الشافی فی الإمامة المجلد 3

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

سرشناسه:سیدمرتضی، علی‌بن حسین، 355 - 436 ق.

Sharīf al-Murtaḍá, ʻAlam al-Hudá ʻAlī ibn al-Ḥusayn,

عنوان و نام پديدآور:الشافی فی‌الامامه/للشریف المرتضی علی‌بن الحسین الموسوی، علم‌الهدی؛ تحقیق محمدحسین الدرایتی؛ تهیه‌کننده مرکز همایش‌های علمی و پژوهش‌های آزاد دارالحدیث.

مشخصات نشر:مشهد: بنیاد پژوهشهای اسلامی، 1441ق. = 1398 .

مشخصات ظاهری:5ج.

فروست:الموتمر لدولی لذکری‌الفیه‌الشریف‌المرتضی. مولفات‌الشریف‌المرتضی؛ 13، 14، 15، 16، 17.

شابک:دوره:978-600-06-0405-9 ؛ 710000 ریال: ج.1:978-600-06-0406-6 ؛ 700000 ریال: ج.2‌978-600-060407-3 : ؛ 700000 ریال: ج.3‌978-600-060408-0 : ؛ 720000 ریال: ج.4‌978-600-060409-7 : ؛ 760000 ریال: ج.5‌978-600-060410-3 :

وضعیت فهرست نویسی:فاپا

يادداشت:عربی.

يادداشت:چاپ قبلی: تهران: موسسه الصادق، 1410ق.= 1370-

موضوع:علی‌بن ابی‌طالب (ع)، امام اول، 23 قبل از هجرت - 40ق -- اثبات خلافت

موضوع:Ali ibn Abi-talib, Imam I, 600-661 -- *Proof of caliphate

موضوع:امامت

Imamate

شناسه افزوده:درایتی، محمدحسین، 1343 -

شناسه افزوده:بنیاد پژوهشهای اسلامی

شناسه افزوده:Islamic Research foundation

شناسه افزوده:موسسه علمی فرهنگی دارالحدیث. مرکز همایش‌های علمی و پژوهش‌های آزاد

رده بندی کنگره:BP223

رده بندی دیویی:297/45

شماره کتابشناسی ملی:5946228

اطلاعات رکورد کتابشناسی:فاپا

محرر رقمی: میثم حیدری

اشارة

بسم الله الرحمن الرحيم

الشافی فی‌الامامه

للشریف المرتضی علی‌بن الحسین الموسوی، علم‌الهدی

تحقیق محمدحسین الدرایتی

تهیه‌کننده مرکز همایش‌های علمی و پژوهش‌های آزاد دارالحدیث.

بنیاد پژوهشهای اسلامی، 1441ق. = 1398 .

الفهرس الإجمالي

تتمّة 6. فصل في إبطال ما دفع به ثبوت النصّ و ورود السمع به... 7

الكلام في صحّة نقل النصّ عن طريق أمير المؤمنين عليه السلام علىٰ إمامة نفسه... 9

الكلام في تواتر النصوص التي ينقلها الشيعة و دلالتها... 23

مناقَشةُ دَعوَى الإجماعِ علىٰ إمامةِ أبي بَكرٍ... 38

الكلام في الأدلّة الدالّة علىٰ إمامة أمير المؤمنين عليه السلام... 47

الدليل الأوّل و الثاني و الثالث: دليل العصمة، و الأفضليّة، و المطاعن... 49

الدليل الرابع: آية الولاية... 65

الدليل الخامس: آية (وَ إِنْ تَظٰاهَرٰا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللّٰهَ هُوَ مَوْلاٰهُ ...)... 116

الدليل السادس: آية المُباهَلة... 124

الدليل السابع: آية (أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ )... 131

الدليل الثامن: حديثُ الغَديرِ... 133

الدليلُ التاسعِ : حديث المنزلة... 247

الدليل العاشر: استخلافُ الرسولِ صلى الله عليه و آله عليّاً عليه السلام علَى المَدينةِ ... 366

الدليل الحادي عشر: حديث: «أنتَ أخي، و وَصيّي، و...... 375

الدليل الثاني عشر: حديث المؤاخاة... 384

الدليل الثالث عشر و الرابع عشر: حَديثُ الرايةِ ، و حَديثُ الطائرِ... 392

الدليل الخامس عشر: مجموعة من الأحاديث... 400

الدليل السادس عشر: حَديثُ الثقَلَينِ ... 457

الدليل السابع عشر: آيةُ التطهيرِ... 480

الدليل الثامن عشر: آية: (لاٰ يَنٰالُ عَهْدِي الظّٰالِمِينَ )... 488

إثبات إمامة الأئمّة الاثني عشر... 497

تتمّة 6. فصل في إبطال ما دفع به ثبوت النصّ و ورود السمع به

اشارة

الكلام في صحّة نقل النصّ عن طريق أمير المؤمنين عليه السلام علىٰ إمامة نفسه

اشارة

قالَ صاحبُ الكتابِ :

و قد ذَكرَ بعضُ الإماميّةِ في كتابِه: أنّ الذي يدُلُّ علَى النصِّ‌(1)أنّ الشيعةَ بأجمَعِها علَى اختلافِها رَوَت كُلٌّ عن كُلٍّ عن عليٍّ‌(2)عليه السلامُ أنّ رسولَ اللّٰهِ صَلّى اللّٰهُ عليه و سَلَّمَ‌(3)استَخلَفَه، و أَوصىٰ إليه، و فرَضَ طاعتَه، و أقامَه مَقامَه لأُمّتِه. و لا يَجوزُ أن يَتعمَّدَ الكَذِبَ في ذلكَ‌، و لا يَجوزُ علَى الشيعةِ‌(4)أن يَتَواطَؤوا علَى الكَذِبِ‌؛ فيَجِبُ بذلك إثباتُ النصِّ‌.

قالَ‌:

و هذا القولُ (5)أبعَدُ ممّا تَقدَّمَ ؛ لأنّ الذي رَوَوهُ (6)عن عليٍّ عليه السلامُ


1) . في «ج، ص، ط، ف» و حاشية «د»: + «صحيح».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «عن أمير المؤمنين». و في حاشية «د»: «عن عليّ أمير المؤمنين».

3) . هكذا في المغني. و في النسخ و المطبوع: «و آله» بدل «و سلّم».

4) . في المطبوع و الحجري و المغني: «في الشيعة».

5) . في المطبوع و الحجري و المغني: - «القول».

6) . في «د» و المطبوع و الحجري و المغني: «رواه».

فيه تَنازُعٌ‌، و كُلُّ الطوائفِ المُخالِفةِ له تَروي(1)عنه الرضا ببَيعةِ‌(2)مَن تَقدَّمَه، و أنّه(3)كانَ يَمدَحُهم، و يَظهَرُ عنه الاعترافُ بإمامتِهم(4)، و أنّه لَم يَدَّعِ لنفسِه الإمامةَ إلّاعندَ البَيعةِ‌(5)، و أنّه في المَواقفِ المشهورةِ كانَ يَتعلَّقُ بذِكرِ البَيعةِ دونَ النصِّ ، حتّىٰ قالَ لطَلحةَ و الزُّبَيرِ: «بايَعتُماني ثُمّ نَكَثتُما بَيعَتي» إلىٰ غيرِ ذلكَ ممّا يُروىٰ عنه. فلَيسَ هذا المُستدِلُّ بأن يُصحِّحَ إمامتَه بما ادَّعاه(6)أَولىٰ ممّن رَدَّ(7)ذلكَ لِما نقَلَه مَن خالَفَه. و كما لا يَجوزُ التواطؤُ علَى الشيعةِ ، فكذلكَ علىٰ مَن خالَفَهم.

و لا يَجوزُ أن يَتعلَّقوا بحَديثِ التقيّةِ ؛ لِما قَدَّمنا ذِكرَه، و لأنّ تَجويزَ التقيّةِ مع السلامةِ يطرِّقُ (8)عليهم تجويزَ إظهارِ الشيءِ و المُرادُ خِلافُه،

و متَى ادَّعَوا الاضطرارَ(9)في الذي نَقَلوه عن أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ كَلَّمناهم(10)بما تَقدَّمَ في ادّعاءِ الاضطرارِ إلىٰ نصِّ الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه.(11)


1) . في «د» و الحجري: «يروي».

2) . في «ج، ف»: «ببيعته».

3) . في المغني: «فإنّه».

4) . في المغني: + «و ما يجري مجراه».

5) . في المغني: + «و ما يجري مجراه».

6) . في المغني: + «عنه».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «يردّ».

8) . في «ج، ص، ط، ف»: «تطرّق».

9) . في المغني: «و مثل دعوى الاضطرار» بدل «و متى ادّعوا الاضطرار».

10) . في المغني: «كذّبناهم».

11) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 125-126.

استدلال الشيعة بالنصّ المرويّ عن الرسول صلى الله عليه و آله

يُقالُ له: المعروفُ مِن احتجاجِ الشيعةِ في صحّةِ النصِّ‌(1)هو ما نَرويهِ‌(2)عن الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه مِن الأقوالِ الدالّةِ بصَريحِها أو بمَعناها على النصِّ‌، و إن كانَت الأخبارُ متظاهِرةً عن أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ و أولادِه و شيعتِه و أوليائه - رَحِمَهم اللّٰهُ - بذِكرِ النصِّ‌، و التصريحِ باستحقاقِه عليه السلامُ الإمرةَ‌(3)، و التظلُّمِ (4)مِن القومِ علىٰ وجهٍ يدُلُّ علىٰ وجوبِ الأمرِ له و كَونِه حَقّاً مِن حقوقِه. و الرواياتُ التي أشَرنا إليها(5)مشهورةٌ في الشيعةِ ، تُغنينا شُهرتُها عن التكثيرِ بذِكرِها.

فأمّا طَعنُه بوقوعِ التنازُعِ فيما رَوَيناه: فالتنازُعُ لَيسَ بمُبطِلٍ لحَقٍّ ، و لا ارتفاعُه مصحِّحاً لباطلٍ .

عدم دلالة سلوك أمير المؤمنين عليه السلام مع القوم علىٰ رضاه بإمامتهم

و ما رَواه المخالِفونَ مِن الرضا بالبَيعةِ ، إنّما معتَمَدُهم فيه علَى الإمساكِ عن النَّكيرِ و الكَفِّ عن المحارَبةِ و البَراءةِ (6). و كُلُّ ذلك لا يدُلُّ علَى الرضا، إلّابَعدَ أن يُعلَمَ أنّه لا وجهَ له إلّاالرضا(7). هذا مع التجويزِ لصَرفِه إلىٰ غيرِ جهةِ الرضا، فلا دَلالةَ فيه.

و ما يُدَّعىٰ مِن المَدحِ للقومِ و الاعترافِ بإمامتِهم غيرُ ظاهرٍ كظهورِ ما تَقدَّمَ ،


1) . في «ج، ص، ط، ف»: «من الاحتجاج في النصّ ».

2) . في المطبوع و الحجري: «ما ترويه».

3) . في المطبوع و الحجري: «للإمرة».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «و أنّه ظلم». و في حاشية «د»: «و أنّه قد ظلم».

5) . في الحجري: - «إليها».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: - «و البراءة».

7) . لم يرد في «ج، ص، ط، ف» قوله: «إلّا بعد أن يعلم أنّه لا وجه له إلّاالرضا».

و لا مُسلَّمٍ‌. و لَو ثبَتَ لَم يَكُن فيه دَلالةٌ‌؛ لِما ذَكَرناه آنِفاً مِن جَوازِ صَرفِه إلىٰ غيرِ جهةِ الموالاةِ و التعظيمِ في الحقيقةِ‌، كما لَم يَكُن في إظهارِ الحَسَنِ بنِ عليٍّ عليه

السلامُ - بَعدَ تسليمِه الأمرَ إلىٰ مُعاويةَ و صُلحِه(1)و الاعترافِ بإمامتِه و مُخاطَبتِه بإمرةِ المؤمِنينَ - مِن دَلالةٍ علىٰ وَلايةٍ باطنةٍ‌، و اعترافٍ‌(2)بإمامةٍ حقيقةً‌. و سائرُ الصالِحينَ و المُحِقّينَ في دُوَلِ الظالِمينَ هذه حالُهم في أنّهم يُظهِرون تَقيّةً و خَوفاً الاعترافَ بما يُبطِنونَ إنكارَه.

و بإزاءِ‌(3)ما يَرويه المخالِفونَ و يَعتقِدونَ أنّه دالٌّ علَى الرضا و التسليمِ - و إن كُنّا قد بيّنّا أنّه لَيسَ بدالٍّ‌(4)عليهما(5)- ما تَرويه(6)الشيعةُ مِن جَهرِه عليه السلامُ بالتظلُّمِ و الإنكارِ ظاهِراً و باطِناً علىٰ وجهٍ لا يُمكِنُ أن يَجعَلَ فيه مُحتَمَلاً.

و لا شكَّ في أنّه عليه السلامُ لَم يَدَّعِ الإمامةَ ظاهراً إلّاعندَ البَيعةِ ، غيرَ أنّ ذلكَ لَم يَنفِ أن يَكونَ عليه السلامُ ادَّعاها علىٰ خِلافِ هذا الوجهِ ، و نقَلَ ما سَمِعَ منه مِن أوليائه مَن تَقومُ (7)الحُجّةُ بنَقلِه.

علّة احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام علىٰ طلحة و الزبير بنكث البيعة دون النصّ

فأمّا احتجاجُه عليه السلامُ علىٰ طَلحةَ و الزُّبَيرِ بالنكثِ ، دونَ النصِّ : فلأنّهما كانا معترِفَينِ بالبَيعةِ و جاحِدَين للنصِّ ، فاحتَجَّ عليه السلامُ عليهما بما هُما معترِفانِ به.


1) . في «د، ط»: «و مدحه».

2) . في «ج»: «و الاعتراف».

3) . في «ج، ص»: «و يعارض».

4) . في المطبوع و الحجري: «ليس يدلّ ».

5) . في «ج، ط، ف»: «عليها».

6) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «ما يرويه».

7) . في «د، ص، ط» و المطبوع و الحجري: «يقوم».

و لأنّ في الاحتجاجِ بالنصِّ تنفيراً للجُمهورِ مِن أصحابِه و أعوانِه علىٰ قِتالِ الرَّجُلَينِ ؛ لأنّ مِن المعلومِ تَوَلّي هؤلاءِ القومِ للمتقدِّمينَ عليه، و أنّهم كانوا يَعتقِدونَ صحّةَ إمامتِهم، و لَيسَ يَجوزُ أن يُقابَلوا بما يَطعَنُ (1)عليهم و يُفسِدُ إمامتَهم.

عدم دلالة ما نقله المخالفون علىٰ عدم النصّ

فأمّا كَونُ مخالِفي الشيعةِ ممّن لا يَجوزُ عليه التواطؤُ كالشيعةِ‌: فممّا لا يَضُرُّنا؛ لأنّهم لَم يَعتقِدوا نفيَ النصِّ مِن طريقِ الروايةِ‌؛ لأنّ ما لَم يَكُن لا يُروىٰ نفيُه، و إنّما اعتَقَدوا ذلكَ لشُبُهاتٍ‌(2)دخَلَت عليهم في طُرُقِ‌(3)الاستدلالِ ، و(4)بألفاظٍ رَوَوها، و أفعالٍ تَعلَّقوا بها، و ظَنّوا أنّها تدُلُّ علىٰ نفيِ النصِّ . و(5)نحنُ نوافِقُهم علىٰ وقوعِها و صحّتِها أو صحّةِ أكثَرِها، و نخالِفُهم فيما تَوهَّموه مِن دَلالتِها علىٰ نفيِ النصِّ ، و نَحمِلُ كُلَّ ما تَعلَّقوا بظاهرِه مِن قَولٍ أو فِعلٍ علَى التقيّةِ .

فأمّا نفيُ التقيّةِ‌ و قولُه: «إنّ تجويزَها مع السلامةِ يُطرِّقُ كَذا و كَذا» فهو صحيحٌ‌، و يَبقىٰ‌(6)أن يُثبِتَ السلامةَ ، و لَو ثَبَتَت(7)له لَصَحَّ (8)كلامُه، غيرَ أنّ دونَ ثُبوتِها خَرطُ القَتادِ.

و قد تَقدَّمَ أنّا لا نَدَّعي(9)الاضطرارَ في ثُبوتِ النصِّ المنقولِ عن الرسولِ عليه


1) . في «د، ط»: + «به».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «و إنّها اعتقدوه بشبهات».

3) . في «ج، ط»: «طريق».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: - «و».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: - «و».

6) . في «ج، ص، ف»: «و بقي». و في «د، ط»: «و نفي».

7) . في «د، ص» و المطبوع و الحجري: «و لو تثبت».

8) . في «ج»: «يصحّ ».

9) . في «ج، ص، ط، ف»: + «علم».

السلامُ .(1)و هذا(2)حُكمُ ما يُنقَلُ عن أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ عندَنا في أنّه معلومٌ ثُبوتُه(3)بالاستدلالِ .

قالَ صاحبُ الكتابِ :

علىٰ أنّه يُقالُ لهم(4): لا يَجوزُ أن يَكونَ الدليلُ علىٰ إمامتِه قولَه و دَعواه، و إنّما تثبُتُ‌(5)عصمتُه متىٰ حصَلَ إماماً، و ذلكَ يوجِبُ أنّه لا بُدَّ مِن الرجوعِ إلىٰ أمرٍ سِوىٰ قولِه.

و لا بُدَّ مِن ذلكَ بوجهٍ‌(6)آخَرَ(7)لأنّه لا يَصيرُ إماماً إلّابنَصِّ الرسولِ‌، و لا يَجوزُ في ذلكَ النصِّ أن يَعلَمَه هو دونَ غيرِه؛ لأنّ ذلكَ يؤدّي إلىٰ أنّه عليه السلامُ لَم يُقِمْ دَلالةَ النصِّ كما يَجِبُ‌.

فيُقالُ له عند ذلكَ‌: فيَجِبُ أن تَذكُرَ تلكَ الدَّلالةَ‌، و تَعدِلَ عن التعلُّقِ بقَولِ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ . و إذا وَجَبَ أن يُرجَعَ (8)إلىٰ تلكَ الدَّلالةِ ، فإن كانَت ضَرورةً فقَد قُلنا فيها ما وجَبَ ، و إن كانَت دَلالةً مِن جهةِ الاكتسابِ فسنَذكُرُ القَولَ فيه مِن بَعدُ.(9)


1) . تقدّم في ج 2، ص 313-314.

2) . في المطبوع و الحجري: «و هكذا».

3) . في المطبوع و الحجري: «بثبوته».

4) . هكذا في المطبوع و المغني. و في النسخ و الحجري: «يقال له».

5) . في «ف» و الحجري: «يثبت». و في «ص، ط»: «ثبت».

6) . في المغني: «لوجه».

7) . في «ج، ص، ف»: «و لا بدّ لذلك من وجه آخر».

8) . في «ج، ص» و المغني: «أن ترجع». و في «ط»: «أن نرجع».

9) . في المغني: + «و لا بدّ إذا كان هذا حاله من أن ينقل فيذكر لفظه؛ ليعلم كيفيّة دلالته، و في إبطال ما تعلّق به».

هذا؛ علىٰ أنّا لا نسلِّمُ‌(1)ما ذَكرَه في الشيعةِ (2)و قولَه(3): «إنّها كانَت(4)كثيرةً (5)عظيمةً »؛ لأنّ عندَنا أنّ هذا المَذهبَ حدَثَ قَريباً، و إنّما كانَ مِن قَبلُ يُذكَرُ الكلامُ في التفضيلِ و مَن هو أَولىٰ بالإمامةِ و ما يَجري مَجراه(6)، فكَيفَ يَصِحُّ التعلُّقُ بما قالَه ؟(7)

عدم توقّف صحّة دعوىٰ أمير المؤمنين عليه السلام الامامةَ ، علىٰ عصمته

يُقالُ له: لَيسَ يُفتقَرُ في صحّةِ ما ادَّعاه مِن إمامتِه عليه السلامُ إلىٰ أن تَثبُتَ (8)عصمتُه حسَبَ ما ظَنَنتَ ؛ لأنّ الأُمّةَ علَى اختلافِها مُجمِعةٌ علىٰ أنّ أميرَ المؤمِنينَ عليه السلامُ لَم يَدَّعِ لنفسِه في الإمامةِ علَى النبيِّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه باطِلاً؛ لأنّ مَن خالَفَ الشيعةَ علىٰ تَفرُّقِ نِحَلِهم(9)معترِفونَ بذلكَ ، و نافونَ لصِحّةِ ما يُضافُ إليه مِن ادّعاءِ الإمامةِ بالنصِّ ، و الشيعةُ أمرُها ظاهرٌ في نفيِ ما حَكَمنا(10)بحصولِ الإطباقِ علىٰ نفيِه عنه.

فإذا تَقرَّرَ بالإجماعِ الذي ذَكَرناه أنّه لَم يُضِفْ إلَى الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه


1) . في المطبوع و الحجري: «لا نمضي».

2) . في المغني: «ما ذكرته الشيعة».

3) . في المطبوع و الحجري: «من قوله». و في المغني: «من» بدل «و قوله».

4) . في المطبوع و الحجري و المغني: - «كانت».

5) . في المغني: «كثرة».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «و ما يجري مجرى ذلك».

7) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 126-127.

8) . في «ط، ف»: «يثبت». و في «ج»: «ثبتت».

9) . في «د»: «نحلتهم».

10) . في «ص، ط»: «حكينا».

باطلاً في الإمامةِ‌، و ثَبَتَ عنه(1)ادّعاؤها، وَجَبَ القَطعُ علىٰ صحّةِ قولِه؛ لِتقدُّمِ الإجماعِ الذي أشَرنا إليه.

علىٰ أنّ في الشيعةِ مَن يُثبِتُ عصمةَ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ بغَيرِ النصِّ‌، و لا يَفتقِرُ في الدَّلالةِ عليها علىٰ كُلِّ حالٍ إلىٰ تَقدُّمِ النصِّ بالإمامةِ‌؛ لأنّه لا خِلافَ في صحّةِ ما رُويَ عن النبيِّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه مِن قولِه: «عليٌّ مع الحَقِّ‌، و الحَقُّ مع عليٍّ ؛ يَدورُ حَيثُما دارَ»(2)، و قولِه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه: «اللّهمَّ والِ مَن والاه، و عادِ مَن عاداه»(3). و قد ثبَتَ عمومُ الخبَرَينِ ، و في ثُبوتِ عمومِهما دَلالةٌ علىٰ نفيِ سائرِ الأفعالِ القبيحةِ عنه عليه السلامُ ؛ لأنّ مَن لا يفارِقُه الحَقُّ لا يَجوزُ أن يَرتَكِبَ الباطلَ ، و مَن حُكِمَ له بأنّ اللّهَ تَعالىٰ وَليُّ وَليِّه و عَدُوُّ عَدُوِّه و ناصِرُ ناصِرِه و خاذِلُ خاذِلِه، لا يَجوزُ أيضاً منه أن يَفعَلَ قَبيحاً؛ لأنّه لَو فعَلَه لَكانَ يَجِبُ مُعاداتُه فيه و خِذلانُه و الإمساكُ عن نُصرتِه.

فقَد ثبَتَ مِن الوجهَينِ جميعاً صحّةُ الاستدلالِ بقَولِه عليه السلامُ علىٰ إمامتِه.

عدم المنافاة بين نقل النصّ عن طريق أميرِ المؤمنين عليه السلام و غيرِه

فأمّا قولُه: «إنّه لا يَصيرُ إماماً إلّابنَصِّ الرسولِ (4)، و لا بُدَّ أن يَعلَمَ النصَّ عليه(5)غيرُه» فلَسنا نَدري مِن أيِّ وجهٍ (6)ظَنَّه طاعِناً علىٰ ما حَكاه مِن الاستدلالِ؟ لأنّ


1) . الضمير في «عنه» راجع إلى أمير المؤمنين عليه السلام.

2) . تقدّم تخريجه في ج 2، ص 312 و 433.

3) . تقدّم تخريجه في ج 2، ص 433.

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «إلّا بالنصّ من الرسول».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: - «عليه».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «الوجوه».

وجوبَ عِلمِ الغيرِ به و ظهورِه(1)له و وجوبِ نقلِه أيضاً - لَو سَلَّمناه علىٰ غايةِ ما يَقتَرِحُه المخالِفونَ - لا يَمنَعُ مِن الاستدلالِ بقَولِه عليه السلامُ مِن الوجهِ الذي بيّنّاه، و إنّما يُمكِنُ أن يُطعَنَ بما ذَكرَه علىٰ مَن اعتمَدَ في النصِّ علىٰ قولِه عليه السلامُ و نَفىٰ أن يَكونَ معلوماً مِن غيرِ هذه الجهةِ ؛ فيَكونَ ما أورَدَه(2)بَياناً عن وجوبِ ظهورِه و نقلِه مِن جهةِ الغيرِ و نفيِ اختصاصِه. و لَيسَ المَقصَدُ بما حَكاه عنّا مِن الاستدلالِ إلىٰ هذا، لكِنْ إلىٰ إثباتِ النصِّ مِن هذه الجهةِ المخصوصةِ .

فأمّا مُنازَعتُه في إثباتِ سَلَفِ الشيعةِ : فقد سلَفَ الكلامُ فيه(3)، و دَلَّلنا علىٰ بُطلانِ دَعوَى المخالِفينَ انقطاعَ نقلِهم، و بيّنّا اتّصالَه و سلامتَه مِن الخَلَلِ بما لا طائلَ في إعادتِه(4).

قالَ صاحبُ الكتابِ :

و قد قالَ هذا الرجُلُ (5)عندَ هذا الكلامِ : إن جازَ أن يُقدَحَ في نقلِ الشيعةِ لهذه(6)الدَّعوىٰ لِيَجوزَنَّ لليَهودِ و غيرِهم(7)أن يَقدَحوا بمِثلِه(8)في نقلِ المُعجِزاتِ و غيرِها.


1) . في المطبوع و الحجري: «في ظهوره».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «ما أراده».

3) . تقدّم في ج 2، ص 334-336.

4) . في المطبوع و الحجري: «ادّعائه».

5) . يعني بالرجل الرجل الذي تقدّم ذكره في ص 184 و الذي عناه بقوله: «و قد ذكر بعض الإماميّة في كتابه...» و لم يصرّح باسمه و لا بكتابه، و كذلك لم يتعرّض المصنّف رحمه اللّٰه لذكره.

6) . في «ج، ص، ف»: «بهذه».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: - «و غيرهم».

8) . في «ج، ص، ط، ف»: - «بمثله».

فكأنّه جعَلَ بإزاءِ ما ادَّعَيناه(1)مِن القِلّةِ‌(2)فيمن يَدَّعي النصَّ مِن الشيعةِ ادّعاءَه لقِلّةِ‌(3)مَن نقَلَ المُعجِزَ، و أنّهم كَثُروا مِن بَعدُ. و مَن أنزَلَ نفسَه هذه المَنزِلةَ فهو بمَنزِلةِ مَن كابَرَ(4)في المُشاهَداتِ‌؛ لأنّا نَعلَمُ كَثرةَ المسلمينَ و كَثرةَ الناقِلينَ للمُعجِزِ.

و بَعدُ، فإنّا لا نُثبِتُ كَونَ المُعجِزِ بنقلِ المسلمينَ‌، فيَجوزَ أن يُتعلَّقَ بهذه الطريقةِ‌، بَل نُثبِتُه بالتواترِ و الضرورةِ‌. و عندَنا أنّ المسلِمَ و الكافرَ في ذلكَ لا يَختَلِفُ‌، و لذلكَ‌(5)لَم يَختَلِفوا في نقلِ كَونِ المعجِزاتِ‌، و إنّما وقَعَ الخِلافُ‌(6)في دَلالتِها علىٰ ما بيّنّاه في بابِ النُّبوءاتِ‌.(7)

و هذه الجُملةُ تُسقِطُ دَعوىٰ كُلِّ مَن ادَّعىٰ إثباتَ الإمامةِ بنصٍّ ضروريٍّ‌، و لا يَبقىٰ مِن بَعدُ إلّاالكلامُ في النُّصوصِ التي يُقالُ أنّها دَلالةٌ علَى الإمامةِ‌، و يُتَوَصَّلُ إلىٰ معرفةِ الإمامةِ بالاستدلالِ بها، كما يُتَوَصَّلُ‌(8)إلىٰ معرفةِ الأحكامِ بالنظَرِ في الكتابِ و السُّنّةِ .

و لا يُمكِنُ في هذه القِسمةِ (9)الإحالةُ علىٰ نصٍّ غيرِ مبيَّنٍ بقَولٍ (10)معروفٍ


1) . في «ج، ص، ف»: «ما ادّعاه».

2) . في «ج، ص»: «من النقل». و في المغني: «من العلّة».

3) . في «ج، ص»: «ادّعاء نقله».

4) . في المغني: «من كانوا».

5) . في المغني: «و كذلك».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «و إنّما اختلفوا».

7) . يعني من كتابه «المغني» و هو في المجلّد الخامس عشر منه.

8) . في المطبوع: + «بها». و في «ج، ص، ف»: - «إلى معرفة الإمامة بالاستدلال بها، كما يتوصّل».

9) . في المغني: «الفسحة».

10) . في «ج، ص، ف» و المغني: «منقول» بدل «بقول».

لفظُه؛ لأنّهم متىٰ أحالوا علىٰ نصٍّ لا يُعرَفُ لفظُه، لَم يَكونوا بأن يَدَّعوا أنّه(1)دَلالةُ النصِّ علىٰ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ بأَولىٰ ممّن يَدَّعي ضِدَّه و خِلافَه [و يَكونُ هذا المُدَّعي بمَنزِلةِ مَن يَدَّعي مَذهباً و يَجعَلُ الدَّلالةَ عليه نصَّ الكتابِ‌، و لا يَتلو آيةً إلّانظَرَ فيها و في دَلالتِها.

و إنّما يُمكِنُ أن لا تقَعَ الإحالةُ علىٰ قولٍ بعَينِه لَم يَدَّعِ النصَّ الضروريَّ‌؛ لأنّ ما حَلَّ هذا المَحَلَّ الحُجّةُ فيه وقوعُ العِلمِ بقَصدِه عليه السلامُ و دِينِه، و لا مُعتبَرَ باللفظِ كما لا مُعتبَرَ بأعيانِ المخبِرينَ‌. فأمّا فيما ذَكَرناه](2)فلا بُدَّ مِن ذِكرِ النصِّ الدالِّ ليَتِمَّ الغرضُ‌.

و هذه الطريقةُ‌(3)تُحوِجُ‌(4)القومَ‌(5)إلىٰ ذِكرِ ما يَدَّعونَ أنّه يَدُلُّ علَى النصِّ‌

[علىٰ أميرِ المؤمِنينَ ] مِن كتابٍ أو سُنّةٍ حتّىٰ يُنظَرَ فيه و في دَلالتِه [و يَكونَ الكلامُ معهم في كيفيّةِ الدَّلالةِ و وجهِها، و رُبَّما وَقَعَ الكلامُ معهم في طريقِ إثباتِ تلكَ الدَّلالةِ ؛ و هل هي ثابتةٌ بالتواتُرِ، أو بخبرٍ يَكونُ حُجَّةً مِن جهةِ الاكتسابِ ، أو يَلحَقُ بأخبارِ الآحادِ؟] و كُلُّ ذلك ممّا لا يُستَنكَرُ وقوعُ الخِلافِ فيه، و لا يَحُلُّ في المكابَرةِ مَحَلَّ ما قَدَّمناه مِن دَعوَى الاضطرارِ [علىٰ ما تَقدَّمَ ذِكرُه].(6)


1) . أي النصّ غير المبيَّن بقَولٍ معروفٍ .

2) . ما بين المعقوفين من المغني، و هكذا فيما يأتي.

3) . في «د» و المطبوع و الحجري: «الطريق».

4) . في «ج، ص، ف» و المغني: «تخرج».

5) . في المغني: + «لا محالة».

6) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 127-128.

حصول العلم الضروريّ بكثرة من يدّعي النصّ من الشيعة

يُقالُ له: إنّ‌(1)مُخالِفَ‌(2)المِلّةِ يَعلَمُ ضَرورةً كَثرةَ المسلِمينَ في «هذه الأزمانِ‌» و ما والاها، و لا يَصِحُّ أن يشُكَّ في كَثرتِهم و انتشارِهم، حتّىٰ إنّا نعُدُّ مَن أظهَرَ الشكَّ في ذلكَ مُكابِراً. و كذلكَ‌(3)المخالِفونَ في النصِّ علىٰ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ يَعلَمونَ ضَرورةً كَثرةَ مَن يَدَّعي نقلَ هذا النصِّ في «هذه الأزمانِ‌». و إنّما(4)يَصِحُّ أن يشُكّوا في اتّصالِ نقلِهم و كَثرةِ سَلَفِهم في النقلِ‌(5)، كما يشُكُّ مخالِفو المِلّةِ في هذه الحالِ مِن نقلِ المسلِمينَ للمُعجِزاتِ‌.

فقَد صَحَّ بما ذَكَرناه أنّ المَوضعَ الذي ادَّعىٰ فيه المكابَرةَ علَى المخالِفِ‌، لنا مِثلُه في نقلِ النصِّ و كَثرةِ ناقِليهِ‌، و بَقِيَ‌(6)المَوضعُ الذي لا يُمكِنُه أن يَدَّعيَ فيه الضرورةَ‌، كما لا يُمكِنُنا ادّعاؤها في إثباتِ سَلَفِنا و اتّصالِهم. و لَزِمَه أن يَنفَصِلَ مِن دَعوىٰ مخالِفِ المِلّةِ عليه انقطاعَ‌(7)نقلِ المُعجِزاتِ ، و أنّ ادّعاءَها ظَهَرَ في المستقبَلِ مِن الأوقاتِ ؛ فإنّه لا يَتَمَكَّنُ (8)مِن إيرادِ حُجّةٍ في ذلكَ إلّاو هي(9)بعَينِها كانَت حُجّتَنا(10)


1) . هكذا في النسخ. و في المطبوع و الحجري و التلخيص: «كما أنّ ».

2) . في «ج، ص»: «من خالف».

3) . في المطبوع و الحجري و التلخيص: «فكذلك».

4) . في المطبوع و الحجري: «فإنّما».

5) . في «ج، ص، ط، ف» و حاشية «د»: «فيه» بدل «في النقل».

6) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «و نفى».

7) . في التلخيص: «و انقطاع».

8) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «لا يمكَّن». و في التلخيص: «لا يتمكّن المخالف».

9) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: - «و هي».

10) . في التلخيص «كانت حجّة لنا».

عليه فيما طعَنَ (1)به في نقلِنا.

عدم ثبوت معجزات الرسول - عدا القرآن - بالضرورة

فأمّا نفيُه أن يَكونَ الطريقُ إلىٰ إثباتِ المُعجِزِ هو النقلَ و ادّعاؤه الضرورةَ‌، فإنّما يَصِحُّ إذا كانَ الكلامُ في القُرآنِ‌. فأمّا ما عَداه مِن المُعجِزاتِ‌، فلَيسَ يَجوزُ أن يَجريَ مَجرَى القُرآنِ و يَدَّعيَ‌(2)في ثُبوتِها الضرورةَ و هو يَعلَمُ كَثرةَ مَن يخالِفُه فيها مِن طوائفِ أهلِ المِلَلِ‌، ثُمّ مِن المسلمِينَ‌؛ فإنّا نَعلَمُ أنّ جماعةً مِن المتكلِّمينَ قد نَفَوا كَثيراً مِن المُعجِزاتِ‌(3).

و لَيسَ ما يَدَّعونَه - مِن حصولِ العِلمِ بظهورِ ذِكرِها في زَمَنِ الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه و في الصدرِ الأوّلِ بَينَ الصحابةِ - بمعلومٍ أيضاً و لا مُسلَّمٍ‌؛ لأنّ مَن خالَفَ المسلِمينَ يُنكِرُ ذلكَ و يَقولُ : «لَو كانَ جَرىٰ في الزمانِ الذي أشاروا إليه مِن ذِكرِ هذه المُعجِزاتِ ما يَدَّعونَه، لَوَجَبَ أن يَنقُلَه إلَيَّ أسلافي كما نَقَلوا سِواه(4)»، و مَن خالَفَ مِن المسلِمينَ في مُعجِزاتٍ بأعيانِها يُنكِرُ أيضاً ظهورَ ذِكرِ ما أنكَرَه(5)فيما تَقدَّمَ .

فقَد وضَحَ بُطلانُ ما ادَّعاه مِن الضرورةِ في إثباتِ المُعجِزاتِ ، فظَنَّ أنّ دَعواه هذه تُغنيهِ عن اعتبارِ التواتُرِ و الاستدلالِ به علىٰ صحّةِ النقلِ ؛ فِراراً مِن أن يَلزَمَه


1) . في «ج، ص، ط، ف» و حاشية «د»: «قدح».

2) . في المطبوع: «فليس يجوز أن لو يدّعي» بدل «فليس يجوز أن يجري مجرى القرآن و يدّعي».

3) . في التلخيص: «من هذه المعجزات».

4) . في التلخيص: «لوجب أن ينقلها أسلافنا كما نقلوا سواها».

5) . في التلخيص: «ظهور ذلك» بدل «ظهور ذكر ما أنكره».

مِن الطعنِ في(1)كَثرةِ الناقِلينَ و اتّصالِهم ما أَلزَمَناه.

فأمّا قولُه: «إنّه لَم يَبقَ إلّاالكلامُ في النُّصوصِ التي يُدَّعىٰ أنها دَلالةٌ علَى الإمامةِ ، و إنّه لا بُدَّ مِن ذِكرِ ألفاظِها لنَنظُرَ في كيفيّةِ دَلالتِها».

فقَد بيّنّا أنّه لَم تَثبُتِ (2)النُّصوصُ قَطُّ(3)إلّامِن هذه الجهةِ ، و أنّه(4)لا بُدَّ فيه عندَنا مِن اعتبارِ الألفاظِ المنقولةِ و كَيفيّةِ دَلالتِها، و أنّا لَم نُحِلْ في ثُبوتِه و لا في المُرادِ به علىٰ عِلمِ الضرورةِ .


1) . في المطبوع و الحجري: «من».

2) . في «ج، ص» و الحجري: «لم يثبت». و في «د»: «لم نثبت».

3) . هكذا في «د» و الحجري. و في سائر النسخ و المطبوع: - «قطّ».

4) . في المطبوع: «لأنّه» بدل «و أنّه».

الكلام في تواتر النصوص التي ينقلها الشيعة و دلالتها

اشارة

قالَ صاحبُ الكتابِ :

فأمّا ما يَدَّعونَ مِن ألفاظٍ غيرِ(1)منقولةٍ‌، نَحوُ ادّعائهم أنّه عليه السلامُ قالَ في أميرِ المؤمِنينَ - و قد أشارَ إليه -: «هذا إمامُكم مِن بَعدي» إلىٰ‌

ما شاكَلَه، فغَيرُ مسلَّمٍ و لا نَقلَ فيه، فَضلاً عن أن يُدَّعىٰ فيه التواتُرُ.

و إنّما الذي يَصِحُّ فيه النقلُ الأخبارُ التي يَذكُرونَها كخبرِ(2)غَديرِ خُمٍّ و غيرِه، ممّا نورِدُه مِن بَعدُ.

و لا يُمكِنُهم أن يَدَّعوا أيضاً أنّه(3)غيرُ محتَمِلٍ‌(4)مِن غيرِ جهةِ الاضطرارِ؛ لأنّه إذا لَم يَكُن فيه اضطرارٌ يُعلَمُ معه قَصدُ النبيِّ عليه السلامُ‌، فوَجهُ الاستدلالِ به كوَجهِ الاستدلالِ بالقُرآنِ و السُّنّةِ علَى الأحكامِ ، و ما هذه حالُه يَصِحُّ فيه(5)طريقةُ التأويلِ (6)و صَرفِ الظاهرِ إلىٰ (7)غيرِه بدَليلٍ ؛


1) . في المغني: - «غير».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «نحو خبر».

3) . في المغني: «و لا عليهم أن يدّعوا نصّاً» بدل «و لا يمكنهم أن يدّعوا أيضاً أنّه».

4) . المحتمِل: ما يحتمل عدّة وجوه.

5) . في المغني: «فيها».

6) . في «ط، ف» و المغني: «التأوّل».

7) . في المغني: «عن».

لأنّه لا يَكونُ في الألفاظِ التي يَذكرونَ‌(1)في ذلكَ أَوكَدُ مِن أن يَقولَ عليه السلامُ‌: «هذا إمامُكم مِن(2)بَعدي».

فمتىٰ لَم يُعلَم مُرادُه عليه السلامُ باضطرارٍ أمكَنَ‌(3)أن يُقالَ‌: إنّ هذا القولَ لا يعُمُّ الإمامةَ‌؛ لأنّه لا يَمتنِعُ أن يريدَ أنّه إمامُكم في الصلاةِ‌، أو إمامُكم في العُلومِ‌(4)التي هي أجَلُّ مِن الإمامةِ‌(5)التي تَتضَمَّنُ الوِلايةَ‌.

و أمكَنَ‌(6)أن يُقالَ فيه: إنّ هذا القولَ لا يعُمُّ الإمامةَ‌؛ لأنّ قولَه: «هذا إمامُكم»(7)بمَنزِلةِ قولِه: «هذا رئيسُكم و قائدُكم و سائقُكم» إلىٰ غيرِ ذلكَ ممّا يَقتَضي صفةً لا تَستَوعِبُ و لا يُمكِنُ ادّعاءُ العمومِ فيها؛ و لا بُدَّ(8)مِن بَيانٍ إذا لَم يَكُن هناكَ‌(9)تَعارُفٌ يُحمَلُ الكلامُ عليه.

و لا يُمكِنُ أن يُدَّعىٰ في لفظِ «الإمامةِ » التعارُفُ مِن جهةِ اللُّغةِ ؛ لأنّه لا يُعقَلُ في اللُّغةِ أنّها تُفيدُ القيامَ بالأُمورِ التي تَختَصُّ بالإمامِ (10).

و لا يُمكِنُ ادّعاءُ العُرفِ الشرعيِّ فيه - و الذي حصَلَ فيه مِن(11)


1) . في «ص، ط، ف»: «تذكر». و في «ج»: «يذكر».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: - «من».

3) . في «ج»: «يمكن».

4) . في المطبوع و الحجري: «أو الإمامة في العلم».

5) . في المغني: «أو الإمامة في العلم الذي هو أصل الإمامة».

6) . في «ج»: «و يمكن».

7) . في المطبوع و الحجري: «إمام».

8) . في المطبوع و الحجري: «فلا بدّ».

9) . في المغني: «ثَمَّ » بدل «هناك».

10) . في «د» و المغني: «الإمام».

11) . في «ج، ص، ف»: - «من».

التعارُفِ إنّما حصَلَ باصطلاحِ أربابِ المَذاهبِ‌، و ما حَلَّ هذا المَحَلَّ لا يَجِبُ حَملُ الخطابِ عليه - و لذلكَ لَم يُروَ عن الصحابةِ ذِكرُ الإمامةِ‌، و إنّما كانوا يَذكُرونَ «الأميرَ» و «الخَليفةَ‌»، و لذلكَ قالوا يومَ السقيفةِ‌:

«مِنّا أميرٌ، و مِنكم أميرٌ» و قالوا لأبي بَكرٍ: «خَليفةَ رسولِ اللّٰهِ‌» و لعليٍّ‌:

«أميرَ المؤمنينَ‌» و لَم يَصِفوا أحَداً منهم بالإمامِ‌، و إنّما رُويَ في هذا البابِ‌: «الأئمّةُ مِن قُرَيشٍ » و وَجَبَ حَملُ ذلكَ علىٰ ما ذَكَرناه مِن حَيثُ عقَلَ الكُلُّ منه هذا المرادَ، لا بظاهرِه.

و إنّما أرَدنا بهذا الكلامِ أن نبيِّنَ أنّ ادّعاءَ لفظٍ في النصِّ غيرِ محتَمِلٍ لا يُمكِنُ [و أنّ مَن سلَكَ هذه الطريقةَ ، فلا بُدَّ مِن أن يسوِّغَ فيما يَرويهِ المناظَرةَ و ادّعاءَ التأويلِ و صَرفِ الكلامِ مِن وجهٍ إلىٰ وجهٍ ؛ لأنّه لا يَكونُ الذي يَدَّعيهِ و يَتعلَّقُ به أقوىٰ مِن كتابِ اللّٰهِ الذي يَصِحُّ فيه طريقةُ النظَرِ، و إنّما يَمتنِعُ ذلكَ فيما يُعلَمُ قَصدُه عليه السلامُ فيه ضَرورةً . و قد بيّنّا فَسادَ ذلكَ و أنّه لَيسَ مِن البابِ الذي يَجِبُ نقلُ ألفاظٍ مخصوصةٍ فيه].(1)

صحّة ما تدّعيه الشيعة من لفظ النصّ و تواتره

يُقالُ له: لَيسَ يَخلو نفيُكَ لنقلِ ألفاظِ النصِّ مِن أن تريدَ به أنّه لا نقلَ فيه مِن جهةِ الخصومِ (2)، فذلكَ إذا أرَدتَه - و صَحَّ - لا يضُرُّنا(3)لأنه لَيسَ يَفتقِرُ النصُّ في الصحّةِ


1) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 128-129، و ما بين المعقوفين من المصدر.

2) . في «ج، ص»: «من جهتكم».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «لم يضرّنا».

إلىٰ نقلِ الخصومِ إذا كانَ قد نقَلَه مَن تَقومُ‌(1)الحُجّةُ بنَقلِه.

و إن أرَدتَ أنّه لا نقلَ فيه علىٰ وجهٍ‌، فأنتَ تَعلَمُ ضرورةً أنّ الشيعةَ تَدَّعي نقلَ لفظِ النصِّ و التواترَ به(2)، و تَسمَعُ منها ذلكَ أنتَ و أسلافُكَ مِن قَبلِكَ‌، و إن كنتَ تَدَّعي أنّ نقلَهم له غيرُ متّصِلٍ و أنّه ممّا وُلِدَ(3)بَعدَ زمانِ الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه.

اللّهمّ إلّاأن تَكونَ أرَدتَ بما ذَكَرتَه في كلامِكَ من نفيِ النقلِ نفيَ ما ذَكَرناه آنِفاً مِن الاتّصالِ و الاستمرارِ. و هذا إن كنتَ أرَدتَه غيرُ مفهومٍ مِن كلامِكَ‌، و المفهومُ منه خِلافُه. و قد مضىٰ ما يدُلُّ علَى اتّصالِ نقلِ الشيعةِ‌، و أنّ سلَفَهم في نقلِ النصّ كخَلَفِهم.(4)

و لَيسَ يَجِبُ‌(5)إذا لَم يَكُن جميعُ الألفاظِ التي نَرويها(6)في النصِّ مِثلَ خبرِ

الغَديرِ أن تَكونَ باطلةً‌؛ لأنّ إبطالَها بهذا الوَجهِ يؤدّي إلىٰ إبطالِ كُلِّ ما لَم يسلِّمْه المخالِفونَ لخصومِهم مِن الأخبارِ، و إن كانَ قد اختَصَّ بنقلِه فِرقةٌ فيهم الحُجّةُ .

علىٰ أنّ خبَرَ الغَديرِ لَم يفارِقِ النصَّ الجَليَّ مِن حَيثُ الحُجّةِ (7)، لكِنْ مِن حَيثُ نقَلَه المخالِفونَ و أجمَعَ (8)الناسُ علىٰ تسليمِه، و قد ثبَتَت الحُجّةُ بما لا إجماعَ فيه و لا تسليمَ مِن جميعِ الأُمّةِ .


1) . في «د، ط» و الحجري: «يقوم».

2) . في المطبوع و الحجري: - «به».

3) . المولود من الكلام و الشعر: المصنوع.

4) . تقدّم في ج 2، ص 334-336.

5) . في المطبوع: «و ليجب»، و هو سهو.

6) . في المطبوع و الحجري: «يروونها».

7) . في «ج، ص، ط، ف» و حاشية «د»: «من حيث ظننت».

8) . في المطبوع و الحجري: «فأجمع».

نفي «الاحتمال» عن النصّ

فأمّا قولُه: «إنّ جميعَ ما نَعتمِدُه مِن النُّصوصِ إذا لَم يُعلَمْ منه قَصدُ النبيِّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه باضطرارٍ، فلا بُدَّ أن يَكونَ مُحتَمِلاً» فلَيسَ يَخلو الاحتمالُ الذي عَناه مِن أن يريدَ به ما لَم يُمكِنِ القَطعُ فيه علىٰ وجهٍ دونَ وجهٍ‌، و كانَت الأقوالُ في المُرادِ منه كالمُتَكافئةِ المُتَحاذيةِ‌(1). فإن أرادَ هذا - و هو المفهومُ في الأغلَبِ مِن لفظِ «الاحتمالِ‌» - فالنصُّ عندَنا بمَعزِلٍ عنه؛ لأنّه ممّا يُقطَعُ علَى المُرادِ منه، و لا تكافؤَ بَينَ الأقوالِ المختَلِفةِ في تأويلِه.

و إن أرادَ بالاحتمالِ جوازَ(2)دخولِ الشُّبهةِ و عدمَ العِلمِ الضروريِّ‌، فهو غَلَطٌ؛ لأنّه لَيسَ كُلُّ ما لَم يُعلَمْ ضرورةً و أمكَنَ المُبطِلَ صَرفُه عن ظاهرِه بالشُّبهةِ‌(3)مُحتَمِلاً؛ لأنّه لَو كانَ ما هذه صفتُه موسوماً(4)بالاحتمالِ لَوَجَبَ أن تَكونَ‌(5)أدلّةُ العقلِ‌(6)كُلُّها مُحتَمِلةً ، و كذلكَ نُصوصُ (7)القُرآنِ و السُّنّةِ التي نَقطَعُ (8)علَى المُرادِ منها، حتّىٰ يَكونَ قولُه تَعالىٰ : (لاٰ تُدْرِكُهُ الْأَبْصٰارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصٰارَ)(9)، و (مَا

اِتَّخَذَ اللّٰهُ مِنْ وَلَدٍ) (10)، و (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ )(11)، مُحتَمِلاً. غيرَ أنّا و إن مَنَعناه مِن


1) . المتحاذية: أي المتقاربة.

2) . في «ج، ص، ف»: - «جواز».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: - «بالشبهة».

4) . في المطبوع و الحجري: «موهوماً».

5) . في «ط، ف» و الحجري: «أن يكون».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «العقول».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «أدلّة».

8) . في «ج، ط، ف»: «يقطع». و في الحجري: «تقطع».

9) . الأنعام (6):103.

10) . المؤمنون (23):91.

11) . الشورى (42):11.

إطلاقِ لفظِ «الاحتمالِ‌» علىٰ ما جازَ دخولُ الشُّبهةِ فيه - لِما ذَكَرنا أنّه مؤَدٍّ إليه - لا نَمتنِعُ‌(1)مِن جوازِ دخولِ الشُّبهةِ‌(2)في الألفاظِ التي نَرويها و نَعتمِدُها(3)في الدَّلالةِ علَى النصِّ‌، و مِن أن يَصرِفَها المُبطِلُ عن ظاهرِها علىٰ سَبيلِ الخَطَإ، و إنّما مَنَعنا(4)مِن إطلاقِ لفظِ «الاحتمالِ‌».

و إن أرادَ بالاحتمالِ جوازَ العُدولِ عن الظاهرِ أو عن الحَقيقةِ علىٰ وجهٍ مِن الوجوهِ - فإنّ ذلكَ مُمكِنٌ في الكلامِ خاصّةً دونَ أدِلّةِ العقولِ - فهذا أيضاً مؤَدٍّ إلىٰ أنّ جميعَ أدِلّةِ الكتابِ و السُّنّةِ مُحتَمِلةٌ‌، و ما نظُنُّه يَستَحسِنُ إطلاقَ ذلكَ‌.

علىٰ أنّ العُدولَ عن الظاهرِ و(5)عن الحَقيقةِ لا يَخلو مِن أن يَكونَ مُستَعمَلاً بدَليلٍ‌، أو بشُبهةٍ‌.

فإن كانَ عن دليلٍ‌، فسنُبيِّنُ أنّ جميعَ ألفاظِ النصِّ لا يَجوزُ الانصرافُ عن اقتضائها النصَّ‌(6)إلىٰ غيرِه بشيءٍ مِن الأدلّةِ‌، و أنّه لا يَصِحُّ قيامُ دليلٍ يَقتَضي حَملَها علىٰ خِلافِ النصِّ الذي نَذهَبُ‌(7)إليه.

و إن كانَ العُدولُ عن الظاهرِ بالشُّبهةِ‌، فنحنُ نجوِّزُ أن تدخُلَ (8)الشُّبهةُ علىٰ بعضِ الناظِرينَ ، فيَصرِفَ لَفظَ النصِّ إلىٰ غيرِ موجَبِه و مدلولِه، غيرَ أنّ ذلكَ لا يوجِبُ أن يَكونَ مُحتَمِلاً؛ لِما تَقدَّمَ .


1) . هكذا في «د». و في المطبوع و الحجري: «لا يمتنع».

2) . من قوله: «فيه - لما ذكرنا» إلىٰ هنا لم يرد في «ج، ص، ط، ف».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «التي يرويها و يعتمد».

4) . في المطبوع و الحجري: «منعناه»

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «أو».

6) . في «د»: «للنصّ ».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «يذهب».

8) . في «ج، د، ص» و الحجري: «أن يدخل».

فقد بَطَلَ بهذه الجُملةِ قولُه: «إنّه لا شيءَ نورِدُه مِن ألفاظِ النُّصوصِ إلّا و هو محتَمِلٌ ».

دلالة لفظ «الإمامة» في النصّ على الإمامة العامّة

فأمّا تخصيصُه قولَه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه: «هذا إمامُكم مِن بَعدي» و ادّعاؤه أنّ الضرورةَ إذا ارتفَعَت أمكَنَ أن يُحمَلَ‌(1)علىٰ إمامةِ الصلاةِ أو العِلمِ‌، فغَيرُ صحيحٍ‌.

و قد أجابَ أصحابُنا عن هذا الإلزامِ و أمثالِه بأن قالوا: الذي يؤمِنُنا مِن أن يَجوزَ(2)ما أُلزِمناه مِن التخصيصِ أنّ الذين نَقَلوا إلينا ألفاظَ النُّصوصِ خَبَّرونا بأنّ أسلافَهم خَبَّروهم عن أسلافِهم، إلىٰ أن يَتّصِلَ الخبرُ بزَمانِ الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، أنّهم(3)فَهِموا مِن قَصدِه النصَّ علَى الإمامةِ التي قد استقَرَّ في الشريعةِ حُكمُها

و صفتُها و عمومُها لسائرِ الوِلاياتِ‌؛ قالوا: و إذا كانَ مُرادُه عليه السلامُ ممّا(4)يَصِحُّ أن يَقَعَ الاضطرارُ إليه كما يَصِحُّ أن يَقَعَ (5)الاضطرارُ إلىٰ خِطابِه و كلامِه، فلَو جَوَّزنا علَى الناقِلينَ الكَذِبَ في أحَدِ الأمرَينِ جَوَّزناه في الآخَرِ.

و مَن ذهَبَ مِن أصحابِنا إلىٰ أنّ «اللفظَ المُحتَمِلَ لأُمورٍ مختَلِفةٍ علىٰ جهةِ الحقيقةِ إذا ارتفَعَ بَيانُ المُخاطِبِ و تخصيصُه مُرادَه بوَجهٍ دونَ وَجهٍ ، يَجِبُ حَملُه علىٰ سائرِ محتَمَلاتِه، إلّاما منَعَ منه الدليلُ » يُسقِطُ بهذا(6)المَذهَبِ السؤالَ


1) . في «ص، ط»: «أن يحتمل».

2) . في المطبوع: «من تجويز».

3) . في المطبوع و الحجري: - «أنّهم».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «فيما».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «كما يقع» بدل «كما يصحّ أن يقع».

6) . في «ج» و المطبوع: «هذا» بدل «بهذا».

عن نفسِه، فنَقولُ‌(1): إذا كانَ لَفظُ «الإمامةِ‌» مُحتَمِلاً لسائرِ الوِلاياتِ التي تَستَغرِقُها الإمامةُ الشرعيّةُ‌(2)كاحتمالِه لبعضِها، و لَم يبيِّنِ الرسولُ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(3)مُرادَه علىٰ سبيلِ التعيينِ و التخصيصِ‌، وَجَبَ أن يُحمَلَ اللفظُ علىٰ جميعِ ما يَحتَمِلُه.

و هذا الجوابُ غيرُ معتَمَدٍ عندَنا؛ لأنّه مخالِفٌ لأُصولِنا، و مبنيٌّ علىٰ أصلٍ نَعتقِدُ فَسادَه و بُطلانَه.

و أصَحُّ ما يُجابُ به عن السؤالِ أن يُقالَ‌: قد وَجَدنا الأُمّةَ في هذا الخبرِ المخصوصِ الذي تَدَّعيهِ الشيعةُ بَينَ قولَينِ‌: أحَدُهما قولُ مَن نَفاه(4)و حَكَمَ ببُطلانِه، و الآخَرُ قولُ مَن أثبَتَه و قَطَعَ علىٰ صحّتِه. و وَجَدنا كُلَّ مَن قَطَعَ علىٰ صحّتِه لا يفرِّقُ (5)في تَناوُلِه للإمامةِ بَينَ وِلايةٍ و غيرِها، بَل يَحكُمُ باستيعابِه لجميعِ (6)الوِلاياتِ التي تدخُلُ تَحتَ الإمامةِ الشرعيّةِ ، و لا يميِّزُ بَينَ عِلمٍ و صلاةٍ و غيرِهما؛ فالقولُ بإثباتِ الخبرِ مع التخصيصِ قولٌ خارجٌ عن أقوالِ الأُمّةِ المستقِرّةِ ، فوجَبَ اطِّراحُه.

وجود عُرف شرعيّ في لفظ «الإمام»

فأمّا نفيُه أن يَكونَ في لفظِ «الإمامِ‌» عُرفٌ شرعيٌّ‌، و قولُه: «إنّما حصَلَ التعارُفُ فيها باصطِلاحِ أربابِ المَذاهبِ‌»: فهو طَريقٌ إلىٰ نفيِ العُرفِ الشرعيِّ في جميعِ الألفاظِ الشرعيّةِ ؛ حتّىٰ يُقالَ : إنّ لفظَ الصلاةِ و الزكاةِ لَيسَ بشَرعيٍّ ، و إنّما اصطلَحَ علىٰ معنىٰ هذه الألفاظِ أربابُ المَذاهِبِ !


1) . كذا في النسخ، و لعل الصحيح: «فيقول».

2) . في المطبوع و الحجري: - «الشرعيّة».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «عليه السلام».

4) . في المطبوع: «نحاه».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «و وجدنا الكلّ الذين قطعوا على صحّته لا يفرّقون».

6) . في «ج، ص، ط»: «بجميع».

فإن(1)قيلَ : كَيفَ يَصِحُّ إخراجُ لفظِ «الصلاةِ » و ما أشبَهَها مِن عُرفِ الشرعِ و قد وَرَدَ الكتابُ و السُّنّةُ بذِكرِها، و فَهِمَ المخاطَبونَ مِن جميعِ ألفاظِ الكتابِ و السُّنّةِ هذه الأفعالَ المخصوصةَ؟

قُلنا(2): و كَيفَ يُنفىٰ‌(3)كَونُ لفظِ «الإمامةِ‌» شرعيّاً و يُدَّعَى اصطلاحُ أهلِ المَذاهبِ‌، و قد ورَدَ الكتابُ و السُّنّةُ بلفظِ الإمامةِ‌، و فَهِمَ المخاطَبونَ منها الإمامةَ الشرعيّةَ؟

فممّا ورَدَ به الكتابُ قولُه تَعالىٰ‌: (إِنِّي جٰاعِلُكَ لِلنّٰاسِ إِمٰاماً قٰالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قٰالَ لاٰ يَنٰالُ عَهْدِي الظّٰالِمِينَ‌)(4).

و ممّا ورَدَ في(5)السُّنّةِ‌(6)قولُه عليه السلامُ‌: «الأئمّةُ مِن قُرَيشٍ‌» و قد فَهِمَ السامعونَ لهذا القولِ‌(7)و المخاطَبونَ به(8)منه الإمامةَ الشرعيّةَ‌.

فإن جازَ لكم أن تَقولوا: إنّهم فَهِموا ذلكَ لا مِن قِبَلِ الظاهرِ، جازَ أن يُقالَ‌(9)في جميعِ ما فَهِموه مِن معنىٰ لفظِ الصلاةِ و الزكاةِ و جميعِ الألفاظِ التي تُنسَبُ إلىٰ عُرفِ الشَّرعِ أنّهم لَم يَفهَموا مَعانيَها المخصوصةَ بالظاهرِ.

و هذا يبيِّنُ أنّ الطريقَ إلىٰ إثباتِ العُرفِ الشرعيِّ في سائرِ الألفاظِ ثابتٌ في لَفظِ الإمامةِ‌، و أنّ (10)القادِحَ في كَونِها شرعيّةً قادحٌ في جميعِ ألفاظِ الشرعِ .


1) . في «ج، ص، ط، ف»: «فإذا».

2) . في المطبوع: - «قلنا»، و هو سهو.

3) . في المطبوع: «يَنفي»، و هكذا بالنسبة إلىٰ «و يدّعي» القادم.

4) . البقرة (2):124.

5) . في «ط، ف»: «به».

6) . في المطبوع و الحجري: + «ما يروونه من».

7) . هكذا في «ج، ص، ط». و في «د، ف»: «بهذا القول». و في المطبوع و الحجري: «هذا القول».

8) . في «ج، ص، ط، ف»: - «به».

9) . في «ج، ص، ط، ف»: «أن يقول».

10) . في المطبوع و الحجري: «فإنّ ».

استعمال الصحابة للفظ «الإمامة» في حقّ ولاة الأمر

فأمّا قولُه: «إنّهم لَم يُسَمّوا بالإمامةِ‌(1)أحَداً مِن وُلاةِ الأمر، و إنّهم عَدَلوا عن لفظِ الإمامِ إلىٰ لفظِ الخَليفةِ و الأميرِ(2)».

فقَد بيّنّا أنّهم قد استَعمَلوا لفظَ «الإمامةِ‌» في الإنباءِ عن الوِلايةِ المخصوصةِ‌، كما استَعمَلوا لفظَ «الأميرِ» و «الخَليفةِ‌»(3)، و استَدلَلنا بما رَوَوه مِن قولِه: «الأئمّةُ مِن قُرَيشٍ‌» و فَهِمَ جميعُهم معنَى الإمامةِ الشرعيّةِ منه. و لَيسَ يَجِبُ إذا استَعمَلوا لفظَ الإمامةِ في مَوضعٍ أن لا يَستَعمِلوا غيرَه ممّا يَقومُ مَقامَه في مَوضعٍ آخَرَ، و لفظةُ‌(4)«إمرةِ‌(5)المؤمنينَ‌» و «الخِلافةِ‌» تَقومُ‌(6)مَقامَ سائِرِ ألفاظِ الإمامةِ‌(7)في عُرفِهم و تُنبئُ عن معناها، فهُم مخيَّرونَ بَينَ جميعِ هذه الألفاظِ، و مستعمِلونَ لِما حَسُنَ عندَهم

استعمالُه منها.

و إنّما يَكونُ في كلامِه شُبهةٌ لَو كانوا لَمّا استَعمَلوا لَفظَ «أميرٍ» و «خَليفةٍ » لَم يَستَعملوا لَفظَ(8)«الإمامِ »(9)في مَوضِعٍ مِن المَواضعِ ، فأمّا مع استعمالِهم(10)للكُلِّ فلا شُبهةَ .


1) . في «ج»: «بالإمام».

2) . في «ج»: «لفظ الأمير و الخليفة».

3) . في «ج، د، ص، ط، ف»: «لفظ أمير و خليفة» بدون الألف و اللام.

4) . في «د، ط» و المطبوع و الحجري: «و لفظ».

5) . في المطبوع و الحجري: «إمارة».

6) . في «د، ص، ط» و الحجري: «يقوم».

7) . في المطبوع و الحجري: «مقام لفظ الإمامة».

8) . في «د»: «لفظة».

9) . هكذا في «ص، ف». و في سائر النسخ و المطبوع: «الإمامة».

10) . في «ج، ص، ط، ف»: «استعماله».

إبطال أن يكون النصّ ناظراً إلىٰ إثبات إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بعد عثمان خاصّة، لا قبله

فإن قالَ (1): قد أجَبتُم عمّن خصَّصَ الوِلايةَ و قصَرَها علىٰ بعضٍ دونَ بعضٍ ، فما جوابُكم لِمَن ألزَمَكم تخصيصَ الأحوالِ فقالَ : جوِّزوا أن يريدَ بقَولِه: «هذا إمامُكم مِن بَعدي»: بَعدَ عُثمانَ ، فيَكونَ مستَعمِلاً للخبرِ علَى الوجهِ الذي يَشهَدُ له الإجماعُ؟

قيلَ له: هذا السؤالُ يسقُطُ بالأجوبةِ الثلاثةِ التي تَقدَّمَ ذِكرُها(2):

فأحَدُها(3): الاعتمادُ علىٰ نقلِ ما فُهِمَ مِن مُرادِ النبيِّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه و العِلمِ بقَصدِه.

و الآخَرُ: حَملُ اللفظِ علىٰ جميعِ محتَمَلاتِه إلّاما منَعَ منه الدليلُ‌، علىٰ مَذهبِ مَن يَرىٰ ذلكَ‌.

و الآخَرُ: اعتبارُ الإجماعِ‌. و طريقةُ‌(4)اعتبارِه هاهنا: أنّ الأُمّةَ مُجمعةٌ (5)علىٰ أنّ النبيَّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه لَم ينُصَّ علىٰ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ بالإمامةِ نصّاً يَتَناوَلُ الحالَ التي هي(6)بَعدَ قَتلِ عُثمانَ ، دونَ ما قَبلَها مِن الأحوالِ ؛ لأنّ مَن نفَى النصَّ جُملةً مِن المخالِفينَ يَمنَعُ مِن حصولِ الإمامةِ لأميرِ المؤمِنينَ (7)عليه السلامُ في تلكَ الحالِ بالنصِّ و يُثبِتُها بالاختيارِ، و مَن ذهَبَ إلَى النصِّ لا يخُصُّ تلكَ الحالَ دونَ ما تَقدَّمَها؛ فالقولُ بأنّ النصَّ تَناوَلَ تلكَ الحالَ دونَ ما قَبلَها


1) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «قالوا».

2) . تقدّم في ص 29-30.

3) . في المطبوع و الحجري: «و أحدها».

4) . في «ج»: «و طريق».

5) . في «د» و المطبوع و الحجري: «مجتمعة».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: - «هي».

7) . في «ج، ص، ط، ف» و حاشية «د»: «له» بدل «لأمير المؤمنين».

خارجٌ (1)عن(2)الإجماعِ و الأقوالِ المستقِرّةِ فيه.

إثبات كون النصّ أمراً و إيجاباً، لا إخباراً عن المستقبل

فإن قالَ : فما الجوابُ لِمَن حمَلَ ما يَروونَه مِن ألفاظِ(3)النصِّ - كقَولِه: «هذا خَليفَتي مِن بَعدي» إلىٰ ما شاكَلَه مِن الألفاظِ - علَى الخبرِ دونَ الأمرِ و الإيجابِ؟ فكأنّه عليه

السلامُ قالَ : «إنّه سيَكونُ بَعدي إماماً في الحالِ التي عُقِدَت له الإمامةُ فيها بالاختيارِ» و يَكونُ ثُبوتُ الإمامةِ (4)بالعقدِ له، لا مِن جهةِ قولِ الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه.

قيلَ له:

[1.] هذا يسقُطُ بطريقةِ اعتبارِ ما فَهِمَه الناقِلونَ مِن مُرادِه عليه السلامُ ؛ لأنّ مَن نقَلَ ألفاظَ النصِّ ينقُلُ عن أسلافِه أنّهم ذَكَروا عن أسلافِهم حتّىٰ يَتّصِلَ النقلُ بزَمانِ الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه أنّهم فَهِموا مِن مُرادِه عليه السلامُ بألفاظِ النصِّ الإيجابَ و الاستخلافَ ، دونَ الخبرِ عمّا سيَكونُ (5)في المستقبَلِ .

[2.] و يسقُطُ أيضاً بطريقةِ حَملِ اللفظِ علىٰ سائرِ محتَمَلاتِه علىٰ مَذهبِ مَن يَراه؛ لأنّ قولَه: «هذا خَليفَتي مِن بَعدي» و «هذا إمامُكم مِن(6)بَعدي» يَحتَمِلُ أن يَكونَ خبراً، أو أمراً و إيجاباً(7)فلا مانعَ (8)يَمنَعُ مِن أن يريدَ المُخاطِبُ به الأمرَينِ


1) . في «ج، ص، ط، ف» و حاشية «د»: «خروج».

2) . في المطبوع: «من».

3) . في المطبوع و الحجري: - «ألفاظ».

4) . في المطبوع و الحجري: «ثبوت إمامته».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «يكون».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: - «من».

7) . في المطبوع و الحجري و بعض النسخ: «أن يكون خبراً و أمراً أو إيجاباً».

8) . في المطبوع و الحجري: «و لا مانع».

جميعاً. و الصحيحُ أنّ اللفظةَ الواحدةَ يَجوزُ أن يَقصِدَ بها قائلُها إلَى المعاني المختَلِفةِ التي لا يَمنَعُ مِن إرادتِه لها علَى الاجتماعِ مانعٌ .

[3.] علىٰ أنّ ما اعترَضَ به السائلُ لا يَسوغُ في جميعِ الألفاظِ المنقولةِ في النصِّ‌، و لا يَصِحُّ حَملُها علَى الخبرِ دونَ الإيجابِ‌؛ لأنّ قولَه عليه السلامُ‌: «سَلِّموا علىٰ عليٍّ بإمرةِ المؤمِنينَ‌»(1)لا يَجوزُ أن يَكونَ خبراً عمّا يَكونُ في المستقبَلِ‌؛ لأنّه يدُلُّ علَى استحقاقِه مَنزِلةَ إمرةِ المؤمنينَ في الحالِ‌؛ بدَلالةِ الأمرِ بالتسليمِ المتضمِّنِ لذِكرِها. و لَو كانَ إشارةً إلىٰ ما يقَعُ في المستقبَلِ - و نحنُ نَعلَمُ أنّ الذي يَحصُلُ في المستقبَلِ و لمّا حَصَلَ سببُه غيرُ مستَحَقٍّ في الحالِ - لَما صَحَّ الكلامُ‌، و لَما جازَ أن يأمُرَ عليه السلامُ بالتسليمِ المقتَضي لحُصولِ الاستحقاقِ و سببِه في الحالِ‌.

و كذلكَ قولُه عليه السلامُ‌: «أيُّكم يُبايِعْني يَكُن أخي و وَصيّي و خَليفَتي مِن بَعدي»(2)لا يَصِحُّ أن يَكونَ خبراً عمّا يقَعُ في المستقبَلِ‌؛ لأنه عليه السلامُ جعَلَ المَنازِلَ المذكورةَ جَزاءً‌(3)علىٰ ما(4)دَعا إليه مِن مُبايَعَتِه، و أخرَجَه(5)مَخرَجَ الترغيبِ

فيما جعَلَ المَنازِلَ جَزاءً (6)عليه(7). و كُلُّ ذلكَ لا يَصِحُّ إذا حُمِلَ اللفظُ علَى الخبرِ، و إنّما يَصِحُّ إذا حُمِلَ علَى الإيجابِ بهذا القولِ ، فكأنّه(8)عليه السلامُ قالَ : «مَن يُبايِعُني مِنكم فقَد أَوجَبتُ كَونَه أخاً لي و وَصيّاً و خَليفةً مِن بَعدي».


1) . تقدّم تخريجه في ج 2، ص 313.

2) . تقدّم تخريجه في ج 2، ص 332.

3) . في «ج، ص، ط» و حاشية «د»: «خبراً».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «عمّا».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «و أخرج».

6) . في «ص، ط»: «ممّا جعل المنازل خبراً».

7) . في «ج»: «عنه».

8) . في «ج»: «لهذا القول، و كأنّه».

[4.] و ممّا يبيِّنُ أيضاً بُطلانَ حَملِ اللفظِ علَى الخبرِ: أنّه لا شُبهةَ في أنّ ما تَقَدَّمَ ذِكرَ الخِلافةِ مِن المَنازِلِ - كالوصيّةِ و الأُخوّةِ - الغرضُ فيها الإيجابُ دونَ الخبرِ؛ لأنّه مُحالٌ أن يريدَ عليه السلامُ‌: «مَن بايَعَني(1)صارَ بَعدي أخاً لي و وَصيّاً لأمرٍ لا يَتعلَّقُ بإيجابي ذلكَ له بهذا القولِ‌»!!

و إذا ثَبَتَ الوجوبُ فيما تَقدَّمَ ذِكرَ الخِلافةِ‌، ثبَتَ الوجوبُ فيها أيضاً؛ لِاستحالةِ أن يَنسُقَ (2)عليه السلامُ بعضَ المنازِلِ علىٰ بعضٍ و يريدَ بالجميعِ الإيجابَ دونَ الخبرِ، ما عَدا مَنزِلةَ الخِلافةِ التي حُكمُها في اللفظِ حُكمُ ما تَقدَّمَها.

أ لا تَرىٰ أنّه لا يَحسُنُ مِن أحَدِنا أن يَقولَ - و قد عزَمَ علىٰ سَفَرٍ أو هَمَّ بأمرٍ -:

«مَن صَحِبَني في سَفَري أو ساعَدَني علَى الأمرِ الذي هَمَمتُ به، كانَ شَريكي في ضَيعَتي(3)، و المسموعَ القولِ عندي، و المقدَّمَ مِن بَينِ أصحابي، و له ألفُ دِرهَمٍ » و يريدَ بجميعِ ما ضَمَّنَه الكلامَ الإيجابَ ، ما عَدا ذِكرِ الألْفِ فإنّه يريدُ: أنّه سيَنالُ ألْفاً(4)و يَصِلُ إليه مِن غيرِ جهتِه، و مِن غيرِ أن يَكونَ هو سبباً في الاستحقاقِ .

[5.] و يُمكِنُ أن يُبطَلَ تأويلُ مَن حمَلَ جميعَ الألفاظِ المرويّةِ في النصِّ علَى الخبرِ بالطريقةِ (5)التي تَقدَّمَت في اعتبارِ الإجماعِ (6)لأنّ الناسَ في الأخبارِ التي يَروونها في النصِّ الجَليِّ بَينَ مُثبِتٍ لها قاطعٍ علىٰ صحَّتِها، و بَينَ نافٍ لها مكذِّبٍ


1) . في «ص»: «يبايعني».

2) . في «د، ف» و المطبوع: «يتّسق». و ينسق، أي يعطف. راجع: تاج العروس، ج 13، ص 457 (نسق).

3) . في «د، ص» و المطبوع و الحجري: «في صنعتي».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «ألف درهم».

5) . في «د» و المطبوع و الحجري: «بالطريق».

6) . تقدّمت في ص 33.

بها. و مَن نَفاها لا يَشُكُّ في(1)حَملِها علَى الإيجابِ و مبايَنةِ حَملِها علَى الخبرِ لقَولِه، و مَن أثْبَتَها ذهَبَ إلَى الإيجابِ فيها(2)دونَ الخبرِ، أو إلَى الأمرَينِ جميعاً(3)- علىٰ جوابِ مَن تَعلَّقَ مِن أصحابِنا بالاحتمالِ ، و حمَلَ اللفظَ علىٰ سائرِ محتَمَلاتِه - فحَملُها علَى الخبرِ دونَ الإيجابِ للإمامةِ قولٌ خارجٌ عن الإجماعِ .


1) . في «د»: + «مباينة».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «منها».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «معاً».

مناقَشةُ دَعوَى الإجماعِ علىٰ إمامةِ أبي بَكرٍ

اشارة

قالَ صاحبُ الكتابِ :

و اعلَمْ‌(1)أنّ الذي به تَثبُتُ إمامةُ أبي بَكرٍ: هو(2)الإجماعُ الذي ترتُّبُه(3)يَقتَضي نفيَ‌(4)كُلِّ شيءٍ يَتعلَّقونَ به و يَزعُمونَه(5)دالّاً علىٰ إمامةِ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ ، و أنّه مصروفٌ عن ظاهرِه متأوَّلٌ إن كانَ ظاهرُه(6)يدُلُّ علىٰ ما يَدَّعونَه(7)لأنّه قد ثبَتَ أنّ الإجماعَ حُجّةٌ ، و صَحَّ أنّه يَجِبُ (8)لأجلِه صَرفُ الكلامِ عن ظاهرِه، و أنّه بمَنزِلةِ الأدلّةِ العقليّةِ و السمعيّةِ في ذلكَ .

و قد بيّنّا أنّه لا يُمكِنُ أن يُقالَ في شيءٍ مِن أدلّتِهم أنّه لا احتمالَ فيها،


1) . في المغني: «اعلم» بدون الواو.

2) . هكذا في المغني. و في النسخ و المطبوع: «مِن» بدل «هو».

3) . في المغني: «نرتّبه». و في «ج، ص»: «ثبوته».

4) . هكذا في النسخ. و في المطبوع و الحجري و المغني: «في» بدل «نفي».

5) . في «ط»: «تتعلّقون به و تزعمونه».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «و إن كان له ظاهر».

7) . في «ص، ف»: «ما تدّعونه».

8) . في المغني: «لا يجب».

بل لا بُدَّ مِن دخولِ الاحتمالِ في جميعِها.

فيَصِحُّ لأجلِ ذلكَ‌(1)أن يُتأوَّلَ ما يورِدونَ‌(2)في هذا البابِ‌، و يُصرَفَ إلىٰ غيرِ ظاهرِه(3)، أو يُخَصَّ بدليلِ الإجماعِ‌.

و إذا(4)كانَ مَشايِخُنا إنّما قالوا بإمامةِ أبي بَكرٍ مِن جهةِ دليلِ الإجماعِ‌، فمتىٰ ثبَتَ لهم ذلكَ صَحَّ الطعنُ به في جُملةِ أدلّتِهم، فلَو لَم نَشتغِلْ بأدلّتِهم أصلاً لَصَحَّ‌، و للَزِمَهم عندَ ذلكَ أن يُكلِّمونا في هذا الدليلِ‌(5): هل هو صحيحٌ أم لا؟

فإن صَحَّ لنا علىٰ ما نُرتِّبُه، فقَد كُفينا مَؤونةَ الاشتغالِ بأدلّتِهم واحداً واحداً.

و إن لَم يَصِحَّ و لا معوَّلَ لنا في إمامةِ أبي بَكرٍ إلّاعليه، فقد كُفوا هُم(6)مَؤونةَ الاشتغالِ بهذه الأدلّةِ‌؛ لأنه لا خِلافَ أنّ‌(7)إمامةَ أبي بَكرٍ إذا لَم تَصِحَّ‌(8)، فالصحيحُ إمامةُ عليٍّ عليه السلامُ‌.

و هذا يبيِّنُ أنّ الواجبَ التشاغُلُ بهذه الدَّلالةِ (9)لأنّها إن صَحَّت فلا وجهَ


1) . في المغني: «في جميع ذلك» بدل «لأجل ذلك».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «ما يروون».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «و يصرف عن ظاهره».

4) . في «ج، ص، ط، ف» و المغني: «فإذا».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «و لو لم نشتغل بأدلّتهم أصلاً، و لصحّ إلزامهم عند ذلك أن يكلّمونا في هذا الباب».

6) . في حاشية الحجري: «كفيناهم». و في المطبوع: «كفوهم».

7) . في «ج»: «في أنّ ».

8) . في «ج، د، ص» و الحجري: «لم يصحّ ».

9) . هكذا في المغني، و يشهد له تكرار هذه العبارة فيما بعد. و في النسخ و المطبوع: «بالدلالة» بدل «بهذه الدلالة».

لأدلّتِهم، و إن لَم تَصِحَّ فقد استَغنَوا عن أدلّتِهم(1)لأنّ في كِلا الطَرَفَينِ الإجماعُ يُغني(2)عن إيرادِ هذه الأدلّةِ‌.

و لَيسَ لهم أن يَقولوا: إنّ إيرادَ هذه(3)الأدلّةِ المَقصَدُ بها إبطالُ قولِ مَن يَدَّعي إمامةَ أبي بَكرٍ مِن جهةِ النصِّ‌.

لأنّا قد بيّنّا أنّ ذلكَ القولَ متروكٌ‌، و أنّه لا معوَّلَ عليه؛ لأنّ أحَداً لَم يَدَّعِ‌

النصَّ عليه إلّامِن جهةِ أخبارِ الآحادِ التي يَتعلَّقُ بها أصحابُ الحديثِ‌، أو مِن جهةِ التقديمِ للصلاةِ الذي(4)يبيِّنُ أنّه أشَدُّ احتمالاً مِن سائرِ ما يُذكَرُ مِن(5)النُّصوصِ‌، و إنّما ذَكَرنا المَذاهِبَ المعتمَدةَ‌، و لَيسَ إلّا(6)ما ذَكَرناه مِن الوجهَينِ .

علىٰ أنّ ذلكَ يوجِبُ أن يورِدوا هذه الحُجَجَ علَى البَكريّةِ و أصحابِ الحديثِ دونَنا، و هُم إنّما يَقصِدون بالحِجاجِ هذه الطائفةَ (7)التي تدخُلُ معهم في طريقةِ النظَرِ، و تَعتمِدُ علىٰ قولِهم(8).

و لَم نَقُلْ ذلكَ لأنّ إيرادَهم(9)هذه الأدِلّةَ لا يَصِحُّ ، و إنّما أورَدناه لنبيِّنَ أنّ


1) . في «ج، ص، ط، ف»: «عن دلالتهم». و من قوله: «لأنّها إن صحّت...» إلى هنا ساقط من المغني.

2) . في المغني: «مغني».

3) . في المطبوع: - «هذه».

4) . في «ج»: «التي».

5) . في «ج»: «في».

6) . في «ج، ص، ف»: - «إلّا».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: - «الطائفة».

8) . في المغني: + «و ذلك يبيّن صحّة ما قدّمناه».

9) . في «د»: «إرادتهم».

هذه الطريقةَ يُمكِنُ أن يُعترَضَ بها علَى الجميعِ‌، و أنّها متىٰ صَحَّت لَم يَلزَمِ (1)الاشتغالُ بأدلّتِهم إلّاكما يَلزَمُ في باب التوحيدِ مِن الاشتغالِ بتأويلِ الآيِ (2)المتشابِهةِ . [و قد بيّنّا أنّ الإجماعَ حُجّةٌ و أنّ طَعنَهم في ذلكَ لا يَصِحُّ ، و إنّما يَبقىٰ بَينَنا و بَينَهم أنّ الإجماعَ الذي نَدَّعيهِ في إمامةِ أبي بَكرٍ هل هو ثابتٌ أم لا؟ فإذا صَحَّ ثَباتُه فلَيسَ إلّاما ذَكَرناه].(3)

يُقالُ له: الإجماعُ حُجّةٌ كما ذَكَرتَ ، لكِنْ إذا(4)ثبَتَ و لَم يُقتصَرْ فيه علَى الدَّعوىٰ ، و سنبيِّنُ بُطلانَ ما يُدَّعىٰ مِن الإجماعِ علىٰ إمامةِ أبي بَكرٍ إذا صِرنا إلَى الكلامِ في إمامتِه، بعَونِ اللّٰهِ .(5)

بيان عدم دخول الاحتمال في النصّ ، و دخوله في الإجماع علىٰ أبي بكر

فأمّا دخولُ الاحتمالِ في(6)أدلّتِنا فقد بيّنّا ما فيه(7)، و أبطَلنا دخولَ الاحتمالِ الذي هو بمَعنَى التكافؤِ و تَساوي الأقوالِ فيها، و ذَكَرنا أنّ ظواهرَها لا يَجوزُ الانصرافُ عنها، و أنّه لا يَصِحُّ (8)أن يَقومَ دليلٌ يَقتَضي العُدولَ عمّا نَذهَبُ (9)إليه في مفهومِها.


1) . هكذا في «د». و في المغني: «لم يجب». و في سائر النسخ و المطبوع: «لم يلزمهم».

2) . في المغني: «بالآي» بدل «بتأويل الآي».

3) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 129-130. و ما بين المعقوفين من المصدر.

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «إن».

5) . سوف يأتي في ج 4، ص 129 و ما بعدها.

6) . في «د» و المطبوع و الحجري: «على».

7) . تقدّم في ص 27-28.

8) . في «ج، ص، ط» و حاشية الحجري: «لا يصلح».

9) . في «د، ص، ط» و الحجري: «عمّا يذهب».

و سنَدُلُّ فيما بَعدُ علىٰ أنّ خبرَ الغَديرِ - و هو قولُه عليه السلامُ‌: «مَن كنتُ مَولاه فعَليٌّ مَولاه» - و خبرَ المَنزِلةِ - و هو قولُه عليه السلامُ‌: «أنتَ مِنّي بمَنزِلةِ هارونَ مِن موسىٰ‌، إلّاأنّه لا نَبيَّ بَعدي» - لا يَصِحُّ أن يُحمَلا علىٰ غيرِ الإمامةِ‌(1)، لا حقيقةً و لا مَجازاً، و أنّ‌(2)حَملَهما(3)علىٰ خِلافِ الإمامةِ يَقتَضي إخراجَ الخِطابِ عن حَدِّ

الحِكمةِ‌(4)و الصوابِ‌، و أنّ إيجابَ الإمامةِ يَتناوَلُ الحالَ التي تَلي وَفاتَه عليه السلامُ بلا فَصلٍ‌؛ و لا نَذكُرُ في ذلكَ إلّاأدلّةً قاطعةً لا يَدخُلُها تأويلٌ و لا احتمالٌ‌.

علىٰ أنّ ما يَدَّعيه المخالِفونَ مِن الإجماعِ علىٰ إمامةِ أبي بَكرٍ محتَمِلٌ أيضاً؛ لأنّ إطباقَ الكُلِّ علَى الرضا بإمامتِه غيرُ معلومٍ ضرورةً‌، و إنّما يُتعلَّقُ فيه(5)بالإمساكِ عن النَّكيرِ و الكَفِّ عن المنازَعةِ و المخالَفةِ‌، و ذلكَ غيرُ معلومٍ و لا مسلَّمٍ في جميعِ الأحوالِ‌، و لَو سُلِّمَ في جميعِها لَم يَكُن فيه دَلالةٌ علَى الرضا؛ لأنّ الرضا لا يُعلَمُ بوقوعِ الكَفِّ عن النَّكيرِ فقَط دونَ أن يُعلَمَ أنّه لا وجهَ للكَفِّ إلّاالرضا.

فقد تَقرَّرَ بما ذَكَرناه دخولُ الاحتمالِ فيما يَدَّعونَه(6)مِن الإجماعِ ، و جازَ أن يُصرَفَ عن ظاهرِه لَو كانَ له ظاهرٌ يَقتَضي الرِّضا، و لَيسَ كذلكَ علَى(7)الحقيقةِ .

و إذا ثبَتَت هذه الجُملةُ ، فلَو لَم يَصِحَّ ما قَدَّمناه - مِن نفيِ الاحتمالِ عن أدلّتِنا الذي(8)


1) . في «ص، ط»: «أن يحملا على غير الإمام». و في «د» و المطبوع و الحجري: «أن يحملا إلّاعلى الإمامة».

2) . في «ج، ف»: «فإنّ ».

3) . في «د» و المطبوع و الحجري: «حملها».

4) . في «ج، ص، ف»: «الحكم».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «منه».

6) . في «د» و المطبوع و الحجري: «على ما يدّعونه».

7) . في «ج، ص، ف»: - «على».

8) . في «ص»: «التي».

إذا ثَبَتَ (1)قَضىٰ علىٰ ما يَدَّعونَه مِن الإجماعِ الذي هو محتمِلٌ في نفسِه، و دخَلَها الاحتمالُ علىٰ ما يَدَّعيه المخالِفُ - لَوَجَبَ إذا كانَ الاحتمالُ داخلاً(2)في الأمرَينِ أن يَبطُلَ الترجيحُ ، و يَجِبَ أن يُنظَرَ في كُلِّ واحدٍ مِن الأمرَينِ علىٰ حِدَتِه؛ فإذا صَحَّ قَضَينا به علىٰ فَسادِ الآخَرِ.

نقض كلام القاضي بنفس طريقته

فأمّا قولُه: «فمتىٰ ثبَتَ لهم ذلكَ - يَعني دليلَ الإجماعِ - صَحَّ الطعنُ به في جُملةِ أدلّتهم» إلىٰ قولِه: «و هذا يبيِّنُ أنّ الواجبَ التشاغُلُ بهذه الدَّلالةِ‌؛ لأنّها إن صَحَّت فلا وجهَ لأدلّتِهم، و إن لَم تَصِحَّ فقد استَغنَوا عن أدلّتِهم».

فعَلَيه فيه مثلُ‌(3)ما له؛ لأنّا نَقولُ له: و إذا(4)صَحَّ ما يُستدلُّ به علىٰ صحّةِ النصِّ‌، و قامَت حُجّتُه، صَحَّ الطعنُ به في جُملةِ أدلّةِ مَن خالَفَنا، التي مِن جُملتِها التعلُّقُ بالإجماعِ (5)، فلَو لَم نَشتغِلْ بأدلّتِهم أصلاً لَصَحَّ ، و لَلَزِمَهم أن يُكلِّمونا فيما نَعتمِدُه

هل هو صحيحٌ أم لا؟ فإن صَحَّ فقَد كُفِينا(6)مَؤونةَ الاشتغالِ بأدلّتِهم، و إن لَم يَصِحَّ شيءٌ ممّا نَعتمِدُه مِن أدلّةِ النصِّ فقد كُفوا هم(7)مَؤونةَ الاشتغالِ بأدلَّتِهم(8)لأنّ إمامةَ


1) . في المطبوع و الحجري: «ثبتت».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «واحداً».

3) . في «ج، ص، ط، ف» و حاشية الحجري: «كلّ ».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «فإذا».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «الإجماع المتعلّق به» بدل «التعلّق بالإجماع».

6) . في المطبوع و الحجري: «كفيناهم».

7) . في «ط» و حاشية «ف»: «كفيناهم». و في «ص»: «كفوا». و في «د» و المطبوع و الحجري: «كفاهم».

8) . في «د» و المطبوع و الحجري: «بأدلّتنا».

أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ إذا لَم تَصِحَّ فالصحيحُ إمامةُ أبي بَكرٍ.

و هذه مقابَلةٌ له بمِثلِ لفظِه أو بقَريبٍ منه، فإن وجَبَ بما ذَكرَه العُدولُ عن الكلامِ في أدلّتِنا إلَى الكلامِ فيما يَدَّعي مِن الإجماعِ ، وجَبَ بمِثلِه العُدولُ عن الكلامِ في الإجماعِ إلَى الكلامِ في أدلّتِنا.

تهافت كلام القاضي

و مِن العجَبِ أنّه يعارِضُ فيما تَقدَّمَ‌(1)ما نَرويهِ مِن النصِّ الجَليِّ علىٰ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ بما يُحكىٰ عن العبّاسيّةِ‌(2)ما تَدَّعيهِ مِن النصِّ علىٰ صاحبِهم(3)العبّاسِ و يُسَوّي بَينَ القولَينِ‌، و هو يَقولُ في هذا الفَصلِ‌: «إنّه لا خِلافَ أنّ إمامةَ أبي بَكرٍ إذا لَم تَصِحَّ فالصحيحُ إمامةُ عليٍّ‌» فهو(4)هاهنا لا يَحفِلُ بقَولِ العبّاسيّةِ‌، و يُسقِطُه عن جُملةِ‌(5)أقوالِ المُجمِعينَ‌، و فيما تَقدَّمَ يَجعَلُه مُساوياً لقَولِ الشيعةِ التي لا يُخرِجُ قولَها مِن الإجماعِ !!

و هكذا صنَعَ في بابِ البَكريّةِ ؛ لأنّه عارَضَ بقَولِهم قولَ الشيعةِ فيما تَقدَّمَ (6)، و أنكَرَ علىٰ مَن حكَمَ فيهم(7)بالشُّذوذِ، و جعَلَهم كشيعةِ أميرِ المؤمِنينَ


1) . تقدّم في ج 2، ص 403.

2) . «العبّاسيّة»: القائلون بأنّ العبّاس منصوص على إمامته، و قد ذكرهم المصنّف رحمه اللّٰه في غير موضع من هذا الكتاب، و أشار إلى أنّهم كانوا قليلين في زمانهم، و أنّهم من الفرق المنقرضة في زمانه. و قد ألّف الجاحظ كتاباً حكى فيه مقالتهم و حجاجهم. راجع: فرق الشيعة، ص 47-48.

3) . في «ج، ص، ط، ف»: - «صاحبهم».

4) . في «د» و الحجري: «و هو».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «و يجعله ساقطاً من جملة».

6) . تقدّم في ج 2، ص 383.

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «فيه».

عليه السلامُ في سائرِ الأحوالِ‌، و قالَ في هذا الفَصلِ‌: «إنّ قولَهم متروكٌ لا معوَّلَ‌(1)عليه»!! فهو إذا شاءَ أن يَحتَجَّ بقَولِهم قوّاه و شيَّدَه، و إذا رأىٰ أنّ الحُجّةَ في قولِهم عليه ضعَّفَه و وهَّنَه! و هذه صورةُ مَن يَنصُرُ الباطلَ‌.

و لَيسَ مَقصَدُنا بإيرادِ أدلّتِنا إبطالَ قولِ مَن يَدَّعي إمامةَ أبي بَكرٍ مِن جهةِ النصِّ حسَبَ ما سأل نفسَه(2)عنه، بَل مَقصَدُنا بإيرادِها إبطالُ كُلِّ قولٍ يُخالِفُ النصَّ علىٰ

أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ ، فكَيفَ يظُنُّ أنّ أدلّتَنا تَتناوَلُ خِلافَ البَكريّةِ ، دونَ خِلافِ مَن أثبَتَ إمامةَ أبي بَكرٍ مِن جهةِ الاختيارِ؟

و الوجهُ الذي منه يُتَناوَلُ خِلافُ البَكريّةِ مِن مِثلِه يُتَناوَلُ خِلافُ مَن عَداهم؛ لأنّه كما يَبطُلُ قولُ مَن ادَّعَى النصَّ علىٰ أبي بَكرٍ متىٰ ثبَتَ النصُّ علىٰ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ ، كذلكَ يَبطُلُ قولُ مَن ادَّعىٰ ثُبوتَ إمامةِ أبي بَكرٍ مِن جهةِ الاختيارِ متىٰ ثبَتَ النصُّ عليه.

إلزام القاضي بنفس ما ألزم به القائلين بالنصّ

فأمّا قولُه: «و لَم نَقُلْ ذلكَ لأنّ إيرادَهم هذه الأدِلّةَ لا يَصِحُّ‌» إلىٰ آخِرِ الفَصلِ ، فمُبطِلٌ لفائدةِ (3)جميعِ ما تَكلَّفَه؛ لأنّه إذا كانَ إيرادُنا لأدلّتِنا يَصِحُّ و يَجِبُ أن يُتكلَّمَ فيها متَى(4)احتَجَجنا بها، و لا يُعدَلُ بنا إلَى الكلامِ فيما يَعتمِدُه المخالِفُ ، فأيُّ ترجيحٍ بَينَ الأدلّةِ؟ و أيُّ ثَمرةٍ لِما تَكلَّفَه و أطالَ الكلامَ فيه ؟

و لا شكَّ أنّ طريقتَهم يُمكِنُ أن يُعترَضَ بها علىٰ جميعِ طُرُقِنا؛ لأنّها لَو صَحَّت


1) . في «ج، ص، ط، ف»: «و لا يعوّل».

2) . في المطبوع و الحجري: - «نفسه».

3) . في «ص، ط»: «بفائدة».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «و يجب أن يكلّم فيها من».

لَم يَلزَمِ الاشتغالُ بأدلّتِنا إلّاكما يَلزَمُ الاشتغالُ بتأويلِ الآيِ المتشابِهةِ‌، حسَبَ ما ذَكرَه، غيرَ أنّ ذلكَ ثابتٌ أيضاً في أدلّتِنا؛ لأنّه لا إشكالَ في أنّ كُلَّ طريقةٍ نَعتمِدُها(1)في النصِّ يَعترِضُ ما يَعتمِدونَه في إمامةِ أبي بَكرٍ، و(2)أنّها متىٰ صَحَّت لَم يَجِبْ أن يُشتغَلَ‌(3)بما يَدَّعونَه مِن الأدلّةِ إلّاكما يُشتَغَلُ (4)بتأويلِ الآيِ المتشابِهةِ .

فقَد ثبَتَ علىٰ كُلِّ حالٍ أنّ الكلامَ في أدلّتِنا متَى اعتَمَدناها يَجِبُ عليهم الكلامُ فيها(5)، و أنّ مَن حادَ عن الكلامِ عليها و نقَلَه إلَى الإجماعِ و ادَّعىٰ أنّه هو الواجبُ مُطالِبٌ بما لا يَلزَمُ .


1) . في «د، ط»: «يعتمدها».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: - «و».

3) . في المطبوع و الحجري: «أن نشتغلَ ».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «كما نشتغل».

5) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «الكلام فيها».

الكلام في الأدلّة الدالّة علىٰ إمامة أمير المؤمنين عليه السلام

اشارة

الدليل الأوّل و الثاني و الثالث دليل العصمة، و الأفضليّة، و المطاعن

اشارة

قالَ صاحبُ الكتابِ :

[و نحنُ نذكُرُ الآنَ سائرَ الطرُقِ التي يَذكُرونَها في إمامةِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ مِن نصٍّ و غيرِه، و نَتكلَّمُ عليه إن شاءَ اللّٰهُ ].(1)

دليلٌ لهم آخَرُ(2): رُبَّما سَلَكوا في أنّه(3)الإمامُ مسلَكَ مَن يَدَّعي أنّه لا يصلُحُ‌(4)للإمامةِ سِواه، و يزعُمُ أنّ الإمامةَ إذا لَم يَصِحَّ أن يَكونَ‌(5)إلّابنَصٍّ (6)فيَجِبُ أن يَكونَ النصُّ عليه حاصلاً و إن لَم يُنقَلْ .

و لهم في ذلكَ طُرُقٌ :

[1.] إمّا(7)أن يَقولوا: إذا كانَ الإمامُ لا بُدَّ مِن أن يَكونَ معصوماً، و لَم


1) . ما بين المعقوفين من المغني.

2) . في المغني: - «آخر».

3) . في المطبوع: - «أنّه».

4) . في «د» و المطبوع و الحجري: «لا يصحّ ».

5) . في المطبوع: «أن تكون».

6) . في المغني: «و يزعم أنّ الإمامة إذا لم تكن إلّابنصّ ».

7) . في المطبوع و الحجري: «و إمّا».

يَثبُتْ في الصَّحابةِ مَن يُعلَمُ (1)عصمتُه غيرُه، فيَجِبُ أن يَكونَ هو الإمامَ .

[2.] و رُبَّما قالوا: إذا ثبَتَ أنّ الإمامَ لا يَكونُ إلّاالأفضَلَ ، و ثَبَتَ فيه عليه السلامُ أنّه(2)الأفضَلُ ، فكأنّ النصَّ علىٰ إمامتِه منقولٌ و إن لَم يُنقَلْ .

[3.] و رُبَّما قالوا: إذا صَحَّ في غيرِه أنّه لا يصلُحُ للإمامةِ - لوجوهٍ (3)مِن القَدحِ يَذكُرونها في أبي بَكرٍ و غيرِه - فيَجِبُ أن يَكونَ الإمامُ عليّاً عليه السلامُ ، و أن يَكونَ هناكَ نَصٌّ و إن لَم يُنقَلْ .

[و لَيسَ يُمكِنُهم التعلُّقُ بالنصِّ مِن غيرِ نقلِ النصِّ إلّامِن هذه الوجوهِ ، و بادّعاءِ المُعجِزِ الذي قد بيّنّا فَسادَه].(4)

تقرير المصنّف لدليل العصمة

يُقالُ له: قد أَورَدتَ دليلَ التعلُّقِ بالعصمةِ علىٰ غيرِ وجهِه، و رَتَّبتَه علىٰ وجهٍ لا يدُلُّ معه علىٰ ما جَعَلناه دليلاً عليه، و لَو جَعَلتَ بَدَلاً مِن قولِكَ -: «و لَم يَثبُتْ في الصحابةِ مَن يُعلَمُ عصمتُه غيرُه» - أنّه لَم يَكُن فيمَن ادُّعِيَت له الإمامةُ بَعدَ الرسول صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه إلّامَن تَقطَعُ (5)الأُمّةُ علَى ارتفاعِ العصمةِ عنه، غيرُه عليه السلامُ ، لَصَحَّ الكلامُ .

و نحنُ نرتِّبُ هذا الدليلَ علىٰ وجهِه، ثمّ نبيِّنُ ما وَلِيَه(6)مِن الأدلّةِ التي ذَكرَها.


1) . في المغني: «نعلم».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: + «هو».

3) . في «ج، ص، ف»: «بوجوه».

4) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 131. و ما بين المعقوفين من المصدر.

5) . في النسخ: «يقطع». و ما أثبتناه من المطبوع.

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «و نبيّن ما يليه».

أمّا الدليلُ الأوّلُ‌: فمَبنيٌّ علىٰ أصلَينِ‌(1):

أحَدُهما: أنّ الإمامَ لا يَكونُ إلّامعصوماً كعِصمةِ الأنبياءِ عليهم السلام.

و الأصلُ الثاني: أنّ الحَقَّ لا يَجوزُ خروجُه عن جميعِ الأُمّةِ‌.

فأمّا الأصلُ الأوّلُ‌: فقَد تَقدَّمَت الأدلّةُ عليه، و مضَى الكلامُ فيها مُستَقصىً‌.(2)

و الأصلُ الثاني: لا خِلافَ بَينَنا و بَينَ صاحبِ الكتابِ فيه، و إن كُنّا مختَلِفينَ في عِلّتِه؛ لأنّا نوجِبُ أنّ الحقَّ لا يخرُجُ مِن جُملتِهم مِن حَيثُ ثبَتَ أنّ بَينَهم معصوماً لا يَجوزُ أن يَخلوَ منه زَمانٌ مِن الأزمِنةِ‌(3)، و صاحبُ الكتابِ يوجِبُ مِثلَ ما أوجَبناه(4)بغَيرِ(5)علّتِنا. و قد تَقدَّمَت الأدلّةُ علىٰ أنّ الإمامَ لا يَخلو الزمانُ منه، و أنّه لا يَكونُ إلّا معصوماً، فقَد صارَ الأصلُ الثاني أيضاً مدلولاً عليه و لَحِقَ بالأوّلِ‌.

و إذَن ثَبَتَ الأصلانِ اللذانِ ذَكَرناهما.

و وَجَدنا الأُمّةَ في الإمامةِ بَعدَ الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه علىٰ ثلاثةِ أقوالٍ‌، لَيسَ وَراءَها رابعٌ‌:

أحَدُها: قولُ مَن ذهَبَ إلىٰ أنّ الإمامَ بَعدَه أميرُ المؤمِنينَ عليه السلامُ بنَصِّه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه بالإمامةِ . و هو قولُ الشيعةِ ، علَى اختلافِها.

و الآخَرُ: قولُ مَن ذهَبَ إلىٰ أنّ أبا بَكرٍ هو الإمامُ بَعدَه، علَى اختلافِ مَذاهبِهم في اعتقادِ النصِّ عليه أو الاختيارِ. و هو قولُ أكثَرِ مخالِفينا في الإمامةِ ؛ مِن المُعتزِلةِ ، و(6)


1) . في «ج، ص، ط، ف»: «اثنين» بدل «أصلين».

2) . تقدّم في ج 2، ص 135 و ما بعدها.

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «أن يخلو الزمان منه».

4) . في «د» و المطبوع و الحجري: «أوجبنا».

5) . في «د، ف»: «لغير».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «و من».

أصحابِ الحَديثِ‌، و المُرجئةِ‌(1)، و مَن وافَقَهم.

و الثالثُ‌: قولُ العبّاسيّةِ الذينَ ذَهَبوا إلىٰ أنّ العبّاسَ رضي اللّٰه عنه هو الإمامُ بَعدَ الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، علىٰ شُذوذِهم و انقراضِهم، و قِلّةِ عَددِهم في الأصلِ‌.

و وَجَدنا قولَ مَن أثبَتَ إمامةَ أبي بَكرٍ و قولَ مَن أثبَتَ إمامةَ العبّاسِ باطلَينِ‌؛ لإجماعِ الأُمّةِ علىٰ أنّ صاحبَيهما(2)لَم يَكونا معصومَينِ بالعصمةِ‌(3)التي عَنَيناها. و إذا لَم يَكونا معصومَينِ‌، و ثبَتَ بالعقلِ أنّ الإمامَ لا يَكونُ إلّامعصوماً، بَطَلَت دَعوىٰ مَن ادَّعىٰ إمامتَهما.

و إذا بطَلَ هذانِ القولانِ‌، ثبَتَ قولُ الشيعةِ‌، و أنّه حَقٌّ‌؛ لأنّه لَو لَحِقَ بهما في البُطلانِ لَكانَ الحَقُّ خارِجاً مِن الأُمّةِ‌.

فقَد ثبَتَ بهذا الترتيبِ أنّ الإمامَ بَعدَ الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه أميرُ المؤمِنينَ عليه السلامُ بنَصِّه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه بالإمامةِ ؛ لأنّ كُلَّ مَن قالَ : إنّه - صَلَواتُ اللّٰهِ عليه - الإمامُ بَعدَ الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه بلا فَصلٍ ، لَم يُثبِتِ الإمامةَ له عليه السلامُ إلّابالنصِّ .


1) . الإرجاء على معنيين: أحدهما بمعنى التأخير؛ لأنّهم كانوا يؤخّرون العمل عن النيّة و العقد. و الثاني إعطاء الرجاء؛ فإنّهم كانوا يقولون: لا تضرّ مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة. و قيل: الإرجاء تأخير حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة. فعلى هذا المرجئة و الوعيديّة فرقتان متقابلتان. و قيل: الإرجاء تأخير عليّ عليه السلام عن الدرجة الأُولى إلى الرابعة. و المرجئة أربعة أصناف: مرجئة الخوارج، و مرجئة القدريّة، و مرجئة الجبريّة، و المرجئة الخالصة. و محمّد بن شبيب و الصالحي و الخالدي من مرجئة القدريّة. الملل و النحل للشهرستاني، ج 1، ص 161-162؛ الفَرق بين الفِرق، ص 190.

2) . هكذا في المطبوع و الحجري. و في النسخ: «صاحبهما».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «العصمة».

و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ : كَيفَ تَدَّعونَ (1)الإجماعَ علَى ارتفاعِ العصمةِ عن أبي بَكرٍ، و في الناسِ مَن يَذهَبُ إلىٰ عصمتِه ؟

لأنّا لَم نَنفِ بالإجماعِ العصمةَ التي يُمكِنُ أن يَدَّعيَها بعضُ الناسِ ؛ لأنّهم و إن قالوا فيه و في غيرِه أنّه معصومٌ بالإيمانِ أو بما يَرجِعُ إلىٰ هذا المَعنىٰ ، فلَيسَ فيهم مَن يُثبِتُ له العصمةَ التي نوجِبُها للأنبياءِ عليهم السلام، و لا اعتبارَ بقَولِ مَن حَمَلَ نفسَه علىٰ ما يخالِفُ المعلومَ مِن المَذاهبِ المستقِرّةِ .

دليل الأفضليّة

فأمّا دليلُ التعلُّقِ بالأفضَلِ‌: فهو علَى النحوِ الذي ذَكَره صاحبُ الكتابِ‌؛ لأنّه إذا دَلَّ الدليلُ علىٰ أنّ الإمامَ لا يَكونُ إلّاالأفضَلَ‌، و ثبَتَ أنّه عليه السلامُ الأفضَلُ‌، وَجَبَت إمامتُه(2).

و قد يُستدلُّ أيضاً علىٰ إمامتِه عليه السلامُ بما يقارِبُ هذا الوجهَ‌؛ و هو أن يُقالَ‌:

قد ثَبَتَ بالأدلّةِ القاطعةِ أنّ الإمامَ لا يَكونُ إلّاأعلَمَ الأُمّةِ‌(3)بجميعِ الدِّينِ‌؛ دقيقِه و جليلِه، حتّىٰ لا يَشِذَّ عنه شيءٌ مِن علومِه(4)، و قد ثَبَتَ بالإجماعِ أنّ أبا بَكرٍ و العبّاسَ - و هُما اللذانِ ادَّعىٰ مخالِفو الشيعةِ إمامتَهما بَعدَ الرسولِ‌(5)صَلّى اللّٰهُ عليه

و آلِه - لَم يَكونا بهذه الصفةِ ، بَل كانا فاقدَينِ لكثيرٍ مِن علومِ الدِّينِ ، و ذلكَ ظاهرٌ مِن حالِهما. فبطَلَت إمامتُهما، و ثبَتَت إمامةُ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ ؛ لأنّه لا قولَ لأحَدٍ مِن الأُمّةِ بَعدَ الأقوالِ الثلاثةِ التي ذَكَرناها.


1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «يدّعون».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «و ثبت أنّه عليه السلام أفضل من غيره وجبت له الإمامة».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «إلّا الأعلم» بدل «إلّا أعلم الأُمّة».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «من علومه شيء».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «النبيّ ».

دليل المطاعن

فأمّا طريقةُ الطعنِ في أنّ غيرَه لا يصلُحُ للإمامةِ فواضحةٌ‌، و قد اعتمَدَها شُيوخُنا رحمهم اللّٰه قَديماً(1). و رُبَّما(2)ذَكَروا(3)فيما يُخرِجُ‌(4)أبا بَكرٍ مِن الصلاحِ للإمامةِ ارتفاعَ العصمةِ عنه، و إخلالَه بكَثيرٍ مِن علومِ الدِّينِ‌؛ و هو الأقوىٰ و إن رجَعَ إلىٰ ما تَقدَّمَ‌. و رُبَّما ذَكَروا أنّه أُخِّرَ عن الوِلاياتِ‌(5)و قُدِّمَ عليه(6)غيرُه، و أنّه عُزِلَ عن أداءِ سورةِ بَراءةٍ بَعدَ أن تَوجَّهَ بها، و عُزِلَ أيضاً عن الجَيشِ المبعوثِ‌(7)لفَتحِ خَيبَرَ بَعدَ أن بانَ قُبحُ أثرِه فيه، و أَورَدَ(8)الرسولُ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه عَقيبَ عَزلِه مِن القولِ ما لا شكَّ في خروجِه مَخرَجَ التهجينِ و التوبيخِ ، حتّىٰ إنّ كَثيراً مِن أصحابِنا ذَهَبوا إلىٰ أنّ ما تَضمَّنَه قولُه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(9)في تلكَ الحالِ مِن(10)الوصفِ لأميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ - بمَحبَّتِه(11)للّٰه و رسولِه، و مَحبّةِ اللّٰهِ و رسولِه له - تدُلُّ علَى انتفائه عمّن عُزِلَ عن الوِلايةِ ، و يَذكُرونَ أشياءَ كثيرةً مِن هذا الجِنسِ (12)هي مذكورةٌ في الكتُبِ مشهورةٌ يَستَخرِجونَ مِن جميعِها كَونَ الرجُلِ


1) . في «ج، ص، ف»: - «رحمهم اللّٰه قديماً».

2) . في «ج، ص»: «فربّما».

3) . أي ذكروا من جملة المطاعن.

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «ما يخرج».

5) . في «ج»: «أنّه من أخّر الولايات».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: - «عليه».

7) . في «ج، ط، ف»: «الذي بُعث»، و في «ص»: «الذي بعثه» بدل «المبعوث».

8) . في «ص»: «أورده».

9) . في النسخ المخطوطة: «عليه السلام».

10) . في «د» و المطبوع و الحجري: «في».

11) . في المطبوع و الحجري و بعض النسخ: «محبّته» بدون الباء.

12) . في «د» و المطبوع و الحجري: «في هذا الجيش».

ممّن لا يصلُحُ للإمامةِ ، و سيأتي الكلامُ فيها مشروحاً عندَ انتهائنا إلَى الكلامِ في إمامةِ أبي بَكرٍ(1)بمَشيئةِ اللّٰهِ و عَونِه(2).

قالَ صاحبُ الكتابِ :

و أمّا(3)ادّعاؤهم أنّ الإمامَ لا يَكونُ إلّامعصوماً، فقَد قُلنا فيه ما وَجَبَ‌(4)، فلا يُمكِنُهم جَعلُ ذلك أصلاً في هذا البابِ‌.

علىٰ أنّ طريقَ العِلمِ بأنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ معصومٌ ثُبوتُ‌

النصِّ علىٰ عَينِه؛ لأنّ الذي يدُلُّ مِن جهةِ العقلِ‌(5)علىٰ ذلكَ - إن دَلَّ - إنّما هو عصمةُ الحُجّةِ مِن غير تعيينٍ‌. و إذا(6)صَحَّ ذلكَ‌، فمتىٰ قالوا: «إنّه منصوصٌ عليه لكَونِه معصوماً(7)، و إنّما يحصُلُ معصوماً بالنصِّ‌(8)» فقد عَلَّقوا النصَّ عليه بالعصمةِ‌، و العصمةَ بالنصِّ‌. و هذا يوجِبُ أنّ كُلَّ واحدٍ منهما لا يدخُلُ في أن يَكونَ معلوماً [فكَيفَ يَصِحُّ التعلُّقُ بما هذا حالُه‌؟](9).

فأمّا قولُهم أنّه الأفضَلُ‌، ففيمَن يُخالِفُهم مَن يَقولُ : «إنّ الأفضَلَ أبو بَكرٍ»، فكَيفَ (10)يُمكِنُ إثباتُ النصِّ بذلكَ؟


1) . سوف يأتي في ج 4، ص 325 و ما بعدها.

2) . في «ج، ص، ط، ف»: - «و عونه».

3) . في «ج، ص، ط، ف» و المغني: «فأمّا».

4) . هكذا في «د» و الحجري و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «بما وجب».

5) . في المغني: - «من جهة العقل».

6) . في المغني: «فإذا».

7) . في المطبوع و الحجري: + «بالنصّ ».

8) . في الحجري: - «و إنّما يحصل معصوماً بالنصّ ».

9) . ما بين المعقوفين من المغني.

10) . في «ج، ص، ط، ف»: «و كيف».

و فيمَن يُخالِفُهم(1)مَن لا يُسلِّمُ أنّ الأحَقَّ بالإمامةِ الأفضَلُ ، بَل يجوِّزُ إمامةَ المفضولِ علىٰ كُلِّ وجهٍ ، أو يجوِّزُ إمامةَ المفضولِ إذا كانَ في الفاضلِ عِلّةٌ تُقعِدُه، أو كانَ هناكَ عُذرٌ(2).

و فيهم مَن يُجَوِّزُ(3)إمامةَ مَن غيرُه مِثلُه في الفَضلِ ، [فكَيفَ يَصِحُّ التعلُّقُ بما ذَكَروه ؟](4)

يُقالُ له: أمّا ما أحَلتَ عليه مِن كلامِكَ في العصمةِ‌، فقَد تَقدَّمَ نقضُه و بَيانُ فَسادِه، و دَلَّلنا علىٰ وجوبِ كَونِ الإمامِ معصوماً بما استَحكَمناه و استَقصَيناه.(5)

و لَو كانَ طريقُ العِلمِ بأنّ أميرَ المؤمِنينَ عليه السلامُ معصومٌ (6)ثُبوتَ النصِّ عليه، و لا طريقَ إليه غيرُه - حسَبَ ما ظَنَنتَ - لا يَلزَمُنا(7)شيءٌ ممّا أَورَدتَه؛ لأنّكَ بَنَيتَه علىٰ ما لا نَعتمِدُه، فقُلتَ : «و متىٰ قالوا: إنّه منصوصٌ عليه لكَونِه معصوماً، و إنّما يَحصُلُ معصوماً بالنصِّ ، وجَبَ كَذا و كَذا» و هذا ممّا لَم نَقُلْه و لا نَقولُه(8).

و الذي اعتَمَدناه(9)في كَونِه عليه السلامُ منصوصاً عليه(10)قد تَقدَّمَ (11)، و جُملتُه:


1) . في «ج، ص، ط، ف»: «يخالف».

2) . في «ج، ص، ف»: «في الفاضل علّة يتعذّر إذا كان هناك عذر».

3) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و المغني. و في «د» و المطبوع و الحجري: «و فيهم من يقول: يجوز».

4) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 131-132. و ما بين المعقوفين من المصدر.

5) . تقدّم في ج 2، ص 135 و ما بعدها.

6) . في المطبوع و الحجري: «معلوم»، و هو سهو.

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «لم يلزمنا».

8) . في «ج، ص، ط، ف»: «ممّا لا تقوله و لم نقله».

9) . في «ج، ص، ط، ف»: «اعتمدنا عليه».

10) . في «ج، ص، ف»: «معصوماً» بدل «منصوصاً عليه».

11) . في المطبوع و الحجري: «فقد تقدّم». و ما أشار إليه قد تقدّم في ص 50-53.

أنّ الدليلَ إذا دَلَّنا(1)علىٰ أنّ الإمامَ في الجُملةِ لا بُدَّ مِن عصمتِه(2)، و أجمَعَت(3)

الأُمّةُ علَى ارتفاعِ العصمةِ عمّن ادُّعيَت إمامتُه بَعدَ الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه سِوىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ (4)، فقَد وَجَبَ بُطلانُ إمامةِ مَن عداه، و ثَبَتَت إمامتُه عليه السلامُ . و كَيفَ (5)يَجوزُ أن نَقولَ (6): إنّه منصوصٌ عليه لكَونِه معصوماً، و قد ثبَتَت(7)العصمةُ عندَنا لِمَن لَيسَ بإمامٍ؟

فإن قيلَ : فكَيفَ (8)السبيلُ إلَى العِلمِ بعصمتِه عليه السلامُ مِن(9)هذا الاستخراجِ و علىٰ هذه الطريقةِ؟ و أنتم تَعلَمونَ أنّه لَيسَ كُلُّ مَن قالَ بأنّه المنصوصُ عليه بَعدَ الرسولِ يَذهَبُ إلىٰ عصمتِه؛ لأنّ مَن ذهَبَ مِن الزيديّةِ إلَى النصِّ يُثبِتُه و يُخالِفُ في العصمةِ .

قُلنا: إذا ثبَتَ أنّه عليه السلامُ المنصوصُ عليه بالإمامةِ ، و كانَ العقلُ دالاًّ علىٰ أنّ الإمامَ لا يَكونُ إلّامعصوماً، وجَبَت(10)عصمتُه.

فأمّا التعلُّقُ بمنازَعةِ من نازَعَنا في كَونِه عليه السلامُ الأفضَلَ : فغَيرُ نافعٍ ؛ لأنّا لَم نَعتمِدْ(11)علىٰ أنّه لا خِلافَ فيه، و لَيسَ كُلُّ ما وقَعَ فيه خِلافٌ يَجِبُ أن يَبطُلَ


1) . في «د»: «دللنا».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «لا بدّ أن يكون معصوماً».

3) . في «ج، ص»: «و اجتمعت».

4) . لعدم الإجماع على ارتفاع عصمته عليه السلام؛ باعتبار قول الإماميّة بها.

5) . في «د» و المطبوع و الحجري: «فكيف».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «أن يقولوا». و في «د»: «أن يقول».

7) . في «ج، ص» و الحجري: «و قد ثبت».

8) . في «ج، ص، ف»: «كيف».

9) . في «ج، ص، ط، ف»: «على».

10) . في المطبوع و الحجري: «وجب».

11) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: + «ذلك».

الاعتمادُ عليه. و إذا دَلَّلنا علىٰ أنّه الأفضَلُ‌(1)سقَطَ خِلافُ المخالِفِ ، و سنَدُلُّ عليه عندَ الكلامِ في التفضيلِ .(2)

و أمّا الدليلُ على أنّ المفضولَ لا يَجوزُ أن يَكونَ إماماً، فقَد تَقدَّمَ (3)فيما مضىٰ مِن الكتابِ .(4)

قالَ صاحبُ الكتابِ :

فأمّا(5)توَصُّلُهم إلَى النصِّ بما يَقدَحُ في سائِر مَن يُقالُ إنّه إمامٌ فبَعيدٌ؛ لأنّ مَن خالَفَهم يَنفي عنهم ما يَذكُرونَ‌، و يَزعُمون أنّهم يصلُحونَ للإمامةِ كصلاحِ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ‌، بَل فيمَن خالَفَهم مَن يَعلو(6)فيَقولُ : لا يصلُحُ بَعدَ الرسولِ للإمامةِ غيرُ أبي بَكرٍ، و يقولُ في كُلِّ وقتٍ : إنّ الذي يصلُحُ للإمامةِ لَيسَ إلّامَن تَوَلّىٰ (7).

فإن قيلَ : ألَيسَ رُبَّما تسلُكونَ (8)مع أهلِ الحديثِ مِثلَ ذلكَ في إمامةِ (9)معاويةَ؟ فلِماذا مَنَعتمونا مِن مِثلِه ؟

قيلَ له: لأنّ الوجوهَ التي لا يصلُحُ معاويةُ للإمامةِ معها(10)ظاهرةٌ و لا


1) . في «ج، ص، ط، ف»: «الأصل».

2) . سوف يأتي في ج 4، ص 45 و ما بعدها.

3) . تقدّم في ج 2، ص 272.

4) . في «ج، ص، ط، ف»: + «و الحمد للّٰه ربّ العالمين».

5) . في المغني: «و أمّا».

6) . في «ف» و المغني: «يغلو».

7) . في الحجري و المغني: «من يولّىٰ ».

8) . هكذا في «ج» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع و الحجري: «يسلكون».

9) . في النسخ و الحجري: - «إ مامة». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و المغني.

10) . في «د» و المغني: «لها».

شُبهةَ فيها، فنقرِّبُ بذِكرِها عليهم، لا أنّا نَجعَلُ ذلك أصلاً؛ لأنّ عندَنا أنّ الإمامةَ فيمَن يصلُحُ لها لَم تَثبُتْ‌(1)إلّابوجوهٍ لَم تَثبُتْ في معاويةَ و ثبَتَت في أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ‌، و إنّما يُدفَعُ شيوخُنا إلىٰ‌(2)ذِكرِ ذلك(3)عندَ سؤالٍ يورَدُ عليهم(4)، نَحوُ قولِهم: إنّهم أجمَعوا(5)علىٰ إمامةِ معاويةَ‌، و إنّه عند تسليمِ الحَسَنِ عليه السلامُ سُمّيَ عامُ الجماعةِ‌. فإذا لَم يوجِبْ ذلكَ إمامتَه، فكذلكَ القولُ في إمامةِ أبي بَكرٍ.

فنَذكُرُ(6)عندَ ذلكَ‌: أنّ هذا الكلامَ إنّما يُقالُ‌(7)فيمن يَصلُحُ للإمامةِ و يَكونُ في أمرِه شُبهةٌ‌، و لا يَتأتّىٰ مِثلُه في معاويةَ‌، كما لا يَتأتّىٰ مِثلُه في الخوارجِ و غيرِهم. و تبيَّنَ (8)بهذا الوجهِ و بغَيرِه اختلالُ كلامِهم.

فأمّا أن يُجعَلَ (9)ذلك أصلاً في الإمامةِ فبَعيدٌ.

علىٰ أنّ ما يَقتَضي ثُبوتَ إمامةِ أبي بَكرٍ يُبطِلُ القَدحَ (10)فيه، و يَمنَعُ مِن القولِ بأنّه لا يصلُحُ للإمامةِ ، فيَجِبُ أن يَكونَ الكلامُ في إثباتِ إمامتِه؛ فإنّ ما عَداه تابعٌ له.


1) . في المغني: «لا تثبت».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: - «إلى».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: + «في أمير المؤمنين عليه السلام».

4) . في «د» و المغني: - «عليهم».

5) . في المغني: «اجتمعوا».

6) . في المغني: «فيذكر».

7) . في المغني: «إنّما يذكر و يقال».

8) . في المغني: «فتبيّن». و في «ج، ص، ف»: «و نبيّن».

9) . في المغني: «أن نجعل». و في «ج، ص، ط، ف»: «من جعل» بدل «أن يجعل».

10) . في «ج، ص، ط، ف»: «أن يقدح».

و هذا(1)يبيِّنُ أنّه لا شُبهةَ‌(2)فيما جَرىٰ‌(3)هذا المَجرىٰ مِن الحِجاجِ في إثباتِ النصِّ‌، و أنّ‌(4)الواجبَ أن يَذكروا دليلاً بعَينِه مِن كتابٍ أو سُنّةٍ ليَصِحَّ التعلُّقُ به. و لَيسَ القومُ بهذه الطريقةِ أسعَدَ حالاً ممّن خالَفَهم؛ بأن يَقولَ (5): «لَيسَ بَعدَ إبطالِ النصِّ إلّاطريقةُ الاختيارِ و قد ثبَتَ في إمامةِ أبي بَكرٍ، فيَجِبُ أن يُقالَ بإمامتِه»، و يَكونوا(6)مُحيلينَ

علىٰ أمرٍ معلومٍ .(7)

نفي أن يكون الخلاف في شيء دليلاً علىٰ بطلانه

يُقالُ له: لَيسَ كُلُّ ما طَعَنَ به أصحابُنا في صلاحِ أبي بَكرٍ للإمامةِ ممّا يَتمكَّنُ المخالِفونَ مِن إنكارِه، و إن خالَفوا في كَونِه دليلاً علىٰ أنّه لا يصلُحُ للإمامةِ ؛ لأنّ إخلالَه بكَثيرٍ مِن علومِ الدِّينِ و حاجَتَه فيها إلىٰ غيرِه و تَوَقُّفَه في مَواضعَ منها معلومٌ ظاهرٌ، و كذلكَ كَونُه غيرَ معصومٍ و أنّه ممّن يَجوزُ عليه الخطأُ أيضاً مُجمَعٌ عليه، و قد تَقدَّمَت الأدلّةُ علىٰ أنّ مَن كانَت هذه حالُه لا يصلُحُ أن يَكونَ إماماً.(8)

فأمّا تأخيرُه(9)عن الوِلاياتِ ، و تقديمُ غيرِه عليه، و عزلُه عن وِلايةِ أداءِ سورةِ


1) . في «ج، ص»: + «ليس».

2) . في المغني: «لا يعتمد».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «فيما يجري».

4) . في «د» و المطبوع و الحجري: «فإنّ ».

5) . في المغني: «ممّن يقول».

6) . في المغني: «و نكون».

7) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 132-133.

8) . تقدّم في ج 2، ص 135 و ما بعدها.

9) . في «ج، ص، ط، ف»: «تأخّره».

بَراءةٍ علَى الوجهِ الذي ذَكَرناه: فممّا لا خِلافَ أيضاً فيه، و سنَتكلَّمُ علىٰ ذلك و ما أشبَهَه إذا انتَهَينا إلَى الكلامِ في إمامةِ أبي بَكرٍ(1)، إن شاءَ اللّٰهُ عزّ و جلّ‌(2).

و في الجُملةِ : لَيسَ ثُبوتُ الخِلافِ في الشيءِ دليلاً علىٰ بُطلانِه، و مانعاً مِن الاعتمادِ عليه، و المُراعىٰ في هذا البابِ ما تدُلُّ الأدلّةُ علىٰ صحّتِه(3)، سَواءٌ وَقَعَ الخِلافُ فيه أو الوِفاقُ .

ثُمّ يُقالُ له - في اعتمادِه في جوابِ السؤالِ الذي أورَدَه علىٰ أنّ الوجوهَ التي لا يصلُحُ لها مُعاويةُ للإمامةِ ظاهرةٌ -: ألَيسَ مع ظهورِها عندَكَ قد خالَفَكَ فيها الخَلقُ الكثيرُ ممّن يَعتقِدُ(4)إمامةَ مُعاويةَ‌، و ذَهَبوا في كثيرٍ ممّا يُعتقَدُ كَونُ معاويةَ عليه مِن الأسبابِ المانعةِ مِن صلاحِه للإمامةِ إلىٰ أنّه باطلٌ لا أصلَ له، و في البعضِ الذي سَلَّموا حصولَه إلىٰ أنّه غيرُ دالٍّ علَى ارتفاعِ صلاحِه للإمامةِ؟!

و إذا جازَ أن تَثبُتَ‌(5)حُجَّتُكَ عليهم في أنّ معاويةَ لا يصلُحُ للأمرِ مع ما ذَكَرناه مِن(6)خِلافِهم، و ساغَ لكَ الاعتمادُ علىٰ ما يخالِفونَ فيه، فألّا ساغَ لنا مِثلُه في إمامةِ‌

أبي بَكرٍ؟ و كَيفَ‌(7)جَعَلتَ وقوعَ الخِلافِ علينا فيما نَقولُ أنّ أبا بَكرٍ لا يصلُحُ لأجلِه للإمامةِ (8)مانعاً مِن الاحتجاجِ به، و لَم تُلزِم نفسَكَ مِثلَه في بابِ معاويةَ؟


1) . سوف يأتي في ج 4، ص 325.

2) . في «ج، ص، ط، ف»: - «إن شاء اللّٰه عزّ و جلّ ».

3) . في «ج، ص، ف»: «ما يدلّ على صحّة الأوّلة». و في «د» و الحجري: «يدلّ » بدل «تدلّ ».

4) . في «د»: «يعتقدوا».

5) . في «ج، ص، ط، ف» و الحجري: «أن يثبت».

6) . في «ج، ص، ط»: «في».

7) . في «د» و المطبوع و الحجري: «فكيف».

8) . في «ج، ص، ط»: «الإمامة».

بيان الوجه الأَولىٰ في إبطال إمامة من تُدّعىٰ له الإمامة بلا استحقاق

و مِن العجَبِ قولُه: «فنقرِّبُ بذِكرِها عليهم و لا نَجعَلُها أصلاً»؛ لأنّه لا مانعَ مِن جَعلِ «كَونِ مَن يُدَّعىٰ له الإمامةُ‌(1)لا يَصلُحُ لها». أصلاً في إبطالِ إمامتِه، بَل هو الأَولىٰ عند قيامِ الدليلِ عليه؛ لأنّ كَونَه ممّن لا يَصلُحُ للإمامةِ مُفسِدٌ لإمامتِه، كما أنّ انتفاءَ ما به يَثبُتُ‌(2)الإمامةُ عنه - مِن عقدٍ و غيرِه - مُبطِلٌ لها.

و إنّما كانَ الوجهُ الأوّلُ‌(3)آكَدَ و أَولىٰ‌؛ لأنّه مانعٌ مِن وقوعِ الإمامةِ و جوازِ وقوعِها، و الثاني(4)مانعٌ مِن ثُبوتِها و غيرُ مانعٍ مِن جوازِه؛ ألا تَعلَمُ أنّا(5)لَو أُلزِمنا إمامةَ كافرٍ أو متظاهِرٍ بالفِسقِ‌، أو مَن لَيسَ له نَسَبٌ في قُرَيشٍ‌، لَكانَ الأَولىٰ أن نبيِّنَ أنّه لا يصلُحُ للإمامةِ‌، و نجعَلَ بَيانَ حالِه مُبطِلاً لإمامتِه، و لا نَعدِلَ إلىٰ ذِكرِ انتفاءِ ما به تَثبُتُ‌(6)الإمامةُ مِن عقدٍ و ما يَجري مَجراه‌؟

و لَسنا نَعلَمُ بَينَ إيرادِ ما ذَكَرَه مِن كَونِ معاويةَ لا يصلُحُ للأمرِ - في جوابِ السؤالِ الذي حَكاه - و بَينَ إيرادِه ابتداءً فَرقاً يَقتَضي أن يُستَحسَنَ جواباً و يُنكِرَه(7)ابتداءً ؛ لأنّه إذا ساغَ أن يَقولَ لِمَن يَدَّعي الإجماعَ علىٰ إمامةِ معاويةَ : إنّ ذلكَ لا يَتأتّىٰ في معاويةَ لأنّه لا يصلُحُ للإمامةِ ، ساغَ أن يَقولَ أيضاً في الأصلِ لمَن يسألُ عن ثبوتِ إمامةِ معاويةَ : إنّ ثُبوتَ الإمامةِ إنّما يَتأتّىٰ فيمَن يصلُحُ لها، و معاويةُ ممّن لا يصلُحُ لها.


1) . في المطبوع: + «ما».

2) . في «ج، ص»: «ثبت». و في «ف»: «ثبتت».

3) . أي كون من تُدّعىٰ له الإمامة لا يصلح لها.

4) . أي انتفاء ما تثبت به الإمامة عمّن تُدّعىٰ له.

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «ألا يعلم» بدل «ألا تعلم أنّا».

6) . في «ج، د، ص» و الحجري: «يثبت». و في «ط»: «ثبت».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «جواباً ذكره» بدل «جواباً و ينكره».

فإن قالَ : لَم أُرِدْ أنّي لا أجعَلُ ذلك أصلاً في نفيِ إمامةِ معاويةَ ، و إنّما أرَدتُ أن أجعَلَه أصلاً في بابِ انتفاءِ الإمامةِ .

قيلَ له: و لِمَ لا يَكونُ ما ذَكَرتَه أصلاً في نفيِ إمامةِ كُلِّ مَن ثبَتَ أنّه لا يصلُحُ‌

للإمامةِ‌؛ سَواءٌ كانَ معاويةَ أو غيرَه‌؟ اللّهمّ إلّاأن يريدَ: أنّني لا أجعَلُه أصلاً فيمَن يصلُحُ للإمامةِ‌، أو فيمَن لا أعلمُ‌: هل يصلُحُ أم لا؟

و هذا إذا أرَدتَه خارجٌ عمّا نحنُ فيه، و عمّا كلامُنا عليه(1)لأنّ الكلامَ إنّما هو في صحّةِ التطرُّقِ بِ‍ «كَونِ‌(2)مَن يُدَّعىٰ له الإمامةُ لا يصلُحُ لها» إلىٰ نفيِ إمامتِه، كما يَصِحُّ أن يُتطرَّقَ إلىٰ نفيِها بغَيرِه مِن عدمِ العقدِ أو ما يَجري مَجراه.

علىٰ أنّ الجوابَ عن السؤالِ الذي حَكىٰ أنّ شيوخَه دُفِعوا إليه ما نَراه(3)إلّامؤكِّداً للسؤالِ و(4)مُحَقِّقاً له؛ لأنّه إذا جازَ أن يَحصُلَ الإجماعُ علَى الصورةِ التي كانَ (5)عليها في أيّامِ أبي بكرٍ - الذي يَصلُحُ عندَه للإمامةِ - في وِلايةِ مَن لَيسَ بإمامٍ و لا يَصلُحُ للإمامةِ ، فقَد بَطَلَ أن يَكونَ الإمساكُ عن النكيرِ و إظهارُ التسليمِ دَلالةً علىٰ حصولِ الإجماعِ في الحقيقةِ و وقوعِ الرضا في مَوضِعٍ مِن المَواضعِ ؛ لحصولِهما(6)فيمن لَيسَ بإمامٍ و لا يَصلُحُ للإمامةِ .

فأمّا قولُه: «إنّ الذي يَقتَضي ثُبوتَ إمامةِ أبي بكرٍ يَمنَعُ مِن القولِ بأنّه لا يَصلُحُ


1) . في «ج، ص، ط، ف»: «خارج عن الذي نحن فيه، و عن الذي كلامنا عليه».

2) . في «ص، ط» و المطبوع و الحجري: «يكون» بدل «بكون».

3) . في «د، ط»: «ما يراه».

4) . في المطبوع و الحجري: «أو».

5) . في «د» و المطبوع و الحجري: «كانت».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «لحصولها».

للإمامةِ ، و يُبطِلُ القَدْحَ فيه» فإنّما يَصِحُّ لَو ثَبَتَت(1)إمامةُ أبي بكرٍ و قامَ علىٰ صحّتِها دليلٌ ، و نحنُ نبيِّنُ بُطلانَ ما يَظُنُّه دليلاً علىٰ إمامتِه إذا بَلَغنا إليه.(2)علىٰ أنّ الاعتبارَ القياسيَّ الذي قد(3)اعتَمَدناه(4)لَيسَ ممّا(5)يُمكِنُ أن يُدَّعىٰ دخولُ الاحتمالِ أو التخصيصِ (6)فيه كألفاظِ النصِّ ؛ فالكلامُ فيه أَولىٰ مِن العدولِ إلَى الكلامِ فيما يَدَّعونَه مِن الإجماعِ علىٰ أبي بكرٍ الذي قد بيّنّا أنّه يَحتَمِلُ و يُجوِّزُ الانصرافَ عن ظاهرِه.

و قولُه: «لَيسَ بَعدَ إبطالِ النصِّ إلّاطريقةُ الاختيارِ» صحيحٌ أيضاً، غيرَ أنّه لَم يُقِمْ دليلًا(7)علىٰ بُطلانِ ما نَذهَبُ إليه مِن(8)النصِّ‌، و قد بيّنّا صحّةَ الأصلَينِ اللذَينِ جَعَلناهما مقدِّمةً لطريقتِنا(9)، و هُما: العصمةُ‌، و أنّ الحقَّ لا يَخرُجُ عن الأُمَّةِ ؛ فصَحَّ

ما بَنَيناه عليهما، و بَطَلَ ما بَناه صاحبُ الكتابِ علىٰ ثُبوتِ بُطلانِ النصِّ ، لفَقدِ الدَّلالةِ عليه.


1) . في «ج، ص، ط» و الحجري: «لو ثبت».

2) . سوف يأتي في ج 4، ص 238.

3) . في المطبوع و الحجري: - «قد».

4) . الظاهر أنّه يشير إلىٰ دليل العصمة المتقدّم في ص 50، و الذي سوف يشير إليه بعد قليل.

5) . في «ج، ص، ط، ف»: - «ممّا».

6) . في المطبوع و الحجري: «و التخصيص».

7) . في «د»: «لم يَقُمْ دليلٌ ».

8) . في «ج، ص، ط، ف»: «في».

9) . تقدّما في ص 51.

الدليل الرابع آية الولاية

اشارة

قالَ صاحبُ الكتابِ :

دليلٌ لهم آخَرُ:

رُبَّما تَعلَّقوا بقَولِه تَعالىٰ‌: (إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاٰةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ‌)(1). في المغني: «الجميع».(2)و يَقولونَ‌: المُرادُ(3)بالذين آمَنوا أميرُ المؤمنينَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ‌(4)عليه السلامُ‌؛ لأنّه(5)وَصَفَه بصفةٍ لَم تَثبُتْ إلّاله، و هي إيتاءُ الزكاةِ في حالِ الركوعِ‌، و رُبَّما ادَّعَوا في ذلكَ أخباراً منقولةً أنّه الذي أُريدَ به.

و يَقولونَ : قد يُذكَرُ الواحدُ بلفظِ الجمعِ (5) تفخيماً لشأنِه.

و يَقولونَ : المُرادُ(6)بالوليِّ في الآيةِ لا يَخلو مِن وجهَينِ : إمّا أن يُرادَ مَن


1) . المائدة

2) :55.

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «إنّ المراد».

4) . في «ج، ص، ط، ف» و المغني: - «عليّ بن أبي طالب».

5) . في المغني: + «تعالى».

6) . في «ف»: «أنّ المراد».

له التوَلّي(1)في بابِ الدِّينِ‌، أو يُرادَ نَفاذُ الأمرِ و تنفيذُ الحُكمِ‌.

و لا يَجوزُ أن يُرادَ به الأوّلُ‌؛ لأنّ ذلكَ لا يَختَصُّ الرسولَ و لا(2)أميرَ المؤمنينَ‌؛ لأنّ الواجبَ تَوَلّي كُلِّ مؤمنٍ (3)، فلا يَكونُ لهذا الاختصاصِ وجهٌ ، فلَم يَبقَ (4)إلّاأنّ (5)المُرادَ ما ذَكرناه.(6)

تقرير المصنّف للاستدلال بآية الولاية
اشارة

يُقالُ له: ترتيبُ الاستدلالِ بهذه الآيةِ علَى النصِّ‌(7)هو أنّه قد ثَبَتَ أنّ المُرادَ بلفظةِ (وَلِيُّكُمُ‌) المذكورةِ‌(8)في الآيةِ : مَن كانَ مُتحقِّقاً بتدبيرِكم(9)و القيامِ بأُمورِكم و تَجِبُ (10)طاعتُه عليكم، و ثَبَتَ أنّ المَعنيَّ ب‍ (الَّذِينَ آمَنُوا): أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ . و في ثُبوتِ هذَينِ الوصفَينِ (11)دَلالةٌ علىٰ كَونِه عليه السلامُ إماماً لنا.

فإن قالَ‌: دُلّوا أوّلاً علىٰ أنّ لفظةَ «وليُّ » تُفيدُ في الاستعمالِ ما ادَّعَيتُموه مِن

التَحقُّقِ (12)بالتدبيرِ و التصرُّفِ ، ثُمَّ دُلّوا علىٰ أنّ المُرادَ بها في الآيةِ ذلكَ ؛ لأنّه قد


1) . في «ج، ص، ط، ف»: «إمّا أن يكون يراد به المتولّي». و في المغني: - «له».

2) . في «د» و المغني: - «لا».

3) . في المغني: «كلّ قوم».

4) . في المغني: - «فلم يبق».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «إلّا أن يكون».

6) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 133-134.

7) . في «ص»: «النصوص».

8) . في «ج، ص، ط، ف»: «المراد بوليّكم المذكور».

9) . في «ج، ص، ط»: «محقّق تدبيركم».

10) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «و يجب».

11) . في «ج، ص، ط، ف»: «الأصلين».

12) . هكذا في «د، ف» و التلخيص. و في «ج، ص»: «المحقّق». و في «ط»: «التحقيق». و في المطبوع و الحجري: «المتحقّق».

يَجوزُ أن تَحتَمِلَ اللفظَةُ (1)في وَضعِ اللُّغةِ ما لا يَقصِدُ المخاطِبُ بها إليه في كُلِّ حالٍ . و دُلّوا مِن بَعدُ علىٰ تَوجُّهِ لفظَةِ (2)(الَّذِينَ آمَنُوا) إلىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُو أنّه المُتفرِّدُ بها، دونَ غيرِه.(3)

البحث الأوّل: دلالة لفظة «وليّ » في اللغة على التدبير و الإمامة

قيلَ له: أمّا كَونُ لفظةِ «وليُّ‌» مفيدةً لِما ذَكرناه فظاهرٌ لا إشكالَ في مِثلِه؛ ألا تَرىٰ أنّهم يَقولونَ‌: «فُلانٌ وليُّ المرأةِ‌» إذا كانَ يَملِكُ تدبيرَ إنكاحِها و العقدِ عليها، و يَصِفونَ عَصَبَةَ‌(4)المقتولِ بأنّهم «أولياءُ الدمِ‌» مِن حَيثُ كانَت(5)إليهم المُطالَبةُ بالقَوَدِ(6)و الإعفاء(7)، و كذلكَ يَقولونَ في السُّلطانِ‌: «إنّه وليُّ أمرِ الرعيّةِ‌» و فيمن يُرشِّحُه لخِلافتِه عليهم بَعدَه: «إنّه وليُّ عهدِ المُسلِمينَ ».

قالَ الكُمَيتُ (8):


1) . هكذا في التلخيص. و في «د»: «أن يحتمل اللفظة». و في سائر النسخ و المطبوع: «أن يحتمل اللفظ».

2) . في «ج، ص، ط» و المطبوع و الحجري: «لفظ».

3) . فهذه أربعة بحوث.

4) . تقدّم معنى «العصبة» في ج 2، ص 260.

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «كان».

6) . القود: القصاص، و هو قتل النفس بالنفس. النهاية، ج 4، ص 119؛ لسان العرب، ج 3، ص 372 (قود).

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «و العفو».

8) . الكميت بن زيد بن خنيس الأسدي، يكنّى أبا المستهلّ . شاعر مقدّم، عالم بلغات العرب، خبير بأيّامها، و كان معلّماً. منزله الكوفة، و مذهبه في التشيّع و مدح أهل البيت عليهم السلام في أيّام بني أُميّة مشهور. و قصائده الهاشميّات من جيّد شعره و مختاره. قتل في سنة 126 ه‍ و دفن في الكوفة في موضع يقال له «مكران»، قال الباقر عليه السلام لمّا ورده: «مَن لقلبٍ مُتَيَّمٍ مُستهامِ؟»: «لا تزال مؤيَّداً بروح القدس ما دمتَ تقول فينا». و البيت في المتن من هاشميّته

و نِعمَ وليُّ الأمرِ بَعدَ وليِّهِ *** و مُنتَجَعُ التقوىٰ و نِعمَ المؤدِّبُ (1)

و إنّما(2)أرادَ: واليَ الأمرِ(3)و القائمَ بتدبيرِه.

و قالَ أبو العبّاسِ المُبَرَّدُ في كتابِه المترجَمِ ب‍ «العبارةِ‌»(4)

و كان المبرّد و ثعلب عالمين متعاصرين، قد ختم بهما تاريخ الأُدباء. و كان المبرّد يحبّ الاجتماع في المناظرة بثعلب، و كان ثعلب يكره ذلك و يمتنع منه. توفّي سنة 285 أو 286 ه‍ في خلافة المعتضد، و دفن في مقابر الكوفة في دار اشتريت له. معجم الشعراء، ص 470، الرقم 887؛ الفهرست لابن النديم، ص 87؛ تاريخ بغداد، ج 4، ص 151، الرقم 1814؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 56، ص 246، الرقم 7110؛ معجم الأُدباء، ج 6، ص 2678، الرقم 1135؛ وفيات الأعيان، ج 4، ص 313، الرقم 636.

عن صفاتِ اللّٰهِ تَعالىٰ‌:

«أصلُ تأويلِ الوليِّ‌: الذي هو أَولىٰ‌، أي أحَقُّ‌(5)، و مِثلُه المَولىٰ‌».

و في الجُملةِ‌: كُلُّ‌(6)مَن كان والياً لأمرٍ و(7)مُتحقِّقاً بتدبيرِه، يوصَفُ بأنّه وليُّه

التي أوّلها: طربتُ و ما شوقاً إلى البيضِ أطربُ و لا لعباً منّي و ذو الشيب يلعبُ

الشعر و الشعراء، ج 2، ص 566، الرقم 105؛ معجم الشعراء، ص 285، الرقم 530؛ الأغاني، ج 15، ص 113؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 50، ص 229، الرقم 5828؛ رجال ابن داود، ص 281، الرقم 1225؛ معالم العلماء، ص 151.


1) . الهاشميّات، ص 82.

2) . في المطبوع و الحجري: «إنّما» بدون الواو.

3) . في المطبوع و الحجري: «أرادوا وليّ الأمر». و في التلخيص: «أراد وليّ الأمر».

4) . أبو العبّاس، محمّد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي الأزدي، المعروف بالمبرّد النحوي. نزل بغداد، و كان إماماً في النحو و اللغة، و له تصانيف كثيرة في مختلف العلوم و الأدب و اللغة تناهز المائة، بعضها مطبوع و بعضها مخطوط، منها كتاب: الكامل، و الروضة، و المقتضب، و الاشتقاق. و منها الكتاب الذي أشار إليه المصنّف في المتن، و هو في صفات اللّٰه تعالى كما يظهر من المتن، و لم نعثر عليه، و لعلّه من المخطوطات النادرة. أخذ الأدب عن أبي عثمان المازني و أبي حاتم السجستاني و أخذ عنه نفطويه و غيره من الأئمّة.

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «و أحقّ » بدل «أي أحقّ ».

6) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «كلّ ».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: - «و».

و أَولىٰ به في العُرفِ اللُّغويِّ و الشرعيِّ معاً. و الأمرُ فيما ذَكرناه ظاهرٌ جِدّاً.

البحث الثاني: دلالة لفظة «وليّ » في الآية علىٰ معنى التدبير و الإمامة

[1.] و أمّا(1)الذي يَدُلُّ علىٰ أنّ المُرادَ بلَفظةِ «وليُّ‌» في الآيةِ ما بيّنّاه مِن(2)معنَى الإمامةِ‌: فهو أنّه قد ثَبَتَ أوّلاً أنّ المُرادَ ب‍ (الَّذِينَ آمَنُوا) لَيسَ هو جميعَهم علَى العمومِ‌، بَل(3)بعضُهم، و هو مَن كانَت له الصفةُ المخصوصةُ التي هي إيتاءُ الزكاةِ في حالِ الركوعِ‌؛ لأنّه تَعالىٰ كما وَصَفَ بالإيمانِ مَن أخبَرَ(4)بأنّه وليُّنا بَعدَ ذِكرِ نفسِه تَعالىٰ‌(5)و ذِكرِ رسولِه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(6)، كذلكَ‌(7)وَصَفَه بإيتاءِ الزكاةِ في حالِ الركوعِ‌؛ فيَجِبُ أن يُراعىٰ ثُبوتُ الصفتَينِ معاً.

و قد عَلِمنا أنّ الصفةَ الثانيةَ التي هي إيتاءُ الزكاةِ لَم تَثبُتْ في كُلِّ مؤمِنٍ علَى الاستغراقِ‌؛ لأنّ‌(8)مُخالِفينا و إن حَمَلوا نُفوسَهم علىٰ أن يُجوِّزوا(9)مشارَكةَ غيرِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ في ذلكَ الفِعلِ له، فلَيسَ يَصِحُّ‌(10)أن يُثبِتوه لكُلِّ مؤمنٍ‌.

و سنَدُلُّ‌(11)فيما بَعدُ(12)علىٰ أنّ المرادَ وَصفُهم بإعطاءِ الزكاةِ في حالِ الركوعِ ،


1) . في المطبوع و الحجري: «فأمّا».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «في».

3) . في التلخيص: + «هو».

4) . في «ص»: «من أخبرنا». و في التلخيص: «من أخبره».

5) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «تعالى».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «عليه السلام». و في التلخيص: «عليه و آله السلام».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: - «كذلك».

8) . في «ج، ص، ط، ف»: «و لأنّ ».

9) . في التلخيص: «و إن حملوا أنفسهم على أن يجوز».

10) . في «ج، ص، ط، ف»: «فلا يصحّ ».

11) . في «ج، ص، ط، ف»: «و يستدلّ ».

12) . سيأتي في ص 96.

دونَ أن يَكونَ أرادَ: أنّ‌(1)مِن صفتِهم إقامةَ الصلاةِ و إيتاءَ الزكاةِ و مِن صفتِهم الركوعَ‌. و يُبطَلُ‌(2)أيضاً أن يَكونَ المُرادُ بالركوعِ الخُضوعَ‌، دونَ الفِعلِ المخصوصِ‌، عندَ الكلامِ علىٰ ما أورَدَه صاحبُ الكتابِ‌.(3)

و إذا ثَبَتَ تَوجُّهُ الآيةِ إلىٰ بعضِ المؤمنينَ دونَ جميعِهم، و وَجَدناه تَعالىٰ قد

أثبَتَ كَونَ مَن أرادَه مِن المؤمنينَ وليّاً لنا علىٰ وجهٍ‌(4)يَقتَضي التخصيصَ و نفيَ ما أثبَتَه لِمَن عَدا المذكورَ؛ لأنّ لفظةَ «إنّما» تَقتَضي بظاهرِها ما ذَكرناه.

يُبيِّنُ صحّةَ قولِنا: أنّ الظاهرَ مِن قولِهم: «إنّما النُّحاةُ المُدقِّقونَ البَصريّونَ‌» و «إنّما الفَصاحةُ في الشعرِ للجاهِليّةِ‌» نفيُ التدقيقِ في النحوِ و الفَصاحةِ عمَّن عَدا المذكورينَ . و المفهومُ مِن قولِ القائلِ : «إنّما لَقيتُ اليومَ زيداً» و «إنّما أكلتُ رغيفاً» نفيُ لِقاءِ غيرِ زيدٍ، و(5)أكلِ أكثَرَ مِن رَغيفٍ .

و قالَ الأعشى(6):


1) . في «ج، ص، ط، ف»: - «أنّ ».

2) . في المطبوع و الحجري: «و نبطل».

3) . يأتي في ص 85.

4) . في المطبوع: «على وحيه».

5) . في التلخيص: «و نفي».

6) . «الأعشى» هو الذي لا يبصر في الليل. و الملقّبون بهذا اللقب كثيرون أنهاهم الآمدي في المؤتلف و المختلف إلى سبعة عشر شخصاً من جاهليّين و إسلاميّين. و المائز بينهم الإضافة إلى القبيلة، كأعشى حمدان، و أعشى قيس، و أعشى تغلب، و هكذا. و المراد هنا أشهرهم أعشى بن قيس الذي يعرف ب‍ «الأعشى الكبير»، و هو: ميمون بن قيس بن جندل بن شراحيل بن عوف، و يكنّى أبا بصير، و كان أعمى. ولد و نشأ و مات في قرية «منفوحة» قرب مدينة الرياض. كان أحد الشعراء المشهورين في الجاهليّة، و أدرك الإسلام في آخر عمره و رحل إلى النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله ليسلم، و لكنّه لم يسلم. و كان يغنّي في شعره، فكانت العرب تسمّيه «صنّاجة

و لَستَ بالأكثَرِ منهم حَصىً *** و إنّما العِزّةُ للكاثِرِ(1)

و إنّما أرادَ نفيَ العِزّةِ عمّن لَيسَ بكاثِرٍ.

فيَجِبُ أن يَكونَ المُرادُ بلفظِ(2)«وليُّ » في الآيةِ ما يَرجِعُ إلىٰ معنَى الإمامةِ و الاختصاصِ بالتدبيرِ؛ لأنّ ما يَحتَمِلُه(3)هذه اللفظةُ مِن الوجهِ الآخَرِ - الذي هو الموالاةُ في الدينِ و المَحبّةُ - لا تخصيصَ فيه، و المؤمنونَ كُلُّهم مُشتَرِكونَ في معناه. و قد نَطَقَ الكتابُ بذلكَ في قولِه تَعالىٰ : (وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِنٰاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ )(4).

و إذا بَطَلَ حَملُها علَى الموالاةِ ، فلا بُدَّ مِن حَملِها علَى الوجهِ الذي بيّنّاه؛ لأنّه لا مُحتَمَلَ للفظِه(5)سِواهما(6).

[2.] و فيمن يَستَدِلُّ بهذه الآيةِ علَى النصِّ مَن يَقولُ إذا طولِبَ بمِثلِ ما طولِبنا به - و قد ثَبَتَ أنّ اللفظةَ مُحتَمِلةٌ للوجهَينِ جميعاً علىٰ سَبيلِ الحقيقةِ - فالواجبُ حملُها علَى المعنيَينِ معاً؛ إذ هي مُحتَمِلةٌ لهما معاً،(7)و لا تَنافيَ بَينَهما(8).

العرب» لجودة شعره و رقّته، و هو أُستاذ الشعراء في الجاهليّة. توفّي في سنة 7 ه‍. طبقات فحول الشعراء، ج 1، ص 52، الرقم 59؛ الشعر و الشعراء، ج 1، ص 250، الرقم 21؛ الأغاني، ج 9، ص 75، الرقم 21250؛ معجم الشعراء، ص 382، الرقم 725؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 61، ص 327، الرقم 7805.


1) . ديوان الأعشى، ص 93.

2) . في التلخيص: «بلفظة».

3) . في التلخيص: «ما تحتمله».

4) . التوبة (9):71.

5) . في المطبوع و الحجري: «للّفظة» بالتاء. و في التلخيص: «للفظ».

6) . في المطبوع: «سواها».

7) . في «د»: - «معاً».

8) . في «ج، ص، ط، ف»: «فيهما».

و قد بيّنّا فيما تَقدَّمَ أنّ هذه الطريقةَ غيرُ سديدةٍ و لا مُعتَمَدةٍ .(1)

[3.] و منهم مَن يَقولُ أيضاً: إنّ ظاهرَ قولِه تَعالىٰ (إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ‌) يَقْتَضي توَجُّهَ الخِطابِ إلىٰ جميعِ المُكلَّفينَ‌؛ مؤمنِهم و كافرِهم؛ لأنّ أحَدَنا لَو أقبَلَ علىٰ جماعةٍ‌، فشافَهَهم(2)بالخِطابِ بالكافِ‌، لَحُمِلَ‌(3)خِطابُه علىٰ أنّه متوجِّهٌ إلَى الجميعِ‌؛ مِن حَيثُ لَم يَكُن بأن يَتَناوَلَ بعضَهم أَولىٰ مِن أن يَتَناوَلَ كُلَّهم. و جميعُ المُكلَّفينَ فيما تَوجَّهَ‌(4)إليهم مِن خِطابِ القَديمِ تَعالىٰ بمَنزِلةِ مَن شافَهَه(5)أحَدُنا بخِطابِه؛ لأنّهم

جميعاً في حُكمِ الحاضرينَ له، فيَجِبُ أن يَكونَ الخِطابُ مُتَوجِّهاً إلىٰ جميعِهم كما تَوَجَّهَ قولُه تَعالىٰ‌: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ‌)(6)و ما أشبَهَه مِن الخِطابِ إلَى الكُلِّ‌. و إذا(7)دَخَلَ الجميعُ تَحتَه استَحالَ أن يَكونَ المُرادُ باللفظةِ الموالاةَ في الدِّينِ‌؛ لأنّ هذه الموالاةَ يَختَصُّ بها المؤمنونَ دونَ غيرِهم؛ فلا بُدَّ إذَن مِن حَملِها علىٰ ما يَصِحُّ دخولُ الجميعِ فيه، و هو معنَى الإمامةِ و وجوبِ الطاعةِ .

و هذه الطريقةُ أيضاً لا تَستَمِرُّ؛ لأنّها مَبنيّةٌ علىٰ أنّ ظاهرَ الخِطابِ يَقتَضي تَوجُّهَه إلَى الكُلِّ ، و ذلكَ غيرُ صحيحٍ . غيرَ أنّ صاحبَ الكتابِ لا يُمكِنُه دفعُ الاستدلالِ بهاتَينِ الطريقتَينِ (8)علىٰ أُصولِه؛ لأنّه يَذهَبُ إلىٰ ما بَنَينا(9)عليه.


1) . تقدّم في ص 29-30.

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «يشافههم».

3) . في «د، ط» و المطبوع: «يُحمَل».

4) . في «ج، ص، ف»: «يوجّهه». و في «ط»: «توجّهه».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «يشافهه».

6) . البقرة (2):183.

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «فإذا».

8) . في «ج، ص، ط، ف»: «الاستدلال بها من الطريقين».

9) . كذا، و الظاهر أنّ الصحيح: «بُنيتا».

البحث الثالث: توجّه لفظة (الَّذِينَ آمَنُوا) في الآية إلىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلام

فأمّا الذي يَدُلُّ علىٰ تَوجُّهِ لفظةِ (1)(الَّذِينَ آمَنُوا) إلىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ فوجوهٌ :

منها: أنّ الأُمّةَ مُجمِعةٌ (2)مع اختلافِها علىٰ تَوجُّهِها إليه عليه السلامُ ؛ لأنّها(3)بَينَ قائلٍ :

أنّه عليه السلامُ المُختَصُّ بها(4)، و قائلٍ : أنّ المُرادَ بها جميعُ المؤمنينَ الذي(5)هو عليه السلامُ أحَدُهم.

و منها: ورودُ(6)الخبرِ بنَقلِ طائفتَينِ‌(7)مُختَلِفتَينِ و مِن طريقِ (8)الخاصّةِ و العامّةِ (9)بنُزولِ الآيةِ في أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ عندَ تصدُّقِه بخاتَمِه في حالِ ركوعِه، و القِصّةُ في ذلكَ مشهورةٌ . و مِثلُ (10)الخبرِ الذي ذَكرنا(11)إطباقَ أهلِ النقلِ عليه ما يُقطَعُ به.(12)


1) . في «ج، ص، ط»: «لفظ».

2) . في التلخيص: «مجتمعة».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «لأنّه».

4) . في التلخيص: «لأنّها بين قائلين: قائل يقول إنّه عليه السلام المختصّ بها».

5) . في التلخيص: «الذين».

6) . في «ط» و التلخيص: «ورد».

7) . في «د» و المطبوع و الحجري: «طريقتين».

8) . في التلخيص: - «و من طريق».

9) . في «د» و المطبوع و الحجري: «العامّة و الخاصّة».

10) . في المطبوع: «و مثال».

11) . في التلخيص: «ذكرناه و».

12) . أمّا الخاصّة فلا كلام في إجماعهم على الأمر؛ لأنّهم يتّبعون أهل البيت عليهم السلام، و طرق التفسير عنهم واضحة الدلالة على نزولها في أمير المؤمنين عليه السلام. و أمّا العامّة فقد أطبقوا إلّامن شذّ على ذلك. راجع: ذخائر العقبى لمحبّ الدين الطبري، ص 88؛ روح المعاني، ج 6،

و منها: أنّا قد دَلَّلنا علىٰ أنّ المُرادَ بلفظةِ «وليُّ » في الآيةِ ما يَرجِعُ إلىٰ معنَى(1)

الإمامةِ ، و وَجَدنا كُلَّ مَن ذَهَبَ (2)إلىٰ أنّ المُرادَ بهذه اللفظةِ ما ذَكرناه يَذهَبُ إلىٰ أنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ المقصودُ بها، فوَجَبَ تَوجُّهُها إليه.

البحث الرابع: اختصاص أمير المؤمنين عليه السلام بلفظة (الَّذِينَ آمَنُوا) دون غيره

و الذي يَدُلُّ علىٰ أنّه عليه السلامُ المُخَتصُّ باللفظةِ (3)دونَ غيرِه: أنّه إذا ثَبَتَ اقتضاءُ اللفظةِ (4)للإمامةِ و تَوجُّهُها إليه عليه السلامُ بما بيّنّاه، و بَطَلَ ثُبوتُ الإمامةِ لأكثَرَ مِن واحدٍ في الزمانِ ، ثَبَتَ أنّه عليه السلامُ المُتفرِّدُ بها.

و(5)لأنّ كُلَّ مَن ذَهَبَ إلىٰ أنّ اللفظةَ تَقتَضي الإمامةَ أفرَدَه عليه السلامُ بموجَبِها.

قالَ صاحبُ الكتابِ :

و اعلَمْ أنّ المُتَعَلِّقَ بذلكَ لا يَخلو(6)مِن أن يَتَعَلَّقَ بظاهرِه، أو بأُمورٍ تُقارِنُه(7).

ص 149؛ فتح القدير للشوكاني، ج 2، ص 50؛ البحر المحيط، ج 3، ص 513؛ تفسير ابن كثير، ج 2، ص 71؛ أسباب النزول للواحدي، ص 148؛ التذكرة لسبط ابن الجوزي، ص 18؛ نور الأبصار للشبلنجي، ص 105؛ أنوار التنزيل، ص 120؛ تفسير الطبري، ج 6، ص 165؛ الرياض النضرة، ج 2، ص 227؛ العمدة لابن البطريق، ص 59؛ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ج 6، ص 221؛ الدرّ المنثور، ج 2، ص 293؛ الفصول المهمّة لابن الصبّاغ المالكي، ص 123؛ المواقف للإيجي، ج 3، ص 276؛ البداية و النهاية لابن كثير، ج 7، ص 357؛ مطالب السؤول لابن طلحة الشافعي، ص 31.


1) . في المطبوع: - «معنى».

2) . في التلخيص: «يذهب».

3) . في التلخيص: «باللفظ».

4) . في التلخيص: «اللفظ».

5) . في التلخيص: - «و».

6) . في المغني: + «إمّا».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «أو أُمور تفارقه».

فإن تَعلَّقَ بظاهرِه فهو غيرُ دالٍّ علىٰ ما ذَكَرَه.(1)و إن تَعلَّقَ بقَرينةٍ فيَجِبُ أن يُبَيِّنَها، و لا قَرينةَ في ذلكَ (2)، مِن إجماعٍ أو خبرٍ مقطوعٍ به.

فإن قيلَ : مِن(3)أينَ أنّ ظاهرَه لا يَدُلُّ علىٰ ما ذَكرناه ؟

قيلَ له: مِن وجوهٍ‌؛ أحَدُها: إنّه تَعالىٰ ذَكَرَ «الذينَ آمَنوا» مِن غيرِ تخصيصٍ بمُعيَّنٍ‌(4)أو نصٍّ عليه، و الكلامُ بَينَنا و بَينَهم في واحدٍ مُعيَّنٍ‌؛ فلا فَرقَ بَينَ مَن تَعَلَّقَ بذلكَ في أنّه الإمامُ‌، و بَينَ مَن تَعَلَّقَ به(5)في أنّ الإمامَ غيرُه و جَعَلَه نصّاً فيه.

علىٰ أنّه تَعالىٰ ذَكَرَ الجَميعَ‌(6)، فكَيفَ يُحمَلُ الكلامُ علىٰ واحدٍ مُعيَّنٍ؟!

و قولُه: (وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ‌) لَو ثَبَتَ أنّه لَم يَحصُلْ إلّالأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ لَم يوجِبْ ذلكَ أنّه المُرادُ بقَولِه: (وَ الَّذِينَ آمَنُوا)؛ لأنّ صَدرَ الكلامِ إذا كانَ عامّاً لَم يَجِبْ تخصيصُه لأجلِ تخصيصِ الصفةِ ، كما ذَكَرناه(7)في قولِه تَعالىٰ : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّٰاسِ )(8)إلىٰ ما شاكَلَه. و لَيسَ يَجِبُ إذا ما(9)خَصَصنا الذي ذَكَرَه ثانياً لدليلٍ أن


1) . هكذا في «د، ط» و حاشية «ف» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «ما ذكر».

2) . في المغني: - «في ذلك».

3) . في المطبوع و الحجري: «و من».

4) . في «ج، د، ص، ف»: «بعين». و في المغني: «بعليّ ».

5) . في المغني: «بذلك».

6) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و المغني. و في «د» و المطبوع و الحجري: «الجمع».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «ذكرنا».

8) . آل عمران (3):110.

9) . في «د» و المغني: - «ما».

نَخُصَّ (1)الذي ذَكَرَه أوّلاً مِن غيرِ(2)دليلٍ .(3)

يُقالُ له: قد بيّنّا كيفيّةَ الاستدلالِ بالآيةِ علَى النصِّ ، و دَلَّلنا علىٰ أنّها مُتَناوِلةٌ لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ دونَ غيرِه.(4)و في ذلكَ إبطالٌ لِما تَضَمَّنَه صَدرُ هذا الفَصلِ و جوابٌ عنه.

جواز حمل لفظ الجمع على الواحد

فأمّا حَملُ لفظِ الجَمعِ علَى الواحدِ فجائزٌ معهودٌ استعمالُه في اللُّغةِ و الشريعةِ‌؛ قالَ اللّٰهُ تَعالىٰ‌: (وَ السَّمٰاءَ بَنَيْنٰاهٰا بِأَيْدٍ)(5)، و (إِنّٰا أَرْسَلْنٰا نُوحاً)(6)، و (إِنّٰا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ)(7)و إنّما المُرادُ(8)العبارةُ عنه تَعالىٰ دونَ غيرِه، و هو واحدٌ. و مِن خِطابِ المُلوكِ و الرؤساءِ‌: «فَعَلْنا كَذا» و «أمَرْنا بكَذا» و مُرادُهم الوَحدةُ‌، دونَ الجمعِ .

و الأمرُ في استعمالِ هذه الألفاظِ علَى التعظيمِ (9)في العبارةِ عن الواحدِ ظاهرٌ.

فإن أرادَ صاحبُ الكتابِ بقَولِه: «إنّه تَعالىٰ ذَكَرَ الجَميعَ (10)، فكَيفَ يُحمَلُ الكلامُ علىٰ واحدٍ مُعيَّنٍ؟!» السؤالَ عن جوازِ ذلكَ في اللُّغةِ و صحّةِ استعمالِه، فقَد دَلَّلنا عليه(11)و ضَرَبنا له الأمثلةَ .


1) . في المغني: «تخصّص».

2) . في المغني: «لا من دليل».

3) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 134.

4) . تقدّم في ص 69-74.

5) . الذاريات (51):47.

6) . نوح (71):1.

7) . الحجر (15):9.

8) . في «ج، ص، ط، ف»: «أراد».

9) . في «ج، ص، ط، ف»: «هذه اللفظة على سبيل التعظيم».

10) . في المطبوع و الحجري: «الجمع».

11) . في المطبوع و الحجري: - «عليه».

و إن سَألَ عن وجوبِ حَملِ اللفظِ - مع أنّ ظاهرَه للجمعِ - علَى الواحدِ: فالذي يوجِبُه هو(1)ما ذَكرناه فيما تَقدَّمَ .(2)

وجوب تخصيص لفظة «الذين آمنوا»، و نفي عمومها

فأمّا إلزامُه أن يَكونَ لفظُ (الَّذِينَ آمَنُوا) علىٰ عمومِه و إن دَخَلَ التخصيصُ في قولِه تَعالىٰ‌: (وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ‌) فغَيرُ صحيحٍ‌؛ لأنّ اختصاصَ الصفةِ - التي هي

إيتاءُ الزكاةِ في حالِ الركوعِ - يَدُلُّ علَى اختصاصِ صَدرِ الكلامِ‌؛ لأنّ الكُلَّ صفاتُ موصوفٍ واحدٍ(3)ألا تَرىٰ أنّ قائلاً لَو قالَ في وصيّتِه: «أَعطوا(4)مِن مالي كَذا للعَرَبِ الذين لهم نَسَبٌ في بَني هاشمٍ‌»، أو قالَ‌: «لَقيتُ الأشرافَ النازلينَ في مَحلّةِ كَذا» لَم يوجِبْ كلامُه و لَم يُفْهَمْ منه إلّاتفريقُ مالِه علىٰ مَن اختَصَّ مِن العَرَبِ بكَونِه مِن بَني هاشمٍ‌، و أنّه لَقِيَ مِن الأشرافِ مَن كانَ نازلاً في المَحلّةِ المخصوصةِ التي عَيَّنَها، و أنّ أحَداً لا يَقولُ‌: إنّ ظاهرَ كلامِه يَقتَضي إعطاءَ المالِ لكُلِّ العَرَبِ‌، و أنّه لَقِيَ أشرافَ بَلَدِه كُلَّهم، أو أشرافَ جميعِ الأرضِ‌، و يَدَّعي أنّ القولَ المُتقدِّمَ لا يَختَصُّ بتخصيصِ الصفةِ الواردةِ عَقيبَه. فقَد وَجَبَ بما ذَكرناه أن يَختَصَّ لفظةُ (5)(الَّذِينَ آمَنُوا) بمَن آتَى الزكاةَ في حالِ الركوعِ ، كما وَجَبَ (6)اختصاصُ ما استُشهِدَ(7)به مِن المِثالَينِ .


1) . في «ج، ص، ط، ف»: - «هو».

2) . يعني ما تقدّم عند تقرير الاستدلال بآية الولاية علىٰ إمامة أمير المؤمنين عليه السلام، و ذلك في ص 69-74.

3) . في المطبوع و الحجري: «صفات الموصوف الواحد».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «أعط».

5) . في المطبوع و الحجري: «لفظ».

6) . في «ج، ص، ط»: «لِما وجب».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «استشهدنا».

نفي أن يكون حمل الآية علىٰ إمامة أمير المؤمنين عليه السلام مستلزماً لوجود مجازَين فيها

فإن قالَ‌: أراكم(1)قد حَمَلتم الآيةَ علىٰ مَجازَينِ‌: أحَدُهما أنّكم جَعَلتم(2)لفظَ(3)الجمعِ للواحدِ، و المَجازُ الآخَرُ حَملُكم لفظَ الاستقبالِ علَى الماضي؛ لأنّ قولَه: (يُقِيمُونَ الصَّلاٰةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ‌) لفظُه لفظُ استقبالٍ‌(4)، و أنتم تَجعَلونَه عبارةً عن فِعلٍ واقعٍ‌، فَلِمَ صِرتم بذلكَ أَولىٰ منّا إذا حَمَلنا الآيةَ علىٰ مَجازٍ واحدٍ؟

و هو أن يُحمَلَ قولُه تَعالىٰ‌: (وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ‌) علىٰ أنّه أرادَ به: أنّ مِن صفتِهم إيتاءَ الزكاةِ‌، و مِن صفتِهم أنّهم راكعونَ‌، مِن غيرِ أن تَكونَ‌(5)إحدَى الصفتَينِ حالاً للأُخرىٰ (6)هذا إذا ثَبَتَ أنّه إذا حُمِلَ علىٰ ذلكَ كانَ مَجازاً علىٰ نِهايةِ اقتراحِكم.

أو تُحمَلَ (7)لفظةُ (إِنَّمٰا) - إذا عَدَلنا عن تأويلِ الركوعِ بما ذَكرناه - علَى المُبالَغةِ ، لا علىٰ تخصيصِ الصفةِ بالمذكورِ و نفيِها عمّن عَداه. فنَكونَ أولىٰ منكم؛ لأنّ معكم في الآيةِ علىٰ تأويلِكم مَجازَينِ ، و معنا مَجازٌ واحدٌ.

قيلَ له: أمّا ظَنُّكَ (8)أنّ لفظَ(9)(يُؤْتُونَ ) موضوعٌ للاستقبالِ و حَمْلَه علىٰ غيرِه


1) . في التلخيص: «نراكم».

2) . في التلخيص: «قد جعلتم».

3) . في «ج»: «لفظة».

4) . في «د» و المطبوع و الحجري: «الاستقبال».

5) . هكذا في التلخيص. و حاشية الحجري. و في النسخ و المطبوع: «أن يكون».

6) . في التلخيص: «لأُخرى».

7) . هكذا في «ف». و في «ج، ص» و التلخيص: «نحمل». و في «ط»: «يحتمل». و في «د» والمطبوع و الحجري: «تحمله».

8) . في التلخيص: «أمّا قولكم».

9) . في «ج، ص، ط، ف»: «لفظة».

يَقتَضي المَجازَ، فغَلَطٌ؛ لأنّ لفظةَ «يَفعَلونَ‌» و ما أشبَهَها مِن الألفاظِ - التي تَدخُلُ عليها الزوائدُ الأربَعُ الموجِبةُ للمُضارَعةِ‌؛ و هي: الهَمزةُ‌، و التاءُ‌، و النونُ‌، و الياءُ‌(1)- لَيسَت مُجرَّدةً للاستقبالِ‌، بَل هي مُشتَرَكةٌ بَينَ الحالِ و الاستقبالِ‌، و إنّما تَخلُصُ‌(2)للاستقبالِ بدُخولِ «السينِ‌» أو «سَوفَ‌»، و قد نَصَّ علىٰ ما ذَكرناه النحويّونَ في كُتُبِهم، فمَن حَمَلَها علَى الحالِ دونَ الاستقبالِ لَم يَتَعَدَّ الحقيقةَ‌، و لا تَجاوَزَ باللفظةِ ما وُضِعَت له. و علىٰ هذا المعنىٰ‌(3)تَأوَّلنا الآيةَ‌؛ لأنّا جَعَلنا لفظةَ (يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ‌) عبارةً عمّا وَقَعَ في الحالِ مِن أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ‌.

و لَيسَ يَمتَنِعُ أن نَذكُرَ(4)في الجوابِ عن السؤالِ وجهاً آخَرَ - و إن كُنّا لا نَحتاجُ مع ما ذَكرناه(5)إلىٰ غيرِه؛ لأنّه الظاهرُ مِن مَذهَبِ أهلِ العربيّةِ - و هو أن يُقالَ‌: إنّ نُزولَ الآيةِ و خِطابَ اللّٰهِ تَعالىٰ بها يَجوزُ أن يَكونا(6)قَبلَ الفِعلِ الواقعِ في تلكَ الحالِ‌، فتَجري اللفظةُ علىٰ جهةِ‌(7)الاستقبالِ‌، و هو الحقيقةُ‌.

بَل الظاهرُ مِن مَذاهِبِ المُتكلِّمينَ في القُرآنِ : أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ أحدَثَه في السماءِ قَبلَ نُبوّةِ النبيِّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه بمُدَدٍ طِوالٍ . و علىٰ هذا المَذهَبِ لَم يَجرِ لفظُ الاستقبالِ في الآيةِ إلّاعلىٰ وجهِه؛ لأنّ الفعلَ المخصوصَ عند إحداثِ القُرآنِ في الابتداءِ لَم يَكُن إلّامُستَقبَلاً، و إنّما يُحتاجُ (8)- إذا كانَ القولُ في القُرآنِ علىٰ ما


1) . و تجمعها لفظة «أنيت» و هي من علامات الفعل المضارع.

2) . في «ج، ص، ط»: «يخلص». و في التلخيص: «تختصّ ».

3) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «المعنى».

4) . في «د، ط»: «أن يذكر».

5) . في المطبوع و الحجري: «ما ذكرنا».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «أن يكون».

7) . في التلخيص: «على وجه».

8) . في «ج» و التلخيص: «نحتاج».

حَكَيناه - إلىٰ أن تُتأوَّلَ‌(1)ألفاظُه الواردةُ بلفظِ(2)الماضي فيما يُعلَمُ‌(3)أنّه وَقَعَ مُستَقبَلاً، و إلّافما ذُكِرَ بلفظِ الاستقبالِ لا حاجةَ بنا إلىٰ تأويلِه؛(4)لوقوعِه علىٰ وجهِه.

فأمّا لفظةُ (الَّذِينَ‌) فإنّها و إن كانَت موضوعةً في الأصلِ للجمعِ دونَ الواحدِ، فغَيرُ مُمتَنِعٍ أن تَكونَ‌(5)بالعُرفِ و كثرةِ الاستعمالِ قد دَخَلَت في أن تُستَعمَلَ في الواحدِ المُعظَّمِ أيضاً علىٰ سَبيلِ الحقيقةِ‌.

يَدُلُّ علىٰ ذلكَ‌: أنّ قولَه تَعالىٰ‌: (إِنّٰا أَرْسَلْنٰا نُوحاً إِلىٰ قَوْمِهِ‌)(6)و ما أشبَهَه مِن

الألفاظِ لا يَصِحُّ أن يُقالَ أنّه مَجازٌ، و كذلكَ قولُ أحَدِ المُلوكِ‌: «نحنُ الذينَ فَعَلنا كَذا» لا يُقالُ أنّه خارجٌ عن الحقيقةِ‌؛ لأنّ العُرفَ قد ألحَقَه ببابِها، و لا شَكَّ في أنّ العُرفَ يؤثِّرُ هذا التأثيرَ، كما أثَّرَ في لفظةِ «غائطٍ»(7)و ما أشبَهَها.

علىٰ أنّا لَو سَلَّمنا أنّ استعمالَ لفظةِ (الَّذِينَ ) في الواحدِ مَجازٌ و علىٰ وجهِ العُدولِ عن الحقيقةِ ، لَكُنّا بِحَملِ (8)الآيةِ علىٰ هذا الضربِ مِن المَجازِ أَولىٰ منكم بحَملِها علىٰ أحَدِ المَجازَينِ اللذَينِ ذَكَرتُموهما في السؤالِ مِن وجهَينِ :


1) . في «ج، ص، ط»: «أن نتأوّل».

2) . في المطبوع و الحجري: «بلفظة»

3) . في «د» و المطبوع و الحجري: «ممّا يعلم». و في التلخيص: «فيما نعلم».

4) . في «د» و المطبوع و الحجري: «تأوّله». و في التلخيص: «تأويل».

5) . في «ط، ف» و الحجري و التلخيص: «أن يكون».

6) . نوح (71):1.

7) . فإنّ الغائط في الأصل: المطمئنّ الواسع من الأرض، و لمّا كان مَن يريد قضاء الحاجة يطلب ذلك المكان قيل: جاء من الغائط، ثمّ نقلها العرف إلى المعنى المشهور حتّىٰ تُرك المعنى الأوّل. راجع: كتاب العين، ج 4، ص 435؛ الصحاح، ج 3، ص 1147؛ الفروق في اللغة، ص 57؛ النهاية، ج 3، ص 395 (غوط).

8) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: «نحمل».

أ حَدُهما: أنّ المَجازَ الذي له شاهدٌ(1)في الاستعمالِ و جَرَت عادةُ أهلِ اللسانِ باستعمالِه أولىٰ ممّا لَم يَكُن بهذه الصفةِ‌، و قد بيّنّا(2)الشاهدَ باستعمالِ مَجازِنا مِن القُرآنِ و الخِطابِ‌، و أنّه لقُوّتِه و ظهورِه قد يَكادُ يَلحَقُ بالحقائقِ‌(3). و لَيسَ يُمكِنُ المُخالِفَ‌(4)أن يَستَشهِدَ في استعمالِ مَجازِه - لا قُرآناً و لا سُنّةً و لا عُرفاً - في الخِطابِ‌؛(5)لأنّ خُلوَّ سائرِ الخِطابِ مِن استعمالِ مِثلِ قولِه: (وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ‌) إلّاعلىٰ معنىٰ «يؤتونَ الزكاةَ في حالِ الركوعِ‌» ظاهرٌ. و كذلكَ خُلوُّه مِن استعمالِ لفظةِ «إنّما» إلّا(6)علىٰ وجهِ التخصيصِ ، و إن وُجِدَت هذه اللفظةُ فيما يُخالِفُ ما ذَكرناه فلَن(7)يَكونَ (8)ذلكَ (9)إلّاعلىٰ وجهِ الشُّذوذِ و المَجازِ. و لا بُدَّ(10)أن يَكونَ هُناكَ شَبَهٌ قويٌّ بما(11)يَختَصُّ بالصفةِ و لا يثبُتُ إلّاله حتّىٰ يَكونَ المُسوِّغُ لاستعمالِها قُوّةَ الشَّبَهِ بما يَبلُغُ الغايةَ في الاختصاصِ .

و الوجهُ الآخَرُ: أنّا لَو(12)حَمَلنا الآيةَ علىٰ أحَدِ المَجازَينِ اللذَينِ في خبرِ(13)


1) . في «د» و المطبوع: «لم يشاهد» بدل «له شاهد».

2) . في «ج، ص، ط»: + «أنّ ».

3) . في التلخيص: «بالحقيقة». و يقال له: المجاز المشهور، و يتقدّم على الحقيقة المهجورة في باب التعارض.

4) . في «د» و الحجري: «للمخالف». و في «ج»: «لمخالف».

5) . في التلخيص: - «في الخطاب».

6) . هكذا في «ج، د، ف» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع و الحجري: - «إلّا».

7) . في التلخيص: «فليس».

8) . في «ج، ص، ط، ف»: «فلن تكون».

9) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: - «ذلك».

10) . في «ص، ط، ف»: + «من».

11) . في المطبوع و الحجري: - «بما».

12) . في المطبوع و الحجري و التلخيص: «إذا».

13) . في «ج، د، ط»: «في حيّز». و في «ف»: «في خِيَرِ».

المُخالِفِ - ليَصِحَّ‌(1)تأوُّلُها علىٰ معنَى الوَلايةِ في الدينِ‌، دون ما يَقتَضي وجوبَ الطاعةِ و التحقُّقَ بالتدبيرِ - لَم نَستَفِدْ(2)بها إلّاما هو معلومٌ لنا؛ لأنّا نَعلَمُ وجوبَ تَوَلّي المؤمنِ‌(3)في الدِّينِ‌(4)بالقُرآنِ - و قد تَلَونا(5)الآيةَ الدالّةَ علىٰ ذلكَ فيما تَقدَّمَ‌(6). في «د» و المطبوع و الحجري: - «يجب».(7)- و بالسُّنّةِ و الإجماعِ‌، و الأمرُ فيه ظاهرٌ جدًّا؛ لأنّ كُلَّ أحَدٍ(8)يَعلَمُه مِن دينِ‌

الرسولِ صلّى اللّٰه عليه و آله. و إذا عَدَلنا إلَى المَجازِ الذي اختَرناه في تأويلِ الآيةِ‌، استَفَدنا معه بالآيةِ فائدةً ظاهرةً لا تَجري مَجرَى الأُولىٰ (9). و كلامُ الحكيمِ كما يَجِبُ حملُه علَى الوجهِ الذي يُفيدُ عليه، كذلكَ يَجِبُ (9) حَملُه علىٰ ما كانَ أزيَدَ فائدةً ، فظَهَرَت مَزيّةُ تأويلِنا علىٰ كُلِّ وجهٍ .

و بَعدُ، فمَن ذَهَبَ مِن مُخالِفينا إلىٰ أنّ الألِفَ و اللامَ إذا لَم يَكونا للعهدِ اقتَضَتا(10)الاستغراقَ - و هُم الجُمهورُ، و صاحبُ الكتابِ أحَدُ مَن يَرىٰ ذلكَ - لا بُدَّ(11)له في تأويلِ الآيةِ مِن مَجازٍ آخَرَ زائدٍ علىٰ ما تَقدَّمَ ؛ لأنّ لفظةَ (الَّذِينَ آمَنُوا) تَقتَضي(12)


1) . في «ص، ط»: «لصحّ ».

2) . في «ج، د، ص»: «لم يستفد».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «تولّي المؤمن المؤمن». و في التلخيص: «تولّي المؤمنين».

4) . في التلخيص: «في التحقيق».

5) . في المطبوع: «و قد تأوّلنا».

6) . و هي قوله تعالىٰ : (وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِنٰاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ ) التوبة

7) :71. و قد تقدّمت هذه الآية في ص 71.

8) . في «ج، ص، ط، ف»: «كلّ واحد».

9) . في «ج، ص، ط، ف»: «الأوّل».

10) . في «ج، ص»: «اقتضت». و في التلخيص: «اقتضيا».

11) . في المطبوع: «فلا بدّ».

12) . في «ج، ص، ط، ف»: «يقتضي».

الاستغراقَ علىٰ مَذهَبِه، و هو في الآيةِ لا يَصِحُّ أن يَكونَ مُستَغرِقاً لجميعِ المؤمنينَ‌؛ لأنّه لا بُدَّ أن يَكونَ خِطاباً للمؤمنينَ‌؛ لأنّ الموالاةَ في الدينِ لا تَجوزُ(1)لغَيرِهم، و لا بُدَّ أن يَكونَ مَن خوطِبَ بها و وُجِّهَ بقَولِه: (إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ‌) خارجاً عمّن عُنِيَ بالذينَ آمَنوا، و إلّا أدّىٰ إلىٰ أن يَكونَ كُلُّ واحدٍ وليَّ نفسِه! فوَجَبَ أن يَكونَ لفظُ (الَّذِينَ آمَنُوا) غيرَ مُستَغرِقٍ لجميعِ المؤمنينَ‌، و إذا خَرَجَ عن(2)الاستغراقِ خَرَجَ عن الحقيقةِ عندَ كُلِّ‌(3)مَن ذَكرناه(4)مِن مُخالِفينا و لَحِقَ بالمَجازِ، و انضَمَّ هذا المَجازُ إلىٰ أحَدِ المَجازَينِ المُتقدِّمَينِ ، فصارا مَجازَينِ . و علىٰ تأويلِنا - إذا سَلَّمنا(5)أنّ العبارةَ عن الواحدِ بلفظِ الجَمعِ (6)علىٰ سبيلِ التعظيمِ يَكونُ مَجازاً - لا يَتَحَصَّلُ إلّامَجازٌ واحدٌ؛ فصارَ تأويلُنا في هذه(7)الآيةِ (8)أَولىٰ مِن تأويلِه.

قالَ صاحبُ الكتابِ :

و بَعدُ، فمِن أينَ أنّ المُرادَ بالثاني(9)هو أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ و ظاهرُه يَقتَضي الجَمعَ (10)؟


1) . في «ج، د، ص، ط، ف»: «لا يجوز».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «من».

3) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «كلّ ».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «ذكرته».

5) . في التلخيص: «فصارا مجازين على تأويلنا، و إذا سلّمنا».

6) . في التلخيص: «الجميع».

7) . في «د» و التلخيص: - «في هذه».

8) . في «د» و المطبوع و التلخيص: - «الآية».

9) . أي قوله تعالىٰ : (يُقِيمُونَ الصَّلاٰةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ ). و المراد بالأوّل: (وَ الَّذِينَ آمَنُوا). و سوف يصرّح المصنّف رحمه اللّٰه بذلك في بداية جوابه.

10) . في المغني: «الجميع».

و لَيسَ يَجِبُ إذا رُويَ أنّه عليه السلامُ تَصَدَّقَ بخاتَمِه و هو راكعٌ أن لا

يَثبُتَ غيرُه مُشارِكاً له في هذا الفعلِ‌، بَل يَجِبُ لأجلِ الآيةِ‌(1)أن يُقطَعَ في غيرِه بذلكَ‌(2)و إن لَم يُنقَلْ‌؛ لأنّ نَقْلَ ما جَرىٰ هذا المَجرىٰ لا يَجِبُ‌.

و بَعدُ، فمِن أينَ أنّ المُرادَ بقَولِه: (وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ‌) ما زَعَموه، دونَ أن يَكونَ المُرادُ به: أنّهم يؤتونَ‌(3)الزكاةَ و طريقتُهم التواضُعُ و الخُضوعُ؟ ليَكونَ ذلكَ مَدحاً لهم(4)في إيتاءِ الزكاةِ‌، و إخراجاً لهم(5)مِن أن يؤتوها مع المَنِّ و الأذىٰ‌، و علىٰ طريقةِ‌(6)الاستطالةِ و التكبُّرِ؛ فكأنّه تَعالىٰ مَدَحَهم غايةَ المَدحِ‌، فوَصَفَهم(7)بإقامةِ‌(8)الصلاةِ‌، و بأنّهم يؤتونَ الزكاةَ علىٰ أقوىٰ وجوهِ‌(9)القُربةِ‌؛ و أقوىٰ ما تؤدّىٰ (10)عليه الزكاةُ (11)ما ذَكرناه.

و لَيسَ مِن المَدحِ إيتاءُ الزكاةِ (12)مع الاشتغالِ بالصلاةِ ؛ لأنّ الواجبَ في الراكعِ أن يَصرِفَ هِمّتَه(13)و نيّتَه إلىٰ ما هو فيه و لا يَشتَغِلَ بغَيرِه، و متىٰ أرادَ


1) . في «د»: «لأجل أنّه لا يمتنع». و في «ط»: «لأجل أنّه لا يمنع».

2) . في المغني: «يجب بالأثر أن نقطع غيره بذلك».

3) . في المغني: «و يؤتون» بدل «أنّهم يؤتون».

4) . في «ج، ص، ط، ف» و المغني: - «لهم».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: - «لهم». و في المغني: «فأخرج حالهم» بدل «و إخراجاً لهم».

6) . في المغني: «و على طريق».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «بوصفهم».

8) . في المغني: «بإ دامة».

9) . في «ج، ص، ط، ف»: «وجه».

10) . في «ج، ص، ط، ف»: «ما يؤدّى».

11) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و المغني. و في «د» و المطبوع: + «مع».

12) . في «ج، ص، ط، ف»: «و ليس المدح في إيتاء الزكاة».

13) . في المغني: «همّه».

الزكاةَ فَعَلَها تاليةً للصلاةِ‌؛ فكَيفَ‌(1)يُحمَلُ الكلامُ علىٰ ذلكَ ، و لأَن يُحمَلَ (2)علىٰ ما يُمكِنُ (3)تَوفيةُ العمومِ حقَّه معه(4)أَولىٰ ممّا يَقتَضي تخصيصَه ؟(5)

يُقالُ له: قد دَلَّلنا علىٰ أنّ المُرادَ باللفظِ الأوّلِ الذي هو(6)(الَّذِينَ آمَنُوا) أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ و إن كانَ لفظَ جَمعٍ . و اللفظُ الثاني - الذي هو (يُقِيمُونَ

اَلصَّلاٰةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ‌) - إذا كانَ صفةً للمذكورِ باللفظِ الأوّلِ ، فيَجِبُ أن يَكونَ المَعنيُّ بهما واحداً.

و لَم نَعتَمِدْ في أنّه عليه السلامُ المخصوصُ بقَولِه تَعالىٰ : (وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ ) دونَ غيرِه علىٰ نَقلِ الخبرِ، بَل اعتَمَدنا الخبرَ في جُملةِ غيرِه مِن الوجوهِ في الدَّلالةِ علىٰ تَوَجُّهِ الآيةِ إليه عليه السلامُ ، و اعتَمَدنا في أنّه عليه السلامُ المُنفَرِدُ(7)بها دونَ غيرِه علَى الوجهَينِ اللذَينِ قَدَّمناهما.(8)

نفي دلالة لفظة «الركوع» على التواضع و الخضوع

فأمّا حَملُه لفظةَ (9)«الركوعِ » علَى التواضُعِ و الخُضوعِ (10)فغَلَطٌ بيِّنٌ ؛ لأنّ الركوعَ لا


1) . في «ج، ص، ط، ف»: «و كيف».

2) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و المغني. و في «د» و المطبوع و الحجري: «و لا يحمل» بدل «و لأن يحمل».

3) . في المغني: + «فيه».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: - «معه».

5) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 135.

6) . في «ج، ص، ف»: «أنّ المراد باللفظة الأُولى التي هي».

7) . في المطبوع و الحجري: «المتفرّد».

8) . تقدّما في ص 73-74.

9) . في «ج، ص، ط، ف»: «لفظ».

10) . في المطبوع و الحجري: - «و الخضوع».

يُفهَمُ منه في اللُّغةِ و الشرعِ معاً إلّاالتطأطؤُ المخصوصُ‌(1)، دونَ التواضُعِ و الخُضوعِ‌. و إنّما يوصَفُ الخاضعُ بأنّه راكعٌ علىٰ سَبيلِ التشبيهِ و المَجازِ لِما يَستَعمِلُه مِن التطامُنِ و تَركِ التطاوُلِ‌.

قالَ صاحبُ «كتابِ العَينِ‌»(2): «كُلُّ شَيءٍ يَنكَبُّ لوجهِه(3)، فيَمَسُّ برُكبتَيه(4)الأرضَ أو لا يَمَسُّ‌(5)بعد أن يُطأطئَ‌(6)رأسَه، فهو راكعٌ » و أنشَدَ للَبيدٍ(7)

كان معروفاً بالتديّن و الاتّصال باللّٰه أيّام الجاهليّة، فلم يذكر صنماً في شعره، و لا دعا لغير عبادة اللّٰه تعالى، حتّى إذا ما أدرك الإسلام جهر بإسلامه بعد وقعة أُحد حينما بعثه قومه إلى النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله لتطّلع خبره. فرجع إليهم و قد أسلم على يده، و هو يحفظ سوراً من القرآن و يحدّثهم بالبعث و الحشر و مفاهيم الإسلام، حتّى عدّ من الصحابة. و ترك الشعر بعد إسلامه. و هاجر بعد ذلك إلى الكوفة أيّام عمر بن الخطّاب، و كان أثناء إقامته بالكوفة يعدّ من القرّاء، و يقضي أكثر أوقاته في المسجد، أو عاكفاً على قراءة القرآن. و مات بها ليلة نزل معاوية النخيلة لمصالحة الإمام الحسن بن عليّ عليهما السلام في سنة 41 ه‍ و دفن بها.

و البيت المشار إليه في المتن من قصيدة تشمل 20 بيتاً، مطلعها: بَلينا و ما تَبلَى النجومُ الطوالعُ و تَبقَى الديارُ بَعدَنا و المَصانِعُ

:

1) . في «ج، ص، ط، ف»: «لا يفهم منه إلّاالتطأطؤ المخصوص في اللغة و الشرع معاً».

2) . الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي (100-170 ه‍)، الإمام النحوي اللغوي العروضي. هو الذي استنبط علم العروض و حصر أقسامه في خمس دوائر و استخرج منها خمسة عشر بحراً، و هو أوّل من جمع حروف المعجم في بيت واحد. أخذ النحو عنه سيبويه و الأصمعي و النضر بن شميل و هارون بن موسى النحوي. الأنساب للسمعاني، ج 10، ص 167، الرقم 3003؛ الوافي بالوفيات، ج 13، ص 385، الرقم 488؛ قلادة النحر، ج 2، ص 239، الرقم 825؛ رياض العلماء، ج 2، ص 249.

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «منكبّ بوجهه».

4) . في التلخيص و كتاب العين: «فتمسّ ركبته».

5) . في «د» و التلخيص و كتاب العين: «لا تمسّ ».

6) . في «د» و المطبوع و الحجري: «تطأطأ».

7) . لبيد بن ربيعة بن مالك العامري الشاعر، أبو عقيل. كان من شعراء الجاهليّة و فرسانهم، و كان من ذوي المعلّقات، مطلع معلّقته: عَفَتِ الديارُ مَحَلُّها فمُقامُها بِمِنىً تَأَبَّدَ غَوْلُها فرِجامُها

أُخَبِّرُ أخبارَ القُرونِ التي مَضَتْ *** أَدِبُّ كَأَنّي كُلَّما قُمْتُ راكِعُ (1)

و قالَ صاحبُ الجَمهَرةِ (2)

و عدّه ابن شهر آشوب في معالم العلماء من شعراء أهل البيت عليهم السلام، و من شعره: أَهْوَى النبيَّ محمّداً و وَصيَّهُ وَ ابْنَيْهِ وَ ابْنَتَهُ البتولَ الطاهِرَهْ

أَهْلَ الولاءِ فإنّني بولائهم أرجُو السلامَةَ و النَّجا في الآخِرَهْ

و أرَىٰ مَحَبّةَ من يقولُ بِفَضْلِهِم سبباً يُجيرُ من السبيلِ الجائِرَهْ

أرجو بذاك رِضا المُهَيمِنِ وَحْدَهُ يَومَ الوقوفِ على ظُهورِ الساهِرَهْ

معجم الشعراء، ص 491، الرقم 933؛ الفهرست لابن النديم، ص 91؛ تاريخ بغداد، ج 2، ص 191، الرقم 621؛ معجم الأُدباء، ج 6، ص 2489، الرقم 1029.

:

الراكعُ : الذي يَكبو علىٰ وجهِه، و منه الركوعُ في الصلاةِ ؛ قالَ الشاعرُ:

و أفلَتَ حاجِبٌ فَوتَ (3)العَوالي *** علىٰ شَقّاءَ (4)تَركَعُ في الظِّرابِ

الطبقات الكبرى، ج 6، ص 107، الرقم 1877؛ الشعر و الشعراء، ج 1، ص 226، الرقم 25؛ الاستيعاب، ج 3، ص 133، الرقم 2233.


1) . ديوان لبيد، ص 80؛ كتاب العين، ج 1، ص 200 (ركع).

2) . «صاحب الجمهرة» هو محمّد بن الحسن بن دُريد، أبو بكر الأزدي القحطاني (223-321 ه‍). ولد بالبصرة، و انتقل إلى عمان، فأقام بها اثنتي عشرة سنة و عاد إلى البصرة، ثمّ تنقّل في جزائر البحر و فارس، ثمّ رجع إلى بغداد، و اتّصل بالمقتدر العبّاسي، فأجرى عليه في كلّ شهر خمسين ديناراً. و بقي في بغداد إلى أن توفّي فيها في 18 شعبان من سنة 321 ه‍ يوم وفاة أبي هاشم الجبّائي، فقال الناس: «مات علم اللغة و علم الكلام بموت ابن دريد و أبي هاشم». كان من أئمّة اللغة و الشعر و الأدب حتّى قيل فيه: ابن دريد أشعر العلماء و أعلم الشعراء. كان آية في الرواية و الحفظ، حتّى قيل: إنّه إذا قرئ عليه ديوان شعر حفظه من أوّل مرّة، و حكي أنّه أملى كتابه «الجمهرة» من حفظه سنة 297 ه‍ فما استعان عليه بالنظر في شيء من الكتب إلّافي الهمزة و اللفيف. و كتابه «الجمهرة في اللغة» تنقيح و تهذيب ل‍ «كتاب العين» حتّى قيل: و هو كتاب العين إلْ‍ لا أنّه قد غيّره

3) . في «ج، د، ص، ط»: «فوق».

4) . في «ج، ص، ف» و حاشية الحجري: «سمقاء».

أي تَكبو(1)علىٰ وجهِها.(2)

و إذا(3)ثَبَتَ أنّ الحقيقةَ في الركوعِ ما ذَكرناه، لَم يَسُغْ حَملُه علَى المَجازِ لغَيرِ ضرورةٍ .

بيان عدم التنافي بين إيتاء الزكاة و الاشتغال بالصلاة

و يُقالُ له في قولِه: «لَيسَ مِن المَدحِ إيتاءُ الزكاةِ مع الاشتغالِ بالصلاةِ‌، و إنّ الواجبَ علَى الراكعِ أن يَصرِفَ هِمّتَه إلىٰ ما هو فيه»:

إنّما لا يَكونُ ما ذَكَرتَه(4)مَدحاً إذا كانَ قَطعاً للصلاةِ و انصرافاً عن الاهتمامِ بها و الإقبالِ عليها. فأمّا إذا كانَ مع القيامِ بحُدودِها و الأداءِ بشُروطِها، فلا يَمتَنِعُ أن يَكونَ مَدحاً.

علىٰ أنّ الخبرَ الذي بيّنّا ورودَه مِن طريقَينِ مُختَلِفَينِ (5)مُبطِلٌ لتأويلِه هذا(6)لأنّ الروايةَ وَرَدَت بأنّ النبيَّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه لمّا خَرَجَ إلَى المَسجِدِ و سَألَ عمّن تَصدَّقَ علَى السائلِ ، فعَرَفَ أنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ تَصَدَّقَ بخاتَمِه و هو راكعٌ قالَ : «إنّ اللّٰهَ تَعالىٰ قد(7)أنزَلَ فيه قُرآناً» و قَرأَ الآيتَينِ .(8)


1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «يكبو».

2) . جمهرة اللغة، ج 2، ص 770 (ركع).

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «فإذا».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «ما ذكره».

5) . لم يذكر المصنّف رحمه اللّٰه فيما تقدّم نصَّ الخبر، لكنّه أشار إلىٰ وروده بطريقين مختلفين - أي طريق الخاصّة و العامّة، و ذلك في ص 73.

6) . في «ج، ص، ط، ف»: - «هذا».

7) . في المطبوع و الحجري: - «قد».

8) . الرسائل العشر للطوسي، ص 133؛ كنز الفوائد للكراجكي، ج 1، ص 336-337؛ مجمع البيان،

و في هذا دَلالةٌ واضحةٌ علىٰ أنّ فِعلَه عليه السلامُ وَقَعَ علىٰ غايةِ ما يَقتَضي المَدحَ و التعظيمَ‌؛ فكَيفَ يُقالُ‌: إنّه يَتَنافَى(1)الجَمعُ بَينَ الصلاةِ و الزكاةِ؟

و بَعدُ، فإنّا لَم نَجعَلْ إيتاءَ الزكاةِ في حالِ الركوعِ جهةً لفَضلِ الزكاةِ حتّىٰ يَجِبَ الحُكمُ بأنّ فِعلَها في حالِ الركوعِ أفضَلُ‌، بل مَخرَجُ الكلامِ يَدُلُّ علىٰ أنّه وُصِفَ‌(2)بإيتاءِ الزكاةِ في حالِ الركوعِ المذكورِ أوّلاً علىٰ سَبيلِ التمييزِ له مِن غيرِه و التعريفِ‌(3)فكأنّه تَعالىٰ لمّا قالَ‌: (إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا) أرادَ أن يُعرِّفَ مَن عَناه ب‍ (الَّذِينَ آمَنُوا) فقالَ تَعالىٰ‌: (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاٰةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ‌).

غيرَ أنّ وجهَ الكلامِ و إن كانَ ما ذَكرناه، فلا بُدَّ أن يَكونَ في إعطائه الزكاةَ في

حالِ الركوعِ غايةُ الفَضلِ و أعلىٰ وجوهِ القُربِ ؛ بدَليلِ نُزولِ (4)الآيةِ الموجِبةِ للمَدحِ و التعظيمِ فيه عليه السلامُ . و بما(5)وَقَعَ مِن مَدحِه عليه السلامُ أيضاً يُعلَمُ أنّ فِعلَه للزكاةِ لَم يَكُن شاغلاً عن القيامِ بحُدودِ الصلاةِ .(6)

قالَ صاحبُ الكتابِ - بَعدَ أن أَورَدَ كلاماً يَتَضَمَّنُ أنّ إثباتَه عليه السلامُ وليّاً لنا لا

ج 3، ص 325؛ التفسير الكبير، ج 12، ص 383؛ غرائب القرآن، ج 2، ص 605، ذيل الآية 55 من سورة المائدة، مع اختلاف.


1) . في المطبوع و الحجري: + «في». و في «ج، ص»: «ينافي» بدل «يتنافى».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «وصفه».

3) . في المطبوع و الحجري: «و للتعريف».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: - «نزول».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «و لما».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: + «و لا مبطلاً لها».

يَمنَعُ مِن كَونِ غيرِه بهذه الصفةِ‌(1)، و قد تَقَدَّمَ الكلامُ علىٰ ذلكَ (2)- قالَ (3):

و بَعدُ، فإن صَحَّ أنّه المُختَصُّ بذلكَ ، فمِن أينَ أنّه يَختَصُّ بهذه الصفةِ في وقتٍ مُعيَّنٍ و لا ذِكرَ للأوقاتِ فيه ؟

فإن(4)قالوا: لأنّه تَعالىٰ أثبَتَه كذلكَ ، فيَجِبُ أن يَكونَ هذا الحُكمُ ثابتاً له في كُلِّ وقتٍ .

قيلَ لهم: إنّ الظاهرَ إنّما يَقتَضي أنّه كذلكَ في حالِ الخِطابِ‌، و قد عَلِمنا أنّه لا يَصِحُّ أن يَكونَ إماماً مع الرسولِ عليه السلامُ‌، فلا يَصِحُّ التعَلُّقُ بظاهرِه.

و متىٰ قيلَ‌: إنّه إمامٌ مِن بَعدُ في بعضِ الأحوالِ‌، فقَد زالوا عن الظاهرِ، و لَيسوا بذلكَ أَولىٰ ممّن يَقولُ‌: إنّه إمامٌ في الوقتِ الذي ثَبَتَ أنّه إمامٌ فيه(5).

هذا لَو سُلِّمَ‌(6)أنّ المُرادَ بالوليِّ ما ذَكَروه(7)، فكَيفَ و ذلكَ غيرُ ثابتٍ ؛ لأنّه


1) . و فيما يلي نصّ ما جاء في المغني، و هو من تتمّة كلامه المتقدّم: «و بعد، فليس في الآية إلّاإثبات الذين آمنوا وليّاً لنا (في المغني: «و أنا لنا»، و هو سهو) و لا يمنع ذلك كون غير من ذكر بهذه الصفة؛ لأنّ إثبات حكم لواحد لا ينفيه عن غيره. فإن كان المراد بالآية أمير المؤمنين، فمن أين أنّه المختصّ بها دون غيره ؟ و هذا أبعد من دليل الخطاب الذي تعلّق به بعض الفقهاء؛ لأنّهم يقولون: (في المغني: «يتولون»، و هو سهو) تعليق الحكم بصفة الشيء يدلّ على أنّه إذا لم يكن بتلك الصفة بخلافه، و لا يوجبون ذلك في غيره ما دخل تحت الخطاب. و نحن لم نقل: إنّ أمير المؤمنين ليس يولّىٰ ، فمن أين أنّ غيره لا يشركه في ذلك ؟». المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 135.

2) . تقدّم في ص 74 و 85.

3) . في المطبوع: - «قال».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «و إن».

5) . في المغني: «في الوقت الذي أُقيم فيه».

6) . في «د» و المطبوع و الحجري: «لو سلّمنا».

7) . في «ج، ص، ط، ف» و المغني: «ما ذكره».

تَعالىٰ بَدَأَ بذِكرِ نفسِه، و لا يَصِحُّ أن يوصَفَ تَعالىٰ بأنّه وليُّنا بمَعنىٰ إمضاءِ الحُدودِ و الأحكامِ علَى الحَدِّ الذي يوصَفُ به الإمامُ ؛ بَل لا يُقالُ ذلكَ في الرسولِ صلّى اللّٰه عليه و آله،(1)فلا بُدَّ مِن(2)أن يَكونَ محمولاً علىٰ تَوَلّي النُّصرةِ في بابِ الدِّينِ ، و ذلكَ ممّا لا يَختَصُّ بالإمامةِ ، و لذلكَ قالَ مِن بَعدُ: (وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللّٰهِ هُمُ

اَلْغٰالِبُونَ ) (3). في المغني: - «الوليّ ».(4)فبَيَّنَ ما يَحصُلُ لِمَن يَتوَلَّى اللّٰهَ‌(5)مِن الغَلَبةِ و الظفَرِ، و ذلكَ لا يَليقُ إلّا بتَوَلّي النُّصرةِ‌. و لذلكَ ذَكَرَ في الآيةِ الأُولىٰ «الوليَّ‌»(5) و في الآيةِ (6)الثانيةِ «التوَلّيَ »، و فَصَلَ بَينَ الإضافتَينِ ليُبَيِّنَ أنّ المُرادَ تَوَلّي النُّصرةِ في بابِ الدِّينِ ؛ لأنّ ذلكَ هو الذي يَقَعُ فيه الاشتراكُ [فإذا كانَ أحَدُهما وليّاً للآخَرِ، كانَ الآخَرُ وليّاً له و مُتَوَلّياً. و هذا بَيِّنٌ في صحّةِ ما ذَكرناه].(7)

بيان دلالة الآية علىٰ إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بعد الرسول صلى الله عليه و آله بلا فصل

يُقالُ له: أمّا الذي يَدُلُّ علَى اختصاصِه عليه السلامُ بموجَبِ الآيةِ في الوقتِ الذي ثَبَتَ‌(8)له الإمامةُ فيه عندَنا، فهو أنّ كُلَّ مَن أوجَبَ بهذه الآيةِ له عليه السلامُ‌(9)الإمامةَ علىٰ سَبيلِ الاختصاصِ ، أَوجَبَها بَعدَ الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(10)بِلا فَصلٍ ، و لَيسَ يُعتَمَدُ(11)علىٰ ما حَكاه مِن أنّ الظاهرَ إثباتُ الحُكمِ في كُلِّ وقتٍ .


1) . هكذا في المغني. و في النسخ: «عليه السلام».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: - «من».

3) . المائدة

4) :56.

5) . في المغني: «يتولّاه».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: - «الآية».

7) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 136.

8) . في «د»: «يثبت».

9) . في المطبوع و الحجري: - «له عليه السلام».

10) . في «ج، ص، ط، ف»: «عليه السلام».

11) . في «د»: «نعتمد».

و مَن قالَ بذلكَ‌(1)مِن أصحابِنا فإنّه يَنصُرُ هذه الطريقةَ‌؛ بأن يَقولَ : الظاهرُ لا يَقتَضي الحالَ فَقَط، بَل يَقتَضي جميعَ الأوقاتِ التي الحالُ مِن جُملِتها؛ فإذا خَرَجَ بعضُها بدَليلٍ بَقيَ ما عَداه ثابتاً بالظاهرِ أيضاً، و لَم يَسُغِ الزوالُ عنه. و يَقولُ : إنّني أخرَجتُ الحالَ بدليلِ إجماعِ الأُمّةِ علىٰ أنّه لَم يَكُن مع النبيِّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه إمامٌ غيرُه، و لا دليلَ يَقتَضي إخراجَ الحالِ التي تَلي الوفاةَ بلا فَصلٍ .

و المُعتَمَدُ هو الأوّلُ .

نفي دلالة الآية على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بعد عثمان، دون ما قبله من الأحوال

فأمّا الجوابُ لِمَن قالَ‌: «لَستم بذلكَ أَولىٰ ممّن يَقولُ‌: إنّه إمامٌ في الوقتِ الذي تَثبُتُ‌(2)عندَه إمامتُه فيه - يَعني بَعدَ وفاةِ عُثمانَ -»، فهو أيضاً ما قدّمناه(3)لأنّه لا أحَدَ مِن الأُمّةِ يُثبِتُ (4)الإمامةَ بهذه الآيةِ لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ بَعدَ عُثمانَ ، دونَ ما قَبلَها مِن الأحوالِ ؛ بَل لا أحَدَ يُثبِتُها له عليه السلامُ بَعدَ عُثمانَ دونَ ما تَقدَّمَ مِن(5)الأحوالِ علىٰ وجهٍ مِن الوجوهِ و بدَليلٍ مِن الأدِلّةِ .

معنىٰ وصفه تعالىٰ بأنّه وليّنا

و القَديمُ تَعالىٰ و إن لَم يوصَفْ بأنّه وليُّنا بمعنىٰ إقامةِ الحُدودِ علينا، فهو

يوصَفُ بذلكَ بمعنى أنّه أملَكُ بتدبيرِنا و تصريفِنا، و أنّ طاعتَه تَجِبُ علينا. و هذا المعنىٰ هو الذي يَجِبُ للرسولِ و الإمامِ ، و يَدخُلُ تَحتَه إمضاءُ الحُدودِ و الأحكامِ


1) . أي بأنّ الظاهر إثبات الحكم في كلّ وقت.

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «ثبت».

3) . في ص 199.

4) . في «ج، ص، ف»: «تثبت».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «في».

و غيرِها؛ لأنّ إمضاءَها جُزءٌ ممّا يَجِبُ طاعتُه فيه. غيرَ أنّ ما يَجِبُ للّٰهِ تَعالىٰ لا يَصِحُّ أن يُقالَ‌: إنّه مُماثِلٌ لِما يَجِبُ للرسولِ و الإمامِ بالإطلاقِ‌؛ لأنّ ما يَجِبُ له عَزَّ و جَلَّ‌(1)آكَدُ ممّا يَجِبُ لهما؛ مِن قِبَلِ أنّ ما يَجِبُ لهما راجعٌ إلىٰ وجوبِ ما وَجَبَ له عَزَّ و جَلَّ (2)، و لَولا وجوبُه لَم يَجِبْ .

صحّة وصف الرسول صلى الله عليه و آله بأنه وليّ بمعنىٰ إمضاء الحدود و الأحكام

و قولُ صاحبِ الكتابِ : «بَل(3)لا يُقالُ ذلكَ في الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(4)» طَريفٌ ؛ لأنّا لا نَعلَمُ مانعاً مِن أن يُقالَ ذلكَ في الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و هو أحَدُ ما يَجِبُ طاعتُه فيه، و كَيفَ لا يُقالُ و نحنُ نَعلَمُ أنّ الإمامَ بَعدَ الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه خَليفةٌ له و قائمٌ فيما كان يَتَوَلّاه و يَقومُ به مَقامَه(5)؟ و إذا كانَ إلَى الإمامِ إقامةُ الحُدودِ و إمضاءُ الأحكامِ ، فلا بُدَّ أن يَكونا(6)إلىٰ مَن هو خَليفةٌ له و قائمٌ فيها مَقامَه(7).

و لَيسَ له أن يَقولَ : إنّما عَنَيتُ أنّ الرسولَ لا يوصَفُ بإمضاءِ الحُدودِ و إقامةِ الأحكامِ علَى الحَدِّ الذي يوصَفُ به الإمامُ ، و لَم أُرِدْ أنّه لا يوصَفُ بهما أصلاً.

لأنّه لا مانِعَ مِن أن يوصَفا جَميعاً(8)بما ذَكَرَه علىٰ حَدٍّ واحدٍ؛ مِن قِبَل أنّ المُقتَضيَ له فيهما واحدٌ و هو فَرضُ الطاعةِ ، و إن كانا يَختَلِفانِ مِن حَيثُ كانَ


1) . في «ج، ص، ط، ف»: «تعالىٰ ». و في «د»: «جلّ و عزّ».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «ما يجب له تعالى» بدل «ما وجب له عزّ و جلّ ».

3) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «بل».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «عليه السلام»، و هكذا فيما بعد.

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «و قائم مقامه فيما كان يتولّاه و يقوم به».

6) . في «د» و الحجري: «أن يكون».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «و قائم مقامه فيها».

8) . في «ج، ص»: «أن يوصف جميعهما». و في «ط»: «أن يوصف جميعاً».

أحَدُهما نبيّاً و الآخَرُ إماماً. و لَيسَ لاختلافِهما مِن هذا الوجهِ مَدخَلٌ فيما نَحنُ فيه.

نفي دلالة لفظة «وليّ » علىٰ معنى النصرة

فأمّا حَملُه لفظةَ «وليُّ‌» علىٰ معنَى «التَّوَلّي في الدينِ »(1)المذكورِ في الآيةِ الثانيةِ (2)

فغَيرُ صحيحٍ ؛ لأنّه غيرُ مُمتَنِعٍ أن يُخبِرَ تَعالىٰ بأنّه وليُّنا و رسولُه و مَن عَناه ب‍ (الَّذِينَ آمَنُوا)، ثُمَّ يوجِبَ علينا في الآيةِ الثانيةِ تَوَلّيَهم و نُصرتَهم(3)، و يُخبِرَنا بما لنا فيهما(4)مِن الفَوزِ و الظفَرِ. و إذا لَم يَمتَنِعْ ما ذَكرناه، و كُنّا قد دَلَّلنا علىٰ وجوبِ تَناوُلِ الآيةِ الأُولىٰ لمعنَى(5)الإمامةِ ، فقَد بَطَلَ كلامُه.

قالَ صاحبُ الكتابِ - بَعدَ أن ذَكَرَ شَيئاً(6)قد مضَى الكلامُ عليه(7)-:

و قد ذَكَرَ شَيخُنا أبو عليٍّ (8)أنّه قيلَ : إنّها نَزَلَت في جَماعةٍ مِن(9)أصحابِ


1) . أي تولّي النصرة في باب الدين، كما جاء في نهاية كلام صاحب المغني المتقدّم.

2) . و هي الآية 56 من سورة المائدة التي تقدّمت قبيل هذا.

3) . في «ط» و حاشية «ف»: «و نصرهم».

4) . في «ط»: «فيها».

5) . في «ج، ص، ط»: «بمعنى».

6) . و فيما يلي نصّ ما جاء في المغني، و هو من تتمّة كلامه السابق: «فإن قالوا: إنّا لم نستدلّ بظاهر الآية، لكن بالرواية الصحيحة الدالّة علىٰ أنّها نزلت في أمير المؤمنين لمّا تصدّق بخاتمه و هو راكع؛ فيجب أن يكون هو المراد. قيل له: إنّ الذي ذكره من الرواية غير مسلّم على الوجه الذي قصد به؛ لأنّه لا يمتنع ورود الآية عند فعله عليه السلام و لا يكون هو المراد فقط؛ لأنّ ورودها عند أمر لا يوجب صرفها إليه عن ظاهره، بل الواجب حملها على ظاهره. و قد روي مثل ذلك عن كثير من المفسّرين؛ لأنّهم على طريقين: فيهم من يقول: نزلت فيه عليه السلام و يقولون ما أُريد بالآية سواه. و منهم من قال: نزلت في جميع المؤمنين. و على تسليم ذلك لا تدلّ على الإمامة لما قدّمناه». المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 136-137.

7) . تقدّم في ص 74 و ما بعدها.

8) . هو أبو عليّ الجبّائي الذي تقدّمت ترجمته، و جاء ذكره في هذا الكتاب مراراً.

9) . في المغني: + «فضلاء».

النبيِّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه في حالٍ‌(1)كانوا فيها في الصلاةِ و في الركوعِ‌، فقالَ تَعالىٰ‌: (الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاٰةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ‌) في الحالِ‌، و لَم يَعنِ أنّهم يُؤتونَ الزكاةَ‌(2)في حالِ الركوعِ‌، بَل أرادَ أنّ ذلكَ طريقتُهم(3)و هُم في الحالِ راكعونَ‌.

و حَملُ الآيةِ علىٰ هذا الوجهِ أشبَهُ بالظاهرِ، و يُبيِّنُ ذلكَ‌: أنّ الغالبَ مِن حالِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ أنّ الذي دَفَعَه إلَى السائلِ لَيسَ بزَكاةٍ‌؛ لوجوهٍ‌:

منها: أنّ الزكاةَ لَم تَكُن واجبةً عليه؛ علىٰ ما يُعرَفُ‌(4)مِن غالبِ أمرِه(5)في أيّامِ النبيِّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه.

و لأنّ دَفْعَ الخاتَمِ بَعيدٌ أن يُعَدَّ في الزكاةِ‌(6).

و لأنّ‌(7)دَفْعَ الزكاةِ منه عليه السلامُ لا يَقَعُ إلّاعلىٰ وجهِ القَصدِ عندَ وجودِه(8)، و ما فَعَلَه فالغالبُ منه أنّه جَرىٰ علىٰ وجهِ الاتّفاقِ‌(9)لمّا رأَى السائلَ المُحتاجَ ، و أنّ غيرَه لَم يُواسِه، فواساه و هو في الصلاةِ ؛ فذلكَ


1) . في «ج، ص، ط»: «في حالة».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: + «و هم».

3) . في التلخيص: «طريقهم».

4) . في «د» و المطبوع و الحجري: «ما نعرف».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «أُموره».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «للزكاة».

7) . في المغني: «و أنّ ».

8) . هكذا في «د» و المغني و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «عند وجوبه».

9) . هكذا في «د» و المغني و التلخيص. و في «ج، ص، ط، ف»: «على وجه الإنعام». و في المطبوع و الحجري: «على وجه الإنفاق».

بالتطوُّعِ أشبَهُ . و لَم نَقُلْ ذلكَ إلّانُصرةً للقولِ الذي حَكَيناه، لا أنّه يَمتَنِعُ في الحقيقةِ أن يَكونَ ذلكَ زكاةً لِمالِه.(1)

دلالة اللغة علىٰ أنّ الركوع في الآية حالٌ لإيتاء الزكاة

يُقالُ له: لَيسَ يَجوزُ حَملُ الآيةِ علىٰ ما تَأوَّلَها(2)شَيخُكَ أبو عليٍّ عليه(3)مِن جَعلِه إيتاءَ الزكاةِ مُنفَصِلاً مِن حالِ الركوعِ‌، و لا بُدَّ علىٰ مُقتَضَى اللسانِ و اللُّغةِ مِن أن يَكونَ الركوعُ حالاً لإيتاءِ الزكاةِ‌.

و الذي يَدُلُّ علىٰ ذلكَ‌: أنّ المفهومَ مِن قولِ أحَدِنا: «الكَريمُ المُستَحِقُّ للمَدحِ الذي يَجودُ بمالِه و هو ضاحِكٌ‌» و «فُلانٌ يَغشىٰ إخوانَه و هو راكبٌ‌» معنَى(4)الحالِ‌، دونَ غيرِها؛ حتّىٰ أنّ قولَه هذا يَجري مَجرىٰ قولِه: «إنّه يَجودُ بمالِه في حالِ ضَحِكِه» و «يَغشىٰ إخوانَه في حالِ رُكوبِه».

و يَدُلُّ أيضاً عليه: أنّا متىٰ حَمَلنا قولَه تَعالىٰ : (يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ ) علىٰ خِلافِ الحالِ ، و جَعَلنا المُرادَ بها أنّهم يُؤتونَ الزكاةَ و مِن وصفِهم(5)أنّهم راكِعونَ - مِن غيرِ تَعلُّقٍ لأحَدِ الأمرَينِ بالآخَرِ - كُنّا حاملينَ للكلامِ (6)علىٰ معنَى(7)التَّكرارِ؛ لأنّه قد أفادَ تَعالىٰ بوَصفِه لهم بِأنّهم(8)يُقيمونَ الصلاةَ وَصفَهم بأنّهم


1) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 137.

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «تأوّله».

3) . في المطبوع و الحجري: - «عليه».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «يعني».

5) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «و من صفتهم».

6) . في المطبوع و الحجري: «الكلام».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: - «معنى».

8) . في «ج، ص، ط، ف»: «أنّهم».

راكعونَ ؛ لأنّ الصلاةَ مُشتَمِلةٌ علَى الركوعِ و غيرِه. و إذا تَأوَّلناها علَى الوجهِ الذي اختَرناه استَفَدنا بها معنىً زائداً، و زيادةُ الفائدةِ بكلامِ (1)الحكيمِ أَولىٰ .

فإن قالَ‌: إنّما قَبُحَ أن يُحمَلَ قولُهم فيمن يُريدونَ مَدْحَه: «فُلانٌ يَجودُ بمالِه و هو ضاحِكٌ‌» علىٰ خِلافِ الحالِ‌؛ مِن قِبَلِ أنّ وقوعَ الجودِ منه مع طَلاقةِ الوجهِ يَدُلُّ علىٰ طيبِ نفسِه بالعَطيّةِ‌، و هو أنّ المالَ لا يَعظُمُ في عَينِه(2)، فصارَ ذلكَ وجهاً تَعظُمُ (3)معه العطيّةُ ، و يَكثُرُ المَدحُ المُستَحَقُّ عليها. و لَيسَ الحالُ في الآيةِ هذه(4)لأنّه لا مَزيّةَ لإعطاءِ الزكاةِ في حالِ الركوعِ علىٰ إيتائها(5)في غيرِها، و لَيسَ وقوعُها في تلكَ الحالِ يَقتَضي زيادةَ مَدحٍ أو ثوابٍ ، ففارَقَ حُكمُها حُكمَ المثالِ (6)الذي أَورَدتموه.

قيلَ له: لَو كانَت العِلّةُ في وجوبِ حَملِ الكلامِ الذي حَكَيناه علَى الحالِ و قُبحِ حَملِه علىٰ خِلافِها ما ذَكرتَه، لَوَجَبَ أن يَحسُنَ حَملُ قولِهم: «فُلانٌ يَغشىٰ إخوانَه

و هو راكبٌ‌» و «لَقيتُ زيداً و هو جالسٌ‌» علىٰ خِلافِ الحالِ‌؛ لمُفارَقتِه للمثالِ الأوّلِ في العِلّةِ‌، حتّىٰ يُفهَمَ مِن قولِهم: أنّه يَغشىٰ إخوانَه و مِن صفتِه أنّه راكبٌ ، و لَقيتُ زيداً(7)و مِن صفتِه أنّه جالسٌ ، مِن غيرِ أن يَكونَ (8)الركوبُ حالاً للغَشَيانِ


1) . في «ج، ص، ط، ف»: «لكلام».

2) . في حاشية الحجري و التلخيص: «المال في عينه حقير».

3) . هكذا في المطبوع و التلخيص. و في النسخ: «يعظم».

4) . في «ج، ص، ف» و التلخيص: «كذلك».

5) . هكذا في «ج، د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع و الحجري: «إتيانها».

6) . في المطبوع و الحجري: «المال».

7) . أي و يُفهم من قولهم: أنّه لقي زيداً.

8) . في «ج، ص، ط، ف»: + «ذلك».

و الجلوسُ حالاً للِّقاءِ . و إذا كانَ المفهومُ خِلافَ هذا، فقَد بَطَلَ أن تَكونَ (1)العِلّةُ ما ذَكرتَه، و وَجَبَ أن يَكونَ الظاهرُ في كُلِّ الخِطابِ الواردِ علىٰ هذه الصفةِ معنَى الحالِ .

بيان حقيقة الزكاة التي آتاها أمير المؤمنين عليه السلام في حال الصلاة

فأمّا قولُه: «إنّ الزكاةَ لَم تَكُن واجبةً علىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ علىٰ ما يُعرَفُ مِن غالبِ أمرِه في تلكَ الحالِ‌» فظاهرُ البُطلانِ‌(2)لأنّه غيرُ واجبٍ أوّلاً حملُ اللفظِ علَى الزكاةِ الواجبةِ دونَ النافلةِ‌. و لفظُ الزكاةِ لَو كانَ إطلاقُه مُفيداً(3)في الشرعِ للعطيّةِ الواجبةِ ، فغَيرُ مُمتَنِعٍ أن نَحمِلَه علَى النَّفلِ الذي يَشهَدُ بمعناه أصلُ اللُّغةِ (4)لأنّ الزكاةَ في اللُّغةِ هي(5)النَّماءُ و الطهارةُ (6)، و الواجبُ مِن الزكاةِ و النَّفلُ جميعاً يَدخُلانِ تَحتَ هذا الأصلِ ، و يَكونُ الموجِبُ للانتقالِ عن ظاهرِ اللفظِ - لَو كانَ له ظاهرٌ - عِلمُنا بالخبرِ تَوجُّهَ الآيةِ إلىٰ مَن يُستَبعَدُ وجوبُ الزكاةِ عليه.

و بَعدُ، فإنّ الاستبعادَ لوجوبِ الزكاةِ عليه عليه السلامُ (7)لا معنىٰ له؛ لأنّه غيرُ مُمتَنِعٍ وجوبُها عليه في وقتٍ مِن الأوقاتِ بحُصولِ أدنىٰ مقاديرِ النِّصابِ الذي


1) . في النسخ و الحجري: «أن يكون». و ما أثبتناه من المطبوع و التلخيص.

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «فهو ظاهر البطلان».

3) . في «ط»: «مقيّداً».

4) . في «ج، ص، ف»: «أهل اللغة».

5) . في «ج، ص، ط، ف» و المطبوع: - «هي».

6) . قال ابن الأثير: «أصل الزكاة في اللغة الطهارة و النماء و البركة و المدح، و كلّ ذلك قد استُعمل في القرآن و الحديث». النهاية، ج 2، ص 307. و راجع: المغرب، ج 1، ص 366؛ لسان العرب، ج 14، ص 358 (زكا).

7) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «عليه السلام». و في التلخيص: «صلوات اللّٰه عليه».

يَجِبُ (1)في مِثلِه الزكاةُ . و لَيسَ هذا مِن اليَسارِ المُستَبعَدِ فيه عليه السلامُ (2)لأنّ مَن(3)مَلَكَ مائتَي دِرهَمٍ (4)لا يُسمّىٰ مُوسِراً.

فأمّا دفعُ الخاتَمِ‌: فما نَعلَمُ مِن أيِّ وجهٍ استُبعِدَ أن يَكونَ زكاةً؟! لأنّ حُكمَ الخاتَمِ حُكمُ غيرِه، و كُلُّ ما له قيمةٌ و يَنتَفِعُ الفقراءُ بمِثلِه جائزٌ أن يُخرَجَ في الزكاةِ‌.(5)

و أمّا في الأنعام فالحكم محلّ خلاف بين العلماء، فالشيخ الطوسي في الخلاف يرى الجواز و أنّ الحكم شامل موارد الزكاة كافّةً ، و المحقّق الحلّي و جماعة يمنعون ذلك رادّين للإجماع و مانعين دلالة الأخبار علىٰ موضع النزاع. الخلاف، ج 2، ص 50، المسألة 59؛ المقنعة، ص 253؛ المعتبر، ج 2، ص 517؛ المبسوط للسرخسي، ج 2، ص 280؛ الحاوي الكبير، ج 3، ص 389؛ حلية العلماء، ج 3، ص 139؛ المجموع شرح المهذّب، ج 5، ص 428-429؛ المغني لابن قدامة، ج 2، ص 671-672.

فأمّا القَصدُ إلَى العطيّةِ‌: فممّا لا بُدَّ منه، و إنّما الكلامُ في تَوَجُّهِه إلَى الواجبِ أو النَّفلِ‌، و لَيسَ في ظاهرِ فِعلِه - صَلَواتُ اللّٰهِ عليه - ما يَمنَعُ مِن القَصدِ إلَى الواجبِ‌؛


1) . في المطبوع: «تجب».

2) . في المطبوع و الحجري: - «عليه السلام».

3) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «مَن».

4) . و هو أدنىٰ مقادير نصاب الزكاة الواجبة. راجع: الكافي، ج 3، ص 515، باب زكاة الذهب و الفضّة (ج 2، ص 201، ط. الإسلامية)؛ تهذيب الأحكام، ج 4، ص 6، باب زكاة الذهب؛ الاستبصار، ج 2، ص 6، باب ما تجب فيه الزكاة.

5) . أمّا في زكاة الغلّات و النقدين فالحكم إجماعيّ‌، و تشهد له الأخبار الكثيرة عن الأئمّة عليهم السلام، منها صحيح محمّد بن خالد البرقي: كتبت إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام: هل يجوز أن يُخرَجَ عمّا يجب في الحرث من الحنطة و الشعير و ما يجب على الذهبِ دراهمُ بقيمةِ ما يَسْوىٰ ، أم لا يجوز إلّاأن يُخرَجَ من كلّ شيءٍ ما فيه ؟ فأجاب عليه السلام «أيُّما تَيَسَّرَ يُخرَجُ » و غيرها مثلها. الكافي، ج 7، ص 178، ح 5962/1، باب الرجل يعطي عن زكاته العوض (ج 3، ص 559، ح 1، ط. الإسلامية)؛ كتاب من لا يحضره الفقيه، ج 2، ص 32، ح 1625؛ تهذيب الأحكام، ج 4، ص 95، ح 271؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 167، الباب 14 من أبواب زكاة الذهب، ح 1.

لأنّه عليه السلامُ - و إن لَم يَعلَمْ بأنّ السائلَ سيَحضُرُ(1)فيَسألُه(2)- لا يَمتَنِعُ أن يَكونَ أعَدَّ الخاتَمَ للزكاةِ ، فلمّا حَضَرَ مَن يَسألُ اتّفاقاً تَصدَّقَ به عليه. أو يَكونَ عليه السلامُ لَم(3)يُعِدَّه لذلكَ ، فلمّا حَضَرَ السائلُ و لَم يُواسِه أحَدٌ دَفَعَه إليه، و نَوَى الاحتسابَ به مِن(4)الزكاةِ . و قد يَفعَلُ الناسُ هذا كَثيراً؛ فأيُّ وجهٍ لاستبعادِه و القولِ بأنّه بالتطَوُّعِ أشبَهُ؟

فأمّا اعتذارُه في آخِرِ الكلامِ مِن إيرادِه و تضعيفُه له(5): فقَد كانَ يَجِبُ أن لا يورِدَ ما يُحوِجُ إلَى الاعتذارِ و التنَصُّلِ (6)فإنّ تَركَ إيرادِ ما يَجري هذا المَجرىٰ أجمَلُ مِن إيرادِه مع الاعتذارِ.

قالَ صاحبُ الكتابِ :

و قد قالَ شَيخُنا أبو هاشمٍ‌: يَجِبُ أن يَكونَ المُرادُ بذلكَ : (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاٰةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ ) الواجبتَينِ (7)، دونَ النَّفلِ الذي وجودُه كعَدَمِه في أنّه يَكونُ المؤمنُ مؤمناً معه؛ فلا بُدَّ مِن حَملِه علىٰ ما لَولاه لَم يَكُن مؤمناً و لَم يَجِبْ تَوَلّيه(8)لأنّه جَعَلَه مِن صفاتِ المؤمنينَ (9)، فيَجِبُ أن يُحمَلَ على ما لَولاه لَم يَكُن مؤمناً.


1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «يستحضر».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «و يسأله». و في التلخيص: «فيسأل».

3) . في المطبوع: - «لم»، و هو سهو.

4) . في «د» و المطبوع: «في».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: - «له».

6) . التنصّل: التبرّؤ من جناية ذنب و نحوه. كتاب العين، ج 7، ص 124 (نصل).

7) . في «ج، د، ص، ط، ف»: «الواجبين».

8) . في «ج، ص، ط، ف»: «ثوابه».

9) . في «ج، ص، ط، ف» و المغني: «صفات المؤمن».

قالَ‌: و الذي فَعَلَه أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ كانَ مِن النَّفلِ‌؛ لأنّه عليه السلامُ و غيرَه مِن جِلّةِ الصحابةِ‌(1)لَم تَكُن(2)عليهم زكاةٌ‌، و إنّما الذينَ وَجَبَ عليهم ذلك(3)عَدَدٌ يَسيرٌ، و ذلكَ يَمنَعُ مِن أن لا يُرادَ بالآيةِ سِواه.

قالَ‌: و مِثلُ هذا الجَمعِ في لُغةِ العربِ لا يَجوزُ أن يُرادَ به الواحدُ، و إنّما يَجوزُ ذلكَ في مَواضِعَ مخصوصةٍ‌.

قالَ‌: و المَقصَدُ بالآيةِ مَدحُهم، فلا يَجوزُ أن يُحمَلَ علىٰ ما لا يَكونُ‌

مَدحاً، و إيتاءُ الزكاةِ في الصلاةِ ممّا يَنقُصُ‌(4)أجرَ المُصلّي؛ لأنّه عملٌ في الصلاةِ‌؛ فيَجِبُ أن يُحمَلَ علىٰ ما ذَكرناه مِن أنّه أداءُ الواجبِ‌.

و ممّا يُبيِّنُ صحّةَ هذا الوجهِ أنه أجرَى الكلامَ علىٰ طريقةِ‌(5)الاستقبالِ‌؛ لأنّ قولَه: (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاٰةَ‌) لا يَدخُلُ تَحتَه الماضي مِن الفعلِ (6). فالمُرادُ: الذين يَتمسَّكونَ بذلكَ علَى الدَّوامِ و يَقومونَ به. و لَو كانَ المُرادُ به(7)أن يُزَكّوا في حالِ الركوعِ ، لَوَجَبَ أن يَكونَ ذلكَ طريقةً لفَضلِ الزكاةِ في الصلاةِ (8)، و أن يُقصَدَ(9)إليه حالاً بَعدَ حالٍ .


1) . في المغني: «و عامّة الصحابة». و في «ج»: «من غلبة الصحابة».

2) . هكذا في المغني. و في النسخ و المطبوع: «لم يكن».

3) . هكذا في المغني. و في «ج، ص، ط، ف»: «إنّما الذي أوجب عليهم ذلك». و في «د» و المطبوع و الحجري: «إنّما الذي وجب عليه زكاة».

4) . في المطبوع و الحجري: «ممّا ينقض».

5) . في المطبوع: «على طريق».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «من المراد».

7) . في المغني: - «به».

8) . في المغني: «طريقة لفعل الزكاة و الصلاة».

9) . في «ج، ص، ط، ف»: «و إن لم يقصد».

فلمّا بَطَلَ ذلكَ عُلِمَ أنّه لَم يُرَدْ به(1)هذا المعنىٰ‌، و أنّه أُريدَ به: الذينَ يُقيمونَ الصلاةَ في المُستَقبَلِ و يَدومونَ عليها، و يؤتونَ الزكاةَ و هُم في الحالِ مُتمسِّكونَ بالركوعِ و بالصلاةِ‌، فجُمِعَ لهم بَينَ الأمرَينِ‌.

أو يَكونُ المُرادُ بذِكرِ الركوعِ الخُضوعَ‌، علىٰ ما قَدَّمنا ذِكرَه؛ لأنّ الركوعَ و السجودَ قد يُرادُ بهما هذا المعنىٰ‌.

و قد استَدَلَّ‌(2)أبو مُسلِمٍ (3)لمّا ذَكَرَ هذا الوجهَ بما يَدُلُّ (4)عليه، و هو قولُ الأضبَطِ بنِ قُرَيعٍ (5):

لا تَحقِرَنّ الفَقيرَ؛ عَلَّكَ (6)أن *** تَرْكَعَ يَوْماً و الدَّهرُ قَد رَفَعَهْ (7)

و قالَ : و الذينَ وَصَفَهم في هذا المَوضِعِ بالركوعِ و الخُضوعِ هُم الذينَ


1) . في «ج، د، ص، ط، ف»: - «به».

2) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و المغني. و في «د» و المطبوع و الحجري: «و قد أنشد».

3) . هو محمّد بن عليّ بن محمّد بن الحسين بن مهرايزد النحوي المعلّم الأصبهاني الأديب، أبو مسلم (366-459 ه‍) صنّف تفسيراً كبيراً في عشرين مجلّداً، و كان عارفاً بالنحو غالياً في الاعتزال. إنباه الرواة على أنباه النحاة، ج 3، ص 194، الرقم 693؛ طبقات المفسّرين، ج 2، ص 213، الرقم 543.

4) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و المغني. و في «د» و المطبوع و الحجري: «ما».

5) . الأضبط بن قريع السعدي، هو من بني عوف بن كعب بن سعد، كان الأضبط مفروكاً لا يتزوّج امرأة إلّاطلّقته، و كان إذا لقي في الحرب تقدّم أمام الصفّ . و كان قد أساء قومه مجاورته، فانتقل عنهم إلى آخرين، فكانوا كذلك، فقال المثل المشهور: «بكلّ واد سعد» و في رواية: «أينما أوجَّه ألق سعداً». الشعر و الشعراء، ج 1، ص 370، الرقم 54؛ الأغاني، ج 18، ص 342، الرقم 10؛ الوافي بالوافيات، ج 9، ص 287، الرقم 4214.

6) . في المغني: «لعلّك».

7) . العقد الفريد، ج 2، ص 165؛ أمالي القالي، ج 1، ص 108؛ التمثيل و المحاضرة، ص 48؛ التبيان، ج 1، ص 195؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 20، ص 189؛ الصحاح، ج 6، ص 2218 (هون)؛ أساس البلاغة، ص 250؛ لسان العرب، ج 8، ص 133 (ركع).

وَصَفَهم(1)مِن قَبلُ بأنّه يُبدِّلُ المُرتَدّينَ بهم(2)بقَولِه: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللّٰهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ‌) - و أرادَ به طريقةَ التواضُعِ - (أَعِزَّةٍ عَلَى الْكٰافِرِينَ يُجٰاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ وَ لاٰ يَخٰافُونَ لَوْمَةَ لاٰئِمٍ‌)(3). هكذا في المغني. و في النسخ و المطبوع: + «و آله».(4).

و كُلُّ ذلك يُبيِّنُ أنّ المُرادَ بالآيةِ المُوالاةُ في الدينِ‌؛ لأنّه قد قيلَ‌، فكأنّه قالَ‌:

إنّما الذي يَنصُرُكم و يَدفَعُ عنكم لدينِكم هو اللّٰهُ و رسولُه و الذين آمَنوا.

و قد رُويَ أنّها نَزَلَت في عُبادةَ بنِ الصامِتِ‌(5)لأنّه كانَ قد دَخَلَ في حِلفِ اليهودِ، ثُمَّ تَبَرَّأَ منهم و مِن وَلايتِهم، و فَزِعَ إلىٰ رسولِ اللّٰهِ صَلّى اللّٰهُ عليه(5)، قالَ‌: فأنزَلَ اللّٰهُ تَعالىٰ هذه الآيةَ مُقوّيةً‌(6)لقلوبِ مَن دَخَلَ في الإيمانِ ، و مُبَيِّناً(7)له أنّ ناصِرَه هو اللّٰهُ و رسولُه و المؤمنونَ


1) . في المغني: «هو الذي وصف».

2) . في المغني: «منهم».

3) . المائدة

4) :54.

5) . عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم الخزرجي الأنصاري السالمي، يكنّى أبا الوليد، و هو من كبار الصحابة و من الموصوفين بالورع. شهد العقبة مع السبعين من الأنصار و هو أحد النقباء الاثني عشر، و آخى رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله بينه و بين أبي مرثد الغنوي. شهد عبادة بدراً و أُحداً و الخندق و المشاهد كلّها مع رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله، و كان ممّن تخلّف عن بيعة أبي بكر يوم السقيفة مع أمير المؤمنين عليه السلام. كان عبادة رجلاً طوالاً جسيماً جميلاً، و مات بالرملة من أرض الشام سنة أربع و ثلاثين. و قيل: إنّه توفّي بالمدينة، و قيل: دفن ببيت المقدس، بعد أن وجّهه عمر إلى الشام قاضياً و معلّماً، فأقام بحمص، ثمّ انتقل إلى فلسطين و مات بها. الطبقات الكبرى، ج 3، ص 412، الرقم 234؛ معجم الصحابة، ج 10، ص 3660، الرقم 688؛ معرفة الصحابة، ج 3، ص 338، الرقم 1973؛ الاستيعاب، ج 2، ص 807، الرقم 1372.

6) . في المغني: «فيه تقويةُ » بدل «مقوّية».

7) . في المغني: «و تبييناً».

[ثُمّ بَيَّنَ أنّ مَن يَتولَّى اللّٰهَ - و يَقومُ بحقِّ طاعتِه و ما يَلزَمُ مِن إعظامِه - و الرسولَ - فيَلزَمُ مِن طاعتِه ما يَلزَمُ -، و المؤمنونَ (كذا) - فيَلزَمُه مِن مُوالاتِهم ما يَلزَمُه -، فهو المنصورُ؛ لدخولِه في حِزبِ اللّٰهِ الذين هُم الغالِبونَ ].(1)

عدم دلالة الآية على الصلاة و الزكاة الواجبتين دون المستحبّتين

يُقالُ له: لَيسَ الأمرُ(2)علىٰ ما ظَنَّه أبو هاشِمٍ مِن أنّ الآيةَ تَقتَضي الصلاةَ و الزكاةَ الواجبتَينِ دونَ ما كانَ مُتنفَّلاً به؛ لأنّها لَم تَخرُجْ مَخرَجَ الصفةِ لِما يَكونُ به المؤمنُ مؤمناً، و إنّما وَصَفَ اللّٰهُ تَعالىٰ مَن أخبَرَ بأنّه وليُّنا بالإيمانِ‌(3)و بإقامةِ الصلاةِ و بإيتاءِ الزكاةِ‌، و لا مانعَ مِن أن يَكونَ في جُملةِ الصفاتِ‌(4)ما لَو انتَفىٰ لَم يَكُن مُخِلًّا بالإيمانِ‌، و إنّما كانَ يَجِبُ ما ظَنَّه(5)لَو قالَ‌: «إنّما المؤمنونَ الذينَ يُقيمونَ الصلاةَ و يؤتونَ الزكاةَ » فأمّا إذا كانَت الآيةُ خارجةً خِلافَ هذا المَخرَجِ ، فلا وَجهَ لِما قالَه.

و لا شُبهةَ في أنّه كانَ يَحسُنُ أن يُصرِّحَ تَعالىٰ بأن يَقولَ : إِنَّما وَلِيُّكُم - بَعدَ ذِكرِ نفسِه تَعالىٰ و رسولِه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه - الَّذِينَ (6)آمَنُوا الذين يَتطَّوعونَ بفعلِ الخَيراتِ و يَتنفَّلونَ بضُروبِ القُرَبِ و يَفعلونَ كَذا و كَذا ممّا لا يَخرُجُ المؤمنُ بانتفائه عنه مِن أن يَكونَ مؤمناً.


1) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 137-139. و ما بين المعقوفين من المصدر.

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «ليس كلّ الأمر».

3) . في المطبوع و الحجري: «بالائتمام».

4) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «من الصفات».

5) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: + «أن».

6) . هكذا في النسخ و الحجري و التلخيص. و في المطبوع: «و الذين» مع الواو، و هو سهو.

هذا إذا سَلَّمنا ما يُريدُه مِن أنّ إقامةَ الصلاةِ و إيتاءَ الزكاةِ الواجبتَينِ‌(1)مِن شرائطِ الإيمانِ و ممّا لا يَكونُ المؤمنُ مؤمناً إلّامعه، و الصحيحُ عندَنا خِلافُه.(2)

و لَيسَ‌(3)يُمكِنُ أن يُدَّعىٰ أنّ لفظَ(4)«الصلاةِ‌» في الشرعِ يُفهَمُ مِن ظاهرِه الصلاةُ‌(5)الواجبةُ دونَ النَّفلِ‌، و لَيسَ ادّعاءُ‌(6)ذلكَ في الصلاةِ بجارٍ مَجرَى ادّعائه في الزكاةِ‌؛ لأنّا نَعلَمُ مِن عُرفِ أهلِ الشرعِ جَميعاً أنّهم يَستَعمِلونَ لفظَ «الصلاةِ‌» في الواجبِ و النَّفلِ علىٰ حدٍّ واحدٍ، حتّىٰ إنّ أحَدَهم لَو قالَ‌: «رأيتُ فُلاناً يُصلّي» و «مَرَرتُ بفُلانٍ و هو في الصلاةِ » لَم يُفهَمْ مِن قولِه الصلاةُ الواجبةُ دونَ غيرِها.

علىٰ أنّا(7)قد بيّنّا قُبَيلَ (8)هذا الفَصلِ أنّ الذي فَعَلَه أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ لَيسَ بمُنكَرٍ أن يَكونَ واجباً(9)، و أنّ المُستَبعَدَ فيه عليه السلامُ - و فيمَن عَلِمنا مِن حالِه ما عَلِمناه مِن حالِه عليه السلامُ - استمرارُ وجوبِ الزكاةِ في الأحوالِ ، و وجوبُ المقاديرِ منها التي يَعُدُّها الناسُ يَساراً. فأمّا وجودُ أقَلِّ مقاديرِها(10)في بعضِ الأحوالِ فغَيرُ مُستَنكَرٍ، و لا مُنافٍ للمعلومِ . و العَدَدُ اليَسيرُ الذين أشارَ إليهم(11)


1) . في «ج، ص، ط، ف»: «الواجبين».

2) . فإنّ حقيقة الإيمان عند المصنّف رحمه اللّٰه هي التصديق القلبي، و أمّا العملُ - الذي منه إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة - فليس داخلاً في حقيقة الإيمان. راجع: الذخيرة، ص 536-537.

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «فليس».

4) . في «ج، ف»: «لفظة».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «من ظاهرها» بدل «من ظاهره الصلاة».

6) . في «ج، ط، ف»: «ادّعاؤه».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «على أنّه».

8) . في «د، ص»: «قبل».

9) . تقدّم في ص 98-100.

10) . في المطبوع و الحجري: «فأمّا وجوداً قبل مقاديرها».

11) . أي العدد اليسير من الصحابة الذين أشار إليهم أبو هاشم في كلامه الذي نقله عنه صاحب المغني.

و أخْرَجَ (1)أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ مِن جُملتِهم هُم الموصوفونَ باليَسارِ و كَثرةِ المالِ و اتِّساعِه، و مَن وَجَبَت(2)عليه زكاةٌ مّا(3)في بعضِ الأوقاتِ لا يَجِبُ دخولُه في جُملتِهم. فبَطَلَ قولُ أبي هاشمٍ أنّ (4)الذي ذَكَرَه يَمنَعُ مِن أن لا يُرادَ بالآيةِ سِواه(5)لبُطلانِ ما جَعَلَ قولَه الذي حَكَيناه ثَمَرةً له و نَتيجةً . علىٰ أنّ الذي يَمنَعُ مِن أن يُرادَ بها سِواهُ عليه السلامُ قد قَدَّمناه و بيّنّاه.(6)

فأمّا التعَلُّقُ بلفظِ الجَمعِ فقَد مضَى الكلامُ فيه(7).(8)

نفي أن يؤدّي إيتاء الزكاة إلىٰ بطلان الصلاة

و أمّا تَعلُّقُه بالعملِ في الصلاةِ‌: فيَسقُطُ مِن وجهَينِ‌:

أحَدُهما: أنّه لا دليلَ علىٰ وقوعِ فِعلِه عليه السلامُ علىٰ وجهٍ يَكونُ قاطعاً للصلاةِ ، بَل جائزٌ أن يَكونَ عليه السلامُ أشارَ إلَى السائلِ بيَدِه إشارةً خفيفةً (9)لا يَقطَعُ (10)مِثلُها(11)الصلاةَ فَهِمَ منها أنّه يُريدُ التصَدُّقَ عليه، فأخَذَ الخاتَمَ مِن إصبَعِه.

و قد أجمَعَت الأُمّةُ علىٰ أنّ يَسيرَ العملِ في الصلاةِ لا يَقطَعُها.


1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و العدد اليسير الذي أشار إليهم و إخراج».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «وجب».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: - «ما».

4) . في «ج، ص، ط»: - «أنّ ».

5) . أي سوىٰ أمير المؤمنين عليه السلام.

6) . تقدّم في ص 73-74.

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «عليه».

8) . تقدّم في ص 76.

9) . في «ج، ص، ط» و التلخيص: «خفيّة».

10) . هكذا في النسخ و الحجري و التلخيص. و في المطبوع: «لا تقطع».

11) . في «د» و المطبوع و الحجري: «منها» بدل «مثلها».

و الوجهُ الآخَرُ: أنّه غيرُ واجبٍ القَطعُ‌(1)علىٰ أنّ جميعَ الأفعالِ في الصلاةِ كانَت محظورةً في تلكَ الحالِ‌. و قد قيلَ‌: إنّ الكلامَ فيها كانَ مُباحاً، ثُمَّ تَجَدَّدَ حَظْرُه مِن بَعدُ(2)فلا يُنكَرُ أن يَكونَ (3)هذه أيضاً حالَ بعضِ الأفعالِ .

و الذي يُبيِّنُ ما ذَكرناه - و يوجِبُ (4)علينا القَطعَ علىٰ أنّ فِعلَه عليه السلامُ لَم يَكُن قاطعاً للصلاةِ و لا ناقصاً(5)مِن حُدودِها -: ما عَلِمناه(6)مِن تَوجُّهِ مَدحِ اللّٰهِ تَعالىٰ و رسولِه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(7)إليه بذلكَ الفعلِ المخصوصِ .

و قولُه: «فيَجِبُ أن يُحمَلَ علىٰ ما ذَكرناه مِن أنّه أداءُ الواجبِ » إن أرادَ به أداءَه في الصلاةِ ، فهو الذي أنكَرَه و عَدَّه قَطعاً لها. و إن أرادَ أداءَه علىٰ طريقِ الانفصالِ مِن الصلاةِ ، فقَد مضىٰ أنّ الكلامَ يَقتَضي إيتاءَ الزكاةِ في حالِ الركوعِ .(8)

نفي أن يكون الركوع جهة فضل للزكاة

و التعَلُّقُ بلفظِ الاستقبالِ قد مضىٰ أيضاً ما فيه(9)، و كذلكَ كَونُ الركوعِ جهةً و طريقةً (10)لفَضلِ الزكاةِ (11)لأنّا قد بيّنّا أنّ الآيةَ لا تَقتَضي كَونَ الركوعِ جهةً


1) . في المطبوع و الحجري: «للقطع».

2) . صحيح ابن حبّان، ج 6، ص 20-21؛ عمدة القاري، ج 7، ص 282.

3) . في التلخيص: «أن تكون».

4) . في «ج، ص، ط»: «و وجب».

5) . في المطبوع: «و لا ناقضاً».

6) . في «د» و المطبوع و الحجري: «ما علمنا».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «عليه السلام».

8) . تقدّم في ص 96-98.

9) . تقدّم في ص 78-73.

10) . في «ج، ص، ط، ف»: - «و طريقة».

11) . تقدّم في ص 88-89.

و طريقةً لفَضلِ الزكاةِ و الصلاةِ حتّىٰ يَجِبَ القَصدُ(1)إلىٰ فِعلِ أمثالِها، و قُلنا(2): إنّ الخِطابَ أفادَ الوصفَ لِمَن عُنيَ بلفظِ (الَّذِينَ آمَنُوا) و التمييزَ(3)له عن سِواه(4)، فكأنّه تَعالىٰ قالَ : «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الذينَ يُصَلّونَ و يؤتونَ الزكاةَ في حالِ رُكوعِهم» ليَتميَّزَ المذكورُ(5)الأوّلُ ، مع أنّ فِعلَه عليه السلامُ لا بُدَّ أن يَكونَ واقعاً علىٰ نِهايةِ القُربةِ (6)لِما حَصَلَ عليه مِن المَدحِ .

و يُشبِهُ ما تَأوَّلنا عليه الآيةَ قولُ أحَدِ مُلوكِنا مُقبِلاً علىٰ أصحابِه: «أفضَلُكم عندي و أكرَمُكم لَدَيَّ مَن نَصَرَني في غُرّةِ شَهرِ كَذا، و هو راكبٌ فَرَساً مِن صفتِه كَذا» و أشارَ إلىٰ فعلٍ مخصوصٍ وَقَعَ مِن بعضِ أصحابِه علىٰ وجهٍ ارتَضاه و عَظُمَت مَنزِلتُه به عندَه، و نَحنُ نَعلَمُ أنّ قولَه لا يَقتَضي أنّ لغُرَّةِ الشهرِ و الأوصافِ التي وَصَفَ ناصرَه بها تأثيراً في قُوَّةِ نُصرتِه(7)حتّىٰ يَكونَ ذلكَ جهةً و طريقةً يَقصِدُ إليها مَن أرادَ نُصرتَه.

و قد تَقَدَّمَ أنّ حقيقةَ الركوعِ ما ذَكرناه، و أنّه يُستَعمَلُ في الخُضوعِ و ما يَجري(8)مَجراه علىٰ سَبيلِ المَجازِ(9)، و البيتُ الذي أنشَدَه ممّا يُجوِّزُ فيه شاعِرُه(10)، و المَجازُ لا يُقاسُ عليه.


1) . في المطبوع و الحجري: «للقصد».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «و بيّنّا».

3) . في «ص، ف»: «و التميّز».

4) . في «ج، د» و المطبوع و الحجري: «عن سواء».

5) . في «ج، ص، ف»: «ليميّز للمذكور».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «القرب».

7) . في «ج، ف»: «نصره».

8) . في «ج، ص، ط، ف»: «و ما جرى».

9) . تقدّم في ص 85-88.

10) . في «د» و المطبوع و الحجري: «شاعر».

نفي دلالة الآية السابقة علىٰ آية الولاية، علىٰ عدم اختصاص آية الولاية بأمير المؤمنين عليه السلام

فأمّا قولُه - حاكياً عن أبي مُسلِمِ بنِ بَحرٍ -: «إنّ الذينَ وَصَفَهم في هذا المَوضِعِ بالركوعِ و الخُضوعِ هُم الذينَ وَصَفَهم مِن قَبلُ بأنّه يُبدِّلُ المُرتَدّينَ بهم».

فغَيرُ صحيحٍ‌؛ لأنّه غيرُ مُنكَرٍ(1)أن يَكونَ الموصوفُ بإحدَى الآيتَينِ غيرَ الموصوفِ بالآيةِ الأُخرىٰ‌؛ حتّىٰ يَكونَ‌(2)الآيةُ التي دَلَّلنا علىٰ اختصاصِها بأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ علىٰ ما حَكَمنا به مِن خُصوصِها، و الآيةُ‌

الأُولىٰ عامّةً في جماعةٍ مِن المؤمنينَ‌. و لَيسَ يَمنَعُ مِن ذلكَ نَسَقُ الكلامِ و قُربُ كُلِّ واحدةٍ‌(3)مِن الآيتَينِ مِن صاحبتِها(4)لأنّ تَقارُبَ آياتٍ كثيرةٍ مِن القُرآنِ - مع اختلافِ القِصَصِ و المَعاني و الأحكامِ - معلومٌ ظاهرٌ، و هو أكثَرُ مِن أن يُذكَرَ(5)له شاهِدٌ(6).

و إذا كُنّا قد دَلَّلنا علىٰ أنّ لفظةَ قولِه تَعالىٰ‌(7): (إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ‌) يَدُلُّ‌(8)علَى اختصاصِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ بالآيةِ ، فلَيسَ (9)يَسوغُ أن يُترَكَ (10)ما يَقتَضيه(11)


1) . في «ج، ص، ط، ف»: «غير ممتنع».

2) . هكذا في جميع النسخ و الحجري و التلخيص. و في المطبوع: «حتّى تكون».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «كلّ واحد».

4) . في «د، ط» و المطبوع و الحجري: «صاحبها».

5) . في التلخيص: «أن نذكر».

6) . في «د» و المطبوع و الحجري: «شاهداً».

7) . في التلخيص: - «قوله تعالى».

8) . في التلخيص: «تدلّ ».

9) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «و ليس». و على هذا يكون جزاء الشرط: «فليس لمتعلّق أن يتعلّق...».

10) . في التلخيص: «أن ترك».

11) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «ما تقتضيه».

الدَّلالةُ لِما يُظَنُّ (1)أنّ (2)نَسَقَ الكلامِ و قُربَ بعضِه مِن بعضٍ يَقتَضيه.

جواز اختصاص الآية السابقة علىٰ آية الولاية بأمير المؤمنين عليه السلام

علىٰ أنّه لا مانعَ لنا مِن أن نَجَعَلَ‌(3)الآيةَ الأُولىٰ مُتوجِّهةً إلىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ و مُختَصّةً به أيضاً؛ لأنّا قد بيّنّا أنّ لفظَ الجَمعِ قد يُستَعمَلُ في الواحدِ بالعُرفِ‌(4)، فلَيسَ لِمُتعلِّقٍ أن يَتَعَلَّقَ بلفظِ الآيةِ في دَفعِ اختصاصِها به عليه السلامُ‌.

و ممّا يُقوّي هذا التأويلَ‌: أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ وَصَفَ مَن عَناه بالآيةِ بأوصافٍ وَجَدْنا أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ مُستَكمِلاً لها بالإجماعِ‌؛ لأنّه تَعالىٰ قالَ‌: (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّٰهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ‌)(5)، و قد شَهِدَ النبيُّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ بما يُوافِقُ‌(6)لفظَ الآيةِ في الخبرِ الذي لا يَختَلِفُ فيه اثنانِ‌، حينَ قالَ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه له(7)- و قد نَدَبَه لفَتحِ خَيبَرَ بَعدَ فِرارِ مَن فَرَّ عنها واحِداً بَعدَ آخَرَ -: «لَأُعطيَنَّ الرايةَ غَداً رَجُلاً يُحِبُّ اللّٰهَ و رسولَه، و يُحِبُّه اللّٰهُ و رسولُه، كَرّارٌ(8)غيرُ فَرّارٍ، لا يَرجِعُ حتّىٰ يَفتَحَ اللّٰهُ علىٰ يَدَيهِ »(9)


1) . في «د»: «ظنّ ».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «من أنّ ».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «لا مانع من أن يجعل».

4) . تقدّم في ص 76.

5) . المائدة (5):54.

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «وافق».

7) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «له».

8) . هكذا في النسخ، و في أكثر المصادر: «كرّاراً»، و هو الأصحّ .

9) . مسند أحمد، ج 5، ص 333، ح 22872؛ صحيح البخاري، ج 3، ص 1096، ح 2847، و ص 1357، ح 3498 و 3499، و ج 4، ص 1542، ح 3972 و 3973؛ المعجم الكبير، ج 6،

فدَفَعها إلىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ‌، فكانَ‌(1)مِن ظَفَرِه و فَتحِه ما وافَقَ خبرَ الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه.

ثُمَّ قالَ تَعالىٰ‌: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكٰافِرِينَ‌)(2)فوَصَفَ مَن عَناه بالتواضُعِ للمؤمنينَ و الرِّفقِ بهم(3)و العِزّةِ علَى الكافرينَ‌.(4)و العَزيزُ علَى الكافرينَ هو المُمتَنِعُ مِن أن يَنالوه مع شِدّةِ نِكايتِه(5)فيهم و وَطأتِه(6)عليهم. و هذه أوصافُ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ التي(7)لا يُدانىٰ فيها و لا يُقارَبُ‌(8).

ثُمَّ قالَ تَعالىٰ‌: (يُجٰاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ وَ لاٰ يَخٰافُونَ لَوْمَةَ لاٰئِمٍ‌)(9)فوَصَفَ جَلَّ اسمُه مَن عَناه بقُوّةِ الجهادِ، و بما يَقتَضي(10)الغايةَ فيه(11). و قد عَلِمنا أنّ أصحابَ الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه بَينَ رَجُلَينِ‌: رَجُلٍ لا عَناءَ‌(12)له في الحربِ

ص 152، ح 5818، و ص 187، ح 5950، و ص 198، ح 5991، و ج 7، ص 31، ح 6287، و ص 35، ح 6303، و ج 18، ص 237-238، ح 594 و 596 و 597 و 598؛ السنن الكبرى للبيهقي، ج 6، ص 362، ح 13439، مع اختلاف يسير.


1) . في «ج، ص، ط، ف»: «و كان».

2) . من تتمّة الآية السابقة.

3) . في «د»: «لهم».

4) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «و العزّة على الكافرين».

5) . نكيتُ في العدوّ نكايةً : إذا قتلتَ فيهم و جَرحتَ . الصحاح، ج 6، ص 2515 (نكى).

6) . الوطأةُ : الضغطةُ ، أو الأخذةُ الشديدة. القاموس المحيط، ج 1، ص 41 (وطأ).

7) . في المطبوع و الحجري: - «التي».

8) . في التلخيص: «لا يدانيه فيها أحد و لا يقاربه».

9) . تتمّة الآية السابقة.

10) . في «ج، ص، ط»: «ما يقتضي» بدل «و بما يقتضي».

11) . في «ج، ص، ط، ف»: «منه».

12) . هكذا في «د، ط» و التلخيص في الموضعين. و في سائرالنسخ و المطبوع: «لا غناء».

و لا جهادَ، و آخَرَ(1)له جهادٌ و عَناءٌ‌. و نَحنُ نَعلَمُ قُصورَ كُلِّ مُجاهِدٍ عن مَنزِلةِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ في الجهادِ، و أنّهم مع عُلوِّ مَنزِلتِهم في الشَّجاعةِ و صِدقِ البأسِ لا يَلحَقونَ مَنزِلتَه، و لا يُقارِبونَ رُتبتَه؛ لأنّه عليه السلامُ المعروفُ بتفريجِ الغُمَمِ‌(2)و كَشفِ الكُرَبِ عن وجهِ الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(3)، و هو الذي لَم يُحجِمْ‌(4)قَطُّ عن قِرْنٍ‌(5)، و لا نَكَصَ‌(6)عن هَولٍ‌، و لا وَلَّى الدُّبُرَ. و هذه حالٌ لَم تَسلَمْ (7)لأحَدٍ قَبلَه و لا بَعدَه؛ فكانَ (8)عليه السلامُ بِالاختصاصِ (9)بالآيةِ أَولىٰ ؛ لمُطابَقةِ أوصافِه لمَعناها.

نفي تطبيق الآية السابقة علىٰ آية الولاية، علىٰ أبي بكر

و قد ادَّعىٰ قومٌ مِن أهلِ الغَباوةِ و العِنادِ أنّ قولَه تَعالىٰ‌: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللّٰهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ‌) المُرادُ به أبو بَكرٍ؛ مِن حَيثُ قاتَلَ أهلَ الرِّدّةِ‌.

و لَسنا نَعرِفُ قولاً أبعَدَ مِن الصوابِ‌(10)مِن هذا القولِ‌، حتّىٰ إنّه لَيَكادُ أن يُعلَمَ‌

بُطلانُه ضرورةً ؛ لأنّ اللّٰهَ تَعالىٰ إذا كانَ قد وَصَفَ مَن أرادَه بالآيةِ بالعِزّةِ علَى


1) . في «ج، ص، ط، ف»: «و الآخر».

2) . في المطبوع و الحجري: «الغمّ ».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «عن وجهه، أعني الرسول عليه السلام».

4) . في «ج، د، ص، ط، ف»: «و لم يحمّ ». و حَجَمَ و أحْجَمَ عنه: كَفَّ أو نكص هيبةً . القاموس المحيط، ج 4، ص 32 (حجم).

5) . القَرن - بالفتح -: رأس الجبل. و بالكسر: المقاوم في الشجاعة و الحرب. راجع: لسان العرب، ج 13، ص 336 (قرن).

6) . نكص عن الأمر: أحجم و رجع. لسان العرب، ج 7، ص 101 (نكص).

7) . في المطبوع: «لم يسلم».

8) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و كان».

9) . في «د» و المطبوع و الحجري: «للاختصاص».

10) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «من صواب».

الكافرينَ و بالجهادِ(1)في سَبيلِه مع اطِّراحِ خوفِ اللَّومِ‌، كَيفَ يَجوزُ أن يَظُنَّ عاقلٌ تَوَجُّهَ الآيةِ إلىٰ مَن لَم يَكُن له حَظٌّ مِن ذلكَ الوصفِ؟ لأنّ المعلومَ أنّ أبا بَكرٍ لَم يَكُن له نِكايةٌ في المُشرِكينَ‌، و لا قتيلٌ في الإسلامِ‌، و لا وَقَفَ في شَيءٍ مِن حروبِ النبيِّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه مَوقِفَ أهل البأسِ و العَناءِ‌، بَل كانَ الفِرارُ سُنَّتَه و الهَرَبُ دَيدَنَه، و قد انهَزَمَ عن النبيِّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه في جُملةِ المُنهَزِمينَ (2)في مَقامٍ بَعدَ مَقامٍ .(3)

و من ذلك فراره عن النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله مع جميع المسلمين إلّاأمير المؤمنين عليه السلام يوم أُحد حينما أحاط العدوّ به - كما في أُسد الغابة، ج 4، ص 20، و غيره.

و من ذلك يوم حنين لمّا حمي الوطيس، و فرّ الناس - بما فيهم الشيخان - عن النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و لم يبق معه إلّاأربعة: ثلاثة من بني هاشم و رجل من غيرهم، أمير المؤمنين عليه السلام و العبّاس - و هما بين يديه - و أبو سفيان بن الحارث آخذ بالعنان، و ابن مسعود من جانبه الأيسر كما في السيرة الحلبية، ج 3، ص 123.

فكَيفَ (4)يوصَفُ بالجهادِ في سَبيلِ اللّٰهِ علَى الوجهِ المذكورِ في الآيةِ مَن لا جهادَ له جُملةً؟!

و هَل العُدولُ بالآيةِ عن أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ - مع العِلمِ الحاصلِ لكُلِّ أحَدٍ بمُوافَقةِ أوصافِه لها(5)- إلىٰ أبي بَكرٍ إلّاعَصَبيّةٌ ظاهرةٌ ، و انحرافٌ شديدٌ؟


1) . في «ج، ص، ط، ف»: «و الجهاد».

2) . في التلخيص: «من انهزم».

3) . من ذلك فراره مع عمر بن الخطّاب يوم خيبر، حينما بعثه النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله إلى يهود خيبر، فرجع منهزماً يجبّن أصحابه، فلمّا كان من الغد بعث عمر فرجع بما رجع به صاحبه بالأمس، و يفصح عن ذلك تأثّر النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله حتّى قال: «لأُعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ اللّٰه و رسوله و يحبّه اللّٰه و رسوله، يفتح اللّٰه على يديه، كرّار ليس بفرّار». كما في صحيح البخاري، ج 3، ص 1096، ح 2847؛ مسند أحمد، ج 5، ص 333، ح 22872؛ المعجم الكبير، ج 6، ص 152، ح 5818؛ مجمع الزوائد، ج 9، ص 124.

4) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و كيف».

5) . في «د» و المطبوع و الحجري: «بها».

و قد رُويَ نُزولُها في قتالِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ أهلَ البصرةِ عنه نفسِه، و عن عبدِ اللّٰهِ بنِ عبّاسٍ و عمّارِ بنِ ياسرٍ رَضِيَ اللّٰهُ عنهما.(1)

و إذا عَضَدَ ما ذَكرناه مِن مُقتَضَى الآيةِ الروايةُ ، زالَت الشُّبهةُ ، و قَوِيَت الحُجّةُ .

عدم دقّة صاحب المغني في نقله لكلام أبي مسلم الأصفهاني

علىٰ أنّ صاحبَ الكتابِ قد وَهَمَ في الحكايةِ عن أبي مُسلِمٍ‌، و حَكىٰ عنه ما لَم يَقُلْه، و لا يَقتَضيه صريحُ قولِه و لا معناه؛ لأنّ الذي قاله أبو مُسلِمٍ بَعدَ إنشادِ البيتِ‌:

«و الذي وَصَفَهم به مِن الركوعِ في هذا المعنىٰ هو الذي وَصَفَ به مَن أَوعَدَ المُرتَدّينَ بالإتيانِ بهم بَدَلاً منهم، مِن الذِّلّةِ علَى المؤمنينَ‌، و العِزّةِ علَى الكافرينَ‌».

هذه ألفاظُه بعَينِها في كتابِه في تفسيرِ القُرآنِ‌(2). أي لم ندقّق في حكاية صاحب المغني عن أبي مسلم هذا النوع من التدقيق في العبارة.(3)، و هي بخِلافِ حكايةِ صاحبِ الكتابِ‌؛ لأنّ أبا مُسلِمٍ جَعَلَ الوصفَ في الآيتَينِ واحداً، و لَم يَقُلْ أنّ الموصوفَ واحدٌ، و صاحبُ الكتابِ حَكىٰ عنه أنّ الموصوفينَ بالآيةِ الأُولىٰ هُم الموصوفونَ بالآيةِ الأُخرىٰ‌. و هذا تحريفٌ ظاهرٌ؛ لأنه غيرُ مُمتَنِعٍ أن يَكونَ الوصفُ واحداً و الموصوفُ يَختَلِفُ‌(4).

و لَم نُحَقِّقْ‌(5)حكايتَه هذا الضربَ مِن التحقيقِ (5) لأنّ أبا مُسلِمٍ لَو ادَّعىٰ ما حَكاه عنه كانَت(6)دَعواه حُجّةً ، بَل أرَدنا أن نُبينَ عن وَهمِ صاحبِ الكتابِ في الحكايةِ ،


1) . التبيان، ج 3، ص 556؛ مجمع البيان، ج 3، ص 321؛ التفسير الكبير، ج 12، ص 378؛ جامع البيان، ج 6، ص 186؛ الكشف و البيان، ج 4، ص 80؛ معالم التنزيل، ج 2، ص 60، ذيل الآية 54 من سورة المائدة (5).

2) . راجع: نفائس التأويل، ج 2، ص 179، ذيل الآية 54 من سورة المائدة

3) .

4) . في «ج، ط»: «مختلفاً». و في «ص، ف»: «مختلف».

5) . هكذا في «ف». و في «د، ط» و المطبوع و الحجري: «و لم يحقّق». و في «ج، ص»: «و لم يخصّ ».

6) . في «ج، ص، ط»: «ما كانت».

و الذي تَقَدَّمَ مِن كلامِنا مُبطِلٌ للدعوَى التي ذَكَرَها في الآيةِ ؛ سَواءٌ كان أبو مُسلِمٍ مُدَّعيَها(1)أو غيرُه.

نفي نزول آية الولاية في حقّ عُبادة بن الصامت

فأمّا قولُه: «و قد رُويَ أنّها نَزَلَت في عُبادةَ بنِ الصامِتِ‌» فباطلٌ‌، و لَيسَ يُقابِلُ ما ادَّعاه مِن الروايةِ ما رُويَ مِن نُزولِها في أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ‌؛ لأنّ تلكَ روايةٌ أطبَقَ علىٰ نَقلِها جماعةُ أصحابِ الحَديثِ مِن الخاصّةِ و العامّةِ‌، و ما ادَّعاه(2)أحسَنُ أحوالِه أن يَكونَ مُسنَداً إلىٰ واحدٍ معروفٍ بالتحايُلِ‌(3)و العَصَبيّةِ‌، و لا يوجَدُ(4)له مُوافِقٌ مِن الرُّواةِ و لا مُتابِعٌ‌.

علىٰ أنّ مفهومَ الآيةِ مُمتَنِعٌ ممّا ذَكَرَه؛ لأنّا قد دَلَّلنا علَى اقتضائها(5)فيمن وُصِفَ بها معنَى الإمامةِ‌، فلَيسَ يَجوزُ أن يَكونَ المَعنيُّ بها عُبادةَ بعَينِه؛ للاتّفاقِ علىٰ أنّه لا إمامةَ له في حالٍ مِن الأحوالِ‌. و لا يَجوزُ أيضاً(6)أن يَكونَ‌(7)نَزَلَت بسببِه الذي ذُكِرَ(8)لأنّ الآيةَ لا يَصِحُّ‌(9)خروجُها علىٰ سببٍ لا يُطابِقُها، و إن جازَ مع مُطابَقتِه أن يَتعدّىٰ إلىٰ غيرِه. و قد بيّنّا أنّ المُرادَ بها لا يَجوزُ أن يَكونَ وَلايةَ الدينِ و النُّصرةِ‌؛ لدخولِ لفظةِ «إنّما» المُقتَضيةِ للتخصيصِ (10)فلَم يَبقَ فيما ذَكرناه شُبهةٌ .


1) . في المطبوع و الحجري: «مدّعياً».

2) . في التلخيص: + «الخصم».

3) . في بعض النسخ: «بالتحابل».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «لا يوجد» بدون الواو.

5) . في «ج، ص، ط»: «علىٰ إمضائها».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: - «أيضاً».

7) . في التلخيص: «أن تكون».

8) . في المطبوع و الحجري: «ذكره».

9) . في المطبوع: «يصحّ » بدل «لا يصحّ ».

10) . تقدّم في ص 69-72.

الدليل الخامس آية (وَ إِنْ تَظٰاهَرٰا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللّٰهَ هُوَ مَوْلاٰهُ ...)

اشارة

قالَ صاحبُ الكتابِ :

دليلٌ لهم آخَرُ:

رُبَّما تَعلَّقوا بقَولِه تَعالىٰ‌: (وَ إِنْ تَظٰاهَرٰا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللّٰهَ هُوَ مَوْلاٰهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صٰالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمَلاٰئِكَةُ بَعْدَ ذٰلِكَ ظَهِيرٌ)(1)و يَقولونَ‌: المُرادُ(2)

بصالحِ المؤمنينَ هو أميرُ المؤمنينَ عليٌّ عليه السلامُ‌، و قد جَعَلَه اللّٰهُ تَعالىٰ مَولىً للرسولِ عليه السلامُ ، و لا يَجوزُ أن يَخُصَّه(3)بذلكَ إلّالأمرٍ يَختَصُّ به(4)دونَ سائرِ المؤمنينَ .

و ذلكَ الأمرُ لَيسَ إلّاطريقةَ الإمامةِ [و أنّه الثابتُ عنه في ذلكَ ].(5)

ثُمَّ أورَدَ كلاماً كَثيراً(6)أبطَلَ به دَلالةَ هذه الآيةِ علَى النصِّ .(7)


1) . التحريم (66):4.

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «إنّ المراد».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «أن يختصّه».

4) . في المغني: «بذلك الأمر و يختصّ به».

5) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 139-140. و ما بين المعقوفين من المصدر.

6) . في «ج، ص، ط، ف»: - «كثيراً».

7) . و هذا نصّ عبارة المغني: «و هذا أبعد من الأوّل؛ لأنّه إن سُلّم أنّه المراد به فلا يدلّ على

نفي دلالة الآية على الإمامة، و إثبات دلالتها على الفضل

و الذي نَقولُه: إنّ الآيةَ التي تَلاها لا تَدُلُّ عندَنا علَى النصِّ علىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ بالإمامةِ و لا اعتَمَدَها أحَدٌ مِن شُيوخِنا في هذا المَوضِعِ‌.

الإمامة، و إنّما يدلّ على النصرة لمكان العطف؛ إذ المعلوم أنّ المراد بقوله: (فَإِنَّ اللّٰهَ هُوَ مَوْلاٰهُ‌) طريقة النصرة (وَ جِبْرِيلُ‌) و كذلك قوله (وَ صٰالِحُ الْمُؤْمِنِينَ‌) لم يرد به إلّاذلك.

يبيّن ما قلناه: أنّه أثبته كذلك في الوقت، و إن أُريد به الإمامة فيجب في الحال، بل يجب أن يكون إماماً للرسول عليه السلام.

و يبيّن أنّ المراد ما قلناه من النصر و المعونة: قوله تعالى من بعده: (وَ الْمَلاٰئِكَةُ بَعْدَ ذٰلِكَ ظَهِيرٌ) و لا يجوز أن يراد بذلك إلّاالنصرة و المعونة. و كذلك القول فيما تقدّم.

و القصّة تقتضي ذلك؛ لأنّ الآية نزلت فيمن أفشى سرّ النبيّ صلّى اللّٰه عليه من أزواجه، و عرّف اللّٰه تعالى نبيّه عليه السلام ذلك، و أنزل هذه الآية زاجراً لهم عن فعل مثله، فقال: (إِنْ تَتُوبٰا إِلَى اللّٰهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمٰا وَ إِنْ تَظٰاهَرٰا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللّٰهَ هُوَ مَوْلاٰهُ‌) و لا يليق بذلك إلّاأنّه معين له عليكم و ناصر؛ ليكون ردعاً و زجراً لهم.

و لا يصحّ فيما عطف عليه إلّاهذه الطريقة لكي تقع به الغاية.

هذا لو صحّ أنّ المراد بصالح المؤمنين واحد. فكيف و قد قيل: إنّ المراد به الجمع، على ما قاله أبو مسلم في أنّ المراد به الجمع، و سقطت به الواو من «صالحو المؤمنين» كما سقطت من قوله: (يَوْمَ يَدْعُ الدّٰاعِ إِلىٰ شَيْ‌ءٍ نُكُرٍ) [القمر (54):6]، و قوله: (وَ يَدْعُ الْإِنْسٰانُ بِالشَّرِّ دُعٰاءَهُ بِالْخَيْرِ) [الإسراء (17):11]، و قوله: (وَ يَمْحُ اللّٰهُ الْبٰاطِلَ ) [الشورى (42) 24] و كلّ هذه الحروف الثلاثة واجب في حكم الخطاب ثبات الواو فيه، لكنّه لمّا جاورت الألف و اللام سقطت في اللفظ لالتقاء الساكنين، و أُجري الخطّ في المصاحف ذلك المجرى.

و قال شيخنا أبو هاشم: إنّ الآية لا تليق إلّابالجمع؛ لأنّه تعالى بيّن لهم عظم حال الرسول عليه السلام بنصرة الغير و مظاهرته، و لا بدّ من أن يكون الجمع فيه، فقوله: (وَ صٰالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) بمعنى قوله: و المؤمنون الصالحون؛ إذ المتعالم أنّ المؤمن لا يكون إلّاصالحاً، فهو بمنزلة قوله: (الرّٰاكِعُونَ السّٰاجِدُونَ ) [التوبة (9):112]، و قوله: (التّٰائِبُونَ الْعٰابِدُونَ الْحٰامِدُونَ ) [التوبة (9):112] و إن كان لا يكون تائباً إلّاعابداً. و قد بيّنّا أنّ الآية لا تدلّ على الإمامة، و إن ثبت ورودها فيه عليه السلام، فلا وجه للإكثار في ذلك». المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 140-141.

و كَيفَ يَصِحُّ اعتمادُها في النصِّ مِن حَيثُ التعَلُّقِ‌(1)بلفظةِ «مَولاه» و نَحنُ نَعلَمُ أنّ هذه اللفظةَ لَو اقتَضَت النصَّ بالإمامةِ لَوَجَبَ أن يَكونَ أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ إماماً للرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه!! لأنّ المُكنّىٰ عنه بالهاءِ التي في لفظةِ «مَولاه» هو الرسولُ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه. و لَو اقتَصَرَ صاحبُ الكتابِ في إبطالِ دَلالةِ الآيةِ علَى النصِّ علىٰ ما ذَكرناه لَكَفاه و لَاستَغنىٰ عن غيرِه.

و إنّما يَعتَمِدُ أصحابُنا هذه الطريقةَ مِن الآيةِ في الدَّلالةِ علىٰ فَضلِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ و تَقدُّمِه و عُلوِّ رُتبَتِه، فإن جُعِلَ لها تَعلُّقٌ بالنصِّ علَى الإمامةِ مِن حَيثُ دَلَّت علَى الفَضلِ المُعتَبَرِ فيها - و كانَ الإمامُ لا يَكونُ إلّاالأفضَلَ - جازَ. و ذلكَ لا يُخرِجُها مِن أن تَكونَ‌(2)غيرَ دالّةٍ بنفسِها علَى الإمامةِ‌؛ بَل يَكونُ حُكمُها في الدَّلالةِ‌

علَى الفَضلِ حُكمَ غيرِها مِن الأدِلّةِ عليه، و هي كَثيرةٌ‌.

و رُبَّما استَدَلَّ أصحابُنا بهذه الآيةِ علىٰ سوءِ طريقةِ المَرأتَينِ اللتَينِ تَوجَّهَ العَتْبُ إليهما و اللَّومُ‌(3)، و يَذكُرونَ في السِّرِّ الذي أفشَته(4)إحداهما إلىٰ صاحبتِها(5)خِلافَ ما يَذكُرُه المُخالِفونَ‌. و الطريقةُ لنُصرةِ (6)هذا الوجهِ معروفةٌ ، و لَولا أنّ المَوضِعَ لا يَقتَضيها لَبَسَطناها ضَرباً مِن البَسطِ.

فأمّا وجهُ (7)دَلالةِ الآيةِ علَى الفَضلِ و التَقدُّمِ فواضحٌ ؛ لأنّه قد ثَبَتَ بالخبرِ الذي


1) . في المطبوع: «تتعلّق».

2) . في «د، ص، ط» و المطبوع: «أن يكون».

3) . في «د» و المطبوع و الحجري: + «في الآية».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «أفشتاه».

5) . في «د»: «صاحبهما». و في «ص»: «صاحبتهما».

6) . في «د»: «في نصرة».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: - «وجه».

اشتَرَكَ‌(1)في روايتِه رُواةُ‌(2)الخاصّةِ و العامّةِ أنّ «صالِحَ المؤمنينَ‌» المذكورَ في الآيةِ هو أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ‌(3)، و لَيسَ يَجوزُ أن يُخبِرَ اللّٰهُ تَعالىٰ أنّ‌(4)ناصرَ رسولِه إذا وَقَعَ التظاهُرُ عليه - بَعدَ ذِكرِ نفسِه تَعالىٰ و ذِكرِ جَبرَئيلَ عليه السلامُ - إلّامَن كانَ أقوَى الخَلقِ نُصرةً لنبيِّه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه و أمنَعَهم جانباً في الدفاعِ عنه، و لا يَحسُنُ و لا يَليقُ بموضوعِ الكلامِ ذِكرُ ضعيفِ‌(5)النُّصرةِ ، أو المُتوسِّطِ(6)فيها؛ ألا تَرىٰ أنّ أحَدَ المُلوكِ لَو تَهَدَّدَ بعضَ أعدائه ممّن يُنازِعُه سُلطانَه و يَطلُبُ مَكانَه، فقالَ : «لا تَطمَعوا فِيَّ ، و(7)لا تُحدِّثوا نُفوسَكم(8)بمُغالَبتي؛ فإنّ مَعي مِن أنصاري فُلاناً و فُلاناً» فإنّه لا يَحسُنُ أن يُدخِلَ في كلامِه إلّامَن هو الغايةُ في النُّصرةِ ، و المشهورُ بالشَّجاعةِ و حُسنِ المُدافَعةِ؟

فأمّا ما حَكاه عن أبي مُسلِمٍ مِن أنّ المُرادَ ب‍ (صٰالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) الجَمعُ (9)، و سَقَطَت الواوُ(10)كما سَقَطَت مِن قولِه: (يَوْمَ يَدْعُ الدّٰاعِ إِلىٰ شَيْ ءٍ نُكُرٍ)(11): فما


1) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «اشتركت».

2) . في «ج، ط، ف»: - «رواة».

3) . تفسير القمّي، ج 2، ص 377؛ تفسير فرات الكوفي، ص 489-491؛ الأمالي للصدوق، ص 31، المجلس 8، ح 4؛ مجمع البيان، ج 10، ص 475؛ الخرائج و الجرائح، ج 2، ص 908؛ جامع البيان، ج 18، ص 689؛ تفسير ابن كثير، ج 8، ص 186؛ الكشف و البيان، ج 9، ص 348؛ الدرّ المنثور، ج 6، ص 244؛ روح المعاني، ج 14، ص 348؛ فتح الباري، ج 13، ص 27؛ مجمع الزوائد، ج 9، ص 194.

4) . في «ف» و المطبوع و الحجري: «أنّه».

5) . في «د» و المطبوع و الحجري: «الضعيف».

6) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و المتوسّط».

7) . في «ج، ص، ف»: «أو».

8) . في التلخيص: «أنفسكم».

9) . في «ج، ط، ف» و المطبوع و الحجري: «الجميع».

10) . أي كان أصلها: «صالحو المؤمنين» فسقطت الواو.

11) . القمر (54):6.

قاله جائزٌ غيرُ مُمتَنِعٍ ، و جائزٌ أيضاً أن يُريدَ بصالحِ المؤمنينَ الجَمعَ (1)و إن كانَ أتىٰ بلفظِ الواحدِ؛ غيرَ أنّ العملَ بالروايةِ (2)يَمنَعُ مِن حَملِ الآيةِ علَى الجَمعِ (3).

فأمّا حكايتُه عن أبي هاشمٍ قولَه: «إنّ الآيةَ لا تَليقُ‌(4)إلّابالجَمعِ‌؛ لأنّه تَعالىٰ بَيَّنَ لهم(5)حالَ الرسولِ بنُصرةِ الغَيرِ و مُظاهَرتِه، فلا بُدَّ مِن أن يَذكُرَ(6)الجَمعَ فيه» فتَوهُّمٌ منه طَريفٌ‌؛ لأنّ المخصوصَ بالذِّكرِ إذا كانَ أعظَمَ شأناً في النُّصرةِ و أظهَرَ حالاً في العَناءِ‌(7)و صِدقِ اللِّقاءِ‌، كانَ تخصيصُه أَولىٰ بالحالِ مِن ذِكرِ الجَمعِ الذي لَيسَت له(8)هذه المنزلةُ ، فكانَ (9)ذِكرُ الأفضَلِ في النُّصرةِ و الأشهَرِ بها أليَقَ بمِثلِ هذا الكلامِ .

دلالة (وَ صٰالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) علىٰ أنّ أمير المؤمنين عليه السلام أصلح القوم

قالَ صاحبُ الكتابِ :

و رُبَّما تَعلَّقوا بهذه الآيةِ مِن وجهٍ آخَرَ، بأن يَقولوا: تَدُلُّ‌(10)علىٰ أنّه الأفضَلُ‌؛ لتخصيصِه بالذِّكرِ(11)، و لأنّه جُعِلَ «صالِحَ المؤمنينَ‌» و هو بمعنَى الأصلَحِ مِن جَماعتِهم، فإذا(12)كانَ الأفضَلُ أحَقَّ بالإمامةِ‌


1) . في «د، ص، ط، ف» و المطبوع و الحجري: «الجميع».

2) . في «ط»: «بالدراية».

3) . في «ص، ف» و المطبوع و الحجري: «الجميع».

4) . في النسخ و الحجري: «لا يليق». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و المغني.

5) . في المغني: + «عِظَمَ ».

6) . في المغني: «أن يكون».

7) . هكذا في «د، ط». و في سائر النسخ و المطبوع: «في الغناء».

8) . في «د» و المطبوع و الحجري: «من ذكر الجميع الذين ليست لهم».

9) . في «ج، ص، ط، ف»: «لأنّ ».

10) . في «د» و المطبوع و الحجري: «يدلّ ».

11) . في المغني: «بالوليّ ».

12) . في «ج، ص، ط، ف»: «و إذا».

فيَجِبُ‌(1)أن يَكونَ إماماً.

قالَ‌:

و نَحنُ نُبيِّنُ مِن بَعدُ أنّ الأفضَلَ لَيسَ بأَولىٰ بالإمامةِ‌، و أنّه(2)لا يَمتَنِعُ العُدولُ عنه إلىٰ غيرِه.

و بَعدُ، فإنّ قولَه: (وَ صٰالِحُ الْمُؤْمِنِينَ‌) لا يَدُلُّ علىٰ أنّه أصلَحُهم و أفضَلُهم، و إنّما يَدُلُّ علىٰ أنّه صالحٌ‌، و أنّه ظاهرُ الصلاحِ‌، فهو بمَنزِلةِ قولِ القائلِ : «فُلانٌ شُجاعُ القومِ » إذا ظَهَرَت شَجاعتُه فيهم، و إن لَم يَكُن بأشجَعِهم؛ فلا اللُّغةُ تَقتَضي ذلكَ و لا التعارُفُ ، و إن كُنّا قد بيّنّا أنّ تسليمَ ذلكَ لا يوجِبُ ما قالوه، و بيّنّا أنّ الآيةَ لا تَدُلُّ علىٰ أنّه المُرادُ به دونَ غيرِه، و لا الرواياتُ المَرويّةُ في ذلكَ مُتَواتِرةٌ فيُقطَعَ بها. [و ذِكرُ هذه الآيةِ في بابِ الفاضلِ و المفضولِ أَولىٰ مِن ذِكرِها في بابِ النصِّ علَى الإمامةِ ].(3)

يُقالُ له: أمّا التخصيصُ بالذِّكرِ فيُفيدُ ما قَدَّمناه مِن التقَدُّمِ في النُّصرةِ‌(4)لكُلِّ أحَدٍ، و لَم نَرَكَ أبطَلتَ ذلكَ بشَيءٍ‌، و إنّما تَكلَّمتَ علَى الأصلَحِ‌، و الظاهرُ مِن قولِه تَعالىٰ : (وَ صٰالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) يَقتَضي كَونَه أصلَحَ مِن جميعِهم بدَلالةِ العُرفِ و الاستعمالِ ؛ لأنّ أحَدَنا إذا قالَ : «فُلانٌ عالِمُ قومِه، و زاهدُ أهلِ بَلَدِه» لَم يُفهَمْ مِن كلامِه إلّاكَونُه أعلَمَهم و أزهَدَهم.


1) . في «ج»: «يجب». و في «ص، ط، ف»: «وجب».

2) . في المغني: «مع أنّه».

3) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 141-142. و ما بين المعقوفين من المصدر.

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «ما قدّمناه في التقدّم و النصرة».

و يَشهَدُ أيضاً بصحّةِ‌(1)قولِنا:(2)ما رُويَ عن أبي عَمرِو بنِ العَلاءِ‌(3)مِن قولِه: «كانَ أَوسُ بنُ حَجَرٍ(4)شاعرَ مُضَرٍ، حتّىٰ نَشأَ النابغةُ‌(5)و زُهَيرٌ(6)فطَأطَئا(7)منه، فهو شاعرُ


1) . في «ج، ص، ط، ف»: «لصحّة».

2) . في «د» و المطبوع و الحجري: + «أيضاً».

3) . أبو عمرو بن العلاء بن عمّار بن العريان التميمي المازني البصري (70-154 ه‍). كان أعلم الناس بالأدب و العربيّة و القرآن و الشعر، و هو أحد القرّاء السبعة، و لمّا كتب المصحف عرض على عثمان بن عفّان فقال: إنّ فيه لحناً و لتقيمنّه العرب بألسنتها، و كان أبو عمرو إذا دخل شهر رمضان لم ينشد بيت شعر حتّى ينقضي. الفهرست لابن النديم، ص 42؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 67، ص 103، الرقم 8737؛ معجم الأُدباء، ج 3، ص 1316، الرقم 496؛ إنباه الرواة، ج 4، ص 131، الرقم 919؛ وفيات الأعيان، ج 3، ص 466، الرقم 505.

4) . أوس بن حجر بن عتّاب التميمي، من شعراء الجاهليّة، و قيل لعمرو بن معاذ - و كان بصيراًبالشعر - مَن أشعر الناس‌؟ فقال: أوس، قيل: ثمّ مَن‌؟ قال: أبو ذؤيب. و كان أوس عاقلاً في شعره، كثير الوصف لمكارم الأخلاق. و هو من أوصفهم للخمر و السلاح، و لا سيّما للقوس، و سبق إلى دقيق المعاني و إلى أمثال كثيرة. طبقات فحول الشعراء، ج 1، ص 97، الرقم 108؛ الشعر و الشعراء، ج 1، ص 198، الرقم 10؛ الأغاني، ج 11، ص 47، الرقم 5؛ الاستيعاب، ج 1، ص 122، الرقم 119؛ أُسد الغابة، ج 1، ص 173، الرقم 311.

5) . زياد بن معاوية بن ضباب بن جابر، أبو أمامة المعروف بالنابغة الذبياني، أحد شعراء الجاهليّة المشهورين، و من أعيان فحولهم المذكورين، و أهل الحجاز يفضّلون النابغة و زهيراً. كان النابغة أحسنهم ديباجة شعر و أكثرهم رونق كلام و أجزلهم بيتاً، كان شعره كلاماً ليس فيه تكلّف، و نبغ بالشعر بعد ما احتنك، و هلك قبل أن يهتر و يخرف. الشعر و الشعراء، ج 1، ص 156، الرقم 4؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 19، ص 221، الرقم 2315.

6) . زهير بن ربيعة بن قرط، زهير بن أبي سُلمىٰ ، و الناس ينسبونه إلى مُزينة و إنّما نسبه في غطفان. و يقال: إنّه لم يتّصل الشعر في ولد أحد من الفحول في الجاهلية ما اتّصل في ولد زهير، و في الإسلام ما اتّصل في ولد جرير. و كان زهير راوية أوس بن حجر. قال عكرمة بن جرير: قلت لأبي: من أشعر الناس ؟ قال: أ جاهليّة أم إسلاميّة ؟ قلت: جاهليّة، قال: زهير، قلت: فالإسلام ؟ قال: الفرزدق. طبقات فحول الشعراء، ج 1، ص 51، الرقم 58؛ الشعر و الشعراء، ج 1، ص 137، الرقم 2؛ الفهرست لابن النديم، ص 223-224.

7) . في «ط» و الحجري: «فطأطأ». و في التلخيص: «و طأطأ».

تَميمٍ في الجاهِليّةِ غيرَ مُدافَعٍ‌». و إنّما أرادَ بلفظةِ «شاعرٍ» أشعَرَ، لا غيرَ.

فأمّا ما ذَكَرَه مِن قولِهم: «فُلانٌ شُجاعُ القومِ‌» فهو جارٍ مَجرىٰ ما ذَكرناه؛ لأنّه لا يُفهَمُ منه إلّاأنّه(1)أشجَعُهم؛ ألا يَعلَمُ أنّه لا يُقالُ في كُلِّ‌(2)واحدٍ مِن القومِ إذا ظَهَرَت منه شَجاعةٌ مّا: «إنّه شُجاعُ القومِ‌»؟

و قد دَلَّلنا علىٰ أنّ الأفضَلَ أحَقُّ بالإمامةِ‌، و أنّها لا تَجوزُ للمفضولِ‌، فيما تَقدَّمَ‌.(3)

و الروايةُ الواردةُ بنُزولِ الآيةِ في أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ و إن لَم تَكُن مُتَواتِرةً ، فهي ممّا ظَهَرَ نَقلُه بَينَ أصحابِ الحديثِ خاصّتِهم و عامّتِهم، و ما له هذا الحُكمُ مِن الروايةِ يَجِبُ قبولُه. علىٰ أنّ الشيعةَ مُجمِعةٌ علىٰ تَوجُّهِ الآيةِ (4)إلىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ و اختصاصِه بها، و إجماعُهم حُجّةٌ .


1) . في «ج، ص، ط، ف»: - «أنّه».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: - «كلّ ».

3) . تقدّم في ج 2، ص 272 و ما بعدها.

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «توجّه الخطاب بالآية».

الدليل السادس آية المُباهَلة

اشارة

قالَ صاحبُ الكتابِ :

دليلٌ لهم آخَرُ:

و رُبَّما تَعلَّقوا بآيةِ المُباهَلةِ‌(1)و أنّها لمّا نَزَلَت جَمَعَ النبيُّ‌(2)عليه السلامُ‌(3)عليّاً و فاطمةَ و الحَسَنَ و الحُسَينَ عليهم السلام(4)، و أنّ ذلكَ يَدُلُّ علىٰ أنّه الأفضَلُ‌، و ذلكَ يَقتَضي أنّه بالإمامةِ أحَقُّ‌، و لا بُدَّ مِن أن يَكونَ هو المُرادَ بقَولِه: (وَ أَنْفُسَنٰا وَ أَنْفُسَكُمْ‌)(5)لأنّه عليه السلامُ لا يَدخُلُ تَحتَ قولِه تَعالىٰ : (أَبْنٰاءَنٰا(6)وَ أَبْنٰاءَكُمْ وَ نِسٰاءَنٰا وَ نِسٰاءَكُمْ )(7)فيَجِبُ أن يَكونَ داخلاً تَحتَ قولِه: (وَ أَنْفُسَنٰا وَ أَنْفُسَكُمْ )(8)، و لا يَجوزُ أن يَجعَلَه مِن


1) . في المغني: «بآيات المباهلة».

2) . في المغني: - «النبيّ ».

3) . هكذا في المغني. و في النسخ و المطبوع: «صلّى اللّٰه عليه و آله».

4) . في المغني: - «عليهم السلام».

5) . آل عمران (3):61.

6) . في «د» و المطبوع و الحجري: (نَدْعُ أَبْنٰاءَنٰا).

7) . نفس الآية السابقة.

8) . من قوله: «لأنّه عليه السلام لا يدخل...» إلىٰ هنا سقط من المغني.

نفسِه إلّاو هو يَتلوه في الفَضلِ‌.

قالَ‌:

و هذا مِثلُ الأوّلِ‌(1)في(2)أنّه كلامٌ في التفضيلِ‌، و نَحنُ نُبيِّنُ أنّ الإمامةَ قد(3)تَكونُ فيمن لَيسَ بأفضَلَ‌، و في شُيوخِنا مَن ذَكَرَ عن أصحابِ الآثارِ أنّ عليّاً عليه السلامُ لَم يَكُن في المُباهَلةِ‌.

قالَ شَيخُنا أبو هاشمٍ‌: «إنّما خَصَّصَ‌(4)صَلّى اللّٰهُ عليه(5)مَن تَقرَّبَ‌(6)منه في النسَبِ‌، و لَم يَقصِدِ الإبانةَ عن الفَضلِ‌»، و دَلَّ علىٰ‌(7)ذلكَ بأنّه عليه السلامُ أدخَلَ فيها الحَسَنَ و الحُسَينَ عليهما السلام مع صِغَرِهما؛ لِما اختَصّا به مِن قُربِ النَّسَبِ‌. و قولُه: (وَ أَنْفُسَنٰا وَ أَنْفُسَكُمْ‌) يَدُلُّ علىٰ هذا المعنىٰ‌؛ لأنّه أرادَ قُربَ القَرابةِ‌، كما يُقالُ في الرجُلِ يَقرُبُ في النسَبِ مِن القومِ‌(8): «إنّه مِن أنفُسِهم».

و لا يُنكَرُ أن يَدُلَّ ذلكَ علىٰ لُطفِ مَحَلِّه مِن رسولِ اللّٰهِ صَلّى اللّٰهُ عليه

و آلِه(9)، و شِدّةِ مَحبَّتِه له و فَضلِه، و إنّما أنكَرنا أن يَدُلَّ ذلكَ علىٰ أنّه الأفضَلُ ، أو علَى الإمامةِ .(10)


1) . أي مثل الآية السابقة.

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «و» بدل «في».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: - «قد».

4) . في المغني: «خصّ ».

5) . هكذا في المغني. و في «ج، ص، ط، ف»: «عليه السلام». و في «د» و المطبوع: «صلّى اللّٰه عليه و آله».

6) . في «ط» و المغني: «يقرب».

7) . في «ص» و المغني: - «علىٰ ».

8) . في «ج، ص»: «إلى القوم». و في المغني: «يقرب من القوم في النسب».

9) . في «ص» و المغني: - «صلّى اللّٰه عليه و آله».

10) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 142.

دلالة آية المباهلة على الفضل

يُقالُ له: لا شُبهةَ في دَلالةِ آيةِ المُباهَلةِ علىٰ فَضلِ مَن دُعيَ إليها، و جُعِلَ حُضورُه حُجّةً علَى المُخالِفينَ‌، و اقتضائها تَقدُّمَه علىٰ غيرِه؛ لأنّ النبيَّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه لا يَجوزُ أن يَدعُوَ إلىٰ ذلكَ المَقامِ ليَكونَ حُجّةً فيه إلّامَن هو في غايةِ الفَضلِ و عُلوِّ المَنزِلةِ ، و قد تَظاهَرَت الروايةُ بحَديثِ المُباهَلةِ و أنّ النبيَّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه دَعا إليها أميرَ المؤمنينَ و فاطمةَ و الحَسَنَ و الحُسَينَ عليهم السلامُ ، و أجمَعَ أهلُ النَّقلِ و أهلُ التفسيرِ علىٰ ذلكَ .(1)

إثبات دخول أمير المؤمنين عليه السلام في المباهلة

و لَسنا نَعلَمُ إلىٰ أيِّ أصحابِ الآثارِ أشارَ بدَفعِ كَونِ (2)أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ في المُباهَلةِ؟ و ما نَظُنُّ أحَداً يَستَحسِنُ مِثلَ هذه الدعوىٰ ، و نَحنُ نَعلَمُ أنّ قولَه:

(وَ أَنْفُسَنٰا وَ أَنْفُسَكُمْ‌) لا يَجوزُ أن يَعنيَ بالمَدعُوِّ فيه النبيَّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه؛ لأنّه هو الداعي، و لا يَجوزُ أن يَدعُوَ الإنسانُ نفسَه، و إنّما يَصِحُّ أن يَدعُوَ غيرَه، كما لا يَجوزُ أن يأمُرَ نفسَه(3)و يَنهاها. و إذا كانَ قولُه تَعالىٰ : (وَ أَنْفُسَنٰا وَ أَنْفُسَكُمْ ) لا بُدَّ أن يَكونَ إشارةً إلىٰ غيرِ الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، وَجَبَ أن يَكونَ إشارةً إلىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ ؛ لأنّه لا أحَدَ يَدَّعي دخولَ غيرِ أميرِ المؤمنينَ و غيرِ زوجتِه


1) . مسند أحمد، ج 1، ص 185، ح 1608؛ صحيح مسلم، ج 4، ص 1870، ح 32/2404؛ الجامع الصحيح، ج 5، ص 225، ح 2999، و ص 638، ح 3724؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 163، ح 4719؛ الدرّ المنثور، ج 4، ص 38؛ جامع البيان، ج 3، ص 212؛ الكشّاف، ج 1، ص 368؛ الجامع لأحكام القرآن، ج 4، ص 104؛ تفسير ابن كثير، ج 2، ص 47، ذيل الآية 61 من سورة آل عمران (3)، إضافة إلىٰ الكثير من المصادر الأُخرىٰ .

2) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «كون».

3) . سقط من قوله: «و إنّما يصحّ أن يدعو...» إلى هنا من «ج، ص، ط، ف».

و وَلَدَيه عليهم السلامُ في المُباهَلةِ‌، و ما نَظُنُّ مَن حَكىٰ عنه دَفْعَ دخولِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ فيها يُقدِمُ علىٰ‌(1)أن يَجعَلَ مَكانَ أميرِ المؤمنينَ غيرَه. و هذا الضربُ مِن الاستدلالِ كالمُستَغنىٰ عن تَكَلُّفِه؛ لإطباقِ (2)أهلِ الحَديثِ كافّةً علىٰ دخولِ

أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ في المُباهَلةِ ، و إنّما أوردَناه(3)استظهاراً في الحُجّةِ .

نفي أن يكون سببُ حضور أمير المؤمنين عليه السلام في المباهلة قُربَ نسبه من الرسول صلى الله عليه و آله

و أمّا(4)ما حَكاه عن أبي هاشمٍ - مِن أنّ القَصدَ لَم يَكُن إلَى(5)الإبانةِ عن الفَضلِ‌، و إنّما قَصَدَ إلىٰ إحضارِ مَن يَقرُبُ منه في النَّسَبِ (6)- فظاهرُ البُطلانِ ؛ لأنّ القَصدَ لَو كانَ إلىٰ ما ادَّعاه لَوَجَبَ أن يَدعُوَ العبّاسَ و وَلَدَه و عَقيلاً؛ إذ كانَ إسلامُ العبّاسِ و عَقيلٍ و انضمامُهما إلَى الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه مُتقدِّماً لقِصّةِ المُباهَلةِ بزمانٍ طويلٍ ؛ لأنّ المُباهَلةَ كانَت في سنةِ عَشرةٍ مِن الهِجرةِ لمّا وَفَدَ السيِّدُ و العاقِبُ فيمَن كانَ معهما مِن أساقِفةِ نَجرانَ علَى النبيِّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و بَينَ هذه الحالِ و بَينَ حصولِ العبّاسِ و عَقيلٍ مع النبيِّ صلّى اللّٰه عليه و آله مُدّةٌ فَسيحةٌ .(7)و في تخصيصِ النبيِّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه أميرَ المؤمنينَ بالحضورِ - دونَ مَن عَداه ممّن يَجري مَجراه في القَرابةِ - دَليلٌ علىٰ ما ذَكرناه.


1) . في «ج، ص، ط، ف»: - «على».

2) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «عن تكلّف إطباق».

3) . في «ج، ص»: «أوردنا».

4) . في «ج، ص، ط»: «فأمّا».

5) . في «د»: - «إلى».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «من قرب من النسب إليه».

7) . حيث إنّ إسلام العبّاس و عقيل كان بعد واقعة بدر الكبرى بأشهر، و واقعة بدر كانت في السنة الثانية من الهجرة في أواخر رمضان.

فأمّا تَعلُّقُه بدخولِ الحَسَنِ و الحُسَينِ عليهما السلام فيها مع صِغَرِ سِنِّهما: فمعلومٌ أنّ صِغَرَ السِّنِّ و نُقصانَها عن حَدِّ بُلوغِ الحُلُمِ لا يُنافي كمالَ العقلِ‌، و إنّما جُعِلَ بُلوغُ الحُلُمِ حَدًّا لِتَعلُّقِ الأحكامِ الشرعيّةِ‌، و قد كانَت(1)سِنُّهما عليهما السلام في تلكَ الحالِ سِنّاً لا يَمتَنِعُ معها أن يَكونا كامِلَي العقولِ‌؛ لأنّ سِنَّ الحَسَنِ عليه السلامُ كانَ في قِصّةِ المُباهَلةِ يَزيدُ(2)علىٰ سَبعِ سِنينَ بعِدّةِ شُهورٍ(3)، و سِنَّ الحُسَينِ عليه السلامُ يُقارِبُ‌(4)السبعةَ‌.

علىٰ أنّ مِن(5)مَذهَبِنا أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ يَخرِقُ العاداتِ للأئمّةِ‌، و يَخُصُّهم بما لَيسَ لغَيرِهم، فلَو صَحَّ أنّ كمالَ العقلِ مع صِغَرِ السِّنِّ لَيسَ بمُعتادٍ لَجازَ فيهم عليهم السلام علىٰ سَبيلِ خَرقِ العادةِ‌.

و لَيسَ يَجوزُ أن يَكونَ المعنىٰ في قولِه تَعالىٰ‌: (وَ أَنْفُسَنٰا وَ أَنْفُسَكُمْ‌) قُربَ القَرابةِ حَسَبَ ما ظُنَّ‌، بَل لا بُدَّ أن تَكونَ هذه الإضافةُ مُقتَضيةً للتخصيصِ و التفضيلِ (6).

و قد عَضَدَ هذا القولَ - مِن أقوالِ الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(7)في مَقاماتٍ كَثيرةٍ بمَشهَدٍ مِن أصحابِه - ما يَشهَدُ بصحّةِ قولِنا؛ فمِن ذلكَ (8)ما تَظاهَرَت به الروايةُ مِن أنّه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه سُئلَ عن بعضِ أصحابِه، فقالَ له قائلٌ : فعَليٌّ؟ فقالَ :


1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «كان».

2) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «كانت في قصّة المباهلة تزيد».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: - «بعدّة شهور». و في التلخيص: «لعلّه بشهور».

4) . في التلخيص: «تقارب».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: - «من».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «و الفضل».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «عليه السلام»، و هكذا فيما بعد.

8) . في «ج، ص، ط، ف»: + «قوله».

«إنّما سَألتَني عن الناسِ‌، و لَم تَسألْني عن نفسي».(1). مسند أحمد، ج 5، ص 356، ح 23062؛ فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل، ج 2، ص 859-860، ح 1179-1180؛ مسند البزّار، ج 2، ص 138، ح 4391؛ المستدرك على الصحيحين، ج 2، ص 263، ح 2949؛ كنز العمّال، ج 11، ص 608، ح 32942-32944، مع اختلاف في المصادر.(2)

و قولُه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه لبُرَيدةَ الأسلَميِّ‌(3): «يا بُرَيدةُ‌، لا تُبغِضْ عليّاً، فإنّه مِنّي و أنا منه، إنّ الناسَ خُلِقوا مِن شَجَرٍ شَتّىٰ ، و خُلقِتُ أنا و عَليٌّ مِن شَجَرةٍ واحدةٍ ».(3)

و قولُه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه يَومَ أُحُدٍ و قد ظَهَرَ(4)مِن وِقايةِ أميرِ المؤمنينَ عليه

السلامُ له بنفسِه و نِكايتِه في المُشرِكينَ و فَضِّه لجَمعٍ منهم(5)بَعدَ جَمعٍ (6)ما ظَهَرَ، هذا بَعدَ انهزامِ الناسِ و انفلالِهم(7)و إسلامِهم للرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، حتّىٰ


1) . مجمع البيان، ج 2، ص 764، ذيل الآية 61 من سورة آل عمران

2) ؛ المناقب لابن شهر آشوب، ج 2، ص 217؛ الصراط المستقيم، ج 1، ص 250.

3) . بريدة بن الحصيب بن عبد اللّٰه بن الحارث الأسلمي، يكنّى أبا عبد اللّٰه. أسلم قبل بدر و لم يشهدها و شهد الحديبية، فكان ممّن بايع بيعة الرضوان تحت الشجرة. روىٰ حديث التسليم علىٰ عليٍّ عليه السلام بإمرة المؤمنين، و كان أحد الذين وقفوا في المسجد و اعترضوا علىٰ أبي بكر بسبب تولّيه الخلافة. كان من ساكني المدينة، ثمّ تحوّل إلى البصرة، ثمّ خرج إلى خراسان غازياً، فمات بمرو في إمرة يزيد بن معاوية و بقي ولده بها. الطبقات الكبرى، ج 4، ص 182، الرقم 435، و ج 7، ص 5، الرقم 2826؛ الاستيعاب، ج 1، ص 185، الرقم 217؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 71، ص 376، الرقم 9754؛ المسترشد، ص 584؛ الاحتجاج، ج 1، ص 101.

4) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و قد ظهرت».

5) . في «ج، ط، ف»: «لجمعهم جمعاً» بدل «لجمع منهم».

6) . في المطبوع: «بعد الجمع» بدل «بعد جمع».

7) . في التلخيص: «و انفلاتهم». و في «ط»: «و انقلابهم». و الانفلال: الانكسار و الانهزام. راجع: الصحاح، ج 5، ص 1793؛ جمهرة اللغة، ج 1، ص 162 (خلل).

قالَ جَبرَئيلُ عليه السلامُ‌: «يا مُحَمّدُ، إنّ هذه لَهِيَ المُواساةُ‌» فقالَ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه: «يا جَبرئيلُ‌، إنّه مِنّي و أنا مِنه» فقالَ جَبرَئيلُ عليه السلامُ : «و أنا منكما».(1)

و لا شُبهةَ (2)في أنّ الإضافةَ فيما ذَكرناه مِن الأخبارِ إنّما تَقتَضي التفضيلَ و التعظيمَ و الاختصاصَ ، دونَ القَرابةِ .


1) . فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل، ج 2، ص 816-817، ح 1119 و 1120؛ المعجم الكبير، ج 1، ص 318، ح 941؛ كنز العمّال، ج 13، ص 143-144، ح 36449؛ الكافي، ج 15، ص 270، ح 14905/90، و ص 715، ح 15317/502 (ج 8، ص 110، ح 90، و ص 321، ح 502، ط. الإسلامية)؛ عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 1، ص 85، ح 9؛ علل الشرائع، ج 1، ص 7، ح 3؛ الاحتجاج، ج 2، ص 392.

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «فلا شبهة».

الدليل السابع آية (أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ )

اشارة

قالَ صاحبُ الكتابِ :

دليلٌ لهم آخَرُ:

و استَدَلَّ بعضُهم بقَولِه تَعالىٰ‌: (أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ )(1). المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 142-143.(2)، و ذَكَرَ أنّ إيجابَه تَعالىٰ طاعتَه لا يَكونُ (3)إلّاو هو منصوصٌ عليه معصومٌ لا يَجوزُ عليه الخَطَأُ، و ثُبوتُ ذلكَ يَقتَضي(4)أنّه أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ ؛ لأنّه لا قولَ بَعدَ ما ذَكرناه إلّاذلكَ .

ثُمَّ شَرَعَ في إفسادِ هذه الطريقةِ و الكلامِ علىٰ بُطلانِها.(4)

نفي دلالة الآية علىٰ إمامة أمير المؤمنين عليه السلام

و الذي نَقولُه(5): إنّ هذه الآيةَ لا تَدُلُّ علَى النصِّ علىٰ أميرِ المؤمنينَ ، و ما نَعرِفُ


1) . النساء

2) :59.

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «لا تكون».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: + «له».

5) . في «د» و المطبوع و الحجري: «يقوله». و في «ف»: «تقوله».

أحَداً مِن أصحابِنا اعتَمَدَها فيه، و إنّما استَدَلَّ بها ابنُ الراوَنديِّ في كتابِ «الإمامةِ‌» علىٰ أنّ الأئمّةَ يَجِبُ أن يَكونوا معصومينَ‌، منصوصاً علىٰ أعيانِهم. و الآيةُ غيرُ دالّةٍ علىٰ هذا المعنىٰ أيضاً(1)، و التكثيرُ(2)بما لا تُثمِرُ(3)دَلالتُه لا معنىٰ له؛ فإنّ فيما تَثبُتُ به الحُجّةُ مَندوحةً‌(4)و كفايةً بحَمدِ اللّٰهِ و مَنِّه.

علىٰ أنّ الآيةَ لَو دَلَّت علىٰ وجوبِ عصمةِ الأئمّةِ و النصِّ عليهم - علىٰ ما اعتَمَدَها(5)ابنُ الراوَنديِّ فيه(6)، و حَكاه صاحبُ الكتابِ في صَدرِ كلامِه - لَم تَكُن(7)دالّةً علىٰ وقوعِ النصِّ علىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ بالإمامةِ‌، و إنّما يُرجَعُ في ذلكَ إلىٰ طريقةِ اعتبارِ الإجماعِ‌، و تأمُّلِ أقوالِ الأُمّةِ المُختَلِفينَ في الإمامةِ‌، و أنّ الحَقَّ لا يَخرُجُ عن(8)الأُمّةِ‌، علىٰ ما رَتَّبناه فيما تَقدَّمَ‌(9)فكَيفَ‌(10)يَحسُنُ أن تُجعَلَ دَلالةً في النصِّ و تُحكىٰ‌(11)في جُملةِ الأدِلّةِ عليه ؟! و هذا يوجِبُ كَونَ جميعِ ما دَلَّ مِن جهةِ العقلِ (12)علىٰ وجوبِ عصمةِ الأئمّةِ و النصِّ عليهم دالّاً علَى النصِّ علىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ !! و بُعدُ ذلكَ ظاهرٌ.


1) . في «ج، ص، ط، ف»: - «أيضاً».

2) . في «د»: «و النكير».

3) . في «ط، ف» و المطبوع و الحجري: «لا تتمّ ».

4) . مندوحة: يعني سَعة و فُسحة. تهذيب اللغة، ج 4، ص 245 (ندح).

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «اعتمده».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: - «فيه».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «لم يكن».

8) . في «ج، ص، ط، ف»: «من».

9) . تقدّم في ص 50 و ما بعدها.

10) . في «ج، ص، ط، ف»: «و كيف».

11) . في «ج، د، ص، ط، ف»: «و يحكى».

12) . في «ج، ص، ط، ف»: «ما ذكر من جهة النقل» بدل «ما دلّ من جهة العقل».

الدليل الثامن حديثُ الغَديرِ

اشارة

قالَ صاحبُ الكتابِ :

دليلٌ لهم آخَرُ(1)مِن طريقِ السُّنّةِ‌:

قالوا: قد ثَبَتَ عنه عليه السلامُ‌(2)يَومَ غَديرِ خُمٍّ ما يَدُلُّ علىٰ‌(3)أنّه نَصَّ علىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ بالإمامةِ‌؛ لأنّه مع الجَمعِ العظيمِ في ذلكَ المَقامِ قامَ فيهم خَطيباً فقالَ‌: «أ لَستُ أَولىٰ بِكم منكم بأنفُسِكُم‌؟(4)» فقالوا: اللّهُمَّ نَعَم، فقالَ بَعدَه إشارةً‌(5)إليه: «فمَن كُنتُ مَولاه فهذا عليٌّ مَولاه، اللّهُمَّ والِ مَن والاه، و عادِ مَن عاداه، و انصُرْ مَن نَصَرَه، و اخذُلْ مَن خَذَلَه» حتّىٰ قالَ عُمَرُ بنُ الخَطّابِ له: بَخْ بَخْ‌(6)، أصبَحتَ مَولايَ


1) . في المغني: - «آخر».

2) . هكذا في النسخ و المغني. و في المطبوع و الحجري: «صلّى اللّٰه عليه و آله». و هكذا فيما بعد.

3) . في المغني: - «علىٰ ».

4) . في المغني: «من أنفسكم».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «بعد إشارته».

6) . «بخ» كلمة تقال عند المدح و الرضا بالشيء و تكرّر للمبالغة. و هي مبنيّة على السكون، فإن وَصَلتَ جررتَ و نوّنتَ ، فقلت: «بخٍ بخٍ » و ربّما شدّدت. النهاية، ج 1، ص 101 (بخ). و العجيب

و مَولىٰ كُلِّ مؤمنٍ و مؤمنةٍ‌.(1)

و لا يَجوزُ أن يُريدَ بقَولِه: «مَن كُنتُ مَولاه» إلّاما تَقتَضيهِ‌(2)مُقدِّمةُ الكلامِ‌، و إلّالَم يَكُن لتقديمِها(3)فائدةٌ‌، فكأنّه عليه السلامُ‌

قالَ‌: «فمَن كُنتُ‌(4)أَولىٰ به مِن نفسِه فعَليٌّ أَولىٰ به» لتَكونَ‌(5)المُقدِّمةُ مُطابِقةً لِما تَقدَّمَ (6)ذِكرُه(7)، و ما قُصِدَ إليه مِن الذِّكرِ بَعدَ المُقدِّمةِ يَكونَ (8)مُطابِقاً لها.

و قد عَلِمنا أنّه لَم يُرِدْ بقَولِه: «أ لَستُ أَولىٰ بِكم منكم بأنفسِكُم ؟» إلّافي الطاعةِ و الاتّباعِ و الانقيادِ، فيَجِبُ فيما عُطِفَ عليه أن يَكونَ هذا مُرادَه

أنّها في المغني «لخ لخ» و علّق عليها المحقّق قائلاً: «كذا في الأصل» و لم يكلّف نفسه عناء البحث عنها.


1) . مسند أحمد، ج 4، ص 281، ح 18502؛ المصنّف لابن أبي شيبة، ج 7، ص 503، ح 55؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 118، ح 4576، و ص 119، ح 4578؛ كنز العمّال، ج 13، ص 134، ح 36420؛ المناقب للخوارزمي، ص 156؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 42، ص 221 و 233 و 234، الرقم 4933؛ البداية و النهاية، ج 7، ص 349؛ تذكرة الخواصّ ، ص 36 و 64؛ شواهد التنزيل للحسكاني، ج 1، ص 200 و 203، و ج 2، ص 391؛ فرائد السمطين، ج 1، ص 65؛ ينابيع المودّة، ج 2، ص 249، ح 699، و ص 284-285، ح 812. و انظر تفصيل المصادر في الغدير، ج 1، ص 26-312.

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «و لا يجوز أن لا يريد بقوله: من كنت مولاه ما يقتضيه». و في المغني: «و لا يجوز إلّاأن يريد بقوله: من كنت مولاه ما تقتضيه».

3) . في «ج، ص، ط»: «لتقدّم الكلام» بدل «لتقديمها».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: + «مولاه، أي».

5) . في «د، ط، ف» و الحجري: «ليكون».

6) . في المغني: «لما تأخّر».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: - «ذكره».

8) . في المغني: «حتّىٰ يكون».

به(1)، و ذلكَ لا يَليقُ إلّابالإمامةِ‌(2).

و استَدَلَّ بعضُهم بدَلالةِ الحالِ في ذلكَ‌؛ و هو أنّه تَعالىٰ أنزَلَ علىٰ رسولِه عليه السلامُ‌: (يٰا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ وَ اللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّٰاسِ‌)(3). في «ج، ص، ط، ف»: «بجمع أصحابه في غدير خمّ ».(4)فأمَرَ النبيُّ صَلّى اللّٰهُ عليه و سلّم(5)عندَ ذلكَ في غَديرِ خُمٍّ بجَمعِ أصحابِه(5)، و قامَ و أخَذَ(6)بيَدِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ‌، فرَفَعَها حتّىٰ رأىٰ قومٌ‌(7)بَياضَ إبطِه، و قالَ هذا القولَ مع كلامٍ تَقدَّمَ أو تأخَّرَ. و لا يَجوزُ أن يَفعَلَ ذلكَ إلّا لبَيانِ أمرٍ عظيمٍ‌، و ذلكَ لا يَليقُ إلّابالإمامةِ التي فيها(8)إحياءُ مَعالِمِ الدينِ‌، دونَ سائرِ ما يُذكَرُ في هذا البابِ ممّا يَشرَكُه فيه غيرُه، و ممّا قد بانَ‌(9)و ظَهَرَ مِن قَبلُ‌.

و قال بعضُهم في وجهِ الاستدلالِ بذلكَ‌: إنّه عليه السلامُ‌(10)لمّا قالَ‌:

«مَن كُنتُ مَولاه فعَليٌّ مَولاه» لَم يَخلُ مِن أن يُريدَ بذلكَ "مالكَ الرِّقِّ "(11)،


1) . في «ج، ص، ط، ف» و المغني: - «به».

2) . في المغني: «و ذلك لا يكون إلّاالإمامة».

3) . المائدة

4) :67.

5) . هكذا في المغني. و في النسخ و المطبوع: «صلّى اللّٰه عليه و آله».

6) . في المغني: «فأخذ».

7) . في «ج، ص، ط، ف» و حاشية الحجري: «حتّى بان».

8) . في «ج، ص، ط»: «مثلها».

9) . في المغني: «قد يأتي».

10) . هكذا في المغني. و في جميع النسخ و المطبوع: «صلّى اللّٰه عليه و آله».

11) . في «ج، ص، ط، ف» و المغني: «ملك الرقّ ».

أو "المُعتِقَ‌"، أو "المُعتَقَ‌"(1)،أو "ابنَ العَمِّ‌"(2)،أو يُريدَ بذلكَ‌(3)"العاقبةَ‌"، كقَولِه تَعالىٰ (مَأْوٰاكُمُ النّٰارُ هِيَ مَوْلاٰكُمْ‌)(4)أي عاقِبتُكم، أو يُريدَ بذلكَ "ما يَليهِ خَلفَه أو قُدّامَه"(5)؛لأنّه قد يُرادُ ذلكَ بهذا اللفظِ، أو يُرادَ بذلكَ "مالكُ الطاعةِ‌"(6)؛ لأنّ ذلكَ قد يُرادُ بهذا اللفظِ.

فإذا بَطَلَت تلكَ الأقسامُ‌؛ مِن حَيثُ يُعلَمُ أنّه عليه السلامُ لَم يُرِدْ "مالكَ‌

الرِّقِّ‌"(7)،و لا(8)"المُعتِقَ‌" أو "المُعتَقَ‌"، فيَجِبُ أن يَكونَ هذا هو المُرادَ.

و "مالكُ الطاعةِ‌"(9)لا يَكونُ إلّابمعنَى الإمامِ‌(10)لأنّ الإمامةَ مُشتَقّةٌ مِن الائتمامِ به، و الائتمامُ هو الاتّباعُ و الاقتداءُ‌(11)و الانقيادُ، فإذا وَجَبَت(12)طاعتُه فلا بُدَّ مِن أن يَستَحِقَّ هذا المعنىٰ‌.

و فيهم(13)مَن استَدَلَّ بذلكَ بأن قالَ‌: إنّه عليه السلامُ قالَ هذا القولَ ، فلَو لَم يُرِدْ به الإمامةَ علىٰ ما نَقولُ ، لَكانَ بأن يَكونَ مُحيِّراً لهم و مُلبِّساً


1) . في «ج، د، ص» و المطبوع: - «أو المعتَق».

2) . في «ص» و المطبوع: «و ابن العمّ ».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: - «بذلك».

4) . الحديد (57):15.

5) . في «ج، ص، ط، ف» و المغني: «و قدّ امه».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «مالك الطاعات».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «ملك الرقّ ».

8) . في «ج، ص، ط، ف»: «و لا أراد». و في المغني: «و لا أنّه».

9) . في المغني: «و ملك الطاعة».

10) . في المغني: «الإمامة».

11) . في «ج، ص، ط، ف»: «هو الاقتداء» بدل «هو الاتّباع و الاقتداء».

12) . في «ج، د، ط»: «وجب».

13) . في «ج، ص، ط، ف»: «و منهم».

عليهم أقرَبَ مِن البيانِ و الحالُ حالُ بيانٍ‌؛ فلا بُدَّ مِن حَملِه علىٰ ما ذَكرناه، و أن يُقالَ‌: إنّ القومَ عَرَفوا قَصْدَه عليه السلامُ في ذلكَ ؛ لأنّهم لَو لَم يَعرِفوا مُرادَه في إثباتِ الإمامةِ بما يَقولُ (1)لَكانَ قولُه هذا خارجاً عن طريقةِ البيانِ .

و زُعِمَ أنّ الذي له قالَه(2)معروفٌ بالتواتُرِ، و إنّما كَتَمَه بعضُهم و عَدَلَ عنه بُغضاً و مُعاداةً .(3)

مقدّمة في بيان تقريرات الاستدلال بحديث الغدير على الإمامة
اشارة

مقدّمة في بيان تقريرات الاستدلال بحديث الغدير على الإمامة(4)

التقرير الأوّل: الاستدلال بمقدّمة الحديث
اشارة

يُقالُ له: الوجهُ‌(5)المُعتَمَدُ في الاستدلالِ بخبرِ الغَديرِ علَى النصِّ هو ما نُرتِّبُه، فنَقولُ :

إنّ النبيَّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه استَخرَجَ مِن أُمّتِه في ذلكَ المَقامِ (6)الإقرارَ بفَرضِ طاعتِه، و وجوبِ التصرُّفِ بَينَ أمرِه و نهيِه، بقَولِه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(7): «أ لَستُ أَولىٰ بِكم منكم بأنفُسِكم ؟». و هذا القولُ و إن كانَ مَخرَجُه مَخرَجَ


1) . في «ج، ص، ط، ف» و المغني: - «بما يقول».

2) . في «ج، ص، ط»: «قال».

3) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 144-146.

4) . سوف يستمرّ بيان هذه المقدّمة المطوّلة إلىٰ ص 282.

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «هذا الوجه».

6) . هكذا في «ص، ط، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «بذلك المقام». و في «ج»: «في هذا المقام».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «عليه السلام»، و هكذا فيما بعد.

الاستفهامِ فالمُرادُ به التقريرُ، و هو جارٍ مَجرىٰ قولِه تَعالىٰ‌: (أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ‌) (1). في «ج، ص، ط، ف»: «فرض الطاعة له».(2)فلمّا أجابوه بالاعترافِ و الإقرارِ رَفَعَ بيَدِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ و قالَ عاطفاً علىٰ ما تَقدَّمَ‌: «فمَن كُنتُ مَولاه فهذا مَولاه - و في رواياتٍ أُخرىٰ‌: «فعَليٌّ مَولاه» - اللّهُمَّ والِ مَن والاه، و عادِ مَن عاداه، و انصُرْ مَن نَصَرَه، و اخذُلْ‌

مَن خَذَلَه» فأتىٰ عليه السلامُ بجُملةٍ يَحتَمِلُ‌(3)لفظُها معنَى الجُملةِ الأُولَى التي قَدَّمَها و إن كانَ مُحتَمِلاً لغَيرِه؛ فوَجَبَ‌(4)أن يُريدَ بها المعنَى المُتقدِّمَ الذي قَرَّرَهم به، علىٰ مُقتَضَى استعمالِ (5)أهلِ اللُّغةِ و عُرفِهم في خِطابِهم. و إذا ثَبَتَ أنّه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه أرادَ ما ذَكرناه مِن إيجابِه كَونَ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ أَولىٰ بالأُمّةِ (6)مِن أنفُسِهم، فقَد أوجَبَ له الإمامةَ (7)لأنّه لا يَكونُ أَولىٰ بهم مِن أنفُسِهم إلّافيما يَقتَضي فَرضَ طاعتِه(7) عليهم، و نُفوذَ أمرِه و نَهيِه فيهم، و لَن يَكونَ (8)كذلكَ إلّامَن كانَ إماماً.

فإن قالَ‌: دُلّوا علىٰ صحّةِ الخبرِ، ثُمَّ علىٰ أنّ لفظةَ «مَولىٰ‌» مُحتَمِلةٌ ل‍ «أَولىٰ‌» و أنّه أحَدُ أقسامِ ما يَحتَمِلُه، ثُمَّ علىٰ أنّ المُرادَ بهذه اللفظةِ في الخبرِ هو «الأَولىٰ » دونَ سائرِ الأقسامِ ، ثُمَّ علىٰ أنّ «الأَولىٰ » يُفيدُ معنَى الإمامةِ .(9)


1) . الأعراف

2) :172.

3) . في «د»: «تحتمل».

4) . في التلخيص: «لوجب».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «الاستعمال من».

6) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «بالإمامة».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «فقد أوجب الأحكام».

8) . في «ج، ص، ط»: «و أن يكون».

9) . فهذه أربعة بحوث سوف يقوم المصنّف رحمه اللّٰه ببحثها فيما يلي تباعاً.

البحث الأوّل: بيان صحّة حديث الغدير و تواتره
اشارة

قيلَ له: أمّا الدَّلالةُ علىٰ صحّةِ هذا(1)الخبرِ: فما يُطالِبُ بها إلّامُتعنِّتٌ‌(2)لظُهورِه و انتشارِه، و حصولِ العِلمِ لكُلِّ مَن سَمِعَ (3)الأخبارَ به. و ما المُطالِبُ بتصحيحِ خبرِ الغَديرِ و الدَّلالةِ عليه إلّاكالمُطالِبِ بتصحيحِ غَزَواتِ الرسولِ صلّى اللّٰه عليه و آله الظاهرةِ المشهورةِ (4)، و أحوالِه المعروفةِ ، و حجّةِ الوَداعِ نفسِها؛ لأنّ ظهورَ الجميعِ و عمومَ العِلمِ به بمَنزِلةٍ واحدةٍ .

و بَعدُ، فإنّ الشيعةَ قاطبةً تَنقُلُه و تَتَواتَرُ به، و أكثَرُ رُواةِ أصحابِ الحَديثِ يَروونَه(5)بالأسانيدِ المُتَّصِلةِ ، و جميعُ أصحابِ السِّيَرِ يَنقُلونَه و يَتلقَّونَه(6)عن أسلافِهم - خَلَفاً عن سَلَفٍ - نَقلاً بغَيرِ إسنادٍ مخصوصٍ ، كما نَقَلوا الوقائعَ و الحوادِثَ الظاهرةَ ، و قد أورَدَه مُصَنِّفو الحَديثِ في جُملةِ الصحيحِ (7).


1) . في «ج، ص، ط، ف»: - «هذا».

2) . المتعنّت: طالب الزلّة. راجع: الصحاح، ج 1، ص 259 (عنت).

3) . في التلخيص: «يسمع».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «المنشورة».

5) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «ترويه».

6) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: - «و يتلقّونه».

7) . أحصى شيخنا الأميني في كتابه الغدير (ج 1، ص 41-326) رواة حديث الغدير، فكانوا مائة و عشرة من الصحابة، و أربعة و ثمانين من التابعين، و ثلاثمائة و سبعة و خمسين من العلماء، و معظمهم بل جميعهم من علماء السنّة، و أحصى من أفرد التأليف في الغدير من علماء الفريقين، فكانوا ستّة و عشرين عالماً. و قال ابن كثير في البداية و النهاية (ج 5، ص 208): «و قد اعتنى بأمر هذا الحديث أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري صاحب التفسير و التاريخ، فجمع فيه مجلّدين أورد فيهما طرقه و ألفاظه، و كذلك الحافظ الكبير أبو القاسم ابن عساكر أورد أحاديث كثيرة في هذه الخطبة». و قال القندوزي في ينابيع المودّة (ص 36): «حكي عن أبي المعالي الجويني الملقّب بإمام الحرمين أستاذ أبي حامد الغزالي رحمهما اللّٰه [أنّه] كان يتعجّب و يقول: رأيت مجلّداً في بغداد في

فقَد(1)استَبَدَّ هذا الخبرُ بما لا يَشرَكُه(2)فيه سائرُ الأخبارِ؛ لأنّ الأخبارَ علىٰ ضربَينِ‌:

أحَدُهما: لا يُعتَبَرُ(3)في نَقلِه الأسانيدُ المُتَّصِلةُ‌، كالخبرِ عن وَقعةِ بَدرٍ و حُنَينٍ‌(4)

و الجَمَلِ و صِفّينَ‌، و ما جَرىٰ مَجرىٰ ذلكَ مِن الأُمورِ الظاهرةِ التي نَقَلَها(5)الناسُ قَرناً بَعدَ قَرنٍ بغَيرِ(6)إسنادٍ مُعيَّنٍ‌(7)و طريقٍ مخصوصٍ .

و الضربُ الآخَرُ: يُعتَبَرُ فيه اتّصالُ الأسانيدِ، كأكثَرِ أخبارِ(8)الشريعةِ .

و قد اجتَمَعَ في خبرِ الغَديرِ الطريقانِ معاً مع تَفرُّقِهما في غيرِه مِن الأخبارِ.

علىٰ أنّ ما اعتُبِرَ في نَقلِه مِن(9)أخبارِ الشريعةِ اتّصالُ الأسانيدِ لَو فَتَّشتَ عن(10)جميعِه لَم تَجِدْ رُواتَه(11)إلّاالآحادَ، و خبرُ الغَديرِ قد رَواه بالأسانيدِ الكثيرةِ المُتَّصِلةِ الجَمعُ الكَثيرُ، فمَزِيَّتُه ظاهرةٌ .

و ممّا يَدُلُّ علىٰ صحّةِ الخبرِ إطباقُ عُلَماءِ الأُمّةِ علىٰ قبولِه، و لا شُبهةَ فيما ادَّعَيناه مِن الإطباقِ ؛ لأنّ الشيعةَ جَعَلَته الحُجّةَ في النصِّ علىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه

يد صحّاف فيه روايات خبر غدير خمّ مكتوب عليه: المجلّدة الثامنة و العشرون من طرق قوله صلّى اللّٰه عليه و سلّم: «من كنت مولاه فعليّ مولاه»، و يتلوه المجلّدة التاسعة و العشرون».


1) . في «ج، ص، ط، ف»: «و قد».

2) . في «ج»: «لا يشتركه». و في التلخيص: «لا يشاركه».

3) . في التلخيص: «لا تعتبر».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «و خيبر».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «يعلمها».

6) . في التلخيص: «بعد».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: - «معيّن».

8) . في «ج، ص، ط، ف»: «كأخبار» بدل «كأكثر أخبار».

9) . في «ج، ص»: «في».

10) . في المطبوع: - «عن».

11) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «رواية».

السلامُ بالإمامةِ‌، و مخالِفو الشيعةِ تأوَّلوه علىٰ خِلافِ الإمامةِ علَى اختلافِ تأويلاتِهم؛ فمنهم مَن يَقولُ‌: إنّه يَقتَضي كَونَه عليه السلامُ الأفضَلَ‌، و منهم مَن يَقولُ‌: إنّه يَقتَضي مُوالاتَه علَى الظاهرِ و الباطنِ‌، و آخَرونَ يَذهَبونَ فيه إلىٰ وَلاءِ العِتقِ‌، و يَجعَلونَ سببَه ما وَقَعَ مِن(1)زَيدِ بنِ حارثةَ أو ابنِه(2)أُسامةَ‌(3)مِن المُشاجَرةِ‌،(4)إلىٰ غيرِ ما ذَكرناه مِن ضُروبِ التأويلاتِ و الاعتقاداتِ .

و ما نَعلَمُ (5)أنّ فِرقةً مِن فِرَقِ الأُمّةِ رَدَّت هذا الخبرَ، و(6)اعتَقَدَت بُطلانَه، و امتَنَعَت مِن قبولِه، و ما تُجمِعُ (7)الأُمّةُ عليه لا يَكونُ إلّاحقّاً عندَنا و عندَ مُخالِفينا و إنِ اختَلَفنا في العِلّةِ و الاستدلالِ .

نفي أن يكون أحدٌ شكّ في صحّة حديث الغدير أو اعتقد بطلانه

فإن قالَ‌: فما(8)في تأويلِ مُخالِفيكم للخبرِ ممّا(9)يَدُلُّ علىٰ تَقبُّلِهم(10)له‌؟ أوَ لَيسَ


1) . في «ص، ف»: «بين».

2) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و ابنه».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «أُسامة بن زيد».

4) . قال ابن الأثير في النهاية بعد ذكر حديث غدير خمّ : و قيل: سبب ذلك أنّ أُسامة قال لعليّ : لست مولاي، إنّما مولاي رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلّم، فقال النبيّ : «من كنت مولاه فعليّ مولاه». راجع: النهاية في غريب الحديث، ج 5، ص 228-229؛ لسان العرب، ج 15، ص 410، «ولي»؛ و أيضاً تاريخ مدينة دمشق، ج 42، ص 237-238، الرقم 4933؛ السيرة الحلبيّة، ج 3، ص 387؛ ذخائر العقبى، ج 1، ص 323؛ كنز الفوائد للكراجكي، ج 2، ص 95-96؛ المعيار و الموازنة، ص 210.

5) . في «ج، ص، ط»: «و ما يعلم».

6) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «أو» في الموضعين.

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «يجمع».

8) . في «ج، ص، ط، ف»: «و ما».

9) . هكذا في «د، ص، ط» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «ما».

10) . في «ج، ص، ط، ف»: «نقلهم».

قد يَتأوَّلُ (1)المُتكلِّمونَ كَثيراً ممّا لا يَقبَلونَه كأخبارِ المُشبِّهةِ و أصحابِ الرؤيةِ؟ فما(2)المانعُ مِن أن يَكونَ في الأُمّةِ مَن يَعتَقِدُ بُطلانَه، أو يَشُكُّ في صحّتهِ؟

قيلَ له: لَيسَ يَجوزُ أن يَتأوَّلَ‌(3)أحَدٌ مِن المُتكلِّمينَ خبراً يَعتَقِدُ بُطلانَه أو يَشُكُّ في صحّتِه إلّابَعدَ أن يَبينَ ذلكَ مِن حالِه، و يَدُلَّ علىٰ بُطلانِ الخبرِ أو علىٰ فَقْدِ ما يَقتَضي صحّتَه. و لَم نَجِدْ مُخالِفي الشيعةِ في ماضٍ و لا مُستَقبَلٍ يَستَعمِلونَ في تأويلِ خبرِ الغَديرِ إلّاما يَستَعمِلُه المُتقبِّلُ‌؛ لأنّا لا نَعلَمُ (4)أحَداً منهم يُعتَدُّ بمِثلِه(5)قَدَّمَ الكلامَ في إبطالِه و الدفعِ له أمامَ تأويلِه. و لَو(6)كانوا أو بعضُهم يَعتَقِدونَ بُطلانَه أو يَشُكّونَ في صحّتِه لَوَجَبَ - مع ما نَعلَمُه مِن تَوفُّرِ دَواعيهِم إلىٰ رَدِّ احتجاجِ الشيعةِ به، و حِرصِهم علىٰ دَفعِ ما يَجعَلونه الذريعةَ إلىٰ تثبيتِه - أن يَظهَرَ عنهم دَفعُه سالِفاً و آنِفاً، و يَشيعَ (7)الكلامُ منهم في دَفعِ (8)الخبرِ كما شاعَ كلامُهم في تأويلِه؛ لأنّ دفعَه أسهَلُ مِن تأويلِه، و أقوىٰ في إبطالِ التعلُّقِ به، و أنفىٰ للشُّبهةِ .

فإن قالَ : ألَيسَ قد حُكيَ عن ابنِ أبي داودَ السِّجِستانيِّ (9)...


1) . في التلخيص: «يتناول». و في «ص، ط»: «قد تناول».

2) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «و ما».

3) . في «ط» و التلخيص: «يتناول».

4) . في «ج»: «لم نعلم».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «به» بدل «بمثله».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «فإن».

7) . في التلخيص: «و تشنيع».

8) . في «ج، د، ص، ط»: «تصحيح».

9) . عبد اللّٰه بن سليمان بن الأشعث، أبو بكر بن أبي داود الأزدي السجستاني (230-316 ه‍)، رحل به أبوه من سجستان يطوف به شرقاً و غرباً، و سمع من علماء ذلك الوقت، و استوطن بغداد و صنّف المسند، و السنن، و التفسير، و القراءات، و الناسخ و المنسوخ، و غير ذلك. و كان فهماً عالماً حافظاً. قدم دمشق مع أبيه و سمع بها من محمود بن خالد، و هشام بن خالد، و إبراهيم بن مروان بن محمّد، و يزيد بن عبد اللّٰه بن زريق و غيرهم. كان يتّهم بالانحراف عن

دفعُ (1)الخبرِ، و حُكيَ مِثلُه عن الخوارجِ (2)، و طَعَنَ الجاحظُ في كتابِ «العُثمانيّةِ »(3)فيه ؟

قيلَ له: أوّلُ ما نَقولُه أنّه(4)لا مُعتَبَرَ(5)في بابِ الإجماعِ بشُذوذِ كُلِّ شاذٍّ عنه؛ بَل الواجبُ أن يُعلَمَ أنّ الذي خَرَجَ عنه ممّن يُعتَبَرُ قولُ مِثلِه(6)في الإجماعِ ، ثُمَّ يُعلَمَ أنّ الإجماعَ لَم يَتَقَدَّمْ خِلافَه. فابنُ (7)أبي داودَ و الجاحظُ لَو صَرَّحا بالخِلافِ لَسَقَطَ

أمير المؤمنين عليه السلام و الميل عليه، فأراد أن يدفع عن نفسه هذه الشبهة، فجعل يقرأ على الناس فضائل أمير المؤمنين عليه السلام إلى درجة أنّ ابن جرير الطبري استغرب ذلك لمّا بلغه. و روي عنه أنّه يقول: «كلّ من كان بيني و بينه شيء أو ذكرني بشيء فهو في حلّ إلّامن رماني ببغض عليّ بن أبي طالب». تاريخ بغداد، ج 9، ص 471، الرقم 5095؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 29، ص 77، الرقم 3327؛ غاية النهاية في طبقات القراء، ج 2، ص 626، الرقم 1778.


1) . في «ج، ص، ط»: «في دفع».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «و حكي عن الخوارج مثله».

3) . عمرو بن بحر بن محبوب، أبو عثمان الجاحظ الليثي البصري (163-255 ه‍)، كان من أهل البصرة، و أحد شيوخ المعتزلة. قدم بغداد فأقام بها مدّة. و كان تلميذ أبي إسحاق النظّام. من كتبه: الحيوان، و البيان و التبيين، و النبيّ و المتنبّي، و المعرفة، و نظم القرآن، و مسائل القرآن، و فضيلة المعتزلة، و الإمامة على مذهب الشيعة، و غير ذلك. و من كتبه العثمانية في دعم أنصار عثمان بن عفّان و إنكار فضائل أمير المؤمنين عليه السلام. نقض هذا الكتاب المظفّر بن محمّد الخراساني، و أبو جعفر محمّد بن عبد اللّٰه الإسكافي. و قد لخّص ابن أبي الحديد العثمانيّة و نقضها في شرح نهج البلاغة (ج 3، ص 254). كما أنّ لابن أبي الحديد نقضاً عليها أيضاً، أشار إليه في (ج 1، ص 113) بقوله: «و قد ذكرنا في نقض العثمانية على شيخنا أبي عثمان الجاحظ ما رواه أصحابنا في كتبهم الكلاميّة عنه». تاريخ بغداد، ج 12، ص 208، الرقم 6669؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 45، ص 431، الرقم 5316؛ معجم الأُدباء، ج 5، ص 2101، الرقم 872؛ مروج الذهب، ج 3، ص 238؛ معالم العلماء، ص 84، الرقم 572.

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «أن».

5) . في «ص»: «لا يعتبر».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «ممّن يعتبر قوله».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «فإنّ ابن». و في التلخيص: «و ابن».

خِلافُهما بما ذَكرناه(1)- خصوصاً بالذي لا شُبهةَ فيه - مِن تَقدُّمِ الإجماعِ و فَقدِ الخِلافِ منهما(2)ثُمَّ تأخُّرِه(3)عنهما.

علىٰ أنّه قد قيلَ‌: إنّ ابنَ أبي داودَ لَم يُنكِرِ الخبرَ، و إنّما أنكَرَ كَونَ المسجدِ الذي بغَديرِ خُمٍّ مُتقدِّماً، و قد حُكيَ عنه التنصُّلُ (4)مِن القَدحِ في الخبرِ، و التبرّي ممّا قَذَفَه(5)به محمّدُ بنُ جَريرٍ الطبَريُّ (6). و الجاحظُ أيضاً لَم يَتجاسَرْ(7)علَى التصريحِ بدفعِ الخبرِ، و إنّما طَعَنَ في(8)بعضِ رُواتِه، و ادَّعَى اختلافَ ما نُقِلَ مِن لفظِه.

و لَو صَرَّحا(9)و أمثالُهما بالخِلافِ لَم يَكُن(10)قادحاً؛ لِما قَدَّمناه.


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: + «من الإجماع». و في التلخيص: «بما ذكرنا» بدل «بما ذكرناه».

2) . هكذا في التلخيص. و في «د»: «و فقد الخلافان منهما». و في سائر النسخ و المطبوع: «و فقد الخلاف و قد سبقهما».

3) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: «ثمّ تأخّر».

4) . تنصَّل فلانٌ من ذنبه: تبرّأ. الصحاح، ج 5، ص 1831 (نصل).

5) . في «ج، ص، ف»: «قرفه» و هو بمعناه. و في التلخيص: «قرنه».

6) . محمّد بن جرير بن يزيد الطبري، أبو جعفر (234-310 ه‍). صاحب التصانيف المشهورة، المحدّث، و الفقيه، و المقرئ، و المؤرّخ المعروف. استوطن بغداد و أقام بها إلى حين وفاته، و كان قد عُرض عليه القضاء فامتنع، و المظالم فأبىٰ . له من الكتب: أخبار الرسل و الملوك، و جامع البيان في تفسير القرآن، و اختلاف الفقهاء. تاريخ بغداد، ج 2، ص 159، الرقم 589؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 52، ص 188، الرقم 6160؛ معجم الأُدباء، ج 6، ص 2441، الرقم 1010؛ الفهرست للطوسي، ص 424، الرقم 655؛ الدرّ الثمين، ص 91؛ طبقات الشافعيّة لابن كثير، ج 1، ص 216، الرقم 99؛ الأعلام، ج 6، ص 69.

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «و أمّا الجاحظ فلم يتجاسر أيضاً».

8) . في «ج، ص، ط»: «على».

9) . في «ج، ص، ط، ف»: «و لو صرّح الجاحظ و السجستاني».

10) . في التلخيص: + «ذلك».

فأمّا(1)الخوارجُ‌: فما يَقدِرُ أحَدٌ علىٰ أن يَحكيَ عنهم دفعاً لهذا الخبرِ أو(2)امتناعاً مِن قبولِه، و هذه كُتُبُهم و مقالاتُهم موجودةٌ معروفةٌ‌، و هي خاليةٌ ممّا ادُّعيَ‌.

و الظاهرُ مِن أمرِهم(3)حَملُهم الخبرَ علَى التفضيلِ‌، أو(4)ما جَرى مَجراه مِن ضُروبِ‌(5)تأويلِ مُخالِفي الشيعةِ‌.

و إنّما آنَسَ‌(6)بعضَ الجَهَلةِ بهذه الدعوىٰ علَى الخوارجِ ما ظَهَرَ منهم(7)فيما بَعدُ مِن القولِ الخَبيثِ في أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ‌، فظَنَّ‌(8)أنّ خِلافَهم و رُجوعَهم(9)

عن وِلايتِه يَقتَضي أن يَكونوا جاحدينَ لفَضائلِه(10)و مَناقبِه.

و قد أبعَدَ هذا المُدَّعي غايةَ البُعدِ؛ لأنّ انحرافَ الخوارجِ إنّما كانَ بَعدَ التحكيمِ‌؛ للسببِ المعروفِ‌، و إلّافاعتقادُهم لإمامةِ أميرِ المؤمنينَ‌(11)عليه السلامُ و فضلِه و تَقدُّمِه قد كانَ ظاهراً، و هُم - علىٰ كُلِّ حالٍ - بعضُ أنصارِه و أعوانِه، و ممّن(12)جاهَدَ معه الأعداءَ و كانَ (13)في عِدادِ الأولياءِ ، إلىٰ أن كانَ مِن أمرِهم ما كانَ .


1) . في المطبوع: «أمّا».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «و».

3) . في التلخيص: «من أقوالهم».

4) . في المطبوع و الحجري: «و».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «من صنوف». و في التلخيص: - «ضروب».

6) . آنَسَ به: جعله يأنس به، أي يسكن إليه. تهذيب اللغة، ج 13، ص 60 (أنس).

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «عنهم».

8) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «و ظنّ ».

9) . في «د» و المطبوع و الحجري و التلخيص: «فظنّ أنّ رجوعهم».

10) . في «ج، ص، ط، ف»: «جحدوا فضائله».

11) . في «ج، ص، ط»: «لأميرالمؤمنين» بدل «لإمامة أمير المؤمنين».

12) . في «ج، ص، ط»: «و من».

13) . هكذا في جميع النسخ و الحجري و التلخيص. و في المطبوع: «و كانوا».

الاستدلال علىٰ صحّة حديث الغدير بالاحتجاج به في الشورىٰ

و قد استُدِلَّ‌(1)علىٰ صحّةِ الخبرِ بما تَظاهَرَت به الروايةُ‌(2)مِن احتجاجِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ به في الشورىٰ علَى الحاضرينَ‌(3)في جُملةِ ما عَدَّدَه مِن فضائلِه و مَناقبِه، و ما خَصَّه اللّٰهُ تَعالىٰ به حينَ قالَ‌: «أَنشُدُكمُ اللّٰهَ‌، هَل فيكم أحَدٌ أخَذَ رسولُ اللّٰهِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه بيَدِه فقالَ‌: مَن كُنتُ مَولاه فهذا عَليٌّ‌(4)مولاه، اللّٰهُمَّ والِ مَن والاه و عادِ مَن عاداه، غَيري‌؟» فقالَ القومُ‌: اللّٰهُمَّ لا.(5)

قالوا(6): و إذا اعتَرَفَ به مَن حَضَرَ الشورىٰ مِن الوجوهِ‌، و اتَّصَلَ أيضاً بغَيرِهم مِن الصحابةِ ممّن لَم يَحضُرِ المَوضِعَ كما اتَّصَلَ به(7)سائرُ ما جَرىٰ‌، و لَم يَكُن مِن أحَدٍ نَكيرٌ له(8)و لا إظهارُ شَكٍّ‌(9)فيه - مع عِلمِنا بتَوفُّرِ الدواعي إلىٰ إظهارِ ذلكَ لَو كانَ الخبرُ بخِلافِ ما حَكَمنا به مِن الصحّةِ - فقَد وَجَبَ القَطعُ علىٰ صحّتِه. هذا، علىٰ أنّ الخبرَ لَو لَم يَكُن في الوضوحِ كالشَّمسِ لَما جازَ أن يَدَّعيَه أميرُ المؤمنينَ عليه


1) . في «ج، ص، ط، ف»: + «قوم». و في التلخيص: + «أيضاً».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «الروايات».

3) . احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام يوم الشورى تجده مفصّلاً في الغدير، ج 1، ص 159 و مابعدها.

4) . في «ج، ص، ط، ف»: - «عليّ ».

5) . الخصال، ج 2، ص 553-555، ح 31؛ الأمالي للطوسي، ص 332-333، المجلس 12، ح 7/667، و ص 554-556، المجلس 20، ح 5/1169؛ الاحتجاج، ج 1، ص 134-145؛ المناقب للخوارزمي، ص 301؛ الاستيعاب، ج 3، ص 1098، الرقم 1855؛ فرائد السمطين، ج 1، ص 314؛ ينابيع المودّة، ج 1، ص 343 و 434؛ نهج الحقّ ، ص 391-394.

6) . في «ج، ص، ط، ف»: - «قالوا».

7) . في التلخيص: «بهم».

8) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «له».

9) . في «ج، ص، ط، ف»: «الشكّ » بدل «شكّ ».

السلامُ علَى النبيِّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(1)، سِيَّما(2)في مِثلِ (3)المَقامِ الذي ذَكرناه؛ لأنّه عليه السلامُ كانَ أنزَهَ و أجَلَّ قَدراً مِن ذلكَ .

قالوا: و بمِثلِ هذه الطريقةِ يَحتَجُّ خصومُنا في تصحيحِ ما ذَكَرَه أبو بَكرٍ يَومَ السقيفةِ و أسنَدَه إلَى الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه مِن قولِه(4): «الأئمّةُ مِن قُرَيشٍ » و فيما(5)جَرىٰ مَجراه مِن الأخبارِ.

فإن قالَ : كَيفَ يَصِحُّ احتجاجُكم بهذه الطريقةِ؟ و غايةُ ما فيها أن يَكونَ الحاضرونَ للشورىٰ صَدَّقوا بخبرِ الغَديرِ(6)و شَهِدوا بصحّتِه، و أن يَكونَ مَن عَداهم مِن الصحابةِ الذينَ لَم يَحضُروا و بَلَغَهم ما جَرىٰ أمسَكوا عن رَدِّه و إظهارِ الشكِّ فيه علىٰ سَبيلِ التصديقِ أيضاً. و لَيسَ في جميعِ ذلكَ حُجّةٌ عندَكم؛ لأنّكم قد رَدَدتم فيما مضىٰ مِن الكتابِ علىٰ مَن جَعَلَ تصديقَ الصحابةِ بخبرِ الإجماعِ و(7)إمساكَهم عن رَدِّه حُجّةً في صحّتِه.

قيلَ له: إنّما رَدَدنا علىٰ مَن ذَكَرتَ مِن حَيثُ لَم يَصِحَّ عندَنا أوّلاً إطباقُ الصحابةِ علَى الخبرِ(8)المُدَّعىٰ في الإجماعِ . ثُمَّ لمّا سَلَّمنا للخصومِ ما يَدَّعونَه مِن إطباقِ


1) . في «ج، ص، ط، ف»: - «على النبي صلّى اللّٰه عليه و آله».

2) . هكذا في جميع النسخ و الحجري و التلخيص. و في المطبوع: «لا سيّما». و اضافة «لا» من محقّق الشافي المطبوع، حيث قال في الهامش: في الأصل «سيّما» و المظنون أنّ «لا» ساقطة من سهو القلم، فإنّ «سيّما» لا تستعمل إلّامع الجحد، خصوصاً إذا أُريد ترجيح ما بعدها على ما قبلها، حيث لا يستثنى بها إلّاما أُريد تعظيمه.

3) . في «د» و المطبوع و الحجري: «في ذلك».

4) . في المطبوع و الحجري: «قول».

5) . في «ص، ط»: «و بما».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «الحاضرون الشورى صدّقوا خبر الغدير».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «في» بدل «و».

8) . يريد بالخبر: «لا تجتمع أُمّتي على ضلال»، و قد تقدّم.

الصحابةِ أرَيناهم أنّه لا حُجّةَ فيه علىٰ مَذاهبِهم و أُصولِهم؛ لأنّهم يُجيزونَ علىٰ كُلِّ واحدٍ منهم عقلاً الغَلَطَ(1)و اعتقادَ الباطلِ بالشُّبهةِ‌، فلا أمانَ قَبلَ صحّةِ ما يَدَّعونَه مِن السمعِ‌(2)مِن وقوعِ ما جازَ عليهم. و أبطَلنا ما يَتعلَّقونَ به مِن عادةِ الصحابةِ في قبولِ الصحيحِ مِن الأخبارِ و رَدِّ السقيمِ‌، و بيّنّا أنّهم لَم يُعَوِّلوا(3)في ذلكَ ّ‌إلا علىٰ دَعوىً لا يَعضُدُها بُرهانٌ‌، و أنّهم رَجَعوا في أنّ الخطأَ لا يَجوزُ عليهم إلىٰ قولِهم أو ما يَجري مَجرىٰ قولِهم.(4)

و هذا لا يَمنَعُنا مِن القَطعِ علىٰ صحّةِ ما يُجمِعُ عليه الأُمّةُ علىٰ مَذاهبِنا؛ لأنّا لا نُجيزُ علىٰ كُلِّ واحدٍ منهم الخطأَ و الضَّلالَ كما أجازوه(5)مِن طريقِ العقلِ‌(6)، و إنّما نُجيزُهما علىٰ مَن عَدا الإمامَ‌؛ لأنّ العقلَ قد دَلَّنا علىٰ وجودِ المعصومِ في كُلِّ زمانٍ ،

و مَنعُنا مِن اجتماعِ (7)الأُمّةِ علَى الباطلِ (8)إنّما هو لأجلِه؛ فمَن لَم يَسلُكْ (9)طريقتَنا يَجِبُ أن نَمنَعَه مِن الثقةِ بالإجماعِ و تَمسُّكِه به.

بيان صحّة مقدّمة حديث الغدير

فإن قالَ : جميعُ ما ذَكرتموه إنّما يَصِحُّ في متنِ الخبرِ الذي(10)هو قولُه صَلّى اللّٰهُ


1) . في «ج، ص، ط، ف»: «الخطأ عقلاً».

2) . في «ج، ص، ط»: «بالسمع» بدل «من السمع».

3) . في المطبوع: «لم يقولوا»، و هو سهو.

4) . راجع: ج 2، ص 50 و ما بعدها، و ص 64 و ما بعدها.

5) . في «ج، ص، ط»: «اختاروه».

6) . في المطبوع: «العمل»، و هو سهو.

7) . في «ج، ص، ف»: «إجماع».

8) . في «ج، ص، ط، ف»: «على باطل».

9) . في المطبوع و الحجري: «فمن يسلك».

10) . في المطبوع: «أعني».

عليه و آلِه: «مَن كُنتُ مَولاه فعَليٌّ مَولاه» دونَ المُقدِّمةِ (1)المُتضمِّنةِ للتقريرِ؛ لأنّ أكثَرَ مَن رَوَى الخبرَ لَم يَروِها، و الإطباقُ مِن العُلَماءِ علَى القبولِ و استعمالِ التأويلِ غيرُ موجودٍ فيها؛ لأنّكم تَعلَمونَ خِلافَ خُصومِكم فيها، و إنشادُ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ أهلَ الشورىٰ لَم يَتضمَّنْها في شَيءٍ مِن الرواياتِ ، و دليلُكم علىٰ إيجابِ الإمامةِ مِن الخبرِ مُتعلِّقٌ بها(2)، فدُلّوا علىٰ صحّتِها.

قيلَ له: لَيسَ يُنكَرُ(3)أن يَكونَ بعضُ مَن روىٰ خبرَ الغَديرِ لَم يَذكُرِ المُقدِّمةَ‌، إلّاأنّ مَن أغفَلَها لَيسَ بأكثَرَ ممّن ذَكَرَها و لا يُقارِبُه(4)، و إنّما حَصَلَ الإخلالُ بها مِن آحادٍ مِن الرُّواةِ‌، و نَقَلةُ‌(5)الشيعةِ كُلُّهم يَنقُلونَ الخبرَ بمُقدِّمتِه، و أكثَرُ مَن شارَكَهم مِن رُواةِ أصحابِ الحديثِ أيضاً يَنقُلونَ المُقدِّمةَ‌، و مَن تأمَّلَ نَقْلَ‌(6)الخبرِ و تَصفَّحَه عَلِمَ صحّةَ ما ذَكرناه، و إذا صَحَّ فلا نَكيرَ في إغفالِ مَن أغفَلَ المُقدِّمةَ ؛ لأنّ الحُجّةَ تَقومُ بنَقلِ مَن نَقَلَها، بل ببعضِهم(7).

فأمّا إنشادُ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ أهلَ الشورىٰ و خُلوُّه مِن ذِكرِ المُقدِّمةِ ، فلا يَدُلُّ علىٰ نفيِها أو الشكِّ في صحّتِها؛ لأنّه عليه السلامُ قَرَّرَهم مِن الخبرِ(8)بما يَقتَضي الإقرارَ بجميعِه علىٰ سَبيلِ الاختصارِ، و لا حاجةَ به إلىٰ أن يَذكُرَ القِصّةَ (9)


1) . يريد بالمقدّمة قوله صلّى اللّٰه عليه و آله: «أ لست أولى بكم من أنفسكم ؟».

2) . في «ج، ص، ط»: «في الخبر بما يتعلّق بها».

3) . في «ج، ص، ط»: «ننكر».

4) . في التلخيص: «و لا يقاربها».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: - «نقلة».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: - «نقل».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «بل بعضهم».

8) . في «ج، ص، ط، ف»: «أقررهم بالخبر».

9) . في «ج، ص، ط، ف»: «إلى ذكر القصّة».

مِن أوّلِها إلىٰ آخِرِها و جميعَ ما جَرىٰ فيها؛ لظُهورِها، و لأنّ‌(1)الاعترافَ بما اعتُرِفَ‌

به منها هو اعترافٌ بالكُلِّ‌، و هذه عادةُ الناسِ فيما يُقرِّرونَ به(2).

ألا تَرىٰ أنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ لمّا أن قَرَّرَهم(3)في ذلكَ المَقامِ بخبرِ الطائرِ في جُملةِ‌(4)الفضائلِ و المَناقبِ‌، اقتَصَرَ علىٰ أن قال عليه السلامُ‌: «أ فيكم رجُلٌ قالَ له رسولُ اللّٰهِ‌(5)صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه: اللّٰهُمَّ ابعَثْ إليَّ‌(6)بأَحَبِّ خَلقِكَ يأكُلْ معي، غَيري‌؟» و لَم يَذكُرْ إهداءَ‌(7)الطائرِ و ما تأخَّرَ عن هذا القولِ مِن كلامِ الرسولِ صلّى اللّٰه عليه و آله.(8)

و كذلكَ لمّا أن قَرَّرَهم عليه السلامُ بقَولِ الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه فيه لمّا نَدَبَه لفَتحِ خَيبَرَ ذَكَرَ بعضَ الكلامِ دونَ بعضٍ ، و لَم يَشرَحِ القِصّةَ و جميعَ ما جَرىٰ فيها.

و إنّما اقتَصَرَ عليه السلامُ علَى القَدرِ المذكورِ اتّكالاً علىٰ شُهرةِ الأمرِ، و أنّ في


1) . في «ج، ص، ط، ف»: «لظهوره لأنّ » بدل «لظهورها و لأنّ ».

2) . في المطبوع: «فيما يقرّرونه».

3) . في «ج، ص، ف»: «أقررهم».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «في جمل».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «النبيّ » بدل «رسول اللّٰه».

6) . في التلخيص: «اللهمّ ائتني».

7) . في التلخيص: «هذا» بدل «إهداء».

8) . و قد رواه أصحاب المسانيد و السنن باختلاف يسير، منها: فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل، ج 2، ص 693، ح 945؛ الجامع الصحيح، ج 5، ص 636، ح 3721؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 141-142، ح 4650 و 4651؛ المعجم الكبير، ج 1، ص 253، ح 730، و ج 7، ص 82، ح 6437، و ج 10، ص 282، ح 10667؛ مسند البزّار، ج 2، ص 366، ح 7547؛ المعجم الأوسط، ج 2، ص 206، ح 1744، و ج 6، ص 90، ح 5886، و ص 335-336، ح 6561، و ج 7، ص 267، ح 7466، و ج 9، ص 146، ح 9372؛ تاريخ بغداد، ج 3، ص 390، الرقم 1531؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 37، ص 406، الرقم 4428.

الاعترافِ ببعضِه اعترافاً بكُلِّه. و لا(1)يُنكَرُ أن تَكونَ هذه(2)عِلّةَ مَن أغفَلَ روايةَ المُقدِّمةِ مِن الرُّواةِ‌؛ فإنّ أصحابَ الحَديثِ كَثيراً ما يَقولونَ‌: «فُلانٌ يَروي عن الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه كَذا» فيَذكُرونَ بعضَ لفظِ الخبرِ و المشهورَ منه، علىٰ سَبيلِ الاختصارِ(3)و التعويلِ علَى الظهورِ في الباقي(4)و أنّ (5)الجميعَ يَجري مَجرىً واحداً.

و سنُبيِّنُ فيما بَعدُ - بعَونِ اللّٰهِ - ما يَفتَقِرُ «مِن الأدِلّةِ علىٰ إيجابِ (6)الإمامةِ مِن خبرِ الغَديرِ» إلَى المُقدِّمةِ و ما لا يَفتَقِرُ إليها(7)، إن شاءَ اللّٰهُ (8).

البحث الثاني: دلالة لفظة «مولىٰ » علىٰ معنىٰ «أولىٰ »

و أمّا الدليلُ‌(9)علىٰ أنّ لفظةَ‌(10)«مَولىٰ‌» تُفيدُ في اللُّغةِ «أَولىٰ‌» فظاهرٌ؛ لأنّ مَن كانَ له أدنَى اختلاطٍ باللُّغةِ و أهلِها يَعرِفُ أنّهم يَضَعونَ هذه اللفظةَ مكانَ «أَولىٰ‌» كما

أنّهم يَستَعمِلونَها في «ابنِ العَمِّ »، و ما المُنكِرُ لاستعمالِها(11)في «الأَولىٰ » إلّاكالمُنكِرِ لاستعمالِها في غيرِه مِن أقسامِها. و معلومٌ أنّهم لا يَمتَنِعونَ مِن أن يَقولوا في كُلِّ


1) . في «ج، ص، ط، ف»: «فلا».

2) . هكذا في التلخيص. و في «ج، ص، ط، ف»: «أن يكون هذا». و في «د» و المطبوع و الحجري: «أن يكون هذه».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «الاقتصار».

4) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «على ظهور الباقي».

5) . هكذا في «ج، ص، ط» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «فإنّ ».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «إثبات».

7) . يأتي في ص 194.

8) . في التلخيص: - «إليها إن شاء اللّٰه». و في «د»: - «إن شاء اللّٰه».

9) . في «ج، ص، ط، ف»: «الدلالة».

10) . في المطبوع و الحجري: «لفظ».

11) . في التلخيص: «في استعمالها».

مَن(1)كانَ أَولىٰ بالشيءِ‌: «إنّه مَولاه»، فمتىٰ‌(2)شئتَ أن تُفحِمَ‌(3)المُطالِبَ بهذه المُطالَبةِ فاعكِسْها عليه و(4)طالِبْه بأن يَدُلَّ علىٰ أنّ لفظةَ «مَولىٰ‌» تُفيدُ في اللُّغةِ‌(5)«ابنَ العَمِّ‌» أو(6)«الجارَ» أو غيرَهما مِن الأقسامِ‌، فإنّه لا يَتمكَّنُ إلّامِن إيرادِ(7)بَيتِ شِعرٍ أو مُقاضاةٍ‌(8)إلىٰ كتابٍ أو عُرفٍ لأهلِ اللُّغةِ ، و كُلُّ ذلكَ موجودٌ مُمكِنٌ لِمَن ذَهَبَ إلىٰ أنّها تُفيدُ «الأَولىٰ ».

علىٰ أنّا نَتبرَّعُ بإيرادِ جُملةٍ تَدُلُّ علىٰ ما ذَهَبنا إليه، فنَقولُ : قد ذَكَرَ(9)أبو عُبَيدةَ مَعمَرُ بنُ المُثنّىٰ (10)- و مَنزِلتُه في اللُّغةِ مَنزِلتُه - في كتابِه في القُرآنِ المعروفِ ب‍ «المَجازِ»(11)


1) . في «ج، ص، ط، ف»: «شيء».

2) . في التلخيص: «و متى».

3) . أفحمتُ الخصمَ إفحاماً: إذا أسكتَّه بالحجّة. المصباح المنير، ج 2، ص 464 (فحم).

4) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «ثم» بدل «و».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: - «في اللغة».

6) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «لا يتمكّن من ذلك إلّابإيراد».

8) . القضاء: الفصل و الحكم. و قاضيته: حاكمته أو صالحته. المصباح المنير، ص 507؛ لسان العرب، ج 15، ص 186 (قضى).

9) . في «د» و المطبوع و الحجري: «قد ذهب».

10) . أبو عبيدة معمّر بن المثنّى، التميمي بالولاء (110-209 ه‍). كان متبحّراً في علم اللغة و الأدب و أيّام العرب و أخبارها، حتّى قال الجاحظ في حقّه: «لم يكن في الأرض أعلم بجميع العلوم منه». و هو أوّل من صنّف في غريب الحديث. روى عنه عليّ بن المغيرة الأثرم، و أبو عبيد القاسم بن سلّام، و أبو عثمان المازني، و أبو حاتم السجستاني، و النميري و غيرهم. مؤلّفاته كثيرة، منها نقائض جرير و الفرزدق، و مجاز القرآن، و المثالب، و أيّام العرب، و معاني القرآن، و الشوارد، و غيرها. الفهرست لابن النديم، ص 79؛ تاريخ بغداد، ج 13، ص 252، الرقم 7210؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 59، ص 423، الرقم 7576؛ معجم الأُدباء، ج 6، ص 2704، الرقم 1152؛ وفيات الأعيان، ج 5، ص 235، الرقم 731.

11) . في «ج، ص، ط، ف»: «في كتابه المعروف بالمجاز في القرآن».

لمّا انتَهىٰ إلىٰ قولِه تَعالى: (مَأْوٰاكُمُ النّٰارُ هِيَ مَوْلاٰكُمْ )(1): «إنّ معنىٰ (مَوْلاٰكُمْ )(2): أَولىٰ بِكم»، و أنشَدَ بَيتَ لَبيدٍ شاهداً لتأويلِه:(3)

فغَدَتْ كِلا الفَرْجَينِ تَحْسَبُ أنّهُ *** مَوْلَى المَخافَةِ ؛ خَلْفُها و أمامُها(4)

و لَيسَ أبو عُبَيدةَ ممّن يَغلَطُ في اللُّغةِ‌، و لَو غَلِطَ فيها أو وَهِمَ لَما جازَ أن يُمسِكَ عن النَّكيرِ عليه و الردِّ لتأويلِه غيرُه مِن أهلِ اللُّغةِ ممّن أصابَ ما غَلِطَ فيه(5)- علىٰ عادتِهم المعروفةِ في تَتبُّعِ بعضِهم لبعضٍ‌، و رَدِّ بعضِهم(6)علىٰ بعضٍ -؛ فصارَ قولُ أبي عُبَيدةَ الذي حَكَيناه - مع أنّه لَم يَظهَرْ مِن أحَدٍ مِن أهلِ اللُّغةِ رَدٌّ له - كأنّه قولٌ للجميعِ‌(7).

و لا خِلافَ بَينَ المُفسِّرينَ في أنّ قولَه تَعالىٰ : (وَ لِكُلٍّ جَعَلْنٰا مَوٰالِيَ مِمّٰا تَرَكَ الْوٰالِدٰانِ وَ الْأَقْرَبُونَ وَ الَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمٰانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ عَلىٰ كُلِّ شَيْ ءٍ شَهِيداً)(8)أنّ المُرادَ بالمَوالي(9): مَن كانَ أملَكَ بالميراثِ و أَولىٰ بحِيازتِه و أحَقَّ به.

و قالَ الأخطَلُ (10):


1) . الحديد (57):15.

2) . في المطبوع و الحجري: - «إنّ معنى مولاكم».

3) . هكذا في «د» و الحجري و التلخيص. و في «ج، ص، ط، ف»: «شاهد له». و في المطبوع: «عاضداً لتأويله».

4) . ديوان لبيد بن ربيعة، ص 147.

5) . في «ج، ص، ف»: «فيها».

6) . في «د» و المطبوع: «بعضٍ ».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «الجميع».

8) . النساء (4):33.

9) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «بالأولياء».

10) . اسمه غياث بن غوث بن الصلت بن طارقة التغلبي (19-90 ه‍)، و يكنّى أبا مالك، و كان

فأصبَحتَ مَولاها مِن الناسِ بَعدَهُ (1)*** و أَحرىٰ قُرَيشٍ أن تُهابَ و تُحمَدا(2)

ديوان الأخطل، ص 84.

و قالَ أيضاً يُخاطِبُ (3)بَني أُمَيّةَ :

أعطاكُمُ اللّٰهُ جَدّاً تُنصَرونَ بِهِ *** لا جَدَّ إلّاصَغيرٌ بَعدُ مُحتَقَرُ

لَم تَأشَروا فيه إذ كُنتم(4)مَواليَهُ *** و لَو يَكونُ لقَومٍ غيرِكم(5)أَشِروا(6)

ديوان الأخطل، ص 98.

و قالَ [يَمَدحُ ](7)غيرُه:

كانوا مَواليَ حَقٍّ يَطلُبونَ بِهِ *** فأدرَكوهُ ، و ما(8)مَلّوا، و لا(9)لَغَبوا(10)

الأخطل يشبّه من شعراء الجاهليّة بالنابغة الذبياني، و كان أحد الشعراء الثلاثة المتّفق على أنّهم أشعر أهل زمانهم و هم: جرير و الفرزدق و الأخطل. كان يمدح بني أُميّة. مدح معاوية و يزيد و من بعدهم من خلفاء بني مروان حتّى هلك. و اختلف في سبب تلقيبه بالأخطل، فقيل: إنّه هجا رجلاً من قومه، فقال له المهجوّ: «إنّك أخطل» أي سفيه، و قيل: لبذاءة لسانه في الهجاء. و يعرف بذي الصليب، و كان نصرانيّاً. الشعر و الشعراء، ج 1، ص 473، الرقم 87؛ الأغاني، ج 8، ص 417، الرقم 10؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 48، ص 104، الرقم 5561.


1) . في التلخيص: «كلّهم».

2) . هذا البيت من قصيدة له في مدح يزيد بن معاوية، مطلعها: صحا القلب إلّامن ضغائن فاتني بهنّ أمير مستبدّ فأصعدا

3) . في المطبوع و الحجري: «مخاطباً».

4) . في «د»: «كانوا».

5) . في «د»: «غيرهم».

6) . هما من قصيدة للأخطل في مدح عبد الملك بن مروان، مطلعها: خفّ القطين فراحوا منك أو بكروا و أزعجتهم نوىً في صرفها غير

7) . ما بين المعقوفين منّا، و هذا البيت أيضاً من الأخطل، و لعلّ كلمة «غيره» من إضافات النسّاخ.

8) . في «ج»: «و لا».

9) . هكذا في المصدر. و في «د»: «و ما لغبوا». و في «ج، ط»: «و لا تعبوا» و في سائر النسخ و المطبوع: «و ما تعبوا».

10) . ديوان الأخطل، ص 163.

و قالَ العَجّاجُ (1):

الحَمدُ لِلّٰهِ الذي أعطَى الخِيَرْ *** مَواليَ الحَقِّ إنِ المَوْلىٰ شَكَرْ(2)

و رُويَ في الحَديثِ‌: «أيُّما امرأةٍ تَزوَّجَت بغَيرِ إذنِ مَولاها فنِكاحُها باطلٌ‌».(3)

و(4)كُلُّ ما استَشهَدنا به لَم يُرَدْ بلفظِ «مَولىٰ‌» فيه إلّامعنىٰ «أَولىٰ‌» دونَ غيرِه، و قد تَقدَّمَت حِكايتُنا عن المُبرَّدِ قولَه: «إنّ أصلَ تأويلِ الوليِّ الذي هو أَولىٰ‌، أي أحَقُّ‌؛ و مِثلُه المَولىٰ‌»(5). و قالَ في هذا المَوضعِ بَعدَ أن ذَكَرَ تأويلَ قولِه تَعالىٰ : (ذٰلِكَ بِأَنَّ اللّٰهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا)(6):

«و الوليُّ و المَولىٰ معناهما سَواءٌ ، و هو الحقيقُ بخَلقِه المُتَوَلّي لأُمورِهم».(7)

و قال الفَرّاءُ (8)في كتابِ مَعاني القُرآنِ : الوليُّ و المَولىٰ في كلامِ العَرَبِ واحدٌ،


1) . هو عبد اللّٰه بن رؤبة، من بني مالك بن سعد، و كان يكنّى أبا الشعثاء، و الشعثاء ابنته، و يلقّب بالعجّاج. كان لقي أبا هريرة و سمع منه أحاديث. ولد في الجاهليّة و مات في أيّام الوليد بن عبد الملك، و هو أوّل من رفع الرجز و شبهه بالقصيد و جعل له أوائل و نسبه. الشعر و الشعراء، ج 2، ص 575، الرقم 107؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 28، ص 128، الرقم 3294؛ الوافي بالوفيات، ج 14، ص 147، الرقم 197.

2) . ديوان العجّاج، ج 1، ص 4.

3) . الكافي، ج 10، ص 784، ح 9739/1، (ج 5، ص 404، ح 1، ط. الإسلامية)؛ تهذيب الأحكام، ج 7، ص 349، ح 1426؛ الاستبصار، ج 3، ص 216، ح 787. و راجع: وسائل الشيعة، ج 21، ص 119، باب تحريم تزويج الأمة بغير إذن مولاها؛ مسند أحمد، ج 6، ص 166؛ سنن أبي داود، ج 1، ص 463، ح 2083؛ السنن الكبرى للبيهقي، ج 7، ص 105.

4) . في المطبوع: - «و».

5) . تقدّمت في ص 68.

6) . محمّد (47):11.

7) . راجع إرشاد الطالبيّين، ص 348؛ مرآة العقول، ج 3، ص 218؛ منار الهدى، ص 240.

8) . هو أبو زكريّا، يحيى بن زياد بن عبد اللّٰه بن منظور الديلمي، مولى بني منقر. من أعاظم تلامذة

و في قِراءةِ عبدِ اللّٰه بنِ مسعودٍ: «إنّما مَولاكُم اللّٰهُ و رسولُه» مكانَ «وَلِيُّكُم».(1)

و قالَ أبو بكرٍ محمّدُ بنُ القاسمِ الأنباريُّ‌(2)في كتابِه في القُرآنِ المعروفِ ب‍ «المُشكِلِ‌»: «و المَولىٰ في اللُّغةِ يَنقَسِمُ علىٰ ثَمانيةِ أقسامٍ‌: أوّلُهنَّ‌: المَولىٰ‌: المُنعِمُ المُعتِقُ‌، ثُمَّ المُنعَمُ عليه المُعتَقُ‌، و المَولىٰ‌: الوليُّ‌، و المَولىٰ‌: الأَولىٰ بالشيءِ‌» - و ذَكَرَ شاهداً عليه الآيةَ التي قَدَّمنا ذِكرَها و بَيتَ لَبيدٍ - «و المَولىٰ‌: الجارُ، و المَولىٰ‌: ابنُ العَمِّ‌، و المَولىٰ : الصِّهرُ، و المَولىٰ : الحَليفُ »(3)و استَشهَدَ علىٰ كُلِّ قِسمٍ مِن أقسامِ المَولىٰ (4)بشَيءٍ مِن الشِّعرِ لَم نَذكُرْه؛ لأنّ غرضَنا سِواه.

الكسائي في النحو و اللغة و الأدب، و نبغ نبوغاً خارقاً حتّى أصبح إمام الكوفيّين في العلوم العربيّة و اللغة و الأدب. حكي عن ثعلب أنّه قال: «لولا الفرّاء ما كانت اللغة». ولد بالكوفة و نزل بغداد و أملى بها كتبه في معاني القرآن و علومه. عهد إليه المأمون في تعليم ولديه النحو، و اقترح عليه أن يجمع أُصول النحو و ما سمع من العربيّة. توفّي بطريق مكّة سنة 207 ه‍. و له من الكتب: معاني القرآن ألّفه لعمر بن بكير، و كتاب البهي، و كتاب اللغات، و المصادر في القرآن، و الجمع و التثنية في القرآن، و المقصور و الممدود. الفهرست لابن النديم، ص 98؛ تاريخ بغداد، ج 14، ص 154، الرقم 7467؛ إنباه الرواة، ج 4، ص 7، الرقم 814.


1) . معاني القرآن، ج 2، ص 161، ذيل الآية 5 من سورة مريم (19).

2) . محمّد بن القاسم بن محمّد بن بشّار الأنباري النحوي، صاحب التصانيف في النحو و الأدب. صنّف كتباً كثيرة في علوم القرآن و غريب الحديث و المشكل. كان من أكثر الناس حفظاً لأيّام العرب و الشعر و الأخبار و شواهد القرآن، و قيل: كان يحفظ مائة و عشرين تفسيراً للقرآن و ثلاثمائة ألف شاهد من شواهده، و كان يملي عن نفسه لا عن كتاب، و كان مع حفظه زاهداً متواضعاً، سمع عالماً من الأئمّة في زمانه و روى عنه مثل ذلك. ولد بالأنبار على الفرات، و توفّي في بغداد سنة 327 ه‍، و قيل سنة 307 ه‍. من كتبه: غريب الحديث، و الهاءات، و الأضداد، و المذكّر و المؤنّث، و غيرها. تاريخ بغداد، ج 3، ص 399، الرقم 1540؛ إنباه الرواة، ج 3، ص 201، الرقم 705؛ وفيات الأعيان، ج 4، ص 341، الرقم 642.

3) . راجع: مجمع البيان، ج 6، ص 774، ذيل الآية 5 من سورة مريم (19)؛ مرآة العقول، ج 3، ص 218. و لم نعثر على كتاب مشكل القرآن.

4) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «مولى» بدل «المولى».

و قال أبو عَمرٍو(1)غُلامُ ثَعلَبٍ (2)في تفسيرِ بَيتِ الحارِثِ بنِ حِلِّزةَ (3)- الذي هو:

زَعَموا أنّ كُلَّ مَن ضَرَبَ (4)العَيْ‍ *** - رَ مُوالٍ لنا، و أنّا الوَلاءُ (5)

أقسامَ المَولىٰ‌، و ذَكَرَ في جُملةِ الأقسامِ‌: أنّ المَولىٰ السيِّدُ و إن لَم يَكُن مالكاً، و المَولىٰ‌: الوَليُّ‌.(6)

و قد ذَكَرَ جماعةٌ ممّن يُرجَعُ إلىٰ مِثلِه(7)في اللُّغةِ : أنّ مِن جُملةِ أقسامِ المَولَى(8)السيِّدَ الذي لَيسَ (9)بمالكٍ و لا مُعتِقٍ .

و لَو ذَهَبنا إلىٰ ذِكرِ جميعِ ما يُمكِنُ أن يَكونَ شاهداً فيما قَصَدناه لَأكثَرنا، و فيما أورَدناه كفايةٌ و مَقنَعٌ .

فإن قال(10): ألَيسَ ابنُ الأنباريِّ قد أورَدَ أبياتَ الأخطَلِ التي استَشهَدتم بها و شِعرَ العَجّاجِ و الحَديثَ الذي رَوَيتموه، و تأوَّلَ لفظةَ «مَولىٰ » في جميعِ ذلك(11)علىٰ


1) . تقدّمت ترجمته في ص 122.

2) . في «ص» و التلخيص: «تغلب».

3) . الحارث بن حلّزة اليشكري من بني يشكر، من بكر بن وائل، شاعر جاهلي من أهل بادية العراق، و هو أحد أصحاب المعلّقات، و كان أبرص فخوراً. و في الأمثال: «أفخر من الحارث بن حلّزة» إشارة إلى إكثاره من الفخر في معلّقته. له ديوان شعر. الشعر و الشعراء، ج 1، ص 193، الرقم 8؛ طبقات الشعراء، ص 64؛ الأغاني، ج 11، ص 29، الرقم 2؛ الأعلام، ج 2، ص 154.

4) . في «ف» و التلخيص: «ركب».

5) . المعلّقات العشر و أخبار شعرائها، ص 137.

6) . راجع: نفائس التأويل، ج 2، ص 198، ذيل الآية 67 من سورة المائدة (5).

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «أمثاله». و في التلخيص: «مثلهم».

8) . في «ط، ف»: «مولى» بدل «المولى».

9) . في «ج، ص، ط، ف»: + «هو».

10) . في المطبوع: «فإن قيل».

11) . في «د» و المطبوع و الحجري: «في جميعه».

«وليٍّ » دونَ «أَولىٰ »؟ فكَيفَ (1)ذَكرتم أنّ المُرادَ بها «الأَولىٰ »؟

قيلَ له: الأمرُ(2)علىٰ ما حَكَيتَه(3)عن ابنِ الأنباريِّ‌، غيرَ أنّه(4)معلومٌ في اللُّغةِ أنّ لَفظةَ «وَليٍّ‌» تُفيدُ معنىٰ «أَولىٰ‌»، و قد دَلَّلنا علىٰ ذلكَ فيما تَقدَّمَ مِن الكلامِ‌(5)في تأويلِ قولِه تَعالىٰ‌: (إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ‌)(6). و جميعُ ما استَشهَدنا به مِن الشعرِ و الخبرِ لا يَجوزُ أن يَكونَ المُرادُ بمَولىٰ فيه إلّاالأَولىٰ . و مَن كان مُختَصّاً بالتدبيرِ و مُتَوَليّاً للقيامِ بأمرٍ مّا(7)قيلَ : «إنّه مَولاه(8)»؛ لأنّه متىٰ لَم يُحمَلْ علىٰ ما قُلناه لَم يُفِدْ؛ و كَيفَ (9)يَصِحُّ حَملُ قولِه: «بغَيرِ إذنِ مَولاها»(10)- إذا قيلَ : إنّ المُرادَ به وَليُّها - علىٰ غيرِ مَن يَملِكُ تدبيرَها(11)و إليه العقدُ عليها؟

فإن قالَ (12): قد دَلَّلتم علَى استعمالِ لفظةِ «مَولىٰ » في «أَولىٰ »، فما الدليلُ علىٰ أنّ استعمالَهم جَرىٰ علىٰ سَبيلِ الحقيقةِ لا المَجازِ، و المَجازُ(13)قد يَدخُلُ في الاستعمالِ كما تَدخُلُ (14)الحقيقةُ؟


1) . في «ج، ص»: «و كيف».

2) . في التلخيص: + «معلوم».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «ذكرته».

4) . في المطبوع و الحجري: - «أنّه».

5) . تقدّم في ص 67-69.

6) . المائدة (5):55.

7) . في «ج، ص، ط»: «ممّا».

8) . في «ج»: «يتولّاه».

9) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «فكيف».

10) . هذا مقطع من حديث تقدّم آنفاً.

11) . في «ج، ص، ط، ف»: «تدبير أمرها». و في التلخيص: «تدبير أُمورها».

12) . في «د» و المطبوع و الحجري: «فإن قيل».

13) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «لأنّ المجاز» بدل «لا المجاز، و المجاز».

14) . في «د» و الحجري: «يدخل».

قيلَ له: إنّما يُحكَمُ في اللفظِ(1)بأنّه مُستَعمَلٌ‌(2)في اللُّغةِ علىٰ وجهِ الحقيقةِ بأن يَظهَرَ استعمالُه فيها مِن غيرِ أن يَثبُتَ ما يَقتَضي كَونَه مَجازاً، مِن توقيفِ (3)أهلِ اللُّغةِ أو ما يَجري مَجرَى التوقيفِ ؛ فأصلُ الاستعمالِ يَقتَضي الحقيقةَ (4)، و إنّما يُحكَمُ في بعضِ الألفاظِ المُستَعمَلةِ بالمَجازِ لأمرٍ يوجِبُ علينا الانتقالَ عن الأصلِ .

البحث الثالث: دلالة لفظة «مولىٰ » في حديث الغدير علىٰ معنىٰ «أولىٰ »

و أمّا الذي يَدُلُّ‌(5)علىٰ أنّ المُرادَ بلفظةِ «مَولىٰ‌» في خبرِ الغَديرِ «الأَولىٰ‌»: فهو أنّ مِن عادةِ أهلِ اللسانِ في خِطابِهم إذا أورَدوا جُملةً مُصرَّحةً‌، و عَطَفوا عليها بكلامٍ مُحتَمِلٍ لِما تَقدَّمَ التصريحُ به و لغَيرِه(6)، لَم يَجُز أن يُريدوا بالمُحتَمِلِ إلّاالمعنَى الأوّلَ .

يُبيِّنُ صحّةَ ما ذَكرناه: أنّ أحَدَهم إذاَ قال مُقبِلاً علىٰ جماعةٍ و(7)مُفهِماً لهم و له عِدّةُ عَبيدٍ: «أ لَستم عارفينَ بعَبدي فُلانٍ؟» ثُمَّ قالَ عاطفاً علىٰ كلامِه: «فاشهَدوا أنّ عَبدي حُرٌّ لوَجهِ اللّٰهِ تَعالىٰ » لَم يَجُز أن يُريدَ بقَولِه: «عَبدي» بَعدَ أن قَدَّمَ ما قَدَّمَه إلّا العَبدَ الذي سَمّاه في أوّلِ كلامِه، دونَ غيرِه مِن سائرِ عَبيدِه، و متىٰ أرادَ سِواه كانَ عندَهم مُلغِزاً خارجاً عن طريقةِ (8)البيانِ . و يَجري قولُه: «فاشهَدوا أنّ عَبدي حُرٌّ»


1) . في «ج، ص، ط»: «في اللغة».

2) . في «ط» و التلخيص: «يستعمل».

3) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: + «من».

4) . كان المصنّف رحمه اللّٰه يذهب إلىٰ أنّ الاستعمال من علامات الحقيقة. راجع: الذريعة، ج 1، ص 13، 202.

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «فأمّا الدلالة».

6) . في «ج، ص»: «و بغيره».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: - «و».

8) . في «ج، ص، ط، ف»: «عن طريق».

عندَ جميعِ أهلِ اللسانِ مَجرىٰ قولِه: «فاشهَدوا أنّ عَبدي فُلاناً حُرٌّ» إذا كَرَّرَ(1)تسميَتَه و تعيينَه. و هذه حالُ (2)كُلِّ لفظٍ مُحتَمِلٍ عُطِفَ علىٰ لفظٍ مُفسَّرٍ علَى الوجهِ الذي صَوَّرناه؛ فلا حاجةَ بنا إلىٰ تكثيرِ(3)الأمثلةِ فيه(4).

فإن قالَ‌: و كَيفَ‌(5)يُشبِهُ‌(6)المثالُ الذي أَورَدتموه(7)خبرَ الغَديرِ - و إنّما تَكَرَّرَت فيه لفظةُ «عَبدي» غيرَ موصوفةٍ علىٰ سَبيلِ الاختصارِ بَعدَ أن تَقدَّمَت موصوفةً - و خبرُ الغَديرِ لَم تَتكرَّرْ(8)فيه لفظةٌ واحدةٌ ، و إنّما وَرَدَت لفظةُ «مَولىٰ » فادَّعَيتم أنّها تَقومُ مَقامَ لفظِ(9)«أَولىٰ » المُتقدِّمِ (10).

قيلَ له: إنّكَ لَم تَفهَمْ مَوقِعَ‌(11)التشبيهِ بَينَ المثالِ و خبرِ الغَديرِ و كيفيّةَ‌

الاستشهادِ به؛ لأنّ لفظةَ «عَبدي» و إن كانَت مُتكرِّرةً فيه، فإنّها لمّا وَرَدَت أوّلاً موصولةً ب‍ «فُلانٍ »، جَرَت مَجرَى المُفسَّرِ(12)المُصرَّحِ الذي هو ما تَضمَّنَته المُقدِّمةُ في خبرِ الغَديرِ مِن لفظِ «أَولىٰ »، ثُمَّ لمّا وَرَدَت مِن بَعدُ غيرَ موصولةٍ (13)حَصَلَ


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: + «مجرى».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «هذه حالة» بدل «و هذه حال».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «تكرير».

4) . في «د» و التلخيص: - «فيه». و في المطبوع: «منه».

5) . في التلخيص: «فكيف».

6) . في «ص، ط»: + «في».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «ذكرتموه».

8) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: «لم يتكرّر».

9) . في «د» و المطبوع و الحجري و التلخيص: - «لفظ».

10) . في المطبوع و الحجري: «المتقدّ مة».

11) . في «ج، ص»: «بموضع». و في «ف»: «بوضع».

12) . في التلخيص: «التفسير».

13) . في التلخيص: «موصوفة».

فيها(1)احتمالٌ و اشتباهٌ لَم يَكُن في الأوّلِ (2)، فصارَت كأنّها لفظةٌ أُخرىٰ تَحتَمِلُ ما تَقدَّمَ و تَحتَمِلُ غيرَه(3)، و جَرَت مَجرىٰ لفظةِ «مَولىٰ » مِن خبرِ الغَديرِ في احتِمالها لِما تَقدَّمَ و لغَيرِه.

علىٰ أنّا لَو جَعَلنا مكانَ قولِه: «فاشهَدوا أنّ عَبدي حُرٌّ»: «اشهَدوا أنّ غُلامي أو مملوكي حُرٌّ» لَزالَت(4)الشُّبهةُ في مُطابَقَةِ المثالِ للخبرِ، و إن كانَ لا فَرقَ في الحقيقةِ بَينَ لفظةِ «عَبدي» إذا تَكرَّرَت، و بَينَ ما يَقومُ مَقامَها مِن الألفاظِ في(5)المعنَى الذي قَصَدناه.

فإن قالَ‌: ما تُنكِرونَ مِن(6)أن يَكونَ إنّما قَبُحَ «أن يُريدَ القائلُ - الذي حَكَيتم قولَه - بلفظةِ «عَبدي» الثانيةِ و التي تَقومُ مَقامَها مَن عَدا المذكورَ الأوّلَ الذي قَرَّرَهم(7)بمعرفتِه» مِن حَيثُ تَكونُ‌(8)المُقدِّمةُ إذا أرادَ ذلكَ لا معنىٰ لها و لا فائدةَ فيها، و لأنّه أيضاً لا تَعلُّقَ لها بما عُطِفَ عليها بالفاءِ التي تَقتَضي(9)التعَلُّقَ بَينَ الكلامَينِ‌. و لَيسَ هذا في خبرِ الغَديرِ؛ لأنّه إذا لَم يُرِدْ بلفظةِ «مَولىٰ‌»: أَولىٰ ، و أرادَ أحَدَ ما يَحتَمِلُه مِن الأقسامِ ، لَم تَخرُجِ (10)المُقدِّمةُ مِن أن تَكونَ مُفيدةً (11)و مُتعلِّقةً بالكلامِ الثاني؛


1) . في التلخيص: «منها».

2) . في التلخيص: «في الأولى».

3) . في «ج، د، ص، ط» و الحجري: «يحتمل ما تقدّم و يحتمل غيره».

4) . في «د»: «أزالت».

5) . في «ج، ص، ط»: «و في».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: - «من».

7) . في التلخيص: «قرّر».

8) . في النسخ و الحجري: «يكون». و ما أثبتناه مطابق للتلخيص و المطبوع.

9) . في النسخ: «يقتضي». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و الحجري و التلخيص.

10) . في النسخ و الحجري: «لم يخرج». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و التلخيص.

11) . في التلخيص: «مقيّدة».

لأنّها تُفيدُ التذكيرَ بوجوبِ الطاعةِ و أخذَ الإقرارِ بها؛ ليَتأكَّدَ لزومُ ما يوجِبُه(1)في الكلامِ الثاني لهم، و يَصيرُ معنَى الكلامِ : «إذا كنتُ أَولىٰ بِكم، و كانَت طاعتي واجبةً عليكم، فافعَلوا كَذا و كَذا؛ فإنّه مِن جُملةِ ما آمُرُكم بطاعتي فيه». و هذه عادةُ الحُكَماءِ فيما يُلزِمونَه(2)مَن يَجِبُ (3)عليه طاعتُهم؛ فافتَرَقَ الأمرانِ ، و بَطَلَ أن يُجعَلَ حُكمُهما(4)واحداً.

قيلَ له: لَو كانَ الأمرُ علىٰ ما ذَكَرتَ لَوَجَبَ أن يَكونَ متىٰ حَصَلَ (5)في المثالِ الذي أورَدناه فائدةٌ لمُقدِّمتِه - و إن قَلَّت - و تَعلُّقٌ بَينَ المعطوفِ و المعطوفِ عليه

أن يَحسُنَ ما ذَكرناه و حَكَمنا بقُبحِه(6)و وافَقتَنا(7)عليه! و نَحنُ نَعلَمُ أنّ القائلَ إذا أقبَلَ علىٰ جماعةٍ فقالَ : «أ لَستم تَعرِفونَ صَديقي زيداً الذي كنتُ ابتَعتُ منه عَبدي فُلاناً الذي مِن(8)صفتِه كَذا، و أشهَدناكم علىٰ أنفُسِنا بالمُبايَعةِ؟» ثُمَّ قالَ عَقيبَ قولِه: «فاشهَدوا أنّني(9)قد وَهَبتُ له عَبدي، أو رَدَدتُ عليه(10)عَبدي» لَم يَجُز أن يُريدَ بالكلامِ الثاني إلّاالعَبدَ الذي سَمّاه و عَيَّنَه في صَدرِ(11)الكلامِ .


1) . في «ج، ص، ط، ف»: «ما أوجبه».

2) . في «ص»: «يلتزمونه».

3) . في «ط»: «تجب».

4) . في «ج، ص»: «حكماهما».

5) . في التلخيص: «حصلت».

6) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «أن يحسن ما حكمنا بقبحه».

7) . في «ص، ط، ف»: «وافقنا».

8) . في «ج، ص، ط» و التلخيص: - «من».

9) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «أنّي».

10) . في «ج، ص، ط، ف»: «قد رددت إليه».

11) . في «ص، ط»: «صلب».

و إن كانَ متىٰ لَم يُرِدْ ذلكَ يَصِحُّ أن يَحصُلَ‌(1)فيما قَدَّمَه فائدةٌ‌، و لبعضِ كلامِه تَعلُّقٌ ببعضٍ‌؛ لأنّه لا يَمتَنِعُ‌(2)أن يُريدَ بما قَدَّمَه مِن ذِكرِ العَبدِ تعريفَ‌(3)الصديقِ‌، و يَكونَ وجهُ التعلُّقِ بَينَ الكلامَينِ‌(4): «أنّكم إذا كنتم قد شَهِدتم بكَذا و عَرَفتموه، فاشهَدوا أيضاً بكَذا». و هو لَو صَرَّحَ بما قَدَّمناه(5)حتّىٰ يَقولَ بَعدَ المُقدِّمةِ :

«فاشهَدوا أنّني(6)قد وَهَبتُ له، أو رَدَدتُ إليه عَبدي فُلاناً الذي كنتُ مَلَكتُه منه(7)» و يَذكُرُ مِن عبيدِه غيرَ مَن تَقَدَّمَ ذِكرُه لَحَسُنَ ، و كانَ وجهُ حُسنِه ما ذَكرناه؛ فثَبَتَ أنّ الوجهَ في قُبحِ حَملِ الكلامِ الثاني علىٰ غيرِ معنَى الأوّلِ (8)- مع احتمالِه له - خِلافُ ما ادَّعاه السائلُ ، و أنّه الذي ذَهَبنا إليه.

البحث الرابع: دلالة لفظة «أولىٰ » علىٰ معنى الإمامة
اشارة

فأمّا الدليلُ علىٰ أنّ لفظةَ «أَولىٰ » تُفيدُ معنَى الإمامةِ : فهو أنّا نَجِدُ أهلَ اللُّغةِ لا يَضَعونَ هذا اللفظَ إلّافيمن كانَ يَملِكُ تدبيرَ(9)ما وُصِفَ بأنه أَولىٰ به(10)و تصريفَه و يَنفُذُ فيه أمرُه و نهيُه؛ ألا تَراهم يَقولونَ : «السُّلطانُ أَولىٰ بإقامةِ الحُدودِ مِن


1) . في التلخيص: «تحصل».

2) . في «ج، ص»: «لم يمتنع».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «تعرف».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «بين الكلام».

5) . في «د»: «قدّرناه».

6) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «أنّي».

7) . في التلخيص: - «منه».

8) . في المطبوع و الحجري: «على معنى غير الأوّل».

9) . في «ج، ص، ط، ف»: - «تدبير».

10) . في «ج، ص»: «بتدبيره» بدل «به».

الرعيّةِ‌»، و «وَلَدُ الميِّتِ أَولىٰ بميراثِه مِن كَثيرٍ مِن أقارِبِه»، و «الزوجُ أَولىٰ‌(1)بامرأتِه»، و «المَولىٰ أَولىٰ‌(2)بعَبدِه»، و مُرادُهم في جميعِ ذلكَ ما ذَكرناه ؟

و لا خِلافَ بَينَ المُفسِّرينَ في أنّ قولَه تَعالىٰ : (النَّبِيُّ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ )(3)المُرادُ به أنّه أَولىٰ (4)بتدبيرِهم و القيامِ بأُمورِهم(5)مِن(6)حَيثُ وَجَبَت طاعتُه عليهم، و نَحنُ نَعلَمُ أنّه لا يَكونُ أَولىٰ بتدبيرِ الخَلقِ و أمرِهم و نهيِهم مِن كُلِّ أحَدٍ منهم(7)إلّامَن كانَ إماماً لهم، مُفتَرَضَ الطاعةِ عليهم.

فإن قالَ‌(8): اعمَلوا(9)علىٰ أنّ المُرادَ بلفظةِ «مَولىٰ » في الخبرِ ما تَقدَّمَ مِن معنىٰ «أَولىٰ »(10)مِن أينَ لكم أنّه أرادَ كَونَه أَولىٰ بهم في تدبيرِهم و أمرِهم و نهيِهم، دونَ أن يَكونَ أرادَ أنّه(11)أَولىٰ بأن يُوالوه و يُحِبّوه(12)، أو يُعظِّموه(13)و يُفضِّلوه ؟ لأنّه لَيسَ يَكونُ أَولىٰ بذَواتِهم، بَل بحالٍ لهم و أمرٍ يَرجِعُ إليهم؛ فأيُّ فَرقٍ في ظاهرِ اللفظِ أو معناه بَينَ أن يُريدَ بما يَرجِعُ إليهم(14)تدبيرَهم و تصريفَهم، و بَينَ أن يُريدَ أحَدَ ما ذَكرناه ؟


1) . في «ج، ص، ط»: + «قرابة».

2) . في «ص، ط» و التلخيص: - «أولى».

3) . الأحزاب (33):6.

4) . في «ج، ص، ط، ف»: - «أنّه أولى».

5) . في «ج، ط، ف» و التلخيص: «بأمرهم».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: - «من».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: - «منهم».

8) . في المطبوع و الحجري: «فإن قالوا».

9) . في «ص»: «دلّوا».

10) . في المطبوع: «ولي».

11) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «به» بدل «أنّه».

12) . في التلخيص: - «و يحبّوه».

13) . في «ج، ص، ط، ف»: «و يعظّموه».

14) . في «ج، ص، ط، ف»: + «في».

قيلَ له: سؤالُكَ يَبطُلُ مِن وجهَينِ‌:

أحَدُهما: أنّ الظاهرَ مِن قولِ القائلِ‌: «فُلانٌ أَولىٰ بفُلانٍ‌»: أنّه أَولىٰ بتدبيرِه و أحَقُّ بأن يأمُرَه و يَنهاه؛(1)فإذا انضافَ إلىٰ‌(2)ذلكَ القولُ بأنّه(3)أَولىٰ به مِن نفسِه، زالَت الشُّبهةُ في أنّ المُرادَ ما ذَكرناه.

ألا تَراهم يَستَعمِلونَ هذه اللفظةَ مُطلَقةً في كُلِّ مَوضِعٍ حَصَلَ فيه تَحَقُّقٌ بالتدبيرِ و اختصاصٌ بالأمرِ و النهيِ‌، كاستعمالِهم لها في السُّلطانِ و رَعيّتِه، و الوالِدِ و وَلَدِه، و السيِّدِ و عَبدِه‌؟ و إن جازَ أن يَستَعمِلوها مُقيَّدةً في غيرِ هذا المعنىٰ‌(4)إذا قالوا:

«فُلانٌ أَولىٰ بمَحبّةِ فُلانٍ أو بنُصرتِه أو بكَذا و كَذا منه» إلّاأنّ مع الإطلاقِ لا يُعقَلُ عنهم إلّاالمعنَى الأوّلُ‌.

وَ كذلكَ (5)نَجِدُهم يَمتَنِعونَ مِن أن يَقولوا في المؤمنينَ : «إنّ بعضَهم أَولىٰ ببعضٍ مِن أنفُسِهم» و يُريدونَ : فيما(6)يَرجِعُ إلَى المَحبّةِ و النُّصرةِ و ما أشبَهَهما، و لا يَمتَنِعونَ مِن القولِ بأنّ النبيَّ أو الإمامَ أو مَن اعتَقَدوا(7)أنّ له فَرْضَ طاعةٍ (8)عليهم

أَولىٰ بهم مِن أنفُسِهم، و يُريدونَ أنّه أحَقُّ بتدبيرِهم و أمرِهم و نهيِهم.

و الوجهُ الآخَرُ: أنّه إذا ثَبَتَ أنّ النبيَّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه أرادَ بما قَدَّمَه مِن كَونِه أَولىٰ بالخَلقِ مِن نُفوسِهم أنّه أَولىٰ بتدبيرِهم و تصريفِهم، مِن حَيثُ وَجَبَت طاعتُه


1) . في «ج، ص، ط، ف»: «و أحقّ بأمره و نهيه».

2) . في «د» و المطبوع و الحجري: «في» بدل «إلى».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: - «بأنّه».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «هذا الموضع».

5) . في المطبوع و الحجري: «و لذلك».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «ما».

7) . في التلخيص: «اعتقدنا».

8) . في «د» و المطبوع و الحجري: «طاعته».

عليهم بلا خِلافٍ‌، وَجَبَ أن يَكونَ ما أَوجَبَه لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ في الكلامِ الثاني جارياً ذلكَ المَجرىٰ‌؛ لأنّه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(1)بتقديمِ ما قَدَّمَه يَستَغني عن أن يَقولَ‌: «فمَن كنتُ أَولىٰ به في كَذا و كَذا فعَليٌّ أَولىٰ به فيه»، كما أنّه بتقديمِ ما قَدَّمَه استَغنىٰ عن أن يُصرِّحَ بلفظةِ «أَولىٰ‌»؛ إذ أقامَ (2)مَقامَها لفظةَ «مَولىٰ ».

و الذي(3)يَشهَدُ بصحّةِ ما قُلناه: أنّ القائلَ مِن أهلِ اللسانِ إذا قالَ : «فُلانٌ و فُلانٌ - و ذَكَرَ جماعةً - شُرَكائي في المَتاعِ الذي مِن صفتِه كَذا و كَذا»(4)، ثُمَّ قالَ عاطفاً علىٰ كلامِه: «فمَن(5)كنتُ شَريكَه فعَبدُ اللّٰهِ شَريكُه» اقتَضىٰ ظاهرُ لفظِه أنّ عَبدَ اللّٰهِ شَريكُه في المَتاعِ الذي قَدَّمَ (6)ذِكرَه و أخبَرَ أنّ الجماعةَ شُرَكاؤه فيه، و متىٰ أرادَ أنّ عَبدَ اللّٰهِ شَريكُه في غيرِ الأمرِ الأوّلِ كانَ سَفيهاً عابِثاً مُلغِزاً.

بيان عموم إمامة أمير المؤمنين عليه السلام لكلّ ما يقوم به الأئمّة

فإن قالَ (7): إذا سَلِمَ لكم أنّه عليه السلامُ أَولىٰ بهم بمعنَى التدبيرِ و وجوبِ الطاعةِ ، مِن أينَ لكم عمومُ وجوبِ فرضِ طاعتِه(8)في جميعِ الأُمورِ التي تَقومُ (9)بها الأئمّةُ؟ و لَعلَّه أرادَ أنّه(10)أَولىٰ بأن يُطيعوه في بعضِ الأشياءَ دونَ بعضٍ .


1) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «عليه السلام».

2) . في التلخيص: «إذا أقام». و في «د» و الحجري: «و أقام». و في سائر النسخ يمكن أن يقرأ: «إذا قام».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: - «و الذي».

4) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «و كذا».

5) . في التلخيص: «مَن».

6) . في التلخيص: «تقدّم».

7) . في «ج، ص، ط، ف» و الحجري: «فإن قيل».

8) . في «ج، ص، ط، ف»: «وجوب الطاعة» بدل «وجوب فرض طاعته».

9) . في «ص» و التلخيص: «يقوم».

10) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «أراد به» بدل «أراد أنّه».

قيلَ له: الوجهُ الثاني الذي ذَكرناه في جوابِ سؤالِكَ المُتقدِّمِ يُسقِطُ هذا السؤالَ‌.

و ممّا يُبطِلُه أيضاً أنّه إذا ثَبَتَ‌(1)له عليه السلامُ فرضُ طاعتِه(2)علىٰ جميعِ الخَلقِ في بعضِ الأُمورِ دونَ بعضٍ‌(3)، وَجَبَت إمامتُه و عمومُ فرضِ طاعتِه؛ لأنّه معلومٌ أنّ مَن وَجَبَت علىٰ جميعِ الناسِ طاعتُه و امتثالُ تدبيرِه، لا يَكونُ إلّاالإمامَ‌، و(4)لأنّ

الأُمّةَ مُجمِعةٌ علىٰ أنّ مَن هذه صفتُه هو الإمامُ . و لأنّ كُلَّ مَن أوجَبَ لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ مِن خبرِ الغَديرِ فَرضَ الطاعةِ علَى الخَلقِ أوجَبَها عامّةً في الأُمورِ كُلِّها علَى الوجهِ الذي يَجِبُ للأئمّةِ (5)، و لَم يَخُصَّ شَيئاً دونَ شَيءٍ .

بيان عموم إمامة أمير المؤمنين عليه السلام لجميع الخَلق

و بمِثلِ هذه الوجوهِ نُجيبُ مَن سَألَ فقالَ (6): كَيفَ عَلِمتم عمومَ القولِ لجميعِ (7)الخَلقِ مُضافاً إلىٰ عمومِ إيجابِ الطاعةِ لسائرِ الأُمورِ، و لَستم ممّن يُثبِتُ للعمومِ صيغةً في اللُّغةِ (8)فتَتعلَّقونَ بلفظةِ «مَن» و عمومِها؟ و ما الذي يَمنَعُ علىٰ أُصولِكم مِن أن يَكونَ أوجَبَ طاعتَه علىٰ واحدٍ مِن الناسِ ، أو جماعةٍ مِن الأُمّةِ قليلةِ العَدَدِ؟

لأنّه لا خِلافَ في عمومِ تقريرِ النبيِّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه للأُمّةِ ، و عمومِ قولِه


1) . في المطبوع: «إن أثبت».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «إذا ثبت أنّه عليه السلام مفترض الطاعة».

3) . في «د»: - «دون بعض».

4) . في التلخيص: - «و».

5) . في التلخيص: «للأُمّة».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «و بمثل هذا الوجه نجيب من قال».

7) . في «ص، ط»: «بجميع».

8) . الذريعة، ج 1، ص 201؛ الذخيرة، ص 510.

صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه مِن(1)بَعدُ: «فمَن كنتُ مَولاه» و إن لَم يَكُن للعمومِ صيغةٌ‌(2)، و قد بيّنّا أنّ الذي أوجَبَه ثانياً يَجِبُ مُطابَقتُه لِما قَدَّمَه في وجهِه و عمومِه في(3)الأُمورِ، فكذلكَ (4)يَجِبُ عمومُه في المُخاطَبينَ بمِثلِ تلكَ الطريقةِ . و(5)لأنّ كُلَّ مَن أوجَبَ مِن الخبرِ فرضَ الطاعةِ و ما يَرجِعُ إلىٰ معنَى الإمامةِ ذَهَبَ إلىٰ عمومِه لجميعِ المُكلَّفينَ ، كما ذَهَبَ إلىٰ عمومِه في(6)الأفعالِ .

التقرير الثاني: طريقة التقسيم

طريقةٌ أُخرىٰ في الاستدلالِ بخبرِ الغَديرِ: و قد يُستَدَلَّ علىٰ إيجابِ الإمامةِ مِن الخبرِ بأن يُقالَ‌: قد عَلِمنا أنّ النبيَّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه أوجَبَ لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ أمراً كانَ واجباً له لا مَحالةَ‌، فيَجِبُ أن يُعْتَبَرَ ما تَحتَمِلُه(7)لفظةُ «مَولىٰ‌» مِن

الأقسامِ‌، و ما يَصِحُّ منها كَونُ النبيِّ صلّى اللّٰه عليه و آله مُختَصّاً به و ما لا يَصِحُّ‌، و ما يَجوزُ(8)أن يوجِبَه لغَيرِه في تلكَ الحالِ و ما لا يَجوزُ.

و ما تَحتَمِلُه(9)لفظةُ (10)«مَولىٰ » يَنقَسِمُ إلىٰ أقسامٍ :


1) . في المطبوع و الحجري: - «من».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «صورة».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «من».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «و كذلك».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: - «و».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: + «جميع».

7) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: «يحتمله».

8) . في «ج، ص، ط، ف»: «و ما يصحّ ».

9) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: «يحتمله».

10) . في المطبوع و الحجري: «لفظ».

منها: ما لَم يَكُن (صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه) عليه.

و منها: ما كانَ عليه، و معلومٌ لكُلِّ أحَدٍ أنّه عليه السلامُ لَم يُرِدْه.

و منها: ما كانَ عليه، و معلومٌ بالدليلِ أنّه لَم يُرِدْه.

و منها: ما كانَ حاصلاً له صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه و يَجِبُ أن يُريدَه؛ لبُطلانِ سائرِ الأقسامِ ، و استحالةِ خُلوِّ كلامِه مِن مَعنىً و فائدةٍ .

فالقِسمُ الأوّلُ : هو المُعتَقُ و الحَليفُ ؛ لأنّ الحَليفَ هو الذي يَنضَمُّ إلىٰ قَبيلةٍ أو عَشيرةٍ ، فيُحالِفُها علىٰ نُصرتِه و الدفاعِ عنه، فيَكونُ مُنتَسِباً إليها مُتعزِّزاً بها. و لَم يَكُنِ النبيُّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه حَليفاً لأحَدٍ علىٰ هذا الوجهِ .

و القِسمُ الثاني: يَنقَسِمُ إلىٰ‌(1)قِسمَينِ‌:

أحَدُهما معلومٌ أنّه لَم يُرِدْه؛ لبُطلانِه في نفسِه، كالمُعتِقِ‌، و المالِكِ ، و الجارِ، و الصِّهرِ، و الخَلْفِ (2)، و الأمامِ إذا عُدَّ مِن أقسامِ «مَولىٰ ». و الآخَرُ معلومٌ أنّه عليه السلامُ لَم يُرِدْه؛ مِن(3)حَيثُ لَم يَكُن فيه فائدةٌ و كانَ ظاهراً شائعاً(4)، و هو ابنُ العَمِّ .

القِسمُ الثالثُ (5)الذي يُعلَمُ بالدليلِ أنّه لَم يُرِدْه: هو وَلايةُ الدِّينِ ، و النُّصرةُ فيه، و المَحبّةُ ، أو وَلاءُ المُعتِقِ (6). و الدليلُ علىٰ أنّه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه لَم يُرِدْ ذلكَ أنّ كُلَّ أحَدٍ يَعلَمُ مِن دينِه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه وجوبَ تَوَلّي المؤمنينَ و نُصرتِهم،


1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «على».

2) . هكذا في «ج، د، ف» و التلخيص. و في «ص، ط»: «و الحلف». و في المطبوع و الحجري: «و الحليف».

3) . في التلخيص: - «من».

4) . في «ج، ص»: «سابقاً».

5) . في الحجري: «و الثالث». و في المطبوع جاء هكذا: «[القسم] الثالث».

6) . في «ف» و التلخيص: «ولاء العتق».

و قد نَطَقَ الكتابُ به. و لَيسَ يَحسُنُ أن يَجمَعَهم علَى الصورةِ التي حُكيَت في تلكَ الحالِ‌، و يُعلِمَهم ما هم مُضطَرّونَ إليه مِن دينِه! و كذلكَ هُم يَعلَمون أنّ وَلاءَ العِتقِ لبَني العَمِّ قَبلَ الشريعةِ و بَعدَها. و قولُ عُمَرَ بنِ الخَطّابِ في الحالِ علىٰ ما تَظاهَرَت به الروايةُ لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ‌: «أصبَحتَ مَولايَ و مَولىٰ كُلِّ‌

مؤمنٍ و مؤمنةٍ‌»(1)يُبطِلُ أن يَكونَ المُرادُ بالخبرِ(2)وَلاءَ العِتقِ‌. و بِمثلِ‌(3)ما ذَكرناه - في إبطالِ أن يَكونَ المُرادُ بالخبرِ وَلاءَ العِتقِ أو إيجابَ النُّصرةِ في الدينِ - استُبعِدَ أن يُريدَ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه قِسمَ ابنِ العَمِّ‌؛ لأنّ خُلوَّ الكلامِ مِن فائدةٍ متىٰ حُمِلَ علىٰ أحَدِ الأمرَينِ كخُلوِّه منها إذا حُمِلَ علَى الآخَرِ.

فلَم يَبقَ إلّا القِسمُ الرابعُ الذي كانَ حاصلاً له عليه السلامُ و يَجِبُ أن يُريدَه؛ و هو: الأَولىٰ بتدبيرِ الأُمّةِ و أمرِهم و نهيِهم. و قد دَلَّلنا علىٰ أنّ مَن كانَ بهذه الصفةِ فهو الإمامُ المُفتَرَضُ الطاعةِ (4)، و دَلَّلنا أيضاً فيما تَقدَّمَ علىٰ أنّ مِن جُملةِ أقسامِ مَولىٰ : «الأَولىٰ ».(5)

فلَيسَ لأحَدٍ أن يَعتَرِضَ بذلكَ ، و لَيسَ له أيضاً أن يَقولَ : قد ادَّعَيتم في صَدرِ الاستدلالِ أن النبيَّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه أوجَبَ أمراً كانَ له، و لَيسَ يَجِبُ ما ادَّعَيتموه، بَل لا يَمتَنِعُ أن يُريدَ بقَولِه: «فمَن كنتُ مَولاه» ما يَرجِعُ إلىٰ وجوبِ الطاعةِ ، و يُريدَ بقَولِه: «فعَليٌّ مَولاه» أمراً آخَرَ لَم يَكُن عليه، و لا يَتعلَّقُ بما تَقدَّمَ .


1) . تقدّم تخريجه في ص 134.

2) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: - «بالخبر».

3) . في «د» و المطبوع و الحجري: «لمثل».

4) . تقدّم في ص 164.

5) . تقدّم في ص 151 و ما بعدها.

لأنّا لا نَفتَقِرُ في هذه الطريقةِ إلىٰ أن نُثبِتَ أنّ النبيَّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه أوجَبَ ما كانَ حاصلاً له؛ لأنّه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(1)لا بُدَّ أن يوجِبَ بلفظةِ «مَولىٰ‌» علىٰ كُلِّ حالٍ أحَدَ ما يَحتَمِلُه في اللُّغةِ‌(2)مِن الأقسامِ‌، و قد عَلِمنا بُطلانَ إيجابِه لِما عَدا الإمامةَ مِن سائرِ الأقسامِ بما تَقدَّمَ‌(3)ذِكرُه؛ فوَجَبَ أن يَكونَ المُرادُ هو الإمامةَ ، و إلّا فلا فائدةَ في الكلامِ .

و لَيسَ له أن يَقولَ : إنّ المُرادَ هو إثباتُ المُوالاةِ ظاهراً و باطناً؛ لأنّ إبطالَ هذا الوجهِ يأتي عندَ الكلامِ علىٰ صاحبِ الكتابِ مُستَقصىً (4).(5)

التقرير الثالث: طريقة الإطلاق
اشارة

طريقةٌ أُخرىٰ‌: و قد(6)يُمكِنُ أن يَستَدِلَّ - مَن ذهَبَ إلىٰ أنّ اللفظَ المُحتَمِلَ لأُمورٍ كَثيرةٍ إذا أُطلِقَ يَجِبُ حَملُه علىٰ سائرِ مُحتَمَلاتِه إلّاما مَنَعَ منه الدليلُ - علىٰ إيجابِ الإمامةِ مِن الخبرِ بهذه الطريقةِ‌، بَعدَ أن يُبيِّنَ أنّ مِن أقسامِ مَولىٰ «أَولىٰ » و أنّ «أَولىٰ » يُفيدُ معنَى الإمامةِ . و قد ذَكَرنا فيما تَقدَّمَ فَسادَ الاستدلالِ بطريقةِ الاحتمالِ ، و أنّ الأصلَ الذي هي مَبنيّةٌ عليه لا يُثبِتُ صحّتَه.(7)


1) . في التلخيص: - «أوجب ما كان حاصلاً له؛ لأنّه صلّى اللّٰه عليه و آله».

2) . في التلخيص: «ما تحتمله اللغة».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «لما تقدّم».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: + «إن شاء اللّٰه».

5) . يأتي في ص 175 و ما بعدها.

6) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «قد».

7) . تقدّم في ص 29-30.

مناقشة ما أورده القاضي علىٰ تقريرات الاستدلال بحديث الغدير

و إذ(1)قد فَرَغنا ممّا أرَدنا تقديمَه أمامَ مُناقَضَتِه، فنَحنُ نَرجِعُ إلىٰ كلامِه، فنَقولُ‌:

أمّا الدَّلالةُ الأُولىٰ فقَد رَتَّبناها(2)و شَرَحناها(3)، و هي علىٰ خِلافِ ما حَكاه؛ لأنّا لا نَقولُ‌: إنّ المُرادَ بلفظةِ «مَولىٰ‌» لَو لَم يُطابِقِ‌(4)المُقدِّمةَ لَم يَكُن(5)للمُقدِّمةِ فائدةٌ‌، بَل الدَّلالةُ علىٰ وجوبِ مُطابَقتِها للمُقدِّمةِ قد بيّنّاها(6)في كلامِنا.

فأمّا(7)الدَّلالةُ الثانيةُ التي حَكاها(8)فلَيسَت دَلالةً تَقومُ بنفسِها؛ لأنّه لَو قيلَ للمُستَدِلِّ بها: «لِمَ زَعَمتَ أنّه لا بُدَّ أن يُبيِّنَ في تلكَ الحالِ أمراً عظيماً؟ ثُمَّ لِمَ زَعَمتَ أنّه لَيسَ في أقسامِ «مَولىٰ‌»(9)أمرٌ عظيمٌ يَستَحِقُّ أن يُبيَّنَ‌، و أنّ سائرَ ما يُذكَرُ لا يَصِحُّ أن يُرادَ؟» لَم يَكُن بُدٌّ مِن الرجوعِ إلىٰ طريقةِ التقسيمِ التي(10)

(11و12) . تقدّمت في ص 168-171.

ذَكرناها.(11)

فأمّا الدَّلالةُ الثالثةُ‌، و هي دَلالةُ التقسيمِ ، و قد مَضَت مُرتَّبةً .(12)

و أمّا(11)الرابعةُ (12)، فتَجري مَجرَى الثالثةِ في أنّها متىٰ لَم تَستَنِدْ(13)إلىٰ دَلالةٍ


1) . في المطبوع: «إذا».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «بيّنّاها».

3) . تقدّم ذلك في ص 137-138 و 159-163 و 165-166 و 168.

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «لم تطابق».

5) . في المطبوع: «لم تكن».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «بيّنّاه».

7) . في «ج، ص»: «و أمّا».

8) . تقدّمت في ص 135.

9) . في «ج، ص، ط، ف»: «المولى».

10) . في «ج، ص، ط، ف»: «و قد» بدل «التي».

11) . في «ج، ص، ط، ف»: «فأمّا».

12) . في المطبوع: «و أمّا الدلالة الرابعة».

13) . في «د» و المطبوع و الحجري: «لم يستند».

كانَت دَعوىً‌؛ لأنّ أصحابَنا إنّما يَقولونَ‌: «لَو لَم يُرِدِ النبيُّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه ما ذَهَبنا إليه لَوَجَبَ أن يَكونَ مُلبِّساً مُحيِّراً» إذا(1)بَيَّنوا(2)وجهَ دَلالةِ القولِ علَى الإمامةِ‌، فلا بُدَّ إذَن مِن بيانِ إيجابِ القولِ للإمامةِ بالطريقةِ المُتقدِّمةِ‌؛ ليَستَقيمَ أن نَقولَ‌(3): إنّه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه لَو لَم يُرِدِ الإمامةَ‌(4)لَكانَ مُحيِّراً.

و أمّا(5)المعرفةُ بقَصدِه عليه السلامُ ضَرورةً‌، فلَيسَ ممّا يَعتَمِدُه أصحابُنا في هذا الخبرِ و أمثالِه، و لا يَمتَنِعُ عندَنا أن يَكونَ المُرادُ معلوماً بضَربٍ مِن الاستدلالِ ،

و لا يَقولونَ أيضاً: لَو لَم نَعرِفِ القَصدَ مِن الكلامِ باضطرارٍ لَم يَكُن بياناً؛ بَل يَقولونَ : لَو لَم يُرِدِ الإمامةَ مع إيجابِ خِطابِه(6)لها لَكانَ مُلغِزاً عادلاً عن طريقِ البيانِ ، بل عن طريقِ الحِكمةِ .

قالَ صاحبُ الكتابِ :

و اعلَمْ أنّ المُرادَ بالخبرِ - علىٰ ما ذَهَبَ إليه شَيخانا(7)- الإبانةُ عن فَضلٍ مقطوعٍ به لا يَتَغَيَّرُ علَى الأوقاتِ ؛ لأنّ وجوبَ المُوالاةِ علَى القَطعِ يَدُلُّ علىٰ أنّ مَن وَجَبَ ذلكَ له(8)باطنُه كظاهرِه، و إذا(9)أوجَبَ النبيُّ صَلّى


1) . في «ج، ص»: «و إذا».

2) . هكذا في «د». و في «ج، ص» و المطبوع و الحجري: «تبيّن». و في «ط، ف»: «لم يبيّن».

3) . في «د، ص» و المطبوع و الحجري: «أن يقول».

4) . في المطبوع: - «لو لم يرد الإمامة»، و هو سهو.

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «فأمّا».

6) . في «ج، ص، ط»: «حكايته».

7) . المراد بشيخيه: أبو علي الجبّائي و ابنه أبو هاشم، و قد تكرّر ذكرهما في الكتاب.

8) . في «ج، ص، ط، ف»: «له ذلك».

9) . في «ج، ص، ط، ف»: «فإذا».

اللّٰهُ عليه و آلِه مُوالاتَه عليه السلامُ و لَم يُقيِّدْه بوقتٍ‌، فيَجِبُ أن يَكونَ هذه حالَه في(1)سائرِ الأوقاتِ‌.

و لَو لَم يَكُن هذا هو المُرادَ لَوَجَبَ أن لا يَلزَمَ سائرَ مَن غابَ عن المَوضِعِ‌(2)مُوالاتُه، و لَما وَجَبَ بَعدَ ذلكَ الوقتِ عليهم مُوالاتُه.

و بُطلانُ ذلكَ يُبيِّنُ أنّه يَقتَضي الفَضلَ الذي لا يَتغيَّرُ، و هذه مَنزِلةٌ عظيمةٌ تَفوقُ مَنزِلةَ الإمامةِ‌، و يَختَصُّ هو بها دونَ غيرِه؛ لأنّه عليه السلامُ‌(3)لَم يُبيِّنْ في غيرِه هذه الحالةَ كما بَيَّنَ فيه، و لأنّ الإمامةَ إنّما تَعظُمُ مِن حَيثُ كانَت وُصلةً إلىٰ هذه الحالةِ‌؛ فلَو لَم تَكُن(4)هذه مِن أشرَفِ الأحوالِ لَم تَكُنِ‌(5)الإمامةُ شريفةً‌.

و دَلّوا علىٰ أنّ المُرادَ ب‍ «مَولىٰ‌» ما ذَكَروه بقَولِه تَعالىٰ‌: (ذٰلِكَ (6)بِأَنَّ اللّٰهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا)(7)، و أنّ المُرادَ بذلكَ مُوالاةُ الدِّينِ و النُّصرةُ فيه، و بقَولِه عزّ و جلّ (8): (فَإِنَّ اللّٰهَ هُوَ مَوْلاٰهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صٰالِحُ الْمُؤْمِنِينَ )(9)و أنّ المُرادَ بذلكَ النُّصرةُ في الدِّينِ .


1) . من قوله: «أنّ من وجب ذلك له...» إلى هنا ساقط من المغني.

2) . في «د»: «المواضع».

3) . في «د» و المطبوع: «صلّى اللّٰه عليه و آله».

4) . في النسخ و الحجري: «لم يكن». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و المغني.

5) . في «ط، ف» و الحجري: «لم يكن».

6) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «ذلك».

7) . محمّد (47):11.

8) . في «ج، ص، ط، ف»: «تعالى».

9) . التحريم (66):4.

و بَيَّنوا أنّ «المُوالاةَ‌» في اللُّغةِ و إن كانَت مُشتَرَكةً فقَد غَلَبَ‌(1)عُرفُ

الشرعِ في استعمالِها في هذا الوجهِ ، و علىٰ هذا الوجهِ (2)قالَ اللّٰهُ تَعالىٰ :

(وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِنٰاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ ) (3).

قالوا: و يَدُلُّ علىٰ أنّ هذا هو المُرادُ(4)قولُه عليه السلامُ (5): «اللّٰهُمَّ والِ مَن والاه»، و لَو لَم يَكُنِ المُرادُ بما تَقدَّمَ ما ذَكرناه لَم يَكُن هذا القولُ لائقاً به، و قولُ عُمَرَ: «أصبَحتَ مَولايَ و مَولىٰ كُلِّ مؤمنٍ و مؤمنةٍ » يَدُلُّ علىٰ أنّ هذا هو المُرادُ؛ لأنّه ما أرادَ إلّاهذا الوجهَ .(6)

نفي دلالة «مولىٰ » علىٰ إيجاب الموالاة، مع القطع على الباطن، و في جميع الأوقات

يُقالُ له: أمّا الدَّلالةُ الأُولىٰ التي رَتَّبناها و بيّنّا كيفيّةَ الاستدلالِ بها(7)، فهي مُسقِطةٌ لكلامِك في هذا الفَصلِ‌، و مُزيلةٌ للاعتراضِ به؛ لأنّا قد بيّنّا - بما لا يُتمكَّنُ مِن دَفعِه(8)- أنّ المُرادَ بلفظةِ «مَولىٰ‌» يَجِبُ أن يَكونَ مُوافِقاً للمُقدِّمةِ‌، و أنّه لا يَسوغُ حَملُه إلّاعلىٰ معناها. و لَو(9)صَحَّ أن يُرادَ بلفظةِ «مَولىٰ » ما حَكَيتَه عن(10)شَيخَيكَ (11)-


1) . في المغني: «فقد علم».

2) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «و على هذا الوجه».

3) . التوبة (9):71.

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «المراد هو هذا».

5) . في «د، ص» و المطبوع: «صلّى اللّٰه عليه و آله».

6) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 146-147.

7) . تقدّمت في ص 137-138 و 159-163 و 165-166 و 168.

8) . في «ج، ص، ط، ف»: «لا يمكن أحداً دفعه».

9) . في «ج، ط، ف»: «فلو».

10) . في «ج، ص، ف»: «من».

11) . و هو دلالة «مولىٰ » علىٰ إيجاب الموالاة و النصرة، مع القطع على الباطن، و في جميع الأوقات.

و كانَ ذلكَ مِن بعضِ أقسامِها في اللُّغةِ‌، و لَيسَ بصحيحٍ في(1)الحقيقةِ - لَكانَ حُكمُ هذا المعنىٰ حُكمَ سائرِ المَعاني التي تَحتَمِلُها اللفظةُ‌، في وجوبِ صَرفِ المُرادِ عنها، و حَملِه(2)علىٰ ما تَضمَّنَته المُقدِّمةُ‌، علىٰ ما دَلَّلنا عليه؛ فلَم يَبقَ إلّاأن يُبيَّنَ أنّه(3)غيرُ قادحٍ أيضاً في دَلالةِ التقسيمِ‌.(4)

و الذي يُبيِّنُه(5): أنّكَ لا تَخلو - فيما ادَّعَيتَه مِن(6)حَملِ الكلامِ علىٰ إيجابِ المُوالاةِ مع القَطعِ علَى الباطنِ - [1.] مِن أن تُسنِدَه(7)إلىٰ ما تَقتَضيهِ (8)لفظةُ «مَولىٰ » و وضعُها في اللُّغةِ أو في عُرفِ الشريعةِ ، [2.] أو إلىٰ إطلاقِ الكلامِ مِن غيرِ تقييدٍ بوقتٍ و تخصيصٍ بحالٍ ، [3.] أو إلىٰ أنّ ما أوجَبَه عليه السلامُ يَجِبُ أن يَكونَ مِثلَ ما وَجَبَ له، و إذا كان الواجبُ له هو المُوالاةَ علىٰ هذا الوجهِ وَجَبَ مِثلُه فيما أوجَبَه.

فإن أرَدتَ الأوّلَ‌، فهو ظاهرُ(9)الفَسادِ؛ لأنّ مِن المعلومِ أنّ لفظةَ «مَولىٰ‌» لا تُفيدُ ذلكَ في اللُّغةِ و لا في الشريعةِ‌، و أنّها إنّما تُفيدُ في جُملةِ ما يَحتَمِلُه مِن الأقسامِ تَوَلّيَ النُّصرةِ و المَحبّةِ ، مِن غيرِ تَعلُّقٍ بالقَطعِ علَى الباطنِ ، أو عمومِ سائرِ الأوقاتِ . و لَو كانَت فائدتُها ما ادَّعَيتَه لَوَجَبَ أن لا يَكونَ في العالَمِ (10)أحَدٌ مُوالياً لغَيرِه


1) . في «ج، ص، ط، ف»: «على».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «جملة» بدل «و حمله».

3) . أي ما حكاه القاضي عن شيخيه.

4) . تقدّمت في ص 168-171.

5) . في «ص، ط، ف»: «بيّنه».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «في».

7) . في «د» و الحجري: «أن تستنده».

8) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: «يقتضيه».

9) . في «ج، ص، ط، ف»: «بيّن».

10) . في التلخيص: «في الحال».

علَى الحقيقةِ إلّاأن يَكونَ ذلكَ الغَيرُ نبيّاً أو إماماً معصوماً. و في عِلمِنا بإجراءِ هذه اللفظةِ حقيقةً في المؤمنِ و كُلِّ مَن تَوَلّىٰ نُصرةَ غيرِه و إن لَم يَكُن قاطعاً علىٰ باطنِه دَليلٌ علىٰ أنّ فائدتَها ما ذَكرناه دونَ غيرِه.

و إن أرَدتَ الثانيَ‌، فغَيرُ واجبٍ أن يُقطَعَ علىٰ عمومِ القولِ بجميعِ الأوقاتِ مِن حَيثُ لَم يُقيَّدْ بوقتٍ‌؛ لأنّه كما لَم يَكُن في اللفظِ تخصيصٌ بوقتٍ‌(1)بعَينِه، فكذلكَ لَيسَ فيه ذِكرٌ قد استَوعَبَ‌(2)الأوقاتَ‌؛ فادّعاءُ‌(3)أحَدِ الأمرَينِ لفَقدِ خِلافِه مِن اللفظِ كادّعاءِ الآخَرِ لمِثلِ‌(4)هذه العِلّةِ‌. و قد بيّنّا فيما مضىٰ مِن الكتابِ أنّ حَملَ الكلامِ علىٰ سائرِ الأوقاتِ و الحَملَ‌(5)علىٰ سائرِ مُحتَمَلاتِه لفَقدِ ما يَقتَضي التخصيصَ غيرُ صحيحٍ‌.(6)

و قد قالَ اللّٰهُ تَعالىٰ‌: (وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِنٰاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ‌) و لَم يُخصِّصْ بعضاً دونَ بعضٍ مِن الأوقاتِ‌(7)، كما لا تخصيصَ في ظاهرِ خبرِ الغَديرِ.

و لَم يَقُلْ أحَدٌ أنّه تَعالىٰ أوجَبَ بالآيةِ مُوالاةَ المؤمنينَ علَى الباطنِ و الظاهرِ و في كُلِّ حالٍ ، بَل الذي قالَه جميعُ المُسلِمينَ أنّه تَعالىٰ أوجَبَ بالآيةِ مُوالاةَ المؤمنينَ (8)علَى الظاهرِ دونَ الباطنِ ، و في الأحوالِ التي يَظهَرُ منهم فيها الإيمانُ ،


1) . في «ف» و التلخيص: «لوقت».

2) . في «د»: «قد يستوعب». و في حاشية «ف» و التلخيص: «ذكر استيعاب».

3) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «و ادّعاء».

4) . في «ص»: «بمثل».

5) . في التلخيص: «و القول».

6) . تقدّم في ص 29-30.

7) . في التلخيص: «و لم يخصّص وقتاً من وقت».

8) . من قوله: «على الباطن و الظاهر و في كلّ حال...» إلى هنا ساقط من المطبوع و الحجري.

و ما يَقتَضي المُوالاةَ ؛ فلا يُنكَرُ أن يَكونَ ما أوجَبَ مِن الموالاةِ في خبرِ الغَديرِ جارياً هذا المَجرىٰ .

و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ : متىٰ حَمَلنا ما أوجَبَ مِن الموالاةِ في الخبرِ علَى الظاهرِ دونَ الباطنِ لَم نَجعَلْه مُفيداً(1)لأنّ وجوبَ هذه الموالاةِ لجميعِ المؤمنينَ معلومٌ قَبلَ الخبرِ، فيَجِبُ أن يَكونَ المُرادُ ما ذَكرناه مِن الموالاةِ المخصوصةِ .

و ذلكَ‌: أنّ الذي ذَكره يوجِبُ العُدولَ عن حَملِه علَى الموالاةِ جُملةً‌؛ لأنّه لَيسَ هو - بأن يَقتَرِحَ إضافتَه إلَى الموالاةِ المُطلَقةِ التي يَحتَمِلُها(2)اللفظُ و زيادةٍ فيها ليَجعَلَ‌(3)للخبرِ فائدةً - أَولىٰ ممّن أضافَ إلَى الموالاةِ‌(4)ما نَذهَبُ‌(5)إليه

من إيجابِ فرضِ الطاعةِ‌، و قالَ‌: إنّه عليه السلامُ إنّما أرادَ: «مَن كانَ يُواليني مُوالاةَ مَن تَجِبُ‌(6)طاعتُه و التدبُّرُ بتدبيرِه فليُوالِ عليّاً علىٰ هذا الوجهِ »، و اعتَلَّ في تَمحُّلِه(7)مِن(8)الزيادةِ أيضاً طَلَبَ (9)الفائدةِ للخبرِ، و إذا عادَلَ (10)دعوىٰ مَن ادَّعَى الموالاةَ المخصوصةَ غيرَها وَجَبَ اطِّراحُها و الرجوعُ إلىٰ ما يَقتَضيه اللفظُ. فإذا عَلِمنا أنّ حَملَه علَى الموالاةِ المُطلَقةِ الحاصلةِ بَينَ جميعِ المؤمنينَ


1) . في التلخيص: «مقيّداً».

2) . في التلخيص: «يتحمّلها».

3) . في التلخيص: «لتحصل».

4) . في «ص»: + «فيها».

5) . في «د، ط»: «يذهب».

6) . هكذا في «ط» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «يجب».

7) . تمحَّل، أي احتال. يقال تَمَحَّلْ لي خيراً: اطلُبْه. راجع: الصحاح، ج 5، ص 1817 (محل).

8) . في «ط، ف» و الحجري و التلخيص: - «من».

9) . في التلخيص: «بطلب».

10) . في المطبوع: «حاول». و في الحجري: «غاول».

يُسقِطُ الفائدةَ ، وَجَبَ أن يَكونَ المُرادُ ما ذَهَبنا إليه مِن كَونِه أَولىٰ بتدبيرِهم و أمرِهم و نهيِهم.

و إن أرَدتَ القِسمَ الثالثَ‌، قُلنا لكَ‌: لِمَ زَعَمتَ أنّه عليه السلامُ إذا كانَ ممّن يَجِبُ‌(1)له الموالاةُ علَى الظاهرِ و الباطنِ و في كُلِّ حالٍ‌، فلا بُدَّ(2)أن يَكونَ ما أوجَبَه في الخبرِ مُماثِلاً للواجبِ له‌؟ أَ وَ لَستم تَمنَعونَنا(3)ممّا هو آكَدُ مِن استدلالِكم هذا إذا أوجَبنا حَملَ لفظةِ «مَولىٰ‌» علىٰ ما تَقتَضيهِ‌(4)المُقدِّمَةُ‌، و أحَلنا أن يُعدَلَ‌(5)بها عن المعنَى الأوّلِ‌، و تَدَّعونَ أنّ الذي أوجَبناه غيرُ واجبٍ‌، و أنّ النبيَّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه لَو صَرَّحَ بخِلافِه حتّىٰ يَقولَ بَعدَ المُقدِّمةِ‌:

«فمَن وَجَبَت(6)عليه مُوالاتي فليُوالِ عليّاً»، أو: «فمَن كنتُ أَولىٰ به مِن نفسِه فليَفعَلْ كَذا و كَذا» ممّا لا يَرجِعُ إلَى(7)المُقدِّمةِ لَحَسُنَ و جازَ. فألّا التَزَمتم مِثلَ ذلكَ في تأويلِكم ؟! لأنّا نَعلَمُ أنّه عليه السلامُ (8)لَو صَرَّحَ بخِلافِ ما ذَكرتموه حتّىٰ يَقولَ :

«فمَن لَزِمَته(9)مُوالاتي علَى الباطنِ و الظاهرِ فليُوالِ عليّاً في حَياتي، أو ما دامَ مُتمسِّكاً بما هو عليه» لَجازَ و حَسُنَ . و إذا كانَ جائزاً حَسَناً بَطَلَ أن يَكونَ الخبرُ


1) . في التلخيص: «تجب».

2) . في «ص»: + «من».

3) . في «د» و المطبوع و الحجري: «تمنعونا».

4) . في «ج، ط، ف» و الحجري: «يقتضيه».

5) . في «د»: «نعدل».

6) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «وجب».

7) . في التلخيص: + «معنى».

8) . في التلخيص: «صلّى اللّٰه عليه و آله».

9) . في المطبوع و الحجري: «ألزمته».

مُقتَضياً لمُماثَلةِ ما أوجَبَه مِن الموالاةِ لِما(1)وَجَبَ له منها(2).

فإن قيلَ‌: كَيفَ يَصِحُّ أن تَجمَعوا(3)بَينَ الطعنِ علىٰ ما ادَّعَيناه مِن إيجابِ النبيِّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه في الخبرِ مِن الموالاةِ مِثلَ ما وَجَبَ له، و بَينَ القَطعِ علىٰ أنّ لفظةَ «مَولىٰ » يَجِبُ (4)مُطابَقتُها لِما قَرَّرَه(5)الرسولُ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه لنفسِه في المُقدِّمةِ ، مِن وجوبِ الطاعةِ و عمومِها في سائرِ الأُمورِ و جميعِ الخَلقِ ، و الطريقُ إلىٰ تصحيحِ أحَدِ الأمرَينِ طريقٌ إلىٰ تصحيحِ الآخَرِ؟

قُلنا: إنّا لَم نوجِبْ مُطابَقةَ لفظة «مَولىٰ‌» لمعنَى المُقدِّمةِ في الوجوهِ المذكورةِ مِن حَيثُ يَجِبُ أن يَكونَ ما أوجَبَه عليه السلامُ‌(6)مُطابِقاً لِما أوجِبَ‌(7)له، علىٰ ما ظَنَّه مُخالِفونا و تَعلَّقوا به في تأويلِ الخبرِ علَى الموالاةِ باطناً و ظاهراً.

و إنّما أوجَبنا ذلكَ مِن حَيثُ صَرَّحَ النبيُّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه في المُقدِّمة بتقريرِهم بما يَجِبُ له مِن فرضِ الطاعةِ بِلا خِلافٍ ، ثُمَّ عَطَفَ علَى الكلامِ بلفظٍ مُحتَمِلٍ له، فجرىٰ (8)مَجرَى المثالِ الذي أورَدناه في الشِّركةِ (9)، و أنّ مَن قَدَّمَ ذِكرَ شِركةٍ


1) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص. و في «د» و الحجري: «كما». و في المطبوع: «فيما».

2) . في «ج، ص، ط»: «فيها».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «أن يجمعوا».

4) . في التلخيص: «تجب».

5) . هكذا في «ج، ف» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع و الحجري: «قدّره».

6) . في التلخيص: «صلّى اللّٰه عليه و آله». و في «د» و المطبوع و الحجري: «ما أوجبه عليه» بدل «ما أوجبه عليه السلام».

7) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: «أوجبه».

8) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: «يجري».

9) . تقدّم المثال في ص 166.

مخصوصةٍ‌، و عَطَفَ عليها بمُحتَمِلٍ‌(1)لها، كانَ ظاهرُ كلامِه(2)يُفيدُ المعنَى الأوّلَ‌.

و جَرىٰ ما يُؤوِّلُه مُخالِفونا مَجرىٰ أن يَقولَ القائلُ مِن غيرِ تَقدُّمِ‌(3)مُقدِّمةٍ تَتضمَّنُ ذِكرَ شِركةٍ مخصوصةٍ‌: «مَن كنتُ شَريكَه ففُلانٌ شَريكُه»، فكَما أنّ ظاهرَ هذا القولِ لا يُفيدُ إيجابَه شِركةَ فُلانٍ في كُلِّ ما كانَ شَريكاً فيه لغَيرِه(4)و علىٰ وجهِه، و لَم يَمنَعْ‌(5)أن يُريدَ إيجابَ شِركتِه في بعضِ الشِّركِ الذي(6)بَينَه و بَينَ غيرِه و علىٰ بعضِ الوجوهِ‌. و لَم يَجرِ هذا القولُ عندَ أحَدٍ مِن أهلِ اللسانِ في وجوبِ حَملِ المعنَى الثاني علَى الأوّلِ مَجرىٰ أن يَقولَ‌: «فمَن كنتُ شَريكَه ففُلانٌ شَريكُه» بَعدَ قولِه:

«فُلانٌ و فُلانٌ - حتّىٰ يَذكُرَ جميعَ شُرَكائه(7)- شُرَكائي(8)في كَذا و كَذا، و علىٰ وجهِ كَذا(9)» فيَذكُرَ مَتاعاً مخصوصاً و شِركةً مخصوصةً ، و لا مَجرىٰ (10)قولِه: «مَن كُنتَ شَريكَه في كَذا علىٰ وجهِ كَذا ففُلانٌ شَريكُه». فكذلكَ (11)ما ذَكروه لا وجهَ فيه(12)لإيجابِ مِثلِ ما كانَ للرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(13)مِن الموالاةِ المخصوصةِ .


1) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «محتملاً».

2) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «ظاهر الكلام».

3) . في التلخيص: - «تقدّم».

4) . في التلخيص: «شريكاً لغيره فيه».

5) . في «ج، ص، ف» و المطبوع و الحجري و التلخيص: «لم يمتنع».

6) . في التلخيص: «التي».

7) . في التلخيص: «حتّى يذكر جماعة».

8) . هكذا في المطبوع و الحجري و التلخيص. و في النسخ: - «شركائي».

9) . في التلخيص: «كذا و كذا».

10) . هكذا في «ف». و في سائر النسخ و المطبوع و التلخيص: «و لا يجري».

11) . في «ص»: «و كذلك». و في «ج»: «فكذا».

12) . في «ج، ص، ط»: «له».

13) . في التلخيص: «ما كان الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله عليه».

فإن قيلَ‌: جميعُ ما ذَكرتموه إنّما يُبطِلُ القَطعَ علىٰ أنّ الرسولَ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه أوجَبَ مِن الموالاةِ مِثلَ ما كانَ له، و لا شَكَّ في أنّه مُفسِدٌ للمَذهَبِ الذي حَكاه صاحبُ الكتابِ عن أبي عليٍّ و أبي هاشمٍ و شَرَعَ في نُصرتِه و تقويتِه، فبأيِّ شيءٍ تُنكِرونَ‌(1)علىٰ مَن جَوَّزَ أن يُريدَ عليه السلامُ‌(2)ذلكَ‌، و لَم يَقطَعْ علىٰ عدمِ جوازِ غيرِه(3)، و سَوّىٰ في بابِ الجوازِ بَينَ هذه المَنزِلةِ و بَينَ المَنزِلةِ‌(4)التي تَعودُ إلىٰ معنَى الإمامةِ‌(5)لأنّه لا مانعَ في جميعِ ما ذَكرتموه مِن التجويزِ، و دَلالةُ التقسيمِ لا تَتِمُّ‌(6)لكم دونَ أن تُبيِّنوا أنّ شَيئاً مِن الأقسامِ التي يَجوزُ أن يُرادَ باللفظةِ (7)لا يَصِحُّ أن يَكونَ المُرادَ مِن الخبرِ(8)سِوَى القِسمِ المُقتَضي لمعنَى الإمامةِ .

و هذا آكَدُ ما(9)يُسألُ (10)عنه علىٰ هذه الطريقةِ !

و الجوابُ عنه: أنّه(11)إذا ثَبَتَ أنّ القِسمَ المُقتَضي للإمامةِ جائزٌ أن يَكونَ مُراداً، و وَجَدنا كُلَّ مَن جَوَّزَ كَونَ الإمامةِ مُرادةً في الخبرِ يَقطَعُ علىٰ إيجابِها و حصولِها - لأنّ مَن خالَفَ القائلينَ بالنصِّ لا يُجوِّزُ أن تَكونَ (12)الإمامةُ و لا معناها


1) . هكذا في «ف» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «ينكرون».

2) . في التلخيص: «صلّى اللّٰه عليه و آله».

3) . في «د، ف» و التلخيص: «و لم يقطع عليه» بدل «و لم يقطع علىٰ عدم جواز غيره».

4) . في «ج، ص، ط»: - «بين المنزلة».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «إلى الإمامة معناها».

6) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: «لا يتمّ ».

7) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «باللفظ».

8) . في «ج، ص، ط، ف»: «في هذا الخبر». و في التلخيص: «في الخبر».

9) . في «د»: «ممّا».

10) . في «ج، ص، ط، ف»: «نسأل».

11) . في «ج، ص، ط، ف»: «قيل له».

12) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: «أن يكون».

مُرادةً مِن الخبرِ(1)، و مَن جَوَّزَ أن تَكونَ‌(2)مُرادةً من القائلينَ (3)بالنصِّ قَطَعَ عليها - فوَجَبَ (4)أن يَكونَ ما ذَهَبنا إليه هو المقطوعَ به مِن هذه الجهةِ ؛(5)لأنّ ما عَدا ما ذَكرناه مِن القولَينِ خارجٌ عن الإجماعِ .

بيان عموم الإمامة لكلّ الخلق و الأوقات، بناء علىٰ تفسير الولاية في الحديث بالإمامة

فأمّا قولُ صاحبِ الكتابِ - فيما حَكَيناه مِن كلامِه في هذا الفَصلِ -: «إنّ المُرادَ لَو لَم يَكُن ما ذَكره لَوَجَبَ أن لا يَلزَمَ مَن غابَ عن المَوضِعِ مُوالاتُه، و لَما وَجَبَت عليهم الموالاةُ بَعدَ ذلكَ الوقتِ‌» فغَيرُ لازمٍ‌؛ لأنّ الصحيحَ عندَنا أنّ مُوالاتَه عليه السلامُ إنّما وَجَبَت في الحالِ و بَعدَها علىٰ مَن حَضَرَ و غابَ‌؛ لأنّ الرسولَ صَلّى

اللّٰهُ عليه و آلِه أوجَبَ له الإمامةَ بالقولِ‌، و الإمامُ تَجِبُ‌(6)مُوالاتُه علىٰ سائرِ الوجوهِ‌؛ فلَيسَ في وجوبِ الموالاةِ علىٰ ما ذُكِرَ دَلالةٌ علىٰ صحّةِ تأويلِه.

و لَو قالَ مَن خالَفَ طريقةَ صاحبِ الكتابِ أيضاً: «لَيسَ يَمتَنِعُ أن يَكونَ ما أوجَبَه مِن الموالاةِ يَلزَمُ مَن غابَ و فيما بَعدَ الحالِ‌(7)، علَى الحَدِّ الذي يَلزَمُ لجماعةِ المؤمنينَ (8)ما داموا مُتمسِّكينَ بالإيمانِ و ما يَقتَضي التبجيلَ و التعظيمَ ، و لا يَكونَ في ذلكَ دَلالةٌ علَى الموالاةِ المخصوصةِ التي ادَّعَيتَ » لَم يُمكِنْه دفعُ كلامِه، اللّٰهُمَّ


1) . في «ف» و التلخيص: «بالخبر».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «أن يكون».

3) . هكذا في «د، ف» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «كالقائلين».

4) . في «د»: «فواجب».

5) . في «د» و المطبوع و الحجري: «من هذه الحجّة».

6) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و إلّايجب» بدل «و الإمام تجب».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «من الحال».

8) . أي علىٰ حدّ الموالاة و المحبّة التي تجب للمؤمنين.

إلّا أن يَقولَ‌: «إنّني عَنَيتُ أنّ مُوالاتَه تَلزَمُ مَن غابَ علىٰ كُلِّ حالٍ و بغَيرِ شرطٍ(1)، و كذلكَ في المُستَقبَلِ مِن الأوقاتِ‌». و هذا إذا ادَّعاه غيرُ مُسلَّمٍ له(2)، و هو مدفوعٌ عنه أشَدَّ الدفاعِ ، و لا سَبيلَ عندَنا إلىٰ تثبيتِ (3)هذه المَنزِلةِ بالخبرِ إلّابَعدَ أن يَثبُتَ (4)ما نَذهَبُ إليه مِن إيجابِه إمامتَه عليه السلامُ .

تقدُّم منزلة الإمامة علىٰ منزلة الموالاة المخصوصة

فأمّا قولُه: «و هذه مَنزِلةٌ عظيمةٌ تَفوقُ مَنزِلةَ الإمامةِ‌» فغَلَطٌ منه؛ لأنّ الإمامةَ لا تَحصُلُ إلّالِمَن حَصَلَت له هذه المَنزِلةُ‌، و قد تَحصُلُ هذه المَنزِلةُ لِمَن لَيسَ بإمامٍ‌؛ فكَيفَ تَفوقُ مَنزِلةَ الإمامةِ و هي مُشتَمِلةٌ عليها مع اشتمالِها علىٰ غيرِها مِن المَنازِلِ العاليةِ‌(5)و الرُّتَبِ الشريفةِ؟! و ما نُنكِرُ أن يَكونَ‌(6)المَنزِلةُ التي ادَّعاها مِن أشرَفِ المَنازِلِ‌، غيرَ أنّها لا تَفوقُ مَنزِلةَ الإمامةِ و لا تُساويها؛ لِما ذَكرناه. و قد دَلَّلنا فيما سَلَفَ مِن الكتابِ علىٰ أنّ الإمامَ لا يَكونُ إلّامعصوماً مأمونَ الباطنِ (7)، فلَيسَ (8)له أن يَقولَ : إنّكم عَوَّلتم - في حصولِ الموالاةِ علَى الباطنِ للإمامِ - علىٰ دَعوىً .


1) . أي من دون اشتراط أن يكون عليه السلام متمسِّكاً بالإيمان و ما يقتضي التبجيل و التعظيم.

2) . في «ج، ص، ط، ف»: - «له».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «أن نثبت» بدل «إلى تثبيت».

4) . في «ج، ص»: «أن نثبت».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «الجليلة».

6) . في التلخيص: «و ما ينكر أن تكون».

7) . تقدّم في ج 2، ص 135 و ما بعدها.

8) . في «ج، د، ط» و المطبوع: «و ليس».

نفي دلالة «مولىٰ » في حديث الغدير على «الموالاة»

فأمّا ما ذَكره مِن الآياتِ‌ مُستَشهِداً به علىٰ أنّ المُرادَ بلفظةِ «مَولىٰ » الموالاةُ في الدِّينِ ، فإنّما يَكونُ طاعناً علىٰ مَن أنكَرَ احتمالَ اللفظةِ لهذا الوجهِ في جُملةِ مُحتَمَلاتِها. فأمّا مَن أقَرَّ بذلكَ و ذَهَبَ إلىٰ أنّ المُرادَ في خبرِ الغَديرِ خِلافُه، فلَيسَ

يَكونُ ما ذَكره صاحبُ الكتابِ مُفسِداً لمَذهَبِه، و كَيفَ يَكونُ كذلكَ و أكثَرُ ما استَشهَدَ به أنّ لفظةَ «مَولىٰ » أُريدَ بها معنَى الموالاةِ فيما تَلاه مِن القرآنِ؟ و ذلكَ لا يَحظُرُ أن يُرادَ بها خِلافُ الموالاةِ في الخبرِ.

و قولُه: «إنّ الموالاةَ في اللُّغةِ و إن كانَت مُشتَرَكةً فقَد غَلَبَ عُرفُ الشرعِ في استعمالِها» في الوجهِ الذي ذَكره مُغالَطةٌ‌؛ لأنّ لفظةَ «الموالاةِ‌» غيرُ لفظةِ «مَولىٰ‌».

و «الموالاةُ‌» و إن كانَ‌(1)أصلُها في اللُّغةِ المُتابَعةَ‌، فإنّ العُرفَ قد خَصَّصها بموالاةِ الدِّينِ‌(2)و مُتابَعةِ النُّصرةِ فيه، و لفظةُ‌(3)«مَولىٰ‌» خارجةٌ عن هذا البابِ‌، و كلامُنا إنّما هو في لفظةِ «مَولىٰ » لا في «الموالاةِ »، و النبيُّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه لَم يَقُلْ : مَن كانَ يُواليني فليُوالِ عليّاً، بَل قالَ : «مَن كنتُ مَولاه فعَليٌّ مَولاه».

فأمّا استدلالُه علىٰ ما ادَّعاه بقَولِه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه «اللّٰهُمَّ والِ مَن والاه»: فغَيرُ واجبٍ أن يَكونَ ما تَقدَّمَ مِن(4)لفظةِ «مَولىٰ » محمولاً علىٰ معنَى «الموالاةِ » لأجلِ أنّ آخِرَ الخبرِ تَضمَّنَها؛ لأنّه صلّى اللّٰه عليه و آله لَو صَرَّحَ بما ذَهَبنا إليه حتّىٰ يَقولَ : «مَن كنتُ أَولىٰ به مِن نفسِه فعَليٌّ أَولىٰ به مِن نفسِه»، أو: «مَن كانَت طاعتي عليه


1) . في «ج، ص، ط، ف»: «و إن كانت».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «في الدين».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «فلفظة».

4) . في المطبوع: - «من»، و هو سهو.

مُفْتَرَضَةً فطاعةُ عليٍّ عليه مُفتَرَضَةٌ ، اللّٰهُمَّ والِ مَن والاه» لَكانَ كلاماً صحيحاً يَليقُ بعضُه ببعضٍ .

و لَسنا نَعلَمُ مِن أينَ ظَنَّ أنّ المُرادَ بالكلامِ الأوّلِ لَو كانَ إيجابَ فرضِ الطاعةِ لَم يَلِقْ بما تأخَّرَ عنه(1)! فإنّه مِن الظنِّ البَعيدِ.

و ادّعاؤه أنّ عُمَرَ أرادَ بقَولِه: «أصبَحتَ مَولايَ و مَولىٰ كُلِّ مؤمنٍ و مؤمنةٍ‌» ما ذَهَبَ إليه، حتّىٰ جَعَلَ قولَه دليلاً علىٰ صحّةِ تأويلِه، طريفٌ ؛ لأنّ عُمَرَ لَم يُصَرِّحْ بشَيءٍ يَدُلُّ علىٰ ما يُخالِفُ مَذهَبَنا و يُوافِقُ مَذهَبَه، و إنّما شَهِدَ لأميرِ المؤمنينَ عليه

السلامُ بمِثلِ ما تَضمَّنَه لفظُ الرسولِ صلّى اللّٰه عليه و آله؛ فأيُّ حُجّةٍ له في قولِه ؟ و خصومُه يَقولونَ في جوابِه: «إنّ عُمَرَ لَم يُرِدْ بكلامِه إلّاما ذَهَبنا إليه مِن وجوبِ فرضِ الطاعةِ و الرئاسةِ »، و يَكونونَ في ظاهرِ الحالِ مُنتَصِفينَ منه؛ هذا إذا لَم يَدُلّوا علىٰ صحّةِ قولِهم في اقتضاءِ الخبرِ للإمامةِ و فرضِ الطاعةِ ببعضِ ما تَقدَّمَ ، فيَكونوا أسعَدَ حالاً مِن صاحبِ الكتابِ و أظهَرَ حُجّةً علىٰ ذلكَ منه(2).

قالَ صاحبُ الكتابِ :

و يَدُلُّ علىٰ ذلكَ‌(3): أنّه عليه السلامُ أثبَتَ له هذا الحُكمَ في الوقتِ‌؛ لأنّه في حالِ ما أثبَتَ نفسَه مَولىً لهم أثبَتَه مَولىً مِن غيرِ تَراخٍ . و لا يَصِحُّ أن يُحمَلَ ذلكَ علَى الإمامةِ ؛ لأنّ المُتَعالَمَ مِن حالِه أنّه في حالِ حياةِ الرسولِ عليه السلامُ لا يَكونُ مُشارِكاً للرسولِ في الأُمورِ التي يَقومُ


1) . في «ج، ص، ط، ف»: - «عنه».

2) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «على ذلك منه».

3) . في المطبوع: + «منه». «و يدلّ على ذلك» أي علىٰ دلالة «مولىٰ » علىٰ إيجاب الموالاة، مع القطع على الباطن، و في جميع الأوقات. و قد تقدّم بيانه.

بها الإمامُ كما هو مُشارِكٌ له في وجوبِ الموالاةِ باطناً و ظاهراً(1)، فحَملُه علىٰ هذا الوجهِ هو الذي يَقتَضيه الظاهرُ.

و قولُهم: إنّه إمامٌ في الوقتِ مع(2)سَلبِهم إيّاه معنَى الإمامةِ و التصرُّفِ في الحالِ لا وجهَ له، و يَعودُ الكلامُ فيه إلىٰ غَباوةٍ‌.(3)

و كذلكَ إذا قالوا: إنّه إمامٌ صامتٌ ثُمَّ يَصيرُ ناطقاً؛ لأنّ ظاهرَ الخبرِ يَقتَضي له مِثلَ ما يَقتَضي للرسولِ‌؛ فإن أُريدَ بذلكَ الإمامةُ‌(4)وَجَبَ أن يَكونَ له أن يَتصرَّفَ فيما إلَى الإمامِ برأيِه و اجتهادِه مِن دونِ مُراجَعةِ الرسولِ ، و لَيسَ ذلكَ بقَولٍ (5)لأحَدٍ. و متىٰ قالوا: يَفعَلُ ذلكَ بالمُراجَعةِ ، فلَيسَ له في ذلكَ مِن الاختصاصِ إلّاما(6)لغَيرِه [؛ فلا بُدَّ مِن وجوبِ حَملِه علىٰ ما ذَكرناه ممّا هو أعلىٰ مَنزِلةً مِن الإمامةِ ].(7)

نفي شمول فرض طاعة أمير المؤمنين عليه السلام لحال حياة الرسول صلى الله عليه و آله

يُقالُ له: مِن أينَ قُلتَ أنّ الذي أوجَبَه الرسولُ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه في خبرِ الغَديرِ يَجِبُ أن يَكونَ ثابتاً في الحالِ؟

فإن قالَ (8): لَم أُوجِبْ (9)ذلكَ إلّامِن حَيثُ أراكم توجِبونَ عمومَ فرضِ الطاعةِ


1) . في «ج، ص، ط، ف»: «ظاهراً و باطناً».

2) . في المغني: «و» بدل «مع».

3) . في جميع النسخ: «عبارة». و ما أثبتناه من المغني.

4) . في المغني: «الإمام».

5) . في المغني: «قولاً».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: + «هو».

7) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 147. و ما بين المعقوفين من المصدر.

8) . في المطبوع و الحجري: «فإن قالوا».

9) . في «د» و المطبوع و الحجري: «لو لم أُوجب».

لسائرِ الخَلقِ و في سائرِ الأُمورِ، و تَتعلَّقونَ بالمُقدِّمةِ‌؛ و أنّ النبيَّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه لمّا قَرَّرَ الأُمّةَ بفرضِ طاعتِه عليهم في كُلِّ أمرٍ، وَجَبَ (1)مِثلُه لِمَن أوجَبَ له مِثلَ ما كانَ واجباً لنفسِه، و مِن المعلومِ أنّ فرضَ طاعةِ النبيِّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه علَى الخَلقِ لَم يَكُن مُختَصّاً بحالٍ دونَ حالٍ ، بَل كانَ عامّاً في سائرِ الأحوالِ التي مِن جُملتِها حالُ الخِطابِ بخبرِ الغَديرِ، فساوىٰ (2)ما ذَكرتموه.

قيلَ له:

[1.] أمّا إذا صِرتَ إلىٰ هذا الوجهِ و أوجَبتَ ما ادَّعَيتَه مِن هذه الجهةِ‌، فأكثَرُ ما فيه أن يَكونَ ظاهرُ الخِطابِ يَقتَضيه، و ما يَقتَضيه ظاهرُ الخِطابِ قد(3)يَجوزُ الانصرافُ عنه بالدلائلِ‌، و نَحنُ نَقولُ‌: إنّا(4)لَو خُلّينا و الظاهرَ لَأوجَبنا عمومَ فرضِ الطاعةِ لسائرِ الأحوالِ‌، و إذا مَنَعَ مِن ثُبوتِ ما وَجَبَ بالخبرِ في حالِ حياةِ الرسولِ‌(5)صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه مانعٌ‌(6)امتَنَعنا له، و أَوجَبنا الحُكمَ فيما يَلي هذه الأحوالَ بالخبرِ؛ لأنّه لا مانعَ من ثُبوتِ الإمامةِ و فرضِ الطاعةِ فيها لغَيرِ الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه.

و إذا كانَ اللفظُ يَقتَضي سائرَ الأحوالِ ، فخَرَجَ بعضُها بدَلالةٍ ، بَقيَ (7)البعضُ .

[2.] و ممّا نُجيبُ به أيضاً عن كلامِه: أنّه قد ثَبَتَ كَونُ النبيِّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه مُستَخلِفاً لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ بخبرِ الغَديرِ، و العادةُ جاريةٌ


1) . في التلخيص: «يوجب».

2) . في التلخيص: «لساوىٰ ».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: - «قد».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: - «إنّا».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «الحياة للرسول».

6) . في المطبوع و الحجري: - «مانع».

7) . هكذا في «ج، ط، ف» و ظاهر «د» و التلخيص. و في «ص» و المطبوع و الحجري: «نفي».

فيمن(1)يُستَخلَفُ أن يَحصُلَ له الاستحقاقُ في الحالِ و وجوبُ التصرُّفِ بَعدَ الحالِ‌؛ ألا تَرىٰ أنّ الإمامَ إذا نَصَّ علىٰ خَليفةٍ له(2)يَقومُ بالأمرِ بَعدَه(3)، اقتَضىٰ ظاهرُ استخلافِه الاستحقاقَ في الحالِ و التصرُّفَ بَعدَها، بالعادةِ الجاريةِ في أمثالِ هذا الاستخلافِ‌(4)؟ فيَجِبُ بما ذَكرناه أن يَكونَ أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ مُستَحِقّاً في

تلكَ الحالِ و ما وَلِيَها مِن أحوالِ حياةِ الرسولِ صلّى اللّٰه عليه و آله للإمامةِ‌، و التصرُّفُ في الأُمّةِ‌(5)بالأمرِ و النهيِ بَعدَ وفاتِه.

و متىٰ أحْسَنّا الظنَّ بمَن قالَ في أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ‌: «إنّه إمامٌ صامتٌ‌(6)في حالِ حياةِ الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه»، حَمَلنا قولَه مِن طريقِ المعنىٰ علىٰ هذا الوجهِ و إن كانَ غالِطاً في إطلاقِه لفظَ «الإمامةِ‌»(7)لأنّه لمّا رأىٰ أنّ (8)الخبرَ يَقتَضي لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ استحقاقَ الأمرِ و الاختصاصَ به في الحالِ مِن غيرِ تصرُّفٍ فيه ذَهَبَ إلىٰ أنّه الإمامُ ، و جَعَلَ صُموتَه عن الدعاءِ و القيامِ بالإمامةِ - مِن حَيثُ رأىٰ أنّ التصرُّفَ لا يَجِبُ له في الحالِ ، و أنّه متأخِّرٌ عنها - صَمتاً(9). و إنّما غَلِطَ في الوصفِ بالإمامةِ مِن حَيثُ كانَ الوصفُ بها يَقتَضي ثُبوتَ التصرُّفِ في الحالِ ؛ فمَن لَم يَكُن له التصرُّفُ في حالٍ مِن الأحوالِ لا يَكونُ إماماً فيها.


1) . في التلخيص: «ممّن».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: - «له».

3) . في التلخيص: «مقامه».

4) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «الاستحقاق».

5) . في «ج، ص»: «في الإمامة».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: - «صامت».

7) . في التلخيص: «في إطلاق لفظة الإمامة عليه». و في «ط، ف»: «لفظة» بدل «لفظ».

8) . في التلخيص: + «لفظ».

9) . في التلخيص: - «صمتاً».

[3.] و قد أجابَ قومٌ مِن أصحابِنا بأن قالوا: إنّ الخبرَ يوجِبُ لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ فرضَ الطاعةِ في الحالِ علىٰ جميعِ الأُمّةِ‌، حتّىٰ يَكونَ له عليه السلامُ أن يَتصرَّفَ فيهم بالأمرِ و النهيِ‌. و منهم(1)مَن خَصَّصَ وجوبَ فرضِ طاعتِه(2)، فقالَ‌:

إنّ الكلامَ أوجَبَ‌(3)طاعتَه علىٰ سَبيلِ الاستخلافِ‌؛ فلَيسَ له أن يَتصرَّفَ بالأمرِ و النهيِ و الرسولُ حاضرٌ، و إنّما له أن يَتصرَّفَ في حالِ غَيبتِه أو حالِ وفاتِه؛ و امتَنَعَ‌(4)الكُلُّ مِن إجراءِ اسمِ «الإمامةِ‌»(5)عليه و إن كانَ مُفتَرَضَ الطاعةِ علَى الوجهِ الذي ذَكرناه، و قالوا: إنّما يَجري اسمُ «الإمامةِ‌» علىٰ مَن اختَصَّ بفَرضِ الطاعةِ مع أنّه لا يَدَ فَوقَ يَدِه؛ فأمّا(6)مَن كانَ مُطاعاً و علىٰ يَدِه يَدٌ، فإنّه لا يَكونُ إماماً، و لا يَستَحِقُّ هذه التسميةَ‌، كما لا يَستَحِقُّها جميعُ أُمَراءِ النبيِّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه و خُلَفائه في الأمصارِ و إن كانوا مُطاعينَ‌، و يَقولونَ : إنّ التسميةَ بالإمامةِ و إن امتُنِعَ منها(7)في الحالِ ، فواجبٌ إجراؤها بَعدَ الوفاةِ ؛ لزَوالِ العِلّةِ المانِعةِ مِن إجرائها.

و الوجهُ الأوّلُ أقوَى الثلاثةِ ، و هو الذي نَختارُه.

فإن قيلَ : كَيفَ يَصِحُّ أن يَكونَ ما اقتَضاه الخبرُ غيرَ ثابتٍ في الحالِ مع ما يُروىٰ مِن قولِ عُمَرَ: «أصبَحتَ مَولايَ و مَولىٰ كُلِّ مؤمنٍ و مؤمنةٍ »؟ و ظاهرُ قولِه: «أصبَحتَ » يَقتَضي حصولَ الأمرِ في الحالِ .


1) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «و فيهم».

2) . في «ج، ص، ف»: «فرض الطاعة له».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «قد أوجب».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «فامتنع».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «الاسم بالإمامة».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «و أمّا».

7) . في «ج، ص، ط»: «فيها».

قُلنا: لَيسَ في قولِ عُمَرَ: «أصبَحتَ مَولايَ‌» ما يَقتَضي حصولَ الإمامةِ في الحالِ‌، و إنّما يَقتَضي ثُبوتَ استحقاقِها في حالِ التهنئةِ و إن كانَ التصرُّفُ مُتأخِّراً. و لَيسَ يَمتَنِعُ أن يُهنَّأَ الإنسانُ بما ثَبَتَ‌(1)له استحقاقُه في الحالِ و إن كانَ التصرُّفُ فيه يَتأخَّرُ عنها؛ لأنّ أحَدَ المُلوكِ أو(2)الأئمّةِ لَو استَخلَفَ علىٰ رَعيّتِه مَن يَقومُ بأمرِهم إذا غابَ‌(3)عنهم أو تُوُفّيَ ، لَجازَ مِن رَعيّتِه أن يُهنِّئوا ذلكَ المُستَخلَفَ بما ثَبَتَ له مِن الاستحقاقِ (4)و إن لَم يَغِبِ المَلِكُ و لا تُوُفّيَ .

و هذه الجُملةُ تأتي علىٰ كلامِه في الفَصلِ .

قالَ صاحبُ الكتابِ - بَعدَ سؤالٍ أورَدَه و أجابَ عنه لا يُسألُ (5)عن مِثلِه -:

فإن قيلَ‌: كَيفَ يَجوزُ أن يُريدَ عليه السلامُ (6)ذلكَ (7)و قد تَبيَّنَ (8)مِن حالِه مِن قَبلُ - بَل مِن حالِ غيرِه - ما يوجِبُ الموالاةَ؟ و كَيفَ يَجمَعُ الناسَ لمِثلِ ذلكَ و الحالُ ما قُلناه(9)؟

ثُمَّ قالَ :

قيلَ له: قد بيّنّا أنّ هذه المَرتَبةَ تَفوقُ مَرتَبةَ الإمامةِ (10)، و أنّ الإمامةَ إنّما


1) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «يثبت».

2) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: + «هو».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: + «و الاستخلاف».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «لا نسأل».

6) . في «د، ف» و المطبوع و الحجري: «صلّى اللّٰه عليه و آله».

7) . أي الموالاة.

8) . في «ط» و حاشية «ف» و المغني: «و قد بيّن».

9) . في المطبوع و الحجري: «ما قلنا».

10) . في «ج، ط، ف»: «هذه المزيّة [في «ص»: «المنزلة»] تفوق منزلة الإمامة».

تُشَرَّفُ‌(1)للوصولِ‌(2)بها إلىٰ هذه المَنزِلةِ‌، فلا يَمتَنِعُ أن يَجمَعَ‌(3)عليه السلامُ‌(4)لذلكَ الناسَ و يُظهِرَ(5)هذه المَنزِلةَ له. و لَو قيلَ‌: إنّ جَمعَه عليه السلامُ الناسَ‌(6)عندَ هذا الخبرِ يَدُلُّ علىٰ ما قُلناه لأنّه مِن أشرَفِ المَنازِلِ‌، لَكانَ أقرَبَ‌. و قد بيّنّا أنّ في الخبرِ مِن إبانةِ فَضلِه ما لَم يَظهَرْ لغَيرِه، و هو القَطعُ علىٰ أنّ باطنَه كظاهرِه فيما يوجِبُ الموالاةَ‌، و أنّه لا يَتَغَيَّرُ علَى الدوامِ‌. و ذلكَ لَم يَثبُتْ لغَيرِه، و لا يَثبُتُ‌(7)بسائرِ(8)الأخبارِ له(9)لأنّ المَرويَّ في هذا البابِ مِن الأخبارِ لا يَخلو مِن وجهَينِ‌: إمّا أن

يَقتَضيَ الفضلَ (10)في الحالِ ، و إمّا أن يَقتَضي سَلامةَ (11)العاقِبةِ . فأمّا(12)أن يَقتَضيَ ما ذَكرناه فغَيرُ حاصلٍ إلّافي هذا الخبرِ.

علىٰ أنّه لَو كانَ حاصلاً في غيرِه، كانَ لا يَمتَنِعُ أن يَجمَعَ الناسَ له ليؤكِّدَ هذا الأمرَ(13)و يُبَيِّنَ الحالَ فيه بياناً شافياً(14)ظاهراً، كما أنّ مَن


1) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و المغني. و في «د» و المطبوع و الحجري: «يشرف».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «بشرف الوصول» بدل «للوصول».

3) . في «د» و المطبوع و الحجري: + «له».

4) . في «د» و المطبوع و الحجري: «صلّى اللّٰه عليه و آله».

5) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و المغني. و في «د»: «و تظهر». و في المطبوع و الحجري: «و ليظهر».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «إنّ جمعه عليه السلام لذلك الناس و يظهر هذه المنزلة».

7) . في المغني: «و لا ثبت».

8) . في «ص، ط، ف»: «لسائر».

9) . في المغني: - «له».

10) . في المغني: «الفعل».

11) . هكذا في «د» و الحجري و المغني. و في «ج، ص، ط، ف»: - «سلامة». و في المطبوع: «علاقة».

12) . هكذا في النسخ و المغني. و في المطبوع و الحجري: «و أمّا».

13) . في «ج، ص، ط، ف»: «للتوكيد بهذا الأمر».

14) . في «د» و المغني: - «شافياً».

خالَفَنا في الإمامةِ (1)يَزعُمونَ أنّه يَدُلُّ علَى الإمامةِ و إن كانَ غيرُه مِن الأخبارِ قد دَلَّ علىٰ ذلكَ .

علىٰ أنّ الذي يَروونَ مِن جَمعِ الناسِ - و مِن المُقدِّماتِ الكثيرةِ التي يَذكُرونها في هذا البابِ - لَيسَ بمُتَواتِرٍ(2)، و إنّما يُرجَعُ فيه(3)إلَى الآحادِ، فكَيفَ يَصِحُّ الاعتمادُ عليه فيما طَريقُه العِلمُ؟(4)

عدم صحّة إرادة الموالاة المطلقة أو المخصوصة من حديث الغدير

يُقالُ له: إنّ أحَداً لا يَسألُكَ عن السؤالِ الذي أورَدتَه علىٰ نفسِكَ في هذا الفَصلِ‌، علىٰ أنّ الموالاةَ الواجبةَ بالخبرِ هي الموالاةُ المخصوصةُ التي ادَّعَيتها، بَل علىٰ أن تَكونَ‌(5)الموالاةَ المُطلقةَ التي تَجِبُ لجماعةِ المؤمنينَ‌. فإذا(6)سألتَ عن ذلكَ فلَيسَ يُقالُ لكَ أيضاً: إنّ الموالاةَ لا يَجوزُ أن يَكونَ المُرادَ؛ لأجلِ أنّ إيجابَها قد تَقدَّمَ بيانُه مِن قَبلُ‌. بل الذي يُقالُ‌: إنّها لا يَجوزُ أن يَكونَ المُرادَ في خبرِ الغَديرِ؛ مِن قِبَل أنّ وجوبَ (7)موالاةِ المؤمنينَ بعضِهم لبعضٍ في الدِّينِ قد كانَ معلوماً لكُلِّ أحَدٍ مِن دينِه عليه السلامُ ، و لَيسَ يَصِحُّ أن يَدخُلَ في مِثلِه شُبهةٌ ؛ فلَو جازَ مع ما ذَكرناه أن يُكرِّرَ عليه السلامُ بيانَه(8)و إيجابَه لَم يَمتَنِعْ قولُ مَن حَمَلَ الخبرَ علىٰ أنّ


1) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع و المغني: + «فإنّهم».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «بمتواترة».

3) . في «ص»: «فيها».

4) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 148-149.

5) . هكذا في «ف». و في سائر النسخ و المطبوع: «أن يكون».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «و إذا».

7) . في المطبوع و الحجري: «وجوه».

8) . في «ج، ص، ط»: «أن يكون عليه السلام بصدد بيانه».

المُرادَ به: مَن كنتُ ابنَ عمِّه فعَليٌّ ابنُ عمِّه، و إن كانَ ما يُفيدُه هذا القولُ معلوماً لا يَدخُلُ في مِثلِه شُبهةٌ !

و لَو صَحَّ أن يَكونَ المُرادُ ما تَوهَّمَه مِن الموالاةِ المخصوصةِ لَحَسُنَ أن يَجمَعَ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه الناسَ ؛ لأنّ فيه فائدةً معقولةً ، غيرَ أنّا قد بيّنّا أنّ الخِطابَ لا يَقتَضيه، و ادّعاءَه لا يَصِحُّ .

فأمّا قولُه(1): «علىٰ أنّه لَو كانَ حاصلاً في غيرِه لَم يَمتَنِعْ أن يَجمَعَ الناسَ له ليؤكِّدَ(2)

الأمرَ» فإن أرادَ ب‍ «ما يؤكِّدُ» الموالاةَ المُطلَقةَ العامّةَ‌، فإنّ تأكيدَها لا يَحسُنُ‌؛ لِما ذَكرناه، كما لا يَحسُنُ أن يُريدَ قِسمَ «ابنِ العَمِّ » علىٰ جهةِ التأكيدِ. و الإمامةُ و إن كانَ أصحابُنا يَقولونَ : إنّ بيانَ إيجابِها مُتقدِّمٌ ليَومِ الغَديرِ، فلَيسَ يَجري مَجرىٰ ما هو معلومٌ مِن دينِه عليه السلامُ مِن وجوبِ الموالاةِ بَينَ المؤمنينَ ؛ فلهذا(3)حَسُنَ تأكيدُها و تكريرُ بيانِها، و إن لَم يَحسُنْ في غيرِها مِن المعلومِ الظاهرِ الذي لا يَعتَرِضُ (4)الشُّبهةُ فيه.

بيان تواتر مقدّمة حديث الغدير

فأمّا المُقدِّمةُ المُتضمِّنةُ للتقريرِ فقَد بيّنّا أنّ الخبرَ مُتَواتِرٌ بها، و أنّ أكثَرَ مَن رَوَى الخبرَ رَواها، و ذَكرنا ما يُمكِنُ أن يَكونَ وجهاً في إغفالِ مَن أغفَلَها.(5)و كذلكَ القولُ في جَمعِ الناسِ ، فإنّه أيضاً ظاهرٌ منقولٌ .


1) . في المطبوع و الحجري: - «فأمّا قوله»، و هو سهو.

2) . في «ص»: «لتوكيد».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «و لهذا».

4) . في المطبوع و الحجري: «لا تعترض».

5) . تقدّم في ص 149-151. و راجع ما يأتي في هامش ص 204.

فأمّا الكلامُ الزائدُ علىٰ قولِه: «أ لَستُ أَولىٰ بِكم منكم بأنفُسِكم ؟»، أو «بالمؤمنينَ مِن أنفُسِهم» علَى اختلافِ الروايةِ ، فما يُنكَرُ(1)أن يَكونَ أكثَرُ الرواياتِ خاليةً منه(2)، و اعتمادُنا في خبرِ الغَديرِ غيرُ مُفتَقِرٍ إليه.

افتقار التقرير الأوّل لحديث الغدير إلى المقدّمة، خلافاً للثاني

علىٰ أنّ مَن تَعلَّقَ بعدمِ الفائدةِ‌، و أبطَلَ أن يَكونَ المُرادُ الموالاةَ في الدِّينِ‌، إنّما يَنصُرُ(3)بذلكَ طريقةَ‌(4)التقسيمِ‌(5)لأنّ الطريقةَ الأُولىٰ‌(6)لا تَحتاجُ‌(7)في إبطالِ قولِ مَن ادَّعىٰ إثباتَ الموالاةِ في الدِّينِ بالخبرِ إلىٰ ذِكرِ الفائدةِ ، بَل يَسقُطُ(8)قولُه بما يوجِبُه(9)الكلامُ مِن حَملِ المعنىٰ علىٰ ما طابَقَ المُقدِّمةَ .

و طريقةُ التقسيمِ غيرُ مُفتَقِرةٍ إلىٰ شَيءٍ مِن المُقدِّماتِ و جَمعِ الناسِ ؛ فلَو صَحَّ أنّه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه لَم يَجمَعْ أحَداً و لا قَدَّمَ كلاماً، لَقَطَعنا علىٰ أنّه لَم يُرِدِ الموالاةَ في الدِّينِ التي تَجِبُ لسائرِ المؤمنينَ - لِما تَقدَّمَ بيانُه -، و لَأَوجَبنا أن يَكونَ المُرادُ ما ذَهَبنا إليه إذا بَطَلَت(10)سائرُ الأقسامِ .


1) . في «ط»: «فممّا لا ينكر». و في «ج، ف»: «فما لا ينكر».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «خالياً عنه».

3) . في «ج»: «ينصره». و في «ص، ط»: «يتصوّر».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: - «طريقة».

5) . تقدّمت في ص 168-171.

6) . تقدّمت في ص 137.

7) . في «ج، ص، ف» و المطبوع و الحجري: «لا يحتاج».

8) . في «د» و المطبوع و الحجري: «سقط».

9) . في «ج، ص، ط، ف»: «أوجبه».

10) . في «ج، ص، ط، ف»: «بطل».

قالَ صاحبُ الكتابِ :

فإن قالَ‌(1): كَيف يَجوزُ أن يَكونَ المُرادُ ما ذَكرتموه‌؟(2)مع تقديمِه عليه السلامُ (3): «أ لَستُ أَولىٰ بِكم منكم بأنفسكم»، و قد عَلِمتم أنّ الجُملةَ التابعةَ للمُقدِّمةِ لا بُدَّ مِن أن يُرادَ بها ما أُريدَ بالمُقدِّمةِ ، و إلّاكانَت في حُكمِ اللَّغوِ؛ فإذا(4)كانَ مُرادُه عليه السلامُ بقَولِه: «أ لَستُ أَولىٰ بِكم منكم

بأنفسِكم ؟» وجوبَ الطاعةِ و الانقيادِ، فما عَطَفَ عليه مِن قولِه: «فمَن كنتُ مَولاه» مِثلُه؛ فكأنّه(5)قالَ : «فمَن كنتُ أَولىٰ به فعَليٌّ أَولىٰ به».

و هذا تصريحٌ بما ذَكرناه.

قيلَ له: لا نُسَلِّمُ أنّ المُرادَ بالمُقدِّمةِ معنَى الإمامةِ‌، بَل المُرادُ بها معنَى النُّبوّةِ‌، أو المُرادُ(6)بها معنَى الإشفاقِ و الرحمةِ و حُسنِ النظَرِ.

يُبيِّنُ ذلكَ‌: أنّ ظاهرَ اللفظِ يَقتَضي أنّه عليه السلامُ أَولىٰ بهم في أمرٍ يُشارِكونَه فيه، و ذلكَ لا يَليقُ بالإمامةِ‌، و يَليقُ بمُقتَضَى النُّبوّةِ‌؛ لأنّه عليه السلامُ بَيَّنَ لهم الشرعَ الذي بقيامِهم به يَصِلونَ إلىٰ درجةِ الثوابِ ، فيَكونُ البيانُ مِن قِبَلِه، و القيامُ به مِن قِبَلِهم؛ لكنّه لمّا لَم يَتِمَّ (7)إلّاببيانِه صلواتُ اللّٰهِ عليه كانَت مَنزِلتُه في ذلكَ أبلَغَ ، فصَلَحَ أن يَكونَ أَولىٰ .


1) . في المطبوع: «فإن قيل».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «ما ذكرتم».

3) . في «د» و المطبوع و الحجري: «صلّى اللّٰه عليه و آله»، و كذلك في الموارد الآتية.

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «و إذا».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «و كأنّه».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «لا نسلّم أنّ المراد بها معنى الطاعة و الانقياد، و إنّما المراد».

7) . في المغني: «لكنّهم لمّا لم يقوموا».

و كذلكَ متىٰ أُريدَ بذلكَ الرأفةُ و الرحمةُ (1)و الإشفاقُ و حُسنُ النظَرِ؛ لأنّه فيما يَرجِعُ إلَى الدِّينِ هو أحسَنُ نَظَراً لأُمّتِه منهم لأنفُسِهم. و متىٰ (2)حُمِلَ الأمرُ علىٰ ما قالوه خالَفَ الظاهرَ.

فإن قالوا(3): قد دَخَلَ فيما ذَكرتموه وجوبُ الطاعةِ ، و ذلكَ يُصحِّحُ ما قُلناه.

قيلَ لهم: إنّه و إن كانَ كذلكَ فلَيسَ هو المقصودَ و إن كانَ تابعاً له، و إنّما قَدَحنا(4)بما ذَكرناه في قولِكم لأنّكم جَعَلتموه المقصودَ، و علىٰ هذا الوجهِ لا يُطلَقُ‌(5)في الرسولِ عليه السلامُ أنّه إمامٌ‌، علىٰ ما نَقولُه(6)في إمامِ الزمانِ‌، و إنّما يُطلَقُ ذلكَ بمعنَى الاتّباعِ (7)لأنّ الإمامةَ عبارةٌ عن أُمورٍ مخصوصةٍ لا زيادةَ فيها و لا نُقصانَ ، فلا يَجِبُ - و إن كانَ النبيُّ عليه السلامُ يَقومُ بما(8)يَقومُ به الإمامُ (9)- أن يوصَفَ بذلكَ علَى الوجهِ الذي ذَكرناه، كما(10)لا يوصَفُ بأنّه أميرٌ و ساعٍ (11)و حاكمٌ و إن كانَ يَقومُ بما يَقومُ به جميعُهم. و لَيسَ يَمتَنِعُ في اللفظِ أن يُفيدَ معنىً مِن


1) . في «ج، ص، ط، ف» و المغني: - «و الرحمة».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «و مَن».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «فإن قيل».

4) . في «ص، ط»: «قدحناه».

5) . في المغني: «لا نطلق».

6) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «على ظاهر ما يقولون».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «و إنّما يطابق ذلك الاتّباع». و في المغني: «و إنّما نطلق ذلك بمعنى الاتّساع».

8) . في «ج، ص، ط، ف»: «يقوم بها و بما».

9) . في «ج، ط، ف»: «الأئمّة».

10) . في «ج، ط، ف»: + «أنّه».

11) . في «د»: «و شارع». و في المغني: «و ساعي».

المَعاني إذا انفَرَدَ، فإذا(1)كانَ داخلاً في غيرِه لَم يَقَعِ الاسمُ عليه، و هذا كَثيرٌ في الأسماءِ‌.

و إذا لَم يَصِحَّ أن يُرادَ بقَولِه: «أ لَستُ أَولىٰ بِكم منكم بأنفسِكم‌؟» معنَى الإمامةِ ، فقَد بَطَلَ ما ادَّعَوه.

علىٰ أنّ كَثيراً(2)مِن شُيوخِنا يُنكِرُ أن تَكونَ (3)هذه المقدِّمةُ ثابتةً بالتواتُرِ و يَقولُ : إنّها مِن بابِ الآحادِ، و الثابتُ هو قولُه عليه السلامُ : «مَن كنتُ مَولاه» إلىٰ آخرِ الخبرِ، و هو الذي كَرَّرَه(4)أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ في مَجالِسَ عِدّةٍ عند ذِكرِ مَناقِبِه.(5)

دلالة مقدّمة حديث الغدير علىٰ معنىٰ فرض الطاعة

يُقالُ له: أوّلُ ما نَقولُه(6): أنّا لا نَعلَمُ أحَداً - تَقَدَّمَ أو تَأخَّرَ، ممّن تَكلَّمَ (7)في تأويلِ خبرِ الغَديرِ - خالَفَ في أنّ مُرادَ النبيِّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه بالمُقدِّمةِ هو التقريرُ لوجوبِ فرضِ طاعتِه(8)علَى الأُمّةِ في سائرِ الأُمورِ مِن غيرِ تخصيصٍ لبَيانِ شرعٍ مِن غيرِه، كما لَم يُخالِفْ أحَدٌ في أنّ قولَه تَعالىٰ : (النَّبِيُّ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ )(9)


1) . في «ج، ص، ط، ف»: «و إذا».

2) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: + «ممّن تقدّم».

3) . في النسخ و الحجري: «أن يكون». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و المغني.

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «ذكره».

5) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 149-151.

6) . في «ج، ص، ف»: «إنّ أوّل ما نقول».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «من الذين تكلّموا».

8) . في «ج، ص، ط»: «بوجوب الطاعة له». و في «ف»: «لوجوب الطاعة له».

9) . الأحزاب (33):6.

المُرادُ به أنّه(1)أَولىٰ بتدبيرِهم و بأن يُطيعوه و يَنقادوا لأوامرِه، و معلومٌ أنّ التقريرَ الواقعَ بالمُقدِّمةِ في خبرِ الغَديرِ مُطابِقٌ لِما أوجَبَه اللّٰهُ تَعالىٰ للرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه في الآيةِ و مُوافِقٌ لمَعناها.

و مع هذا فقَد أجابَ صاحبُ الكتابِ عن غيرِ ما سَألَ عنه؛ لأنّه ألزَمَ نفسَه في السؤالِ أن يَكونَ المُرادُ فرضَ الطاعةِ مِن غيرِ إضافةٍ إلىٰ إمامةٍ أو غيرِها، و فرضُ الطاعةِ لا يَختَلِفُ في الإمامِ و النبيِّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه. و قالَ في الجوابِ‌: «إنّا لا نُسلِّمُ أنّ المُرادَ بالمُقدِّمةِ معنَى الإمامةِ‌، بل معنَى النُّبوّةِ‌»، و هذا عُدولٌ ظاهرٌ عمّا سَألَ نفسَه عنه(2).

علىٰ أنّه قد فَسَّرَ ما ذَهَبَ إليه، و ادَّعىٰ أنّ المُرادَ بعضُ (3)ما يَشتَمِلُ عليه وجوبُ الطاعةِ ؛ لأنّ بيانَ الشرعِ أحَدُ ما يُطاعُ فيه النبيُّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و لا خِلافَ في

أنّ طاعتَه واجبةٌ في كُلِّ ما يأمُرُ به و يَنهىٰ عنه؛ سَواءٌ كانَ بيانَ شرعٍ أو غيرَه. و إنّما وَجَبَ أن يُطيعوه في بيانِ الشرعِ (4)مِن حَيثُ كانَت طاعتُه واجبةً عليهم في كُلِّ أمرٍ علَى العمومِ .

مشاركة الأُمّة للنبيّ و الإمام بمعنىً خاصّ من المشاركة

و بَعدُ، فإنّ صاحبَ الكتابِ ادَّعىٰ أنّ ظاهرَ اللفظِ يَقتَضي أنّه أَولىٰ بهم في أمرٍ يُشارِكونَه فيه، و فَسَّرَ ذلك بما لا اشتراكَ فيه؛ لأنّ النبيَّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه و إن


1) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «أنّه».

2) . في «ج، ص، ط، ف» و الحجري: «عنه نفسه».

3) . في «د، ص، ط» و المطبوع و الحجري: «ببعض».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: - «و إنّما وجب أن يطيعوه في بيان الشرع».

كانَ مُبيِّناً للشرعِ و الأُمّةُ‌(1)قائمةً بما بَيَّنَه(2)لهم، فلَم تُشارِكْه(3)الأُمّةُ في صفةٍ واحدةٍ‌؛ لأنّ البيانَ الذي يَختَصُّ هو عليه السلامُ به لا يُشارِكُه فيه الأُمّةُ‌، و لَيسَ يَكونُ قيامُهم بالشرعِ مُشارَكةً له في البيانِ‌.

فإن قَنَعَ صاحبُ الكتابِ لنفسِه بما ذَكَرَه(4)فمِثلُه في مُقتَضَى الإمامةِ‌(5)لأنّ الإمامَ مِن حَيثُ وَجَبَت طاعتُه يُقيمُ في الأُمّةِ الأحكامَ و يأمُرُهم و يَنهاهم، فيَكونُ الأوامرُ مِن جهتِه و الامتثالُ مِن جهتِهم.

و قد دَلَّلنا فيما تَقدَّمَ‌(6)علىٰ أنّ تَصرُّفَ الإمامِ لُطفٌ في فِعلِ الواجباتِ و الامتناعِ مِن المُقبَّحاتِ‌(7). و هذا مِثلُ ما ذَكره مِن الاشتراكِ‌؛ لأنّ الامتناعَ مِن القَبيحِ و فِعلَ الواجبِ مِن جهةِ المُكلَّفينَ‌، و ما هو لُطفٌ فيهما مِن جهتِه.

و قد دَلَّلنا أيضاً علىٰ أنّ الإمامَ حُجّةٌ في بيانِ الشَّرعِ‌، و إن كانَ يُخالِفُ النبيَّ صلّى اللّٰه عليه و آله مِن حَيثُ كانَ النبيُّ مُبيِّناً للشَّرعِ و مُبتَدِئاً بغَيرِ واسطةٍ مِن البَشَرِ. و ما نَظُنُّ صاحبَ الكتابِ يَحمِلُ‌(8)نفسَه علَى القولِ بأنّ التقريرَ(9)اختَصَّ ببَيانِ الشَّرعِ مع هذه المَزيّةِ المخصوصةِ (10)لأنّ شُبهتَه في ذلكَ الاشتراكُ في الصفةِ ،


1) . في «ج، ص، ط، ف»: «و الأئمّة».

2) . في «ج»: «يبيّنه».

3) . في «ج، ص، ف»: «فلا يشاركه». و في «د»: «فلم يشارك». و في الحجري: «فلم يشاركه».

4) . من كون الأُمّة مشاركة للنبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله بمعنىٰ كونه مبيِّناً للشرع، و الأُمّة قائمة به.

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «بما ذكره لنفسه فمثله في معنى الإمامة».

6) . تقدّم في ج 1، ص 222، 269-271.

7) . في «د»: «عن المقبّحات». و في «ج، ط»: «من القبيح».

8) . في المطبوع و الحجري: «و ما نطق» بدل «و ما نظنّ »، و «بحمل» بدل «يحمل»، و هما سهو.

9) . في «د، ص»: «التقدير».

10) . أي أنّ بيان الشرع اختصّ بالنبي صلّى اللّٰه عليه و آله دون الإمام؛ لكون النبيّ صلّى اللّٰه عليه وآله يتمتّع بمزيّة مخصوصة، و هي كونه مبتدِئاً ببيان الشرع من دون واسطة أحد من البشر.

و قد بيّنّا أنّها تَدخُلُ في مُقتَضَى الإمامةِ مِن الوجوهِ الثلاثةِ (1)التي لَو لَم يَثبُتْ منها إلّا ما لا خِلافَ فيه مِن وجوبِ طاعةِ الإمامِ ، و لُزومِ الدخولِ تَحتَ أحكامِه - ممّا يَقتَضي الاشتراكَ علَى الوجهِ الذي ذَكَرَه - لَكانَ فيه كفايةٌ في دَفعِ (2)كلامِه.

إرجاع معنى الإشفاق و الرحمة إلىٰ معنىٰ فرض الطاعة

فأمّا الإشفاقُ و الرحمةُ‌، فلَيسَ يَجوزُ أن يَكونَ عليه السلامُ أشفَقَ علينا و أرحَمَ بنا بالإطلاقِ و في كُلِّ أمرٍ و حالٍ‌، بَل لا بُدَّ مِن أن يُقَيَّدَ ذلكَ بما يَرجِعُ إلَى الدِّينِ‌؛ فإذا قُيِّدَ به فقَد عادَ الأمرُ إلىٰ فرضِ الطاعةِ‌؛ لأنّه لا يَكونُ بهذه الصفةِ إلّامَن وَجَبَت طاعتُه و لُزومُ الانقيادِ لأمرِه و نهيِه(3)، و كَيفَ لا تَجِبُ‌(4)طاعةُ مَن يُقطَعُ علىٰ أنّه لا يَختارُ لنا و يَدعونا إلّاإلىٰ ما هو أصلَحُ لنا في دينِنا، و أعوَدُ علينا، و أدخَلُ في حُسنِ النظَرِ لمَعادِنا؟ و كأنّ‌(5)صاحبَ الكتابِ عَبَّرَ عن التقريرِ بفرضِ‌(6)الطاعةِ بلفظٍ آخَرَ يَقومُ مَقامَه؛ لأنّه لا فَرقَ بَينَ أن يَقولَ : «إنّه أَولىٰ بأن نُطيعَه و نَنقادَ له(7)» و بَينَ أن يَقولَ : «إنّه أَولىٰ بالإشفاقِ علينا و حُسنِ النظَرِ فيما يَرجِعُ إلىٰ دينِنا»؛ لأنّ الوصفَ الذي لا يَثبُتُ إلّالمُفتَرَضِ الطاعةِ كالوصفِ بفرضِ الطاعةِ ، و هذه الصفةُ -


1) . و هي أنّ الأوامر من جهة الإمام و الامتثال من جهة الأُمّة، و أنّ الامتناع من القبيح و فِعل الواجب من جهة المكلّفين و ما هو لطف فيهما من جهة الإمام، و أنّ الإمام حجّة في بيان الشرع و الأُمّة مَحجوجةٌ ببيانه.

2) . في المطبوع و الحجري: «رفع».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «و إذا قيّد به فقد عاد الأمر إلى لزوم الانقياد لأمره و نهيه» بدل: «فإذا قيّدبه فقد عاد الأمر...» إلى هنا.

4) . في «د» و المطبوع و الحجري: «لا يجب».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «فكأنّ ».

6) . في المطبوع و الحجري: «لفرض».

7) . في «د»: «بأن يطيعه و ينقاد له».

يَعني الإشفاقَ و حُسنَ النظَرِ في الدِّينِ - حاصلةٌ للإمامِ عندَنا؛ فكَيفَ يُقالُ : إنّ اللفظَ لا يَليقُ بالإمامةِ ، و يَليقُ بمُقتَضَى النُّبوّةِ؟!

نفي أن يكون فرض الطاعة غيرَ مقصود في مقدّمة حديث الغدير

و قولُه: «لَيسَ بمقصودٍ» لا يُغني شَيئاً؛ لأنّا قد ذَكرنا أنّ أحَداً لَم يَجعَلْه غيرَ مقصودٍ، و أبطَلنا شُبهةَ مَن حَمَلَه علىٰ خِلافِ التقريرِ بفرضِ الطاعةِ‌، و بيّنّا أنّ الذي ذَكَرَه مِن الوجهَينِ‌(1)إمّا أن يَكونَ بعضَ ما وَجَبَت له(2)فيه الطاعةُ و الانقيادُ، أو إثباتَ صفةٍ لا تَحصُلُ إلّالِمَن تَجِبُ‌(3)طاعتُه؛ فكأنّ النبيَّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه - إذا صِرنا إلىٰ ما ذَكره صاحبُ الكتابِ - قَرَّرَهم في المُقدِّمةِ بإحدَى الصفتَينِ (4)اللتَينِ قد بيّنّا أنّهما لا تَحصُلانِ إلّالِمُفتَرَضِ الطاعةِ (5)، و إذا أوجَبَ لغَيرِه في الكلامِ مِثلَ ما وَجَبَ له في المُقدِّمةِ فقَد حَصَلَت به(6)البُغيةُ ؛ لأنّ مَن يَجِبُ (7)طاعتُه علَى الخَلقِ في سائرِ أُمورِ الدِّينِ لا يَكونُ إلّاالإمامَ إذا لَم يَكُن نَبيّاً.

نفي لزوم تفسير مقدّمة الحديث بالإمامة

و قولُه: «لا يُطلَقُ في النبيِّ عليه السلامُ أنّه إمامٌ كما لا يُطلَقُ أنّه(8)كَذا و كَذا» لا نَحتاجُ (9)


1) . و هما: أنّ المقصود بمقدّمة حديث الغدير معنى النبوّة، أو معنى الإشفاق و الرحمة.

2) . في «د»: - «له».

3) . في «د» و الحجري: «يجب».

4) . و هما: صفة كون النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله مبيِّناً للشرع، و صفة الإشفاق و الرحمة.

5) . تقدّم آنفاً.

6) . في «د»: - «به». و في المطبوع و الحجري: «له».

7) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «تجب».

8) . في «ج، ص، ط، ف»: - «أنّه».

9) . في «ج، ص، ط، ف»: «لا يحتاج».

إلىٰ مُضايَقتِه فيه - و إن كانَ غيرَ مُمتَنِعٍ إطلاقُ كَونِ الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه إماماً لنا، بمعنىٰ أنّه يَجِبُ علينا الاقتداءُ به و الامتثالُ لأوامِرِه -؛ لأنّا لَم نَسُمْه(1)القولَ بأنّ الرسولَ صلّى اللّٰه عليه و آله قَرَّرَهم في المُقدِّمةِ بكَونِه إماماً، و إنّما ذَهَبنا إلىٰ أنّ التقريرَ وَقَعَ بفرضِ (2)الطاعةِ التي تَجِبُ للرسولِ و الإمامِ و لا يَختَلِفُ فيهما، و لا خِلافَ بَينَنا و بَينَه في أنّ الرسولَ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه تَجِبُ (3)طاعتُه، و يَصِحُّ أن يُقرِّرَ بوجوبِها أُمّتَه؛ فامتناعُ (4)إطلاقِ لفظِ الإمامةِ عليه(5)لا يَضُرُّنا، و لا يؤثِّرُ فيما قَصَدناه.

و قولُه: «إذا لَم يَصِحَّ أن يُرادَ بقَولِه: «أ لَستُ أَولىٰ بِكم منكم بأنفُسِكم‌؟» معنَى الإمامةِ فقَد بَطَلَ ما ادَّعَوه».

فما رَأَيناه أبطَلَ معنَى الإمامةِ بشَيءٍ أكثَرَ ممّا ذَكَرَه(6)مِن معنَى الاشتراكِ - و قد بيّنّا أنّه يَدخُلُ في معنَى الإمامةِ‌(7)- و بما(8)ذَكره مِن امتناعِ إطلاقِ لفظِ الإمامِ علَى الرسولِ‌، و ذلكَ غيرُ مُبطِلٍ لحصولِ‌(9)معنَى الإمامةِ في التقريرِ؛ لأنّه اعتَمَدَ أنّ الرسولَ و إن كانَ يَقومُ بما يَقومُ به الإمامُ‌، فإنّ الوصفَ بالإمامةِ لا يُطلَقُ عليه


1) . سامَهُ الأمرَ سَوماً: كَلَّفَه إيّاه. و سُمتُه خَسْفاً، أي. أولَيتُه إيّاه و أرَدتُه عليه. و يُقالُ : سُمتُه حاجةً ، أي كلَّفتُه إيّاها و جَشَّمتُه إيّاها؛ مِن قولِه تَعالىٰ : (يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذٰابِ ) أي يُجشِّمونكم أشدَّ العذاب. لسان العرب، ج 12، ص 312 (سوم).

2) . في المطبوع و الحجري: «لفرض».

3) . في «د»: «يجب».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «و امتناع».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: - «عليه».

6) . في «د» و المطبوع و الحجري: «ممّا ذكروه».

7) . تقدّم آنفاً في ص 200.

8) . كذا، و الأنسب: «و ما» عطفاً علىٰ «ممّا».

9) . في «ص»: «بحصول».

و المعنىٰ حاصلٌ له. و عَلىٰ‌(1)هذا فما المانعُ (2)مِن أن يَكونَ التقريرُ وَقَعَ بفرضِ الطاعةِ ، و هو معنَى الإمامةِ؟ لأنّ المُرادَ بقَولِنا: «إنّه بمعناها» أنّ هذه الصفةَ لا تَحصُلُ بَعدَ النبيِّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه إلّا! لِمَن كانَ إماماً قائماً بما يَقومُ به الأئمّةُ ، و إن كانَ إطلاقُ الاسمِ يَمتَنِعُ (3)لِما ذَكَرَه.

فأمّا حِكايتُه عن كَثيرٍ مِن شُيوخِه دفعَ التواتُرِ بالمُقدِّمةِ : فلَيسَ بحُجّةٍ ، و قد دَلَّلنا فيما مضىٰ (4)علىٰ أنّ الشيعةَ تَتواتَرُ بالخبرِ بمُقدِّمةِ الحَديثِ (5)، و أكثَرُ مَن رَواه مِن العامّةِ رَوَى المُقدِّمةَ أيضاً(6)و إنّما أغفَلَها مِن الرُّواةِ قَليلٌ مِن كَثيرٍ، و بيّنّا ما يَصِحُّ أن يَكونَ عُذراً في تَركِ مَن تَرَكَ روايتَها.(7)و لَيسَ يَجوزُ أن يُجعَلَ إغفالُ مَن أغفَلَها حُجّةً في دَفعِ رِوايةِ مَن رَواها.

و أمّا(8)اقتصارُ أميرِ المؤمنينَ عليه السلام في الاحتجاجِ علىٰ ذِكرِ ما عَدا المُقدِّمةَ مِن الخبرِ(9): فإنّه لا يَدُلُّ أيضاً علىٰ بُطلانِها؛ لأنّه عليه السلامُ احتَجَّ مِن الخبرِ بما


1) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «فعلىٰ ».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «فعلى هذا الوجه ما المانع».

3) . في «ج، ص»: «يمنع».

4) . ذكر المصنّف رحمه اللّٰه في ص 149 أنّ نَقَلة الشيعة كلّهم ينقلون الخبر بمقدّمته. و مِن رأيه رحمه اللّٰه أنّ نقل الشيعة كافٍ لحصول التواتر. راجع: ص 139-141، و أيضاً ج 2، ص 330-331.

5) . في «ج، ص»: «فيما مضى أنّ عند الشيعة يتواتر الخبر بمقدّمته». و في «ط، ف»: «فيما مضى أنّ الشيعة يتواتر بالخبر بمقدّمته».

6) . مسند أحمد، ج 1، ص 118، ح 950، و ص 119، ح 961، و ج 4، ص 281، ح 18502، و ص 370، ح 19321؛ سنن ابن ماجة، ج 1، ص 43، ح 116؛ المعجم الكبير، ج 5، ص 194-195، ح 5066 و 5070؛ مسند البزّار، ج 2، ص 235، ح 632، و ج 3، ص 35، ح 786، و ج 4، ص 41، ح 1203؛ أُسد الغابة، ج 1، ص 367.

7) . تقدّم في ص 148-151.

8) . في «ج، ص، ط، ف»: «فأمّا».

9) . في «ج، ص، ط، ف»: «على ذكره دون ذكر المقدّمة في الخبر».

يَكونُ الاعترافُ به اعترافاً بالجميعِ ، علىٰ عادةِ الناسِ في أمثالِ هذه الاحتجاجاتِ .

و قد تَقَدَّمَ الكلامُ في هذا.(1)

و ذَكرنا أيضاً أنّ طريقةَ التقسيمِ (2)غيرُ مُفتَقِرةٍ إلَى المُقدِّمةِ ، و إنّما يُحتاجُ إليها في الطريقةِ الأُولَى(3)التي اعتَمَدناها(4)، و طريقُ إثباتِها واضحٌ بما أَورَدناه.

التقرير الرابع: طريقة الإجماع
اشارة

و يُمكِنُ أن يُستَدَلَّ علَى الإمامةِ بالخبرِ مِن وجهٍ آخَرَ لا يَفتَقِرُ إلَى المُقدِّمةِ‌؛ و هو أن يُقالَ‌: قد ثَبَتَ أنّ مِن جُملةِ ما يَحتَمِلُه لفظةُ «مَولىٰ‌» مِن الأقسامِ معنَى الإمامةِ (5)- بما دَلَّلنا عليه مِن قَبلُ (6)-، و وَجَدنا كُلَّ مَن ذَهَبَ إلىٰ أنّ لفظَ خبرِ الغَديرِ يَحتَمِلُ معنَى الإمامةِ - و أنّ لفظةَ «مَولىٰ » يَقتَضيها في جُملةِ أقسامِها - يَذهَبُ إلىٰ أنّ الإمامةَ هي المُرادةُ (7)بالخبرِ. و هذه طريقةٌ قَويّةٌ يُمكِنُ أن تُعتَمَدَ.

قالَ صاحبُ الكتابِ :

علىٰ أنّ ذلكَ لَو صَحَّ و ثَبَتَ أنّ المُرادَ به ما قالوه، لَم يَجِبْ فيما تَعقُبُه(8)

مِن الجُملةِ أن يُرادَ به ذلكَ ؛ بَل يَجِبُ أن يُحمَلَ علىٰ ما يَقتَضيه لفظُه،


1) . تقدّم في ص 148.

2) . تقدّمت في ص 168-171.

3) . تقدّمت في ص 137.

4) . تقدّم ذكر ذلك في ص 195.

5) . في المطبوع و الحجري: «الإمام».

6) . تقدّم في ص 169-170.

7) . في «د، ص، ط» و حاشية «ج»: «المراد».

8) . في المغني: «فيما يعقبه».

فإن كانَ لفظُه يَقتَضي ما ذَكروه فلا وجهَ لِتَعلُّقِهم بالمُقدِّمةِ‌، و إن كانَ لا يَقتَضي ذلكَ لَم يَصِرْ مُقتَضياً له لأجلِ المُقدِّمةِ‌.

و إنّما قَدَّمَ عليه السلامُ‌(1)ذلكَ ليؤكِّدَ ما يُريدُ أن يُبيِّنَ لهم مِن وجوبِ مُوالاتِه عليه السلامُ و مُوالاةِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ‌(2)لأنّ العادةَ جاريةٌ فيمَن يُريدُ أن يُلزِمَ غيرَه أمراً عظيماً في نفسِه أن يُقدِّمَ مِثلَ‌(3)هذه المُقدِّماتِ‌؛ تأكيداً لحَقِّ الرجُلِ الرئيسِ السيِّدِ(4)الذي يُريدُ إلزامَ قومِه أمراً، فيَقولَ لهم: «أ لَستُ القائمَ بأُمورِكم، و الذابَّ عنكم(5)، و الناصرَ لكم، و المُنعِمَ عليكم‌؟» فإذا قالوا: «نَعَم» فيَقولُ‌(6)عندَه:

«فافعَلوا كَيتَ و كَيتَ‌» و إن كانَ ما أمَرَهم به(7)ثانياً لا يَتَّصِلُ بما أمَرَهم أوّلاً، و يَكونُ (8)لتقديمِ (9)ذلكَ حِكمةٌ (10).

و علىٰ هذا الوجهِ قالَ النبيُّ عليه السلامُ : «إنّما أنا لكم مِثلُ الوالِدِ، فإذا ذَهَبَ أحَدُكم إلَى الغائطِ فلا يَستَقبِلِ القِبلةَ و لا يَستَدبِرْها بغائطٍ(11)


1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «صلّى اللّٰه عليه و آله»، و كذلك في الموارد الآتية.

2) . في المغني: - «عليه السلام».

3) . في المغني: «قبل».

4) . في المغني: «و السيّد».

5) . في «ج، ص، ط، ف» و المغني: «أ لست القيّم بأُموركم و النائب عنكم».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «قال». و في المغني: «يقول».

7) . في «ج، ص، ط، ف» و المغني: - «به».

8) . هكذا في النسخ و المغني. و في المطبوع و الحجري: «و لا يكون».

9) . في «ج، ط»: «لتقديمه». و في «د» و المغني: «تقديم».

10) . في «ج، ص، ط، ف»: «حكم».

11) . في المغني: «لغائط».

و لا بَولٍ‌(1)».(2)فقَدَّمَ عليه السلامُ عندَ إرادتِه بَيانَ ما يَختَصُّ بحالِ الخَلوةِ ما يَدُلُّ علىٰ إشفاقٍ و حُسنِ نَظَرٍ؛ فكذلكَ‌(3)القولُ فيما ذَكرناه.

و لَو أنّ الذي ذَكرناه صَرَّحَ به عليه السلامُ ليَسلَمَ مِن العَيبِ‌(4)بأن يَقولَ‌:

«أ لَستُ أَولىٰ بِكم في بَيانِ الشرعِ لكم(5)، و ما يَجِبُ عليكم، و ما يَحِلُّ‌(6)و ما(7)يَحرُمُ؟ فإذا كنتُ كذلكَ في بابِ الدِّينِ‌، فمَن يَلزَمُه مُوالاتي باطناً و ظاهراً(8)بالإعظامِ و المَدحِ و النُّصرةِ‌، فليُوالِ عليّاً علىٰ هذا الحَدِّ» لَكانَ‌(9)الكلامُ حَسَناً مُستَقيماً يَليقُ بعضُه ببعضٍ .

و إنّما كانَ يَجِبُ ما ذَكروه لَو كانَ متىٰ حُمِلَت الجُملةُ الثانيةُ علىٰ ما

قُلناه نَبَتْ (10)عن الجُملةِ الأُولىٰ و نافَرَتها، فأمّا إذا كانَت الحالُ ما


1) . في «ج، ص، ط، ف»: «أو بول» بدل «و لا بول».

2) . مسند أحمد، ج 2، ص 247، ح 7362، و ص 350، ح 7403؛ سنن ابن ماجة، ج 1، ص 114، ح 313؛ سنن الدارمي، ج 1، ص 182، ح 674؛ سنن النسائي، ج 1، ص 38، ح 40؛ مسند الحميدي، ج 2، ص 434، ح 988.

3) . في المغني: «و كذلك».

4) . هكذا في «د». و في «ج، ص، ط، ف» و الحجري: «و لو أنّ الذي ذكرناه صرّح به عليه السلام لكان خارجاً من العبث». و في المطبوع: «و لو أنّ الذي ذكرناه صرّح به لكان خارجاً من العبث صلّى اللّٰه عليه و آله ليسلم من العيب». و في المغني: «و لو أنّ الذي ذكرناه صرّح به عليه السلام عند إرادته بيان ما يختصّ بحال الوقت ليسلم من العيب».

5) . في المغني: - «لكم».

6) . في «د» و المطبوع و الحجري: + «عليكم».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: - «ما».

8) . في «ج، ص، ط، ف»: «ظاهراً و باطناً».

9) . في «ج، ص، ف»: «و لكان».

10) . في المغني: «انتفت». و نَبَت، أي تباعدت. و نَبا الشيءُ : بَعُدَ. المصباح المنير، ص 591 (نبا).

ذَكرناه فهو مُستَقيمٌ لا خَلَلَ فيه [فلا وجهَ لِما ذَكروه].(1)

يُقالُ له: قد مضىٰ في جُملةِ ما قَدَّمناه مِن الكلامِ (2)ما يُبطِلُ مَعانيَ (3)فَصلِك هذا:

بيان الحاجة إلىٰ مقدّمة الحديث لأجل إثبات الإمامة

فأمّا(4)نَفيُكَ لِأَنْ يَكونَ الكلامُ مُقتَضياً لِما ذَكرناه لأجلِ المُقدِّمةِ‌، و قولُكَ‌:

«يَجِبُ أن يُحمَلَ‌(5)علىٰ ما يَقتَضيه لفظُه، مِن غيرِ مُراعاةٍ للمُقدِّمةِ‌» فغَيرُ صَحيحٍ‌؛ لأنّكَ إن أرَدتَ بذلكَ الاقتضاءَ علىٰ سَبيلِ الاحتمالِ لا علَى(6)الإيجابِ‌، فاللفظُ لَيسَ يَصيرُ لأجلِ المُقدِّمةِ مُقتَضياً لغَيرِ(7)ما كان مُقتَضياً له. و إن أرَدتَ بالاقتضاءِ الإيجابَ ، فقَد بيّنّا أنّ بوُرودِ المُقدِّمةِ لا بُدَّ مِن تخصيصِ اللفظِ الوارِدِ مِن بَعدِها بمَعناها، و ضَرَبنا له الأمثالَ .

و ممّا يُبيِّنُ صحّةَ ما ذَكرناه أنّ قولَ القائلِ : «عَبدي حُرٌّ» و له عَبيدٌ كَثيرٌ(8)، لفظُه مُحتَمِلٌ مُشتَرِكٌ بَينَ سائرِ عَبيدِه. فإذا قالَ بَعدَ أن يُقرِّرَ بمَعرِفةِ بعضِ عَبيدِه ممّن يُسَمّيهِ و يُعَيِّنُه: «فعَبدي حُرٌّ» كانَ كلامُه الثاني محمولاً علىٰ سَبيلِ الوجوبِ علَى العَبدِ الذي قَدَّمَ تعيينَه و تعريفَه، و صارَ قولُه: «فعَبدي حُرٌّ» إذا وَرَدَ بَعدَ المُقدِّمةِ


1) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 151-152. و ما بين المعقوفين من المصدر.

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «قد مضى في كلامك و جوابنا عنه».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «معنى».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «و أمّا».

5) . في التلخيص: + «الكلام».

6) . في «ج»: + «سبيل».

7) . في المطبوع: «فغير».

8) . في «ج، ص، ط، ف»: - «كثير».

مُقتَضياً علىٰ سَبيلِ الإيجابِ لِما(1)لَو لَم يَحصُلِ المُقدِّمةُ (2)لَم يَكُن مُقتَضياً له علىٰ هذا الوجهِ ، و إن كانَ يَقتَضيهِ علىٰ طريقِ الاحتمالِ .

و أمّا(3)قولُه عليه السلامُ‌: «إنّما أنا لكم مِثلُ الوالِدِ» إلىٰ آخِرِ الخبرِ، فغَيرُ مُعتَرِضٍ علىٰ كلامِنا؛ لأنّه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه لَم يورِدْ في الكلامِ الثاني لفظاً يَحتَمِلُ‌(4)معنَى الكلامِ المُتقدِّمِ‌، و أرادَ به خِلافَ معناه. و الذي أنكَرناه في خبرِ الغَديرِ غيرُ هذا؛ لأنّه صلّى اللّٰه عليه و آله لَو لَم يُرِدْ بلفظةِ «مَولىٰ‌» معنىٰ «أَولىٰ‌» لَكانَ قد أورَدَ لفظاً مُحتَمِلاً لِما تَقدَّمَ‌، مِن غيرِ أن يُريدَ به المعنَى(5)المُتقدِّمِ‌. و فَسادُ ذلكَ ظاهرٌ.

و لَيسَ يُنكَرُ(6)أن يَكونَ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه لَو(7)صَرَّحَ بما ذَكَرَه صاحبُ الكتابِ - علىٰ سَبيلِ التقديرِ -(8)مُفيداً بكلامِه(9)خارجاً(10)عن العَبَثِ‌، إلّاأنّه(11)متىٰ لَم يُصرِّحْ بذلكَ (12)و أورَدَ اللفظَ المُحتَمِلَ ، فلا بُدَّ مِن أن يَكونَ مُرادُه ما ذَكرناه، كما أنّ القائلَ إذا أقبَلَ علىٰ جماعةٍ فقالَ (13)لهم: «أ لَستم تَعرِفونَ ضَيعَتيَ الفُلانيّةَ؟» ثُمَّ قالَ :


1) . في «ج، ص، ط، ف»: «أمّا».

2) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «المقدّمة». و في التلخيص: «لم تحصل» بدل «لم يحصل».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «فأمّا».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: + «على».

5) . في «د» و المطبوع و الحجري: «معنى».

6) . في التلخيص: «بمنكر».

7) . في التلخيص: - «لو».

8) . في «ج، ص، ط، ف»: «التقرير».

9) . هكذا في «د» و التلخيص. و في «ج، ص، ط، ف»: «و كلامه». و في المطبوع و الحجري: «فكلامه».

10) . هكذا في أكثر النسخ و التلخيص. و في «د»: «و خارجاً». و في المطبوع و الحجري: «خارج».

11) . في «ج، ص، ط، ف»: «لأنّه» بدل «إلّا أنّه».

12) . في التلخيص: - «بذلك».

13) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و قال».

«فاشهَدوا أنّ ضَيعَتي وَقْفٌ » لا يَجوزُ أن يُفهَمَ مِن لفظِه الثاني إذا كانَ حَكيماً إلّا وَقْفَه للضَّيعةِ التي قَدَّمَ ذِكرَها(1)، و إن كانَ جائزاً(2)أن يُصرِّحَ بخِلافِ ذلكَ ، فيَقولَ بَعدَ تقريرِه بمعرِفةِ الضَّيعةِ : «فاشهَدوا أنّ ضَيعَتي التي تُجاوِرُها وَقْفٌ » فيُصرِّحَ بوَقْفِه غيرَ الضَّيعةِ التي سَمّاها و(3)عَيَّنَها.

و هذه الجُملةُ تأتي علىٰ كلامِه(4).

قالَ صاحبُ الكتابِ - بَعدَ أن ذَكَرَ التعَلُّقَ بإمساكِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ و أصحابِه رِضوانُ اللّٰهِ عليهم أجمَعينَ‌(5)عن الاحتجاجِ بالنصِّ مِن خبرِ يومِ الغَديرِ في المَواقِفِ التي وَقَعَ التنازُعُ في الإمامةِ‌(6)فيها(7)، و قد(8)مَضَى الكلامُ عليها(9)مُستَوفىً‌(10)-:

و قد قالَ شَيخُنا أبو هاشمٍ‌: إنّ ظاهرَ الخبرِ يَقتَضي إثباتَ (11)ما أثبَتَه(12)عليه السلامُ (13)لأميرِ المؤمنينَ في الحالِ ، و ذلكَ لا يَتأتّىٰ في الإمامةِ


1) . في «ج، ص، ط، ف»: + «و لا يجوز أن يفهم و الحال هذه غير ذلك».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «يجوز».

3) . في المطبوع و الحجري: «أو».

4) . في التلخيص: «و هذه الجملة كافية في إبطال ما ذكره».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: - «رضوان اللّٰه عليهم أجمعين».

6) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 152.

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «وقع التنازع فيها في الإمامة».

8) . في المطبوع و الحجري: «فقد».

9) . في «د» و المطبوع و الحجري: «عليه».

10) . تقدّم في ج 2، ص 391-393.

11) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع و المغني: «إثبات حال».

12) . في المغني: «إثبات حال بيّنة».

13) . في «د» و المطبوع و الحجري: «صلّى اللّٰه عليه و آله». و هكذا في الموارد الآتية.

[فيَجِبُ حَملُه علىٰ مَا ذكرناه].(1)و متىٰ قالوا: إنّ الظاهرَ و إنِ اقتَضَى الحالَ فإنّا نَحمِلُه علىٰ بَعدِ مَوتِ النبيِّ عليه السلامُ‌، لَم يَكونوا بذلكَ أَولىٰ ممّن حَمَلَه(2)علَى الوقتِ الذي بويِعَ فيه، و يَكونُ ذلكَ أَولىٰ‌؛ لِما ثَبَتَ بالدليلِ مِن صحّةِ إمامةِ أبي بَكرٍ.

و قالَ‌: متىٰ قالوا: «تَثبُتُ له الإمامةُ في الحالِ‌، لكنّه إمامٌ صامتٌ‌»، قيلَ لهم: فيَجِبُ أن لا يَصيرَ ناطقاً بهذا الخبرِ؛ لأنّه إنّما دَلَّ علىٰ كَونِه إماماً صامتاً. و متىٰ قالوا: «إنّه(3)يَدُلُّ علىٰ كَونِه إماماً ناطقاً»، فيَجِبُ أن يَكونَ كذلكَ في الوقتِ‌.

و بَيَّنَ أنّه لا يُمكِنُهم القولُ بأنّه إمامٌ (4)مع أنّه لا يَقومُ بما إلَى الأئمّةِ في حالِ حياتِه.(5)

و قالَ : لا فَرقَ بَينَ مَن استَدَلَّ بذلكَ علَى النصِّ و بَينَ مَن قالَ : إنّ قولَه عليه السلامُ لأبي بَكرٍ(6): «اترُكوا لي(7)أخي و صاحِبي، صَدَّقَني حَيثُ كَذَّبَنيَ الناسُ »(8)هو(9)نَصٌّ علىٰ إمامتِه(10)بَعدَ وفاتِه، إلىٰ غيرِ ذلكَ ممّا


1) . ما بين المعقوفين من المغني.

2) . في «ص، ط»: «من حمله».

3) . في «ج، ط»: «به» بدل «إنّه».

4) . كلمة «بأنّه إمام» كانت مطموسة في أصل المغني، و قال المحقّق في الهامش: لعلّها «ثابتاً».

5) . في «ف»: + «القيام به». و «في حال حياته» أي حال حياة الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله.

6) . في «ج، ص، ط، ف»: - «لأبي بكر».

7) . في المغني: - «اتركوا لي».

8) . مسند أحمد، ج 1، ص 439، ح 4182؛ صحيح مسلم، ج 4، ص 1855، ح 3/2383؛ أُسد الغابة، ج 3، ص 213؛ أنساب الأشراف، ج 10، ص 67، مع اختلاف.

9) . في المغني: «فهو». و في المطبوع و الحجري: «و هو».

10) . في «ج، ص، ط، ف»: «على إمامة أبي بكر».

رُويَ ، نَحوُ قولِه عليه السلامُ : «لَو كنتُ مُتَّخِذاً خَليلاً لَاتَّخَذتُ أبا بَكرٍ خَليلاً»(1)و قولِه: «اقتَدُوا باللذَينِ مِن بَعدي: أبي بَكرٍ، و عُمَرَ»(2)إلىٰ غيرِ ذلكَ ممّا اشتَهَرَت فيه الروايةُ (3).(4)

يُقالُ له: إنّ الكلامَ في إلزامِنا حَملَ الخبرِ علىٰ إيجابِ الإمامةِ في الحالِ فقَد مضىٰ مُستَقصىً‌.(5)

و الذي يُبطِلُ قولَ مَن ألزَمَنا وجوبَ النصِّ به بَعدَ عُثمانَ‌: ما تَقدَّمَ (6)أيضاً عندَ كلامِنا في النصِّ الجَليِّ ، و هو أنّ الأُمّةَ مُجمِعةٌ علىٰ أنّ إمامةَ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ (7)بَعدَ قَتلِ عُثمانَ لَم تَحصُلْ له بنَصٍّ مِن الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(8)تَناوَلَ تلكَ الحالَ ، و اختَصَّ بها دونَ ما تَقدَّمَها.(9)

و يُبطِلُه أيضاً: أنّ كُلَّ مَن أثبَتَ لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ النصَّ علَى الإمامةِ بخبرِ الغَديرِ، أثبَتَه علَى استقبالِ وفاةِ الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه مِن غيرِ تَراخٍ عنها.


1) . مسند أحمد، ج 1، ص 270، ح 2432، و ص 439، ح 4182؛ صحيح البخاري، ج 1، ص 178، ح 455؛ صحيح مسلم، ج 1، ص 377، ح 23/532، و ج 4، ص 1854، ح 2/2382، و ص 1855، ح 3/2383 و 7/2383؛ الجامع الصحيح، ج 5، ص 609، ح 3661؛ المعجم الكبير، ج 2، ص 168، ح 1687، و ج 10، ص 105، ح 10106 و 10107.

2) . المعجم الأوسط، ج 4، ص 140، ح 3816؛ مسند الشاميين، ج 2، ص 57، ح 913؛ مسند الحميدي، ج 1، ص 214، ح 449؛ حلية الأولياء، ج 9، ص 109 و 185.

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «ممّا اشتهر بالرواية و ظهر». و في المغني: «ممّا اشتهر في الرواية».

4) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 152-153.

5) . تقدّم في ص 187 و ما بعدها.

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «فقد تقدّم».

7) . في «ج، د، ص، ط»: - «عليه السلام».

8) . في «ج، ص، ط، ف»: «عليه السلام».

9) . تقدّم في ص 33.

إبطال الأخبار التي استُدِلَّ بها علىٰ سبيل المعارضة على النصّ علىٰ أبي بكر

فأمّا الأخبارُ التي أورَدَها علىٰ سَبيلِ المُعارَضةِ‌: فالإضرابُ عن ذِكرِها و تَركُ تَعاطي الانتصافِ مِن المُستَدِلّينَ بخبرِ الغَديرِ بها(1)أستَرُ علىٰ مُورِدِها.

و أوّلُ ما في هذه الأخبارِ أنّها لا تُساوي و لا تُداني خبرَ الغَديرِ في بابِ (2)الصحّةِ و الثبوتِ و وقوعِ العِلمِ ؛ لأنّا قد بيّنّا فيما تَقدَّمَ (3)تَواتُرَ النقلِ بخبرِ الغَديرِ

و وقوعَ العِلمِ به لكُلِّ مَن سَمِعَ (4)الأخبارَ، و أنّه ممّا أجمَعَت الأُمّةُ علىٰ قبولِه، و إن كانوا مُختَلِفينَ في تأويلِه، و لَيسَ شَيءٌ مِن هذا في الأخبارِ التي ذَكرها.

بطلان حديثَي الخُلَّة و الاقتداء

علىٰ أنّ أصحابَنا قَديماً قد تَكلَّموا(5)علىٰ هذه الأخبارِ، و بَيَّنوا أنّ حديثَ الخُلّةِ يَتناقَضُ‌(6)، و يُبطِلُ آخِرُه أوّلَه؛ لأنّهم يَروونَ عنه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه أنّه قالَ‌: «لَو كنتُ مُتَّخِذاً خَليلاً لَاتَّخَذتُ فُلاناً خَليلاً، و لكِنْ وُدّاً و إخاءَ إيمانٍ ».(7)فأوّلُ الخبرِ يَقتَضي أنّ الخُلّةَ لَم تَقَعْ ، و آخِرُه يَقتَضي وقوعَها علَى الشرطِ المذكورِ الذي يَعلَمُ كُلُّ أحَدٍ أنّ الخُلّةَ منه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه لا تَكونُ (8)إلّاعليه؛ لأنّه لا يَصِحُّ أن يُخالَّ أحَداً إلّافي الإيمانِ و ما يَقتَضيهِ الدِّينُ .


1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «لها».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: - «باب».

3) . في «د»: «فيما مضى». و تقدّم في ص 139-141.

4) . في حاشية «ف» و المطبوع و الحجري: «صحّح».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «أنّ أصحابنا قد تكلّموا قديماً».

6) . في المطبوع: «يناقض».

7) . مسند أحمد، ج 3، ص 478، ح 15964، و ج 4، ص 211، ح 17885؛ الجامع الصحيح، ج 5، ص 607، ح 3659؛ كنز العمّال، ج 11، ص 552، ح 32594.

8) . في النسخ: «لا يكون». و ما أثبتناه من المطبوع و الحجري و التلخيص.

و يَذكرونَ أيضاً في ذلكَ ما يَروونَه مِن قولِه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه قُبَيلَ‌(1)وفاتِه:

«بَرِئتُ إلىٰ كُلِّ خَليلٍ مِن خُلّتِه(2)فإنّ اللّٰهَ عزّ و جلّ‌(3)قد اتَّخَذَ صاحبَكم خَليلاً».(4)

و يَقولونَ‌: إن كانَ أثبَتَ الخُلّةَ بَينَه و بَينَ غيرِه فيما تَقدَّمَ ، فقَد نَفاها(5)و بَرئَ منها قَبلَ وفاتِه.

و أفسَدوا حَديثَ الاقتداءِ بأن ذَكَروا أنّ الأمرَ بالاقتداءِ بالرجُلَينِ يَستَحيلُ ؛ لأنّهما مُختَلِفانِ في كَثيرٍ مِن أحكامِهما و أفعالِهما، و الاقتداءُ بالمُختَلِفَينِ و الاتّباعُ لهما مُتَعذِّرٌ(6)غيرُ مُمكِنٍ . و لأنّه يَقتَضي عصمتَهما و المنعَ مِن جوازِ الخطإ عليهما، و لَيسَ هذا بقَولٍ (7)لأحَدٍ فيهما.

و طَعَنوا في روايةِ الخبرِ بأنّ راويَه عبدُ المَلِكِ بنِ عُمَيرٍ(8)

قال العسقلاني في تهذيب التهذيب (ج 6، ص 411): «قال عليّ بن الحسن الهسنجاني عن أحمد: عبد الملك مضطرب الحديث جدّاً مع قلّة روايته... و قال إسحاق بن منصور: ضعّفه أحمد جدّاً». و في ميزان الاعتدال (ج 2، ص 151): «كان من أوعية العلم، ولي قضاء الكوفة بعد

، و هو مِن شِيَعِ بَني

1) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «قبل».

2) . في «د» و الحجري: «من خليله». و في المطبوع: «من خليل».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «تعالى».

4) . مسند أحمد، ج 1، ص 377، ح 3580، و ص 389، ح 3689؛ سنن ابن ماجة، ج 1، ص 36، ح 93؛ المصنّف لابن أبي شيبة، ج 7، ص 428، ح 82؛ مسند أبي يعلى، ج 9، ص 111، ح 5180؛ المعجم الكبير، ج 19، ص 41-89.

5) . في التلخيص: «نافاه».

6) . في «د»: «و اتّباع المختلفين متعذّر» بدل «و الاقتداء بالمختلفين و الاتّباع لهما متعذّر».

7) . في «ج، ص، ف»: «هذا القول».

8) . هو أبو عمر - و يقال: أبو عمرو - عبد الملك بن عمير بن سويد بن حارثة اللخمي الكوفي القطبي الفرسي. كان قاضياً على الكوفة بعد الشعبي، و هو من مشاهير التابعين، رأى أمير المؤمنين عليه السلام، و روى عن جابر بن عبد اللّٰه. و كانت وفاته سنة 136 ه‍.

أُمَيّةَ‌، و ممّن تَوَلَّى القَضاءَ لهم، و كان شَديدَ النَّصبِ و الانحرافِ عن أهلِ البيتِ أيضاً، ظَنيناً في نفسِه و أمانتِه(1).

و رُويَ‌(2)أنّه كانَ يَمُرُّ علىٰ أصحابِ الحُسَينِ بنِ عليٍّ عليهما السلام و هُم جَرحىٰ فيُجهِزُ عليهم، فلمّا عوتِبَ علىٰ‌(3)ذلكَ قالَ : إنّما أُريدُ(4)أن أُريحَهم.(5)

و فيهم(6)مَن حَكىٰ روايةَ الخبرِ بالنَّصبِ (7)، و جَعَلَ أبا بَكرٍ و عُمَرَ علىٰ هذه الروايةِ مُنادَيَينِ مأمورَينِ بالاقتداءِ بالكتابِ و العِترةِ ، و جَعَلَ قولَه: «اللَّذَينِ مِن

الشعبي و لكنّه طال عمره و ساء حفظه. قال أبو حاتم: ليس بحافظ، تغيّر حفظه. و قال أحمد: ضعيف يغلط. و قال ابن معين: مخلّط. و قال ابن خراش: كان شعبة لا يرضاه».

و لقد استعرض علماء الحديث من السنّة هذا الحديث بالنقد و الردّ من شتّى طرقه؛ قال الذهبي في ميزان الاعتدال (ج 3، ص 86): «حدّثنا أحمد بن الخليل، حدّثنا إبراهيم بن محمّد الحلبي، حدّثني محمّد بن عبد السلام بن عمر بن القاسم، حدّثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعاً: «اقتدوا باللذين من بعدي» فهذا لا أصل له من حديث مالك، بل هو معروف من حديث حذيفة بن اليمان. و قال الدار قطني: العمري هذا يحدّث عن مالك بأباطيل. و قال ابن مندة: له مناكير». و قال في (ج 1، ص 48): «أحمد بن صليح، عن ذي النون المصري، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر بحديث: «اقتدوا باللذين من بعدي»، و هذا غلط، و أحمد لا يعتمد عليه». و في لسان الميزان (ج 1، ص 188) مثل ذلك. راجع: الطبقات الكبرى، ج 6، ص 313، الرقم 2413؛ أخبار القضاة، ص 489؛ وفيات الأعيان، ج 3، ص 164، الرقم 376.


1) . في «د، ط»: «و إمامته».

2) . في «ج»: «و يروىٰ ».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «في».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «أردت».

5) . في تلخيص الشافي، ج 3، ص 33: «و هو الذي قتل عبد اللّٰه بن يقطر رسول الحسين بن عليّ إلى مسلم بن عقيل حيث رمى به ابن زياد من فوق القصر و به رمق، فأجهز عليه، فلمّا عوتب على ذلك قال: إنّما أردت أن أريحه، استهزاءً بالقتل و قلّة مبالاة...».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «و منهم».

7) . أي «أبا بكر» بدل «أبي بكر».

بَعدي» كنايةً عن الكتابِ و العِترةِ‌. و استَشهَدَ علىٰ صحّةِ تأويلِه بأمرِه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه في غيرِ هذا الخبرِ بالتمسُّكِ بهما و الرجوعِ إليهما في قولِه: «إنّي مُخلِّفٌ فيكم الثقَلَينِ ما إن تَمسَّكتم بِهما لَن تَضِلّوا؛ كتابَ اللّٰهِ و عِترَتي أهلَ بَيتي، و إنّهما لَن يَفتَرِقا حتّىٰ يَرِدا عَلَيَّ الحَوضَ‌».(1)

و أفرد السيّد ناصر حسين في تتميم العبقات لوالده السيّد حامد حسين مجلّداً كاملاً لهذا الحديث، و ضمّ إليه حديث السفينة، فكان حصيلة بحثه أنّ من رواه من الصحابة 24 و من التابعين 19. ثمّ ذكر طبقات العلماء من رواته من القرن الثاني إلى القرن الرابع عشر.

و أبطَلَ مَن سَلَكَ هذه الطريقةَ في تأويلِ الخبرِ اعتراضَ الخُصومِ بلفظِ «اقتَدوا» و أنّه خِطابٌ للجَمعِ‌(2)لا يَسوغُ تَوجُّهُه إلَى الاثنَينِ‌، بأن قالَ : لَيسَ يُنكَرُ(3)أن يَكونَ قولُه: «اقتَدوا»(4)مُتوَجِّهاً إلىٰ جميعِ الأُمّةِ ، و قولُه: «مِن بَعدي أبا بَكرٍ و عُمَرَ» نِداءً لهما(5)علىٰ سبيلِ التخصيصِ لهما؛ لتأكيدِ الحُجّةِ عليهما. و شَرحُ هذه الجُملةِ موجودٌ(6)في مَواضِعِه مِن الكُتُبِ ، و إن كانَ مُخالِفونا يَدفَعونَ ورودَ الروايةِ بالنَّصبِ


1) . حديث الثقلين من الأحاديث المتواترة عند الفريقين، رواه طائفة من علماء السنّة لا يحصون كثرة، منها: مسند أحمد، ج 3، ص 14، ح 11119، و ص 17، ح 11147؛ و ص 26، ح 11227، و ج 4، ص 371، ح 19332؛ سنن الدارمي، ج 2، ص 524، ح 3316؛ الجامع الصحيح، ج 5، ص 662، ح 3786، و ص 663، ح 3788؛ مسند أبي يعلى، ج 2، ص 297، ح 1021، و ص 303، ح 1027؛ مسند البزّار، ج 3، ص 89، ح 864؛ المصنّف لابن أبي شيبة، ج 7، ص 176، ح 5؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 118، ح 4576، و ص 160، ح 4711؛ المعجم الكبير، ج 3، ص 65، ح 2679، و ج 5، ص 154، ح 4922، و ص 166، ح 4969، و ص 169-170، ح 4980 و 4981، مع اختلاف يسير في المصادر.

2) . في «د» و المطبوع و الحجري: «للجميع».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «ليس بمنكر».

4) . في المطبوع و الحجري: «أن يكون اقتدوا باللذين».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «يدلّ أنَّهما ذُكرا» بدل «نداء لهما».

6) . في المطبوع و الحجري: «موجودة».

أشَدَّ دَفعٍ‌، و يَدَّعونَ أنّه ممّا خَرَجَ علىٰ سَبيلِ التأويلِ مِن غيرِ رجوعٍ إلىٰ روايةٍ‌.

و ممّا يُمكِنُ أن يُعتَمَدَ في إبطالِ خبرِ الاقتداءِ‌: أنّه لَو كانَ موجِباً للنصِّ - علَى الوجهِ الذي عارَضَ به أبو هاشمٍ - لاحتَجَّ به أبو بَكرٍ لنفسِه في السقيفةِ‌، و لَما جازَ أن يَعدِلَ عنه(1)إلىٰ روايتِه أنّ «الأئمّةَ مِن قُرَيشٍ‌».(2)و لا خَفاءَ علىٰ أحَدٍ في أنّ الاحتجاجَ بخبرِ الاقتداءِ أقطَعُ للشَّغبِ‌(3)و أخَصُّ بالحُجّةِ‌(4)، و أشبَهُ بالحالِ‌، سِيَّما(5)و التقيّةُ و الخوفُ عنه زائلانِ‌(6)، و وجوهُ الاحتجاجِ له مُعرِضةٌ ، و جميعُ ما يَدَّعيهِ الشيعةُ بالنصِّ الذي تَذهَبُ إليه، عن الرجُلِ مُنتَفيةٌ (7).

و لَوَجَبَ (8)أيضاً أن يَحتَجَّ به أبو بَكرٍ علىٰ طَلحةَ لمّا نازَعَه فيما رَآه(9)مِن النصِّ علىٰ عُمَرَ و أظهَرَ الإنكارَ لفِعلِه؛ فكانَ احتجاجُه في تلكَ الحالِ بالخبرِ المُقتَضي


1) . في المطبوع و الحجري: - «عنه».

2) . مسند أحمد، ج 3، ص 129، ح 12329، و ص 183، ح 12923، و ص 421، ح 19792؛ المستدرك على الصحيحين، ج 4، ص 85، ح 6962؛ المعجم الكبير، ج 1، ص 252، ح 725؛ المصنّف لابن أبي شيبة، ج 7، ص 545، ح 8، و ص 547، ح 17، و ج 8، ص 599، ح 47؛ المصنّف لعبد الرزّاق، ج 11، ص 58، ح 19903؛ مسند أبي يعلى، ج 6، ص 321، ح 3644، و ج 7، ص 94، ح 4032 و 4033.

3) . الشَّغْبُ و الشَّغَبُ : تهييج الشرّ. المحكم و المحيط الأعظم، ج 5، ص 397 (شغب).

4) . في «ج، ص»: «أنهض بالحجّة». و في التلخيص: «أدحض للحجّة». و دَحَضَتِ الحجّةُ - من باب نَفَعَ -: بطلت. المصباح المنير، ص 190 (دحض).

5) . هكذا في النسخ و الحجري و التلخيص. و في المطبوع: «لا سيّما».

6) . في «د» و التلخيص: «سيّما و التقية عنه زائلة».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «و وجوه الاحتجاج بالنصّ الذي نذهب إليه، عن الرجل منتفية». و في التلخيص: «و وجوه الاحتجاج له معرضة، و جميع ما تدّعيه الشيعة من الموانع عن الاحتجاج بالنصّ الذي يذهب إليه، عن الرجل منتفية».

8) . عطفٌ على قوله: «لاحتجّ به».

9) . في «د، ص، ط» و المطبوع و الحجري: «فيما رواه».

لنصِّ رسولِ اللّٰهِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه علىٰ عُمَرَ و دُعائه(1)الناسَ إلَى الاقتداءِ به و الاتّباعِ له، أَولىٰ و ألزَمَ‌(2)مِن قولِه: «أقولُ‌: يا رَبِّ‌، وَلَّيتُ عليهم خَيرَ أهلِكَ‌».(3)

و أيضاً لَو كانَ هذا الخبرُ صحيحاً لَكانَ حاظِراً(4)مُخالَفةَ الرجُلَينِ و موجِباً لمُوافَقتِهما في جميعِ أقوالِهما و أفعالِهما، و قد رأَينا كَثيراً مِن الصحابةِ قد خالَفَهما في كَثيرٍ مِن أحكامِهما و ذَهَبوا إلىٰ غيرِ ما يَذهَبانِ إليه، و قد(5)أظهَروا ذلكَ‌، فيَجِبُ أن يَكونوا بذلكَ عُصاةً مُخالِفينَ لنَصِّ‌(6)الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(7).

و قد كانَ يَجِبُ أيضاً أن يُنبِّهَ الرجُلانِ مَن خالَفَهما و أظهَرَ خِلافَهما(8)، علىٰ مُقتَضىٰ هذا الخبرِ، و يُذكِّراهم(9)بأنّ خِلافَهما محظورٌ ممنوعٌ منه.

علىٰ أنّ ذلكَ لَو اقتَضَى النصَّ بالإمامةِ علىٰ ما ظَنّوا لَوَجَبَ أن يَكونَ ما رَوَوه عنه عليه السلامُ مِن قولِه: «أصحابي كالنُّجومِ ، بأيِّهِم اقتَدَيتم اهتَدَيتم»(10)موجِباً

لإمامةِ الكُلِّ (11)، و إذا لَم يَكُن هذا الخبرُ موجِباً للإمامةِ فكذلكَ الآخَرُ.


1) . في «ص»: «و دعاء». و في التلخيص: «و دعاؤه».

2) . في التلخيص: «و أليق».

3) . تقدّم تخريجه في ج 2، ص 465.

4) . حاظراً: أي مانعاً. و حَظَرَ الشيءَ - و عليه -: مَنَعَه و حَجَرَ. القاموس المحيط، ج 2، ص 63 (حظر).

5) . في التلخيص: - «قد».

6) . في «ج، ص»: «بنصّ ».

7) . في «ج، د، ص، ط، ف»: «عليه السلام».

8) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «من يخالفهما».

9) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «و يذكر أنّهم».

10) . جامع الأُصول، ج 8، ص 556، ح 6369؛ تلخيص الحبير، ج 4، ص 190، ح 2098؛ طبقات الحنابلة، ج 2، ص 21، الرقم 588؛ سبل الهدى، ج 10، ص 329، و ج 11، ص 448.

11) . هذا الحديث مروي من طريق جعفر بن عبد الواحد الهاشمي؛ قال الذهبي في ميزان الاعتدال

و قد رَوَوا أيضاً عنه عليه السلامُ أنّه قالَ : «اهتَدوا بهَدْيِ (1)عَمّارٍ، و تَمسَّكوا بعَهدِ ابنِ أُمِّ عَبدٍ»(2)و لَم يَكُن في شَيءٍ مِن ذلكَ نَصٌّ بإمامةٍ و لا فرضِ طاعةٍ ؛ فكَيفَ يُظَنُّ هذا في خبرِ الاقتداءِ و حُكمُ الجميعِ واحدٌ في مُقتَضىٰ ظاهرِ اللفظِ؟

بطلان دلالة حديثَي الخُلّة و الاقتداء و غيرهما على النصّ

و بَعدُ، فلَو تَجاوَزنا عن هذا كُلِّه، و سَلَّمنا روايةَ الأخبارِ و صحّتَها، لَم يَكُن في شَيءٍ منها تصريحٌ بنَصٍّ و لا تلويحٌ إليه.

أمّا خبرُ الخُلّةِ و ما يَدَّعونَه مِن قولِه عليه السلامُ : «اترُكوا لي أخي و صاحِبي»(3)فلا شُبهةَ علىٰ عاقلٍ في بُعدِهما عن الدَّلالةِ علَى النصِّ .

(ج 1، ص 192) : «جعفر بن عبد الواحد الهاشمي القاضي، قال الدار قطني: يضع الحديث. و قال أبو زرعة: روى أحاديث لا أصل لها. و قال ابن عدي: يسرق الحديث و يأتي بالمناكير. ثمّ ساق له ابن عدي أحاديث، و قال: كلّها بواطيل، و بعضها سرقة من قوم. و قال أبو حاتم: و سئل جعفر بن عبد الواحد بن جعفر بن سليمان بن عليّ حديثاً للقعنبي، فزاد عليه عن أنس. فدعا عليه القعنبي، فافتضح. قال أبو زرعة: أخاف أن تكون دعوة الشيخ الصالح أدركته. و من بلاياه عن وهب بن جرير، عن أبيه، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلّى اللّٰه عليه و سلّم: أصحابي كالنجوم، من اقتدى بشيء منها اهتدى». و مثله عن العسقلاني في لسان الميزان (ج 2، ص 458، الرقم 1861) و زاد: «و قال سعيد بن عمرو البردعي: ذاكرت أبا زرعة بأحاديث سمعتها من جعفر بن عبد الواحد، فأنكرها و قال: لا أصل لها، و قال في بعضها: إنّها باطلة موضوعة».


1) . في التلخيص: «بهداية».

2) . الجامع الصحيح، ج 5، ص 672، ح 3805؛ المستدرك على الصحيحين، ج 37 ص 79-80، ح 4451-4453 و 4455؛ المعجم الأوسط، ج 5، ص 344، ح 5503، و ج 6، ص 76، ح 5840؛ مسند الحميدي، ج 1، ص 214، ح 449؛ السنن الكبرى للبيهقي، ج 8، ص 153، ح 16367، مع اختلاف يسير في بعض المصادر.

3) . هذا حديث آخر غير حديث الخُلَّة، و هو معطوف عليه.

فأمّا خبرُ الاقتداءِ فهو كالمُجمَلِ‌؛ لأنّه لَم يُبيِّنْ في أيِّ شَيءٍ يُقتَدىٰ بهما، و لا علىٰ أيِّ وجهٍ‌. و لفظُة «بَعدي» مُجمَلةٌ‌(1)لَيسَ فيها دَلالةٌ علىٰ أنّ المُرادَ: «بَعدَ وفاتي» دونَ «بَعدَ حالٍ أُخرىٰ مِن أحوالي(2)». و لهذا قالَ بعضُ أصحابِنا: إنّ سببَ هذا الخبرِ أنّ النبيَّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه كانَ سالكاً بعضَ الطُّرُقِ‌(3)، و كان أبو بَكرٍ و عُمَرُ

مُتأخِّرَينِ عنه جائيَينِ علىٰ عَقِبِه، فقالَ النبيُّ صلّى اللّٰه عليه و آله لبعضِ مَن سَألَه عن الطريقِ الذي يَسلُكُه(4)في اتّباعِه و اللُّحوقِ به: «اقتَدوا باللَّذَينِ مِن بَعدي» و عَنىٰ بسُلوكِ الطريقِ‌، دونَ غيرِه. و هذا القولُ و إن كانَ غيرَ مقطوعٍ به، فلفظُ الخبرِ يَحتَمِلُه(5)كاحتمالِه لغَيرِه.

و أينَ الدَّلالةُ علَى النصِّ و التسويةُ بَينَه و بَينَ أخبارِنا؟! و نَحنُ حَيثُ ذَهَبنا في خبرِ الغَديرِ و غيرِه إلَى النصِّ لَم نَقتَصِرْ علىٰ مَحضِ الدعوىٰ ، بَل كَشَفنا عن وجهِ الدَّلالةِ ، و استَقصَينا ما يورَدُ مِن الشُّبَهِ . و قد كانَ يَجِبُ علىٰ مَن عارَضَنا بهذه الأخبارِ و ادَّعىٰ (6)إيجابَها للنصِّ أن يَفعَلَ مِثلَ ما فَعَلناه أو قَريباً منه.

و لَيسَ لأحَدٍ أن يَتطرَّقَ‌(7)إلىٰ إبطالِ ما ذَكرناه مِن التأويلاتِ ؛ بأن يَدَّعيَ أنّ الناسَ في هذه الأخبارِ بَينَ مُنكِرٍ، و مُتقبِّلٍ ؛ فالمُنكِرُ لا تأويلَ له، و المُتقبِّلُ يَحمِلُها علَى النصِّ ، و يَدفَعُ سائرَ التأويلاتِ .


1) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «محتملة».

2) . في التلخيص: «بعد حال من حالاتي».

3) . في «د» و المطبوع و الحجري: «بعض الطريق».

4) . في التلخيص: «سلكه».

5) . في «د» و المطبوع و الحجري: «محتملة».

6) . في المطبوع و الحجري: «و ادّعاء».

7) . في «د»: «أن ينطق».

لأنّ هذا القولَ يَدُلُّ علىٰ غَفلةٍ شديدةٍ مِن قائلِه أو مُغالَطةٍ (1)و كَيفَ يَكونُ ادعّاؤه(2)صحيحاً و نَحنُ نَعلَمُ أنّ كُلَّ مَن أثبَتَ إمامةَ أبي بَكرٍ مِن طريقِ الاختيارِ - و هُم أضعافُ مَن أثَبَتها مِن طريقِ النصِّ - يَتَقَبَّلونَ (3)هذه الأخبارَ مِن غيرِ أن يَعتَقِدوا فيها دَلالةً علىٰ نصٍّ عليه ؟

قالَ صاحبُ الكتابِ :

و قد قالَ شَيخُنا أبو الهُذَيلِ (4)في هذا الخبرِ: إنّه لَو صَحَّ لَكانَ المُرادُ به الموالاةَ في الدينِ ، و ذَكَرَ أنّ بعضَ أهلِ العِلمِ (5)حَمَلَه علىٰ أنّ قوماً نَقَموا علىٰ عليٍّ عليه السلامُ بعضَ أُمورِه، فظَهَرَت مُقالاتُهم له(6)و قولُهم فيه، فأخبَرَ عليه السلامُ بما يَدُلُّ علىٰ مَنزِلتِه و وَلايتِه؛ دافعاً لهم(7)


1) . في التلخيص: «و مغالطة».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «ما ادّعاه».

3) . في المطبوع و الحجري: «ينقلون».

4) . محمّد بن الهذيل بن عبد اللّٰه بن مكحول العبدي، أبو الهذيل، المعروف بالعلّاف، المتكلّم. كان شيخ البصريين في الاعتزال و من أكبر علمائهم، و هو صاحب مقالات في مذهبهم و مجالس و مناظرات، و هو مولى عبد القيس. كان حسن الجدال، قويّ الحجّة، كثير الاستعمال للأدلّة و الإلزامات. و لأبي الهذيل كتاب يعرف بميلاس، و كان ميلاس رجلاً مجوسيّاً فأسلم و كان سبب إسلامه أنّه جمع بين أبي الهذيل و جماعة من الثنويّة فقطعهم أبو الهذيل فأسلم ميلاس عند ذلك. و كانت ولادة أبي الهذيل سنة 131 ه‍. و توفّي سنة 235 ه‍ بسرّ من رأى. تاريخ بغداد، ج 4، ص 136، الرقم 1798؛ الدرّ الثمين، ص 163؛ وفيات الأعيان، ج 4، ص 265، الرقم 606؛ الوافي بالوفيات، ج 5، ص 161، الرقم 2193.

5) . في المغني: «بعض العلماء».

6) . في المغني: «و ظهرت معاداتهم له».

7) . في «د»: «دفعاً له». و في المطبوع و الحجري: «و ولايته و فعاله و أفعالهم» بدل «و ولايته؛ دافعاً لهم». و الظاهر أنّ «و أفعالهم» تصحيف «دافعاً لهم».

عمّا خافَ فيه الفِتنةَ‌.

و قد قالَ بعضُهم في سببِ ذلكَ‌: إنّه وَقَعَ بَينَ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ و بَينَ أُسامةَ بنِ زَيدٍ كلامٌ‌، فقالَ له أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ‌: «أ تَقولُ‌

هذا لِمَولاكَ؟!» فقال: لَستَ مَولايَ‌، و إنّما مَولايَ رَسولُ اللّٰهِ‌، فقالَ رسولُ اللّٰهِ صَلّى اللّٰهُ عليه(1): «مَن كنتُ مَولاه فعَليٌّ مَولاه» يُريدُ بذلكَ قَطعَ ما كانَ مِن أُسامةَ و بَيانَ‌(2)أنّه بمَنزِلتِه في كَونِه مَولىً له.

و قالَ بعضُهم مِثلَ ذلكَ في زَيدِ بنِ حارثةَ ، و أنكَروا(3)أنّ خبرَ الغَديرِ بَعدَ مَوتِه(4).

و المُعتَمَدُ في معنَى الخبرِ علىٰ (5)ما قَدَّمناه؛ لأنّ كُلَّ ذلكَ لَو صَحَّ و كانَ الخبرُ خارجاً، فلَم يَمنَعْ (6)مِن التعَلُّقِ بظاهرِه و ما يَقتَضيهِ لفظُه(7)فيَجِبُ أن يَكونَ الكلامُ في ذلكَ ، دونَ بيانِ السبَبِ الذي وجودُه كعَدَمِه، في أنّ وجودَ الاستدلالِ بالخبرِ لا يَتغيَّرُ(8)....(9)

يُقالُ له: أمّا الذي يُبطِلُ ما حَكَيتَه عن أبي الهُذَيلِ فهو جميعُ ما تَقدَّمَ مِن كلامِنا.


1) . هكذا في المغني. و في النسخ و المطبوع: + «و آله».

2) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و تبيان».

3) . في المغني: «و ذكروا».

4) . أي بعد موت زيد.

5) . في «د»: - «على».

6) . في المغني: «و كان الخبر خارجاً عليه لم يمنع».

7) . في المغني: - «لفظه».

8) . هكذا في جميع النسخ و الحجري و المغني. و في المطبوع: «يتغيّر» بدل «لا يتغيّر».

9) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 153-154.

نفي أن يكون حديث الغدير صادراً نتيجة منازعة مع زيد بن حارثة أو ابنه أُسامة

فأمّا التعلُّقُ بذِكرِ السبَبِ و ما ادُّعيَ مِن مُلاحاةِ زَيدِ بنِ حارثةَ أو أُسامةَ ابنِه:

فالذي يُفسِدُه(1)ما قَدَّمناه أيضاً مِن اقتضاءِ الكلامِ لمعنَى الإمامةِ ، و أنّ صَرفَه عن معناها(2)يُخرِجُه عن حَدِّ الحِكمةِ .(3)

و قد ذَكَرَ أصحابُنا في ذلكَ وجوهاً:

منها: أنّ زَيدَ بنَ حارثةَ قُتِلَ بمُؤتةَ‌(4)، و خبرُ الغَديرِ كانَ بَعدَ مُنصَرَفِ النبيِّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه عن حجّةِ الوَداعِ ، و بَينَ الوقتَينِ زمانٌ طويلٌ ؛ فكَيفَ يُمكِنُ أن يَكونَ سببُه ما ادَّعَوه ؟ و هذا الوجهُ أيضاً يَختَصُّ بذِكرِ زَيدِ بنِ حارثةَ ، و ما تَقَدَّمَ و تأخَّرَ مِن الوجوهِ يَعُمُّ التعَلُّقَ بزَيدٍ و أُسامةَ ابنِه.

و منها: أنّ أسبابَ الأخبارِ(5)يَجِبُ الرجوعُ فيها إلَى النَّقلِ كالرجوعِ في نفسِ الأخبارِ، و لا يَحسُنُ أن يُقتَصَرَ(6)فيها علَى الدَّعاوىٰ و الظُّنونِ ، و لَيسَ يُمكِنُ أحَداً


1) . في المطبوع و الحجري: «يفيده».

2) . في التلخيص: «معناه».

3) . تقدّم في ص 171-173.

4) . «مُؤتة» قرية من أرض البلقاء كانت بها الوقعة المذكورة التي استشهد بها جعفر بن أبي طالب و زيد بن حارثة و عبد اللّٰه بن رواحة - رضي اللّٰه عنهم - و هي اليوم تابعة للكرك من بلاد الأردن تبعد عن الطريق العامّ بحوالي 40 كيلومتر. و كتب السيّد عبد الزهراء الحسيني الخطيب محقّق الطبعة السابقة من الشافي في الهامش: و قد مررت بها عام 1394 ه‍ و أنا في طريقي إلى الحجّ ، و زرت مرقد جعفر عليه السلام و هو في مسجد جميل قد فرش بالسجّاد الفاخر، و مرقد زيد قريب منه، و عليه قبّة صغيرة جميلة، و مثلها القبّة على قبر عبد اللّٰه بن رواحة، و قريب من مراقدهم زرت المسجد الذي على أرضه الوقعة، و هو فخم البناء و مفروش بالسجّاد الفاخر أيضاً.

5) . في التلخيص: «أنّ أسباب الأمر أخبار».

6) . في التلخيص: «و لا يحسن الاقتصار».

مِن الخُصومِ‌(1)أن يُسنِدَ ما يَدَّعيه مِن السبَبِ إلىٰ روايةٍ معروفةٍ و نَقلٍ مشهورٍ، و المِحنةُ بَينَنا و بَينَهم في ذلكَ‌. و لَو أمكَنَهم علىٰ أصعَبِ الأُمورِ أن يَذكُروا روايةً في السبَبِ ، لَم يُمكِنِ (2)الإشارةُ فيه إلىٰ ما يوجِبُ العِلمَ و تَتلقّاه(3)الأُمّةُ بالقبولِ علَى الحَدِّ الذي ذَكرناه في خبرِ الغَديرِ. و لَيسَ لنا أن نَحمِلَ تأويلَ الخبرِ الذي هذه صفته(4)علىٰ سببٍ (5)أحسَنُ أحوالِه أن يَكونَ ناقِلُه واحداً، لا يوجِبُ خبرُه عِلماً و لا يُثلِجُ (6)صَدراً.

و منها: أنّ الذي يَدَّعونَه في السبَبِ لَو كانَ حَقّاً لَما حَسُنَ مِن أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ أن يَحتَجَّ به في الشورىٰ علَى القومِ في جُملةِ فضائلِه و مَناقِبِه، و ما خَصَّه اللّٰهُ تَعالىٰ به؛ لأنّ الأمرَ لَو كانَ علىٰ ما ذَكروه لَم يَكُن في الخبرِ شاهدٌ علىٰ فضلٍ ، و لا دَلالةٌ علىٰ تَقدُّمٍ ، و لَوَجَبَ أن يَقولَ له القومُ في جوابِ احتجاجِه(7): و أيُّ فَضيلةٍ لكَ بهذا الخبرِ علينا، و إنّما كانَ سببُه كَيتَ و كَيتَ ممّا(8)تَعلَمُه و نَعلَمُه ؟ و في احتجاجِه عليه السلامُ به و إضرابِهم عن رَدِّ الاحتجاجِ دَلالةٌ علىٰ بُطلانِ ما يَدَّعونَه مِن السبَبِ .

و منها: أنّ الأمرَ لَو كانَ علىٰ ما ادَّعَوه في السبَبِ لَم يَكُن لقَولِ عُمَرَ بنِ الخَطّابِ في تلكَ الحالِ - علىٰ ما تَظاهَرَت به الروايةُ (9)الصحيحةُ (10): «أصبَحتَ مَولايَ


1) . في «ص»: + «من».

2) . في التلخيص: «لم يمكنهم».

3) . هكذا في المطبوع و التلخيص. و في النسخ و الحجري: «يتلقّاه».

4) . هكذا في التلخيص و في «ج، ص، ط، ف»: «هو صفته». و في «د» و المطبوع: «هو صفة».

5) . في التلخيص: «علىٰ سبيل». و في «ج، ص، ط، ف»: «على سبيل سبب».

6) . يقال: ثَلَجَتْ نفسي تَثْلُجُ ثُلوجاً: إذا اطمأنَّت. الصحاح، ج 1، ص 302 (ثلج).

7) . في «ج، ط، ف»: «في الجواب عن احتجاجه».

8) . في التلخيص: «فيما».

9) . في «ف» و المطبوع و الحجري: «الروايات».

10) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: - «الصحيحة».

و مَولىٰ كُلِّ مؤمنٍ و مؤمنةٍ‌» - مَعنىً ؛ لأنّ عُمَرَ لَم يَكُن مَولَى الرسولِ (1)صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه مِن جهةِ وَلاءِ العِتقِ ، و لا جماعةُ المؤمنينَ .

و منها: أنّ زَيداً أو أُسامةَ ابنَه(2)لَم يَكُن بالذي(3)يَخفىٰ عليه أنّ وَلاءَ العِتقِ يَرجِعُ إلىٰ بَني العَمِّ فيُنكِرَه، و لَيسَ‌(4)مَنزِلتُه مَنزِلةَ مَن يَستَحسِنُ‌(5)أن يُكابِرَ فيما يَجري هذا المَجرىٰ ، و لَو خَفيَ عليه لَما احتَمَلَ شَكُّه فيه ذلكَ الإنكارَ البليغَ مِن النبيِّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه الذي جَمَعَ (6)له الناسَ في وقتٍ ضيِّقٍ ، و قَدَّمَ فيه مِن التقريرِ و التأكيدِ ما قَدَّمَ .

و منها: أنّ السببَ لَو كانَ صحيحاً لَم يَكُن طاعناً علىٰ تأويلِنا؛ لأنّه لا يَمتَنِعُ أن يُريدَ النبيُّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه ما ذَهَبنا إليه مع ما يَقتَضيهِ السببُ مِن وَلاءِ (7)العِتقِ ، و إنّما يَكونُ السببُ طاعناً لَو كانَ حَملُ الخبرِ علىٰ موجَبِه(8)يُنافي تأويلَنا، و أكثَرُ ما تَقتَضيه(9)الأسبابُ أن يُجعَلَ (10)الكلامُ الخارجُ عليها مُطابِقاً لها، فأمّا أن لا يَتعدّاها فغَيرُ واجبٍ .

و منها: أنّ كلامَ النبيِّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه يَجِبُ أن يُحمَلَ علىٰ ما يَكونُ مُفيداً


1) . في «ج، ص، ف»: «مولى لرسول اللّٰه».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «أو ابنه أُسامة». و في «د» و التلخيص: - «ابنه».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: - «بالذي».

4) . في «ج، ص، ف»: «فليس».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «يحسن».

6) . في «ص»: «اجتمع».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «ولاية».

8) . في التلخيص: «عليه» بدل «على موجبه».

9) . في «ج، د، ص، ف» و الحجري: «يقتضيه».

10) . في التلخيص: «أن يُحمل».

عليه(1)، ثُمَّ علىٰ ما يَكونُ أدخَلَ في الفائدةِ ؛ لأنّه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه أحكَمُ الحُكَماءِ . و إذا كان هذا واجباً، لَم يَحسُنْ أن يُحمَلَ خبرُ الغَديرِ علىٰ ما ادَّعَوه؛ لأنّه إذا حُمِلَ عليه لَم يُفِدْ؛ مِن قِبَلِ أنّه معلومٌ لكُلِّ أحَدٍ عِلماً لا يُخالِجُ فيه الشكُّ أنّ وَلاءَ العِتقِ لبَني العَمِّ .(2)

قالَ صاحبُ الكتابِ‌ بَعدَ كلامٍ قد تَقدَّمَ كلامُنا عليه:(3)

و أمّا مَن استَدَلَّ‌(4)بأنْ ذَكَرَ القِسمةَ فيما يَحتَمِلُه(5)لفظةُ «مَولىٰ‌» - مِن مِلكِ الرِّقِّ‌(6)، و المُعتِقِ‌، و المُعتَقِ‌(7)، و ابنِ العَمِّ‌، و العاقِبةِ - و أبطَلَ‌(8)كُلَّ ذلكَ‌، و زَعَمَ أنّه(9)لَيسَ بَعدَه إلّاالإمامةُ‌، فإنّه يُقالُ له: و مِن أينَ أنّ‌(10)هذه

اللفظةَ تُفيدُ الإمامةَ في لُغةٍ أو شرعٍ أو تَعارُفٍ ليَتِمَّ لكَ إدخالُه في القِسمةِ؟ لأنّه إنّما يَدخُلُ في القِسمةِ ما يُفيدُه القولُ و يَحتَمِلُه، دونَ غيرِه.


1) . في «ج، ص، ط، ف»: - «عليه».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «معلوم لكلّ أحد أنّ ولاء العتق لبني العمّ علماً لا يتخالجه فيه الشكّ و لا الارتياب».

3) . ما ذكره القاضي في هذا الموضع الذي حذفه المصنّف رحمه اللّٰه، هو ما تقدّم من ادّعائه أنّ حديث الغدير إذا دلّ على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام، دلّ عليها في حال صدور الحديث، أي في حال حياة رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله، و قد تقدّم بطلان ذلك في ص 187 و ما بعدها.

4) . في المغني: + «بذلك».

5) . في المغني «تحتمله».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «فيما يحتمله لفظه من مولى الرقّ ».

7) . في المطبوع و الحجري: - «و المعتَق».

8) . في المغني: «فيبطل».

9) . في «ج، ص، ط، ف»: «أنّ ».

10) . في «د» و المغني: - «أنّ ».

فإن قالَ‌: لأنّ لفظةَ «الإمامِ‌» تَقتَضي(1)الائتمامَ به و الاقتداءَ و وجوبَ الطاعةِ ، و لفظةَ «مَولىٰ » تُطلَقُ (2)علىٰ ذلكَ في التفصيلِ ، فيَجِبُ دخولُ الإمامةِ تَحتَه.

قيلَ له(3): و مِن أينَ أنّ وجوبَ الطاعةِ يُستَفادُ(4)ب‍ «مَولىٰ‌»؟ أوَ لَستَ تَعلَمُ أنّ طاعةَ الوالدِ علَى الولدِ(5)واجبةٌ‌، و لا يُقالُ له(6)«مَولىٰ »(7)؟ و إذا مَلَكَ بعَقدِ الإجارةِ الأجيرَ يَلزَمُه طاعتُه(8)و لا يُقالُ ذلكَ فيه، و قد(9)استَعمَلَ أهلُ اللُّغةِ في الرئيسِ المُقدَّمِ لفظةَ «الرَّبِّ » و لَم يَستَعمِلوا لفظةَ «المَولىٰ » إلّاإذا أرادوا به النُّصرةَ .

فإن قالَ : قد ثَبَتَ أنّهم يَقولونَ في السيِّدِ: «إنّه مَولَى العَبدِ(10)» لمّا مَلَكَ طاعتَه و لَزِمَه الانقيادُ له(11)، و ذلكَ قائمٌ في الإمامِ ، فوَجَبَ (12)أن يوصَفَ بذلكَ .


1) . في المغني: «لأنّ لفظ الإمام يقتضي».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «و لفظ المولىٰ يطلق».

3) . في «د» و المطبوع و الحجري: «فيقال له».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «وجوب الطاعات تستفاد».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «طاعة الولد للوالد». و في المغني: - «على الولد».

6) . في «د» و المطبوع و الحجري: + «إنّه».

7) . في المغني: «مولاه».

8) . في «ج»: «يلزم إطاعته».

9) . في المغني: «فقد».

10) . في «ص، ط، ف» و المغني: «للعبد».

11) . في «ط، ف» و المغني: - «له».

12) . في «د»: «فواجب». و في المغني: «فوافق».

قيلَ له: لَم يوصَفِ المَولىٰ بذلكَ لِما ذَكرتَه، و إنّما وُصِفَ (1)لأنّه يَملِكُ بَيعَه و شِراءَه، و التصرُّفَ فيه بحَسَبِ التصرُّفِ في المِلكِ ، و ذلكَ لا يَصِحُّ في الإمامِ .(2)

دلالة لفظة «مولىٰ » على الأولىٰ بالتدبير، و أقسام ما تُستعمل فيه من معانٍ

يُقالُ له: قد بيّنّا أنّ لفظةَ «مَولىٰ‌» تُفيدُ في اللُّغةِ‌: مَن كانَ أَولىٰ بالتدبيرِ، و أحَقَّ بالشيءِ الذي قيلَ أنّه مَولاه. و استَشهَدنا مِن الاستعمالِ بما لا يُمكِنُ دَفعُه.(3)

غيرَ أنّ ما يُستَعمَلُ‌(4)هذه اللفظةُ فيه علىٰ ضربَينِ‌:

أحَدُهما: لا يَصِحُّ مع التَّخَصُّصِ‌(5)بتدبيرِه و التحقُّقِ بالتصرُّفِ فيه وصفُه بالطاعةِ ؛ كسائرِ ما يُملَكُ سِوَى العَبيدِ(6)، فإنّه قد يوصَفُ المالكُ للأموالِ و ما جَرىٰ مَجراها مِن المملوكاتِ بأنّه مَولىً لها، علَى الحَدِّ الذي وَصَفَ اللّٰهُ تَعالىٰ به الوَرَثةَ المُستَحِقّينَ للميراثِ و(7)المُختَصّينَ بالتصَرُّفِ فيه، في قولِه تَعالىٰ : (وَ لِكُلٍّ جَعَلْنٰا مَوٰالِيَ مِمّٰا تَرَكَ الْوٰالِدٰانِ وَ الْأَقْرَبُونَ وَ الَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمٰانُكُمْ )(8)و إن كانَ دخولُ لفظِ(9)«الطاعةِ » و وجوبِها في ذلكَ مُمتَنِعاً.

و الضربُ الآخَرُ: يَصِحُّ مع التحقُّقِ به و التملُّكِ له وصفُه بالطاعةِ و وجوبِها؛


1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «يوصف».

2) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 155.

3) . راجع ص 151 و ما بعدها، و 163 و ما بعدها، فإنّ مجموع ما في هذين الموضعين يعكس ما جاء في المتن هنا.

4) . في «ج، ف»: «ما استعمل». و في «ص، ط»: «من استعمل». و في التلخيص: «ما تستعمل».

5) . في «ج، د، ص، ط، ف»: «مع التخصيص».

6) . في «د»: «العبد».

7) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: - «و».

8) . النساء (4):33.

9) . في «ص» و التلخيص: «لفظة».

كالوصفِ للسيِّدِ بأنّه مَولَى العَبدِ(1)، و وَليِّ المَرأةِ - في الخبرِ الذي أَورَدناه مُتقدِّماً(2)- بأنّه مَولاها.

و رُجوعُ كِلا الوجهَينِ إلىٰ معنىً واحدٍ؛ و هو التَّحَقُّقُ بالشيءِ و التخَصُّصُ (3)بتدبيرِه، و لا مُعتَبَرَ بامتناعِ دخولِ لفظِ(4)«الطاعةِ » في أحَدِهما دونَ الآخَرِ إذا كانَت الفائدةُ واحدةً .

صحّة إطلاق «مولىٰ » على الوالِد و المستأجِر مع التقييد

فأمّا إلزامُه إجراءَ لفظةِ «مَولىٰ‌» علَى الوالدِ و المُستأجِرِ للأجيرِ مِن حَيثُ وَجَبَت طاعتُهما، فغَيرُ مُمتَنِعٍ أن يُقالَ في الوالدِ: إنّه مَولىٰ وَلَدِه؛ بمعنىٰ أنّه أَولىٰ بتدبيرِه، كما أنّه قد يُستَعمَلُ فيه ما يَقومُ مَقامَ «مَولىٰ‌» مِن الألفاظِ، فيُقالُ‌: إنّه أحَقُّ بتدبيرِ وَلَدِه(5)و أَولىٰ به. و كذلكَ القولُ في المُستأجِرِ؛ لأنّه يَملِكُ تَصَرُّفَ الأجيرِ، إلّاأنّ إطلاقَ ذلكَ مِن غيرِ تقييدٍ(6)و ضربٍ مِن التفصيلِ رُبَّما لَم يَحسُنْ ، لَيسَ لأنّ اللُّغةَ لا تَقتَضيه، لكِنْ لأنّ لفظةَ «مَولىٰ » قد كَثُرَ استعمالُها بالإطلاقِ في مالكِ العَبدِ و مَن جَرىٰ مَجراه، فصارَ تقييدُها في الوالدِ واجباً؛ إزالةً لِلَّبسِ (7)و الإيهامِ (8). و مِثلُ هذا كَثيرٌ في الألفاظِ، و لَيسَ هو(9)بمُخرِجٍ لها عن حقائقِها و أُصولِها.


1) . في «ج، ص، ط، ف»: «للعبد».

2) . تقدّم في ص 155.

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «و التخصيص».

4) . في التلخيص: «لفظة».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «بتدبيره».

6) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «من غير تفسير».

7) . في «ج، ص، ط»: «مع إزالة اللبس».

8) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و الإبهام».

9) . في «ج، ص، ط، ف»: - «هو».

ثُمَّ يُقالُ له: إذا قُلتَ‌: إنّ لفظةَ «مَولىٰ‌» تُفيدُ الموالاةَ في الدينِ التي يَحصُلُ‌(1)بَينَ المؤمنينَ‌، فهَلّا أطلَقتَ علَى الوالدِ أنّه مَولىٰ وَلَدِه، و المُستأجِرِ أنّه مَولىٰ أجيرِه إذا كانَ الجميعُ مؤمنينَ‌، و ذَهَبتَ في اللفظةِ إلىٰ معنَى(2)الموالاةِ؟

فإن قُلتَ : إنّي أُطلِقُ ذلكَ و لا أحتَشِمُ منه.

قُلنا لكَ : و نَحنُ أيضاً نُطلِقُ ما سُمتَنا(3)إطلاقَه(4)، و نُريدُ(5)المعنَى الذي ذَهَبنا إليه؛ لأنّ قِلّةَ الاستعمالِ إذا لَم تَكُن مانعةً لكَ مِن إطلاقِ اللفظِ علَى المعنَى الذي

اختَرتَه لَم تَكُن مانعةً لنا، و أدِلّتُنا ثابتةٌ (6).

و إن أبَيْتَ (7)الإطلاقَ كُنتَ مُناقِضاً، إلّاأن تَعتَذِرَ بمِثلِ ما اعتَذَرنا به.

صحّة إطلاق «مولىٰ » على الرئيس و السيّد

فأمّا الرئيسُ و(8)السيِّدُ، فلا شُبهةَ في إجراءِ لفظةِ «مَولىٰ » عليه، و قد حَكَينا ذلكَ فيما تَقدَّمَ عن أهلِ اللُّغةِ (9)، و لَيسَ هو ممّا يَقِلُّ استعمالُه في كلامِهم(10)، بَل ظهورُه بَينَهم


1) . في التلخيص: «تحصل».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: + «في».

3) . في «د، ص، ط»: «ما سمينا». و في التلخيص و حاشية «ف»: «ما ألزمتمونا». و «سُمتنا» أي كلّفتنا. يقال: سُمْتُ الرجلَ أسومه سَوْماً: إذا كلّفته عملاً أو أجشمته أمراً يكرهه. جمهرة اللغة، ج 2، ص 862 (سوم).

4) . في «د» و المطبوع و الحجري: + «فيهما».

5) . في المطبوع و الحجري: «و يزيد»، و هو سهو.

6) . في «د»: - «و أدلّتنا ثابتة». و في المطبوع و الحجري: «لم تكن مانعة - و أدلّتنا ثابتة - لنا».

7) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و إذا ثبت».

8) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «و».

9) . تقدّم في ص 157.

10) . في «ج، ص، ط، ف»: «ممّا يقلّ في كلامهم استعماله».

كظُهورِ استعمالِ لفظةِ (1)«رَبٍّ » في الرئيسِ ، و دَفعُ ما جَرىٰ هذا المَجرىٰ قَبيحٌ .

صحّة إطلاق «مولىٰ » علىٰ مالك العبد من حيث كونه مالكاً لطاعته

فأمّا إنكارُه استعمالَ لفظةِ «مَولىٰ‌» في مالكِ العَبدِ مِن حَيثُ مَلَكَ طاعتَه، و قولُه:

«إنّما وُصِفَ بمَولىٰ مِن حَيثُ مَلَكَ بَيعَه و شِراءَه و التصَرُّفَ فيه» فهو إنكارٌ مُتضمِّنٌ للإقرارِ و إن لَم يَشعُر به(2)لأنّا نَعلَمُ أنّ المالكَ مِن العبدِ التصرُّفَ بالبَيعِ و الاستخدامِ و غيرِهما(3)مِن وجوهِ المَنافعِ لا يَصِحُّ أن يَكونَ مالكاً لذلكَ إلّا و يَجِبُ علَى العَبدِ طاعتُه فيه و الانقيادُ له في جميعِه، فقَد صارَ مِلكُ التصرُّفِ‌(4)غيرَ مُنفَصِلٍ مِن مِلكِ الطاعةِ‌(5)و وجوبِها، بَل المُستَفادُ بِمِلكِ (6)التصَرُّفِ (7)معنىٰ وجوبِ الطاعةِ و الانقيادِ فيما يَرجِعُ إلَى العَبدِ، و إنّما انفَصَلَ التصَرُّفُ المُستَحَقُّ علَى العَبدِ مِن الذي لَيسَ بمملوكٍ (8)و لا مُستَحَقٍّ بهذه المَزيّةِ (9). و هذا يُبيِّنُ أنّ الذي أباه صاحبُ الكتابِ لا بُدَّ له مِن الاعترافِ به.

ثُمَّ يُقالُ له: إذا كانَ وَصفُ «مَولَى العَبدِ» إنّما أُجريَ مِن حَيثُ مَلَكَ بَيعَه و شِراءَه لا مِن حَيثُ وَجَبَت طاعتُه عليه، فيَلزَمُكَ أن تُجريَ هذا الوصفَ في كُلِّ مَوضِعٍ


1) . في «ج، ص، ط، ف»: «لفظ».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: + «صاحب الكتاب».

3) . في المطبوع و الحجري: «و غيرها».

4) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «مالك التصرّف».

5) . هكذا في «ف» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «مالك الطاعة».

6) . هكذا في «ف» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «بمالك التصرّف».

7) . من قوله «غير منفصل...» إلى هنا سقط من «ج، ص، ط».

8) . في المطبوع و الحجري: «لمملوك».

9) . في «ج»: «و لا بمستحقّ بهذه المرتبة». و في التلخيص: «المنزلة» بدل «المزيّة».

حَصَلَ فيه هذا المعنىٰ‌، فتَقولَ في المالكِ للثوبِ و الدارِ و البَهيمةِ و الضَّيعةِ‌: إنّه مَولىً لجميعِ ذلكَ‌، و تُطلقَ‌(1)القولَ مِن غيرِ تَقييدٍ(2). فإن فَعَلتَ و أطلَقتَ ما سُمناكَ‌(3)إطلاقَه - ذَهاباً إلىٰ أنّ أصلَ اللفظةِ‌(4)في الوضعِ و معناها يَقتَضيانِه - و لَم تَحفِلْ‌(5)

بقِلّةِ الاستعمالِ ، جازَ لنا أن نُطلِقَ أيضاً في الوالدِ أنّه مَولىٰ وَلَدِه، و كذلكَ في الأجيرِ، و نَذهَبَ إلىٰ معنَى اللفظةِ و ما يَقتَضيهِ وضعُها، و لا نَجعَلَ قِلّةَ الاستعمالِ مؤثِّراً؛ فلَيسَ ما سُمتَنا(6)إطلاقَه بأقَلَّ في الاستعمالِ ممّا ألزَمناكَ أن تُطلِقَه.

و إن أَبَيتَ الإطلاقَ ، فلَيسَ لكَ بُدٌّ مِن أن تَصيرَ إلىٰ ما ذَكرناه، و إلّاكُنتَ مُناقِضاً.

و يَسقُطُ(7)علىٰ كُلِّ حالٍ إلزامُكَ الذي ظَنَنتَ أنّكَ تَتوصَّلُ (8)به إلىٰ إبطالِ قولِنا في إجراءِ لفظةِ «مَولىٰ » علىٰ مَن وَجَبَت طاعتُه.

بيان عدم توقّف الاستدلال بحديث الغدير علىٰ دلالة «مولىٰ » علىٰ ملك الطاعة

علىٰ أنّ استدلالَنا بخبرِ الغَديرِ علىٰ إيجابِ الإمامةِ لا يَفتَقِرُ إلىٰ أنّ لفظةَ «مَولىٰ » تَجري علَى الإمامِ و مالكِ الطاعةِ بغَيرِ(9)واسطةٍ ؛ لأنّا قد بيّنّا احتمالَها لِ‍ «أَولىٰ »، و هذا ممّا لا يُمكِنُ صاحبَ الكتابِ و لا أحَداً دَفعُه؛ فإنّه ظاهرٌ في اللُّغةِ . و قد


1) . في «د، ص، ط» و الحجري: «و يطلق».

2) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «من غير تقييده».

3) . في «د»: «ما سميناك». و في المطبوع و الحجري: «ما سمّينا لك».

4) . في «د»: «اللغة».

5) . الحفل: المبالاة، و ما أحفِلُ به، أي ما أُباليه. المحيط في اللغة، ج 3، ص 107 (حفل).

6) . في «د، ص»: «سمينا».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «و سقط».

8) . في «ج، ص، ط، ف»: «أنّه يُتوصّل».

9) . في «ج، ص، ط، ف»: «من غير».

ذَكرنا فيما تَقدَّمَ مِن(1)الشواهدِ عليه ما في بعضِه كفايةٌ‌.(2)

و إذا احتَمَلَت «أَولىٰ‌» مِن غيرِ إضافةٍ‌، و قد عَلِمنا أنّ «الأَولىٰ‌» في اللُّغةِ هو «الأحَقُّ‌» بلا خِلافٍ‌. و قد يَجوزُ أن يُستَعمَلَ لفظةُ «أحَقَّ‌» و «أَولىٰ‌» مُضافتَينِ‌(3)إلَى الطاعةِ‌، كما يَجوزُ استعمالُهما(4)في غيرِ الطاعةِ مِن ضُروبِ الأشياءِ‌. و إذا جازَ ذلكَ - و ثَبَتَ أنّ مُقدِّمةَ خبرِ الغَديرِ تَضمَّنَت التقريرَ بوجوبِ الطاعةِ‌، و كانَ معنىٰ «أَولىٰ بِكم»: أَولىٰ بتدبيرِكم و وجوبِ الطاعِة عليكم، بغَيرِ خِلافٍ أيضاً، و كُنّا قد دَلَّلنا فيما تَقدَّمَ علىٰ أنّ ما أوجَبَه في الكلامِ الثاني(5)يَجِبُ أن يَكونَ مُطابِقاً لمُقتَضَى(6)المُقدِّمةِ الأُولىٰ‌(7)، حتّىٰ كأنّه عليه السلامُ قالَ‌(8): مَن كنتُ أَولىٰ به في تدبيرِه و أمرِه و نهيِه فعَليٌّ أَولىٰ به في ذلكَ - فقَد وَضَحَ ما قَصَدناه مِن الدَّلالةِ علَى النصِّ بالإمامةِ‌، مِن غيرِ حاجةٍ إلىٰ أنّ لفظةَ «مَولىٰ‌» تَجري علىٰ مِلكِ الطاعةِ‌(9)بنفسِها.

هذا علَى الطريقةِ الأُولىٰ‌.(10)

فأمّا علىٰ طريقةِ التقسيمِ (11)فهي أيضاً غيرُ مُفتَقِرةٍ إلىٰ ذلكَ ؛ لأنّه إذا بَطَلَ أن يَكونَ


1) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: + «كلامنا في».

2) . تقدّمت في ص 151 و ما بعدها.

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «لفظ أحقّ و أولىٰ مضافين».

4) . في المطبوع و الحجري: «استعمالها».

5) . الكلام الثاني هو قوله صلّى اللّٰه عليه و آله: «من كنت مولاه فعليّ مولاه». و المقدّمة الأُولى قوله صلّى اللّٰه عليه و آله: «أ لست أولى بكم منكم بأنفسكم ؟».

6) . في «ص»: «بمقتضى».

7) . تقدّم في ص 137-138.

8) . في المطبوع و الحجري: «كأنّه قال عليه السلام».

9) . في «ج، ص، ط، ف»: «مالك الطاعة».

10) . تقدّمت في ص 137-138 و 159-163 و 165-166 و 168.

11) . تقدّمت في ص 168-171.

مُرادُه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه بلفظةِ «مَولىٰ » سائرَ ما يَحتَمِلُه اللفظةُ سِوىٰ «أَولىٰ »، و بَطَلَ أن يُريدَ بأَولىٰ شَيئاً ممّا يَجوزُ أن يُضافَ إلىٰ هذه اللفظةِ سِوىٰ ما يَقتَضي الإمامةَ و التحَقُّقَ بالتدبيرِ - لِما تَقدَّمَ ذِكرُه - فقَد وَضَحَ وجهُ الاستدلالِ بالطريقَتَينِ معاً.

قالَ صاحبُ الكتابِ :

و قد ذَكَرَ أبو مُسلِمٍ‌(1)أنّ هذه الكلمةَ مأخوذةٌ مِن الموالاةِ بَينَ الأشياءِ‌؛ بمعنىٰ‌(2)إتْباعِ بعضِها بعضاً، و لذلكَ يَقولونَ فيمن يَختَصّونَ به مِن أقربائهم إذا أخبَروا عنهم: هذا لي و لِمَن يَليني(3). فكأنّ‌(4)المعنىٰ في كَونِ المؤمنِ مُوالياً لأخيه أن يَكونَ مُتابِعاً له، ثُمَّ تَصرَّفوا في الاستعمالِ قَرينةً‌(5)علىٰ أنّ التعارُفَ‌(6)في ذلكَ هو بمعنَى النُّصرةِ و مُتابَعةِ البعضِ للبعضِ فيما يَتَّصِلُ بأمرِ الدينِ‌. و ذلكَ لا يَليقُ بالإمامةِ‌؛ لأنّ الوجهَ الذي له يَكونُ مَولىً لهم يَقتَضي أن يَختَصّوا(7)بمُتابَعتِه، فتَكونَ‌(8)المُتابَعةُ مِن أحَدِ الطرَفَينِ‌، و اشتقاقُ اللفظةِ‌(9)يَقتَضي المُتابَعةَ مِن كِلا الطرَفَينِ‌، و ذلكَ يَليقُ بالموالاةِ في الدينِ‌.

و إنّما يُقالُ في الإمامِ «إنّه مَولىً » لا مِن جهةِ الإمامةِ ، بَل مِن جهةِ


1) . تقدّمت ترجمته في ص 102.

2) . هكذا في النسخ و المغني. و في المطبوع و الحجري: «يعني».

3) . هكذا في النسخ و المغني. و في المطبوع و الحجري: «و لمن يلين».

4) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و المغني. و في «د» و المطبوع و الحجري: «و كأنّ ».

5) . في «ج، ص، ط، ف» و الحجري: «و نبه». و في المغني: «رتبه».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «المتعارف».

7) . في «ص»: «أن يخصّوا». و في المغني: «أن يختصّها».

8) . هكذا في المغني. و في «ج، ص، ط، ف»: «فيكون». و في «د» و المطبوع: «و يكون».

9) . هكذا في النسخ و المغني. و في المطبوع و الحجري: «اللفظ».

الدينِ‌؛ لأنّه إذا اختَصَّ بالإمامةِ لَزِمَته النُّصرةُ و سائرُ ما يَختَصُّ به(1)و يَتعلَّقُ بالدينِ‌. و علىٰ هذا الوجهِ يُقالُ في سائرِ رَعيّتِه أنّهم مَوالٍ له، كما يُقالُ فيه أنّه مَولىً لهم.

و قد بيّنّا أنّ المَعانيَ التي يَختَصُّ بها الإمامُ و تُفيدُها الإمامةُ لا يُعلَمُ‌(2)إلّابالشرعِ‌؛ لأنّ العقلَ لا يُميِّزُ ذلكَ مِن غيرِه، و إنّما نَعرِفُ ذلكَ‌(3)شرعاً؛ فلا يُمكِنُ أن يُقالَ‌: إنّ لفظةَ «المَولىٰ‌» تُفيدُه مِن جهةِ اللُّغةِ إلّاعلىٰ وجهِ التشبيهِ‌، و لا يُمكِنُ أن يُقالَ‌: إنّها لفظةٌ شَرعيّةٌ‌، و لا للتعارُفِ فيها مَدخَلٌ‌؛ فكَيفَ‌(4)يُمكِنُ ما ذَكروه مِن إدخالِ ذلكَ في القِسمةِ ، فضلاً عن(5)أن يَقولوا: إنّه الظاهرُ مِن الكلامِ؟! و مِن عجيبِ الأُمورِ في هذا

المُستَدِلِّ أنّه ذَكَرَ في الخبرِ سائرَ الأقسامِ ، و تَرَكَ ما حَمَلَ شُيوخُنا الخبرَ عليه، و لَو اشتَغَلَ بذلكَ (6)لَكانَ أَولىٰ به [و قد بيّنّا ما في ذلكَ مِن الكلامِ ، و تَقَصَّيناه و بيّنّا أنّه المُرادُ، دونَ غيرِه].(7)

دلالة كلام أبي مسلم الأصفهانيّ علىٰ أنّ لفظة «وليّ » تُطلق علىٰ مَن تجب طاعته

يُقالُ له: إنّ الذي حَكَيتَه عن أبي مُسلِمٍ لا يُنكَرُ أن يَكونَ صحيحاً، و هو إذا صَحَّ لا يَضُرُّنا و لا يَنفَعُكَ ، و إن كنتَ قد أتبَعتَه بشَيءٍ (8)مِن عندِكَ لَيسَ بصحيحٍ ،


1) . في «د» و المغني: - «به».

2) . في المغني: «لا تعلم».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «و إنّما يعرفه». و في المغني: «و إنّما يعرف ذلك».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «و كيف».

5) . في «د» و المطبوع: - «عن».

6) . في المغني: «و ترك ما حمل شيوخنا الخبر عليه المتقدّمون و المتأخّرون. و لو استدلّ بذلك».

7) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 155-156. و ما بين المعقوفين من المصدر.

8) . في «د»: «شيئاً».

و لا خافي الفَسادِ(1)لأنّ أبا مُسلِمٍ فَسَّرَ معنَى الموالاةِ و اشتقاقَها، و لَم يَقُلْ أنّ لفظةَ «وليُّ‌» أو «مَولىٰ‌» لا معنىٰ لها و لا يَحتَمِلُ إلّاالموالاةَ التي فَسَّرَها بالمُتابَعةِ‌، بَل قد صَرَّحَ بضِدِّ ذلكَ‌. و نَحنُ نَحكي كلامَه بعَينِه في المَوضِعِ‌(2)الذي نَقَلَ منه صاحبُ الكتابِ الحِكايةَ‌.

قالَ أبو مُسلِمٍ في كتابِ‌(3)«تفسيرِ القُرآنِ‌» عندَ انتهائه إلىٰ قَولِه تَعالىٰ‌: (إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ‌)(4). في المطبوع و الحجري: «ما يريد».(5)بَعدَ كلامٍ قَدَّمَه:

و قد ذَكرنا معنَى «الوليِّ‌» و «الموالاةِ‌» في عِدَّةِ مَواضِعَ ممّا فَسَّرنا مِن السُّوَرِ الماضيةِ ، و جُملةُ معناه: أن يَكونَ الرجُلُ تابعاً مَحبّةَ أخيهِ في كُلِّ أحوالِه، و يَملِكُ منه ما يَملِكُه مِن نفسِه، و يُريدُ له ما يُريدُه(5) لها.

و الناسُ يَقولونَ فيمَن يَختَصّونَ مِن أقارِبِهم إذا أخبَروا عنهم: «هذا لي و لِمَن يَليني»؛ و كأنّ المعنىٰ مأخوذٌ مِن الموالاةِ بَينَ الأشياء، أي إتْباعِ بعضِها بعضاً، فيَكونُ المؤمنُ مُوالياً لأخيهِ أي مُتابِعاً له.

و يَكونُ المعنىٰ في نسبةِ (6)ذلكَ إلَى اللّٰهِ تَعالىٰ بقَولِه: (إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ ) أي مَن يَملِكُكم و يَلي أمرَكم و تَجِبُ (7)عليكم طاعتُه و اتّباعُه، و إلَى الرسولِ - بما عَطَفَ مِن ذِكرِه علَى اللّٰهِ تَعالىٰ - بما(8)


1) . في «ج، ص، ط، ف»: - «ليس بصحيح ولا خافي الفساد».

2) . في «د»: «في المواضع».

3) . في «ج، ص، ف»: «كتابه».

4) . المائدة

5) :55.

6) . في «ج، د، ص، ف»: «في نسب».

7) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و يجب».

8) . في «ج، ص، ط، ف»: «لما».

فَرَضَ اللّٰهُ مِن طاعتِه في أدائه عن اللّٰهِ تَعالىٰ - إذ يَقولُ‌: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطٰاعَ اللّٰهَ )(1). في «ج، ص، ط» و المطبوع و الحجري: «ينسب».(2)- و بما يَبذُلُه(3)صلّى اللّٰه عليه و آله مِن النُّصحِ للمؤمنينَ ، و هو فَوقَ ما يُعطيهِ بعضُهم بعضاً، كما قالَ اللّٰهُ تَعالىٰ : (النَّبِيُّ

أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ‌).(4)

و إنّما نَسَبَ‌(4) إلَى (الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاٰةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ‌)(5)ما(6)قَدَّمناه(7)مِن الاتّفاقِ بَينَهم، و طاعةِ كُلِّ واحدٍ منهم لصاحبِه، و مُظافَرتِه إيّاه علىٰ أمرِ اللّٰهِ‌، و مِلكِه مِن أخيهِ ما يَملِكُه مِن نفسِه فيه(8)».(9)

هذا كلامُه بألفاظِه، و هو يَشهَدُ بما نَذهَبُ (10)إليه مِن إجراءِ لفظةِ «وليُّ » علىٰ مَن يَجِبُ (11)طاعتُه و الانتهاءُ إلىٰ أمرِه، علىٰ خِلافِ ما يُريدُه صاحبُ الكتابِ و يَذهَبُ إليه.

و إذا كانَ معناها و أصلُ اشتقاقِها إذا أُريدَ بها الموالاةُ يَقتَضيانِ المُتابَعةَ علىٰ ما ذُكِرَ، لَم يُنافِ ذلكَ قولَنا، و لا قَدَحَ فيه؛ لأنّا قد ذَكرنا فيما تَقدَّمَ أنّ لفظةَ «مَولىٰ »


1) . النساء

2) :80.

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «و ما يبذله».

4) . الأحزاب (33):6.

5) . المائدة (5):55.

6) . في «ج، ص»: «لما».

7) . في «د»: «قدّمنا».

8) . في «ج، ص، ط، ف»: - «فيه».

9) . تفسير أبي مسلم مفقود، راجع: نفائس التأويل، ج 2، ص 236، ذيل الآية 67 من سورة المائدة (5).

10) . في المطبوع و الحجري: «يذهب».

11) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «تجب».

و «وليُّ » تَجريانِ (1)علَى الموالاةِ في الدينِ (2)، و دَلَّلنا علىٰ أنّ المُرادَ بهما في الآيةِ و خبرِ الغَديرِ ما ذَهَبنا إليه دونَ غيرِه.

مخالفة كلام أبي مسلم لكلام القاضي

و في كلامِ أبي مُسلِمٍ ما يُخالِفُ رأيَ صاحبِ الكتابِ مِن وجهٍ آخَرَ؛ لأنّه جَعَلَ قولَه تَعالىٰ‌: (النَّبِيُّ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ‌) مُوافِقاً لمعنَى الآيةِ التي ذَكَرَها(3)في اقتضاءِ وجوبِ الطاعةِ و الاتّباعِ‌، و معلومٌ أنّ التقريرَ في مُقدِّمةِ خبرِ الغَديرِ وَقَعَ بما أوجَبَه اللّٰهُ تَعالىٰ في الآيةِ لرسولِه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و أنّ المعنَيَينِ مُتَطابِقانِ‌. و صاحبُ الكتابِ يُنكِرُ - فيما حَكَيناه مِن كلامِه و نَقَضناه - أن يَكونَ التقريرُ وَقَعَ بفرضِ الطاعةِ في خبرِ الغَديرِ، و قد بيّنّا أنّه خِلافٌ للأُمّةِ‌(4). و قد كانَ يَجِبُ عليه - إذا احتَجَّ بكلامِ أبي مُسلِمٍ في المَوضِعِ الذي حَكاه(5)و جَعَلَه قُدوةً فيما يَرجِعُ إلَى اللُّغةِ و الاشتقاقِ - أن يَلتَزِمَ جميعَ ما ذَكَرَه(6)هناكَ ، و لا يَقصُرَ(7)احتجاجَه علىٰ ما وافَقَ هَواه دونَ ما خالَفَه.

و لَيسَ له(8)أن يَقولَ : إنّ الخطأَ يَجوزُ علىٰ أبي مُسلِمٍ في بعضِ كلامِه دونَ بعضٍ ؛ لأنّ ذلكَ إنّما(9)يَجوزُ فيما طريقُه الاستدلالُ ، فأمّا فيما طريقُه اللُّغةُ - التي لا مَجالَ للاِستدلالِ و القياسِ فيها، و إنّما يؤخَذُ سَماعاً - فإنّه لا يَجوزُ، لا سِيَّما


1) . في «ج، د، ص»: «يجريان».

2) . تقدّم في ص 71، 185-186.

3) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «ذكرناها».

4) . في «ف» و حاشية «ج»: «خلاف للآية». و في «ص»: «لا خلاف إلّابه».

5) . في «ص»: «حكيناه».

6) . في «ج، ص، ف»: «ما ذكر».

7) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و لا يقتصر».

8) . في «ج، ص، ط، ف»: «و ليس يمكنه».

9) . في «ج، ص، ط، ف»: - «إنّما».

و قد جَعَلَ قولَه في معنَى اللفظةِ و اشتقاقِها حُجّةً ! و مَن كانَ بهذه المَنزِلةِ فيما يَرجِعُ إلَى اللُّغةِ ، يَجِبُ أن يُرجَعَ إلىٰ جميعِ قولِه في معنىٰ هذه اللفظةِ و تأويلِها.

جواز استعمال صيغة «المفاعلة» في الواحد و الاثنين

فأمّا الخطأُ الذي أتْبَعَ صاحبُ الكتابِ به(1)كلامَ أبي مُسلِمٍ‌، فهو اعتقادُه أنّ الموالاةَ إذا كانَت بمعنَى المُتابَعةِ استحالَ حصولُها مِن جهةٍ واحدةٍ‌، و وَجَبَ أن لا يَدخُلَ إلّابَينَ اثنَينِ‌.

و هذا خطأٌ فاحشٌ‌؛ لأنّ لفظةَ المُفاعَلةِ لَيسَ يَجِبُ‌(2)في كُلِّ مَوضِعٍ دخولُها بَينَ اثنَينِ‌(3)، و إن كانَ قد يَدخُلُ‌(4)بَينَهما في أكثَرِ المَواضِعِ‌. فمِن لفظةِ المُفاعَلةِ المُستَعمَلةِ في الواحدِ دونَ الاثنينِ قولُهم: «ناوَلتُ‌»، و «عاقَبتُ‌(5)»، و «ظاهَرتُ‌»، و «عافاهُ اللّٰهُ‌»، و(6)ما يَجري(7)مَجرىٰ ما ذَكرناه ممّا يَتَّسِعُ ذِكرُه، و قولُهم: «تابَعتُ (8)» و «والَيتُ » لاحِقٌ بما عَدَّدناه ممّا(9)يَكونُ عبارةً عن الواحدِ و إن كانَ لفظُه لفظَ المُفاعَلةِ .

جواز استفادة معنى الإمامة من اللغة

فأمّا ما ذَكره في آخِرِ كلامِه - مِن أنّ ما تُفيدُه(10)الإمامةُ و يَختَصُّ به الإمامُ لا يُعلَمُ إلّا بالشرعِ‌، و تَوَصُّلُه بذلكَ إلىٰ أنّ لفظةَ «مَولىٰ‌» لا تُفيدُ الإمامةَ - فغَيرُ صحيحٍ ؛ لأنّ


1) . في المطبوع و الحجري: - «به».

2) . في «ط»: «ليس تجب».

3) . في «د» و المطبوع و الحجري: «دخوله بين الاثنين».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «قد دخل».

5) . في «ص»: «و عافيت».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «و كلّ ».

7) . في «ص»: «و ما جرىٰ ».

8) . في «د»: «بايعت».

9) . في «ج، ص، ط، ف»: «فيما».

10) . في «د، ف» و الحجري: «يفيده».

الإمامةَ تَجري في اللُّغةِ علىٰ معنَى الاتّباعِ و الاقتداءِ‌، و هي في الشرعِ أيضاً تُفيدُ هذا المعنىٰ‌، و إن كانَت الشريعةُ‌(1)وَرَدَت بأحكامٍ يَتولّاها الإمامُ علَى التفصيلِ لا يُفيدُها اللفظةُ اللُّغويّةُ المُفيدةُ للاتّباعِ‌(2)و الاقتداءِ علىٰ سَبيلِ الجُملةِ‌.

و قد بيّنّا أنّ الخبرَ إذا اقتَضىٰ وجوبَ الطاعةِ و الاتّباعِ ، فقَد دَلَّ علَى الإمامةِ بجميعِ أحكامِها الشرعيّةِ ؛ لأنّ الطاعةَ علىٰ جميعِ الخَلقِ في سائرِ الأُمورِ لا تَجِبُ بَعدَ النبيِّ إلّاللإمامِ ؛ فقَد بَطَلَ قولُه: «إنّ الإمامةَ لا تَدخُلُ في القِسمةِ ».

فأمّا تأويلُ شُيوخِه للخبرِ، فقَد تَقدَّمَ كلامُنا عليه.(3)

قالَ صاحبُ الكتابِ :

فأمّا ما أورَدَه مَن زَعَمَ‌(4)أنّه لَو لَم يُرِدْ عليه السلامُ (5)به الإمامةَ ، لَكانَ قد تَرَكَهم في حَيرةٍ و عَمّىٰ عليهم(6).

فإنّه يُقالُ له: ما الذي يَمنَعُ أن يَثبُتَ (7)في كلامِه عليه السلامُ ما(8)لا يَدُلُّ

ظاهرُه(9)علَى المُرادِ؟


1) . في «ص، ف»: «في الشريعة».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «الاتّباع».

3) . تقدّم في ص 175 و ما بعدها.

4) . يعني بذلك أبا جعفر بن قِبة، كما سيأتي ذلك في كلام المصنّف رحمه اللّٰه.

5) . في «د» و المطبوع و الحجري: «صلّى اللّٰه عليه و آله». و كذا في الموارد الآتية.

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «الإمامة به لكان قد عمّى عليهم و تركهم في حيرة («ص»: حيرتهم)».

7) . في المغني: - «أن يثبت».

8) . في «د» و المغني: «ممّا».

9) . في المغني: - «ظاهره».

فإن قالَ‌: لأنّه يؤدّي إلىٰ ضِدِّ ما بُعِثَ له مِن البيانِ‌.

قيلَ له: ألَيسَ في كتابِ اللّٰه تَعالَى البيانُ و الشِّفاءُ‌، و فيه مُتَشابِهٌ لا يَدُلُّ ظاهرُه علَى المُرادِ؟ [و ما الذي يَمنَعُ منِ مِثلِه في كلامِه عليه السلامُ؟](1)

فإن قالَ‌: إنّ المُتَشابِهَ و إن كانَ ظاهرُه لا يَدُلُّ علَى المُرادِ، ففي دليلِ العقلِ ما يَبينُ المُرادُ به.

قيلَ له: فيَجوزُ(2)مِثلُه في كلامِه عليه السلامُ‌؛ لأنّ مَن خالَفَ لا يَقولُ‌:

إنّه عليه السلامُ لَم يُرِدْ بذلكَ فائدةً‌، و إنّما يَقولُ‌: إنّ ظاهرَه لا يَدُلُّ علىٰ مُرادِه، و إنّما يَدُلُّ عليه بقَرينةٍ‌.

ثُمَّ قالَ‌:

فإن قالَ‌: إنّما أرَدتُ (3)أنّه عليه السلامُ لمّا عُرِفَ قَصدُه(4)عندَ هذا الكلامِ باضطرارٍ إلَى(5)الإمامةِ ، فلَو لَم يَدُلَّ الكلامُ عليه لَكانَ مُعمِّياً(6)[لِمَن بَعدَه و إن كانَ قد انكَشَفَ مُرادُه للحاضرينَ ].(7)

و شَرَعَ (8)في الجوابِ عن هذا السؤالِ بما لَم نَذكُرْه(9)لأنّا لا نَسألُه عنه قَطُّ


1) . ما بين المعقوفين من المغني.

2) . في «ج، ص، ط، ف» و المغني: «فجوّز».

3) . في المغني: + «بهذا الكلام».

4) . في «ص»: «من قصده».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «أمر» بدل «إلى».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «معمّا».

7) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 156-157. و ما بين المعقوفين من المصدر.

8) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و نشرع».

9) . في «د»: «لم يذكره».

فنَشتَغِلَ بإفسادِ(1)جوابِه.(2)

و قالَ في آخِرِ الفَصلِ :

و مِن عَجيبِ أمرِ هذا المُستَدِلِّ أنّه ادَّعىٰ ما يَجري مَجرَى الضرورةِ عندَ هذا الخبرِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنّه(3)اشتَبَهَ علَى الناسِ بَعدَ وفاةِ رسولِ اللّٰهِ صَلّى اللّٰهُ عليه(4)حالُ هذا النصِّ‌؛ مِن حَيثُ ثَبَتَ عندَهم قولُه: «الأئمّةُ مِن قُرَيشٍ‌» و ظَنّوا أنّ هذا العمومَ يَقضي علىٰ ذلكَ النصِّ‌.

قالَ‌:

و هذا مِن بَعيدِ ما يُقالُ‌؛ لأنّهم إذا عَرَفوا ذلكَ باضطرارٍ و هُم جَمعٌ عظيمٌ ، فلا بُدَّ مِن أن يَعرِفَه غيرُهم بخبرِهم(5)، و مَتَى اشتَهَرَت الحالُ في ذلكَ لَم يَصِحَّ وقوعُ الاشتباهِ عليهم، [و كانَ يَجِبُ إذا اشتَبَهَ علىٰ بعضٍ أن يَصدَعَ مَن لَم يَشتَبِهْ عليه بهذا الحَقِّ .

و كَيفَ يُعتَرَضُ علىٰ ذلكَ بقَولِه: «الأئمّةُ مِن قُرَيشٍ » و ذلكَ يَجِبُ حَملُه علىٰ ما يُنبئُ عن نصٍّ مُفصَّلٍ؟

و لا يَخلو هذا المُستَدِلُّ مِن أن يَدَّعيَ الاضطرارَ، فلا يَكونُ في جَمعِ ذلكَ شُبهةٌ ؛ أو لا يَدَّعيَه و يَرجِعَ إلَى الظاهرِ، فيَكونُ الكلامُ عليه ما قَدَّمناه].(6)


1) . في المطبوع و الحجري: «بإضمار».

2) . في «ج، ص، ف»: «ما في جوابه». و في «ط»: «في جوابه».

3) . في المغني: «ثمّ قال».

4) . هكذا في المغني. و في النسخ و المطبوع: + «و آله».

5) . في «ج، ص، ط، ف» و المغني: - «بخبرهم».

6) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 158. و ما بين المعقوفين من المصدر.

تقرير ابن قبة الرازي للاستدلال بحديث الغدير

يُقالُ له: قد عَلِمنا مَن الذي وَجَّهتَ كِنايَتَكَ في هذا الفَصلِ إليه، و هو شَيخُنا أبو

جعفرِ بنُ قِبةَ‌(1)رَحِمَه اللّٰهُ‌، و الذي ذَكَرَه في صَدرِ كتابِه المعروفِ ب‍ «الإنصافِ و الانتصافِ‌(2)» خِلافُ ما ظَنَنتَه؛ لأنّه إنما أوجَبَ كَونَ النبيِّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه مُلبِّساً مُحيِّراً(3)متىٰ لَم يَقصِدِ النصَّ بخبرِ الغَديرِ؛ مِن حَيثُ بَيَّنَ رَحِمَه اللّٰهُ‌(4)اقتضاءَ ظاهرِ الكلامِ للنصِّ‌(5)، و أنّه متىٰ حُمِلَ علىٰ خِلافِه كانَ القولُ خارجاً عن مَذهَبِ أهلِ اللُّغةِ .

و قد فَرَّقَ في الكتابِ أيضاً بَينَ مُتَشابِهِ القُرآنِ و بَينَ ما أنكَرَه؛ بأن قالَ :

إنّ العقلَ دالٌّ علىٰ أنّه تَعالىٰ لَم يَقصِدْ بذلكَ التشبيهَ و ما جَرىٰ مَجراه


1) . أبو جعفر، محمّد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي. متكلّم، عظيم القدر، حسن العقيدة، قويّ في الكلام. كان قديماً من المعتزلة و من تلامذة أبي القاسم البلخي شيخ المعتزلة، ثمّ تبصّر و انتقل إلىٰ مذهب الإماميّة، و كتب في نصرة مذهبهم و الردّ على خصومهم، فألّف كتاب: الردّ على الزيديّة و الردّ على أبي عليّ الجبّائي، و المسألة المفردة في الإمامة، و الإنصاف في الإمامة المذكور في المتن. و عن هذا الكتاب قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة (ج 1، ص 205) عند شرح الخطبة الشقشقية: «وجدت كثيراً منها في كتاب أبي جعفر بن قبة و هو الكتاب المعروف المشهور بكتاب الإنصاف». و قد نقض أبو القاسم البلخي هذا الكتاب بكتاب المسترشد في الإمامة، فنقضه ابن قبة بكتاب المستثبت في الإمامة، فنقضه أبو القاسم بكتاب نقض المستثبت. و توفّي ابن قبة في خراسان سنة 317 ه‍ قبل أن يصل إليه هذا النقض الأخير. الفهرست لابن النديم، ص 250؛ رجال النجاشي، ص 375-376، الرقم 1023؛ معالم العلماء، ص 95، الرقم 660؛ رجال العلّامة الحلّي، ص 143، الرقم 31.

2) . في «ج، ص، ط، ف»: «كتابه المعروف بالإنصاف هو».

3) . في «ج، ص، ط، ف»: «محيِّراً ملبِّساً».

4) . في «ج، ص، ط، ف»: - «رحمه اللّٰه».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «النصّ ».

ممّا لا يَجوزُ عليه، و المُخاطَبونَ في تلكَ الحالِ بالمُتَشابِهِ قد فَهِموا معناه، و لَيسَ مِثلُ هذا في النصِّ‌؛ لأنّ العقلَ لا يُحيلُ‌(1)أن يَكونَ عليه السلامُ قَصَدَ بخبرِ الغَديرِ إلَى(2)النصِّ‌.(3)

و أسقَطَ رَحِمَه اللّٰهُ قولَ مَن سَألَ فقالَ : «جَوِّزوا أن يَكونَ السامعونَ لخبرِ(4)الغَديرِ مِن النبيِّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه قد فَهِموا مُرادَه و أنّه لَم يُرِدْ به النصَّ » بأن قالَ :

إذا كانَت مَعرِفةُ المُرادِ مِن الكلامِ لازمةً لنا كلُزومِها لهم، لَم يَجُز أن يُخَصّوا بدَلالةٍ أو ما يَجري(5)مَجرَى الدَّلالةِ ممّا يوصِلُ إلىٰ معرفةِ المُرادِ دونَنا، و لَوَجَبَ (6)أن يُقطَعَ عُذرُ(7)الجميعِ في مَعرفةِ مُرادِه؛ لعمومِ التكليفِ لهم.(8)

نفي ادّعاء ابن قِبة الضرورةَ في معرفة النصّ على الإمامة من حديث الغدير

فأمّا ما تَوَهَّمَه علىٰ أبي جعفرٍ - مِن(9)ادِّعائه(10)الضرورةَ في مَعرفةِ النصِّ مِن


1) . في المطبوع: «لا يخيل».

2) . في «ج، ص، ط، ف»: - «إلى».

3) . كتاب الإنصاف في الإمامة مفقود، و قد أُعيد تجميع ما تبقّىٰ منه في ضمن كتاب المتبقّى من تراث ابن قبة الرازي.

4) . في «ج، ص، ط، ف»: «بخبر».

5) . في «ص، ط، ف»: «ما جرى».

6) . في «ج، ص، ط، ف»: «و وجب».

7) . في «ج، ص، ط، ف»: «علّة».

8) . راجع: نفائس التأويل، ج 2، ص 239.

9) . في «د»: - «من».

10) . في «د، ط» و المطبوع و الحجري: «ادّعاء».

خبرِ الغَديرِ، و أنّه ناقَضَ مِن بَعدُ(1)بقَولِه: إنّ الأمرَ اشتَبَه علَى الناسِ حتّىٰ ظَنّوا أنّ العملَ بقَولِه عليه السلامُ‌: «الأئمّةُ مِن قُرَيشٍ‌» أَولىٰ - فغَلَطٌ منه عليه؛ لأنّ الرجُلَ لَم يَدَّعِ الضرورةَ في شَيءٍ مِن كلامِه، و مَن استَقرأَ(2)كلامَه في هذا البابِ و غيرِه عَرَفَ صحّةَ ما ذَكرناه، بَل قد صَرَّحَ بما يَدُلُّ علىٰ خِلافِ الضرورةِ‌؛ لأنّه استَدَلَّ علىٰ إيجابِ النصِّ مِن الخبرِ باللُّغةِ و ما يَقتَضيهِ‌(3)المُقدِّمةُ و العطفُ عليها، و لَو كانَ قائلاً بالضرورةِ في مَعرفةِ المُرادِ لَم يَحتَجْ إلىٰ شَيءٍ ممّا ذَكَرَه.

علىٰ أنّه قد قالَ أيضاً عندَ تقسيمِه(4)النصَّ إلىٰ قِسمَينِ‌:

فأمّا النصُّ الذي وَقَعَ بحَضرةِ العَدَدِ الكَثيرِ فإنّما كانَ يَومَ الغَديرِ، و كُلُّهم كانوا ذاكِرينَ لكَلامِه عليه السلامُ ، غيرَ أنّهم ذَهَبوا عنه بتأويلٍ فاسِدٍ؛ لأنّهم إنّما دَخَلَت عليهم الشُّبهةُ مِن حَيثُ تَوهَّموا(5)أنّ لذلكَ الكلامِ ضرباً مِن التأويلِ يَجوزُ معه للرؤساءِ - إذا وَقَعَت الفتنةُ و اختَلَفَت الكلمةُ - أن يَختاروا إماماً.(6)

و معلومٌ أنّ هذا كلامُ مَن لا يَدَّعي الاضطرارَ إلىٰ مَعرفةِ المُرادِ بخبرِ الغَديرِ؛ لأنّ الضرورةَ (7)تُنافي دخولَ التأويلاتِ . و لَو كانَ القومُ عندَه مُضطَرّينَ ما جازَ أن يَقولَ


1) . في «د»: - «من بعد».

2) . استقرأ الكلام: تتبّعه، و أصله من استقراء الناقة بعد الضراب ليَنظُر أ لَقِحَت أم لا. راجع: الصحاح، ج 1، ص 64 (قرأ).

3) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «تقتضيه».

4) . في «د» و المطبوع و الحجري: «تقسيم».

5) . في «ج، ص، ط، ف»: «لأنّهم لمّا دخلت عليهم الشبهة توهّموا».

6) . راجع: نفائس التأويل، ج 2، ص 240.

7) . في «ج، د، ص، ط، ف»: «الضروريّة».

أنّهم ظَنّوا أنّ للكلامِ ضرباً مِن التأويلِ عندَ دخولِ الشُّبهةِ‌؛ و لَسنا نَعلَمُ مِن أينَ وَقَعَ لصاحبِ الكتابِ ما ظَنَّه مع بُعدِه ؟

و هذه جُملةٌ كافيةٌ ، و المِنّةُ للّٰهِ تَعالىٰ (1).

هذا آخِرُ المُجَلَّدةِ الأُولىٰ ، و يَتلوه ما في المُجَلَّدةِ الثانيةِ له.(2)


1) . في «ج، ص، ط، ف»: «و للّٰه المنّة».

2) . هكذا في «د» و المطبوع و الحجري. و في «ج، ص، ط، ف» لم ترد عبارة: «هذا آخر المجلّدة الأُولى...».

الدليلُ التاسعِ حديثُ المَنزِلةِ

اشارة

قالَ صاحِبُ الكِتابِ :

دليلٌ لهُم آخَرُ:

و استَدَلُّوا بقَولهِ عليه السلامُ‌(1): «أنتَ مِنِّي بمَنزِلَةِ هارونَ مِن موسىٰ‌، إلّا أنّه لا نَبيَّ بَعدي»،(2)فاقتَضىٰ هذا الظاهرُ أنّ له كُلَّ مَنازِلِ هارونَ مِن موسىٰ ؛ لأنّه أَطلَقَ و لَم يَخُصَّ إلّاما دَلَّ عليه العقلُ و الاستثناءُ (3)


1) . في المطبوع و الحجري: «صلّى اللّٰه عليه و آله»، و هكذا في الموارد الآتية.

2) . حديث المنزلة من الأحاديث المشهورة و المتواترة بين الفريقين، و نكتفي هنا بذكر بعض مصادر العامّة؛ منها: صحيح البخاري، ج 4، ص 1602، ح 4154؛ صحيح مسلم، ج 4، ص 1870، ح 30-2404/32؛ مسند أحمد، ج 1، ص 177، ح 1532، و ص 179، ح 1547، و ص 182، ح 1583، و ص 184، ح 1600، و ج 3، ص 32، ح 11290، و ص 338، ح 14679؛ سنن ابن ماجة، ج 1، ص 45، ح 121؛ سنن الترمذي، ج 5، ص 304، ح 3814؛ مجمع الزوائد، ج 9، ص 109؛ سنن النسائي، ج 5، ص 45، ح 9143، و ص 120، ح 8433؛ خصائص أمير المؤمنين عليه السلام للنسائي، ص 50 و 77؛ المصنّف لابن أبي شيبة، ج 7، ص 496، ح 14 و 15؛ مسند أبي يعلىٰ ، ج 2، ص 132، ح 809؛ صحيح ابن حِبّان، ج 15، ص 371؛ الاستيعاب، ج 3، ص 1097؛ تاريخ بغداد، ج 4، ص 176، ح 1850، و ص 291، ح 2009؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 13، ص 151، الرقم 1375 و مواضع أُخرىٰ ؛ أُسد الغابة، ج 4، ص 27؛ أنساب الأشراف، ج 2، ص 96، ح 18؛ كنز العمّال، ج 5، ص 724، ح 14243، و ج 12، ص 599، ح 32881.

3) . في المغني: «و الاستدلال»، و هو خطأ.

المَذكورُ، و لَولا أنّ الكلامَ يَقتَضي الشمولَ لَما كانَ‌(1)للاستثناءِ معنىً‌.

و إنّما نَبَّهَ عليه السلامُ باستثناءِ النبوّةِ علىٰ أنّ ما عَداه قد دَخَلَ تَحتَه إلّا ما عُلِمَ بالعَقلِ أنّه لا يَدخُلُ فيه، نَحوُ الأُخوَّةِ في النَّسَبِ‌، و الفَضلِ‌(2)الذي تَقتَضيهِ الشركةُ في النبوَّةِ‌(3)، إلىٰ ما شاكَلَه. و قد ثَبَتَ أنَّ أحَدَ مَنازِلِه مِن موسىٰ عليه السلامُ أن يَكونَ خَليفتَه مِن بَعدِه(4)في حالِ غَيبتِه(5)و في حالِ مَوتِه؛ فيَجِبُ أن تَكونَ‌(6)هذه حالَ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ‌(7)مِن بَعدِ النبيِّ عليه السلامُ‌.

قالوا: و لا يَطعَنُ فيما بيّنّاه(8)أنّ هارونَ عليه السلامُ ماتَ قَبلَ موسىٰ عليه السلامُ‌؛ لأنّ المُتَعالَمَ أنّه لَو عاشَ بَعدَه لَخَلَفَه، فالمَنزِلةُ ثابتةٌ و إن لَم يَعِشْ‌(9)فيَجِبُ حُصولُها(10)لأميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ (11)إذا عاشَ بَعدَ الرسولِ عليه السلامُ ، كَما لَو قالَ الرئيسُ لِصاحِبٍ له: «مَنزِلتُكَ عِندي في الإكرامِ و العَطاءِ مَنزِلةُ فُلانٍ (12)» و فُلانٌ فاتَ فيه الإكرامُ


1) . في المغني: «لم يكن».

2) . في «ب، د» و المغني و المطبوع: «أو الفضل».

3) . هكذا في المغني. و في النسخ و المطبوع: «يقتضيه شركة النبوّة».

4) . في «ب، د» و المطبوع: + «و».

5) . في المغني: «أن يكون خليفة في حال غيبته».

6) . هكذا في المغني. و في النسخ و المطبوع: «أن يكون».

7) . في المغني: - «عليه السلام».

8) . في المغني: «و لا نطعن فيما قلناه».

9) . في المغني: «لم تعتبر».

10) . في المغني: «حصول مثلها».

11) . في المغني: - «عليه السلام».

12) . هكذا في «د» و المغني. و في المطبوع و الحجري: «فلان من فلان». و في سائر النسخ: «فلان بن فلان».

و العَطاءُ بمَوتٍ أو غَيبةٍ و لَم يَفُتْ في الثاني؛ فالواجِبُ أن يُنزَّلَ مَنزِلتَه، و لا يَجوزُ أن يُقالَ‌: لا يُزادُ(1)علَى الأوَّلِ في ذلك.

قالَ‌:

و رُبَّما قالوا: قَد ثَبَتَ أنّ موسىٰ عليه السلامُ قد(2)استَخلَفَ هارونَ علَى الإطلاقِ‌، علىٰ ما دَلَّ عليه قولُه تَعالىٰ‌: (اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي)(3). في «ج، د، ص، ف»: - «قد».(4)فيَجِبُ ثُبوتُ هذه المَنزِلةِ لعَليٍّ عليه السلامُ‌(5)مِن الرسولِ عليه السلامُ علَى الإطلاقِ‌، حتّىٰ يَصيرَ(6)كأنّه عليه السلامُ قالَ‌: «اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي»؛ و المعلومُ أنّه لَو قالَ ذلكَ لَتَناوَلَ حالَ الحَياةِ و حالَ المَماتِ‌، فيَجِبُ لذلكَ أن يَكونَ هو الخَليفةَ مِن بَعدِه.(7)

و رُبَّما قالوا: قد ثَبَتَ أنّه عليه السلامُ قد(7) استَخلَفَ أميرَ المؤمنينَ عليه

السلامُ‌(8)عِندَ غَيبتِه في غَزوةِ تَبوكَ ، و لَم يَثبُتْ عنه أنّه عليه السلامُ صَرَفَه، فيَجِبُ أن يَكونَ خَليفتَه بَعدَ وَفاتِه، كما يَجِبُ في هارونَ أن يَكونَ خَليفتَه أبَداً ما عاشَ .

و رُبَّما ذَكَروا ذلكَ بأن قالوا: إنّه عليه السلامُ أثبَتَ له مَنزِلتَه(9)و نَفَى الأشياءَ الأُخرىٰ ، فإذا كانَ ما نَفاه بَعدَه عليه السلامُ ثابتاً، فالذي أثبَتَه كمِثلِه(10). و هذا يوجِبُ أنّه الخَليفةُ بَعدَه؛ لأنّه عليه السلامُ نَبَّهَ


1) . في المغني: «و يجوز أن يقال: لا تراد».

2) . في المغني: - «قد».

3) . الأعراف

4) :142.

5) . في المغني: - «عليه السلام».

6) . في المطبوع و الحجري: «تصير».

7) . في «د» و الحجري: - «من بعده».

8) . في «ج» و المغني: - «عليه السلام».

9) . في «ص» و المغني: «منزلة». و في «د»: «منزله».

10) . في «د، ف» و المغني: «كمثل».

بالاستثناءِ علىٰ هذه الحالةِ (1)و إن كانَ مِثلُها لَم يَحصُلْ لهارونَ عليه السلامُ إلّافي حالِ حياةِ موسىٰ عليه السلامُ (2).

مقدّمة في الاستدلال بحديث المنزلة

يُقالُ له: نَحنُ نُبيِّنُ كَيفيّةَ الاستدلالِ بالخبرِ الذي أورَدتَه علىٰ إيجابِ النَّصِّ‌، و نورِدُ مِن الأسئلةِ و المُطالَباتِ ما يَليقُ بالمَوضِعِ ، ثُمَّ نَعودُ إلىٰ نَقضِ كلامِكَ ، علىٰ عادتِنا فيما سَلَفَ مِن الكتابِ ؛ فنَقولُ :

إنّ الخبرَ دالٌّ على النَّصِّ مِن وجهَينِ ، ما فيهما(3)إلّاقَويٌّ مُعتَمَدٌ:

التقريرُ الأوّلُ
اشارة

التقريرُ الأوّلُ (4)

أحَدُهما: أنّ قولَه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه «أنتَ مِنّي بمَنزِلةِ هارونَ مِن موسىٰ إلّا أنّه لا نَبيَّ بَعدي» يَقتَضي حُصولَ جميعِ مَنازِلِ هارونَ مِن موسىٰ عليهما السلامُ لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ‌، إلّاما خَصَّه الاستثناءُ المنطوقُ به(5)في الخبرِ، و ما جَرىٰ مَجرَى الاستثناءِ مِن العُرفِ‌. و قد عَلِمنا أنّ مِن(6)مَنازِلِ هارونَ مِن موسىٰ هي الشِّركةُ في النبوّةِ‌، و أُخوّةُ النَّسَبِ ، و الفَضلُ و المَحبّةُ (7)، و الاختصاصُ علىٰ


1) . في المغني: «هذه الحال».

2) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 158-159.

3) . في «د»: «فيها».

4) . سيأتي التقرير الثاني في ص 16 عند قوله: «طريقة أُخرى من الاستدلال بالخبر على النصّ ، و هي أنّه...».

5) . هكذا في التلخيص. و في «ب، د، ف» و المطبوع: «المتطرّق به». و في «ص»: «المستطرق به». و في «ج»: «المستطرف به».

6) . في المطبوع و الحجري: - «من».

7) . في التلخيص: «و التقدّم عنده في الفضل و المحبّة» بدل «و الفضل و المحبّة».

جميعِ قومِه، و الخِلافةُ له في حالِ غَيبتِه علىٰ أُمّتِه، و أنّه لَو بَقيَ بَعدَه لَخَلَفَه(1)فيهم، و لَم يَجُزْ أن يَخرُجَ القيامُ بأُمورِهم عنه إلىٰ غيرِه. و إذا خَرَجَ بالاستثناءِ مَنزِلةُ النبوّةِ‌، و خَصَّ العُرفُ مَنزِلةَ الأُخُوَّةِ في النَّسَبِ (2)- لأنّ مِن المعلومِ لِكُلِّ أحَدٍ مِمّن عَرَفَهما(3)عليهما السلامُ أنّه لَم يَكُن بَينَهما أُخُوَّةُ نَسَبٍ - وَجَبَ القَطعُ علىٰ ثُبوتِ ما عَدا هاتَينِ المَنزِلتَينِ . و إذا ثَبَتَ ما عَداهما - و في جُملتِه أنّه لَو بَقيَ لَخَلَفَه(4)و دَبَّر أمرَ

أُمّتِه و قامَ فيهم مَقامَه - و عَلِمنا بَقاءَ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ بَعدَ وفاةِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلهِ ، وَجَبَت له الإمامةُ بَعدَه بِلا شُبهةٍ .

فإن قالوا: دُلّوا أوّلاً علىٰ صِحّةِ الخبرِ؛ فهو(5)الأصلُ ، ثُمَّ علىٰ أنّ مِن جُملةِ مَنازِلِ هارونَ مِن موسىٰ أنّه لَو بَقيَ بَعدَ وَفاتِه لَخَلَفَه و قامَ بأمرِ أُمّتِه، ثُمَّ علىٰ أنّ الخبرَ يَصِحُّ فيه طريقةُ العُمومِ ، و أنّه يَقتَضي ثُبوتَ جميعِ المَنازِلِ بَعدَ ما أخرَجَه الاستثناءُ و ما جَرىٰ مَجراه.

البحث الأوّل: إثبات صحّة حديث المنزلة

قيلَ : أمّا الذي يَدُلُّ علىٰ صِحّةِ الخبرِ فهو جميعُ ما دَلَّ علىٰ صِحّةِ خبرِ الغديرِ ممّا قد استَقصَيناه(6)فيما تَقدّمَ و أحكَمناه(7)، و لأنّ علماءَ الأُمّةِ مُطبِقونَ علىٰ قَبولِه


1) . في «ج»: «يخلفه».

2) . في التلخيص: - «في النسب».

3) . في التلخيص: «لكلّ من عرفهما».

4) . في «ج، ص»: «خلّفه».

5) . في التلخيص: «فهي».

6) . في «د» و المطبوع و الحجري: «ممّا استقصيناه». و في التلخيص: «و قد استقصيناه» بدل «ممّاقد استقصيناه».

7) . تقدّم في ص 139 و ما بعدها.

و إنِ اختَلَفوا في تأويلِه، و الشيعةُ تَتواتَرُ به، و أكثَرُ رُواةِ الحَديثِ يَروونَه(1)، و مَن صَنَّفَ الحديثَ منهم أَورَدَه في(2)جُملةِ الصحيحِ ، و هو ظاهرٌ بَينَ الأُمّةِ شائعٌ كظهورِ سائرِ ما نَقطَعُ (3)علىٰ صحّتِه مِن الأخبارِ، و احتجاجُ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ علىٰ أهلِ الشُّورىٰ (4)تَضَمَّنَه(5). و مَن يُحكىٰ أنّه رَدَّه أو أظهَرَ الشكَّ فيه، لا شَكَّ - إذا صَحَّت الحِكايةُ عنه - في شُذوذِه، و تَقدُّمِ الإجماعِ لقَولِه ثُمَّ تأخُّرِه عنه.

و كُلُّ هذا قد تَقدَّمَ ؛ فلا حاجةَ بنا إلىٰ بَسطِه.

البحث الثاني: إثبات أنّ هارون لو بقي حيّاً بعد موسىٰ لَخَلَفَه
الوجه الأوّل: خلافة هارون لموسىٰ

و أمّا الدليلُ علىٰ أنّ هارونَ عليه السلامُ لَو بَقيَ بَعدَ موسىٰ لَخَلَفَه في أُمّتِه: فهو أنّه قد ثَبَتَت(6)خِلافتُه له في حالِ حياتِه بِلا خِلافٍ‌، و في قولهِ تَعالىٰ‌: (وَ قٰالَ مُوسىٰ لِأَخِيهِ هٰارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ وَ لاٰ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ )(7)أكبَرُ شاهدٍ بذلكَ . و إذا ثَبَتَت(8)الخِلافةُ له في حالِ الحياةِ ، وَجَبَ حصولُها له بَعدَ حالِ الوفاةِ لَو بَقيَ إليها؛ لأنّ خروجَها عنه في حالٍ مِن الأحوالِ مع بقائِه حَطٌّ له مِن رُتبةٍ


1) . هكذا في التلخيص. و في «ج، ص، ف»: «ترويه». و في سائر النسخ و المطبوع: «يرويه».

2) . هكذا في «ج، ص، ف» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «من».

3) . في التلخيص: «يقطع».

4) . و ذلك في المناشدة التي ذكرها الطبرسي في الاحتجاج، ج 1، ص 134-145 بأكملها. و هناك صور أخرى للمناشدة ذكرها المحدّثون من الفريقين في كتبهم.

5) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: «يُصحّحه».

6) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: «قد ثبت».

7) . الأعراف (7):142.

8) . هكذا في «ج، د، ص، ف» و التلخيص. و في «ب» و المطبوع: «و إذا ثبت».

كانَ عليها، و صَرفٌ عن وِلايةٍ فُوِّضَت إليه، و ذلكَ يَقتَضي مِن التنفيرِ أكثَرَ ممّا يَعتَرِفُ به خُصومُنا مِن المُعتَزِلةِ بأنّ اللّٰهَ تَعالىٰ يُجَنِّبُ أنبياءَهُ عليهم السلامُ مِن

القَباحةِ في الخَلقِ و الدَّمامةِ (1)المُفرِطةِ ، و الصغائرِ المُستخَفَّةِ ، و أن لا يُجيبَهم(2)اللّٰهُ تَعالىٰ إلىٰ ما يَسألونَه لأُمّتِهم مِن حَيثُ يَظهَرُ لهم.

فإن قالَ : و لِمَ زَعَمتُم أنّ فيما ذَكَرتُموه تنفيراً؟

قيلَ له: لأنّ خِلافةَ هارونَ لموسىٰ عليهما السلامُ (3)إذا(4)كانت مَنزِلةً في الدينِ جَليلةً ، و دَرَجةً فيه(5)رَفيعةً ، و اقتَضَت مِن التبجيلِ و التعظيمِ ما يَجِبُ بِمِثلِها(6)، لَم يَجُزْ أن يَخرُجَ عنها؛ لأنّ في خروجِه عنها زوالَ ما كانَ له في النفوسِ بها مِن المَنزِلةِ . و في هذا نِهايةُ التنفيرِ و التأثيرِ في السُّكونِ إليه. و مَن دَفَعَ أن يَكونَ الخروجُ عن هذهِ المَنزِلةِ مُنفِّراً، كمَن دَفَعَ أن يَكونَ سائرُ ما عَدَّدناه مُنفِّراً.

فإن قالَ‌: إذا ثَبَتَ فيما ذَكَرتُموه أنّه مُنفِّرٌ، وَجَبَ أن يُجَنَّبَه(7)هارونُ عليه السلامُ مِن حيثُ كانَ نَبيّاً و مؤدّياً عن اللّٰهِ عَزَّ و جَلَّ‌؛ لأنّه لَو لَم يَكُن نَبيّاً لَما وَجَبَ (8)أن يُجَنَّبَ (9)المُنفِّراتِ ، فكأنّ نُبوّتَه هي المُقتَضيةُ لاستمرارِ خِلافتِه إلىٰ بَعدِ الوفاةِ .


1) . في «ج، د، ص، ف»: «الذمامة». و الدمامة: القِصَر و القبح. النهاية، ج 2، ص 134 (دمم).

2) . في «د، ص»: «لا يجنبهم».

3) . في «ج، د» و التلخيص: «عليه السلام».

4) . هكذا في «ج، ص، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: - «إذا».

5) . في «د»: «منه». و في «ج، ص»: - «فيه».

6) . هكذا في «ص» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «لمثلها».

7) . هكذا في النسخ و الحجري و التلخيص. و في المطبوع: «أن يجتنبه».

8) . في التلخيص: «لما أوجب أحدنا».

9) . هكذا في «ج، ص، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «أن يجتنب».

و إذا كانَ النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(1)قد استَثنىٰ في الخبرِ النبوّةَ ، وَجَبَ أن يَخرُجَ معها ما هي مُقتَضيةٌ له و كالسبَبِ فيه. و إذا(2)أُخرِجَت هذه المَنزِلةُ مع النبوّةِ ، لَم يَكُن في الخبرِ دَلالةٌ علَى النَّصِّ الذي تَدَّعونَه.

قيلَ له: إن أرَدتَ بقَولِكَ «إنّ الخِلافةَ مِن مُقتَضَى النبوّةِ‌»: أنّه مِن حَيثُ كانَ نَبيّاً تَجِبُ‌(3)له هذه المَنزِلةُ كما يَجِبُ له سائرُ شُروطِ(4)النبوّةِ‌، فلَيسَ الأمرُ كذلكَ‌؛ لأنّه غيرُ مُنكَرٍ أن يَكونَ هارونُ قَبلَ استخلافِ موسىٰ له شَريكاً في نُبوّتِه و تبليغِ‌(5)شَرعِه، و إن لَم يَكُن خَليفةً له فيما(6)سِوىٰ ذلكَ في حَياتِه و لا بَعدَ وفاتِه.

و إن أرَدتَ أنّ هارونَ بَعدَ استخلافِ موسىٰ له في حياتِه يَجِبُ‌(7)أن يَستَمِرَّ(8)حالُه و لا يَخرُجَ عن هذه المَنزِلةِ - لأنّ خروجَهُ عنها يَقتَضي التنفيرَ الذي يَمنَعُ‌(9)نُبوّةُ هارونَ منه، و أشَرتَ بقَولِكَ‌(10)«إنّ النبوّةَ تَقتَضي الخِلافةَ بَعدَ الوفاةِ‌» إلىٰ هذا الوجهِ - فهو صَحيحٌ‌، غيرَ أنّه لا يَجِبُ ما ظَنَنتَه مِن استثناءِ (11)الخِلافةِ باستثناءِ النبوّةِ ؛

لأنّ أكثَرَ ما فيه(12)أن يَكونَ كالسببِ في ثُبوتِ الخِلافةِ بَعدَ الوفاةِ ، و غيرُ واجبٍ أن


1) . في «ج، د»: «عليه السلام».

2) . في «ج»: «فإذا».

3) . في النسخ و الحجري: «يجب». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و التلخيص.

4) . في التلخيص: «كما تجب له سائر شرائط».

5) . في «ج، ص»: «و متابع». و في «د»: «و يتابع».

6) . في التلخيص: «علىٰ ما» بدل «فيما».

7) . في «د»: «تجب».

8) . في التلخيص: «أن تستمرّ».

9) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «يمتنع». و الأصحّ : «تمنع».

10) . هكذا في «ج، ف» و التلخيص. و في «د، ص» و المطبوع و الحجري: «و أشرت في ذلك».

11) . في «د»: «استبقاء».

12) . في التلخيص: «في النبوّة».

يُنفىٰ‌(1)ما هو كالمُسَبَّبِ‌(2)عن غيرِه عندَ نفيِ ذلكَ الغَيرِ(3).

أ لا تَرىٰ أنّ أحَدَنا لَو قالَ لوصيِّه: «أعطِ فُلاناً مِن مالي كَذا و كَذا - و ذَكَرَ مَبلغاً عَيَّنَه -؛ فإنّه(4)يَستَحِقُّ هذا المَبلَغَ عَليَّ مِن ثَمَنِ سِلعةٍ ابتَعتُها(5)منه، و أنزِلْ فُلاناً مَنزِلةَ فُلانٍ الذي أوصَيتُكَ به(6)و أَجرِه مَجراه؛ فإنّ ذلكَ يَجِبُ له مِن أرشِ جِنايَةٍ‌، أو قيمةِ مُتلَفٍ‌(7)أو ميراثٍ‌، أو غيرِ هذه الوجوهِ‌» بَعدَ أن يَذكُرَ وجهاً يُخالِفُ الأوّلَ‌، لَوَجَبَ علَى الوَصيِّ أن يُسَوّيَ بَينَهما في العَطيّةِ‌، و لا يُخالِفَ بَينَهما فيها مِن حَيثُ اختَلَفَت(8)جِهةُ استحقاقِهما، و لا يَكونُ قولُ هذا القائلِ عندَ أحَدٍ مِن العقلاءِ يَقتَضي سَلبَ المُعطَى الثاني العَطيّةَ مِن حَيثُ سَلبِه جِهةَ استحقاقِها في الأوّلِ‌.

فوَجَبَ بما ذَكرناه أن تَكونَ (9)مَنزِلةُ هارونَ مِن موسىٰ عليهما السلامُ في استحقاقِ خِلافتِه له بَعدَ وفاتِه ثابتةً لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ ؛ لاقتضاءِ اللفظِ لها، و إن كانَت تَجِبُ لهارونَ مِن حَيثُ كانَ في انتفائها(10)تنفيرٌ يَمنَعُ نُبوّتُه منه، و تَجِبُ لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ مِن غيرِ هذا الوجهِ .


1) . في التلخيص: «انتفاء» بدل «أن ينفىٰ ».

2) . هكذا في «ج، ص، ف» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «كالسبب».

3) . في «د، ص»: «عند نفي الغير الأوّل [في «ص»: للأوّل]». و لم يرد فيهما قوله: «أ لا ترى».

4) . في «د»: «و ذكر مبلغاً عليه بأنّه».

5) . في «د، ص»: «ابتعها».

6) . في التلخيص: «و أنزل فلاناً منزلته».

7) . هكذا في التلخيص. و في المطبوع: «من أرش جناية أو قيمة متلفة». و في النسخ: «من أرش جنايته أو قيمة متلفه».

8) . هكذا في النسخ و الحجري و التلخيص. و في المطبوع: «اختلف».

9) . في النسخ و الحجري: «أن يكون». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و التلخيص.

10) . في «ج، د، ص، ف»: «في ابتدائها».

و لَيسَ له أن يَقولَ : إنّ مَن(1)ذَكَرتم حالَه لَم يَختَلِفا في جِهةِ العَطيّةِ و ما هو كالسببِ لها؛ لأنّ القولَ مِن الموصي هو المُقتَضي لها، و المذكورانِ يَتَساويانِ فيه؛

و ذلكَ أنَّ‌ سببَ استحقاقِ العَطيّةِ في الحقيقةِ لَيسَ هو القولَ‌، بَل هو ما تَقدَّمَ مِن ثَمَنِ المَبيعِ‌(2)و قيمةِ المُتلَفِ‌(3)أَو ما جَرىٰ مَجراهما، و هو مُختَلِفٌ‌(4)لا مَحالةَ‌؛ و إنّما يَجبُ بالقَولِ علَى الموصىٰ إليه العَطيّةُ‌، فأمّا الاستحقاقُ علَى الموصي و سببُه فيَتَقدَّمانِ‌(5)بغَيرِ شَكٍّ‌.

و يَزيدُ ما ذَكَرناه وضوحاً: أنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلهِ لَو صَرَّحَ بِهِ - حتّىٰ يَقولَ‌: «أنتَ مِنّي بمَنزِلةِ هارونَ مِن موسىٰ‌؛ في خِلافتِه له في حياتهِ‌، و استحقاقِها له لَو بَقيَ إلىٰ بَعدِ وفاتِه؛ إلّاأنّكَ لَستَ بنَبيٍّ » - كانَ كلامُه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(6)صَحيحاً غيرَ مُتَناقِضٍ (7)و لا خارجٍ عن الحقيقةِ ، و لَم يَجِبْ عندَ أحَدٍ أن يَكونَ باستثناءِ النبوّةِ نافياً لِما أثبَتَه مِن مَنزِلةِ الخِلافةِ بَعدَ الوفاةِ .

الوجه الثاني: شراكة هارون لموسىٰ
اشارة

و قد يُمكِنُ مع ثُبوتِ هذه الجُملةِ أن نُرتِّبَ (8)الدليلَ في الأصلِ علىٰ وجهٍ يَجِبُ معه كَونُ هارونَ مُفترَضَ الطاعةِ علىٰ أُمّةِ موسىٰ لَو بَقيَ إلىٰ بَعدِ وفاتِه، و ثُبوتُ مِثلِ


1) . في المطبوع و الحجري: «ما».

2) . في «د»: «ما تقدّم من البيع». و في المطبوع: «ما تقدّم ثمن البيع».

3) . في «د» و المطبوع و الحجري: «التلف».

4) . في التلخيص: «مخالف».

5) . في «ص» و التلخيص: «فيقدّمان».

6) . في «ج، د، ص، ف»: «عليه السلام».

7) . في «د»: «غير مناقض».

8) . هكذا في «ف». و في سائر النسخ و المطبوع: «أن يرتّب».

هذه المَنزِلةِ لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ - و إن لَم يَرجِعْ إلىٰ كَونهِ خَليفةً له في حالِ حياتِه و وجوبِ استمرارِ ذلكَ إلىٰ بَعدِ الوفاةِ‌؛ فإنّ في المُخالِفينَ مَن يَحمِلُ‌(1)نفسَه علىٰ دَفعِ خِلافةِ هارونَ لموسىٰ في حياتِه و إنكارِ كَونِها مَنزِلةً تَنفصِلُ‌(2)عن نُبوّتِه، و إن كانَ فيما حَمَلَ نفسَه عليه ظاهرُه المكابَرةُ‌(3)- و نَقولَ‌(4):

قد ثَبَتَ أنّ هارونَ كانَ مُفتَرَضَ الطاعةِ علىٰ أُمّةِ موسىٰ عليه السلامُ‌؛ لمكانِ شِركتِه له في النبوّةِ التي لا يُتَمكَّنُ‌(5)مِن دَفعِها، و ثَبَتَ أنّه لَو بَقيَ بَعدَه لَكانَ ما يَجِبُ‌(6)مِن طاعتِه علىٰ جميعِ أُمّةِ موسىٰ عليه السلامُ يَجِبُ له؛ لأنّه لا يَجوزُ خروجُه عن النبوّةِ و هو حَيٌّ‌. و إذا وَجَبَ ما ذَكَرناه و كانَ النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه قد أوجَبَ بالخبرِ لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ جميعَ مَنازِلِ هارونَ مِن موسىٰ‌، و نَفىٰ أن يَكونَ نَبيّاً، و كانَ مِن جُملةِ مَنازِلِه أنّه لَو بَقيَ بَعدَه لَكانَت(7)طاعتُه مُفترَضةً (8)علىٰ أُمّتِه و إن كانَت تَجِبُ لِمَكان نُبوّتِه، وَجَبَ أن يَكونَ أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ المُفتَرَضَ الطاعةِ علىٰ (9)سائرِ(10)الأُمّةِ بَعدَ وفاةِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه


1) . في «د» و المطبوع: «يحمله».

2) . في «د»: «يتفضّل».

3) . في «ج، ص»: «ظاهر المكابرة».

4) . هكذا في «ج». و في سائر النسخ و المطبوع: «و يقول». و في التلخيص: «و يمكن أن يرتّب الاستدلال علىٰ وجه يُسقط كثيراً ممّا قدّمناه من الأسئلة بأن يقال» بدل «و قد يمكن مع ثبوت هذه الجملة أن نرتّب الدليل...» إلىٰ هنا.

5) . في التلخيص: «لا يمكن».

6) . في «ص»: «ما تجب».

7) . في «ج، ص، ف»: «لكان».

8) . في «ج، د، ص، ف» و التلخيص: «المفترضة».

9) . هكذا في النسخ و الحجري و التلخيص. و في المطبوع: «و علىٰ ». و هو سهو.

10) . في التلخيص: «جميع» بدل «سائر». و هو يؤيّد أنّ المراد بلفظ «سائر» في كلام المصنّف رحمه اللّٰه هو «جميع».

و آلِه و إن لَم يَكُن نَبيّاً؛ لأنّ نفيَ النبوّةِ لا يَقتَضي نفيَ ما يَجِبُ لمكانِها - علىٰ ما بيّنّاه -. و إنّما كانَ يَجِبُ بنفيِ النبوّةِ نفيُ فَرضِ الطاعةِ لَو لَم يَصِحَّ حصولُ فَرضِ الطاعةِ إلّاللنبيِّ‌، و إذا جازَ أن يَحصُلَ لِغيرِ النبيِّ - كالإمامِ و الأميرِ - عُلِمَ انفصالُه مِن النبوّةِ‌، و أنّه لَيسَ مِن شَرائطِها و خَصائصِها(1)التي تَثبُتُ (2)بثُبوتِها و تَنتَفي بانتفائها.

و المثالُ الذي تَقدَّمَ يَكشِفُ عن صِحّةِ قولِنا، و أنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(3)لَو صَرَّحَ أيضاً بما ذَكَرناه حتّىٰ يَقولَ : «أنتَ مِنّي بمَنزِلةِ هارونَ مِن موسىٰ ؛ في فَرضِ الطاعةِ علىٰ أُمّتِي، و إن لَم تَكُن شَريكي في النبوّةِ و تَبليغِ الرسالةِ » لَكانَ كلامُه مُستَقيماً(4)بَعيداً مِن التَّنافي.

نفي كون أمير المؤمنين عليه السلام مفترضَ الطاعة في حال حياة الرسول صلى الله عليه و آله

فإن قالَ : فيَجِبُ علىٰ هذه الطريقةِ أن يَكونَ أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ مُفترَضَ

الطاعةِ علَى الأُمّةِ في حالِ حياةِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليهِ و آلِه، كَما كانَ هارونُ كذلكَ في حياةِ موسىٰ عليه السلامُ .

قيلَ له: لَو خُلِّينا و ظاهرَ الكلامِ لَأوجَبنا ما ذَكرتَه، غيرَ أنّ الإجماعَ مانعٌ منه؛ لأنّ الأُمّةَ لا تَختَلِفُ في أنّه عليه السلامُ لَم يَكُن مُشارِكاً للرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه في فَرضِ الطاعةِ علَى الأُمّةِ في جميعِ أحوالِ حياتِه حَسَبَ ما(5)كانَ عليه هارونُ في حياةِ موسىٰ عليه السلامُ . و مَن قالَ منهم: إنّه كانَ مُفترَضَ الطاعةِ في تلكَ


1) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: «و حقائقها».

2) . في «د»: «ثبتت».

3) . في «ج، د، ص، ف»: «عليه السلام».

4) . في التلخيص: + «مفيداً».

5) . هكذا في «ج، ص، ف» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «حيثما».

الأحوالِ ، يَجعَلُ ذلكَ في أحوالِ غَيبةِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليهِ و آلِه(1)علىٰ وجهِ الخِلافةِ له، لا في أحوالِ حُضورِه. و إذا خَرَجَت أحوالُ الحياةِ بالدليلِ ، ثَبَتَت(2)الأحوالُ بَعدَ الوفاةِ بمُقتَضَى اللفظِ.

نفي أن يكون الحديث ناظراً إلى المنازل التي كانت لهارون من جهة موسىٰ

فإن قالَ‌: ظاهرُ قولِه عليه السلامُ‌: «أنتَ مِنّي بمَنزِلةِ هارونَ مِن موسىٰ » يَمنَعُ (3)مِمّا ذَكَرتُموه؛ لأنّه يَقتَضي مِن المَنازِلِ ما حَصَلَ لهارونَ مِن جِهةِ موسىٰ و استَفادَه به، و إلّافلا معنىٰ لنِسبةِ (4)المَنازِلِ إلىٰ أنّها منه، و فَرضُ (5)الطاعةِ الحاصلُ عن النبوّةِ غيرُ متَعلِّقٍ بموسىٰ و لا واجبٌ مِن جِهتِه.

قيلَ له: أمّا سؤالُكَ فظاهرُ السُّقوطِ علىٰ كلامِنا؛ لأنّ خِلافةَ هارونَ لموسىٰ في حياتِه لا شَكَّ في أنّها مَنزِلةٌ منه، و واجبةٌ بقَولِه الذي وَرَدَ به القرآنُ‌(6). هكذا في «ج، ص، ف» و التلخيص. و في «د»: «من استخلافه للخلافة». و في المطبوع و الحجري: «من استخلافه الخلافة».(7). فأمّا ما أَوجَبناه مِن استحقاقِه للخِلافةِ‌(7) بَعدَه، فلا مانعَ مِن إضافتِه أيضاً إلىٰ موسىٰ عليه السلامُ ؛ لأنّه مِن حَيثُ استَخلَفَه في حياتِه، و فَوَّضَ إليه تدبيرَ قومِه، و لَم يَجُز أن يَخرُجَ عن وِلايةٍ جُعِلَت له، وَجَبَ حصولُ هذه المَنزِلةِ له بَعدَ الوفاةِ ؛ فتَعلُّقُها بموسىٰ عليه السلامُ تَعلُّقٌ قويٌّ .


1) . في «ج، د، ص، ف»: «عليه السلام».

2) . في «ف» و المطبوع و الحجري: «تثبت». و في التلخيص: «بقيت».

3) . هكذا في «ج، ص، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «لم يمنع».

4) . في «ج، ص، ف» و التلخيص: «لنسب».

5) . في «د»: «و فروض».

6) . و هو قوله تعالىٰ : (وَ قٰالَ مُوسىٰ لِأَخِيهِ هٰارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي). الأعراف

7) :142.

فلَم يَبقَ إلّاأن نُبيِّنَ‌(1)الجوابَ علَى الطريقةِ التي استأنَفناها؛ و الذي يُبيِّنُه(2)أنّ قولَه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه: «أنتَ مِنّي بمَنزِلةِ هارونَ مِن موسىٰ‌» لا يَقتَضي ما ظَنَّه(3)السائلُ مِن حصولِ المَنازِلِ بموسىٰ و مِن جِهتِه، كَما أنّ قولَ أحَدِنا: «أنتَ مِنّي

بمَنزِلةِ أخي مِنّي، أو بمَنزِلةِ أبي مِنّي» لا يَقتَضي كَونَ الأُخوّةِ و الأُبوّةِ به و مِن جِهتِه.

و لَيسَ‌(4)يُمكِنُ أحَداً أن يَقولَ في هذا القولِ إنّه مَجازٌ أو خارِجٌ عن حُكمِ الحقيقةِ‌.

و لَو كانَت هذه الصيغةُ تَقتَضي ما ادُّعيَ‌، لَوَجَبَ أيضاً أن لا يَصِحَّ استعمالُها في الجَماداتِ و كُلِّ ما لا يَصِحُّ منه فعلٌ‌، و قد عَلِمنا صِحَّةَ استعمالِها فيما ذَكَرناهُ‌؛ لأنّهم لا يَمنَعونَ مِن القولِ بأنّ مَنزِلةَ دارِ زَيدٍ مِن دارِ عَمرٍو بمَنزِلةِ دارِ خالدٍ مِن دارِ بَكرٍ، و مَنزِلةَ بعضِ أعضاءِ الإنسانِ منه بمَنزِلةِ (5)بعضٍ آخَرَ منه، و إنّما يُفيدونَ تَشابُهَ الأحوالِ و تَقارُبَها. و يَجري لفظةُ «مِن» في هذه الوجوهِ مَجرىٰ «عندَ» و «مع»؛ فكأنّ القائلَ أرادَ: مَحلُّكَ عندي و حالُكَ معي في الإكرامِ و الإعظامِ كحالِ أبي عندي و مَحلِّه فيهما(6).

و ممّا يَكشِفُ عن صِحّةِ ما ذَكرناه: حُسنُ استثناءِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(7)النبوّةَ مِن جُملةِ المَنازِلِ ، و نَحنُ نَعلَمُ أنّه لَم يَستَثنِ إلّاما(8)يَجوزُ دخولُه تَحتَ


1) . في «د، ص» و التلخيص: «أن يبيّن».

2) . في «ص»: «نبيّنه». و في التلخيص: «بيّنه».

3) . في التلخيص: «ما ظنّ ».

4) . في المطبوع و الحجري: «فليس».

5) . في التلخيص: «كمنزلة».

6) . في التلخيص: «كمحلّ أبي عندي و حاله معي فيهما» بدل «كحال أبي عندي و محلّه فيهما».

7) . في «ج، د، ص، ف»: «عليه السلام».

8) . في «ج، د، ص»: «بما».

اللفظِ عندَنا، أو يَجِبُ دخولُه عندَ مُخالِفينا. و نَعلَمُ أيضاً أنّ النبوّةَ المُستَثناةَ لَم تَكُن بموسىٰ (1)عليه السلامُ . و إذا ساغَ استثناءُ النبوّةِ مِن جُملةِ ما اقتَضَى اللفظُ مع أنّها لَم تَكُن بموسىٰ عليه السلامُ ، بَطَلَ أن يَكونَ اللفظُ مُتناوِلاً لِما وَجَبَ مِن جِهةِ موسىٰ عليه السلامُ مِن المَنازِلِ .

البحث الثالث: إثبات أنّ الحديث يُثبت جميع المنازل إلّاما استُثني
اشارة

و أمّا(2)الذي يَدُلُّ علىٰ أنّ اللفظَ يوجِبُ حصولَ جميعِ المَنازِلِ إلّاما أخرَجَه الاستثناءُ و ما جَرىٰ مَجراه - و إن لَم يَكُن مِن ألفاظِ العُمومِ المُوجِبةِ للاشتمالِ و الاستِغراقِ‌، و لا كانَ مِن مَذهبِنا أيضاً أنّ في اللفظِ المُستَغرِقِ للجنسِ علىٰ سَبيلِ الوجوبِ لفظاً موضوعاً له(3)- فهو أنّ دخولَ الاستثناءِ في اللفظِ الذي يَقتَضي علىٰ سَبيلِ الاحتمالِ أشياءَ كَثيرةً‌، متىٰ صَدَرَ مِن حَكيمٍ يُريدُ البيانَ و الإفهامَ ، دليلٌ على أنّ ما يَقتَضيهِ (4)اللفظُ و(5)يَحتَمِلُه - بَعدَ ما خَرَجَ بالاستثناءِ - مُرادٌ(6)بالخِطابِ و داخلٌ (7)تَحتَه، و يَصيرُ دخولُ الاستثناءِ كالقَرينةِ أو الدَّلالةِ التي توجِبُ بها الاستغراقَ و الشُّمولَ .

يَدُلُّ علىٰ صِحّةِ ما ذَكروه: أنّ الحَكيمَ مِنّا إذا قالَ : «مَن دَخَلَ داري أَكرَمتُه إلّازَيداً»


1) . في «ص، ف»: «لموسى».

2) . في التلخيص: «فأمّا».

3) . فإنّ مذهب المصنّف رحمه اللّٰه هو ذلك، كما تقدّم، فهو قد ذهب إلىٰ أنّه لم يوضَع لفظ في اللغة العربيّة يدلّ على الاستغراق و العموم. انظر: الذريعة، ج 1، ص 201؛ الذخيرة، ص 510.

4) . في «ج، ص»: «يقتضي».

5) . في المطبوع: - «و».

6) . في «د» و المطبوع و الحجري: «مراداً».

7) . في «د»: «و داخلاً».

فَهِمنا مِن كلامهِ بدخولِ الاستثناءِ أنّ مَن عَدا(1)زَيداً مُرادٌ بالقولِ ؛ لأنّه لَو لَم يَكُن

مُراداً لَوَجَبَ استثناؤه مع إرادةِ الإفهامِ و البيانِ ؛ فهذا وجهٌ .

و وجهٌ آخَرُ: و هو أنّا وَجَدنا الناسَ في هذا الخبرِ علىٰ فِرقتَينِ‌:

منهم: مَن ذَهَبَ إلىٰ أنّ المُرادَ به(2)مَنزِلةٌ واحدةٌ‌(3)لأجلِ السببِ الذي يَدَّعونَ خروجَ الخبرِ عليه(4)، أو(5)لأجلِ عَهدٍ أو عُرفٍ‌.

و الفِرقةُ الأُخرىٰ‌: تَذهَبُ إلىٰ عمومِ القولِ بجميعِ‌(6)ما هو مَنزِلةٌ لهارونَ مِن موسىٰ عليهما السلامُ بَعدَ ما أخرَجَه(7)الدليلُ‌، علَى اختلافِهم في تفصيلِ المَنازِلِ و تعيينِها.

و هؤلاءِ هُم الشيعةُ و أكثَرُ مُخالِفيهم؛ لأنّ القولَ الأوّلَ لَم يَذهَبْ إليه إلّاالواحدُ و الاثنانِ‌. و إنّما يَمتَنِعُ مَن خالَفَ الشيعةَ مِن إيجابِ كَونِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ خَليفةً للنبيِّ‌(8)صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلهِ بَعدَه؛ مِن حَيثُ لَم يَثبُتْ عندَهم أنّ هارونَ لَو بَقيَ بَعدَ موسىٰ لَخَلَفه، و لا أنّ ذلكَ ممّا يَصِحُّ أن يُعَدَّ في جُملةِ مَنازِلِه؛ فكانَ كُلُّ مَن ذَهَبَ إلىٰ أنّ اللفظَ يَصِحُّ تَعدِّيهِ المَنزِلةَ الواحدةَ ، ذَهَبَ إلىٰ عمومِه.

فإذا(9)فَسَدَ قولُ مَن قَصَرَ القولَ علَى المَنزلةِ الواحدةِ - لِما سنَذكُرُه(10)- و بَطَلَ ،


1) . في التلخيص: «ما عدا».

2) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: - «به».

3) . سوف يناقش المصنّف رحمه اللّٰه هذا القول بعد قليل.

4) . و هو إرجاف المنافقين، كما سوف يأتي التصريح به بعد قليل.

5) . في «ج، ف» و الحجري: «و». و في التلخيص: «أوّلاً» بدل «أو».

6) . في «ف»: «لجميع».

7) . في «د، ص» و الحجري: «أخرج».

8) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «النبيّ » بدل «للنبيّ ».

9) . في التلخيص: «و إذا».

10) . يأتي بعد قليل.

وَجَبَ عمومُه؛ لأنّ أحَداً لَم يَقُلْ بصِحّةِ تَعَدِّيهِ (1)مع الشكِّ في عمومِه، بَلِ القولُ بأنّه ممّا يَصِحُّ أن يَتعدّىٰ و لَيسَ بعامٍّ خروجٌ عن الإجماعِ .

إبطال أن يكون الحديث مقصوراً علىٰ منزلة واحدة

فإن قالَ : و بأيِّ شَيءٍ تُفسِدونَ أن يَكونَ الخبرُ مقصوراً علىٰ مَنزِلةٍ واحدةٍ ؛ لأجلِ السببِ (2)، أو ما يَجري مَجراه ؟

قيلَ له:

[أ.] أمّا ما تَدَّعي مِن السببِ‌ الذي هو إرجافُ‌(3)المُنافِقينَ ، و وجوبِ حَملِ الكلامِ عليه و أن لا يَتَعدّاه، فيَبطُلُ مِن وجوهٍ :

منها: أنّ ذلكَ غيرُ معلومٍ علىٰ حَدِّ العِلمِ‌(4)بنفسِ الخبرِ(5)، بَل غيرُ معلومٍ أصلاً، و إنّما وَرَدَت به أخبارُ آحادٍ، و أَكثَرُ الأخبارِ وارِدةٌ بخِلافِه، و أنّ أميرَ المؤمنينَ‌

عليه السلامُ لمّا خَلَّفَه النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلهِ بالمَدينةِ في غَزوةِ تَبوكَ كَرِهَ أن يَتخلَّفَ عنه، و أن يَنقطِعَ عن العادةِ التي كانَ يَجري عليها في مُواساتِه له بنفسِه، و ذَبِّه الأعداءَ عن وجهِه، فلَحِقَ به و شَكا إليه ما يَجِدُه مِن ألَمِ الوَحشةِ‌، فقالَ له هذا القولَ . و لَيسَ لنا أن نُخصِّصَ خبراً معلوماً بأمرٍ غيرِ معلومٍ . علىٰ أنّ كَثيراً مِن الرواياتِ قد أَتَت بأنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه قالَ له: «أنتَ مِنّي بمَنزِلةِ هارونَ مِن


1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «تعديته».

2) . أي سبب صدور الحديث، و المناسبة التي صدر فيها.

3) . أرجَفَ القومُ في الشيء و به إرجافاً: أكثروا من الأخبار السيّئة و اختلاق الأقوال الكاذبة حتّيٰيضطرب الناس منها، و عليه قوله تعالىٰ : (وَ الْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ ). [الأحزاب (33):60]. المصباح المنير، ص 220 (رجف).

4) . في «ج، ص، ف»: «علىٰ أحد» بدل «علىٰ حدّ العلم».

5) . في «د»: «علىٰ حدّ تيقّن الخبر».

موسىٰ‌» في أماكِنَ مُختَلِفةٍ و أحوالٍ شَتّىٰ‌(1). فلَيسَ لنا أيضاً أن نَخُصَّه بغَزوةِ تَبوكَ دونَ غيرِها، بلِ الواجبُ القَطعُ علَى الخبرِ الحقِّ‌(2)، و الرجوعُ إلىٰ ما يَقتَضيهِ ، و الشكُّ فيما لَم تَثبُتْ (3)صِحّتُه مِن الأسبابِ و الأحوالِ .

و منها: أنّ الذي يَقتَضيهِ السببُ مُطابَقةُ القولِ له، و لَيسَ يَقتَضي مع مُطابَقتِه أن لا يَتعدّاه. و إذا كانَ السببُ ما يَدَّعونَه - مِن إرجافِ المُنافِقينَ باستثقالِه(4)عليه السلامُ‌، أو كانَ الاستخلافُ في حالِ‌(5)الغَيبةِ و السفَرِ - فالقولُ علىٰ مَذهبِنا و تأويلِنا يُطابِقُه و يَتَناوَلُه، و إن تَعدّاه إلىٰ غيرِه مِن الاستخلافِ بَعدَ الوفاةِ‌، الذي لا يُنافي ما يَقتَضيهِ السببُ‌. يُبيِّنُ ذلكَ‌: أنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلهِ‌(6)لَو صَرَّحَ بما ذَهَبنا إليه حتّىٰ يَقولَ‌: «أنتَ مِنّي بمَنزِلةِ هارونَ مِن موسىٰ‌؛ في المَحبّةِ‌، و الفَضلِ ، و الاختصاصِ ، و الخِلافةِ في الحياةِ و بَعدَ الوفاةِ » لَكانَ السببُ الذي يُدَّعىٰ غيرَ مانعٍ مِن صِحّةِ الكلامِ و استقامتهِ .

و منها: أنّ القولَ لَو اقتَضىٰ مَنزِلةً واحدةً - إمّا الخِلافةَ في السفرِ، أو ما يُنافي(7)إرجافَ المُنافِقينَ مِن المَحبّةِ و المَيلِ - لَقَبُحَ الاستثناءُ ؛ لأنّ ظاهرَه يَقتَضي(8)


1) . تقدّم تخريج الحديث في ص 247، و سيأتي ذكر هذه الأماكن مفصّلة في الهامش 5 من ص 337.

2) . في «ج، ص، ف»: - «الحقّ ».

3) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: «لم يثبت».

4) . هكذا في التلخيص. و في «ج، ص، ف»: «و استثقاله». و في «د»: «أو استيقاله». و في سائرالنسخ و المطبوع: «أو استثقاله» بدل «باستثقاله».

5) . في «ج، ص، ف»: «حالة».

6) . في «ج، د»: «عليه السلام».

7) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: + «من».

8) . هكذا في «ج، ف» و التلخيص. و في «د، ص» و المطبوع و الحجري: «لا يقتضي».

تَناوُلَ الكلامِ لأكثَرَ مِن مَنزِلةٍ واحدةٍ‌. أ لا تَرىٰ أنّه لا يَحسُنُ أن يَقولَ أحَدُنا لغَيرِه:

«مَنزِلتُكَ مِنّي في الشِّركةِ في المَتاعِ المَخصوصِ دونَ غيرِها، مَنزِلةُ فُلانٍ مِن فُلانٍ‌(1)، إلّاأنّكَ لَستَ بجاري» و إن كانَ الجِوارُ ثابتاً بَينَ مَن ذَكَرَه(2)مِن حَيثُ لَم يَصِحَّ تَناوُلُ قولِه الأوّلِ ما يَصِحُّ دخولُ‌(3)مَنزِلةِ الجِوارِ فيه‌؟ و كذلكَ لا يَصِحُّ أن يَقولَ‌: «ضَرَبتُ‌(4)غُلامي زَيداً، إلّاغُلامي عَمراً» - و إن صَحَّ أن يَقولَ : «ضَرَبتُ

غِلماني، إلّاغُلامي عَمراً» -؛ مِن حَيثُ تَناوَلَ اللفظُ الواحدَ دونَ الجميعِ (5).

و بهذا الوجهِ يَسقُطُ قولُ مَن ادَّعىٰ أنّ الخبرَ يَقتَضي مَنزِلةً واحدةً‌؛ لأنَّ‌(6)ظاهرَ اللفظِ(7)لَم يَتناوَلْ (8)أكثَرَ مِن المَنزِلةِ الواحدةِ ، و أنّه لَو أرادَ مَنازِلَ كثيرةً لَقالَ : «أنتَ مِنّي بمَنازِلِ هارونَ مِن موسىٰ ».

و ذلكَ‌ أنّ اعتبارَ مَوضِعِ‌(9)الاستثناءِ يَدُلُّ علىٰ أنَّ الكلامَ يَتناوَلُ أكثَرَ مِن مَنزِلةٍ واحدةٍ‌، و العادةُ في الاستعمالِ جاريةٌ بأن يُستَعمَلَ مِثلُ هذا الخِطابِ و إن كانَ المُرادُ بِه(10)المَنازِلَ الكثيرةَ ؛ لأنّهم يَقولونَ : «مَنزِلةُ فُلانٍ مِن الأميرِ كمَنزِلةِ فُلانٍ منه» و إن أشاروا إلىٰ أحوالٍ مُختَلِفةٍ و إلىٰ مَنازِلَ كَثيرةٍ ، و لا يَكادونَ يَقولونَ بَدَلاً مما


1) . في التلخيص: «فلان و فلان». و في «ص»: «فلان بن فلان».

2) . أي بين فلان و فلان المذكورين في المثال.

3) . في التلخيص: «دخولها».

4) . هكذا في «ف» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع و الحجري: «إن ضربتُ ».

5) . هكذا في «ج، ص، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «الجمع».

6) . هذا دليل قول المدّعي، و ليس بياناً لوجه سقوط قوله.

7) . في التلخيص: «ظاهر هذا اللفظ».

8) . هكذا في «ج، ص، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «يتناول» بدل «لم يتناول».

9) . في التلخيص: «موقع». و في «ج، ص، ف»: - «موضع».

10) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: - «به».

ذَكَرناه: «مَنازِلُ فُلانٍ كمَنازِلِ فُلانٍ‌». و إنّما حَسُنَ منهم ذلكَ مِن حَيثُ اعتَقَدوا أنّ ذَوي المَنازِلِ الكثيرةِ و الرُّتَبِ المُختَلِفةِ قد حَصَلَ لهُم بمجموعِها(1)مَنزِلةٌ واحدةٌ ؛ كأنّها جُملةٌ تَتفرَّعُ (2)علىٰ غيرِها، فَتقَعُ (3)الإشارةُ منهم إلَى الجُملةِ بلفظِ الوحدةِ (4).

[ب.] و باعتبارِ ما اعتَبَرناه مِن الاستثناءِ يَبطُلُ‌(5)قولُ مَن حَمَلَ الكلامَ علىٰ مَنزِلةٍ يَقتَضيها العَهدُ أو العُرفُ‌(6).

و لأنّه لَيسَ في العُرفِ أن لا يُستَعمَلَ‌(7)لفظُ(8)«مَنزِلةٍ‌» إلّافي شَيءٍ مخصوصٍ دونَ ما عَداه؛ لأنّه لا حالَ مِن الأحوالِ يَحصُلُ‌(9)لأحَدٍ مع غيرِه - مِن نَسَبٍ‌، و جِوارٍ، و وَلايةٍ‌، و مَحبّةٍ ، و اختصاصٍ ، إلىٰ سائرِ الأحوالِ - إلّاو يَصِحُّ أن يُقالَ فيه أنّه «مَنزِلةٌ »، و مَن ادَّعىٰ عُرفاً في بعضِ المَنازِلِ ، كمَن ادَّعاه في غيرِه.

و كذلكَ لا عَهدَ يُشارُ إليه في مَنزِلةٍ مِن مَنازِلِ هارونَ مِن موسىٰ دونَ غيرِها، فلا(10)اختصاصَ بشَيءٍ مِن مَنازِلِه بعَهدٍ لَيسَ في غيرِه، بَل سائرُ مَنازِلِه كالمعهودِ؛ مِن جِهةِ أنّها معلومةٌ بالأدِلّةِ عليها.

و كُلُّ ما ذَكَرناه واضحٌ لِمَن أنصَفَ مِن نفسِه.


1) . في «د، ص»: «قد حصل له مجموعها».

2) . في «ص»: «متفرّع».

3) . في «د، ص، ف» و الحجري: «فيقع».

4) . في «ج، ص، ف»: «بلفظ الوحدة». و في التلخيص: «بلفظة الواحدة».

5) . في «د»: «نبطل».

6) . هكذا في «ج، ص، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «و العرف».

7) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «أن لا تستعمل».

8) . في «ج، ص، ف»: «لفظة».

9) . في التلخيص: «تحصل».

10) . في التلخيص: «و لا».

التقرير الثاني
اشارة

طريقةٌ أُخرىٰ مِن الاستدلالِ بالخبرِ علَى النَّصِّ : و هي أنّه إذا ثَبَتَ كَونُ هارونَ خَليفةً لموسىٰ علىٰ أُمّتِه في حياتِه و مُفتَرَضَ الطاعةِ عليهم، و أنّ هذه المَنزِلةَ مِن جُملةِ مَنازِلِه مِنه(1)، و وَجَدنا النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(2)استَثنىٰ ما لَم يُرِدْه من المَنازِلِ بَعدَه بقَولِه: «إلّا أنّه لا نَبيَّ بَعدي» دَلَّ هذا الاستثناءُ علىٰ أنّ ما لَم يَستَثنِه حاصلٌ لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ بَعدَه. و إذا كانَ مِن جُملةِ المَنازِلِ الخِلافةُ في الحياةِ و ثَبَتَت بَعدَه، فقَد وَضَحَ (3)وجهُ النَّصِّ بالإمامةِ .

فإن قالَ (4): و لِمَ قُلتم إنّ الاستثناءَ في الخبرِ يَدُلُّ علىٰ بقاءِ ما لَم يُستَثنَ مِن المَنازِلِ و ثُبوتِه بَعدَه ؟

قيلَ له: لأنّ الاستثناءَ كَما مِن شأنِه إذا كانَ مُطلَقاً أن يوجِبَ ما لَم يُستَثنَ مُطلَقاً، كذلكَ مِن شأنِه إذا قُيِّدَ بحالٍ أو وقتٍ أن يوجِبَ ثُبوتَ ما لَم يُستَثنَ في تلكَ الحالِ و ذلكَ الوقتِ‌(5)لأنّه لا فَرقَ بَينَ أن يُستَثنىٰ مِن الجُملةِ في حالٍ مخصوصةٍ‌(6)ما لَم تَتضمَّنْه(7)الجُملةُ في تلكَ الحالِ ، و بَينَ أن يُستَثنىٰ منها ما لَم تَتضمَّنْه علىٰ وجهٍ مِن الوجوهِ ؛ أ لا تَرىٰ أنّ قولَ القائلِ : «ضَرَبتُ غِلماني إلّازَيداً في الدارِ»، و «إلّا زَيداً


1) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: - «منه».

2) . في «ج، د، ف»: «عليه السلام».

3) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: «فقد صحّ ».

4) . في التلخيص: «فإن قيل».

5) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «ما لم يستثن في ذلك الوقت».

6) . في «ج، ص»: «مخصوص».

7) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: «ما لم يتضمّنه».

فإنّي لَم أضرِبْه في الدارِ» يَدُلُّ علىٰ أنّ ضَرْبَه غِلمانَه كانَ في الدارِ؛ لمَوضِعِ تَعلُّقِ الاستثناءِ بها، و أنّ الضربَ لَو لَم يَكُن في الدارِ لَكانَ‌(1)تَضمُّنُ الاستثناءِ لذِكرِ الدارِ كتَضمُّنِه ذِكرَ ما لا تَشتَمِلُ‌(2)عليه الجُملةُ الأُولىٰ مِن بَهيمةٍ و غيرِها؟

و لَيسَ لأحدٍ أن يَقولَ و يَتعلَّقَ بأنّ لفظةَ «بَعدي» في الخبرِ لا تُفيدُ حالَ الوفاةِ ، و أنّ المُرادَ بها: بَعدَ نُبوّتي.

لأنّ الجوابَ عن هذه الشُّبهةِ يأتي فيما بَعدُ مُستَقصىً بمَشيئةِ اللّٰهِ .(3)

و لا له أن يَقولَ : مِن أينَ لكم ثُبوتُ ما لَم يَدخُل تحتَ الاستثناءِ مِن المَنازِلِ؟

لأنّا قد دَلَّلنا علىٰ ذلكَ في الطريقةِ الأُولىٰ .(4)

عودة إلىٰ مناقشة القاضي

و نَحنُ نَعودُ إلىٰ كلامِ صاحبِ الكتابِ في الفَصلِ‌:

أمّا الطريقةُ الأُولىٰ - و هي التي بَدَأنا(5)بذِكرِها - فقَد استَوفَينا نُصرَتَها.(6)

و أمّا ما ذَكَرَه ثانياً فلَيسَ بمُعتَمَدٍ جُملةً‌؛ لأنّ قولَه تَعالىٰ في حِكايةِ خطابِ موسىٰ لهارونَ‌: (اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ‌)(7)إن كانَت(8)هذه الصيغةُ بعَينِها هي الواقعةَ مِن موسىٰ عليه السلامُ‌، لَم يَكُن دَلالةً‌(9)علىٰ ثُبوتِ الاستخلافِ في جميعِ


1) . في التلخيص: «كان».

2) . في «ج، ص، ف» و الحجري: «ما لا يشتمل». و في التلخيص: «ما لم تشتمل».

3) . يأتي في ص 282-284.

4) . تقدّم الدليل علىٰ ذلك في ص 261-263.

5) . في المطبوع: «بدأ».

6) . تقدّم ذلك في ص 250 و ما بعدها.

7) . الأعراف (7):142.

8) . في «ج، د، ص، ف» و الحجري: «كان».

9) . كذا في النسخ، و الأصحّ : «لم تكن دالّةً ».

الأحوالِ‌؛ فكيفَ و نَحنُ نَعلَمُ أنّ الحِكايةَ تَناوَلَت معنىٰ قولِه، دونَ صيغتِه! و إنّما قُلنا أنّ قولَه: (اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي) لا يَقتَضي عمومَ سائرِ الأحوالِ‌؛ لأنّه مُحتَمِلٌ‌، و لَيسَ يَجِبُ في اللفظِ المُحتَمِلِ أن يُحمَلَ علىٰ سائرِ ما يَحتَمِلُه إلّابدليلٍ‌، كما لا يَجِبُ ذلكَ في البعضِ‌.

فأمّا ما ذَكَرَه ثالثاً: فهو طريقةُ إثباتِ النَّصِّ ، و قد اعتَمَدَها أصحابُنا، إلّا(1)أنّه لَيسَ بمُتَعلِّقٍ بالخبرِ(2)الذي شَرَعَ صاحبُ الكتابِ في حِكايةِ وجوهِ استدلالاتِنا(3)منه، و لا مُفتَقِرَةٍ إليه، و ما نَعلَمُ أحَداً مِن أصحابِنا قَرَنَ هذه الطريقةَ مِن الاستدلالِ بالكلامِ في الخبرِ، و إيرادُها في هذا المَوضِعِ طَريفٌ .

فأمّا ما ذَكَرَه رابعاً: فهي الطريقةُ التي أورَدناها، و قد بيّنّا كَيفيّةَ دَلالتِها.(4)

قالَ صاحبُ الكتابِ :

و اعلَمْ أنّ قولَه: «أنتَ مِنّي بمَنزِلةِ هارونَ مِن موسىٰ‌» لا يَتَناوَلُ إلّا مَنزِلةً ثابتةً منه، و لا يَدخُلُ تَحتَه مَنزِلةٌ مُقدَّرَةٌ‌؛ لأنّ المُقَدَّرَ لَيسَ بحاصلٍ و لا يَجوزُ أن يَكونَ مَنزِلةً ؛ لأنّ وَصفَه بأنّه مَنزِلةٌ يَقتَضي حصولَه علىٰ وجهٍ مخصوصٍ . و لا فَرقَ في المُقدَّرِ(5)- بَينَ أن يَكونَ مِن البابِ الذي كانَ يَجِبُ لا مَحالةَ علَى الوجهِ الذي قُدِّرَ، أو لا


1) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «إلّا».

2) . كذا في النسخ، و الأصحّ : «فهي طريقة إثبات النصّ ... إلّاأنّها ليست بمتعلّقة بالخبر».

3) . في «ج، ص»: «استدلالاته».

4) . تقدّم في ص 265.

5) . في المغني: «في العدد»، و هو تصحيف. و لو رجع محقّقو المغني إلى الشافي لكانوا في غنى عن التعرّض إلى هذه التصحيفات و التحريفات و توجيهها، و هي كثيرة جدّاً، و قد ذكرنا بعضها فيما يلي.

يَجِبُ - في أنّه لا يَدخُلُ تَحتَ الكلامِ‌.

و يُبيِّنُ صِحّةَ ذلكَ أنّ قولَه: «أنتَ مِنّي بمَنزِلةِ هارونَ مِن موسىٰ‌» يَقتَضي مَنزِلةً لهارونَ مِن موسىٰ معروفةً شَبَّهَ‌(1)بها مَنزِلتَه، فكيفَ يَصِحُّ أن يَدخُلَ‌(2)في ذلكَ المُقدَّرُ؟ و هو كقولِ القائلِ‌: «حَقُّكَ‌(3)عَلَيَّ مِثلُ حَقِّ فُلانٍ علىٰ فُلانٍ‌»، و «دَينُكَ عندي مِثلُ دَينِ فُلانٍ‌» إلىٰ ما شاكَلَ ذلكَ‌، في أنّه لا يَتَناوَلُ إلّاأمراً معروفاً حاصِلاً.

و إذا ثَبَتَ ذلكَ فلَنا أن نَنظُرَ(4): فإن كانَت مَنزِلةُ هارونَ مِن موسىٰ معروفةً حَمَلنا الكلامَ عليها، و إلّاوَجَبَ التوقُّفُ‌، كَما يَجِبُ مِثلُه فيما مَثَّلناه مِن الحَقِّ و الدَّينِ . و يَجِبُ أن نَنظُرَ(5): إن كانَ الكلامُ يَقتَضي الشُّمولَ حَمَلناه عليه، و إلّاوَجَبَ التوقُّفُ عليه، و لا يَجوزُ أن يَدخُلَ تَحتَ الكلامِ ما لَم يَحصُلْ لهارونَ مِن المَنزلةِ البَتّةَ . و قد عَلِمنا أنّه لَم يَحصُلْ (6)له الخِلافَةُ بَعدَه، فيَجِبُ أن لا يَدخُلَ ذلكَ تَحتَ الخبرِ.

و لا يُمكِنُهم أن يَقولوا بوجوبِ (7)دخولهِ تَحتَ الخبرِ، علَى التقديرِ(8)الذي ذَكَروه؛ لأنّا قد بيّنّا أنّ الخبرَ لا يَتَناوَلُ المُقَدَّرَ(9)الذي لَم يَكُن،


1) . في «ص» و المطبوع: «يشبه». و في المغني: «ليست» بدل «شبَّه»، و هو تصحيف.

2) . هكذا في النسخ و المغني. و في المطبوع و الحجري: «تدخل».

3) . في المغني: «حصل»، و هو أيضاً تصحيف.

4) . في «د» و المطبوع و الحجري: «فيقال: ننظر». و في المغني: «فينا وجب أن ننظر».

5) . في «ج، د، ص» و الحجري: «أن ينظر».

6) . هكذا في النسخ و الحجري و المغني. و في المطبوع: «لم تحصل».

7) . في المغني: «يجوز».

8) . في «ج، ص»: «التقرير».

9) . هكذا في المغني. و في النسخ و المطبوع: «التقدير».

و إنّما يَتَناوَلُ (1)المَنزِلةَ الكائنةَ الحاصِلةَ .

فإن قيلَ‌: إنّ المَنزِلةَ التي نُقدِّرُها(2)لهارونَ هي كأنّها(3)ثابتةٌ‌؛ لأنّها واجبةٌ بالاستخلافِ في حالِ الغَيبةِ‌، و إنّما حَصَلَ فيها مَنعٌ و هو مَوتُه قَبلَ موتِ موسىٰ عليه السلامُ‌، و لَولا هذا المَنعُ لَكانَت ثابتةً‌؛ فإذا لم يَحصُلْ مِثلُ (4)هذا المَنعِ في أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ ، فيَجِبُ أن تَكونَ (5)ثابتةً .

قيلَ له: إنّ الذي ذَكَرتَه إذا سَلَّمناه، لم يُخرِجْ هذه المَنزِلةَ مِن كَونِها غيرَ ثابتةٍ في الحَقيقةِ‌، و إن كانَت في الحُكمِ كأنّها ثابِتةٌ . و قد بيّنّا(6)أنّ الخبرَ لَم يَتناوَلِ المُقدَّرَ؛ صَحَّ وجوبُه أو لَم يَصِحّ ؛ فنَحنُ قَبلَ (7)أن نَتكلّمَ في صِحّةِ ما أورَدتَه و وجوبِه قد صَحَّ كلامُنا(8)، فلا حاجةَ بنا(9)إلىٰ مُنازَعَتِكَ في هذه المَنزِلةِ : هَل كانَت تَجِبُ لَو ماتَ موسىٰ قَبلَه، أو كانَت لا تَجِبُ؟

يُبيِّنُ ذلكَ : أنّه عليه السلامُ لَو أَلزَمَنا صَلاةً سادسةً في المكتوباتِ أو


1) . هكذا في المغني. و في النسخ و المطبوع: + «أوّل».

2) . هكذا في «ج، ص» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «تقدّرها».

3) . في المغني: «كائنة».

4) . في المغني: - «مثل».

5) . في النسخ و الحجري: «أن يكون». و ما أثبتناه من المطبوع و المغني.

6) . في المغني: «و قد ثبت».

7) . في المغني: «فيجب» بدل «فنحن قبل».

8) . في المغني: «و وجوبه صحّة كونه كلامنا».

9) . في المغني: + «الآن».

صَومَ شَوّالٍ لَكانَ ذلكَ شَرعاً له، و لَوَجَبَ ذلكَ‌؛ لِمكانِ المُعجِزِ(1)، و لَيسَ بواجِبٍ أن يَكونَ مِن شَرعِه الآنَ‌، و إن كانَ لَو أمَرَ به لَلَزِمَ‌.

و كذلكَ القولُ فيما ذَكَروه.

و لَيسَ كُلُّ مُقَدَّرٍ حَصَلَ سببُ‌(2)وجوبهِ‌، و كانَ يَجِبُ حصولُه(3)لَولا المانعُ‌، يَصِحُّ‌(4)أن يُقالَ إنّه حاصلٌ‌. و إذا تَعذَّرَ ذلكَ‌، فكَيفَ يُقالُ إنّه

«مَنزِلةٌ‌» و قد بيّنّا أنّ كَونَه مَنزِلةً‌(5)صِفةٌ زائدةٌ علىٰ حُصولهِ؟

يُبيِّنُ ذلكَ‌: أنّ الخِلافةَ بَعدَ الموتِ‌، لها من الحُكمِ ما لَيسَ للخِلافةِ في حالِ‌(6)الحياةِ‌؛ فهُما(7)مَنزِلتانِ مُختَلِفتانِ‌، تَختَصُّ‌(8)كُلُّ واحدةٍ منهما بحُكمٍ يُخالِفُ حُكمَ صاحبَتِها؛ لأنّه [في حالِ الحياةِ تَصِحُّ فيها الشِّركةُ و العَزلُ و الاختصاصُ‌، و بَعدَ الوفاةِ‌](9)لا يَصِحُّ فيها ذلكَ‌، فلا يَجِبُ ثُبوتُ إحداهُما بثُبوتِ الأُخرىٰ‌، و لا يَصِحُّ‌(10)أن يُعَدَّ ذلكَ مَنزِلةً و لَم يَحصُلْ‌؛ فكَيفَ يُقالُ‌: إنّ الخبرَ يَتَناوَلُه ؟(11)


1) . في «ص» و المغني: «العجز».

2) . في «د»: «لسبب». و في «ص»: «بسبب».

3) . في المطبوع + «له و».

4) . في المغني: «و كان تحت حصوله لولا الصانع لصحّ ».

5) . هكذا في النسخ و المغني. و في الحجري و المطبوع: - «منزلة».

6) . هكذا في النسخ و الحجري و المغني. و في المطبوع: «حالة».

7) . في المغني: «و هما».

8) . في النسخ و الحجري: «يختصّ ». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و المغني.

9) . ما بين المعقوفين من المغني.

10) . في «ج، ص، ف»: «فلا يصحّ ».

11) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 159-161.

نفيُ أن يكون تقديرُ حصول الشيء مانعاً من وصفه بأنّه منزلة

يُقالُ له: لِمَ قُلتَ‌: «إنّ ما يُقدَّرُ لا يَصِحُّ وَصفُه بأنّه مَنزِلةٌ‌»؟ فما نَراكَ ذَكَرتَ إلّاما يَجري مَجرَى الدعوىٰ‌، و ما أنكَرتَ مِن(1)أن يوصَفَ المُقدَّرُ ب‍ «المَنزِلةِ‌» إذا كانَ سببُ استحقاقِه و(2)وجوبِه حاصِلاً؟

و لَيسَ يَخرُجُ بكَونِه(3)مُقدَّراً مِن أن يَكونَ معروفاً يَصِحُّ أن يُشارَ إليه و يُشبَّهَ به غَيرُه؛ لأنّه إذا صَحَّ‌، و كانَ - مع كَونِه مُقدَّراً - مَعلوماً حصولُه و وجوبُه عندَ وجودِ شَرطِه، فالإشارةُ إليه صَحيحةٌ‌، و التعريفُ فيه حاصلٌ‌.

و قد رَضينا بما ذَكَرتَه في الدَّينِ‌؛ لأنّه لَو كانَ لأحَدِنا علىٰ غيرِه دَينٌ مَشروطٌ يَجِبُ في وقتٍ مُنتَظَرٍ، يَصِحُّ قَبلَ ثُبوتِه و حُصولِه أن تَقَعَ‌(4)الإشارةُ إليه و يُحمَلَ غيرُه عليه، و لا يَمنَعُ‌(5)مِن جميعِ ذلكَ فيه كَونُه مُنتَظَراً مُتَوقَّعاً، و يوصَفُ أيضاً بأنّه دَينٌ و حَقٌّ و إن لَم يَكُن في الحالِ ثابتاً.

و ممّا يَكشِفُ عن بُطلانِ قولِكَ‌: «إنّ المُقدَّرَ و إن كانَ ممّا يُعلَمُ حُصولُه لا يوصَفُ بأنّه مَنزِلةٌ »: أنّ أحَدَنا لَو قالَ : «فُلانٌ مِنّي بمَنزِلةِ زَيدٍ مِن عَمرٍو في جميعِ أحوالِه» و عَلِمنا أنّ زَيداً(6)قد بَلَغَ مِن الاختصاصِ بعَمرٍو و القُربِ (7)منه و الزُّلفىٰ (8)


1) . في التلخيص: «و ليس يمتنع» بدل «و ما أنكرت من».

2) . هكذا في التلخيص. و في المطبوع و الحجري: - «و».

3) . لم يرد في «ج، د، ص، ف» قوله: «بالمنزلة إذا كان سبب استحقاقه و وجوبه حاصلاً؟ و ليس يخرج بكونه». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و الحجري و التلخيص.

4) . في النسخ و الحجري: «أن يقع». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و التلخيص.

5) . هكذا في «ج، ص، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع: «و لا يمتنع».

6) . هكذا في «ج، ص، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «أنّ ذلك».

7) . هكذا في «ج، ص، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «و التقرّب».

8) . في «ج، ص، ف»: «و الزلفة».

عندَه إلىٰ حَدٍّ لا يَسألُه معه شَيئاً مِن أموالِه إلّاأجابَه إليه و بَذَلَه له(1)، ثُمّ إنّ المُشبَّهَ حالُه بحالِه سألَ صاحِبَه دِرهَماً من مالِه أو ثَوباً مِن ثِيابِه(2)، لَوَجَبَ عليه - إذا كانَ قد

حَكَمَ بأنّ مَنزِلتَه منه مَنزِلةُ‌(3)مَن ذَكرناه - أن يَبذُلَه له، و إن لَم يَكُن وَقَعَ مِمّن شُبِّهَت(4)حالُه به مِثلُ تلكَ‌(5)المسألةِ بعَينِها. و لَم يَكُن للقائلِ الذي حَكَينا قولَه أن يَمنَعَه مِن الدِّرهَم و الثوبِ بأن يَقولَ : «إنّني جَعَلتُ لكَ مَنازِلَ فُلانٍ مِن فُلانٍ ، و لَيسَ في مَنازِلهِ أنّه(6)سَألَه دِرهَماً أو ثَوباً فأعطاه في كُلِّ واحدةٍ منهما» بَل يوجِبُ عليه جميعُ مَن سَمِعَ كلامَه العَطِيّةَ ؛ مِن حَيثُ كانَ المعلومُ مِن حالِ مَن جُعِلَ له مِثلُ مَنزِلتِه أنّه لَو سَألَه(7)في ذلكَ كَما سَألَ هذا أُجيبَ (8)إليه.

و لَيسَ يَلزَمُ علىٰ هذا أن تَكونَ (9)الصلاةُ السادسةُ و ما أشبَهَها مِن العباداتِ - التي لَو أَوجَبَها الرسولُ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(10)علينا لَوَجَبَت(11)- ممّا(12)يَجري عليها الوصفُ الآنَ بأنّها مِن شَرعِه.


1) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: - «له».

2) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: - «من ثيابه».

3) . في التلخيص: «كمنزلة».

4) . في «ج»: «شبّه». و في «ص»: «شبهه».

5) . في «ج، د، ص، ف» و الحجري: «ذلك».

6) . هكذا في النسخ و الحجري و التلخيص. و في المطبوع: «أن».

7) . في التلخيص: «لو سأل».

8) . في التلخيص: «لأُجيب».

9) . في «ج، د، ص، ف» و الحجري: «أن يكون».

10) . في «ج، د، ص، ف»: «عليه السلام».

11) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: «لوجب».

12) . في «ص»: «أن لا».

لأنّها(1)لَم يَحصُلْ لها سببُ وجوبٍ و(2)استحقاقٍ‌، بَل سببُ وجوبِها مُقدَّرٌ كَما(3)أنّها مُقدَّرةٌ‌، و لَيسَ كذلكَ ما أوجَبناه؛ لأنّا لا نَصِفُ بالمَنزِلةِ إلّا ما حَصَلَ استحقاقُه و سببُ وجوبِه. و لَو قالَ عليه السلامُ‌: «صَلُّوا بَعدَ سَنةٍ صَلاةً مخصوصةً‌» خارجةً عمّا نَعرِفُ‌(4)مِن الصلَواتِ‌، لَجازَ أن يُقالَ‌، بَل وَجَبَ أن تَكونَ‌(5)تلكَ الصلاةُ مِن شَرعِه قَبلَ حضورِ(6)الوقتِ‌؛ مِن حَيثُ ثَبَتَ سببُ وجوبِها.

و بمِثلِ (7)ما ذَكرناه يَسقُطُ قولُ مَن يَقولُ : فيَجِبُ علىٰ كلامِكم(8)أن يَكونَ كُلُّ أحَدٍ مِنّا(9)«إماماً» و علىٰ سائرِ الأحوالِ التي يَجوزُ(10)علىٰ طريقِ التقديرِ أن يَحصُلَ عليها؛ مِثلُ أن يَكونَ «وَصِيّاً» لغَيرِه و «شَريكاً» له و «نَسيباً»(11)إلىٰ غيرِ ذلكَ ؛ لأنّه علىٰ طريقِ التقديرِ يَصِحُّ أن يَكونَ علىٰ جميعِ هذهِ الأحوالِ بوجودِ(12)أسبابِها و شُروطِها. و إنّما لَم يَلزَمْ جَميعُ ما عَدَّدناه(13)لِما قَدَّمنَا ذِكرَه مِن اعتبارِ ثُبوتِ سببِ


1) . في «ج، ص، ف» و التلخيص: «لأنّه».

2) . هكذا في «ج، ف» و التلخيص. و في «د، ص» و المطبوع و الحجري: - «و».

3) . هكذا في النسخ و الحجري و التلخيص. و في المطبوع: «بما».

4) . في «ج، ص، ف»: «يُعرف». و في الحجري: «تعرف». و في التلخيص: «نعرفه».

5) . في «ج، د، ص، ف» و الحجري: «أن يكون». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و التلخيص.

6) . في «د»: «حصول».

7) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «و مثل».

8) . في التلخيص: + «هذا». و في «د» و المطبوع و الحجري: «كلامك».

9) . هكذا في «ج، ص» و التلخيص. و في «د، ف» و المطبوع و الحجري: «نبيّاً» بدل «منّا».

10) . في «ص» و التلخيص: «تجوز».

11) . في «ج، ص»: - «و نسيباً».

12) . هكذا في «ج، ص، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع: «لوجود».

13) . في التلخيص: «ما ذكرناه».

المَنزِلةِ و استحقاقِها، و جميعُ ما ذُكِرَ لَم يَثبُتْ له سببُ استحقاقٍ و لا وجوبٍ‌، فَلا يَصِحُّ (1)أن يُقالَ : إنّه مَنزِلةٌ .

عدم توقّف الاستدلال بحديث المنزلة علىٰ وصف المقدَّر بأنّه «منزلة»

ثُمَّ يُقالُ له: ما نَحتاجُ‌(2)إلىٰ مُضايَقَتِكَ في وَصفِ المُقدَّرِ بأنّه «مَنزِلةٌ‌» و كلامُنا يَتِمُّ و يَنتَظِمُ مِن دونهِ‌؛ لأنّ ما عليه هارونُ مِن استحقاقِ‌(3)مَنزِلةِ الخِلافةِ بَعدَ وفاةِ موسىٰ عليه السلامُ إذا كانَ ثابتاً في أحوالِ حياتِه، صَحَّ أن يوصَفَ بأنّه «مَنزِلةٌ‌» و إن لَم يَصِحَّ وَصفُ‌(4)الخِلافةِ بَعدَ الوفاةِ بأنّها «مَنزِلةٌ‌» في حالِ الحياةِ‌؛ لأنّ التصرُّفَ في الأمرِ المُتعلِّقِ بحالٍ مخصوصةٍ غيرُ(5)استحقاقِه، و أحَدُ الأمرَينِ‌

مُنفَصِلٌ عن(6)الآخَرِ. و إذا ثَبَتَ أنّ استحقاقَه للخِلافةِ بَعدَ الوفاةِ‌(7)يَجري عليه الوصفُ ب‍ «المَنزِلةِ »، و وَجَبَ (8)حصولُه لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ كَما حصَلَ لهارونَ عليه السلامُ ، ثَبَتَت(9)له الإمامةُ بَعدَ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه؛ لِتَمامِ شَرطِها(10)فيه.


1) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: «و لا يصحّ ».

2) . في «د، ص، ف»: «ما يحتاج».

3) . في التلخيص: «استحقاقه».

4) . في «ف»: «و إن لم تصف». و في التلخيص: «و إن لم توصف».

5) . في التلخيص: «من غير». و في «د» و المطبوع و الحجري: «عند» بدل «غير».

6) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: «من».

7) . في التلخيص: - «بعد الوفاة».

8) . في «ج، د، ص»: «و وجوب».

9) . هكذا في «ف» و التلخيص. و في «د» و الحجري: «ليثبت». و في «ج، ص»: «ثبت». و في المطبوع: «لثبتت».

10) . في التلخيص: «بتمام شروطها».

أ لا تَرىٰ أنّ مَن أَوصىٰ إلىٰ غيرِه، و جَعَلَ إليه التصرُّفَ في أموالِه بَعدَ وفاتِه، يَجِبُ له ذلكَ بشَرطِ الوفاةِ‌؛ و كذلكَ مَن استَخلَفَ غيرَه بشَرطِ غَيبتِه عن بَلَدِه لِيَكونَ نائباً عنه بَعدَ الغَيبةِ‌، تَجِبُ‌(1)له هذه المَنزِلةُ عندَ حُصولِ شَرطِها؟

فحالُ التصرُّفِ و القيامِ بالأمرِ المُفوَّضِ إليه(2)غيرُ حالِ استحقاقِه(3). و لَو أنّ غيرَ الموصي أو(4)المُستَخلِفِ قالَ‌: «فُلانٌ مِنّي بمَنزِلةِ فُلانٍ مِن فُلانٍ‌» و أشارَ إلَى المُوصي و الموصىٰ إليه(5)، لَوَجَبَ أن يَثبُتَ له مِن الاستِحقاقِ في الحالِ و التصرُّفِ بَعدَها ما أوجَبناه للأوّلِ‌، و لَم يَكُن لأحَدٍ أن يَتطرَّقَ‌(6)إلىٰ مَنعِ هذا المُتصرِّفِ‌(7)مِن التصرُّفِ إذا بَقيَ إلىٰ حالِ وفاةِ صاحبِه؛ مِن حَيثُ لا يوصَفُ التصرُّفُ (8)المُستَقبَلُ (9)بأنّه «مَنزِلةٌ » قَبلَ حضورِ وقتِه(10)، و لا مِن حَيثُ كانَ مَن شُبِّهَت حالُه به لَم يَبقَ بَعدَ الوفاةِ لَو قَدَّرنا أنّه لَم يَبقَ .


1) . في «د» و المطبوع: «يجب».

2) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «المنصوص إليه».

3) . هكذا في «ج». و في التلخيص: «فحال استحقاق التصرّف و القيام بالأمر المفوّض إليه غير حال استخلافه». و في «د، ص، ف» كما في التلخيص، إلّاأنّ فيها: «عن حال استحقاقه» بدل «غير حال استخلافه». و في المطبوع أيضاً كما في التلخيص، إلّاأنّ فيه: «المنصوص إليه غير حال استحقاقه». و يؤيّد ما أثبتناه قوله قبل قليل: «لأنّ التصرّف في الأمر المتعلّق بحال مخصوصة غير استحقاقه».

4) . هكذا في «ج، ص، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «و» بدل «أو».

5) . أو إلى المستخلِف و المستخلَف.

6) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «التطرّق» بدل «أن يتطرّق».

7) . في التلخيص: - «المتصرّف».

8) . في «ج»: «المتصرّف».

9) . في «د»: «المستفيد».

10) . هكذا في «ج، ص، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «حصول وقته».

فإن قالَ صاحبُ الكتابِ‌: إنّما صَحَّ ما ذَكرتُموه؛ لأنّ التصرُّفَ في مالِ الموصي، و الخِلافةَ لِمَن استُخلِفَ في حالِ الغَيبةِ‌، و إن لَم يَكونا حاصِلَينِ في حالِ الخِطابِ‌، و لَم يوصَفا بأنّهما «مَنزِلتانِ »، فما(1)يَقتَضيهِما مِن الوَصيّةِ و الاستخلافِ الموجِبَينِ (2)لاستحقاقِهما يَثبُتُ في الحالِ ، و يوصَفُ بأنّه «مَنزِلةٌ ».

قُلنا: و هكذا نَقولُ لكَ فيما أوجَبناه مِن مَنازِلِ هارونَ مِن موسىٰ لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ حَرفاً بحَرفٍ‌. و لَيسَ له أن يُخالِفَ في أنّ استحقاقَ هارونَ لخِلافةِ‌(3)موسىٰ بَعدَ الوفاةِ كانَ حاصلاً في الحالِ‌؛ لأنّ كلامَه في هذا الفَصلِ مَبنيٌّ علىٰ‌

تسليمِه، و إن كانَ قد خالَفَ في ذلكَ في فَصلٍ استأنَفَه يأتي مع الكلامِ عليه فيما بَعدُ. و قد صَرَّحَ في مَواضِعَ مِن كلامِه الذي حَكَيناه بتسليمِ هذا المَوضِعِ‌؛ لأنّه بَنَى الفَصلَ علىٰ أنّ الخِلافةَ لَو وَجَبَت بَعدَ الوفاةِ - حَسَبَ ما يَذهَبُ إليه - لَم يَصِحَّ وَصفُها قَبلَ حصولِها بأنّها «مَنزِلةٌ‌»، و لَو كانَ مُخالِفاً في أنّها ممّا يَجِبُ أن يَحصُلَ لَاستَغنىٰ بالمُنازَعةِ عن جميعِ ما تَكلَّفَه.

فقَد بانَ مِن جُملةِ ما أَورَدناه أنّ الذي اقتَرَحَه مِن أنّ الخبرَ لَم يَتَناوَلِ المُقدَّرَ لَم يُغنِ عنه شيئاً؛ لأنّا مع تسليمِه قد بيّنّا صِحّةَ مَذهبِنا في تأويلِه، و أنّ كلامَه إذا صَحَّ لَم يَكُن له مِن التأثيرِ أكثَرُ مِن مَنعِ الوصفِ ب‍ «المَنزِلةِ » ما كانَ مُقدَّراً. و لَيسَ يَضُرُّ مَن ذَهَبَ في هذا الخبرِ إلَى النَّصِّ الامتناعُ (4)مِن وَصفِ الخِلافةِ بَعدَ الوفاةِ بأنّها «مَنزِلةٌ » قَبلَ حصولِها إذا ثَبَتَ له أنّها واجبةٌ مُستَحَقّةٌ و أنّ ما يَقتَضيها يَجِبُ وصفُه بأنّه مَنزِلةٌ .


1) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: «فيما».

2) . هكذا في «ج، ص، ف» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «الموجبتين».

3) . هكذا في «ف». و في سائر النسخ و المطبوع: «بخلافة».

4) . في المطبوع: «لامتناع».

قالَ صاحبُ الكِتابِ :

فإن قالَ : إنّ الذي يَدُلُّ علىٰ أنّ الخبرَ يَتَناوَلُ (1)ذلكَ (2)قولُه: «إلّا أنّه لا نَبيَّ بَعدي» و ظاهرُ ذلكَ : «بَعدَ مَوتي» فيَجِبُ أن يَكونَ ما أثبَتَه بَعدَ الموتِ أيضاً(3).

قيلَ له: إنّ التشبيهَ الأوّلَ يَقتَضي حَملَ هذا الاستثناءِ علىٰ أنّ المُرادَ به: «بَعدَ كَوني نَبيّاً»(4)لِيَصِحَّ أن يَحصُلَ ما استَثناه(5)في هارونَ‌، كَما صَحَّ أن يَحصُلَ ما استَثنىٰ منه في هارونَ‌(6)لأنّه لا بُدَّ مِن صِحّةِ الأمرَينِ في هارونَ‌(7)، و قد عَلِمنا أنّه لَم يَكُن مِن(8)مَنازِلِه(9)النبوّةُ بَعدَ موسىٰ‌، و إنّما يَدخُلُ‌(10)في مَنازِلِه النبوّةُ بَعدَ نُبوّةِ موسىٰ‌؛ فيَجِبُ أن يَكونَ عليه السلامُ إنّما استَثنىٰ‌(11)ما لَولاه لَثَبَتَ مِن(12)مَنازِلِ هارونَ . و لا يَجوزُ أن يَستَثنيَ ما لَولاه لَم يَثبُتْ مِن مَنازِلِه(13)لأنّ ذلكَ لا يُفيدُ. و هذا يُبيِّنُ صِحّةَ ما قَدَّمناه.


1) . في «ج، ص، ف» و المغني: «تناول».

2) . أي يتناول منزلة الخلافة بعد الموت.

3) . في المغني: + «ثابتاً قبله».

4) . في المغني: «يتّصل كونه نبيّاً».

5) . في «د»: «ما استثنىٰ ».

6) . في التلخيص: «ما استثناه منه فيه».

7) . في المغني: «في منازل هارون».

8) . في المغني «في».

9) . في المطبوع: «منازل»، و هو سهو.

10) . في التلخيص: «تدخل».

11) . في المغني: «أن يكون النبيّ عليه السلام استثنىٰ ».

12) . في المغني: «في».

13) . هكذا في «ج، ص، ف» و المغني و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «من منازل هارون».

و إذا ثَبَتَ أنّ المُرادَ: «إلّا أنّه لا نَبيَّ بَعدَ نُبوّتي» فيَجِبُ أن تَكونَ‌(1)

المَنازِلُ التي دَخَلَها(2)هذا الاستثناءُ بَعدَ نُبوّتهِ‌، لا بَعدَ موتِه. و هذا يُسقِطُ ما عَوَّلوا عليه؛ فصارَ التشبيهُ الأوّلُ هو الدالَّ علىٰ أنّ المُستَثنىٰ و المُستَثنىٰ منه جميعاً حاصِلانِ لهارونَ‌، و إذا(3)لَم يَحصُلْ له كُلُّ المَنازِلِ إلّا في حالِ حياةِ موسىٰ‌(4)وَجَبَ صِحّةُ ما ذَكَرناه.

و مِمّا يُبيِّنُ صِحّةَ ذلكَ‌: أنّ مِن حَقِّ الاستثناءِ أن يُطابِقَ المُستَثنىٰ منه في وقتِه؛ لأنّ الرجُلَ إذا قالَ‌: «لفُلانٍ عَلَيَّ عَشَرةُ دَراهِمَ إلّا دِرهَماً» فالمُرادُ بما أثبَتَه الحالُ‌(5)و بما نَفاه الحالُ‌، و لا يَجوزُ في الكلامِ سِوىٰ ذلكَ إلّابقَرينةٍ و دَلالةٍ‌(6)، و قد عَلِمنا أنّه عليه السلامُ لمّا قالَ لعَليٍّ عليه السلامُ‌: «أنتَ مِنّي بمَنزِلةِ هارونَ مِن موسىٰ‌» أثبَتَ له المَنزِلةَ في الوقتِ‌(7)، فيَجِبُ فيما استَثنىٰ أن يَتناوَلَ الوقتَ‌؛ فكَيفَ يُقالُ إنّه أرادَ بَعدَ موتِه‌؟ بَل(8)يَجِبُ حَملُه علَى الوقتِ‌، فكأنّه قالَ : «أنتَ مِنّي في حالِ نُبوّتي بمَنزِلةِ هارونَ مِن موسىٰ في حالِ نُبوّتهِ و بَعدَ نُبوّتهِ ، إلّاأنّه لا نَبيَّ بَعدَ نُبوّتي» حتّىٰ يَكونَ الاستثناءُ مُتَناوِلاً للحالِ التي لَولا الاستثناءُ


1) . هكذا في المغني و التلخيص. و في النسخ و المطبوع: «أن يكون».

2) . في المغني: «التي لأجلها حصل».

3) . في المغني: «فإذا».

4) . هكذا في المغني. و في النسخ و المطبوع: «في حال الحياة من موسىٰ ».

5) . في المغني: «فالمراد ما أثبته في الحال».

6) . في «د»: «إلّا بقرينة دالّة».

7) . في التلخيص: «أثبت له في الوقت المنزلة».

8) . في المغني: «بل كيف».

لَثَبَتَت(1)فإذا كانَ لَو لَم يَستَثنِ لَوَجَبَ في حَقِّ الكلامِ أن يَكونَ شَريكَه في النبوّةِ في الحالِ كما ثَبَتَ لهارونَ ، فيَجِبُ إذا استَثنىٰ أن يَقتَضيَ نفيَ هذا المعنىٰ . و هذا يَمنَعُ (2)مِن حَملِه علىٰ بَعدِ الموتِ .

و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ : فيَجِبُ أن لا يُعرَفَ بقَولِه: «إلّا أنّه لا نَبيَّ بَعدي» أنّه خاتَمُ الأنبياءِ .

و ذلكَ‌ لأنّه إذا كانَ المُرادُ: «إلّا أنّه لا نَبيَّ‌(3)بَعدَ كَوني نَبيّاً» فقَد دَلَّ علىٰ ذلكَ بأقوىٰ ممّا يَدُلُّ‌(4)لَو أرادَ: «إلّا أنّه لا نَبيَّ بَعدَ وفاتِي»،(5)فكَيفَ لا يَدُلُّ علىٰ ما ذَكرتُموه‌؟

و لَسنا نَعتَمِدُ في أنّه خاتَمُ النبيّينَ عليه السلامُ‌(6)إلّاعلىٰ ما يُعلَمُ‌(7)مِن دينِه ضَرورةً بالنقلِ المُتواتِرِ الذي يُعرَفُ‌(8)به ذلكَ ، مِن غيرِ اعتبارِ لفظٍ(9)[كَما نَعلَمُ تحريمَ الخَمرِ مِن دينِه بهذه الطريقةِ ، مِن غيرِ اعتبارِ لفظٍ](10).


1) . هكذا في «ف» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «لثبت».

2) . في «د»: - «و هذا يمنع».

3) . في المغني: «و ذلك أنّه إذا كان المراد: لا نبيّ ».

4) . هكذا في المغني. و في النسخ و المطبوع: «ما يدلّ ». و يؤيّد ما أثبتناه تصريحه في ص 287 بهذه العبارة.

5) . في المغني: «بأقوىٰ ممّا يدلّ لو أراد بقوله «إلّا أنّه لا نبيّ بعدي»: بعد وفاتي».

6) . في «د»: «صلّى اللّٰه عليه و آله».

7) . في «د» و المغني و المطبوع: «نعلم».

8) . هكذا في «ج، ص، ف» و المغني. و في «د» و المطبوع: «نعرف».

9) . في المغني و المطبوع: «لفظه».

10) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 161-163. و ما بين المعقوفين من المغني.

نفي أن يكون الاستثناء في الحديث، معناه: «بعد نبوّتي»، لا «بعد موتي»

يُقالُ له: قد أجابَ أصحابُنا مِن إلزامِهم(1)أن يَكونَ قولُه عليه السلامُ : «إلّا أنّه لا نَبيَّ بَعدي» أرادَ به:

«بَعدَ نُبوّتي» بجوابَينِ :

أ حَدُهما: أنّ قولَه عليه السلامُ : «لا نَبيَّ بَعدي» يَقتَضي ظاهرُه: «بَعدَ مَوتي»؛ لأنّ العادةَ جاريةٌ في فائدةِ مِثلِ هذه اللفظةِ إذا وَقَعَت علىٰ هذا الوجهِ بمِثلِ ما ذَكرناه.

أ لا تَرىٰ أنّ أحَدَنا إذا قالَ : «فُلانٌ وَصِيّي مِن بَعدي» و «هذا المالُ يُفَرَّقُ (2)علَى الفُقراءِ مِن بَعدي» لَم يُفهَمْ مِن كلامِه إلّا «بَعدَ وفاتي» دونَ سائرِ أحوالِه ؟ و إذا كانَ الظاهرُ يَقتَضي صِحّةَ قولِنا وَجَبَ التمسُّكُ به، و اطِّراحُ قولِ مَن سامَنا(3)العُدولَ عنه.

و الجوابُ الثاني: أنّا لَو سَلَّمنا للخُصومِ ما اقتَرَحوه مِن أنّ المُرادَ بنَفيِ النبوّةِ‌(4)لَم يَختَصَّ حالَ الوفاةِ‌، بَل يَتناوَلُ (5)ما هو بَعدَ حالِ نُبوّتِه مِن الأحوالِ ، لَم يُخِلَّ ذلكَ بصِحّةِ تأويلِنا للخبرِ؛ لأنّا نَعلَمُ أنّ الذي أشاروا إليه مِن الأحوالِ يَشتَمِلُ علىٰ أحوالِ الحياةِ و أحوالِ الوفاةِ إلىٰ قيامِ الساعةِ ؛ فيَجِبُ بظاهرِ الكلامِ و بما حَكَمنا(6)به - مِن مُطابَقةِ الاستثناءِ في الحالِ التي وَقَعَ فيها المُستَثنىٰ منه - أن تَجِبَ (7)لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ الإمامةُ في جَميعِ الأحوالِ التي تَعلَّقَ النفيُ بها. فإن(8)


1) . في «د» و المطبوع: - «إلزامهم».

2) . في التلخيص: «يصرف».

3) . هكذا في «ف» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «سامه». و يقال: سامَه الأمرَ، أي كلّفه إيّاه و أراده عليه. راجع: لسان العرب، ج 12، ص 311-312 (سوم).

4) . في التلخيص: «من أنّ المراد نفي النبوّة بعد كونه نبيّاً».

5) . في «ج، ف»: «تناول».

6) . في التلخيص: «حكمناه».

7) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: «أن يجب».

8) . في «ج، ص»: «فإذا». و في التلخيص: «و إن».

أخرَجَت دَلالةٌ (1)شيئاً مِن هذه الأحوالِ ، أخرَجناه لها و أبقَينا ما عَداه؛ لاقتضاءِ ظاهرِ الكلامِ له. فكانَ ما طَعَنَ به مُخالِفونا إنّما زادَ قَولَنا صِحّةً و تأكيداً.

و هذا الجوابُ هو المُعتَمَدُ، دونَ الأوّلِ‌؛ لأنّ لقائلٍ أن يَقولَ في الأوّلِ‌: إنّ الظاهرَ مِن قولِ القائلِ «بَعدي» لا يَتَناوَلُ أحوالَ الوفاةِ علىٰ ما ادَّعَيتم، و لا يُمنَعُ‌(2)أن يَكونَ‌(3)هذه الكِنايةُ مُتَعلِّقةً بحالٍ مِن أحوالِ القائلِ غيرِ حالِ وفاتِه؛ لأنّا نَعلَمُ أوّلاً أنّها لَيسَت بكِنايةٍ عن ذاتِه، و إنّما هي كِنايةٌ عن حالٍ مِن أحوالِه؛ فلا فَرقَ بَينَ بعضِ أحوالِه و بَينَ بعضٍ في صِحّةِ الكنايةِ عنه بهذه اللفظةِ‌. ألا تَرىٰ إلىٰ صِحّةِ قولِ القائلِ‌: «قَدِمَ فُلانٌ (4)بَعدي» و «تَكلَّمَ بَعدي» و «وَلِيَ فُلانٌ كَذا و كَذا بَعدَ فُلانٍ » و إن كانَت لَفظةُ «بَعدي» في(5)جميعِها كِنايةً عن غيرِ حالِ الوفاةِ ، و مُتعلِّقةً بما يَثبُتُ (6)في حالِ الحياةِ؟

و لَيسَ يُمكِنُ أن يُدَّعىٰ أنّ ظاهرَها و حقيقتَها(7)يَقتَضيانِ حالَ الوفاةِ ، و أنّها إذا أُريدَ بها ما عَدا حالَ الوفاةِ مِن الأحوالِ كانَت مَجازاً.

لأنّ‌ ذلكَ تَحكُّمٌ مِن مُدَّعيهِ‌. و لا فَرقَ بَينَه و بَينَ مَن ادَّعىٰ عَكسَه عليه، فَقالَ‌: «إنّها إنّما تَكونُ مَجازاً إذا عُنِيَ بها حالُ الوفاةِ‌». و مَن رَجَعَ إلىٰ ما يَقَعُ (8)عليه هذه


1) . في التلخيص: «الدلالة» بدل «دلالة».

2) . في المطبوع و الحجري: «و لا يمتنع».

3) . كذا في النسخ، و الأصحّ : «أن تكون».

4) . في «د» و المطبوع: «فلاناً».

5) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «في».

6) . في «ف»: «ثبت».

7) . في «ج، د»: «و حقيقها».

8) . كذا في النسخ، و الأصحّ : «تقع».

اللفظةُ في الاستعمالِ و التعارُفِ ، لَم يَجِدْ لوقوعِها كِنايةً عن بعضِ الأحوالِ مَزِيّةً علىٰ بعضٍ .

بيان شمول التشبيه في الحديث للمنازل أنفسِها، لا لأوقاتها

ثُمّ يُقالُ له في قولِه: «إنّ الكلامَ يَقتَضي حصولَ المُستَثنىٰ و المُستَثنىٰ منه معاً لهارونَ عليه السلامُ‌، و إنّ مِن حَقِّ الاستثناءِ أن يُطابِقَ المُستَثنىٰ منه في وقتِه»:

أمّا مطابَقةُ الاستثناءِ للمُستَثنىٰ منه: فهو الصحيحُ الواجبُ الذي فَزِعوا إليه(1)، و مَدارُ كلامِهم في هذه الطريقةِ عليه(2).

و أمّا حصولُ المُستَثنىٰ و المُستَثنىٰ منه معاً لهارونَ في وقتِهما و علىٰ سائرِ وجوهِهما فغيرُ واجبٍ‌؛ لأنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلهِ‌(3)لَم يَقصِدْ إلىٰ جَعلِ مَنازِلِ هارونَ مِن موسىٰ في زمانِها و وَجهِ حصولِها(4)لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ ، و إنّما قَصَدَ إلىٰ إيجابِ ما كانَ لهارونَ مِن موسىٰ عليهما السلامُ مِن المَنازِلِ في حالٍ مخصوصةٍ ، لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ في حالٍ أُخرىٰ ، فدَخَلَ (5)التشبيهُ و التمثيلُ بَينَ المَنازِلِ أنفُسِها(6)، لا بَينَ أوقاتِها و أزمانِ حصولِها.

و الذي دَلَّنا علىٰ صِحّةِ هذه الجُملةِ : ما قَدَّمناه مِن اعتبارِ الاستثناءِ ؛ لأنّه عليه السلامُ إذا استَثنىٰ ما أخرَجَه مِن المَنازِلِ بَعدَه، و كانَ الاستثناءُ مِن شأنِه أن يُطابِقَ


1) . في التلخيص: «ندعو إليه».

2) . في التلخيص: «و مدار كلامنا عليه في هذه الطريقة».

3) . في «ج، د، ف»: «عليه السلام».

4) . هكذا في النسخ و الحجري و التلخيص. و في المطبوع: «في زمانهما و وجه حصولهما».

5) . في التلخيص: «مدخل».

6) . في المطبوع و الحجري: «لأنفسها».

المُستَثنىٰ منه - حتّىٰ يَكونَ‌(1)مُخرِجاً مِن الكلامِ ما لَولاه لَثَبَتَ علَى الوجهِ الذي تَعلَّقَ به الاستثناءُ - فلا بُدَّ أن يُحكَمَ بأنّه عليه السلامُ‌(2)أرادَ بصَدرِ الكلامِ إيجابَ المَنازِلِ بَعدَه؛ فكأنّه عليه السلامُ قالَ‌: «أنتَ مِنّي بمَنزِلةِ هارونَ مِن موسىٰ بَعدي» و استَغنىٰ عن التصريحِ بلفظةِ‌(3)«بَعدي» في صَدرِ الكلامِ‌؛ مِن حَيثُ كانَ الاستثناءُ‌

دالاًّ عليها و مُقتَضِياً لها. و هذا هو الواجبُ في الكلامِ الفَصيحِ‌؛ يَعني(4)أن يُكتَفىٰ بيَسيرِه عن كَثيرِه، و بالتصريحِ في بعضِه عن التصريحِ في كُلِّه. و لَو لَم يَقتَضِ الاستثناءُ ما ذَكرناه، لَخَرَجَ عن مُطابَقةِ المُستَثنىٰ منه و بَعُدَ عن الفائدةِ‌؛ لأنّ هارونَ لَم يَكُن نَبيّاً بَعدَ وفاةِ موسىٰ فيَكونَ الاستثناءُ مُخرِجاً ما لَولاه لَثَبَتَ‌(5).

فلا(6)فَرقَ بَينَ تَعلُّقِ الاستثناءِ بالحالِ المخصوصةِ التي لَم تَثبُتْ لهارونَ و لا قَدَّرنا إضمارَها في صَدرِ الكلامِ ، و بَينَ تَعلُّقِه بمَنزِلةٍ غيرِ مخصوصةٍ (7)لَم تَثبُتْ لهارونَ مِن موسىٰ علىٰ وجهٍ مِن الوجوهِ .

فوَجَبَ بما بيّنّاه أن يَكونَ ما أُوجبَ في صَدرِ الكلامِ مِن المَنازِلِ مقصوداً به(8)إلَى الحالِ التي تَعلَّقَ الاستثناءُ بها، و سَقَطَ قولُه(9): «إنّ هارونَ إذا لَم يَكُن نَبيّاً بَعدَ


1) . في «د، ص»: «حتّىٰ يخرج».

2) . في التلخيص: «صلّى اللّٰه عليه و آله».

3) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: «بلفظ».

4) . هكذا في «ج، ص، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «بمعنىٰ ».

5) . في «د»: «لثبتت».

6) . في التلخيص: «و لا».

7) . في التلخيص: «و بين تعلّقها بكلّ منزلة» بدل «و بين تعلّقه بمنزلة غير مخصوصة».

8) . في «ج، ص»: «بذاته».

9) . في «د» و المطبوع و الحجري: «قول».

وفاةِ موسىٰ لَم يَصِحَّ تَعلُّقُ الاستثناءِ بحالِ الوفاةِ‌».

و لا(1)فَرقَ في صِحّةِ هذه الطريقةِ بَينَ أن تَكونَ‌(2)لفظةُ «بَعدي» مَحمولةً علىٰ نفيِ النبوّةِ بَعدَ الموتِ‌، أو محمولةً علىٰ نفيِها بَعدَ أحوالِ كَونهِ نبيّاً ممّا يَعُمُّ الحياةَ و الوفاةَ معاً؛ لأنّ اشتراطَ الحالِ التي تَعلَّقَ بها الاستثناءُ و تقديرَها في صدرِ الكلامِ مِن الواجبِ ؛ سَواءٌ كانَت حالةَ (3)الوفاةِ خاصّةً ، أو حالةَ الحياةِ و الوفاةِ جميعاً. و ما نُريدُه مِن إثباتِ الإمامةِ بالخبرِ بَعدَ الوفاةِ مُستَمِرٌّ علَى الوَجهَينِ ؛ فلا معنىٰ للمُضايَقةِ فيما يَتِمُّ المُرادُ دونَه.

و ممّا يَزيدُ ما قد أورَدناه وضوحاً - و يُسقِطُ قولَه: «إنّ‌(4)التشبيهَ يَقتَضي حصولَ ما تَعلَّقَ به الاستثناءُ في وقتهِ لهارونَ‌» -: أنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه لَو صَرَّحَ بما قَدَّرناه(5)حتّىٰ يَقولَ :

«أنتَ مِنّي بمَنزِلةِ هارونَ مِن موسىٰ بَعدَ وفاتي، أو في حالِ حياتي و بَعدَ وفاتي، إلّا أنّكَ لَستَ بنَبيٍّ في هذه الأحوالِ » لَكانَ الكلامُ مُستَقيماً خارجاً عن بابِ التجوُّزِ، و لَم يَمنَعْ مِن صِحّتهِ أنّ المَنزِلةَ المُستَثناةَ (6)لَم تَحصُلْ لهارونَ في الحالِ التي تَعلَّقَ بها الاستثناءُ .

و أمّا(7)قولُه: «إنّ (8)مِن حَقِّ الاستثناءِ أن يُطابِقَ المُستَثنىٰ منه في وقتِه، و إنّا(9)قد


1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «فلا».

2) . في النسخ و الحجري: «أن يكون». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و التلخيص.

3) . في التلخيص: «حال» في الموضعين.

4) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «إنّ ».

5) . في «ج» و التلخيص: «قدّرنا».

6) . في «ج، د، ص، ف»: «المقتضاة». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و الحجري و التلخيص.

7) . في «ج، ص»: «فأمّا».

8) . في «ج، ص، ف»: «و إنّ ».

9) . في «ج، د، ص، ف»: «قلنا» بدل «و إنّا».

عَلِمنا أنّه(1)بقَولِه: «أنتَ مِنّي بمَنزِلةِ هارونَ مِن موسىٰ » أثبَتَ له المَنزِلةَ في الوقتِ ، فيَجِبُ فيما استَثنىٰ أن يَتناوَلَ الوقتَ ».

فقَد نَقَضَه بجوابِه - لمّا ألزَمَ نفسَه: أن لا يُعلَمَ بالقَولِ «أنّه عليه السلامُ خاتَمُ النبيّينَ‌» - لأنّا(2)نَعلَمُ أنّه إذا كانَ المُرادُ: «لا نَبيَّ بَعدَ كَوني نَبيّاً» فقَد دَلَّ علىٰ ذلكَ بأقوىٰ ممّا يَدُلُّ‌(3)لَو أرادَ: «إلّا أنّه لا نَبيَّ بَعدَ وفاتِي».

و مَوضِعُ المُناقَضةِ : أنّه حَكَمَ بوجوبِ مُطابَقةِ الاستثناءِ في الوقتِ المُستَثنىٰ منه، ثُمّ جَعَلَ نفيَ النبوّةِ معلوماً بأحوالٍ لَم تَثبُتْ للمُستَثنىٰ منه في جميعِها؛ لأنّ ثُبوتَه عندَه يَختَصُّ حالَ الحياةِ ، و نفيَ النبوّةِ يَعُمُّ جميعَ الأحوالِ التي تَلي كَونَه نَبيّاً، و تَدخُلُ فيها أحوالُ الحياةِ و الوفاةِ . و في هذا نَقضٌ منه ظاهرٌ.

علىٰ أنّ ما قَدَّمناه مِن دَلالةِ الاستثناءِ يُبطِلُ ما ظَنَّه مِن أنّ صَدرَ الكلامِ أوجَبَ ثُبوتَ المَنازِلِ في الوقتِ .

و قولُه: «إذا كانَ لَو لَم يَستَثنِ لَوجَبَ أن يَكونَ شَريكاً في النبوّةِ في الحالِ‌، فيَجِبُ إذا استَثنىٰ أن يَنتفِيَ النبوّةُ‌(4)في هذه الحالِ‌» باطلٌ‌؛ لأنّا لا نُسَلِّمُ له أوّلاً أنّه لَو لَم يَستَثنِ لَوَجَبَ ثُبوتُ ذلكَ في الحالِ بظاهرِ الكلامِ‌، و لَو سَلَّمناه لَم يَجِبْ ما ظَنَّه؛ لأنّ الاستثناءَ إنّما كانَ يَجِبُ أن يَنفِيَ النبوّةَ في الحياةِ‌، و لَو وَقَعَ مُطلَقاً لَم يَتعلَّقْ بحالٍ مخصوصةٍ‌. فأمّا و قد تَعلَّقَ بحالٍ مُعيَّنةٍ‌، و دَلَّنا تَعلُّقُه علىٰ ثُبوتِ ما لَم يَستَثنِ فيها لتحصيلِ المُطابَقةِ ، فالذي ذَكَرَه غيرُ صحيحٍ .


1) . في المطبوع: «أنّ ».

2) . في المطبوع و الحجري: «بأنّا».

3) . في المطبوع و الحجري: «ما يدلّ ».

4) . في المغني: «أن يقتضي نفي النبوّة».

و أمّا قولُه: «إنّا لا نَتَعلَّقُ في أنّه عليه السلامُ خاتَمُ الأنبياءِ بلفظٍ، بَل بما نَعلَمُ‌(1)مِن دينِه» فلا يَتوجَّهُ علينا؛ لأنَّ الأمرَ و إن كانَ علىٰ ما ذَكَرَه، فلَيسَ يَجوزُ أن يَجعَلَ أحَدٌ قولَه عليه السلامُ‌: «لا نَبيَّ بَعدي» مُختَصّاً بحالِ الحياةِ دونَ أحوالِ الوفاةِ‌؛ لأنّه لا أحَدَ مِن الأُمّةِ ذَهَبَ إلىٰ هذا، و إنّما الخِلافُ‌(2)في الاستثناءِ‌: هَل اختَصَّ بحالِ الوفاةِ دونَ أحوالِ الحياةِ علىٰ ما نَصَرَه أكثَرُ أصحابِنا، أو تَعلَّقَ ببَعدِ حالِ النبوّةِ ممّا

يَشمَلُ‌(3)الحياةَ و الوفاةَ؟ و خِلافُ هذَينِ القولَينِ لا نَعرِفُه قولاً لأحَدٍ منهم(4).

و قد كُنّا أَملَينا في الجوابِ عن هذه الشُّبهةِ التي اشتَمَلَ عليها الفَصلُ مِن كلامِه مَسألةً‌(5)مُفرَدةً استَقصَينا الكلامَ فيها(6)و فيما أورَدناه هاهُنا كِفايةٌ ، إن شاءَ اللّٰهُ تَعالىٰ (7).

قالَ صاحبُ الكتابِ :

و بَعدُ، فلَو ثَبَتَ أنّ قولَه عليه السلامُ‌: «إلّا أنّه لا نَبيَّ بَعدي» المُرادُ به(8): «بَعدَ مَوتي» لَكانَ لا بُدَّ فيه مِن شَرطٍ، فكأنّه يُريدُ: «فلا تَكونُ يا عَليُّ نَبيّاً بَعدي إن عِشتَ »؛ لأنّ هذا الشرطَ واجبٌ لا بُدَّ منه، فإذا(9)وَجَبَ ذلكَ فكأنّه قالَ عليه السلامُ (10): «أنتَ و إن بَقيتَ لا تَكونُ نَبيّاً بَعدي كَما


1) . في «ج، ص»: «بما يُعلم».

2) . في «ج، ص، ف»: «الاختلاف».

3) . هكذا في «ج، ف». و في سائر النسخ و المطبوع: «ممّا يشتمل».

4) . في «ج، ص، ف»: - «منهم».

5) . في «ج، ص، ف»: «رسالة». و في حاشية «ف» عن نسخة كما في المتن.

6) . و هذه المسألة مفقودة.

7) . في «د»: - «إن شاء اللّٰه تعالىٰ ». و في «ج، ص، ف»: - «تعالىٰ ».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: - «به». و في المغني: - «المراد به».

9) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و المغني. و في «د» و المطبوع و الحجري: «و إذا».

10) . في «ب، ج، ص، ف»: «فكأنّه عليه السلام قال».

يَكونُ هارونُ نَبيّاً بَعدَ أخيهِ‌(1)موسىٰ لَو بَقيَ‌»، فلا بُدَّ مِن إثباتِ الشرطِ و تقديرِه في الأمرَينِ‌، و إن كانَ الكلامُ لا يَقتَضيهِ‌؛ لأنّه(2)لا يَجِبُ إذا دَلَّ الدليلُ علىٰ دخولِ شَرطٍ في الاستثناءِ أن يَدخُلَ‌(3)في المُستَثنىٰ منه مع إمكانِ حَملِه علىٰ ظاهرِه. و قد عَلِمنا أنّ قولَه: «أنتَ مِنّي بمَنزِلةِ هارونَ مِن موسىٰ‌» يَقتَضي الحالَ مِن غيرِ شَرطٍ، فكَيفَ يَجِبُ بدُخولِ الشرطِ في الاستثناءِ - مِن حَيثُ أدّىٰ إليه الدليلُ - إثباتُ الشرطِ(4)في المُستَثنىٰ منه(5)؟ و هذا يُبيِّنُ أنّ الذي ذَكَروه لَو سَلَّمناه لَم يوجِبْ‌(6)ما قالوه، و كانَ يَجِبُ علىٰ هذا القولِ أن لا يَدخُلَ تحتَ الخبرِ(7)مَنزِلةٌ يَستَحِقُّها أميرُ المؤمنينَ‌(8)عليه السلامُ في حالِ حياةِ الرسولِ عليه السلامُ أصلاً؛ لأنّهم أوجَبوا في المُستَثنىٰ منه أن يَكونَ كالمُستَثنىٰ (9)في أنّه بَعدَ المَوتِ ،

و بُطلانُ ذلكَ يُبيِّنُ فَسادَ هذا القولِ (10).

ثُمّ قالَ :

فإن قالوا: قد دَخَلَ تحتَ الإثباتِ‌(11)حالُ الحياةِ و بَعدَ المماتِ ، فَصحَّ


1) . في المغني: - «أخيه».

2) . في المغني: «و» بدل «لأنّه».

3) . في المغني: «أن يدلّ ».

4) . في «د» و المطبوع و الحجري: «إثبات شرط».

5) . من قوله: «مع إمكان حمله علىٰ ظاهره...» إلىٰ هنا ساقط من المغني.

6) . في «ج» و المغني: «لم يجب».

7) . في المغني: «تحت القول».

8) . في المغني: «عليّ » بدل «أمير المؤمنين».

9) . في المغني: «بمنزلة الاستثناء».

10) . في المغني: «هذا السؤال».

11) . في «ج»: + «في».

الاستثناءُ منه و إن كانَ بَعدَ الموتِ .

قيلَ لهُم: فإذا جازَ في المُستَثنىٰ منه أن يَكونَ ثابتاً في الحالَينِ و إن كانَ الاستثناءُ لا يَحصُلُ إلّافي أحَدِهما، فما المانعُ مِن أن يَكونَ المُستَثنىٰ منه يَثبُتُ في حالِ الحياةِ (1)فقط علىٰ ما يَقتَضيهِ لَفظُه و إن كانَ المُستَثنىٰ لا يَحصُلُ إلّابَعدَ الوفاةِ على ما يَقتَضيهِ لفظُه ؟

و بَعدُ، فإنّه يُقالُ لهم: إذا كُنّا متىٰ وَفَّينا المُستَثنىٰ منه - الذي هو الإثباتُ‌(2)- حَقَّه تَناوَلَ الحالَ‌، و إذا(3)وَفَّينا المُستَثنىٰ حَقَّه تَناوَلَ بَعدَ المَوتِ‌، و مِثلُ ذلكَ لا يَصِحُّ في الاستثناءِ‌، فيَجِبُ أن يُصرَفَ‌(4)الكلامُ عن الاستثناءِ و نَقولَ‌: و إن(5)كانَ لفظُه لفظَ الاستثناءِ‌، فالمُرادُ به ما يَجري مَجرَى استئنافِ‌(6)كلامٍ يَكونُ القَصدُ به(7)إزالةَ الشُّبهةِ عن القُلوبِ ، فكأنّه عليه السلامُ ظَنَّ أنّه لَو أطلَقَ الكلامَ إطلاقاً(8)لَدَخَلَت الشُّبهةُ علىٰ قومٍ في أن يَكونَ (9)نَبيّاً بَعدَه(10)فيَجِبُ أن يَصرِفَ الكلامَ عن الاستثناءِ بَعدَه(11)فأزالَ هذه الشُّبهةَ بما يَجري مَجرَى المُبتَدإ مِن


1) . في المغني: «يحصل حال الحياة» بدل «يثبت في حال الحياة».

2) . هكذا في النسخ و المغني. و في المطبوع: «لإثبات».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «فإذا».

4) . في المغني: «أن ينصرف»، و الأصحّ : «أن نَصرِفَ الكلامَ ».

5) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و المغني. و في «د» و المطبوع و الحجري: «و إذا».

6) . هكذا في «ج، ص، ف» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: + «من».

7) . في «ب، ج» و المغني: «المقصد به».

8) . في المغني: - «الكلام إطلاقاً».

9) . في المغني: + «عليه السلام».

10) . في «ب، ج، ص، ف»: - «بعده».

11) . قوله: «فيجب أن يصرف الكلام عن الاستثناء بعده» ساقط من المغني.

كلامِه(1)، فيَصيرُ كأنّه قالَ : «أنتَ يا عليُّ مِنّي في هذه الحالِ بمَنزِلةِ هارونَ مِن موسىٰ ، لكِنّه لا نَبيَّ بَعدي»(2).

نفي الحاجة إلى اشتراط العيش بعد النبيّ في دلالة الحديث

يُقالُ له: لَيسَ يُحتاجُ إلَى الشرطِ الذي قَدَّرتَه(3)لأنّ الاستثناءَ إذا تَعلَّقَ بحالِ المَوتِ‌، و وَجَبَ أن يَكونَ ما أُثبِتَ بصَدرِ(4)الكلامِ مِن المَنازِلِ مقصوداً به إلىٰ هذه

الحالِ لتَحصُلَ‌(5)المطابَقةُ - علىٰ ما بيّنّاه في كلامِنا(6)المُتقدِّمِ - فالشرطُ مُستَغنىً عنه فيما استُثنيَ (7)و فيما استُثنيَ منه؛ لأنّ ما أثبَتَه مِن المَنازِلِ بَعدَه لا بُدَّ فيه مِن القَطعِ (8)المُنافي لتقديرِ الشرطِ، و ما نَفاه بالاستثناءِ مِن مَنزِلةِ النبوّةِ تَناوَلَ (9)مَنزِلةً لَولاه لَثَبَتَ (10)قَطعاً أيضاً بغَيرِ شَرطٍ.

وجوب المطابقة بين الاستثناء و المستثنىٰ منه

فأمّا قولُه: «و لَيسَ يَجِبُ بدخولِ الشرطِ(11)في الاستثناءِ أن يَدخُلَ في المُستَثنىٰ


1) . في المغني: «من القول».

2) . المغني، ج 20 (القسم الاوّل)، ص 163-164.

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «الذي ذكرته مقدّراً».

4) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «بصدد»، و هو سهو.

5) . هكذا في النسخ. و في المطبوع و الحجري: «ليحصل».

6) . في «ب»: «في كلامه».

7) . في المطبوع و الحجري: - «فيما استثني». و في «ص»: - «فيما استثني و».

8) . بمعنىٰ عدم التعليق علىٰ شرط.

9) . في «ب»: «يناول».

10) . أي لولا الاستثناء لثبتت تلك المنزلة.

11) . أي شرط العيش بعد النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آلِه.

منه مع إمكانِ حَملِه(1)علىٰ ظاهرِه» فهو و إن سَقَطَ بما ذَكَرناه(2)، يَفسُدُ أيضاً بما اعتَرَفَ به مِن وجوبِ مُطابَقةِ الاستثناءِ للمُستَثنىٰ منه؛ لأنّ الاستثناءَ إذا دَخَلَ فيه الشرطُ الذي قَدَّرَه، و لَم يَدخُلِ المُستَثنىٰ منه، فقَد تَعلَّقَ بحالٍ لا يَقتَضيها صَدرُ(3)الكلامِ‌، و لا يَنطَوي ما أثبَتَه مِن المَنازِلِ عليها؛ فلا فَرقَ بَينَ أن يَستَثنيَ النبوّةَ بَعدَ الوفاةِ مشروطةً - و إن كانَت غيرَ داخلةٍ فيما تَقدَّمَ‌(4)، و لا كانَ ما أثبَتَه مِن المَنازِلِ مُتعلِّقاً بحالِ الوفاةِ جُملةً - و بَينَ أن يَستَثنيَ غيرَها ممّا لا يَدخُلُ تَحتَ ما أثبَتَه. و هذا مُفسِدٌ لحقيقةِ الاستثناءِ‌، و مُخرِجٌ له عمّا وُضِعَ له؛ فوَجَبَ بهذه(5)الجُملةِ - لَو صِرنا إلىٰ ما ادَّعاه مِن إثباتِ الشرطِ - دخولُه في الأمرَينِ (6)ليَتِمَّ المُطابَقةُ ، و تَثبُتَ (7)حقيقةُ الاستثناءِ .

نفي خروج الاستثناء في الحديث عن حقيقته إذا تناول ما بعد الموت

و لَيسَ ما ذَكَرَه(8)في آخِرِ الفَصلِ‌، مِن ادّعاءِ استئنافِ الكلامِ‌(9)و إخراجِه عن بابِ الاستثناءِ ، بشَيءٍ ؛ لأنّه لمّا رأىٰ أنّ تأويلَه يُبطِلُ حقيقةَ الاستثناءِ و ما يَجبُ مِن مُطابَقتِه للمُستَثنىٰ منه، حَمَلَ نفسَه علىٰ نفيِه. و ظاهرُ(10)الكلامِ يَقتَضي خِلافَ


1) . في المطبوع: «جملة»، و هو سهو.

2) . أي فيما تقدّم في صدر الحديث من منازل هارون.

3) . في «ص»: «قبليّة».

4) . من عدم الحاجة إلىٰ هذا الشرط.

5) . في «ب»: «لهذه».

6) . أي دخول الشرط في الاستثناء و المستثنىٰ منه.

7) . في «ج، د، ف» و الحجري: «و يثبت».

8) . في «ب، ج، ص، ف» و الحجري: + «آخراً».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: «استئناف كلامٍ ».

10) . في «ب، ج، ص، ف»: «فظاهر».

ما قالَه؛ لأنّ إيرادَ لفظِ «إلّا» بَعدَ جُملةٍ مُتقدِّمةٍ لا يَكونُ (1)إلّاللاستثناءِ حقيقةً ، و إنّما يُحمَلُ في بعضِ المَواضِعِ علَى الابتداءِ و الاستينافِ أيضاً(2)ضَرورةً و(3)علىٰ سَبيلِ المَجازِ. و لَيسَ لنا أن نَعدِلَ عن الحقيقةِ إلَى المَجازِ بغَيرِ دَلالةٍ .

و ادّعاؤه أنّ الذي يوجِبُ إخراجَ‌(4)الكلامِ عن الاستثناءِ‌: تَناوُلُه لبَعدِ المَوتِ‌، مع أنّ المُستَثنىٰ منه مِن حَقِّه أن يَتناوَلَ الحالَ‌، غيرُ صحيحٍ‌؛ لأنّ ذلكَ إنّما كانَ‌(5)يَجِبُ لَو لَم يَكُن لنا عنه مَندوحةٌ ، فأمّا مع إمكانِ ما ذَكَرناه - مِن تَناوُلِ المُستَثنىٰ منه للحالِ التي تَعلَّقَ الاستثناءُ بها، و إعطاءِ الاستثناءِ ما يَقتَضيهِ حقيقتُه(6)مِن المُطابَقةِ

لِما تَقدَّمَ - فلا وجهَ لِما ذَكرَه، مِن العُدولِ عن الظاهرِ مِن الكلامِ ، و جَعلِ ما ظاهرُه يَقتَضي الاستثناءَ لغَيرهِ .

عدم دلالة الحديث علىٰ منازل أمير المؤمنين عليه السلام في حال حياة النبيّ صلى الله عليه و آله

فأمّا قولُه: «و كانَ يَجِبُ أن لا يَدخُلَ تحتَ الخبرِ مَنزِلةٌ يَستَحِقُّها أميرُ المؤمنينَ (7)عليه السلامُ في الحالِ » فإنّ ذلكَ واجبٌ علىٰ قولِ مَن جَعَلَ الاستثناءَ مُتَعلِّقاً ببَعدِ المَوتِ ، لا ببَعدِ(8)النبوّةِ ؛ لأنّ الغرضَ عندَهم(9)بهذا الخبرِ النصُّ علَى الإمامةِ بَعدَ


1) . في المطبوع: «لا تكون».

2) . في «د، ص»: - «أيضاً».

3) . في المطبوع و الحجري: - «و».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «يخرج» بدل «يوجب إخراج».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: - «كان».

6) . في المطبوع و الحجري: «حقيقة».

7) . في النسخ و الحجري: - «أمير المؤمنين». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و ما سبق من عبارة المغني.

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «بعد».

9) . أي عند من جعل الاستثناء متعلّقاً بذلك. و الأنسب أن يقال: «لأنّ الغرض عنده».

الوفاةِ‌، فإذا بَيَّنوا(1)أنّ الخبرَ يَقتَضيها، فقَد تَمَّ الغرضُ‌، و إن كانَ مَن يَجِبُ له مَنزِلةُ الإمامةِ لا بُدَّ أن يَكونَ في الحالِ‌(2)علىٰ أحوالٍ مِن الفَضلِ و غيرِه لا يَقتَضيها في الحالِ ظاهرُ اللفظِ. و لَم نَجِدْه عَوَّلَ في إبطالِ قولِ مَن ذَكرناه علىٰ أكثَرَ مِن ادّعاءِ بُطلانِه و فَسادِه(3)مِن غيرِ إيرادِ ما يَجرِي مَجرَى الحُجّةِ أو الشُّبهةِ‌.

و أمّا علىٰ (4)قولِ مَن جَعَلَ النفيَ مُتعلِّقاً ببَعدِ النبوّةِ ، و عَمَّ به أحوالَ الحياةِ و الوفاةِ ، فإنّه:

[1] يَجعَلُ ظاهرَ الخبرِ مُقتَضياً لإثباتِ جميعِ المَنازِلِ - بَعدَ ما أخرَجَه الاستثناءُ - في(5)الأحوالِ التي تَعلَّق نفيُ النبوّةِ بها؛ و هي أحوالُ الحياةِ و الوفاةِ مَعاً.

[2] و لا يَخُصُّ بذلكَ المُستَثنىٰ منه، دونَ المستَثنىٰ ، علىٰ ما سَألَ صاحبُ الكتابِ نفسَه عنه(6).

[3] و يَقولُ‌(7): متىٰ أُخرِجَت مَنزِلةُ الإمامةِ مِن الثبوتِ في جميعِ أحوالِ‌(8)الحياةِ ، أو مِن الاستمرارِ في جميعِ أحوالِ الوفاةِ ، فلِدليلٍ (9)اقتَضَى الانصرافَ عن الظاهرِ، يَجِبُ العملُ به، و التمسُّكُ بما عَداه مِن مُقتَضَى الظاهرِ.


1) . في «ب»: «أثبتوا».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: - «في الحال».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: - «و فساده».

4) . في «ج»: - «علىٰ ».

5) . في «ج، ص، ف»: «من».

6) . و ذلك عند قول القاضي: «فإن قالوا: قد دخل تحت الإثبات...».

7) . هكذا في «ب». و في سائر النسخ و المطبوع: «و نقول».

8) . هكذا في «ب». و في سائر النسخ و المطبوع: «حال».

9) . في «ب»: «فدليل».

[4] و إذا(1)قيلَ له(2): فاجعَلِ الإثباتَ مُتعلِّقاً بالحياةِ خاصّةً‌، و النفيَ مُختَصّاً بالوفاةِ أو عامّاً للأمرَينِ‌، و لا يوجِبُ المُطابَقةَ‌؛ قياساً علىٰ ما استَعمَلتَه(3)مِن التخصيصِ‌.

قالَ : لَيسَ يَجِبُ إذا اضطُرِرتُ إلىٰ تخصيصِ ما لا بُدَّ له - و إن كانَ ظاهرُ الكلامِ يَقتَضي خِلافَه - أن ألتَزِمَ تخصيصاً لا دَلالةَ تَقتَضيهِ .

فقَد بَطَلَ بما أورَدناه جميعُ كلامِه في الفصلِ ؛ علىٰ جُملةٍ و تفصيلٍ .

قالَ صاحبُ الكتابِ :

فإن قالَ‌: إنّ قولَه: «أنتَ مِنّي بمَنزِلةِ هارونَ مِن موسىٰ‌» لَيسَ بأن يَتناوَلَ الحالَ أَولىٰ‌(4)مِن المُستَقبَلِ ، فيَجِبُ أن يُحمَلَ الاستثناءُ علىٰ ظاهرِه؛

لأنّه لا فَرقَ بَينَ أن يَخرُجَ مِن الكلامِ ما لَولاه لَثَبَتَ في الحالِ ، أو(5)ما لَولاه لَثَبَتَ في المُستَقبَلِ (6).

قيلَ له: إنّ ظاهرَ هذا(7)الكلامِ لا يَقتَضي إلّاالحالَ‌، و إنّما يَقتَضي المُستَقبَلَ مِن جِهةِ المعنىٰ‌، لا مِن جهةِ اللفظِ. و مِن حَقِّ الاستثناءِ أن يَعودَ إلَى اللفظِ لا إلَى المعنىٰ ؛ فلا يَصِحُّ ما ذَكرتَه.

يُبيِّنُ ما ذَكرناه: أنّه لَو تَغيَّرَت(8)مَنزِلتُه في المُستَقبَلِ لَم يَبطُلْ حُكمُ


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «فإذا».

2) . أي لمن جعل النفي متعلّقاً ببعد النبوّة.

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «ما استعمله».

4) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و المغني. و في «د» و المطبوع: «بأولىٰ ».

5) . في «ج، ص»: «و».

6) . من قوله: «فإن قال: إنّ قوله: أنت منّي بمنزلة هارون من موسىٰ ...» إلىٰ هنا ساقط من المغني، و بدله: «ليس بأن يتناول الحال أولىٰ من المستقبل» فقط، و هو متّصل بالعبارة المنقولة منه قُبيل هذا.

7) . في المغني: - «هذا».

8) . في المغني: «لو يعتبر». و في «ب، د»: «لو يقرب».

اللفظِ، و لَو كانَت مَنزِلتُه غيرَ حاصلةٍ في الحالِ لَبَطَلَ حُكمُ اللفظِ؛ فعَلِمنا(1)أنّ الذي يَقتضيهِ الظاهرُ هو الحالُ‌، و إنّما يُحكَمُ بدَوامِه مِن جِهةِ المعنىٰ‌، و ذلكَ يُبَيِّنُ صِحّةَ ما ذَكرناه.

علىٰ أنّه لو جُعِلَ‌(2)ذلكَ دَلالةً علىٰ ضِدِّ(3)ما قالوه - بأن يُقالَ‌: لَم يَكُن لهارونَ مِن موسىٰ مَنزِلةُ الإمامةِ بَعدَه البَتّةَ‌، فيَجِبُ إذا كانَ حالُ عليٍّ مِن النبيِّ عليهما السلامُ (4)حالَ هارونَ مِن موسىٰ أن لا يَكونَ (5)إماماً بَعدَه - لَكانَ أقرَبَ ممّا تَعلَّقوا به؛ لأنّهم راموا إثباتَ مَنزِلةٍ مُقدَّرةٍ لَيسَت حاصلةً (6)بهذا الخبرِ، فإن ساغَ لهم ذلكَ ساغَ لِمَن خالَفَهم أن يَدَّعيَ أنّ الخبرَ يَتَناوَلُ نفيَ الإمامةِ بَعدَ الرسولِ عليه السلامُ مِن حَيثُ لَم يَكُن ذلكَ لهارونَ بَعدَ موسىٰ (7).

و متىٰ قالوا: «لَيسَ ذلكَ ممّا يُعَدُّ مِن المَنازِلِ فيَتناوَلَه(8)الخبرُ» قُلنا(9)بمِثلِه في المُقدَّرِ الذي ذَكَروه.

و بَعدُ، فإنّه يُقالُ لهم: قد ثَبَتَ أنّ (10)مَنزِلةَ هارونَ مِن موسَى الشِّركةُ في


1) . في المغني: «و علمنا».

2) . في المغني: «إن حصل».

3) . في المغني: - «ضدّ».

4) . هكذا في المغني. و في النسخ و المطبوع: «حال عليّ عليه السلام من النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله».

5) . في «د» و المطبوع و الحجري: «أن يكون» بدل «أن لا يكون».

6) . في المغني: «ليست مذكورة».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «لهارون من موسىٰ بعده».

8) . في المغني: «حتّىٰ يتناوله».

9) . في المغني: «قلنا لهم».

10) . في المطبوع و الحجري: «من».

النبوّةِ في حالِ‌(1)حياتهِ‌، و الذي كانَ له مَنزِلةُ الإمامةِ بَعدَه يوشَعُ بنُ نونٍ ، فلَو أرادَ عليه السلامُ بهذا الخبرِ الإمامةَ لَكانَ يُشَبِّهُ مَنزِلتَه منه(2)بمَنزِلةِ يُوشَعَ (3)مِن موسىٰ ؛ و هذا يُبيِّنُ أنّ مُرادَه عليه السلامُ ما يَنفيهِ (4)مِن بَعدُ ممّا يَقتَضي إثباتَه في الحالِ فَقَط.(5)

نفي دلالة صدر الحديث على الإمامة، لا في الحال و لا في المستقبل

يُقالُ له: إنّا لا نَسألُكَ عن هذا السؤالِ الذي أورَدتَه علىٰ نفسِكَ‌، و مع أنّا لا نَسألُكَ عنه فقَد أجَبتَ عنه بما لَيسَ بصحيحٍ‌؛ لأنّ مُجرَّدَ اللفظِ الذي يَقتَضي

الإثباتَ مِن الخبرِ لا يَقتَضي بظاهرِه لا(6)الحالَ و لا المُستَقبَلَ ، و إنّما يُرجَعُ في ذلكَ إلىٰ غيرِ ما يَقتَضيهِ لفظُ الإثباتِ ، و لهذا يَرجِعُ (7)أصحابُنا في تَعلُّقِ الإثباتِ بالوفاةِ أو بحالِ الوفاةِ و الحياةِ مَعاً إلَى الاستثناءِ . و(8)كَما أنّ المَنزِلةَ لَو تَغيَّرَت(9)في المُستَقبَلِ - علىٰ ما ذَكَرتَ - لَم يَبطُلْ حُكمُ اللفظِ، فكذلكَ لَو لَم يَحصُلْ في الحالِ لَما بَطَلَ أيضاً حُكمُ اللفظِ؛ لأنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(10)لَو دَلَّنا عندَ خِطابِه لنا بالخبرِ


1) . في المغني: - «حال».

2) . في «ف» و التلخيص: - «منه».

3) . في المطبوع و الحجري: «يوشع بن نون».

4) . في «د»: «ما نبيّنه». و في المغني: «ما بيّنه».

5) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 164-165.

6) . في «ب، ج، ص، ف»: - «لا».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «رجع».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: - «و».

9) . في «ب، د»: «لو يقرب».

10) . في «ج، د، ف»: «عليه السلام».

علىٰ أنّ مُرادَه به(1)إثباتُ المَنازِلِ في حالٍ مُنتَظَرةٍ ، لَم يَكُنِ القولُ مَجازاً و لا بَطَلَ حُكمُ لفظِه؛ و إنّما يَصِحُّ ما ادَّعَيتَه لَو كانَ إطلاقُ القولِ يَقتَضي الحالَ ، و هذا غيرُ مُسلَّمٍ ، و لَم نَرَكَ دَلَلتَ عليه بأكثَرَ مِن دَعواكَ بُطلانَ حُكمِ اللفظِ، و هذه دعوىً باطلةٌ (2).

بيان أنّ منزلة خلافة هارون لموسىٰ هي إحدىٰ منازله، و إن كانت مقدّرة

فأمّا ادّعاؤه اقتضاءَ الخبرِ لنفيِ الإمامةِ‌؛ مِن حَيثُ لَم يَكُن هارونُ بَعدَ وفاةِ موسىٰ إماماً، و قولُه(3): «إنّه لَم يَكُن [لهارونَ‌] بهذه(4)الصفةِ مَنزِلةٌ‌» فبَعيدٌ مِن الصوابِ‌؛ لأنّ هارونَ و إن لَم يَكُن خَليفةً لموسىٰ بَعدَ وفاتِه، فقَد دَلَّلنا علىٰ أنّه لَو بَقيَ لَخَلَفَه في أُمَّتِه(5)، و أنّ هذه المَنزِلةَ و إن كانَت مُقدَّرَةً يَصِحُّ‌(6)أن تُعَدَّ في مَنازِلِه، و أنّ المُقدَّرَ لَو تَسامَحنا(7)بأنّه لا يوصَفُ بالمَنزِلةِ (8)لَكانَ لا بُدَّ مِن أن يوصَفَ ما هو عليه مِن استحقاقِ الخِلافةِ بَعدَه(9)بأنّه مَنزِلةٌ ؛ لأنّ التقديرَ و إن كانَ في نفسِ الخِلافةِ بَعدَه، فلَيسَ هو في استحقاقِها و ما يَقتَضي وجوبَها. و إذا ثَبَتَ ذلكَ ، فالواجبُ فيمن شُبِّهَت حالُه بحالِه، و جُعِلَ له مِثلُ مَنزِلتِه إذا بَقيَ إلىٰ بَعدِ الوفاةِ أن تَجِبَ له


1) . في «ب، ج، ص، ف»: - «به».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «دعوًى ثانية».

3) . في «ب، د» و التلخيص: «وجعله».

4) . في «ب، ص»: «لهذه».

5) . تقدّم في ص 252 و ما بعدها.

6) . في «ف»: «تصحّ ».

7) . في «ب، د، ف» و الحجري: «لو تسمَّحنا».

8) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع: «لا توصف المنزلة».

9) . في التلخيص: - «بعده».

الخِلافةُ‌، و لا يَقدَحُ في ثُبوتِها له(1): أنّها لَم تَثبُتْ لهارونَ بَعدَ الوفاةِ‌.

و لَو كانَ ما ذَكَرَه(2)صَحيحاً لَوَجَبَ - فيمن قالَ لوكيلِه: «أَعطِ فُلاناً في كُلِّ شَهرٍ إذا حَضَرَكَ ديناراً» ثُمّ قالَ في الحالِ أو بَعدَها بمُدّةٍ‌: «و أنزِلْ عَمراً(3)مَنزِلتَه» ثُمّ قَدَّرنا

أنّ المذكورَ الأوّلَ لَم يَحضُرِ المأمورَ بعَطيّتِه(4)، و لَم يَقبِضْ ما جَعَلَه له مِن الدينارِ أن يَجعَلَ الوكيلُ - إن كانَ الأمرُ علىٰ ما ادَّعاه صاحبُ الكتابِ - تأخُّرَ المذكورِ الأوّلِ طريقاً إلىٰ حِرمانِ الثاني العطيّةَ‌، و أن يَقولَ له: إذا كُنتَ إنّما أُنزِلتَ مَنزِلةَ فُلانٍ‌، و فُلانٌ لَم يَحصُلْ له عطيّةٌ‌، فيَجِبُ أن لا يَحصُلَ‌(5)لكَ أيضاً. و في عِلمِنا بأنّه لَيسَ للوكيلِ و لا غيرِه مَنعُ مَن ذَكَرنا حالَه، و لا أن يَعتَلَّ في حِرمانِه بمِثلِ عِلّةِ صاحبِ الكتابِ‌، دليلٌ علىٰ بُطلانِ هذه الشُّبهةِ‌.

علىٰ أنّ النفيَ و ما جَرىٰ‌(6)مَجراه لا يَصِحُّ وَصفُه بأنّه مَنزِلةٌ‌، و إن صَحَّ وَصفُ المُقدَّرِ الجاري مَجرَى الإثباتِ بذلكَ إذا كانَ سببُ استحقاقِه و وقوعِه ثابتاً.

أ لا تَرىٰ أنّه لا يَصِحُّ أن يَقولَ أحَدُنا: «فُلانٌ مِنّي بمَنزِلةِ فُلانٍ مِن فُلانٍ‌» في أنّه لَيسَ بأخيه و لا شريكِه و لا وكيلِه و لا فيما جَرىٰ مَجراه مِن النفيِ‌، و إن صَحَّ هذا القولُ فيما يَجري مَجرَى المُقدَّرِ مِن أنّه إذا شَفَعَ إليه شَفَّعَه، و إذا سَألَه أعطاه ؟ و لا يَجعَلُ أحَدٌ «أنّه لَم يَشفَعْ » - إذا كانَ ممّن لَو شَفَعَ لَشُفِّعَ (7)- مَنزِلةً


1) . في «ب، ج، ص، ف»: - «له».

2) . في المطبوع: «ما ذكروه».

3) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «فلاناً».

4) . هكذا في «ب، ج، ص» و التلخيص. و في «د، ف» و المطبوع و الحجري: «لعطيّته».

5) . في التلخيص: «أن لا يكون».

6) . في التلخيص: «و ما يجري».

7) . في «ب، ج، ص، ف» و الحجري: «لم يشفع».

تَقتَضي فيمن جُعِلَ له مِثلُ مَنزِلتِه أن لا تُجابَ (1)شَفاعتُه.

اعتراضُ القاضي بوِصايةِ يوشَعَ بنِ نونٍ ، و الجوابُ عن ذلكَ

فأمّا الاعتراضُ بيوشَعَ بنِ نونٍ ، فقَد أجابَ أصحابُنا عنه(2)بأجوبةٍ :

أحَدُها: أنّا إذا دَلَّلنا علىٰ أنّ الخبرَ علىٰ صورتِه هذه دالٌّ علَى الإمامةِ‌، و مُقتَضٍ لحصولِها(3)لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ كدَلالتهِ لَو تَضمَّنَ ذِكرَ يوشَعَ بنِ نونٍ‌، فإلزامُنا مع ما ذَكَرناه أن يَرِدَ علىٰ خِلافِ هذه الصورةِ اقتراحٌ في الأدِلّةِ و تَحكُّمٌ‌؛ لأنّه لا فَرقَ في معنَى الدَّلالةِ علَى الإمامةِ بَينَ ورودِه علَى الوجهَينِ‌. و إنّما كانَ لشُبهَتِهم وجهٌ لَو كانَ متىٰ وَرَدَ غيرَ مُتضمِّنٍ لذِكرِ يوشَعَ‌(4)لَم تَكُن(5)فيه دَلالةٌ علَى النصِّ بالإمامةِ ؛ فأمّا و الأمرُ بخِلافِ ذلكَ ، فقَولُهم ظاهرُ البطلانِ ؛ لأنّه يَلزَمُ مِثلُه في سائرِ الأدِلّةِ .

و ثانيها: أنّه عليه السلامُ‌(6)لمّا قَصَدَ إلَى استخلافِه في حياتِه و بَعدَ وفاتِه، لم يَجُزْ أن يَعدِلَ عن تشبيهِ حالِه بحالِ هارونَ‌(7)مِن موسىٰ ؛ لأنّه هو الذي خَلَفَه في حياتِه، و استَحَقَّ أن يَخلُفَه بَعدَ وفاتِه، و يوشَعُ بنُ نونٍ لَم تَحصُلْ (8)له هاتانِ المَنزِلتانِ ؛ ففي ذِكرِه و العُدولِ عن ذِكرِ هارونَ إخلالٌ بالغرضِ .


1) . هكذا في التلخيص. و في «ب، ج، ص، ف»: «أن لا يجاب». و في «د» و المطبوع: «بأن لا يجاب».

2) . في «ب، ص»: - «عنه».

3) . في «ج، ص، ف»: «و يقتضي حصولها».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «يوشع بن نون».

5) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: «لم يكن».

6) . في التلخيص: «صلّى اللّٰه عليه و آله».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «بهارون» بدل «بحال هارون».

8) . هكذا في «ج» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «لم يحصل».

و ثالثُها: أنّ هارونَ عليه السلامُ كانَت له - مع مَنزِلةِ (1)الخِلافةِ في الحياةِ و الاستحقاقِ لها(2)بَعدَ الوفاةِ - مَنزِلةُ التقدُّمِ علىٰ سائرِ أصحابِ موسىٰ و كَونِه أفضَلَهم بَعدَه، و هذه مَنزِلةٌ أرادَ النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه إيجابَها لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ ، و لَو ذَكَرَ بَدَلاً مِن هارونَ : «يوشَعَ بنَ نونٍ » لَم يَكُن دالاًّ عليها.

و رابعُها: أنّ خِلافةَ هارونَ لموسىٰ عليهما السلامُ نَطَقَ بها القُرآنُ‌، و ظَهَرَ أمرُهَا لجميعِ المُسلِمينَ‌، و لَيسَت(3)خِلافةُ يوشَعَ بنِ نونٍ لموسىٰ عليه السلامُ بَعدَه ثابتةً بالقُرآنِ‌(4)، و لا ظاهرةً لكُلِّ مَن ظَهَرَت(5)له خِلافةُ هارونَ‌؛ فأَرادَ النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(6)أن يوجِبَ له الإمامةَ بالأمرِ الواضحِ الجَليِّ‌، الذي يَشهَدُ به القُرآنُ‌، و لا تَعتَرِضُ (7)فيه(8)الشُّبُهاتُ .

علىٰ أنّ يوشَعَ بنَ نونٍ لَم يَكُن خَليفةً لموسىٰ عليه السلامُ بَعدَه فيما يَقتَضي الإمامةَ ، و إنّما كانَ نَبيّاً بَعدَه مؤدّياً لشَرعِه؛ و خِلافتُه فيما يَتعلَّقُ بالإمامةِ كانَت في وَلَدِ هارونَ عليه السلامُ .

و لَيسَ (9)للمُخالِفِ (10)أن يَقولَ : إنّ حصولَ الإمامةِ في وَلَدِ هارونَ غيرُ معلومٍ مِن


1) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «منزلته».

2) . في «ب، ص»: - «لها».

3) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: «و ليس».

4) . في «ب»: «نطق بها القرآن» بدل «بعده ثابتة بالقرآن».

5) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: «ظهر».

6) . في «د، ص، ف»: «عليه السلام».

7) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: «و لا يعترض».

8) . في «ج، ص»: «فيها». و في «ب»: «به».

9) . في «د» و المطبوع و الحجري: «فليس».

10) . في «ب»: «للمجادل». و في «ج، ص»: «لقائل».

طريقٍ يُقطَعُ عليه؛ لأنّ المَرجِعَ فيه إلىٰ أخبارِ الآحادِ، أو إلىٰ قولِ اليهودِ الذي لا حُجّةَ فيه. و لَيسَ هكَذا حُكمُ نُبوّةِ يوشَعَ بنِ نونٍ ؛ لأنّه لا خِلافَ بَينَ المُسلِمينَ في أنّه كانَ نَبيّاً بَعدَ موسىٰ عليه السلامُ .

لأنّا نَقولُ له: اعمَلْ علىٰ أنّ الأمرَ كَما ذَكَرتَ‌، ألَيسَ و إن عَلِمنَا نُبوّةَ‌(1)يوشَعَ بَعدَ موسىٰ فإنّا غيرُ عالِمينَ بأنّ الإمامةَ كانَت إليه و أنّه كانَ المُتوَلّيَ لِما يَقومُ به الأئمّةُ؟

فلا بُدَّ مِن «نَعَم»، فنَقولُ له: فهذا القَدرُ كافٍ في إبطالِ سؤالِكم؛ لأنّا و إن لَم نَعلَمْ أنّ الإمامةَ كانَت في وَلَدِ هارونَ مِن بَعدِ موسىٰ عليه السلامُ‌، فلَم نَعلَمْ‌(2)أيضاً أنّها كانَت إلىٰ يوشَعَ بنِ نونٍ مُضافةً إلَى النبوّةِ ؛ فكَيفَ يُقالُ لنا(3): إنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه لَو أرادَ الإمامةَ لَقالَ : «أنتَ مِنّي بمَنزِلةِ يوشَعَ بنِ نونٍ (4)»؟

قالَ صاحبُ الكتابِ :

علىٰ أنّه يُقالُ لهُم: و مِن أينَ أنّ هارونَ لَو عاشَ بَعدَ موسىٰ لَكانَ خَليفتَه(5)؟

فإن قالوا: إذا كانَ خَليفتَه(6)في حالِ حَياتِه، وَجَبَ مِثلُه بَعدَ وفاتِه.

قيلَ لهم: أتَقولونَ : إنّ الخِلافةَ في حالِ الحياةِ تَقتَضي الخِلافةَ بَعدَ المَوتِ لا مَحالةَ ، أو يُحتاجُ في كَونِه خَليفةً له(7)بَعدَ وفاتِه إلىٰ أمرٍ آخَرَ؟


1) . في المطبوع و التلخيص: «بنبوّة».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «فلا نعلم». و في التلخيص: «فلم يُعلم».

3) . في «ج، ص»: - «لنا».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «يوشع من موسىٰ ».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «خليفة». و في المغني: «خلفه».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «خليفة».

7) . هكذا في المطبوع و المغني. و في النسخ و الحجري: - «له».

فإن قالوا: يَقتَضي(1)ذلكَ‌.

قيلَ لهم: فيَجِبُ لَو قَيَّدَه بحالِ الحياةِ أن يَكونَ خَليفتَه(2)بَعدَ المَوتِ‌، و أن لا يَفتَرِقَ الحالُ بَينَ المُقيَّدِ منه و المُطلَقِ‌. و لا فَرقَ بَينَ مَن قالَ ذلكَ و بَينَ مَن قالَ‌(3): «إنّ خِلافتَه منه عليه السلامُ سَنَةً‌(4)تَقتَضي(5)الخِلافةَ فيما بَعدُ»، [و لا فَرقَ بَينَ مَن قالَ ذلكَ‌] و بَينَ مَن قالَ مِثلَه(6)في الوَكالةِ و الإمارةِ و غيرِهما؛(7)[و هذا ظاهرُ الفَسادِ](8).

ثُمّ ذَكَرَ بَعدَ هذا كلاماً(9)لا نَرتَضيهِ و لا نَتعلَّقُ به(10)، إلىٰ أن قالَ‌:


1) . في المغني: «تقتضي».

2) . في «ب، ج، ص، ف» و المغني: «خليفة».

3) . هكذا في النسخ و المغني. و في المطبوع و الحجري: - «ذلك و بين من قال».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «إنّ خلافته عليه السلام منه» بدل «إنّ خلافته منه عليه السلام سنة». و في المغني: - «منه عليه السلام».

5) . في «ج، ص، ف» و الحجري: «يقتضي».

6) . في المغني: «بمثله».

7) . فى المغني: «و غيرها».

8) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 165. و ما بين المعقوفين من المصدر.

9) . و هذا نصّ كلامه في المغني: «و لا بُدَّ مِن القولِ بأنّ الخِلافةَ في حالِ الحياةِ لا تَقتَضي ذلكَ‌، و إنّما يَقتَضيهِ «الاستخلافُ المُطلَقُ‌» الذي لا يَخُصُّ وقتاً مِن وقتٍ ، فعند ذلك يقال لهم: و من أين أنّ موسىٰ عليه السلام استخلَفَ هارون بلفظ مطلق ليتمّ ما ذكرتموه ؟ فإن قالوا: لورود الكتاب به، و هو قوله: (وَ قٰالَ مُوسىٰ لِأَخِيهِ هٰارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي). قيل لهم: و من أين أنّه أطلَقَ و لَم يقيِّد، و نحن نعلم أنّ نفسَ هذا القولِ لَم يقع مِن موسىٰ ، و إنّما حُكي معنىٰ قولِه ؟ و ليس الخطابُ ممّا لا بُدَّ مِن معرفةِ معناه؛ فقد يجوز أن يكون استخلَفَه مقيَّداً أو علىٰ شرائط بيانها [في الهامش: كذا في الأصل، و لعلّها: لم يأت بيانها]. يبيِّنُ ذلك: أنّه استخلفه عند الغيبة و إن لم يذكر في اللفظ، فغير ممتنع أن يستخلفه مقيَّداً و إن لم يذكره».

10) . في «ب، ج، ص، ف»: «و لا تعلّق لنا به».

و بَعدُ، فمِن أينَ أنّه كانَ خَليفةً‌(1)علىٰ وجهٍ يَثبُتُ‌(2)بقَولِه(3)حتّىٰ لَولا هذا القَولُ لَم يَكُن خَليفةً علىٰ قومِه(4)؟ بَل ما أنكَرتُم أن يَكونَ‌(5)إنّما قالَ ذلكَ - يَعني(6)قولَه: (اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي)(7)- استظهاراً، كَما قالَ‌(8)له: (وَ أَصْلِحْ وَ لاٰ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ‌)(9)استظهاراً؟ يُبيِّنُ ذلكَ‌: أنّ المُتَعالَمَ مِن حالِه أنّه كانَ شَريكَه في النبوّةِ‌، و لا يَجوزُ ذلكَ‌(10)إلّاو يَلزَمُه عندَ غَيبةِ موسىٰ أن يَقومَ بأمرِ قومِه و إن لَم يَستَخلِفْه، كَما يَلزَمُه إذا(11)استَخلَفَه. و ما

هذه(12)حالُه لا يُعَدُّ في التحقيقِ خِلافةً‌؛ لأنّ الوجهَ الذي له كانَ يَقومُ بهذه الأُمورِ، كَونُه نَبيّاً معه، لا خِلافتُه له. [و إذا صَحَّ ذلكَ‌، لَم يَثبُتْ بالظاهرِ أنّه كانَ خَليفةً علَى الحقيقةِ ، و لا كَيفيّةُ استخلافِه له. و إذا لم يَثبُتْ ذلكَ ، فقَد بَطَلَ أنّ ذلكَ يوجِبُ له نفيَ (13)أن يَكونَ خَليفةً بَعدَ وفاتِه].(14)


1) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و المغني و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «خليفته».

2) . هكذا في «ب» و المغني و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «ثبت».

3) . أي بقول موسىٰ عليه السلام و كلامه.

4) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و المغني و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «علىٰ قوله».

5) . في المغني: «أنّه» بدل «أن يكون».

6) . في «د»: «بمعنىٰ ». و في المطبوع: «فعن».

7) . في المغني: - «يعني قوله: (اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي)».

8) . في المطبوع: «قاله».

9) . الأعراف (7):142.

10) . في المغني: + «فيه».

11) . في المغني: «و إن» بدل «إذا».

12) . في التلخيص و المغني: «هذا».

13) . كذا في المغني، و لعلّ الصحيح: «لو بقي» بدل «نفي».

14) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 165-166. و ما بين المعقوفين من المصدر.

يقالُ له: قد مَضىٰ فيما سَلَفَ مِن كلامِنا أنّا لا نَحتاجُ في إثباتِ النَّصِّ بهذا الخبرِ علَى الطريقَتَينِ‌(1)مَعاً إلىٰ إثباتِ أنّ هارونَ لَو بَقيَ بَعدَ موسىٰ لَخَلَفَه(2)، و لا إلىٰ أنّه كانَ خَليفةً له في حياتِه علىٰ وَجهٍ يَثبُتُ بقَولِه(3)، و بيّنّا أنّ طاعةَ هارونَ إذا كانَت واجبةً علىٰ قومِ موسى بَعدَ وفاتِه كما كانَت واجبةً في حياتِه - و إن كانَ‌(4)جِهةُ وجوبِها له هي النبوّةَ - فهي مَنزِلةٌ يَصِحُّ (5)أن تُجعَلَ لِغَيرِه و إن لَم يَكُن نَبيّاً(6)، و أبطَلنا قولَ مَن ظَنَّ أنّ في استثناءِ النبوّةِ استثناءَ هذه المَنزِلةِ بما نَحنُ أغنياءُ عن إعادتِه(7). فلَو أعرَضنا عن نَقضِ (8)ما تَضمَّنَه الفَصلُ الذي حَكَيناه، لَم يَكُن إعراضُنا(9)مُخِلاًّ بصِحّةِ ما نَصَرناه(10)مِن الطريقَينِ جميعاً في إثباتِ النَّصِّ .

اقتضاء خلافة هارون في حياة موسىٰ ، لخلافته له بعد موته

علىٰ أنّا نَقولُ له: قد دَلَّلنا أيضاً علىٰ أنّ هارونَ عليه السلامُ لَو بَقيَ بَعدَ موسىٰ عليه السلامُ لَكانَ خَليفتَه و القائمَ بأمرِ أُمّتِه بما لا يَطعَنُ فيه كلامُكَ هذا الذي حَكَيناه؛ لأنّا قد بيّنّا أن خِلافتَه له لَو وَجَبَت في حالٍ دونَ حالٍ - مع عِلمِنا بأنّها مَنزِلةٌ في الدينِ جَليلةٌ ، و رُتبةٌ فيه عَظيمةٌ - لَاقتَضىٰ نَفيُها بَعدَ ثُبوتِها مِن التنفيرِ أكثَرَ ممّا يَقتضيهِ


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «على الطريقين».

2) . تقدّم في ص 255-258.

3) . تقدّم في ص 259-261.

4) . في «ب، ص»: «فإن كان». و الأصحّ : «و إن كانت».

5) . في «ج، ص، ف»: «تصحّ ».

6) . تقدّم في ص 255-258.

7) . تقدّم في ص 253-255.

8) . هكذا في «د». و في المطبوع و الحجري: «عن نقل». و في سائر النسخ: «عن بعض».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: «إعراضاً».

10) . في «ص»: «ما ذكرناه».

جميعُ ما يَنفيهِ خُصومُنا عن الأنبياءِ عليهم السلامُ لِمكانِ التنفيرِ(1)فلا بُدَّ مِن القولِ بأنّ خِلافتَه في حالِ حياتِه تَقتَضي(2)الخِلافةَ بَعدَ الموتِ مِن الوجهِ الذي ذَكَرناه.

و الذي قَدَّرَه مِن التقييدِ بحالِ الحياةِ دونَ غيرِها باطلٌ‌؛ لأنّ موسىٰ عليه السلامُ أعلَمُ مِنّا بما قُلناه مِن اقتضاءِ نفيِ الإمامةِ بَعدَ ثُبوتِها للتنفيرِ(3)، فكيفَ يَجوزُ أن يُقيِّدَ الخِلافةَ بحالٍ دونَ حالٍ؟ و كَيفَ يُسوِّغُه اللّٰهُ تَعالىٰ ذلكَ و هو لا يَنطِقُ إلّاعن وَحيِه‌؟ و لَو جازَ فيما يَقتَضي النبوّةُ استمرارَه التقييدُ و الاختصاصُ‌، لَجازَ مِثلُه في

نفسِ النبوّةِ‌؛ فكأنّا نَقولُ لِصاحبِ الكتابِ‌: لَو قَيَّدَ موسىٰ عليه السلامُ الخِلافةَ بحالٍ دونَ حالٍ لَوَجَبَت علَى الوجهِ الذي تَعلَّقَ كلامُه به، غيرَ أنّ ذلكَ لا يَجوزُ أن يَفعَلَه(4)عليه السلامُ‌؛ لِما ذَكَرناه.

و لَيسَ ما عارَضَ به(5)مِن الوَكالةِ و الإمارةِ ، بشَيءٍ ؛ لأنّا إنّما(6)أوجَبنا استمرارَ خِلافةِ هارونَ و أبطَلنا التخصيصَ فيها و التقييدَ لأمرٍ لا يَثبُتُ في الأميرِ و الوكيلِ و مَن يَجري مَجراهُما؛ لأنّ وِلايةَ هؤلاءِ يَصِحُّ فيها العَزلُ و التقييدُ و ضُروبُ التخصيصِ ، و لا يؤدّي إلَى التنفيرِ الذي مَنَعنا منه في هارونَ عليه السلامُ .

بيان خلافة هارون لموسىٰ بقول موسىٰ و كلامه

فأمّا الدَّلالةُ علىٰ أنّ هارونَ عليه السلامُ كانَ خَليفةَ موسىٰ عليه السلامُ علىٰ وجهٍ يَثبُتُ بقَولِه: فهو القُرآنُ ، و الإجماعُ .


1) . تقدّم في ص 252-253.

2) . في «د» و المطبوع و الحجري: «اقتضت».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «التنفير».

4) . في «ب»: «أن يقوله».

5) . في «ب»: «له».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: - «إنّما».

قالَ اللّٰهُ تَعالىٰ‌ حِكايةً عن موسىٰ‌: (وَ قٰالَ مُوسىٰ لِأَخِيهِ هٰارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي)، و الظاهرُ مِن الاستخلافِ حصولُ الوِلايةِ للمُستَخلَفِ بالقَولِ علىٰ طريقِ النيابةِ عن المُستَخلِفِ‌، و لهذا(1)لا يَصِحُّ أن يَقولَ الإنسانُ‌(2)لغَيرِه: «اخلُفني في نَفَقةِ عِيالِكَ‌، و القيامِ بالواجبِ عليكَ مِن أمرِ مَنزِلِكَ‌» أو «اخلُفني في أداءِ فُروضِكَ و عباداتِكَ‌»(3)و قد يَجوزُ أن يَأمُرَه بما يَجِبُ عليه علىٰ سبيلِ التأكيدِ، فيَقولَ له:

«أطِعْ رَبَّكَ و أقِمْ صَلاتَكَ ، و أخرِجْ ما(4)يَجِبُ مِن زَكاتِكَ (5)».

فقَد بانَ الفَرقُ بَينَ قولِه: (وَ أَصْلِحْ وَ لاٰ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) في وقوعِه علىٰ سَبيلِ التأكيدِ، و بَينَ قولِه: (اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي) في أنّ ظاهرَه يَقتَضي(6)وِلايةً تَثبُتُ بهذا القولِ علىٰ جِهةِ النيابةِ .

و لَيسَ لأحَدٍ أن يَمنَعَ مِن التعلُّقِ بظاهرِ قولِه: (اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي) بأن يَقولَ :

إنّه حِكايةٌ لِكلامِ موسىٰ عليه السلامُ ، و لَيسَ هو نفسَ كلامِه(7)فكَيفَ يَصِحُّ التعلُّقُ بظاهرِه(8)؟


1) . في التلخيص: «فلهذا».

2) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «للإنسان أن يقول» بدل «أن يقول الإنسان».

3) . في التلخيص: «في أداء فروض عبادتك».

4) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «ممّا».

5) . في التلخيص: + «عليك».

6) . هكذا في «د» و الحجري و التلخيص. و في «ب، ج، ص، ف»: «و أنّ ظاهره يقتضي». و في المطبوع: «في أنّه ظاهرة تقتضي».

7) . فإنّ موسىٰ عليه السلام لم يكن يتكلّم العربيّة التي نزل بها القرآن الكريم، و حَكىٰ بها كلامَه.

8) . هذا الإشكال ذكره القاضي في المغني، و قد حذف المصنّف رحمه اللّٰه عبارته، لكنّنا نقلناها في الهامش قبل قليل، فراجع.

لأنّه و إن لَم يَكُن حِكايةً للَفظِ موسىٰ بعَينِه(1)، فهو مُفيدٌ لمعنىٰ كلامِه و مُرادِه؛ فلا بُدَّ مِن أن يَكونَ موسىٰ عليه السلامُ أرادَ بما هذا الكلامُ حِكايتُه(2)معنَى «الاستخلافِ‌» الذي نَعقِلُه، و نَستَفيدُ(3)منه المعنَى الذي تَقدَّمَ ذِكرُه؛ لأنّه لَو لَم يَكُنِ المُرادُ ما ذَكرناه لَم نَفهَمْ (4)بحِكايتِه تَعالىٰ عن موسىٰ شَيئاً، و لَساغَ (5)

لقائلٍ أن يَقولَ في قولِه تَعالىٰ حِكايةً (6)عنه: (وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هٰارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي)(7): إنّه لَم يُرِدْ بسؤالِه ما نَعقِلُه مِن معنَى الوِزارةِ و الشِّركةِ ، بَل أرادَ غيرَه(8)مِن حَيثُ لَم يَكُن لفظُ موسىٰ بعَينِه(9)مَحكِيّاً.

فأمّا الإجماعُ : فدَلالتُه أيضاً علىٰ ما ذَكرناه ظاهرةٌ ؛ لأنّه لا خِلافَ بَينَ الأُمّةِ في أنّ هارونَ عليه السلامُ كانَ خَليفةً لموسىٰ عليه السلامُ و نائباً عنه و تابعاً(10)لأمرِه و نَهيِه، و ظاهرُ إجماعِهم علَى الاستخلافِ و النيابةِ يَقتَضي ما تَقدَّمَ ذِكرُه(11).


1) . في التلخيص: «بصيغته».

2) . في التلخيص: «بما هذا الكلام عبارة عنه و حكاية له».

3) . في «ب، د، ص»: «و يستفيد».

4) . في النسخ: «لم يفهم». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و الحجري و التلخيص.

5) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «و ساغ».

6) . في المطبوع و الحجري: «حكايته».

7) . طه (20):29-32.

8) . في التلخيص: «غير ذلك».

9) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «نفسه» بدل «بعينه».

10) . في التلخيص: «و مطيعاً».

11) . من أنّ الاستخلاف ثبت بقول موسىٰ عليه السلام.

لزوم استخلاف موسىٰ لهارون عند غيبته

فأمّا قولُه: «إنّه إذا كانَ شَريكَه في النبوّةِ فلا بُدَّ مِن أن يَلزَمَه عندَ غَيبتِه أن يَقومَ بأمرِ قومِه و إن لَم يَستَخلِفْه» فغَلَطٌ ظاهرٌ؛ لأنّه لا يُنكَرُ - و إن كانَ شَريكاً له في النبوّةِ - أن يَختَصَّ‌(1)موسىٰ عليه السلامُ دونَه بما يَقومُ (2)به الأئمّةُ مِن إقامةِ الحدودِ و ما جَرىٰ (3)مَجراها؛ لأنّ مُجرَّدَ النبوّةِ لا يَقتَضي هذه الوِلايةَ المخصوصةَ . و إذا(4)كانَ هذا جائزاً لَم يَجِبْ أن يَقومَ هارونُ عليه السلامُ عندَ غَيبةِ أخيه بهذه الأُمورِ لأجلِ نُبوّتِه، و لَم يَكُن مِن الاستخلافِ له ليَقومَ بذلكَ بُدٌّ؛ لأنّه لَو لَم يَستَخلِفْه في الابتداءِ أو(5)استَخلَفَ غيرَه كانَ جائزاً.

فإن قيلَ‌: قد بَنَيتم كلامَكم علىٰ أنّ الشِّركةَ في النبوّةِ لا تَقتَضي الوِلايةَ علىٰ ما يَقومُ‌(6)به الأئمّةُ ، و أنّ مِن الجائزِ أن يَنفرِدَ موسىٰ عليه السلامُ بهذه الوِلايةِ عن أخيه، فاعمَلوا(7)علىٰ أنّ ما ذَكَرتموه جائزٌ، مِن أينَ لكم القَطعُ علىٰ هذه الحالِ ، و أنّ هارونَ إنّما(8)تَصرَّفَ فيما يَقومُ (9)به الأئمّةُ لِاستخلافِ موسىٰ له، لا لمَكانِ نُبوّتِه ؟

قُلنا: الغرضُ بكلامِنا في هذا المَوضِعِ أن نُبيِّنَ جَوازَ ما ظَنَّ المُخالِفونَ أنّه


1) . في التلخيص: «لأنّه و إن كان شريكاً له في النبوّة فلا يمتنع أن يخصّ ».

2) . في المطبوع: «تقوم».

3) . في التلخيص: «و ما يجري».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «فإذا».

5) . هكذا في «ب، ف» و التلخيص. و في «ج، د، ص»: «و». و في المطبوع و الحجري: «لو».

6) . في المطبوع: «تقوم».

7) . في «د»: «فاعلموا».

8) . في «ب، ص، ف»: «ربّما».

9) . في «ج، ص، ف»: «تقوم».

غيرُ جائزٍ، و الذي نَقطَعُ به(1)علىٰ أحَدِ الجائزَينِ هو ما قَدَّمنا ذِكرَه مِن دَلالةِ الآيةِ و الإجماعِ .

قالَ صاحبُ الكتابِ :

و بَعدُ، فغَيرُ واجبٍ فيمن يَكونُ شَريكاً لموسىٰ في النبوّةِ أن يَكونَ هو القَيِّمَ‌(2)بَعدَ وفاتِه بما(3)يَقومُ به الإمامُ‌، بَل لا يَمتَنِعُ في التعبُّدِ(4)أن يَكونَ النبيُّ مُنفَرِداً بأداءِ الشرعِ و تعليمِه(5)و بيانِه فقط، و الذي يَقومُ بالحدودِ و الأحكامِ و السياسةِ الراجعةِ إلىٰ مَصالِحِ الدنيا(6)غيرَه، كَما يُروىٰ‌(7)في أخبارِ طالوتَ و داودَ.

يُبيِّنُ ذلكَ‌: أنّ القيامَ‌(8)بما يَقومُ به الإمامُ تَعبُّدٌ و شَرعٌ‌، فإذا جازَ مِن اللّٰهِ تَعالىٰ (9)أن يَبعَثَ نَبِيّاً(10)ببعضِ الشرائعِ دونَ بعضٍ ، فما الذي يَمنَعُ مِن أن يُحَمِّلَه(11)الشرعَ و لا يَجعَلَ إليه(12)هذه الأُمورَ أصلاً؟ [و هذا يُبيّنُ صحّةَ ما قَدَّمناه].


1) . في «ب، د»: «يُقطع به».

2) . هكذا في «ج، ص، ف» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «القائم».

3) . في المغني: «لما».

4) . في «ب، ص»: «البعيد».

5) . في «ج، ص، ف»: «و تعلّمه». و في المغني: «و تعليمهم».

6) . في «ص»: «مصالح الدين».

7) . في المغني: «روي».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «القائم».

9) . في «ب، ج، ص، ف» و المغني: - «تعالىٰ ».

10) . في المغني: - «نبيّاً».

11) . في المغني: «من الحملة» بدل «من أن يحمّله».

12) . في «ب، ج، ص، ف»: «فما الذي يمنع من الشرع أن لا يجعل إليه». و في المغني: «اللّٰه» بدل «إليه».

ثُمّ قالَ بَعدَ سؤالٍ لا نَسألُه عنه(1):

و بَعدُ، فإنّه يُقالُ لهم: إذا كانَ سببُ الاستخلافِ الغَيبةَ‌، فما أنكَرتم أنّها إذا زالَت زالَ الاستخلافُ بزَوالِها، و يَكونَ اللفظُ - و إن كانَ مُطلَقاً - في حُكمِ المُقيَّدِ؛ لأنّ السببَ و العِلّةَ فيما يَقتَضيانِه أقوىٰ مِن القولِ فيما حَلَّ هذا المَحلَّ؟ و علىٰ هذا الوجهِ جَرَت العادةُ مِن الرسولِ عليه السلامُ أنّه كانَ يَستَخلِفُ بالمَدينةِ عندَ الغَيبةِ الواحدَ مِن أصحابِه، فإذا عادَ زالَ حُكمُ‌(2)الاستخلافِ‌، كما رُويَ في ابنِ أُمِّ مكتومٍ‌(3)و عُثمانَ و غيرِهما.

يُبيِّنُ ذلكَ : أنّ استخلافَه في حالِ الغَيبةِ يَقتَضي أنّه(4)خَليفتُه(5)في مَوضِعٍ


1) . و إليك نصّ ما جاء في المغني، مع ما فيه من إبهام و سقط: «فإن قالوا: إنّه لا يجوز عندنا في الحجّة في الزمان [كلمة غير مقروءة]، و يكون إلىٰ كلّ واحد منهم ما ليس إلىٰ صاحبه. و قد يجوز فيما يقوم به الإمام أن يقع التعنّت به أصلاً، علىٰ ما قدّمناه».

2) . في المغني: - «حكم».

3) . في المغني: «ابن أُمّ كلثوم»، و هو خطأ فاحش. و أمّا «ابن أُمّ مكتوم» فهو عمرو بن قيس بن زائدة بن الأصمّ القرشي العامري الأعمىٰ . و قيل: إنّ اسمه الحصين، سمّاه النبيّ عبد اللّٰه. و قال ابن حيّان: كان أهل المدينة يقولون: اسمه عبد اللّٰه، و أهل العراق يقولون: اسمه عمرو. و كان مؤذّناً للنبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله بعد هجرته من مكّة. و اسم أُمّه: عاتكة بنت عبد اللّٰه بن عنكثة بن عامر بن مخزوم. و هو ابن خال خديجة بنت خويلد؛ فإنّ أُمّ خديجة أُخت قيس بن زائدة و اسمها فاطمة. أسلم في السابقين إلى الإسلام بمكّة، و كان من المهاجرين الأوّلين، قيل: قدم المدينة قبل النبيّ و بعد مصعب بن عمير، و قيل: بعده بقليل، و قيل: بعد بدر. و قد استخلفه رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله على المدينة في بعض غزواته مرّتين، و قيل: ثلاث عشرة مرّة. و شهد حرب القادسيّة و معه راية سوداء، فقاتل و هو أعمىٰ ، و قُتل بالقادسيّة، و قيل: رجع إلى المدينة، فتوفّي فيها عام 23 ه‍. راجع: أُسد الغابة، ج 4، ص 127؛ صفوة الصفوة، ج 1، ص 237؛ الإصابة لابن حجر، ج 2، ص 523.

4) . في المغني: «أن».

5) . هكذا في النسخ و المغني. و في المطبوع: «خليفة».

دونَ مَوضِعٍ (1)لأنّه لا يَجوزُ أن يَكونَ خَليفتَه(2)في المَوضِعِ (3)الذي غابَ إليه، و إنّما يَكونُ خَليفتَه(4)في المَوضِعِ الذي غابَ عنه. فلَو قُلنا: إنّ ذلكَ يَقتَضي كَونَه خَليفةً بَعدَ مَوتِه، لَاقتَضىٰ أن يَكونَ خَليفةً (5)في الكُلِّ ؛ و اللفظُ الأوّلُ لَم يَقتَضِه. و هذا يُبيِّنُ أنّ ذلكَ لا يَقَعُ إلّامُقيَّداً(6).

تهافت كلام القاضي حول مسألة لزوم استخلاف هارون

يُقالُ له: أوّلُ ما في كلامِكَ أنّه ناقِضٌ لِما حَكَيناه عنكَ قَبلَ هذا الفَصلِ مِن قولِكَ : «إنّ هارونَ لا يَجوزُ أن يَكونَ شَريكاً لموسىٰ عليه السلامُ في النبوّةِ إلّا و يَلزَمُه عندَ غَيبتِه أن يَقومَ بأمرِ قومِه؛ لمكانِ نُبوّتِه و إن لَم يَستَخلِفْه»(7)لأنّكَ جَوَّزتَ هاهُنا أن يَكونَ موسىٰ عليه السلامُ مُنفَرِداً بما يَقومُ به الإمامُ مُضافاً إلَى الأداءِ و التبليغِ ، و يَكونَ هارونُ مُشارِكاً في الأداءِ و التبليغِ (8)دونَ غيرِه، و هذا يَقتَضي حاجتَه إلَى الاستخلافِ فيما يَقومُ به الأئمّةُ .

فإن قُلتَ : إنّني لَم أُطلِقْ ما ذَكَرتُموه، و إنّما قُلتُ : «غيرُ واجبٍ فيمَن يَكونُ شَريكاً لموسىٰ عليه السلامُ في النبوّةِ أن يَكونَ هو القيِّمَ بَعدَ وفاتِه بما يَقومُ به الإمامُ ».

قُلنا: لا فَرقَ بَينَ ما قُلتَه و حَكَيناه؛ لأنّ ما يَقومُ به الأئمّةُ لَو كانَ مِن مُقتَضَى النبوّةِ


1) . في المغني: «في حال دون حال و في موضع دون موضع».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «خليفة».

3) . هكذا في المغني. و في النسخ و المطبوع: «في المكان».

4) . في «ب»: «خليفة».

5) . في «ج، ص، ف»: «خليفته».

6) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 166-167.

7) . تقدّمت حكاية كلامه هذا في ص 304، و تقدّمت مناقشته في ص 309.

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «في التبليغ و الأداء».

علىٰ ما دَلَّ كلامُكَ عليه(1)في الفَصلِ الأوّلِ‌(2)- لَم يَجُزْ فيمن(3)كانَ شَريكاً لموسىٰ في النبوّةِ أن يَبقىٰ بَعدَه و لا(4)يَقومَ بذلكَ مع ثُبوتِ المُقتَضي الذي هو النبوّةُ‌. و إذا أجَزتَ في شَريكِ موسىٰ في النبوّةِ أن يَبقىٰ بَعدَه(5)و لا يَتولّىٰ ما يَقومُ به الأئمّةُ ، فلا بُدَّ مِن(6)أن يَجوزَ مِثلُه في حياتِه؛ لأنّه إذا لَم يَكُن مِن مُقتَضَى النبوّةِ جازَ في

الحالَينِ (7)، و إذا جازَ فيهما صَحَّ ما حَكَيناه؛ مِن تجويزِكَ انفرادَ موسىٰ بما يَقومُ به الأئمّةُ ، و إن كانَ هارونُ شَريكَه في النبوّةِ .

و لَيسَ لكَ أن تَقولَ : إنّني(8)إنّما عَنَيتُ بكلامي الأوّلِ أنّ هارونَ يَلزَمُه عندَ غَيبةِ موسىٰ أن يَقومَ بأمرِ قومِه علىٰ وجهِ التبليغِ و الأداءِ اللذَين تَقتَضيهِما(9)النبوّةُ ؛

لأنّكَ لَو أرَدتَ ذلكَ لَكُنتَ مُتكلِّماً علىٰ غيرِ ما نَحنُ فيه؛ لأنّا لَم نَقُلْ - و لا أحَدٌ مِن الناسِ -: «إنّ هارونَ لَو بَقيَ بَعدَ موسىٰ لَكانَ خَليفةً له في الأداءِ و التبليغِ اللذَين هُما مِن مُقتَضَى النبوّةِ » فيَكونَ كلامُكَ مُبطِلاً لذلكَ ، و إنّما أوجَبنا أن يَكونَ خَليفتَه(10)بَعدَ وفاتِه علىٰ قومِه فيما يَقومُ به الأئمّةُ ؛ فلا بُدَّ أن يَكونَ مُرادُكَ بالكلامِ الأوّلِ ما ذَكرناه.


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «ما دلّ عليه كلامك».

2) . أي في كلامه المحكيّ أوّلاً، و الذي تقدّمت حكايته في ص 304.

3) . في «ب، ج، ص»: «ممّن».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «فلا».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «و إذا جاز أن يكون شريك موسىٰ في النبوّة يبقىٰ بعده».

6) . في المطبوع و الحجري: - «من».

7) . في «ج، ص، ف»: «في الحالتين».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «إنّي».

9) . في «ج، د، ص، ف» و الحجري: «يقتضيهما».

10) . في «ب، ج، ص»: «خليفة».

ثُمّ نَقولُ لكَ (1): إنّ الذي ذَكرتَه - مِن جوازِ انفرادِ موسىٰ بما يَقومُ به الأئمّةُ دونَ هارونَ ، و(2)أنّه غيرُ واجبٍ فيمن(3)كانَ شَريكَه في النبوّةِ أن يَكونَ شَريكَه في القيامِ بهذهِ الأُمورِ في حياتِه و بَعدَ وفاتِه - صَحيحٌ سَديدٌ، غيرَ أنّه و إن كانَ غيرَ واجبٍ في الابتداءِ لِما ذَكرتَه، فلَيسَ يَجوزُ بَعدَ حصولِه لهارونَ أن يُخرَجَ عنه و يُصرَفَ عن تولّيهِ ؛ لِما ذَكرناه مِن اقتضائه التنفيرَ الذي تَمنَعُ (4)النبوّةُ منه(5).

مناقشة ما ذكره القاضي من أنّ سبب الاستخلاف هو الغَيبة

فأمّا التعلُّقُ بالسببِ و أنّه كانَ الغَيبةَ‌(6)، فغَيرُ مؤثِّرٍ؛ لأنّ أكثَرَ ما يَقتَضيهِ السببُ تَعلُّقُ الكلامِ به و مطابَقتُه له، و لَيسَ بموجِبٍ أن لا يَتعدّاه و يَتجاوَزَه. فإذا سُلِّمَ أنّ الغَيبةَ كانَت السببَ في استخلافِ‌(7)هارونَ ، لم يُنكَرْ ثُبوتُ الخِلافةِ له بَعدَها؛ لِما بيّنّاه. ألا تَرىٰ أنّ موسىٰ عليه السلامُ لَو قالَ لأخيه مع أنّ السببَ كانَ الغَيبةَ :

«اخلُفْني في قومي في الغَيبةِ (8)و الحُضورِ، و في حَياتي(9)و بَعدَ وفاتي، و علىٰ كُلِّ حالٍ » لَم يَكُن كلامُه مُنافياً للسببِ؟

فأمّا ما رُويَ مِن استخلافِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه ابنَ أُمِّ مكتومٍ و عُثمانَ و مَن


1) . في المطبوع و الحجري: - «لك».

2) . في «ب، ص»: - «و».

3) . في «ب، د» و المطبوع: «فيما».

4) . هكذا في «ب». و في سائر النسخ و المطبوع: «يمنع».

5) . تقدّم في ص 252-253.

6) . في «ب»: «حال الغيبة».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «كانت سبب استخلاف».

8) . في «ج، ف»: «في حال الغيبة». و في «ص»: «في آن الغيبة».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: «و الحضر، في حياتي» بدل «و الحضور، و في حياتي».

جَرىٰ مَجراهُما: فإنّا لَم نَعلَمْ زَوالَ وِلايتِهم و انقطاعَها باعتبارِ زَوالِ السببِ‌(1)علىٰ ما ظَنَّه، بَل لأمرٍ زائدٍ؛ لأنّه لا خِلافَ بَينَ الأُمّةِ في انقطاعِ وِلايةِ هؤلاءِ و عدمِ استمرارِها.

علىٰ أنّا لا نَتعلَّقُ عَلىٰ هذه الطريقةِ باستخلافِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ علَى المَدينةِ‌(2)في وجوبِ الإمامةِ له(3)فيما بَعدُ، بَل بما بيّنّاه مِن مُقتَضَى الخبرِ و وجهِ دَلالتِه(4). فإن أرادَ صاحبُ الكتابِ بما(5)ادَّعاه(6)مِن سببِ (7)الاستخلافِ استخلافَ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(8)أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ علَى المَدينةِ ، فقَد بيّنّا ما فيه. و إن أرادَ استخلافَ موسىٰ أخاه، فقَد ذَكَرنا ما يَخُصُّ (9)هذا الوجهَ أيضاً - و إن كانَ عامّاً للأوّلِ - مِن أنّ السببَ لا يَقتَضي قَصرَ الكلامِ عليه.

بيان أنّ إثبات الإمامة المخصوصة بحال دون حال يستلزم الإمامة العامّة

فأمّا قولُه: «إنّ الاستخلافَ في الغَيبةِ يَقتَضي أنّه خَليفةٌ في مَوضِعٍ دونَ مَوضِعٍ » إلىٰ آخِرِ الفَصلِ ، فلَو(10)سَلَّمنا اختصاصَ الاستخلافِ في الغَيبةِ علىٰ ما ادَّعاه - مع أنّه غيرُ واجبٍ - لَثَبتَ أيضاً ما نُريدُه؛ لأنّه إذا ثَبَتَ لهارونَ بَعدَ أخيه مِن الإمامةِ


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «و اعتبار السبب». و في «د»: «باعتبار السبب» بدل «باعتبار زوال السبب».

2) . في «ب»: «بالمدينة».

3) . في «د، ف» و المطبوع: - «له».

4) . و ذلك عند بيان تقريرَي حديث المنزلة، المتقدّمَين في ص 250 و 267.

5) . في «ب»: «ممّا».

6) . في «ب، د»: «دعاه».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «من السبب في» بدل «من سبب».

8) . في «ج، ص، ف»: «عليه السلام».

9) . في «ب، ج، ف»: «ما يختصّ ».

10) . في «ب، ج، ص، ف»: + «أنّا».

و الخِلافةِ - و إن كانَتا مخصوصتَينِ ما كانَ ضائراً(1)لِما دَلَّلنا عليه مِن قَبلُ -، و أوجَبَ‌(2)الخبرُ لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ مِثلَ هذه المَنزِلةِ‌، صَحَّ ما نَقصِدُه(3)لأنّ الأُمّةَ مُجمِعةٌ علىٰ أنّ كُلَّ مَن وَجَبَ له بنَصِّ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(4)بَعدَ وفاتِه إمامةٌ في بعضِ المَواضعِ فهو الإمامُ (5)في جميعِها علىٰ سَبيلِ العمومِ ، فلَو(6)لَم يَكُنِ اللفظُ يَقتَضي ما ذَكرناه لَكانَ هذا الاعتبارُ يَقتَضيهِ .

و رُبَّما سُئلنا عن نَظيرِ هذا السؤالِ ، بأن يُقالَ : إنّ هارونَ إنّما كانَ خَليفةً لموسىٰ عليه السلامُ علىٰ بعضِ قومِه دونَ بعضٍ ؛ لأنّه كانَ خَليفةً له علىٰ مَن(7)خَلَّفَه و لَم يَستَصحِبْه، فكَيفَ توجِبونَ (8)بنَظيرِ هذه المَنزِلةِ الإمامةَ علىٰ جميعِ الناسِ؟

و الجوابُ عن ذلكَ‌: هو الجوابُ عن الأوّلِ بعَينهِ‌.

و كُلُّ هذا الكلامِ إنّما نَتكلَّفُه(9)إذا كانَ تَعلُّقُنا باستخلافِ موسىٰ لهارونَ‌، فأمّا إذا رَجَعنا(10)إلىٰ ما يَقتَضيهِ (11)نُبوّتُه مِن فَرضِ الطاعةِ و عمومِها لجميعِ المَواضعِ


1) . في «ب، ص»: «صائراً».

2) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و أوجبه».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: - «لأمير المؤمنين عليه السلام مثل هذه المنزلة، صحّ ما نقصده». و في المطبوع: «و صحّ » بدل «صحّ ».

4) . في «ج، ص، ف»: «عليه السلام».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «فهو إمام».

6) . في «ب»: «و لو».

7) . في «د» و المطبوع و الحجري: «ما».

8) . في «ج، د، ص» و الحجري: «يوجبون».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: «يُتكلّف».

10) . في «ب»: «إذا ارتجعنا». و في «د» و المطبوع و الحجري: «إذا ما رجعنا».

11) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «ما تقتضيه».

و لسائرِ أُمّةِ موسىٰ - علَى الطريقةِ التي بيّنّا فيما سَلَفَ (1)- لَم يَلزَمْنا شَيءٌ مِن كلامِه، و لَم نَحتَجْ (2)إلىٰ أكثَرِ ما تَكلَّفناه معه.

قالَ صاحبُ الكتابِ :

علىٰ أنّه يُقالُ لهم: إنّ هارونَ لَو عاشَ بَعدَ موسىٰ لَكانَ الذي يَثبُتُ له أن يَكونَ كَما كانَ مِن قَبلُ‌، و قد كانَ مِن قَبلُ له أن يَقومَ بهذه الأُمورِ لنُبوّتهِ‌، فيَجِبُ إذا لَم تَبطُلْ‌(3)نُبوّتُه بمَوتِ موسىٰ أن يَكونَ له أن يَقومَ بذلكَ‌. فإن كنتم توجِبونَ لعليٍّ عليه السلامُ مِثلَ ذلكَ‌، فيَجِبُ أن يَكونَ بَعدَ مَوتِه عليه السلامُ حالُه كَما كانَ‌(4)، و قد عَلِمنا أنّه لم يَكُن إماماً في حياةِ الرسولِ عليه السلامُ‌(5)، و لا كانَ له أن يَقومَ بهذه الأُمورِ علَى الوجهِ الذي يَقومُ به الإمامُ‌؛ فيَجِبُ أن يَكونَ حالُه بَعدَ مَوتِه كما كانَ‌؛ لأنّ هذه المَنزِلةَ هي التي كانَت لهارونَ مِن موسىٰ عليه السلامُ‌.

يُبيِّنُ ذلكَ : أنّه في حياتِه(6)كانَ له أن يَقومَ بهذهِ الأُمورِ و الحالُ حالُ شِركةٍ ، فبأنْ (7)يَكونَ له أن يَقومَ بذلكَ بَعدَ وفاتِه(8)أَولىٰ ؛


1) . تقدّمت في ص 250 و ما بعدها.

2) . في «ف»: «و لم يُحتج».

3) . في «ج، ص، ف»: «لم يبطل».

4) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «فيجب أن يكون بعد موته عليه السلام إ ماماً له أن يقوم بذلك كما كان».

5) . في «ب، د» و المطبوع: «صلّى اللّٰه عليه و آله».

6) . في المغني: «في حال حياته».

7) . في «د»: «فأن». و في «ج، ص، ف» و الحجري: «فلأن». و في «ب»: «فلا». و ما أثبتناه من المطبوع و المغني.

8) . في المغني: «في حال وفاته» بدل «بعد وفاته».

فلمّا(1)ثَبَتَ ذلكَ له(2)علَى الحَدِّ الذي كانَ - لا علىٰ وجهٍ مُخالِفٍ له - فيَجِبُ مِثلُه لعليٍّ عليه السلامُ . و هذا بأن يَقتَضيَ نفيَ الإمامةِ أَولىٰ (3)مِن أن يَقتَضيَ إثباتَها(4).

بيان انفصال منزلة الإمامة عن النبوّة

يُقالُ له: لِمَ زَعَمتَ أنّ هارونَ لَو بَقيَ بَعدَ موسىٰ لَكانَ إنّما(5)يَجِبُ أن يَقومَ بما يَقومُ به الأئمّةُ لِمَوضِعِ نُبوّتِه‌؟ أوَ لَيسَ قد بيّنّا فيما سَلَفَ مِن كلامِنا أنّ هذه المَنزِلةَ مُنفَصِلةٌ مِن النبوّةِ‌(6)، و أنّه لا يَمتَنِعُ أن يَكونَ النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(7)مِن حَيثُ كانَ نَبيّاً لا يَتوَلّاها و لا يَجِبُ له القيامُ بها(8)، و اعتَرَفتَ في بعضِ ما حَكَيناه مِن كلامِكَ بذلكَ ، فقُلتَ : «إنّه غيرُ واجبٍ فيمن يَكونُ (9)شَريكاً لموسىٰ في النبوّةِ أن يَكونَ هو القيِّمَ بَعدَ وفاتِه بما يَقومُ به الإمامُ »(10)؟

بيان انفصال منزلة خلافة هارون لموسىٰ في حياته، عن منزلة خلافته له بعد وفاته

غيرَ أنّ الذي ذَكَرتَه - و إن كانَ لَيسَ بصحيحٍ - يُمكِنُ (11)أن يُرتَّبَ الكلامُ عليه(12)


1) . في المغني: «و إنّما».

2) . في «ب، ف»: «له ذلك».

3) . في «ج، ص»: «فلمّا لم يثبت له ذلك، فلأن يكون الخبر يقتضي نفي الإمامة أولىٰ » بدل «فلمّاثبت ذلك له على الحدّ الذي...» إلىٰ هنا.

4) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 167.

5) . في «ب، ج، ص، ف»: - «إنّما».

6) . تقدّم في ص 256-258.

7) . في «ج، ف»: «عليه السلام».

8) . في «ب»: «لها».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: «كان».

10) . تقدّم في ص 310.

11) . في «د»: «فيمكن».

12) . سوف يقوم المصنّف رحمه اللّٰه بتقوية إشكال القاضي من خلال وجهَين، ثمّ يجيب عنه. و هذا يدلّ علىٰ نزاهة نادرة، و ثقة عالية بالنفس و بالحقّ الذي هو عليه.

علىٰ وجهٍ يَلزَمُ معه الانفصالُ‌، فيُقالَ‌(1): إذا كنتم قد صَرَّحتم فيما مَضىٰ مِن كلامِكم بأنّ استخلافَ موسىٰ لأخيه هارونَ لَو لَم يَثبُتْ لَكانَ استدلالُكم علَى النَّصِّ مع فَقدِه(2)متوَجِّهاً؛ باعتبارِ ما يَجِبُ لهارونَ مِن فَرضِ الطاعةِ علىٰ أُمّةِ موسىٰ في حياتِه، و وجوبِ استمرارِ ذلكَ لَو بَقيَ إلىٰ بَعدِ وفاتِه، و إن كانَ مِن مُقتَضَى النبوّةِ‌.(3)

و قُلتم: «إنّه غيرُ واجبٍ فيمن جُعِلَ له مِثلُ مَنزِلةِ هارونَ مِن موسىٰ في بابِ فَرضِ الطاعةِ أن يَكونَ مُشارِكاً له في سببِ هذه المنزلةِ‌» فقَد ثَبَتَ مِن هذا الوجهِ أنّ هارونَ كانَ يَجِبُ له فَرضُ الطاعةِ بَعدَ موسىٰ لِمكانِ نُبوّتِه علىٰ سَبيلِ الاستمرارِ لا التجدُّدِ، و يَلزَمُكم الجوابُ .

و يُمكِنُ أن يَتوجَّهَ مِن وَجهٍ آخَرَ؛ و هو أنّ هارونَ إذا كانَ خَليفةً لِموسىٰ في حياتِه(4)، و أوجَبتم(5)خِلافتَه لَو بَقيَ بَعدَه لِما ذَكرتموه مِن التنفيرِ(6)، فلا بُدَّ مِن ثُبوتِ الخِلافةِ في جميعِ أحوالِ الحياةِ علَى استقبالِ استخلافِ أخيه له بالوجهِ الذي أوجَبتم به حصولَها بَعدَ الوفاةِ ؛ و إذا حَصَلَت هذه المَنزِلةُ لهارونَ مُستَمِرّةً غيرَ مُتجدِّدةٍ (7)، و لَم يُمكِنْ بأن تَجعَلوا(8)حالَ أميرِالمؤمنينَ عليه السلامُ فيها كحالِه، لَزِمَكم الكلامُ .


1) . هنا سيتكلّم المصنّف رحمه اللّٰه علىٰ لسان القاضي.

2) . أي مع فَقْد الاستخلاف.

3) . تقدّم في ص 256-258.

4) . في الحجري: «في حال حياته». و في المطبوع: «حال حياته».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «فأوجبتم».

6) . تقدّم في ص 252-253.

7) . في المطبوع و الحجري: «غير متّحدة».

8) . في النسخ: «أن يجعلوا». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و الحجري.

و الجوابُ عن السؤالِ - إذا رُتِّبَ الترتيبَ الذي ذَكَرناه - هو أنّه لا مُعتَبَرَ في ثُبوتِ مَنزِلةِ الخِلافةِ لهارونَ بَعدَ وفاةِ أخيه - لَو بَقيَ إليها - باستمرارِ هذه المَنزِلةِ أو تَجدُّدِها؛ فلا فَرقَ في الوجهِ الذي قَصَدناه(1)بَينَ الأمرَينِ‌؛ لأنّ مَنزِلةَ الخِلافةِ‌(2)في الحياةِ كالمُنفَصِلةِ مِن مَنزِلةِ الخِلافةِ بَعدَ الوفاةِ‌، بَل حصولُها في كُلِّ حالٍ كالمُنفَصِلِ مِن الحالِ الأُخرىٰ‌؛ لِجَوازِ أن يَثبُتَ‌(3)في إحدَى الحالتَينِ و لا يَثبُتَ في الأُخرىٰ‌.

و إذا كانَت حالُ الخِلافةِ في الحالَينِ علىٰ ما ذَكرناه مِن الانفصالِ‌، لَم يَمتَنِعْ أن يَقَعَ التشبيهُ بإحداهُما دونَ الأُخرىٰ‌، و يُجعَلَ للمُشبَّهِ بهارونَ‌(4)عليه السلامُ مَنزِلةُ الوفاةِ دونَ ما يَجِبُ في الحياةِ‌. و لَيسَ معنىٰ «أنّ هارونَ لَو بَقيَ لَوَجَبَ أن يَكونَ كما كانَ » أكثَرَ مِن أنّ مَنزِلةَ الخِلافةِ كانَت تَثبُتُ له في الحالَينِ ، و يَنضافُ إلىٰ ثُبوتِها

في الحياةِ ثُبوتُها بَعدَ الوفاةِ ، و غيرُ واجبٍ فيمن جُعِلَ بمَثابةِ هارونَ أن لا يَصِحَّ ذلكَ فيه إلّابَعدَ ثُبوتِ المَنزِلتَينِ له في كِلتا الحالتَينِ .

و ممّا يَكشِفُ عن(5)صِحّةِ قولِنا و بُطلانِ‌(6)ما اعتَبَرَه صاحبُ الكتابِ : أنّ أحَدَنا لَو قالَ لغَيرِه: «أنتَ مِنّي اليَومَ بمَنزِلةِ فُلانٍ مِن فُلانٍ » و كانَ أحَدُ اللذَينِ أشارَ إليهما وَكيلاً لصاحِبِه وَكالةً مُتقدِّمةً مُستَمِرّةً إلَى الوقتِ الذي وَقَعَ فيه القولُ الذي حَكَيناه، لَكانَ قد(7)أوجَبَ بكلامِه كَونَ (8)مَن جَعَلَ له مَنزِلةَ الوكيلِ وَكيلاً له علَى استقبالِ


1) . في «ب»: «قيّدناه».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «لأنّ المنزلة في الخلافة».

3) . في «ب»: «أن تثبت».

4) . في «ج، ص، ف»: «التشبيه» بدل «للمشبّه». و في «ب» و الحجري: «لهارون» بدل «بهارون».

5) . في «ج، ص»: - «عن».

6) . في «ج»: «لبطلان» بدل «و بطلان».

7) . في «ج»: - «قد».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: - «كون».

الوقتِ الذي ذَكرَه. و لَم يَكُن لأحَدٍ أن يَنفيَ وَكالتَه بأن يَقولَ‌: «إنّ الذي جُعِلَ له مِثلُ مَنزِلتِه(1)حالُه اليَومَ كحالِه فيما تَقدَّمَ‌، فيَجِبُ إذا جَعَلنا حالَ الآخَرِ كحالِه أن لا يَكونَ وَكيلاً» بَل كانَ المُعتَرِضُ بمِثلِ هذا القولِ عندَ جميعِ العقلاءِ مُستَنقَصَ الفَهمِ و الفِطنةِ‌، لا لِشَيءٍ إلّالِما ذَكرناه مِن أنّه لا اعتبارَ باستمرارِ الوَكالةِ و تَجدُّدِها(2)، و المُعتَبَرُ بأن يَثبُتَ لِمَن جُعِلَ لغَيرِه مِثلُ مَنزِلتِه في الحالِ التي أُشيرَ إليها، و ثُبوتُها فيما تَقدَّمَ هذه الحالَ كانتفائها في الوجهِ المقصودِ بالقولِ‌.

و كَما أنّه لا مُعتَبَرَ باستمرارِ المَنزِلةِ و تَجدُّدِها، فكذلكَ لا مُعتَبَرَ باختلافِ سببِها؛ لأنّا قد بيّنّا فيما مضىٰ أنّ التسويةَ بَينَ الاثنَينِ في العَطيّةِ لا توجِبُ اتّفاقَ جِهةِ عَطيّتِهما(3)، بَل لا يَمتَنِعُ أن يَختَلِفا في الجِهةِ و السببِ و إنِ اتَّفَقا في العَطيّةِ (4).

و إنّما أوجَبنا لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ مِن المَنازِلِ مَنزِلةَ الخِلافةِ بَعدَ الوفاةِ ، و لَم نوجِبِ استمرارَ الخِلافةِ في الحياةِ ؛ لأنّ ما يَمنَعُ مِن إثباتِ إحدَى المَنزِلتَينِ لا يَمنَعُ مِن الأُخرىٰ ؛ فأوجَبنا ما لا يَمنَعُ الدليلُ منه باللفظِ، و أخرَجنا ما مَنَعَ منه.

علىٰ أنّ‌ في أصحابِنا مَن ذَهَبَ إلَى استمرارِ خِلافةِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ و استحقاقِه التصرُّفَ (5)فيما يَتصرَّفُ فيه الأئمّةُ في الحالِ ، مِن ابتداءِ وقوعِ النَّصِّ عليه إلىٰ آخِرِ مُدّةِ حَياتِه عليه السلامُ ؛ غيرَ أنّهم يَمتَنِعونَ مِن أنْ يُسَمّوه(6)إماماً؛ لأنّ الإمامَ هو الذي لا يَدَ فوقَ يَدِه، و لا يَتصرَّفُ فيما يَتصرَّفُ فيه الأئمّةُ علىٰ


1) . في «ب، د»: «منزله».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «بأن تستمرّ الوكالة و تتجدّد».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: + «من وجه».

4) . تقدّم في ص 255.

5) . في «ج، ص، ف»: «للتصرّف».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «يمنعون من تسميته».

سَبيلِ الخِلافةِ لغَيرِه و النيابةِ عنه و هو حَيٌّ‌، فيَمتَنِعونَ مِن تَسميتِه عليه السلامُ بالإمامِ‌(1)في حالِ حياةِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(2)لِما ذَكرناه، و يُجرونَ‌(3)الاسمَ بَعدَ الوفاةِ لزوالِ المانعِ . و مَن ذَهَبَ إلىٰ هذا المَذهبِ فقَد أثبَتَ لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ مِثلَ ما ثَبَتَ (4)لهارونَ مِن استمرارِ الخِلافةِ ، و سَقَطَ عنه تَكلُّفُ ما ذَكرناه في أوّلِ الفَصلِ (5).

قالَ صاحبُ الكتابِ :

و بَعدُ، فلَو ثَبَتَ لعَليٍّ عليه السلامُ بالاستخلافِ ما يَقتَضي كَونَه إماماً بَعدَه، لَوَجَبَ أن يَكونَ له أن يُقيمَ الحدودَ، و يَقومَ بسائرِ(6)ما يَقومُ به الأئمّةُ في حياتِه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه مِن غيرِ إذنٍ و أمرٍ؛ و نَحنُ نَعلَمُ أنّ ذلكَ لَم يَكُن له عليه السلامُ في حياتِه، و أنّ حالَه في أنّه كانَ يَفعَلُ ذلكَ بأمرٍ حالُ غيرِه؛ فكَيفَ (7)يُمكِنُهم أن يَقولوا: إنّه بحَقِّ الاستخلافِ يَكونُ (8)إماماً بَعدَه ؟

فإن قالوا: نَقولُ في ذلكَ ما تَقولونَ في الإمامِ إذا استَخلَفَ غيرَه.

قيلَ لهم: إنّ سببَ الاستخلافِ مُعتَبَرٌ عندَنا؛ فإذا كانَ السببُ الغَيبةَ (9)


1) . هكذا في «ب، ج». و في سائر النسخ و المطبوع: «بالإمامة».

2) . في «ج، ص، ف»: «عليه السلام».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «و يجري».

4) . في «د» و المطبوع و الحجري: «ما يثبت».

5) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «في أوّل الفصل».

6) . في المغني: «و سائر» بدل «و يقوم بسائر».

7) . هكذا في المغني. و في النسخ و المطبوع: «و كيف».

8) . في «د»: «إنّه يحقّ الاستخلاف و يكون».

9) . هكذا في المغني. و في النسخ و المطبوع: «فإذا كانت الغيبة».

كانَ له أن يَقومَ بهذه الأُمورِ بَعدَ الغَيبةِ‌، و إذا كانَ السببُ خَوفَ‌(1)المَوتِ فإنّما يَكونُ له ذلكَ بَعدَ المَوتِ‌، و يَكونُ حالُ حياتِه(2)خارجةً مِن الاستخلافِ‌، كَما أنّ حالَ المُقامِ‌(3)خارجةٌ مِن الاستخلافِ‌.

و لَيسَ كذلكَ قولُكم؛ لأنّكم قُلتم: لمّا استَخلَفَه عليه السلامُ في حالِ الحياةِ‌(4)مُطلَقاً وَجَبَ أن يَكونَ مُستَمِرّاً إلىٰ بَعدِ المَوتِ‌، و ذلكَ يوجِبُ أن يَكونَ إماماً؛ فلَزِمَكم ما أورَدناه عليكم؛ لأنّه لا يُمكِنُكم أن تَقولوا: «قد استَفادَ(5)بالمَوتِ ما لَم يَحصُلْ له(6)مِن قَبلُ‌» إذا كانَ إنّما ثَبَتَ‌(7)له الوِلايةُ باستمرارِ الوِلايةِ المُتَقدِّمةِ‌. و أمّا(8)نَحنُ فإنّما أوجَبنا الوِلايةَ بالمَوتِ كَما أوجَبناها بالغَيبةِ‌؛ فصَحَّ لنا ما ذَكرناه، دونَكم.

و علىٰ هذا الوجهِ ألزَمَ شَيخُنا أبو عليٍّ مَن استَدَلَّ بهذا الخبرِ(9)إثباتَ‌

إمامةِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ (10)في الحالِ ؛ لأنّه عليه السلامُ أثبَتَ (11)


1) . في المغني: «حدث».

2) . في المغني: «حال الحياة».

3) . في «ص»: «حال القيام».

4) . في المغني: «لمّا استُخلف عليه السلام استخلافاً».

5) . في «ج، ص»: «قد يستفاد».

6) . في المغني: «ما لا يحصل» بدل «ما لم يحصل له».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «يثبت». و في المغني: «جعل».

8) . في المغني: «فأمّا».

9) . هكذا في «د» و المطبوع و المغني. و في «ب، ف»: + «من». و في سائر النسخ: + «علىٰ ».

10) . في المغني: «إثبات أمير المؤمنين عليه السلام إماماً».

11) . في المغني: + «له».

المَنزِلةَ في الوقتِ‌، و إنّما تَثبُتُ‌(1)فيما بَعدُ(2)علىٰ جِهةِ الدَّوامِ و الاستمرارِ، لا علىٰ وجهِ التجَدُّدِ. فإذا(3)لَم يَصِحَّ كَونُه إماماً في الوقتِ - لِما قَدَّمناه مِن قَبلُ - فكَيفَ يَكونُ إماماً مِن بَعدُ؟ و نَحنُ نَعلَمُ أنّه لمّا خَلَّفَه عليه السلامُ بالمَدينةِ‌(4)لَم يَجُز أن يُقيمَ الحدودَ في غيرِها، و لا بحَيثُ حَضَرَه(5)الرسولُ‌، و لا علَى الذينَ كانوا معه عليه السلامُ‌؛ فكَيفَ يَجوزُ أن يُعَدَّ ذلكَ إمامةً؟

و لَو أنّ قائلاً قالَ‌: «إنّ الذي ثَبَتَ لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ بحُكمِ هذا القولِ الإِمارةُ المخصوصةُ‌(6)، فيَجِبُ بَعدَ وفاتِه عليه السلامُ أن يَكونَ أميراً لا إماماً» لَكانَ أقرَبَ‌، و لَيس يَجِبُ إذا لَم يَثبُتْ أميراً أن(7)يَجِبَ أن يَكونَ إماماً(8)لأنّ نفيَ أحَدِهما لا يوجِبُ إثباتَ الآخَرِ؛ لأنّ‌(9)لكُلِّ واحدٍ منهما سبباً يَقتَضيهِ‌.

يُبيِّنُ ذلكَ‌: أنّ عندَهم أنّ الإمامَ إذا أمَّرَ أميراً علىٰ بلدٍ ثُمَّ حَضَرَته الوفاةُ فلَم يَنُصَّ عليه، فغَيرُ واجبٍ أن يَكونَ إماماً. يُبيِّنُ ذلكَ : أنّه قد يَجوزُ أن يَستَخلِفَ جماعةً ، و لا يَجوزُ عندَهم أن يَنُصَّ في الإمامةِ علىٰ جماعةٍ .


1) . في «ب»: «ثبت».

2) . في المغني: «من بعد».

3) . في المغني: «و إذا».

4) . في «ب»: «في المدينة».

5) . في «د»: «حضرة». و في «ج، ص»: «يحضره».

6) . في المغني: + «دون الإمامة».

7) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: - «أن».

8) . من قوله: «لكان أقرب...» إلىٰ هنا سقط من المغني.

9) . في المغني: «بل» بدل «لأنّ ».

ثُمّ قالَ‌:

و اعلَمْ أنّ مَن تَعلَّقَ باستخلافِه عليه السلامُ في ثُبوتِ الإمامةِ له بَعدَ مَوتِه، فهو غيرُ(1)مُستَدِلٍّ بالخبرِ؛ لأنّ الخبرَ لَو لَم يَثبُتْ لَكانَ يُمكِنُه التعلُّقُ بذلكَ [بأن يَقولَ‌: قد صَحَّ أنّه عليه السلامُ قد استَخلَفَه مُطلَقاً، فيَجِبُ أن يَكونَ خَليفةً أبَداً، و لا يَجِبُ أن يَكونَ كذلكَ إلّاو هو إمامٌ بَعدَ وفاتِه](2)، و إنّما يَكونُ مُتعلِّقاً بالخبرِ متَى احتاجَ إليه علىٰ وجهٍ لَولاه لَما تَمَّ استدلالُه. و ذلكَ لا يَكونُ إلّابأن يُبيِّنَ أنّ مِن مَنازِلِ هارونَ (3)مِن موسَى الإمامةَ ، في المعنىٰ أو اللفظِ؛ كائناً أو مُقدَّراً. [و قد بيّنّا الكلامَ في جميعِ ذلكَ ، فيَجِبُ فيمن تَكلَّمَ مع القومِ أن لا تَختَلِطَ عليه إحدَى الطريقتَينِ بالأُخرىٰ ](4).

خلط القاضي بين الاستدلال بالاستخلاف على المدينة، و الاستدلال بحديث المنزلة

يُقالُ له: نَراكَ قد خَلَطتَ في كلامِكَ هذا بَينَ الكلامِ علىٰ مَن تَعلَّقَ بالاستخلافِ علَى المَدينةِ و أوجَبَ استمرارَه، و بَينَ الكلامِ علَى الخبرِ الذي نَحنُ في تأويلِه؛ و قَد(5)بيّنّا أنّه لا تَعلُّقَ لأحَدِ الأمرَينِ بالآخَرِ(6)، فما الذي أرَدتَ بقَولِكَ : «لَو اقتَضَى الاستخلافُ كَونَه(7)إماماً بَعدَه لَكانَ له أن يُقيمَ الحدودَ و غيرَها في حياتِه»؟


1) . في المغني: - «غير».

2) . ما بين المعقوفين من المغني.

3) . في المغني: «إلّا بأن ينزل في منازل هارون».

4) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 167-169. و ما بين المعقوفين من المصدر.

5) . في «ب، د» و المطبوع: «فقد».

6) . تقدّم في ص 314-315.

7) . في المطبوع: «كان».

فإن كُنتَ تُريدُ أنّ الاستخلافَ علَى المَدينةِ كان يَقتَضي ما ذَكَرتَه، فقَد عَلِمتَ أنّ كلامَنا الآنَ معكَ علىٰ غيرِه؛ لأنّا في تأويلِ قولِه عليه السلامُ‌: «أنتَ مِنّي بمَنزِلةِ هارونَ مِن موسىٰ‌» و بيانِ مَوضِعِ النَّصِّ فيه(1).

و إن أرَدتَ أنّ الخبرَ لَو اقتَضَى الإمامةَ بَعدَ الوفاةِ لَوَجَبَ ما ادَّعَيتَه، فمِن أينَ تَوهَّمتَ ذلكَ‌، و قد كانَ يَجِبُ أن تُبيِّنَ‌(2)الوجهَ فيما ظَنَنتَه‌؟ أوَ لَيسَ قد بيّنّا أنّ مَنزِلةَ الإمامةِ تَثبُتُ‌(3)لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ بالخبرِ بَعدَ وفاةِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(4)علىٰ سَبيلِ التجدُّدِ لا الاستمرارِ؟! و قُلنا: إنّ هارونَ عليه السلامُ إن(5)كانَ مُفتَرَضَ الطاعةِ في حياةِ موسىٰ عليه السلامُ لأجلِ نُبوّتِه أو(6)لاستخلافِ أخيه له، ثَبَتَت(7)له الخِلافةُ مِن بَعدُ - لَو بَقيَ - بَعدَ ثُبوتِها فيما مَضىٰ علىٰ‌(8)سَبيلِ الاستمرارِ؛ و لَيسَ (9)يَجِبُ مِثلُ ذلكَ في أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ . و أكثَرُ ما في البابِ أن تَكونَ (10)الخِلافةُ في أحوالِ الحياةِ علىٰ سَبيلِ الاستمرارِ مَنزِلةً مِن مَنازِلِ هارونَ مَنَعَ مِن إثباتِها لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ دليلٌ كما مَنَعَ مِن غيرِها(11).


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «منه».

2) . في «ب»: «يبيّن».

3) . في «ف»: «ثبتت». و في «ج، ص»: «ثبت».

4) . في «ج، د، ص، ف»: «عليه السلام».

5) . في المطبوع و الحجري: «و إن».

6) . في المطبوع و الحجري: «و».

7) . في «ب، د» و المطبوع: «و ثبتت» مع الواو.

8) . في المطبوع و الحجري: «و علىٰ ».

9) . في المطبوع و الحجري: «فليس».

10) . في «ج، د، ص، ف»: «أن يكون».

11) . تقدّم ذلك قبل قليل في ص 318-322.

و قد قُلنا أيضاً: إنّ مَن ذَهَبَ مِن أصحابِنا إلَى استمرارِ خِلافةِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ في حالِ حياةِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه يَسقُطُ عنه هذا الكلامُ جُملةً‌؛ لأنّه يَذهَبُ إلى أنّ إقامةَ الحدودِ و ما جَرىٰ مَجراها، ممّا كانَ له عليه السلامُ أن يَقومَ به في تلكَ الحالِ علىٰ سَبيلِ الخِلافةِ للرسولِ عليه السلامُ‌. فلَيسَ (1)قولُ صاحبِ الكتابِ : «و نَحنُ نَعلَمُ أنّ ذلكَ لَم يَكُن إليه» بحُجّةٍ علىٰ مَن قالَ به ممّن ذَكرناه؛ لأنّه لَم يُبيِّنْ (2)مِن أينَ عَلِمَ ما ادَّعاه ؟

فلَيسَ قولُه: «لَو كانَ عليه السلامُ (3)في تلكَ الأحوالِ القائمَ (4)بالحُدودِ و تنفيذِ الأحكامِ ، لَوَجَبَ أن يَنفُذَ تَوَلّيه(5)لها و فِعلُه فيها، و أن يَظهَرَ ظُهوراً يَشتَرِكُ سامِعو

الأخبارِ في عِلمِه» [بسَديدٍ].

لأنّه غيرُ مُمتَنِعٍ أن يَكونَ عليه السلامُ إليه القيامُ بهذه الأُمورِ و يُمسِكُ (6)عن تَوَلّيها(7)في تلكَ الحالِ لبعضِ الأغراضِ و الأسبابِ المانعةِ . و لَيسَ معنىٰ قَولِنا: «إنّ فُلاناً إليه كَذا و كَذا» أنّه لا بُدَّ مِن(8)أن يَقومَ بذلكَ الأمرِ و يَتولَّى التصرُّفَ فيه، و إنّما معناه أنّ التصرُّفَ متىٰ وَقَعَ منه كانَ مُستَحَقّاً حَسَناً، و لهذا نَجِدُ(9)بعضَ الأئمّةِ و(10)


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «و ليس».

2) . في «ب»: «لم يثبت».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: + «إليه».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «القيام».

5) . هكذا في «ب» و حاشية «ف». و في سائر النسخ و المطبوع: «توليته».

6) . في «ب، د»: «و تمسك».

7) . في «ب، ج، د»: «توليتها».

8) . في «ج»: - «من».

9) . في «ب، د»: «ما نَجِدُ» بدل «نَجِدُ».

10) . في «ب» و حاشية «ف»: «أو».

الأُمَراءِ يَمتَنِعونَ مِن التصرُّفِ في بعضِ الأحوالِ لعارِضٍ (1)، و يَكونُ ما يَستَحِقّونَه مِن الوِلايةِ بحالِه.

و الذي حَكاه عن شَيخِه أبي عليٍّ مِن الإلزامِ قد سَقَطَ بجُملةِ كلامِنا.

و قولُه: «إذا لَم يَصِحَّ كَونُه إماماً في الوقتِ‌، فكَيفَ يَكونُ إماماً بَعدَه ؟» فعَجَبٌ في غيرِ مَوضِعِه؛ لأنّ ما ذَكرناه مِنَ الفَرقِ بَينَ الحالَينِ ، و أنّ ما مَنَعَ مِن إثباتِ الإمامةِ في أحَدِهما لا يَمنَعُ مِن إثباتِها في الأُخرىٰ ، يُزيلُ التعجُّبَ .

بيان أنّ فرض الطاعة و عموم الولاية يستلزمان إثبات الإمامة

فأمّا قولُه: «إنّه عليه السلامُ لمّا خَلَّفَه بالمَدينةِ لَم يَكُن له أن يُقيمَ الحُدودَ في غيرِها، و إنّ مِثلَ ذلكَ لا يُعَدُّ إمامةً‌» فهو كلامٌ‌(2)علىٰ مَن تَعلَّقَ بالاستخلافِ‌(3)، لا في تأويلِ الخبرِ، و قد بيّنّا(4)ما هو جوابٌ عنه فيما تَقدَّمَ‌(5)و قُلنا إنّه إذا ثَبَتَ له عليه السلامُ بَعدَ وفاةِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(6)فَرضُ الطاعةِ‌، و استحقاقُ التصرُّفِ‌(7)بالأمرِ و النهيِ في بعضِ الأُمّةِ‌، وَجَبَ أن يَكونَ إماماً علَى الكُلِّ‌؛ لأنّه لا أحَدَ مِن الأُمّةِ ذَهَبَ إلَى اختصاصِ ما يَجِبُ له في هذه الحالِ‌، بَل كُلُّ‌(8)مَن أثَبَتَ له هذه المَنزِلةَ أثبَتَها عامّةً علىٰ وجهِ الإمامةِ لا الإمارةِ ؛ فكانَ الإجماعُ مانعاً مِن قولِه:


1) . في «ص»: «بعارض». و في «ب، د»: «العارض».

2) . في «ج، ص»: «كلامه».

3) . في «ب»: «يعلّق الاستخلاف».

4) . في «ج، ص»: «قدّمنا».

5) . تقدّم في ص 315.

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «عليه السلام».

7) . في «ج، ص»: «النصّ ».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «فكلّ » بدل «بل كلّ ».

«فيَجِبُ أن يَكونَ بَعدَ وفاتِه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه أميراً، لا إماماً».

و لَم نَقُلْ‌(1)ما ذَكرناه مِن جِهةِ أنّ نفيَ الإمارةِ يقتضي إثباتَ الإمامةِ كما ظَنَّ ، بل لِما بيّنّاه مِن أنّ وجوبَ فَرضِ الطاعةِ إذا ثَبَتَ و بَطَلَ (2)أن يَكونَ أميراً مُختَصَّ الوِلايةِ بالإجماعِ ، فلا بُدَّ مِن أن يَكونَ إماماً؛ لأنّ الإمارةَ أو ما جَرىٰ مَجراها مِن الوِلاياتِ المُختَصّةِ إذا انتَفَت مع ثُبوتِ وجوبِ الطاعةِ فلا بُدَّ مِن ثُبوتِ الإمامةِ .

فأمّا قولُه: «إنّ التعلُّقَ بالاستخلافِ علَى المَدينةِ خارجٌ عن الاستدلالِ بالخبرِ» فصَحيحٌ ، و قد ذَكرنا فيما مَضىٰ أنّه لا نِسبةَ بَينَ الأمرَينِ (3)، و عَجِبنا مِن إيرادِه ذلكَ في جُملةِ ما حَكاه عن أصحابِنا مِن الطرُقِ في الاستدلالِ بالخبرِ(4).

بيان وجه الاستدلال بالاستخلاف على المدينة علىٰ إمامة أمير المؤمنين عليه السلام

فإن قيلَ : فقَد ذَكرتم أنّ التعلُّقَ بالاستخلافِ علَى المَدينةِ طريقةٌ مُعتَمَدةٌ لأصحابِكم(5)، فبيِّنوا وجهَ الاستدلالِ بها.

قُلنا: الوجهُ في دَلالتِها أنّه قد ثَبَتَ استخلافُ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ لمّا تَوجَّهَ إلىٰ غَزوةِ تَبوكَ ، و لَم يَثبُتْ عَزلُه عن هذه الوِلايةِ بقَولٍ مِن الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(6)و لا دليلٍ ، فوَجَبَ أن يَكونَ الإمامَ بَعدَ وفاتِه؛ لأنّ حالَه لَم تَتغيَّرْ(7).


1) . في «د» و المطبوع: «و لم يقل».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «بطل» بدون الواو.

3) . تقدّم في ص 314-315.

4) . تقدّم في ص 269.

5) . تقدّم في ص 269.

6) . في «ج، ص، ف»: «عليه السلام».

7) . هكذا في التلخيص. و في «د» و المطبوع: «لم يتغيّر». و في «ب، ج، ص، ف»: «لا يتغيّر».

فإن قيلَ : ما أنكَرتم مِن(1)أن يَكونَ رُجوعُ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه إلَى المَدينةِ يَقتَضي عَزلَه و إن لَم يَقَعِ العَزلُ بالقَولِ؟

قُلنا: إنّ الرجوعَ لَيسَ بعَزلٍ عن الوِلايةِ في عادةٍ و لا عُرفٍ‌؛ و كَيفَ يَكونُ العَودُ مِن الغَيبةِ عَزلاً أو مُقتَضِياً للعَزلِ‌؛ و قد يَجتَمِعُ الخَليفةُ و المُستَخلِفُ في البَلَدِ الواحدِ و لا يَنفي حضورُه الخِلافةَ له‌؟ و إنّما يَثبُتُ في بعضِ الأحوالِ العَزلُ بعَودِ المُستَخلِفِ (2)إذا كُنّا(3)قد عَلِمنا أنّ الاستخلافَ تَعلَّقَ بحالِ الغَيبةِ دونَ غيرِها؛ فتَكونُ (4)الغَيبةُ كالشرطِ فيه. و لَم يُعلَمْ (5)مِثلُ ذلكَ في استخلافِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ .

فإن عارَضَ مُعارِضٌ بمَن رُوِي أنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه استَخلَفَه، كمُعاذٍ(6)و ابنِ أُمِّ مكتومٍ و غيرِهما.

فالجوابُ عنه قد تَقدَّمَ (7)و هو أنّ الإجماعَ - علىٰ أنه لا حَظَّ لهؤلاءِ بَعدَ الرسولِ (8)


1) . في «ب، ج، ص، ف»: - «من».

2) . في «ب»: «و إنّما ينتفي بعض الأحوال بعد المستخلف».

3) . في المطبوع: «إذا كان».

4) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: «فيكون».

5) . في «ب»: «و لم نعلم».

6) . يريد معاذ بن جبل، و المعروف أنّ رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله لمّا انصرف من مكّة سنة 8 ه‍. استعمل علىٰ مكّة عتّاب بن أُسيد و خلّف معه معاذ بن جبل يفقّه الناس، ثمّ بعثه إلى اليمن. و ابن أُمّ مكتوم استعمله رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله على المدينة في غزوة الفرع - بضمّتين - من نجران و هي قرية من ناحية المدينة، و استعمله على الصلاة في غزوة أُحد، و استعمله على الصلاة لمّا خرج إلىٰ بدر، ثمّ ردّ أبا لُبابة من الروحاء و استعمله على المدينة، و في غزوة ذي قَرَد، و قد تقدّم ذكره. راجع: سيرة ابن هشام، ج 1، ص 50؛ و ج 3، ص 68 و 293 و 297؛ و ج 4، ص 143 و 237.

7) . تقدّم في ص 314-315.

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «بعد النبيّ ».

صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه في إمامةٍ و لا فَرضِ طاعةٍ - يَدُلُّ‌(1)علىٰ ثُبوتِ عَزلِهم.

فإن تَعلَّقَ باختصاصِ هذه الوِلايةِ‌(2)، و أنّها لا يَجوزُ(3)أن تَقتَضيَ‌(4)الإمامةَ التي تَعُمُّ‌، فقَد مَضَى الكلامُ علَى الاختصاصِ في هذا الفَصلِ مُستَقصىً‌. و قد مَضىٰ أيضاً فيه الكلامُ علىٰ مَن قالَ : «لَو كانَت هذه(5)الوِلايةُ مُستَمِرّةً لَوَجَبَ أن يُقيمَ الحدودَ في حياةِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(6)و يَتصرَّفَ في حقوقِ الخِلافةِ بغَيرِ إذنٍ ، و لَو فَعَلَ لَنُقِلَ و عَلِمناه(7)» فلَيسَ (8)لأحَدٍ أن يَتعلَّقَ بذلكَ .

قالَ صاحبُ الكتابِ :

و بَعدُ، فإنّه يُقالُ لهُم: لَو لَم يَستَخلِفْ موسىٰ هارونَ و عاشَ بَعدَه، أ كانَت تَجِبُ‌(9)له الإمامةُ و القيامُ بالأُمورِ التي يَقومُ‌(10)بها الأئمّةُ ، أو لا يَجِبُ ذلكَ؟

فإن قالوا: كانَ لا يَجِبُ له ذلكَ .

قُلنا لهم: إن جازَ مع(11)كَونِه شَريكاً له في النبوّةِ التي هي مِن قِبَلِ اللّٰهِ


1) . في «ب» و الحجري و التلخيص: «تدلّ ».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «باختصاص العزل».

3) . في التلخيص: «و أنّها كانت مقصورة على المدينة فلا يجوز» بدل «و أنّها لا يجوز».

4) . في «ج، د، ص، ف» و الحجري: «أن يقتضي».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: - «هذه».

6) . في «ج، ص، ف»: «عليه السلام».

7) . تقدّم في ص 325-328.

8) . في «ج، ص، ف»: «و ليس».

9) . في المطبوع: «أ كان يجب». و في «د»: «أكانت يجب».

10) . في «د»: «تقوم».

11) . في المغني: «منع».

تَعالىٰ‌(1)أن يَبقىٰ (2)بَعدَه و لا يَكونَ له ذلكَ ، لِيَجوزَنَّ أن لا يَكونَ له ذلكَ و إنِ استَخلَفَه؛ لأنّ استخلافَ موسىٰ له(3)لا يَكونُ أَوكَدَ مِن إرسالِ اللّٰهِ تَعالىٰ إيّاهُ (4)معه رَسولاً(5).

بيان الفرق بين النبوّة و الاستخلاف في اقتضاء الإمامة

و هذا ممّا قد مَضَى الكلامُ عليه، و بيّنّا(6)أنّ الذي يَقومُ به الأئمّةُ وِلايةٌ مُنفَصِلةٌ مِن النبوّةِ‌(7)، و أنّه غيرُ مُمتَنِعٍ أن تَثبُتَ‌(8)النبوّةُ لِمَن لا تَثُبتُ‌(9)له هذه الوِلايةُ‌.

و مع ذلكَ فهو تصريحٌ أيضاً منه بالمُناقَضةِ‌؛ لأنّه قالَ فيما تَقدَّمَ‌: «إنّه غيرُ واجبٍ‌

فيمن يَكونُ شَريكاً لموسىٰ عليه السلامُ في النبوّةِ أن يَكونَ هو القَيِّمَ بَعدَ وفاتِه بما يَقومُ به الإمامُ »(10)و قالَ هاهُنا - كما تَرىٰ -: «إنّ الشِّركةَ في النبوّةِ تَقتَضي القيامَ بذلكَ »(11)و تَجاوَزَ هذا إلىٰ أن جَعَلَ اقتضاءَ النبوّةِ لهذه المَنزِلةِ كاقتضاءِ الاستخلافِ لها!


1) . هكذا في «ج، ص، ف» و المغني. و في «د» و المطبوع: «سبحانه و تعالىٰ ». و في «ب»: «عزّ و جلّ ».

2) . في المغني: «إن بقي».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: - «له».

4) . في «د» و المغني: - «إيّاه».

5) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 169.

6) . في المطبوع و الحجري: «و قد بيّنّا».

7) . تقدّم في ص 254 و 256-258 و 318.

8) . في «ج، د، ص، ف» و الحجري: «أن يثبت».

9) . في النسخ و الحجري: «لا يثبت».

10) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 166؛ الشافي، ج 3، ص 41.

11) . لا يخفىٰ أنّ المصنّف رحمه اللّٰه عند ما ينقل كلام القاضي في المغني ينقله بلفظه، فإذا أرادالردّ عليه نقله بتصرّف أحياناً، و لكن لا يخرجه عن معناه.

و الفَرقُ بَينَ الاستخلافِ في اقتضائه هذه الوِلايةَ و بَينَ النبوّةِ واضحٌ ؛ لأنّه إذا بانَ بما قَدَّمنا ذِكرَه أنّ الذي يَقومُ به الأئمّةُ لَيسَ مِن مُقتَضَى النبوّةِ لَم يَجِب بثُبوتِها ثُبوتُه، و الاستخلافُ لا شَكَّ في أنّه سببُ القيامِ بما يُسنِدُه المُستَخلِفُ إلى خَليفتِه مِن جُملةِ ما يَتوَلّاه و يَكونُ إليه التصرُّفُ فيه(1)فكَيفَ يَصِحُّ أن يُدخِلَ لَفظةَ «أَوكَدَ»(2)بَينَ هذَينِ (3)، و أحَدُهما لا تأثيرَ له جُملةً ، و الآخَرُ معلومٌ تأثيرُه و كَونُه سبباً؟

ثُمّ ذَكَرَ صاحبُ الكتابِ - بَعدَ ما حَكَيناه - كلاماً(4)تَرَكنا حِكايَتَه؛ لأنّ جُملةَ ما تَقدَّمَ مِن كلامِنا قد أتَت عليه؛ فقَد بيّنّا أنّه لا مُعتَبَرَ في تشبيهِ إحدَى المَنزِلتَينِ بالأُخرىٰ بأسبابِهما و بما هو كالمُقتَضي لهُما، و قُلنا: إنّ هارونَ عليه السلامُ لَو ثَبَتَ‌(5)أنّ وِلايتَه علىٰ قومِ أخيه عليه السلامُ‌(6)كانَت(7)بغَيرِ استخلافٍ ، بَل لأجلِ نُبوّتِه، لَم يَلزَمْ فيمن جُعِلَ له مِثلُ مَنزِلتِه أن يَكونَ مُشارِكاً له في سببِ المَنزِلةِ و كَيفيّةِ حُصولِها، و دَلَّلنا علىٰ أنّ هارونَ لَو بَقيَ بَعدَ وفاةِ أخيه لَوَجَبَ أن يَكونَ حالُه في الإمامةِ باقيةً غيرَ مُتغيِّرةٍ ؛ و فَرَّقنا بَينَ أن لا يَكونَ إليه ذلكَ في الابتداءِ ، و بَينَ أن يَتوَلّاه ثُم يُعزَلَ (8)عنه؛ بأنّ الأوّلَ لا تنفيرَ فيه، و الثانيَ موجِبٌ للتنفيرِ(9)الذي لا بُدَّ أن يُجَنَّبَه(10)


1) . في المطبوع و الحجري: - «فيه».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «قولك». و في «د»: «ذلك» بدل «أوكد».

3) . في «ب»: «يثبت بهذين» بدل «بين هذين».

4) . راجع: المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 170-171.

5) . في «ب، د»: «ثبتت».

6) . في «د»: «صلّى اللّٰه عليه و آله». و في المطبوع: «صلّى اللّٰه عليه و سلّم».

7) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «كان».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «و يعزل».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: «يوجب التنفير».

10) . في «د» و المطبوع: «أن يجتنبه».

عليه السلامُ (1)و لَيسَ يَخرُجُ عمّا(2)أشَرنا إليه(3)شَيءٌ مِن كلامِه الذي تَجاوَزناه.

قالَ صاحبُ الكتابِ :

فإن قيلَ : فما المُرادُ عندَكم بهذا الخبرِ؟

قيلَ له: إنّه عليه السلامُ لمّا استَخلَفَه علَى المَدينةِ و تَكلَّمَ المُنافِقونَ فيه، قالَ هذا القولَ دالاًّ به(4)علىٰ لُطفِ مَحَلِّه منه، و قُوّةِ‌(5)سُكونِه إليه،

و اشتدادِ(6)ظَهرِه به؛ ليُزيلَ ما خامَرَ(7)القُلوبَ مِن الشُّبهةِ في أمرِه، و لِيُعلِمَ أنّه عليه السلامُ‌(8)إنّما استَخلَفَه لهذه الأحوالِ التي تَقتَضي نِهايةَ الاختصاصِ‌. و الأغلبُ في العُرفِ و العادةِ أنّ الإنسانَ إنّما يَستَعمِلُ ذِكرَ المَنزِلةِ بمعنَى المَحَلِّ و المَوقِعِ‌(9)لأنّه لا فَرقَ بَينَ قولِ القائلِ‌:

«فُلانٌ مِنّي بمَحَلِّ فُلانٍ مِن فُلانٍ‌» و بَينَ قولِه: «بمَنزِلةِ فُلانٍ مِن فُلانٍ‌».

و قد عَلِمنا أنّ الظاهرَ مِن ذلكَ المَوقِعُ‌(10)مِن القَلبِ (11)في الاختصاصِ


1) . تقدّم ذلك في ص 252-258.

2) . في «ج، ص»: «ممّا».

3) . في «ب»: - «إليه».

4) . في المغني: - «به».

5) . في المغني: - «قوّة».

6) . هكذا في «ج، ص، ف» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «و استناد».

7) . خامَرَ الشيءَ : قاربه و خالطه. و خامَرَ العقلَ : غطّاه. راجع: لسان العرب، ج 4، ص 255؛ المصباح المنير، ج 2، ص 182 (خمر).

8) . في «د» و المطبوع و الحجري: «صلّى اللّٰه عليه و آله»، و هكذا في الموارد الآتية.

9) . في المغني: «و الموضع».

10) . في «ب، ج، ص، ف»: «الموضع».

11) . في المغني: «في القلب».

و السُّكونِ و الاعتمادِ، دونَ ما يَرجِعُ إلَى الوِلاياتِ‌؛ فيَجِبُ أن يَكونَ الخبرُ محمولاً عليه، لِشهادةِ (1)التعارُفِ (2)و لِشهادةِ (3)السببِ له.

ثُمّ قالَ :

فإن قالَ : إن كانَ المُرادُ ما ذَكرتم، فما الوجهُ في استثناءِ النبوّةِ مِن هذا القولِ ، و لَيسَ لها به تَعلُّقٌ؟

قيلَ له(4): إنّ المُتَعالَمَ مِن حالِ هارونَ أنّه كانَ مَوقِعُه مِن قَلبِ موسىٰ لمَكانِ النبوّةِ أعظَمَ‌، و أنّ النبوّةَ أوجَبَت مَزِيّةً في هذا البابِ‌(5). فقَد كانَ‌(6)يَجوزُ لَو لَم يَستَثنِ عليه السلامُ النبوّةَ أن يُتوهَّمَ (7)أنّ مَنزِلةَ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ (8)تُماثِلُ هذه المَنزِلةَ ، فأرادَ أن يُبيِّنَ باستثنائه(9)النبوّةَ أنّها مُقصِّرةٌ عن هذه المَنزِلةِ القَدْرَ الذي يَقتَضيهِ نَفيُ نُبوّتِه(10).

و هذا كَما يَقولُ أحَدُنا لرَفيعِ المَحَلِّ في قَلبِه(11): «إنّ مَحَلَّكَ و مَنزِلتَكَ


1) . في «ج، ص، ف» و المغني: «بشهادة».

2) . في «د»: + «له».

3) . هكذا في «د». و في «ب، ج، ص، ف»: «أو شهادة». و في المغني: «و بشهادة». و في المطبوع و الحجري: «أو لشهادة».

4) . في «ب»: - «له».

5) . في المغني: + «في السكون و في سائر الوجوه».

6) . في المغني: - «كان».

7) . في المطبوع و الحجري: «أن يُفهم». و في المغني: «أن يوهم». و في «ج، ص»: «فقد يجوز أن يستثني عليه السلام النبوّة لئلّا يُتوهّم».

8) . في «د» و المطبوع و الحجري: «صلوات اللّٰه عليه».

9) . هكذا في المغني. و في «ب، ج، ف»: «بكونه استثنى». و في سائر النسخ و المطبوع: «باستثناء».

10) . في «ب، ج، ص، ف»: «الذي يقتضي نفي النبوّة». و في المغني: «في نبوّته» بدل «نفي نبوّته».

11) . في «ب»: «لرفيقه» بدل «لرفيع المحلّ في قلبه».

مِنّي مَحَلُّ وَلَدي، و إن لَم تَكُن لي(1)بوَلَدٍ». و إنّما يُستَعمَلُ ما يَجري مَجرَى الاستثناءِ في هذا البابِ في الوجهِ الذي مِن حَقِّه أن يؤكِّدَ تلكَ المَنزِلةَ‌، و يُعظِّمَ أمرَها، و يُفخِّمَ شأنَها(2).

ثُمّ قالَ بَعدَ كلامٍ‌(3)تَرَكناه:

و لَولا أنّ ذلكَ كذلكَ‌، لَم يَكُن في هذا القولِ إزالةٌ عن القُلوبِ ما تَحدَّثَ‌(4)به المُنافِقونَ مِن شَكِّه عليه السلامُ في أمرِه، و أنّه إنّما خَلَّفَه تَحرُّزاً؛ لأنّ كُلَّ‌(5)ذلكَ لا يَزولُ بالاستخلافِ ، الذي هو الوِلايةُ في

الحالِ و(6)مِن بَعدُ، و إنّما يَزولُ ذلكَ بما وَصَفناه مِن الإخبارِ بنِهايةِ السُّكونِ إليه و الاستقامةِ منه(7)[و أنّه السببُ في الاعتمادِ عليه في


1) . في المغني: «و إن لم يكن له». و في «ب، ج، ص، ف»: - «لي».

2) . في المغني بدل قوله: «في هذا الباب في الوجه الذي...» إلىٰ هنا، هكذا: «فعلىٰ هذا الوجه أُجري قوله صلّى اللّٰه عليه هذا القول. و هذه منزلة شريفة لأمير المؤمنين تكاد تزيد علىٰ منزلة الإمامة».

3) . و هذا نصّ كلامه في المغني و هو من تتمّة كلامه السابق: «و يبيّن أنّ المراد ما قلناه: أنّه صلّى اللّٰه عليه أثبت المنزلة في الوقت، فيجب أن يُحمل الكلام عليه. و يبيّن ذلك أنّ موسىٰ عليه السلام سأل اللّٰه تعالىٰ في أخيه أمرين؛ أحدهما: أن يشدّ به أزره، و الآخر: أن يشاركه في أمره. فالنبيّ عليه السلام أثبت لأمير المؤمنين من المحلّ ما يقتضي شدّ الأزر به، فذلك لا يجوز إلّامع قوّة السكون و شدّة الاستقامة و الأحوال التي تنافي طريقة النفاق و مخالفة الظاهر للباطن، و استثنىٰ عليه السلام المنزلة الثابتة التي تتضمّنها الشركة في النبوّة».

4) . في «ب، د، ص»: «يحدّث».

5) . في المغني: - «كلّ ».

6) . في المغني: «أو».

7) . في المغني: «و الاستنامة» بدل «و الاستقامة منه». و استنام فلان إلى فلان: إذا أنِسَ به و اطمأنّ إليه و سكن.

خِلافةِ الأهلِ و الوَلَدِ. و كُلُّ ذلكَ يَشهَدُ لِما تأوَّلنا الخبرَ عليه بالصحّةِ ](1).

مناقشة أن يكون سبب صدور حديث المنزلة هو إرجاف المنافقين

يُقالُ له: قد بيّنّا(2)فيما سَلَفَ مِن كلامِنا أنّ الذي يُدَّعىٰ مِن السببِ في أنّه كانَ إرجافَ المُنافِقينَ غيرُ معلومٍ‌(3)، و ذَكرنا ورودَ الرواياتِ بأنّه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(4)قالَ‌: «أنتَ مِنّي بمَنزِلةِ هارونَ مِن موسىٰ‌» في مَواطِنَ مُختَلِفةٍ‌(5)

و منها: عند التخاصم في ابنة حمزة، كما في الخصائص للنسائي، ص 19.

و منها: لمّا آخىٰ بين أصحابه، كما في كنز العمّال، ج 5، ص 40، و قال: أخرجه أحمد في المناقب و ابن عساكر.

و منها: في كلام للنبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله مع عقيل و جعفر و عليّ عليهم السلام أخرجه في كنز العمّال، ج 6، ص 188.

و منها: في كلام له صلّى اللّٰه عليه و آله مع عليّ عليه السلام و هو متّكئ عليه، أخرجه المتّقي أيضاً في الكنز، ج 6، ص 395.

و منها: في حديث له صلّى اللّٰه عليه و آله مع عليّ عليه السلام يوم وُلد الحسن سلام اللّٰه عليه، كما في ذخائر العقبىٰ ، ص 120، و غير ذلك.

، و ذَكرنا أيضاً أنّ أكثَرَ الأخبارِ واردةٌ في السببِ بخِلافِ‌(6)ما ادَّعاه الخُصومُ ، و أنّه عليه السلامُ خَرَجَ إليه - لمّا خَلَّفَه - باكياً مُخبِراً بما هو عليه مِن الوَحشةِ له(7)، و الكَراهةِ لِمُفارَقتهِ ، فقالَ له صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(8)هذا القولَ (9).

1) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 172-173. و ما بين المعقوفين من المصدر.

2) . في «ج، ص»: «قد ثبت».

3) . تقدّم في ص 263-265.

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «عليه السلام».

5) . منها: لمّا خلّفه على المدينة يوم غزوة تبوك، كما في مسند أحمد، ج 3، ص 114، ح 1532؛ و سنن الترمذي، ج 5، ص 455، ح 3724؛ و سنن النسائي، ج 5، ص 122، ح 8439.

6) . في «ب، ج، ص، ف»: - «بخلاف».

7) . في «ج، ص»: - «له».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «عليه السلام».

9) . تقدّم في ص 263.

و لَيسَ يُنكَرُ(1)ورودُ بعضِ الأخبارِ بما ذَكَروه، غيرَ أنّ ورودَها بخِلافِه أظهَرُ و أشهَرُ. و كَيفَ لا يَكونُ ما حُكِيَ مِن السببِ الذي هو إرجافُ المُنافِقينَ مُستَبعَداً، بَل مقطوعاً علىٰ بُطلانِه، و نَحنُ نَعلَمُ أنّه لا يَصِحُّ أن تَدخُلَ‌(2)شُبهةٌ‌(3)علىٰ عاقلٍ تُوهِمُهُ تُهَمَةَ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عَليه و آلِه لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ و خَوفَه منه، و تَحرُّزَه مِن ضَرَرِه‌؟!

هذا، مع ما كانَ ظاهراً منه عليه السلامُ مِن الأقوالِ و الأفعالِ الدالّةِ علىٰ عِظَمِ مَحَلِّه و شِدّةِ اختصاصِه، و أنّه قد بَلَغَ النهايةَ في النَّصيحةِ و المَحبّةِ‌.

و لَم يَكُن ما ظَهَرَ ممّا ذَكرناه أمراً يُشكِلُ مِثلُه، فيُحتاجُ فيه إلَى الاستدلالِ و النظَرِ؛ بَل كانَ ممّا يَضطَرُّ(4)العقلاءَ و غيرَ العقلاءِ - إن كانوا ممّن يَجوزُ أن

يُضطَرَّ - إلىٰ ما لا يَتطرَّقُ معه تُهَمَةٌ و لا تَتوجَّهُ ظِنّةٌ‌(5)فلَيسَ يَخلُو المُنافِقونَ‌، الذين ادَّعىٰ عليهم الإرجافَ‌، مِن أن يَكونوا عُقلاءَ مُميِّزينَ‌، أو نُقَصاءَ مَجانينَ‌. فإن كانوا عُقلاءَ‌، فالعاقلُ لا يَصِحُّ دُخولُ الشُّبهةِ عليه في الضروريّاتِ . و إن كانوا مِن أهلِ الجُنونِ و النقصِ ، فإرجافُهم غيرُ مؤثِّرٍ، و لا مُعتَدٍّ به. و قد كانَ النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليهِ و آلِه غَيرَ مُحتاجٍ إلَى الردِّ عليهم، و الإبطالِ لقَولِهم.

و هذه الجُملةُ تَكشِفُ عن بُطلانِ قولِ مَنِ ادَّعىٰ أنّ السببَ كانَ إرجافَ المُنافِقينَ ، و تَقتَضي(6)القَطعَ علىٰ كَذِبِ الروايةِ الواردةِ بذلكَ .


1) . في «د»: «ليس ننكر». و في المطبوع و الحجري: «ليس بنكر».

2) . في «د» و الحجري: «أن يدخل».

3) . في «ب»: «الشبهة».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «ما يضطرّ».

5) . في «ج، ص»: «إلىٰ ما يتطرّق معه تهمة تتوجّه ظنّه». و في «ب، ف»: «إلىٰ ما يتطرّق معه تهمة بتوجّه ظنّه».

6) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و يقتضي».

عدم المنافاة بين تأويل الإماميّة للحديث، و تأويل القاضي

ثُمّ يُقالُ له: اعمَلْ علىٰ أنّ السببَ ما ذَكرتَه و اقتَرَحتَه، و أنّ المُرادَ ما وَصَفتَه مِن إفادةِ لُطفِ المَحلِّ‌، و قُوّةِ السُّكونِ‌، و شِدّةِ الاختصاصِ ، فما المانِعُ ممّا قُلناه(1)و تأوَّلنا الخبرَ عليه ؟ و أيُّ تَنافٍ بَينَ تأويلِكَ و تأويلِنا؟ و إنّما(2)يَكونُ كَلامُكَ مُشتَبِهاً و لكَ فيه أدنىٰ تَعلُّقٍ لَو كانَ ما وَصَفتَه مِن المُرادِ مانِعاً ممّا ذَهَبنا إلىٰ أنّه المُرادُ حتّىٰ لا يَصِحَّ أن يُرادا(3)جميعاً؛ فأمّا و الأمرُ بخِلافِ ذلكَ ، فلا شُبهةَ في كَلامِكَ .

نفي دلالة العرف على استعمال لفظة «المنزلة» في معنى «الموقع من القلب» فقط

فأمّا تَعلُّقُه بالعادةِ في استعمالِ لَفظةِ‌(4)«المَنزِلةِ‌» و أنّها لا تَكونُ إلّابمعنَى المَحلِّ و المَوقِعِ مِن القَلبِ‌، دونَ ما يَرجِعُ إلَى الوِلاياتِ‌، فباطِلٌ‌، و ما وَجَدناه زادَ في ادّعاءِ‌(5)ذلكَ علىٰ مُجرَّدِ الدَّعوىٰ‌، و قد كانَ يَجِبُ له(6)أن يَذكُرَ ما يَجري مَجرَى الدَّلالةِ علىٰ صِحّةِ قولِه.

و لا فَرقَ في عادةٍ و لا عُرفٍ بَينَ استِعمالِ لفظةِ‌(7)«المَنزِلةِ‌» في المَوقِعِ مِن القَلبِ‌، و بَينَ استعمالِها في الوِلاياتِ و ما أشبَهَها. أ لا تَرىٰ أنّه كما يَصِحُّ‌(8)أن يَقولَ أحَدُنا: «فُلانٌ مِنّي بمَنزِلةِ فُلانٍ » و يُريدَ: في المَحبّةِ و الاستقامةِ و السُّكونِ


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «ممّا بيّنّاه».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: + «كان».

3) . هكذا في النسخ. و في المطبوع: «أن يراد».

4) . في «ب، ف» و المطبوع: «لفظ».

5) . في «ج، ص»: «ادّعائه».

6) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «له».

7) . في «ب، ف»: «لفظ».

8) . في المطبوع و الحجري: «كما لا يصحّ ».

إليه(1)، كذلكَ يَصِحُّ أن يَقولَ مِثلَ هذا القولِ و هو يُريدُ أنّه بمَنزِلةِ فُلانٍ في الوَكالةِ أو الوَصيّةِ أو الخِلافةِ له. و لَو كانَ الأمرُ علىٰ ما ظَنَّه صاحبُ الكتابِ ، لَكانَ قولُ أحَدِنا: «فُلانٌ مِنّي بمَنزِلةِ فُلانٍ » في وَكالتِه(2)أو وَصيّتِه مَجازاً؛ مِن حَيثُ وَضَعَ اللفظَ

خِلافَ مَوضِعِه. و لا فَرقَ بينَ مَن ادَّعىٰ أنّ اللفظَ في هذا المَوضِعِ مَجازٌ، و بَينَ مَن قالَ : إنّه في المَحبّةِ و ما أشبَهَها أيضاً مَجازٌ؛ لأنّ الاستعمالَ لا يُفرِّقُ بَينَ الأمرَينِ .

بيان دلالة لفظ «المحلّ » و «الموقع» على الولاية

فأمّا قولُه: «إنّ المَنزِلةَ تُستَعمَلُ بمعنَى المَحَلِّ و المَوقِعِ‌» فقَد أصابَ فيه، إلّاأنّه ظَنَّ‌(3)أنّا لا نَقولُ في «المَحَلِّ‌» و «المَوقِعِ‌» بمِثلِ ما نَقولُه(4)في «المَنزِلةِ‌»، و تَوَهَّمَ أنّه لا يُستَفادُ مِن لفظِ «المَحَلِّ‌» و «المَوقِعِ‌» ما يَرجِعُ إلَى الوِلايةِ‌. و قد ظَنَّ ظَنّاً بَعيداً؛ لأنّه لا فَرقَ بَينَ سائرِ هذه الألفاظِ في صِحّةِ استعمالِها في الوِلايةِ و غيرِ الوِلايةِ‌؛ لأنّه غيرُ مُمتَنِعٍ عندَ أحَدٍ أن يَقولَ الأميرُ في بعضِ أصحابِه عندَ مَوتِ وزيرِه أو عَزلِه: «فُلانٌ مِنّي بمَحَلِّ فُلانٍ » يَعني: مَن كانَت إليه وِزارتُه، أو(5)«قد أحلَلتُ فُلاناً مَحَلَّ فُلانٍ ، و أنزَلتُه مَنزِلتَه»؛ فكَيفَ (6)يَدَّعي - مع ما ذَكرناه - اختصاصَ فائدةِ هذه الألفاظِ بشَيءٍ دونَ شَيءٍ؟


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «في المحبّة و السكون إليه و الاستقامة». و في «د»: «في المحبّة و الاستكانة و السكون و الاستناد به».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: + «له».

3) . في «ب»: «يظنّ ».

4) . في «د» و المطبوع و الحجري: «يقوله».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «و» بدل «أو».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «و كيف».

في بيان كون الاستثناء في الحديث - بناءً علىٰ تأويل القاضي - استثناءً مجازيّاً

و أمّا(1)ما اعتَذَرَ به في الاستثناءِ‌، فإنّه لا يُخرِجُ الاستثناءَ مِن أن يَكونَ جارياً علىٰ غيرِ وجهِ الحقيقةِ‌، و لهذا قالَ في كلامِه: «إنّه استُعمِلَ ما يَجري مَجرَى الاستثناءِ‌»؛ لأنّ مِن حقِّ الاستثناءِ عندَه إذا كانَ حَقيقةً أن يُخرِجَ مِن الكلامِ (2)ما يَجِبُ دخولُه فيه بمقتَضَى اللفظِ، و عندَنا أنّه يُخرِجُ مِن الكلامِ ما يَقتَضيهِ اللفظُ احتمالاً، لا إيجاباً. و علَى المَذهبَينِ لا بُدَّ أن يَكونَ الاستثناءُ في الخبرِ - إذا كانَ المُرادُ ما ادَّعاه - مَجازاً مَوضوعاً(3)في غيرِ مَوضِعِه؛ لأنّ اللفظَ الأوّلَ لا يَتناوَلُ النبوّةَ ، لا إيجاباً و لا احتمالاً؛ فكَيفَ يَجوزُ استثناؤها حقيقةً؟

و نَحنُ نَعلَمُ أنّ القائلَ إذا قالَ : «ضَرَبتُ غِلماني إلّازَيداً» دَلَّ ظاهرُ استثنائه علىٰ أنّ زَيداً مِن جُملةِ غِلمانِه، و لَو لَم يَكُن مِن جُملتِهم لَما جازَ استثناؤه؛ فلَو(4)أنّه استَثنىٰ زَيداً و لَم يَكُن مِن غِلمانِه إلّاأنّه اعتَقَدَ(5)أنّ في الناسِ مَن يَتَوهَّمُ أنّه غُلامُه، و قَصَدَ(6)إزالةَ الشُّبهةِ ، لَم يُخرِجْه ذلكَ مِن أن يَكونَ مُتجوِّزاً في الاستثناءِ مُوقِعاً له في غيرِ مَوقِعِه.

بيان زوال شكّ المنافقين و إرجافهم بناءً علىٰ تأويل المنزلة بالولاية

فأمّا قولُه: «إنّ الذي تأوَّلنا(7)الخبرَ عليه(8)لا يُزيلُ شَكَّ المُنافِقينَ و لا يُبطِلُ إرجافَهم» فعَجيبٌ ؛ لأنّا لا نُنكِرُ دُخولَ المَنزِلةِ التي ذَكَرها صاحِبُ الكتابِ (9)في


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «فأمّا».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: - «من الكلام».

3) . في «ب»: «موصوفاً».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «و لو».

5) . في «ب»: «اعتذر».

6) . في «ب»: «و قصده».

7) . أي نحن الإماميّة. و المصنّف رحمه اللّٰه ينقل هنا مضمون كلام القاضي لا نصَّه.

8) . و هو الولاية و الإمامة.

9) . و هي منزلة المحلّ و الموقع من القلب.

جُملةِ المَنازِلِ‌، و إنّما أضَفنا إليها غيرَها(1)، و قد ذَكرنا في صَدرِ الاستدلالِ بالخبرِ(2)أنّه يَتناوَلُ كُلَّ مَنازِلِ هارونَ مِن موسىٰ‌؛ مِن فَضلٍ‌، و مَحبّةٍ‌، و اختصاصٍ‌، و تَقدُّمٍ‌، إلىٰ‌(3)غيرِ ذلكَ‌، سِوىٰ ما أخرَجَه الاستثناءُ مِن النبوّةِ‌، و أخرَجَه العُرفُ مِن أُخوّةِ النسَبِ‌(4).

علىٰ أنّه يَكفي في زَوالِ إرجافِ المُنافِقينَ حصولُ مَنزِلةِ الخِلافةِ في الحياةِ و بَعدَ المَماتِ‌؛ لأنّ هذه المَنزِلةَ لا تُسنَدُ(5)إلىٰ مُستَثقَلٍ‌(6)مُبغَضٍ مَخُوفِ الناحيةِ (7)، بَل إلىٰ مَن له نِهايةُ الاختصاصِ ، و قد(8)بَلَغَ الغايةَ في الثِّقةِ و الأمانةِ . و هذا واضحٌ لِمَن تأمَّلَه(9).

قَالَ صاحبُ الكتابِ‌ بَعدَ كلامٍ (10)لا طائلَ في حكايتِه(11):

و قالَ مُلزِماً لهم - يَعني أبا عليٍّ -: إن كانَ عليه السلامُ (12)إنّما أرادَ بهذا


1) . و هي منزلة الولاية و الامامة.

2) . في «ب، ج، ص، ف»: - «بالخبر».

3) . في «ب»: «و إلى».

4) . تقدّم في ص 250-251.

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «لا تستند».

6) . في «ب، د، ص»: «مستقيل». و في حاشية «د»: «مستعمل». و في «ج»: «مستقلّ ».

7) . في «ب، ج، ف»: «الجنبة»، و هي بمعنى الجانب و الناحية.

8) . في «ب»: «فقد».

9) . في «ب، ج، ف»: + «إن شاء اللّٰه تعالىٰ ».

10) . راجع: المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 173-176.

11) . إنّ المقطع الذي حذفه المصنّف رحمه اللّٰه لا فائدة في إيراده؛ لأنّ أكثره يحتوي علىٰ مطالب قد تقدّم الجواب عليها، فهو يحتوي إمّا علىٰ إشكالات أوردها القاضي علىٰ ما ذهب إليه من تأويل المنزلة و أجاب عنها، و قد تقدّم الجواب عمّا ذهب إليه. و إمّا علىٰ نقلِ كلام بعض المعتزلة ممّن جعل حديث المنزلة دالاًّ علىٰ أنّ أمير المؤمنين عليه السلام هو الأفضل بعد رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آلِه، و قد تقدّم الكلام حول إثبات دلالة الحديث على الإمامة، لا علىٰ خصوص الأفضليّة، فلا داعي للإعادة. و إمّا علىٰ بيان أنّ سبب استخلاف أمير المؤمنين عليه السلام على المدينة هو إبطال إرجاف المنافقين، و قد تقدّمت مناقشته أيضاً، إلىٰ غير ذلك من الأبحاث التي تقدّمت مناقشتها و الردّ عليها.

12) . في «د» و المطبوع و الحجري: «صلّى اللّٰه عليه و آله» و هكذا في الموارد الآتية.

الخبرِ إثباتَ الإمامةِ لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ‌، فيَجِبُ لَو ماتَ في حياةِ النبيِّ عليه السلامُ أن لا يَكونَ منه بمَنزِلةِ هارونَ مِن موسىٰ‌، و لَو كانَ كذلكَ لَوَجَبَ عندَ سَماعِ هذا الخبرِ أن يُقطَعَ علىٰ أنّه يَبقىٰ بَعدَه عليه السلامُ‌، و لَوَجَبَ أن لا يُستَفادَ بِه(1)في الحالِ فَضيلةٌ لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ‌.

و ألزَمَهم أن لا يَجوزَ منه عليه السلامُ - و قد قالَ هذا القولَ - أن يُوَلّيَ أحَداً علىٰ عليٍّ عليه السلامُ في حياتِه، كما لا يَجوزُ أن يُوَلّيَ عليه أحَداً بَعدَ وفاتِه؛ لأنّ‌(2)الخبرَ فيما يُفيدُه(3)لفظاً و معنىً‌(4)لا يَفصِلُ بَينَ الحالَينِ‌.

و ذلكَ يَبطُلُ بما(5)قد ثَبَتَ مِن أنّه عليه السلامُ وَلّىٰ أبا بَكرٍ علىٰ عَليٍّ أميرِ المؤمنينَ‌(6)عليه السلامُ في الحَجّةِ التي حَجَّها المؤمنونَ قَبلَ حَجّةِ الوَداعِ‌، و وَلّاه الصلاةَ في مرضِه،(7)إلىٰ غيرِ ذلكَ‌.

و إن كانَ الخبرُ يَدُلُّ علَى الإمامةِ‌، التي لا يَجوزُ معها أن يَتقدَّمَه(8)أحَدٌ في الصلاةِ ، فكَيفَ جازَ منه عليه السلامُ أن يُقدِّمَه عليه في الصلاةِ؟

و قالَ حاكياً عنه:

إن كانَ استخلافُه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه عليّاً عليه السلامُ في المَدينةِ (9)


1) . هكذا في «ب، ج، ف». و في سائر النسخ و المطبوع: - «به».

2) . في «ج، ص، ف»: + «هذا».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «ممّا أُفيد به» بدل «فيما يفيده».

4) . في المطبوع: «أو معنىً ».

5) . هكذا في المغني. و في «د» و المطبوع و الحجري و التلخيص: «لما». و في «ب، ج، ص، ف»: «ما».

6) . في النسخ و التلخيص: - «عليّ ». و في المغني: - «أمير المؤمنين».

7) . في المغني: «في موضعه».

8) . في «ب»: «أن يتقدّم».

9) . في المغني: «إن كان استخلافه عليّاً بالمدينة».

يَقتَضي استمرارَ الخِلافةِ إلىٰ بَعدِ المَوتِ فيَكونَ إماماً، فتقديمُه عليه السلامُ أبا بَكرٍ في الصلاةِ‌(1)في أيّامِ مرضِه يَقتَضي كَونَه إماماً بَعدَ وفاتِه(2).

ثُمّ قالَ - بَعدَ كلامٍ‌(3)ذَكَرَه لَم نَحكِه؛ لأنّ نَقضَه(4)قد تَقدَّمَ‌(5)-:

و قالَ - يَعني أبا عليٍّ -: إنّه قد ثَبَتَ أنّه عليه السلامُ بَعدَما استَخلَفَ عليّاً عليه السلامُ علَى المَدينةِ بَعَثَه إلَى اليَمَنِ‌، و استَخلَفَ (6)علَى المَدينةِ غيرَه عندَ خروجِه في حَجّةِ الوَداعِ . و هذا يُبطِلُ قولَهم: إنّ ذلكَ الاستخلافَ قائمٌ إلىٰ (7)بَعدِ مَوتِه [فإنّ ذلكَ يُوجِبُ كَونَه إماماً](8).

دلالة الحديث علىٰ منزلة خلافة أمير المؤمنين عليه السلام و إن مات في حياة الرسول صلى الله عليه و آله

يُقالُ له: لَيسَ يَجِبُ ما ظَنَنتَه مِن أنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ لَو ماتَ في حياةِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه لَوَجَبَ أن لا يَكونَ منه بمَنزِلةِ هارونَ مِن موسىٰ‌، بَل لَو ماتَ عليه السلامُ لَم يَخرُجْ مِن أن يَكونَ بمَنزِلتِه(9)في الخِلافةِ له عليه السلامُ في الحياةِ‌، و(10)استحقاقِ الخلافةِ بَعدَ الوفاةِ‌، إلىٰ سائرِ ما ذَكَرناه مِن المنازِلِ .


1) . في المغني: «للصلاة».

2) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 176-177.

3) . راجع: المغني، ج 20، ص 177، السطر 8-15.

4) . في «ب، ج، ص»: «بعضه».

5) . نقل القاضي علىٰ لسان أبي عليّ جوازَ أن يتقدّم هارونَ شخصٌ آخر من أُمّته، فيما لو بقي حيّاً بعد موسىٰ ، و قد تقدّمت مناقشة ذلك في ص 312، كما سوف يأتي ما له تعلّق بهذا البحث في ص 353 و 357.

6) . في المغني: «فاستخلف».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: - «إلىٰ ».

8) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 177. و ما بين المعقوفين من المصدر.

9) . في «ب، ج، ص، ف»: «بمنزلة هارون من موسىٰ ».

10) . في «ب، ص»: - «و».

بيان وجه القطع علىٰ بقاء أمير المؤمنين عليه السلام حيّاً بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و آله

غيرَ أنّا نَقطَعُ علىٰ بَقائِه إلىٰ بَعدِ وفاةِ الرسولِ‌، و نَمنَعُ مِن وفاتِه قَبلَ وفاتِه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه؛ فإنّه(1)لَيسَ لهذا الوجهِ‌، لكِنْ لأنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه إذا كانَ بهذا الخبرِ قد نَصَّ علىٰ إمامتِه بَعدَه، و أشارَ لنا به إلىٰ مَن يَكونُ فَزَعُنا إليه عندَ فَقدِه عليه السلامُ‌، و لَم يَقُلْ في غيرِه ما يَقتَضي النَّصَّ عليه و حصولَ الإمامةِ له مِن بَعدِه، فلا بُدَّ مِن أن يُستَدلَّ بهذا الخبرِ مِن هذه الجِهةِ‌(2)علىٰ أنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ هو الإمامُ مِن بَعدِه، و إلّالَم يَكُنِ النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه قد(3)خَرَجَ ممّا قد وَجَبَ عليه مِن النَّصِّ علىٰ خَليفتِه بَعدَه.

و لَسنا نَعلَمُ مِن أيِّ وجهٍ استَبعَدَ صاحبُ الكتابِ القَطعَ علىٰ بقائِه عليه السلامُ‌

حتّىٰ أَرسَلَه إرسالَ مَن يَنُصُّ بأنّه مُنكَرٌ مُستَبعَدٌ لا خِلافَ عليه فيه‌؟ و نَحنُ نَعلَمُ أنّه لَيسَ في القَطعِ علىٰ بَقائِه عليه السلامُ بَعدَ وفاةِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه ما يَقتَضي فَساداً، أو خروجاً عن أصلٍ‌، أو مُفارَقةً لحَقٍّ‌(4). و قد رُويَ مِن أقوالِه عليه السلامُ فيه(5)ما يَدُلُّ علىٰ بقائه بَعدَه، و تَظاهَرَت(6)الروايةُ‌(7)بذلكَ‌؛ فمِن جُملتِه قولُه عليه السلامُ : «تُقاتِلُ بَعديَ الناكِثينَ و القاسِطينَ و المارِقينَ »(8)، إلىٰ


1) . في التلخيص: - «فإنّه».

2) . في «ب»: - «من هذه الجهة».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: - «قد».

4) . في «ب، ف»: «أو مفارقة حقّ ».

5) . في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص: - «فيه».

6) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و قد تظاهرت».

7) . في «ب» و التلخيص: «الروايات».

8) . المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 150، ح 4674 و 4675؛ المعجم الكبير، ج 4، ص 172،

غيرِ هذا(1)ممّا لَو ذَكرناه لَطالَ .

فأمّا قولُه: «إنّه يَجِبُ أن لا يُستَفادَ به فَضيلةٌ في الحالِ » فقَد تَقدَّمَ كلامُنا عليه، و بيّنّا ترتيبَ القولِ فيه علىٰ طريقةِ الاستثناءِ التي يُتعلَّقُ فيها بلَفظةِ «بَعدي»(2). فأمّا الطريقةُ الأُولىٰ (3)فلا شُبهةَ في أنّها تَقتَضي حصولَ جميعِ المَنازِلِ الموجِبةِ للفَضيلةِ في الحالِ .

إبطال تولية أبي بكر علىٰ أمير المؤمنين عليه السلام في الحجّ ، و تقديمه عليه في الصلاة

فأمّا قولُه: «إنّ تأوُّلَنا(4)يَقتَضي أن لا يُوَلّيَ أحَداً علىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ في حياتِه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه» و ادّعاؤه(5)أنّه وَلّىٰ عليه أبا بَكرٍ في الحَجّةِ التي حَجَّها المُسلِمونَ قَبلَ حَجّةِ الوَداعِ .

فأوّلُ ما فيه: أنّه لا يَلزَمُ - إذا صَحَّت دعواه - مَن ذَهَبَ مِنّا في تأويلِ الخبرِ إلىٰ إيجابِه في حالِ الحياةِ الخِلافةَ (6)علَى المَدينةِ مِن غيرِ استمرارٍ، و استحقاقَ الخِلافةِ (7)مِن بَعدِ الوفاةِ (8)و إنّما يَلزَمُ أن يُجِيبَ عنه مَن ذَهَبَ إلىٰ أنّ الخِلافةَ

ح 4049؛ و ج 10، ص 91، ح 10053 و 10054؛ مسند أبي يعلىٰ ، ج 1، ص 397، ح 519؛ و ج 3، ص 194، ح 1623؛ مسند البزّار، ج 2، ص 215، ح 604؛ و ج 3، ص 27، ح 774؛ أُسد الغابة، ج 4، ص 32 و 33؛ تاريخ بغداد، ج 8، ص 340، و ج 13، ص 186؛ مجمع الزوائد، ج 7، ص 238؛ كنز العمّال، ج 13، ص 110، ح 36361، و ص 113، ح 36367، مع اختلاف يسير.


1) . في «ب»: «غير ذلك».

2) . تقدّم في ص 293-295.

3) . تقدّمت في ص 250 و ما بعدها.

4) . في التلخيص: «تأويلنا». و المراد تأويلنا نحن الإماميّة، و قد تقدّم نظيره.

5) . من قوله: «أنّ تأوّلنا يقتضي أن لا يولّي...» إلىٰ هنا ليس في «ب، ج، ص، ف».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «للخلافة».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «من غير استمرار الخلافة». و في التلخيص: - «و استحقاق الخلافة».

8) . و هو رأي المصنّف رحمه اللّٰه، و قد تقدّم في ص 321.

في الحياةِ استَمَرَّت إلىٰ بَعدِ الوفاةِ‌(1). و لِمَن(2)ذَهَبَ‌(3)إلىٰ ذلكَ أن يَقولَ‌(4): إنّني لا أَعلَمُ صِحّةَ ما ادُّعيَ مِن وِلايةِ أبي بَكرٍ عليه في الوقتِ المذكورِ؛ لأنّه كما رُويَ مِن(5)بعضِ الطرُقِ أنّ أبا بَكرٍ بَعدَ أخذِ السورةِ منه كانَ والياً علَى المَوسِمِ‌، فقَد رُويَ أنّه رَجَعَ - لمّا أخذَ أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ السورةَ (6)منه - إلَى النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه

و آلِه، و كانَ الوالي علَى الحَجيجِ و المَوسِمِ و المؤدّي للسورةِ (7)أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ . و لَيسَ هذا ممّا يَنفَرِدُ(8)الشيعةُ بنَقلِه(9)لأنّ كَثيراً مِن أصحابِ الحديثِ قد رَوَوه(10)، و مَن تأمَّلَ كُتُبَهم وَجَدَه فيها.

و إذا تَقابَلَت الروايتانِ وَجَبَ الشكُّ في مُوجَبِهما(11)، بَل يَجِبُ القَطعُ علىٰ


1) . نقل المصنّف رحمه اللّٰه في ص 321 هذا الرأيَ عن بعض الإماميّة.

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «و من».

3) . في التلخيص: «يذهب».

4) . في «ب، ج، ص»: «له أن يقول». و في «ف»: «أن يقول له».

5) . في التلخيص: «في».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: - «السورة».

7) . في «ج، ص، ف»: «السورة».

8) . في التلخيص: «ممّا تنفرد».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: «ممّا ينفرد به الشيعة في النقل».

10) . فعن مسند أحمد بسنده عن عليّ عليه السلام قال: «لمّا نزلت عشر آيات من براءة على النبيّ صلّى اللّٰه عليه و سلّم دعا النبيّ أبابكر، فبعثه ليقرأها على أهل مكّة، ثمّ دعاني النبيّ صلّى اللّٰه عليه و سلّم فقال: أدرك أبابكر، فحيثما لحقته فخذ الكتاب منه، و اذهب به إلى مكّة، و اقرأها عليهم. قال: فلحقته بالجحفة فأخذت الكتاب منه و رجع أبوبكر إلى النبيّ صلّى اللّٰه عليه و سلّم فقال: يا رسول اللّٰه، نزل فيّ شيء؟ قال: لا، ولكنّ جبرئيل جاءني فقال: لن يؤدّي عنك إلّاأنت أو رجل منك». مسند أحمد، ج 1، ص 151، ح 1296؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 53، ح 4374؛ سنن النسائي الكبرى، ج 5، ص 128، ح 8461؛ كنز العمّال، ج 2، ص 422، ح 4400؛ مجمع الزوائد، ج 7، ص 104، ح 11039؛ البداية و النهاية، ج 7، ص 357.

11) . في «ب، ج، ص، ف»: «و إذا تقابلت الروايات وجب الشكّ في موجَبها».

بُطلانِ ما يُنافي منهما(1)مُقتَضَى الخبرِ المعلومِ الذي لا شَكَّ‌(2)فيه، و هو قولُه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(3): «أنتَ مِنّي بمَنزِلةِ هارونَ مِن موسىٰ‌»؛ لأنّه إذا دَلَّ الدليلُ علَى اقتضاءِ هذا الخبرِ الخِلافةَ‌(4)في الغَيبةِ‌(5)علىٰ سَبيلِ الاستمرارِ، وَجَبَ القَطعُ علىٰ بُطلانِ الروايةِ المُنافيةِ لِما يَقتَضيهِ‌.

علىٰ أنّهَ لَم يروِ أحَدٌ(6)أنّ أبا بَكرٍ كانَ والياً علىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ‌، و إنّما رُوِيَ أنّه كانَ‌(7)أميراً علَى الحَجيجِ‌، و قد يَجوزُ أن تَكونَ (8)وِلايتُه علىٰ مَن عَدا أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ ؛ فلَو صَحَّت الروايةُ التي يَرجِعونَ (9)إليها لَما صَحَّ قولُ صاحبِ الكتابِ أنّه وَلّىٰ أبا بَكرٍ علىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ .

فأمّا حديثُ الصلاةِ‌: فقَد بيّنّا فيما تَقدَّمَ أنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه لَم يُوَلِّها أبا بَكرٍ، و شَرَحنا الحالَ التي جَرَت عليها، و بيّنّا أنّ وِلايةَ الصلاةِ لَو ثَبَتَت لَم تَدُلَّ علَى الإمامةِ (10)و ذلكَ يُسقِطُ التعلُّقَ بالصلاةِ في المَوضِعَينِ (11).


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «منها».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «لا يُشكّ ».

3) . في «ب، ج، ف»: «عليه السلام».

4) . في التلخيص: «للخلافة».

5) . أي في حال غيبة الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله، و إن كان ذلك في حياته. و هذا هو الرأي المتقدّم عن بعض الإماميّة.

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «لم يرد» بدل «لم يرو أحد».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «إنّما كان فيما يُروىٰ ».

8) . في النسخ و الحجري: «أن يكون». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و التلخيص.

9) . في «ج»: «ترجعون».

10) . تقدّم في ج 2، ص 473 و ما بعدها.

11) . أي في إثبات إمامة أبي بكر، و في إثبات تقديمه علىٰ أمير المؤمنين عليه السلام، و هو محلّ البحث هنا.

نفي أن يكون استخلاف غير أمير المؤمنين على المدينة عزلاً له

فأمّا قولُه: «إنّه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه لَمّا بَعَثَ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ إلَى اليَمَنِ استَخلَفَ علَى المَدينةِ غيرَه عندَ خروجِه في حَجّةِ الوَداعِ‌» فإنّه غيرُ مُنافٍ للطريقَينِ معاً في تأويلِ الخبرِ(1)لأنَّ مَن ذَهَبَ إلىٰ أنّ الخِلافةَ في الحياةِ لَم تَستَمِرَّ إلىٰ بَعدِ الوفاةِ لا شُبهةَ في سُقوطِ هذا الكلامِ عنه، و مَن ذَهَبَ إلَى استمرارِها إلىٰ بَعدِ الوفاةِ يَقولُ‌: لَيسَ يَقتَضي استخلافُه عليه السلامُ في المَدينةِ أكثَرَ مِن أن يَكونَ‌

له عليه السلامُ أن يَتصرَّفَ في أهلِها بالأمرِ و النهيِ و ما جَرىٰ مَجراهما علَى الحَدِّ الذي كانَ يَتصرَّفُ عليه(2)النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه. و لَيسَ يَقتَضي هذا المعنَى المنعَ مِن تَصرُّفِ غيرِه علىٰ وجهٍ مِن الوجوهِ‌؛ لأنّه إذا جازَ للمُستَخلِفِ غيرَه - في مَوضِعٍ مِن المَواضعِ - أن يَتصرَّفَ فيه مع استخلافِه عليه، و لا يَمنَعُ‌(3)استخلافُه مِن تَصرُّفِه في أهلِه بالأمرِ و النهيِ ، جازَ للمُستَخلِفِ - في مَوضِعٍ مِن المَواضعِ - لزَيدٍ أن يَستخلِفَ عَمراً علىٰ ذلكَ المَوضِعِ ؛ إمّا في حالِ غَيبةِ زَيدٍ، أو مع حُضورِه(4). و لا يَكونُ استخلافُه للثاني(5)عَزلاً للأوّلِ ، كَما لا يَكونُ تَصرُّفُه نَفسُه عَزلاً له عن المَوضِعِ الذي جَعَلَ إليه(6)التصرُّفَ فيه؛ و تَكونُ (7)فائدةُ استخلافِه لكُلِّ واحدٍ


1) . يريد بالطريقين: الرأيين اللذين سوف يشير إليهما بعد هذا مباشرة، و اللذين يدوران حول دلالة حديث المنزلة على استمرار الخلافة و عدمها.

2) . في التلخيص: - «عليه».

3) . في «ب، ص»: «و لا يمتنع».

4) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «امّا في حال غيبته زيداً و مع حضوره».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «الثاني».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «جعل له».

7) . في «د، ص» و المطبوع: «و يكون». و في «ب»: «فيكون».

مِن هذَينِ أن يَكونَ له التصرُّفُ فيما استُخلِفَ فيه. و كَيفَ يَكونُ إيجابُ تَصرُّفِ أحَدِهما بَعدَ الآخَرِ عَزلاً للأوّلِ و مانعاً مِن جَوازِ تَصرُّفِه، و نَحنُ نَعلَمُ أنّه قد يَجوزُ أن يُستَخلَفَ علَى المَوضِعِ الواحدِ الاثنانُ (1)و الجَماعةُ؟

و هذه الجُملةُ تأتي علىٰ جَميعِ ما حَكَيناه في الفَصلِ مِن كلامِه.

قالَ صاحبُ الكتابِ - بَعدَ كلامٍ له(2)لَم نورِدْه(3)لأنّ نَقضَه(4)قد مَضىٰ في كلامِنا(5)-:

و اعلَمْ أنّه لا يَمتَنِعُ أن يَكونَ استخلافُ موسىٰ لهارونَ محمولاً علىٰ وجهٍ يَصِحُّ‌؛ لأنّه سببٌ للقيامِ بالأمرِ، كما أنّ النبوّةَ سببٌ لذلكَ‌؛ و لَيسَ يَمتَنِعُ في كَثيرٍ مِن الأحكامِ أن يَحصُلَ فيها(6)سببانِ و عِلّتانِ‌. فإذا(7)عَلِمنا أنّه لَولا النبوّةُ لَكانَ له أن يَقومَ بالأمرِ لِمكانِ الاستخلافِ‌، و لَولا الاستخلافُ لَكانَ له أن يَقومَ بالأمرِ لِمكانِ النبوّةِ‌، فقَد أفادَ الاستخلافُ ضَرباً مِن الفائدةِ . فإن أضافَ (8)إلىٰ ذلكَ أن يَدخُلَ في الاستخلافِ ما لا يَكونُ له أن يَقومَ به لِمكانِ النبوّةِ ، فهو أقوىٰ في بابِ الفائدةِ . و لَسنا


1) . في التلخيص: «على الموضع الواحد، الواحد و الاثنان».

2) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «له».

3) . راجع: المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 177-179.

4) . في «ب، ج»: «بعضه».

5) . نقل القاضي في هذا المقطع الذي حذفه المصنّف رحمه اللّٰه، عن أبي عليّ و غيره عدّةَ إشكالات تقدّمت الإجابة عنها؛ مثل أنّه لو كان الاستخلاف على المدينة يستلزم الإمامة، لزم أن يكون أُسامة و كلّ من ولّاه الرسول صلّى اللّٰه عليه و آلِه إماماً، و قد تقدّمت مناقشة ذلك في ص 314-315، و مثل عدم صحّة أن يراد بالحديث: «بعد موتي»، و قد تقدّمت مناقشة ذلك في ص 282-283، إلىٰ غير ذلك من الإشكالات و الأبحاث التي تقدّم الردّ عليها.

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «فيه».

7) . هكذا في «ج، ص، ف» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «و إذا».

8) . في المغني: «انضاف».

نَعلَمُ كَيفَ كانَ حالُ‌(1)موسىٰ و هارونَ فيما يَتعلَّقُ بالإمامةِ؟ و كيفَ كانَت الشريعةُ في ذلكَ الوقتِ؟ و لا نَعلَمُ أيضاً أنّ حالَهما في النبوّةِ إذا

كانَت مُتَّفِقةً‌(2)أنّ حالَهما فيما يَقومُ به الأئمّةُ أيضاً مُتَّفِقةٌ‌؛ بَل لا يَمتَنِعُ‌(3)أن يَكونَ لأحَدِهما مِن الاختصاصِ ما لَيسَ للآخَرِ، كَما لا يَمتَنِعُ أن لا يَدخُلَ في شَريعتِهما ما تَقتَضيهِ‌(4)الإمامةُ‌.

و إذا كانَت الحالُ في هذا البابِ ممّا يَختَلِفُ بالشرائعِ‌، فإنّما نَقطَعُ علىٰ وجهٍ دونَ وجهٍ‌(5)بدَلالةٍ سَمعيّةٍ ثَمَّ يَصِحُّ‌(6)الاعتمادُ علىٰ ذلكَ‌.

و الذي يَجِبُ أن يُقطَعَ‌(7)به لا مَحالةَ أنّه كانَ نَبيّاً مع موسىٰ‌، فلا بُدَّ مِن(8)أن يَتحمَّلَ شَريعةً مُتجَدِّدةً‌(9)، أو يَتحمَّلا شَريعةً بَعدَ ظُهورِ المُعجِزِ عليهما مُتَجَدِّدةً‌، و لا(10)يَجِبُ مِن حَيثُ اشتَرَكا(11)في النبوّةِ أن يَكونَ كُلُّ شَريعةِ‌(12)أحَدِهما شَريعةً للآخَرِ. و إذا جازَ ذلكَ ، فما الذي يَمنَعُ إن دَخَلَ (13)في


1) . في «ب، ج، ص، ف»: - «حال».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «أنّ حالهما إذا كانت في النبوّة متّفقة».

3) . في «ب»: «لاتسع».

4) . في «ج، د، ص»: «ما يقتضيه».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «فإنّما يُقطع علىٰ وجه».

6) . في المغني: «لم يصحّ » بدل «ثمّ يصحّ ».

7) . في المغني: «أن نقطع».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: - «من».

9) . هكذا في «ج، ص» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «مجدّدة» في الموضعين.

10) . في «ب، ج، ص، ف»: «فلا».

11) . هكذا في النسخ و المغني. و في المطبوع و الحجري: «أُشركا».

12) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع و المغني: «أن تكون شريعة».

13) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع و المغني: «أن يدخل».

جُملةِ شَرائعِهم(1)ما يَتَّصِلُ بالحُدودِ و الأحكامِ أن يَختَصَّ بذلكَ أحَدُهما دونَ الآخَرِ؟ و كما يَجوزُ ذلكَ‌، فقَد يَجوزُ أن يَكونَ مِن(2)تَعبُّدِ اللّٰهِ تَعالىٰ في ذلكَ الوقتِ أن لا يَجوزَ للرسولِ أن يَستَخلِفَ فيما هذه(3)حالُه في حالِ حياتِه(4)و لا بَعدَ وفاتِه، أو(5)يَجوزَ له أن يَستخلِفَ في حالٍ دونَ حالٍ‌، أو مَن يَشرَكُه في النبوّةِ دونَ مَن لا يَشرَكُه.

فعلىٰ هذا الوجهِ يَجِبُ أن يَجريَ القولُ في هذا البابِ‌، و لا يُجعَلَ لعليٍّ عليه السلامُ مِن المَنازِلِ إلّاما ثَبَتَ معلوماً لهارونَ مِن مُوسىٰ‌، دونَ ما لَم يَثبُتْ‌. و إذا(6)لَم يُعلَمْ - كَيفَ كانَت شَريعةُ موسىٰ في الاستخلافِ؟ و هَل كانَ يَجِبُ أن يَستَخلِفَ‌(7)بَعدَ مَوتِه، أو في حالِ غَيبتِه(8)، في كُلِّ شيءٍ‌، أو في بعضِ الأشياءِ؟ و أنّه لَو ماتَ قَبلَ هارونَ‌، هَل كانَ يَجِبُ أن يَكونَ خَليفتَه، أو يَبعَثُ اللّٰهُ تَعالىٰ (9)نَبيّاً يَقومُ مَقامَه مع هارونَ ، أو يَصيرُ القَيِّمُ بأمرِ الحُدودِ(10)غيرَ هارونَ مِمّن يَنُصُّ عليه ؟ إلىٰ غيرِ ذلكَ مِن الوجوهِ


1) . هكذا في النسخ و الحجري و المغني. و في المطبوع: «شرائعهما».

2) . في «ب، ج، ص، ف» و المغني: «في».

3) . في «د» و المطبوع: «هذا».

4) . في «ج»: «لا حال حياته». و في المطبوع: «في حالة حياته».

5) . في المطبوع و الحجري: «أن» بدل «أو».

6) . في المغني: «فإذا».

7) . في المغني: + «في حال حياته أو».

8) . في المغني: - «أو في حال غيبته».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: «أو يبعث إليه».

10) . في المغني: «بالحدود» بدل «بأمر الحدود».

المُختَلِفةِ - فكَيفَ (1)يَصِحُّ للقومِ أن يعتَمِدوا علىٰ ذلكَ في الإمامةِ؟!(2)

تهافت كلمات القاضي حول تولّي هارون لشؤون الإمامة

يُقالُ له: ما أشَدَّ اختلافَ كلامِكَ في هذا البابِ و أظهَرَ رُجوعَكَ فيه مِن قَولٍ إلىٰ ضِدِّه و خِلافِه؛ لأنّكَ قُلتَ أوّلاً فيما حَكَيناه عنكَ‌: «إنّ هارونَ مِن حَيثُ كانَ شَريكاً لِموسىٰ في النبوّةِ‌، يَلزَمُه القيامُ فيهم بما يَقومُ‌(3)به الأئمّةُ‌، و إن لَم يَستَخلِفْه»(4).

ثُمَّ عَقَّبتَ ذلكَ بأن قُلتَ‌: «غيرُ واجبٍ فيمن كانَ شَريكاً لموسىٰ في النبوّةِ أن يَكونَ إليه ما إلَى الأئمّةِ‌»(5).

ثُمّ‌(6)رَجَعتَ عن ذلكَ في فَصلٍ آخَرَ، فقُلتَ‌: «إنّ هارونَ لَو عاشَ بَعدَ موسىٰ‌، لَكانَ الذي(7)ثَبَتَ له أن يَكونَ كَما كانَ مِن قَبلُ‌، و قد كانَ مِن قَبلُ له أن يَقومَ بهذه الأُمورِ لنُبوّتِه»(8)فجَعَلتَ القيامَ بهذهِ الأُمورِ مِن مُقتَضَى النبوّةِ ، كَما تَرىٰ .

ثُمَّ أَكَّدتَ ذَلكَ في فَصلٍ آخَرَ حَكَيناهُ أيضاً؛ بأن قُلتَ لِمَن خَالَفَكَ - في(9)أنّ موسىٰ لَو لَم يَستخلِفْ هارونَ بَعدَه(10)، ما كانَ يَجِبُ له القيامُ بَعدَه بما يَقومُ


1) . هذا جواب قوله: «و إذا لم يُعلم...».

2) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 179-180.

3) . في المطبوع و الحجري: «بما لا يقوم».

4) . تقدّمت حكاية ذلك في ص 304.

5) . تقدّمت حكايته في ص 310.

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «و» بدل «ثمّ ».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: + «به».

8) . تقدّمت حكايته في ص 317.

9) . في «ب»: - «في».

10) . في «ب، ج، ص، ف»: - «بعده».

به الأئمّةُ -: «إن جازَ - مع كَونِه شَريكاً له في النبوّةِ - أن يَبقىٰ بَعدَه و لا يَكونَ له ذلكَ‌، لِيَجوزَنَّ و إنِ استَخلَفَه أن لا يَكونَ له ذلكَ‌»(1).

ثُمّ خَتَمتَ جميعَ ما تَقدَّمَ بهذا(2)الكلامِ‌، الذي هو رُجوعٌ عن أكثَرِ ما تَقدَّمَ‌، و تصريحٌ بأنّ النبوّةَ لا تَقتَضي القيامَ بهذه الأُمورِ، و أنّ الفَرضَ علَى المُتأمِّلِ في هذا(3)هو الشكُّ و تَركُ القَطعِ علىٰ أحَدِ الأمرَينِ .

فعلىٰ أيِّ شَيءٍ يُحصَلُ مِن كلامِكَ المُختَلِفِ؟ و علىٰ أيِّ الأقوالِ نُعَوِّلُ؟

و ما نَظُنُّ (4)أنّ الاعتمادَ و الاستقرارَ إلّاعلىٰ هذا الفصلِ المُتأخِّرِ؛ فإنّه بتأخُّرِه(5)كالناسِخِ و الماحي(6)لِما قَبلَه، و الذي تَضمَّنَه مِن أنّ النبوّةَ لا توجِبُ بمُجرَّدِها القيامَ بالأُمورِ التي ذَكَرتَها(7)، و إنّما يُحتاجُ في ثُبوتِ هذه الأُمورِ مُضافةً إلَى النبوّةِ إلىٰ دليلٍ صحيحٍ ، و قد بيّنّاه فيما تَقدَّمَ مِن كلامِنا(8).

إشارة إلىٰ ما تقدّم من أنّ إمامة هارون كانت لاستخلاف موسىٰ له، لا لنبوّته

فأمّا شَكُّه في حالِ موسىٰ و هارونَ عليهما السلامُ و قولُه: «ما نَعلَمُ كَيفَ كانَت(9)الحالُ فيما إليهما» فقَد بيّنّا أنّه لا يَجِبُ الشكُّ في ذلكَ ؛ لا مِن حَيثُ كانَت نُبوّةُ


1) . تقدّمت حكايته في ص 331-332.

2) . في المطبوع و الحجري: «هذا».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: + «الموضع».

4) . في «د»: «و ما يظنّ ».

5) . في «ج، ص»: «لتأخّره».

6) . في «ج، ص»: «و الحاجز».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «ذكرها».

8) . تقدّم في ص 306-308.

9) . في «ب، ج، ص، ف»: «كيف كان يكون».

هارونَ‌(1)تَقتَضي قيامَه بما يَقومُ به الأئمّةُ‌، بَل مِن حَيثُ ثَبَتَ بدليلِ الآيةِ التي تَلَوناها، و الإجماعِ الذي ذَكَرناه(2)مِن كَونِ هارونَ خَليفةً لأخيه موسىٰ‌، و نائباً عنه في سياسةِ‌

قَومِه و القيامِ بأُمورِهم. و لَيسَ يَجوزُ أن يَكونَ خَليفةً له إلّافيما ثَبَتَ‌(3)له بالاستخلافِ‌، و كانَ له التصرُّفُ فيه مِن أجلِه. و هذا هو العُرفُ المعقولُ في الاستخلافِ‌.

و في ثُبوتِ هذه الجُملةِ ما يَقتَضي كَونَ هارونَ خَليفةً لأخيه في هذه الأُمورِ، و أنّ يَدَه إنّما تَثبُتُ عليها في حالِ حياتِه لِمكانِ استخلافِه.

و إذا كُنّا قد بيّنّا أنّه(4)لَو بَقيَ بَعدَه لَوَجَبَ أن تَستِمرَّ(5)حالُه في هذه الوِلايةِ‌، و أنّ تَغيُّرَها و انتقالَها عنه يَقتَضي ما يَمنَعُ نُبوَّتُه(6)منه(7)، فقَد تَمَّ ما قَصَدناه. و لَم نَجعَلْ (8)لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ مَنزِلةً لَم يُعلَمْ (9)ثُبوتُها لهارونَ مِن موسىٰ عليه السلامُ علىٰ ما ظَنَّ ، و لَم يَبقَ في كلامِه شُبهةٌ تَتعلَّقُ (10)بها نفسُ أحَدٍ(11).

بيان زوال أثر الاستخلاف علىٰ فرض تأثير النبوّة في القيام بشؤون الإمامة

علىٰ أنّه ابتَدأَ كلامَه في الفَصلِ بما لَيسَ بصَحيحٍ ؛ و ذلكَ أنّه جَعَلَ الاستخلافَ مؤثِّراً و إنِ انضَمَّ إلَى النبوّةِ المُقتَضيةِ لِما تَضمَّنَه، و قالَ : «لَيسَ


1) . في «ب»: «كانت النبوّة لهارون».

2) . تقدّم في ص 306-308.

3) . في «ب»: «إلّا فيما يثبت». و في المطبوع: «إلّا ما يثبت».

4) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «أنّه».

5) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «أن يستمرّ».

6) . هكذا في «ج، ص، ف». و في سائر النسخ و المطبوع: «ثبوته». و الأصحّ : «ما تمنع نبوّته».

7) . و هو التنفير الذي تقدّم ذكره في ص 252-255.

8) . في «د، ص»: «و لم يجعل».

9) . في «ب»: «لم نعلم».

10) . في «ج، ص» و الحجري: «يتعلّق».

11) . في «ب، د»: - «أحد».

يَمتَنِعُ‌(1)أن يَكونَ للحُكمِ الواحدِ سببانِ و عِلّتانِ‌». و هذا ظاهرُ الفَسادِ(2)لأنّ الاستخلافَ و إن كانَ متىٰ لَم يَكُن(3)نُبوّةٌ مؤثِّراً، فإنّه لا تأثيرَ له مع النبوّةِ على وجهٍ مِن الوجوهِ‌، و وجودُه كعدمِه؛ لأنّ فائدةَ الاستخلافِ هي حصولُ وِلايةٍ للمُستَخلَفِ يَجِبُ به و يَصِحُّ فيها تَصرُّفُ المُستَخلِفِ بالعَزلِ و التبديلِ و رَفعِ اليدِ، فكَيفَ يَكونُ علىٰ هذا مَن له لِمَكانِ النبوّةِ القيامُ بأمرٍ من الأُمورِ - سَواءٌ كانَ ما يَقومُ به الأئمّةُ أو غيرَه مِن حقوقِ النبوّةِ - خَليفةً لِغَيرِه في ذلكَ الأمرِ و مُتَصرِّفاً فيه لِمَكانِ استخلافِه‌؟ و كَما أنّ الاستخلافَ لا تأثيرَ له إذا طَرأَ علىٰ أمرٍ تُوجِبُه(4)النبوّةُ‌، كذلكَ لَو تَقدَّمَ فأثَّرَ ثُمَّ طَرَأَت عليه النبوّةُ - و اقتَضَت التصرُّفَ في مُوجَبِه لِمَكانِها - لَزالَ (5)تأثيرُه، و ارتَفَعَ حُكمُه. و كَما أنّ في الأحكامِ ما له سببانِ و عِلّتانِ - كما ذُكِر - كذلكَ في الأسبابِ و العِلَلِ ما يَكونُ مؤثِّراً إذا انفَرَدَ، و إذا انضَمَّ إلىٰ ما هو أقوىٰ منه بَطَلَ تأثيرُه. و هذه الجُملةُ تُبيِّنُ أنّ استخلافَ موسىٰ (6)لأخيه لا بُدَّ أن يَكونَ

محمولاً علىٰ أمرٍ وَجَبَ (7)له التصرُّفُ فيه باستخلافِه، و ثَبَتَت(8)يدُه عليه مِن قِبَلِه.

قَالَ صاحبُ الكتابِ :

و بَعدُ، فإنّ وجودَ الشيءِ لا يَقتَضي وجوبَه؛ فَلو ثَبَتَ أنّ موسىٰ


1) . في «د»: «ليس يمنع».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «ظاهر فساده».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: + «بغير».

4) . في «ج، ص، ف»: «يوجبه».

5) . في «ج، ص، ف»: «أزالت». و في «ب»: «أزالته».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «أنّ استخلافه».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «يوجب».

8) . هكذا في «ج». و في «ف»: «و تثبت». و في سائر النسخ و المطبوع: «و يُثبت».

عليه السلامُ لَو ماتَ لَكانَ الذي يَخلُفُه هارونَ‌، لَم يَدُلَّ ذلكَ علىٰ وجوبِه(1)بَل كانَ لا يَمتَنِعُ أن يَكونَ مُخيَّراً؛ إن شاءَ استَخلَفَه، و إن شاءَ استَخلَفَ غيرَه، أو جَمَعَ بَينَ الكُلِّ‌، و إن شاءَ تَرَكَ‌(2)الأمرَ شُورىٰ لِيَختارَ صالِحو(3)أصحابِه مَن يَقومُ بالحُدودِ و الأحكامِ‌.

و إذا كانَ كُلُّ ذلكَ يَجوزُ(4)عندَنا، فكَيفَ يَصِحُّ الاعتمادُ عليه في وجوبِ النَّصِّ‌، علَى الوجهِ الذي يَذهَبونَ‌(5)إليه‌؟ و إنّما يوصَفُ الاستخلافُ بأنّه مَنزِلةٌ متىٰ وَجَبَ‌(6)لسببٍ‌(7)، فأمّا إذا وَقَعَ بالاختيارِ - علىٰ وجهٍ كانَ يَجوزُ أن لا يَحصُلَ ، و يَحصُلَ خِلافُه - فلا يَكادُ يُقالُ :

إنّه «مَنزِلةٌ »، فكَيفَ (8)يَدخُلُ ما جَرىٰ هذا المَجرىٰ تَحتَ الخبرِ؟

و كُلُّ ذلكَ يُقوّي أنّ المُرادَ بالخبرِ ما ذَكَرناه(9).

عدم توقّف الاستدلال بحديث المنزلة على الإمامة، علىٰ كون الاستخلاف واجباً أو مخيَّراً فيه

يُقالُ له: هذا كلامُ مَن هو ساهٍ عمّا نَحنُ معه فيه(10)لأنّ كلامَنا إنّما هو في أنّ


1) . من قوله: «فلو ثبت أنّ موسىٰ ...» إلىٰ هنا ساقط من المغني.

2) . في المغني: «أو جعل» بدل «و إن شاء ترك».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: - «صالحو».

4) . هكذا في «ب» و المغني. و في «ص»: «تجويزاً». و في سائر النسخ و المطبوع: «مجوّزاً».

5) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و المغني. و في «د» و المطبوع: «تذهبون».

6) . هكذا في المغني. و في النسخ و المطبوع: «وجبت».

7) . في «ج»: «بسبب».

8) . في «ج، ص، ف» و المغني: «و كيف».

9) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 180.

10) . في «ب، ج، ص، ف»: «فيه معه» بدل «معه فيه».

النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلهِ نَصَّ علىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ بالخِلافةِ بَعدَه، و جَعَلَ الإمامةَ فيه و له، دونَ غيرِه، و أنّ هذه منزِلةٌ له(1)منه؛ كما أنّ هارونَ لَو بَقيَ بَعدَ أخيه موسىٰ لَكانَ خَليفتَه بَعدَه.

فأمّا الكلامُ في أنّ النَّصَّ بالإمامةِ حَصَلَ علىٰ جِهةِ الوجوبِ‌، و أنّه ممّا كانَ يَجوزُ أن يَحصُلَ خِلافُه، و هَل كانَ‌(2)النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آله في ذلكَ مُخيَّراً أو غيرَ مُخيَّرٍ؟ فهو غيرُ ما نَحنُ فيه الآنَ‌، و غيرُ ما شَرَعتَ في حكايةِ أدِلّةِ أصحابِنا عليه؛ و الكلامُ فيه كلامٌ في مَسألةٍ أُخرىٰ‌(3)كالمُنفَصِلةِ عن النَّصِّ و إثباتِه.

و يَكفي أصحابَنا(4)فيما قَصَدوه بأدِلّتِهم التي حَكَيتَها(5)أن يَثبُتَ‌(6)لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ بَعدَ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه الإمامةُ و التصرُّفُ في تدبيرِ الأُمّةِ ؛ فبذلكَ (7)يَتِمُّ غرضُهم المقصودُ، و ما سِواه - مِن وجوبِ ذلكَ أو جَوازِه - لا تَشاغُلَ (8)لهم به في هذا المَوضِعِ .

بيان عدم وجوب الإمامة لشخصٍ بعينه

علىٰ أنّا نَقولُ له: نَحنُ نُنزِّلُ خِلافةَ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ للرسولِ صَلَّى اللّٰهُ


1) . في «ب، ف»: «هذه منزلته». و لم ترد كلمة «له» في «ب، ج، ص، ف».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: - «كان».

3) . و هي أنّ النبوّة و الإمامة مستحَقّة بعملٍ أو لا؟ و سوف تأتي هذه المسألة بالتفصيل بعد قليل.

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «أصحابه».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «حكيناها».

6) . في «ج، ف»: «أن تثبت».

7) . في «د» و المطبوع و الحجري: «بذلك».

8) . في المطبوع و الحجري: «لا شاغل».

عليه و آلِه علىٰ أُمّتِه بَعدَه(1)مَنزِلةَ نُبوّةِ موسىٰ مِن(2)هارونَ عندَكَ‌، و نَقولُ فيها ما تَقولُه أنتَ في نُبوّتِهما و نُبوّةِ غيرِهما مِن الأنبياءِ عليهم السلامُ‌؛ لأنّكَ لا تَقطَعُ في النبوّةِ علىٰ أنّ زَيداً بعَينِه كُلِّفَها علىٰ سَبيلِ الوجوبِ‌، بَل تُجَوِّزُ(3)أن يَتَساوَى اثنانِ أو جماعةٌ في حُسنِ أداءِ الشريعةِ و القيامِ بها(4)، و فيما يَتعلَّقُ بِهم مِن مَصلَحةِ المُكلَّفينَ‌، فيُكَلَّفَ أحَدُهم النبوّةَ‌(5)، و لا يَكونُ ذلكَ واجباً(6)لأنّ تكليفَ غيرِه مِمّن ساواه كتكليفهِ‌. و هذا هو قولُنا في الإمامةِ (7)بعَينِه؛ لأنّا لا نَرىٰ أنّ الإمامةَ مُستَحَقّةٌ بعملٍ و لا النبوّةَ ، كَما يَرىٰ ذلكَ بَعضُ مَن تَقدَّمَ مِن أصحابِنا(8)رَحِمَهم اللّٰهُ (9).

عدم دلالة حديث المنزلة علىٰ نظريّة الإمامة بكلّ تفاصيلها

فإن قالَ : إنّما أرَدتُ بما ذَكرتُه أنّ الخبرَ لَو سَلِمَ لخُصومي أنّه دالٌّ علَى النَّصِّ بالإمامةِ ، لَكانَ غيرَ دالٍّ (10)مِن الوجهِ الذي تَذهَبونَ إليه في وجوبِ الإمامةِ لِمَن(11)


1) . في «ب، ج، ص، ف»: - «بعده».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «مع».

3) . في «ج، ص، ف»: «يجوز».

4) . هكذا في «ب، ج، ص، ف». و في سائر النسخ و المطبوع: «في حسن القيام بأداء الشرائع».

5) . هكذا في «ب، ج، ص، ف». و في سائر النسخ و المطبوع: «فتكلّف النبوّة أحدهم».

6) . هكذا في النسخ. و في المطبوع: «و لا يكون ذلك إلّاواجباً».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «في الأئمّة».

8) . ذهب المصنّف رحمه اللّٰه إلىٰ أنّ النبوّة و الإمامة لا تكونان بالاستحقاق، بل بالتفضّل من اللّٰه تعالىٰ . و قد يرجع هذا الرأي إلىٰ إنكاره للعوالم المتقدّمة علىٰ عالَمنا مثل عالَم الذرّ. بينما ذهب بعض الإماميّة إلىٰ أنّ النبوّة و الإمامة تكونان بالاستحقاق. راجع: أوائل المقالات، ص 63-64؛ الشافي، ج 2، ص 200 و ما بعدها؛ رسائل الشريف المرتضى، ج 1، ص 113.

9) . في «ب، ج، ص، ف»: - «رحمهم اللّٰه».

10) . في «ب، ج، ص، ف»: «غير ذلك».

11) . في «ب، ج، ص، ف»: «فيمن».

يَحصُلُ له علىٰ وجهٍ لا يَجوزُ سِواه.

قُلنا: قد بيّنّا أنّ مَذهَبَنا بخِلافِ ذلكَ‌(1)، و هو مَذهبُ أكثَرِ الطائفةِ و المُحقِّقينَ منها(2)، و لنا فيه تفصيلٌ سنَذكُرُه(3). و هَبْ أنّ الكلامَ تَوجَّهَ إلىٰ مَن ذَهَبَ إلىٰ ذلكَ‌، أو أنّ الجماعةَ تَذهَبُ إليه(4)، كَيفَ يَكونُ واقعاً مَوقِعَه‌؟ و مَن هذا الذي ضَمِنَ لكَ‌(5)و تَكفَّلَ بأنّه يَدُلُّ بهذا الخبرِ المخصوصِ علىٰ جميعِ مَذاهبِه في الإمامةِ‌، حتّىٰ يَلزَمَه - مِن حَيثُ ذَهَبَ في الإمامةِ إلىٰ ما ذَكَرتَ - أن يَستفيدَ ذلكَ بالخبرِ، و يَكونَ الخبرُ دالاًّ عليه‌؟

و لِمَن ذَهَبَ إلَى المَذهبِ الذي ذَكَرتَه(6)أن يَقولَ‌: أنا و إن اعتَقَدتُ في وجوبِ الإمامةِ ما حَكَيتَه، فلي عليه دَلالةٌ غيرُ هذا الخبرِ، و إنّما أستَدِلُّ بالخبر علَى النَّصِّ بالإمامةِ علىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ ، و أنّه الإمامُ بَعدَ الرسولِ عليه السلامُ ؛ و ما

سِوىٰ ذلكَ - مِن وجوبِ هذه المَنزِلةِ أو جَوازِها - الطريقُ إليه غيرُ الخبرِ. و لَو لَزِمَني هذا لَلَزِمَكَ مِثلُه، إذا قيلَ لكَ (7): «إنّكَ (8)إذا كُنتَ تَعتَقِدُ أنّ القَديمَ تَعالىٰ قادرٌ لنفسِه(9)، فصِحّةُ الفِعلِ منه لَيسَ تَدُلُّ علىٰ كَونِه بهذه(10)الصفةِ علىٰ ما ذهبتُم إليه،


1) . و هو عدم وجوب الإمامة لشخص بعينه، و أنّ الإمامة غير مستحقّة، و قد تقدّم ذلك آنفاً.

2) . في «د»: «أكثر الطائفة من المحقّقين فيها». و في المطبوع: «أكثر الطائفة من المحقّقين منها».

3) . لعلّه يشير إلىٰ ما سوف يأتي بعد قليل من نفي وجود من يساوي الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله و أمير المؤمنين عليه السلام في أيّام ولايتهما، فراجع.

4) . الظاهر أنّه يعني بذلك جماعة الإماميّة و جمهورهم.

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «ذلك».

6) . و هو وجوب الإمامة لشخص بعينه بالاستحقاق.

7) . في «ب، ج، ص، ف»: - «لك».

8) . في «د»: - «إنّك».

9) . في «ب»: «قيّم بنفسه».

10) . في المطبوع: «علىٰ هذه».

و أكثَرُ ما تَدُلُّ‌(1)صِحّةُ الفِعلِ علىٰ كَونِه قادراً؛ فأمّا الوجهُ الذي كانَ قادراً منه، و(2)أنّه النفسُ دونَ المعنىٰ (3)، فغَيرُ مُستَفادٍ مِن صِحّةِ الفعلِ » و جُعِلَ ذلك قَدحاً في مَذهبِكَ و طريقتِكَ ، ما كانَ يُمكِنُكَ أن تَعتَمِدَ إلّاعلىٰ ما اعتَمَدناه بعَينِه(4)، و تُبيِّنَ أنّ صِحّةَ الفِعلِ دَلالةُ إثباتِه قادراً، و الطريقَ إلَى استنادِ هذه الصفةِ إلَى النفسِ أو المعنىٰ غيرُ هذا، و أنّه لَيسَ يَجِبُ مِن حَيثُ كانَ المَذهبُ يَشمَلُ (5)الأمرَينِ - أعني كَونَه قادراً، و أنّه كذلكَ للنفسِ - أن يُعلَما بدليلٍ واحدٍ مِن(6)طريقٍ واحدٍ.

نفي وجود مَن يساوي الرسول صلى الله عليه و آله و أمير المؤمنين عليه السلام في أيّام ولايتهما

فإن قيلَ : إذا كان مَذهبُكم في النبوّةِ و الإمامةِ ما شَرَحتموه، و رَغِبتم عن قولِ مَن ذَهَبَ فيهما(7)إلَى الاستحقاقِ ، أفتُجَوِّزونَ أن يَكونَ في زَمانِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و زمانِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ مَن(8)يُساوي كُلَّ واحدٍ منهما في القيامِ بما أُسنِدَ إليه، حتّىٰ لَو عُدِلَ بالأمرِ إليه لَقامَ به(9)هذا المَقامَ بعَينِه ؟

قُلنا: قد كانَ ذلك جائزاً، و إنّما عَلِمنا أنّه لَم يَقَعْ لدليلٍ مَنَعَ (10)منه، لا مِن حَيثُ


1) . في «ب، د» و المطبوع: «يدلّ ».

2) . في «ج، ص»: «و به».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «المعاني».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: - «بعينه».

5) . في «ب، د» و المطبوع: «يشتمل».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «و من».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «فيها».

8) . في «ج، ص، ف»: «أمير». و في «ب»: «أمر» بدل «مَن».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: - «به».

10) . في «ب، ج، ص، ف»: «يمنع».

الاستحقاقِ‌، و لا لأنّ‌(1)تَساويَ صفةِ مَن يَصلُحُ لهذه الأُمورِ - فيَكونُ تكليفُ هذا كتكليفِ ذلكَ - لا يَصِحُّ‌. و الذي نَقولُه: إنّه لَم يَكُن في زمنِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه مَن يُساويهِ في شَرائطِ النبوّةِ‌، و لا كانَ في زمانِ إمامةِ‌(2)أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ مَن يُساويهِ في جَميعِ شرائطِ الإمامةِ‌، و إن جازَ أن يَكونَ قَبلَ إمامتِه مَن يُساويهِ في ذلكَ في أيّامِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه.

و الوجهُ في المَنعِ ممّا ذَكرَناه: أنّه لَو جازَ ما مَنَعنا منه مِن الأمرَينِ‌، لَوَجَبَ في ذلكَ المُساوي للرسولِ أو الإمامِ أحَدُ الأمرَينِ‌: إمّا أن يَكونَ رَعيّةً لِمَن هو مُساوٍ له، أو خارجاً عن رَعيّتِه و مُستَثنىً به عليه(3).

و لَيسَ يَجوزُ أن يَكونَ رَعيّةً لِمَن يُساويهِ‌، كَما لا يَجوزُ أن يَكونَ رَعيّةً لِمَن يَفضُلُه، و قُبحُ أحَدِ الأمرَينِ كقُبحِ الآخَرِ. و هذا قد مَضىٰ فيما تَقدَّمَ مِن الكلامِ عندَ دَلالتِنا علىٰ أنّ إمامةَ المفضولِ لا تَجوزُ(4).

و لَيسَ يَجوزُ أن يَكونَ خارجاً عن رَعيّتِه؛ لأنّا قد عَلِمنا أنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه بُعِثَ إلىٰ سائرِ المُكلَّفينَ‌، و أنّه لا أحَدَ منهم إلّاو تَجِبُ (5)طاعتُه عليه و التصرُّفُ علىٰ أمرِه و نَهيِه، و كذلكَ نَعلَمُ (6)أنّ إمامةَ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ عامّةٌ لسائرِ المُكلَّفينَ ، و أنّ أحَداً منهم لا يَخرُجُ عنها(7)لأنّ كُلَّ مَن أوجَبَها بَعدَ


1) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «لأنّ ».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: - «إمامة».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «و يستنّ به».

4) . تقدّم في ج 2، ص 272 و ما بعدها.

5) . في «ب، د، ص، ف» و الحجري: «و يجب».

6) . في «ب، ص»: «يعلم».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «منها».

الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(1)أوجَبَها علىٰ هذهِ الصفةِ ، و الإجماعُ يَمنَعُ مِن(2)تخصيصِها بَعدَ ثُبوتِها.

فبهذا عَلِمنا أنّه لَم يَكُن في أزمانِهما عليهما السلامُ (3)مَن يُساويهِما، لا مِن الوجوهِ الفاسدةِ التي اعتمَدَها(4)غيرُنا.

بيان الفرق بين الاستخلاف في حياة الرسول صلى الله عليه و آله، و بعد وفاته

فإن قيلَ‌: فإذا(5)كانت خِلافةُ هارونَ لموسىٰ عليه السلامُ في حياتِه إنّما ثَبَتَت باختيارِه - لأنّكم لا توجِبونَ فيما جَرىٰ‌(6)هذا المَجرىٰ مِن الاستخلافِ أن(7)يَكونَ بأمرِ اللّٰهِ تَعالىٰ ؛ لأنّ ذلكَ يوجِبُ عليكم أن يَكونَ اللّٰهُ تَعالىٰ هو الذي يَنُصُّ علىٰ أُمَراءِ الإمامِ و حُكّامِه و قُضاتِه و جميعِ خُلَفائه - و كانَ استمرارُها إلىٰ بَعدِ الوفاةِ إنّما وَجَبَ أيضاً مِن حَيثُ ثَبَتَت(8)له في الحياةِ ، و لَم يَجُز له صَرفُه عنها، فهو عائدٌ في المعنىٰ إلىٰ أمرٍ غيرِ واجبٍ ، بَل تابعٍ للاختيارِ؛ فيَجِبُ أن تَقولوا(9)في إمامةِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ بَعدَ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه مِثلَ ذلكَ ، و تَجعَلوها(10)راجعةً إلَى


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «عليه السلام».

2) . في «ج، ص»: «عن».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: - «عليهما السلام».

4) . في «ب»: «اعتمد بها».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «إذا».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «يجري».

7) . في المطبوع و الحجري: «لمن».

8) . في «ج، ص، ف»: «يثبت».

9) . في «ب، ص»: «أن يقولوا».

10) . في «ب، ص»: «و يجعلوها».

اختيارِ الرسولِ ؛ لأنّها مُشَبَّهةٌ (1)بها و محمولةٌ عليها، و مَذهبُكم يُخالِفُ ذلكَ .

قُلنا: ألَيسَ قد بيّنّا فيما تَقدَّمَ أنّه لا مُعتَبَرَ(2)في بابِ حَملِ مَنازِلِه عليه السلامُ علىٰ مَنازِلِ هارونَ مِن موسىٰ بالأسبابِ و العِلَلِ و الجِهاتِ‌، و أنّ التشبيهَ وَقَعَ بَينَ المَنازِلِ و ثُبوتِها(3)، لا بَينَ جِهاتِها، و أشبَعنا القولَ في ذلكَ؟(4)فكَيفَ يَلزَمُنا ما ظَنَنتَه‌؟

و إنّما جازَ أن يَكونَ استخلافُ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه في حياتِه مَوقوفاً علَى اختيارِه، و استخلافُه بَعدَ وفاتِه بنَصٍّ مِن اللّٰهِ تَعالىٰ‌؛ لأنّ خَليفتَه في حياتِه لا يَجِبُ

أن يَكونَ مَعصوماً و لا حُجَّةً ، و خَليفتَه بَعدَ مَوتِه(5)لا بُدَّ مِن كَونِه كذلكَ ؛ فالنصُّ عليه مِن اللّٰهِ تَعالىٰ واجبٌ .

بيان عموم وصف الاستخلاف بأنّه منزلة، سواء كان الاستخلاف واجباً أو اختياريّاً

فأمّا قولُ صاحبِ الكتابِ‌: «إنّ الاستخلافَ إنّما يوصَفُ بأنّه مَنزِلةٌ متىٰ وَجَبَ لسببٍ‌(6)فأمّا إذا وَقَعَ بالاختيارِ علىٰ وجهٍ كانَ يَجوزُ أن لا يَحصُلَ [و يَحصُلَ خِلافُه]، فلا يَكادُ يُقالُ‌: إنّه مَنزِلةٌ‌».

فإنّه(7)كَثيراً ما يَدَّعي في(8)هذه الطريقةِ بما لا يَزيدُ فيه علَى الدَّعوىٰ ، و يَتحجَّرُ في قَصرِها علىٰ أمرٍ واحدٍ مِن غيرِ دليلٍ و لا شُبهةٍ . و هذا يُشبِهُ ما ذَكرَه مُتَقدِّماً


1) . في «د»: «مشتبهة».

2) . في «ب»: «لا يعتبر».

3) . في «د» و المطبوع: «أو ثبوتها».

4) . تقدّم في ص 284-288.

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «بعد وفاته».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «بسبب».

7) . في «ج، ص»: «فإنّ ».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: - «في».

مِن أنّ المَنزِلةَ لا تُستَعمَلُ إلّابمعنَى المَحَلِّ و المَوقِعِ‌(1)مِن القَلبِ‌، دونَ ما يَرجِعُ إلَى الوِلاياتِ‌.(2)

و قد بيّنّا بُطلانَ ما ظَنَّه(3)بما يُبيّنُ‌(4)أيضاً بُطلانَ دَعواه هذه؛ لأنّه قد يُقالُ‌: «فُلانٌ بمَنزِلةِ فُلانٍ‌»، و «قد أنزَلتُ زَيداً مَنزِلةَ‌(5)عَمرٍو» في الأُمورِ و الوِلاياتِ التي لَيسَت بواجبةٍ‌، كنَحوِ الوَكالةِ‌، و الوَصيّةِ‌، و التفضُّلِ بالعَطيّةِ‌، و غيرِ ذلكَ ممّا لا سببَ يوجِبُه؛ فكَيفَ يَدَّعي(6)أنّ اللفظَ يَختَصُّ بما له سببُ وجوبٍ ، و العُرفُ يَشهَدُ باستعمالِها في الكُلِّ؟

و فيما قد أورَدناه كفايةٌ في فَسادِ جميعِ ما تَعلَّقَ به في هذا البابِ .


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «و الموضع».

2) . تقدّم في ص 334-336.

3) . تقدّم في ص 339-340.

4) . في «ب، ص»: «بما بيّن».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «بمنزلة».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «فكيف يدلّ علىٰ ».

الدليل العاشر استخلافُ الرسولِ صلى الله عليه و آله عليّاً عليه السلام علَى المَدينةِ

اشارة

الدليل العاشر استخلافُ الرسولِ صلى الله عليه و آله عليّاً عليه السلام علَى المَدينةِ (1)

قالَ صاحبُ الكتابِ :

دليلٌ لهم آخَرُ:

و رُبَّما استَدَلّوا باستخلافِه [صَلَّى اللّٰهُ عليهما إيّاه](2)بَعدَ الغَيبةِ‌(3)علَى المَدينةِ و نَصِّه علىٰ مَن يَخلُفُه(4)، علىٰ وجوبِ الاستخلافِ و النصِّ بَعدَ المَوتِ‌؛ لأنّ المَوتَ أقوىٰ في ذلكَ مِن الغَيبةِ‌، و لأنّ الغرضَ طلبُ الصلاحِ‌، و المَوتُ بذلكَ أَولىٰ مِن حالِ الغَيبةِ‌.

ثُمّ قالَ :

و هذا إنّما كانَ يَجِبُ لَو(5)ثَبَتَ لهُم أنّه عليه السلامُ استَخلَفَ ، و كانَ لا بُدَّ مِن(6)أن يَستَخلِفَ ، فيُقاسُ حالُ المَوتِ عليهِ . فأمّا إذا قُلنا:


1) . سوف ينفي المصنّف رحمه اللّٰه دلالة هذا الدليل علىٰ إمامة أمير المؤمنين عليه السلام.

2) . ما بين المعقوفين من المغني.

3) . في المغني: - «بعد الغيبة».

4) . في المغني: - «و نصّه علىٰ من يخلفه».

5) . في المغني: «إن».

6) . في المطبوع و الحجري: - «من».

إنّه كانَ يَجوزُ أن لا يَستَخلِفَ‌، و إنّما استَخلَفَ‌(1)باختيارِه، و(2)علىٰ‌

وجهِ الاستظهارِ، لا علىٰ وجهِ الوجوبِ‌؛ فيَجوزُ(3)أن يَكونَ المَوتُ بمَنزِلتِه.

و بَعدُ، فإنّ ذلكَ إنّما يَدُلُّ علىٰ أنّ الإمامَ عندَ الغَيبةِ يَجِبُ أن يَستخلِفَ‌؛ فمِن أينَ أنّه لا بُدَّ مِن إمامٍ بَعدَ المَوتِ؟

فإن قالَ‌: لأنّ المَوتَ أَوكَدُ مِن الغَيبةِ .

قيلَ له: إنّما كانَ يَجِبُ [ذلكَ ](4)لَو ثَبَتَ أنّه استَخلَفَ في حالِ الغَيبةِ مِن حيثُ لَم يَكُن مُقيماً. فأمّا إذا لَم يَثبُتْ ذلكَ ، فمِن أينَ أنّ المَوتَ أَوكَدُ في ذلكَ ، و قد كانَ يَجوزُ مِن جِهةِ المَصلَحةِ أن يُفارِقَ أحَدُهما الآخَرَ؟(5)

نفي دلالة الاستخلاف على المدينة، على النصّ علىٰ أمير المؤمنين عليه السلام

يُقالُ له: مِن العَجَبِ إيرادُك ما حَكَيتَه علىٰ أنّه استدلالٌ لنا علَى النَّصِّ علىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ بعَينِه، و إدخالُكَ ذلكَ في جُملةِ الأدِلّةِ التي نَعتَمِدُها في هذا البابِ‌، و ما نَظُنُّ أنّ أحَداً - يَستَعمِلُ مَعَنا بعضَ حُسنِ الظنِّ‌(6)- يَتَّهِمُنا بمِثلِ هذا، و يَظُنُّ أنّا نَستَدِلُّ‌(7)علَى الشيءِ بما لا تَعلُّقَ له به علىٰ وجهٍ !


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «يستخلف».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: - «و».

3) . في المغني: «فيجب».

4) . ما بين المعقوفين من المغني.

5) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 181.

6) . في «ب»: «و ما يُظنّ أنّ أحداً يستعمل معنىٰ بعض من حسن الظنّ ».

7) . في «ج، ص»: «و يُبطل أن يُستدلّ ».

و ما نَشُكُّ في أن لَيسَ‌(1)سببُ إيرادِك هذا(2)إلّالأنْ تَقولَ ما قُلتَه في آخِرِ كلامِكَ‌:

«و أيُّ تَعلُّقٍ لذلكَ بالنَّصِّ علىٰ فُلانٍ‌، و لَيسَ ذلكَ بأن يَدُلَّ علَى النَّصِّ علىٰ واحدٍ بأَولىٰ مِن [أن يَدُلَّ علىٰ‌] غيرِه‌؟(3)»

هذا(4)، مع قولِكَ في أوّلِ الفَصلِ‌: «و رُبَّما استَدَلّوا بكَذا و كَذا علىٰ وجوبِ الاستخلافِ و النَّصِّ‌». و هذا القولُ يَقتَضي أن لا تَقولَ ما قُلتَه في آخِرِ الفَصلِ‌؛ لأنّك لَم تَحكِ عنّا الاستدلالَ‌(5)علىٰ منصوصٍ عليه مُعيَّنٍ‌، فتَعجَبَ مِن الطريقةِ‌.

و علىٰ كُلِّ حالٍ‌، فلا معنىٰ لإيرادِكَ هذه الطريقةَ في هذا المَوضِعِ‌؛ لأنّها إن حُكِيَت علىٰ أنّها طَريقةٌ في وجوبِ النَّصِّ علَى الجُملةِ ، فلَيسَ هذا مَوضِعَه، و لا هو في حِكايةِ الأدِلّةِ عليه. و إن حُكِيَت علىٰ أنّها طَريقةٌ في النصِّ (6)علىٰ إنسانٍ بعَينِه، فلا أحَدَ يَستَدِلُّ بها علىٰ ذلكَ ، و نَفسُ ترتيبِه لها و حِكايتِه تَدُلُّ علىٰ خِلافِ هذا المعنىٰ .

دلالة استخلاف الرسول صلى الله عليه و آله في حال غيبته في حياته، علىٰ وجوب النصّ بعد وفاته

ثُمّ يُقالُ له: قد استَدَلَّ بعضُ أصحابِنا بهذه الطريقةِ علىٰ وجوبِ النَّصِّ‌(7)بَعدَ الوفاةِ ، و هي طَريقةٌ قَريبةٌ (8)يُمكِنُ أن تُعتَمَدَ و تُنصَرَ؛ و الوجهُ في نُصرَتِها: أنّنا إذا


1) . في «ب، د، ص، ف»: - «ليس».

2) . في «ج، ص، ف»: «لهذا». و في «ب»: «بهذا».

3) . في «ج، ص»: «بأولىٰ منه على غيره». و تمام الكلام في المغني هكذا: «و بعد، فإنّ ذلك ليس بأن يدلّ على النصّ علىٰ واحدٍ بأولىٰ من أن يدلّ علىٰ غيره، و لا يمكنهم أن يتعلّقوا بذلك في وجوب النصّ علىٰ أمير المؤمنين» علىٰ ما سيأتي في ص 371.

4) . في «د» و المطبوع: «و هذا».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «لأنّك لم تخلّ بالاستدلال».

6) . من قوله: «على الجملة، فليس هذا موضعه...» إلىٰ هنا ساقط من «ب، ج، ص، ف».

7) . أي وجوب أصل النصّ ، لا النصّ علىٰ إنسان معيّن؛ فهو قد نفىٰ صحّة ذلك قبل قليل.

8) . في «ج، ص، ف»: «قويّة».

رأيناه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(1)يَستَخلِفُ في أحوالِ الغَيبةِ علَى الاستمرارِ و مع اختلافِ الأحوالِ‌، دَلَّنا ذلكَ علىٰ أنّه ما فَعَلَه إلّالسببٍ‌(2)يَقتَضيهِ‌؛ لأنّه لَو كانَ لغَيرِ(3)سببٍ و ممّا منه(4)بُدٌّ و عنه غِنىً‌، لَم تَستَمِرَّ الأحوالُ به، و لَجازَ(5)أن يَفعَلَ تارةً و لا يُفعَلَ أُخرىٰ‌، كسائرِ الأُمورِ التي كانَ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه يَفعَلُها مِن غيرِ سببِ وجوبٍ‌.

و إذا استَقرَّت هذه الجُملةُ - و تَأمَّلْنا(6)ما يَجوزُ أن يَكونَ مُقتَضياً لذلكَ و كالسببِ (7)فيه، فلَم نَجِدْه إلّاأنّه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه مع الغَيبةِ لا يُمكِنُه مِن(8)سياسةِ الأُمّةِ و تدبيرِهم و القيامِ بأُمورِهم ما كانَ يُمكِنُه مع الحضورِ - وَجَبَ أن يَتَساوىٰ حالُ الغَيبةِ و حالُ المَوتِ في وجوبِ الاستخلافِ ؛ بَل كانَ لحالِ المَوتِ المَزيّةُ الظاهرةُ في عِلّةِ الاستخلافِ (9)و سببِه؛ لأنّ مع الغَيبةِ في أحوالِ الحياةِ قد يُمكِنُ مِن تدبيرِ الأُمّةِ و مُراعاةِ أُمورِهم ما لا يُمكِنُه(10)علىٰ وجهٍ بَعدَ الوفاةِ .

و في صِحّةِ ما ذَكرناه سُقوطٌ لِما(11)اعتَرَضَ به، و بُطلانٌ لقَولِه أيضاً: «و قد كانَ يَجوزُ مِن جِهةِ المَصلَحةِ أن يُفارِقَ أحَدُهما الآخَرَ»؛ لأنّه إذا لَم يَكُن في


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «عليه السلام»، و هكذا في الموارد الآتية.

2) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «بسبب».

3) . في المطبوع: «بغير».

4) . في «ج، ص»: «عنه».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: - «لجاز».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «و بان لنا».

7) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و كان لسبب».

8) . في «د» و المطبوع و الحجري: «عن».

9) . قوله: «بل كان لحال الموت المزيّة الظاهرة في علّة الاستخلاف» ساقط من «ب، ج، ص، ف».

10) . في «ب، ج، ص، ف»: «ما لا يمكن».

11) . في «ب، ج، ص، ف»: «ما».

ذِكرِ وجهِ الاستخلافِ (1)في الغَيبةِ في أحوالِ الحياةِ إلّاما ذَكرناه ممّا تُساوي فيه أحوالُ الوفاةِ أحوالَ الحياةِ ، و تَزيدُ(2)تأكُّداً، لَم يَجُزْ أن يُفارِقَ أحَدُ الأمرَينِ الآخَرَ مِن جِهةِ المَصلَحةِ .

قالَ صاحبُ الكتابِ :

و قد ثَبَتَ أنَّ في حالِ الغَيبةِ يَجوزُ أن يَستَخلِفَ جماعةً‌، و قد كانَ النبيُّ عليه السلامُ‌(3)يَستَخلِفُ علَى البُلدانِ‌(4)التي هو غائبٌ عنها(5)جماعةً‌، و لا يَقتَصِرُ علىٰ واحدٍ. فلَو قالَ قائلٌ‌: إنّ المَوتَ إذا كانَ آكَدَ(6)مِن

الغَيبةِ‌، فكانَ يَجِبُ‌(7)أن يَستَخلِفَ علىٰ كُلِّ بلدٍ واحداً، إذا كانَ يَجوزُ ذلكَ‌(8). فإن قالَ‌: «نَعَم» لَزِمَه النصُّ علىٰ أئمّةٍ‌. و إن قالَ‌: «لا يَجِبُ ذلكَ » فقَد نَقَضَ ما اعتَمَدَ عليه.

و قد ثَبَتَ أنّه عليه السلامُ عندَ الغَيبةِ كانَ يَستَخلِفُ جماعةً كُلَّ مَرّةٍ غيرَ التي يَستَخلِفُ في غَيرِها، و ذلكَ (9)يَدُلُّ علىٰ أنّه كانَ يَفعَلُ ذلكَ باختيارٍ و اجتهادٍ، لا عن نَصٍّ . فإن كانَ عندَهم أنّ المَوتَ كالغَيبةِ ، فيَجِبُ أن


1) . في «ب، ج، ف»: «في ذلك الاستخلاف» بدل «في ذكر وجه الاستخلاف».

2) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و يزيد».

3) . في بعض النسخ و المطبوع: «صلّى اللّٰه عليه و آلِه و سلّم». و هكذا في الموارد الآتية.

4) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «على المكان و البلدان».

5) . في المغني: «التي كان غائباً عنها».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «أوكد». و في المغني: «إذا كان الموت أبلغ».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «فبأن يجب». و في المغني: «فيجب».

8) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و المغني. و في «د» و المطبوع: «كان يجوز ذلك أو لا؟» بدل «إذاكان يجوز ذلك».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: «فذلك».

يَكونَ الإمامُ بَعدَه ثابتَ الإمامةِ باختيارٍ و اجتهادٍ، لا عن نَصٍّ (1).

و بَعدُ، فكَما أنّه عليه السلامُ استَخلَفَ في حالِ الغَيبةِ ، فقَد ثَبَتَ في أُمَرائِه أنّهم استَخلَفوا في حالِ الغَيبةِ و بَعدَ المَوتِ ؛ فيَجِبُ أن لا يَدُلَّ ذلكَ علىٰ أنّه المُختَصُّ بإقامةِ الإمامِ ، بَل قد يَجوزُ لغَيرِه أن يَشرَكَه فيه؛ و ذلكَ (2)يُصحِّح ما نَقولُه.

و بَعدُ، فإنّ ذلكَ لَيسَ بأن يَدُلَّ علَى النصِّ‌(3)علىٰ واحدٍ بأَولىٰ (4)مِن أن يَدُلَّ علىٰ غيرِه، فلا يُمكِنُهم أن يَتعلَّقوا بذلكَ في وجوبِ النصِّ علىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ . و قد بيّنّا أنّه لا يُمكِنُهم أن يَقولوا: «إذا(5)ثَبَتَ النصُّ فلا قولَ إلّاما نَذهَبُ إليه»؛ و ذلكَ لأنّا قد بيّنّا أنّ الجمعَ العظيمَ قد قالوا بالنصِّ علىٰ أبي بَكرٍ، و بيّنّا القولَ في ذلكَ (6).

بيان الفرق بين أصل الاستخلاف و بين عدد المستخلَفين في الوجوب و عدمه

يُقالُ له: أمّا المَدينةُ ، التي تَضمَّنَ الدليلُ ذِكرَها بَعينِها، فلَم يَستَخلِفْ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(7)عليها عندَ غَيبتِه عنها إلّاالواحدَ.

و بَعدُ، فإنّ المُبتَغىٰ بهذه الطريقةِ مِن الاستدلالِ وجوبُ الاستخلافِ ، لا كَيفيّتُه


1) . من قوله: «فإن كان عندهم أنّ الموت...» إلىٰ هنا ساقط من المغني.

2) . في «ج، ص»: «فذلك».

3) . في المغني: - «على النصّ ».

4) . في المغني: «أولىٰ ».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «لمّا».

6) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 181-182.

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «عليه السلام»، و هكذا في الموارد الآتية.

و لا عَدَدُ المُستَخلَفين، و قد ثَبَتَ وجوبُ الاستخلافِ بما رَتَّبناه مِن الكلامِ‌(1)، و لَيسَ يَجري عَدَدُ المُستَخلَفينَ مَجرَى الاستخلافِ علَى الجُملةِ في الوجوبِ‌؛ أ لا تَرىٰ أنّه عليه السلامُ مع الغَيبةِ قد كانَ يَستَخلِفُ علَى البُلدانِ الواحدَ تارةً‌،

و الجماعةَ أُخرىٰ‌، و يَختَلِفُ فِعلُه عليه السلامُ في ذلكَ‌(2)بحَسَبِ اختلافِ المَصلَحةِ‌، و لَم يَختَلِفْ فِعلُه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه في الاستخلافِ المُطلَقِ؟ فأوجَبنا ما لَم يَختَلِفِ الحالُ فيه(3)مِن مُطلَقِ الاستخلافِ‌، و لَم نوجِبْ ما اختَلَفَ مِن عَدَدِ المُستَخلَفينَ ؛ فلَم يَلزَمْ علىٰ ما ذَكرناه أن يَنُصَّ علىٰ أميرِ كُلِّ بَلَدٍ(4)بَعدَ وفاتِه.

علىٰ أنّه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه في أحوالِ حياتِه قد كانَ يُوَلّي الأميرَ الكُورَةَ (5)و يَجعَلُ إليه الاستخلافَ في أطرافِها و بُلدانِها، فكذلكَ (6)لا يَمتَنِعُ أن يَنُصَّ علىٰ إمامةِ واحدٍ بَعدَه(7)، و يَجعَلَ إليه الاستخلافَ علَى الأمصارِ و البُلدانِ .

نفي دلالة تبديل الخلفاء علىٰ عدم النصّ

فأمّا تبديلُه الخُلَفاءَ و أنّ (8)ذلكَ يَدُلُّ علىٰ أنّه كانَ يَفعَلُ ذلكَ برأيِه و اجتهادِه لا


1) . تقدّم آنفاً في ص 368-370.

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «في الاستخلاف».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «فيه الحال».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «علىٰ أمر كلّ بلدة».

5) . في «ج، ص»: «بكورة». و الكُورَة: المدينة، و الصُّقع (أي الناحية). و المراد هنا الثاني. راجع: لسان العرب، ج 5، ص 156 (كور)؛ القاموس المحيط، ج 2، ص 989 (صقع).

6) . في «ج، ص»: «و كذلك».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: - «بعده».

8) . في «ب، ج، ص»: «فإنّ ».

عن نصٍّ‌؛ فلَيسَ يُعلَمُ‌(1)مِن أيِّ وجهٍ يَدُلُّ ما(2)ذَكرَه علىٰ ما ظَنَّه‌؟ و لَيسَ في إبدالِ الخُلفاءِ ما يَقتَضي أنّ استخلافَهم صادرٌ عن رأيٍ و اجتهادٍ، كَما أنّه لَيسَ في إبدالِ الشرائعِ بغَيرِها ما يَدُلُّ علىٰ ذلكَ‌. و لَيسَ يَمتَنِعُ أن تَختَلِفَ (3)المَصلَحةُ ، فيَختَلِفَ المُستَخلَفونَ و إن كانوا منصوصاً عليهم.

و لَو كانَ الأمرُ علىٰ ما ظَنَّه و ادَّعاه، لَم يَكُن فيه علينا حُجّةٌ ؛ لأنّ مَن استَدَلَّ بهذه الطريقةِ مِن أصحابِنا، لَم يَرجِعْ إليها في أكثَرَ مِن أنّ النصَّ واجبٌ مِن الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه؛ فأمّا كَونُه مفعولاً بأمرِ اللّٰهِ تَعالىٰ أو باختيارٍ و اجتهادٍ، فالمَرجِعُ فيه إلىٰ غيرِ ذلكَ .

نفي دلالة استخلاف الأُمراء لغيرهم، علىٰ مشاركتهم للرسول صلى الله عليه و آله في إقامة الإمام

فأمّا تَعلُّقُه باستخلافِ أُمَرائه، و تَوصُّلُه إلىٰ أن يَكونَ غيرُه مُشارِكاً له(4)في إقامةِ الإمامِ فباطلٌ ؛ لأنّ أُمَراءَه إنّما ساغَ لهم الاستخلافُ مِن حَيثُ جَعَلَ عليه السلامُ

ذلكَ إليهم، و استَخلَفَهم فيه كما استَخلَفَهم علَى التصرُّفِ في الأعمالِ ؛ فالأصلُ هو(5)استخلافُه عليهم، و عَروضُ ذلكَ أن يَستَخلِفَ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(6)بَعدَه رئيساً يُشيرُ إليه بعَينِه، و يُفوِّضُ إليه الاستخلافَ ، فأمّا أن يَجعَلَ عَروضَه الإهمالَ و التعويلَ على اختيارِ الأُمّةِ فهو بَعيدٌ منه جِدّاً.


1) . في «ج، ص، ف»: «فليس نعلم».

2) . في المطبوع و الحجري: «بما».

3) . في «ج، د، ص» و الحجري: «أن يختلف».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «أن يكون غير مشارك له».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: - «هو».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «عليه السلام».

و لَيسَ لهُم أن يَجعَلوا النصَّ علىٰ صفةِ المُختارينَ يَجري مَجرَى النصِّ علىٰ عَينِ (1)الأميرِ في حالِ حياتِه، و اختيارَ مَن نَصَّ علىٰ صفتِه(2)لِمَن(3)يَختارونَه يَجري مَجرَى استخلافِ الأميرِ مَن يَستَخلِفُه.

و ذلكَ‌ أنّا لَم نَجِدْه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(4)، مع اختلافِ الأحوالِ و تَغيُّرِها، نَصَّ في حياتِه علىٰ صفةِ مَن استَخلَفَه علَى البُلدانِ دونَ عَينِه، و لَم نَرَ له(5)صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه في حياتِه إلّاخَليفةً نَصَّ علَى استخلافِه، أو نَصَّ علىٰ عَينِ مُستَخلَفِه؛ فيَجِبُ - إذا كانَت الحالُ (6)الداعيةُ إلىٰ ذلك بَعدَ الوفاةِ آكَدَ - أن يُحكَمَ بأنّ الأمرَ جَرىٰ علىٰ ما كانَ جارياً عليه في الحياةِ .

فأمّا قولُه: «و بَعدُ، فإنّ ذلكَ لَيسَ بأن يَدُلَّ علَى النصِّ علىٰ واحدٍ بأَولىٰ مِن [أن يَدُلَّ علىٰ ] غيرِه» فهو علىٰ ما ذَكرَه، و قد تَقدَّمَ مِن كلامِنا في هذا المعنىٰ ما فيه كِفايةٌ (7).


1) . في «ب، د»: «غير».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «على صفة».

3) . في المطبوع: «أن». و في «ب، ج، ص»: «لم».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «عليه السلام» في الموضعين.

5) . في «ب، د»: «و لم يولّه».

6) . في «ب»: «الحالة».

7) . تقدّم في ص 358-359.

الدليل الحادي عشر حديث: «أنتَ أخي، و وَصيّي، و خَليفَتي مِن بَعدي، و قاضي دَيني»

اشارة

قالَ صاحبُ الكتابِ :

دليلٌ لهم آخَرُ: و احتَجّوا بما رَوَوا عنه(1)صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه أنّه قالَ لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ‌(2): «أنتَ أخي، و وَصيّي، و خَليفَتي مِن

بَعدي، و قاضي دَيني»(3)قالوا: و لَيسَ‌(4)في تفويضِ الأمرِ إليه دَلالةٌ‌(5)أوكَدُ مِن ذلكَ ؛ لأنّه لَو اقتَصَرَ علىٰ قولِه: «أنتَ وَصيّي» لَكَفىٰ ، و لَو اقتَصَرَ علىٰ قولِه: «خَليفَتي مِن بَعدي» لَكَفىٰ ، و كذلكَ قولُه: «قاضي


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «بما روي عن النبيّ ». و في المغني: «بما روي عنه».

2) . في المغني: «عليهما السلام» بدل «صلّى اللّٰه عليه و آله» و «عليه السلام».

3) . الخصال، ج 2، ص 415، ح 5؛ عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 2، ص 6، الباب 30، ح 13، و ص 10، ح 23؛ الأمالي للطوسي، ص 517، المجلس 18، ح 38/1131؛ الاحتجاج، ج 1، ص 78؛ تاريخ الطبري، ج 2، ص 321؛ تهذيب الآثار، ص 62، ح 127؛ الكامل لابن الأثير، ج 2، ص 63؛ كنز العمّال، ج 13، ص 114، ح 36371؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 42، ص 49-50، الرقم 4933؛ ينابيع المودّة، ج 2، ص 289، ح 825، مع اختلاف يسير.

4) . في «ب»: «أ وَ ليس». و في «د»: «فليس». و في المطبوع: «أ فليس».

5) . في المطبوع: + «له».

دَيني»؛ لأنّه لا يَكونُ كذلكَ إلّاو هو النائبُ عنه القائمُ مَقامَه(1).

قالوا: و قد رُويَ‌: «و قاضي دِيني» بكَسرِ الدالِ‌، و ذلكَ يَدُلُّ علىٰ أنّه الإمامُ بَعدَه بأقوىٰ ممّا يَدُلُّ‌(2)ما تَقدَّمَ‌؛ لأنّه قد أبانَ بذلكَ أنّه الذي يَقومُ بأداءِ شَريعتِه بَعدَه. و كُلُّ ذلكَ يُبيِّنُ ما قُلناه(3).

ثُمّ قالَ‌:

و اعلَمْ أنّ عندَ شُيوخِنا(4)هذا الخبرُ يَجري مَجرىٰ أخبارِ الآحادِ، و الألفاظُ المذكورةُ فيه مُختَلِفةٌ‌؛ ففيها(5)ما هو أظهَرُ مِن بعضٍ‌؛ لأنّ قولَه:

«أنتَ وَصيّي» أظهَرُ مِن غيرِه، و مع تسليمِ ذلكَ فإنّهم(6)قد تَكلَّموا عليه؛ فأمّا قولُه: «أنتَ أخي» فسنَذكُرُ(7)القولَ فيه في بابِ‌(8)حَديثِ المؤاخاةِ‌(9).

و أمّا(10)قولُه: «أنتَ وَصيّي» فلا يَدخُلُ تحتَ الوصيّةِ إلّاما يَختَصُّ المُوصيَ مِن الأحوالِ‌، دونَ (11)ما يَتعلَّقُ بالدِّينِ و الشَّرعِ (12).


1) . من قوله: «قالوا: و ليس في تفويض الأمر إليه...» إلىٰ هنا ساقط من المغني، و بدله فيه: «لأنّه لا يكون كذلك إلّاو هو الذي يقوم عند القيام مقامه».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «ما يدلّ ».

3) . في المغني: - «و كلّ ذلك يبيّن ما قلناه».

4) . هكذا في النسخ. و في المطبوع و المغني: + «أنّ ».

5) . في المغني: «ففي بعضها».

6) . هكذا في المغني. و في المطبوع: «أنّهم». و في النسخ: - «فإنّهم».

7) . في «ب»: «فنذكر».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: - «باب».

9) . من قوله: «فأمّا قوله: أنت أخي...» إلىٰ هنا ساقط من المغني.

10) . في «ب»: «فأمّا».

11) . في «ب»: + «بعض».

12) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 182.

ثُمّ أطنبَ في ذلكَ بما جُملتُه أنّ الوصيّةَ لا يَدخُلُ تحتَها معنَى الإمامةِ‌(1)، إلىٰ أن قالَ‌:

فأمّا قولُه: «و قاضي دَيني» فهو بعضُ ما تَناوَلَته(2)الوصيّةُ‌، فإذا كانَت لا تَدُلُّ علَى الإمامةِ‌(3)فبأنْ لا يَدُلَّ ذلكَ عليها أَولىٰ‌(4). و إنّما الشُّبهةُ في الوصيّةِ المُطلَقَةِ‌، فأمّا إذا خُصَّت(5)بأمرٍ مخصوصٍ فلا شُبهةَ فيها.

فأما مَن رَوىٰ ذلكَ بكَسرِ الدالِ فقَد أبعَدَ(6)مِن جِهةِ الروايةِ‌؛ لأنّ‌(7)المشهورَ ما قَدَّمناه.

و قد قالَ شَيخُنا أبو هاشِمٍ‌: إنّ هذا اللفظَ مُضطَرِبٌ‌؛ لأنّ‌(8)القَضاءَ لا يُستَعمَلُ إلّافي الدَّينِ ، فأمّا في أداءِ الشرائعِ (9)و الدِّينِ فلا يُستَعمَلُ ؛ فإذا أُريدَ به معنَى الإخبارِ قالوا: قَضَينا(10)إليه، كَما قالَ تَعالىٰ :

(وَ قَضَيْنٰا إِلىٰ بَنِي إِسْرٰائِيلَ فِي الْكِتٰابِ ) (11). فلَو كانَ عليه السلامُ (12)أرادَ


1) . راجع: المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 182، السطر 16 إلى ص 184، السطر 2.

2) . في «ج، ف»: «تناوله». و في «ب»: «يتناوله».

3) . من قوله: «فأمّا قوله: و قاضي دَيني...» إلىٰ هنا ساقط من المغني.

4) . في المغني: «و بأن لا تقتضي ما يتبعها أولىٰ ».

5) . في «ب، ج، ص، ف» و المغني: «اختصّت».

6) . في «ب»: «بَعُدَ».

7) . في «ج»: «من أنّ ».

8) . في «ب»: «بأنّ ».

9) . في «ج، ف» و المغني: «الشرع».

10) . في «ج، ص»: «قضيت».

11) . الإسراء (17):4.

12) . في «د» و المطبوع و الحجري: «صلّى اللّٰه عليه و آله».

ذلكَ لَقالَ‌: «القاضي دِيني إلىٰ أُمّتي» و لا يَجوزُ في هذا المَوضِعِ أن يُحذَفَ ذِكرُ «إلىٰ‌»؛ لأنّ ذلكَ لَيسَ بمُختارٍ(1).

فهذا الوجهُ أيضاً يُضعِّفُ الخبرَ مِن جِهةِ اللفظِ.

ثُمّ قالَ‌:

و قالَ - يَعني أبا هاشِمٍ -: إنّ المُرادَ بذلكَ إن كانَ أنّه يؤدّي(2)عنه(3)ما تَحمَّلَه مِن الشرائعِ غيرَ ما لَم يَتحمَّلْه مِن الشرائعِ‌(4)، فحُكمُ غيرِه مِن الصَّحابةِ حُكمُه؛ فكَيفَ يَدُلُّ علَى الإمامةِ؟(5)

ثُمّ أتبَعَ ذلكَ بكلامٍ في هذا المعنىٰ لا طائلَ في حِكايتِه(6)، إلىٰ أن قالَ‌:

و أمّا قولُه: «و خَليفتي مِن بَعدي»(7)فغَيرُ معروفٍ ، و المعروفُ :

«و خَليفتي(8)في أهلي». و ذلكَ لا يَدُلُّ علَى الإمامةِ ، بَل تخصيصُه


1) . في المغني: «بمجاز».

2) . في المغني: «أنّه كان يؤدّي». و في «د» و الحجري: «إن كان يؤدّي».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «عنّي».

4) . في «د» و الحجري و المغني: - «غير ما لم يتحمّله من الشرائع».

5) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 184.

6) . راجع: المغني، ج 20، ص 184، السطر 13 إلىٰ ص 185، السطر 4.

7) . الأمالي للصدوق، ص 354، المجلس 47، ح 432/9، و ص 464، المجلس 60، ح 620/10؛ معاني الأخبار، ص 204، ح 1؛ الإرشاد للمفيد، ج 1، ص 7 و 50؛ الأمالي للطوسي، ص 425، المجلس 15، ح 952/9؛ شرح الأخبار للقاضي النعمان، ج 1، ص 121، ح 48؛ الاحتجاج، ج 1، ص 289؛ العثمانيّة للجاحظ، ص 303. و في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام لابن عقدة، ص 135: «أنت وصيّي و أبو ولدي و زوج ابنتي و خليفتي علىٰ أُمّتي في حياتي و بعد موتي». و في بشارة المصطفىٰ ، ص 49: «أنت أخي و وصيّي و خليفتي علىٰ أُمّتي في حياتي و بعد مماتي».

8) . في «ب»: «و المعروف هو: خليفتي».

بالأهلِ يَدُلُّ علىٰ أنّه أرادَ عليه السلامُ‌(1)أن يَقومَ بأحوالِهم التي كانَ (2)يَقومُ بها النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(3).

و بَعدُ، فلَو كانَ ما تَعلَّقوا به حَقّاً لقَد كانَ عليه السلامُ يَدَّعي به النصَّ ، و لا يَستَجيزُ تَركَ ذِكرِه عندَ اختلافِ الأحوالِ في بابِ الإمامةِ ، علىٰ ما قَدَّمنا(4)القولَ فيه. و قد بيّنّا أنّ ما ثَبَتَ مِن إمامةِ أبي بَكرٍ ثُمَّ عُمَرَ(5)يَقتَضي صَرْفَ ما ظاهرُه الإمامةُ عن ظاهرِه، فبأن يَجِبَ لأجلِ ذلكَ إبطالُ التعلُّقِ بالمُحتَمِلِ مِن القَولِ أَولىٰ (6).

بيان تواتر حديث: «خليفتي من بعدي»

يُقالُ له: قد بيّنّا فيما تَقدَّمَ أنّ هذا الخبرَ الذي يَتضمَّنُ ذِكرَ الاستخلافِ قد تَواتَرَ النقلُ به، و وَرَدَ مَورِدَ الحُجّةِ ، و أنّه أحَدُ ألفاظِ النصِّ الذي يُلقِّبُه أصحابُنا ب‍ «الجَليِّ »(7). و لا مُعتَبَرَ(8)بقَولِ شُيوخِهم(9)و اعتقادِهم في الخبرِ أنّه جارٍ مَجرَى الآحادِ؛ لأنّ ذلكَ إذا لَم يَكُن مُستَنِداً(10)إلىٰ حُجّةٍ لَم يَكُن قادِحاً. و هذا الخبرُ ممّا


1) . في «ب، ج، د، ف» و الحجري: - «عليه السلام».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: - «كان».

3) . في المغني: - «النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله». و في «ب» و المطبوع: «يقوم بها النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله بعده».

4) . في المغني: + «من قبل».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «و عمر» بدل «ثمّ عمر».

6) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 185.

7) . تقدّم في ج 2، ص 313.

8) . في «ص»: «لا يعتبر».

9) . في «ج، ص، ف»: «شيوخه».

10) . في «د»: «مسنداً».

قد(1)رَواه العامّةُ و الخاصّةُ ، و لَم يَتفرَّدْ(2)به الشيعةُ ؛ غيرَ أنّا لا نَدفَعُ أن يَكونَ تَواتُرُ النقلِ به، و ورودُه مورِدَ الحُجّةِ و ما يَقتَضي العِلمَ ، ممّا يَختَصُّ طُرُقَ الشيعةِ .

بيان اللفظ الدالّ على الإمامة من بين ألفاظ الحديث الذي نقله القاضي

و المُعتَمَدُ مِن لفظِ هذا الخبرِ في الدَّلالةِ علَى النصِّ بالإمامةِ علىٰ لفظِ «الاستخلافِ‌»، دونَ باقي الألفاظِ مِن «وَصيّةٍ‌» و غيرِها؛ فلا معنىٰ لتَشاغُلِه بالكلامِ علىٰ أنّ الوصيّةَ تَختَصُّ في العُرفِ بأُمورٍ مخصوصةٍ لا تَعلُّقَ للإمامةِ بها؛ فذلك مُسلَّمٌ لا خلافَ فيه، و كذلكَ «قَضاءُ الدَّينِ‌».

فأمّا الروايةُ بكَسرِ الدالِ فما نَعرِفُها(3)، و هي إذا كانَت معروفةً صَحيحةً دالّةٌ علىٰ معنَى الإمامةِ و الاستخلافِ ؛ لأنّ أحَدَ أقسامِ ما يَحتَمِلُه لفظُ(4)«القَضاءِ » الحُكمُ ، و لهذا سُمِّيَ الحاكمُ قاضياً، و إذا(5)أُضيفَ ذلكَ إلَى الدِّينِ فكأنّه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(6)قالَ : «أنتَ حاكُم دِيني»، و الحاكمُ في دِينِه بَعدَه لا يَكونُ إلّاالإمامَ أو مَن يَجري مَجراه مِن وُلاتِه.

فأمّا قولُ أبي هاشِمٍ : «إنّ الكلامَ يَحتاجُ إلىٰ زيادةٍ ، و أنّه كانَ يَجِبُ أن يَقولَ : القاضي دِيني إلىٰ أُمّتي»، فهذا إنّما كانَ (7)يَجِبُ لَو أرادَ بلفظِ القَضاءِ الإخبارَ؛


1) . في «ج، ص»: - «قد».

2) . في «ج، ص، ف»: «لم تنفرد».

3) . في «ب»: «فلا نعرفها».

4) . في «ب، ج، ف»: «لفظة».

5) . في «ب، ج، ص»: «فإذا».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «عليه السلام».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: - «كان».

لأنّ لفظةَ «إلىٰ » إنّما يُحتاجُ إليها مِن(1)هذا الوجهِ ، فأمّا إذا أُريدَ بالقَضاءِ الحُكمُ فذلكَ غيرُ واجبٍ .

فأمّا ادّعاؤه أنّ «خَليفتي مِن بَعدي» غيرُ معروفٍ‌، و أنّ المعروفَ «خَليفتي في أهلي»، فما فيهما إلّامعروفٌ ظاهرٌ في الروايةِ‌، و لَيسَ في ثُبوتِ قولِه: «خَليفتي في أهلي» نفيٌ لقَولِه في حالٍ أُخرىٰ‌: «أنتَ‌(2)خَليفتي مِن بَعدي».

و مِن عادةِ صاحبِ الكتابِ أن يُضَعِّفَ كُلَّ ما يُحِسُّ فيه بمكانِ الحُجّةِ‌، و لِهذا قالَ في أوّلِ الفَصلِ‌: «إنّ قولَه: «أنتَ وَصيّي» أظهَرُ مِن سائرِ الألفاظِ» مِن حَيثُ كانَ هذا(3)اللفظُ أبعَدَ مِن معنَى الإمامةِ مِن الجميعِ‌.

علىٰ أنّا لَو صِرنا إلىٰ ما يُريدُ(4)، و فَرَضنَا أنّ الخبرَ لَم يَرِدْ إلّابقَولِه:

«أنتَ‌(5)خَليفتي في أهلي» لَكانَ نَصّاً في الإمامةِ (6)لأنّ مَن يَخلُفُ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه هو مَن يَقومُ فيمن كانَ خَليفةً عليه بما كانَ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(7)يَقومُ به، و يَجِبُ له مِن امتثالِ أمرِه و فَرضِ طاعتِه ما وَجَبَ للنبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه. و إذا ثَبَتَ هذا المعنىٰ بَعدَ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ في واحدٍ مِن الناسِ - فَضلاً عن جماعةِ «الأهلِ » - ثَبَتَت(8)له الإمامةُ ؛ لأنّ


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «في».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: - «أنت».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: - «هذا».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «ما يريدون».

5) . في «ب»: - «أنت».

6) . هكذا في «ب». و في سائر النسخ و المطبوع: «بالإمامة».

7) . في «ب، ج، ف»: «عليه السلام»، و هكذا في الموارد الآتية.

8) . في «ج»: «ثبت». و في «د، ص» و المطبوع: «تثبت».

مَن تَجِبُ‌(1)طاعتُه و الانتهاءُ إلىٰ أمرِه و نهيِه لا بُدَّ أن يَكونَ إماماً أو والياً مِن قِبَلِ الإمامِ‌؛ لأنّ (2)حُكمَ الأهلِ في تدبيرِهم و القيامِ بأُمورِهم حُكمُ غيرِهم مِن الأُمّةِ ؛ فمَن وَجَبَ ذلكَ له علَى الأهلِ وَجَبَ له علَى الكُلِّ ، و مَن لَم يَجِبْ له أحَدُ الأمرَينِ لَم يَجِبْ له الآخَرُ.

و لَيسَ له أن يَقولَ : إنّما أرادَ بالخِلافةِ عليهم معنَى الوصيّةِ .

و ذلكَ‌ أنّ الوصيّةَ‌(3)قد تَقدَّمَت في الكلامِ مُصرَّحاً بها(4)، فلا معنىٰ لإدخالِها تحتَ لفظٍ آخَرَ علىٰ سَبيلِ التَّكرارِ. و أيضاً فإنّ ظاهِرَ لفظِ «الخَليفةِ‌» في العُرفِ : مَن قامَ مَقامَ المُستَخلِفِ في جميعِ ما كانَ إليه. و إنّما يَختَصُّ الاستخلافُ و الخِلافةِ (5)في بَعضِ الأحوالِ بإضافاتٍ تَدخُلُ علَى الكلامِ ، و إلّافالإطلاقُ (6)في العُرفِ يَقتَضي ما ذَكرناه.

فأمّا قولُه: «و لَو كانَ ذلكَ حَقّاً، لَكانَ عليه السلامُ يَذكُرُه عندَ الاختلافِ في الإمامةِ » فقد مَضىٰ فيما تَقدَّمَ مِن كلامِنا في هذا ما فيه كِفايةٌ ، و بيّنّا السببَ المانعَ مِن ذِكرِ ذلكَ ، و أنّه لا دَلالةَ في تَركِ ذِكرِه علىٰ أنّه لَم يَكُن(7).

فأمّا قولُه في آخِرِ الفَصلِ : «إنّ ثُبوتَ إمامةِ فُلانٍ و فُلانٍ يَقتَضي(8)صَرفَ ما ظاهرُه


1) . في «ج، د، ص، ف» و الحجري: «يجب».

2) . في المطبوع و الحجري: «و لأنّ ».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «أنّه».

4) . في «ص»: «بصراحتها».

5) . هكذا في «د». و في «ج، ص»: «في الخلافة». و في سائر النسخ و المطبوع: «بالخلافة».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: + «لذلك».

7) . تقدّم في ج 2، ص 391-393.

8) . في المطبوع: «تقتضي».

الإمامةُ عن ظاهرِه، فبأن يَجِبَ ذلكَ في المُحتَمِلِ أَولىٰ‌» فقَد مَضىٰ أيضاً فيما سَلَفَ أنّ هذا الخبرَ و أمثالَه مِن ألفاظِ النصِّ غيرُ مُحتَمِلٍ‌، و أنّ ظَواهِرَها و حَقائقَها تَقتَضي النصَّ بالإمامةِ (1). و لَم يَثبُتْ ما ادَّعاه مِن إمامةِ مَن ذَكَرَه علىٰ وجهٍ - فَضلاً عن ثُبوتِها علىٰ وَجهٍ غيرِ مُحتَمِلٍ - فيُنصَرَفَ لذلكَ عن ظواهرِ النُّصوصِ ؛ و إنّما يُحيلُ علىٰ ما يأتي مِن كلامِه في هذا المعنىٰ ، و إذا بَلَغنا إليه بيّنّا ما فيه، بعَونِ اللّٰهِ تَعالىٰ (2).


1) . تقدّم في ص 27 و 69 و 159 و 250.

2) . يأتي في ج 4، ص 127 و ما بعدها.

الدليل الثاني عشر حديث المؤاخاة

اشارة

قالَ صاحبُ الكتابِ :

دليلٌ لهُم آخَرُ - ثُمَّ قالَ -: و قد استَدَلَّ الخَلقُ منهم بحَديثِ المؤاخاةِ‌، و أنّه عليه السلامُ‌(1)قَصَدَ إلىٰ أمرٍ زائدٍ علىٰ ما تَقتَضيهِ الأُخوّةُ في الدِّينِ ؛ لأنّه لَو أرادَ ذلكَ لَم يَكُن لِيَخُصَّ بعضاً دونَ بعضٍ بأُخوّةِ غيرِه. و إذا صَحَّ أنّ المَقصَدَ أمرٌ زائدٌ، فلَيسَ إلّاإبانةَ الاختصاصِ و التقارُبِ بَينَ مَن آخىٰ بَينَهما؛ فإذا آخىٰ بَينَ عليٍّ عليه السلامُ و بَينَه(2)، فقَد دَلَّ علىٰ أنّه أخَصُّ الناسِ به، و أقرَبُهم إليه، و أفضَلُهم بَعدَه، و ذلكَ يَقتَضي أنّه أَولىٰ بالإمامةِ .

ثُمّ قالَ :

و هذا إذا سُلِّمَ فإنّما يَدُلُّ علىٰ أنّه أفضَلُ مِن غيرِه، أو علىٰ (3)أنّه أقرَبُهم


1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «صلّى اللّٰه عليه و آله».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «و نفسه».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: - «على».

إلىٰ قلبِه و(1)أحَبُّهم إليه، أو علىٰ جميعِ ذلكَ‌، فأمّا أن يَدُلَّ علَى الإمامةِ فبَعيدٌ؛ لأنّه(2)لَيسَ في ظاهرِ المؤاخاةِ و لا في مَعانيها ما يَقتَضي ذلكَ‌، و لَو كانَت المؤاخاةُ تَقتَضي هذا المعنىٰ لَكانَ‌(3)عليه السلامُ‌(4)مِن حيثُ آخىٰ بَينَ أبي بَكرٍ و عُمَرَ أن يَكونَ عُمَرُ خَليفتَه(5)مِن غيرِ عَهدٍ إليه، فلمّا طَلَبَت الصَّحابةُ منه(6)أن يَعهَدَ إلىٰ غيرِه بَطَلَ هذا القولُ‌.

و قد قالَ شَيخُنا أبو هاشِمٍ‌: إنّما قَصَدَ عليه السلامُ بالمؤاخاةِ التآلُفَ‌(7)و الاستنابةَ‌(8)و البَعثَ‌(9)علَى المَعونةِ و المواساةِ‌؛ و لذلكَ لمّا آخىٰ بَينَ عبدِ الرحمنِ [بنِ عَوفٍ‌] و [بَينَ‌](10)غَيرِه قالَ له: «هذا مالي، فخُذْ شَطرَه» علىٰ ما رُويَ في هذا البابِ‌(11). و قد كانَ المُهاجِرونَ في ابتداءِ الهِجرةِ في شِدّةٍ و ضيقٍ ، فأرادَ عليه السلامُ بالمؤاخاةِ بَينَ بعضِهم و بَينَ الأنصارِ طَريقةَ المَعونةِ ؛ و لمّا كانَ أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ أقرَبَهم إليه


1) . في «ج، ف» و المغني: «أو».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «لأنّ ».

3) . في «ج، ص، ف»: «ما يقتضي ذلك المعنىٰ ، و إلّالكان» بدل «ما يقتضي ذلك، و لو كانت المؤاخاة تقتضي هذا المعنىٰ لكان».

4) . في «د» و المطبوع و الحجري: «صلّى اللّٰه عليه و آله»، و هكذا في الموارد الآتية.

5) . في «ب، د» و المطبوع و الحجري: «خليفة».

6) . أي من أبي بكر.

7) . في المغني: «التأليف».

8) . في «ج، ص»: «و الاستقامة». و في المغني: «و الاستنامة».

9) . في المغني: «و التقرّب».

10) . ما بين المعقوفين من المغني.

11) . أنساب الأشراف، ج 10، ص 31؛ الطبقات الكبرى، ج 3، ص 93، الرقم 38؛ دلائل النبوّة للبيهقي، ج 6، ص 219.

في هذه الوجوهِ (1)، آخىٰ بَينَه و بَينَ نفسِه. و قد بيّنّا أنّ ما يَدُلُّ علىٰ كَونِه أفضَلَ منهم(2)لا يَدُلُّ علَى الإمامةِ ؛ فإن(3)دَلَّ الخبرُ علىٰ كَونِه(4)أفضَلَ منهم، لَم يَجِبْ أن يَكونَ هو الإمامَ [علىٰ ما قَدَّمناه](5).

بيان دلالة بعض الأفعال و الأقوال على الإمامة

يُقالُ له: قد بيّنّا في ابتداءِ كلامِنا(6)في النصِّ‌(7)أنّ النصَّ مِن النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه علىٰ ضَربَينِ‌: منه ما يَدُلُّ بلفظِه و صَريحِه علَى الإمامةِ‌، و منه ما يَدُلُّ - فِعلاً كانَ أو قولاً - عليها بضَربٍ مِن الترتيبِ و التنزيلِ‌؛ و قُلنا: إنّ كُلَّ أمرٍ وَقَعَ منه عليه السلامُ مِن قولٍ أو فِعلٍ يَدُلُّ علىٰ تَميُّزِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ مِن الجماعةِ‌(8)، و اختصاصِه

مِن الرُّتَبِ‌(9)العاليةِ و المَنازِلِ الساميةِ بما لَيسَ لهُم، فهو دالٌّ علَى النصِّ بالإمامةِ ؛ مِن حَيثُ كانَ دالاًّ علىٰ عِظَمِ المَنزِلةِ و قوّةِ الفَضلِ (10)، و الإمامةُ هي أعلىٰ مَنازِلِ الدِّينِ بَعدَ النبوّةِ ؛ فمَن كانَ أفضَلَ في الدِّينِ ، و أعظَمَ قَدْراً فيه(11)، و أثبَتَ قَدَماً(12)في


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «في هذا الوجه».

2) . في المغني: «علىٰ أنّه أفضل».

3) . في «ب»: «فإذا».

4) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «علىٰ أنّه».

5) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 185-186. و ما بين المعقوفين من المصدر.

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «فيما سلف» بدل «في ابتداء كلامنا».

7) . تقدّم في ج 2، ص 311-315.

8) . في المطبوع و الحجري: - «من الجماعة».

9) . في «ب»: «من المراتب».

10) . في «ب، ج، ص، ف»: «و قوّة فضله».

11) . في «ب، ج، ص، ف»: - «فيه».

12) . في «ج، ص، ف»: «صدقاً».

مَنازِلِه، فهو أَولىٰ بها؛ و كانَ مَن دُلَّ علىٰ ذلكَ مِن حالِه(1)قد دُلَّ علىٰ إمامتِه.

و يُبيِّنَ ذلكَ‌: أنّ بعضَ المُلوكِ لَو تابَعَ بَينَ أقوالٍ و أفعالٍ - طولَ عُمُرِه و وِلايتِه - ما تَدُلُّ‌(2)في بعضِ أصحابِه علىٰ فَضلٍ شديدٍ، و اختصاصٍ وَكيدٍ، و قُربٍ منه في المَودّةِ و النُّصرةِ و المُخالَصةِ‌(3)، لَكانَ ذلكَ عندَ ذَوي العاداتِ بهذه الأفعالِ مُرَشِّحاً له لأعلَى المَنازِلِ‌(4)بَعدَه، و كالدالِّ (5)علَى استحقاقِه لأفضَلِ الرُّتَبِ . و رُبَّما كانَت دَلالةُ هذه الأفعالِ أقوىٰ مِن دَلالةِ الأقوالِ ؛ لأنّ الأقوالَ يَدخُلُها المَجازُ الذي لا يَدخُلُ هذه الأفعالَ .

و أمّا(6)قولُه: «لَو سُلِّمَ أنّ الخبرَ يَدُلُّ علَى الفَضلِ ، لَم يَكُن فيه(7)دَلالةٌ علَى الإمامةِ ؛ لأنّ الأفضَلَ لا يَجِبُ أن يَكونَ إماماً» فهذا ممّا قد بيّنّا فَسادَه فيما تَقدَّم، و دَلَّلنا علىٰ أنّ الإمامَ لا بُدَّ أن يَكونَ الأفضَلَ ، و أنّه لا يَجوزُ أن يَكونَ مفضولاً؛ فلا حاجةَ بنا إلىٰ إعادةِ ما قَدَّمناه في ذلكَ .(8)

دلالة المؤاخاة على التقارب في المنزلة

فأمّا ذِكرُ المؤاخاةِ بَينَ أبي بَكرٍ و عُمَرَ، و ظَنُّه أنّ ذلكَ يوجِبُ أن يَكونَ عُمَرُ خَليفتَه(9)مِن غيرِ عَهدٍ إليه، فنَحنُ نَقولُ في المؤاخاةِ بَينَ أبي بَكرٍ و عُمَرَ مِثلَ


1) . في المطبوع و الحجري: «في حاله».

2) . في «ب، د» و المطبوع: «يدلّ » بدل «ما تدلّ ».

3) . في «ب»: «المخالطة».

4) . في «د»: «مرشّحاً لهؤلاء على المنازل». و في المطبوع: «مرشّحاً له لهؤلاء على المنازل».

5) . في «ب، ف»: + «له».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «فأمّا».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: - «فيه».

8) . تقدّم في ج 2، ص 272 و ما بعدها.

9) . في «ب»: «خليفة».

ما قُلناه في المؤاخاةِ بَينَ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و بَينَ (1)أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ ، و المؤاخاةُ بَينَهما تَدُلُّ علىٰ تَقارُبِ مَنزِلتِهما و تَداني أحوالِهما، و أنّ ما يَصلُحُ له كُلُّ واحدٍ منهما يَصلُحُ له الآخَرُ، و أنّ عُمَرَ حَقيقٌ بمَقامِ أبي بَكرٍ و أَولىٰ مِن غيرِه به؛ و هذا هو المعنَى الذي أثبَتناه في المؤاخاةِ التي تَقدَّمَت.

بيان تكرّر واقعة المؤاخاة، و تعيين المؤاخاة الدالّة على الإمامة

فأمّا قولُه: «إنّ المؤاخاةَ إنّما كانَ الغرضُ فيها(2)طريقةَ المَعونةِ و المواساةِ‌؛ للشدّةِ‌

التي كانَ المُهاجِرونَ فيها مِن ابتداءِ الأمرِ» فغَلَطٌ؛ و ذلكَ لأنّا(3)لَم نَستَدِلَّ بهذه المؤاخاةِ علَى الفَضلِ و التقدُّمِ‌، بَل لَم يؤاخِ النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه في هذه المؤاخاةِ بَينَ أميرِ المؤمنينَ و بَينَ نفسِه، و إنّما(4)آخىٰ بَينَ كُلِّ رَجُلٍ مِن الأنصارِ و رَجُلٍ مِن المُهاجِرينَ‌؛(5)للمواساةِ و المَعونةِ ، و التساهُمِ و التشارُكِ (6). و هذه المؤاخاةُ نَسَخَت حُكمَها آياتُ المَواريثِ ، و لَم يَكُن فيها أبو بَكرٍ(7)أخاً لِعُمَرَ.

و المؤاخاةُ الثانيةُ هي التي اعتَبَرناها، و استَدلَلنا بها علىٰ ما ذَكرناه، و لَم يَكُنِ الغرضُ فيها ما ظَنَّه مِن المواساةِ و المَعونةِ .

بيان دلالة المؤاخاة على الفضل و الإمامة

و الذي يَدُلُّ علىٰ أنّ هذه المؤاخاةَ كانَت تَقتَضي تفضيلاً و تعظيماً - و أنّها لَم


1) . في «ب، ج، ص، ف»: - «بين».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «بها».

3) . في «د»: «أنّا».

4) . في «ب، ص، ف»: + «كان».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «آخىٰ بين كلّ رجلين، أحدهما من الأنصار، و الآخر من المهاجرين».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «و التساند».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «أبو بكر فيها».

تَكُن علىٰ سَبيلِ المَعونةِ و المواساةِ‌(1)-: تَظاهُرُ(2)الخبرِ عن أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ في غيرِ مَقامٍ بقَولِه مُفتَخِراً مُتَبجِّحاً(3): «أنا عبدُ اللّٰهِ و أخو رسولِه، لا يَقولُها بَعدي إلّاكَذّابٌ مُفتَرٍ»؛(4)

و قال الحمويني في فرائد السمطين، ج 1، ص 227، ح 177: عن أبي سليمان زيد بن وهب، قال: سمعت عليّاً عليه السلام على المنبر و هو يقول: «أنا عبد اللّٰه و أخو رسوله، لم يقلها أحد قبلي و لا يقولها أحد بعدي إلّاكذّاب أو مفترٍ». فقام إليه رجل، فقال: أقول كما يقول هذا. فضُرب به الأرض، فجاءه قومه، فغشّوه ثوباً، فقيل لهم: أ كان هذا فيه قبل ؟ قالوا: لا. و قال المتّقي الهندي في كنز العمّال، ج 13، ص 129، ح 36410: عن أبي يحيى، قال: سمعت عليّاً يقول: «أنا عبد اللّٰه و أخو رسوله، لا يقولها أحد بعدي إلّاكاذب». فقالها رجل، فأصابته جُنّة.

فلَولا أنّ في الأُخوّةِ تَفضيلاً و تعظيماً(5)، لَم يَفتَخِرْ عليه السلامُ بها، و لا أُمسِكَ عن مواقَفتِه(6)علىٰ أنّه لا مُفتَخَرَ فيها.

و يَشهَدُ أيضاً بذلكَ ، و(7)أنّ هذه المؤاخاةَ ذَريعةٌ قَويّةٌ إلَى الإمامةِ ، و سببٌ وَكيدٌ


1) . في المطبوع و الحجري: «و المؤاخاة».

2) . في «ب، ج، ص»: «فظاهر».

3) . في «ب»: - «متبجّحاً».

4) . ورد مع اختلاف يسير في مصادر الخاصّة و العامّة. راجع: المسترشد في إمامة عليّ بن أبي طالب لمحمّد بن جرير الطبري الإمامي، ص 264، ح 75؛ الخصال، ص 401، ح 110؛ الفصول المختارة، ص 139 و 168 و 297؛ كنز الفوائد، ج 1، ص 272؛ إعلام الورىٰ ، ج 1، ص 360؛ المناقب لابن شهر آشوب، ج 2، ص 16؛ العمدة لابن البطريق، ص 64، ح 76، و ص 221، ح 350؛ الطرائف، ج 1، ص 20، ح 12، و ص 70، ح 81. المصنّف لابن أبي شيبة، ج 12، ص 65، ح 12133؛ سنن ابن ماجة، ج 1، ص 44، ح 120؛ السنّة لابن أبي عاصم، ج 2، ص 598؛ فضائل أحمد، ص 78، ح 117؛ الخصائص للنسائي، ص 24، ح 7؛ تاريخ الطبري، ج 2، ص 212؛ الأوائل لأبي هلال العسكري، ج 1، ص 194؛ المستدرك للحاكم، ج 3، ص 13؛ ميزان الاعتدال، ج 3، ص 101 و 102.

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «تفضيلاً عظيماً».

6) . هكذا في «ف». و في المطبوع: «عن مواقفة». و في سائر النسخ: «عن موافقته».

7) . في «د»: - «و».

في استحقاقِها: أنّه يَومَ الشُّورىٰ لمّا عدَّدَ فَضائلَه و مَناقِبَه و ذَرائعَه إلَى استحقاقِ الإمامةِ‌، قالَ في جُملةِ ذلكَ‌: «أ فيكم أحَدٌ آخىٰ رسولُ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه بَينَه و بَينَ نفسِه غيري‌؟»(1)

و يَشهَدُ أيضاً باقتضاءِ المؤاخاةِ الفَضلَ الباهرَ و المَزيّةَ الظاهرةَ‌: ما رَواه عيسَى بنُ عبدِ اللّٰهِ بنِ عُمَرَ بنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ‌، عن أبيه، عن جَدِّه، عن أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ قالَ‌: «قالَ رسولُ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه: سألتُ رَبّي فيكَ خَمساً، فمَنَعَني واحدةً و أعطاني أربَعاً: سَألتُه أن يَجمَعَ عليكَ أُمّتي، فأبىٰ‌. و أعطاني فيكَ‌:

أنّي أوّلُ مَن تَنشَقُّ‌(2)عنه الأرضُ يَومَ القيامةِ و أنتَ مَعي، و مَعيَ لِواءُ الحَمدِ و أنتَ تَحمِلُه بَينَ يَدَيَّ تَسوقُ به الأوّلينَ و الآخِرينَ‌، و أعطاني أنّكَ أخي في الدنيا و الآخِرةِ و أنّ بيتَكَ مُقابِلُ بَيتي في الجَنّةِ‌، و أعطاني أنّكَ أَولىٰ بالمؤمِنينَ مِن(3)بَعدي»(4).

و رَوىٰ حَفصُ بنُ عُمَرَ بنِ مَيمونٍ‌، قال: أخبَرَنا جعفرُ بنُ مُحمّدِ بنِ عليِّ بنِ الحُسَينِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ عليهم السلامُ‌، عن أبيه، عن جَدِّه: أنّ عليّاً عليه السلامُ قالَ علَى المِنبَرِ بالكوفةِ (5): «أيُّها الناسُ (6)، إنّه كانَت لي مِن رسولِ اللّٰهِ صَلَّى


1) . الخصال، ج 2، ص 553، ح 31؛ الأمالي للطوسي، ص 332-333، المجلس 12، ح 667/7، و ص 554-556، المجلس 20، ح 1169/5؛ الاحتجاج، ج 1، ص 134-145؛ المناقب للخوارزمي، ص 301؛ الاستيعاب، ج 3، ص 1098، الرقم 1855؛ فرائد السمطين، ج 1، ص 314؛ ينابيع المودّة، ج 1، ص 343؛ نهج الحقّ ، ص 391-394.

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «ينشقّ ».

3) . في «د»: - «من».

4) . تاريخ بغداد، ج 5، ص 100، الرقم 2483؛ التدوين في أخبار قزوين، ج 2، ص 126؛ كنز العمّال، ج 11، ص 625، ح 33047، مع اختلاف.

5) . في «ب»: «في الكوفة».

6) . في «د، ف» و المطبوع و الحجري: «يا أيّها الناس».

اللّٰهُ عليه و آلِه عَشرُ خِصالٍ‌، لَهُنَّ أحَبُّ إليَّ ممّا طَلَعَت عليه الشمسُ‌؛ قالَ لي(1):

يا عليُّ‌، أنتَ أخي في الدُّنيا و الآخِرةِ‌، و أنتَ أقرَبُ الخَلقِ مِنّي يَومَ القيامةِ في المَوقِفِ بَينَ يَدَيِ الجَبّارِ، و مَنزِلُكَ في الجَنّةِ يُواجِهُ مَنزِلي كَما يَتواجَهُ مَنازِلُ الإخوانِ في اللّٰهِ‌، و أنتَ الوارثُ مِنّي، و أنتَ الوَصيُّ مِنّي في عِداتي و أمري و في كُلِّ غَيبةٍ‌»(2)يَعني بذلكَ حِفظَه في أزواجِه.

و رَوىٰ كَثيرُ بنُ إسماعيلَ‌، عن جُمَيعِ بنِ عُمَيرٍ التَّيميِّ‌، قالَ‌: أتَيتُ ابنَ عُمَرَ في المَسجِدِ(3)، فسألتُه عن عليٍّ عليه السلامُ‌، فقالَ‌: هذا مَنزِلُ رسولِ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و هذا مَنزِلُ عليٍّ‌(4)، و إن شئتَ حَدَّثتُكَ؟ قُلتُ‌: نَعَم، قالَ‌: آخىٰ رسولُ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه بَينَ المُهاجِرينَ‌، حتّىٰ بَقيَ عليٌّ وَحدَه، فقالَ‌: «يا رسولَ اللّٰهِ‌،

آخَيتَ بَينَ المُهاجِرينَ‌، فمَن أخي‌؟» قالَ‌: «أ ما تَرضىٰ أن تَكونَ أخي في الدُّنيا و الآخِرةِ؟» قالَ‌: «بَلىٰ‌» قالَ‌: «فأنتَ أخي في الدُّنيا و الآخِرةِ‌»(5).

و كُلُّ هذا الذي أورَدناه - و إن كانَ قَليلاً مِن كَثيرٍ - صَريحٌ في دَلالةِ المؤاخاةِ علَى الفَضلِ ، و بُطلانِ قولِ مَن ظَنَّ خِلافَ ذلكَ .


1) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «لي».

2) . الأمالي للمفيد، ص 174، المجلس 22، ح 4؛ الأمالي للطوسي، ص 193-194، المجلس 7، ح 31/329؛ كشف الغمّة، ج 1، ص 391؛ إرشاد القلوب، ج 2، ص 255، مع اختلاف يسير.

3) . في «ب، ج، ص، ف»: - «في المسجد».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «و هذا منزله».

5) . الجامع الصحيح، ج 5، ص 636، ح 3720؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 16، ح 4289؛ تذكرة الخواصّ ، ص 31؛ الطرائف، ج 1، ص 64.

الدليل الثالث عشر و الرابع عشر حَديثُ الرايةِ ، و حَديثُ الطائرِ

اشارة

قالَ صاحِبُ الكتابِ :

دليلٌ لهم آخَرُ(1):

و قد تَعلَّقُوا بقَولِه عليه السلامُ‌(2): «لَأُعطِيَنَّ الرايةَ غَداً رَجُلاً يُحِبُّ اللّٰهَ و رسولَه، و يُحِبُّه اللّٰهُ و رسولُه»(3).

و بما رُوِيَ مِن قولِه(4)عليه السلامُ‌: «اللّهُمَّ ائتِني بأحَبِّ خَلقِكَ إليكَ ؛ يَأكُلْ (5)مَعيَ مِن هذا الطائرِ»(6).


1) . في المغني: - «آخر».

2) . في «د» و المطبوع و الحجري: «صلّى اللّٰه عليه و آله»، و هكذا في الموارد الآتية.

3) . مسند أحمد، ج 5، ص 333، ح 22872؛ صحيح البخاري، ج 3، ص 1096، ح 2847، و ص 1357، ح 3498 و 3499، و ج 4، ص 1542، ح 3872 و 3973؛ المعجم الكبير، ج 7، ص 31، ح 6287، و ص 35، ح 6303، و ج 18، ص 237-238، ح 594 و 596-598.

4) . في المغني: «و بقوله» بدل «و بما روي من قوله».

5) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و المغني و أكثر المصادر. و في «د» و المطبوع: «ليأكل».

6) . الجامع الصحيح، ج 5، ص 636، ح 3721؛ المعجم الكبير، ج 1، ص 253، ح 730، و ج 7، ص 82، ح 6437؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 142، ح 4651؛ مسند أبي يعلىٰ ، ج 7، ص 105، ح 4052؛ مسند البزّار، ج 9، ص 287، ح 3841.

قالوا: و إذا دَلَّ ذلكَ‌(1)علىٰ أنّه أفضَلُ خَلقِ اللّٰهِ تَعالىٰ بَعدَه، و أحَبُّهم إلَى اللّٰهِ تَعالىٰ‌، فيَجِبُ أن يَكونَ هو الإمامَ‌.

ثُمّ قالَ‌:

و هذا بَعيدٌ؛ لأنّه إنّما يُمكِنُ أن يُتعلَّقَ به في أنّه أفضَلُ‌؛ فأمّا في النصِّ علىٰ أنّه إمامٌ فغَيرُ جائزٍ التَعلُّقُ به(2)، إلّامِن حَيثُ يُقالُ‌: إنَّ الإمامةَ واجبةٌ للأفضلِ‌؛ و قد بيّنّا(3)أنّها غيرُ مُستَحَقّةٍ بالفَضلِ‌، و أنّه(4)لا يَمتَنِعُ في المفضولِ أن يَتَولّاها، أو فيمن(5)يُساويهِ غيرُه في الفَضلِ‌. و سَنُبيِّنُ القولَ في ذلكَ مِن بَعدُ.

و قَولُه: «لَأُعطِيَنَّ الرايةَ غَداً رجُلاً يُحِبُّ اللّٰهَ و رَسولَه» إنّما يَدُلُّ علىٰ أنّه فاضلٌ‌(6)، و لا يَمتَنِعُ أن يَكونَ غيرُه مُوازياً له في ذلكَ‌(7)فالتعلُّقُ به في الإمامةِ و التفضيلِ يَبعُدُ. و لا يُمكِنُ أن يُتعلَّقَ به مِن حيثُ يَقتَضي دفعُ الرايةِ الإمامةَ ؛ لأنّ ذلكَ لا يَقتَضيها، و لا يَدُلُّ (8)عليها، و قد كانَ عليه السلامُ يُعطي الرايةَ لِمَن(9)يؤدّيهِ اجتهادُه إليه في الوقتِ ، و لِمَن يَكونُ (10)


1) . في «ب، ج، ص، ف»: - «ذلك».

2) . في المغني: «أن يتعلّق به».

3) . في المغني: «واجبة في الأفضل؛ و قد ثبت».

4) . في «د» و المطبوع و الحجري: «فإنّه».

5) . في المغني: «و فيمن».

6) . في «ب»: «أفضل».

7) . في المغني: - «في ذلك».

8) . من قوله: «من حيث يقتضي دفع الراية...» إلىٰ هنا ساقط من المغني.

9) . في المغني: «من».

10) . في المغني: «و لم يكن» بدل «و لمن يكون».

ذلكَ فيه أصلَحَ ، كَما كانَ يَستَخلِفُ و يُوَلّي مَن هذه حالُه(1).

تقرير دلالة الحديثَين على الإمامة

يُقالُ له: هذانِ الخبرانِ اللذانِ ذَكرتَهما(2)إنّما يَدُلّانِ عندَنا علَى الإمامةِ‌، كدَلالةِ حَديثِ‌(3)المؤاخاةِ و ما جَرىٰ مَجراها؛ لأنّا قد بيّنّا أنّ كُلَّ شَيءٍ دَلَّ علَى التفضيلِ و التعظيمِ فهو دَلالةٌ علَى استحقاقِ أعلَى(4)الرُّتَبِ و المَنازِلِ ، و أنّ أَولَى الناسِ بالإمامةِ مَن كانَ أفضَلَهم و أحَقَّهم بأعلىٰ مَنازِلِ التبجيلِ و التعظيمِ ؛ و قد مضىٰ طَرَفٌ مِن الكلامِ في أنّ المفضولَ لا يَحسُنُ إمامتُه(5)، و إن وَرَدَ مِن كلامِه في المُستَقبَلِ شَيءٌ مِن ذلكَ (6)أفسَدناه بعَونِ اللّٰهِ تَعالىٰ (7).

دلالة حديث الراية علىٰ أفضليّة أمير المؤمنين عليه السلام

فأمّا(8)ادّعاؤه في قولِه: «لأَُعطِيَنَّ الرايةَ غَداً...» أنّه «إنّما يَدُلُّ علىٰ أنّه فاضلٌ‌(9)، و لا يَمتَنِعُ أن يَكونَ غيرُه مُوازياً له في ذلكَ » فباطلٌ ؛ لأنّه لا بُدَّ مِن(10)أن يَكونَ له مَزيّةٌ ظاهرةٌ في ذلكَ علىٰ غيرِه مِن المؤمِنينَ و سائرِ الصحابةِ ؛ مِن حَيثُ كانَت صورةُ


1) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 186-187.

2) . أي خبر الراية و الطائر.

3) . في «ب، ج، ص، ف»: - «حديث».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: - «أعلى».

5) . تقدّم في ج 2، ص 272 و ما بعدها.

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «و إن ورد شيء من ذلك في المستقبل».

7) . يأتي ذلك في ج 4، ص 45 و ما بعدها.

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «و أمّا».

9) . في «ب»: «أفضل».

10) . في «ب، ج، ص، ف»: - «من».

الحالِ و كَيفيّةُ خروجِ القولِ مِن النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه يَقتَضي ذلكَ و يَدُلُّ عليه؛ لأنّ أبا سَعيدٍ الخُدْريَّ رَوىٰ أنّ رسولَ اللّٰهِ‌(1)صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه أرسَلَ عُمَرَ إلىٰ خَيبَرَ، فانهَزَمَ هو(2)و مَن معه، فقَدِمَ علىٰ رسولِ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه يُجَبِّنُ أصحابَه و(3)يُجَبِّنونَه، فبَلَغَ ذلكَ مِن رسولِ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه كُلَّ مَبلَغٍ‌، فباتَ لَيلتَه مهموماً، فلمّا أصبَحَ خَرَجَ إلَى الناسِ و معه الرايةُ‌، فقالَ‌: «لَأُعطِيَنَّ الرايةَ اليَومَ رَجُلاً يُحِبُّ اللّٰهَ و رسولَه، و يُحبُّه اللّٰهُ و رسولُه(4)، كَرّاراً(5)غيرَ فَرّارٍ» فتَعرَّضَ لها

جميعُ المُهاجِرينَ و الأنصارِ، فقالَ عليه السلامُ‌(6): «أينَ عَليٌّ؟» فقالوا: يا رسولَ اللّٰهِ‌، هو أرمَدُ؛ فبَعَثَ إليه أبا ذَرٍّ و سَلمانَ‌، فجاءا به يُقادُ(7)، لا يَقدِرُ علىٰ فَتحِ عينَيه مِن الرَّمَدِ؛ فلمّا دَنا مِن رسولِ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه تَفَلَ في عينَيه و قالَ‌(8): «اللّهُمَّ أذهِبْ عنه الحَرَّ و البَردَ، و انصُرْه علىٰ عدُوِّه؛ فإنّه عبدُكَ‌، يُحِبُّكَ و يُحِبُّ رسولَكَ‌، كَرّارٌ(9)غيرُ فَرّارٍ» ثُمَّ دَفَعَ إليه الرايةَ‌، فاستأذَنَه(10)حَسّانُ بنُ ثابتٍ أن يَقولَ فيه شِعراً، قالَ : «قُلْ (11)»، فأنشأَ يَقولُ :


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «أنّ النبيّ ».

2) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: - «هو».

3) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع: + «هم».

4) . في المطبوع و الحجري: - «و يحبّه اللّٰه و رسوله».

5) . في التلخيص: «كرّار».

6) . في المطبوع و التلخيص: «صلّى اللّٰه عليه و آله».

7) . في «د»: - «يقاد».

8) . في المطبوع و الحجري: «فقال».

9) . في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص: - «كرّار».

10) . في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص: «و استأذنه».

11) . في التلخيص: «قل ما شئت». و في «ب، ج، ص، ف»: «فأذن له، قال» بدل «قال: قل».

و كانَ عَليٌّ أرمَدَ العَينِ يَبتَغي *** دَواءً ، فلمّا لَم يُحِسَّ مُداوِيا

شَفاهُ رسولُ اللّٰهِ مِنهُ بِتَفْلَةٍ *** فَبورِكَ مَرقيّاً، و بورِكَ راقيا

و قالَ : سَأُعطِي الرايةَ اليَومَ صارِماً *** كَمِيّاً(1)مُحِبّاً للرسولِ مُوالِيا

يُحِبُّ إلهي، و الإلهُ يُحِبُّهُ *** بِهِ يَفتَحُ اللّٰهُ الحُصونَ الأَوابِيا

فَأَصفىٰ بها دونَ البَريَّةِ كُلِّها *** عَليّاً، و سَمّاهُ الوَزيرَ المُؤاخِيا(2)

و يُقالُ‌: إنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ لَم يَجِدْ بَعدَ ذلكَ أذىٰ حَرٍّ و لا بَردٍ.

و روىٰ سَعيدُ بنُ جُبَيرٍ عن ابنِ عبّاسٍ هذا الخبرَ بعَينِه(3)علىٰ وجهٍ آخَرَ؛ قالَ‌:

بَعَثَ رسولُ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه أبا بَكرٍ إلىٰ خَيبَرَ، فرَجَعَ و قد انهَزَمَ و انهَزَمَ الناسُ معه؛ ثُمَّ بَعَثَ مِن الغَدِ عُمَرَ، فرَجَعَ و قد جُرِحَ في رِجلَيه، و انهَزَمَ الناسُ معه(4)، فهو يُجبِّنُ الناسَ و الناسُ يُجبِّنونَه(5)فقالَ رسولُ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه:

«لَأُعطيَنَّ الرايةَ غَداً رَجُلاً يُحِبُّ اللّٰهَ و رسولَه، و يُحِبُّه اللّٰهُ و رسولُه، لَيسَ بفَرّارٍ، و(6)لا يَرجِعُ حتّىٰ يَفتَحَ اللّٰهُ عليه». و قالَ ابنُ عبّاسٍ‌: فأصبَحنا مُتشوِّقينَ (7)، نُري(8)


1) . الكَميُّ : الشُّجاعُ المُقدِمُ الجَريءُ ؛ كانَ عليه السلاحُ أو لم يكن. لسان العرب، ج 15، ص 232 (كمي).

2) . لم نعثر عليه في ديوان حسّان بن ثابت. راجع: المسترشد، ص 301؛ الأمالي للصدوق، ص 575، المجلس 84، ح 3؛ الإرشاد للمفيد، ج 1، ص 64؛ تقريب المعارف، ص 194؛ إعلام الورىٰ ، ص 185.

3) . في «ب، ج، ص، ف»: - «بعينه».

4) . في التلخيص: «انهزم و انهزم الناس».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «فهو يجبّن أصحابه و أصحابه يجبّنونه».

6) . في «د»: - «و».

7) . كذا في النسخ بالقاف في الموضعين. و لعل الأصحّ «متشوّفين» بالفاء. و تشوّف: تطلّع.

8) . هكذا في «د، ف» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «نُرائي».

وجوهَنا رَجاءَ أن يُدعىٰ رَجُلٌ‌(1)مِنّا، فدَعا رسولُ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه عَليّاً و هو أرمَدُ، فتَفَلَ في عينَيه، و دَفَعَ إليه الرايةَ‌، ففَتَحَ اللّٰهُ عليه(2).

فهذه الأخبارُ، و جميعُ ما رُويَ في هذه القِصّةِ‌، و كَيفيّةُ ما جَرَت عليه، يَدُلُّ علىٰ‌

غايةِ التفضيلِ و التقديمِ‌؛ لأنّه لَو لَم يُفِدِ القولُ إلّاالمَحبّةَ التي هي حاصلةٌ للجَماعةِ‌(3)و موجودةٌ فيهم، لَما تَصَدَّوا لدَفعِ الرايةِ و تَشَوَّقوا إلىٰ دُعائهم إليها، و لا غُبِطَ أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ بها، و لا مَدَحَته الشعراءُ‌، و لا افتَخَرَت له بذلكَ المَقامِ‌. و في مجموعِ القِصّةِ و تفصيلِها - إذا تُؤمِّلَت - ما يَكادُ يَضطَرُّ إلىٰ غاية التفضيلِ‌، و نِهايةِ التقديمِ‌.

و في أصحابِنا مَن لَم يَرضَ بأن يَكونَ هذا القولُ مِن الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(4)يَدُلُّ علىٰ تفضيلِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ و تقديمِه علَى الجَماعةِ ، حتّىٰ بَيَّنَ (5)أنّه يَدُلُّ علىٰ أنّه(6)مُختَصٌّ مِن الأوصافِ المذكورةِ في الخبرِ بما لَيسَ موجوداً عندَ مَن تَقدَّمَه إلَى(7)الحَربِ ؛ قالوا: لأنّه لَو كانَ عندَهم ما عندَه، أو يَختَصّونَ بشَيءٍ


1) . في التلخيص: «أن يدعو رجلاً».

2) . الأمالي للطوسي، ص 306-307، المجلس 11، ح 616/63؛ مسند أحمد، ج 1، ص 330، ح 3062، و ج 5، ص 353، ح 23043، و ص 358، ح 23081؛ صحيح مسلم، ج 3، ص 1433، ح 132/1807؛ المعجم الكبير، ج 7، ص 17، ح 6243، و ص 35، ح 6303؛ إمتاع الأسماع، ج 11، ص 287-288، مع اختلاف في الألفاظ و الراوي.

3) . في «ج، ص»: «في الجماعة».

4) . في «ج، د، ف»: «عليه السلام».

5) . في «ج، ص»: «يبين».

6) . في «ب، ص»: - «يدلّ علىٰ أنّه».

7) . في «ب، ج، ص» و المطبوع: «في».

ممّا ذُكِرَ اختصاصُه به، لَكانَ القولُ عَبَثاً و خَلْفاً(1).

و لَيسَ هذا مِن دليلِ الخِطابِ‌(2)في شَيءٍ‌(3)لأنّهم لَم يَرجِعوا في نفيِ الصفةِ عن غيرِه إلىٰ مُجرَّدِ إثباتِها له، و إنّما استَدَلّوا بكَيفيّةِ ما جَرىٰ في الحالِ علىٰ ذلكَ‌؛ لأنّه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(4)لا يَجوزُ أن يَغضَبَ مِن فِرارِ مَنَ فَرَّ و يُنكِرَه، ثُمَّ يَقولَ‌: «إنّني أدفَعُ الرايةَ غَداً(5)إلىٰ مَن عندَه كذا، و فيه كَذا(6)» و كُلُّ ذلكَ عندَ مَن تَقدَّمَ‌. ألا تَرىٰ أنّ بعضَ حُصَفاءِ‌(7)المُلوكِ لَو أرسَلَ رسولاً إلىٰ غيرِه، ففَرَّطَ في أداءِ رسالتِه و حَرَّفَها، و لَم يؤدِّها علىٰ حَقِّها، فغَضِبَ لذلكَ المُرسِلُ و أنكَرَ فِعلَه، و قالَ‌:

«لَأُرسِلَنَّ رسولاً حَصيفاً(8)، حَسَنَ الكلامِ و القيامِ‌(9)بأداءِ رسالتي، مُضطَلِعاً بها» لَكُنّا نَعلَمُ أنّ الذي أثبَتَه مَنفيٌّ عن الأوّلِ‌.

قالوا: و كَما انتَفىٰ عمّن تَقدَّمَ فَتحُ الحِصنِ علىٰ أيديهِم، و الكَرُّ الذي لا فِرارَ معه، كَذلكَ يَجِبُ أن يَنتَفيَ سائرُ ما أُثبِتَ له عليه السلامُ‌(10)لأنّ الكُلَّ خَرَجَ


1) . الخَلْف: الرديءُ مِن القول. و في المثل: «سَكَتَ ألْفاً، و نطَقَ خَلْفاً»، أي سكت عن ألف كلمة، ثمّ تكلّم بخطإٍ. يُضرَبُ للرجُلِ يُطيلُ الصمتَ ، فإذا تكلَّمَ تكلَّمَ بالخطإ. تاج العروس، ج 12، ص 184 (خلف).

2) . في «ب، ج، ص»: «من ذلك» بدل «من دليل الخطاب».

3) . المقصود بدليل الخطاب هنا مفهوم الوصف. و كان يُطلَق علىٰ بحث المفاهيم من علم أُصول الفقه اسمُ : «دليل الخطاب». راجع: الذريعة، ج 1، ص 392 و ما بعدها.

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «عليه السلام».

5) . في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص: - «غداً».

6) . في «ج، ف» و التلخيص: «و فيه كذا و كذا».

7) . حَصُفَ حَصافةً : إذا كان جيّدَ الرأي، محكم العقل. لسان العرب، ج 9، ص 48 (حصف).

8) . في «ج، ص»: «حقيقاً».

9) . في «ج، ص، ف» و التلخيص: «حسن القيام».

10) . في «د» و المطبوع و الحجري: «صلّى اللّٰه عليه و آله».

مَخرَجاً واحداً، و وَرَدَ علىٰ طريقةٍ واحدةٍ .

و هذا وجهٌ ، و إن كانَ الذي لا يُمكِنُ أن يُدفَعَ و لا يُشغَبَ فيه هو(1)دَلالةُ الكلامِ و جُملةُ القِصّةِ علىٰ أنّه يَزيدُ علَى القومِ في جميعِ ما ذُكِرَ، و يَفضُلُ عليهم فيه فَضلاً ظاهراً لَن يُشارِكوه(2)في شَيءٍ منه؛ فإنّه لَيسَ في هذا مِن الشُّبهةِ ما في ادّعاءِ نفيِ المُشارَكةِ و إن قَلَّت و ضَعُفَت(3).


1) . في التلخيص: «و لا يشعب فيه». و في «ج، ص»: «و لا منعت منه». و في «ب»: «و لا يشغب به». و في «د»: «و لا يشغب هو». و في «ف»: - «هو».

2) . في التلخيص: «لم يشاركوه».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «و إن كانت قليلة ضعيفة».

الدليل الخامس عشر مجموعة من الأحاديث

اشارة

قالَ صاحبُ الكتابِ :

دليلٌ لهُم آخَرُ(1):

و رُبَّما تَعلَّقوا بأخبارٍ(2)يَدَّعونَها في هذا البابِ‌؛ منها ما طريقُه الآحادُ، و منها ما لا يُمكِنُ إثباتُه علىٰ شَرطِ الآحادِ أيضاً؛ نَحوُ ما يَدَّعونَ (3)مِن أنّه عليه السلامُ (4)تَقدَّمَ إلىٰ أصحابِه(5)بأن يُسلِّموا علىٰ عَليٍّ عليه السلامُ بإمرةِ (6)المؤمنينَ .


1) . هذا الدليل يحتوي علىٰ مجموعة من الأحاديث الدالّة علىٰ إمامة أمير المؤمنين عليه السلام، و يمكن اعتبار كلّ واحد منها دليلاً قائماً بنفسه. كما يحتوي هذا القسم من الكتاب علىٰ مناقشات مفصّلة للأخبار الدالّة علىٰ عدم وصيّة رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آلِه لأحدٍ من بعده، و مناقشة أخبار استخلاف أبي بكر و عمر.

2) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و المغني. و في «د» و المطبوع و الحجري: «بأخبارهم».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «يدّعونه».

4) . في «د» و المطبوع و الحجري: «صلّى اللّٰه عليه و آله»، و هكذا في الموارد الآتية.

5) . هكذا في «ج، ص، ف» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «إلى الصحابة».

6) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و المغني. و في «د» و المطبوع و الحجري: «بإمارة».

و نَحوُ ما يَروونَ‌(1)مِن قولِه عليه السلامُ في عَليٍّ‌: «إنّه سَيِّدُ المُسلِمينَ‌، و إمامُ المُتَّقينَ‌، و قائدُ الغُرِّ المُحَجَّلينَ‌».

و قولِه لعَليٍّ‌(2)عليه السلامُ‌: «هذا وَليُّ كُلِّ مؤمِنٍ و مؤمِنةٍ مِن بَعدي(3)».

و أنّه قالَ‌: «إنّ عَليّاً مِنّي، و أنا مِنه، و هو وَليُّ كُلِّ مؤمِنٍ و مؤمِنةٍ‌».

إلىٰ غيرِ ذلكَ ممّا يَتعلَّقونَ به في الإمامةِ‌، أو في أنّه الأفضَلُ‌، أو في بابِ العِصمةِ‌.

ثُمّ قالَ‌:

و قد بَيَّنَ شَيخُنا أبو عَليٍّ أنّ هذه الأخبارَ لَم تَثبُتْ مِن وجهٍ يوجِبُ العِلمَ‌، فلا يَصِحُّ‌(4)الاعتمادُ عليها في إثباتِ النصِّ‌(5).

و بَيَّنَ أنّ ادّعاءَهم فيها أو في بعضِها أنّها ثابتةٌ بالتواتُرِ لا يَصِحُّ‌؛ لأنّ للتواتُرِ شَرائطَ لَيسَت حاصلةً فيها(6)، و لا يُمكِنُهم إثباتُ ذلكَ بأن يَقولوا:

إنّ الشيعةَ قد طَبَّقَت(7)البِلادَ عَصراً بَعدَ عَصرٍ، و حالاً بَعدَ حالٍ‌، فروايتُها يَجِبُ‌(8)أن تَبلُغَ حَدَّ التواتُرِ؛ لأنّ الخبرَ لا يَصيرُ داخلاً في جُملةِ التواتُرِ(9)


1) . في المغني: «ما روي».

2) . في «ب، ج، ص، ف» و المغني: - «لعليّ‌».

3) . في «ب، ج، ص، ف» و المغني: «هذا وليّ كلّ مؤمن بعدي».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «و لا يصحّ‌».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «في باب النصّ ».

6) . في المغني: + «أو في بعضها أنّها ثابتة فيه».

7) . طَبَّقَت: عَمَّت؛ يُقالُ : طَبَّقَ السحابُ الجَوَّ، و الغَيمُ السماءَ ، و الماءُ وجهَ الأرضِ : غَشّاه و عَمَّه. لسان العرب، ج 10، ص 210؛ تاج العروس، ج 13، ص 285 (طبق).

8) . هكذا في «ج، ص» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «تجب».

9) . في المغني: «في حدّ التواتر».

بهذه الطريقةِ‌، دونَ أن يُبيَّنَ حصولُ النقلِ فيه(1)علىٰ شَرطِ التواتُرِ.

قالَ‌:

و بَيَّنَ - يَعني أبا عَليٍّ - أنّ لِمَن خالَفَهم أن يَدَّعوا(2)مِثلَ ذلكَ في النصِّ علىٰ أبي بَكرٍ؛ لأنّ أصحابَ الحَديثِ فيهم كَثيرةٌ‌(3).

و بَيَّنَ أنّ ادّعاءَ النصِّ لا يُمكِنُ إثباتُه إلّاحَديثاً، فأمّا في الأعصارِ القَديمةِ فذلكَ مُتعذِّرٌ.

و بَيَّنَ أنّ ادّعاءَهم أنّه قد كانَ لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ شيعةٌ و مُتعصِّبونَ يَدَّعون له النصَّ - كأبي ذَرٍّ، و عَمّارٍ، و المِقدادِ، و سَلمانَ‌، إلىٰ غيرِهم(4)- لا يُمكِنُ إثباتُه، و إنّما يُمكِنُ أن يَثبُتَ انقطاعُهم إليه،

و قولُهم بفَضلِه، و بأنّه حَقيقٌ بالإمامةِ‌، و بأنّه قد كانَ يَجِبُ أن لا يُعدَلَ عنه و(5)عن رأيِه، إلىٰ ما يَجري هذا المَجرىٰ‌. فأمّا ادّعاءُ (6)غيرِ ذلكَ فبَعيدٌ؛ لأنّ النصَّ غيرُ مذكورٍ عنهم علَى الوجهِ الذي يَدَّعونَ .

و بَيَّنَ أنّهم إن رَضوا لأنفُسِهم في إثباتِ النَّصِّ أن يَعتَمِدوا علىٰ مِثلِ هذه الأخبارِ، فالمَرويُّ مِن الأخبارِ الدالّةِ علىٰ أنّه عليه السلامُ لَم يَستَخلِفْ أظهَرُ مِن ذلكَ ؛ لأنّه قد رُويَ عن أبي وائلٍ (7)و الحَكَمِ عن عَليِّ بن أبي


1) . في المغني: «دون أن نبيّن حصوله فيها».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «أن يدّعى».

3) . في «ج، ص، ف» و المطبوع: «كثرة».

4) . في المغني: «إلىٰ غير ذلك».

5) . في «د» و المغني: - «عنه و».

6) . في «ج، ف»: «ادّعاؤهم».

7) . شقيق بن سلمة، أبو وائل الأسدي، أحد بني مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة،

طالبٍ‌(1)عليه السلامُ أنّه قيلَ له: ألا توصي‌؟ قالَ‌: «ما أَوصىٰ رسولُ اللّٰهِ فأُوصي، و لكِنْ إن أرادَ اللّٰهُ بالناسِ خَيراً فسَيَجمَعُهم(2)علىٰ خَيرِهم، كما جَمَعَهم بَعدَ نَبيِّهم علىٰ خَيرِهم(3)»(4).

و رَوىٰ صَعصَعةُ بنُ صَوحانَ‌(5): أنّ ابنَ مُلجَمٍ لَعَنَه اللّٰهُ (6)لمّا ضَرَبَه(7)عليه السلامُ دَخَلنا عليه(8)، فقُلنا: يا أميرَ المؤمِنينَ (9)، استَخلِفْ علَينا، قالَ : «لا، فإنّا دَخَلنا علىٰ رسولِ اللّٰه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلهِ حينَ ثَقُلَ ، فقُلنا: يا

أدرك زمان النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و لم يره، و لم يسمع منه. و كان ممّن سكن الكوفة، و ورد المدائن مع عليّ بن أبي طالب عليه السلام حين قاتل الخوارج بالنهروان. و سمع عليّ بن أبي طالب و عبد اللّٰه بن مسعود و عمّار بن ياسر و عدّةً أُخرى من الصحابة. توفّي سنة تسع و سبعين. الطبقات الكبرى، ج 6، ص 154، الرقم 1984؛ معرفة الصحابة، ج 3، ص 31، الرقم 1449؛ تاريخ بغداد، ج 9، ص 269، الرقم 2834؛ الاستيعاب، ج 2، ص 710، الرقم 1201.


1) . في «ب، ج، ص، ف» و المغني: - «بن أبي طالب».

2) . في «ب»: «سيجمعهم».

3) . في المغني: + «أبي بكر».

4) . المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 84، ح 4467؛ السنن الكبرى للبيهقي، ج 8، ص 149، ح 16350؛ مسند البزّار، ج 2، ص 186، ح 565؛ شعب الإيمان، ج 6، ص 6، ح 7350؛ كنز العمّال، ج 12، ص 515-516، ح 35681، مع اختلاف.

5) . صعصعة بن صوحان بن حجر، و كان يكنّى أبا طلحة، و كان من أصحاب الخطط بالكوفة، و كان خطيباً، و كان من أصحاب عليّ بن أبي طالب عليه السلام، و شهد معه الجمل هو و أخواه زيد و سيحان ابنا صوحان. و توفّي صعصعة بالكوفة في خلافة معاوية بن أبي سفيان، و كان ثقةً قليل الحديث. الطبقات الكبرى، ج 6، ص 244، الرقم 2213؛ الاستيعاب، ج 2، ص 717، الرقم 1211؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 24، ص 79، الرقم 2881؛ أُسد الغابة، ج 2، ص 403، الرقم 2503.

6) . في المغني: - «لعنه اللّٰه».

7) . في المغني: «لمّا ضرب عليّاً».

8) . هكذا في «ج، ص». و في سائر النسخ و المطبوع: «إليه».

9) . في المغني: «فقلنا له» بدل «فقلنا: يا أمير المؤمنين».

رسولَ اللّٰهِ‌، استَخلِفْ علَينا، فقالَ‌: لا(1)، إنّي أخافُ أن تَتفرَّقوا(2)عنه كَما تَفرَّقَت بَنو إسرائيلَ عن هارونَ‌، و لكِنْ إن يَعلَمِ اللّٰهُ في قُلوبِكم خَيراً اختارَ لَكم»(3).

و المَرويُّ عن العَبّاسِ - أنّه خاطَبَ أميرَ المؤمنينَ في مرضِ النبيِّ عليه السلامُ أن يَسألَه(4)عن القائمِ بالأمرِ(5)بَعدَه، و أنّه امتَنَعَ مِن ذلكَ خَوفاً أن يَصرِفَه عن أهلِ بَيتِه، فلا يَعودَ إليهم أبَداً(6)- ظاهرٌ. فلِمَ صاروا بأن

يَتعلَّقوا بتلكَ الأخبارِ، بأَولىٰ ممّن يُخالِفُهم بأن يَتعلَّقَ بهذه الأخبارِ(7)في أنّه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه لَم يَستَخلِفْ‌(8)؟

قالَ‌: و أحَدُ ما يُعارَضونَ به ما رُويَ عنه عليه السلامُ في استخلافِ أبي بَكرٍ؛ فقَد رُويَ عن أنَسٍ أنّ رسولَ اللّٰهِ‌(9)صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(10)أمَرَه عند إقبالِ أبي بَكرٍ أن يُبشِّرَه بالجَنّةِ و بالخِلافةِ بَعدَه، و أن يُبشِّرَ عُمَرَ بالجَنّةِ و بالخِلافةِ بَعدَ أبي بَكرٍ(11).


1) . من قوله: «فإنّا دخلنا علىٰ رسول اللّٰه...» إلىٰ هنا ساقط من المغني.

2) . في «ب، د»: «أن يتفرّقوا».

3) . المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 156، ح 4698؛ كنز العمّال، ج 13، ص 189، ح 36562.

4) . في «ب، ج، د، ص، ف»: «أن يسأل». و في المغني: «أن سل».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: - «بالأمر».

6) . راجع: نهج البلاغة، ص 52، الخطبة 5؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 1، ص 213.

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «بأولىٰ من الذي خالفهم بهذه الأخبار». و في المغني: «بأولىٰ ممّن خالفهم أن يتعلّق بهذه الأخبار».

8) . في المغني: - «في أنّه صلّى اللّٰه عليه و آله لم يستخلف».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: «أنّ النبيّ ».

10) . في المغني: - «و آله».

11) . مسند أبي يعلىٰ ، ج 7، ص 45، ح 3958؛ كنز العمّال، ج 13، ص 67، ح 36267، مع اختلاف يسير.

و رُويَ عن جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ‌(1): أنّ امرأةً أتَت رسولَ اللّٰهِ عليه السلامُ فكَلَّمَته(2)في شَيءٍ مِن أمرِها(3)، فأمَرَها أن تَرجِعَ إليه، فقالَت: يا رسولَ اللّٰهِ‌، أرَأَيتَ‌(4)إن رَجَعتُ فلَم أجِدْكَ؟ - تَعني المَوتَ - فقالَ‌(5)عليه السلامُ‌: «إن لَم تَجِديني فائْتي أبا بَكرٍ»(6).

و روىٰ أبو مالكٍ الأشجَعيُّ‌(7)عن أبي عَريضٍ (8)و كانَ رَجُلاً مِن أهلِ خَيبَرَ، و كانَ يُعطيهِ النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(9)في كُلِّ سَنةٍ مائةَ راحِلةٍ


1) . جبير بن مطعم بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف بن قصيّ بن كلاب، أبو محمّد، له صحبة و رواية عن النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله. أسلم جبير يوم الفتح و قيل عام خيبر، و مات بالمدينة سنة سبع و خمسين و قيل سنة تسع و خمسين في خلافة معاوية. معجم الصحابة، ج 2، ص 1101، الرقم 154؛ معرفة الصحابة، ج 1، ص 431، الرقم 311؛ الاستيعاب، ج 1، ص 232، الرقم 311؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 72، ص 41، الرقم 9771.

2) . في المغني: «و كلّمته». و في «ب، ج، ف»: - «فكلّمته».

3) . في المغني: - «من أمرها».

4) . في المغني: - «أ رأيت».

5) . في «د» و المطبوع: «قال».

6) . صحيح البخاري، ج 3، ص 1338، ح 3459، و ج 6، ص 2639، ح 6794، و ص 2679، ح 6927؛ صحيح مسلم، ج 4، ص 1854، ح 2386/10؛ مسند أحمد، ج 4، ص 82، ح 16801؛ الجامع الصحيح، ج 5، ص 615، ح 3676؛ المعجم الكبير، ج 2، ص 122، ح 1557.

7) . أبو مالك الأشجعي، قيل: اسمه عمرو بن الحارث بن هانئ. روى عنه عطاء بن يسار. الطبقات الكبرى، ج 4، ص 213، الرقم 470؛ معرفة الصحابة، ج 5، ص 20، الرقم 3418؛ أُسد الغابة، ج 5، ص 271، الرقم 6210.

8) . أبو عريض، ذكره أبو حاتم الرازي عن محمّد بن دينار الخراساني، عن عبد اللّٰه بن المطّلب، عن محمّد بن جابر الحنفي، عن أبي مالك الأشجعي، عن أبي عريض. و كان دليل رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله من أهل خيبر. قال: أعطاني رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله مائة راحلة، فذكر حديثاً منكراً لا يصحّ . الاستيعاب، ج 4، ص 1714، الرقم 3088؛ أُسد الغابة، ج 5، ص 212، الرقم 6092؛ الإصابة، ج 7، ص 227، الرقم 10248.

9) . في المغني: - «و آله».

تَمراً، فأعطاه سَنةً‌، و قالَ‌: إنّي أخافُ أن لا أُعطىٰ بَعدَكَ‌، فقالَ عليه السلامُ‌(1): «تُعطاها». قالَ‌: فمَرَرتُ بعَليٍّ عليه السلامُ فأخبَرتُه، فقالَ‌:

فارجِعْ‌(2)إليه(3)فقُلْ‌: يا رسولَ اللّٰهِ‌، مَن يُعطينيها(4)بَعدَكَ؟(5)فرَجَعتُ‌، فقُلتُ‌، فقالَ عليه السلامُ‌: «أبو بَكرٍ»(6).

و قد رُويَ عن الشَّعبيِّ عن بَني المُصطَلَقِ أنّهم بَعَثوا رَجُلاً إلَى النبيِّ عليه السلامُ فقالوا له: سَلْه: مَن يَلي صَدَقاتِنا مِن بَعدِه‌؟ فانطَلَقَ فلَقيَ عليّاً عليه السلامُ و سَألَه، فقالَ‌: «لا أدري، انطَلِقْ إلىٰ رسولِ اللّٰهِ‌

فَسَلْه(7)، ثُمَّ ائتِني» فسَألَه، فقالَ‌: «أبو بَكرٍ». فرَجَعَ إلىٰ عَليٍّ عليه السلامُ فأخبَرَه، ثُمَّ كذلكَ حتّىٰ ذَكَرَ عُمَرَ بَعدَه(8).

و في حَديثِ سَفينةَ‌(9)مَولىٰ رسولِ اللّٰهِ : «إنّ الخِلافةَ بَعدي ثَلاثونَ


1) . في «ب، د» و المطبوع و التلخيص: «صلّى اللّٰه عليه و آله»، و هكذا في الموارد الآتية.

2) . في المغني: «ارجع».

3) . في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص: - «إليه».

4) . في «د» و التلخيص: «يعطنيها».

5) . في «ج، ص، ف»: + «قال».

6) . الإصابة في تمييز الصحابة، ج 7، ص 227، الرقم 10248.

7) . هكذا في المغني و التلخيص. و في النسخ و المطبوع: «فاسأله».

8) . المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 82، ح 4460؛ كنز العمّال، ج 13، ص 98، ح 36332 و 36333، و ص 241، ح 36723، مع اختلاف يسير.

9) . سفينة مولىٰ رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله، و قيل: مولىٰ أُمّ سلمة زوجة النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله؛ قيل: أعتقه النبيّ ، و قيل: أعتقته أُمّ سلمة و اشترطت عليه خدمة النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله ما عاش. يكنّىٰ أبا عبد الرحمن، و قيل: يكنّىٰ أبا البختري، و الأوّل أكثر و أشهر. قال الواقدي: اسم سفينة مهران، و كان من مولّدي الأعراب، و قال غيره: هو من أبناء فارس، و اسمه سقبة بن

سَنةً‌(1)» و أنّه عليه السلامُ ذَكَرَ أبا بَكرٍ و عُمَرَ و عُثمانَ بالخِلافةِ‌(2).

و قد رُويَ أنّ أبا بَكرٍ قالَ‌: يا رسولَ اللّٰهِ‌، رأيتُ كأنّ عَلَيَّ بُردَ حَبَرةٍ‌، و كأنّ فيه رَقْمَينِ‌(3)، فقالَ عليه السلامُ‌: «تَلي الخِلافةَ بَعدي سَنَتَينِ إن صَدَقَت رؤياكَ‌»(4).

و قالَ‌: و قد رُويَ أنّه قالَ‌(5)في أبي بَكرٍ و عُمَرَ: «هذانِ سَيِّدا كُهولِ أهلِ الجَنّةِ‌»(6)و المُرادُ بذلكَ‌: أنّهما(7)سَيِّدا مَن يَدخُلُ الجَنّةَ مِن كُهولِ الدنيا، كَما قالَ في الحَسَنِ و الحُسَينِ عليهما السلامُ (8): «إنّهما سَيِّدا شَبابِ أهلِ الجَنّةِ »(9)يَعني سَيِّدا مَن يَدخُلُ الجَنّةَ مِن شَبابِ الدُّنيا.

مارقة. و عن سفينة قال: كنت مع النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله في سفر، فكان بعض القوم إذا أعيا ألقىٰ عليّ ثوبه حتّىٰ حملت من ذلك شيئاً كثيراً، فقال: «ما أنت إلّاسفينة». فلزمه ذلك اللقب. حلية الأولياء، ج 1، ص 368، الرقم 74؛ معرفة الصحابة، ج 2، ص 504، الرقم 1293؛ الاستيعاب، ج 2، ص 684، الرقم 1135؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 4، ص 266، الرقم 12.


1) . في «ب، ج، ص، ف»: - «سنة».

2) . مسند أحمد، ج 5، ص 221، ح 21978؛ سنن أبي داود، ج 2، ص 622، ح 4646 و 4647؛ الجامع الصحيح، ج 4، ص 503، ح 2226؛ المعجم الكبير، ج 1، ص 89، ح 136؛ و ج 7، ص 83، ح 6443؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 156، ح 4697، مع اختلاف يسير.

3) . في «د»: «رقمتين». و في المغني: «رقمتان». و في التلخيص: «رقيمتين». و الرَّقْمُ : ما يُكتَبُ على الثياب و غيرها من أثمانها. تاج العروس، ج 16، ص 297 (رقم).

4) . كنز العمّال، ج 15، ص 523، ح 42022؛ بحار الأنوار، ج 10، ص 442، مع اختلاف يسير.

5) . في المغني: «و روي عنه أنّه قال».

6) . مسند أحمد، ج 1، ص 80، ح 602؛ سنن ابن ماجة، ج 1، ص 36، ح 95، و ص 38، ح 100؛ الجامع الصحيح، ج 5، ص 611، ح 3665 و 3666؛ المعجم الكبير، ج 22، ص 104، ح 257.

7) . في «ب، ج، ص، ف»: - «أنّهما».

8) . في المغني: - «عليهما السلام».

9) . قرب الإسناد، ص 111، ح 387؛ كتاب من لا يحضره الفقيه، ج 4، ص 179، ح 5407،

و رُويَ أنّه عليه السلامُ قالَ في أبي بَكرٍ: «ادعوا(1)لي أخي و صاحبي؛ صَدَّقَني حَيثُ كَذَّبَنيَ الناسُ‌»(2). و قالَ‌: «اقتَدُوا باللذَينِ مِن(3)بَعدي؛ أبي بَكرٍ و عُمَرَ»(4).

و رَوىٰ جعفرُ بنُ مُحمّدٍ عن أبيهِ‌: أنّ رجُلاً مِن قُرَيشٍ جاءَ إلىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ فقالَ‌: سَمِعتُكَ تَقولُ في الخُطبةِ آنِفاً(5): «اللّهُمَّ أصلِحْنا بما أصلَحتَ به الخُلَفاءَ الراشدينَ‌» فمَن هُم‌؟ قالَ : «حَبيبايَ و عَمّاكَ (6)، أبو بَكرٍ و عُمَرُ؛ إماما الهُدىٰ ، و شَيخا الإسلامِ ، و(7)رَجُلا

و ص 430، ح 5923؛ الأمالي للصدوق، ص 22، المجلس 6، ح 5، و ص 57، المجلس 13، ح 10، و ص 125، المجلس 26، ح 7؛ الخصال، ج 1، ص 320، ح 1، و ج 2، ص 551، ح 30، و ص 575، ح 1؛ عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 1، ص 307، ح 67، و ج 2، ص 27، ح 12؛ الأمالي للطوسي، ص 85، المجلس 3، ح 127/36؛ مسند أحمد، ج 3، ص 3، ح 11012، و ص 62، ح 11612، و ص 64، ح 11636، و ص 82، ح 11794، و ج 5، ص 391-392، ح 23377 و 23378؛ سنن ابن ماجة، ج 1، ص 44، ح 118؛ الجامع الصحيح، ج 5، ص 656، ح 3768، و ص 660، ح 3781؛ المعجم الكبير، ج 3، ص 35-39، ح 2598-2618؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 182، ح 4778-4780، و ص 429، ح 5630.


1) . في «ج، ص، ف» و المطبوع: «دعوا».

2) . الرياض النضرة، ج 1، ص 48-49، مع اختلاف يسير.

3) . في المطبوع و الحجري: - «من».

4) . مسند أحمد، ج 5، ص 382، ح 23293؛ الجامع الصحيح، ج 5، ص 609، ح 3662؛ المعجم الكبير، ج 9، ص 72، ح 8426؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 79-80، ح 4451-4456، و ج 4، ص 370، ح 7952؛ مسند الحميدي، ج 1، ص 214، ح 449؛ مسند الشاميّين، ج 2، ص 57، ح 913.

5) . في المغني: - «آنفاً».

6) . هكذا في «ب، د» و التلخيص. و في المغني: «و عمّال». و في سائر النسخ و المطبوع: «و عمّاي».

7) . في «ب، ج، ص، ف» و المغني: - «و».

قُرَيشٍ‌، و المُقتَدىٰ بِهما بَعدَ رسولِ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(1)مَن

اقتَدىٰ بِهما عُصِمَ‌، و مَن اتَّبَعَ آثارَهُما هُدِيَ إلىٰ صِراطٍ مُستَقيمٍ‌»(2).

و رَوىٰ أبو جُحَيفةَ‌(3)و مُحمّدُ بنُ عَليٍّ (4)و عَبدُ خَيرٍ(5)و سُوَيدُ بنُ غَفَلةَ (6)


1) . في المغني: - «و آله».

2) . كنز العمّال، ج 13، ص 11، ح 36107، مع اختلاف يسير.

3) . أبو جحيفة، وهب بن عبد اللّٰه السوائي، و هو وهب الخير، نزل أبو جحيفة الكوفة و كان من صغار الصحابة، سمع من رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و روىٰ عنه، و جعله عليّ بن أبي طالب علىٰ بيت المال بالكوفة، و شهد معه مشاهده كلّها، و كان يحبّه و يثق إليه، و يسمّيه وهب الخير، و وهب اللّٰه أيضاً. و ما أكل أبو جحيفة ملء بطنه حتّىٰ فارق الدنيا، كان إذا تعشى لا يتغدّىٰ ، و إذا تغدّىٰ لا يتعشّىٰ ، و توفّي في إمارة بشر بن مروان بالبصرة سنة اثنتين و سبعين. الطبقات الكبرى، ج 6، ص 129، الرقم 1966؛ معجم الصحابة، ج 14، ص 5212، الرقم 1153؛ تاريخ بغداد، ج 1، ص 213، الرقم 38؛ الاستيعاب، ج 4، ص 1591، الرقم 2732؛ أُسد الغابة، ج 5، ص 48، الرقم 5752.

4) . يريد به محمّد بن الحنفيّة.

5) . هو عبد خير بن يزيد بن محمّد الهمداني، أبو عمارة، أدرك زمن النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و لم يسمع منه، و هو من أصحاب عليّ عليه السلام و من كبارهم، ثقة مأمون، سكن الكوفة و حدّث بها عن عليّ بن أبي طالب، و كان ممّن شهد مع عليّ حرب الخوارج بالنهروان. الطبقات الكبرى، ج 6، ص 244، الرقم 2214؛ معرفة الصحابة، ج 3، ص 320، الرقم 1930؛ تاريخ بغداد، ج 11، ص 126، الرقم 5820؛ الاستيعاب، ج 3، ص 1005، الرقم 1698؛ أُسد الغابة، ج 3، ص 317، الرقم 3257.

6) . في «د» و الحجري: «سويد بن عفلة». و سويد بن غفلة - بالغين المعجمة و الفاء المفتوحتين، و قيل: بالعين المهملة، و هو خلاف المشهور - أبو أُميّة الجعفي، من كبار التابعين، ولد عام الفيل و قدم المدينة يوم دفن النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله، و كان مسلماً في حياته. شهد اليرموك و شهد صفّين مع عليّ عليه السلام. و عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب عليّ و الحسن عليهما السلام. توفّي بالكوفة سنة إحدىٰ أو اثنتين و ثمانين و هو ابن 128 أو 130 سنة. تهذيب الكمال، ج 12، ص 265، الرقم 2647؛ تاريخ الإسلام للذهبي، ج 6، ص 75؛ تقريب التهذيب، ج 1، ص 341؛ رجال الطوسي، ص 69، الرقم 589، و ص 94، الرقم 937.

و أبو حُكَيمةَ‌(1)و غيرُهم - و قد قيلَ‌: إنّهم أربَعةَ عَشَرَ رَجُلاً -: أنّ عليّاً عليه السلامُ قالَ في خُطبةٍ‌(2): «خَيرُ هذه الأُمّةِ بَعدَ نَبيِّها أبو بَكرٍ و عُمَرُ(3)»(4). و في بعضِ الأخبارِ: «و لَو شِئتُ‌(5)أن أُسَمِّيَ الثالِثَ لَفَعَلتُ‌(6)»(7).

و في بعضِ الأخبارِ: أنّه عليه السلامُ خَطَبَ بذلكَ بَعدَ ما انتَهىٰ‌(8)إليه أنّ رَجُلاً تَناوَلَ أبا بَكرٍ و عُمَرَ بالشَّتيمةِ‌، فدَعا به و تَقدَّمَ بعُقوبتِه(9)بَعدَ أن شَهِدوا عليه بذلكَ‌(10).

و رَوىٰ جعفرُ بنُ مُحمّدٍ عن أبيهِ‌، عن جَدِّه عليهم السلامُ قالَ‌: «لمّا استُخلِفَ أبو بَكرٍ جاءَ أبو سُفيانَ ، فاستأذَنَ علىٰ عليٍّ عليه السلامُ


1) . أبو حكيمة، أحد الرواة عن عليّ عليه السلام، و روىٰ حديثه عبد الرحمن بن الأصبغ. المؤتلف و المختلف، ج 2، ص 567.

2) . في «ب، ج، ص، ف» و الحجري و التلخيص: «في خطبته». و في المغني: - «في خطبة».

3) . في المغني: «بعد النبيّ أبو بكر ثمّ عمر».

4) . مسند أحمد، ج 1، ص 114-115، ح 922 و 926 و 932 و 933؛ المعجم الأوسط، ج 1، ص 297، ح 992؛ كنز العمّال، ج 11، ص 567، ح 32684، و ج 13، ص 7، ح 36095، مع اختلاف يسير.

5) . هكذا في المغني. و في النسخ و المطبوع: «و لو أشاءُ ».

6) . في المغني: «و لو شئت لسمّيت الثالث».

7) . مسند أحمد، ج 1، ص 110، ح 879 و 880، و ص 113، ح 909، و ص 128، ح 1060؛ مسند أبي يعلىٰ ، ج 1، ص 410، ح 540؛ مسند البزّار، ج 2، ص 130، ح 488، و ج 3، ص 44، ح 796؛ المعجم الكبير، ج 1، ص 107، ح 178؛ المعجم الأوسط، ج 3، ص 138، ح 2728، مع اختلاف يسير.

8) . في «د» و المطبوع: «أنهى».

9) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «لعقوبته».

10) . المؤتلف و المختلف، ج 2، ص 567، مع اختلاف يسير.

و قالَ‌: ابسُطْ يَدَكَ أُبايِعْكَ‌، فوَ اللّٰهِ لَأَملأنَّها(1)علىٰ أبي فَصيلٍ‌(2)خَيلاً

و رَجِلاً، فانزَوىٰ عنه عليٌّ‌(3)عليه السلامُ فقالَ‌(4): وَيحَكَ يا أبا سُفيانَ‌، هذه مِن دَواهيكَ‌، و قد اجتَمَعَ الناسُ علىٰ أبي بَكرٍ، ما زِلتَ تَبغي للإسلامِ العِوَجَ في الجاهليّةِ و الإسلامِ‌، و وَ اللّٰهِ ما ضَرَّ الإسلامَ‌(5)ذلكَ شَيئاً حتّىٰ ما زِلتَ صاحبَ فِتنةٍ‌(6)»(7).

و رَوىٰ جعفرُ بنُ محمّدٍ عن أبيهِ‌، عن جابرِ بنِ عَبد اللّٰهِ‌، قالَ‌: لمّا غُسِّلَ‌(8)عُمَرُ و كُفِّنَ دَخَلَ عَليٌّ عليه السلامُ (9)فَقالَ : «ما علَى الأرضِ أحَدٌ أحَبُّ إلَيَّ (10)أن ألقَى اللّٰهَ بصَحيفتِه(11)مِن هذا المُسَجّىٰ بَينَ أَظهُرِكم»(12).


1) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «لأملأها».

2) . «أبو فصيل» كناية عن أبي بكر، و قيل: إنّه كنيته قبل إظهار الإسلام، و بعده كنّاه النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله بأبي بكر.

3) . هكذا في «ج، ص، ف» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «عليّ ».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «و قال».

5) . في التلخيص: «للإسلام».

6) . من قوله: «و في بعض الأخبار أنّه عليه السلام خطب بذلك...» إلىٰ هنا ساقط من المغني، و بدله: «و روي أنّه عاقب من شتمهما».

7) . تاريخ الطبري، ج 3، ص 209-210؛ الكامل لابن الأثير، ج 2، ص 325-326؛ تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 126؛ العقد الفريد، ج 5، ص 84؛ المحاسن و المساوئ، ص 273؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 1، ص 221، و ج 2، ص 48؛ السقيفة و فدك، ص 42؛ الصراط المستقيم، ج 3، ص 152، مع اختلاف.

8) . في المغني: «لمّا قتل».

9) . في «ج، ص، ف»: + «عليه».

10) . في «ب، ج، ص، ف»: + «من».

11) . في «ص» و التلخيص: «بصحيفة».

12) . فضائل الصحابة، ج 1، ص 324-325، ح 345-347؛ المصنّف لابن أبي شيبة، ج 7،

و رُويَ مِثلُ ذلكَ عن ابنِ عبّاسٍ و ابنِ عُمَرَ(1).

و قالَ عليه السلامُ‌: «اقتَدُوا باللذَينِ مِن بَعدي؛ أبي بَكرٍ و عُمَرَ»(2)، و(3)«لَو كُنتُ مُتَّخِذاً خَليلاً لَاتَّخَذتُ أبا بَكرٍ خَليلاً»(4)إلىٰ غيرِ ذلكَ ممّا يَطولُ ذِكرُه.

قالَ‌: فإذا كانَت هذه الأخبارُ و غيرُها ممّا يَطولُ ذِكرُها منقولةً ظاهرةً‌(5)، فلِمَ صِرتُم بأن تَستَدِلّوا بما ذَكَرتموه علىٰ إمامةِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ و فَضلِه بأَولىٰ ممّن خالَفَكم و ادَّعَى النَّصَّ لأبي بَكرٍ و الفَضلَ له ؟

و نَبَّهَ (6)بذلكَ (7)علىٰ أنّ الواجبَ فيما هذا حالُه العُدولُ عن أخبارِ الآحادِ إلىٰ طريقةِ العِلمِ . و إنّما نَذكُرُ هذه الأخبارَ لنُبيِّنَ لهُم الفَضلَ و أنّهم

ص 486، ح 51؛ الطبقات الكبرى، ج 3، ص 282-283؛ أنساب الأشراف، ج 10، ص 443؛ إمتاع الأسماع، ج 10، ص 377؛ تاريخ الإسلام، ج 3، ص 120، مع اختلاف يسير.


1) . مسند أحمد، ج 1، ص 109، ح 866 و 867؛ فضائل الصحابة، ج 1، ص 405، ح 476؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 44، ص 451-454، الرقم 5206؛ أنساب الأشراف، ج 10، ص 443 و 446؛ تاريخ الإسلام، ج 3، ص 282، مع اختلاف يسير.

2) . تقدّم تخريجه في ص 408.

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «و قال».

4) . صحيح البخاري، ج 1، ص 178، ح 455؛ ج 3، ص 1337، ح 3454، و ص 1338، ح 3456-3458، و ص 1417، ح 3691؛ صحيح مسلم، ج 4، ص 1854-1855، ح 2/2382-7/2383؛ مسند أحمد، ج 1، ص 270، ح 2432، و ص 359، ح 3385، و ص 377، ح 3580، و ص 408، ح 3878 و 3880، و ص 412، ح 3909، و ص 433، ح 4121؛ الجامع الصحيح، ج 5، ص 606-609، ح 3655 و 3659-3661؛ سنن الدارمي، ج 2، ص 451، ح 2910، عن ابن عبّاس و ابن مسعود.

5) . في المغني: «و إذا كانت هذه الأخبار و نحوها منقولة ظاهرة».

6) . أي أبو علي.

7) . في المغني: «و نسبة ذلك».

أهلُ الإمامةِ‌؛ لأنّه لا يُرجَعُ في ذلكَ إلىٰ ما طَريقُه القَطعُ‌، فأمّا(1)الاعتمادُ علىٰ ذلكَ في بابِ النَّصِّ‌(2)فبَعيدٌ.

قالَ‌: علىٰ أنّ هذه الأخبارَ لا تَقتَضي النَّصَّ‌، بَل هي مُحتَمِلةٌ‌(3)لأنّ قولَه عليه السلامُ‌: «إمامُ المُتَّقينَ‌» أرادَ به: في التقوىٰ و الصَّلاحِ‌، و لَو أرادَ به الإمامةَ لَم يَكُن بأن يَكونَ إماماً للمُتَّقينَ‌(4)بأَولىٰ مِن أن يَكونَ إماماً للفاسِقينَ‌. و علىٰ هذا الوجهِ خَبَّرَ - جَلَّ و عَزَّ(5)- عن الصالحينَ‌(6)أنّهم

سَأَلوا اللّٰهَ عَزَّ و جَلَّ‌(7)في الدُّعاءِ‌: (وَ اجْعَلْنٰا لِلْمُتَّقِينَ إِمٰاماً»(8)و إنّما(9)أرادوا أن يَبلُغوا في الصَّلاحِ و التقوَى المَبلَغَ الذي يُتأسّىٰ بهم(10). قالَ‌:

و لَو كانَ المُرادُ الإمامةَ لَكانَ إماماً في الوقتِ‌؛ لأنّه عليه السلامُ أثبَتَه كذلكَ في الحالِ‌.

فأمّا(11)«سَيِّدُ المُسلِمينَ‌، و قائدُ الغُرِّ المُحَجَّلينَ‌» فلا شُبهةَ في أنّه لا يَدُلُّ علَى الإمامةِ‌، و قد بيّنّا أنّ وصفَ عليٍّ عليه السلامُ بأنّه: «وَليُّ كُلِّ‌


1) . في «ج، ص، ف»: «و أمّا».

2) . في المغني: «في باب النقل».

3) . هكذا في المغني، و يؤيّده تكرار هذه العبارة فيما بعد. و في النسخ و المطبوع: «مختلفة».

4) . في «د» و المطبوع و الحجري: «لم يكن إماماً بأن يكون للمتّقين».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «عزّ و جلّ ». و في المغني: «تعالىٰ ».

6) . في «ص، ف»: «عن الصادقين».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «تعالىٰ ». و في المغني: - «عزّ و جلّ ».

8) . الفرقان (25):74.

9) . في «ص» و المغني: «فإنّما».

10) . في «د»: + «فيه». و في المغني: «الذي يتأتّىٰ لهم».

11) . في المغني: «و أمّا».

مؤمِنٍ‌» لا يَدُلُّ علَى الإمامةِ‌(1).

فأمّا قولُه عليه السلامُ : «إنّ عَليّاً مِنّي و أنا مِنه»، فإنّما يَدُلُّ (2)علَى الاختصاصِ و القُربِ ، و لا مَدخَلَ له في الإمامةِ .

فأمّا ادّعاؤهُم أنّه عليه السلامُ تَقدَّمَ بأن يُسلَّمَ عليه(3)بإمرةِ المؤمنينَ فممّا لا أصلَ له، و لَو ثَبَتَ لَدَلَّ علىٰ أنّه الإمامُ في الحالِ لا في الثاني؛ علىٰ ما تَقدَّمَ القولُ فيه(4).

تواتر حديث التسليم بإمرة المؤمنين، و أحاديث أُخرىٰ

يُقالُ له: قد بيّنّا فيما تَقدَّمَ أنّ الخبرَ الذي يَتضمَّنُ الأمرَ بالتسليمِ علىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ بإمرةِ المؤمنينَ تَتواتَرُ(5)الشيعةُ بنَقلِه، و أنّه أحَدُ ألفاظِ «النَّصِّ الجَليِّ‌» الذي دَلَّلنا علىٰ حُصولِ شَرائطِ التواتُرِ فيه.(6)

و قولُه عليه السلامُ‌: «إنّه سَيِّدُ المُسلِمينَ ، و إمامُ المُتَّقينَ ، و قائدُ الغُرِّ المُحَجَّلينَ »(7)


1) . من قوله: «و قد بيّنّا أنّ وصف عليّ ...» إلىٰ هنا سقط من «ب، ج، ص، ف».

2) . في المغني: «يدخل».

3) . في «ب»: «بأن يسلّموا عليه». و في «ج، ص، ف»: «بأن يسلّموا علىٰ عليّ عليه السلام». و في المغني: «بأن نسلّم عليه».

4) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 187-191.

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «يتواتر».

6) . تقدّم في ج 2، ص 313، 330 و ما بعدها.

7) . المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 148، ح 4668 و قال: «هذا حديث صحيح الإسناد»؛ المعجم الصغير، ج 2، ص 192، ح 1012؛ معجم الصحابة، ج 2، ص 599، الرقم 68، و ج 9، ص 3228، الرقم 567؛ حلية الأولياء، ج 1، ص 63، الرقم 4؛ معرفة الصحابة، ج 1، ص 264، الرقم 147، و ج 3، ص 101، الرقم 1567؛ تاريخ بغداد، ج 11، ص 114، الرقم 5805، و ج 13، ص 124، الرقم 7106.

و قولُه فيه(1): «هذا وَليُّ كُلِّ مؤمِنٍ و مؤمِنةٍ بَعدي»(2)جارٍ مَجرَى الخبرِ الأوّلِ ،

في اقتضاءِ النَّصِّ و تَواتُرِ الشيعةِ بَنقلِه.

و إن كانَت هذه الأخبارُ، مع أنّ الشيعةَ تَنقُلُها(3)، فقَد(4)نَقَلَها أكثَرُ رُواةِ العامّةِ مِن طُرُقٍ مُختَلِفةٍ و صَحَّحوها، و لَم نَجِدْ أحَداً مِن رُواةِ العامّةِ و لا علمائهم طَعَنَ فيها و لا دَفَعَها؛ و إن كانَ خبرُ التسليمِ بإمرةِ المؤمنينَ يَقِلُّ (5)في روايتِهم(6)، و لا يَجري في التظاهُرِ بَينَهم مَجرىٰ باقي الأخبارِ التي ذَكرناها؛ و إن كانَ الكُلُّ مِن طَريقِ العامّةِ لا يَبلُغُ التواتُرَ، بَل يَجري مَجرَى الآحادِ(7).

و لا مُعتَبَرَ بادّعاءِ أبي عَليٍّ أنّ للتواتُرِ شُروطاً لَم تَحصُلْ في هذه الأخبارِ؛ لأنّا قد بيّنّا فيما تَقدَّمَ مِن هذا الكتابِ أنّ الشروطَ المطلوبةَ في التواتُرِ حاصِلةٌ في ذلكَ .(8)

إشارة إلىٰ حصول شروط التواتر في نقل الشيعة

فأمّا قولُه: «إنّ الخبرَ لا يَصيرُ داخِلاً في التواتُرِ بأن يَقولوا: إنّ الشيعةَ طَبَّقَت البِلادَ عَصراً بَعدَ عَصرٍ، فروايتُها يَجِبُ أن تَبلُغَ حَدَّ التواتُرِ [؛ لأنَّ الخبرَ لا يَصيرُ


1) . في «ب، ج، ص، ف»: - «فيه».

2) . مسند أحمد، ج 4، ص 437، ح 19942؛ مسند الطيالسي، ج 2، ص 168، ح 868، و ج 4، ص 469، ح 2875؛ الجامع الصحيح، ج 5، ص 632، ح 3712؛ مسند أبي يعلىٰ ، ج 1، ص 293، ح 355؛ سنن النسائي الكبرى، ج 5، ص 45، ح 8146، و ص 126، ح 8453، و ص 132، ح 8474.

3) . في «ج، ص، ف»: «ينقلها». و في المطبوع: «بنقلها».

4) . في «د» و المطبوع و الحجري: «قد».

5) . في «ب، د» و المطبوع: «نقل».

6) . في «ب»: «في رواياتهم».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «أخبار الآحاد».

8) . تقدّم في ج 2، ص 330 و ما بعدها.

داخلاً في جُملةِ التواتُرِ بهذهِ الطريقةِ‌](1)دونَ أن يُبيَّنَ‌(2)حصولُ النقلِ علىٰ شَرط(3)التواتُرِ»، فلَيتَ‌(4)شِعرَنا بأيِّ شَيءٍ يُعلَمُ‌(5)التواتُرُ؟ أهو أكثَرُ مِن أن نَجِدَ كَثرةً لا يَجوزُ عليهم التواطؤُ و التعارُفُ‌(6)يَنقُلونَ و يَدَّعونَ أنّهم نَقَلوا خبراً مّا(7)عمّن هو بمِثلِ صفتِهم، و نَعلَمَ (8)أنّ أوّلَهم في الصفةِ كآخِرِهم، إلىٰ سائرِ الشروطِ التي تَقدَّمَ ذِكرُها و دَلالتُنا علىٰ ثُبوتِها في نَقلِ الشيعةِ؟(9)و متىٰ شَكَّ شاكٌّ فيما ذَكرناه(10)، فليَتَعاطَ الإشارةَ إلىٰ خبرٍ مُتواتِرٍ حتّىٰ نُعلِمَه(11)أنّ خبرَ الشيعةِ يُوازِنُه(12)، إن لَم يَزِدْ عليه. و لَولا أنّا أحكَمنا(13)هذا فيما تَقدَّمَ و بَسَطناه و فَرَغنا منه، لَما اقتَصَرنا فيه علىٰ هذه الجُملةِ .

و قد بيّنّا أيضاً أنّه لَيسَ مِن شَرطِ صِحّةِ التواتُرِ حصولُ العِلمِ الضروريِّ (14)، فلَيسَ له أن يَجعَلَ الدَّلالةَ علىٰ أنّ هذه الأخبارَ غيرُ مُتَواتِرةٍ فَقْدَ العِلمِ الضروريِّ بمُخبَرِها؛ و كُلُّ هذا قد تَقدَّمَ .


1) . ما بين المعقوفين استفدناه مما تقدّم من عبارة المغني.

2) . في المطبوع و الحجري: «أن نبيّن».

3) . في «د» و المطبوع: «علىٰ شروط».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «و ليت».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «نعلم».

6) . في «ب، د»: «و التفارق».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: - «ما».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «و يعلم».

9) . تقدّم ذكر الشروط في ج 2، ص 316، و تقدّم ذكر ثبوتها في نقل الشيعة في ج 2، ص 330 و ما بعدها.

10) . في «ب» و المطبوع و الحجري: «ذكرنا».

11) . في «ج، ص، ف»: «حتّىٰ يعلم».

12) . في «ف»: «يوازيه».

13) . في «د» و المطبوع و الحجري: «حكّمنا».

14) . تقدّم في ج 2، ص 356، 359 و ما بعدها.

فأمّا مُعارَضتُه(1)ما نَذهبُ‌(2)إليه مِن النَّصِّ بما يُدَّعىٰ مِن النَّصِّ‌(3)علىٰ أبي بَكرٍ، فقَد مضىٰ فيه أيضاً ما لا يُحتاجُ إلىٰ تَكرارِه(4)، و بيّنّا بُطلانَ هذه الدعوىٰ‌، و أنّها لا تُعادِلُ مَذهبَ الشيعةِ في النَّصِّ علىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ و لا تُقارِبُه، و لا يَجوزُ أن يُذكَرَ في مُقابَلتِه؛ و ذَكرنا في ذلكَ وجوهاً تُزيلُ الشُّبهةَ في هذا البابِ‌.

و بيّنّا أيضاً فيما مضىٰ مِن الكتابِ أنّ للشيعةِ سَلَفاً فيهم صفةُ الحُجّةِ ، كَما أنّها ثابتةٌ في الخَلَفِ ، و أنّ النَّصَّ لَيسَ ممّا حَدَثَ ادّعاؤه بَعدَ أن لَم يَكُن يُدَّعىٰ (5)فبَطَلَ قولُ مَن قد(6)ظَنَّ خِلافَ ذلكَ .

جواب إجماليّ لأخبار عدم الاستخلاف أو استخلاف أبي بكر

فأمّا حَطْبُه(7)و جَمعُه مِن الأخبارِ التي أورَدَها علىٰ سَبيلِ المُعارَضةِ لأخبارِنا، كالذي رَواه في(8)أنّه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه لَم يَستَخلِفْ ، أو أنّه استَخلَفَ أبا بَكرٍ و أشارَ إلىٰ إمامتِه.

فأوّلُ ما نَقولُه في ذلكَ‌: أنّ المُعارَضةَ متىٰ لَم تُوَفَّ (9)حَقَّها مِن المُماثَلةِ و المُوازَنةِ ظَهَرَت عَصَبيّةُ مُدَّعيها، و قد عَلِمَ كُلُّ أحَدٍ ضَرورةَ الفَصلِ بَينَ الأخبارِ التي أورَدَها


1) . في «ب، د، ص، ف»: «معارضة».

2) . في المطبوع و الحجري: «ما تذهب».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: - «من النصّ ».

4) . تقدّم في ج 2، ص 384 و ما بعدها.

5) . تقدّم في ج 2، ص 330-334.

6) . في «ج، ف»: - «قد».

7) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «خطبه». و حَطَبَ - كضَرَبَ - يَحطِبُ حَطْباًو حَطَباً: جَمَعَه. تاج العروس، ج 1، ص 429 (حطب).

8) . في «ب، ج، ص، ف»: - «في».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: «لم يوفّ ».

مُعارِضاً بها، و بَينَ الأخبارِ التي حَكَى اعتمادَنا عليها؛ لأنّ أخبارَنا أوّلاً ممّا يُشارِكُنا في نَقلِ جميعِها أو أكثَرِها خُصومُنا، و قد صَحَّحَها رُواتُهم، و أَورَدوها في كُتُبِهم و مُصنَّفاتِهم مَورِدَ الصحيحِ .

و الأخبارَ التي ادَّعاها لَم تُنقَلْ إلّامِن جِهةٍ واحدةٍ ، و جميعُ شيعةِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ - علَى اختلافِ مَذاهبِهم - يَدفَعُها و يُنكِرُها، و يُكذِّبُ رُواتَها(1)، فَضلاً عن أن يَنقُلَها، و لا شَيءَ منها إلّاو متىٰ فَتَّشتَ عن ناقِلِه و أصلِه وَجَدتَه صادراً عن مُتَعصِّبٍ مشهورٍ بالانحرافِ عن أهلِ البيتِ عليهم السلامُ و الإعراضِ عنهم؛ و لَيسَ (2)- مع ذلكَ - شِياعُها و تَظاهُرُها في خُصومِ الشيعةِ كشِياعِ الأخبارِ التي اعتَمَدنا عليها(3)في رِوايةِ الشيعةِ (4)، و نَقلِ الجميعِ لها، و رِضا الكُلِّ بها.

فكَيفَ يَجوزُ أن يَجعَلَ هذه الأخبارَ - مع ما وَصَفناه - في مُقابَلةِ أخبارِنا، لَولا العَصَبيّةُ التي لا تَليقُ بالعلماءِ؟

و هذه جُملةٌ تُسقِطُ المُعارَضةَ بهذه الأخبارِ مِن أصلِها.

تفصيل الجواب
أوّلاً: تفصيل الجواب عن أخبار عدم الاستخلاف
اشارة

ثُمّ نَرجِعُ إلَى التفصيلِ ، فنَقولُ : قد دَلَّلنا علىٰ ثُبوتِ النصِّ علىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ بأخبارٍ مُجمَعٍ علىٰ صحّتِها، مُتَّفَقٍ عليها، و إن كانَ الاختلافُ واقعاً(5)في


1) . في «ب»: «تدفعها و تنكرها و تكذّب رواتها».

2) . في «د» و المطبوع: «فليس».

3) . في «د»: «اعتمدناها».

4) . في «ج، ص، ف»: «اعتمدنا في الشيعة».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: - «واقعاً».

تأويلِها، و بيّنّا أنّها تُفيدُ النصَّ عليه - صَلَواتُ اللّٰهِ عليه(1)- بغَيرِ احتمالٍ و لا إشكالٍ‌؛ كقَولِه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه: «أنتَ مِنّي بمَنزِلةِ هارونَ مِن موسىٰ‌»(2)و «مَن كُنتُ مَولاه فعَليٌّ مَولاه»(3)إلىٰ غيرِ ذلكَ ممّا دَلَّلنا علىٰ أنّ القُرآنَ يَشهَدُ به؛ كقَولِه تَعالىٰ : (إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا)(4). في «ب، ج، ص، ف»: «أن يطرح».(5)فلا بُدَّ مِن أن نَطرَحَ (5) كُلَّ خبرٍ نافٍ ما دَلَّت عليه هذه(6)الأدِلّةُ القاطعةُ إن كانَ غيرَ مُحتَمِلٍ للتأويلِ ، و(7)نَحمِلَه بالتأويلِ علىٰ ما يُوافِقُها و يُطابِقُها إذا ساغَ ذلكَ فيه؛ كما يُفعَلُ في كُلِّ ما دَلَّت الأدِلّةُ القاطعةُ عليه، و وَرَدَ سَمعٌ يُنافيهِ و يَقتَضي خِلافَه.

و هذه الجُملةُ تُسقِطُ كُلَّ خبرٍ(8)يُروىٰ في أنّه عليه السلامُ لَم يَستَخلِفْ .

مناقشة خبر عدم وصيّة أمير المؤمنين عليه السلام كما لم يوصِ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله

علىٰ أنّ الخبرَ الذي رَواه(9)عن أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ ، لمّا قيلَ له:(200-)


1) . في المطبوع و الحجري: «عليه السلام».

2) . تقدّم تخريجه في ص 247.

3) . مسند أحمد، ج 1، ص 84، ح 641، و ص 118-119، ح 950 و 961، و ص 152، ح 1310، و ص 330، ح 3062؛ سنن ابن ماجة، ج 1، ص 45، ح 121؛ الجامع الصحيح، ج 5، ص 633، ح 3713؛ المعجم الكبير، ج 3، ص 179-180، ح 3049 و 3052، و ج 4، ص 16، ح 3515، و ص 173، ح 4052 و 4053؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 118-119، ح 4576-4578، و ص 126، ح 4601، و ص 143، ح 4652، و ص 419، ح 5594، و ص 613، ح 6272.

4) . المائدة

5) :55.

6) . في «ب، ج، ص، ف»: - «هذه».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «أو».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «ما» بدل «خبر».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: «رووه».

أ لا توصي‌؟ فقالَ‌: «ما أَوصىٰ رسولُ اللّٰهِ فأُوصِيَ‌، و لكِنْ إن أرادَ اللّٰهُ تَعالىٰ بالناسِ‌(1)خَيراً فسَيَجمَعُهم(2)علىٰ خَيرِهم كَما جَمَعَهم بَعدَ نَبيِّهم علىٰ خَيرِهم»، فمُتضمِّنٌ لِما يَكادُ يُعلَمُ بُطلانُه ضَرورةً‌؛ لأنّ فيه التصريحَ القَويَّ بفَضلِ أبي بَكرٍ عليه(3)، و أنّه خَيرٌ منه؛ و الظاهرُ مِن أحوالِ أميرِ المؤمنينَ‌(4)، و المشهورُ مِن أقوالِه و أفعالِه(5)- جُملةً و تفصيلاً - يَقتَضي أنّه كانَ يُقدِّمُ نفسَه علىٰ أبي بَكرٍ و غيرِه مِن الصَّحابةِ‌، و أنّه كانَ لا يَعتَرِفُ لأحَدِهم(6)بالتقدُّمِ عليه. و مَن تَصفَّحَ الأخبارَ و السِّيَرَ، و لَم تَمِلْ به العَصَبيّةُ و الهَوىٰ‌، يَعلَمُ هذا مِن حالِه علىٰ وجهٍ لا يَدخُلُ فيه شكٌّ‌.

و لا اعتبارَ بمَن دَفَعَ هذا ممّن يفضلُ عليه؛ لأنّه بَينَ أمرَينِ : إمّا أن يَكونَ عامّيّاً

مُقلِّداً(7)، لَم يَتصفَّحِ الأخبارَ و السِّيَرَ و ما رُويَ مِن أقوالِه و أفعالِه(8)، و لَم يَختَلِطْ بأهلِ النقلِ ، فلا يَعلَمُ ذلكَ (9). أو يَكونَ مُتأمِّلاً مُتصفِّحاً، إلّاأنّ العَصَبيّةَ قد استَولَت عليه، و الهَوىٰ قد مَلَكَه و استَرقَّه، فهو يَدفَعُ ذلكَ عِناداً؛ و إلّافالشُّبهةُ مع الإنصافِ زائلةٌ في هذا المَوضِعِ (10).

علىٰ أنّه لا يَجوزُ أن يَقولَ هذا مَن قالَ رسولُ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه فيه


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «إن أراد اللّٰه بالأُمّة».

2) . في التلخيص: «استجمعهم».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «على أمير المؤمنين عليه السلام».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: - «و أنّه خير منه، و الظاهر من أحوال أمير المؤمنين».

5) . في التلخيص: «من أقواله و أحواله».

6) . في التلخيص: «و أنّه ما كان يعترف لأحد».

7) . في «د» و المطبوع و الحجري: «أو مقلّداً».

8) . في «ب، ج، د، ف» و التلخيص: «من أقواله و أحواله». و في «ص»: «من أقواله و أفعاله و أحواله».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: «فلم يعلم» بدل «فلا يعلم ذلك».

10) . في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص: «و إلّافالشبهة مع الإنصاف في هذا زائلة».

باتّفاقٍ‌: «اللّهُمَّ ائتِني بأحَبِّ خَلقِكَ إليكَ‌، يأكُلْ مَعيَ مِن هذا الطائرِ» فجاءَ عليه السلامُ مِن بَينِ الجماعةِ‌، فأكَلَ معه(1).

و لا مَن يَقولُ النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليهِ و آلِه لِابنَتِه فاطمةَ عليها السلامُ‌: «إنّ اللّٰهَ عَزَّ و جَلَّ اطَّلَعَ علىٰ أهلِ الأرضِ اطِّلاعةً‌، فاختارَ منها رجُلَينِ‌: جَعَلَ أحَدَهما أباكِ‌، و الآخَرَ بَعلَكِ‌»(2).

و قالَ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه فيه: «عليٌّ سَيّدُ العربِ »(3)و «خَيرُ أُمّتي»(4). المؤتلف و المختلف، ج 1، ص 166، الرقم 337؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 42، ص 57، الرقم 4933؛ الإصابة، ج 1، ص 535، الرقم 994.(5)و «خَيرُ مَن أُخلِّفُ بَعدي»(5) و «عليٌّ خَيرُ البَشَرِ، مَن أبىٰ فقَد كَفَرَ»(6).

و لا يَجوزُ أن يَقولَ هذا مَن تَظاهَرَ الخبرُ عنه بقَولِه صَلَواتُ اللّٰهِ عليه، و قد

جَرىٰ بَينَه و بَينَ عُثمانَ كلامٌ ، فقالَ له: أبو بَكرٍ و عُمَرُ خَيرٌ منكَ ، فقالَ : «أنا خَيرٌ منكَ و منهما؛ عَبَدتُ اللّٰهَ قَبلَهما، و عَبَدتُه بَعدَهما»(7).


1) . تقدّم تخريجه في ص 392.

2) . المعجم الكبير، ج 11، ص 94-93، ح 11153-11154؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 140، ح 4654؛ كنز العمّال، ج 11، ص 605، ح 32925.

3) . المعجم الكبير، ج 3، ص 88، ح 2749؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 133-134، ح 4625-4627؛ حلية الأولياء، ج 1، ص 63، الرقم 4، و ج 5، ص 38؛ تاريخ بغداد، ج 20، ص 60، الرقم 1186؛ كنز العمّال، ج 13، ص 143، ح 36448، و ص 145، ح 36456.

4) . تفسير القمّي، ج 1، ص 193، ذيل الآية 164 من سورة المائدة

5) ؛ الأمالي للصدوق، ص 203، المجلس 36، ح 17؛ كنز الفوائد، ج 2، ص 13؛ المناقب للخوارزمي، ص 106، ح 111.

6) . تاريخ بغداد، ج 7، ص 433، الرقم 3984؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 42، ص 372-373، الرقم 4933؛ أنساب الأشراف، ج 2، ص 103؛ تاريخ الإسلام، ج 26، ص 177، و ج 30، ص 9؛ كفاية الطالب، ص 245 و 246؛ كنز العمّال، ج 11، ص 625، ح 33044.

7) . المسترشد، ص 227؛ الفصول المختارة، ص 168 و 261 و 279؛ كنز الفوائد، ج 1، ص 265؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 20، ص 25.

و مَن قالَ‌: «نَحنُ أهلُ بَيتٍ لا يُقاسُ بنا أحَدٌ»(1).

و رُويَ عن عائشةَ في قِصّةِ الخَوارجِ لمّا سألَها مسروقٌ‌، فقالَ لها(2): باللّٰهِ يا أُمَّهْ‌، لا يَمنَعُكِ ما بَينَكِ و بَينَ عليٍّ أن تَقولي ما سَمِعتِ مِن رسولِ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه فيه و فيهم، فقالَت(3): سَمِعتُ رسولَ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه يَقولُ‌: «هُم شَرُّ الخَلقِ و الخَليقةِ‌(4)، يَقتُلُهم خَيرُ الخَلقِ و الخَليقةِ‌(5)»(6).

إلىٰ غيرِ ذلكَ‌(7)مِن أقوالِه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(8)فيه، التي لَو ذَكرناها أجمَعَ لَاحتَجنا إلىٰ مِثلِ جميعِ‌(9)كتابِنا، إن لَم يَزِد علىٰ ذلكَ‌. و كُلُّ‌(10)هذه الأخبارِ التي ذَكرناها فهي مشهورةٌ معروفةٌ ، قد رَواها الخاصّةُ و العامّةُ ، بخِلافِ ما ادَّعاه ممّا يَتفرَّدُ(11)به بعضُ الأُمّةِ و يَدفَعُه باقيها.


1) . ذخائر العقبىٰ ، ج 1، ص 77؛ فرائد السمطين، ج 1، ص 45؛ ينابيع المودّة، ج 1، ص 459، و ج 2، ص 68، ح 61، و ص 83، ح 129، و ص 116، ح 322، و ص 117، ح 334؛ كنز العمّال، ج 12، ص 104، ح 34201.

2) . في «ب، ج، ص، ف»: - «لها».

3) . في المطبوع و الحجري: «فقال».

4) . في «ب، د» و الحجري: «و الخليفة».

5) . في «ج، د»: «و الخليفة».

6) . مسند أحمد، ج 3، ص 5، ح 11031، و ص 224، ح 13362؛ صحيح مسلم، ج 2، ص 741، ح 1064/149؛ سنن أبي داود، ج 2، ص 657، ح 4765؛ المعجم الأوسط، ج 6، ص 186، ح 6142؛ المستدرك على الصحيحين، ج 2، ص 161، ح 2650؛ البداية و النهاية، ج 7، ص 303، مع اختلاف.

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «إلىٰ غير هذا».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «عليه السلام».

9) . في «ص»: «جمع».

10) . في «ج، ص، ف»: «فكلّ ».

11) . في «ب، ج، ص، ف»: «ممّا ينفرد».

مناقشة خبر طلب العبّاس معرفة الإمام بعد الرسول صلى الله عليه و آله

فأمّا الخبرُ الذي رَواه عن العبّاسِ - رَضيَ اللّٰهُ عنه(1)- مِن أنّه قالَ لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ : «لَو سألتَ النبيَّ عن القائمِ بالأمرِ بَعدَه» فقَد تَقدَّمَ في كتابِنا الكلامُ عليه(2)، و بيّنّا أنّه لَو كانَ صَحيحاً لَم يَدُلَّ علىٰ بُطلانِ النصِّ ؛ فلا وجهَ لإعادةِ ما قُلناه فيه.

عودة إلىٰ مناقشة خبر عدم وصيّة أمير المؤمنين عليه السلام

و بَعدُ، فبإزاءِ‌(3)هذَينِ الخبرَينِ الشاذَّينِ - اللذَينِ رَواهما(4)في أنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ لَم يوصِ‌، كَما لَم يوصِ رسولُ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(5)- الأخبارُ التي تَرويها(6)الشيعةُ مِن جِهاتٍ عِدّةٍ ، و طُرُقٍ مُختَلِفةٍ ، المُتضمِّنةُ لأنّه(7)عليه السلامُ وَصّىٰ إلَى الحَسَنِ ابنِه(8)، و أشارَ إليه و استَخلَفَه، و أرشَدَ إلىٰ طاعتِه مِن بَعدِه؛ و هي أكثَرُ مِن أن نَعُدَّها و نورِدَها.

فمنها: ما رَواه أبو الجارودِ عن أبي جعفرٍ عليه السلامُ أنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ لمّا أن حَضَرَه الذي حَضَرَه(9)قالَ لابنِه الحَسَنِ عليه السلامُ : «ادنُ


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «رحمه اللّٰه».

2) . تقدّم في ج 2، ص 462-464.

3) . في «ج، ص»: «فما بإزاء».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «رووا».

5) . تقدّم أحد هذين الخبرين قبل قليل و ناقشه المصنّف رحمه اللّٰه بالتفصيل، و أمّا الخبر الآخرفقد تقدّم في عبارة المغني، فراجع.

6) . في «ب»: «روتها».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «يتضمّن بأنّه».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «إلى ابنه الحسن».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: «لمّا حضره الموت».

مِنّي حتّىٰ أُسِرَّ إليكَ ما أَسَرَّ إلَيَّ رسولُ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و أئتَمِنَكَ علىٰ ما ائتَمَنَني عليه»(1).

و رَوىٰ حمّادُ بنُ عيسىٰ‌، عن عَمرِو بنِ شَمِرٍ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ عليه السلامُ أنّه(2)قالَ‌: «أَوصىٰ أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ إلَى الحَسَنِ عليه السلامُ‌، و أشهَدَ علىٰ وصيّتِه الحُسَينَ و محمّداً عليهما السلامُ و جميعَ ولدِه و رؤساءَ شيعتِه و أهلَ بيتِه، ثُمّ دَفَعَ إليه الكُتُبَ و السلاحَ‌» في خبرٍ طويلٍ يَتضمَّنُ الأمرَ بالوصيّةِ في واحدٍ بَعدَ واحدٍ إلىٰ أبي جعفرٍ مُحمّدِ بنِ عليِّ بنِ الحُسَينِ بنِ عليٍّ عليهم السلامُ‌(3).

و أخبارُ وصيّةِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ إلَى ابنِه الحَسَنِ عليه السلامُ و استخلافِه له ظاهرةٌ مشهورةٌ بَينَ الشيعةِ‌، و أقَلُّ أحوالِها و أخفَضُ مَراتِبِها أن تُعارِضَ‌(4)ما رَواه و يَخلُصَ ما استَدلَلنا به.


1) . الكافي، ج 2، ص 35، ح 776/2 (ج 1، ص 298، ح 2، ط. الإسلاميّة)؛ بصائر الدرجات، ص 377، ح 5؛ إعلام الورىٰ ، ج 1، ص 406.

2) . في المطبوع و الحجري: - «أنّه».

3) . الكافي، ج 2، ص 36، ح 779/5 (ج 1، ص 298، ح 5، ط. الإسلاميّة)؛ تهذيب الأحكام، ج 9، ص 176، ح 714؛ الغيبة للطوسي، ص 194، ح 157. و تتمّة الحديث علىٰ ما في الكافي هكذا: «ثمّ قال لابنه الحسن: يا بنيّ ، أمرني رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله أن أُوصي إليك، و أن أدفع إليك كتبي و سلاحي، كما أوصىٰ إليّ رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و دفع إليّ كتبه و سلاحه، و أمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعه إلىٰ أخيك الحسين. ثمّ أقبل على ابنه الحسين، و قال: أمرك رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله أن تدفعه إلى ابنك هذا، ثم أخذ بيد ابن ابنه عليّ بن الحسين، ثمّ قال لعليّ بن الحسين: يا بنيّ ، أمرك رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله أن تدفعه إلى ابنك محمّد بن عليّ ، و أقرئه من رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و منّي السلام...».

4) . هكذا في «ب». و في سائر النسخ و المطبوع: «أن يعارض».

ثانياً: تفصيل الجواب عن أخبار استخلاف أبي بكر و عمر
اشارة

فأمّا ما حَكاه مِن مُعارَضةِ أبي عليٍّ لنا(1)بما يُروىٰ مِن الأخبارِ في استخلافِ أبي بَكرٍ(2)، و ذِكرِه مِن ذلكَ شَيئاً بَعدَ شَيءٍ‌: فقَد تَقدَّمَ مِن كلامِنا - في إفسادِ النصِّ علىٰ أبي بَكرٍ و استخلافِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه لَه(3)- ما يُبطِلُ كُلَّ شَيءٍ يُدَّعىٰ في هذا البابِ علىٰ سَبيلِ الجُملةِ و التفصيلِ‌(4).

لأنّا قد بيّنّا أنّه لَو كانَ هُناكَ نَصٌّ عليه(5)لَوَجَبَ أن يَحتَجَّ به علَى الأنصارِ في السقيفةِ عندَ نِزاعِهم له في الأمرِ، و لا يَعدِلَ عن الاحتجاجِ بذلكَ إلىٰ روايتِه أنّ‌:

«الأئمّةَ مِن قُرَيشٍ‌» و شَرَحنا ذلكَ و أوضَحناه و أزَلنا كُلَّ شُبهةٍ تَعرِضُ (6)فيه.

و أنّه لَو كانَ أيضاً منصوصاً عليه، لَم يَجُز أن يُشيرَ إلىٰ أبي عُبَيدةَ و عُمَرَ في يَومِ السَّقيفةِ ، و يَقولَ : «بايِعوا أيَّ الرجُلَين شئتم»(7). و لا أن يَستَقيلَ المُسلِمينَ (8)، الذين لَم تَثبُتْ إمامتُه بعَقدِهم و لا(9)مِن جِهتِهم.


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «من معارضته» بدل «من معارضة أبي عليّ لنا».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «في الاستخلاف لأبي بكر».

3) . في «ب، د»: - «له».

4) . تقدّم في ج 2، ص 384 و ما بعدها.

5) . في «ب، ج، ص، ف»: - «عليه».

6) . في «ج، ص، ف»: «يعترض».

7) . صحيح البخاري، ج 3، ص 1341، ح 3467، و ج 6، ص 2503، ح 6442؛ مسند أحمد، ج 1، ص 55، ح 391؛ مسند البزّار، ج 1، ص 301، ح 194؛ المصنّف لعبد الرزّاق، ج 5، ص 439، ح 9758؛ السنن الكبرى للبيهقي، ج 8، ص 142، ح 16312 و 16313؛ كنز العمّال، ج 5، ص 646، ح 14134، مع اختلاف.

8) . و هو قوله لجماعة المسلمين: «أقيلوني، أقيلوني».

9) . في «د» و المطبوع: - «لا».

و لا أن يَقولَ : «وَدِدتُ أنّي كُنتُ سَألتُ رسولَ اللّٰهِ عن هذا الأمرِ: فيمن هو؟ فكُنّا لا نُنازِعُه أهلَه»(1).

و لَما جازَ أن يَقولَ عُمَرُ: «كانَت بَيعةُ أبي بَكرٍ فَلتةً »(2).

و لا أن يَقولَ : «إنْ أَستَخلِفْ فقَد استَخلَفَ مَن هو خَيرٌ مِنّي - يَعني أبا بَكرٍ -،

و إنْ أَترُكْ فقَد تَرَكَ مَن هو خَيرٌ مِنّي» يَعني رسولَ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(3).

و شَرَحنا هذه الوجوهَ أتَمَّ شَرحٍ ، و ذَكرنا غيرَها. و كُلُّ ذلكَ يُبطِلُ المُعارَضةَ بالنصِّ علىٰ أبي بَكرٍ.

مناقشة خبر استخلاف الرسول صلى الله عليه و آله لعمر بعد أبي بكر

و ممّا يُفسِدُ(4)كُلَّ خبرٍ رَواه مُتضمِّناً للإشارةِ إلَى استخلافِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(5)لعُمَرَ مُضافاً إلَى استخلافِ أبي بَكرٍ: أنّ هذا الاستخلافَ لَو كانَ حَقّاً، لَكانَ (6)أبو بَكرٍ به أَعرَفَ و له أَذكَرَ، فقَد كانَ يَجِبُ - لمّا أنكَرَ طَلحةُ عليه نَصَّه علىٰ


1) . تاريخ الطبري، ج 3، ص 431؛ الأموال لابن زنجويه، ج 1، ص 258؛ الأموال لأبي عبيدة، ص 175؛ العقد الفريد، ج 5، ص 22؛ مروج الذهب، ج 2، ص 302.

2) . صحيح البخاري، ج 6، ص 2503، ح 6442؛ مسند أحمد، ج 1، ص 55، ح 391؛ صحيح ابن حِبّان، ج 2، ص 148، ح 413، و ص 155-158، ح 414؛ مسند البزّار، ج 1، ص 410، ح 286؛ المصنّف لابن أبي شيبة، ج 7، ص 615-616، ح 5؛ المصنّف لعبد الرزّاق، ج 5، ص 439، ح 9758.

3) . صحيح البخاري، ج 6، ص 2638، ح 6792؛ مسند أحمد، ج 1، ص 42، ح 299؛ المعجم الأوسط، ج 2، ص 84، ح 1327؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 101، ح 4526؛ السنن الكبرى للبيهقي، ج 8، ص 148، ح 16347؛ كنز العمّال، ج 5، ص 734، ح 14254.

4) . في المطبوع: «يفيد»، و هو سهو.

5) . في «ب، ج، ص»: «عليه السلام».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «كان».

عُمَرَ، و إشارتَه إليه بالإمامةِ‌، حتّىٰ قالَ له: «ما تَقولُ لرَبِّكَ إذا سُئلتَ‌، و قد وَلَّيتَ علينا فَظّاً غَليظاً؟» فقالَ‌: «أقولُ‌: يا رَبِّ‌، وَلَّيتُ عليهم خَيرَ أهلِكَ‌»(1)- أن يَقولَ بَدَلاً مِن ذلكَ‌: «أقولُ : وَلَّيتُ عليهم مَن نَصَّ عليه الرسولُ و استَخلَفَه، و اختارَه و قالَ فيه: بَشِّروه بالجَنّةِ و الخِلافةِ (2)، و قالَ فيه كَذا و كَذا» ممّا رُويَ و ادُّعيَ أنّه نَصٌّ بالخِلافةِ و إشارةٌ إلَى الإمامةِ . فلمّا لَم يَكُن ذلكَ عَلِمنا أنّه لا أصلَ لِما يُدَّعىٰ في هذا البابِ .

مناقشة خبر تبشير أبي بكر و عمر بالجنّة و الخلافة

علىٰ أنّ الخبرَ الذي يَتضمَّنُ‌(3)البِشارةَ بالجَنّةِ و الخِلافةِ‌، يَرويه أنَسُ بنُ مالكٍ‌، و مَذهبُ أنَسٍ (4)في الإعراضِ عن أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ و الانحرافِ عن جِهتِه معروفٌ ، و هو الذي كَتَمَ فَضيلتَه(5)، و رَدَّه في يَومِ الطائرِ عن الدخولِ إلَى


1) . الإمامة و السياسة، ج 1، ص 37؛ الطبقات الكبرى، ج 3، ص 149 و 207: أنساب الأشراف، ج 10، ص 89؛ تاريخ الإسلام، ج 3، ص 265، مع اختلاف يسير.

2) . في «ب، ص، ف»: «و بالخلافة».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «تضمّن».

4) . في «د» و المطبوع: «أنس بن مالك».

5) . و ذلك أنّ عليّاً عليه السلام ناشد الناس اللّٰه في الرحبة بالكوفة، فقال: أُنشدكم اللّٰه رجلاً سمع رسول اللّٰه يقول لي و هو منصرف من حجّة الوداع: «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه اللّهمّ وال من والاه، و عاد من عاداه». فقام رجال فشهدوا بذلك، فقال عليه السلام لأنس بن مالك: «لقد حضرتها، فما بالك ؟!» فقال: يا أمير المؤمنين، كبرت سنّي، و صار ما أنساه أكثر ممّا أذكره. فقال له: «إن كنت كاذباً فضربك اللّٰه بها بيضاء لا تواريها العمامة». فما مات حتّى أصابه البرص. المعارف لابن قتيبة، ص 580؛ أنساب الأشراف، ج 2، ص 156-157؛ حلية الأولياء، ج 5، ص 27؛ جمهرة النسب، ص 639-640؛ المناقب لابن مردويه، ص 175-176، ح 236؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 19، ص 217.

النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و القِصّةُ في ذلكَ مشهورةٌ (1)و بِدونِ هذا يُتَّهَمُ روايتُه، و يَسقُطُ عَدالتُه.

مناقشة أخبار إرجاع الرسول صلى الله عليه و آله إلىٰ أبي بكر

فأمّا الخبرُ الذي رَواه عن جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ - في المَرأةِ التي أتَت رسولَ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، فأمَرَها أن تَرجِعَ إليه، فقالَت: أرَأَيتَ إن رَجَعتُ فلَم أَجِدْكَ؟ فقالَ‌: «إن لَم تَجِديني فأْتي أبا بَكرٍ» - فإنّه قد دَسَّ فيه(2)مِن عندِ نفسِه شَيئاً لَو لَم يَزِدْه(3)لَم يَكُن في ظاهرِه دَلالةٌ‌؛ لأنّه فَسَّرَ قولَها: «فلَم أَجِدْكَ‌» بأن قالَ‌: «يَعني المَوتَ‌» و هذا غيرُ معلومٍ مِن الخبرِ و لا مُستَفادٍ مِن لفظِه. و قد يَجوزُ أن يَكونَ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه أمَرَها بأنّها متىٰ‌(4)لَم تَجِدْه في المَوضِعِ‌(5)الذي كانَ فيه أن تَلقىٰ أبا بَكرٍ لتُصيبَ منه حاجتَها، أو(6)لأنّه كانَ تَقدَّمَ‌(7)إليه في معناها بما تَحتاجُ (8)إليه، و يَكونُ ذلكَ في حالِ الحياةِ لا حالِ المَوتِ ؛ فمِن أينَ يَدَّعي الاستخلافَ بَعدَ الوفاةِ؟


1) . فقد روىٰ أنس أنّه بعد أن سمع من رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آلِه قولَه: «اللهمّ ائتني بأحبّخلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر» قال أنس: فجاء عليّ بن أبي طالب فقال: «استأذِن لي علىٰ رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آلِه» فقلت: هو علىٰ حاجةٍ . و أحببتُ أن يجيء رجل من الأنصار، فرجع ثمّ عاد...». كنز العمّال، ج 13، ص 166.

2) . في التلخيص: + «السائل». و الظاهر رجوع الضمير في قوله: «دسّ » إلى القاضي عبد الجبّار.

3) . هكذا في «ف». و في «د» و المطبوع: «لم نردّه». و في التلخيص: «لم يروه». و في «ب، ص»: «لم يرد».

4) . في «ج، ص»: «لو».

5) . في التلخيص: «في الموضوع».

6) . في التلخيص: - «أو».

7) . في «ب، ج»: «يقدم».

8) . في «ج، ص، ف» و التلخيص: «بما يحتاج».

و الخبرُ الذي يَلي هذا الخبرَ يَجري في خُلوِّ ظاهرِه مِن شُبهةٍ في الاستخلافِ‌(1)مَجرَى الأوّلِ‌؛ لأنّ قولَه للّذي كانَ يُعطيهِ التمرَ في كُلِّ سَنةٍ‌: «إنّ أبا بَكرٍ يُعطيكَه(2)» لا يَدُلُّ علَى استخلافِه له(3)و إنّما يَدُلُّ علىٰ وقوعِ العَطيّةِ كَما خَبَّرَ، فأمّا أن تَكونَ‌(4)العَطيّةُ صَدَرَت عن وِلايةٍ مُستَحَقّةٍ أو إمامةٍ منصوصٍ‌(5)عليها(6)فلَيسَ في الخبرِ.

و لَيسَ‌(7)يَدُلُّ هذا الخبرُ علىٰ أكثَرَ مِن الإخبارِ بغَيبٍ‌(8)لا بُدَّ أن يَقَعَ‌؛ و قد خَبَّرَ النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه عن حَوادِثَ كَثيرةٍ مُستَقبَلةٍ‌، علىٰ وجوهٍ‌(9)لا تَدُلُّ‌(10)علىٰ أنّ الذي خَبَّرَ عن وقوعِه ممّا لِفاعلِه أن يَفعَلَه، أو أنّ ما خَبَّرَ عن كَونِه(11)حَسَنٌ‌(12)خارجٌ عن بابِ القُبحِ .

و هذا مِثلُ إخبارِه لعائشةَ بأنّها تُقاتِلُ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ و تَنبَحُها


1) . في «ب، ج، ص»: «من الاستخلاف أو شبهة فيه». و في «ف»: «من الاستخلاف أو شبهته».

2) . في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص: «يعطيه».

3) . في «د» و المطبوع: - «له».

4) . في «ج، د، ص، ف» و الحجري: «أن يكون».

5) . في «ب، د»: «منصوصة».

6) . في التلخيص: + «أو واقعة باختيار صحيح».

7) . في التلخيص: «فليس».

8) . في التلخيص: + «و أنّه».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: «و حروب» بدل «علىٰ وجوه».

10) . هكذا في «ج، ص، ف» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «لا يدلّ ».

11) . أي تحقّقه و وجوده.

12) . هكذا في النسخ الخطّيّة. و في المطبوع و الحجري و التلخيص: «أو أنّه من حيث خبّر عن كونه حسنٌ ».

كِلابُ الحَوأَبِ‌(1)، و إخبارِه عن الخَوارجِ و قِتالِهم له عليه السلامُ (2)، و غيرِ ذلكَ ممّا يَطولُ ذِكرُه.

و الخبرُ الذي ذَكَرَه عَقيبَ الخبرَينِ اللذَينِ تَكلَّمنا عليهما يَجري مَجراهما(3)في هذه القَضيّةِ‌؛ لأنّه لَيسَ في إخبارِه(4)- بأنّ فُلاناً أو فُلاناً(5)يَلي صَدَقاتِهم بَعدَه - ما يَدُلُّ علَى استحقاقِ هذه الوِلايةِ‌(6)لأنّهم لَم يَسألوه: مَن يُوَلّىٰ‌(7)صدقاتِنا بَعدَكَ‌،


1) . الحوأب: منزل بين الكوفة و البصرة. روى ابن عبد البرّ في الاستيعاب بسنده عن ابن عبّاس، قال: قال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلّم: «أيّتكنّ صاحبة الجمل الأدبب تنبحها كلاب الحوأب، يُقتل حولها قتلىٰ كثير، و تنجو بعد ما كادت ؟»، قال: و هذا الحديث من أعلام نبوّته صلّى اللّٰه عليه و سلّم. و في تاريخ الطبري: أنّها لمّا سمعت نباح الكلاب قالت: أيّ ماء هذا؟ فقالوا: الحوأب، فقالت: (إِنّٰا لِلّٰهِ وَ إِنّٰا إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ )، إنّي لهيه، قد سمعتُ رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلّم يقول و عنده نساؤه: «ليت شعري، أيّتكنّ تنبحها كلاب الحوأب ؟»، فأرادت الرجوع، فأتاها عبد اللّٰه بن الزبير، فزُعم أنّه قال: كذب من قال إنّ هذا الحوأب. و لم يزل بها حتّىٰ مضت، فقدموا البصرة. و قال العسقلاني في فتح الباري: أخرج هذا أحمد و أبو يعلىٰ و البزّار، و صحّحه ابن حِبّان و الحاكم سنده علىٰ شرط الشيخين. تاريخ الطبري، ج 4، ص 469؛ الاستيعاب، ج 4، ص 1885، الرقم 4029؛ فتح الباري، ج 13، ص 55. و الأدبب: طويل الوبر، و رواه بعضهم: الأذنب، أي طويل الذنب.

2) . صحيح البخاري، ج 6، ص 2540، الباب 6؛ صحيح مسلم، ج 2، ص 746، الباب 49؛ سنن أبي داود، ج 2، ص 654، الباب 30؛ المصنّف لابن أبي شيبة، ج 8، ص 729 و ما بعدها؛ المستدرك على الصحيحين، ج 2، ص 159، كتاب أهل البغي؛ السنن الكبرى للبيهقي، ج 8، ص 184، الباب 34؛ البداية و النهاية، ج 6، ص 217، و ج 7، ص 278 و ما بعدها؛ دلائل النبوّة، ج 6، ص 420 و ما بعدها؛ العقد الفريد، ج 2، ص 103.

3) . في «ب، ج، ص، ف»: + «مجرىً واحداً».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: + «لهم».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: - «أو فلاناً».

6) . في التلخيص: «ما يدلّ على استحقاقه لهذه المنزلة و الولاية».

7) . في «ب»: «يتولّىٰ ».

أو مَن يَستَحِقُّ هذه الوِلايةَ؟ و إنّما قالوا: مَن يَلي الصدَقاتِ؟ فقالَ : فُلانٌ . و قد يَلي الشيءَ مَن يَستَحِقُّه و مَن لا يَستَحِقُّه؛ فلا دَلالةَ في الخبرِ.

مناقشة خبر أنّ الخلافة ثلاثون سنة

فأمّا حَديثُ سَفينةَ‌، فالذي يُبطِلُه و يُبطِلُ الأخبارَ التي ذَكرناها آنِفاً - و تَكلَّمنا عليها - و كُلَّ خبرٍ يُدَّعىٰ في النصِّ علىٰ أبي بَكرٍ و عُمَرَ علىٰ سَبيلِ التفصيلِ‌:

ما تَقدَّمَ مِن كلامِنا و أدِلّتِنا علىٰ فَسادِ النصِّ عليهما علىٰ سَبيلِ الجُملةِ‌(1).

و يُبطِلُ هذا الخبرَ زائداً علىٰ ذلكَ : أنّا وَجَدنا سِنِيَّ الخِلافةِ لهؤلاءِ الخُلَفاءِ الأربَعةِ (2)تَزيدُ علىٰ ثَلاثينَ سَنةً شُهوراً؛ لأنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(3)قُبِضَ لِاثنَتَي عَشْرةَ (4)لَيلةً خَلَت مِن شَهرِ رَبيعٍ الأوّلِ (5)سَنةَ عَشْرٍ(6)، و قُبِضَ أميرُ


1) . تقدّم في ج 2، ص 384 و ما بعدها.

2) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري «خلافة هؤلاءالأربعة».

3) . في «ب، ج، ص»: «عليه السلام».

4) . في «ب، د» و المطبوع: «لاثني عشرة».

5) . و هكذا يرى الكليني في الكافي، ج 2، ص 436، باب مولد النبيّ و وفاته. ج 1، ص 439، ط. الإسلاميّة. و جمهور العامّة علىٰ ذلك. ولكنّ أكثر مؤرّخي الشيعة يرون وفاته صلّى اللّٰه عليه و آله لليلتين بقيتا من صفر سنة عشر من الهجرة و هو ابن ثلاث و ستّين سنة. و استعرض العلّامة المجلسي في البحار (ج 22، ص 503، باب وفاته و غسله و الصلاة عليه و...) الخلاف الكثير في يوم وفاته: أنّها لليلتين خلتا من ربيع الأوّل، أو لثمان عشر خلت منه، أو لعشر خلون منه، أو لثمان بقين منه، أو لليلتين بقيتا من صفر. و يذكر الخلاف في سنة وفاته أنّها عشر أو إحدىٰ عشرة من الهجرة. و لكنّه يختار و يرجّح القول المشهور لعامّة الشيعة أنّ وفاته كانت لليلتين بقيتا من صفر يوم الإثنين سنة عشر من الهجرة.

6) . في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص: «سنة إحدىٰ عشرة».

المؤمنينَ عليه السلامُ لتِسعِ لَيالٍ‌(1)بَقيَت(2)مِن شَهرِ رمضانَ سَنةَ أربَعينَ‌؛ فهاهُنا زيادةٌ علىٰ ثَلاثينَ سَنةً بَيِّنَةٌ‌(3)، و لا يَجوزُ أن يَدخُلَ مِثلُ‌(4)ذلكَ فيما يُخبِرُ به صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه؛ لأنّ وجودَ الزيادةِ كوجودِ النُّقصانِ في إخراجِ الخبرِ مِن أن يَكونَ صِدقاً.

علىٰ أنّ توزيعَ السِّنينَ لَم يُسنِدْه سَفينةُ إلَى الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و إنّما هو شَيءٌ مِن جِهتِه، و ما لَم يُسنِدْه لا يُلتَفَتُ‌(5)إليه و لا حُجّةَ فيه.

و يُمكِنُ علىٰ هذا - إن كانَ الخبرُ صَحيحاً - أن يَكونَ المُرادُ به: أنّ‌(6)استمرارَ الخِلافةِ بَعدي لخَليفةٍ‌(7)واحدٍ يَكونُ‌(8)مُدّةَ ثَلاثينَ سَنةً . و هكذا كانَ ؛ فإنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ كانَ وَحدَه الخَليفةَ في هذه المُدّةِ عندَنا، و قد دَلَّلنا علىٰ ذلكَ ؛ فمِن أينَ لهم أنّ الخِلافةَ في هذه المُدّةِ كانَت لجَماعةٍ؟

و لَيسَ لهُم أن يَتعلَّقوا بما يوجَدُ في الخبرِ مِن توزيعِ السِّنينَ علَى الخُلَفاءِ ؛ لأنّ ذلكَ معلومٌ أنّ سَفينةَ لَم يُسنِدْه، و أنّه مِن قِبَلِه.

مناقشة خبر مشاهدة أبي بكر لرقْمَين في عالم الرؤيا

فأمّا خبرُ الرَّقْمَينِ و الرؤيا، فالكلامُ عليه كالكلامِ علىٰ سائرِ ما تَقدَّمَ مِن الأخبارِ،


1) . في التلخيص: «لإحدىٰ عشر ليلة».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «بقين».

3) . هكذا في «ج، م». و في سائر النسخ و المطبوع: «بينه».

4) . في «ب، ج، ص»: - «مثل».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «لم يُلتفت».

6) . هكذا في «ج، ص، ف» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «أنّ ».

7) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «بخليفة».

8) . في «د»: «بخليفة واحدة تكون».

و لَيسَ في إخبارِه بأنّه(1)يَلي الخِلافةَ دَلالةٌ علَى الاستحقاقِ (2)، و لا علىٰ حُسنِ الوِلايةِ ؛ علىٰ ما تَقدَّمَ .

مناقشة خبر أنّ أبا بكر و عمر سيّدا كهول أهل الجنّة

فأمّا الخبرُ الذي يَتضمَّنُ‌(3)أنّهما سَيِّدا كُهولِ أهلِ الجَنّةِ‌، فمَن تأمَّلَ أصلَ هذا الخبرِ بعَينِ إنصافٍ‌(4)عَلِمَ أنّه موضوعٌ في أيّامِ بَني أُمَيّةَ‌؛ مُعارَضةً لِما رُويَ مِن قولِه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(5)في الحَسَنِ و الحُسَينِ عليهما السلامُ‌: «إنّهما سَيِّدا شَبابِ أهلِ الجَنّةِ‌، و أبوهما خَيرٌ منهما»(6).

و هذا الخبرُ الذي ادَّعَوه(7)

و ربّما يُروىٰ مرفوعاً عن أنس هكذا: «سيّدا كهول أهل الجنّة أبوبكر و عمر، و إنّ أبابكر في الجنّة مثل الثريّا في السماء». و هو من موضوعات يحيى بن عنبة الكذّاب، الدجّال، الوضّاع، و كان يضع الحديث؛ فعن ابن عديّ : «منكر الحديث، مكشوف الأمر». راجع: تاريخ بغداد، ج 14، ص 162؛ ميزان الاعتدال، ج 3، ص 299؛ تذكرة الموضوعات للمقدسي، ص 37؛ أسنى

يَروونَه عن عُبَيدِ اللّٰهِ بنِ عُمَرَ، و حالُ عُبَيدِ اللّٰهِ بنِ

1) . هكذا في «ج، ص، ف» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «أنّه».

2) . في «ب»: «على الاستخلاف».

3) . في «ج»: «تضمّن».

4) . في «ج، ص، ف»: «بعين الإنصاف».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «عليه السلام».

6) . تقدّم تخريجه في ص 407-408.

7) . و أخرجه ابن ماجة في سننه (ج 1، ص 36، ح 95) عن عليّ ، و من رجال سنده الحسن بن عمارة بن المغرب الكوفي: «فقيه كبير، كذّاب، ساقط، متروك، و كان يضع الحديث. قال شعبة: من أراد أن ينظر إلىٰ أكذب الناس فلينظر إلى الحسن بن عمارة. و عن النضر بن شميل حدّثنا، قال: أفادني الحسن بن عمارة عن الحكم سبعين حديثاً، فلم يكن لها أصل. و قال الساجي: ضعيف متروك، أجمع أهل الحديث علىٰ ترك حديثه». راجع: تاريخ بغداد، ج 7، ص 339؛ ميزان الاعتدال، ج 1، ص 289؛ لسان الميزان، ج 2، ص 304؛ إرشاد الساري، ج 6، ص 73.

عُمَرَ في الانحرافِ عن أهلِ البَيتِ معروفةٌ‌(1)، و هو أيضاً كالجارِّ إلىٰ نفسِه.

المطالب، ص 123؛ اللآلي المصنوعة، ج 2، ص 68.

و ذكر شطره الأوّل الذهبي في الميزان، ج 2، ص 126، و قال: «قال يونس بن حبيب: ذكرت لعليّ بن المديني محمّد بن كثير المصيصي، و حديثه هذا، فقال عليّ‌: كنت أشتهي أن أرىٰ هذا الشيخ فالآن لا أُحبّ أن أراه.

و روىٰ شطره الأوّل أيضاً من طريق عبد الرحمن بن مالك بن مغول الكذّاب الوضّاع. راجع: تاريخ بغداد، ج 10، ص 236؛ ميزان الاعتدال، ج 2، ص 115؛ اللآلي المصنوعة، ج 1، ص 332.

و أخرجه الخطيب في تاريخه، ج 7، ص 118 من طريق بشّار بن موسى الشيباني الخفّاف بهذا اللفظ: «هذان سيّدا كهول أهل الجنّة من الأوّلين و الآخرين، ممّن خلا في الأُمم الغابرين و من يأتي إلّاالنبيّين و المرسلين، لا تخبرهما يا عليّ ».

و حسبك هذا في بشّار بن موسىٰ : «قال ابن معين: ليس بثقة، إنّه من الدجّالين. و قال عمرو بن عليّ : ضعيف الحديث. و قال البخاري: منكر الحديث، قد رأيته و كتبت عنه و تركت حديثه. و قال الآجرّي: ضعيف. و قال النسائي: ليس بثقة. و قال أبو زرعة: ضعيف. و ضعّفه المديني. و قال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقويّ عندهم. و أساء القول فيه الفضل بن سهل». راجع: تاريخ الخطيب، ج 7، ص 119؛ تهذيب التهذيب، ج 1، ص 441.

و أخرجه الخطيب أيضاً في تاريخه، ج 10، ص 192 من طريق غير واحد من الشيعة الضعفاء عند القوم عن يونس بن أبي إسحاق عن أبيه. و قد ضعّف أحمد حديث يونس عن أبيه، و قال: حديثه مضطرب. و قال أبو حاتم: لا يُحتجّ بحديثه. و قال الحاكم أبو أحمد: ربّما وهم في روايته. و في السند طلحة بن عمرو: «قال أحمد: لا شيء، متروك الحديث. و قال ابن معين: ليس بشيء، ضعيف. و قال الجوزجاني: غير مرضيّ في حديثه. و قال أبو حاتم: ليس بقويّ . و قال البخاري: ليس بشيء. و قال أبو داود: ضعيف. و قال النسائي: متروك الحديث، ليس بثقة. و قال ابن عدي: عامّة أحاديثه لا يتابع عليه. و قال ابن حِبّان: لا تحلّ كتب حديثه و لا الرواية عنه إلّاعلىٰ جهة التعجّب». راجع: تهذيب التهذيب، ج 5، ص 8.

و لقد ذكر الحديث ابن قتيبة في الإمامة و السياسة، ج 1، ص 1، بصورة أُخرىٰ من طريق ابن مريم عن أسد بن موسى عن عليّ عليه السلام. و ابن مريم هو ذلك الكذّاب الوضّاع كما في كتب الجرح، و ابن موسىٰ حدّث بأحاديث منكرة كما يقول سعيد بن يونس.


1) . عبيد اللّٰه بن عمر بن الخطّاب، وُلد علىٰ عهد رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله، و كان من أنجاد

علىٰ أنّه لا يَخلو مِن أن يُريدَ بقَولِه: «سَيِّدا كُهولِ أهلِ الجَنّةِ‌» أنّهما سَيّدا الكُهولِ في الجَنّةِ‌(1)، أو يُريدَ أنّهما سَيّدا مَن يَدخُلُ الجَنّةَ مِن كُهولِ الدنيا(2).

فإن كانَ الأوّلَ‌، فذلكَ باطلٌ‌؛ لأنّ رسولَ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه قد وَقَفَنا و أجمَعَت الأُمّةُ علىٰ أنّ‌(3)أهلَ الجَنّةِ جُرْدٌ(4)مُرْدٌ(5)، و أنّه(6)لا يَدخُلُها كَهلٌ‌.

و إن كانَ الثانيَ‌، فذلكَ دافعٌ و مُناقِضٌ للحَديثِ المُجمَعِ علىٰ روايتِه(7)مِن قولِه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه في الحَسَنِ و الحُسَينِ عليهما السلامُ‌: «إنّهما سَيّدا شَبابِ أهلِ الجَنّةِ‌، و أبوهما خَيرٌ منهما»؛ لأنّ هذا الخبرَ يَقتَضي أنّهما سَيّدا كُلِّ (8)مَن يَدخُلُ

قريش و فرسانهم، و قتل بصفّين مع معاوية، و كان على الخيل يومئذ. سمع أباه و عثمان بن عفّان و أبا موسىٰ و غيرهم من الصحابة، و غزا في خلافة أبيه، و قدم علىٰ معاوية بعد قتل عثمان. الطبقات الكبرى، ج 5، ص 10، الرقم 604؛ معرفة الصحابة، ج 3، ص 308، الرقم 1908؛ الاستيعاب، ج 3، ص 1010، الرقم 1718؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 38، ص 56، الرقم 4473؛ أُسد الغابة، ج 3، ص 423، الرقم 3467.


1) . في التلخيص: «أنّهما سيّدا كهول من هو في الجنّة».

2) . و علّق الأستاذ محمّد فؤاد عبد الباقي على الحديث بقوله: «و المعنىٰ : هما سيّدا من مات كهلاً، و إلّافليس في الجنّة كهل». راجع: سنن ابن ماجة، ج 1، المقدّمة، ص 36.

3) . في التلخيص: + «جميع».

4) . قال ابن الأثير: «الأجرد: الذي ليس علىٰ بدنه شعر. و لم يكن (رسول اللّٰه) كذلك، و إنّما أراد به أنّ الشعر كان في أماكن من بدنه، كالمسربة و الساعدين و الساقين؛ فإنّ ضدّ الأجرد: الأشعر، و هو الذي علىٰ جميع بدنه شعر. و منه الحديث: أهل الجنّة جُرْدٌ مُرْدٌ». النهاية، ج 1، ص 256 (جرد).

5) . «المُرْد» جمع «الأمرد»، و هو الذي طرّ شاربه و لم تنبت لحيته. القاموس المحيط، ج 1، ص 461 (مرد).

6) . هكذا في «ج، ص، ف» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و أن».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «عليه» بدل «علىٰ روايته».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: - «كلّ ».

الجَنّةَ ؛ إذ(1)كانَ لا يَدخُلُها إلّاشَبابٌ ، فأبو بَكرٍ(2)و عُمَرُ و كُلُّ كَهلٍ في الدنيا داخِلونَ في جُملةِ مَن يَكونانِ عليهما السلامُ سَيّدَيه، و الخبرُ الذي رَوَوه يَقتَضي أنّ أبا بَكرٍ و عُمَرَ سَيّداهما؛ مِن حَيثُ كانا سَيّدَي الكُهولِ في الدنيا، و هُما عليهما السلامُ مِن جُملةِ مَن كانَ كَهلاً في الدنيا!

فإن قيلَ : لَم يُرِد بقَولِه: «سَيّدا شَبابِ أهلِ الجَنّةِ » ما ظَنَنتم، و إنّما أرادَ: أنّهما سَيّدا مَن يَدخُلُ الجَنّةَ مِن شَبابِ الدنيا، كما قُلنا في قولِه: «سَيّدا كُهولِ أهلِ الجَنّةِ ».

قُلنا: المُناقَضةُ بَينَ الخبرَينِ بَعدُ ثابتةٌ‌؛ لأنّه إذا أرادَ أنّهما سَيّدا كُلِّ شابٍّ‌(3)في الدنيا مِن أهلِ الجَنّةِ‌، فقَد عَمَّ بذلكَ جميعَ مَن كانَ في الدنيا مِن أهلِ الجَنّةِ مِن الشبابِ و الكُهولِ و الشُّيوخِ‌؛ لأنّ الكُلَّ كانوا شَباباً، فقَد تَناوَلَهم القولُ‌. و إذا قالَ في غيرِهما أنّهما سَيّدا الكُهولِ (4)، فقَد جَعَلَهما بهذا القولِ سَيّدَينِ لِمَن جَعَلَهما بالقولِ الأوّلِ سَيّدَيهِما؛ لأنّ أبا بَكرٍ و عُمَرَ إذا كانا شابَّينِ فقَد دَخَلا فيمن يَسودُهما الحَسَنُ و الحُسَينُ عليهما السلامُ بالخبرِ المَرويِّ ، و الحَسَنُ و الحُسَينُ إذا بَلَغا سِنَّ التكهُّلِ (5)فقَد دَخَلا فيمن يَسودُهما أبو بَكرٍ و عُمَرُ بالخبرِ الذي رَوَوه. و إذا كانَت هذه صورةَ الخبرَينِ وَجَبَ العملُ علَى الظاهرِ في الروايةِ المنقولةِ المُتَّفَقِ عليها

عنه عليه السلامُ (6)و اطِّراحُ الآخَرِ، و ذلكَ موجِبٌ لفَضلِ الحَسَنِ و الحُسَينِ و أبيهما


1) . في «د» و المطبوع: «إذا».

2) . هكذا في التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و أبوبكر».

3) . هكذا في «ج، ص» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «كلّ شباب».

4) . في التلخيص: «سيّدا كهول أهل الجنّة».

5) . هكذا في «ج، ص، ف» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «فقد دخلا فيمن يسودهماالحسن و الحسين عليهما السلام إذا بلغا سنّاً من التكهيل».

6) . في «ج، ص، ف» و التلخيص: - «المنقولة». و في «ب، د، ص» و التلخيص: - «عليها». و في التلخيص: - «عنه عليه السلام».

عليهم السلامُ علىٰ جميعِ الخَلقِ (1).

فإن قيلَ : إنّما أرادَ بقَولِه: «سَيّدا كُهولِ أهلِ الجَنّةِ » مَن كانَ في الحالِ كذلكَ (2)، دونَ مَن يأتي مِن بَعدُ(3)، فكأنّه قالَ : «هُما سَيّدا كُهولِ أهلِ الجَنّةِ في وقتِهما و زمانِهما» و كذلكَ القولُ في الخبرِ الآخَرِ الذي رَوَيتموه؛ فلا تَعارُضَ بَينَ الخبرَينِ علىٰ هذا.

قُلنا: لَو كانَ معنَى الخبرِ الذي رَوَيتموه(4)ما ذَكرتموه، لَم يَكُن فيه كَثيرُ فَضيلةٍ‌، و لا ساغَ أن يُدَّعىٰ به(5)فَضلُ الرَّجُلَينِ علىٰ سائرِ الصَّحابةِ‌(6)، و أن يُستَدَلَّ به(7)علىٰ فَضلِهما علىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ و علىٰ غيرِه ممّن لَم يَكُن كَهلاً في حالِ تَكهُّلِهما.

علىٰ أنّه إذا حُمِلَ الخبرُ علىٰ هذا الضربِ مِن التخصيصِ ، ساغَ أيضاً لغَيرِهم حَملُه علىٰ ما هو(8)أخَصُّ مِن ذلكَ ، و يَجعَلَه مُتَناوِلاً لكُهولِ قَبيلةٍ مِن القَبائلِ أو جَماعةٍ مِن الجَماعاتِ ، كَما جَعَلوه مُتَناوِلاً(9)للكُهولِ في حالٍ مِن الأحوالِ دونَ غيرِها؛ و هذا يُخرِجُه مِن معنَى الفَضيلةِ جُملةً !

علىٰ أنّهم قد رَوَوا عن النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه ما يُخالِفُ فائدةَ هذا الخبرِ


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «جميع الناس».

2) . في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص: - «كذلك».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «في المستقبل».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «لو كان الخبر معناه».

5) . في «ب»: «و لا ساغ أن يدلّ علىٰ ». و في التلخيص: «و لا ساغ به».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «علىٰ سائر أصحاب النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله».

7) . في التلخيص: «بذلك».

8) . في التلخيص: «مَن هو».

9) . في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص: - «لكهول قبيلة من القبائل أو جماعة من الجماعات كماجعلوه متناولاً».

و يُناقِضُها(1)لأنّهم رَوَوا عن النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه أنّه قالَ‌: «بَنو عبدِ المُطَّلِبِ سادةُ أهلِ الجَنّةِ‌: أنا، و عَليٌّ و جعفرُ ابنا أبي طالِبٍ ، و حَمزةُ بنُ عبدِ المُطَّلِبِ ، و الحَسَنُ و الحُسَينُ ، و المَهديُّ »(2).

و لا شُبهةَ في أنّ هذا الخبرَ يُعارِضُ في الفائدةِ الخبرَ الذي ذَكروه، و إذا كانَ العملُ بالمُتَّفَقِ عليه أَولىٰ وَجَبَ العملُ بهذا و اطِّراحُ خبرِهم.

و بَعدُ، ففي ضِمنِ هذا الخبرِ ما يَدُلُّ علىٰ فَسادِه؛ لأنّ في الخبرِ أنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ كانَ عندَ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، إذ أقبَلَ أبو بَكرٍ و عُمَرُ، فقالَ‌:

«يا عَليُّ‌، هذانِ سَيّدا كُهولِ أهلِ الجَنّةِ مِن الأوّلينَ و الآخِرينَ إلّاالنبيّينَ و المُرسَلينَ‌، لا تُخبِرْهما بذلكَ يا عَليُّ »(3). و ما رأَينا النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه قَطُّ أمَرَ بكِتمانِ فَضلِ أحَدٍ مِن أصحابِه(4)، و لا نَهىٰ عن إذاعةِ ما تَشرَّفَ و تَفضَّلَ به(5)أصحابُه؛ و قد رُويَ


1) . في التلخيص: «و ينافيها».

2) . الأمالي للصدوق، ص 475-476، المجلس 72، ح 15؛ الغيبة للطوسي، ص 183؛ روضة الواعظين، ج 2، ص 28، ح 595/5؛ الصراط المستقيم، ج 2، ص 242؛ الطرائف، ج 1، ص 176؛ سنن ابن ماجة، ج 2، ص 1368، ح 4087؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 233، ح 4940؛ تاريخ بغداد، ج 9، ص 440، الرقم 5050؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 72، ص 127، الرقم 9803؛ جواهر العقدين، ج 2، ص 195؛ تاريخ الإسلام، ج 45، ص 323؛ كنز العمّال، ج 12، ص 97، ح 34162، مع اختلاف يسير.

3) . سنن ابن ماجة، ج 1، ص 36، ح 95؛ الجامع الصحيح، ج 5، ص 611، ح 3665 و 3666؛ المعجم الأوسط، ج 2، ص 91، ح 1348، و ج 4، ص 359، ح 4431؛ مسند أبي يعلىٰ ، ج 1، ص 405، ح 533؛ مسند البزّار، ج 2، ص 132، ح 490؛ فضائل الصحابة، ج 1، ص 152، ح 93، و ص 232، ح 202، و ص 290، ح 290، و ص 424، ح 499، و ص 501-500، ح 632 و 633؛ و ص 519، ح 666، وص 541، ح 708 و 709.

4) . في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص: «من الصحابة».

5) . في «ج، ص، ف»: «ما يشرّف به و يفضّل به». و في التلخيص: «ما يشرّف و يفضّل به».

مِن فَضائلِ هؤلاءِ القومِ ما هو أعلىٰ و أظهَرُ مِن فَضيلةِ هذا الخبرِ مِن غيرِ أن يأمُرَ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه أحَداً بكِتمانِه، بَل أمَرَ بإذاعتِه و نَشرِه؛ كروايتِهم أنّ أبا بَكرٍ استأذَنَ علىٰ رسولِ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰه عليه و آلِه فقالَ‌: «ائذَنْ له و بَشِّرْه بالجَنّةِ‌» و استأذَنَ عُمَرُ(1)، فقالَ‌: «ائذَنْ له و بَشِّرْه بالجَنّةِ » و استأذَنَ عُثمانُ ، فقالَ : «ائذَنْ له و بَشِّرْه بالجَنّةِ »(2). فما بالُ هذه الفَضيلةِ مِن بَينِ سائرِ الفَضائلِ تُكتَمُ و تُطوىٰ عنهم(3)؟!

مناقشة خبر: «ادعوا لي أخي و صاحبي

فأمّا ما رُويَ عنه مِن قولِه: «ادعوا(4)لي أخي و صاحِبي(5)» فالذي يُبطِلُه المُتَظاهِرُ مِن قولِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ في مَقامٍ بَعدَ آخَرَ: «أنا عبدُ اللّٰهِ و أخو رسولِه، لا

يَقولُها بَعدي إلّاكَذّابٌ مُفتَرٍ(6)»(7). و أنّ أحَداً لَم يَقُل له: «و أبو بَكرٍ أيضاً أخو رسولِ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه». و لأنّ المشهورَ المعروفَ هو(8)مؤاخاتُه لأميرِ المؤمنينَ


1) . من قوله: «و استأذن عمر، فقال...» إلىٰ آخر الحديث لم يرد في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص.

2) . صحيح البخاري، ج 3، ص 1343، ح 3471، و ص 1351، ح 3492، و ج 6، ص 2599، ح 6684، و ص 2651، ح 6834؛ صحيح مسلم، ج 4، ص 1867، ح 2403/29؛ مسند أحمد، ج 2، ص 165، ح 6548؛ و ج 3، ص 408، ح 15411 و 15412، و ج 4، ص 407، ح 19670؛ الجامع الصحيح، ج 5، ص 631، ح 3710؛ سنن النسائي الكبرى، ج 5، ص 42-43، ح 8131-8133؛ المعجم الكبير، ج 12، ص 327، ح 13254.

3) . هكذا في التلخيص. و في «ب، ج، ص، ف»: «عنه». و في «د»: «عنها». و في المطبوع: «عنهما».

4) . في «ج، ص»: «دعوا».

5) . يعني أبا بكر.

6) . في «د» و المطبوع و الحجري: «مفتري». و في التلخيص: - «مفتر».

7) . تقدّم تخريجه في ص 389.

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «المعروف المشهور» بدل «المشهور المعروف هو». و في التلخيص: - «المعروف».

عليه السلامُ بنَفسِه(1)، و مؤاخاةُ أبي بَكرٍ لعُمَرَ.

مناقشة خبر الأمر بالاقتداء بأبي بكر و عمر

فأمّا(2)روايتُهم: «اقتَدوا باللذَينِ مِن بَعدي: أبي بَكرٍ، و عُمَرَ» فقَد تَقدَّمَ - في كتابِنا هذا - الكلامُ عليه مُستَقصىً ، عند اعتراضِه بهذا الخبرِ ما يُستَدَلُّ به مِن خبرِ الغَديرِ علَى النَّصِّ (3)، و أشبَعنا الكلامَ فيه؛ فلا طائلَ في إعادتِه.

مناقشة أخبار مدح أمير المؤمنين عليه السلام لأبي بكر و عمر

فأمّا(4)الخبرُ الذي يَروونَه عن(5)جعفرِ بنِ محمّدٍ عليه السلامُ عن أبيه أنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ قالَ ما حَكاه السائلُ‌(6): فمِن العَجائبِ أن يُروىٰ مِثلُ ذلكَ مِن(7)مِثلِ هذا الطريقِ الذي ما عُهِدَ منه قَطُّ إلّاما يُضادُّ هذه الروايةَ‌! و لَيسَ يَجوزُ أن يَقولَ ذلكَ مَن كانَ يَتظلَّمُ تَظلُّماً ظاهراً، في مَقامٍ بَعدَ آخَرَ، و بتصريحٍ بَعدَ تلويحٍ‌، و يَقولُ فيما قد رَواه ثِقاتُ الرُّواةِ - و لَم يَرِد مِن خاصِّ الطرُقِ دونَ عامِّها -: «اللّهُمَّ إنّي أَستَعديكَ علىٰ قُرَيشٍ ؛ فإنّهم ظَلَمونيَ (8)الحَجَرَ و المَدَرَ»(9)، و يَقولُ : «لَم أزَلْ


1) . إنّ إطلاق كلمة «أخي» من النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله علىٰ أمير المؤمنين عليه السلام قد ورد بعدّة روايات و طرق. راجع: كتاب عليّ و الوصيّة للعلّامة العسكري، ففيه ما يقارب 200 حديثاً.

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «و أمّا».

3) . تقدّم في ص 212 و ما بعدها.

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «و أمّا».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «الذي يرويه» بدل «الذي يروونه عن».

6) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: - «السائل». و قد تقدّم ما حكاه السائل عن أميرالمؤمنين عليه السلام في ص 408-409، فراجع.

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «في».

8) . في التلخيص: + «بعدد».

9) . المناقب لابن شهر آشوب، ج 2، ص 115؛ الجمل، ص 123 و 171، مع اختلاف يسير.

مظلوماً مُنذُ قُبِضَ رسولُ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه»(1)، و يَقولُ فيما رَواه زَيدُ بنُ عَليِّ بنِ الحُسَينِ‌، قالَ‌: كانَ عليٌّ عليه السلامُ يَقولُ‌: «بايَعَ الناسُ أبا بَكرٍ، و أنا أَولىٰ بِهم مِنّي بقَميصي هذا؛ فكَظَمتُ غَيظي، و انتَظَرتُ أمري(2)، و ألزَقتُ‌(3)كَلْكَلي(4)بالأرضِ‌. ثُمّ إنّ أبا بَكرٍ هَلَكَ و استَخلَفَ‌(5)عُمَرَ، و قد و اللّٰهِ عَلِمَ أنّي أَولىٰ بالناسِ‌(6)مِنّي بقَميصي هذا؛ فَكَظمتُ غَيظي، و انتَظَرتُ أمري(7). ثُمّ إنّ عُمَرَ هَلَكَ و جَعَلَها شورىٰ‌، و جَعَلَني فيها(8)سادسَ سِتّةٍ كسَهمِ الجَدّةِ‌، فقالَ : اقتُلوا الأقَلَّ ، فكَظَمتُ غَيظي، و انتَظَرتُ أمري(9)، و ألزَقتُ كَلكَلي بالأرضِ ، حتّىٰ ما وَجَدتُ إلّا

القِتالَ أو الكُفرَ باللّٰهِ (10)»(11).


1) . الجمل، ص 123 و 171؛ الأمالي للطوسي، ص 726، المجلس 44، ح 1526/1؛ المناقب لابن شهر آشوب، ج 2، ص 115.

2) . في «ج، ص، ف»: «أُموري». و في «ب»: «أمر ربّي».

3) . في التلخيص: «و لزقت».

4) . «الكَلْكَل»: الصدر من كل شيء، و قيل: ما بين الترقوتين. لسان العرب، ج 11، ص 596 (كلل).

5) . في «ج، ص، ف»: «فاستخلف».

6) . في التلخيص: «أولى الناس بهم».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «أمر ربّي».

8) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: + «في».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: «أمر ربّي».

10) . في «ب، ج، ص، ف»: «الكفر بما أنزل اللّٰه». و قال العلّامة المجلسي: و قوله عليه السلام: «ما وجدت إلّاالقتال أو الكفر باللّٰه» منبّهاً بذلك علىٰ سبب قتاله لطلحة و الزبير و معاوية و كفّه عمّن تقدّم؛ لأنّه لمّا وجد الأعوان و الأنصار لزمه الأمر، و تعيّن عليه فرض القتال و الدفاع حتّىٰ لم يجد إلّاالقتال أو الخلاف للّٰه. و في الحال الأُولىٰ كان معذوراً؛ لفقد النصّار و الأعوان. راجع: بحار الأنوار، ج 28، ص 376.

11) . الأمالي للمفيد، ص 153، المجلس 19، ح 5؛ تقريب المعارف، ص 241؛ حلية الأبرار، ج 2، ص 300-301؛ الصراط المستقيم، ج 3، ص 150؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 42، ص 457، الرقم 4933، مع اختلاف يسير.

و هذا بابٌ تُغني(1)فيه الإشارةُ‌؛ فإنّا لَو شئنا أن نَذكُرَ ما يُروىٰ في هذا البابِ عنه عليه السلامُ‌، و عن جعفرِ بنِ محمّدٍ و أبيه - اللذَينِ أَسنَدَ إليهما الخبرَ الذي رَواه عنهما عليهما السلامُ - و عن جماعةِ أهلِ البيتِ‌، لَأَورَدنا مِن ذلكَ ما لا يُضبَطُ كَثرةً‌، و كُنّا لا نَذكُرُ إلّاما يَرويهِ‌(2)الثِّقاتُ المشهورونَ بصُحبةِ هؤلاءِ القومِ‌، و الانقطاعِ إليهم، و الأخذِ عنهم، بخِلافِ الخبرِ الذي ادَّعاه؛ لأنّه متىٰ فُتِّشَ عن أصلِه و ناقِلِه لَم يوجَدْ إلّامُنحَرِفاً مُتعصِّباً(3)غيرَ مشهورٍ بالصُّحبةِ لِمَن رَواه عنه مِن أهلِ البَيتِ عليهم السلامُ‌. و مَن أرادَ استقصاءَ النظَرِ في ذلكَ فعَلَيه بالكُتُبِ المُصنَّفاتِ فيه؛ فإنّه يَجِدُ فيها ما يَشفي الغَليلَ‌(4)و يَنقَعُ‌(5)الصَّدىٰ‌(6).

و مِن البَدائعِ‌(7)أن يَقولَ في مِثلِ ما رُويَ مِن قولِه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه: «عَليٌّ وَليُّ كُلِّ مؤمِنٍ بَعدي»(8)و «إنّه سَيّدُ المُسلِمينَ ، و إمامُ المُتَّقينَ »(9)، أنّه لا يُعرَفُ ، و يَرميَه بالشُّذوذِ - و قد رُويَ مِن طُرُقِ العامّةِ و الخاصّةِ ، و وَرَدَ مِن جِهاتٍ مُختَلِفةٍ - ثُمّ يورِدَ في مُعارَضتِه مِثلَ هذه الأخبارِ!

فأمّا ما رُويَ عنه عليه السلامُ (10)مِن قولِه: «ألا إنّ خَيرَ هذه الأُمّةِ بَعدَ نَبيِّها أبو بَكرٍ و


1) . في «ج، د، ص، ف» و الحجري: «يغني».

2) . في «د» و الحجري: «ما ترويه». و في التلخيص: «ما رواه».

3) . في «ب»: «مبغضاً».

4) . في «د، ف»: «العليل». و الغليل: العطش، و قيل: شدّته، و قيل: حرارته. القاموس المحيط، ج 3، ص 584 (غلل).

5) . نَقَعَ الماءُ العَطَشَ يَنْقَعُه نَقعاً و نُقوعاً: أذهبه و سكّنه. لسان العرب، ج 8، ص 361 (نقع).

6) . الصَّدىٰ : العطش الشديد. كتاب العين، ج 7، ص 140 (صدى).

7) . هكذا في النسخ. و في المطبوع: «و من البديع».

8) . تقدّم تخريجه في ص 415.

9) . تقدّم تخريجه في ص 414.

10) . في «د»: «صلّى اللّٰه عليه و آله». و في المطبوع: «صلوات اللّٰه عليه».

عُمَرُ، و لَو شئتُ أن أُسَمّيَ الثالثَ لَفَعَلتُ‌(1)» فقَد تَقدَّمَ الكلامُ عليه علىٰ سَبيلِ الجُملةِ‌، و أفسَدنا ما رَواه عنه عليه السلامُ‌(2)مِن قولِه: «إن(3)أرادَ اللّٰهُ بالناسِ خَيراً فسَيَجمَعُهم علىٰ خَيرِهم، كَما جَمَعَهم بَعدَ نَبيِّهم علىٰ خَيرِهم» بما يَفسُدُ به(4)هذا

الخبرُ و كُلُّ ما جَرىٰ مَجراه(5).

علىٰ أنّ هذا الخبرَ قد رُويَ علىٰ خِلافِ هذا الوجهِ‌، و أُورِدَت له مُقدِّمةٌ أُسقِطَت عنه ليَتِمَّ الاحتجاجُ به؛ و ذاكَ أنّ مُعاذَ بنَ الحَرثِ الأفطَسِ (6)حَدَّثَ عن حَفصِ بنِ عبدِ الرحمنِ (7)البَلخيِّ - و كانَ عُثمانيّاً يُفضِّلُ عُثمانَ علىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ - قالَ (8): أخبَرَنا أبو جَنابٍ (9)الكَلبيُّ - و كانَ أيضاً عُثمانيّاً - عن الشَّعبيِّ -


1) . في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص: «فعلت».

2) . في المطبوع و الحجري: «صلوات اللّٰه عليه».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «إذا».

4) . في «ب، د» و التلخيص: - «به».

5) . تقدّم في ص 419-422.

6) . لم نعثر علىٰ ترجمته، و هو غير معاذ بن الحارث الأنصاري المعروف بابن عفراء، و غير معاذبن الحارث الأنصاري النجّاري الذي هو أحد من أقامه عمر بمصلّى التراويح، المقتول يوم الحرّة.

7) . هكذا في «ج، ف» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «جعفر بن عبد الرحمن». و هوحفص بن عبد الرحمن البلخي، أبو عمر، الفقيه المعروف النيسابوري، قاضيها، روىٰ عن عاصم الأحول و سليمان التيمي و أبي حنيفة و خلق، و روىٰ عنه يحيى بن أكثم و محمّد بن رافع و جماعة. قال الحاكم: هو أفقه أصحاب أبي حنيفة الخراسانيّين. مات سنة تسع و تسعين و مائة. الطبقات الكبرى، ج 7، ص 262، الرقم 3639؛ التذكرة بمعرفة رجال الكتب العشرة، ج 1، ص 356، الرقم 1383؛ الجواهر المضيئة، ج 2، ص 137، الرقم 529؛ الطبقات السنيّة، ج 3، ص 172، الرقم 784.

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «قالوا».

9) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و التلخيص: «أبو حباب». و في المطبوع: «أبو خباب».

و رأيُه في الانحرافِ عن أهلِ البَيتِ عليهم السلامُ معروفٌ - قالَ‌: سَمِعتُ وَهْبَ بنَ أبي جُحَيفةَ‌(1)و عَمرَو بنَ شُرَحْبيلَ‌(2)و سُوَيدَ بنَ غَفَلةَ‌(3)و عَبدَ الرحمنِ الهَمْدانيَّ‌(4)

و أبا جعفرٍ الأشجَعيَّ (5)، كُلَّهم يَقولونَ : سَمِعنا عليّاً عليه السلامُ علَى المِنبَرِ يَقولُ :

«ما هذا الكَذِبُ الذي يَقولونَ : ألا إنّ خَيرَ هذه الأُمّةِ بَعدَ نَبيِّها أبو بَكرٍ و عُمَرُ؟!»(6)

فإذا كانَت هذه المُقدِّمةُ قد رَواها مَن رَوَى الخبرَ ممّن ذَكرناه، مع انحرافِه

و الصحيح ما أثبتناه. و هو أبو جناب يحيى بن أبي حيّة الكلبي، قال الذهبي: «روى عن الشعبي و طبقته» ثمّ نقل ضعفه عن علماء الرجال و تدليسه و عدم استحلال بعضهم لروايته و تركهم لها. راجع: ميزان الاعتدال، ج 4، ص 371.


1) . تقدّمت ترجمته في ص 94.

2) . عمرو بن شرحبيل، أبو ميسرة الهمداني، ثمّ الوادعي، روىٰ عن عمر و عليّ عليه السلام. الطبقات الكبرى، ج 6، ص 163، الرقم 1990؛ حلية الأولياء، ج 4، ص 141، الرقم 264؛ معرفة الصحابة، ج 5، ص 115، الرقم 3693؛ أُسد الغابة، ج 3، ص 738، الرقم 3956.

3) . تقدّمت ترجمته في ص 175.

4) . عبد الرحمن بن عوسجة الهمْداني ثمّ النهمي الكوفي، روىٰ عن البراء بن عازب و علقمة بن قيس و الضحّاك بن مزاحم، و أرسل عن عليّ عليه السلام، و كان قليل الحديث. قتل يوم الزاوية مع ابن الأشعث سنة ثلاث و ثمانين. الطبقات الكبرى، ج 6، ص 250، الرقم 2249؛ الوافي بالوفيات، ج 18، ص 210، الرقم 255؛ التذكرة بمعرفة رجال الكتب العشرة، ج 2، ص 1013، الرقم 3980؛ تهذيب التهذيب، ج 6، ص 244، الرقم 489.

5) . ميسرة بن عمّار، ابن تمّام الأشجعي الكوفي، روى عن أبي حازم سليمان الأشجعي و أبي عثمان النهدي و سعيد بن المسيّب و عكرمة، و روىٰ عنه الثوري و زائدة و زهير بن معاوية و أسباط بن نصر و عيسى بن مسلم الطهوري. قال أبو زرعة: ثقة، و ذكره ابن حِبّان في الثقات. ذكر أسماء التابعين، ج 1، ص 371، الرقم 1144؛ التذكرة بمعرفة رجال الكتب العشرة، ج 3، ص 1745، الرقم 1144؛ تهذيب التهذيب، ج 10، ص 386، الرقم 962.

6) . مسند أحمد، ج 1، ص 114-115، ح 922 و 926 و 932 و 933؛ المعجم الأوسط، ج 1، ص 297، ح 992؛ فضائل الصحابة، ج 1، ص 90-110؛ حلية الأولياء، ج 7، ص 199-201؛ الصراط المستقيم، ج 3، ص 150، مع اختلاف.

و عَصَبيّتِه، فلا يُلتَفَتُ إلىٰ قولِ مَن يُسقِطُها؛ و المُقدِّمةُ (1)إذا ذُكِرَت لَم يَكُن في الخبرِ احتجاجٌ لهم، بَل يَكونُ فيه حُجّةٌ (2)عليهم؛ مِن حَيثُ يُنقَلُ الحُكمُ الذي ظَنّوه إلىٰ ضِدِّه.

و قد قالَ قومٌ مِن أصحابِنا: لَو كانَ هذا(3)الخبرُ صَحيحاً لَجازَ أن يُحمَلَ علىٰ أنّه عليه السلامُ أرادَ به ذَمَّ الجماعةِ التي(4)خاطَبَها بذلكَ‌، و الإزراءَ‌(5)علَى اعتقادِها؛ فكأنّه قالَ‌: «ألا إنّ خَيرَ هذه الأُمّةِ بَعدَ نَبيِّها - في(6)اعتقاداتِها و علىٰ ما تَذهَبُ‌(7)إليه - فُلانٌ و فُلانٌ‌». و لهذا نَظائرُ في الكتابِ و الاستعمالِ‌:

قالَ اللّٰهُ تَعالىٰ‌: (وَ انْظُرْ إِلىٰ إِلٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عٰاكِفاً)(8)و لَم يَكُن إلهَه علَى الحَقيقةِ (9)، بَل كانَ كذلكَ في اعتقادِه.

و قالَ تَعالىٰ : (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ )(10)أي أنتَ كذلكَ عندَ نفسِكَ و بَينَ قومِكَ .


1) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع: «فالمقدّمة».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «وبالاً».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: - «هذا».

4) . في المطبوع: «أي» بدل «التي»، و هو سهو.

5) . الإزراء: التهاون بالشيء. يقال: أزريت به: إذا قصّرت به و تهاونت. لسان العرب، ج 14، ص 356 (زري).

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «على».

7) . في «ج، د، ص، ف» و الحجري: «يذهب». و في «ب»: «ذهبت». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و التلخيص.

8) . طه (20):97.

9) . في «ب، ج، ص، ف»: «في الحقيقة».

10) . الدخان (44):49.

و يَقولُ أحَدُنا: «فُلانٌ فَقيهُ (1)هذه الأُمّةِ ، و زَيدٌ شاعرُ هذا العَصرِ» و هو لا يُريدُ إلّا أنّه كذلكَ في اعتقادِ أهلِ العَصرِ، دونَ أن يَكونَ علَى الحَقيقةِ بهذه الصفةِ .

فإن قيلَ : هذا الذي ذَكرتموه و إن جازَ فالظاهرُ بخِلافِه؛ و الكلامُ علىٰ ظاهرِه، إلىٰ أن يَقومَ دليلٌ .

قُلنا: لَو كانَ الأمرُ في الظاهرِ علىٰ ما ادَّعَيتم لَوَجَبَ العُدولُ عنه؛ للأدلّةِ القاهرةِ الموجِبةِ‌(2)لفَضلِه عليه السلامُ علىٰ جميعِ الأُمّةِ‌.

علىٰ أنّه قد رُويَ ما يَقتَضي العُدولَ بهذا القَولِ عن ظاهرِه، و أنّه خارجٌ‌

مَخرَجَ التعريضِ‌؛ فرَوىٰ عَونُ بنُ أبي جُحَيفةَ‌(3)، قالَ‌: سَمِعتُ عليّاً عليه السلامُ يَقولُ : «إذا حَدَّثتُكم عن رسولِ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه فلأَن أخِرَّ مِن السماءِ فتَخطَفَني الطَّيرُ أحَبُّ إلَيَّ مِن أن أقولَ : «قالَ رسولُ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه» و لَم يَقُلْ . و إذا حَدَّثتُكم عن نَفسي فإنّي مُحارِبٌ مُكايِدٌ؛ إنّ اللّٰهَ قَضىٰ علىٰ لِسانِ نَبيِّكُم أنّ «الحَربَ خُدْعةٌ (4)»: ألا إنّ خَيرَ هذه الأُمّةِ بَعدَ نَبيِّها أبو بَكرٍ و عُمَرُ،


1) . في المطبوع: «بقية».

2) . في التلخيص: «للأدلّة الظاهرة و الموجبة».

3) . عون بن أبي جحيفة وهب عبد اللّٰه السوائي الكوفي، روىٰ عن أبيه و مسلم بن رباح الثقفي - و له صحبة - و المنذر بن جرير البجلي و عبد الرحمن بن سمير و مخنف بن سليم و غيرهم. مات في آخر ولاية خالد على العراق، و قال ابن قانع: مات سنة ستّ عشرة و مائة. التذكرة بمعرفة رجال الكتب العشرة، ج 2، ص 1312، الرقم 5237؛ تهذيب التهذيب، ج 8، ص 170، الرقم 306.

4) . قال ابن الأثير: «الحرب خدعة، يُروى بفتح الخاء، و ضمّها مع سكون الدال، و بضمّها مع فتح الدال. فالأوّل معناه: أنّ الحرب ينقضي أمرها بخَدعَةٍ واحدة؛ من الخِداع، أي أنّ المقاتل إذا خُدِعَ مرّة واحدة لم تكن لها إقالة. و هي أفصح الروايات و أصحّها. و معنى الثاني هو الاسم من الخِداع. و معنى الثالث: أنّ الحرب تَخدَعُ الرجال و تمنّيهم و لا تفي لهم، كما يقال: فلان رجل لُعَبة و ضُحَكة، أي كثير اللعب و الضحك». النهاية، ج 2، ص 14 (خدع).

و لَو شئتُ لَسَمَّيتُ الثالثَ‌»(1).

و هذا الكلامُ يَدُلُّ علىٰ أنّه(2)علىٰ سَبيلِ التعريضِ‌. و قد يَحتاجُ عليه السلامُ إلَى التعريضِ‌، فيَحسُنُ منه بَعدَ أن تَكونَ الأدِلّةُ المؤمِنةُ مِن اللَّبسِ‌(3)و اشتباهِ الشُّبهةِ بالحُجّةِ مُتقدِّمةً ، و معلومٌ أنّ جُمهورَ أصحابِه و جُلَّهم كانوا ممّن يَعتَقِدُ(4)إمامةَ مَن تَقدَّمَ عليه عليه السلامُ ، و فيهم مَن يُفضِّلُهم(5)علىٰ جميعِ الأُمّةِ .

و قد قيلَ : إنّ مُعاويةَ بَثَّ الرجالَ في الشامِ يُخبِرونَ عنه عليه السلامُ بأنّه يَتبرّأُ(6)مِن المُتقدِّمينَ عليه، و أنّه شَرِكَ في دَمِ عُثمانَ ؛ ليُنفِّرَ الناسَ عنه، و يَصرِفَ وجوهَ أكثَرِ أصحابِه عن نُصرتِه؛ فلا يُنكَرُ أن يَكونَ قالَ ذلكَ إطفاءً لهذه النائرةِ ، و مُرادُه بالقولِ ما تَقدَّمَ ممّا لا يُخالِفُ الحَقَّ .

و قالَ أيضاً بعضُ أصحابِنا: ممّا يَدُلُّ علىٰ فَسادِ هذا الخبرِ ما يَتضمَّنُه لفظُه مِن الخَلَلِ‌؛ لأنّ قولَه: «أ لا إنّ خَيرَ هذه الأُمّةِ بَعدَ نَبيِّها» يَقتَضي دخولَ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه في الكلامِ الأوّلِ و تَحتَ لفظةِ (7)الأُمّةِ ؛ لأنّه لَو لَم يَدخُلْ لَم يَحسُنِ


1) . صحيح البخاري، ج 3، ص 1321، ح 3415، و ج 6، ص 2539، ح 6531؛ صحيح مسلم، ج 2، ص 746، ح 1066/154؛ مسند أحمد، ج 1، ص 131، ح 1086؛ سنن أبي داود، ج 2، ص 657، ح 4767؛ مسند الطيالسي، ص 24، ح 168؛ سنن النسائي الكبرى، ج 5، ص 161، ح 8563؛ تهذيب الآثار، ج 1، ص 119-120، ح 188-191؛ السنن الكبرى للبيهقي، ج 8، ص 187، ح 1655، مع اختلاف يسير.

2) . في التلخيص: «و هذا يدلّ علىٰ أنّ الكلام».

3) . اللَّبْسُ و اللَّبَسُ : اختلاط الأمر. يقال: لَبَسَ عليه الأمرَ: إذا خلطه عليه حتّىٰ لا يعرف جهته. لسان العرب، ج 6، ص 206 (لبس).

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «كانوا يعتقدون».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «و منهم من يفضّله».

6) . في «ب، ص»: «تبرّأ».

7) . هكذا في «ص». و في سائر النسخ و المطبوع و التلخيص: «لفظ».

استثناؤه. و مُحالٌ دخولُه تَحتَ لفظةِ (1)«الأُمّةِ »(2)لأنّ الأُمّةَ مُضافةٌ إليه، فكَيفَ يَكونُ منها؟! و هذا يَقتَضي أنّه مِن أُمّةِ نفسِه!!

و قد دَفَعَ‌(3)أيضاً أصحابُنا احتجاجَ مَن احتَجَّ بهذا الخبرِ في التفضيلِ‌(4)بأن قالوا: قد يَتكلِّمُ المُتكلِّمُ بما يَجري(5)هذا المَجرىٰ‌، و هو خارجٌ مِن(6)جُملةِ كلامِه و غيرُ داخلٍ فيه.

و استَشهَدوا بما رُويَ‌(7)عن الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(8)مِن قولِه: «لا يَنبَغي لأحَدٍ أن يَقولَ‌: إنّي خَيرٌ مِن يونُسَ بنِ مَتّىٰ‌»(9)مع قولِه: «أنا سَيّدُ الأوَّلينَ و الآخِرينَ »(10)و مع قولِه: «أنا سَيّدُ ولدِ آدَمَ »(11)و إجماعِ الأُمّةِ علىٰ أنّه أفضَلُ الأنبياءِ


1) . في «ب، ج»: «لفظ».

2) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص. و سقط من «د» و المطبوع و الحجري قوله: «لأنّه لو لم يدخل...» إلىٰ هنا.

3) . في «ب، ص»: «و يدفع».

4) . أي تفضيل الشيخين علىٰ أمير المؤمنين عليه السلام.

5) . في «د» و المطبوع و الحجري: «بما جرىٰ ».

6) . في النسخ: «عن». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و الحجري و التلخيص.

7) . في «ج، ص»: «كما روي» بدل «و استشهدوا بما روي». و في «ب، ف»: - «و استشهدوا».

8) . في «ج، ص، ف»: «عليه السلام».

9) . صحيح البخاري، ج 3، ص 1244، ح 3215، و ص 1254، ح 3231-3234، و ج 4، ص 1681، ح 4327 و 4328، و ص 1694، ح 4354 و 4355، و ص 1808، ح 4527، و ج 6، ص 2741، ح 7101؛ صحيح مسلم، ج 4، ص 1846، ح 2376/166 و 2377/167؛ سنن أبي داود، ج 2، ص 629، ح 4669؛ سنن ابن ماجة، ج 2، ص 1428، ح 4274؛ سنن الدارمي، ج 2، ص 399، ح 2746؛ الجامع الصحيح، ج 5، ص 373، ح 3245؛ المستدرك على الصحيحين، ج 2، ص 638، ح 4122؛ قصص الأنبياء للراوندي، ص 253.

10) . الأمالي للصدوق، ص 678، ح 924؛ مائة منقبة، ص 18؛ الصراط المستقيم، ج 2، ص 56.

11) . الكافي، ج 2، ص 437، ح 1192/1، و ج 15، ص 334، ح 14918/103 (ج 1، ص 440،

عليهم السلامُ‌، فلَولا أنّه خارجٌ مِن قولِه: «لا يَنبَغي لأحَدٍ» لَكانَ القولُ منه(1)فاسداً.

و كذلكَ رُويَ عنه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه أنّه قالَ : «أبو سُفيانَ بنُ الحارِثِ (2)خَيرُ أهلي»(3)و قالَ : «ما أقَلَّت الغَبراءُ و لا أظَلَّت الخَضراءُ علىٰ ذي لَهجةٍ أصدَقَ مِن أبي ذَرٍّ»(4)و هو صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه خارجٌ مِن ذلكَ .

ح 1، و ج 8، ص 139، ح 103، ط. الإسلاميّة)؛ الأمالي للصدوق، ص 40، المجلس 10، ح 10، و ص 187، المجلس 35، ح 1، و ص 314، المجلس 51، ح 14، و ص 476، المجلس 72، ح 16، و ص 520، المجلس 78، ح 1؛ التوحيد للصدوق، ص 207، الباب 29؛ الخصال، ج 2، ص 413، ح 1، و ص 561، ح 31؛ مسند أحمد، ج 1، ص 281، ح 2546، و ص 295، ح 2692، و ج 2، ص 540، ح 10985، و ج 3، ص 2، ح 11000؛ صحيح مسلم، ج 4، ص 1782، ح 2278؛ سنن أبي داود، ج 2، ص 630، ح 4673؛ سنن ابن ماجة، ج 2، ص 1440، ح 4308؛ الجامع الصحيح، ج 5، ص 308، ح 3148، و ص 587، ح 3615؛ المعجم الكبير، ج 3، ص 88، ح 2749، و ج 10، ص 142، ح 10256؛ المستدرك على الصحيحين، ج 2، ص 660، ح 4189، و ج 3، ص 133-134، ح 4625-4627.


1) . في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص: - «منه».

2) . المغيرة بن الحارث بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، أبو سفيان بن الحارث، غلبت عليه كنيته، و كان أخا رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله من الرضاعة، رضعتهما حليمة بنت أبي ذؤيب السعديّة. كان من الشعراء المطبوعين، و كان سبق له هجاء في رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله. و كان إسلامه يوم الفتح قبل دخول رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله مكّة. الطبقات الكبرى، ج 4، ص 36، الرقم 350؛ معجم الصحابة، ج 14، ص 4860، الرقم 1049؛ تاريخ الصحابة، ص 231، الرقم 1238؛ معرفة الصحابة، ج 4، ص 276، الرقم 2758؛ الاستيعاب، ج 4، ص 1445، الرقم 2481، و ص 1673، الرقم 3002.

3) . المعجم الكبير، ج 22، ص 327، ح 824؛ المعجم الأوسط، ج 6، ص 330، ح 6546؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 285، ح 5111، و ص 286، ح 5115؛ الإصابة، ج 4، ص 337، الرقم 5337.

4) . كمال الدين، ج 1، ص 60؛ معاني الأخبار، ص 179، ح 1 و 2؛ علل الشرائع، ج 1، ص 177-178، ح 1 و 2؛ الأمالي للطوسي، ص 53، المجلس 2، ح 70/39، و ص 710، المجلس 42،

و قد يَحلِفُ الرجُلُ أيضاً أن لا يُدخِلَ دارَه أحَداً مِن الناسِ‌، و هو خارجٌ مِن يَمينِه.

و إذا كانَ عليه السلامُ‌(1)خارجاً مِن الخبرِ، مِن حَيثُ كانَ المُخاطِبَ به، لَم يَدُلَّ علَى التفضيلِ عليه.

و مِن طَريفِ‌(2)الأُمورِ أن يَستَشهِدَ القومُ بهذا الخبرِ علَى التفضيلِ و هُم يَروونَ أنّ أبا بَكرٍ قالَ‌: «وَلِيتُكم و لَستُ بخَيرِكم»(3)فصَرَّحَ باللفظِ الخاصِّ بأنّه لَيسَ بالأفضَلِ ، ثُمّ يَتأوَّلونَ ذلكَ علىٰ أنّه خَرَجَ مَخرَجَ التخاشُعِ و التخاضُعِ ، فألّا استَعمَلوا هذا الضربَ (4)مِن التأويلِ فيما يَدَّعونَه مِن قولِه: «أ لا إنّ خَيرَ هذه الأُمّةِ »؟ و لكِنّ الإنصافَ عندَهم مفقودٌ(5).

ح 1514/4؛ روضة الواعظين، ج 2، ص 61، ح 17/646؛ مسند أحمد، ج 2، ص 163، ح 6519، و ص 175، ح 6630، و ص 223، ح 7078، و ج 5، ص 197، ح 21772، و ج 6، ص 442، ح 27533؛ سنن ابن ماجة، ج 1، ص 55، ح 156؛ الجامع الصحيح، ج 5، ص 669، ح 3801 و 3802؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 385، ح 5461 و 5462، و ص 387، ح 5467، و ج 4، ص 526، ح 8478؛ المصنّف لابن أبي شيبة، ج 7، ص 526، ح 32؛ كنز العمّال، ج 11، ص 642، ح 33122، و ج 13، ص 317، ح 36898.


1) . أي أمير المؤمنين عليه السلام.

2) . في التلخيص: «من طرائف». و في «د» و المطبوع: «من ظريف». و الطريف: الغريب من الثمرو غيره.

3) . المصنّف لعبد الرزّاق، ج 11، ص 336، ح 20702؛ السنن الكبرى للبيهقي، ج 6، ص 353، ح 12788؛ كنز العمّال، ج 5، ص 599، ح 14062، و ص 601، ح 14064، و ص 607، ح 14073، و ص 636، ح 14118.

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «هذا اللفظ و هذا الضرب».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «مفقود عندهم».

مناقشة الاستدلال علىٰ خلافة أبي بكر، بردّ أمير المؤمنين عليه السلام لمّا عَرَضها أبو سفيان عليه

فأمّا ما رَواه عن(1)جعفرِ بنِ محمّدٍ عليه السلامُ مِن قولِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ لأبي سُفيانَ عندَ استخلافِ أبي بَكرٍ - و قد قالَ له: ابسُطْ يَدَكَ أُبايِعْكَ‌؛ فوَ اللّٰهِ لَأملأنَّها علىٰ أبي فَصيلٍ خَيلاً و رَجِلاً -: «إنّ هذا مِن دَواهيكَ‌، و ما زِلتَ تَبغي(2)للإسلامِ العِوَجَ في الجاهليّةِ و الإسلامِ‌»، فهو خبرٌ مَتىٰ صَحَّ لَم يَكُن فيه دَلالةٌ علىٰ أكثَرَ مِن تُهَمةِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ لأبي سُفيانَ‌، و قَطعِه علىٰ خُبثِ باطنِه، و قِلّةِ دينِه، و بُعدِه عن النُّصحِ فيما يُشيرُ به. و لا حُجّةَ فيه و لا دَلالةَ علىٰ إمامةِ أبي بَكرٍ و لا تفضيلِه؛ لأنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ لَم يَعدِلْ عن مُخارَجةِ‌(3)القومِ و التصريحِ بادِّعاءِ النصِّ و المُجاذَبةِ‌(4)عليه إلّالِما اقتَضَته الحالُ مِن حِفظِ أصلِ الدينِ‌، و لعِلمِه بأنّ المُخاصَمةَ و المُغالَبةَ فيه تؤدّيانِ (5)إلىٰ فَسادٍ لا يُتَلافىٰ ؛ فلا بُدَّ مِن مُخالَفتِه في هذا البابِ لكُلِّ مُشيرٍ، سِيَّما(6)إذا كانَ مُتَّهَماً مُنافِقاً، غيرَ نَقيِّ السَّريرةِ ؛ فلَيسَ في رَدِّه عليه السلامُ علىٰ أبي سُفيانَ ما رآه مِن إظهارِ البَيعةِ و المُحارَبةِ أكثَرُ ممّا ذَكرناه مِن أنّ الرأيَ كانَ عندَه في خِلافِه.

و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ : لَولا استحقاقُ مُتوَلّي الأمرِ له، لَما جازَ أن يَنهىٰ أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ عن الإجلابِ عليه و المُحارَبةِ له، و لا أن يَمتَنِعَ مُن مُبايَعةِ أبي سُفيانَ له بالإمامةِ .


1) . في «ب، ج، ص، ف»: - «عن».

2) . في «ج، ص، ف»: «تبتغي».

3) . «مخارجة» مفاعلة من الخروج.

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «و المحاربة».

5) . في «ج، ص»: «مؤدّيان».

6) . هكذا في النسخ و الحجري و التلخيص. و في المطبوع: «لا سيّما».

لأنّا قد بيّنّا أنّ ذلكَ أجمَعَ لا يَدُلُّ علَى استحقاقِ الأمرِ، و أنّ المَصلَحةَ إذا

اقتَضَت الإمساكَ وَجَبَ و إن لَم يَكُن هُناكَ استحقاقٌ مِن المُتَلَبِّسِ (1)بالأمرِ، و أنّ هذا إن جُعِلَ دَلالةً في هذا المَوضِعِ لَزِمَ أن يَكونَ الإمساكُ عن الظَّلَمةِ و المُتغلِّبينَ علىٰ أُمورِ المُسلِمينَ مِن بَني أُمَيَّةَ و غيرِهم دَلالةً علَى استحقاقِهم لِما كانَ في أيديهِم. و نَحنُ نَعلَمُ أنّ الحَسَنَ عليه السلامُ لَو أشارَ عليه مُشيرٌ بَعدَ صُلحِ مُعاويةَ بمُحارَبتِه و بمُخارَجتِه(2)لَعَصاه و خالَفَه؛ بَل قَد عَصىٰ جماعةً أشاروا عليه بخِلافِ ما رآه مِن الإمساكِ و التسليمِ ، و بَيَّنَ لهم أنّ الدينَ و الرأيَ يَقتَضيانِ ما فَعَلَه عليه السلامُ .

مناقشة خبر تمنّي أمير المؤمنين عليه السلام أن يلقى اللّٰه بصحيفة عمر

فأمّا ما رَواه عن أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ مِن التمَنّي لِأنْ يَلقَى اللّٰهَ (3)تَعالىٰ (4)بصَحيفةِ عُمَرَ: فهذا لا يَقولُه مَن فَضَّلَه النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه علَى الخَلقِ بالأقوالِ و الأفعالِ المُجمَعِ عليها، الظاهرةِ في الروايةِ ، و قد تَقدَّمَ طَرَفٌ منها(5)و لا يَصدُرُ عمّن كانَ يُصرِّحُ بتفضيلِ نفسِه علىٰ جميعِ الأُمّةِ بَعدَ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و لا يَقدِرُ أحَدٌ غيرُه(6)أن يُصرِّحَ بذلكَ أيضاً. و قد تَقدَّمَ الكلامُ علىٰ نَظائرِ هذا الخبرِ(7).


1) . في «د» و المطبوع: «التلبّس».

2) . في التلخيص: «و مخارجته».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «فأمّا ما رواه من تمنّي أمير المؤمنين عليه السلام أن يلقى اللّٰه».

4) . في «ب، ج، ص، ف» و المطبوع: - «تعالى».

5) . تقدّم في ص 420-422.

6) . في «ب، د» و المطبوع و الحجري: - «أحد غيره».

7) . تقدّم في ص 419-422.

علىٰ أنّ قولَه: «وَدِدتُ أن أَلقَى اللّٰهَ بصَحيفةِ هذا المُسَجّىٰ‌» أو «ما علَى الأرضِ أحَدٌ أحَبُّ إلَيَّ مِن(1)أن أَلقَى اللّٰهَ بصَحيفتِه(2)مِن هذا المُسَجّىٰ‌» لا يَجوزُ أن يَكونَ محمولاً علىٰ ظاهرِه؛ لأنّ الصحيفةَ إنّما يُشارُ بها إلىٰ صَحيفةِ الأعمالِ‌، و أعمالُ زَيدٍ لا يَجوزُ أن يَكونَ بعَينِها لعَمرٍو، و تَمَنِّي ذلكَ ممّا(3)لا يَصِحُّ علىٰ مِثلِه(4)عليه السلامُ‌؛ فلا بُدَّ مِن أن يُقالَ‌(5): إنّه أرادَ: بمِثلِ صَحيفتِه و بنَظيرِ(6)أعمالِه. و إذا جازَ أن يُضمِروا شَيئاً لَيسَ‌(7)في صَريحِ اللفظِ، جازَ(8)لخُصومِهم أن يُضمِروا خِلافَه، و يَجعَلوا بَدَلاً مِن إضمارِ المِثلِ الخِلافَ . و إذا تَكافأَت الدعوَيانِ (9)لَم يَكُن في ظاهرِ الخبرِ حُجّةٌ لهم.

علىٰ أنّ في مُتقدِّمي أصحابِنا مَن قالَ : إنّما تَمَنّىٰ أن يَلقَى اللّٰهَ بصَحيفتِه

ليُخاصِمَه بما فيها(10)، و يُحاكِمَه بما تَضمَّنَته. و قالوا أيضاً في ذلكَ وجهاً غيرَ هذا معروفاً(11). و كُلُّ ذلكَ يُسقِطُ تَعلُّقَهم بالخبرِ.


1) . في «ب، ج، ص، ف»: - «من».

2) . في «ب، ص» و المطبوع و التلخيص: «بصحيفة».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: - «ممّا».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «علىٰ أمير المؤمنين».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: + «إنّه إذا صحّ ».

6) . في «ب»: «و نظير».

7) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: - «ليس».

8) . في التلخيص: «ما جاز».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: «الدعاوي». و في التلخيص: «الدعوتان».

10) . في «ب، ج، ص، ف»: «ليخاصمه بها».

11) . في التلخيص: + «من أمر الصحيفة التي اتّفق القوم فيها علىٰ إزالة الأمر عن مستحقّه بعد النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله». و للمزيد حول أمر الصحيفة راجع: بحار الأنوار، ج 28، ص 85 و ما بعده، باب تمهيد غصب الخلافة و قصّة الصحيفة الملعونة.

مناقشة خبر: «لو كنتُ متّخذاً خليلاً»

فأمّا ما رَواه عن النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه مِن قولِه: «لَو كُنتُ مُتَّخِذاً خَليلاً» فقَد تَقدَّمَ الكلامُ عليه فيما مَضىٰ مِن الكتابِ (1)، فلا وجهَ لإعادتِه. و قد تَقدَّمَ أيضاً - في أوّلِ (2)هذا الفَصلِ - الكلامُ علىٰ أنّ جميعَ ما رَواه مِن الأخبارِ لا يُعارِضُ في الثبوتِ و الصحّةِ أخبارَنا، و أنّ لأخبارِنا في بابِ الحُجّةِ المَزيّةَ الظاهرةَ ، و الرُّجحانَ القويَّ (3).

بيان دلالة قوله صلى الله عليه و آله: «إمام المتّقين» على الإمامة

فأمّا قولُه عن أبي عَليٍّ‌: «علىٰ أنّ هذه الأخبارَ لا تَقتَضي النصَّ‌، بَل هي مُحتَمِلةٌ‌؛ لأنّ قولَه عليه السلامُ : «إمامُ المُتَّقينَ » أرادَ به: في التقوىٰ ؛ و لَو أرادَ به الإمامةَ لَم يَكُن بأن يَكونَ إماماً للمُتَّقينَ بأَولىٰ مِن أن يَكونَ إماماً للفاسِقينَ ».

فتأويل باطلٌ‌؛ لأنّ حَملَ ذلكَ علىٰ أنّه إمامٌ في شَيءٍ دونَ شَيءٍ تخصيصٌ‌، و مَذهبُه الأخذُ بالعُمومِ‌؛ إلّاأن يَقومَ دليلٌ (4).

علىٰ أنّا قد بيّنّا فيما مَضىٰ أنّ معنَى الإمامةِ و حقيقةَ هذه اللفظةِ و الصفةِ تَتضمَّنُ (5)الاقتداءَ بمَن كانَ إماماً مِن حَيثُ قالَ و فَعَلَ (6)فإذا ثَبَتَ أنّه إمامٌ لبعضِ الأُمّةِ في بعضِ الأُمورِ، فلا بُدَّ(7)مِن أن يَكونَ مُقتَدىً به في ذلكَ الأمرِ علَى الوجهِ الذي ذَكرناه، و ذلكَ يَقتَضي عِصمتَه، و إذا ثَبَتَت(8)عِصمتُه وَجَبَت إمامتُه؛ لأنّ كُلَّ


1) . تقدّم في ص 213 و ما بعدها.

2) . في «ب، ج، ص، ف»: - «أوّل».

3) . تقدّم في ص 417-418.

4) . في التلخيص: «و ظاهره العموم، إلّاأن يقوم دليل علىٰ تخصيصه».

5) . في «ج، ص، ف»: «يتضمّن». و في التلخيص: «و حقيقتها يتضمّن».

6) . تقدّم في ج 2، ص 171، 173.

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «و لا بدّ».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «ثبت».

مَن أثبَتَ له العصمةَ و قَطَعَ عليها، أوجَبَ له الإمامةَ بَعدَ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه بلا فَصلٍ .

فأمّا تخصيصُ المُتَّقينَ باللفظِ دونَ الفاسِقينَ‌: فلا يَمتَنِعُ و إن كانَ إماماً للكُلِّ‌، كَما قالَ تَعالىٰ‌: (الم * ذٰلِكَ الْكِتٰابُ لاٰ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ‌)(1). هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع و الحجري: «فإنّ حمل ذلك علىٰ أنّ المتقين لمّاانتفعوا بهدايته و لم ينتفع بها الفاسقون جاز هذا القول و كان لنا». و لكن في «ج»: «كان» بدل «و كان».(2)و إن كانَ هُدىً للكُلِّ ؛ فإن حُمِلَ ذلكَ علَى المُتَّقينَ لمّا انتَفَعوا بهِدايتِه و لَم يَنتَفِعْ بها الفاسِقونَ

و جازَ هذا القولُ ، كانَ لنا(2) أن نَقولَ مِثلَ ذلكَ في قولِه: «إمامُ المُتَّقينَ »؛ و لا وجهَ يُذكَرُ في اختصاصِ لفظِ الآيةِ مع عُمومِ معناها، إلّاو هو قائمٌ في الخبرِ.

فأمّا دُعاءُ الصالحينَ‌ بأن يَجعَلَهم اللّٰهُ‌(3)للمُتَّقينَ إماماً: فقَد يَجوزُ أن يُحمَلَ علىٰ أنّهم دَعَوا بأن يَكونوا أئمّةً يُقتَدىٰ بِهم الاقتداءَ الحقيقيَّ الذي بيّنّاه؛ فهذا غيرُ مُمتَنِعٍ‌.

و لَو صِرنا إلىٰ ما يُريدُه(4)مِن أنّهم دَعَوا بخِلافِ ذلكَ ، لَكُنّا إنّما صِرنا إليه بدَلالةٍ ، و إن كانَت(5)حقيقةُ الإمامةِ تَتضمَّنُ ما قَدَّمناه مِن معنَى الاقتداءِ المخصوصِ (6)و لَيسَ العُدولُ عن بعضِ الظواهرِ لدَلالةٍ تَقتَضي العُدولَ عن كُلِّ ظاهرٍ بغَيرِ دَلالةٍ .

فأمّا قولُه: «و يَجِبُ أن يَكونَ إماماً في الوقتِ » فقَد تَقدَّمَ الكلامُ علىٰ هذا المعنىٰ في جُملةِ كلامِنا في خبرِ الغَديرِ، و استَقصَينا القولَ (7)فيه.(8)


1) . البقرة

2) :1-2.

3) . في «ب، ج، ص، ف»: - «اللّٰه».

4) . في التلخيص: + «الخصم».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «و إن كان».

6) . تقدّم آنفاً.

7) . في «ب»: «الكلام».

8) . تقدّم في ص 187 و ما بعدها.

بيان دلالة قوله صلى الله عليه و آله: «و سيّد المسلمين و قائد الغرّ المحجّلين» على الإمامة

فأمّا قولُه: «و سَيّدُ المُسلِمينَ‌» فإنّ معنَى السيادةِ يَرجِعُ‌(1)إلىٰ معنَى الإمامةِ و الرئاسةِ ، و كذلكَ قولُه: «و قائدُ الغُرِّ المُحَجَّلينَ »؛ لأنّ القائدَ للقَومِ هو الرئيسُ المُطاعُ فيهم، لا(2)سِيَّما إذا كانَ ذلكَ عَقيبَ قولِه: «إمامُ المُتَّقينَ ». و لا شُبهةَ في أنّ معنىٰ هذه الألفاظِ يَتقارَبُ (3)، و يُفهَمُ منها ما ذَكرناه.

بيان دلالة قوله صلى الله عليه و آله: «إنّه وليّ كلّ مؤمن و مؤمنة» على الإمامة

فأمّا قولُه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه «إنّه وَليُّ كُلِّ مؤمِنٍ و مؤمِنةٍ‌(4)مِن بَعدي» فقَد بيّنّا عندَ الكلامِ في قولِه تَعالىٰ : (إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ )(5)الكلامَ في اقتضاءِ هذه اللفظةِ لمعنَى الإمامةِ ، و شَرَحناه و استَقصَيناه(6)فسَقَطَ ادّعاؤه أنّها لا تُفيدُ الإمامةَ .

بيان دلالة قوله صلى الله عليه و آله: «إنّه منّي و أنا منه» على الإمامة

فأمّا قولُه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه فيه عليه السلامُ‌: «إنّه مِنّي و أنا منه» فإنّه(7)يَدُلُّ علَى الاختصاصِ و التفضيلِ و القُربِ - علىٰ ما ذَكَرَه -، و لا يَدُلُّ بلَفظِه علَى

الإمامةِ‌، لكِن يَدُلُّ عليها مِن الوجهِ الذي ذَكرناه و بيّنّا أنّ‌(8)كُلَّ قولٍ أو فِعلٍ يَقتَضي التفضيلَ به(9)، يَدُلُّ عليه بضَربٍ مِن الترتيبِ قد تَقدَّمَ (10).

فلَم يَبقَ - مع ما(11)أورَدناه - شُبهةٌ في جميعِ الفَصلِ الذي حَكَيناه عنه، و المِنّةُ للّٰهِ .


1) . في «ج، ص، ف»: «ترجع».

2) . في التلخيص: - «لا».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «متقارب».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: - «و مؤمنة».

5) . المائدة (5):55.

6) . تقدّم في ص 69 و ما بعدها.

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «فإنّما».

8) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «أنّ ».

9) . في «ج، ص، ف»: - «به».

10) . تقدّم في ج 2، ص 311-313.

11) . في «ب، ج، ص، ف»: «فيما» بدل «مع ما».

الدليل السادس عشر حَديثُ الثقَلَينِ

اشارة

قالَ صاحبُ الكتابِ :

دليلٌ لهُم آخَرُ:

و رُبَّما تَعلَّقوا بما رُويَ عنه عليه السلامُ‌(1)مِن قولِه: «إنّي تارِكٌ فيكُم ما إن تَمسَّكتم به لَن تَضِلّوا: كتابَ اللّٰهِ‌، و عِترَتي أهلَ بَيتي؛ و إنّهما(2)لَن يَفتَرِقا حتّىٰ يَرِدا(3)عَلَيَّ الحَوضَ »(4)، و أنّ ذلكَ يَدُلُّ علىٰ أنّ الإمامةَ


1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «صلّى اللّٰه عليه و آله»، و هكذا في الموارد الآتية.

2) . في «ب، ج، ص، ف» و المغني: - «إنّهما».

3) . في المغني: «لن نفترق حتّىٰ نرد».

4) . حديث الثقلين بهذا النصّ و شبهه متواتر بين الفريقين بحيث أصبح متسالماً عليه بينهم، و نحن نكتفي بذكر بعض مصادر العامّة: مسند أحمد، ج 3، ص 14، ح 11119، و ص 17، ح 11147، و ص 26، ح 11227، و ص 59، ح 11578، و ج 4، ص 366، ح 19285، و ج 5، ص 181، ح 21618؛ صحيح مسلم، ج 4، ص 1873، ح 2408/36 و 2408/37؛ سنن الدارمي، ج 2، ص 524، ح 3316؛ الجامع الصحيح، ج 5، ص 663، ح 3788؛ المعجم الكبير، ج 3، ص 65-66، ح 2678-2681، و ج 5، ص 154، ح 4923، و ص 166، ح 4969؛ المصنّف لابن أبي شيبة، ج 7، ص 418، ح 41؛ مسند أبي يعلىٰ ، ج 2، ص 297، ح 1021، و ص 376، ح 1140؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 118، ح 4577،

فيهم، و كذلكَ العصمةُ‌.

و رُبَّما قَوَّوا ذلكَ بما رُويَ عنه عليه السلامُ أنّه قالَ‌(1): «إنّ مَثَلَ أهلِ بَيتي فيكم مَثَلُ سَفينةِ نوحٍ‌؛ مَن رَكِبَها نَجا، و مَن تَخلَّفَ عنها غَرِقَ »(2)، و أنّ ذلكَ يَدُلُّ علىٰ عِصمتِهم، و وجوبِ طاعتِهم، و حَظرِ العُدولِ عنهم.

قالوا: و ذلكَ يَقتَضي النصَّ علىٰ أميرِ المؤمنينَ .

ثُمّ قالَ :

و هذا إنّما يَدُلُّ علىٰ أنّ إجماعَ العِترةِ لا يَكونُ إلّاحَقّاً؛ لأنّه لا يَخلو

مِن أن يُريدَ عليه السلامُ بذلكَ جُملتَهم أو كُلَّ واحدٍ منهم، و قد عَلِمنا أنّه لا يَجوزُ أن يُريدَ عليه السلامُ بذلكَ (3)إلّاجُملتَهم، و(4)لا يَجوزُ أن يُريدَ كُلَّ واحدٍ منهم؛ لأنّ الكلامَ يَقتَضي الجَمعَ [دونَ كُلِّ واحدٍ].(5)

و لأنّ الاختلافَ قد يَقَعُ فيهم(6)علىٰ ما عَلِمناه مِن حالِهم، و لا يَجوزُ أن يَكونَ قولُ كُلِّ واحدٍ منهم حَقّاً؛ لأنّ الحَقَّ لا يَكونُ في الشيءِ و ضِدِّه،

و ص 160، ح 4711؛ السنن الكبرى للبيهقي، ج 2، ص 148، ح 2679، و ج 7، ص 30، ح 13017، و ج 10، ص 113، ح 20122.


1) . هكذا في المغني. و في النسخ و المطبوع: - «أنّه قال».

2) . المعجم الكبير، ج 3، ص 45-46، ح 2636-2638؛ و ج 12، ص 34، ح 12388؛ المعجم الأوسط، ج 4، ص 9، ح 3478، و ج 5، ص 354، ح 5536، و ج 6، ص 85، ح 5870؛ المستدرك على الصحيحين، ج 2، ص 373، ح 3312، و ج 3، ص 163، ح 4720؛ مسند البزّار، ج 9، ص 343، ح 3900؛ مسند الشهاب، ج 2، ص 273، ح 1342 و 1343؛ كنز العمّال، ج 12، ص 95، ح 34151، و ص 98، ح 34169.

3) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «بذلك».

4) . في المغني: - «لا يجوز أن يريد عليه السلام بذلك إلّاجملتهم و».

5) . ما بين المعقوفين من المغني.

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «و لأنّ الخلاف قد يقع بينهم».

و قد ثَبَتَ اختلافُهم فيما هذا حالُه، و لا يَجوزُ(1)أن يُقالَ أنّهم مع هذا(2)الاختلافِ لا يُفارِقونَ الكتابَ‌.

و ذلكَ يُبيِّنُ أنّ المُرادَ به أنّ ما أجمَعوا(3)عليه يَكونُ حَقّاً، حتّىٰ يَصِحَّ قولُه: «لَن يَفتَرِقا حتّىٰ يَرِدا(4)عَلَيَّ الحَوضَ‌». و ذلكَ يَمنَعُ مِن أنّ المُرادَ(5)بالخبرِ الإمامةُ‌؛ لأنّ الإمامةَ لا تَصِحُّ في جميعِهم، و إنّما يَختَصُّ‌(6)بها الواحدُ منهم، و قد بيّنّا أنّ المَقصَدَ بالخبرِ ما يَرجِعُ إلىٰ جميعِهم(7).

و يُبيِّنُ ما قُلناه: أنّ أحَداً ممّن خالَفَنا(8)في هذا البابِ لا يَقولُ في كُلِّ واحدٍ مِن العِترةِ أنّه بهذه الصفةِ‌، فلا بُدَّ مِن أن يَترُكوا الظاهرَ إلىٰ أمرٍ آخَرَ يُعلَمُ به أنّ المُرادَ بعضٌ مِن بعضٍ ، و ذلكَ الأمرُ لا يَكونُ دالاًّ(9)بنفسِه.

و لَيسَ لهُم أن يَقولوا: إذا دَلَّ علىٰ ثُبوتِ العصمةِ فيهم(10)، و لَم يَصِحَّ إلّا في أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ ، ثُمّ في واحدٍ واحدٍ مِن الأئمّةِ ، فيَجِبُ أن يَكونَ هو المُرادَ.


1) . في المغني: «فما هذا حاله لا يجوز».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: - «هذا».

3) . في «ص»: «ما اجتمعوا».

4) . في المغني: «لن نفترق حتّىٰ نرد».

5) . في المغني: «المستفاد».

6) . في المغني: «تختصّ ».

7) . في المغني: «و قد بيّنّا أنّ الخبر وارد في جميعهم».

8) . في المغني: «ممّن خالف».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: «إلّا». و في المغني: «و ذلك الأمر يكون حالّاً».

10) . في المغني: «ثبوت العترة».

و ذلكَ أنّ لقائلٍ أن يَقولَ : إنّ المُرادَ عِصمتُهم فيما اتَّفَقوا عليه؛ و يَكونُ ذلكَ أليَقَ بالظاهرِ(1).

و بَعدُ، فالواجبُ حَملُ الكلامِ علىٰ ما يَصِحُّ أن يُوافِقَ العِترةُ فيه الكتابَ‌، و قد عَلِمنا(2)أنّ في كتابِ اللّٰهِ تَعالىٰ دَلالةً علَى الأُمورِ، فيَجِبُ‌

أن يُحمَلَ قولُه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه في العِترةِ‌(3)علىٰ ما يَقتَضي كَونَه دَلالةً‌، و ذلكَ لا يَصِحُّ إلّابأن يُقالَ‌: إنّ إجماعَها حَقٌّ و دليلٌ‌. فأمّا طَريقةُ الإماميّةِ‌(4)فمُبايِنةٌ لهذا الفَصلِ و المَقصَدِ(5).

و قد قالَ شَيخُنا أبو عَليٍّ‌: إن دَلَّ ذلكَ علَى الإمامةِ‌، فقَولُه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(6): «اقتَدوا باللذَينِ مِن بَعدي؛ أبي بَكرٍ و عُمَرَ» يَدُلُّ علىٰ ذلكَ‌، و قولُه: «إنّ الحَقَّ يَنطِقُ‌(7)علىٰ‌(8)لِسانِ عُمَرَ و قَلبِه» يَدُلُّ‌(9)علىٰ أنّه الإمامُ‌، و قولُه: «أصحابي كالنُّجومِ ؛ بأيِّهم اقتَدَيتم اهتَدَيتم» كمِثلِ (10)ذلكَ (11).


1) . في المغني: «بالكلام».

2) . في المغني: «و قد علم».

3) . في المغني: - «في العترة».

4) . في «د» و المغني: «الإمامة».

5) . في المطبوع: «لهذا المقصد». و في المغني: «لهذا القصد».

6) . في المغني: - «و آله».

7) . في المغني: «مطلق».

8) . في المطبوع: «عن».

9) . في المطبوع: - «يدلّ »، و هو سهو.

10) . في الحجري: «كمثله». و في المغني: «و ما شاكل ذلك» بدل «كمثل ذلك».

11) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 191-193.

مقدّمة في بيان دلالة حديث الثقلين و السفينة

يُقالُ له: أمّا قولُه عليه السلامُ‌(1): «إنّي تارِكٌ فيكم ما إن تَمسَّكتم به لَن تَضِلّوا: كتابَ اللّٰهِ‌، و عِترَتي أهلَ بَيتي؛ و إنّهما لَن يَفتَرِقا حتّىٰ يَرِدا عَلَيَّ الحَوضَ‌» فإنّه دالٌّ علىٰ أنّ إجماعَ أهلِ البَيتِ حُجّةٌ علىٰ ما أقرَرتَ به، و دالٌّ أيضاً بَعدَ ثُبوتِ هذه المَرتَبةِ‌(2)علىٰ إمامةِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ بَعدَ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه بِلا فَصلٍ بالنصِّ‌(3)، و علىٰ غيرِ ذلكَ ممّا أجمَعَ عليه أهلُ البَيتِ عليهم السلامُ . و يُمكِنُ أيضاً أن يُجعَلَ حُجّةً و دليلاً علىٰ أنّه لا بُدَّ في كُلِّ عَصرٍ في جُملةِ أهلِ البَيتِ (4)مِن حُجّةٍ معصومٍ مأمونٍ يُقطَعُ علىٰ صِحّةِ قولِه.

و قولُه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه: «إنّ مَثَلَ أهلِ بَيتي فيكم مَثَلُ سَفينةِ نوحٍ » يَجري مَجرَى الخبرِ الأوّلِ في التنبيهِ علىٰ أهلِ البَيتِ عليهم السلامُ و الإرشادِ إليهم، و إن كانَ الخبرُ الأوّلُ أعَمَّ فائدةً و أقوىٰ دَلالةً ؛ و نَحنُ نُبيِّنُ الجُملةَ التي ذَكرناها.

بيان صحّة حديث الثقلين

فإن قيلَ : دُلّوا علىٰ صِحّةِ هذا(5)الخبرِ قَبلَ أن تَتكلَّموا(6)في معناه.

قُلنا: الدلالةُ علىٰ صِحّتِه تَلَقّي الأُمّةِ له بالقبولِ ، و أنّ أحَداً منهم مع اختلافِهم في تأويلِه لَم يُخالِفْ في صِحّتِه. و هذا يَدُلُّ علىٰ أنّ الحُجّةَ قامَت به في أصلِه، و أنّ


1) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «عليه السلام».

2) . في «ب، ج، ف»: «الرتبة».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «بغير فصل» بدل «بلا فصل بالنصّ ».

4) . في «ج، ص، ف»: «هذا البيت».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: - «هذا».

6) . في «ب، ص، ف»: «يتكلّموا».

الشكَّ مُرتَفِعٌ عنه(1). و مِن شأنِ علماءِ الأُمّةِ ، إذا وَرَدَ عليهم خبرٌ مشكوكٌ في صِحّتِه، أن يُقدِّموا الكلامَ في أصلِه، و أنّ الحُجّةَ به غيرُ ثابتةٍ ، ثُمّ يَشرَعوا في تأويلِه؛ فإذا(2)رأَينا جميعَهم عَدَلوا(3)عن هذه الطريقةِ في هذا الخبرِ، و حَمَلَه كُلٌّ منهم علىٰ ما يُوافِقُ طَريقتَه و مَذهبَه، دَلَّ ذلكَ علىٰ صِحّةِ ما ذَكرناه.

بيان معنى «العترة»

فإن قيلَ : فما المُرادُ بالعِترةِ؟ فإنّ الحُكمَ مُتعلِّقٌ بهذا الاسمِ الذي لا بُدَّ مِن بيانِ معناه.

قُلنا: عِترةُ الرجُلِ في اللغةِ هُم نَسلُه(4)، كولدِه و ولدِ ولدِه. و في أهلِ اللغةِ مَن وَسَّعَ ذلكَ فقالَ : إنّ عِترةَ الرجُلِ هُم أدنىٰ قومِه إليه في النَّسَبِ (5). فعَلَى القولِ الأوّلِ يَتناوَلُ ظاهرُ الخبرِ و حقيقتُه الحَسَنَ و الحُسَينَ عليهما السلامُ و أولادَهما، و علَى القولِ الثاني يَتناوَلُ مَن ذَكرناه و مَن جَرىٰ مَجراهم في الاختصاصِ بالقُربِ مِن النَّسَبِ .

علىٰ أنّ الرسولَ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه قد قَيَّدَ القولَ بما أزالَ به الشُّبهةَ و أوضَحَ الأمرَ بقَولِه: «عِترَتي: أهلَ بَيتي»(6)فوَجَّهَ الحُكمَ إلىٰ مَن استَحَقَّ هذَينِ الاسمَينِ ،


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «فيه». و في التلخيص: «منه».

2) . في «ب، د» و المطبوع: «و إذا».

3) . في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص: «عدل».

4) . جمهرة اللغة، ج 1، ص 392؛ الصحاح، ج 2، ص 735 (عتر).

5) . راجع: كتاب العين، ج 2، ص 66؛ تهذيب اللغة، ج 2، ص 157؛ المحيط في اللغة، ج 1، ص 441؛ الصحاح، ج 2، ص 735؛ المحكم و المحيط الأعظم، ج 2، ص 44؛ النهاية، ج 3، ص 177؛ لسان العرب، ج 4، ص 538 (عتر).

6) . الكافي، ج 2، ص 25، ح 768/3، و ج 4، ص 198، ح 2922/1 (ج 1، ص 294، ح 3، و ج 2، ص 415، ح 1، ط. الإسلاميّة)؛ الأمالي للصدوق، ص 415، المجلس 64، ح 15، و ص 523، المجلس 79، ح 1؛ عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 1، ص 229، الباب 23، ح 1،

و نَحنُ نَعلَمُ أنّ مَن يوصَفُ مِن عِترةِ الرجُلِ بأنّهم أهلُ بَيتِه هو مَن قَدَّمنا ذِكرَه مِن أولادِه و أولادِ أولادِه، و مَن جَرىٰ مَجراهم في النَّسَبِ القَريبِ‌.

علىٰ أنّ الرسولَ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه قد بَيَّنَ مَن يَتناوَلُه الوصفُ بأنّه مِن أهلِ البَيتِ‌، و تَظاهَرَ الخبرُ بأنّه جَمَعَ أميرَ المؤمنينَ و فاطمةَ و الحَسَنَ و الحُسَينَ عليهم السلامُ في بَيتِه، و جَلَّلَهم بكِسائه ثُمّ قالَ‌: «اللّهُمَّ هؤلاءِ أهلُ بَيتي، فأذهِبْ عنهم الرِّجسَ و طَهِّرْهم تطهيراً» فنَزَلَت الآيةُ‌، فقالَت أُمُّ سَلَمةَ‌: يا رَسولَ اللّٰهِ ، ألَستُ مِن

أهلِ بَيتِكَ؟ فقالَ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه: «لا، و لكِنَّكِ علىٰ خَيرٍ»(1). فخَصَّ هذا الاسمَ بهؤلاءِ دونَ غيرِهم، فيَجِبُ أن يَكونَ الحُكمُ مُتوجِّهاً إليهم، و إلىٰ مَن لَحِقَ (2)بِهم بالدليلِ ؛ و قد أجمَعَ كُلُّ مَن أثبَتَ فيهم هذا الحُكمَ - أعني وجوبَ التمَسُّكِ و الاقتداءِ - علىٰ أنّ أولادَهم في ذلكَ يَجرون مَجراهم، فقَد ثَبَتَ تَوجُّهُ الحُكمِ إلَى الجميعِ .

فإن قيلَ‌: فعَلىٰ (3)بعضِ ما أَورَدتموه، يَجِبُ أن يَكونَ أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ لَيسَ مِن العِترةِ ، إن كانَت العِترةُ مقصورةً علَى الأولادِ و أولادِ(4)أولادِهم.

و ج 2، ص 31، الباب 31، ح 40؛ معاني الأخبار، ص 90-91، ح 2 و 5؛ الأمالي للطوسي، ص 162، المجلس 6، ح 268/20؛ مسند أحمد، ج 3، ص 36، ح 11331؛ المعجم الكبير، ج 23، ص 396، ح 947؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 118، ح 4577؛ كنز العمّال، ج 1، ص 381، ح 1657.


1) . الجامع الصحيح، ج 5، ص 351، ح 3205، و ص 663، ح 3787؛ المعجم الكبير، ج 23، ص 396، ح 947؛ تاريخ بغداد، ج 9، ص 128، الرقم 4743؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 14، ص 140، الرقم 1566؛ إمتاع الأسماع، ج 5، ص 388، مع اختلاف يسير في الألفاظ. و قال ابن حجر في الصواعق المحرقة، ص 143: أكثر المفسّرين علىٰ أنّها نزلت في عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين؛ لتذكير ضمير «عنكم» و ما بعده.

2) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «أُلحق».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «علىٰ ».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: - «أولاد».

قُلنا: مَن ذَهَبَ إلىٰ ذلكَ مِن الشيعةِ يَقولُ : إنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ و إن لَم يَتناوَلْه هذا الاسمُ علىٰ سَبيلِ الحقيقةِ - كَما لا يَتناوَلُه اسمُ الولدِ - فهو عليه السلامُ أبو العِترةِ و سَيّدُها و خَيرٌ منها، و الحُكمُ في المُستَحِقِّ بالاسمِ ثابتٌ له بدليلٍ غيرِ تَناوُلِ الاسمِ المذكورِ في الخبرِ.

فإن قيلَ‌: فما تَقولونَ في قولِ أبي بَكرٍ بحَضرةِ جماعةِ الأُمّةِ‌: «نَحنُ عِترةُ رسولِ اللّٰهِ‌، و بَيضَتُه التي انفَقأَتْ‌(1)عنه»(2)و هو يَقتَضي خِلافَ ما ذَهَبتم إليه ؟

قُلنا: الاعتراضُ بخبرٍ شاذٍّ يَرُدُّه و يَطعَنُ عليه أكثَرُ الأُمّةِ‌، علىٰ خبرٍ مُجمَعٍ عليه مُسلَّمٍ‌(3)لروايتِه(4)، لا وجهَ له.

علىٰ أنّ قولَ أبي بَكرٍ هذا، لَو كانَ صَحيحاً، لَم يَكُن مِن حَملِه علَى التوَسُّعِ و التجَوُّزِ بُدٌّ؛ لأنّ قُربَ‌(5)أبي بَكرٍ إلَى الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه في النَّسَبِ لا يَقتَضي أن يُطلَقَ عليه لَفظةُ «عِترةٍ‌» علىٰ سَبيلِ الحَقيقةِ‌؛ لأنّ بَني تَيمِ بنِ مُرّةَ‌، و إن كانوا(6)إلىٰ بَني هاشِمٍ أقرَبَ ممّن بَعُدَ عنهم بأبٍ أو أبَوَينِ‌(7)، فكذلكَ مَن بَعُدَ عنهم(8)بأبٍ أو بأبَوَينِ أو أكثَرَ مِن ذلكَ هو أقرَبُ إلىٰ بَني هاشِمٍ ممّن بَعُدَ أكثَرَ مِن هذا


1) . قال ابن الأثير: الفَقْ‌ءُ : الشقّ ، و منه حديث أبي بكر: «تَفَقَّأَتْ » أي انفلقت و انشقّت. النهاية، ج 3، ص 461 (فقأ).

2) . السنن الكبرى للبيهقي، ج 6، ص 166، ح 11707؛ إمتاع الأسماع، ج 6، ص 16؛ النهاية في غريب الحديث، ج 3، ص 177؛ المصباح المنير، ج 2، ص 391 (عتر).

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «مسلّمة».

4) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «روايته» بدل «لروايته».

5) . في التلخيص: «قربىٰ ».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «كانت».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «أو بأبوين».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «منهم».

البُعدِ. و في هذا ما يَقتَضي أن تَكونَ‌(1)قُرَيشٌ كُلُّها عِترةً واحدةً‌، بَل يَقتَضي أن يَكونَ جميعُ ولدِ مَعَدِّ بنِ عَدنانَ عِترةً‌؛ لأنّ بعضَهم أقرَبُ إلىٰ بعضٍ مِن اليَمَنِ‌، و علىٰ هذا التدريجِ‌، حتّىٰ يُجعَلَ جميعُ‌(2)بَني آدَمَ عِترةً واحدةً‌!

فصَحَّ بما ذَكرناه أنّ الخبرَ إذا صَحَّ كانَ مَجازاً، و يَكونُ وجهُ ذلكَ ما أرادَه أبو بَكرٍ مِن الافتخارِ بالقَرابةِ مِن نَسَبِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، فأطلَقَ‌(3)هذه اللفظةَ تَوسُّعاً. و قد يَقولُ مَن له أدنىٰ شُعبةٍ بقَومٍ و أيسَرُ عُلقةٍ بنَسَبِهم: «أنا مِن بَني فُلانٍ‌» علىٰ سَبيلِ التوَسُّعِ‌(4)، و قد يَقولُ أحَدُنا لِمَن لَيسَ بِابنٍ له علَى الحقيقةِ‌: «إنّكَ ابني و وَلَدي» إذا أرادَ الاختصاصَ و الشفَقةَ‌، و كذلكَ قد يَقولُ لِمَن لَم يَلِدْه: «أنتَ أبي». فعَلىٰ هذا يَجِبُ أن يُحمَلَ قولُ أبي بَكرٍ، و إن كانَت الحقيقةُ تَقتَضي خِلافَه.

علىٰ أنّ أبا بَكرٍ، لَو صَحَّ كَونُه مِن عِترةِ الرسولِ عليه السلامُ علىٰ سَبيلِ الحقيقةِ‌، لَكانَ خارجاً مِن حُكمِ قولِه: «إنّي مُخلِّفٌ فيكم الثقَلَينِ : كتابَ اللّٰهِ ، و عِترتي أهلَ بَيتي؛ فإنّهما لَن يَفتَرِقا حتّىٰ يَرِدا عَلَيَّ الحَوضَ (5)» لأنّ الرسولَ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه قَيَّدَ ذلكَ بصِفةٍ معلومةٍ أنّها(6)لَم تَكُن في أبي بَكرٍ، و هي قولُه: «أهلَ بَيتي». و لا شُبهةَ في أنّه لَم يَكُن مِن أهلِ البَيتِ الذينَ ذَكرنا أنّ الآيةَ نَزَلَت فيهم و اختَصَّتهم، و لا ممّن يُطلَقُ عليه في العُرفِ أنّه مِن أهلِ بَيتِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه؛ لأنّ مَن اجتَمَعَ مع غيرِه بَعدَ عَشرةِ آباءٍ أو نَحوِهم لا يُقالُ : إنّه مِن أهلِ بَيتِه.


1) . في النسخ و الحجري: «أن يكون». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و التلخيص.

2) . في «ج»: + «ولد».

3) . في «د» و المطبوع: «و أطلق».

4) . من قوله: «و قد يقول من له أدنىٰ شعبة...» إلىٰ هنا ساقط من «ب، ج، ص، ف».

5) . لم يرد من قوله: «كتاب اللّٰه و عترتي...» إلىٰ هنا في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص.

6) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع: «بصفة معلوم و أنّها».

بيان دلالة حديث الثقلين علىٰ أنّ إجماع أهل البيت حجّة

و إذا(1)صَحَّت هذه الجُملةُ التي ذَكرناها، وَجَبَ أن يَكونَ إجماعُ العِترةِ حُجّةً ؛ لأنّه لَو لَم يَكُن بهذه الصفةِ لَم يَجِبِ ارتفاعُ الضَّلالِ عن المُتَمَسِّكِ (2)بالعِترةِ علىٰ كُلِّ وجهٍ ، و إذا كانَ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه قد بَيَّنَ أنّ المُتَمسِّكَ (3)بالعِترةِ لا يَضِلُّ ثَبَتَ ما ذَكرناه.

فإن قيلَ : ما أنكَرتم أن يَكونَ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه إنّما نَفَى الضَّلالَ عمّن تَمسَّكَ (4)بالكتابِ و العِترةِ مَعاً؟ فمِن أينَ أنّ المُتمسِّكَ (5)بالعِترةِ وَحدَها بهذه الصفةِ؟

قُلنا: لَولا أنّ المُرادَ بالكلامِ أنّ المُتمسِّكَ بكُلِّ واحدٍ مِن الكتابِ و العِترةِ لا يَضِلُّ‌، لَكانَ لا فائدةَ في إضافةِ ذِكرِ العِترةِ إلَى الكتابِ‌؛ لأنّ الكتابَ إذا كانَ حُجّةً‌، فلا معنىٰ لإضافةِ ما لَيسَ بحُجّةٍ إليه و القولِ في الجميعِ أنّ المُتمسِّكَ بِهما مُحِقٌّ ؛ لأنّ هذا حقيقةُ العَبَثِ .

علىٰ أنّ إضافةَ العِترةِ إذا لَم تَكُن في قولِهم الحُجّةُ (6)كإضافةِ غيرِهم مِن سائرِ الأشياءِ ؛ فأيُّ معنىً لتخصيصِهم، و التنبيهِ عليهم، و القَطعِ علىٰ أنّهم لا يَفتَرِقونَ حتّىٰ يَرِدوا القيامةَ؟ و هذا ممّا لا إشكالَ في سُقوطِه.


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «فإذا».

2) . هكذا في «ب، ج، ص» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «عن التمسّك».

3) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «التمسّك».

4) . في «د» و المطبوع: «عمّن يتمسّك». و في «ف»: «عن المتمسّك».

5) . في «ب»: «للمتمسّك».

6) . في «ج، ص، ف»: «إذا لم يكن قولهم حجّة».

بيان إجماع أهل البيت علىٰ إمامة أمير المؤمنين عليه السلام

و إذا صَحَّ أنّ إجماعَ أهلِ البَيتِ حُجّةٌ قَطَعنا علىٰ صِحّةِ كُلِّ ما اتَّفَقوا عليه، و ممّا اتَّفَقوا عليه القولُ بإمامةِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ بَعدَ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه بِلا فَصلٍ ، علَى(1)اختلافِهم في حُصولِ ذلكَ بنَصٍّ جَليٍّ أو خَفيٍّ ، أو بما يَحتَمِلُ (2)التأويلَ أو لا يَحتَمِلُه(3).

فإن قيلَ : كَيفَ تَدَّعونَ الإجماعَ مِن أهلِ البَيتِ علىٰ ما ذَكرتم، و قد رأَينا كَثيراً منهم يَذهَبُ إلىٰ مَذهبِ (4)المُعتَزِلةِ في الإمامةِ؟

قُلنا: أمّا نَحنُ فما رأَينا أحَداً مِن أهلِ البَيتِ يَذهَبُ إلىٰ خِلافِ ما ذَكرناه.

و كُلُّ مَن سَمِعنا عنه فيما مَضىٰ بخِلافِ ما حَكَيناه فلَيسَ أَولىٰ - إذا صَحَّ ذلكَ عنه - ممّن يُعتَرَضُ بقَولِه علَى الإجماعِ‌؛ لشُذوذِه. و أكثَرُ مَن يُدَّعىٰ عليه هذا القولُ‌، الواحدُ و الاثنانِ‌، و لَيسَ بمِثلِ هذا اعتراضٌ علَى الإجماعِ‌. ثُمّ إنّكَ لا تَجِدُ أحَداً ممّن يُدَّعىٰ عليه هذا مِن جُملةِ علماءِ أهلِ البَيتِ عليهم السلامُ‌، و لا مِن ذَوي

الفَضلِ منهم. و متىٰ فَتَّشتَ عن أمرِه وَجَدتَه مُتعرِّضاً بذلكَ لفائدةٍ‌، مُرتَقياً(5)به علىٰ بعضِ أغراضِ الدُّنيا.


1) . في «ج، ص، ف»: «مع».

2) . في التلخيص: «يحتمله».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «و بما لا يحتمله».

4) . في «د»: «يذهب مذاهبَ ». و في المطبوع: «يذهب مذهبَ ».

5) . من الرقيّ ، و هو الصعود و الارتفاع، و المعنىٰ أنّه يرتفع إلى الباطل و يتوصّل بذلك إليه. و في «د»: «مزيغاً» من الزيغ، و هو الميل. و في «ب»: «مرتعاً». و في «ج، ص، ف»: «مولعاً». و في التلخيص: «لفائدة عاجلة، مرتقًى به».

و متىٰ طَرَقنا الاعتراضَ بالشُّذّاذِ(1)و الآحادِ علَى(2)الجماعاتِ‌، أدّىٰ ذلكَ‌(3)إلىٰ بُطلانِ استقرارِ(4)الإجماعِ في شَيءٍ مِن الأشياءِ‌؛ لأنّا نَعلَمُ‌(5)أنّ في الغُلاةِ و الإسماعيليّةِ‌(6)مَن يُخالِفُ في الشرائعِ كأعدادِ(7)الصلاةِ و غيرِها، و منهم مَن يَذهَبُ إلىٰ أنّه كانَ بَعدَ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه عِدّةُ أنبياءَ و أنّ الرسالةَ ما انخَتَمَت به. و مع هذا فلا يَمنَعُنا ذلكَ‌(8)مِن أن نَدَّعيَ الإجماعَ علَى انقطاعِ النبوّةِ ، و تَقرُّرِ(9)أُصولِ الشرائعِ ، و لا نَعتَدَّ(10)بخِلافِ مَن ذَكرناه، و معلومٌ ضَرورةً أنّهم أضعافُ أضعافِ (11)مَن يُظهِرُ مِن أهلِ البَيتِ خِلافَ المَذهبِ الذي ذَكرناه في الإمامةِ .

علىٰ أنّه قد شاهَدنا و ناظَرنا بعضَ مَن يُعَدُّ في جُملةِ الفقهاءِ و أهلِ الفُتيا علىٰ أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ يَعفو عن اليَهودِ و النصارىٰ و إن لَم يؤمِنوا، و لا يُعاقِبُهم؛ و علىٰ غيرِ


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «بالشذوذ».

2) . في «د» و المطبوع و الحجري: «إلى».

3) . في «د» و المطبوع و الحجري: «هذا».

4) . في «ب، ص»: «استغراق».

5) . في «د» و المطبوع: «لا نعلم».

6) . في التلخيص: «و الباطنيّة». و الباطنيّة من فرق الإسماعيليّة، و يسمّون بالمزدكيّة و القرامطة أيضاً. و إنّما قيل لهم باطنيّة لحكمهم بأنّ لكلّ ظاهر باطناً و لكلّ تنزيل تأويلاً، و يؤوّلون الآيات و الأحاديث، و لا يعتبرون ظاهرها صحيحاً. بل ينظرون إلىٰ باطنها. و للمزيد راجع: فضائح الباطنية للغزالي، ص 21؛ الملل و النحل للشهرستاني، ج 1، ص 226-228.

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «و أعداد».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «و مع ذلك فلا يمنعنا هذا».

9) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع: «و تقرير».

10) . في «ب» و المطبوع: «و لا يُعتدّ».

11) . في «ج، ص، ف»: - «أضعاف».

ذلكَ ممّا لا شَكَّ في أنّ الإجماعَ حُجّةٌ فيه(1).

علىٰ أنّا لَو جَعَلنا القولَ بذلكَ مُعتَرِضاً علىٰ أدِلّتِنا و علىٰ إجماعِ أهلِ البَيتِ ، و حَفَلنا(2)بقَولِ مَن يُحكىٰ ذلكَ عنه، لَم يَقدَحْ فيما اعتَمَدناه(3)لأنّ مِن المعلومِ أنّ أزمِنةً كَثيرةً لا يُعرَفُ فيها قائلٌ بهذا المَذهبِ (4)مِن أهلِ البَيتِ كزَمانِنا هذا و غيرِه؛ فإنّا(5)لَم نُشاهِدْ(6)في وقتِنا هذا(7)قائلاً بالمَذهبِ (8)الذي أفسَدناه، و لا أُخبِرنا عمّن هذه حالُه فيه، و المُعتَبَرُ في الإجماعِ كُلُّ عَصرٍ؛ فثَبَتَ ما أرَدناه.

بيان دلالة حديث الثقلين علىٰ ثبوت حجّةٍ مأمونٍ من أهل البيت في كلّ عصر

فأمّا ما يُمكِنُ أن يُستَدَلَّ بهذا الخبرِ عليه مِن ثُبوتِ حُجّةٍ مأمونٍ في جُملةِ أهلِ البَيتِ في كُلِّ عَصرٍ: فهو أنّا نَعلَمُ أنّ الرسولَ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(9)إنّما خاطَبَنا

بهذا القولِ علىٰ طَريقِ (10)إزاحةِ العِلّةِ لنا، و الاحتجاجِ في الدينِ علينا، و الإرشادِ إلىٰ ما يَكونُ فيه نَجاتُنا مِن الشُّكوكِ و الرِّيَبِ (11).


1) . أي أنّ الإجماع علىٰ عقاب الكفّار يبقىٰ حجّة، على الرغم من مخالفة بعض الفقهاء و أهل الفتيا في ذلك. راجع حول الإجماع علىٰ عقاب الكفّار: رسائل الشريف المرتضىٰ ، ج 3، ص 17.

2) . حفلنا: بالينا؛ يقال: ما حفله و ما حفل به، أي ما بالىٰ . راجع: لسان العرب، ج 11، ص 159 (حفل).

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «فيما ذكرناه».

4) . أي مذهب المعتزلة المشار إليه في الإشكال.

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «و إنّا».

6) . في التلخيص: «لم نعلم».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: - «هذا».

8) . في «ب»: «بهذا المذهب».

9) . في «ب، ج، ص»: «عليه السلام».

10) . في «ب، ج، ف»: «علىٰ جهة».

11) . «الرِيَب» جمع ريبة، و هي الشكّ و الظِّنّة و التهمة. لسان العرب، ج 1، ص 442 (ريب).

و الذي يوضِحُ ذلكَ‌: أنّ في رِوايةِ زَيدِ بنِ ثابتٍ لهذا الخبرِ: «و هُما الخَليفَتانِ مِن بَعدي»(1)و إنّما أرادَ أنّ‌(2)المَرجِعَ إليهما بَعدي فيما كانَ يُرجَعُ إلَيَّ فيه في حَياتي؛ فلا يَخلو مِن أن يُريدَ أنّ إجماعَهم حُجّةٌ فَقَط دونَ أن يَدُلَّ القولُ علىٰ أنّ فيهم في كُلِّ حالٍ مَن يُرجَعُ إلىٰ قولِه و يُقطَعُ علىٰ عِصمتِه، أو يُريدَ ما ذَكرناه. فلَو(3)أرادَ الأوّلَ‌، لَم يَكُن مُكمِلاً للحُجّةِ علينا(4)، و لا مُزيحاً لِعلّتِنا، و لا مُستَخلِفاً مَن يَقومُ مَقامَه فينا؛ لأنّ العِترةَ أوّلاً قد يَجوزُ أن تُجمِعَ‌(5)علَى القولِ الواحدِ، و يَجوزُ أن لا تُجمِعَ بَل تَختَلِفَ‌؛ فما(6)هو الحُجّةُ مِن إجماعِها لَيسَ بواجبٍ‌، ثُمّ ما أجمَعَت(7)عليه هو جُزءٌ مِن ألفِ جُزءٍ مِن الشريعةِ‌؛ فكَيفَ يُحتَجُّ علينا في الشريعةِ بمَن لا نُصيبُ عندَه مِن حاجتِنا إلّاالقَليلَ مِن الكَثيرِ؟

و هذا يَدُلُّ علىٰ أنّه لا بُدَّ في كُلِّ عَصرٍ مِن حُجّةٍ في جُملةِ أهلِ البَيتِ مأمونٍ مقطوعٍ علىٰ قولِه؛ و هذا دَلالةٌ‌(8)علىٰ وجودِ الحُجّةِ علىٰ سَبيلِ الجُملةِ ، و بالأدِلّةِ الخاصّةِ (9)يُعلَمُ مَن الذي هو حُجّةٌ منهم علىٰ سَبيلِ التفصيلِ .


1) . مسند أحمد، ج 5، ص 181، ح 21618، و ص 189، ح 21697؛ فضائل الصحابة، ج 2، ص 747، ح 1032، و ص 988، ح 1403؛ المعجم الكبير، ج 5، ص 153، ح 4921؛ كنز العمّال، ج 1، ص 172، ح 872، و ص 186، ح 947، و ص 384، ح 1667؛ فرائد السمطين، ج 2، ص 144.

2) . في «ب، ج، ص، ف»: - «أنّ ».

3) . في التلخيص: «فإن».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: - «علينا».

5) . في التلخيص: «تجتمع» في الموضعين.

6) . في «ب، د، ص»: «فيما». و في التلخيص: «كما».

7) . في «ج، د، ص، ف»: «ما اجتمعت».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «و هذا دليل».

9) . في «ب»: «بالأدلّة الخالصة الحاصلة». و في «ص»: «بالأدلّة الحاصلة».

علىٰ أنّ صاحبَ الكتابِ قد حَكَمَ بمِثلِ هذه القَضيّةِ في قولِه: «إنّ الواجبَ حَملُ الكلامِ علىٰ ما يَصِحُّ أن يوافِقَ فيه العِترةُ للكتابِ‌، و إنّ الكتابَ إذا كانَ دَلالةً علَى الأُمورِ وَجَبَ في العِترةِ مِثلُ ذلكَ‌».

و هذا صَحيحٌ‌؛ للجَمعِ‌(1)بَينَهما في اللفظِ، و الإرشادِ إلَى التمسُّكِ بهما ليَقَعَ الأمانُ مِن الضَّلالِ‌، و الحُكمِ بأنّهما لا يَفتَرِقانِ إلَى القيامةِ‌. و إذا وَجَبَ في الكتابِ أن يَكونَ دليلاً و حُجّةً‌، وَجَبَ مِثلُ ذلكَ في قولِ العِترةِ‌(2). و إذا كانَت دَلالةُ الكتابِ مُستَمِرّةً غيرَ مُنقَطِعةٍ‌، موجودةً في كُلِّ حالٍ‌، و مُمكِنةً إصابتُها في كُلِّ زمانٍ‌، وَجَبَ (3)مِثلُ ذلكَ في

قولِ العِترةِ ، المَقرونِ بها، و المحكومِ له بمِثلِ حُكمِها. و هذا لا يَتِمُّ إلّابأن يَكونَ فيها في كُلِّ حالٍ مَن قولُه حُجّةٌ ؛ لأنّ إجماعَها علَى الأُمورِ لَيسَ بواجبٍ - علىٰ ما بيّنّاه(4)- و الرُّجوعَ إليها مع الاختلافِ و فَقدِ المعصومِ لا يَصِحُّ ؛ فلا بُدَّ ممّا ذَكرناه.

مناقشة الأخبار التي عارض بها القاضي دلالة حديث الثقلين

و أمّا(5)الأخبارُ الثلاثةُ التي أورَدَها علىٰ سَبيلِ المُعارَضةِ للخبرِ الذي تَعلَّقنا به:

فأوّلُ ما فيها أنّها لا تَجري مَجرىٰ خبرِنا في القوّةِ و الصحّةِ‌؛ لأنّ خبرَنا ممّا نَقَلَه المُختَلِفونَ‌(6)، و سَلَّمَه المُتَنازِعونَ ، و تَلقَّته الأُمّةُ بالقبولِ ؛ و إنّما وَقَعَ اختلافُهم في تأويلِه، و الأخبارُ التي عارَضَ بها لا تَجري هذا المَجرىٰ ؛ لأنّها ممّا تَفرَّدَ المُخالِفُ


1) . في «ب، ص»: «ليُجمع».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «في قولهم، أعني العترة».

3) . في «د»: «وجبت».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «ما بيّنّا».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «فأمّا».

6) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «المخالفون».

بنَقلِه، و لَيسَ فيها إلّاما إذا كَشَفتَ عن أصلِه، و فَتَّشتَ عن سَنَدِه، ظَهَرَ لكَ انحرافٌ مِن راويهِ (1)، و عَصَبيّةٌ مِن مُدَّعيهِ ، و قد بيّنّا فيما تَقدَّمَ سُقوطُ المُعارَضةِ بما جَرىٰ (2)هذا المَجرىٰ مِن الأخبارِ.(3)

مناقشة خبر: «اقتدوا باللذين من بعدي»

فأمّا ما رَواه مِن قولِه: «اقتَدوا باللذَينِ مِن بَعدي» فقَد تَقدَّمَ الكلامُ عليه عندَ(4)مُعارَضتِه بهذا الخبرِ استدلالَنا بخبرِ الغَديرِ، و استَقصَيناه هُناكَ‌؛ فلا معنىٰ لإعادتِه.

و أمّا(5)ما رَواه مِن قولِه: «إنّ الحَقَّ يَنطِقُ‌(6)علىٰ لِسانِ عُمَرَ» فهو مُقتَضٍ - إن كانَ صَحيحاً(7)- عِصمةَ عُمَرَ، و القَطعَ علىٰ أنّ أقوالَه كُلَّها حُجّةٌ‌. و لَيسَ هذا مَذهبَ أحَدٍ في عُمَرَ؛ لأنّه لا خِلافَ في أنّه لَيسَ بمعصومٍ ، و أنّ خِلافَه سائغٌ .

و كَيفَ يَكونُ الحَقُّ ناطقاً علىٰ لِسانِ مَن يَرجِعُ في الأحكامِ مِن قولٍ إلىٰ قولٍ ،

و يَشهَدُ علىٰ نفسِه بالخَطإ، و يُخالِفُ في الشيءِ (8)ثُمّ يَعودُ إلىٰ قولِ مَن خالَفَه


1) . في «د»: «من رواته».

2) . في «ج، ص، ف» و التلخيص: «بما يجري».

3) . تقدّم في ص 213 و ما بعدها.

4) . في «د» و المطبوع و الحجري: «في» بدل «عند».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «فأمّا».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «ليظهر».

7) . رواه أحمد في المسند، ج 2، ص 401 بسنده عن أبي هريرة. و في طريقه عبد اللّٰه بن عمرالعمري، و قد طعن علماء الجرح و التعديل في مرويّاته؛ قال أبو زرعة: إنّه يزيد في الأسانيد و يخالف، كما ضعّفه عليّ بن المديني و النسائي. كما أنّ في طريقه جهم بن أبي الجهم؛ قال الذهبي: لا يُعرف. راجع: تهذيب التهذيب، ج 5، ص 327، و ج 10، ص 489؛ ميزان الاعتدال، ج 1، ص 426.

8) . في التلخيص: «بالشيء».

فيُوافِقُه عليه، و يَقولُ‌: «لَولا عَليٌّ لَهَلَكَ عُمَرُ»(1)و «لَولا مُعاذٌ لَهَلَكَ عُمَرُ»(2)؟

و كَيفَ‌ لَم يَحتَجَّ‌(3)بهذا الخبرِ هو لنفسِه في بعضِ المَقاماتِ التي احتاجَ إلَى الاحتجاجِ فيها؟ و كَيفَ لَم يَقُل أبو بَكرٍ لطَلحةَ - لمّا قالَ له: ما تَقولُ لرَبِّكَ إذ وَلَّيتَ علينا فَظّاً غَليظاً؟ -: «أقولُ له: وَلَّيتُ مَن شَهِدَ الرسولُ عليه السلامُ بأنّ الحَقَّ يَنطِقُ علىٰ لِسانِه»؟

و لَيسَ لأحَدٍ أن يَدَّعيَ في الامتناعِ مِن الاحتجاجِ بذلكَ سبباً مانعاً - كَما نَدَّعيهِ‌


1) . لقد قال عمر هذه الكلمة و نظائرها في عدّة قضايا أخطأ فيها و أنقذه منها أمير المؤمنين عليه السلام، استعرضها العلّامة الأميني في كتاب الغدير، ج 6، ص 120 و ما بعدها بعنوان «نوادر الأثر في علم عمر»؛ و منها أنّه أراد عمر رجم المرأة التي ولدت لستّة أشهر، فقال له عليّ عليه السلام: «إنّ اللّٰه تعالىٰ يقول: (وَ حَمْلُهُ وَ فِصٰالُهُ ثَلاٰثُونَ شَهْراً) و قال تعالىٰ‌: (وَ فِصٰالُهُ فِي عٰامَيْنِ ) فالحمل ستّة أشهر، و الفصال في عامين»، فترك عمر رجمها و قال: لولا عليّ لهلك عمر. و للمزيد راجع: الرياض النضرة، ج 3، ص 161؛ كفاية الطالب، ص 227 و 334؛ المناقب للخوارزمي، ص 81، ح 65؛ المناقب لابن مردويه، ص 88، ح 83؛ تذكرة الخواصّ ، ص 137؛ جواهر العقدين، ج 1، ص 123؛ الاستيعاب، ج 3، ص 1103، الرقم 1855؛ الوافي بالوفيات، ج 21، ص 272، الرقم 185؛ الحدائق الورديّة، ج 1، ص 52؛ تاريخ قضاة الأندلس، ص 41؛ فرائد السمطين، ج 1، ص 337 و 349 و 351.

2) . قال البيهقي في سننه: جاء رجل إلىٰ عمر بن الخطّاب، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي غبت عن امرأتي سنتين، فجئت و هي حبلىٰ . فشاور عمر ناساً في رجمها، فقال معاذ بن جبل رضي اللّٰه عنه: يا أمير المؤمنين، إن كان لك عليها سبيل فليس لك علىٰ ما في بطنها سبيل، فاتركها حتّى تضع. فتركها، فولدت غلاماً قد خرجت ثناياه، فعرف الرجل الشبه فيه، فقال: ابني و ربّ الكعبة. فقال عمر: عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ، لولا معاذ لهلك عمر. السنن الكبرى للبيهقي، ج 7، ص 443، ح 15335. و راجع أيضاً: سنن الدارقطني، ج 3، ص 322، ح 281؛ المصنّف لابن أبي شيبة، ج 6، ص 558، ح 5؛ المصنّف لعبد الرزّاق، ج 7، ص 354، ح 13454؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 58، ص 422، الرقم 7481؛ الإصابة، ج 6، ص 108، الرقم 8055؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 12، ص 179 و 204.

3) . في التلخيص: «لا يحتجّ ».

في تَركِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ الاحتجاجَ (1)بالنصِّ -؛ لأنّا قد بيّنّا فيما تَقدَّمَ أنّ لتَركِه عليه السلامُ ذلكَ سبباً ظاهراً، و هو تآمُرُ القومِ عليه، و انبساطُ أيديهِم، و أنّ الخَوفَ و التقيّةَ واجبانِ ممّن له السلطانُ (2). و لا تَقيّةَ علىٰ عُمَرَ و أبي بَكرٍ مِن أحَدٍ؛ لأنّ السلطانَ كانَ (3)فيهما، و لهما، و التقيّةَ منهما، لا عليهما(4).

علىٰ أنّ هذا الخبرَ لَو كانَ صَحيحاً في سَنَدِه و معناه لَوَجَبَ علىٰ مَن ادَّعىٰ أنّه يوجِبُ الإمامةَ أن يُبيِّنَ كَيفيّةَ إيجابِه لذلكَ‌، و لا يَقتَصِرَ علَى الدعوَى المَحضةِ‌، و علىٰ أن يَقولَ‌: «إذا جازَ أن يُدَّعىٰ في كَذا و كَذا أنّه يوجِبُ الإمامةَ‌، جازَ في هذا الخبرِ»؛ لأنّا لمّا ادَّعَينا في الأخبارِ التي ذَكرناها ذلكَ لَم نَقتَصِرْ علىٰ مَحضِ الدعوىٰ ، بَل بيّنّا كَيفيّةَ دَلالةِ ما تَعلَّقنا به علَى الإمامةِ ؛ و قد كانَ يَجِبُ عليه إذا عارَضَنا بأخبارِه أن يَفعَلَ مِثلَ (5)ذلكَ .

مناقشة خبر: «أصحابي كالنجوم»

فأمّا ما تَعلَّقَ به مِن الروايةِ عنه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه أنّه(6)قالَ : «أصحابي كالنجومِ ؛ بأيِّهم اقتَدَيتم اهتَدَيتم» فالكلامُ في أنّه غيرُ مُعارِضٍ لقَولِه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه: «إنّي مُخلِّفٌ فيكم الثقَلَينِ » و غيرِه مِن أخبارِنا جارٍ علىٰ ما بيّنّاه آنِفاً.

فإذا تَجاوَزنا عن ذلكَ كانَ لنا أن نَقولَ : لَو كانَ هذا الخبرُ صَحيحاً لَكانَ موجِباً


1) . في المطبوع: + «بذلك».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «سلطان» بدل «السلطان».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: - «كان».

4) . تقدّم ذلك في ج 2، ص 391-393.

5) . في «ص»: «بمثل».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «بأنّه».

لعِصمةِ كُلِّ واحدٍ مِن الصَّحابةِ‌؛ ليَصِحَّ و يَحسُنَ الأمرُ بالاقتداءِ بكُلِّ واحدٍ منهم.

و لَيسَ هذا قولاً لأحَدٍ مِن الأُمّةِ فيهم، و كَيفَ يَكونونَ معصومينَ و يَجِبُ الاقتداءُ بكُلِّ واحدٍ منهم، و فيهِم(1)مَن ظَهَرَ فِسقُه و عِنادُه، و خُروجُه عن الجماعةِ‌(2)،

و خِلافُه للرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه‌؟ و مِن جُملةِ الصحابةِ مُعاويةُ و عَمرُو بنُ العاصِ و أصحابُهما، و مَذهبُ صاحبِ الكتابِ‌(3)و أصحابِه فيهم معروفٌ (4). و مِن جُملتِهم(5)طَلحةُ و الزُّبَيرُ و مَن قاتَلَ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ في يَومِ الجَمَلِ ، و لا شُبهةَ في فِسقِهم و إنِ ادَّعىٰ مُدَّعونَ تَوبتَهم(6)بعد ذلكَ (7). و مِن جُملتِهم مَن قَعَدَ عن بَيعةِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ (8)، و لَم يَدخُلْ مع جماعةِ المُسلِمينَ في الرضا


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «و منهم».

2) . في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص: «على الجماعة».

3) . المغني، ج 20 (القسم الثاني)، ص 92، فصل في بغي معاوية و وجوب محاربته.

4) . يعني المعتزلة، قال ابن أبي الحديد: «و معاوية مطعون في دينه عند شيوخنا رحمهم اللّٰه يُرمىٰ بالزندقة، و قد ذكرنا في نقض السفيانيّة علىٰ شيخنا أبي عثمان الجاحظ ما رواه أصحابنا في كتبهم الكلاميّة عنه من الإلحاد، و التعرّض لرسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله، و ما تظاهر به من الجبر و الإرجاء؛ و لو لم يكن شيء من ذلك لكان في محاربة الإمام ما يكفي في فساد حاله، لا سيّما علىٰ قواعد أصحابنا، و كونهم بالكبيرة الواحدة يقطعون على المصير إلى النار و الخلود فيها إن لم تكفّرها التوبة». شرح نهج البلاغة، ج 1، ص 340.

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «في جملتهم».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «أنّ القوم تابوا» بدل «توبتهم».

7) . المدّعون توبتهم هم المعتزلة؛ قال ابن أبي الحديد: «أمّا أصحاب الجمل فهم عند أصحابنا هالكون كلّهم إلّاعائشة و طلحة و الزبير رحمهم اللّٰه، فإنّهم تابوا، و لولا التوبة لحُكم لهم بالنار؛ لإصرارهم على البغي». شرح نهج البلاغة، ج 1، ص 9.

8) . كسعد بن أبي وقّاص و محمّد بن مسلمة؛ قال ابن أبي الحديد: «و بايعه المسلمون بالمدينة إلّا محمّد بن مسلمة و عبد اللّٰه بن عمر و أُسامة بن زيد و سعد بن أبي وقّاص و كعب بن مالك و حسّان بن ثابت و عبد اللّٰه بن سلام». شرح نهج البلاغة، ج 4، ص 9.

بإمامتِه. و مِن جُملتِهم مَن حَصَرَ عُثمانَ بنَ عَفّانَ‌، و مَنَعَه الماءَ‌، و شَهِدَ عليه بالرِّدّةِ‌، ثُمّ سَفَكَ دَمَه؛ فكَيفَ يَجوزُ مع(1)ذلكَ أن يأمُرَ الرسولُ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه بِالاقتداءِ بكُلِّ واحدٍ مِن الصَّحابةِ؟

و لا بُدَّ مِن حَملِ هذا الخبرِ - إذا صَحَّ - علَى الخُصوصِ‌؛ إذ لا بُدَّ(2)فيمن عُنيَ به و تَناوَلَه مِن أن يَكونَ معصوماً لا يَجوزُ الخَطأُ عليه في أقوالِه و أفعالِه. و نَحنُ نَقولُ بذلكَ‌، و نُوَجِّهُ هذا الخبرَ - لَو صَحَّ - إلىٰ أميرِ المؤمنينَ و الحَسَنِ و الحُسَينِ عليهم السلامُ‌؛ لأنّ هؤلاءِ ممّن ثَبَتَت(3)عِصمتُه، و عُلِمَت طهارتُه.

علىٰ أنّ هذا الخبرَ مُعارَضٌ بما هو أظهَرُ منه و أثبَتُ روايةً‌:

مِثلُ ما رُويَ عن النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه مِن قولِه: «إنّكم تُحشَرونَ‌(4)إلَى اللّٰهِ يَومَ القيامةِ حُفاةً عُراةً‌، و إنّه سَيُجاءُ برِجالٍ مِن أُمّتي فيؤخَذُ بِهم ذاتَ الشِّمالِ‌، فأقولُ‌: يا رَبِّ‌، أصحابي ؟ فيُقالُ : إنّكَ لا تَدري ما أحدَثوا بَعدَكَ ، إنّهم لَم يَزالوا مُرتَدّينَ علىٰ أعقابِهم مُنذُ فارَقتَهم»(5).


1) . في «ب، ج، ص، ف»: + «كلّ ».

2) . في «ب، د» و المطبوع: «و لا بدّ».

3) . في «ج، ص»: «ثبت».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «محشورون».

5) . صحيح البخاري، ج 3، ص 1222، ح 3171، و ص 1271، ح 3263، و ج 4، ص 1691، ح 4349، و ص 1766، ح 4463، و ج 5، ص 2391، ح 6161؛ صحيح مسلم، ج 4، ص 2194، ح 58/2860؛ مسند أحمد، ج 1، ص 235، ح 2096، و ص 253، ح 2281؛ سنن النسائي، ج 4، ص 117، ح 2087؛ الجامع الصحيح، ج 5، ص 321، ح 3167؛ المعجم الكبير، ج 12، ص 9، ح 12312، و ص 71، ح 12508؛ المستدرك على الصحيحين، ج 2، ص 486، ح 3673، مع اختلاف يسير.

و ما رُويَ مِن قولِه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه: «إنّ مِن أصحابي لَمَن لا يَراني بَعدَ أن يُفارِقَني»(1).

و قولِه: «أيُّها الناسُ‌، بَينا أنا علَى الحَوضِ إذ مُرَّ بِكم زُمَراً، فَتفرَّقَ بِكم الطرُقُ‌، فأُناديكم: ألا، هَلُمّوا إلَى الطريقِ‌، فيُنادي مُنادٍ مِن وَرائي(2): إنّهم بَدَّلوا بَعدَكَ‌، فأقولُ‌:

ألا سُحقاً، ألا(3)سُحقاً»(4).

و ما رُويَ مِن قولِه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه: «ما بالُ أقوامٍ يَقولونَ‌: إنّ رَحِمَ رسولِ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه لا يَنقَطِعُ‌(5)يَومَ القيامةِ؟ بَلىٰ وَ اللّٰهِ‌، إنّ رَحِمي لَمَوصولةٌ في الدنيا و الآخِرةِ‌، و إنّي أيُّها الناسُ فَرَطُكم علَى الحَوضِ‌، فإذا جِئتم قالَ الرجُلُ منكم: يا رسولَ اللّٰهِ أنا فُلانُ بنُ فُلانٍ‌، و قالَ الآخَرُ: أنا فُلانُ بنُ فُلانٍ ، فأقولُ : أمّا النَّسَبُ (6)فقَد عَرَفتُه، و لكِنَّكم أحدَثتم بَعدي و ارتَدَدتم القَهقَرىٰ »(7).


1) . مسند أحمد، ج 6، ص 307، ح 26663، و ص 298، ح 2659، و ص 312، ح 26701؛ المعجم الكبير، ج 23، ص 317، ح 719؛ كنز العمّال، ج 11، ص 197، ح 31211، و ص 270، ح 31491؛ مجمع الزوائد، ج 1، ص 306، ح 430، مع اختلاف يسير.

2) . في «ب، ج، ص، ف» و حاشية «د»: «من قبل ربّي».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: - «ألا».

4) . صحيح البخاري، ج 6، ص 2587، ح 6643؛ صحيح مسلم، ج 1، ص 218، ح 39/249؛ مسند أحمد، ج 6، ص 297، ح 26588؛ سنن ابن ماجة، ج 2، ص 1439، ح 4306؛ سنن النسائي الكبرى، ج 6، ص 449، ح 11460؛ المصنّف لابن أبي شيبة، ج 8، ص 602-603، ح 71؛ المعجم الكبير، ج 23، ص 413، ح 997؛ السنن الكبرى للبيهقي، ج 4، ص 78، ح 7001، مع اختلاف يسير.

5) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع: «ينقطع» بدل «لا ينقطع». و في البحار نقلاً عن الشافي: «لا ينفع».

6) . في التلخيص: «أمّا الأنساب».

7) . صحيح البخاري، ج 5، ص 2407، ح 6213-6215؛ مسند أحمد، ج 3، ص 18، ح 11154،

و قولِه لأصحابِه: «لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ‌(1)مَن كانَ قَبلَكم شِبراً بشِبرٍ، و ذِراعاً بذِراعٍ‌، حتّىٰ لَو دَخَلَ أحَدُهم جُحرَ(2)ضَبٍّ لَدَخَلتموه»، فقالوا: يا رسولَ اللّٰهِ‌، اليَهودُ و النصارىٰ؟ قالَ‌(3): «فمَن إذَنْ؟»(4).

و قالَ في حَجّةِ الوَداعِ لأصحابِه: «ألا إنّ دِماءَكم و أموالَكم و أعراضَكم عليكم حَرامٌ‌؛ كحُرمةِ يَومِكم هذا، في شَهرِكم هذا، في بَلَدِكم هذا؛ ألا لِيُبلِّغِ الشاهدُ منكم الغائبَ ؛ ألا لأَعرِفَنَّكم: تَرتَدّونَ بَعدي كُفّاراً، يَضرِبُ بعضُكم رِقابَ بعضٍ ؛ ألا إنّي قد شَهِدتُ و غِبتم»(5).

فكَيفَ يَصِحُّ مع ما ذَكرناه الأمرُ بالاقتداءِ بمَن يَتناوَلُه اسمُ الصُّحبةِ (6)؟

و ص 39، ح 11363؛ مسند أبي يعلىٰ ، ج 2، ص 433، ح 1238؛ مسند البزّار، ج 6، ص 432، ح 2462؛ المستدرك على الصحيحين، ج 4، ص 84، ح 6958؛ كنز العمّال، ج 1، ص 387، ح 1671، و ج 14، ص 434، ح 39186، مع اختلاف يسير.


1) . في التلخيص: «بسنن».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «في جحر».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «فقال».

4) . صحيح البخاري، ج 3، ص 1274، ح 3269، و ج 6، ص 2669، ح 6889؛ صحيح مسلم، ج 4، ص 2054، ح 2/2669؛ مسند أحمد، ج 2، ص 327، ح 8322، و ص 511، ح 10649، و ج 3، ص 84، ح 11817، و ص 89، ح 11861، و ص 94، ح 11916؛ المصنّف لعبد الرزّاق، ج 11، ص 369، ح 20764؛ المستدرك على الصحيحين، ج 4، ص 502، ح 8404، مع اختلاف يسير.

5) . صحيح البخاري، ج 2، ص 619، ح 1652، و ج 2، ص 620، ح 1654، و ج 4، ص 1599-1598، ح 4141 و 4144، و ج 5، ص 2110، ح 5230، و ج 6، ص 2490، ح 6403، و ص 2710، ح 7009؛ صحيح مسلم، ج 3، ص 1305، ح 1679/29؛ مسند أحمد، ج 1، ص 230، ح 2036، و ج 5، ص 49، ح 20516، و ص 68، ح 20685؛ المعجم الكبير، ج 4، ص 34، ح 3572، و ج 12، ص 358، ح 13336؛ المستدرك على الصحيحين، ج 1، ص 171، ح 318، و ج 3، ص 533، ح 5982، مع اختلاف يسير.

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «اسم الصحابة».

علىٰ أنّ هذا الخبرَ لَو سَلِمَ مِن كُلِّ ما ذَكرناه لَم يَقتَضِ الإمامةَ ، علىٰ ما ادَّعاه صاحبُ الكتابِ ؛ لأنّه لَم يُبيَّنْ في لفظِه الشيءُ الذي يُقتَدىٰ بهم فيه، و لا أنّه ممّا يَقتَضي الإمامةَ دونَ غيرِها؛ فهو كالمُجمَلِ الذي لا يُمكِنُ أن يُتعلَّقَ بظاهرِه.

و كُلُّ هذا واضحٌ .

الدليل السابع عشر آيةُ التطهيرِ

اشارة

قالَ صاحبُ الكتابِ :

دليلٌ لهُم آخَرُ

ثُمّ قالَ‌:

و رُبَّما تَعلَّقوا بقَولِه تَعالىٰ‌(1): (إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(2)و أنّ ذلكَ يَدُلُّ علىٰ عِصمتِهم، و بُعدِهم مِن الضَّلالِ و الخَطإ؛ فإذا صَحَّ ذلكَ فيَجِبُ أن يَكونَ الإمامُ‌(3)فيهم، دونَ غيرِهم ممّن لَم تَثبُتْ‌(4)له العصمةُ‌.

ثُمّ قالَ‌:

و هذا أبعَدُ ممّا تَقدَّمَ ؛ لأنّه إنّما يَدُلُّ علىٰ أنّه تَعالىٰ يُريدُ أن يُطهِّرَهم و يُذهِبَ عنهم الرِّجسَ (5)، و لا يَدُلُّ علىٰ أنّ ما أرادَه ثابتٌ فيهم؛ فكَيفَ


1) . في «د» و المطبوع: «جلّ و عزّ». و في المغني: - «تعالىٰ ».

2) . الأحزاب (33):33.

3) . في المغني: «أن تكون الإمامة». و في «د»: «أن يكون الإمامة».

4) . هكذا في المغني. و في النسخ و المطبوع: «لم يثبت».

5) . في «د» و المطبوع و الحجري: «الرجس عنهم».

يُستَدَلُّ بالظاهرِ علىٰ ما ادَّعَوه ؟ و قد(1)صَحَّ أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ يُريدُ تطهيرَ(2)كُلِّ المؤمنينَ و إزالةَ الرِّجسِ عنهم؛ لأنّه(3)متىٰ لَم نَقُلْ بذلكَ أدّىٰ إلىٰ أنّه تَعالىٰ يُريدُ خِلافَ التطهيرِ بالمؤمنينَ (4).

و بَعدُ، فلَيسَ يَخلو مِن أن يُريدَ بذلكَ المَدحَ و التعظيمَ‌، أو يُريدَ به الأفعالَ التي يَصيرُ بها طاهراً زَكِيّاً(5). فإن أُريدَ الأوّلُ‌، فكُلُّ المؤمنينَ فيه شَرَعٌ‌(6)سَواءٌ‌. و إن أُريدَ الثاني، فكُلُّ المُكلَّفينَ‌(7)يَتَّفِقونَ فيه. و أكثَرُ ما تَدُلُّ الآيةُ عليه: أنّ لأهلِ البَيتِ مَزيّةً في بابِ الألطافِ و ما يَجري مَجراها، فلذلكَ خَصَّهم بهذا الذِّكرِ؛ و لا مَدخَلَ للإمامةِ فيه. و لَو دَلَّ علَى الإمامةِ لَم يَدُلَّ‌(8)علىٰ واحدٍ دونَ آخَرَ بعَينِه، و لَاحتيجَ‌(9)في التعيينِ‌(10)إلىٰ دَلالةٍ مُبتَدأةٍ‌، و لَكانَت كافيةً مُغنيةً عن هذه الجُملةِ .

و لأنّ الكلامَ يَتضمَّنُ إثباتَ حالٍ لأهلِ البَيتِ ، و لا يَدُلُّ علىٰ أنّ غيرَهم في ذلكَ بخِلافِهم(11). و كذلكَ القولُ فيما تَقدَّمَ ؛ لأنّه إذا قالَ في عِترتِه:


1) . هكذا في المغني. و في النسخ و المطبوع: «فقد».

2) . في المغني: «أن يطهّر».

3) . في «ج، ص، ف»: «لأنّا».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «للمؤمنين».

5) . هكذا في المغني. و في «د» و المطبوع: «زاكياً». و في سائر النسخ: - «زكيّاً».

6) . في المغني: «بشرع».

7) . في المغني: «فكلّ المطيعين».

8) . في المغني: «لَما دلّ ».

9) . في المغني: «و لا احتيج».

10) . هكذا في «ب، ج، د، ص» و المغني. و في «ف»: «التعيّن». و في المطبوع: «التعليل».

11) . في المغني: «و لا ينفي ذلك عن غيرهم» بدل «و لا يدلّ علىٰ أنّ غيرهم في ذلك بخلافهم».

«إنّ مَن تَمسَّكَ بها لَم يَضِلَّ ، و إنّها لا تُفارِقُ الكتابَ » فإنّما يَدُلُّ ذلكَ علىٰ إثباتِ هذا الحُكمِ لها، و لا يَدُلُّ علىٰ نفيِه عن غيرِها؛ فقَد يَجوزُ في غيرِها أن يَكونَ مُحِقّاً و لِمَن تَمسَّكَ به هادياً(1).

يُقالُ له: هذه الآيةُ تَدُلُّ علىٰ عِصمةِ أهلِ البَيتِ المُختَصّينَ بها عليهم السلامُ ، و علىٰ أنّ أقوالَهم حُجّةٌ ، ثُمّ تَدُلُّ مِن بَعدُ علىٰ إمامةِ أميرِ المؤمنينَ و الحَسَنِ و الحُسَينِ عليهم السلامُ بضَربٍ مِن الترتيبِ .

بيان دلالة آية التطهير على العصمة

فأمّا وجهُ دَلالتِها علَى العصمةِ‌: فهو أنّ قولَه تَعالىٰ‌: (إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ‌) لا يَخلو مِن أن يَكونَ معناه الإرادةَ المَحضةَ التي لَم يَتبَعْها الفِعلُ و إذهابُ الرِّجسِ‌، أو أن يَكونَ أرادَ ذلكَ و فَعَلَه.

فإن كانَ الأوّلَ‌، فهو باطلٌ مِن وجوهٍ‌؛ لأنّ لفظَ الآيةِ يَقتَضي(2)اختصاصَ أهلِ البَيتِ بما لَيسَ لغَيرِهم، أ لا تَرىٰ أنّه قالَ (إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ‌) و هذه اللفظةُ تَقتَضي ما ذَكرناه(3)مِن التخصيصِ؟ أ لا تَرىٰ أنّ القائلَ إذا قالَ‌: «إنّما العالِمُ فُلانٌ‌، و إنّما الجَوادُ حاتِمٌ‌، و إنّما لَكَ عندي دِرهَمٌ‌» فكلامُه يُفيدُ التخصيصَ الذي ذَكرناه ؟ و الإرادةُ للطهارةِ (4)مِن الذُّنوبِ مِن غيرِ أن يَتبَعَها فِعلٌ لا تخصيصَ لأهلِ البَيتِ عليهم السلامُ بها؛ بَل اللّٰهُ يُريدُ مِن كُلِّ مُكلَّفٍ مِثلَ (5)ذلكَ .


1) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 193-194. و فيه: «فأمّا ما يدلّ علىٰ نفيه عن غيرها فلا» بدل «و لا يدلّ علىٰ نفيه عن غيرها...» إلىٰ هنا.

2) . في «د»: «لأنّ لفظة الآية تقتضي».

3) . هكذا في النسخ. و في المطبوع: «ما ذكرنا».

4) . في التلخيص: «و إرادة الطهارة».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: - «مثل».

و أيضاً: فإنّ الآيةَ تَقتَضي مَدحَ مَن تَناوَلَته و تشريفَه و تعظيمَه؛ بدَلالةِ ما رُويَ مِن(1)أنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه لمّا جَلَّلَ عليّاً و فاطمةَ و الحَسَنَ و الحُسَينَ عليهم السلامُ بالكِساءِ و قالَ : «اللّهُمَّ إنّ هؤلاءِ أهلُ بَيتي، فأذهِبْ عنهم الرِّجسَ و طَهِّرْهم تطهيراً» فنَزَلَت الآيةُ ، و كانَ ذلكَ في بَيتِ أُمِّ سَلَمةَ رحمةُ اللّٰهِ عليها،

فقالَت له صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(2): ألَستُ مِن أهلِ بَيتِكَ؟ فقالَ لها «لا(3)، إنّكِ علىٰ خَيرٍ»(4). و صورةُ (5)الحالِ و سببُ نُزولِ الآيةِ يَقتَضيانِ المِدحةَ و التشريفَ ، و لا مِدحةَ و لا تشريفَ في الإرادةِ المَحضةِ التي تَعُمُّ سائرَ المُكلَّفينَ مِن الكُفّارِ و غيرِهم.

فإن قيلَ علىٰ هذا الوجهِ : فكذلكَ (6)لا مِدحةَ فيما تَذكُرونه؛ لأنّكم لا بُدَّ أن تَقولوا: إنّه أذهَبَ عنهم الرِّجسَ و طَهَّرَهم بأن لَطَفَ لهم بما اختاروا عندَه الامتناعَ مِن القَبائحِ . و هذا واجبٌ عندَنا و عندَكم، و لَو عَلِمَ مِن غيرِهم مِن الكُفّارِ مِثلَ ما عَلِمَه منهم لفَعَلَ مِثلَ ذلكَ بهم؛ فأيُّ وجهٍ للمَدحِ (7)؟

قُلنا: الأمرُ علىٰ ما ذَكرتموه مِنَ اللطفِ (8)و وجوبِه، و أنّه لَو عَلِمَه في غيرِهم لَفَعَلَه كما فَعَلَه بهم؛ غيرَ أنّ وجهَ المِدحةِ (9)مع ذلكَ ظاهرٌ؛ لأنّ مَن اختارَ الامتناعَ


1) . في «ب، ج، ص، ف»: - «ما روي من».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «عليه السلام».

3) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: - «لا».

4) . تقدّم تخريجه في ص 463.

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «فصورة».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «و كذلك». و في التلخيص: «كذلك».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «للمدحة».

8) . في «د» و المطبوع: «في اللطف».

9) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «وجه المدح».

مِن القَبائحِ‌، و عَلِمنا أنّه لا يُقارِفُ شَيئاً مِن الذُّنوبِ - و إن كانَ ذلكَ عن ألطافٍ فَعَلَها اللّٰهُ تَعالىٰ به - لا بُدَّ مِن(1)أن يَكونَ ممدوحاً مُشَرَّفاً مُعظَّماً، و لَيسَ كذلكَ مَن أُريدَ منه أن يَفعَلَ الواجبَ و يَمتَنِعَ مِن القَبيحِ‌، و لَم يُعلَمْ مِن جِهتِه ما يُوافِقُ هذه الإرادةَ ؛ فبانَ الفَرقُ بَينَ الأمرَينِ .

و أيضاً: فإنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه - علىٰ ما وَرَدَت به الروايةُ الظاهرةُ - لَم يَسألِ اللّٰهَ أن يُريدَ أن يُذهِبَ عنهم الرِّجسَ ، و إنّما سَألَ أن يُذهِبَ عنهم الرِّجسَ و أن(2)يُطهِّرَهم تطهيراً، فنَزَلَت الآيةُ مُطابِقةً لدَعوَتِه، مُتضمِّنةً (3)لإجابتِه؛ فيَجِبُ أن يَكونَ المعنىٰ فيها(4)ما ذَكرناه.

بيان اختصاص الآية بالمعصومين من أهل البيت عليهم السلام

و إذا ثَبَتَ اقتضاءُ الآيةِ لعِصمةِ مَن تَناوَلَته و عُنيَ بها، وَجَبَ أن تَكونَ مُختَصّةً مِن أهلِ البَيتِ عليهم السلامُ بمَن ذَهَبنا إلىٰ عِصمتِه، دونَ مَن أجمَعَ جميعُ المُسلِمينَ (5)علىٰ فَقْدِ عِصمتِه؛ لأنّها إذا انتَفَت عمّن قُطِعَ علىٰ نفيِ عِصمتِه - لِما يَقتَضيهِ معناها مِن العصمةِ - لَم يَخلُ (6)مِن أن تَكونَ مُتَناوِلةً لِمَن اختُلِفَ (7)في عِصمتِه، أو غيرَ مُتَناوِلةٍ له(8).


1) . في «ب، ج، ف»: - «من».

2) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: - «أن».

3) . في «د» و التلخيص: «و متضمّنة».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «منها».

5) . في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص: «أجمع المسلمون».

6) . في التلخيص: «لم تخل».

7) . في «ج، ص» و التلخيص: «اختلفت».

8) . في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص: - «له».

فإن(1)لَم تَتناوَلْه بَطَلَت فائدتُها التي تَقتَضيها؛ فوَجَبَ أن يَكونَ مُتَناوِلةً له.

و هذه الطريقةُ تُبطِلُ قولَ مَن حَمَلَها علَى الأزواجِ لأجلِ كَونِها واردةً عَقيبَ ذِكرِهنَّ و خِطابِهنَّ‌؛ لأنّ الأزواجَ إذا لَم يَذهَبْ أحَدٌ إلىٰ عِصمتِهنَّ وَجَبَ أن يَخرُجنَ عن الخِطابِ المُقتَضي لعِصمةِ مَن يَتناوَلُه. و ورودُها عَقيبَ ذِكرِهنَّ لا يَدُلُّ علىٰ تَعلُّقِها بِهنَّ إذا كانَ معناها لا يُطابِقُ أحوالَهنَّ‌، و في القُرآنِ و غيرِه مِن الكلامِ لذلكَ نَظائرُ كَثيرةٌ‌. علىٰ أنّ حَملَ الآيةِ علَى الأزواجِ بِانفرادِهنَّ يُخالِفُ مُقتَضىٰ لفظِها؛ لأنّها تَتضمَّنُ علامةَ جَمعِ المُذكَّرِ، أو الجَمعِ‌(2)الذي فيه المُذكَّرُ و المؤنَّثُ ، و لا يَجوزُ حَملُها علَى الأزواجِ دونَ غيرِهنَّ ؛ أ لا تَرىٰ أنّ ما تَقدَّمَ هذه الآيةَ ثُمّ تأخَّرَ عنها لمّا كانَ المَعنيُّ به الأزواجَ جاءَ جَمعُه بالنونِ المُختَصَّةِ (3)بالمؤنَّثِ؟

و ممّا يَدُلُّ‌ علَى اختصاصِها بمَن نَذهَبُ إليه أيضاً: الروايةُ الواردةُ في سببِ نُزولِها، و قد تَقدَّمَ ذِكرُها. و إذا كانَ الأزواجُ و غيرُهنَّ خارجينَ مِن جُملةِ مَن جُلِّلَ بالكِساءِ‌، وَجَبَ أن تَكونَ‌(4)الآيةُ غيرَ مُتناولةٍ له. و جوابُ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه لأُمِّ سَلَمةَ بِذلك(5)يَدُلُّ أيضاً علىٰ ذلكَ‌.

و قد رُويَ أنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه بَعدَ نُزولِ هذه الآيةِ كانَ يَمُرُّ علىٰ بابِ فاطمةَ عليها السلامُ عندَ صَلاةِ الفَجرِ و يَقولُ : «الصلاةَ ، يَرحَمُكم اللّٰهُ ، إنّما يُريدُ


1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و إن».

2) . في المطبوع و الحجري: «و الجمع».

3) . في «د» و المطبوع و الحجري: «المختصّ ».

4) . في «ج، د، ص، ف» و الحجري: «أن يكون».

5) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «بذلك».

اللّٰهُ لِيُذهِبَ عنكم الرِّجسَ أهلَ البَيتِ و يُطهِّرَكم تطهيراً»(1).

فإذا ثَبَتَ اختصاصُ الآيةِ بمَن ذَكرناه و وَجَبَت عِصمتُه و طهارتُه(2)، ثُمّ وَجَدنا كُلَّ مَن أثبَتَ عِصمةَ أميرِ المؤمنينَ و الحَسَنِ و الحُسَينِ عليهم السلامُ يَذهَبُ إلىٰ أنّ إمامتَهم ثَبَتَت(3)بالنصِّ مِن الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، فقَد تَمَّ ما أرَدناه(4).

فأمّا قولُ صاحبِ الكتابِ‌: «إنّ أكثَرَ ما تَدُلُّ‌(5)عليه الآيةُ أنّ لأهلِ البَيتِ مَزيّةً في بابِ الألطافِ‌، فلذلكَ خَصَّهم بهذا الذِّكرِ» فإنّه متىٰ لَم يَكُنِ المُرادُ ما ذَكرناه لَم يَكُن لهُم مَزيّةٌ علىٰ غيرِهم؛ لأنّا قد بيّنّا أنّه إن أُريدَ بالآيةِ الإرادةُ الخالصةُ فلا مَزيّةَ ،

فإذا ثَبَتَت(6)المَزيّةُ فلا بُدَّ مِن أن يَثبُتَ [كَونُها] فِعلاً تابعاً للإرادةِ ، و قد بيّنّا كَيفَ يَدُلُّ علَى الإمامةِ علَى التفصيلِ (7)فبَطَلَ ما ظَنَّه مِن أنّها لا تَدُلُّ علىٰ ذلكَ (8).

فأمّا قولُه: «إنّ الكلامَ يَتضمَّنُ‌(9)إثباتَ حالٍ لأهلِ البَيتِ ، و لا يَدُلُّ علىٰ أنّ غيرَهم


1) . تفسير القمّي، ج 2، ص 67، ذيل الآية 132 من سورة طه (20)؛ تفسير فرات الكوفي، ص 338-339، ذيل الآية 33 من الأحزاب (33)؛ الأمالي للصدوق، ص 533، المجلس 79، ح 1؛ الأمالي للطوسي، ص 251، المجلس 9، ح 447/39، و ص 565، المجلس 21، ح 1174/1؛ مسند أحمد، ج 3، ص 259، ح 13754، و ص 285، ح 14072؛ الجامع الصحيح، ج 5، ص 352، ح 3206؛ المعجم الكبير، ج 3، ص 56، ح 2671، و ج 22، ص 402، ح 1002؛ مسند أبي يعلىٰ ، ج 7، ص 59، ح 3978؛ مسند الطيالسي، ص 274، ح 2059؛ المصنّف لابن أبي شيبة، ج 7، ص 527، ح 4؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 172، ح 4748، مع اختلاف يسير.

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «و وجب أن يكون معصوماً طاهراً».

3) . في «د»: «تثبت».

4) . في «د» و المطبوع: «ما أوردناه».

5) . في «د»: «ما يدلّ ».

6) . في «ج، ص»: «ثبت».

7) . في «د»: «على التفضيل».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: - «علىٰ ذلك».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: «يدلّ علىٰ ».

في ذلكَ بخِلافِهم» فالطريقُ إلىٰ نفيِ ما أثبَتناه لهُم عن غيرِهم واضحٌ :

أمّا العصمةُ ، فلا خِلافَ في أنّ غيرَهم لا يُقطَعُ فيه عليها.

و أمّا الإمامةُ ، فإذا ثَبَتَت(1)فيهم بَطَلَت أن تَكونَ في غيرِهم(2)لِاستحالةِ أن يَختَصَّ بالإمامةِ اثنانِ في وقتٍ واحدٍ.

فأمّا قولُه: «و كذلكَ القولُ فيما تَقدَّمَ‌؛ لأنّه إذا قالَ في عِترتِه: «إنّ مَن تَمسَّكَ بها(3)لَم يَضِلَّ‌...» فإنّما يَدُلُّ علىٰ إثباتِ هذا الحُكمِ لها(4)، و لا يَدُلُّ علىٰ نفيِه عن غيرِها(5)» فباطلٌ‌؛ لأنّه(6)قد بيّنّا دَلالةَ هذا الخبرِ علىٰ أنّ إجماعَ أهلِ البَيتِ حُجّةٌ‌(7)، و ممّا أجمَعوا عليه أنّ (8)خِلافَهم غيرُ سائغٍ و أنّ مُخالِفَهم مُبطِلٌ ؛ فيَجِبُ أن يَكونَ قولُهم في هذا حُجّةً كسائرِ أقوالِهم. و هذا يُبطِلُ ما ظَنَّه صاحبُ الكتابِ مِن تجويزِ أن يَكونَ الحَقُّ في جِهتِهم و جِهةِ مَن خالَفَهم.


1) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «أُثبتت».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «لغيرهم».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «بهم».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «لهم».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «غيرهم».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «لأنّا».

7) . تقدّم في ص 465-466.

8) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «لأنّ ».

الدليل الثامن عشر آية: (لاٰ يَنٰالُ عَهْدِي الظّٰالِمِينَ )

اشارة

قالَ صاحبُ الكتابِ :

دليلٌ لهُم آخَرُ:

ثُمّ قالَ‌:

و رُبَّما تَعلَّقوا بقَولِه تَعالىٰ في إبراهيمَ عليه السلامُ‌: (إِنِّي جٰاعِلُكَ لِلنّٰاسِ إِمٰاماً قٰالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قٰالَ لاٰ يَنٰالُ عَهْدِي الظّٰالِمِينَ‌)(1). في المغني: «أنّه لا إمامة للظالم».(2)فأخبَرَ أنّه لا حَقَّ في الإمامةِ لظالمٍ‌(2)، فوَجَبَ بذلكَ أنّ مَن كانَ ظالماً و كافراً وقتاً(3)مِن الزمانِ لا حَظَّ له في ذلكَ ، و أن يَكونَ المُستَحِقُّ لذلكَ المعصومَ في كُلِّ أوقاتِه، و ذلكَ يَقتَضي أنّ الإمامةَ ثابتةٌ لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ .

و رُبَّما تَعلَّقوا بقَريبٍ مِن ذلكَ مِن غيرِ ذِكرِ الآيةِ (4)و قالوا: قد ثَبَتَ أنّ مَن يَقولُ بوجوبِ الإمامةِ نفسانِ (5): أحَدُهما يَقولُ بإمامةِ أبي بَكرٍ.


1) . البقرة

2) :124.

3) . في المغني: «في وقت».

4) . في المغني: «من غير دليل الآية».

5) . في المغني: «فريقان».

و ذلكَ لا يَصِحُّ‌؛ لأنّ مِن حَقِّ الإمامِ أن يَكونَ كالرسولِ في كَونِه مُنزَّهاً عن الدَّنَسِ و(1)الكُفرِ و الكَبائرِ في سائرِ حالاتِه. فإذا بَطَلَ ذلكَ‌، فلَيسَ إلّا القولُ الثاني، و هو أنّ الإمامَ عَليُّ بنُ أبي طالبٍ عليه السلامُ‌؛ لأنّه ما كَفَرَ باللّٰهِ قَطُّ.

قالَ‌:

و هذا لا يُمكِنُ الاعتمادُ عليه؛ لأنّ ظاهرَ الآيةِ إنّما يَقتَضي أنّ عَهدَه لا يَنالُ الظالمَ‌(2)، و مَن كَفَرَ ثُمّ تابَ أو فَسَقَ ثُمّ تابَ و صَلَحَت أحوالُه(3)لا يَكونُ ظالماً؛ فيَجِبُ بحُكمِ الآيةِ أن لا يَمتَنِعَ‌(4)أن يَنالَه(5)العهد. و لَيسَ المُرادُ أنّ الظالمينَ لا يَنالونَ العهدَ و إن خَرَجوا مِن أن يَكونوا ظالمينَ‌، و إنّما المُرادُ: في حالِ ظُلمِهم؛ كَما أنّه تَعالىٰ لمّا قالَ‌: (وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللّٰهِ فَضْلاً كَبِيراً) (6)فالمُرادُ بذلكَ‌: في حالِ إيمانِهم.

و قولُه تَعالىٰ‌: (إِنِّي جٰاعِلُكَ لِلنّٰاسِ إِمٰاماً) إمّا أن(7)يُرادَ به النبوّةُ ، أو أن(8)يَكونَ قُدوةً في الصَّلاحِ ؛ لأنّا قد بيّنّا أنّه لا يَدخُلُ (9)تَحتَ ذلكَ الإمامةُ


1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «التدنّس». و في المغني: - «الدنس و».

2) . في المغني: «الظالمين».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «حاله».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «فيجب الحكم للآية أن لا يمنع».

5) . في المغني: «أن ينال».

6) . الأحزاب (33):47.

7) . في المغني: «إنّما» بدل «إمّا أن».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: - «أن».

9) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «لا تدخل».

التي هي بمعنىٰ إقامةِ الحُدودِ و تنفيذِ الأحكامِ‌. فإن أُريدَ به النبوّةُ‌(1)فمِن حَيثُ دَلَّ الدليلُ علىٰ أنّ مِن حَقِّ النبيِّ أن لا يَقَعَ منه كُفرٌ و لا كَبيرةٌ‌، يَجِبُ أن لا يَكونَ ظالماً في حالٍ‌(2)مِن الأحوالِ‌. و إن أُريدَ به الوجهُ الآخَرُ، فغَيرُ مُمتَنِعٍ أن يَكونَ ظالماً في حالٍ‌، ثُمَّ يَصلُحُ‌، فيُقتَدىٰ بطَريقتِه و عِلمِه.

و بَعدُ، فلا يَمتَنِعُ أن يَقَعَ مِن الرسولِ المعصيةُ الصغيرةُ التي تَكونُ ظُلماً(3)، فلا بُدَّ مِن أن يُقالَ‌: إنّه تَعالىٰ أرادَ بالكلامِ الظُّلمَ المذمومَ‌، و ما زالَ بالتوبةِ كالصغيرةِ في هذا البابِ‌.

فهذا ممّا يُبيِّنُ فَسادَ ما تَعلَّقوا به مِن ظاهرِ الآيةِ‌.

فأمّا الطريقةُ الأُخرىٰ‌(4): فقَد بيّنّا الكلامَ عليها في بابِ النبوّاتِ (5)، و أنّ ما له وَجَبَ في الرسولِ أن يَكونَ مُنزَّهاً عن الكُفرِ و الكَبائرِ، هو(6)كَونُه حُجّةً فيما تَحمَّلَه(7)، و أنّ الإمامَ - في أنّه بخِلافِه - بمَنزِلةِ الأميرِ و الحاكمِ (8). و ذلكَ يُسقِطُ ما تَعلَّقوا به(9).


1) . من قوله: «أو أن يكون قدوة في الصلاح...» إلىٰ هنا ساقط من المغني.

2) . في المغني: «علىٰ كلّ حال».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «التي يكون بفعلها ظالماً».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «الطريقة الأُولىٰ ».

5) . في المغني: «باب النبوّة». راجع: المغني، ج 15، ص 195.

6) . في «ب، ج، ص، ف» و المغني: - «هو».

7) . في «ب، ص» و المغني: «فيما يحمله». و في «ج»: «فيما يحتمله».

8) . في المغني: «فإنّ الإمام بخلافه، بل بمنزلة الأمير و الحاكم».

9) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 194-195.

تقرير دلالة الآية على الإمامة، بناءً علىٰ بعض المباني

يُقالُ له: قد اعتَمَدَ بهذه الآيةِ التي ذَكرتَها قومٌ مِن أصحابِنا، و الاستدلالُ بها مَبنيٌّ علَى القولِ بالعمومِ‌، و أنّ له صيغةً يَقتَضي ظاهرُها الاستغراقَ‌؛ فمَن لا يَذهَبُ إلىٰ ذلكَ مِن أصحابِنا لا يَصِحُّ له الاستدلالُ بهذه الآيةِ في هذا المَوضِعِ‌(1)، و مَن ذَهَبَ إلَى العمومِ منهم صَحَّ له ذلكَ‌.

و يُمكِنُ أن يُستَدَلَّ بها علىٰ أمرَينِ‌:

أحَدُهما: أنّ مَن كانَ ظالماً في وقتٍ مِن الأوقاتِ فلَن يَجوزَ أن يَكونَ إماماً.

و يُبنىٰ علىٰ ذلكَ القولُ بإمامةِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ بَعدَ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه بِلا فَصلٍ ؛ لأنّ مَن تَولَّى الأمرَ غيرَه قد كانَ ظالماً فيما سَلَف مِن أحوالِه.

و الأمرُ الآخَرُ: أن يُبيَّنَ اقتضاءُ الآيةِ لكَونِ الإمامِ معصوماً؛ لأنّها(2)إذا اقتَضَت نفيَ الإمامةِ عمّن كانَ ظالماً علىٰ كُلِّ حالٍ ، سَواءٌ كانَ مُسِرّاً لظُلمِه(3)أو مُظهِراً له، و كانَ مَن لَيسَ بمعصومٍ - و إن كانَ ظاهرُه جَميلاً - يَجوزُ أن يَكونَ مُبطِناً للظُّلمِ و القَبيحِ (4)، و لا أحَدَ ممّن لَيسَ بمعصومٍ يؤمَنُ ذلكَ منه و لا يَجوزُ فيه(5)فيَجِبُ


1) . و منهم المصنّف رحمه اللّٰه، فقد ذهب إلىٰ إنكار وجود لفظ يدلّ على الاستغراق و العموم (الذريعة، ج 1، ص 201؛ الذخيرة، ص 510). و لذلك لا يستدلّ هو بهذه الآية على الإمامة كما صرّح بذلك في المتن. و علىٰ هذا سوف يكون بحثه التالي و استدلاله بالآية على الإمامة مبنيّاً على القول الآخر الذي يؤمن بوجود لفظ يدلّ على الاستغراق و العموم، كما سوف يصرّح بذلك فيما بعد.

2) . في «ب، ص»: «لكنّها».

3) . في المطبوع: «مسرّ الظلم».

4) . في «ب» و المطبوع و التلخيص: «و القبح».

5) . في «د»: «منه».

بحُكمِ الآيةِ أن يَكونَ مَن يَنالُه العهدُ - الذي هو الإمامةُ - معصوماً حتّىٰ يؤمَنَ استسرارُه بالظُّلمِ ، و حتّىٰ يُوافِقَ ظاهرُه باطنَه.

بيان تناوُل عنوان الظالم لمن تاب بعد كفر و فسق

و الكلامُ‌(1)الذي طَعَنَ به صاحبُ الكتابِ في الاستدلالِ بالآيةِ غيرُ صَحيحٍ‌؛ لأنّ عمومَ ظاهرِها يَقتَضي أنّ الظالمَ في حالٍ مِن الأحوالِ لا يَنالُ الإمامةَ‌، و مَن تابَ بَعدَ كُفرٍ أو فِسقٍ‌(2)- و إن كانَ بَعدَ التوبةِ لا يوصَفُ بأنّه ظالمٌ - فقَد كانَ ممّن تَناوَلَه(3)

الاسمُ و دَخَلَ تَحتَ الآيةِ‌. و إذا حَمَلنا الآيةَ علىٰ ما تَوهَّمَ صاحبُ الكتابِ مِن أنّ المُرادَ بها مَن دامَ علىٰ ظُلمِه و استَمرَّ عليه، كانَ هذا(4)تخصيصاً بغَيرِ دليلٍ ، و القولُ بالعمومِ يَمنَعُ منه.

و كَيفَ يَجوزُ لصاحبِ الكتابِ أن يَقولَ : «إنّ زوالَ الاسمِ بالتوبةِ يُخرِجُ المُستَحِقَّ لذلكَ مِن عمومِ الاسمِ الواردِ» و هو يَقولُ في جميعِ آياتِ الوَعيدِ أنّها مخصوصةٌ ، و أنّ التائبينَ و أصحابَ الصغائرِ خارجونَ منها بالأدِلّة الموجِبةِ لإخراجِهم، و أنّ آياتِ الوَعدِ(5)مخصوصةٌ أيضاً(6)بالأدِلّةِ الموجِبةِ لاستثناءِ مَن أُحبِطَ ثَوابُ إيمانِه بنَدَمٍ عليه، أو كَبيرةٍ تَصحَبُه ؟

فلَو كانَ الأمرُ علىٰ ما ادَّعاه في هذه الآيةِ - مِن خروجِ مَن تابَ مِن ظُلمِه


1) . في «ب»: «فالكلام».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «و متىٰ تاب بعد الكفر أو الفسق».

3) . في «د» و المطبوع: «يتناوله».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «ذلك».

5) . هكذا في «ج، ف». و في «ب»: «آيات الوعد و الوعيد». و في سائر النسخ و المطبوع: «آيات الوعيد».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: - «أيضاً».

عن عمومِ قولِه: (لاٰ يَنٰالُ عَهْدِي الظّٰالِمِينَ‌) مِن غيرِ دَلالةٍ ، بَل لأنّ الاسمَ لا يَتناوَلُه علىٰ ما ادَّعاه - لَوَجَبَ مِثلُ ذلكَ في آياتِ الوَعدِ و الوَعيدِ، و أن يَقولَ (1): «إنّها غيرُ مخصوصةٍ و لا مُستثناةٍ بأدِلّةِ العقولِ و غيرِها» و يَجعَلَ التائبَ و غيرَه خارجاً مِن الاسمِ و اللفظِ، و لا يُحتاجُ أن يُخرِجَه بدَلالةٍ . و هذا ظاهرُ البُطلانِ عندَه، و عندَ كُلِّ مَن قالَ بالعمومِ .

فأمّا مُعارَضتُه بقَولِه تَعالىٰ : (وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ )(2)فلَو لَم تَقُمِ (3)الدلالةُ علىٰ أنّ المُرادَ بذلكَ في(4)حالِ إيمانِهم و سَلامتِهم أيضاً مِن الإحباطِ - علىٰ قولِ مَن ذَهَبَ إليه - لَم يُجعَلِ القولُ مخصوصاً بمَن كانَ في الحالِ مؤمِناً، و إنّما جُعِلَ كذلكَ لأنّ البِشارةَ بالثوابِ لا تَكونُ إلّا لمُستَحِقِّه(5)، دونَ مَن أحبَطَه و أزالَه. و هذا طريقُ الاستدلالِ الذي ما(6)مَنَعْنا صاحبَ الكِتابِ منه، و إنّما مَنَعناه مِن ادّعاءِ خروجِ التائبِ مِن الاسمِ .

بيان دلالة الآية على الإمامة بمعنىٰ إقامة الحدود

فأمّا(7)تقسيمُه المُرادَ بالآيةِ‌، و ادّعاؤه أنّ الإمامةَ - بمعنىٰ إقامةِ الحُدودِ و تنفيذِ الأحكامِ - لا يَدخُلُ تَحتَها فباطلٌ ؛ لأنّ الظاهرَ فيه تصريحٌ بذِكرِ الإمامةِ التي قد فَرَّقَ المخاطَبونَ بَينَها و بَينَ النبوّةِ ، فلا بُدَّ مِن أن يَكونَ محمولاً عليها، دونَ النبوّةِ .

و لَسنا نَدري في أيِّ مَوضِعٍ بَيَّنَ أنّه لا يَدخُلُ تَحتَ ذلكَ الإمامةُ التي هي بمعنىٰ


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «و أن يقال».

2) . البقرة (2):223؛ التوبة (9):112؛ يونس (10):78، و غير ذلك.

3) . في «ج، د، ص، ف» و الحجري: «لم يقم».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: - «في».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «مستحقّة».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: - «ما».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «و أمّا».

إقامةِ الحُدودِ، حتَّى ادَّعىٰ بيانَ ذلكَ فيما سَلَفَ مِن كلامِه ؟ إن كانَ ذلكَ فيه فقَد سَلَفَ نَقضُه(1)، و إن كانَ فيما يأتي فسَيَجيءُ أيضاً بمَشيئةِ اللّٰهِ تَعالىٰ (2)نَقضُه.

و ما المُنكَرُ مِن أن يَكونَ إبراهيمُ عليه السلامُ نَبيّاً إماماً، و يَكونَ إليه مع تبليغِ الرسالةِ إقامةُ الحُدودِ(3)و تنفيذُ الأحكامِ؟

فإن قيلَ‌: مِن أينَ لكم أنّ المُرادَ بلفظةِ «عَهْدِي» الإمامةُ ، و هي لفظةٌ مُجمَلةٌ (4)تَصلُحُ (5)أن يُعنىٰ بها الإمامةُ و غيرُها؟

قُلنا: مِن وجهَينِ‌(6):

أحَدُهما: دَلالةُ موضوعِ الآيةِ علىٰ ذلكَ‌؛ لأنّه تَعالىٰ لمّا قالَ لإبراهيمَ عليه السلامُ‌: (إِنِّي جٰاعِلُكَ لِلنّٰاسِ إِمٰاماً) حَكىٰ عنه قولَه: (وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي) و معلومٌ أنّه أرادَ: «اجعَلْ‌(7)مِن ذُرِّيَّتي أئمّةً‌» ثُمّ قالَ عَقيبَ ذلكَ‌: (لاٰ يَنٰالُ عَهْدِي الظّٰالِمِينَ‌) فأشارَ بالعهدِ إلىٰ ما تَقدَّمَ مِن(8)سؤالِ إبراهيمَ عليه السلامُ فيه؛ ليَتطابَقَ الكلامُ‌، و يَشهَدَ بعضُه لبعضٍ .

و الوجهُ الآخَرُ: أنّ «عَهْدِي»(9)إذا كانَ لفظاً(10)مُشتَرَكاً وَجَبَ أن يُحمَلَ علىٰ كُلِّ


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «فإن كان ذلك فقد سلف نقضه».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: - «أيضاً بمشيئة اللّٰه تعالىٰ ».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «و يكون إليه تبليغ الرسالة و إقامة الحدود».

4) . في «ص»: «محتملة».

5) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «يصحّ ».

6) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: + «اثنين».

7) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع: «جعل».

8) . في «ب، ج، ص، ف» و التلخيص: - «من».

9) . في التلخيص: «أنّ لفظة عهدي».

10) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع: «فظاً»، و هو سهو.

ما يَصلُحُ له و يَصِحُّ أن يَكونَ‌(1)عِبارةً عنه، فنَقولُ‌: إنّ الظاهرَ يَقتَضي أنّ كُلَّ ما يَتناوَلُه اسمُ العهدِ لا يَنالُ الظالمَ‌. و يَجري ذلكَ مَجرىٰ أن يَقولَ قائلٌ : «لا يَنالُ عَطائي الأشرارَ» في أنّ الظاهرَ يَقتَضي أنّ جِنسَ عَطائه لا يَنالُه شِرّيرٌ، و لا يَختَصُّ بعَطاءٍ دونَ عَطاءٍ .

و هذا الوجهُ أيضاً مَبنيٌّ علَى القولِ بالعمومِ ، الذي بيّنّا أنّه عُمدةُ الاستدلالِ بهذه الآيةِ .

بيان أنّ الإمام حجّة كالرسول، و بيان اختلاف حاله عن الأمير و الحاكم

فأمّا قولُه علَى الطريقةِ الأُخرىٰ‌(2): «إنّ الذي(3)أوجَبَ في الرسولِ أن يَكونَ مُنزَّهاً عن الكُفرِ و الكَبائرِ [هو] كَونُه حُجّةً فيما تَحمَّلَه(4)، و إنّ الإمامَ بخِلافِه، و إنّه بمَنزِلةِ الأميرِ و الحاكمِ‌» فقَد بيّنّا فيما تَقدَّمَ أنّ الإمامَ أيضاً حُجّةٌ‌، و أنّه يُرجَعُ إليه في أُمورٍ لا تُعلَمُ‌(5)إلّامِن جِهتِه؛ و بيّنّا أنّ النقلَ الواردَ بأحكامِ الشريعةِ قد يَجوزُ أن يَتغيَّرَ حالُه

فيَخرُجَ مِن أن يَكونَ حُجّةً‌، علىٰ وجهٍ لا يَكونُ المَفزَعُ فيه إلّاإلىٰ قولِ الإمامِ ، فيَجري قولُه و الحالُ هذه - في أنّه حُجّةٌ لا يَقومُ غيرُه مَقامَه فيها - مَجرىٰ قولِ الرسولِ ؛ و بيّنّا الفَرقَ بَينَ الإمامِ و الحاكمِ و الأميرِ، و أنّ الحاكمَ و الأميرَ لَيسا هُما حُجّةً في شَيءٍ ، و لا يَجوزُ أن يَكونا حُجّةً علىٰ وجهٍ مِن الوجوهِ ، و أوضَحنا ذلكَ إيضاحاً يُغني عن إعادتِه.


1) . في التلخيص: «أن تكون».

2) . تقدّمت هذه الطريقة في كلام القاضي آنفاً.

3) . في «د» و المطبوع: + «له».

4) . في «ص»: «يحتمله».

5) . في «ج، د، ص، ف»: «لا يُعلم». و في «ب»: «لا نعلم».

فإذا(1)وَجَبَ عندَ صاحبِ الكتابِ كَونُ الرسولِ مُنزَّهاً عن الكُفرِ و الكَبائرِ قَبلَ بِعثتِه لأنّه حُجّةٌ فيما يَتحمَّلُه، فيَجِبُ أيضاً أن يَكونَ الإمامُ مُنزَّهاً عن القَبائحِ قَبلَ إمامتِه؛ لأنّه حُجّةٌ فيما يؤدّيهِ و يُعرَفُ مِن جِهتِه.

و هذا بَيِّنٌ (2)لِمَن تَدبَّرَه.


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «و إذا».

2) . في «ص»: «يبيّن».

إثبات إمامة الأئمّة الاثني عشر

اشارة

قالَ (1)صاحبُ الكتابِ :

و اعلَمْ أنّ أحَدَ ما يَبطُلُ به(2)طَريقةُ الإماميّةِ أن يُقالَ لهم: إنّ مَذهبَكم في النصِّ علَى الإمامِ يَقتَضي أن يَكونَ إمامُ كُلِّ زمانٍ بمَنزِلةِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ في أنّه لا بُدَّ في النصِّ عليه مِن أن يَظهَرَ(3)ظُهورَ الحُجّةِ القاطعةِ‌؛ لأنّ الإمامةَ مِن أعظَمِ أركانِ الدينِ (4)عندَكم علىٰ ما تَقدَّمَ القولُ فيه، فكَيفَ السبيلُ إلىٰ أن نَعلَمَ (5)أنّه عليه السلامُ نَصَّ علَى الحَسَنِ و الحُسَينِ (6)، أو نَصَّ الحَسَنُ علَى الحُسَينِ ، و كذلكَ سائرُ الأئمّةِ؟ و قد عَلِمنا أنّ الوجوهَ التي يُمكِنُهم ذِكرُها في النصِّ علىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ - علَى اختلافِها - لا يُمكِنُ ادّعاءُ مِثلِها(7)في


1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «ثمّ قال».

2) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «به». و في المغني: «تبطل به».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «لا بدّ من نصّ عليه يظهر». و في المطبوع و المغني: «من النصّ عليه» بدل «في النصّ عليه».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «من أعظم الأُمور و أركان الدين».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «أن يُعلم». و في الحجري: «أن تعلم».

6) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و على الحسين».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «ليس يمكنهم ذكرها».

النصِّ علىٰ إمامِ كُلِّ زمانٍ‌.

و لا يُمكِنُهم أن يَدَّعوا في ذلكَ طَريقةَ العقلِ‌؛ لأنّا قد بيّنّا أنّها لا تَدُلُّ‌، و لَو دَلَّت لَكانَت لا تَدُلُّ‌(1)علىٰ واحدٍ مُعيَّنٍ‌. و لا يُمكِنُهم أن يَدَّعوا إثباتَها في الولدِ؛ لأنّها لَيسَت مُتوارَثةً‌(2)فيَصِحَّ ذلكَ فيها، و لأنّ ذلكَ‌(3)يوجِبُ أن لا يُنتَقَلَ مِن الحَسَنِ إلىٰ أخيه، بَل يُنتَقَلَ إلىٰ ولدِه، و يوجِبُ أن لا يَكونَ بعضُ أولادِ الحُسَينِ و عليِّ بنِ الحُسَينِ و مُحمّدِ بنِ عَليٍّ و جعفرِ بنِ مُحمّدٍ أَولىٰ مِن غيرِهم؛ لأنّهم خَلَّفوا أكثَرَ مِن واحدٍ.

و هذا يُبيِّنُ أنّه(4)لا بُدَّ لهُم(5)مِن إثباتِ إمامةِ كُلِّ واحدٍ بنَصٍّ ظاهرٍ، و ذلكَ ممّا لا يُمكِنُ إثباتُه.

و قد بيّنّا أنّ إثباتَ النصِّ للإمامِ فرعٌ علىٰ إثباتِ عَينِه، و ذلكَ لا يُمكِنُ في إمامِ هذا الزمانِ‌؛ فكَيفَ يُدَّعىٰ هذا النصُّ فيه(6)؟

و قد سَألَهم أصحابُنا في الغَيبةِ‌؛ و أنّ سببَها إن كانَ الخَوفَ مِن الظهورِ، فقَد كانَ يَجِبُ أن تَحصُلَ‌(7)غَيبةُ الأئمّةِ (8)في أيّامِ بَني أُميّةَ ؛ لأنّ خَوفَهم كانَ أكثَرَ، و كذلكَ في كَثيرٍ مِن أيّامِ بَني العَبّاسِ ، ثُمّ لَم يَمنَعْ ذلكَ مِن


1) . في المغني: «و لو دلّت لم تدلّ ».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «ليست متواترة». و في المغني: «ليست متوازية».

3) . هكذا في النسخ و المغني. و في المطبوع و الحجري: «و لان صحّ ذلك».

4) . في المغني: «أنّهم».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: - «لهم».

6) . في «ج، ص، ف»: «منه».

7) . هكذا في المطبوع و المغني. و في النسخ و الحجري: «أن يحصل».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «غيبة الإمام».

ظهورِهم؛ فكَيفَ وَجَبَت الغَيبةُ في هذه الأيّامِ و الخَوفُ لا يَزيدُ فيها علىٰ ما قد كانَ مِن قَبلُ؟ و كَيفَ تَصِحُّ الغَيبةُ مع شِدّةِ الحاجةِ إلَى الإمامِ فيما يَتَّصِلُ بالتكليفِ؟ و لَئن جازَ ذلكَ لِيَجوزَنَّ لبعضِ الأعذارِ أن لا يَنصِبَ - جَلَّ و عَزَّ - أدِلّةَ المُكلَّفِ‌(1)و أن لا يُمكِّنَه و التكليفُ قائمٌ‌! و هَلّا وَجَبَ‌(2)علىٰ مَذهبِهم(3)حِراسةُ إمامِ الزمانِ مِن جِهةِ اللّٰهِ تَعالىٰ‌(4)، و أن يَعصِمَه مِن كُلِّ مَخافةٍ لِما يَتعلَّقُ به مِن صِحّةِ الشريعةِ؟ و ذلكَ يَقتَضي بُطلانَ الغَيبةِ‌.

و قد ألزَمَهم واصِلُ بنُ عَطاءٍ علىٰ قولِهم هذا أن يَكونَ قَبلَ بِعثةِ الرسولِ في الزمانِ حُجّةٌ مِن رسولٍ أو إمامٍ‌، و لَو كانَ كذلكَ لَما صَحَّ قولُه تَعالىٰ‌: (يٰا أَهْلَ الْكِتٰابِ قَدْ جٰاءَكُمْ رَسُولُنٰا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلىٰ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مٰا جٰاءَنٰا مِنْ بَشِيرٍ وَ لاٰ نَذِيرٍ فَقَدْ جٰاءَكُمْ بَشِيرٌ وَ نَذِيرٌ)؛(5)لأنّ علىٰ قولِهم لَم يَخلُ الزمانُ مِن بَشيرٍ و نَذيرٍ، و ادُّعيَ (6)إجماعُ علماءِ المُسلِمينَ و ظهورُ الأخبارِ عن أهلِ الكُتُبِ أنّ الفَتَراتِ بَينَ الرُّسُلِ (7)قد كانَت، و لَم يَكُن فيها أنبياءُ و لا مَن يَجري مَجراهم(8).


1) . في «ص»: «التكليف». و الأصحّ : «للمكلّف» كما سيأتي في ص 511.

2) . في «ب»: «يجب».

3) . هكذا في المغني. و في النسخ و المطبوع: «مذاهبهم».

4) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و المغني. و في «د» و المطبوع: «عزّ و جلّ ».

5) . المائدة (5):19.

6) . في «ج، ص» و المغني: «و ادّعاء».

7) . هكذا في «ب، ج، ص، ف» و المغني. و في «د» و المطبوع و الحجري: «من الرسل».

8) . هكذا في النسخ و المغني. و في المطبوع و الحجري: «مجراهما».

ثُمّ قالَ :

و هذه الوجوهُ إنّما يُقصَدُ بها تقويةُ ما قَدَّمناه؛ لأنّ ذلكَ (1)هو المُعتَمَدُ(2).

مقدّمة حول إمكان الاستدلال علىٰ إمامة الأئمّة الاثني عشر

يُقالُ له: لا شُبهةَ في أنّه يَجِبُ علىٰ مَن ادَّعَى النصَّ علىٰ إمامِ كُلِّ زمانٍ أن يَذكُرَ فيه(3)حُجّةً قاطعةً و طَريقةً واضحةً‌، فمِن أينَ حَكَمتَ بأنّنا(4)لا نَتمكَّنُ مِن ذلكَ في النصِّ علَى الحَسَنِ و الحُسَينِ و مَن بَعدَهما مِن الأئمّةِ عليهم السلامُ إلىٰ وقتِنا(5)هذا؟ و قد كانَ أقَلُّ (6)ما يَجِبُ أن تَذكُرَ(7)ما يُتعلَّقُ به(8)في هذا البابِ و تَتعاطىٰ (9)إفسادَه، ثُمّ تَحكُمَ (10)بالحُكمِ الذي اعتَمَدتَ عليه.

و أمّا قولُكَ : «إنّ الوجوهَ التي يُمكِنُهم ذِكرُها في النصِّ علىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ لا يُمكِنُ ذِكرُها و ادّعاءُ مِثلِها في النصِّ علىٰ إمامِ كُلِّ زمانٍ ».

فإن(11)أرَدتَ بقَولِكَ «مِثلِها» ما يَجري مَجراها(12)في الدلالةِ و الحُجّةِ و قَطعِ


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «لأنّه».

2) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 195-197.

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «أن يذكر من الحجج علىٰ ذلك».

4) . في «د» و المطبوع: «أنّا».

5) . في «ص»: «زماننا».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «أوّل».

7) . في «ب، ص، ف»: «أن يذكر».

8) . هكذا في النسخ. و في المطبوع و الحجري: «ما نتعلّق به».

9) . في «ب، ص، ف»: «و يتعاطىٰ ».

10) . في «ب، ص، ف»: «يحكم».

11) . في «ب، ج، ص، ف»: «فإذا».

12) . هكذا في النسخ. و في المطبوع: «مجراهما».

العُذرِ(1)و إزالةِ الرَّيبِ‌، فنَحنُ بحَمدِ اللّٰهِ تَعالىٰ نَتمكَّنُ مِن ذلكَ‌، و سَنَذكُرُه.

و إن أرَدتَ أنّا لا نَتمكَّنُ في باقي الأئمّةِ عليهم السلامُ مِن نَصٍّ يَرويهِ المُوافِقُ و المُخالِفُ‌، و يُجمِعُ علىٰ نَقلِه جماعةُ المُسلِمينَ - و إن اختَلَفوا في تأويلِه - كالنُّصوصِ علىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ‌، فهو صَحيحٌ‌، إلّاأنّ فَقْدَ التمكُّنِ‌(2)مِن ذلكَ لا يُخِلُّ بصِحّةِ المَذهبِ‌، الذي إنّما قَصَدتَ إلىٰ إفسادِه، و شَرَعتَ في الاستدلالِ علىٰ أنّه لا دليلَ للّٰهِ تَعالىٰ عليه.

و لا مَنفَعةَ لكَ و لِمَن وافَقَكَ في أن يَكونَ بعضُ الأدِلّةِ و الطرُقِ مفقوداً في هذا المَوضِعِ‌، إذا قامَ مَقامَه ما يَجري في الحُجّةِ مَجراه(3)، و يَقطَعُ العُذرَ كقَطعِه.

علىٰ أنّ النصوصَ علىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ غيرُ مُتَّفِقةِ الطرُقِ‌؛ لأنّ فيها ما يَرويهِ جميعُ الرواةِ‌، و يُسلِّمُ‌(4)صحّتَه جميعُ الأُمّةِ‌؛ كخبرِ الغَديرِ، و قولِه: «أنتَ مِنّي بمَنزِلةِ هارونَ مِن موسىٰ‌»، و ما يَجري مَجراهما. و فيها ما يَشتَرِكُ العامّةُ و الخاصّةُ في نَقلِه، و إن كانَ مِن جِهةِ الخاصّةِ و مِن(5)طُرُقِ الشيعةِ مُتَواتِراً ظاهراً، و مِن طُرُقِ

العامّةِ يَرويهِ (6)الآحادُ و يَذكُرُه الأفرادُ، كخبرِ يَومِ الدارِ(7)، و ما أشبَهَه. و فيها ما


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «و قطع العناد».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «التمكين».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «ما يجري مجراه في الحجّة».

4) . في «د»: «و سلّم». و في المطبوع: «و تسلم».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: - «من».

6) . في «ج، ص، ف»: «ترويه».

7) . يوم الدار و يسمّىٰ يوم الإنذار أيضاً، و المراد بالدار دار أبي طالب - رضوان اللّٰه عليه -، و ذلك لمّا أنزل اللّٰه تعالىٰ علىٰ نبيّه صلّى اللّٰه عليه و آله (وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) [الشعراء (26):214]، فدعاهم صلّى اللّٰه عليه و آله إلىٰ دار عمّه أبي طالب، و هم يومئذ أربعون رجلاً

يَختَصُّ الشيعةُ بنَقلِه، و لا يُشارِكُها فيه مُخالِفُها(1)، كألفاظِ النصِّ الصريحةِ‌(2). و مِثلُ هذا القِسمِ‌(3)موجودٌ في النصوصِ‌(4)علىٰ سائرِ الأئمّةِ عليهم السلامُ ، و إن(5)لَم يوجَدْ فيها مِثلُ القِسمَينِ الأوّلَينِ ؛ و قد بيّنّا أنّ ذلكَ لا يُخِلُّ بالحُجّةِ .

تفصيل الدليل علىٰ إمامة الأئمّة الاثني عشر

و لنا في الاستدلالِ علىٰ إمامةِ الحَسَنِ ، و مَن بَعدَه مِن الأئمّةِ عليهم السلامُ إلىٰ عصرِنا هذا، طَريقانِ :

أحَدُ هما: الرجوعُ إلَى النقلِ الظاهرِ بَينَ الشيعةِ ، الواردِ مَورِدَ الحُجّةِ ، بنَصِّ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه مُجمَلاً و مُفصَّلاً(6)، و كذلكَ ما وَرَدَ عن أميرِ المؤمنينَ عليه

يزيدون رجلاً أو ينقصون رجلاً، و فيهم أعمامه: أبو طالب، و العبّاس، و حمزة، و أبو لهب. فكلّمهم رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و كان من جملة ما قال لهم: «يا بني عبد المطلب، إنّي و اللّٰه ما أعلم شابّاً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به، جئتكم بخير الدنيا و الآخرة، و قد أمرني اللّٰه أن أدعوكم إليه، فأيّكم يؤازرني علىٰ أمري هذا علىٰ أن يكون أخي و وصيّي و خليفتي فيكم ؟» فأحجم القوم غير عليّ عليه السلام و كان أصغرهم إذ قام فقال: «أنا يا نبيّ اللّٰه أكون وزيرك عليه»، فأخذ رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله برقبته و قال: «إنّ هذا أخي و وصيّي و خليفتي فيكم، فاسمعوا له و أطيعوا»، فقام القوم يضحكون و يقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك و تطيع. الطبقات الكبرى، ج 1، ص 147؛ تاريخ الطبري، ج 2، ص 321؛ تهذيب الآثار، ص 62، ح 127؛ الكامل لابن الأثير، ج 2، ص 63؛ المنتظم، ج 2، ص 367؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 42، ص 46 و 49، الرقم 4933؛ البداية و النهاية، ج 3، ص 40؛ كنز العمّال، ج 13، ص 114، ح 36371، و ص 133، ح 36419.


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «و فيها ما يختصّ الشيعة بنقلها فلا يشركها فيها مخالفها».

2) . راجع: الشافي، ج 2، ص 311-315.

3) . أي القسم الأخير.

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «في النصّ ».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «و لو».

6) . في «ج، ص، ف»: «أو تفصيلاً». و في «ب»: «أو مفصّلاً».

السلامُ في ذلكَ‌؛ لأنّ الأخبارَ مُتَظاهِرةٌ عنه بَينَ الشيعةِ‌، يَنقُلُها خَلَفٌ عن سَلَفٍ‌، بنَصِّه بالإمامةِ علَى الحَسَنِ عليه السلامُ في مَقاماتٍ كَثيرةٍ‌، و بإشارتِه إلَى الأئمّةِ مِن ولدِ الحُسَينِ بأعيانِهم(1)و صِفاتِهم، و كذلكَ القولُ‌(2)في نَصِّ الحَسَنِ علَى الحُسَينِ عليهما السلامُ‌، و نَصِّ كُلِّ واحدٍ علىٰ مَن بَعدَه. و لَولا أنّ كتابَنا يَضيقُ عن(3)

استقصاءِ الرواياتِ في هذا(4)البابِ‌، لَذَكرنا ما وَرَدَ مِن النصوصِ في إمامةِ كُلِّ واحدٍ مِن الأئمّةِ عليهم السلامُ بألفاظِه و طُرُقِه. و مَن أرادَ الوقوفَ علىٰ ذلكَ فعَلَيه بكُتُبِ حَديثِ (5)الشيعةِ (6)فإنّه يَقِفُ مِن ذلكَ علىٰ ما لا يَستَجيزُ معه أن يُطلِقَ القولَ بأنّه لا يُمكِنُ في إمامتِهم عليهم السلامُ ما أمكَنَ (7)في إمامةِ أبيهِم أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ .

و لَيسَ يُمكِنُ الطعنُ في هذه الأخبارِ بأنّها آحادٌ، و أنّ شُروطَ الأخبارِ المُتَواتِرةِ مفقودةٌ فيها؛ و ذلكَ أنّ الشيعةَ في هذا الوقتِ لا شُبهةَ في كَثرتِها، و استحالةِ اتّفاقِ الكَذِبِ منها و التواطؤِ عليه(8)و هي تَدَّعي أنّها أخَذَت هذه الرواياتِ عن سَلَفِها، و أنّ سَلَفَها أخبَرَها بمِثلِ ذلكَ عن سَلَفِها(9)، حتّىٰ يَنتَهيَ الخبرُ إلىٰ أصلِه.

و قد بيّنّا فيما تَقدَّمَ - عندَ الكلامِ في النصِّ الصريحِ علىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه


1) . في «ب، د» و المطبوع: «بأعدادهم».

2) . في «ج، ص، ف»: «نقول».

3) . في «د»: «على».

4) . في «ب»: - «هذا».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: - «حديث».

6) . مثل الكافي للكليني، ج 1، ص 286-329 (ج 1، ص 116-134، ط. الإسلاميّة)؛ و إثبات الهداة بالنصوص و المعجزات للحرّ العاملي، و غيرها.

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «ما يمكن».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «علىٰ شيء».

9) . في «ج، ص»: «عن سلف». و في «ب، ف»: «عن سلفه».

السلامُ - صحّةَ (1)هذه الطريقةِ ، و أجَبنا عن الأسئلةِ و الزياداتِ (2)عليها(3)فلا حاجةَ بنا(4)إلَى استقصائها هاهُنا(5).

و أمّا(6)الطريقةُ الثانيةُ‌: فهو أن يُعتَمَدَ(7)في إمامةِ كُلِّ واحدٍ منهم علىٰ طَريقةِ الاعتبارِ، و البِناءِ‌(8)علَى الأُصولِ المُتقرِّرةِ في العقولِ‌، مِن غيرِ رجوعٍ إلَى النقلِ‌؛ فنَقولُ في إمامةِ الحَسَنِ عليه السلامُ‌: إنّ الناسَ‌، لمّا قَبَضَ اللّٰهُ تَعالىٰ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ إلىٰ جَنبِه(9)، كانوا في بابِ الإمامةِ علىٰ ضُروبٍ‌:

فمنهم مَن نَفاها و ادَّعىٰ أنّه لا إمامَ في العالَمِ‌، و هُم الخَوارجُ‌(10)و مَن وافَقَهم.

و قولُهم يُبطِلُه قيامُ الدلالةِ‌(11)العقليّةِ علىٰ وجوبِ الإمامةِ ، و قد(12)تَقدَّمَت.(13)

و منهم مَن قالَ بإمامةِ مُعاويةَ بنِ أبي سُفيانَ . و يُبطِلُ قولَ هؤلاءِ : ما يَعتَرِفونَ (14)مَعَنا به مِن فَقْدِ عِصمتِه، التي قد(15)تَقدَّمَت دَلالتُنا علىٰ وجوبِ اعتبارِها في


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «علىٰ صحّة».

2) . هكذا في النسخ. و في المطبوع: «و الإيرادات».

3) . تقدّم ذلك في ج 2، ص 330 و ما بعدها.

4) . في «ب، ج، ص، ف»: - «بنا».

5) . في «ب»: «هنا» بدل «هاهنا».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «فأمّا».

7) . في «ج، ف»: «أن نعتمد».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «و على البناء».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: - «إلىٰ جنبه».

10) . الملل و النحل، ج 1، ص 116.

11) . في «ب»: «الأدلّة».

12) . في «ب، ج، ص، ف»: «فقد».

13) . تقدّمت في ج 1، ص 221.

14) . هكذا في النسخ. و في المطبوع: «ما يفترقون».

15) . في «ب، ج، ص، ف»: - «قد».

الإمامِ‌.(1)و هذا كافٍ في إبطالِ إمامتِه، و إن كانَ لنا أن نَتخطّىٰ ذلكَ إلىٰ ما ظَهَرَ مِن كُفرِه و فِسقِه و مُجاهَرتِه(2)بما يَنفي العَدالةَ و يَرفَعُ حُكمَ الإسلامِ‌.

و منهم مَن قالَ بإمامةِ مُحمّدِ بنِ الحَنَفيّةِ - رِضوانُ اللّٰهِ عليه(3)- و هؤلاءِ أحَدُ فِرَقِ الكَيسانيّةِ‌(4).

و يَبطُلُ قولُ هؤلاءِ‌، إذا ادَّعَوا في مُحمّدِ بنِ الحَنَفيّةِ ما نوجِبُه للأئمّةِ مِن العصمةِ‌

و غيرِها، و حَمَلوا أنفسَهم - أعني هؤلاءِ القومَ مِن الكَيسانيّةِ - علىٰ هذه المَقالةِ‌.

و قد بيّنّا علىٰ ذلكَ أنّ ابنَ الحَنَفيّةِ ما زالَ تابعاً لأخَوَيه عليهما السلامُ‌، مُقدِّماً لهُما علىٰ نفسِه، راجعاً إليهما(5)، و مُعوِّلاً عليهما. و المفضولُ لا يَكونُ إماماً، و حالُهما عليهما السلامُ في العِلمِ و الفَضلِ‌(6)عليه ظاهرةٌ لا تَخفىٰ‌(7)علىٰ مَن سَمِعَ الأخبارَ.

و بَعدُ، فإنّه حَضَرَ البَيعةَ لهُما بالإمامةِ‌، و كانَ راضياً بِهما(8)غيرَ مُنازِعٍ و لا مُنكِرٍ، و التقيّةُ منهما عنه(9)زائلةٌ‌؛ فكَيفَ يَكونُ مع كُلِّ (10)ذلكَ إماماً دونَهما؟


1) . تقدّمت في ج 2، ص 135 و ما بعدها.

2) . هكذا في «د». و في «ب، ج، ص، ف»: - «و مجاهرته». و في المطبوع: - «و فسقه».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: - «رضوان اللّٰه عليه».

4) . و هي الفرقة التي ساقت الإمامة بعد أمير المؤمنين عليه السلام إلى ابنه محمّد بن الحنفيّة مباشرة، و سمّاها البعض: «الرزاميّة» أتباع رِزام بن رِزام، و هي إحدىٰ فرق الكيسانيّة التي قالت كلّها بإمامة محمّد. راجع: الفرق بين الفرق، ص 57؛ الملل و النحل، ج 1، ص 153.

5) . في «ج، ص، ف»: «و قد شاهدوا محمّداً رحمه اللّٰه في جميع أحواله بعد أمير المؤمنين عليه السلام راجعاً إليهما». و في «ب»: «و قد بيّنّا مقولة محمّد رحمه اللّٰه في جميع أحواله بعد أمير المؤمنين عليه السلام راجعاً إليهما».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «في الفضل و العلم».

7) . في «ج، د، ص، ف»: «لا يخفىٰ ».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: - «بهما».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: «و التقيّة عنه منهما».

10) . في «ب، ج، ص، ف»: - «كلّ ».

و أيضاً: فإنّ هؤلاءِ الكَيسانيّةَ‌، و مَن وافَقَهم في إمامةِ مُحمّدِ بنِ الحَنَفيّةِ اختَلَفوا:

فادَّعىٰ بعضُهم أنّها كانَت له بَعدَ أخَوَيه(1)بَعدَ تَشتُّتِ أهوائهم، و تَفرُّقِ آرائهم.

و ادَّعىٰ بعضُهم حياةَ محمّدٍ، و أنّه بَينَ أسَدٍ و نَمِرٍ في جِبالِ رَضوىٰ‌، إلىٰ غيرِ ذلكَ مِن المَذاهبِ التي أَلجأَتهم الحَيرةُ إليها(2). و قد انقَرَضوا، فلا عَينَ لهُم و لا أثَرَ مُنذُ السِّنينَ الطِّوالِ‌، و ما رأَينا(3)أحَداً منهم، و لا مَن كانَ قَبلَنا بمُدَدٍ بَعيدةٍ‌؛ فلَو كانَ قولُهم حَقّاً لَما جازَ أن يَنقَرِضوا(4)حتّىٰ لا يَقولَ قائلٌ به(5)مِن الأُمّةِ في زمانٍ بَعدَ زمانٍ‌، و لا في زمانٍ واحدٍ؛ لأنّ الحَقَّ لا يَخرُجُ عن أقوالِ جميعِ‌(6)الأُمّةِ‌.

فلَم يَبقَ إلّاقولُ مَن قالَ بإمامةِ الحَسَنِ‌، و هُم علىٰ ضَربَينِ‌:

منهم مَن ذَهَبَ إليها مِن طريقِ الاختيارِ(7)، و قولُ هؤلاءِ يَفسُدُ بما دَلَّلنا(8)عليه مِن وجوبِ النصِّ .

فلَم يَبقَ إلّاقولُ مَن أوجَبَها بالنصِّ عليه. و هو الحَقُّ المُبينُ (9)لأنّه لَو ساوىٰ هذا القولُ ما تَقدَّمَ مِن الأقوالِ في الفَسادِ، لَاقتَضىٰ ذلكَ خُروجَ الحَقِّ مِن الأُمّةِ ؛ و قد بيّنّا ذلكَ .


1) . في «ج، ص، ف»: «و ادّعىٰ بعضهم أنّها كانت بعد أخويه له».

2) . راجع المصادر المتقدّمة آنفاً.

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «و لا رأينا».

4) . في «ب، ج، د، ص»: «أن ينقرض».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: - «قائل به».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: - «جميع».

7) . كالمعتزلة، و منهم القاضي عبد الجبّار، فقد أثبت إمامة الإمام الحسن عليه السلام ببيعة فريق من الناس له بعد موت أمير المؤمنين عليه السلام. راجع: المغني، ج 20 (القسم الثاني)، ص 145.

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «و هو يفسد بما ذكرنا و دلّلنا عليه».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: «المتين».

و أنتَ إذا اتَّبَعتَ‌(1)هذه الطريقةَ و سَلَكتَها في إمامةِ الحُسَينِ عليه السلامُ و مَن بَعدَه مِن الأئمّةِ‌، وَجَدتَها نَهجاً واضحاً و طَريقاً جَدَداً(2)لأنّ كُلَّ مَن ذَهَبَ في الإمامةِ إلىٰ‌(3)غيرِ مَذهبِنا في إمامِ كُلِّ زمانٍ بعَينِه إمّا أن يَنفيَ وجوبَها، أو يُثبِتَها لِمَن يَعتَرِفُ بنَفيِ صفاتِ الأئمّةِ‌(4)- التي أوجَبناها بحُجَجِ العقولِ - عنه(5)، أو يَدَّعيَ حياةَ‌

مَيّتٍ قد عُلِمَ ضَرورةً مَوتُه(6)، أو يُثبِتَها بطَريقٍ مِثلِ الاختيارِ، أو الدعوةِ علىٰ مَذهبِ الزيديّةِ‌؛ و قد دَلَّت العقولُ أيضاً علىٰ أنّ الطريقَ إليها لا يَكونُ إلّاالنصَّ و المُعجِزَ(7).

و هذه الطريقةُ إذا سُلِكَت في إمامةِ صاحبِ زمانِنا هذا(8)عليه السلامُ كانَت أوضَحَ مِن غيرِها، و أحسَمَ لكُلِّ شُبهةٍ‌، و أقطَعَ لكُلِّ شَغْبٍ‌(9)لأنّ الإمامَ إذا وَجَبَت عِصمتُه و النصُّ عليه، فلَم يَبقَ في أقوالِ المُختَلِفينَ‌(10)في إمامِ هذا الزمانِ ما(11)يَجوزُ أن يَكونَ مُطابِقاً لهذه الأدِلّةِ إلّاقولانِ :

قولُ الإماميّةِ ، الذاهبينَ إلىٰ إمامةِ ابنِ الحَسَنِ عليه السلامُ .


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «تتبّعت».

2) . أي مستقيماً مستوياً، أو واضحاً، يقال: هذا طريق جَدَدٌ: إذا كان مستوياً لاحَدَب فيه. راجع: لسان العرب، ج 3، ص 109؛ الطراز، ج 5، ص 263 (جدد).

3) . في «ص»: - «إلىٰ ».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «لمن ينفي وجوبها بصفات الأئمّة».

5) . في «ب، ج، ص، ف»: «عليه».

6) . هذه إشارة إلىٰ قول الواقفة. و سوف يأتي تصريح المصنّف رحمه اللّٰه بذلك بعد قليل.

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «أو المعجز».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «صاحب الزمان».

9) . في «د»: «شغبة».

10) . في «ج، ص، ف»: «من أقوال» بدل «في أقوال المختلفين».

11) . في «د»: «ممّا».

و قولُ شُذّاذٍ لَم يَبقَ منهم إلّاصُبابةٌ‌(1)، قد كادَ الانقراضُ يأتي عليهم كَما أتىٰ علىٰ أمثالِهم، و هُم الواقفةُ علىٰ موسَى بنِ جعفرٍ(2)عليه السلامُ‌. و هؤلاءِ يُبطِلُ قولَهم - و إن كانَت الشُّبهةُ به زائلةً في وقتِنا هذا - ما يَعلَمُه جميعُ الأُمّةِ ضَرورةً‌؛ مِن(3)وفاةِ موسَى بنِ جعفرٍ عليه السلامُ‌، و مُشاهَدةِ كَثيرٍ مِن الناسِ له مَيّتاً علىٰ حَدٍّ إن لَم يَزِدْ في الوضوحِ علىٰ مَوتِ آبائه عليهم السلامُ لَم يَنقُصْ عنه.

فلَم يَبقَ ما يَجوزُ أن يَكونَ صَحيحاً إلّاقولُ مَن ذَهَبَ إلىٰ إمامةِ ابنِ الحَسَنِ ؛ فيَجِبُ أن يَكونَ صَحيحاً، و إلّاأدّىٰ ذلكَ إلىٰ أنّ الحَقَّ مفقودٌ مِن أقوالِ الأُمّةِ .

و هذه الجُملةُ (4)تُبيِّنُ أنّ ما ادَّعىٰ صاحبُ الكتابِ تَعذُّرَه علينا مُمكِنٌ مُتَسهِّلٌ (5)، بحَمدِ اللّٰهِ و مَنِّه(6).

زيادة الخوف علىٰ صاحب الزمان عليه السلام من الأعداء، أكثر من غيره من الأئمّة عليهم السلام

فأمّا قولُه: «إنّ الغَيبةَ إن كانَ الخَوفُ سببَها فقَد كانَ يَجِبُ أن يَحصُلَ غَيبةُ الأئمّةِ في أيّامِ بَني أُمَيّةَ و كَثيرٍ مِن أيّامٍ بَني العَبّاسِ ؛ لأنّ الخَوفَ كانَ هُناكَ أظهَرَ و أكثَرَ».

فأوّلُ ما نَقولُه في ذلكَ : أنّ الأمرَ بخِلافِ ما ظَنَّه مِن زيادةِ الخَوفِ في تلكَ الأيّامِ علىٰ غيرِها؛ لأنّا نَعلَمُ أنّ مَن عَدا(7)إمامَ زمانِنا عليه السلامُ مِن آبائه عليهم السلامُ لَم


1) . الصُّبابَة: البقيّة اليسيرة من الشراب تبقىٰ في أسفل الإناء. النهاية، ج 3، ص 5 (صبب).

2) . في «ب، ج، ص، ف»: + «بن محمّد».

3) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: - «من».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «و هذه جملة».

5) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «سهل».

6) . في «ب، ج، ص، ف»: «و بمنّه».

7) . في «ج، ص، ف»: «من تقدّم».

يَكُن أحَدٌ منهم يُدَّعىٰ له و يُحكَمُ فيه و يُنتَظَرُ منه إظهارُ العَدلِ‌(1)في مَشارقِ الأرضِ‌

و مَغارِبِها، و ابتزازُ الأمرِ(2)مِن أيدي الجائرينَ‌(3)و المُتغلِّبينَ‌؛ و لا(4)أنّه صاحبُ الزمانِ‌، و المَهديُّ المُنتَظَرُ لإصلاحِ ما فَسَدَ مِن الأُمورِ، و ارتجاعِ ما غُصِبَ مِن الحقوقِ‌. و هذا كُلُّه موجودٌ في إمامةِ صاحبِ الزمانِ‌، مفقودٌ في إمامةِ مَن تَقدَّمَه مِن آبائه عليهم السلامُ أجمَعينَ‌(5)و لهذا كُتِمَت(6)وِلادتُه، و أُخفيَ في الابتداءِ أمرُه.

و كَيفَ لا يَكونُ الحالُ كذلكَ‌، و لمّا ماتَ الحَسَنُ عليه السلامُ جَمَعَ جَواريَه و سَراريَه(7)و احتاطَ عليهم المُتملِّكُ في ذلكَ الوقتِ للأمرِ(8)ليَظهَرَ له ميلادُ القائمِ عليه السلامُ - الذي يُنتَظَرُ منه العَجائبُ‌، و قَلبُ الدُّوَلِ و المَمالكِ - و لَم يَعلَمْ أنّ ميلادَه قد تَقدَّمَ‌، و أنّه عليه السلامُ وُلِدَ قَبلَ وفاةِ أبيه بزَمانٍ طويلٍ؟ فكَيفَ يَجمَعُ مُنصِفٌ بَينَ أحوالِ صاحبِ الزمانِ مع ما ذَكرناه، و أحوالِ مَن تَقدَّمَ مِن آبائه عليهم السلامُ ، فيما يَقتَضي الخَوفَ و الغَيبةَ و الاستتارَ و الأمنَ؟


1) . في «ب، ص، ف»: «إظهار العذر».

2) . في «ب، ج، ف»: «الأرض».

3) . في «ب، ج، ص، ف»: «الجبّارين».

4) . عطف على «يدّعى له» أي: و لا أنّ أحداً من الأئمّة يدّعى له.

5) . في المطبوع: «سلام اللّٰه عليهم أجمعين». و في «ب، ج، ص، ف»: - «أجمعين».

6) . في «ج، ص، ف»: «و لهذا ما كتمت».

7) . قال الجوهري: «السُّرِّيَّة: الأمَة التي بَوَّأتَها بيتاً، و هي فُعْلِيَّة، منسوبة إلى السرّ، و هو الجماع أوالإخفاء؛ لأنّ الإنسان كثيراً ما يُسِرُّها و يَستُرُها من حُرّته، و إنّما ضُمّت سينُه لأنّ الأبنية قد تُغيّر في النسبة خاصّة، كما قالوا في النسبة إلى الدهر دُهْرِيّ ، و إلى الأرض السَّهلة سُهليّ ، و الجمع: سراري. و كان الأخفش يقول: إنّها مشتقّة من السرور؛ لأنّه يُسَرُّ بها، يقال: تَسَرَّرْتُ جارية، و تَسَرَّيتُ أيضاً، كما قالوا: تَظَنَّنْتُ و تَظَنَّيْتُ ». الصحاح، ج 2، ص 682 (سرر).

8) . في «ب، ج، ص، ف»: - «للأمر».

و كَيفَ يُضَمُّ - في بابِ الخَوفِ و التقيّةِ مِن المُتملِّكينَ للأُمورِ و المُستَبِدّينَ بالدُّوَلِ - بَينَ مَن لا يَخافونَه علىٰ ما في أيديهِم و لا يُنازِعُهم شَيئاً مِن أُمورِهم و لا يُقضىٰ له و لا يُدَّعىٰ فيه أنّه المنصورُ عليهم، و السالبُ لنِعمتِهم(1)، و بَينَ مَن يَجتَمِعُ‌(2)فيه هذه الصفاتُ؟ و الفَرقُ بَينَ هذَينِ‌(3)الأمرَينِ فيما يَدعو إلَى الخَوفِ و التقيّةِ أوضَحُ مِن أن يُطنَبَ فيه، و هو بالعكسِ ممّا قَضىٰ به صاحبُ الكتابِ‌!

علىٰ أنّ أحوالَ الخائفِ إنّما يُرجَعُ (4)فيها إلَى اعتقاداتِه و ظُنونِه(5)، و اعتقاداتُه و ظُنونُه(6)بحَسَبِ ما يَظهَرُ له مِن الأماراتِ التي تَقتَضي الخَوفَ أو الأمنَ ، و لا

مَرجِعَ في(7)أحوالِ الإنسانِ - مِن خَوفٍ و أمنٍ - إلىٰ غيرِه؛ و لهذا(8)نَجِدُ كَثيراً مِن العقلاءِ يُقدِمُ في بعضِ المَجالسِ التي يَلزَمُ فيها الخَوفُ و التقيّةُ في الظاهرِ علىٰ أفعالٍ و أقوالٍ لا نَراه يُقدِمُ علىٰ مِثلِها في غيرِ ذلكَ المَجلسِ ممّا(9)لا يَظهَرُ لنا فيه قُوّةُ أماراتِ الخَوفِ ، و لا يَلزَمُ أن نَنسِبَه(10)إلَى السَّفَهِ مِن حَيثُ لَم يَظهَرْ لنا ما ظَهَرَ له؛ لأنّه يَجوزُ أن يَختَصَّ بأماراتٍ تَقتَضي شِدّةَ الخَوفِ في المَوضِعِ الذي يَظهَرُ لنا فيه ضَعفُ الخَوفِ ، و يَختَصَّ بأماراتٍ تَقتَضي ضَعفَ الخَوفِ في المَوضِعِ الذي


1) . في «ب، ج، ص، ف»: «أنّه المنصوص عليه و السالب لنعمهم».

2) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «تجتمع».

3) . في «ج، ص، ف»: - «هذين».

4) . في «د»: «ترجع».

5) . هكذا في النسخ. و في المطبوع: «فظنونه».

6) . في «د» و المطبوع: - «و ظنونه». و في «ف»: - «و اعتقاداته و ظنونه».

7) . في «ب، ج، ص، ف»: «و لا يرجع» بدل «و لا مرجع في».

8) . في «ب، ج، ف»: + «الحدّ».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: «فيما».

10) . في «ج، ص»: «أن تنسبه». و في «د»: «أن ينسبه».

يَظهَرُ لنا قُوّتُه، و العاداتُ تَشهَدُ بِما ذَكرناه شَهادةً لا يُحتاجُ (1)معها إلَى الإكثارِ فيه.

بيان أنّ سبب الغيبة هو فِعل الظالمين

فأمّا قولُه: «و كَيفَ‌(2)تَصِحُّ‌(3)الغَيبةُ مع شِدّةِ الحاجةِ إلَى الإمامِ فيما يَتَّصِلُ بالتكليفِ؟ و لَئن جازَ ذلكَ لِيَجوزَنَّ أن لا يَنصِبَ [جلَّ و عَزَّ](4)الأدِلّةَ للمُكلَّفِ‌(5)مع قيامِ التكليفِ‌».

فقَد مضَى الكلامُ في هذا المعنىٰ مُستَقصىً‌، و تَكرَّرَ في أثناءِ نَقضِنا عليه(6). و بيّنّا أنّ سببَ الغَيبةِ هو فِعلُ الظالمينَ‌، و تقصيرُهم فيما يَلزَمُ مِن تمكينِ الإمامِ فيه(7)، و الإفراجِ بَينَه و بَينَ التصرُّفِ فيهم(8). و بيّنّا أنّهم مع الغَيبةِ مُتمكِّنونَ مِن مَصلَحتِهم بأن يُزيلوا السببَ الموجِبَ للغَيبةِ‌؛ ليَظهَرَ الإمامُ و يَنتَفِعوا بتدبيرِه و سياستِه.

و فَرَّقنا بَينَ ذلكَ و بَينَ أن لا يَنصِبَ اللّٰهُ تَعالَى الأدِلّةَ للمُكلَّفِ ، أو لا يُمكِّنَه، بأن قُلنا: لَو فَعَلَ ذلكَ - تَعالىٰ عنه عُلوًّا كَبيراً(9)- لَكانَ مُكلِّفاً لِما(10)لا يُطاقُ ، و لَكانَ فَقدُ العِلمِ و الانتفاعِ به مِن قِبَلِه تَعالىٰ خاصّةً ، و لا مَدخَلَ للمُكلَّفِ فيه، و لا أُتيَ فيه مِن


1) . في «د»: «لا نحتاج».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «فكيف».

3) . في «ب، د»: «يصحّ ».

4) . ما بين المعقوفين استفدناه من عبارة المغني المتقدّمة.

5) . في «ب»: «المكلّف».

6) . تقدّم في ج 1، ص 390-392 و ج 2، ص 115-117.

7) . في «د»: - «فيه».

8) . في «ب، ج، ص، ف»: «فيه».

9) . في «ب، ج، ص، ف»: - «عنه علوّاً كبيراً».

10) . في «ص»: «بما».

تقصيرِه. و غَيبةُ الإمامِ بخِلافِ ذلكَ ؛ لأنّ التمكُّنَ مِن المَصالحِ معها ثابتٌ ، و ما فُقِدَ مِن المَنافعِ بالغَيبةِ مَرجِعُه إلَى الظالمينَ الذين سَبَّبوها و أَلجَؤوا إليها.

بيان ما يجوز من حراسة إمام الزمان عليه السلام ممّا يُخاف عليه، و ما لا يجوز

فأمّا قولُه: «و هَلّا وَجَبَ علىٰ مَذهبِهم حِراسةُ إمامِ الزمانِ مِن جِهةِ اللّٰهِ تَعالىٰ‌، و أن يَعصِمَه مِن كُلِّ مَخافةٍ؟».

فإنّا نَقولُ له في ذلكَ‌: الحِراسةُ و العصمةُ مِن المَخافةِ علىٰ ضَربَينِ‌:

فمنها: ما لا يُنافي التكليفَ‌، و لا يُخرِجُ المُكلَّفَ إلىٰ حَدِّ الإلجاءِ‌. و هذا القِسمُ قد

فَعَلَه اللّٰهُ تَعالىٰ علىٰ أبلَغِ الوجوهِ‌، و حَرَسَ الإمامَ بالحُجّةِ‌، و أيَّدَه و نَصَرَه بالأدِلّةِ‌.

و أمّا القِسمُ الآخَرُ: فهو ما نافَى(1)التكليفَ‌، و أخرَجَ مِن استحقاقِ الثوابِ و العِقابِ‌. و إلزامُنا(2)هذا القِسمَ مِن عَجيبِ الأُمورِ؛ لأنّ الإمامَ إنّما يُحتاجُ إليه للمَصلَحةِ في التكليفِ ، فكَيفَ يُجمَعُ بَينَه و بَينَ ما نافاه التكليفُ (3)؟ و هَل هذا إلّا مُناقَضةٌ مِن المُلزِمِ ، أو قِلّةُ تأمُّلٍ لِما يَقولُه خُصومُه ؟!

بيان أنّ حقيقة «الفترة» تختصُّ الرسل، لا مطلق الحجّة الذي يشمل الإمام

فأمّا ما حَكاه عن واصِلِ بنِ عَطاءٍ مِن ذِكرِ الفَترةِ و الاستشهادِ بالقُرآنِ و إجماعِ علماءِ المُسلِمينَ عليها: فمِن بَعيدِ الكلامِ عن مَوقِعِ الحُجّةِ ؛ لأنّ قولَه تَعالىٰ : (يٰا أَهْلَ الْكِتٰابِ قَدْ جٰاءَكُمْ رَسُولُنٰا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلىٰ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مٰا جٰاءَنٰا


1) . في «ب»: «فهو منافي».

2) . في «ب، ج، ص، ف»: «فإلزامنا».

3) . هكذا في «د». و في «ب، ج، ص، ف»: «و بين ما نافى التكليف». و في المطبوع: «و بين مانافاه و نافى التكليف».

مِنْ بَشِيرٍ وَ لاٰ نَذِيرٍ) (1). هكذا في النسخ. و في المطبوع: - «فيه».(2)صَريحٌ في أنّ الفَترةَ تَختَصُّ الرسُلَ (3)، و أنّها عِبارةٌ عن الزمانِ الذي لا رسولَ فيه. و هذا إنّما يَلزَمُ مَن ادَّعىٰ أنّ في كُلِّ زمانٍ حُجّةً هو رسولٌ ، فأمّا إذا لَم يَزِد علَى ادّعاءِ حُجّةٍ و جَوازِ(4)أن يَكونَ رسولاً و غيرَ رسولٍ ، فإنّ هذا الكلامَ لا يَكونُ حِجاجاً عليه.

فأمّا ادّعاؤه إجماعَ علماءِ المُسلِمينَ علَى الفَتَراتِ بَينَ الرسُلِ‌: فإن أرادَ بالفَتَراتِ خُلوَّ الزمانِ مِن رسولٍ‌، فهو صَحيحٌ ، و لا فائدةَ في صِحّتِه. و إن أرادَ خُلوَّه مِن رسولٍ و حُجّةٍ (5)، فلا إجماعَ في ذلكَ ، و كُلُّ مَن يَقولُ بوجوبِ الإمامةِ في كُلِّ زمانٍ و عَصرٍ يُخالفُ في ذلكَ ؛ فكَيفَ يُدَّعَى الإجماعُ فيه(5)؟

و هذه الجُملةُ تُبيِّنُ فَسادَ جميعِ ما أورَدَه في الفَصلِ الذي حَكَيناه(6)إلىٰ آخِرِه.


1) . المائدة

2) :19.

3) . في «ص»: «بالرسل».

4) . في «ب، ج، ص، ف»: «و جوّز».

5) . في المطبوع و الحجري: «فإن أراد بالفترات خلوّ الزمان من رسول و حجّة» بدل «فإن أرادبالفترات خلوّ الزمان من رسول، فهو صحيح...» إلىٰ هنا.

6) . في «د»: «حكينا».

فهرس المطالب

تتمّة 6. فصل في إبطال ما دفع به ثبوت النصّ و ورود السمع به... 7

الكلام في صحّة نقل النصّ عن طريق أمير المؤمنين عليه السلام علىٰ إمامة نفسه... 9

استدلال الشيعة بالنصّ المرويّ عن الرسول صلى الله عليه و آله... 11

عدم دلالة سلوك أمير المؤمنين عليه السلام مع القوم علىٰ رضاه بإمامتهم... 11

علّة احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام علىٰ طلحة و الزبير بنكث البيعة دون النصّ ... 12

عدم دلالة ما نقله المخالفون علىٰ عدم النصّ ... 13

عدم توقّف صحّة دعوىٰ أمير المؤمنين عليه السلام الإمامةَ ، علىٰ عصمته... 15

عدم المنافاة بين نقل النصّ عن طريق أميرِ المؤمنين عليه السلام و غيرِه... 16

حصول العلم الضروريّ بكثرة من يدّعي النصّ من الشيعة... 20

عدم ثبوت معجزات الرسول - عدا القرآن - بالضرورة... 21

الكلام في تواتر النصوص التي ينقلها الشيعة و دلالتها... 23

صحّة ما تدّعيه الشيعة من لفظ النصّ و تواتره... 25

نفي «الاحتمال» عن النصّ ... 27

دلالة لفظ «الإمامة» في النصّ على الإمامة العامّة... 29

وجود عُرف شرعيّ في لفظ «الإمام»... 30

استعمال الصحابة للفظ «الإمامة» في حقّ ولاة الأمر... 32

إبطال أن يكون النصّ ناظراً إلىٰ إثبات إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بعد عثمان...... 33

إثبات كون النصّ أمراً و إيجاباً، لا إخباراً عن المستقبل... 34

مناقَشةُ دَعوَى الإجماعِ علىٰ إمامةِ أبي بَكرٍ... 38

بيان عدم دخول الاحتمال في النصّ ، و دخوله في الإجماع علىٰ أبي بكر... 41

نقض كلام القاضي بنفس طريقته... 43

تهافت كلام القاضي... 44

إلزام القاضي بنفس ما ألزم به القائلين بالنصّ ... 45

الكلام في الأدلّة الدالّة علىٰ إمامة أمير المؤمنين عليه السلام... 47

الدليل الأوّل و الثاني و الثالث: دليل العصمة، و الأفضليّة، و المطاعن... 49

تقرير المصنّف لدليل العصمة... 50

دليل الأفضليّة... 53

دليل المطاعن... 54

نفي أن يكون الخلاف في شيء دليلاً علىٰ بطلانه... 60

بيان الوجه الأَولىٰ في إبطال إمامة من تُدّعىٰ له الإمامة بلا استحقاق... 62

الدليل الرابع: آية الولاية... 65

تقرير المصنّف للاستدلال بآية الولاية... 66

البحث الأوّل: دلالة لفظة «وليّ » في اللغة على التدبير و الإمامة... 67

البحث الثاني: دلالة لفظة «وليّ » في الآية علىٰ معنى التدبير و الإمامة... 69

البحث الثالث: توجّه لفظة (الَّذِينَ آمَنُوا) في الآية إلىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلام... 73

البحث الرابع: اختصاص أمير المؤمنين عليه السلام بلفظة (الَّذِينَ آمَنُوا) دون غيره... 74

جواز حمل لفظ الجمع على الواحد... 76

وجوب تخصيص لفظة «الذين آمنوا»، و نفي عمومها... 77

نفي أن يكون حمل الآية علىٰ إمامة أمير المؤمنين عليه السلام مستلزماً...... 78

نفي دلالة لفظة «الركوع» على التواضع و الخضوع... 85

بيان عدم التنافي بين إيتاء الزكاة و الاشتغال بالصلاة... 88

بيان دلالة الآية علىٰ إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بعد الرسول صلى الله عليه و آله بلا فصل... 91

نفي دلالة الآية على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بعد عثمان...... 92

معنىٰ وصفه تعالىٰ بأنّه وليّنا... 92

صحّة وصف الرسول صلى الله عليه و آله بأنه وليّ بمعنىٰ إمضاء الحدود و الأحكام... 93

نفي دلالة لفظة «وليّ » علىٰ معنى النصرة... 94

دلالة اللغة علىٰ أنّ الركوع في الآية حالٌ لإيتاء الزكاة... 96

بيان حقيقة الزكاة التي آتاها أمير المؤمنين عليه السلام في حال الصلاة... 98

عدم دلالة الآية على الصلاة و الزكاة الواجبتين دون المستحبّتين... 104

نفي أن يؤدّي إيتاء الزكاة إلىٰ بطلان الصلاة... 106

نفي أن يكون الركوع جهة فضل للزكاة... 107

نفي دلالة الآية السابقة علىٰ آية الولاية، علىٰ عدم اختصاص آية الولاية...... 109

جواز اختصاص الآية السابقة علىٰ آية الولاية بأمير المؤمنين عليه السلام... 110

نفي تطبيق الآية السابقة علىٰ آية الولاية، علىٰ أبي بكر... 112

عدم دقّة صاحب المغني في نقله لكلام أبي مسلم الأصفهاني... 114

نفي نزول آية الولاية في حقّ عُبادة بن الصامت... 115

الدليل الخامس: آية (وَ إِنْ تَظٰاهَرٰا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللّٰهَ هُوَ مَوْلاٰهُ ...)... 116

نفي دلالة الآية على الإمامة، و إثبات دلالتها على الفضل... 117

دلالة (وَ صٰالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) علىٰ أنّ أمير المؤمنين عليه السلام أصلح القوم... 120

الدليل السادس: آية المُباهَلة... 124

دلالة آية المباهلة على الفضل... 126

إثبات دخول أمير المؤمنين عليه السلام في المباهلة... 126

نفي أن يكون سببُ حضور أمير المؤمنين عليه السلام في المباهلة...... 127

الدليل السابع: آية (أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ )... 131

نفي دلالة الآية علىٰ إمامة أمير المؤمنين عليه السلام... 131

الدليل الثامن: حديثُ الغَديرِ... 133

مقدّمة في بيان تقريرات الاستدلال بحديث الغدير على الإمامة... 137

التقرير الأوّل: الاستدلال بمقدّمة الحديث... 137

البحث الأوّل: بيان صحّة حديث الغدير و تواتره... 139

نفي أن يكون أحدٌ شكّ في صحّة حديث الغدير أو اعتقد بطلانه... 141

الاستدلال علىٰ صحّة حديث الغدير بالاحتجاج به في الشورىٰ ... 146

بيان صحّة مقدّمة حديث الغدير... 148

البحث الثاني: دلالة لفظة «مولىٰ‌» علىٰ معنىٰ «أولىٰ‌»... 151

البحث الثالث: دلالة لفظة «مولىٰ‌» في حديث الغدير علىٰ معنىٰ «أولىٰ »... 159

البحث الرابع: دلالة لفظة «أولىٰ » علىٰ معنى الإمامة... 163

بيان عموم إمامة أمير المؤمنين عليه السلام لكلّ ما يقوم به الأئمّة... 166

بيان عموم إمامة أمير المؤمنين عليه السلام لجميع الخَلق... 167

التقرير الثاني: طريقة التقسيم... 168

التقرير الثالث: طريقة الإطلاق... 171

مناقشة ما أورده القاضي علىٰ تقريرات الاستدلال بحديث الغدير... 172

نفي دلالة «مولىٰ » علىٰ إيجاب الموالاة، مع القطع على الباطن، و...... 175

بيان عموم الإمامة لكلّ الخلق و الأوقات، بناء علىٰ تفسير الولاية في...... 183

تقدُّم منزلة الإمامة علىٰ منزلة الموالاة المخصوصة... 184

نفي دلالة «مولىٰ » في حديث الغدير على «الموالاة»... 185

نفي شمول فرض طاعة أمير المؤمنين عليه السلام لحال حياة الرسول صلى الله عليه و آله... 187

عدم صحّة إرادة الموالاة المطلقة أو المخصوصة من حديث الغدير... 193

بيان تواتر مقدّمة حديث الغدير... 194

افتقار التقرير الأوّل لحديث الغدير إلى المقدّمة، خلافاً للثاني... 195

دلالة مقدّمة حديث الغدير علىٰ معنىٰ فرض الطاعة... 198

مشاركة الأُمّة للنبيّ و الإمام بمعنىً خاصّ من المشاركة... 199

إرجاع معنى الإشفاق و الرحمة إلىٰ معنىٰ فرض الطاعة... 201

نفي أن يكون فرض الطاعة غيرَ مقصود في مقدّمة حديث الغدير... 202

نفي لزوم تفسير مقدّمة الحديث بالإمامة... 202

التقرير الرابع: طريقة الإجماع... 205

بيان الحاجة إلىٰ مقدّمة الحديث لأجل إثبات الإمامة... 208

إبطال الأخبار التي استُدِلَّ بها علىٰ سبيل المعارضة على النصّ علىٰ أبي بكر... 213

بطلان حديثَي الخُلَّة و الاقتداء... 213

بطلان دلالة حديثَي الخُلّة و الاقتداء و غيرهما على النصّ‌... 219

نفي أن يكون حديث الغدير صادراً نتيجة منازعة مع...... 223

دلالة لفظة «مولىٰ‌» على الأولىٰ بالتدبير، و أقسام ما تُستعمل فيه من معانٍ‌... 228

صحّة إطلاق «مولىٰ‌» على الوالِد و المستأجِر مع التقييد... 229

صحّة إطلاق «مولىٰ‌» على الرئيس و السيّد... 230

صحّة إطلاق «مولىٰ » علىٰ مالك العبد من حيث كونه مالكاً لطاعته... 231

بيان عدم توقّف الاستدلال بحديث الغدير علىٰ دلالة «مولىٰ »...... 232

دلالة كلام أبي مسلم الأصفهانيّ علىٰ أنّ لفظة «وليّ » تُطلق علىٰ ...... 235

مخالفة كلام أبي مسلم لكلام القاضي... 238

جواز استعمال صيغة «المفاعلة» في الواحد و الاثنين... 239

جواز استفادة معنى الإمامة من اللغة... 239

تقرير ابن قبة الرازي للاستدلال بحديث الغدير... 243

نفي ادّعاء ابن قِبة الضرورةَ في معرفة النصّ على الإمامة من حديث الغدير... 244

الدليلُ التاسعِ‌: حديث المنزلة... 247

مقدّمة في الاستدلال بحديث المنزلة... 250

التقريرُ الأوّلُ ... 250

البحث الأوّل: إثبات صحّة حديث المنزلة... 251

البحث الثاني: إثبات أنّ هارون لو بقي حيّاً بعد موسىٰ لَخَلَفَه... 252

الوجه الأوّل: خلافة هارون لموسىٰ ... 252

الوجه الثاني: شراكة هارون لموسىٰ ... 256

نفي كون أمير المؤمنين عليه السلام مفترضَ الطاعة في حال حياة الرسول صلى الله عليه و آله... 258

نفي أن يكون الحديث ناظراً إلى المنازل التي كانت لهارون من جهة موسىٰ ... 259

البحث الثالث: إثبات أنّ الحديث يُثبت جميع المنازل إلّاما استُثني... 261

إبطال أن يكون الحديث مقصوراً علىٰ منزلة واحدة... 263

التقرير الثاني... 267

عودة إلىٰ مناقشة القاضي... 268

نفيُ أن يكون تقديرُ حصول الشيء مانعاً من وصفه بأنّه منزلة... 273

عدم توقّف الاستدلال بحديث المنزلة علىٰ وصف المقدَّر بأنّه «منزلة»... 276

نفي أن يكون الاستثناء في الحديث، معناه: «بعد نبوّتي»، لا «بعد موتي»... 282

بيان شمول التشبيه في الحديث للمنازل أنفسِها، لا لأوقاتها... 284

نفي الحاجة إلى اشتراط العيش بعد النبيّ في دلالة الحديث... 291

وجوب المطابقة بين الاستثناء و المستثنىٰ منه... 291

نفي خروج الاستثناء في الحديث عن حقيقته إذا تناول ما بعد الموت... 292

عدم دلالة الحديث علىٰ منازل أمير المؤمنين عليه السلام في حال حياة النبيّ صلى الله عليه و آله... 293

نفي دلالة صدر الحديث على الإمامة، لا في الحال و لا في المستقبل... 297

بيان أنّ منزلة خلافة هارون لموسىٰ هي إحدىٰ منازله، و إن كانت مقدّرة... 298

اعتراضُ القاضي بوِصايةِ يوشَعَ بنِ نونٍ ، و الجوابُ عن ذلكَ ... 300

اقتضاء خلافة هارون في حياة موسىٰ ، لخلافته له بعد موته... 305

بيان خلافة هارون لموسىٰ بقول موسىٰ و كلامه... 306

لزوم استخلاف موسىٰ لهارون عند غيبته... 309

تهافت كلام القاضي حول مسألة لزوم استخلاف هارون... 312

مناقشة ما ذكره القاضي من أنّ سبب الاستخلاف هو الغَيبة... 314

بيان أنّ إثبات الإمامة المخصوصة بحال دون حال يستلزم الإمامة العامّة... 315

بيان انفصال منزلة الإمامة عن النبوّة... 318

بيان انفصال منزلة خلافة هارون لموسىٰ في حياته، عن منزلة...... 318

خلط القاضي بين الاستدلال بالاستخلاف على المدينة، و...... 325

بيان أنّ فرض الطاعة و عموم الولاية يستلزمان إثبات الإمامة... 328

بيان وجه الاستدلال بالاستخلاف على المدينة علىٰ إمامة أمير المؤمنين عليه السلام... 329

بيان الفرق بين النبوّة و الاستخلاف في اقتضاء الإمامة... 332

مناقشة أن يكون سبب صدور حديث المنزلة هو إرجاف المنافقين... 337

عدم المنافاة بين تأويل الإماميّة للحديث، و تأويل القاضي... 339

نفي دلالة العرف على استعمال لفظة «المنزلة» في...... 339

بيان دلالة لفظ «المحلّ » و «الموقع» على الولاية... 340

في بيان كون الاستثناء في الحديث - بناءً علىٰ تأويل القاضي - استثناءً مجازيّاً... 341

بيان زوال شكّ المنافقين و إرجافهم بناءً علىٰ تأويل المنزلة بالولاية... 341

دلالة الحديث علىٰ منزلة خلافة أمير المؤمنين عليه السلام و...... 344

بيان وجه القطع علىٰ بقاء أمير المؤمنين عليه السلام حيّاً بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و آله... 345

إبطال تولية أبي بكر علىٰ أمير المؤمنين عليه السلام في الحجّ ، و...... 346

نفي أن يكون استخلاف غير أمير المؤمنين على المدينة عزلاً له... 349

تهافت كلمات القاضي حول تولّي هارون لشؤون الإمامة... 353

إشارة إلىٰ ما تقدّم من أنّ إمامة هارون كانت لاستخلاف موسىٰ له، لا لنبوّته... 354

بيان زوال أثر الاستخلاف علىٰ فرض تأثير النبوّة في القيام بشؤون الإمامة... 355

عدم توقّف الاستدلال بحديث المنزلة على الإمامة، علىٰ كون الاستخلاف ...... 357

بيان عدم وجوب الإمامة لشخصٍ بعينه... 358

عدم دلالة حديث المنزلة علىٰ نظريّة الإمامة بكلّ تفاصيلها... 359

نفي وجود مَن يساوي الرسول صلى الله عليه و آله و أمير المؤمنين عليه السلام في أيّام ولايتهما... 361

بيان الفرق بين الاستخلاف في حياة الرسول صلى الله عليه و آله، و بعد وفاته... 363

بيان عموم وصف الاستخلاف بأنّه منزلة، سواء كان الاستخلاف...... 364

الدليل العاشر: استخلافُ الرسولِ صلى الله عليه و آله عليّاً عليه السلام علَى المَدينةِ ... 366

نفي دلالة الاستخلاف على المدينة، على النصّ علىٰ أمير المؤمنين عليه السلام... 367

دلالة استخلاف الرسول صلى الله عليه و آله في حال غيبته في حياته، علىٰ ...... 368

بيان الفرق بين أصل الاستخلاف و بين عدد المستخلَفين في...... 371

نفي دلالة تبديل الخلفاء علىٰ عدم النصّ ... 372

نفي دلالة استخلاف الأُمراء لغيرهم، علىٰ مشاركتهم للرسول صلى الله عليه و آله في...... 373

الدليل الحادي عشر: حديث: «أنتَ أخي، و وَصيّي، و...... 375

بيان تواتر حديث: «خليفتي من بعدي»... 379

بيان اللفظ الدالّ على الإمامة من بين ألفاظ الحديث الذي نقله القاضي... 380

الدليل الثاني عشر: حديث المؤاخاة... 384

بيان دلالة بعض الأفعال و الأقوال على الإمامة... 386

دلالة المؤاخاة على التقارب في المنزلة... 387

بيان تكرّر واقعة المؤاخاة، و تعيين المؤاخاة الدالّة على الإمامة... 388

بيان دلالة المؤاخاة على الفضل و الإمامة... 388

الدليل الثالث عشر و الرابع عشر: حَديثُ الرايةِ ، و حَديثُ الطائرِ... 392

تقرير دلالة الحديثَين على الإمامة... 394

دلالة حديث الراية علىٰ أفضليّة أمير المؤمنين عليه السلام... 394

الدليل الخامس عشر: مجموعة من الأحاديث... 400

تواتر حديث التسليم بإمرة المؤمنين، و أحاديث أُخرىٰ ... 414

إشارة إلىٰ حصول شروط التواتر في نقل الشيعة... 415

جواب إجماليّ لأخبار عدم الاستخلاف أو استخلاف أبي بكر... 417

تفصيل الجواب... 418

أوّلاً: تفصيل الجواب عن أخبار عدم الاستخلاف... 418

مناقشة خبر عدم وصيّة أمير المؤمنين عليه السلام كما...... 419

مناقشة خبر طلب العبّاس معرفة الإمام بعد الرسول صلى الله عليه و آله... 423

عودة إلىٰ مناقشة خبر عدم وصيّة أمير المؤمنين عليه السلام... 423

ثانياً: تفصيل الجواب عن أخبار استخلاف أبي بكر و عمر... 425

مناقشة خبر استخلاف الرسول صلى الله عليه و آله لعمر بعد أبي بكر... 426

مناقشة خبر تبشير أبي بكر و عمر بالجنّة و الخلافة... 427

مناقشة أخبار إرجاع الرسول صلى الله عليه و آله إلىٰ أبي بكر... 428

مناقشة خبر أنّ الخلافة ثلاثون سنة... 431

مناقشة خبر مشاهدة أبي بكر لرقْمَين في عالم الرؤيا... 432

مناقشة خبر أنّ أبا بكر و عمر سيّدا كهول أهل الجنّة... 433

مناقشة خبر: «ادعوا لي أخي و صاحبي... 439

مناقشة خبر الأمر بالاقتداء بأبي بكر و عمر... 440

مناقشة أخبار مدح أمير المؤمنين عليه السلام لأبي بكر و عمر... 440

مناقشة الاستدلال علىٰ خلافة أبي بكر، بردّ أمير المؤمنين عليه السلام لمّا...... 451

مناقشة خبر تمنّي أمير المؤمنين عليه السلام أن يلقى اللّٰه بصحيفة عمر... 452

مناقشة خبر: «لو كنتُ متّخذاً خليلاً»... 454

بيان دلالة قوله صلى الله عليه و آله: «إمام المتّقين» على الإمامة... 454

بيان دلالة قوله صلى الله عليه و آله: «و سيّد المسلمين و قائد الغرّ المحجّلين»...... 456

بيان دلالة قوله صلى الله عليه و آله: «إنّه وليّ كلّ مؤمن و مؤمنة» على الإمامة... 456

بيان دلالة قوله صلى الله عليه و آله: «إنّه منّي و أنا منه» على الإمامة... 456

الدليل السادس عشر: حَديثُ الثقَلَينِ ... 457

مقدّمة في بيان دلالة حديث الثقلين و السفينة... 461

بيان صحّة حديث الثقلين... 461

بيان معنى «العترة»... 462

بيان دلالة حديث الثقلين علىٰ أنّ إجماع أهل البيت حجّة... 466

بيان إجماع أهل البيت علىٰ إمامة أمير المؤمنين عليه السلام... 467

بيان دلالة حديث الثقلين علىٰ ثبوت حجّةٍ مأمونٍ من أهل البيت...... 469

مناقشة الأخبار التي عارض بها القاضي دلالة حديث الثقلين... 471

مناقشة خبر: «اقتدوا باللذين من بعدي»... 472

مناقشة خبر: «أصحابي كالنجوم»... 474

الدليل السابع عشر: آيةُ التطهيرِ... 480

بيان دلالة آية التطهير على العصمة... 482

بيان اختصاص الآية بالمعصومين من أهل البيت:... 484

الدليل الثامن عشر: آية: (لاٰ يَنٰالُ عَهْدِي الظّٰالِمِينَ )... 488

تقرير دلالة الآية على الإمامة، بناءً علىٰ بعض المباني... 491

بيان تناوُل عنوان الظالم لمن تاب بعد كفر و فسق... 492

بيان دلالة الآية على الإمامة بمعنىٰ إقامة الحدود... 493

بيان أنّ الإمام حجّة كالرسول، و بيان اختلاف حاله عن الأمير و الحاكم... 495

إثبات إمامة الأئمّة الاثني عشر... 497

مقدّمة حول إمكان الاستدلال علىٰ إمامة الأئمّة الاثني عشر... 500

تفصيل الدليل علىٰ إمامة الأئمّة الاثني عشر... 502

زيادة الخوف علىٰ صاحب الزمان عليه السلام من الأعداء، أكثر من غيره من الأئمّة:... 508

بيان أنّ سبب الغيبة هو فِعل الظالمين... 511

بيان ما يجوز من حراسة إمام الزمان عليه السلام ممّا يُخاف عليه، و ما لا يجوز... 512

بيان أنّ حقيقة «الفترة» تختصُّ الرسل، لا مطلق الحجّة الذي يشمل الإمام... 512