيةً صغيرةً »؟ فلذلكَ لَيسَ لأحَدٍ أن يَجعَلَ العِلّةَ فيما اقتَضَى الخَلعَ كَونَه حَدَثاً(3).

قالَ صاحبُ الكتابِ - بَعدَ أن أجابَ عن سؤالٍ لا يُسألُ عنه(4)

قيل له: إنّ هذا ينتقض بما قدّمناه في الحاكم و الشاهد و الأمير. و إنّما تُعتبر عدالته في الحال، فإذا كانت في الظاهر لم يُتعبّد في الباطن [في الهامش: و لعلّها: «لم يُتقيّد بالباطن»]، و لم يكن للفسق المتقدّم [اعتبار] إذا كان قد انفصل عنه، كما نقول في الحاكم.

فإن قيل: لمّا وجب اعتبار العدالة في الرسول، وجب أن يكون الباطن كالظاهر، و أن يكون منزّهاً عن الفسق في سائر حالاته؛ فيجب مثله في الإمام.

قيل له: قد بيّنّا مفارقة الرسول للإمام فيما يجب كونه منزّهاً عن هذه الأحوال، و ثبت أنّ الإمام في حكم الأمير و الحاكم في هذا الباب، و تقصّينا القول فيه». المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 203.

-:

فإن قالَ‌: إنّا لَنُسَلِّمُ‌(5)أنّ الفِسقَ الذي يَتعلَّقُ بأفعالِ الجَوارحِ‌(6)يَمنَعُ مِن كَونِه إماماً؛ فمِن أينَ أنّه إذا كانَ مُتعلِّقاً بمَذهبٍ و تأويلٍ يَمنَعُ مِن الإمامةِ‌(7)؟ [و ما أنكَرتم أنّ الباغيَ إذا كانَ مُتأوِّلاً، و كذلكَ الخارِجيُّ ، لا يُمنَعُ كَونُهما إمامَينِ؟].(8)


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «ما أجمعت عليه الصحابة من استحقاق».

2) . في «ف»: «بكلّ ».

3) . في المطبوع: + «تأمّل». و من قوله: «فلذلك ليس لأحد...» إلىٰ هنا ساقط من «ب، ج، ص، ف».

4) . و هذا نصّ عبارة المغني: «فإن قيل: إذا كان تقدّم فسقه لا يمنع من كونه إماماً، و كذلك فسقه في الباطن لا يمنع من ذلك عندكم، فهلّا قلتم: إنّ الفسق الظاهر لا يمنع منه ؟

5) . هكذا في المغني. و في «ب، ج، ص، ف»: «إنّما نسلّم». و في «د» و المطبوع: «إنّما أُسلّم».

6) . في المغني: «بالجوارح» بدل «بأفعال الجوارح».

7) . في المغني: «فمن أين أنه إذا كان متعلّقاً بتأويل فقد ثبت أنّه من الإمامة ؟».

8) . ما بين المعقوفين من المغني.

قيلَ له: إنّ الواجبَ علينا مَنعُ الباغي مِن(1)بَغيِه و تَصرُّفِه فيما يَتصرَّفُ فيه، و مِن حَقِّ الإمامِ أن يَمنَعَ غيرَه، و لا يُمنَعَ‌، و أن تَلزَمَ طاعتُه؛ فكَيفَ يَصِحُّ كَونُ مَن هذه حالُه(2)إماماً؟

و لأنّ الأميرَ إذا ظَهَرَ منه البغيُ‌، وَجَبَ علَى الإمامِ أن يَعزِلَه و يَمنَعَه مِن البغيِ‌، و كذلكَ يَجِبُ علَى المُسلِمينَ إزالةُ الباغي عن بَغيِه، و يَلزَمُهم إقامةُ الإمامِ‌؛ و ذلكَ يَمنَعُ فيمن هذه حالُه أن يَكونَ إماماً.

و لأنّ إقامةَ الحدودِ و تنفيذَ الأحكامِ ، لا يَجوزُ أن يَقومَ به كُلُّ أحَدٍ، فلا بُدَّ فيمن يَقومُ به مِن صفةٍ مخصوصةٍ ، و قد ثَبَتَ إذا كانَ عَدلاً - و علَى الصفاتِ التي نَقولُها - أنّ قيامَه بذلكَ يَصِحُّ ، و لَم يَثبُتْ ذلكَ في الباغي؛ فيَجِبُ أن يَكونَ حالُه كحالِ سائرِ الناسِ (3).

بيان معاني «الباغي»، و كيفيّة ردعه عن بغيه

يُقالُ له: أمّا قولُكَ‌: «إنّ الواجبَ علينا مَنعُ الباغي مِن بَغيِه و تَصرُّفِه فيما يَتصرَّفُ فيه» فلَفظُ «الباغي» لفظٌ مُشكِلٌ مُحتَمِلٌ‌:

فإن أرَدتَ به مَن شَقَّ عَصا المُسلِمينَ ، و استَبَدَّ عليهم بأُمورِهم، و استَولىٰ علىٰ حقوقِهم؛ فلا شَكَّ في مَنعِ مَن هذه صفتُه مِن(4)تَصرُّفِه بالقولِ و الفعلِ ، و لَيسَ الخِلافُ في ذلكَ .

و إن أرَدتَ بالباغي مَن اعتَقَدَ مَذهباً فاسداً لشُبهةٍ (5)دَخَلَت عليه، و كانَ مُتَحرّياً


1) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و المغني. و في «د» و المطبوع: «عن».

2) . في المغني: «هذا حاله» في الموضعين.

3) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 203-204.

4) . في «د» و المطبوع: «عن».

5) . في «ج، ص، ف»: «بشبهة».

في سائرِ أُمورِه لِما يَعتَقِدُه حَقّاً؛ فإنّ هذا إنّما يَجِبُ مَنعُه بالتنبيهِ و الإرشادِ و الوعظِ و إقامةِ الحُجّةِ‌، و لا يَجِبُ بغَيرِ ذلكَ‌.

و إن أرَدتَ بقَولِكَ : «و مِن حَقِّ الإمامِ أن يَمنَعَ غيرَه و لا يُمنَعَ »: المَنعَ الذي يَكونُ بالقَهرِ و الأخذِ علَى اليَدِ(1)، فذلكَ صَحيحٌ ، و هو لا يَنفَعُ في هذا المَوضِعِ . و إن أرَدتَ الضَّربَ الآخَرَ مِن المَنعِ الذي هو التنبيهُ و الإرشادُ، فلا إطباقَ معكَ عليه.

عدم وجوب عزل الأمير لاعتقاده بما تدخل فيه الشبهة

فأمّا قولُه: «إنّ الأميرَ إذا ظَهَرَ منه البغيُ وَجَبَ علَى الإمامِ عَزلُه»؛ فإن أرادَ به البغيَ الذي قُلنا أنّه يَمنَعُ مِن الإمامةِ ، فلا شَكَّ فيما ذَكَرَه. و إن أرادَ به ما(2)يَرجِعُ إلَى الاعتقادِ و المَذاهبِ المُتأوَّلةِ ، فمَن يُوافِقُه علىٰ وجوبِ عَزلِ الأميرِ إذا أظهَرَ ذلكَ؟ و هَل القولُ (3)في الأميرِ في هذا البابِ ، عندَ مَن ذَهَبَ إلَى المَذهبِ الذي حَكَيناه، إلّا كالقولِ في الإمامِ؟

عدم اقتضاء كلامِ القاضي القطعَ علىٰ فساد إمامة غير العادل

و أمّا(4)قولُه: «إنّه لا خِلافَ في أنّ العَدلَ و مَن كانَ علَى الصفاتِ التي يَقولُها(5)، يَصِحُّ أن يَكونَ إماماً، و لَم يَثبُتْ ذلكَ في الباغي» فأكثَرُ ما يَقتَضيهِ هذا الكلامُ أن يُقطَعَ علىٰ جوازِ إمامةِ العَدلِ ، و يُشَكَّ فيمن لَم يَكُن عَدلاً؛ لأنّ فَقْدَ الإجماعِ فيمن لَيسَ بعَدلٍ إنّما يَقتَضي الشكَّ ، دونَ القَطعِ علىٰ أنّ إمامتَه لا تَجوزُ، و صاحبُ


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «على الأمر».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «فيما».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «و ما هذا القول».

4) . في «ج، ص، ف»: «فأمّا».

5) . في «ب» و المطبوع: «تقولها».

الكتابِ إنّما شَرَعَ في الدلالةِ علىٰ فَسادِ إمامةِ مَن لَيسَ بعَدلٍ قَطعاً لا تجويزاً؛ و هذا الكلامُ لا يَقتَضي ذلكَ .

ثُمّ قالَ صاحبُ الكتابِ - بَعدَ أن سَألَ نفسَه عمّا لا شُبهةَ في مِثلِه، و أجابَ عنه(1)-:

فإن قالَ : جَوِّزوا فيمن يَفسُقُ بالتأويلِ أن يَكونَ إماماً، كَما جَوَّزتم مِثلَه في الشاهدِ.

قيلَ له: قد بيّنّا أنّ شَيخَينا(2)يَقولانِ‌: إنّ ذلكَ يَمنَعُ مِن صِحّةِ شَهادتِه(3)، فلا مَسألةَ عليهما؛ لأنّهما قد أجرَيا البابَ مَجرىً واحداً. فأمّا غيرُهما فإنّه و إن أجازَ في الشاهدِ ذلكَ‌، فإنّه لا يُجيزُه(4)في الإمامِ لِما له مِن الرُّتبةِ‌، كَما لا يُجيزُه في الأميرِ و الحاكمِ‌. و(5)لأنّه لا يَجوزُ أن يَكونَ الفَضلُ مطلوباً فيه و ما يَقدَحُ في الفَضلِ غيرَ مُعتَبَرٍ، و قد عَلِمنا أنّ الفِسقَ بتأويلٍ يَقدَحُ في الفَضلِ ، فيَجِبُ أن يَكونَ مُعتَبَراً في هذا البابِ . و لأنّ الواجبَ علينا إقامةُ الحُكمِ - مِن تأديبٍ و غيرِه - علىٰ مَن يُقدِمُ علىٰ هذا الفِسقِ المُتأوَّلِ ، فلا يَجوزُ أن يَكونَ مُظهِراً لمِثلِه؛ كَما قُلناه في الفِسقِ الذي يوجِبُ الحدودَ.

ثُمّ قالَ :

و اعلَمْ أنّ مَن خالَفَ في هذا البابِ لا يُجيزُ أن يُختارَ للإمامةِ مَن هذه


1) . راجع: المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 204.

2) . في «د»: «شيخانا». و المراد بهما أبو علي الجبّائي و ابنه أبو هاشم.

3) . في «ب، ج، ص، ف» و المغني: «شهادتهما».

4) . في «ب، ج، ص، ف» و المغني: «لا يجيز».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: - «و».

حالُه(1)، و إنّما يَقولُ‌(2): إذا خَرَجَ و غَلَبَ و قَهَرَ و سَلَكَ طَريقةَ الأئمّةِ فهو إمامٌ‌، و رُبَّما قالوا: يَقومُ مَقامَ الإمامِ‌. فإذا صَحَّ - بما سنَذكُرُه - أنّ الواجبَ أن لا يَكونَ إماماً(3)إلّاباختيارِ أهلِ الحَلِّ و العَقدِ له، فقَد صَحَّ ما ذَكرناه بالإجماعِ ؛ لأنّه لَو كانَ بَغيُه لا يَمنَعُ مِن إمامتِه(4)لَصَحَّ أن يُختارَ - و هذه حالُه - ابتداءً (5).

ثُمّ أتبَعَ ذلكَ بما يَجري مَجرَى التفريعِ علىٰ مَذاهبِه(6)في هذا البابِ (7)لا معنىٰ لِتَتبُّعِه.

يُقالُ له: أمّا مَن مَنَعَ في الشاهدِ أن يَكونَ فاسقاً بالتأويلِ كَما مَنَعَ أن يَكونَ فاسقاً بغَيرِ التأويلِ ، فلَيسَ يَلزَمُه السؤالُ الذي أَورَدتَه.

جواز تساوي الإمام و الشاهد في تجويز الفسق الراجع إلى التأويل

فأمّا احتجاجُه(8)عمّن أجازَ ذلكَ بذِكرِ الرُّتبةِ بَينَ الشاهدِ و الإمامِ : فممّا(9)لا يُغني شَيئاً؛ لأنّ لقائلٍ أن يَقولَ : لا شُبهةَ في أنّ للإمامِ رُتبةً علَى الشاهدِ، إلّاأنّه مِن أينَ زَعَمتم أنّ مَزيّتَه و زيادةَ رُتبتِه يَقتَضيانِ أن لا يَكونَ فاسقاً بالتأويلِ و إن جازَ مِثلُ


1) . في المغني: «هذا حاله» في الموضعين.

2) . هكذا في النسخ و المغني. و في المطبوع: «نقول».

3) . هكذا في «ب، د، ص» و حاشية «ف» و المغني. و في «ج» و المطبوع: «إمامٌ ».

4) . في المغني: «من إقامته».

5) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 204-205.

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «علىٰ مذهبه».

7) . المصدر السابق، ص 205-207.

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «و احتجاجك».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: «فما».

ذلكَ في الشاهدِ؟ أوَ لَيسَ مع أنّ له الرُّتبةَ علَى الشاهدِ، يَجوزُ أن يَكونَ باطنُه بخِلافِ ظاهرِه، و لا يَجِبُ أن يَكونَ ممّن يُقطَعُ علىٰ باطنِه، كَما لا يَجِبُ مِثلُ ذلك في الشاهدِ؟ فإن كانَت رُتبتُه علَى الشاهدِ لا تَقتَضي فيه أن يَكونَ مأمونَ الباطنِ ، و جازَ أن يَكونَ مُساوياً للشاهدِ في العَدالةِ المَرجوعِ فيها إلَى الظاهرِ؛ فألّا جازَ مع أنّ له الرُّتبةَ عليه، أن يَتَساويا في تجويزِ الفِسقِ الراجعِ إلَى التأويلِ؟

فأمّا الكلامُ في رَدِّ حالِ الإمامِ في ذلكَ إلىٰ حالِ الأميرِ و الحاكمِ ، فقَد تَقدَّمَ (1).

تجويز اختيار غير الفاضل للإمامة في بعض الأحوال، وفقاً لبعض المباني

فأمّا قولُه: «لا يَجوزُ أن يَكونَ الفَضلُ مطلوباً و ما يَقدَحُ في الفَضلِ غيرَ مُعتَبَرٍ، و أنّ الفِسقَ بتأويلٍ يَقدَحُ في الفَضلِ‌»، فإنّ الذاهِبَ إلَى المَذهبِ الذي حَكَيناه يَقولُ‌: إنّ الفَضلَ و إن كانَ مطلوباً مع سَلامةِ الأحوالِ‌، فإنّه لا يَمتَنِعُ أن تَعتَرِضَ أُمورٌ تَدفَعُ‌(2)المُختارِينَ إلىٰ تَركِ اعتبارِ الفَضلِ‌، و اختيارِ مَن يَقومُ بالإمامةِ و يَضطَلِعُ بها و إن لَم يَكُن فاضلاً؛ كما أنّ الأفضَلَ عندَكَ مطلوبٌ في الإمامةِ مع سَلامةِ الأحوالِ‌، و مع هذا فلا(3)يَمتَنِعُ علىٰ مَذهبِكَ أن يَعتَرِضَ في بعضِ الأحوالِ ما يوجِبُ العُدولَ عن الأفضَلِ إلَى المفضولِ‌، و إن كانَ الأفضَلُ هو المطلوبَ مع السلامةِ‌؛ فاجعَلْ عُذرَكَ في العُدولِ عن الأفضَلِ في بعضِ الأحوالِ - و إن كانَ هو المطلوبَ مع السلامةِ -

عُذراً لِمَن عَدَلَ عن الفاضلِ في بعضِ الأحوالِ للضرورةِ ، و إن كانَ الفَضلُ مطلوباً.

علىٰ أنّ مَن ذَهَبَ إلىٰ هذا المَذهبِ لا يَقولُ : إنّ الفَضلَ يَقدَحُ فيه الفِسقُ ، سَواءٌ


1) . تقدّم في ص 18.

2) . في «د» و الحجري: «بدفع».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «فليس».

كانَ بتأويلٍ أو بغَيرِ تأويلٍ ؛ لأنّ الأعمالَ عندَه لا تَتَحابَطُ و لا المُستَحَقُّ عليها مِن ثَوابٍ و عِقابٍ (1).

تجويز وعظ الإمام و نصحه، وفقاً لبعض المباني

فأمّا قولُكَ‌: «إنّ الواجبَ علينا أن نُقيمَ‌(2)الأحكامَ - مِن تأديبٍ و غيرِه - علىٰ مَن يُقدِمُ علَى الفِسقِ المُتأوَّلِ‌، كَما نُقيمُ الحدودَ علىٰ مَن يَفعَلُ مِن الفِسقِ ما يَقتَضيها»؛ فقَد تَقدَّمَ أنّ مَن أجازَ ما ذَكرناه لا يُجيزُ كَونَ الإمامِ فاسقاً بما يَتعلَّقُ بأفعالِ الجَوارحِ و يوجِبُ إقامةَ الحدودِ، و إنّما يُجيزُ ذلكَ فيما يَرجِعُ إلَى الاعتقاداتِ و المَذاهبِ‌(3).

فإن أرَدتَ‌(4)بالأحكامِ التي نُقيمُها(5)عليه الحدودَ و ما أشبَهَها(6)، فقَد أفسَدناه. و إن أرَدتَ‌(7)الاستدعاءَ و الوَعظَ و ما أشبَهَهما(8)، فقَد يَجوزُ أن يُستَعمَلَ مِثلُ ذلكَ مع الإمامِ و لا يَكونُ (9)إمامتُه مانعةً منه. و كَيفَ يَمنَعُ (10)مِن ذلكَ مَن يُجيزُ(11)أن توقِفَ الأُمّةُ الإمامَ و تُعلِّمَه و تُفيدَه العِلمَ بالأحكامِ ، و تُناظِرَه فيها و تُحاجَّه، و يَرجِعَ (12)إلىٰ أقوالِها بَعدَ أن كانَ أفتىٰ بخِلافِها؟


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «لأنّ الأعمال عنده تتحابط المستحقّ عليها من ثواب اللّٰه و عقابه».

2) . في المطبوع: «أن لا نقيم»، و هو سهو.

3) . تقدّم في ص 12.

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «و إن أراد». و في «د» و الحجري: «فإن أراد».

5) . في «ب، ج، ص»: «يقيمها».

6) . في المطبوع: «أشبههما».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «و إن أراد».

8) . في «ج، ص» و المطبوع و الحجري: «و ما أشبهها».

9) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «و لا تكون».

10) . في «د» و المطبوع: «يمتنع».

11) . في «ب، ج، ص، ف»: «يجوّز».

12) . في «د»: «و تُرجع».

تجويز إمامة من يعتقد اعتقاداً فاسداً بالتأويل، وفقاً لبعض المباني

فأمّا ما حَكَيتَه في آخِرِ الكلامِ - مِن أنّ مَن خالَفَكَ في هذا البابِ لا يُجيزُ أن يُختارَ للإمامةِ ابتداءً مَن هذه(1)حالُه، و إنّما يَقولُ بإمامتِه إذا خَرَجَ و غَلَبَ‌(2)و استَولىٰ -: فهو تَمَنٍّ لا يَكونُ‌(3)المَذهبُ (4)علَى الوجهِ الذي يَسهُلُ عليكَ إفسادُه، و مَن خالَفَ فيما حَكَيناه هو(5)في الجُملةِ ممّن يَقولُ أنّ الإمامةَ لا تَنعَقِدُ إلّاباختيارٍ أو نَصٍّ ، و أنّه لا يَكونُ إماماً بالغَلَبةِ و القَهر، و إنّما لا يُجيزُ أن يُختارَ للإمامةِ مَن يَعتَقِدُ اعتقاداً فاسداً بالتأويلِ إذا كانَت الحالُ حالَ سَلامةٍ ؛ فأمّا إذا اضطَرَّت الحالُ

إليه و لَم يوجَدْ في العَصرِ مَن يَضطَلِعُ بالإمامةِ و يَقومُ بها اضطلاعَه، جازَ عندَهم اختيارُه؛ علىٰ ما تَقدَّمَ فيما(6)فَصَّلناه و أَوضَحناه.


1) . في «د» و المطبوع: «هذا».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «متىٰ خرج و غلب بالسيف».

3) . في «ب، د»: «فهو بمن لا يكون». و في «ج، ص»: «فهو لمن لا يكون». و لعلّ الصحيح: «فهوتمنّ لأن يكون».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «المذاهب».

5) . في المطبوع و الحجري: «فهو».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «ممّا».

8 فَصلٌ في اعتراضِ ما أورَدَه مِن الكلامِ في القَدرِ الذي يَختَصُّ به الإمامُ مِن العِلمِ

اشارة

8 فَصلٌ في اعتراضِ ما أورَدَه مِن الكلامِ (1)في القَدرِ الذي يَختَصُّ به الإمامُ مِن العِلمِ


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «من كلامه».

اعلَمْ أنّ مَعانيَ الكلامِ في هذا البابِ قد تَقدَّمَ كلامُنا عليها مُستَقصىً فيما مضىٰ مِن كتابِنا(1)، حَيثُ دَلَّلنا علىٰ وجوبِ كَونِ الإمامِ عالِماً بجميعِ أحكامِ الدينِ‌؛ فإنّا ذَكرنا في الدلالةِ علىٰ ذلكَ وجوهاً استَقصَيناها، و أَوضَحنا شَرحَها، و فَرَّقنا بَينَ الوِلاية و التكليفِ‌، و بيّنّا أنّ تكليفَ الشيءِ‌(2)مَن لا يَعلَمُه إذا كانَ له سَبيلٌ إلىٰ عِلمِه حَسَنٌ جائزٌ، و أنّ وِلايتَه الشيءَ الذي لا يَعلَمُه قَبيحةٌ و إن كانَ المُتولّي(3)مُتمكِّناً مِن أن يَعلَمَ‌، و ذَكرنا في ذلكَ ما لا زيادةَ عليه.

و قد اعتَرَفَ صاحبُ الكتابِ في هذا الفَصلِ بما نُريدُه، و سَلَّمَ غايةَ ما نَقتَرِحُه؛ لأنّه قالَ‌: «إنّ عِلمَ الإمامِ بجميعِ أحكامِ الدينِ إنّما يَجِبُ علىٰ مَذهبِ مَن يَقولُ إنّه حُجّةٌ و إنّه معصومٌ‌، دونَ مَن لا يوجِبُ ذلكَ‌»(4).

و هذا لَعَمري صَحيحٌ‌، و قد دَلَّلنا علىٰ أنّه حُجّةٌ و(5)معصومٌ ، فيَجِبُ أن يَتْبَعَ (6)ذلكَ ما اعتَرَفَ بوجوبِ إتْباعِه له مِن كَونِه عالِماً بجميعِ الأحكامِ (7).


1) . تقدّم في ج 2، ص 229 و ما بعدها.

2) . في «ب»: «أنّ التكليف بالشيء».

3) . في «د»: «المولّىٰ ».

4) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 208 نقلاً بالمعنى.

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «و أنّه».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «أن لا يمنع».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «بجميع أحكام الدين».

بيان حدود علم الإمام، و نفيُ علمه بالغيب

فأمّا قولُه(1)في هذا الفَصلِ :

إنّه لا يُشتَرَطُ في ذلكَ مِن العِلمِ ما لا تَعلُّقَ له بما يَقومُ به(2)، و ما لا

يَكونُ أصلاً لذلكَ‌؛ لأنّا متَى اعتَبَرنا ذلكَ لَم يَكُن بعضُ العلومِ بأن يُعتَبَرَ(3)أَولىٰ مِن بعضٍ‌، و ذلكَ يوجِبُ كَونَه عالِماً بسائرِ اللُّغاتِ‌، و سائرِ الحِرَفِ‌، و غيرِ ذلكَ‌، [و قد ثَبَتَ فَسادُ ذلكَ‌، و بيّنّاه فيما تَقدَّمَ‌، و أبطَلنا به قولَ بعضِ المُخالِفينَ ممّن يوجِبُ في الإمامِ أن يَعلَمَ ما يَجري مَجرَى الغَيبِ‌.

و هذا القولُ إنّما يَتمسَّكُ به مَن يوجِبُ كَونَ الإمامِ معصوماً منصوصاً، و قد أبطَلنا ذلكَ‌؛ فالذي يَجِبُ أن يَختَصَّ به العِلمُ بالأُمورِ التي يَجِبُ أن يَقومَ بها](4).

فقَد أصابَ في أنّ ما لا تَعلُّقَ له بما يَقومُ به الإمامُ لا يَجِبُ أن يَعلَمَه، إلّاأنّه ظَنَّ علينا أنّا نوجِبُ هذا الجنسَ مِن العلومِ‌، فلهذا أتبَعَ كلامَه بالحِكايةِ عنّا إيجابَ كَونِه عالِماً بما جَرىٰ (5)مَجرَى الغَيبِ ، و مَعاذَ اللّٰهِ أن نوجِبَ له مِن العلومِ إلّاما يَقتَضيهِ (6)وِلايتُه، و يوجِبُه ما وَلِيَه و(7)أُسنِدَ إليه مِن الأحكامِ الشرعيّةِ ، و عِلمُ الغَيبِ خارجٌ عن هذا.


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «فأمّا ما قاله».

2) . في المغني: + «الإمام».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «تعتبر».

4) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 208. و ما بين المعقوفين من المصدر.

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «بما يجري».

6) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «ما تقتضيه».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: - «وليه و».

فأمّا قولُه:

فيَجِبُ أن يَكونَ عالِماً أو في حُكمِ العالِمِ بما يَتَّصِلُ بالأحكامِ و الشرائعِ‌. يُبيِّنُ ذلكَ‌: أنّ الحاكمَ يَقومُ بالأُمورِ التي يَقومُ هو بها، فإذا لَم يُعتَبَرْ في الحاكمِ إلّاما ذَكرناه، فكذلكَ القولُ في الإمامِ‌.

و بَعدُ، فلا يَخلو - إذا قالَ المُخالِفُ أنّه يَجِبُ أن يَعلَمَ أكثَرَ ممّا ذَكرناه -:

أن(1)يوجِبَ في كَونِه عالِماً أن يَستَقِلَّ‌(2)بنفسِه و أن(3)لا يَحتاجَ إلىٰ غيرِه في شَيءٍ مِن الأحكامِ‌، أو يُجوِّزَ ذلكَ فيه. فإن مَنَعَه لَزِمَه أن يَعلَمَ كُلَّ ما يَتَّصِلُ بالأحكامِ مِن القِيَمِ و الأُروشِ (4)و ما يَتَّصِلُ بالصِّناعاتِ ، و بُطلانُ ذلكَ يُبيِّنُ جوازَ رجوعِه إلىٰ غيرِه(5)[فيَجِبُ أن يَكونَ عالِماً بطَريقةِ الاجتهادِ فيما يَعرِضُ مِن الأحكامِ إذا كان طَريقُها الاجتهادَ؛ فإن مُهِّدَ له الاجتهادُ عَمِلَ به، و إلّاشاوَرَ فيه العلماءَ و أخَذَ بأصَحِّ الأقاويلِ . و ما لَيسَ طريقُه الاجتهادَ يَجِبُ أن يَكونَ عالِماً به، أو بالطريقِ الموصِلِ إليه؛ لأنّ عندَ ذلكَ يَتمكَّنُ ممّا فُوِّضَ إليه؛ فإنّما المُعتَبَرُ أن يَكونَ مُتمكِّناً مِن ذلكَ ](6).


1) . هكذا في النسخ و المغني. و في المطبوع: «و أن».

2) . في المغني: «أن يشتغل».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: - «أن».

4) . في المغني: «و الإرث». و «الأُروش» جمع «الأرش»، و هي دية الجراحات. و قال ابن الأثير: «الأرش هو الذي يأخذه المشتري من البائع إذا اطّلع علىٰ عيب في المبيع، و أُروش الجنايات و الجراحات من ذلك؛ لأنّها جابرة لها عمّا حصل فيها من النقص، سُمّي أرشاً لأنّه من أسباب النزاع». النهاية، ج 1، ص 39؛ كتاب العين، ج 6، ص 284 (ارش).

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «و بطلان ذلك يجوّز رجوعه إلىٰ غيره و يبيّنه».

6) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 208-209. و ما بين المعقوفين من المصدر.

فقَد تَقدَّمَ الكلامُ علىٰ هذا و نَظائرِه مِن كلامِه؛ لأنّ معنىٰ قولِه: «أن يَكونَ (1)في حُكمِ العالِمِ » هو أن يَكونَ مُتمكِّناً مِن العِلمِ ، و قد بيّنّا أن التمَكُّنَ مِن العِلمِ لا يُحسِّنُ وِلايةَ الشيءِ لِمَن(2)لا يَعلَمُه(3).

بيان حدود علم الحاكم

فأمّا حَملُه الإمامَ في هذا البابِ علَى الحاكمِ‌: فقَد مضَى الكلامُ أيضاً فيه، و بيّنّا أنّ كِلا الأمرَينِ واحدٌ في هذه القَضيّةِ‌، و أنّ الحاكمَ لا يَجوزُ أن يُوَلَّى الحُكمَ فيما لا يَعلَمُه علىٰ وجهٍ و لا سببٍ‌، و أنّ كُلَّ شَيءٍ لَم يَعلَمْه الحاكمُ المنصوبُ للأحكامِ فهو خارجٌ عن وِلايتِه و مُستَثنىً به عليه، و يَجِبُ متىٰ عَرَضَ ما لا يَعلَمُه

مِن الأحكامِ أن لا يُقدِمَ علَى الحُكمِ فيه، و يُنهيَه إلَى الإمامِ (4). و بيّنّا أنّ وِلايةَ الحاكمِ خاصّةٌ ، و وِلايةَ الإمامِ عامّةٌ (5)فلا يُمكِنُ أن يُقالَ في وِلايةِ الإمامِ ما قُلناه في وِلايةِ الحاكمِ .

نفي وجوب علم الإمام بالقِيَم و الصناعات

فأمّا إلزامُه لنا(6)- إذا ذَهَبنا إلىٰ وجوبِ استقلالِه بنَفسِه في العِلمِ بالأحكامِ التي وُلّيَ لتَنفيذِها و نُصِبَ لإقامتِها - أن يَعلَمَ كُلَّ شَيءٍ حتّىٰ يَعلَمَ القِيَمَ و الأُروشَ و الصِّناعاتِ ، فمِن طَريفِ الإلزامِ و غَريبِه؛ لأنّا إنّما أَوجَبنا ما ذَهَبنا إليه في هذا البابِ


1) . في «ب، ج، ص، ف»: + «إمّا عالماً أو».

2) . في «د» و المطبوع: «مَن».

3) . تقدّم في ج 2، ص 229-230.

4) . تقدّم في ج 2، ص 243.

5) . تقدّم في ج 2، ص 248-249.

6) . في المطبوع و الحجري: - «لنا».

مِن حَيثُ كانَ الإمامُ حاكماً في الدينِ و والياً في تنفيذِ أحكامِه، فيَجِبُ في كُلِّ حُكمٍ للّٰهِ تَعالىٰ في الدينِ أن يَعلَمَه ليُنفِّذَه و يَضَعَه في مَواضعِه، و أبطَلنا قولَ مَن خالَفَنا و ذَهَبَ إلىٰ جوازِ كَونِه غيرَ عالمٍ بكَثيرٍ مِن الأحكامِ المشروعةِ التي تُعُبِّدَ بعِلمِها(1)و نُدِبَ إلىٰ مَعرفتِها؛ فأينَ هذا مِن العِلمِ بالحِرَفِ و المِهَنِ و القِيَمِ و الأُروشِ ، و كُلُّ ذلكَ ممّا لا تَعلُّقَ له بالشريعةِ ، و لا كُلِّفَ أحَدٌ مِن الأُمّةِ - إماماً كانَ أو مأموماً - العِلمَ به، لا(2)علىٰ سَبيلِ النَّدبِ و لا الإيجابِ؟ و إنّما تكليفُهم المُتعلِّقُ بالشريعةِ في ذلكَ أن يَرجِعوا إلىٰ أهلِ القِيَمِ و المَعرِفةِ بالصِّناعاتِ ، لا أن يُقوِّموا ذلكَ بأنفُسِهم.

ثُمّ يُقالُ له(3): مِثالُ ما أجَزتَه علَى الإمامِ فيما يَتعلَّقُ بالصِّناعاتِ أن يَكونَ غيرَ عالِمٍ - فيما(4)يَكونُ حُكمُ اللّٰهِ تَعالىٰ فيه الرجوعَ إلىٰ أهلِ صِناعةٍ مخصوصةٍ - بهذا الحُكمِ ؛ لأنّكَ قد أجَزتَ نَظائرَه(5)عليه. و لَيسَ مِثالُ ذلكَ أن لا يَكونَ عالِماً بنَفسِ الصِّناعةِ و المِهنةِ .

علىٰ أنّكَ تَقولُ‌: إنّ كَونَ الإمامِ عالِماً بجميعِ أحكامِ الشريعةِ أفضَلُ و أكمَلُ‌، و مَن كانَ بهذه الصفةِ أَولىٰ مِن غيرِه، فهَل تَقولُ : إنّ مَن كانَ عالِماً بالمِهَنِ و الصِّناعاتِ كانَ أفضَلَ و أكمَلَ فيما يَتعلَّقُ بالإمامةِ ، و أَولىٰ بها مِن غيرِه ؟ فما تُثبِتُه أنتَ و أصحابُكَ فَضلاً و كَمالاً و تَجعَلونَه أَولىٰ نوجِبُه نَحنُ (6)، و ما لا تُثبِتونَه بهذه


1) . في «ج، ص» و حاشية «ب»: «بفعلها».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: - «لا».

3) . في المطبوع و الحجري: - «له».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «بما».

5) . في المطبوع: «تظاهره».

6) . في المطبوع و الحجري: - «نحن».

الصفاتِ لا نوجِبُه نَحنُ‌؛ مِن حَيثُ لا تَعلُّقَ له بأحكامِ الشريعةِ و ما يَجِبُ علَى الإمامِ مِن إقامتِها.

و إنّما يَجِبُ أن يَكونَ عالِماً بالصَّنائعِ (1)و المِهَنِ لَو كانَ والياً علىٰ أهلِها فيها، كَما أوجَبنا إذا كانَ والياً في الدينِ و رئيساً في الشريعةِ أن يَكونَ عالِماً بأحكامِها(2). فأمّا و الأمرُ بخِلافِ ذلكَ ، فإنّ إلزامَ (3)العِلمِ بالصَّنائعِ علَى العِلمِ بأحكامِ الشريعةِ مِن بَعيدِ الإلزامِ .

علىٰ أنّكَ‌ لا تُجيزُ أن يُنصَبَ‌(4)للإمامةِ إلّامَن كانَ عالِماً بالأحكامِ الشرعيّةِ أو في حُكمِ العالِمِ‌، و معنىٰ أن يَكونَ‌(5)في حُكمِ العالِمِ‌: أن يَتمكَّنَ مِن الاجتهادِ و الاستدلالِ علىٰ إصابةِ الحُكمِ‌. و قد يَجوزُ عندَكَ و عندَ كُلِّ أحَدٍ أن يُنصَبَ للإمامةِ مَن لا يَكونُ عالِماً بالصَّنائعِ و المِهَنِ و لا في حُكمِ العالِمِ ؛ فبانَ افتراقُ الأمرَينِ ، و أنّه لا تَعلُّقَ للصنائعِ و المِهَنِ و العِلمِ بها بأحكامِ الشريعةِ .

فما توجِبُ أنتَ كَونَ الإمامِ في حُكمِ العالِمِ به إذا لَم يَكُن عالِماً، نوجِبُ نَحنُ كَونَه عالِماً به؛ و ما لا توجِبُ ذلكَ فيه و لا تَجعَلُه شَرطاً في إمامتِه، لا يَجِبُ عندَنا أن يَكونَ حاصلاً له. و هذا واضحٌ .

فأمّا قولُه:

فإن قيلَ : فيَجِبُ - و إن لَم يَكُن مِن أهلِ الاجتهادِ - أن يَجوزَ كَونُه إماماً بأن يَرجِعَ إلىٰ قولِ العلماءِ .


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «بالصناعات».

2) . في «ج، ص، ف»: «بأحكامهما».

3) . في المطبوع: «إلزامه».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «أن تنصب».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: - «أن يكون».

قيلَ له: قد ثَبَتَ أنّ‌(1)ذلكَ مُمتَنِعٌ‌(2)في الحُكّامِ‌، و أنّ الإمامَ يَجِبُ أن يَكونَ أعلىٰ رُتبةً‌؛ فلا يَصِحُّ ذلكَ فيه(3). و لأنّ إلزامَ الحُكمِ أوكَدُ مِن الفُتيا، فإذا(4)لَم يَحِلَّ أن يُفتيَ المُفتي(5)إلّاو هو مِن أهلِ الاجتهادِ، فبأن لا يَحِلَّ له(6)أن يَحكُمَ إلّاو هو كذلكَ‌(7)أَولىٰ‌.

و قد ثَبَتَ بما سنَذكُرُه إمامةُ أبي بَكرٍ و عُمَرَ و عُثمانَ ، و إن كانَت حالُهم تَتفاوَتُ (8)في العِلمِ ، و فيهم مَن يَقصُرُ عن صاحبِه. و قد صَحَّ أنّ أميرَ

المؤمنينَ عليه السلامُ كانَ أعلَمَ منهم بالأحكامِ (9)، و عَدَلَ مع ذلكَ إليهم؛ و ذلكَ يُبيِّنُ أنّ القَدرَ الذي يُطلَبُ مِن العِلمِ فيمن يُختارُ للإمامةِ ما ذَكرناه(10).

تجويز رجوع الإمام و الحاكم إلىٰ أهل الفتيا، و ذلك من باب الإلزام

فأوّلُ ما فيه: أنّا نُسَوّي في الإلزامِ له(11)بَينَ الإمامِ و الحاكمِ‌(12)، فنَقولُ : لِمَ لا يَكونُ الحاكمُ أيضاً يَرجِعُ إلىٰ أهلِ الفُتيا في الأحكامِ ، فيَحكُمَ (13)بقَولِهم، و إن لَم يَكُن مِن


1) . في «ب، ج، ص،،»: + «كلّ ».

2) . في «ب، ج، ص، ف» و المغني: «يمتنع».

3) . في المغني: «منه».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «و لأنّ الإلزام من الحكم أولى و أوكد من الفتيا، و إذا».

5) . في المغني: - «المفتي».

6) . في المغني: - «له».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «إلّا و هو من أهل الاجتهاد».

8) . في المغني: «تتقارب».

9) . في المغني: «بالأخبار».

10) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 209.

11) . في المطبوع: - «له».

12) . في «ب، ج، ص، ف»: «بين الحاكم و الإمام».

13) . من قوله: «فنقول لم لا يكون...» إلى هنا ساقط من «ج، ص، ف».

أهلِ الاجتهادِ؟ فقَولُه: «قد ثَبَتَ أنّ ذلكَ مُمتَنِعٌ في الحاكمِ » دَعوىً لا نُوافِقُه عليها؛ و كَيفَ يُظَنُّ بمَن(1)يُلزِمُ (2)مِثلَ هذا الإلزامِ في الإمامِ - و هو حاكمُ الحُكّامِ - أن يُسلِّمَ امتناعَ مِثلِه في الحُكّامِ الذينَ يَتوَلَّونَ مِن قِبَلِ الإمامِ؟

فإن قيلَ : إنّ الذي يَمنَعُ مِن(3)أن يَكونَ الحاكمُ بهذه الصفةِ إجماعُ الأُمّةِ ؛ لأنّهم مُتَّفِقونَ - مع اختلافِهم - علىٰ أنّ الحاكمَ لا بُدَّ مِن أن يَكونَ مِن أهلِ الاجتهادِ، و لا(4)يَجوزُ كَونُه عامّيّاً مُقتَصِراً في الأحكامِ علَى الاستفتاءِ .

قيلَ له: هذا يُمكِنُكَ أن تَقولَه بعَينِه في الإمامِ‌، و لا يَكونُ لرَدِّكَ‌(5)حالَ الإمامِ إلىٰ حالِ الحاكمِ معنىً في أمرٍ، متىٰ نوزِعتَ فيه و طولِبتَ بالدلالةِ علىٰ أنّه شَرطٌ في الحاكمِ‌، فَزِعتَ إلىٰ طَريقةٍ يُمكِنُ أن يُستَدَلَّ بها في الإمامِ و الحاكمِ مَعاً علىٰ حَدٍّ واحدٍ.

و الجوابُ عن الاعتصامِ بالإجماعِ - سَواءٌ فُزِعَ إليه في الإمامِ أو في الحاكمِ -: أنّ الإجماعَ إذا كانَ هو المانعَ مِن ذلكَ‌، فيَجِبُ أن يَكونَ جائزاً قَبلَ الإجماعِ‌، كجَوازِ(6)كُلِّ أمرٍ اختَصَّ الإجماعُ بالمَنعِ منه؛ و هذا يَقتَضي التصريحَ بتجويزِ إقامةِ إمامٍ (7)يَحكُمُ في جميعِ الشريعةِ ، و يَكونُ إماماً في جميعِ الدينِ و أحكامِه، و هو مع ذلكَ خالٍ مِن جميعِ العلومِ بأحكامِ الشريعةِ ، مُعوِّلٌ في كُلِّ حُكمٍ يَحدُثُ علَى الاستفتاءِ


1) . في المطبوع و الحجري: «لمن».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: + «ذلك». و في «د»: - «مثل».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «الذي يمنع» بدل «إنّ الذي يمنع من».

4) . في «د»: «فلا».

5) . في «ب، ص، ف»: «لزومك».

6) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «لجواز».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «بجواز إمامة إمام».

و الرجوعِ إلَى العلماءِ ! و في عِلمِنا بقُبحِ ذلكَ عندَ كُلِّ عاقلٍ دَلالةٌ علىٰ أنّ الإجماعَ لا مَدخَلَ له في المَنعِ منه.

التفريق بين مقامَي الحكم و الفتيا وفقاً لمباني القاضي

و أمّا(1)قولُه: «إنّ إلزامَ الحُكمِ آكَدُ مِن الفُتيا» فلقائلٍ أن يَقولَ‌:

أ لَيسَ الحاكمُ عندَكَ قد يَكونُ حاكماً في أشياءَ كَثيرةٍ مِن الشريعةِ و إن لَم يَعلَمْها، بأن يَرجِعَ إلىٰ مَن يَعلَمُها فيَستَفتيهِ و يُباحِثُه، و لا يَجوزُ لأحَدٍ أن يَنتَصِبَ (2)للفُتيا فيما لا يَعلَمُه، و يَرجِعَ في مَعرفتِه إلىٰ غيرِه؛ بَل لا يَجوزُ له أن يُفتيَ بما يَستَفتي فيه غيرَه، و إن جازَ أن يَحكُمَ بما يَستَفتي فيه غيرَه، و لَم يَقتَضِ ذلكَ تأكُّدَ حُكمِ (3)الفُتيا علَى القَضاءِ و تَوَلّي(4)الأحكامِ؟ فألّا جازَ ما ألزَمناكَ إيّاه مِن أن يَكونَ الإمامُ و الحاكمُ مِن غيرِ أهلِ الاجتهادِ، و إن لَم يَجُز في المُفتي أن يَكونَ بهذه الصفةِ (5)؟ فإن مَنَعَ ممّا ألزَمناه تأكُّدُ الحُكمِ علَى الفُتيا مَنَعَ ممّا حَكَيناه عنكَ (6)، و إن جُوِّزَ أحَدُ الأمرَينِ جُوِّزَ الآخَرُ.

منع إمامة المفضول في العلم

فأمّا ادّعاؤه ثُبوتَ إمامةِ مَن قَصَرَ في العِلمِ عن غيرِه: فمَبنيٌّ علىٰ ما لَم يَصِحَّ و لا يَصِحُّ ، و سنَتكلَّمُ علىٰ ما أحالَ عليه بعَونِ اللّٰهِ و مَشيئتِه(7). و أحَدُ ما يَدُلُّ علىٰ بُطلانِ


1) . في «د»: «فأمّا».

2) . في «ب»: «أن ينصب».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «حال».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: - «تولّي».

5) . في «ج»: «الصفات».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «عنه».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: - «بعون اللّٰه و مشيئته».

إمامةِ مَن ذَكَرَه: تقصيرُه في العِلمِ عن غيرِه، و اعترافُه علىٰ نفسِه بالخُلوِّ عن مَعرِفةِ كَثيرٍ مِن الأحكامِ و تَوقُّفُه فيها و رُجوعُه إلىٰ غيرِه في إصابتِها(1). و الكلامُ في ذلكَ يَجيءُ في مَواضعِه(2).

الفرق بين علم الإمام و الأمير

فأمّا قولُه - بَعدَ كلامٍ لا فائدةَ في حِكايتِه(3)لأنّه كالتفريعِ علىٰ مَذهبِه -:

و بَعدُ، فإنّ الذي يَقومُ به الإمامُ هو الذي يَقومُ به الأُمَراءُ‌، و قد ثَبَتَ أنّه عليه السلامُ‌(4)كانَ يُوَلّي الأُمَراءَ و العُمّالَ علَى النواحي إذا عَرَفوا مِن العِلمِ القَدرَ الذي ذَكرناه، فلا وجهَ للقولِ بالحاجةِ إلىٰ زيادةٍ عليه(5).

فقَد تَقدَّمَ فيما مضَى الكلامُ علىٰ هذا المعنىٰ‌، و بيّنّا أنّه لا يَجوزُ أن يَتَولَّى الحُكمَ في شَيءٍ مَن لا يَعلَمُه؛ سَواءٌ كانَ إماماً أو أميراً، و أنّ الأميرَ إنّما لَم يَجِبْ فيه

العِلمُ بجميعِ أحكامِ الحَوادثِ حتّىٰ يَكونَ مُساوياً للإمامِ‌؛ مِن حَيثُ كانَت وِلايتُه خاصّةً‌، و وِلايةُ الإمامِ عامّةً . و بيّنّا أنّ الأميرَ يَرجِعُ فيما لا يَعلَمُه و لَيسَ بأميرٍ عليه و لا حاكمٍ فيه إلَى الامامِ ، و لا يَجوزُ في الإمامِ مِثلُ ذلكَ ؛ لأنّه لا يُمكِنُ أن يُشيرَ إلىٰ شَيءٍ مِن الشريعةِ لَيسَ هو إماماً فيه و منصوباً(6)لتنفيذِ أحكامِه(7). و استَقصَينا(8)ذلكَ


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «فيها» بدل «في إصابتها».

2) . يأتي ذلك في ج 4، ص 474 و ما بعدها، و ج 5، ص 11 و ما بعدها.

3) . راجع: المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 209-210.

4) . هكذا في المغني. و في النسخ: «صلّى اللّٰه عليه و آلِه».

5) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 210.

6) . في «د»: «و منصوصاً».

7) . في «ج، ص»: «الأحكام».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «و قد استقصينا».

استقصاءً يُغني عن تَكرارِه هاهُنا(1).

بيان أنّ الإمام حجّة في الشرع كالرسول

فأمّا قولُه:

فإن قيلَ : ألَيسَ الرسولُ عليه السلامُ يَجِبُ أن يَكونَ عالِماً بكُلِّ الدينِ و أعلَمَ مِن سائرِ أُمّتِه ؟ فهَلّا وَجَبَ في الإمامِ مِثلُه ؟

قيلَ له: إنّما وَجَبَ في الرسولِ عليه السلامُ ذلكَ‌(2)لأنّ مِن جِهتِه يُعلَمُ‌(3)أمرُ الشرعِ‌، و هو الحُجّةُ فيه، و إليه يُرجَعُ في بابِ الدياناتِ‌؛ و لا يَجوزُ أن يَكونَ كذلكَ إلّاو يَفوقُ في العِلمِ غيرَه، و إلّاكانَ مُحتاجاً إلىٰ غيرِه في بعضِ ذلكَ‌. و لَيسَ كذلكَ الإمامُ‌؛ لأنّه لا يُعلَمُ‌(4)مِن قِبَلِه الدياناتُ و الشرائعُ‌، و إنّما فُوِّضَ إليه القيامُ بأُمورٍ مخصوصةٍ‌؛ فحالُه كحالِ الحُكّامِ و الأُمَراءِ‌(5).

فقَد مضىٰ أيضاً الكلامُ علىٰ ذلكَ‌، و بيّنّا أنّ الإمامَ حُجّةٌ في الشرعِ كالرسولِ ، و أنّ الرجوعَ إليه في الدياناتِ قد يَحصُلُ علىٰ حَدِّ الرجوعِ إلَى الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه؛ لأنّه إذا وَقَعَ مِن الأُمّةِ ما يَجوزُ عليها مِن الإعراضِ عن نَقلِ بعضِ الأحكامِ حتّىٰ لَم يَبقَ نَقلُ ذلكَ (6)إلّافيمن لا يَقومُ (7)الحُجّةُ به، فلا(8)مَفزَعَ في بابِ


1) . راجع: ج 2، ص 243، 248-249.

2) . في «ب، ج، ص، ف»: - «ذلك».

3) . في المغني: «نعلم».

4) . في المغني: «لأنّنا لا نعلم».

5) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 210-211.

6) . في «ب، ج، ص، ف»: - «ذلك».

7) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «لا تقوم».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «و لا».

العِلمِ بذلكَ الحُكمِ إلّاإلىٰ قولِ الإمامِ‌، و لا يَصِحُّ أن يُعلَمَ إلّامِن جِهتِه(1)، ففي هذا المَوضِعِ يَجري الإمامُ مَجرَى الرسولِ‌؛ في أنّ الشرعَ يُعلَمُ مِن جِهتِه، و هو الحُجّةُ فيه(2)فلَو جَوَّزنا أن يَذهَبَ عن الإمامِ بعضُ أحكامِ الشريعةِ‌، لَم نأمَنْ‌(3)أن يَكونَ‌

الذي ذَهَبَ عنه هو الذي اتَّفَقَ كِتمانُه مِن الأُمّةِ‌، فلَم نَثِقْ بوصولِ جميعِ الشرعِ إلينا، و لَبَطَلَ‌(4)ما هو أكبَرُ الأغراضِ في نَصبِ الإمامِ ؛ مِن حِفظِ الشريعةِ ، و تَلافي ما يَعرِضُ فيها مِن خَلَلٍ (5).

علىٰ أنّا نَقولُ له: إذا كانَ المانعُ مِن ذلكَ عندَكَ هو كَونَ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه ممّن لا يُعلَمُ الشرعُ إلّامِن جِهتِه، فجَوِّزْ فيه(6)- بَعدَ أداءِ الشريعةِ كُلِّها، و قيامِ الحُجّةِ بها علَى المُكلَّفينَ - أن يَذهَبَ عنه كَثيرٌ مِن أحكامِ الشريعةِ حتّىٰ يَحتاجَ عندَ حدوثِها إلَى الرجوعِ إلىٰ غيرِه؛ لأنّ العِلّةَ التي عَوَّلتَ عليها مِن أنّ الشرعَ لا يُعلَمُ إلّامِن جِهتِه هاهُنا مُرتَفِعةٌ . و هذا حَدٌّ لا يَبلُغُه أحَدٌ في الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه.


ثُمّ أورَدَ صاحبُ الكتابِ كلاماً طويلاً(7)يَشتَمِلُ علىٰ مَوضِعَينِ :

أحَدُ هما: أنّه أجابَ عن سؤالِ مَن يَسألُ (8)عن الإمامِ : كَيفَ يَجوزُ أن يَحتاجَ في


1) . تقدّم في ج 1، ص 276-277.

2) . في «ب، ج، ص، ف»: - «فيه».

3) . في «ب، د» و المطبوع: «لم يأمن».

4) . في «د» و المطبوع: «و يبطل».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «و تلافي الأُمور و ما يعرض في الدين من ذلك».

6) . في «ج، ص، ف»: «فيجوز منه». و في «ب»: «فيجوز فيه».

7) . راجع: المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 211-214.

8) . في «ب»: «سأل».

العِلمِ إلىٰ غيرِه مع حاجةِ ذلكَ الغَيرِ إليه‌؟ بأن قالَ‌:

إنّ‌(1)جِهةَ الحاجةِ مُختَلِفةٌ‌، و إنّ المُتَناقِضَ هو حاجتُه إليهم في نفسِ ما يَحتاجونَ إليه فيه.(2)

و بَيَّنَ أنّه يَحتاجُ إليهم في العِلمِ‌، و يَحتاجونَ إليه في تنفيذِ الأحكامِ و إقامةِ الحدودِ؛ فالجِهةُ مُختَلِفةٌ‌. و قالَ‌:

إنّ ذلكَ يَجري مَجرىٰ حاجةِ الإمامِ في إقامةِ الحَدِّ إلىٰ شَهادةِ الشُّهودِ، و الشُّهودُ يَحتاجونَ إليه في غيرِ ذلكَ‌؛ و يَجري مَجرىٰ حاجتِه إلَى المُقوِّمينَ فيما يَرجِعُ إلىٰ ما وَقَعَ فيه التنازُعُ ، و إن كانوا مُحتاجينَ (3)إليه في غيرِ هذا الوجهِ (4).

و المَوضِعُ الآخَرُ: أنّه قالَ‌:

لا اعتبارَ، فيمن يَحتاجُ إلىٰ غيرِه في أمرٍ مِن الأُمورِ، أن يَكونَ ذلكَ الذي احتاجَ‌(5)إليه فيه واجباً حصولُه، بَل المُراعىٰ أن يَكونَ ذلكَ الذي احتاجَ إليه حاصلاً لِمَن تَعلَّقَت الحاجةُ به، و لا فَرقَ بَينَ أن يَكونَ واجباً أو جائزاً.

قالَ :

و لهذا يَصِحُّ مِن(6)أحَدِنا أن يَستَفيدَ مِن غيرِه الرزقَ إذا كانَ حاصلاً له،


1) . في المطبوع و الحجري: - «إنّ ».

2) . نُقل بالمعنىٰ ، راجع: المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 211.

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «يحتاجون».

4) . نُقل بالمعنىٰ ، راجع: المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 212-214.

5) . في «ب، ج»: «يحتاج».

6) . في المطبوع: «عن».

و إن لَم يَكُن واجباً(1).

نفي حاجة الإمام في العلم بالشريعة إلىٰ غيره

و الكلامُ عليه في الفَصلِ الأوّلِ‌: أنّه ادَّعىٰ فيه أنّ جِهةَ حاجةِ العلماءِ إلَى الإمامِ‌

و حاجتِه إليهم مُختَلِفةٌ‌(2)، و لَو كانَ الأمرُ علىٰ ما ظَنَّه لَما تَناقَضَ‌(3)ذلكَ علىٰ ما ذَكَرَه، إلّا أنّ الأمرَ بخِلافِه؛ لأنّا قد بيّنّا فيما تَقدَّمَ أنّ الإمامَ حُجّةٌ في الشرعِ و أدائه، و أنّه يُستَفادُ مِن جِهتِه، و أنّ الحالَ رُبَّما انتَهَت إلىٰ أن يَكونَ الشرعُ لا يُعلَمُ إلّامِن جِهتِه، بأن يُعرِضَ الناقلونَ عن نَقلِه(4)،(5)فكَيفَ يَحتاجُ الإمامُ في تَعلُّمِ العِلمِ و استفادتِه - علىٰ هذا - إلىٰ مَن يَحتاجُ إليه في ذلكَ بعَينِه ؟ و لا شُبهةَ في ارتفاعِ التناقُضِ عن حاجتِه إلَى الشُّهودِ مع حاجتِهم إليه؛ لاختلافِ وجهِ الحاجةِ . و قد بيّنّا أنّ الأمرَ فيما نَتكلَّمُ (6)عليه بخِلافِ ذلكَ .

وجوب حصول الشيء إذا كانت الحاجة إليه واجبة و كان المحتاج مُزاحَ العلّة

فأمّا المَوضِعُ الآخَرُ: فلَيسَ يَجوزُ أن تَكونَ (7)الحاجةُ إلىٰ أمرٍ مِن الأُمورِ واجبةً و ذلكَ الأمرُ جائزٌ حصولُه و ارتفاعُه، مع القولِ بأنّ المُحتاجَ إليه(8)مُزاحُ العِلّةِ ؛ لأنّ


1) . نُقل بالمعنىٰ ، و الأخير باللفظ، راجع: المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 212.

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «أنّه ادّعىٰ في الحاجة للعلماء إلى الإمام و في حاجة الإمام إليهم أنّهامختلفة».

3) . في «د» و الحجري: «لما يناقض».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «عنه» بدل «عن نقله».

5) . تقدّم في ج 1، ص 276-277.

6) . في «ب، ص»: «يتكلّم».

7) . في «ج، د، ص، ف» و الحجري: «أن يكون».

8) . أي المحتاج إلىٰ ذلك الأمر.

وجوبَ حاجتِه يَقتَضي وجوبَ وجودِ ما يَحتاجُ إليه حتّىٰ يَكونَ مُزاحَ العِلّةِ‌.

و هذه الجُملةُ تَقتَضي أن يَكونَ‌(1)الأُمّةُ - إذا وَجَبَ عملُها بالشرائعِ إلىٰ أن تَقومَ‌(2)الساعةُ‌، و وَجَبَ بوجوبِ‌(3)ذلكَ عِلمُها بالشرائعِ - يَرجِعُ‌(4)في العِلمِ إلىٰ مَن يَجِبُ‌(5)حصولُه له، و لا يَجوزُ عدمُه مِن جِهتِه؛ لأنّ ذلكَ يؤدّي إلَى انتفاءِ إزاحةِ العِلّةِ في التكليفِ‌.

و قد(6)اعتَرَفَ صاحبُ الكتابِ بمعنىٰ ما ذَكرناه بقَولِه عَقيبَ هذا الكلامِ‌:

و لذلكَ‌(7)نَقولُ‌: إنّ جُملةَ العلومِ يَجِبُ أن تَكونَ محفوظةً في الأُمّةِ و إن تَفرَّقَت في العلماءِ‌؛ لكَي يَصِحَّ‌(8)أن يَظفَرَ بها مَن يَطلُبُها مِن أهلِ العِلمِ‌.

فأمّا وجوبُ حصولِ ذلكَ في الواحدِ فغَيرُ واجبٍ‌؛ لأنّه لا فَرقَ بَينَ أن يوجَدَ مُفتَرِقاً - في صِحّةِ التوصُّلِ إليه - أو مُجتَمِعاً عندَ واحدٍ(9).

و هذا تصريحٌ منه - كَما تَرىٰ - بوجوبِ (10)حصولِ العلومِ (11)و إمكانِ الوصولِ إليها(12)لِتَكونَ العِلّةُ مُزاحةً ، و ما استأنَفَه مِن ذلكَ كالناقضِ لِما قَدَّمَه؛ لأنّه أرادَ أن


1) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «أن تكون».

2) . في «ج، د، ص، ف» و الحجري: «أن يقوم».

3) . في «ب، ج، د، ف»: «لوجوب».

4) . كذا، و الأنسب: «ترجع».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «يجوز».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «فقد».

7) . في «ب، ص» و المغني: «و كذلك».

8) . في المغني: «ليصحّ ».

9) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 212.

10) . في المطبوع و الحجري: «لوجوب».

11) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «حصول العلم».

12) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «إليه».

يُبيِّنَ أنّ حصولَ المُحتاجِ إليه لَيسَ يَجِبُ مِن حَيثُ تَعلَّقَت الحاجةُ به، و شَبَّهَه بالرزقِ‌، و هو الآنَ قد اعتَرَفَ بوجوبِ وجودِه و حصولِه.

إلّا أنّه قالَ‌: «لَيسَ يَجِبُ أن يَحصُلَ عندَ واحدٍ بعَينِه، بِلا فَرقٍ‌(1)في إزاحةِ العِلّةِ‌

بَينَ وجودِه مُفتَرِقاً و مُجتَمِعاً»، و الأمرُ في ذلكَ علىٰ ما قالَ ؛ لأنّ إزاحةَ العِلّةِ لا تَقتَضي وجودَ العِلمِ في جِهةٍ واحدةٍ بعَينِه، غيرَ أنّ الدليلَ إذا دَلَّ علىٰ أنّ مَن عَدا الإمامَ لا يَجِبُ عِصمتُه، و لا يؤمَنُ الخَطأُ عليه، لَم يَجُز أن يَتعلَّقَ (2)الحاجةُ في إصابةِ العِلمِ المُحتاجِ إليه به، و وَجَبَ (3)تَعلُّقُها بالمعصومِ ، الذي يؤمَنُ مِن تغييرِه و تبديلِه، و يوثَقُ بوجودِ العِلمِ في كُلِّ حالٍ عندَه. و إذا لَم يَكُن مَن هذه صفتُه إلّا واحداً، وَجَبَ بهذا الترتيبِ المَرجِعُ في علومِ الشريعةِ إلىٰ واحدٍ.


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «بل لا فرق».

2) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «أن تتعلّق».

3) . في «د» و المطبوع: «و وجوب».

9 فَصلٌ في اعتراضِ كلامِه في الأفضَل

اشارة

اعلَمْ أنّه قد بَنىٰ هذا الفَصلَ‌(1)علىٰ أنّ العقلَ لا يَدُلُّ علىٰ كَونِ الإمامِ أفضَلَ ، و علىٰ أنّ هذه الصفةَ غيرُ واجبةٍ لِمَن كانَ إماماً، و أنّ المَرجِعَ في أنّها مُراعاةٌ و غيرُ مُراعاةٍ إلَى الشرعِ و أدِلّتِه. و هذا بِناءٌ منه علىٰ فَسادٍ، و تفريعٌ علىٰ خَطإٍ؛ لأنّا قد بيّنّا - فيما سَلَفَ مِن هذا الكتابِ - أنّ العقلَ دالٌّ علىٰ أن الإمامَ لا يَكونُ إلّاالأفضَلَ (2)، و أنّ الشرعَ لا مَدخَلَ له في هذا البابِ . و قد كانَ مِن حَقِّنا(3)أن نَتجاوَزَ هذا الفَصلَ مِن كلامِه، لكِنّا نَتكلَّمُ علىٰ نُكَتٍ منه؛ ففي الكلامِ عليها ضَربٌ مِن الفائدةِ .

بطلان الاستدلال بقول أبي عبيدة يوم السقيفة علىٰ عدم اشتراط الفضل في الإمام

أمّا استدلالُه علىٰ أنّ الفَضلَ - في غالبِ الظنِّ و في الظاهرِ - غيرُ مُعتَبَرٍ في الإمامِ‌، بقَولِ عُمَرَ لأبي عُبَيدةَ (4): «امدُدْ يَدَكَ أُبايِعْكَ » مع ظُهورِ فَضلِ أبي بَكرٍ علىٰ أبي


1) . لخّص المصنّف رحمه اللّٰه ما قاله القاضي في هذا الفصل، و هو في المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 215-233.

2) . تقدّم في ج 2، ص 272 و ما بعدها.

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «من حقّه».

4) . أبو عبيدة بن الجرّاح، قيل: اسمه عامر بن الجرّاح، و قيل: عامر بن عبداللّٰه بن الجرّاح. شهدبدراً مع النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و ما بعدها من المشاهد كلّها. و هو الذي انتزع من جبهة رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله حلقتي المِغفَر يوم أُحد فسقطت ثنيّتاه، و كان أحد الحاضرين في سقيفة بني ساعدة. فضائل الصحابة، ج 2، ص 922-926؛ الطبقات الكبرىٰ ، ج 3، ص 312، الرقم 81؛ حلية الأولياء، ج 1، ص 100؛ معرفة الصحابة، ج 1، ص 158، الرقم 10؛ الاستيعاب، ج 4، ص 1710، الرقم 3078.

عُبَيدةَ‌، و تأويلُه قَولَ أبي عُبَيدةَ في جوابِه: «ما لَكَ في الإسلامِ فَهَّةٌ‌(1)غيرُها»(2)علىٰ أنّه لَم يُرِد بذلكَ الخَطأَ في الدينِ‌، بَل أرادَ الزللَ في الرأيِ و التدبيرِ، و استدلالُه علىٰ صِحّةِ تأويلِه بأنّ أبا عُبَيدةَ كانَ يُجوِّزُ الخَطأَ في الدينِ علىٰ عُمَرَ بَعدَ الإسلامِ ، فلا

يَجوزُ أن يُريدَ بهذا النفيِ الخَطأَ في الدينِ علىٰ عُمَرَ، و بأنّ هذا الإنكارَ لَو كانَ لأجلِ فَضلِ أبي بَكرٍ لَكانَ عُمَرُ أعرَفَ بذلكَ مِن أبي عُبَيدةَ ، فكَيفَ يَخفىٰ عليه منه ما يَظهَرُ لأبي عُبَيدةَ؟ قالَ :

إنّما أرادَ أبو عُبَيدةَ [بذلك](3)ما لأبي بَكرٍ مَن المَزيّةِ في سُكونِ الناسِ (4)إليه، أو مَزيّتَه في الأخبارِ المأثورةِ فيه، نحوُ قولِه: «إن وَلَّيتم أبا بَكرٍ»(5)، و قولِه «اقتَدوا باللذَينِ مِن بَعدي»(6).(7)

فباطلٌ ، لا شُبهةَ في تَهافُتِه؛ لأنّه لَيسَ يَكونُ في الإنكارِ ما هو(8)أبلَغُ مِن قولِ


1) . الفَهّة: السقطة و الجهلة و نحوها، يقال: فَهَّ الرجل يَفَهُّ فَهاهةً و فَهّاً و فَهَّةً : إذا جاءت منه سقطة أوجهلة من العِيّ و غيره. الفائق في غريب الحديث، ج 3، ص 58؛ لسان العرب، ج 13، ص 525 (فهه).

2) . مسند أحمد، ج 1، ص 35، ح 233؛ الطبقات الكبرىٰ ، ج 3، ص 135؛ المنتظم، ج 4، ص 66؛ تاريخ الإسلام، ج 3، ص 9؛ كنز العمّال، ج 5، ص 652-653، ح 14141؛ تاريخ الخلفاء، ص 90؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 30، ص 273-274، الرقم 3398، مع اختلاف يسير.

3) . ما بين المعقوفين من المغني.

4) . في «ب، ص»: «سكون النفس». و في «ج، ف»: «سكون النفوس».

5) . المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 74، ح 4435؛ مسند البزّار، ج 7، ص 299، ح 2895؛ كنز العمّال، ج 11، ص 630-631، ح 33070-33077؛ مجمع الزوائد، ج 5، ص 322، ح 8910، مع اختلاف يسير.

6) . المعجم الأوسط، ج 4، ص 140، ح 3816؛ مسند الحميدي، ج 1، ص 214، ح 449؛ مسند الشاميّين، ج 2، ص 57، ح 913؛ حلية الأولياء، ج 9، ص 109؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 41، ص 422، الرقم 4883؛ ج 44، ص 227، الرقم 5206؛ تاريخ الخلفاء، ص 22.

7) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 219-220.

8) . في «ب، ج، ص، ف»: - «ما هو».

أبي عُبَيدةَ لعُمَرَ ما قالَه له. و حَملُ ذلكَ علَى الخَطإ في الرأيِ دونَ الدينِ باطلٌ ؛ لأنّ إضافةَ الفَهّةِ إلَى الإسلامِ تَدُلُّ علىٰ أنّها خَطأٌ في الدينِ دونَ التدبيرِ، و لأنّ إطلاقَ لفظِ «الخَطإ» في عُرفِ الشرعِ لا يُحمَلُ إلّاعلَى الدينِ ، و إنّما يُعدَلُ به إلَى التدبيرِ في بعضِ المَواضعِ لدَلالةٍ (1).

فأمّا تصحيحُه لتأويلِه بأنّ أبا عُبَيدةَ كانَ يَجوِّزُ الخَطأَ علىٰ عُمَرَ بَعدَ الإسلامِ فطَريفٌ ؛ لأنّه و إن كانَ يُجوِّزُ ذلكَ عليه، فلَيسَ يَمتَنِعُ أن يَكونَ أبو عُبَيدةَ لَم يَظهَرْ له مِن عُمَرَ خَطأٌ بَعدَ الإسلامِ إلّاما دَعاه إليه مِن المُبايَعةِ ، و إن كانَ يُجوِّزُ(2)الخَطأَ عليه؛ فلَيسَ في تجويزِ الشيءِ دَلالةٌ علىٰ وقوعِه و ظهورِه.

و قولُه: «إنّ عُمَرَ كانَ أعلَمَ بفَضلِ أبي بَكرٍ مِن أبي عُبَيدةَ‌» فكذلكَ عُمَرُ كانَ‌(3)أعلَمَ بمَزيّةِ أبي بَكرٍ في سُكونِ الناسِ إليه و الأخبارِ المأثورةِ فيه مِن أبي عُبَيدةَ ، فكَيفَ جازَ أن يَقولَ ما قالَه ؟ و لَيسَ (4)له في هذا البابِ إلّامِثلُ ما عليه؛ لأنّه إن جازَ له أن يَدَّعيَ أنّ مَزيّةَ أبي بَكرٍ فيما بَيَّنَه مِن السكونِ و غيرِه و خَفيَت(5)علىٰ عُمَرَ، جازَ لخَصمِه أن يَدَّعيَ أنّ مَزيّتَه في الفَضلِ خَفيَت علىٰ عُمَرَ.

و إن قالَ : إنّ ذلكَ لَم يَخفَ عليه، و إنّما عَرَضَ البَيعةَ علىٰ أبي عُبَيدةَ لوَجهٍ مِن الوجوهِ .

قيلَ له: فأَجِزْ أن يَكونَ عالِماً بالفَضلِ و المَزيّةِ مَعاً، و إنّما عَرَضَ البَيعةَ للوجهِ الذي تَذكُرُه(6).


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «للدلالة».

2) . هكذا في النسخ. و في المطبوع: «لا يجوّز».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: - «كان».

4) . في «د» و المطبوع و الحجري: «فليس».

5) . كذا، و الظاهر زيادة الواو، و كون «خفيت» خبر «أنّ ».

6) . هكذا في «د». و في «ص»: «يذكره». و في سائر النسخ و المطبوع: «نذكره».

نفي وجود فتن متخوَّف منها، دعت إلى المبادرة لبيعة أبي بكر مع كونه مفضولاً

فأمّا ارتضاؤه في عِلّةِ تقديمِ أبي بَكرٍ للإمامةِ مُبادَرةً إطفاءَ الفِتنةِ المُتخوَّفةِ (1)عَقيبَ مَوتِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه لِما كانَ مِن الأنصارِ، و أنّ تأخيرَ العَقدِ في تلكَ الحالِ كانَ يؤدّي إلىٰ أُمورٍ يَبعُدُ تَلافيها، فلهذا قَدَّموا المفضولَ علَى الفاضلِ (2).

فأوّلُ ما يُقالُ له في ذلكَ‌: لَسنا نَرضىٰ منكَ بادّعاءِ فِتنةٍ‌: لَم تَظهَرْ أسبابُها، و لَم تَقوَ أمارتُها، و لَم تَلُحْ‌(3)دَلالتُها(4)حتّىٰ يُجعَلَ ذلكَ ذَريعةً إلىٰ دَفعِ الفاضلِ عن مَقامِه؛ فأشِرْ إلىٰ هذه الفِتنةِ التي ادَّعَيتَها، و زَعَمتَ أنّها كانَت مُتخوَّفةً‌(5). فإن أشارَ(6)إلىٰ ما كانَ مِن الأنصارِ مِن حضورِ السقيفةِ و جَذبِ الأمرِ إلىٰ جِهتِهم، فهذا لَم يَكُن مِن الأنصارِ ابتداءً حتّىٰ يَحمِلَ علىٰ تقديمِ المفضولِ علَى الفاضلِ‌.

و المعروفُ في الروايةِ أنّ النفَرَ مِن المُهاجِرينَ ابتَدَؤوا(7)بحُضورِ السقيفةِ‌، فبَلَغَ الأنصارَ أنّ المُهاجِرينَ قد اجتَمَعوا للخَوضِ في باب الإمامةِ‌، فصاروا إلَى السقيفةِ ، و جَرىٰ بَينَهم ما جَرىٰ .

علىٰ أنّ الأنصارَ لَم يَكونوا عندَكم ممّن يَرتَكِبُ العِنادَ، و يَحمِلُه اللِّجاجُ علىٰ خِلافِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(8)، و لَم يَحضُروا السقيفةَ للمُغالَبةِ و المُجاذَبةِ ،


1) . في «ب، ص، ف» و المغني: «المخوفة».

2) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 220-221.

3) . في «د، ف»: «و لم يلح». و في «ب»: «و لم تلج». و في الحجري: «و لم يلج». و لاحَ الشيءُيَلوحُ : بدا، و لاحَ النجم: تلالأ. المصباح المنير، ج 2، ص 560 (لوح).

4) . في «ب، ج، ف»: «دلائلها».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «مخوفة».

6) . في «د» و المطبوع: «أشاروا».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «ابتدروا».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «عليه السلام»، و هكذا في الموارد الآتية.

و إنّما حَضَروا للتدبيرِ و المُشاوَرةِ‌، و لهذا تَقولونَ‌(1)إنّهم رَجَعوا عندَ روايةِ الخبرِ المُتضمِّنِ لإخراجِهم مِن نِصابِ الإمامةِ‌، و سَلَّموا و انقادوا و أذعَنوا، و لَم يَبقَ (2)منهم مَن هو مُقيمٌ علَى الخِلافِ إلّاواحدٌ يَدَّعي قومٌ استمرارَه علَى الخِلافِ ، و تَنفونَ أنتم ذلكَ عنه؛ فأيُّ فِتنةٍ تُتخوَّفُ ممّن(3)هذه حالُه في الإمامةِ ، و طَلَبِ السلامةِ ، و الانقيادِ للحَقِّ؟

فأمّا ما لا يَزالُ يَقولُه(4)مُخالِفونا في هذا المَوضِعِ‌؛ مِن أنّ العَقدَ إنّما بودِرَ إليه خَوفاً مِن فِتنةِ المُنافِقينَ الذينَ كانوا في خِلالِ‌(5)المؤمِنينَ ، يَتربَّصونَ بِهم الدوائرَ، و أنّ (6)

مَوتَ رسولِ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه قَوّىٰ في نُفوسِهم، و شَدَّ(7)مِن أطماعِهم، فلَم يَكُن يؤمَنُ مِن جِهتِهم - لَو لَم يُبادَروا بالعَقدِ - مِن الفِتنةِ ما لا يُتَلافىٰ .

فأوضَحُ فَساداً ممّا تَقدَّمَ‌؛ لأنّه دَعوىً لا شاهدَ عليها، و إخبارٌ علَى الحالِ بما لَم يَظهَرْ له دَلالةٌ و لا أمارةٌ‌؛ لأنّه لَم يَكُن في تلكَ الحالِ في المَدينةِ مِن المُنافِقينَ مَن يُعبأُ به و يُعتَدُّ بمكانِه، و إنّما كانَ هُناكَ النفسانِ و الثلاثةُ ممّن قد قَمَعَه عِزُّ الإسلامِ‌، و طأطأَ رأسَه، و فَلَّ حَدَّه(8)، و جَعَلَه مغموراً مقهوراً لا مَلجأَ له يأوي إليه، و لا فئةَ يَستَنصِرُ بها، و قُبِضَ الرسولُ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و الإسلامُ مُمتَدُّ الأطنابِ ،


1) . هكذا في «ج». و في سائر النسخ و المطبوع: «يقولون».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «و سلّموا و أذعنوا فلم يبق».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «من».

4) . في المطبوع و الحجري: «يقول».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «في خلاف».

6) . في المطبوع و الحجري: «فإنّ ».

7) . في «د»: «و مدّ».

8) . الفلّ : الكسر، و الحدّ: طرف السيف، و من الرجل: بأسه و شدّته، أي كسر حدّته و بأسه. راجع: لسان العرب، ج 11، ص 530 (فلل)؛ و ج 13، ص 141 (حدد).

مُشيَّدُ(1)الأصحابِ‌، كَثيرُ العَدَدِ، قويُّ العُدَدِ، و لَم يَكُن للنِّفاقِ و لأهلِه(2)صَولةٌ‌، و لا للباطلِ و لا لأهلِه(3)دَولةٌ‌؛ فأيُّ فِتنةٍ تَتخوَّفُها الأُلوفُ الكَثيرةُ مِن ذَوي البأسِ و الغَلبةِ و التمَكُّنِ‌(4)في الإسلامِ من نَفَرٍ يَسيرٍ حَقيرٍ(5)لا بَطشَ لهم و لا مُنّةَ‌(6)؟ و هذا قولٌ يُرغَبُ بأهلِ العِلمِ (7)و العقلِ عن الاعتمادِ عليه، و الاعتلالِ في هذا الأمرِ الجَليلِ بمِثلِه.

ثُمّ يُقالُ لصاحبِ الكتابِ : إذا جازَ أن يَحمِلَ خَوفُ الفِتنةِ علىٰ تأخيرِ المُقدَّمِ و تقديمِ المؤخَّرِ في بابِ الفَضلِ ، فألّا جازَ أن يَحمِلَ خَوفُ الفِتنةِ علَى العَقدِ للفاسقِ؟ أو لِمَن لا عِلمَ له جُملةً و لا فَضلَ؟ أو لِمَن هو في أدنىٰ طبقاتِ العِلمِ و الفَضلِ ، فلا يَكونُ أفضَلَ و لا كالأفضَلِ (8)؟

فإن قالَ : لأنّ كَونَه أفضَلَ لَيسَ مِن الشرائطِ الواجبةِ التي لا بُدَّ منها، و إنّما هو كالترجيحِ ، و كَونُه عَدلاً مِن الشروطِ الواجبةِ ، و(9)كذلكَ كَونُه ذا حَظٍّ مِن العِلمِ .

قيلَ له: هذا اقتراحٌ‌، لا فَرقَ بَينَكَ و بَينَ مَن عَكسَهَ و قالَ‌: إنّ الفَضلَ هو الذي لا بُدَّ منه، و إنّ العَدالةَ هي التي تَجري مَجرَى الترجيحِ .


1) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «مستبدّ». و قال ابن فارس: الشين و الياء و الدال أصلٌ واحدٌ يدلّ على رفع الشيء. معجم مقاييس اللغة، ج 3، ص 234 (شيد).

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «و لا أهله».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «و لا أهله».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «و التمكين».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: - «حقير».

6) . المُنّةُ : القوّةُ ؛ يقال: ليس لقَلبِه مُنّةٌ . راجع: كتاب العين، ج 8، ص 374؛ أساس البلاغة، ص 605 (منن).

7) . في «ب، ج، ص، ف»: + «و الفضل».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «و لا يكون أفضل، أو كالأفضل».

9) . في المطبوع: - «و».

و بَعدُ، فأَجِزْ علىٰ موجَبِ هذا الفَرقِ أن يُعقَدَ في حالِ الضرورةِ لِمَن هو خالٍ مِن العِلمِ جُملةً ، و إن كانَ عَدلاً.

فإن قالَ : فكأنّكم بطَعنِكم علَى الوجهِ الذي اختَرناه في عِلّةِ تقديمِ أبي بَكرٍ مُصوِّبونَ لِمَن اعتَلَّ في تقديمِه بأنّه كانَ أفضَلَهم؛ مِن حَيثُ لَم يَكُن [غَيرُه] بأعَزِّهم عَشيرةً ، و لا بأكثَرِهم(1)مالاً.

قُلنا: لَيسَ‌(2)يَجِبُ مِن حَيثُ طَعَنّا علىٰ بعضِ العِلَلِ أن نَكونَ مُصوِّبينَ لغَيرِها، و كُلُّ ما حَكَيتَه مِن التعليلِ فاسدٌ عندَنا؛ لأنّه مَبنيٌّ علىٰ أنّ الاختيارَ كانَ صَواباً صَحيحاً، و إنّما الخِلافُ في عِلّةِ تقديمِ المفضولِ علَى الفاضِلِ‌، و نحَنُ‌(3)لا نَقولُ بصِحّةِ ذلكَ الاختيارِ و صَوابِه فنَحتاجَ إلىٰ ذِكرِ عِلّتِه. و عندَنا أنّه كانَ فاسداً، و إنّما حَمَلَ قوماً عليه الحَميّةُ و العَصَبيّةُ‌، و انقادَ آخَرونَ للشُّبهةِ ، و أمسَكَ الباقونَ للتقيّةِ ؛ فلا معنىٰ للكلامِ في طَلَبِ العِلَلِ . و هذا المعنىٰ قد مضَىٰ فيه كلامٌ كَثيرٌ، و سيأتي فيه كلامٌ آخَرُ عندَ الحاجةِ إليه بعَونِ اللّٰهِ تَعالىٰ .

مناقشة الصفحات التي ادُّعي أنّ المفضول يُقدَّم على الفاضل لأجلها

ثُمّ ذَكَرَ صاحبُ الكتابِ‌ الخِلالَ التي يُقَدَّمُ‌(4)المفضولُ علَى الفاضلِ لأجلِها في كلامٍ طويلٍ‌، جُملتُه: أنّه عَدَّ مِن جُملةِ ذلكَ أن يَكونَ (5)بعضُ الشرائطِ التي يُحتاجُ إليها في الإمامةِ (6)مفقودةً في الفاضلِ ، موجودةً عند المفضولِ ،


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «أكثرهم» بدل «بأكثرهم».

2) . في المطبوع و الحجري: «أ ليس».

3) . في المطبوع و الحجري: + «أن».

4) . في «ب» و المطبوع: «تقدّم».

5) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «أن تكون».

6) . في «ج، ص، ف»: «في الإمام».

كالعِلمِ و(1)المَعرِفةِ بالسياسةِ‌، أو يَكونَ الفاضلُ عَبداً أو ضَريراً أو زَمِناً أو شَديدَ الجُبنِ و الجَزَعِ‌(2)، أو يَكونَ الأفضَلُ مِن غيرِ قُرَيشٍ‌، أو يَكونَ المفضولُ مُشتَهِرَ الفَضلِ عندَ العامّةِ و الخاصّةِ‌، و الأفضَلُ خَفيَّ الفَضلِ‌، أو يُعرَفَ مِن انقيادِ الناسِ للمفضولِ و سُكونِهم إليه و استِنامتِهم(3)إلىٰ وِلايتِه ما لا يُعرَفُ في الفاضلِ‌، أو

يَكونَ المفضولُ في البلدِ الذي ماتَ فيه الإمامُ‌، فيُخافَ مِن تأخيرِ العقدِ و إرجائه إلىٰ أن يَحضُرَ الفاضلُ البَعيدُ الدارِ مِن فِتنةٍ و اضطرابٍ‌، أو يَكونَ في الفاضلِ صَوارفُ لَيسَت مِثلُها في المفضولِ ، كالعَجَلةِ ، و الحِدّةِ ، و البُخلِ الشديدِ، و ما أشبَهَ ذلكَ (4).

يُقالُ له: إنّ مَن كانَ ناقصَ العِلمِ و السياسةِ‌، أو مفقودَ(5)الشَّجاعةِ ، أو معروفاً بالحِدّةِ و العَجَلةِ و البُخلِ الشديدِ، فلَيسَ الأفضَلَ بالإطلاقِ ؛ و إنّما أوجَبنا الإمامةَ لِمَن(6)كانَ أفضَلَ في كُلِّ الخِلالِ المُراعاةِ في بابِ الإمامةِ ، فمَن كانَ أفضَلَ في شَيءٍ و مفضولاً في غيرِه لَم يَكُنِ الأفضَلَ بالإطلاقِ .

فإذا قالَ لنا قائلٌ : أفرأَيتم لَو اتَّفَقَ أن يَكونَ الأفضَلُ في العبادةِ و الثوابِ ناقصاً في العِلمِ و السياسةِ ، و يَكونَ الأفضَلُ في السياسةِ و العِلمِ مفضولاً في الثوابِ و العبادةِ ، مَنِ الذي يُنصَبُ إماماً منهما؟

قُلنا: متىٰ لَم يَكُنِ الأفضَلُ في سائرِ الخِلالِ واحداً، و انقَسَمَ الفَضلُ القِسمةَ التي ذَكَرَها السائلُ (7)، وَجَبَ أن يُنصَبَ الفاضلُ في العبادةِ و الناقصُ في السياسةِ إماماً لِمَن كانَ دونَه في كُلِّ ذلكَ ، و يُنصَبَ الفاضلُ في السياسةِ المفضولُ في


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «أو».

2) . في «ج، ص، ف»: - «و الجزع».

3) . استنام له فلانٌ : إذا اطمأنّ إليه و سكن. معجم مقاييس اللغة، ج 5، ص 373 (نوم).

4) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 229-230؛ علماً بأنّ ما في المتن تلخيص لما هنالك.

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «و مفقود».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «فيمن».

7) . في «ج، ص، ف»: «و انقسم الفضل الذي ذكرها السائل».

الثوابِ و العبادةِ إماماً لِمَن كانَ أيضاً دونَه في كُلِّ ذلكَ ، و لا يُقدَّمَ المفضولُ علَى الفاضلِ فيما كانَ أفضَلَ منه فيه. و لَيسَ يُنكَرُ ما ذَكرناه؛ لأنّ اختصاصَ وِلاية الإمامِ بفَريقٍ دونَ فَريقٍ مِن طَريقِ العقلِ جائزٌ.

و لا يَمتَنِعُ أيضاً، لَو اتَّفَقَ ما ذَكَروه، أن يُجعَلَ الفاضلُ في العبادةِ إماماً للمفضولِ فيها، و الفاضلُ في السياسةِ إماماً للمفضولِ [فيها]؛ و هذا أيضاً غيرُ مُنكَرٍ.

فأمّا ظهورُ الفَضلِ‌ عندَ العامّةِ و الخاصّةِ‌: فلَيسَ بعِلّةٍ توجِبُ تقديمَ المفضولِ علَى الفاضلِ‌؛ لأنّ ذلكَ لَو جازَ أن يَكونَ عِلّةً‌، لَجازَ أن يُقدَّمَ مَن كانَ قليلَ العِلمِ نَزْرَ(1)المَعرفةِ بالأحكامِ‌، إلّاأنّ حالَه مُنتَشِرةٌ عندَ العامّةِ علَى الأفضَلِ في العِلمِ المُبرَّزِ في العِلمِ بالأحكامِ‌؛ فلمّا كانَ لا اعتبارَ(2)بما عندَ العامّةِ و ما يَظهَرُ لهم في بابِ العِلمِ‌، لَم يَكُن أيضاً بما عندَهم اعتبارٌ في بابِ الفَضلِ .

و هذا إنّما يَصِحُّ أن يُراعيَه و يَجعَلَه عِلّةً مَن يَذهَبُ إلىٰ أنّ نَصبَ الإمامِ باختيارِ الأُمّةِ ، فيَعتَبِرُ(3)في صفاتِه ما يَظهَرُ لها. فأمّا علَى المَذهبِ الصحيحِ - الذي دَلَّلنا فيما تَقدَّمَ عليه مِن أنّ الإمامةَ لا تَكونُ إلّابنَصِّ اللّٰهِ تَعالىٰ - فلا يَجِبُ (4)اعتبارُ ذلكَ .

فأمّا الاستِنامةُ و السُّكونُ و الانقيادُ للمفضولِ ، و الانحرافُ عن الفاضلِ و النُّفورُ عن وِلايتِه: فلَيسَ يَجوزُ أن يَكونَ عِلّةً في تقديمِ المفضولِ و تأخيرِ الفاضلِ ؛ لأنّ الاستنامةَ و السكونَ إذا كانا إلىٰ مَن لَم تَتكامَلْ صفاتُه، أو مَن كانَ غيرُه أحَقَّ منه(5)


1) . النَّزْر: القليل من كلّ شيء. لسان العرب، ج 5، ص 203 (نزر).

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «المبرَّز في معرفة الأحكام، فلمّا لم يكن اعتبار».

3) . في «د» و المطبوع: «فتعتبر».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: + «علينا».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: - «منه».

و أَولىٰ بالتقديمِ‌، لَم يَكُن بِهما(1)اعتبارٌ؛ ألا تَرىٰ أنّ الناسَ لَو سَكَنوا إلَى الفاسقِ‌، و مَن لا عِلمَ عندَه بشَيءٍ مِن الأحكامِ‌، و نَفَروا عن العَدلِ العالِمِ بالأحكامِ‌، لَم يَكُن ذلكَ عِلّةً في تقديمِ الفاسقِ الجاهلِ‌، و تأخيرِ العَدلِ العالِمِ؟

علىٰ أنّ صاحبَ الكتابِ كأنّه(2)ناقَضَ لهذا المَوضِعِ بقَولِه بَعدَ هذا الفَصلِ‌:

و لذلكَ قالَ شَيخُنا أبو عَليٍّ‌: إنّ نُفورَ(3)الناسِ عن أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ‌، لِما كانَ منه مِن قَتلِ‌(4)الأقارِبِ‌، لا يُعَدُّ عِلّةً بها(5)يُقدَّمُ الغَيرُ عليه؛ لأنّ ذلكَ مِن عظيمِ مَناقبِه في الدينِ‌، و أقوىٰ ما يَدُلُّ علىٰ شِدّتِه في ذاتِ اللّٰهِ تَعالىٰ‌.

قالَ‌:

و علىٰ هذا الوجهِ حُمِلُ ما ذُكِرَ مِن فَظاظةِ (6)عُمَرَ و حِدّتِه؛ لأنّ ذلكَ كانَ في ذاتِ اللّٰهِ تَعالىٰ و في دينِه، فما حَلَّ هذا المَحلَّ لا يَجوزُ

لأجلِه(7)تقديمُ المفضولِ علَى الفاضلِ (8).

و هذا - كَما تَرىٰ (9)- كلامُ مَن لا يُراعي أسبابَ النِّفارِ و السكونِ ، و يَعتَبِرُ بما(10)


1) . في «ص، ف»: «بهم». و في «ب»: «لهم».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «رأيه».

3) . في النسخ و الحجري: «نفار». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و المغني.

4) . في «د» و المغني: «من قِبَل».

5) . في المغني: «لها». و في «ص، ف»: «لما».

6) . في المغني: «فظاعة».

7) . هكذا في النسخ و المغني. و في المطبوع و الحجري: - «لأجله».

8) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 230.

9) . في «د»: «كما ترون».

10) . في «ب، ج، ص، ف»: «ما».

كانَ له سببٌ مؤثِّرٌ في حالِ مَن يُختارُ للإمامةِ ، و لا يَعتَبِرُ بما(1)لَم يَكُن مؤثِّراً في حالِه؛ بَل كانَ ما أَوجَبَ (2)النِّفارَ عنه رافعاً لمَنزِلتِه، و مُقدِّماً لرُتبتِه.

فأمّا كَونُ المفضولِ في البلدِ الذي ماتَ فيه الإمامُ‌، و بُعدُ دارِ الفاضلِ ، و خَوفُ الفتنةِ مِن تأخيرِ العَقدِ: فإنّما يَصِحُّ له أيضاً أن يَكونَ سبباً عندَ مَن جَعَلَ الإمامةَ بالاختيارِ(3)و ذلكَ فاسدٌ. علىٰ أنّه يوجِبُ أن يُعقَدَ للفاسقِ ، و الخالي مِن كُلِّ علومِ الدينِ ، إذا كانَ في البلدِ الذي تُوفّيَ فيه الإمامُ و خِيفَت الفتنةُ مِن تأخيرِ العَقدِ؛ و هذا ممّا لا فَصلَ (4)فيه.

اشتراط الفضل في الإمامة ابتداءً و استمراراً

ثُمّ قالَ صاحبُ الكتابِ :

فإن قيلَ : إن كانَ الأفضَلُ أَولىٰ بالإمامةِ ، فيَجِبُ بَعدَ العَقدِ للإمامِ الذي هو الأفضَلُ إذا صارَ(5)غيرُه أفضَلَ منه أن يُعقَدَ له و يُنقَضَ عَقدُ الأوّلِ .

ثُمّ قالَ :

قيلَ له: لا يَمتَنِعُ في هذا الشرطِ أن يُعتَبَرَ في الأوّلِ علىٰ بعضِ الوجوهِ ، و لا يُعتَبَرَ بَعدَ ذلكَ ؛ لأنّ كَثيراً مِن الأحكامِ قد يَعرِضُ (6)و لا يَمنَعُ (7)


1) . هكذا في النسخ. و في المطبوع و الحجري: «ما».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «ما يوجب».

3) . في «ج، ص، ف»: «باختيار». و في «ب»: «باختيار الناس».

4) . هكذا في «ج، ف». و في سائر النسخ و المطبوع: «لا فضل».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «فيجب بعد العقد الذي عُقد للأفضل إذا كان».

6) . في «د»: «قد تعرض».

7) . في «ب»: «و لا يمتنع».

مِن صِحّةِ العَقدِ، و إن كانَ في الابتداءِ يَمنَعُ منه، كالعِلّةِ‌(1)التي تَطرأُ علَى النكاحِ فلا تَمنَعُ‌(2)مِن صِحّتِه(3)و إن مَنَعَت في الابتداءِ‌، إلىٰ غيرِ ذلكَ‌؛ فهو موقوفٌ علَى الدلالةِ‌، و قد ثَبَتَ بالدليلِ أنّ عَقدَ الإمامِ لا يُنقَضُ بذلكَ‌، و هو الإجماعُ (4).

علىٰ أنّ شَيخَنا أبا عَليٍّ قد ذَكَرَ - فيما أظُنُّ - أنّ الإمامَ إذا كُفَّ بَصَرُه لا تُفسَخُ (5)إمامتُه، و إنّما يَنوبُ عنه غيرُه و هو علىٰ جُملةِ الإمامةِ ، فلَم يُنقَضْ عَقدُ الإمامةِ لهذه الخَلّةِ ، و هو(6)في بابِ المَنعِ أقوىٰ مِن كَونِ المفضولِ مفضولاً(7).

يُقالُ له: السؤالُ لازمٌ‌، و لَم يُجِبْ عنه بشَيءٍ مُقنِعٍ‌، و الذي يؤكِّدُه أنّ كُلَّ شَيءٍ جُعِلَ مانعاً مِن العَقدِ للإمامِ ابتداءً‌، فهو متىٰ عَرَضَ بَعدَ العَقدِ صارَ سبباً للفَسخِ و نَقضِ‌(8)الإمامةِ‌؛ أ لا تَرىٰ أنّ العَدالةَ لمّا أن كانَت مطلوبةً‌، و كانَ الفِسقُ مانعاً مِن العَقدِ ابتداءً ، فكذلكَ لَو ظَهَرَ الفِسقُ بَعدَ العَقدِ و تَغيَّرَت العَدالةُ ، كانَ ذلكَ يوجِبُ الفَسخَ؟ و كذلكَ العِلمُ المخصوصُ لمّا كانَ فَقدُه مانعاً مِن ابتداءِ العَقدِ، مَنَعَ (9)أيضاً لَو قَدَّرنا أنّ الخروجَ عن العِلمِ يَعرِضُ في المُستَقبَلِ ، إمّا بنِسيانٍ أو غيرِه(10)،


1) . في «د» و المغني: «كالعدّة». و في «ب»: «كالعادة».

2) . في «ب، ج، د، ف» و الحجري: «فلا يمنع».

3) . في «ب، ج، ف»: «من صحّة العقد».

4) . في المغني: + «فسقط ما سألت عنه».

5) . في «د» و المطبوع: «لا يُفسخ».

6) . في المغني: «لهذه الحالة، و هي».

7) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 230-231.

8) . في المطبوع و الحجري: «و تغيّرت».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: + «منه».

10) . في «ب، ج، ص، ف»: «أو بغيره».

و سائرُ الشروطِ المُراعاةِ ابتداءً هي مُراعاةٌ مع الاستمرارِ، فكَيفَ خَرَجَ الفَضلُ في هذه القَضيّةِ عن سائرِ الصفاتِ؟

و الذي ذَكَرَه مِن العِلّةِ في النكاحِ لا يَنفَعُه شَيئاً؛ لأنّا لَم نَقُلْ : «كُلُّ أمرٍ مَنَعَ في كُلِّ عَقدٍ ابتداءً مَنَعَ عارضاً»، و إنّما خَصَّصنا بذلكَ الإمامةَ دونَ غيرِها.

و أمّا ادّعاؤه الإجماعَ‌ علىٰ أنّ عَقدَ الإمامةِ لا يُنقَضُ بذلكَ‌: فباطلٌ‌؛ لأنّا خارجونَ عن هذا الإجماعِ‌، و عندَنا أنّ الإمامةَ لَو كانَت بالاختيارِ، و كانَ الفَضلُ فيها مُراعىً ابتداءً ، لَوَجَبَ أن يَكونَ مُراعىً في المُستَقبَلِ ، و يَجِبُ أن يَنقُضَ (1)إمامةَ مَن صارَ مفضولاً كَما يَمنَعُ مِن العَقدِ للمفضولِ .

فأمّا ما حَكاه عن أبي عَليٍّ في الإمامِ إذا كُفَّ بَصَرُه: فإن كانَ أبو عَليٍّ ممّن يَقولُ‌: «إنّ كَفَّ البَصَرِ مانعٌ مِن العَقدِ في الابتداءِ »، فيَجِبُ أن يَنقُضَ به متىٰ عَرَضَ في الإمامِ (2)، و هو مُناقِضٌ متىٰ لَم يَلتزِمْ ذلكَ ، و الحُجّةُ ما اعتَبَرناه في أنّ المانعَ مِن العَقدِ ابتداءً يَمنَعُ منه ثانياً. و إن لَم يَكُن يَقولُ ذلكَ ، فلا معنىٰ للاحتجاجِ بقَولِه.

وجوب تقديم الفضل المقطوع على المظنون

ثُمّ قالَ صاحبُ الكتابِ :

فإن قيلَ : لَو قُطِعَ بالنصِّ علىٰ فَضلِ الواحدِ، أكانَ يَجوزُ العُدولُ عنه إلىٰ غيرِه ؟

قيلَ له: قد يَجوزُ ذلكَ ؛ لأنّ الذي يُعتَبَرُ في هذا البابِ هو الفَضلُ في الظاهرِ دونَ الباطنِ ، فإذا قَويَ في(3)الظنِّ بالأماراتِ أنّ غيرَه مِثلُه أو


1) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «أن تنقض».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «للإمام».

3) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «في».

أفضَلُ منه، لَم يَمتَنِعْ أن يُقدَّمَ عليه؛ و ذلكَ بمَنزلةِ أن يُسمَعَ مِن الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه وَصفُه الرجُلَ أنّه قُرَشيٌّ (1)، فلا يَجِبُ أن لا يُقدَّمَ غيرُه عليه و إن لَم يَثبُتِ النَّسَبُ قَطعاً. و علىٰ هذا الوجهِ يَجوزُ أن يَكونَ مَن لا يُقطَعُ علىٰ فَضلِه أفضَلَ منه، و إنّما كانَ يَجِبُ ما سَألَ عنه لَو كانَ الفَضلُ المطلوبُ هو المُتيقَّنَ (2).

يُقالُ له: لا شُبهةَ في أنّ الفَضلَ المقطوعَ عليه أَولىٰ أن يُقدَّمَ صاحبُه مِن الفَضلِ المظنونِ‌، و إنّما يَعتَبِرُ الفَضلَ في الظاهرِ دونَ الباطنِ مَن يَعتَبِرُه في هذا البابِ‌؛ مِن حَيثُ لَم يَكُن له إلَى الباطنِ سَبيلٌ‌، و لا عليه دَليلٌ‌؛ لأنّ الظنَّ إنّما يَكونُ له حُكمٌ و يَقومُ مَقامَ العِلمِ عندَ تَعذُّرِ العِلمِ ، فأمّا مع حصولِ العِلمِ فلا حُكمَ للظنِّ ؛ و لهذا لَو عَلِمنا بخبرِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه عَدالةَ بعضِ الشُّهودِ لَكانَت شَهادتُه أَولىٰ مِن شَهادةِ مَن يُظَنُّ عَدالتُه و لا يُقطَعُ عليها. و ما أظُنُّ أحَداً يُسَوّي في هذا البابِ بَينَ شَهادةِ المقطوعِ علىٰ عَدالتِه، و المظنونةِ عَدالتُه، و لا يَجعَلُ (3)الرُّجحانَ و المَزيّةَ في جِهةِ العِلمِ .

فأمّا الذي جَعَلَه أصلاً، مِن وَصفِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه لرَجُلٍ بأنّه قُرَشيٌّ :

فلا يَمتَنِعُ أن يُقدَّمَ غيرُه ممّن يُظَنُّ أنّه قُرَشيٌّ ؛ و الخِلافُ (4)في الأمرَينِ واحدٌ، و الحُجّةُ علىٰ فَسادِ قولِه في الأصلِ و الفَرعِ جميعاً ما ذَكرناه.


1) . في «ج، ص، ف»: «لرجل» بدل «الرجل». و في المغني: «وصفه أنّ كلّ قرشي».

2) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 231-232.

3) . في «د»: «و لا نجعل». و في «ف» و الحجري: «و لا تجعل».

4) . في «ج، ص، ف»: «... من وصف الرسول عليه السلام لرجل بأنّه قريشي؛ فالخلاف».

10 فَصلٌ في اعتراضِ كلامِه في أنّ الأئمّةَ مِن قُرَيشٍ

اشارة

اعلَمْ أنّ المَذهبَ في هذا البابِ و إن كانَ واحداً - لأنّا نُوافِقُه علىٰ أنّ الإمامةَ لا تَصلُحُ في غيرِ قُرَيشٍ - فلنا أن نَتكلَّمَ فيه مِن حَيثُ اختَلَفنا في الدلالةِ و الطرُقِ الموصِلةِ إلىٰ هذا المَذهبِ . و إنّما ذَكرنا هذه المُقدِّمةَ لئلّا يَظُنَّ ظانٌّ أنّ الخِلافَ مِنّا واقعٌ (1)في المَذهبِ .

قالَ صاحبُ الكتابِ :

قد استَدَلَّ شُيوخُنا علىٰ ذلكَ بما رُويَ عنه صَلَّى اللّٰهُ عليه(2)أنّ «الأئمّةَ مِن قُرَيشٍ‌»(3)، و رُويَ عنه أنّه قالَ‌: «إنّ هذا الأمرَ لا يَصلُحُ إلّافي هذا الحَيِّ مِن قُرَيشَ‌(4)»(5).


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «وقع».

2) . هكذا في المغني. و في النسخ و المطبوع: + «و آله».

3) . مسند أحمد، ج 3، ص 129، ح 12329، و ص 183، ح 12923، و ج 4، ص 421، ح 19792؛ المعجم الكبير، ج 1، ص 252، ح 729؛ مسند أبي يعلىٰ‌، ج 6، ص 321، ح 3644، و ج 7، ص 94، ح 4032 و 4033؛ مسند الطيالسي، ص 125، ح 926، و ص 284، ح 2133؛ المصنّف لابن أبي شيبة، ج 7، ص 545، ح 8، و ص 547، ح 17، و ص 599، ح 47؛ المصنّف لعبد الرزّاق، ج 11، ص 58، ح 19903.

4) . كلمة «قريش» هنا ممنوعةٌ من الصرف خلافاً لسابقتها في قوله: «الأئمّة من قريشٍ »؛ و ذلك لما قاله الجوهريّ : فإن أرَدتَ ب‍ «قريش» الحَيَّ صَرَفتَه، و إن أرَدتَ به القَبيلةَ لَم تَصرِفْه. و المراد في قوله: «الأئمّةُ من قريش» الحَيّ ، أي البطن، و هو دونَ القبيلة، لقول سيبويه في «مَعَدّ» و «قريش» و «ثقيف» و «كينونة»: هذه للأحياء أكثر، و إن جعلتَها اسماً للقبائل فهو جائزٌ حَسَنٌ . راجع: الصحاح، ج 3، ص 1016 (قرش).

5) . صحيح البخاري، ج 6، ص 2503، ح 6442؛ مسند أحمد، ج 1، ص 55، ح 391؛ مسند البزّار،

و قَوَّوا ذلكَ بما كانَ يَومَ السَّقيفةِ مِن كَونِ ذلكَ سبباً لصَرفِ الأنصارِ عمّا كانوا عَزَموا عليه؛ لأنّهم عندَ هذه الروايةِ انصَرَفوا عن ذلكَ‌، و تَرَكوا الخوضَ فيه.

و قَوَّوا ذلكَ بأنّ أحَداً لَم يُنكِرْه في تلكَ الحالِ‌، و أنّ‌(1)أبا بَكرٍ استَشهَدَ في ذلكَ بالحاضرينَ‌(2)، فشَهِدوا به [علَى النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه](3)حتّىٰ صارَ خارجاً عن بابِ خبرِ الواحدِ إلَى الاستفاضةِ (4).

و قَوَّوا ذلكَ بأنّ ما جَرىٰ (5)هذا المَجرىٰ إذا ذُكِرَ في مَلَإٍ مِن الناسِ و ادُّعيَ عليهم المَعرفةُ (6)، فتَركُهم النَّكيرَ يَدُلُّ علىٰ صِحّةِ الخبرِ المذكورِ(7).

بحوث حول خبر: «الأئمّة من قريش»

اشارة

يُقالُ له: لَيسَ يَصِحُّ احتجاجُكَ بهذه الطريقةِ التي سَلَكتَها إلّابَعدَ أن تُبيِّنَ أشياءَ :

منها: أنّ أبا بَكرٍ ذَكَرَ(8)يَومَ السَّقيفةِ ما حَكَيتَه، و احتَجَّ به، و أنّ ذلكَ واردٌ مِن جِهةٍ توجِبُ العِلمَ .

ج 1، ص 301، ح 194؛ المصنّف لعبد الرزّاق، ج 5، ص 439، ح 9758؛ السنن الكبرىٰ للبيهقي، ج 8، ص 142، ح 16312؛ كنز العمّال، ج 5، ص 646، ح 14134، مع اختلاف يسير.


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «فإنّ ».

2) . هكذا في النسخ و المغني. و في المطبوع و الحجري: «الحاضرين».

3) . ما بين المعقوفين من المغني.

4) . في المغني: «إلى الأكثر».

5) . في المغني: «من جرىٰ ».

6) . في المغني: «فادّعي علم المعرفة».

7) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 234.

8) . في «ب، ج، ص، ف»: + «في».

و منها: أنّه لمّا احتَجَّ بذلكَ سَلَّمَت الأُمّةُ له احتجاجَه، و صَدَّقَته عليه، و رَضيَت به.

و منها: أنّ اللفظَ موجِبٌ لنَفيِ الإمامةِ عمّن لَيسَ بقُرَشيٍّ ، و أنّه لا يَجوزُ(1)إلّافي قُرَشيٍّ (2).

و ما رأَينا صاحبَ الكتابِ بَيَّنَ شَيئاً ممّا ذَكرناه(3)، و إنّما عَوَّلَ علىٰ جُملةِ الدعوىٰ ، و نَحنُ نُبيِّنُ أنّ شَيئاً مِن ذلكَ لَم يَثبُتْ .

البحث الأوّل نفي احتجاج أبي بكر في السقيفة بخبر: «الأئمّة من قريش»

اشارة

أمّا احتجاجُ أبي بَكرٍ علَى الأنصارِ بالخبرِ المُتضمِّنِ أنّ «الأئمّةَ مِن قُرَيشٍ »: فأكثَرُ مَن رَوَى السِّيَرَ و نَقَلَ خبرَ السَّقيفةِ (4)و ما جَرىٰ فيها لَم يَذكُرْه بلَفظٍ و لا معنىً ، بَل ذَكَرَ مِن احتجاجِ أبي بَكرٍ و غيرِه علَى الأنصارِ وجوهاً و طُرُقاً لَيسَ مِن جُملتِها هذا الخبرُ المُدَّعىٰ .

خبر السقيفة برواية الطبري

و قد رَوىٰ أبو جعفرٍ مُحمّدُ بنُ جَريرٍ الطبَريُّ في كتابِه التأريخِ‌ قِصّةَ السَّقيفةِ و ما جَرىٰ فيها مِن الاحتجاجِ‌، و نَحنُ نَذكُرُ ما حَكاه علىٰ طُولِه لِيُعلَمَ خُلوُّه مِن ذلكَ‌، قالَ :

رَوىٰ (5)هِشامُ بنُ مُحمّدٍ، عن أبي مِخنَفٍ ، عن عَبدِ اللّٰهِ بنِ عَبدِ الرحمنِ


1) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «و أنّها لا تجوز».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «قريش».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «من ذلك».

4) . هكذا في «د». و في «ب، ج، ص، ف»: «من روى الخبر و نقل السير و خبر السقيفة». و في المطبوع و الحجري: «من روى الخبر و نقل السير نقَلَ خبر السقيفة».

5) . في «د» و المطبوع: + «عن». و في المصدر: «حدّثنا».

بنِ أبي عَمْرةَ الأنصاريِّ‌: أنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه لمّا قُبِضَ اجتَمَعَت الأنصارُ في سَقيفةِ بَني ساعدةَ‌، فقالوا: نُوَلّي هذا الأمرَ مِن بَعدِ

مُحمّدٍ عليه السلامُ سَعدَ بنَ عُبادةَ‌، و أَخرَجوه إليهم و هو مَريضٌ‌، قالَ‌:

فلمّا اجتَمَعوا قالَ لِابنِه أو لبعضِ بَني عَمِّه: «إنّي لا أقدِرُ - لِشَكوايَ - أن أُسمِعَ القومَ كُلَّهم كلامي، و لكِنْ تَلَقَّ مِنّي قَولي فأسمِعْهُموه» فكانَ يَتكلَّمُ و يَحفَظُ الرجُلُ قولَه، فيَرفَعُ به صَوتَه فيُسمِعُ‌(1)أصحابَه، فقالَ - بَعدَ أن حَمِدَ اللّٰهَ تَعالىٰ و أثنىٰ عليه -: «يا مَعشَرَ الأنصارِ، إنّ لَكُم سابقةً في الدينِ و فَضيلةً في الإسلامِ لَيسَت لقَبيلةٍ مِن العَرَبِ‌؛ إنّ مُحمّداً صَلَّى اللّٰهُ عليه و سَلَّمَ‌(2)لَبِثَ بِضعَ عَشرةَ سَنةً في قومِه يَدعوهم إلىٰ عِبادةِ الرحمنِ و خَلعِ الأندادِ(3)، فما آمَنَ به مِن قومِه إلّارِجالٌ قَليلٌ ، وَ اللّٰهِ (4)ما كانوا يَقدِرونَ علىٰ أن يَمنَعوا رسولَه، و لا أن يُعِزّوا دينَه، و لا أن يَدفَعوا عن أنفُسِهم ضَيماً(5)عُمّوا به؛ حتّىٰ إذا أرادَ اللّٰهُ بِكُم الفَضيلةَ ساقَ إليكم الكَرامةَ ، و خَصَّكم بالنعمةِ ؛ فرَزَقَكم الإيمانَ به و برَسولِه، و المَنعَ له و لأصحابِه، و الإعزازَ له و لِدينِه، و الجِهادَ لأعدائه؛ فكُنتم(6)أشَدَّ الناسِ علىٰ عَدُوِّه منكم، و أثقَلَه(7)علىٰ عَدُوِّه مِن غَيرِكم، حتَّى


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «و يسمع صوته».

2) . في «ج، ص، ف» و المصدر: «عليه السلام».

3) . في التلخيص: «و خلع الأوثان». و في المصدر: «و خلع الأنداد و الأوثان».

4) . في المصدر: «و كان» بدل «و اللّٰه».

5) . الضَّيم: الظلم. لسان العرب، ج 12، ص 359 (ضيم).

6) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص و المصدر. و في «د» و المطبوع: «و كنتم».

7) . في «د»: «و أنفَلَه» بدل «و أثقله». و في شرح النهج: «فكنتم أشدّ الناس علىٰ من تخلّف عنه منكم و أثقله...».

استَقامَت العَرَبُ لأمرِ اللّٰهِ طَوعاً و كَرهاً، و أَعطَى البَعيدُ المَقادةَ‌(1)صاغِراً داخِراً(2)، و حتّىٰ‌(3)أثخَنَ‌(4)اللّٰهُ لرسولِه بِكم الأرضَ‌(5)، و دانَت بأسيافِكم له العَرَبُ‌؛ و تَوفّاه اللّٰهُ إليه(6)و هو عنكم راضٍ‌، و بِكم(7)قَريرَ العَينِ‌. استَبِدّوا بهذا الأمرِ دونَ الناسِ‌؛ فإنّه لَكُم دونَ الناسِ‌(8)».

فأجابوه بأجمَعِهم أن قد وُفِّقتَ في الرأيِ‌، و أَصَبتَ في القولِ‌، و لَن نَعدُوَ ما رأَيتَ‌، نُوَلّيكَ هذا الأمرَ؛ فإنّكَ فينا مَقنَعٌ‌(9)، و لِصالحِ المؤمنينَ رِضاً.

ثُمّ إنّهم تَرادّوا الكلامَ بَينَهم(10)، فقالوا: فإن أبَتْ‌(11)مُهاجِرةُ قُرَيشٍ‌، فقالوا: نَحنُ المُهاجِرونَ و صَحابةُ رسولِ اللّٰهِ الأوّلونَ‌، و نَحنُ عَشيرتُه(12)وأولياؤه؛ فعَلامَ تُنازِعونَنا(13)الأمرَ مِن بَعدِه ؟


1) . أعطاه مقادته: انقاد له. و الانقياد: الخضوع. كتاب العين، ج 5، ص 196؛ لسان العرب، ج 3، ص 370 (قود).

2) . في المطبوع: «و آخراً»، و هو سهو. و دَخَرَ الرجلُ : ذَلَّ و صَغُرَ. لسان العرب، ج 4، ص 278 (دخر).

3) . في التلخيص و المصدر: «حتّىٰ » بدون الواو.

4) . في «ج، ص» و حاشية «ب»: «حتّىٰ أنجز». و أثخَنَه: أوهَنَه و أضعَفَه و غَلَبَه. راجع: لسان العرب، ج 13، ص 77 (ثخن).

5) . في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص: «في الأرض».

6) . في التلخيص: «و توفّاه إليه». و في «ص» و المصدر: - «إليه».

7) . في «ب»: «و لكم».

8) . في «ب، ج، ص، ف» و المصدر: - «فإنّه لكم دون الناس».

9) . المَقْنَع - بالفتح -: العدل من الشهود، يقال: فلان شاهدٌ مَقْنَعٌ ، أي رضاً يُقنع بقوله و يُرضىٰ به. الصحاح، ج 3، ص 1272 (قنع).

10) . هكذا في التلخيص و المصدر. و في النسخ و المطبوع: - «بينهم».

11) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص و المصدر. و في «د» و المطبوع و الحجري: «فإن أتت».

12) . في «ب، ج، ف»: «عترته».

13) . هكذا في التلخيص و المصدر. و في «ب، ج، ص، ف»: «تنازعونا». و في «د»: «تنازعون». و في المطبوع: «تنازعوا».

فقالَت طائفةٌ منهم: فإنّا نَقولُ‌: إذَن فمِنّا(1)أميرٌ و منكم أميرٌ، و لَن نَرضىٰ بدونِ هذا(2)أبَداً.

فقالَ سَعدُ بنُ عُبادةَ حينَ سَمِعَها: «هذا أوّلُ الوَهنِ‌».

و أتىٰ‌(3)عُمَرَ الخبرُ، فأقبَلَ إلىٰ مَنزِلِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(4)و سَلَّمَ‌، فأرسَلَ إلىٰ أبي بَكرٍ - و أبو بَكرٍ في الدارِ، و عَليُّ بن أبي طالبٍ عليه

السلامُ دائبٌ في جِهازِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و سَلَّمَ‌، فأرسَلَ إلىٰ أبي بَكرٍ - أنِ اخرُجْ إلَيَّ‌، فأرسَلَ إليه إنّي مُشتَغِلٌ‌، فأرسَلَ إليه(5)أنّه قد حَدَثَ أمرٌ(6)لا بُدَّ لكَ مِن حضورِه. فخَرَجَ إليه، فقالَ‌: أما عَلِمتَ أنّ الأنصارَ قد اجتَمَعَت في سَقيفةِ بَني ساعِدةَ‌، يُريدونَ أن يُوَلّوا(7)هذا الأمرَ سَعدَ(8)بنَ عُبادةَ ، و أحسَنُهم مَقالةً (9)مَن يَقولُ : «مِنّا أميرٌ، و مِن قُرَيشٍ أميرٌ»؟

فمَضَيا مُسرِعَين نَحوَهم، فلَقِيا أبا عُبَيدةَ بنَ الجَرّاح(10)، فتَماشَوا(11)إليهم


1) . في «ب، ج، ص، ف»: - «إذن». و في «ب» و التلخيص و المصدر: «منّا» بدل «فمنّا».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «بدون ذلك». و في المصدر: «بدون هذا الأمر».

3) . في «ب، د»: «و يأبىٰ ».

4) . في المصدر: - «و آله»، و هكذا في الموارد الآتية.

5) . في «د» و المطبوع: - «إليه».

6) . في «د» و المطبوع: «الأمر».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «أن يعقدوا».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «لسعد».

9) . في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص: «مقالاً».

10) . هكذا في التلخيص و المصدر. و في النسخ و المطبوع: - «بن الجرّاح».

11) . هكذا في النسخ و التلخيص و المصدر. و في المطبوع و الحجري: «فتماسّوا».

ثَلاثَتُهم(1)فلَقيَهم عاصِمُ بنُ عَدِيٍّ‌(2)و عُوَيمُ‌(3)بن ساعِدةَ‌(4)، فقالا(5)لهُم:

ارجِعوا، فإنّه لَن يَكونَ‌(6)إلّاما تُحِبّونَ‌(7)، فقالوا: لا نَفعَلُ‌.

فجاؤوهُم(8)و هُم مُجتَمِعونَ‌، فقالَ عُمَرُ بنُ الخَطّابِ‌: أتَيناهم - و قد كُنتُ زَوَّرتُ‌(9)في نَفسي كلاماً أرَدتُ أن أقومَ به فيهم - فلمّا أن


1) . هكذا في التلخيص و المصدر. و في النسخ و المطبوع: - «ثلاثتهم». و في «ب، ج، ص، ف» و المطبوع: «إليه» بدل «إليهم».

2) . عاصم بن عدي بن الجدّ بن العجلان، حليف بني عبيد بن زيد، من بني عمرو بن عوف من الأوس، يكنّىٰ أبا عبد اللّٰه، و قيل: أبو عمرو، و هو أخو معن بن عديّ ، و كان سيّد بني العجلان. شهد بدراً و أُحداً و الخندق و المشاهد كلّها مع رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله، و هو الذي سأل رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله لعويمر العجلاني حول ما ادّعاه عويمر من رؤيته لزوجته مع رجل غريب، فنزلت قصّة اللعان، و هو والد أبي البدّاح بن عاصم. توفّي سنة خمس و أربعين، و قد عاش مائة و خمس عشرة سنة. معجم الصحابة، ج 12، ص 414، الرقم 829؛ تاريخ الصحابة، ص 182، الرقم 945؛ معرفة الصحابة، ج 4، ص 3، الرقم 2227؛ الاستيعاب، ج 2، ص 781، الرقم 1309؛ أُسد الغابة، ج 3، ص 10، الرقم 2670.

3) . في «د» و حاشية الحجري: «عويمر». و الصحيح ما أثبتناه.

4) . عويم بن ساعدة بن عائش بن قيس بن الأوس الأنصاري، آخىٰ رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله بينه و بين حاطب بن أبي بلتعة، و شهد بدراً و أُحداً و الخندق و المشاهد كلّها مع رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله. قيل: توفّي في حياة رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله، و قيل: مات في خلافة عمر بن الخطّاب و هو ابن خمس و ستّين سنة. الطبقات الكبرىٰ ، ج 3، ص 349، الرقم 114؛ معجم الصحابة، ج 11، ص 4105، الرقم 819؛ حلية الأولياء، ج 2، ص 11، الرقم 100؛ معرفة الصحابة، ج 3، ص 484، الرقم 2210؛ الاستيعاب، ج 3، ص 1248، الرقم 2052؛ أُسد الغابة، ج 4، ص 15، الرقم 4132.

5) . في المطبوع: «و قالا».

6) . في التلخيص و المصدر: «لا يكون».

7) . في المصدر: «فإنّه لا يكون إلّاما تريدون».

8) . في «ب، ج، ص» و المصدر: «فجاؤوا».

9) . في المصدر: «زَوَيْتُ ». و فيه و في التلخيص: - «في نفسي». و زَوَّرَ الكلامَ و زَواه: هَيَّأَه في نَفسِه. تاج العروس، ج 19، ص 500 (زوو).

دَفَعتُ‌(1)إليهم ذَهَبتُ لأَبتَدئَ المَنطِقَ‌، فقالَ لي أبو بَكرٍ: «رُوَيداً حتّىٰ أَتكلَّمَ‌، ثُمّ انطِقْ بَعدُ بما أحبَبتَ‌» فنَطَقَ‌، فقالَ عُمَرُ: فما شَيءٌ كُنتُ أُريدُ أن أقولَ به إلّاو قد أتىٰ به أو زادَ عليه(2).

قالَ عَبدُ اللّٰهِ بنُ عَبدِ الرحمنِ‌: فبَدأَ أبو بَكرٍ، فحَمِدَ اللّٰهَ تَعالىٰ و أَثنىٰ عليه، ثُمّ قالَ‌: «إنّ اللّٰهَ تَعالىٰ بَعَثَ مُحمّداً رَسولاً إلىٰ خَلقِه و شَهيداً علىٰ أُمّتِه ليَعبُدوا اللّٰهَ و يُوَحِّدوه، و هُم يَعبُدونَ مِن دونِه آلِهةً شَتّىٰ‌، يَزعُمونَ أنّها لِمَن عَبَدَها شافعةٌ‌(3)، و لهُم نافعةٌ‌، و إنّما هي مِن حَجَرٍ مَنحوتٍ‌، و خَشَبٍ مَنجورٍ - ثُمّ قَرأَ -: (وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ مٰا لاٰ يَضُرُّهُمْ وَ لاٰ يَنْفَعُهُمْ وَ يَقُولُونَ هٰؤُلاٰءِ شُفَعٰاؤُنٰا عِنْدَ اللّٰهِ‌)(4)، و قالوا: (مٰا نَعْبُدُهُمْ إِلّاٰ لِيُقَرِّبُونٰا إِلَى اللّٰهِ زُلْفىٰ‌)(5). فعَظُمَ علَى العَرَبِ أن يَترُكوا دينَ‌

آبائهم؛ فخَصَّ اللّٰهُ‌(6)المُهاجِرينَ الأوّلينَ مِن قومِه بتَصديقِه، و الإيمانِ به، و المُواساةِ له، و الصبرِ معه علىٰ شِدّةِ أذىٰ قومِهم لهُم و تكذيبِهم إيّاهُم، و كُلُّ الناسِ لهُم مُخالِفٌ ، و عليهِم زارٍ(7)فلَم يَستَوحِشوا لقِلّةِ


1) . دَفَعَ إلى المكانِ و دُفِعَ ، كِلاهما: انتهىٰ . لسان العرب، ج 8، ص 89 (دفع).

2) . هكذا في التلخيص و المصدر. و في «د» و المطبوع: «إلّا و قد أتىٰ عليه». و في «ب، ج، ص، ف»: «إلّا و قد أتىٰ عليه أبو بكر».

3) . في المصدر: «أنّها لهم عنده شافعة».

4) . يونس (10):18.

5) . الزمر (39):3.

6) . في المطبوع و الحجري: - «اللّٰه».

7) . في «ب»: «رادّ». و زَرىٰ به يَزْري، أي عابه، و هو زارٍ عليه و به. المحيط في اللغة، ج 9، ص 95 (زري).

عَدَدِهم، و تَشنُّفِ‌(1)الناسِ لهُم، و إجماعِ قومِهم عليهِم؛ فهُم(2)أوّلُ مَن عَبَدَ اللّٰهَ في الأرضِ و آمَنَ باللّٰهِ و بالرسولِ‌، و هُم أولياؤه و عَشيرتُه(3)و أحَقُّ الناسِ بهذا الأمرِ مِن بَعدِه، و لا يُنازِعُهم في ذلكَ إلّاظالمٌ‌.

و أنتم يا مَعشَرَ الأنصارِ مَن لا يُنكَرُ فَضلُهم في الدِّينِ‌، و لا سابِقتُهم(4)العَظيمةُ في الإسلامِ‌؛ رَضِيَكم اللّٰهُ أنصاراً لِدينِه و رسولِه، و جَعَلَ إليكم هِجرتَه، و فيكم جِلّةَ أصحابِه و أزواجِه؛ فلَيسَ‌(5)بَعدَ المُهاجِرينَ الأوّلينَ أحَدٌ(6)عندَنا بمَنزِلتِكم، فنَحنُ الأُمَراءُ و أنتم الوُزَراءُ‌؛ لا تُفاتونَ‌(7)بمَشوَرةٍ‌، و لا تُقضىٰ‌(8)دونَكم الأُمورُ».

فقامَ إليه المُنذِرُ بنُ الحُبابِ بنِ الجَموحِ (9)- هكَذا رَوَى الطبَريُّ ، و الذي رَواه غيرُه أنّه الحُبابُ بنُ المُنذِرِ - فقالَ : يا مَعشَرَ الأنصارِ، املِكوا علىٰ أيديكم(10)فإنّ الناسَ في فَيئكم و ظِلِّكم، و لَن يَجترئَ مُجتَرئٌ علىٰ خِلافِكم، و لَن يَصدُرَ الناسُ إلّاعن رأيِكم؛ أنتم أهلُ


1) . في المصدر: «و شَنَف». و الشَّنَف: شدّة البغض. و في «ب، ج، ص، ف»: «و تكذيب». و في التلخيص: «و تشذّب». و التشذّب: التفرّق.

2) . في المطبوع و الحجري: - «فهم»، و هو سهو.

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «و عترته».

4) . في «د»: «و لا تسابقهم».

5) . في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص: «و ليس».

6) . في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص و المصدر: - «أحد».

7) . في التلخيص و المصدر: «لا تفتاتون». و في المطبوع و الحجري: «لا تفاوتون».

8) . في المصدر: «و لا نقضي».

9) . في المطبوع: - «بن الجموح». و في المصدر: «الحباب بن المنذر بن الجموح».

10) . في التلخيص و المصدر: «املِكوا عليكم أمركم».

العِزِّ(1)و الثَّروةِ‌، و أُولو العَدَدِ(2)و التجرِبةِ‌، و ذَوو البأسِ و النَّجدةِ‌، و إنّما يَنظُرُ الناسُ إلىٰ ما تَصنَعونَ‌؛ فلا تَختَلِفوا فيَفسُدَ عليكم رأيُكم، و تَنتَقِضَ أُمورُكم(3)إن(4)أبىٰ هؤلاءِ إلّاما سَمِعتم فمِنّا أميرٌ و منهم أميرٌ.

فقالَ عُمَرُ بنُ الخَطّابِ‌: هَيهاتَ‌، لا يَجتَمِعُ اثنانِ في قَرْنٍ‌(5)إنّه وَ اللّٰهِ لا تَرضَى(6)العَرَبُ أن تؤمِّرَكم(7)و نَبيُّها مِن غيرِكم، و لكِنّ العَرَبَ لا تَمتَنِعُ‌(8)أن يُوَلّىٰ أُمورَها(9)مَن كانَت النبوّةُ فيهِم و وليُّ أُمورِهم منهم، و لنا بذلكَ علىٰ مَن أبىٰ مِن العَرَبِ الحُجّةُ الظاهرةُ و السُّلطانُ المُبينُ‌؛ مَن ذا يُنازِعُنا سُلطانَ مُحمّدٍ و إمارتَه - و نَحنُ أولياؤه و عَشيرتُه - إلّا مُدْلٍ بباطلٍ ، أو مُتَجانِفٌ لإثمٍ (10)، أو مُتورِّطٌ في هَلَكةٍ؟

فقامَ المُنذِرُ بنُ الحُبابِ (11)- و في روايةِ غيرِ الطبَريِّ : الحُبابُ بنُ المُنذِرِ(12)


1) . في «ج، ص»: «العرق».

2) . في التلخيص و المصدر: + «و المَنَعة».

3) . في التلخيص: «و تنتقض عليكم أُموركم». و في المصدر: «و ينتقض عليكم أمركم».

4) . في المصدر: «فإن».

5) . القَرْن - بالفتح فالسكون -: الحبل المفتول من لحاء الشجر، و بفتحتين لغة فيه. و المعنى الكنائي واضح. راجع: جمهرة اللغة، ج 2، ص 794؛ المصباح المنير، ص 500 (قرن).

6) . هكذا في «ف» و المصدر. و في سائر النسخ و المطبوع: «لا يرضى».

7) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: «أن يؤمّروكم».

8) . في «ب، ص، ف»: «لا تمنع».

9) . في التلخيص: «أن تولّي أُمورها». و في المصدر: «أن تولّي أمرها».

10) . الجَنَف: الميل و الجور، و تجانف للإثم: مال إليه. راجع: النهاية، ج 1، ص 307 (جنف).

11) . هكذا في «د» و الحجري و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «الحباب بن المنذر».

12) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «الحسّان بن المنذر».

• فقالَ‌(1): يا مَعشَرَ الأنصارِ، املِكوا علىٰ أيديكم، و لا تَسمَعوا مَقالةَ هذا و أصحابِه فيَذهَبوا بنَصيبِكم مِن هذا الأمرِ؛ فإن أَبَوا عليكم ما سَألتموهم(2)فاجْلوهم مِن(3)هذه البِلادِ، و تَولَّوا عليهم هذه الأُمورَ، فأنتم وَ اللّٰهِ أحَقُّ بهذا الأمرِ منهم؛ فإنّه بأسيافِكم دانَ لهذا الدينِ‌(4)مَن لَم يَكُن(5)يَدينُ‌. أنا جُذَيلُها المُحَكَّكُ‌، و أنا عُذَيقُها المُرَجَّبُ‌(6)أما وَ اللّٰهِ‌، لَئن شئتم لَنُعيدَنَّها جَذَعةً‌(7).

فقالَ له عُمَرُ: إذَن يَقتُلُكَ اللّٰهُ‌.

قال: بَل إيّاكَ يَقتُلُ .

فقالَ أبو عُبَيدةَ : يا مَعشَرَ الأنصارِ، إنّكم أوّلُ مَن نَصَرَ و آزَرَ، فلا تَكونوا أوّلَ مَن بَدَّلَ و غَيَّرَ.

فقامَ بَشيرُ بنُ سَعدٍ(8)، أبو النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ، فقالَ : يا مَعشَرَ الأنصارِ،


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «فقال الحباب بن المنذر» بدل «فقام المنذر بن الحباب و في رواية...» إلى هنا.

2) . في «ج» و التلخيص و المصدر: «ما سألتموه».

3) . في «ب»: «في». و في التلخيص: «عن».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «لهذا الأمر».

5) . في المصدر: «لهذا الدين من دان ممّن لم يكن».

6) . قال الزمخشري: «الجِذْل»: عودٌ يُنصب للإبل الجَربىٰ تحتكُّ به، فتستشفي. و «المحكَّك»: الذي كَثُرَ به الاحتكاك حتّىٰ صار مملّساً. و «العَذق»: النخلة. و «المرجّب»: المدعوم بالرُّجْبَة، و هي خشبة ذات شعبتين، و ذلك إذا طال و كَثُر حمله. و المعنىٰ : إنّي ذو رأي يُستشفىٰ بالاستضاءة به كثيراً في مثل هذه الحادثة، و أنا في كثرة التجارب و العلم بموارد الأحوال فيها و في أمثالها و مصادرها كالنخلة الكثيرة الحمل. الفائق في غريب الحديث، ج 1، ص 175 (جذل).

7) . يقال: أعَدْتُ الأمرَ جَذَعاً، أي جديداً كما بدأ. لسان العرب، ج 8، ص 44 (جذع).

8) . هو بشير بن سعد بن ثعلبة بن جلاس الخزرجي الأنصاري البدري، والد النعمان بن بشير.

أما(1)وَ اللّٰهِ‌، لَئن كُنّا أُولي فَضيلةٍ في جِهادِ المُشرِكينَ‌، و سابِقةٍ في هذا

الدينِ‌، ما أرَدنا به إلّارِضا رَبِّنا، و طاعةَ نَبيِّنا، و الكَدحَ لأنفُسِنا؛ فما يَنبَغي لنا(2)أن نَستطيلَ بذلكَ علَى الناسِ‌، و لا نَبتَغيَ به(3)مِن الدنيا عَرَضاً؛ فإنّ اللّٰهَ وَليُّ المِنّةِ علينا بذلكَ‌. ألا إنّ مُحمّداً(4)مِن قُرَيشٍ‌، و قومُه أحَقُّ به و أَولىٰ‌؛ وَ ايمُ اللّٰهِ‌، لا يَرانيَ اللّٰهُ أُنازِعُهم(5)هذا الأمرَ أبَداً؛ فاتَّقوا اللّٰهَ و لا تُخالِفوهم و لا تُنازِعوهم.

فقالَ أبو بَكرٍ: هذا عُمَرُ و(6)أبو عُبَيدةَ‌، فأيَّهُما شئتم فبايِعوا.

فقالا: لا وَ اللّٰهِ‌، لا نَتوَلّىٰ هذا(7)الأمرَ عليكَ‌، و أنتَ أفضَلُ المُهاجِرينَ ، و (ثٰانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمٰا فِي الْغٰارِ)(8). في التلخيص و المصدر: - «صلّى اللّٰه عليه و سلّم».(9)و خَليفةُ رسولِ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و سَلَّمَ (9) علَى الصلاةِ ، و الصلاةُ أفضَلُ دينِ المُسلِمينَ (10)فمَن ذا يَنبَغي

شهد العقبة الثانية، و شهد بدراً و أُحداً و المشاهد كلّها مع النبي صلّى اللّٰه عليه و آله. يقال: إنّه أوّل من بايع أبابكر يوم السقيفة من الأنصار، و كان حاسداً لسعد بن عبادة. قُتل يوم عين التمر بعد انصرافه من اليمامة سنة 12 ه‍. تهذيب التهذيب، ج 1، ص 464؛ الإصابة، ج 1، ص 162، الرقم 694؛ أسد الغابة، ج 1، ص 231؛ تهذيب الكمال، ج 4، ص 166، الرقم 718؛ الأعلام للزركلي، ج 2، ص 56.


1) . في المصدر: «إنّا».

2) . في «د» و المطبوع و الحجري: «فما نبتغي».

3) . هكذا في «د» و التلخيص و المصدر. و في سائر النسخ و المطبوع: - «به».

4) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و المصدر: + «صلّى اللّٰه عليه و سلّم».

5) . في «ب»: «أزال عنهم».

6) . في المصدر: «و هذا».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: - «هذا».

8) . إشارة إلى الآية 40 من سورة التوبة

9) .

10) . في «ب، ج، ص، ف»: «أفضل الدين».

له أن يَتقدَّمَكَ‌، أو يَتوَلّىٰ هذا الأمرَ عليكَ؟ ابسُطْ يَدَكَ نُبايِعْكَ‌.

فلمّا ذَهَبا ليُبايِعاه(1)سَبَقَهما إليه بَشيرُ بنُ سَعدٍ، فبايَعَه. فنادَى المُنذِرُ بنُ الحُبابِ‌(2): يا بَشيرُ بنَ سَعدٍ، عَقَّتكَ عَقاقِ‌(3)

راجع: لسان العرب، ج 10، ص 257 (عقق).

و «عفقه» عن الأمر: منعه و عطفه، و «العَفوق»: كثير الرواح و المجيء و التردّد. راجع: تاج العروس، ج 13، ص 335 (عفق).

، ما أحوَجَكَ إلىٰ ما صَنَعتَ؟ أ نَفِستَ‌(4)علَى ابنِ عَمِّكَ الإمارةَ؟

فقالَ‌: لا وَ اللّٰهِ‌، و لكِنْ كَرِهتُ أن أُنازِعَ قوماً حَقّاً جَعَلَه اللّٰهُ تَعالىٰ لهُم.

فلمّا رَأَتِ الأَوسُ ما صَنَعَ بَشيرُ بنُ سَعدٍ، و ما تَدعو(5)إليه قُرَيشٌ‌، و ما تَطلُبُ‌(6)الخَزرَجُ‌(7)مِن تأميرِ سَعدِ بنِ عُبادةَ‌، قالَ بعضُهم لِبعضٍ - و فيهم

أُسَيدُ بنُ الحُضَيرِ(8)، و كانَ أحَدَ النُّقَباءِ -: «وَ اللّٰهِ‌، لَئن وَلِيَتها الخَزرَجُ‌


1) . في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص: «ليبايعا».

2) . في «ب، ج، ص، ف» و المصدر: «الحباب بن المنذر».

3) . في المصدر: «عققت عقاق». و في التلخيص: «عفقك عفاق». و «عَقاقِ‌» - بفتح العين و تخفيف القاف - مبنيّة على الكسر، مثل حَذامِ و رَقاشِ . كأنّه دعاء عليه بأن يعقّه العاقّ ، و هو الولد الذي يعصي أباه و يترك الشفقة عليه و الإحسان إليه. قال الشاعر: جزىٰ عنّا الإلهُ بني سُليمٍ و عَقَّتْهم بما فعلوا عَقاقِ

4) . في التلخيص: «أنفت». و نَفِسَ عليه بالشيء: إذا حسده. شمس العلوم، ج 10، ص 6704 (نفس).

5) . في «ب، د» و الحجري: «يدعو».

6) . هكذا في «ج، ص، ف» و التلخيص و المصدر. و في سائر النسخ و المطبوع: «ما يطلب».

7) . في «ب» و الحجري: «الخروج».

8) . هو أسيد بن حضير بن سماك بن عتيك الأوسي الأنصاري الأشهلي، يكنّىٰ أبا يحيىٰ ، كان مقدّماًفي قبيلة الأوس و كان فارسها في حروبها مع الخزرج، يعدّ من عقلاء العرب و ذوي الرأي منهم. شهد العقبة الثانية، و كان أحد النقباء الاثني عشر. شهد أُحداً و ما بعدها من المشاهد مع

عليكم مَرّةً‌، لا زالَت لهُم عليكم بذلكَ الفَضيلةُ‌، و لا جَعَلوا لكم معهم فيها(1)نَصيباً أبَداً، فقوموا فبايِعوا أبا بَكرٍ» فقاموا إليه فبايَعوه، فانكَسَرَ(2)علىٰ سَعدِ بنِ عُبادةَ و علَى الخَزرَجِ ما كانوا اجتَمَعوا له(3)مِن أمرِهم.

قالَ هِشامٌ‌: قالَ أبو مِخنَفٍ‌: و حَدَّثَني أبو بَكرِ بنُ مُحمّدٍ الخُزاعيُّ‌: أنّ «أَسلَمَ‌» أقبَلَت بجَماعتِها حتّىٰ تَضايَقَت بِهم السِّكَكُ ليُبايِعوا(4)أبا بَكرٍ، فكانَ عُمَرُ يَقولُ‌: ما هو إلّاأن رأَيتُ «أَسلَمَ‌» فأيقَنتُ بالنصرِ.

قالَ هِشامٌ عن أبي مِخنَفٍ‌: قالَ عبدُ اللّٰهِ بنُ عبدِ الرحمنِ‌: فأقبَلَ‌(5)الناسُ مِن كُلِّ جانبٍ يُبايِعونَ أبا بَكرٍ، و كادوا يَطَؤونَ سَعدَ بنَ عُبادةَ‌، فقالَ ناسٌ مِن أصحابِ سَعدٍ: اتَّقوا سَعداً، لا تَطَؤوه. فقالَ عُمَرُ: «اقتُلوه، قَتَلَه اللّٰهُ‌» ثُمّ قامَ علىٰ رأسِه، فقالَ : لقَد هَمَمتُ أن أَطأَكَ حتّىٰ يَندُرَ عُضوُكَ (6). فأخَذَ قَيسُ بنُ سَعدٍ(7)بلِحيةِ عُمَرَ و قالَ (8): وَ اللّٰهِ ، لَئن(9)

النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله. آخىٰ رسول اللّٰه بينه و بين زيد بن حارثة، و كان حسن الصوت في تلاوة القرآن، و له في بيعة أبي بكر أثر عظيم. توفّي في شعبان سنة 20 ه‍ و حمل عمر بن الخطّاب نعشه بنفسه إلى البقيع و صلّىٰ عليه. الإصابة، ج 1، ص 48؛ أُسد الغابة، ج 1، ص 111؛ الاستيعاب، ج 1، ص 31-33؛ جوامع السيرة، ص 283؛ الأعلام للزركلي، ج 1، ص 330.


1) . في «د» و المطبوع: «فيها معهم».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: + «عليهم، أعني».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «اجتمعوا عليه». و في المصدر: «أجمعوا له».

4) . في التلخيص و المصدر: «فبايعوا».

5) . في «د» و المطبوع: «و أقبل».

6) . في التلخيص و المصدر: «تندر عضدك». و ندر الشيء: إذا سقط. كتاب العين، ج 8، ص 21 (ندر).

7) . في المصدر: «فأخذ سعد».

8) . في التلخيص: «ثمّ قال». و في المصدر: «فقال».

9) . في «ب، ج، ص، ف» و المصدر: «لو».

حَصَصتَ‌(1)منه شَعْرةً ما رَجَعتَ و في فيكَ واضحةٌ‌(2). فقالَ أبو بَكرٍ:

«مَهلاً يا عُمَرُ، الرِّفقُ هاهُنا أبلَغُ‌» فأعرَضَ عنه عُمَرُ.

و قالَ سَعدٌ: أما وَ اللّٰهِ‌، لَو أَرىٰ مِن قومي(3)ما أَقوىٰ علَى النُّهوضِ‌، لَسَمِعتَ‌(4)مِنّي في أقطارِها و سِكَكِها زَئيراً يُجحِرُكَ‌(5)و أصحابَكَ‌؛ أما وَ اللّٰهِ‌، إذَن لَأُلحِقَنَّكَ بقَومٍ كُنتَ فيهم تابعاً غيرَ مَتبوعٍ‌، احمِلوني مِن هذا المكانِ‌. فحَمَلوه، فأدخَلوه دارَه.

و تُرِكَ أيّاماً، ثُمّ بُعِثَ إليه أن أقبِلْ فبايِعْ‌؛ فقَد بايَعَ الناسُ‌، و بايَعَ قومُكَ‌.

فقالَ‌: أما وَ اللّٰهِ حتّىٰ أَرمِيَكم بما في كِنانَتي مِن نَبْلي(6)، و أَخضِبَ منكم سِنانَ رُمحي، و أضرِبَكم بسَيفي ما مَلَكَته يَدي، و أُقاتِلَكم بأهلِ بَيتي و مَن أطاعَني مِن قومي، و لا أَفعَلُ‌؛ وَ ايمُ اللّٰهِ‌، لَو أنّ الجِنَّ اجتَمَعَت لكم مع الإنسِ ما بايَعتُكم حتّىٰ أُعرَضَ علىٰ رَبّي، و أعلَمَ ما حِسابي.

فلمّا أُتِيَ أبو بَكرٍ بذلكَ قال له عُمَرُ: «لا تَدَعْه حتّىٰ يُبايِعَ‌» فقالَ بَشيرُ بنُ سَعدٍ: «إنّه قد لَجَّ و أبىٰ ، فلَيسَ بمُبايِعِكم حتّىٰ يُقتَلَ ، و لَيسَ بمقتولٍ


1) . حَصَّ شَعره حَصّاً: إذا جَرَدَه و حَلَقَه. راجع: جمهرة اللغة، ج 1، ص 98 (حصص).

2) . الواضحة: الأسنان التي تبدو عند الضحك. كتاب العين، ج 3، ص 266 (وضح).

3) . في المطبوع و الحجري: «من قوّتي». و في المصدر: «لو أنّ بي قوّة».

4) . هكذا في التلخيص و المصدر. و في النسخ و المطبوع: «لسمعتم».

5) . يجحرك: أي يلجئك إلىٰ دخول الجحر. و «الجُحْر» - بالضمّ -: كلّ شيء يحتفره الهوامّ و السباع لأنفسهما. و «الجَحْر» - بالفتح -: الغار البعيد القعر. و المراد: أنّهم ينكشّون في بيوتهم. راجع: القاموس المحيط، ج 2، ص 37 (جحر).

6) . الكِنانة: التي تُجعل فيها السهام. و النَّبْلُ : السهام العربيّة. الصحاح، ج 6، ص 2189 (كنن)؛ و ج 5، ص 1823 (نبل).

حتّىٰ يُقتَلَ معه ولدُه و أهلُ بَيتِه و طائفةٌ مِن عَشيرتِه، فاترُكوه؛ فلَيسَ (1)تَركُه بضائرِكم، إنّما هو رجُلٌ واحدٌ». فتَرَكوه، و قَبِلوا مَشوَرةَ بَشيرِ بنِ سَعدٍ و استَنصَحوه لِما بَدا لهُم منه.

و كانَ سَعدٌ لا يُصَلّي بصَلاتِهم، و لا يَجتَمِعُ معهم(2)، و لا يَحُجُّ معهم، و لا يُفيضُ بإفاضتِهم، فلَم يَزَلْ كذلكَ حتّىٰ هَلَكَ أبو بَكرٍ(3).

أُمورٌ مُهِمّةٌ مُستَفادةٌ مِن قِصّةِ السَّقيفةِ

و هذا(4)الخبرُ يَتضمَّنُ مِن شَرحِ أمرِ السَّقيفةِ ما للناظرِ فيه(5)مُعتَبَرٌ، و يَستَفيدُ الواقفُ عليه أشياءَ :

منها: خُلوُّه مِن احتجاجِ قُرَيشٍ علَى الأنصارِ بجَعلِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه الإمامةَ فيهم؛ لأنّه تَضمَّنَ مِن احتجاجِهم عليهم ما يُخالِفُ ذلكَ ، و أنّهم(6)إنّما ادَّعَوا كَونَهم أحَقَّ بالأمرِ مِن حَيثُ كانَت النبوّةُ فيهم، و مِن حَيثُ كانوا أقرَبَ إلَى النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه نَسَباً، و أوَّلَهم له اتّباعاً(7).

و منها: أنّ الأمرَ إنّما بُنيَ في السَّقيفةِ علَى المُغالَبةِ و المُخالَسةِ (8)، و أنّ كُلاًّ منهم


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «و ليس».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: - «و لا يجتمع معهم». و في المصدر: «و لا يجمع معهم».

3) . تاريخ الطبري، ج 2، ص 455-459، حوادث سنة 11.

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «فهذا».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «ما فيه للناظر».

6) . في التلخيص: «فإنّهم».

7) . في التلخيص: + «و هذا يوجب عليهم أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام أَولىٰ بالأمر؛ لكونه أقرب إلىٰ رسول اللّٰه و أسبق إلى الاتّباع له».

8) . الخَلْسُ : الأخذ في مخاتلة و خدعة. راجع: لسان العرب، ج 6، ص 65 (خلس).

كانَ يَجذِبُه إليه(1)بما اتَّفَقَ له و عَنَّ (2)مِن حَقٍّ و باطلٍ ، و قَويٍّ و ضَعيفٍ .

و منها: أنّ سببَ ضَعفِ الأنصارِ و قُوّةِ المُهاجِرينَ عليهم انحيازُ بَشيرِ بنِ سَعدٍ حَسَداً لسَعدِ بنِ عُبادةَ ، و انحيازُ الأَوسِ بانحيازِه عن الأنصارِ.

و منها: أنّ خِلافَ سَعدٍ و أهلِه و قومِه كانَ باقياً لَم يَرجِعوا عنه، و إنّما أقعَدَهم عن الخِلافِ فيه بالسَّيفِ قِلّةُ الناصرِ.

روايات أُخرىٰ لخبر السقيفة عن طريق الطبري و غيره

و قد رَوَى الطبَريُّ بَعدَ هذا الخبرِ مِن طُرُقٍ أُخَرَ خبرَ السَّقيفةِ ، فلَم يَذكُرْ فيه الاحتجاجَ بأنّ «الأئمّةَ مِن قُرَيشٍ » مع أنّه قد جَمَعَ في كتابِه هذه الرواياتِ المُختَلِفةَ (3).

و رَوَى الزُّهْريُّ‌ مِن طُرُقٍ كَثيرةٍ خبرَ السَّقيفةِ‌، الذي يَتضمَّنُ أنّ عُمَرَ بنَ الخَطّابِ خَطَبَ علَى المِنبَرِ، فذَكَرَ ما كانَ في(4)يَومِ السَّقيفةِ‌، و مُنازَعةِ الأنصارِ للمُهاجِرينَ‌، و احتجاجِ كُلِّ فَريقٍ منهم(5)علَى الآخَرِ بقُوّةِ أسبابِه إلىٰ هذا الأمرِ؛ فما في جميعِ الأخبارِ ما تَضمَّنَ (6)احتجاجَ أحَدٍ عليهم ممّن حَضَرَ بأنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه قالَ : «الأئمّةُ مِن قُرَيشٍ »؛ بَل تَضمَّنَت الأخبارُ - الروايةَ التي رَواها الزُّهْريُّ - كُلُّها، علَى اختلافِها: أنّ أبا بَكرٍ لمّا سَمِعَ كلامَ سَعدِ بنِ عُبادةَ و خُطبتَه - التي


1) . في «ب، ج، ص، ف»: - «إليه».

2) . عَنَّ : اعترض، و عرض. تاج العروس، ج 18، ص 386 (عنن).

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «قد جمع علىٰ كتابه هذا بالروايات المختلفة».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: - «في».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: - «منهم».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «ما يتضمّن».

مضىٰ معناها في الخبرِ الذي رَواهُ الطبَريُّ - قالَ : «أمّا بَعدُ، فما ذَكرتم فيكم مِن خَيرٍ فأنتم أهلُه، و إنّ العَرَبَ لَن تَعرِفَ هذا الأمرَ إلّالهذا الحَيِّ مِن قُرَيشَ ؛ هُم أَوسَطُ العَرَبِ نَسَباً و داراً»(1).

و رَوىٰ عاصمُ بنُ بَهدَلةَ‌، عن زِرِّ بنِ حُبَيشٍ‌، عن عبدِ اللّٰهِ بنِ مسعودٍ قالَ‌: لمّا قُبِضَ رسولُ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه قالَت الأنصارُ: «مِنّا أميرٌ، و منكم أميرٌ».

فأتاهم عُمَرُ، فقالَ‌: يا مَعشَرَ(2)الأنصارِ، ألَستم تَعلَمونَ أنّ رسولَ اللّٰهِ أمَرَ أبا بَكرٍ أن يُصلّيَ بالناسِ؟

قالوا: بَلىٰ‌.

قالَ : فأيُّكم تَطيبُ نفسُه أن يَتقدَّمَ أبا بَكرٍ بَعدَ ذلكَ (3)؟

و لَسنا نُنكِرُ بَعدَ ذلكَ أن يَكونَ هذا الخبرُ مَرويّاً علَى الوجهِ الذي ادَّعَوه(4)لكِنْ رَواه قَليلٌ مِن كَثيرٍ، و واحدٌ مِن جماعاتٍ ؛ و القومُ عَكَسوا القِصّةَ ، فأَورَدوه مَورِدَ ما


1) . صحيح البخاري، ج 6، ص 2503، ح 6442؛ مسند أحمد، ج 1، ص 55، ح 391؛ مسندّ البزّار، ج 1، ص 301، ح 194؛ المصنّف لعبد الرزّاق، ج 5، ص 439، ح 9758؛ صحيح ابن حِبّان، ج 2، ص 150، ح 413، و ص 156، ح 414؛ السنن الكبرىٰ للبيهقي، ج 8، ص 142، ح 16312؛ كنز العمّال، ج 5، ص 646، ح 14134، مع اختلاف يسير.

2) . في «ب، ج، ف»: «معاشر».

3) . مسند أحمد، ج 1، ص 21، ح 133، و ص 396، ح 3765، و ص 405، ح 3842؛ سنن النسائي، ج 2، ص 74، ح 777؛ المصنّف لابن أبي شيبة، ج 2، ص 228، ح 5، و ج 8، ص 572، ح 3؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 70، ح 4423؛ السنن الكبرىٰ للبيهقي، ج 8، ص 152، ح 16363؛ كنز العمّال، ج 5، ص 643، ح 14131، و ص 655، ح 14148، مع اختلاف يسير.

4) . و هو ادّعاؤهم أنّ أبابكر احتجّ بخبر: «الأئمّة من قريش» يوم السقيفة.

لا خِلافَ‌(1)فيه، و ما لا يُعرَفُ سِواه. و إذا كانَت الروايةُ بغَيرِه أظهَرَ، كانَ العملُ بخِلافِه ممّا هو الظاهرُ في الروايةِ أَوجَبَ‌.

و الذي يَدُلُّ علىٰ ضَعفِ هذه الدعوىٰ‌(2): ما تَظاهَرَت به الروايةُ عن أبي بَكرٍ مِن قولِه عندَ حضورِ المَوتِ‌: «لَيتَني كُنتُ سَألتُ رسولَ اللّٰهِ عن ثَلاثةِ أشياءَ‌» ذَكَرَ مِن جُملتِها: «لَيتَني كنتُ سَألتُه: هَل للأنصارِ في هذا الأمرِ حَقٌّ؟»(3).

و كَيفَ يَقولُ هذا القولَ مَن يَروي عنه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه أنّ «الأئمّةَ مِن


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «لا اختلاف».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «الدعاوىٰ‌».

3) . عن عبد الرحمن بن عوف قال: إنّه دخل علىٰ أبي بكر في مرضه الذي توفّي فيه، فأصابه مهتمّاً، فقال له عبد الرحمن في جملة كلام له: إنّك لا تأسىٰ علىٰ شيء من الدنيا؟ قال أبوبكر: أجل، إنّي لا آسىٰ علىٰ شيء من الدنيا إلّاعلىٰ ثلاثٍ فعلتُهنّ ليتني تركتُهنّ‌، و ثلاثٍ تركتُهنّ وددت أنّي فعلتُهنّ‌، و ثلاثٍ وددت أنّي سألت رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه عنهنّ . فأمّا الثلاث التي وددت أنّي تركتهنّ : فوددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة عن شيء و إن كانوا قد غلّقوه على الحرب؛ و وددت أنّي لم أحرّق الفجاءة السلمي و أنّي قتلته سريحاً أو خلّيته نجيحاً؛ و وددت أنّي يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين - يريد عمر أو أبا عبيدة - فكان أحدهما أميراً و كنت وزيراً. و أمّا اللاتي تركتهنّ : فوددت أنّي يوم أُتيت بالأشعث بن قيس أسيراً كنت قتلته، فإنّه يخيَّل إليّ أنّه لا يرىٰ شرّاً إلّاأعان عليه؛ و وددت أنّي حين سيّرت خالد بن الوليد إلىٰ أهل الردّة كنت أقمت بذي القصّة، فإن ظفر المسلمون ظفروا، و إن هزموا كنت بصدد لقاء أو مدد؛ و وددت أنّي إذ وجّهت خالداً إلى الشام كنت وجّهت عمر بن الخطّاب إلى العراق، فكنت قد بسطت يديّ كلتَيهما في سبيل اللّٰه و مدّ يديه. و وددت أنّي سألت رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلّم لِمَن هذا الأمر؟ فلا ينازعه أحد؛ و وددت أنّي سألته: هل للأنصار في هذا الأمر نصيب ؟؛ و وددت أنّي كنت قد سألته عن ميراث ابن الأخ و العمّة، فإنّ في نفسي منهما شيئاً. المعجم الكبير، ج 1، ص 62، ح 43؛ الأموال، ص 131؛ كنز العمّال، ج 5، ص 631-633، ح 14113؛ مجمع الزوائد، ج 5، ص 366، ح 9030؛ مروج الذهب، ج 1، ص 414.

قُرَيشٍ » و أنّ «هذا الأمرَ لا يَصلُحُ إلّالهذا الحَيِّ مِن قُرَيشَ »؟!

البحث الثاني مناقشة في صحّة خبر: «الأئمّة من قريش»

فأمّا الكلامُ علَى الفَصلِ الثاني - و هو أن نُسلِّمَ‌(1)أنّ أبا بَكرٍ احتَجَّ بذلكَ يَومَ السَّقيفةِ‌، لكِنّا نُنازِعُه في صِحّتِه - فواضحٌ‌؛ و ذلكَ أنّ أبا بَكرٍ لَم يَكُن معصوماً، فيَنتَفيَ الخَطأُ عنه؛ فمِن أينَ أنّ‌(2)ما رَواه صحيحٌ؟

فإنِ احتَجَّ في صِحّتِه بالإجماعِ و تَركِ النَّكيرِ و أنّ أبا بَكرٍ استَشهَدَ في ذلكَ بالحاضرينَ فشَهِدوا به، فأوّلُ ما فيه: أنّ تَركَ النَّكيرِ غيرُ معلومٍ و لا مُسلَّمٍ‌(3)لأنّ سَعدَ بنَ عُبادةَ و وُلدَه(4)و أهلَ بَيتِه كانوا مُقيمينَ علَى الخِلافِ‌، علىٰ ما تَضمَّنَته الرواياتُ‌. و أيُّ نَكيرٍ للخبرِ(5)أبلَغُ مِن الخِلافِ في مُتضمَّنِه‌؟

ثُمّ لَو ارتَفَعَ (6)الخِلافُ و النَّكيرُ - علىٰ ما ادَّعىٰ - لَم يَكُن دالاًّ(7)علَى الرضا و الإجماعِ ؛ لأنّ ارتفاعَ النكيرِ على ضَربَينِ :

أحَدُهما: أن يَرتَفِعَ علىٰ وجهٍ يُعلَمُ أنّه لَو لا الرضا لَم يَكُن مُرتَفِعاً.

و الوجهُ الآخَرُ: أن يَرتَفِعَ و يَكونَ ارتفاعُه مُجوَّزاً فيه الرضا و غيرُه.


1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «أن يسلّم».

2) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «أنّ ».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: - «و لا مسلّم».

4) . في «ج، ص، ف»: - «و ولده».

5) . في المطبوع: «في الخبر».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «لو لم يقع».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «دليلاً».

و إنّما يَدُلُّ علىٰ صِحّةِ الخبرِ ارتفاعُ النكيرِ علىٰ وجهٍ لا يَكونُ إلّاللرضا؛ و مَن تأمَّلَ خبرَ السَّقيفةِ و ما جَرىٰ فيها و سببَ رجوعِ الأنصارِ عن الأمرِ، عَلِمَ أنّ الكَفَّ و تَركَ النكيرِ لَم يَكونا للرِّضىٰ (1).

فأمّا الاستشهادُ بالحاضرينَ‌: فممّا لا يَستَحسِنُ ادّعاءَه مُنصِفٌ‌؛ لأنّ مَن رَوَى(2)احتجاجَ أبي بَكرٍ بالخبرِ(3)- علىٰ قِلّتِه - لَم يَروِ الاستشهادَ. علىٰ أنّ أحَداً لا يُمكِنُه أن يَدَّعيَ أنّه استَشهَدَ جميعَ الحاضرينَ مِن المُهاجِرينَ و الأنصارِ فشَهِدوا(4)له، و إنّما يَجوزُ أن يَدَّعيَ أنّه استَشهَدَ بعضَهم، و مَن استَشهَدَه(5)فشَهِدَ له يَجوزُ عليه مِن الخَطإِ ما يَجوزُ عليه.

علىٰ أنّه يُمكِنُ أن يَكونَ مَن سَمِعَ هذا(6)الخبرَ مِن أبي بَكرٍ يَومَ السقيفةِ‌، لَم يُنكِرْه لأنّه لَم يَعلَمْ بأنّ (7)الأمرَ بخِلافِ ما ادَّعاه و رَواه؛ و إنّما يَجِبُ أن يُرَدَّ مِن الأخبارِ ما لا يَجوزُ أن يَكونَ صَحيحاً، و لَيسَ إذا لَم يَرُدّوه و يُنكِروه فقَد صَدَّقوه(8)و شَهِدوا به؛ لأنّ أخبارَ الآحادِ في الشريعةِ الواردةَ بما يَجوزُ(9)أن يَكونَ صَحيحاً، غيرُ مَردودةٍ و لا مُصدَّقةٍ .


1) . في «ج، ف»: «علم أنّ ارتفاع النكير لم يكن للرضا». و هكذا أيضاً في «ب، ص» إلّاأنّه لم يرد فيهما كلمة: «ارتفاع».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «فأمّا الاستشهاد فمن روى» بدل «فأمّا الاستشهاد بالحاضرين...» إلىٰ هنا.

3) . في المطبوع و الحجري: - «بالخبر».

4) . في «ج»: «و شهدوا».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «استشهد».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: - «هذا».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «أنّ ».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «فقد صدّقوا».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: «بما لا يجوز».

و لَيسَ له أن يَقولَ‌: إنّهم عَمِلوا به، و العملُ‌(1)في مِثلِ هذا المَوضِعِ تابعٌ للعِلمِ‌، فلهذا وَجَبَ أن يَكونوا مُصدِّقينَ له و أن يَكونَ صَحيحاً.

و ذلكَ أنّ الخَزرَجَ‌(2)أوّلاً لَم يَعمَلوا(3)به، و أقاموا علىٰ خِلافِه؛ و عملُ بعضِ الأُمّةِ لا يَكونُ حُجّةً‌.

ثُمّ غيرُ مُسلَّمٍ أنّهم عَمِلوا به علىٰ وجهٍ ؛ لأنّ أكثَرَ ما يُدَّعىٰ في ذلكَ أنّهم عَقَدوا لأبي بَكرٍ، و كانَ ذلكَ عملاً بالخبرِ. و لَيسَ الأمرُ كذلكَ ؛ لأنّ العَقدَ لأبي بَكرٍ و البَيعةَ له لا يَدُلّانِ علَى العملِ بالخبرِ؛ لأنّ مَن أجازَ الإمامةَ في غيرِ قُرَيشٍ لا يَمنَعُها في قُرَيشٍ ، فكَيفَ يَكونُ العَقدُ لقُرَيشٍ (4)عملاً بالخبرِ؟!

البحث الثالث مناقشة في دلالة خبر: «الأئمّة من قريش»

اشارة

و أمّا الكلامُ علَى الفَصلِ الثالثِ - و هو علىٰ تسليمِ الاحتجاجِ بالخبرِ و صِحّتِه - فبَيانُه(5): أنّه لَيسَ في ظاهرِه ما يَتناوَلُ مَوضِعَ الخِلافِ‌؛ لأنّه خبرٌ مَحضٌ ، و الخبرُ المَحضُ لا يَجوزُ صَرفُه إلىٰ معنَى الأمرِ(6)إلّابدَلالةٍ ، و أكثَرُ ما يَقتَضيهِ أن يَكونَ كُلُّ إمامٍ يُعقَدُ له مِن قُرَيشٍ (7)فمِن أينَ أنّه لا يَجوزُ عَقدُها لغَيرِ قُرَشيٍّ (8)؟


1) . في «ب، ج، ص، ف»: + «به».

2) . في المطبوع و الحجري: «أنّ الخروج».

3) . هكذا في «ج، ف». و في «ب، ص»: «لم يعلموا». و في «د» و المطبوع: «لم تعلم» إلّاأنّه في «د» غير منقوط. و في الحجري: «لم يعلم».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «فكيف العقد لقرشي يكون».

5) . في «ب، د» و المطبوع و الحجري: «و بيان» بدل «فبيانه».

6) . في «د»: «الإمام».

7) . هكذا في النسخ. و في المطبوع و الحجري: «من غير قريش»، و هو تصحيف.

8) . في المطبوع: «لغير قريش».

و لَيسَ له أن يَقولَ‌: أيُّ فائدةٍ في هذا القولِ؟

و ذلكَ أنّ الفائدةَ فيه ثابتةٌ‌؛ لأنّه قَطعٌ‌(1)علىٰ أحَدِ المُجوَّزَينِ قَبلَ وقوعِه؛ لأنّ السامعَ لهذا القولِ كانَ يُجوِّزُ حصولَ الإمامةِ في قُرَيشٍ‌(2)و غيرِهم، و بهذا الخبرِ يَستَفيدُ أنّها لا تَثبُتُ إلّافي قُرَيشٍ‌.

و لَيسَ له أن يَقولَ‌: فقَد(3)عُقِدَت الإمامةُ لغَيرِ قُرَشيٍّ‌.

و ذلكَ أنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه لَم يَنفِ دعوَى الإمامةِ في غيرِ قُرَيشٍ‌، و إنّما نَفىٰ ثُبوتَها في غيرِهم؛ و لَم يَثبُتِ‌(4)الإمامةُ علَى الحَقيقةِ إلّالقُرَيشٍ‌(5)، و إن جازَ(6)أن يُدَّعىٰ بالشبهةِ‌(7)لغَيرِ قُرَشيٍّ‌.

و لَيسَ له أن يَقولَ‌: إنّ هذا و إن كانَ خبراً ففيه معنَى الأمرِ، و يَجري مَجرىٰ قولِه تَعالىٰ‌: (وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً)(8)و ما أشبَهَه.

و ذلكَ أنّ الظاهرَ كَونُه خبراً، فلا يُعدَلُ إلىٰ أن يُجعَلَ له معنَى الأمرِ إلّابدَليلٍ .

فأمّا قولُه تَعالىٰ : (وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً) فالضرورةُ تَدعو إلىٰ جَعلِه أمراً؛ لأنّه لَو كانَ خبراً لَكانَ (9)كَذِباً، و إذا كانَ أمراً كانَ صَحيحاً.


1) . هكذا في «د». و في «ب»: «لأن ينقطع». و في «ص»: «لا تنقطع». و في سائر النسخ و المطبوع: «لأن يقطع».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «لقريش» بدل «في قريش».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «قد».

4) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «لم تثبت».

5) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «لقرشيّ ».

6) . في «ج»: «و إن أجاز».

7) . هكذا في «د» و الحجري. و في سائر النسخ و المطبوع: «الشبهة».

8) . آل عمران (3):97.

9) . في «ب، د» و المطبوع و الحجري: «كان».

مناقشة خبر: «إنّ هذا الأمر لا يصلح إلّافي هذا الحيّ من قريش»

فأمّا اللفظُ الآخَرُ الذي رَواه، مِن قولِه: «إنّ‌(1)هذا الأمرَ لا يَصلُحُ إلّافي هذا الحَيِّ مِن قُرَيشَ‌» فضَعيفٌ لا يَكادُ يُعرَفُ‌، و اللفظُ الأوّلُ‌(2)هو المعروفُ‌. و قد رُوّينا في خبرِ الزُّهْريِّ مِن طُرُقِه المُختَلِفةِ أنّ هذا اللفظَ إنّما حَكاه أبو بَكرٍ عن نفسِه، و لَم يُسنِدْه إلَى الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و أنّه قالَ‌(3): «إنّ العَرَبَ لَن تَعرِفَ هذا الأمرَ إلّالهذا الحَيِّ مِن قُرَيشَ‌».

و لَو سُلِّمَ هذا اللفظُ علىٰ عِلّاتِه(4)، لَم يَكُن أيضاً فيه حُجّةٌ و(5)دليلٌ‌؛ لأنّ القائلَ قد يَقولُ : «هذه الوِلايةُ لا تَصلُحُ إلّالفُلانٍ » إذا كانَ أقوَمَ بها مِن غيرِه و أَولىٰ ، و إن جازَت(6)في غيرِه. و هذا اللفظُ لا يَكادُ يُستَعمَلُ إلّافي التفضيلِ و الترجيحِ ، و لا يُستَعمَلُ في الأغلبِ في التحريمِ و نفيِ الجوازِ.

و هذه الجُملةُ تأتي علىٰ ما ذَكرَه.

تمنّي عمر منح الخلافة لسالم، مع أنّه ليس من قريش

ثُمّ قالَ صاحبُ الكتابِ - بَعدَ كلامٍ لا وجهَ لذِكرِه(7)-:


1) . في «د» و الحجري: - «إنّ ».

2) . في المطبوع و الحجري: - «الأوّل».

3) . في المطبوع: + «صلّى اللّٰه عليه و آله»، و هو سهو.

4) . على علّاته، أي على كلّ حال. الصحاح، ج 5، ص 1774 (علل).

5) . في «ب، ج، ص، ف»: - «حجّة و».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «و إن جاز».

7) . راجع: المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 234-235. و الكلام الذي ترك المصنّف رحمه اللّٰه ذِكرَه يحتوي علىٰ إشكالات علىٰ دلالة الخبرين المتقدّمَين الدالَّين علىٰ إمامة قريش و جواب القاضي عليهما. و قد تقدّمت إشكالات المصنّف علىٰ سند و دلالة هذين الخبرَين و بيان ضعفهما، فلا حاجة إلى التعرّض إلىٰ إشكالات جديدة. كما احتوى الكلام الذي حذفه المصنّف على السؤال عن مزيّة قريش علىٰ غيرها حتّى انحصرت الإمامة فيها، و لا وجه

فإن قيلَ‌(1): فقَد رُويَ عن عُمَرَ ما يَدُلُّ علىٰ خِلافِ ذلكَ‌، و هو قولُه: «لَو كانَ سالِمٌ (2)حَيّاً ما تَخالَجَني(3)فيه الشُّكوكُ »(4)، و لَم يَكُن مِن قُرَيشٍ .

ثُمّ قالَ :

قيلَ له: لَيسَ في الخبرِ بيانُ الوجهِ الذي لا يَتَخالَجُه الشكُّ فيه، و يُحتَمَلُ أن يُريدَ أن يُدخِلَه في المَشوَرةِ و الرأيِ دونَ الشورىٰ ، فلا يَصِحُّ أن يُقدَحَ به فيما قُلناه(5)بَل لَو ثَبَتَ عنه النصُّ الصريحُ في ذلكَ ، لَم يَجُز(6)أن يُعتَرَضَ به(7)علىٰ ما رُوّيناه في الخبرِ(8).

للتعرّض لهذا البحث عند المصنّف؛ لأنّه يرىٰ أنّ الإمامة في الأئمّة المعصومين من قريش، و مزيّة المعصوم واضحة علىٰ غير المعصوم.


1) . في المغني: «فإن قال».

2) . هو سالم بن عبيد، و قيل: ابن معقل، مولىٰ أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة، كان من أهل فارس من إصطخر. هاجر إلى المدينة قبل النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آلِه، فكان يؤمُّ المهاجرين بالمدينة، و فيهم عمر بن الخطّاب و غيره. شهد بدراً و أُحداً و الخندق و المشاهد كلّها. قُتل يوم اليمامة. أُسد الغابة، ج 2، ص 245؛ سيَر أعلام النبلاء، ج 1، ص 167؛ الإصابة، ج 3، ص 11.

3) . في «د» و المطبوع: «ما يخالجني».

4) . مسند أحمد، ج 1، ص 20، ح 129؛ تاريخ الطبري، ج 4، ص 227؛ الكامل لابن الأثير، ج 3، ص 65؛ جامع الأُصول، ج 12، ص 431، الرقم 990؛ معجم الصحابة، ج 5، ص 2084، الرقم 337؛ الاستيعاب، ج 2، ص 568، الرقم 881؛ أُسد الغابة، ج 2، ص 156، الرقم 1892؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 16، ص 265؛ كنز العمّال، ج 5، ص 732، ح 14248، مع اختلاف في الألفاظ.

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «أن يُقدح فيما قلناه به».

6) . في المغني: «يجوز» بدل «لم يجز».

7) . في «ج، ص، ف»: «لم يُعترض به»، و في «ب»: «لم يُتعرّض له» كلاهما بدل «لم يجز أن يُعترض به».

8) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 235-236.

يُقالُ له: هذا تأويلُ مَن لَم يَعرِفِ الخبرَ المَرويَّ عن عُمَرَ علىٰ حَقيقتِه، أو مَن يَعرِفُ ذلكَ و يَظُنُّ أنّ مَن قَرأَ كلامَه لا يَجمَعُ بَينَه و بَينَ الروايةِ و يُقابِلُها(1)به؛ و في الخبرِ - علىٰ ما نَقَلَه جميعُ الرُّواةِ - تصريحٌ بالوجهِ‌(2)الذي تَمنّىٰ حضورَ سالِمٍ له، و أنّه الخِلافةُ دونَ المَشوَرةِ و الرأيِ‌.

و قد رَوَى الطبَريُّ في تأريخِه عن شُيوخِه مِن طُرُقٍ مُختَلِفةٍ أنّ عُمَرَ بن الخَطّابِ لمّا طُعِنَ قيلَ له: يا أميرَ المؤمنينَ‌، لَو استَخلَفتَ؟ قالَ‌: مَن أستَخلِفُ‌(3)؟ لَو كانَ أبو عُبَيدةَ بنُ الجَرّاحِ حَيّاً استَخلَفتُه، فإن سألَني رَبّي قُلتُ‌: سَمِعتُ نَبيَّكَ عليه السلامُ يَقولُ‌: «إنّه أمينُ‌(4)هذه الأُمّةِ‌». و لَو كانَ سالِمٌ مَولىٰ أبي حُذَيفةَ أيضاً حَيّاً(5)استَخلَفتُه، فإن سألَني رَبّي قُلتُ‌: سَمِعتُ نَبيَّكَ عليه السلامُ يَقولُ‌: «إنّ سالِماً شَديدُ الحُبِّ للّٰهِ‌». فقالَ له رجُلٌ‌: أدُلُّكَ عليه‌؟ عبدُ اللّٰهِ بنُ عُمَرَ، فقالَ‌: قاتَلَكَ اللّٰهُ‌، وَ اللّٰهِ ما أرَدتَ اللّٰهَ بهذا؛ وَيحَكَ‌، كَيفَ أستَخلِفُ رجُلاً عَجَزَ عن طَلاقِ امرأتِه‌؟!(6)

و رَوىٰ أبو الحَسَنِ أحمدُ بنُ يَحيَى بنِ جابرٍ البَلاذُريُّ‌، في كتابِه المعروفِ ب‍ «تأريخِ الأشرافِ‌» عن عَفّانَ بنِ مُسلِمٍ ، عن حَمّادِ بنِ سَلَمةَ ، عن عليِّ بنِ زَيدٍ، عن أبي رافِعٍ : أنّ عُمَرَ بنَ الخَطّابِ كانَ مُستَنِداً إلَى ابنِ عبّاسٍ و عندَه ابنُ عُمَرَ و سَعيدُ


1) . في «ج، ص، ف»: «تقابلها».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «الوجه».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «أ لا تستخلف ؟ فقال: لمن أستخلف».

4) . في «ب، ج، د، ص»: «أمير».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «حيّاً أيضًا».

6) . تاريخ الطبري، ج 3، ص 292، حوادث سنة 23؛ الكامل لابن الأثير، ج 3، ص 65. و نقل ابن حجر مسألة طلاق ابن عمر لزوجته حيث قال: «لأنّه في زمان رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلّم طلّقها في الحيض، فقال صلّى اللّٰه عليه و سلّم لعمر: مره فليراجعها». الصواعق المحرقة، ص 104.

بنُ زَيدٍ(1)، فقالَ‌: اعلَموا أنّي لَم أقُلْ في الكَلالةِ شَيئاً، و لَم أستَخلِفْ بَعدي أحَداً، و أنّه مَن أدرَكَ وَفاتي مِن سَبيِ‌(2)العَرَبِ فهو حُرٌّ مِن مالِ اللّٰهِ‌.

قالَ سَعيدُ(3)بنُ زَيدٍ: أما إنّكَ لَو أشَرتَ برَجُلٍ مِن المُسلِمينَ ائتَمَنَكَ الناسُ‌.

فقالَ عُمَرُ: لقَد رَأَيتُ مِن أصحابي حِرصاً سَيّئاً، و أنا جاعلٌ هذا الأمرَ إلىٰ هؤلاءِ‌

النفَرِ الستّةِ‌، الذينَ ماتَ رسولُ اللّٰهِ و هو عنهم راضٍ‌، ثُمّ قالَ‌: لَو أدرَكَني أحَدُ رجُلَينِ‌، فجَعَلتُ‌(4)هذا الأمرَ إليه(5)، لَوَثِقتُ به: سالِمٌ مَولىٰ أبي حُذَيفةَ‌، و أبو عُبَيدةَ بنُ الجَرّاحِ‌.

فقالَ رجُلٌ‌: يا أميرَ المؤمنينَ‌، فأينَ أنتَ عن عبدِ اللّٰهِ بنِ عُمَرَ؟

فقالَ له: قاتَلَكَ اللّٰهُ‌، و اللّٰهِ ما أرَدتَ اللّٰهَ بها، أستَخلِفُ رجُلاً لَم يُحسِنْ أن يُطلِّقَ امرأتَه‌؟!

قالَ عَفّانُ : يَعني بالرجُلِ الذي أشارَ عليه(6)بعَبدِ اللّٰهِ بنِ عُمَرَ المُغيرةَ بنَ شُعبةَ (7).


1) . في «ج، د، ص، ف»: «سعد بن زيد». و هو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزّى القرشي العدوي، صهر عُمر و ابن عمّه. أسلم قبل دخول رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله دار الأرقم، و هاجر و شهد أُحداً و المشاهد بعدها، و لم يكن بالمدينة زمان بدر، فلذلك لم يشهدها، و ضرب له رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله بسهمه يوم بدر؛ لأنّه كان غائباً بالشام. و كان إسلامه قديماً قبل عمر، و كان إسلام عمر عنده. توفّي بالعقيق، فحُمل إلى المدينة في سنة خمسين، و قيل: إحدىٰ و خمسين، و قيل غير ذلك. و عاش بضعاً و سبعين سنة، و قيل غير ذلك. الطبقات الكبرىٰ لابن سعد، ج 3، ص 379؛ الاستيعاب، ج 2، ص 2؛ مختصر تاريخ دمشق، ج 9، ص 298؛ الجرح و التعديل، ج 4، ص 31؛ أُسد الغابة، ج 2، ص 387؛ الإصابة، ج 2، ص 46؛ تهذيب التهذيب، ج 4، ص 30؛ سيَر أعلام النبلاء، ج 1، ص 124.

2) . في «ف»: + «من».

3) . في «ص»: «سعد».

4) . في «ج، ص»: «لجعلت».

5) . في «ج، ص»: + «و».

6) . في «ج، ف»: «إليه».

7) . الطبقات الكبرىٰ ، ج 3، ص 261؛ تاريخ الطبري، ج 4، ص 228؛ أنساب الأشراف، ج 10، ص 421، و ج 11، ص 70؛ الكامل لابن الأثير، ج 3، ص 65؛ شرح نهج البلاغة، ج 1، ص 190؛ تاريخ الخلفاء، ص 175.

و هذا - كَما تَرىٰ - تصريحٌ بأنّ تَمَنّيَ سالِمٍ إنّما كانَ لِأن يَستَخلِفَه، كَما أنّه تَمنّىٰ أبا عُبَيدةَ لذلكَ‌(1)فأيُّ تأويلٍ يَبقىٰ‌(2)مع هذا الشرحِ و البيانِ؟

و لَسنا نَدري ما نَقولُ في رجُلٍ بحَضرتِه مِثلُ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ‌، و مَنزِلتُه في خِلالِ‌(3)الفَضلِ (4)مَنزِلتُه، و باقي أهلِ الشورَى الذينَ كانوا في الفَضلِ الظاهرِ علىٰ أعلىٰ طبقاتِه، ثُمّ يَتمنّىٰ مع ذلكَ حضورَ سالِمٍ تَمنّيَ مَن لا يَجِدُ عنه عِوَضاً؟! و(5)إنّ ذلكَ لَدليلٌ قَويٌّ علىٰ سوءِ رأيِه في الجماعةِ .

و لَو كانَ تَمنّيهِ لحُضورِه إنّما هو للمَشوَرةِ و الرأيِ - علىٰ ما ادَّعىٰ صاحبُ الكتابِ و أصحابُه، و إن كانَت الأخبارُ المَرويّةُ تَمنَعُ مِن ذلكَ - لَكانَ الخَطبُ أيضاً جَليلاً؛ لأنّا نَعلَمُ أنّه لَم يَكُن في هذه الجماعةِ التي ذَكرناها إلّامَن مَولاه يُساوي(6)سالماً، إن لَم يَفضُلْه في الرأيِ و جَودةِ التحصيلِ ؛ فكَيفَ يَرغَبُ عنهم في الرأيِ و اختيارِ مَن يَصلُحُ للأمرِ، فيَتلهَّفُ (7)علىٰ حضورِ مَن لا يُدانيهِم(8)في عِلمٍ و لا رأيٍ؟

فإن قيلَ : كَيفَ يَجوزُ أن يَطلُبَ عُمَرُ سالماً ليُوَلّيَه(9)الخِلافةَ ، و هو بالأمسِ يَشهَدُ بأنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه قالَ : «إنّ الأئمّةَ مِن قُرَيشٍ » و يَدفَعُ الأنصارَ بهذه


1) . في «ب»: «كذلك».

2) . في «ب»: «ينبغي».

3) . في «ب، ص»: «جلال».

4) . في «د»: «الفصل».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: - «و».

6) . هكذا في النسخ و الحجري و التلخيص. و في المطبوع: «إلّا من هو لا يساوي»، و هو سهو.

7) . في «ب، ج، ف» و التلخيص: «و يتلهّف».

8) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «لا يدنيهم».

9) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «لتولية».

الحُجّةِ عن الأمرِ؟ و هَل يَدُلُّ ذلكَ إلّاعلىٰ ما قُلناه مِن أنّه أرادَ المَشوَرةَ و الرأيَ؟ لأنّ المُنحَرِفَ عن عُمَرَ، المُدَّعيَ لفَسادِ إمامتِه، لا يُمكِنُه أن يَدفَعَ عقلَه و فَرطَ تحصيلِه، و أنّه ممّن لا يُناقِضُ علىٰ رُؤوسِ الأشهادِ.

قُلنا: لَيسَ يَجوزُ أن يُدفَعَ المنقولُ مِن الروايةِ‌، المعروفُ منها، بأنّ الأمرَ كانَ يَجِبُ أن يَكونَ علىٰ خِلافِ‌(1)ما تَضمَّنَته، و إنّما يُتأوَّلُ‌(2)المُحتَمِلُ مِن الكلامِ‌، و قد تَضمَّنَت الأخبارُ المَرويّةُ في هذا البابِ ما لا يَسوغُ معه هذا التأويلُ المُتعسِّفُ المُضمَحِلُّ‌؛ فلَم يَبقَ إلّاأن يُبيَّنَ عُذرُ عُمَرَ في هذا القولِ‌، و يُجمَعَ بَينَ قولِه هاهُنا و(3)قولِه يَومَ السَّقيفةِ‌.

و أحسَنُ ما يُقالُ في ذلكَ‌، و أدخَلُه في تنزيهِ عُمَرَ عن المُناقَضةِ : أن يَكونَ الخبرُ الذي يَتضمَّنُ (4)حَصرَ الإمامةِ في قُرَيشٍ لا أصلَ له، و لَم يَجُز(5)له ذِكرٌ يَومَ السَّقيفةِ ، علىٰ ما بيّنّا أنّ الرواياتِ المُتَظاهِرةَ وَرَدَت به؛ فقَد مضىٰ مِن شَرحِها و أنّها خاليةٌ مِن الاحتجاجِ به ما فيه كِفايةٌ (6).

بطلان الاستدلال بالإجماع علىٰ حصر الإمامة في قريش

ثُمّ حَكىٰ صاحبُ الكتابِ عن أبي عليٍّ أنّه كانَ يَستَدِلُّ علىٰ أنّ الإمامةَ لا تَصلُحُ إلّافي قُرَيشٍ بطَريقةٍ أُخرىٰ ، و هي:


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «بخلاف».

2) . في «ب، ص، ف»: «تتأوّل».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «و بين».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «تضمّن».

5) . كذا، و لعلّ الصحيح: «و لم يَجْرِ».

6) . تقدّمت في ص 62-77.

أنّهم أجمَعوا قَديماً علىٰ أنّ قُرَيشاً تَصلُحُ للإمامةِ ، و لا إجماعَ أنّ الإمامةَ تَصلُحُ في غيرِها(1)، و لا يَجوزُ إثباتُ الإمامةِ بغَيرِ حُجّةٍ سَمعيّةٍ ؛ فيَجِبُ لذلكَ أن يَكونَ الإمامُ مِن قُرَيشٍ (2).

يُقالُ له: هذا مِن رَكيكِ الاستدلالِ و ضَعيفِه؛ لأنّهم و إن أجمَعوا علىٰ أنّ قُرَيشاً تَصلُحُ للإمامةِ و لَيسَ هذا مَوضِعَ الخِلافِ ، فلَم يُجمِعوا علىٰ أنّ غيرَها لا يَصلُحُ (3)و هو مَوضِعُ الخِلافِ ، و لَيسَ إذا لَم يَكُن في غيرِ قُرَيشٍ إجماعٌ وَجَبَ نفيُ الإمامةِ عنهم؛ لأنّ الحقَّ قد ثَبَتَ بالإجماعِ و غيرِه، و لَيسَ مقصوراً علَى الإجماعِ .

و قولُه: «و لا يَجوزُ إثباتُ الإمامةِ بغَيرِ حُجّةٍ سَمعيّةٍ‌» صَحيحٌ‌، إلّاأنّه لَم يَنفِ في(4)صَلاحِ غيرِ قُرَيشٍ للإمامةِ مِن الحُجَجِ السمعيّةِ إلّاالإجماعَ‌، دونَ ما عَداه؛ فمِن أينَ له(5)أنّه لا حُجّةَ سَمعيّةً في ذلكَ؟

علىٰ أنّه يَلزَمُه علىٰ هذه الطريقةِ - إذا(6)كانَت صَحيحةً - أن يَكونَ (7)الإمامةُ مقصورةً علىٰ وُلدِ الحَسَنِ و الحُسَينِ عليهما السلامُ ؛ لأنّ فيمَن عَداهم مِن الناسِ اختلافاً، و لا إجماعَ علىٰ صَلاحِ غيرِهم للإمامةِ ، و لا اختلافَ فيهم، و لا أحَدَ يَدفَعُ أنّهم يَصلُحونَ للإمامةِ .


1) . في المغني: «في غيرهم».

2) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 236. و فيه: «أن تكون من قريش».

3) . في «ج، ص، ف»: «لا تصلح».

4) . في «د» و المطبوع: «لم يَبقَ من».

5) . في المطبوع و الحجري: - «له».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «إن».

7) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «أن تكون».

و قد ألزَمَ‌(1)صاحبُ الكتابِ نفسَه هذا الإلزامَ‌، و أجابَ عنه بما يَقتَضي هَدمَ استدلالِه؛ لأنّه(2)قالَ‌:

و لا يَجِبُ أن لا يَثبُتَ الشيءُ إلّامِن جِهةِ الإجماعِ‌، بَل قد يَثبُتُ‌(3)بغَيرِه؛ فلَيسَ الخِلافُ أمارةَ الفَسادِ، و إن كانَ الإجماعُ أمارةَ الصحّةِ‌(4).

و هذا بعَينِه يُمكِنُ أن يُقالَ له في استدلالِه، إلّاأنّه(5)أضافَ - في خِلالِ كلامِه - إلىٰ ذلكَ أنّ الإجماعَ الذي يُريدُه إجماعُ الصَّحابةِ و السَّلَفِ المُتقدِّمِ‌.

قالَ‌:

و قد عَلِمنا أنّهم لَم يَطلُبوا للإمامةِ العِترةَ ، و لا اعتَقَدوا لها مَوضِعاً أخَصَّ مِن قُرَيشٍ ، و إنّما حَدَثَ الخِلافُ مِن بَعدُ، و هو خِلافٌ ممّن يَطعَنُ (6)في طَريقةِ الاختيارِ علىٰ ما نَقولُه [مِن بَعدُ](7). و قد بيّنّا أنّه لا نَصَّ في(8)الإمامةِ ، فلَم يَبقَ بَعدَه إلّاالطريقةُ التي(9)سَلَكناها(10).

فيُقالُ له في ذلكَ : لَعَمري إنّ الخِلافَ في هذا(11)البابِ هو ممّن يَقولُ بالنصِّ


1) . في «ب»: «التزم».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «به» بدل «لأنّه».

3) . في «ج، ص» و المغني: «قد ثبت».

4) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 237.

5) . هكذا في النسخ. و في المطبوع و الحجري: «لأنّه» بدل «إلّا أنّه».

6) . في المغني: «فيمن طعن».

7) . ما بين المعقوفين من المغني.

8) . في المغني: «على».

9) . في المغني: «فإذ صحّ ذلك لم يقو بعده إلّاطريقة نسلكها».

10) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 236-237.

11) . في «ب، ج، ص، ف»: «ذلك».

و يُفسِدُ الاختيارَ؛ و إذا كانَ كلامُكَ في هذا الفَصلِ لا يَصِحُّ إلّابَعدَ أن يَبطُلَ النصُّ و يَصِحَّ الاختيارُ، فقَد تَقدَّمَ مِن الأدِلّةِ علىٰ صِحّةِ النصِّ و فَسادِ الاختيارِ ما فيه كِفايةٌ (1).

و أمّا قولُه: «إنّ الصحابةَ لَم تَطلُبْ للإمامةِ العِترةَ‌(2)و لا [اعتَقَدوا لها](3)مَوضِعاً أخَصَّ مِن قُرَيشٍ » فقَد بيّنّا العِلّةَ في أنّ الطلَبَ لذلكَ لَم يَظهَرْ، و دَلَّلنا علىٰ سببِ الإعراضِ (4)عن مُنازَعةِ مَن لَم يَكُن مِن العِترةِ ، و تَكرَّرَ في(5)ذلكَ ما لا حاجةَ (6)بنا إلىٰ إعادتِه(7).


1) . تقدّم في ج 2، ص 209-221.

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «لم تطلب الإمامة للعترة».

3) . ما بين المعقوفين من المغني.

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «علىٰ سبيل الاعتراض».

5) . في «ج، ف»: - «في».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «فلا حاجة» بدل «ما لا حاجة».

7) . تقدّم في ج 2، ص 391-393.

11 فَصلٌ في الاعتراضِ علىٰ كلامِه في هَل يَجوزُ العُدولُ عن قُرَيشٍ في بابِ الإمامةِ ، أم لا؟

اشارة

11 فَصلٌ في الاعتراضِ علىٰ كلامِه في هَل(1)يَجوزُ العُدولُ عن قُرَيشٍ في بابِ الإمامةِ ، أم لا؟


1) . هكذا في «د» و المغني. و في المطبوع و الحجري: «فهل». و في «ب، ج، ص، ف»: «هل» بدون «في».

القول بجواز نصب غير القرشيّ للإمامة عند خلوّ قريش ممّن يصلح لها، و مناقشته

حَكىٰ عن أبي عَليٍّ‌ أنّه كانَ يُجوِّزُ أن لا يوجَدَ في قُرَيشٍ مَن يَصلُحُ للإمامةِ‌، و أنّ ذلكَ إذا اتَّفَقَ وَجَبَ أن يُنصَبَ مِن غيرِهم، و فَرَّقَ بَينَ النَّسَبِ و بَينَ‌(1)العِلمِ و العَقلِ‌(2)و العَدالةِ‌، فقالَ‌:

إنّ فَقدَ القُرَشيِّ لا يؤثِّرُ، و يَجوزُ(3)أن يُنصَبَ مِن غيرِهم؛ لأنّه لَيسَ بشَرطٍ واجبٍ‌. و لَيسَ كذلكَ باقي الشُّروطِ(4)لأنّها واجبةٌ‌، و فَقدُها مؤثِّرٌ؛ فلا يَجوزُ أن يُنصَبَ للإمامةِ مَن تُفقَدُ فيه(5).

و حَكىٰ في آخِرِ البابِ عن أبي عبدِ اللّٰهِ الحُسَينِ بنِ عَليٍّ البَصريِّ (6)أنّه «لا يَمتَنِعُ


1) . في «د»: - «بين».

2) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و الفضل» بدل «و العقل».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «فيجوز».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «في الشروط الباقية».

5) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 239 نقلاً بالمعنىٰ .

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «أبي عبد اللّٰه البصري». و هو أبو عبد اللّٰه الحسين بن علي بن إبراهيم البصري، من شيوخ المعتزلة، و كان شيخاً للقاضي عبد الجبّار. وُلد في البصرة سنة 288 ه‍ و توفّي ببغداد سنة 369 ه‍. و قد تقدّم ذكره. و للمزيد راجع: طبقات المعتزلة، ص 105-106؛ المنتظم، ج 7، ص 101؛ شذرات الذهب، ج 3، ص 68؛ الأعلام للزركلي، ج 2، ص 244.

أن يُقالَ : إنّه لا يَجوزُ أن يَخلُوَ(1)قُرَيشٌ ممّن يَصلُحُ للإمامةِ ؛ لِمكانِ الخبرِ»(2).

ثُمّ سَألَ نفسَه فقالَ :

إن قيلَ : ألّا(3)قُلتم أنّ الخبرَ يَتضمَّنُ (4)صِحّةَ وجودِ «مَن يَصلُحُ ، و مَن يَلزَمُ العَقدُ له» فيهم(5)أبَداً؛ ليَصِحَّ هذا(6)التكليفُ؟

قيلَ له: إذا كانَ التكليفُ مُعلَّقاً بشَرطٍ، فما الذي يَمنَعُ مِن أن لا يوجَدَ و لا يَلزَمَ‌(7)ذلكَ التكليفُ؟ و عندَ(8)ذلكَ يُرجَعُ إلَى الدلالةِ‌؛ فإذا وَجَبَ بالآياتِ التي ألزَمَ‌(9)اللّٰهُ عَزَّ و جَلَّ‌(10)فيها القيامَ بالحدودِ و نَصبَ (11)إمامٍ ، فواجبٌ أن يُنصَبَ مِن غيرِهم(12).

ثُمّ قالَ :

فإن قيلَ : فهلّا قُلتم: إنّه متىٰ لَم يوجَدْ فيهم(13)مَن يَصلُحُ لذلكَ سَقَطَ التكليفُ في نَصبِ الأئمّةِ؟ كَما لَو وُجِدَ كُلُّ مَن يَصلُحُ لهذا الشأنِ


1) . هكذا في «ج، د، ص، ف» و الحجري و المغني. و في «ب» و المطبوع: «تخلو».

2) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 241.

3) . في المغني: «هلّا».

4) . في «د» و المطبوع و الحجري: «متضمّن».

5) . في «ب، ج، ص، ف» و المغني: «منهم».

6) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «بهذا». و في المغني: - «هذا».

7) . في المغني: «أن لا يوجد فيهم فلا يلزم».

8) . هكذا في «د». و في المغني بدون الواو. و في سائر النسخ و المطبوع: «فعند».

9) . في المغني: «أوجب».

10) . في «ب، ج، ص، ف» و المغني: «تعالىٰ ».

11) . في «ب، ف»: «و بنصب».

12) . في المغني: «فواجب أن يتضمّن من غيرهم إذا كانت الحال هذه».

13) . في المغني: «منهم».

مُختَلَّ (1)العَدالةِ لَسَقَطَ هذا التكليفُ (2).

ثُمّ قالَ :

قيلَ له: إذا كانَ ما لأجلِه يَجِبُ نَصبُ الإمامِ - مِن إقامةِ الحدودِ، و القيامِ بالأحكامِ‌، و غيرِ ذلكَ - لا يَخُصُّ (3)حالَ وجودِ(4)مَن يَصلُحُ لذلكَ فيهم(5)مِن حالِ عدمِه، فيَجِبُ أن يَكونَ التكليفُ قائماً. [فأمّا ما سألتَ عنه:

فلَو صَحَّ لَكانَ التكليفُ ساقطاً؛ لأنّه يَجري مَجرىٰ تكليفِ ما لا يُطاقُ ؛ مِن حَيثُ لا يوجَدُ مَن يَصلُحُ لذلكَ ](6).

يُقالُ له: إنّ المَذهبَ الذي حَكَيتَه عن أبي عليٍّ يَبعُدُ عن الصوابِ‌؛ لأنّه لمّا أجازَ أن يَخلوَ(7)قُرَيشٌ ممّن يَصلُحُ للإمامةِ أجازَ أن يُنصَبَ مِن غيرِهم، و لَم يُجِز ذلكَ في باقي الشروطِ. و نَحنُ نُبيِّنُ أنّ ذلكَ مُناقَضةٌ‌؛ لأنّه إذا كُنّا إنّما نَرجِعُ في أوصافِ الإمامِ و شُروطِ إمامتِه إلَى النصِّ و السمعِ - علىٰ ما تَذهَبُ أنتَ و أصحابُكَ إليه - و النصُّ واردٌ في هذه الصفاتِ أجمَعَ علىٰ حَدٍّ واحدٍ؛ لأنّه قد دَلَّ النصُّ علىٰ أنّ مِن شَرطِ الإمامِ أن يَكونَ مِن قُرَيشٍ‌، كَما دَلَّ علىٰ أنّ مِن شَرطِه العَدالةَ و العِلمَ المخصوصَ . و نَحنُ نَعلَمُ أنّ هذه الصفاتِ لَم تُحصَرْ(8)في هذا البابِ إلّابما


1) . في «ب، د»: «محتمل».

2) . في المغني: «ليس فيها هذا التكليف» بدل «لسقط هذا التكليف». و في «ب، ج، ص، ف»: - «هذا».

3) . في المغني: «لا يختصّ ».

4) . في «د» و المغني: «وجوده».

5) . في المغني: «منهم». و في «ب، ج، ص، ف»: - «فيهم».

6) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 240. و ما بين المعقوفين من المصدر.

7) . هكذا في النسخ. و في المطبوع: «تخلو».

8) . في «ب، د، ف»: «لم تخصّ ».

تَقتَضيهِ‌(1)المَصلَحةُ‌، و كأنّ‌(2)المَصلَحةَ تَقتَضي كَونَ الإمامِ علىٰ صفاتٍ ، منها أن يَكونَ مِن قُرَيشٍ ؛ فكَيفَ يَجوزُ أن يُقيمَ (3)مِن غيرِ قُرَيشٍ إذا لَم نَجِدْ(4)قُرَشيّاً، و لَم يَجُز أن يُقيمَ (5)غيرَ عالِمٍ أو غيرَ عَدلٍ إذا لَم نَجِدْ(6)عالِماً عَدلاً؟

و قولُه: «هذا شَرطٌ لا بُدَّ منه، و هذا شَرطٌ منه بُدٌّ» اقتراحٌ‌؛ لأنّه(7)لا فَرقَ بَينَه و بَينَ مَن عَكَسَه و قالَ‌: «الذي لا بُدَّ منه هو النَّسَبُ‌، و باقي الشروطِ منها بُدٌّ». و كُلُّ ذلكَ غيرُ صَحيحٍ‌؛ لأنّا إنّما نَعلَمُ أنّه لا بُدَّ منه مِن حَيثُ اقتضاه(8)النصُّ و عُلِّقَت الإمامةُ به،

و هذه الطريقةُ عامّةٌ لسائرِ الشروطِ، فلا وجهَ لتقسيمِها.

علىٰ أنّ صاحبَ الكتابِ بتحقيقِه قولَ أبي عَليٍّ و ارتضائه له ناقضٌ لِما استَدَلَّ به - في هذا الكتابِ‌، في بابِ الإجماعِ‌(9)- علىٰ أنّه لا بُدَّ في كُلِّ عَصرٍ مِن إثباتِ مؤمنينَ لِيَصِحَّ أن يُتَّبَعوا(10)، و أنّه لا يَجوزُ خُلوُّ الزمانِ ممّن هذه صفتُه؛ لأنّه استَدَلَّ هُناكَ علىٰ هذا بقَولِه تَعالىٰ‌: (وَ مَنْ يُشٰاقِقِ الرَّسُولَ ) الآيةَ (11)، و ادَّعىٰ (12)أنّ تَوعُّدَه(13)


1) . في «د»: «لما تقتضيه». و في «ج، ص، ف» و الحجري: «بما يقتضيه».

2) . في «ب، ج، ص، ف» و الحجري: «فكأنّ ».

3) . في المطبوع: «أن نقيم».

4) . في «ج، ص، ف»: «لم يجد».

5) . في المطبوع: «و لم نجز أن نقيم».

6) . في «ب، ج، ف»: «لم يجد».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: - «لأنّه».

8) . في «ص» و المطبوع: «اقتضاء».

9) . المغني، ج 17، ص 153-173.

10) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: + «له».

11) . النساء (4):115.

12) . في المطبوع: «و ادّعاء».

13) . في «د» و المطبوع: «توعّدها».

علىٰ تَركِ اتّباعِ سَبيلِهم يَقتَضي أن يَكونوا مُتمكِّنينَ في كُلِّ عَصرٍ مِن اتّباعِ سَبيلِهم، و لا يَكونونَ‌(1)مُتمكِّنينَ مِن ذلكَ‌(2)إلّابوجودِ المؤمِنينَ‌(3)في كُلِّ عَصرٍ.

و هو هاهُنا يَقولُ‌: إنّ إيجابَه إقامةَ الأئمّةِ مِن قُرَيشٍ لا يَقتَضي وجودَ مَن يَصلُحُ للإمامةِ في قُرَيشٍ و إن كانَ إيجاباً و تكليفاً، و يَجعَلُه(4)مشروطاً بوجودِ مَن يَصلُحُ لذلكَ‌. و هو هُناكَ مَنَعَ مِن هذا أشَدَّ مَنعٍ ، و أحالَ أن يَكون إيجابُه اتّباعَ سَبيلِ المؤمنينَ مشروطاً.

و قد كَلَّمناه علىٰ هذا الفَصلِ في مَوضِعِه مِن هذا الكتابِ بكلامٍ طويلٍ لا معنىٰ في إعادتِه(5)(6)و إنّما أرَدنا الآنَ التنبيهَ (7)علىٰ وجهِ المُناقَضةِ ، و إلّافالخبرُ لا يَقتَضي بظاهرِه وجودَ مَن يَصلُحُ في قُرَيشٍ ، كَما أنّ الآيةَ لا تَقتَضي وجودَ مؤمنينَ في كُلِّ عَصرٍ.

فأمّا تَعلُّقُه - في الجوابِ عمّا سألَ عنه(8)نفسَه مِن أنّ التكليفَ إذا كانَ مُعلَّقاً بشَرطٍ: فما الذي يَمنَعُ مِن سُقوطِه عند انتفاءِ شَرطِه‌؟ - بالآياتِ التي ألزَمَ اللّٰهُ تَعالىٰ فيها إقامةَ الحدودِ و الأحكامِ ، و أنّ ذلكَ إذا كانَ مُستَمِرّاً وَجَبَ أن يَستَمِرَّ التكليفُ ، و يُعدَلَ إلىٰ غيرِ قُرَيشٍ إذا لَم يوجَدْ فيهم مَن يَصلُحُ للإمامةِ ؛ فبَعيدٌ مِن الصوابِ ؛ لأنّ الآياتِ التي ذَكَرَها، إذا كانَت موجِبةً لإقامةِ الحدودِ و موجِبةً لإقامةِ مَن يُقيمُها علىٰ مُستَحِقِّها، فإنّما توجِبُ إقامةَ مَن له صفةٌ مخصوصةٌ متىٰ لَم تَحصُلْ و لَم


1) . في «ب، د، ص»: «و لا يكونوا».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: - «من ذلك».

3) . في المطبوع و الحجري: «المؤمن».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «و جعله».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «لإعادته».

6) . تقدّم في ج 2، ص 9، 26 و ما بعدهما.

7) . في «ج، ف»: «أن ننبّه». و في «ب»: «أن نبيّنه». و في «ص»: «أن نثبته».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: - «عنه».

يُمكِنْ تحصيلُ (1)مَن هو عليها فيَنبَغي أن يَسقُطَ التكليفُ ؛ كَما لَو قَدَّرنا فَقْدَ مَن(2)يَختَصُّ بالعَدالةِ و العِلمِ المخصوصِ لَسَقَطَ(3)التكليفُ في إقامةِ الإمامِ ، و إن كانَت الآياتُ المُتضمِّنةُ لإقامةِ الحدودِ ثابتةً .

فإن قُلتَ‌: عِلمي بوجوبِ إقامةِ الحدودِ و تنفيذِ الأحكامِ ، و أنّ ذلكَ موجِبٌ (4)نَصبَ مَن يَتولّاه و يَقومُ به، يَمنَعُني مِن أن أُجوِّزَ خُلوَّ الزمانِ مِن عَدلٍ عالِمٍ (5)يَصلُحُ للإمامةِ .

قيلَ لكَ‌: فألّا كانَ عِلمُكَ بما ذَكَرتَ يَمنَعُكَ مِن أن تُجيزَ(6)خُلوَّ الزمانِ مِن قُرَشيٍّ يَصلُحُ للإمامةِ (7)؟ و ألّاتَوصَّلتَ إلَى الأمرَينِ تَوصُّلاً واحداً؟ فإذا(8)جازَ أن يُعدَلَ عن القُرَشيِّ عندَ فَقدِه إلىٰ غيرِه لأجلِ ثَباتِ (9)التكليفِ ، فألّا جازَ أن يُعدَلَ عن العالِمِ و العَدلِ إلىٰ غيرِهما عندَ فَقدِهما مِن أجلِ ثَباتِ (10)التكليفِ؟

بطلان قياس الإمامة على الإمارة من حيث جواز تولّي غير القرشي

قالَ صاحبُ الكتابِ :

و قد يُبيِّنُ صِحّةَ ما ذَكرناه: أنّ الإمامَ يَجوزُ أن يَعتَمِدَ فيما إليه علَى


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «و يمكن أن يحصل».

2) . في المطبوع: - «من».

3) . في «ب، د» و المطبوع: «يسقط».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «يوجب».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: - «عالم».

6) . في «ج، ص»: «أن يجوّز». و في «ب، ف»: «أن تجوّز».

7) . في المطبوع: «للأُمّة».

8) . في «ج، ص، ف»: «فإن».

9) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «إثبات».

10) . هكذا في «ب، د». و في سائر النسخ و المطبوع: «إثبات».

الصالحينَ مِن غيرِ قُرَيشٍ‌، و ذلكَ يُبيِّنُ‌(1)أنّهم أهلُ القيامِ بهذه الأُمورِ، و لا يَجوزُ لَو تَعذَّرَ عليه(2)أهلُ الصلاحِ أن يَعتَمِدَ(3)علَى الفُسّاقِ‌(4)و ذلكَ يُبيِّنُ التفرقةَ بَينَ الأمرَينِ‌، و صَحَّ ما نَقولُه نَحنُ‌(5).

و جُملةُ القولِ في ذلكَ‌: أنّ كُلَّ شَرطٍ في الإمامِ لَو فُقِدَ صَلَحَ أن يَكونَ أميراً يَقومُ بما إلَى الإمامِ‌، فيَجِبُ أن لا يَمتَنِعَ علىٰ بعضِ الوجوهِ أن يَكونَ إماماً؛ و كُلُّ شَرطٍ لَو فُقِدَ لَم يَصلُحْ أن يَكونَ أميراً أو حاكماً(6)فيَجِبُ أن يَمنَعَ‌(7)مِن عَقدِ الإمامةِ له [علىٰ كُلِّ وجهٍ‌؛ و لذلكَ نَقولُ‌: إنّ الفِسقَ‌، و الجَهلَ بقَدرٍ مِن أُصولِ الدينِ و الفِقهِ و العُبوديّةِ ، و اختلالَ الأحوالِ في العقلِ و الرأيِ ، كما يَمنَعُ مِن كَونِه إماماً يَمنَعُ مِن الإمارةِ و القَضاءِ ؛ فلهذه الجُملةِ يَجِبُ نَصبُ الإمامِ في غيرِ قُرَيشٍ إذا لَم يوجَدْ فيهم، و يَجوزُ نَصبُ المفضولِ إذا كانَ أقوَمَ بالإمامةِ مِن الفاضلِ ...](8).

يُقالُ له: لِمَ زَعَمتَ أنّ الإمامَ إذا جازَ أن يَعتَمِدَ علىٰ غيرِ قُرَيشٍ في الإمارةِ (9)، جازَ أن يَكونَ الإمامُ غيرَ قُرَشيٍّ؟ و كَيفَ تَكونُ (10)الإمامةُ قياساً للإمارةِ في هذا البابِ


1) . في «ب»: «ليبيّن».

2) . في «ب»: «علينا».

3) . في «ب»: «أن نعتمد».

4) . من قوله: «و ذلك يبيّن أنّهم أهل القيام...» إلىٰ هنا سقط من المغني.

5) . في «د» و المغني: - «و صحّ ما نقوله نحن».

6) . من قوله: «فيجب أن لا يمتنع...» إلىٰ هنا سقط من المغني. و في «ج، د»: «و حاكماً» بدل «أو حاكماً».

7) . في «د» و المطبوع: «أن يمتنع».

8) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 240-241. و ما بين المعقوفين من المصدر.

9) . في «ب، ج، ص، ف»: «في الإمامة».

10) . في «ج، د، ص، ف» و الحجري: «يكون».

و أحَدُ شُروطِ الإمامِ أن يَكونَ قُرَشيّاً - بِلا خِلافٍ بَينَنا و بَينَ صاحبِ الكتابِ - و لَيسَ مِن شَرطِ الأميرِ أن يَكونَ قُرَشيّاً؟ فكانَ محصولُ كلامِه: إذا جازَ أن يُولَّى الأميرُ مع تَكامُلِ شَرائطِه المطلوبةِ فيه، فألّا جازَ أن يُولَّى الإمامُ مع اختلالِ بعضِ شَرائطِه المطلوبةِ فيه(1)؟ و لا خَفاءَ بما في هذا الكلامِ .

فأمّا قولُه: «إنّ كُلَّ شَرطٍ في الإمامِ لَو فُقِدَ صَلَحَ أن يَكونَ أميراً [يَقومُ بما إلَى الإمامِ ](2)، فيَجِبُ أن لا يَمتَنِعَ علىٰ بعضِ الوجوه أن يَكونَ إماماً؛ و كُلُّ شَرطٍ لَو فُقِدَ لَم يَصلُحْ أن يَكونَ أميراً أو حاكماً(3)، فيَجِبُ أن يَمنَعَ مِن عَقدِ الإمامةِ » فيَفسُدُ بما ذَكرناه؛ لأنّا قد بيّنّا الفَرقَ بَينَ الإمارةِ و الإمامةِ ، و أنّ النَّسَبَ مطلوبٌ في الإمامةِ دونَ الإمارةِ .

علىٰ أنّه مُقتَصِرٌ علىٰ دعوىً مِن غيرِ أصلٍ رَدَّ إليه كلامَه.

فيُقالُ له: لِمَ زَعَمتَ أنّ الأمرَ علىٰ ما ادَّعَيتَ؟ و ما الدليلُ علىٰ صِحّةِ العَقدِ الذي عَقَدتَه ؟ علىٰ أنّ هاهُنا شَرطاً لَو فُقِدَ صَلَحَ أن يَكونَ مَن يُفقَدُ فيه أميراً و إن لَم يَصلُحْ أن يَكونَ إماماً؛ لأنّ مِن شَرطِ الإمامةِ عندَنا و عندَه أن يَكونَ بَصيراً باختيارِ الخلفاءِ و النائبينَ عنه، عالِماً بمَن(4)يَصلُحُ لذلكَ ممّن لا يَصلُحُ له، و هذا الشرطُ يَصلُحُ أن يَكونَ الأميرُ أميراً و الحاكمُ حاكماً مع فَقدِه، و لا يَصلُحُ أن يَكونَ إماماً مع فَقدِه.

علىٰ أنّ أكثَرَ أصحابِنا لا يُسلِّمُ له ما ذَكَرَه في الأميرِ؛ لأنّ عندَهم أنّ الفَضلَ في النَّسَبِ أحَدُ جِهاتِ الفَضلِ ، و لا يَجوزُ أن يُقدَّمَ المفضولُ في شَيءٍ منه علَى


1) . في «ب، ج، ص، ف»: - «المطلوبة فيه».

2) . ما بين المعقوفين من المغني.

3) . في «ص»: «و حاكماً».

4) . في المطبوع: «من» بدل «بمن».

الفاضلِ‌. و مَن ذَهَبَ إلىٰ‌(1)هذا المَذهبِ يَتأوّلُ‌(2)كُلَّ ما وَرَدَ(3)عليه مِن إمارةِ غيرِ قُرَشيٍّ : إمّا(4)بأن لا تَكونَ (5)إمارةً (6)صَحيحةً ، أو [بأن] تَرِدَ(7)مِن جِهةِ مَن لَيسَ له أن يؤمِّرَ، أو بأن يَخُصّوها(8)بمَن له مِن النسَبِ ما لا يَفضُلُ عليه(9)نَسَبُ المؤمِّرِ؛ و علىٰ كُلِّ حالٍ فقَد سَقَطَ ما تَعلَّقَ به.

إجماع القائلين بالنصّ و غير القائلين به علىٰ لزوم تجدّد أمرٍ، حتّىٰ يصبح من يصلح للإمامة إماماً

ثُمّ ذَكَرَ صاحبُ الكتابِ بَعدَ هذا كلاماً في أنّ الإمامَ يَجِبُ أن يَكونَ واحداً في الزمانِ (10)، و أنّه لا يَمتَنِعُ أن يَجتَمِعَ في وقتٍ واحدٍ جَماعةٌ تَصلُحُ للإمامةِ (11)، و كلاماً في أنّ مَن يَصلُحُ للإمامةِ لا يَصيرُ إماماً إلّابأمرٍ مُجدَّدٍ(12). و كُلُّ ذلكَ لا


1) . في «د» و المطبوع: + «أنّ ».

2) . في «د»: «تتأوّل». و في «ب» و الحجري: «يناول». و في المطبوع: «يتناول».

3) . في «د» و المطبوع: «نورد».

4) . هكذا في النسخ. و في المطبوع: «إلّا».

5) . في «د» و المطبوع: «لا يكون».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: - «إمارة».

7) . في «ج، ص، ف»: «يرد».

8) . في المطبوع: «أو بأن يكون مخصوصاً».

9) . في «د»: «بمن ليس له من النسب ما يفضل عليه».

10) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 243-247، فصل في أنّ الإمام يجب أن يكون واحداً في الزمان و ما يتّصل بذلك.

11) . المصدر السابق، ص 248-249، فصل في أنّه لا يمتنع أن يجتمع في وقت واحد جماعة يصلحون للإمامة.

12) . المصدر السابق، ص 250، فصل في أنّ من يصلح للإمامة لا يصير إماماً و أنّه لا بدّ من تجدّدأمر به يصير إماماً.

خِلافَ بَينَنا و بَينَه فيه، و لا معنىٰ لتَتبُّعِه.

إلّا أنّه عَوَّلَ - في أنّ مَن يَصلُحُ للإمامةِ لا يَصيرُ إماماً بذلكَ‌، و أنّه لا بُدَّ مِن تَجدُّدِ أمرٍ يَصيرُ به إماماً - علىٰ أن قالَ‌:

لا خِلافَ بَينَ مَن لا يَقولُ بالنصِّ في كُلِّ إمامٍ أنّه لا يَصيرُ إماماً بأن يَصلُحَ لذلكَ و يَجتَمِعَ فيه الشرائطُ(1).

و هذا لا معنىٰ له، و لا فائدةَ‌(2)في إخراجِه مَن يَقولُ بالنصِّ عن هذا الإجماعِ‌؛ لأنّه لا خِلافَ في ذلكَ بالإطلاقِ‌، و مَن يَقولُ بالنصِّ يَذهَبُ إلىٰ أنّه لَولا النصُّ أو ما يَقومُ مَقامَه مِن المُعجِزِ، لَم يَصِرِ الإمامُ إماماً، و إن اجتَمَعَت فيه شَرائطُ الإمامةِ ، و كَمَلَت له خِلالُها. و مَن يَقولُ مِن أصحابِنا أنّ الإمامةَ مُستَحَقّةٌ (3)، و أنّها تَجري مَجرَى الثوابِ ، لا يَذهَبُ إلىٰ أنّه يَصيرُ إماماً بنَفسِ الاستحقاقِ ؛ بَل لا بُدَّ عندَه مِن نَصٍّ عليه و إشارةٍ إليه.


1) . المصدر السابق، ص 250.

2) . في المطبوع: + «له».

3) . تقدّم البحث حول كون الإمامة مستحقّة أو لا، و إنكار المصنّف رحمه اللّٰه لكونها مستحقّة في ج 2، ص 200 و ما بعدها من هذا الكتاب. و راجع: أوائل المقالات، ص 63-64.

12 فَصلٌ في الكلامِ علىٰ ما اعتَمَدَ عليه في عَدَدِ العاقدينَ للإمامةِ

اشارة

قالَ صاحبُ الكتابِ :

إنّما قُلنا أنّه لا بُدَّ مِن العَقدِ؛ مِن(1)حَيثُ ثَبَتَ بما قَدَّمناه أنّه لا يَصيرُ إماماً بأن يَصلُحَ للإمامةِ فَقَط، فلا بُدَّ مِن أمرٍ زائدٍ. و قد ثَبَتَ عندَ كُلِّ مَن يَقولُ بالاختيارِ أنّه إذا حَصَلَ العَقدُ مِن واحدٍ برِضا أربَعةٍ صارَ إماماً، و اختَلَفوا فيما عَدا ذلكَ‌؛ فلا بُدَّ فيما يَصيرُ به إماماً مِن دليلٍ ، فما قارَنَه الإجماعُ يَجِبُ أن يُحكَمَ به.

ثُمّ عارَضَ نفسَه بالزيديّةِ ، و أجابَ عن الاعتراضِ بأنّهم قائلونَ بالنصِّ علىٰ بعضِ الوجوهِ ، و أنّه إنّما اعتَبَرَ إجماعَ مَن يَقولُ بالاختيارِ.

ثُمّ قالَ :

فإن قيلَ : ألَيسَ في الناسِ مَن يَقولُ (2): «لا يَصيرُ إماماً إلّابرِضا الكافّةِ مِن البلدِ(3)الذي يَظهَرُ فيه(4)»؟ و هذه طَريقةُ العامّةِ .

قيلَ له: لَيسَ ذلكَ بمَذهبٍ يَتحصَّلُ فيُذكَرَ(5)و يُطعَنَ به فيما قَدَّمناه مِن


1) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و المغني. و في «د» و المطبوع و الحجري: - «من».

2) . في المغني: + «إنّه».

3) . في المغني: «في البلد».

4) . في المغني: «ظهر فيه». و في «د» و المطبوع و الحجري: «يظهر به».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «قبلكم» بدل «فيذكر».

الإجماعِ‌؛ لأنّهم رُبَّما(1)اعتَبَروا العامّةَ و إن خالَفَت الخاصّةُ في ذلكَ‌، و رُبَّما قالوا بإمامةِ الفاسقِ المهتوكِ إذا غَلَبَ‌(2).

و أحَدُ ما يَدُلُّ علىٰ ذلكَ‌: ما ثَبَتَ‌(3)مِن إجماعِ الصحابةِ في بَيعةِ أبي بَكرٍ؛ لأنّه بايَعَه الواحدُ برِضا أربَعةٍ‌، علىٰ ما تَقدَّمَ ذِكرُه(4).

و عَنىٰ بذلكَ أنّ عُمَرَ بايَعَه برِضا أبي عُبَيدةَ‌(5)، و سالِمٍ مَولىٰ أبي حُذَيفةَ‌(6)، و أُسَيدِ بنِ حُضَيرٍ الأنصاريِّ‌(7)، و بَشيرِ بنِ سَعدٍ(8)علىٰ ما ذَكَرَه في الفَصلِ الذي قَبلَ هذا(9).

قالَ‌:

و قد عَلِمنا بإجماعِهم مِن بَعدُ أنّه(10)صارَ إماماً مِن أوّلِ ما عُقِدَ له، و بالسببِ الذي تَقدَّمَ ؛ فلا بُدَّ مِن سَمعٍ ثابتٍ [عندَهم](11)يَقتَضي(12)أنّه يَصيرُ إماماً بذلكَ ؛ لأنّه لا يَجوزُ و قد حَصَلَ (13)الإجماعُ فيه أن يُحمَلَ


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «إنّما». و في المغني: - «ربّما».

2) . في المغني: «بإمامة الفاسق المفضول إذا غلب، و يجعلونه إماماً للغلبة لا للرضا».

3) . في المغني: «ما قد ثبت».

4) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 259-260.

5) . تقدّمت ترجمته في ص 45.

6) . تقدّمت ترجمته في ص 85.

7) . تقدّمت ترجمته في ص 73-74.

8) . تقدّمت ترجمته في ص 71-72.

9) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 256.

10) . في المغني: «بأنّه».

11) . ما بين المعقوفين من المغني.

12) . في «ب، ج، ص، ف»: «اقتضى».

13) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع و المغني: + «له».

علَى التبخيتِ‌(1)، و لا أن يُقالَ‌: إنّ طَريقَه الاجتهادُ؛ لأنّ المَقاديرَ(2)الجاريةَ هذا المَجرىٰ لا مَجالَ للاجتهادِ فيها؛ فلا بُدَّ(3)مِن سَمعٍ‌، لكِنّه(4)لا يَجِبُ نَقلُه؛ لأنّه استُغنيَ بالإجماعِ عنه.

و سَقَطَ بذلكَ قولُ مَن يَقولُ‌: إنّ ذلكَ إنّما اتَّفَقَ‌، و لَو حَضَرَ في الحالِ مِن العَدَدِ ما يَزيدُ علىٰ خَمسةٍ أو يَنقُصُ (5)لَعَقَدوا له؛ لأنّ (6)الذي قَدَّمناه(7)مِن مُقارَنةِ الإجماعِ له يَمنَعُ مِن ذلكَ (8).

نفي إجماع القائلين بالاختيار علىٰ عدد معيّن من العاقدين

يُقالُ له: قد ادَّعَيتَ الإجماعَ في مَوضِعٍ لا إجماعَ فيه، و الخِلافُ فيه ظاهرٌ؛ لأنّ كَثيراً ممّن يَقولُ بالاختيارِ يَذهَبُ إلىٰ أنّ الإمامةَ لا تَنعَقِدُ إلّابرِضا جَميعِ الأُمّةِ و تسليمِها، و لا يَعتَبِرونَ في هذا عَدَداً مخصوصاً، و الذاهبُ إلىٰ ما ذَكرناه مِن أهلِ الاختيارِ أكثَرُ عَدَداً ممّن يَذهَبُ فيه إلَى العَدَدِ الذي اعتبَرَهَ صاحبُ الكتابِ ، و لَيسَ تَوهينُه لهذه المَقالةِ و تضعيفُه لأهلِها(9)بحُجّةٍ في مِثلِ هذا المَوضِعِ ؛ لأنّه ادَّعَى


1) . «التبخيت» تفعيل من «البَخْت» و هو الجَدُّ و الحظّ، و هو فارسيّ . راجع: المحكم و المحيطالأعظم، ج 5، ص 155؛ المصباح المنير، ص 37 (بخت).

2) . في المغني: «المعاذير».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «و لا بدّ».

4) . هكذا في النسخ و المغني. و في المطبوع و الحجري: «لكن».

5) . هكذا في النسخ و المغني. و في المطبوع و الحجري: «و ينقص».

6) . هكذا في النسخ و المغني. و في المطبوع و الحجري: «فإنّ ».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «بيّنّاه».

8) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 260-261. و فيه: «لأنّ الذي قدّمناه من مقارنة ذلك أنّه يمنع منه».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: «لها» بدل «لأهلها».

الإجماعَ ، و إذا ثَبَتَ خِلافُه بَطَلَت دعواه؛ سَواءٌ كانَ الخِلافُ مِن ضَعيفٍ أو قَويٍّ ، عامّيٍّ أو خاصّيٍّ .

فأمّا قولُه: «إنّهم رُبَّما اعتَبَروا إجماعَ العامّةِ‌، و إن خالَفَت الخاصّةُ فيه(1)» فلَيسَ‌

هذا قولَ مَن يَعتَبِرُ إجماعَ جَميعِ الأُمّةِ‌(2)لأنّهم إذا لَم يَجعَلوا إجماعَ الخاصّةِ إذا خالَفَتهم العامّةُ إجماعاً، فأولىٰ‌(3)أن لا يَجعَلوا إجماعَ العامّةِ مع خِلافِ (4)الخاصّةِ حُجّةً و إجماعاً.

و لَيسَ جَميعُ مَن يَذهَبُ إلىٰ ما ذَكرناه يُجوِّزُ إمامةَ الفاسقِ المهتوكِ (5)، و مَن ذَهَبَ منهم إلىٰ ذلكَ فلَسنا نَعتَرِضُ (6)بقَولِه.

مناقشة دعوى الإجماع علىٰ بيعة أبي بكر، و أنّها تمّت ببيعة خمسة أشخاص

فأمّا ما اعتَمَدَه مِن إجماعِ الصَّحابةِ علىٰ بَيعةِ أبي بَكرٍ و صِحّتِها، و أنّها إنّما انعَقَدَت في الأصلِ بالعَدَدِ المخصوصِ الذي اعتَبَرَه.

فلَنا(7)في ذلكَ كلامٌ (8)مِن وجوهٍ :

أوّلُها: أنّا لا نُسلِّمُ هذا الإجماعَ ؛ لأنّه ما كانَ قَطُّ، و لا وَقَعَ .


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «و إن خالف الخاصّة».

2) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: + «لأنّهم ربّما اعتبروا إجماع الأُمّة و إن خالفت الخاصّة فيه»، و هو سهو.

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «فالأولىٰ ».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «اختلاف».

5) . هذا إشارة إلىٰ كلام القاضي المتقدّم: «و ربّما قالوا بإمامة الفاسق المهتوك إذا غَلَب».

6) . في «ب»: «فلسنا نتعرّض».

7) . في «ص، ف» و المطبوع و الحجري: «قلنا».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «كلام في ذلك» بدل «في ذلك كلام».

و ثانيها: أن نُسلِّمَه ثُمّ نُبيِّنَ أنّ لقائلٍ أن يَقولَ : إنّ إمامتَه إنّما صَحَّت بالإجماعِ عليها، لا بعَقدِ النفَرِ الذينَ ذَكَرَهم.

و ثالثُها: أن نَتجاوَزَ عن كُلِّ ذلكَ و نَقولَ : لِمَ إذا انعَقَدَت إمامتُه بخَمسةٍ لَم يَجُزِ النُّقصانُ مِن هذا العَدَدِ؟ و نَحنُ نَتكلَّمُ علىٰ جَميعِ ذلكَ .

أمّا الوجهُ الأوّلُ : فالأَولىٰ أن نؤخِّرَ(1)الكلامَ فيه إلَى الفَصلِ الذي نَعتَرِضُ به(2)كلامَه في إمامةِ أبي بَكرٍ(3)لأنّه أخَصُّ بهذا الخِلافِ (4)، مِن حَيثُ كانَ هذا الفَصلُ كالفَرعِ علىٰ صِحّةِ الاختيارِ و ثُبوتِه، و الخِلافُ فيه جارٍ بَينَ مَن يُوافِقُ علىٰ أصلِ الاختيارِ.

فأمّا الفَصلُ الثاني: فالكلامُ فيه واضحٌ‌؛ لأنّ أبا بَكرٍ لمّا صَفَقَ علىٰ يَدِه بالبَيعةِ مَن سَبَقَ إلىٰ بَيعتِه لَم يَبرَحْ‌(5)مِن مَجلِسِه ذلكَ - عندَ مَن يَقولُ بصِحّةِ إمامتِه و ثُبوتِ اختيارِه - حتّىٰ بايَعَه جميعُ أهلِ المَدينةِ‌؛ فمنهم مَن حَضَرَ السقيفةَ‌، و صَفَقَ علىٰ يَدِه بالبَيعةِ‌(6)، و هُم جُمهورُ الأنصارِ و المُهاجِرينَ . و منهم مَن تأخَّرَ لعُذرٍ(7)، فلَم يُبايِعْ بيَدِه، و رَضيَ البَيعةَ بقَلبِه، و سَلَّمَها و أذعَنَ بها؛ كأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ

عندَهم(8)، و مَن تأخَّرَ مِن بَني هاشِمٍ معه اشتغالاً بتجهيزِ النبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه.


1) . في «ب، ص»: «أن يؤخّر».

2) . في «ج»: «نعترض فيه». و في «ب، ص، ف»: «يعترض فيه».

3) . يأتي في ص 127 و ما بعدها.

4) . في المطبوع: «اختصّ » بدل «أخصّ ». و في «ب، ج، ص، ف»: «لأنّه أخصّ بها بالخلاف».

5) . في «ص»: «لم يخرج».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: - «بالبيعة».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «و منهم من تعذّر عليه الحضور».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: - «عندهم».

فمِن أينَ له أنّ إمامتَه انعَقَدَت بأربَعةٍ ، دونَ أن يَكونَ إنّما انعَقَدَت بالإجماعِ الذي لَم يَتراخَ عن بَيعةِ مَن بايَعَه ممّن ذَكَرَه ؟

و قولُه: «إنّهم أجمَعوا علىٰ أنّه صارَ إماماً مِن أوّلِ ما عُقِدَ له و بالسبَبِ المُتقدِّمِ‌» لا يُنافي ما ذَكرناه؛ لأنّ رِضا الكافّةِ و بَيعةَ الجَميعِ كانَ تالياً صَفقةَ‌(1)مَن سَبَقَ إلىٰ مُبايَعتِه، و لَم يَكُن بَينَهما زمانٌ‌، و الحالُ‌(2)التي جَرىٰ فيها الخَوضُ لَم يَنقَضِ‌(3)إلّا بالإجماعِ عليه عندَهم، و لَم يَنفَصِلْ‌(4)حالُ الإجماعِ مِن الكافّةِ عن حالِ مُبايَعةِ الأربَعةِ بزَمانٍ يَصِحُّ أن يَكونَ مُعتَبَراً؛ كَما لَم يَنفَصِلْ‌(5)بَيعةُ عُمَرَ له(6)عن رِضا الأربَعةِ و تسليمِهم، بزَمانٍ يَجوزُ أن يَكونَ مُعتَبَراً.

و إدخالُهم في جُملةِ العَدَدِ الذي به انعَقَدَت الإمامةُ أُسَيدَ بنَ حُضَيرٍ طَريفٌ‌(7)لأنّ جَميعَ مَن رَوىٰ خبرَ السَّقيفةِ‌، لَم يَروِ أنّ أُسَيدَ بنَ حُضَيرٍ سَبَقَ إلىٰ بَيعةِ أبي بَكرٍ قَبلَ جَماعةِ الأَوسِ‌، و إنّما بايَعَ في جُملتِهم لمّا بايَعوا، بَعدَ أن قالَ بعضُهم لبعضٍ‌:

«وَ اللّٰهِ‌، لَئن وَلِيَتها(8)الخَزرَجُ عليكم مَرّةً ، لا زالَت لهُم بذلكَ الفَضيلةُ عليكم» علىٰ ما شَرَحناه في الخبرِ الذي اقتَصَصنا فيه قِصّةَ (9)السقيفةِ علىٰ رِوايةِ الطبَريِّ (10).


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «لصفقة».

2) . في «ج، ف»: «فالحال».

3) . هكذا في «د». و في سائر النسخ: «لم يجز نقضها». و في المطبوع: - «لم ينقض».

4) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «لم تنفصل».

5) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «لم تنفصل».

6) . في المطبوع: «ثمّ » بدل «له».

7) . في «ج، ص، ف»: «عجيب». و في «ب»: «عجب».

8) . في «د»: «ولّتها». و في المطبوع: «وليها».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: «خبر».

10) . تاريخ الطبري، ج 2، ص 455-459، حوادث سنة 11. و قد تقدّم نقل هذه الرواية بطولها في ص 63-76.

فإن(1)كانَ العَقدُ لَم يَكمُلْ إلّابأُسَيدِ بنِ حُضَيرٍ، فهو لَم يُبايِعْ إلّامع بَني عَمِّه و قومِه، فيَجِبُ أن يَكونَ‌(2)بَيعةُ جَميعِهم مُعتَبَرةً و لا يُقتَصَرَ علىٰ أربَعةٍ .

و مَن تأمَّلَ خبرَ السقيفةِ ، و ما رُويَ مِن كَيفيّةِ وقوعِ البَيعةِ ، عَلِمَ أنّ مَن اعتَبَرَ في صِحّةِ إمامةِ أبي بَكرٍ أربَعةً مخصوصةً مُتحكِّمٌ مُقتَرِحٌ لِما(3)لا يَشهَدُ به(4)شَيءٌ مِن الرواياتِ .

و يُقالُ له في الفَصلِ الثالثِ‌: إذا سَلِمَ‌(5)لكَ أنّ إمامتَه انعَقَدَت ببَيعةِ واحدٍ و رِضا أربَعةٍ‌، مِن أينَ لكَ أنّ هذا هو العَدَدُ الذي لا نُقصانَ مِنه(6)؟ و أكثَرُ ما يَقتَضيهِ ما اعتَبَرتَه(7)أن يَكونَ الإجماعُ كاشفاً عن أحَدِ أمرَينِ‌: إمّا أن يَكونَ هذا هو العَدَدَ

المُراعىٰ في عَقدِ الإمامةِ‌، أو أن يَكونَ العَدَدُ المُراعىٰ داخلاً في جُملتِه.

و لَيسَ لكَ أن تَقولَ : إنّ الإجماعَ كَما كَشَفَ لي عن(8)أنّ العَدَدَ المطلوبَ لا يَجوزُ أن يَزيدَ علىٰ ما ذَكرتُه، كذلكَ لا يَجوزُ أن يَنقُصَ عنه؛

و ذلكَ أنّ بَينَ الأمرَينِ فَرقاً واضحاً، و هو أنّ دَلالةَ الإجماعِ تَمنَعُ مِن أن يَكونَ العَدَدُ المطلوبُ زائداً علىٰ ما قارَنَه الإجماعُ و شَهِدَ له بالصحّةِ ؛ لأنّه لَو زادَ عليه لَخَرَجَ الإجماعُ مِن أن يَكونَ حُجّةً . و لَيسَ بمانِعٍ مِن أن يَكونَ ناقصاً عنه؛ لأنّه علىٰ


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «و إن».

2) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «أن تكون».

3) . في «د»: «بما».

4) . في «د» و المطبوع: + «في».

5) . في «ب، ج، ص»: «سلمت».

6) . هكذا في «د» و حاشية الحجري. و في سائر النسخ و المطبوع: «فيه».

7) . في «ب، د، ص»: «ما اعتبر به».

8) . في المطبوع: «من». و في «د»: - «عن».

هذا الوجهِ لا يَخرُجُ مِن أن يَكونَ حُجّةً . و هذا يَجري مَجرىٰ تنفيذِ الحاكمِ الحُكمَ بشَهادةِ أربَعةٍ في مَوضِعٍ يُعتَبَرُ فيه شَهادةُ الاثنينِ ، و تنفيذِه بشَهادةِ العَشرةِ ما يُعتَبَرُ فيه شَهادةُ الأربَعةِ . و هذا واضحٌ .

الاستدلال بشورى الستّة علىٰ كفاية بيعة خمسة لسادس، و بطلانه

ثُمّ قالَ صاحبُ الكتابِ :

و يَدُلُّ علىٰ ذلكَ ما ثَبَتَ (1)مِن صَنيعِ (2)عُمَرَ عندَ وفاتِه؛ لأنّه جَعَلَه شورىٰ بَينَ سِتّةٍ ، و تَقدَّمَ إليهم بأن يَجتَمِعوا علَى الواحدِ(3)منهم، فصارَ ذلكَ موافِقاً لِما قَدَّمناه.

ثُمّ قالَ :

فإن قيلَ : ألَيسَ قد رُويَ عن عُمَرَ أنّه قالَ : إن بايَعَ ثَلاثةٌ و خالَفَ اثنانِ ، فاقتُلوا الاثنَينِ؟

قيلَ له: إنّ شَيخَنا أبا عَليٍّ قالَ‌(4): «إنّ هذا الخبرَ مِن أخبارِ الآحادِ، و لا شَيءَ يَقتَضي صِحّتَه» فلا يَجوزُ(5)أن يُطعَنَ به في الإجماعِ الظاهرِ الذي قَدَّمناه.

قالَ‌(6): و لَو صَحَّ لَقُلنا(7): «إنّ الإمامَ يَصيرُ إماماً ببَيعةِ ثَلاثةٍ » لكِنّ


1) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و المغني. و في «د» و المطبوع: «ما يثبت».

2) . في المغني: «صنع».

3) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع و المغني: «واحد» بدل «الواحد».

4) . في المغني: «قد قال شيخنا أبو علي».

5) . في المغني: «فلا ينبغي».

6) . أي أبو عليّ .

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «و إن صحّ قلنا».

ذلكَ (1)لمّا لَم يَصِحَّ لَم يَجِبْ أن يُقالَ به.

و ذَكَرَ - يَعني أبا عَليٍّ - أنّ الخبرَ يُمكِنُ أن يُحمَلَ علىٰ أنّه أرادَ: إنِ امتَنَعَ

اثنانِ بَعدَ الرضا، و خالَفا علىٰ جِهةِ شَقِّ العَصا و طَلَبِ الفتنةِ ، فاقتُلوهما؛ لأنّ القَتلَ لا يُستَحَقُّ إلّاعلىٰ هذا الوجهِ .(2)

يُقالُ له: مِن أعجَبِ الأُمورِ أنّكَ صِرتَ إلىٰ ما هو دليلٌ عليكَ في فَسادِ ما اعتَبَرتَه في العَدَدِ المخصوصِ الذي راعَيتَه في عَقدِ الإمامةِ فجَعَلتَه دليلاً لكَ‌، و مَن لكَ‌(3)بأن تَخرُجَ‌(4)مِن قِصّةِ الشُّورىٰ كَفافاً؛ لا(5)لكَ و لا عليكَ؟ لأنّ عُمَرَ لمّا نَصَّ علىٰ أهلِ الشورىٰ لَم يَجعَلِ العَقدَ ثابتاً برِضا خَمسةٍ لواحدٍ(6)حتّىٰ قالَ‌: «إن خالَفَ واحدٌ لخَمسةٍ‌(7)فاقتُلوا الواحدَ، و إن خالَفَ اثنانِ لأربَعةٍ‌(8)اتَّفَقوا علىٰ أحَدِهم(9)فاقتُلوا الاثنَينِ‌»(10)فجَعَلَ العَقدَ ماضياً بأقَلَّ مِن سِتّةٍ ، و هذا بخِلافِ ما اعتَبَرتموه و ادَّعَيتم أنّ


1) . في المغني: «لكنّه».

2) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 261-262.

3) . هكذا في النسخ. و في المطبوع: «دلّك».

4) . في «ب، ج، ف»: «يخرج».

5) . في «د»: - «لا».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «أو واحد».

7) . هكذا في النسخ. و في المطبوع: «الخمسة».

8) . هكذا في «د». و في «ب، ج، ص، ف»: «أربعة». و في المطبوع: «الأربعة».

9) . هكذا في النسخ. و في المطبوع: «على أحد».

10) . تاريخ الطبري، ج 4، ص 229؛ الطبقات الكبرىٰ ، ج 3، ص 260؛ تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 160؛ أنساب الأشراف، ج 5، ص 501، و ج 10، ص 419؛ التنبيه و الإشراف، ص 252-253؛ البدء و التاريخ، ج 5، ص 190؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 1، ص 187؛ الكامل لابن الأثير، ج 3، ص 67؛ تجارب الأُمم، ج 1، ص 418؛ الفخري، ص 102، مع اختلاف في الألفاظ.

أمرَ السَّقيفةِ جَرىٰ عليه.(1)

و لَيسَ قولُ أبي عليٍّ أنّ الخبرَ مِن أخبارِ الآحادِ بشَيءٍ‌؛ لأنّ كُلَّ مَن رَوَى الشورىٰ و أنّ القومَ كانوا سِتّةً رَوَى التفصيلَ الذي ذَكرناه؛ فكَيفَ صارَ الخبرُ مِن جِهةِ الآحادِ فيما ذَكرناه و لَم يَصِرْ مِن جِهةِ الآحادِ في أنّهم كانوا سِتّةً‌، و الطريقُ واحدٌ؟

و قد رَوَى الطبَريُّ في تأريخِه أنّ عُمَرَ(2)قالَ لأبي طَلحةَ الأنصاريِّ‌(3)لمّا يَئِسَ مِن نفسِه: «يا با طَلحةَ ،(4)إنّ اللّٰهَ طالَما أعَزَّ الإسلامَ بِكم، فاختَرْ(5)خَمسينَ رجُلاً مِن الأنصارِ، فاستَحِثَّ هؤلاءِ الرَّهطَ حتّىٰ يَختاروا رجُلاً منهم» و قالَ لِلمقدادِ بنِ الأسوَدِ: «إذا وَضَعتموني في حُفرَتي فاجمَعْ هؤلاءِ الرَّهطَ في بَيتٍ حتّىٰ يَختاروا


1) . فقد تقدّم في ص 108 أنّ الذي جرىٰ في السقيفة هو بيعة واحد و رضىٰ أربعة، فهؤلاء خمسة، و يكونون مع المبايَع بالإمامة ستّة. بينما الذي قرّره عمر في الشورىٰ كفاية أقلّ من ستّة، و ذلك في صورة ما لو قُتل واحد أو اثنان منهم.

2) . في «ب، ج، ص»: + «بن الخطّاب».

3) . زيد بن سهل بن الأسود بن حرام، أبو طلحة الأنصاري الخزرجي النجّاري، و أُمّه عبادة بنت مالك بن عديّ ، و هو مشهور بكنيته، و هو زوج أُمّ سليم بنت ملحان أُمّ أنس بن مالك، و كان يرمي بين يدي رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله يوم أُحد. قال المدائني: مات سنة إحدىٰ و خمسين، و قيل سنة أربع و ثلاثين. و كان رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله يقول: «صوت أبي طلحة في الجيش خير من مائة رجل». و قتل يوم حنين عشرين رجلاً و أخذ أسلابهم. الطبقات الكبرىٰ ، ج 3، ص 382، الرقم 178؛ معجم الصحابة، ج 5، ص 1719، الرقم 260؛ معرفة الصحابة، ج 4، ص 504، الرقم 3291؛ الاستيعاب، ج 2، ص 553، الرقم 850، و ج 4، ص 1697، الرقم 3055؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 19، ص 391، الرقم 2337؛ أُسد الغابة، ج 2، ص 137، الرقم 1843، و ج 5، ص 181، الرقم 6029.

4) . هكذا في النسخ، و هذه لغة صحيحة. و في المطبوع: «يا أبا طلحة».

5) . في «ب»: «فأخبر».

رجُلاً منهم»، و قالَ لصُهَيبٍ‌(1): «صَلِّ بالناسِ ثَلاثةَ أيّامٍ‌(2)، و أدخِلْ عَليّاً و عُثمانَ و الزُّبَيرَ(3)و سَعداً و عبدَ الرحمنِ بنَ عَوفٍ و طَلحةَ - إن قَدِمَ - و أحضِرْ عبدَ اللّٰهِ بنَ عُمَرَ، و لا شَيءَ له مِن الأمرِ، و قُم علىٰ رُؤوسِهم؛ فإنِ اجتَمَعَ خَمسةٌ و رَضوا رجُلاً

منهم و أبىٰ واحدٌ فاشدَخْ‌(4)رأسَه - أو: اضرِبْ رأسَه(5)- بالسَّيفِ‌، و إنِ اتَّفَقَ أربَعةٌ فرَضوا رجُلاً منهم و أبَى اثنانِ فاضرِبْ رُؤوسَهما، فإن رَضِيَ ثَلاثةٌ منهم رجُلاً(6)و ثَلاثةٌ رجُلاً منهم فحَكِّموا عبدَ اللّٰهِ بنَ عُمَرَ؛ فأيُّ الفَريقَينِ حَكَمَ له فليَختاروا رجُلاً منهم، فإن(7)لَم يَرضَوا بحُكمِ عبدِ اللّٰهِ بنِ عُمَرَ فكونوا مع الذينَ فيهم عبدُ الرحمنِ بنُ عَوفٍ »(8).


1) . صهيب بن سنان بن مالك بن عبد عمرو، أبو يحيىٰ ، و يقال أبو غسّان النمري، صاحب رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله ممّن شهد بدراً، و هو المعروف بصهيب الرومي، كان من أهل الموصل، فسبته الروم و هو صغير، و أعتقه عبد اللّٰه بن جدعان، و يقال: هو حليفه. روىٰ عن النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آلِه أحاديث، و قدم الجابية مع عمر بن الخطّاب. قال الواقدي: كان إسلام صهيب و عمّار بن ياسر في يوم واحد. و أوصىٰ إليه عمر بالصلاة بجماعة المسلمين. و مات صهيب بالمدينة سنة 88 ه‍ في شوّال و دُفن بالبقيع. الطبقات الكبرىٰ ، ج 3، ص 169، الرقم 48؛ حلية الأولياء، ج 1، ص 151، الرقم 25؛ معرفة الصحابة، ج 3، ص 32، الرقم 1450؛ الاستيعاب، ج 2، ص 726، الرقم 1226؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 24، ص 209، الرقم 2905؛ أُسد الغابة، ج 2، ص 418، الرقم 2536.

2) . في «ب، ف»: «صلّ ثلاثة أيّام بالناس».

3) . في «ب، ص، ف»: - «و الزبير».

4) . الشَّدخُ : كسر الشيء الأجوف كالرأس و نحوه. لسان العرب، ج 3، ص 28 (شدخ).

5) . هكذا في النسخ و المصدر. و في المطبوع و الحجري: - «أو اضرب رأسه».

6) . في المصدر: «ثلاثة رجلاً منهم».

7) . في «ج، ص، ف»: «و إن».

8) . تاريخ الطبري، ج 3، ص 294، حوادث سنة 23. و حكاه أيضاً في الكامل في التاريخ، ج 3،

و هذا قولُ مَن لَم يَعتَبِرْ(1)في عَقدِ الإمامةِ بأن يَعقِدَها واحدٌ لغَيرِه برِضا أربَعةٍ ، و لا شَيءَ أدَلُّ علىٰ بُطلانِ قولِهم في(2)اعتبارِ هذا العَدَدِ المخصوصِ (3)مِن قِصّةِ الشورىٰ .

فأمّا تأويلُ‌ أبي عَليٍّ الأمرَ بالقَتلِ علىٰ أنّ المُرادَ به بَعدَ الرضا و الدخولِ في البَيعة: فمِن التأويلِ البَعيدِ؛ لأنّ لفظَ(4)الخبرِ لا يَقتَضي ذلكَ‌، و فَحوىٰ كلامِ الرجُلِ لا يَحتَمِلُه؛ و كَيفَ يُحمَلُ علىٰ ذلكَ و معلومٌ أنّ مَن خالَفَ بَعدَ الرضا و الدخولِ في البَيعةِ علىٰ جِهةِ شَقِّ العَصا و(5)طَلَبِ الفِتنةِ يَستَحِقُّ المُحارَبةَ و القَتلَ‌، علىٰ أيِّ عَدَدٍ كانَ؟ فأيُّ‌(6)معنىً لذِكرِ اثنَينِ في مُقابَلةِ أربَعةٍ ، و ثَلاثةٍ في مُقابَلةِ ثَلاثةٍ؟ و لَيسَ هذا مِن التأويلِ الذي يَحمِلُ عليه تَديُّنٌ (7)و لا إنصافٌ .

ثبوت إمامة عمر بمجرّد عقد أبي بكر له، من دون الحاجة إلىٰ رضا المسلمين، و مناقشته

ثُمّ عارَضَ صاحبُ الكتابِ نفسَه بعَقدِ أبي بَكرٍ لعُمَرَ، و أنّه واحدٌ عَقَدَ لواحدٍ مِن غيرِ اعتبارِ رِضا خَمسةٍ (8)، و أجابَ عن ذلكَ بأنّ رِضا خَمسةٍ مُعتَبَرٌ إذا لَم يَحصُلْ

ص 66؛ أنساب الأشراف، ج 5، ص 16-18؛ الإمامة و السياسة، ج 1، ص 23؛ العقد الفريد، ج 2، ص 257؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 9، ص 50-51؛ الغدير، ج 5، ص 375.


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «لا يعتبر».

2) . في المطبوع و الحجري: «و» بدل «في».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: - «في اعتبار هذا العدد المخصوص».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «لفظة».

5) . في المطبوع: «أو».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «و أيّ ».

7) . في «ب، ص»: «بدين».

8) . يريد: بيعة واحد و رضا أربعة، فيكونون خمسة، كما تقدّم في ص 207. ففي العبارة نوع من التسامح، و هو ناشئ من وضوح المطلب.

مِن الإمامِ المُتقدِّمِ عَهدٌ. ثُمّ استَدَلَّ - علىٰ أنّ بعَهدِ الإمامِ المُتقدِّمِ تَثبُتُ‌(1)الإمامةُ للثاني - بفِعلِ أبي بَكرٍ و نَصِّه علىٰ عُمَرَ، و ذَكَرَ أنّه لَم يَثبُتْ أنّه فَعَلَ ذلكَ برِضا المُسلِمينَ‌؛ بَل قد صَحَّ أنّه قد(2)كانَ فيهم مَن أنكَرَ ذلكَ‌، علىٰ ما رُويَ عن طَلحةَ أنّه قالَ : «وَلَّيتَ علينا فَظّاً غَليظاً» فجَعَلَ القاطعَ لقَولِه: «وَلَّيتُ أُمورَكم خَيرَكم في

نفسي»(3)فأضافَ تَوليَتَه إلىٰ نفسِه؛ فيَجِبُ أن يَكونَ ذلكَ هو الموجِبَ لِكَونِه(4)إماماً، و لذلكَ لَم يُستأنَفْ له بَيعةٌ بَعدَ مَوتِ أبي بَكرٍ. و لَو كانَ نَصُّه عليه لا يَكفي لَوَجَبَ استئنافُ العَقدِ له، و كانَ يَجِبُ أن يَكونَ ما تَقدَّمَ منه(5)وجودُه كعَدَمِه إن لَم يَكُن له أن يَنُصَّ علىٰ مَن يَقومُ بالأمرِ بَعدَه نَصّاً يُزيلُ الشُّبهةَ (6)و ذلكَ أنّه كانَ يَجِبُ أن يَكونَ نَصُّه كَلا نَصٍّ ، و أن يَكونَ نَصُّه كنَصِّ غيرِه في أنّه كانَ يَجِبُ أن يَكونَ الخِلافُ قائماً، و أن يَجوزَ(7)العُدولُ عنه. و حَكىٰ هذه الطريقةَ و الاستدلالَ عن أبي هاشِمٍ (8).


1) . في «ب، د»: «يثبت» بدل «تثبت». و في المطبوع: «بعهد الإمام ثبت» بدل «بعهد الإمام المتقدّم تثبت».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: - «قد».

3) . تاريخ الطبري، ج 3، ص 429؛ الإمامة و السياسة، ج 1، ص 36؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 30، ص 418-420، الرقم 3398؛ تاريخ الإسلام، ج 3، ص 117؛ أُسد الغابة، ج 3، ص 666، الرقم 3824.

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «كونه».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «له».

6) . في «ج، ص، ف»: «و لم يكن له أن ينصّ علىٰ من يقوم بالأمر من بعده إلّابما يزيل الشبهة». و ما في المتن مطابق للمطبوع و الحجري و «د» و المغني.

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «بأن يجوز» بدل «و أن يجوز».

8) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 262.

ثُمّ قالَ‌:

و لهذه الطريقةِ أصلٌ في السمعيّاتِ‌(1)و ذلكَ لأنّه(2)جُعِلَ مَن له الحقُّ في حالِ الوفاةِ أَولىٰ بالتصرُّفِ و إن لَم يَتِمَّ إلّابَعدَ المَماتِ‌، كَما نَقولُه في الوَصايا.

فلمّا كانَ للإمامِ هذا التصرُّفُ‌، لَم يَمتَنِعْ أن يُجعَلَ له ذلكَ‌؛ لكِنّه لمّا كانَ لا يَصِحُّ‌(3)إثباتُ إمامَينِ صارَ عَهدُه(4)مُستَقِرّاً بَعدَ وفاتِه، كَما أنّ الوصيّةَ إنّما تَستَقِرُّ(5)بَعدَ المَوتِ‌. و لَو لا(6)أنّ الأمرَ كَما قُلناه لَوَجَبَ إذا رَضيَ‌(7)الناسُ بذلكَ ثُمّ ماتَ أن لا يَكونَ إماماً إلّاباستئنافِ العَقدِ؛ لأنّ رِضاهم و الإمامُ الأوّلُ حَيٌّ (8)غيرُ مُعتَدٍّ به(9)مِن حَيثُ لَم يَصِرْ إماماً به؛ لأنّه(10)لَو صارَ إماماً(11)لَكانَ في ذلكَ إثباتُ إمامَينِ ؛ فلَو لا أنّ لعَهدِه تأثيراً لَكانَ اقترانُ الرضا به(12)لا يوجِبُ أن يَصيرَ إماماً بَعدَه لعَهدِه(13).


1) . في المغني: «الشبهات».

2) . في المغني: «أنّه».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «لا يصلح».

4) . في المغني: «عنده».

5) . في «ج، ص»: «استقرّت».

6) . هكذا في النسخ و الحجري و المغني. و في المطبوع: «فلو لا».

7) . هكذا في النسخ و المغني. و في المطبوع و الحجري: «أوصى».

8) . هكذا في النسخ و الحجري و المغني. و في المطبوع: «في» بدل «حيّ »، و هو سهو.

9) . في «د» و المطبوع: «غير مُعتلّ به». و في المغني: «غير مغيّر له».

10) . في «د» و المطبوع: «بأنّه».

11) . في «د» و المطبوع: + «به».

12) . في «ب، ج، ص، ف»: «لكان إقرار الموصي به».

13) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 262-263. و لم ترد فيه كلمة «لعهده».

يُقالُ له: هذا الذي عَوَّلتَ عليه(1)في أنّ عَقدَ الإمامِ الأوّلِ‌(2)يُغني عن الرضا و يَثبُتُ به الإمامةُ لَيسَ بمُقنِعٍ‌؛ لأنّ لِمَن خالَفَكَ‌(3)في ذلكَ - مِن أبي عَليٍّ و غيرِه ممّن حَكَيتَ عنه فيما تَقدَّمَ أنّ الإمامَ لا يَصيرُ إماماً بعَقدِ الأوّلِ حتّىٰ يَقتَرِنَ إليه رِضا جَماعةٍ أقَلُّهم خَمسةٌ (4)- أن يَقولَ : لِمَ زَعَمتَ أنّ بَيعةَ عُمَرَ إنّما

ثَبَتَت(5)بمُجرَّدِ نَصِّ أبي بَكرٍ عليه ؟ و ألّا كانَ ثُبوتُها بما اقتَرَنَ إلىٰ ذلكَ مِن رِضا الجماعةِ به ؟

فإن قُلتَ : لَم يَرضَ المُسلِمونَ بذلكَ ؛ لأنّ طَلحةَ خالَفَ .

قيلَ‌: و أيُّ مُعتَبَرٍ بخِلافِ طَلحةَ مع رِضا كُلِّ مَن عَدا طَلحةَ و هُم أكثَرُ مِن خَمسةٍ‌، و هو العَدَدُ(6)المطلوبُ في بابِ الإمامةِ؟ فلَو خالَفَ مع طَلحةَ أمثالُه و أمثالُه(7)حتّىٰ يَسلَمَ رِضا خَمسةٍ ، لَم يَقدَحْ ذلكَ في ثُبوتِ الإمامةِ له و صِحّتِها.

علىٰ أنّ طَلحةَ ما أقامَ علىٰ هذا الخِلافِ ، بَل رَجَعَ عنه و سَلَّمَ و رَضيَ ، و هَل خِلافُ طَلحةَ في هذا البابِ بآكَدَ مِن خِلافِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ و جَماعةِ بَني هاشِمٍ (8)،


1) . هكذا في النسخ. و في المطبوع و الحجري: «هذه الدعوى التي عوّلت عليها».

2) . في المطبوع و الحجري: - «الأوّل».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «خالف».

4) . تقدّم في ص 107. و قد نقل القاضي هناك عن كلّ من يقول بالاختيار - و هو يشمل أبا عليّ - أنّه إذا حصل العقد من واحد برضا أربعة صار إماماً. و الظاهر أنّه قد حصل تسامح في عبارة المتن؛ حيث جاء فيها أنّ اللازم رضا خمسة، و قد تقدّم مثل هذا التسامح قبل قليل.

5) . في «ب، د»: «تثبت».

6) . في المطبوع: «القدر».

7) . في «ج، ف»: - «و أمثاله».

8) . في «د» و المطبوع: «و جماعة من بني هاشم». و يؤيّد ما أثبتناه في المتن قوله فيما بعد (ص 135) ذيل قوله: «فأمّا الكلام في الوجه الأوّل...».

و الزُّبَيرِ، و خالدِ بنِ سَعيدِ بنِ العاصِ‌(1)، و فُلانٍ و فُلانٍ‌، الذينَ زَعَمتم أنّهم(2)بَعدَ إظهارِ الخِلافِ الذي صَرَّحوا فيه(3)بالمُنازَعةِ في نفسِ الإمامةِ‌، و زادوا بذلكَ علىٰ طَلحةَ - لأنّ طَلحةَ لَم يَقُلْ : إنّه لا يَصلُحُ للإمامةِ و إنّني غيرُ راضٍ به، و إنّما تألَّمَ مِن فَظاظتِه - حتّىٰ قُلتم في جَميعِ مَن خالَفَ هُناكَ : «إنّه رَضيَ و سَلَّمَ ، و بايَعَ و تابَعَ » و لَم يَرجِعوا مِن(4)ذلكَ إلّاإلَى الإمساكِ و تَركِ النَّكيرِ الظاهرِ، فهَل كانَ مِن طَلحةَ بَعدَ هذا القولِ نَكيرٌ؟ و هَل كانَ إلّامُتابِعاً مُسلِّماً؟

فأمّا(5)تَعلُّقُه بإضافةِ وِلايتِه إلىٰ نفسِه فلَيسَ بشَيءٍ ؛ لأنّ الإضافةَ تَصِحُّ مِن حَيثُ كانَ هو المُبتَدئَ بها و المُنبِّهَ عليها، و إن كانَ إمضاؤها يَقِفُ علىٰ رِضا الغَيرِ، و هذا كَما يُقالُ : «إنّ عُمَرَ عَقَدَ الإمامةَ لأبي بَكرٍ» مِن حَيثُ سَبَقَ إلىٰ بَيعتِه، و إن كانَ العَقدُ لَم يَصِحَّ إلّابَعدَ رِضا غيرِه.


1) . خالد بن سعيد بن العاص بن أُميّة، القرشي الأُموي، يكنّىٰ أبا سعيد، أسلم قديماً، فكان ثالثاًأو رابعاً، و هاجر خالد إلى الحبشة و معه امرأته أُميمة بنت خالد الخزاعيّة، و هاجر معه أخوه عمرو بن سعيد، و قدما على النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله بخيبر مع جعفر بن أبي طالب، و شهد مع النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله عُمرة القضيّة و فتح مكّة و حنيناً و الطائف و تبوك، و بعثه رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله عاملاً علىٰ صدقات اليمن، و تأخّر خالد و أخوه أبان عن بيعة أبي بكر، فقال لبني هاشم: إنّكم لطوال الشجر، طيّبو الثمر، و نحن تبع لكم، فلمّا بايع بنو هاشم أبا بكر بايعه خالد و أبان. ثمّ استعمل أبوبكر خالداً علىٰ جيش من جيوش المسلمين حين بعثهم إلى الشام، فقُتل بمرج الصفر في خلافة أبي بكر. الطبقات الكبرىٰ ، ج 4، ص 70، الرقم 360؛ معرفة الصحابة، ج 2، ص 191، الرقم 800؛ الاستيعاب، ج 2، ص 420، الرقم 599؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 16، ص 67، الرقم 1880؛ أُسد الغابة، ج 1، ص 574، الرقم 1365.

2) . الظاهر أنّ خبر «أنّ » ساقط من نسخ الكتاب المعتمدة إلّاأنّ تقديره واضح، و هو: «... الذين زعمتم أنّهم بعد إظهار الخلاف، رجعوا عنه و بايعوا طائعين».

3) . في المطبوع و الحجري: - «فيه».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «في».

5) . في «ب، ص، ف»: «و أمّا».

و لَيسَ يَجِبُ أن يُستأنَفَ‌(1)له بَيعةٌ بَعدَ مَوتِ أبي بَكرٍ - إن كانَ النصُّ بنفسِه لَم يَكُن كافياً - علىٰ ما ظَنَّ‌؛ لأنّه إذا أشارَ إليه في حياتِه(2)و رَضيَ القومُ بذلكَ مِن حالِه،

فهو عَقدٌ مُستَقِرٌّ يَتأخَّرُ إلىٰ بَعدِ الوفاةِ‌، و لا يَجِبُ أن يُستأنَفَ (3)فيها بَيعةٌ (4)ثانيةٌ ؛ لأنّ الرضا الأوّلَ قد أغنىٰ عن ذلكَ .

فأمّا قولُه: «كانَ يَجِبُ أن يَكونَ ما تَقدَّمَ مِن نَصِّه وجودُه كعَدَمِه» فلا يَجِبُ إذا اقتَرَنَ به الرضا و التسليمُ ، و لَو لَم يُقارِنْه الرضا لَكانَ وجودُه كعَدَمِه.

فأمّا قولُه: «إنّ لذلكَ أصلاً في السمعيّاتِ‌» و ذِكرُه(5)الوَصايا في هذا البابِ‌: فغَيرُ صَحيحٍ‌؛ لأنّ كَثيراً مِن الحقوقِ يَثبُتُ التصرُّفُ فيها(6)حالَ الحياةِ و لا يَثبُتُ بَعدَ الوفاةِ‌؛ كالحُقوقِ في الفُروجِ و ما جَرىٰ مجراها. و إنّما تَكونُ (7)العِبرةُ التي ذَكَرَها صَحيحةً في الأموالِ و ما جَرىٰ مَجراها، و لَيسَ التصرُّفُ في الإمامةِ مِن بابِ التصرُّفِ في الأموالِ .

و قد بيّنّا أنّهم إذا رَضوا بعَهدِه و عَقدِه للإمامِ بَعدَه(8)، لَم يَجُزْ مع ذلكَ استئنافُ العَقدِ بَعدَ وفاتِه، و أنّ العَهدَ بمُجرَّدِه لا تأثيرَ له لَو لا الرضا و التسليمُ ؛ فلا(9)معنىٰ لتَكرارِه لذلكَ .


1) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «أن تستأنف».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «أشار في حياته إليه».

3) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «أن تستأنف».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: - «بيعة».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «و ذكر».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: + «في».

7) . في «د» و الحجري: «يكون».

8) . هكذا في «د». و في المطبوع: «و عقد الإمامة بعده». و في «ب، ج، ص، ف»: «و عقد الإمامة بعده لمن عقدها له».

9) . في «ج، ص، ف»: «و لا».

ثُمّ ذَكَرَ كلاماً(1)في هذا المعنىٰ لا طائلَ في تَتبُّعِه، و خَرَجَ منه إلىٰ كلامٍ في الاختيارِ(2)نَحنُ نَسبِقُ فيه، و نَذكُرُ ما عندَنا فيه، عندَ كلامِنا علىٰ فَسادِ الاختيارِ بإذنِ اللّٰهِ و مَشيئتِه.


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «خلافاً».

2) . راجع: المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 263-271.

13 فَصلٌ في اعتراضِ كلامِه في إمامةِ أبي بَكرٍ

اشارة

اعتَمَدَ صاحبُ الكتابِ في هذا البابِ علىٰ طَريقتَينِ‌؛ زَعَمَ أنّ الأُولىٰ منهما تَدُلُّ‌(1)علىٰ إمامةِ أبي بَكرٍ علىٰ سَبيلِ الجُملةِ‌، و الثانيةَ تَدُلُّ‌(2)علىٰ صِحّةِ الاختيارِ في الجُملةِ‌، و علىٰ إمامةِ أبي بَكرٍ علىٰ سَبيلِ التفصيلِ‌.

و عَوَّلَ في الأُولىٰ علىٰ ما تَقدَّمَ مِن كلامِه في النصِّ و الردِّ علَى القائلينَ به، و أشارَ إلىٰ جُمَلِ‌(3)ما تَقدَّمَ مِن كلامِه في ذلكَ‌، ثُمّ تَكلَّمَ - علىٰ مَن ذَهَبَ في الإمامةِ إلىٰ‌(4)أنّها تَثبُتُ بالخُروجِ بالسَّيفِ مِن الزَّيديّةِ‌(5)- بكلامٍ لا طائلَ في ذِكرِه و تَتبُّعِه؛ لأنّه واقعٌ مَوقِعَه.

ثُمّ شَرَعَ في الكلامِ علَى الطريقةِ الثانيةِ‌، فقالَ‌:

إنّ الإجماعَ قد صَحَّ علَى الرضا بإمامةِ أبي بَكرٍ(6)، و كَشَفَ لنا الإجماعُ عن(7)أنّ البَيعةَ وَقَعَت(8)صَحيحةً‌؛ لأنّهم حينَ أجمَعوا علىٰ ذلكَ


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «اعتمد صاحب الكتاب في هذا علىٰ طريقين، زعم أنّ الأوّل منهما يدلّ ».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «و الثاني يدلّ ».

3) . هكذا في «ج، ص، ف». و في «ب، د» و المطبوع: «إلىٰ حمل».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: - «إلىٰ ».

5) . راجع: المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 272-278.

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «بإ مامته». و في متن المغني «بأمانته» و لكن صرّح المحقّق في هامشه بأنّ في الأصل: «بإمامته».

7) . هكذا في النسخ و المغني. و في المطبوع: «من».

8) . في «ج، ف»: «قد وقعت».

لَم يَتجدَّدْ ما يوجِبُ كَونَه إماماً، و لا تَعلَّقَ إجماعُهم بإمامتِه في وقتٍ دونَ وقتٍ‌، و لذلكَ أجرَوا كُلَّ أيّامِه و(1)أحكامِه مَجرىً واحداً؛ فصارَ مِن هذا الوجهِ الإجماعُ كاشفاً(2)عن صِحّةِ إمامتِه مِن(3)أوّلِ الأمرِ، لا أنّ‌(4)به صَحَّت إمامتُه.

و إذا ثَبَتَ‌(5)ذلكَ فيَجِبُ أن يُجعَلَ الوجهُ الذي انعَقَدَت به(6)إمامتُه أصلاً في تثبيتِ الإمامةِ‌، علىٰ ما قَدَّمنا القولَ فيه(7).

ثُمّ بَيَّنَ‌(8)أنّ الإجماعَ لا بُدَّ أن يَكونَ مُستَنِداً إلىٰ دَلالةٍ‌(9)و شَرعٍ‌، و ذَكَرَ ما يُمكِنُ أن يَكونَ الإجماعُ مُستَنِداً إليه(10)ممّا(11)لا حاجةَ بنا إلىٰ ذِكرِه(12)لأنّا نَدفَعُه عن الإجماعِ‌. و لَو صَحَّ الإجماعُ لَكانَ لا بُدَّ مِن استنادِه إلىٰ دَلالةٍ‌، علىٰ ما ذَكَرَ.

إلىٰ أن قالَ‌:

و اعلَمْ أنّ مَن يُخالِفُنا في هذا البابِ ممّن يَطعَنُ‌(13)في الإجماعِ


1) . في المغني: - «أيّامه و».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «كاشفاً إجماعهم».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «في».

4) . في «ب، ج، ص»: «لأنّ » بدل «لا أنّ ».

5) . في المغني: «صحّ ».

6) . في المغني: «له».

7) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 279.

8) . في «د»: «يبيّن».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: «إلىٰ ذلك». و في حاشية «ف»: «إلىٰ دليل».

10) . لم يرد في «ب، ج، ص، ف» قوله: «و شرع، و ذكر ما يمكن أن يكون الإجماع مستنداً إليه».

11) . في حاشية «ج»: «بما».

12) . راجع: المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 279.

13) . في المغني: «من خالفنا في هذا الباب و يطعن».

لا نُكلِّمُهم في ذلكَ‌؛ لأنّه فَرعٌ‌، و إنّما نُبيِّنُ صِحّةَ الإجماعِ ثُمّ نُكلِّمُهم في ذلكَ‌. و كذلكَ مَن يَدَّعي في الإمامةِ أنّ طَريقَها العقلُ‌، و النصُّ الذي لا يَحتَمِلُ‌، أو ظهورُ(1)الإعجازِ، و قد تَكلَّمنا عليهم بما حَضَرَ. و إنّما نَتكلَّمُ بذلكَ‌(2)بَعدَ ثُبوتِ الإجماعِ و بُطلانِ هذه الوجوهِ‌.

ثُمّ لا يَخلو حالُهم مِن وجهَينِ : إمّا أن يُخالِفوا(3)في ثُبوتِ الإجماعِ علىٰ ما نُرتِّبُه، أو يُسلِّموا ذلكَ في الظاهرِ و يَتعلَّقوا بالتقيّةِ (4)و بادّعاءِ باطنٍ خِلافِ الظاهرِ، علىٰ ما يُحكىٰ عن قومٍ . و لا يُمكِنُ في ذلكَ إلّاهذه الوجوهُ ، و نَحنُ نَذكُرُها.

فأمّا الوجوهُ التي نُرتِّبُ‌(5)الإجماعَ عليها: فأحَدُها أن يُقالَ‌: انتَهَى الأمرُ في إمامتِه(6)إلىٰ أن لَم يَكُن في الزمانِ إلّاراضٍ بإمامتِه أو كافٌّ عن النَّكيرِ(7)، و لَو(8)لَم يَكُن حَقّاً لَم يَصِحَّ ذلكَ . و لا فَرقَ بَينَ أن نُبيِّنَ (9)ذلكَ في أوّلِ الأمرِ، أو في بعضِ الأوقاتِ .

و إنّما نَذكُرُ ذلكَ لأنّ في ابتداءِ ما عُقِدَ له جَرىٰ كلامٌ مِن العبّاسِ


1) . في المغني: «لو ظهر» بدل «أو ظهور».

2) . في المغني: «عليهم» بدل «بذلك».

3) . في «ج، ص»: «يخالفونا».

4) . في «د»: «بالفتنة».

5) . في «ب، ص» و المطبوع: «ترتّب».

6) . في المغني: «اشتهر الأمر في إمامة أبي بكر».

7) . في «د» و المغني: «للنكير» بدل «عن النكير».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «فلو».

9) . في «د، ف»: «أن يبيّن».

و الزُّبَيرِ و أبي سُفيانَ‌، و وَقَعَ تأخُّرٌ عن بَيعتِه مِن(1)أميرِ المؤمنينَ أيّاماً، و مِن غيرِه(2)، ثُمّ زالَ كُلُّ ذلكَ‌(3).

فإذا كانَ ثُبوتُ (4)الإجماعِ - مِن(5)الوجهِ الذي ذَكرناه - في آخِرِ أمرِه و وَسَطِه كهو في أوّلِه في صِحّة الدلالةِ ، لَم يَمتَنِعْ أن يُجعَلَ (6)العُمدةُ في ذلكَ ثُبوتَه في بعضِ الأحوالِ .

و قد نُرتِّبُ (7)الإجماعَ ترتيباً آخَرَ؛ بأن نُبيِّنَ (8)أنّ كُلَّ مَن يُدَّعىٰ عليه الخِلافُ قد ثَبَتَ عنه فِعلاً و قَولاً(9)الرضا و البَيعةُ ممّن يُعتَمَدُ عليه؛ لأنّ العامّةَ في ذلكَ تَبَعٌ للخاصّةِ ، و نُبيِّنَ أنّ سَعدَ بنَ عُبادةَ لَم يَبقَ علَى الخِلافِ أو لا يُعتَدُّ(10)بخِلافِه.

و قد يُرتَّبُ (11)علىٰ وجهٍ آخَرَ؛ بأن يُقالَ : إجماعُهم علىٰ فَرعٍ لأصلٍ يَتضمَّنُ تثبيتَ الأصلِ ، و قد استَقرَّ الإجماعُ في أيّامِ عُمَرَ علىٰ إمامتِه،


1) . هكذا في النسخ. و في المطبوع و الحجري: - «بيعته من». و في المغني: - «عن بيعته».

2) . كسعد بن عبادة و سلمان و المقداد و أبي ذرّ و عمّار و الزبير و غيرهم.

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «ثمّ زال الأمر في ذلك كلّه».

4) . في «ب»: «يتوقّف».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «في».

6) . في المغني: «أن نجعل».

7) . في «ج، ص، ف»: «و قد يُرتَّب». و في «ب» و المطبوع: «و قد ترتَّب».

8) . في «ج، ص، ف»: «يبيّن».

9) . في «د»: «فعلاً و قوّة». و في المغني: «قولاً و فعلاً»، و يؤيّده ما سيأتي من تكرار هذه الفقرة فيما بعد.

10) . هكذا في النسخ و المغني. و في المطبوع و الحجري: «و لا يُعتدّ» بدل «أو لا يُعتدّ».

11) . هكذا في «ج، د، ص، ف» و المغني. و في «ب» و المطبوع و الحجري: «و قد نرتّب».

و هي فَرعٌ لإمامةِ أبي بَكرٍ؛ فيَجِبُ بصِحّتِها(1)صِحّةُ ذلكَ‌.

أو نُبيِّنَ أنّ‌(2)أحَداً لَم يَقُلْ بصِحّةِ إمامةِ‌(3)أحَدِهما دونَ الآخَرِ؛ فثُبوتُ أحَدِهما يوجِبُ ثُبوتَ‌(4)الآخَرِ مِن جِهةِ هذا الإجماعِ الثاني(5).

و يَكونُ الكلامُ في هذا الوجهِ أوضَحَ‌؛ لأنّ أيّامَ عُمَرَ امتَدَّت، و ظَهَرَ(6)مِن الناسِ الطاعةُ له، و التوَلّي مِن قِبَلِه، و حضورُ مَجلِسِه، و المُعاضَدةُ له في الأُمورِ، [و](7)لأنّ سَعدَ بنَ عُبادةَ [الذي نَدَّعي أنّه نَفَى الخِلافَ‌(8)، لا شَكَّ أنّه] ماتَ في أوائلِ‌(9)أيّامِ عُمَرَ، فاستَقرَّ الإجماعُ بَعدَه مِن غيرِ شُبهةٍ‌.

و كلامُ شَيخِنا أبي عليٍّ يَدُلُّ علىٰ أنّ سَعدَ بنَ عُبادةَ ماتَ في أيّامِ أبي بَكرٍ، و أنّ الأُمّةَ أجمَعَت بَعدَ مَوتِه علىٰ تسويغِ إمامتِه؛ و قد خَطَّأَه الناسُ في ذلكَ‌، و زَعَموا أنّ الأمرَ ظاهرٌ في أنّه ماتَ في أيّامِ عُمَرَ.

قالَ‌:

و أظُنُّ أنّ‌(10)الذي ذَكَرَه - يَعني أبا عليٍّ - موجودٌ في مَغازي ابنِ إسحاقَ (11).


1) . في «ج، ص»: «لصحّتهما».

2) . في «ص»: «أو يبيّن بأنّ ».

3) . في المطبوع و الحجري: - «إ مامة»، و هو سهو.

4) . هكذا في النسخ. و في المطبوع: «يوجب كثبوت». و في المغني: «فثبوت أحدهما كثبوت الآخر».

5) . في المغني: - «من جهة هذا الإجماع الثاني».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «فظهر».

7) . ما بين المعقوفين في الموضعين من المغني.

8) . أي لم يبقَ على الخلاف، كما تقدّم قبل قليل.

9) . في «ب، ج، ص، ف»: «في أوّل».

10) . هكذا في النسخ و المغني. و في المطبوع و الحجري: - «أنّ ».

11) . لم نعثر عليه في مظانّه من سيرة ابن إسحاق و لا سيرة ابن هشام. راجع: الاستيعاب، ج 2، ص 599، الرقم 944؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 20، ص 267، الرقم 2419.

و علىٰ أيِّ الوجوهِ كانَ‌(1)فقَد ثَبَتَ ما أرَدناه.

قالَ‌:

و قد قالَ شَيخُنا أبو عليٍّ ما يَدُلُّ علىٰ أنّ خِلافَ سَعدِ بنِ عُبادةَ لا يؤثِّرُ؛ لأنّه إنّما خالَفَ علىٰ سَبيلِ طَلَبِ الإمامةِ لنَفسِه، و قد صَحَّ أنّه كانَ‌(2)مُبطِلاً في ذلكَ‌؛ و حَيثُ‌(3)استَمرَّ علَى المُخالَفةِ‌، إنّما(4)كانَ استَمرَّ علىٰ هذه الطريقةِ‌، فيَجِبُ أن لا يُعَدَّ خِلافاً في أمرٍ قد عُلِمَ أنّه فيه علىٰ باطلٍ‌.

و لأنّه لا يُمكِنُ أن يُقالَ‌: إنّ خروجَ سَعدٍ ممّا عليه الأُمّةُ يؤثِّرُ

في الإجماعِ‌؛ لأنّا نَعلَمُ أنّ سَعدَ بنَ عُبادةَ وَحدَه لا يَكونُ مُحِقّاً، و لا بُدَّ أن يَكونَ الحَقُّ في أحَدِ ما قالَته الأُمّةُ‌، فيَجِبُ أن يَكونَ فيما عليه سائرُ الصَّحابةِ‌.

قالَ‌:

و قد بيّنّا في كتابِ «الإجماعِ‌» مِن هذا الكتابِ‌(5): أنّ المَذهبَ إذا لَم يَكُن مِن بابِ الاجتهادِ، و(6)كانَ الحَقُّ في واحدٍ منهم(7)، فما تَذهَبُ (8)إليه الجماعةُ هو الحَقُّ ، دونَ ما يَتفرَّدُ(9)به الواحدُ و الاثنانِ ؛ لأنّ ذلكَ يَصِحُّ


1) . في المغني: «و على الوجوه كلّها».

2) . في المغني: «كونه» بدل «أنّه كان».

3) . هكذا في المغني. و في النسخ و المطبوع «حيث» بدون الواو.

4) . هكذا في المغني. و في النسخ و المطبوع: «و إنّما».

5) . راجع: المغني، ج 17، ص 153 و ما بعدها.

6) . هكذا في النسخ و المغني. و في المطبوع و الحجري: + «قد».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «بعينه». و في المغني: «منه».

8) . في «ب، ج، ف»: «يذهب».

9) . في «ج، ص، ف»: «ما ينفرد». و في المغني: «دون الواحد و الاثنين».

أن يَكونَ سَبيلاً للمؤمنينَ‌(1)، و ما صَحَّ ذلكَ فيه فهو سَبيلُ الحَقِّ‌، دونَ ما عَداه. و إنّما يُعَدُّ(2)قولُ‌(3)الواحدِ خِلافاً فيما طَريقُه الاجتهادُ(4). و هذا يُبطِلُ التعَلُّقَ بخِلافِ سَعدٍ وَحدَه.

علىٰ أنّه لا خِلافَ يُمكِنُ أن يُذكَرَ بَعدَ بَيعةِ أبي بَكرٍ إلّاأنّه الإمامُ أو أميرُ المؤمنينَ‌، و سَعدٌ خارجٌ عن هذَينِ القولَينِ‌؛ فيَجِبُ أن يَكونَ قولُه مُطَّرَحاً؛ لأنّه امتَنَعَ مِن(5)مُبايَعةِ غيرِ أبي بَكرٍ علىٰ حَدِّ امتناعِه عن(6)مُبايَعةِ أبي بَكرٍ.

و هذا إن صَحَّ أنّه بَقيَ علَى الخِلافِ ؛ لأنّه لا يَمتَنِعُ أن(7)لا يُبايِعَ و هو راضٍ ؛ لأنّه لا مُعتَبَرَ بالبَيعةِ (8)و لا بالحضورِ؛ لأنّه قد يَجوزُ أن يَكونَ نافراً عن الحضورِ لِما جَرىٰ مِن صَدِّه(9)عمّا كادَ(10)يَثبُتُ له مِن الإمارةِ (11).

و إن صَحَّ و تُيُقِّنَ خِلافُه، فالأمرُ علىٰ ما قَدَّمناه مِن أنّه إمّا أن لا يُعتَدَّ


1) . في «ب، ج، ف»: «سبيل المؤمنين».

2) . في «ج، ص، ف»: «نعدّ».

3) . في المغني: «كون».

4) . في المغني: + «و قد أوضحنا القول في ذلك».

5) . في المغني: «عن».

6) . في «ج، ص، ف»: «من».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «أنّه».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «في البيعة».

9) . في «ج، د، ص، ف»: «ضدّه».

10) . في «ب، ج، ص، ف» و المغني: «كان».

11) . في المغني: «عمّا كان له بسبب الإمارة».

بخِلافِه، أو يُعوَّلَ علىٰ صِحّةِ الإجماعِ بَعدَ مَوتِه(1).

بيانٌ إجمالي لصحّة طريقة النصّ و بطلان الاختيار

يُقالُ له:

أمّا الطريقةُ الأُولىٰ‌: فإنّكَ عَوَّلتَ فيها علىٰ ما تَقدَّمَ مِن كلامِكَ‌، الذي ظَنَنتَ‌

أنّكَ أفسَدتَ به(2)مَذاهِبَنا(3)في النصِّ ، فلَم تُحِلْ في ذلكَ إلّاعلىٰ ما قد أبطَلناه و بيّنّا فَسادَه. و كُلُّ جُملةٍ أشَرتَ إليها في كلامِكَ هذا قد تَقدَّمَ كلامُنا عليها(4)علىٰ سَبيلِ التفصيلِ ، و لا طائلَ في إعادةِ ما مضىٰ ؛ فقَد بَطَلَت هذه الطريقةُ لبُطلانِ أصلِها الذي أسنَدتَها إليه، و صارَ ما تَقدَّمَ مِن أدِلّتِنا علىٰ صِحّةِ النصِّ و ثُبوتِه و إبطالِ المَطاعِنِ فيه مِن أوضَحِ الدلالةِ علىٰ فَسادِ إمامةِ أبي بَكرٍ(5)، حتّىٰ لَو اقتَصَرَ مُقتَصِرٌ في إفسادِها(6)علَى الجُملةِ المُتقدِّمةِ في صِحّةِ النصِّ و ثُبوتِه لَأغناه عن(7)تَكلُّفِ كلامٍ مُستأنَفٍ يَخُصُّها؛ لأنّ النصَّ إذا كانَ صَحيحاً فقَد بَطَلَ الاختيارُ، و وَجَبَ أن يُتأوَّلَ ما التَبَسَ فيه مِن الإجماعِ (8)علىٰ وجهٍ يُطابِقُ الأدِلّةَ التي لا احتمالَ فيها.


1) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 280-282.

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «فيه».

3) . هكذا في النسخ. و في المطبوع و الحجري: «مذهبنا».

4) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «عليه».

5) . في المطبوع و الحجري: «الأوّل» بدل «أبي بكر».

6) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «في إبطالها».

7) . في «د، ص» و المطبوع: «من».

8) . في «د» و المطبوع: «التبس من الإجماع فيه».

بحثان حول الإجماع علىٰ إمامة أبي بكر

اشارة

فأمّا الطريقةُ الثانيةُ : فهي أخَصُّ بهذا المَوضِعِ ، و لنا في الكلامِ عليها وجهانِ :

أحَدُهما: أن نُبيِّنَ (1)أنّ تَركَ المُنازَعةِ و الإمساكَ عن النَّكيرِ - اللذَينِ تَوصَّلتَ بهما إلَى الرضا و الإجماعِ - لَم يَكونا في وقتٍ مِن الأوقاتِ .

و الوجهُ الثاني: أن نُسلِّمَ أنّ الخِلافَ في إمامتِه بَعدَ ظهورِه انقَطَعَ ، غيرَ أنّه لَم يَنقَطِعْ علىٰ وجهٍ يوجِبُ الرضا، و أنّ السخطَ ممّن كانَ مُظهِراً للنَّكيرِ - ثُمّ كَفَّ عنه - باقٍ (2)في المُستَقبَلِ ، و إن كَفَّ عن(3)النَّكيرِ لمَعاذيرَ نَذكُرُها.

البحث الأوّل: ظهور مخالفة الصحابة لإمامة أبي بكر، و استمرارها

فأمّا الكلامُ في الوجهِ الأوّلِ فبيِّنٌ ؛ لأنّ الخِلافَ ظَهَرَ في أوّلِ الأمرِ ظهوراً لا يُمكِنُ دفعُه مِن(4)أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ ، و العبّاسِ رَضيَ اللّٰهُ عنه، و جَماعةِ بَني هاشِمٍ ، ثُمّ مِن الزُّبَيرِ - حتّىٰ رُويَ أنّه خَرَجَ شاهراً سَيفَه، و استُلِبَ مِن يَدِه، فضُرِبَ به الصَّفا(5)- ثُمّ مِن سَلمانَ و خالدِ بنِ سَعيدِ بنِ العاصِ و أبي سُفيانَ (6)


1) . هكذا في النسخ و الحجري و التلخيص. و في المطبوع: «أن تبيّن».

2) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع: «بان».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: - «عن». و في التلخيص: «و إن كفّ عن معاذير يذكرها».

4) . في التلخيص: «رفعه في».

5) . تاريخ الطبري، ج 3، ص 202؛ الإمامة و السياسة، ج 1، ص 28؛ شرح نهج البلاغة، ج 2، ص 56، و ج 6، ص 48. و المراد ب‍ «الصفا»: الحجر الأملس. معجم مقاييس اللغة، ج 3، ص 292 (صفو).

6) . في كتاب المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء الأيّوبي (ج 1، ص 219) من حديث السقيفة: «و بادروا سقيفة بني ساعدة، فبايع عمر أبا بكر، و انثال الناس عليه يبايعونه في العشر الأوسط من ربيع الأوّل سنة إحدىٰ عشرة، خلا جماعة من بني هاشم، و الزبير، و عتبة بن أبي لهب،

فكُلُّ هؤلاءِ قد ظَهَرَ(1)مِن خِلافِهم و كلامِهم ما شُهرتُه تُغني عن ذِكرِه. و خِلافُ

سَعدٍ و ولدِه و أهلِه أيضاً معروفٌ ، و كُلُّ هذا كانَ ظاهراً في ابتداءِ الأمرِ.

ثُمّ إنّ الخِلافَ مِن بعضِ ما ذَكرناه بَقيَ و استَمرَّ، و إن لَم يَكُن ظاهراً منه في

و خالد بن سعيد بن العاص، و المقداد بن عمرو، و سلمان الفارسي، و أبي ذرّ، و عمّار بن ياسر، و البراء بن عازب، و أبيّ بن كعب، و أبي سفيان من بني أُميّة. و مالوا مع عليّ رضي اللّٰه عنهم. و قال في ذلك عتبة بن أبي لهب: ما كنتُ أحسبُ أنّ الأمرَ مُنصرفٌ عن هاشمٍ ثمّ منهم عن أبي حسنِ

عن أوّلِ الناسِ إيماناً و سابَقةً و أعلمِ الناسِ بالقرآنِ و السُّننِ

و آخرِ الناسِ عهداً بالنبيِّ و مَن جبريلُ عونٌ له في الغُسل و الكفنِ

مَن فيه ما فيهمُ لا يَمترون بِه و ليس في القومِ ما فيهِ مِن الحَسَنِ ».

و في الاحتجاج للطبرسي (ج 1، ص 75-76): عن أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد اللّٰه جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام: جُعلت فداك، هل كان أحد في أصحاب رسول اللّٰه أنكر علىٰ أبي بكر فعله و جلوسه مجلس رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله ؟ قال: «نعم، كان الذي أنكر علىٰ أبي بكر اثني عشر رجلاً؛ من المهاجرين: خالد بن سعيد بن العاص - و كان من بني أُميّة - و سلمان الفارسي، و أبوذرّ الغفاري، و المقداد بن الأسود، و عمّار بن ياسر، و بريدة الأسلمي؛ و من الأنصار: أبو الهيثم بن التيِّهان، و سهل و عثمان ابنا حنيف، و خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، و أبيّ بن كعب، و أبو أيّوب الأنصاري - إلىٰ قوله: - فسار القوم حتّى أحدقوا بمنبر رسول اللّٰه - و كان يوم الجمعة - فلمّا صعد أبوبكر المنبر، فأوّل من تكلّم خالد بن سعيد بن العاص، ثمّ باقي المهاجرين، ثمّ بعدهم الأنصار. فقام إليه خالد بن سعيد بن العاص، و قال: اتّق اللّٰه يا أبابكر، فقد علمت أنّ رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله قال - و نحن محتوشوه يوم بني قريظة حين فتح اللّٰه له و قد قتل عليّ بن أبي طالب يومئذ عدّة من صناديد رجالهم و أولي البأس و النجدة منهم -: «يا معشر المهاجرين و الأنصار، إنّي موصيكم بوصيّة فاحفظوها، و مودعكم أمراً فاحفظوه، ألا إنّ عليّ بن أبي طالب أميركم بعدي و خليفتي فيكم، بذلك أوصاني ربّي، ألا و إنّكم إن لم تحفظوا فيه وصيّتي و تؤازروه و تنصروه اختلفتم في أحكامكم و اضطرب عليكم أمر دينكم و وليكم شراركم. ألا و إنّ أهل بيتي هم الوارثون لأمري، و العالمون لأمر أُمّتي من بعدي. اللّهمّ و من أساء خلافتي في أهل بيتي فاحرمه الجنّة التي عرضها كعرض السماء و الأرض».


1) . في «ب، ج، ص، ف»: + «منهم».

المُستَقبَلِ علىٰ حَدِّ ظهورِه في الماضي، إلّاأنّه منقولٌ معروفٌ .

فمِن أينَ لصاحبِ الكتابِ أنّ الخِلافَ انقَطَعَ ، و أنّ الإجماعَ وَقَعَ في حالٍ مِن الأحوالِ؟ فما نَراه عَوَّلَ في ذلكَ إلّاعلَى الدعوىٰ .

فإن قالَ : أمّا الخِلافُ في الابتداءِ فقَد عَرَفتُه و أقرَرتُ به، و ما تَدَّعونَه مِن استمرارِه باطلٌ ؛ لأنّه غيرُ منقولٍ و لا معروفٍ ، فعلىٰ مَن يَدَّعي(1)استمرارَ الخِلافِ أن يُبيِّنَ ذلكَ ؛ فإنّي أُنكِرُه.

قيلَ له: لا مُعتَبَرَ بإنكارِكَ ما نَذكُرُه(2)في هذا البابِ‌؛ لأنّكَ بَينَ أمرَينِ‌: إمّا أن تَكونَ مُنكِراً لكَونِه مَرويّاً في الجُملةِ‌، و تَدَّعيَ أنّ أحَداً لَم يَروِ استمرارَ الخِلافِ علىٰ وجهٍ مِن الوجوه؛ أو تَعتَرِفَ بأنّ قوماً رَوَوه غيرَ ثِقاتٍ عندَكَ‌، و أنّه(3)لَم يَظهَرْ ظهورَ الخِلافِ الأوّلِ‌، و لَم يَنقُلْه كُلُّ مَن نَقَلَ ذلكَ‌.

فإن أرَدتَ ما ذَكرناه ثانياً، فقَد سَبَقناكَ إلَى الاعترافِ به؛ لأنّا لَم نَدَّعِ في الاستمرارِ ما حَصَلَ في الابتداءِ مِن الظهورِ، و لا نَدفَعُ أنّكَ لا تُوَثِّقُ أيضاً كُلَّ مَن رَوىٰ ذلكَ‌؛ إلّاأنّ أقَلَّ ما في هذا البابِ أن يَمنَعَكَ هذا مِن القَطعِ علىٰ أنّ النَّكيرَ زالَ و ارتَفَعَ ، و الرضا حَصَلَ و ثَبَتَ .

و إن أرَدتَ ما ذَكرناه أوّلاً، فهو يَجري مَجرىٰ دَفعِ المُشاهَدةِ (4)لأنّ وجودَ هذا في الروايةِ أظهَرُ مِن أن يُدفَعَ ، و لَم يَزَلْ أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ مُتظلِّماً مُتألِّماً مُنذُ قُبِضَ الرسولُ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه إلىٰ أن تَوفّاه اللّٰهُ إلىٰ جَنَّتِه(5)، و لَم يَزَلْ أهلُه


1) . في «ج، ف» و التلخيص: «ادّعى».

2) . في المطبوع و التلخيص: «ما تذكره».

3) . في «ج، ف»: «و إن».

4) . في التلخيص: «المشاهدات».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: - «إلىٰ جنّته».

و شيعتُه يَتظلَّمونَ له(1)مِن دَفعِه عن حَقِّه، و كانَ ذلكَ منه عليه السلامُ و منهم يَخفىٰ و يَظهَرُ، و يَترتَّبُ في الخَفاءِ و الظهورِ تَرتُّبَ الأوقاتِ في شِدّتِها و سُهولتِها؛ فكانَ عليه السلامُ يُظهِرُ مِن كلامِه في هذا البابِ في أيّامِ أبي بَكرٍ(2)ما لَم يَكُن ظاهراً في أيّامِ عُمَرَ، ثُمّ قَويَ كلامُه عليه السلامُ و صَرَّحَ بكَثيرٍ ممّا في نفسِه في أيّامِ عُثمانَ ، ثُمّ ازدادَ قُوّةً في أيّامِ (3)تسليمِ الأمرِ إليه. و مَن عُنيَ بقِراءةِ الآثارِ عَلِمَ أنّ الأمرَ جَرىٰ علىٰ ما ذَكرناه.

و قد رَوىٰ أبو إسحاقَ إبراهيمُ بنُ سَعيدٍ الثقَفيُّ‌(4)، قالَ‌: أخبَرَني(5)عُثمانُ بنُ أبي شَيبةَ العَبْسيُّ قالَ‌: حَدَّثنا(6)خالدٌ المَدائنيُّ قالَ‌: حَدَّثنا أبو عَوانةَ ، عن خالدٍ الحَذّاءِ ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي بَكرةَ (7)قالَ : سَمِعتُ عليّاً عليه السلامُ علَى


1) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع: - «له».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: - «في أيّام أبي بكر».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: - «أيّام».

4) . هو أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن سعيد بن هلال بن عاصم بن سعد بن مسعود الثقفي الكوفي الرقّي من علماء القرن الثالث، المتوفّىٰ بأصبهان سنة 283 ه‍، المعروف بابن هلال الثقفي، صاحب كتاب الغارات المشهور، له ما يقرب من خمسين كتاباً في التفسير و أسباب النزول، و الفقه و الأحكام، و الدلائل و الفضائل، و السير و الأخبار. و يُحتمل أنّ ما نقله المصنّف رحمه اللّٰه هنا مأخوذ من كتاب المعرفة و هو من أهمّ كتب الثقفي، و قد وصفه السيّد ابن طاووس بأنّه أربعة أجزاء، و نقل عنه في كتاب اليقين، ص 38، ثلاثة عشر حديثاً في تسمية عليّ عليه السلام بأمير المؤمنين في أيّام رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و أنّه هو الذي سمّاه بذلك، كما أشار إليه في كتاب كشف المحجّة لثمرة المهجة، ص 48. معجم الأُدباء، ج 1، ص 104، الرقم 30؛ الوافي بالوفيات، ج 6، ص 120، الرقم 2554؛ تنقيح المقال، ج 4، ص 289، الرقم 486.

5) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «أخبرنا».

6) . في «ص» و حاشية «ج»: «حدّثني».

7) . في «د» و المطبوع و الحجري: «عبد الرحمن بن أبي بكر». و هو عبد الرحمن بن أبي بكرة

المِنبَرِ يَقولُ : «قُبِضَ رسولُ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و ما في الناسِ أحَدٌ أَولىٰ بهذا الأمرِ مِنّي(1)»(2).

و رَوىٰ إبراهيمُ بنُ سَعيدٍ(3)الثقَفيُّ‌ قالَ‌: أخبَرَنا(4)عُثمانُ بنُ أبي شَيبةَ‌(5)و أبو نُعَيمٍ الفَضلُ بنُ دُكَينٍ قالا:

أخبَرَنا فِطْرُ(6)بنُ خَليفةَ ، عن جعفرِ بنِ عَمرِو بنِ حُرَيثٍ ، عن أبيه قالَ : سَمِعتُ عليّاً عليه السلامُ يَقولُ : «ما زِلتُ مظلوماً مُنذُ قَبَضَ اللّٰهُ نَبيَّه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه إلىٰ يَومِ الناسِ هذا»(7).

و رَوىٰ إبراهيمُ قالَ : أخبَرَنا يَحيَى بنُ عبدِ الحَميدِ الحِمّانيُّ (8)و عَبّادُ بنُ يَعقوبَ

الثقفي، يكنّىٰ أبا بحر، و قيل: أبا حاتم. وُلد زمن عمر، و قيل: سنة أربع عشرة، و قيل: هو أوّل مولود وُلد بالبصرة. و له أحاديث. توفّي عبد الرحمن و له عقب؛ قيل: بعد الثمانين، و قيل: إنّه توفّي سنة 96 ه‍، و قيل غير ذلك. الطبقات الكبرىٰ ، ج 7، ص 141، الرقم 3067؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 36، ص 7، الرقم 3976؛ تهذيب الأسماء، ص 212، الرقم 344.


1) . هكذا في التلخيص. و في «ب، ج، ص، ف»: «أحد أحقّ بهذا الأمر منّي». و في «د» و المطبوع: «أحد بهذا الأمر أولىٰ منّي».

2) . الصراط المستقيم، ج 3، ص 42 و 150؛ بحار الأنوار، ج 28، ص 372 نقلاً عن الغارات.

3) . في «د، ص»: - «بن سعيد».

4) . في «ج، ص، ف»: «أخبرني».

5) . في التلخيص: «عثمان بن أبي سعيد بن أبي شيبة». و في «ب، ج، ص، ف»: «عثمان بن أبي سعيد».

6) . في «ج، ص، ف» و المطبوع: «قطر» بالقاف، و هو سهو. و الرجل هو فطر بن خليفة أبوبكرالمخزومي. راجع: رجال الطوسي، ص 270، الرقم 3891؛ تهذيب الكمال، ج 23، ص 312، الرقم 4773.

7) . الأمالي للطوسي، ص 350، المجلس 12، ح 724/64؛ و ص 726، المجلس 44، ح 1526/1؛ الاحتجاج، ج 1، ص 190؛ المناقب لابن شهر آشوب، ج 2، ص 115؛ فضائل أمير المؤمنين، ص 85، ح 83؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 9، ص 306، و ج 10، ص 286، و ج 20، ص 283.

8) . في التلخيص: «الحمداني».

الأسَديُّ قالا: حَدَّثَنا عَمرُو(1)بنُ ثابتٍ‌، عن سَلَمةَ بنِ كُهَيلٍ‌، عن المُسيَّبِ بنِ نَجَبَةَ قالَ‌: بَيْنا(2)عليٌّ عليه السلامُ يَخطُبُ و أعرابيٌّ يَقولُ‌: وا مَظلِمَتاه! فقالَ عليٌّ عليه السلامُ‌: «ادنُ‌» فدَنا، فقالَ‌: «لَقَد ظُلِمتُ عَدَدَ المَدَرِ و الوَبَرِ(3)»(4).

و في حَديثِ عَبّادٍ(5)قالَ‌: جاءَ أعرابيٌّ يَتخطّىٰ‌، فنادىٰ‌: يا أميرَ المؤمنينَ ، مظلومٌ .

فقالَ عليٌّ عليه السلام: «وَيحَكَ ، و أنا مظلومٌ ، ظُلِمتُ عَدَدَ المَدَرِ و الوَبَرِ!(6).

و رَوىٰ أبو نُعَيمٍ‌ الفَضلُ بنُ دُكَينٍ‌، عن عُمَرَ بنِ أبي مُسلِمٍ قالَ‌: كُنّا جُلوساً عندَ جعفرِ بنِ عَمرِو بنِ حُرَيثٍ فقالَ : حَدَّثَني والدي أنّ عليّاً عليه السلامُ لَم يَقُم مَرّةً علَى المِنبَرِ إلّا و قالَ في آخِرِ كلامِه قَبلَ أن يَنزِلَ : «ما زِلتُ مظلوماً مُنذُ قَبَضَ اللّٰهُ نَبيَّه»(7)

و ورد الحديث باختلاف في الألفاظ في كتاب سليم، ج 2، ص 663، 750 و 883؛ الجمل، ص 123، ص 171؛ تقريب المعارف، ص 237 و 329؛ الأمالي للطوسي، ص 726 (و فيه عن عبد اللّٰه بن شريك عن أبيه أنّه عليه السلام قال ذلك على المنبر يومَ جمعةٍ )؛ مناقب آل أبي

.

1) . في «ب، د» و المطبوع: «عمر»، و هو سهو. و الرجل هو عمرو بن أبي المقدام ثابت بن هرمزالحدّاد مولىٰ بني عجل. رجال النجاشي، ص 290، الرقم 777؛ رجال الطوسي، ص 141، الرقم 1508.

2) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع: «بينما».

3) . «المَدَر»: الطين المتماسك. و «الوَبَر»: هو للإبل و نحوه كالصوف للغنم. النهاية، ج 4، ص 309 (مدر)؛ و ج 5، ص 145 (وبر).

4) . الغارات، ج 2، ص 488؛ الجمل، ص 124؛ المناقب لابن شهر آشوب، ج 2، ص 115؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 4، ص 106، مع اختلاف يسير.

5) . في «ج، ص» و التلخيص: «عبادة». و في المطبوع: - «عبّاد».

6) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 4، ص 106؛ بحار الأنوار، ج 28، ص 373.

7) . في «د» و المطبوع: «منذ قبض رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله». و ما أثبتناه مطابق لسائر النسخ و التلخيص.

و رَوىٰ إبراهيمُ‌ قالَ‌: أخبَرَنا العَبّادُ(1)قالَ‌: حَدَّثنا عليُّ بنُ هاشِمٍ قالَ‌: حَدَّثَنا أبو الجَحّافِ‌، عن مُعاويةَ بنِ ثَعلَبةَ قالَ‌: جاءَ رجُلٌ إلىٰ أبي ذَرٍّ - رَحمةُ اللّٰهِ عليه - و هو جالسٌ في المَسجِدِ(2)، و عليٌّ عليه السلامُ يُصَلّي أمامَه، فقالَ‌: يا أبا ذَرٍّ، ألا تُحدِّثُني بأحَبِّ الناسِ إليكَ؟ فوَ اللّٰهِ‌، لقَد عَلِمتُ أنّ أحَبَّهم إليكَ‌(3)أحَبُّهم إلىٰ رسولِ اللّٰهِ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه. فقالَ‌: أجَلْ‌، و الذي نَفسي بيَدِه، إنّ أحَبَّهم إلَيَّ لَأَحَبُّهم إلىٰ رسولِ اللّٰهِ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و هو هذا الشيخُ المظلومُ المُضطَهَدُ(4)حَقُّه(5).

و قد رُويَ مِن طُرُقٍ كَثيرةٍ أنّه عليه السلامُ كانَ يَقولُ‌: «أنا أوّلُ مَن يَجثو للخُصومةِ بَينَ يَدَي اللّٰهِ‌(6)يَومَ القيامةِ »(7).

طالب، ج 2، ص 115 (و فيه عن إبراهيم الثقفي، عن عثمان بن أبي شيبة و الفضل بن دكين بإسنادهما عن عليّ عليه السلام، و في موضع آخر من نفس الصفحة رواه عن أبي نعيم بإسناده عن حريث، و الظاهر أنّ فيه سهواً و الصحيح: «عمرو بن حريث»، و العبارة نفس ما في المتن)؛ الاحتجاج، ج 1، ص 190؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 9، ص 306؛ و ج 20، ص 283 (و قد ذكره في الحِكَم المنسوبة إليه عليه السلام).


1) . أي عبّاد بن يعقوب الأسدي، أحد من يروي الثقفي عنهم. و في المطبوع: «عبّاد» بدل «العبّاد». و في التلخيص: «القنّاد».

2) . في «د» و المطبوع و الحجري: «في المسجد الأعظم».

3) . في التلخيص: «أحبّ الناس إليك».

4) . ضَهَدَه يَضْهَدُه و اضطهده: ظَلَمَه و قَهَرَه. لسان العرب، ج 2، ص 73 (ضهد).

5) . ذخيرة الحفّاظ، ج 2، ص 1199، ح 2560؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 42، ص 265، الرقم 4933؛ الرياض النضرة، ج 3، ص 116؛ المناقب للخوارزمي، ص 69؛ ينابيع المودّة، ج 2، ص 152؛ ذخائر العقبىٰ ، ج 1، ص 286؛ كشف الغمّة، ج 1، ص 102، مع اختلاف يسير.

6) . في «ب، ج، ص، ف»: + «تعالىٰ ».

7) . صحيح البخاري، ج 4، ص 1458، ح 3747، و ص 1769، ح 4467؛ صحيح مسلم، ج 4، ص 2323، ح 34/3033؛ المستدرك على الصحيحين، ج 2، ص 419، ح 3456؛ المصنّف لابن أبي شيبة، ج 6، ص 437، ح 3؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 6، ص 170، مع اختلاف يسير.

و قولُه عليه السلامُ : «يا عَجَباً، بَينا(1)هو يَستَقيلُها في حياتِه إذ عَقَدَها لآخَرَ بَعدَ وفاتِه»(2)مشهورٌ.

و رَوىٰ إبراهيمُ‌ قالَ‌: حَدَّثَني عُثمانُ بنُ سَعيدٍ قالَ‌: حَدَّثَني(3)عليُّ بنُ عابِسٍ‌، عن أبي الجَحّافِ‌، عن مُعاويةَ بنِ ثَعلَبةَ أنّه قالَ‌: ألا أُحدِّثُكَ حَديثاً لَم يَختَلِطْ(4)؟ قُلتُ‌: بَلىٰ‌. قالَ‌: مَرِضَ أبو ذَرٍّ مرضاً شديداً، فأَوصىٰ إلىٰ عليٍّ عليه السلامُ‌، فقالَ له بعضُ مَن يَدخُلُ عليه: «لَو أَوصَيتَ إلىٰ أميرِ المؤمنينَ كانَ أجمَلَ (5)مِن وصيّتِكَ إلىٰ عليٍّ ». فقالَ : قد وَ اللّٰهِ أَوصَيتُ إلىٰ أميرِ المؤمنينَ حَقّاً، أميرِ المؤمنينَ حَقّاً، أميرِ المؤمنينَ (6)حَقّاً(7).

و رَوىٰ عبدُ اللّٰهِ بنُ جَبَلةَ الكِنانيُّ‌، عن ذَرِيحٍ المُحارِبيِّ‌، عن أبي حَمزةَ الثُّماليِّ‌، عن جعفرِ بنِ مُحمّدٍ، عن آبائه عليهم السلامُ‌(8): «أنّ بُرَيدةَ كانَ غائباً بالشامِ‌، فقَدِمَ‌

و قد بايَعَ الناسُ أبا بَكرٍ، فأتاه في مَجلِسِه فقالَ‌: يا أبا بَكرٍ(9)، هَل نَسيتَ تسليمَنا علىٰ عليٍّ بإمرةِ المؤمنينَ‌، واجبةً مِن اللّٰهِ و رسولِه ؟ قالَ : يا بُرَيدةُ ، إنّكَ غِبتَ و شَهِدنا، و إنّ


1) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «بينما».

2) . معاني الأخبار، ص 361، ح 1؛ علل الشرائع، ج 1، ص 151، ح 12؛ نهج البلاغة، ص 48، الخطبة 3؛ المناقب لابن شهر آشوب، ج 2، ص 205؛ الاحتجاج، ج 1، ص 192.

3) . في «د» و المطبوع: «حدّثنا».

4) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع: «لو يختلط»، و هو سهو.

5) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع: «أحمل»، و هو سهو.

6) . هكذا في النسخ. و جاء قوله: «أمير المؤمنين حقّاً» في التلخيص مرّة واحدة. و في المطبوع: «أوصيت إلىٰ أمير المؤمنين حقّاً أمير المؤمنين».

7) . اليقين، ص 143 و 145؛ الطرائف، ج 1، ص 24؛ كشف الغمّة، ج 1، ص 344، مع اختلاف يسير.

8) . في التلخيص: - «عن آبائه عليهم السلام».

9) . في «ج، د، ف»: «يا با بكر».

اللّٰهَ يُحدِثُ الأمرَ بَعدَ الأمرِ، و لَم يَكُنِ اللّٰهُ ليَجمَعَ لأهلِ هذا البَيتِ النبوّةَ‌(1)و المُلكَ »(2).

و قد رُويَ خِطابُ بُرَيدةَ لأبي بَكرٍ بهذا المعنىٰ ، في ألفاظٍ مُختَلِفةٍ ، مِن طُرُقٍ كَثيرةٍ (3).

و قد رُويَ أيضاً - مِن طُرُقٍ مُختَلِفةٍ‌، و(4)بألفاظٍ مُتَقارِبةِ المَعاني - خِطابُ سَلمانَ الفارِسيِّ رَضيَ اللّٰهُ عنه للقَومِ‌، و إنكارُه ما فَعَلوه، و قولُه: «أصَبتم و أخطأتم؛ أصَبتم سُنّةَ الأوّلينَ ، و أخطأتم أهلَ بَيتِ نَبيِّكم»(5).

و قولُه: «ما أدري أنَسيتم، أم تَناسَيتم؛ أم جَهِلتم، أم تَجاهَلتم ؟»(6).

و قولُه(7): «وَ اللّٰهِ ، لَو أعلَمُ أنّي أُعِزُّ(8)للّٰهِ ديناً و(9)أمنَعُ للّٰهِ ضَيماً(10)، لَضَرَبتُ بسَيفي قُدُماً قُدُماً»(11).

و لَم نَذكُرْ أسانيدَ هذه الأخبارِ و طُرُقَها و ألفاظَها(12)لِطولِ ذلكَ ، و مَن أرادَه أخَذَه مِن مَظانِّه.


1) . هكذا في التلخيص و المصادر. و في النسخ و المطبوع: + «و الخلافة».

2) . المناقب لابن شهر آشوب، ج 3، ص 53؛ الصراط المستقيم، ج 2، ص 53-54.

3) . كتاب سليم بن قيس الهلالي، ج 2، ص 866؛ الأُصول الستّة عشر، ص 268؛ إرشاد القلوب، ج 2، ص 326.

4) . في «ب، ج، ص، ف»: - «و».

5) . كتاب سليم بن قيس الهلالي، ج 2، ص 595، ح 4؛ السقيفة و فدك، ص 43؛ الاحتجاج، ج 1، ص 85؛ كشف المحجّة، ص 244؛ المصنّف لابن أبي شيبة، ج 8، ص 586، ح 2؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 2، ص 49، مع اختلاف يسير.

6) . الاحتجاج، ج 1، ص 111؛ بحار الأنوار، ج 28، ص 375.

7) . في «ب، ج، ص، ف»: - «و قوله».

8) . في التلخيص: «أُغيّر».

9) . في التلخيص: «أو».

10) . الضَّيم: الظلم. الصحاح، ج 5، ص 1973 (ضيم).

11) . كتاب سليم بن قيس الهلالي، ج 2، ص 592، ح 4، و ص 866، ح 48؛ غرر الأخبار، ص 279، مع اختلاف يسير.

12) . في التلخيص: - «و ألفاظها».

و هذا الخِلافُ مِن سَلمانَ و بُرَيدةَ لا يَنفَعُ فيه أن يُقالَ : رَضيَ سَلمانُ بَعدَه و تَولَّى الوِلاياتِ ، و أمسَكَ بُرَيدةُ و سَلَّمَ و بايَعَ ؛ لأنّ تصريحَهما(1)بسببِ الخِلافِ يَقتَضي أنّ الرضا لا يَقَعُ منهما أبَداً، و أنّهما و إن كانا كافَّينِ في المُستَقبَلِ عن الإنكارِ - لفَقدِ النُّصّارِ(2)و الخَوفِ علَى النفسِ - فإنّ قُلوبَهم مُنكِرةٌ ؛ و(3)لكِنْ لَيسَ لمُضطَرٍّ(4)اختيارٌ.

و رَوىٰ إبراهيمُ الثقَفيُّ‌، عن يَحيَى بنِ عبدِ الحَميدِ الحِمّانيِّ‌، عن عَمرِو بنِ حُرَيثٍ‌، عن حَبيبِ بنِ أبي ثابتٍ‌، عن ثَعلَبةَ بنِ يَزيدَ الحِمّانيِّ‌، عن عليٍّ عليه السلامُ قالَ‌: سَمِعتُه يَقولُ :

«كانَ فيما عَهِدَ إلَيَّ النبيُّ الأُمّيُّ (5): أنّ الأُمّةَ ستَغدِرُ بِكَ مِن(6)بَعدي»(7).

و رَوىٰ إبراهيمُ‌، عن إسماعيلَ بنِ عَمرٍو البَجَليِّ قالَ‌: حَدَّثَنا هِشامُ بنُ‌(8)بَشيرٍ

الواسِطيُّ‌، عن إسماعيلَ بنِ سالِمٍ‌(9)الأسَديِّ‌، عن أبي إدريسَ الأَوْديِّ‌(10)، عن عليٍّ


1) . في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص: «تصريحهم».

2) . في «ج، ص» و التلخيص: «الأنصار».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: - «و».

4) . في التلخيص: «للمضطرّ».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: - «الأُمّيّ ».

6) . في «ج»: - «من».

7) . المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 150، ح 4676، و ص 153، ح 4686؛ مسند البزّار، ج 3، ص 92، ح 869؛ دلائل النبوّة، ج 6، ص 440؛ البداية و النهاية، ج 6، ص 218، و ج 7، ص 325؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 4، ص 107، و ج 20، ص 326؛ كنز العمّال، ج 11، ص 617، ح 32997؛ ذخيرة الحفّاظ، ج 4، ص 1943، ح 4459؛ مجمع الزوائد، ج 9، ص 189، ح 14783؛ سبل الهدىٰ ، ج 10، ص 150، مع اختلاف يسير.

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «عن» بدل «بن».

9) . في التلخيص: «بن ثابت».

10) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع: «الأزديّ ».

عليه السلامُ قالَ : «لَأنْ أَخِرَّ مِن السماءِ إلَى الأرضِ فتَخطَفَني الطيرُ، أحَبُّ إلَيَّ مِن أن أقولَ : سَمِعتُ رسولَ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و لَم أَسمَعْه؛ قالَ لي: يا عَليُّ ، ستَغدِرُ بكَ الأُمّةُ بَعدي»(1).

و رَوىٰ زَيدُ بنُ عليِّ بنِ الحُسَينِ‌ قالَ‌: كانَ عليٌّ عليه السلامُ يَقولُ‌: «بايَعَ الناسُ - وَ اللّٰهِ‌(2)- أبا بَكرٍ و أنا أَولىٰ بِهم مِنّي بقَميصي هذا، فكَظَمتُ غَيظي، و انتَظَرتُ أمري، و ألزَقتُ كَلْكَلي(3)بالأرضِ‌. ثُمّ إنّ أبا بَكرٍ هَلَكَ و استَخلَفَ عُمَرَ، و قد - وَ اللّٰهِ - عَلِمَ أنّي أَولىٰ بالناسِ مِنّي بقَميصي هذا، فكَظَمتُ غَيظي، و انتَظَرتُ أمري(4). ثُمّ إنّ عُمَرَ هَلَكَ‌، و جَعَلَها شورىٰ‌، و جَعَلَني فيهم(5)سادسَ سِتّةٍ كسَهمِ الجَدّةِ‌، فقالَ‌: اقتُلوا الأقَلَّ‌، فكَظَمتُ غَيظي، و انتَظَرتُ أمري(6)، و ألزَقتُ كَلكَلي بالأرضِ‌؛ حتّىٰ ما وَجَدتُ إلّاالقِتالَ أو الكُفرَ باللّٰهِ‌(7)»(8).

و قولُه عليه السلامُ‌: «حتّىٰ ما وَجَدتُ إلّاالقِتالَ أو الكُفرَ باللّٰهِ‌» مُنبِّهاً بذلكَ (9)علىٰ


1) . فضائل الصحابة، ج 1، ص 377، الرقم 418؛ تاريخ بغداد، ج 14، ص 259، الرقم 7558.

2) . في التلخيص: «بايع و اللّٰه الناس».

3) . لَزِقَ الشيءُ بالشيء: كلَصِقَ ، و ألزقه كألصَقَه. و الكَلْكَلُ : الصدر. لسان العرب، ج 1، ص 329 (لزق)؛ كتاب العين، ج 5، ص 279 (كلل).

4) . في «ص»: + «و ألزقتُ كلكلي بالأرض».

5) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «فيها».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «أمر ربّي».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «أو الكفر بما أنزل اللّٰه».

8) . الأمالي للمفيد، ص 153-154، المجلس 19، ح 5؛ تقريب المعارف، ص 241؛ حلية الأبرار، ج 2، ص 301-302؛ الصراط المستقيم، ج 3، ص 150؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 42، ص 457، الرقم 4933، مع اختلاف يسير.

9) . في «ب، ج، ص، ف»: - «بذلك».

سببِ قِتالِه لطَلحةَ و الزُّبَيرِ و مُعاويةَ‌، و كَفِّه عمّن تَقدَّمَ ؛ لأنّه لمّا وَجَدَ الأعوانَ و النُّصّارَ(1)لَزِمَه الأمرُ، و تَعيَّنَ عليه فَرضُ القِتالِ و الدفاعِ ، حتّىٰ لَم يَجِدْ(2)إلّاالقِتالَ أو الخِلافَ (3)للّٰهِ . و في الحالِ الأُولىٰ كانَ معذوراً؛ لفَقدِ الأعوانِ و النُّصّارِ(4).

و قد رَوىٰ‌ جميعُ أهلِ السِّيَرِ أنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ و العبّاسَ لمّا تَنازَعا في الميراثِ ، و تَخاصَما إلىٰ عُمَرَ، قالَ عُمَرُ: مَن يُعذِرُني مِن هذَينِ؟ وَلِيَ أبو بَكرٍ فقالا:

«عَقَّ و ظَلَمَ »(5)و اللّٰهُ يَعلَمُ أنّه كان بَرّاً تَقيّاً، ثُمّ وَليتُ فقالا: «عَقَّ و ظَلَمَ »(6).

و هذا الكلامُ مِن أوضَحِ دليلٍ علىٰ أنّ تَظلُّمَه عليه السلامُ مِن القومِ كانَ ظاهراً لهُم و غيرَ خافٍ عليهم، و إنّما كانوا يُجامِلونَه و يُجامِلُهم.

و رَوَى الواقِديُّ‌(7)في كتابِ الجَمَلِ بإسنادِه أنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ حينَ


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «و الأنصار».

2) . في المطبوع و الحجري: «لا يجد».

3) . في المطبوع: «و الخلاف».

4) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع: «و النصارى».

5) . هكذا في النسخ و المطبوع. و في التلخيص: «لا عقّ و ظلم»، و هو تحريف.

6) . البداية و النهاية، ج 4، ص 203؛ إمتاع الأسماع، ج 13، ص 157؛ سبل الهدىٰ ، ج 12، ص 373، مع اختلاف؛ بحار الأنوار، ج 28، ص 376، و ج 29، ص 631، ح 46.

7) . محمّد بن عمر بن واقد، يكنّىٰ أبا عبد اللّٰه الواقدي، مولى لبني سهم من أسلم، و كان قدتحوّل من المدينة فنزل بغداد، و ولي القضاء لعبد اللّٰه بن هارون بعسكر المهدي أربع سنين، و كان عالماً بالمغازي و السيرة و الفتوح، و باختلاف الناس في الحديث و الأحكام و اجتماعهم علىٰ ما اجتمعوا عليه. توفّي في سنة 207 ه‍ و له 78 سنةً و دفن في مقابر الخيزران. و من كتبه: التاريخ و المغازي، أخبار مكّة، الطبقات، فتوح الشام، فتوح العراق، الجمل. و كتاب الجمل من الكتب المفقودة؛ ولكنّ ابن أبي الحديد ينقل عنه كثيراً في شرحه على نهج البلاغة، و كذلك الشيخ المفيد في كتاب الجمل. الطبقات الكبرىٰ ، ج 5، ص 493، الرقم 1448؛ الفهرست لابن النديم، ص 144؛ الوافي بالوفيات، ج 4، ص 239، الرقم 1767.

بويِعَ خَطَبَ‌، فحَمِدَ اللّٰهَ و أثنىٰ عليه، ثُمّ قالَ‌: «حَقٌّ و باطلٌ‌، و لكُلٍّ أهلٌ‌؛ لَئن أَمِرَ(1)الباطلُ لَقَديماً فَعَلَ‌، و لَئن قَلَّ الحَقُّ لَرُبَّما و لَعَلَّ‌، و لَقَلَّما أدبَرَ شَيءٌ فَأقبَلَ‌؛ و إنّي لَأخشىٰ أن تَكونوا في فَترةٍ‌، و ما علينا إلّاالاجتهادُ. و قد كانَت أُمورٌ مَضَت مِلتُم فيها مَيلةً كانَت عليكم، ما كنتم عندي فيها بمحمودينَ‌(2). أما وَ اللّٰهِ‌، إنّي لَو أشاءُ لَقُلتُ‌، عَفا اللّٰهُ عمّا سَلَفَ ؛ سَبَقَ الرجُلانِ ، و قامَ الثالثُ كالغُرابِ ؛ هِمّتُه بَطنُه، يا(3)وَيلَه! لَو قُصَّ جَناحُه(4)و قُطِعَ رأسُه لَكانَ خَيراً له» في كلامٍ طَويلٍ بَعدَ هذا(5).

و قد رَوىٰ هذه الخُطبةَ غيرُ الواقِديِّ مِن طُرُقٍ مُختَلِفةٍ .

و قولُه عليه السلامُ‌: «لقَد تَقَمَّصَها ابنُ أبي قُحافةَ‌، و إنّه لَيَعلَمُ (6)أنّ مَحَلّي منها مَحَلُّ القُطبِ مِن الرَّحىٰ »(7)معروفٌ .


1) . أَمِرَ - كفَرِجَ - أَمَراً و أَمَرَةً : كَثُرَ. القاموس المحيط، ج 2، ص 8 (أمر).

2) . و جاء في الكافي بدل قوله: «و إنّي لأخشىٰ أن تكونوا...» إلىٰ قوله: «فيها بمحمودين» مايلي: «و لئن رُدَّ عليكم أمركم أنّكم سُعداء، و ما عليَّ إلّاالجُهدُ، و إنّي لأخشىٰ أن تكونوا علىٰ فترة مِلْتُم عنّي مَيْلَةً كنتم فيها عندي غير محمودِي الرأي».

3) . في التلخيص و الكافي: - «يا».

4) . في التلخيص و الكافي: «جناحاه».

5) . الكافي، ج 15، ص 171-172، ضمن ح 14838 (ج 8، ص 68، ح 23، ط. الإسلاميّة)؛ الإرشاد للمفيد، ج 1، ص 240. و روى الشريف الرضي مختار هذه الخطبة في نهج البلاغة (صبحي الصالح)، ص 57-58، الخطبة 16. و قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة (ج 1، ص 257) معلّقاً عليها: «هذه الخطبة من جلائل خطبه عليه السلام و من مشهوراتها، رواها الناس كلّهم، و فيها زيادات حذفها الرضي إمّا اختصاراً و إمّا خوفاً من إيحاش السامعين» قال: «و قد ذكرها شيخنا أبو عثمان علىٰ وجهها» و قال: «إنّها أوّل خطبة خطبها في خلافته».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «و هو يعلم».

7) . هذا مقطع من بداية الخطبة المعروفة بالشقشقيّة. علل الشرائع، ج 1، ص 150، ح 12؛ معاني الأخبار، ص 361، ح 1؛ نهج البلاغة (صبحي الصالح)، ص 48، الخطبة 3؛ الإرشاد، ج 1، ص 287؛ الجمل للمفيد، ص 126 و 171؛ الأمالي للطوسي، ص 372، المجلس 13، ح 54.

و الذي ذَكرناه قَليلٌ مِن كَثيرٍ، و لَو تَقصَّينا جَميعَ ما رُويَ في هذا البابِ عنه عليه السلامُ و عن أهلِه(1)و ولدِه و شيعتِه لَم يَتَّسِعْ له حَجمُ جَميعِ كِتابِنا(2)، و في بعضِ ما ذَكرناه أوضَحُ دَلالةٍ (3)علىٰ أنّ الخِلافَ لَم يَزُلْ (4)و أنّه كانَ مُستَمِرّاً، و أنّ الرضا لَم يَحصُلْ (5)في حالٍ مِن الأحوالِ .

فإن قيلَ : هذه كُلُّها(6)أخبارُ آحادٍ لا توجِبُ عِلماً و لا يُرجَعُ بمِثلِها عن المعلومِ ، و المعلومُ أنّ الخِلافَ لَم يَظهَرْ علىٰ حَدِّ ظهورِه في الأوّلِ (7)، و لَم يَروِها أيضاً إلّا مُتعصِّبٌ غيرُ موثوقٍ بأمانتِه.

قُلنا: أمّا هذه الأخبارُ و إن كانَت علَى التفصيلِ أخبارَ آحادٍ(8)، فمعناها قد رَواه عَدَدٌ كَثيرٌ و جَمٌّ غَفيرٌ، فصارَ المعنىٰ مُتَواتَراً به(9)، و إن كانَ اللفظُ و التفصيلُ يَرجِعُ إلَى الآحادِ. و لا نَعمَلُ إلّاعلَى اقتراحِكم في أنّها آحادٌ(10)ألَيسَ (11)يَجِبُ أن تَكونَ مانعةً مِن القَطعِ علَى ارتفاعِ النَّكيرِ و ادّعاءِ العِلمِ بأنّ الخِلافَ قد زالَ و ارتَفَعَ؟ لأنّه لا يُمكِنُ مع هذه الأخبارِ و هي توجِبُ الظنَّ - إن لَم توجِبِ العِلمَ - أن يُدَّعَى العِلمُ بزَوالِ الخِلافِ .


1) . في «ب، ج، ص، ف»: - «أهله و».

2) . في التلخيص: «جميع حجم كتابنا».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «واضح الدلالة».

4) . في التلخيص: «ما زال».

5) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «لم يقع».

6) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «كلّها». و في التلخيص: «جميع ما رويتموه».

7) . أي في أوّل الأمر، أي بداية البيعة لأبي بكر.

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «على التفصيل آحاداً».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: - «به».

10) . في التلخيص: «ثمّ لو سلّمنا على اقتراحكم أنّها آحاد» بدل «و لا نعمل إلّاعلى اقتراحكم في أنّها آحاد».

11) . في «د» و التلخيص: «ليس» بدل «أ ليس».

فأمّا قولُ السائلِ‌: «إنّا لا نَرجِعُ بها عن المعلومِ‌» فأيُّ معلومٍ هاهُنا رَجَعنا بهذه الأخبارِ عنه ؟ فإن ذَكَرَ(1)الإجماعَ أو زوالَ الخِلافِ ، فكُلُّ ذلكَ لا يَثبُتُ إلّا مع فَقدِ ما هو أضعَفُ مِن هذه الأخبارِ، و زوالُ الخِلافِ (2)لا يَكونُ معلوماً مع وِجدانِنا(3)روايةً واردةً بِه(4)و إنّما يُتوصَّلُ إلَى الرضا و الإجماعِ بالكَفِّ عن النَّكيرِ و زوالِ الخِلافِ ، و إذا كانَ الخِلافُ و النَّكيرُ مَرويَّينِ - مِن جِهةٍ ضَعيفةٍ أو قَويّةٍ - كَيفَ يُقطَعُ علَى ارتفاعِهما و زَوالِهما؟

فأمّا القَدحُ‌ في رُواةِ‌(5)ما ذَكرناه مِن الأخبارِ: فأوّلُ ما فيه أنّ أكثَرَ ما رَوَيناه هاهُنا واردٌ مِن طُرُقِ العامّةِ‌، و مُسنَدٌ إلىٰ مَن لا يَتَّهِمونَه و لا يَجرَحونَه، و مَن تأمَّلَ ذلكَ عَلِمَه. ثُمّ لَيسَ يُقنَعُ‌(6)في جَرحِ الرُّواةِ بمَحضِ الدعوىٰ ، دونَ أن يُشارَ إلىٰ أُمورٍ معروفةٍ و أسبابٍ ظاهرةٍ ؛ و إذا رَوَى الخبرَ مَن ظاهرُه العَدالةُ و التديُّنُ ، لَم يَقدَحْ فيه ما جَرىٰ هذا المَجرىٰ مِن القَدحِ .

فإن قيلَ : هذا يؤَدّي إلَى الشكِّ في ارتفاعِ كُلِّ خِلافٍ .

قُلنا: إن كانَ الطريقُ فيما تُشيرونَ (7)إليه يَجري مَجرىٰ ما نَتكلَّمُ (8)عليه في هذا البابِ ، فلا سَبيلَ إلَى القَطعِ علَى انتفائه؛ و كَيفَ يُقطَعُ علَى انتفاءِ أمرٍ و هو مَرويٌّ


1) . في التلخيص: «فإن أراد».

2) . في «ج، ص، ف»: «و زوال الإجماع للخلاف». و في حاشية «ج، ف» مطابق لما في المتن.

3) . في «د، ب» و حاشية «ف» و المطبوع و الحجري: «وجودنا». و في التلخيص: «وجود».

4) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: - «به».

5) . في «د» و المطبوع: «في رواية». و في التلخيص: «في الرواة» بدل «في رواة ما ذكرناه من الأخبار».

6) . في «د، ص، ف»: «ليس نقنع».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «يسندون».

8) . في «د» و المطبوع: «يتكلّم».

منقولٌ؟ و إنّما يُقطَعُ (1)علىٰ ذلكَ في المَوضِعِ الذي لا يوجَدُ فيه نَقلُ الخِلافِ (2)و لا روايةُ النَّكيرِ.

فإن قيلَ‌: الشيءُ إذا كانَ ممّا يَجِبُ ظهورُه إذا كانَ‌، فإنّا نَستَدِلُّ‌(3)بانتفاءِ ظهورِه علَى انتفائه، و لا يُحتاجُ‌(4)إلىٰ أكثَرَ مِن ذلكَ‌؛ و لهذا نَقولُ‌: لَو كانَ القُرآنُ عورِضَ (5)لَوَجَبَ أن تَظهَرَ مُعارَضتُه(6)علىٰ حَدِّ ظهورِ القُرآنِ ، فإذا لَم نَجِدْها ظاهرةً قَطَعنا علَى انتفائها، و لَو رَوىٰ لنا راوٍ مِن طَريقِ (7)الآحادِ أنّ مُعارَضتَه وَقَعَت لَم نَلتَفِتْ (8)إلىٰ رِوايتِه؛ و هذه سَبيلُ ما تَدَّعونَه(9)مِن النَّكيرِ الذي لَم يَثبُتْ و لَم يَظهَرْ.

قُلنا: قد شَرَطتَ شَرطاً كانَ يَنبَغي أن تُراعيَه، و توجِدَناه(10)فيما اختَلَفنا فيه؛ لأنّكَ قُلتَ‌: إنّ كُلَّ أمرٍ لَو كانَ لَوَجَبَ ظهورُه، متىٰ لَم يَظهَرْ يَجِبُ القَطعُ علَى انتفائه. و هذا صَحيحٌ‌، و به تَبطُلُ مُعارَضةُ‌(11)القُرآنِ علىٰ ما ذَكرتَ‌؛ لأنّ الأمرَ في أنّها «لَو كانَت لَوَجَبَ ظهورُها» واضحٌ‌، و عليه يَبتَني(12)الكلامُ‌، و لَيسَ هذا موجوداً في النَّكير علىٰ أصحابِ الاختيارِ؛ لأنّكَ لا تَقدِرُ علىٰ أن تَدُلَّ علىٰ‌(13)أنّ نَكيرَهم يَجِبُ ظهورُه لَو كانَ ،


1) . في التلخيص: «نقطع».

2) . في «د»: «لخلاف». و في التلخيص: «بخلاف».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «فإنّما يُستدلّ ».

4) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «و لا نحتاج».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «قد عورض».

6) . في «د»: «أن يظهر معارضيه».

7) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «طرق».

8) . في «ب» و المطبوع و التلخيص: «لم يُلتفت».

9) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: «يدّعونه».

10) . في «د» و التلخيص: «و لوجدناه».

11) . في التلخيص: «معارضته».

12) . في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص: «يُبنى».

13) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «علىٰ ».

و أنّ الداعيَ إليه داعٍ إلىٰ إظهارِه؛ بَل الأمرُ بخِلافِ ذلكَ‌؛ لأنّ الإنكارَ علىٰ مالِكِ الحَلِّ‌

و العَقدِ و الأمرِ و النهيِ و النفعِ و الضرَرِ - الذي قد مالَ إليه أكثَرُ المُسلِمينَ‌، و رَضِيَ بإمامتِه أكثَرُ الأنصارِ و المُهاجِرينَ - يَجِبُ طَيُّه و سَترُه، و لا يَجِبُ إذاعتُه و نَشرُه(1)، و الدَّواعي كُلُّها مُتوفِّرةٌ إلىٰ إخفائه و تَركِ إعلانِه؛ فأينَ هذا مِن المُعارَضةِ؟

و لَو جَوَّزنا في المُعارَضةِ أو غيرِها مِن الأُمورِ أن يَكونَ و لا تَدعوَ الدواعي إلىٰ إظهارِه، بَل إلىٰ طَيِّه و سَترِه، لَم نَقطَعْ‌(2)علَى انتفائه مِن حَيثُ لَم يَظهَرْ للكُلِّ و يَنقُلْه الجميعُ‌؛ و لَكُنّا متىٰ وَجَدنا أيسَرَ روايةٍ في ذلكَ ، نَمتَنِعُ (3)لأجلِها مِن القَطعِ علَى انتفاءِ ذلكَ الأمرِ، و علىٰ أنّه لَم يَكُن.

و سنُشبِعُ الكلامَ في السببِ المانعِ مِن إظهارِ الخِلافِ و إعلانِ النَّكيرِ، و نَتقصّاه(4)فيما يأتي مِن هذا البابِ ؛ بمَشيئةِ اللّٰهِ تَعالىٰ .(5)

البحث الثاني: نفي كون ارتفاع النكير ناشئاً عن الرضا

فأمّا الوجهُ الثاني الذي وَعَدنا بذِكرِه و شَرحِه(6)، و هو المُتضمِّنُ لتسليمِ‌(7)ما يَدَّعونَه مِن أنّ الخِلافَ ارتَفَعَ و انقَطَعَ ، غيرَ أنّه لَم يَكُنِ ارتفاعُه عن رِضاً و إجماعٍ :

فنَحنُ نَذكُرُه في الفَصلِ الذي يَلي هذا الكلامَ (8)لأنّ الذي نَحكيهِ مِن كلامِ صاحبِ الكتابِ يَقتَضي ذلكَ ، و مَن تأمَّلَ جُملةَ ما أورَدناه عَلِمَ دخولَ الكلامِ علىٰ ما أورَدَه


1) . في «ب، ج، ص، ف»: - «و لا يجب إذاعته و نشره».

2) . في التلخيص: «لم يجب القطع».

3) . هكذا في «د». و في المطبوع: «نمنع». و في التلخيص: «يمنع». و في «ب، ج، ص، ف»: «لم نمنع».

4) . في «ب، ج، د، ص»: «تقصّيناه».

5) . يأتي في ص 163 و ما بعدها.

6) . راجع: ص 135.

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «تسليم».

8) . يأتي في ص 163 و ما بعدها.

صاحبُ الكتابِ في الفَصلِ الذي حَكَيناه(1)فيها؛ فإنّها مُزيلةٌ لِما تَضمَّنَه مِن شُبهةٍ .

فأمّا دَعواه أنّ الأمرَ انتَهىٰ إلىٰ أنّه لَم يَكُن في الزمانِ إلّاراضٍ بإمامتِه أو كافٌّ عن النَّكيرِ، فقَد بيّنّا أنّ الأمرَ بخِلافِ ذلكَ (2)، و أنّ الخِلافَ وَقَعَ في الأصلِ ظاهراً، ثُمّ استَمرَّ و لَم يَنقَطِعْ ، و إن لَم يَكُن استمرارُه في الظهورِ بحَسَبِ ابتدائه(3).

فأمّا قولُه: «إنّ كُلَّ من يُدَّعىٰ عليه الخِلافُ فإنّه ثَبَتَ عنه قَولاً و فِعلاً الرضا و البَيعةُ (4)» فقَد بيّنّا و سنُبيِّنُ أنّ الأمرَ بخِلافِه، و أنّ الذي عُمدتُه عليه - مِن الكَفِّ عن النِّزاعِ و الإمساكِ عن النَّكيرِ - لَيسَ بدَلالةٍ علَى الرضا(5)لأنّه وَقَعَ عن أسبابٍ

مُلجِئةٍ ، و كذلكَ سائرُ ما يُدَّعىٰ مِن وِلايةِ مَن تَولّىٰ مِن قِبَلِ القومِ ممّن يُدَّعىٰ أنّه كانَ مُقيماً علىٰ خِلافِهم و مُنكِراً لأمرِهم.

فأمّا بناؤه العَقدَ الأوّلَ علَى الثاني، و أنّه لمّا ظَهَرَ في الثاني مِن الرضا و الانقيادِ لِطولِ الأيّامِ و تَماديها ما لَم يَظهَرْ في الأوّلِ ، جازَ أن يُجعَلَ أصلاً له: فالكلامُ علَى العَقدِ الأوّلِ الذي ذَكرناه مُستَمِرٌّ في الثاني بعَينِه؛ لأنّ خِلافَ مَن حَكَينا خِلافَه، و رَوَينا عنه ما رَوَينا، هو خِلافٌ في العَقدَينِ جَميعاً. ثُمّ لَو سَلَّمنا ارتفاعَ الخِلافِ - علىٰ ما اقتَرَحَ - لَكانَ ذلكَ لا يَدُلُّ علَى الرضا إذا بيّنّا ما أحوَجَ إليه و ألجأَ إلَى استعمالِه.


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «حكيته».

2) . تقدّم في ص 135 و ما بعدها.

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «و استمرّ لا كاستمراره في الظهور بحسب ابتدائه» بدل «ثمّ استمرّ و لم ينقطع...» إلىٰ هنا.

4) . في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص: «الرضا بالبيعة».

5) . تقدّم في ج 3، ص 42، و يأتي في ص 163 و ما بعدها.

مناقشة ما ذكره القاضي حول مخالفة سعد بن عُبادة لإمامة أبي بكر

فأمّا كلامُه في سَعدِ بنِ عُبادةَ ، و تَشكُّكُه في مَوتِه، و هَل كانَ مُتقدِّماً أو مُتأخِّراً:

فممّا لا يُحتاجُ إليه؛ لأنّ الخِلافَ لَم يَكُن مِن سَعدٍ وَحدَه فيَنعَقِدَ الإجماعُ بَعدَ مَوتِه، و خِلافُ غيرِ سَعدٍ في هذا البابِ هو المُعوَّلُ عليه ممّن بَقيَ و استَمرَّ خِلافُه(1). علىٰ أنّ سَعداً لمّا ماتَ لَم يَمُت ولدُه و لا أقاربُه، و معلومٌ أنّ هؤلاءِ امتَنَعوا مِن البَيعةِ كامتناعِ سَعدٍ.

و أمّا(2)قولُه: «إنّ سَعداً لا يُعتَدُّ به؛ مِن حَيثُ طَلَبَ الإمامةَ لنفسِه، و كانَ مُبطِلاً في ذلكَ‌، و استَمرَّ علىٰ هذه الطريقةِ‌، فلا اعتبارَ بخِلافِه» فلَيسَ بشَيءٍ يُعوَّلُ علىٰ مِثلِه؛ لأنّا قد بيّنّا فيما تَقدَّمَ أنّ الذي عَوَّلَ عليه صاحبُ الكتابِ و أصحابُه في دَفعِ الأنصارِ عن الأمرِ(3)، لَم يَثبُتْ ثُبوتاً يَقتَضي أن يَقطَعوا معه علىٰ أنّ مَذهبَ سَعدٍ في طَلَبِ الإمامةِ لنفسِه باطلٌ‌، و أنّهم إنّما عَوَّلوا في صِحّةِ الخبرِ المَرويِّ في هذا البابِ علَى الإجماعِ و تسليمِ الأُمّةِ‌، و لا إجماعَ مع خِلافِ سَعدٍ و ذَويهِ‌(4).

و لا نَعمَلُ‌(5)إلّاعلىٰ أنّ سَعداً كانَ مُبطِلاً في طَلَبِ الإمامةِ لنفسِه - علىٰ غايةِ ما يُقتَرَحُ - فلِمَ لا يُعتَدُّ بخِلافِه ؟ و هو خالَفَ في أمرَينِ : أحَدُهما: أنّه اعتَقَدَ أنّ الإمامةَ

تَجوزُ للأنصارِ؛ و الأمرُ الآخَرُ: أنّه لَم يَرضَ بإمامةِ أبي بَكرٍ، و لا بايَعَه. و هذانِ خِلافانِ لَيسَ كَونُه مُبطِلاً في أحَدِهما يَقتَضي أن يَكونَ مُبطِلاً في الآخَرِ، و لَيسَ


1) . الظاهر أنّه قد حصل تقديم و تأخير في العبارة. و الصحيح: «و خلافُ غير سعد في هذا الباب - ممّن بقي و استمرّ خلافه - هو المعوّل عليه».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «فأمّا».

3) . و هو أنّ الإمامة في قريش. و قد تقدّم الكلام عن ذلك و الخبر المرويّ فيه في ص 61 و ما بعدها.

4) . في «ب، د»: «و دونه».

5) . في «ص، ف»: «و لا يعتمد». و في «ب»: «و لا يعمل».

أحَدُهما مَبنيّاً علىٰ صاحبِه، فيَكونَ في إبطالِ الأصلِ إبطالُ الفَرعِ‌؛ لأنّ مَن ذَهَبَ إلىٰ أنّ الإمامةَ تَجوزُ في غيرِ قُرَيشٍ‌، لا يَمنَعُ‌(1)مِن جوازِها لقُرَيشٍ ؛ فكَيفَ يُجعَلُ (2)امتناعُه مِن بَيعةِ قُرَشيٍّ (3)مَبنيّاً علىٰ أصلِه في أنّ الإمامةَ تَجوزُ في غيرِ قُرَيشٍ (4)؟

فأمّا(5)قولُه: «إنّ سَعداً وَحدَه لا يَكونُ مُحِقّاً، و لا يُمكِنُ أن يُقالَ‌: إنّ خروجَه ممّا عليه الأُمّةُ يؤثِّرُ في الإجماعِ » فعَجيبٌ ؛ لأنّا لا نَعلَمُ مِن أيِّ وَجهٍ استَبعَدَ أن يَكونَ سَعدٌ وَحدَه مُحِقّاً مِن بَينِ سائرِ الأُمّةِ؟ و هَل سَعدٌ في ذلكَ إلّاكغَيرِه ممّن يَجوزُ أن يُخالِفَ جُمهورَ الأُمّةِ ، فلا يُعَدَّ القولُ إجماعاً لمَوضِعِ خِلافِه ؟

فأمّا قولُه: «إنّ خِلافَ الواحدِ و الاثنَينِ لا يُعتَبَرُ به؛ مِن حَيثُ لا يَجوزُ أن يَكونَ سَبيلاً للمؤمنين، و قولُ الجماعةِ يَصِحُّ ذلكَ فيه» فأوّلُ ما فيه: أنّه قد كانَ لِسَعدٍ مِن ولدِه من يَجوزُ أن يَتناوَلَه الكِناياتُ عن الجماعةِ‌(6)لأنّ أقَلَّ مَن(7)يَتناوَلُه الكِنايةُ ثَلاثةٌ فصاعداً.

و بَعدُ، فإنّ «المؤمنينَ »(8)إذا كانَ اسماً مُستَغرِقاً لجَميعِ مَن يَستَحِقُّ هذا الاسمَ ، فمعلومٌ أنّه يَكونُ مَجازاً متىٰ عُبِّرَ به عن بعضِهم، و الواحدُ و الاثنانِ إذا خَرَجا مِن جُملةِ المؤمنينَ (9)لَم يَكُن هذا الاسمُ مُتَناوِلاً للباقينَ علَى الحقيقةِ ، و كانَ مَجازاً


1) . في «ب، ف»: «لا يمتنع». و في «ج، ص»: «لم يمتنع».

2) . في «د» و المطبوع: «تجعل».

3) . في المطبوع و الحجري: «قريش».

4) . في «ب»: «غير قرشي».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «و أمّا».

6) . هكذا في النسخ. و في المطبوع و الحجري: «الجماعات».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «ما».

8) . في «ب، ج، ص»: «المؤمن». و في المطبوع و الحجري: «أمير المؤمنين».

9) . في «ج، ص»: «المؤمن» في الموضعين.

فيهم. و إذا جازَ لصاحبِ الكتابِ أن يُجريَه مَجازاً علىٰ بعضِ المؤمنينَ ، جازَ لغَيرِه أن يُجريَه مَجازاً علَى الواحدِ و الاثنَينِ .

فأمّا قولُه في سَعدٍ: «هذا إن صَحَّ أنّه بَقيَ علَى الخِلافِ‌؛ لأنّه لا يَمتَنِعُ أن لا يُبايِعَ و هو راضٍ‌» فَتَشكُّكٌ‌(1)منه في الضروراتِ ؛ لأنّ خِلافَ سَعدٍ و سُخطَه و مُقامَه علىٰ ذلكَ - مُعلِناً له(2)مُظهِراً - معلومٌ ضَرورةً ، فأيُّ وجهٍ للتشكُّكِ و التلوُّمِ (3)فيه حتّىٰ يُقالَ : إن صَحَّ فكَذا(4)و كَذا؟

و هذه جُملةٌ كافيةٌ تأتي علىٰ ما حَكَيناه مِن كلامِه.

قالَ صاحبُ الكتابِ :

فإن قيلَ : كَيفَ ادَّعَيتم الإجماعَ [علىٰ بَيعةِ أبي بَكرٍ](5)و قد تأخَّرَ عن ذلكَ أميرُ المؤمنينَ و خالدُ بنُ سَعيدِ بنِ العاصِ ، و ظَهَرَ الخِلافُ عن سَلمانَ [و عن الزُّبَيرِ، و ظَهَرَ عن أبي ذَرٍّ و حُذَيفةَ و المِقدادِ و عَمّارٍ الانحرافُ عن ذلكَ ](6)؟

ثُمّ قالَ :

قيلَ له: لا أحَدَ(7)ممّن ذَكرتَه إلّاو قد بايَعَ و رَضِيَ و ظَهَرَ ذلكَ عنه(8)،


1) . في المطبوع و الحجري: «فشكّ ».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: - «له».

3) . تَلوَّمَ في الأمر: تَمكَّثَ و انتَظَرَ. لسان العرب، ج 12، ص 557 (لوم).

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «كذا».

5) . ما بين المعقوفين من المغني.

6) . ما بين المعقوفين من المغني. و في النسخ و الحجري بدله: «و فلان و فلان».

7) . في النسخ و الحجري: «ما أحد». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و المغني.

8) . في المغني: «إلّا و قد يلزم و رضي ذلك عنه».

فقَد حَصَلَ الإجماعُ مُستَقِرًّا؛ لأنّا لا نُنكِرُ أنّ‌(1)في الابتداءِ وَقَعَ التأخُّرُ و التباطؤُ(2)مِن بعضِهم عن بَيعتِه.

و قالَ شَيخُنا أبو هاشِمٍ‌: رُويَ أنّه عليه السلامُ تأخَّرَ عن بَيعةِ أبي بَكرٍ أربَعينَ صَباحاً، و قالَ قومٌ‌: سِتّةَ أشهُرٍ.

و الأقرَبُ أنّه تأخَّرَ لاستيحاشِه منهم؛ مِن(3)حَيثُ استَبَدّوا(4)بالأمرِ و لَم يَتربَّصوا بإبرامِ العَقدِ حضورَه، و إنّما تأخَّرَ أيّاماً يَسيرةً‌، و لَعلَّه(5)كانَ أربَعينَ يَوماً.

و لَم يَكُن أبو بَكرٍ يَلتَمِسُ منه المُبادَرةَ‌، فيَكونَ مُخالِفاً عليه. و كَيفَ يَكونُ مُخالِفاً و هو الذي أشارَ عليه بقِتالِ‌(6)أهلِ الرِّدّةِ‌، و كانَ ذلكَ في أوّلِ أيّامِه(7)و أنكَرَ علىٰ أبي سُفيانَ قولَه: أرَضيتم يا بَني عَبدِ مَنافٍ أن يَليَ عليكم تَيمٌ؟ امدُدْ يَدَكَ أُبايِعْكَ‌؛ فلَأملأنّها علىٰ فُلانٍ‌(8)خَيلاً و رَجِلاً، بأن قالَ : «أَمسِكْ عليكَ ؛ فطالَما غَشَشتَ الإسلامَ »(9). و لَو كانَ يُنكِرُ


1) . هكذا في النسخ و المغني. و في المطبوع: - «أنّ ».

2) . في المغني: - «و التباطؤ».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: - «من».

4) . هكذا في النسخ و المغني. و في المطبوع: «استبدؤوا».

5) . في المغني: «و إنّما».

6) . في «د، ص»: «لقتال». و في الحجري على الوجهين.

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «في أوّل إمامة أبي بكر».

8) . في المغني: - «علىٰ فلان».

9) . الكامل لابن الأثير، ج 2، ص 326؛ أنساب الأشراف، ج 1، ص 558؛ الفتوح، ج 2، ص 559؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 2، ص 45؛ كنز العمّال، ج 5، ص 653، ح 14144، مع اختلاف في الألفاظ.

إمامةَ أبي بَكرٍ لَم يَخَفْ أن يُظهِرَ ذلكَ كما أظهَرَه أبو سُفيانَ‌، و كانَ ذلكَ مِن أبي سُفيانَ حِدْثانَ‌(1)وقوعِ البَيعةِ‌.

و قالَ له العبّاسُ لمّا تُوفّيَ رسولُ اللّٰهِ عليه السلامُ‌(2): امدُدْ يَدَكَ أُبايِعْكَ‌

و آتيكَ بهذا الشيخِ مِن قُرَيشٍ - يَعني أبا سُفيانَ - فيُقالُ‌: إنّ عَمَّ رسولِ اللّٰهِ بايَعَ ابنَ عَمِّه، فلا يَختَلِفُ عليكَ مِن قُرَيشٍ اثنانِ‌(3)، و الناسُ تَبَعٌ لقُرَيشٍ‌.

فامتناعُه مع فَضلِه(4)في دينِه يَدُلُّ علىٰ أنّه لَم يَدَّعِ الحَقَّ لنَفسِه، و إلّا فقَد كانَ يَجِدُ أنصاراً؛ كالعبّاسِ‌، و الزُّبَيرِ، و أبي سُفيانَ‌، و خالدِ بنِ سَعيدٍ، و سائرِ مَن ذَكَرَهم الإماميّةُ .

و لا يَجِبُ أن يَكونَ تأخُّرُه دَلالةً علىٰ فَقدِ الرضا، بَل كانَ راضياً ببَيعتِه؛ مِن حَيثُ كانَ مُنفِّذاً للأُمورِ(5)فلا يُنكِرُ. و لا يَجِبُ بَعدَ وقوعِ العَقدِ الصحيحِ (6)إلّاالرضا بإمامتِه و المُعاضَدةُ له(7)عندَ الحاجةِ (8)، و قد كانَ ذلكَ حاصلاً من أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ و إن تأخَّرَ(9)لاشتغالِه برَسولِ اللّٰهِ عليه السلامُ .


1) . يُقال: حِدْثان الشباب، و حِدْثان الأمر: أوّلُه و ابتداؤه. راجع: الصحاح، ج 1، ص 279 (حدث).

2) . هكذا في المغني. و في النسخ و المطبوع: «صلّى اللّٰه عليه و آله»، و هكذا في الموارد الآتية.

3) . في «د» و المطبوع: «أحدٌ».

4) . هكذا في النسخ و المغني. و في حاشية «ف» و المطبوع و الحجري: «تصلّبه».

5) . في «ب، ج، ص، ف» و المغني: «ينفّذ الأُمور».

6) . في المغني: - «الصحيح».

7) . في «ب، ج، ص، ف» و الحجري: «بالمعاضدة» بدل «و المعاضدة له».

8) . في المغني: - «عند الحاجة».

9) . في المغني: «فإن كان تأخّر». و في المطبوع: «و إن كان تأخّراً».

و قد كانَ بَينَه و بَينَ العبّاسِ شَبيهٌ بالوحشةِ‌(1)، و إن لَم يَكُن كُلُّ واحدٍ منهما(2)إلّامُوالياً لصاحبِه(3)فكذلكَ (4)القولُ في تأخُّرِه و استيحاشِه مِن حَيثُ استَبَدّوا بالأمرِ(5)دونَه، و لا يَدُلُّ علىٰ أنّه لَم يَكُن راضياً؛ و لذلكَ لمّا طُلِبَ منه الحضورُ و المُعاضَدةُ حَضَرَ لا مَحالةَ .

و علىٰ هذا الوجهِ يُحمَلُ تأخُّرُ(6)غيرِه عن بَيعةِ أبي بَكرٍ(7)و إنّما يَطعَنُ ذلكَ في إمامتِه لَو ظَهَرَ منهم النَّكيرُ و خِلافُ الرضا، أو تُشُدِّدَ(8)عليهم في الحضورِ للبَيعةِ فامتَنَعوا مِن غيرِ عُذرٍ(9).

ثُمّ حَكىٰ عن أبي عليٍّ أنّ مُبايَعةَ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ بَعدَ ذلكَ ظَهَرَت و انتَشَرَت، و أجمَعَ أهلُ النقلِ عليها، و إنّما اختَلَفوا في مُدّةِ تأخُّرِه عن البَيعةِ (10).

ثُمّ قالَ :

فإن قيلَ : إنّه(11)قد رُويَ أنّه بايَعَ مُكرَهاً أو كارِهاً، أو خُوِّفَ أو هُدِّدَ حتّىٰ


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «الوحشة».

2) . في «د»: «منهم».

3) . في المغني: «لثان».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «و كذلك».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «بالأُمور».

6) . في «ب، ص، ف»: «تأخير».

7) . في «ب»: «عن البيعة لأبي بكر».

8) . هكذا في «د» و الحجري. و في «ب، ج، ص، ف»: «أو شدّد». و في المطبوع: «و التشدّد». وفي المغني: «أو اشتدّ».

9) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 282-283.

10) . في «ج، ف»: + «بعد ذلك».

11) . في «ب، ج، ص، ف» و المغني: - «إنّه».

بايَعَ ؛ فلا يَصِحُّ (1)ما ذَكرتموه.

قيلَ له: كَما ثَبَتَ أنّه حَضَرَ و بايَعَ‌، فقَد صَحَّ أنّه لَم يَجرِ(2)هُناكَ إكراهٌ‌؛ و الأحوالُ التي كانَ عليها مع أبي بَكرٍ - مِن المُعاوَنةِ و المُعاضَدةِ‌، و ما ثَبَتَ عنه مِن الأخبارِ في مَدحِه و تقديمِه - يَمنَعُ مِن ذلكَ‌. و إنّما يَتعلَّقُ بهذه الروايةِ بعضُ الإماميّةِ‌، مِن غيرِ أن يُمكِنَه إسنادُها إلىٰ حُجّةٍ صَحيحةٍ أو(3)طَريقٍ معروفٍ‌، و مِثلُ ذلكَ إن قُبِلَ‌(4)أدّىٰ إلىٰ فَسادِ الكلامِ في الأخبارِ.

و يُبيِّنُ‌(5)صِحّةَ ما ذَكرناه: أنّ الخِلافَ في إمامةِ أبي بَكرٍ و عُمَرَ لَو كانَ ثابتاً لَظَهَرَ، كَما ظَهَرَ الخِلافُ في آخِرِ أيّامِ عُثمانَ و في أيّامِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ . و هذا يُبيِّنُ أنّ تصويبَ إمامةِ أبي بَكرٍ و عُمَرَ لا خِلافَ فيها، علَى الحَدِّ الذي ذَكرناه.

علىٰ أنّا قد بيّنّا أنّا لا نَجعَلُ ذلكَ إجماعاً مِن حَيثُ البَيعةِ ؛ لأنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ لَو لَم يُبايِعْ لَكانَ تَركُه للنكيرِ(6)يَدُلُّ علىٰ صِحّةِ الإجماعِ ؛ لأنّه لَو كانَ مُبطِلاً في الإمامةِ لَكانَ غاصباً(7)لذلكَ المَوضِعِ و مُقدِماً علَى الباطلِ في كُلِّ ما يَحكُمُ به؛ فإن كانَ الحَقُّ في ذلكَ لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ صارَ الذي يَلزَمُه في إنكارِ ذلكَ قَولاً و فِعلاً


1) . في المغني: «فلا يتمّ ».

2) . في «ب»: «لم يجز». و في المغني: «لم يكن».

3) . في المغني: - «حجّة صحيحة أو».

4) . في «د، ب» و المغني: «إن قيل».

5) . هكذا في النسخ و الحجري و المغني. و في المطبوع: «و بيّن».

6) . في «د» و المغني: «النكير».

7) . في «ص»: «عاصياً».

أوكَدَ(1)ممّا يَلزَمُ غيرَه - مِن حَيثُ أُزيلَ عن حَقِّه، و عن المَقامِ‌(2)الذي جُعِلَ له - فكانَ يَجِبُ أن يَكونَ نَكيرُه فِعلاً و قَولاً بحَيثُ تَزولُ فيه الشُّبهةُ‌، و يَظهَرُ كظهورِ البَيعةِ لأبي بَكرٍ، و قد عَرَفنا خِلافَ ذلكَ‌؛ بَل كانَ يَجِبُ أن يَتكرَّرَ منه النَّكيرُ حالاً بَعدَ حالٍ‌، و أن لا يَقتَصِرَ علىٰ نَكيرٍ تَقَدَّمَ‌(3)، و كانَ يَجِبُ أن لا يَظهَرَ له مُعاضَدةٌ و لا مُعاوَنةٌ‌؛ لِما فيه مِن إيهامِ كَونِه مُحِقّاً، و ذلكَ لا يَحِلُّ في الدينِ‌. و كانَ يَجِبُ‌، إن لَم يَزِدْ(4)نَكيرُه و إظهارُه الخِلافَ علىٰ ما ظَهَرَ مِن الحُسَينِ عليه السلامُ‌(5)و غيرِه

في أيّامِ بَني أُميّةَ‌، أن لا يَنقُصَ‌(6)مِن ذلكَ‌؛ فقَد عُلِمَ أنّهم لمّا طولِبوا(7)بالبَيعةِ (8)كَيفَ امتَنَعوا منها و تَهارَبوا، و أظهَروا الخِلافَ و النَّكيرَ، و لَم يَكُن فَزَعُه مِن أبي بَكرٍ إلّادونَ فَزَعِهم مِن يَزيدَ اللَّعينِ (9).

و كَرَّرَ بَعدَ ذلكَ أنّ سببَ استيحاشِه الاستبدادُ بالرأيِ عليه؛ و ضَرَبَ لذلكَ مَثَلاً بالمرأةِ التي لها إخوةٌ و فيهم كَبيرٌ مُقدَّمٌ في الرأيِ ، فإنّ الصغيرَ متىٰ زَوَّجَها لا بُدَّ مِن أن يَستَوحِشَ الكبيرُ و إن كانَ العَقدُ صَحيحاً. و ذَكَرَ في تأخُّرِه اشتغالَه بالرسولِ


1) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و المغني. و في «د»: «آكد». و في المطبوع: «أكّد»، و هو سهو.

2) . في المغني: + «العظيم».

3) . هكذا في «ب، د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «مقدّم».

4) . في المغني: «إن لم يرد».

5) . في المغني: «من الحسن عليه السلام».

6) . هكذا في النسخ و الحجري و المغني. و في المطبوع: - «أن».

7) . هكذا في النسخ و الحجري و المغني. و في المطبوع: «لمّا طلبوا».

8) . في المطبوع: + «له».

9) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 284-285. و فيه: «من يزيد الملعون و غيره».

صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و تجهيزِه، ثُمّ بأمرِ فاطمةَ عليها السلامُ‌.

ثُمّ ذَكَرَ أنّ مَن حَضَرَ السَّقيفةَ لعَقدِ الإمامةِ - و تَرَكَ الرسولَ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه قَبلَ أن يُفرَغَ مِن أمرِه - إنّما ساغَ له ذلكَ خَوفاً مِن الفتنةِ‌، فبادَرَ إلىٰ ما يُخافُ فَوتُه و عَوَّلَ في أمرِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه علىٰ مَن اشتَغَلَ به.

ثُمّ ذَكَرَ عَرْضَ العبّاسِ و أبي سُفيانَ علىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ البَيعةَ‌، و أنّ ذلكَ دليلٌ علىٰ أنّ النصَّ لا أصلَ له، و أنّ المطلوبَ في تلكَ الحالِ هو عَقدُ الإمامةِ بالاختيارِ(1).

ثُمّ حَكىٰ عن أبي عليٍّ أنّه قالَ‌:

إن جازَ للمُخالِفِ أن يُعوِّلَ علىٰ أخبارِ الآحادِ في أنّه عليه السلامُ بايَعَ كارِهاً تَحتَ السَّيفِ [و الخَوفِ - إلىٰ سائرِ ما يُروىٰ في هذا البابِ -](2)لِيَجوزَنَّ لنا أن نَحتَجَّ بأخبارٍ ظاهرةٍ‌(3)تَدُلُّ علىٰ أنّه عليه السلامُ كانَ يَقولُ بإمامةِ أبي بَكرٍ و تقديمِه و مَدحِه(4).

ثُمّ ذَكَرَ أخباراً كَثيرةً قد تَقدَّمَ ذِكرُه(5)لها في هذا الكتابِ و كلامُنا عليها مشروحاً؛ نحوُ ما رُويَ مِن قولِه عليه السلامُ‌: «ألا إنّ‌(6)خَيرَ هذه الأُمّةِ بَعدَ نَبيِّها فُلانٌ و فُلانٌ » و «وَدِدتُ أن أَلقَى اللّٰهَ عَزَّ و جَلَّ بصَحيفةِ هذا المُسَجّىٰ »(7)و ما جَرىٰ مَجرىٰ ذلكَ


1) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 285-287.

2) . ما بين المعقوفين من المغني.

3) . في «ج، ص، ف»: «ظاهرها».

4) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 287. و قد جاء في المغني: «كان يقول بإمامته و تقديمه و بيعته».

5) . في المطبوع: «ذكر» بدل «ذكره».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: - «ألا إنّ ».

7) . تقدّمت مناقشة هذين الخبرين في ج 3، ص 442-443 و 453.

مِن أخبارٍ قد تَقدَّمَ ذِكرُها و الكلامُ عليها.

ثُمّ ذَكَرَ بَعدَ ذلكَ مِن شَجاعةِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ و قُوّتِه ما ادَّعىٰ أنّه لا يَجوزُ مِن مِثلِه التقيّةُ‌، و أنّه عليه السلامُ كانَ بَعيًدا عن التقيّةِ لمّا انتَهَت الإمامةُ إليه(1).

ثُمّ قالَ‌:

و اعلَمْ أنّ التقيّةَ متىٰ لَم يَكُن لها سببٌ لَم يَصِحَّ ادّعاؤها، و سببُها معلومٌ‌، و هو الخَوفُ الشديدُ، و ظهورُ أماراتِ ذلكَ‌. و قد بيّنّا مِن قَبلُ في بابِ الإكراهِ الحالَ في ذلكَ‌، و بيّنّا أنّ في كَثيرٍ مِن الأوقاتِ إظهارَ الحَقِّ هو أَولىٰ‌.

يُبيِّنُ ما ذَكرناه(2): أنّه مع فَقدِ السببِ لَو جازَ ادّعاءُ التقيّةِ‌، لَم نَأمَنْ‌(3)في أكثَرِ ما ظَهَرَ مِن الرسولِ‌(4)عليه السلامُ قَولاً و فِعلاً أنّه كانَ علىٰ طَريقِ التقيّةِ‌، و في ذلكَ إبطالُ مَعرِفةِ كَثيرٍ مِن الشرائعِ‌؛ و لِمَ صارَ بأن يُقالَ‌: «إنّه كانَ يَتَّقي فيُعظِّمُ أبا بَكرٍ و عُمَرَ» بأَولىٰ مِن أن يُحمَلَ تقديمُه لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ علىٰ مِثلِ ذلكَ؟ و هذا يُخرِجُ كَونَ مَدحِه و ذَمِّه مِن أن يَكونَ دَلالةً‌، و ما أوجَبَ ذلكَ يوجِبُ خروجَ أفعالِه و أقوالِه مِن أن تَكونَ (5)دَلالةً ؛ فكَيفَ يَصِحُّ أن يُقالَ : «إنّ أميرَ المؤمنينَ إنّما ظَهَرَ منه مَدحُ أبي بَكرٍ و عُمَرَ و مُعاضَدتُهما علىٰ


1) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 287-289.

2) . في المغني: «ما قلناه».

3) . كذا في «ج، ص، ف» و المغني. و في «ب، د» و المطبوع: «لم يُؤمَن».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «لو كان ادّعاء التقيّة جائزاً لم نأمن (ب: لم يؤمَن) في كثير ممّا ظهر عن الرسول».

5) . في النسخ: «أن يكون». و ما أثبتناه مطابق للحجري و المطبوع و المغني.

طَريقِ التقيّةِ‌» و لا سببَ هُناكَ يوجِبُ ذلكَ؟

و لَو أمكَنَ أن يُدَّعىٰ في ابتداءِ البَيعةِ التقيّةُ‌، ما كانَ يُمكِنُ في سائرِ الأحوالِ‌، و هَلّا ظَهَرَت التقيّةُ منه يَومَ الجَمَلِ و صِفّينَ‌، مع عظيمِ ما دُفِعَ‌(1)إليه‌؟ و المُتَعالَمُ مِن حالِه عليه السلامُ أنّه كانَ يَتشدَّدُ في مَواضِعِ رُخَصٍ‌. علىٰ أنّ المُتَعالَمَ مِن حالِ أبي بَكرٍ أنّه لَم يَكُن مِن القوّةِ في نفسِه و أعوانِه بحَيثُ يُخافُ منه؛ فقَد كان يَجِبُ أن يَظهَرَ منه عليه السلامُ الإنكارُ فِعلاً و قَولاً بحَيثُ يَشتَهِرُ، سِيَّما(2)علىٰ قولِهم أنّه حُجّةٌ [فيما يأتي و يَذَرُ. و قد يَصِحُّ (3)أن يَظهَرَ مِن أبي بَكرٍ التشَدُّدُ في بابِ الرِّدّةِ حتّىٰ يُخالِفُ في ذلكَ كُلَّ الصَّحابةِ ، و لا يَظهَرَ منه مِثلُ ذلكَ أو قَريبٌ منه، علىٰ زَعمِهم أنّ الجماعةَ ارتَدَّت و عَدَلَت عن الحَقِّ بَعدَ رسولِ اللّٰهِ . و كُلُّ ذلكَ يُبيِّنُ أنّه لا يُمكِنُ ادّعاءُ الخِلافِ في بَيعةِ أبي بَكرٍ و تصويبِ الأُمّةِ له](4).

نفي كون ارتفاع خلاف مَن خالف في إمامة أبي بكر ناشئاً عن الرضا و التسليم بذلك

يُقالُ له: مِن أينَ قُلتَ‌: إنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ لَم يُبايِعْ و يَكُفَّ‌(5)عن النكيرِ إلّا عن رِضاً؟ فما نَراكَ عَوَّلتَ إلّاعلىٰ دَعوىً ، و تَشبَّثتَ (6)بأشياءَ لا شُبهةَ في


1) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و المغني. و في «د»: «وقع». و في المطبوع: «رفع».

2) . هكذا في النسخ و الحجري و المغني. و في المطبوع: «لا سيّما».

3) . كذا في المغني. و لعلّ الصحيح: «و هل يصحّ ».

4) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 290-291. و ما بين المعقوفين من المصدر.

5) . في «ج، ص، ف»: «و لم يكفّ ».

6) . في «ب، ج، ف»: «و جئت».

مِثلِها؛ و نَحنُ نُبيِّنُ ما فيها علَى التفصيلِ .

فإن قالَ : لَو لَم يَرضَ لَم يَكُفَّ عن النكيرِ، و لَأقامَ علَى الخِلافِ .

قيلَ له: و لِمَ زَعَمتَ ذلكَ؟ و هَل هذا إلّامُجرَّدُ الدعوىٰ؟ و إنّما كانَ يَصِحُّ هذا الكلامُ لَو كانَ لا وجهَ لتَركِ النكيرِ و(1)الكَفِّ عنه إلّاالرضا دونَ غيرِه، فأمّا إذا كانَ تَركُ النكيرِ قد يَقَعُ و يَكونُ الداعي إليه غيرَ الرضا - كَما قد يَدعو إليه الرضا - فلَيسَ لأحَدٍ أن يَجعَلَ فَقْدَه دليلَ الرضا؛ لأنّ النكيرَ قد يَرتَفِعُ لأُمورٍ:

منها: التقيّةُ و الخَوفُ علَى النفسِ ، و ما جَرىٰ مَجراها(2).

و منها: العِلمُ أو الظنُّ بأنّه يَعقُبُ مِن المُنكَرِ ما هو أعظَمُ مِن المُنكَرِ الذي يُرادُ إنكارُه.

و منها: الاستغناءُ عنه بنَكيرٍ قد تَقدَّمَ ، و أُمورٍ ظَهَرَت تَرفَعُ اللَّبسَ و الإيهامَ (3)في الرضا بمِثلِه.

و منها: أن يَكونَ للرضا(4).

فإذا كانَ تَركُ النكيرِ مُنقَسِماً، لَم يَكُن لأحَدٍ أن يَخُصَّه بوَجهٍ واحدٍ، و إنّما يَكونُ (5)تَركُ النكيرِ دَالاًّ(6)علَى الرضا في المَوضِعِ الذي لا يَكونُ له وجهٌ سِوَى الرضا؛ فمِن أينَ لصاحبِ الكتابِ و أهلِ مَقالتِه أنّه لا وجهَ لتَركِ النكيرِ هاهُنا إلّا الرضا؟


1) . في المطبوع: - «و»، و هو سهو.

2) . في «ب»: «مجراهما».

3) . في التلخيص: «و الإبهام».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «الرضا».

5) . في «ب»: «كان يكون».

6) . في التلخيص: «دلالة».

فإن قالَ : لَيسَ (1)الرضا أكثَرَ مِن تَركِ النكيرِ، فمتىٰ عَلِمنا ارتفاعَ النكيرِ عَلِمنا الرضا.

قُلنا: هذا ممّا قد بيّنّا فَسادَه، و بيّنّا أنّ تَركَ النكيرِ يَنقَسِمُ‌(2)إلَى الرضا و غيرِه.

و بَعدُ، فما الفَرقُ بَينَكَ و بَينَ مَن قالَ : «و لَيسَ السخطُ أكثَرَ مِن ارتفاعِ الرضا، فمتىٰ لَم أعلَمِ الرضا أو أتَحقَّقْه(3)قَطَعتُ علَى السخطِ»؟ فيَجِبُ علىٰ مَن ادَّعىٰ أنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ كان راضياً أن يَنقُلَ ما يوجِبُ كَونَه كذلكَ ، و لا يَعتَمِدَ في أنّه كانَ راضياً علىٰ أنّ نَكيرَه ارتَفَعَ (4)فإنّ لقائلٍ أن يُقابِلَ ذلكَ بما ذَكرناه(5)، و يَجعَلَ (6)دليلَ كَونِه ساخِطاً ارتفاعَ رِضاه.

فإن قالَ (7): لَيسَ يَجِبُ علينا أن نَنقُلَ (8)فيما يَدُلُّ علىٰ رِضاه أكثَرَ مِن بَيعتِه و تَركِ نَكيرِه؛ لأنّ الظاهرَ مِن ذلكَ يَقتَضي ما ذَكرناه، و علىٰ مَن ادَّعىٰ أنّه(9)كانَ مُبطِناً بخِلافِ الرضا أن يَدُلَّ علىٰ ذلكَ ؛ فإنّه خِلافُ الظاهرِ.

قيلَ له: لَيسَ الأمرُ علىٰ ما قَدَّرتَه؛ لأنّ سُخطَ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ هو الأصلُ ؛ لأنّه لا خِلافَ بَينَ الأُمّةِ في أنّه عليه السلامُ سَخِطَ الأمرَ و أباه و نازَعَ فيه


1) . في «ب»: «أ ليس».

2) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «منقسم».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «و نحقّقه». و في التلخيص: «و أتحقّقه».

4) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع: «أن يكسره ارتفاع»، و هو سهو.

5) . هكذا في «د» و التلخيص، إلّاأنّ في التلخيص: «للمقابل» بدل «لقائل». و في سائر النسخ و المطبوع: «فإنّ لقائل أن يقول مقابلاً لذلك ما ذكرناه».

6) . في «ب» و المطبوع و الحجري: «و نجعل».

7) . في «ب»: «فإن قيل».

8) . في «ب، ص، ف» و التلخيص: «أن ينقل».

9) . في التلخيص: «من ادّعىٰ خلافه و أنّه».

و تأخَّرَ عن البَيعةِ‌، ثُمّ إنّه لا خِلافَ‌(1)في أنّه في المُستَقبَلِ أظهَرَ البَيعةَ و لَم يُقِمْ علىٰ ما كانَ عليه مِن إظهارِ الخِلافِ و النكيرِ(2).

فنَقَلَنا(3)عن أحدِ الأصلَينِ اللذَينِ كانَ عليهما مِن الامتناعِ عن البَيعةِ و إظهارِ الخِلافِ أمرٌ معلومٌ‌، و لَم يَنقُلْنا عن الأصلِ الآخَرِ الذي هو السخطُ و الكراهةُ شَيءٌ‌؛ فيَجِبُ علىٰ مَن ادَّعىٰ تَغيُّرَ الحالِ أن يَدُلَّ علىٰ تَغيُّرِها و يَذكُرَ أمراً معلوماً يَقتَضي ذلكَ‌، و لا يُرجِعَ ذلكَ‌(4)علينا فيُلزِمَنا أن نَدُلَّ نَحنُ‌(5)علىٰ ما ذَكرناه؛ لأنّا - علىٰ ما بيّنّاه آنِفاً(6)- مُتمسِّكونَ بالأصلِ المعلومِ‌، و إنّما تَجِبُ‌(7)الدلالةُ علىٰ مَن ادَّعىٰ تَغيُّرَ(8)الحالِ . و لَيسَ له أن يَجعَلَ البَيعةَ و تَركَ النكيرِ دَلالةَ الرضا؛ لأنّا قد بيّنّا أنّ ذلكَ (9)مُنقَسِمٌ (10)، و لا يُنتَقَلُ عن(11)المعلومِ المُتحقِّقِ بأمرٍ مُحتَمِلٍ .

فإن قالَ : هذه الطريقةُ التي سَلَكتموها توجِبُ الشكَّ في كُلِّ إجماعٍ ، و تَمنَعُ مِن أن يُقطَعَ علىٰ رِضا أحَدٍ بشَيءٍ مِن الأشياءِ ؛ لأنّا إنّما نَعلَمُ الرضا في كُلِّ مَوضِعٍ نُثبِتُه


1) . في «ج»: + «بيّن». و في «د»: - «في».

2) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «لا خلاف في أنّه في المستقبل بايع و ترك النكير».

3) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع: «فنقلناه».

4) . في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص: - «ذلك».

5) . في «د» و التلخيص: - «نحن».

6) . في «د» و التلخيص: - «آنفاً».

7) . في «ب، د»: «يجب».

8) . في التلخيص: «تغيير».

9) . قوله: «ذلك» إشارة إلىٰ ترك النكير، و قد تقدّمت أقسامه قبل قليل.

10) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «ينقسم».

11) . هكذا في «د، ص». و في سائر النسخ و المطبوع: «من».

فيه بمِثلِ هذه الطريقةِ و ما(1)هو أضعَفُ منها.

قيلَ له: إن كانَ لا طَريقَ إلىٰ مَعرفةِ الإجماعِ و رِضا الناسِ بالأُمورِ إلّاما ادَّعَيتَه فلا

طَريقَ إليه، لكِنّ الطريقَ إلىٰ ذلكَ واضحٌ‌(2)و هو أن يُعلَمَ‌(3)أنّ النكيرَ لَم يَرتَفِعْ إلّا للرضا، و أنّه لا وجهَ هُناكَ سِواه. و هذا قد يُعلَمُ‌(4)ضَرورةً مِن شاهدِ الحالِ‌، و قد يَعلَمُه(5)مَن غابَ عنها بالنقلِ و غيرِه، حتّىٰ لا يُرتابُ بأنّ الرضا هو الداعي إلىٰ تَركِ النكيرِ. أ لا تَرىٰ أنّا(6)نَعلَمُ كُلُّنا - عِلماً لا يَعتَرِضُه شَكٌّ - أنّ بَيعةَ عُمَرَ و أبي عُبَيدةَ و سالِمٍ لأبي بَكرٍ كانَت عن رِضاً و مُوافَقةٍ و مُتابَعةٍ في الظاهرِ و الباطنِ‌، و أنّه لا وجهَ لِما أظهَروه مِن البَيعةِ و المُوافَقةِ إلّاالرضا، و لا نَعلَمُ‌(7)ذلكَ في أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ و مَن جَرىٰ‌(8)مَجراه‌؟ فلَو كانَ الطريقُ واحداً لَعَلِمنا الأمرَينِ علىٰ سَواءٍ‌.

و هذا أحَدُ ما يُمكِنُ أن يُعتَمَدَ في هذا المَوضِعِ ، فيُقالَ : لَو كانَ أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ راضياً، و ظاهرُه كباطنِه في الكَفِّ عن النكيرِ، لَوَجَبَ أن نَعلَمَ (9)ذلكَ مِن حالِه كَما عَلِمناه مِن حالِ عُمَرَ و أبي عُبَيدةَ ؛ فلمّا لَم يَكُن ذلكَ معلوماً، دَلَّ علَى اختلافِ الحالِ فيه.


1) . في التلخيص: «و بما».

2) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «واضحة».

3) . في «ب»: «أن نعلم».

4) . في «ب، ج، ف»: «قد نعلم». و في «د»: «قد نعلمه».

5) . هكذا في «د». و في «ب، ف»: «قد نعلم». و في «ج، ص» و المطبوع: «قد يعلم».

6) . في «ب»: «بأنّا».

7) . في «د»: «و لا يعلم».

8) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «يجري».

9) . هكذا في «ب» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «أن يُعلم».

و كَيفَ يُشكِلُ علىٰ مُنصِفٍ أنّ‌(1)بَيعةَ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ لَم تَكُن عن رِضاً، و الأخبارُ مُتَظاهِرةٌ بَينَ (2)كُلِّ مَن رَوَى السِّيَرَ بما يَقتَضي ذلكَ؟ حتّىٰ أنّ مَن تأمَّلَ ما رُويَ في هذا البابِ لَم يَبقَ عليه شَكٌّ (3)في أنّه عليه السلامُ أُلجئَ إلَى(4)البَيعةِ ، و صارَ إليها(5)بَعدَ المُدافَعةِ و المُحاجَزةِ لأُمورٍ اقتَضَت ذلكَ ، لَيسَ مِن جُملتِها(6)الرضا.

و قد رَوىٰ أبو الحَسَنِ‌ أحمَدُ بنُ يَحيَى بنِ جابرٍ البَلاذُريُّ - و حالُه في الثقةِ عندَ العامّةِ و البُعدِ عن مُقارَبةِ الشيعةِ و الضبطِ لِما يَرويهِ معروفٌ‌(7)- قالَ‌: حَدَّثَني بَكرُ بنُ الهَيثَمِ قالَ‌:

حَدَّثَنا عبدُ الرزّاقِ‌، عن مَعمَرٍ(8)، عن الكَلبيِّ‌، عن أبي صالحٍ‌، عن ابنِ عبّاسٍ قالَ‌:

بَعَثَ أبو بَكرٍ عُمَرَ بنَ الخَطّابِ إلىٰ عليٍّ عليه السلامُ حينَ قَعَدَ عن بَيعتِه و قالَ‌:

ائتِني به بأعنَفِ العُنفِ‌. فلمّا أتاه جَرىٰ بَينَهما كلامٌ ، فقالَ له عليٌّ عليه

السلامُ : «احْلِبْ حَلْباً لكَ شَطرُه، و اللّٰهِ ما حِرصُكَ علىٰ إمارَتِه اليَومَ إلّالِيؤَمِّرَكَ


1) . في التلخيص: «بأنّ ».

2) . في «د»: «من».

3) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع: «شيء».

4) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «على».

5) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «إليهما».

6) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «جملتهما».

7) . أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلاذري، أبو الحسن، و قيل: أبوبكر، البغدادي، الكاتب، صاحب التاريخ، كان أديباً راوية، له كتب جياد، و مدح المأمون بمدائح، و جالس المتوكّل، و توفّي في أيّام المعتمد، و كان يهجو كثيراً. و له كتب منها البلدان الكبير، البلدان الصغير، أنساب الأشراف. و كان أحد النقلة من الفارسيّة إلى العربيّة. الفهرست لابن النديم، ص 164؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 6، ص 74، الرقم 310؛ معجم الادباء، ج 2، ص 530، الرقم 205؛ الدرّ الثمين، ص 292؛ الوافي بالوفيات، ج 8، ص 239، الرقم 3676.

8) . في التلخيص: «عبد الرزّاق بن المعمر».

غَداً، و ما نَنفَسُ (1)علىٰ أبي بَكرٍ هذا الأمرَ، لكِنّا أنكَرنا تَركَكُم مُشاوَرَتَنا، و قُلنا: إنّ لنا حَقّاً لا تَجهَلونَه» ثُمّ أتاه(2)فبايَعَه(3).

و هذا الخبرُ يَتضمَّنُ ما جَرَت عليه الحالُ و ما تَقولُه(4)الشيعةُ بعَينِه، و قد أنطَقَ اللّٰهُ تَعالىٰ به رُواتَهم.

و قد رَوَى البَلاذُريُّ‌، عن المَدائنيِّ‌، عن مَسلَمةَ بنِ مُحارِبٍ‌، عن سُلَيمانَ التَّيميِّ‌(5)، عن ابنِ عَونٍ‌(6): أنّ أبا بَكرٍ أرسَلَ‌(7)إلىٰ عليٍّ عليه السلامُ يُريدُه علَى البَيعةِ فلَم يُبايِعْ‌، فجاءَ عُمَرُ و معه قَيسٌ فلَقِيَته فاطمةُ عليها السلامُ علَى البابِ فقالَت: «يابنَ الخَطّابِ‌، أ تُراكَ مُحرِّقاً عَلَيَّ بابي‌؟» قالَ‌: نَعَم، و ذلكَ أقوىٰ فيما جاءَ به أبوكِ‌! و جاءَ عليٌّ عليه السلامُ فبايَعَ‌(8).

و هذا الخبرُ قد رَوَته الشيعةُ مِن طُرُقٍ كَثيرةٍ‌، و إنّما الطريفُ أن تَرويَه شُيوخُ (9)مُحدِّثي العامّةِ ؛ لكِنّهم(10)كانوا يَروونَ ما سَمِعوا بالسلامةِ ، و رُبَّما تَنبَّهوا علىٰ ما في


1) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «ما تنفس».

2) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع: «أتىٰ ».

3) . أنساب الأشراف، ج 1، ص 587؛ الإمامة و السياسة، ج 1، ص 29؛ الاحتجاج، ج 1، ص 74؛ الصراط المستقيم، ج 3، ص 111، مع اختلاف يسير في الألفاظ.

4) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «يقوله».

5) . في التلخيص: «التميمي».

6) . هكذا في «ج، ص» و أكثر المصادر. و في سائر النسخ و المطبوع: «أبي عون».

7) . في التلخيص: + «عمر»، و لم يرد فيه بعده قوله: «فجاء عمر».

8) . أنساب الأشراف، ج 1، ص 586؛ العقد الفريد، ج 5، ص 13؛ المختصر في أخبار البشر، ج 1، ص 219؛ أعلام النساء، ص 787، مع اختلاف يسير.

9) . هكذا في النسخ. و في المطبوع و الحجري: «أن نرويه برواية لشيوخ».

10) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «و لكنّهم».

بعضِ ما يَروونَه عليهم فكَفّوا عنه. و أيُّ اختيارٍ لِمَن يُحرَّقُ عليه بابُه حتّىٰ يُبايِعَ؟

و قد رَوىٰ إبراهيمُ بنُ سَعيدٍ الثقَفيُّ‌ قالَ‌: حَدَّثَنا أحمَدُ بنُ عَمرٍو البَجَليُّ قالَ‌: حَدَّثَنا أحمَدُ بنُ حَبيبٍ العامِريُّ ، عن حُمرانَ بنِ أعيَنَ ، عن أبي عبدِ اللّٰهِ جعفرِ بنِ مُحمّدٍ عليهما السلامُ قالَ : «وَ اللّٰهِ ، ما بايَعَ عليٌّ حتّىٰ رأَى الدُّخانَ قد دَخَلَ عليه بَيتَه»(1)

و في كلام ابن قتيبة في الإمامة و السياسة: «فدعا بالحطب و قال: و الذي نفس عمر بيده، لَتخرجُنّ أو لأَُحرّقنّها علىٰ من فيها، فقيل له: يا أبا حفص، إنّ فيها فاطمة، فقال: و إن!».

و بنفس المضمون في مصادر أُخرى. تاريخ الطبري، ج 3، ص 202؛ الإمامة و السياسة، ج 1، ص 30؛ تاريخ أبي الفداء، ج 1، ص 219؛ تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 126؛ العقد الفريد، ج 5، ص 13؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 2، ص 56، و ج 6، ص 48؛ أعلام النساء، ص 787.

.

و رَوَى المَدائنيُّ‌، عن عبدِ اللّٰهِ بنِ جعفرٍ، عن أبي عبدِ اللّٰهِ عليه السلامُ قالَ‌: «لمّا

ارتَدَّت العَرَبُ مَشىٰ عُثمانُ إلىٰ عليٍّ عليه السلامُ فقالَ : يابنَ عَمِّ ، إنّه لا يَخرُجُ أحَدٌ(2)إلىٰ قِتالِ هذا العَدُوِّ(3)و أنتَ لَم تُبايِعْ . و لَم يَزَل به حتّىٰ مَشىٰ إلىٰ أبي بَكرٍ، فسُرَّ المُسلِمونَ بذلكَ ، و جَدَّ الناسُ في قِتالِهم»(4).

و رَوَى البَلاذُريُّ ، عن المَدائنيِّ ، عن أبي جُزَيٍّ (5)، عن مَعمَرٍ، عن الزُّهْريِّ ، عن


1) . إنّ قصّة هجوم عمر علىٰ دار فاطمة عليها السلام و عزمه على إحراقها بمن فيها لا مجال لنكرانها؛ فقد روتها عامّة المؤرّخين من السنّة، ففي عبارة الطبري: «أتىٰ عمر بن الخطّاب منزل عليّ - و فيه طلحة و الزبير و رجال من المهاجرين - فقال: و اللّٰه لأَُحرّقنّ عليكم أو لتخرجنّ إلى البيعة».

2) . في التلخيص: «واحد».

3) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «إلىٰ قتال هؤلاء».

4) . أنساب الأشراف، ج 1، ص 587؛ المسترشد، ص 383.

5) . هكذا في التلخيص و بحار الأنوار. و في «د» و حاشية الحجري: «أبي حربي». و في سائرالنسخ و المطبوع: «أبي جري». راجع: رجال الطوسي، ص 315، الرقم 4677.

عُروةَ‌، عن عائشةَ قالَت: لَم يُبايِعْ عليٌّ أبا بَكرٍ حتّىٰ ماتَت فاطمةُ بَعدَ سِتّةِ أشهُرٍ، فلمّا ماتَت ضَرَعَ‌(1)إلىٰ صُلحِ أبي بَكرٍ، فأرسَلَ إليه أن يأتيَه، فقالَ له(2)عُمَرُ: لا تأتِه وَحدَكَ‌. قالَ‌: و ماذا يَصنَعونَ‌(3)بي‌؟

فأتاه أبو بَكرٍ، فقالَ له عليه السلامُ‌: «وَ اللّٰهِ‌، ما نَفِسنا عليكَ ما ساقَ اللّٰهُ إليكَ مِن فَضلٍ و خَيرٍ، و لكِنّا كُنّا نَظُنُّ‌(4)أنّ لنا في هذا الأمرِ نَصيباً استُبِدَّ به علينا(5)».

فقالَ أبو بَكرٍ: وَ اللّٰهِ‌، لَقَرابةُ رَسولِ اللّٰهِ أحَبُّ إلَيَّ مِن قَرابتي. فلَم يَزَل عليه السلامُ يَذكُرُ حَقَّه و قَرابتَه حتّىٰ بَكىٰ أبو بَكرٍ، فقالَ‌: ميعادُكَ العَشيّةُ‌.

فلمّا صَلّىٰ أبو بَكرٍ الظُّهرَ خَطَبَ و ذَكَرَ عليّاً و بَيعتَه، فقالَ عليٌّ عليه السلامُ‌: «إنّي لَم يَحبِسْني عن بَيعةِ أبي بَكرٍ أن لا أكونَ عارِفاً بحَقِّه، و لكِنّا كُنّا(6)نَرىٰ أنّ لنا في هذا الأمرِ نَصيباً استُبِدَّ به علينا» ثُمّ بايَعَ أبا بَكرٍ، فقالَ المُسلِمونَ‌: أصَبتَ و أحسَنتَ‌(7).

و مَن تأمَّلَ هذا الخبرَ و ما جَرىٰ مَجراه، عَلِمَ كَيفَ وَقَعَتِ البَيعةُ‌(8)، و ما الداعي إليها! و لَو كانَت الحالُ سَليمةً‌، و النيّاتُ صافيةً ، و التُّهَمَةُ مُرتَفِعةً ، لَما مَنَعَ عُمَرُ أبا بَكرٍ مِن(9)أن يَصيرَ إلىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ وَحدَه.


1) . ضَرَعَ الرجل ضَراعةً ، أي خضع. الصحاح، ج 3، ص 1249 (ضرع).

2) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «له».

3) . في «ب، ج، ص»: «تصنعون».

4) . في التلخيص: «و لكنّا نرىٰ ».

5) . في التلخيص: «في هذا الأمر نصيباً ما، زيادة إلىٰ ما استُبدّ علينا».

6) . في «د»: - «كنّا».

7) . أنساب الأشراف، ج 1، ص 586؛ تاريخ الطبري، ج 3، ص 208-209.

8) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «كيف وقعت الحال في البيعة».

9) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «من».

و رَوىٰ إبراهيمُ الثقَفيُّ ، عن مُحمّدِ بن أبي عُمَرَ(1)، عن أبيه، عن صالحِ بنِ أبي الأسوَدِ، عن عُقبةَ بنِ سِنانٍ ، عن الزُّهْريِّ قالَ : ما بايَعَ عليٌّ عليه السلامُ إلّابَعدَ سِتّةِ أشهُرٍ، و ما اجتُرئَ عليه إلّابَعدَ مَوتِ فاطمةَ عليها السلامُ (2).

و رَوَى الثقَفيُّ‌ قالَ‌: حَدَّثَني مُحمّدُ بنُ عليٍّ‌، عن عاصِمِ بنِ عامِرٍ البَجَليِّ‌، عن نوحِ بنِ دَرّاجٍ‌، عن مُحمّدِ بنِ إسحاقَ‌، عن سُفيانَ بنِ فَروةَ‌، عن أبيهِ قالَ‌: جاءَ بُرَيدةُ‌(3)حتّىٰ رَكَزَ رايتَه(4)في وَسَطِ أسلَمَ‌، ثُمّ قالَ‌: لا أُبايعُ حتّىٰ يُبايِعَ عليٌّ‌. فقالَ عليٌّ : «يا بُرَيدةُ ، ادخُلْ فيما دَخَلَ فيه الناسُ (5)فإنّ اجتماعَهم(6)أحَبُّ إلَيَّ مِن اختلافِهم اليَومَ »(7).

و رَوىٰ إبراهيمُ‌ قالَ : حَدَّثَني مُحمّدُ بنُ أبي عُمَرَ(8)قالَ : حَدَّثَنا مُحمّدُ بنُ إسحاقَ ،


1) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «أبي عمير».

2) . أنساب الأشراف، ج 1، ص 586؛ تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 126؛ الردّة، ص 47؛ الكامل لابن الأثير، ج 2، ص 325.

3) . بريدة بن الحصيب بن عبد اللّٰه بن الحارث الأسلمي، يكنّىٰ أبا عبد اللّٰه، أسلم قبل بدر و لم يشهدها و شهد الحديبية، فكان ممّن بايع بيعة الرضوان تحت الشجرة، و كان من ساكني المدينة، ثمّ تحوّل إلىٰ البصرة، ثمّ خرج منها إلىٰ خراسان غازياً، فمات بمرو في إمرة يزيد بن معاوية. الطبقات الكبرىٰ ، ج 4، ص 182، الرقم 435؛ تاريخ الصحابة، ص 43-44، الرقم 108؛ الاستيعاب، ج 1، ص 185، الرقم 217؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 71، ص 376، الرقم 9754؛ أُسد الغابة، ج 1، ص 209، الرقم 398.

4) . في «د»: «دابّته».

5) . في «د»: «دخل الناس فيه».

6) . في «ج، ص»: «إجماعهم».

7) . غاية المرام، ج 5، ص 332؛ الدرجات الرفيعة، ج 1، ص 403؛ بحار الأنوار، ج 28، ص 392.

8) . هكذا في «ب، د، ف» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «أبي عمير».

عن موسَى بنِ عبدِ اللّٰهِ بنِ الحَسَنِ : أنّ عليّاً عليه السلامُ قالَ لهُم: «بايِعوا؛ فإنّ هؤلاءِ خَيَّروني أن يأخُذوا ما لَيسَ لهُم، أو أُقاتِلَهم و أُفرِّقَ أمرَ(1)المُسلِمينَ »(2).

و رَوىٰ إبراهيمُ‌، عن يَحيَى بنِ الحَسَنِ بنِ الفُراتِ‌، عن قُلَيبِ بنِ حَمّادٍ(3)، عن موسَى بنِ عبدِ اللّٰهِ بنِ الحَسَنِ قالَ‌: أبَت أسلَمُ أن تُبايِعَ‌، و قالوا(4): ما كُنّا نُبايِعُ حتّىٰ يُبايِعَ بُرَيدةُ‌؛ لقَولِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه لبُرَيدةَ‌: «عليٌّ وَليُّكم مِن

بَعدي»(5)، فقالَ عليٌّ عليه السلامُ‌: «يا هؤلاءِ‌، إنّ هؤلاءِ خَيَّروني أن يَظلِموني حَقّي و أُبايِعَهم، و ارتَدَّ الناسُ (6)حتّىٰ بَلَغَت الرِّدّةُ أُحُداً؛ فاختَرتُ أن أُظلَمَ حَقّي و إن


1) . في «د»: «بين».

2) . الصراط المستقيم، ج 3، ص 111؛ غاية المرام، ج 5، ص 333؛ بحار الأنوار، ج 28، ص 392.

3) . في «ج» و المطبوع و الحجري: «عن ميسر بن حمّاد».

4) . في «د»: «أتت أسلم أن يبايع، فقالوا».

5) . حديث بريدة رواه جماعة من أرباب السنن، فيهم أحمد في مسنده بسنده عن بريدة، قال: بعث رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلّم بعثتين إلى اليمن؛ علىٰ أحدهما عليّ بن أبي طالب، و على الآخر خالد بن الوليد، فقال: «إذا التقيتما فعليّ على الناس، و إن افترقتما فكلّ واحد منكما علىٰ جنده»، قال: فلقينا بني زيد من أهل اليمن فاقتتلنا، فظهر المسلمون على المشركين، فقتلنا المُقاتِلة و سبينا الذرّيّة، فاصطفىٰ عليّ امرأة من السبي لنفسه، قال بريدة: فكتب معي خالد بن الوليد إلىٰ رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلّم يخبره بذلك، فلمّا أتيت النبيّ صلّى اللّٰه عليه و سلّم دفعت الكتاب فقرئ عليه، فرأيت الغضب في وجه رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلّم، فقلت: يا رسول اللّٰه، هذا مقام العائذ، بعثتني مع رجل و أمرتني أن أُطيعه، ففعلت ما أرسلت به - و رواه النسائي في خصائصه: بعثتني مع رجل و أمرتني أن أطيعه، ففعلت ما أرسلت به - فقال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلّم: «لا تقع في عليّ ؛ فإنّه منّي و أنا منه، و هو وليّكم بعدي». مسند أحمد، ج 5، ص 356، ح 23062؛ سنن النسائي الكبرىٰ ، ج 5، ص 133، ح 8475؛ خصائص أمير المؤمنين عليّ ، ص 80، ح 90؛ كنز العمّال، ج 11، ص 608، ح 32942؛ مجمع الزوائد، ج 9، ص 172، ح 14732.

6) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «أو ارتدّت الناس».

فَعَلوا ما فَعَلوا»(1).

و رَوىٰ إبراهيمُ‌، عن يَحيَى بنِ الحَسَنِ‌، عن عاصِمِ بنِ عامِرٍ، عن نوحِ بنِ دَرّاجٍ‌، عن داودَ بنِ يَزيدَ(2)الأَوْديِّ‌، عن أبيه، عن عَديِّ بنِ حاتِمٍ‌(3)قالَ‌: ما رَحِمتُ أحَداً رَحمتي عليّاً حينَ أُتيَ به مُلَبَّباً(4)، فقيلَ له: بايِعْ‌، قالَ : «فإن لَم أَفعَلْ؟» قالوا: إذَن نَقتُلُكَ ، قالَ : «إذَن تقتُلونَ عبدَ اللّٰهِ و أخا رسولِه» ثُمّ بايَعَ كَذا، و ضَمَّ يَدَه اليُمنىٰ (5).

و رَوىٰ إبراهيمُ‌، عن(6)عُثمانَ بنِ أبي شَيبةَ‌، عن خالدِ بنِ مَخلَدٍ البَجَليِّ‌، عن داودَ بنِ يَزيدَ(7)الأَوْديِّ‌، عن أبيه، عن عَديِّ بنِ حاتِمٍ قالَ‌: إنّي لَجالِسٌ‌(8)عند أبي بَكرٍ إذ جيءَ بعَليٍّ عليه السلامُ‌، فقالَ له أبو بَكرٍ: بايِعْ ، فقالَ له عليٌّ عليه السلامُ : «فإن لَم


1) . غاية المرام، ج 5، ص 333؛ بحار الأنوار، ج 28، ص 392.

2) . في «ب، ج، ف»: «بريد». و في «ص»: «بريدة».

3) . عديّ بن حاتم بن عبد اللّٰه الطائي، يكنّىٰ أبا طَريف، قدم عديّ على النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله في شعبان من سنة سبع. نزل الكوفة و ابتنىٰ بها داراً في طَيْ ء، و لم يزل مع عليّ بن أبي طالب عليه السلام، و شهد معه الجمل و صفّين، و ذهبت عينه يوم الجمل، و مات بالكوفة زمن المختار سنة ثمان و ستّين. الطبقات الكبرىٰ ، ج 6، ص 99، الرقم 1851؛ معجم الصحابة، ج 12، ص 4127، الرقم 824؛ معرفة الصحابة، ج 4، ص 35، الرقم 2283؛ الاستيعاب، ج 3، ص 1057، الرقم 1781؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 40، ص 66، الرقم 4659؛ أُسد الغابة، ج 3، ص 505، الرقم 3604.

4) . يقال: لَبَّبَهُ و أخذ بتَلبيبه و تلابيبه: إذا جمعتَ ثيابَه عند نَحره و صَدره ثمّ جَرَرْته. و كذلك إذاجعلتَ في عنقه حبلاً أو ثوباً و أمسكته به. لسان العرب، ج 1، ص 734 (لبب).

5) . الإمامة و السياسة، ج 1، ص 30-31؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 2، ص 60؛ المسترشد، ص 380؛ الاحتجاج، ج 1، ص 83، مع اختلاف.

6) . هكذا في «ج، د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «بن» بدل «عن».

7) . في «ب، ف»: «بريد».

8) . في التلخيص: «جالس».

أَفعَلْ؟(1)» فقالَ : أضرِبُ الذي فيه عَيناكَ . فرَفَعَ رأسَه إلَى السماءِ ، ثُمّ قالَ : «اللّهُمَّ اشهَدْ». ثُمّ مَدَّ يَدَه، فبايَعَه(2)،(3).

و قد رُويَ‌ هذا المعنىٰ مِن طُرُقٍ‌(4)مُختَلِفةٍ‌، و بألفاظٍ مُتَقارِبةِ المعنىٰ و إنِ اختَلَفَت ألفاظُها(5)، و أنّه عليه السلامُ كانَ يَقولُ في ذلكَ اليَومِ لمّا أُكرِهَ علَى البَيعةِ و حُذِّرَ مِن التقاعُدِ عنها: (قٰالَ ابْنَ أُمَّ‌(6)إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كٰادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلاٰ تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدٰاءَ وَ لاٰ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظّٰالِمِينَ )(7)و يُردِّدُ ذلكَ و يُكرِّرُه.

و ذِكرُ أكثَرِ ما رُويَ في هذا المعنىٰ يَطولُ ، فَضلاً عن ذِكرِ جميعِه. و فيما أشَرنا إليه كِفايةٌ و دَلالةٌ علىٰ أنّ البَيعةَ لَم تَكُن عن رِضاً و اختيارٍ.

بيان أنّ مضمون إكراه أمير المؤمنين عليه السلام على البيعة متواتر و ليس من أخبار الآحاد

فإن قيلَ : كُلُّ ما رَوَيتموه في هذا المعنىٰ أخبارُ آحادٍ، لا توجِبُ (8)عِلماً.

قُلنا: كُلُّ خبرٍ ممّا ذَكرناه، و إن كانَ وارداً(9)مِن طَريقِ الآحادِ، فإنّ معناه الذي تَضمَّنَه مُتَواتِرٌ(10)، و المُعوَّلُ علَى المعنىٰ دونَ اللفظِ. و مَن استَقرأَ(11)الأخبارَ وَجَدَ


1) . في «د»: «فإن أنا لم أفعل». و في التلخيص: «فإن أنا لا أُبايع».

2) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «فبايعه».

3) . طرف من الأنباء و المناقب، ص 466 و 556.

4) . في «د»: + «كثيرة».

5) . في «د» و التلخيص: «و إن اختلف لفظها».

6) . هكذا في التلخيص، و هو مطابق للقرآن الكريم. و في النسخ و المطبوع: «يا بن أُمّ » بدل (قٰالَ ابْنَ أُمَّ ).

7) . الأعراف (7):150.

8) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «لا يوجب».

9) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: - «وارداً».

10) . في التلخيص: «متواتر به».

11) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «استقرى».

معنىٰ إكراهِه عليه السلامُ علَى البَيعةِ ، و أنّه(1)دَخَلَ فيها مُستَدفِعاً للشرِّ، و خَوفاً مِن نُفورِ الناسِ و(2)تَفرُّقِ الكلمةِ ؛ و قد وَرَدَت به(3)أخبارٌ كَثيرةٌ مِن طُرُقٍ مُختَلِفةٍ تَخرُجُ عن حَدِّ الآحادِ إلَى التواتُرِ.

و بَعدُ، فأدوَنُ‌(4)مَنزِلةِ هذه الأخبارِ - إذا كانَت آحاداً - أن تَقتَضيَ الظنَّ و تَمنَعَ مِن القَطعِ علىٰ أنّه لَم يَكُن هُناكَ خَوفٌ و لا إكراهٌ ؛ و إذا كُنّا لا نَعلَمُ أنّ البَيعةَ وَقَعَت عن رِضاً و اختيارٍ مع التجويزِ لِأن يَكونَ هُناكَ أسبابُ إكراهٍ ، فأَولىٰ أن لا نَقطَعَ (5)علَى الرضا و الاختيارِ مع الظنِّ لأسبابِ الإكراهِ و الخَوفِ (6).

بيان أنّ بيعة أمير المؤمنين عليه السلام كانت عن تقيّة أو خوف من فساد أعظم

فإن قيلَ : التقيّةُ لا تَكونُ إلّاعن خَوفٍ شَديدٍ، و لا بُدَّ(7)له مِن أسبابٍ و أماراتٍ تَظهَرُ، فمتىٰ لَم تَظهَرْ(8)أسبابُه لَم يَسُغْ تجويزُه، و إذا(9)كانَ غيرَ جائزٍ فلا تَقيّةَ .

قُلنا: و أيُّ (10)أسبابٍ و أماراتٍ هي أظهَرُ ممّا ذَكرناه و رَوَيناه(11)؟ هذا إن أرَدتم


1) . هكذا في «ج، د، ص» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «فإنّه».

2) . في «د» و التلخيص: - «نفور الناس و».

3) . في «د»: «فيه».

4) . في التلخيص: «فما دون» بدل «فأدون».

5) . في «ب، ص»: «لا يقطع».

6) . في المطبوع هنا زيادة سطرين، و هي تكرار للعبارة مع تقديم و تأخير، و ليست في أيّ نسخة، و الظاهر أنّها خطأ مطبعي.

7) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «فلا بدّ».

8) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع: «فمتى تظهر»، و هو سهو.

9) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع: «فإذا».

10) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع: «فأيّ ».

11) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «ممّا ذكرنا و روينا».

بالظهورِ النقلَ و الروايةَ‌. و إن أرَدتم بالظهورِ(1)أن يَنقُلَه جميعُ الناسِ‌(2)و يَعلَموه و لا يَرتابوا به، فذلكَ اقتراحٌ منكم لا تَرجِعونَ فيه إلىٰ حُجّةٍ‌.

و لنا أن نَقولَ لكم: مِن أينَ أوجَبتم ذلكَ؟ و ما المانعُ مِن أن يَنقُلَ أسبابَ التقيّةِ قومٌ‌، و يُعرِضَ عن نَقلِها آخَرونَ لأغراضٍ لهُم، و صَوارِفَ تَصرِفُهم عن النقلِ؟ و لا خَفاءَ‌(3)بما(4)في هذه الدعوىٰ و أمثالِها.

علىٰ أنّ الأمرَ في ظهورِ أسبابِ التقيّةِ أوضَحُ مِن أن يُحتاجَ فيه(5)إلىٰ روايةِ خبرٍ و نَقلِ لفظٍ مخصوصٍ‌؛ لأنّكم تَعلَمونَ أنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ تأخَّرَ عن البَيعةِ تأخُّراً عُلِمَ و ارتَفَعَ الخِلافُ فيه، ثُمّ بايَعَ بَعدَ زمانٍ مُتَراخٍ‌(6)، و إنِ اختُلِفَ في مُدّتِه. و لَم تَكُن(7)بَيعتُه و إمساكُه عن النكيرِ الذي كانَ وَقَعَ منه إلّابَعدَ أن استَقَرَّ الأمرُ لِمَن عُقِدَ له، و بايَعَه الأنصارُ و المُهاجِرونَ‌، و أجمَعَ عليه في الظاهرِ المُسلِمونَ‌، و شاعَ بَينَهم أنّ بَيعتَه قد(8)انعَقَدَت بالإجماعِ و الاتّفاقِ‌، و أنّ مَن خالَفَ عليه كانَ شاقّاً لعَصا المُسلِمينَ‌، مُبدِعاً(9)في الدينِ‌، رادّاً علَى اللّٰهِ و علىٰ (10)رسولِه، و بهذا(11)بعَينِه احتَجّوا علىٰ مَن قَعَدَ عن البَيعةِ و تأخَّرَ عنها؛ فأيُّ سببٍ للخَوفِ أظهَرُ ممّا ذَكرناه ؟

و كَيفَ يُرادُ سببٌ له و لا شَيءَ يُذكَرُ في هذا البابِ إلّاو هو أضعَفُ ممّا أشَرنا


1) . هكذا في النسخ و المطبوع. و سقط من المطبوع قوله: «النقل و الرواية. و إن أردتم بالظهور».

2) . في التلخيص: «جميع الأُمّة».

3) . في التلخيص: «و الإخفاء» بدل «و لا خفاء».

4) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع: + «هو».

5) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «فيه».

6) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: + «من البيعة».

7) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و لم يكن».

8) . في «د» و التلخيص: - «قد».

9) . في «ج، ص»: «مبتدعاً».

10) . في «د»: - «علىٰ ».

11) . في «د»: «و بهذه».

إليه‌؟ و كَيفَ يُمكِنُ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ المُقامُ علىٰ خِلافِ‌(1)مَن بايَعَه جميعُ المُسلِمينَ‌، و أظهَروا الرضا به و السكونَ إليه، و أنّ مُخالِفَه مُبدِعٌ خارجٌ عن المِلّةِ؟

و إنّما يَصِحُّ أن يُقالَ‌: «إنّ الخَوفَ لا بُدَّ له مِن أسبابٍ‌(2)تَظهَرُ، و إنّ نَفيَه واجبٌ عند ارتفاعِ أسبابِه» لَو كانَ أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ بايَعَ في ابتداءِ الأمرِ(3)مُبتَدئاً بالبَيعةِ‌، طالِباً لها، راغِباً فيها، مِن غيرِ تَقاعُدٍ، و مِن غيرِ أن تأخُذَه الألسُنُ باللَّومِ و العَذْلِ‌(4)فيَقولَ واحدٌ: «حَسَدتَ الرجُلَ‌»، و يَقولَ آخَرُ(5): «أرَدتَ الفُرقةَ و وقوعَ الاختلافِ بَينَ المُسلِمينَ‌»، و يَقولَ آخَرونَ‌(6): «متىٰ أقَمتَ علىٰ هذا، لَم يُقاتِلْ أحَدٌ(7)أهلَ الرِّدّةِ‌، و طَمِعَ‌(8)المُرتَدّونَ في المُسلِمينَ‌»، و مِن غيرِ أن يَتلوَّمَ و(9)يَتربَّصَ حتّىٰ‌

يَجتَمِعَ المُفتَرِقونَ‌(10)و يَدخُلَ الخارجونَ‌، و لا يَبقىٰ إلّاراضٍ أو مُتَظاهِرٌ بالرضا.

فأمّا و الأمرُ جرىٰ علىٰ خِلافِ ذلكَ‌، فالظاهرُ الذي لا إشكالَ فيه أنّه عليه السلامُ بايَعَ مُستَدفِعاً للشرِّ و فارّاً مِن الفِتنةِ ، و بَعدَ أن لَم يَبقَ عندَه بَقيّةٌ (11)و لا عُذرٌ في المُحاجَزةِ و المُدافَعةِ .


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «الخلاف علىٰ » بدل «المقام علىٰ خلاف».

2) . في التلخيص: «من أمارةٍ و أسباب».

3) . في التلخيص: «في الابتداء من الأمر».

4) . العَذْل: الملامة. الصحاح، ج 5، ص 1762 (عذل).

5) . هكذا في «ب، د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «الآخر» بدل «آخر».

6) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «آخر» بدل «آخرون».

7) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: + «من».

8) . في التلخيص: «و يطمع».

9) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «أو».

10) . في «ب، ص، ف» و حاشية «ج»: «المعترفون».

11) . في «د»: «تقيّة».

هذا(1)إذا عَوَّلنا في إمساكِه عن النكيرِ علَى الخَوفِ المُقتَضي للتقيّةِ‌.

و قد يَجوزُ أن يَكونَ سببُ إمساكِه عن النكيرِ غيرَ الخَوفِ‌، إمّا مُنفَرِداً و إمّا مضموماً إليه(2)و ذلكَ أنّه لا خِلافَ بَينَنا و بَينَ مَن خالَفَنا في هذه المسألةِ أنّ المُنكَرَ إنّما يَجِبُ إنكارُه بشُروطٍ، منها: أن لا يَغلِبَ علَى الظنِّ‌(3)أنّه يؤَدّي إلىٰ مُنكَرٍ(4)أعظَمَ منه، و أنّه متىٰ غَلَبَ في الظنِّ ما ذَكرناه لَم يَجُزْ إنكارُه. و لَعلَّ هذه كانَت حالَ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ في تَركِ النكيرِ، و الشيعةُ لا تَقتَصِرُ في هذا البابِ علَى التجويزِ، بَل تَروي رِواياتٍ كَثيرةً‌(5)أنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه عَهِدَ إلىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ بذلكَ‌، و أنذَرَه بأنّ القومَ (6)يَدفَعونَه عن الأمرِ و يَغلِبونَه عليه، و أنّه متىٰ نازَعَهم فيه أدّىٰ ذلكَ إلَى الرِّدّةِ و رُجوعِ الحَربِ جَذَعةً (7)، و أمَرَه بالإغضاءِ و الإمساكِ إلىٰ أن يَتمكَّنَ مِن القيامِ بالأمرِ(8)، و التجويزُ في هذا البابِ لِما ذَكرناه كافٍ .

فإن قيلَ (9): هذا يؤَدّي إلىٰ أن يَجوزَ في كُلِّ مَن تَرَكَ إنكارَ مُنكَرٍ هذا الوجهُ بعَينِه،


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و هذا».

2) . في «د»: «إمّا متفرّداً أو مضموماً إليه».

3) . هكذا في «د». و في التلخيص: «في الظنّ ». و في سائر النسخ و المطبوع: «علىٰ ظنّه».

4) . في التلخيص: + «هو».

5) . راجع: الإفصاح في الإمامة، ص 48 و ما بعدها؛ تقريب المعارف، ص 222-223؛ طرف من الأنباء و المناقب، ص 555؛ الصراط المستقيم، ج 3، ص 114.

6) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و أخبره أنّ القوم».

7) . قال الفراهيدي: إذا طفئت الحرب من القوم يقال: إن شئتم أعدناها جَذَعَةً ، أي أوّل ما يُبتدأ بها. كتاب العين، ج 1، ص 221 (جذع).

8) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «بالأُمور».

9) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع: «و إن قيل».

فلا نَذُمَّه(1)علىٰ تَركِ نَكيرِه، و لا نَقطَعَ علىٰ رِضاه به.

قُلنا: لا شَكَّ في أنّ مَن رأَيناه كافّاً عن نَكيرِ مُنكَرٍ - و نَحنُ نُجوِّزُ أن يَكونَ إنّما كَفَّ عن نَكيرِه لظَنِّه أنّه(2)يَعقُبُ ما هو أعظَمُ منه - فإنّا لا نَذُمُّه، و لا نَرميهِ أيضاً بالرضا به؛ و إنّما نَفعَلُ (3)ذلكَ عندَ عِلمِنا بارتفاعِ سائرِ الأعذارِ، و حصولِ شَرائطِ جميعِ إنكارِ المُنكَرِ(4). و ما نَعلَمُ بَينَنا و بَينَهم(5)خِلافاً في هذا الذي ذَكرناه علَى الجُملةِ ، و إنّما يَقَعُ التناسي للأُصولِ إذا بَلَغَ الكلامُ إلَى الإمامةِ .

و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ : إنّ غَلبةَ الظنِّ بأنّ إنكارَ بعضِ المُنكَرِ(6)يؤَدّي إلىٰ ما هو أعظَمُ منه، لا بُدَّ فيه مِن أماراتٍ تَظهَرُ و تُنقَلُ ، و في فَقدِ عِلمِنا بذلكَ دَلالةٌ علىٰ أنّه لَم يَكُن؛

و ذلكَ‌ أنّ الأماراتِ إنّما يَجِبُ أن تَكونَ ظاهرةً لِمَن شاهَدَ الحالَ و غَلَبَ في ظَنِّه ما ذَكرناه، دونَ مَن لَم يَكُن هذه حالَه، و نَحنُ خارجونَ عن ذلكَ‌. و الأماراتُ الظاهرةُ في تلكَ الحالِ‌، لِمَن غَلَبَ في ظَنِّه ما يَقتَضيهِ‌، لَيسَت ممّا يُنقَلُ و يُروىٰ ، و إنّما يُعرَفُ بشاهدِ(7)الحالِ ، و رُبَّما ظَهَرَت أيضاً لبَعضِ الحاضرينَ دونَ بعضٍ .

علىٰ أنّ هذا الكلامَ إنّما نَتكلَّفُه متىٰ لَم نَبنِ (8)كلامَنا علىٰ صِحّةِ النصِّ علىٰ أميرِ


1) . في «د»: «فلا يذمّه».

2) . هكذا في «ب، د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «أن» بدل «أنّه».

3) . في «د، ف»: «يفعل».

4) . كذا في النسخ و المطبوع و التلخيص، و لعلّ الصحيح: «و حصول جميع شرائط إنكار المنكر».

5) . في «د»: «بينكم».

6) . هكذا في «د». و في التلخيص: «بإنكار المنكر». و في سائر النسخ و المطبوع: «بأنّ إنكاره بعض المنكر».

7) . في التلخيص: «من شاهد».

8) . في «د»: «لم نبيّن». و في «ص»: «لم يبيّن».

المؤمنينَ عليه السلامُ‌. و متىٰ بَنَينا(1)الكلامَ في أسبابِ تَركِ النكيرِ علىٰ ما قَدَّمناه مِن صِحّةِ النصِّ‌، ظَهَرَ الأمرُ ظهوراً يَرفَعُ‌(2)الشُّبهةَ‌؛ لأنّه إذا كانَ هو عليه السلامُ المنصوصَ عليه بالإمامةِ‌، و المُشارَ إليه مِن(3)بَينِهم بالخِلافةِ‌، ثُمّ رآهم بَعدَ وفاةِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(4)تَنازَعوا الأمرَ بَينَهم تَنازُعَ مَن لَم يَسمَعوا فيه نَصّاً و لا أَعطَوا فيه عَهداً، ثُمّ صاروا إلىٰ إحدَى الجِهتَينِ بطَريقةِ الاختيارِ، و صَمَّموا علىٰ أنّ ذلكَ هو الواجبُ الذي لا مَعدِلَ عنه و لا حَقَّ سِواه، عَلِمَ عليه السلامُ أنّ ذلكَ مؤيِسٌ مِن نُزوعِهم و رُجوعِهم، و مُخيفٌ مِن ناحيتِهم، و أنّهم إذا استَجازوا اطِّراحَ عَهدِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و إيقاعَ الشُّبهةِ فيه، فهُم بأن يَطَّرِحوا إنكارَ(5)غيرِه و يُعرِضوا عن وَعظِه و تذكيرِه أَولىٰ و أَحرىٰ‌. و لا شُبهةَ علىٰ عاقلٍ في أنّ النصَّ إن كانَ حَقّاً علىٰ ما نَقولُه و دُفِعَ ذلكَ الدفعَ‌، فإنّ‌(6)النكيرَ هُناكَ لا يَنجَعُ و لا يَنفَعُ‌، و إنّه مؤَدٍّ إلىٰ غايةِ مكروهِ فاعِليهِ‌(7).

و ممّا يُعارَضونَ‌(8)به فيما يُدَّعىٰ‌(9)مِن الإجماعِ علىٰ إمامةِ أبي بَكرٍ: الإجماعُ علىٰ إمامةِ مُعاويةَ ؛ فإنّ الناسَ بعدَ تسليمِ الحَسَنِ عليه السلامُ الأمرَ له، كانوا بأَسْرِهم(10)


1) . في «د، ص»: «بيّنّا».

2) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «يدفع».

3) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع: - «من».

4) . في «ج، ص، ف»: «عليه السلام» في الموضعين.

5) . في «د»: «إنذار».

6) . في «ب»: «بأنّ ».

7) . في «د»: «فاعله».

8) . في «د»: «يعارَض». و في «ج»: «يدافَعون».

9) . في «ب»: «و ما يدافَعون». و في «د»: «ما يدّعىٰ ».

10) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «فإنّ الحسن بعد تسليم الأمر إليه كان و الناس بأسرهم».

مُظهِرينَ للرضا بإمامتِه و تنفيذِ أحكامِه، و كافّينَ عن(1)النكيرِ عليه، حتّىٰ سُمّيَ ذلكَ العامُ «عامَ الجَماعةِ‌». و كُلُّ ما يُدَّعىٰ هاهُنا مِن إنكارِ باطنٍ و خَوفٍ و تَقيّةٍ‌، يُمكِنُ أن يُدَّعىٰ بعَينِه فيما تَقدَّمَ‌.

و ممّا يُعارَضونَ به أيضاً(2): الإجماعُ علىٰ قَتلِ عُثمانَ و خَلعِه؛ فإنّ الناسَ كانوا

بَينَ قاتلٍ‌، أو خاذلٍ‌، أو كافٍّ (3)عن النكيرِ؛ و هذه أماراتُ الرضا(4)عندهم.

و نَحنُ نَستَقصي الجوابَ عمّا يَرِدُ علىٰ هاتَينِ المُعارَضتَينِ - عندَ ما نَحكيهِ مِن كلامِ صاحب الكتابِ - مُستَقبَلاً(5)،(6).

و هذه الجُملةُ التي أورَدناها تأتي علىٰ ما حَكَيناه مِن كلامِه في هذا الفَصلِ متىٰ تُؤُمِّلَت؛ لكِنّا لا نَدَعُ الإشارةَ إلىٰ ما ذَكَرَه علىٰ طَريقِ (7)التفصيلِ و التنبيهِ عليه.

إبطال ما ذكره القاضي من أسباب تأخّر أمير المؤمنين عليه السلام عن البيعة

أمّا قولُه: «إنّا لا نُنكِرُ أنّه عليه السلامُ تأخَّرَ و تَباطأَ عن البَيعةِ‌، و أنّ قوماً قالوا: أربَعينَ يوماً، و آخَرينَ قالوا: سِتّةَ أشهُرٍ» و قولُه: «إنّه تأخَّرَ لاستيحاشِه مِن استبدادِهم بالأمرِ دونَ مُشاوَرتِه و مُطالَعتِه، أو لاشتغالِه(8)بتجهيزِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(9)، ثُمّ‌(10)بأمرِ فاطمةَ عليها السلامُ (11)».


1) . هكذا في النسخ. و في المطبوع و الحجري: «من».

2) . في «د»: «أيضاً به».

3) . في «د»: «و خاذل و كافّ ». و في «ب»: «و خاذل أو كافّ ».

4) . في المطبوع و الحجري: «للرضا».

5) . في «د»: + «بعون اللّٰه».

6) . يأتي في ص 207-215.

7) . في «د»: «علىٰ سبيل».

8) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «أو اشتغاله».

9) . في «ج، ص، ف»: «عليه السلام».

10) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «أو» بدل «ثمّ ».

11) . في «ب، ف»: «صلوات اللّٰه عليها».

فتعليلٌ منه بالباطلِ‌(1)لأنّ مُشاوَرتَه عليه السلامُ عندَ مُخالِفينا(2)لا تَجِبُ‌(3)عليهم، و عَقدَ الإمامةِ يَتِمُّ بمَن عَقَدَها، و لا يَفتَقِرُ في صِحّتِه و تَمامِه إلىٰ حضورِه عليه السلامُ‌(4). و ما يَدَّعونه مِن خَوفِ الفِتنةِ‌، فهو عليه السلامُ كانَ‌(5)أعلَمَ به و أخوَفَ له؛ فكَيفَ يَتأخَّرُ عليه السلامُ‌(6)عمّا يَجِبُ عليه مِن أجلِ أنّهم لَم يَفعَلوا ما لا يَجِبُ عليهم‌؟ و كَيفَ يَستَوحِشُ ممّن عَدَلَ‌(7)عن مُشاوَرتِه، و هي عندَهم غيرُ واجبةٍ في حالِ السِّلمِ‌(8)و الأمنِ‌، و إنّما عَدَلَ تَحرُّزاً(9)مِن الفِتنةِ و الفُرقةِ‌(10)؟ و هَل هذا منهم إلّاسوءُ ثَناءٍ‌(11)علىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ‌، و نِسبةٌ له(12)إلىٰ ما يَتنزَّهُ (13)قَدرُه و دينُه عنه ؟

فأمّا الاشتغالُ بالنبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه فإنّه كانَ ساعةً مِن نَهارٍ، و التأخُّرُ كانَ


1) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «باطلٌ ».

2) . في «ج، ص»: «من خالفنا».

3) . في الحجري: «لا يجب».

4) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «عليه السلام».

5) . في «د»: - «كان».

6) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «عليه السلام».

7) . في التلخيص: «من عدل».

8) . في «ج، ص» و التلخيص: «السلامة».

9) . في «ب»: «تحرّياً».

10) . في «ج»: «التفرقة».

11) . في «ب، د»: «إلّا شُوَيناً». و شانَه شَيْناً: ضدّ زانَه، أي عابه. تاج العروس، ج 18، ص 331 (شين). و في «ج، ف»: «إلّا هوشاء». و الهَوْشَة: الفتنة و الاضطراب و الهَيْج. الصحاح، ج 3، ص 1028 (هوش). و ما في المتن مطابق للتلخيص و «ص» و المطبوع و الحجري.

12) . في المطبوع و الحجري: «و نسبته». و في التلخيص: «و نسبته له».

13) . في التلخيص: «ما ينزَّه».

شُهوراً(1)، و المُعلِّلُ‌(2)قالَ‌: «أيّاماً». و تلكَ الساعةُ أيضاً كانَ يُمكِنُ‌(3)فيها إظهارُ الرضا و المُراسَلةُ به بَدَلاً مِن إظهارِ السخطِ و الخِلافِ .

و أمّا(4)فاطمةُ عليها السلامُ فإنّها تُوفّيَت بَعدَ أشهُرٍ، فكَيفَ يُشتَغَلُ بوَفاتِها(5)عن البَيعةِ في المُدّةِ المُتقدِّمةِ مع تَراخيها؟ و عندَهم أيضاً أنّه تأخَّرَ عن البَيعةِ أيّاماً يَسيرةً ،

و مُكثِرُهم(6)يَقولُ : «أربَعينَ يَوماً»؛ فكَيفَ يَشغَلُ (7)ما يَكونُ بَعدَ أشهُرٍ عمّا كانَ قَبلَها؟

فأمّا ضَربُه المَثَلَ بالمَرأةِ‌ التي لها إخوةٌ‌، و استيحاشِ كَبيرِهم مِن أن يَعقِدَ عليها صَغيرُهم: فأوّلُ ما فيه أنّ الكبيرَ متىٰ كانَ دَيِّناً خائفاً مِن اللّٰهِ تعالى، فإنّ‌(8)استيحاشَه و ثِقَلَ ما جَرىٰ علىٰ طَبعِه لا يَجوزُ أن يَبلُغَ به إلىٰ إظهارِ الكَراهةِ للعَقدِ و الخِلافِ فيه، و إيهامِ أنّه غيرُ مُمضىً‌(9)و لا صَوابٍ‌. و كُلُّ هذا جَرىٰ مِن أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ‌، فكَيفَ يُضيفُ - مَن يَعرِفُ خُشونةَ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ في الدينِ و غَضَبَه له - إليه كَراهةَ الواجبِ (10)، و الاستيحاشَ مِن الحَقِّ ، و الغَضَبَ ممّا يورَدُ إليه تَحرُّزاً مِن الفِتنةِ و تَلافياً للفُرقةِ؟


1) . في «ب، د»: «مشهوراً».

2) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و المقلّل».

3) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «كان يمكن أيضاً».

4) . في «ج»: «فأمّا».

5) . في «د»: «تَشغل وفاتُها».

6) . في المطبوع: «و أكثرهم».

7) . في «ب، ج، ص»: «يشتغل».

8) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «كان» بدل «فإنّ ».

9) . في «د»: «غير ممضٍ ».

10) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع و التلخيص: «فكيف يضاف إليه مع المعلوم من خشونة أمير المؤمنين عليه السلام في الدين و غضبه له كراهية للواجب»، إلّاأنّ في التلخيص: «إلّا كراهية للواجب» بدل «كراهية للواجب».

و مِن أدَلِّ دليلٍ علىٰ أنّ كَفَّه عليه السلامُ عن النكيرِ و إظهارَ الرضا لَم يَكُنِ اختياراً و إيثاراً، بَل كانَ لبَعضِ ما ذَكرناه: أنّه(1)لا وجهَ لمُبايَعتِه بَعدَ الإباءِ إلّاما ذَكرناه بعَينِه؛ فإنّ إباءَه المُتقدِّمَ لا يَخلو مِن وجوهٍ‌: إمّا أن يَكونَ لِما(2)ادَّعاه صاحبُ الكتابِ‌، مِن اشتغالِه بالنبيِّ و ابنَتِه عليهما السلامُ‌، أو استيحاشاً(3)مِن تَركِ مُشاوَرتِه، و قد أبطَلنا ذلكَ بما لا زيادةَ عليه. أو لأنّه كانَ ناظِراً في الأمرِ و مُرتابًا(4)في صِحّةِ العَقدِ؛ إمّا بأن يَكونَ‌(5)ناظِراً في صَلاحِ المعقودِ له الإمامةُ‌، أو في تَكامُلِ شَرطِ(6)عَقدِ إمامتِه و وقوعِه علىٰ وجهِ الصحّةِ‌. و كُلُّ ذلكَ لا يَجوزُ أن يَكونَ خافياً(7)علىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ و لا مُلتَبِساً، بَل كانَ به أعلَمَ و إليه أسبَقَ .

و لَو جازَ أن يَخفىٰ علىٰ مِثلِه وقتاً و وقتَينِ ، لَما جازَ أن تَستَمِرَّ(8)الأوقاتُ و تَتَراخَى المُدَدُ في خَفائه(9).

و كَيفَ يُشكِلُ عليه صَلاحُ أبي بَكرٍ للإمامةِ ، و عندَهم أنّ ذلكَ كانَ معلوماً ضَرورةً لكُلِّ أحَدٍ؟ و كذلكَ عندَهم صفاتُ العاقِدينَ و عَدَدُهم و شُروطُ العَقدِ


1) . في «ب، د»: «أن».

2) . في «ج»: «ممّا».

3) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «و استيحاشه».

4) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و مريباً».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «أن يكون».

6) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «شروط».

7) . في التلخيص: «لا يجوز أن يخفىٰ ».

8) . هكذا في «د، ص». و في التلخيص: «أن تستمرّ عليه». و في سائر النسخ و المطبوع: «أن يستمرّ».

9) . في التلخيص: «في حياته».

الصحيحِ ممّا نَصَّ‌(1)النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه عليه(2)و أعلَمَ الجماعةَ به علىٰ سَبيلِ التفصيلِ‌؛ فلَم يَبقَ شَيءٌ يَرتَئي فيه مِثلُ (3)أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ ، و يَنظُرُ في إصابتِه النظَرَ الطويلَ (4).

فلَم يَبقَ وجهٌ يُحمَلُ عليه إباؤه و امتناعُه مِن البَيعةِ في الأوّلِ ، إلّاما نَذكُرُه مِن

أنّها وَقَعَت في غيرِ حَقِّها و لغَيرِ(5)مُستَحِقِّها. و ذلكَ يَقتَضي أنّ رُجوعَه إليها لَم يَكُن إلّا لضَربٍ مِن التدبيرِ.

إبطال ما استدلّ به القاضي علىٰ رضا أمير المؤمنين عليه السلام ببيعة أبي بكر

فأمّا استدلالُه علىٰ رِضاه بما ادَّعاه مِن إظهارِ المُعاوَنةِ و المُعاضَدةِ‌، و أنّه أشارَ عليه بقِتالِ أهلِ الرِّدّةِ‌: فإنّه ادَّعىٰ‌(6)مُعاوَنةً و مُعاضَدةً علىٰ سَبيلِ الجُملةِ لا نَعرِفُها، و لَو ذَكَرَ تَفصيلاً(7)لَتكلَّمنا عليه.

فإن أشارَ بذلكَ‌(8)إلىٰ ما كانَ يُمِدُّهم به مِن الفُتيا في الأحكامِ‌، فذلكَ واجبٌ عليه في كُلِّ حالٍ و لكُلِّ مُستَفتٍ ؛ فلا يَدُلُّ إظهارُ الحَقِّ و التنبيهُ علَى الصوابِ في الأحكامِ علىٰ مُعاوَنةٍ (9)و لا مُعاضَدةٍ .


1) . في «د»: «لما نصّ ».

2) . هكذا في «ج، ص، ف» و التلخيص. و في «ب، د» و المطبوع: - «عليه».

3) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «مثل».

4) . في التلخيص: «و نظيره في إصابة النظر الطويل».

5) . في «ب»: «و بغير».

6) . في المطبوع و الحجري: «ادّعاء».

7) . في المطبوع و الحجري: «تفصيله».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: - «بذلك».

9) . في المطبوع و الحجري: «لا علىٰ معاونة».

و إن أشارَ إلىٰ ما كانَ منه عليه السلامُ في وقتٍ مِن الأوقاتِ مِن الدفعِ عن المَدينةِ (1)

و الكتاب مذكور في باب الكتب من نهج البلاغة، و ذلك أنّ جماعةً من العرب بعد وفاة رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله أرسلوا إلىٰ أبي بكر أن يقارّهم على إقامة الصلاة و منع الزكاة، فامتنع من إجابتهم إلىٰ ذلك، فأغاروا على المدينة، فخرج عليّ عليه السلام بنفسه للدفاع عن المدينة حتّىٰ ردّ اللّٰه كيدهم. و للمزيد راجع: تاريخ الطبري، ج 3، ص 244 و ما بعدها؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 17، ص 153-154.

، فذلكَ أيضاً واجبٌ علىٰ كُلِّ مُسلِمٍ ؛ و كَيفَ لا يَدفَعُ مِثلُه(2)عليه السلامُ عن حَريمِه و حَريمِ المُسلِمينَ؟ و أيُّ (3)دَلالةٍ في ذلكَ علىٰ ما يَرجِعُ إلَى الإمامةِ؟!

فأمّا المَشوَرةُ عليه بقِتالِ أهلِ الرِّدّةِ‌: فما عَلِمنا أنّها كانَت منه عليه السلامُ ، و قد كانَ يَجِبُ عليه أن يُصحِّحَ ذلكَ . ثُمّ لَو كانَت، لَم تَدُلَّ علىٰ ما ظَنَّه؛ لأنّ قِتالَهم واجِبٌ علَى المُسلِمينَ كافّةً ، و المَشوَرةَ به(4)صَحيحةٌ .

فأمّا تَعلُّقُه بإنكارِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ علىٰ أبي سُفيانَ : فقَد تَقدَّمَ في كلامِنا

أنّ ذلكَ إنّما يَدُلُّ علىٰ تُهمَتِه لأبي سُفيانَ ، و عِلمِه بأنّ غرضَه بذلكَ الكلامِ لَم يَكُنِ النُّصحَ (5)له(6)فأيُّ تَعلُّقٍ له بذلكَ؟

و أمّا امتناعُه عمّا بَذَلَه له(7)العبّاسُ مِن البَيعةِ : فلأنّه كانَ يَعرِفُ الباطنَ ، و كلامُ العبّاسِ كانَ علَى الظاهرِ، و لَيسَ يَمتَنِعُ أن يَغلِبَ في ظَنِّه ما لا يَغلِبُ في ظَنِّ


1) . أشار عليّ عليه السلام إلىٰ سبب دفاعه عن المدينة في كتابه إلىٰ أهل مصر مع مالك الأشترحيث قال عليه السلام: «فأمسكتُ بيدي حتّىٰ رأيتُ راجعةً من الناس قد رجَعَت عن الإسلام يدعون إلىٰ محق دين محمّد صلّى اللّٰه عليه و آله، فخشيتُ إن لم أنصر الإسلام و أهله أن أرىٰ فيه ثلماً و هدماً تكون المصيبة به عليّ أعظم».

2) . في «ب، ج، ص، ف» و المطبوع: - «مثله».

3) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «فأيّ ».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: - «به».

5) . في «د»: «للنصح».

6) . تقدّم في ج 3، ص 451.

7) . في «ب، ص، ف»: - «له».

العبّاسِ ؛ فلا يَكونُ في امتناعِه دَلالةٌ علىٰ صَوابِ ما جَرىٰ مِن العَقدِ، و إنّما يَكونُ دَلالةً علىٰ أنّ ما بَذَلَه العبّاسُ لَم يَكُن عندَه صَواباً.

فأمّا قولُه: «و لَو كانَ يُنكِرُ إمامةَ‌(1)أبي بَكرٍ، لَم يَخَفْ أن يُظهِرَ ذلكَ كَما أظهَرَه أبو سُفيانَ‌» فطَريفٌ‌؛ لأنّ الوقتَ الذي أظهَرَ أبو سُفيانَ الخِلافَ فيه لَم يَكُن أحَدٌ فيه يَخافُ مِن الخِلافِ‌؛ لأنّه كانَ في ابتداءِ الأمرِ و قبلَ استقرارِ(2)العَقدِ، و قد كانَ في تلكَ الحالِ جَماعةٌ مُظهِرونَ (3)للخِلافِ . و إنّما قُلنا أنّه عليه السلامُ خافَ مِن الخِلافِ في المُستَقبَلِ و بَعدَ إطباقِ الكُلِّ ، و لَم يَكُن في تلكَ الحالِ أبو سُفيانَ و لا غيرُه مُظهِراً للخِلافِ .

فأمّا قولُه: «إنّه لَو ادَّعَى الحَقَّ لنَفسِه لَوَجَدَ أنصاراً؛ كالعبّاسِ ، و الزُّبَيرِ، و أبي سُفيانَ ، و خالدِ بنِ سَعيدٍ» فظاهرُ البُطلانِ ؛ لأنّه لا نُصرةَ فيمن ذُكِرَ و لا في أضعافِهم علىٰ مَن عَقَدَ الأمرَ(4)لأبي بَكرٍ و انقادَ له و رَضِيَ بإمامتِه، و الأمرُ في هذا أظهَرُ مِن أن يَخفىٰ .

بيان أنّ المعتبر في البيعة هو الرضا و التسليم دون الصفقة باليد

فأمّا قولُه: «إنّه و إن تأخَّرَ عن البَيعةِ (5)فقَد كانَ راضياً؛ مِن حَيثُ تَرَكَ النَّكيرَ، و إنّه إنّما تأخَّرَ عن البَيعةِ لأنّه لَم يُطالَبْ بها و لَم يُتَشَدَّدْ عليه فيها(6)» فكلامٌ في غيرِ مَوضِعِه؛ لأنّ المُعتَبَرَ في بابِ الإمامةِ إنّما هو بالرضا و التسليمِ ، دونَ الصَّفقةِ باليَدِ.


1) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و لو كان منكراً لإمامة».

2) . في «ج» و المطبوع و الحجري: «استمرار».

3) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «مظهرين».

4) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «عقد العقد».

5) . في «ب، د»: «عن العقد و البيعة». و في المطبوع: «من البيعة».

6) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و لم يشدّد فيها عليه».

ألا تَرىٰ أنّ مَن نأىٰ عن مَحلِّ الإمامِ و بَلَدِه يُعَدُّ مُبايِعاً(1)له؛ مِن حَيثُ رَضيَ و سَلَّمَ و انقادَ، و إن لَم يَصفِقْ بيَدِه‌؟ و إنّما يُرادُ الصَّفقةُ ليَكونَ‌(2)أمارةً علَى(3)الرضا؛ فإذا

ظَهَرَ ما هو أدَلُّ‌(4)منها لَم يُعتَبَرْ بها و لَم يُحتَجْ إليها. فما وَقَعَ مِن الاتّفاقِ علىٰ تأخُّرِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ عن البَيعةِ يَجِبُ أن يَكونَ محمولاً علَى التأخُّرِ عن إظهارِ الرضا و التسليمِ ، دونَ الصفقةِ باليَدِ. و لو كانَ راضياً بالأمرِ و مُسلِّماً للعَقدِ لَم يُعتَبَرْ بصَفقتِه، و لا عوتِبَ علىٰ تأخُّرِه، و لا قيلَ في ذلكَ ما قيلَ ، و لا جَرىٰ ما جَرىٰ .

علىٰ أنّا قد بيّنّا أنّ تَركَ النكيرِ لا يَدُلُّ علَى الرضا و الإجماعِ ، إلّابَعدَ شَرائطَ لَم تَحصُلْ في تَركِه عليه السلامُ النكيرَ(5).

بيان الفرق بين الخوف أيّام أبي بكر و الخوف أيّام يزيد

فأمّا قولُه: «و كانَ يَجِبُ‌، إن لَم يَزِدْ نَكيرُه و إظهارُه(6)الخِلافَ علىٰ ما ظَهَرَ مِن الحُسَينِ عليه السلامُ و غيرِه في أيّامِ بَني أُميّةَ‌، أن لا يَنقُصَ مِن ذلكَ ؛ فقَد عُلِمَ أنّهم لمّا طولِبوا بالبَيعةِ كَيفَ امتَنَعوا و تَهارَبوا و أظهَروا الخِلافَ و النَّكيرَ، و لَم يَكُن فَزَعُه مِن أبي بَكرٍ إلّادونَ فَزَعِهم مِن يَزيدَ»، و تقويتُه ذلكَ بأنّ نَكيرَه كانَ يَجِبُ أن يَكونَ أقوىٰ مِن نَكيرِ غيرِه مِن حَيثُ أُزيلَ عن حَقِّه، فبَعيدٌ مِن الصوابِ ؛ لأنّا قد بيّنّا الأسبابَ المانعةَ مِن النكيرِ، و أَوضَحنا ذلكَ و شَرَحناه(7)و لَيسَ الخَوفُ في تلكَ


1) . في «ب»: «متابعاً».

2) . هكذا في النسخ. و في المطبوع: «لتكون».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: - «على».

4) . في «ب، ص»: «أولىٰ ».

5) . في «د»: «للنكير».

6) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و إظهار» بدل «و إظهاره».

7) . تقدّم في ص 163 و ما بعدها.

الحالِ كالخَوفِ مِن يَزيدَ و بَني أُميّةَ‌. و كَيفَ يَكونُ الخَوفُ مِن مُظهِرٍ للفِسقِ‌(1)و الخَلاعةِ و المَجانةِ‌، مُتهتِّكٍ‌(2)لا مُسكةَ عندَه(3)- و لا شُبهةَ في أنّ إمامتَه مُلكٌ و غَلَبةٌ‌، و أنّه لا شَرطَ مِن شَرائطِ الإمامةِ فيه - كالخَوفِ مِن مُقدَّمٍ مُعظَّمٍ‌، جَميلِ الظاهرِ، يَرىٰ أكثَرُ الأُمّةِ أنّ الإمامةَ دونَه، و أنّها أدنىٰ مَنازِلِه، و ما الجامعُ بَينَ الأمرَينِ إلّا كالجامعِ (4)بَينَ الضدَّينِ !

علىٰ أنّ القومَ الذينَ امتَنَعوا مِن بَيعةِ يَزيدَ قد عُرِفَ ما جَرىٰ عليهم مِن القتلِ و المكروهِ ؛ فأمّا الحُسَينُ عليه السلامُ فإنّه أظهَرَ الخِلافَ (5)لمّا وَجَدَ بعضَ الأعوانِ عليه، و طَمِعَ في مُعاوَنةِ مَن خَذَلَه و قَعَدَ عنه، ثُمّ حالُه آلَت - مع اجتهادِه عليه السلامُ و اجتهادِ مَن اجتَهَدَ في نُصرتِه - إلىٰ ما آلَت إليه.

نفي دلالة عَرض العبّاس و أبي سفيان البيعة، علىٰ بطلان النصّ

فأمّا تَعلُّقُه بعَرضِ العبّاسِ و أبي سُفيانَ عليه البَيعةَ‌، و أنّ ذلكَ دليلٌ علىٰ أنّ النصَّ لا أصلَ له، و أنّ طريقَ الإمامةِ الاختيارُ: فقَد قَدَّمنا الكلامَ فيما مضىٰ مِن هذا الكتابِ عليه، و بيّنّا أنّ ذلكَ لا يُنافي النصَّ مِن وجهَينِ‌(6):


1) . في «ج، ص»: «الفسق». و في التلخيص: «للفسوق».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «متهتّكاً».

3) . هكذا في «د». و في التلخيص: «لا مسألة عنده». و في سائر النسخ و المطبوع: «لا مُسكة معه». قال الزمخشري: «إنّه لذو مُسْكَةٍ‌: ذو عقل. و ما له مُسْكَةٌ من عيشٍ و ما في سقائه مُسْكَةٌ من ماءٍ‌: قليلٌ ». و قال الفيّومي: «ليس له مُسْكةٌ ، أي عقل. و ليس به مُسْكَةٌ ، أي قوّة. و ليس لأمره مُسْكَةٌ ، أي أصل يعوَّل عليه». أساس البلاغة، ص 595؛ المصباح المنير، ص 573 (مسك).

4) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع: «كالجمع» بدل «إلّا كالجامع».

5) . في التلخيص: «من القتل و المكروه فيه. على أنّ الحسين عليه السلام أظهر الخلاف».

6) . تقدّما في ج 2، ص 456.

أحَدُ هما: أنّ البَيعةَ لا تَدُلُّ علىٰ أنّ النصَّ لَم يَتقدَّمْ و تَثبُتْ‌(1)به الإمامةُ‌، بَل يَكونُ الغرضُ منها(2)القيامَ بالنُّصرةِ‌(3)و(4)التكفُّلَ بالذَّبِّ ؛ و لهذا المعنىٰ بايَعَ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه الأنصارُ ليلةَ العَقَبةِ ، و بايَعَ المُهاجِرونَ و الأنصارُ تَحتَ الشجرةِ ، و علىٰ هذا الوجهِ بايَعَ الناسُ عُمَرَ بنَ الخَطّابِ بالخِلافةِ بعد أبي بَكرٍ، و إن كانَ نَصُّه قد تَقدَّمَ عليه.

و الوجهُ الآخَرُ: أنّ القومَ لمّا أن شَرَعوا في الإمامةِ مِن جِهةِ الاختيارِ، و أَوهَموا أنّه الطريقُ إلَى الإمامةِ ، أرادَ العبّاسُ أن يَحتَجَّ عليهم بمِثلِ حُجّتِهم، و يَسلُكَ في إمامةِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ مَسلَكَهم، علىٰ سَبيلِ الاستظهارِ عليهم، و الإزالةِ لشُبهتِهم(5)و كذلكَ أبو سُفيانَ . فلَيسَ (6)في بَذلِ البَيعةِ دَلالةٌ علَى انتفاءِ النصِّ .

بطلان الأحاديث الدالّة علىٰ مدح أمير المؤمنين عليه السلام للمتقدّمين عليه

فأمّا ما طَوَّلَ بذِكرِه مِن الأخبارِ التي ذَكَرَها في هذا المَوضِعِ‌، المُتضمِّنةِ للتفضيلِ و التعظيمِ و المَدحِ‌، فقَد تَقدَّمَ فيما مضىٰ كلامُنا عليها عندَ احتجاجِه بها في مُقابَلةِ ما اعتَمَدناه مِن الروايةِ المُتضمِّنةِ أمْرَ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه الناسَ (7)بالتسليمِ علىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ بإمرةِ المؤمنينَ ، و قولَه: «هذا وَليُّ كُلِّ مؤمِنٍ


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «و يثبت».

2) . في «ب، د»: «فيها».

3) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «بالنصّ ».

4) . في المطبوع: - «و»، و هو سهو.

5) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «لشبههم».

6) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و ليس».

7) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «أمره عليه السلام للناس».

بَعدي(1)»،(2)و تَكلَّمنا في هذه الأخبارِ بوجوهٍ مِن الكلامِ‌، و بيّنّا ما فيها مشروحاً(3)بما لا طائلَ في إعادتِه(4).

و إيرادُه مِثلَ هذه الأخبارِ، التي يُعلَمُ أنّها وارِدةٌ مِن جِهةٍ و مدفوعةٌ مِن أُخرىٰ‌، يَقتَضينا(5)أن نورِدَ في مُقابَلتِها ما يَجري هذا المَجرىٰ ممّا يَرْوونَه و يَدفَعونَه مِن الأخبارِ المُتضمِّنةِ للطَّعنِ و اللَّومِ‌(6)، و التصريحِ و التلويحِ‌؛ لكِنّا لا نَفعَلُ ذلكَ‌؛ تَنزُّهاً عنه، و تعويلاً(7)في الحُجّةِ علىٰ غيرِه. و مَن أرادَ أن يُعارِضَ أخبارَهم هذه بما ذَكرناه مِن الأخبارِ كانَ له في ذلكَ مُتَّسَعٌ .

علىٰ أنّ جميعَ ما ذَكَرَه مِن الأخبارِ - لَو صَحَّ - لَم يَكُن فيه حُجّةٌ ؛ لأنّه يَجوزُ أن يَكونَ خَرَجَت مَخرَجَ التقيّةِ ، و يُحمَلَ الأحوالُ عليها؛ لأنّ التقيّةَ جائزةٌ عندَنا فيما جَرىٰ هذا المَجرىٰ .

كلامٌ حول تقيّة أمير المؤمنين عليه السلام

فأمّا وصفُه لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ بالشَّجاعةِ و القوّةِ‌، و أنّ التقيّةَ لا تَجوزُ علىٰ مِثلِه: فهو علىٰ ما ذَكَرَ مِن الشَّجاعةِ و أفضَلُ ، إلّاأنّ شَجاعتَه لا تَبلُغُ أن يُغالِبَ


1) . في «د»: «من بعدي».

2) . مسند أحمد، ج 4، ص 437، ح 19942؛ الجامع الصحيح، ج 5، ص 632، ح 3712؛ سنن النسائي الكبرىٰ ، ج 5، ص 45، ح 8146، و ص 126، ح 8453، و ص 130، ح 8464، و ص 132، ح 8474؛ المعجم الكبير، ج 12، ص 97، ح 12593، و ج 18، ص 128، ح 265؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 119، ح 4579، و ص 143، ح 4652.

3) . في «د»: + «مفصّلاً».

4) . تقدّم في ج 3، ص 414 و ما بعدها.

5) . في «ج»: «يقضينا».

6) . في «ب، د، ف»: «و الذمّ ».

7) . في «د»: «و تعوّلاً».

جَميعَ الخَلقِ (1)، و يُحارِبَ سائرَ الناسِ ، و هو مع الشَّجاعةِ و القوّةِ بَشَرٌ يَقوىٰ و يَضعُفُ ، و يَخافُ و يأمَنُ ، و التقيّةُ جائزةٌ علَى البَشَرِ الذين يَضعُفونَ عن دَفعِ المكروهِ عنهم.

فأمّا قولُه: «إنّه عليه السلامُ كانَ بَعيداً عن التقيّةِ لمّا انتَهَت الإمامةُ (2)إليه» فلَعَمري إنّ كَثيراً مِن التقيّةِ زالَ عنه في أيّامِ إمامتِه بزَوالِ أسبابِها، و بَقيَ كَثيرٌ مِن التقيّةِ لبقاءِ أسبابِها؛ و لهذا(3)لَم يَنقُضْ جَميعَ أحكامِ مَن تَقدَّمَ ، و لا فَسَخَ عَقدَهم. و أينَ أنصارُه و أعوانُه - في الكَثرةِ و التظاهُرِ و التوازُرِ - في أيّامِ إمامتِه مِن أنصارِه فيما تَقدَّمَ؟ و لا إشكالَ علىٰ مُنصِفٍ في الفَرقِ بَينَ الأمرَينِ .

فأمّا قولُه: «إنّ التقيّةَ لا بُدَّ فيها مِن سببٍ ظاهرٍ» فقَد قُلنا في ذلكَ ما فيه كِفايةٌ (4).

فأمّا قولُه: «إنّ في كَثيرٍ مِن الأوقاتِ إظهارَ الحَقِّ هو(5)أَولىٰ » فهَبْ أنّ الأمرَ علىٰ ذلكَ ، لَعلَّ الوقتَ الذي تَكلَّمَ عليه هو(6)مِن الأوقاتِ التي لا يَكونُ إظهارُ الحَقِّ فيها(7)أَولىٰ (8).

فأمّا قولُه: «لَو جازَ مع فَقدِ السببِ ادّعاءُ التقيّةِ ، لَم نأمَنْ (9)في أكثَرِ ما ظَهَرَ مِن


1) . هكذا في «د». و في التلخيص: «أن يغلب جميع الخلق». و في سائر النسخ و المطبوع: «أن يغلب جميع الخلائق».

2) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «الخلافة».

3) . في المطبوع و الحجري: «و بهذا».

4) . تقدّم في ص 176 و ما بعدها.

5) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: - «هو».

6) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «هو».

7) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «لا يكون الإظهار فيها».

8) . من قوله: «فأمّا قوله إنّ التقيّة لا بدّ فيها...» إلىٰ هنا ساقط من «ج، ص».

9) . في «د»: «لم نكن نأمن». و في «ب»: «لم يكن يأمن». و في المطبوع: «لم تأمن».

الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(1)أن يَكونَ علىٰ سَبيلِ التقيّةِ‌» فباطلٌ‌؛ لأنّا قد بيّنّا أنّ السببَ في المَوضِعِ الذي ادَّعىٰ فَقدَه فيه لَم يَكُن مفقوداً. ثُمّ إنّ الرسولَ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه إنّما لَم تَجُزِ(2)التقيّةُ عليه؛ لأنّ الشريعةَ لا تُعرَفُ إلّامِن قِبَلِه، و لا يوصَلُ‌

إليها إلّامِن جِهتِه(3)فمتىٰ جازَت التقيّةُ عليه لَم يَكُن لنا إلَى العِلمِ بالشرعِ‌(4)طَريقٌ‌.

و لَيسَ العِلمُ بأنّ الإمامَ منصوصٌ عليه موقوفاً علىٰ قولِه(5)و لا يُعلَمُ إلّامِن جِهتِه حتّىٰ يَكونَ‌(6)تَقيّتُه(7)في ذلكَ رافعةً (8)لطَريقِ العِلمِ ؛ فبانَ الفَرقُ بَينَ الأمرَينِ .

علىٰ أنّ صاحبَ الكتابِ يُجيزُ علىٰ كُلِّ مَن عَدا الرسولَ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه مِن المؤمنينَ التقيّةَ (9)، و لا يَلزَمُه علىٰ ذلكَ أن يُجيزَ التقيّةَ علَى الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه؛ فكَيفَ يُلزِمُ خُصومَه الجَمعَ بَينَ الأمرَينِ؟

فأمّا قولُه: «و لِمَ صارَ بأن يُقالَ إنّه(10)كانَ يَتَّقي فيُعظِّمُ أبا بَكرٍ و عُمَرَ بأَولىٰ مِن أن يُحمَلَ تقديمُه لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ علىٰ مِثلِ ذلكَ؟» فكلامٌ كأنّه لا يَليقُ بما نَحنُ فيه؛ لأنّا إنّما(11)نَتكلَّمُ في تَقيّةِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ و كَفِّه عن مُنازَعةِ


1) . في «ج، ص»: «عليه السلام» في الموضعين.

2) . في «د، ص»: «لم يجز».

3) . في «د»: «إلّا بقوله».

4) . في «د» و التلخيص: «بما كُلّفناه».

5) . أي: علىٰ قول الإمام. و فصّل الضمير في التلخيص حيث قال: «موقوفاً علىٰ قول الإمام».

6) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع: «حتّىٰ تكون».

7) . في «د»: + «واقعة».

8) . في التلخيص: «دافعة».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: «أن يتّقي» بدل «من المؤمنين التقيّة». و لم ترد في هذه النسخ الأربعة جملة: «و لا يلزمه علىٰ ذلك أن يجيز التقيّة على الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله».

10) . أي رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آلِه.

11) . في «د»: + «كنّا».

مَن غالَبَه علَى الأمرِ، و لَم يَكُن(1)[كلامُنا] في تَقيّةِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و مَن قالَ له في هذا المَوضِعِ أنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه كانَ يَتَّقي فيُعظِّمُ أبا بَكرٍ(2)و عُمَرَ؟ و أيُّ مَدخَلٍ لذلكَ هاهُنا؟

علىٰ أنّ الكَثيرَ مِن أصحابِنا لا يَقولونَ أنّ تعظيمَه لأبي بَكرٍ و عُمَرَ كانَ علىٰ وجهِ التقيّةِ‌، بَل كانَ علىٰ ما يَقتَضيهِ الحالُ مِن ظاهرِهما(3). و مَن قالَ بذلكَ يُمكِنُ أن يَفصِلَ بَينَ الأمرَينِ بالدليلِ (4)، فيَقولَ : لَو تُرِكتُ و الظاهرَ مِن تعظيمِ الجماعةِ لَسَوَّيتُ بَينَ الكُلِّ ، لكِنّه لمّا دَلَّني(5)الدليلُ في بعضِهم علىٰ ما يَقتَضي خِلافَ ذلكَ التعظيمِ نَسَبتُه إلىٰ غيرِ ظاهرِه(6)، و ما لَم يَصرِفْ عنه الدليلُ كانَ باقياً علىٰ حالِه.

فأمّا قولُه: «و لَو أمكَنَ أن يُدَّعىٰ في ابتداءِ البَيعةِ التقيّةُ‌، ما كانَ يُمكِنُ في سائرِ الأحوالِ‌؛ و هَلّا ظَهَرَت التقيّةُ منه يَومَ الجَمَلِ و صِفّينَ؟» فظاهرُ الفَسادِ؛ لأنّ الأمرَ بالعَكسِ ممّا قالَه أنّ ابتداءَ الأمرِ(7)في البَيعةِ كانَ أحَقَّ‌(8)منه مع استمرارِ(9)الأحوالِ ، و معلومٌ أنّ الحالَ بَعدَ الابتداءِ اشتَدَّت و قَوِيَت، و تَفرَّعَت(10)و تَشعَّبَت؛ فكَيفَ


1) . في «ص» و المطبوع: «و لم تكن».

2) . في «د»: «يتّقي في تعظيم أبي بكر».

3) . في «د»: «علىٰ ما يقتضيه ظاهرهما في الحال».

4) . في «د»: - «بالدليل».

5) . هكذا في النسخ. و في المطبوع و الحجري: «دلّ ».

6) . في المطبوع: «غير ظاهرة» بالتاء.

7) . في «د»: «فابتداء الأمر». و في «ب، ص، ف»: «و ابتداء الأمر».

8) . في «د»: «أخفّ ».

9) . هكذا في «د». و في «ب، ج، ص، ف»: «في استقرار». و في المطبوع: «في استقراء».

10) . هكذا في النسخ. و في المطبوع و الحجري: «اشتدّت و تفرّعت و قويت».

يَدَّعي أنّ الابتداءَ كانَ أحَقَّ‌(1)مِن الاستمرارِ؟ اللّهُمَّ إلّاأن يَعنيَ بذلكَ الأيّامَ التي

سُلِّمَ فيها الأمرُ إليه عليه السلامُ‌، فهذه الأيّامُ أيضاً تَجري مَجرَى الأوّلِ في حصولِ أسبابِ التقيّةِ‌؛ لأنّ أكثَرَ من بايَعَه بالإمامةِ كانوا شيعةَ المُتقدِّمينَ عليه و مَن يَعتَقِدُ إمامتَهم، فالأحوالُ‌(2)مُتَقارِبةٌ‌؛ و إن كانَ عليه السلامُ في هذه الأيّامِ كَثيراً ما كانَ يَنفُثُ ببعضِ ما في صَدرِه، و يَبوحُ (3)ببعضِ ما كانَ يَكتُمُه.

فأمّا ذِكرُ الجَمَلِ و صِفّينَ في هذا المَوضِعِ فمِن بَعيدِ الكلامِ ، و إنّما لَم تَسُغْ (4)له التقيّةُ في صِفّينَ و الجَمَلِ لوجودِ الأُلوفِ الكَثيرةِ مِن الأنصارِ و الأعوانِ المُستَبصِرينَ الذينَ يَثِقُ بمُناصَحتِهم و نُصرتِهم، و لَيسَ شَيءٌ مِن هذا فيما تَقدَّمَ .

فأمّا قولُه: «إنّ المُتَعالَمَ مِن حالِ أبي بَكرٍ أنّه لَم يَكُن مِن القوّةِ في نفسِه و أعوانِه بحَيثُ يُخافُ منه» فقَولُ مَن لا يَتصفَّحُ كلامَه! و أيُّ قُوةٍ تَزيدُ علىٰ قوّةِ‌(5)مَن أجمَعَ المُسلِمونَ عليه، و انقادَ له الأوّلونَ و الآخِرونَ (6)، و سَمَّوه خَليفةَ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و أنزَلوه مَنزِلتَه، و أطاعوه طاعتَه ؟! و هذا القولُ ممّا نَربأُ(7)

و يقال: إنّي لأربَأُ بك عن هذا الأمر، أي أرفعُك عنه و لا أرضاه لك. أساس البلاغة، ص 214؛ تاج العروس، ج 1، ص 158 (ربأ).

بصاحبِ الكتابِ عنه؛ و هذه جُملةٌ كافيةٌ .

1) . في «د»: «أخفّ ».

2) . هكذا في «ب، د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و الأحوال».

3) . باحَ بسرّه يَبوح بَوْحاً: إذا أظهره. جمهرة اللغة، ج 1، ص 285 (بوح).

4) . في «د» و المطبوع: «لم يسغ».

5) . في المطبوع و الحجري: - «قوّة».

6) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «من اجتمع عليه أكثر المسلمين، و انقادوا له من الأوّلين و الآخرين».

7) . في «ج، ص»: «برئنا». و في «د» يشبه: «برآء»، و في الحاشية كما في المتن.

ثُمّ قالَ صاحبُ الكتابِ :

فأمّا خالدُ بنُ سَعيدٍ(1)فإنّه بايَعَ بَعدَ ذلكَ‌، مِن غيرِ شُبهةٍ عندَ أهلِ النقلِ‌. و أمّا سَلمانُ فإنّما رُويَ عنه أنّه قالَ‌: «كَرْداد و نَكَرْداد(2)».

و حَكىٰ عن أبي عليٍّ أنّ ذلكَ غيرُ مقطوعٍ به، و أنّه لا يَجوزُ أن يُخاطِبَهم بالفارسيّةِ و هُم عَرَبٌ‌(3)قالَ‌(4):

و كَيفَ فَهِموا ذلكَ منه و رَوَوه‌؟ و إنّ هذا يَقتَضي أنّ الراويَ الذي رَواه كانَ يَفهَمُ الفارسيّةَ‌(5)، و أنّه مِن بابِ الآحادِ(6).

و ذَكَرَ تَولّيَه(7)لعُمَرَ المَدائنَ ، و أنّ الفِعلَ أوكَدُ(8)مِن القولِ في دَلالتِه.

و حَكىٰ عن أبي هاشِمٍ أنّ قولَه «كَرْداد»(9)يَدُلُّ علىٰ صِحّةِ الإمامةِ و ثُبوتِها، و إنّما أرادَ بقَولِه «و نكَرْداد»: أنّكم و إن أصَبتُم الحَقَّ فقَد أخطأتم المَعدِنَ ؛ لأنّ عادةَ الفُرسِ في المُلكِ أن لا يُزيلَه(10)عن البَيتِ و الأقرَبِ فالأقرَبِ .


1) . تقدّمت ترجمته في ص 122.

2) . هكذا في النسخ و الحجري، و هكذا أيضاً ضبطه السيّد ابن طاووس في بناء المقالة الفاطميّة، ص 356، و الديلمي في غرر الأخبار، ص 278. و في المطبوع و المغني: «كرديد و نكرديد»، إلّاأنّ الياء في المغني غير منقوطة. و معناه باللغة العربيّة: «فعلتم و ما فعلتم».

3) . في المغني: «و كيف يصحّ أن يخاطبهم بهذا القول و هم عرب، و هو يعرف العربيّة ؟».

4) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «قال».

5) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «بالفارسيّة». و في المغني: «و هذا يبيّن أنّ الراوي الذي رواه من فهم الفارسيّة».

6) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 291.

7) . هكذا في النسخ و المغني. و في المطبوع و الحجري: «توليته».

8) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «آكد».

9) . هكذا في النسخ. و في المطبوع و المغني: «كرديد»، إلّاأنّ الياء في المغني غير منقوطة. وهكذا في الموضع الآخر.

10) . هكذا في «د». و في المغني: «لا تزيله». و في سائر النسخ و المطبوع: «لا يزيلونه».

و حَكىٰ عن أبي ذَرٍّ(1)أخباراً تَدُلُّ علىٰ مَدحِه عُمَرَ(2)و تقريظِه له، و أنّ ذلكَ يَدُلُّ علىٰ أنّه مُصوِّبٌ له. و ذَكَرَ تَولّيَ عَمّارٍ مِن قِبَلِ عُمَرَ الكوفةَ‌، و أنّ له شِعراً في مَدحِ أبي بَكرٍ، و أنّ المِقدادَ ما تَخلَّفَ عن بُعوثِ أبي بَكرٍ و عُمَرَ و الانقيادِ لهُما و إظهارِ تصويبِهما، و أنّ سَبيلَه في ذلكَ سَبيلُ صُهَيبٍ‌(3)و سالِمٍ‌(4)مَولىٰ أبي حُذَيفةَ‌. و كُلُّ ذلكَ يَحكيهِ عن أبي عليٍّ (5).

و حَكىٰ عنه أنّه قالَ :

إذا قَبِلَ المُخالِفُ الخبرَ المَرويَّ عن رسولِ اللّٰهِ عليه السلامُ في أبي ذَرٍّ، و هو قولُه: «ما أقَلَّت الغَبراءُ و لا أظَلَّت الخَضراءُ علىٰ ذي لَهجةٍ أصدَقَ مِن أبي ذَرٍّ»(6)[حتّىٰ أَوجَبوا فيمن كَذَّبَه أن يَكونَ مُكذِّباً لرسولِ اللّٰهِ ](7)، فهَلّا قَبِلوا ما رُويَ عنه مِن قولِه(8): «اقتَدوا باللَّذَينِ مِن بَعدي؛ أبي بَكرٍ


1) . هكذا في النسخ. و في المطبوع و الحجري: «و حكى عن أُبيّ و عن أبي ذرّ»، و ليس في المغني حكايته عن أُبيّ .

2) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «عمر».

3) . تقدّمت ترجمته في ص 117.

4) . تقدّمت ترجمته في ص 85.

5) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 291-292.

6) . مسند أحمد، ج 2، ص 163، ح 6519، و ص 175، ح 6630، و ص 223، ح 7078، و ج 5، ص 197، ح 21772، و ج 6، ص 442، ح 27533؛ سنن ابن ماجة، ج 1، ص 55، ح 156؛ الجامع الصحيح، ج 5، ص 669، ح 3801 و 3802؛ مسند البزّار، ج 6، ص 450، ح 2488؛ المصنّف لابن أبي شيبة، ج 7، ص 526، ح 1-3، و ج 8، ص 184، ح 7؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 385، ح 5461 و 5462، و ص 387، ح 5467، و ج 4، ص 526، ح 8478.

7) . ما بين المعقوفين من المغني.

8) . في المغني: «ما روي عنه في أبي بكر و عمر، نحو قوله».

و عُمَرَ» و «إنّهما سَيّدا كُهولِ أهلِ الجَنّةِ‌» و ما رُويَ مِن تبشيرِه إيّاهما بالجَنّةِ‌، و بالخِلافةِ بَعدَه، إلىٰ غيرِ ذلكَ‌(1)؟

ثُمّ قالَ‌:

و اعلَمْ أنّا لَم نَذكُرْ هذه الأخبارَ(2)- و أكثَرُها(3)أخبارُ آحادٍ - اعتماداً عليها، بَل المُعتَمَدُ علىٰ ما قَدَّمناه مِن الإجماعِ الظاهرِ(4)، و إنّما دَفَعنا بذلكَ ما ادَّعَوه مِن الأخبارِ التي لا أصلَ لها، و مَنَعناهم أن يَتوصَّلوا بها إلىٰ إثباتِ الخِلافِ‌(5)، و أَرَيناهم أنّ هذه الأخبارَ أشهَرُ و أثبَتُ‌.

ثُمّ عارَضَ نفسَه بالإجماعِ علىٰ مُعاويةَ‌(6)، و أجابَ عن ذلكَ بأن حَكىٰ عن أبي عليٍّ‌:

أنّ مُعاويةَ لا يَصلُحُ (7)للإمامةِ لأُمورٍ تَقدَّمَت توجِبُ فيه(8)البَراءةَ

و الفِسقَ ؛ نَحوُ استلحاقِه زياداً، و قَتلِه حُجراً(9)و غيرَه، و شَقِّه العَصا


1) . في المغني: «و ما روي من تبشيره بالجنّة و الخلافة لهما من بعده. و هل قبلوا ما روي عنه عليه السلام: «إنّ لكلّ أُمّة أميناً، و أمين هذه الأُمّة أبو عبيدة بن الجرّاح» فنصبوه في مبايعته لأبي بكر؟».

2) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «و اعلم أنّ هذه الأخبار لم نذكرها».

3) . هكذا في المغني. و في النسخ و المطبوع: «و إن كان أكثرها».

4) . في المغني: «الإجماع العامّ ».

5) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «الخلافة».

6) . قال في المغني: «فإن قيل: إنّ الإجماع الذي ذكرتموه ليس أوكد ممّا روي من الإجماع على معاوية بعد تسليم الحسن عليه السلام الأمن له حتّى سمّوه عام الجماعة، ثمّ لم يجعلوه حجّة في صحّة إمامته، و هلّا وجب مثله فيما ذكرتموه من إمامة أبي بكر و عمر؟ قيل له: إنّ شيخنا أبا عليّ قال: قد ثبت في معاوية أنّه لا يصلح للإمامة؛ لأمور تقدّمت...».

7) . في المطبوع: «لم يصلح».

8) . في المطبوع: «نوجب فيها». و في المغني: «نوجب»، و لم ترد كلمة «فيه» أو «فيها» في المغني.

9) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «نحو استحقاق زياد و قتل حجر».

في أيّامِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ و مُقاتَلتِه(1)له، إلىٰ غيرِ ذلكَ ممّا لا يُحصىٰ كَثرةً‌. فلا يَصِحُّ‌(2)و حالُه(3)هذه أن يُدَّعَى الإجماعُ علىٰ إمامتِه؛ لأنّ الإجماعَ في ذلكَ إنّما يَدُلُّ علىٰ ثُبوتِ ما يَصِحُّ‌، و قد بيّنّا أنّ الإمامةَ لا تَصِحُّ فيه؛ فيَجِبُ أن يُعلَمَ‌(4)أنّ الإجماعَ لَم يَقَعْ في الحقيقةِ‌، و لَو ثَبَتَ - و الحالُ ما ذَكرناه - الإجماعُ لَوَجَبَ حَملُه علىٰ أنّه كانَ علىٰ سَبيلِ القَهرِ، كَما كانَ يَقَعُ مِن المُلوكِ ذلكَ في مَمالِكهم؛ فكَيفَ و قد صَحَّ و اشتَهَرَ(5)الخِلافُ في ذلكَ‌، بَل كانَ‌(6)رُبَّما أظهَروا هذا الجنسَ بحَضرتِه فلا يُنكِرُه. و قد كانَ الحَسَنُ و الحُسَينُ عليهما السلامُ و مُحمّدُ بنُ عليٍّ‌(7)و ابنُ عبّاسٍ و إخوتُه و غيرُهم مِن قُرَيشٍ يُظهِرونَ ذَمَّه و الوَقيعةَ فيه؛ فكَيفَ يُدَّعَى الإجماعُ في ذلكَ مع عِلمِنا ضَرورةً مِن حالِ مَن ذَكرناه أنّه كانَ لا يَقولُ بإمامتِه و لا يَدينُ بها؟ بَل لَو قيلَ أنّه يُعلَمُ بالأُمور الظاهرةِ (8)أنّه كانَ لا يَدينُ بإمامةِ نفسِه و كذلكَ خُلَّصُ أصحابِه، لَكانَ يَقرُبُ و إن لَم يُعلَمْ (9)ذلكَ بالاضطرارِ(10)فالأماراتُ الدالّةُ علىٰ


1) . في «د»: «و مقابلته».

2) . هكذا في «د». و في المغني: «و لا يصحّ ». و في «ب، ج، ف»: «فلا يصلح». و في المطبوع: «و لا يصلح».

3) . في المغني: «من حاله».

4) . في المغني: «أن نعلم».

5) . في «د»: «و استمرّ».

6) . في المغني: «كانوا». و في المطبوع و الحجري: - «كان».

7) . يعني ابن الحنفيّة.

8) . في المغني: «المتظاهرة».

9) . في المغني: «و إن لم يعرف».

10) . في «ب» و المغني: «باضطرار».

ذلكَ ظاهرةٌ‌؛ فكَيفَ يُدَّعىٰ مِثلُ ذلكَ في أبي بَكرٍ و الحالُ ما قَدَّمناه‌؟

[و متىٰ طَعَنوا في صِحّةِ إمامتِه خَرَجوا عن هذه المَسألةِ‌، فكَلَّمناهم بما يَجيءُ ذِكْرُه؛ لأنّا نُبيِّنُ مِن بَعدُ مَطاعِنَهم في واحدٍ واحدٍ مِن الأئمّةِ‌](1).

و عارَضَ نفسَه بالإجماعِ علىٰ قَتلِ عُثمانَ‌(2)، و أجابَ بأن قالَ‌:

كَيفَ يَجوزُ أن يُدَّعَى الإجماعُ في ذلكَ و قد حَصَلَ هُناكَ أمرانِ يَمنَعانِ فيمن لَم يُنكِرْ، القولَ بأنّه لَم يُنكِرْ(3)ذلكَ لاعتقادِه أنّه حَقٌّ‌:

أحَدُهما: أنّه كانَ هُناكَ غَلَبةٌ .

و الثاني: ما كانَ مِن مَنعِ عُثمانَ مِن القِتالِ .

و كَيفَ (4)يُقالُ ذلكَ و قد ثَبَتَ بالنقلِ ما كانَ مِن أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ مِن الإنكارِ حتّىٰ بَعَثَ بالحَسَنِ و الحُسَينِ عليهما السلامُ و قَنبَرٍ، علىٰ ما رُويَ في ذلكَ؟ و كَيفَ يُدَّعىٰ في ذلكَ الإجماعُ و عُثمانُ نفسُه مع شيعتِه و أقاربِه خارجونَ [مِن ذلكَ؟ و كُلُّ ذلكَ يُسقِطُ التعلُّقَ به](5).

و حَكىٰ عن أبي عليٍّ أنّه قالَ :

إن قَدَحَ في الإجماعِ هذه الأُمورُ، فلا إجماعَ يَصِحُّ إثباتُه(6)لأنّه


1) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 293-294.

2) . قال في المغني: «فإن قالوا: لو جاز التعلّق بهذا الإجماع لجاز مثله في قتل عثمان حتّىٰ يقال: إنّهم أجمعوا علىٰ جواز قتله؛ لأنّه لم يكن هناك منكر مع توفّر الصحابة و حضورها».

3) . في المغني: «لا ينكر». و في المطبوع و الحجري: «ينكر» بدل «لم ينكر».

4) . في «ب، د، ص، ف»: «فكيف».

5) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 294، و ما بين المعقوفين من المصدر.

6) . هكذا في «د»، و يؤيّده ما في المغني: «إن كان يصحّ القدح فيما ذكرناه من الإجماع، فلاإجماع يصحّ إثباته». و في «ج، ص، ف» و المطبوع: «إن قدح في الإجماع علىٰ خلافه [ج: علىٰ خلافته] هذه الأُمور، فالإجماع لا يصحّ إثباته».

لا(1)إجماعَ أظهَرُ ممّا ذَكرناه. و هذا يُبطِلُ كَونَ الإجماعِ دَلالةً‌(2).

و تأوَّلَ ما رُويَ عن أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ مِن قولِه(3): «لقَد تَقمَّصَها ابنُ أَبي قُحافةَ‌، و قد عَلِمَ أنّي منها مكانُ القُطبِ مِنَ الرَّحىٰ‌»(4)بأن قالَ‌:

إن ثَبَتَ ذلكَ فالمُرادُ به(5): أنّه أهلٌ لها و أنّه أصلَحُ منه؛

يُبيِّنُ ذلكَ‌: أنّ القُطبَ مِن الرَّحىٰ لا يَستَقِلُّ بنَفسِه، و لا بُدَّ في تَمامِه مِن الرَّحىٰ‌؛ فنَبَّهَ بذلكَ علىٰ أنّه أحَقُّ‌، و إن كانَ قد تَقمَّصَها.

قالَ‌:

و قد كانَت العادةُ في ذلكَ الزمانِ أن يُسمّيَ أحَدُهم صاحبَه و يُكنّيَه و يُضيفَه إلىٰ أبيه، حتّىٰ كانوا رُبَّما نادَوا رسولَ اللّٰهِ بِاسمِه(6)فلَيسَ في ذلكَ استخفافٌ و لا دَلالةٌ (7)علَى الوضعِ . و بإزاءِ هذه الأخبارِ المَرويّةِ (8)ما رَوَيناه مِن الأخبارِ [التي هي أشهَرُ](9)في تعظيمِه عليه السلامُ لهُما،


1) . في «ب» و المطبوع و الحجري: - «لا».

2) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 294-295.

3) . قال في المغني: «و هل لم يبطل كون الإجماع دلالة، مع أنّه قد ثبت صحّة ذلك بالكتاب وغيره ممّا له تأويل إن ثبت، نحو ما يحكون أنّه قال:...».

4) . لفظ الحديث في المغني هكذا: «و اللّٰه لقد تقمّصها ابن أبي قحافة، و إنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحىٰ ». و رواية المغني موافقة في ألفاظها لما في نهج البلاغة (صبحي الصالح)، ص 48، ضمن الخطبة 3. و قد تقدّم تخريجه من سائر المصادر الروائيّة.

5) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: - «به».

6) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «ربّما قالوا لرسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه وآله: يا محمّد».

7) . في «د»: + «له».

8) . في «د» و المغني: - «المرويّة».

9) . ما بين المعقوفين من المغني، و هكذا في الموارد الآتية.

و يَعضُدُها(1)الأخبارُ المَرويّةُ‌(2)عن الرسولِ عليه السلامُ في فَضلِهما [و في الدلالةِ علىٰ صِحّةِ إمامتِهما، علىٰ ما بيّنّاه مِن قَبلُ‌].

ثُمّ قالَ‌:

و أحَدُ ما قَوّىٰ به شُيوخُنا ما ذَكرناه مِن الإجماعِ أنّه(3): لَو كانَ أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ مُخالِفاً - [لأنّه أحَقُّ بالأمرِ] علىٰ ما يَقولونَ - لَوَجَبَ لمّا انتَهَى الأمرُ إليه أن يَتَتَبَّعَ (4)أحكامَ القومِ ، و يَنقُضَ ما يَجِبُ

أن يُنقَضَ منها؛ لأنّهم علىٰ هذا القولِ كانوا خَوارِجَ يَتصرَّفونَ في الحدودِ و الأحكامِ علىٰ وجهٍ يَحرُمُ (5)عليهم. و بُطلانُ ذلكَ يُبيِّنُ أنّه كانَ راضياً بإمامتِهم(6).

نفي دلالة بيعة أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام لأبي بكر و كلامهم و سلوكهم بعد ذلك علىٰ رضاهم بإمامته

يُقالُ له: أمّا بَيعةُ خالدِ بنِ سَعيدٍ و غيرِه ممّن كانَ أظهَرَ الخِلافَ في الأصلِ ، فلا شُبهةَ فيها، إلّاأنّه بَقيَ عليكَ أن تُبيِّنَ أنّ ذلكَ كانَ عن رِضاً(7)و اختيارٍ؛ فقَد(8)بيّنّا


1) . في المغني: «و تعضيده».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: - «المرويّة».

3) . هكذا في النسخ و الحجري و المغني. و في المطبوع: - «أنّه».

4) . هكذا في «د»، و يؤيّده تكرار هذه العبارة فيما بعد. و في «ب»: «أن يتبع». و في المغني: «أن تتبع». و في سائر النسخ و المطبوع: «أن ينفي».

5) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «محرّم».

6) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 295.

7) . في «د»: «علىٰ رضاء».

8) . في «د»: «و قد».

في ذلكَ ما فيه كِفايةٌ و مَقنَعٌ (1). و إذا كانَ أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ - مع عِظَمِ قَدرِه و عُلوِّ مَنزلتِه - قد ألجأَته(2)الحالُ إلَى البَيعةِ ، فأَولىٰ أن يُلجئَ (3)غيرَه ممّن لا يُدانيهِ في أحوالِه(4).

فأمّا قولُ أبي عليٍّ أنّ الذي رُويَ عن سَلمانَ مِن قولِه: «كَرْداد و نكَرْداد»(5)لَيسَ بمقطوعٍ به:

فإن كانَ خبرُ السَّقيفةِ و شَرحُ ما جَرىٰ فيها مِن الأقوالِ و الأفعالِ مقطوعاً به؛ فقَولُ سَلمانَ مقطوعٌ به؛ لأنّ (6)كُلَّ مَن رَوَى السقيفةَ رَواه(7)، و لَيسَ هذا ممّا يَختَصُّ الشيعةُ بنَقلِه فيَتَّهِمَهم فيه.

فأمّا قولُه: «كَيفَ‌(8)يُخاطِبُهم و هُم عَرَبٌ بالفارِسيّةِ؟» فقَد بيّنّا فيما تَقدَّمَ أنّه قد(9)صَرَّحَ بمعنىٰ ذلكَ بالعَرَبيّةِ و قالَ : «أصَبتم و أخطأتم» و فَسَّرَ أيضاً هذا الكلامَ و صَرَّحَ بمعناه(10). و قد يَجوزُ أن يَجمَعَ في إنكارِه بَينَ الفارِسيّةِ و العَرَبيّةِ ؛ ليَفهَمَ إنكارَه أهلُ اللُّغتَينِ معاً؛ فلَم يُخاطِبْ علىٰ هذا العَرَبَ بالفارِسيّةِ (11).


1) . تقدّم في ج 3، ص 42، و ج 4، ص 163 و ما بعدها.

2) . في «ج، د، ص، ف»: «قد ألجأه».

3) . في التلخيص: «أن تُلجئ».

4) . في التلخيص: «في أفعاله».

5) . هكذا في النسخ. و في المطبوع و المغني - كما تقدّم -: «كرديد و نكرديد» إلّاأنّ الياء في المغني غير منقوطة. و هكذا في الموارد الآتية.

6) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «بل لأنّ ».

7) . أنساب الأشراف، ج 1، ص 591؛ الرسالة العثمانيّة، ص 180؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 6، ص 43، و ج 18، ص 39؛ الاحتجاج، ج 1، ص 76، و ج 2، ص 383؛ بناء المقالة الفاطميّة، ص 357.

8) . في «ج» و المطبوع: «فكيف». و في «ب»: «و كيف».

9) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «قد».

10) . تقدّم ذلك في ص 143.

11) . و يجوز أنّ سلمان استولىٰ عليه الغضب و الانفعال، و الإنسان في مثل هذه الحال ينسى العادة و يرجع إلى الطبيعة.

فأمّا قولُه: «كَيفَ رَوَوه» - و استدلالُه علىٰ أنّ راويَه(1)واحدٌ؛ مِن حَيثُ لا يَجوزُ أن(2)يَرويَه إلّامَن فَهِمَ الفارِسيّةَ - فطَريفٌ ؛ لأنّ الشيءَ قد يَرويهِ مَن لا يَعرِفُ معناه؛ فلَعلَّ الناقلينَ لهذا الكلامِ كانوا جَميعاً أو كانَ أكثَرُهم لا يَفهَمونَ معناه، غيرَ أنّهم سَمِعوا شَيئاً فنَقَلوه(3)، و فَهِمَ معناه مَن عَرَفَ اللُّغةَ أو أخبَرَه عنه مَن يَعرِفُها(4).

فأمّا استدلالُه بقَولِه: «كَرداد» علىٰ أنّ الإمامةَ قد ثَبَتَت و صَحَّت، فباطلٌ‌؛ لأنّه أرادَ بقَولِه «كَرداد»: فَعَلتم، و بقَولِه «نكَرداد»: لَم تَفعَلوا، و المعنىٰ‌: أنّكم عَقَدتم لِمَن لا يَصلُحُ للأمرِ و لا يَستَحِقُّه، و عَدَلتم عن المُستَحِقِّ‌. و هذه عادةُ الناسِ في إنكارِ ما يَجري علىٰ غيرِ وجهِه(5)لأنّهم يَقولونَ‌: «فَعَلَ فُلانٌ‌، و لَم يَفعَلْ‌» و المُرادُ ما ذَكرناه.

و قد صَرَّحَ سَلمانُ‌(6)- علىٰ ما رُويَ عنه(7)- بمعنىٰ قولِه فقالَ (8): «أصَبتم سُنّةَ الأوّلينَ (9)، و أخطأتم أهلَ بَيتِ نَبيِّكم»(10)، فقَد فَسَّر بالعَرَبيّةِ معنىٰ كلامِه بالفارِسيّةِ .

فأمّا حَملُه لكلامِه علىٰ أنّ المُرادَ به: «أصَبتم الحَقَّ و أخطأتم المَعدِنَ ؛ لأنّ عادةَ


1) . في «د»: «رواته».

2) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: - «أن».

3) . في «د» و التلخيص: «غير أنّهم نقلوا ما سمعوا».

4) . من قوله: «فلعلّ الناقلين لهذا الكلام...» إلى هنا سقط من المطبوع.

5) . في «د»: «غير وجه».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: + «رحمه اللّٰه».

7) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «عنه».

8) . في المطبوع و الحجري: - «فقال».

9) . في المطبوع و الحجري: «أصبتم الحقّ ».

10) . كتاب سليم بن قيس الهلالي، ج 2، ص 595، ح 4؛ السقيفة و فدك، ص 43؛ الاحتجاج، ج 1، ص 85؛ كشف المحجّة، ص 244؛ المصنّف لابن أبي شيبة، ج 8، ص 586، ح 2؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 2، ص 49، مع اختلاف يسير في الألفاظ.

الفُرسِ أن لا تُزيلَ المُلكَ‌(1)عن أهل بَيتِ (2)المَلِكِ » فالذي يُبطِلُه تفسيرُ سَلمانَ لكلامِ نفسِه؛ فهو أعرَفُ بمعناه. علىٰ أنّ سَلمانَ (3)كانَ أتقىٰ للّٰهِ و أعرَفَ به مِن أن يُريدَ مِن المُسلِمينَ أن يَسلُكوا سُنَنَ الأكاسِرةِ و الجَبابِرةِ ، و يَعدِلوا عمّا شَرَعَه لهم نبيُّهم صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(4).

فأمّا تَولّيهِ‌(5)لعُمَرَ المَدائنَ‌: فمحمولٌ علَى التقيّةِ‌، و ما اقتَضىٰ‌(6)إظهارَ البَيعةِ و الرضا يَقتَضيهِ‌(7).

و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ‌: و أيُّ تَقيّةٍ في الوِلاياتِ؟

لأنّه غيرُ مُمتَنِعٍ أن يُعرَضَ عليه هذه الوِلايةُ ليُمتَحَنَ‌(8)بها، و يَغلِبَ في ظَنِّه أنّه إن(9)عَدَلَ عنها و أباها نُسِبَ إلَى الخِلافِ‌، و اعتُقِدَت فيه العَداوةُ ، و لَم يأمَنِ المكروهَ . و هذه حالٌ توجِبُ عليه أن يَتولّىٰ ما عُرِضَ عليه؛ فالتقيّةُ تُبيحُ مِثلَ ذلكَ و أكثَرَ منه.

و كذلكَ الكلامُ في تَولّي عَمّارٍ(10)الكوفةَ ، و نُفوذِ المِقدادِ في بُعوثِ القومِ (11).


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «الملك».

2) . في «ب» و المطبوع: «أهل البيت». و ما أثبتناه مطابق لسائر النسخ و التلخيص.

3) . في «د»: + «رحمه اللّٰه».

4) . في «ج، ص، ف»: «عليه السلام».

5) . في المطبوع و الحجري: «و أمّا» بدل «فأمّا». و في «ب، ص، ف»: «توليته» بدل «تولّيه».

6) . هكذا في «ج» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و ما اقتضاه».

7) . في «د»: يقتضي ذلك.

8) . هكذا في «د». و في التلخيص: «هذه الولايات ليمتحن». و في سائر النسخ و المطبوع: «ليمتحنه» بدل «هذه الولاية ليمتحن».

9) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «أنّ من» بدل «أنّه إن».

10) . في «د» و التلخيص: + «رحمة اللّٰه عليه».

11) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «القوّة».

فأمّا ما رَواه عن أبي ذّرٍّ مِن التعظيمِ و التقريظِ للقومِ‌، و ظَنُّه أنّ ذلكَ يُعارِضُ ما ينقُلُه(1)عنه و عن أمثالِه مِن الخِلافِ‌: فظاهرُ البُطلانِ ؛ لأنّه لا يَمتَنِعُ (2)إذا صَحَّ ما رَواه

عنه أن يَكونَ محمولاً علَى التقيّةِ ؛ لأنّ الحالَ التي مُنوا بها و دُفِعوا إليها كانَت تَقتَضي أمثالَ ما ذلكَ (3). و ما رَوَيناه عنهم مِن الأخبارِ التي تَتضمَّنُ الخِلافَ و النَّكيرَ لا يَصدُرُ إلّاعن نيّةٍ و اعتقادٍ؛ فالحكمُ لها، و لا يُعارِضُ شيئاً منها ما رَوَوه(4)لِما ذَكرناه.

فأمّا(5)الفَرقُ بَينَ الخبرِ المَرويِّ عن رسولِ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه في أبي ذَرٍّ، و بَينَ ما رُويَ مِن قولِه: «اقتَدوا باللَّذَينِ مِن بَعدي» و غيرِه فظاهرٌ؛ لأنّ خبرَ أبي ذَرٍّ يَرويهِ الخاصّةُ و العامّةُ ، و يَنقُلُه الشيعيُّ و الناصِبيُّ ، و لَم يَرُدَّه أحَدٌ مِن الأُمّةِ و لا طَعَنَ فيه، و لا قَدَحَ في تأويلِه و لا ناقِليه؛ و لَيسَ شَيءٌ مِن هذا موجوداً في الأخبارِ التي عارَضَ بها.

النقض على القاضي فيما نقله من وجوه لإبطال الإجماع علىٰ إمامة معاوية

فأمّا الجوابُ عن المُعارَضةِ بإمامةِ مُعاويةَ و الاتّفاقِ عليها بأنّه لا يَصلُحُ للإمامةِ لكَذا و كَذا ممّا عَدَّدَه(6): فإنّما ذلكَ تعليلٌ منه للنقضِ ؛ لأنّه إذا كانَ لا يَصلُحُ للإمامةِ ، و قد وَجَدنا في الاتّفاقِ عليه و الكَفِّ عن مُنازَعتِه و مُخالَفتِه ما وَجَدناه فيمن(7)


1) . في الحجري: «ننقله». و في المطبوع: «نقله».

2) . في المطبوع و الحجري: «لا يُمنع».

3) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «أمثال ما قلناه».

4) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «فلا يعارض شيئاً ممّا رووه» بدل «فالحكم لها، و لا يعارض شيئاً منها ما رووه».

5) . في «ب، د» و حاشية «ف»: «و أمّا».

6) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «عدّدناه».

7) . في «ب، د»: «فيما».

تَقدَّمَ ، فيَجِبُ إمّا أن يَكونَ إماماً، أو أن تَكونَ هذه الطريقةُ لَيسَت مَرضيّةً في تصحيحِ الإجماعِ ؛ و كُلُّ شَيءٍ يُبيَّنُ به أنّه(1)لا يَصلُحُ للإمامةِ يؤكِّدُ الإلزامَ و يؤيِّدُه.

و قولُه: «إنّ الإجماعَ إنّما يَدُلُّ علىٰ ثُبوتِ ما يَصِحُّ‌» صَحيحٌ‌، إلّاأنّه كانَ يَجِبُ أن يُبيِّنَ أنّ الإجماعَ لَم يَقَعْ هاهُنا باعتبارٍ يَقتَضي أنّ شُروطَه لَم تَتكامَلْ‌، و لا يَرجِعَ في أنّه لَم يَقَعْ - مع تَكامُلِ شُروطِه و أسبابِه - إلىٰ أنّ المُجمَعَ عليه لا يَصلُحُ للإمامةِ ؛ لأنّ ذلكَ كالمُناقَضةِ (2).

فأمّا ادّعاؤه القَهرَ و الغَلبةَ‌: فممّا يَقولُ فيه المُخالِفُ له(3)في إمامةِ مُعاويَةَ [كمِثلِ‌](4)ما قاله هو لنا فيما تَقدَّمَ‌؛ مِن أنّ القَهرَ و الغَلَبةَ لا بُدَّ لهُما مِن أسبابٍ تَظهَرُ و تُنقَلُ و تُعلَمُ‌، فلَو كانَت(5)هُناكَ غَلَبةٌ لَعَلِمَها الناسُ كُلُّهم علىٰ سَواءٍ‌، فإنِ ادَّعىٰ شَيئاً ممّا نُقِلَ في هذا المعنىٰ لَم يَلتَفِتْ إليه مُخالِفُه، و قالَ له: «لَو كانَ ذلكَ صَحيحاً، لَنُقِلَ إلَيَّ‌

و عَلِمتُه كما عَلِمتَه»، و قابَلَه في هذا المَوضِعِ بمِثلِ ما يُقابِلُنا صاحبُ الكتابِ بِه(6)في إمامةِ مَن تَقدَّمَ‌؛ حَذوَ النعلِ بالنعلِ‌. و لَهذا يَقولُ مَن يَنتَسِبُ (7)إلَى السُّنّةِ منهم: إنّ


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «يبيّن أنّه لأجله».

2) . في التلخيص: + «و إن رضوا بهذا القول فالشيعة أيضاً تقول: إنّ من تقدّم علىٰ أمير المؤمنين عليه السلام لا يصلح للإمامة، و الإجماع يجب أن يقع علىٰ ما يصحّ ، دون ما لا يصحّ ؛ مثل ما قلتموه سواء».

3) . هكذا في «د». و في «ب، ج، ص، ف» و الحجري: «فممّا يقول له المخالف له في الإمامة». وفي المطبوع: «فما يقوله المخالف له في الإمامة».

4) . ما بين المعقوفين من التلخيص.

5) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «كان».

6) . هكذا في «د» و التلخيص، إلّاأنّ في التلخيص: - «به». و في سائر النسخ و المطبوع: «بمثل ماقابلنا صاحب الكتاب».

7) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «ينسب».

إبطالَ إمامةِ مُعاويةَ و الوقيعةَ فيه طَريقٌ مَهْيَعٌ‌(1)لأهلِ الرفضِ إلَى القَدحِ في إمامةِ مَن تَقدَّمَ (2). و قولُهم: «إنّ مُعاويةَ كالحَلقةِ للبابِ »، يُريدونَ بذلكَ أنّ قَرعَ الحَلقةِ (3)طَريقٌ إلَى الوُلوجِ و سببٌ إلى الدخولِ (4).

فأمّا ادّعاؤه مِن اشتهارِ الخِلافِ مِن الحَسَنِ و الحُسَينِ عليهما السلامُ و فُلانٍ و فُلانٍ‌، و أنّهم كانوا يُظهِرونَ ذَمَّه و الوقيعةَ فيه: فيُقالُ له: مِن أينَ عَلِمتَ هذا الذي ادَّعَيتَه: بالضرورةِ‌(5)- علىٰ ما لَوَّحتَ -، أو بالاستدلالِ‌(6)؟

فإن قالَ‌: بالضرورةِ‌.

قُلنا: و ما بالُ عِلمِ الضرورةِ يَخُصُّكَ‌، دونَ مُخالِفيكَ‌(7)، و هُم أكثَرُ عَدَداً مِنكَ ، و آنَسُ بالأخبارِ(8)و نَقَلةِ (9)الآثارِ؟ و لَئن جازَ لكَ أن تَدَّعيَ علىٰ مُخالِفيكَ (10)في هذا البابِ دَفعَ الضرورةِ - مع عِلمِكَ بكَثرةِ عَدَدِهم و تَديُّنِ أكثَرِهم - لِيَجوزَنَّ للشيعةِ التي تُخالِفُكَ في إمامةِ مَن تَقدَّمَ أن تَدَّعيَ الضرورةَ عليكَ في العِلمِ بإنكارِ


1) . طريقٌ مَهْيَعٌ : واضحٌ واسعٌ بيّن. لسان العرب، ج 8، ص 378 (هيع).

2) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «تقدّمه».

3) . في التلخيص: «قرع الباب».

4) . هكذا في «د» و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «و سبيل للدخول». و في سائر النسخ: «و سبب للدخول».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «ضرورة».

6) . في التلخيص: «أ بضرورة، أم باستدلال».

7) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و ما بال علم الضرورة لا يحصل لمخالفك و يحصل لك، دونهم».

8) . في «ب»: «و أبين بنقل الأخبار».

9) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و نقل».

10) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «مخالفك».

أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ و أهلِه و شيعتِه، ظاهراً و باطناً، علَى المُتقدِّمينَ عليه، و أنّه كانَ يَتظلَّمُ و يَتألَّمُ مِن سَلبِ حَقِّه و الدفعِ له عن مَقامِه؛ و هَيهاتَ أن يَقَعَ بَينَ الأمرَينِ فَصلٌ‌.

فإن قالَ‌: أعلَمُ ذلكَ بالاستدلالِ‌.

قُلنا: اذكُرْ أيَّ طَريقٍ شئتَ في تصحيحِ ما ادَّعَيتَه مِن إنكارِ مَن سَمَّيتَه و وَصَفتَه، حتّىٰ نُبيِّنَ‌(1)بمِثلِه صِحّةَ ما رَوَيناه في الإنكارِ علىٰ مَن تَقدَّمَ‌؛ فإنّكَ لا تَروي في ذلكَ إلّاأخباراً نَقَلتَها أنتَ و مَن وافَقَكَ‌، و يَدفَعُها مُخالِفُكَ و يَدَّعي(2)أنّها مِن رِوايةِ أهلِ الرفضِ و دَسيسِ مَن قَصدُه الطعنُ في السلَفِ‌، و يَقولُ‌(3)فيمن يَروي هذه الأخبارَ و يَنقُلُها(4)أكثَرَ ممّا تَقولُه(5)أنتَ و أصحابُكَ فيمن يَروي ما ذَكرناه مِن الأخبارِ.

علىٰ أنّ الظاهرَ الذي لا يُمكِنُ أن يُدفَعَ : أنّ القومَ الذينَ سَمّاهم و زَعَمَ أنّهم كانوا يُواجِهونَه بالخِلافِ و الإنكارِ، إنّما كانوا يَفتَخِرونَ عليه في النَّسَبِ (6)و ما جَرىٰ مَجراه، و كانَت تَجري بَينَ القومِ مُفاضَلةٌ و مُفاخَرةٌ لا ذِكرَ للإمامةِ فيها. و ما كانَ ذلكَ إلّابتَعرُّضٍ مِن مُعاويةَ له؛ فإنّه(7)كانَ رجُلاً عِرّيضاً(8)يُريدُ أن يُتحدَّثَ عنه


1) . في «د»: «حتّىٰ يتبيّن».

2) . في «ج، ص، ف»: «و تدّعي».

3) . هكذا في المطبوع و الحجري و التلخيص. و في النسخ: «و نقول».

4) . هكذا في «ب، د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و يقبلها».

5) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «ممّا تقول».

6) . في التلخيص: «بالنسب».

7) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و إنّه».

8) . رجلٌ عِرّيضٌ : إذا كان يتعرّض للناس بالشرّ. تهذيب اللغة، ج 1، ص 295 (عرض).

بالحِلمِ‌، فكانَ‌(1)دائباً يَتحكَّكُ‌(2)بمن يَعلَمُ أنّه لا يَحتَمِلُه، حتّىٰ يَصدُرَ منه(3)مِن الكلامِ ما يُغضي(4)عليه و يُعرِضُ عنه، فيَكونُ ذلكَ داعياً إلىٰ وصفِه بالحِلمِ‌. و ما كانَ في جميعِ مَن ذَكَرَه ممّن كانَ قابَلَه(5)بغَليظِ الكلامِ و شَديدِه(6)إلّامَن يُخاطِبُه بإمرةِ المؤمنينَ في الحالِ ، و يأخُذُ عطاءَه، و يَتعرَّضُ (7)لجَوائزِه و نَوافلِه؛ فأيُّ إنكارٍ كانَ مع ما ذَكرناه ؟

مناقشة ما رَدَّ به القاضي حصولَ الإجماع علىٰ قتل عثمان

فأمّا ما اعتَمَدَه في جوابِ مُعارَضةِ مَن عارَضَه بالإجماعِ علىٰ قَتلِ عُثمانَ مِن ذِكرِ الغَلَبةِ‌(8):

فلَيسَ الغَلَبةُ بأكثَرَ مِن استيلاءِ الجَمعِ الكثيرِ، الذينَ (9)تُخشىٰ سَطوَتُهم، و تُخافُ بادِرتُهم(10)، و هذه كانَت حالَ مَن عَقَدَ الإمامةَ لأبي بَكرٍ؛ لأنّ أكثَرَ الأُمّةِ تَولّاها و مالَ إليها، و اعتَقَدَ أنّها السُّنّةُ و ما يُخالِفُها البِدعةُ ؛ فأيُّ غَلَبةٍ هي أوضَحُ ممّا ذَكرناه ؟ و كَيفَ يَدَّعي الغَلَبةَ في قَتلِ عُثمانَ و عندَهم أنّ الذينَ تَولَّوا قَتلَه


1) . هكذا في «ب، د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و كان».

2) . التَّحَكُّك: التحرّش و التعرّض. و إنّه لَيَتَحَكَّكُ بك، أي يتعرّض لشرّك. لسان العرب، ج 10، ص 414 (حكك).

3) . هكذا في «ب، د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «لا يتحمّله حتّىٰ يرد منه».

4) . في «ب، ج، ص»: «ما يقضي». و في «د»: «ما يعصي».

5) . في التلخيص: «يقابله».

6) . في «د»: «و تشديده».

7) . تَعَرَّضَ له: تصدّىٰ . القاموس المحيط، ج 2، ص 514 (عرض).

8) . في المطبوع و الحجري: - «الغلبة».

9) . هكذا في التلخيص. و في «ب، د، ف»: «الذي». و في «ج، ص» و المطبوع و الحجري: - «الذين».

10) . في النسخ: «يُخشى سطوتهم، و يُخاف بادرتهم». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و الحجري و التلخيص.

و باشَروا حَربَه نَفَرٌ مِن أهلِ مِصرَ، التَفَّ بِهم قومٌ أوباشٌ مِن أهلِ المَدينةِ ممّن يُريدُ الفِتنةَ و يَكرَهُ الجَماعةَ‌، و أنّ أكابِرَ المُسلِمينَ و وجوهَ الأنصارِ و المُهاجِرينَ - و هُم أكثرُ(1)أهلِ المَدينةِ ، و عليهم مَدارُ أمرِها، و بِهم يَتِمُّ الحَلُّ و العَقدُ فيها - كانوا لذلكَ كارِهينَ ، و علىٰ مَن أتاه مُنكِرينَ ؛ فأيُّ غَلَبةٍ تَكونُ مِن القَليلِ علَى الكَثيرِ، و الصغيرِ علَى الكَبيرِ؟ لَولا أنّ أصحابَنا يَدفَعونَ الكلامَ في الإمامةِ بما سَنَحَ و عَرَضَ ،

مِن غيرِ فِكرٍ(2)في عَواقبِه و نَتائجِه!

فأمّا تَعلُّقُه بمَنعِ عُثمانَ مِن القِتالِ‌(3)فعَجيبٌ‌، و أيُّ عُذرٍ(4)في مَنعِ عُثمانَ لمَن قَعَدَ عن نُصرتِه، و خَلّىٰ بَينَه و بَينَ الباغينَ عليه، و النهيُ عن المُنكَرِ واجبٌ و إن مَنَعَ منه مَن يَجري ذلكَ المُنكَرُ عليه‌؟ و كَيفَ لَم يَمتَنِعْ‌(5)مِن القِتالِ لأجلِ مَنعِ عُثمانَ منه مَن كانَ معه في الدارِ مِن أقارِبِه(6)و عَبيدِه و هُم له أطوَعُ ، و بأن(7)يَنتَهوا إلىٰ أمرِه أَولىٰ؟ و كَيفَ لَم يُطِعْه في المَنعِ مِن النهيِ عن المُنكَرِ(8)و الصبرِ علىٰ إيقاعِ الفِتنةِ إلّا(9)المُهاجِرونَ و الأنصارُ، دونَ أهلِه و(10)عَبيدِه ؟


1) . في «د»: «كُبراء».

2) . في التلخيص: «ممّا يسنح و يعرض، من غير نكير».

3) . في «د»: «القتل».

4) . هكذا في «ب، د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «علّة».

5) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «يمتنع» بدل «لم يمتنع».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «و ألّا منع من كان معه في الدار من أقاربه» بدل «و إن منع منه من يجري ذلك المنكر عليه ؟ و كيف...» إلىٰ هنا.

7) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و أن».

8) . هكذا في «د». و في التلخيص: «لم يطعه في المنع من المنكر». و في سائر النسخ و المطبوع: «لم يطعه في النهي عن المنكر».

9) . في المطبوع: + «ما»، و هو سهو.

10) . في «ب، ج، ص، ف»: - «أهله و».

فأمّا ذِكرُه إنكارَ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ لذلكَ‌، و بَعثَه الحَسَنَ و الحُسَينَ عليهما السلامُ للنُّصرةِ و المُعاوَنةِ‌(1): فالذي هو معروفٌ أنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ كانَ يُنكِرُ قَتلَه و يَبرأُ مِن ذلكَ في أقوالٍ محفوظةٍ معروفةٍ‌(2)لأنّ قَتلَه مُنكَرٌ لا شَكَّ فيه، و لَم يَكُن لِمَن(3)تَولّاه أن يُقْدِمَ عليه(4).

فأمّا حَصرُه و مُطالَبتُه بخَلعِ نفسِه و تسليمِ مَن كانَ سببَ الفِتنةِ ممّن كانَ في جِهتِه: فما يُحفَظُ عن أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ في ذلكَ إنكارٌ؛ بَل الظاهرُ أنّه كانَ بذلكَ راضياً، و لخِلافِه(5)ساخِطاً. و كَيفَ لا يَكونُ كذلكَ؟ و هو الذي قامَ بأمرِه في الدُّفعةِ الأُولىٰ ، و تَوسَّطَ(6)، حتّىٰ جَرَى الأمرُ علىٰ إرادتِه - بَعدَ أن كادَ يَخرُجُ (7)الأمرُ إلىٰ ما خَرَجَ إليه في المَرّةِ الثانيةِ - و ضَمِنَ لخُصومِه عنه الإعتابَ (8)و الجَميلَ ،


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «و المغالبة».

2) . يشهد لذلك جوابه لابن عبّاس - و قد حمل إليه رسالةً من عثمان و هو محصور، يسأله فيهاالخروج إلىٰ ماله بينبع -: «يابن عبّاس، ما يريد عثمان إلّاأن يجعلني جملاً ناضحاً بالغرب، أُقبل و أُدبر، بعث إليّ أن أخرج، ثمّ بعث إليّ أن أقدم، ثمّ هو الآن يبعث إليّ أن أخرج، و اللّٰه لقد دفعتُ عنه حتّىٰ خشيتُ أن أكون آثماً». (شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 13، ص 296). و أخرج البلاذري في الأنساب من طريق أبي خلدة: أنّه سمع عليّاً عليه السلام يقول - و هو يخطب، فذكر عثمان، فقال -: «و اللّٰه الذي لا إله إلّاهو، ما قتلتُه و لا مالأتُ علىٰ قتله، و لا ساءني». (أنساب الأشراف، ج 5، ص 592).

3) . في المطبوع و الحجري: «ممّن».

4) . في التلخيص: «أن يقوم به».

5) . في التلخيص: «و بخلافه».

6) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و توسّطه».

7) . هكذا في النسخ و الحجري و التلخيص. و في المطبوع: «أن يخرج».

8) . الإعتاب: الرضا، و يقال: أعتبه: إذا عاد إلىٰ مسرّته. راجع: الصحاح، ج 1، ص 176؛ شمس العلوم، ج 7، ص 4364 (عتب).

و كانَ‌(1)ذلكَ سبباً لتُهمتِه عليه السلامُ و مُشافَهتِه بأنّه(2)لا يُتَّهَمُ سِواه؛ فمضىٰ عليه السلامُ مِن فَورِه، و جَلَسَ في بَيتِه، و أغلَقَ بابَه.

فأمّا بَعثُ الحَسَنِ و الحُسَينِ عليهما السلامُ‌: فما نَعرِفُه في جُملةِ ما يُدَّعىٰ‌، و الذي كانوا يَدَّعونَه أنّه بَعَثَ الحَسَنَ عليه السلامُ‌(3)و في(4)ذلكَ نظرٌ. و لَو كانَ مُسلَّماً لا خِلافَ فيه لَكانَ إنّما بَعَثَه(5)للمَنعِ مِن الانتهاءِ بالرجُلِ إلَى القَتلِ ، و لأنّهم كانوا حَصَروه و مَنَعوه الطعامَ و الشرابَ و في دارِه حَرَمٌ و أطفالٌ و مَن لا تَعلُّقَ له

بهذا الأمرِ؛ و هذا مُنكَرٌ يَجِبُ علىٰ مِثلِ (6)أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ دَفعُه.

و لَو(7)كانَ أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ و طَلحةُ و الزُّبَيرُ و فُلانٌ و فُلانٌ كارِهينَ لكُلِّ ما جَرىٰ (8)لَما وَقَعَ شَيءٌ منه، و لَكانوا يَمنَعونَ مِن جميعِه(9)باليَدِ و اللسانِ و السَّيفِ .

فأمّا قولُه: «و كَيفَ يُدَّعَى الإجماعُ و عُثمانُ نفسُه مع شيعتِه و أقاربِه خارجونَ منه ؟» فطَريفٌ ؛ لأنّه إن لَم يَكُن في هذا الإجماعِ إلّاخُروجُ عُثمانَ (10)عنه، فبإزائه


1) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «فكان».

2) . هكذا في الحجري و التلخيص. و في «د»: «و مشافهته له بأنّه». و في المطبوع: «أنّه» بدل «بأنّه». و في «ب، ج، ص، ف»: «بأن» بدل «بأنّه».

3) . هكذا في «د» و التلخيص. و لم يرد في سائر النسخ و المطبوع قوله: «فما نعرفه في جملة مايدّعىٰ ، و الذي كانوا يدّعونه أنّه بعث الحسن عليه السلام».

4) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «ففي».

5) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «بعثهما».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: - «مثل».

7) . هكذا في «د» و المطبوع. و في سائر النسخ و المطبوع: «رفعه فلو».

8) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «لما جرى».

9) . في التلخيص: «و لكانوا متمكّنين من دفعه».

10) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «إلّا خروجه».

خُروجُ سَعدِ بنِ عُبادةَ و أهلِه و ولدِه(1)مِن الإجماعِ علىٰ إمامةِ أبي بَكرٍ ممّن قالَ صاحبُ الكِتابِ‌: إنّي لا أعتَدُّ(2)بخُروجِه إذا كانَ في مُقابَلتِه جَميعُ الأُمّةِ‌.

فأمّا الذينَ كانوا مع عُثمانَ في الدارِ: فلَم يَكُن معه مِن أهلِه إلّاظاهرُ الفِسقِ عَدُوُّ اللّٰهِ‌(3)تَعالىٰ - كمَروانَ و ذَويهِ ممّن لا يُعتَبَرُ بخُروجِه(4)عن الإجماعِ لارتفاعِ الشُّبهةِ في أمرِه - أو عَبيدٌ أَوباشٌ‌(5)طَغامٌ‌(6)لا يُفرِّقونَ بَينَ الحَقِّ و الباطلِ ، و لا يَكونُ خِلافُ مِثلِهم قادحاً في الإجماعِ .

و إذا بَلَغنا في هذا البابِ إلىٰ أن لا نَجِدَ مُنكِراً مِن جَميعِ الأُمّةِ إلّاعَبيدَ عُثمانَ و النفَرَ مِن أقاربِه الذين حُصِروا(7)في الدارِ، فقَد سَهُلَت القِصّةُ ، و لَم يَبقَ فيها شُبهةٌ .

فأمّا قولُه عن أبي عليٍّ : «إنّ هذا طَريقٌ إلىٰ إبطالِ الإجماعِ في كُلِّ مَوضِعٍ »: فقَد بيّنّا أنّ الأمرَ علىٰ خِلافِ ما ظَنَّه، و أنّ الإجماعَ يَثبُتُ و يَصِحُّ بطُرُقٍ صَحيحةٍ لَيسَت موجودةً فيما ادَّعَوه؛ و لا طائلَ في إعادةِ ما مضىٰ .

مناقشة ما تأوّله القاضي لإثبات رضا أمير المؤمنين عليه السلام بإمامة المتقدّمين عليه

فأمّا تأويلُه ما رُويَ عنه عليه السلامُ في قولِه: «وَ اللّٰهِ ، لقَد تَقمَّصَها ابنُ أبي قُحافةَ » علىٰ أنّ المُرادَ بذلكَ أنّه أهلٌ لها و أصلَحُ (8)منه للقيامِ بها:


1) . في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص: «ولده و أهله».

2) . في «د»: «لا أعتقد».

3) . في «ب»: «عدوٌّ للّٰه». و في المطبوع: «عدوّاً للّٰه».

4) . هكذا في «ب، د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «خروجه».

5) . في «ب، ج، ص، ف» و المطبوع و الحجري: «أدناس».

6) . الطَّغام: أراذل الناس، و من لا عقل له و لا معرفة. النهاية، ج 3، ص 128؛ لسان العرب، ج 12، ص 368 (طغم).

7) . في «ب، ف» و المطبوع و الحجري: «حضروا».

8) . في المطبوع: «واضح»، و هو سهو.

فأوّلُ ما فيه: أنّ هذا التأويلَ - علىٰ بُعدِه - لا يُمكِنُه في غيرِ هذا اللفظِ مِن الألفاظِ المَرويّةِ عنه عليه السلامُ‌، و هي كَثيرةٌ‌، و قد ذَكرنا منها طَرَفاً.

ثُمّ هو مع ذلكَ فاسدٌ؛ لأنّ مَن كانَ أهلاً للأمرِ و مَوضِعاً له لا يُطلَقُ عليه(1)مِن الألفاظِ(2)ما هو موضوعٌ‌(3)للاستحقاقِ المخصوصِ و(4)التفرُّدِ بالأمرِ و التميُّزِ(5)لأنّ‌

قولَ القائلِ‌: «أنا مكانُ القُطبِ مِن الرَّحىٰ‌» يَقتَضي ظاهرُه(6)أنّ غيرَه لا يَقومُ فيه مَقامَه؛ كَما أنّ غيرَ القُطبِ لا يَقومُ مَقامَ (7)القُطبِ ؛ و لا يُفهَمُ مِن هذا الكلامِ (8)أنّه أهلٌ له و مَوضِعٌ ، و لا هو مِثالُ مَن يُريدُ الإخبارَ عن المعنَى الذي ذَكَرَه(9).

فأمّا قولُه: «إنّ القُطبَ لا يَستَقِلُّ بنَفسِه، و لا بُدَّ في تَمامِه مِن الرَّحىٰ‌» فأوّلُ ما فيه أنّه تأوُّلٌ‌(10)في اللغةِ ، و تحميلُ (11)الألفاظِ ما لَم يوضَعْ (12)له؛ لأنّ عُرفَ أهلِ اللغةِ جارٍ(13)باستعمالِ لفظِ «القُطبِ » في المَوضِعِ الذي ذَكرناه و عندَ إرادةِ أحَدِهم


1) . هكذا في التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «عليه».

2) . في التلخيص: + «إلّا».

3) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع: «موضع».

4) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع: «أو».

5) . في التلخيص: «بالأمر و النهي».

6) . هكذا في «د» و التلخيص. و في «ب، ج، ص، ف»: «يقتضي ذلك». و في المطبوع و الحجري: «يقتضي ما فيه».

7) . في «د»: «مكان».

8) . في التلخيص: + «إلّا».

9) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «ذكرناه».

10) . في التلخيص: «تأويل».

11) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و تحمّل».

12) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع: «ما لم توضع».

13) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «جاء».

أن يُخبِرَ عن نِهايةِ الاستحقاقِ و التفرُّدِ بالأمرِ الذي لا يَقَعُ فيه مُشارَكةٌ ؛ فتأوُّلُه مع المَعرِفةِ بمُرادِهم في هذه اللفظةِ لا معنىٰ له.

علىٰ أنّ القُطبَ أشَدُّ استقلالاً بنَفسِه مِن باقي الرَّحىٰ ؛ لأنّه يُمكِنُ أن يَتحرَّكَ و يَدورَ مِن غيرِ أن يَتَّصِلَ به شَيءٌ ، و باقي الرَّحىٰ لا يُمكِنُ حركتُه(1)علىٰ سَبيلِ الدَّورِ إلّابقُطبٍ .

فأمّا الإضافةُ إلىٰ كُنيةِ أبيه: فممّا لا نَعتَبِرُه(2)في الخبرِ، و علىٰ كُلِّ حالٍ فلَيسَ ذلكَ صُنعَ (3)مَن يُريدُ التعظيمَ و التبجيلَ ، و قد كانَت لأبي بَكرٍ عندَهم مِن الألقابِ الجَميلةِ ما يَقصِدُ إليه مَن يُريدُ تعظيمَه(4).

و قولُه: «إنّ رسولَ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه كانَ (5)يُنادىٰ بِاسمِه» فمَعاذَ اللّٰهِ ، ما كانَ يُناديهِ (6)بِاسمِه إلّاشاكٌّ فيه، أو جاهلٌ مِن طَغامِ الأعرابِ الذينَ لا يَعرِفونَ ما يَجِبُ عليهم في هذا البابِ .

و قولُه: «إنّ‌(7)مِن عادةِ العَرَبِ‌(8)أن يُسَمّيَ أحَدُهم صاحبَه و يُضيفَه إلىٰ أبيه مِن غيرِ إرادةِ سوءٍ » فلا شَكَّ في أنّ هذه عادةُ القومِ فيمن لا يَكونُ له مِن الألقابِ أفخَمُها و أعظَمُها، كالصِّدّيقِ و خَليفةِ رسولِ اللّٰهِ ؛ و ما نَجِدُهم(9)يَعدِلونَ عن ذِكرِ


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «لا يمكن ذلك فيه».

2) . في «ب، ف»: «لم نعتبره». و في «ج، ص»: «لم يعتبره».

3) . في التلخيص: «صنيع».

4) . في التلخيص: + «مثل: خليفة رسول اللّٰه، و الصدّيق، و غير ذلك. فهلّا ذُكر شيء من ذلك ؟».

5) . في المطبوع و الحجري: - «كان».

6) . في «ف» و المطبوع و الحجري: «ينادي».

7) . في المطبوع: - «إنّ ».

8) . في «د»: «القوم».

9) . في «د»: «و ما يجدهم».

الإنسانِ بلَقَبِه العظيمِ - الذي يَدُلُّ علىٰ مَحلِّه و مَرتَبتِه - إلىٰ إضافتِه إلَى اسمِ أبيه إلّا و مَقصَدُهم(1)بذلكَ خِلافُ التعظيمِ و المَدحِ .

مناقشة وجوه أُخرى ادُّعي أنّها تدلّ علىٰ رضا أمير المؤمنين عليه السلام بإمامة المتقدّمين عليه

فأمّا قولُه: «إنّه كانَ يَجِبُ لمّا انتَهىٰ إليه الأمرُ أن يَتتبَّعَ‌(2)أحكامَ القومِ‌، و يَنقُضَ‌(3)ما يَجِبُ أن يُنقَضَ منها» فهو مِن عُمَدِهم التي يَعتَمِدونَها، و رُبَّما أضافوا إليها أنّه نَكَحَ سَبيَهم؛ فإنّ الحَنَفيّةَ كانَت سَبيّةً‌، و أنّه أقامَ الحَدَّ بَينَ أيديهِم، و زَوَّجَ بعضَهم بِنتَه مِن فاطمةَ عليهما السلامُ‌(4)، و يَقولونَ‌: كُلُّ ذلكَ دالٌّ‌(5)علَى الوِلايةِ و خِلافِ العَداوةِ‌، فكَيفَ‌(6)يَستَبيحُ مِن الحَنَفيّةِ ما استَباحَه بسَبيِ مَن لا يَجوزُ سَبيُه و لا يَجِبُ طاعتُه(7)؟ و كَيفَ يُزوِّجُ مُرتَدّاً بِنتَه(8)؟

و نَحنُ نَذكُرُ الوجهَ في ذلكَ شَيئاً فشَيئاً، فنَقولُ‌: إنّا قد بيّنّا فيما مضىٰ مِن كلامِنا أنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ كانَ مُنذُ قَبَضَ اللّٰهُ نَبيَّه في حالِ تَقيّةٍ و مُداراةٍ و مُدافَعةٍ (9)لاستيلاءِ مَن استَبَدَّ بالأمرِ عليه، و لِما اتَّفَقَ مِن الأُمورِ التي بيّنّاها مُجمَلةً


1) . في «د»: «و قصدهم».

2) . في «ب، ص، ف»: «أن يتبع».

3) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «فينقض».

4) . هكذا في «د». و في المطبوع و الحجري: «و زوّج ابنته من فاطمة بعضهم». و في سائر النسخ كما في المطبوع، إلّاأن فيها «بنته» بدل «ابنته».

5) . في «د»: «دلالة».

6) . في «د»: «و كيف».

7) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع و الحجري: «بسبي من لا يجوز طاعته»، إلّاأنّ في المطبوع: «لا تجوز» بدل «لا يجوز».

8) . في المطبوع و الحجري: «ابنته».

9) . في حاشية «ج»: «و مرافقة». و دافَعَ عنه الأذىٰ : أبعَدَه و نَحّاه.

و مُفصَّلةً‌. فلمّا قُتِلَ عُثمانُ و أفضَى الأمرُ إليه لَم يُفضِ الأمرُ(1)إليه مِن الوجهِ الذي استَحَقَّه؛ لأنّهم إنّما عَقَدوا(2)له الإمامةَ بالاختيارِ الذي لَيسَ بطَريقٍ إلَى(3)الإمامةِ‌، و بَنىٰ أكثَرُهم هذا الاختيارَ في صِحّتِه و التوَصُّلِ إلَى الإمامةِ به(4)علَى اختيارِ مَن تَقدَّمَ‌. فكَرِهَ‌(5)أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ أن يَبرأَ مِن الأمرِ و يُقيمَ علىٰ تَركِ الدخولِ فيه فيَخرُجَ‌؛ لأنّه إذا تَمكَّنَ مِن التصرُّفِ فيما جُعِلَ إليه بطَريقٍ مِن الطرُقِ و علىٰ وجهٍ مِن الوجوهِ‌، فعَلَيه أن يَتصرَّفَ و يُقيمَ بما أَوجَبَ اللّٰهُ تَعالىٰ عليه(6)أن يُقيمَه، و كَرِهَ أن يُعرِّفَهم أنّ إمامتَه لَم تَثبُتْ باختيارِهم، و أنّه عليه السلامُ هو(7)المنصوصُ عليه مِن ابتداءِ الأمرِ، فيَقولونَ له: صَرَّحتَ بذَمِّ السلَفِ و طَعَنتَ في الأئمّةِ الثلاثةِ .

و كُلُّ سببٍ ذَكَرنا أنّه كانَ يَمنَعُه مِن المُواقَفَةِ (8)علىٰ ما ذَكرناه(9)سالِفاً فهو يَمنَعُه علىٰ أَوكَدِ الأحوالِ آنِفاً - و لَو لَم يَكُن في تصريحِه عليه السلامُ بذلكَ (10)عندَ دُعائهم له إلَى الأمرِ إلّاأنّه كانَ يَكونُ (11)سبباً لخِلافِهم عليه(12)و تَركِ تسليمِ الأمرِ


1) . هكذا في «ب، د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «الأمر».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «اعتقدوا».

3) . في «د»: - «إلى».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «بل» بدل «و بنىٰ أكثرهم هذا الاختيار في صحّته و التوصّل إلى الإمامة به».

5) . في «ج»: «و كره». و في «ص»: «ذكره».

6) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «تعالىٰ عليه».

7) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «عليه السلام هو».

8) . هكذا في «ج». و في سائر النسخ و المطبوع: «من الموافقة».

9) . في «ب، د»: «ما ذكرنا». و في «ص»: «سابقاً» بدل «سالفاً».

10) . في «ب، ج، ص، ف»: - «بذلك».

11) . في «ج» و المطبوع و الحجري: - «يكون».

12) . في «د»: «بخلافهم» بدل «لخلافهم عليه».

إليه، فلا يَتمكَّنُ ممّا لاحَ له التمَكُّنُ منه -؛ فالتقيّةُ لَم تُفارِقْه و لَم يَجِدْ منها في حالٍ مِن الأحوالِ بُدّاً(1).

و كَيفَ يَتتبَّعُ‌(2)أحكامَ القومِ‌، و العاقدونَ له الإمامةَ و المُسلِّمونَ إليه الأمرَ كانوا أولياءَهم و شيعتَهم، و ممّن يَرىٰ إمامتَهم و أنّ إمامتَه عليه السلامُ فَرعٌ علىٰ إمامتِهم،

و أنّ الطريقَ إليها مِن جِهتِهم عَرَفوه، و بهِدايتِهم سَلَكوه‌؟

و ممّا يُبيِّنُ صِحّةَ ما ذَكرناه: ما رُويَ عنه عليه السلامُ مِن قولِه في أيّامِ وِلايتِه:

«وَ اللّٰهِ‌، لَو ثُنيَ ليَ الوِسادةُ لَحَكَمتُ بَينَ أهلِ التوراةِ بتَوراتِهم، و بَينَ أهلِ الإنجيلِ بإنجيلِهم، و بَينَ أهلِ الزبورِ بزَبورِهم، و بَينَ أهلِ الفُرقانِ بفُرقانِهم، حتّىٰ يَزهَرَ(3)كُلُّ كتابٍ و يَقولَ‌: يا رَبِّ‌، إنّ عليّاً قَضىٰ بقَضائكَ‌»(4).

و قولِه عليه السلامُ لقُضاتِه و قد سألوه بماذا نَحكُمُ‌(5)؟ فقالَ عليه السلامُ‌:

«احكُموا بما كنتم تَحكُمونَ‌، حتّىٰ يَكونَ الناسُ علىٰ‌(6)جَماعةٍ ، أو أموتَ كما ماتَ أصحابي»(7)يَعني عليه السلامُ بذلكَ مَن تَقدَّمَت وفاتُه مِن شيعتِه؛ كأبي ذَرٍّ و غيرِه.


1) . في «د»: «فالتقيّة لم تفارقه عليه السلام و لم يخل منها في حال من الأحوال».

2) . هكذا في «ج، د». و في سائر النسخ و المطبوع: «تتّبع».

3) . في «ص» و حاشية الحجري: «حتّى يزهو».

4) . المناقب للخوارزمي، ص 91؛ تذكرة الخواصّ ، ص 25؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 56، ص 383، الرقم 7165؛ المقفَّى الكبير، ج 5، ص 22؛ مطالب السؤول، ص 111؛ فرائد السمطين، ج 1، ص 339؛ ينابيع المودّة، ج 1، ص 216 و 361، و ج 2، ص 338؛ المجالس و المسايرات، ص 379، مع اختلاف يسير.

5) . في «د»: «بماذا يحكمون».

6) . في «د»: - «علىٰ ».

7) . الفصول المختارة، ص 78 و 219؛ تهذيب الأحكام، ج 9، ص 259، ذيل الحديث 970؛ الصراط المستقيم، ج 3، ص 160؛ صحيح البخاري، ج 3، ص 1359، ح 3504؛ المصنّف لعبد

و قد بَيَّنَ أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ جُملةَ ما ذَكرناه في كلامِه المشهورِ حَيثُ يَقولُ‌: «وَ اللّٰهِ‌، لَو لا حُضورُ الناصرِ و لُزومُ الحُجّةِ ، و ما أخَذَ اللّٰهُ (1)علىٰ أولياءِ العَهدِ أن لا يَقِرّوا علىٰ كِظّةِ ظالمٍ و لا سَغَبِ مظلومٍ ، لَألقَيتُ حَبلَها علىٰ غارِبِها، و لَسَقَيتُ آخِرَها بكأسِ أوّلِها، و لَوَجَدتم دُنياكم عندي أهوَنَ مِن عَفطةِ عَنزٍ»(2). و إنّما أرادَ:

إنّي كُنتُ أستَعمِلُ في آخِرِ الأمرِ، مِن التخَلّي منه و الاعتزالِ ، ما استَعمَلتُه في أوّلِه.

فإن قيلَ : فإذا كانَ عليه السلامُ لَم يُغيِّرْ أحكامَهم للتقيّةِ ، فيَجِبُ أن تَكونَ مُمضاةً جاريةً مَجرَى الصحيحِ في وقوعِ التملُّكِ بها و غيرِه مِن الأحكامِ .

قُلنا: لا شَكَّ في أنّها(3)إذا لَم تُغيَّرْ لسببٍ (4)موجِبٍ للإمضاءِ فإنّ أحكامَها جاريةٌ

الرزّاق، ج 11، ص 329، ح 20677؛ مسند ابن الجعد، ص 181، ح 1173؛ تاريخ بغداد، ج 8، ص 42، الرقم 4098؛ أخبار القضاة، ص 472؛ جامع الأُصول، ج 1، ص 290، ح 77؛ كنز العمّال، ج 13، ص 129، ح 36409، مع اختلاف يسير في الألفاظ.


1) . في «ب، د»: «و ما أخذه».

2) . نهج البلاغة (صبحي الصالح)، ص 50، ضمن الخطبة 3 المعروفة بالشقشقيّة؛ معاني الأخبار، ص 362، ضمن ح 1؛ علل الشرائع، ج 1، ص 151، ضمن ح 12؛ الإرشاد، ج 1، ص 289؛ الإفصاح في الإمامة للمفيد، ص 46؛ تقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي، ص 240؛ الأمالي للطوسي، ص 374، المجلس 13، ح 55؛ الاحتجاج للطبرسي، ج 1، ص 194. و نصّ الحديث في نهج البلاغة هكذا: «لولا حضور الحاضر و قيام الحجّة بوجود الناصر، و ما أخذ اللّٰه على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم و لا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، و لسقيت آخرها بكأس أوّلها، و لألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز». و أراد عليه السلام ب‍ «الحاضر» من حضر لبيعته، و أراد ب‍ «الناصر» الجيش الذي يستعين به. و «أن لا يقارّوا» أي أن لا يوافَوا مقرّين. و «الكظّة»: ما يعتري الآكل من الثقل و الكرب عند امتلاء البطن من الطعام، و المراد: استئثار الظالم بالحقوق. و «السَّغَب»: شدّة الجوع، و المراد منه هضم حقوقه. و «الغارب»: الكاهل، و الكلام تمثيل للترك و إرسال الأمر. و «عفطة عنز»: ما تنثره من أنفها.

3) . في المطبوع: «في أنّما»، و هو سهو.

4) . هكذا في «ب، د». و في سائر النسخ و المطبوع: «بسبب».

علىٰ مَن حُكِمَ بها عليه و واقعةٌ مَوقِعَ الصحيحِ . و قد يَجوزُ أن تؤثِّرَ(1)الضرورةُ في استباحةِ ما لا يَجوزُ استباحتُه لَولاها، كَما تؤثِّرُ(2)في استباحةِ المِيتةِ و غيرِها.

فامّا الحَنَفيّةُ : فلَم تَكُن سَبيّةً علَى الحقيقةِ ، و لَم يَستَبِحْها عليه السلامُ بالسِّباءِ ؛ لأنّها بالإسلامِ قد صارَت حُرّةً مالكةً لأمرِها(3)، فأخرَجَها مِن يَدِ مَن استَرقَّها، ثُمّ عَقَدَ عليها عَقدَ النكاحِ ؛ فمِن أينَ أنّه استَباحَها بالسِّباءِ دونَ عَقدِ النكاحِ؟ و في أصحابِنا مَن يَذهَبُ إلىٰ أنّ الظالِمينَ متىٰ غَلَبوا علَى الدارِ و قَهَروا و لَم يَتمكَّنِ المؤمِنُ مِن الخُروجِ مِن أحكامِهم(4)جازَ له أن يَطأَ سَبْيَهم، و يُجريَ أحكامَهم مع الغَلَبةِ و القَهرِ مَجرىٰ أحكامِ المُحِقّينَ فيما يَرجِعُ إلَى المحكومِ عليه، و إن كانَ فيما يَرجِعُ إلَى الحاكمِ مُعاقَباً آثِماً.

فأمّا إقامةُ الحدودِ: فما نَعرِفُ‌(5)في ذلكَ إلّاأنّ عُثمانَ أرادَ أن يَدرأَ الحَدَّ عن أخيه(6)، و كانَ أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ حاضراً، و غَلَبَ في ظَنِّه التمكُّنُ مِن إقامةِ


1) . في «د» و المطبوع: «أن يؤثّر».

2) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «قد يؤثّر».

3) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «أمرها».

4) . في «د»: «و لم يمكن للمؤمنين الخروج عن أحكامهم».

5) . في «د»: «فأمّا إقامة الحدّ فما يُعرف».

6) . أي الوليد بن عُقبة بن أبي مُعَيط، و كان أخا عثمان لأُمّه، ولّاه الكوفة بعد أن عزل عنها سعد بن أبي وقّاص. و كان الوليد ماجناً معروفاً بالفسق، و هو الذي سمّاه اللّٰه فاسقاً في موضعين من القرآن الكريم؛ الأوّل: قوله تعالىٰ : (أَ فَمَنْ كٰانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كٰانَ فٰاسِقاً لاٰ يَسْتَوُونَ ) [السجدة (32):18] (الكشّاف، ج 3، ص 243). و الثاني في قوله تعالىٰ : (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا). [الحجرات (49):6] فعظم ذلك عند أهل الكوفة حيث يُستبدل سعد بمثل الوليد. فشرب الخمر ذات يوم و صلّىٰ بالناس و هو سكران، فتكلّم في الصلاة و زاد فيها و قاءَ في المحراب، و أخذوا خاتمه من إصبعه و هو لا يعلم، و شهدوا بذلك عند عثمان، فردّ

الحَدِّ، فأمَرَ به(1)و هذا ممّا يَجِبُ (2)مع التمَكُّنِ ، و هو في بابِ الإنكارِ عليهم أدخَلُ .

فأمّا تزويجُه عُمَرَ(3)بِنتَه: فلَم يَكُن ذلكَ عن اختيارٍ، و الحالُ فيه مشهورةٌ‌(4)فإنّ الروايةَ وَرَدَت بأنّ عُمَرَ خَطَبَها إلىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ فدافَعَه(5)و ماطَلَه، فاستَدعىٰ عُمَرُ العبّاسَ فقالَ‌: ما لي‌؟ أبي بأسٌ؟ فقالَ‌: ما حَمَلَكَ علىٰ هذا الكلامِ؟ فقالَ‌: خَطَبتُ إلَى ابنِ أخيكَ بِنتَه،(6)فمَنَعَني لعَداوتِه لي. وَ اللّٰهِ لَأُعَوِّرَنَّ‌(7)زَمزَمَ‌، و لَأَهْدِمَنَّ السِّقايةَ‌، و لا تَرَكتُ لكم - يا(8)بَني هاشِمٍ - مأثُرةً إلّا(9)هَدَمتُها، و لأَُقيمَنَّ عليه شُهوداً بالسَّرَقِ‌(10)، و لَأَقطَعنَّه. فمَضَى(11)العبّاسُ إلىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ ، فخَبَّرَه بما سَمِعَه(12)مِن الرجُلِ ، فقالَ : «قد أقسَمتُ أن لا أُزوِّجَها إيّاه» فقالَ له:

شهادتهم، فشكوا ذلك إلىٰ عليّ عليه السلام، فأقبل إلىٰ عثمان و عاتبه في ذلك، ثمّ أخذ عليه السلام الوليد فجلده بين يدي أخيه. و للمزيد راجع: الأغاني، ج 5، ص 120-133؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 17، ص 227.


1) . في «د»: «و غلب علىٰ ظنّه التمكّن من إقامته، فأمر بها».

2) . في «د»: + «عليه».

3) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «عمر».

4) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و الخلاف فيه مشهور».

5) . في «ج، ص»: «فدفعه».

6) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «بنته».

7) . في «ف» و المطبوع: «لأُغوّرنّ ». و يقال: عوّرتُ عيون المياه إذا دفنتَها و سددتَها، و عوّرتُ الركيّة - و هي البئر ذات الماء - إذا كبستَها و طممتَها بالتراب و دفنتَها حتّىٰ تنسدّ عيونها و ينقطع ماؤها. راجع: لسان العرب، ج 4، ص 614 (عور).

8) . في المطبوع: - «يا».

9) . في «د»: + «و».

10) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «بالسرقة».

11) . في «د»: «فعاد».

12) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «بما سمع».

رُدَّ أمرَها إلَيَّ‌. ففَعَلَ ، فزَوَّجَه العبّاسُ إيّاها(1).

و يُبيِّنُ أنّ الأمرَ جَرىٰ علىٰ إكراهٍ : ما رُويَ عن أبي عبدِ اللّٰهِ جعفرِ بنِ مُحمّدٍ عليهما السلامُ مِن قولِه: «ذلكَ فَرجٌ غُصِبنا عليه»(2)

و في تزويج أمير المؤمنين عليه السلام بنته أُمّ كلثوم من عمر ثلاثة أقوال:

الأوّل - و هو قول الشيخ المفيد -: إنكار هذا الأمر رأساً؛ لعدم الوثوق بالخبر الوارد بهذا التزويج؛ قال (في المسائل السرويّة، ص 86): «إنّ الخبر الوارد بتزويج أمير المؤمنين عليه السلام ابنته من عمر غير ثابت، و طريقه من الزبير بن بكّار، و لم يكن موثوقاً به في النقل، و كان متّهماً فيما يذكره، و كان يبغض أمير المؤمنين عليه السلام و غير مأمون فيما يدّعيه علىٰ بني هاشم. و الحديث بنفسه مختلف: فتارة يُروىٰ أنّ أمير المؤمنين عليه السلام تولّى العقد على ابنته، و تارة يُروىٰ أنّ العبّاس تولّىٰ ذلك عنه، و تارة يُروىٰ أنّه لم يقع إلّابعد وعيد من عمر و تهديد لبني هاشم، و تارة يُروىٰ أنّه كان عن اختيار و إيثار. ثمّ إنّ بعض الرواة يذكر أنّ عمر أولدها ولداً سمّاه زيداً؛ و بعضهم يقول: إنّه قُتل قبل دخوله بها، و بعضهم يقول: إنّ لزيد بن عمر عقباً؛ و منهم من يقول: إنّه قُتل و لا عقب له. و منهم من يقول: إنّه و أُمّه قُتلا، و منهم من يقول: إنّ أُمّه بقيت بعده، و منهم من يقول: إنّ عمر أمهر أُمّ كلثوم أربعين ألف درهم، و منهم من يقول: أمهرها أربعة آلاف درهم، و منهم من يقول: كان مهرها خمسمائة درهم. و بُدُوّ هذا الاختلاف فيه يُبطل الحديث، و لا يكون له تأثير علىٰ حال». و لا يخفىٰ أنّ كلام المفيد ناظر إلى الطريق العامّي للخبر.

الثاني - و هو قول المصنّف رحمه اللّٰه -: قبول هذا الأمر و القول بأنّه لم يقع إلّا لأجل الضرورة

.

1) . الكافي، ج 10، ص 629، ح 9517/2 (ج 5، ص 346، ح 2، ط. الإسلاميّة)؛ شرح الأخبار، ج 2، ص 506-507، ح 896؛ الصراط المستقيم، ج 3، ص 129-130؛ وسائل الشيعة، ج 20، ص 561، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالكفر، ح 3؛ أنساب الأشراف، ج 2، ص 189-190، ح 235؛ تاريخ الطبري، ج 4، ص 200؛ تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 149؛ إمتاع الأسماع، ج 5، ص 369-370؛ البداية و النهاية، ج 7، ص 139؛ الطبقات الكبرىٰ ، ج 8، ص 338، الرقم 4634؛ أُسد الغابة، ج 6، ص 387، الرقم 7578، مع اختلاف يسير في الألفاظ.

2) . الكافي، ج 10، ص 628، ح 9516، كتاب النكاح، باب تزويج أُمّ كلثوم، ح 1 (ج 5، ص 346، ح 1، ط. الإسلاميّة) و فيها: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم و حمّاد، عن زرارة، عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام في تزويج أُمّ كلثوم، فقال: «إنّ ذلك فرجٌ غُصِبناه».

علىٰ أنّه لَو لَم يَجرِ ما ذَكرناه لَم يَمتَنِعْ‌(1)أن يُزوّجَه عليه السلامُ‌؛ لأنّه كانَ علىٰ ظاهرِ الإسلامِ و التمسُّكِ بشَرائعِه، و لَيسَ يَمتَنِعُ أن يُبيحَ الشريعةُ مُناكَحةَ مَن كانَ علىٰ ضَربٍ مِن ضُروبِ الكُفرِ مع التمسُّكِ بسائرِ الشريعةِ‌(2)و إظهارِ الإسلامِ‌؛ فإنّ هذا حُكمٌ‌(3)يُرجَعُ فيه إلَى الشرعِ‌(4)، و لَيسَ ممّا يَحظُرُه العقولُ‌.

و قد كانَ يَجوزُ في العقولِ أن يُبيحَنا اللّٰهُ تَعالىٰ مُناكَحةَ المُرتَدّينَ علَى اختلافِ ضُروبِ (5)رِدّتِهم، و كانَ يَجوزُ أيضاً(6)أن يُبيحَنا أن نُنكِحَ (7)اليَهودَ و النصارىٰ ، كَما أباحَنا عندَ أكثَرِ المُسلِمينَ أن نَنكِحَ (8)فيهم؛ و هذا إذا كانَ في

و التقيّة؛ فإنّ كثيراً من المحرّمات تنقلب أحكامها عند الضرورة و تصير من الواجبات. و قد ذهب العلّامة المجلسي إلىٰ ذلك. (راجع: مرآة العقول، ج 20، ص 42).

الثالث - و هو قول العلّامة الشعراني -: قبول هذا الأمر، و القول بجواز مثل هذا النكاح؛ لأنّ النكاح إنّما هو علىٰ ظاهر الإسلام الذي هو الشهادتان و الصلاة إلى الكعبة و الإقرار بجملة الشريعة. و الواجب علينا أخذ الأحكام من فعل عليّ عليه السلام، لا تطبيق فعله على الأحكام؛ فإنّ غيره تابع له، و ليس هو تابعاً لغيره. (هامش الوافي، ج 21، ص 110-113، حيث إنّ هامشه من العلّامة الشعراني).


1) . في «ب»: «لم يُمنع».

2) . قوله: «و ليس يمتنع أن يبيح الشريعة...» إلىٰ هنا موجود في نسخة «د» فقط، سقط من سائرالنسخ و المطبوع و الحجري. و في الذخيرة بدله هكذا: «و ليس يمتنع أن يبيح الشريعة مناكحة من كان متمسّكاً في الظاهر بجميع شرائع الإسلام و إن كان مقيماً علىٰ فعل قد دلّ الدليل علىٰ أنّ عقابه عقاب الكفر». الذخيرة في علم الكلام، ص 477.

3) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و الحجري: «و هذا حكم». و لم يرد قوله: «فإنّ هذا حكم» في المطبوع.

4) . في المطبوع: «إلى الشرع فيه».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: - «ضروب».

6) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «و كان أيضاً يجوز».

7) . في «ب، ص» و الحجري: «أن تنكح».

8) . في «ب» و المطبوع و الحجري: «أن يُنكح». و في «د»: «منهم» بدل «فيهم».

العقولِ سائغاً(1)، فالمَرجِعُ في تحليلِه أو تحريمِه(2)إلَى الشريعةِ ، و فِعلُ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ حُجّةٌ عندَنا في الشرعِ ؛ فلنا أن نَجعَلَ ما فَعَلَه أصلاً في جوازِ مُناكَحةِ مَن ذَكروه(3).

و لَيسَ لهُم أن يُلزِمونا(4)علىٰ ذلكَ مُناكَحةَ اليَهودِ و النصارىٰ و عُبّادِ الأوثانِ ؛ لأنّهم إن سَألوا عن جَوازِه في العقلِ فهو جائزٌ، و إن سَألوا عنه في الشرعِ فالإجماعُ يَحظُرُه و يَمنَعُ منه(5).

فإذا قالوا: فما الفَرقُ بَينَ الوَثَنيِّ و الكافرِ بدَفعِ الإمامةِ؟

قُلنا لهم: و ما الفَرقُ بين الوَثَنيّةِ و النصرانيّةِ في جوازِ النكاحِ (6)؟(7)و ما الفَرقُ بَينَ النصرانيِّ و الوَثَنيِّ في أخذِ الجِزيةِ و غيرِها مِن الأحكامِ؟ فلا يَرجِعونَ في ذلكَ إلّا إلَى الشرعِ الذي رَجَعنا معهم إليه.

و هذه جُملةٌ كافيةٌ في الكلامِ علىٰ ما أَورَدَه.


1) . في المطبوع: «سابقاً».

2) . في «د»: «في تحريمه و تحليله».

3) . في «ب»: «ما ذكرتموه».

4) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و الحجري: «أن يُلزموا». و في المطبوع: «أن يُلزموا به».

5) . تحدّث المصنّف رحمه اللّٰه في أكثر من موضع عن مسألة تزويج أُمّ كلثوم، و قد أفرد رسالة مفصّلة حول ذلك، تحمل عنوان: إنكاح أمير المؤمنين عليه السلام ابنته من عمر. و راجع: الذخيرة، ص 477؛ رسائل الشريف المرتضىٰ ، ج 1، ص 290؛ ج 3، ص 148.

6) . لم يرد في «ب، ج، ص، ف» و الحجري قوله: «و ما الفرق بين الوثنيّة و النصرانيّة في جوازالنكاح».

7) . فإنّ فقهاء العامّة فرّقوا بين نكاح الوثنيّة و النصرانيّة، فمنعوا نكاح الأُولىٰ و جوّزوا نكاح الأُخرىٰ . راجع: المغني لابن قدامة، ج 7، ص 500، 503؛ المجموع للنووي، ج 16، ص 23.

14 فَصلٌ في تَتبُّعِ كلامِه في الردِّ علىٰ مَن طَعَنَ في الاختيارِ

اشارة

14 فَصلٌ في تَتبُّعِ كلامِه في الردِّ(1)علىٰ مَن طَعَنَ في الاختيارِ(2)


1) . في المطبوع: - «في الردّ».

2) . راجع: المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 297-320.

اعلَمْ(1)أنّ كلامَنا في وجوبِ النصِّ ، و أنّه لا بُدَّ منه، و لا يَقومُ غيرُه في الإمامةِ مَقامَه، قد(2)تَقدَّمَ .(3)و ذلكَ كافٍ في فَسادِ الاختيارِ؛ لأنّ كُلَّ شَيءٍ أَوجَبَ النصَّ بعَينِه فهو مُبطِلٌ للاختيارِ؛ فلا معنىٰ لتَكلُّفِ كلامٍ مُستَقِلٍّ (4)في إفسادِ(5)الاختيارِ.

بيان مختصر لما تقدّم من أدلّة وجوب النصّ و بطلان الاختيار

و اعلَمْ أنّ الذي يُعتَمَدُ(6)في إفسادِ(7)اختيارِ الإمامِ (8)هو بيانُ صفاتِه التي لا دليلَ للمُختارينَ عليها، و لا يُمكِنُ إصابتُها بالنظَرِ و الاجتهادِ، و يَختَصُّ عَلّامُ الغُيوبِ تَعالىٰ بالعِلمِ بها، كالعِصمةِ و الفَضلِ في الثوابِ و العِلمِ علىٰ جميعِ الأُمّةِ ؛ لأنّه لا شُبهةَ في أنّ هذه الصفاتِ لا تُستَدرَكُ (9)بالاختيارِ، و لا يوقَفُ عليها إلّا بالنصِّ .


1) . في المطبوع: + «قال الشريف المرتضى».

2) . في المطبوع: - «قد».

3) . تقدّم في ج 2، ص 209 و ما بعدها.

4) . في «ج، ص، ف»: «مستقبل».

5) . في «ب»: «فساد». و في «ج، ص، ف»: - «إفساد».

6) . في «د» و الحجري: «نعتمد». و في المطبوع: «نعتمده».

7) . في «ج، ص، ف»: «فساد».

8) . في «ج»: «الإمامة».

9) . في «د»: «لا يُستدرك».

و هذا ممّا قد(1)تَقدَّمَ شَرحُه و بيانُه في هذا الكتابِ‌،(2)و بيّنّا أيضاً أنّه لا يُمكِنُ أن يُقالَ بصِحّةِ الاختيارِ مع اعتبارِ هذه الصفاتِ‌، بأن يَعلَمَ اللّٰهُ تَعالىٰ أنّ المُكلَّفينَ‌(3)لا يَتَّفِقُ منهم إلّااختيارُ مَن هذه صِفاتُه، و قُلنا: إنّ ذلكَ تكليفٌ قبيحٌ‌؛ مِن حَيثُ كانَ تكليفاً(4)لِما لا دَلالةَ عليه، و لا أمارةَ تُمَيِّزُ الواجبَ مِن غيرِه.(5)

و بيّنّا أنّه يَلزَمُ علىٰ ذلكَ جوازُ تكليفِنا(6)اختيارَ الأنبياءِ و الشرائعِ‌، بأن يَعلَمَ اللّٰهُ تَعالىٰ أنّ المُختارينَ لا يَتَّفِقُ منهم(7)إلّااختيارُ النبيِّ دونَ غيرِه، و مِن الشرائعِ المَصلَحةَ دونَ غيرِها.(8)و كَيفَ يَكونُ الاختيارُ كاشفاً لنا عن وجوبِ الفِعلِ و إنّما يَجِبُ أن يَختارَه(9)إذا عَلِمنا وجوبَه‌؟ فالاختيارُ تابعٌ‌، فكَيفَ يُجعَلُ‌(10)متبوعاً؟ و كَيفَ يَتَمَيَّزُ(11)الواجبُ مِن غيرِه، و القَبيحُ مِن الحَسَنِ ، بَعدَ الفعلِ؟ و إنَّما(12)يَجِبُ أن يَتميَّزا(13)قَبلَ الفِعلِ ليَكونَ الإقدامُ علىٰ ما يُعلَمُ حُسنُه و يؤمَنُ قُبحُه. و لا معنىٰ للإكثارِ في هذا البابِ ، و الشُّبهةُ (14)فيه ضَعيفةٌ .


1) . في المطبوع: - «قد».

2) . تقدّم في ج 2، ص 209-214.

3) . في «د»: «المكلّفين أنّه» بدل «أنّ المكلّفين».

4) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «مكلّفاً».

5) . تقدّم في ج 2، ص 209-210.

6) . في «د»: «تكليف».

7) . في «د»: «لهم».

8) . تقدّم في ج 2، ص 210-211.

9) . في المطبوع: «أن نختاره».

10) . في «ج» و المطبوع: «نجعله». و في «ب»: «يجعله». و في «ص، ف» و الحجري: «تجعله».

11) . في «ج، ص»: «تميّز».

12) . هكذا في «ب، د». و في سائر النسخ و المطبوع: «فإنّما».

13) . في «د»: «أن يتميّز».

14) . في «ج، ص، ف»: «و الأدلّة». و في «ب» و المطبوع: «فالشبهة».

و لمّا تَتبَّعنا ما أَورَدَه صاحبُ الكتابِ في هذا الفَصلِ‌، وَجَدناه قد جَمَعَ فيه و حَشَدَ(1)القويَّ و الضعيفَ‌، و البَعيدَ و القَريبَ‌، و ما أَورَدَه أصحابُنا علىٰ سَبيلِ التحقيقِ و علىٰ سَبيلِ التقريبِ‌.(2)

و قد بيّنّا ما نَعتَمِدُه في هذا البابِ‌، و نَصَرناه فيما تَقدَّمَ مِن الكتابِ بأدِلّتِه(3)، و أَورَدنا الجوابَ عمّا يَرِدُ(4)عليه، و ما عَدا ذلكَ فهو غيرُ مُعتَمَدٍ، و لا دالٍّ‌(5)علىٰ ما ذَكرَه(6)صاحبُ الكتابِ و غيرُه(7). و مَن أورَدَه(8)مِن أصحابِنا فإنّما قَرَّب بإيرادِه، و لَم يُرِدِ التحقيقَ‌. و لَيسَ ذلكَ بعَيبٍ‌؛ فإنّه لَم يَعْرَ(9)المُصنِّفونَ مِن الجمعِ بَينَ المُقرَّبِ و المُحقَّقِ‌. و صاحبُ الكتابِ يَعلَمُ أنّه لمّا تَتَبَّعَ هو أدِلّةَ المُوحِّدينَ علَى التوحيدِ في بعضِ كُتُبِه، لَم يُصحِّحْ منها إلّادليلَينِ أو ثَلاثةً‌، و طَعَنَ علَى الباقي و زَيَّفَه؛ فإن كانَ علىٰ أصحابِنا عَيبٌ‌(10)بأن ذَكَروا في فَسادِ الاختيارِ شَيئاً لا يَلزَمُ عند التحقيقِ و التفتيشِ‌، فهذا العَيبُ لازمٌ لخُصومِهم فيما هو أعظَمُ مِن بابِ الاختيارِ و أفخَمُ .(11)


1) . حَشَدَ: جَمَعَ . القاموس المحيط، ج 1، ص 399 (حشد).

2) . في «د»: «على سبيل التقريب و على سبيل التحقيق».

3) . تقدّم في ج 2، ص 209 و ما بعدها.

4) . في «ب، د»: «عمّا يزاد».

5) . في «ب»: - «و لا دالّ ».

6) . هكذا في «ص». و في سائر النسخ و المطبوع: «لما ذكره».

7) . في «ب، د» و حاشية «ف»: «و لغيره».

8) . في المطبوع: «أورد».

9) . أي لم يخلُ .

10) . في «ب»: «عقب».

11) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «أفحم» بالحاء المهملة. و أفحمتَ الخصم إفحاماً: إذا اسكتَّه بالحجّة. المصباح المنير، ص 464 (فحم).

و هذه الجُملةُ تُغني عن غيرِها في(1)جميعِ ما أَورَدَه في هذا الفَصلِ علىٰ طولِه.

دليل آخر علىٰ بطلان الاختيار: اختلاف العاقدين للإمامة

و ممّا يُمكِنُ أن يُعتَمَدَ في فَسادِ الاختيارِ - خارجاً عن الجُملةِ التي عَقَدناها - أن يُقالَ‌: إنّ العاقدينَ للإمامةِ يَجوزُ أن يَختَلِفوا؛ فيَرىٰ بعضُهم أنّ الحالَ تَقتَضي(2)أن يُعقَدَ فيها للفاضلِ‌، و يَرىٰ آخَرونَ أنّها تَقتَضي(3)العَقدَ للمفضولِ‌. و هذا ممّا لا يُمكِنُ دَفعُ جوازِه؛ لأنّ الاجتهادَ يَجوزُ أن يَقَعَ فيه الاختلافُ بحَسَبِ الأماراتِ التي تَظهَرُ للمجتهِدينَ‌. ولَن(4)يَخلُوَ(5)حالُهم - إذا قَدَّرنا هذا الاختلافَ - مِن أُمورٍ:

إمّا أن يُقالَ‌: يَجِبُ‌(6)أن يَتوقَّفوا(7)عن العَقدِ حتّىٰ يَتَناظَروا و يَتَّفِقوا علىٰ كلمةٍ واحدةٍ‌. و هذا يؤَدّي إلىٰ إهمالِ الأمرِ في الإمامةِ‌؛ لأنّه غيرُ مُمتَنِعٍ أن يَمتَدَّ الزمانُ باختلافِهم، بَل جائزٌ أن يَبقَوا مختلِفينَ أبَداً.

أو يُقالَ‌: يَجِبُ أن يَعقِدُ كُلُّ فَريقٍ لِمَن يَراه. و هذا يؤَدّي إلىٰ إقامةِ‌(8)إمامَينِ‌، مع العِلمِ بفَسادِه.

أو يُقالَ‌: يَجِبُ المَصيرُ إلىٰ قولِ مَن يَرَى العَقدَ للفاضلِ ؛ لأنّه أَولىٰ ، و يَحرُمُ


1) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و» بدل «في».

2) . هكذا في «ج» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «يقتضي».

3) . في «د، ف» و الحجري: «يقتضي».

4) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «فلن».

5) . في المطبوع: + «من».

6) . في المطبوع: - «يجب».

7) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «أن يقفوا». و توقّف عن الشيء: امتنع و كفّ .

8) . هكذا في «د». و في التلخيص: «إ مامة». و في سائر النسخ و المطبوع: - «إقامة».

علَى الباقينَ المُخالَفةُ‌. و هذا فاسدٌ؛ لأنّه إلزامٌ للمجتهِدِ أن يَترُكَ اجتهادَه إلَى اجتهادِ مَن يَجري مَجراه. وكَيفَ‌(1)يَكونُ العَقدُ للفاضلِ أَولىٰ علىٰ كُلِّ حالٍ‌، و بعضُ مَن لا يَتِمُّ العَقدُ إلّابه يَرىٰ أنّ وِلايتَه مَفسَدَةٌ و وِلايةَ غيرِه هي المَصلَحةُ‌.(2)

و إنّما فَرَضنا أن يَكونَ هذا الاختلافُ بَينَ العَدَدِ الذي لا يَتِمُّ عندَ مُخالِفينا عَقدُ الإمامةِ إلّابه، حتّىٰ لا يَقولوا:(3)«متىٰ عَقَدَ واحدٌ لغَيرِه برِضا أربَعةٍ فهو إمامٌ‌؛ فاضلاً كانَ (4)أو مفضولاً، و لا يُلتَفَتُ إلىٰ مَن يَعتَقِدُ مِن باقي الأُمّةِ أنّ العَقدَ لغَيرِه أَولىٰ » لأنّا إذا فَرَضنا الاختلافَ بَينَ هذا العَدَدِ المخصوصِ (5)، لَم يَستَقِمْ هذا الانفصالُ .

و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ‌: إنّ وقوفَ أمرِ الإمامةِ عندَ هذا الأمرِ المُقدَّرِ إنّما أُتوا فيه(6)

مِن قِبَلِ أنفُسِهم، كما يَقولونَ إذا قيلَ لهُم: إنّ الاختيارَ إذا كانَ لأهلِ الحَقِّ‌، و كانَ كُلُّ فِرقةٍ‌(7)مِن فِرَقِ الأُمّةِ تَدَّعي(8)هذه الصِّفَةَ (9)، فالاختيارُ لا يَتِمُّ ، و لا بُدَّ مِن التجاذُبِ فيه، و التغالُبِ و الاختلافِ ، و وقوفِ عَقدِ الإمامةِ .

لأنّهم إذا قالوا علىٰ هذا الوجهِ : إنّهم إنّما يؤتَونَ في وقوفِ الإمامةِ مِن قِبَلِ


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «فكيف».

2) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «مصلحة» بدل «هي المصلحة».

3) . في «د»: «حتّى يقولوا». و في «ص»: «حتّى يقولون».

4) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «كان فاضلاً» بدل «فاضلاً كان». و في التلخيص: «كان مفضولاً أو فاضلاً».

5) . أي الاختلاف بين هؤلاء الخمسة، و هم العاقِد لغيره، و الأربعة الراضون بعقده.

6) . في «د»: «يوافيه»، و في حاشيتها عن نسخةٍ : «أوتوا».

7) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «كلّ فريق».

8) . هكذا في «ب، د، ص» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «يدّعي».

9) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «الصفات».

نُفوسِهم(1)دونَ مُكلِّفِهم، كانَ هذا القولُ صَحيحاً؛ لأنّ علَى الحَقِّ دليلاً يُمكِنُ المُبطِلَ إصابتُه و المَصيرُ إلىٰ موجَبِه، و بتقصيرِه يَضِلُّ عنه. و لَيسَ هذا فيما تَقدَّمَ ؛ لأنّه لَيسَ علَى الأَولىٰ مِن(2)الفاضلِ و المفضولِ دليلٌ قاطعٌ يَصِلُ (3)إليه الناظرُ، و يَضِلُّ عنه المُقصِّرُ بالتفريطِ؛ و إنّما يُرجَعُ في ذلكَ إلَى الأماراتِ و جِهاتِ الظنونِ ، و قد تَلتَبِسُ و تَخفىٰ و تَظهَرُ(4)و لا لَومَ في هذا المَوضِعِ علىٰ أحَدِ المجتهِدينَ ، و لا تقصيرَ يُنسَبُ إليه و لا تفريطَ؛ فكَيفَ يُسَوّىٰ بَينَ الأمرَينِ؟


1) . هكذا في «د» و التلخيص إلّاأنّ في التلخيص: «فوت» بدل «وقوف». و في سائر النسخ و المطبوع: «إنّما يؤتون من قبل نفوسهم في فوت الإمامة».

2) . في «د»: «عن».

3) . في «د» و التلخيص: «يصير».

4) . هكذا في «ب». و في سائر النسخ و التلخيص: «و قد يلتبس و يخفى و يظهر».

15 فَصلٌ في اعتراض كلامِه في أنّ أبا بكر يصلح للإمامة

اشارة

اعتَمَدَ في ذلكَ علىٰ أنّ الإجماعَ إذا ثَبَتَ في إمامتِه ثَبَتَ أنّه يَصلُحُ لها؛ لأنّه لَو لَم يَصلُحْ لَما أجمَعوا علىٰ إمامتِه. و ادَّعىٰ أنّ الصفاتِ المُراعاةَ في الإمامةِ مُجتَمِعةٌ فيه؛ مِن عِلمٍ‌، و فَضلٍ‌، و رأيٍ‌(1)، و نَسَبٍ‌، و غيرِ ذلكَ‌.

ثُمّ أجابَ عن سؤالِ مَن سألَه عن(2)الدلالةِ علىٰ إيمانِه و خُروجِه عن الكُفرِ المُتيقَّنِ منه، بأن قالَ‌:

كما نَعلَمُ‌(3)أنّه كانَ كافراً مِن قَبلُ‌(4)بالتواتُرِ، نَعلَمُ‌(5)انتقالَه إلَى الإيمانِ و التصديقِ بالرسولِ (6)فلا يَجوزُ(7)أن يَكونَ باقياً علىٰ حالتِه، بَل اليقينُ قد حَصَلَ بانتقالِه.

قالَ :

علىٰ أنّا نَعلَمُ ضَرورةً أنّه كانَ علىٰ دينِ الرسولِ عليه السلامُ (8)بما نُقِلَ


1) . في «ف»: - «و رأي».

2) . هكذا في «د». و في «ب» أُضيفت هنا كلمة غير واضحة. و في سائر النسخ و المطبوع: + «سرّ».

3) . في «ب، د، ص، ف»: «كما يعلم».

4) . في المغني: - «من قبل».

5) . في «ب، د، ص»: «يعلم».

6) . هكذا في المغني. و في «ب، د»: + «صلّى اللّٰه عليه و آله». و في «ج، ص، ف»: + «عليه السلام». و في المطبوع و الحجري: + «صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم».

7) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع و الحجري: «و لا يجوز».

8) . هكذا في «ج، ص، ف» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «صلّى اللّٰه عليه و آله». و هكذا في الموارد الآتية.

مِن(1)الأخبارِ، و ذلكَ يَمنَعُ مِن التجويزِ و الشكِّ‌.

و قد بيّنّا أنّه لا يَمتَنِعُ‌(2)في الاعتقاداتِ أن تُعلَمَ‌(3)ضَرورةً‌، فلا يَجوزُ أن يُقالَ‌: إذا كانَ ذلكَ باطناً(4)، فكَيفَ يُدَّعَى الاضطرارُ فيه‌؟ و علىٰ هذا الوجهِ يُدَّعىٰ في كَثيرٍ مِن الأُمورِ أنّا نَعلَمُه(5)ضَرورةً مِن دينِ الرسولِ عليه السلامُ‌.

و بَعدُ، فإنّا نَعلَمُ أنّه(6)عليه السلامُ كانَ يُعظِّمُه و يَمدَحُه علَى الحَدِّ الذي يُعلَمُ‌(7)ذلكَ في أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ (8)و غيرِه، و ذلكَ يَمنَعُ مِن كَونِه كافراً. و ما ثَبَتَ عنه عليه السلامُ مِن تَسميَتِه صِدّيقاً يَدُلُّ علىٰ ذلكَ ، و ما رُويَ مِن الفَضائلِ (9)المشهورةِ في بابِه يَدُلُّ علىٰ بُطلانِ هذا القولِ (10).

بيان الأدلّة علىٰ عدم صلاح أبي بكر للإمامة

يُقالُ له: آكَدُ ما دَلَّ علىٰ أنّ أبا بَكرٍ لا يَصلُحُ للإمامةِ :

[1.] ما ثَبَتَ مِن وجوبِ عِصمةِ الإمامِ ، و أنّ السهوَ و الغَلَطَ لا يَجوزانِ عليه


1) . في «ب»: «عن».

2) . في «ب»: «لا يمنع».

3) . في «ب، ج، د، ف» و الحجري: «أن يعلم».

4) . في المغني: «باطلاً»، و هو سهو.

5) . في «ص» و المغني و المطبوع: «نعلم».

6) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «أنّ النبيّ ».

7) . في المغني: «نعلم».

8) . في المغني: - «عليه السلام».

9) . في «ب»: «و ما روى من روى من التفاضيل».

10) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 321-322.

في شَيءٍ مِن بابِ الدينِ (1)، و عَلِمنا أنّ (2)أبا بَكرٍ لَم يَكُن بهذه الصفةِ .

[2.] و ما ثَبَتَ أيضاً مِن أنّ الإمامَ لا بُدَّ أن يَكونَ عالِماً بجميعِ أحكامِ الدينِ ؛ دَقيقِه و جَليلِه، و أن يَكونَ أكمَلَ عِلماً مِن جميعِ الأُمّةِ به؛ و قد عَلِمنا بِلا شُبهةٍ أنّ أبا بَكرٍ لَم يَكُن كذلكَ .

[3.] و ما ثَبَتَ أيضاً مِن وجوبِ كَونِ الإمامِ أفضَلَ عندَ اللّهِ تَعالىٰ‌(3)مِن جَميعِ الأُمّةِ ، يَدُلُّ علىٰ أنّه لا يَصلُحُ لها؛ لأنّا قد عَلِمنا بالأدِلّةِ الظاهرةِ أنّ غيرَه أفضَلُ منه عندَ اللّٰهِ تَعالىٰ .

فأمّا ما اعتَمَدَه في ذلكَ مِن دعوَى الإجماعِ علىٰ إمامتِه(4): فقَد سَلَفَ مِن الكلامِ علىٰ بُطلانِ هذه الدعوىٰ ما فيه كِفايةٌ ، و بيّنّا أنّ الإجماعَ لَم يَثبُتْ قَطُّ علىٰ إمامتِه.(5)

فأمّا ادّعاؤه أنّ الخِلالَ المُراعاةَ في الإمامةِ‌(6)مُجتَمِعةٌ فيه: فهذا منه أيضاً بِناءٌ علىٰ أصلِه الفاسدِ الذي قد دَلَّلنا علىٰ بُطلانِه؛ لأنّه لا يُراعي في الإِمامِ العِصمةَ‌، و لا كَمالَ العِلمِ ، و لا كَونَه أفضَلَ عندَ اللّهِ تَعالىٰ ؛ و قد دَلَّلنا - فيما تَقدَّمَ مِن الكتابِ - علىٰ أنّ ذلكَ مُعتَبَرٌ و فَقدَه مؤثِّرٌ(7)،(8)فبَطَلَ قولُه أنّ الخِلالَ المُراعاةَ مُجتَمِعةٌ فيه.


1) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «في شيء من الأشياء».

2) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «بأنّ ».

3) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «تعالىٰ ».

4) . من قوله: «عند اللّٰه تعالى، فأمّا ما اعتمده» إلىٰ هنا ساقط من «ب».

5) . تقدّم في ص 135 و ما بعدها.

6) . في «ج، ص، ف»: «في الإمام». و ما في المتن مطابق لقوله سابقاً: «و ادّعىٰ أنّ الصفات المراعاة في الإمامة مجتمعة فيه».

7) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و قد دلّلنا علىٰ أنّ ذلك معتبر و فقده مؤثّر فيما تقدّم من الكتاب».

8) . تقدّم في ج 2، ص 209-214.

مناقشة ما استدلّ به القاضي علىٰ إيمان أبي بكر

فأمّا ادّعاؤه اليقينَ و الضرورةَ بإيمانِه و انتقالِه عن الكُفرِ: فلَيسَ يَخلو مِن أن يَدَّعيَ الضرورةَ في انتقالِه إلىٰ إظهارِ الإيمانِ و التصديقِ ، أو(1)أن يَدَّعيَ الضرورةَ في إبطانِه لذلكَ و اعتقادِه له(2)و انطوائه عليه.

و الأوّلُ لا خِلافَ فيه، و لا يَنفَعُه فيما قَصَدناه(3).

و الثاني ادّعاؤه يَجري مَجرَى المُكابَرةِ ؛ فإنّ البَواطِنَ لا يَعلَمُها إلّااللّٰهُ عَلّامُ الغُيوبِ - جَلَّ و عَزَّ -،(4)و لَو(5)كانَ ذلكَ معلوماً ضَرورةً بالأخبارِ(6)- علىٰ ما ادَّعىٰ - لَوَجَبَ أن نَشرَكَه نَحنُ و سائرُ العقلاءِ في هذا العِلمِ ؛ لمُشارَكتِنا له(7)في الطريقِ إليه.

و قولُه: «إنّ في الاعتقاداتِ ما يُعلَمُ ضَرورةً ، فلا يَمتَنِعُ أن يَكونَ هذا منها»: يُبطِلهُ ما بيّنّاه مِن أنّ ذلكَ يوجِبُ أن نُشارِكَه(8)في العِلمِ . علىٰ أنّا لَو سَلَّمنا أنّ اعتقادَه لِدينِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(9)و تصديقَه في جميعِ شَريعتِه كانَ معلوماً منه ضَرورةً ، مِن أينَ أنّه كانَ إيماناً و عِلماً؟

و لَيسَ يُمكِنُه أن يَدَّعيَ الاضطرارَ في العِلمِ كما ادَّعاه في الاعتقادِ؛ لأنّه معلومٌ أنّ أحَداً لا يُضطَرُّ إلىٰ كَونِ غيرِه عالِماً، و إن جازَ أن يُضطَرَّ إلىٰ كَونِه مُعتَقِداً.


1) . هكذا في النسخ. و في الحجري و المطبوع: «و» بدل «أو».

2) . في «ب»: «لذلك».

3) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «قصد له».

4) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «إلّا علّام الغيوب تعالىٰ ».

5) . في «ب»: «فلو».

6) . في «ب»: «بالاختيار».

7) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «له».

8) . في «ب، ص»: «يشاركه».

9) . في «ب، ف»: «عليه السلام». و في «ج»: - «صلّى اللّٰه عليه و آله».

فأمّا قولُه: «إنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه كانَ يُعظِّمُه و يَمدَحُه علَى الحَدِّ الذي يُعلَمُ ذلكَ في أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ‌» فأوّلُ ما فيه: أنّ ذلكَ غيرُ معلومٍ‌، و لا واردٍ مِن طَريقٍ يوجِبُ اليقينَ و يَرفَعُ الرَّيبَ‌، و ما نَجِدُ في ذلكَ إلّاأخبارَ آحادٍ مظنونةً‌(1)مقدوحاً في ورودِها(2)بضُروبِ القَدحِ ؛ يَرويها بعضُ الأُمّةِ (3)، و يَدفَعُها بعضٌ آخَرُ و يُقسِمُ (4)علىٰ بُطلانِها؛ ثُمّ هي مع ذلكَ مُتأوَّلةٌ مُخَرَّجَةٌ علىٰ وجوهٍ تَمنَعُ مِن الغرضِ المقصودِ بها.

ثُمّ يُقالُ له: ما في تعظيمِه و مَدحِه(5)- لَو ثَبَتَ - ما(6)يَدُلُّ علىٰ صَلاحِه للإمامةِ ؛ أوَ(7)كُلُّ مُعظَّمٍ ممدوحٍ يَصلُحُ (8)لها؟! و هذا ممّا لا تَقولُه أنتَ و لا أحَدٌ مِن أصحابِكَ .(9)

فإن قالَ : إنّما نَفَيتُ بتعظيمِه و مَدحِه كَونَه(10)كافراً ليَثبُتَ إيمانُه، و لَم أقتَصِرْ في صَلاحِه للإمامةِ علىٰ تعظيمِه و مَدحِه.

قيلَ له: إنّما يَمنَعُ تعظيمُه و مَدحُه مِن كَونِه مُظهِراً للكُفرِ(11)، و لا يَمنَعُ مِن كَونِه


1) . في «د»: «مطعونة». و في حاشية الحجري و المطبوع نقلاً عن نسخةٍ أُخرىٰ : «مبعوثة».

2) . في «د»: «فيها» بدل «في ورودها».

3) . هكذا في النسخ. و في الحجري و المطبوع: «الأئمة».

4) . في هامش المطبوع عن نسخة: «و يقيم».

5) . هكذا في «د». و هو الموافق لما في المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «ما في مدحه و تعظيمه».

6) . هكذا في «د». و في «ف» و حاشية «ج»: «فما». و في سائر النسخ و الحجري: «ممّا».

7) . هكذا في «ب، د» و حاشية «ف». و في سائر النسخ و المطبوع: «إذ».

8) . هكذا في «ب، د» و حاشية «ف». و في سائر النسخ و المطبوع: «لا يصلح».

9) . في «د»: «لا تقوله أنت و أصحابك». و في «ب، ج، ص، ف»: «لا يقوله أحد من أصحابك».

10) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «من كونه».

11) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «يظهر الكفر».

مُبطِناً له إذا كانَ لا يُعلَمُ باطِنُه؛ فمِن أينَ لكَ أنّ المَدحَ و التعظيمَ يَدُلّانِ (1)علَى الإيمانِ الباطنيِّ؟(2)

فإن قالَ : يُقنِعُني(3)في صَلاحِه للإمامةِ أن يَكونَ مُظهِراً للإيمانِ (4)، و لَستُ أحتاجُ إلَى العِلمِ بباطنِه.

قيلَ له: و قد بيّنّا أنّ ذلكَ غيرُ مُقنِعٍ‌. و إذا كانَ إظهارُ الإيمانِ يُقنِعُكَ‌، فمَن(5)الذي خالَفَكَ (6)فيه حتّىٰ أحوَجَكَ إلَى الاستدلالِ عليه ؟ و إذا(7)كنتَ تَقنَعُ بالظاهرِ، فما الحاجةُ بكَ إلىٰ ذِكرِ الاعتقاداتِ ، و أنّها قد تُعلَمُ ضَرورةً؟

فإن قالَ‌: كَيفَ تُسلِّمونَ أنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه كانَ يُعظِّمُه علَى الظاهرِ، و عندَكم أنّه عليه السلامُ كانَ يَعلَمُ أنّه سيَدفَعُ النصَّ‌، و ذلكَ عندَكم كُفرٌ و رِدَّةٌ؟ و الكُفرُ(8)الذي يُوافىٰ (9)به صاحبُه علىٰ مَذاهبِكم لا يَجوزُ أن يَتقدَّمَه(10)إيمانٌ ؛(11)


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «يدلّ ».

2) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «الباطن».

3) . في «ب، ج»: «يقتضي». و في هامش المطبوع عن نسخة: «يقضي».

4) . في «ج»: «لإيمان».

5) . في «ج، ص»: + «ذا». و أُشير في حاشية «ج» إلىٰ كون ذلك منقولاً عن نسخةٍ .

6) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «يخالفك».

7) . في «د»: «فإذا».

8) . في «ب، ج، ص، ف» و المطبوع: + «و الردّة».

9) . في «ج، ص»: «توافى».

10) . في «ج»: «أن لا يتقدّمه»، و هو سهو.

11) . ذهب المصنّف رحمه اللّٰه إلى القول بالموافاة، و تعني أنّ من يموت على الكفر لا يمكن أن يكون مؤمناً قطّ في أي لحظة من لحظات حياته، و بما أنّ جحد النصّ كفرٌ، لذا لا يمكن لمن جحد النصّ و مات علىٰ ذلك أن يكون مؤمناً قبل ذلك.

فكَيفَ يَجوزُ علىٰ هذا(1)أن يُعظِّمَه النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و هو يَعلَمُ مِن باطِنه ما يَقتَضي خِلافَ التعظيمِ؟

قيلَ له: لَيسَ يَمتَنِعُ أن يَكونَ النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه غيرَ عالِمٍ بأنّه سيَدفَعُ النصَّ ؛ لأنّ هذا لا طَريقَ إليه إلّابإعلامِ اللّهِ تَعالىٰ له،(2)و في الجائِز أن لا يُعلِمَه ذلكَ .

فإن قيلَ : هذا و إن كانَ جائزاً، فالظاهرُ مِن مَذهبِ الشيعةِ خِلافُه؛ لأنّهم يَذهَبونَ إلىٰ أنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه كانَ يَعلَمُ ذلكَ ، و أنّه أشعَرَ أميرَ المؤمنينَ به.(3)

قُلنا: لَيسَ يَمتَنِعُ أن يَكونَ عالِماً في الجُملةِ - دونَ التفصيلِ - بأنّه سيُغدَرُ به و يُدفَعُ النصُّ‌، و أنذَرَ بذلكَ علىٰ هذا الوجهِ مِن الإجمالِ‌؛ و ما عَدا هذا مِن التفصيلِ‌(4)فلَيسَ ممّا(5)يَنقَطِعُ العُذرُ به. علىٰ أنّه لَو سُلِّمَ أنّه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(6)كانَ عالِماً علَى التعيينِ و التحديدِ،(7)لَجازَ أن يَكونَ تعظيمُه للرجُلِ مُتقدِّماً لهذا العِلمِ‌، و لمّا عَلِمَ منه هذه الحالَ لَم يَكُن منه تعظيمٌ و لا مَدحٌ‌؛ فلَيسَ (8)مَعَنا في العِلمِ تأريخٌ و لا في المَدحِ و التعظيمِ ،(9)و التجويزُ في هذا البابِ (10)كافٍ .


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «هذا على» بدل «على هذا».

2) . في «ج، ف» و المطبوع: - «له».

3) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «لأنّهم يذهبون إلى أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان يعلم ذلك، و أنّ النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله أشعره به».

4) . في المطبوع: «التفضيل».

5) . هكذا في «د» و الحجري. و في سائر النسخ و المطبوع: - «ممّا».

6) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «عليه السلام».

7) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «على التحديد و التعيين».

8) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و ليس».

9) . في «ب»: - «و التعظيم».

10) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «الباب».

و بَعدُ، فلَيسَ يَكفي في نَفيِ تَقدُّمِ الإيمانِ العِلمُ‌(1)بوقوعِ كُفرٍ(2)في المُستَقبَلِ‌، دونَ أن يُعلَمَ أنّه يُوافىٰ به(3). و لَيسَ يَمتَنِعُ‌(4)أن يَعلَمَ النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه بحالِ الدافعينَ للنصِّ ، و لا يَعلَمَ بعاقبتِهم و ما يَموتونَ عليه؛ و متىٰ جَوَّزَ(5)أن يَتوبوا، و لَو قَبلَ الوفاةِ بلَحظةٍ ، لَم يَكُن قاطعاً علىٰ نفيِ الإيمانِ منهم(6)فيما تَقدَّمَ ؛ بَل لا بُدَّ - مع التجويزِ لِأن يَتوبوا - مِن التجويزِ لِأن يَكونَ الإيمانُ الظاهرُ منهم صَحيحاً في الباطنِ .

و بَعدُ، فلَيسَ جميعُ أصحابِنا القائلينَ بالنصِّ يَذهَبونُ إلَى الموافاةِ ، و إلىٰ أنّ مَن ماتَ علىٰ كُفرِه فلا(7)يَجوزُ أن يَتقدَّمَ منه الإيمانُ ؛ و مَن لا يَذهَبُ إلىٰ ذلكَ لا حاجةَ به إلىٰ تَكلُّفِ (8)ما ذَكرناه.(9)

فأمّا ادّعاؤه أنّه(10)عليه السلامُ كانَ يُسمّيهِ صِدّيقاً: فدونَ صِحّةِ ذلكَ خَرطُ القَتادِ، و لَيسَ يَقدِرُ أحَدٌ علىٰ أن يَرويَ عنه عليه السلامُ في ذلكَ خبراً معروفاً،


1) . في «د»: «بالعلم».

2) . في «ج»: «الكفر».

3) . أي دون أن يعلم أنّه يموت على الكفر، فإنّ شرط القول بأنّ الكفر لا يتقدّمه إيمان - و هو مفادنظريّة الموافاة - هو الموت على الكفر، فلو تاب الكافر في آخر لحظة من حياته و مات على الإيمان، لجوّزنا أن يكون مؤمناً قبل كفره، و أن يتقدّم إيمانه علىٰ كفره. و سوف يشير المصنّف رحمه اللّٰه إلىٰ بعض ما ذكرناه فيما يلي من كلامه.

4) . هكذا في «ب، د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و ليس يمنع».

5) . في «ب، ص»: «جوّزوا».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «منه».

7) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «لا».

8) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «لا يحتاج أن يتكلّف».

9) . في «ص»: «بما ذكرناه».

10) . في المطبوع: + «كان».

و إنّما مُعَوَّلُهم علَى الشُّهرةِ و الظهورِ(1)، و لَيسَ في ذلكَ دَلالةٌ علَى الصحّةِ‌؛ لأنّه قد

يُتقرَّبُ إلىٰ وُلاةِ الأُمورِ و مُلّاكِ الحَلِّ و العَقدِ مِن الألقابِ و السِّماتِ و الصفاتِ و غيرِ ذلكَ بما(2)يَبلُغُ مِن الشُّهرِة أقصاها، و يَنتَهي(3)إلىٰ أن يَغلِبَ علَى الأسماءِ و الكُنىٰ و لا يَقَعَ التعريفُ إلّابه؛ و مع ذلكَ فلا يَكونُ صادراً عن حُجّةٍ‌، و لا مَبنيّاً علىٰ صِحّةٍ‌.

و لَو قيلَ لِمُدَّعي ذلكَ : «أَشِرْ إلَى الحالِ التي لَقَّبَه فيها النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلهِ (4)بالصِّدّيقِ ، و المَقامِ الذي قامَ بذلكَ فيه» لَعَجَزَ عن إيرادِ شَيءٍ مُقنِعٍ .

قالَ صاحبُ الكتابِ :

و قد(5)قالَ الشيخُ أبو حُذَيفةَ واصلُ بنُ عَطاءٍ‌: الذي يَدُلُّ علىٰ بُطلانِ طَريقِهم في سوءِ الثناءِ علَى المُهاجِرينَ و الأنصارِ، و رَميِهم إيّاهُم بشِركٍ و نِفاقٍ‌، ما خَلا طائفةً يَسيرةً‌: قولُه تَعالىٰ‌(6): (لَقَدْ رَضِيَ اللّٰهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبٰايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مٰا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَ أَثٰابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)(7)و قد عُلِمَ مَن بايَعَ تَحتَ الشجَرةِ .

و كذلكَ (8)قولُه: (لِلْفُقَرٰاءِ الْمُهٰاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيٰارِهِمْ وَ أَمْوٰالِهِمْ


1) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «على المشهور و الظاهر».

2) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «ما» بدل «بما».

3) . في «ب»: «من المشهور افتصارها، و ننهى».

4) . هكذا في «د». وفي سائر النسخ والحجريّ والمطبوع: «لقّبه النبيّ صلّى اللّٰه عليه وآله فيها».

5) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و الحجري و المطبوع: - «قد».

6) . في «د»: «عزّ و جلّ ».

7) . الفتح (48):18.

8) . في الحجري و المطبوع: «فكذلك».

يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللّٰهِ وَ رِضْوٰاناً وَ يَنْصُرُونَ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ‌(1)أُولٰئِكَ هُمُ الصّٰادِقُونَ * وَ الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّٰارَ وَ الْإِيمٰانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هٰاجَرَ إِلَيْهِمْ وَ لاٰ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حٰاجَةً مِمّٰا أُوتُوا وَ يُؤْثِرُونَ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كٰانَ بِهِمْ خَصٰاصَةٌ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‌).(2)و قالَ‌(3)تَعالىٰ : (لَقَدْ تٰابَ اللّٰهُ عَلَى النَّبِيِّ وَ الْمُهٰاجِرِينَ وَ الْأَنْصٰارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سٰاعَةِ الْعُسْرَةِ (4).(5). هكذا في «د». و في سائر النسخ و الحجري و المطبوع: «جلّ جلاله». و في المغني: «اللّٰه تعالىٰ ».(6)و قالَ : (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعٰانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطٰانُ بِبَعْضِ مٰا كَسَبُوا وَ لَقَدْ

عَفَا اللّٰهُ عَنْهُمْ ) (7)فلَو كانوا كُفّاراً ما صَحَّ ذلك.(8)و قالَ تَعالىٰ‌: (وَ الَّذِينَ جٰاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنٰا وَ لِإِخْوٰانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونٰا بِالْإِيمٰانِ‌).(9)و ذَكَرَ - جَلَّ و عَزَّ -(9) أنّه أذهَبَ الرِّجسَ عن أزواجِ النبيِّ عليه السلامُ‌(10)، فلا يَصِحُّ مع ذلكَ كَونُهُنَّ كافِراتٍ‌(11)و كَيفَ يَصِحُّ أن


1) . في «ج»: + «و».

2) . الحشر (59):8-9.

3) . في «ب، د»: + «اللّٰه».

4) . في «د»: + (مِنْ بَعْدِ مٰا كٰادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ).

5) . التوبة

6) :117.

7) . آل عمران (3):155.

8) . من قوله: «و قال: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا...) إلىٰ هنا ساقط من المغني.

9) . الحشر (59):10.

10) . هكذا في «د» و المغني. و في «ب»: «صلّى اللّٰه عليه». و في سائر النسخ و الحجري والمطبوع: «صلّى اللّٰه عليه و آله».

11) . هكذا في «د». و في «ب»: «كفرهم». و في «ج، ص، ف» و الحجري و المطبوع: «كفرهنّ ». و في المغني: «كونهم كفّاراً».

يَكُنَّ كافِراتٍ‌(1)و بَناتِ كُفّارٍ، و قد تَزوَّجَ بِهِنَّ‌(2)صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(3)، و مِن دينِه أنّه لا يَجوزُ التزويجُ ببَناتِ الكُفّارِ(4)إذا لَم تَكُن ذِمّةٌ؟(5)و لَو جازَ أن يَتزوَّجَ بَناتِهم(6)و هُم كُفّارٌ، لَجازَ أن يَتَزَوَّجَ‌(7)الكُفّارُ بَناتِه(8)و ذلكَ بخِلافِ الدينِ‌.

قالَ‌:

و قد ثَبَتَ مِن مَناقبِه أنّه سَبَقَ إلَى الإسلامِ‌، و بايَعَ الرسولَ‌، و واساهُ بمالِه ونفسِه،(9)ثُمّ كانَ ثانيَ النبيِّ‌(10)في الغارِ، و صاحِبَه في الهِجرةِ‌، و أنيسَه في العَريشِ يَومَ بَدرٍ، و وزيرَه و المُستَشارَ في أُمورِه، و أميرَه علَى المَوسِمِ في الحَجِّ‌، و(11)[علَى الصلاةِ ](12)حينَ افتُتِحَت مَكّةُ ،


1) . في المغني: «أن يكونوا كفّاراً».

2) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و الحجري و المطبوع: + «النبيّ ».

3) . من قوله: «و بنات كفّار» إلىٰ هنا ساقط من المغني.

4) . في المطبوع: + «و».

5) . هكذا في المغني. و في «ص»: «لم يكونوا أذمّة». و في سائر النسخ: «لم يكونوا ذمّة». و في الحجري و المطبوع: «لم يكونوا أهل ذمّة».

6) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «ببناتهم». و في المغني: «بناتهنّ ».

7) . هكذا في «ب» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «أن يزوّج».

8) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «بناته الكفّار».

9) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «بنفسه و ماله».

10) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «ثاني اثنين». و ثَنىٰ فُلاناً: صارَ له ثانياً.

11) . في المغني: «و أميره في الموسم على الصلاة حين افتتحت مكّة». و في «ب، ج، ص، ف» والمغني: - «و».

12) . ما بين المعقوفين استفدناه ممّا يأتي في ص 275 من كلام المصنّف رحمه اللّٰه: «فأمّا تأميره على الصلاة حين فتح مكّة فما نعرفه».

و المُقدَّمَ في الصلاةِ أيّامَ مرضِه، و المخصوصَ بتَسميَتِه(1)الصِّدّيقَ‌، و المُشبَّهَ مِن المَلائكةِ بميكائيلَ‌، و مِن الأنبياءِ بإبراهيمَ‌، ثُمّ هو و عُمَرُ بُشِّرا بأنّهما سَيِّدا كُهولِ أهلِ الجَنّةِ‌، و لهُما(2)قالَ النبيُّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه: «هُما مِنّي بمَنزِلةِ يَميني مِن شِمالي».

و كُلُّ ذلكَ يُبطِلُ نِسبتَهما(3)إلَى الكُفرِ و النفاقِ أو الرِّدّةِ‌(4).

قالَ‌:

و قد بيّنّا(5)ما وَرَدَ في الأخبارِ مِن تعظيمِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ‌(6)له و للجماعةِ‌(7)[ما يُغني عن إعادةِ ذِكرِه.](8)

و [بَعدُ، فإنّه قد ثَبَتَ‌] أنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(9)و سلّم بَشَّرَه و غيرَه بالجَنّةِ بألفاظٍ مُختَلِفةٍ ، و وَصَفَه بأنّه خَليلُه و أخوه، إلىٰ غيرِ

ذلكَ ممّا يَمنَعُ أن يَكونَ كافِراً و(10)يوجِبُ له الفَضلَ العَظيمَ .

علىٰ أنّه قد ثَبَتَ [بَعدَ النبيِّ عليه السلامُ ] أنّ الناسَ اختَلَفوا في تقديمِه و تقديمِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ ، و ذلكَ لا يَصِحُّ إلّامع


1) . في «د، ص» و حاشية «ف»: «بتسمية».

2) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و الحجري و المطبوع: «و لهذا».

3) . في «ب، ج، ص» و المغني: «نسبتهم». و في «ف»: «نسبهم».

4) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع و المغني: «و الردّة».

5) . في المغني: + «من قبل».

6) . في المغني: - «عليه السلام».

7) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و الحجري و المطبوع: «و الجماعة».

8) . ما بين المعقوفين من المغني، و هكذا في الموارد الآتية.

9) . في المغني: «أنّه» بدل «أن النبي صلّىٰ اللّٰه عليه و آله».

10) . في المغني: «بل» بدل «و».

ثُبوتِ فَضلِه؛ [و قد بيّنّا أنّ الإماميّةَ لا سَلَفَ لها، و أنّ قولَها حادثةٌ في الأعصارِ المتقارِبةِ‌].

قالَ‌:(1)

و لَو عَدَلنا(2)عن كُلِّ ذلكَ‌، وَجَدنا ما ظَهَرَ مِن أحوالِ أبي بَكرٍ دَلالةً علىٰ ظاهرِ الفَضلِ العظيمِ و العِلمِ و الرأيِ‌(3)، و قد بيّنّا أنّه لا يَجِبُ في الإمامِ أن يَكونَ معصوماً؛ فكَيفَ يَصِحُّ أن يُدَّعىٰ أنّه كانَ لا(4)يَصلُحُ للإمامةِ؟

و قد بيّنّا أنّ الوجوهَ التي لها قُلنا(5)في معاويةَ و غيرِه أنّهم لا يَصلُحونَ للإمامةِ‌، لا تَتأتّىٰ‌(6)فيه [و كَشَفنا الحالَ فيه] و بيّنّا ما رُويَ مما يَدُلُّ علىٰ أنّه يَصلُحُ لذلكَ‌؛ نَحوُ قولِه: «إن وَلَّيتم أبا بَكرٍ» و نَحوُ الأخبارِ(7)التي تَتضمَّنُ‌(8)بِشارتَه بالخِلافةِ نَصّاً أو تنبيهاً [إلىٰ غيرِ ذلكَ‌]، و ذلكَ يُغني عن إعادتِه.

و حَكىٰ عن أبي عليٍّ :

إنّ قولَ مَن يَقولُ : «كانَ كافِراً، فجَوِّزوا بَقاءَه علىٰ ما كانَ (9)» بمَنزِلةِ


1) . في «ب، ج، ص، ف» و الحجري: - «قال».

2) . في المطبوع: «بعد، و لو عدلنا». و في المغني: «و بعد، فإذا عدلنا».

3) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «و العلم بالرأي».

4) . في المغني: - «لا». و في هامشه: «كذا في الأصل، و لعلّها: لا يصلح».

5) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «قلنا لها».

6) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع و المغني: «لا يتأتّى».

7) . في «ج، ص» و الحجريّ و المطبوع: «و نحوه من الأخبار».

8) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «يتضمّن».

9) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: + «عليه».

قولِ مَن يَقولُ‌: «كانَ بمَكّةَ مُقيماً،(1)فجَوِّزوا بَقاءَه علىٰ ما كانَ‌»(2)لأنّا كَما نَعلَمُ انتقالَه(3)إلَى المَدينةِ‌، نَعلَمُ انتقالَه إلَى الإسلامِ و الدينِ‌(4). و قد ثَبَتَ أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ كانَ يُحذِّرُ نَبيَّه عليه السلامُ‌(5)المُنافِقينَ‌، و يَمنَعُه مِن صُحبتِهم و الاختصاصِ بِهم؛ و صَحَّ أنّه كانَ يَختَصُّ أبا بَكرٍ بأعظَمِ المَنازلِ في سَفَرِه و حَضَرِه، و اختارَه صاحباً له و مُعيناً و مُشيراً [فكَيفَ يَصِحُّ ما قالوه‌؟]

و لا فَرقَ بَينَ ما قالوه(6)في أبي بَكرٍ و عُمَرَ،(7)و بَينَ مَن ادَّعىٰ مِن

الخَوارجِ عليهم(8)أنّ أميرَ المؤمنينَ لَم يَكُن مؤمِناً بيَقينٍ‌، فيَجِبُ أن يَكونَ علىٰ ما كانَ عليه؛ لأنّ فيهم طبقةً (9)- و هُم: الحازِميّةُ ،(10)

و «الحازميّة»: أصحاب حازم بن عليّ ، أخذوا بقول شعيب في أنّ اللّٰه تعالى خالق أعمال العباد، و قالوا بالموافاة و أنّ اللّٰه تعالى إنّما يتوفّى العباد على ما علم أنّهم صائرون إليه في آخر أمرهم من الإيمان، و يُحكى عنهم أنّهم يتوقّفون في أمر عليّ عليه السلام و لا يصرّحون بالبراءة منه


1) . في المغني: «مغنم»، و في هامشه: «في الأصل: مغنماً».

2) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: + «عليه».

3) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «نعلم أنّه انتقل».

4) . هكذا في «د» و المغني. و في «ب، ج، ص، ف» و الحجري: - «و الدين». و في المطبوع وَضَعَ المحقّق كلمة «و الدين» بين معقوفين، مشيراً في هامشه إلى كونِه من المغني.

5) . في المغني: «و قد بيّنّا أنّه عليه السلام كان اللّٰه تعالىٰ يحذّره».

6) . هكذا في «ج، د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «ما قالوا».

7) . في المغني: - «و عمر».

8) . في الحجري و المطبوع و حاشية «د»: «عليهم اللعنة» بدل «عليهم».

9) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: + «مختلفة».

10) . في «ف»: «الجازميّة». و في المغني: «الحار»، و في هامشه: «كذا في الأصل». و الصواب ما أثبتناه؛ وفقاً لنُسختَي «ب، ص» و المصادر المعتبرة.

و العَجرَديّةُ‌(1)

و «العجاردة»: أصحاب عبد الكريم بن عجرد، وافق النجدات في بدعهم، و تفرّد بقوله: تجب البراءة من الطفل حتّى يدعى إلى الإسلام، و يجب دعاؤه إذا بلغ، و أطفال المشركين في النار مع آبائهم، و يكفّرون بالكبائر. و هم فرقة من الخوارج و هم خمس عشرة فرقةً . الملل و النحل للشهرستاني، ج 1، ص 148 و ما بعدها، الرقم 5؛ الفرق بين الفرق، ص 72-73؛ التعريفات، ص 63؛ شرح المواقف، ج 8، ص 394؛ مقالات الإسلاميّين، ص 93.

- يَقولونَ فيه عليه السلامُ أنّه ما اعتَقَدَ الإسلامَ و الإيمانَ قَطُّ.

فإن قالوا:(2)لَو كانَ كذلكَ لَما زَوَّجَه بِنتَه(3)عليه السلامُ .

فللمُخالِفِ أن يَقولَ لهُم: و لَو كانَ حالُ أبي بَكرٍ و عُمَرَ ما ذَكرتم لَما خَطَبَ إليهما، و لا كانَ يُزوِّجُ (4)عُثمانَ .(5)

مناقشة بقيّة ما استدلّ به القاضي و غيرُه علىٰ إيمان أبي بكر و صلاحه للإمامة

يُقالُ له: قد جَمَعتَ في هذا الفَصلِ بَينَ أشياءَ كَثيرةٍ مُختَلِفةٍ‌، و استقصاءُ كُلِّ فَصلٍ منها و إيرادُ جميعِ ما يَجِبُ أن يورَدَ فيه يَطولُ ؛ لكِنّا نَتكلَّمُ علىٰ ذلكَ بأخصَرِ ما يُمكِنُ ، مع الاستيفاءِ لشرائطِ(6)الحُجّةِ .

و يصرّحون بالبراءة في حقّ غيره. الملل و النحل للشهرستاني، ج 1، ص 151؛ شرح المواقف، ج 8، ص 395؛ مقالات الإسلاميّين، ص 96، الرقم 6.


1) . في المغني: «و العمرون»، و في هامشه: «كذا في الأصل».

2) . هكذا في «د». و في المغني: «فإن قيل». و في سائر النسخ و المطبوع: «فإذا قالوا».

3) . في المغني: «ابنته».

4) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «و كان لا يزوّج».

5) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 322-324. و في «ب، ج، ص، ف» و الحجري و المطبوع: + «بابنتيه جميعاً».

6) . في «ب»: «من الاستيفاء لشرائط». و في «ج»: «مع الاستيفاء بشرائط».

مناقشة الاستدلال ببعض الآيات علىٰ إيمان جميع الصحابة بما فيهم أبو بكر

أمّا قولُه تَعالىٰ : (لَقَدْ رَضِيَ اللّٰهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبٰايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ) (1)فأوّلُ ما فيه: أنّا لا نَذهَبُ إلىٰ‌(2)أنّ الألِفَ و اللامَ يَقتَضيانِ استغراقَ كُلِّ‌(3)مَن يَصلُحانِ له؛ بَل الظاهرُ عندَنا مُشتَرَكٌ مُتردِّدٌ بَينَ العمومِ و الخصوصِ‌، و إنّما يُحمَلُ علىٰ أحَدِهما بدَلالةٍ غيرِ الظاهرِ.(4)

و قد دَلَّلنا علىٰ ذلكَ في مَواضعَ كَثيرةٍ‌، و خاصّةً في كلامِنا المُفرَدِ(5)للوعيدِ من جُملةِ «جوابِ‌(6)مَسائلِ أهلِ المَوصِلِ‌».(7)و إذا لَم يَكُن الظاهرُ يَستَغرِقُ جميعَ المُبايِعينَ تَحتَ الشجرةِ‌، فلا حُجّةَ لهُم في الآيةِ .

علىٰ أنّا لَو سَلَّمنا ما يَقتَرِحونَه مِن استغراقِ الألِفِ و اللامِ ، لَم يَكُن في الآيةِ أيضاً دَلالةٌ علىٰ ما ادَّعَوه؛ لأنّ اللّهَ تَعالىٰ عَلَّقَ الرضا في الآيةِ بالمؤمنينَ ، ثُمّ قالَ :

(إِذْ يُبٰايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ) فجَعَلَ البَيعةَ حالاً للمؤمنينَ (8)أو تعليلاً لوجهِ الرضا


1) . الفتح (48):18.

2) . في «ص» و الحجري و المطبوع: - «إلىٰ ».

3) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «أنّ الألف و اللام للاستغراق لكلّ ».

4) . الذريعة إلىٰ أُصول الشريعة، ج 1، ص 201.

5) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «المنفرد».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: - «جواب».

7) . أي في أجوبة المسائل الموصليّات الأُولى، التي ذكرها أصحاب الفهارس من البُصروي و النجاشي و الشيخ الطوسي، و هي مفقودة. و تشتمل على ثلاث مسائل: مسألة في الوعيد، و مسألة في القياس، و مسألة في الاعتماد. و أمّا المسائل الموصليّات الثانية و الثالثة فكلّها مسائل فقهيّة و ليس فيها بحث حول الوعيد. المتبقّى من التراث المفقود للشريف المرتضى، ص 309؛ رجال النجاشي، ص 271؛ الفهرست للشيخ الطوسي، ص 289؛ كتاب شيعه، ج 9-10، ص 154-161.

8) . في «ج، ص»: «للمؤمن».

عنهم، و أيُّ الأمرَينِ كانَ فلا بُدَّ فيمن(1)وَقَعَ الرضا عنه مِن(2)أمرَينِ‌؛ أحَدُهما: أن يَكونَ مؤمِناً، و الآخَرُ: أن يَكونَ مُبايِعاً. و نَحنُ نَقطَعُ علىٰ أنّ الرضا مُتعلِّقٌ‌(3)بمَن جَمَعَ بَينَ‌(4)الأمرَينِ‌، فمِن أينَ أنّ كُلَّ مَن بايَعَ تَحتَ الشجَرةِ كانَ جامِعاً لهُما؟ فإنّ الظاهرَ لا يُفيدُ ذلكَ‌.

علىٰ أنّه تَعالىٰ قد وَصَفَ مَن رَضيَ عنه ممّن بايَعَ تَحتَ الشجَرةِ بأوصافٍ قد عَلِمنا أنّها لَم تَحصُلْ لجَميعِ المُبايِعينَ‌، فيَجِبُ أن يَختَصَّ الرضا بمَن اختَصَّ بتلكَ الأوصافِ‌؛ لأنّه تَعالىٰ قالَ‌: (فَعَلِمَ مٰا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَ أَثٰابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)(5)و لا خِلافَ بَينَ أهلِ النقلِ في أنّ الفَتحَ الذي كانَ بَعدَ بَيعةِ الرضوانِ بِلا فَصلٍ هو فَتحُ خَيبَرَ(6)، و أنّ رَسولَ اللّهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه بَعَثَ أبا بَكرٍ ثُمّ‌(7)عُمَرَ، فرَجَعَ كُلُّ واحدٍ منهما مُنهَزِماً ناكِصاً علىٰ عَقِبَيه(8)، فغَضِبَ النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و قالَ‌: «لَأُعطيَنَّ الرايةَ غَداً رجُلاً(9)يُحِبُّ اللّٰهَ (10)و رسولَه، و يُحِبُّه اللّٰهُ و رسولُه،(11)


1) . في «ص» و التلخيص. «ممّن».

2) . في الحجري و المطبوع: «عن».

3) . في «ب»: «يتعلّق».

4) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «بين».

5) . الفتح (48):18.

6) . المغازي، ج 2، ص 621؛ إمتاع الأسماع، ج 13، ص 354؛ مجمع البيان، ج 9، ص 176؛ التفسير الكبير، ج 28، ص 79؛ أنوار التنزيل، ج 5، ص 129؛ جامع البيان، ج 26، ص 55؛ الكشف و البيان، ج 9، ص 48، ذيل الآية 18 من سورة الفتح (48).

7) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و» بدل «ثمّ ».

8) . في «ص» و حاشية «ف»: «عقبه».

9) . في «د»: «مَن» بدل «رجُلاً».

10) . في الحجري و المطبوع: + «تعالىٰ ».

11) . في التلخيص: - «و يحبّه اللّٰه و رسوله».

كَرّاراً غيرَ فَرّارٍ؛ لا يَرجِعُ حتّىٰ يَفتَحَ اللّٰهُ علىٰ يَدَيه»(1)، فدَعا أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ و كانَ أَرمَدَ، فتَفَلَ في عَينَيه(2)، فزالَ ما كانَ يَتشكّاه(3)، و أعطاه الرايةَ ، فمَضىٰ مُتوجِّهاً بها، فكانَ (4)الفَتحُ علىٰ يَدَيه.(5)فيَجِبُ أن يَكونَ هو المخصوصَ بحُكمِ الآيةِ و مَن كانَ معه في ذلكَ الفَتحِ مِن أهلِ البَيعةِ تَحتَ الشجَرةِ لتَكامُلِ الشرائطِ فيهم، و يَجِبُ أن يَخرُجَ عنها مَن لَم تَجتَمِعْ (6)له الشرائطُ.

و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ : إنّ الفَتحَ كانَ لجَميعِ المُسلِمينَ ، و إن تَوَلّاه بعضُهم و جَرىٰ علىٰ يَدَيه؛ فيَجِبُ أن يَكونَ جَميعُ أهلِ بَيعةِ الرضوانِ ممّن رُزِقَ الفَتحَ و أُثيبَ به. و هذا يَقتَضي شُمولَ الرضا للجميعِ .

و ذلكَ لأنّ هذا عدولٌ عن الظاهرِ؛ لأنّ مَن تَولَّى الشيءَ بنَفسِه هو الذي يُضافُ إليه علىٰ سَبيلِ الحقيقةِ و يُقالُ : إنّه أُثيبَ به، و رُزِقَ إيّاه، و إن(7)جازَ أن يوصَفَ بذلكَ غيرُه ممّن يَلحَقُه حُكمُه علىٰ سَبيلِ التجَوُّزِ؛(8)و لهذا لا نَصِفُ علىٰ سَبيلِ


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «حتّىٰ يفتح اللّٰه عليه».

2) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «عينه».

3) . في «ص»: «يتشكّا». و في التلخيص: «يشتكيه».

4) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع و التلخيص: «فمضى متوجّهاً، و كان».

5) . مسند أحمد، ج 1، ص 185، ح 1608، و ج 4، ص 51، ح 16586؛ صحيح البخاري، ج 3، ص 1077، ح 2783، و ص 1096، ح 2847، و ص 1357، ح 3498؛ صحيح مسلم، ج 3، ص 1433، ح 132/1807، و ج 4، ص 1870، ح 32/2404؛ الجامع الصحيح، ج 5، ص 638، ح 3724؛ سنن النسائي الكبرىٰ ، ج 5، ص 107-109، ح 8399-8403؛ و ص 144، ح 8511؛ المعجم الكبير، ج 6، ص 152، ح 5818.

6) . هكذا في «ف» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «لم يجتمع».

7) . في التلخيص: - «إن».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «علىٰ سبيل الحقيقة».

الحقيقةِ (1)مَن كانَ بخُراسانَ مِن المُسلِمينَ بأنّه «هازِمُ جُنودِ الرومِ ، و فاتِحُ (2)حُصونِهم» و إن وَصَفنا بذلكَ مَن يَتولّاه و يَجري علىٰ يَدَيه.

فأمّا قولُه تَعالىٰ (3): (لِلْفُقَرٰاءِ الْمُهٰاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيٰارِهِمْ وَ أَمْوٰالِهِمْ ) (4)فأوّلُ ما فيه: أنّ أبا بَكرٍ يَجِبُ أن يَخرُجَ مِن(5)هذه الآيةِ علىٰ أُصولِ مُخالِفينا؛ لأنّه(6)كانَ عندَهم(7)غَنيّاً موسِراً، كَثيرَ المالِ‌، واسعَ الحالِ‌.(8)و لَيسَ لهُم أن يَتأوَّلوا الفَقرَ(9)هاهُنا علىٰ أنّ المُرادَ به الفَقرُ(10)إلَى اللّهِ تَعالىٰ‌،(11)دونَ ما يَرجِعُ إلَى الأموالِ‌؛ لأنّ الظاهرَ مِن لفظةِ الفَقرِ أو الغِنىٰ‌(12)يُنبئُ عن معنَى الأموالِ دونَ غيرِها، و إنّما يُحمَلانِ (13)علىٰ غيرِ(14)ذلكَ بدَليلٍ يَقتَضي العُدولَ عن الظاهرِ.


1) . هكذا في «د» و التلخيص. إلّاأنّ في «د»: «لا يصف» بدل «لا نصف». و في «ب»: - «و لهذا لانصف علىٰ سبيل الحقيقة». و في سائر النسخ و الحجري و المطبوع: «لجاز أن يوصف» بدلها.

2) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع و التلخيص: «و والج».

3) . في «ص» و الحجري و المطبوع: - «تعالىٰ ».

4) . الحشر (59):8.

5) . هكذا في «ج» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «عن».

6) . في الحجريّ و المطبوع: «لأنّهم».

7) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و الحجري و المطبوع: «علىٰ أصولهم كان» بدل «كان عندهم».

8) . الطبقات الكبرىٰ ، ج 2، ص 128؛ أنساب الأشراف، ج 1، ص 261، و ج 10، ص 62؛ المنتظم، ج 4، ص 61؛ الرياض النضرة، ج 1، ص 91، و 132-133؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 30، ص 66 و ما بعدها، الرقم 3398؛ الإصابة، ج 4، ص 147، الرقم 4835؛ تاريخ الخلفاء، ص 56.

9) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و الحجري و المطبوع: «الفقراء».

10) . في «ب، ج، ص، ف»: «الفقراء».

11) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «تعالىٰ ».

12) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «لفظ الغنيّ و الفقير».

13) . في «ب، ج، ص، ف»: «يحمل».

14) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «غير».

و ما قُلناه في الآيةِ الأُولىٰ‌، مِن أنّ الألِفَ و اللامَ لا يَقتَضيانِ الاستغراقَ علىٰ كُلِّ حالٍ‌، يَطعَنُ أيضاً علىٰ مُعتَقَدِهم في هذه الآيةِ‌.

و بَعدُ، فإنّ سِياقَ الآيةِ يُخرِجُ ظاهرَها مِن(1)أيديهِم، و يوجِبُ عليهم الرجوعَ‌(2)إلىٰ غيرِها؛ لأنّه(3)تَعالىٰ قالَ‌: (لِلْفُقَرٰاءِ الْمُهٰاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيٰارِهِمْ وَ أَمْوٰالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللّٰهِ وَ رِضْوٰاناً وَ يَنْصُرُونَ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ أُولٰئِكَ هُمُ الصّٰادِقُونَ‌)، فوَصَفَ بالصِّدقِ مَن تَكامَلَت له الشرائطُ؛ و فيها(4)ما هو مُشاهَدٌ كالهِجرةِ و الإخراجِ مِن الديارِ و الأموالِ‌، و فيها(5)ما هو باطنٌ لا يَعلَمُه إلّااللّٰهُ تَعالىٰ و هو ابتغاءُ الفَضلِ و الرضوانِ مِن اللّٰهِ و نُصرةُ اللّٰهِ ورسولهِ (6)لأنّ المُعتَبَرَ في ذلكَ لَيسَ بما يَظهَرُ، بَل بالبَواطنِ و النيّاتِ ؛ فيَجِبُ علَى الخُصومِ أن يُثبِتوا اجتماعَ هذه الصفاتِ في كُلِّ مَن هاجَرَ و أُخرِجَ مِن دِيارِه و أموالِه(7)، و لا بُدَّ في ذلكَ مِن الرجوعِ إلىٰ غيرِ الآيةِ .

فأمّا قولُه تَعالىٰ : (لَقَدْ تٰابَ اللّٰهُ عَلَى النَّبِيِّ وَ الْمُهٰاجِرِينَ وَ الْأَنْصٰارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سٰاعَةِ الْعُسْرَةِ ) (8). في «د» و التلخيص: «فيها».(9)فالكلامُ فيه(9) يَجري مَجرىٰ ما تَقدَّمَ‌؛ في أنّ‌(10)الظاهرَ لا يَقتَضي العمومَ .


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «عن».

2) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «الرجوع عليهم».

3) . في «ج، ص» و الحجري و المطبوع: «لأنّ اللّٰه».

4) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «ومنها».

5) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «ومنها».

6) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و نصرة الرسول و اللّٰه تعالىٰ ».

7) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «في كلّ واحد من الذين هاجروا و أُخرجوا من ديارهم و أموالهم».

8) . التوبة

9) :117.

10) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «لأنّ » بدل «في أنّ ».

ثُمّ الظاهرُ مِن الكلامِ يَقتَضي أنّهم تابوا، فتابَ اللّٰهُ عليهم و قَبِلَ تَوبتَهم. و لا بُدَّ مِن(1)أن تَكونَ (2)تَوبتُهم مُشتَرَطةً ؛ لأنّ اللّٰهَ تَعالىٰ لا يَقبَلُ تَوبةَ مَن لَم يَتُبْ ، فيَجِبُ عليهم أن يَدُلّوا علىٰ وقوعِ التوبةِ (3)مِن الجماعةِ حتّىٰ يَدخُلوا تَحتَ الظاهرِ.

فأمّا قولُه تَعالىٰ : (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعٰانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطٰانُ بِبَعْضِ مٰا كَسَبُوا وَ لَقَدْ عَفَا اللّٰهُ عَنْهُمْ ) (4)فلَنا أن نُنازِعَ في اقتضاءِ الظاهرِ للعمومِ‌(5)علىٰ ما تَقدَّمَ‌. و إذا(6)سَلَّمنا ذلكَ جازَ أن نَحمِلَ العفوَ علَى العِقابِ‌(7)المُعجَّلِ في الدنيا، دونَ المُستَحَقِّ في الآخِرةِ‌؛ فقَد رُويَ هذا المعنىٰ بعَينِه. و قد(8)يَجوزُ أيضاً(9)أن يَعفوَ اللّٰهُ تَعالىٰ للجماعةِ‌(10)عن عِقابِ هذا الذنبِ خاصّةً ؛ بأن يَكونَ سَبَقَ مِن حُكمِه و وَعدِه أنّه(11)يَعفو عنه، و إن كانَ فيهم(12)مَن يَستَحِقُّ عِقاباً بذُنوبٍ (13)أُخَرَ لَم يُعفَ


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «من».

2) . هكذا في «ب» و التلخيص و المطبوع. و في سائر النسخ: «يكون».

3) . في الحجري و المطبوع: «توبة» بدل «التوبة».

4) . آل عمران (3):155.

5) . هكذا في «د» و التلخيص. و في «ج» و الحجريّ : «ظاهره العموم». و في سائر النسخ و المطبوع: «ظاهر العموم».

6) . في «د»: «فإذا».

7) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «جاز أن يُحمل على العفو عن العقاب».

8) . في «ب، ص، ف»: - «قد».

9) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «أيضاً».

10) . هكذا في «ب، د، ف» و التلخيص. و في «ج، ص» و الحجري: «الجماعة». و في المطبوع: «عن الجماعة».

11) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «أن».

12) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «منهم».

13) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «علىٰ ذنوب».

عنها؛ فإنّ العقلَ لا يَمنَعُ مِن العفوِ عن بعضِ العقابِ دونَ بعضٍ ، كما لا يَمنَعُ مِن العفوِ عن الجميعِ ، و السَّمعُ أيضاً لا يَمنَعُ مِن ذلكَ إلّافي أقوامٍ مخصوصينَ .

فأمّا قولُه تَعالىٰ : (وَ الَّذِينَ جٰاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنٰا وَ لِإِخْوٰانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونٰا بِالْإِيمٰانِ ) (1)فلا حُجّةَ فيه لهُم(2)لأنّه عَلَّقَ المغفرةَ بالسَّبقِ إلَى الإيمانِ ، و هذا شَرطٌ يُحتاجُ إلىٰ دليلٍ في إثباتِه للجماعةِ . و مع هذا فهو سؤالٌ ، و لَيسَ كُلُّ سؤالٍ يَقتَضي الإجابةَ .

مناقشة الاستدلال علىٰ إيمان جميع أزواج النبيّ صلى الله عليه و آله

فأمّا ادّعاؤه أنّه أذهَبَ الرجسَ عن أزواجِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، فلا أدري أيُّ مَدخَلٍ لذِكرِ الأزواجِ في هذا البابِ المخصوصِ بالكلامِ في أنّ أبا بَكرٍ يَصلُحُ‌(3)

للإمامةِ؟ علىٰ أنّا قد بيّنّا فيما تَقدَّمَ مِن هذا الكتابِ أنّ الآيةَ التي ظُنَّ أنّها تَتناوَلُ‌(4)الأزواجَ لا تَتناوَلُهنّ‌، و إنّما(5)تَختَصُّ أميرَ المؤمنينَ و فاطمةَ و الحَسَنَ و الحُسَينَ عليهم السلامُ‌، و استَقصَينا ذلكَ بما لا طائلَ في إعادتِه.(6)

فأمّا قولُه: «كَيفَ تَزوَّجَ بِهِنَّ و هُنَّ كافِراتٌ؟»(7)فالجوابُ عن ذلكَ قد تَقدَّمَ معناه عندَ كلامِنا في تعظيمِه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه للقومِ‌(8)مع عِلمِه بأنّهم سيَدفَعونَ


1) . الحشر (59):10.

2) . هكذا في «د» و التلخيص. في سائر النسخ و المطبوع: - «لهم».

3) . هكذا في «د». و في سائر النسخ: «لا يصلح». و في المطبوع: «هل يصلح».

4) . في الحجريّ : «متناول».

5) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و أنّها».

6) . تقدّم في ج 3، ص 482-486.

7) . هذا تلخيص لكلام القاضي، و نصّ كلامه كما يلي: «و كيف يصحّ أن يكنّ كافرات و بنات كفّار و قد تزوّج بهنّ ، و من دينه أنّه لا يجوز التزويج ببنات الكفّار إذا لم تكن ذمّة ؟».

8) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «في تعظيمه عليه السلام لهم».

النصَّ‌. و جُملةُ الأمرِ في ذلكَ‌: أنّ الرسولَ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(1)إذا كانَ قد اطَّلَعَ علىٰ ما سيَكونُ مِن حَربِ زَوجتِه لأخيه و ابنِ عمِّه صَلَّى اللّٰهُ عليهما(2)، فلا يَمتَنِعُ أن يَكونَ ما اطَّلَعَ علىٰ عاقبتِها،(3)و كانَ مُجوِّزاً لِأن(4)تَموتَ‌(5)علَى الإصرارِ أو التوبةِ‌، و مع هذا التجويزِ لا يَقطَعُ‌(6)علىٰ كُفرِها في الحالِ مع إظهارِ الإسلامِ‌.

فإذا قيلَ‌: إنّه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(7)كانَ يَعلَمُ العاقبةَ‌، لَم يَمتَنِعْ‌(8)أن يَكونَ نِكاحُه لهُنَّ‌(9)لأجلِ ما يُظهِرنَ مِن الإيمانِ و الإسلامِ جائزاً، و إن لَم يَجُز نِكاحُ كُلِّ كافِرةٍ ، و لا إنكاحُ الكُفّارِ. و ما طَريقُه الشرعُ و العقلُ يَجوزُ فيه الأُمورُ المُختَلِفةُ ؛ فلا دليلَ فيه أوضَحُ مِن فِعلِه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه.

بيان أسبقيّة أمير المؤمنين عليه السلام إلى الإسلام، و نفي أسبقيّة أبي بكر إلىٰ ذلك

فأمّا قولُه: «إنّ مِن مَناقبِه أنّه سَبَقَ إلَى الإسلامِ‌» فباطلٌ ؛ لأنّه لا شُبهةَ في أنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ هو السابقُ إلَى اتّباعِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و الإيمانِ به، و الأمرُ في ذلكَ ظاهرٌ عندَ(10)أهلِ النقلِ مُتَعارَفٌ [بَينَهم]. و إنّما ادَّعىٰ


1) . في «ب، ص»: «عليه السلام».

2) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و الحجري و المطبوع: - «صلّى اللّٰه عليهما».

3) . في «ب، د» و التلخيص: «عاقبتهما».

4) . في «ج، ص، ف»: «و كان يجوّز الآن أن». نعم، صُحِّح في حاشيتَي «ج، ف» بما أثبتناه.

5) . في «ج، د، ف» و الحجري: «يموت».

6) . في «ب»: «لا يقع». و في الحجري و المطبوع: «لا نقطع».

7) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و الحجري و المطبوع: «عليه السلام».

8) . في الحجري: «لم تمنع». و في المطبوع: «لم نمنع». و في «ب» و حاشية «د»: + «في».

9) . في «ج، ص»: «بهنّ ». و في «ب»: - «لهنّ ».

10) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و التلخيص: «ظاهر بين». و في الحجري و المطبوع: «بين» بدل «ظاهر عند».

قومٌ مِن أهلِ النَّصبِ و العِنادِ أنّ إسلامَه عليه السلامُ‌(1)و إن كانَ سابقاً، فإنّما كانَ علىٰ سَبيلِ التلقينِ دونَ المَعرِفةِ و اليَقينِ‌؛ لصِغَرِ سِنِّه، و فَضَّلوا لأجلِ ذلكَ إسلامَ‌(2)أبي بَكرٍ و إن كانَ مُتأخِّراً عنه(3).

و قد أجابَت الشيعةُ عن هذه الشُّبهةِ‌، و بَيَّنوا أنّ الأمرَ في سِنِّه عليه السلامُ كانَ بخِلافِ ما ظَنَّه الأعداءُ‌، و أنّه كانَ في تلكَ الحالِ ممّن يَتناوَلُه التكليفُ‌، و تَصِحُّ‌(4)

منه المَعارِفُ‌؛ و بَيَّنوا ذلكَ بالرجوعِ إلىٰ تأريخِ وَفاتِه و مَبلَغِ سِنِّه عندَها،(5)و أنّ اعتبارَ ذلكَ يَشهَدُ بأنّ سِنَّه عليه السلامُ لَم تَكُن(6)في ابتداءِ الدعوةِ صَغيرةً بحَيثُ لا يَصِحُّ معها المَعرفةُ‌،(7)و أَوضَحوا ذلكَ بتَمدُّحِه(8)عليه السلامُ في مَقامٍ بَعدَ مَقامٍ‌، و مَقالٍ بَعدَ مَقالٍ‌، و افتخارِه بأنّه أسبَقُ الناسِ إسلاماً، و إيرادِه ذلكَ بألفاظٍ مُختَلِفةٍ‌؛ كقَولِه عليه السلامُ‌: «اللّٰهُمَّ ، إنّي لا أَعرِفُ عبداً عَبَدَكَ مِن هذه الأُمّةِ قَبلي، غيرَ نَبيِّها صَلَّى اللّٰهُ عليه


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «عليه السلام».

2) . هكذا في «د» و التلخيص و في سائر النسخ و المطبوع: «إيمان».

3) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «عنه».

4) . هكذا في «ب، د» والتلخيص. وفي سائر النسخ والمطبوع: «ويصحّ ».

5) . في الحجري و المطبوع: «عندنا». نعم، أُثبِتَ في حاشيتَيهما ما أثبتناه.

6) . هكذا في التلخيص و المطبوع. و في النسخ و الحجري: «لم يكن».

7) . الفصول المختارة، ص 21 و ما بعدها. و في الرياض النضرة: و عن الحسن: أسلم عليّ و هوابن خمسَ عشرةَ سنةً أو ستَّ عشرة، و قيل: أربعَ عشرة. و مثله في مستدرك الحاكم. و في أُسد الغابة عن الحسن و غيره: أوّل من أسلم عليّ بعد خديجة و هو ابن خمسة عشر سنةً . الرياض النضرة، ج 3، ص 109؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 120، ح 4581؛ أُسد الغابة، ج 3، ص 591، الرقم 3783.

8) . في التلخيص: «بمدحه». وتَمدَّحَ فُلانٌ : قَرَّظَ نفسَه و أثنىٰ عليها. تاج العروس، ج 4، ص 200 (مدح).

و آلِه»(1)، و قولِه «أنا أوّلُ مَن صَلّىٰ‌»(2)و قولِه لمّا شاجَرَه عُثمانُ و قالَ له: أبو بَكرٍ و عُمَرُ خَيرٌ منكَ‌، فقالَ‌: «أنا خَيرٌ منكَ و منهُما؛ عَبَدتُ اللّٰهَ قَبلَهما، و عَبَدتُه بَعدَهما»(3)و قولِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه لفاطمةَ (4): «زَوَّجتُكِ أقدَمَهم سِلماً،(5)و أوسَعَهم عِلماً»(6)إلىٰ غيرِ هذا ممّا يَدُلُّ علىٰ أنّ إيمانَه إيمانُ البالغينَ العارفينَ ؛(7)و(8)لَولا ذلكَ


1) . السنن الكبرىٰ للنسائي، ج 5، ص 105، ح 8391؛ المصنّف لابن أبي شيبة، ج 8، ص 43؛ الفصول المختارة، ص 261؛ كنز الفوائد للكراجكي، ج 1، ص 265؛ روضة الواعظين، ج 1، ص 206، ح 3/197؛ كشف الغمّة، ج 1، ص 98؛ المناقب لابن شهر آشوب، ج 2، ص 15؛ الصراط المستقيم، ج 1، ص 235؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 42، ص 32، الرقم 4933؛ المنتظم، ج 2، ص 359؛ الرياض النضرة، ج 3، ص 112؛ ذخائر العقبى، ج 1، ص 271؛ مجمع الزوائد، ج 9، ص 125، ح 14601.

2) . مسند أحمد، ج 1، ص 373، ح 3452، و ج 4، ص 368، ح 19303، و ص 370، ح 19322؛ الجامع الصحيح، ج 5، ص 462، ح 3734؛ سنن النسائي الكبرىٰ ، ج 5، ص 105-106. ح 8391-8393؛ المعجم الكبير، ج 5، ص 176، ح 5002؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 571، ح 6121؛ السنن الكبرىٰ للبيهقي، ج 6، ص 206، ح 11938.

3) . المسترشد، ص 227؛ الفصول المختارة، ص 168 و 261 و 279؛ كنز الفوائد للكراجكي، ج 1، ص 265؛ الصراط المستقيم، ج 1، ص 235؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 20، ص 25 و 262؛ الرياض النضرة، ج 3، ص 111.

4) . في «د»: + «عليهما السلام».

5) . في هامش المطبوع عن بعض النسخ: «إسلاماً».

6) . مسند أحمد، ج 5، ص 26، ح 20322؛ المعجم الكبير، ج 1، ص 142، ح 169، و ج 20، ص 229، ح 538؛ المصنّف لابن أبي شيبة، ج 7، ص 505، ح 68؛ المصنّف لعبد الرزّاق، ج 5، ص 490، ح 9783؛ الآحاد و المثاني، ج 1، ص 142، ح 169؛ كنز العمّال، ج 11، ص 605، ح 32924-32927 مع اختلاف يسير.

7) . هكذا في «د» و التلخيص. و في «ج» و الحجري و المطبوع: «علىٰ إيمانه و أنّه إيمان العارفين». و في «ص، ف»: «علىٰ إيمانه و أنّه إيمان العارفين البالغين».

8) . في «د»: - «و».

لَما تَمدَّحَ (1)به وافتَخَرَ له.(2)

فإن قالَ‌: فهَبوا أنّ أبا بَكرٍ لَم يَسبِقِ الناسَ كُلَّهم إلَى الإسلامِ‌، ألَيسَ كانَ مِن السابقينَ إليه ؟ و هذا يَدُلُّ علىٰ صَلاحِه للإمامةِ ، و علىٰ (3)أنّه لَم يَكُن كافِراً مُنافِقاً.

قيلَ له: لَيسَ كُلُّ مَن سَبَقَ إلىٰ إظهارِ الإسلامِ أو كانَ أسبَقَ الناسِ إليه يَصلُحُ للإمامةِ‌؛ لأنّا قد بيّنّا أنّ للإمامةِ شَرائطَ تَزيدُ علَى الإسلامِ و الإيمانِ .(4)

فأمّا نَفيُ الكُفرِ: فإن أُريدَ به نَفيُ إظهارِه و إعلانِه في تلكَ الأحوالِ (5)، فلا شُبهةَ في ذلكَ . و إن أُريدَ(6)نَفيُ إبطانِه، فلَيسَ في السبقِ إلىٰ إظهارِ الإسلامِ نَفيٌ لذلكَ .(7)

مناقشة دعوىٰ مواساة أبي بكر النبيَّ صلى الله عليه و آله بمالِه و نفسه

فأمّا ادّعاؤه أنّه واساه بمالِه و نفسِه: فالمواساةُ بالنفسِ إنّما تَكونُ (8)بأن يَبذُلَ في نُصرتِه و المُدافَعةِ عنه، و مُكافَحةِ الأعداءِ و ذَبِّهم عن وجهِه، و معلومٌ بِلا شُبهةٍ حالُ أبي بَكرٍ في ذلكَ .(9)


1) . في «ج» و الحجري و المطبوع: «لا تمدّح». و في التلخيص: «لما امتدح».

2) . هكذا في «د» و التلخيص. و في «ج، ص، ف» و الحجري و المطبوع: «و لا افتخر و لا افتُخر له».

3) . في «ج، ص، ف»: - «علىٰ ». و في التلخيص: «يحكم» بدلها.

4) . تقدّمت في ص 238-239.

5) . هكذا في «د». و في «ج، ص، ف» و الحجري و المطبوع: «الحال».

6) . هكذا في «د». و في «ج، ص، ف» و الحجري و المطبوع: + «به».

7) . في التلخيص بدل قوله: «يصلح للإمامة...» إلىٰ هنا جاء هكذا: «يكون مؤمناً في باطنه؛ لأنّ غاية ما فيه أن يكون مظهراً للإسلام، و ليس الإظهار يدلّ على أنّ الباطن مطابق له».

8) . في «ج، ص، ف» و الحجري: «يكون».

9) . في الحجري و المطبوع: - «في ذلك».

فأمّا المواساةُ بالمالِ‌: فما نَحصُلُ‌(1)مِن(2)المُخالِفينَ فيها إلّاعلىٰ دَعوًى مُجرَّدةٍ مُجمَلةٍ‌؛(3)متىٰ طالَبناهُم بتفصيلِها و ذِكرِ الوجوهِ التي كانَ إنفاقُه فيها، أَلَطّوا(4)و حاجَزوا(5)، و لَم نَحصُلْ‌(6)منهم علىٰ شَيءٍ مُقنِعٍ .(7)و لَو كانَ انفاقُ أبي بَكرٍ صَحيحاً لَوَجَبَ أن تَكونَ (8)وجوهُه معروفةً ، كما كانَت نفقةُ عُثمانَ في تجهيزِ جَيشِ العُسرةِ

و من ذلك فراره مع عمر بن الخطّاب يوم خيبر، حينما بعثه النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله إلى يهود خيبر، فرجع منهزماً يجبّن أصحابه، فلمّا كان من الغد بعث عمر، فرجع بما رجع به صاحبه بالأمس. و يفصح عن ذلك تأثّر النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله حتّى قال: «لأُعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ اللّٰه و رسوله و يحبّه اللّٰه و رسوله، يفتح اللّٰه على يديه، كرّار ليس بفرّار». مسند أحمد، ج 1، ص 99، ح 778، و ص 133، ح 1117؛ سنن ابن ماجة، ج 1، ص 43، ح 117؛ المعجم الكبير، ج 7، ص 35، ح 6303؛ مسند البزّار، ج 2، ص 136، ح 496؛ السيرة النبويّة، ج 2، ص 334؛ إمتاع الأسماع، ج 13، ص 333؛ البداية و النهاية، ج 4، ص 186.

و من ذلك فراره عن النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله مع جميع المسلمين إلّاعليّاً عليه السلام يوم أُحد حينما أحاط العدوّ به. أُسد الغابة، ج 3، ص 594.

و من ذلك يوم حنين لمّا حمي الوطيس، و فرّ الناس - بما فيهم الشيخان - عن النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و لم يبق معه إلّاأربعة: ثلاثة من بني هاشم، و رجل من غيرهم؛ عليّ بن أبي طالب، و العبّاس - و هما بين يديه - و أبو سفيان بن الحارث آخذ بالعنان، و ابن مسعود من جانبه الأيسر. السيرة الحلبية، ج 3، ص 156؛ سبل الهدى، ج 5، ص 329.


1) . هكذا في «ج، ف» و التلخيص. و في «د، ص» و الحجري و المطبوع: «فما يحصل».

2) . هكذا في التلخيص و حاشية «ج». و في النسخ و المطبوع: «مع».

3) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «مجملة».

4) . في «د»: «انطوُا». و في التلخيص: «انطووا». و ألَطَّ الرجُلُ : اشتدَّ في الأمر و الخصومة. تاج العروس، ج 1، ص 398 (لطط).

5) . في «د»: «و حاجروا». و في التلخيص: «و جاحدوا». و حاجَزَه: طالبه بالامتناع عن المخاصمة. راجع: لسان العرب، ج 5، ص 331 (حجز).

6) . في «د، ص» و الحجري و المطبوع: «و لم يحصل».

7) . في التلخيص: «يقنع».

8) . هكذا في التلخيص و المطبوع. و في النسخ و الحجري: «أن يكون».

و غيرِه معروفةً‌، لا يَقدِرُ علىٰ إنكارِها مُنكِرٌ، و لا يَرتابُ في جِهاتِها(1)مُرتابٌ‌(2)، و كما كانَت جِهاتُ نفقاتِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ معروفةً‌، يَنقُلُها الموافِقُ و المُخالِفُ‌.

فمِن ذلكَ‌: أنّه عليه السلامُ كانَ يَقومُ بما يَحتاجُ النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه مُدّةَ مُقامِه بالشِّعبِ إليه،(3)و يَتمحَّلُه(4)، ويَتحمَّلُه(5). و قد رُويَ أنّه آجَرَ نفسَه مِن يَهوديٍّ‌، و(6)صَرَفَ أجرَه إلىٰ بعضِ ما كانَ يَحتاجُ النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه إليه؛(7)و إنفاقُ‌(8)أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ مع الإقتارِ و الإقلالِ أفضَلُ و أوقَعُ‌(9)مِن إنفاقِ أبي بَكرٍ - لَو ثَبَتَ - مع الغِنىٰ و السَّعةِ‌.

و مِن ذلكَ‌: تقديمُه الصدَقةَ بَينَ يَدَي النجوىٰ‌، و نُزولُ القُرآنِ بذلكَ (10)بِلا


1) . في «د»: «جهتها».

2) . السيرة النبويّة، ج 2، ص 518؛ أنساب الأشراف، ج 1، ص 368؛ إمتاع الأسماع، ج 8، ص 392؛ الرياض النضرة، ج 3، ص 16-17؛ البداية و النهاية، ج 5، ص 4؛ سبل الهدى، ج 5، ص 435-436؛ تاريخ الإسلام، ج 2، ص 628-629.

3) . في التلخيص: - «إليه».

4) . يتمحّله: يطلبه؛ يقال: تَمحَّلْ لي خيراً: اطلُبْه. راجع: لسان العرب، ج 11، ص 619 (محل).

5) . هكذا في التلخيص. و في «د»: «و يحمله». و في سائر النسخ و المطبوع: - «و يتحمّله».

6) . في الحجري و المطبوع: - «و».

7) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «يحتاج إليه النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله». و في التلخيص: - «إليه». و تجد الكثير من قضايا إنفاقه عليه السلام في سبيل تدعيم الرسالة الإسلاميّة؛ فكثيراً ما كان يستأجر نفسه و يعمل ليصرف ثمن ذلك إلى رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله، و كان يرسل في جوف الليل للمضطهدين من أصحاب النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله وسقاً من تمر كان قد حصّله أجراً يعمله في النهار، فنزلت آية (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰالَهُمْ بِاللَّيْلِ ) [البقرة (2):274] فبشّره النبيّ بذلك و قال بعد أن سئل عن أيّ الصدقة أفضل ؟: «جهد من مقلّ ». سنن ابن ماجة، ج 2، ص 818، ح 2446؛ الجامع الصحيح، ج 4، ص 645، ح 2473؛ السنن الكبرىٰ للبيهقي، ج 6، ص 119، ح 11429 و 11430؛ كنز العمّال، ج 15، ص 198، ح 40566.

8) . في «د»: «فإنفاق».

9) . في الحجريّ و المطبوع: «و أرفع».

10) . في «ج، ص، ف»: - «بذلك».

خِلافٍ بَينَ أهلِ العِلمِ‌؛(1)و أنّه عليه السلامُ كانَ يُطعِمُ المِسكينَ و اليَتيمَ و الأسيرَ،(2)حتّىٰ نَزَلَت في ذلكَ سورةُ «هَلْ أَتىٰ‌»(3).(4)و فيه عليه السلامُ‌(5)نَزَلَ‌، و في معنىٰ نفقتِه وَرَدَ قولُه تَعالىٰ‌(6): (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهٰارِ سِرًّا وَ عَلاٰنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لاٰ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاٰ هُمْ يَحْزَنُونَ‌).(7)و لمّا تَصدَّقَ بخاتَمِه و هو راكعٌ نَزَلَ فيه قولُه تَعالىٰ‌: (إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاٰةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ‌).(8)


1) . و هو قوله تعالى: (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا نٰاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوٰاكُمْ صَدَقَةً ) [المجادلة (58):12] فأمر النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله عليّاً عليه السلام أن يبلّغ الناس بذلك، فكان عليه السلام هو الوحيد الذي طبّق هذا الأمر، و لم يعمل به غيره من الأصحاب حتّى نسخت الآية. خصائص أمير المؤمنين عليه السلام، ص 113، ح 152؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 42، ص 435، الرقم 4933؛ تذكرة الخواصّ ، ص 26؛ المناقب للخوارزمي، ص 276-277، ح 261 و 262؛ الرياض النضرة، ج 3، ص 222؛ كفاية الطالب، ص 248؛ ذخائر العقبى، ج 1، ص 505؛ ينابيع المودّة، ج 1، ص 299.

2) . في الحجريّ و المطبوع: + «و».

3) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: + (عَلَى الْإِنْسٰانِ ).

4) . التفسير الكبير، ج 30، ص 746 و ما بعدها؛ تفسير القرطبي، ج 19، ص 130-134؛ غرائب القرآن، ج 6، ص 412، ذيل الآية 7 من سورة الإنسان (76)؛ المناقب للخوارزمي، ص 267-274، ح 250-252؛ البداية و النهاية، ج 5، ص 329-330؛ ينابيع المودّة، ج 1، ص 280؛ فرائد السمطين، ج 2، ص 53-56، ح 383.

5) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و الحجري و المطبوع: - «عليه السلام».

6) . هكذا في «د، ص» و التلخيص. و في سائر النسخ و الحجري و المطبوع: - «تعالىٰ ».

7) . التفسير الكبير، ج 7، ص 71؛ الكشّاف، ج 1، ص 319؛ أنوار التنزيل، ج 1، ص 161؛ الجامع لأحكام القرآن، ج 3، ص 347؛ الكشف و البيان، ج 2، ص 279، ذيل الآية 274 من سورة البقرة (2).

8) . التفسير الكبير، ج 12، ص 378 و 383؛ الكشّاف، ج 1، ص 649؛ جامع البيان، ج 6، ص 186؛ الجامع لأحكام القرآن، ج 6، ص 221؛ أنوار التنزيل، ج 2، ص 132؛ تفسير ابن كثير، ج 3، ص 126، ذيل الآية 55 من سورة المائدة (5).

و هذه جِهاتٌ لا تُدفَعُ و لا تُجهَلُ‌؛ فأينَ جِهاتُ نفقةِ‌(1)أبي بَكرٍ و الشاهدُ عليها، إن كانَت صَحيحةً؟

علىٰ أنّ الذي ادُّعيَ مِن إنفاقِ أبي بَكرٍ لا يَخلو - لَو كانَ صَحيحاً - مِن أن يَكونَ وَقَعَ بمَكّةَ قَبلَ الهِجرةِ‌،(2)أو بالمَدينةِ‌.

فإن كانَ بمَكّةَ فمعلومٌ أنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه لَم يُجَهِّزْ هُناكَ جَيشاً، و لا بَعَثَ بَعثاً، و لا حارَبَ الأعداءَ‌،(3)و إنّما يَحتاجُ مِثلُه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(4)إلَى النفقةِ الواسعةِ في تجهيزِ الجُيوشِ و إعدادِ الكُراعِ‌(5)لأنّه كانَ ممّن لا يَتفَكَّهُ و لا يَتَنَعَّمُ بإنفاقِ الأموالِ‌. علىٰ أنّه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه كانَ بمَكّةَ في كِفايةٍ و سَعَةٍ‌(6)مِن مالِ خَديجةَ عليها السلامُ (7)، و قد كانَت باقيةً عندَه إلىٰ سَنةِ الهِجرةِ ، و سَعَةُ حالِها معروفةٌ . و لِما كانَ فيه(8)مِن الكفايةِ و الاتّساعِ ضَمَّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ إلىٰ نفسِه، و كَفَلَه(9)و اقتَطَعَه عن أبيه؛ تخفيفاً عنه.(10)و هذا لا يَفعَلُه المُحتاجُ إلىٰ نفقةِ (11)أبي بَكرٍ.


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «فأين نفقات».

2) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «لا يخلو من أن يكون وقع بمكّة قبل الهجرة لو كان صحيحاً».

3) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «عدوّاً».

4) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «عليه السلام».

5) . في «د»: + «و السلاح». و الكُراع: اسمٌ يجمع الخيل و السلاح. تاج العروس، ج 11، ص 420 (كرع).

6) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع و التلخيص: «واسعة».

7) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «رضي اللّٰه عنها».

8) . في التلخيص: «منه».

9) . في «ج، ص، ف» و التلخيص: - «و كفله».

10) . الرياض النضرة، ج 3، ص 109.

11) . في التلخيص: «إلى النفقة من».

و إن كانَت النفقةُ بَعدَ الهِجرةِ فمعلومٌ أنّ أبا بَكرٍ وَرَدَ المَدينةَ فَقيراً بِلا مالٍ‌، و لهذا احتاجَ إلىٰ مواساةِ الأنصارِ له.(1)

و قد رَوَى الناسُ كُلُّهم: أنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه كانَ في ضِيافةِ الأنصارِ يَتَداوَلونَ ضِيافتَه،(2)و لَم يَروِ أحَدٌ أنّ أبا بَكرٍ أضافَه و قامَ بمَؤونتِه بالمَدينةِ‌؛ و قد كانَ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه يَبقَى اليَومَ و(3)اليَومَينِ و الثلاثةَ لا يَطعَمُ شَيئاً، و رُبَّما شَدَّ الحَجَرَ علىٰ‌(4)بَطنِه.(5)

و وجوهُ الإنفاقِ في المَدينةِ معروفةٌ ؛ لأنّها الجِهادُ و تجهيزُ الجُيوشِ ، و لَيسَ يُمكِنُ أحَداً أن يُعيِّنَ له إنفاقاً(6)في شَيءٍ مِن ذلكَ .(7)

و قد بَيَّنَ أصحابُنا في الكلامِ علىٰ نفقةِ أبي بَكرٍ و ادّعاءِ يَسارِه،(8)أنّه كانَ مُملِقاً غيرَ موسِرٍ؛ و دَلّوا علىٰ ذلكَ مِن حالِه بأشياءَ :


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «له».

2) . سبل الهدى، ج 7، ص 92-104.

3) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و الحجري و المطبوع: - «اليوم و».

4) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: - «علىٰ بطنه». و شدّ الحجر على البطن إنّما يتمّ لدفع النفخ الحادث من الجوع و خلوّ الجوف.

5) . مسند أحمد، ج 3، ص 300-301، ح 14249 و 14258؛ المعجم الكبير، ج 25، ص 106، ح 275؛ المصنّف لابن أبي شيبة، ج 8، ص 500، ح 16؛ شعب الإيمان، ج 2، ص 70، ح 1461؛ كنز العمّال، ج 6، ص 623، ح 17126، و ج 10، ص 445، ح 30083؛ سبل الهدى، ج 7، ص 92-104؛ تفسير القمّي، ج 2، ص 178، ذيل الآية 10 من سورة الأحزاب (33)؛ تفسير فرات الكوفي، ص 525، ذيل الآية 7 من سورة الإنسان (76).

6) . في المطبوع: «و ليس يمكن أحد أن يبيّن له إنفاق». و في الحجري كما في المتن إلّاأنّ فيه: «أن يبيّن» بدل «أن يعيّن».

7) . من قوله: «و ليس يمكن أحداً» إلىٰ هنا ساقط من «ج، ص، ف».

8) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و ادّعائها تارة». نعم، جاء في حاشيتَي «ج، ف» ما أثبتناه.

منها: أنّه كان يُعلِّمُ الناسَ و يأخُذُ الأجرَ علىٰ تعليمِه، و لَيسَ هذا صَنيعَ الموسِرينَ‌.

و منها: أنّه كان يَخيطُ الثيابَ و يَبيعُها.(1)

و منها: أنّ أباه كانَ معروفاً بالمَسكنةِ و الفَقرِ، و أنّه كانَ يُنادي في كُلِّ يَومٍ علىٰ مائدةِ عبدِ اللّٰهِ بنِ جُدْعانَ‌(2)بأجرٍ طَفيفٍ‌؛(3)فلَو كانَ أبو بَكرٍ غَنيّاً لَكَفىٰ أباه.

و بَعدُ، فلَو سُلِّمَ (4)لهُم يَسارُه و إنفاقُه - علىٰ ما يَدَّعونَ - لَكانَ غيرَ دالٍّ علَى الغرضِ الذي أَجرَوا(5)إليه؛ لأنّ المُعتبَرَ في الإنفاقِ بالمَقاصدِ و النيّاتِ ، فمِن أينَ لهُم أنّ غرضَ أبي بَكرٍ فيه(6)كانَ محموداً؟ و هذا ممّا لا بُدَّ لهُم فيه مِن الرجوعِ إلىٰ غيرِ ظاهرِ الإنفاقِ .(7)

مناقشة مصاحبة أبي بكر للنبيّ صلى الله عليه و آله في الغار و الهجرة

فأمّا قولُه: «إنّه كانَ صاحبَه في الغارِ» فإنّا متَى اعتَبَرنا قِصّةَ الغارِ لَم نَجِدْ فيها لأبي بَكرٍ فَضلاً، بَل وَجَدناه مَنهيّاً، و النهيُ مِن الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه لا يَتوجَّهُ إلّا


1) . البصائر و الذخائر، ج 5، ص 42-43، الرقم 145.

2) . هكذا في «د» و المطبوع و بعض المصادر. و في سائر النسخ و التلخيص: «جذعان»؛ بالذال المعجمة. و الرجل هو عبد اللّٰه بن جدعان بن عمرو بن كعب القرشي ثمّ التميمي، تيم بن مرّة، أبو زهير، و كان سيّد قريش في الجاهلية، و كان واسع المال، كثير المعروف، جواداً، فاجتمع إليه وجوه العرب في داره على مائدة. و كان ابن جدعان عقيماً، فادّعى بنوّة رجل فسمّاه زهيراً و كنّاه أبا مليكة، فولده كلّهم ينسبون إلى أبي مليكة. المقفّى الكبير، ج 4، ص 258-269، الرقم 1524؛ الإصابة، ج 4، ص 33، الرقم 4605.

3) . في «د»: «بآخر صفّ ». و في «ص»: «بآخر طفيف».

4) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «سلّمنا». و في «د»: «له» بدل «لهم».

5) . في التلخيص: «يجرون».

6) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «فيه».

7) . في «د»: «غير الظاهر في الإنفاق».

إلىٰ قَبيحٍ‌؛ و نَحنُ نُبيِّنُ ما يَقتَضيهِ استقراءُ الآيةِ‌:

أمّا قولُه تَعالىٰ‌: (ثٰانِيَ اثْنَيْنِ‌)(1). التفسير الكبير، ج 16، ص 50 و ما بعدها؛ تفسير ابن كثير، ج 4، ص 136، ذيل الآية 40 من سورة التوبة (9).(2)فلَيسَ فيه أكثَرُ مِن إخبارٍ عن عَدَدٍ، و قد يَكونُ ثانياً لغَيرِه مَن لا يُشارِكُه(3)في إيمانٍ و لا فَضلٍ‌.

ثُمّ قالَ‌: (إِذْ(4)يَقُولُ لِصٰاحِبِهِ‌) و لَيسَ في التسميةِ بالصُّحبةِ فَضلٌ‌؛ لأنّها قد تَحصُلُ بَينَ‌(5)الوليِّ و العدوِّ و المؤمِنِ و الكافرِ؛ قالَ اللّٰهُ تَعالىٰ مُخبِراً عن مؤمِنٍ و كافرٍ اصطَحَبا: (قٰالَ لَهُ صٰاحِبُهُ وَ هُوَ يُحٰاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرٰابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّٰاكَ رَجُلاً).(6)

ثُمّ قالَ‌: (لاٰ تَحْزَنْ‌)(7)فنَهاه عن الاستمرارِ علىٰ حُزنٍ وَقَعَ منه بِلا خِلافٍ‌؛ لأنّ الروايةَ وَرَدَت(8)بأنّه جَزِعَ و نَشَجَ‌(9)بالبُكاءِ (9) - و إنّما ذَكَرنا ذلكَ لئلّا يَقولوا: إنّما نَهاه عمّا لَم يَقَعْ منه -، وظاهرُ(10)نَهيِه عليه السلامُ (11)يَدُلُّ علىٰ قُبحِ الفعلِ ، و إنّما يُحمَلُ النهيُ في بعضِ المَواضعِ علَى التشجيعِ و التسكينِ لدَلالةٍ (12)توجِبُ العُدولَ عن


1) . التوبة

2) :40.

3) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «لا يشركه».

4) . في المطبوع: - «إذ».

5) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «من».

6) . الكهف (18):37.

7) . من قوله: «و قول النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله لفاطمة» قبل عدّة صفحات إلىٰ هنا ساقط من «ب».

8) . في «ص، ف»: «قد وردت». نعم، وُضِعَ في «ف» علىٰ «قد» رمز غير واضح؛ إمّا «ز» بمعنى الزيادة، أو «خ» بمعنى النسخة.

9) . في «ب، ج، ص» و حاشية «ف»: «وتنشّج». نعم، يبدو أنّها قد صُحِّحَت في «ف» بما أثبتناه.

10) . في «د» و المطبوع: «فظاهر».

11) . في «د»: «صلّى اللّٰه عليه و آله». و في التلخيص: - «عليه السلام».

12) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «بدلالة».

الظاهرِ؛ و هذا يَدُلُّ علىٰ وقوعِ المعصيةِ مِن الرجُلِ في الحالِ‌.

فأمّا قولُه تَعالىٰ‌: (إِنَّ اللّٰهَ مَعَنٰا) فمعناه أنّه عالِمٌ بحالِنا، كما قالَ تَعالىٰ‌: (مٰا يَكُونُ مِنْ نَجْوىٰ ثَلاٰثَةٍ إِلّاٰ هُوَ رٰابِعُهُمْ وَ لاٰ خَمْسَةٍ إِلّاٰ هُوَ سٰادِسُهُمْ وَ لاٰ أَدْنىٰ مِنْ ذٰلِكَ وَ لاٰ أَكْثَرَ إِلّاٰ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مٰا كٰانُوا)(1)فلَيسَ في ذلكَ أيضاً فَضلٌ‌.

و قد قيلَ‌: إنّ لفظةَ (مَعَنٰا) تَختَصُّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه وَحدَه، دونَ مَن كانَ معه؛ و قد يَستَعمِلُ‌(2)الواحدُ المُعظَّمُ‌(3)هذه اللفظةَ في العِبارةِ‌(4)عن نفسِه، كما قالَ تَعالىٰ‌: (إِنّٰا أَرْسَلْنٰا نُوحاً إِلىٰ قَوْمِهِ‌)(5)و (إِنّٰا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنّٰا لَهُ لَحٰافِظُونَ‌)(6).

ثُمّ قالَ‌: (فَأَنْزَلَ اللّٰهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهٰا) و إنزالُ السكينةِ إنّما

كانَ علَى النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، بدَلالةِ قولِه: (وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهٰا) و هُم المَلائكةُ‌، و بدَلالةِ أنّ الهاءَ مِن أوّلِ الآيةِ إلىٰ آخِرِها كِنايةٌ عن النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه. و لَم تَنزِلِ‌(7)السكينةُ علَى النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه في غيرِ هذا المَقامِ إلّاعَمَّت مَن كانَ معه مِن المؤمنينَ‌؛ قالَ اللّٰهُ تَعالىٰ في يَومِ حُنَينٍ‌: (ثُمَّ أَنْزَلَ (8)اللّٰهُ سَكِينَتَهُ عَلىٰ رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ )(9)و قالَ تَعالىٰ : (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ


1) . المجادلة (58):7.

2) . في التلخيص: «تُستعمل في».

3) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «العظيم».

4) . في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص: - «في العبارة».

5) . نوح (71):1. و في «ب، ج، ص، ف» و الحجري و المطبوع: - «إلى قومه».

6) . الحجر (15):9.

7) . في «ب، د» و المطبوع: «و لم ينزل».

8) . هكذا في التلخيص و المطبوع، و هو المطابق لما جاء في القرآن العظيم. و في جميع النسخ و الحجري: «فأنزل»، و هو ناشئ من الخلط بين هذه الآية و الآية التالية.

9) . التوبة (9):26.

حَمِيَّةَ الْجٰاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللّٰهُ سَكِينَتَهُ عَلىٰ رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) (1)، و في اختصاصِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه في الغارِ بالسكينةِ - دونَ مَن كانَ معه - ما فيه.

فأمّا قولُه: «و صاحِبَه في الهِجرةِ‌» فإن أرادَ بذلكَ تفضيلَ هِجرتِه علىٰ هِجرةِ غيرِه في ظاهرِ الحالِ‌، فلَيسَ الأمرُ علىٰ ما ظَنَّه؛ لأنّ هِجرةَ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ كانَت(2)أفضَلَ و أجَلَّ و أعظَمَ‌؛ مِن قِبَلِ أنّه عليه السلامُ جَمَعَ بَينَ الهِجرةِ (3)و بَينَ ما خَلَّفَه النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه لإنجازِه مِن أُمورِه(4)المُهِمّةِ ، و إخراجِ أهلِه و نِسائه. و لأنّه عليه السلامُ (5)هاجَرَ وحدَه، خائفاً مُستَوحِشاً(6)علىٰ نفسِه و علىٰ مَن معه مِن الأهلِ الذينَ كُلِّفَ إخراجَهم و حِراستَهم؛(7)حتّىٰ رُويَ : أنّه كانَ يَكمُنُ نَهاراً و يَسيرُ لَيلاً(8)، و أنّه(9)مَشىٰ حتَّى انتَفَخَ قَدَماه.(10)و لَيسَ يَكونُ خَوفُ مَن هاجَرَ وَحدَه و معه النساءُ و الأهلُ و مَن يَخافُ عليه(11)كخَوفِه علىٰ نفسِه، كهِجرةِ مَن كانَ مُصاحِباً


1) . الفتح (48):26.

2) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «كانت».

3) . في التلخيص: «الهجرتين».

4) . في «د»: «أمور».

5) . في الحجري و المطبوع: «صلوات اللّٰه عليه».

6) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «مستوحشاً».

7) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: + «مستوحشاً».

8) . تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 41؛ الكامل لابن الأثير، ج 2، ص 106؛ أُسد الغابة، ج 3، ص 593، الرقم 3783؛ إمتاع الأسماع، ج 1، ص 68؛ السيرة الحلبيّة، ج 2، ص 73؛ مناقب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام للكوفي، ج 1، ص 365.

9) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: + «امتنع من ظهوره نهاراً و».

10) . إمتاع الأسماع، ج 1، ص 68؛ الكامل لابن الأثير، ج 2، ص 106؛ و فيهما: «تفطّرت» بدل «انتفخ».

11) . في التلخيص: «و معه من النساء و الأهل الذين يخاف عليهم».

للنبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، مُستأنِساً(1)بقُربِه، واثِقاً بأنّه مَرعيٌّ‌(2)محروسٌ‌؛ لمَكانِه.

و لا خِلافَ في(3)أنّ هِجرةَ أبي بَكرٍ كهجرةِ عامرِ بنِ فُهَيرةَ‌؛(4)لأنّهما صَحِباه عليه السلامُ‌،(5)ثُمّ لا خِلافَ‌(6)أنّ هِجرةَ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ كانَت أفضَلَ مِن

هِجرةِ عامرِ بن فُهَيرةَ‌(7)فكَيفَ يُفضِّلُ عليها هِجرةَ أبي بَكرٍ؟

و إن لَم يُرِد بذِكرِ الهِجرةِ هذا، و أرادَ إثباتَ الإيمانِ و الإخلاصِ ، فقَد قُلنا - في أنّ ظَواهرَ هذه الأُمورِ لا تَدُلُّ علىٰ ذلكَ (8)- ما كَفىٰ .(9)

بيان الوجه في حضور أبي بكر في العريش

فأمّا قَولُه:(10)«إنّه كانَ‌(11)أَنيسَه في العَريشِ يَومَ بَدرٍ» فالنبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه كانَ أفضَلَ و أوثَقَ باللّٰهِ تَعالىٰ مِن أن يَحتاجَ إلىٰ مؤنِسٍ . و الوجهُ في احتباسِه


1) . في «د»: «و مستأنساً».

2) . في «ب»: - «مرعيّ ». و في التلخيص: + «و».

3) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «في».

4) . عامر بن فهيرة، مولى أبي بكر، يكنّى أبا عمرو، و كان مولّداً من مولّدي الأزد، أسود اللون، أسلم قبل أن يدخل رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله دار الأرقم، أسلم و هو مملوك، فاشتراه أبو بكر فأعتقه. و شهد عامر بدراً و أُحداً، و قتل يوم بئر معونة سنة أربع من الهجرة، و هو ابن أربعين سنة. الطبقات الكبرىٰ ، ج 3، ص 173، الرقم 49؛ حلية الأولياء، ج 1، ص 109، الرقم 14؛ معرفة الصحابة، ج 3، ص 437، الرقم 2131؛ الاستيعاب، ج 2، ص 796، الرقم 1338؛ صفة الصفوة، ج 1، ص 225، الرقم 23؛ أُسد الغابة، ج 3، ص 32، الرقم 2722.

5) . في التلخيص: «لأنّهما صاحباه صلّى اللّٰه عليه و آله».

6) . في التلخيص: + «في».

7) . في «د»: - «بن فهيرة».

8) . تقدّم في ص 240-242، 262 و 268.

9) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «بما كفي». و في التلخيص: - «ما كفىٰ ».

10) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «قوله».

11) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: - «كان».

أبا بَكرٍ(1)في العَريشِ معروفٌ‌؛ لأنّه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه كانَ يَعهَدُ(2)منه الجُبنَ و الهَلَعَ‌(3)لِما ظَهَرَ منه في مَقامٍ بَعدَ مَقامٍ‌؛ فهو الفارُّ(4)يَومَ خَيبَرَ،(5)و أوّلُ المُنهَزِمينَ يَومَ أُحُدٍ و حُنَينٍ‌؛(6)فلَو تَرَكَه يَختَلِطُ بالمُحارِبينَ لَم يأمَنْ أن يَظهَرَ مِن خَوَرِه(7)ما يَكونُ سبباً للهَزيمةِ و طَريقاً إلَى استظهارِ المُشرِكينَ‌، فأجلَسَه معه ليُكفىٰ‌(8)هذه المؤونةَ‌. و يَكفي في هذا الوجهِ أن يَكونَ ما ذَكرناه جائزاً.

و يُبيِّنُ صِحّتَه: أنّه لَو أَنِسَ منه رُشداً في القِتالِ‌، و وَثِقَ بكِفايتِه و اضطلاعِه بالحَربِ‌، لَم يَكُن ليَحرِمَه(9)مَنزِلةَ المُحارِبينَ ، و درجةَ المُباشِرينَ للحَربِ ، الذينَ قالَ اللّٰهُ تَعالىٰ فيهم: (إِنَّ اللّٰهَ اشْتَرىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوٰالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «احتباس أبي بكر». و احتبَسَ الإنسانَو غيرَه: حَبَسَه. تاج العروس، ج 8، ص 236 (حبس).

2) . عَهِدَ الشيءَ عُهداً: عَرَفه. تاج العروس، ج 5، ص 145 (عهد).

3) . و «الهَلَع» و «الهُلاع»: معناه الجُبن عند اللقاء. لسان العرب، ج 8، ص 375 (هلع).

4) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: + «في».

5) . مسند أحمد، ج 1، ص 99، ح 778، و ص 185، ح 1608، و ج 4، ص 51، ح 16586، وص 148، ح 17373، و ج 5، ص 358، ح 23081؛ الجامع الصحيح، ج 5، ص 638، ح 3724؛ سنن ابن ماجة، ج 1، ص 43، ح 117، و ص 45، ح 121؛ صحيح مسلم، ج 3، ص 1433، ح 132/1807، و ج 4، ص 1870-1871، ح 32/2404 و 33/2405؛ المعجم الكبير، ج 6، ص 127، ح 5730، و ج 7، ص 13، ح 6233، و ص 17، ح 6243، و ص 35، ح 6303؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 40، ح 4342، و ص 117، ح 4575، و ص 494، ح 5844؛ سنن النسائي الكبرىٰ ، ج 5، ص 107-112، ح 8399-8408؛ مسند البزّار، ج 2، ص 136، ح 496، و ج 3، ص 22، ح 770، و ص 281، ح 1072.

6) . أُسد الغابة، ج 3، ص 594؛ السيرة الحلبيّة، ج 3، ص 156.

7) . في «ب»: «جوره». و خَوِرَ الرجُلُ خَوَراً: ضَعُفَ و انكسَرَ. تاج العروس، ج 6، ص 375 (خور).

8) . هكذا في «ب، د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «لتكفي».

9) . في التلخيص: «يحرمه».

يُقٰاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ ) (1)، و الذينَ قالَ اللّٰهُ تَعالىٰ فيهم:

(لاٰ يَسْتَوِي الْقٰاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَ الْمُجٰاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ بِأَمْوٰالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّٰهُ الْمُجٰاهِدِينَ بِأَمْوٰالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقٰاعِدِينَ دَرَجَةً وَ كُلّاً وَعَدَ اللّٰهُ الْحُسْنىٰ وَ فَضَّلَ اللّٰهُ الْمُجٰاهِدِينَ عَلَى الْقٰاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً).(2)

بيان الوجه في استشارة النبيّ صلى الله عليه و آله أصحابَه

فأمّا قولُه: «إنّه كانَ المُستَشارَ في أُمورِه» فأوّلُ ما فيه: أنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه لا يَستَشيرُ أحَداً لحاجةٍ منه إلىٰ رأيِه، و فَقرٍ إلىٰ تعليمِه و توقيفِه؛ لأنّه

صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(3)الكاملُ الراجحُ المعصومُ‌، المؤيَّدُ بالمَلائكةِ ، و إنّما كانَ يَستَشيرُ(4)أصحابَه ليُعلِّمَهم كَيفَ يَعمَلونَ في أُمورِهم - و قد قيلَ :(5)ليَستَخرِجَ بذلكَ (6)دَخائلَهم و ضَمائرَهم -؛ فلا فَضلَ في المُشاوَرةِ .

نفي إِمارة أبي بكر علىٰ موسم الحجّ بعد عزله عن أداء سورة براءة

فأمّا قولُه: «إنّه كانَ أميرَه علَى المَوسِمِ في الحَجِّ ، و(7)[علَى الصلاةِ ](8)حينَ


1) . التوبة (9):111. و في «د»: + (وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا).

2) . النساء (4):95.

3) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «عليه السلام».

4) . هكذا في «د» و التلخيص. و في «ص»: «كان مشاورته». و في سائر النسخ و المطبوع: «كانت مشاورته».

5) . في حاشية «ج»: «و قد فعل ذلك». و في التلخيص و الحجري و المطبوع و حاشية «ف»: + «فعل ذلك».

6) . في الحجريّ و المطبوع: - «بذلك».

7) . تقدّم في ص 247، الهامش رقم 11. أنّه في المغني: «و أميره في الموسم على الصلاة حين افتُتحت مكّة». و في التلخيص: «أميره على الموسم في الصلاة». و في «ب، ج، ص، ف» و المغني: - «و».

8) . ما بين المعقوفين استفدناه من كلام المصنّف رحمه اللّٰه القادم بعد قليل.

افتُتِحَت مَكّةُ‌» فغَيرُ مُسلَّمٍ له؛ لأنّ أصحابَنا يَقولونَ‌: إنّه لمّا عُزِلَ عن أداءِ‌(1)سورةِ بَراءةٍ عُزِلَ عن إمارةِ المَوسِمِ‌، و حَجَّ و هو غيرُ أميرٍ. و أظُنُّ أنّ فيهم مَن يَقولُ‌: إنّه بَعدَ عَودِه إلَى النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه - الذي لَم يُختَلَفْ‌(2)فيه - لَم يَرجِعْ إلَى المَوسِمِ .(3)

فأمّا تأميرُه علَى الصلاةِ حينَ فَتحِ مَكّةَ ، فما نَعرِفُه.(4)

فأمّا قولُه:(5)«إنّه [كانَ ] المُقدَّمَ في الصلاةِ أيّامَ مرضِه» فقَد تَقدَّمَ مِن كلامِنا في ذلكَ ما فيه كِفايةٌ ، و بيّنّا أنّه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(6)لَم يأذَنْ في تقديمِه.(7)


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «أداء».

2) . في «د»: «لم يخلُف».

3) . فعن مسند أحمد بسنده عن عليّ عليه السلام قال: «لمّا نزلت عشر آيات من براءة على النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله دعا النبيّ أبا بكر، فبعثه ليقرأها على أهل مكّة، ثمّ دعاني النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله فقال: أدرك أبا بكر، فحيثما لحقته فخذ الكتاب منه، و اذهب إلى أهل مكّة و اقرأها عليهم». قال: «فلحقته بالجحفة، فأخذت الكتاب منه. و رجع أبو بكر إلى النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله فقال: يا رسول اللّٰه، نزل فيّ شيءٌ؟ قال: لا، و لكن جبرئيل جاءني فقال: لن يؤدّي عنك إلّاأنت أو رجل منك...». مسند أحمد، ج 1، ص 151، ح 1296، و ج 3، ص 283، ح 14051. وبنفس المضمون في الجامع الصحيح، ج 5، ص 275، ح 3090؛ سنن النسائي الكبرىٰ ، ج 5، ص 128، ح 8461؛ مسند أبي يعلى، ج 5، ص 412، ح 3095؛ المصنّف لابن أبي شيبة، ج 7، ص 506، ح 72؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 53، ح 4374؛ كنز العمّال، ج 2، ص 422، ح 4400؛ مجمع الزوائد، ج 7، ص 104، ح 11039؛ إمتاع الأسماع، ج 14، ص 322؛ تذكرة الخواصّ ، ص 42-43؛ الرياض النضرة، ج 3، ص 133.

4) . في التلخيص: «فممّا لا يُعرف».

5) . هكذا في «د». و في التلخيص: «قولهم». و في سائر النسخ و الحجري و المطبوع: - «قوله».

6) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «عليه السلام».

7) . تقدّم في ج 2، ص 473 و ما بعدها.

بطلان تشبيه أبي بكر ببعض الملائكة و الأنبياء

فأمّا قولُه: «إنّه مُشبَّهٌ مِن المَلائكةِ بميكائيلَ‌، و مِن الأنبياءِ بإبراهيمَ‌(1)» فممّا(2)لا يَحتَجُّ به مِثلُ‌(3)صاحبِ الكتابِ‌؛ لأنّه طَريقةُ أَغتامِ‌(4)القُصّاصِ و مَن لا يبالي ما يَخرُجُ مِن رأسِه، و ما يَحتَجُّ بمِثلِ هذا و يُصدِّقُ به و يَرويهِ إلّامَن يَروي أنّ اللّٰهَ‌(5)بَكىٰ علىٰ عُثمانَ حتّىٰ هاجَت عَينُه - جَلَّ اللّٰهُ و تَعالىٰ عن ذلكَ‌(6)عُلوّاً كَبيراً - و مَن يَروي أنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه لمّا أُسريَ به رأىٰ في السماءِ مَلائكةً مُتلفِّفينَ بالأكسيةِ ، فسألَ عنهم، فقيلَ له(7): إنّهم تَشبَّهوا بأبي بَكرٍ في تَجلُّلِه بالعباءِ .(8)و لهذا نَظائرُ لا يَنشَطُ صاحبُ الكتابِ (9)لقَبولِها و لا لسَماعِها.(10)

فأمّا الخبرُ المَرويُّ أنّهما(11)سَيِّدا كُهولِ أهلِ‌(12)الجَنّةِ‌: فقَد تَقدَّمَ الكلامُ عليه


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «إنّه شُبِّه بميكائيل من الملائكة، و بإبراهيم من الأنبياء».

2) . من قوله: «لم يأذن في تقديمه» إلىٰ هنا ساقط من «ب».

3) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و الحجري و المطبوع: «لا يحتجّ بمثله».

4) . في «ب، د»: «اعتمام». و في «ج»: «الأغتام». و «ص» غير منقوطة. و في التلخيص: «غنام». و غَتِم يَغتَمُ غَتَماً و غُتْمةً : لَم يُفصِح؛ لعجمةٍ في منطقه، فهو أغتَمُ و هُم غُتْمٌ و أغتامٌ . راجع: لسان العرب، ج 12، ص 433؛ تاج العروس، ج 17، ص 515 (غتم).

5) . هكذا في التلخيص. و في النسخ: «أنّه». و في الحجريّ و المطبوع: «أنّه تعالىٰ ».

6) . هكذا في التلخيص. و في «د»: «جَلَّ اللّٰه تعالى». و في سائر النسخ و المطبوع: «جلّ وتعالىٰ ».

7) . في «د»: - «له».

8) . في المطبوع: «بالعباءة».

9) . في التلخيص: «لا ينشط عاقل و لا محصّل».

10) . في «ب»: «و لا استماعها». و في الحجري و المطبوع: «و لا لسماعهما». و في التلخيص: «و لا سماعها».

11) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «فأمّا الخبر بأنّهما».

12) . في «د»: - «أهل».

خاصّةً (1)و علىٰ نَظائرِه، و(2)تَقدَّمَ أيضاً الكلامُ فيما رُويَ (3)مِن تعظيمِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ له،(4)و تَكلَّمنا أيضاً علىٰ ما ادُّعيَ مِن وصفِه بأنّه خَليلُه(5)و أخوه(6)، و استَقصَينا كُلَّ ذلكَ استقصاءً لا يُحوِجُ إلىٰ زيادةٍ .

بطلان خبر العشرة المبشَّرين بالجنّة

فأمّا(7)ما ادَّعاه(8)مِن بِشارتِه له و لغَيرِه بالجَنّةِ‌، فأوّلُ ما فيه: أنّ راويَه واحدٌ، و لا شُبهةَ في أنّه غيرُ معلومٍ و لا مقطوعٍ به؛ فكَيفَ يَحتَجُّ به في هذا المَوضِعِ؟(9)

ثُمّ الذي رَواه أحَدُ العَشرةِ‌،(10)و هو سَعيدُ بنُ زَيدِ بنِ نُفَيلٍ‌،(11)و هو مُزَكٍّ لنفسِه مع


1) . تقدّم في ج 3، ص 106 و ما بعدها.

2) . هكذا في «ب، د». و في سائر النسخ و المطبوع: + «قد».

3) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «يروى».

4) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «له». و قد تقدّم الكلام في ذلك في ج 3، ص 110 و ما بعدها.

5) . أي خليل رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله.

6) . تقدّم في ج 3، ص 213 و ما بعدها، و ج 3، ص 439.

7) . هكذا في «ج، د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و أمّا».

8) . في «د»: «فأمّا ادّعاؤه».

9) . هكذا في «د» و التلخيص. و في «ب»: - «به». و في سائر النسخ و المطبوع: «يحتجّ في هذا الموضع به».

10) . في التلخيص: «واحد من العشرة».

11) . سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزّى القرشي العدوي، و هو ابن عمّ عمر بن الخطّاب، و كان زوج أُخته فاطمة بنت الخطّاب، و كانت أُخته عاتكة بنت زيد تحت عمر بن الخطّاب، يكنّى أبا الأعور، أسلم قديماً قبل عمر بن الخطّاب، و آخى رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله بينه و بين أُبيّ بن كعب. توفّي سنة خمسين أو إحدى و خمسين و هو ابن بضع و سبعين سنةً . الطبقات الكبرىٰ ، ج 6، ص 92، الرقم 1825؛ حلية الأولياء، ج 1، ص 95، الرقم 8؛ معرفة

تَزكيةِ غيرِه(1)و دخولُه في جُملةِ مَن تَضمَّنَه الخبرُ شُبهةٌ به(2)و طَريقٌ إلَى التُّهمةِ .

و بَعدُ، فقَد عَلِمنا أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ لا يَجوزُ أن يُعلِمَ مُكلَّفاً - يَجوزُ أن يَقَعَ منه القَبيحُ و الحَسَنُ‌، و لَيسَ بمعصومٍ مِن الذنوبِ - بأنّ عاقبتَه الجَنّةُ‌؛ لأنّ ذلكَ يُغريهِ بالقَبيحِ‌، و لا خِلافَ أنّ التسعةَ لَم يَكونوا معصومينَ مِن الذنوبِ ، و قد واقَعَ (3)بعضُهم - علىٰ مَذاهبِ (4)خُصومِنا - كَبائرَ، و أَوقَعَ (5)خَطايا،(6)و إنِ ادَّعَوا أنّهم تابوا منها.(7)

و ممّا يُبيِّنُ بُطلانَ هذا الخبرِ: أنّ أبا بَكرٍ لَم يَحتَجَّ به لنفسِه، و لا احتُجَّ به له(8)في مَواطِنَ دُفِعَ فيها إلَى الاحتجاجِ كالسقيفةِ و غيرِها، و كذلكَ عُمَرُ؛ و عُثمانُ أيضاً - لمّا حوصِرَ(9)و طولِبَ بخَلعِ نفسِه و هَمّوا بقَتلِه - قد(10)رأَيناه احتَجَّ بأشياءَ تَجري

الصحابة، ج 1، ص 152، الرقم 9؛ الاستيعاب، ج 2، ص 614، الرقم 982؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 21، ص 62، الرقم 2477؛ أُسد الغابة، ج 2، ص 235، الرقم 2075.


1) . في التلخيص: «تزكيته لغيره». و في المطبوع: «تزكيته غيره».

2) . هكذا في «د» و الحجري. و في سائر النسخ و المطبوع: - «به». و قد حصل خطأ في الحجري حيث وُضعت «به» بعد الواو لا قبلها.

3) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «أوقع». و واقَعَ الأمورَ: داناها. لسان العرب، ج 8، ص 405 (وقع).

4) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و الحجري و المطبوع: «مذهب». و في التلخيص: «مذهب أكثر».

5) . هكذا في «ب، د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و واقع». و «أوقَعَ خَطايا» معناه: بالَغَ في ارتكاب الصغائر. راجع: تاج العروس، ج 11، ص 525 (وقع).

6) . في التلخيص: - «و أوقع خطايا».

7) . المغنى، ج 20 (القسم الثاني)، ص 84.

8) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «له به».

9) . هكذا في «د» و التلخيص. و في «ب»: - «حوصر». و في «ج، ف» و الحجري و المطبوع: «حُصر».

10) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و الحجري و المطبوع: «و قد».

مَجرَى الفَضائلِ و المَناقبِ ، و ذِكرُ القَطعِ له بالجَنّةِ أَولىٰ منها و أَحرىٰ بأن(1)يُعتَمَدَ

عليه في الاحتجاجِ . و في عُدولِ الجماعةِ عن ذِكرِه دَلالةٌ واضحةٌ علىٰ بُطلانِه.

فأمّا قولُه: إنّهم مَيَّلوا(2)في الفَضلِ بَينَه و بَينَ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ‌، و إنّ ذلكَ يَدُلُّ علَى التقارُبِ‌(3)و ظهورِ الفَضلِ‌: فأكثَرُ(4)ما فيه الدلالةُ علَى الفَضلِ الظاهرِ الذي لا يُختَلَفُ فيه، و لأجلِه وَقَعَ التمييلُ‌(5)فمِن أينَ الفَضلُ الباطنُ؟ علىٰ أنّه يَلزَمُ صاحبَ الكتابِ - علىٰ هذا الاعتلالِ - أن يَكونَ مُعاويةُ مُستَحِقّاً للإمامةِ و مُستَوفياً لشَرائطِها؛ لأنّ الناسَ قد مَيَّلوا(6)في الإمامةِ بَينَه و بَينَ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ .

و قد بيّنّا أنّ الإمامَ يَجِبُ أن يَكونَ معصوماً(7)، فسَقَطَ قولُه أنّ عصمتَه غيرُ واجبةٍ .

و بيّنّا أيضاً(8)الكلامَ علَى الأخبارِ التي ادَّعاها؛ مِن قولِه: «إن وَلَّيتم أبا بَكرٍ» و بِشارتِه له(9)بالخِلافةِ ، و استَقصَيناه.(10)

فأمّا قولُه عن أبي عليٍّ : «إنّ مَن جَوَّزَ مُقامَه علَى الكُفرِ كمَن جَوَّزَ مُقامَه بمَكّةَ


1) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «أن» بدل «بأن».

2) . هكذا في التلخيص و حواشي «ف» و الحجري و المطبوع. و في «ب، د»: «مثّلوا». و في «ج، ص، ف» و متن الحجري و المطبوع: «شكّوا». و ميَّلَ بين الأمرَين: تَردَّدَ. لسان العرب، ج 11، ص 637 (ميل).

3) . في «ب»: «التفاوت». و في التلخيص: «التعاون».

4) . في «ب» و الحجري و المطبوع: «و أكثر».

5) . هكذا في «ف» و التلخيص. و في «ب»: «المثيل». و في سائر النسخ و الحجري و المطبوع: «التمثيل». و التمييل: التردّد بين أمرَين.

6) . هكذا في «ف» و الحجري و المطبوع و التلخيص. و في سائر النسخ: «مثّلوا».

7) . تقدّم في ج 2، ص 135.

8) . في «ج»: + «أنّ ».

9) . في الحجري و المطبوع: - «له».

10) . تقدّم في ج 1، ص 358 و ما بعدها.

و نَفَى انتقالَه إلَى المَدينةِ » فإنّما يَكونُ ذلكَ مثالاً لِمَن نَفَى انتقالَه إلىٰ إظهارِ الإسلامِ ، و قد بيّنّا أنّ ذلكَ لا يَنفيهِ عاقلٌ .

فأمّا قولُه: «إنّه تَعالىٰ كانَ يُحذِّرُ نَبيَّه(1)المُنافِقينَ ، و يَمنَعُه مِن صُحبتِهم»(2)فهذا و إن كانَ علىٰ ما ذَكرَه، فقَد كانَ في(3)جُملةِ أصحابِه و المُختَلِطينَ به مُنافِقونَ معروفونَ ، لا شُبهةَ علىٰ أحَدٍ في أمرِهم الآنَ ؛ فأيُّ شَيءٍ قاله فيمن ذَكرناه أمكَنَ أن يُقالَ له في غيرِه.

فأمّا ما عارَضَ به مِن قولِ الخَوارجِ في أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ‌: فما نَعرِفُ ما ادَّعاه قولاً لخارجيٍّ‌(4)، و المعروفُ مِن مَذهبِهم تعظيمُ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ و تفضيلُه و القولُ فيه بأحسَنِ الأقوالِ قَبلَ التحكيمِ .

و لَو كانَ هذا الذي حَكاه - علىٰ بُطلانِه - قولاً لبعضِهم، لَكانَ الفَرقُ بَينَ الأمرَينِ واضحاً؛ لأنّهم إنّما بَنَوا هذا الاعتقادَ الفاسدَ علىٰ أنّ التحكيمَ كُفرٌ، و قد دَلَّت الأدِلّةُ علىٰ أنّه صَوابٌ و حَقٌّ ؛ فسَقَطَ ما فَرَّعوه عليه. و القولُ الذي عارَضَه بهذا،(5)إنّما بُنيَ علىٰ دَفعِ النصِّ و أنّه ضَلالٌ ، و ذلكَ ممّا قد(6)دَلَّت الأدِلّةُ علىٰ صِحّتِه.

و الرجوعُ إلَى الأدِلّةِ يُفرِّقُ بَينَ الأمرَينِ ، و يَقتَضي سَلامةَ باطنِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ علىٰ وجهٍ لا يَقتَضي سَلامةَ باطنِ غيرِه.


1) . في «د» و التلخيص و المغني: «كان يحذّره». و في «ب»: «كان يحذّر منه صحبة». و في «ج، ص، ف» و الحجري و المطبوع: + «صحبة».

2) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و يمنعه من ذلك».

3) . في التلخيص: «من».

4) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «فما نعرف ما ادّعاه من قول الخوارج».

5) . في «ج»: - «بهذا». و في «د»: «لهذا».

6) . في «د»: - «قد».

فأمّا ما حَكاه مِن الاحتجاجِ بالتزويجِ‌: فلَيسَ ذلكَ ممّا يُحتَجُّ به [في الفَضلِ‌](1)و لا يُعوَّلُ عليه؛ [لأنّ مُخالِفينا يُجوِّزونَ التزويجَ إلَى اليَهودِ و النصارىٰ (2)]. و هذا واضحٌ بِحَمدِ اللّٰهِ تَعالىٰ .(3)

قالَ صاحبُ الكتابِ :

و قد ذَكَرَ شَيخُنا أبو عليٍّ مِن القُرآنِ ما يَدُلُّ علىٰ ذلكَ‌، و هو قولُه تَعالىٰ‌(4): (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرٰابِ شَغَلَتْنٰا أَمْوٰالُنٰا وَ أَهْلُونٰا فَاسْتَغْفِرْ لَنٰا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مٰا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ‌).(5)

و قالَ‌: (فَإِنْ رَجَعَكَ اللّٰهُ إِلىٰ طٰائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَ لَنْ تُقٰاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخٰالِفِينَ‌).(6). التوبة (9):83.(7)

و قالَ‌: (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلىٰ مَغٰانِمَ لِتَأْخُذُوهٰا ذَرُونٰا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاٰمَ اللّٰهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونٰا كَذٰلِكُمْ قٰالَ اللّٰهُ مِنْ قَبْلُ‌)(8)، و هو

معنىٰ‌(9)قولِه: (لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَ لَنْ تُقٰاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا).(9)


1) . ما بين المعقوفين في الموضعين من التلخيص.

2) . المبسوط للسرخسي، ج 4، ص 210؛ المجموع للنووي، ج 16، ص 233؛ المغني لابن قدامة، ج 7، ص 500.

3) . هكذا في «د». و في التلخيص: - «تعالىٰ‌». و في سائر النسخ و المطبوع: - «بحمد اللّٰه تعالىٰ ».

4) . في «د»: «عزّ و جلّ ». و في المغني: - «تعالىٰ ».

5) . الفتح (48):11.

6) . التوبة

7) :83.

8) . الفتح (48):15.

9) . هكذا في «د» و التلخيص و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «يعني» بدل «و هو معنىٰ ».

ثُمّ قالَ‌: (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرٰابِ سَتُدْعَوْنَ إِلىٰ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقٰاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللّٰهُ أَجْراً حَسَناً وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا كَمٰا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذٰاباً أَلِيماً).(1)

فبَيَّنَ‌(2)أنّ الذي يَدعو هؤلاءِ المُخلَّفينَ مِن الأعرابِ إلىٰ قِتالِ قومٍ أُولي بأسٍ شَديدٍ هو(3)غيرُ النبيِّ عليه السلامُ‌(4)لأنّه قد بَيَّنَ تَعالىٰ‌(5)أنّهم لا يَخرُجونَ معه و لا يُقاتِلونَ معه عَدوّاً بآيةٍ مُتقدِّمةٍ‌،(6)و لَم يَدعُهم بَعدَ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه إلىٰ قِتالِ الكُفّارِ إلّاأبو بَكرٍ و عُمَرُ و عُثمانُ‌؛ لأنّ أهلَ التأويلِ لَم يَقولوا في هذه الآيةِ غيرَ وَجهَينِ مِن التأويلِ‌:

فقالَ بعضُهم: عنىٰ بقَولِه: (سَتُدْعَوْنَ إِلىٰ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ) بَني حَنيفةَ‌.

و قالَ بعضُهم: عَنىٰ بذلكَ فارِسَ و الرومَ .

و أبو بَكرٍ هو الذي دَعا إلىٰ قِتالِ بَني حَنيفةَ و قِتالِ فارِسَ و الرومِ ، و دَعاهم بَعدَه إلىٰ قِتالِ فارِسَ و الرومِ عُمَرُ. فإذا كانَ (7)تَعالىٰ قد بَيَّنَ (8)


1) . الفتح (48):16.

2) . في «ب» و المطبوع: «فتبيّن».

3) . هكذا في «د» و التلخيص و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: - «هو».

4) . هكذا في «ص، ف» و المغني. و في سائر النسخ: «صلّى اللّٰه عليه و آله». و في المطبوع: «صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم». و هذا الاختلاف موجود أيضاً في المواضع الآتية من عبارة المغني و لم نصرّح بها في الهامش.

5) . في «د»: «جلّ و عزّ». و في المغني و المطبوع: «لأنّه تعالىٰ قد بيّن».

6) . في «د»: «بأنّه متقدّمة». و في «ص»: «بأنّه متقدّم».

7) . هكذا في «د» و التلخيص و المغني. و في سائر النسخ و الحجري و المطبوع: + «اللّٰه».

8) . في «ص» و حاشية «ج»: + «لنبيّه».

أنّهم بطاعتِهم لهما يؤتيهِم اللّٰهُ أجراً حَسَناً، و إن تَولَّوا عن طاعتِهما يُعذِّبْهم اللّٰهُ عذاباً أليماً، صَحَّ أنّهما(1)علىٰ حَقٍّ ، و أنّ طاعتَهما طاعةُ اللّٰهِ ؛(2)و هذا يوجِبُ صِحّةَ إمامتِهما و صَلاحَهما لذلكَ .

ثُمّ قالَ :

فإن قيلَ : إنّما أرادَ تَعالىٰ (3)بذلكَ أهلَ الجَمَلِ و صِفّينَ .

فذلكَ فاسدٌ؛ مِن وجهَينِ :

أ حَدُهما: قولُه تَعالىٰ : (تُقٰاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ) و الذين حارَبوا أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ كانوا علَى الإسلامِ ، و لَم يَكونوا يُقاتِلونَ علَى الكُفرِ [و لا كانَ هو يُقاتِلُهم ليُسلِموا؛ بَل كانَ يُقاتِلُهم ليَرُدَّهم إلىٰ طاعتِه و الدخولِ في بَيعتِه، و يَرُدَّهم عن البغي].(4)

و الوجهُ الثاني: أنّا لا نَعرِفُ مِن الذين عَناهم بهذا(5)مَن بَقيَ إلىٰ أيّامِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ كما عَلِمنا أنّهم كانوا باقينَ في(6)أيّامِ أبي بَكرٍ [فوَجَبَ بهذا أنّ الذينَ دَعَوا هؤلاءِ المُخَلَّفينَ (7)إلىٰ قِتالِ قومٍ أُولي بأسٍ شَديدٍ هم أبو بَكرٍ و عُمَرُ].

و قولُه تَعالىٰ : (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي


1) . هكذا في «د» و التلخيص و الحجري و المطبوع. و في سائر النسخ و المغني: «أنّهم».

2) . في المغني: «و أنّ طاعتهم طاعة اللّٰه». و في التلخيص: «و أنّ طاعتهما إطاعة اللّٰه».

3) . في «د»: «جلّ و عزّ». و في المغني: - «تعالىٰ ».

4) . ما بين المعقوفين من المغني، و هكذا في الموارد الآتية.

5) . في «ب، ج، ص، ف» و الحجري و المطبوع: «بذلك».

6) . هكذا في «ب، د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «إلىٰ ».

7) . في المصدر: «المخالفين»، و هو تصحيف.

اللّٰهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكٰافِرِينَ يُجٰاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ وَ لاٰ يَخٰافُونَ لَوْمَةَ لاٰئِمٍ‌).(1). في «د»: «فلم يجد».(2)

ثُمّ قالَ‌:

و هذا خبرٌ مِن اللّٰهِ تَعالىٰ‌(3)، و لا بُدَّ مِن أن يَكونَ كائناً علىٰ ما أخبَرَ به، و الذين قاتَلوا المُرتَدّينَ هم أبو بَكرٍ و أصحابُه، فوَجَبَ أنّهم الذين عَناهم بقَولِه: (يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ‌) [و أنّهم (يُجٰاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ وَ لاٰ يَخٰافُونَ لَوْمَةَ لاٰئِمٍ‌)] و ذلكَ يوجِبُ أن يَكونَ علىٰ صَوابٍ [و أن يَكونَ ممّن وَفىٰ‌، و يَمنَعُ ذلكَ مِن قولِ مَن يَدَّعي النصَّ و أنّه كانَ علىٰ باطلٍ‌].

و قالَ تَعالىٰ‌(4): (وَعَدَ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضىٰ لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاٰ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً)(5)فلَم نَجِدْ(5) هذا التمكينَ و الاستخلافَ في الأرضِ‌، الذي وَعَدَه اللّٰهُ مَن آمَنَ و عَمِلَ صالحاً مِن أصحابِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه إلّافي أيّامِ أبي بَكرٍ و عُمَرَ؛ لأنّ الفُتوحَ كانَت في أيّامِهم؛ فأبو

بَكرٍ(6)فَتَحَ بِلادَ العَرَبِ‌(7)و صَدراً مِن بِلادِ العَجَمِ ، و عُمَرُ فَتَحَ مَدائنَ


1) . المائدة

2) :54. و في المغني: - (يُجٰاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ وَ لاٰ يَخٰافُونَ لَوْمَةَ لاٰئِمٍ ).

3) . في «د»: «جلّ و عزّ».

4) . في «د»: «جلّ و عزّ». و في سائر النسخ و المطبوع: - «تعالىٰ ». و في المطبوع: «قال» بدون واوالعطف.

5) . النور (24):55.

6) . هكذا في المغني و التلخيص. و في النسخ و المطبوع: «و أبو بكر».

7) . في «د»: «بلاد الغرب».

كِسرىٰ و إلىٰ حَدِّ(1)خُراسانَ و الشامِ و مِصرَ، ثُمّ كانَ مِن عُثمانَ فَتحُ ناحيةِ المَغرِبِ و خُراسانَ‌(2)و سِجِستانَ و غيرِها.

و إذا كانَ التمكينُ و الاستخلافُ - الذي تَضمَّنَته(3)الآيةُ - لهؤلاءِ الأئمّةِ و لأصحابِهم،(4)عَلِمنا أنّهم مُحِقّونَ‌. ولَو(5)لَم يَكُن ذلكَ‌(6)لهؤلاءِ‌، لَم يَصِحَّ‌؛ لأنّه لَم يَكُن لغَيرِهم الفُتوحُ‌. و لَو كانَ ذلكَ‌(7)لغَيرِهم أيضاً(8)، لَوَجَبَ كَونُ الآيةِ مُتناوِلةً للجميعِ‌.

و قولُه تَعالىٰ‌: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّٰاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ تُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ‌)(9).(10)و لَو كانَ الأمرُ علىٰ ما يَقولُه(11)كَثيرٌ مِن الإماميّةِ‌(12)، أنّهم ارتَدّوا بَعدَ نَبيِّهم عليه السلامُ و خالَفوا النصَّ الجَليَّ ، لَما كانوا خَيرَ أُمّةٍ ؛ لأنّ أُمّةَ موسىٰ (13)لَم يَرتَدّوا بَعدَ


1) . في المغني: «و إلىٰ جهة».

2) . من قوله: «و الشام و مصر» إلىٰ هنا ساقط من المغني.

3) . في «ج، ص»: «تضمّنه». و في التلخيص: «تضمّن».

4) . هكذا في «د» و التلخيص و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «و أصحابهم».

5) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع و المغني: «فلو».

6) . هكذا في «د» و التلخيص و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: - «ذلك».

7) . في الحجري و المطبوع: - «ذلك».

8) . في «ب» و المغني: - «أيضاً».

9) . في جميع النسخ و الحجري: + «ورسوله». و في المطبوع وُضِعَ مَوضِعَها نُقاطٌ ثَلاثٌ . و ماأثبتناه موافقٌ للقرآن العظيم، وللمغني.

10) . آل عمران (3):110.

11) . في «ج، ف»: «تقوّله».

12) . في المغني: «و لو كان الأمر علىٰ كثير ممّا تقوّله الإماميّة».

13) . في «د»: + «عليه السلام».

موسىٰ‌، بَل كانوا مُتمسِّكينَ به مع يوشَعَ بنِ نونٍ‌(1)[و ما أوجَبَ تكذيبَ النصِّ فهو باطلٌ‌].

و قالَ حاكياً عن أبي عليٍّ‌:

و كَيفَ يَتصوَّرُ عاقلٌ‌، مع عِظَمِ حالِ الإسلامِ عندَ مَوتِ الرسولِ عليه السلامُ‌، أن يَكونَ الجميعُ يَنقادونَ لأبي بَكرٍ و لا يُنكِرونَ إمامتَه، و قد نَصَّ رسولُ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه نَصّاً ظاهراً علىٰ واحدٍ بعَينِه، فلا يَتَّخِذُه أحَدٌ إماماً و لا يُذكَرُ(2)ذلكَ؟ و لَو جازَ ذلكَ لَجازَ أن يَكونَ لرسولِ اللّٰهِ‌(3)صَلَّى اللّٰهُ عليه ولدٌ نَصَّ‌(4)عليه، و لَم يُذكَرْ ذلكَ‌!(5)

و كَيفَ يَكونونَ مُرتَدّينَ ، مع أنّه تَعالىٰ خَبَّرَ(6)أنّه جَعَلَهم أُمَّةً وَسَطاً(7)؟ و كَيفَ يَصِحُّ ذلكَ (8)مع قولِه عَزَّ و جَلَّ : (وَ(9)السّٰابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ

اَلْمُهٰاجِرِينَ وَ الْأَنْصٰارِ وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسٰانٍ رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ‌)؟(10)و كَيفَ يَقولُ‌(11)تَعالىٰ‌: (لاٰ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ‌


1) . هكذا في «ص» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: - «بن نون».

2) . في «ص» و الحجري و المطبوع: «و لا يذكرون». و في المغني: «و لا ينكر».

3) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و الحجريّ و المطبوع: «للرسول».

4) . في الحجري و المطبوع: «و لا نصّ ». و في المغني: «و لذا نصّ ».

5) . في المغني: - «ذلك».

6) . في الحجري و المطبوع: «أخبر».

7) . اشارة إلىٰ قوله تعالى: (وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً). البقرة (2):143.

8) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: - «ذلك».

9) . هكذا في «د»، و هو مطابق لما جاء في القرآن العظيم. و في سائر النسخ و المطبوع: - «و».

10) . التوبة (9):100.

11) . من قوله: «عزّ و جلّ : (وَ السّٰابِقُونَ الْأَوَّلُونَ ...)» إلىٰ هنا ساقط من المغني.

وَ قٰاتَلَ أُولٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَ قٰاتَلُوا)؟(1)و كَيفَ يَصِحُّ ذلكَ مع قولِه تَعالىٰ‌: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّٰهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ‌) الآيةَ ،(2)فشَهِدَ بمَدحِهم و بأنّه يَغيظُ بِهم(3)الكُفّارَ، و نَحنُ نَعلَمُ أنّه لا يَصِحُّ أن يَغيظَ(4)الكُفّارَ بسِتّةِ نَفَرٍ - علىٰ ما تَقولُه(5)الإماميّةُ -؟ و كَيفَ يَصِحُّ ما قالوه، مع قولِه عليه السلامُ : «خَيرُ الناسِ قَرني، ثُمّ الذينَ يَلونَهم، ثُمّ الذينَ يَلونَهم(6)»؟

و كُلُّ ذلكَ يُبيِّنُ بُطلانَ قولِهم أنّه لَم يَكُن يَصلُحُ (7)للإمامةِ ، و أنّه مشكوكٌ في فَضلِه و إيمانِه.(8)

مناقشة الاستدلال بآية المخلّفين علىٰ ايمان أبي بكر و صلاحه للإمامة

يُقالُ له: أمّا ما بَدأتَ به مِن الآيةِ التي زَعَمتَ أنّ أبا عليٍّ اعتَمَدَها و استَدَلَّ بها: فالغلطُ في تأويلِها ظاهرٌ، و قد ضَمَّ إلَى الغلطِ في التأويلِ (9)الغلطَ في التأريخِ و الروايةِ (10)و نَحنُ نُبيِّنُ ما في ذلكَ .


1) . الحديد (57):10.

2) . الفتح (48):29.

3) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «وبأنّهم غيظ». و في المغني «و أنّه يغيظ بهم».

4) . في الحجري و المطبوع: «لا يغيظ» بدل «لا يصحّ أن يغيظ».

5) . في «ب»: «قاله». و في «ج»: «نقوله إلّا». و في الحجري و المطبوع و المغني: «يقوله».

6) . هكذا في «ص» و المغني و حاشيتَي «ج، ف». و في سائر النسخ و المطبوع: - «ثمّ الذين يلونهم».

7) . في الحجري و المطبوع: «أنّه لم يصلح».

8) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 324-327.

9) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: + «أيضاً».

10) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «و الرواية».

و لنا في الكلامِ علىٰ هذه الآيةِ وجهانِ :

أحَدُهما: أن نُنازِعَ في اقتضائها داعياً - يَدعو هؤلاءِ المُخلَّفينَ (1)- غيرَ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و نُبيِّنَ أنّ الداعيَ لهُم فيما بَعدُ كانَ الرسولَ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه.

و الوجهُ الآخَرُ: أن نُسلِّمَ أنّ الداعيَ غيرُه عليه السلامُ ، و نُبيِّنَ أنّه لَم يَكُن أبا بَكرٍ(2)و عُمَرَ - علىٰ ما ظَنَّ أبو عليٍّ و أصحابُه - بَل كانَ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ .

فأمّا الوجهُ الأوّلُ‌: فواضحٌ‌؛ لأنّ قولَه تَعالىٰ‌: (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرٰابِ شَغَلَتْنٰا أَمْوٰالُنٰا وَ أَهْلُونٰا فَاسْتَغْفِرْ لَنٰا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مٰا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللّٰهِ شَيْئاً إِنْ أَرٰادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرٰادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كٰانَ اللّٰهُ بِمٰا تَعْمَلُونَ خَبِيراً * بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَ الْمُؤْمِنُونَ إِلىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَ زُيِّنَ ذٰلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَ ظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَ كُنْتُمْ قَوْماً بُوراً)(3)إنّما أرادَ به الذينَ تَخلَّفوا عن الحُدَيبِيَةِ‌؛ بشَهادةِ جميعِ أهلِ النقلِ ، و إطباقِ المُفسِّرينَ .(4)

ثُمّ قالَ تَعالىٰ : (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلىٰ مَغٰانِمَ لِتَأْخُذُوهٰا ذَرُونٰا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاٰمَ اللّٰهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونٰا كَذٰلِكُمْ قٰالَ اللّٰهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنٰا بَلْ كٰانُوا لاٰ يَفْقَهُونَ إِلّاٰ قَلِيلاً).(5)و إنّما التَمَسَ هؤلاءِ المُخلَّفونَ أن يَخرُجوا إلىٰ غَنيمةِ خَيبَرَ، فَمَنَعَهم اللّٰهُ تَعالىٰ مِن ذلكَ ، و أمَرَ نَبيَّه صَلَّى اللّٰهُ عليه


1) . في «د»: «المخالفين».

2) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و الحجري و المطبوع: «أبوبكر».

3) . الفتح (48):11-12.

4) . التبيان، ج 9، ص 321؛ مجمع البيان، ج 9، ص 173؛ التفسير الكبير، ج 28، ص 74؛ جامع البيان، ج 26، ص 48؛ غرائب القرآن، ج 6، ص 147، الكشّاف، ج 4، ص 336، ذيل الآية 11 من سورة الفتح (48).

5) . الفتح (48):15.

و آلِه(1)بأن يَقولَ لهُم: (لَنْ تَتَّبِعُونٰا) يُريدُ(2): إلىٰ هذه الغَزاةِ‌(3)لأنّ اللّٰهَ تَعالىٰ كانَ حَكَمَ مِن قَبلُ بأنّ غَنيمةَ خَيبَرَ لِمَن شَهِدَ الحُدَيبِيَة، و أنّه لا حَظَّ فيها لِمَن لَم يَشهَدها؛ و هذا هو معنىٰ قولِه تَعالىٰ‌: (يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاٰمَ اللّٰهِ‌) و قولِه: (كَذٰلِكُمْ قٰالَ اللّٰهُ مِنْ قَبْلُ‌).

ثُمّ قالَ تَعالىٰ‌: (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرٰابِ سَتُدْعَوْنَ إِلىٰ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقٰاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللّٰهُ أَجْراً حَسَناً(4)(5)و إنّما أرادَ(6)أنّ الرسولَ عليه السلامُ‌(7)سَيَدعوكم فيما بَعدُ إلىٰ قِتالِ قومٍ أُولي بأسٍ شَديدٍ، و قد

دعاهُم النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه بَعدَ ذلكَ إلىٰ غَزَواتٍ كَثيرةٍ‌، و قِتالِ قومٍ أُولي بأسٍ شَديدٍ(8)، كمُؤتةَ و حُنَينٍ و تَبوكَ (9)

و «حُنَينٌ »: مكان قريب من مكّة، و قيل: هو واد قبل الطائف، و قال الواقدي: بينه و بين مكّة ثلاث ليال. (معجم البلدان، ج 2، ص 313). وغزوة حنين كانت في سنة 8 من الهجرة بعد غزوة مؤتة.

و غيرِها؛ فمِن أينَ يَجِبُ أن يَكونَ الداعي لهؤلاءِ

1) . في «ج، ص»: «عليه السلام».

2) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع و التلخيص: - «يريد».

3) . في «ص»: «القراءة». و في الحجري و المطبوع: «الغزوة». و الغَزاة: اسمٌ من الغَزوِ؛ و هو عملُ سنةٍ منه. و الغَزوةُ هي المرّة منه. لسان العرب، ج 15، ص 123 (غزا).

4) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و الحجري و المطبوع: - (فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللّٰهُ أَجْراً حَسَناً).

5) . الفتح (48):16.

6) . في «د»: «المراد».

7) . في «ب»: - «عليه السلام». و في المطبوع: «صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم».

8) . من قوله: «و قد دعاهم...» إلىٰ هنا ساقط من «د».

9) . مُؤتَة (بالضمّ ثمّ واو ساكنة، وتاء مثنّاة من فوقها): قرية من قرى البلقاء في حدود الشام، و قيل: من مشارف الشام، وبها كانت تطبع السيوف و إليها تنسب المشرفيّة من السيوف، بها قبر جعفر بن أبي طالب. (معجم البلدان، ج 5، ص 219-220). و أمّا غزوة مؤتة فكانت في جمادى الأُولى سنة 8 من الهجرة.

غيرَ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، مع ما ذَكرناه مِن الحُروبِ التي كانَت بَعدَ خَيبَرَ؟

و قولُه: «إنّ معنىٰ قولِه تَعالىٰ‌: (كَذٰلِكُمْ قٰالَ اللّٰهُ مِنْ قَبْلُ‌) إنّما أرادَ به ما بَيَّنَه في قولِه: (فَإِنْ رَجَعَكَ اللّٰهُ إِلىٰ طٰائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَ لَنْ تُقٰاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا)» هو(1)الغلطُ الفاحشُ مِن طريقِ التأريخِ و الروايةِ‌، الذي(2)وَعَدنا بالتنبيهِ عليه(3)لأنّ هذه الآيةَ في سورةِ التوبةِ‌، و إنّما نَزَلَت بتَبوكَ سَنةَ تِسعٍ‌، و آيةُ سورةِ‌(4)الفَتحِ نَزَلَت سَنةَ سِتٍّ‌؛ فكَيفَ يَكونَ قَبلَها؟

و لَيسَ يَجِبُ أن يُقالَ في القُرآنِ بالإرادةِ‌(5)و(6)بما يَحتَمِلُ مِن الوجوهِ في كُلِّ مَوضِعٍ ، دونَ الرجوعِ إلىٰ تأريخِ نُزولِ الآيِ (7)و الأسبابِ التي وَرَدَت عليها و تَعلَّقَت بها.(8)

و ممّا يُبيِّنُ لكَ (9)أنّ هؤلاءِ المُخلَّفينَ غيرُ أُولئكَ - لَو لَم تَرجِعْ (10)في ذلكَ إلىٰ

و «تَبُوك»: موضع بين وادي القرى و الشام، و هو حصن به عين و نخل و حائط ينسب إلى النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله. (معجم البلدان، ج 2، ص 14). وغزوة تبوك كانت في رجب سنة 9 من الهجرة.


1) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: «و هو».

2) . هكذا في «د» و التلخيص. و في «ب»: - «الذي». و في سائر النسخ و المطبوع: «التي».

3) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «عليها». و قد تقدّم وعدُه قبل قليل في ص 287.

4) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «سورة».

5) . في «د» و الحجري و المطبوع: «بالآراء».

6) . في المطبوع: «أو».

7) . في التلخيص و المطبوع: «الآية».

8) . التبيان، ج 9، ص 325-326؛ التفسير الكبير، ج 28، ص 76، ذيل الآية 15 من سورة الفتح (48).

9) . في «ب، د»: «ذلك». و في التلخيص: - «لك».

10) . هكذا في «ص، ف» و أحد وجهي الحجري. و في سائر النسخ و المطبوع: «لم يرجع».

نَقلٍ و تأريخٍ -: قولُه تَعالىٰ‌(1)في هؤلاءِ‌: (فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللّٰهُ أَجْراً حَسَناً وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا كَمٰا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذٰاباً أَلِيماً)(2)فلَم يَقطَعْ فيهم علىٰ طاعةٍ و لا معصيةٍ‌، بَل ذَكَرَ الوعدَ و الوعيدَ علىٰ ما يَفعَلونَه مِن طاعةٍ أو معصيةٍ‌. و حُكمُ المذكورينَ في آيةِ التوبةِ بخِلافِ هذا؛ لأنّه تَعالىٰ قالَ بَعدَ قولِه: (إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخٰالِفِينَ‌)، (وَ لاٰ تُصَلِّ عَلىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مٰاتَ أَبَداً وَ لاٰ تَقُمْ عَلىٰ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ مٰاتُوا وَ هُمْ فٰاسِقُونَ * وَ لاٰ تُعْجِبْكَ أَمْوٰالُهُمْ وَ أَوْلاٰدُهُمْ إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهٰا فِي الدُّنْيٰا وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ كٰافِرُونَ‌) (3). هكذا في شرح النهج و أجوبة المسائل القرآنيّة (للسيّد المرتضى). و في «د»: «أبي روقا». و في التلخيص: «أبي دوق». و في سائر النسخ و المطبوع: - «عن أبي روق».(4)و اختلافُ (5)أحكامِهم و صِفاتِهم يَدُلُّ (6)علَى اختلافِهم، و(7)أنّ المذكورينَ في آيةِ سورةِ الفَتحِ غيرُ المذكورينِ في آيةِ التوبةِ .

فأمّا قولُه: «لأنّ أهلَ التأويلِ لَم يَقولوا في هذه الآيةِ غيرَ وجهَينِ مِن التأويلِ‌» ذَكَرَهما:

فباطلٌ‌؛ لأنّ أهلَ التأويلِ قد ذَكَروا شَيئاً آخَرَ(8)لَم يَذكُرْه(9).

لأنّ ابنَ المُسيِّبِ رَوىٰ عن أبي رَوقٍ‌(9) عن الضحّاكِ في قولِه تَعالىٰ : (سَتُدْعَوْنَ


1) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «تعالىٰ ».

2) . الفتح (48):16.

3) . التوبة

4) :83-85.

5) . في «د»: «فاختلاف».

6) . في «د» و التلخيص: «تدلّ ».

7) . في المطبوع: «لو».

8) . في «ف» و الحجري و المطبوع: «أشياء أُخر».

9) . في التلخيص و الحجري: «لم يذكروه». و في المطبوع: «لم يذكرها».

إِلىٰ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ) الآيةَ‌، قالَ‌: هُم ثَقيفٌ‌.(1)

و رَوىٰ هُشَيمٌ‌،(2)عن أبي بِشرٍ،(3)عن سَعيدِ بنِ جُبَيرٍ قالَ‌: هُم هَوازِنُ يَومَ حُنَينٍ‌.(4)

و رَوَى الواقِديُّ‌، عن مَعمَرٍ، عن قَتادةَ قالَ‌: هُم هَوازِنُ و ثَقيفٌ‌.(5)

فكَيفَ ذَكَرَ مِن قولِ أهلِ التأويلِ ما يوافِقُه، مع اختلافِ الروايةِ عنهم‌؟

علىٰ أنّا لا نَرجِعُ في كُلِّ ما يَحتَمِلُه تأويلُ القُرآنِ إلىٰ أقوالِ المُفسِّرينَ ؛ فإنّهم(6)رُبَّما تَرَكوا ممّا يَحتَمِلُه القُرآنُ (7)وجهاً صَحيحاً، و كَم استَخرَجَ جَماعةٌ مِن(8)


1) . التبيان، ج 9، ص 336؛ مجمع البيان، ج 9، ص 176؛ جامع البيان، ج 26، ص 52؛ الكشّاف، ج 4، ص 338؛ الجامع لأحكام القرآن، ج 16، ص 272؛ أنوار التنزيل، ج 5، ص 129، ذيل الآية 16 من سورة الفتح (48).

2) . في «ج، ف» و الحجري و التلخيص و المطبوع: «هيثم». و قد صُحِّح في حاشيتَي «ج، ف» بما أثبتناه. و الرجل هو هشيم بن بشير، يكنّى أبا معاوية، مولىً لبني سليم، و كان ثقة كثير الحديث، ولد في أوّل سنة خمس و مائة، و توفّي ببغداد في شعبان سنة ثلاث و ثمانين و مائة في خلافة هارون، و دفن في مقابر الخيزران، قيل: إنّه بخاري الأصل. الطبقات الكبرىٰ ، ج 7، ص 227، الرقم 3422؛ تاريخ بغداد، ج 14، ص 86، الرقم 7436؛ صفة الصفوة، ج 3، ص 8، الرقم 376.

3) . في التلخيص و الحجري و المطبوع: «أبي بشير». و الرجل هو: أبو بشر بن أبي وحشية، جعفر بن إياس اليشكري، ثقة كثير الحديث، سمع عباد بن شرحبيل و سعيد بن جبير، روى عنه الأعمش و شعبة و أيّوب و أبو عوانة، يعدّ في البصريين، مات سنة أربع أو ثلاث و عشرين و مائة. الطبقات الكبرىٰ ، ج 7، ص 188، الرقم 3200؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 72، ص 105، الرقم 9795.

4) . تفسير البيان، ج 9، ص 326؛ الدرّ المنثور، ج 6، ص 73، ذيل الآية 16 من سورة الفتح (48).

5) . تفسير التبيان، ج 9، ص 326؛ مجمع البيان، ج 9، ص 176؛ جامع البيان، ج 26، ص 52؛ التفسير الكبير، ج 28، ص 76؛ الجامع لأحكام القرآن، ج 16، ص 272؛ الكشف و البيان، ج 9، ص 46، ذيل الآية 16 من سورة الفتح (48).

6) . في «د»: «لأنّهم».

7) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «القول».

8) . في التلخيص: - «جماعة من».

أهلِ العَدلِ في مُتشابِهِ القُرآنِ - مِن الوجوهِ الصحيحةِ ، التي ظاهرُ التنزيلِ بها أشبَهُ ، و لها أشَدُّ احتمالاً - ما لَم يَسبِقْ إليه المفسِّرونَ ، و لا دَخَلَ في جُملةِ تفسيرِهم و تأويلِهم.

فأمّا الوجهُ الآخَرُ - الذي نُسلِّمُ‌(1)فيه أنّ الداعيَ لهؤلاءِ المُخلَّفينَ هو غيرُ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه - فبيِّنٌ (2)أيضاً؛ لأنّه لا يَمتَنِعُ أن يُعنىٰ بهذا الداعي أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ ؛ لأنّه قد قاتَلَ بَعدَه أهلَ الجَمَلِ و(3)صِفّينَ و أهلَ النَّهرَوانِ ،(4)و بَشَّرَه النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه بأنّه يُقاتِلُهم،(5)و قد كانوا أُولي بأسٍ شَديدٍ بِلا شُبهةٍ .

فأمّا تَعلُّقُ صاحبِ الكتابِ بقَولِه: (أَوْ يُسْلِمُونَ ) و أنّ الذينَ حارَبَهم أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ كانوا مُسلِمينَ ، فأوّلُ ما فيه: أنّهم غيرُ مُسلِمينَ عندَه و عندَ أصحابِه؛ لأنّ الكبائرَ تُخرِجُ عن(6)الإسلامِ عندَهم كما تُخرِجُ عن الإيمانِ ؛ إذ(7)كانَ الإيمانُ هو الإسلامَ علىٰ مَذاهبِهم.(8)


1) . في «ب، ص»: «يسلّم».

2) . في المطبوع: «فنبيّن».

3) . في «د»: + «أهل».

4) . في «د»: «النهر».

5) . المعجم الكبير، ج 4، ص 172، ح 4049، و ج 10، ص 91، ح 10053 و 10054؛ مسند أبي يعلى، ج 1، ص 397، ح 519، و ج 3، ص 194، ح 1623؛ مسند البزّار، ج 2، ص 215، ح 604، و ج 3، ص 27، ح 774؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 150، ح 4674 و 4675؛ مجمع الزوائد، ج 5، ص 338، ح 8951، و ج 6، ص 352-353، ح 10442 و 10443، و ج 7، ص 481، ح 12043-12045.

6) . في الحجري و المطبوع: «من».

7) . في «ب، ج، د، ص» و حاشية «ف»: «إذا».

8) . في «ج»: «مذهبهم».

بيان الأدلّة علىٰ كفر محاربي أمير المؤمنين عليه السلام

ثُمّ مَذهبُنا نَحنُ‌(1)في مُحارِبي أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ معروفٌ‌؛ لأنّهم عندَنا كانوا كُفّاراً بحَربِه؛ لوجوهٍ نَحنُ‌(2)نَذكُرُ منها هاهُنا طَرَفاً، و لاستقصائها مَوضِعٌ غيرُه:

منها: أنّ مَن حارَبَه كانَ مُستَحِلاًّ لقَتلِه،(3)مُظهِراً لأنّه في ارتكابِه علىٰ حقٍّ‌؛(4)و نَحنُ نَعلَمُ أنّ مَن أظهَرَ استحلالَ شُربِ جُرعةِ خَمرٍ فهو كافرٌ بالإجماعِ ، و استحلالُ دمِ المؤمنينَ (5)- فَضلاً عن أكابِرِهم و أفاضِلِهم - أعظَمُ مِن شُربِ الخَمرِ و استحلالِها؛(6)فيَجِبُ أن يَكونوا مِن هذا الوجهِ كُفّاراً.

و منها: أنّ النبيَّ (7)صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه قالَ له عليه السلامُ - بِلا خِلافٍ بَينَ أهلِ النقلِ -: «حَربُكَ يا عليُّ حَربي، و سِلمُكَ سِلمي»(8)و نَحنُ نَعلَمُ أنّه لَم يُرِد(9)


1) . في «د» و التلخيص: - «نحن».

2) . هكذا في «د». و في «ب، ص»: «بوجوه نحن». و في «ج، ف» و الحجري و المطبوع: «بوجوه و نحن».

3) . في «د»: «لقتاله». و في التلخيص: «لدمه».

4) . في «د» عن نسخة و في التلخيص: «على دين حقّ ».

5) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع و التلخيص: «المؤمن».

6) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع و التلخيص: «و استحلاله».

7) . في «د» و التلخيص: «أنّه».

8) . مسند أحمد، ج 2، ص 442، ح 9696؛ سنن ابن ماجة، ج 1، ص 52، ح 145؛ الجامع الصحيح، ج 5، ص 699، ح 3870؛ المعجم الكبير، ج 3، ص 40، ح 2619-2621، و ج 5، ص 184، ح 5030؛ المعجم الأوسط، ج 5، ص 182، ح 5015، و ج 7، ص 197، ح 7259؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 161، ح 4713 و 4714؛ المصنّف لابن أبي شيبة، ج 7، ص 512، ح 7؛ مجمع الزوائد، ج 9، ص 267-268، ح 14989 و 14990؛ كنز العمّال، ج 12، ص 96، ح 34159، مع اختلاف يسير.

9) . في «ج، ص، ف»: «لا يراد». و قد صُحِّح في حاشية «ف» بما أثبتناه.

إلّا التشبيهَ بَينَهما في الأحكامِ ، و مِن أحكامِ مُحارِبي النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه الكُفرُ بِلا خِلافٍ .

و منها: أنّه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(1)قالَ له(2)- بِلا خِلافٍ أيضاً -: «اللّٰهُمَّ والِ مَن والاه، و عادِ مَن عاداه، و انصُرْ مَن نَصَرَه، و اخذُلْ مَن خَذَلَه»(3)و قد ثَبَتَ عندَنا أنّ العَداوةَ مِن اللّٰهِ لا تَكونُ إلّاللكُفّارِ الذينَ يُعادونَه، دونَ فُسّاقِ أهلِ المِلّةِ .

فأمّا قولُه: «إنّا لا نَعلَمُ بَقاءَ هؤلاءِ المُخلَّفينَ إلىٰ أيّامِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ كما عَلِمنا بَقاءَهم إلىٰ أيّامِ أبي بَكرٍ» فلَيسَ بشَيءٍ‌؛ لأنّه إذا لم يَكُن ذلكَ (4)معلوماً و مقطوعاً عليه، فهو مُجوَّزٌ غيرُ معلومٍ خِلافُه، و الجوازُ كافٍ لنا في هذا المَوضِعِ .

و لَو قيلَ له: مِن أينَ عَلِمتَ بَقاءَ المُخلَّفينَ المذكورينَ في الآيةِ علىٰ سَبيلِ القَطعِ إلىٰ أيّامِ أبي بَكرٍ؟ لَكانَ يَفزَعُ إلىٰ أن يَقولَ : حُكمُ الآيةِ يَقتَضي بَقاءَهم حتّىٰ يَتِمَّ كَونُهم مَدعُوّينَ إلىٰ قِتالِ «أُولي البأسِ الشديدِ» علىٰ وجهٍ تَلزَمُهم(5)فيه


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في «ب، ج» و الحجري و المطبوع: «عليه السلام». و في «ص»: - «صلّى اللّٰه عليه و آله».

2) . في الحجري و المطبوع: - «له».

3) . مسند أحمد، ج 1، ص 118-119، ح 950 و 961 و 964، و ص 152، ح 1310، و ج 4، ص 281، ح 18502، و ص 368، ح 19298، و ص 370، ح 19321، و ص 372، ح 19347، و ج 5، ص 370، ح 23192؛ مسند أبي يعلى، ج 1، ص 428، ح 567، و ص 307، ح 6423؛ مسند البزّار، ج 2، ص 133، ح 492، و ص 235، ح 632، و ج 3، ص 35، ح 786، و ص 171، ح 958؛ سنن ابن ماجة، ج 1، ص 43، ح 116؛ سنن النسائي الكبرىٰ ، ج 5، ص 136، ح 8483 و 8484، و ص 154، ح 8542؛ المعجم الكبير، ج 2، ص 357، ح 2505، و ج 3، ص 180، ح 3052، و ج 4، ص 16، ح 3514، و ج 5، ص 192، ح 5059، و ج 12، ص 122، ح 12653؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 118، ح 4576، و ص 126، ح 4601، مع اختلاف يسير في المصادر.

4) . في «ص» و الحجري و المطبوع: - «ذلك».

5) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع و التلخيص: «يلزمهم».

الطاعةُ . و هذا بعَينِه يُمكِنُ أن يُقالَ له، و يُعتَمَدَ في بَقائهم إلىٰ أيّامِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ ، علىٰ ما يوجِبُه حُكمُ الآيةِ .

فإن قيلَ : كَيفَ يَكونُ أهلُ الجَمَلِ و صِفّينَ (1)كُفّاراً و لَم يَسِرْ فيهم أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ بسيرةِ الكُفّارِ؟ لأنّه ما سَباهم، و لا غَنِمَ أموالَهم، و لا اتَّبَعَ مُوَلّيَهم.

قُلنا: أحكامُ الكُفّارِ مُختَلِفةٌ‌،(2)و إن شَمَلَهم اسمُ الكُفرِ؛ لأنّ فيهم مَن يُقتَلُ‌

و لا يُستَبقىٰ‌، و فيهم مَن تؤخَذُ(3)منه(4)الجِزيةُ و لا يَحِلُّ قَتلُه إلّابسببٍ طارٍ غيرِ الكُفرِ؛ و منهم مَن لا يَجوزُ نِكاحُه بالإجماعِ‌،(5)و منهم(6)مَن يَجوزُ نِكاحُه علىٰ مَذهبِ أكثَرِ المُسلِمينَ .

فعَلىٰ هذا يَجوزُ أن يَكونَ هؤلاءِ القومُ كُفّاراً و إن لَم يَسِرْ فيهم بجَميعِ سيرةِ أهلِ الكُفرِ؛ لأنّا قد بيّنّا أحكامَ الكُفّارِ، و نَرجِعُ (7)في أنّ حُكمَهم مُخالِفٌ لأحكامِ الكُفّارِ إلىٰ فِعلِه عليه السلامُ و سيرتِه فيهم.

علىٰ أنّا لا نَجِدُ في(8)الفُسّاقِ (9)مَن حُكمُه أن يُقتَلَ مُقبِلاً، و لا يُقتَلَ (10)مُوَلّياً،


1) . في «د» و التلخيص: «أهل صفّين و الجمل».

2) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ: «أحكام الكفر يختلف». و في الحجري و المطبوع: «أحكام الكفر تختلف».

3) . في «د» و التلخيص و الحجري و المطبوع: «يؤخذ».

4) . في «ج، ص، ف»: «منهم».

5) . هكذا في «ب، د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «بإجماع».

6) . في «د»: «و فيهم».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «و يرجع».

8) . هكذا في «ب، د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «من».

9) . هذه إشارة إلىٰ مذهب المعتزلة في مرتكب الكبيرة، و هو الفسق، فإنّهم كانوا يرون أنّ حرب أمير المؤمنين عليه السلام كبيرة، و لذلك صار محاربوه فسّاقاً.

10) . في «د»: «و لا يتّبع».

و لا يُجهَزَ علىٰ جَريحِه، إلىٰ غيرِ ذلكَ مِن الأحكامِ التي سيرَ بها في أهلِ البَصرةِ و صِفّينَ‌.

فإذا قيلَ في جوابِ ذلكَ‌: أحكامُ الفِسقِ مُختَلِفةٌ‌، و فِعلُ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ هو الحُجّةُ في أنّ حُكمَ أهلِ البَصرةِ و صِفّينَ ما فَعَلَه.

قُلنا مِثلَ ذلكَ‌، حَرفاً بحَرفٍ‌.

و يُمكِنُ - علىٰ‌(1)تسليمِ أنّ الداعيَ لهؤلاءِ المُخلَّفينَ أبو بَكرٍ - أن يُقالَ‌: لَيسَ في الآيةِ دَلالةٌ علىٰ مَدحِ الداعي و لا علىٰ إمامتِه؛ لأنّه قد(2)يَجوزُ أن يَدعُوَ إلَى الحَقِّ و الصوابِ مَن لَيسَ عليهما، فيَلزَمُ ذلكَ الفعلُ مِن حَيثُ كانَ واجباً في نفسِه، لا بدُعاءِ الداعي إليه، و أبو بَكرٍ إنّما دَعا إلىٰ دَفعِ أهلِ الرِّدّةِ عن أهلِ الإسلامِ‌،(3)و هذا يَجِبُ علَى المُسلِمينَ بِلا دُعاءِ داعٍ‌، و الطاعةُ فيه طاعةُ اللّٰهِ تَعالىٰ‌(4)فمِن أينَ أنّ الداعيَ كانَ علىٰ حَقٍّ و صَوابٍ‌،(5)و لَيسَ في كَونِ ما دَعا إليه طاعةً‌(6)ما يَدُلُّ علىٰ ذلكَ؟

و يُمكِنُ أيضاً أن يَكونَ قولُه تَعالىٰ : (سَتُدْعَوْنَ ) إنّما أرادَ به دُعاءَ اللّٰهِ تَعالىٰ لهُم بإيجابِ القِتالِ عليهم؛ لأنّه(7)إذا دَلَّهم علىٰ وجوبِ قِتالِ المُرتَدّينَ و دَفعِهم عن


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «مع».

2) . هكذا في «ب، د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «قد».

3) . هكذا في «د» و التلخيص و حاشية الحجري. و في سائر النسخ و متن الحجري و المطبوع: «إلى الإسلام» بدل «عن أهل الإسلام».

4) . في «د»: «و الطاعة للّٰه تعالىٰ ». و في التلخيص: «و الطاعة فيه إلىٰ طاعة اللّٰه تعالىٰ ».

5) . في التلخيص: + «في غيره».

6) . في التلخيص: «طاعته».

7) . في «د»: «لأنّهم».

بَيضةِ الإسلامِ ، فقَد دَعاهم إلَى القِتالِ ، و وَجَبَت(1)عليهم الطاعةُ ، و وَجَبَ لهُم الثوابُ إن أطاعوا. و هذا أيضاً وجهٌ تَحتَمِلُه(2)الآيةُ .

مناقشة الاستدلال بآية: (مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ ...)

فأمّا قولُه: (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ‌)(3). في «د»: - «نزلت».(4)الآيةَ‌، و ادّعاءُ صاحبِ الكتابِ أنّها في أبي بَكرٍ و أصحابِه: فما زادَ في هذا المَوضِعِ (5)علَى الدعوىٰ و الاقتراحِ .

فيُقالُ له: مِن أينَ قُلتَ : إنّ الآيةَ في أبي بَكرٍ و أصحابِه نَزَلَت ؟(5)

فإن قالَ : لأنّهم هُم الذينَ قاتَلوا المُرتَدّينَ بَعدَ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(6)، و لا أحَدَ قاتَلَهم سِواهم.

قيلَ له: و مَن الذي سَلَّمَ لكَ ذلكَ‌(7)؟ أوَ لَيسَ أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ قد قاتَلَ الناكِثينَ و القاسِطينَ و المارِقينَ بَعدَ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و هؤلاءِ عندَنا مُرتَدّونَ عن الدينِ؟ و يَشهَدُ بصِحّةِ هذا التأويلِ - زائداً علَى احتمالِ القولِ له(8)- ما رُويَ عن أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ مِن قولِه يَومَ البَصرةِ‌: «وَ اللّٰهِ ، ما قوتِلَ أهلُ هذه الآيةِ حتَّى اليَومِ » و تَلا قولَه تَعالىٰ : (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ ).


1) . في «د» و التلخيص: «و وجب».

2) . هكذا في التلخيص و المطبوع. و في «ب» الكلمة غير منقوطة. و في سائر النسخ: «يحتمله».

3) . المائدة

4) :54.

5) . في المطبوع: «الوضع».

6) . في «ج، ص، ف»: «عليه السلام». و في المطبوع: + «و سلّم».

7) . في «د»: «هذا».

8) . في «ج»: - «له».

و قد(1)رُويَ عن عمّارٍ و حُذَيفةَ و غيرِهما مِثلُ ذلكَ‌.(2). في «ج، ف» و الحجري و المطبوع: + «ذلك».(3)

فإن قالَ‌: دَليلي(4)علىٰ أنّها في أبي بَكرٍ و أصحابِه قولُ أهلِ التفسيرِ.

قيلَ له: أوَ كُلُّ أهلِ التفسيرِ قالَ ذلكَ؟

فإن قالَ‌: نَعَم، كابَرَ؛ لأنّه قد رُويَ عن جَماعةٍ التأويلُ الذي ذَكرناه،(5)و لَو لَم يَكُن(5) إلّاما رُويَ عن أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ و وجوهِ أصحابِه(6)لَكَفىٰ .

فإن قالَ : حُجّتي قولُ بعضِ المُفسِّرينَ .

قُلنا: و أيُّ حُجّةٍ في قولِ البعضِ؟ و لِمَ صارَ البعضُ الذي قالَ ما ذَكرتَه، بالحَقِّ أَولىٰ مِن البعضِ الذي قالَ ما ذَكرناه ؟

ثُمّ يُقالُ له: قد وَجَدنا اللّٰهَ تَعالىٰ نَعَتَ المذكورينَ في الآيةِ بنُعوتٍ يَجِبُ أن نُراعيَها؛ لنَعلَمَ‌(7)أفي صاحبِنا هي، أم في صاحبِكَ؟ لأنّه وَصَفَهم بأنّ اللّٰهَ تَعالىٰ‌(8)(يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ )، و هذا وصفٌ مُجمَعٌ عليه في صاحبِنا، مُختَلَفٌ فيه في صاحبِكَ ؛(9)و قد جَعَلَه الرسولُ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(10)عَلَماً له في خَيبَرَ، حينَ فَرَّ


1) . في الحجري و المطبوع: - «قد».

2) . التبيان، ج 3، ص 555-556؛ مجمع البيان، ج 3، ص 321؛ التفسير الكبير، ج 12، ص 378؛ غرائب القرآن، ج 2، ص 604-605، ذيل الآية 54 من سورة المائدة

3) .

4) . في المطبوع: «دليل».

5) . المصادر السابقة.

6) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «الصحابة».

7) . في «د»: «يراعيها ليعلم». و في «ف»: «تراعيها لنعلم».

8) . في التلخيص و الحجريّ و المطبوع: - «تعالىٰ ».

9) . في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص: «أصحابك».

10) . في «ج، ص، ف»: «عليه السلام».

مَن فَرَّ(1)مِن القومِ عن العدوِّ، فقالَ‌: «لَأُعطيَنَّ الرايةَ غداً رجُلاً يُحِبُّ اللّٰهَ و رسولَه، و يُحبُّه اللّٰهُ و رسولُه، كَرّارٌ غيرُ فَرّارٍ»(2)فدَفَعَها إلىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ‌.

ثُمّ قالَ‌: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكٰافِرِينَ‌).

و معلومٌ بِلا خِلافٍ حالُ (3)أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ في التخاشُعِ و التواضُعِ و ذَمِّ نفسِه و قَمعِ غضبِه، و أنّه ما رُئيَ قَطُّ(4)طائشاً و لا مُستَطيراً(5)

و «الطيرة»: خفّة و طيش. و «الاستطارة»: التفرّق و الانتشار. لسان العرب، ج 4، ص 510 و 513 (طير).

في حالٍ مِن الأحوالِ (6).

و معلومٌ حالُ صاحبَيكم(7)في هذا البابِ ؛ أمّا أحَدُهما(8)فإنّه اعتَرَفَ طَوعاً بأنّ له


1) . في «ب، ص» و المطبوع: - «من فرّ».

2) . مسند أحمد، ج 1، ص 99، ح 778، و ص 185، ح 1608، و ج 4، ص 51، ح 16586، وص 148، ح 17373، و ج 5، ص 358، ح 23081؛ الجامع الصحيح، ج 5، ص 638، ح 3724؛ سنن ابن ماجة، ج 1، ص 43، ح 117، و ص 45، ح 121؛ صحيح مسلم، ج 3، ص 1433، ح 132/1807، و ج 4، ص 1870-1871، ح 32/2404 و 33/2405؛ المعجم الكبير، ج 6، ص 127، ح 5730، و ج 7، ص 13، ح 6233، و ص 17، ح 6243، و ص 35، ح 6303؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 40، ح 4342، و ص 117، ح 4575، و ص 494، ح 5844؛ سنن النسائي الكبرىٰ ، ج 5، ص 107-112، ح 8399-8408؛ مسند البزّار، ج 2، ص 136، ح 496، و ج 3، ص 22، ح 770، و ص 281، ح 1072؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 41، ص 219، الرقم 4774، و ج 42، ص 107، الرقم 4933؛ كنز العمّال، ج 13، ص 123، ح 36393، مع اختلاف يسير.

3) . هكذا في «ب، ج، د». و في سائر النسخ و المطبوع و التلخيص: «حالة».

4) . في المطبوع: - «قطّ».

5) . «الطيش»: الخفّة و النزق. المصباح المنير، ج 2، ص 383؛ النهاية، ج 4، ص 153؛ لسان العرب، ج 6، ص 312 (طيش).

6) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «في حال من أحوال الدنيا».

7) . في «ب، د»: «صاحبكم».

8) . هكذا في «ب، د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «أحدهم».

شَيطاناً يَعتَريهِ عندَ غضبِه،(1)و أمّا الآخَرُ فكانَ معروفاً بالحِدّةِ و العَجَلةِ‌، مشهوراً بالفَظاظةِ و الغِلظةِ‌.(2)

و أمّا(3)العِزّةُ علَى الكُفّارِ:(4)فإنّما تَكونُ‌(5)بقِتالِهم و جِهادِهم و الانتصافِ‌(6)منهم، و هذه حالٌ لَم يَسبِقْ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ إليها سابقٌ‌،(7)و لا لَحِقَه فيها لاحِقٌ‌.

ثُمّ قالَ‌: (يُجٰاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ وَ لاٰ يَخٰافُونَ لَوْمَةَ لاٰئِمٍ‌) و هذا وصفُ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ مُستَحَقٌّ له بالإجماعِ‌، و هو مَنفيٌّ‌(8)عن أبي بَكرٍ و صاحبِه(9)بالإجماعِ‌؛ لأنّه لا قَتيلَ‌(10)لهُما في الإسلامِ ، و لا جِهادَ بَينَ يَدَي الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه.


1) . راجع: المعجم الأوسط، ج 8، ص 267، ح 8597؛ المصنّف لعبد الرزّاق، ج 11، ص 336، ح 20701؛ الإمامة و السياسة، ج 1، ص 34؛ تاريخ الطبري، ج 3، ص 224؛ الطبقات الكبرىٰ ، ج 3، ص 159؛ المنتظم، ج 4، ص 69؛ البداية و النهاية، ج 6، ص 303؛ سبل الهدى، ج 12، ص 315؛ كنز العمّال، ج 5، ص 590، ح 14050، و ص 631، ح 14112.

2) . و كان معروفاً بذلك حتّى أنّ طلحة انتقد أبابكر في وصيّته لعمر من هذه الجهة بقوله: ما تقول لربّك إذ ولّيت علينا فظّاً غليظاً. تاريخ الطبري، ج 4، ص 219؛ الطبقات الكبرىٰ ، ج 3، ص 202، الرقم 56؛ أنساب الأشراف، ج 10، ص 298-299؛ البدء و التاريخ، ج 5، ص 167؛ البداية و النهاية، ج 11، ص 161؛ الكامل لابن الأثير، ج 3، ص 61؛ الاستيعاب، ج 3، ص 1157، الرقم 1878؛ مروج الذهب، ج 3، ص 122.

3) . في «د»: «فأمّا».

4) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «الكافرين».

5) . في «د، ص» و الحجري و المطبوع و التلخيص: «يكون».

6) . في التلخيص: «و الانتصار».

7) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: + «في الحقيقة».

8) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «منتفٍ ».

9) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و عمر» بدل «و صاحبه».

10) . في التلخيص: «لا قتل».

و إذا كانَت الأوصافُ المُراعاةُ في الآيةِ حاصلةً لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ ، و غيرَ حاصلةٍ لِمَن ادَّعَيتم - لأنّها فيهم علىٰ ضَربَينِ : ضَربٌ معلومٌ انتفاؤه كالجهادِ، و ضَربٌ مُختَلَفٌ فيه كالأوصافِ التي هي غيرُ الجهادِ - و علىٰ مَن أثبَتَها

لهُم الدلالةُ علىٰ حصولِها، و لا بُدَّ(1)مِن أن يَرجِعَ في ذلكَ إلىٰ غيرِ ظاهرِ الآيةِ ؛ فلا يَبقىٰ في يدِه من الآيةِ دليلٌ .

مناقشة الاستدلال بآية: (وَعَدَ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ...)

فأمّا ما تَعلَّقَ به مِن قولِه تَعالىٰ‌: (وَعَدَ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‌) (2)فأوّلُ ما في ذلكَ‌: أنّ الآيةَ مشروطةٌ بالإيمانِ‌، فيَجِبُ علىٰ مَن ادَّعىٰ تَناوُلَها لِقومٍ‌(3)أن يُبيِّنَ إيمانَهم بغَيرِ الآيةِ و ما يَقتَضيهِ ظاهرُها.

ثُمّ المُرادُ بالاستخلافِ هاهُنا لَيسَ هو الإمامةَ و الخِلافةَ ، علىٰ ما ظَنّوه؛ بَل المعنىٰ (4)فيه: بقاؤهم(5)في أثَرِ مَن مضىٰ مِن القُرونِ ،(6)و جعلُهم عِوَضاً منهم و خَلَفاً.

و مِن(7)ذلكَ قولُه: (وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاٰئِفَ الْأَرْضِ )(8)و في مَوضِعٍ آخَرَ:


1) . في التلخيص: «فلا بدّ».

2) . النور (24):55.

3) . في «ج» و الحجري و المطبوع: «القوم». و في «ص»: «العموم».

4) . في التلخيص: «المعيّن».

5) . في «د»: «أنّه بقّاهم».

6) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «من الفِرق».

7) . في «د»: «فمن». و في «ص»: «من» بدون واو العطف.

8) . الأنعام (6):165.

(هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاٰئِفَ فِي الْأَرْضِ (1)(2)و قولُه تَعالىٰ‌(3): (عَسىٰ رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَ يَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ‌(4)(5). الفرقان (25):62.(6)و قولُه تَعالىٰ : (وَ رَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مٰا يَشٰاءُ ).(7)

و قد ذَكَرَ أهلُ التأويلِ في قولِه تَعالىٰ : (وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَ النَّهٰارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرٰادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرٰادَ شُكُوراً)(7) أنّ المُرادَ به كَونُ كُلِّ واحدٍ منهما خَلَفَ صاحبِه، و أنشَدوا في ذلكَ قولَ زُهَيرِ بنِ أبي سُلمىٰ (8):

بِها العِينُ و الآرامُ يَمشينَ خِلفةً *** و أَطلاؤها يَنهَضنَ مِن كُلِّ مَجْثَمِ (9)

و هذا الاستخلافُ و التمكينُ في الدينِ لَم يَتأخَّرْ إلىٰ أيّامِ أبي بَكرٍ و عُمَرَ، علىٰ ما ظَنَّه القومُ‌؛ بَل كانَ في أيّامِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه حينَ قَمَعَ اللّٰهُ أعداءَه، و أعلىٰ كلمتَه، و نَشَرَ رايتَه،(10)و أظهَرَ دعوتَه(11)، و أكمَلَ دينَه. و نَعوذُ باللّٰهِ أن


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «و في موضعٍ آخر: (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاٰئِفَ فِي الْأَرْضِ ).

2) . فاطر (35):39.

3) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «تعالىٰ ».

4) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: + (فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ).

5) . الأعراف

6) :129.

7) . الأنعام (6):133.

8) . في «د» و التلخيص: - «بن أبي سُلمى». و الرجل هو: زهير بن أبي سُلمىٰ ربيعة بن قرط، و الناس ينسبونه إلى مُزينة، و كان زهير راوية أوس بن حجر. قيل: هو من أشعر الشعراء في الجاهليّة. له ديوان شعر. طبقات فحول الشعراء، ج 1، ص 51، الرقم 58؛ الشعر و الشعراء، ج 1، ص 137، الرقم 2؛ الفهرست لابن النديم، ص 223-224.

9) . ديوان زهير بن أبي سُلمىٰ ، ص 103.

10) . في «ب، ص»: «و نشرت آيته».

11) . في التلخيص: + «لنبيّه صلّى اللّٰه عليه و آله».

نَقولَ‌: إنّ اللّٰهَ تَعالىٰ‌(1)لَم يُمكِّنْ‌(2)دينَه لنَبيِّه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(3)في حياتِه، حتّىٰ تَلافىٰ ذلكَ مُتَلافٍ بَعدَ وفاتِه. و لَيسَ كُلُّ التمكينِ هو كَثرةَ الفُتوحِ و الغَلَبةَ علَى البُلدانِ‌؛ لأنّ ذلكَ يوجِبُ أنّ دينَ اللّٰهِ تَعالىٰ لَم يَتمكَّنْ إلَى اليَومِ ؛ لِعِلمِنا ببَقاءِ مَمالِكَ للكُفرِ(4)كَثيرةٍ لَم يَفتَحْها المُسلِمونَ ، و لأنّه أيضاً يوجِبُ أنّ الدينَ (5)تَمكَّنَ في أيّامِ مُعاويةَ و مَن بَعدَه مِن بَني أُميّةَ أكثَرَ مِن تَمكُّنِه(6)في أيّامِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و(7)أبي بَكرٍ و عُمَرَ؛ لأنّ بَني أُميّةَ افتَتَحوا بِلاداً لَم تُفتَحْ (8)قَبلَهم.

ثُمّ يُقالُ له: مِن أيِّ وجهٍ أَوجَبتَ كَونَ الآيةِ‌(9)فيمن ادَّعَيتَ؟

فإن قالَ‌: لأنّي لَم أَجِدْ هذا التمكينَ و الاستخلافَ إلّافي أيّامِهم. فقَد بيّنّا(10)ما في ذلكَ ، و ذَكرنا أنّ التمكينَ كانَ مُتقدِّماً، و كذلكَ (11)الاستخلافُ علَى المعنَى الذي ذَكرناه.

و إن(12)قالَ : لأنّي لَم أَجِدْ(13)مَن خَلَفَ الرسولَ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و قامَ مَقامَه


1) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «تعالىٰ ».

2) . في الحجري و المطبوع: «لم يكن أكمل».

3) . هكذا في «ب، د» و التلخيص. و في سائر النسخ: «عليه السلام». و في الحجري و المطبوع: - «صلّى اللّٰه عليه و آله».

4) . هكذا في «د». و في التلخيص: «للكفرة». و في سائر النسخ: «الكفر». و في المطبوع: «الكفرة».

5) . في «ج، ص»: «الذي».

6) . في «ص»: «ممّن تمكّن».

7) . في التلخيص: «و أيّام».

8) . في «ص، ف» و الحجري: «لم يفتتح». و في التلخيص و المطبوع: «لم تفتتح».

9) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع و التلخيص: «كون التمكين».

10) . في «د»: «فقد قلنا». و في الحجري و المطبوع: «و قد بيّنّا».

11) . في «د»: «فكذلك».

12) . في «د» و التلخيص: «فإن».

13) . في الحجري و المطبوع: «لأنّا لم نجد».

إلّا مَن ذَكرتُ‌.(1)

قيلَ له: ألَيسَ قد بيّنّا أنّ الاستخلافَ هاهُنا يَحتَمِلُ غيرَ معنَى الإمامةِ؟ فلِمَ حَمَلتَه علَى الإمامةِ‌(2)؟

و بَعدُ، فإنّ حَملَه علَى المعنَى الذي ذَكرناه أقرَبُ إلىٰ مَذاهبِكَ‌،(3)و أَجرىٰ‌(4)علىٰ أُصولِكَ‌؛ لأنّه إذا حَمَلتَه علَى الإمامةِ لَم يَعُمَّ جميعَ المؤمنينَ‌، و إذا حُمِلَ علَى المعنَى الذي ذَكرناه عَمَّ جميعَ المؤمنينَ .

و بَعدُ، فإذا سُلِّمَ لكَ (5)أنّ المُرادَ به الإمامةُ ، لَم يَتِمَّ ما ادَّعَيتَه، إلّابأن تَدُلَّ مِن غيرِ جِهةِ الآيةِ علىٰ أنّ أصحابَكَ كانوا أئمّةً علَى الحقيقةِ و خُلَفاءَ للرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه حتّىٰ تَتناوَلَهم(6)الآيةُ .

فإن قالَ : دليلي على تَناوُلِها لهُم قولُ أهلِ التفسيرِ.

قيلَ له: لَيسَ كُلُّ أهلِ التفسيرِ قالَ ما ادَّعَيتَ ؛ لأنّ ابنَ جُرَيجٍ (7)رَوىٰ عن مُجاهدٍ


1) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «ذكرته».

2) . في التلخيص: + «دون غيرها».

3) . في المطبوع: «مذهبك».

4) . في «ص» و التلخيص: «و أحرىٰ ».

5) . في «د»: - «لك».

6) . هكذا في «ب» و التلخيص و المطبوع. و في سائر النسخ و الحجري: «يتناولهم».

7) . في النسخ و المطبوع و التلخيص: «ابن جريح» بالحاء المهملة، و هو سهو. و ما أثبتناه مطابق لما سيأتي في الشافي، ج 4، ص 198. و هو مطابق أيضاً لما في تلخيص الشافي، ج 4، ص 32 و الأمالي للسيّد المرتضى، ج 1، ص 503، و ج 2، ص 563. و الرجل هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، القرشي بالولاء المكّي، مولى أُميّة بن خالد بن أُسيد، و كان أحد العلماء المشهورين، و يقال: إنّه أوّل من صنّف الكتب في الإسلام، ولد في سنة ثمانين للهجرة، و قدم

في قولِه تَعالىٰ‌: (وَعَدَ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ‌) قالَ‌: هُم أُمّةُ مُحمّدٍ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه.(1)و رُويَ عن ابنِ عبّاسٍ رحمةُ اللّٰهِ عليه(2)و غيرِه قَريبٌ مِن ذلكَ‌.(3)و قد تأوَّلَ هذه الآيةَ علماءُ أهلِ البَيتِ عليهم السلامُ‌(4)، و حَمَلوها علىٰ وجهٍ معروفٍ ، فقالوا: هذا التمكينُ و الاستخلافُ و إبدالُ الخَوفِ بالأمنِ إنّما يَكونُ عندَ قيامِ المهديِّ عليه السلامُ (5)فلَيسَ علىٰ تأويلِكَ إجماعٌ مِن المُفسِّرينَ ، و قولُ بعضِهم لَيسَ بحُجّةٍ .

مناقشة الاستدلال بآية: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ...)

فأمّا تَعلُّقُه بقَولِه تَعالىٰ‌: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّٰاسِ‌)(6)و أنّهم لَو كانوا خالَفوا النصَّ الجَليَّ لَم يَكونوا (خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّٰاسِ ): فقَد تَقدَّمَ - مِن كلامِنا علىٰ هذه الآيةِ ، و كلامِه أيضاً علىٰ مَن استَدَلَّ بها علىٰ صِحّةِ الإجماعِ ؛ فإنّه ضَعَّفَ

بغداد على أبي جعفر المنصور، توفّي سنة تسع و أربعين و مائة. و جريج بضمّ الجيم و فتح الراء و سكون الياء المثنّاة من تحتها و بعدها جيم ثانية. الطبقات الكبرىٰ ، ج 6، ص 37، الرقم 1622؛ تاريخ بغداد، ج 10، ص 399، الرقم 5573؛ صفة الصفوة، ج 2، ص 145، الرقم 211؛ وفيات الأعيان، ج 3، ص 163، الرقم 375.


1) . راجع: الجامع لأحكام القرآن، ج 12، ص 299؛ روح المعاني، ج 9، ص 393، ذيل الآية 55 من سورة النور (24)؛ متشابه القرآن، ج 2، ص 69.

2) . هكذا في التلخيص. و في «د»: - «رحمة اللّٰه عليه». و في سائر النسخ و المطبوع: «رضي اللّٰه عنه».

3) . تفسير فرات الكوفي، ص 288، ح 389؛ شواهد التنزيل للحسكاني، ج 1، ص 537، ح 571 و 572، ذيل الآية 55 من سورة النور (24).

4) . في الحجري و المطبوع: «صلوات اللّٰه عليهم».

5) . الغيبة للنعماني، ص 240، ح 35؛ التبيان، ج 7، ص 457؛ مجمع البيان، ج 7، ص 239، ذيل الآية 55 من سورة النور (24)؛ التفسير الكبير، ج 2، ص 274؛ غرائب القرآن، ج 1، ص 144، ذيل الآية 4 من سورة البقرة (2).

6) . آل عمران (3):110.

الاستدلالَ بها - ما(1)فيه كفايةٌ .

لكنّا نَقولُ له هاهُنا: ألَستَ تَعلَمُ أنّ هذه الآيةَ لا(2)تَتناوَلُ جَميعَ الأُمّةِ؟ لأنّ ما اشتَمَلَت عليه مِن الأوصافِ - مِن الأمرِ بالمعروفِ‌، و النهيِ عن المُنكَرِ، و غيرِهما - لَيسَ موجوداً في جَميعِ الأُمّةِ‌.

فإن قالَ : هي مُتوَجِّهةٌ إلَى الجميعِ ، كانَ عِلمُنا بأنّ أكثَرَهم لا يأمُرُ بالمعروفِ و لا يَنهىٰ عن المُنكَرِ دافعاً لقَولِه.

و إنِ اعتَرَفَ بتَوجُّهِها إلَى البعضِ ، قيلَ له: فما المانعُ - علىٰ هذا - أن يَكونَ الدافعُ للنصِّ بعضَ الأُمّةِ ممّن لَم يَتوَجَّهْ (3)إليه الآيةُ؟

فإن قالَ‌: إنّما بَنَيتُ‌(4)كلامي علىٰ أنّ الأُمّةَ كُلَّها لَم تَضِلَّ (5)بدَفعِ النصِّ ، فلهذا استَشهَدتُ بالآيةِ .

قيلَ له: و مَن هذا الذي يَقولُ‌: «إنّ الأُمّةَ‌(6)كُلَّها ضَلَّت بدَفعِ النصِّ‌» حتّىٰ تَحتاجَ‌(7)إلَى الاستدلالِ‌(8)عليه ؟ و قد مضىٰ في هذا المعنىٰ عندَ الكلامِ في النصِّ ما فيه كفايةٌ .(9)


1) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «بما».

2) . في «د»: - «لا».

3) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «لم تتوجّه».

4) . في «ب، ص»: «يثبت».

5) . في «ب، د»: «لم يضلّ ». و في «ص» الكلمة غير منقوطة. و في المطبوع: «لم تصل».

6) . في «ص، ف»: - «الأمّة».

7) . هكذا في «ج». و في «ب» الكلمة غير منقوطة. و في سائر النسخ و المطبوع: «يُحتاج».

8) . في «د»: «إلى أن يُستدلّ ».

9) . تقدّم في ج 2، ص 415 و ما بعدها.

فإن قالَ‌: و أيُّ‌(1)فَضلٍ يَكونُ لهذه الأُمّةِ علَى الأُمَمِ التي(2)قَبلَها إذا كانَ أكثَرُها قد ضَلَّ و خالَفَ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه ؟ بَل(3)يَجِبُ أن تَكونَ (4)أُمّةُ موسىٰ أفضَلَ منهم و خَيراً؛(5)لأنّهم لَم يَرتَدّوا بَعدَ موسىٰ عليه السلامُ .

قيلَ له: أمّا لفظةُ (خَيْرَ) فهي(6)عندَنا و عندَكَ تُنبئُ عن(7)الثوابِ و الفَضلِ‌، و لَيسَ يَمتَنِعُ أن يَكونَ مَن لَم يُخالِفِ النصَّ مِن الأُمّةِ أكثَرَ ثواباً و أفضَلَ عملاً من الأُمَمِ المُتقدِّمةِ‌، و إن كانَ في جُملةِ المُسلِمينَ مَن عَدَلَ عن النصِّ‌.

و لَيسَ بمُنكَرٍ(8)أن يَكونَ مَن قَلَّ عَدَدُه أكثَرَ ثواباً ممّن كَثُرَ عَدَدُه؛ ألا تَرىٰ أنّ أُمّتَنا - بِلا خِلافٍ - أقَلُّ عَدَداً مِن أُمَمِ الكُفرِ، و لَم يَمنَعْ هذا عندَكَ مِن أن يَكونوا(9)خَيرَ أُمّةٍ‌، و لَم تَعتَبِرْ(10)بقِلّتِهم و كَثرةِ غيرِهم ؟ فكذلكَ (11)لا يَمنَعُ (12)ما ذَكرناه مِن


1) . في «ج، ف» و الحجري و المطبوع: «فأيّ ».

2) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «التي».

3) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و» بدل «بل».

4) . هكذا في «ب». و في سائر النسخ و المطبوع: «يكون».

5) . في «د»: «أمّة موسىٰ عليه السلام خيراً منهم».

6) . في المطبوع: «و هي».

7) . في الحجري: «تبنى عن». و في المطبوع: «تبنى على».

8) . في «ب»: «و ليس يمكن»، لكن شُطِبَ علىٰ كلمة «يمكن» و كُتِبَ بَدلها «يمتنع» فأصبحت: «و ليس يمتنع». و في التلخيص: «و ليس يُنكر».

9) . في «ج»: «يكون».

10) . هكذا في «ف». و في «ب، د» الكلمة غير منقوطة. و في «ج، ص» و الحجري و المطبوع: «و لم يعتبر».

11) . في «ب»: «و كذلك». و في «ص»: «فلذلك».

12) . في التلخيص: «لا يمتنع».

كَونِ أهلِ الحَقِّ خَيراً مِن سائرِ الأُمَمِ المُتقدِّمينَ‌، و إن كانوا بعضَ الأُمّةِ و(1)أقَلَّ عَدَداً ممّن خالَفَهم.

علىٰ أنّكَ تَذهَبُ إلىٰ أنّ قوماً مِن الأُمّةِ ارتَدّوا بَعدَ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه،(2)و طَوائفَ مِن العَرَبِ رَجَعوا عن أديانِهم حتّىٰ قوتِلوا علَى الرِّدَّةِ‌؛ و لَم يَكُن هذا في أُمّةِ موسىٰ و عيسىٰ عليهما السلامُ‌، و لَم يوجِبْ ذلكَ أن تَكونَ‌(3)أُمّةُ موسىٰ و عيسىٰ خَيراً مِن أُمّتِنا، و لا مَنَعَ‌(4)مِن كَونِ (5)أُمّتِنا خَيراً منهم، و إن كانَ مَن تَقدَّمَ قد سَلِمَ مِن الرِّدّةِ بَعدَ نَبيِّه و لَم تَسلَمْ أُمّتُنا مِن ذلكَ ؛ فظَهَرَ أنّه لا مُعتَبَرَ بالرِّدَّةِ ،(6)

بَل المُعتَبَرُ بالفَضلِ و زيادةِ الجَزاءِ علَى الأعمالِ .

فأمّا قولُه: «و(7)كَيفَ يَنقادونَ لِمَن نَصَّ النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(8)علىٰ غيرِه» فقَد مضىٰ في هذا مِن الكلامِ ما لا طائلَ في إعادتِه.

مناقشة جواز وجود نصّ لم ينقله أحد علىٰ ولدٍ غير معروف للرسول صلى الله عليه و آله

و قولُه: «لَو جازَ ذلكَ لَجازَ أن يَكونَ للرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه(9)وَلَدٌ نَصَّ عليه،


1) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع: - «و».

2) . في «ج، ص، ف»: «عليه السلام».

3) . في «ج، ف» و الحجري: «يكون».

4) . في المطبوع: «و لا مانع».

5) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و الحجري: «من أن يكون». و في المطبوع: «من أن تكون».

6) . في الحجري و المطبوع: «في الردّة».

7) . في «ب» و الحجري و المطبوع: - «و».

8) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «نَصَّ عليه السلام».

9) . في «ج، ص، ف»: «عليه السلام». و في «ب، د» و المطبوع: + «و آله».

و لَم يُذكَرْ ذلكَ‌» فقَد مضىٰ أيضاً(1)في هذا الجنسِ مِن الكلامِ الكَثيرُ.

علىٰ أنّا نَقولُ له: إنّما تَكونُ‌(2)المُعارَضةُ بوَلَدٍ لَم يُذكَرْ و لَم يُنقَلِ النصُّ عليه، في مُقابَلةِ مَن قالَ بنَصٍّ لَم يَذكُرْه ذاكرٌ و لَم يَنقُلْه ناقلٌ‌؛ و هذا ممّا(3)لَم نَقُلْ به نَحنُ و لا أحَدٌ. و إنّما يَكونُ عَروضاً لنَصٍّ مذكورٍ معروفٍ - يَذهَبُ‌(4)إليه طائفةٌ مِن الأُمّةِ مُنتَشِرةٌ في البِلادِ - القولُ‌(5)بنَصٍّ علىٰ ولدٍ له هذه(6)الصورةُ و(7)يَجري هذا المَجرىٰ‌(8)، و معلومٌ فَقدُ ذلكَ‌.

ثُمّ يُقالُ له: إذا جَرىٰ عندَكَ القولُ بالنصِّ الذي نَذهَبُ‌(9)إليه مَجرَى النصِّ علَى الولدِ، فلِمَ كانَ أحَدُ الأمرَينِ معلوماً نفيُه(10)لِكُلِّ عاقلٍ ضَرورةً ، و الآخَرُ يَختَلِفُ (11)فيه العقلاءُ و يُصنَّفُ (12)فيه الكُتُبُ و يُتمحَّلُ (13)له الأدِلّةُ؟ و هذا يَدُلُّ علَى افتراقِ الأمرَينِ و بُعدِ ما بَينَهما.


1) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «أيضاً».

2) . هكذا في «ب» و المطبوع. و في سائر النسخ: «يكون».

3) . هكذا في «ب، د». و في سائر النسخ و المطبوع: «ما».

4) . هكذا في جميع النسخ. و في الحجري الكلمة غير منقوطة. و في المطبوع: «تذهب».

5) . في المطبوع: «و القول».

6) . في المطبوع: «بهذه».

7) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و الحجري و المطبوع: - «و».

8) . هكذا في «د». و في «ج»: «تجري مجراه». و في سائر النسخ: «تجري مجراها». و في المطبوع: «يجري مجراها».

9) . في «ب، ص»: «يذهب». و في الحجري و المطبوع: «تذهب».

10) . في «ص» و حاشية «ج»: «بعينه» بدل «نفيه».

11) . في «د» الكلمة غير منقوطة. و في الحجريّ و المطبوع: «تختلف».

12) . في «ب» الكلمة غير واضحة. و في الحجري و المطبوع: «وتصنّف».

13) . هكذا في «د». و في سائر النسخ: «وينتحل». و في المطبوع: «وتنتحل». وتَمحَّلَ دليلاً: طَلَبَه؛ يقال: تمحَّلْ لي خيراً: اطلبْه. راجع: لسان العرب، ج 11، ص 619 (محل).

مناقشة الاستدلال بكون الأُمّةِ أُمّةً وسطاً

فأمّا قولُه: «وكَيفَ‌(1)يَكونونَ مُرتَدّينَ‌، مع أنّه تَعالىٰ خَبَّرَ(2)أنّه جَعَلَهم أُمَّةً وَسَطاً؟» فقَد مضىٰ أيضاً مِن الكلامِ في هذه الآيةِ - عندَ استدلالِه بها علىٰ‌(3)صِحّةِ

الإجماعِ - ما فيه كفايةٌ ؛ و الكلامُ فيها يَقرُبُ مِن الكلامِ علىٰ قولِه تَعالىٰ : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّٰاسِ ) و جُملةُ الأمرِ: أنّه تَعالىٰ نَعَتَهم بأنّهم خِيارٌ، و هذا نَعتٌ لا يَجوزُ أن يَكونَ لجَميعِهم، بَل يَتناوَلُ بعضَهم، و وَصفُ بعضِهم بأنّه خِيارٌ لا يَمنَعُ مِن رِدَّةِ بعضٍ آخَرَ.

مناقشة الاستدلال بآية: (وَ السّٰابِقُونَ الْأَوَّلُونَ ...)

فأمّا قولُه تَعالىٰ‌: (وَ السّٰابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهٰاجِرِينَ وَ الْأَنْصٰارِ) فلَنا(4)في الكلامِ عليه وجهانِ‌:

أحَدُهما: أن نُنازِعَ في أنّ السَّبقَ هاهُنا هو(5)السَّبقُ إلَى الإسلامِ‌.

و الوجهُ الآخَرُ: أن نُسلِّمَ ذلكَ‌، ونُبيِّنَ‌(6)أنّه لا حُجّةَ في الآيةِ علىٰ ما ادَّعَوه.

و الوجهُ الأوّلُ بيِّنٌ‌؛ لأنّ لفظَ(7)«السابقينَ » في الآيةِ مُطلَقٌ غيرُ مُضافٍ ، و يُحتَمَلُ أن لا يَكونَ (8)مُضافاً إلىٰ إظهارِ الإسلامِ و اتّباعِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه؛ بَل


1) . في «د»: - «و». و في الحجري و المطبوع: «فكيف».

2) . في «ج، ف» و الحجري و المطبوع: «أخبر».

3) . في الحجري و المطبوع و حاشية «ج»: «في». نعم، في حاشية الحجري و المطبوع ما أثبتناه.

4) . في «ب، ص» و الحجري: «قلنا».

5) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «هو».

6) . في الحجري و المطبوع: «فنبينّ ».

7) . هكذا في «ب» و التلخيص. و في «ج، ص، ف» و الحجري و المطبوع: «لفظة». و في «د»: - «لفظ».

8) . في المطبوع: «أن يكون».

يَكونَ (1)المُرادُ به السَّبقَ إلَى الخَيراتِ و التَقدُّمَ في فعلِ الطاعاتِ ، و يَكونَ قولُه:

(الْأَوَّلُونَ‌) تأكيداً لمعنَى السَّبقِ‌؛ كما يَقولونَ‌: «فُلانٌ سابقٌ في الفَضلِ أوّلُ‌» و «سابقٌ‌(2)إلَى الخَيراتِ سابقٌ‌» فيؤكِّدونَ باللفظتَينِ المُختَلِفتَينِ‌،(3)و قد قالَ اللّٰهُ تَعالىٰ : (وَ السّٰابِقُونَ السّٰابِقُونَ * أُولٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ )(4)و قالَ تَعالىٰ : (اصْطَفَيْنٰا مِنْ عِبٰادِنٰا فَمِنْهُمْ ظٰالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سٰابِقٌ بِالْخَيْرٰاتِ بِإِذْنِ اللّٰهِ ).(5)

فإن قيلَ : إذا كانَ المُرادُ ما ذَكرتم، فأيُّ معنىً لتخصيصِ المُهاجِرينَ و الأنصارِ، لَولا(6)أنّه أرادَ السَّبقَ إلَى الإسلامِ؟

قُلنا: لَم يَخُصَّ‌(7)المُهاجِرينَ و الأنصارَ دونَ غيرِهم؛ لأنّه تَعالىٰ قالَ‌: (وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسٰانٍ‌)، و هذا(8)عامٌّ في الجميعِ‌.

علىٰ أنّه لا يَمتَنِعُ‌(9)أن يَخُصَّ المُهاجِرينَ و الأنصارَ بحُكمٍ هو لغَيرِهم؛ إمّا لفَضلِهم و عُلوِّ أقدارِهم(10)، أو لغَيرِ ذلكَ مِن الوجوهِ .

فأمّا الوجهُ الثاني: فالكلامُ فيه أيضاً بيِّنٌ ؛ لأنّه إذا سُلِّمَ أنّ المُرادَ بالسَّبقِ هو(11)


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «يكون».

2) . هكذا في «د» و التلخيص و الحجري. و في سائر النسخ: - «أوّل». و في المطبوع: - «أوّل و سابق».

3) . في «ب»: «باللفظين». و في الحجري و المطبوع: «باللفظين المختلفين».

4) . الواقعة (56):10-11.

5) . فاطر (35):32. و في «د» و التلخيص: - «بإذن اللّٰه».

6) . في المطبوع: «و لولا».

7) . هكذا في «ب» و التلخيص. و في «ف»: «لم تخصّ ». و في سائر النسخ و المطبوع: «لم نخصّ ».

8) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و هو».

9) . من قوله: «غيرهم؛ لأنّه تعالىٰ قال» إلىٰ هنا ساقط من «ب».

10) . في «ج» و المطبوع: «قدرهم». و في «ص»: «اقتدارهم». و في التلخيص: «شأنهم».

11) . هكذا في «ب، د» و التلخيص. و في سائر النسخ و الحجري و المطبوع: + «السبق». نعم، جاءفي حاشية «ف»، ما نصُّه: «ليس في النسخة العتيقة و لا في التلخيص».

إلىٰ إظهارِ الإسلامِ ، فلا بُدَّ مِن أن يَكونَ مشروطاً بالإخلاصِ في الباطنِ ؛ لأنّ اللّٰهَ تَعالىٰ لا يَعِدُ بالرضا مَن أظهَرَ الإسلامَ و لَم يُبطِنْه؛ فيَجِبُ أن يَكونَ الباطنُ مُعتَبَراً و مدلولاً عليه فيمن يُدَّعىٰ دخولُه تَحتَ الآيةِ حتّىٰ يَتناوَلَه الوعدُ بالرضا.

و ممّا يَشهَدُ بأنّ الإخلاصَ مشروطٌ مع السَّبقِ إلىٰ إظهارِ الإسلامِ قولُه تَعالىٰ :

(وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسٰانٍ‌) فشَرَطَ الإحسانَ الذي لا بُدَّ مِن(1)أن يَكونَ مشروطاً في الجميعِ‌.

علىٰ أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ قد وَعَدَ الصادقينَ و الصابرينَ‌(2)بالجِنانِ‌،(3)فقالَ‌: (هٰذٰا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّٰادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنّٰاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهٰارُ خٰالِدِينَ فِيهٰا أَبَداً رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ ذٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ‌)(4). في «ب»: + «اللّٰه». و في الحجري و المطبوع: «وقوله».(5)و قالَ‌(5) تَعالىٰ‌: (وَ بَشِّرِ الصّٰابِرِينَ * الَّذِينَ إِذٰا أَصٰابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قٰالُوا إِنّٰا لِلّٰهِ وَ إِنّٰا إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ * أُولٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوٰاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ‌)(6)و لَم يوجِبْ ذلكَ أن يَكونَ كُلُّ صابرٍ و صادقٍ مقطوعاً له بالجَنّةِ‌، بَل لا بُدَّ مِن شُروطٍ مُراعاةٍ ؛ فكذلكَ القولُ في السابقينَ .

علىٰ أنّه لا يَخلو المُرادُ بالسابقينَ مِن أن يَكونَ هو الأوّلَ الذي لا أوّلَ قَبلَه، أو يَكونَ مَن سَبَقَ غيرَه و إن كانَ مسبوقاً. و الوجهُ الأوّلُ هو المقصودُ؛ لأنّ الوجهَ الثانيَ يؤدّي إلىٰ أن يَكونَ جميعُ المُسلِمينَ سابقينَ إلّاالواحدَ الذي لَم يَكُن بَعدَه إسلامُ أحَدٍ، و معلومٌ خِلافُ هذا؛ فلَم يَبقَ إلّاالوجهُ الأوّلُ ، و لهذا أكَّدَه تَعالىٰ


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «من».

2) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «الصابرين و الصادقين».

3) . في «ب، د»: «بالجنّات».

4) . المائدة

5) :119.

6) . البقرة (2):155-157.

بقَولِه: (الْأَوَّلُونَ‌) لأنّ مَن كانَ قَبلَه غيرُه لا يَكونُ أوّلاً بإطلاقٍ‌.(1)و مَن هذه صفتُه بِلا

خِلافٍ هو(2)أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ‌، و حَمزةُ‌، و جَعفَرٌ، و خَبّابُ بنُ الأَرَتِّ‌،(3)و زَيدُ بنُ حارثةَ‌،(4)و عَمّارٌ رَحمةُ اللّٰهِ عليهم.(5)و مِن الأنصارِ: سَعدُ بنُ مُعاذٍ،(6)


1) . هكذا في «ب» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «بالإطلاق».

2) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «هو».

3) . خبّاب بن الأرتّ بن جندلة بن سعد، من بني سعد بن زيد مناة تميم، كنيته أبو يحيى، و قيل: أبو عبد اللّٰه، مولى ثابت بن الأرتّ‌، بدريّ مهاجريّ ، من السابقين الأوّلين، توفّي منصرف أمير المؤمنين عليه السلام من صفّين إلى الكوفة سنة سبع وثلاثين، و هو أوّل من قبر بظهر الكوفة من أصحاب النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله، و هو ابن ثلاث و سبعين سنةً . الطبقات الكبرىٰ ، ج 3، ص 121، الرقم 43؛ معرفة الصحابة، ج 2، ص 169، الرقم 789؛ الاستيعاب، ج 2، ص 437، الرقم 628؛ صفة الصفوة، ج 1، ص 223، الرقم 21؛ أُسد الغابة، ج 1، ص 591، الرقم 1407.

4) . هكذا في التلخيص. و في النسخ: - «بن حارثة». و في الحجري و المطبوع: «زيد بن ثابت»؛ و هو سهو. و الرجل هو: زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزّى الكلبي، يكنّى أبا أسامة، و هو مولى رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و أشهر مواليه، آخى رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله بينه و بين حمزة بن عبد المطلب، شهد بدراً، و زوّجه رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله مولاته أُمّ أيمن فولدت له أُسامة بن زيد، و كان زوج زينب بنت جحش ابنة عمّة رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله، و هي التي تزوّجها رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله بعد زيد، استشهد في مؤتة أميراً سنة ثمان للهجرة. الطبقات الكبرىٰ ، ج 3، ص 29، الرقم 4؛ معجم الصحابة، ج 5، ص 1703، الرقم 257؛ تاريخ الصحابة، ص 105، الرقم 68؛ معرفة الصحابة، ج 2، ص 321، الرقم 1004؛ الاستيعاب، ج 2، ص 542، الرقم 843؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 19، ص 342، الرقم 2333؛ أُسد الغابة، ج 2، ص 129، الرقم 1829.

5) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ: + «أجمعين». و في الحجري و المطبوع: - «رحمة اللّٰه عليهم».

6) . سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس الأنصاري الأوسي ثمّ الأشهلي، أبو عمرو، أسلم على يد مصعب بن عمير لمّا أرسله النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله إلى المدينة يعلّم المسلمين، فقال لبني عبد الأشهل: كلام رجالكم و نسائكم عليّ حرام حتّىٰ تسلموا، فأسلموا، فكان من أعظم الناس بركةً في الإسلام، و شهد بدراً و أُحداً و الخندق. و رمي يوم الخندق بسهم فعاش شهراً

و أبو الهَيثَمِ بنُ التيِّهانِ‌،(1)و خُزَيمةُ بنُ ثابتٍ ذو الشهادتَينِ‌.(2)فأمّا أبو بَكرٍ ففي تَقدُّمِ إسلامِه خِلافٌ معروفٌ‌،(3)فعَلىٰ مَن ادَّعىٰ تَناوُلَ الآيةِ له(4)أن يَدُلَّ علىٰ‌(5)أنّه مِن السابقينَ‌.

ثم انتقض جرحه فمات منه في شوّال سنة خمس من الهجرة و هو ابن سبع و ثلاثين سنةً‌، و صلّىٰ عليه رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و دفن بالبقيع. و له من الولد عبد اللّٰه و عمرو. الطبقات الكبرىٰ ، ج 3، ص 320، الرقم 87؛ تاريخ الصحابة، ص 112، الرقم 504؛ معرفة الصحابة، ج 2، ص 392، الرقم 1096؛ الاستيعاب، ج 2، ص 602، الرقم 958؛ صفة الصفوة، ج 1، ص 236، الرقم 32؛ أُسد الغابة، ج 2، ص 221، الرقم 2045.


1) . أبو الهيثم مالك بن التيّهان بن مالك بن عتيك الأنصاري الأوسي، شهد العقبة، و كان أحدالنقباء. و شهد المشاهد مع رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله، و كان يكره الأصنام في الجاهلية و يقول بالتوحيد هو و أسعد بن زرارة، و كانا أوّل من أسلم من الأنصار الذين لقوا رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله بمكّة، ثمّ شهد العقبة مع السبعين. أدرك صفّين و شهدها مع عليّ عليه السلام و استشهد فيها. الطبقات الكبرىٰ ، ج 3، ص 341، الرقم 100؛ معجم الصحابة، ج 13، ص 4636، الرقم 980؛ معرفة الصحابة، ج 4، ص 195، الرقم 2587؛ صفة الصفوة، ج 1، ص 239، الرقم 34؛ أُسد الغابة، ج 5، ص 323، الرقم 6324.

2) . خزيمة بن ثابت بن الفاكه، يكنّى أبا عمارة، يقال له: ذو الشهادتين، كانت معه راية بني خطمة في غزاة الفتح، و شهد صفّين مع أمير المؤمنين عليه السلام و استشهد يومئذ و ذلك في سنة سبع و ثلاثين. و وجه تسميته بذي الشهادتين أنّ رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله اشترى فرساً من سواء بن قيس المحاربي، فجحده، فشهد له خزيمة بن ثابت، فقال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله: «من شهد له أو عليه خزيمة فحسبه»؛ فجعل شهادته كشهادة رجلين. الطبقات الكبرىٰ ، ج 4، ص 279، الرقم 584؛ تاريخ الصحابة، ص 88، الرقم 367؛ معرفة الصحابة، ج 2، ص 174، الرقم 794؛ الاستيعاب، ج 2، ص 448، الرقم 665؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 16، ص 357، الرقم 1958؛ صفة الصفوة، ج 1، ص 356، الرقم 100؛ أُسد الغابة، ج 1، ص 610، الرقم 1446.

3) . المعارف لابن قتيبة، ص 168-169؛ إمتاع الأسماع، ج 1، ص 33-34؛ مروج الذهب، ج 2، ص 276-278؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 13، ص 215 و ما بعدها.

4) . في المطبوع: - «له».

5) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «علىٰ ».

مناقشة الاستدلال بآية: (لاٰ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ ...)

فأمّا قولُه تَعالىٰ‌: (لاٰ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَ قٰاتَلَ‌) الآيَة:(1)فالاعتبارُ هو(2)بمجموعِ الأمرَينِ‌، يَعني الإنفاقَ و القتالَ‌،(3)و معلومٌ أنّ أبا بَكرٍ لَم يُقاتِلْ قَبلَ الفَتحِ و لا بَعدَه،(4)و هذا القَدرُ يُخرِجُه مِن تَناوُلِ الآيةِ‌.(5)

ثُمّ في إنفاقِه خِلافٌ قد بيّنّا مِن قَبلُ الكلامَ فيه و أشبَعناه.(6)

علىٰ أنّه لَو سُلِّمَ لأبي بَكرٍ إنفاقٌ و قِتالٌ - علىٰ بُعدِهما - لَكانَ لا يَكفي في تَناوُلِ الآيةِ له؛ لأنّه معلومٌ أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ لا يَمدَحُ و يَعِدُ(7)بالجَنّةِ علىٰ ظاهرِ الإنفاقِ و القِتالِ و إن كانَ الباطنُ بخِلافِه، و لا بُدَّ مِن اعتبارِ الباطنِ و النيّةِ و القَصدِ إلَى اللّٰهِ تَعالىٰ بالفِعلِ ؛ فعَلىٰ مَن ادَّعىٰ تَناوُلَ (8)الآيةِ لِمَن ظَهَرَ منه إنفاقٌ و قتالٌ أن يَدُلَّ علىٰ حُسنِ باطنِه و سَلامةِ غرضِه، و هذا لا يَكونُ مفهوماً مِن الآيةِ ، و لا بُدَّ مِن الرجوعِ فيه(9)إلىٰ غيرِها.

مناقشة الاستدلال بآية: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّٰهِ ...)

فأمّا قولُه تَعالىٰ : (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّٰهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ ) الآيةَ :(10)فأوّلُ ما نَقولُه(11)فيها:


1) . الحديد (57):10.

2) . في المطبوع: «و هو».

3) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «يعني القتال و الإنفاق».

4) . تقدّم مفصّلاً في هامش ص 263.

5) . في التلخيص: + «له».

6) . تقدّم في ص 23-25.

7) . في الحجري و المطبوع: «و لا يعد».

8) . في «ج»: - «من ادّعىٰ ». و في حاشيتها: «مؤوّل» بدل «تناول».

9) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «فيها».

10) . الفتح (48):29.

11) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و التلخيص: «نقول». و في الحجري: «يقول». و في المطبوع: «يقال».

أنّ الألِفَ و اللامَ إذا لَم تُفِدِ الاستغراقَ بظاهرِها(1)مِن غيرِ دليلٍ‌، لَم يَكُن للمُخالِفِ مُتعلَّقٌ بهذه الآيةِ‌؛ لأنّها حينَئذٍ تَكونُ‌(2)مُحتَمِلةً للعمومِ و غيرِه علىٰ سَواءٍ‌، و قد بيّنّا أنّ الصحيحَ غيرُ ذلكَ‌(3)، و أنّ هذه الألفاظَ مُشتَرِكةُ (4)الظاهرِ، و دَلَّلنا عليه في غيرِ مَوضِعٍ .

و لَو سَلَّمنا مَذهبَهم في العمومِ أيضاً لَم يَسلَمْ (5)ما قَصَدوه؛ لأنّ قولَه تَعالىٰ : (وَ

اَلَّذِينَ مَعَهُ‌) لا يَعدو أحَدَ أمرَينِ‌؛(6)أحَدُهما: مَن كانَ في عصرِه و زمانِه و صُحبتِه، و الآخَرُ: مَن كانَ علىٰ دينِه و مِلّتِه. و الأوّلُ يَقتَضي عمومَ أوصافِ الآيةِ و ما تَضمَّنَته(7)مِن المَدحِ لجَميعِ‌(8)مَن عاصَرَه و صَحِبَه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(9). و معلومٌ أنّ كَثيراً مِن هؤلاءِ كانَ مُنافِقاً خَبيثَ الباطنِ لا يَستَحِقُّ شَيئاً مِن المَدحِ‌، و لا تَليقُ (10)به هذه الأوصافُ ؛ فثَبَتَ أنّ المُرادَ ب‍ (الَّذِينَ مَعَهُ ) مَن كانَ علىٰ دينِه، و مُتمسِّكاً بمِلّتِه. و هذا يُخرِجُ الظاهرَ مِن يَدِ المُخالِفِ ، و يَنقُضُ غرضَه في الاحتجاجِ به؛


1) . في «ج، ص، ف»: «إذا تفيد الاستغراق بظاهرهما». و في «ب»: «إذا تفيد الاستغراق بظاهر».

2) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «تكون».

3) . كذا، و الظاهر زيادة كلمة «غير»؛ فإنّ رأي المصنّف رحمه اللّٰه في هذه المسألة أنّ الألف و اللام لا تدلّ على العموم و الاستغراق إلّابدليل و قرينة، و بدونها تبقىٰ محتملة للعموم و غيره. راجع: الذريعة، ج 1، ص 201. و قد تقدّم ذلك أيضاً في هذا الكتاب أكثر من مرّة. راجع: ج 2، ص 10؛ و ج 3، ص 82-83، 261؛ و ج 4، ص 256.

4) . في «د» و الحجري و المطبوع: «مشترك».

5) . هكذا في «ب» و التلخيص. و في سائر النسخ و الحجري و المطبوع: «لم نسلّم».

6) . في «ب، د»: «أحد الأمرين».

7) . في «ب»: «و ما يصيبه». و في التلخيص: «و ما تضمّنه».

8) . في «د» و التلخيص: «بجميع».

9) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «عليه السلام».

10) . في «ج، ص، ف» و الحجريّ و المطبوع: «و لا يليق».

لأنّا نُسلِّمُ (1)له أنّ كُلَّ مَن كانَ بهذه الصفةِ (2)فهو ممدوحٌ مُستَحِقٌّ لجميعِ صفاتِ (3)الآيةِ ، و عليه أن يُبيِّنَ أنّ مَن خالَفناه فيه، له هذه الصفةُ حتّىٰ يَحصُلَ له البَواقي(4).

و لَيسَ لهُم أن يَقولوا: نَحنُ نَحمِلُ اللفظةَ‌(5)علَى الصُّحبةِ و المُعاصَرةِ ، و نَقولُ : إنّ الظاهرَ و العمومَ يَقتَضيانِ حصولَ جَميعِ الصفاتِ لكُلِّ مُعاصِرٍ مُصاحِبٍ إلّامَن أخرَجَه الدليلُ ، فالذي(6)ذَكرتم ممّن ظَهَرَ(7)نِفاقُه و شَكُّه نُخرِجُه(8)بدَليلٍ .

و ذلكَ‌ أنّها إذا حُمِلَت علَى الصُّحبةِ و المُعاصَرةِ ، و أُخرِجَ بالدليلِ بعضُ مَن كانَ بهذه الصفةِ ، كانَت الآيةُ مَجازاً؛ لأنّا إنّما نَتكلَّمُ الآنَ علىٰ أنّ العمومَ هو الحقيقةُ و الظاهرُ،(9)و متىٰ حَمَلناها علىٰ أنّ المُرادَ بها «مَن كانَ علىٰ دينِه» عَمَّت كُلَّ مَن كانَ بهذه الصفةِ ، فكانَت(10)الآيةُ حقيقةً علىٰ هذا الوجهِ ، و صارَ ذلكَ أَولىٰ ممّا ذَكروه.

و لَيسَ لهُم أن يَقولوا: إنّ الظاهرَ مِن لفظةِ (مَعَهُ ) يَقتَضي الزمانَ أو المكانَ ،(11)دونَ المَذهبِ و الاعتقادِ.


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «لا نسلّم».

2) . أي صفة أن يكون معه علىٰ دينه و متمسّكاً بملّته.

3) . هكذا في «د» و الحجريّ و المطبوع. و في سائر النسخ: «لجميع صفة». و في التلخيص: «بجميع صفات».

4) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «حتّى يحصل له التزاحم».

5) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع و التلخيص: «اللفظ».

6) . في «د»: «و الذين».

7) . في «ج، ص» و الحجري و المطبوع: «يظهر». و هكذا في «ف» أيضاً، لكنّها صُحِّحت في الحاشية بما أثبتناه.

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «يخرجه».

9) . في التلخيص: «علىٰ أنّ الحقيقة العموم، و هو الظاهر».

10) . في «د»: «و كانت».

11) . في «ج» و الحجريّ و المطبوع: «و المكان».

لأنّا لا نُسلِّمُ ذلكَ‌، بَل هذه اللفظةُ مُستَعمَلةٌ في الجميعِ علىٰ سَواءٍ‌، و لهذا يَحسُنُ‌(1)استفهامُ مَن قالَ‌: «فُلانٌ مع فُلانٍ‌» عن مُرادِه. و قد يَجوزُ أن يَكونَ [اللفظُ] في أصلِ اللغةِ للمكانِ و الزمانِ‌،(2)و يَكونَ العُرفُ و كَثرةُ الاستعمالِ قد أثَّرا(3)في احتمالِها(4)لِما ذَكرناه.

علىٰ أنّا لَو سَلَّمنا ذلكَ أيضاً لَكانَ التأويلانِ جميعاً قد تَعادَلا في حصولِ وجهٍ

مِن المَجازِ في كُلِّ واحدٍ منهما؛ فلَيسَ (5)المُخالِفُ بأن يَعدِلَ إلىٰ تأويلِهِ - هَرَباً مِن المَجازِ الذي(6)في تأويلِنا - بأَولىٰ ممّن عَكَسَ ذلكَ و عَدَلَ عن تأويلِه للمَجازِ الذي فيه. و إذا تَجاذَبَ التأويلانِ و تَعادَلا بَطَلَ التعلُّقُ بالظاهرِ، و لَم يَكُن في الآيةِ دليلٌ للمُخالِفِ علَى الغرضِ الذي قَصَدَه.

علىٰ أنّا قد بيّنّا فيما تَقدَّمَ ما يَقتَضي خروجَ القومِ عن مِثلِ هذه الآيةِ ؛ لأنّ الشدّةَ علَى الكُفّارِ إنّما تَكونُ ببَذلِ النفسِ في جِهادِهم و الصبرِ علىٰ قِتالِهم،(7)و أنّه لا حَظَّ لِمَن يَعنونَ في ذلكَ .(8)

فأمّا قولُه: «وكَيفَ (9)يَغتاظُ الكُفّارُ مِن سِتّةِ نَفَرٍ؟» فأوّلُ ما فيه: أنّه بُنيَ مِن حكايةِ مَذهبِنا علىٰ فَسادٍ؛ فمَن الذي قالَ له مِنّا: إنّ المُتمسِّكينَ بالحَقِّ بَعدَ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ


1) . في «ب، ج»: - «لهذا». و في «ص»: «و نحن نحسن».

2) . هكذا في «ب، د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «أو الزمان».

3) . في «ب» و المطبوع: «أثّر».

4) . في «ص»: «احتمالهما». و في «ج»: «استعمالها». نعم، صُحِّحَت في حاشيتها بما أثبتناه.

5) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و ليس».

6) . في «ج، ص»: - «الذي».

7) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و الصبر على ذلك».

8) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «فيه» بدل «في ذلك».

9) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «فكيف».

عليه و آلِه كانوا سِتّةً أو سِتّينَ أو سِتَّمائةٍ؟ و مَن الذي حَصَرَ له عَدَدَهم‌؟ و لَيسَ يَجِبُ إذا كُنّا نَذهَبُ إلىٰ أنّهم قَليلٌ بالإضافةِ إلىٰ مُخالِفيهم أن يَكونوا سِتّةً‌؛ لأنّا نَقولُ جَميعاً:

إنّ المُسلِمينَ بالإضافةِ إلىٰ أُمَمِ الكُفرِ قَليلٌ‌، و لَيسَ هُم سِتّةً و لا سِتّةَ آلافٍ‌.(1)

علىٰ أنّه قد فَهِمَ مِن قولِه: (وَ الَّذِينَ مَعَهُ‌) ما لَيسَ مفهوماً مِن القولِ‌؛ لأنّه حَمَلَه علىٰ مَن عاصَرَه و كانَ في حياتِه، و لَيسَ الأمرُ كَما تَوهَّمَ‌؛(2)لأنّ المُرادَ بذلكَ‌:(3)مَن كانَ علىٰ دينِه و مِلّتِه و سُنّتِه إلىٰ أن تَقومَ (4)الساعةُ ؛ و هؤلاءِ ممّن يَغيظُ الكُفّارَ بِلا شُبهةٍ .

علىٰ أنّا لَو سَلَّمنا له(5)أنّ المُرادَ به مَن كانَ في حَياتِه و(6)في عَصرِه، لَم يَلزَمْ أيضاً ما ظَنَّه؛ لأنّه قد قُتِلَ و ماتَ في أيّامِ (7)الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه قَبلَ الهِجرةِ و بَعدَها ممّن كانَ علَى الحَقِّ عَدَدٌ كَثيرٌ، و جَمٌّ غَفيرٌ، يَغيظُ بعضُهم الكُفّارَ، فَضلاً عن كُلِّهم.(8)

مناقشة خبر «خير الناس قرني...»:

فأمّا تَعلُّقُه بما رُويَ عنه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه مِن قولِه: «خَيرُ الناسِ قَرْني، ثُمّ الذينَ يَلونَهم، ثُمّ الذينَ يَلونَهم(9)»(10)فأوّلُ ما فيه: أنّه خبرُ واحدٍ، لا يوجِبُ عِلماً،


1) . في الحجري و التلخيص: «و لا ستّة ألف».

2) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «علىٰ ما توهّم».

3) . في «ج، ص»: «به».

4) . في «ب، د» و الحجري: «أن يقوم».

5) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «له».

6) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «و».

7) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «في حياة».

8) . في التلخيص: «يغيظ بهم الكفّار فضلاً عن جميعهم».

9) . في الحجري و المطبوع: - «ثمّ الذين يلونهم».

10) . مسند أحمد، ج 1، ص 378، ح 3594، و ص 434، ح 4130، و ص 442، ح 4217، و ج 4،

و لا يَجوزُ أن يُحتَجَّ به في أماكِنِ العِلمِ‌.

ثُمّ هو مُعارَضٌ بأخبارٍ كَثيرةٍ‌، قد ذَكَرنا منها طَرَفاً فيما تَقدَّمَ مِن هذا الكتابِ‌:

مِثلُ قولِه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(1): «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن كانَ قَبلَكم(2)شِبراً بِشبرٍ، و ذِراعاً بذِراعٍ‌؛ حتّىٰ لَو دَخَلَ أحَدُهم جُحْرَ(3)ضَبٍّ لَدَخَلتموه». فقالوا: يا رسولَ اللّٰهِ‌، اليَهودُ و النصارىٰ؟ قالَ‌: «فمَن إذَن ؟».(4)

و قالَ في حجّةِ الوَداعِ بَعدَ كلامٍ طَويلٍ : «ألا لَأَعرِفَنَّكم(5)تَرتَدّونَ بَعدي كُفّاراً، يَضرِبُ بعضُكم رِقابَ بعضٍ . ألا إنّي قد شَهِدتُ و غِبتم».(6)و هذا خِطابٌ

ص 267، ح 18374، و ص 276، ح 18451، و ص 277، ح 18470، و ص 426، ح 19833؛ صحيح البخاري، ج 2، ص 938، ح 2509، و ج 3، ص 1335، ح 3451، و ج 5، ص 2362، ح 6065؛ صحيح مسلم، ج 4، ص 1962، ح 212/2533؛ الجامع الصحيح، ج 4، ص 500، ح 2221، و ص 548-549، ح 2302 و 2303، و ج 5، ص 695، ح 3859؛ سنن النسائي الكبرىٰ ، ج 3، ص 494، ح 6030؛ المعجم الأوسط، ج 2، ص 27، ح 1122، و ج 5، ص 335، ح 5475؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 211، ح 4871، و ص 535، ح 5988.


1) . هكذا في «د». و في «ب»: «عليه السلام». و في سائر النسخ و المطبوع: - «صلّى اللّٰه عليه و آله».

2) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «سنن الذين من قبلكم».

3) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «في حجر» بدل «جحر».

4) . مسند أحمد، ج 2، ص 327، ح 8322، و ص 450، ح 9818، و ص 511، ح 10649، و ص 527، ح 10839، و ج 3، ص 84، ح 11817، و ص 89، ح 11861، و ص 94، ح 11916؛ صحيح البخاري، ج 3، ص 1274، ح 3269، و ج 4، ص 2669، ح 6889؛ صحيح مسلم، ج 4، ص 2054، ح 6/2669؛ سنن ابن ماجة، ج 2، ص 1322، ح 3994؛ المستدرك على الصحيحين، ج 1، ص 93، ح 106، و ص 219، ح 445، مع اختلاف يسير.

5) . في المطبوع: «ألا لا أعرفنّكم».

6) . مسند أحمد، ج 1، ص 230، ح 2036، و ص 402، ح 3815، و ج 2، ص 85، ح 5578؛ صحيح البخاري، ج 1، ص 56، ح 121، و ج 2، ص 619-620، ح 1652-1655، و ج 4،

منه(1)لأصحابِه و مَن كانَ في أيّامِه و قَرنِه.

علىٰ أنّه لا يَخلو هذا الخبرُ مِن أن يَكونَ مُتَوَجِّهاً إلىٰ جَميعِ مَن كانَ في أيّامِه و عَصرِه، أو إلىٰ بعضِهم.(2)

فإن كانَ مُتَوَجِّهاً إلىٰ جميعِهم، فهذا ما(3)لا نَقولُ به جَميعاً؛ لأنّ في أيّامِه و علىٰ قَرنِه(4)مُعاويةَ و عَمرَو بنَ العاصِ و أبا سُفيانَ و فُلاناً و فُلاناً ممّن نَقطَعُ (5)جَميعاً علىٰ أنّه لا خَيرَ عندَه.

و إن كانَ مُتوَجِّهاً إلَى البعضِ ، فقَد سَقَطَ الغرضُ بالاحتجاجِ به.

و هذه جُملةٌ كافيةٌ في هذا الفَصلِ .

ص 1598-1599، ح 4141 و 4143 و ج 6، ص 2594، ح 6668 و 6669؛ صحيح مسلم، ج 1، ص 81-82، ح 65/118-66/120، و ج 3، ص 1305، ح 29/1679؛ سنن أبي داود، ج 2، ص 633، ح 4686؛ سنن ابن ماجة، ج 2، ص 1300، ح 3942 و 3943؛ سنن الدارمي، ج 2، ص 95، ح 1921؛ الجامع الصحيح، ج 4، ص 486، ح 2193؛ سنن النسائي، ج 7، ص 126-127، ح 4125-4132، مع اختلاف في المصادر.


1) . في الحجري و المطبوع: - «منه».

2) . هكذا في «د». و في التلخيص: «بعض». و في سائر النسخ و المطبوع: «أو إلى بعض من كان فيه».

3) . في التلخيص: «ممّا».

4) . في التلخيص: «قربه».

5) . في «ص»: «يقطع». و في التلخيص: «يقطعون».

16 فَصلٌ في تَتَبُّعِ كلامِه علَى الطاعنِ علىٰ أبي بَكرٍ و ما أجابَ به عن مَطاعِنِهم

اشارة

الطعن الأوّل منع ميراث النبيّ صلى الله عليه و آله

اشارة

ابتَدأَ صاحبُ الكتابِ‌(1)هذا الفَصلَ بذِكرِ ميراثِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و رَتَّبَ في ذلكَ كلاماً لا نَرتَضيهِ‌، و نَحنُ مِن(2)بَعدُ نُبيِّنُ الترتيبَ فيه و كَيفيّةَ التعلُّقِ به.

ثُمّ أجابَ عن ذلكَ‌، بأن قالَ في الخبرِ الذي احتَجَّ به أبو بَكرٍ - يَعني قولَه: «نَحنُ مَعاشرَ الأنبياءِ لا نورَثُ‌» -:

لَم يَقتَصِرْ علىٰ رِوايتِه،(3)حتَّى استَشهَدَ عليه(4)عُمَرَ و عُثمانَ و طَلحةَ و الزُّبَيرَ و سَعداً و عَبدَ الرحمنِ بنَ عَوفٍ (5)، فشَهِدوا به، فكانَ (6)لا يَحِلُّ لأبي بَكرٍ لمّا(7)صارَ الأمرُ إليه أن يَقسِمَ الترِكةَ ميراثاً، و قد خَبَّرَ الرسولُ بأنّه صَدَقةٌ و لَيسَ (8)بميراثٍ .


1) . في «ج، ف» و الحجري و المطبوع: + «في».

2) . في الحجري و المطبوع: - «من».

3) . في شرح النهج: + «هو وحده».

4) . في المغني: + «أصحاب رسول اللّٰه، فشهد بصدقه».

5) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: - «بن عوف».

6) . في المغني: - «فشهدوا به». و فيه: «و كان» بدل «فكان».

7) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع و المغني: «و قد» بدل «لمّا».

8) . في «ج، ف»: «بأنّها صدقة و ليس». و في شرح النهج: «بأنّها صدقة و ليست».

و أقَلُّ ما في هذا البابِ أن يَكونَ الخبرُ مِن أخبارِ الآحادِ، فلَو أنّ شاهدَينِ شَهِدا في الترِكةِ أنّ فيها حَقّاً، ألَيسَ كانَ يَجِبُ أن

يَصرِفَه(1)عن الإرثِ؟ فعِلمُه بما قالَ الرسولُ‌(2)مع شَهادةِ غيرِه أقوىٰ مِن ذلكَ‌.(3)

و لَسنا(4)نَجعَلُه مُدَّعياً؛(5)لأنّه لَم يَدَّعِ ذلكَ لنفسِه، و إنّما بَيَّنَ أنّه لَيسَ بميراثٍ و أنّه صَدَقةٌ‌.

و لا يَمتَنِعُ تخصيصُ القُرآنِ بذلكَ‌، كما يُخَصُّ‌(6)في العبدِ و القاتلِ و غيرِهما.

و لَيسَ ذلكَ بنَقصٍ للأنبياءِ‌(7)، بَل هو إجلالٌ‌(8)لهُم، فرَفَعَ اللّٰهُ تَعالىٰ‌(9)قَدرَهم عن أن يورَثوا المالَ ، و صارَ ذلكَ مِن أَوكَدِ الدَّواعي إلىٰ أن(10)


1) . في شرح النهج: «أن يصرف ذلك».

2) . هكذا في «د» و المغني. و في «ج، ص، ف»: + «عليه السلام». و في الحجري و المطبوع: + «صلّى اللّٰه عليه و آله». و من قوله: «بأنّه صدقة» إلىٰ هنا ساقط من «ب».

3) . هكذا في «د» و الحجري و المطبوع. و في سائر النسخ و المغني و شرح النهج: - «من ذلك».

4) . في «د»: «فلسنا».

5) . في المغني: «بدعيّاً».

6) . في المغني: «يختصّ ».

7) . في «ب، ف»: «ينقص للأنبياء». و في «د» و شرح النهج: «بنقص في الأنبياء». و في المغني: «ينقض للآية ليس بميراث و أنّه صدقة، و لا يمتنع». و في هامشه: «كذا في الأصل، و في العبارة ركّة».

8) . في المغني: «حلال».

9) . هكذا في المغني. و في «د»: «فرفع اللّٰه عزّ و جلّ ». و في سائر النسخ و المطبوع: «يرفع اللّٰه به».

10) . في «ب، د»: + «الأنبياء».

لا يَتَشاغَلوا بجَمعِها(1)لأنّ أحَدَ(2)الدَّواعي القَويّةِ‌(3)إلىٰ ذلكَ تَركُه علَى الأولادِ و الأهلينَ‌.

و لمّا سَمِعَت فاطمةُ عليها السلامُ ذلكَ مِن أبي بَكرٍ(4)كَفَّت عن الطلبِ‌، فيما(5)ثَبَتَ مِن الأخبارِ الصحيحةِ ؛ ولا(6)يَمتَنِعُ أن تَكونَ غيرَ عارفةٍ بذلكَ فطَلَبَت(7)الإرثَ ، فلمّا رَوىٰ لها ما رَوىٰ (8)كَفَّت، فأصابَت أوّلاً و أصابَت(9)ثانياً.

و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ‌: كَيفَ يَجوزُ أن يُبيِّنَ‌(10)صَلَّى اللّٰهُ عليه(11)ذلكَ للقومِ و لا حَقَّ لهُم في الإرثِ ، و يَدَعَ (12)أن يُبيِّنَ ذلكَ لِمَن له حَقٌّ في الإرثِ ، مع أنّ التكليفَ يَتَّصِلُ به ؟

و ذلكَ‌ لأنّ التكليفَ في ذلكَ يَتعلَّقُ بالإمامِ ، فإذا بَيَّنَ له جازَ أن لا يُبيِّنَ


1) . في «ص»: «بجميعها». و في شرح النهج: «بجمعه».

2) . هكذا في «د» و المغني و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: - «أحد».

3) . في المغني: «البشريّة».

4) . في المغني: «منه».

5) . هكذا في «د» و المغني و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «بما».

6) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «فلا».

7) . في «د»: «وطلبت».

8) . في «د»: - «ما روىٰ ».

9) . في المغني: - «أصابت».

10) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: + «النبيّ ».

11) . هكذا في المغني. و في «ب»: «عليه السلام». و في «د» و المطبوع: + «و آله». و في سائر النسخ و الحجري وُضع الرمزُ الإشاريّ للصلوات. و هذا الاختلاف موجود أيضاً في المواضع الآتية من عبارة المغني و لم نصرّح إليها في الهامش.

12) . في المغني: «ويتبرّع».

لغَيرِه، و يَصيرُ البيانُ له بياناً لغَيرِه و إن لَم يَسمَعْ‌(1)مِن الرسولِ عليه السلامُ‌؛ لأنّ هذا الجنسَ مِن البيانِ يَجِبُ أن يَكونَ بحَسَبِ المَصلَحةِ [في هذا البابِ‌].(2)

ثُمّ حَكىٰ عن أبي عليٍّ أنّه قالَ‌:

أ تَعلَمونَ كَذِبَ أبي بَكرٍ في هذه الروايةِ‌، أم تُجوِّزونَ أن يَكونَ صادقاً؟(3)

قالَ‌:

و قد عُلِمَ‌(4)أنّه لا شَيءَ يُعلَمُ به قَطعاً كَذِبُه(5)، فلا بُدَّ مِن تَجويزِ(6)كَونِه صادقاً؛ و إذا صَحَّ ذلكَ قيلَ لهُم: فهَل كانَ يَحِلُّ له مُخالَفةُ رسولِ اللّهِ؟ [و هذا يُبيِّنُ بُطلانَ ما يَقولونَ‌].

فإن قالوا: لَو كانَ صِدقاً لَظَهَرَ و اشتَهَرَ.

قيلَ لهُم: إنّ ذلكَ مِن بابِ العملِ‌، فلا يَمتَنِعُ أن يَتَفَرَّدَ(7)برِوايتِه جَماعةٌ يَسيرةٌ ، بَل(8)الواحدُ و الاثنانُ ، مِثلُ سائرِ الأحكامِ و مِثلُ الشهاداتِ .

فإن قالوا: نَعلَمُ أنّه لا يَصِحُّ ؛ لقَولِه تَعالىٰ في كتابِه: (وَ وَرِثَ سُلَيْمٰانُ دٰاوُدَ).(9)


1) . في المطبوع: «لم تسمع». و في شرح النهج: «لم يسمعه».

2) . ما بين المعقوفين من المغني، و هكذا في الموارد الآتية.

3) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «أم تجوّزون كذبه و صدقه». و في المغني: «أم يجوّزون أن يكون صادقاً».

4) . في «د»: «علمنا». و في المطبوع: - «و».

5) . في المغني: «نعلم به قطعاً تحدّيه». و في شرح النهج: «يقطع به علىٰ كذبه».

6) . في المطبوع: «تحريز».

7) . في «ب» و شرح النهج: «ينفرد».

8) . هكذا في «د» و المغني و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «مثل».

9) . النمل (27):16.

قيلَ لهُم: و مِن أين أنّه وَرِثَه الأموالَ‌، مع تجويزِ أن يَكونَ المُرادُ [به](1)وَرِثَه العِلمَ و الحكمةَ؟

فإن قالوا: إطلاقُ الميراثِ لا يَكونُ إلّافي الأموالِ‌.

قيلَ لهُم: إنّ كتابَ اللّٰهِ يُبطِلُ قولَكم؛ لأنّه قالَ‌: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتٰابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنٰا مِنْ عِبٰادِنٰا)(2)و الكتابُ لَيسَ بمالٍ‌. و يُقالُ في اللغةِ‌: «ما وَرِثَت الأبناءُ عن الآباءِ‌(3)شَيئاً(4)أفضَلَ مِن أدبٍ حَسَنٍ‌» و قالوا: «العلماءُ وَرَثةُ الأنبياءِ‌» و إنّما وَرِثوا منهم العِلمَ دونَ المالِ‌.

علىٰ أنّ (5)في آخِرِ الآيةِ (6)ما يَدُلُّ علىٰ ما قُلناه، و هو قولُه تَعالىٰ (7):

(وَ قٰالَ (8)يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ عُلِّمْنٰا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَ أُوتِينٰا مِنْ كُلِّ شَيْ ءٍ إِنَّ هٰذٰا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ) (9)فنَبَّهَ علىٰ أنّ الذي وَرِثَه هو(10)هذا العِلمُ و هذا الفَضلُ‌، و إلّالَم يَكُن لهذا القَولِ تَعلُّقٌ بالأوّلِ‌.

فإن قالوا: فقَد قالَ (11)تَعالىٰ : (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ


1) . ما بين المعقوفين من المغني.

2) . فاطر (35):32.

3) . هكذا في المغني و شرح النهج. و في «د»: «الأنبياء» بدل «الأبناء». و في «ص»: «ما ورث الآباءو الأنباء». و في سائر النسخ و المطبوع: «ما ورّث الآباء الأبناء».

4) . في المغني: + «هو».

5) . في «ج، ص»: «أنّه».

6) . في المغني: «الكتاب» بدل «آخر الآية».

7) . في «د» و المغني: - «تعالىٰ ». و في شرح النهج: + «حاكياً عنه».

8) . في المغني و شرح النهج و الحجري و المطبوع: - «و قال».

9) . النمل (27):16.

10) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «ورث هو». و في المغني: «هو ورث».

11) . في «د»: + «اللّٰه».

آلِ يَعْقُوبَ ) (1)و ذلكَ يُبطِلُ الخبرَ.

قيلَ لهُم: لَيسَ في ذلكَ بيانُ المالِ أيضاً، و في الآيةِ ما يَدُلُّ علىٰ أنّ المُرادَ النبوّةُ و(2)العِلمُ ؛ لأنّ زَكَريّا خافَ علَى العِلمِ أن يَندَرِسَ ، و(3)قولُه:

(وَ إِنِّي خِفْتُ الْمَوٰالِيَ مِنْ وَرٰائِي) (4)يَدُلُّ علىٰ ذلكَ‌؛ لأنّ الأنبياءَ لا تَحرِصُ علَى الأموالِ حِرصاً يَتعلَّقُ خَوفُها به(5)، و إنّما أرادَ خَوفَه علَى العِلمِ أن يَضيعَ‌، فسَألَ اللّٰهَ تَعالىٰ وليّاً(6)يَقومُ بالدينِ‌(7)مَقامَه.

و قولُه: (وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ‌) يَدُلُّ علىٰ أنّ المُرادَ العِلمُ و الحِكمةُ‌؛ لأنّه لا يَرِثُ أموالَ آلِ‌(8)يَعقوبَ في الحقيقةِ ، و إنّما يَرِثُ ذلكَ غيرُه.

فأمّا مَن يَقولُ : إنّ المُرادَ(9): «إنّا مَعاشِرَ الأنبياءِ لا نورَثُ ما تَرَكناه(10)صَدَقةً » لا أنّا(11)لا نورَثُ الأموالَ ، فكأنّه أرادَ: أنّ ما جَعَلوه صَدَقةً في


1) . مريم (19):5-6.

2) . في المغني: - «النبوّة و».

3) . في المطبوع: + «أمّا». و في المغني: «فأمّا».

4) . مريم (19):5.

5) . في المطبوع: «خوفها بها». و في المغني: «وجوبها به».

6) . في المغني: «فقال اللّٰه تعالى: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا)» بدل: «فسأل اللّٰه تعالىٰ وليّاً».

7) . في المطبوع: «الدين».

8) . في «ب» و المغني و شرح النهج: - «آل». و في «د»: «من آل».

9) . هكذا في «د» و المغني و شرح النهج. و في سائر النسخ: - «إنّ المراد». و في المطبوع: «المراد في» بدلها.

10) . في «ب، د»: «تركنا».

11) . هكذا في «د». و في «ب»: - «لا». و في سائر النسخ و المطبوع: «لا يدلّ علىٰ أنّا». و في المغني: «لأنّا».

حالِ حياتِهم لا يورَثونَ‌.(1)

فرَكيكٌ‌(2)مِن القولِ‌؛ لأنّ إجماعَ الصحابةِ بخِلافِه؛ لأنّ أحَداً لَم يَتأوَّلْه علىٰ هذا الوجهِ‌، و(3)لأنّه لا يَكونُ في ذلكَ تخصيصٌ للأنبياءِ‌(4)و لا مَزيّةٌ لهُم، و لأنّ قولَه: «ما تَرَكناه صَدَقةٌ‌» جُملةٌ مِن الكلامِ‌(5)مُستَقِلّةٌ بنَفسِها، و لا(6)وجهَ إذا أمكَنَ‌(7)ذلكَ فيها أن تُجعَلَ‌(8)مِن تَمامِ الكلامِ الأوّلِ‌؛ فكأنّه عليه السلامُ - مع بيانِه أنّهم لا يورَثونَ (9)- بَيَّنَ جِهةَ المالِ الذي خَلَّفوه و أنّه صَدَقةٌ (10)لأنّه كانَ يَجوزُ أن لا يَكونَ ميراثاً(11)و يُصرَفَ إلىٰ وجهٍ آخَرَ(12).

فأمّا خبرُ السَّيفِ و البَغلةِ (13)و العِمامةِ و غيرِ ذلكَ ، فقَد قالَ شَيخُنا(14)


1) . في شرح النهج: «أي ما جعلناه صدقة في حال حياتنا لا نورَثه» بدل قوله: «لا أنّا لا نورَث...» إلىٰ هنا.

2) . في المغني: «فباطل».

3) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: - «و».

4) . في «ج، ص» و شرح النهج: «الأنبياء». و في «د»: + «عليهم السلام».

5) . في المغني: - «من الكلام».

6) . في المغني: «فلا».

7) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «إذا لم يكن».

8) . هكذا في «ب» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «أن يجعل».

9) . شرح النهج: + «المال».

10) . هكذا في «د». و في المغني: «فإنّه صدقة». و في سائر النسخ و المطبوع: - «و أنّه صدقة». و في شرح النهج: «يبيّن أنه صدقة» بدل قوله: «بيّن جهة المال» إلىٰ هنا.

11) . في المغني: «صواباً».

12) . في شرح النهج: + «غير الصدقة».

13) . في المغني: «و النعل».

14) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: - «شيخنا».

أبو عليٍّ‌: إنّه لَم يَثبُتْ أنّ أبا بَكرٍ دَفَعَ ذلكَ إلىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ علىٰ جِهةِ الإرثِ‌، و كَيفَ يَجوزُ ذلكَ مع الخبرِ الذي رَواه‌؟ و كَيفَ يَجوزُ لَو كانَ إرثاً(1)أن يَخُصَّه بذلكَ و لا إرثَ له مع العَمِّ‌؛ لأنّه العَصَبةُ‌(2)؟ و إن(3)كانَ وَصَلَ إلىٰ فاطمةَ عليها السلامُ فقَد كانَ يَنبَغي أن يَكونَ العبّاسُ شَريكاً في ذلكَ و أزواجُ الرسولِ‌(4)عليه السلامُ‌، و لَوَجَبَ أن يَكونَ ذلكَ ظاهراً مشهوراً ليُعرَفَ‌(5)أنّهم أخَذوا نَصيبَهم مِن عَينِ‌(6)ذلكَ أو بَدَلِه. و لا يَجِبُ إذا لَم يَدفَعْ أبو بَكرٍ إليه [ذلكَ‌](7)علىٰ جِهةِ الإرثِ أن لا يَحصُلَ‌(8)في يَدِه؛ لأنّه قد يَجوزُ أن يَكونَ النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه نَحَلَه ذلكَ‌(9). و يَجوزُ أيضاً أن يَكونَ أبو بَكرٍ رأَى الصلاحَ في ذلكَ أن يَكونَ بيَدِه لِما فيه مِن تقويةِ الدينِ ، و تَصدَّقَ ببَدَلِه بَعدَ التقويمِ ؛ لأنّ للإمامِ أن يَفعَلَ ذلكَ . [وكُلُّ ذلكَ يُبطِلُ ما تَعلَّقوا به].(10)


1) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «وارثاً».

2) . هكذا في «د». و في المغني: «بالعصبة». و في سائر النسخ و المطبوع: «عصبة».

3) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «فإن».

4) . هكذا في «د» و المغني و شرح النهج. و في سائر النسخ و الحجري و المطبوع: «النبيّ ».

5) . في «د»: «لنعرف».

6) . في «د، ص» و الحجري و المطبوع و المغني: «غير».

7) . ما بين المعقوفين من المغني. و في شرح النهج: «ذلك إليه».

8) . في شرح النهج: + «ذلك».

9) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في المغني: «نحله إيّاه». و في سائر النسخ و المطبوع: - «ذلك».

10) . ما بين المعقوفين من المغني.

و حَكىٰ عن أبي عليٍّ في البُردةِ‌(1)و القَضيبِ‌:

أنّه لا يَمتَنِعُ أن يَكونَ جَعَلَه عُدّةً‌(2)في سَبيلِ اللّٰهِ و تقويةً علَى المُشرِكينَ‌، فتَداوَلَته الأئمّةُ‌(3)لِما فيه مِن التقويةِ‌، و رأىٰ أنّ ذلكَ أَولىٰ‌(4)مِن أن يَتصدَّقَ به، إن ثَبَتَ أنّه عليه السلامُ لَم يَكُن قد نَحَلَه غيرَه في حياتِه؛ [فالكلامُ في جميعِ ذلكَ واحدٌ].(5)

ثُمّ عارَضَ نفسَه بطَلَبِ أزواجِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه الميراثَ‌، و تَنازُعِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ و العبّاسِ فيه بَعدَ مَوتِ فاطمةَ عليها السلامُ‌؛ فأجابَ‌(6)عن ذلكَ بأن قالَ‌:

يَجوزُ أن يَكونوا(7)لَم يَعرِفوا رِوايةَ أبي بَكرٍ و غيرِه للخبرِ؛ و قد رُويَ أنّ عائشةَ لمّا عرَّفَتهُنَّ الخبرَ أمسَكنَ‌.(8)

و قد بيّنّا أنّه لا يَمتَنِعُ في مِثلِ ذلكَ أن يَخفىٰ علىٰ مَن يَستَحِقُّ الإرثَ‌، و يَعرِفَه مَن يَتقلَّدُ الأمرَ كما يَعرِفُ‌(9)العلماءُ و الحُكّامُ مِن أحكامِ المَواريثِ‌(10)ما لا يَعلَمُه أربابُ الإرثِ‌.


1) . في شرح النهج: «البُرد». و البُردةُ : كساءٌ مخطَّطٌ يُلتَحَفُ به. جمعُه: بُرْدٌ وبُرَدٌ. راجع: النهاية، ج 1، ص 116 (برد).

2) . في المغني: «عنده».

3) . في المغني: «الأُمّة».

4) . في المغني: «أقوىٰ ».

5) . ما بين المعقوفين من المغني.

6) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و أجاب».

7) . في المغني: «إن ثبت ذلك فلأنّهم» بدل قوله: «يجوز أن يكونوا».

8) . في «د»: «عرّفهنّ » بدل «عرّفتهنّ ». و في المغني: «لمّا عرّفتهم الخبر أمسكوا».

9) . هكذا في «ب، د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «تعرف».

10) . في «د»: - «أحكام». و في المغني: «كما يعرف العلماء و الحكماء من أنّه لا يمتنع في مثل ذلك أن تخفى أحكام المواريث».

و قد بيّنّا أنّ رِوايةَ أبي بَكرٍ مع الجماعةِ أقوىٰ مِن شاهدَينِ لَو شَهِدا أنّ بعضَ تَرِكتِه عليه السلامُ دَينٌ‌(1)، و هو أقوىٰ مِن رِوايةِ سَلمانَ و ابنِ مسعودٍ(2)لَو رَوَيا ذلكَ‌، و(3)عندَ القومِ كانَ يَجِبُ أن يُقبَلَ منهما.

قالَ‌:

و متىٰ تَعلَّقوا بعمومِ القُرآنِ أَرَيناهم جوازَ التخصيصِ بهذا الخبرِ، كَما أنّ عمومَ القُرآنِ يَقتَضي كَونَ الصدقاتِ للفقراءِ ، و قد ثَبَتَ أنّ آلَ مُحمّدٍ لا تَحِلُّ (4)لهُم الصدقةُ .(5)

مقدّمة في أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله يورَث المالَ

اشارة

يُقالُ له: نَحنُ نُبيِّنُ أوّلاً ما يَدُلُّ علىٰ أنّه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه يورَثُ المالَ ، و نُرتِّبُ الكلامَ في ذلكَ الترتيبَ الصحيحَ ، ثُمّ نَعطِفُ علىٰ ما أَورَدتَه(6)و نَتكلَّمُ عليه.

الدليل الأوّل: وراثة زكريّا

و الذي يَدُلُّ علىٰ ما ذَكرناه: قولُه تَعالىٰ مُخبِراً عن زَكريّا عليه السلامُ‌: (وَ إِنِّي خِفْتُ الْمَوٰالِيَ مِنْ وَرٰائِي وَ كٰانَتِ امْرَأَتِي عٰاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَ يَرِثُ


1) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في المغني: «بأنّ » بدل «أنّ ». و في سائر النسخ و المطبوع: «لوشهدا على التركة بدَين».

2) . في «ف» و الحجري و المطبوع: + «و».

3) . في المطبوع و المغني: - «و».

4) . هكذا في شرح النهج. و في النسخ و المطبوع: «لا يحلّ ».

5) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 328-332. و من قوله: «كان يجب أن يقبل منهما» إلىٰ هنا ساقط من المغني.

6) . في المطبوع: «أورده».

مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) (1)فخَبَّرَ أنّه خافَ مِن بَني عَمِّه(2)لأنّ المَواليَ هاهُنا هُم بَنو العَمِّ بِلا شُبهةٍ ، و إنّما خافَهم أن يَرِثوا مالَه فيُنفِقوه في الفَسادِ؛ لأنّه كانَ يَعرِفُ ذلكَ مِن خَلائقِهم(3)و طَرائقِهم، فسَألَ رَبَّه ولداً يَكونُ أحَقَّ بميراثِه منهم.

و الذي يَدُلُّ‌ علىٰ أنّ المُرادَ بالميراثِ المذكورِ في الآيةِ ميراثُ المالِ دونَ العِلمِ و النبوّةِ - علىٰ ما تقولونَ‌(4)-: أنّ لفظةَ «الميراثِ‌» في اللغةِ و الشريعةِ جَميعاً لا يُعهَدُ(5)إطلاقُها(6)إلّاعلىٰ ما يَجوزُ(7)أن يَنتَقِلَ علَى الحقيقةِ مِن المورَثِ إلَى الوارثِ‌، كالأموالِ و ما في معناها، و لا يُستَعمَلُ في غيرِ المالِ إلّاتَجوُّزاً و اتّساعاً؛ و لهذا لا يُفهَمُ مِن قولِ القائلِ‌: «لا وارِثَ لفُلانٍ إلّافُلانٌ » و «فُلانٌ يَرِثُ مع فُلانٍ » بالظاهرِ و الإطلاقِ إلّاميراثُ الأموالِ و الأعراضِ ، دونَ العلومِ و غيرِها. و لَيسَ لنا أن نَعدِلَ عن ظاهرِ الكلامِ و حَقيقتِه إلىٰ مَجازِه بغَيرِ دَلالةٍ .

و أيضاً: فإنّه تَعالىٰ خَبَّرَ عن نبيِّه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(8)أنّه شَرَطَ(9)في وارثِه أن يَكونَ رَضِيّاً، و متىٰ لَم يُحمَلِ الميراثُ في الآيةِ علَى المالِ دونَ العِلمِ و النبوّةِ لَم


1) . مريم (19):5-6.

2) . في «ج، ص، ف»: «من ابن عمّه». نعم، صُحِّحت «ف» في حاشية بما أثبتناه. و في «ب» الكلمات غير واضحة.

3) . في التلخيص: «أخلاقهم».

4) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «يقولون».

5) . هكذا في الحجري و المطبوع. و في «د» و التلخيص: «لا تفيد». و في سائر النسخ و شرح النهج: «لا يفيد».

6) . في التلخيص: «إطلاقهما».

7) . في المطبوع: «يحقّ و» بدل «يجوز»، و هو سهو.

8) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و شرح النهج: - «صلّى اللّٰه عليه و آله». و في الحجري وُضع الرمزُ الإشاريُّ للصلوات. و في المطبوع: «صلوات اللّٰه عليه».

9) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع و التلخيص: «اشترط».

يَكُن للاشتراطِ معنىً‌، و كانَ لغواً عَبَثاً؛ لأنّه إذا كانَ إنّما سَألَ‌(1)مَن يَقومُ مَقامَه و يَرِثُ مكانَه، فقَد دَخَلَ الرضا و ما هو أعظَمُ مِن الرضا في جُملةِ كلامِه و سؤالِه، فلا معنىٰ‌(2)لاشتراطِه؛ ألا تَرىٰ‌(3)أنّه لا يَحسُنُ أن يَقولَ أحَدٌ:(4)«اللّهُمَّ ابعَثْ إلينا نَبيّاً، و اجعَلْه عاقلاً» أو(5)«مُكلَّفاً»؟

و إذا ثَبَتَت(6)هذه الجُملةُ صَحَّ أنّ زَكريّا مَوروثٌ مالُه، و صَحَّ أيضاً بصِحّتِها(7)أنّ نَبيَّنا صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه ممّن يورَثُ المالَ‌؛ لأنّ الإجماعَ واقعٌ علىٰ أنّ حالَ‌

نَبيِّنا صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه لا يُخالِفُ (8)حالَ الأنبياءِ المُتقدِّمينَ في ميراثِ المالِ ؛ فمِن مُثبِتٍ للأمرَينِ ، و نافٍ للأمرَينِ .

و ممّا يُقوّي ما قَدَّمناه: أنّ زَكريّا عليه السلامُ (9)خافَ بَني عَمِّه، فطَلَبَ وارِثاً لأجلِ خَوفِه، و لا يَليقُ خَوفُه منهم إلّابالمالِ دونَ النبوّةِ و العِلمِ ؛ لأنّه عليه السلامُ كانَ أعلَمَ باللّٰهِ تَعالىٰ مِن أن يَخافَ أن يَبعَثَ نَبيّاً مَن لَيسَ بأهلٍ للنبوّةِ ، أو(10)أن يورِّثَ عِلمَه و حِكمتَه(11)مَن لَيسَ أهلاً لهُما. و لأنّه إنّما بُعِثَ لإذاعةِ العِلمِ و نَشرِه في الناسِ ، فلا يَجوزُ أن يَخافَ مِن الأمرِ الذي هو الغرضُ في بِعثتِه.


1) . في «د»: «يسأل».

2) . في شرح النهج: «فلا مقتضي».

3) . في «د»: «أ لا يرى».

4) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «أحد».

5) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع و التلخيص: «و».

6) . هكذا في التلخيص. و في «ب، ص» و المطبوع: «فإذا ثبتت». و في سائر النسخ: «فإذا ثبت».

7) . في شرح النهج: «لصحّتها».

8) . في الحجري: «لا تخالف».

9) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: - «عليه السلام».

10) . في «د» و الحجري و المطبوع: «و».

11) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و حكمه».

فإن قالوا:(1)هذا(2)يَرجِعُ عليكم في الخَوفِ مِن وِراثةِ (3)المالِ ؛ لأنّه(4)غايةُ الضِّنِّ و البُخلِ .

قُلنا: مَعاذَ اللّٰهِ أن يَستَويَ الحالانِ‌؛(5)لأنّ المالَ قد يَصِحُّ أن يَرزُقَه اللّٰهُ تَعالَى المؤمنَ و الكافرَ، و العدوَّ و الوليَّ‌، و لا يَصِحُّ ذلكَ في النبوّةِ و علومِها. و لَيسَ مِن الضِّنِّ أن يأسىٰ‌(6)علىٰ بَني عَمِّه - و هُم مِن أهلِ الفَسادِ - أن يَظفَروا(7)بمالِه فيُنفِقوه(8)علَى المَعاصي، و يَصرِفوه في غيرِ وجوهِه المحبوبةِ ؛ بَل ذلكَ هو غايةُ الحِكمةِ و حُسنِ التدبيرِ في الدينِ ؛ لأنّ الدينَ يَحظُرُ تقويةَ الفُسّاقِ و إمدادَهم بما يُعينُهم علىٰ طَرائقِهم المذمومةِ ، و ما يَعُدُّ(9)ذلكَ بُخلاً و شُحّاً(10)إلّامَن لا تأمُّلَ له.

فإن قيلَ : فألّا(11)جازَ أن يَكونَ خافَ مِن بَني عَمِّه أن يَرِثوا عِلمَه - و هُم مِن أهلِ الفَسادِ علىٰ ما ادَّعَيتم -، فيَستَفسِدوا(12)به الناسَ و يُموِّهوا به(13)عليهم ؟


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «فإن قيل».

2) . في الحجري و المطبوع: «فهذا».

3) . في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص: «من ورثة». و في شرح النهج: «عن إرث».

4) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع و التلخيص: «لأنّ ذلك».

5) . هكذا في «د». و في التلخيص: «يسوّى الحالان». و في سائر النسخ و المطبوع: «يستوي الحال».

6) . أَسِيَ عليه و له، يأسىٰ ، أساً و أسىً : حَزِن. و هنا بمعنىٰ «خاف». راجع: لسان العرب، ج 14، ص 35 (أسا).

7) . في «ج»: «يظهروا».

8) . في التلخيص: «لينفقوا به».

9) . في «ب» و التلخيص: «و لا يعدّ».

10) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «شُحّاً و لا بخلاً».

11) . في شرح النهج: «أفلا».

12) . في «ج، ص، ف»: «فيفسدوا». و قد صُحِّحَت نُسخَتا «ج، ف» في حاشيتَيهما بما أثبتناه. و في التلخيص: «و يستفسدوا».

13) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «و يموّهونه».

قُلنا: لا يَخلو هذا العِلمُ الذي أشَرتم إليه مِن أن يَكونَ هو كُتُبَ عِلمِه و صُحُفَ‌

حِكمتِه - لأنّ ذلكَ قد يُسَمّىٰ عِلماً علىٰ طَريقِ المَجازِ -، أو أن(1)يَكونَ هو العِلمَ الذي يَحُلُّ القلوبَ‌.

فإن كانَ الأوّلَ‌: فهو يَرجِعُ إلىٰ معنَى المالِ‌، و يُصحِّحُ أنّ الأنبياءَ عليهم السلامُ يورَثونَ أموالَهم و ما في معناها.

و إن كان الثانيَ‌: لَم يَخلُ هذا العِلمُ مِن أن يَكونَ هو عِلمَ الشريعةِ‌(2)الذي بُعِثَ النبيُّ‌(3)لنَشرِه(4)و أدائه، أو أن يَكونَ عِلماً مخصوصاً لا يَتعلَّقُ بالشريعةِ (5)و لا يَجِبُ إطلاعُ جَميعِ الأُمّةِ عليه، كعِلمِ العَواقبِ و ما يَحدُثُ في مُستَقبَلِ الأوقاتِ ،(6)و ما جَرىٰ (7)مَجرىٰ ذلكَ .

و القِسمُ الأوّلُ لا يَجوزُ علَى النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آله أن يَخافَ مِن وصولِه إلىٰ بَني عَمِّه، و هُم مِن جُملةِ أُمّتِه الذينَ بُعِثَ لإطلاعِهم علىٰ ذلكَ و تأديتِه إليهم.(8)و كأنّه علىٰ هذا الوجهِ يَخافُ ممّا هو الغرضُ في بِعثتِه.


1) . في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص و شرح النهج: - «أن».

2) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «العلم» بدل «علم الشريعة».

3) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في «ب، ف»: + «عليه السلام». و في «ج، ص» و الحجري و التلخيص: + «صلّى اللّٰه عليه و آله». و في المطبوع: + «صلوات اللّٰه عليه».

4) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «بنشره».

5) . في «ج، ص»: «بشريعة».

6) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و ما يجري في المستقبل من الأوقات». و في شرح النهج: «و ما يجري في مستقبل الأوقات».

7) . في التلخيص: «و ما يجري».

8) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «بُعِثَ إلىٰ أن يُطلعَهم على ذلك و يؤدّيه إليهم».

و القِسمُ الثاني فاسدٌ أيضاً؛ لأنّ هذا العِلمَ المخصوصَ إنّما يُستَفادُ مِن جِهتِه، و يوقَفُ عليه بإطلاعِه و إعلامِه، و لَيسَ هو ممّا يَجِبُ نَشرُه في جَميعِ الناسِ ؛ فقَد كانَ يَجِبُ إذا خافَ مِن إلقائه إلىٰ بعضِ الناسِ فَساداً أن لا يُلقيَه إليه؛ فإنّ ذلكَ في يَدِه، و لا يَحتاجُ إلىٰ أكثَرَ مِن ذلكَ .

الدليل الثاني: وراثة سليمان لداود عليهما السلام

و ممّا يَدُلُّ أيضاً(1)علىٰ أنّ الأنبياءَ عليهم السلامُ يورَثونَ قولُه تَعالىٰ : (وَ وَرِثَ سُلَيْمٰانُ دٰاوُدَ)(2)و الظاهرُ مِن إطلاقِ لفظِ(3)«الميراثِ » يَقتَضي الأموالَ و ما في معناها؛ علىٰ ما دَلَّلنا عليه مِن قَبلُ .(4)

الدليل الثالث: عموم آيات الإرث

و يَدُلُّ أيضاً علىٰ ذلكَ قولُه تَعالىٰ‌: (يُوصِيكُمُ اللّٰهُ فِي أَوْلاٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ‌) الآيةَ .(5)و قد أجمَعَت الأُمّةُ علىٰ عمومِها إلّافيمَن(6)أخرَجَه الدليلُ ، فيَجِبُ أن يُتمسَّكَ بعُمومِها لمَكانِ هذه الدلالةِ (7)، و لا يَخرُجَ عن حُكمِها إلّامَن أخرَجَه دليلٌ قاطعٌ .


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «أيضاً».

2) . النمل (27):16.

3) . في «ب، ف» و شرح النهج: «لفظة».

4) . تقدّم في ص 335.

5) . النساء (4):11.

6) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «علىٰ عموم هذه اللفظة إلّامن».

7) . و هي الإجماع المشار إليه، فقد تقدّم أنّ المصنّف رحمه اللّٰه لم يكن يذهب إلىٰ وجود لفظ يدلّ على العموم، إلّامع قرينة و دلالة خاصّة، كالإجماع في محلّ بحثنا.

عودة إلىٰ مناقشة القاضي

مناقشة خبر: «نحن معاشر الأنبياء لانورَث»

فأمّا تَعلُّقُ صاحبِ الكتابِ بالخبرِ الذي رَواه أبو بَكرٍ، و ادّعاؤه أنّه(1)استَشهَدَ عُمَرَ و عُثمانَ و فُلاناً و فُلاناً: فأوّلُ ما فيه أنّ الذي ادَّعاه مِن الاستشهادِ غيرُ معروفٍ‌. و الذي رُويَ : أنّ عُمَرَ استَشهَدَ هؤلاءِ النفَرَ، لمّا تَنازَعَ (2)أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ و العبّاسُ إليه(3)في الميراثِ ، فشَهِدوا بالخبرِ المُتضمِّنِ لنَفيِ الميراثِ .(4)

و إنّما مُعوَّلُ مُخالِفينا(5)- في صِحّةِ الخبرِ الذي رَواه أبو بَكرٍ عندَ مُطالَبةِ فاطمةَ عليها السلامُ بالميراثِ - علىٰ إمساكِ الأُمّةِ عن(6)النكيرِ عليه و الردِّ لقَضيّتِه.(7)


1) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «و ادّعاه و أنّه».

2) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «نازع».

3) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «العبّاس» بدل «و العبّاس إليه».

4) . السقيفة و فدك، ص 101 و 105-113؛ دلائل الإمامة، ص 118؛ الاحتجاج، ج 1، ص 104؛ مسند أحمد، ج 1، ص 4، ح 9، و ص 6، ح 25، و ص 9، ح 55، و ص 10، ح 58، و ص 25، ح 172، و ص 47، ح 333؛ صحيح البخاري، ج 3، ص 1020، ح 2624، و ص 1126، ح 2926 و 2927، و ص 1360، ح 3508، و ج 4، ص 1479-1481، ح 3809 و 3810، و ص 1549، ح 3998، و ج 5، ص 2048، ح 5043؛ صحيح مسلم، ج 3، ص 1376، ح 49/1757، و ص 1379-1383، ح 1758/51-1761/53؛ الجامع الصحيح، ج 4، ص 157-158، ح 1608 و 1610؛ سنن النسائي، ج 7، ص 132، ح 4141، و ص 135، ح 4148.

5) . في «ب»: «معمول مخالفينا». و في «ج، ص، ف»: «يعوّل مخالفينا». و في التلخيص: «يعوّل مخالفونا».

6) . في التلخيص: «على».

7) . قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: «قلت: قد صدق المرتضى رحمه اللّٰه فيما قال؛ أمّا عقيب وفاة النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و مطالبة فاطمة عليها السلام بالإرث فلم يَروِ الخبر إلّا أبو بكر

ثُمّ‌(1)لَو سَلَّمنا استشهادَ مَن ذُكِرَ علَى الخبرِ لَم يَكُن فيه حُجّةٌ‌؛ لأنّ الخبرَ علىٰ كُلِّ حالٍ لا يَخرُجُ مِن أن يَكونَ غيرَ موجِبٍ للعِلمِ‌، و هو في حُكمِ أخبارِ الآحادِ، و لَيسَ يَجوزُ أن يُرجَعَ عن ظاهرِ القُرآنِ بما يَجري هذا المَجرىٰ‌؛ لأنّ المعلومَ لا يُخَصُّ إلّابمعلومٍ‌. و إذا كانَت دَلالةُ الظاهرِ معلومةً‌، لَم يَجُز أن يُرجَعَ‌(2)عنها بأمرٍ مظنونٍ‌. و هذا الكلامُ مَبنيٌّ علىٰ أنّ التخصيصَ للكتابِ و السنّةِ المقطوعِ بها(3)لا يَقَعُ‌(4)بأخبارِ الآحادِ، و هو المَذهبُ الصحيحُ .

و قد أشَرنا إلىٰ ما يُمكِنُ أن يُعتَمَدَ في الدلالةِ عليه مِن أنّ الظنَّ لا يُقابِلُ العِلمَ ، و لا يُرجَعُ عن المعلومِ بالمظنونِ (5).

و لَيسَ لهُم أن يَقولوا: «إنّ التخصيصَ بأخبارِ(6)الآحادِ مُستَنِدٌ(7)أيضاً إلىٰ عِلمٍ ، و إن كانَ الطريقُ مظنوناً» و يُشيروا إلىٰ ما يَدَّعونَه مِن الدلالةِ علىٰ وجوبِ العملِ (8)بخبرِ الواحدِ في الشريعةِ ، و أنّه حُجّةٌ .

لأنّ ذلكَ مَبنيٌّ مِن قولِهم علىٰ ما لا نُسلِّمُه - و قد دَلَّ الدليلُ علىٰ فَسادِه -(9)مِن

وحده، و قيل: إنّه رواه معه مالك بن أوس بن الحدثان. و أمّا المهاجرون الذين ذكرهم قاضي القضاة فإنّما شهدوا بالخبر في خلافة عمر، و قد تقدّم ذكره». شرح نهج البلاغة، ج 16، ص 245.


1) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع و التلخيص: «و».

2) . في شرح النهج: «يخرج».

3) . في «ج، ص، ف» و الحجري: «بهما».

4) . في المطبوع: - «لا يقع».

5) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «بالظنّ ».

6) . في الحجري و المطبوع: «بالأخبار».

7) . في شرح النهج: «يستند».

8) . في «ب، ص»: «العلم».

9) . في شرح النهج: + «أعني قولهم: خبر الواحد حجّة في الشرع».

صِحّةِ العملِ بخبرِ الواحِد. و الكلامُ علىٰ‌(1)أنّ خبرَ الواحدِ يُقبَلُ في الشريعةِ أو لا يُقبَلُ‌، لا يَليقُ بكتابِنا هذا، و الكلامُ فيه معروفٌ‌.(2)

علىٰ أنّه(3)لَو سُلِّمَ لهُم أنّ خبرَ الواحدِ يُعمَلُ به في الشرعِ‌(4)، لَاحتاجوا إلىٰ دليلٍ مُستأنَفٍ علىٰ أنّه يُقبَلُ في تخصيصِ القُرآنِ‌؛ لأنّ ما دَلَّ علَى العملِ به في الجُملةِ لا يَتناوَلُ هذا المَوضِعَ‌، كما لا يَتناوَلُ جوازَ النَّسخِ به.

و هذا يُسقِطُ قولَ صاحبِ الكتابِ‌: «إنّ شاهدَينِ لَو شَهِدا أنّ في الترِكةِ حَقّاً لَكانَ يَجِبُ أن يُصرَفَ‌(5)عن الإرثِ‌» و ذلك أنّ‌(6)الشهادةَ و إن كانَت مظنونةً فالعملُ بها يَستَنِدُ(7)إلىٰ عِلمٍ‌؛ لأنّ الشريعةَ قد قَرَّرَت العملَ بالشهادةِ‌، و لَم تُقرِّرِ العملَ بخبرِ الواحدِ.

و لَيسَ له أن يَقيسَ خبرَ الواحدِ علَى الشهادةِ مِن حَيثُ اجتَمَعا في غَلبةِ الظنِّ‌؛ لأنّا لَم نَعمَلْ علَى الشهادةِ مِن حَيثُ غَلبةِ الظنِّ‌، دونَ ما ذَكرناه مِن تقريرِ الشريعةِ للعملِ‌(8)بها. ألا تَرىٰ‌(9)أنّا قد نَظُنُّ صِدقَ‌(10)الفاسقِ و المرأةِ و الصبيِّ و كثيرٍ ممّن يَجوزُ صِدقُه و(11)لا يَجوزُ العملُ بقَولِه ؟ فبانَ أنّ المُعوَّلَ في هذا علَى المَصلَحةِ التي

نَستَفيدُها علىٰ طَريقِ الجُملةِ مِن دليلِ الشرعِ .


1) . في الحجري و المطبوع: «في».

2) . راجع: رسائل الشريف المرتضىٰ (المسائل التبّانيّات)، ج 1، ص 21 و ما بعدها؛ الذريعة إلىٰ أُصول الشريعة، ج 2، ص 528 و ما بعدها.

3) . في شرح النهج: «أنّهم».

4) . في شرح النهج: «ذلك» بدل «أنّ خبر الواحد يُعمل به في الشرع».

5) . في شرح النهج: «أن ينصرف».

6) . في شرح النهج: «لأنّ ».

7) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «استند».

8) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «العمل».

9) . في «ج»: «ألا يرىٰ ».

10) . في شرح النهج: «بصدق».

11) . في شرح النهج: - «يجوز صدقه و».

و أبو بَكرٍ في حُكمِ المُدَّعي لنفسِه و الجارِّ إليها، بخِلافِ ما ظَنَّه صاحبُ الكتابِ‌. و كذلكَ مَن شَهِدَ له إن كانَت هُناكَ شَهادةٌ‌؛(1)و ذلكَ أنّ أبا بَكرٍ و سائرَ المُسلِمينَ - سِوىٰ أهلِ بَيتِ الرسولِ‌(2)صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(3)- تَحِلُّ (4)لهُم الصدَقةُ ، و يَجوزُ أن يُصيبوا منها؛(5)و هذه تُهمَةٌ في الحُكمِ و الشهادةِ .

و لَيسَ له أن يَقولَ : فهذا يَقتَضي أن لا يُقبَلَ شَهادةُ شاهدَينِ في تَرِكةٍ (6)فيها صَدَقةٌ ؛ لمِثلِ ما ذَكرتم.

و ذلكَ‌ لأنّ الشاهدَينِ إذا شَهِدا بالصدَقةِ ،(7)فحَظُّهما منها كحَظِّ صاحبِ الميراثِ ، بَل سائرِ المُسلِمينَ . و لَيسَ كذلكَ حالُ تَرِكةِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليهِ و آلِه؛ لأنّ كَونَها صَدَقةً يُحرِّمُها علىٰ وَرَثتِه، و يُبيحُها لسائرِ المُسلِمينَ .

فأمّا قولُه: «نَخُصُّ‌(8)القُرآنَ بذلكَ‌(9)كَما خَصَصناه(10)في العبدِ و القاتلِ‌» فلَيسَ بشَيءٍ‌، لأنّا إنّما خَصَصنا مَن ذُكِرَ(11)بدَليلٍ مقطوعٍ عليه معلومٍ ، و لَيسَ هذا(12)


1) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في «ب، ج، ف» و الحجري و المطبوع: «إن كانت شهادة قدوجدت». و في «ص»: «إن كانت شهادة و قد وجدت».

2) . في «د»: «أهل البيت للرسول». و في «ص، ف» و حاشية «ج»: «أهل البيت». و قد صُحِّحَت «ف» في حاشيتها بما أثبتناه.

3) . في «ج، ص، ف»: «عليهم السلام». و في المطبوع: «صلوات اللّٰه عليهم».

4) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و الحجري و المطبوع و شرح النهج: «يحلّ ».

5) . في شرح النهج: «فيها».

6) . في «د» و الحجري و المطبوع: + «بأنّ ».

7) . في شرح النهج: «في الصدقة».

8) . في «ج، ص» و شرح النهج: «يُخصّ ».

9) . في شرح النهج: «بالخبر».

10) . هكذا في شرح النهج. و في النسخ و المطبوع: «خصصنا».

11) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «لأنّ مَن ذُكِرَ إنّما خصصناهما».

12) . في شرح النهج: + «موجوداً».

في الخبرِ الذي ادَّعاه.

فأمّا قولُه: «و لَيسَ ذلكَ بنَقصٍ للأنبياءِ‌(1)، بَل هو إجلالٌ لهُم» فمَن الذي قالَ له:(2)

إنّ فيه نَقصاً؟(3)و كَما أنّه لا نَقصَ فيه، فلا إجلالَ فيه أيضاً(4)و لا فَضيلةَ‌؛ لأنّ الدواعيَ‌، و إن كانَت قد تَقوىٰ‌(5)إلىٰ‌(6)جَمعِ المالِ ليَخلُفَ علَى الوَرَثةِ ، فقَد تُقوّيها(7)أيضاً إرادةُ صَرفِه(8)في وجوهِ الخَيرِ و البِرِّ. فكِلا(9)الأمرَينِ يَكونُ داعياً إلىٰ تحصيلِ المالِ ؛ بَل الداعي الذي ذَكرناه أقوىٰ فيما يَتعلَّقُ بالدينِ .

في بيان غضب فاطمة الزهراء عليها السلام و سخطها علىٰ منعها إرثها من رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله

فأمّا قولُه: «إنّ فاطمةَ عليها السلامُ لمّا سَمِعَت ذلكَ كَفَّت عن الطلَبِ‌، فأصابَت أوّلاً، و أصابَت ثانياً»(10)فلَعَمري إنّها كَفَّت عن المُنازَعةِ و المُشاجَرةِ‌(11)، لكِنَّها انصَرَفَت مُغضَبةً مُتظلِّمةً مُتألِّمةً‌، و الأمرُ في غضبِها و سخطِها أظهَرُ مِن أن يَخفىٰ علىٰ


1) . في «ب، ج، ص» و شرح النهج: «ينقص الأنبياء». و في المطبوع: «ينقص للأنبياء».

2) . في التلخيص: - «له».

3) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «إنّه نقص».

4) . هكذا في «د». و في التلخيص: - «فيه». و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: - «أيضاً».

5) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و الحجري: «لأنّ الداعي و إن كان يقوىٰ ». و في المطبوع و شرح النهج: «لأنّ الداعي و إن كان قد يقوىٰ ».

6) . في شرح النهج: «علىٰ ».

7) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: «يقوّيه».

8) . في «د» و التلخيص: «صرفها».

9) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: «و كلا».

10) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «آخراً» بدل «ثانياً».

11) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «إنّها كفّت عن الطلب الذي هو المنازعة و المشاحّة». و في التلخيص: «إنّها أصابت أوّلاً، و أمّا كفّها عن المنازعة و المشاجرة فقد كان». و في شرح النهج: «المشاحّة» بدل «المشاجرة».

مُنصِفٍ ، وقَد(1)رَوىٰ أكثَرُ الرُّواةِ - الذين لا يُتَّهَمونَ بتَشيُّعٍ و لا عَصَبيّةٍ فيه - مِن كلامِها عليها السلامُ في تلكَ الحالِ و بَعدَ انصرافِها عن مَقامِ المُنازَعةِ و المُطالَبةِ ما يَدُلُّ علىٰ ما ذَكرناه مِن سخطِها و غضبِها؛ و نَحنُ نَذكُرُ مِن ذلكَ ما يُستَدَلُّ به علىٰ صِحّةِ قولِنا:

خطبة الزهراء عليها السلام

أخبَرَنا أبو عُبَيدِ اللّٰهِ‌(2)مُحمّدُ بنُ عِمرانَ المَرزُبانيُّ‌(3)قالَ‌: حَدَّثَني مُحمّدُ بنُ أحمَدَ الكاتبُ‌(4)قالَ : حَدَّثَنا أحمَدُ بنُ عُبَيدِ(5)بنِ ناصحٍ النَّحويُّ (6)قالَ : حَدَّثَنا


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: «فقد».

2) . هكذا في «ف» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «أخبرنا أبو عبد اللّٰه». و في التلخيص: «أخبرنا جماعة عن أبي عبد اللّٰه».

3) . محمد بن عمران بن موسى بن سعيد المرزباني، أبو عبيد اللّٰه، الراوية الأخباري الكاتب، كان راوية صادق اللهجة، واسع المعرفة بالروايات، كثير السماع، كان ثقة صدوقاً، و صنّف كتباً كثيرة في أخبار الشعراء و الأُمم و الرجال و النوادر، يقال: إنّه أحسن تصنيفاً من الجاحظ. ولد في جمادى الآخرة سنة سبع و تسعين و مائتين، و توفّي سنة ثمان و سبعين و ثلاثمائة. و له من التصانيف: أخبار الشعراء، أخبار أبي تمّام، أخبار أبي مسلم الخراساني، أخبار الأولاد و الزوجات، أخبار البرامكة، أشعار النساء، أخبار الجنّ ، كتاب الأزمنة و.... و هو من مشايخ المفيد، و قد أكثر السيّد المرتضى النقل عنه في الأمالي. معجم الصحابة، ج 1، ص 26، الرقم 3؛ تاريخ بغداد، ج 3، ص 352، الرقم 1475؛ معجم الأدباء، ج 6، ص 2582، الرقم 1092؛ قلادة النحر، ج 3، ص 255، الرقم 1712.

4) . محمد بن أحمد بن محمّد بن أبي الثلج الكاتب، أبو بكر، خاصّي عامّي، و التشيّع أغلب عليه، و له روايات كثيرة من روايات العامّة، و كان ديّناً فاضلاً ورعاً، و له من الكتب: كتاب السنن و الآداب، فضائل الصحابة، ما نزل من القرآن في أمير المؤمنين عليه السلام، كتاب البشرى و الزلفى في فضائل الشيعة، أخبار النساء الممدوحات. مولده في سنة ثمان و ثلاثين و مائتين، و توفّي في سنة اثنتين و عشرين و ثلاثمائة. الفهرست لابن النديم، ص 326؛ رجال النجاشي، ص 381، الرقم 1037؛ تاريخ بغداد، ج 1، ص 354، الرقم 249.

5) . في «ب، د»: - «بن عبيد».

6) . أحمد بن عبيد بن ناصح بن بلنجر الديلمي البغدادي، أبو عصيدة النحوي، مولى بني هاشم،

الزياديُّ‌(1)قالَ‌: حَدَّثنا شَرقيُّ بنُ قُطاميٍّ‌،(2)عن مُحمّدِ بنِ إسحاقَ‌(3)قالَ : حَدَّثَني(4)

حدّث عن الواقدي، و الأصمعي، و أبي داود الطيالسي، و زيد بن هارون و غيرهم، و روى عنه القاسم بن محمد الأنباري، و أحمد بن حسن بن شهير. من كتبه: كتاب المقصور و الممدود، المذكّر و المؤنّث، عيون الأخبار و الأشعار. توفّي في سنة ثلاث و سبعين و مائتين. الفهرست لابن النديم، ص 108-109؛ تاريخ بغداد، ج 5، ص 13، الرقم 2315؛ معجم الأُدباء، ج 1، ص 361، الرقم 108؛ إنباه الرواة، ج 1، ص 119، الرقم 33؛ الوافي بالوفيات، ج 7، ص 166، الرقم 3100.


1) . هكذا في شرح النهج و المطبوع. و في النسخ و الحجري و التلخيص: «الزنادي». و الزيادي هذا هو: محمد بن زياد بن زبّار، أبو عبد اللّٰه الكلبي الكندي الدمشقي. روى عن الشرقي بن قطامي، و عبد الرحمن بن عبد اللّٰه بن دينار و... و روى عنه أبو عبد اللّٰه أحمد بن حنبل، و أحمد بن محمّد بن الصلت البغدادي، و محمّد بن غالب بن حرب تمتام، و أحمد بن عبيد بن ناصح و... و كان شاعراً. الجرح و التعديل، ج 7، ص 258، الرقم 1410؛ تاريخ بغداد، ج 2، ص 353، الرقم 861؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 53، ص 48، الرقم 6367؛ الثقات لابن حبّان، ج 9، ص 83، الرقم 15305؛ ميزان الاعتدال، ج 6، ص 153، الرقم 7552.

2) . في المطبوع و شرح النهج: «الشرقيّ بن القطاميّ ». و في التلخيص: «شرقيّ بن قطامة». و الشرقي بن قطامي، هو الوليد بن الحصين بن حمّاد بن حبيب الكلبي، كان علّامةً نسّابةً أخباريّاً إلّاأنّه كان ضعيفاً في روايته، و كان من أهل الكوفة و كنيته أبو المثنّى، و كان أعور. الثقات لابن حبّان، ج 6، ص 449، الرقم 8532؛ تاريخ بغداد، ج 9، ص 278، الرقم 4837؛ معجم الأُدباء، ج 3، ص 1415، الرقم 587؛ ميزان الاعتدال، ج 3، ص 369، الرقم 4124/369.

3) . محمد بن إسحاق بن يسار مولى قيس بن مخرمة، يكنّى أبا عبد اللّٰه، و كان جدّه يسار من سبي عين التمر. عدّه الشيخ الطوسي ممّن أسند عن الإمام الصادق عليه السلام. نشأ بالمدينة، و اضطرّ إلى الخروج منها إلى مصر بسبب تشيّعه، ثمّ قدم إلى أبي جعفر المنصور و هو بالحيرة و كتب له المغازي، و كان محمّد بن إسحاق أوّل من جمع مغازي رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و ألّفها. و كان يروي عن عاصم بن عمر بن قتادة، و يزيد بن رومان. مات ببغداد سنة خمسين و مائة و دفن في مقابر الخيزران، و كان كثير الحديث. رجال الطوسي، ص 277، الرقم 3998؛ الطبقات الكبرىٰ ، ج 5، ص 450، الرقم 1325؛ تاريخ بغداد، ج 1، ص 230، الرقم 51؛ معجم الأُدباء، ج 6، ص 2418، الرقم 995؛ ميزان الاعتدال، ج 6، ص 56، الرقم 4532/7203؛ الثقات لابن حبّان، ج 7، ص 380، الرقم 10534؛ تأسيس الشيعة، ص 232.

4) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع و التلخيص و شرح النهج: «حدّثنا».

صالحُ بنُ كَيسانَ‌،(1)عن عُروةَ‌،(2)عن عائشةَ قالَت:

لمّا بَلَغَ‌(3)فاطمةَ‌(4)إجماعُ أبي بَكرٍ علىٰ مَنعِها فَدَكَ لاثَت خِمارَها علىٰ رأسِها، و اشتَمَلَت بجِلبابِها(5)، و أقبَلَت في لُمَةٍ‌(6)مِن حَفَدَتِها(7).

قالَ المَرزُبانيُّ‌: و حَدَّثَني(8)أبو بَكرٍ أحمدُ بنُ مُحمّدٍ المَكّيُّ (9)قالَ : حَدَّثَنا


1) . صالح بن كيسان. يكنّى أبا محمّد، كان ثقةً كثير الحديث، مولى امرأة من دوس، و يقال: مولى بني غفار. رأى ابن عمر، و حدّث عن سالم بن عبد اللّٰه، و سليمان بن يسار، و عروة بن الزبير و....، و روى عنه عمرو بن دينار، و مالك بن أنس، و سليمان بن بلال. مات بعد الأربعين و مائة، و كان يؤدّب أولاد عمر بن عبد العزيز، و رمي بالقدر. الطبقات الكبرىٰ ، ج 5، ص 419، الرقم 1229؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 23، ص 362، الرقم 2828؛ الوافي بالوفيات، ج 16، ص 268، الرقم 300؛ الإصابة، ج 3، ص 370، الرقم 4141؛ الثقات لابن حبّان، ج 6، ص 454-455، الرقم 8556؛ ميزان الاعتدال، ج 3، ص 411، الرقم 3828.

2) . عروة بن الزبير بن العوّام بن خويلد، أبو عبد اللّٰه الأسدي القرشي الفقيه المديني، و أُمّه أسماء ابنة أبي بكر، من التابعين، و أحد الفقهاء السبعة، سمع أباه و أُمّه و خالته و جماعة من كبار الصحابة. مات عروة سنة أربع و تسعين - و قيل: سنة سبع و تسعين - في ناحية الفرع و دفن هناك. الطبقات الكبرىٰ ، ج 5، ص 136، الرقم 729؛ حلية الأولياء، ج 2، ص 176، الرقم 172؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 40، ص 238، الرقم 4687؛ الثقات لابن حبّان، ج 5، ص 194، الرقم 4515.

3) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «لمّا سمعت».

4) . في «ج»: - «فاطمة». و في «د» و التلخيص و الحجري و المطبوع: + «عليها السلام».

5) . الجِلبابُ - هنا -: المُلاءةُ تشتملُ بها المرأة. راجع: لسان العرب، ج 1، ص 272؛ تاج العروس، ج 1، ص 373 (جلب).

6) . اللُّمَةُ - بتخفيف الميم، لا بتشديدها -: الجماعة من الرجال أو النساء، من الثلاثة إلى العشرة. تاج العروس، ج 17، ص 637 (لأم).

7) . الحَفَدة: جمع «الحافد» و هو - هنا -: العَون. راجع: لسان العرب، ج 3، ص 153 (حفد).

8) . هكذا في «ب، د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و حدّثنا».

9) . أحمد بن محمّد بن عيسى بن خالد المكّي، أبو بكر، كان ينزل بين السورين و هي محلّة من محلّات بغداد. حدّث عن أبي العيناء محمّد بن القاسم، و العبّاس بن فضيل الطبري،

أبو العَيناءِ مُحمّدُ بنُ القاسمِ اليَمانيُّ‌(1)قالَ‌: حَدَّثَنا ابنُ عائشةَ‌(2)قالَ‌: لمّا قُبِضَ رسولُ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه أقبَلَت فاطمةُ‌(3)إلىٰ أبي بَكرٍ في لُمَةٍ مِن حَفَدَتِها(4).

(ثُمّ اتَّفَقا مِن هاهُنا:)(5)و نِساءِ قومِها تَطأُ ذُيولَها، ما تَخرِمُ‌(6)مِشيَتُها مِشيةَ رسولِ

و إبراهيم بن فهد البصري. و روى عنه ابن حيّويه، و الدارقطني، و المرزباني. توفّي في جمادى الآخرة سنة 322. تاريخ بغداد، ج 5، ص 268، الرقم 2750؛ الوافي بالوفيات، ج 8، ص 75، الرقم 3500.


1) . هكذا في «ب، د» و شرح النهج. و في «ج»: «التيماميّ‌». و في «ص، ف» و التلخيص: «التماميّ‌». و في الحجري: «اليماميّ ». و في المطبوع: «السيماميّ ». و الرجل هو: محمّد بن القاسم بن خلّاد بن ياسر، أبو عبد اللّٰه الضرير، مولى أبي جعفر المنصور، و يعرف بأبي العيناء، أصله من اليمامة، و مولده بالأهواز، و منشؤه بالبصرة، و بها كتب الحديث و طلب الأدب، و كان من أحفظ الناس و أفصحهم لساناً، و أسرعهم جواباً و أحضرهم نادرة. مات أبو العيناء سنة اثنتين و ثمانين و مائتين. و كان خرج من بغداد يريد البصرة في سفينة فيها ثمانون نفساً فغرقت، فما سلم منها غيره، فلمّا صار إلى البصرة مات. الفهرست لابن النديم، ص 181؛ تاريخ بغداد، ج 3، ص 389، الرقم 1531؛ الوافي بالوفيات، ج 4، ص 341، الرقم 1901.

2) . عبيد اللّٰه بن محمّد بن حفص بن عمر، أبو عبد الرحمن التيمي، يعرف بابن عائشة لأنّه من ولد عائشة بنت طلحة بن عبيد اللّٰه التيمي. كان من أهل البصرة، فقدم بغداد و حدّث بها، ثمّ عاد إلى البصرة، و كان فصيحاً أديباً سخيّاً، حسن الخلق، غزير العلم، عارفاً بأيّام الناس. توفّي بالبصرة في شهر رمضان سنة ثمان و عشرين و مائتين. الطبقات الكبرىٰ ، ج 7، ص 22، الرقم 3363؛ تاريخ بغداد، ج 10، ص 313، الرقم 5462؛ التذكرة بمعرفة رجال الكتب العشرة، ج 2، ص 1105، الرقم 4360.

3) . هكذا في «ب، ص» و شرح النهج. و في سائر النسخ و الحجري و المطبوع و التلخيص: + «عليها السلام».

4) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: من قوله «قال المرزبانيّ : و حدّثني...» إلى هنا، مقدّم على قوله «لمّا بلغ فاطمة... و أقبلت في لمة من حفدتها».

5) . في شرح النهج بدل ما بين القوسين: «ثمّ اجتمعت الروايتان من هاهنا». و لم ترد هذه الجملة في «د» و التلخيص.

6) . تخرم - هنا -: تَعدِل. يقال: ما خرم الدليل عن الطريق، أي ما عدل عنه. لسان العرب، ج 12، ص 171 (خرم).

اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، حتّىٰ دَخَلَت علىٰ أبي بَكرٍ، و هو في حَشْدٍ(1)مِن المُهاجِرينَ و الأنصارِ و غيرِهم، فنيطَت دونَها مُلاءةٌ‌(2).

ثُمّ أنَّت أنّةً أجهَشَ لها القومُ‌(3)بالبُكاءِ‌، و ارتَجَّ المَجلِسُ‌؛ ثُمّ أمهَلَت هُنَيهةً‌(4)حتّىٰ إذا سَكَنَ نَشيجُ‌(5)القومِ و هَدَأَت فَورَتُهم(6)، افتَتَحَت كلامَها بالحَمدِ للّٰهِ عَزَّ و جَلَّ‌(7)و الثناءِ عليه، و الصلاةِ علىٰ رسولهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، ثُمّ قالَت:

«(لَقَدْ جٰاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مٰا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ‌)(8). عَزا فلاناً إلى فلانٍ ، يَعزوه و يَعزيه، عَزواً و عَزياً: نسَبه إليه. راجع: لسان العرب، ج 15، ص 52 (عزا).(9)فإن تَعْزوهُ‌(9) تَجِدوهُ أَبي دونَ نِسائكم(10)، و أخا ابنِ عَمّي دونَ رِجالِكم، فبَلَّغَ الرسالةَ‌، صادِعاً بالنِّذارةِ‌(11)، مائلاً عن سَنَنِ‌(12)المُشرِكينَ‌، ضارباً


1) . الحشد من الناس: الجماعة. لسان العرب، ج 3، ص 150 (حشد).

2) . نيطت: عُلِّقَت؛ من ناطَ الشيءَ بغيره و عليه: علّقَه. و المُلاءة: الملحفة. لسان العرب، ج 7، ص 418 (نوط)؛ و ج 1، ص 160 (ملأ).

3) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ: - «لها». و في المطبوع: «أجهش القوم لها». و أجهَشَ‌: هَمّ بالبكاءِ . لسان العرب، ج 6، ص 276 (جهش).

4) . في «د» و التلخيص و الحجري و المطبوع: «هنيئة». و هُنَيهة و هُنَيّة: الزمان اليسير. راجع: مجمع البحرين، ج 1، ص 479 (هنأ).

5) . النَّشيجُ : الصوتُ ، و أشدّ البكاء. لسان العرب، ج 2، ص 377 (نشج).

6) . فارَت القِدرُ: اشتَدَّ غَليَانُها وارتَفَعَ ما فيها. راجع: لسان العرب، ج 5، ص 67 (فور).

7) . في «د»: «جلّ و عزّ».

8) . التوبة

9) :128.

10) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و حاشية «د» و الحجري و المطبوع و شرح النهج: «آبائكم».

11) . صَدَعَ الأمرَ، و به: بيَّنَه و جَهَرَ به. و النِّذارة: الإنذار. راجع: لسان العرب، ج 8، ص 196 (صدع).

12) . في التلخيص: «ناكباً عن سنن مدرجة». و السَّنَن: الطريقة. تاج العروس، ج 18، ص 306 (سنن).

ثَبَجَهم(1)، يَدعو(2)إلىٰ سَبيلِ رَبِّه بالحِكمةِ و المَوعِظةِ الحَسَنةِ‌، آخِذاً بأَكظامِ‌(3)المُشرِكينَ‌، يَهشِمُ‌(4)الأصنامَ‌، و يَفلِقُ‌(5)الهامَ‌؛ حَتَّى انهَزَمَ الجَمعُ و وَلَّوُا الدُّبُرَ، و حتّىٰ تَفَرَّى(6)اللَّيلُ عن صُبحِه، و أَسفَرَ الحَقُّ عن مَحضِه، و نَطَقَ زَعيمُ الدينِ‌، و خَرِسَت شَقاشِقُ‌(7)الشيطانِ‌(8)، و تَمَّتَ كَلِمةُ‌(9)الإخلاصِ (وَ كُنْتُمْ عَلىٰ شَفٰا حُفْرَةٍ مِنَ النّٰارِ)(10)نُهْزةَ‌(11)الطامِعِ‌، و مَذْقةَ‌(12)الشارِبِ‌، و قَبْسةَ العَجْلانِ‌(13)، و مَوطئَ الأقدامِ‌، تَشرَبونَ الطَّرَقَ‌(14)،


1) . في النسخ و الحجري و التلخيص: «لثبجهم». و الثَّبَج: الوسط و ما بين الكاهل إلى الظهر. لسان العرب، ج 2، ص 219 (ثبج).

2) . في التلخيص: «داعياً».

3) . الكَظْمُ‌: مَخرَجُ النفَسِ مِن الحَلقِ‌. لسان العرب، ج 12، ص 520 (كظم).

4) . هَشَمَ الشيءَ الأجوفَ أو اليابسَ‌، يَهشِمُه، هَشْماً: كَسَرَه. راجع: لسان العرب، ج 12، ص 611 (هشم).

5) . فَلَقَ الشيءَ‌، يَفلِقُه، فَلْقاً: شَقَّه. لسان العرب، ج 10، ص 309 (فلق).

6) . في «د»: «يَفري». و تَفَرَّى الشيءُ‌: تَشقَّقَ‌. و تَفَرَّى الليلُ عن صُبحِه: انشَقَّ و بَدا الصبحُ‌. تاج العروس، ج 20، ص 47 (فرى).

7) . الشَّقاشِقُ : جمع شِقشِقة: الجلدة الحمراء التي يُخرجها الجمل من جوفه ينفخ فيها فتظهر من شدقه. لسان العرب، ج 10، ص 185 (شقق).

8) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في الحجري و المطبوع: «شقاشق الشياطين». و في شرح النهج: «شقائق الشياطين».

9) . في «د»: «فتمّت كلمة».

10) . آل عمران (3):103.

11) . النُّهزة: الفرصة. يقال: هو نُهْزةُ المُختلِس، أي هو صَيدٌ لكُلِّ أَحَد. لسان العرب، ج 5، ص 421 (نهز).

12) . المَذْقة: الطائفة من اللبن الممزوج بالماء. تاج العروس، ج 13، ص 439 (مذق).

13) . القَبسة: شُعلةٌ تُقتَبَس من النار. و العَجلان: العَجول. يقال: ما زُرتُكَ إلّاكقَبسةِ العَجلانِ ، أي زيارة سريعة. و هو مثل في الاستعجال. راجع: تاج العروس، ج 8، ص 406 (قبس).

14) . الطَّرَق: الماءُ المُجتمِعُ قد خيضَ فيه و بيلَ فكَدِرَ. و الجمعُ : أطراقٌ . لسان العرب، ج 10، ص 216 (طرق).

و تَقتاتونَ القَدَّ(1)، أَذِلّةً خاسِئينَ‌، (تَخٰافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّٰاسُ‌)(2). في المطبوع: «و».(3)مِن حَولِكم، حتّىٰ أنقَذَكم اللّٰهُ عَزَّ و جَلَّ برَسولِه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه بعد اللَّتَيّا و التي(4)، و بَعدَ أن مُنيَ ببُهَمِ‌(5)الرجالِ و ذؤبانِ العَرَبِ‌(6)و مَرَدةِ أهلِ الكتابِ‌(7)(كُلَّمٰا أَوْقَدُوا نٰاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّٰهُ‌)(8)أو(8) نَجَمَ قَرنٌ للشيطانِ‌(9)، أو فَغَرَت للمُشرِكينَ فاغِرةٌ (10)، قَذَفَ أخاه في لَهَواتِها(11)


1) . اقتاتَ الشيءَ : جَعَلَه قوتاً. و القَدُّ: جِلدُ ولدِ الشاةِ ساعةَ يولَدُ. و في «د»: «القُذّة». و في «ج، ص»: «القدّة».

2) . هكذا في التلخيص و بعض المصادر، و هو المطابق لما جاء في القرآن الكريم: الأنفال

3) :26. و في «ب، د» بدل «تخافون أن يتخطّفكم الناس»: «يخطفكم». و في سائر النسخ: «تخطفكم». و في الحجري و حاشية «ج»: «تحفظكم». و في المطبوع: «يتخطّفكم الناس». و في شرح النهج: «يختطفكم الناس».

4) . يقال: وقع فُلانٌ في اللتَيّا و التي، أي في الداهية الكبيرة و الصغيرة. راجع: لسان العرب، ج 15، ص 240 (لتا).

5) . هكذا في «ف» و الحجري و التلخيص و بعض المصادر المعتبرة. و في «ب»: «بنى فيهم». و في «د»: «متى ينهم». و في «ج» و شرح النهج: «مني بهم». و في «ص»: «متى سبهم». و البُهَم: جمع «البُهْمة» ومعناها: الشجاعُ ، و قيل: هو الفارس الذي لا يُدرى من أين يُؤتى له من شدّة بأسه. لسان العرب، ج 12، ص 58 (بهم).

6) . يقال: فلانٌ من ذؤبان العرب: صَعاليكهم و لُصوصِهم. لسان العرب، ج 1، ص 377 (ذأب).

7) . في «ب، ص» و الحجري و المطبوع: «أهل النفاق». و في «ج، ص، ف» و الحجري و شرح النهج: + «و». و مَرَدَ الإنسانُ مُروداً: طغىٰ و جاوز حدّ أمثاله. راجع: لسان العرب، ج 3، ص 400 (مرد).

8) . المائدة (5):64.

9) . في «د، ص» و شرح النهج: «الشيطان». و نَجَمَ : طَلَعَ و ظَهَرَ. و القَرْنُ من رأس الإنسان و الشيطان: حدّ رأسه و جانبُه. لسان العرب، ج 13، ص 331 (قرن).

10) . في «ج، ص»: «أو قرعت قارعة». و في شرح النهج: - «للمشركين». و فَغَرَ فَمَه فَغْراً: فَتَحَه. و فاغرةٌ فاها: فاتحةٌ فَمَها. لسان العرب، ج 5، ص 59 (فغر).

11) . اللَّهَوات: جمع «اللَّهاة» و هي من كلّ ذي حَلْق: اللحمة المشرفة على الحلق، أو الهَنة المطبِقة في

فلا يَنكَفئُ حتّىٰ يَطأَ صِماخَها بأَخمَصِه(1)، و يُطفئَ عاديةَ لَهَبِها بسَيفِه(2)- أو قالَت:

و يُخمِدَ لَهَبَها(3)بحَدِّه - مكدوداً(4)في ذاتِ اللّٰهِ و أنتم في رَفاهةٍ‌(5)فَكِهونَ‌، آمِنونَ‌، وادِعونَ‌(6)».

إلىٰ هاهُنا انتَهىٰ خبرُ أبي العَيناءِ عن ابنِ عائشةَ‌.(7)

أقصى سقف الفم، يقال: فلانٌ تُسَدُّ به لَهَواتُ الثُّغور. تاج العروس، ج 20، ص 171 (لهو). و قال العلّامة المجلسي: «المراد أنّه صلّى اللّٰه عليه و آله كلّما أراده طائفة من المشركين أو عرضت له داهية عظيمة بعث عليّاً عليه السلام لدفعها و عرّضه للمهالك». بحار الأنوار، ج 29، ص 269.


1) . الصِّماخ: خرق الأُذن، و قيل: هو الأُذن نفسها. و بالسين لغة فيه. و الأخمص: باطن القدم الذي لا يلصق بالأرض منها عند الوطء. راجع: لسان العرب، ج 3، ص 34 (صمخ)؛ النهاية، ج 2، ص 80 (خمص).

2) . في الحجري و المطبوع: - «بسيفه». و اللَّهَب: ما يرتفع من النار كأنّه لِسانٌ‌. وعاديةُ اللهَب: طرفه؛ وعاديا اللوح: طَرَفاه. راجع: القاموس المحيط، ج 1، ص 172 (لهب).

3) . في الحجري: «و تخمد لهبها». و في المطبوع: «و يُخمد لهبها».

4) . في التلخيص: + «دؤوباً». و الكَدُّ: الإتعاب، و المكدود: من بلغه التعب و الأذى. لسان العرب، ج 3، ص 378 (كدد).

5) . هكذا في النسخ و الحجري و التلخيص. و في المطبوع و شرح النهج: «رفاهية». و الرَّفاهة و الرفاهية: رَغَد العيش و سَعة الرزق. راجع: لسان العرب، ج 13، ص 493 (رفه).

6) . الفَكِهُ و الفاكِهُ ، أي طيّبُ النفس ضحوكٌ مزّاحٌ . و وَدَعَ ، يَدَعُ ، وَدْعاً: سكن و استقَرَّ، فهو وديع و وادع. تاج العروس، ج 19، ص 74 (فكه) و ج 11، ص 498 (ودع).

7) . خطبة الزهراء عليها السلام في شأن فدك رواها الخلف عن السلف من العلوييّن في جميع الأجيال إلى زمن الائمّة من أهل البيت عليهم السلام، و كان مشايخ آل أبي طالب يروونها عن آبائهم و يعلّمونها أبناءهم، و هي من محاسن الخطب و بدائعها، فقد روى ابن أبي الحديد فصولاً منها ضمن جملة من أخبار فدك و ما جرى في شأنها، و قال في مقدّمة ذلك: «الفصل الأوّل: فيما ورد من الأخبار و السير المنقولة من أفواه أهل الحديث و كتبهم، لا من كتب الشيعة و رجالهم؛ لأنّا مشترطون على أنفسنا أن لا نحفل بذلك». ثمّ نقل أسانيد لهذه الخطبة تنتهي إلى زينب بنت أمير المؤمنين و الإمامين الباقر و الصادق عليهم السلام، و زيد بن عليّ بن الحسين،

و زادَ عُروةُ عن عائشةَ‌(1)-: «حتّىٰ إذا اختارَ اللّٰهُ لنَبيِّه(2)دارَ أنبيائه ظَهَرَت حَسيكةُ‌(3)النفاقِ‌، و سَمَلَ‌(4)جِلبابُ الدينِ‌، و نَطَقَ كاظِمُ‌(5)الغاوينَ‌، و نَبَغَ خامِلُ الآفِكينَ‌(6)، و هَدَرَ فَنيقُ‌(7)المُبطِلينَ يَخطِرُ(8)في عَرَصاتِكم،

و إلى عبد اللّٰه بن الحسن بن الحسن بن عليّ عليه السلام، مضافاً إلى الأسانيد الأُخرى التي تنتهي بعضها إلى عروة بن الزبير عن خالته عائشة. و تجدها كاملةً في الجزء الأوّل من الاحتجاج للطبرسي. و قال أبو الحسن عليّ بن عيسى الإربلي في كشف الغمّة: نقلتها من كتاب السقيفة - عن عمر بن شبّة - تأليف أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري، روىٰ عن رجاله من عدّة طرق «أنّ فاطمة عليها السلام لمّا بلغها إجماع أبي بكر على منعها فدكاً لاثت خمارها و أقبلت في لُميمة من حفدتها...». شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 16، ص 210-211؛ الاحتجاج، ج 1، ص 98؛ كشف الغمّة، ج 1، ص 480؛ السقيفة و فدك، ص 98 و ما بعدها؛ الطرائف، ج 1، ص 264-266؛ المناقب لابن مردويه، ص 201-203، ح 284؛ مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي، ج 1، ص 121-123، ح 59.


1) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «و زاد عروة بن الزبيرعن عائشة».

2) . في «د»: «حتّى إذا اختار اللّٰه عزّوجلّ لنبيّه صلّى اللّٰه عليه و آله».

3) . في «ب، ج، د، ف»: «حسكة». و الحَسيكة و الحَسَكة و الحُساكة: الحِقد و العداوة. تاج العروس، ج 13، ص 540 (حسك).

4) . في «د» و الحجري و شرح النهج: «و شمل». و سَمَلَ الثوبُ و نَحوُه، يَسمُلُ‌، سُمولاً و سُمولةً‌: أَخلَقَ‌. لسان العرب، ج 11، ص 345 (سمل).

5) . كاظم - هنا - فاعل الكظوم، و هو السكوت. راجع: لسان العرب، ج 12، ص 520 (كظم).

6) . في «د»: «الأوّلين». و في التلخيص و حاشية «ب»: «الآفلين». و نَبَغَ الشيءُ من الشيءِ : ظَهَرَ؛ يقال: نبغ من قلبه ما أظهره. و الخامل: الخفيّ الساقط الذي لا نباهة له. و أُفِكَ عنه: ضَلَّ ؛ فهو آفِكٌ ، و أَفيكٌ . راجع: لسان العرب (نبغ - خمل - أفك).

7) . في «د»: «فيق». وهَدَرَ البَعير، أو الحَمام، يَهدِرُ، هَدْراً و هَديراً: رَدَّدَ صوتَه في حَنجَرتِه. و الفَنيقُ مِن الإبِل: الفَحل. راجع: لسان العرب، ج 5، ص 258 (هدر)؛ و ج 10، ص 313 (فنق).

8) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع و شرح النهج: «فخطر». و خَطَرَ في مَشيِه، يَخطِرُ، خَطْراً أو خَطَراناً: اهتَزَّ و تَبَختَرَ. راجع: لسان العرب، ج 4، ص 250 (خطر).

و أطلَعَ‌(1)الشيطانُ رأسَه مِن مَغرِزِه(2)صارِخاً بكم، فدَعاكم فألفاكم(3)لدَعوَتِه مُستَجيبينَ‌، و للغِرّةِ مُلاحِظينَ‌(4)، ثُمّ استَنهَضَكم فوَجَدَكم خِفافاً، و أحمَشَكم(5)فألفاكم غِضاباً(6)، فوَسَمتم(7)غيرَ إبِلِكم، و وَرَدتم(8)غَيرَ شِربِكم(9)هذا و العَهدُ قَريبٌ‌، و الكَلْمُ رَحيبٌ‌(10)، و الجُرحُ لَمّا يَندَمِلْ‌(11)أ بماذا زَعَمتم أنّ ذلكَ‌(12)


1) . في «د»: «و أضلع». و أطلَعَ رأسَه على الشيءِ‌: أشرَفَ عليه ليَراه. لسان العرب، ج 8، ص 236 (طلع).

2) . هكذا في التلخيص و البحار. و في النسخ و المطبوع: - «من مغرزه». و المَغرِز: كُلُّ مَوضعٍ غُرزَ فيه أصلُ شيءٍ‌؛ يقال: مَغرِز الضِّلع، و مغرز الضِّرس، و مغرز الريشة و نحوها. و قال العلّامة المجلسي في البحار: «و مغرز الرأس - بالكسر - ما يختفي فيه. و لعلّ في الكلام تشبيهاً للشيطان بالقنفذ فإنّه إنّما يطلع رأسه عند زوال الخوف، أو بالرجل الحريص المُقدِم على أمر، فإنّه يمدّ عنقه إليه». بحار الأنوار، ج 28، ص 273. و راجع: لسان العرب، ج 5، ص 386 (غرز).

3) . ألْفاه: وَجَده و صادَفَه. راجع: تاج العروس، ج 2، ص 359، و ج 10، ص 364.

4) . في شرح النهج: «و لقربه متلاحظين».

5) . في «ج، ص»: «و أخمشكم» و أحمَشَ القومَ‌: حَرَّضَهم على القِتالِ‌. تاج العروس، ج 9، ص 96 (حمش).

6) . في «ج»: «غضباناً». و في «د»: «عصاباً».

7) . وَسَمَ الشيءَ‌، يَسِمُه، وَسْماً و سِمةً‌: كَواه فأثَّرَ فيه بعَلامةٍ‌. و هو علامة كانت العرب تستعملها للإبل. راجع: النهاية، ج 5، ص 186 (وسم).

8) . في النسخ و الحجري و التلخيص: «و أوردتم». و ما أثبتناه موافق لشرح النهج و المطبوع. و وَرَد فلانٌ المكانَ‌، و عليه: أشرف عليه؛ دَخَله أو لم يدخله؛ يقال: وَرَدَ الماءَ‌. راجع: لسان العرب، ج 3، ص 456-457 (ورد).

9) . الشِّرْب - هنا -: مَورِد الماء.

10) . الكَلْمُ‌: الجُرحُ‌، و الجمع: كُلوم، و كِلام. و رَحُبَ المكانُ‌، يَرحُبُ‌، رُحْباً و رَحابةً‌: اتَّسَعَ‌، فهو رَحْبٌ‌، و رَحبيبٌ ، و رُحابٌ . راجع: تاج العروس، ج 17، ص 625 (كلم) و ج 2، ص 18 (رحب).

11) . اندَمَلَ الجُرحُ : أخَذَ في البُرءِ . تاج العروس، ج 14، ص 244 (دمل).

12) . هكذا في التلخيص. و في «ب»: «إنّما زعمتم». و في «د»: «أ لماذا زعمتم». و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: «إنّما زعمتم ذلك».

خَوفَ الفِتنةِ؟ (أَلاٰ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا(1)وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكٰافِرِينَ‌)(2). الرَّيث - هنا -: المقدار؛ يقال: ما قَعَدَ عندنا إلّارَيْثَ أن حَدَّثَنا بحديثٍ ثمّ مَرَّ. و تدخل عليها «ما» فيقال: ما قَعد إلّارَيثَما فَعَلَ كذا. تاج العروس، ج 3، ص 221 (ريث).(3).

فهَيهاتَ مِنكُم(4)، و كَيفَ بِكُم(5)، و أنّىٰ تؤفَكونَ‌، و كتابُ اللّٰهِ بَينَ أَظهُرِكم، زَواجِرُه بَيِّنةٌ‌، و شَواهِدُه لائحةٌ‌، و أوامِرُه واضحةٌ‌، أرَغبةً عنه تُريدونَ‌، أم بغَيرِه(6)تَحكُمونَ؟ (بِئْسَ لِلظّٰالِمِينَ بَدَلاً)(7)، (وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلاٰمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخٰاسِرِينَ‌)(8).

ثُمّ لَم تَلبَثوا(9)إلّارَيْثَ‌(9) أن تَسكُنَ نَفرَتُها(10)، [و يَسلَسَ قِيادُها، ثُمّ أَخَذتم تورونَ وَقدَتَها، و تُهيِّجونَ جَحرَتَها](11)تُسِرّونَ‌(12)حَسْواً في ارتغاءٍ‌(13)، [و تَمُشّونَ أهلَه و ولدَه في الخَيرِ و الضرّاءِ‌،](14)و نَصبِرُ(15)منكم علىٰ مِثلِ حَزِّ المُدىٰ‌(16)


1) . في «د»: «سقطتم».

2) . التوبة

3) :49.

4) . في «ب، د» و الحجري و التلخيص: «فيكم». و في سائر النسخ و شرح النهج: - «منكم». و ماأثبتناه هو الصواب؛ وفقاً للمطبوع و لنسخةٍ من نسخ التلخيص.

5) . هكذا في نسخةٍ من نسخ التلخيص. و في جميع نسخ الشافي و الحجري و المطبوع و شرح النهج: «و أنّىٰ بكم». و في التلخيص: «و أنّىٰ لكم».

6) . في «ب» و شرح النهج: «لغيره».

7) . الكهف (18):50.

8) . آل عمران (3):85.

9) . في «د، ص، ف»: «لم يلبثوا».

10) . في «د»: «يسكن نفرها». و نَفَرَ مِن الشيءِ‌، يَنفِرُ، نُفوراً و نِفاراً: فَزِعَ و انقبض غير راضٍ به. راجع: المحيط في اللغة، ج 10، ص 231 (نفر).

11) . ما بين المعقوفين من نسخةٍ من نسخ التلخيص.

12) . في «ج» و التلخيص: «تشربون».

13) . حَسا الطائرُ الماءَ ، يَحسوه، حَسْواً: تَناوَلَه بمنقاره. و ارتَغَى الرَّغوةَ : شَرِبَها؛ و في المَثَل: «يُسِرُّ حَسْواً في ارتغاءٍ » يُضرَبُ لمَن يُظهِرُ أمراً و يريد خلافه.

14) . ما بين المعقوفين من نسخةٍ من نسخ التلخيص. و مَشَّ فلاناً، يَمُشُّه، مَشّاً: عاداه و خاصَمَه.

15) . في «د»: «و بصير». و في شرح النهج: «و نحن نصبر».

16) . في «د»: «حدّ». و حَزَّه، يَحُزُّه، حَزّاً: قطعه. و المُدىٰ : جمعُ «المُدْية» و هي السكّين الكبيرة. راجع: لسان العرب، ج 5، ص 334 (حزز)، و ج 15، ص 273 (مدى).

[و وَخْزِ السِّنانِ في الحَشا](1)و أنتم الآنَ تَزعُمونَ أن لا إرثَ لنا، أَ فَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ تَبْغُونَ؟ (وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّٰهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ‌)(2). في «د»: «تلقاكها».(3).

يا ابنَ أَبي قُحافةَ‌، أتَرِثُ أباكَ و لا أَرِثُ أَبي‌؟! لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً فَرِيّاً(4)، فدونَكَها مَخطومةً مَرحولةً‌(5)، تَلقاكَ‌(5) يَومَ حَشرِكَ‌، فنِعمَ الحَكَمُ‌(6)اللّٰهُ‌، و الزَّعيمُ مُحمّدٌ(7)، و المَوعِدُ القِيامةُ‌، و عندَ الساعةِ يَخسَرُ المُبطِلونَ‌(8)، و (لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَ سَوْفَ تَعْلَمُونَ‌)(9)».

ثُمّ انكَبَّت(10)علىٰ (11)قَبرِ أبيها فقالَت:

«قد كانَ بَعدَكَ أنباءٌ و هَنبَثَةٌ *** لَو كُنتَ شاهِدَها لَم تَكثُرِ الخُطُبُ‌(12)


1) . ما بين المعقوفين من التلخيص. و الوَخْزُ: طعنٌ ليس بنافذ. لسان العرب، ج 5، ص 428 (وخز).

2) . المائدة

3) :50.

4) . إشارة إلى الآية 27 من سورة مريم (19).

5) . خَطَمَ الجَمَلَ‌، يَخطِمُه، خَطْماً: جَعَلَ علىٰ أنفِه خِطاماً؛ أي زِماماً؛ ليُقادَ به. و رَحَلَ البَعيرَ، يَرحَلُه، رَحْلاً و رِحلةً‌: جَعَلَ عليه الرحلَ‌؛ فهو مرحولٌ‌، و رَحيلٌ‌. و الرحل للناقة كالسرج للفرس. راجع: لسان العرب، ج 12، ص 187 (خطم)؛ و ج 11، ص 276 (رحل).

6) . في «د»: «الحاكم».

7) . في «د» و التلخيص: + «صلّى اللّٰه عليه و آله».

8) . هذه إشارة إلى الآية 27 من سورة الجاثية (45)، و هي: (وَ يَوْمَ تَقُومُ السّٰاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ‌).

9) . الأنعام (6):67. و في «ج، ص، ف» و شرح النهج: - (لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَ سَوْفَ تَعْلَمُونَ‌). و في التلخيص: + (مَنْ يَأْتِيهِ عَذٰابٌ يُخْزِيهِ وَ يَحِلُّ عَلَيْهِ عَذٰابٌ مُقِيمٌ‌).

10) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و التلخيص: «انكفّت». و في المطبوع و شرح النهج: «انكفأت». و انكَبَّ على الشيءِ‌: أقبَلَ عليه و لَزِمَه و شُغِلَ به. لسان العرب، ج 1، ص 695 (كبب).

11) . في «ج، ص، ف» و التلخيص و الحجري و المطبوع و شرح النهج: «إلى».

12) . الهَنبَثةُ : الداهيةُ ، و كلُّ أمرٍ شديدٍ يؤلِمُ النفسَ . و الخُطُب؛ مخفَّفُ «الخُطوب»: جمع «الخَطْب»، و المراد به هنا: الأمرُ الشديدُ يَكثُرُ فيه التخاطُبُ . راجع: تاج العروس، ج 3، ص 280 (هنبث)؛ و ج 1، ص 467 (خطب).

إنّا فَقَدناكَ فَقدَ الأرضِ وابِلَها *** و اختَلَّ قَومُكَ فَاشهَدهُم و لا تَغِبُ ».(1)

و رَوىٰ حَرَميُّ بنُ أبي العَلاءِ (2)مع هذَينِ البَيتَينِ بَيتاً ثالثاً، و هو:

فلَيتَ قَبلَكَ كانَ المَوتُ صادَفَنا *** لمّا قَضَيتَ و حالَت دونَكَ الكُثُبُ (3)

قالَ‌(4): فحَمِدَ اللّٰهَ أبو بَكرٍ و أَثنىٰ عليه،(5)........................


1) . في نسخة من التلخيص و بعض المصادر: «و اختلّ قومك لمّا غِبتَ و انقلبوا» و هو الموافق للسياق و لقافية الشعر. و في التلخيص: «فاشهدهم فقد نكبوا». و البيتان من قصيدة في رثاء رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله، نسبت إلى هند بنت أثاثة بن عبّاد بن المطّلب في الطبقات الكبرىٰ ، ج 2، ص 333، و شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 16، ص 212، و السقيفة و فدك، ص 99، و كشف الغمّة، ج 2، ص 489. و نسبت إلى صفيّة بنت عبد المطّلب في دلائل الإمامة، ص 118.

2) . هكذا في «د» و شرح النهج و بعض المصادر. و في سائر النسخ: «جرميّ بن العلاء». و في الحجري و المطبوع: «جرميّ بن أبي العلاء». و في التلخيص: «جرير بن أبي العلاء». و الرجل هو: أحمد بن محمّد بن إسحاق بن إبراهيم ابن أبي خميصة، أبو عبد اللّٰه المكّي، و يعرف بحرمي بن أبي العلاء. سكن بغداد و كان كاتب أبي عمر محمّد بن يوسف القاضي. و حدّث عن الزبير بن بكار، و عن محمّد بن عبد الرحمن المقرئ، و يحيى بن المغيرة المديني، و عبد اللّٰه بن هاشم الطوسي، و محمّد بن عزيز الأيلي. و روى عنه محمّد بن جعفر، و أبو عمر بن حيّويه، و محمّد بن عبيد اللّٰه، و أبو حفص بن شاهين. و كان ثقةً ، يُرغب في خطّه لضبطه و كان أخباريّاً. مات في جمادى الآخرة من سنة سبع عشرة و ثلاثمائة. الفهرست لابن النديم، ص 120؛ تاريخ بغداد، ج 5، ص 156، الرقم 2593؛ معجم الأُدباء، ج 1، ص 462، الرقم 156؛ الوافي بالوفيات، ج 8، ص 9، الرقم 3414.

3) . في «د» و شرح النهج: «الكتب». و في رواية: «التُّرُبُ » و هي الأقرب. و الكُثب، جمع «الكَثيب» و هو من الرمل ما اجتمع. راجع: لسان العرب، ج 1، ص 702 (كثب).

4) . لعلّ القائل هو حرمي بن أبي العلاء المتقدّم آنفاً. و هكذا في المورد القادم عند قوله: «قال: فلمّا وصل الأمر إلىٰ علي...». كما يحتمل أنّ القائل هو عروة بن الزبير الذي تقدّم أنّه روى الخطبة عن عائشة.

5) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: - «و أثنىٰ عليه». و في «ب، ج، ص، ف»: «فحمد أبو بكر اللّٰهَ » بدل «فحمد اللّٰهَ أبو بكر».

و صَلّىٰ علىٰ مُحمّدٍ و آلِه(1)، و قالَ‌: يا خَيرَ النساءِ و ابنَةَ خَيرِ الأنبياءِ‌، وَ اللّٰهِ ما عَدَوتُ رأيَ رَسولِ اللّٰهِ‌(2)، و لا عَمِلتُ إلّابإذنِه، و إنّ الرائدَ لا يَكذِبُ أهلَه، و إنّي أُشهِدُ اللّٰهَ (وَ كَفىٰ بِاللّٰهِ شَهِيداً)(3). هكذا في شرح النهج. و في النسخ و الحجري و التلخيص: + «صلّى اللّٰه عليه و آله». و في المطبوع: + «صلّى اللّٰه عليه و سلّم».(4)، أنّي سَمِعتُ رسولَ اللّٰهِ‌(4) يَقولُ‌: «إنّا مَعاشِرَ الأنبياءِ لا نورَثُ ذَهَباً و لا فِضّةً‌، و لا داراً و لا عَقاراً، و إنّما نورَثُ الكتابَ و الحِكمةَ‌، و العِلمَ و النبوّةَ‌».

قالَ‌: فلمّا وَصَلَ الأمرُ إلىٰ عليِّ بنِ أبي طالبٍ عليه السلامُ كُلِّمَ في رَدِّ فَدَكَ‌، فقالَ‌:

«إنّي لَأَستَحْيِي مِن اللّٰهِ أن أرُدَّ شَيئاً مَنَعَ منه أبو بَكرٍ و أمضاه عُمَرُ».(5)

و أخبَرَنا(6)أبو عُبَيدِ اللّٰهِ المَرزُبانيُّ‌(7)، قالَ :...


1) . في «ب، د، ف»: «و صلّى علىٰ محمّد صلّى اللّٰه عليه و آله». و في «ج»: + «صلّى اللّٰه عليه وآله». و في شرح النهج: «و صلّى علىٰ رسوله صلّى اللّٰه عليه و سلّم».

2) . هكذا في «ص». و في سائر النسخ و الحجري و التلخيص: + «صلّى اللّٰه عليه و آله». و في المطبوع و شرح النهج: + «صلّى اللّٰه عليه و سلّم».

3) . النساء

4) :79، 166؛ الفتح (48):28. و في «د»: «و كَفىٰ به شَهيداً».

5) . في عيون أخبار الرضا عليه السلام: أحمد بن الحسن القطّان، عن أحمد الهمداني، عن عليّ بن الحسن بن فضّال، عن أبيه، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: سألته عن أمير المؤمنين عليه السلام لِمَ لم يسترجع فدك لمّا وَلِيَ أمر الناس ؟ فقال: «لأنّا أهل بيت إذا ولّانا اللّٰه عزّ و جلّ لا يأخذ لنا حقوقنا ممن ظلمنا إلّاهو، و نحن أولياء المؤمنين إنّما نحكم لهم و نأخذ حقوقهم ممّن يظلمهم، و لا نأخذ لأنفسنا». عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 2، ص 86، ح 31؛ و عنه في بحار الأنوار، ج 29، ص 396، ح 3.

6) . الظاهر أنّ المصنّف رحمه اللّٰه ينقل هنا مسندة إلىٰ كتاب بلاغات النساء لابن طيفور، فإنّ ماسوف يأتي منقول بعينه في هذا الكتاب.

7) . هكذا في «ب، ف» و حاشية «ج». و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: «عبد اللّٰه» بدل «عبيد اللّٰه». و في التلخيص: «و أخبرنا جماعة عن أبي عبيد اللّٰه ابن المرزبانيّ ».

حدَّثَني عليُّ بنُ هارونَ‌،(1)قالَ‌: أخبَرَني عُبَيدُ اللّهِ‌(2)بنُ أحمَدَ بنِ أبي طاهرٍ(3)، عن أبيه(4)، قالَ‌: ذَكرتُ لأبي الحُسَينِ زَيدِ بنِ‌(5)عليِّ بنِ الحُسَينِ بنِ زَيدِ بنِ عليٍّ‌(6)كلامَ فاطمةَ عليها السلامُ عندَ مَنعِ أبي بَكرٍ إيّاها فَدَكَ ، و قُلتُ له: إنّ هؤلاءِ يَزعُمونَ أنّه


1) . عليّ بن هارون بن عليّ بن يحيى بن أبي منصور المنجّم: كان أخباريّاً أديباً شاعراً متكلّماً. حدّث عن بشر بن موسىٰ ، و محمّد بن العبّاس اليزيدي، و روىٰ عنه ابنه أحمد، و الحسن بن الحسين النوبختي، و أبو عبيد اللّٰه المرزباني. له كتب منها: شهر رمضان، و الردّ على الخليل في العروض، و النوروز و المهرجان. توفّي ببغداد سنة 352 ه‍. تاريخ بغداد، ج 12، ص 119؛ الأعلام، ج 5، ص 30.

2) . هكذا في «ب، ص» و التلخيص و شرح النهج و بعض المصادر المعتبرة. و في سائر النسخ و المطبوع: «عبد اللّٰه».

3) . عبيد اللّه بن أحمد بن أبى طاهر، أبو الحسين؛ مروروذي الأصل، روىٰ عن أبيه كتابه في أخبار بغداد و زادَ عليه. حدّث عنه عليّ بن هارون المنجّم، و أبو عمر بن حيّويه. توفّي سنة 313 ه‍. تاريخ بغداد، ج 10، ص 346؛ الفهرست لابن النديم، ص 164.

4) . هو أحمد بن أبي طاهر، أبو الفضل الكاتب، و اسم أبي طاهر طيفور؛ مروروذي الأصل، كان أحد البلغاء الشعراء الرواة، و من أهل الفهم المذكورين بالعلم. له كتاب بغداد، المصنّف في أخبار الخلفاء و أيّامهم، و كتاب بلاغات النساء. حدّث عن عمر بن شبة، و أحمد بن الهيثم السامي، و روىٰ عنه ابنه عبيد اللّٰه، و محمّد بن خلف بن المرزبان. توفّي سنة 280 ه‍. تاريخ بغداد، ج 4، ص 433؛ الفهرست لابن النديم، ص 163؛ الأعلام، ج 1، ص 141.

5) . في المطبوع بين معقوفين: + «عليّ بن الحسين بن زيد بن». و في هامشه: «التصحيح بين المعقوفين عن المخطوطة، و المراد به زيد الأصغر و هو من أصحاب الإمام علي بن محمد الهادي عليه السلام؛ إذ لا يعقل تأخّر زيد الشهيد من أبي العيناء. انظر: تهذيب التهذيب، ج 3، ص 420؛ الإرشاد للمفيد، ص 332».

6) . في التلخيص و شرح النهج: «لأبي الحسين زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب». و في شرح النهج: + «عليه السلام». و زيد بن عليّ بن الحسين بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام، أبوالحسين، هو زيد الأصغر، روى عن عيسى بن عبد اللّٰه بن محمّد بن عمر بن عليّ ، و روىٰ عنه الفضل بن جعفر بن أبي طالب. تهذيب التهذيب، ج 3، ص 420، الرقم 770؛ تنقيح المقال، ج 29، ص 234، الرقم 271؛ أعيان الشيعة، ج 7، ص 107.

مصنوعٌ‌،(1)و أنّه مِن(2)كلامِ أبي العَيناءِ‌؛ لأنّ الكلامَ مُستَوفٍ‌(3)البلاغةَ‌.

فقالَ لي: رأَيتُ مَشايِخَ آلِ أبي طالبٍ يَرْوونَه عن آبائهم، و يُعلِّمونَه أبناءَهم،(4)

و قد حَدَّثَني به أبي عن جَدّي يَبلُغُ به فاطمةَ عليها السلامُ علىٰ هذه الحكايةِ‌، و رَواه مَشايِخُ الشيعةِ و تَدارَسوه بَينَهم قَبلَ أن يولَدَ جَدُّ(5)أبي العَيناءِ‌، و قد حَدَّثَ الحُسَينُ بنُ عُلْوانَ‌(6)عن عَطيّةَ العَوْفيِّ‌(7)أنّه سَمِعَ عبدَ اللّٰهِ بنَ الحَسَنِ (8)


1) . في التلخيص: «موضوع».

2) . في المطبوع: - «من».

3) . هكذا في «ب، د». و في سائر النسخ و المطبوع و التلخيص و شرح النهج: «منسوق».

4) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: «أولادهم».

5) . في «د»: «و تدرّسوه بينهم قبل أن يولد جدّي». و في شرح النهج: «و تدارسوه قبل أن يوجد جدّ».

6) . الحسين بن علوان الكلبي، أبو عليّ ، كوفي الأصل، سكن بغداد، له كتاب. الفهرست للطوسي، ص 141، الرقم 206، تاريخ بغداد، ج 8، ص 61، الرقم 4138؛ تنقيح المقال، ج 22، ص 254، الرقم 6278.

7) . عطيّة بن سعد بن جنادة العوفي الكوفي من جديلة قيس، و يكنّى أبا الحسن. ولد في أيّام عليّ عليه السلام، وخرج مع ابن الأشعث، فكتب الحجّاج إلى محمّد بن القاسم الثقفي: ادع عطيّة، فإن سبَّ عليّ بن أبي طالب، و إلّافاضربه أربعمائة سوط و احلق رأسه و لحيته، فاستدعاه؛ فأبى أن يسبّ ، فأمضى حكم الحجّاج فيه، ثمّ خرج إلى خراسان فلم يزل بها إلى أن توفّي. روى عن ابن عبّاس و أبي هريرة، و كانت وفاته سنة إحدى عشرة و مائة. تهذيب التهذيب، ج 7، ص 224-226؛ الطبقات الكبرىٰ ، ج 6، ص 305، الرقم 2375؛ طبقات المفسّرين، ص 13، الرقم 20؛ قلادة النحر، ج 2، ص 40، الرقم 2375.

8) . عبد اللّٰه بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب، من أهل المدينة، روى عن أبيه و أُمّه فاطمة بنت الحسين، وعبد اللّٰه بن جعفر، و أبي بكر بن محمّد، و الأعرج. و روى عنه عبد الرحمن بن أبي الموالي، و سفيان الثوري، و ابن عليّة، و ليث بن أبي سليم. و وفد على سليمان بن عبد الملك، و على عمر بن عبد العزيز، و على هشام بن عبد الملك، و قدم مع جماعة من الطالبيين على أبي العبّاس السفّاح و هو بالأنبار، ثمّ رجعوا إلى المدينة، فلمّا ولي المنصور حبس عبد اللّٰه بالمدينة لأجل ابنيه محمّد و إبراهيم عدّة سنين، ثم نقله إلى الكوفة فحبسه بها

ذَكَرَ عن أبيه هذا.(1)

ثُمّ قالَ أبو الحُسَينِ : و كَيفَ يُنكَرُ(2)هذا(3)مِن كلامِ فاطمةَ عليها السلامُ و هُم يَروونَ مِن كلامِ عائشةَ عندَ مَوتِ أبيها ما هو أعجَبُ مِن كلامِ فاطمةَ عليها السلامُ (4)فيُحقِّقونَه، لَو لا عَداوتُهم لنا أهلَ البَيتِ؟

ثُمّ ذَكَرَ الحَديثَ بِطولِه علىٰ نَسَقِه، و زادَ في الأبياتِ بَعدَ البَيتَينِ الأوّلَينِ :

ضاقَت علَيَّ بِلادي بَعدَ ما رَحُبَت *** و سيمَ سِبطاكَ خَسفاً، فيه لي نَصَبُ (5)

فلَيتَ قَبلَكَ كانَ المَوتُ صادَفَنا *** قومٌ تَمنَّوا، فأُعطوا كُلَّ ما طَلَبوا

تَجَهَّمَتنا(6)رجالٌ ، و استُخِفَّ بِنا *** مُذ غِبتَ عنّا و كُلَّ الإرثِ (7)قد غَصَبوا(8)

قالَ‌: فما رَأَينا(9)يَوماً كانَ أكثَرَ باكياً و باكيةً مِن ذلكَ اليومِ .(10)

حتّى مات. الأغاني، ج 21، ص 78، الرقم 9؛ مقاتل الطالبيّين، ص 166، رقم 16؛ تاريخ بغداد، ج 9، ص 438، الرقم 5049؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 27، ص 364، الرقم 3242.


1) . في التلخيص: «يذكره عن أبيه». و في شرح النهج: «يذكر عن أبيه هذا الكلام».

2) . في التلخيص: «يذكر». و في شرح النهج: «تنكرون».

3) . في المطبوع: «من هذا».

4) . و ذلك حينما قامت على قبره بعد دفنه و قالت: «نضّر اللّٰه يا أبت وجهك و شكر لك صالح سعيك، فلقد كنت للدنيا مذلاًّ بإدبارك عنها، و للآخرة معزّاً بإقبالك عليها» إلى آخره. بلاغات النساء، ص 10.

5) . في شرح النهج: «و سُمَّ » بدل «و سيم». و في التلخيص: «سبطك» بدل «سبطاك». و يقال: سامَ فلاناً الخَسْفَ ، و سامَه خَسْفاً: أَولاه ذُلاًّ. راجع: لسان العرب، ج 9، ص 68 (خسف).

6) . تَجهَّمَه و جَهَمَه و جَهِمَه: استَقبَلَه بوجهٍ كريهٍ . راجع: لسان العرب، ج 12، ص 110 (جهم).

7) . في «د»: «الأرض».

8) . هذه الأبيات غير موجودة في المطبوع من بلاغات النساء، و لعلّ ذلك يرجع إلى اختلاف النسخ.

9) . في «ص» و الحجري و المطبوع: «فما رأيت».

10) . بلاغات النساء، ص 23-26.

و قد رُويَ هذا الكلامُ علىٰ هذا الوجهِ مِن طُرُقٍ مُختَلِفةٍ و وجوهٍ كَثيرةٍ ؛ فمَن أرادَها أخَذَها مِن مَواضِعِها(1)، فقَد طَوَّلنا بذِكرِ(2)ما ذَكرناه منها لِحاجةٍ مَسَّت إليه؛ فكَيفَ يُدَّعىٰ أنّها عليها السلام كَفَّت راضيةً ، و أمسَكَت قانعةً ، لَو لا البَهْتُ و قِلّةُ الحَياءِ؟

نفي جواز أن لا يبيّن الرسول صلى الله عليه و آله لورثته أنّه لا حقّ لهم في ميراثه، و يبيّن ذلك لغيرهم

فأمّا قولُه: «إنّه يَجوزُ أن يُبيِّنَ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه أنّه لا حَقَّ في ميراثِه لوَرَثتهِ‌، لغَيرِ الوَرَثةِ‌. و لا يَمتَنِعُ أن يَرِدَ مِن جِهةِ الآحادِ؛ لأنّه مِن بابِ العملِ » فكُلُّ هذا بِناءٌ منه علىٰ أُصولِه الفاسدةِ في أنّ خبرَ الواحدِ حُجَّةٌ في الشرعِ و أنّ العملَ به واجبٌ ؛ و دونَ صِحّةِ ذلكَ خَرطُ القَتادِ.(3)

و إنّما يَجوزُ أن يُبيِّنَ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه مِن جِهةٍ دونَ جِهةٍ إذا تَساويا في الحُجّةِ و وقوعِ العِلمِ ، فأمّا مع تَبايُنِهما فلا يَجوزُ التخييرُ فيهما. و إذا كانَ وَرَثةُ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه مُتَعبَّدينَ بأن لا يَرِثوه، فلا بُدَّ مِن إزاحةِ عِلّتِهم في هذه العبادةِ بأن يوقِفَهم علَى الحُكمِ بعَينِه و يُشافِهَهم به، أو بأن(4)يُلقيَه إلىٰ مَن تَقومُ (5)الحُجّةُ عليهم بنَقلِه. و كُلُّ ذلكَ لَم يَكُن.


1) . تفسير القمّي، ج 2، ص 155-157، ذيل الآية 38 من سورة الروم (30)؛ الأمالي للمفيد، ص 40-41، المجلس 5، ح 8؛ السقيفة و فدك، ص 137-144؛ كشف الغمّة، ج 1، ص 480-489، مع اختلاف يسير.

2) . في «ص»: «بذكرها». و في «ج، ف» و الحجري و المطبوع: «بذكرنا».

3) . راجع: رسائل الشريف المرتضىٰ (المسائل التبّانيّات)، ج 1، ص 21 و ما بعدها؛ الذريعة إلىٰ أُصول الشريعة، ج 2، ص 528 و ما بعدها.

4) . في «ب، ج، ص، ف» و شرح النهج: - «بأن».

5) . في النسخ و الحجري: «يقوم». و في شرح النهج: «يقيم». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و التلخيص.

فأمّا قولُه: «أ(1)تُجوِّزونَ صِدقَه في الروايةِ ، أم لا تُجوِّزونَ ذلكَ؟»

فالجوابُ : أنّا لا نُجوِّزُه؛ لأنّ كتابَ اللّٰهِ (2)أصدَقُ منه، و هو يَدفَعُ روايتَه و يُبطِلُها.

دلالة إطلاق لفظ «الميراث» علىٰ ميراث الأموال

فأمّا اعتراضُه علىٰ قَولِنا: إنّ إطلاقَ «الميراثِ‌» لا يَكونُ إلّافي الأموالِ ، بقَولِه تَعالىٰ : (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتٰابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنٰا مِنْ عِبٰادِنٰا)(3)و قولِهم: «ما وَرِثَت الأبناءُ عن(4)الآباءِ شَيئاً أفضَلَ مِن أدَبٍ حَسَنٍ »، و قولِهم:

«العلماءُ وَرَثةُ الأنبياءِ ».

فعجيبٌ‌؛ لأنّ كُلَّ ما ذَكرَه(5)مُقيَّدٌ غيرُ مُطلَقٍ‌، و إنّما قُلنا: إنّ إطلاقَ (6)لفظِ

«الميراثِ » مِن غيرِ قَرينةٍ و لا تقييدٍ يُفيدُ(7)بظاهرِه ميراثَ الأموالِ ؛ فبُعدُ ما ذَكرَه و عارَضَ به لا يَخفىٰ علىٰ مُتأمِّلٍ .

بطلان ما استدلّ به القاضي علىٰ أنّ سليمان ورث العلم دون المال

فأمّا استدلالُه علىٰ أنّ سُلَيمانَ وَرِثَ داودَ عِلمَه، دونَ مالِه، بقَولِه: (يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ عُلِّمْنٰا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَ أُوتِينٰا مِنْ كُلِّ شَيْ ءٍ إِنَّ هٰذٰا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ )(8)و أنّ (9)المُرادَ أنّه


1) . في «ب» و التلخيص و المطبوع: - «أ».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: + «تعالىٰ ».

3) . فاطر (35):32.

4) . في «د»: «الأنبياء» بدل «الأبناء». و في «ب، ج، ص، ف» و الحجري و المطبوع و شرح النهج: «من» بدل «عن».

5) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: «ذكر».

6) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: «مطلق».

7) . في «د»: - «يفيد».

8) . النمل (27):16.

9) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «و إنّما».

وَرِثَ العِلمَ و الفَضلَ ، و إلّالَم يَكُن لهذا القولِ تَعلُّقٌ بالأوّلِ .(1)

فلَيسَ بشَيءٍ‌ يُعوَّلُ عليه؛ لأنّه لا يَمتَنِعُ أن يُريدَ أنّه وَرِثَ المالَ بالظاهرِ، و العِلمَ بهذا المعنىٰ مِن الاستدلالِ‌(2)فلَيسَ يَجِبُ إذا دَلَّت(3)الدلالةُ في بعضِ الألفاظِ علىٰ معنَى المَجازِ، أنَ يقتَصِرَ(4)بها عليه؛ بَل يَجِبُ أن يَحمِلَها(5)علَى الحقيقةِ التي هي الأصلُ إذا لَم يَمنَعْ مِن ذلكَ مانعٌ‌.

علىٰ أنّه لا يَمتَنِعُ أن يُريدَ ميراثَ المالِ خاصّةً‌، ثُمّ يَقولَ‌(6): إنّا مع ذلكَ (عُلِّمْنٰا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَ أُوتِينٰا مِنْ كُلِّ شَيْ‌ءٍ‌)(7)، و يُشيرَ بذلكَ الفَضلِ‌(8)المُبينِ إلَى العِلمِ و المالِ جميعاً؛ فله بالأمرَينِ جميعاً فَضلٌ علىٰ مَن لَم يَكُن عليهما.

و قولُه: (وَ أُوتِينٰا مِنْ كُلِّ شَيْ‌ءٍ‌) يَحتَمِلُ المالَ كما يَحتَمِلُ العِلمَ ، فلَيسَ بخالصٍ لِما ظَنَّه.(9)


1) . و هو قوله تعالى الدالّ علىٰ وراثة سليمان داود، فقد جاء في الذكر الحكيم: (وَ وَرِثَ سُلَيْمٰانُ دٰاوُدَ وَ قٰالَ يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ عُلِّمْنٰا مَنْطِقَ الطَّيْرِ...).

2) . في التلخيص: «لا يمتنع أن يريد بالظاهر ميراث المال، و بهذا الضرب من الاستدلال: العلمَ . و لا تنافي بينهما». و المراد بالظاهر ظاهر لفظ الميراث في قوله تعالىٰ : (وَ وَرِثَ ). و المراد بالاستدلال ذيلُ الآية، و هو قوله تعالى: (يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ عُلِّمْنٰا مَنْطِقَ الطَّيْرِ).

3) . في الحجري و المطبوع: «دلّتنا».

4) . في الحجري و المطبوع: «أن نقتصر».

5) . في الحجري و المطبوع: «نحملها».

6) . في «د»: «ثمّ يقال».

7) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و الحجري و المطبوع و شرح النهج: - «و أُوتينامِن كلِّ شيء».

8) . هكذا في «د». و في التلخيص: «بذكر الفضل». و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: «بالفضل».

9) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: «ما» بدل «لما».

جواز اهتمام الأنبياء عليهم السلام بالأموال

فأمّا قولُه في قِصّةِ زَكَريّا عليه السلامُ‌(1): «إنّه خافَ علَى العِلمِ أن يَندَرِسَ‌؛ لأنّ الأنبياءَ لا تَحرِصُ‌(2)علَى الأموالِ‌، و إنّما خافَ أن يَضيعَ العِلمُ‌، فسَألَ اللّٰهَ تَعالىٰ وَليّاً يَقومُ بالدينِ مَقامَه».

فقد بيّنّا أنّ الأنبياءَ عليهم السلامُ و إن كانوا لا يَحرِصونَ علَى الأموالِ و لا يَبخَلونَ بها، فإنّهم يَجتَهِدونَ في مَنعِ المُفسِدينَ مِن الاستعانةِ بها علَى الفَسادِ، و لا يُعَدُّ ذلكَ حِرصاً و لا بُخلاً(3)، بَل فَضلاً و ديناً. و لَيسَ يَجوزُ مِن زَكَريّا عليه السلامُ أن يَخافَ علَى العِلمِ أن يَندَرِسَ و يَضيعَ‌(4)لأنّه يَعلَمُ أنّ حِكمةَ اللّٰهِ تَعالىٰ‌

تَقتَضي حِفظَ العِلمِ ، الذي هو الحُجّةُ علَى العبادِ، و به تَنزاحُ (5)عِلَلُهم(6)في مَصالِحِهم؛ فكَيفَ يَخافُ ما لا يُخافُ مِن مِثلهِ؟

بيان انصراف خوف الأنبياء عليهم السلام إلى الخوف من مَضارّ الدين دون الدنيا

فإن قيلَ : فهَبوا أنّ الأمرَ علىٰ ما ذَكرتم مِن أنّ زَكَريّا كانَ يأمَنُ علَى العِلمِ أن يَندَرِسَ ، أ لَيسَ لا بُدَّ أن يَكونَ مُجوِّزاً لِأن يَحفَظَه اللّٰهُ تَعالىٰ بمَن هو مِن أهلِه


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: - «عليه السلام». و هكذا في الموارد الآتية.

2) . في شرح النهج: «و إن كانوا لا يحرصون».

3) . في شرح النهج: «فإنّهم يجتهدون في منع المفسدين من الانتفاع بها على الفساد، و لا يُعدّذلك بخلاً و لا حرصاً».

4) . في شرح النهج: «أن يخاف على العلم الاندراس و الضياع».

5) . في «د»: «تزاخ». و في «ص»: «تزاح». و انزاحَ : زالَ .

6) . في المطبوع: «علّتهم».

و أقارِبِه، كما يُجوِّزُ حِفظَه(1)بغَريبٍ أجنَبيٍّ منه(2)؟ فما أنكَرتم(3)أن يَكونَ خَوفُه إنّما كانَ‌(4)مِن بَني عَمِّه أن لا يَتعلَّموا العِلمَ‌، و لا يَقوموا فيه مَقامَه، فسَألَ اللّٰهَ تَعالىٰ وَلَداً تَجتَمِعُ (5)فيه هذه العلومُ حتّىٰ لا يَخرُجَ العِلمُ عن بَيتِه، و يَتعدّاه(6)إلىٰ غَيرِ قومِه، فتَلحَقَه(7)بذلكَ وَصمةٌ .(8)

قُلنا: أمّا إذا رُتِّبَ السؤالُ هذا الترتيبَ‌، فالجوابُ عنه غَيرُ(9)ما أجَبنا به(10)صاحبَ الكتابِ‌، و هو أنّ الخَوفَ الذي أشاروا إليه لَيسَ مِن ضَرَرٍ دينيٍّ‌، و إنّما هو مِن ضَرَرٍ دُنيَويٍّ‌(11)، و الأنبياءُ عليهم السلامُ إنّما بُعِثوا لتَحمُّلِ المَضارِّ الدُّنيَويّةِ‌(12)، و مَنازِلُهم في الثوابِ إنّما زادَت علىٰ كُلِّ المَنازلِ لهذا الوجهِ‌. و مَن كانَت حالُه هذه الحالَ فالظاهرُ مِن خَوفِه - إذا لَم يُعلَمْ وجهُه بعَينِه - أن يَكونَ محمولاً علىٰ مَضارِّ الدينِ‌؛ لأنّها هي جِهةُ خَوفِهم، و الغرضُ في بِعثتِهم تَحمُّلُ ما سِواها مِن المَضارِّ. فإذا قالَ


1) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع و التلخيص: «أن يحفظه».

2) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: - «منه».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «فهو يجوز» بدل «فما أنكرتم».

4) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: - «إنّما كان».

5) . هكذا في التلخيص. و في «د»: «يجتمع». و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: «يجمع».

6) . هكذا في التلخيص. و في جميع النُّسخ و الحجري و المطبوع و شرح النهج: «و يتعدّى»، و تَعدَّى الشيءَ : جاوَزَه.

7) . هكذا في التلخيص. و في «ب، ص»: «فلحقه». و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: «فيلحقه».

8) . الوصمُ : العيب يكون في الإنسان و في كلّ شيء. لسان العرب، ج 12، ص 639 (وصم).

9) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: - «غير».

10) . في «د»: - «به».

11) . في «ب، ج، ص، ف» و الحجري و شرح النهج: «دنياويّ ».

12) . في «ب» و شرح النهج: «الدنياويّة».

النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه: «أنا خائفٌ‌» و لَم نَعلَمْ‌(1)جِهةَ خَوفِه علَى التفصيلِ‌، يَجِبُ أن نَصرِفَ (2)خَوفَه بالظاهرِ إلىٰ مَضارِّ الدينِ دونَ الدنيا؛ لأنّ أحوالَهم و بِعثتَهم(3)تَقتَضي(4)ذلك.

و إذا(5)كُنّا لَو اعتَدنا مِن بعضِنا الزهدَ في الدنيا و أسبابِها، و التعفُّفَ عن مَنافِعِها، و الرغبةَ في الآخِرةِ ، و التفرُّدَ(6)بالعملِ لها، لَكُنّا نَحمِلُ ما يَظهَرُ لنا مِن خَوفِه، الذي لا نَعلَمُ (7)وجهَه بعَينِه، علىٰ ما هو أشبَهُ و أليَقُ بحالِه، و نُضيفُه إلَى الآخِرةِ دونَ الدنيا. و إذا كانَ هذا واجباً فيمَن(8)ذَكرناه، فهو في الأنبياءِ عليهم السلامُ أَوجَبُ .

بيان أنّ وَلَد زكريّا يرث من آل يعقوب أموالَهم

فأمّا تَعلُّقُ صاحبِ الكتابِ (9)في أنّ الميراثَ محمولٌ علَى العِلمِ بقَولِه: «(وَ يَرِثُ

مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) [يَدُلُّ علىٰ أنّ المرادَ العِلمُ و الحِكمةُ ](10)لأنّه لا يَرِثُ أموالَ آلِ (11)


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و لم يعلم». و في شرح النهج: «فلم يعلم».

2) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع و التلخيص و شرح النهج: «أن يصرف».

3) . في المطبوع و شرح النهج: «و بعثهم».

4) . هكذا في التلخيص و المطبوع. و في «ب» الكلمة غير منقوطة. و في سائر النسخ و شرح النهج: «يقتضي».

5) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: «فإذا».

6) . في التلخيص: «و التعوّذ». و في حاشية شرح النهج: «و التعوّد».

7) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: «لا يعلم».

8) . هكذا في التلخيص و شرح النهج و المطبوع. و في «د»: «فيما». و في سائر النسخ و الحجري: «ممّن».

9) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «فأمّا قوله متعلّقاً».

10) . مابين المعقوفين قد تقدّم في عبارة المغني، و به يتمّ الكلام.

11) . في «د» و المطبوع: - «آل».

يَعقوبَ في الحقيقةِ‌، و إنّما يَرِثُ ذلكَ غيرُه» فبَعيدٌ مِن الصوابِ‌؛ لأنّ وَلَدَ زَكَريّا يَرِثُ بالقَرابةِ مِن آلِ يَعقوبَ أموالَهم. علىٰ أنّه لَم يَقُل: «يَرِثُ آلَ‌(1)يَعقوبَ‌» بَل قالَ‌:(2)(يَرِثُ (3)مِنْ آلِ يَعْقُوبَ )، مُنبِّهاً(4)بذلكَ علىٰ أنّه يَرِثُ مَن كانَ أحَقَّ بميراثِه بالقَرابةِ .

تحقيق معنىٰ : «ما تركناه صدقة»

فأمّا طَعنُه علىٰ مَن تأوَّلَ الخبرَ بأنّه عليه السلامُ‌(5)لا يورَثُ ما تَرَكَه للصدَقةِ بقَولِه: «إنّ أحداً مِن الصحابةِ لَم يتأوَّلْه علىٰ هذا الوجهِ‌» فهذا التأويلُ الذي ذَكَرَه(6)أحَدُ ما قالَه أصحابُنا في هذا الخبرِ؛ فمِن أينَ له إجماعُ الصحابةِ علىٰ خِلافِه، و أنّ أحَداً لَم يَتأوَّلْه علىٰ هذا الوجهِ؟!

فإن قالَ‌: لَو كانَ ذلكَ لَظَهَرَ و اشتَهَرَ(7)و لَوَقَفَ أبو بَكرٍ عليه، فقَد مضىٰ - مِن الكلامِ فيما يَمنَعُ مِن المُوافَقةِ (8)علىٰ هذا المعنىٰ (9)- ما فيه كِفايةٌ .

و قولُه: «ولأنّه(10)لا يَكونُ في ذلكَ تخصيصٌ للأنبياءِ و لا مَزيّةٌ‌» لَيسَ بصَحيحٍ ؛ و قد قيلَ في الجوابِ عن هذا: إنّه عليه السلامُ (11)يَجوزُ أن يُريدَ أنّ ما نَنوي(12)فيه


1) . في «د»: «أهل». و في «ص»: - «يرث». و في التلخيص: «و يرث».

2) . في «د»: + «تعالىٰ ».

3) . في «د» و التلخيص: - «يرث».

4) . في شرح النهج: «تنبيهاً».

5) . في «د»: «صلّى اللّٰه عليه و آله».

6) . في شرح النهج و المطبوع: «الذي ذكرناه». و في التلخيص: - «الذي ذكره».

7) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «و انتشر».

8) . في «ج، ف»: «المواقفة». و في «ص»: «المدافعة».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: - «علىٰ هذا المعنىٰ ».

10) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: «أنّه».

11) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «إنّه صلّى اللّٰه عليه و آله».

12) . في «د»: «ينوي». و في «ص» الكلمة غير منقوطة. و في الحجري و المطبوع: «تنوى».

الصدَقةَ و نُفرِدُه(1)لها، مِن غيرِ أن نُخرِجَه(2)عن(3)أيدِينا، لا يَنالُه(4)وَرَثتُنا. و هذا تخصيصٌ لهُم(5)و مَزيّةٌ ظاهرةٌ .

فأمّا قولُه: «إنّ قولَه: «ما تَرَكناه(6)صَدَقةٌ‌» جُملةٌ مِن الكلامِ مُستَقِلّةٌ بنَفسِها(7)، فلا وجهَ لِأن(8)تُجعَلَ‌(9)مِن تَمامِ الكلامِ الأوّلِ‌» فكلامٌ في غيرِ مَوضِعِه؛ لأنّها إنّما تَكونُ مُستَقِلّةً بنَفسِها(10)إذا كانَت لفظةُ «ما» مُبتدأةً مرفوعةً (11)، و لَم تَكُن منصوبةً بوقوعِ الفعلِ عليها، و كانَت لفظةُ «صَدَقة» أيضاً مرفوعةً غيرَ منصوبةٍ . و في هذا وَقَعَ النزاعُ ؛ فكَيفَ يَدَّعي أنّها جُملةٌ مُستَقِلّةٌ بنَفسِها و نَحنُ نُخالِفُه(12)في الإعرابِ الذي لا يَصِحُّ كَونُها مُستَقِلّةً (13)بنَفسِها(14)إلّامع تَقرُّرِه(15)؟


1) . في «ب، د»: «و يفرده». و في المطبوع: «و تفرّده».

2) . في «ب، د»: «يخرجه». و في الحجري و المطبوع: «تخرجه».

3) . في «ج»: «من».

4) . في «ب»: «لا نناله». و في «ص»: «لا يناوله». و في شرح النهج: «لا تناله».

5) . في شرح النهج: «للأنبياء».

6) . في «ب، د»: «ما تركنا».

7) . في «د» و الحجري و المطبوع: - «بنفسها».

8) . في المغني: «فلا وجه، إذا أمكن ذلك فيها، أن».

9) . في «د» و الحجري و المطبوع: «يجعل».

10) . من قوله: «فلا وجه لأن تجعل» إلى هنا ساقط من «ب، ج، ص، ف» و شرح النهج. و في «ج، ص، ف» و شرح النهج: + «فصحيح».

11) . في «ج، ص، ف» و المطبوع: «مبتدأ مرفوعة». و في شرح النهج: «مرفوعة على الابتداء».

12) . في «ج» و الحجري و المطبوع و التلخيص: «نخالف».

13) . في «ج» و الحجري و المطبوع و التلخيص: «لا يصحّ استقلالها».

14) . من قوله: «ونحن نخالفه» إلى هنا ساقط من «ب، ص».

15) . في «ب، ج، د» و الحجري و المطبوع و التلخيص و حاشية «ف»: «تغيّره». نعم، في حاشية «ج» ما أثبتناه.

و أقوىٰ ممّا ذَكَرَه أن يُقالَ‌(1): إنّ الروايةَ جاءَت في لفظةِ «صَدَقة»(2)بالرفعِ‌،

و علىٰ ما تأوَّلتُموه لا تَكونُ‌(3)إلّامنصوبةً‌.

و الجوابُ عن ذلكَ‌: أنّا لا نُسلِّمُ الروايةَ بالرفعِ ، و لَم تَجرِ(4)عادةُ الرُّواةِ بضَبطِ ما جَرىٰ هذا المَجرىٰ مِن إعرابٍ (5)، و الاشتباهُ يَقَعُ في مِثلِه؛ فمَن حَقَّقَ منهم و صَرَّحَ أنّ الروايةَ بالرفعِ ، يَجوزُ أن يَكونَ اشتَبَهَ عليه، فظَنَّها مرفوعةً و هي منصوبةٌ .

حقيقة دفع سيف رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و بغلته و عمامته و غير ذلك إلىٰ أمير المؤمنين عليه السلام

فأمّا حِكايتُه عن أبي عليٍّ أنّ أبا بَكرٍ لَم يَدفَعْ إلىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ السَّيفَ و البَغلةَ و العِمامةَ علىٰ جِهةِ‌(6)الإرثِ ، و قولُه: «و كَيفَ يَجوزُ ذلكَ مع الخبرِ الذي رَواه ؟ و كَيفَ خَصَّه(7)بذلكَ ، دونَ العَمِّ الذي هو العَصَبةُ »؟

فما نَراه زادَ علَى التعَجُّبِ‌، و ممّا عَجِبَ منه عَجِبنا، و لَم تَثبُتْ‌(8)عِصمةُ أبي بَكرٍ فيُنفىٰ (9)عن أفعالِه التناقُضُ .


1) . في «ب»: «و أقوى ما ذكرناه ما يقوله». و في «ج»: «و أقوى ما ذكروه ما يقوله». و في «ص، ف» و الحجري و المطبوع: «و أقوى ما ذكروه ما نقوله». و في شرح النهج: «ما يمكن أن نذكره أن نقول».

2) . في «ب، د، ص» و حاشيتَي «ج، ف»: «في لفظ صدقة». و في الحجري و المطبوع: «في لفظة الصدقة». و في شرح النهج: «بلفظ صدقة».

3) . في «ب، د» و حاشيتَي «ج، ف» و الحجري و المطبوع: «لا يكون».

4) . في «ج، د، ص، ف» و الحجري: «و لم يجر».

5) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: «من الإعراب».

6) . هكذا في «د» و شرح النهج و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «علىٰ سبيل».

7) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: «خصّصه».

8) . في «ب، د، ص» و الحجري و المطبوع و شرح النهج: «و لم يثبت».

9) . هكذا في «د». و في سائر النسخ: «فتُنفىٰ ». و في المطبوع: «فننفي». و في شرح النهج: «فينتفي».

و قولُه: «يَجوزُ أن يَكونَ النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه نَحَلَه(1)ذلكَ‌، و يَجوزُ أن يَكونَ أبوبَكرٍ رأىٰ مِن الصلاحِ أن يَكونَ‌(2)في يَدِه؛ لِما فيه مِن تقويةِ الدينِ‌، و تَصدَّقَ ببَدَلِه» فكُلُّ‌(3)ما ذَكَرَه جائزٌ، إلّاأنّه قد كانَ يَجِبُ أن يَظهَرَ أسبابُ النِّحلةِ و الشهادةُ بها و الحُجّةُ عليها، و لم يَظهَرْ مِن ذلكَ شَيءٌ فنَعرِفَه.

و مِن العَجائبِ أن تَدَّعيَ فاطمةُ عليها السلامُ فَدَكَ نِحلةً و تُشهِدَ(4)علىٰ قولِها أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ و غيرَه فلا يُصغىٰ‌(5)إلىٰ قولِها، و يُترَكَ السَّيفُ و البَغلةُ و العِمامةُ في يَدِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ علىٰ سَبيلِ النِّحلةِ بغَيرِ بَيِّنةٍ ظَهَرَت، و لا شَهادةٍ قامَت!

علىٰ أنّه كانَ يَجِبُ علىٰ أبي بَكرٍ أن يُبيِّنَ ذلكَ‌، و يَذكُرَ وجهَه بعَينِه أيَّ شَيءٍ‌

كانَ لمّا نازَعَ العبّاسُ فيه؛ فلا وقتَ لذِكرِ الوجهِ في ذلكَ (6)أَولىٰ مِن هذا الوقتِ .

و القولُ في البُردةِ و القَضيبِ - إن كانَ نِحلةً أو علَى الوجهِ الآخَرِ(7)- يَجري مَجرىٰ ما ذَكرناه في(8)وجوبِ الظهورِ و الاشتهارِ(9).


1) . أي نحل أميرَ المؤمنين عليه السلام.

2) . هكذا في «د». و من قوله: «النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله» إلىٰ هنا ساقط من سائر النسخ و الحجري. و في المطبوع و شرح النهج بدله: «النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله نحله إيّاه، فتركه أبو بكر».

3) . في «ص» و شرح النهج: «و كلّ ». و في «ب»: - «فكلّ ».

4) . في «ج، ص، ف»: «و يستشهد». و في «د» و الحجري و المطبوع و شرح النهج: «و تستشهد». و أشهَدَه علىٰ كذا: جَعَلَه يشهد عليه.

5) . في «ب، ج، ف» و الحجري و المطبوع: + «إليها و». و في «ص»: + «إليهما و».

6) . في «د»: - «في ذلك».

7) . النِّحلة: العطيّة. و المراد بالوجه الآخر - على ما يراه أبو عليّ - أن يكون أبو بكر رأى الصلاح في ذلك أن يكون في يده لما فيه من تقوية الدين، كما مرّ ذلك في كلام القاضي.

8) . في الحجري و المطبوع: «من».

9) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: «و الاستشهاد».

و لَسنا نَرىٰ أصحابَنا [يَعني المُعتَزِلةَ‌](1)يُطالِبونَ نُفوسَهم(2)في هذه المَواضِعِ (3)بما يُطالِبونَنا(4)بمِثلِه إذا ادَّعَينا وجوهاً و أسباباً و عِلَلاً مُجوَّزةً ؛ لأنّهم لا يَقنَعونَ منّا بما يَجوزُ و يُمكِنُ ، بَل يوجِبونَ فيما نَدَّعيه الظهورَ و الاشتهارَ(5)، و إذا كانَ هذا عليهم نَسوه أو تَناسَوه.

إبطال أن يكون سببُ مطالبة أزواج النبيّ صلى الله عليه و آله و غيرهنّ بالميراث، هو عدم معرفتهم بالخبر

و أمّا(6)قولُه: «إنّ أزواجَ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه إنّما طَلَبنَ الميراثَ لأنّهنَّ لَم يَعرِفنَ روايةَ أبي بَكرٍ للخبرِ، و كذلكَ إنّما نازَعَ العبّاسُ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ بَعدَ مَوتِ فاطمةَ عليها السلامُ في الميراثِ لهذا الوجهِ ».

فمِن أقبَحِ ما يُقالُ في هذا البابِ و أبعَدِه مِن(7)الصوابِ ؛ و كَيفَ لا يَعرِفُ أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ روايةَ أبي بَكرٍ و بها دُفِعَت زَوجتُه عليها السلامُ عن الميراثِ؟

و هَل مِثلُ ذلكَ المَقامِ - الذي قامَته فاطمةُ عليها السلامُ و قامَه أبو بَكرٍ(8)في دَفعِها - يَخفىٰ علىٰ مَن هو في أَقاصي البِلادِ، فَضلاً عمّن هو في المَدينةِ حاضرٌ


1) . ما بين المعقوفين من شرح النهج. و في المطبوع: «أي المعتزلة». و معنى كلام السيّد المرتضى «أصحابنا» و هو يقصد المعتزلة من قبيل: (قٰالَ لَهُ صٰاحِبُهُ وَ هُوَ يُحٰاوِرُهُ ) لأنّ العادة أنّ المؤلّف إذا قال: «أصحابنا» فإنّه يقصد أصحابه في المذهب و الاعتقاد.

2) . في شرح النهج: «أنفسهم». و في الحجري و المطبوع: «خصومهم». نعم، استُوجِهَ في هامش المطبوع ما أثبتناه.

3) . في «ج»: «هذا الموضع».

4) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «يطالبونا».

5) . في الحجري و المطبوع و شرح النهج: «و الاستشهاد».

6) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: «فأمّا».

7) . في شرح النهج: «عن».

8) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: «الذي قامته، و ما رواه أبو بكر».

شاهدٌ يُعنىٰ بالأخبارِ و يُراعيها؟! إنّ هذا لَخُروجٌ‌(1)في المُكابَرةِ عن الحَدِّ! و كَيفَ يَخفىٰ علَى الأزواجِ ذلكَ حتّىٰ يَطلُبنَه مَرّةً بَعدَ أُخرىٰ؟! و يَكونُ عُثمانُ المُترسِّلَ لهُنَّ و المُطالِبَ عنهُنَّ‌، و عُثمانُ - علىٰ زَعمِهم - أحَدُ مَن شَهِدَ أنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه لا يورَثُ‌، و قد سَمِعنَ علىٰ كُلِّ حالٍ أنّ بنتَ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه لَم تُوَرَّثْ مالَه، و لا بُدَّ أن يَكُنَّ قد سَألنَ عن السببِ في دَفعِها، فذُكِرَ لهُنَّ الخبرُ، فكَيفَ يُقالُ‌:

إنّهُنَّ لَم يَعرِفنَه ؟ و الإكثارُ في هذا المَوضِعِ يوهِمُ (2)أنّه مَوضِعُ شُبهةٍ ، و لَيسَ كذلكَ .

بيان الوجه في ترك الأُمّة النكيرَ علىٰ أبي بكر لمنعه فاطمة عليها السلام ميراثها

فإن قيلَ : إذا كانَ أبو بَكرٍ قد حَكَمَ بخَطإٍ في دَفعِ فاطمةَ عليها السلامُ عن الميراثِ ، و احتَجَّ بخبرٍ لا حُجّةَ فيه، فما بالُ الأُمّةِ أقَرَّته علىٰ هذا الحُكمِ و لَم تُنكِرْ عليه ؟ و في رِضاها و إمساكِها دليلٌ علىٰ صَوابِه.

قُلنا: قد مضىٰ أنّ تَركَ النكيرِ لا يَكونُ دليلَ الرضا، إلّافي المَوضِعِ الذي لا يَكونُ له وجهٌ سِوَى الرضا؛ و بيّنّا في الكلامِ علىٰ إمامةِ أبي بَكرٍ هذا المَوضِعَ بياناً شافياً.

مقطع مطوّل من كتاب العبّاسيّة للجاحظ

و قد أجابَ أبو عُثمانَ الجاحظُ(3)في كتابِ «العَبّاسيّةِ » عن هذا السؤالِ جواباً جَيّدَ المعنىٰ (4)و اللفظِ، نَحنُ نَذكُرُه علىٰ وجهِه؛ لنُقابِلَ (5)بَينَه و بَينَ كلامِه في «العُثمانيّةِ » و غيرِها.


1) . في «د، ص، ف»: «الخروج».

2) . في «ج، ف»: «توهم».

3) . تقدّمت ترجمته في ج 1، ص 287.

4) . في شرح النهج: «حسن المعنى».

5) . في «ص» و شرح النهج: «ليقابل».

قالَ :

و قد زَعَمَ الناسُ‌(1)أنّ الدليلَ علىٰ صِدقِ خبرِهما - يَعني أبا بَكرٍ و عُمَرَ - في مَنعِ الميراثِ و بَراءةِ ساحتِهما تَركُ أصحابِ رسولِ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(2)النَّكيرَ عليهما.

ثُمّ قالَ‌:

فيُقالُ‌(3)لهُم: لَئن كانَ تَركُ النكيرِ دليلاً علىٰ صِدقِهما، إنّ‌(4)تَركَ النكيرِ(5)علَى المُتظلِّمينَ منهما(6)و المُحتَجِّينَ عليهما و المُطالِبينَ لهُما دليلٌ‌(7)

علىٰ صِدقِ دعواهُم و(8)استحسانِ مَقالتِهم، و لا سِيَّما و قد طالَت المُناجاةُ‌(9)، و كَثُرَت(10)المُراجَعةُ و المُلاحاةُ‌(11)، و ظَهَرَت الشَّكيّةُ (12)،


1) . هكذا في «ج، د». و في سائر النسخ و المطبوع و بحار الأنوار: «ناس». و في التلخيص و شرح النهج و العبّاسيّة: «أُناس».

2) . في العبّاسيّة و شرح النهج: «صلّى اللّٰه عليه و سلّم»، و هكذا في الموارد الآتية. و في «ج، ف»: «عليه السلام».

3) . في العبّاسيّة و شرح النهج: «قد يقال».

4) . هكذا في «د» و التلخيص و العبّاسيّة و حاشيتَي «ج، ف». و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج و بحار الأنوار: «ليكوننّ ».

5) . في «د»: «تركهم للنكير». و في التلخيص: «تركهم النكير».

6) . في العبّاسيّة و شرح النهج: - «منهما». و تَظلَّمَ منه: شَكا ظُلمَه. لسان العرب، ج 12، ص 374 (ظلم).

7) . في الحجريّ والمطبوع و شرح النهج: «دليلاً».

8) . في التلخيص و شرح النهج و العبّاسيّة: «أو».

9) . في الحجري و المطبوع: «المحاجّات». و في بحار الأنوار: «المشاحّات». و ناجاه - هاهُنا -: لازَمَه و كاشَفَه، لا سارَّه. راجع: النهاية، ج 5، ص 25 (نجا).

10) . في «ج»: «و كثر». و في «ف» و الحجري: «و كثرة».

11) . لاحاهُ ، مُلاحاةً و لِحاءً : نازَعَه و خاصَمَه. راجع: لسان العرب، ج 15، ص 242 (لحا).

12) . في التلخيص: «الحسيكة». و في بحار الأنوار: «الشكيمة».

و اشتَدَّت المَوجِدةُ‌(1)و قد بَلَغَ ذلكَ مِن فاطمةَ عليها السلامُ حتّىٰ‌(2)أنّها أَوصَت أن لا يُصَلّيَ عليها أبو بَكرٍ! و لقَد كانَت قالَت له حينَ أتَته طالِبةً‌(3)بحَقِّها، و مُحتَجّةً لِرَهطِها(4): «مَن يَرِثُكَ إذا مِتَّ يا أبا بَكرٍ؟»(5)قالَ‌:

أهلي و ولدي، قالَت: «فما بالُنا لا نَرِثُ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه‌؟» فلمّا مَنَعَها ميراثَها، و بَخَسَها حَقَّها، و اعتَلَّ عليها(6)، و جَلَّحَ‌(7)في أمرِها، و عايَنَت التصميمَ‌(8)، و أَيِسَت مِن النُّزوعِ‌(9)، و وَجَدَت مَسَّ‌(10)الضعفِ و قِلّةَ الناصرِ، قالَت: «وَ اللّٰهِ‌، لَأَدعُوَنَّ اللّٰهَ عليكَ‌» قالَ‌: وَ اللّٰهِ‌، لَأَدعُوَنَّ اللّٰهَ لَكِ‌. قالَت: «وَ اللّٰهِ‌، لا أُكلِّمُكَ أبَداً» قالَ‌: وَ اللّٰهِ‌، لا أَهجُرُكِ أبَداً.

فإن يَكُن تَركُ النكيرِ منهم(11)علىٰ أبي بَكرٍ دليلاً علىٰ صَوابِ مَنعِه(12)،


1) . وَجَدَ فلانٌ عليه، يَجِدُ، مَوجِدةً‌: غَضِبَ‌. راجع: تاج العروس، ج 5، ص 294 (وجد).

2) . في «ص» و التلخيص و العبّاسيّة: - «حتّىٰ‌».

3) . هكذا في جميع النسخ و المطبوع و التلخيص و شرح النهج و بحار الأنوار. و في العبّاسيّة: «مطالبةً‌».

4) . في «ج، ص» و الحجري و المطبوع و بحار الأنوار: «برهطها».

5) . هكذا في «د» و التلخيص. و في المطبوع: «يا أبا بكر إن متَّ ». و في سائر النسخ: «يا أبا بكر إذا متَّ ».

6) . اعتَلَّ فلاناً، و عليه، بعِلّةٍ : اعتاقَه عن أمرٍ. تاج العروس، ج 15، ص 520 (علل).

7) . في «ب» الكلمة غير منقوطة. و في «ج، ص، ف»: «جلج». و في التلخيص: «جنح». و في الحجري: «خلج». و في بحار الأنوار: «لجّ ». وجَلَّحَ في الأمر: ركب رأسه. لسان العرب، ج 2، ص 425 (جلح).

8) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «التهضّم».

9) . في العبّاسيّة و شرح النهج: «التورّع».

10) . في «د»: «من». و في العبّاسيّة و شرح النهج: «نشوة».

11) . هكذا في «د» و التلخيص و الحجري و المطبوع. و في سائر النسخ و شرح النهج و العبّاسيّة: - «منهم».

12) . في العبّاسيّة و التلخيص و شرح النهج: «منعها».

إنّ‌(1)في تَركِ النكيرِ علىٰ فاطمةَ عليها السلام دليلاً علىٰ صَوابِ طلبِها؛ و أدنىٰ ما كانَ يَجِبُ عليهم في ذلكَ تعريفُها ما جَهِلَت، و تذكيرُها ما نَسيَت، و صَرفُها عن الخَطاءِ‌، و رَفعُ قَدرِها عن(2)البَذاءِ‌(3)، و أن تَقولَ هُجْراً(4)، و(5)تُجَوِّرَ عادلاً أو(6)تَقطَعَ واصلاً. فإذا لَم نَجِدْهم(7)أنكَروا علَى الخَصمَينِ جَميعاً، فقَد تَكافأَت الأُمورُ، و استَوَت الأسبابُ‌، و الرجوعُ إلىٰ أصلِ حُكمِ اللّٰهِ (8)في المَواريثِ أَولىٰ بِنا و بِكم، و أَوجَبُ علينا(9)و عليكم.

ثُمّ قالَ (10):

فإن(11)قالوا: كَيفَ‌(12)يُظَنُّ‌(13)بأبي بَكرٍ(14)ظُلمُها و التعَدّي عليها، و كُلَّما ازدادَت فاطمةُ عليها السلامُ‌(15)عليه غِلظةً ازدادَ لها ليناً و رِقّةً؟ حَيثُ‌


1) . في الحجري و المطبوع: «إن كان».

2) . في المطبوع: «على».

3) . بَذا، يَبذو، بَذْواً و بَذاءً‌: ساءَ خُلُقُه. راجع: لسان العرب، ج 14، ص 69 (بذا).

4) . الهُجْر: الهذَيان و إكثار الكلام فيما لا يعني. تاج العروس، ج 7، ص 608 (هجر).

5) . هكذا في «ج، د» و المطبوع و العبّاسيّة. و في سائر النسخ و التلخيص و شرح النهج و بحار الأنوار: «أو».

6) . في التلخيص: «و».

7) . في التلخيص و شرح النهج و العبّاسيّة: «لم تجدهم».

8) . في «د»: + «تعالىٰ ».

9) . في «د»: «عليها».

10) . في «ب، ج، ص، ف» و بحار الأنوار: - «ثمّ قال». و في شرح النهج: - «ثمّ ».

11) . في «ب، ج، ص، ف» و بحار الأنوار: «و إن».

12) . في «د» و التلخيص: «فكيف».

13) . في العبّاسيّة و شرح النهج: «تظنّ ». و في المطبوع: «نظنّ ».

14) . في العبّاسيّة و شرح النهج: «به». و في «ب، ج، ص، ف» و بحار الأنوار: - «بأبي بكر».

15) . في العبّاسيّة و شرح النهج: - «فاطمة عليها السلام».

تَقولُ‌(1): «وَ اللّٰهِ‌، لا أُكلِّمُكَ أبَداً» فيَقولُ لها(2): اللّٰهِ‌، لا أهجُرُكِ أبَداً، ثُمّ تَقولُ‌: «وَ اللّٰهِ‌، لَأدعُوَنَّ اللّٰهَ‌(3)عليكَ‌» فيَقولُ‌: وَ اللّٰهِ‌، لَأدعُوَنَّ اللّٰهَ لَكِ‌؛ ثُمّ يَحتَمِلُ‌(4)هذا القولَ الغليظَ و الكلامَ الشديدَ(5)في دارِ الخِلافةِ و بحَضرةِ قُرَيشٍ و الصحابةِ‌، مع حاجةِ الخِلافةِ إلَى البَهاءِ و الرِّفعةِ و ما يَجِبُ لها مِن التنزيهِ و الهَيبةِ‌(6)ثُمّ لَم يَمنَعْه ذلكَ أن قالَ - مُعتَذِراً(7)أو مُتقرِّباً كلامَ المُعظِّمِ لحقِّها(8)، المُكبِرِ لمَقامِها، و(9)الصائنِ لوَجهِها، و(10)المُتَحنِّنِ عليها -: ما أحَدٌ أعَزَّ علَيَّ منكِ فَقراً، و لا أحَبَّ إلَيَّ منكِ غِنىً ، و لكِنْ سَمِعتُ رسولَ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(11)يقولُ : «إنّا مَعاشِرَ(12)الأنبياءِ لا نورَثُ ، ما تَرَكناه(13)فهو صَدَقةٌ ».


1) . في العبّاسيّة و شرح النهج: + «له».

2) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «لها».

3) . في «د»: - «اللّٰه».

4) . في التلخيص و العبّاسيّة: «ثمّ يتحمّل منها». و في شرح النهج: + «منها». و احتَمَلَ ما كان منه: أغضىٰ عليه و عفا عنه.

5) . هكذا في «د» و التلخيص. و في غيرهما: «هذا الكلام الغليظ و القول الشديد».

6) . في التلخيص و شرح النهج و العبّاسيّة: «إلى البهاء و التنزيه و ما يجب لها من الرفعة و الهيبة».

7) . في «ب» و الحجري و المطبوع: «متعذّراً».

8) . في «د، ص»: «بحقّها».

9) . في التلخيص و العبّاسيّة: - «و».

10) . في التلخيص و شرح النهج و العبّاسيّة: - «و».

11) . في العبّاسيّة و شرح النهج و بحار الأنوار: «صلّى اللّٰه عليه». و هكذا في الموارد الآتية.

12) . في «د، ص» و الحجري و المطبوع: «معشر».

13) . هكذا في التلخيص و شرح النهج و بحار الأنوار و الحجري و العبّاسيّة. و في النسخ و المطبوع: «ما تركنا».

قيلَ لهُم: لَيسَ ذلكَ‌(1)بدَليلٍ علَى البَراءةِ مِن الظلمِ و السلامةِ مِن الجَورِ(2)، و قد يَبلُغُ مِن مَكرِ الظالِمِ‌، و دَهاءِ الماكِرِ، إذا كانَ أَريباً(3)و للخُصومةِ مُعتاداً(4)، أن يُظهِرَ كلامَ المظلومِ‌، و ذِلّةَ المُنتَصِفِ‌(5)، و حَدَبَ الوامِقِ‌، و مِقةَ‌(6)المُحِقِّ‌.

و كَيفَ جَعَلتم تَركَ النكيرِ حُجّةً قاطعةً و دَلالةً واضحةً‌، و قد زَعَمتم أنّ عُمَرَ قالَ علىٰ مِنبَرِه: «مُتعَتانِ كانَتا علىٰ عَهدِ رَسولِ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه(7): مُتعةُ النساءِ‌، و مُتعةُ الحَجِّ‌؛ أنا أَنهىٰ عنهما، و أُعاقِبُ عليهما»(8)فما وَجَدتم أحَداً أنكَرَ قولَه، و لا استَشنَعَ‌(9)مَخرَجَ نَهيِه، و لا خَطَّأَه في معناه، و لا تَعجَّبَ منه، و لا استَفهَمَه‌؟!

و كَيفَ‌(10)تَقضونَ‌(11)بتَركِ النكيرِ، و قد شَهِدَ عُمَرُ - يَومَ السقيفةِ و بَعدَ


1) . في «د»: «ليس ذلكم».

2) . هكذا في التلخيص و شرح النهج و بحار الأنوار و العبّاسيّة. و في النسخ و المطبوع: «العمد».

3) . في «ب» و المطبوع: «أديباً». و أَرُبَ‌، يأرُبُ‌، أَرابةً و إرْباً: كان ذا دَهاءٍ و فِطنةٍ‌، فهو أَريبٌ .

4) . في «د»: «معاوداً».

5) . في «د»: «المنصف».

6) . حَدِبَ عليه، يَحدَبُ ، حَدَباً: انحَنىٰ و عَطَفَ . و وَمِقَه، يَمِقُه، وَمْقاً و مِقةً : أحَبَّه، فهو وامق.

7) . هكذا في العبّاسيّة و شرح النهج. و في النسخ و المطبوع: «صلّى اللّٰه عليه و آله».

8) . مسند أحمد، ج 3، ص 325، ح 14519؛ مسند أبي عوانة، ج 2، ص 338-339، ح 3349 و 3354؛ السنن الكبرى للبيهقي، ج 7، ص 206، ح 2474؛ معرفة السنن و الآثار، ج 10، ص 179، ح 4465؛ شرح معاني الآثار، ج 2، ص 144، ح 3671؛ الجامع لأحكام القرآن، ج 1، ص 388، ذيل الآية 24 من النساء (4)؛ كنز العمّال، ج 16، ص 519، ح 45715، و ص 521، ح 45732، مع اختلاف يسير في المصادر.

9) . في التلخيص: + «عليه».

10) . في «د» و التلخيص: «فكيف».

11) . هكذا في العبّاسيّة و التلخيص و شرح النهج و بحار الأنوار و الحجري و المطبوع. و في النسخ: «يقضون». و في «د» و الحجري و المطبوع: + «في معناه».

ذلكَ - أنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه قالَ‌: «الأئمّةُ مِن قُرَيشٍ‌» ثُمّ قالَ في شَكاتِه(1): «لَو كانَ سالمٌ‌(2)حَيّاً، ما تَخالَجَني(3)فيه شَكٌّ‌»(4)-

حينَ‌(5)أظهَرَ الشكَّ في استحقاقِ كُلِّ واحدٍ مِن الستّةِ الذينَ جَعَلَهم شورىٰ - و سالِمٌ عَبدٌ لِامرأةٍ مِن الأنصارِ و هي أعتَقَته و حازَت ميراثَه، ثُمّ لَم يُنكِرْ ذلكَ مِن قولِه مُنكِرٌ، و لا قابَلَ إنسانٌ بَينَ خبرَيه(6)، و لا تَعجَّبَ منه‌؟

و إنّما يَكونُ تَركُ النكيرِ علىٰ مَن لا رَغبةَ عندَه و لا رَهبةَ‌(7)دليلاً علىٰ صِدقِ قولِه و صَوابِ عملِه. فأمّا تَركُ النكيرِ علىٰ مَن يَملِكُ الضَّعَةَ و الرِّفعَةَ‌، و الأمرَ و النهيَ‌، و القتلَ و الاستحياءَ ، و الحَبسَ و الإطلاقَ ،


1) . في «د» و الحجري: «شكايةٍ ». و في بحار الأنوار: «مكانه». و الشَّكاة - هنا -: المرض.

2) . سالم بن معقل مولى أبي حذيفة، يكنّى أبا عبد اللّٰه، كان من أهل فارس من إصطخر، و هو معدود في المهاجرين، و يعدّ في القرّاء، و كان قد هاجر إلى المدينة قبل النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله، فكان يؤمّ المهاجرين بالمدينة؛ لأنّه كان أكثرهم أخذاً للقرآن، و آخى رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله بينه و بين معاذ بن ماعض، و شهد سالم بدراً و أُحداً و الخندق و المشاهد كلّها مع رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله، و قتل يوم اليمامة شهيداً. الطبقات الكبرىٰ ، ج 3، ص 63، الرقم 16؛ معجم الصحابة، ج 5، ص 2083، الرقم 337؛ تاريخ الصحابة، ص 117، الرقم 537؛ الاستيعاب، ج 2، ص 567، الرقم 881؛ أُسد الغابة، ج 2، ص 155، الرقم 1892.

3) . في «د» و الحجري و المطبوع و بحار الأنوار: «ما يخالجني».

4) . تاريخ مدينة دمشق، ج 27، ص 238، الرقم 3216؛ عمدة القاري، ج 16، ص 245-246؛ الاستيعاب، ج 2، ص 568؛ الوافي بالوفيات، ج 15، ص 58؛ تقريب المعارف، ص 350؛ شرح نهج البلاغة، ج 16، ص 265.

5) . في المطبوع: «حيث».

6) . في التلخيص و بحار الأنوار: «بين قوليه». و في العبّاسيّة: «بين خبره و بين قوله».

7) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و الحجري و المطبوع: «من لارغبة له و لا رهبة عنده». و في العبّاسيّة و شرح النهج و بحار الأنوار: «من لا رغبة و لا رهبة عنده».

فلَيسَ بحُجّةٍ تَشفي(1)، و لا دَلالةٍ تُغني(2).

قالَ :

و قالَ آخَرونَ‌: بَل الدليلُ علىٰ صِدقِ قولِهما و صَوابِ عملِهما إمساكُ الصحابةِ عن خَلعِهما و الخروجِ عليهما، و هُم الذين وَثَبوا علىٰ عُثمانَ في أيسَرَ مِن جَحدِ التنزيلِ‌، و رَدِّ المَنصوصِ (3). و لَو كانا كما يَقولونَ و ما يَصِفونَ (4)، ما كانَ سَبيلُ الأُمّةِ فيهما إلّاكسَبيلِهم(5)فيه؛ و عُثمانُ كانَ أعَزَّ نَفَراً، و أشرَفَ رَهطاً، و أكثَرَ عَدَداً و(6)ثَروةً ، و أقوىٰ عُدّةً .

قُلنا: إنّهما لَم يَجحَدا التنزيلَ‌، و لَم يُنكِرا المَنصوصَ‌؛ و لكِنَّهما بَعدَ إقرارِهما بحُكمِ الميراثِ و ما عليه الظاهرُ مِن الشريعةِ (7)، ادَّعَيا رِوايةً و تَحدَّثا بحَديثٍ لَم يَكُن بمُحالٍ (8)كَونُه، و لا بمُمتَنِعٍ (9)في حُجَجِ العقولِ مَجيؤُه، و شَهِدَ لهُما عليه مَن عِلّتُه مِثلُ عِلّتِهما فيه، و لَعلَّ بعضَهم كانَ


1) . في «ب، ص» و الحجري و المطبوع: «تقي». و في «د»: «يشفي».

2) . في «د»: «و الدلالة يغني». و في سائر النسخ و المطبوع و العبّاسيّة و شرح النهج: «و لا دلالةٍ تضيء». و في بحار الأنوار: «و لا دليل يغني».

3) . في التلخيص و شرح النهج و العبّاسيّة و بحار الأنوار: «النُّصوص». و هكذا في الموارد الآتية.

4) . في العبّاسيّة و شرح النهج: «و لو كان كما تقولون و ما تصفون». و في بحار الأنوار: «و لو كانواكما يقولون و ما يصفون».

5) . في التلخيص و العبّاسيّة: «كسبيلها».

6) . في «د»: + «أكثر». و في التلخيص: + «أكبر».

7) . في «د»: «و ما عليه ظاهر الشريعة».

8) . في العبّاسيّة و التلخيص و شرح النهج و بحار الأنوار: «لم يكن محالاً».

9) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع و بحار الأنوار: «و لا يمتنع». و في التلخيص: «و لا مجتمعاً». و في العبّاسيّة و شرح النهج: «و لا ممتنعاً».

يَرىٰ تصديقَ الرجُلِ‌(1)إذا(2)كانَ عَدلاً في رَهطِه، مأموناً في ظاهرِه، و لَم

يَكُن قَبلَ ذلكَ عَرَفَه بفَجْرةٍ و لا جَرَّبَ‌(3)عليه غَدْرةً‌، فيَكونُ تصديقُه له علىٰ جِهةِ حُسنِ الظنِّ و تعديلِ الشاهدِ؛ و لأنّه لَم يَكُن كَثيرٌ منهم يَعرِفُ حقائقَ الحُجَجِ‌، و الذي يَقطَعُ بشَهادتِه علَى المُغيَّبِ‌(4)، و كانَ‌(5)ذلكَ شُبهةً علىٰ أكثَرِهم، فلذلكَ قَلَّ النكيرُ، و تَواكَلَ الناسُ‌، و اشتَبَهَ‌(6)الأمرُ، فصارَ لا يَتخلَّصُ إلىٰ مَعرفةِ حَقِّ ذلكَ مِن باطلِه إلّاالعالِمُ المُتقدِّمُ‌، أو المؤيَّدُ المُرشَدُ(7)و لأنّه لَم يَكُن لعُثمانَ في صُدورِ العَوامِّ و(8)قُلوبِ السَّفِلةِ و الطَّغامِ‌(9)ما كانَ لهُما مِن الهَيبةِ و المَحبّةِ‌؛ و لأنّهما كانا أقَلَّ استئثاراً بالفَيءِ ، و أقَلَّ تَفكُّهاً(10)بمالِ اللّٰهِ منه، و مِن شأنِ الناسِ إهمالُ (11)


1) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج و العبّاسيّة. و في سائر النسخ و المطبوع و بحارالأنوار: «التصديق للرجل».

2) . في العبّاسيّة: «إذ».

3) . هكذا في «د» و التلخيص و العبّاسيّة و بحار الأنوار. و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: «و لا جرت».

4) . هكذا في النسخ و حاشية الحجري. و في الحجري و المطبوع: «الغيب».

5) . في «د»: «فكان».

6) . في العبّاسيّة و شرح النهج: «فاشتبه».

7) . هكذا في العبّاسيّة و شرح النهج. و في «د»: «و المريد المسترشد». و في سائر النسخ و المطبوع: «و المؤيّد المسترشد». و في التلخيص: «أو المؤيّد المسترشد». و في بحار الأنوار: «و المؤيّد المرشد».

8) . هكذا في «د» و شرح النهج و العبّاسيّة. و في سائر النسخ و المطبوع و التلخيص و بحار الأنوار: + «في».

9) . السَّفِلة من الناس: أسافلُهم و غوغاؤهم. و الطَّغام: أراذلُ الناس و أوغادُهم.

10) . في العبّاسيّة و شرح النهج: «و تفضّلاً» بدل «و أقلّ تفكّهاً». وتَفكَّهَ بالشيءِ : تَمتَّعَ به وتَلذَّذَ.

11) . في التلخيص: «احتمال».

السلطانِ ما(1)وَفَّرَ عليهم أموالَهم، و لَم يَستأثِرْ بخَراجِهم، و لَم يُعطِّلْ ثُغورَهم؛ و لأنّ الذي صَنَعَ أبو بَكرٍ - مِن مَنعِ العِترةِ حَقَّها(2)و العُمومةِ ميراثَها - قد كانَ مُوافِقاً لجِلّةِ قُرَيشَ و كُبَراءِ العَرَبِ‌؛ و لأنّ عُثمانَ أيضاً كانَ مضعوفاً في نَفسِه، مُستَخَفّاً(3)بقَدرِه، لا يَمنَعُ ضَيماً، و لا يَقمَعُ عدوّاً، و لقَد وَثَبَ ناسٌ علىٰ عُثمانَ بالشتمِ و القَذْعِ‌(4)و التشنيعِ و النكيرِ لأُمورٍ لَو أتىٰ عُمَرُ أضعافَها و بَلَغَ أقصاها لَما اجتَرَءوا علَى اغتيابِه، فَضلاً عن(5)مُباداتِه(6)و الإغراءِ به(7)و مُواجَهتِه، كما أغلَظَ عُيَينةُ بنُ حِصْنٍ (8)له، فقالَ له: أما إنّه(9)لَو كانَ عُمَرُ لَقَمَعَكَ و مَنَعَكَ ،


1) . في «ب، ج، ص، ف» و الحجري: «بما».

2) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج و العبّاسيّة. و في سائر النسخ و المطبوع و بحارالأنوار: «حظّها».

3) . في «ج، ص، ف»: «و مستخفّاً».

4) . هكذا في العبّاسيّة و التلخيص. و في «د»: «القدح». و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج و بحار الأنوار: «القذف». وقَذَعَه، يَقذَعُه، قَذْعاً: شَتَمه بكلامٍ قَبيحٍ .

5) . في الحجري و المطبوع: «من». و في العبّاسيّة و شرح النهج: «على».

6) . بادىٰ فلاناً بأمرٍ: كاشَفَه و جاهَرَه. لسان العرب، ج 14، ص 66 (بدا).

7) . أَغرى الإنسان غيرَه بالشيء: حَرَّضَه عليه. المعجم الوسيط، ج 2، ص 651 (غرو).

8) . في «ج، ص» و التلخيص و بحار الأنوار: «حصين». و الرجل هو: عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، يكنّى أبا مالك، أسلم بعد الفتح، و شهد حنيناً و الطائف، و كان من المؤلّفة قلوبهم، و من الأعراب الجفاة، و كان ممن ارتدّ و تبع طليحة الأسدي، و قاتل معه، فأُخذ أسيراً، و حمل إلى أبي بكر فأسلم فأطلقه أبو بكر، و كان في الجاهليّة من الجرّارين، يقود عشرة آلاف، و تزوّج عثمان بن عفّان ابنته. تاريخ الصحابة، ص 194، الرقم 1034؛ معرفة الصحابة، ج 4، ص 71، الرقم 2357؛ الاستيعاب، ج 3، ص 1249، الرقم 2055؛ أُسد الغابة، ج 4، ص 31، الرقم 4160؛ تهذيب الأسماء، ص 283، الرقم 484.

9) . في العبّاسيّة: - «إنّه».

فقالَ‌(1)عُيَينةُ‌: إنّ‌(2)عُمَرَ كانَ خَيراً لي منكَ‌؛ أرهَبَني(3)فأبقاني(4)، و أعطاني فأغناني(5).

ثُمّ قالَ‌:

و العَجَبُ أنّا وَجَدنا جَميعَ مَن خالَفَنا في الميراثِ - علَى اختلافِهم في التشبيهِ و القَدَرِ و الوَعيدِ - يَرُدُّ كُلُّ صنفٍ منهم مِن أحاديثِ مُخالِفيه و خُصومِه ما هو أقرَبُ إسناداً، و أصَحُّ‌(6)رِجالاً، و أحسَنُ اتّصالاً؛ حتّىٰ إذا صاروا إلَى القولِ في ميراثِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه نَسَخوا الكتابَ‌، و خَصّوا الخبرَ العامَّ بما لا يُداني بعضَ ما رَدّوه(7)و كَذَّبوا(8)ناقِليهِ‌(9)و ذلكَ أنّ كُلَّ إنسانٍ منهم إنّما يَجري إلىٰ هَواه و يُصدِّقُ ما وافَقَ رِضاه.(10)

مضىٰ (11)ما أرَدنا حِكايتَه مِن كلامِ الجاحظِ.


1) . في «د» و التلخيص: «قال».

2) . في «ب، د» و التلخيص و الحجري و المطبوع: - «إنّ ».

3) . في «د»: «أرهبتني». و في المطبوع: «وهبني». و في التلخيص و العبّاسيّة: «رهبني».

4) . هكذا في بحار الأنوار، و هو الصواب. و في «ص، ف» غير منقوطتين. و في سائر النسخ و المطبوع و التلخيص و العبّاسيّة و شرح النهج: «فاتّقاني».

5) . هكذا في العبّاسيّة و التلخيص. و في النسخ و المطبوع و شرح النهج و بحار الأنوار: - «و أعطاني فأغناني».

6) . في «ج، ص» و حاشية الحجري و بحار الأنوار: «و أوضح».

7) . في «ص، ف» و الحجري و المطبوع و بحار الأنوار: «رووه».

8) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و أكذبوا». و كذَّبَ فلاناً: نَسَبَه إلى الكذب؛ لكنّ أكذَبَه: وجده كاذباً، أو بيَّنَ كذبه.

9) . في التلخيص و العبّاسيّة و شرح النهج: «قائليه».

10) . رسائل الجاحظ (الرسائل السياسيّة)، ص 467-470.

11) . في «د»: «قد مضىٰ ».

فإن قيلَ‌: لَيسَ يَلزَمُ (1)ما عارَضَ (2)به الجاحظُ مِن(3)الاستدلالِ بتَركِ النكيرِ، و قولُه: كما لَم يُنكِروا علىٰ أبي بَكرٍ، فلَم يُنكِروا أيضاً علىٰ فاطمةَ عليها السلامُ (4)و لا(5)علىٰ غيرِها مِن المُطالِبينَ بالميراثِ كالأزواجِ و غيرِهنَّ (6)و ذلكَ أنّ نَكيرَ أبي بَكرٍ لذلكَ و دَفعَه و الاحتجاجَ عليه(7)يَكفيهِم و يُغنيهِم عن تَكلُّفِ نَكيرٍ(8)، و لَم يُنكِرْ علىٰ أبي بَكرٍ ما رَواه مُنكِرٌ فيَستَغنوا بإنكارِه.

قُلنا: أوّلُ ما يُبطِلُ هذا السؤالَ أنّ أبا بَكرٍ لَم يُنكِرْ عليها ما أقامَت عليه - بَعدَ احتجاجِها(9)بالخبرِ - مِن التظلُّمِ و التألُّمِ و التعنيفِ‌(10)و التبكيتِ (11)، و قولِها - علىٰ ما رُويَ -: «وَ اللّٰهِ (12)، لَأَدعُوَنَّ اللّٰهَ عليكَ » و «لا أُكلِّمُكَ (13)أبَداً». و ما جَرىٰ هذا


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «يلزم».

2) . في التلخيص: «عرّض».

3) . في «د» و التلخيص: «في».

4) . في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص و العبّاسيّة: - «عليها السلام».

5) . في «د»: - «لا».

6) . في «ص، ف» و المطبوع و شرح النهج و بحار الأنوار و حاشيتَي «ج» و الحجري: + «معارضة صحيحة». و قد أُشير في «ف» إلىٰ زيادتها.

7) . في شرح النهج: «و دفعها و الاحتجاج عليها و».

8) . في المطبوع و شرح النهج: + «آخر».

9) . في «ج» و حاشية «ف»: «احتجاجه». نعم، صُحِّحَ فيها بما أثبتناه.

10) . عَنَّفَه، و أعنَفَه، وعَنُفَ به، وعليه: لامَه و عَيَّرَه. راجع: لسان العرب، ج 9، ص 257 (عنف).

11) . في «ب، ف»: «التنكيب». و في «ج»: - «و التبكيت». و في «ص»: «التنكّب». و بَكَّته: مبالغة في بَكتَه، أي قرَّعَه و وبَّخَه. راجع: لسان العرب، ج 2، ص 11 (بكت).

12) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج و بحار الأنوار. و في سائر النسخ و الحجري والمطبوع: - «و اللّٰه».

13) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع و التلخيص و بحار الأنوار: «و لا كلّمتك».

المَجرىٰ فقَد كانَ يَجِبُ أن يُنكِرَه غيرُه؛ فمِن المُنكَرِ الغضبُ علَى المُنصِفِ .

و بَعدُ، فإن كانَ إنكارُ أبي بَكرٍ مُقنِعاً و(1)مُغنياً عن إنكارِ غيرِه مِن المُسلِمينَ ، فإنكارُ فاطمةَ عليها السلامُ حُكمَه(2)و مُقامُها علَى التظلُّمِ منه يُغني عن نَكيرِ(3)غيرِها.

و هذا واضحٌ لِمَن أنصَفَ مِن نفسِه.(4)


1) . في «ج، ص، ف» و الحجري و المطبوع و بحار الأنوار: «أو». نعم، أُشير في «ج، ف» إلى زيادة الهمزة.

2) . في المطبوع: «حكمة».

3) . في شرح النهج: «مغنٍ عن نكير». و في التلخيص: «يغني عن النكير من».

4) . في «د»: - «من». و من قوله: «و هذا واضح» إلىٰ هنا ساقط من «ب».

الطعن الثاني غصب فدك

اشارة

قالَ صاحبُ الكتابِ :

شُبهةٌ أُخرى لهُم(1):

و أحَدُ ما طَعَنوا به و عَظَّموا القولَ فيه: أمرُ فَدَكَ‌؛ قالوا: قد رُويَ عن أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ أنّه قالَ‌: لمّا نَزَلَت (وَ آتِ ذَا الْقُرْبىٰ حَقَّهُ‌)(2)أعطىٰ رسولُ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و سَلَّمَ (3)فاطمةَ عليها السلامُ (4)فَدَكَ .(5)ثُمّ فَعَلَ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزيزِ ذلكَ و رَدَّه(6)علىٰ ولدِها.

قالوا: و لا شَكَّ أنّ أبا بَكرٍ أغضَبَها(7)، إن لَم يَصِحَّ كُلُّ الذي رُويَ في هذا


1) . في «ج، ف» و الحجري و المطبوع: «شبهة لهم أُخرىٰ ».

2) . الإسراء (17):26.

3) . في «ب، د» و شرح النهج: «صلّى اللّٰه عليه و آله». و هكذا في الموارد الآتية.

4) . في «ج، ص، ف»: - «عليها السلام».

5) . راجع: صحيح البخاري، ج 3، ص 1126، ح 2926؛ صحيح مسلم، ج 3، ص 1381، ح 54؛ مسند ابن حنبل، ج 1، ص 25، ح 25؛ بلاغات النساء، ص 24؛ الاحتجاج، ج 1، ص 253، ح 49؛ دلائل الإمامة، ص 111؛ كشف الغمّة، ج 2، ص 106؛ بحار الأنوار، ج 29، ص 220، ح 8.

6) . في شرح النهج: «مثل ذلك فردّها». و في المطبوع: «مثل ذلك و ردّه».

7) . في «ب، ص»: «أغصبها». و في «د»: «غصبها».

البابِ‌؛ و قد كانَ الأجمَلُ أن يَمنَعَهم التكرُّمُ ممّا ارتَكبَوا منها(1)، فَضلاً عن الدينِ‌.

ثُمّ ذَكَروا(2)أنّها استَشهَدَت أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ و أُمَّ أيمَنَ‌، فلَم يَقبَلْ‌(3)شَهادتَهما. هذا، مع تَركِه أزواجَ النبيِّ‌(4)صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و سَلَّمَ في حُجَرِهِنَّ‌، و لَم يَجعَلْها صَدَقةً‌؛ فصَدَّقَهُنَّ (5)في(6)أنّ ذلكَ لهُنَّ ، و لَم يُصدِّقْها.

ثُمّ قالَ :

الجوابُ عن ذلكَ‌: أنّ أكثَرَ ما يَروونَ في هذا البابِ غيرُ صَحيحٍ‌، و لَسنا نَدفَعُ‌(7)صِحّةَ ما رُويَ مِن ادّعائها عليها السلامُ فَدَكَ‌. فأمّا أنّه كانَ‌(8)في يَدِها فغَيرُ مُسلَّمٍ‌، بَل لَو كانَ في يَدِها لَكانَ الظاهرُ أنّه لها، فإذا كانَ في جُملةِ الترِكةِ فالظاهرُ أنّه ميراثٌ‌، و إذا كانَ كذلكَ فغَيرُ جائزٍ لأبي بَكرٍ قبولُ دعواها؛ لأنّه لا خِلافَ أنّ العملَ علَى الدعوىٰ لا يَجوزُ، و إنّما

يُعمَلُ علىٰ ذلكَ متىٰ عُلِمَ (9)صحّتُه بمُشاهَدةٍ أو ما يَجري(10)مَجراها، أو


1) . في الحجري و المطبوع: - «منها».

2) . هكذا في شرح النهج و المطبوع. و في النسخ و الحجري: «ذكر».

3) . في الحجري و المطبوع: «فلم تقبل».

4) . في «د»: «أزواج رسول اللّٰه».

5) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: «وصدّقهنّ ».

6) . في شرح النهج: + «ذلك».

7) . هكذا في «د». و في «ب، ص»: «نذكر». و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: «ننكر».

8) . في شرح النهج و المطبوع: «كانت».

9) . في شرح النهج: «و إنّما يعمل علىٰ مثل ذلك إذا علمت».

10) . في «ب» و شرح النهج: «ما جرىٰ ».

حَصَلَ‌(1)بيّنةٌ أو إقرارٌ.

و ذَكَرَ(2)أنّ البيّنةَ (3)لا بُدَّ منها، و أنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ لمّا خاصَمَه اليهوديُّ حاكَمَه، و أنّ أُمَّ سَلَمةَ - التي نُطبِقُ (4)علىٰ فَضلِها - لَو ادَّعَت نُحْلاً(5)لَما(6)قُبِلَت دَعواها.

ثُمّ قالَ :

و(7)لَو كانَ أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ هو الإمامَ بَعدَه،(8)و لَم يَعلَمْ صِحّةَ هذه الدعوىٰ ، ما الذي كانَ يَجِبُ أن يَعمَلَ؟

فإن قُلتم: يَقبَلُ الدعوىٰ ، فالشرعُ بخِلافِ ذلكَ .

و إن قُلتم: يَلتَمِسُ البيّنةَ ،(9)فهو الذي فَعَلَه أبو بَكرٍ.(10)

ثُمّ تَشاغَلَ بالكلامِ علىٰ مَن تَعلَّقَ بأنّ أبا بَكرٍ قَضىٰ دَينَ رسولِ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه. و ذلكَ ممّا لا حُجّةَ فيه، و لا تَعلُّقَ لنا به.

ثُمّ قالَ :


1) . في شرح النهج: «حصلت».

2) . في المطبوع: «ثمّ ذكر». و في شرح النهج: «ثمّ » بدل «و ذكر».

3) . في «ج، ص، ف»: «الثلاثة».

4) . هكذا في «ب، د». و في سائر النسخ و شرح النهج: «يطبق».

5) . نَحَلَ فلاناً، يَنحُلُه، نُحْلاً: تَبرَّعَ له بشيءٍ .

6) . في «ب، ج، ص، ف» و شرح النهج: «ما».

7) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: - «و».

8) . في شرح النهج: «هو الوالي» بدل «هو الإمام بعده».

9) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في «ب، ج»: «تلتمس بيّنة». و في «ص، ف» و الحجري و المطبوع: «يلتمس بيّنة».

10) . من قوله: «شبهة أُخرىٰ لهم» إلى هنا ساقط من المغني.

فأمّا قولُه(1): «رجُلٌ مع رجُلٍ‌، و(2)امرأةٌ مع امرأةٍ‌» فهو الذي يوجِبُه الدينُ‌، و لَم يَثبُتْ أنّ الشاهدَ في ذلكَ كانَ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ‌، بَل الروايةُ المنقولةُ‌: أنّه شَهِدَ لها عليها السلامُ مَولىً لرَسولِ اللّٰهِ‌(3)صَلَّى اللّٰهُ عليه(4)مع أُمِّ أَيمَنَ‌.

و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ‌: فلِماذا ادَّعَت ذلكَ و لا بيّنةَ معها؟

[و ذلكَ‌](5)لأنّه لا يَمتَنِعُ أن تُجوِّزَ(6)عليها السلامُ‌(7)أن يَحكُمَ أبو بَكرٍ بالشاهدِ و اليَمينِ‌(8)، أو(9)تُجوِّزَ عندَ شَهادةِ مَن شَهِدَ لها أن يَتذكَّرَ غيرُهم(10)فيَشهَدَ.

و هذا هو الواجبُ علىٰ مُلتَمِسِ الحقِّ‌، فلا عَتْبَ (11)عليها في ذلكَ ، و لا علىٰ أبي بَكرٍ في التِماسِ البيّنةِ ، و إن(12)لَم يَحكُمْ لها(13)لمّا لَم يَتِمَّ (14)و لَم يَكُن


1) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «و أمّا قوله». و في شرح النهج: «و أمّاقول أبي بكر».

2) . في المغني: «أو».

3) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «رسول اللّٰه».

4) . في «ب، د» و شرح النهج: + «و آله». و في الحجري و المطبوع - «صلّى اللّٰه عليه».

5) . ما بين المعقوفين من المغني، و هكذا في الموارد الآتية.

6) . هكذا في شرح النهج و المطبوع. و في غيرها: «يجوز». و هكذا في المورد الآتي.

7) . هكذا في «د». و في غيرها: - «عليها السلام».

8) . في المغني: - «و اليمين».

9) . هكذا في «د» و المغني و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «و».

10) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: «غيره».

11) . في «ب، ج، ص، ف» و المغني و شرح النهج: «فلا عيب».

12) . في «د، ص»: «و إنّما».

13) . هكذا في شرح النهج. و في غيره: - «لها».

14) . في المغني: «لم يتبيّن».

هُناكَ خَصمٌ‌؛(1)لأنّ الترِكةَ صَدَقةٌ علىٰ ما ذَكرنا، فكانَ‌(2)لا يُمكِنُ‌(3)أن يُعوَّلَ‌(4)في ذلكَ علىٰ يَمينٍ أو نُكولٍ‌، فلَم يَكُن في(5)الأمرِ إلّاما فَعَلَه.(6)

و قد أنكَرَ شَيخُنا(7)أبو عليٍّ ما قاله السائلُ مِن أنّها(8)لمّا أرادَت فَدَكَ و(9)رُدَّت في(10)دَعوَى النُّحْلِ‌(11)ادَّعَته إرثاً، و قالَ‌: كانَ طَلَبُ الإرثِ قَبلَ ذلكَ‌(12)، فلمّا سَمِعَت منه الخبرَ كَفَّت، ثُمّ ادَّعَت النُّحْلَ‌(13)[و جَرىٰ في ذلكَ ما ذَكرناه].

فأمّا ما فَعَلَ (14)عُمَرُ بنُ عبدِ العَزيزِ: فلَم يَثبُتْ أنّه رَدَّه علىٰ سَبيلِ النُّحْلِ (15)[و التصديقِ لها]، بَل عَمِلَ (16)في ذلكَ ما عَمِلَه عُمَرُ بنُ


1) . في المطبوع: «و لم يكن لها هناك خصم». و في شرح النهج: «و لم يكن لها خصم».

2) . في «ج»: «ما ذكرناه، و كان».

3) . في المغني: «لا ينكر».

4) . من قوله: «و لم يكن هناك خصم» إلىٰ هنا ساقط من «ب».

5) . هكذا في «د» و المغني و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: - «في».

6) . في المغني: + «أبو بكر».

7) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: - «شيخنا».

8) . في المغني: «و قد ذكر شيخنا ما ذكره السائل أنّها».

9) . في المغني و شرح النهج: - «أرادت فدك و».

10) . في المغني: «عن».

11) . في «ص» و شرح النهج و المطبوع: «النحلة». و النُّحْل: العطاء. راجع: لسان العرب، ج 11، ص 650 (نحل).

12) . في المغني: - «ذلك».

13) . في شرح النهج: «و ادّعت النحلة». و في المطبوع: «ثم ادّعت النحلة».

14) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: - «ما». و في المغني: - «ما فعل».

15) . في المطبوع و شرح النهج: «النحلة».

16) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «ما فعله». و في المغني: «كما عمله».

الخَطّابِ‌؛ بأن أقَرَّه في يَدِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ‌(1)ليَصرِفَ‌(2)غَلّاتِها في المَوضِعِ الذي(3)كانَ يَجعَلُها رسولُ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه(4)فيه، فقامَ بذلكَ مُدّةً‌، ثُمّ رَدَّها إلىٰ عُمَرَ في آخِرِ سِنيِّه. و كذلكَ فَعَلَ‌(5)عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزيزِ. و لَو ثَبَتَ أنّه فَعَلَ بخِلافِ ما فَعَلَه السَّلَفُ لَكانَ هو المحجوجَ بقَولِهم و فِعلِهم.

و أحَدُ ما يُقوّي ما ذَكرناه: أنّ الأمرَ لمّا انتَهىٰ إلىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ تَرَكَ أمرَ(6)فَدَكَ علىٰ ما كانَ‌، و لَم يَجعَلْه(7)ميراثاً لفاطمةَ‌(8)عليها السلامُ‌. و هذا يُبيِّنُ أنّ الشاهدَ كانَ غيرَه؛ لأنّه لَو كانَ هو الشاهدَ لَكانَ الأقرَبُ أن يَحكُمَ بعِلمِه.

علىٰ أنّ الناسَ اختَلَفوا في الهِبةِ إذا لَم تُقبَضْ‌(9): فعندَ بعضِهم تُستَحَقُّ‌(10)بالتسليمِ (11)، و عندَ بعضِهم يَصيرُ وجودُه كعَدَمهِ (12)فلا يَمتَنِعُ


1) . في المغني: - «عليه السلام». و هكذا في الموارد الآتية.

2) . في «ج، ص، ف»: «لتصرف».

3) . في المغني و شرح النهج: «في المواضع التي».

4) . في «ب، د» و شرح النهج و المطبوع: + «و آله».

5) . في المغني: «عمل».

6) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: - «أمر».

7) . هكذا في «د» و المغني و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «على ما كانت، و لم يجعلها».

8) . في «ب»: «ميراث فاطمة». و في المطبوع و شرح النهج: «ميراثاً لولد فاطمة».

9) . في «ب» الكلمة غير منقوطة. و في «ج، ص، ف»: «لم يقبض».

10) . في «ب، ص، ف» و الحجري و المغني: «يستحقّ ».

11) . في المغني: «به التسليم».

12) . في شرح النهج: «فعند بعضهم تستحقّ بالعقد، و عند بعضهم أنّها إذا لم تقبض يصير وجودها كعدمها». و مرجع ضميرَي «وجوده» و «عدمه»: عقد الهبة.

مِن هذا الوجهِ أيضاً أن يَمتَنِعَ أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ مِن رَدِّه(1)، و إن صَحَّ عندَه(2)عَقدٌ لهِبةٍ‌(3). و هذا هو الظاهرُ؛ لأنّ التسليمَ لَو كانَ وَقَعَ لَظَهَرَ أنّه كانَ في يَدِها، فكانَ‌(4)ذلكَ كافياً في الاستحقاقِ‌.

فأمّا حُجَرُ أزواجِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه(5): فإنّما تُرِكَت في أيديهِنَّ‌(6)لأنّها كانَت لهُنَّ‌، و نَصُّ الكتابِ يَشهَدُ بذلكَ‌، و هو قولُه تَعالىٰ‌: (وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ‌)(7)، و رُويَ في الأخبارِ أنّ النبيَّ عليه السلامُ قَسَمَ ما كانَ له مِن الحُجَرِ علىٰ نِسائه و بَناتِه. و يُبيِّنُ‌(8)صِحّةَ ذلكَ أنّه لَو كانَ ميراثاً أو صَدَقةً‌، لَكانَ أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ لمّا أفضىٰ الأمرُ إليه يُغيِّرُه(9).

و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ‌: إنّما لَم يُغيِّرْ ذلكَ لأنّ المِلكَ قد صارَ له(10)، فتَبرَّعَ به.

و ذلكَ أنّ‌(11)الذي يَحصُلُ له لَيسَ إلّارُبُعَ ميراثِ فاطمةَ عليها السلامُ ، و هو الثُّمُنُ مِن ميراثِ رسولِ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه، فقَد كانَ يَجِبُ


1) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: «ردّها».

2) . هكذا في «د» و المغني و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: - «عنده».

3) . في المطبوع: «عقد لهبته».

4) . في «ج»: «و كان». و في شرح النهج: «ولكان».

5) . في «ب، د» و شرح النهج: + «و آله». و في المطبوع: + «و آله و سلّم». و هكذا في الموارد الآتية.

6) . في المغني: «يدهنّ ».

7) . الأحزاب (33):33.

8) . في الحجري و المطبوع: «و نبيّن».

9) . في «ص» و المطبوع و المغني: «لغيَّرَه». و في الحجري الكلمة غير منقوطة.

10) . هكذا في «د» و المغني و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «إليه».

11) . في المغني: «وذلك لانّ ».

أن يَنتَصِفَ‌(1)لأولادِ العبّاسِ و أولادِ فاطمةَ منهُنَّ في بابِ الحُجَرِ، و يأخُذَ هذا الحقَّ منهُنَّ‌؛ فتَركُه ذلكَ يَدُلُّ علىٰ صِحّةِ ما قُلناه.

و لَيسَ يُمكِنُهم بَعدَ ذلكَ إلّاالتعلُّقُ بالتقيّةِ التي هي مَفزَعُهم عندَ لزومِ الكلامِ‌. و لَو عَلِموا ما عليهم في ذلكَ لَاشتَدَّ هَرَبُهم منه؛ لأنّه إن جازَ للأئمّةِ التقيّةُ‌(2)و حالُهم في العصمةِ ما يَقولونَ‌، لِيَجوزَنَّ‌(3)ذلكَ للرسولِ‌(4)صَلَّى اللّٰهُ عليه. و تجويزُ ذلكَ منه(5)يوجِبُ أن لا يوثَقَ‌(6)بنَصِّه عَلىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ لتَجويزِ التقيّةِ‌!

و متىٰ قالوا: نَعلَمُ‌(7)بالمُعجِزِ إمامتَه، فقد أبطَلوا كَونَ النصِّ طَريقاً

للإمامةِ‌. و الكلامُ مع ذلكَ لازمٌ لهُم؛ بأن يُقالَ‌(8): جَوِّزوا مع ظهورِ المُعجِزِ(9)أن يَدَّعيَ الإمامةَ تَقيّةً‌، و أن يَفعَلَ سائرَ ما يَفعَلُه تَقيّةً ؛ فكَيفَ (10)يوثَقُ مع ذلكَ بما يُنقَلُ عن الرسولِ و عن الأئمّةِ؟

و هَلّا جازَ أن يَكونَ أميرُ المؤمنينَ نَبيّاً بَعدَ الرسولِ ، و تَرَكَ ادّعاءَ


1) . في المغني: «ينتصب».

2) . في «ج»: «إذا جاز للأئمّة التقيّة». و في المغني: «إن كان للأئمّة تقيّة».

3) . في «ب»: «ليجوّزوا». و في «د»: «ليجوّزون».

4) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «من رسول اللّٰه».

5) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «فيه».

6) . في «د»: «أن لا نوثق».

7) . هكذا في «ب» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «يعلم».

8) . هكذا في «د». و في «ب»: «لأن يقولوا». و في سائر النسخ و المطبوع: «بأن يقولوا». و في المغني: «بل يقال».

9) . في المغني: «المعجزات».

10) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «وكيف».

ذلكَ تَقيّةً و خَوفاً؟ - بَل(1)الشُّبهةُ في ذلكَ أَوكَدُ مِن النصِّ‌؛(2)لأنّ التعصُّبَ للنبيِّ في النبوّةِ أعظَمُ مِن التعصُّبِ لأبي بَكرٍ و غيرِه في الإمامةِ‌(3)- فإن عَوَّلوا في ذلكَ علىٰ عِلمِ الاضطرارِ، فعندَهم أنّ‌(4)الضرورةَ في النصِّ علَى الإمامِ‌(5)قائمةٌ‌. و إن(6)فَزِعوا في ذلكَ إلَى الإجماعِ‌، فمِن قولِهم إنّه لا يوثَقُ به(7)، و يَلزَمُهم في الإجماعِ أن يَجوزَ أن يَقَعَ علىٰ طريقِ التقيّةِ‌؛ لأنّه لا يَكونُ أَوكَدَ(8)مِن قولِ الرسولِ و قولِ الإمامِ عندَهم. و بَعدُ، فقَد ذُكِرَ الخِلافُ في ذلكَ ، كَما ذُكِرَ الخِلافُ (9)في أنّه إلهٌ !(10)فلا يَصِحُّ علىٰ شُروطِهم أن يَتعلَّقوا بذلكَ [و هذا عارضٌ في الكلامِ ، فلذلكَ اكتَفَينا بهذا القَدرِ].(11)

يُقالُ له: نَحنُ نَبتَدئُ فنَدُلُّ علىٰ أنّ فاطمةَ عليها السلامُ ما ادَّعَت مِن نُحلِه(12)


1) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «فإنّ ».

2) . أي أنّ احتمال كونه نبيّاً و تَرَك ادّعاءَ ذلك تقيّةً ، أوكد من احتمال وجود النصّ علىٰ إمامته و تَرَك ادّعاءَ ذلك تقيّةً .

3) . فإنّ من يدّعي النبوّة يكون معرَّضاً للخطر و الخوف الموجب للتقيّة أكثر ممّن يدّعي الإمامة؛ فإنّ الناس يتعصّبون للنبيّ في النبوّة أكثر من تعصّبهم للإمام في الإمامة.

4) . في المغني: «بأنّ ».

5) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «الإمامة».

6) . في «ج، ف»: «فإن».

7) . في المغني: - «به». و معنى الكلام: فإنّ الشيعة يقولون: إنّ الإجماع لا يوثق به.

8) . في المغني: «بأوكد».

9) . في «د»: - «في ذلك، كما ذكر الخلاف».

10) . هكذا في الحجري و المطبوع و المغني و حاشية «ج». و في النسخ: «في أمواله».

11) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 332-335. و ما بين المعقوفين من المصدر.

12) . في «د»: «نحلة». و في شرح النهج: «نحل».

فَدَكَ إلّاما كانَت مُصيبةً فيه، و أنّ مانِعَها و مُطالِبَها بالبيّنةِ مُعنِتٌ‌(1). في المطبوع: «ذكرنا». و في شرح النهج: «ذكره».(2)عادلٌ عن الصوابِ ؛ لأنّها لا تَحتاجُ إلىٰ شَهادةٍ و لا بيّنةٍ ، ثُمّ نَعطِفُ علىٰ ما ذَكرتَه(2) علَى التفصيلِ (3)فنَتكلَّمُ عليه.

في بيان أنّ فاطمة عليها السلام كانت مُصيبة في ادّعائها فدك

1. الاستدلال بعصمتها

و(4)الذي يَدُلُّ علىٰ ما ذَكرناه: أنّها عليها السلامُ كانَت(5)معصومةً مِن الغَلَطِ، مأموناً منها فعلُ القَبيحِ ؛ و مَن هذه صفتُه لا يَحتاجُ فيما يَدَّعيهِ إلىٰ شَهادةٍ و لا بيّنةٍ .

فإن قيلَ‌: دُلّوا(6)علَى الأمرَينِ‌.

قُلنا: أمّا الذي يَدُلُّ علىٰ عصمتِها فهو قولُه(7)تَعالىٰ : (إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(8)، و قد بيّنّا - فيما سَلَفَ مِن هذا الكتابِ - أنّ هذه الآيةَ تَتناوَلُ جماعةً منهم فاطمةُ عليها السلامُ [بما تَواتَرَت الأخبارُ في ذلكَ ](9)،


1) . في المطبوع و التلخيص و شرح النهج: «متعنّت». و أعنَتَه: أوقَعَه في مَشقّةٍ و شِدّةٍ ؛ و في التنزيل العزيز: (وَ لَوْ شٰاءَ اللّٰهُ لَأَعْنَتَكُمْ ) (البقرة

2) :220). راجع: المصباح المنير، ج 2، ص 431 (عنت).

3) . في المطبوع: «التفضيل».

4) . في المطبوع و شرح النهج: «أمّا» بدل «و».

5) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «كانت عليها السلام».

6) . في المطبوع و شرح النهج: «دلّلوا».

7) . هكذا في «د». و في سائر النسخ: «فقوله» بدل «فهو قوله». و في الحجري و المطبوع و التلخيص و شرح النهج: - «فهو».

8) . الأحزاب (33):33.

9) . ما بين المعقوفين من شرح النهج.

و أنّها تَدُلُّ علىٰ عصمةِ مَن تَناوَلَته و طهارتِه، و أنّ‌(1)الإرادةَ هاهُنا دَلالةٌ علىٰ وقوعِ الفعلِ المُرادِ؛ و لا طائلَ في إعادتِه.(2)

و يَدُلُّ أيضاً علىٰ عصمتِها قولُه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(3): «فاطمةُ بَضعةٌ مِنّي؛ فمَن آذىٰ فاطمةَ‌(4)فقَد آذاني، و مَن آذاني فقَد آذَى اللّٰهَ عَزَّ و جَلَّ‌»(5). و هذا يَدُلُّ علىٰ عصمتِها؛ لأنّها لَو كانَت ممّن يُقارِفُ‌(6)الذنوبَ لَم يَكُن مَن يؤذيها مؤذياً له صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(7)علىٰ كُلِّ حالٍ‌، بَل كانَ متىٰ‌(8)فَعَلَ المسُتَحَقَّ مِن دَمِها(9)و إقامةِ الحَدِّ(10)- إن كانَ الفعلُ يَقتَضيهِ - سارّاً له و مُطيعاً!


1) . في التلخيص: «فإنّ ». و في شرح النهج: - «أنّ ».

2) . تقدّم في ج 3، ص 482 و ما بعدها.

3) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: «عليه السلام».

4) . في التلخيص: «يؤذيني ما يؤذيها، فمن آذىٰ فاطمة». و في شرح النهج: «من آذاها».

5) . مسند أحمد، ج 4، ص 5، ح 16168؛ صحيح البخاري، ج 3، ص 1361، ح 3510، و ص 1374، ح 3556؛ صحيح مسلم، ج 4، ص 1902، ح 94/2449؛ الجامع الصحيح، ج 5، ص 698، ح 3869؛ سنن النسائي الكبرىٰ ، ج 5، ص 97، ح 8370 و 8371، و ص 147، ح 8518؛ مسند أبي عوانة، ج 3، ص 70، ح 4233؛ المصنّف لابن أبي شيبة، ج 7، ص 526، ح 33؛ المعجم الكبير، ج 22، ص 404-405، ح 1010-1013؛ الآحاد و المثاني، ج 5، ص 361-362، ح 2954 و 2957؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 172-173، ح 4747 و 4750 و 4751؛ السنن الكبرىٰ للبيهقي، ج 10، ص 201، ح 20651، مع اختلاف يسير في المصادر.

6) . هكذا في «د» و المطبوع. و في سائر النسخ و التلخيص و شرح النهج: «تقارف».

7) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: - «صلّى اللّٰه عليه و آله».

8) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ: «من». و في المطبوع: - «متىٰ ».

9) . في «ب»: «في دمها». و في «ف» و الحجري و المطبوع و شرح النهج: «من ذمّها».

10) . في التلخيص: «أو إقامة الحدّ». و في شرح النهج: «أو إقامة الحدّ عليها».

2. الاستدلال بالعلم بصدقها

علىٰ أنّا لا نَحتاجُ - فيما نُريدُ(1)أن نَبنيَه(2)علىٰ هذا الكلامِ - إلَى القَطعِ علىٰ عصمتِها؛ بَل يَكفي في هذا المَوضِعِ العِلمُ بصِدقِها فيما ادَّعَته. و هذا لا خِلافَ فيه بَينَ المُسلِمينَ‌(3)لأنّ أحَداً لا يَشُكُّ في(4)أنّها عليها السلامُ لَم تَدَّعِ ما ادَّعَته كاذبةً ، و لَيسَ بَعدَ أن لا تَكونَ كاذبةً إلّاأن تَكونَ (5)صادقةً . و إنّما اختَلَفوا في أنّه(6)هَل

يَجِبُ مع العِلمِ بصِدقِها تسليمُ ما ادَّعَته بغَيرِ بيّنةٍ ، أم لا يَجِبُ ذلكَ؟

الاستدلال علىٰ أنّ مثل فاطمة عليها السلام لا يحتاج فيما يدّعيه إلىٰ شهادة و لا بيّنة

و الذي يَدُلُّ علَى الفَصلِ الثاني(7): أنّ البيّنةَ إنّما تُرادُ(8)ليَغلِبَ في الظنِّ صدقُ المُدَّعي. ألا تَرىٰ أنّ العَدالةَ مُعتَبَرةٌ في الشهاداتِ‌(9)لمّا كانَت مؤثِّرةً في غَلَبةِ الظنِّ بما(10)ذَكرناه‌؟ و لهذا جازَ أن يَحكُمَ الحاكمُ بعِلمِه مِن غيرِ شهادةٍ‌؛ لأنّ عِلمَه أقوىٰ مِن الشهادةِ‌. و لهذا كانَ الإقرارُ أقوىٰ مِن البيّنةِ ؛ مِن حَيثُ كانَ أبلَغَ في تأثيرِ غَلَبةِ الظنِّ . و إذا قُدِّمَ الإقرارُ علَى الشهادةِ لقُوّةِ الظنِّ عندَه(11)، فأَولىٰ أن يُقدَّمَ العِلمُ


1) . في التلخيص: «فيما يريده إلىٰ » و في شرح النهج: - «فيما نريد».

2) . في «ج، د»: «نبيّنه». و في «ف»: «ينبّه». و في التلخيص: «ننبّهه». و في شرح النهج: «ننبّه».

3) . في التلخيص: «بين الأُمّة».

4) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: - «في».

5) . في «د»: «أن لا تكون» بدل «إلّا أن تكون».

6) . في النسخ و شرح النهج: - «أنّه». و ما أثبتناه مطابق للحجريّ و المطبوع و التلخيص.

7) . و هو قوله: «و من هذه صفته لا يحتاج فيما يدّعيه إلى شهادة و لا بيّنة».

8) . في التلخيص: «تزاد».

9) . هكذا في النسخ و التلخيص و شرح النهج. و في الحجري و المطبوع: «في الشهادة».

10) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: «لما».

11) . في «د»: + «على الشهادة».

علَى الجميعِ‌. و إذا لَم يُحتَجْ مع الإقرارِ إلىٰ شهادةٍ لسُقوطِ حُكمِ الضعيفِ مع القَويِّ‌، فلا يُحتاجُ أيضاً مع العِلمِ إلىٰ ما يؤثِّرُ الظنَّ مِن البيّناتِ و الشهاداتِ‌.

و الذي يَدُلُّ أيضاً علىٰ صحّةِ ما ذَكرناه: أنّه لا خِلافَ بَينَ أهلِ النقلِ في أنّ أعرابيّاً نازَعَ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه في ناقةٍ‌، فقالَ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه: «هذه لي، و قد خَرَجتُ إليكَ مِن ثَمَنِها» فقالَ الأعرابيُّ‌: مَن يَشهَدُ لكَ بذلكَ‌(1)؟ فقامَ خُزَيمةُ بنُ ثابتٍ‌(2)فقالَ‌: أنا أشهَدُ بذلكَ‌. فقالَ له(3)النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه:

«و(4)مِن أينَ عَلِمتَ؟ أحَضَرتَ ابتياعي لها؟» فقالَ‌: لا، و لكِنّي(5)عَلِمتُ ذلكَ مِن حَيثُ عَلِمتُ أنّكَ رَسولُ اللّٰهِ‌. فقالَ النبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه: «قد أجَزتُ شهادتَكَ‌، و جَعَلتُها(6)شهادتَينِ‌». فسُمّيَ خُزَيمةُ بذلكَ‌: «ذا الشهادتَينِ‌».(7)

و هذه القِصَّةُ مُشبِهةٌ لقِصّةِ فاطمةَ‌(8)عليها السلامُ ؛ لأنّ خُزَيمةَ (9)اكتَفىٰ في


1) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ: - «لك». و في الحجري والمطبوع: «بهذا» بدل «بذلك».

2) . تقدّمت ترجمته في ص 315.

3) . في الحجري و المطبوع و شرح النهج: - «له».

4) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع و التلخيص و شرح النهج: - «و».

5) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: «و لكن».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «و جعلها».

7) . مسند أحمد، ج 5، ص 215، ح 21933؛ سنن أبي داود، ج 3، ص 340، ح 3609؛ المعجم الكبير، ج 22، ص 379، ح 946؛ المستدرك على الصحيحين، ج 2، ص 21، ح 2187؛ السنن الكبرىٰ للبيهقي، ج 10، ص 145، ح 20302؛ معرفة السنن و الآثار، ج 14، ص 248، ح 6048؛ جامع الأُصول، ج 10، ص 195، ح 7701؛ أنساب الأشراف، ج 1، ص 509، ح 1025؛ إمتاع الأسماع، ج 7، ص 195، مع اختلاف يسير في الألفاظ.

8) . في التلخيص: «و هذه قصّة مشهورة، و هي مشبهة لقضية فاطمة». و في «د»: «و هذه قصّةٌ » بدل «و هذه القصّة». و في «ب» و شرح النهج: «شبيهة» بدل «مشبهة».

9) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و الحجري و المطبوع: + «بن ثابت».

العِلمِ بأنّ الناقةَ له عليه السلامُ‌(1)، و شَهِدَ(2)بذلكَ مِن حَيثُ عَلِمَ أنّه رسولُ اللّٰهِ (3)و لا يَقولُ إلّاحَقّاً، و أمضَى النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه ذلكَ علىٰ هذا الوجهِ ، ولَم يَدفَعْه(4)عن الشهادةِ مِن حَيثُ لَم يَحضُرِ ابتياعَه. فقَد كانَ يَجِبُ علىٰ مَن عَلِمَ أنّ

فاطمةَ عليها السلامُ لا تَقولُ إلّاحَقّاً أن لا يَستَظهِرَ عليها بطَلَبِ شهادةٍ أو بيّنةٍ .

إشارة إلىٰ قبول أبي بكر تسليم فدك لفاطمة عليها السلام، و منع عمر من ذلك

هذا، و قد رُويَ أنّ أبا بَكرٍ لمّا شَهِدَ لها أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ كَتَبَ بتسليمِ فَدَكَ إليها، فاعتَرَضَ عُمَرُ قَضيّتَه، و خَرَقَ‌(5)ما كَتَبَه.

رَوىٰ إبراهيمُ بنُ مُحمّدٍ الثقَفيُّ‌(6)، عن إبراهيمَ بنِ مَيمونٍ (7)، قالَ : حَدَّثَنا


1) . في «ب» و شرح النهج: «صلّى اللّٰه عليه و آله».

2) . في التلخيص: «و يشهد».

3) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و شرح النهج: + «صلّى اللّٰه عليه و آله». و في المطبوع: + «صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم».

4) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «فلم يدفعه».

5) . في الحجري و المطبوع: «فخرق».

6) . في شرح النهج: «إبراهيم بن السعيد الثقفيّ ». و هو إبراهيم بن محمّد بن سعيد بن هلال الثقفي، أصله كوفي، يكنّى أبا إسحاق، و انتقل من الكوفة إلى أصفهان و أقام بها، و كان زيديّاً أوّلاً و انتقل إلى مذهب الإماميّة، و له مصنفات كثيرة، منها كتاب المغازي، كتاب السقيفة، كتاب الشورى، كتاب الجمل، كتاب صفّين، كتاب الغارات،.... مات سنة ثلاث و ثمانين و مائتين. رجال النجاشي، ص 16، الرقم 19؛ الفهرست للطوسي، ص 12، الرقم 7؛ معالم العلماء، ص 3، الرقم 1؛ معجم الأُدباء، ج 1، ص 104، الرقم 30؛ طبقات المفسّرين (داودي)، ج 1، ص 20، الرقم 20.

7) . إبراهيم بن محمّد بن ميمون، من أجلّاء الشيعة، روى عن عليّ بن عابس، و روى عنه أبو شيبة بن أبي بكر وغيره، فهو من الحسان. ميزان الاعتدال، ج 1، ص 189-190، الرقم 202/322؛ تنقيح المقال، ج 4، ص 354، الرقم 548.

عيسَى بنُ عبدِ اللّٰهِ بنِ مُحمّدِ بنِ عُمَرَ(1)بنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ‌(2)، عن أبيه، عن جَدِّه، عن(3)عليٍّ عليه السلامُ قالَ‌: «جاءَت فاطمةُ عليها السلامُ إلىٰ أبي بَكرٍ، فقالَت(4): «إنّ أَبي أعطاني فَدَكَ‌(5)، و عليٌّ يَشهَدُ لي(6)و أُمُّ أَيمَنَ‌» قالَ‌: ما كُنتِ لِتَقولي علىٰ أبيكِ‌(7)إلّاالحَقَّ‌؛ نَعَم(8)، قد أعطَيتُكِها(9). و دَعا بصَحيفةٍ مِن أَدَمٍ‌(10)، فكَتَبَ لها فيها، فخَرَجَت، فلَقيَت عُمَرَ، فقالَ‌: مِن أينَ جِئتِ‌، يا فاطمةُ؟ قالَت:

«جِئتُ‌(11)مِن عندِ أبي بَكرٍ؛ أخبَرتُه أنّ أبي(12)أعطاني فَدَكَ (13)، و عليٌّ يَشهَدُ لي(14)

و أُمُّ أَيمَنَ ، فأَعطانيها و كَتَبَ بها لي»(15)فأخَذَ عُمَرُ منها الكتابَ ، ثُمّ رَجَعَ إلىٰ


1) . في «ب، ج، ص، ف» و شرح النهج: - «بن عمر بن».

2) . عيسى بن عبد اللّٰه بن محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام، له كتاب يرويه جماعة. رجال النجاشي، ص 295، الرقم 799؛ الفهرست للطوسي، ص 331، الرقم 519.

3) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: + «جدّ أبيه».

4) . هكذا في «د» و التلخيص. و في «ج»: «و قال». و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: «و قالت».

5) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «فدكاً».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: - «لي».

7) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: - «علىٰ أبيك».

8) . في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص و شرح النهج: - «نعم».

9) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و الحجري و المطبوع: «قد أعطيتك إيّاها».

10) . الأدَم: باطن الجلد. و المراد هنا جلد رقيق و هو المعروف بالرَّقّ - بفتح الراء - كانوا يكتبون به. راجع: لسان العرب، ج 12، ص 10 (أدم).

11) . في الحجري و المطبوع: - «جئت».

12) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع و التلخيص: «أنّ رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله».

13) . في «ب، ج، ص، ف»: «فدكاً».

14) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: - «لي».

15) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و الحجري و المطبوع: «و كتبها لي». و في شرح النهج: «و كتب لي بها».

أبي بَكرٍ فقالَ‌: أعطَيتَ فاطمةَ فَدَكَ‌(1)، و كَتَبتَ بها لها(2)؟ قالَ‌: نَعَم، قالَ عُمَرُ: عليٌّ‌(3)يَجُرُّ إلىٰ نفسِه، و أُمُّ أَيمَنَ امرأةٌ‌. و بَصَقَ في الكتابِ‌(4)و مَحاه»(5).

و قد رُويَ هذا المعنىٰ مِن وجوهٍ مُختَلِفةٍ‌(6)، مَن أرادَ الوقوفَ عليها و استقصاءَها أخَذَها مِن مَواضعِها.

و لَيسَ لهم أن يَقولوا: إنّها أخبارُ آحادٍ؛ لأنّها و إن كانَت كذلكَ فأقَلُّ أحوالِها أن توجِبَ الظنَّ‌، و تَمنَعَ مِن القَطعِ علىٰ خِلافِ معناها.

و لَيسَ لهم أن يَقولوا: كَيفَ يُسلِّمُ‌(7)إليها فَدَكَ و هو يَروي عن الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه أنّ ما خَلَّفَه صَدَقةٌ؟ و ذلكَ أنّه لا تَنافيَ بَينَ الأمرَينِ‌؛ لأنّه إنّما سَلَّمَها(8)- علىٰ ما وَرَدَت به الروايةُ - علىٰ سَبيلِ النُّحْلِ‌، فلمّا وَقَعَت المُطالَبةُ بالميراثِ رَوَى الخبرَ في مَنعِ (9)الميراثِ ؛ فلا(10)اختلافَ بَينَ الأمرَينِ .


1) . في «ج، ص، ف»: «فدكاً».

2) . في «ج»: «لها بها». و في «د»: «به لها». و في التلخيص: - «بها».

3) . في شرح النهج: «إنّ عليّاً».

4) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و بصق في الصحيفة و محاها». و في شرح النهج: «فمحاه» بدل «ومحاه».

5) . لم نعثر على الرواية بهذا الإسناد إلّافي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 16، ص 274. و توجد مع اختلاف في تفسير القمّي، ج 2، ص 155، ذيل الآية 38 من سورة الروم (30)؛ السقيفة و فدك، ص 103-107؛ الاحتجاج، ج 1، ص 92؛ أنساب الأشراف، ج 10، ص 79؛ الطبقات الكبرىٰ ، ج 2، ص 240-241؛ سبل الهدى، ج 12، ص 370؛ كنز العمّال، ج 5، ص 623، ح 14097.

6) . في شرح النهج: «من طرق مختلفة، على وجوه مختلفة».

7) . في «ب، ص»: «نسلّم». و في التلخيص: «سلّم».

8) . في التلخيص: «سلّم إليها».

9) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع و شرح النهج: «في معنى».

10) . في «د»: «و لا».

في بيان أنّ فدك كانت في يد فاطمة عليها السلام

فأمّا إنكارُ صاحبِ الكتابِ لكَونِ‌(1)فَدَكَ في يَدِها عليها السلامُ‌: فما رأَيناه اعتَمَدَ في إنكارِ ذلكَ علىٰ حُجّةٍ‌، بَل قالَ‌: «لَو كانَ ذلكَ في يَدِها، لَكانَ الظاهرُ(2)أنّه(3)لها» و الأمرُ علىٰ ما قالَ‌؛ فمِن أينَ أنّها لَم تُخرَجْ عن يَدِها علىٰ وجهٍ يَقتَضي الظاهرُ خِلافَه‌؟ و قد رُويَ مِن طُرُقٍ مُختَلِفةٍ - غَيرِ(4)طريقِ أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ‌(5)الذي ذَكَرَه صاحبُ الكتابِ‌(6)- أنّه لمّا نَزَلَ قولُه تَعالىٰ : (وَ آتِ ذَا الْقُرْبىٰ حَقَّهُ )(7)دَعا النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه فاطمةَ عليها السلامُ فأعطاها فَدَكَ (8)و إذا كانَ ذلكَ مَرويّاً، فلا معنىٰ لدَفعِه بغَيرِ حُجّةٍ .

و قولُه: «لا خِلافَ أنّ العملَ علَى الدعوىٰ لا يَجوزُ» صَحيحٌ ، و قد بيّنّا أنّ قولَها عليها السلامُ إذا كانَ معلوماً صحّتُه وَجَبَ العملُ به، و بيّنّا أنّه معلومٌ صحّتُه.

فأمّا(9)قولُه: «إنّما يُعمَلُ علىٰ ذلكَ متىٰ عُلِمَ صحّتُه بمُشاهَدةٍ أو ما يَجري


1) . في «ج، ص» و الحجري و المطبوع: «كون».

2) . في «د»: «بالظاهر».

3) . في «ج» و المطبوع و شرح النهج: «أنّها».

4) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ: «من». و في المطبوع: «من غير».

5) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: - «الخُدْريّ ».

6) . تقدّم في ص 386.

7) . الإسراء (17):26.

8) . تفسير القمّي، ج 2، ص 18؛ تفسير فرات الكوفي، ص 239-240؛ تفسير العيّاشي، ج 2، ص 287؛ مجمع البيان، ج 6، ص 634؛ تفسير ابن كثير، ج 5، ص 63؛ الدرّ المنثور، ج 4، ص 177، ذيل الآية 26 من سورة الإسراء (17)؛ مسند أبي يعلى، ج 2، ص 334، ح 1075، و ص 534، ح 1409؛ كنز العمّال، ج 3، ص 767، ح 8696.

9) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و أمّا».

مَجراها(1)، أو حَصَلَت بيّنةٌ أو إقرارٌ»(2).

فيُقالُ له: أمّا عِلمٌ بمُشاهَدةٍ‌(3)فلَم يَكُن هُناكَ‌، و أمّا بيّنةٌ (4)فقَد كانَت علَى الحقيقةِ ؛ لأنّ شهادةَ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ مِن أكبَرِ البيّناتِ و أعدَلِها، و لكِن علىٰ مَذهبِكَ إنّه لَم يَكُن هُناكَ بيّنةٌ ! فمِن أينَ زَعَمتَ أنّه لَم يَكُن هُناكَ عِلمٌ و إن(5)لَم يَكُن عن مُشاهَدةٍ ، فقَد أدخَلتَ ذلكَ في جُملةِ الأقسامِ؟

فإن قالَ : لأنّ قولَها عليها السلامُ (6)بمُجرَّدِه لا يَكونُ جِهةً للعِلمِ .(7)

قيل له: و لِمَ قُلتَ ذلكَ؟ أوَ لَيسَ قد دَلَّلنا علىٰ أنّها كانَت معصومةً‌، و أنّ الخَطأَ مأمونٌ عليها؟!(8)ثُمّ لَو لَم يَكُن كذلكَ‌، لَكانَ قولُها في تلكَ القَضيّةِ (9)معلوماً صحّتُه على كُلِّ حالٍ ؛ لأنّها لَو لَم تَكُن مُصيبةً لَكانَت مُبطِلةً عاصيةً فيما ادَّعَته - إذ كانَت(10)الشُّبهةُ لا تَدخُلُ في مِثلِ ذلكَ - و قد أجمَعَت الأُمّةُ علىٰ أنّها عليها السلامُ لَم يَظهَرْ منها بَعدَ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه معصيةٌ بِلا شَكٍّ و ارتيابٍ ؛ بَل أجمَعوا علىٰ


1) . كالعلم الحاصل من الشياع و التواتر.

2) . في «د»: «أو حصل بيّنة و إقرار».

3) . في «ب»: «بالمشاهدة». و في «ص»: «المشاهدة». و في «ج، ف» و الحجري و المطبوع و التلخيص: «مشاهدة».

4) . في «ج» و التلخيص: «البيّنة». و في المطبوع: «بيّنته».

5) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: + «كان».

6) . هكذا في «د». و في غيرها: - «عليها السلام».

7) . في «ب، ج»: «العلم».

8) . تقدّم في ص 395.

9) . في «ب، د» و التلخيص و الحجري: «القصّة».

10) . في «ب»: «إذا كانت». و في «د» و التلخيص: «إذاً». و في «د» و التلخيص و المطبوع و شرح النهج: - «كانت».

أنّها لَم تَدَّعِ إلّاالصحيحَ‌، و إنِ اختَلَفوا؛ فمِن قائلٍ يَقولُ‌: إنّ‌(1)مانِعَها مُخطئٌ‌، و آخَرَ يَقولُ : هو أيضاً مُصيبٌ ؛ لفَقدِ البيّنةِ ، و إن عَلِمَ صِدقَها عليها السلامُ .

فأمّا قولُه: «إنّه عليه السلامُ لَو حاكَمَ غيرَه لَطولِبَ بالبيّنةِ » فقَد تَقدَّمَ في هذا ما

يَكفي(2)، و قِصّةُ خُزَيمةَ بنِ ثابتٍ و قبولِ شهادتِه تُبطِلُ هذا الكلامَ .

و أمّا(3)قولُه: «إنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ حاكَمَ يَهوديّاً علَى الوجهِ الواجبِ في سائرِ الناسِ » فقَد رُويَ ذلكَ ، إلّاأنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ لَم يَفعَلْ مِن ذلكَ ما كانَ يَجِبُ عليه أن يَفعَلَه(4)و إنّما تَبرَّعَ به و استَظهَرَ بإقامةِ الحُجّةِ فيه، و قد أخطَأَ مَن طالَبَه ببيّنةٍ كائناً مَن كانَ .

فأمّا اعتراضُه بأُمِّ سَلَمةَ رَضيَ اللّٰهُ عنها(5): فلَم يَثبُتْ مِن عصمتِها ما ثَبَتَ (6)مِن عصمةِ فاطمةَ عليها السلامُ ؛ فلذلكَ احتاجَت في دَعواها إلىٰ بيّنةٍ .

فأمّا إنكارُه و ادّعاؤه أنّه لَم يَثبُتْ أنّ الشاهدَ في ذلكَ كانَ أميرَ المؤمنينَ‌(7)عليه السلامُ :

فلَم يَزِد في ذلكَ علىٰ مُجرَّدِ الدعوىٰ و الإنكارِ، و الأخبارُ مستفيضةٌ بأنّه عليه السلامُ شَهِدَ لها؛ فدَفعُ ذلكَ بالراحِ (8)لا يُغني شَيئاً.


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: - «إنّ ».

2) . في «د»: «ما كفىٰ ». و قد تقدّم ذلك في ص 397-399.

3) . في «ج»: «فأمّا».

4) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «لم يفعل ذلك و هو واجب عليه».

5) . هكذا في «د». و في غيرها: - «رضي اللّٰه عنها».

6) . في «ج، ص، ف»: «ما يثبت».

7) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «و ادّعاؤه أنّ الشاهد في ذلك لم يثبت أنّه أمير المؤمنين».

8) . هكذا في «ب، د». و في «ج»: «اقتراح». و في «ص»: «بالقراح». و في «ف» و الحجري و المطبوع: «باقتراح». و في شرح النهج: «بالزيغ». و فيما عدا «د» و شرح النهج: + «و».

و قولُه: «إنّ الشاهدَ لها مَولىً لرَسولِ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه» هو المُنكَرُ الذي لَيسَ بمعروفٍ .

و أمّا(1)قولُه: «إنّها عليها السلامُ جَوَّزَت أن يَحكُمَ أبو بَكرٍ بالشاهدِ و اليَمينِ‌» فطَريفٌ‌، مع قولِه فيما بَعدُ: «إنّ الترِكةَ صَدَقةٌ » و لا خَصمَ فيها فتَدخُلَ (2)اليَمينُ في مِثلِها! أ فتَرىٰ أنّ فاطمةَ عليها السلامُ لَم تَكُن تَعلَمُ مِن الشريعةِ هذا المقدارَ الذي نَبَّهَ عليه صاحبُ الكتابِ (3)؟! و لَو لَم تَعلَمْه أما كانَ (4)أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ - و هو أعلَمُ الناسِ بالشريعةِ - يوقِفُها عليه(5)؟!

و قولُه: «إنّها جَوَّزَت عندَ شَهادةِ مَن شَهِدَ لها أن يَتذكَّرَ غيرُهم فيَشهَدَ»(6)باطلٌ‌؛ لأنّ مِثلَها عليها السلامُ لا يَتعرَّضُ للظِّنّةِ و التُّهَمَةِ‌(7)و يُعرِّضُ قولَه(8)للردِّ. و قد كانَ‌

يَجِبُ أن تَعلَمَ (9)مَن يَشهَدُ لها ممّن لا يَشهَدُ حتّىٰ تَكونَ (10)دَعواها علَى الوجهِ الذي يَجِبُ معه القبولُ و الإمضاءُ . و مَن هو دونَها عليها السلامُ في الرُّتبةِ


1) . في «د»: «فأمّا».

2) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في «ب، ص، ف»: «و تدخل». و في «ج»: «و لا تدخل». و في الحجري و المطبوع: «و لا يدخل».

3) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع و شرح النهج: «نبّه صاحب الكتاب عليه».

4) . في «ب»: «أ لما كان». و في «د»: «لكان».

5) . في الحجري و المطبوع: - «عليه».

6) . في «د»: «أن يتذكّره غيرهم فيشهد غيرهم». و في المطبوع: «أن يتذكّر غيرهم فليشهد».

7) . في «د»: «للتهمة و الظنّة».

8) . في «د»: «و تعرّض قوله». و في التلخيص: «و لتعرّض قولها».

9) . في النسخ و التلخيص: «أن يعلم». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و الحجري و شرح النهج.

10) . في النسخ: «حتّى يكون». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و الحجري و التلخيص.

و الجَلالةِ و الصيانةِ مِن أَفناءِ (1)الناسِ ، لا يَتعرَّضُ لمِثلِ هذه الخُطّةِ (2)و يَتوَرَّطُها للتجويزِ الذي لا أصلَ له، و لا أمارةَ عليه.

فأمّا إنكارُ أبي عليٍّ‌ لِأن يَكونَ ادّعاءُ النُّحْلِ قَبلَ ادّعاءِ الإرثِ‌(3)، و عَكسُه الأمرَ فيه: فأوّلُ ما عليه(4): أنّا لا نَعرِفُ له غرضاً صحيحاً في إنكارِ ذلكَ‌؛ لأنّ كَونَ أحَدِ الأمرَينِ قَبلَ الآخَرِ لا يُصحِّحُ له مَذهباً، و لا يُفسِدُ علىٰ مُخالِفيه(5)مَذهباً.

ثُمّ إنّ الأمرَ في أنّ الكلامَ في النُّحلِ كانَ المُتقدِّمَ ظاهرٌ(6)، و الرواياتُ كُلُّها به واردةٌ‌.

و كَيفَ يَجوزُ أن تَبتَدئَ‌(7)بالميراثِ (8)فيما تَدَّعيهِ (9)بعَينِه نُحْلاً؟ أوَ لَيسَ هذا يوجِبُ أن تَكونَ (10)قد طالَبَت بحَقِّها مِن وجهٍ لا تَستَحِقُّه(11)منه مع الاختيارِ؟! و كَيفَ يَجوزُ ذلكَ و الميراثُ يَشرَكُها فيه غيرُها و النُّحْلُ تَنفَرِدُ به ؟


1) . في «د»: «أقبا». و في التلخيص: «أثناء». و الأفناء من الناس: الأخلاط لا يُدرىٰ من أيّ قبيلةٍ هم. راجع: تاج العروس، ج 20، ص 60 (فنو).

2) . في «ب»: «الخطيّة». و في التلخيص: «لحظة». و الخُطّة: الأمر و الحال و الخَطب. لسان العرب، ج 7، ص 290 (خطط).

3) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «الميراث».

4) . هكذا في «د». و معناه: «فأوّل ُ ما يَرِدُ عليه». و في سائر النسخ و المطبوع: «فأوّل ما فيه».

5) . في «ب، ج، ص، ف» و الحجري و شرح النهج: «مخالفه».

6) . في المطبوع و شرح النهج: «ظاهراً».

7) . هكذا في التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «أن يبتدئ».

8) . في شرح النهج: «بطلب الميراث».

9) . في النسخ: «يدّعيه». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و الحجري و التلخيص و شرح النهج.

10) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «أن يكون».

11) . في «ب، ج، ص، ف» و الحجري: «لا يستحقّه».

و لا يَنقَلِبُ مِثلُ هذا(1)علينا مِن حَيثُ طالَبَت بالميراثِ بَعدَ النُّحْلِ‌؛ لأنّها في الابتداءِ طالَبَت بالنُّحْلِ‌، و هو الوجهُ‌(2)الذي تَستَحِقُّ‌(3)فَدَكَ منه(4)، فلمّا دُفِعَت عنه طالَبَت ضَرورةً بالميراثِ‌(5)لأنّ للمدفوعِ عن حَقِّه أن يَتوَصَّلَ (6)إلىٰ تَناوُلِه بكُلِّ وجهٍ و سببٍ . و هذا بخِلافِ ما قاله أبو عَليٍّ ؛ لأنّه أضافَ إليها عليها السلامُ ادّعاءَ الحقِّ مِن وجهٍ لا تَستَحِقُّه(7)منه و هي مُختارةٌ .

فأمّا إنكارُه أن يَكونَ عُمَرُ بنُ عبدِ العَزيزِ رَدَّ فَدَكَ (8)علىٰ وجهِ النُّحْلِ ، و(9)ادّعاؤه أنّه فَعَلَ في(10)ذلكَ مِثلَ (11)ما فَعَلَه عُمَرُ بنُ الخَطّابِ مِن إقرارِها في يَدِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ ليَصرِفَ غَلّاتِها في جِهاتِها.

فأوّلُ ما فيه: أنّا(12)لا نَحتَجُّ عليه بفِعلِ عُمَرَ بنِ عبدِ العَزيزِ علىٰ أيِّ وجهٍ وَقَعَ‌؛

لأنّ فِعلَه لَيسَ بحُجّةٍ‌. و لَو أرَدنا الاحتجاجَ بهذا الجنسِ مِن الحُجَجِ لَذَكرنا فِعلَ المأمونِ‌؛ فإنّه رَدَّ فَدَكَ بَعدَ أن جَلَسَ مَجلِساً مشهوراً، حَكَمَ فيه بَينَ خَصمَينِ


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «مثل ذلك».

2) . في «ب، ج، ص، ف» و الحجري: - «الوجه».

3) . في «د»: «الأوّل» بدل «الذي». و في «ب، ج، ص، ف» و الحجري: «يستحقّ » بدل «تستحقّ ».

4) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «منه فدك».

5) . أي اضطُرّت إلى المطالبة بالميراث.

6) . في التلخيص: «أن يتوسّل».

7) . في «ب، ص» و التلخيص: «لا يستحقّه».

8) . في «ب، ج، ص، ف» و الحجري: «فدكاً».

9) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «ثمّ ».

10) . في «ب، ج، ص»: «من». نعم، ذُكر في حاشية «ج» ما أثبتناه.

11) . في «ب، ج، ص، ف» و شرح النهج: - «مثل».

12) . في «ج»: «أنّه».

نَصَبَهما: أحَدُهما لفاطمةَ عليها السلامُ‌، و الآخَرُ لأبي بَكرٍ؛ و رَدَّها بَعدَ قيامِ الحُجّةِ و وضوحِ الأمرِ.(1)

فلم تزل في أيديهم حتّى كان في أيّام المتوكّل، فأقطعها عبد اللّٰه بن عمر البازيار. و كانت فيها إحدى عشرة نخلةً غرسها رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله بيده، فكان بنو فاطمة يأخذون ثمرها، فإذا قدم الحُجّاج أهدوا إليهم من ذلك التمر فيصلونهم، فيصير إليهم من ذلك مال جزيل جسيم، فصرم عبد اللّٰه بن عمر البازيار ذلك التمر و وجَّه رجلاً يقال له بشر بن أبي أُميّة الثقفي إلى المدينة فصرمه، ثمّ عاد إلى البصرة ففلج». شرح نهج البلاغة، ج 16، ص 217.

و مع ذلكَ فإنّه أنكَرَ مِن فِعلِ عُمَرَ بنِ عَبدِ العَزيزِ ما هو معروفٌ مشهورٌ لا خِلافَ‌(2)بَينَ أهلِ النقلِ فيه.

و قد رَوىٰ مُحمّدُ بن زَكَريّا الغَلابيُّ‌(3)عن شُيوخِه، عن أبي المِقدامِ هِشامِ بنِ زيادٍ مَولىٰ آلِ عُثمانَ (4)قالَ :..................


1) . نقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة من كتاب أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في السقيفة و فدك، بسنده عن مهدي بن سابق، قال: «جلس المأمون للمظالم، فأوّل رقعة وقعت في يده نظر فيها و بكى، و قال للذي على رأسه: نادِ أين وكيل فاطمة ؟ فقام شيخ عليه دُرّاعة و عمامة و خفّ تعزّي (نسبة إلى تعزّ في اليمن)، فتقدّم فجعل يناظره في فدك و المأمون يحتجّ عليه، و هو يحتجّ على المأمون، ثمّ أمر أن يسجَّل لهم بها، فكتب السجلّ و قُرئ عليه فأنفذه، فقام دعبل إلى المأمون فأنشده الأبيات التي أوّلها: أصبح وجه الزمان قد ضحكا بردّ مأمون هاشم فدكا

2) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «بلا خلاف».

3) . في «ب»: «العلاي». و في «ص»: «العلا». و في التلخيص: «القلابيّ ». و الرجل هو محمّد بن زكريّا الغلابي، البصري الأخباري، يروي عن أبي الوليد الطيالسي، و شعيب بن واقد، و البصريين. كان صاحب حكايات و أخبار، يُعتبر حديثه إذا روى عن الثقات. له كتاب الحكمين و الجمل و الناهضين إلى وقعته، أخبار صفيّن. الثقات لابن حبّان، ج 9، ص 154، الرقم 15737؛ معالم العلماء، ص 117، الرقم 780؛ الوافي بالوفيات، ج 3، ص 77، الرقم 986.

4) . هشام بن زياد، أبو المقدام البصري، مولى لآل عثمان بن عفّان. روىٰ عن الحسن البصري،

لمّا وَلِيَ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزيزِ رَدَّ(1)فَدَكَ علىٰ ولدِ فاطمةَ عليها السلامُ‌، و كَتَبَ إلىٰ‌

واليهِ علَى المَدينةِ أبي بَكرِ بنِ عَمرِو(2)بنِ حَزمٍ‌(3)يأمُرُه بذلكَ‌، فكَتَبَ إليه: إنّ فاطمةَ عليها السلامُ‌(4)قد وَلَدَت في آلِ عُثمانَ و آلِ فُلانٍ و فُلانٍ (5)[فعَلىٰ مَن أرُدُّ منهم ؟](6)فكَتَبَ إليه: أمّا بَعدُ، فإنّي لَو(7)كَتَبتُ إليكَ آمُرُكَ أن تَذبَحَ شاةً لَسألتَني: جَمّاءَ أو قَرْناءَ؟(8)، أو كَتَبتُ إليكَ أن تَذبَحَ بَقَرةً لَسألتَني: ما لَونُها؟ فإذا وَرَدَ عليكَ كتابي هذا فاقسِمْها في(9)ولدِ فاطمةَ مِن عليٍّ عليه السلامُ (10).

و ذكوان أبي صالح السمّان، و زياد أبيه، و أبي الزناد. و روى عنه إبراهيم بن محمد الثقفي، و آدم بن أبي إياس، و إسماعيل بن صبيح، و بشر بن إبراهيم الأنصاري. تاريخ مدينة دمشق، ج 74، ص 10، الرقم 10056؛ تهذيب التهذيب، ج 11، ص 38، الرقم 78.


1) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «فردّ».

2) . في «ب» و الحجري و المطبوع: «عمر».

3) . أبو بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم، قاضي المدينة وقد ولّاه عمر بن عبد العزيز عليها، و لم يكن على المدينة أنصاريّ أميراً غيره. روى عن عبّاد بن تميم، و سلمان الأغرّ، و عبد اللّٰه بن قيس بن مخرمة، و كان كثير العبادة و التهجّد. توفّي سنة عشرين و مائة. الجرح والتعديل، ج 9، ص 337، الرقم 1492؛ الطبقات الكبرىٰ ، ج 5، ص 335، الرقم 1026؛ أخبار القضاة، ص 93؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 66، ص 41، الرقم 8391؛ صفة الصفوة، ج 2، ص 92، الرقم 175؛ الوافي بالوفيات، ج 10، ص 247، الرقم 4744.

4) . في «ب، ج، ص، ف» و شرح النهج: - «عليها السلام».

5) . في «ب، ج، ص، ف» و الحجري و المطبوع: «و آل فلان». و في «د» و التلخيص: - «و فلان».

6) . ما بين المعقوفين من شرح النهج.

7) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: + «كنت».

8) . الجمّاء و القرناء مؤنّث الأجمّ و الأقرن، و الأوّل ما لا قرن له، بعكس الثاني. راجع: لسان العرب، ج 12، ص 108 (جمم).

9) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «بين».

10) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: - «عليه السلام». و في المطبوع و شرح النهج: + «و السلام».

قالَ أبو المِقدامِ‌: فنَقِمَت بَنو أُميّةَ ذلكَ علىٰ عُمَرَ بنِ عَبدِ العَزيزِ و عاتَبوه فيه، و قالوا له: هَجَّنتَ‌(1)فِعلَ الشيخَينِ‌. و خَرَجَ إليه عُمَرُ بنُ قَيسٍ‌(2)في جَماعةٍ مِن أهلِ الكوفةِ‌، فلمّا أوصَلَهم قالَ - لمّا(3)عاتَبوه علىٰ فِعلِه -(4): إنّكم جَهِلتُم و عَلِمتُ ، و نَسيتُم و ذَكَرتُ ؛ إنّ أبا بَكرِ بنِ (5)مُحمّدِ بنِ عَمرِو(6)بنِ حَزمٍ حَدَّثني عن أبيه، عن جَدِّه، أنّ رسولَ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه قالَ : «فاطمةُ بَضعةٌ مِنّي؛ يُسخِطُني ما أسخَطَها(7)، و يُرضيني ما أرضاها(8)»(9)و إنّ فَدَكَ كانَت صافيةً علىٰ عَهدِ أبي بَكرٍ


1) . في التلخيص: «هيّجت». و هَجَّنَ الأمرَ: قَبَّحَه وعابَه. راجع: لسان العرب، ج 13، ص 431 (هجن).

2) . في الحجري: «عمر بن عبس». و في المطبوع: «عمرو بن عبس». و في التلخيص: «عمرو بن قيس».

3) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «أوصلهم قال لمّا».

4) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: + «قال».

5) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «بن».

6) . في «د»: «عمر».

7) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «يسخطني ما يسخطها». و في شرح النهج: «يسخطها ما يسخطني».

8) . في «ب» و حاشية «ف» و الحجري و المطبوع: «و يرضيني ما يرضيها».

9) . الأمالي للصدوق، ص 104، المجلس 22، ح 3؛ علل الشرائع، ج 1، ص 186؛ كفاية الأثر، ص 37 و 64 و 65؛ شرح الأخبار، ج 3، ص 59، ح 977؛ الأمالي للطوسي، ص 24، المجلس 1، ح 30؛ المناقب لابن شهر آشوب، ج 3، ص 332؛ كشف الغمّة، ج 1، ص 467؛ مسند أحمد، ج 4، ص 5، ح 16168، و ص 328، ح 18946؛ صحيح البخاري، ج 3، ص 1361، ح 3510، و ص 1374، ح 3556، و ج 5، ص 2004، ح 4932؛ صحيح مسلم، ج 4، ص 1902، ح 93/2449 و 94؛ سنن أبي داود، ج 1، ص 632، ح 2071؛ سنن ابن ماجة، ج 1، ص 643، ح 1998؛ الجامع الصحيح، ج 5، ص 698، ح 3867 و 3869؛ المعجم الكبير، ج 22، ص 404-405، ح 1010-1013؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 172-173، ح 4747 و 4750 و 4751، مع اختلاف في الألفاظ.

و عُمَرَ، ثُمّ صارَ أمرُها إلىٰ مَروانَ‌، فوَهَبَها لأَبي عَبدِ العَزيزِ، فوَرِثتُها أنا و إخوَتي(1)،

فسَألتُهم أن يَبيعوني حِصّتَهم منها؛ فمنهم مَن باعَني، و منهم مَن وَهَبَ لي حتَّى استَجمَعتُها، فرأَيتُ أن أرُدَّها علىٰ ولدِ فاطمةَ عليها السلامُ‌، فقالوا: فإن(2)أبَيتَ إلّا هذا فأمسِكِ الأصلَ ، و اقسِمِ الغَلّةَ ؛ ففَعَلَ .(3)

الوجه في ترك أمير المؤمنين عليه السلام فدك عند إفضاء الأمر إليه

فأمّا ما ذَكَرَه مِن تَركِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ فَدَكَ لمّا أفضَى الأمرُ إليه، و استدلالُه بذلكَ علىٰ أنّه لَم يَكُن الشاهدَ فيها: فالوجهُ في تَركِه عليه السلامُ رَدَّ فَدَكَ هو الوجهُ في إقرارِه أحكامَ القومِ ، و كَفِّه عن نقضِها و تغييرِها. و قد بيّنّاه في هذا الكتابِ مُجمَلاً و مُفصَّلاً، و ذَكرنا أنّه عليه السلامُ كانَ في انتهاءِ الأمرِ إليه في تَقيّةٍ مِن البَقيّةِ (4)قَويّةٍ .(5)

نفي أن تكون حُجَر أزواج النبي صلى الله عليه و آله ملكاً لهنّ

فأمّا استدلالُه علىٰ أنّ حُجَرَ أزواجِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه كانَت لَهُنَّ بقَولِه عَزَّ و جَلَّ : (وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ )(6): فمِن عجيبِ الاستدلالِ ؛ لأنّ هذه الإضافةَ لا


1) . في المطبوع و التلخيص: «و إخواني». و في شرح النهج: + «عنه».

2) . في «ج، ص، ف» و الحجري و المطبوع: «إن».

3) . تاريخ مدينة دمشق، ج 45، ص 178، الرقم 5242؛ فتوح البلدان، ص 41-42، معجم البلدان، ج 4، ص 239 «فدك»؛ الطبقات الكبرىٰ ، ج 5، ص 303، الرقم 995، الكامل لابن الأثير، ج 2، ص 225؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 16، ص 278، مع اختلاف في الألفاظ والإسناد.

4) . في «ج، ص، ف» و الحجري و المطبوع و شرح النهج: «بقيّة من التقيّة». و في التلخيص: - «من البقيّة».

5) . تقدّم في ج 2، ص 391-393؛ و ج 3، ص 11-12؛ و ج 4، ص 175 و ما بعدها.

6) . الأحزاب (33):33.

تَقتَضي المِلكَ‌، بَل العادةُ جاريةٌ فيها بأنّها تُستَعمَلُ مِن جِهةِ السُّكنىٰ‌؛ و لهذا(1)يُقالُ‌:

«هذا بَيتُ فُلانٍ و مَنزِلُه(2)و مَسكَنُه» و لا يُرادُ بذلكَ المِلكُ . و قد قالَ اللّٰهُ تَعالىٰ : (لاٰ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَ لاٰ يَخْرُجْنَ إِلّاٰ أَنْ يَأْتِينَ بِفٰاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ )(3)و لا شُبهةَ في أنّه تَعالىٰ أرادَ مَنازلَ الأزواجِ التي يُسكِنونَ فيها زَوجاتِهم، و لَم يُرِد بهذه الإضافةِ المِلكَ .

فأمّا ما رَواه مِن أنّ رسولَ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه قَسَمَ حُجَرَه علىٰ نِسائه و بَناتِه(4): فمِن أينَ له - إذا كانَ هذا(5)الخبرُ صَحيحاً - أنّ هذه القِسمةَ علىٰ جِهةِ التمليكِ ، دونَ الإسكانِ و الإنزالِ؟ و لَو كانَ قد ملَّكَهُنَّ ذلكَ لَوَجَبَ أن يَكونَ ظاهراً مشهوراً.(6)

فأمّا الوجهُ في تَركِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ لمّا صارَ الأمرُ إليه و(7)في يَدِه

مُنازَعةَ الأزواجِ في هذه الحُجَرِ: فهو ما تَقدَّمَ و تَكرَّرَ.(8)

بحث حول تقيّة الإمام

فأمّا قولُه: «إن(9)جازَت التقيّةُ للأئمّةِ و حالُهم في العصمةِ ما يَقولونَ (10)، جازَت


1) . في «د»: «و بهذا».

2) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «و منزله».

3) . الطلاق (65):1.

4) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «بناته و نسائه».

5) . في «ج» و شرح النهج: - «هذا».

6) . في التلخيص: «مشهوداً».

7) . في «ب، ص» و الحجري و المطبوع و شرح النهج: - «و».

8) . من إقرار أحكام من تقدّمه تقيّة. و قد تقدّمت الإشارة إلىٰ مواضع ذلك من الكتاب قبل قليل.

9) . في المطبوع: «إذا».

10) . هكذا في «د» و هو المطابق لما في المغني. و في سائر النسخ و الحجري: «يدّعون». و في المطبوع: «تدّعون».

علَى الرسولِ صلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه» فالفَرقُ بَينَ الأمرَينِ واضحٌ‌؛ لأنّ الرسولَ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه مُبتَدئٌ‌(1)بالشرائعِ‌(2)، و مُفتَتِحٌ‌(3)لتعريفِ الأحكامِ التي لا تُعرَفُ إلّامِن جِهتِه و تِبيانِه(4)فلَو جازَت عليه التقيّةُ لَأخَلَّ‌(5)ذلكَ بإزاحةِ عِلّةِ المُكلَّفينَ‌، و لَفَقَدوا الطريقَ إلىٰ مَعرِفةِ مَصالِحِهم الشرعيّةِ التي قد بيّنّا(6)أنّها لا تُعرَفُ إلّامِن جِهتِه. و الإمامُ بخِلافِ هذا الحُكمِ‌؛ لأنّه مُنَفِّذٌ للشرائعِ‌(7)التي قد عُلِمَت مِن غيرِ جِهتِه، و لَيسَ يَقِفُ العِلمُ بها و الحَقُّ فيها علىٰ قولِه دونَ غيرِه؛ فمَن(8)اتّقىٰ في بعضِ الأحكامِ لسببٍ‌(9)يوجِبُ ذلكَ لَم تُخِلَّ‌(10)تَقيّتُه(11)بمَعرِفةِ الحَقِّ و إمكانِ الوصولِ إليه. و الإمامُ و الرسولُ و إنِ استَوَيا في العصمةِ فلَيسَ يَجِبُ أن يَستَويا في جَوازِ التقيّةِ ؛ للفَرقِ الذي ذَكرناه؛ لأنّ الإمامَ لَم تَجُزْ(12)عليه التقيّةُ (13)لأجلِ


1) . في «د»: «مبتد».

2) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «بالشرع».

3) . في «د» و الحجري: «و مفتح».

4) . هكذا في «د». و في «ب، ص»: «و بيّناته». و في «ف»: «و ببيانه». و في «ج» و الحجري و المطبوع: «و بيانه».

5) . في «ب، ص، ف»: «لأجل».

6) . في المطبوع: «بيّنها».

7) . في «ب، ص»: «الشرائع».

8) . في «ب، ص»: «فمتى».

9) . في «ج، ص، ف»: «بسبب». نعم، ورد في حاشيتَي «ج، ف» ما أثبتناه. و في «ب»: «يستوجب» بدل «يوجب».

10) . هكذا في «ب». و في سائر النسخ و المطبوع: «لم يُخلّ ».

11) . في المطبوع: «تقيّة».

12) . في «د»: «لم يجب». و في «ص، ف» و الحجري: «لم يجز».

13) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «التقيّة عليه».

العصمةِ ، و لَيسَ للعصمةِ تأثيرٌ في جوازِ التقيّةِ و لا نَفيِ جوازِها.

فإن قيلَ : ألَيسَ مِن قولِكم: إنّ قولَ (1)الإمامِ حُجّةٌ في الشرائعِ؟ و قد يَجوزُ عندَكم أن يَنتَهيَ الأمرُ إلىٰ أن يَكونَ الحقُّ لا يُعرَفُ إلّامِن جِهتِه و بقَولِه بأن يُعرِضَ الناقلونَ عن النقلِ ، فلا يَرِدَ إلّامِن جِهةِ مَن لا تَقومُ (2)الحُجّةُ بقَولِه. و هذا يوجِبُ مُساواةَ الإمامِ للرسولِ فيما فَرَّقتم بَينَهما فيه.

قُلنا: إذا كانَت الحالُ في الإمامِ علىٰ ما صَوَّرتموه(3)، و تَعيَّنَت الحُجّةُ في قولِه، فإنّ التقيّةَ لا تَجوزُ عليه، كما لا تَجوزُ علَى النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه.

فإن قيلَ : فلَو قَدَّرنا(4)أنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه قد بَيَّنَ جميعَ الشرائعِ و الأحكامِ التي يَلزَمُه بيانُها حتّىٰ لَم يَبقَ (5)شُبهةٌ في ذلكَ و لا رَيبٌ ، أ كانَ (6)يَجوزُ - و الحالُ هذه - عليه(7)التقيّةُ في بعضِ الأحكامِ؟

قُلنا: لَيسَ يَمتَنِعُ عندَ قُوّةِ أسبابِ الخَوفِ الموجِبةِ للتقيّةِ أن يَتَّقيَ إذا لَم تَكُن(8)تَقيّتُه(9)مُخِلّةً بالوصولِ إلَى الحقِّ و لا مُنفِّرةً عنه.

ثُمّ يُقالُ لصاحبِ الكتابِ : ألَيسَت التقيّةُ عندَكَ جائزةً علىٰ جميعِ المؤمنينَ (10)


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و الحجري و المطبوع: - «قول».

2) . في «ج، د، ص، ف» و الحجري: «لا يقوم». و في «ج»: «يقوم» بدل «لا تقوم».

3) . في «د»: «إذا كان الحال في الإمام ما صوّرتموه».

4) . في التلخيص: «جوّزنا».

5) . في «ج، ص، ف» و التلخيص: «لم تبق».

6) . هكذا في «د» و التلخيص. و في «ب»: «إن كان». و في سائر النسخ و الحجري و المطبوع: «لكان».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: - «عليه».

8) . في النسخ والحجريّ : «لم يكن». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع والتلخيص.

9) . في «ج» و المطبوع: «التقيّة».

10) . في التلخيص: «علىٰ جميع الأُمّة»

عندَ حصولِ أسبابِها، و عَلى الأميرِ و الإمامِ (1)؟

فإن قالَ : هي جائزةٌ علَى المؤمنينَ ، و لَيسَت جائزةً علَى الأميرِ و الإمامِ .

قُلنا: و أيُّ فَرقٍ بَينَهم، و الأميرُ و الإمامُ (2)عندَكَ لَيسا بحُجّةٍ في شَيءٍ - كما أنّ النبيَّ (3)حُجّةٌ - فيُمتنَعَ مِن تَقِيَّتِهما(4)لمَكانِ الحُجّةِ بقَولِهما؟ فإنِ اعتَرَفَ بجوازِها عليهما، قيلَ له: فألّا جازَت(5)علَى النبيِّ قياساً علَى الأميرِ و الإمامِ؟

فإن قالَ : لأنّ قولَ النبيِّ حُجّةٌ ، و لَيسَ الأميرُ و الإمامُ كذلكَ .

قيلَ له: و أيُّ تأثيرٍ للحُجّةِ‌(6)في ذلكَ إذا لَم تَكُن(7)التقيّةُ مانعةً مِن إصابةِ الحقِّ و لا مُخِلّةً‌(8)بالطريقِ إليه‌؟ و خَبِّرْنا عن الجماعةِ التي نَقلُها في بابِ الإخبارِ حُجّةٌ لَو ظَفِرَ بهم جَبّارٌ ظالمٌ - مُتفرِّقينَ أو مُجتَمِعينَ - فسَألَهم عن مَذاهبِهم و هُم يَعلَمون أو يَغلِبُ في ظُنونِهم أنّهم متىٰ ذَكروها علىٰ وجهِها قَتَلَهم و أباحَ حَريمَهم، ألَيسَت التقيّةُ‌(9)جائزةً علىٰ هؤلاءِ‌، مع أنّ‌(10)الحُجّةَ في أقوالِهم ؟

فإن مَنَعَ مِن جوازِ التقيّةِ علىٰ مَن ذَكرناه(11)، دَفَعَ ما هو معلومٌ ، و(12)قيلَ له: و أيُّ


1) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «على الإمام و الأمير» في الموضعين.

2) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و أيّ فرق بين ذلك و الإمام و الأمير».

3) . في «ج» و الحجري و المطبوع: + «صلّى اللّٰه عليه و آله». و هكذا في الموارد الآتية.

4) . هكذا في «د». و في سائر النسخ: «فيمتنع من ذلك». «و في الحجري»: «فتمتنع من ذلك». و في المطبوع: «فتمنع من ذلك». و في التلخيص: «فيمنع من تقيّتهما».

5) . هكذا في التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «جاز».

6) . في «ص»: «في الحجّة».

7) . في «ب، د، ص» و الحجري: «لم يكن».

8) . في «ب، ج، ص»: «و لا بمخلّة».

9) . في «ب»: + «واجبة».

10) . في «ب، ج، ص، ف»: - «أنّ ».

11) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «ما ذكرناه».

12) . في «ج، ص»: «و إلّا». و في المطبوع: - «و».

فَرقٍ بَينَ هذه الجماعةِ و بَينَ مَن نَقَصَ عن عَدَدِها(1)في جوازِ التقيّةِ؟ فلا يَجِدُ في ذلكَ (2)فَرقاً.

فإن قال َ : إنّما جَوَّزنا التقيّةَ علىٰ مَن ذَكرتم لظُهورِ الإكراهِ و الأسبابِ المُلجِئةِ إلَى التقيّةِ ، و مَنَعناكم مِن مِثلِ ذلكَ لأنّكم تَدَّعونَ تَقيّةً لَم تَظهَرْ أسبابُها و لا الأُمورُ الحاملةُ عليها مِن إكراهٍ و غيرهِ (3).

قيلَ له: هذا اعترافٌ بما أرَدناه مِن جوازِ التقيّةِ عندَ وجودِ أسبابِها، و صارَ الكلامُ الآنَ في تفصيلِ هذه الجُملةِ‌. و لَسنا نَذهَبُ في مَوضِعٍ مِن المَواضعِ إلىٰ أنّ الإمامَ اتَّقىٰ بغَيرِ سببٍ موجِبٍ لتقيّتِه و حاملٍ علىٰ فعلِه، و الكلامُ في التفصيلِ غيرُ الكلامِ في الجُملةِ‌.

و لَيسَ كُلُّ الأسبابِ التي توجِبُ التقيّةَ تَظهَرُ لكُلِّ أحَدٍ و يَعلَمُها جميعُ‌(4)الخَلقِ ، بَل رُبَّما اختَلَفَت الحالُ فيها، و علىٰ كُلِّ حالٍ فلا بُدَّ مِن أن تَكونَ معلومةً لِمَن أَوجَبَت تَقيّتَه(5)، و معلومةً أو مُجوَّزةً لغَيرِه؛ و لهذا قد نَجِدُ بعضَ المُلوكِ يَسألُ رَعيّتَه عن أُمورٍ(6)، فيَصدُقُه بعضُهم عنها(7)، و لا يَصدُقُه آخَرونَ و يَستَعمِلونَ ضُروباً(8)مِن التوريةِ ؛ و لَيسَ ذلكَ إلّالأنّ مَن صَدَقَ لَم يَخَفْ علىٰ نفسِه و مَن جَرىٰ


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «عدّتها».

2) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «في ذلك».

3) . في «د»: «و لا الأمور الحاصلة عليها من إكراهٍ أو غيره».

4) . في «ب» و التلخيص: «كلّ ».

5) . في الحجري: «أوجبت تقيّة». و في المطبوع: «أوجب تقيّة».

6) . هكذا في التلخيص. و في «د»: - «عن أُمور». و في سائر النسخ و المطبوع: «عن أمر».

7) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «عن ذلك».

8) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «ضرباً».

مَجرىٰ نفسِه، و مَن وَرّىٰ فلأنّه خافَ علىٰ نفسِه(1)، و غَلَبَ في ظنِّه وقوعُ الضرَرِ به متىٰ صَدَقَ عمّا سُئلَ عنه(2). و لَيسَ يَجِبُ أن يَستَويَ حالُ الجميعِ ، و أن يَظهَرَ لكُلِّ أحَدٍ السببُ في تقيّةِ مَن اتَّقىٰ ممّن ذَكرناه(3)بعَينِه، حتّىٰ تَقَعَ الإشارةُ إليه علىٰ سَبيلِ التفصيلِ ، و حتّىٰ يَجريَ مَجرَى العَرْضِ علَى السَّيفِ في المَلإ مِن الناسِ ؛ بَل رُبَّما كانَ ظاهراً كذلكَ (4)، و رُبَّما كانَ خافياً(5).

فإن قيلَ‌: فمعَ‌(6)تجويزِ التقيّةِ علَى الإمامِ ، كَيفَ السبيلُ إلَى العِلمِ بمَذاهبِه و اعتقاداتِه ؟(7)و كَيفَ يَتخلَّصُ (8)لنا ما يُفتي به علىٰ سَبيلِ التقيّةِ مِن غيرِه ؟

قُلنا: أوّلُ ما نَقولُه في ذلكَ أنّ الإمامَ لا يَجوزُ أن يَتَّقيَ فيما لا يُعلَمُ إلّامِن جِهتِه، و لا طريقَ‌(9)إليه إلّامِن ناحيةِ قولِه؛ و إنّما تَجوزُ(10)التقيّةُ عليه فيما قد بانَ بالحُجَجِ‌

و البيّناتِ‌، و نُصِبَت عليه الدلالاتُ ، حتّىٰ لا تَكونُ (11)فُتياه فيه مُزيلةً لطريقِ (12)إصابةِ الحقِّ و موقِعةً للشُّبهةِ .


1) . في التلخيص: - «علىٰ نفسه».

2) . في «ف» و الحجري و المطبوع: «فيه».

3) . في «ج» و التلخيص: «ذكرنا».

4) . في «ب، د»: «لذلك».

5) . هكذا في جميع النسخ و التلخيص. و في المطبوع: «خاصّاً».

6) . هكذا في «ب، د». و في سائر النسخ و المطبوع: «مع».

7) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و اعتقاده».

8) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في الحجري و المطبوع: «يخلص». و المراد ب‍ «يتخلَّص»: يتميّز.

9) . في «ب، ص، ف»: «و لا الطريق».

10) . هكذا في التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «يجوز».

11) . هكذا في «ب» و التلخيص. و في «د» الكلمة غير منقوطة. و في سائر النسخ و المطبوع: «لا يكون».

12) . في «ب» و المطبوع: «الطريق».

ثُمّ لا يَتَّقي(1)في شَيءٍ إلّاو يَدُلُّ علىٰ خروجِه منه مَخرَجَ التقيّةِ‌؛ إمّا بما(2)يُصاحِبُ كلامَه أو يَتقدَّمُه أو يَتأخَّرُ عنه. و مَن اعتَبَرَ جميعَ ما رُويَ عن أئمّتِنا عليهم السلامُ علىٰ سَبيلِ التقيّةِ وَجَدَه لا يَعرىٰ ممّا(3)ذَكرناه.(4)

ثُمّ إنّ التقيّةَ إنّما تَكونُ مِن العدوِّ دونَ الوليِّ‌، و مِن المُتَّهَمِ دونَ الموثوقِ به؛ فما يَصدُرُ عنهم(5)إلىٰ أوليائهم و شيعتِهم و نُصَحائهم(6)في غيرِ مَجالسِ الخَوفِ يَرتَفِعُ الشكُّ في أنّه علىٰ غيرِ جِهةِ‌(7)التقيّةِ ، و ما يُفتونَ به العدوَّ أو(8)يُمتَحَنونَ به في مَجالسِ الخَوفِ (9)يَجوزُ أن يَكونَ علىٰ سَبيلِ التقيّةِ كما يَجوزُ أن يَكونَ علىٰ (10)غيرِها.

ثُمّ نَقلِبُ (11)هذا السؤالَ علَى المُخالفِ ، فيُقالُ له: إذا أجَزتَ علىٰ جميعِ الناسِ التقيّةَ عندَ الخَوفِ الشديدِ و ما يَجري مَجراه، فمِن أينَ تَعرِفُ (12)مَذاهبَهم


1) . في «د»: «لا يبقى» و في التلخيص: «لا تبقى».

2) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ والمطبوع: «لما». و من قوله: «و موقعة للشبهة» الىٰ هنا ساقط من «ب».

3) . في المطبوع: «ما».

4) . راجع: المحاسن، ج 1، ص 255-260، باب التقيّة؛ الكافي، ج 3، ص 548 و ما بعدها، باب التقيّة (ج 2، ص 217-221، ط. الإسلاميّة).

5) . في «د»: - «عنهم».

6) . في التلخيص: «و أصحابهم».

7) . في «ب»: «غير وجه». و في التلخيص: - «غير».

8) . في «ب»: «الأعداء و». و في «د»: - «أو».

9) . في «ب»: «الحقّ و». و في «د»: + «و». و في «ص»: «الجور و».

10) . في «ج، ص»: - «علىٰ سبيل التقيّة كما يجوز أن يكون علىٰ ».

11) . في «ب، ص»: «يقلب». و في التلخيص: «يقلب له».

12) . في «ج، د، ص، ف»: «يعرف».

و اعتقادَهم‌؟ و كَيفَ تَفصِلُ‌(1)بَينَ ما يُفتي به المُفتي منهم علىٰ سَبيلِ التقيّةِ و بَينَ ما يُفتي به و هو مَذهبٌ له يَعتَقِدُ صحّتَه ؟ فلا بُدَّ له(2)ضرورةً مِن الرجوعِ إلىٰ ما ذَكرناه.

فإن قالَ : أعرِفُ مَذهبَ غيري - و إن أجَزتُ عليه التقيّةَ - بأن يَضطَرَّني(3)إلَى اعتقادِه، و عندَ التقيّةِ لا يَكونُ كذلكَ (4).

قُلنا: و ما المانعُ لنا مِن أن نقولَ هذا بعَينِه فيما سألتَ عنه ؟

فأمّا ما تَلا صاحبُ الكتابِ كلامَه الذي حكَيناه عنه به(5)مِن الكلامِ في التقيّةِ‌، و [هو] قولُه: «إنّ ذلكَ يوجِبُ أن لا يوثَقَ بنَصِّه علىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ »: فإنّما بَناه علىٰ أنّ النبيَّ (6)صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه يَجوزُ عليه التقيّةُ علىٰ كُلِّ

حالٍ ، و قد بيّنّا ما في ذلكَ و استَقصَيناه.(7)

و قولُه: «ألّا جازَ أن يَكونَ أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ نبيّاً، و عَدَلَ عن ادّعاءِ ذلكَ تَقيّةً؟» فيُبطِلُه ما ذَكرناه مِن أنّ التقيّةَ لا تَجوزُ علَى النبيِّ (8)و الإمامِ فيما لا يُعلَمُ (9)إلّا مِن جِهتِه. و يُبطِلُه - زائداً علىٰ ذلكَ - ما نَعلَمُه نَحنُ و كُلُّ عاقلٍ ضَرورةً مِن أنّ نفيَ النبوّةِ بَعدَه - علىٰ كُلِّ حالٍ - مِن دينِ الرسولِ (10)صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه.(11)


1) . في «د»: «نفصل». و في الحجري و المطبوع: «يفصل».

2) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «له».

3) . في «ب» و التلخيص: «يضطرّ».

4) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «ذلك».

5) . «به» متعلّق ب‍ «تلا»، أي: «فأمّا ما تَلا به صاحبُ الكتابِ كلامَه...».

6) . في «د»: «الرسول».

7) . تقدّم آنفاً.

8) . في «ج، ص، ف»: + «صلّى اللّٰه عليه و آله».

9) . في المطبوع: «لا يسلم».

10) . حيث تواتر عنه صلّى اللّٰه عليه و آله: «لا نبيّ بعدي».

11) . في «ج، ص»: «عليه السلام».

و قولُه: «إن عَوَّلوا علىٰ عِلمِ الاضطرارِ، فعندَهم أنّ الضرورةَ في النصِّ علَى الإمامِ قائمةٌ‌» فَمعاذَ اللّٰهِ أن نَدَّعيَ الضرورةَ في العِلمِ بالنصِّ علىٰ مَن غابَ عنه فلَم(1)يَسمَعْه، و الذي نَذهَبُ إليه أنّ كُلَّ مَن لَم يَشهَدْه لا يَعلَمُه إلّاباستدلالٍ‌،(2)و لَيسَ كذلكَ نفيُ النبوّةِ‌؛ لأنّه معلومٌ مِن دينِه عليه السلامُ ضَرورةً‌، و إن(3)لَم يَشهَدْ بالفَرقِ بَينَ الأمرَينِ إلّااختلافُ العقلاءِ في النصِّ مع تصديقِهم بالرسولِ عليه السلامُ‌(4)، و لَم يَختَلِفوا في نفيِ النبوّةِ‌.

و لا اعتبارَ بقَولِ صاحبِ الكتابِ‌: «إنّ في ذلكَ خِلافاً(5)قد ذُكِرَ، كما ذُكِرَ [الخِلافُ‌](6)في(7)أنّه عليه السلامُ إلهٌ‌»؛ لأنّ هذا الخِلافَ لا يُعتَدُّ به، و المُخالِفُ فيه خارجٌ عن الإسلامِ‌؛ فلا يُعتَبَرُ في إجماعِ المُسلِمينَ بقَولِه، كَما لا يُعتَبَرُ في إجماعِ المُسلِمينَ‌(8)بقَولِ مَن خالَفَ في أنّه إلهٌ . علىٰ أنّ مَن خالَفَ و ادَّعىٰ نُبوّتَه عليه السلامُ لا يَكونُ مُصدِّقاً للرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و لا عالِماً بنُبوّتِه؛ ولَم نَدَّعِ (9)عِلمَ الاضطرارِ في أنّه لا نَبيَّ بَعدَه، و إنّما يُعلَمُ (10)ضَرورةً


1) . في «د»: «و لم».

2) . راجع: ج 2، ص 313-314. و في «د»: «بالاستدلال» بدل «باستدلال».

3) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و لو».

4) . في الحجري و المطبوع: «صلّى اللّٰه عليه و آله».

5) . أي في كون أمير المؤمنين عليه السلام نبيّاً أو لا.

6) . ما بين المعقوفين من المغني.

7) . في «ج، ص، ف»: - «في».

8) . في الحجري و المطبوع: - «بقوله، كما لا يعتبر في إجماع المسلمين».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: «و لا يدّعى». و في الحجري و المطبوع: «و لا ندّعي».

10) . في الحجري و المطبوع: «نعلم».

أنّ (1)مِن دينِه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه نفيَ النبوّةِ بَعدَه(2).

فأمّا قولُه: «إنّ الإجماعَ لا يوثَقُ به عندَهم»(3)فمعاذَ اللّٰهِ أن(4)نَطعَنَ في الإجماعِ و كَونِه حُجّةً . فإن أرادَ أنّ الإجماعَ الذي لا يَكونُ فيه قولُ إمامٍ لَيسَ بحُجّةٍ ، فذلكَ لَيسَ بإجماعٍ عندَنا و عندَهم، و ما لَيسَ بإجماعٍ فلا حُجّةَ فيه. و قد تَقدَّمَ عندَ كلامِنا في الإجماعِ مِن هذا الكتابِ ما فيه كفايةٌ .(5)

و قولُه: «لِمَ لا يَجوزُ(6)أن يَقَعَ الإجماعُ علىٰ طريقِ التقيّةِ‌(7)؟ لأنّه لا يَكونُ أَوكَدَ مِن قولِ الرسولِ و(8)قولِ الإمامِ عندَهم» باطلٌ‌؛ لأنّا قد بيّنّا أنّ التقيّةَ لا تَجوزُ علَى الرسولِ والإمامِ علىٰ كُلِّ حالٍ‌، و إنّما تَجوزُ علىٰ حالٍ دونَ (9)أُخرىٰ .(10)

علىٰ أنّ القولَ بأنّ الأُمّةَ بأَسْرِها تُجمِعُ علىٰ طريقِ التقيّةِ طَريفٌ (11)لأنّ التقيّةَ سببُها الخَوفُ مِن الضرَرِ العظيمِ ، و إنّما يَتَّقي بعضُ الأُمّةِ مِن بعضٍ لغَلَبتِه عليه و قَهرِه له، و جميعُ الأُمّةِ لا تَقيّةَ عليها مِن أحَدٍ.

فإن قيلَ‌: يُتَّقىٰ مِن مُخالِفيها في الشرائعِ .


1) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «أنّ ».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: + «من أقرّ بنبوّته». و في حاشية «د»: + «من أقرّ بدينه».

3) . نصّ المغني هكذا: «و إن فزعوا في ذلك إلى الإجماع، فمن قولهم: إنّه لا يوثق [به]».

4) . في «د»: - «أن».

5) . تقدّم كلام مفصّل حول الإجماع في ج 2، ص 9 و ما بعدها. و راجع أيضاً: ج 1، ص 514-515.

6) . في «ب» و الحجري و المطبوع: «لتجوزنّ ». و في «ج، ص، ف»: «ليجوزنّ ».

7) . في المغني: «و يلزمهم في الإجماع أن يجوز أن يقع علىٰ طريق التقيّة».

8) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «أو».

9) . في «ب» و الحجري و المطبوع: + «حال».

10) . تقدّم في ص 412 و ما بعدها.

11) . في «ب» و المطبوع: «طريق».

قُلنا: الأمرُ بالضدِّ مِن ذلكَ ؛ لأنّ مَن خالَطَهم و صاحَبَهم(1)مِن مُخالِفيهم في المِلّةِ (2)أقَلُّ عَدَداً و أضعَفُ بَطشاً منهم، فالتقيّةُ لمُخالِفيهم منهم أَولىٰ . و هذا أظهَرُ مِن أن يُحتاجَ إلَى الإطالةِ فيه و الاستقصاءِ .


1) . في «ب، ج، ف»: «و صافيهم». و في «ص» و حاشية «ج»: «و ما فيهم».

2) . هكذا في «د». و في «ب»: «الملك». و في سائر النسخ و المطبوع: «الملل».

الطعن الثالث وصيّةُ فاطمة عليها السلام أن لا يصلّي عليها الشيخان، و أن تُدفن سرّاً، و ضربُها، و التهديدُ بإحراق دارها

اشارة

قالَ صاحبُ الكتابِ :

و مِن جُملةِ ما ذَكروه [مِن الطعنِ‌](1): ادّعاؤهم أنّ فاطمةَ عليها السلامُ لغَضَبِها علىٰ أبي بَكرٍ و عُمَرَ أَوصَت أن لا يُصَلّيا عليها، و أن تُدفَنَ سِرّاً منهما، فدُفِنَت ليلاً. و ادَّعَوا بروايةٍ رَوَوها عن جعفرِ بنِ مُحمّدٍ عليه السلامُ‌(2)و غيرِه: أنّ عُمَرَ ضَرَبَ فاطمةَ‌(3)بالسَّوطِ، و ضَرَبَ الزُّبَيرَ بالسَّيفِ‌، و ذَكروا أنّ عُمَرَ قَصَدَ مَنزِلَها، و عليٌّ و الزُّبَيرُ و المِقدادُ و جماعةٌ ممّن تَخلَّفَ عن بَيعةِ‌(4)أبي بَكرٍ مُجتَمِعونَ‌(5)هُناكَ‌، فقالَ لها: ما أحَدٌ بَعدَ أبيكِ أحَبَّ إلينا(6)مِنكِ ، و ايمُ اللّٰهِ لئن اجتَمَعَ هؤلاءِ النفَرُ عندَكِ


1) . ما بين المعقوفين من المغني.

2) . في «د»: «جعفر بن محمّد الصادق عليهما السلام». و في المغني: - «عليه السلام».

3) . في «د» و الحجري و المطبوع: + «عليها السلام». و هكذا في الموارد الآتية.

4) . في «د» و المغني: - «بيعة».

5) . في «د» و المغني: «يجتمعون».

6) . في المغني: «إليّ ».

لَنُحرِقَنَّ (1)عليهم. فمَنَعَت القومَ مِن الاجتماعِ [ولَم يَرجِعوا إليها حتّىٰ بايَعوا لأبي بَكرٍ، إلىٰ غيرِ ذلك مِن الرواياتِ البَعيدةِ ](2).

ثُمّ قالَ :

الجوابُ عن ذلكَ‌: أنّا لا نُصَدِّقُ ذلكَ و لا نُجَوِّزُه(3).

فأمّا أمرُ الصلاةِ‌: فقَد رُويَ أنّ أبا بَكرٍ هو الذي(4)صَلّىٰ علىٰ فاطمةَ‌، و كَبَّرَ عليها(5)أربَعاً؛ و هذا أحَدُ ما يَستَدِلُّ‌(6)به كَثيرٌ مِن(7)الفقهاءِ في التكبيرِ علَى الميّتِ‌. و لا يَصِحُّ أنّها دُفِنَت ليلاً، و إن(8)صَحَّ ذلكَ فقَد دُفِنَ رسولُ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(9)ليلاً، و عُمَرُ دَفَنَ ابنَه(10)ليلاً، و قد كانَ أصحابُ الرسولِ‌(11)صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(12)كَما يُدفَنونَ بالنهارِ يُدفَنون بالليلِ‌(13)فما في هذا ممّا يُطعَنُ به(14)، بَل الأقرَبُ في النساءِ أنّ دفنَهُنَّ


1) . في المغني: «ليحرقنّ ».

2) . ما بين المعقوفين من المغني.

3) . في المغني: «أنّا لا نصدّق بذلك، و لا يجوز عليها عليها السلام».

4) . في المغني: - «هو الذي».

5) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: - «عليها».

6) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «استدلّ ».

7) . في المغني: - «كثير من».

8) . في المغني: «فإن».

9) . في المغني: «دفن النبيّ عليه السلام».

10) . في المغني: «و دفن عمر ابنه».

11) . هكذا في «د». و في المغني: «النبيّ ». و في سائر النسخ و المطبوع: «رسول اللّٰه».

12) . في المغني: «عليه السلام». و هكذا في الموارد الآتية.

13) . هكذا في «د». و في المغني: «يدفنون بالليل كما يدفنون بالنهار». و في سائر النسخ و المطبوع: «يدفنون بالنهار و يدفنون بالليل».

14) . في المغني: «من الطعن» بدل «ممّا يطعن به».

ليلاً أستَرُ و أَولىٰ بالسُّنّةِ‌(1).

ثُمّ حَكىٰ عن أبي عليٍّ تكذيبَ ما رُويَ مِن ضَربِ السَّوطِ(2)قالَ‌:

و [هذا المَرويُّ عن جعفرِ بنِ مُحمّدٍ مِن ضَربِ عُمَرَ لا أصلَ له، بَل](3)المَرويُّ عن(4)جعفرِ بنِ مُحمّدٍ أنّه كانَ يَتوَلّىٰ أبا بَكرٍ و عُمَرَ، و يأتي القبرَ، فيُسلِّمُ عليهما(5)مع تسليمِه علىٰ رسولِ اللّٰه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه.

روىٰ ذلكَ عَبّادُ بنُ صُهَيبٍ‌(6)و شُعبةُ بنُ الحَجّاجِ‌(7)، و مَهديُّ بنُ هِلالٍ (8)،


1) . في المغني: «و أولىٰ إلى السنّة».

2) . هكذا في جميع النسخ. و في الحجري و المطبوع و شرح النهج: «من الضرب بالسوط».

3) . ما بين المعقوفين من المغني. و هكذا في الموارد الآتية.

4) . في الحجري و المطبوع: «من».

5) . في المغني: «عليها».

6) . عبّاد بن صهيب الكليبي البصري، يكنّى أبابكر، و قد كان طلب العلم و سمع من الناس، روى عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام كتاباً. و في لسان الميزان: «متروك الحديث، يروي أشياء اذا سمعها المبتدي بهذه الصناعة شهد لها بالوضع» توفّي بالبصرة في شوّال سنة اثنتي عشرة و مائتين في عهد المأمون. الطبقات الكبرىٰ ، ج 7، ص 217، الرقم 3344؛ لسان الميزان، ج 3، ص 230؛ رجال النجاشي، ص 293، الرقم 791؛ الفهرست للطوسي، ص 344، الرقم 543.

7) . في المغني: «و سعيد بن الحجّاج». و الرجل هو شعبة بن الحجّاج بن الورد من الأزد، مولى الأشاقر عتاقة، و يكنّى أبا بسطام، رأى الحسن، و محمّد بن سيرين، و سمع قتادة، و يونس بن عبيد، و أيّوب بن خالد الحذّاء، و عبد الملك بن عمير. و روى عنه أيّوب السختياني، و الأعمش، و محمّد بن إسحاق، و سفيان الثوري و غيرهم. توفّي بالبصرة سنة 160 ه‍ و هو ابن خمس و سبعين سنة. الطبقات الكبرىٰ ، ج 7، ص 207، الرقم 3283؛ حلية الأولياء، ج 7، ص 144، الرقم 396؛ تاريخ بغداد، ج 9، ص 255، الرقم 4830؛ وفيات الأعيان، ج 2، ص 469، الرقم 292.

8) . في المغني: «و فهد بن هلال». و هو مهدي بن هلال، أبو عبد اللّٰه البصري. روى عن يعقوب بن عطاء بن أبي رباح، و يونس بن عبيد، و روى عنه ابنه محمّد، و حمدان بن عمر و جماعة.

و الدَّراوَرْديُّ‌(1)، و غيرُهم. و يُروىٰ‌(2)عن أبيه و(3)عن عليِّ بنِ الحُسَينِ مِثلُ ذلكَ‌؛ فكَيفَ يَصِحُّ ما ادَّعَوه‌؟

و هَل هذه الروايةُ إلّاكروايتِهم [عن جعفرٍ في أخبارٍ لهُم] أنّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ هو إسرافيلُ‌، و الحَسَنَ ميكائيلُ‌، و الحُسَينَ جَبرائيلُ‌، و فاطمةَ مَلَكُ المَوتُ‌، و آمِنةَ أُمَّ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(4)ليلةُ القَدرِ؟

فإن صَدَّقوا ذلكَ‌(5)أيضاً قيلَ لهُم: فعُمَرُ بنُ الخَطّابِ كَيفَ يَقوىٰ‌(6)علىٰ ضَربِ مَلَكِ المَوتِ؟

و إن(7)قالوا: لا نُصدِّقُ ذلكَ‌، فقَد جَوَّزوا رَدَّ هذه الرواياتِ‌، و صَحَّ أنّه لا يَجوزُ التعويلُ علىٰ هذا الجنسِ ، و إنّما يَتعلَّقُ بذلكَ مَن غرضُه الإلحادُ،

و قال في لسان الميزان: «كذّبه يحيى بن سعيد و ابن معين، صاحب بدعة يضع الحديث، عامّة ما يرويه لايتابع عليه، من المعروفين بالكذب و وضع الحديث». لسان الميزان، ج 8، ص 180، الرقم 7965.


1) . في «ب»: «الذراورديّ » و في «د»: «الذاراورديّ ». و هو عبد العزيز بن محمّد بن عبيد بن أبي عبيد الدراوردي، أبو محمّد المدني، مولى جهينة، و دراورد قرية بخراسان. روى عن زيد بن أسلم، و شريك بن عبد اللّٰه، و يحيى بن سعيد الأنصاري، و هشام بن عروة. و روى عنه الشافعي، و ابن مهدي، و ابن وهب، و وكيع، و عبد اللّٰه بن جعفر الرقّي، و جماعة. توفّي سنة سبع و ثمانين و مائة، و كان كثير الحديث. الطبقات الكبرىٰ ، ج 5، ص 492، الرقم 1443؛ طبقات المحدّثين باصبهان، ج 1، ص 413، الرقم 7/460؛ تهذيب التهذيب، ج 6، ص 353، الرقم 677؛ قلادة النحر، ج 2، ص 292، الرقم 892.

2) . هكذا في «د» و المغني. و في «ب»: «فقد روي». و في سائر النسخ و المطبوع: «و قد روي».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: - «و».

4) . في المغني: «عليه السلام».

5) . في المغني: «بذلك». و في الحجري و المطبوع: + «صدّقوا هذا».

6) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «يقدر».

7) . في «د، ص» و المغني: «فإن».

كالوَرّاقِ و ابنِ الراوَنديِّ [فلا يَتأوَّلونَ مَهما يورِدونَ‌؛ ليَقَعَ التنفيرُ به]؛ لأنّ غرضَهم القَدحُ في الإسلامِ‌.

و حَكىٰ عن أبي عليٍّ أنّه قالَ‌:

لِمَ صارَ غضبُها - لَو ثَبَتَ - كأنّه غضبٌ لرسولِ اللّٰهِ‌(1)صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه؛ مِن حَيثُ قالَ‌: «مَن(2)أغضَبَها فقَد أغضَبَني»، بأَولىٰ‌(3)مِن أن يُقالَ‌(4): مَن أغضَبَ أبا بَكرٍ و عُمَرَ فقَد نافَقَ و فارَقَ الدينَ‌؛ لأنّه(5)رُويَ عنه عليه السلامُ أنّه قالَ‌: «حُبُّ أبي بَكرٍ و عُمَرَ إيمانٌ‌، و بُغضُهما نِفاقٌ‌»؟ [و لِمَ صِرتَ تَتعلَّقُ بذلكَ في نِفاقِ عُمَرَ، و لا يَلزَمُكَ التعلُّقُ مِن الوجهِ الذي ذَكرناه‌؟] و مَن يورِدُ مِثلَ ذلكَ‌(6)فقَصدُه الطعنُ في الإسلامِ‌، و أن يوهِمَ الناسَ أنّ أصحابَ النبيِّ عليه السلامُ نافَقوا مع مُشاهَدةِ الأعلامِ ليُضعِّفوا دَلالةَ العَلَمِ‌(7)في النفوسِ [وليَقدَحوا في الإسلامِ‌؛ ساءَ ما يَذكُرونَ ].

فأمّا ما ذَكروه(8)مِن حَديثِ عُمَرَ في بابِ الإحراقِ ، فلَو صَحَّ لَم يَكُن طعناً علىٰ عُمَرَ؛ لأنّ له أن يُهدِّدَ مَن امتَنَعَ مِن(9)المُبايَعةِ إرادةً للخِلافِ


1) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «رسول اللّٰه» بدل «لرسول اللّٰه».

2) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «فمن». و في المغني قبلها زيادة: «فاطمة بضعة منّي».

3) . هكذا في جميع النسخ و المغني. و في المطبوع: «أولىٰ ».

4) . في المغني: + «للقوم».

5) . في «ب» و حاشية «د»: + «قد».

6) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ: «هذا». و في الحجري و المطبوع: «هذه».

7) . في المغني: «الأعمال».

8) . هكذا في «د» و المطبوع. و في سائر النسخ و المغني: «ما ذكره».

9) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «عن».

علَى المُسلِمينَ‌. لكنّه(1)غيرُ ثابتٍ‌؛ لأنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ‌(2)قد بايَعَ‌، و كذلكَ الزُّبَيرُ و المِقدادُ و الجماعةُ (3)، و قد بيّنّا القولَ في ذلكَ فيما تَقدَّمَ ، و أنّ التمسُّكَ بما تَواتَرَ به الخبرُ(4)مِن بَيعتِهم أَولىٰ مِن هذه الرواياتِ الشاذّةِ .

ثُمّ كَرَّرَ حاكياً عن أبي عليٍّ أنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ إنّما تأخَّرَ عن البَيعةِ مِن أجلِ استبدادِهم بالرأيِ عليه و أنّهم لَم يُشاوِروه، و أنّه بَعدَ ذلكَ بايَعَ و رَضيَ ، و إن كانَ في مُدّةِ تأخُّرِه عن البَيعةِ مُسلِّماً راضياً.(5)

يُقالُ له: أمّا قولُكَ : «إنّا لا نُصَدِّقُ ذلكَ ، و لا نُجَوِّزُه» فإنّكَ لَم تُسنِدْ إنكارَكَ إلىٰ حُجّةٍ أو شُبهةٍ فنتَكلَّمَ عليها، و الدفعُ لِما يُروىٰ بغَيرِ حُجّةٍ لا يُلتَفَتُ (6)إليه.

في بيان أنّ أمير المؤمنين عليه السلام هو الذي صلّىٰ علىٰ فاطمة عليها السلام ليلاً

فأمّا ما ادَّعَيتَه(7)مِن: «أنّ أبا بَكرٍ هو الذي صَلّىٰ علىٰ فاطمةَ عليها السلامُ و كَبَّرَ أربَعاً، و أنّ كَثيراً مِن الفقهاءِ يَستَدِلّونَ به في التكبيرِ علَى الميّتِ‌» فهو شَيءٌ ما سُمِعَ إلّا منكَ‌، و إن كنتَ تَلقَّيتَه عن غيرِكَ فممّن يَجري مَجراكَ في العَصَبيّةِ‌؛ و إلّا فالرواياتُ المشهورةُ ، و كُتُبُ الآثارِ و السيَرِ المعروفةُ (8)خاليةٌ مِن ذلكَ . و لم يَختَلِفْ


1) . في المغني: «لكنّ ذلك».

2) . في الحجري و المطبوع و المغني: - «عليه السلام».

3) . في «د»: «و جماعة».

4) . في «د»: «تواتر الخبر به».

5) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 335-337.

6) . في «د»: «لا نلتفت».

7) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «ما ادّعيت».

8) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «المعروفة».

أهلُ النقلِ في أنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ هو الذي صَلّىٰ علىٰ فاطمةَ عليها السلامُ ، إلّاروايةً شاذّةً نادرةً وَرَدَت بأن العبّاسَ رَضيَ اللّٰهُ عنه صَلّىٰ عليها.

و رَوَى الواقِديُّ‌ بإسنادِه عن عِكرِمَةَ‌(1)قالَ‌: سألتُ ابنَ عبّاسٍ‌: متىٰ دَفَنتم فاطمةَ؟(2)قالَ‌:

دَفَنّاها بلَيلٍ بَعدَ هَدْأةٍ‌(3). قالَ : قُلتُ : فمَن صَلّىٰ عليها؟ قالَ : عليٌّ .(4)

و رَوَى الطبَريُّ‌ عن الحارثِ‌(5)بنِ أبي أُسامةَ‌، عن المَدائنيِّ‌، عن أبي زَكريّا العَجْلانيِّ‌: أنّ فاطمةَ عليها السلامُ عُمِلَ لها نَعشٌ قَبلَ وفاتِها، فنَظَرَت إليه، فقالَت(6): «سَتَرتُموني، سَتَرَكم اللّٰهُ‌».

قالَ أبو جعفرٍ مُحمّدُ بنُ جَريرٍ الطبَريُّ‌(7): و الثبتُ‌(8)في ذلكَ‌(9)زَينَبُ‌؛ لأنّ فاطمةَ‌


1) . في شرح النهج: «بإسناده في تأريخه عن الزهريّ ». و الرجل هو عكرمة مولى ابن عبّاس، يكنّى أبا عبد اللّٰه، سمع عبد اللّٰه بن عباس، و أبا سعيد، و عائشة، و أبا هريرة، و عبد اللّٰه بن عمر، و روى عنه الشعبي، و إبراهيم النخعي، و محمّد بن سيرين. مات في سنة أربع و مائة. الطبقات الكبرىٰ ، ج 5، ص 219، الرقم 904؛ حلية الأولياء، ج 2، ص 326، الرقم 251؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 41، ص 72، الرقم 4743؛ صفة الصفوة، ج 2، ص 73، الرقم 168؛ معجم الأُدباء، ج 4، ص 1627، الرقم 704.

2) . في «د» و شرح النهج: + «عليها السلام».

3) . في «ب، ج، ص»: «بعد هذه». و الهَدْأةُ و الهَدْءُ من الليل: الهَزيعُ منه، و هو من أوّله إلى ثلثه. راجع: لسان العرب، ج 1، ص 180 (هدأ).

4) . في «د» و شرح النهج و الحجري و المطبوع: + «عليه السلام». راجع: تاريخ الطبري، ج 11، ص 598؛ الطبقات الكبرى، ج 8، ص 24، الرقم 4097؛ الإصابة، ج 8، ص 266-268، الرقم 11587.

5) . هكذا في «ج» و التلخيص و شرح النهج و تاريخ الطبريّ . و في سائر النسخ و المطبوع: «الحرث».

6) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في غيرها: «و قالت».

7) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «الطبريّ ».

8) . هكذا في التلخيص و شرح النهج. و النسخ غير واضحة.

9) . في المطبوع و شرح النهج: + «أنّها».

عليها السلامُ دُفِنَت ليلاً، و لَم يَحضُرْها إلّاالعبّاسُ و عليٌّ و المِقدادُ و الزُّبَيرُ.(1)

و رَوَى القاضي أبو بَكرٍ(2)أحمَدُ بنُ كاملٍ ، بإسنادِه في تأريخِه عن الزُّهْريِّ قالَ : حَدَّثني عُروةُ بنُ الزُّبَيرِ أنّ عائشةَ أخبَرَته أنّ فاطمةَ بنتَ رسولِ اللّٰهِ - صَلَواتُ اللّٰهِ عليه و عليها(3)- عاشَت بَعدَ أبيها(4)سِتّةَ أشهُرٍ، فلمّا تُوُفّيَت دَفَنَها عليٌّ عليه السلامُ ليلاً، و صَلّىٰ عليها عليُّ بنُ أبي طالبٍ . و ذَكَرَ في كتابِه هذا أنّ أميرَ المؤمنينَ و الحَسَنَ و الحُسَينَ عليهم السلام دَفَنوها ليلاً، و غَيَّبوا قَبرَها.(5)

و رَوىٰ سُفيانُ بنُ عُيَينةَ ، عن عَمرِو [بنِ عُبَيدٍ](6)، عن الحَسَنِ بنِ مُحمّدِ [بنِ الحَنَفيّةِ ]: أنّ فاطمةَ عليها السلامُ دُفِنَت ليلاً.(7)

و رَوىٰ عبدُ اللّٰهِ بنُ أبي شَيبةَ ، عن يَحيَى بنِ سَعيدٍ القَطّانِ (8)، عن مَعمَرٍ، عن


1) . راجع: تاريخ الطبري، ج 11، ص 598 و 599، مع تفاوت؛ تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 115.

2) . في «د»: + «بن».

3) . هكذا في «ف» و الحجري و المطبوع. و في غيرها: «صلّى اللّٰه عليه و آله».

4) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «بعد رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله».

5) . لم نعثر على تاريخه، راجع: صحيح البخاري، ج 4، ص 1549، ح 3998؛ صحيح مسلم، ج 3، ص 1380، ح 52/1759؛ المعجم الكبير، ج 22، ص 398، ح 989؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 178، ح 4764؛ السنن الكبرىٰ للبيهقي، ج 4، ص 29، ح 6688؛ الطبقات الكبرىٰ ، ج 8، ص 24، الرقم 4097؛ سبل الهدى، ج 11، ص 49؛ البداية و النهاية، ج 5، ص 286، و ج 6، ص 334.

6) . ما بين المعقوفين في الموضعين من شرح النهج.

7) . المصنّف لابن أبي شيبة، ج 3، ص 226، ح 2؛ و ج 8، ص 62، ح 4؛ أنساب الأشراف، ج 1، ص 405؛ الأمالي للصدوق، ص 491، المجلس 74، ح 7؛ علل الشرائع، ج 1، ص 185-189، ح 1 و 2؛ إعلام الورى، ج 1، ص 300؛ المناقب لابن شهر آشوب، ج 3، ص 363.

8) . في «ص» و الحجري و المطبوع: «يحيى بن سعيد العطّار». و في التلخيص: «يحيى بن سعد العطّار».

الزُّهْريِّ ، مِثلَ ذلكَ .(1)

و قالَ البَلاذُريُّ في تأريخِه: إنّ فاطمةَ عليها السلامُ لَم تُرَ مُتَبَسِّمَةً بَعدَ وفاةِ رَسولِ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و لَم يَعلَمْ أبو بَكرٍ و عُمَرُ بمَوتِها(2). و الأمرُ في هذا أَوضَحُ و أظهَرُ(3)مِن أن يُطنَبَ (4)في الاستشهادِ(5)عليه، و يُذكَرَ(6)الرواياتُ فيه.

في بيان وجه الاحتجاج بدفن فاطمة عليها السلام ليلاً

فأمّا قولُه: «و لا يَصِحُّ أنّها دُفِنَت ليلاً، و إن صَحَّ فقَد دُفِنَ فُلانٌ و فُلانٌ ليلاً» فقَد بيّنّا أنّ دَفنَها عليها السلامُ ليلاً في الصحّةِ كالشمسِ الطالعةِ‌، و أنّ مُنكِرَ ذلكَ كدافعِ‌

المُشاهَداتِ‌. و لَم نَجعَلْ‌(7)دَفنَها ليلاً(8)بمُجرَّدِه هو الحُجَّةَ ، فيُقالَ : «فقَد(9)دُفِنَ فُلانٌ و فُلانٌ ليلاً»، بَل مَوضِعُ (10)الاحتجاجِ بذلكَ - علىٰ ما وَرَدَت به الرواياتُ المستفيضةُ الظاهرةُ التي هي كالمتواتِرِ(11)- أنّها(12)أَوصَت بأن تُدفَنَ ليلاً حتّىٰ لا يُصلّيَ الرجُلانِ


1) . المصنّف لابن أبي شيبة، ج 3، ص 226، ح 3.

2) . أنساب الأشراف، ج 1، ص 405.

3) . في «ب، ف» و الحجري و المطبوع: «واضح و أظهر». و في «د»: «أظهر و أوضح». و في شرح النهج: «أوضح و أشهر».

4) . في المطبوع و شرح النهج: «أن نطنب».

5) . في «ب، د»: «الاشتهاد».

6) . في «ب» و المطبوع و شرح النهج: «ونذكر».

7) . هكذا في «ج، د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و لم يجعل».

8) . في الحجري و المطبوع: - «ليلاً».

9) . في «ب، د، ص»: «قد».

10) . في «ب»: «بدفع». و في «ف»: «يدفع» بدل «بل موضع». و في «ج، ص» و حاشية «ف» و الحجري و المطبوع: «بل مع». و في شرح النهج: «بل يقع».

11) . في «ب، د» و شرح النهج: «كالتواتر».

12) . في «د»: «بأنّها عليها السلام».

عليها(1)، و صَرَّحَت بذلك و عَهِدَت فيه عهداً، بَعدَ أن كانا استأذَنا عليها في مرضِها ليَعوداها، فأبَت أن تأذَنَ لهُما، فلمّا طالَت(2)عليهما المدافَعةُ رَغِبا إلىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ في أن يَستأذِنَ لهُما، و جَعَلاها حاجةً إليه، فكلَّمَها أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ في ذلكَ و ألَحَّ عليها، فأَذِنَت لهُما في الدخولِ‌، ثُمّ أعرَضَت عنهما عندَ دخولِهما و لَم تُكلِّمْهما، فلمّا خَرَجا قالت لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ‌:

«أ لَيسَ‌(3)قد صَنَعتُ ما أَرَدتَ؟» قالَ‌: «نَعَم» قالت: «فهَل أنتَ صانعٌ ما آمُرُكَ؟» قالَ‌:

«نَعَم» قالت: «فإنّي أَنشُدُكَ اللّٰهَ‌(4)أن لا يُصَلّيا علىٰ جِنازَتي، و لا يَقوما علىٰ قَبري».(5)

و رُويَ أنّه عليه السلامُ عَفّىٰ‌(6)قَبرَها، و رَشَّ أربَعينَ قَبراً في البَقيعِ و لَم يَرُشَّ‌(7)قَبرَها؛ حتّىٰ لا يُهتَدىٰ‌(8)إليه، و أنّهما(9)عاتَباه علىٰ تَركِ إعلامِهما بشأنِها(10)و إحضارِهما الصلاةَ عليها.(11)


1) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «عليها الرجلان».

2) . هكذا في «ب، د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «طال».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: - «أ ليس».

4) . في «د»: «أسألك» بدل «أنشدك اللّٰه». نعم، جاء في حاشيتها ما أثبتناه نقلاً عن نسخةٍ .

5) . علل الشرائع، ج 1، ص 185-189، ح 1 و 2؛ الأمالي للمفيد، ص 281، المجلس 33، ح 7؛ الاختصاص، ص 185؛ الأمالي للطوسي، ص 109، المجلس 4، ح 20/166؛ تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 115؛ أنساب الأشراف، ج 1، ص 405؛ أُسدالغابة، ج 6، ص 226، الرقم 7175؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 16، ص 281، مع اختلاف في الألفاظ.

6) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «عمّىٰ علىٰ ». و عَفَّى الأثرَ و عَفاه: مَحاه و دَرَسَه. راجع: لسان العرب، ج 15، ص 72 (عفا).

7) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ والمطبوع: + «علىٰ ».

8) . هكذا في «ب، د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «لايهتديا».

9) . في الحجري و المطبوع: «و إنّما».

10) . في «ج، ص»: «بشأنهما».

11) . الهداية الكبرىٰ ، ص 179؛ الفصول المهمة، ج 1، ص 668؛ عيون المعجزات، ص 55؛

فمِن هاهُنا احتَجَجنا بالدفنِ ليلاً؛ و لَو كانَ لَيسَ غيرُ الدفنِ بالليلِ - مِن غيرِ ما تَقدَّمَ عليه و تأخَّرَ عنه - لَم يَكُن فيه حُجّةٌ .(1)

في بيان الموقف الحقيقي للإمام جعفر الصادق عليه السلام و آبائه عليهم السلام من الشيخين

فأمّا حكايتُه عن أبي عليٍّ إنكارَه ما رُويَ مِن ضَربِها عليها السلامُ‌، و ادّعاءَه أنّ جعفرَ بنَ مُحمّدٍ عليه السلامُ كانَ يَتوَلّاهما، و كانَ أبوه و جَدُّه كذلك(2): فأوّلُ ما فيه أنّ إنكارَ أبي عليٍّ لِما وَرَدَت به الروايةُ مِن غيرِ حُجّةٍ لا يُعتَدُّ به. و كَيفَ لا يُنكِرُ أبو عليٍّ هذه الروايةَ و عندَه أنّ القومَ لَم يَجِلسوا مِن الإمامةِ إلّامَجلِسَهم، و لا تَناوَلوا

إلّا بعضَ حقِّهم، و أنّهم كانوا علىٰ كِتْبٍ‌(3)عظيمٍ من التوفيقِ و التأييدِ و التحَرّي للدينِ؟ و لَو أخرَجَ مِن قلبِه هذه الاعتقاداتِ المُبتدأةَ لَعَرَفَ‌(4)أمثالَ هذه الروايةِ‌، أو لَشَكَّ علىٰ‌(5)أقَلِّ الأحوالِ‌(6)في صِحَّتِها و فَسادِها.

و قد كُنّا نَظُنُّ أنّ مُخالِفينا في الإمامةِ يَقنَعونَ فيما يَدَّعونَه علىٰ أبي عبدِ اللّٰهِ‌(7)جعفرِ بنِ مُحمّدٍ و أبيه و جَدِّه عليهم السلامُ ، بأن لا يَقولوا في القَومِ السوءَ ، و يَكُفّوا

دلائل الإمامة، ص 136؛ المناقب لابن شهر آشوب، ج 3، ص 363؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 16، ص 281.


1) . و قال ابن أبي الحديد: «و أمّا إخفاء القبر و كتمان الموت و عدم الصلاة و كلّ ما ذكره المرتضى فيه، فهو الذي يظهر و يقوى عندي؛ لأنّ الروايات به أكثر و أصحّ من غيرها، و كذلك القول في موجدتها و غضبها». شرح نهج البلاغة، ج 16، ص 276.

2) . في «د»: «و كذلك أبوه و جدّه».

3) . في المطبوع: «كثب». و الكِتْب: الحال. تاج العروس، ج 2، ص 352 (كتب).

4) . في «د»: «لصدّق».

5) . في «ب، د» و المطبوع: «الشكّ ». و في «ب، ج، ص، ف»: - «علىٰ ».

6) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «أحواله».

7) . في «د»: - «أبي عبد اللّٰه».

عن الظُّلامةِ منهم(1)و إضافةِ الجَرائرِ(2)إليهم؛ ففي هذا - لَو سُلِّمَ لهُم(3)- مَقنَعٌ و بلاغٌ‌.

و ما كُنّا نَظُنُّ أنّهم يَحمِلونَ أنفُسَهم علىٰ مِثلِ ما ادَّعاه أبو عليٍّ‌.

و مَذاهبُ الناسِ إنّما تؤخَذُ مِن خَواصِّهم و أوليائهم و مَن لَيسَ بمُتَّهَمٍ عليهم، و لا يُتلقّىٰ مِن أعدائهم و المُنحرِفينَ عنهم. و قد عَلِمنا و عَلِمَ كُلُّ أحَدٍ أنّ المُختَصّينَ بهؤلاءِ السادةِ قد رَوَوا عنهم ضِدَّ ما ادَّعاه أبو عليٍّ و أضافَه إلىٰ شُعبَةَ بنِ الحَجّاجِ‌(4)و فُلانٍ و فُلانٍ‌، و قولُهم فيهما: «إنّهما(5)أوّلُ مَن ظَلَمَنا حقَّنا، و حَمَلَ الناسَ علىٰ رِقابِنا»(6)و قولُهم: «إنّهما أَصفَقا بابَنا(7)، و اضطَجَعا بسَبيلِنا، و جَلَسا مَجلِساً كُنّا(8)أحَقَّ به منهما»(9)مشهورٌ معروفٌ ، إلىٰ غيرِ ذلكَ مِن فنونِ التظَلُّمِ و ضروبِ الشكايةِ فيما لَو أرَدنا استقصاءَه(10)لَاحتاجَ إلىٰ مِثلِ حَجمِ


1) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «الملامة» بدل «الظلامة». و في الحجري و المطبوع: «فيهم» بدل «منهم».

2) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «المعايب».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: - «لهم».

4) . تقدّمت ترجمته في ص 425.

5) . هكذا في «د». و في سائر النسخ: «هم». و في الحجري و المطبوع: «هم أنّهما». و في شرح النهج: «هما».

6) . كتاب سليم بن قيس، ج 2، ص 702، ح 15؛ تقريب المعارف، ص 243-249؛ تهذيب الأحكام، ج 4، ص 145، ح 405؛ المناقب لابن شهر آشوب، ج 4، ص 245.

7) . هكذا في «ص» و هو الصواب. و في سائر النسخ اضطرابٌ . و في المطبوع و شرح النهج: «أصفيا بإنائنا». و أصفَقَ البابَ : أغلقه. تاج العروس، ج 13، ص 272 (صفق).

8) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «نحن» بدل «كنّا».

9) . تقريب المعارف، ص 244؛ طرف من الأنباء و المناقب، ص 281؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 16، ص 282، مع اختلاف يسير.

10) . هكذا في «د». و في «ج، ص، ف»: «أردناه و استقصيناه». و في «ب» و حاشية «ف» و الحجري و المطبوع: «أوردناه و استقصيناه».

جَميعِ‌(1)كتابِنا. و مَن أرادَ أن يَعرِفَ‌(2)ما رُويَ عن أهلِ البيتِ عليهم السلامُ في هذا المعنىٰ فليَنظُرْ في «كتابِ المعرِفةِ‌» لأبي إسحاقَ إبراهيمَ بنِ سَعيدٍ الثقَفيِّ رَضيَ اللّٰهُ عنه(3)فإنّه قد ذَكَرَ عن رجُلٍ رجُلٍ‌(4)مِن أهلِ البيتِ عليهم السلامُ بالأسانيدِ النيِّرةِ (5)ما لا زيادةَ عليه.

و بَعدُ، فأيُّ حُجّةٍ في روايةِ شُعبةَ و أمثالِه ما حَكاه، و هو ممّا يَجوزُ أن يَخرُجَ مَخرَجَ التقيّةِ التي قد بيّنّا(6)جوازَها علىٰ سادتِنا(7)عليهم السلامُ (8)؟ و كَيفَ (9)

يُعارِضُ ذلكَ أخبارَنا التي لا يَجوزُ أن تَصدُرَ(10)إلّاعن الاعتقاداتِ الصحيحةِ ، و المَذاهبِ التي يُدانُ اللّٰهُ تَعالىٰ بها؟

رفضُ روايات الغلاة، و البراءةُ منهم

فأمّا قولُه: «إنّ هذه الروايةَ كروايتِهم أنّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ عليه السلامُ هو إسرافيلُ‌، و أنّ الحَسَنَ ، ميكائيلُ (11)، إلىٰ آخِرِ كلامِه» فممّا كُنّا نَظُنُّ أنّ مِثلَ (12)صاحبِ


1) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «جميع».

2) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «أن يعتبر».

3) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «رضي اللّٰه عنه».

4) . في «ب» و شرح النهج: - «رجل».

5) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «البيّنة».

6) . في «ب»: «قد بيّنّاها». و في الحجري و المطبوع: «قدّمنا».

7) . تقدّم في ص 412 و ما بعدها.

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «صلوات اللّٰه عليهم».

9) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «فكيف».

10) . هكذا في «ب» و المطبوع. و في سائر النسخ و المطبوع: «أن يصدر».

11) . في الحجري و المطبوع: «و أنّ الحسن هو الميكائيل».

12) . في «ب، ج، ص، ف»: - «مثل».

الكتابِ يَتنزَّهُ عن ذِكرِه و التشاغُلِ بالاحتجاجِ به؛ لأنّا لا نَعرِفُ عاقلاً يَحتَجُّ عليه و له يَذهَبُ‌(1)إلىٰ ما حَكاه. و مَن يَنتَسِبُ‌(2)إلَى التشيُّعِ رجُلانِ‌: مُقتَصِدٌ، و غالٍ‌.

فالمقتصِدُ معلومٌ نَزاهتُه عن مِثلِ هذا القولِ‌، و الغالي لَم يَرضَ إلّابالإلهيّةِ و الرُّبوبيّةِ‌، و مَن قصَّرَ منهم ذَهَبَ إلَى النبوّةِ‌؛ فهذه الحكايةُ خارجةٌ عن مَذهبِ المقتصِدِ و الغالي؛ و(3)قد كانَ يَجِبُ لمّا أودَعَها كتابَه مُحتَجّاً بها أن يَذكُرَ قائلَها و الذاهبَ إليها بعَينِه(4)، و الراويَ لها بِاسمِه، و الكتابَ الذي نَقَلَها منه إن كانَ نَقَلَها عن(5)كتابٍ .

و بَعدُ، فلَو كانَت هذه الحكايةُ صَحيحةً و قد ذَهَبَ إليها ذاهبٌ ، لَكانَت(6)مِن جُملةِ مَذاهبِ الغُلاةِ الذينَ (7)نَبرأُ إلَى اللّٰهِ تَعالىٰ منهم، و لا نَعُدُّهم شيعةً و لا مُسلِمينَ ؛ فكَيفَ يُجري(8)هذه الروايةَ مَجرىٰ ما حَكاه عنّا؟

ثُمّ يُقالُ له: ألَستَ تَعلَمُ أنّ هذا المَذهبَ هو مَذهبُ (9)أصحابِ الحُلولِ ، و العقلُ دالٌّ علىٰ بُطلانِ مَذاهبِهم(10)؟ فهَل العقلُ دالٌّ علَى استحالةِ ما رُويَ مِن ضَربِ فاطمةَ عليها السلامُ؟


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «يحتجّ عليه، و لا يذهب». و في الحجري و المطبوع: «يحتج عليه و له، و لا يذهب».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «ينسب».

3) . في الحجري و المطبوع: - «و».

4) . هكذا في «د» و حاشية «ج». و في سائر النسخ المطبوع: «بعينها».

5) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و الحجري: «نقلها من». و في المطبوع: «من» بدل «نقلها عن».

6) . هكذا في «ب، د». و في سائر النسخ و المطبوع: «لكان».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «و الذين».

8) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «تجري».

9) . هكذا في «د». و في «ب»: «تذهب إليه». و في سائر النسخ و المطبوع: «يذهب إليه».

10) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «بطلان قولهم».

فإن قالَ‌: هما سِيّانِ‌.

قيلَ له: فبيِّنِ استحالةَ ذلكَ في العقلِ كما بانَت(1)استحالةُ «الحلولِ‌»، و قد ثَبَتَ مُرادُكَ‌، و معلومٌ عَجزُكَ عن ذلكَ‌.

و إن(2)قالَ‌: العقلُ لا يُحيلُ ما رَوَيتموه، و إنّما يُعلَمُ‌(3)فَسادهُ مِن جِهةٍ أُخرىٰ‌.

قيلَ له: فلِمَ جَمَعتَ بَينَ الروايتَينِ‌، و شَبَّهتَ بَينَ الأمرَينِ‌، و هُما مُختَلِفانِ مُتَبايِنانِ؟

و بَعدُ، فكما غَلا قومٌ في أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ هذا الضربَ مِن الغُلوِّ فقَد غَلا آخرونَ فيه بالعكسِ مِن هذا الغُلوِّ؛ فذَهَبوا به(4)إلىٰ ما تَقشَعِرُّ(5)مِن ذِكرِه الجُلودُ.

و كذلكَ قد غَلا قومٌ ممّن لا يَرتَضي صاحبُ الكتابِ طريقتَه في أبي بَكرٍ و عُمَرَ و عُثمانَ‌، و أخرَجَهم غُلوُّهم إلَى التفضيلِ علَى الأنبياءِ عليهم السلامُ و المَلائكةِ‌(6)، و رَوَوا رواياتٍ معروفةً تَجري في الشَّناعةِ مَجرىٰ ما ذَكَرَه عن أصحابِ الحُلولِ‌.

فلَو عارَضَه مُعارِضٌ فقالَ له: «ما روايتُكم في عليِّ بن أبي طالبٍ‌(7)ما تَروونَه إلّا كروايةِ مَن رَوىٰ كَيتَ و كَيتَ‌» و ذَكَرَ ما تَرويهِ الشُّراةُ‌(8)، و تَدينُ به الخَوارجُ ، و «ما روايتُكم في أبي بَكرٍ و عُمَرَ و عُثمانَ (9)ما تَروونَه مِن التفضيلِ و التعظيمِ إلّاكمَن


1) . هكذا في «د». و في «ص»: «ثبت». و في سائر النسخ و المطبوع: «بيّنت».

2) . في «د»: «فإن».

3) . في «ج، ف»: «نعلم».

4) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «به».

5) . في «ب، ج، ص، ف» و الحجري: «يقشعرّ».

6) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «إلى التفضيل لهم علىٰ سائر الملائكة».

7) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و الحجري: «ما رواياتكم في عليّ ». و في المطبوع: «ماروايتكم في عليّ ».

8) . «الشُّراة»: الخوارج، سمّوا أنفسهم بذلك لأنّهم يزعمون أنّهم باعوا أنفسهم للّٰه على أنّ لهم الجنّة.

9) . من قوله: «ما ترويه الشراة» إلىٰ هنا ساقط من «ب».

رَوىٰ كذا و كذا» و ذَكَرَ طَرَفاً ممّا تَرويهِ (1)الغُلاةُ فيهم(2)ما كانَ يَكونُ جوابُه ؟ و علىٰ أيِّ شَيءٍ يَكونُ مُعتَمَدُه ؟! فإنّه لا يَنفَصِلُ (3)عن(4)ذلكَ إلّابمِثلِ ما انفَصَلنا به(5)عنه.

الإجماع علىٰ صحّة حديث أنّ غضب فاطمة عليها السلام كغضب رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله

فأمّا حكايتُه عن أبي عليٍّ‌ مُعارَضتَه لمَن ذَهَبَ إلىٰ أنّ غضبَ فاطمةَ عليها السلامُ كغضبِ الرسولِ‌(6)صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، بما رَواه مِن أنّ «حُبَّ أبي بَكرٍ و عُمَرَ إيمانٌ‌، و بُغضَهما نِفاقٌ‌»:

فمِن بَعيدِ المُعارَضةِ‌؛ لأنّا إنّما احتَجَجنا بالخبرِ الذي حَكاه(7)من حَيثُ كانَ مُجمَعاً علىٰ صحّتِه(8)، غيرَ مطعونٍ‌(9)عليه لا مَحالةَ‌، و لا مُختَلَفٍ فيه. و الخبرُ الذي رَواه غيرُ مُجمَعٍ عليه، و إنّما يَرويهِ قومٌ و يَدفَعُه آخَرونَ و يُقسِمونَ (10)علىٰ بُطلانِه؛ فكَيفَ يَتَعارَضُ (11)الأمرانِ؟ و كَيفَ يُقابِلُ المعلومُ ما لَيسَ بمعلومٍ (12)، و المُجمَعُ عليه المُتَّفَقُ علىٰ تصديقِه ما هو مدفوعٌ مُكذَّبٌ (13)؟


1) . هكذا في «ج، د» و حاشية «ف». و في سائر النسخ و المطبوع: «ممّا يروونه».

2) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «فيهم».

3) . في الحجري و المطبوع: «لا تنفصل».

4) . في «ج»: «من».

5) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «به».

6) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «رسول اللّٰه».

7) . في الحجري و المطبوع: «حكيناه».

8) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «عليه» بدل «على صحّته».

9) . في «د»: «غير معطوف».

10) . في «ج»: «و يقيمون».

11) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و كيف يعارض».

12) . في الحجري و المطبوع: - «ما ليس بمعلوم».

13) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «مكذوب».

في بيان عدم توقّف دلالة الأدلّة علىٰ إيمان جميع الناس بمدلولها

فأمّا قولُه: «إنّ مَن يورِدُ مِثلَ ذلكَ إنّما قَصدُه تضعيفُ دَلالةِ العَلَمِ‌(1)في النفوسِ‌، مِن حَيثُ أضافَ النفاقَ إلىٰ مَن شاهَدَها» فتشنيعٌ في غيرِ مَوضِعِه، و استنادٌ إلىٰ ما لا يُجدي نفعاً؛ لأنّ نِفاقَ بعضِ‌(2)مَن شاهَدَ الأعلامَ لا يُضعِّفُها، و لا يوهِنُ دَلالتَها(3)، و لا يَقَدحُ في كَونِها حُجّةً‌؛ لأنّ الأعلامَ لَيسَت مُلجِئةً إلَى العِلمِ‌، و لا موجِبةً لحصولِه علىٰ كُلِّ حالٍ‌، و إنّما تُثمِرُ(4)العِلمَ لمَن أنعَمَ النظَرَ فيها مِن الوجهِ الذي تَدُلُّ‌(5)منه، فمَن عَدَلَ عَن ذلكَ لسوءِ اختيارِه لا يَكونُ عدولُه مؤثِّراً في دَلالتِها؛ و كَم(6)قد عَدَلَ مِن العقلاءِ و ذَوي الأحلامِ الراجحةِ و الألبابِ الصحيحةِ عن تأمُّلِ هذه الأعلامِ‌، و إصابةِ الحقِّ منها، و لَم يَكُن ذلكَ عندَنا و عندَ(7)صاحبِ الكتابِ قادحاً في دَلالةِ الأعلامِ‌.

علىٰ أنّ هذا القولَ يوجِبُ عليه أن يَنفيَ النفاقَ و الشكَّ عن كُلِّ مَن صَحِبَ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و عاصَرَه و شاهَدَ أعلامَه، كعَمرِو بنِ العاصِ‌، و أبي سُفيانَ (8)، و فُلانٍ و فُلانٍ ، ممّن قد اشتَهَرَ(9)نِفاقُهم، و ظَهَرَ شَكُّهم في الدينِ


1) . هكذا في «د». و في «ب»: + «المعجز». و في «ج»: + «و المعجزة». و في «ص، ف» و الحجري و المطبوع: + «و المعجز».

2) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «بعض».

3) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «دليلها».

4) . هكذا في المطبوع و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «يثمر».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «يدلّ ».

6) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «فكم».

7) . في «ج»: «و لا عند».

8) . في شرح النهج: + «و ابنه».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: «قد استمرّ».

و ارتيابُهم؛ فإن(1)كانَت إضافةُ النفاقِ إلىٰ هؤلاءِ لا تَقدَحُ في دَلالةِ الأعلامِ ، فكذلكَ القولُ في غيرِهم.

نفي وجود أيّ عذر لمن هَدَّد بإحراق بيت فاطمة عليها السلام

فأمّا قولُه: «إنّ حديثَ الإحراقِ ما صَحَّ‌، و لَو صَحَّ لَم يَكُن طعناً؛ لأنّ له أن يُهدِّدَ مَن امتَنَعَ مِن المُبايَعةِ إرادةً للخِلافِ علَى المُسلِمينَ‌» فقد بيّنّا أنّ خبرَ الإحراقِ قد رَواه غيرُ الشيعةِ‌(2)ممّن لا يُتَّهَمُ علَى القومِ‌(3)، و أنّ دَفعَ الرواياتِ بِلا حُجّةٍ‌(4)أكثَرَ مِن نفسِ المَذاهبِ المُختَلَفِ فيها لا يُجدي شَيئاً.

و الذي اعتَذَرَ به مِن حديثِ الإحراقِ - إذا صَحَّ - طَريفٌ‌؛ و أيُّ عُذرٍ لمنَ أرادَ أن يُحرِقَ علىٰ أميرِ المؤمنينَ و فاطمةَ عليهما السلامُ مَنزِلَهما؟ و هَل يَكونُ في مِثلِ هذا(5)عُذرٌ(6)يُصغىٰ إليه أو يُسمَعُ (7)؟ و إنّما يَكونُ مُخالِفاً علَى المُسلِمينَ (8)و

خارقاً للإجماعِ (9)إذا كانَ الإجماعُ قد تَقرَّرَ و ثَبَتَ ، و إنّما يَصِحُّ لهُم الإجماعُ متىٰ كانَ أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ و مَن قَعَدَ عن البَيعةِ - ممّن انحازَ إلىٰ بَيتِ فاطمةَ عليها السلامُ - داخلاً فيه، و غيرَ خارجٍ عنه. و أيُّ إجماعٍ يَصِحُّ مَع خِلافِ أميرِ


1) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و إن».

2) . تقدّم في ص 169.

3) . الإمامة و السياسة، ج 1، ص 30؛ تاريخ الطبري، ج 3، ص 202؛ العقد الفريد، ج 5، ص 13.

4) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «بغير حجّة».

5) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «ذلك».

6) . في «ص» و حاشية «ج» و الحجري و المطبوع: «علّة».

7) . في «ج» و الحجري و المطبوع: «تسمع». و في المطبوع: «إليها» بدل «إليه».

8) . في التلخيص و شرح النهج: «للمسلمين» بدل «على المسلمين».

9) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «لإجماعهم».

المؤمنينَ عليه السلامُ وَحدَه، فَضلاً عن أن يُتابِعَه(1)على ذلكَ غيرُه‌؟ و هذه زَلّةٌ‌(2)مِن صاحبِ الكتابِ و ممّن حَكَى احتجاجَه.

و بَعدُ، فلا فَرقَ بَينَ أن يُهدِّدَ بالإحراقِ للعِلّةِ التي ذَكَرَها، و بَينَ ضَربِ فاطمةَ عليها السلامُ لمِثلِ هذه العِلّةِ‌؛ فَإنّ إحراقَ المَنزِلِ (3)أعظَمُ مِن ضَربةٍ بالسَّوطِ، و ما يُحسِّنُ العظيمَ (4)مِن إرادةِ (5)الخِلافِ علَى المُسلِمينَ أَولىٰ بأن يُحسِّنَ الصغيرَ؛ فلا وجهَ لِامتعاضِ (6)صاحبِ الكتابِ مِن ضَربةٍ بالسَّوطِ(7)، و تكذيبِ ناقِلِها(8)، و عندَه مِثلُ هذا الاعتذارِ.

فأمّا ادّعاؤه أنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ قد بايَعَ بَعدَ ذلكَ و رَضيَ ، و كذلكَ الجماعةُ التي أظهَرَت الخِلافَ ، و أنّ امتناعَه عليه السلامُ مِن البَيعةِ إنّما كانَ لأجلِ أنّه لَم يُشاوَرْ(9): فقَد مَضَى الكلامُ في ذلكَ فيما سَلَفَ مِن هذا الكتابِ مُستَوفىً ،(10)و لا حاجةَ بنا إلىٰ إعادتِه.


1) . في «ص، ف» و التلخيص: «يبايعه». و في شرح النهج: «يوافقه».

2) . في «ب، ص»: «ذلّة».

3) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «المنازل».

4) . هكذا في «د». و في «ب، ص»: «النكير». و في سائر النسخ و المطبوع: «الكبير».

5) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «ممّن أراده».

6) . مَعِضَ من ذلك الأمرِ، يَمعَضُ مَعضاً و مَعَضاً، و امتَعَضَ منه: غضب و شَقَّ عليه و أوجعه. لسان العرب، ج 7، ص 234 (معض).

7) . في «ب»: «سوط». و في «ف»: «بسوط». و في المطبوع: «السوط».

8) . في «ب، ف»: «ناقليها». و في «د»: «قائلها». نعم، ورد في حاشيتها ما أثبتناه.

9) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «لأجل أنّ القوم لم يشاوروه».

10) . تقدّم في ج 4، ص 163 و ما بعدها.

الطعن الرابع كلام أبي بكر في حقّ نفسه، الدالّ علىٰ عدم صلاحه للإمامة

اشارة

قالَ صاحبُ الكتابِ :

شُبهةٌ أُخرىٰ لهُم(1):

قالوا: و كَيفَ يَصلُحُ للإمامةِ مَن يُخبِرُ عن نفسِه أنّ له شَيطاناً يَعتَريهِ‌، و(2)يُحذِّرُ الناسَ نفسَه، و مَن يَقولُ : «أقيلوني»، بَعدَ دخولِه في الإمامةِ مع أنّه لا يَحِلُّ أن يَقولَ الإمامُ (3): «أَقيلونيَ البَيعةَ »؟

ثُمّ قالَ :

الجوابُ : ما ذَكَرَه شَيخُنا أبو عليٍّ مِن أنّ ذلكَ لَو كانَ نَقصاً فيه لَكانَ قولُه تَعالىٰ في آدَمَ و حَوّاءَ : (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطٰانُ )(4)و قولُه

(فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطٰانُ ) (5)و قولُه: (وَ مٰا أَرْسَلْنٰا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لاٰ نَبِيٍّ إِلّاٰ إِذٰا تَمَنّٰى أَلْقَى الشَّيْطٰانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ )(6)يوجِبُ النقصَ في الأنبياءِ ،


1) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «شبهة لهم أُخرىٰ ».

2) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: + «من».

3) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «أن يكون الإمام يقول».

4) . الأعراف (7):20.

5) . البقرة (2):36.

6) . الحجّ (22):52.

فإذا(1)لَم يَجِبْ ذلكَ فكذلكَ ما وَصَفَ به أبو بَكرٍ نفسَه. و إنّما أرادَ أن عندَ الغضبِ يُشفِقُ مِن المعصيةِ و يَحذَرُ منها، و يَخشىٰ أن يَكونَ الشيطانُ يَعتَريهِ في تلكَ الحالِ فيُوَسوِسُ إليه؛ و ذلكَ منه علىٰ طريقِ الزجرِ لنفسِه عن المَعاصي [و التفكُّرِ في أحوالِه](2). و قد رُويَ عن أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ أنّه تَرَكَ مُخاصَمةَ الناسِ في حقوقِه إشفاقاً مِن المَعصيةِ‌، و كانَ يوَلّي ذلكَ عَقيلاً، فلمّا أسَنَّ (3)عَقيلٌ كانَ يوَلّيها عبدَ اللّٰهِ بنَ جعفرٍ(4).

فأمّا ما رُويَ مِن(5)إقالةِ البَيعةِ : فهو خبرٌ ضعيفٌ ، و إن صَحَّ فالمُرادُ به التنبيهُ علىٰ أنّه لا يُبالي لأمرٍ يَرجِعُ إليه أن يَستَقيلَه(6)الناسُ البَيعةَ ، و إنّما يَضُرّونَ بذلكَ أنفُسَهم؛ فكأنّه نَبَّهَ بذلكَ علىٰ أنّه غيرُ مُكرِهٍ لهُم، و أنّه قد خَلّاهم و ما يُريدونَ إلّاأن يَعرِضَ ما يوجِبُ خِلافَه. و قد رُويَ أنّ أميرَ المؤمنينَ أقالَ عبدَ اللّٰهِ بنَ عُمَرَ البَيعةَ حينَ استَقالَه، و المُرادُ بذلكَ أنّه تَرَكَه و ما يَختارُه و لَم يُكرِهْه(7).(8)


1) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «و إذا».

2) . ما بين المعقوفين من المغني.

3) . في المغني: «أيس».

4) . هكذا في «د» و المغني. و في «ص»: + «رضي اللّٰه عليهم أجمعين». و في سائر النسخ و المطبوع: + «رحمهم اللّٰه أجمعين».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «في».

6) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «يقيله».

7) . في «ب»: «و ما يَكرَهُه». و في «د»: - «و لم يُكرهه». و في المغني: «و ما يختار من التأخّر و غير ذلك» بدل «و ما يختاره و لم يكرهه».

8) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 338-339.

دلالة قول أبي بكر: «وَليتُكم و لست بخيركم...» علىٰ عدم صلاحه للإمامة

يُقالُ له: أمّا(1)قولُ أبي بَكرٍ: «وَليتُكم و لَستُ بخَيرِكم؛ فإنِ استَقَمتُ فاتَّبِعوني، و إنِ اعوَجَجتُ فقَوِّموني؛ فإنّ لي شَيطاناً يَعتَريني عند غَضَبي،(2)فإذا رأَيتُموني مُغضَباً فاجتَنِبوني؛ لا أُؤَثِّرْ في أشعارِكم و أبشارِكم(3)»(4)فإنّه(5)يَدُلُّ علىٰ أنّه لا يَصلُحُ للإمامةِ مِن وجهَينِ‌:

أحَدُهما: أنّ هذه صفةُ مَن لَيسَ بمعصومٍ‌، و لا يأمَنُ الغَلَطَ علىٰ نفسِه، و مَن يَحتاجُ إلىٰ تقويمِ رعيّتِه له(6)إذا واقَعَ المعصيةَ‌؛ و قد بيّنّا أنّ الإمامَ لا بُدَّ(7)أن يَكونَ معصوماً مُسَدَّداً مُوَفَّقاً.(8)

و الوجهُ الآخَرُ: أنّ هذه صفةُ مَن لا يَملِكُ نفسَه و لا يَضبِطُ غضبَه(9)، و مَن هو(10)في نِهايةِ الطَّيشِ و الحِدّةِ‌، و الخُرْقِ‌(11)و العَجَلةِ‌، و لا خِلافَ في(12)أنّ الإمامَ يَجِبُ‌


1) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «أمّا قولك في ذلك فباطل؛ لأنّ ».

2) . في «د»: «عند غضبي يعتريني». و في «ص»: «يعترضني عند غضبي». و في التلخيص: - «عندغضبي».

3) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «و لا أبشاركم». و الأشعار: جمع الشَّعْر، و هو جمع الشَّعْرة. و الأبشار: جمع البَشَر، و هو جمع البَشَرة.

4) . المصنّف لعبد الرزّاق، ج 11، ص 336، ح 20701 و 20702؛ المعجم الأوسط، ج 8، ص 267، ح 8597؛ مسند البزّار، ج 1، ص 180، ح 100؛ الإمامة و السياسة، ج 1، ص 34؛ تاريخ الطبري، ج 3، ص 224؛ الطبقات الكبرىٰ ، ج 3، ص 159؛ المنتظم، ج 4، ص 69؛ البداية و النهاية، ج 6، ص 303. مع اختلاف يسير في الألفاظ.

5) . في «ب، ج، ص، ف» و الحجري: - «فإنّه».

6) . في التلخيص: - «له».

7) . في «ص»: + «له من».

8) . تقدّم في ج 2، ص 135 و ما بعدها.

9) . في «د»: «غيظ به».

10) . في «ج»: - «هو».

11) . خَرِقَ يَخرَقُ خَرَقاً: لَم يَرفُقْ في عمله، فهو نقيض الرفق، و الاسمُ الخُرْق. و في الحديث: «الرِّفقُ يُمنٌ ، و الخُرْقُ شؤْمٌ ». راجع: لسان العرب، ج 10، ص 75 (خرق).

12) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «في».

أن يَكونَ مُنزَّهاً عن هذه الأوصافِ غيرَ حاصلٍ عليها.

و لَيسَ يُشبِهُ قولُ أبي بَكرٍ ما تَلاه(1)مِن الآياتِ كُلِّها؛ لأنّ أبا بَكرٍ خَبَّرَ عن نفسِه بطاعةِ الشيطانِ عندَ الغضبِ‌، و أنّ عادتَه بذلكَ جاريةٌ‌؛ و لَيسَ هذا بمَنزِلةِ مَن يوَسوِسُ إليه الشيطانُ بغضبٍ فلا يُطيعُه(2)، و يُزيِّنُ له القَبيحَ فلا يأتيهِ‌. و لَيسَ وَسوَسةُ الشيطانِ بعَيبٍ علَى الموَسوَسِ (3)له إذا لَم يَستَزِلَّه ذلكَ عن الصوابِ ؛ بَل هو زيادةٌ في التكليفِ ، و وجهٌ يَتضاعَفُ معه الثوابُ .

في بيان تنزيه الأنبياء عن غواية الشيطان

و قولُه تَعالىٰ‌: (أَلْقَى الشَّيْطٰانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ‌)، قيلَ : معناه: في قِراءتِه(4)، و قيلَ : في فِكرتِه علىٰ سَبيلِ الخاطرِ. و أيَّ الأمرَينِ كانَ فلا عارَ في ذلكَ علَى النبيِّ و لا نَقصَ ، و إنّما العارُ و النقصُ علىٰ مَن يُطيعُ الشيطانَ ، و يَتَّبِعُ ما يَدعو إليه.

و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ : هذا إن سُلِّمَ لكم في جميعِ الآياتِ لَم يُسلَّمْ لكم(5)في قولِه تَعالىٰ :

(فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطٰانُ )؛ لأنّه قد خَبَّرَ عن تأثيرِ غَوايتِه و وَسوَستِه بما كانَ منهما مِن الفعلِ (6).

و ذلكَ أنّ المعنَى الصحيحَ في هذه الآيةِ أنّ آدَمَ و حَوّاءَ عليهما السلامُ كانا

مندوبَينِ إلَى اجتنابِ الشجَرةِ و تَركِ التناوُلِ منها، و لَم يَكُن ذلكَ عليهما واجباً


1) . الضمير في «تلاه» يرجع للقاضي.

2) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «يوسوس له الشيطان و لا يطيعه». و في التلخيص و شرح النهج: «يوسوس إليه الشيطان و لا يطيعه».

3) . في «د»: «المسوس».

4) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «تلاوته».

5) . في «د»: «لم نسلم» بدل «لم يسلم لكم». و في التلخيص و شرح النهج: - «لكم».

6) . في التلخيص: «من القتل».

لازماً؛ لأنّ الأنبياءَ عليهم السلامُ لا يُخِلّونَ بالواجبِ‌. فوَسوَسَ لهُما الشيطانُ حتّىٰ تَناوَلا مِن(1)الشجَرةِ‌، فتَرَكا مندوباً إليه، و حَرَما أنفسَهما بذلكَ‌(2)الثوابَ‌. و سَمّاه(3)«إزلالاً» لأنّه حَطٌّ لهُما عن درجةِ الثوابِ و فِعلِ الأفضَلِ‌.

و قولُه تَعالىٰ في مَوضِعٍ آخَرَ: (وَ عَصىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوىٰ‌)(4)لا يُنافي هذا المعنىٰ‌؛ لأنّ المعصيةَ قد يُسَمّىٰ بها مَن أخَلَّ بالواجبِ و النَّدبِ معاً. و قولُه: (فَغَوىٰ‌) أي خابَ‌؛ مِن حَيثُ لَم يَستَحِقَّ الثوابَ علىٰ ما نُدِبَ إليه.

علىٰ أنّ صاحبَ الكتابِ يَقولُ‌: إنّ هذه المعصيةَ مِن آدَمَ كانَت(5)صَغيرةً لا يَستَحِقُّ‌(6)بها عِقاباً و لا ذَمّاً. فعَلىٰ مَذهبِه أيضاً تَكونُ‌(7)المُفارَقةُ بَينَه و بَينَ أبي بَكرٍ ظاهرةً‌؛ لأنّ أبا بَكرٍ خَبَّرَ عن نفسِه أنّ الشيطانَ يَعتَريهِ حتّىٰ يؤَثِّرَ في الأشعارِ و الأبشارِ، و يأتي ما يَستَحِقُّ به التقويمَ‌؛ فأينَ هذا مِن ذنبٍ صغيرٍ لا ذَمَّ و لا عِقابَ عليه‌؟ و هو يَجري مِن وجهٍ مِن الوجوهِ مَجرَى المُباحِ‌؛ لأنّه لا يؤثِّرُ في أحوالِ فاعلِه و حَطِّ رُتبتِه.

وَ لَيسَ يَجوزُ أن يَكونَ ذلكَ منه علىٰ سَبيلِ الخَشيةِ و الإشفاقِ - علىٰ ما ظَنَّ -؛ لأنّ مفهومَ خطابِه يَقتَضي خِلافَ ذلكَ‌. ألا تَرىٰ أنّه قالَ‌: «إنّ لي شَيطاناً يَعتَريني»؟ و هذا قولُ مَن(8)عَرَفَ عادتَه، و لَو كانَ علىٰ سَبيلِ الإشفاقِ و الخَوفِ لَخَرَجَ غيرَ هذا المَخرَجِ ، و لَكانَ يَقولُ : «فإنّي لا آمَنُ مِن كذا(9)، و إنّي لَمُشفِقٌ منه».


1) . في «ب، ج، ص، ف»: - «من».

2) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «بذلك أنفسهما».

3) . في المطبوع: «و سمّا». و في التلخيص: + «اللّٰه».

4) . طه (20):121.

5) . في «د»: «كان».

6) . في «د»: «و لا يستحقّ ». و في التلخيص: «لم يستحقّ ».

7) . في «ج، ص، ف» و الحجري: «يكون».

8) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: + «قد».

9) . في «ب» و حاشية «ف» و الحجري و المطبوع: + «و كذا».

فأمّا تَركُ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ مُخاصَمةَ الناسِ في حُقوقِه: فإنّما كانَ تَنزُّهاً و تَكرُّماً، و أيُّ نسبةٍ بَينَ ذلكَ و بَينَ مَن صَرَّحَ و شَهِدَ علىٰ نفسِه بما لا يَليقُ بالأئمّةِ؟

في بيان معنى استقالة أبي بكر عن البيعة

فأمّا(1)خبرُ استقالةِ البَيعةِ و تضعيفُ صاحبِ الكتابِ له: فهو أبداً يُضعِّفُ ما لا يُوافِقُه، مِن غيرِ حُجّةٍ يَعتَمِدُها في تضعيفِه.

و قولُه: «إنّه ما استقالَ علَى التحقيقِ‌، و إنّما نَبَّهَ علىٰ أنّه لا يُبالي بخُروجِ الأمرِ عنه، و أنّه غيرُ مُكرِهٍ لهُم عليه» بَعيدٌ(2)مِن الصوابِ‌؛ لأنّ ظاهرَ قولِه: «أَقيلوني» أمرٌ بالإقالِة، و أقَلُّ أحوالِه أن يَكونَ عَرْضاً لها و بَذْلاً(3)، و كِلا(4)الأمرَينِ قَبيحٌ‌. و لَو أرادَ ما ظَنَّه، لَكانَ له في غيرِ هذا القولِ مندوحةٌ‌، و لَكانَ يَقولُ‌: «إنّي ما أكرَهتُكم و لا حَمَلتُكم علىٰ مُبايَعَتي، و ما كُنتُ أُبالي أن لا يَكونَ هذا الأمرُ فِيَّ و لا إليَّ‌، و إنّ مُفارَقتَه لَتَسُرُّني(5)لَو لا ما أَلزَمَنيهِ الدخولُ فيه مِن التمسُّكِ به». و متىٰ عَدَلنا عن ظواهرِ الكلامِ بِلا دليلٍ ، جَرَّ ذلكَ علينا ما لا قِبَلَ لنا به.

فأمّا أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ فإنّه لَم يُقِلِ ابنَ عُمَرَ البَيعةَ بَعدَ دخولِه فيها، و إنّما استَعفاه مِن أن يُلزِمَه البَيعةَ ابتداءً ، فأعفاه؛ قِلّةَ فِكرٍ فيه، و عِلماً بأنّ إمامتَه عليه السلامُ لا تَثبُتُ (6)بمُبايَعةِ مَن يُبايِعُه عليها؛ فأينَ هذا مِن استقالةِ بَيعةٍ قد تَقدَّمَت و استَقَرَّت ؟


1) . هكذا في «ج، د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و أمّا».

2) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «فبعيد».

3) . في «ج، ص»: «عرض بها أو بذل».

4) . في «د»: «فكلا».

5) . هكذا في التلخيص و شرح النهج. و في «ب، د»: «ليسرّني». و في سائر النسخ و المطبوع: «تسرّني».

6) . في «ج، د، ص، ف»: «لا يثبت».

الطعن الخامس وصف عمر بيعة أبي بكر بأنّها فلتة

اشارة

قالَ صاحبُ الكتابِ :

شُبهةٌ أُخرىٰ لهُم(1):

و طَعَنوا في إمامتِه بما رُويَ عن عُمَرَ بنِ الخَطّابِ أنّه قالَ : «كانَت بَيعةُ أبي بَكرٍ فَلتةً وَقَى اللّٰهُ شَرَّها؛ فَمن عادَ إلىٰ مِثلِها فاقتُلوه». فَبيَّنَ أنّها خطأٌ و أنّها شَرٌّ، و بَيَّنَ أنّ مِثلَها يَجِبُ فيه المُقاتَلةُ ، و لَيسَ في الذمِّ و التخطئةِ أَوكَدُ مِن ذلكَ .

ثُمّ قالَ :

و الجوابُ : أنّه لا يَجوزُ لقَولٍ مُحتَمَلٍ (2)تَركُ ما يُعلَمُ بِاضطرارٍ(3)، و معلومٌ مِن حالِ عُمَرَ إعظامُ أبي بَكرٍ و القولُ بإمامتِه و الرضا ببَيعتِه، و ذلكَ يَمنَعُ ممّا ذَكرتموه(4)لأنّ المُصوِّبَ للشيءِ لا يَجوزُ أن يَكونَ مُخطِّئاً له.


1) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «شبهة لهم أُخرى».

2) . هكذا في جميع النسخ و التلخيص. و في المطبوع: «يحمل».

3) . هكذا في «د» و التلخيص و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «ضرورة».

4) . هكذا في «د» و التلخيص و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «ممّا ذكروه».

و حَكىٰ عن أبي عليٍّ أنّ «الفَلتةَ‌» لَيسَت هي الزَّلّةَ و الخَطيئةَ ، بَل هي البَغتةُ (1)، و ما وَقَعَ فَجْأةً (2)مِن غيرِ رَويّةٍ و مُشاوَرةٍ (3)، و استَشهَدَ بقَولِ الشاعرِ:

مَن يأمَنُ الحَدَثانَ (4)بَعدَ صُبَيْرةَ (5)القُرَشيِّ؟ ماتا *** سَبَقَت مَنيّتُه المَشيبَ ، و كانَ ميتتُه(6)افتِلاتا(7)

يَعني:(8)بَغتةً (9)مِن غيرِ مُقدِّمةٍ .

و حَكىٰ (10)عن الرِّياشيِّ :(11)


1) . في «د»: «البيعة».

2) . في «ج» و الحجري و المطبوع: «فجاءة».

3) . هكذا في «د» و التلخيص و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «و لا مشاورة».

4) . في المصادر: «الأيّام» بدل «الحدثان». و حَدَثانُ الدهرِ: نَوائبُه و حَوادثُه. تاج العروس، ج 3، ص 193 (حدث).

5) . في «ب، ص، ف» و الحجري: «مثل» بدل «بعد». نعم ورد في حاشية «ف» ما أثبتناه. و في «ج، ص، ف» و الحجري و التلخيص: «ضبيرة» بدل «صبيرة».

6) . في «ب، ج، د، ص» و التلخيص و الحجري: «منيته». نعم ورد في حاشية «ج» ما أثبتناه.

7) . الاشتقاق لابن دريد، ص 125؛ الأغاني، ج 6، ص 486؛ الكامل للمبرّد، ج 1، ص 286.

8) . هكذا في «د» و التلخيص و في غيرهما: «بمعنى».

9) . في «ص» الكلمة غير واضحة. و في المطبوع: «نعتة».

10) . لقد لخّص المصنّف رحمه اللّٰه كلام القاضي.

11) . ابو الفضل العبّاس بن الفرج الرياشي النحوي اللغوي البصري، كان عالماً راويةً ثقةً عارفاً بأيّام العرب كثير الاطّلاع. روى عن الأصمعي، و أبي عبيدة معمر بن المثنى و غيرهما، و روى عنه إبراهيم الحربي، و ابن أبي الدنيا و غيرهما. قتل الرياشي بالبصرة أيّام العلوي البصري صاحب الزنج في شوّال سنة سبع و خمسين و مائتين. و الرياشي نسبةً إلى رياش، و هو اسم لجدّ رجل من جذام. الفهرست لابن النديم، ص 86؛ تاريخ بغداد، ج 12، ص 137، الرقم 6591؛ الأنساب للسمعاني، ج 6، ص 209؛ معجم الأُدباء، ج 4، ص 1483، الرقم 628؛ إنباه الرواة، ج 2، ص 367، الرقم 521؛ وفيات الأعيان، ج 3، ص 27، الرقم 320.

أنّ العَرَبَ تُسَمّي(1)آخِرَ يَومٍ مِن شَوّالٍ «فَلتةً‌»؛ مِن حَيثُ إنّ مَن(2)لَم يُدرِكْ ثأرَه و طِلْبتَه(3)فيه فاتَه؛ لأنّهم(4)كانوا إذا دَخَلوا في الأشهُرِ الحُرُمِ‌(5)لا يَطلُبونَ الثأرَ، و ذو القِعدةِ مِن الأشهُرِ(6)الحُرُمِ‌. و إنّما سَمَّوه «فَلتةً‌» لأنّهم أدرَكوا فيه ما كادَ يَفوتُهم(7). فأرادَ عُمَرُ علىٰ هذا الوجهِ (8)أنّ بَيعةَ أبي بَكرٍ تَدارَكوها(9)بَعدَ ما كادَت تَفوتُ .

و قولُه: «وَقَى اللّٰهُ شَرَّها» دليلٌ علَى التصويبِ ؛ لأنّ المُرادَ بذلكَ أنّ اللّٰهَ (10)تعالىٰ دَفَعَ شَرَّ الاختلافِ فيها.

فأمّا قولُه: «فمَن عادَ إلىٰ مِثلِها فاقتُلوه»(11)فالمُرادُ: مَن عادَ إلىٰ مِثلِها


1) . في «د، ف» و الحجري: «يسمّي».

2) . في «ب، د» و المغني: - «إنّ من». و في شرح النهج: «إنّ كلّ من».

3) . في الحجري و المطبوع: «و طلبه». و في شرح النهج: - «و طلبته».

4) . في المطبوع: «لأنّه».

5) . في «د»: «الأشهر الحرام». و في المغني: «الشهر الحرام».

6) . هكذا في التلخيص و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «أشهر» بدل «الأشهر».

7) . في شرح النهج: «لأنّهم إذا أدركوا فيه ثأرهم فقد أدركوا ما كان يفوتهم».

8) . هكذا في «د» و التلخيص و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: - «الوجه».

9) . هكذا في «د» و التلخيص و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «تداركها».

10) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «أنّه».

11) . علّق ابن أبي الحديد على هذا الكلام بمايلي: «و اعلم أنّ هذه اللفظة من عمر مناسبة للفظات كثيرة كان يقولها بمقتضى ما جبله اللّٰه تعالى عليه من غلظ الطينة و جفاء الطبيعة، و لا حيلة له فيها؛ لأنّه مجبول عليها لايستطيع تغييرها، و لا ريب عندنا أنّه كان يتعاطى أن يتلطّف و أن يخرج ألفاظه مخارج حسنة لطيفة، فينزع به الطبع الجافي و الغريزة الغليظة إلى أمثال هذه اللفظات، و لا يقصد بها سوءاً، و لا يريد بها ذمّاً و لا تخطئة، كما قدّمنا من قبل في اللفظة التي قالها في مرض رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله، و كاللفظات التي قالها عام الحديبية و غير ذلك.

مِن غيرِ مُشاوَرةٍ‌(1)و لا عَدَدٍ(2)و لا ضَرورةٍ ، ثُمّ بَسَطَ يَدَه علَى المُسلِمينَ ليُدخِلَهم في البَيعةِ قَهراً فاقتُلوه. فإذا(3)احتُمِلَ ذلكَ وَجَبَ حَملُه عليه؛ للمُقدِّمةِ التي ذَكرنا(4).

و لَم يُتكلَّفْ (5)ذلكَ لأنّ قولَ عُمَرَ يَطعَنُ في بَيعةِ أبي بَكرٍ، و لا عندَ المُخالِفِ قولُه حُجّةٌ ؛ لكِنْ (6)تَعلَّقوا به(7)لِيوهِموا أنّ بَيعتَه غيرُ مُتَّفَقٍ عليها، و أنّ أوّلَ مَن ذَمَّها مَن عَقَدَها.(8)

نفي العلم الضروري بموافقة عمر لأبي بكر في الباطن

يُقالُ له: أمّا ما تَعلَّقتَ به مِن العِلمِ الضروريِّ برِضا عُمَرَ ببَيعةِ أبي بَكرٍ و إمامتِه، فالمعلومُ ضَرورةً بِلا شُبهةٍ أنّه كانَ راضياً بإمامتِه، و لَيسَ كُلُّ مَن رَضيَ شَيئاً كانَ مُتَديِّناً به، مُعتَقِداً لصَوابِه؛ فإنّ كَثيراً مِن الناسِ يَرضَونَ بأشياءَ مِن حَيثُ كانَت

و اللّٰه تعالى لا يجازي المكلّف إلّا بما نواه، و لقد كانت نيّته من أطهر النيّات و أخلصها للّٰه سبحانه و للمسلمين. و من أنصف علم أنّ هذا الكلام حقّ ، و أنّه يغني عن تأويل شيخنا أبي عليّ ». شرح نهج البلاغة، ج 2، ص 27.


1) . في «د»: «من غير مشورة».

2) . هكذا في «ب» و شرح النهج. و في «ج»: «و لا علّة». و في «د، ف» و التلخيص و المغني: «و لا عذر». و في «ص» و الحجري و المطبوع: «و لا عدّة». و في شرح النهج: «و لا عدد يثبت صحّة البيعة به».

3) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «و إذا».

4) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «على المقدّمة» بدل «عليه للمقدّمة». و في المغني: «ذكرناها» بدل «ذكرنا».

5) . في «ج، ص، ف» و الحجري و المطبوع: «و لم نتكلّف».

6) . هكذا في «د» و المغني. و في غيرهما: «و لا أنّ قوله حجّة عند المخالف و لكن».

7) . في الحجري و المطبوع: + «و».

8) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 339-340.

دافعةً لِما هو أضَرُّ منها و إن كانوا لا يَرَونَها(1)صَواباً، و لَو مَلَكوا الاختيارَ لاختاروا غيرَها. و قد عَلِمنا أنّ مُعاويةَ كانَ راضياً ببَيعةِ يَزيدَ(2)و وِلايتِه العَهدَ(3)مِن بَعدِه، و لَم يَكُن مُتَديِّناً بذلكَ ، و مُعتَقِداً صحّتَه. و إنّما رَضيَ عُمَرُ ببَيعةِ أبي بَكرٍ مِن حَيثُ كانَت حاجِزةً عن بَيعةِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ ، و لَو مَلَكَ الاختيارَ لَكانَ مَصيرُ الأمرِ إليه أسَرَّ(4)في نفسِه، و أقَرَّ لعَينِه.

فإنِ ادَّعىٰ أنّ المعلومَ ضَرورةً تَديُّنُ عُمَرَ بإمامةِ (5)أبي بَكرٍ، و أنّه أَولىٰ بالإمامةِ منه، فهو مدفوعٌ عن ذلكَ أشَدَّ دَفعٍ ؛ مع أنّه قد كانَ يَبدُرُ(6)مِن عُمَرَ(7)في وقتٍ بَعدَ آخَرَ ما يَدُلُّ علىٰ ما ذَكرناه.

و قد رَوَى الهَيثَمُ بنُ عَديٍّ (8)عن عبدِ اللّٰهِ بنِ عَيّاشٍ (9)الهَمْدانِيِّ عن سَعيدِ بنِ


1) . في الحجري و المطبوع: «لا يرونه».

2) . في «ب، ج، ص، ف» و الحجري: + «لعنه اللّٰه».

3) . في «ج، ص، ف» و شرح النهج: «و ولاية العهد». و في التلخيص: «و ولايته للعهد».

4) . هكذا في شرح النهج. و في «ب»: «ابرا». و في «د»: «ألدَّ». و في سائر النسخ و المطبوع: «آثر».

5) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «ببيعة».

6) . في «ب، ص، ف»: «يندر». و في حاشية «ج»: «ينظر خ ل، يظهر - ظ».

7) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في «ب»: «أعني عمر». و في سائر النسخ و المطبوع: «منه أعني عمر».

8) . الهيثم بن عديّ بن عبد الرحمن بن زيد بن أسيد، الطائي الثعلي البحتري الكوفي، أبو عبدالرحمن. كان راويةً أخباريّاً، نقل من كلام العرب و علومها و أشعارها و لغاتها الكثير، و كان يتعرّض لمعرفة أُصول الناس، من كتبه: المثالب، المعمّرين، بيوتات العرب، بيوتات قريش، تاريخ العجم و بني أُميّة، الوفود، تاريخ الأشراف الكبير، أخبار الفرس و غير ذلك. توفّي غرّة المحرّم سنة ستّ و مائتين. تاريخ بغداد، ج 14، ص 50، الرقم 7392؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 74، ص 111، الرقم 10096؛ معجم الأُدباء، ج 6، ص 2788، الرقم 1213؛ إنباه الرواة، ج 3، ص 365، الرقم 813؛ وفيات الأعيان، ج 6، ص 106، الرقم 786.

9) . في جميع النسخ: «عبد اللّٰه بن عبّاس». و في الحجري: «عبد اللّٰه بن العبّاس».

جُبَيرٍ(1)قالَ‌: ذُكِرَ أبو بَكرٍ و عُمَرُ عندَ عبدِ اللّٰهِ بنِ عُمَرَ، فقال رجُلٌ‌: كانا و اللّٰهِ شَمسَي هذه الأُمّةِ و نورَيها، فقالَ له ابنُ عُمَرَ: و ما يُدريكَ؟ فقالَ له الرجُلُ‌: أوَ لَيسَ قد ائتَلَفا؟ فقالَ ابنُ عُمَرَ: بَل اختَلَفا لَو كُنتم تَعلَمونَ‌، و أشهَدُ أنّي عندَ أبي يَوماً و قد أمَرَني أن أحبِسَ الناسَ عنه، فاستأذَنَ عليه(2)عبدُ الرحمنِ بنُ أبي بَكرٍ(3)، فقالَ عُمَرُ:

دُوَيْبَةُ سَوءٍ‌، و لَهُوَ خَيرٌ(4)من أبيه. فأوحَشَني ذلكَ منه، فقُلتُ : يا أبَه، عبدُ الرحمنِ

و الرجل هو عبد اللّٰه بن عيّاش المنتوف الهمداني الكوفي، أبو الجرّاح. حدّث عن الشعبي و غيره، و روى عنه الهيثم بن عديّ ، و كان أحد أصحاب الأخبار و رواة الأنساب و الأشعار مع دراية و فهم، و كان كيّساً مطبوعاً، صاحب نوادر. مات سنة ثمان و خمسين و مائة. و كان ينادم المنصور و يضحكه. تاريخ بغداد، ج 10، ص 15، الرقم 5132؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 47، ص 248، الرقم 5480؛ معجم الأُدباء، ج 4، ص 1541، الرقم 663؛ لسان الميزان، ج 4، ص 537، الرقم 4351.


1) . سعيد بن جبير بن هشام الأسدي بالولاء، مولى بني و البة بن الحارث، أبو عبد اللّٰه و قيل: أبومحمّد، كوفيّ ، أحد أعلام التابعين، و كان أسود. أخذ العلم عن عبد اللّٰه بن العبّاس، و عبد اللّٰه بن عمر. روى عنه القراءة المنهال بن عمرو، و أبو عمرو بن العلاء، و كان في أوّل أمره كاتباً لعبد اللّٰه بن عتبة بن مسعود، ثمّ كتب لأبي بردة بن أبي موسى الأشعري. قال خصيف: كان من أعلم التابعين بالطلاق سعيد بن المسيّب، و بالحجّ عطاء، و بالحلال و الحرام طاووس، و بالتفسير أبو الحجّاج مجاهد بن جبر، و أجمعهم لذلك كلّه سعيد بن جبير. قتله الحجّاج في سنة خمس و تسعين بواسط و دفن في ظاهرها. الطبقات الكبرىٰ ، ج 6، ص 267، الرقم 2317؛ أخبار القضاة، ص 479؛ حلية الأولياء، ج 4، ص 272، الرقم 282؛ معجم الأُدباء، ج 3، ص 1363، الرقم 530؛ صفة الصفوة، ج 3، ص 49، الرقم 411؛ وفيات الأعيان، ج 2، ص 371، الرقم 261.

2) . في الحجري و المطبوع: - «عليه».

3) . عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة، يكنّى أبا عبد اللّٰه. شهد بدراً و أُحداً مع قومه كافراً، ثمّ أسلم، و كان أسنّ ولد أبي بكر. توفّي سنة ثلاث و خمسين. معجم الصحابة، ج 10، ص 3523، الرقم 638؛ تاريخ الصحابة، ص 166، الرقم 830؛ رياض النفوس، ص 70، الرقم 8؛ الاستيعاب، ج 2، ص 824، الرقم 1394.

4) . في «د»: «أخير».

خَيرٌ مِن أبيه‌؟! فقالَ‌: و مَن لَيسَ خَيراً(1)مِن أبيه‌؟ لا أُمَّ لكَ‌! إيذَنْ لعبدِ الرحمنِ‌. فدَخَلَ عليه، فكَلَّمَه في الحُطَيئةِ‌(2)الشاعرِ(3)أن يَرضىٰ عنه - و كانَ عُمَرُ قد حَبَسَه في شِعرٍ قالَه - فقالَ عُمَرُ: إنّ في(4)الحُطَيئةِ‌(5)لَبَذاءً‌(6)، فدَعْني أَمُتَّه(7)بطولِ الحَبسِ‌، فألَحَّ‌(8)عليه عبدُ الرحمنِ‌، و أبىٰ عُمَرُ، و خَرَجَ عبدُ الرحمنِ‌، فأقبَلَ علَيَّ عُمَرُ فقالَ‌:(9)أوَ(10)في غَفلةٍ أنتَ إلىٰ يَومِكَ هذا علىٰ ما(11)كانَ مِن تَقدُّمِ أُحَيمِقِ (12)بَني تَيمِ بنِ مُرّةَ (13)


1) . في شرح النهج: «و من ليس بخير».

2) . في «ج»: «الخطيئة».

3) . جرول بن أوس بن جؤيّة بن مخزوم، أبو مليكة العبسي، المعروف بالحطيئة، و هو تصغير الحطأة و هي الضربة باليد، أو من الحطاة و هي القملة الصغيرة، شبّه بها لقصره و قربه من الأرض، و كان جوّالاً في الآفاق يمتدح الأماثل و يستجديهم. كان راوية زهير، و هو جاهلي إسلامي، كان رقيق الإسلام، لئيم الطبع. طبقات فحول الشعراء، ج 1، ص 113، الرقم 111؛ الشعر و الشعراء، ج 1، ص 310، الرقم 37؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 72، ص 62، الرقم 9778؛ تهذيب الأسماء، ص 438، الرقم 900؛ الوافي بالوفيات، ج 11، ص 69، الرقم 122.

4) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: - «في».

5) . في «ب، ج، ص»: «الخطية». و في «ف»: «الخطيئة».

6) . هكذا في التلخيص. و في «د»: «بداء». و في سائر النسخ و المطبوع: «لبذي». و في شرح النهج: «أوَداً». و البذاء: السفه و الفحش في المنطق. راجع: لسان العرب، ج 14، ص 69 (بذا).

7) . هكذا في التلخيص. و في «ب، ج، ص، ف»: «أحبسه». و في «د» و الحجري: «أحسنه». و في المطبوع و شرح النهج: «أقوّمه». و مَتَّ الشيء: مدّه. و مَتّ الحبل: نزعه من البئر على غير بكرة. راجع: لسان العرب، ج 2، ص 88 (متت).

8) . في «د»: «فألجّ ».

9) . هكذا في غ «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «فأقبل عليّ أبي و قال».

10) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «و».

11) . هكذا في جميع النسخ و المطبوع و التلخيص. و في شرح النهج: «عمّا»، و هو الأصحّ .

12) . في «ج، ص»: «أحمق».

13) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «بن مرّة».

علَيَّ و(1)ظُلمِه لي‌؟ فقُلتُ‌: يا أبَه، لا عِلمَ لي بما كانَ مِن ذلكَ‌، فقالَ‌: يا بُنيَّ‌، و ما عَسَيتَ أن تَعلَمَ؟ فقُلتُ‌: و اللّٰهِ‌، لَهُوَ أحَبُّ إلَى الناسِ مِن ضياءِ أبصارِهم،

قالَ‌: إنّ ذلكَ لَكذلكَ علىٰ رُغمِ‌(2)أبيكَ و سُخطِه، فقُلتُ‌: يا أبَه(3)، أفلا تُجَلّي(4)عن فِعالِه(5)بمَوقِفٍ في الناسِ‌، تُبيِّنُ ذلكَ‌(6)لهُم‌؟ قالَ‌: و كَيفَ لي بذلكَ مع ما ذَكرتَ أنّه أحَبُّ إلَى الناسِ مِن ضياءِ أبصارِهم‌؟ إذَن يُرضَخَ رأسُ أبيكَ بالجَندَلِ‌(7). قال ابنُ عُمَرَ: ثُمّ تَجاسَرَ و اللّٰهِ فجَسَرَ(8)، فما دارَت الجُمُعةُ حتّىٰ قامَ خَطيباً في الناسِ فقالَ‌: يا(9)أيُّها الناسُ ، إنّ بَيعةَ أبي بَكرٍ كانَت فَلتةً وَقَى اللّٰهُ شَرَّها، فمَن دَعاكم إلىٰ مِثلِها فاقتُلوه.(10)


1) . في «ب، د»: - «و».

2) . في «ب، ص»: «علىٰ زعم». و في «د»: «علىٰ زغم».

3) . في «ب» و شرح النهج: «يا أبت».

4) . هكذا في التلخيص و شرح النهج. و في النسخ و المطبوع: «تحكي».

5) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «فعله».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: - «ذلك».

7) . يرضخ، أي يُكسر. و الجندل: الحجر. راجع: لسان العرب، ج 3، ص 19 (رضخ)؛ و ج 11، ص 128 (جندل).

8) . تَجاسَرَ على الشيء: اجتَرَأَ، و جَسَرَ عليه: أقدَمَ . راجع: لسان العرب، ج 4، ص 136 (جسر).

9) . في «ب» و شرح النهج: - «يا».

10) . المسترشد في إمامة أمير المؤمنين عليه السلام، ص 242-244، ح 69؛ الخصال، ج 1، ص 171، ح 227؛ الاحتجاج، ج 2، ص 384 و 439؛ مسند أحمد، ج 1، ص 55، ح 391؛ مسند البزّار، ج 1، ص 302، ح 194، و ص 410، ح 286؛ سنن النسائي الكبرىٰ ، ج 4، ص 272-273، ح 7151 و 7154؛ تاريخ الطبري، ج 3، ص 205؛ السيرة النبويّة، ج 3، ص 658؛ البدء و التاريخ، ج 5، ص 190؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 2، ص 28-29، مع اختلاف في المصادر.

و رَوَى الهَيثَمُ بنُ عَديٍّ أيضاً، عن مُجالِدِ(1)بن سَعيدٍ(2)قالَ‌: غَدَوتُ يَوماً إلَى الشَّعبيِّ و أنا(3)أُريدُ أن أسألَه عن شَيءٍ بَلَغَني عن ابنِ مسعودٍ أنّه كانَ يَقولُه(4)، فأتيتُه في مَسجِدِ حَيِّه(5)و في المَسجِدِ قومٌ يَنتَظِرونَه، فخَرَجَ‌، فتَعرَّفَ إليه القومُ‌، فقُلتُ للشَّعبيِّ‌(6): أصلَحَكَ اللّٰهُ‌، كانَ ابنُ مسعودٍ يَقولُ‌: ما كُنتُ مُحدِّثاً قوماً حديثاً لا تَبلُغُه(7)عقولُهم إلّا كانَ لبعضِهم فِتنةً؟ قالَ‌: نَعَم، قد كانَ ابنُ مسعودٍ يَقولُ ذلكَ‌، و كانَ ابنُ عبّاسٍ يَقولُه أيضاً، و كانَ عندَ ابنِ عبّاسٍ دَفائنُ عِلمٍ يُعطيها أهلَها و يَصرِفُها عن غيرِهم. فبَينا نَحنُ كذلكَ إذ(8)أقبَلَ رجُلٌ مِن الأزدِ، فجَلَسَ إلينا، فأخَذنا في ذِكرِ أبي بَكرٍ و عُمَرَ، فضَحِكَ الشَّعبيُّ و قالَ‌: لقَد كانَ في صَدرِ عُمَرَ ضَبٌّ‌(9)علىٰ أبي بَكرٍ، فقالَ الأَزديُّ‌: و اللّٰهِ ، ما رَأَينا و لا سَمِعنا برجُلٍ قَطُّ كان أسلَسَ قياداً لرجُلٍ و لا أَقوَلَ (10)فيه


1) . في «ب، د»: «مخالد». و في التلخيص: «مجاهد».

2) . مجالد بن سعيد بن عمير بن بسطام الهمداني، يكّنى أبا عمير، و يقال: أبو سعيد الكوفي. روى عن الشعبي، و قيس بن أبي حازم، و زياد بن علاقة و غيرهم، و روى عنه ابنه إسماعيل، و إسماعيل بن أبي خالد، و شعبة و غيرهم. و كان راويةً للأخبار و الأنساب و الأشعار. مات في سنة أربع و أربعين و مائة. الطبقات الكبرىٰ ، ج 6، ص 336، الرقم 2551، الفهرست لابن النديم، ص 133؛ معجم الأُدباء، ج 5، ص 2271، الرقم 935؛ تهذيب الأسماء، ص 307، الرقم 552؛ تهذيب التهذيب، ج 10، ص 39، الرقم 65.

3) . في «ج، ف» و الحجري و المطبوع: «و إنّما».

4) . هكذا في «ص» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «يقول».

5) . في «ج، ص» و الحجري: «جلسه». و حيّه، أي الحيّ الذي كان نازلاً فيه.

6) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «فتعرّفت إليه و قلت».

7) . هكذا في «ب» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «لايبلغه».

8) . في «د»: «إذا».

9) . الضَّبُّ و الضِّبُّ : الحقدُ و الغيظُ. لسان العرب، ج 1، ص 540 (ضبب).

10) . في الحجري و المطبوع: «و لا أقوله».

بالجَميلِ‌(1)مِن عُمَرَ في أبي بَكرٍ، فأقبَلَ علَيَّ‌(2)الشَّعبيُّ فقالَ‌: هذا ممّا سَألتَ عنه، ثُمّ أقبَلَ على الرجُلِ فقالَ‌: يا أخا الأَزْدِ، كَيفَ تَصنَعُ بالفَلتةِ التي وَقَى اللّٰهُ شَرَّها؟ أتَرىٰ عدوّاً يَقولُ في عدوِّه(3)يُريدُ أن يَهدِمَ ما بَنىٰ لنفسِه في الناسِ أكثَرَ مِن قولِ عُمَرَ في أبي بَكرٍ؟ فقالَ الرجُلُ‌: سُبحانَ اللّٰهِ‌! يا با عَمرٍو، أنتَ تَقولُ ذلكَ؟! فقالَ الشَّعبيُّ‌: أنا أقولُه‌؟ قالَه عُمَرُ بنُ الخَطّابِ علىٰ رُؤوسِ الأشهادِ، فَلُمْهُ أو دَعْه. فنَهَضَ الرجُلُ مُغضَباً و هو يُهَمهِمُ في الكلامِ بشَيءٍ لَم نَفهَمْه(4). قالَ‌(5)مُجالِدٌ(6): فقُلتُ للشَّعبيِّ‌: ما أَحسَبُ هذا الرجُلَ إلّاسيَنقُلُ عنكَ هذا الكلامَ إلى الناسِ و يَبُثُّه فيهم، قالَ (7): إذَن وَ اللّٰهِ لا أَحفِلُ ، به وَ شَيءٌ (8)لَم يَحفِلْ به ابنُ الخَطّابِ (9)حينَ قامَ علىٰ رُؤوسِ الأشهادِ مِن(10)المُهاجِرينَ و الأنصارِ أَحفِلُ به أنا؟!(11)و أنتم أيضاً فأَذيعوه عنّي(12)ما بَدا لكم.(13)


1) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «بالجميل فيه» بدل «فيه بالجميل».

2) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: + «عامر».

3) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «عدوّ». و في المطبوع: + «و».

4) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و هو يهمهم بشيء لم أفهمه في الكلام».

5) . في «ج» و الحجري و المطبوع: «فقال».

6) . في «د»: «محالد». و في التلخيص: «مجاهد».

7) . في «ج»: «فقال».

8) . هكذا في شرح النهج. و في النسخ و المطبوع: «لا أحفل بذلك شيئاً».

9) . في «ج، ص»: «عمر بن الخطّاب». و في شرح النهج: «عمر».

10) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: - «الأشهاد من».

11) . هكذا في شرح النهج. و في النسخ و المطبوع: - «أنا».

12) . في شرح النهج: «أذيعوه أنتم عنّي أيضاً».

13) . الإيضاح للفضل بن شاذان، ص 140؛ المسترشد في إمامة أمير المؤمنين عليه السلام، ص 245-246، ح 70؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 2، ص 29-30.

و قد رَوىٰ شَريكُ‌ بنُ عبدِ اللّٰهِ النخَعيُّ‌(1)عن مُحمّدِ بن عَمرِو بنِ مُرّةَ‌، عن أبيه، عن عبدِ اللّٰهِ بنِ سَلَمةَ‌، عن أبي موسَى الأشعَريِّ قالَ‌: حَجَجتُ مع عُمَرَ بنِ الخَطّابِ‌، فلمّا نَزَلنا و عَظُمَ‌(2)الناسُ خَرَجتُ مِن رَحلي و أنا أُريدُ عُمَرَ، فلَقيَني المُغيرةُ بنُ شُعبةَ فرافَقَني(3)، ثُمّ قالَ‌: أينَ تُريدُ؟ فقُلتُ‌: أُريدُ(4)أميرَ المؤمنينَ عُمَرَ(5)، فهَل لكَ؟ قالَ‌:

نَعَم. فانطَلَقنا نُريدُ رَحلَ عُمَرَ، فإنّا لَفي طريقِنا إذ ذَكرنا تَولّيَ عُمَرَ و قيامَه(6)بما هو فيه، و حِياطتَه علَى الإسلامِ‌، و نُهوضَه بما قِبَلَه مِن ذلكَ‌، ثُمّ خَرَجنا إلىٰ ذِكرِ أبي بَكرٍ.

ثُمّ قالَ‌: فقُلتُ للمُغيرةِ‌: يا لكَ الخَيرُ، لقَد كانَ أبو بَكرٍ مُسدَّداً في عُمَرَ كأنّه كانَ (7)

يَنظُرُ إلىٰ قيامِه مِن بَعدِهِ ، و جِدِّه و اجتهادِه و عَنائه(8)في الإسلامِ ، فقالَ المُغيرةُ : لقَد


1) . شريك بن عبد اللّٰه بن أبي شريك القاضي النخعي، أبو عبد اللّٰه. تولّى القضاء بالكوفة أيّام المهدي، ثمّ عزله موسى الهادي، و كان عالماً فهماً ذكيّاً فطناً، أدرك عمر بن عبد العزيز، و سمع أبا إسحاق السبيعي، و منصور بن المعتمر، و عبد الملك بن عمير و غيرهم، و روى عنه عبد اللّٰه بن المبارك، و عبّاد بن العوّام، و وكيع بن الجرّاح و غيرهم. ولد ببخارى من أرض خراسان، و كان جدّه قد شهد القادسيّة. و النخعي نسبة إلى النخع، و هي قبيلة كبيرة من مذحج، توفّي سنة تسع و سبعين و مائة. أخبار القضاة، ص 586؛ تاريخ بغداد، ج 9، ص 280، الرقم 4838؛ وفيات الأعيان، ج 2، ص 464، الرقم 291؛ الطبقات السنيّة، ج 4، ص 67، الرقم 958.

2) . في «د»: «و غُطم».

3) . في «د»: «فرفقني». و رَفَقَ فُلاناً: ضَرَبَ مِرفَقَه. تاج العروس، ج 13، ص 168 (رفق).

4) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «أريد». و في «د» و التلخيص: «قلت» بدل «فقلت».

5) . في المطبوع و التلخيص و شرح النهج: - «عمر».

6) . في المطبوع: «و قيادته».

7) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «كان». و في «ج»: «فكأنّه»، و في شرح النهج: «لكأنّه» كلاهما بدل «كأنّه».

8) . في «ج، ص، ف» و التلخيص و شرح النهج: «و غنائه».

كانَ كذلكَ‌(1)، و إن كانَ قومٌ كَرِهوا وِلايةَ عُمَرَ ليَزووها عنه، و ما كانَ لهُم في ذلكَ‌(2)حَظٌّ، فقُلتُ له: لا أَبا لكَ‌، ما تُري(3)القومَ الذين كَرِهوا ذلكَ مِن عُمَرَ؟ فقالَ ليَ المُغيرةُ‌: للّٰهِ أنتَ‌، كأنّكَ في غَفلةٍ لا تَعرِفُ هذا الحَيَّ مِن قُرَيشَ‌، و ما قد خُصّوا به مِن الحَسَدِ، فوَ اللّٰهِ‌، لَو كانَ هذا الحَسَدُ يُدرَكُ بحِسابٍ لَكانَ لقُرَيشٍ تِسعةُ أعشارِ الحَسَدِ و للناسِ عُشرٌ بَينَهم، فقُلتُ‌: مَهْ يا مُغيرةُ‌، فإنّ قُرَيشاً قد بانَت بفَضلِها علَى الناسِ‌.

و لَم نَزَلْ‌(4)في ذلكَ حتَّى انتَهَينا إلىٰ عُمَرَ بنِ الخَطّابِ و إلىٰ رَحلِه(5)فلَم نَجِدْه، فسَألنا عنه، فقيلَ‌: خَرَجَ آنِفاً، فمَضَينا نَقفو أثَرَه حتّىٰ دَخَلنا المَسجِدَ، فإذا عُمَرُ يَطوفُ بالبَيتِ‌، فطُفنا معه، فلمّا فَرَغَ دَخَلَ بَيني و بَينَ المُغيرةِ‌، فتَوكّأَ علَى المُغيرةِ‌، ثُمّ قالَ‌: مِن أينَ جِئتُما؟ فقُلنا(6): يا أميرَ المؤمنينَ‌، خَرَجنا نُريدُكَ‌، فأتَينا رَحلَكَ‌، فقيلَ لنا: خَرَجَ يُريدُ المَسجِدَ، فاتَّبَعناكَ ، قالَ : تَبِعَكما(7)الخَيرُ.

ثُمّ إنّ المُغيرةَ نَظَرَ إلَيَّ فتَبسَّمَ (8)، فنَظَرَ إليه(9)عُمَرُ فقالَ : مِمَّ تَبسَّمتَ أيُّها العَبدُ؟


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «ذلك».

2) . في المطبوع و شرح النهج: + «من».

3) . في «ب»: «أما تري». و في «ج» و الحجري و المطبوع: «ما نرى». و في شرح النهج: «و من» بدل «ما تُري».

4) . في «د»: «فلم يزل». و في التلخيص: «فلم نزل».

5) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «أو إلى رحله». و في التلخيص و شرح النهج: - «و إلى رحله».

6) . في «د» و التلخيص: «و قلنا».

7) . في شرح النهج: «اتّبعكما».

8) . في «ب، ج، ص، ف» و شرح النهج: «و تبسّم».

9) . في شرح النهج: «فرمقه» بدل «فنظر إليه».

فقالَ‌: مِن حَديثٍ كَثيرٍ(1)كُنتُ أنا و أبو موسى فيه آنِفاً في طريقِنا إليكَ‌. قالَ‌(2):

و ما ذلكَ‌(3)الحَديثُ؟ فقَصَصنا عليه الخبرَ حتّىٰ بَلَغنا ذِكرَ حَسَدِ قُرَيشٍ‌، و ذِكرَ مَن أرادَ منها(4)صَرفَ أبي بَكرٍ عن وِلايةِ‌(5)عُمَرَ.

فتَنفَّسَ عُمَرُ الصُّعَداءَ‌،(6)ثُمّ قالَ‌: ثَكِلَتكَ أُمُّكَ يا مُغيرةُ‌، و ما تِسعةُ أعشارِ الحَسَدِ؟ إنّ فيها لَتِسعةَ أعشارِ الحَسَدِ - كما ذَكرتَ‌(7)- و تِسعةَ أعشارِ العُشرِ، و في الناسِ عُشرُ العُشرِ، و قُرَيشٌ شُرَكاؤهم في عُشرِ العُشرِ أيضاً.

ثُمّ سَكَتَ مَليّاً و هو يَتَهادىٰ‌(8)بَينَنا، ثُمّ قالَ‌: ألا أُخبِرُكما بأحسَدِ قُرَيشٍ كُلِّها؟

قُلنا: بَلىٰ يا أميرَ المؤمنينَ‌، قالَ‌: أ وَ(9)عليكما ثيابُكما؟ قُلنا: نَعَم، قالَ‌: و كَيفَ بذلكَ و أنتما مُلبَسانِ ثيابَكما؟ قُلنا له: يا أميرَ المؤمنينَ‌، و ما بالُ الثيابِ؟ قالَ‌: خَوفَ الإذاعةِ مِن الثيابِ‌، فقُلتُ‌(10)له: أتَخافُ الإذاعةَ مِن الثيابِ؟ فأنتَ و اللّٰهِ مِن مُلبَسي الثيابِ أخوَفُ‌، و ما الثيابَ أردتَ ! قالَ : هو ذاكَ (11).


1) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «كثير».

2) . في «ج، ص، ف» و الحجري و المطبوع: «فقال». نعم ورد في حاشية «ف» ما أثبتناه.

3) . هكذا في «د» و التلخيص. و في «ب»: «ذا». و في سائر النسخ و المطبوع: «ذاك».

4) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «منها».

5) . في شرح النهج: «عن استخلاف».

6) . في «د»: «السعداء». و تَنفَّسَ الصُّعَداءَ : نفَساً ممدوداً أو مع توجُّع. راجع: تاج العروس، ج 5، ص 60 (صعد).

7) . في «ب، د» و شرح النهج: - «إنّ فيها لتسعة أعشار الحسد كما ذكرت». و في الحجري و المطبوع: - «كما ذكرت».

8) . تَهادىٰ فُلانٌ بَينَ رجُلَين: مشى بينهما معتمداً عليهما من ضَعف. تاج العروس، ج 20، ص 332 (هدى).

9) . في المطبوع و شرح النهج: «أ» بدل «أ وَ».

10) . في التلخيص: «فقلنا». و في شرح النهج: «قلنا».

11) . في «د»: «هو ذلك».

فانطَلَقَ و انطَلَقنا معه حتَّىٰ انتَهَينا إلىٰ رَحلِه، فخَلّىٰ أيديَنا مِن يَدِه، ثُمّ قالَ‌:

لا تَريما.(1)ثُمَّ دَخَلَ‌، فقُلتُ للمُغيرةِ‌: لا أَباً لكَ‌، لقَد عَثَرنا بكلامِنا و ما كُنّا فيه، و ما أَراه حَبَسَنا إلّاليُذاكِرَنا إيّاها.

قالَ‌: فإنّا لَكذلكَ‌(2)إذ خَرَجَ آذِنُه إلينا(3)، فقالَ‌: أُدخُلا، فدَخَلنا، فإذا عُمَرُ مُستَلقٍ (4)علىٰ بَرذَعةِ (5)الرَّحلِ ، فلمّا دَخَلنا أنشأَ يَتمثَّلُ بشِعرِ(6)كَعبِ بنِ زُهَيرٍ(7):

لا تُفشِ سِرَّكَ إلّاعندَ ذي ثِقةٍ *** أَولىٰ و أفضَلَ (8)ما استَودَعتَ إسرارا


1) . في «ب»: «لاترميا». و في «ص» و حاشية «ج»: «لاتريحا». و لا تريما، أي لا تبرحا، يقال: رامَه يَريمُه رَيماً، أي بَرِحَه. لسان العرب، ج 12، ص 259 (ريم).

2) . في «ب، د، ص» و الحجري: «كذلك».

3) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «علينا آذنه».

4) . في «د» و شرح النهج: «مستلقياً». و في التلخيص: «مستلقىً ».

5) . البَرذَعة و البَردَعة: ما يوضَعُ على الحِمارِ أو البغْل ليُركبَ عليه، كالسَّرْج للفرس. راجع: لسان العرب، ج 8، ص 8 (برذع).

6) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ: «ببيت». و في الحجري و المطبوع: «بيت». و في شرح النهج: «بقول».

7) . كعب بن زهير بن أبي سُلمى المُزني من الشعراء المتفوّقين في الجاهليّة و الإسلام، كان في قبيلة شعريّة حافلة، فأبوه زهير بن أبي سلمى و أخوه بجير و ابنه عقبة، و حفيده العوام كلّهم شعراء. قدم كعب بن زهير على النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله بعد انصرافه من الطائف، و كان أخوه بجير أسلم قبله، و شهد مع رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله فتح مكّة، و كان أخوه كعب أرسل إليه ينهاه عن الإسلام، فبلغ ذلك النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله فتواعده، فبعث إليه بجير فحذّره، فقدم على رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله. طبقات فحول الشعراء، ج 1، ص 97، الرقم 110؛ الشعر و الشعراء، ج 1، ص 153، الرقم 3؛ معجم الصحابة، ج 12، ص 4465، الرقم 928؛ الأغاني، ج 17، ص 57، الرقم 6؛ معرفة الصحابة، ج 4، ص 152، الرقم 2506؛ الاستيعاب، ج 3، ص 1313، الرقم 2191.

8) . في «ج، ص» و الحجري: «و لا بأفضل». و في «ب، د، ف» و التلخيص: «ولّى بأفضل». و في الديوان و غرر الخصائص: «أو لا، فأفضل».

صَدراً رَحيباً، و قلباً واسِعاً صَمِتاً(1)*** لا تَخشَ مِنهُ - إذا أَودَعتَ (2)- إظهارا(3)

فلمّا سَمِعناه يَتمثَّلُ بالشِّعرِ عَلِمنا أنّه يُريدُ أن نَضمَنَ له كِتمانَ حَديثِه، فقُلنا له:

يا أميرَ المؤمنينَ‌، أَكرِمْنا و خُصَّنا و صِلْنا(4)، قالَ‌: بما ذا يا أخا الأشعَريِّينَ؟(5)قُلنا:

بإفشاءِ سِرِّكَ إلينا و إشراكِنا(6)في هَمِّكَ‌، فنِعمَ المُستَسَرّانِ‌(7)نَحنُ لكَ‌، فقالَ‌: إنّكما لَكذلكَ‌(8)، فاسأَلا عمّا بَدا لكُما.

ثُمّ قامَ‌(9)إلَى البابِ ليُغلِقَه، فإذا آذِنُه الذي أَذِنَ لنا عليه في الحُجرةِ ، فقالَ له(10):

امضِ عنّا، لا أُمّ لكَ ! فخَرَجَ و أغلَقَ البابَ خَلفَه، ثُمّ أقبَلَ إلينا، فجَلَسَ معنا، فقالَ :

سَلا تُخبَرا، قُلنا: نُريدُ أن تُخبِرَنا بأحسَدِ(11)قُرَيشٍ الذي لَم تأمَنْ (12)ثيابَنا علىٰ ذِكرِه(13)


1) . في «د» و التلخيص: «ضمناً». و في شرح النهج: «قَمِناً». و الضَّمِن: الزَّمِن. و القَمِن: الخليق و الجدير. راجع: تاج العروس، ج 18، ص 349 (ضمن)؛. و ج 18، ص 463 (قمن).

2) . في شرح النهج: «أن لا تخاف متىٰ أودعت». و في الديوان و غرر الخصائص: «لم تخش منه لما أودعت».

3) . ديوان كعب بن زهير، ص 80؛ غرر الخصائص الواضحة، ص 97.

4) . في المطبوع: «و وصلنا». و في التلخيص: - «و صلنا».

5) . في المطبوع و شرح النهج: «الأشعرين». و في لسان العرب: «تقول العرب: جاء بك الأ شعرون، بحذف ياء النسب». لسان العرب، ج 4، ص 416 (شعر).

6) . في المطبوع: «و أشركنا». و في شرح النهج: «و أن تشركنا».

7) . في «ب» و شرح النهج: «المستشاران».

8) . في «د» و شرح النهج: «كذلك».

9) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ: «ثمّ قال: فقام». و في المطبوع: «قال: فقام».

10) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «له».

11) . في «ج، ص»: + «من».

12) . في «د» و التلخيص: «لم نأمن». و في شرح النهج: «لم يأمن».

13) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «ثيابنا عليه أن تذكره».

لنا، فقالَ‌: سَألتما عن مُعضِلةٍ‌، و سأُخبِرُكما، فلتَكُن(1)عندَكما في ذِمّةٍ مَنيعةٍ و حِرزٍ ما بَقيتُ‌، فإذا أنا(2)مِتُّ فشأنَكما و ما أحبَبتُما مِن إظهارٍ أو كِتمانٍ‌. قُلنا: فإنّ ذلكَ عندَنا كذلكَ‌(3).

قالَ أبو موسىٰ‌: و أنا أقولُ‌(4): ما أظُنُّه يُريدُ إلّاالذينَ كَرِهوا مِن أبي بَكرٍ استخلافَه عُمَرَ، و كانَ طَلحةُ أحَدَهم، فأشاروا(5)عليه أن لا يَستَخلِفَه لأنّه فَظٌّ غَليظٌ. ثُمّ قُلتُ في نَفسي: قد عَرَفنا(6)هؤلاءِ القومَ بأسمائهم و عَشائرِهم، و عَرَفَهم الناسُ‌، و إذا(7)هو يُريدُ غيرَ ما نَذهَبُ إليه منهم! فعادَ عُمَرُ إلَى التنَفُّسِ‌(8)، ثُمّ قالَ‌: مَن تَرَيانِه‌؟ قُلنا:

وَ اللّٰهِ ما نَدري إلّاظَنّاً، قالَ‌: و ما(9)تَظُنّانِ؟ قُلنا: نَراكَ تُريدُ القومَ الذينَ أرادوا أبا بَكرٍ علىٰ صَرفِ هذا الأمرِ عنكَ‌، قالَ : كَلّا، بَل كان أبو بَكرٍ أعَقَّ و أظلَمَ ، هو الذي سَألتما عنه، كانَ وَ اللّٰهِ أحسَدَ قُرَيشٍ كُلِّها!

ثُمّ أطرَقَ طَويلاً، فنَظَرَ إلَيَّ المُغيرةُ و نَظَرتُ إليه، فأَطرَقنا(10)لإطراقِه، و طالَ السكوتُ مِنّا و مِنه حتّىٰ ظَنَنّا أنّه قد نَدِمَ علىٰ ما بَدا مِنه، ثُمّ قالَ : وا لَهْفاه علىٰ ضَئيلِ


1) . في «ب، د» و التلخيص و شرح النهج: «فليكن».

2) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «أنا».

3) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «فإنّ لك عندنا ذلك».

4) . في المطبوع و شرح النهج: + «في نفسي».

5) . في «د»: «و أشاروا».

6) . في «ج، ص»: «عرفت».

7) . في «د»: «فإذا».

8) . في «ف» و المطبوع: «إلى النفس».

9) . هكذا في «د». و في «ج»: «من» بدون الواو. و في سائر النسخ و المطبوع: «و من».

10) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و أطرقنا». و في شرح النهج: + «مليّاً».

بَني(1)تَيمِ بنِ مُرّةَ‌! لقَد تَقدَّمَني ظالماً، و خَرَجَ إلَيَّ منها آثِماً.

فقالَ له(2)المُغيرةُ‌: هذا الذي(3)تَقدَّمَكَ‌(4)ظالماً قد عَرَفنا، فكَيفَ خَرَجَ إليكَ منها(5)آثِماً؟ قالَ‌: ذلكَ‌(6)لأنّه لَم يَخرُجْ إلَيَّ منها إلّابَعدَ يأسٍ منها؛ أما وَ اللّٰهِ‌، لَو كنتُ أطَعتُ زَيدَ بنَ الخَطّابِ و أصحابَه لَم يَتلَمَّظْ(7)مِن حَلاوتِها(8)بشَيءٍ أبَداً، و لكِنّي(9)قَدَّمتُ و أخَّرتُ‌، و صَعَّدتُ و صَوَّبتُ‌(10)، و نَقَضتُ و أبرَمتُ‌، فلَم أجِدْ إلّاالإغضاءَ‌

علىٰ ما نَشِبَ (11)فيه منها(12)، و التلهُّفَ (13)علىٰ نفسي(14)، و أمَّلتُ إنابتَه و رُجوعَه،


1) . في «د»: «بن».

2) . في «د» و شرح النهج: - «له».

3) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «الذي».

4) . في «ب» الكلمة غير منقوطة. و في المطبوع: «يقدّمك».

5) . في «ج»: - «منها».

6) . في «ب» و حاشية «ف» و الحجري و المطبوع و التلخيص و شرح النهج: «ذاك».

7) . في «ج»: «يتملّط» و في حاشيتها: «يتلمّظا». و في «د»: «يتلمّط». و تَلَمَّظَ و لَمَظَ: ذاقَ ؛ يقال: ماتَلمَّظتُ اليومَ بشيءٍ : ما ذُقتُ شيئاً. راجع: لسان العرب، ج 7، ص 461 (لمظ).

8) . في «د»: «خلافيها».

9) . في «ب» و التلخيص: «ولكن».

10) . صعّد: تأمّل بالنظر من أعلاه. و صوّب: خفض رأسه ليتأمّله من أسفله. و يقال: صَعَّدَ فيَّ النظرو صَوَّبَه، أي نظر إلى أعلاي و أسفلي يتأمّلني. راجع: النهاية، ج 3، ص 30 (صعد).

11) . في «ب» الكلمة غير واضحة. و في «ص، ف»: «تشب». و في المطبوع: «نشبت». و نَشِبَ في الشيء: إذا وقع فيما لا مخلص له منه. النهاية، ج 5، ص 52 (نشب).

12) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «منه فيها». و في شرح النهج: «به منها».

13) . تَلهَّفَ على الفائت: حَزِنَ و تَحسَّرَ. لسان العرب، ج 9، ص 322 (لهف).

14) . في «ج، ف»: «فلم يجبني نفسي إلى ذلك». و في «ص»: «فلم تجبني إلى نفسي ذلك». و في حاشية الحجري: «فلم تجبني نفسي». نعم، ورد في حاشية «ف» ما أثبتناه، لكن لم يُحذف «إلى ذلك» و حُذف في الحجري.

فوَ اللّٰهِ ما فَعَلَ حتّىٰ فَغَرَ(1)بها بَشَماً(2).

قالَ له المُغيرةُ‌(3): فما مَنَعَكَ منها، و قد عَرَّضَكَ لها(4)يَومَ السَّقيفةِ بدُعائكَ لها(5)؟ ثُمّ أنتَ الآنَ مُنتَقِمٌ‌(6)بالتأسُّفِ عليه!

فقالَ له: ثَكِلَتكَ أُمُّكَ يا مُغيرةُ‌، إنّي(7)كُنتُ لأََعُدُّكَ مِن دُهاةِ العَرَبِ‌! كأنّكَ كنتَ غائباً عمّا هُناكَ‌؛ إنّ الرجُلَ كادَني فكِدتُه(8)، و ماكَرَني فماكَرتُه، و ألفاني أحذَرَ مِن قَطاةٍ‌! إنّه لمّا رأىٰ شَعَفَ (9)الناسِ به، و إقبالَهم بوجوهِهم إليه(10)، أيقَنَ أن لا يُريدوا به بَدَلاً؛ فأحَبَّ - ممّا رأىٰ (11)مِن حِرصِ الناسِ عليه و شَعَفِهم به(12)- أن يَعلَمَ ما عندي، و هَل تُنازِعُ إليها نفسي ؟(13)و أحَبَّ أن يَبلوَني(14)بإطماعي فيها،


1) . في «ص»: «فرغ». و في شرح النهج: «نغر» أي امتلأ. و فَغَرَ فمَه: فَتَحَه. يعني أنّ أبا بكر فتح فمه ليلفظ الخلافة و يطرحها من جوفه. راجع: لسان العرب، ج 5، ص 59 (فغر).

2) . بَشِمَ مِن الطعام يَبشَمُ بَشَماً: أكثَرَ منه حتّى اتَّخَمَ و سَئمَه. فهو بَشِمٌ . يعني أنّ أبا بكر ما فتح فمه جوعاً، بل تُخَمةً و سأَماً. راجع: لسان العرب، ج 12، ص 50 (بشم).

3) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «فقال له المغيرة بن شعبة».

4) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في غيرها: «و قد عرضها عليك». و عَرَّضَ فلاناً لكذا: جعله عُرضةً و هدفاً له. راجع: لسان العرب، ج 7، ص 168 (عرض).

5) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «إليها».

6) . هكذا في «د» و التلخيص. و في «ب، ف» و حاشية «ج» و الحجري و المطبوع و شرح النهج: «تنقم». و في «ج، ص»: «تنقسم».

7) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «إن».

8) . في «ج»: «وكدته». و في التلخيص و شرح النهج: - «كادني فكدته».

9) . في «ب» و الحجري و المطبوع و التلخيص و شرح النهج: «شغف».

10) . في «ص» و الحجري و المطبوع و شرح النهج: «عليه».

11) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «لمّا رأى».

12) . في «ف» و الحجري و المطبوع و التلخيص: «و شغفهم به». و في شرح النهج: «و ميلهم إليه».

13) . في شرح النهج: «و هل تنازعني نفسي إليها؟».

14) . في «د»: «يتلوني». و يبلوني، أي يختبرني.

و التعريضِ لي بها، و قد عَلِمَ و عَلِمتُ لَو قَبِلتُ ما عَرَضَ علَيَّ منها لَم يُجِبْه الناسُ إلىٰ ذلكَ‌؛ فأَلفاني(1)قائماً علىٰ أخمَصَيَّ مُستَوْفِزاً(2)حَذِراً. و لَو أجَبتُه إلىٰ قبولِها لَم يُسلِمِ الناسُ إلىٰ ذلكَ‌، و اختَبأَها ضِغناً علَيَّ في قلبِه، و لَم آمَنْ غائلتَه و لَو بَعدَ حينٍ مع ما بَدا لي مِن كَراهةِ‌(3)الناسِ‌؛ أما سَمِعتَ نِداءَهم مِن كُلِّ ناحيةٍ عندَ عَرضِها علَيَّ‌: «لا نُريدُ سِواكَ يا أبا بكرٍ(4)، أنتَ لها»؟ فرَدَدتُها إليه عندَ(5)ذلكَ‌، فلقَد رأيتُه التَمَعَ‌(6)وجهُه لذلكَ سُروراً.

و لقَد عاتَبَني مَرّةً علىٰ شَيءٍ كانَ (7)بَلَغَه عنّي؛ و ذلكَ لمّا قُدِمَ [عليه](8)بالأشعَثِ بنِ قَيسٍ أسيراً، فمَنَّ عليه و أطلَقَه، و زوَّجَه أُختَه أُمَّ فَروةَ بِنتَ أبي قُحافةَ (9)فقُلتُ


1) . في «ف» و الحجريّ و المطبوع: «فألقاني». و في «ص»: «فأنفاني».

2) . هكذا في شرح النهج. و في «ب»: «مستوراً». و في «ج» و التلخيص: «متورّياً». و في «د»: «متشورناً». و في «ص، ف»: «متسورياً». و في الحجري: «متشوزناً». و في المطبوع: «مُتشوّزاً». و المستوفز: من قعد منتصباً غير مطمئنّ ، و الجالس على هيئة كأنّه يُريد القيام. تاج العروس، ج 8، ص 168 (وفز).

3) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «كراهية».

4) . في «ب، ف» و الحجري: «يا با بكر».

5) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «عليه فعند».

6) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «ذلك رأيته و قد التمع».

7) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: - «كان».

8) . ما بين المعقوفين من شرح النهج.

9) . و ذلك أنّ الأشعث بن قيس ارتدّ مع من ارتدّ من بني وليعة بعد وفاة رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله، و توّجوه عليهم ملكاً كما يتوَّج الملك من قحطان و اجتمعوا حوله و أظهروا الشماتة بوفاة رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله، و خضبوا الأيدي و ضربت بغاياهم بالدفوف، و توجّهت إليهم جيوش المسلمين بقيادة زياد بن لبيد البياضي والي حضرموت، و أعانه المهاجر بن أبي أُميّة والي صنعاء، فانهزم الأشعث و فرّ أصحابه، و لجأووا إلى الحصن

للأشعَثِ و هو بَينَ يَدَي أبي بَكرٍ: يا عدوَّ اللّٰهِ‌، أكَفَرتَ بَعدَ إسلامِكَ‌! و ارتَدَدتَ كافراً ناكصاً علىٰ عَقِبَيكَ؟ فنَظَرَ إلَيَّ الأشعَثُ نَظَراً شَزْراً(1)عَلِمتُ‌(2)أنّه يُريدُ كلاماً يُكلِّمُني به، ثُمّ سَكَتَ‌، فلَقيَني بَعدَ ذلكَ في بعضِ سِكَكِ المَدينةِ‌، فرافَقَني(3)، ثُمَّ قالَ لي: أنتَ صاحبُ الكلامِ يا ابنَ الخَطّابِ؟ قُلتُ‌: نَعَم يا عدوَّ اللّٰهِ‌، و لكَ عندي شَرٌّ مِن ذلكَ‌، فقالَ‌: بِئسَ الجَزاءُ هذا لي منكَ‌، فقُلتُ‌: عَلامَ تُريدُ مِنّي حُسنَ الجَزاءِ؟ قالَ‌: لأنَفَتي(4)لكَ مِن اتّباعِ هذا الرجُلِ - يُريدُ أبا بَكرٍ - و ما حَداني(5)على الخِلافِ عليه إلّاتَقدُّمُه(6)عليكَ و تَخلُّفُكَ عنها، و لَو كنتَ صاحِبَها ما رأيتَ مِنّي خِلافاً عليكَ . قُلتُ : قد كانَ ذلكَ ، فما تأمُرُني(7)الآنَ؟ قالَ :

المعروف ب‍ النُّجَير، فحاصرهم المسلمون حصاراً شديداً حتّى ضعفوا، فنزل الأشعث ليلاً و كلّم زياداً و المهاجر و سألهما الأمان لنفسه و عشر من أهل بيته حتّى يقدموا بهم على أبي بكر فيرى فيهم رأيه، على أن يفتح لهم باب الحصن و يسلّم إليهم من فيه، فأمّناه و أمضيا شرطه، ففتح لهم الحصن، و استنزلوا من فيه، و أخذوا أسلحتهم، ثمّ قتلوا منهم ثمانمائة و حملوا الأشعث و أهل بيته إلى المدينة، فعفا أبوبكر عنه و عنهم و زوّجه أُخته أمّ فروة، فكان الأشعث يسمّى بعد ذلك عرف النار، و قال الطبري: «و كان الأشعث يلعنه المسلمون و يلعنه الكافرون، و سمّاه قومه عرف النار، كلام يماني يسمّون به الغادر منهم». تاريخ الطبري، ج 3، ص 338.


1) . في «د، ص، ف»: «شرزاً». و في شرح النهج: - «شزراً». و الشَّزْر: نظرةُ الإعراض أو الغضب أوالاستهانة. راجع: النهاية، ج 2، ص 470 (شزر).

2) . في الحجري و المطبوع: + «له».

3) . في التلخيص: «فوافقني». و في شرح النهج: - «فرافقني».

4) . في «د»: «لايعني». و في حاشية «ج»: «لما لقيني».

5) . هكذا في «د» و التلخيص. و في «ب»: «و ما جزاي». و في سائر النسخ و المطبوع: «و ماجرّأني». و في شرح النهج: «و اللّٰه ما جرّأني». و حَدا فلاناً علىٰ كذا: بعَثَه عليه. تاج العروس، ج 19، ص 310 (حدو).

6) . في «ب» الكلمة غير منقوطة. و في الحجري و المطبوع: «بقدمه».

7) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «تأمر».

ما هذا وقتَ أمرٍ، و(1)انّما هو وقتُ صَبرٍ، حتّىٰ يأتيَ اللّٰهُ بفَرَجٍ و مَخرَجٍ‌.

قالَ‌:(2)فمَضىٰ و مَضَيتُ‌، و لَقيَ الأشعَثُ بنُ قَيسٍ الكِنديُّ‌(3)الزِّبرِقانَ بنَ بَدرٍ

السَّعديَّ‌،(4)فذَكَرَ له ما جَرىٰ بَيني و بَينَه، فنَقَلَ ذلكَ‌(5)الزِّبرِقانُ إلىٰ أبي بَكرٍ(6)، فأرسَلَ إلَيَّ فأتيتُه، فذَكَرَ ذلكَ لي(7)، ثُمّ قالَ‌: إنّكَ لَمُتَشَوِّقٌ‌(8)إليها يا بنَ الخَطّابِ‌، فقُلتُ‌: و ما يَمنَعُني مِن التشَوُّقِ إلى ما كنتُ أحَقَّ به ممّن غَلَبَني عليه‌؟(9)أما وَ اللّٰهِ‌، لَتكُفَّنَّ أو


1) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «و».

2) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «قال».

3) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «الكنديّ ».

4) . الزبرقان بن بدر بن امرئ القيس بن خلف التميمي السعدي، يكنّى أبا عيّاش، و اسمه الحصين. و إنّما قيل له الزبرقان لحسنه، و الزبرقان القمر. نزل البصرة، و كان سيّداً في الجاهليّة، وفد على رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله في وفد بني تميم، فأسلموا و أجازهم رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله فأحسن جوائزهم، و ذلك سنة تسع. و ولّاه رسول الله صلّى اللّٰه عليه و آله صدقات قومه بني عوف، فأدّاها في الردّة إلى أبي بكر، فأقرّه أبو بكر على الصدقة و كذلك عمر. توفّي سنة 45 ه‍. الطبقات الكبرىٰ ، ج 7، ص 26، الرقم 2860؛ معجم الصحابة، ج 5، ص 1802، الرقم 278؛ معرفة الصحابة، ج 2، ص 389، الرقم 3108؛ الاستيعاب، ج 2، ص 560، الرقم 866؛ أُسدالغابة، ج 2، ص 95، الرقم 1728.

5) . هكذا في التلخيص و شرح النهج. و في النسخ و المطبوع: - «ذلك».

6) . في المطبوع: + «الكلام».

7) . في الحجري و المطبوع: «لي ذلك». و في التلخيص: - «لي».

8) . هكذا في الحجري. و في المطبوع: «لمتشوّف». و في التلخيص: «لتشوق». و في «ج، ص، ف»: «بمشوّق».

9) . في «ب، د» بدل قوله: «فأرسل إليّ » إلىٰ هنا: «فأرسل إليّ بما كنت أحقّ به ممّن غلبني عليه من الكلام، فأرسلت إليه». و في شرح النهج: «فأرسل إليّ بعد عتابٍ مؤلمٍ ، فأرسلت إليه» بدله. و في التلخيص و حاشية «ف»: + «من الكلام، فأرسلت إليه». و في المطبوع: «و ما يمنعني من التشوّف لذلك، فذكر أحقّ به فمن غلبني عليه».

لأَقولَنَّ كلمةً بالغةً بي و بكَ في الناسِ يَحمِلُها(1)الرُّكبانُ حَيثُ ساروا، و إن شِئتَ استَدَمنا ما نَحنُ فيه عفواً، فقالَ‌: إذَن نَستَديمُها(2)علىٰ أنّها صائرةٌ إليكَ إلىٰ أيّامٍ‌.

قالَ‌(3): فما ظَنَنتُ أنّه يأتي عليه جُمُعةٌ حتّىٰ يَرُدَّها علَيَّ‌، فتَغافَلَ وَ اللّٰهِ‌(4)، فما ذَكَرَ لي(5)بَعدَ ذلكَ المَجلِسِ حَرفاً حتّىٰ هَلَكَ‌. و لقَد مُدَّ له في أمَدِها عاضّاً علىٰ نَواجِذِه(6)حتّىٰ حَضَرَه المَوتُ‌، فأَيِسَ منها، فكانَ منه ما رأيتُما.

ثُمّ قالَ‌: اكتُما(7)ما قُلتُ لكما [عن الناسِ كافّةً و](8)عن بَني هاشِمٍ خاصّةً‌، و ليَكُن منكما بحَيثُ (9)أمَرتُكما. [قُوما](10)إذا شِئتما علىٰ بَرَكةِ اللّٰهِ (11).

فمَضَينا و نَحنُ نَعجَبُ مِن قولِه، فوَ اللّٰهِ (12)ما أفشَينا سِرَّه حتّىٰ هَلَكَ .(13)


1) . في «ب، د» و شرح النهج: «تحملها».

2) . في «د»: «تستديمها». و في «ص»: «أستديمه». و في شرح النهج: «نستديمه».

3) . هكذا في التلخيص. و في «د»: «فقال». و في سائر النسخ و المطبوع: - «قال».

4) . في «ج»: - «و اللّٰه».

5) . في «ص»: «ذكرني». و في شرح النهج: «ذاكرني». و في «ب، ج، ص، ف» و الحجري و المطبوع: + «و اللّٰه».

6) . في جميع النسخ و الحجري: «نواجده». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و التلخيص و شرح النهج.

7) . هكذا في المطبوع فقط. و في النسخ و التلخيص: «ثمّ اكتما»، و في شرح النهج: «فاكتما» كلاهما بدل «ثمّ قال: اكتما».

8) . ما بين المعقوفين من شرح النهج.

9) . في المطبوع: «منكم حيث».

10) . ما بين المعقوفين من شرح النهج.

11) . في «ب، د»: + «تعالى».

12) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في «ب» و الحجري: «و اللّٰه». و في سائر النسخ و المطبوع: «و و اللّٰه».

13) . الإيضاح للفضل بن شاذان، ص 140-154؛ المسترشد في إمامة أمير المؤمنين عليه السلام، ص 247-254، ح 71.

و كأنّي(1)بهم عندَ سَماعِ هذه الأخبارِ يَستَغرِقونَ‌(2)ضَحِكاً و(3)تَعجُّباً، و استبعاداً و إنكاراً، و يَقولونَ‌: كَيفَ نُصغي إلىٰ هذه الأخبارِ، و معلومٌ ضَرورةً تعظيمُ عُمَرَ لأبي بَكرٍ و وِفاقُه له، و تصويبُه لإمامتِه‌؟ و كَيفَ يَطعَنُ عُمَرُ في إمامةِ أبي بكرٍ و(4)هي أصلٌ لإمامتِه، و قاعدةٌ لوِلايتِه‌؟ و لَيسَ هذا بمُنكَرٍ ممّن طَمَسَت العَصَبيّةُ علىٰ قَلبِه و عَينِه، فهو لا يَرىٰ و لا يَسمَعُ إلّاما يوافِقُ‌(5)اعتقاداتٍ مُبتدأةً قد اعتَقَدَها، و مَذاهِبَ فاسدةً قد انتَحَلَها؛ فما بالُ هذه الضرورةِ تَخُصُّهم و لا تَعُمُّ مَن خالَفَهم‌؟ و نَحنُ نُقسِمُ باللّٰهِ علىٰ أنّا لا نَعلَمُ ما يَدَّعونَه، و نَزيدُ علىٰ ذلكَ بأنّا نَعتَقِدُ أنّ الأمرَ بِخلافِه.

و لَيسَ في طَعنِ عُمَرَ علىٰ بَيعةِ أبي بَكرٍ ما يؤدّي إلى فَسادِ إمامتِه؛ لأنّه يُمِكنُ أن

يَكونَ ذَهَبَ إلىٰ أنّ إمامتَه لَم تَثبُتْ (6)بالنصِّ عليه، و إنّما ثَبَتَت بالإجماعِ مِن الأُمّةِ و الرضا - فقَد ذَهَبَ إلىٰ ذلكَ جَماعةٌ مِن الناسِ - و يَرىٰ (7)أنّ إمامتَه أَولىٰ ؛ مِن حَيثُ لَم تَقَعْ بَغتةً و لا فَجأةً ، و لا اختَلَفَ الناسُ في أصلِها و امتَنَعَ كَثيرٌ منهم مِن الدخولِ فيها، حتّىٰ أُكرِهوا و هُدِّدوا(8)و خُوِّفوا.


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «فكأنّي».

2) . في «ب، د، ف» و التلخيص: «يستغربون».

3) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «و».

4) . في «د» و التلخيص: - «أبي بكر و».

5) . في «د» و التلخيص: «ما وافق».

6) . في المطبوع: + «إلّا».

7) . في «ج»: «و يروى». و في «د»: «و نرى».

8) . هكذا في التلخيص. و في «د»: «أو هُدّدوا». و في سائر النسخ و المطبوع: «و تهدّدوا».

في بيان معنى الفلتة

فأمّا الفَلتةُ (1)و إن كانَت مُحتَمِلةً للبَغتةِ - علىٰ ما حَكىٰ صاحبُ الكتابِ - و للزَّلّةِ أيضاً(2)و الخَطيئةِ ، فالذي يُخصِّصُها(3)بالمعنَى الذي ذَكرناه قولُه: «وَقَى اللّٰهُ شَرَّها، فمَن عادَ إلىٰ مِثلِها فاقتُلوه» و هذا الكلامُ لا يَليقُ بالمَدحِ ، و هو بالذمِّ أشبَهُ ؛ فيَجِبُ أن يَكونَ محمولاً علىٰ معناه.

و قولُه: «إنّ المُرادَ بقَولِه: وَقَى اللّٰهُ (4)شَرَّها، أنّه دَفَعَ شَرَّ الاختلافِ فيها» عُدولٌ (5)عن الظاهرِ؛ لأنّ الشرَّ في ظاهرِ الكلامِ مُضافٌ إليها، دونَ غيرِها.

و أبعَدُ مِن هذا التأويلِ قولُه: «إنّ المُرادَ: مَن عادَ إلىٰ مِثلِها مِن غيرِ ضَرورةٍ و أَكرَهَ المُسلِمينَ عليها فاقتُلوه»؛ لأنّ ما جَرىٰ (6)هذا المَجرىٰ لا يَكونُ «مِثْلاً» لبَيعةِ أبي بَكرٍ عندَهم؛ لأنّ كُلَّ ذلكَ ما(7)جَرىٰ علىٰ مَذاهبِهم(8)فيها، و قد كانَ يَجِبُ علىٰ هذا أن يَقولَ : مَن عادَ إلىٰ خِلافِها فاقتُلوه.

و لَيسَ له أن يَقولَ : إنّما أرادَ بالتمثيلِ وجهاً واحداً، و هو في وقوعِها(9)مِن غيرِ مُشاوَرةٍ ؛ لأنّ ذلكَ انّما تَمَّ في أبي بَكرٍ خاصّةً بظُهورِ(10)أمرِه و اشتهارِ فَضلِه، و لأنّهم


1) . في المطبوع و شرح النهج: + «فإنّها».

2) . في «د، ف»: - «أيضاً». و في التلخيص: «و الذلّة أيضاً».

3) . في «ب»: «يخصّها».

4) . هكذا في «د». و في التلخيص: «إنّ المراد بوقى اللّٰه». و في سائر النسخ و المطبوع: - «بقوله».

5) . في «ب»: «هو عدول». و في المطبوع: «و عدل».

6) . في التلخيص: «ما يجري».

7) . «ما» نافية.

8) . في «ج»: «مذهبهم».

9) . في «ج، ص، ف» و الحجري و المطبوع: «و هو وقوعهما».

10) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «لظهور».

بادَروا إلَى العَقدِ خَوفاً مِن الفتنةِ .

و ذلكَ أنّه غيرُ مُنكَرٍ أن يَتَّفِقَ مِن ظُهورِ فَضلِ غيرِ أبي بَكرٍ(1)و اشتهارِ أمرِه و خَوفِ الفِتنةِ ما اتَّفَقَ لأبي بَكرٍ، فلا يَستَحِقَّ بالعَقدِ له(2)قَتلاً و لا ذَمّاً.

علىٰ أنّ قولَه: «مِثلِها» يَقتَضي وقوعَها علَى الوجهِ الذي وَقَعَت عليه؛ فكَيفَ (3)يَكونُ ما وَقَعَ مِن غيرِ مُشاوَرةٍ لضَرورةٍ داعيةٍ و أسبابٍ موجِبةٍ ، «مِثلاً» لِما وَقَعَ بِلا مُشاوَرةٍ مِن(4)غيرِ ضَرورةٍ و لا أسبابٍ؟

و الذي رَواه عن أهلِ اللغةِ‌ مِن أنّ آخِرَ يَومٍ مِن شَوّالٍ يُسَمّىٰ «فَلتةً‌» مِن حَيثُ لَم يُدرَكْ فيه ثأرُه: فإنّا لا نَعرِفُه(5)، و الذي نَعرِفُه عن القومِ‌(6)أنّهم يُسَمّونَ الليلةَ‌(7)التي

يَنقَضي بها أحَدُ الشُّهورِ الحُرُمِ‌(8)و يَتِمُّ «فَلتةً »، و هي آخِرُ ليلةٍ مِن ليالي الشهرِ؛ لأنّه رُبَّما رأىٰ قومٌ الهِلالَ لِتسعٍ و عِشرينَ و لَم يُبصِرْه الباقونَ ، فيُغيرُ(9)هؤلاءِ علىٰ أُولئكَ و هُم غارّونَ (10)، فلهذا سُمّيَت هذه الليلةُ «فَلتةً ».(11)


1) . في المطبوع: + «بالعقد له».

2) . هكذا في «د» و التلخيص و الحجري. و في سائر النسخ و المطبوع: - «بالعقد له».

3) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «و كيف».

4) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و من».

5) . في التلخيص: «فإنّه غير معروف». و في شرح النهج: «فإنّه قول لا نعرفه».

6) . هكذا في «د». و في التلخيص: «و الذي يعرف من ذلك». و في الحجري و المطبوع: «و الذي نعرفه من القوم». و في سائر النسخ و شرح النهج: - «عن القوم».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: - «الليلة».

8) . في «ب»: «أحد شهور الحرم». و في شرح النهج: «آخر الأشهر الحرم».

9) . في «د»: «فيغر». و في التلخيص: «فيغبر».

10) . الغارّ: الغافل. لسان العرب، ج 5، ص 13 (غرر).

11) . النهاية، ج 3، ص 467؛ لسان العرب، ج 2، ص 67؛ تاج العروس، ج 3، ص 100 (فلت).

علىٰ أنّا قد بيّنّا أنّ مجموعَ الكلامِ يَقتَضي ما ذَكرناه مِن المعنىٰ لَو(1)سُلِّمَ له ما رَواه عن أهلِ اللغةِ في احتمالِ هذه اللفظةِ .

و قولُه في أوّلِ الكلامِ‌: «لَيسَت(2)الفَلتةُ الزلّةَ و الخَطيئةَ‌» إن أرادَ أنّها لا تَختَصُّ بذلكَ‌، فهو صَحيحٌ‌(3). و إن أرادَ أنّها لا تَحتَمِلُه(4)، فهو ظاهرُ الخَطإِ؛ لأنّ صاحبَ «العَينِ » قد ذَكَرَ في كتابِه: أنّ الفَلتةَ مِن الأمرِ: الذي يَقَعُ علىٰ غيرِ إحكامٍ .(5)

و بَعدُ، فلَو كانَ عُمَرُ لَم يُرِدْ بقَولِه توهينَ بَيعةِ أبي بَكرٍ - بَل أرادَ ما ظَنَّه المخالِفونَ - لَكانَ ذلكَ عائداً عليه بالنقصِ (6)لأنّه وَضَعَ كلامَه في غيرِ مَوضِعهِ ، و أرادَ شَيئاً فعَبَّرَ عن خِلافِه(7)فلَيَس يَخرُجُ هذا الخبرُ مِن أن يَكونَ طَعناً علىٰ أبي بَكرٍ إلّابأن يَكونَ طَعناً علىٰ عُمَرَ!


1) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «و لو».

2) . في المطبوع: «و ليست».

3) . هكذا في «د». و في سائر النسخ: «فصحيح». و في الحجري و المطبوع: - «فهو».

4) . في الحجري و المطبوع: «لا تحملها».

5) . كتاب العين، ج 8، ص 122 (فلت).

6) . في «ب»: «بالنقض».

7) . في «ب»: «عنه بخلافه».

الطعن السادس شكّ أبي بكر في صحّة بيعته

اشارة

قالَ صاحبُ الكتابِ :

شُبهةٌ أُخرىٰ لهُم(1):

قالوا: قد رُويَ عن أبي بَكرٍ أنّه قالَ عندَ مَوتِه: «لَيتَني كنتُ سَألتُ رسولَ اللّٰهِ عليه السلامُ (2)عن ثَلاثةٍ (3)»، فذَكَرَ في أحَدِها: «لَيتَني كنتُ سَألتُه: هَل للأنصارِ في هذا الأمرِ حَقٌّ؟»(4)و ذلكَ (5)يَدُلُّ علىٰ شَكِّه في صِحّةِ بَيعتِه(6).


1) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «شبهةٌ لهم أُخرىٰ ».

2) . هكذا في المغني. و في النسخ و المطبوع: «صلّى اللّٰه عليه و آله».

3) . في المغني: «ثلاث».

4) . السقيفة و فدك، ص 41؛ الخصال، ج 1، ص 171-173، ح 228؛ تقريب المعارف، ص 397؛ المعجم الكبير، ج 1، ص 62، ح 43؛ الإمامة و السياسة، ج 1، ص 37؛ تاريخ الطبري، ج 3، ص 431؛ مروج الذهب، ج 2، ص 302؛ كنز العمّال، ج 5، ص 632-633، ح 14113.

5) . هكذا في «د» و المغني و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: + «أنّه».

6) . هكذا في «د» و المغني و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ: «في صحّة بيعة نفسه». و في الحجري و المطبوع: «في بيعة نفسه». و في المغني: + «و يمنع من كونها صواباً».

و رُبَّما قالوا: قد رُويَ أنّه قالَ في مرضِه: «لَيتَني كنتُ تَرَكتُ بَيتَ‌

فاطمةَ [و](1)لَم أكشِفْه، و لَيتَني في ظُلّةِ بَني ساعِدةَ كنتُ‌(2)ضَرَبتُ علىٰ يَدِ أحَدِ الرجُلَينِ‌، فكانَ هو الأميرَ و كنتُ الوَزيرَ»(3).

قالوا: و ذلكَ يَدُلُّ علىٰ ما يُروىٰ‌(4)مِن إقدامِه علىٰ بَيتِ فاطمةَ عندَ اجتماعِ أميرِ المؤمنينَ و الزُّبَيرِ و غيرِهما فيه.(5)و يَدُلُّ علىٰ أنّه كانَ يَرَى الفَضلَ لغَيرِه لا لنفسِه [في بابِ الإمامةِ‌](6).

ثُمّ قالَ‌:

الجوابُ‌(7): أنّ قولَه: «لَيتَني» لا يَدُلُّ علَى الشكِّ فيما تَمَنّاه، و قولُ إبراهيمَ عليه السلامُ : (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتىٰ قٰالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قٰالَ بَلىٰ وَ لٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)(8)أقوىٰ (9)مِن ذلكَ في الشُّبهةِ (10)[ولا يَدُلُّ علىٰ


1) . ما بين المعقوفين من المغني، و هكذا في الموارد الآتية.

2) . في المغني و التلخيص: - «كنت».

3) . السقيفة و فدك، ص 73؛ تقريب المعارف، ص 366؛ تاريخ الطبري، ج 3، ص 430؛ مروج الذهب، ج 2، ص 301؛ تاريخ الإسلام، ج 3، ص 117-118؛ المعجم الكبير، ج 1، ص 62، ح 43؛ كنز العمّال، ج 5، ص 632، ح 14113.

4) . في «ج، ص، ف» والحجري والمطبوع و شرح النهج: «ما روي». نعم ورد في حاشية «ف» ما أثبتناه.

5) . الإمامة و السياسة، ج 1، ص 30؛ تاريخ الطبري، ج 3، ص 202؛ العقد الفريد، ج 5، ص 13.

6) . في المطبوع بين معقوفين: + «و لا يدلّ علىٰ أنّه لم يكن عالماً» بدل «في باب الإمامة». و في حاشيته: «الزيادة من المغني» و هو سهو؛ إذ الزيادة هذه لا توجد في المغني هنا، بل توجد في نهاية الفقرة الآتية.

7) . هكذا في «د» و المغني و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: + «عن ذلك».

8) . البقرة (2):260.

9) . في المغني: «أقوم».

10) . هكذا في «د» و المغني و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «على الشبهة».

أنّه لَم يَكُن عالِماً].

ثُمّ حَمَلَ تَمنّيَه علىٰ أنّه أرادَ سَماعَ شَيءٍ مُفصَّلٍ‌، أو أرادَ(1): لَيتَني سَألتُه عندَ المَوتِ لقُربِ‌(2)العَهدِ؛ لأنّ ما قَرُبَ عَهدُه لا يُنسىٰ‌، فيَكونُ‌(3)أردَعَ للأنصارِ عمّا(4)حاولوه.

ثُمّ قالَ‌:

علىٰ أنّه لَيسَ في ظاهرِه أنّه تَمَنّىٰ أن يَسألَ هَل لهُم حَقٌّ في الإمامةِ أم لا؟ لأنّ الإمامةَ قد تَتعلَّقُ‌(5)بها حُقوقٌ سِواها.

ثُمّ دَفَعَ الروايةَ المُتعلِّقةَ بَبيتِ فاطمةَ عليها السلامُ و قالَ :

[و قد بيّنّا أنّه لَم يَكُن منه في بَيتِ فاطمةَ ما يوجِبُ أن يَتمنّىٰ أن لَم يَفعَلْه، و بيّنّا كُلَّ ما يَتَّصِلُ بذلكَ ؛ فلا وجهَ لإعادتِه]. فأمّا(6)تَمَنّيهِ أن يُبايَعَ غيرُه، فلَو ثَبَتَ لَم يَكُن ذَمّاً؛ لأنّ مَن اشتَدَّ(7)التكليفُ عليه قد(8)يَتَمنّىٰ خِلافَه.(9)


1) . في «د»: «و أراد». و في «ب، ص»: «منفصل» بدل «مفصّل».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: - «لقرب».

3) . هكذا في «ج» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «و يكون».

4) . هكذا في «د». و في شرح النهج: «علىٰ ما». و في غيرهما: «لما».

5) . هكذا في «د» و المغني و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «قد يتعلّق».

6) . في التلخيص و المغني: «و أمّا». و في «ب»: «أمّا». و في المطبوع: «فإنّ ».

7) . في المطبوع: «شهد».

8) . هكذا في «د» و التلخيص. و في المغني: «فلا»؛ و هو تصحيف. و في سائر النسخ و المطبوع: «فهو».

9) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 340-341. و كلّ ما ورد بين معقوفين فهو من المصدر.

في بيان شكّ أبي بكر في صحّة بيعته، و بطلان ما أجاب به القاضي عن ذلك

يُقالُ له: لَيسَ يَجوزُ أن يَقولَ أبو بَكرٍ: «لَيتَني سَألتُ عن كذا» إلّامع الشكِّ و الشُّبهةِ‌؛ لأنّ مع العِلمِ و اليَقينِ لا يَجوزُ مِثلُ هذا القولِ‌؛ هكذا يَقتَضي الظاهرُ.

فأمّا قولُ إبراهيمَ عليه السلامُ‌: فإنّما ساغَ أن يُعدَلَ عن ظاهرِه لأنّ الشكَّ لا يَجوزُ على الأنبياءِ عليهم السلامُ‌، و يَجوزُ علىٰ غيرِهم. علىٰ أنّه عليه السلامُ قد نَفىٰ عن نفسِه الشكَّ بقَولِه: (بَلىٰ وَ لٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي). و قد قيلَ‌: إنّ نُمرودَ(1)قالَ له: إذا كنتَ تَزعُمُ أنّ لكَ رَبّاً يُحيي الأمواتَ‌(2)، فسَلْه(3)أن يُحييَ لنا مَيِّتاً إن كانَ علىٰ ذلكَ قادراً، فإن لَم يَفعَلْ ذلكَ قَتَلتُكَ‌(4). فأرادَ بقَولِه: (وَ لٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) أي لِآمَنَ مِن(5)تَوعُّدِ عدُوِّكَ لي بالقَتلِ‌. و(6)يَجوزُ أن يَكونَ طَلَبَ ذلكَ لقَومِه و قد سَألوه(7)أن يَرغَبَ إلىٰ رَبِّه(8)تعالىٰ‌(9)فيه، فقالَ‌: (لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) إلىٰ إجابتِكَ لي و إلىٰ إزاحةِ عِلّةِ قومي، و لَم يُرِد: (لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) إلىٰ أنّكَ تَقدِرُ علىٰ‌(10)أن تُحييَ المَوتىٰ‌؛ لأنّ قلبَه بذلكَ كانَ مُطمَئنّاً(11).


1) . في شرح النهج: «نمروذ».

2) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «الموتىٰ ».

3) . في «ص» و شرح النهج: «فاسأله».

4) . في الحجري و المطبوع: «فقتلتك».

5) . هكذا في «د» و الحجري و حاشية «ف». و في سائر النسخ و المطبوع: - «من».

6) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و قد».

7) . في «د»: «سألوا».

8) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «إلى اللّٰه».

9) . في الحجري و المطبوع: - «تعالىٰ ».

10) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في غيرها: - «علىٰ ».

11) . هكذا في «د» و التلخيص. و في شرح النهج: «لأنّ قلبه قد كان بذلك مطمئنّاً». و في سائر النسخ و المطبوع: «لأنّ قلبه بذلك مطمئنّ ».

و أيَّ شَيءٍ يُريدُ أبو بَكرٍ مِن التفصيلِ‌(1)أكثَرَ مِن قولِه: «إنّ هذا الأمرَ لا يَصلُحُ إلّا لهذا الحَيِّ مِن قُرَيشَ‌»(2)و «الأئمّةُ مِن قُرَيشٍ‌(3)»؟(4)و أيُّ فَرقٍ بَينَ ما يُقالُ‌(5)عند المَوتِ ، و(6)ما يُقالُ قَبلَه إذا كانَ محفوظاً معلوماً لَم يُرفَعْ حُكمُه و لَم يُنسَخْ؟

و بَعدُ، فظاهرُ الكلامِ لا يَقتَضي هذا التخصيصَ ، و نَحنُ مع الإطلاقِ و الظاهرِ.

و أيُّ حقٍّ يَجوزُ أن يَكونَ للأنصارِ في الإمامةِ غيرُ أن يَتوَلّاها رجُلٌ منهم، حتّىٰ يَجوزَ أن يَكونَ الحقُّ الذي تَمَنّىٰ أن يَسألَ عنه غيرَ الإمامةِ؟(7)و هَل هذا إلّاتَعسُّفٌ و تَكلُّفٌ؟! و أيُّ شُبهةٍ تَبقىٰ بَعدَ قولِ أبي بَكرٍ: «لَيتَني كنتُ سألتُه: هَل للأنصارِ في هذا الأمرِ حَقٌّ (8)؟ فكُنّا لا نُنازِعَه أهلَه» و معلومٌ أنّ التنازُعَ لَم يَقَعْ بَينَهم(9)إلّافي


1) . في الحجري و المطبوع و التلخيص و شرح النهج: «التفضيل».

2) . مسند أحمد، ج 1، ص 55، ح 391؛ صحيح البخاري، ج 6، ص 2503، ح 6442؛ مسندالبزّار، ج 1، ص 301، ح 194؛ المصنّف لعبد الرزّاق، ج 5، ص 439، ح 443؛ السنن الكبرىٰ للبيهقي، ج 8، ص 142، ح 16312؛ كنز العمّال، ج 5، ص 649، ح 14134.

3) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «و الأئمّة من قريش».

4) . مسند أحمد، ج 3، ص 129، ح 12329، و ص 183، ح 12923، و ج 4، ص 421، ح 19792؛ سنن النسائي الكبرىٰ ، ج 3، ص 467، ح 5942؛ المعجم الكبير، ج 1، ص 252، ح 725؛ المعجم الأوسط، ج 4، ص 26، ح 3521، و ج 6، ص 357، ح 6610؛ المصنّف لعبد الرزّاق، ج 11، ص 58، ح 19903؛ المستدرك على الصحيحين، ج 4، ص 85، ح 6962.

5) . في «د»: «ما يقول».

6) . في «ب، ج، ص، ف» و شرح النهج: «و بين».

7) . هذا جواب لقول القاضي: «علىٰ أنّه ليس في ظاهره أنّه تمنّىٰ أن يَسأل هل لهم حقّ في الإمامة أم لا؛ لأنّ الإمامة قد تتعلّق بها حقوق سواها».

8) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «شيء».

9) . في «د»: - «بينهم».

الإمامةِ نفسِها، لا في حقٍّ آخَرَ مِن حقوقِها؟!(1)

فأمّا قولُه: «إنّا قد بيّنّا أنّه لَم يَكُن منه في بَيتِ فاطمةَ (2)ما يوجِبُ أن يَتمنّىٰ أن لَم يَفعَلْه»(3)فقَد بيّنّا فَسادَ ما ظَنَّه في هذا البابِ ، و مَضَى الكلامُ فيه مُستَقصىً .(4)

فأمّا قولُه: «إنّ مَن اشتَدَّ(5)التكليفُ عليه قَد يَتَمنّىٰ خِلافَه» فلَيسَ بصَحيحٍ ؛ لأنّ

وِلايةَ أبي بَكرٍ إذا كانَت هي التي اقتضاها الدينُ و النظَرُ للمُسلِمينَ في تلكَ الحالِ ، و ما عَداها كانَ مَفسَدةً و مؤدّياً إلَى الفتنةِ ، فالتمَنّي لخِلافِها(6)لا يَكونُ إلّاقَبيحاً.


1) . قال ابن أبي الحديد: «فأمّا قول قاضي القضاة: لعلّه أراد حقّاً للأنصار غير الإمامة نفسها، فليس بجيّد، و الذي اعترضه به المرتضى جيّد، فإنّ الكلام لا يدلّ إلّاعلى الإمامة نفسها، و لفظة المنازعة تؤكّد ذلك». شرح نهج البلاغة، ج 17، ص 168.

2) . في «د» و الحجري و المطبوع: + «عليها السلام».

3) . قال ابن أبي الحديد: «و أمّا حديث الهجوم على بيت فاطمة عليها السلام فقد تقدّم الكلام فيه، و الظاهر عندي صحّة ما يرويه المرتضى و الشيعة، و لكن لا كلّ ما يزعمونه، بل كان بعض ذلك، و حقّ لأبي بكر أن يندم و يتأسّف على ذلك!». شرح نهج البلاغة، ج 17، ص 168.

4) . تقدّم في ص 169-170، 440-441.

5) . في «د»: «ممّن اشتدّ». و في «ص، ف»: «من أشدّ».

6) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «بخلافها».

الطعن السابع تولية عمر، خلافاً لرسول اللّٰه صلى الله عليه و آله

اشارة

قالَ صاحبُ الكتابِ - بَعدَ أن ذَكَرَ شَيئاً لا نَتعلَّقُ‌(1)به مِن أنّ أبا بَكرٍ نَصَّ علىٰ عُمَرَ، فتَرَكَ‌(2)التأسّيَ بالرسولِ صلّى اللّٰه عليه و آلِه(3)لأنّه لَم يَستَخلِفْ ، و أجابَ عنه -:

و رُبَّما قالوا في الطعنِ عليه: إنّه وَلّىٰ عُمَرَ، و لَم يُوَلِّه رسولُ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه(4)شَيئاً مِن أعمالِه، إلّاما وَلّاه يَومَ خَيبَرَ فرَجَعَ مُنهَزِماً؛ و وَلّاه(5)الصدَقةَ ، فلمّا شَكاه(6)العَبّاسُ عَزَلَه.

ثُمّ أجابَ ب‍:

أنّ تَركَه عليه السلامُ (7)أن يُوَلّيَه لا يَدُلُّ علىٰ أنّه لا يَصلُحُ لذلكَ ؛ لأنّه(8)


1) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «لا يتعلّق».

2) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و ترك».

3) . في «ج، ص، ف»: «عليه السلام».

4) . في «ب، د» و المطبوع: + «و آله».

5) . في «ج»: «و وليه».

6) . هكذا في «د» و المغني و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ: «شكا إلى». و في الحجري و المطبوع: «شكا إليه».

7) . في «د»: «صلّى اللّٰه عليه و آله».

8) . في المغني: «يبيّن ذلك أنّه»، و في شرح النهج: «و توليته إيّاه لا يدلّ علىٰ صلاحيته للإمامة؛ فإنّه صلّى اللّٰه عليه و آله» كلاهما بدل «لأنّه».

قد وَلّىٰ خالدَ بنَ الوَليدِ و عَمرَو بنَ العاصِ‌، و لَم يَدُلَّ علىٰ صَلاحِهما(1)للإمامةِ‌، فكذلكَ‌(2)تَركُه أن يُوَلّيَ لا يَدُلُّ علىٰ أنّه غيرُ صالحٍ له(3)بَل المُعتَبَرُ بالصفاتِ التي لها(4)يَصلُحُ للإمامةِ‌، فإذا(5)كَمَلَت صَلَحَ لذلكَ‌؛ وُلّيَ مِن قَبلُ أو لَم يُوَلَّ‌. [فإذا كانَ لَو كانَ قد وَلّاه لَم يَدُلَّ علىٰ صَلاحِه للإمامةِ - كما ذَكرناه في خالدٍ و غيرِه - فتَركُه لِأن يُولّيَه لا يَدُلُّ علىٰ ما قالوه.]

و قد ثَبَتَ أنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(6)تَرَكَ أن يُوَلّيَ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ‌(7)أُموراً(8)كَثيرةً‌(9)، و لَم يَجِبْ أن لا يَصلُحَ لها(10)و ثَبَتَ أنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ (11)لَم يُوَلِّ الحُسَينَ عليه السلامُ (12)، و لَم يَمنَعْ (13)ذلكَ مِن أن يَصلُحَ للإمامةِ .


1) . هكذا في «د» و المغني و التلخيص. و في شرح النهج: «على صلاحيتهما». و في سائر النسخ و المطبوع: «على أنّهما يصلحان».

2) . هكذا في «د» و المغني و التلخيص. و في «ب»: «و لذلك». و في سائر النسخ و المطبوع: «و كذلك».

3) . هكذا في التلخيص و المغني. و في النسخ و شرح النهج: - «له». و في الحجري و المطبوع: «للإ مامة».

4) . هكذا في «ب، د» و المغني. و في شرح النهج: - «لها». و في سائر النسخ و المطبوع: «بها».

5) . في «د»: «و إذا».

6) . في المغني: «عليه السلام».

7) . في الحجري و المطبوع و المغني: - «عليه السلام». و في المغني: «عليّاً» بدل «أمير المؤمنين».

8) . هكذا في «د» و المغني و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «ولايات».

9) . في «د»: «كثيراً».

10) . في المغني: + «بل المعتبر بالصفات التي لها يصلح للإ مامة».

11) . في المغني: - «عليه السلام».

12) . في شرح النهج: + «ابنه».

13) . في «د»: «و لايمنع».

و حَكىٰ عن أبي عليٍّ‌(1):

أنّ ذلكَ إنّما كانَ يَصِحُّ أن يَتعلَّقَ [القومُ ] به لَو ظَفِروا(2)بتَقصيرٍ مِن عُمَرَ فيما تَوَلّاه(3)فأمّا و أحوالُه معروفةٌ في قيامِه بالأمرِ حتّىٰ كادَ(4)يَعجِزُ غيرُه، فكَيفَ يَصِحُّ ما قالوه ؟

و بَعدُ، فهَلّا دَلَّ ما رُويَ عنه(5)مِن قولِه: «و(6)إن وَلَّيتم عُمَرَ تَجِدوه قَويّاً

في أمرِ اللّٰهِ قَويّاً في بَدَنِه(7)» علىٰ جوازِ ذلكَ و إن تَرَكَ أن يُوَلّيَه ؟ لأنّ هذا القولَ أقوىٰ مِن الفِعلِ .(8)

في بيان أنّ ترك تولية شخص يكشف عن عدم أهليّته للولاية مطلقاً

يُقالُ‌(9)له: قد عَلِمنا بالعادةِ‌(10)أنّ مَن يُرشَّحُ‌(11)لكِبارِ الأُمورِ لا بُدَّ مِن أن يُدرَّجَ إليها بصِغارِها، و أنّ‌(12)مَن يُريدُ بعضُ المُلوكِ تأهيلَه للأمرِ بَعدَه لا بُدَّ مِن(13)أن يُنبِّهَ‌


1) . في الحجري و المطبوع: + «علىٰ ».

2) . في المغني: «و إنّما كان يجوز أن يتعلّق القوم بذلك إن ظفروا».

3) . هكذا في «د» و المغني و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «يتولّاه».

4) . هكذا في «د» و المغني و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «حين» بدل «حتّىٰ كاد».

5) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المغني و المطبوع: - «عنه».

6) . في «د»: - «و».

7) . في المطبوع: «ندبه»، و هو سهو.

8) . المغني، ج 20 القسم الأوّل، ص 342-343. و كلّ ما ورد بين معقوفين فهو من المصدر.

9) . في «د»: «قيل».

10) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «من العادة».

11) . في شرح النهج: «ترشّح». و رُشِّحَ للأمر: رُبّي له و أُهِّلَ . لسان العرب، ج 2، ص 450 (رشح).

12) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «لأنّ » بدل «و أنّ ».

13) . في الحجري و المطبوع: - «من».

عليه بكُلِّ قولٍ و فِعلٍ يَدُلّانِ‌(1)علىٰ تَرَشيحِه(2)لهذه المَنزِلةِ‌، و يَستَكفيَه مِن أُمورِه و وِلاياتِه ما يُعلَمُ عندَه أو يَغلِبُ في الظنِّ صَلاحُه لِما يُريدُه له؛ و أنّ مَن يُرىٰ أنّ‌(3)المَلِكَ مع حُضورِه و امتدادِ الزمانِ و تَطاوُلِه(4)لا يَستكَفيهِ شَيئاً مِن الوِلاياتِ ، و متىٰ وَلّاه عَزَلَه، و إنّما(5)يُوَلّي غيرَه و يَستَكفي سِواه، لا بُدَّ أن يَغلِبَ في الظنِّ أنّه لَيسَ بأهلٍ للوِلايةِ (6)و إن جَوَّزنا أنّه لَم يُوَلِّه لأسبابٍ كَثيرةٍ سِوىٰ أنّه لا يَصلُحُ للوِلايةِ ، إلّا أنّ مع هذا التجويزِ لا بُدَّ أن يَغلِبَ الظنُّ بما ذَكرناه.

فأمّا خالدٌ و عَمرٌو: فإنّما لَم يَصلُحا للإمامةِ لفَقدِ شُروطِ الإمامةِ فيهما، و إن كانا يَصلُحان لِما وُلّياه مِن الإمارةِ‌؛ فتَركُ الوِلايةِ - مع امتدادِ الزمانِ‌، و تَطاوُلِ الأيّامِ‌، و جميعِ الشروطِ التي ذَكرناها - يَقتَضي(7)غلبةَ الظنِّ لفَقدِ الصلاحِ‌. و الوِلايةُ لشَيءٍ لا تَدُلُّ‌(8)عَلى الصلاحِ لغَيرِه، إذا كانت الشرائطُ في القيامِ بذلكَ الغَيرِ معلوماً فَقدُها؛ و قد نَجِدُ المَلِكَ يُوَلّي بعضَ أمُورِه مَن لا يَصلُحُ للمُلكِ بَعدَه لظهورِ فَقدِ الشرائطِ فيه، و لا يَجوزُ أن يَكونَ بحَضرتِه مَن يُرشِّحُه للمُلكِ بَعدَه ثُمّ‌(9)لا يُوَلّيهِ على تَطاوُلِ الزمانِ شَيئاً مِن الوِلاياتِ ؛ فبانَ الفَرقُ بَينَ الوِلايةِ و تَركِها فيما ذَكرناه.


1) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «يدلّ ».

2) . في «د» و الحجري: «ترشّحه».

3) . في «ب، د» و شرح النهج: - «أنّ ».

4) . في الحجري و المطبوع: + «و».

5) . في «د»: «فإنّما».

6) . في «ج، ص»: «الولاية». و في الحجري: «للولايات».

7) . في «د» و التلخيص و شرح النهج و المطبوع: «تقتضي».

8) . هكذا في التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «لا يدلّ ».

9) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «و».

في بيان تولية الرسول صلى الله عليه و آله أمير المؤمنين عليه السلام في حياته لأعظم الولايات

فأمّا أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ‌: و إن لَم يَتوَلَّ جميعَ أُمورِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه في حَياتِه فَقد تَوَلّىٰ أكثَرَها و أعظَمَها، و خَلَّفَه عليهما السلامُ‌(1)بالمَدينةِ ، و كانَ الأميرَ علَى الجَيشِ المبعوثِ إلىٰ خَيبَرَ، و جَرَى الفَتحُ علىٰ يَدَيه بَعدَ انهزامِ مَن انهَزَمَ عنها، و كانَ المؤدّيَ عنه(2)سورةَ بَراءةٍ بَعدَ عَزلِ مَن عُزِلَ (3)عنها و ارتجاعِها منه، إلىٰ غيرِ ذلكَ مِن عَظيمِ الوِلاياتِ و المَقاماتِ ممّا يَطولُ بذِكرِه الشرحُ ؛ و لَو لَم يَكُن إلّاأنّه لَم يُوَلِّ عليه والياً قَطُّ(4)لَكَفىٰ .

فأمّا اعتراضُه بأنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ لَم يُوَلِّ الحُسَينَ عليه السلامُ‌: فبَعيدٌ مِن الصوابِ‌؛ لأنّ أيّامَ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ لَم تَطُلْ فيَتمكَّنَ‌(5)فيها مِن مُراداتِه، و كانَت علىٰ قِصَرِها مُنقَسِمةً بَينَ قِتالِ الأعداءِ‌(6)لأنّه عليه السلامُ لمّا بويِعَ لَم يَلبَثْ أن خَرَجَ عليه أهلُ البَصرةِ فاحتاجَ إلىٰ قِتالِهم، ثُمّ انكَفأَ(7)مِن قِتالِهم إلىٰ قِتالِ أهلِ الشامِ ، و تَعقَّبَ ذلكَ قِتالُ (8)أهلِ النَّهرَوانِ (9)فلَم تَستَقِرَّ(10)به الدارُ، و لا امتَدَّ له الزمانُ .


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في غيرهما: «عليه السلام». و في «ب» و شرح النهج: «في المدينة» بدل «بالمدينة».

2) . في «د»: + «عليهما السلام». و في التلخيص: + «صلّى اللّٰه عليه و آله».

3) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «أبي بكر» بدل «من عزل».

4) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: - «قطّ».

5) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «حتّى يتمكّن».

6) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: + «و».

7) . انكفأ عن الشيء: انصرف. لسان العرب، ج 1، ص 143 (كفأ).

8) . في الحجري: «قبائل».

9) . في «د»: «أهل النهر».

10) . في «د» و الحجري و المطبوع: «فلم يستقرّ». و في شرح النهج: «و لم تستقرّ».

و هذا بخِلاف أيّامِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه التي تَطاوَلَت و امتَدَّت.

علىٰ أنّه(1)قد نَصَّ عليه بالإمامةِ بَعدَ أخيه الحَسَنِ‌(2)و إنّما تُطلَبُ‌(3)الوِلاياتُ لغلبةِ‌(4)الظنِّ بالصلاحِ للإمامةِ ، فإذا(5)كانَ هُناكَ وجهٌ يَقتَضي العِلمَ بصَلاحِه(6)لها كانَ أَولىٰ مِن طريقِ الظنِّ .

علىٰ أنّه لا خِلافَ بَينَ المُسلِمينَ بأنّ الحُسَينَ عليه السلامُ كانَ يَصلُحُ للإمامةِ و إن لَم يُوَلِّه أبوه عليهما السلامُ شَيئاً مِن(7)الوِلاياتِ ، و في مِثلِ ذلكَ خِلافٌ مِن حالِ عُمَرَ(8)فافتَرَقَ الأمرانِ .

مناقشة ما استدلّ به القاضي علىٰ صلاح عمر للولاية

فأمّا قولُه:(9)«إنّه لَم يُعثَرْ علىٰ عُمَرَ بتقصيرٍ في الوِلايةِ » فمَن سَلَّمَ ذلكَ (10)؟! أ وَ لَيسَ يُعلَمُ أنّ مُخالِفَه يَعُدُّ(11)تقصيراً كثيراً(12)؟ و لَو لَم يَكُن إلّاما اتُّفِقَ عليه(13)


1) . في «د»: + «عليه السلام».

2) . في «د»: + «عليه السلام».

3) . في «ب، د» و الحجري و المطبوع: «يطلب».

4) . في «ص» و حاشية «ف»: + «من».

5) . في التلخيص: «و إذا». و في شرح النهج: «فإن».

6) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «بالصلاح».

7) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «عليهما السلام شيئاً من».

8) . في التلخيص: «و ليس كذلك حال عمر؛ لأنّ فيها خلافاً».

9) . في «ب، ج، ص، ف» و الحجري و المطبوع: + «في».

10) . في شرح النهج: «بذلك».

11) . في «ب» الكلمة غير واضحة. و في المطبوع و شرح النهج: «مخالفته تعدّ».

12) . في المطبوع: «كثراً».

13) . في «ب، ج، ص، ف»: - «عليه».

• مِن خَطَئهِ في الأحكامِ‌، و رُجوعِه مِن قولٍ إلىٰ غيرِه، و استفتائه الناسَ في الصغيرِ و الكبيرِ، و قولِه: «كُلُّ الناسِ أفقَهُ مِن عُمَرَ»(1)- لَكانَ‌(2)فيه كفايةٌ‌.

و لَيسَ كُلُّ النهوضِ بالإمامةِ يَرجِعُ إلىٰ حُسنِ التدبيرِ، و السياسةِ الدنياويّةِ‌، و رَمِّ الأعمالِ‌(3)، و الاستظهارِ في جِبايةِ‌(4)الأموالِ‌، و تمصيرِ الأمصارِ، و وَضعِ الأعشارِ؛ بَل حَظُّ الإمامةِ مِن العِلمِ بالأحكامِ و الفُتيا بالحَلالِ‌(5)و الحَرامِ و الناسخِ و المنسوخِ و المُحكَمِ و المُتَشابِهِ أقوىٰ ؛ فمَن قَصَرَ(6)في هذا لَم يَنفَعْه أن يَكونَ كاملاً في ذلكَ .

فأمّا قولُه: «فهَلّا دَلَّ‌(7)ما رُويَ مِن قولِه عليه السلامُ‌(8): «و(9)إن وَلَّيتم عُمَرَ تَجِدوه قَويّاً في أمرِ اللّٰهِ‌(10)، قَويّاً في بَدَنِه» فهذا لَو ثَبَتَ لَدَلَّ‌(11)، و قد تَقدَّمَ الكلامُ علىٰ هذا الخبرِ و أمثالِه فيما سَلَفَ مِن هذا الكتابِ‌(12). و أقوىٰ ما يُبطِلُه: عدولُ أبي بَكرٍ عن


1) . سنن سعيد بن منصور، ج 1، ص 166، ح 598؛ السنن الكبرىٰ للبيهقي، ج 7، ص 233، ح 14114؛ مسند الفاروق، ج 2، ص 573؛ أسنى المطالب، ص 216، ح 1082؛ كشف الخفاء، ج 1، ص 269، ح 844؛ و ج 2، ص 117-118، ح 1958 و 1960؛ مجمع الزوائد، ج 4، ص 521، ح 7502.

2) . في «د»: «لكانت».

3) . هكذا في شرح النهج. و في «ب، د» و الحجري: «و زمّ العمّال». و في «ج، ف» و المطبوع: «و رمّ العمّال». و في «ص» و حاشية «ج»: «و رمّ الأعمار». و في التلخيص: «و ذمّ العمّال».

4) . في «ب، ص» و المطبوع: «في حياته». و في الحجري: «في جباته».

5) . في «ب»: «في الحلّ‌». و في «ج، ص، ف»: «في الحلال». و في «د»: «و الحلال».

6) . في «د»: «قصد». و قَصَرَ هنا بمعنى نَقَصَ .

7) . هكذا في المغني و شرح النهج. و في «ب، د»: «فالأوّل». و في «ج» و الحجري و حاشية «ف»: «فألّا دلّ ». و في «ص»: «و الأوّل». و في «ف»: «و ألّا دلّ ». و في المطبوع: «فالأدلّ ».

8) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: - «عليه السلام».

9) . في «د»: - «و».

10) . في «ج»: + «تعالى».

11) . في التلخيص: + «علىٰ صلاحه للإمامة».

12) . في الحجري و المطبوع: «الكلام». و قد تقدّم ذلك في ج 1، ص 126.

ذِكرِه و الاحتجاجِ به لمّا أرادَ النصَّ علىٰ عُمَرَ، فعوتِبَ علىٰ ذلكَ‌، و قيلَ له: ما تَقولُ لرَبِّكَ إذ(1)وَلَّيتَ علينا فَظّاً غَليظاً؟(2)و لَو كانَ صَحيحاً لَكانَ يَحتَجُّ به و يَقولُ‌: وَلَّيتُ عليكم مَن شَهِدَ(3)النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه بأنّه(4)قويٌّ في أمرِ اللّٰهِ قَويٌّ في بَدَنِه.

و قد قيلَ فيما يَطعَنُ علىٰ هذا(5)الخبرِ: إنّ ظاهرَه يَقتَضي تفضيلَ عُمَرَ علىٰ أبي بَكرٍ، و الإجماعُ بخِلافِ ذلكَ‌؛ لأنّ القوّةَ في الجسمِ فَضلٌ ، قالَ اللّٰهُ تَعالىٰ : (إِنَّ اللّٰهَ اصْطَفٰاهُ عَلَيْكُمْ وَ زٰادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ )(6).

و بَعدُ، فكَيفَ يُعارَضُ ما اعتَمَدناه مِن عدولِه عليه السلامُ عن وِلايتِه(7)- و هو أمرٌ معلومٌ - بهذا الخبرِ المردودِ و(8)المدفوعِ؟!


1) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «إذا».

2) . سنن سعيد بن منصور، ج 5، ص 132؛ المصنّف لابن أبي شيبة، ج 7، ص 485، ح 46، و ج 8، ص 574، ح 44؛ الخراج لأبي يوسف، ص 11، ح 30؛ الطبقات الكبرىٰ ، ج 3، ص 149؛ البدء و التاريخ، ج 5، ص 167؛ تاريخ الطبري، ج 3، ص 433؛ أنساب الأشراف، ج 10، ص 89 و 294؛ الفتوح، ج 1، ص 121؛ الكامل لابن الأثير، ج 2، ص 425؛ معرفة الصحابة، ج 1، ص 59؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 30، ص 413، الرقم 3398؛ المنتظم، ج 4، ص 126؛ تاريخ الإسلام، ج 3، ص 116؛ أُسدالغابة، ج 3، ص 665؛ كنز العمال، ج 5، ص 678، ح 14178، مع اختلاف يسير في الألفاظ.

3) . في المطبوع: «عهد».

4) . في «ج، ص، ف»: «أنّه». نعم، ورد في حاشيتَي «ج، ف» ما أثبتناه.

5) . في «د»: - «هذا».

6) . البقرة (2):247.

7) . في التلخيص: «توليته».

8) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «و».

الطعن الثامن تخلّف أبي بكر عن جيش أُسامة

اشارة

قالَ صاحبُ الكتابِ :

شُبهةٌ أُخرىٰ لهُم(1):

و أحَدُ ما طَعَنوا به في إمامتِه حَديثُ أُسامةَ بنِ زَيدٍ(2)، و ذَكَروا أنّه كانَ في جَيشِه، و أنّ رسولَ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه كَرَّرَ حينَ مَوتِه الأمرَ بتنفيذِ جَيشِ أُسامةَ‌(3)..................


1) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «شبهة لهم أُخرىٰ‌».

2) . أُسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزَّى الكلبي، يكنّىٰ أبا زيد، اختُلف في سنّه يوم مات النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله؛ فقيل: ابن عشرين سنةً ، و قيل: ابن تسع عشرة، و قيل: ابن ثماني عشرة. سكن بعد النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله وادي القرىٰ ، ثمّ عاد إلى المدينة، فمات بالجرف في آخر خلافة معاوية. الطبقات الكبرىٰ ، ج 4، ص 45، الرقم 357؛ فضائل الصحابة، ج 2، ص 1052؛ معجم الصحابة، ج 1، ص 197، الرقم 6؛ تاريخ الصحابة، ص 27، الرقم 12؛ الاستيعاب، ج 1، ص 75، الرقم 21؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 8، ص 46، الرقم 596.

3) . المغازي للواقدي، ج 2، ص 695؛ و ج 3، ص 1121؛ أنساب الأشراف، ج 1، ص 384، و ص 473؛ الطبقات الكبرىٰ ، ج 2، ص 191-192؛ و ج 4، ص 50، الرقم 357؛ البدء و التاريخ، ج 5، ص 59 و 152؛ تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 113؛ إمتاع الأسماع، ج 2، ص 132؛ و ج 9، ص 283؛ و ج 14، ص 449؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 2، ص 57 و 70؛ المنتظم، ج 4، ص 73؛ التنبيه و الإشراف، ص 241.

فتأخُّرُه(1)يَقتَضي مُخالَفةَ الرسولِ‌(2)صَلَّى اللّٰهُ عليه(3).

فإن قُلتم: إنّه لَم يَكُن في الجَيشِ‌، قيلَ لكم: لا شَكَّ أنّ عُمَرَ بنَ الخَطّابِ كانَ في الجَيشِ‌، و أنّه(4)حَبَسَه و(5)مَنَعَه مِن النفوذِ مع القومِ‌؛ و هذا كالأوّلِ في أنّه مَعصيةٌ‌.

و رُبَّما قالوا: إنّه عليه السلامُ‌(6)جَعَلَ في جَيشِ أُسامةَ هؤلاءِ القومَ ليَبعُدوا بَعدَ وَفاتِه [عن المدينةِ‌](7)فلا يَقَعَ‌(8)منهم تَوثُّبٌ‌(9)علَى الإمامةِ‌؛ و لذلكَ لَم يَجعَلْ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ في ذلكَ الجَيشِ ، و جَعَلَ فيه أبا بَكرٍ(10)و عُمَرَ و عُثمانَ و غيرَهم؛ و ذلكَ مِن أَوكَدِ الدلالةِ علىٰ أنّه لَم يُرِدْ(11)أن يُختاروا للإمامةِ .

ثُمّ أجابَ عن ذلكَ بأن أنكَرَ أوّلاً كَونَ أبي بَكرٍ(12)في جَيشِ أُسامةَ ، و أحالَ علىٰ


1) . في «ب» و المغني: «فتأخيره».

2) . في المغني: «يقتضي الطعن؛ لأنّه مخالف لرسول اللّٰه».

3) . في «ب، ج، ف»: - «صلّى اللّٰه عليه». و في «د» و المطبوع و التلخيص و شرح النهج: + «و آله». و في «ص»: «عليه السلام».

4) . أي: أنّ أبا بكر.

5) . في «ب، ج، ص، ف»: - «حبسه و».

6) . في «ج، ص، ف» و الحجري و المطبوع: - «عليه السلام». و في «د» و شرح النهج: «صلّى اللّٰه عليه و آله».

7) . ما بين المعقوفين من شرح النهج.

8) . في الحجري و المطبوع: «و لا يقع».

9) . في المغني: «التوثّب».

10) . في «ب، د»: «أبو بكر».

11) . في «ج» و الحجري: «لم يُروَ».

12) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «أن يكون أبو بكر» بدل «كون أبي بكر».

كُتُبِ المَغازي، ثُمّ سَلَّمَ ذلكَ و قالَ‌(1):

خِطابُه عليه السلامُ بتنفيذِ الجَيشِ يَجِبُ أن يَكونَ مُتوَجِّهاً إلَى القائمِ بَعدَه بالأمرِ؛ لأنّه مِن خِطابِ الأئمّةِ‌، و هذا يَقتَضي أن لا يَدخُلَ المُخاطَبُ بالإنفاذِ في الجُملةِ‌.(2)

ثُمّ قالَ‌:

هذا يَدُلُّ علىٰ أنّه لَم يَكُن هُناكَ إمامٌ منصوصٌ عليه؛ لأنّه لَو كانَ كذلكَ لَأقبَلَ بالخِطابِ عليه، و خَصَّه بالأمرِ بالإنفاذِ دونَ الجميعِ‌(3).

ثُمّ ذَكَرَ أنّ أمرَه عليه السلامُ‌(4)بالإنفاذِ لا بُدَّ أن يَكونَ مشروطاً بالمَصلحةِ‌، و بأن


1) . في شرح النهج و كذا في المطبوع بين معقوفين: + «إنّ الأمر لايقتضي الفور، فلا يلزم من تأخّر أبي بكر عن النفوذ أن يكون عاصياً. ثم قال: إنّ‌».

2) . لقد لخّص المصنّف رحمه اللّٰه كلام القاضي، و نصُّ كلامه في المغني مايلي: «لكِنّا نسلّم ذلك لهم و نبيّن فساد تعلّقهم به فيقال: إنّ قوله عليه السلام: «أنفذوا جيش أسامة» أراد به: مخاطبة الكلّ‌، أو من يقوم بالأمر بعده‌؟ فإن قالوا: الكلّ ، قيل لهم: أ ليس ذلك من فرائض الإمام؛ لأنّه يجب أن يبعث الجيوش و يجتهد فيها؟ فلا بُدّ من: نعم. قيل له: فيجب أن يكون خطاباً للإمام. فيقال لهم: أ فيدخل المخاطَب بالإنفاذ في جملتهم ؟ فإن قالوا: نعم، أحالوا ذلك؛ لأنّه لو جاز دخوله في جملتهم لكان يدخل فيهم و إن نصَّ عليه، و قد عرفنا أنّه لو أقبل عليه و قال: «أنفِذْ جيشَ أسامةَ » لما دخل في جملتهم، فكذلك إذا حمل، فيقال عند ذلك: إنّ نفس الأمر يقتضي تأخّره، فكيف يكون عاصياً بأن يتأخّر؟! بل لو نفذ معهم لكان عاصياً بذلك».

3) . في «ج» و الحجري: «دون الجمع». و في «ص»: «دون جمع». و قد لخّص المصنّف رحمه اللّٰه كلام القاضي مرّة أُخرىٰ ، و نصّ كلامه في المغني مايلي: «ثمّ يقال لهم: إنّ قوله عليه السلام: «أنفذوا جيش أسامة» يدلّ علىٰ أنّه لا إمام منصوص عليه؛ لأنّه لو كان عليه السلام نصّ علىٰ واحد بعينه و اشتهر حاله لما جاز أن يقول بلفظ الجمع: «أنفذوا» و لوجب أن يختصّه بالخطاب، و إنّما يصحّ ذلك إذا لم يكن هناك نصّ و يصحّ الاختيار؛ فكأنّه قال: لينفذ من يختار للإمامة جيش أسامة. فإذا لم يتعلّق الخطاب بواحد جمعهم في الذكر».

4) . في المطبوع و التلخيص و شرح النهج: «صلّى اللّٰه عليه و آله».

لا يَعرِضَ ما هو أهَمُّ منه؛ لأنّه لا يَجوزُ أن يأمُرَهم بالنفوذِ و إن أعقَبَ ضَرَراً في الدينِ‌. و قَوّاه بأنّه لَم يُنكِرْ علىٰ أُسامةَ تأخُّرَه و قولَه(1): «لَم أكُنْ لِأَسألَ عنكَ الرَّكبَ‌»(2). و أكَّدَ كَونَ الأمرِ(3)مشروطاً بكلامٍ كثيرٍ لا طائلَ في حِكايتِه(4)، و قالَ‌:

لَو كانَ الإمامُ منصوصاً عليه [كَما يَقولونَ‌](5)لَجازَ(6)أن يَستَرِدَّ جَيشَ أُسامةَ أو بعضَه(7)لنُصرتِه،(8)فكذلكَ‌(9)إذا كانَ‌(10)بالاختيارِ.

و حَكىٰ عن أبي عليٍّ استدلالَه علىٰ‌(11)أنّ أبا بَكرٍ لَم يَكُن في جَيشِ أُسامةَ : بأنّه وَلّاه الصلاةَ في مرضِه(12)، مع تَكرارِه(13)أمرَ الجَيشِ بالنفوذِ و الخروجِ .

ثُمّ ذَكَرَ أنّ الرسولَ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(14)إنّما يأمُرُ بما يَتعلَّقُ بِمَصالحِ الدنيا(15)- مِن الحُروبِ و غيرِها - عن اجتهادِه، و لَيسَ بواجبٍ أن يَكونَ ذلكَ عن وحيٍ كما


1) . أي قول أُسامة.

2) . الطرائف، ج 2، ص 449؛ إحقاق الحقّ ، ص 285.

3) . في «ج، ص»: «و أكّد كونه».

4) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «لا طائل فيه و في حكايته».

5) . ما بين المعقوفين من المغني.

6) . في المغني «أما كان له» بدل «لجاز».

7) . في المغني: «بعضهم».

8) . في المغني: + «و معونته، فلا بدّ من نعم، قيل لهم:».

9) . في «د» و شرح النهج: «و كذلك».

10) . في المغني: «إذا صارَ إماماً».

11) . في الحجري و المطبوع: - «علىٰ ».

12) . في «ب، ص»: «موضعه».

13) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و شرح النهج: «تكريره». و في الحجري و المطبوع: «تكرّره».

14) . في «ب، ج، ف»: «عليه السلام».

15) . في «ج»: «بمصالح الدنياويّة».

وَجَبَ‌(1)في الأحكامِ الشرعيّةِ‌، و أنّ اجتهادَه يَجوزُ أن يُخالَفَ بَعدَ وفاتِه، و إن لَم يَجُز في حياتِه؛ لأنّ اجتهادَه في الحياةِ أَولىٰ مِن اجتهادِ غيرِه.

ثُمّ ذَكَرَ أنّ العِلّةَ في احتباسِ أبي بَكرٍ(2)عُمَرَ عن النفوذِ مع الجَيشِ حاجتُه(3)إليه و قيامُه بما لا يَقومُ به غيرُه، و أنّ ذلكَ أحوَطُ للدينِ مِن نُفوذِه.

ثُمّ ذَكَرَ أنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ حارَبَ مُعاويةَ بأمرِ اللّٰهِ تَعالىٰ و أمرِ رسولِه، و مع هذا فقَد تَرَكَ مُحارَبتَه في بعضِ الأوقاتِ‌، و لَم يَجِبْ بذلكَ أن لا يَكونَ مُمتَثِلاً للأمرِ.

و ذَكَرَ تَوليَتَه عليه السلامُ أبا موسَى الأشعَريَّ‌، و تَوليةَ الرسولِ‌(4)صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(5)خالدَ بنَ الوَليدِ(6)، مع ما ظَهَرَ منهما، و أنّ كُلَّ‌(7)ذلكَ يَقتَضي الشروطَ.

ثُمّ ذَكَرَ أنّ مَن يَصلُحُ للإمامةِ ، ممّن ضَمَّه جَيشُ أُسامةَ ، يَجِبُ تأخُّرُه؛ ليُختارَ للإمامةِ أحَدُهم؛ لأنّ ذلكَ أهَمُّ مِن نُفوذِهم. و إذا(8)جازَ لهذه العِلّةِ التأخُّرُ قَبلَ العَقدِ، جازَ التأخُّرُ بَعدَه للمُعاضَدةِ و غيرِها.


1) . في المغني و شرح النهج: «كما يجب».

2) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «أبي بكر».

3) . في «ص» و الحجري و المطبوع: «حاجة». و في شرح النهج: «حاجة أبي بكر».

4) . في «ج»: «رسول اللّٰه».

5) . في «د»: «عليه السلام».

6) . يريد تولية أبي موسىٰ في التحكيم، و تولية خالد السريّة إلى الغميصاء و هو الموضع الذي أوقع خالد فيه ببني جذيمة و تبرّأ رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله من فعله، و قال: «اللّهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا فعل خالد»، و أرسل إليهم عليّاً و ودى لهم كلّ شيء حتّى ميلغة الكلب. السيرة النبوية، ج 2، ص 429.

7) . في «ب، ج، ص، ف»: - «كلّ ».

8) . هكذا في «د». و في المغني: «و لو». و في سائر النسخ و المطبوع: «فإذا».

و طَعَنَ في قولِ مَن جَعَلَ إخراجَهم في الجَيشِ علىٰ طَريقِ الإبعادِ لِمَن يَقِفُ‌(1)بحُضورِه أمرُ النصِّ‌، بأن قالَ‌:

إنّ بُعدَهم لا يَمنَعُ مِن أن يُختاروا للإمامةِ‌، و لأنّه عليه السلامُ لَم يَكُن قاطعاً علىٰ مَوتِه لا مَحالةَ‌؛ لأنّه لَم يُرِدْ: نَفِّذوا(2)جَيشَ أُسامةَ في حَياتي.

ثُمَّ ذَكَرَ أنّ وِلايةَ أُسامةَ عليهما لا تَقتَضي(3)فَضلَه و أنّهما دونَه، و ذَكَرَ وِلايةَ عَمرِو بنِ العاصِ عليهما و إن لَم يَكونا دونَه في الفَضلِ‌، و أنّ أحَداً لَم يُفضِّلْ أُسامةَ عليهما.

ثُمّ ذَكَرَ أنّ السببَ في كَونِ عُمَرَ مِن جُملةِ جَيشِ أُسامةَ‌: أنّ عبدَ اللّٰهِ بنَ أبي رَبيعةَ‌

المَخزوميَّ‌(4)قالَ عندَ وِلايةِ أُسامةَ‌: «يُوَلّىٰ‌(5)علينا شابٌّ حَدَثٌ‌(6)، و نَحنُ مَشيَخةُ‌


1) . هكذا في «د» و حاشية الحجريّ . و في سائر النسخ و المطبوع: «ليؤمن» بدل «لمن يقف». و يَقِفُ هنا بمعنى: يمتنع؛ مِن «وَقَفَ » فلاناً عن الشيء: منعه عنه. المصباح المنير، ص 669 (وقف).

2) . هكذا في جميع النسخ و الحجري. و المطبوع و شرح النهج. و في المغني: «أنفذوا».

3) . في «ج، ص، ف» و الحجري: «لا يقتضي».

4) . عبد اللّٰه بن أبي ربيعة بن المغيرة بن عبد اللّٰه بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، و أُمّه ثقيفة، يكنّى أبا عبد الرحمن، و كان اسمه في الجاهلية بحيرا، فسمّاه رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله عبد اللّٰه، و هو من أشراف قريش في الجاهليّة، أسلم يوم الفتح، و كان من أحسن قريش وجهاً، قيل: إنّ عمر ولّاه على اليمن، ثمّ ولي عثمان فولّاه ذلك أيضاً، فلمّا حصر عثمان جاء لينصره، فسقط عن راحلته بقرب مكّة فمات. يعدّ في أهل المدينة و مخرج حديثه عنهم. الطبقات الكبرىٰ ، ج 6، ص 3، الرقم 1479؛ معجم الصحابة، ج 8، ص 3094، الرقم 540؛ معرفة الصحابة، ج 3، ص 142، الرقم 1635؛ الاستيعاب، ج 3، ص 896، الرقم 1528؛ أُسدالغابة، ج 3، ص 128، الرقم 2937.

5) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «تولّي».

6) . في الحجري و المطبوع: «شابّاً حدثاً». و الحَدَث: الصغير السنّ .

قُرَيشٍ؟» فقالَ عُمَرُ: «يا رسولَ اللّٰهِ ، مُرْني حتّىٰ أضرِبَ عُنُقَه؛ فقَد طَعَنَ في إمارتِه» ثُمّ قالَ عُمَرُ: «أنا أَخرُجُ في جَيشِ أُسامةَ » تَواضُعاً و تعظيماً لأمرِه(1)عليه السلامُ .(2)

في بيان دخول أبي بكر في جيش أُسامة

يُقالُ له: أمّا كَونُ أبي بَكرٍ في جُملةِ جَيشِ أُسامةَ فظاهرٌ، قد ذَكَرَه أصحابُ السِّيَرِ و التواريخِ‌؛(3)

و قال ابن أبي الحديد: «إنّ الأمر عندي في هذا الموضع مشتبه، و التواريخ مختلفة في هذه القضيّة؛ فمنهم من يقول: إنّ أبا بكر كان في جملة الجيش، و منهم من يقول: إنّه لم يكن. و ما أشار إليه قاضي القضاة بقوله في كتب المغازي، لاينتهي إلى أمر صحيح». شرح نهج البلاغة، ج 17، ص 182.

و قد رَوَى البَلاذُريُّ في تأريخِه - و هو معروفُ الثقةِ (4)و الضبطِ، و بَريءٌ مِن مُماثَلةِ (5)الشيعةِ و مُقارَبتِها - أنّ أبا بَكرٍ و عُمَرَ كانا مَعاً في جَيشِ أُسامةَ ،(6)و الإنكارُ لِما جَرىٰ (7)هذا المَجرىٰ لا يُغني شَيئاً. و قد كانَ يَجِبُ علىٰ مَن أحالَ بذلكَ علىٰ كُتُبِ المَغازي في الجُملةِ أن يومئَ إلَى الكتابِ المُتضمِّنِ لذلكَ بَعينِه ليُرجَعَ إليه.

1) . في الحجري و المطبوع: + «له».

2) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 343-349. و كلّ ما نقله المصنّف رحمه اللّٰه هنا نقله باختصار و إن كان لم يترك المهمّ من كلام القاضي.

3) . تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 113؛ أنساب الأشراف، ج 1، ص 474؛ البداية و النهاية، ج 5، ص 311، و ج 6، ص 304.

4) . في شرح النهج: «بالثقة».

5) . هكذا في «د» و الحجري و المطبوع. و في سائر النسخ و التلخيص: «ممايلة». و في شرح النهج: «ممالأة».

6) . أنساب الأشراف، ج 1، ص 474.

7) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «لما يجري».

دلالة الأمر بتنفيذ جيش أُسامة على الفور

فأمّا خِطابُه عليه السلام(1)بالتنفيذِ للجَيشِ‌: فالمقصودُ به الفَورُ دونَ التراخي؛ إمّا مِن حَيثُ مُقتَضَى الأمرِ - علىٰ مَذهبِ مَن رأىٰ ذلكَ‌(2)-، أو شَرعاً(3)

و اختلف الأُصوليّون في هذه المسألة على عدّة أقوال: منها أنّ الأمر يدلّ على الفور و التعجيل، و هو قول الشيخ المفيد و الشيخ الطوسي، و منها أنّه يدلّ على التراخي و هو قول أبي الحسين البصري، و منها أنّه إذا خلا الأمر من عهد و قرينة فلا يدلّ إلّاعلىٰ أنّ المكلّف مأمور بإيقاعه، و يُتوقّف في تعيين الوقت أو التخيير فيه إلىٰ قرينة، و هو قول المصنّف رحمه اللّٰه. التذكرة بأُصول الفقه، ص 30، عدّة الأُصول، ج 1، ص 225-227؛ المعتمد في أُصول الفقه، ج 1، ص 111؛ الذريعة إلىٰ أُصول الشريعة، ج 1، ص 130-131.

مِن حَيثُ وَجَدنا جميعَ الأُمّةِ مِن لَدُنِ الصحابةِ إلىٰ هذا الوقتِ يَحمِلون أوامرَه(4)عليه السلامُ علَى الفَورِ، و يَطلُبونَ في تَراخيها الأدلّةَ‌.

ثُمَّ لَو لَم يَثبُتْ‌(5)كُلُّ ذلكَ لَكانَ قولُ أُسامةَ : «لَم أكُنْ لأَسألَ عنكَ الرَّكبَ » أوضَحَ

دليلٍ على ٰ أنّه عَقَلَ مِن الأمرِ الفَورَ؛ لأنّ سؤالَ الرَّكبِ عنه عليه السلامُ بَعدَ الوفاةِ لا معنىٰ له(6).

و قولُ صاحبِ الكتابِ : «فلَم(7)يُنكِرْ علىٰ أُسامةَ تأخُّرَه» لَيسَ بشَيءٍ ؛ و أيُّ إنكارٍ


1) . في «د»: - «السلام». و في الحجري و المطبوع: - «عليه السلام». و في التلخيص: «صلّى اللّٰه عليه و آله».

2) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: + «لغة».

3) . علّق ابن أبي الحديد على ذلك بقوله: «أمّا قول المرتضى: الأمر على الفور إمّا لغةً عند من قال به، أو شرعاً لإجماع الكلّ على أنّ الأوامر الشرعيّة على الفور إلّاما خرج بالدليل، فالظاهر في هذا الموضع صحّة ما قاله المرتضى». شرح نهج البلاغة، ج 17، ص 185.

4) . في «ب» و حاشية «د» و الحجري و المطبوع: + «و نواهيه».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «لو ثبت». و في الحجري و المطبوع: - «لو».

6) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «لا معنىٰ له بعد الوفاة».

7) . في «د»: + «لم». و في التلخيص و شرح النهج: «إنّه لم».

أبلَغُ مِن تَكرارِه(1)الأمرَ و تَردادِه(2)القولَ في حالٍ يَشغَلُ عن المُهِمِّ ، و يَقطَعُ عن الفِكرِ إلّافيها؟ و قد يُنكَرُ(3)الأمرُ علَى المأمورِ تارةً بتَكرارِ الأمرِ، و أُخرىٰ بغَيرِه.

شمول الأمر بتنفيذ الجيش لأبي بكر

و إذا سَلَّمنا أنّ أمرَه عليه السلامُ كانَ مُتوَجِّهاً إلَى القائمِ بالأمرِ بَعدَه لتنفيذِ الجَيشِ بَعدَ الوفاةِ‌، لَم يَلزَم ما ظَنَّه(4)مِن خروجِ المُخاطَبِ بالإنفاذِ عن الجُملةِ‌؛ و كَيفَ‌(5)يَصِحُّ ذلكَ و هو من جُملةِ الجَيشِ‌، و الأمرُ مُتضمِّنٌ لتنفيذِ الجَيشِ؟ فلا بُدَّ مِن خروجِ‌(6)كُلِّ مَن كانَ في جُملتِه؛ لأنّ تأخُّرَ بعضِهم يَسلُبُ الخارجينَ اسمَ «الجَيشِ‌» علَى الإطلاقِ‌؛ أ(7)وَ لَيسَ مِن مَذهبِ صاحبِ الكتابِ أنّ الأمرَ بالشيءِ أمرٌ بما لا يَتِمُّ إلّا معه،(8)و قد اعتَمَدَ علىٰ هذا في مَواضِعَ كَثيرةٍ؟ و إذا(9)كانَ خروجُ الجَيشِ و نُفوذُه لا يَتِمُّ إلّابخروجِ أبي بَكرٍ، فالأمرُ بخروجِه أمرٌ لأبي بَكرٍ بالنفوذِ و الخروجِ .

و كذلكَ لَو أقبَلَ عليه علىٰ سَبيلِ التخصيصِ ، و قالَ : «نَفِّذْ(10)جَيشَ أُسامةَ »


1) . في «ب، د»: «إنكاره».

2) . في الحجري: «و تزداده». و في «د»: + «عليه». و في التلخيص: + «صلّى اللّٰه عليه و آله».

3) . في «ب، د، ص»: «و قد يتكرّر». و في شرح النهج: «و قد كرّر».

4) . هكذا في «د». و في التلخيص: «ما قالوه». و في سائر النسخ و المطبوع: «ما ذكره».

5) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «فكيف».

6) . معنى الخروج هنا: النفوذ، لا الخروج عن الجيش؛ لذا جاء في شرح النهج: «نفوذ» بدل «خروج»، و هكذا «النافذين» بدل «الخارجين».

7) . في «ب، ص، ف» و التلخيص: - «أ».

8) . ذهب المصنّف رحمه اللّٰه في هذه المسألة إلى القول بالتفصيل؛ فإن كان الذي لا يتمّ الشيءإلّا به سبباً، فالأمر بالمسبَّب يكون أمراً به، و إن لم يكن سبباً، بل كان شرطاً للفعل، لم يكن الأمر بالشيء أمراً به. الذريعة إلى أُصول الشريعة، ج 1، ص 83.

9) . هكذا في «د» و التلخيص. و في شرح النهج: «فإن». و في سائر النسخ و المطبوع: «و إن».

10) . هكذا في «ج، د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «نفّذوا».

و كانَ هو مِن(1)جُملةِ الجَيشِ ، فلا بُدَّ مِن أن يَكونَ ذلكَ أمراً له(2)بالخروجِ .

عدم دلالة عموم الأمر بتنفيذ الجيش علىٰ أنّ الإمام غير منصوص عليه

و استدلالُه(3)علىٰ أنّه(4)لَم يَكُن هُناكَ إمامٌ منصوصٌ عليه، بعمومِ‌(5)الأمرِ بالتنفيذِ:

لَيسَ بصَحيحٍ‌؛ لأنّا قد بيّنّا أنّ الخِطابَ إنّما تَوجَّهَ إلَى الحاضرينَ‌، و لَم يَتوجَّهْ إلَى الإمامِ بَعدَه. علىٰ أنّ هذا لازمٌ له؛ لأنّ الإمامَ بَعدَه لا يَكونُ إلّاواحداً(6)، فَلِمَ عَمَّمَ‌(7)الخِطابَ و لَم يُفرِدْ به الواحدَ فيَقولَ : «ليُنفِّذِ القائمُ بالأمرِ بَعدي جَيشَ أُسامةَ »؟ فإنّ الحالَ لا يَختَلِفُ في كَونِ الإمامِ بَعدَه عليه السلامُ (8)واحداً بَينَ أن يَكونَ منصوصاً عليه أو مُختاراً.

عدم اشتراط امتثال أمر الرسول صلى الله عليه و آله بوجود المصلحة

و أمّا ادّعاؤه الشرطَ في أمرِه عليه السلامُ بالنفوذِ: فباطلٌ (9)لأنّ إطلاقَ الأمرِ يَمنَعُ مِن إثباتِ الشرطِ، و إنّما يَثبُتُ مِن الشروطِ(10)ما يَقتَضي العقلُ إثباتَها(11)، مِن


1) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «في».

2) . في «ب، ص»: - «له».

3) . في المطبوع: «و استدلالاً له».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «بأنّه» بدل «علىٰ أنّه».

5) . هكذا في «د، ص» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «لعموم».

6) . في التلخيص: + «بالاتّفاق».

7) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و التلخيص: «عمّ ». و في الحجريّ و المطبوع: + «صاحب الكتاب».

8) . في «ب، د، ص»: «صلّى اللّٰه عليه و آله».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: «باطل».

10) . في «ب» و التلخيص: «الشرط».

11) . في شرح النهج: «ما يقتضي الدليل إثباته».

التمَكُّنِ‌(1)و القُدرةِ‌؛(2)لأنّ ذلكَ شَرطٌ ثابتٌ في كُلِّ أمرٍ [وَرَدَ](3)مِن حَكيمٍ‌.

و «المَصلَحةُ‌» بخِلافِ ذلكَ‌؛ لأنّ الحَكيمَ لا يأمُرُ بشَرطِ المَصلَحةِ‌، بَل إطلاقُ الأمرِ منه يَقتَضي ثُبوتَ المَصلَحةِ و انتفاءَ المَفسَدةِ‌، و لَيسَ كذلك «التمَكُّنُ‌» و ما جَرىٰ‌(4)مَجراه؛ و لهذا لَم يَشرِطْ(5)أحَدٌ في أوامِرِ اللّٰهِ تَعالىٰ و أوامرِ رسولِه صَلّى اللّٰه عليه و آلِه(6)بالشرائعِ المَصلَحةَ و انتفاءَ المَفسَدةِ ، و شَرَطوا في ذلكَ التمَكُّنَ (7)و رَفعَ (8)التعذُّرِ.

و لَو كانَ الإمامُ منصوصاً عليه بعَينِه و اسمِه لَما جازَ أن يَستَرِدَّ(9)جَيشَ أُسامةَ بخِلافِ ما ظَنَّه، و لا أن يَعزِلَ مَن وَلّاه عليه السلامُ ، و لا يُوَلّيَ مَن عَزَلَه؛ للعِلّةِ التي ذَكرناها.

عدم دلالة أمر أبي بكر بالصلاة علىٰ عدم كونه في الجيش

فأمّا استدلالُ أبي عليٍّ علىٰ أنّ‌(10)أبا بَكرٍ لَم يَكُن في الجَيشِ بحَديثِ الصلاةِ‌:

فأوّلُ ما فيه أنّه اعترافٌ بأنّ الأمرَ بتنفيذِ الجَيشِ كانَ في الحالِ (11)دونَ بَعدِ الوفاةِ ،


1) . في «ب» و التلخيص: «التمكين».

2) . راجع: الذريعة إلىٰ أُصول الشريعة، ج 1، ص 169.

3) . ما بين المعقوفين من شرح النهج.

4) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و ما يجري».

5) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «لا يشترط».

6) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و رسوله» بدل «و أوامر رسوله صلّى اللّٰه عليه و آله».

7) . في «ب، ص، ف»: «التمكين».

8) . في «ب، د»: «و دفع».

9) . في «د»: «أن يشترط».

10) . في «ب، ج، ص، ف»: «بأنّ » بدل «علىٰ أنّ ».

11) . في شرح النهج: «في الحياة».

و هذا ناقضٌ لِما بَنىٰ صاحبُ الكتابِ عليه الكلامَ (1). ثُمَّ إنّا بيّنّا أنّه عليه السلامُ لَم يُوَلِّه الصلاةَ ، و ذَكرنا ما في ذلكَ .(2)ثُمّ ما المانعُ مِن(3)أن يُوَلّيَه تلكَ الصلاةَ - إن كانَ وَلّاه إيّاها - ثُمّ يأمُرَه بالنفوذِ مِن(4)بَعدُ مع الجَيشِ؟ فإنّ الأمرَ بالصلاةِ في تلكَ الحالِ لا يَقتَضي أمرَه بها علَى التأبيدِ!(5)

نفي أن يكون أمر الرسول صلى الله عليه و آله بالحروب عن اجتهاد دون وحي

فأمّا(6)ادّعاؤه أنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه يأمُرُ بالحروبِ و ما يَتَّصِلُ بها عن اجتهادِه(7)دونَ الوحيِ‌: فمَعاذَ اللّٰهِ أن يَكونَ ذلكَ‌(8)صَحيحاً؛ لأنّ حروبَه عليه السلامُ لَم تَكُن ممّا يَختَصُّ‌(9)مَصالِحَ‌(10)الدنيا، بَل للدينِ فيها أقوىٰ تَعلُّقٍ‌؛ لِما

يَعودُ علَى الإسلامِ و أهلِه بفُتوحِه مِن العِزِّ و القوّةِ و عُلُوِّ الكلمةِ . و لَيسَ يَجري ذلكَ مَجرىٰ أَكلِه و شُربِه و نَومِه؛ لأنّ ذلكَ لا تَعلُّقَ له بالدينِ ، فيَجوزُ أن يَكونَ عن رأيِه. و لَو جازَ أن تَكونَ مَغازيهِ و بُعوثُه(11)- مع التعَلُّقِ القويِّ لها بالدينِ


1) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و الحجري و شرح النهج: «عليه أمره عليه السلام». و في المطبوع: «عليه أمره صلّى اللّٰه عليه و آله».

2) . تقدّم في ج 2، ص 473 و ما بعدها.

3) . في «ب، ج، ص، ف»: - «من».

4) . في «ب، ج، ص، ف» و الحجري: - «من».

5) . في «ب» الكلمة غير واضحة. و في «ف» و المطبوع: «التأييد».

6) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و أمّا».

7) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «اجتهاد».

8) . في «ب، ج، ص، ف» و شرح النهج: - «ذلك».

9) . في «ب»: «ممّا يخصّص». و في الحجري و المطبوع و التلخيص: «ممّا تختصّ ».

10) . في التلخيص: «بمصالح». و في شرح النهج: «بمصالح أُمور».

11) . في التلخيص: «وحروبه».

• عن اجتهادِه(1)، لَجازَ ذلكَ في الأحكامِ .

ثُمّ لَو كانَ ذلكَ عن اجتهادِه(2)، لَما ساغَت مُخالَفتُه فيه بَعدَ وفاتِه، كَما لا تَسوغُ (3)في حياتِه؛ و كُلُّ عِلّةٍ تُذكَرُ مانعةً (4)مِن أحَدِ الأمرَينِ هي مانعةٌ مِن الآخَرِ(5).

إبطال باقي استدلالات و إلزامات القاضي فيما يتعلّق بجيش أُسامة

فأمّا الاعتذارُ في حَبسِ عُمَرَ عن الجَيشِ بما ذَكرَه:(6)فباطلٌ ؛ لأنّا قد بيّنّا أنّ ما يأمُرُ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه به(7)لا يَسوغُ مُخالَفتُه مع الإمكانِ ، و لا مُراعاةُ ما(8)عَساه يَعرِضُ فيه مِن رأيٍ غيرِه؛ و أيُّ حاجةٍ إلىٰ عُمَرَ بَعدَ تَمامِ العَقدِ و استقرارِه، و رِضا الأُمّةِ - علىٰ مَذهبِ المُخالِفِ - به،(9)و إجماعِها(10)عليه ؟ و لَم يَكُن هناكَ فِتنةٌ و لا تَنازُعٌ و لا اختلافٌ يُحتاجُ فيه إلىٰ مُشاوَرتِه و تدبيرِه؛ و كُلُّ هذا تَعلُّلٌ بالباطلِ .

فأمّا مُحارَبةُ أميرِ المؤمنين َ عليه السلامُ لمُعاويةَ (11): فإنّما كانَ مأموراً بها(12)مع


1) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «اجتهاد».

2) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «اجتهاد».

3) . في النسخ و التلخيص: «لا يسوغ». و ما أثبتناه من الحجري و المطبوع و شرح النهج.

4) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «فكلّ علّةٍ تمنع».

5) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «تمنع من الأخرىٰ » بدل «هي مانعة من الآخَر».

6) . من الحاجة إليه، و قيامه بما لا يقوم به غيره.

7) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «ما يأمر به عليه السلام».

8) . في المطبوع و شرح النهج: «لما».

9) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و رضا الأُمّة به على مذهب المخالف».

10) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «و إجماع الأُمّة».

11) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «معاوية».

12) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «فلم يكن مأموراً بها إلّا».

التمَكُّنِ و وجودِ الأنصارِ، و قد فَعَلَ عليه السلامُ ما وَجَبَ (1)عليه لمّا تَمكَّنَ منه؛ فأمّا مع التعَذُّرِ و فَقدِ الأنصارِ(2)، فما كانَ مأموراً. و لَيسَ كذلكَ القولُ في جَيشِ أُسامةَ ؛ لأنّ تأخُّرَ مَن تأخَّرَ عنه كانَ مع القُدرةِ و التمَكُّنِ .

فأمّا تَوليةُ أبي موسَى الأشعريِّ‌(3): فلا نَدري كَيفَ تُشبِهُ‌(4)ما نَحنُ فيه‌؟ لأنّه إنّما وَلّاه بأن يَرجِعَ إلىٰ كتابِ اللّٰهِ تَعالىٰ‌(5)، فيَحكُمَ بما يَقتَضيهِ فيه و في خَصمِه؛ فصَرَّحَ (6)بالشرطِ الذي وَلّاه عليه، و أبو موسىٰ فَعَلَ خِلافَ ما جُعِلَ إليه، فلَم يَكُن مُمتَثِلاً لأمرِ مَن وَلّاه. و كذلكَ خالدُ بنُ الوَليدِ إنّما خالَفَ ما أمَرَه الرسولُ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه به، فتَبرَّأَ مِن فِعلِه. فَكُلُّ (7)هذا لا يُشبِهُ أمرَه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه بتنفيذِ

جَيشِ أُسامةَ أمراً مُطلَقاً، و تأكيدَه ذلكَ و تَكرارَه له.

فأمّا جَيشُ أُسامةَ‌: فإنّه لَم يَضُمَّ‌(8)مَن يَصلُحُ للإمامةِ فيَجوزَ تأخُّرُهم ليُختارَ أحَدُهم، علىٰ ما ظَنَّه صاحبُ الكتابِ‌. علىٰ أنّ ذلكَ لَو صَحَّ أيضاً لَم يَكُن عُذراً في التأخُّرِ؛ لأنّ مَن خَرَجَ في الجَيشِ يُمِكنُ أن يُختارَ و إن كانَ بَعيداً، و لا يَمنَعُ بُعدُه مِن صِحّةِ الاختيارِ، و قد صَرَّحَ صاحبُ الكتابِ بذلكَ . ثُمّ لَو صَحَّ هذا العُذرُ لَكانَ عُذراً في التأخُّرِ قَبلَ العَقدِ، فأمّا بَعدَ إبرامِه(9)فلا عُذرَ فيه؛


1) . في «ب»: «ما يجب». و في «ص، ف»: «ما أوجب». و في شرح النهج: «من ذلك ما وجب».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «و فقد الإمكان».

3) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «الأشعريّ ».

4) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «يشبه».

5) . في «ج، ص، ف» و الحجري و المطبوع: - «تعالىٰ ».

6) . هكذا في «د». و في حاشية الحجري: «و صرّح». و في سائر النسخ و المطبوع: - «فصرّح».

7) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و كلّ ».

8) . في «د»: «لم يضمن».

9) . في التلخيص: «تمامه».

و المُعاضَدةُ (1)التي ادَّعاها قد بيّنّا ما فيها.

فأمّا قولُ صاحبِ الكتاب ِ رادّاً علىٰ مَن جَعَلَ إخراجَ القومِ في الجَيشِ ليَتِمَّ أمرُ النصِّ‌: «إنّ بُعدَهم لا يَمنَعُ مِن(2)أن يُختاروا للإمامةِ » فيَدُلُّ علىٰ أنّه لَم يَتبيَّنْ معنىٰ هذا الطعنِ علىٰ حقيقتِه؛ لأنّ الطاعنَ به لا يَقولُ : إنّه أبعَدَهم(3)لئلّا يُختاروا للإمامةِ ، و إنّما يَقولُ : إنّه أبعَدَهم حتّىٰ يَنتَصِبَ بَعدَه في الأمرِ(4)مَن نَصَّ عليه، فلا(5)يَكونَ هُناكَ مَن يُنازِعُهُ و يُخالِفُه(6).

فأمّا قولُه: «إنّه عليه السلامُ لَم يَكُن قاطعاً علىٰ مَوتِه» فذلكَ لا يَضُرُّ تسليمُه؛ أ لَيسَ كانَ خائفاً و مُشفِقاً؟ و علَى الخائفِ أن يَتحَرَّزَ(7)ممّا يَخافُ منه.

فأمّا قولُه: «لَم يُرِدْ: نَفِّذوا الجَيشَ في حَياتي» فقَد بيّنّا ما في ذلكَ .

فأمّا وِلايةُ أُسامة َ علىٰ مَن وُلّيَ عليه: فلا بُدَّ مِن اقتضائها لفَضلِه علَى الجماعةِ فيما كانَ والياً فيه؛ و قد دَلَّلنا - فيما تَقدَّمَ مِن الكتابِ - علىٰ أنّ وِلايةَ المفضولِ علَى الفاضلِ (8)فيما كانَ أفضَلَ منه فيه(9)قَبيحةٌ .(10)

و كذلكَ القولُ في وِلايةِ عَمرِو بنِ العاصِ عليهما؛ و القولُ في الأمرَينِ واحدٌ.


1) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «فالمعاضدة».

2) . في «ب، ج، ص، ف» و شرح النهج: - «من».

3) . هكذا في «د» و شرح النهج و حاشية الحجري. و في سائر النسخ و المطبوع: «أنفذهم».

4) . في «ب، ج، ص، ف» و شرح النهج: «في الأرض».

5) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و لا».

6) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «يخالفه و ينازعه».

7) . في المطبوع: «يتجرّد».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: - «على الفاضل».

9) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «أفضل فيه منه».

10) . تقدّم في ج 2، ص 272.

و قولُه: «إنّ أحَداً لَم يَدَّعِ فَضلَ أُسامةَ علىٰ أبي بَكرٍ و عُمَرَ(1)» فلَيسَ الأمرُ علىٰ ما ظَنَّه؛ لأنّ مَن ذَهَبَ إلىٰ فَسادِ إمامةِ المفضولِ لا بُدَّ مِن أن يُفضِّلَ أُسامةَ عليهما فيما كانَ والياً فيه.

فأمّا(2)ادّعاؤه(3)[ما ذَكَرَه] مِن السببِ في(4)دخولِ عُمَرَ في الجَيشِ (5): فما نَعرِفُه، و لا وَقَفنا عليه إلّامِن كتابِه. ثُمّ لَو صَحَّ لَم يُغنِ شَيئاً؛ لأنّ عُمَرَ لَو كانَ أفضَلَ مِن أُسامةَ لَمَنَعَه الرسولُ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه مِن الدخولِ في إمارتِه، و المَسيرِ تَحتَ لِوائه؛ و التواضُعُ لا يَقتَضي فِعلَ القَبيحِ .

و هذه جُملةٌ كافيةٌ .


1) . هكذا في «د» و شرح النهج و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «عليهما» بدل «علىٰ أبي بكر و عمر».

2) . في الحجري و المطبوع: «و أمّا».

3) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «ما ادّعاه». و ما بين المعقوفين من شرح النهج.

4) . في «د»: - «في».

5) . و هو التواضع و تعظيم أمر رسول اللّٰه صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه.

الطعن التاسع عدم تولية أبي بكر من قِبَل رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، و عزله عن تبليغ سورة براءة

اشارة

قالَ صاحبُ الكتابِ :

شُبهةٌ أُخرىٰ لهُم(1):

و أحَدُ ما طَعَنوا به في أبي بَكرٍ: أنّه عليه السلامُ لَم يُوَلِّه الأعمالَ‌، و وَلّىٰ‌(2)غيرَه عليه(3)و لمّا وَلّاه أن يَحُجَّ بالناسِ و يَقرأَ(4)عليهم سورةَ بَراءةٍ عَزَلَه عن ذلكَ‌، و جَعَلَ الأمرَ إلىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ و قالَ‌: «لا يؤَدّي عَنّي إلّاأنا أو رجُلٌ (5)مِنّي» حتّىٰ رَجَعَ أبو بَكرٍ إلَى(6)النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(7).


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «شبهة لهم أُخرىٰ ».

2) . في «ج، ف»: «و ولّاه».

3) . في التلخيص و حاشية «ف»: «عليه غيره». و في «ب، ص، ف» و الحجري و شرح النهج: - «عليه».

4) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «و لمّا ولّاه الحجّ بالناس و أن يقرأ».

5) . في المطبوع: «و رجل».

6) . في «ب، ج، ص، ف» و الحجريّ : «على».

7) . في المغني: «عليه السلام».

ثُمّ أجابَ عن ذلكَ‌:

أنّه(1)لَو سُلِّمَ أنّه لَم يُوَلِّه، ما كانَ يَدُلُّ علىٰ نَقصٍ و لا علىٰ أنّه لا يَصلُحُ للإمارةِ و الإمامةِ‌(2)بَل لَو قيلَ‌:(3)«إنّما(4)لَم يُوَلِّه لحاجتِه إليه بحَضرتِه، و إنّ ذلكَ رِفعةٌ له» لَكانَ أقرَبَ‌، [لا](5)سِيَّما و قد رُويَ عنه عليه السلامُ‌(6)ما يَدُلُّ علىٰ أنّهما وَزيراه، فكانَ‌(7)عليه السلامُ مُحتاجاً إليهما و إلىٰ رأيِهما، فلذلكَ لَم يُوَلِّهما. و لَو كانَ للعملِ علَى التوليةِ فَضلٌ‌(8)، لَكانَ عَمرُو بنُ العاصِ و خالدُ بنُ الوَليدِ و غيرُهما أفضَلَ مِن أكابِرِ الصحابةِ‌؛ لأنّه عليه السلامُ وَلّاهما و قَدَّمَهما. و قد بيّنّا(9)أنّ تَوليتَه هي بحَسَبِ الصلاحِ‌؛ و قد يُوَلّي(10)المفضولَ (11)تارةً ، و الفاضلَ (12)أُخرىٰ ،


1) . في «د»: «بأنّه».

2) . في التلخيص: «لايصلح للأمر». و في المغني: «لا يصلح للإمامة».

3) . من قوله: «أنّه لم يولّه» إلىٰ هنا وُضع في المطبوع بين معقوفين و كُتب في حاشيته: «ما بين المعقوفين ساقط من المغني» و هو غير ساقط منه!!

4) . هكذا في «د» و المغني و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «إنّه».

5) . ما بين المعقوفين من شرح النهج.

6) . في «د» و المغني و شرح النهج: - «عليه السلام». و في الحجري و المطبوع: «صلّى اللّٰه عليه و آله». و هكذا في الموارد الآتية. و في التلخيص: - «عنه عليه السلام».

7) . في المغني: «و كان». و في شرح النهج: «و أنّه كان».

8) . في «ب، ج، ص، ف» و الحجري و المطبوع و شرح النهج: «لو كان للعمل علىٰ تركه فضل». و في التلخيص: «لو كان الأمر على التولية»، و في المغني: «لو كان العمل على التولية» بدل «لو كان للعمل على التولية فضل».

9) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «و قد قدّمنا».

10) . في التلخيص: «و قد تولّى». و في المغني: «فقد تولّى».

11) . هكذا في التلخيص و المغني. و في النسخ و المطبوع: + «على الفاضل».

12) . في المطبوع بين معقوفين: + «على المفضول».

و رُبَّما وَلَّى الواحدَ لاستغنائه عنه بحَضرتِه، و رُبَّما وَلّاه

لاتّصالٍ بَينَه و بَينَ مَن يُوَلّىٰ عليه، إلىٰ غيرِ ذلكَ‌.

ثُمَّ ادَّعىٰ أنّ وِلايةَ أبي بَكرٍ علَى المَوسِمِ و الحَجِّ قد ثَبَتَت بِلا خِلافٍ بَينَ أهلِ الأخبارِ، و لَم يَصِحَّ أنّه عَزَلَه؛ و لا يَدُلُّ رجوعُ أبي بَكرٍ إلَى النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه مُستَفهِماً له(1)عن القِصّةِ علَى العَزلِ‌.

ثُمّ جَعَلَ إنكارَ مَن أنكَرَ حَجَّ‌(2)أبي بَكرٍ في تلكَ السنةِ بالناسِ كإنكارِ عَبّادٍ و طبقتِه أَخذَ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ سورةَ بَراءةٍ مِن أبي بَكرٍ.

و حَكىٰ عن أبي عليٍّ‌: أنّ المعنىٰ في أخذِ السورةِ مِن أبي بَكرٍ: أنّ مِن عادةِ العَرَبِ أنّ سَيّداً مِن ساداتِ قَبائِلهم إذا عَقَدَ عَقداً لِقَومٍ‌، فإنّ ذلكَ العَقدَ لا يَنحَلُّ إلّا أن يَحُلَّه هو أو بعضُ ساداتِ قومِه؛ فلمّا كانَ هذا عادتَهم(3)و أرادَ النبيُّ‌(4)عليه السلامُ أن يَنبِذَ إليهم عَهدَهم و يَنقُضَ ما كانَ بَينَه و بَينَهم، عَلِمَ أنّه(5)لا يَنحَلُّ ذلكَ إلّا به أو بسَيّدٍ(6)مِن ساداتِ رَهطِه، فعَدَلَ عن أبي بَكرٍ إلىٰ أميرِالمؤمنينَ عليه السلامُ للقُربِ في النسَبِ .

ثُمّ ادَّعىٰ أنّه عليه السلامُ (7)وَلّىٰ أبا بَكرٍ في حالِ مرضِه أن يُصَلّيَ بالناسِ (8)،


1) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «له».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «حجّة».

3) . في «د»: «فلمّا كان هذا عاداتهم». و في التلخيص: «فلمّا كانت هذه عادتهم».

4) . في «د» و التلخيص: - «النبيّ ».

5) . في حاشية «ج»: «أن».

6) . في «ب، ف»: «و سيّد» بدل «أو بسيّد».

7) . في «د» و شرح النهج: «صلّى اللّٰه عليه و آله». و هكذا في الموارد الآتية.

8) . في «ب، ج، ص، ف»: - «بالناس». و في التلخيص و شرح النهج: «الصلاة» بدل «أن يصلّي بالناس».

و ذلكَ أشرَفُ الوِلاياتِ‌، و قالَ في ذلكَ‌: «يأبَى اللّٰهُ و رسولُه و المؤمنونَ إلّا أبا بَكرٍ».

ثُمّ اعتَرَضَ [نفسَه](1)بصَلاتِه عليه السلامُ خَلفَ عبدِ الرحمنِ بنِ عَوفٍ‌، و أجابَ بأنّه عليه السلامُ‌(2)صَلّىٰ خَلفَه، لا أنّه وَلّاه الصلاةَ و قَدَّمَه فيها، و إنّما قُدِّمَ (3)عبدُ الرحمنِ عندَ غَيبةِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه بغَيرِ أمرِه، و قد ضاقَ الوقتُ ، فجاءَ الرسولُ عليه السلامُ فصَلّىٰ خَلفَه.

ثُمّ تَكلَّمَ (4)- علىٰ أنّ وِلايةَ أبي بَكرٍ الصلاةَ لا تَدُلُّ علَى النصِّ بالخِلافةِ عليه - بكلامٍ طَويلٍ (5)لا طائلَ في حِكايتِه.(6)

يُقالُ له: قد بيّنّا أن تَركَه عليه السلامُ الوِلايةَ لبعضِ أصحابِه مع حضورِه و إمكانِ وِلايتِه، و العُدولَ عنه إلىٰ غيرِه مع تَطاوُلِ الزمانِ و امتدادِه، لا بُدَّ مِن أن يَقتَضيَ غلبةَ الظنِّ لأنّه(7)لا يَصلُحُ للوِلايةِ .(8)

في بيان استغناء رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله عن المشاورين

فأمّا مَن يَدَّعي(9)أنّه لَم يُوَلِّه لافتقارِه إليه بحَضرتِه، و حاجتِه إلىٰ تدبيرِه و رأيِه:


1) . ما بين المعقوفين من شرح النهج.

2) . في شرح النهج: + «إنّما».

3) . في المغني: «قدّموا».

4) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و تكلّم».

5) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «طويل».

6) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 349-352. و أكثر ما نقله المصنّف رحمه اللّٰه هنا نقله باختصار، و إن كان لم يترك المهمّ من كلام القاضي.

7) . في المطبوع و شرح النهج: «بأنّه».

8) . تقدّم في ص 482 و 483.

9) . في شرح النهج: «فأمّا ادّعاؤه».

فقد بيّنا أنّه عليه السلامُ ما كانَ يَفتَقِرُ(1)إلىٰ رأيِ أحَدٍ؛ لكمالِه و رُجحانِه علىٰ كُلِّ أحَدٍ(2)، و إنّما كانَ يُشاوِرُ أحياناً أصحابَه(3)علىٰ سَبيلِ التعليمِ‌(4)و التأديبِ‌، أو لغَيرِ ذلكَ ممّا قد ذُكِرَ.

و بَعدُ، فكَيفَ استَمرَّتَ هذه الحاجةُ و اتَّصَلَت منه إليهما، حتّىٰ لَم يَستَغنِ في زَمَنٍ‌(5)مِن الأزمانِ عن حضورِهما فيُوَلّيَهما؟ و هَل هذا إلّاقَدحٌ في(6)رأيِ رسولِ اللّٰهِ‌(7)صلى اللّٰهُ عليه و آلِه، و نِسبتُه(8)إلىٰ أنّه ممّن كانَ (9)يَحتاجُ إلىٰ (10)أن يُلقَّنَ و يوقَفَ علىٰ كُلِّ شَيءٍ؟! و قد نَزَّهَه اللّٰهُ تَعالىٰ عن ذلكَ .

و أمّا(11)ادّعاؤه أنّ الروايةَ قد(12)وَرَدَت بأنّهما وَزيراه(13): فقَد(14)كانَ يَجِبُ أن يُصحِّحَ ذلكَ قَبلَ أن يَعتَمِدهَ و يَحتَجَّ به؛ فإنّا نَدفَعُه عنه أشَدَّ الدفعِ (15).


1) . في «د»: «ما كان مفتقراً».

2) . في الحجري و المطبوع: «واحد».

3) . هكذا في «د». و في التلخيص: «أصحابه أحياناً»، و في سائر النسخ و المطبوع: - «أحياناً».

4) . في المطبوع و شرح النهج: + «لهم».

5) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «زمان».

6) . في «ج»: + «حال».

7) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «الرسول».

8) . في «ب، ج، ف»: «و نسبه».

9) . هكذا في «د» و التلخيص و في سائر النسخ و المطبوع: «كان ممّن».

10) . في «ج، ص، ف»: - «إلىٰ ».

11) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «فأمّا».

12) . هكذا في «ب، د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: - «قد».

13) . يُروى هذا المضمون بصور مختلفة، و في رواتها ضعف. و للمزيد راجع: الغدير، ج 5، ص 486 و 510؛ تلخيص الشافي، ج 3، ص 182-185 (الهامش).

14) . في الحجري و المطبوع: «و قد».

15) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «أشدّ دفع» بدل «أشدّ الدفع».

فأمّا وِلايةُ‌(1)عَمرِو بنِ العاصِ و خالدِ بنِ الوَليدِ: فقَد تَكلَّمنا عليها مِن قَبلُ‌(2)، و بيّنّا أنّ وِلايَتَهما تَدُلُّ علىٰ صَلاحِهما لِما وَلِياه، و لاتَدُلُّ (3)علىٰ صَلاحِهما للإ مامةِ ؛ لأنّ شَرائطَ الإمامةِ لَم تَتكامَلْ فيهما. و بيّنّا أيضاً أنّ وِلايةَ المفضولِ علَى الفاضلِ لا تَجوزُ،(4)بخِلافِ ما ظَنَّه صاحبُ الكتابِ .

كلام حول تولِّي أبي بكر لموسم الحجّ

و أمّا(5)تعظيمُه و استكبارُه(6)قولَ من ذَهَبَ‌(7)إلىٰ أنّ أبا بَكرٍ عُزِلَ عن أداءِ السورةِ‌(8)و المَوسِمِ مَعاً و جَمَعَهما لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ‌، و جَمعُه بَينَ ذلكَ في البُعدِ و بَينَ إنكارِ عَبّادٍ أن يَكونَ أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ ارتَجَعَ سورةَ‌

بَراءةٍ مِن أبي بَكرٍ: فأوّلُ ما فيه أنّا لا نُنكِرُ(9)أن يَكونَ‌(10)أكثَرُ الأخبارِ واردةً بأنّ أبا بَكرٍ حَجَّ بالناسِ في تلكَ السنةِ‌، إلّاأنّه قد روىٰ قومٌ مِن أصحابِنا خِلافَ ذلكَ‌، و أنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ كانَ أميرَ المَوسِمِ في تلكَ السنةِ‌، و أنّ عَزلَه للرجُلِ‌(11)كانَ


1) . في «د»: «ولايته».

2) . تقدّم في ص 483.

3) . في «ج، ص، ف» و الحجري و المطبوع: «و لا يدلّ ».

4) . تقدّم في ج 2، 272؛ و ج 4، ص 502.

5) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «فأمّا».

6) . في شرح النهج: «و إكباره». و استكبَرَ الشيءَ : رآه كبيراً، و عَظُمَ عنده. لسان العرب، ج 5، ص 126 (كبر).

7) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «يذهب».

8) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «سورة براءة».

9) . في «ب»: «أن لا ينكر».

10) . هكذا في جميع النسخ و الحجري و المطبوع و التلخيص و شرح النهج. و الأصحّ : «أن تكون».

11) . هكذا في «د». و في شرح النهج: «عزل الرجل». و في التلخيص: - «للرجل». و في سائرالنسخ و المطبوع: «عزله الرجل».

عن الأمرَينِ ؛ و استكبارُ(1)ذلكَ - و فيه خِلافٌ - لا معنىٰ له.

فأمّا ما حَكاه مِن عَبّادٍ: فإنّا لا نَعرِفُه، و لا نَظُنُّ أنّ أَحَداً(2)يَذهَبُ إلىٰ مِثلِه؛ و لَيسَ يُمكِنُه بإزاءِ ذلكَ جَحدُ مَذهبِ أصحابِنا(3)الذي حَكاه(4). و لَيسَ عَبّادٌ(5)- لَو صَحَّت الحكايةُ عنه - بإزاءِ مَن ذَكرناه؛ فهو مَليءٌ بالجَهالاتِ و دَفعِ الضروراتِ .

و بَعدُ، فلَو سَلَّمنا أنّ وِلايتَه المَوسِمَ لَم تَنفَسِخْ ،(6)لَكانَ الكلامُ باقياً؛ لأنّه إذا كانَ ما وُلّيَ مع تَطاوُلِ الزمانِ إلّاهذه الوِلايةَ ، ثُمّ سُلِبَ شَطرَها و الأفخَمَ الأعظَمَ (7)منها، فلَيسَ ذلكَ إلّاتنبيهاً علىٰ ما ذَكرناه.

في بيان عدم متابعة الرسول صلى الله عليه و آله لعادات الجاهليّة

فأمّا ما حَكاه عن أبي عليٍّ ، مِن أنّ عادةَ العَرَبِ أن لا يَحُلَّ ما عَقَدَه الرئيسُ منهم إلّا هو أو المُتقدِّمُ مِن رَهطِه: فمَعاذَ اللّٰهِ أن يُجريَ النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه سُنّتَه و أحكامَه علىٰ عاداتِ الجاهليّةِ ! و قد بَيَّنَ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(8)سببَه(9)لمّا رَجَعَ


1) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في التلخيص: «و إنكار». و في سائر النسخ و المطبوع: «فاستكبار».

2) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و شرح النهج: - «أنّ ». و في الحجري «و لا أظنّ أحداً». و في المطبوع: «و لا أظنّ أحد».

3) . في «ب، ج، ص، ف» و الحجري: «و ليس قوله بإزاء مذهب أصحابنا».

4) . في المطبوع و شرح النهج: «حكيناه».

5) . في «ب، ج، ص، ف» و الحجري و المطبوع: + «و».

6) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «أنّ ولاية الموسم لم تفسخ».

7) . في «د»: «و الأعظم».

8) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «عليه السلام»، و هكذا في المواردالآتية.

9) . في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص و شرح النهج: - «سببه».

إليه أبو بَكرٍ، فسَألَه عن السببِ في(1)أخذِ السورةِ منه، قال(2): «أُوحيَ إلَيَّ أن لا يؤدّيَ عنّي(3)، إلّاأنا أو رجُلٌ مِنّي»(4)و لَم يَذكُرْ ما ادَّعاه أبو عليٍّ . علىٰ أنّ هذه العادةَ قد كانَ يَعرِفُها النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه قَبلَ بِعثةِ أبي بَكرٍ بسورةِ بَراءةٍ ، فما بالُه لَم يَتعهَّدْها(5)ويَبعَثْ في الابتداءِ (6)مَن يَجوزُ أن يَحُلَّ عَقدَه مِن قومِه ؟!

صلاة أبي بكر و مقارنتها مع ما قيل من صلاة الرسول صلى الله عليه و آله خلف عبد الرحمن بن عوف

فأمّا ما ادَّعاه(7)مِن وِلايةِ الصلاةِ : فقد بيّنّا - فيما تَقدَّمَ - أنّه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه ما وَلّاه ذلكَ و لا أمَرَه به.(8)و استَقصَينا ذلكَ استقصاءً يُغني عن إعادتِه.

و أمّا(9)فَصلُه بَينَ صَلاتِه خَلفَ عبدِ الرحمنِ بنِ عَوفٍ (10)و بَينَ صَلاةِ أبي بَكرٍ:


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «السبب في».

2) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «فقال».

3) . في الحجري و المطبوع: - «عنّي».

4) . مسند أحمد، ج 1، ص 151، ح 1296، و ج 3، ص 283، ح 14051؛ سنن ابن ماجة، ج 1، ص 44، ح 119؛ الجامع الصحيح، ج 5، ص 275، ح 3090؛ سنن النسائي الكبرىٰ ، ج 5، ص 128-129، ح 8459 و 8460 و 8462؛ المصنّف لابن أبي شيبة، ج 7، ص 495، ح 8؛ المعجم الكبير، ج 4، ص 16، ح 3511 و 3513، و ج 11، ص 400، ح 12127؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 53، ح 4374، مع اختلاف في الألفاظ.

5) . هكذا في «د». و في «ب» و حاشيَتي «ج، ف» و الحجري و المطبوع و شرح النهج: «لم يعتمدها». و في «ج، ص، ف»: «لم يتعمّدها». و لم يتعهّدها - هنا -: أي لم يعتن بها، و لم يلتفت إليها.

6) . في الحجري و المطبوع: «في الابتداء و لم يبعث». و في شرح النهج: «في الابتداء و يبعث».

7) . في «ب، ف» و الحجري و المطبوع و شرح النهج: «فأمّا ادّعاؤه». و في «د»: «فأمّا ما ادّعاؤه».

8) . تقدّم في ج 2، ص 473 و ما بعدها.

9) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «فأمّا».

10) . هكذا في «د» و التلخيص. و في غيرهما: - «بن عوف».

فلَيسَ بشَيءٍ‌؛ لأنّا إذا كُنّا قد دَلَّلنا علىٰ أنّه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه ما قَدَّمَه إلَى(1)الصلاةِ‌، فقَد استَوَى الأمرانِ .(2)

و بَعدُ، فأيُّ فَرقٍ بَينَ أن يُصَلّيَ خَلفَه(3)، و بَينَ أن يُوَلّيَه و يُقدِّمَه ؟ و نَحنُ نَعلَمُ أنّ صَلاتَه خَلفَه إقرارٌ لوِلايتِه و رِضاً بها؛ فقَد عادَ الأمرُ إلىٰ أنّ عبدَ الرحمنِ كأنّه(4)صَلّىٰ بأمرِه و إذنِه! علىٰ أنّ قِصّةَ عبدِ الرحمنِ أَوكَدُ؛ لأنّه قد اعتَرَفَ بأنّ الرسولَ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه صَلّىٰ خَلفَه و لَم يُصَلِّ خَلفَ أبي بَكرٍ، و إن ذَهَبَ كثيرٌ مِن الناسِ إلىٰ أنّه قَدَّمَه و أمَرَه بالصلاةِ قَبلَ خروجِه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه إلَى المَسجِدِ و تَحامُلِه(5).

في بيان حقيقة تسليم سورة براءة لأبي بكر ثمّ أخذها منه، و الهدف من وراء ذلك

فإن قيلَ‌: لَيسَ يَخلو النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه مِن أن يَكونَ سَلَّمَ في الابتداءِ سورةَ‌(6)بَراءةٍ إلىٰ أبي بَكرٍ بأمرِ اللّٰهِ تَعالىٰ‌، أو باجتهادِه و رأيِه. فإن كانَ بأمرِ اللّٰهِ تَعالىٰ‌،(7)فكَيفَ يَجوزُ أن يَرتَجِعَ منه السورةَ قَبلَ وقتِ الأداءِ‌، و عندَكم أنّه لا يَجوزُ نَسخُ الشيءِ قَبلَ وقتِ فِعلهِ؟(8)و إن كانَ باجتهادِ الرسولِ‌(9)صلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه،


1) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «في».

2) . فكما أنّ رسول اللّٰه صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه لم يقدّم عبد الرحمن للصلاة، فكذلك لم يقدّم أبا بكر لها، و بذلك استوى الأمران.

3) . أي خلف عبد الرحمن.

4) . في التلخيص: «كان» بدل «كأنّه». و في المطبوع و شرح النهج: «قد صلّى» بدل «صلّى».

5) . تحامَلَ الشيءَ ، و فيه، و به: تَكلَّفَه علىٰ مشقّةٍ و إعياءٍ ؛ يقال: تحامَلَ في مشيته. راجع: تاج العروس، ج 14، ص 169 (حمل).

6) . في «د»: «بسورة».

7) . في «د»: «عزّ و جلّ ». و في التلخيص: - «تعالىٰ ».

8) . راجع: الذريعة إلىٰ أُصول الشريعة، ج 1، ص 430 و ما بعدها.

9) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «باجتهاده».

فعندَكم أنّه لا يَجوزُ أن يَجتَهِدَ فيما يَجري هذا المَجرىٰ .

قُلنا: ما سَلَّمَ السورةَ إلىٰ أبي بَكرٍ إلّابأمرِه(1)تعالىٰ‌، إلّاأنّه لَم يأمُرْه بأدائها، و لا كَلَّفَه قِراءتَها علىٰ أهلِ المَوسِمِ‌؛ لأنّ أحَداً لا يُمكِنُه أن يَنقُلَ عنه في ذلكَ لفظَ «الأمرِ» و «التكليفِ‌»؛ فكأنّه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه سَلَّمَ السورةَ إليه(2)لتُقرأَ(3)علىٰ أهلِ

المَوسِمِ ، و لَم يُصرِّحْ بذِكرِ(4)المُبلِّغِ لها في الحالِ . و لَو نُقِلَ عنه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه تصريحٌ ، لَجازَ أن يَكونَ مشروطاً بشَرطٍ لَم يُظهِرْه؛ لأنّه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه ممّن يَجوزُ مِثلُ ذلكَ عليه.

فإن قيلَ : فأيُّ فائدةٍ في دَفعِ السورةِ إلىٰ أبي بَكرٍ و هو لا يُريدُ أن يؤدِّيَها عنه، ثُمّ ارتجاعِها منه ؟ و ألّا(5)دُفِعَت في الابتداءِ إلىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ؟

قُلنا: الفائدةُ في ذلكَ ظهورُ فَضلِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ و مَزيّتِه(6)، و أنّ الرجُلَ الذي نُزِعَت السورةُ مِن يَدِه(7)لا يَصلُحُ لِما يَصلُحُ له عليه السلامُ .

و هذا غرضٌ قويٌّ في وقوعِ الأمرِ علىٰ ما وَقَعَ عليه، مِن دَفعِها إلىٰ أبي بَكرٍ و ارتجاعِها منه(8).


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «إلّا بإذنه».

2) . هكذا في «د» و التلخيص. و في شرح النهج: «سلّم سورة براءة إليه». و في سائر النسخ و المطبوع: «سلّم إليه سورة براءة».

3) . هكذا في شرح النهج. و في «د»: «ليقرأ». و في سائر النسخ: «ليقرأها». و في الحجري و المطبوع: «لتقرأها». و في التلخيص: «ليقرأه».

4) . في الحجري: «باسم». و في المطبوع: «باسم القارئ». و في شرح النهج: «بذكر القارئ».

5) . في المطبوع: «و لا». و في شرح النهج: «وهلّا».

6) . في «ب» و المطبوع و شرح النهج: «و مرتبته». و في الحجري: - «و مزيّته».

7) . هكذا في «د» و التلخيص. و في شرح النهج: «عنه». و في غيرها: «منه».

8) . في التلخيص و شرح النهج: - «من دفعها إلىٰ أبي بكر و ارتجاعها منه».

الطعن العاشر جهلُ أبي بكر بمسألة الكَلالة و ميراث الجدّة و غير ذلك من الأحكام

اشارة

قالَ صاحبُ الكتابِ :

شبهةٌ أُخرىٰ لهُم:(1)

ثُمّ ذَكَرَ ما رُويَ عن أبي بَكرٍ في الكَلالةِ‌؛ مِن قولِه: «أقولُ فيها برأيي؛ فإن يَكُن

صَواباً فمِنَ اللّٰهِ‌، و إن يَكُن خَطأً فمِنّي»(2)، و نَحوَ ما رُويَ (3)مِن أنّه لَم يَعرِفْ ميراثَ الجَدّةِ (4)، و أنّ مَن هذه حالُه لا يَصلُحُ للإمامةِ .


1) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «شبهة لهم أُخرىٰ ».

2) . مسند أحمد، ج 1، ص 447، ح 4276؛ و ج 4، ص 279، ح 18483؛ سنن أبي داود، ج 1، ص 643، ح 2116؛ المعجم الكبير، ج 20، ص 232، ح 544 و 545؛ المصنّف لعبد الرزّاق، ج 6، ص 479، ح 11745؛ المصنّف لابن أبي شيبة، ج 7، ص 402، ح 2؛ السنن الكبرىٰ للبيهقي، ج 6، ص 223، ح 12043؛ كنز العمّال، ج 11، ص 79، ح 30691.

3) . هكذا في «د». و في «ب»: «رواه». و في سائر النسخ و المطبوع: «رووه».

4) . عن أبي قبيصة بن ذؤيب، قال: جاءت الجدّة إلى أبي بكر تسأله عن ميراثها، فقال: ما لكِ في كتاب اللّٰه شيء و ما علمت لكِ في سنّة رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلّم شيئاً، فارجعي حتّى أسأل الناس. فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلّم

و أجابَ عن ذلكَ بأنّ الإمامَ لا يَجِبُ أن يَكونَ مُحيطاً بجميعِ عِلمِ الدينِ‌(1)، و أنّ القَدرَ الذي يَحتاجُ إليه الإمامُ هو(2)الذي يَحتاجُ إليه الحاكمُ‌. و ذَكَرَ أنّ القولَ بالرأيِ هو الواجبُ فيما لا نَصَّ فيه، و أنّ ذلكَ إجماعٌ مِن(3)الصحابةِ‌!

و ادَّعىٰ أنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ قالَ بالرأيِ في بَيعِ أُمَّهاتِ الأولادِ، و مَسألةِ الحَرامِ‌(4)، و مَسألةِ‌(5)الجَدِّ(6)، و المُشرَّكةِ‌(7)و أنّه(8)عليه السلامُ ذَهَبَ عليه بعضُ

أعطاها السدس، قال: هل معك غيرك ؟ فقام محمّد بن مسلمة فقال مثل ما قال المغيرة، فأنفذه لها أبو بكر. (سنن أبي داود، ج 2، ص 136، ح 2894؛ سنن ابن ماجة، ج 2، ص 909، ح 2724؛ سنن النسائي الكبرىٰ ، ج 4، ص 73، ح 6339، و ص 75، ح 6346؛ المستدرك على الصحيحين، ج 4، ص 376، ح 7978؛ السنن الكبرىٰ للبيهقي، ج 6، ص 234، ح 12117).

و روي عنه أيضاً أنّه أتته جدّتان: أُمّ الأُمّ ، و أُمّ الأب، فأعطى الميراث أُمّ الأُمّ دون أُمّ الأب، فقال له عبد الرحمن بن سهل أخو بني الحارث: يا خليفة رسول اللّٰه، لقد أعطيت التي لو أنّها ماتت لم يرثها، فجعله أبو بكر بينهما يعني السدس. (سنن الدار قطني، ج 4، ص 90-91، ح 72-73؛ سنن سعيد بن منصور، ج 1، ص 55، ح 81؛ المصنّف لعبد الرزّاق، ج 10، ص 275، ح 19084؛ السنن الكبرىٰ للبيهقي، ج 6، ص 235، ح 12123؛ كنز العمّال، ج 11، ص 22، ح 30466).


1) . في الحجري و المطبوع: «أُمور الدين».

2) . في الحجري و المطبوع: «فهو».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: - «من».

4) . فقد روى غير الإمامية أنّ عليّاً عليه السلام أشار على عمر بأنّ الحدّ في شرب الحرام حدّالمفتري و هو ثمانون جلدةً ، مع أنّه جلد الوليد بن عقبة بحضرة عثمان أربعين. المجموع شرح المهذّب، ج 17، ص 62؛ الحاوي الكبير، ج 10، ص 236 و 420، و ج 13، ص 175؛ المغني لابن قدامة، ج 10، ص 323.

5) . في المطبوع: - «مسألة».

6) . في «ج، ف» و الحجري و المطبوع: «الحدّ».

7) . في «ب، ص» و المغني: «الشركة». و في الحجري و المطبوع: «المشتركة».

8) . في المطبوع: «فإنّه».

الأحكامِ‌، نحوَ الكلامِ في العَقلِ عن مَوالي(1)صَفيّةَ‌، حتّىٰ قَطَعَ عُمَرُ بنُ الخَطّابِ‌

النزاعَ‌(2)بَينَه و بَينَ الزُّبَيرِ، بأن بَيَّنَ أنّ‌(3)الميراثَ للمَولىٰ و العَقلَ للعَصَبةِ .(4)

و ألزَمَ قياساً علَى الإمامِ في كمالِ العقلِ الأميرَ و الحاكمَ .

و ذَكَرَ أنّ مُعاذاً و زَيدَ بنَ ثابتٍ كانا مُتقدِّمَينِ في العِلمِ بالحَلالِ و الحَرامِ ، ثُمّ لَم يوجِبْ ذلكَ أنّهما أحَقُّ بالإمامةِ .(5)

وجوب علم الإمام بجميع أحكام الدين

يُقالُ له: قد دَلَّلنا - فيما مضىٰ مِن الكتابِ - علىٰ أنّ مِن شَرائطِ الإمامةِ العِلمَ بجميعِ أحكامِ الدينِ‌(6)، و أنّ ذلكَ شَرطٌ واجبٌ‌؛ فمَن ظَهَرَ منه نُقصانٌ في هذا العِلمِ لا يَجوزُ أن يَكونَ إماماً. و قد ظَهَرَ عن أبي بَكرٍ في مَسائلَ كَثيرةٍ الاعترافُ علىٰ نفسِه بأنّه لا يَعرِفُ الحُكمَ فيها.

و بيّنّا - فيما مضىٰ أيضاً مِن الكتابِ - الفَرقَ بَينَ الأميرِ و الحاكمِ و بَينَ الإمامِ‌؛ مِن حَيثُ كانَت وِلايةُ الإمامِ عامّةً‌، و وِلايةُ مَن عَداه خاصّةً‌. و بيّنّا أنّ الحاكمَ و الأميرَ يَجِبُ أن يَكونا عالِمَينِ بالحُكمِ في جميعِ ما أُسنِدَ إليهما، و أن لا يَذهَبَ عليهما شَيءٌ مِن ذلكَ‌؛ إلّاأنّه(7)لمّا كانَت وِلايتُهما خاصّةً ، لَم يَجِبْ أن يَكونا عالِمَينِ


1) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «مولىٰ ».

2) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «التداعي».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: - «بيّن أنّ ».

4) . في المغني: «الميراث للولد، و العقل على العصبة».

5) . راجع: المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 352-353. و كلّ ما نقله المصنّف رحمه اللّٰه هنا نقله باختصار، و إن كان لم يترك المهمّ من كلام القاضي.

6) . تقدّم في ج 2، ص 229 و ما بعدها.

7) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «إلّا أنّهما».

بجميعِ أحكامِ الدينِ ، و الإمامُ بخِلافِ ذلكَ ؛ لأنّ وِلايتَه عامّةٌ .(1)

إبطال القول بالرأي، و بطلان دعوىٰ عمل أمير المؤمنين عليه السلام به

فأمّا القولُ بالرأيِ الذي صَحَّحَه و صَوَّبَه: فقَد بيّنّا في صَدرِ الكتابِ طَرَفاً مِن الدلالةِ علىٰ فَسادِه(2)، و استَقصَينا الكلامَ في هذا البابِ في «جوابِ‌(3)المَسائلِ الواردةِ مِن أهلِ المَوصِلِ‌»(4)و لَو لا أنّ صاحبَ الكتابِ أحالَ (5)في هذا البابِ علىٰ غيرِ هذا المَوضِعِ مِن كلامِه، و استَعمَلنا مِثلَ ما فَعَلَه(6)، لَكُنّا لَم نُخلِ (7)هذا المكانَ مِن كلامٍ في هذا المعنىٰ .

فأمّا دَعواه علىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ القولَ بالرأيِ في بَيعِ أُمَّهاتِ الأولادِ و مَسألةِ الحَرامِ و الجَدِّ(8): فما رأَيناه عَوَّلَ علىٰ حُجّةٍ و لا شُبهةٍ في ذلكَ‌، و قد

كانَ يَجِبُ أن يُبيِّنَ‌: مِن أينَ ظَنَّ‌(9)أنّه عليه السلامُ قالَ في ذلكَ بالرأيِ؟ فإن كانَ


1) . تقدّم في ج 2، ص 248-249.

2) . تقدّم في ج 1، ص 430-433.

3) . في الحجري و المطبوع: «باب».

4) . هذه هي أجوبة المسائل الموصليّات الأُولىٰ ، و هي تحتوي علىٰ ثلاث مسائل: في القياس و الوعيد و الاعتماد، و قد أشار المصنّف رحمه اللّٰه إلى المسألة الأُولىٰ منها و التي تعرّض فيها بالتفصيل إلىٰ بحث القياس و الرأي. و على الرغم من أنّ الموصليات الأُولىٰ مفقودة إلّاأنّ الشيخ الطوسي حفظ لنا في كتاب العدّة معظم ألفاظ مسألة القياس منها، و التي هي محلّ بحثنا، فراجعها هناك. عدّة الأُصول، ج 2، ص 645-719. و للمزيد راجع: المتبقّى من التراث المفقود للشريف المرتضى، ص 309؛ رجال النجاشي، ص 271؛ الفهرست للشيخ الطوسي، ص 289؛ كتاب شيعة، ج 9-10، ص 154-161.

5) . في المطبوع: «أطال».

6) . في «ج»: «فعل».

7) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «لكنّا لا نخلي».

8) . في «ب»: «و الحلال». و في «ج، ف» و الحجري و المطبوع: «و الحدّ».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: - «من أين ظنّ ». و في المطبوع: - «ظنّ ».

مُعوَّلُه علىٰ ما رُويَ عن عبيدةَ السلمانيِّ‌(1)، مِن أنّه سَألَه عليه السلامُ‌(2)عن بَيعِ أُمَّهاتِ الأولادِ، فقالَ‌: «كانَ رأيي و رأيُ عُمَرَ أن لا يُبَعنَ‌، و رأيي الآنَ أن يُبَعنَ‌» إلىٰ آخِرِ الخبرِ(3)، فقد تَكلَّمنا علىٰ هذه الشُّبهةِ فيما مضىٰ مِن الكتابِ‌(4)، و بيّنّا أنّ الخبرَ مطعونٌ عليه غيرُ مُصحَّحٍ‌(5)، و أنّه لَو صَحَّ أيضاً(6)لَم يَدُلَّ علىٰ صحّةِ القولِ بالرأيِ الذي يَذهَبونَ إليه؛ لأنّ الرجوعَ مِن قولٍ إلى قولٍ قد يَكونُ سببُه الاجتهادَ، و يَكونُ أيضاً سببُه الرجوعَ إلَى النصوصِ و الأدلّةِ القاطعةِ‌. و بيّنّا أنّه عليه السلامُ في الحَقيقةِ لَم يَكُن قولُه إلّاواحداً في الحالَينِ و إن أظهَرَ في أحَدِهما خِلافَ مَذهبِه للتقيّةِ‌. و لَيسَ في إضافةِ القولِ إلَى الرأيِ دَلالةٌ علىٰ أنّه مَقولٌ‌(7)مِن غيرِ جهةِ النصِّ و الأدِلّةِ القاطعةِ‌؛ لأنّ هذه اللفظةَ تُفيدُ المَذهبَ و الاعتقادَ اللذَينِ (8)يَستَنِدانِ إلىٰ ضُروبِ الأدِلّةِ ؛ و قد


1) . عبيدة بن قيس السلماني، يكنّى أبا مسلم، أسلم قبل وفاة رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله بسنتين، و سمع عمر بن الخطّاب، و أمير المؤمنين عليه السلام، و عبد اللّٰه بن مسعود، و عبد اللّٰه بن الزبير، و نزل الكوفة، فروى عنه عامر الشعبي، و إبراهيم النخعي، و محمّد بن سيرين و غيرهم، و ورد المدائن مع أمير المؤمنين عليه السلام، و حضر وقعة الخوارج بالنهروان. مات سنة اثنتين و سبعين. الطبقات الكبرىٰ ، ج 6، ص 152، الرقم 1983؛ أخبار القضاة، ص 472؛ تاريخ بغداد، ج 11، ص 119، الرقم 5814؛ تهذيب الأسماء، ص 226، الرقم 383؛ قلادة النحر، ج 1، ص 417، الرقم 389.

2) . في «ج، ف» و الحجري و المطبوع: - «عليه السلام».

3) . الفصول المختارة، ص 213؛ الصراط المستقيم، ج 1، ص 148؛ المصنّف لعبد الرزّاق، ج 7، ص 291، ح 13224؛ السنن الكبرىٰ للبيهقي، ج 10، ص 343، ح 21556؛ كنز العمّال، ج 10، ص 346-347، ح 29745، مع اختلاف يسير.

4) . تقدّم في ج 1، ص 442-444.

5) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «مطعون فيه غير صحيح».

6) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و لو صحّ » بدل «و أنّه لو صحّ أيضاً».

7) . في الحجري و المطبوع: «معوّل».

8) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «اللذان». و في المطبوع: «و اللذان».

يُقالُ : «فُلانٌ يَرَى القَدَرَ، و(1)فُلانٌ يَرَى العَدلَ ، و فُلانٌ مِن رأيِه التشبيهُ ، و فُلانٌ مِن رأيِه التوحيدُ» و لَيسَ شَيءٌ مِن ذلكَ مَقولاً(2)مِن جهةِ الاجتهادِ و الظنونِ .

فأمّا مَسألةُ الحَرام ِ و الجَدِّ(3)و المُشرَّكةِ‌(4): فَلسنا نَعلَمُ ما شُبهتُه في أنّه عليه السلامُ قالَ فيها بالاجتهادِ؟ فإن(5)كانَ مُعوَّلُه علىٰ فَقدِ النصوصِ التي لهذه الأحكامِ دخولٌ‌(6)فيها و أنّه(7)لا وجهَ لقَولِه إلّامِن جهةِ الاجتهادِ، فكُلُّ هذا تَخيُّلٌ لِما لا أصلَ له؛ و لَيسَ إذا لَم يَعرِفْ صاحبُ الكتابِ طريقاً في النصوصِ لهذه الأحكامِ لَم يَعرِفْ ذلكَ غيرُه. و قد بيّنّا في «جوابِ أهلِ المَوصِلِ » الكلامَ (8)في هذا المَوضِعِ بِاستقصاءٍ شَديدٍ، و كَشَفنا عن بُطلانِ ادّعائهم إجماعَ الصَّحابةِ علَى القولِ بالاجتهادِ مِن وجوهٍ شتّىٰ (9).

فأمّا دَعواه علىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ أنّه لَم يَعرِفِ الحُكمَ في عَقلِ مَوالي صَفيّةَ (10)، حتّىٰ قَطَعَ النزاعَ بَينَه و بَينَ الزُّبَيرِ فيه عُمَرُ بنُ الخَطّابِ (11):


1) . في «ب»: - «فلان يرى القدر و».

2) . في الحجري و المطبوع: - «مقولاً».

3) . في «ب، ج» و الحجري و المطبوع: «و الحدّ».

4) . في «ب»: «و الشركة». و في «ص» و الحجري و المطبوع: «و المشتركة».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «و إن».

6) . في «ب، ص» و حاشية «ج»: «دخل».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «فإنّه».

8) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «الكلام».

9) . تقدّم أنّ الشيخ الطوسي حفظ لنا في كتابه العدّة معظم ألفاظ مسألة القياس من جواب أهل الموصل (الموصليات الأُولىٰ )، فراجع ما أشار إليه المصنّف رحمه اللّٰه في المتن في ذلك الكتاب. عدّة الأصول، ج 2، ص 676.

10) . في «ج»: «صفيّته». و تقدّمت ترجمتها في ج 2، ص 259.

11) . أنساب الأشراف، ج 4، ص 313؛ المصنّف لابن أبي شيبة، ج 6، ص 377، ح 4؛ السنن

فطَريفٌ‌(1)لأنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ لَم يَستَرشِدْ في ذلكَ عُمَرَ بنَ الخَطّابِ‌(2)، بَل كانَ مُصَرِّحاً بما يَعتَقِدُه في هذه القَضيّةِ‌، و إنّما حَكَمَ ابنُ الخَطّابِ‌(3)بينَه

و بَينَ الزُّبَيرِ في ذلكَ لأنّ الأمرَ كانَ في الحالِ (4)إليه، و لَم يُمكِنْه عليه السلامُ دَفعُ قَضيّتِه و إن كانَ لا يَراها صَواباً؛ للأحوالِ الظاهرةِ التي تَمنَعُ (5)مِن ذلكَ ، فكَيفَ يَتحصَّلُ مِن هذا البابِ أنّ بعضَ الأحكامِ ذَهَبَ عليه ؟ و هَل اشتباهُ مِثلُ ذلكَ إلّابُعدٌ عن الصوابِ؟!

فأمّا مُعاذٌ و زَيدٌ: فَلم يَكونا ممّن يَعلَمُ جَميعَ (6)أحكامِ الدينِ فيَصلُحا للإمامةِ ، و إن كانا عالِمَين بالأكثرِ الأظهَرِ. و لَو كانا أيضاً عالِمَين بالجميعِ لَم يَكونا أحَقَّ بالإمامةِ ؛ لفَقدِ باقي(7)شَرائطِ الإمامةِ فيهما. و هذا واضحٌ لِمَن تَدبَّرَه.

الكبرىٰ للبيهقي، ج 8، ص 107، ح 16154؛ معرفة السنن و الآثار، ج 12، ص 155، ح 5193؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 11، ص 14، و ج 12، ص 196 و 202؛ كنزالعمّال، ج 10، ص 334، ح 29692، و ج 11، ص 28-29، ح 30490.


1) . في «د»: «فظريف». و الطريف: العجيب الغريب.

2) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «بن الخطّاب».

3) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «عمر» بدل «ابن الخطّاب».

4) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «في الحال كان».

5) . في «ب، ص»: «تمتنع». و في الحجري: «يمنع».

6) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «جميع».

7) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «باقي».

الطعن الحادي عشر تعطيله الحدَّ عن خالد بن الوليد في قصّة مالك بن نُوَيرة

اشارة

قالَ صاحبُ الكتابِ :

شُبهةٌ أُخرىٰ لهُم(1):

و ذَكَروا قِصّةَ خالدِ بن الوَليدِ في(2)قَتلِ مالكِ بنِ نُوَيرةَ ، و مُضاجَعتِه(3)امرأتَه مِن لَيلتِه، و أنّ أبا بَكرٍ تَرَكَ إقامةَ الحَدِّ عليه، و زَعَمَ أنّه سَيفٌ مِن سُيوفِ اللّٰهِ (4)سَلَّه اللّٰهُ علىٰ أعدائه، مع أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ قد أَوجَبَ القَوَدَ و حَدَّ الزنا(5)عموماً، و أنّ عُمَرَ نَبَّهَه و قالَ له: «اقتُلْه؛ فإنّه قَتَلَ مؤمناً».(6)

ثُمّ قالَ :

الجوابُ عن ذلكَ ما قاله شَيخُنا أبو عليٍّ ، و هو أنّ الرِّدّةَ ظَهَرَت


1) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «شبهةٌ لهم أُخرىٰ ».

2) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «و» بدل «في».

3) . هكذا في «د» و المغني و حاشيتَي «ج، ف». و في سائر النسخ و المطبوع: «و مضاجعة».

4) . في «ج»: + «تعالىٰ ».

5) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «الزُّناة».

6) . تاريخ الطبري، ج 3، ص 277-278؛ تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 131-132؛ إمتاع الأسماع، ج 14، ص 240؛ الردّة، ص 107؛ الفتوح، ج 1، ص 18-21؛ البداية و النهاية، ج 6، ص 321-323.

مِن مالكٍ‌(1)لأنّ في الأخبارِ أنّه رَدَّ صَدَقاتِ قومِه عليهم لمّا بَلَغَهم(2)مَوتُ رَسولِ اللّٰه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، كما فَعَلَه سائرُ أهلِ الرِّدّةِ‌، فاستَحَقَّ القَتلَ‌.

ثُمّ قالَ‌:

فإن قيلَ‌(3): فقَد كانَ يُصَلّي.

قيلَ له: و كذلكَ‌(4)سائرُ أهلِ الرِّدّةِ‌،(5)و إنّما كَفَروا بالامتناعِ مِن الزكاةِ و إسقاطِ وجوبِها، دونَ غيرِه(6).

فإن قيلَ‌: فلِمَ أنكَرَ عليه(7)عُمَرُ؟

قيلَ‌: كانَ أمرُه إلىٰ أبي بَكرٍ، فلا وجهَ لإنكارِ عُمَرَ؛ و قد يَجوزُ أن يَعلَمَ‌(8)مِن حالِه ما يَخفىٰ علىٰ عُمَرَ.

فإن قيلَ : فما(9)معنىٰ ما رُويَ عن أبي بَكرٍ مِن أنّ خالداً تَأوَّلَ فأَخطأَ؟

قيلَ (10): أرادَ تأوَّلَ في عجلتِه عليه بالقَتلِ (11)، و كانَ (12)عندَه الواجبُ أن


1) . في «د» و شرح النهج: + «بن نويرة».

2) . هكذا في «د» و المغني و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «لمّا بلغه».

3) . في شرح النهج: «فإن قال قائل».

4) . هكذا في «د» و شرح النهج. و في سائر النسخ و الحجري: «فكذلك». و في المطبوع: - «و».

5) . من قوله: «فاستحقّ القتل» إلى هنا ساقط من المغني.

6) . في الحجري و المطبوع: «غيرها».

7) . في «ب، ج، ص، ف» و شرح النهج: - «عليه».

8) . في المغني: «أنّه علم». و في حاشيته: «في الأصل: أنّ العلم».

9) . في المطبوع: «ما».

10) . في المطبوع: «بل».

11) . في المغني: «تأوّل من عجلته عليه بالقول».

12) . هكذا في «د» و المغني و التلخيص. و في شرح النهج: «و قد كان». و في سائر النسخ و المطبوع: «فكان».

يَتوقَّفَ للشُّبهةِ [و الاستتابةِ‌](1).

و استَدَلَّ علىٰ رِدّتِه: بأنّ أخاه مُتمِّمَ بنَ نُوَيرةَ‌(2)، لمّا أنشَدَ عُمَرَ مَرثيَتَه(3)أخاه(4)، فقالَ له عُمَرُ: وَدِدتُ‌(5)أنّي(6)أقولُ الشِّعرَ، فأَرثي(7)زَيداً(8)كما رَثَيتَ أخاكَ . فقالَ له مُتمِّمٌ : لَو قُتِلَ أَخي علىٰ مِثلِ ما قُتِلَ عليه أخوكَ لَما رَثَيتُه. فقالَ له عُمَرُ: ما عَزّاني أحَدٌ(9)كتَعزيَتِكَ .(10)فدَلَّ هذا علىٰ أنّه لَم يُقتَلْ علَى الإسلامِ كما قُتِلَ زَيدٌ.


1) . ما بين المعقوفين من المغني؛ لكنّه فيه: «و الاستنابة»، و هو خطأ.

2) . متمِّم بن نويرة بن جمرة بن شدّاد التميمي اليربوعي، أخو مالك بن نويرة، و كان شاعراً، لم يقل أحد مثل شعره في المراثي التي رثىٰ بها أخاه مالكاً، و له مراث حسان، و كان أعور، قيل: إنّه بكى على أخيه حتّى دمعت عينه العوراء. الاستيعاب، ج 4، ص 1455، الرقم 2512؛ أُسد الغابة، ج 4، ص 282، الرقم 4659؛ الإصابة، ج 5، ص 566، الرقم 7733.

3) . في «ف» و المطبوع: «مرثية». نعم ورد في حاشية «ف» ما أثبتناه.

4) . في «ج، ص، ف»: «أخيه». نعم ورد في حاشيتَي «ج، ف» ما أثبتناه.

5) . في المطبوع: «وردت».

6) . في «د»: «أن».

7) . في المطبوع و شرح النهج: + «أخي».

8) . زيد بن الخطّاب بن نفيل بن عبد العزّى القرشي العدوي، أخو عمر بن الخطّاب لأبيه، يكنّى أبا عبد الرحمن، أُمّه أسماء بنت وهب بن حبيب، و أُمّ عمر حنتمة بنت هاشم بن المغيرة المخزومي، كان زيد أسنّ من عمر، و كان من المهاجرين الأوّلين، أسلم قبل عمر، و آخى رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله بينه و بين معن بن عديّ العجلاني، فقتلا باليمامة. و كان زيد طويلاً بائن الطول أسمر، شهد بدراً و أُحداً و الخندق، و شهد بيعة الرضوان بالحديبية، ثمّ قتل باليمامة سنة اثنتي عشرة، و حزن عليه عمر حزناً شديداً. الطبقات الكبرىٰ ، ج 3، ص 287، الرقم 57؛ معجم الصحابة، ج 5، ص 1673، الرقم 252؛ حلية الاولياء، ج 1، ص 367، الرقم 73؛ الاستيعاب، ج 2، ص 550، الرقم 846.

9) . في «ب»: «مثل تعزيتك»، و في شرح النهج: «بمثل تعزيتك»، و في المغني: «بتعزيتك» كلّها بدل «كتعزيتك».

10) . أنساب الأشراف، ج 10، ص 333 و 465؛ فتوح البلدان، ص 104؛ الكامل لابن الأثير، ج 2،

ثُمّ أجابَ عن تَزوُّجِه(1)بِامرأتِه: بأنّه إذا قُتِلَ علَى الرِّدّةِ في دارِ الكُفرِ، جازَ ذلكَ عندَ كَثيرٍ مِن أهلِ العِلمِ‌، و إن كانَ لا يَجوزُ أن يَطأَها إلّابَعدَ الاستبراءِ‌.

و حَكىٰ عن أبي عليٍّ‌:

أنّه إنّما قَتَلَه لأنّه ذَكَرَ النبيَّ‌(2)عليه السلامُ فقالَ‌: «صاحبُكَ‌» و أَوهَمَ‌(3)بذلكَ أنّه لَيسَ بصاحبٍ له، و كانَ عندَه أنّ ذلكَ رِدّةٌ‌، و عَلِمَ عِندَ(4)المُشاهَدةِ المَقصَدَ(5)، و هو أميرُ القومِ‌، فجازَ أن يَقتُلَه؛ و إن كانَ الأَولىٰ أن لا يَستَعجِلَ (6)، و أن يَكشِفَ الأمرَ في رِدّتِه حتّىٰ يَتَّضِحَ ؛ فلهذا لَم يَقتُلْه [أبوبَكرٍ] به.(7)

فأمّا وطؤه لِامرأتِه: فلَم يَثبُتْ عندَه، فلا(8)يَصِحُّ أن يُجعَلَ طَعناً في هذا البابِ .(9)

ص 360؛ البداية و النهاية، ج 6، ص 336؛ طبقات فحول الشعراء، ج 1، ص 208-209، الرقم 271؛ طبقات الشعراء، ص 84؛ الشعر و الشعراء، ج 1، ص 326، الرقم 4140؛ الأغاني، ج 15، ص 205.


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «تزويجه». و في شرح النهج: «تزويج خالد».

2) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «رسول اللّٰه».

3) . في «د» و التلخيص: «فأوهم».

4) . في المغني: «و علم أنّ ».

5) . أي المقصد من قوله: «صاحبك». و في «ب»: «الفصل». و في حاشية «د»: «الفضل».

6) . هكذا في «د» و التلخيص و المغني و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «أن لايعجل».

7) . ما بين المعقوفين من شرح النهج. و في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص: - «به». و في المغني: «و إذا كان كذلك فالواجب علىٰ أبي بكر أن لا يقتله به»

8) . هكذا في «د» و التلخيص و المغني و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «و لا».

9) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 354-355.

في بيان أنّ قتل مالك و عدم الاقتصاص من خالد كان خطأ عظيماً

يُقالُ له: أمّا صَنيعُ‌(1)خالدٍ - في قَتلِ مالكِ بن نُوَيرةَ و استباحةِ مالِه و زوجتِه لنِسبتِه إلىٰ رِدّةٍ‌(2)لَم تَظهَرْ منه(3)، بَل كانَ الظاهرُ خِلافَها مِن الإسلامِ - فعَظيمٌ‌.

و يَجري مَجراه في العِظَمِ تَغافُلُ مَن تَغافَلَ عن أمرِه، و لَم يُقِمْ فيه حُكمَ اللّٰهِ تَعالىٰ‌، و أقَرَّه علَى الخَطإ الذي شَهِدَ(4)هو به علىٰ نفسِه. و يَجري مَجراهما مَن أمكَنَه أن يَعلَمَ الحالَ فأهمَلَها(5)، و لَم يَتصفَّحْ‌(6)ما رُويَ مِن الأخبارِ في هذا البابِ‌(7).

و كَيفَ يَجوزُ عندَ خُصومِنا علىٰ مالكٍ و أصحابِه جَحدُ الزكاةِ مع المُقامِ علَى الصلاةِ و هُما جميعاً في قَرَنٍ‌(8)؟ لأنّ العِلمَ الضروريَّ بأنّهما مِن دينِه عليه السلامُ و شَريعتِه علىٰ حَدٍّ واحدٍ. و هَل نسبةُ مالكٍ إلَى الرِّدّةِ مع ما ذَكرناه إلّاقَدحٌ في الأُصولِ ، و نَقضٌ لِما تَتضمَّنُه(9)مِن أنّ الزكاةَ معلومةٌ (10)ضَرورةً من دينِه عليه


1) . في «ب» و الحجري و المطبوع: «صنع».

2) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «إلى الردّة التي». و في حاشية «د»: + «التي».

3) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: - «منه».

4) . في «ج، ص»: «يشهد».

5) . من قوله: «علىٰ نفسه» إلىٰ هنا ساقط من «ب، د، ص».

6) . في «د»: «و قبل أن يتصفّح». و في التلخيص: «و قبل أن نتصفّح». و في الحجري و المطبوع: «و لم يتفصّح». نعم، نُقل في هامش المطبوع عن نسخةٍ ما أثبتناه.

7) . في شرح النهج: + «و تَعصَّبَ لأسلافه و مذهبه».

8) . القَرَن - بفتحتين -: الحبل يُقرَنُ به البَعيرانِ . و الكلام على الاستعارة. تاج العروس، ج 18، ص 448 (قرن).

9) . هكذا في التلخيص. و في «ب، ص، ف» و الحجري و المطبوع و شرح النهج: «تضمّنته». و في «ج»: «تضمّنه». و في «د»: «يتضمّنه».

10) . في «ب، ج، ص، ف»: - «معلومة». و في الحجري: «علمت».

السلامُ‌(1)؟! و أعجَبُ مِن كُلِّ عَجيبٍ قولُه: «و كذلكَ سائرُ أهلِ الرِّدّةِ‌» يَعني أنّهم كانوا يُصَلّون و يَجحَدونَ الزكاةَ‌! لأنّا قد بيّنّا أنّ ذلكَ مُستَحيلٌ غيرُ مُمكِنٍ‌. و كَيفَ يَصِحُّ ذلكَ؟ و قد رَوىٰ جميعُ أهلِ النقلِ أنّ أبا بَكرٍ(2)وَصَّى الجَيشَ الذينَ أنفَذَهم بأن يؤذِّنوا و يُقيموا؛ فإن أَذَّنَ القومُ الذينَ بِإزائهم و أقاموا(3)كَفّوا(4)عنهم، و إن لَم يَفعَلوا أغاروا(5)عليهم؛(6)فَجَعَلَ أمارةَ الإسلامِ و البَراءةِ مِن الرِّدّةِ الأذانَ و الإقامةَ .

و كَيفَ يُطلِقُ في سائرِ أهلِ الرِّدّة ما يُطِلقُه مِن أنّهم كانوا يُصَلّونَ ، و قد عَلِمنا أنّ أصحابَ مُسَيلِمةَ (7)و طُلَيحةَ (8)و غيرِهما ممّن ادَّعَى النبوّةَ و خَلَعَ الشريعةَ ما كانوا


1) . في «د» و التلخيص: «صلّى اللّٰه عليه و آله».

2) . في المطبوع و شرح النهج: + «لمّا».

3) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و التلخيص: «فإن أذّن القوم بأذانهم و أقاموا». و في المطبوع شرح النهج: «فإن أذّن القوم كأذانهم و إقامتهم».

4) . في المطبوع: «اكفوا».

5) . في «ب»: «جازوا». و في «ص»: «تغاروا».

6) . تاريخ ابن خلدون، ج 2، ص 495-496؛ تاريخ الطبري، ج 3، ص 251؛ إمتاع الأسماع، ج 14، ص 239؛ البداية و النهاية، ج 6، ص 316؛ الكامل لابن الأثير، ج 2، ص 358.

7) . مسيلمة الكذّاب، هو مسيلمة بن حبيب و هو من بني حنيفة، يكنّى أبا ثمامة، و كان في وفدبني حنيفة إلى رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله، ثمّ ارتدّ و تنبّأ بعد رجوعهم و ادّعى أنّه شريك النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله في الرسالة. و قد وضع عن قومه الصلاة و أحلّ لهم الخمر و الزنا، و جعل يسجّع لهم السجعات مضاهاة للقرآن، و كان صاحب نيرنجات و هو أوّل من أدخل البيضة في قارورة، و له عقب، و جمع جموعاً كثيرة من بني حنيفة و غيرهم و قصد قتال الصحابة في إثر وفاة رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله، فجهّز عليهم أبو بكر الجيوش و أميرهم خالد بن الوليد، و ذلك في سنة إحدى عشرة، فقاتلوه، و ظهروا عليه و قتلوه كافراً. راجع: تاريخ الطبري، ج 3، ص 138 و 256-257؛ الفتوح لابن أعثم، ج 1، ص 23-39؛ تهذيب الأسماء، ص 315، الرقم 574.

8) . طليحة بن خويلد الأسدي، ارتدّ بعد النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و ادّعى النبوّة، و كان فارساً

يَرَونَ الصلاةَ و لا شَيئاً(1)ممّا جاءَت به شَريعتُنا؟

و قِصّةُ مالكٍ معروفةٌ عندَ مَن تأمَّلَها مِن أهلِ النقلِ (2)لأنّه كانَ علىٰ صَدَقاتِ قومِه - بَني يَربوعَ - والياً مِن قِبَلِ رسولِ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، فلمّا بَلَغَته وفاةُ رسولِ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه أَمسَكَ عن أَخذِ الصدقةِ مِن قومِه و قالَ لهُم: تَربَّصوا بها حتّىٰ يَقومَ قائمٌ بَعدَ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و نَنظُرَ ما يَكونُ مِن أمرِه. و قد صَرَّحَ بذلكَ في شِعرِه حَيثُ يَقولُ :

و قالَ (3)رِجالٌ : سُدِّدَ اليَومَ مالكٌ *** و قالَ رِجالٌ : مالكٌ لَم يُسدَّدِ

فقُلتُ : دَعوني، لا أباً لأَبيكُمُ *** فلَم أُخطِ(4)رأياً في المَعادِ و لا البَدي(5)

و قُلتُ : «خُذوا أموالَكم» غيرَ خائفٍ *** و لا ناظرٍ فيما يَجيءُ به غَدي(6)

مشهوراً بطلاً، و اجتمع عليه قومه، فخرج إليهم خالد بن الوليد في أصحاب النبي صلّى اللّٰه عليه و آله، فانهزم طليحة و أصحابه، و قتل أكثرهم. و كان خالد قد أرسل لقتاله ثابت بن أقرم و عكاشة بن محصن، فقتل طليحةُ أحدَهما و قتل أخوه الآخرَ، و لمّا انهزم طليحة لحق بنواحي الشام، فأقام عند بني جفنة حتّى توفّي أبو بكر، ثمّ خرج محرماً في خلافة عمر، فقال له عمر: أنت قاتل الرجلين الصالحين. و أسلم طليحة، و له في قتال الفرس في القادسية بلاء حسن. الاستيعاب، ج 2، ص 773، الرقم 1291؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 25، ص 149، الرقم 2992؛ أُسد الغابة، ج 2، ص 477، الرقم 2639.


1) . في «ج، ص»: «و لا سيما». نعم ورد في حاشية «ج» ما أثبتناه.

2) . في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص: - «أهل». و في شرح النهج: «عند من تأمّل كتب السيرو النقل».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «و قالت».

4) . في «د»: «فلم أحط».

5) . هكذا في «د» و التلخيص. و في شرح النهج: «في المُقامِ و لا النَّدِي». و في سائر النسخ و المطبوع: «في المقال و لا اليد».

6) . في «ب»: «عدي». و في «ص» و المطبوع: «عندي».

فدونَكُموها، إنّما هي مالُكُمْ *** مُصَرَّرةً (1)أخلافُها(2)لَم تَجَدَّدِ(3)

سأَجعَلُ نفسي دونَ ما تَحذَرونَهُ *** و أَرهَنُكم(4)- يَوماً بما قُلتُهُ - يَدي

فإن قامَ بالأمرِ المُخوِّفِ (5)قائمٌ *** أَطَعنا و قُلنا: الدينُ دينُ مُحمّدِ(6)

فصَرَّحَ - كما تَرىٰ - أنّه استَبقَى الصدقةَ في أيدي قومِه رِفقاً بِهم و تَقرُّباً إليهم، إلىٰ أن يَقومَ بالأمرِ مَن يَدفَعُ ذلكَ إليه.

و قد رَوىٰ جماعةُ أهلِ السِّيَرِ(7)- و ذَكره الطبَريُّ في تأريخِه(8)-: أنّ مالكاً نَهىٰ قومَه عن الاجتماعِ علىٰ مَنعِ الصدَقةِ‌(9)و فَرَّقَهم، و قالَ‌: يا بَني يَربوعَ‌، إنّا كُنّا قد عَصَينا أُمَراءَنا إذ(10)دَعَونا إلىٰ هذا الدينِ‌، و بَطّأنا الناسَ عنه، فلَم نُفلِحْ و لَم نُنجِحْ‌(11)و إنّي قد نَظَرتُ في هذا الأمرِ، فوَجَدتُ الأمرَ(12)يَتأتّىٰ لهُم(13)بغَيرِ سياسةٍ‌، و إذا أمرٌ


1) . في «ب، د»: «مضرّرة». و في التلخيص: «مصدّرة». و في شرح النهج: «مصوّرة». و صَرَّ الناقةَ و نَحوَها، و بها: شَدَّ ضَرعَها بالصِّرار لئلّا يَرضَعَها ولدُها. لسان العرب، ج 4، ص 451 (صرر).

2) . الأخلاف: جمع الخِلْف؛ و هو - هنا -: ضَرْع الناقة. لسان العرب، ج 9، ص 92 (خلف).

3) . تَجدَّد الضرعُ : ذهب لبنُه. لسان العرب، ج 3، ص 110 (جدد).

4) . رَهَنَ فلاناً، و عند فلانٍ ، الشيءَ : حَبَسَه عندَه بدَينٍ . راجع: المصباح المنير، ص 242 (رهن).

5) . هكذا في «د» و التلخيص. و في شرح النهج: «المجدّد». و في سائر النسخ و المطبوع: «المحدّث».

6) . الردّة، ص 104-105؛ الأنوار و محاسن الأشعار، ص 69؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 17، ص 205؛ أعيان الشيعة، ج 1، ص 433.

7) . الفتوح، ج 1، ص 19؛ إمتاع الأسماع، ج 14، ص 239؛ الكامل لابن الأثير، ج 2، ص 358؛ نهاية الأرب، ج 19، ص 83.

8) . تاريخ الطبري، ج 3، ص 277.

9) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «الصدقات».

10) . في المطبوع: «إذا».

11) . في «ب، د»: «فلم يفلح و لم ينجح». و في «ص»: «فلم يفلح و لم تنجح».

12) . في «ج»: - «فوجدت الأمر».

13) . في «ص» و شرح النهج و حاشية «ج»: «لهؤلاء القوم» بدل «لهم».

لا يَسوسُه الناسُ‌؛ فإيّاكم و مُناوأةَ‌(1)قومٍ يُصنَعُ لهُم(2)، فتَفرَّقوا إلىٰ ديارِكم، و ادخُلوا

في هذا الأمرِ. فتَفَرَّقوا(3)علىٰ ذلكَ إلىٰ أَمواهِهم(4)، و رَجَعَ مالكٌ إلىٰ مَنزِلِه.

فلمّا قَدِمَ خالدٌ البِطاحَ بَثَّ السَّرايا، و أمَرَهم بداعيةِ الإسلامِ و أن يأتوه بكُلِّ مَن لَم يُجِبْ‌، و إنِ امتَنَعَ أن يَقتُلوه، فجاءته الخَيلُ بمالكِ بنِ نُوَيرةَ في نَفَرٍ مِن بَني يَربوعَ‌، و اختَلَفَت السَّريّةُ فيهم، و فيهم أبو قَتادةَ الحارِثُ‌(5)بنُ رِبْعيٍّ‌(6)، و كانَ فيمن شَهِدَ أنّهم قد أَذَّنوا و أقاموا و صَلَّوا، فلمّا اختَلَفوا فيهم أمَرَ بهم خالدٌ فحُبِسوا، و كانَت ليلةً باردةً لا يَقومُ لها شَيءٌ ، فأمَرَ خالدٌ(7)مُنادياً فنادىٰ : «أَدفِئوا(8)أَسراكم(9)»


1) . هكذا في «د». و في التلخيص: «و مباراة». و في سائر النسخ و المطبوع: «و معاداة».

2) . صَنَعَ له، أو إليه، معروفاً: أَسداه. و يُصنَعُ لهم: يُتقرَّبُ إليهم بفعل المعروف. راجع: لسان العرب، ج 8، ص 212 (صنع).

3) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «إلىٰ دياركم، و ادخلوا في هذا الأمر. فتفرّقوا».

4) . هكذا في «د» و حاشية «ف». و في «ب، ف» و الحجري و المطبوع و التلخيص و شرح النهج: «أموالهم». و في «ج، ص»: «أهوائهم». و الأمواه: جمع الماء. المصباح المنير، ص 586 (موه).

5) . هكذا في «ج» و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «الحرث».

6) . الحارث بن ربعيّ بن بِلدِمة بن خُناس الأنصاري الخزرجي السلمي، أبو قتادة الأنصاري، فارس رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله، شهد أُحداً و ما بعدها من المشاهد، و عاش إلى خلافة أمير المؤمنين عليه السلام و حضر معه قتال الخوارج بالنهروان و ورد المدائن في صحبته. قيل: توفّي أبو قتادة بالمدينة سنة أربع و خمسين، و قيل: توفّي بالكوفة في خلافة أمير المؤمنين عليه السلام، و هو الذي صلّى عليه. الطبقات الكبرىٰ ، ج 6، ص 94، الرقم 1831؛ معرفة الصحابة، ج 2، ص 66، الرقم 616؛ تاريخ بغداد، ج 1، ص 170، الرقم 10؛ الاستيعاب، ج 1، ص 289، الرقم 402؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 67، ص 151، الرقم 8773؛ أُسد الغابة، ج 5، ص 250، الرقم 6166.

7) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: + «بن الوليد».

8) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «ادفنوا».

9) . في «ج، ص، ف» و الحجري و المطبوع و شرح النهج: «أُسَراءَكم».

فظَنّوا أنّه أمَرَهم بقَتلِهم؛ لأنّ هذه اللفظةَ في لُغةِ كِنانةَ تُستَعمَلُ في الأمرِ بالقتلِ (1)، فقَتَلَ ضِرارُ بنُ (2)الأزوَرِ(3)مالكاً، و تَزوَّجَ خالدٌ زَوجتَه أُمَّ تَميمٍ بنتَ المِنهالِ .(4)

و في خبرٍ آخَرَ: إنّ السريّةَ التي بَعَثَها(5)خالدٌ لمّا غَشيَت القومَ تَحتَ الليلِ راعُوهم(6)، فأخَذَ القومُ السلاحَ‌، قالَ‌: فقُلنا: إنّا المُسلِمونَ‌(7)، فقالوا: و نَحنُ‌

المُسلِمونَ‌، قُلنا: فما بالُ السلاحِ؟ قالوا لنا(8): فما بالُ السلاحِ معكم ؟ قُلنا: فضَعوا


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «لأنّ هذه اللفظة تستعمل في لغة كنانة للقتل».

2) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و حاشية «د»: + «الخطّاب بن». و في الحجري: + «الخطّاب». و في المطبوع: + «الحارث».

3) . في «ب، ف»: «الأرور». و في «ج، ص» و الحجري: «الأروز». و هو ضرار بن الأزور، و اسم الأزور مالك بن أوس بن جذيمة، يكنّى أبا الأزور، كان فارساً شجاعاً شاعراً، و لمّا قدم على رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله كان له ألف بعير برعاتها، و أرسله رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله إلى بني الصيداء من بني أسد و إلى بني الديل، و شهد قتال مسيلمة باليمامة و أبلى فيه بلاء عظيماً حتّى قطعت ساقاه جميعاً، فجعل يحبو على ركبتيه و يقاتل و تطؤه الخيل حتّى غلبه الموت، و قيل: توفّي بالكوفة في خلافة عمر. الطبقات الكبرىٰ ، ج 6، ص 112، الرقم 1896؛ معرفة الصحابة، ج 3، ص 61، الرقم 1500؛ الاستيعاب، ج 2، ص 746، الرقم 1254؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 24، ص 378، الرقم 2931؛ أُسد الغابة، ج 2، ص 434، الرقم 2560.

4) . أُمّ تميم بنت المنهال، اسمها ليلى، و كانت من أشهر نساء العرب بالجمال، يقال: إنّه لم يُرَ أجمل من عينيها و لا ساقيها. النصّ و الاجتهاد، ص 138.

5) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و شرح النهج: «بعث بها». و في الحجري و المطبوع: «بعث فيها».

6) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في «ب»: «دعوهم». و في «ج، ص، ف»: «داعوهم». و في الحجري و المطبوع و حاشية «ف»: «له راعوهم».

7) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في «ب»: «للمسلمون». و في سائر النسخ و المطبوع: «لمسلمون».

8) . في شرح النهج: - «فما بال السلاح ؟ قالوا لنا».

السلاحَ‌. فلمّا وَضَعوا رُبِطوا أُسارىٰ‌، و أَتَوا بِهم خالداً(1)، فحدَّثَ أبو قَتادةَ خالدَ بنَ الوَليدِ بأنّ القومَ نادَوا بالإسلامِ‌، و أنّ لهُم أماناً؛ فلَم يَلتَفِتْ خالدٌ إلىٰ قولِه، و أمَرَ بقَتلِهم و قَسْمِ سَبيِّهم؛ فحَلَفَ أبو قَتادةَ أن لا يَسيرَ تَحتَ لِواءِ خالدٍ في جَيشٍ أبَداً، و رَكِبَ فَرَسَه شادّاً(2)إلىٰ أبي بَكرٍ و خَبَّرَه بالقِصّةِ‌، و قالَ‌(3)له: إنّي نَهَيتُ خالداً عن قَتلِه، فلَم يَقبَلْ قولي، و أخَذَ بشَهادةِ الأعرابِ الذينَ فَتَنَتهم(4)الغَنائمُ‌.

و إنّ عُمَرَ لمّا سَمِعَ ذلكَ تَكلَّمَ فيه عندَ أبي بَكرٍ، فأكثَرَ(5)و قالَ‌: إنّ القِصاصَ قد وَجَبَ عليه. و لمّا(6)أقبَلَ خالدُ بنُ الوَليدِ قافِلاً(7)دَخَلَ المَسجِدَ و عليه قَباءٌ له عليه صَدأُ الحَديدِ، مُعتَجِراً(8)بعِمامةٍ له قد غَرَزَ في عِمامتِه أَسهُماً(9)فلمّا أن دَخَلَ المَسجِدَ قامَ إليه عُمَرُ، فانتَزَعَ الأَسهُمَ مِن رأسِه(10)فحَطَّمَها، ثُمّ قالَ‌: يا عُدَيَّ‌(11)نفسِه،


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في شرح النهج: «فأتوا بهم خالداً». و في سائر النسخ و المطبوع: «فأتوا بهم خالد بن الوليد».

2) . هكذا في النسخ. و الشَّدُّ: العَدْو. يقال: شَدَّ في العَدْوِ شَدّاً: أسرَعَ و عَدا. راجع: لسان العرب، ج 3، ص 234 (شدد). و في التلخيص و شرح النهج: «و ركب فرسه شاذّاً». و في الحجري و المطبوع: «فركب فرسه شاذّاً». و «شاذّاً» أي مفرداً.

3) . في «ج»: «فقال».

4) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «غرضهم».

5) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «و أكثر».

6) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «فلمّا».

7) . قَفَلَ‌، يَقفِلُ ، قُفولاً مِن السفر و نحوِه: رَجَعَ . راجع: تاج العروس، ج 15، ص 623 (قفل).

8) . اعتَجَرَ فلانٌ بالعِمامةِ : لَفَّها علىٰ رأسِه و رَدَّ طرفَها علىٰ وجهِه. راجع: المصباح المنير، ص 393 (عجر).

9) . في الحجري و المطبوع: «سهماً».

10) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «فنزع الأسهم عن رأسه».

11) . في التلخيص: «يا عدوّ». و في شرح النهج: «فا عدوّ». و «عُدَيّ » تصغير «عدوّ».

أ عَدَوتَ علَى امرئٍ مُسلِمٍ فقَتَلتَه، ثُمّ نَزَوتَ علَى امرأتِه‌؟! وَ اللّٰهِ لَنَرجُمَنَّكَ‌(1)بأحجارِكَ‌. و خالدٌ لا يُكلِّمُه و لا يَظُنُّ إلّاأنّ رأيَ أبي بَكرٍ مِثلُ رأيِ عُمَرَ فيه، حتّىٰ دَخَلَ علىٰ‌(2)أبي بَكرٍ، و اعتَذَرَ إليه، فعَذَرَه و تَجاوَزَ عنه؛ فخَرَجَ خالدٌ و عُمَرُ جالسٌ في المَسجِدِ، فقالَ‌: هَلُمَّ إلَيَّ‌(3)يا بنَ أُمِّ شَملةَ .(4)فَعرَفَ عُمَرُ أنّ أبا بَكرٍ قد رَضيَ عنه، فلَم يُكلِّمْه(5)، و دَخَلَ بيتَه(6).

و قد رُويَ أيضاً: أنّ عُمَرَ لمّا وَلِيَ جَمَعَ مَن بَقِيَ‌(7)مِن عَشيرةِ مالكِ بنِ نُوَيرةَ‌، و استَرجَعَ ما وُجِدَ عندَ المُسلِمينَ مِن أموالِهم و أولادِهم و نِسائهم، فرَدَّ ذلكَ جَميعاً عليهم مع نَصيبيّةٍ‌(8)

معجم البلدان، ج 5، ص 288؛ الوافي بالوفيات، ج 19، ص 186.

و في الحجري و المطبوع: + «الذي» و لم ترد هذه الكلمة في النسخ و لا في التلخيص و شرح النهج. و في التلخيص: + «ما».

كانَ منهم(9). و قيلَ‌: إنّه ارتَجَعَ بعضَ نِسائهم مِن نَواحي

1) . في الحجري و المطبوع و التلخيص: «لأرجمنّك».

2) . في «ب، ج، ص، ف» و شرح النهج: «إلىٰ‌».

3) . في الحجري و المطبوع و التلخيص: - «إليّ‌».

4) . في «ج، ص»: «سلمة». و قال العلّامة المجلسيّ‌: «الشَّملةُ : كساءٌ يُشتَمَل به؛ كأنّه عيَّرَ عمَرَ بأنّ أمّه كانت تلبسه لفقرها. و «أمُّ شملةَ »: كنيةٌ للدنيا، و للخمر أيضاً؛ فلعلّه عيّره بهما. و على الأخيرين يحتمل أن يكون خطاباً لنفسه بإقبال الدنيا عليه، و حصول سكر الدولة له». بحار الأنوار، ج 30، ص 477. و راجع: تاج العروس، ج 14، ص 392؛ القاموس المحيط، ج 3، ص 552 (شمل).

5) . في «د»: «أنّ أبا بكر رضي عنه و لم يكلّمه».

6) . تاريخ الطبري، ج 3، ص 280؛ البداية و النهاية، ج 6، ص 323؛ تاريخ خليفة، ص 53.

7) . في «ب، ج، ص، ف» و شرح النهج: - «من بقي». و في التلخيص: «من كان».

8) . هكذا في «د» دون تنقيط الياءين. و في سائر النسخ و المطبوع: «نصيبه». و النَّصيبيّة نسبةً إليٰنَصيبينَ ، و هي مدينةٌ عامرة من بلاد الجزيرة، علىٰ جادّة القوافل من الموصل إلى الشام. و فيها يقول البَبَّغاء الشاعر: نصيبيّةٌ عَمْريّةٌ كاد كرّمُها * بجوهرِها يَنْهلُّ قَبلَ نباتِهِ .

9) . هكذا في «د» و التلخيص و شرح النهج. و في سائر النسخ و المطبوع: «فيهم».

دِمَشقَ - و بعضُهنَّ حَواملُ - فرَدَّهنَّ علىٰ أزواجِهنَّ .(1)

فالأمرُ ظاهرٌ في خَطإِ خالدٍ و خَطإ مَن تَجاوَزَ عنه.

بطلان ما ذكره القاضي دفاعاً عن أبي بكر و خالد

و قولُ صاحبِ الكتابِ : «إنّه يَجوزُ أن يَخفىٰ علىٰ عُمَرَ ما يَظهَرُ لأبي بَكرٍ» لَيسَ بشَيءٍ ؛ لأنّ الأمرَ في قِصّةِ خالدٍ لَم يَكُن مُشتَبِهاً، بَل كانَ مُشاهَداً معلوماً لكُلِّ مَن حَضَرَه. و تأوُّلُه في القَتلِ - إن كانَ تأوَّلَ - لا يَعذِرُه؛ و ما رأَيناه حَكَمَ فيه بحُكمِ المُتأوِّلِ و لا غيرِه، و لا تَلافىٰ خَطأَه و لا(2)زَلَلَه. و كَونُه سَيفاً مِن سُيوفِ اللّٰهِ - علىٰ ما ادَّعاه - لا يُسقِطُ عنه الأحكامَ و يُبرِّئُه مِن الآثامِ .

فأمّا قولُ مُتمِّمٍ‌: «لَو قُتِلَ أَخي علىٰ [مِثلِ ](3)ما قُتِلَ عليه أخوكَ لَما(4)رَثَيتُه» فإنّه لا يَدُلُّ علىٰ أنّه كانَ مُرتَدّاً؛ و كَيفَ يَظُنُّ عاقلٌ أنّ مُتمِّماً يَعتَرِفُ (5)برِدّةِ أخيه و هو يُطالِبُ أبا بَكرٍ بدَمِه و الاقتصاصِ مِن قاتلِه و رَدِّ سَبيِّه ؟! و إنّما(6)أرادَ في الجُملةِ التقرُّبَ إلىٰ عُمَرَ بتقريظِ(7)أخيه.

ثُمّ لَو كانَ ظاهرُ هذا(8)القولِ كما ظَنَّه،(9)لَكانَ إنّما يُفيدُ تفضيلَ زَيدٍ و قَتلِه(10)علىٰ


1) . راجع: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 17، ص 207؛ بحار الأنوار، ج 30، ص 478، كلاهما عن الشافي.

2) . في المطبوع و شرح النهج: - «لا».

3) . ما بين المعقوفين من المغني.

4) . في «ج، ص»: «ما».

5) . في الحجري و المطبوع: «اعترف».

6) . في «ج، ص»: «فإنّما». و في شرح النهج: «و أنّه».

7) . في «د، ص» و التلخيص: «بتفريط».

8) . في «د»: «هذه».

9) . في «ج، ص» و شرح النهج: «كباطنه».

10) . هكذا في «د». و في «ب، ف» و الحجري و المطبوع و التلخيص: «زيد و قتلته». و في «ج»: «قتل زيد». و في «ص»: «قتلته زيد». و في شرح النهج: «قتلة زيد».

قَتْلةِ (1)مالكٍ ، و الحالُ في ذلكَ أظهَرُ؛ لأنّ زَيداً قُتِلَ في بَعثِ المُسلِمينَ ذابّاً عن وجوهِهم، و مالكٌ قُتِلَ علىٰ شُبهةٍ ؛ و بَينَ الأمرَينِ فَرقٌ .

فأمّا قولُه(2)في النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه: «صاحبُكَ‌» فقَد(3)قال أهلُ العِلمِ‌: إنّه أرادَ القُرَشيّةَ ؛ لأنّ خالداً قُرَشيٌّ .

و بَعدُ، فلَيسَ في ظاهرِ إضافتِه إليه دَلالةٌ (4)علىٰ نفيِه له عن نفسِه؛ و لَو كانَ عَلِمَ مِن مَقصَدِه الاستخفافَ و الإهانةَ - علىٰ ما ادَّعاه صاحبُ الكتابِ - لَوَجَبَ أن يَعتَذِرَ بذلكَ خالدٌ عندَ أبي بَكرٍ و عُمَرَ، و يَعتَذِرَ به أبو بَكرٍ له لمّا طالَبَه عُمَرُ بقَتلِه؛ فإنّ عُمَرَ ما كانَ يَمتَنِعُ مِن قَتلِ قادحٍ في نُبوّةِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه. و إن كانَ الأمرُ علىٰ ذلكَ ، فأيُّ معنىً لقَولِ أبي بَكرٍ: «تأوَّلَ فأخطأَ»؟ و إنّما تأوَّلَ فأصابَ إن كانَ الأمرُ علىٰ ما ذَكَرَه.


1) . في «ج، ص»: «قتل».

2) . أي قول مالك لخالد.

3) . في «د»: - «فقد».

4) . في الحجري و المطبوع: «دلالته».

الطعن الثاني عشر التَّسَمّي باسم «خليفة رسول اللّٰه»

قالَ صاحبُ الكتابِ :

شُبهةٌ أُخرىٰ لهُم(1):

قالوا: لِمَ تُسَمّىٰ‌(2)ب‍ «خَليفةِ رسولِ اللّٰهِ‌»، مع أنّه لَم يَستَخلِفْه [و لا استَخلَفَ واحداً، و هذا كَذِبٌ في أمرِه]؟

ثُمَّ شَرَعَ في الجوابِ عن ذلكَ‌.(3)

و هذا ممّا لا نَقولُه إذا سَلَّمنا لهُم صِحّةَ الاختيارِ؛ لأنّه قد يَجوزُ - إذا صَحَّ الاختيارُ - أن يأمُرَ بالاستخلافِ كما يَجوزُ أن يَستَخلِفَ هو. و إنّما يَطعَنُ بذلكَ مِن أصحابِنا مَن لَم يُسلِّمْ أنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(4)استَخلَفَه، و لا أمَرَ أحداً باستخلافِه، علىٰ جُملةٍ و لا تفصيلٍ‌. و إذا أُورِدَ(5)الكلامُ‌(6)هذا المَورِدَ، عادَ إلَى الاختيارِ و صِحّتِه، و قد(7)مَضىٰ ما في ذلكَ‌.(8)


1) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «شبهة لهم أُخرىٰ‌».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «ثمّ‌» بدل «لِمَ‌». و في المغني: - «لِمَ ». و في «د، ص»: «يسمّىٰ »، و في المطبوع: «سُمّيَ » بدل «تسمّى».

3) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 355-356. و ما بين المعقوفين من المصدر.

4) . في «د»: «عليه السلام».

5) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «إذا ورد».

6) . في «ج»: + «علىٰ ».

7) . في «د»: «فقد».

8) . تقدّم في ج 3، ص 425-431.

الطعن الثالث عشر دفنُ أبي بكر و عمر مع الرسول صلى الله عليه و آله في بيته

اشارة

قالَ صاحبُ الكتابِ :

شُبهةٌ أُخرىٰ لهُم(1):

قالوا: و ممّا يؤثَرُ في حالِه(2)و حالِ عُمَرَ دَفنُهما مع الرسولِ عليه السلامُ‌(3)في بَيتِه، و قد مَنَعَ اللّٰهُ تَعالَى الكُلَّ‌(4)مِن ذلكَ في حالِ حياتِه - فكَيفَ بَعدَ المَماتِ‌! - بقَولِه تَعالىٰ‌: (لاٰ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلّاٰ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ‌).(5)

و أجابَ عن ذلكَ‌: بأنّ‌(6)المَوضِعَ كانَ مِلكاً لعائشةَ‌، و هي حُجرتُها التي كانَت معروفةً بها؛ قالَ‌:

و قد بيّنّا أنّ هذه الحُجَرَ(7)كانَت أملاكاً لنِساءِ الرسولِ عليه السلامُ‌، و أنّ


1) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «شبهة لهم أُخرىٰ ».

2) . في «د»: «حالته».

3) . في «ب، د» و الحجريّ و المطبوع و التلخيص و شرح النهج: «صلّى اللّٰه عليه و آله». و في المغني: - «عليه السلام». و شبيه هذا الاختلاف يأتي فيما بعد.

4) . في المطبوع: «لكلّ ».

5) . الأحزاب (33):53.

6) . في «ج، ص»: «أنّ ».

7) . في «ب، د، ص»: «الحجرة».

القُرآنَ يَنطِقُ‌(1)بذلكَ [في قولِه تَعالىٰ‌: (وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ‌)].(2)

و ذَكَرَ أنّ عُمَرَ استأذَنَ عائشةَ في أن يُدفَنَ في ذلكَ المَوضِعِ‌، حتّىٰ قالَ‌: «إن لَم تأذَنْ فادفِنوني في البَقيعِ‌». [قال:]

و علىٰ هذا الوجهِ يُحمَلُ ما رُويَ عن الحَسَنِ عليه السلامُ‌: أنّه لمّا ماتَ أَوصىٰ أن يُدفَنَ إلىٰ جَنبِ رسولِ اللّٰهِ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، فإن لَم يُترَكْ ففي البَقيعِ‌؛ فلمّا كانَ مِن مَروانَ و سَعيدِ بنِ العاصِ [مِن المَنعِ‌](3)ما كانَ دُفِنَ بالبقيعِ‌. و إنّما أَوصىٰ بذلكَ‌(4)بإذنِ عائشةَ‌، و يَجوزُ أن يَكونَ عَلِمَ مِن عائشةَ أنّها جَعَلَت المَوضِعَ في حُكمِ الوقفِ‌، فاستَباحوا(5)ذلكَ لهذا الوجهِ‌.

قالَ‌:

و في دَفنِه عليه السلامُ في ذلكَ المَوضِعِ (6)ما يَدُلُّ علىٰ فَضلِ أبي بَكرٍ؛ لأنّه عليه السلامُ (7)لمّا ماتَ اختَلَفوا في مَوضِعِ دَفنِه، و كَثُرَ القولُ (8)، حتّىٰ رَوىٰ أبو بَكرٍ(9)عن رسولِ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه أنّه قالَ ما يَدُلُّ علىٰ


1) . في «د»: «نطق». و في التلخيص: «ناطق».

2) . الأحزاب (33):33. و ما بين المعقوفين من شرح النهج.

3) . ما بين المعقوفين من المغني.

4) . في التلخيص: «وصّى بذلك». و في المغني: «وصّى ذلك».

5) . في المغني: «فاستأجرا».

6) . في الحجري و المطبوع: - «الموضع».

7) . من قوله: «في ذلك الموضع» إلى هنا ساقط من «ب، د، ص».

8) . في التلخيص و المغني: + «فيه».

9) . في «ب، د، ص» و التلخيص و المغني: - «أبو بكر».

أنَّ الأنبياءَ إذا ماتوا دُفِنوا حَيثُ (1)ماتوا، فزالَ الخِلافُ في ذلكَ .(2)

الدليل علىٰ أنّ أمر الشيخين بأن يُدفنا عند الرسول صلى الله عليه و آله خطأٌ علىٰ كلّ حال

يُقالُ له: لَيسَ يَخلو مَوضِعُ قَبرِ النبيِّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه مِن أن يَكونَ باقياً علىٰ مِلكِه عليه السلامُ‌، أو يَكونَ انتَقَلَ في حياتِه إلىٰ عائشةَ علىٰ ما ادَّعاه.

فإن كانَ الأوّلَ‌، لَم يَخلُ مِن أن يَكونَ ميراثاً بَعدهَ‌، أو صَدَقةً‌.

فإن كانَ ميراثاً، فما كانَ يَحِلُّ لأبي بَكرٍ و عُمَرَ(3)مِن بَعدِه أن يأمُرا بدَفنِهما فيه إلّا بَعدَ إرضاءِ الوَرَثةِ الذينَ هُم علىٰ مَذهبِنا فاطمةُ عليها السلامُ و جَماعةُ الأزواجِ‌، و علىٰ مَذهبِهم هؤلاءِ و(4)العبّاسُ رَضيَ اللّٰهُ عنه؛(5)و لَم نَجِدْ أحداً(6)منهما خاطَبَ أحَداً مِن هؤلاءِ الوَرَثةِ علَى ابتياعِ هذا المكانِ‌، و لا استَنزَلَه(7)عنه بثَمَنٍ و لا غيرِه.

و إن كانَ صَدَقةً‌، فقَد كانَ يَجِبُ أن يُرضيَ عنه جَماعةَ المُسلِمينَ و يَبتاعَه(8)منهم؛ هذا إن جازَ الابتياعُ لِما يَجري هذا المَجرىٰ .

و إن كانَ انتَقَلَ (9)في حياتِه، فقَد كانَ (10)يَجِبُ أن يَظهَرَ سببُ انتقالِه و الحُجّةُ


1) . في المغني: «حيثما».

2) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 356-357.

3) . في المطبوع و التلخيص و شرح النهج: «و لا لعمر».

4) . في «ب، د، ص»: - «هؤلاء و».

5) . هذا بناء على إرث العصبة كما عليه العامّة. و في الحجري و المطبوع و شرح النهج: - «رضي اللّٰه عنه».

6) . في «ج» و حاشية «ف» و المطبوع و شرح النهج: «واحداً».

7) . في «د»: «و لا استنقله». و في التلخيص: «و لا استنزاله». و استَنزَلَ فلاناً عن حقّه أو رأيه: طلب نزوله عنه. راجع: لسان العرب، ج 11، ص 656 (نزل).

8) . في الحجريّ و المطبوع: «و ابتياعه».

9) . في «ب، د»: «النقل».

10) . في «ب، د»: - «كان».

فيه؛ فإنّ فاطمةَ عليها السلامُ لَم يُقنَعْ (1)منها في انتقالِ فَدَكَ إلىٰ مِلكِها بقَولِها و لا شَهادةِ (2)مَن شَهِدَ لها.

بطلان ما استدلّ به القاضي علىٰ أنّ بيوت أزواج الرسول كانت ملكاً لهنّ

فأمّا تَعلُّقُه بإضافةِ البيوتِ إلىٰ مِلكِهنَّ بقَولِه تَعالىٰ‌: (وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ‌) فمِن

ضَعيفِ الشُّبهةِ‌؛ لأنّا قد بيّنّا - فيما مَضىٰ مِن الكتابِ - أنّ هذه الإضافةَ لا تَقتَضي المِلكَ‌، و إنّما تَقتَضي السُّكنىٰ‌(3). و العادةُ في استعمالِ هذه اللفظةِ فيما ذَكرناه ظاهرةٌ‌؛ قالَ اللّٰهُ تَعالىٰ‌: (لاٰ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَ لاٰ يَخْرُجْنَ إِلّاٰ أَنْ يَأْتِينَ بِفٰاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ‌)(4)و لَم يُرِدْ تَعالىٰ إلّاحَيثُ يَسكُنَّ و يَنزِلنَ‌، دونَ حَيثُ يَملِكنَ‌، بِلا شُبهةٍ‌.(5)

و أَطرَفُ‌(6)مِن كُلِّ شَيءٍ تَقَّدمَ‌: قولُه: «إنّ الحَسَنَ عليه السلامُ استأذَنَ عائشةَ في أن يُدفَنَ في البَيتِ‌، حتّىٰ مَنَعَه مَروانُ و سَعيدُ بنُ العاصِ‌»؛ لأنّ هذه مُكابَرةٌ منه ظاهرةٌ‌!! فإنّ المانعَ للحَسَنِ مِن ذلكَ لَم يَكُن إلّاعائشةَ (7)، و لَعَلَّ مَن


1) . في «ب، ج، د، ص»: «لم تقنع».

2) . في التلخيص و شرح النهج: «و لا بشهادة».

3) . تقدّم في ص 411-412.

4) . الطلاق (65):1.

5) . في التلخيص و شرح النهج: «و ما أشبهه» بدل «بلا شبهة». و قال ابن أبي الحديد: «فأمّا احتجاج قاضي القضاة بقوله: (وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ) فاعتراض المرتضى عليه قويّ ؛ لأنّ هذه الإضافة تقتضي التخصيص فقط لا التمليك، كما قال: (لاٰ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ )...». شرح نهج البلاغة، ج 17، ص 218.

6) . في «ب، د» و شرح النهج: «و أظرف».

7) . راجع: تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 225؛ مقاتل الطالبيّين، ص 81-82؛ الفتوح، ج 4، ص 319-320؛ المناقب و المثالب، ص 284-287؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 13، ص 289، الرقم 1383؛ الكامل لابن الأثير، ج 3، ص 460؛ تاريخ الإسلام، ج 4، ص 40؛ الاستيعاب، ج 1،

ذَكَرَه(1)مِن مَروانَ و غيرِه(2)أعانَها، و اتَّبَعَ في ذلكَ أمرَها. و رُويَ أنّها خَرَجَت في ذلكَ اليَومِ علىٰ بَغلٍ‌، حتّىٰ قالَ ابنُ عبّاسٍ‌: «يَوماً علىٰ بَغلٍ‌، و يَوماً علىٰ جَمَلٍ‌».(3)

فكَيفَ (4)تأذَنُ عائشةُ في ذلكَ و هي(5)مالِكةٌ للمَوضِعِ علىٰ قولِهم، و يَمنَعُ منه مَروانُ و غيرُه ممّن لا مِلكَ له في المَوضِعِ ، و لا شَرِكةَ و لا يَدَ؟! و هذا مِن قَبيحِ ما يُرتَكَبُ .

نفي فضيلة أبي بكر لنقله رواية موضع دفن الرسول صلى الله عليه و آله

و أيُّ فَضلٍ لأبي بَكرٍ في روايتِه عن النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه حَديثَ الدفنِ و عملَهم بقَولِه، إن صَحَّ؟ فمِن مَذهبِ صاحبِ الكتابِ و أصحابِه العملُ بخبرِ الواحدِ العَدلِ في أحكامِ الدينِ العظيمةِ‌، فكَيفَ لا يُعمَلُ بقَولِ أبي بَكرٍ في الدفنِ و هُم يَعمَلونَ بقَولِ مَن هو دونَه فيما هو أعظَمُ مِن ذلكَ؟

و هذا بَيِّنٌ‌.

ص 391-392، الرقم 555؛ أُسد الغابة، ج 1، ص 492، الرقم 1165؛ الخرائج و الجرائح، ج 1، ص 242؛ الطبقات الكبرىٰ‌، ج 1، ص 356؛ تذكرة الخواصّ ، ص 193؛ أنساب الأشراف، ج 3، ص 60-61.


1) . في «ب، د، ص» و الحجري و المطبوع: «ذكر».

2) . في المطبوع و شرح النهج: «من مروان و سعيد و غيرهما».

3) . الإرشاد، ج 2، ص 18؛ الكافي، ج 2، ص 51، ح 784/3 (ج 1، ص 303، ح 3، ط. الإسلاميّة)؛ روضة الواعظين، ج 1، ص 383؛ إعلام الورىٰ ، ج 1، ص 415؛ الخرائج و الجرائح، ج 1، ص 243؛ تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 225؛ مقاتل الطالبيّين، ص 82؛ أنساب الأشراف، ج 3، ص 60-61؛ الطبقات الكبرىٰ ، ج 1، ص 356؛ تذكرة الخواصّ ، ص 193.

4) . في التلخيص: «و كيف».

5) . هكذا في التلخيص و شرح النهج. و في النسخ و الحجري: - «في ذلك». و في المطبوع: «هي في ذلك».

فهرس المطالب

7. فصل في اعتراض كلامه فيما يجب أن يكون الإمام عليه من الصفات... 7

مقدّمة في صفات الإمام... 9

بيان قصور كلام القاضي عن إثبات عدالة الإمام... 10

بيان حدود فسق الإمام عند مَن يجوّز ذلك... 12

إمكان تعلُّق إمامة الصلاة بحقوق الغير، كما في إمامة المسلمين... 13

عدم ائتمان من كان مُظهراً للعدالة و يجوز أن يكون مُبطناً للفسق... 13

عدم جواز أن يُقدم الإمام علىٰ ما يوجب الحدّ... 15

عدم إجماع الصحابة علىٰ وجوب خلع كلّ إمام عاصٍ ... 15

بيان معاني «الباغي»، و كيفيّة ردعه عن بغيه... 17

عدم وجوب عزل الأمير لاعتقاده بما تدخل فيه الشبهة... 18

عدم اقتضاء كلامِ القاضي القطعَ علىٰ فساد إمامة غير العادل... 18

جواز تساوي الإمام و الشاهد في تجويز الفسق الراجع إلى التأويل... 20

تجويز اختيار غير الفاضل للإمامة في بعض الأحوال، وفقاً لبعض المباني... 21

تجويز وعظ الإمام و نصحه، وفقاً لبعض المباني... 22

تجويز إمامة من يعتقد اعتقاداً فاسداً بالتأويل، وفقاً لبعض المباني... 23

8. فصل في اعتراض ما أورده من الكلام في القدر الذي يختصّ به الإمام من العلم... 25

بيان حدود علم الإمام، و نفيُ علمه بالغيب... 28

بيان حدود علم الحاكم... 30

نفي وجوب علم الإمام بالقِيَم و الصناعات... 30

تجويز رجوع الإمام و الحاكم إلىٰ أهل الفتيا، و ذلك من باب الإلزام... 33

التفريق بين مقامَي الحكم و الفتيا وفقاً لمباني القاضي... 35

منع إمامة المفضول في العلم... 35

الفرق بين علم الإمام و الأمير... 36

بيان أنّ الإمام حجّة في الشرع كالرسول... 37

نفي حاجة الإمام في العلم بالشريعة إلىٰ غيره... 40

وجوب حصول الشيء إذا كانت الحاجة إليه واجبة و كان المحتاج مُزاحَ العلّة... 40

9. فصل في اعتراض كلامه في الأفضَل... 43

بطلان الاستدلال بقول أبي عبيدة يوم السقيفة علىٰ عدم اشتراط...... 45

نفي وجود فتن متخوَّف منها، دعت إلى المبادرة لبيعة...... 48

مناقشة الصفحات التي ادُّعي أنّ المفضول يُقدَّم على الفاضل لأجلها... 51

اشتراط الفضل في الإمامة ابتداءً و استمراراً... 55

وجوب تقديم الفضل المقطوع على المظنون... 57

10. فصل في اعتراضِ كلامِه في أنّ الأئمّةَ مِن قُرَيشٍ ... 59

بحوث حول خبر: «الأئمّة من قريش»... 62

البحث الأوّل: نفي احتجاج أبي بكر في السقيفة بخبر: «الأئمّة من قريش»... 63

خبر السقيفة برواية الطبري... 63

أُمورٌ مُهِمّةٌ مُستَفادةٌ مِن قِصّةِ السَّقيفةِ ... 76

روايات أُخرىٰ لخبر السقيفة عن طريق الطبري و غيره... 77

البحث الثاني: مناقشة في صحّة خبر: «الأئمّة من قريش»... 80

البحث الثالث: مناقشة في دلالة خبر: «الأئمّة من قريش»... 82

مناقشة خبر: «إنّ هذا الأمر لا يصلح إلّافي هذا الحيّ من قريش»... 84

تمنّي عمر منح الخلافة لسالم، مع أنّه ليس من قريش... 84

بطلان الاستدلال بالإجماع علىٰ حصر الإمامة في قريش... 89

11. فصل في الاعتراض علىٰ كلامه في هل يجوز العدول عن قريش في...... 93

القول بجواز نصب غير القرشيّ للإمامة عند خلوّ قريش ممّن يصلح لها...... 95

بطلان قياس الإمامة على الإمارة من حيث جواز تولّي غير القرشي... 100

إجماع القائلين بالنصّ و غير القائلين به علىٰ لزوم تجدّد أمرٍ، حتّىٰ يصبح...... 103

12. فصل في الكلام علىٰ ما اعتمد عليه في عدد العاقدين للإمامة... 105

نفي إجماع القائلين بالاختيار علىٰ عدد معيّن من العاقدين... 109

مناقشة دعوى الإجماع علىٰ بيعة أبي بكر، و أنّها تمّت ببيعة خمسة أشخاص... 110

الاستدلال بشورى الستّة علىٰ كفاية بيعة خمسة لسادس، و بطلانه... 114

ثبوت إمامة عمر بمجرّد عقد أبي بكر له، من دون الحاجة إلىٰ ...... 118

13. فصل في اعتراض كلامه في إمامة أبي بكر... 125

بيانٌ إجمالي لصحّة طريقة النصّ و بطلان الاختيار... 134

بحثان حول الإجماع علىٰ إمامة أبي بكر... 135

البحث الأوّل: ظهور مخالفة الصحابة لإمامة أبي بكر، و استمرارها... 135

البحث الثاني: نفي كون ارتفاع النكير ناشئاً عن الرضا... 151

مناقشة ما ذكره القاضي حول مخالفة سعد بن عُبادة لإمامة أبي بكر... 153

نفي كون ارتفاع خلاف مَن خالف في إمامة أبي بكر ناشئاً عن الرضا...... 163

بيان أنّ مضمون إكراه أمير المؤمنين عليه السلام على البيعة متواتر و...... 175

بيان أنّ بيعة أمير المؤمنين عليه السلام كانت عن تقيّة أو خوف من فساد أعظم... 176

إبطال ما ذكره القاضي من أسباب تأخّر أمير المؤمنين عليه السلام عن البيعة... 182

إبطال ما استدلّ به القاضي علىٰ رضا أمير المؤمنين عليه السلام ببيعة أبي بكر... 186

بيان أنّ المعتبر في البيعة هو الرضا و التسليم دون الصفقة باليد... 188

بيان الفرق بين الخوف أيّام أبي بكر و الخوف أيّام يزيد... 189

نفي دلالة عَرض العبّاس و أبي سفيان البيعة، علىٰ بطلان النصّ ... 190

بطلان الأحاديث الدالّة علىٰ مدح أمير المؤمنين عليه السلام للمتقدّمين عليه... 191

كلامٌ حول تقيّة أمير المؤمنين عليه السلام... 192

نفي دلالة بيعة أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام لأبي بكر و كلامهم و...... 203

النقض على القاضي فيما نقله من وجوه لإبطال الإجماع علىٰ إمامة معاوية... 207

مناقشة ما رَدَّ به القاضي حصولَ الإجماع علىٰ قتل عثمان... 211

مناقشة ما تأوّله القاضي لإثبات رضا أمير المؤمنين عليه السلام بإمامة المتقدّمين عليه... 215

مناقشة وجوه أُخرى ادُّعي أنّها تدلّ علىٰ رضا أمير المؤمنين عليه السلام...... 218

14. فصل في تتبّع كلامه في الردّ علىٰ من طعن في الاختيار... 227

بيان مختصر لما تقدّم من أدلّة وجوب النصّ و بطلان الاختيار... 229

دليل آخر علىٰ بطلان الاختيار: اختلاف العاقدين للإمامة... 232

15. فصل في اعتراض كلامه في أنّ أبا بكر يصلح للإمامة... 235

بيان الأدلّة علىٰ عدم صلاح أبي بكر للإمامة... 238

مناقشة ما استدلّ به القاضي علىٰ إيمان أبي بكر... 240

مناقشة بقيّة ما استدلّ به القاضي و غيرُه علىٰ إيمان أبي بكر...... 251

مناقشة الاستدلال ببعض الآيات علىٰ إيمان جميع الصحابة بما...... 252

مناقشة الاستدلال علىٰ إيمان جميع أزواج النبيّ صلى الله عليه و آله... 258

بيان أسبقيّة أمير المؤمنين عليه السلام إلى الإسلام، و نفي أسبقيّة أبي بكر إلىٰ ذلك... 259

مناقشة دعوىٰ مواساة أبي بكر النبيَّ صلى الله عليه و آله بمالِه و نفسه... 262

مناقشة مصاحبة أبي بكر للنبيّ صلى الله عليه و آله في الغار و الهجرة... 268

بيان الوجه في حضور أبي بكر في العريش... 272

بيان الوجه في استشارة النبيّ صلى الله عليه و آله أصحابَه... 274

نفي إِمارة أبي بكر علىٰ موسم الحجّ بعد عزله عن أداء سورة براءة... 274

بطلان تشبيه أبي بكر ببعض الملائكة و الأنبياء... 276

بطلان خبر العشرة المبشَّرين بالجنّة... 277

مناقشة الاستدلال بآية المخلّفين علىٰ ايمان أبي بكر و صلاحه للإمامة... 287

و لنا في الكلامِ علىٰ هذه الآيةِ وجهانِ :... 288

بيان الأدلّة علىٰ كفر محاربي أمير المؤمنين عليه السلام... 294

مناقشة الاستدلال بآية: (مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ‌...)... 298

مناقشة الاستدلال بآية: (وَعَدَ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ‌...)... 302

مناقشة الاستدلال بآية: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ...)... 306

مناقشة جواز وجود نصّ لم ينقله أحد علىٰ ولدٍ غير معروف للرسول صلى الله عليه و آله... 309

مناقشة الاستدلال بكون الأُمّةِ أُمّةً وسطاً... 311

مناقشة الاستدلال بآية: (وَ السّٰابِقُونَ الْأَوَّلُونَ ...)... 311

مناقشة الاستدلال بآية: (لاٰ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ ...)... 316

مناقشة الاستدلال بآية: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّٰهِ ...)... 316

مناقشة خبر «خير الناس قرني...»... 320

16. فصل في تتبّع كلامه على الطاعن علىٰ أبي بكر و ما أجاب به عن مطاعنهم... 323

الطعن الأوّل: منع ميراث النبيّ صلى الله عليه و آله... 325

مقدّمة في أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله يورَث المالَ ... 334

الدليل الأوّل: وراثة زكريّا... 334

الدليل الثاني: وراثة سليمان لداود 8...339

الدليل الثالث: عموم آيات الإرث... 339

عودة إلىٰ مناقشة القاضي... 340

مناقشة خبر: «نحن معاشر الأنبياء لانورَث»... 340

في بيان غضب فاطمة الزهراء عليها السلام و سخطها علىٰ منعها إرثها من...... 344

خطبة الزهراء عليها السلام... 345

نفي جواز أن لا يبيّن الرسول صلى الله عليه و آله لورثته أنّه لا حقّ لهم في ميراثه، و...... 362

دلالة إطلاق لفظ «الميراث» علىٰ ميراث الأموال... 363

بطلان ما استدلّ به القاضي علىٰ أنّ سليمان ورث العلم دون المال... 363

جواز اهتمام الأنبياء: بالأموال... 365

بيان انصراف خوف الأنبياء: إلى الخوف من مَضارّ الدين دون الدنيا... 365

بيان أنّ وَلَد زكريّا يرث من آل يعقوب أموالَهم... 367

تحقيق معنىٰ : «ما تركناه صدقة»... 368

حقيقة دفع سيف رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و بغلته و عمامته و...... 370

إبطال أن يكون سببُ مطالبة أزواج النبيّ صلى الله عليه و آله و غيرهنّ بالميراث...... 372

بيان الوجه في ترك الأُمّة النكيرَ علىٰ أبي بكر لمنعه فاطمة عليها السلام ميراثها... 373

مقطع مطوّل من كتاب العبّاسيّة للجاحظ... 373

الطعن الثاني: غصب فدك... 386

في بيان أنّ فاطمة عليها السلام كانت مُصيبة في ادّعائها فدك... 395

1.

الاستدلال بعصمتها... 395

2.

الاستدلال بالعلم بصدقها... 397

الاستدلال علىٰ أنّ مثل فاطمة عليها السلام لا يحتاج فيما يدّعيه إلىٰ شهادة و لا بيّنة... 397

إشارة إلىٰ قبول أبي بكر تسليم فدك لفاطمة عليها السلام، و منع عمر من ذلك... 399

في بيان أنّ فدك كانت في يد فاطمة عليها السلام... 402

الوجه في ترك أمير المؤمنين عليه السلام فدك عند إفضاء الأمر إليه... 411

نفي أن تكون حُجَر أزواج النبي صلى الله عليه و آله ملكاً لهنّ ... 411

بحث حول تقيّة الإمام... 412

الطعن الثالث: وصيّةُ فاطمة عليها السلام أن لا يصلّي عليها الشيخان، و أن تُدفن سرّاً، و...... 423

في بيان أنّ أمير المؤمنين عليه السلام هو الذي صلّىٰ علىٰ فاطمة عليها السلام ليلاً... 428

في بيان وجه الاحتجاج بدفن فاطمة عليها السلام ليلاً... 431

في بيان الموقف الحقيقي للإمام جعفر الصادق عليه السلام و آبائه عليهم السلام من الشيخين... 433

رفضُ روايات الغلاة، و البراءةُ منهم... 435

الإجماع علىٰ صحّة حديث أنّ غضب فاطمة عليها السلام كغضب رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله... 438

في بيان عدم توقّف دلالة الأدلّة علىٰ إيمان جميع الناس بمدلولها... 439

نفي وجود أيّ عذر لمن هَدَّد بإحراق بيت فاطمة عليها السلام... 440

الطعن الرابع: كلام أبي بكر في حقّ نفسه، الدالّ علىٰ عدم صلاحه للإمامة... 442

دلالة قول أبي بكر: «وليتكم و لست بخيركم...» علىٰ عدم صلاحه للإمامة... 444

في بيان تنزيه الأنبياء عن غواية الشيطان... 445

في بيان معنى استقالة أبي بكر للبيعة... 447

الطعن الخامس: وصف عمر بيعة أبي بكر بأنّها فلتة... 448

نفي العلم الضروري بموافقة عمر لأبي بكر في الباطن... 451

في بيان معنى الفلتة... 471

الطعن السادس: شكّ أبي بكر في صحّة بيعته... 474

في بيان شكّ أبي بكر في صحّة بيعته، و بطلان ما أجاب به القاضي عن ذلك... 477

الطعن السابع: تولية عمر، خلافاً لرسول اللّٰه صلى الله عليه و آله... 480

في بيان أنّ ترك تولية شخص يكشف عن عدم أهليّته للولاية مطلقاً... 482

في بيان تولية الرسول صلى الله عليه و آله أمير المؤمنين عليه السلام في حياته لأعظم الولايات... 484

مناقشة ما استدلّ به القاضي علىٰ صلاح عمر للولاية... 485

الطعن الثامن: تخلّف أبي بكر عن جيش أُسامة... 488

في بيان دخول أبي بكر في جيش أُسامة... 494

دلالة الأمر بتنفيذ جيش أُسامة على الفور... 495

شمول الأمر بتنفيذ الجيش لأبي بكر... 496

عدم دلالة عموم الأمر بتنفيذ الجيش علىٰ أنّ الإمام غير منصوص عليه... 497

عدم اشتراط امتثال أمر الرسول صلى الله عليه و آله بوجود المصلحة... 497

عدم دلالة أمر أبي بكر بالصلاة علىٰ عدم كونه في الجيش... 498

نفي أن يكون أمر الرسول صلى الله عليه و آله بالحروب عن اجتهاد دون وحي... 499

إبطال باقي استدلالات و إلزامات القاضي فيما يتعلّق بجيش أُسامة... 500

الطعن التاسع: عدم تولية أبي بكر من قِبَل رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، و...... 504

في بيان استغناء رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله عن المشاورين... 507

كلام حول تولِّي أبي بكر لموسم الحجّ ... 509

في بيان عدم متابعة الرسول صلى الله عليه و آله لعادات الجاهليّة... 510

صلاة أبي بكر و مقارنتها مع ما قيل من صلاة الرسول صلى الله عليه و آله خلف...... 511

في بيان حقيقة تسليم سورة براءة لأبي بكر ثمّ أخذها منه، و...... 512

الطعن العاشر: جهلُ أبي بكر بمسألة الكَلالة و ميراث الجدّة و...... 514

وجوب علم الإمام بجميع أحكام الدين... 516

إبطال القول بالرأي، و بطلان دعوىٰ عمل أمير المؤمنين عليه السلام به... 517

الطعن الحادي عشر: تعطيله الحدَّ عن خالد بن الوليد في قصّة مالك بن نويرة... 521

في بيان أنّ قتل مالك و عدم الاقتصاص من خالد كان خطأ عظيماً... 525

بطلان ما ذكره القاضي دفاعاً عن أبي بكر و خالد... 533

الطعن الثاني عشر: التَّسَمّي باسم «خليفة رسول اللّٰه»... 535

الطعن الثالث عشر: دفنُ أبي بكر و عمر مع الرسول صلى الله عليه و آله في بيته... 536

الدليل علىٰ أنّ أمر الشيخين بأن يُدفنا عند الرسول صلى الله عليه و آله خطأٌ علىٰ كلّ حال... 538

بطلان ما استدلّ به القاضي علىٰ أنّ بيوت أزواج الرسول كانت ملكاً لهنّ ... 539

نفي فضيلة أبي بكر لنقله رواية موضع دفن الرسول صلى الله عليه و آله... 540