ghaemiyeh.com
سرشناسه:سیدمرتضی، علیبن حسین، 355 - 436 ق.
Sharīf al-Murtaḍá, ʻAlam al-Hudá ʻAlī ibn al-Ḥusayn,
عنوان و نام پديدآور:الشافی فیالامامه/للشریف المرتضی علیبن الحسین الموسوی، علمالهدی؛ تحقیق محمدحسین الدرایتی؛ تهیهکننده مرکز همایشهای علمی و پژوهشهای آزاد دارالحدیث.
مشخصات نشر:مشهد: بنیاد پژوهشهای اسلامی، 1441ق. = 1398 .
مشخصات ظاهری:5ج.
فروست:الموتمر لدولی لذکریالفیهالشریفالمرتضی. مولفاتالشریفالمرتضی؛ 13، 14، 15، 16، 17.
شابک:دوره:978-600-06-0405-9 ؛ 710000 ریال: ج.1:978-600-06-0406-6 ؛ 700000 ریال: ج.2978-600-060407-3 : ؛ 700000 ریال: ج.3978-600-060408-0 : ؛ 720000 ریال: ج.4978-600-060409-7 : ؛ 760000 ریال: ج.5978-600-060410-3 :
وضعیت فهرست نویسی:فاپا
يادداشت:عربی.
يادداشت:چاپ قبلی: تهران: موسسه الصادق، 1410ق.= 1370-
موضوع:علیبن ابیطالب (ع)، امام اول، 23 قبل از هجرت - 40ق -- اثبات خلافت
موضوع:Ali ibn Abi-talib, Imam I, 600-661 -- *Proof of caliphate
موضوع:امامت
Imamate
شناسه افزوده:درایتی، محمدحسین، 1343 -
شناسه افزوده:بنیاد پژوهشهای اسلامی
شناسه افزوده:Islamic Research foundation
شناسه افزوده:موسسه علمی فرهنگی دارالحدیث. مرکز همایشهای علمی و پژوهشهای آزاد
رده بندی کنگره:BP223
رده بندی دیویی:297/45
شماره کتابشناسی ملی:5946228
اطلاعات رکورد کتابشناسی:فاپا
محرر رقمی: میثم حیدری
بسم الله الرحمن الرحيم
الشافی فیالامامه
للشریف المرتضی علیبن الحسین الموسوی، علمالهدی
تحقیق محمدحسین الدرایتی
تهیهکننده مرکز همایشهای علمی و پژوهشهای آزاد دارالحدیث.
بنیاد پژوهشهای اسلامی، 1441ق. = 1398 .
تتمّة: 3. فصل في الكلام على اعتراضه علىٰ ما حكاه من أدلّتنا في...... 7
الكلامُ في الإجماعِ... 9
مناقشة الحجج التي أقامها صاحب الكتاب لإثبات حجّية الإجماع... 9
الحجّة الأُولىٰ: قوله تعالىٰ: (وَ مَنْ يُشٰاقِقِ الرَّسُولَ...)... 9
الحجَّة الثانية: قوله تعالىٰ: (وَ اتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنٰابَ إِلَيَّ )... 32
الحجّة الثالثة: قوله تعالىٰ : (وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً)... 34
الحجّة الرابعة: خبر: «لا تجتمع أُمّتي علىٰ خطإٍ»... 46
الحجّة الخامسة: خبر: «لا تزال طائفة من أُمّتي ظاهرين...»... 50
الحجّة السادسة: خبر: «مَن سرّه أن يسكن بحبوحة الجنّة...»... 52
الحجّة السابعة: سيرة الصحابة و التابعين... 54
الحجّة الثامنة: قوله تعالىٰ : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ...)... 99
الحجّة التاسعة: دلالة حال الأُمّة علىٰ عدم اتّفاقهم علىٰ خطإٍ... 108
الدليل التاسع: في بيان أنّ الحافظ للشرع هو الإمام لا التواتر... 123
الدليل العاشر: لزوم التسلسل عند نفي عصمة الإمام... 134
الدليل الحادي عشر: الحاجةُ إلَى الإمامِ لبَيانِ دَلالةِ الكتابِ و السُّنّةِ ... 158
الدليل الثاني عشر: لزوم عصمة الإمام للزوم الاقتداء به... 169
الدليل الثالث عشر: في بيان أنّ الإمام يولّي و لا يولّىٰ ، و...... 184
الدليل الرابع عشر: في بيان أنّ الإمامة مستحَقّة... 199
فصل في الكلام علىٰ ما اعتمده في دفع وجوب النصّ من جهة العقل... 207
فصل في إبطال ما طعن به علىٰ ما حكاه من طرقنا في وجوب النصّ ... 223
الدليل الأوّل: كونُ الإمام حجّةً و قائماً بمصالح الدين... 225
الدليل الثاني: كونُ الإمام علىٰ صفةٍ لا طريق للاجتهاد فيها كالعصمة و...... 227
الدليل الثالث: أفضليّة الإمام... 271
الدليل الرابع: عصمة الإمام... 291
الدليل الخامس: أنّ الإمامة من أركان الدين... 297
الكلام في النصّ و أقسامه... 311
الكلام في النصّ الجليّ ، و الطريق إلى إثبات تواتره... 316
الكلام في حصول العلم بالنصّ ... 337
الكلام في النَّصِّ علىٰ إمامةِ أبي بَكرٍ... 383
الكلام في النصّ علىٰ إمامة العبّاس... 405
الكلام في موقف الصحابة من النصّ ... 413
الكلام في كتمان النصّ ، و مناقشة ما نقله القاضي عن أبي هاشم...... 443
الكلامُ في الإجماعِ (1)
الحجّة الأُولىٰ (2)قوله تعالىٰ : (وَ مَنْ يُشٰاقِقِ الرَّسُولَ ...)
أحَدُ ما اعتَمَده في الدَّلالةِ علىٰ أنّ الأُمّةَ لا تَجتَمِعُ علىٰ خطإٍ و أكَّدَ عندَه:
قَولُه تَعالىٰ: (وَ مَنْ يُشٰاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مٰا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدىٰ وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مٰا تَوَلّٰى وَ نُصْلِهِ(3)جَهَنَّمَ وَ سٰاءَتْ مَصِيراً)(4)و أنّه لمّا تَوعَّدَ تَعالىٰ(5)علَى العُدولِ عن اتّباعِ سَبيلِ المؤمنينَ كما تَوعَّدَ علىٰ مُشاقّةِ الرسولِ بَعدَ البيانِ ، وَجَبَ (6)أن يَدُلَّ علىٰ أنّ اتّباعَ سَبيلِهم صوابٌ (7)، و لا يَكونُ سَبيلُهم بهذه
1) . في المطبوع و الحجري: - «الكلام في الإجماع».
2) . عبَّرنا عنها بالحجّة كي لا تختلط مع الأدلّة - التي تقدّم بعضها و سوف يأتي باقيها - عليٰوجوب الإمامة.
3) . أصلاه النارَ: أدخله إيّاها و أثواه فيها. لسان العرب، ج 14، ص 467 (صلا).
4) . النساء (4):115.
5) . في «ج، ص، ط، ف»: - «تعالىٰ ».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «فيجب».
7) . في «ص، ط، ف»: «أن يدلّ على اتّباع سبيلهم أنّه صواب».
الصفةِ إلّاو هُم حُجّةٌ فيما يَتَّفِقونَ (1)عليه.(2)
و هذه الآيةُ لا يُمكِنُ التعلُّقُ بها؛ مِن وجوهٍ :
[1.] مِنها: أنّ لفظَ «المؤمنينَ» لا يَجِبُ عُمومُه لكُلِّ مؤمنٍ، بل الحقيقةُ(3)فيه تَناوُلُه لثلاثةٍ فصاعدًا، فتَناوُلُه لثلاثةٍ مقطوعٌ عليه، و ما عدا الثلاثةِ مُجوَّزٌ(4). و قد بيّنّا في مَواضِعَ أنّ هذا اللفظَ لَيسَ(5)مِن ألفاظِ العُمومِ المُستَغرِقةِ للجنسِ، بل لا لفظَ في اللُّغةِ يَستَغرِقُ الجنسَ (6)بصيغتِه و وضعِه(7). و إذا لَم يُعقَلْ مِن ظاهرِ لفظِ
1) . في «د»: «متّفقون».
2) . و بيانه: أنّ الجنس المضاف و الجمع المحلّىٰ باللام يفيدان العموم، فمعنى الآية: أنّ مخالفة كلّ سبيلٍ ثابتٍ لأحد من المسلمين حرام. و لا ريب أنّ مخالفة أحد المسلمين في المسائل الخلافيّة لازمة و إلّالزم اجتماع الضدّين، فالمراد النهي عن مخالفة سبيل كلّ مسلمٍ مع عدم لزوم مخالفة الغير من متابعته؛ و هذا إنّما يكون إذا كانت المسألة إجماعيّة. و لا يخفىٰ أنّه التزام تخصيص في السبل، و ليس ذلك بأهون و أسهل من ارتكاب التخصيص في عموم المؤمنين بجماعة لا تختلف أحكامهم و لا يتشاكسون بآرائهم، و هم الأئمّة الاثنا عشر - صلوات اللّٰه عليهم أجمعين - فارتدّ إليه البصر خاسئاً و هو حسير، كما لا يخفىٰ على اللبيب الخبير. (من حاشية «م»).
3) . في المطبوع: «الحقّ ».
4) . في «ص»: «يجوز». و في المطبوع: «مجوّزاً».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «أنّ هذه اللفظة ليست».
6) . في «ص، ط، ف»: - «الجنس».
7) . أنكر المصنّف وجودَ لفظ في اللغة العربيّة يدلّ على الاستغراق، و لهذا المبنىٰ تعلّقٌ بمبناه في إنكار الوعيد، كما سوف يؤثّر هذا المبنىٰ علىٰ بعض استدلالات المصنّف في هذا الكتاب. راجع: الذريعة، ج 1، ص 201؛ الذخيرة، ص 510؛ رسائل الشريف المرتضىٰ ، ج 4، ص 354؛ الشافي، ج 3، ص 139. و في حاشية «م»: «ذهب قوم إلىٰ أنّ جميع الصيغ التي يُدّعىٰ وضعها للعموم حقيقة في الخصوص، و إنّما تُستعمل في العموم مجازاً. و قال السيّد و جماعة: إنّه ليس للعموم لفظ
«المؤمنينَ» الاستغراقُ لجميعِهم، لَم يَسُغِ التعلُّقُ بها في الإجماعِ علَى الوجهِ الذي يَدَّعيه الخُصومُ، و جَرَتِ الآيةُ مَجرَى المُجمَلِ الذي يَحتاجُ في تفسيرِه و تفصيلِه إلىٰ بيانٍ(1).
و إذا لَم يَسُغْ للقَومِ حَملُها علَى الكُلِّ لَم يَسُغْ أيضاً لهم(2)حَملُها علَى البعضِ(3)لأنّه لا شيءَ يَقتَضي حَملَها علىٰ بعضٍ مُعيَّنٍ (4)دونَ بعضٍ . و لَو ساغَ ذلكَ لَكُنّا نَحنُ أحَقَّ به(5)إذا حَمَلناها علَى الأئمّةِ مِن آلِ محمّدٍ صَلَواتُ اللّٰهِ عَلَيهم(6)مِن حَيثُ ثَبَتَت عصمتُهم و طهارتُهم، و أمِنّا وقوعَ شيءٍ مِن الخطأ مِنهم، و كانوا مِن هذا الوجهِ أحَقَّ بأن يَتناوَلَهم الآيةُ .
[2.] و مِنها: أنّ لفظةَ «سَبيلٍ» تَقتَضي(7)الوحدةَ، و لا يَجِبُ حَملُها علىٰ كُلِّ سَبيلٍ (8)،
موضوع إذا استعمل في غيره كان مجازاً، بل كلّ ما يُدّعىٰ من ذلك مشترك بين الخصوص و العموم (ح. س)».
1) . في «ج، ص»: «يحتاج إلى البيان في تفصيله و تفسيره». و في «ط، ف»: «يحتاج إلى البيان في تفسيره و تفصيله».
2) . في «ج، ص، ف»: «لهم أيضاً». و في «ط»: - «لهم».
3) . في «د، ط»: «علىٰ بعض المؤمنين». و في حاشية «م»: «لعلّ إثبات أنّ الحمل على البعض غير صحيح غير مفيد هنا كثيراً؛ إذ الحمل عليه لا يضرّ السيّد قدّس سرّه؛ فتأمّل».
4) . في «ط، ف»: «معيّنين».
5) . في «ج، ص، ف»: «به أحقّ ».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «عليه و عليهم السلام». و في «د»: «صلّى اللّٰه عليه و آله».
7) . في «ج، ص»: «لفظ سبيل يقتضي».
8) . في حاشية «م»: «و لو حُمل علىٰ كلّ سبيل، يُحتمل أن يكون الوعيد على اتّباع غير «جميع سبيل المؤمنين» لا كلّ واحد منها منفرداً؛ فتدبَّر (ح. س)». و في الحاشية عليه: «فيه أنّ
فكيفَ يُمكِنُ الاستدلالُ بالآيةِ علىٰ أنّ كُلَّ سَبيلٍ للمؤمنينَ صَوابٌ يَجِبُ اتّباعُه ؟
و لَيسَ لهم أن يَقولوا: إنّا نَحمِلُ هذه اللفظةَ علَى الجميعِ مِن حَيثُ (1)لَم تَختَصَّ سَبيلاً دونَ سَبيلٍ (2).
لأنّ ذلكَ تَحكُّمٌ؛ لأنّه كما لَم تَتناوَلِ اللفظةُ(3)سَبيلاً دونَ سَبيلٍ بظاهرِها(4)، فلَم تَتناوَلْ(5)أيضاً بظاهرِها(6)جميعَ السُّبُلِ. و يَجِبُ إذا فَقَدنا دَلالةَ اختصاصِها ببعضِ السُّبُلِ(7)أن نَقِفَ و نَنتَظِرَ البيانَ، و لا يَجِبُ مِن حَيثُ عَدِمنا الاختصاصَ أن نَدَّعيَ عُمومَها بغَيرِ دليلٍ(8)، كما لا يَجِبُ إذا عَدِمنا العُمومَ فيها أن نَدَّعيَ الاختصاصَ، و أحَدُ القَولَينِ مع فَقدِ الدَّلالةِ هو(9)كالآخَرِ.
الإضافة تفيد الاستغراق الآحاديّ لا المجموعيّ ؛ كما في قوله سبحانه: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخٰالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ) إذ المعنىٰ - كما صَرَّحوا به -: يخالفون عن كلّ واحد، أي على الانفراد، بحيث يكون الحكم متعلّقاً بكلّ منها على حدة؛ و لذا تدلّ علىٰ كون الأمر حقيقة في الوجوب. و كذا الحال في قوله سبحانه: (لاٰ تَتَّبِعُوا خُطُوٰاتِ الشَّيْطٰانِ ) و (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبٰائِرَ الْإِثْمِ ) و أمثالها؛ فتدبَّر».
1) . في المطبوع: - «حيث».
2) . أو من حيث إنّ إضافة اسم الجنس تفيد العموم؛ لأنّ السيّد لا يسلّم ذلك، كما عرفته. و لعلّه حينئذ راجع إلى الوجه الأوّل في نفي ألفاظ العموم؛ تدبَّر. (من حاشية «م»).
3) . في «د، ص، ط، ف»: «لم يتناول اللفظ». و في «ج» و الحجري: «لم يتناول اللفظة».
4) . في «ط، ف»: «بظاهره». و في «د»: «لظاهرها».
5) . في النسخ و الحجري: «فلم يتناول». و ما أثبتناه من المطبوع.
6) . في «ص»: «لظاهرها».
7) . في «ج، د، ص»: «السبيل».
8) . رفض المصنّف دلالة اللفظ عند الإطلاق على العموم، إلّابدليل (الذريعة، ج 1، ص 359)، و سوف يؤثّر هذا المبنىٰ علىٰ بعض آرائه في هذا الكتاب.
9) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «هو».
[3.] و مِنها: أنّه تَعالىٰ(1)تَوعَّدَ(2)علَى اتّباعِ غيرِ سَبيلِ المؤمِنينَ (3)، و لَيسَ في ذلكَ دَلالةٌ (4)علىٰ وجوبِ اتّباعِ سَبيلِهم، فيَجِبُ أن يَكونَ اتّباعُ سَبيلِهم مَوقوفاً علَى الدليلِ .
[4.] و مِنها: علىٰ تسليمِ عُمومِ «المؤمنينَ » و «السَّبيلِ » أنّ الآيةَ لا تَدُلُّ علىٰ وجوبِ اتّباعِهم في كُلِّ عصرٍ، بَل هو كالمُجمَلِ المُفتَقِرِ إلىٰ بيانٍ (5)، فلا(6)يَصِحُّ التعلُّقُ بظاهرِه.
و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ : إنّني أحمِلُه علىٰ كُلِّ عصرٍ؛ مِن حَيثُ لَم يَكُن اللفظُ مُختَصّاً بعَصرٍ دونَ غيرِه.
لأنّ هذه الدعوىٰ نَظيرةُ الدَّعوَى(7)التي قَدَّمناها(8)، و قَد(9)بيّنّا فَسادَها.(10)
و لَيسَ له أن يَقولَ : إنّني أعلَمُ عُمومَ وجوبِ اتّباعِهم في الأعصارِ كُلِّها بما عَلِمتُ به وجوبَ اتّباعِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه في كُلِّ عَصرٍ، فما قَدَحَ في عُمومِ أحَدِ الأمرَينِ قَدَحَ في عُمومِ الآخَرِ.
1) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «تعالىٰ ».
2) . في «د» و الحجري: «تواعد».
3) . في «د» و المطبوع و الحجري: «غير سبيلهم».
4) . في المطبوع: - «دلالة».
5) . في «ف»: «البيان».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «و لا».
7) . في «د، ص» و المطبوع و الحجري: «للدعوى».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «التي قبلها».
9) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «قد».
10) . تقدّم آنفاً عند المناقشة الثانية.
لأنّا لا نَعلَمُ (1)عُمومَ (2)وجوبِ اتّباعِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه في كُلِّ عَصرٍ بظاهرِ الخِطابِ ، بَل بدَلالةٍ لا يُمكِنُ دَفعُها؛ فمَن ادَّعىٰ في عُمومِ وجوبِ اتّباعِ المؤمنينَ (3)دَلالةً فليُحضِرْها.
[5.] و مِنها: أنّه تَعالىٰ حَذَّرَ مِن مُخالَفةِ سَبيلِ المؤمنينَ (4)، و عَلَّقَ الكلامَ بصفةِ
«مَن كانَ مؤمناً»؛ فمِن أينَ لخُصومِنا أنّهم لا يَخرُجونَ عن كَونِهم مؤمنينَ ، و هُم إذا خَرَجوا عن(5)الإيمانِ خَرَجوا عن الصفةِ التي تَعلَّقَ الوعيدُ بخِلافِ مَن كانَ عَلَيها؟
[6.] و مِنها: أنّ قَولَه تَعالىٰ (الْمُؤْمِنِينَ) لا يَخلو إمّا أن يُريدَ به المُصدِّقينَ بالرسولِ عليه السلامُ، أو أن يُريدَ(6)المُستَحِقّينَ للثوابِ علَى الحقيقةِ(7).
فإن كانَ الأوَّلَ بَطَلَ ؛ لأنّ الآيةَ تَقتَضي(8)التعظيمَ و المَدحَ لِمَن تَعلَّقَت به مِن حَيثُ أَوجَبَت(9)اتّباعَه و تَركَ خِلافِه، و لا يَجوزُ أن يَتَوجَّهَ (10)إلىٰ مَن لا يَستَحِقُّ التعظيمَ و المَدحَ ، و في الأُمّةِ مَن يُقطَعُ (11)علىٰ كُفرِه و أنّه لا يَستَحِقُّ شيئاً مِنهما(12).
1) . في المطبوع: «نعلم» بدل «لا نعلم».
2) . في المطبوع و الحجري: - «عموم».
3) . في «د»: «المؤمن».
4) . في «د»: «المؤمن».
5) . في المطبوع: «من».
6) . في المطبوع و الحجري: - «أن يريد».
7) . في «ص، ط، ف»: - «على الحقيقة».
8) . في الحجري: «يقتضي».
9) . في «د، ط»: «أوجب».
10) . في «ج»: «أن تتوجّه».
11) . في «ج، ص»: «نقطع».
12) . في «ص، ف»: «منها».
و لأنّه كانَ يَجِبُ لَو كانَ المُرادُ بالقَولِ المُصدِّقينَ دونَ المُستَحِقّينَ للثوابِ أن يُعتَبَرَ في(1)الإجماعِ دُخولُ كُلِّ مُصدِّقٍ فيه في شَرقٍ و غَربٍ، و هذا ممّا يُعلَمُ تَعذُّرُه، و عُمومُ القَولِ يَقتَضيه. و لَيسَ يَذهَبُ صاحبُ الكتابِ و أهلُ نِحلَتِه إلىٰ هذا الوجهِ، فنُطنِبَ فيه.
و إن أرادَ بالمؤمنينَ مُستَحِقّي الثوابِ و المَدحِ و التعظيمِ، فمِن أينَ ثُبوتُ مؤمنينَ(2)بهذه الصفةِ في كُلِّ عَصرٍ يَجِبُ اتّباعُهم؟ و يَجِبُ أيضاً أن لا يَثبُتَ الإجماعُ إلّابَعدَ القَطعِ علىٰ أنّ كُلَّ مُستَحِقٍّ للثوابِ في بَرٍّ و بَحرٍ(3)و سَهلٍ و جَبَلٍ قد دَخَلَ فيه؛ لأنّ عُمومَ القَولِ يَقتَضيه، و هذا يؤدّي إلىٰ أن لا يَثبُتَ الإجماعُ أبَداً.
و إن حُمِلَ علىٰ بعضِ المؤمنينَ (4)دونَ بعضٍ و علىٰ مَن عَرَفناه دونَ مَن لَم نَعرِفْه، خَرَجنا عن موجَبِ العُمومِ ، و جازَ حَملُه علىٰ طائفةٍ مِن المؤمنينَ ، و هُم أئمّتُنا عَلَيهم السلامُ .
و إن قيلَ : إنّ المرادَ بالمؤمنينَ مَن كان في الظاهرِ يَستَحِقُّ التعظيمَ و المَدحَ ، و إن لَم يَكُنْ (5)في الحقيقةِ كذلكَ .
فذلكَ باطلٌ ؛ لأنّه خُروجٌ في هذا الاسمِ عن اللُّغةِ و عمّا يُدَّعىٰ أنّه نُقِلَ إليه في الشرعِ جميعاً. و لأنّ الآيةَ تَقتَضي المَدحَ و التعظيمَ مِن حَيثُ أوجَبَت(6)علينا اتّباعَ مَن تَعلَّقَت به، و مَن أظهَرَ الإيمانَ و لَم يُبطِنْه لا يَستَحِقُّ (7)التعظيمَ في الحقيقةِ ،
و لهذا تُعُبِّدنا(1)بمَدحِه بشَرطٍ. و يَجِبُ علىٰ هذا الوجهِ أيضاً أن يُعتَبَرَ في الإجماعِ دُخولُ كُلِّ مُظهِرٍ للإيمانِ ، و(2)مُستَحِقٍّ في الظاهرِ للتعظيمِ (3).
[7.] و مِنها: أنّا لَو(4)تَجاوَزنا عن جميعِ ما ذَكَرناه، لَم يَكُن في(5)الآيةِ دَلالةٌ تَتناوَلُ(6)الخِلافَ في الحقيقةِ؛ لأنّه جائزٌ أن يَكونَ تَعالىٰ إنّما أمَرَنا باتّباعِ المؤمنينَ مِن حَيثُ ثَبَتَ بالعقولِ أنّ في جُملةِ المؤمنينَ في كُلِّ عصرٍ إماماً معصوماً لا يَجوزُ عليه الخطأُ، و إذا جازَ ما ذَكَرناه سَقَطَ غرضُهم في الاستدلالِ علىٰ صحّةِ الإجماعِ ؛ لأنّهم إنّما أَجرَوا(7)بذلكَ إلىٰ أن يَصِحَّ الإجماعُ فيُحفَظَ الشرعُ به و يُستَغنىٰ عن الإمامِ ، و إذا كانَ (8)ما استَدَلّوا به علىٰ صحّةِ الإجماعِ يَحتَمِلُ (9)ما ذَكَرناه فَسَدَ التعَلُّقُ به.
و أمّا(10)قَولُه في نُصرةِ هذه الطريقةِ - جواباً لِما سَألَ عنه نفسَه(11)، مِن أنّ الآيةَ
1) . في «د»: «تُعُبِّد».
2) . في المطبوع: «و هو».
3) . في «ص، ط، ف»: «التعظيم».
4) . في المطبوع: - «لو».
5) . في المطبوع: + «هذه».
6) . في الحجريّ : «يتناول».
7) . في «ج، ص»: «تعلّقوا».
8) . في «ص، ف»: «كانوا».
9) . في «ص»: «محتمل».
10) . في «ج، ص، ط، ف»: «فأمّا».
11) . نصّ عبارة المغني هكذا: «فإن قال: إنّه جلّ و عزّ توعّد على اتّباع غير سبيل المؤمنين، و لم يذكر ما حال سبيلهم و هل يجب اتّباعه أو لا يجب، أو يكون حجّة أو لا يكون؛ فلا يدلّ ذلك علىٰ ما ذكرتم، خصوصاً مع قولكم: إنّ تعليق الحكم بصفة الشيء لا يدلّ على أنّ ما عداها
تَقتَضي(1)الوعيدَ علَى اتّباعِ غيرِ سَبيلِ المؤمنينَ و لَم يُذكَرْ ما حالُ سَبيلِهم -:
قيلَ له: إنّ الوعيدَ لمّا علَّقَه تَعالىٰ(2)بغَيرِ سَبيلِ المؤمِنينَ ، حَلَّ مَحَلَّ أن يُعلِّقَه بالعُدولِ عن سَبيلِ المؤمِنينَ و تَركِ اتّباعِهم(3)، في أنّه يَقتَضي لا مَحالةَ أنّ اتّباعَ سَبيلِ المؤمنينَ صَوابٌ ، و أنّ (4)الوعيدَ واجبٌ لتَركِه و مُفارَقَتِه.(5)
فتَحكُّمٌ(6)ظاهرٌ، و دَعوىً مَحضةٌ؛ لأنّه غيرُ مُمتَنِعٍ أن يَكونَ اتّباعُ غيرِ سَبيلِهم مُحرَّماً، و اتّباعُ(7)سَبيلِهم مُباحاً أو مُحرَّماً أيضاً، و ليس هذا ممّا يَتَنافىٰ.
يُبيِّنُ(8)ذلكَ أنّه لَو صَرَّحَ بما تأوَّلناه(9)حتّىٰ يَقولَ: «اتّباعُ غيرِ سَبيلِ المؤمنينَ محظورٌ عَلَيكم و قَبيحٌ مِنكم، و اتّباعُ سَبيلِهم يَجوزُ أن يَكونَ قَبيحاً و غيرَ قَبيحٍ،
فاعمَلوا فيه بحَسَبِ الدَّلالةِ» أو يَقولُ: «و اتّباعُ سَبيلِهم مُباحٌ لكم» لَساغَ (10)هذا الكلامُ و لَم يَتَناقَضْ ، و إذا كانَ سائغاً بَطَلَ قَولُ مَن ادَّعىٰ أنّ النهيَ عن اتّباعِ غيرِ
بخلافه، فكأنّه تعالىٰ يبيّن أنّ خلاف طريقة المؤمنين يحرم اتّباعه و يستحقّ من يتّبع ذلك الوعيد، و لم يعرض لذكر سبيل المؤمنين أصلاً». المغني، ج 17، ص 161.
1) . في الحجري: «يقتضي».
2) . في المغني: «جلّ و عزّ» بدل «تعالىٰ ».
3) . في المغني: «و ترك اتّباع سبيل المؤمنين».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: - «أنّ ».
5) . المغني، ج 17، ص 161.
6) . يريد بالتحكّم هنا فرض الرأي بلا دليل.
7) . في «ص»: + «عين».
8) . في المطبوع: «و يبيّن».
9) . في الحجري: «ناولناه».
10) . في «ص، ط، ف»: «ساغ».
سَبيلِ المؤمنينَ موجِبٌ لاتّباعِ سَبيلِهم، و أنّه يَجري مَجرَى التحريمِ لمُفارَقةِ سَبيلِهم و العُدولِ عنها.
و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ : إنّ مَن لَم يَتَّبِعْ غيرَ سَبيلِ المؤمنينَ فلا بُدَّ أن يَكونَ مُتَّبِعاً لسَبيلِهم؛ فمِن هاهُنا حَكَمنا بأنّ النهيَ عن أحَدِ الأمرَينِ إيجابٌ للآخَرِ.
و ذلكَ : أنّ بَينَ الأمرَينِ واسطةً ؛ فقَد يَجوزُ أن يَخرُجَ المُكلَّفُ مِن اتّباعِ غيرِ سَبيلِهم و اتّباعِ سَبيلِهم معاً؛ بأن لا يَكونَ مُتَّبِعاً سَبيلَ أحَدٍ.
فأمّا قولُه(1):
إنّه عَلَّقَ الوعيدَ بما يَجري(2)مَجرَى الاستثناءِ مِن سَبيلِ المؤمنينَ؛ حتّىٰ لا يَتِمَّ(3)معرفتُه إلّابمعرفةِ سبيلِ المؤمنينَ(4)، فكأنّه(5)تَعالىٰ أرادَ ما يَجري مَجرَى النفيِ و إن كانَ(6)بصورةِ الإثباتِ؛ لأنّه لا فَرقَ بَينَ ذلكَ و بَينَ أن يَقولَ: «و لا يَتَّبِعْ(7)غَيرَ سَبيلِ المؤمنينَ». و هذا بيِّنٌ في(8)التعارُفِ(9)لأنّ أحَدَنا لَو قالَ لغَيرِه: «مَن أكَلَ غيرَ طعامي(10)فله العقوبةُ» فالمتعارَفُ مِن
1) . في المطبوع: «قولك».
2) . في «ص»: «جرىٰ».
3) . هكذا في جميع النسخ و الحجري. و في المطبوع: «لا تتمّ ».
4) . في المغني بدل: «حتّى لا يتمّ معرفته إلّابمعرفة سبيل المؤمنين» هكذا: «و إذا عرف سبيلهم عرف ذلك الغير الذي يحرم عليه اتّباعه و ما حلّ هذا المحلّ ، فلا بدّ من أن يدلّ علىٰ أنّ سبيل المؤمنين بخلافه». و لا يختلف المعنىٰ ، غير أنّ ما في المتن أقلّ و أدلّ .
5) . في «ج، د»: «و كأنّه». و في الحجري كلاهما معاً.
6) . في المغني: «و لو كان».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «و لا تتّبع».
8) . في «ف»: - «في».
9) . في «ج»: «المتعارف».
10) . في المغني: «من أكل طعامي و غير ما أبحتُه من ملكي» بدل «من أكل غير طعامي».
ذلكَ (1)أنّ آكِلَ (2)طعامِه مُخالِفٌ لذلكَ ، و أنّ العُقوبةَ إنّما تَتعلَّقُ بخُروجِه عن أن يَكونَ آكِلاً لطعامِه(3).
فغَيرُ صحيحٍ؛ لأنّ «غَيرَ» هاهُنا لَيسَ بواجبٍ(4)أن يَكونَ بمعنىٰ «إلّا» الموضوعةِ للاستثناءِ، بَل جائزٌ أن يَكونَ(5)بمعنىٰ «خِلافَ». فكأنّه(6)تَعالىٰ قالَ(7): «لا يَتَّبِعْ(8)خِلافَ سَبيلِ المؤمنينَ و(9)ما هو غيرٌ لسَبيلِهم(10)»، و لَم يُرِدْ: «لا يَتَّبِعْ(11)إلّاسَبيلَهم».
و معرفةُ الغَيرِ المحظورِ(12)اتّباعُه و إن كانَت لا تَتِمُّ إلّابمعرفةِ سَبيلِهم علىٰ ما ذَكَرَ،
فغَيرُ مُمتَنِعٍ أن يَكونَ حُكمُه موافِقاً لحُكمِ اتّباعِ سَبيلِهم في الحَظْرِ(13)، و لا يَجِبُ أن يَكونَ واجِباً مِن حَيثُ كانَ الأوّلُ محظوراً و كانَت معرفتُه لا تَتِمُّ إلّابمعرفتِه.
و قد أصابَ في قَولِه: «لا فَرقَ بَينَ ذلكَ و بَينَ أن يَقولَ : و لا يَتَّبِعْ (14)غيرَ سَبيلِ المؤمنينَ »، غيرَ أنّه ظَنَّ أنّه لَو استَعمَلَ هذا اللفظَ لَفَهِمنا مِنه ما ادَّعاه
1) . في المغني: «لذلك» بدل «من ذلك».
2) . هكذا في «ج» و المغني. و في سائر النسخ: «أكل».
3) . المغني، ج 17، ص 162.
4) . في «ج»: «ليس يجب».
5) . في المطبوع: «تكون».
6) . في «د»: «و كأنّه». و في الحجري كلاهما معاً.
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «فكأنّه قال تعالىٰ ».
8) . في «ج، ص، ف»: «لا تتّبع».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «أو».
10) . في «ج، ص، ف»: «غير سبيلهم».
11) . في «ج، ص، ف»: «لا تتّبع».
12) . في المطبوع: + «و».
13) . الحظر: الحجر، و هو خلاف الإباحة. و حظره فهو محظور، أي محرّم. راجع: الصحاح، ج 2، ص 634 (حظر).
14) . في «ج، ص، ف»: «لا تتّبع».
مِن إيجابِ(1)اتّباعِ سَبيلِهم، و لَيسَ الأمرُ كما ظَنَّ، بَل التأويلُ الذي تأوَّلناه و دَلَّلنا علَى احتمالِ اللفظِ الأوّلِ له قائمٌ في الثاني.
و حُكمُ المَثَلِ الذي ضَرَبَه أيضاً هذا الحُكمُ؛ فإنّ مَن قالَ: «لا تأكُلْ غيرَ طعامي» أو «مَن أكَلَ غيرَ طعامي عاقَبْتُه» لا يُفهَمُ من ظاهرِ لفظِه و مُجرَّدِه(2)إيجابُ أكلِ طعامِه، بَل المفهومُ حَظْرُ أكلِ ما هو «غَيرٌ» لطعامِه(3)، و حالُ طعامِه في الحَظْرِ أو(4)الإباحةِ أو الإيجابِ(5)موقوفةٌ علَى الدليلِ .
و أقَلُّ أحوالِ هذا اللفظِ - عندَ مَن ذَهَبَ إلىٰ أنّ لفظةَ «غَيرٍ» مُشتَرَكةٌ بَينَ الاستثناءِ و غيرِه، و أنّ ظاهرَها لا يُفيدُ أحَدَ الأمرَينِ -: أن يَكونَ مُحتَمِلاً لِما ذَكَرناه مِن حَظْرِ أكلِ غيرِ طعامِه، و مُحتَمِلاً لإيجابِ أكلِ طَعامِه و وَضعِ لفظةِ «غَيرٍ» مَكانَ لفظةِ «إلّا».
و إنّما يُفهَمُ في بعضِ المَواضعِ عن مُستَعمِلِ هذا اللفظِ إيجابَ أكلِ طعامِه لا بمُجرَّدِ اللفظِ؛ بَل بأن يُعرَفَ قَصدُه إلَى الإيجابِ ، أو بغَيرِ(6)ذلكَ مِن الدلائلِ المُقتَرِنةِ (7)إلَى اللفظِ.
و لَولا أنّ الأمرَ علىٰ ما ذَكَرناه لَما حَسُنَ أن يَقولَ القائلُ : «مَن أكَلَ غيرَ طعامي عاقَبْتُه و مَن أكَلَ طعامي أيضاً عاقَبْتُه» و كانَ يَجِبُ أن يَكونَ نَقضاً
و جارياً مَجرىٰ قَولِه: «مَن أكَلَ إلّاطعامي عاقَبْتُه و مَن أكَلَ طعامي عاقَبْتُه». فلمّا حَسُنَ ذلكَ مع استعمالِ لفظةِ «غيرٍ» و لَم يَحسُنْ مع استعمالِ لفظةِ «إلّا»، دَلَّ علىٰ صحّةِ قَولِنا.
فأمّا قَولُه:
و يُبيِّنُ(1)ما قَدَّمناه: أنّ اتّباعَ سَبيلِ المؤمنينَ لَو(2)لَم يَكُنْ حُجّةً و صَواباً،(3)لَكانَ حالُه في أنّه قد يَكونُ صَواباً و خطأً بحَسَبِ قيامِ الدَّلالةِ علىٰ ذلكَ(4)حالَ اتّباعِ(5)غيرِ سَبيلِهم في أنّه قد يَكونُ صَواباً و خطأً، و لَو كانَ كذلكَ لَم يَصِحَّ أن يُعلَّقَ (6)الوعيدُ باتّباعِ (7)غيرِ سَبيلِهم، دونَ اتّباعِ سَبيلِهم(8)فكانَ (9)يَبطُلُ معنَى الكلامِ (10).
فغَيرُ مُنكَرٍ(11)أن يُعلَّقَ الوعيدُ باتّباعِ غيرِ سَبيلِهم، و كانَ لا يَبطُلُ معنَى الكلامِ ؛(12)
1) . في «د، ص» و الحجري: «و نبيّن». و في المطبوع و المغني: «و بيّن».
2) . في المطبوع: - «لو». و هو سهو واضح.
3) . في المغني: + «علىٰ ما نقوله».
4) . في «ص، ف» و المغني: - «علىٰ ذلك».
5) . في «ص»: + «سبيل».
6) . في المغني: «أن يتعلّق». و في «ج، ص»: «أن تعلّق».
7) . في المطبوع: - «باتّباع».
8) . في المطبوع: - «دون اتّباع سبيلهم».
9) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري و المغني: «و كان».
10) . المغني، ج 17، ص 162.
11) . في «ص، ط»: «فغير مناف».
12) . في المطبوع: - «فغير منكر أن يعلّق...» إلى هنا. و هو سهو.
مِن حَيثُ عُلِمَ أنّ ذلكَ لا يَكونُ إلّاخطأً، و يَكونُ اتّباعُ سَبيلِهم مِمّا يَجوزُ أن يَكونَ خطأً و صَواباً. و لَو لَم يَكُنْ كذلكَ، و كانَ الأمرانِ مُتَساويَينِ، لَجازَ أن يُعلَّقَ الوعيدُ بأحَدِهما دونَ الآخَرِ، و يَكونَ الصَّلاحُ للمُكَلَّفينَ أن يَعلَموا حَظْرَ اتّباعِ غيرِ سَبيلِهم بهذا اللفظِ، و يَعلَموا مُساواةَ اتّباعِ سَبيلِهم له في الحَظْرِ بدليلٍ آخَرَ، كما يَقولُه [أكثَرُ خُصومِنا(1)](2)- و هو مَذهَبُ صاحبِ الكتابِ - أنّ قَولَه [عليه السلامُ]: «في سائمةِ(3)الغَنَمِ الزكاةُ»(4)لا يَجِبُ أن يُفهَمَ مِنه رَفعُ الزكاةِ عمّا لَيسَ بسائمٍ و مُفارَقةُ حالِه لحالِ السائمةِ، بَل يَجوزُ أن يَكونَ الحُكمُ واحداً، نَعلَمُه(5)في السائمةِ بهذا القَولِ، و في غيرِها بدليلٍ آخَرَ.
و بمِثلِ هذه الشُّبهةِ التي تَشبَّثَ بها صاحبُ الكتابِ يَتعلَّقُ (6)مَن خالَفَنا(7)في «دليلِ الخِطابِ »(8)فيَقولُ : لَولا أنّ حُكمَ ما لَيسَ بسائمٍ مُخالِفٌ للسائمِ
1) . مثل أبي عليّ و أبي هاشم الجُبّائيَّين، فيما ذهب أكثر أصحاب الشافعي إلىٰ خلاف ذلك، فإنّهم اعتبروا مفهوم الوصف هاهنا حجّة، و أنّ القضية تدلّ علىٰ عدم وجوب الزكاة في الغنم المعلوفة بهذا الدليل. الذريعة، ج 1، ص 392-394.
2) . ما بين المعقوفين من التلخيص في هذا المورد و الذي يليه.
3) . السائمة: الماشية التي ترسل للمرعى و لا تحتاج إلى العلف. راجع: لسان العرب، ج 12، ص 311 (سوم).
4) . تهذيب الأحكام، ج 1، ص 224، ح 643؛ صحيح البخاري، ج 2، ص 146؛ سنن أبي داود، ج 2، ص 96 و 98، ح 1567 و 1570؛ سنن النسائي، ج 5، ص 21 و 29؛ سنن البيهقي، ج 4، ص 85 و 86 و 100؛ كنز العمّال، ج 5، ص 95، ح 12312.
5) . في «ص»: «يعلم». و في «د»: «فعلمه».
6) . في «ط»: + «به».
7) . في «د»: «خالفناه».
8) . و هو بحث المفاهيم من علم أُصول الفقه، و كان يسمّىٰ سابقاً: «دليل الخطاب». و قد أنكرالمصنّف حجيّة المفاهيم، مثل مفهوم الوصف، و الشرط، و الغاية، و العدد. راجع: الذريعة، ج 1، ص 406-407.
لَم يَكُنْ(1)لتعليقِ(2)الزكاةِ بالسائمةِ معنىً، و إذا عُلِّقَ بالسائمةِ وَجَبَ أن يُخالِفَ
حُكمُها حُكمَ ما لَيسَ بسائمٍ. و لا طريقَ لجميعِنا إلىٰ إبطالِ(3)هذه الطريقةِ إذا تَعلَّقَ بها الناصرُ لدليلِ الخِطابِ ، إلّاما سَلَكناه في دَفعِ ما أَورَدَه في نُصرةِ الإجماعِ .
و لا يَزالُ هؤلاءِ القَومُ علىٰ سَنَنٍ مِن نُصرةِ مَذاهبِهم و الذَّبِّ عنها، حتّىٰ إذا وَقَعوا(4)إلَى الكلامِ (5)في الإمامةِ و ما يَتَّصِلُ بها، نَسوا(6)كُلَّ ذلكَ و أعرَضوا عنه، و قَدَحوا فيها(7)بما يَقدَحُ في أُصولِهم و يَعتَرِضُ علىٰ مَذاهبِهم، و لَيسَ يُزيِّنُ هذا إلّا الهَوىٰ و قُوّةُ العَصَبيّةِ .
فأمّا قَولُه:
علىٰ أنّ ما خَرَجَ مِن أن يَكونَ سَبيلاً للمؤمِنينَ إذا حَرُمَ اتّباعُه، فإنّما وَجَبَ ذلكَ فيه لِكَونِه «غيراً» لسَبيلِهم علىٰ ما يَقتَضيه اللفظُ، و كَونُه «غيراً» لسَبيلِهم بمَنزلةِ كَونِه(8)تَركاً لسَبيلِهم و خارجاً عن سَبيلِهم؛ فلا بُدَّ مِن أن يَدُلَّ علىٰ أنّ اتّباعَ سَبيلِهم هو الواجبُ ليَخرُجَ (9)به مِن(10)أن
1) . في «ج، ط، ف»: «لم يك»
2) . في «ص، ط، ف»: «لتعلّق». و في حاشية الحجري: «لمتعلّق».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «بطلان».
4) . في حاشية الحجري: «إذا دُفِعوا».
5) . في المطبوع و الحجري: «إلى كلام».
6) . في «د»: «أُنسوا».
7) . الضمير في «فيها» للإمامة.
8) . في «ج، ص، ف»: «لكونه»، و في «ط»: «ككونه» كلاهما بدل «بمنزلة كونه».
9) . في «د، ف» و الحجري: «لتخرج».
10) . في المغني: - «من».
يَكونَ(1)مُتَّبِعاً غيرَ سَبيلِهم. و هذا كقَولِ أحَدِنا لغَيرِه(2): «لا تَتَّبِعْ خِلافَ طريقةِ (3)الصالحينَ و غيرَ سَبيلِهم» في أنّه بَعثٌ (4)له علَى اتّباعِ سَبيلِ الصالحينَ و أن لا يَخرُجَ عن ذلكَ ، [فلا فَرقَ بَينَ أن يَذكُرَه و يوجِبَ اتّباعَه، أو يَتوعَّدَ علىٰ غيرِهِ و خِلافِه...](5).
فلَم يَزِدْ فيه علَى الدَّعوىٰ، و لَو سَلَّمنا له ما ادَّعاه مِن التعليلِ، لَم يَجِبْ أن يَكونَ اتّباعُ غيرِ سَبيلِهم بمَنزلةِ الخُروجِ عن سَبيلِهم؛ لأنّ اتّباعَ غيرِ سَبيلِهم لا بُدَّ أن يَكونَ اتّباعاً لسَبيلٍ مّا لَيسَت(6)سَبيلاً لهم، و الخُروجَ عن اتّباعِ سَبيلِهم لَيسَ كذلكَ؛ لأنّه قد يَخرُجُ عن اتّباعِ سَبيلِهم و غيرِ سَبيلِهم بأن لا يَكونَ مُتَّبِعاً لسَبيلِ أحَدٍ؛ لأنّ
الاتّباعَ الذي أُريدَ هاهُنا(7)، أن يَفعَلَ الفِعلَ لأجلِ فِعلِ المُتَّبَعِ علىٰ(8)جهةِ التأسّي به، و قد يَجوزُ أن يَحظُرَ اللّٰهُ تَعالىٰ(9)علَى المُكلَّفِ اتّباعَ سَبيلِ المؤمنينَ و غيرِ المؤمنينَ علىٰ هذا الوجهِ.
و إذا(10)صَحَّ ما ذَكَرناه فَسَدَ قَولُه: «فلا بُدَّ مِن أن يَدُلَّ(11)علىٰ أنّ(12)اتّباعَ سَبيلِهم
1) . في الحجري: «أن تكون».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «للغير».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «طريق».
4) . أي حثٌّ .
5) . المغني، ج 17، ص 162. و ما بين المعقوفين من المصدر.
6) . في المطبوع: «ليس».
7) . في «ص»: «أُريد بها هنا»، و في «ط»: «أُريد هنا» بدل «أُريد هاهنا».
8) . في «د، ط»: «و علىٰ ».
9) . في «ص»: + «به».
10) . في «د» و المطبوع: «فإذا».
11) . في «ج، ص، ط، ف»: «من أن يكون دالاًّ».
12) . في المطبوع: - «أنّ ». و هو سهو.
هو الواجبُ، ليَخرُجَ [به] عن أن يَكونَ مُتَّبِعاً غيرَ(1)سَبيلِهم»؛ إذ قد بيّنّا أنّه قد يَصِحُّ خُروجُه عن اتّباعِ غيرِ سَبيلِهم بأن لا يَكونَ مُتَّبعاً سَبيلَهم.(2)
فأمّا قَولُ أحَدِنا لغَيرِه: «لا تَتَّبِعْ خِلافَ طريقةِ الصالحينَ» فالقَولُ فيه كالقَولِ فيما تَقدَّمَ، و ظاهرُ اللفظِ و إطلاقُه لا يَدُلُّ علىٰ وجوبِ اتّباعِ طريقةِ الصالحينَ، و إنّما يُعقَلُ بالدَّلالةِ؛ و لأنّ المُخاطِبَ بهذا القَولِ إذا كانَ حَكيماً عُلِمَ مِن حالِه أنّه لا بُدَّ أن يوجِبَ اتّباعَ طريقةِ الصالحينَ و يَحُثَّ عَلَيها، و ما يُعلَمُ لا(3)مِن حَيثُ ظاهرِ اللفظِ خارجٌ عمّا نَحنُ فيه.
و لَو أنّ أحَدَنا(4)قالَ بَدَلاً مِن ذِكرِ «الصالحينَ»: «لا تَتَّبِعْ خِلافَ طريقةِ زَيدٍ»، لَم يَجِبْ أن يُفهَمَ مِن إطلاقِ لفظِه إيجابَ اتّباعِ طريقتِه.
و لَولا أنّ الأمرَ فيما تَقدَّمَ علىٰ ما قُلناه، دونَ ما ادَّعاه صاحبُ الكتابِ مِن أنّ «غيرَ سَبيلِ المؤمنينَ »(5)بمنزلةِ الخُروجِ عنها، لَوَجَبَ فيمَن قالَ لغَيرِه: «لا تَضرِبْ غيرَ زَيدٍ» ثُمّ قالَ : «و لا زَيداً» أن يَكونَ مُناقِضاً في كلامِه؛ مِن حَيثُ كانَ قَولُه: «لا تَضرِبْ غيرَ زَيدٍ» إيجاباً لِضَربِه، و قَولُه: «و لا زَيداً» حَظْراً لذلكَ (6). و في العِلمِ بصحّةِ هذا القَولِ مِن مُستَعمِلِه، و أنّه غيرُ جارٍ مَجرىٰ قَولِه: «اضرِبْ زَيداً و(7)لا تَضرِبْه» دَلالةٌ علَى استقامةِ تأويلِنا للآيةِ .
1) . في المطبوع: + «يكون متّبعاً». و هو سهو واضح.
2) . في المطبوع: - «إذ قد بيّنّا أنّه...» إلىٰ هنا. و هو سهو واضح.
3) . في المطبوع: «إلّا» بدل «لا». و هو سهو.
4) . في المطبوع و الحجري: «أحداً».
5) . في «ج، ص، ف»: «غير السبيل» بدل «غير سبيل المؤمنين».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «له».
7) . في «ج، د، ص، ط»: - «و».
فأمّا قَولُه في الاستدلالِ(1)علىٰ أنّ في جُملةِ الأُمّةِ مؤمنينَ في كُلِّ عَصرٍ(2):
إنّ نَفسَ الظاهرِ يَقتَضي إثباتَ مؤمنينَ يَصِحُّ أن يُتَّبَعَ سَبيلُهم؛ لأنّه لا يَصِحُّ(3)أن يَتوعَّدَ اللّٰهُ تَعالىٰ تَوعُّداً مُطلَقاً علَى العُدولِ(4)عن
اتّباعِ سَبيلِ المؤمنينَ(5)إلّاو ذلكَ مُمكِنٌ(6)في كُلِّ حالٍ، و لا يَصِحُّ دُخولُه في أن يَكونَ مُمكِناً إلّابأن يَثبُتَ في كُلِّ عَصرٍ جماعةٌ مِن المؤمنينَ(7).
يُبيِّنُ ذلكَ : أنّه كما(8)تَوعَّدَ علَى العُدولِ عن اتّباعِ سَبيلِهم، فكذلكَ تَوعَّدَ علىٰ مُشاقّةِ (9)الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و سَلَّمَ . فإذا وَجَبَ في كُلِّ حالٍ صحّةُ المُشاقّةِ ليَصِحَّ الوعيدُ المذكورُ، فكذلكَ يَجِبُ أن يَصِحَّ في كُلِّ حالٍ اتّباعُ سَبيلِهم و العُدولُ عنها(10).
1) . في المطبوع و الحجري: «فالاستدلال».
2) . نصّ عبارة المغني هكذا: «فإن قال: و من أين أنّ في جملة الأُمّة مؤمنين لا محالة في كلّ عصر؛ لأنّه لا دليل لكم يدلّ علىٰ ذلك ؟ قيل له: قد أُجيب عن ذلك بوجهين: أحدهما أنّ نفس الظاهر يقتضي...». المغني، ج 17، ص 167.
3) . في المغني: «لا يجوز».
4) . في «ج، ص، ف» و حاشية «ط»: «أن يتوعّد اللّٰه تعالىٰ علىٰ ذلك توعّداً مطلقاً، أعني على العدول» بدل «أن يتوعّد اللّٰه تعالىٰ توعّداً مطلقاً على العدول».
5) . في المغني: «عن اتّباع المسلمين» بدل «عن اتّباع سبيل المؤمنين».
6) . في المطبوع و الحجري: «يمكن».
7) . في المغني: + «و في هذا إسقاط السؤال».
8) . في المطبوع: «لمّا».
9) . المُشاقَّة و الشقاق: الخلاف و العداوة. الصحاح، ج 4، ص 1503 (شقق).
10) . المغني، ج 17، ص 167-168.
فلَيسَ يَجِبُ - مِن حَيثُ تَوعَّدَ اللّٰهُ(1)تَعالىٰ تَوعُّداً مُطلَقاً علَى العُدولِ عن اتّباعِ سَبيلِ المؤمِنينَ - ثُبوتُ مؤمنينَ(2)في كُلِّ عَصرٍ، و إنّما يَقتَضي(3)الآيةُ التحذيرَ مِن العُدولِ عن اتّباعِهم إذا وُجِدوا، و تُمُكِّنَ(4)مِن اتّباعِهم و تَركِه.
و لَسنا نَعلَمُ مِن أيِّ وجهٍ ظَنَّ أنّ التوَعُّدَ علَى الفِعلِ يَقتَضي إمكانَه في كُلِّ حالٍ!
و لَيسَ هذا مِمّا يَدخُلُ(5)فيه عِندَنا شُبهةٌ علىٰ مُتكلِّمٍ، و نَحنُ نَعلَمُ أنّ البِشارةَ بنَبيِّنا صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه قد تَقدَّمَت علىٰ لِسانِ مَن سَلَفَت(6)نُبوَّتُه كموسىٰ و عيسىٰ عَلَيهما السلامُ و غَيرِهما، و قد أمَرَ اللّٰهُ تَعالىٰ أُمَمَهم باتّباعِه و تصديقِه، و أشارَ لهم(7)إليه بصفاتِه و علاماتِه(8)، و تَوعَّدَهم علىٰ مُخالَفتِه و تَكذيبِه، و لَم يَلزَم أن يَكونَ ما تَوعَّدَ عليه مِن مُخالَفتِه، و أَوجَبَه مِن تصديقِه و اتّباعِه مُمكِناً في(9)كُلِّ وقتٍ، و لا مانعاً مِن إطلاقِ الوعيدِ.
و قَد(10)قالَ شَيخُ أصحابِه أبو هاشِمٍ(11)- و تَبِعَه علىٰ هذه المَقالةِ جميعُ
1) . في «ج، ص، ط، ف»: - «اللّٰه».
2) . في «د» و المطبوع و الحجري: «مؤمن».
3) . كذا في جميع النسخ و الحجري. و في المطبوع: «تقتضي».
4) . في «د» و المطبوع: «و يمكن».
5) . في المطبوع: «تدخل».
6) . في الحجري: «سلف».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: - «لهم».
8) . في «ج، ص»: «و آياته».
9) . في المطبوع: «من».
10) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «فقد».
11) . أبو هاشم عبد السلام بن محمّد الجُبّائيّ ، و أبوه أبو عليّ محمّد بن عبد الوهّاب بن سلام الجُبّائيّ ، و يُطلق عليهما «الجُبّائيّان» و كلاهما من رؤساء المعتزلة. تُوفّي أبو عليّ الجُبّائيّ سنة 303 ه، و تُوفّي ابنه أبو هاشم سنة 321 ه. و قد تكرّر ذكره في الكتاب، و تقدّمت ترجمته.
أصحابِه -: إنّ قَولَه(1)تَعالىٰ : (وَ السّٰارِقُ وَ السّٰارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمٰا جَزٰاءً بِمٰا كَسَبٰا
نَكٰالاً مِنَ اللّٰهِ) الآيةَ(2). أي المقرّين علىٰ أنفسهم بالسرقة.(3)، لا يَقتَضي ثُبوتَ مَن يَستَحِقُّ القَطعَ علىٰ سَبيلِ النَّكالِ، و لا يَفتَقِرُ إليه، و إنّما يوجِبُ أنّ مَن واقَعَ السَّرِقةَ المخصوصةَ علَى الوجهِ المخصوصِ يَستَحِقُّ القَطعَ علىٰ سَبيلِ التنكيلِ، و لَو لَم يَقَعِ التمكُّنُ(4)أبَدَ الدهرِ مِن الوقوفِ علىٰ مَن هذه حالُه لَما أخَلَّ بفائدةِ الآيةِ.
و عَوَّلَ في(5)قَطعِ مَن يُقطَعُ مِن السُّرّاقِ - المشهودِ عَلَيهم أو المُقرِّينَ(5) - علَى الإجماعِ.
و إذا صَحَّ هذا، فكيفَ يَجِبُ - مِن حَيثُ أُطلِقَ الوعيدُ علَى العُدولِ عن اتّباعِ سَبيلِ المؤمنينَ - وجودُ مؤمنينَ في كُلِّ عَصرٍ؟ و ما المانعُ مِن أن يَكونَ الوعيدُ تَعلَّقَ بحالٍ مُقدَّرةٍ ؛ كأنّه قالَ تَعالىٰ : «لا تَتَّبِعوا غيرَ سَبيلِ المؤمِنينَ (6)إذا حَصَلوا و إذا وُجِدوا(7)»؟
و فَسادُ ما تَعلَّقَ به أظهَرُ مِن أن يَخفىٰ .
فأمّا قَولُه:
و الوجهُ الثاني(8): أنّ الآيةَ دالّةٌ علىٰ وجوبِ اتّباعِ سَبيلِ المؤمنينَ (9)،
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «قول اللّٰه».
2) . المائدة
3) :38.
4) . في «د»: «التمكين».
5) . في «ص»: «علىٰ ».
6) . في «د»: «المؤمن».
7) . في «د» و الحجري: «و وجدوا»، و في المطبوع: «أو وجدوا» كلاهما بدل «و إذا وجدوا».
8) . تقدّم الوجه الأوّل في عبارة المغني السابقة، و قد أشرنا إلىٰ عبارة المغني الكاملة في الهامش هناك، فراجع.
9) . في «د»: «المؤمن».
و نَعلَمُ أنّ في كُلِّ حالٍ(1)مؤمنينَ بدَليلٍ آخَرَ، و هو ما ثَبَتَ بالقُرآنِ و غيرِه أنّ في كُلِّ حالٍ طائفةً مِن أُمّةِ النبيِّ صَلّى اللّٰهُ عليه ظاهِرينَ علَى الحَقِّ(2)، و أنّ في كُلِّ عَصرٍ شُهَداءَ يَشهَدونَ علَى الحَقِّ....(3)
فما نَراه أحالَ إلّاعلىٰ غَيبٍ؛ لأنّه ادَّعىٰ أنّ القُرآنَ و غيرَه دالٌّ علىٰ أنّ في كُلِّ عصرٍ مؤمنينَ و(4)شُهَداءَ، و ما نَعلَمُ(5)في القُرآنِ شيئاً يَدُلُّ علىٰ ذلكَ، و لا في غيرِه، و لَو تَعلَّقَ فيما ادَّعاه بشيءٍ لَبيّنّا فَسادَه، و لكنّه اقتَصَرَ علىٰ مَحضِ الدَّعوىٰ.
و لَيسَ فيما يَتعلَّقُ(6)به - مِن قَولِه تَعالىٰ: (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا) إلىٰ قَولِه: (وَ تَكُونُوا شُهَدٰاءَ عَلَى النّٰاسِ)(7)و قَولِه: (وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللّٰهِ وَ رُسُلِهِ أُولٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَ الشُّهَدٰاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ)(8)و قَولِه تَعالىٰ(9): (وَ جِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَ الشُّهَدٰاءِ )(10)و قَولِه جَلَّ اسمُه(11): (وَ يَقُولُ الْأَشْهٰادُ هٰؤُلاٰءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلىٰ رَبِّهِمْ )(12)
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «عصر».
2) . يشير إلى الحديث المروي عن النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله: «لا تزال طائفة من أُمّتي ظاهِرين على الحقّ ». صحيح البخاري، ج 4، ص 187؛ و ج 8، ص 149؛ صحيح مسلم، ج 4، ص 173، ح 174؛ كنز العمّال، ج 12، ص 165، ح 34501.
3) . المغني، ج 17، ص 168.
4) . في «ج، ص، ط، ف»: - «و».
5) . في «د، ص»: «و ما يعلم».
6) . في المطبوع: «تعلّق».
7) . الحجّ (22):77-78.
8) . الحديد (57):19.
9) . في «ج، ص، ط، ف»: - «تعالىٰ ».
10) . الزمر (39):69.
11) . في «ج، ص، ط، ف»: - «جلّ اسمه».
12) . هود (11):18.
و أكثَرُ ما تَدُلُّ عليه الآياتُ التي تَلَوناها أن يَكونَ في الأُمّةِ شُهَداءُ ، و أنّ مِن جُملةِ المؤمنينَ مَن يُستَشهَدُ فيَشهَدُ، فأمّا أن يَقتَضيَ ذلكَ وجودَ الشُّهداءِ في كُلِّ عصرٍ فبَعيدٌ.
فأمّا استدلالُه مِن الآيةِ علىٰ أنّ إجماعَ كُلِّ عصرٍ حُجّةٌ بأنّها تَقتَضي التحذيرَ مِن تَركِ اتّباعِ سَبيلِ المؤمنينَ ، و لَيسَ فيها تخصيصُ وقتٍ مِن وقتٍ (2).
فباطلٌ؛ لأنّه لَيسَ يَلزَمُ إذا لَم يَكُنْ في الآيةِ تخصيصُ وقتٍ مِن وقتٍ أن يُحمَلَ علىٰ كُلِّ الأوقاتِ؛ و ذلكَ(3)أنّها كما لَم تَخُصَّ(4)وقتاً دونَ وقتٍ، فلَم تَعُمَّ أيضاً(5)جميعَ الأوقاتِ، و فَقْدُ دَلالةِ أحَدِ الأمرَينِ كفَقدِ دَلالةِ الآخَرِ.
و لا فَرقَ بَينَ مَن ذَهَبَ إلىٰ عُمومِها في الأوقاتِ مِن حَيثُ لَم يَكُن(6)فيها
اختصاصُ وقتٍ، و بَينَ مَن خَصَّها بوقتٍ مُعيَّنٍ - إمّا وقتِ نُزولِ الآيةِ أو غيرِه - و احتَجَّ بأنّه لمّا لَم يَجِدْ(7)فيها ما يَقتَضي عُمومَ سائرِ الأوقاتِ و لا تخصيصَ (8)
1) . في المطبوع: + «في».
2) . المغني، ج 17، ص 169، و نصّه هكذا: «فإن قال: أتدلّ الآية علىٰ أنّ إجماع كلّ عصر حجّة ؟ قيل له: نعم، لأنّها تقتضي [التحذير] من يرى [ترك] اتّباع سبيل المؤمنين، و ليس يخصّص وقت من وقت». و ما بين المعقوفين من الشافي.
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «و ذاك».
4) . في «ج، د» و الحجري: «لم يخصّ ».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «لم تعمّ » بدل «فلم تعمّ أيضاً».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «لم يك».
7) . في «ج، ط، ف»: «لم نجد».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «و لا خصوص».
وقتٍ سِوَى الوقتِ الذي عَيَّنَته(1).
فإذا قيلَ له(2): حُكمُ الوقتِ الذي عيَّنَته(3)كحُكمِ غيرِه في أنّ الآيةَ لا تَقتَضي تخصيصَه، فلَيسَ تعيينُ وقتٍ أَولىٰ مِن تعيينِ غيرِه.
قُلنا نَحنُ : و حُكمُ سائرِ الأوقاتِ و جميعِها حُكمُ بعضِها في أنّ الآيةَ لا تَقتَضي تَناوُلَه، فلَيسَ مَن ادَّعىٰ عُمومَ الأوقاتِ بأَولىٰ ممَّن ادَّعىٰ وقتاً مخصوصاً.
و ممّا اعتَمَدَ عليه في الاستدلالِ علىٰ صحّةِ الإجماعِ - و إن كانَ قد ضَعَّفَه بعضَ التضعيفِ - قَولُه تَعالىٰ(1): (وَ اتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنٰابَ إِلَيَّ)(2)قالَ(3):
لأنّ مَن أنابَ إلَى اللّٰهِ تَعالىٰ هُمُ المؤمنونَ ؛ لأنّهم(4)المُختَصّونَ بهذه الطريقةِ .(5)
و سَلَكَ في ترتيبِ الاستدلالِ بها المَسلَكَ في الآيةِ المُتَقدِّمةِ .
و هذه الآيةُ لا دَلالةَ فيها علىٰ ما يَذهَبونَ إليه في صحّةِ الإجماعِ، و أكثَرُ الوجوهِ التي ذَكَرناها في الآيةِ المُتَقدِّمةِ تُبطِلُ(6)الاحتجاجَ بهذه الآيةِ (7).
و أنتَ إذا تَصَفَّحتَها وَقَفتَ علَى(8)الفَصلِ بَينَ ما يَختَصُّ إحدَى الآيتَينِ مِن الوجوهِ ،
1) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «تعالىٰ ».
2) . لقمان (31):15.
3) . في «د» و المطبوع و الحجري: «إلىٰ أن قال» بدل «إليّ ، قال».
4) . في المطبوع و الحجري: + «هم».
5) . المغني، ج 17، ص 170.
6) . في «د» و المطبوع و الحجري: «يبطل».
7) . تقدّمت هذه الوجوه في ص 10 و ما بعدها.
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «وجدت» بدل «وقفت على».
و ما يُمكِنُ أن يَكونَ كلاماً علَى الجميعِ، فلهذا لَم نَتَشاغَلْ بإعادةِ شيءٍ ممّا مضىٰ.
و مِمّا يَخُصُّ(1)هذه الآيةَ أنّ الإنابةَ حقيقتُها في اللُّغةِ هي(2)«الرجوعُ»، و إنّما تُستَعمَلُ في التائبِ مِن حَيثُ رَجَعَ عن المعصيةِ إلَى الطاعةِ، و لَيسَ يَصِحُّ إجراؤها
علَى المُتمسِّكِ(3)بطريقةٍ واحدةٍ(4)لَم يَرجِعْ إليها عن غيرِها علىٰ سَبيلِ الحقيقةِ، و لَو استُعمِلَ فيمَن ذَكَرناه لَكانَ مُستَعمِلُها مُتجوِّزاً عندَ جميعِ أهلِ اللُّغةِ. و إذا كانَت حقيقةُ الإنابةِ في اللُّغةِ هي الرجوعَ، لَم يَصِحَّ إجراءُ قَولِه تَعالىٰ: (وَ اتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنٰابَ إِلَيَّ) علىٰ جميعِ(5)المؤمنينَ حَتّىٰ يُعَمَّ بها مَن كانَ مُتمسِّكاً بالإيمانِ و غيرَ خارجٍ عن غيرِه إليه، و مَن رَجَعَ إلَى اعتقادِه و أنابَ إليه بَعدَ أن كانَ علىٰ غيرِه؛ لأنّا لَو فَعَلنا ذلكَ لَكُنّا عادلينَ باللّفظةِ(6)عن حَقيقتِها(7)مِن غيرِ ضَرورةٍ، و الواجبُ أن يَكونَ ظاهرُها مُتناوِلاً للتائبينَ مِن المؤمنينَ الذين أنابوا إلَى الإيمانِ و فارَقوا غيرَه، و إذا تَناوَلَت هؤلاءِ لَم يَكُنْ دَلالةً علىٰ مَكانِ الخِلافِ بَينَنا و بَينَ خُصومِنا في الإجماعِ .
و ممّا تَعلَّقَ به أيضاً(1)قَولُه تَعالىٰ: (وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً)(2)قالَ:
الوَسَطُ(3)هو العَدلُ، و لا يَكونُ هذا(4)حالَهم إلّاو هُم خِيارٌ؛ لأنّ الوَسَطَ مِن كُلِّ شيءٍ هو المُعتَدِلُ منه(5)، و قَولُه تَعالىٰ: (قٰالَ أَوْسَطُهُمْ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ)(6)المرادُ بذلكَ خَيرُهم. و علىٰ هذا الوجهِ يُقالُ (7): إنّه عليه السلامُ (8)مِن أَوسَطِ قُرَيشٍ (9)يُعنىٰ بذلكَ : مِن خَيرِهم، و بَيَّنَ أنّه تَعالىٰ جَعَلَهم كذلكَ ليَكونوا شُهَداءَ علَى الناسِ كما أنّه عليه السلامُ شَهيدٌ عَلَيهم،
1) . في «د»: «أيضاً به». و في «ج، ص، ط، ف»: - «أيضاً».
2) . البقرة (2):143.
3) . في «ص، ط، ف» و المغني: «و الوسط».
4) . في المغني: «و لا هذه» بدل «و لا يكون هذا».
5) . في المغني: «فيه».
6) . القلم (68):28.
7) . في «د» و المطبوع و الحجري: + «له».
8) . في المغني: «إنّه صلّى اللّٰه عليه». و في «ج، ص، ط، ف»: «إنّ النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله».
9) . في «د» و المطبوع و الحجري: «العرب». و في المغني: + «نسباً».
فكما أنّه لا يَكونُ شَهيداً إلّاو قَولُه حقٌّ و حُجّةٌ ، فكذلكَ القَولُ فيهم(1).
و هذه الآيةُ لا تَدُلُّ أيضاً علىٰ ما يَدَّعونَه:
[1.] لأنّه لا يَخلو أن يَكونَ المُرادُ بها جميعَ الأُمّةِ المُصدِّقةِ بالرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، أو بعضَها.
و قد عَلِمنا أنّه لا يَجوزُ أن يُريدَ جميعَها؛ لأنّ كثيراً مِنها لَيسَ بخِيارٍ و لا عُدولٍ(2)، و لا يَجوزُ مِن الحَكيمِ تَعالىٰ أن يَصِفَ(3)جماعةً بأنّهم خِيارٌ عُدولٌ و فيهم مَن لَيسَ(4)بعَدلٍ(5)و لا خَيِّرٍ، و هذا ممّا يُوافِقُنا عليه صاحبُ الكتابِ.(6)
و إن كانَ أرادَ بعضهَا(7)لَم يَخلُ ذلكَ البعضُ مِن أن يَكونَ هو جميعَ المؤمنينَ المُستَحِقّينَ للثوابِ، أو يَكونَ بعضاً مِنهم غيرَ مُعيَّنٍ.
فإن كانَ الأوّلَ فلا دَلالةَ توجِبُ عُمومَها في الكُلِّ دونَ حَملِها علىٰ بعضٍ مُعيَّنٍ؛ لأنّه لا لَفظَ هاهُنا مِن الألفاظِ التي تُدَّعىٰ للعُمومِ كما هو في الآيتَينِ المُتقدِّمتَينِ.
و إن كان المُرادُ بعضاً مُعيَّناً خَرَجَت الآيةُ مِن أن تَكونَ (8)فيها دَلالةٌ لخُصومِنا علَى الخلافِ بَينَنا و بَينَهم، و لَم يَكُنْ (9)بعضُ المؤمنينَ بأن يَقتَضيَ (10)تنَاوُلَها له أَولىٰ
1) . المغني، ج 17، ص 171.
2) . في «ص، ط، ف»: «و لا عدل».
3) . في «ج، ص، ط»: «أن يوصف».
4) . في الحجري: + «يعدّ».
5) . في «د»: «بعدول».
6) . في التلخيص: «أكثر من خالفنا» بدل «صاحب الكتاب».
7) . في «د» و المطبوع و الحجري: «بعضهم».
8) . في «ج، ص، ط، ف» و الحجري: «أن يكون».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «و لم يك».
10) . في المطبوع و الحجري و التلخيص: «تقتضي».
مِن بعضٍ ، و ساغَ (1)لنا أن نَقصُرَها علَى الأئمّةِ مِن آلِ محمّدٍ صلَواتُ اللّٰهِ عَلَيهم(2).
و يَكونُ قَولُنا أثبَتَ في الآيةِ مِن كُلِّ قَولٍ ؛ لقيامِ الدَّلالةِ علىٰ عصمةِ مَن عَدَلْنا بها إليه(3)، و طهارتِه و تَميُّزِه(4)مِن كُلِّ الأُمّةِ .
فإن قيلَ: إطلاقُ القَولِ يَقتَضي دُخولَ كُلِّ الأُمّةِ فيه لَولا الدَّلالةُ التي دَلَّت مِن حَيثُ الوصفِ المخصوصِ علىٰ تخصيصِ مَن استَحَقَّ(5)المَدحَ مِنهم و الثوابَ، فإذا خَرَجَ مَن لا يَستَحِقُّهما(6)بدليلٍ، وَجَبَ عُمومُها في كُلِّ المُستَحِقّينَ للثوابِ (7)و المَدحِ ؛ لأنّه لَيسَ هي بأن تَتناوَلَ (8)بعضاً أَولىٰ مِن بعضٍ .
قيلَ: إنّ إطلاقَ القَولِ(9)لا يَقتَضي كُلَّ الأُمّةِ علىٰ أصلِنا حتّىٰ يَلزَمَ إذا أَخرَجنا مَن لا يَستَحِقُّ الثوابَ مِنه أن لا يَخرُجَ غيرُه، و لَو اقْتَضىٰ ذلكَ و وَجَبَ تعليقُ الآيةِ(10)
بِكُلِّ(11)مَن عَدا الخارجينَ عن استحقاقِ الثوابِ ، لَوَجَبَ القَضاءُ بعُمومِها في جميعِ مَن كانَ بهذه الصفةِ في سائرِ الأعصارِ؛ لأنّ ظاهرَ العُمومِ يَقتَضيه علىٰ
1) . في المطبوع: «فساغ».
2) . في «ج»: «صلّى اللّٰه عليه وآله أجمعين». و في «د»: «عليه و عليهم السلام». و في «ص، ط»: «ص و عليهم أجمعين». و في «ف»: «صلّى اللّٰه عليه و عليهم أجمعين». و في التلخيص: «عليهم السلام».
3) . أي عدلنا بالآية إلى الإمام المعصوم.
4) . في «د، ص» و الحجري: «و تمييزه».
5) . في التلخيص: «يستحقّ ».
6) . في «ص، ط، ف»: «لا يستحقّها».
7) . في المطبوع: «الثواب».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «لأنّه ليس بأن يتناول».
9) . في «ج، ص»: «إنّ الإطلاق» بدل «إنّ إطلاق القول».
10) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «الأُمّة».
11) . في المطبوع و الحجري: «تعليق الأمّة» بدل «تعليق الآية بكلّ ».
مَذهَبِ مَن قالَ به، فكانَ لا يَسوغُ حَملُ القَولِ علىٰ إجماعِ كُلِّ عَصرٍ؛ لأنّه تخصيصٌ لا يَجِدُ مُقْتَرِحُه فَرقاً بَينَه و بَينَ مَن اقتَرَحَ تخصيصَ فِرقةٍ مِن كُلّ عَصرٍ، و هذا يُبطِلُ الغرضَ في الاحتجاجِ بالآيةِ .
و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ : كيفَ يَكونُ اجتماعُ جميعِ (1)أهلِ الأعصارِ علَى الشهادةِ حُجّةً و صَواباً علىٰ ما ألزمتُموناه، و لا يَكونُ اجتماعُ (2)جميعِ (3)أهلِ كُلِّ عصرٍ(4)كذلكَ؟
لأنّ هذا ممّا لا يُنكَرُ(5)كما لَم يَكُنْ مُنكَراً عندَ خُصومِنا أن يَكونَ إجماعُ أهلِ العَصرِ حُجّةً و صَواباً، و إن لَم يَكُنِ اجتماعُ (6)كُلِّ فِرقةٍ مِن فِرَقِهم كذلكَ .
فإن قيلَ : بأيِّ شيءٍ يَشهَدُ(7)جميعُهم، و هُم لا يَصِحُّ (8)أن يُشاهِدوا(9)كُلُّهم شيئاً واحداً(10)فيَشهَدوا(11)به ؟
قيلَ له(12): قد تَصِحُّ (13)الشهادةُ بما لا يُشاهَدُ مِن المعلوماتِ ، كشَهادتِنا بتَوحيدِ
1) . في الحجري: - «جميع».
2) . في «د، ط» و المطبوع: «إجماع».
3) . في «د، ط»: - «جميع».
4) . في «ط»: «أهل العصر» بدل «أهل كلّ عصر».
5) . في المطبوع و الحجري: «لم يُنكر».
6) . في «ج، ص»: - «اجتماع». و في «ط، ف»: «إجماع».
7) . في «ط»: «تشهد».
8) . في «ص»: «لا يصلح».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «أن يشهدوا».
10) . في «ج، ص»: «بشيء واحد».
11) . في «ص»: «فليشهدوا».
12) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «له».
13) . في «ج، د، ص، ف» و الحجري: «قد يصحّ ».
اللّٰهِ تَعالىٰ (1)و عَدلِه، و نُبوّةِ أنبيائه(2)عَلَيهم السلامُ ، إلىٰ غيرِ ذلكَ ممّا يَكثُرُ تَعدادُه.
و لَو قيلَ أيضاً: فعَلىٰ مَن تَكونُ (3)الشهادةُ إذا كان جميعُ المؤمنينَ في الأعصارِ(4)هُم الشُّهَداءَ؟
قُلنا: تَكونُ (5)شَهادتُهم علىٰ مَن لا يَستَحِقُّ الثوابَ و لا يَدخُلُ تَحتَ القَولِ مِن الأُمّةِ ، و يَصِحُّ أيضاً أن يَشهَدوا علىٰ باقي الأُمَمِ (6)الخارجينَ عن المِلّةِ ، و كُلُّ هذا غيرُ مُستَبعَدٍ.
[2.] و ممّا يُمكِنُ أن يُقالَ في أصلِ تأويلِ الآية: أنّ قَولَه تَعالىٰ: (جَعَلْنٰاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) إذا سُلِّمَ أنّ المُرادَ به(7): جَعَلناكم عُدولاً أخياراً(8)، لا يَدُلُّ أيضاً علىٰ ما يُريدُه(9)الخَصمُ؛ لأنّه لَم يُبيِّنْ هَل جَعَلَهم عُدولاً في كُلِّ أقوالِهم و أفعالِهم، أو في بعضِها؟ و القولُ(10)مُحتَمِلٌ. و مُمكِنٌ(11)أن يَكونَ تَعالىٰ أرادَ(12)أنّهم عُدولٌ فيما يَشهَدونَ به(13)في الآخِرةِ، أو في بعضِ الأحوالِ. فإن رَجَعَ راجعٌ إلىٰ أن يَقولَ : إطلاقُ القَولِ
1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «عزّ و جلّ ».
2) . في «د» و المطبوع و الحجري: «الأنبياء».
3) . في النسخ و الحجري: «يكون». و ما أثبتناه من المطبوع و التلخيص.
4) . في المطبوع: «إذا كان المؤمنون جميعاً في الأعصار». و في التلخيص: «إذا كان جميع أهل الأعصار».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «قيل: يكون».
6) . في «ج، ط»: «عليهما في الأُمم». و في «ص»: «عليهم في الأُمم» كلاهما بدل «علىٰ باقي الأُمم».
7) . في «ص» و المطبوع و الحجري: - «به».
8) . في المطبوع و الحجري: «خياراً».
9) . في التلخيص: «يريد».
10) . في التلخيص: «فالقول».
11) . في «ج، ص، ط، ف»: «و يمكن».
12) . في المطبوع و الحجري: «أراد تعالىٰ » بدل «تعالىٰ أراد». و ما أثبتناه مطابق للنسخ و التلخيص.
13) . في «ج، ص»: - «به».
إنّما يَقتَضي العُمومَ، و لَيسَ هو بأن يُحمَلَ علىٰ بعضِ الأحوالِ أو الأقوالِ(1)أَولىٰ مِن بعضٍ ، فقَد مَضَى الكلامُ علىٰ ما يُشبِهُ هذا مُستَقصىً .(2)
فأمّا حَملُ (3)الأُمّةِ (4)علَى النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(5)في بابِ الشهادةِ و كَونِه حُجّةً فيها: فلَم يَكُنْ قَولُ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(6)حُجّةً مِن حَيثُ كانَ شَهيداً، بَل مِن حَيثُ كانَ نَبيّاً معصوماً، فتشبيهُ أحَدِ الأمرَينِ بالآخَرِ مِن البَعيدِ(7).
[3.] و ممّا يُسقِطُ التعلُّقَ بالآيةِ أيضاً: أنّ قَولَه تَعالىٰ: (لِتَكُونُوا شُهَدٰاءَ)(8)يَقتَضي حُصولَ كُلِّ واحدٍ مِنهم بهذه الصفةِ؛ لأنّ ما جَرىٰ هذا المَجرىٰ مِن الأوصافِ لا بُدَّ أن يَكونَ حالُ الواحدِ فيه كحالِ الجماعةِ؛ ألا تَرىٰ أنّه لا يَسوغُ أن يُقالَ في جماعةٍ: «إنّهم مؤمنونَ» إلّاو كُلُّ واحدٍ مِنهم مؤمِنٌ؟ فكذلكَ لا يَسوغُ أن يُقالَ(9): «إنّهم شُهَداءُ» إلّا و كُلُّ واحدٍ مِنهم شهيدٌ؛ لأنّ «شُهَداءَ » جَمعُ «شَهيدٍ» كما أنّ «مؤمنينَ » جَمعُ «مؤمِنٍ ». و هذا يوجِبُ أن يَكونَ كُلُّ واحدٍ منهم - أعني(10)مِن الأُمّةِ - حُجّةً مقطوعاً علىٰ صَوابِ فِعلِه و قَولِه(11). و إذا لَم يَكُن هذا مَذهَباً لأحَدٍ، و كانَ
1) . في التلخيص: «الأُمور».
2) . تقدّم في ص 30 و 35.
3) . في التلخيص: «حملهم».
4) . في «ج، ص، ط»: «الآية».
5) . في التلخيص: «عليه و آله السلام».
6) . في «د»: «عليه السلام».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «بعيد» بدل «من البعيد».
8) . البقرة (2):143.
9) . في التلخيص: + «في جماعة».
10) . في «د» و التلخيص: - «منهم أعني».
11) . في «ج، ص، ط، ف»: «قوله و فعله» بدل «فعله و قوله».
استدلالُ الخُصومِ بالآيةِ يوجِبُه، فَسَدَ قَولُهم، و وَجَبَ صرفُ الآيةِ إلىٰ جماعةٍ يَكونُ كُلُّ واحدٍ مِنهم شَهيداً و(1)حُجّةً ، و هُم الأئمّةُ عَلَيهم السلامُ الذينَ ثَبَتَت عصمتُهم و طهارتُهم.
[4.] علىٰ أنّ الآيةَ - لَو تَجاوَزنا عن جميعِ ما ذَكَرناه فيها - لا يَقتَضي(2)كَونَ جميعِ أقوالِ الأُمّةِ و أفعالِها حُجّةً؛ لأنّها غيرُ مانعةٍ مِن وقوعِ الصغائرِ التي لا تُسقِطُ العَدالةَ مِنهم(3)، فإن أمكَنَ تمييزُ(4)الصغائرِ مِن غيرِها كانوا حُجّةً فيما نَقطَعُ(5)عليه، و إن لَم يُمكِنْ (6)عُلِمَ في الجُملةِ أنّ الخطأَ الذي يَكونُ كَبيراً(7)و يؤثِّرُ في العَدالةِ مأمونٌ مِنهم و غيرُ واقعٍ مِن جهتِهم، و أنّ ما عَداه مُجوَّزٌ(8)عَلَيهم.
فيَسقُطُ مع ما ذَكَرناه تَعلُّقُ المخالِفينَ بالآيةِ (9)في نُصرةِ الإجماعِ .
1) . في «ف»: «أو».
2) . في التلخيص: «لا تقتضي».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «من وقوع صغيرة منهم التي لا تسقط العدالة». و العدالة لغةً مأخوذة من العدل و هو الاستقامة، و عرّفها الفقهاء بأنّها ملكة اجتناب الكبائر و عدم الإصرار على الصغائر، أو إتيان الواجب و ترك المحرّم، أو مجرّد ترك المعاصي عن ملكة، أو خصوص الكبائر منها، و غير ذلك من التعريفات التي تختلف لفظاً و تتقارب معنىً . و قد أخذها الفقهاء شرطاً في المفتي، و القاضي، و إمام الجماعة، و الشاهد. و تُعرف بالعلم الوجداني من أيّ أسبابه حصل: بالبينّة العادلة، و الشياع المفيد للعلم، و حسن الظاهر، و بالوثوق و الاطمئنان الحاصل من علم و معرفة، لا كتسرّع بعض الجهّال الذين سرعان ما يثقون، ثمّ يرجعون بأدنىٰ عارض من الشُّبه.
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «تميّز».
5) . في «ص، ط»: «يقطع». و في المطبوع و الحجري: «قطع».
6) . في «ص» و التلخيص: «و إن لم يكن».
7) . في المطبوع و الحجري: «كثيراً». و ما أثبتناه مطابق لجميع النسخ و التلخيص.
8) . في المطبوع و الحجري: «يجوز». و ما أثبتناه مطابق لجميع النسخ و التلخيص.
9) . في التلخيص: «فسقط بما ذكرناه تعلّق المخالف بالآية».
فأمّا قَولُه في نُصرةِ هذه الطريقةِ :
إنّ كَونَهم عُدولاً كالعِلّةِ و السببِ في كَونِهم شُهَداءَ، و إنّه(1)قد صَحَّ في التعبُّدِ أنّه لا يَجوزُ أن يُنصَبَ للشهادةِ إلّا مَن تُعلَمُ(2)عَدالتُه أو تُعرَفُ(3)بالأماراتِ(4)التي تَقتَضي(5)غالبَ الظنِّ، و قد صَحَّ(6)أنّ مَن نَنصِبُه(7)لغالبِ(8)الظنِّ إذا تَولَّى اللّٰهُ تَعالىٰ نَصبَه يَجِبُ أن يَعلَمَ مِن حالِه ما نَظُنُّه(9). فإذا ثَبَتَ ذلكَ لَم يَخلُ مِن أن يَكونوا حُجّةً فيما يَشهَدونَ به(10)، أو لا يَكونوا حُجّةً (11). فإن لَم يَكونوا حُجّةً (12)بطَلَت شَهادتُهم؛ لأنّ مِن حَقِّ الشاهدِ إذا أخبَرَ عمّا يَشهَدُ به أن يَكونَ خبرُه حقّاً، و إن لَم يُجرِه(13)مَجرَى
الشهادةِ ، فلا بُدَّ مِن أن يَكونَ قَولُهم و فِعلُهم صحيحاً، و لا يَكونُ كذلك
1) . في المغني: + «جلّ و عزّ جعلهم كذلك ليكونوا شهداء و».
2) . في النسخ و الحجري: «يُعلم». و ما أثبتناه مطابق للمغني و المطبوع.
3) . في «د»: «و يُعرف». و في «ج، ص، ف»: «أو يُعرف».
4) . في «د، ط، ف» و التلخيص و المغني: «الأمارات».
5) . هكذا في التلخيص و المغني. و في النسخ و المطبوع: «يقتضي».
6) . هكذا في «ج، ص» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «و صحّ ».
7) . هكذا في «ج» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «ينصبه».
8) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «بغالب».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «ما يظنّه». و في المغني: + «كما نقول: إنّه جلّ و عزّ لو تولّىٰ نصب الإمام لوجب أن يكون الشرائط التي نعتبرها ظنّاً حاصلة فيه علىٰ طريق القطع».
10) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «به».
11) . في المغني: «كذلك» بدل «حجّة». و في «د» و المطبوع و الحجري: - «حجّة».
12) . في المغني: «فإن قلنا ليسوا بحجّة».
13) . في المغني: «لم نجره». و في «د» و المطبوع و الحجري: «لم يجر».
إلّا و هُم حُجّةٌ، و لَيسَ بعضُ أقوالِهم و أفعالِهم بذلكَ أَولىٰ مِن بعضٍ.(1)
فلَو سَلِمَ له(2)جميعُ ما ذَكَرَه لَم يَلزَم الاحتجاجُ به، و لا أن يَكونوا حُجّةً(3)في جميعِ أقوالِهم و أفعالِهم(4)لأنّ أكثرَ ما يَدُلُّ(5)عليه الآيةُ فيهم أن يَكونوا عُدولاً رُشِّحوا(6)للشهادةِ، فالواجبُ أن يُنفىٰ عنهم ما جَرَحَ شهادتَهم(7)، و أثَّرَ في عَدالتِهم، دونَ ما لَم يَكُن بهذه المَنزلةِ. و إذا كانَت الصغائرُ علىٰ مَذهبِ صاحبِ الكتابِ غَيرَ مُخرِجةٍ(8)عن العَدالةِ، لَم يَجِبْ بمُقتَضَى الآيةِ نفيُها عنهم.
و بطَلَ (9)قَولُه «إنّه لَيسَ بعضُ أقوالِهم و أفعالِهم بذلكَ (10)أَولىٰ مِن بعضٍ »؛ لأنّا قد بيّنّا فَرقَ ما بَينَ الأفعالِ المُسقِطةِ للعَدالةِ ، و الأفعالِ التي لا تُسقِطُها.
فأمّا قَولُه:
و يُخالِفُ(11)حالُهم حالَ الرسولِ عليه السلامُ ؛ لأنّ ما نُجوِّزُه(12)عليه مِن الصغائرِ لا يُخرِجُ ما يؤدّيهِ عن اللّٰهِ تَعالىٰ - ممّا هو الحُجّةُ فيه - مِن أن يَكونَ مُتميِّزاً، فيَصِحَّ كَونُه حُجّةً . و لَيسَ كذلكَ لَو جَوَّزنا علَى الأُمّةِ
1) . المغني، ج 17، ص 178.
2) . في «ج، ص، ط، ف»: - «له».
3) . في «د» و التلخيص: «لم يلزم أن يكونوا حجّة» بدل «لم يلزم الاحتجاج به، و لا أن يكونوا حجّة».
4) . في «ج، ص»: + «بذلك».
5) . في المطبوع: «تدلّ ».
6) . في «ج، د، ص، ط»: «رسخوا».
7) . في «د»: «ما خرج شهادتهم». و في التلخيص: «ما خرج بشهادتهم».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «غير مقتضية الخروج».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «فبطل».
10) . في المطبوع: - «بذلك».
11) . في المغني: «تخالف».
12) . في «ج»: «نجوّز». و في «ص، ط»: «يجوّزه». و في «د» و المطبوع: «يجوز».
الخطأَ في بعضِ ما تَقولُه و تَفعَلُه(1)لأنّ ذلكَ يوجِبُ خُروجَ كُلِّ ما تَجتَمِعُ (2)عليه مِن أن يَكونَ حُجّةً ؛ لأنّ الطريقةَ في الجميعِ واحدةٌ [فإذا صَحَّ كَونُهم حُجّةً ، فيَجِبُ أن لا يَصِحَّ عليهم - فيما أَجمَعوا عليه - الصغائرُ، كما لا يَصِحُّ عليهم الكبائرُ...].(3)
فيَسقُطُ بما ذَكرناه؛ لأنّه إذا كانَ تجويزُ الصغائرِ علَى الرسولِ لا يُخرِجُه فيما يؤدّيهِ مِن أن يَكونَ حُجّةً و يَتميَّزَ ذلكَ للمكلَّفِ، فكذلكَ إذا كانَت الآيةُ إنّما
تَقتَضي كَونَ الأُمّةِ عُدولاً، فيَجِبُ نفيُ ما أثَّرَ في عَدالتِهم، و القطعُ بانتفاءِ الكبيرِ(4)مِن المَعاصي عنهم، و تجويزُ ما عَداها عليهِم،(5)و لا يُخرِجُهم هذا التجويزُ مِن أن يَكونوا حُجّةً فيما لَو كانَ خطأً لَكانَ كبيراً.
و قد يَصِحُّ(6)تمييزُ(7)ذلكَ علىٰ وجهٍ؛ فإنّ في(8)المَعاصي ما نَقطَعُ(9)علىٰ كَونِها كبائرَ. و لَو لَم يَكُن إلىٰ تمييزِه(10)سَبيلٌ لَصَحَّ(11)الكلامُ أيضاً؛ مِن حَيثُ كانَ الواجبُ
1) . في «ط»: «يقوله و يفعله».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «يجتمع». و في «د»: «يجمع». و في المغني: «تجمع». و في التلخيص: «نجمع».
3) . المغني، ج 17، ص 178-179. و ما بين المعقوفين من المصدر.
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «على انتفاء الكبائر». و في التلخيص: «على انتفاء الكبير».
5) . بحكم قياس الأولوية؛ أي إذا كانت الصغائر جائزة على النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و لم تخلّبعصمته، فعدم منافاتها لعدالة غيره أولى.
6) . في حاشية «ف»: «و قد صحّ ».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «تميّز»، و كذا فيما بعد.
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «من».
9) . في «ج، ط، ف» و التلخيص: «ما يقطع».
10) . في «ج، ص، ط»: «تميّزه».
11) . في «ص، ط»: «يصحّ ».
علينا اعتقادَ نفيِ الكبائرِ عنهم و تجويزَ الصغائرِ، و أنّ شهادتَهم بما لَو لَم يَكُن(1)حقّاً لَكانَت الشهادةُ به(2)كبيرةً لا تقعُ مِنهم، و إن جازَ وقوعُ ما لَم يَبلُغْ هذه المنزلةَ ، و يَكونُ هذا الاعتقادُ ممّا يَجِبُ علينا علىٰ سَبيلِ الجُملةِ ، و إن تَعذَّرَ علينا تفصيلُ أفعالِهم و أقوالِهم(3)التي يَكونونَ فيها حُجّةً ممّا خالَفَها(4)، لا سِيَّما و شهادتُهم لَيسَت عندَنا، فيَجِبَ علينا تمييزُ خطئهم مِن صَوابِهم(5)، و إنّما هي عندَ اللّٰهِ تَعالىٰ ، و إذا كانَت عندَه جازَ أن يَكونَ الواجبُ علينا هو الاعتقادَ الذي ذَكرناه.
فأمّا قَولُه:
و قد قيلَ: إنّ المُرادَ بالآيةِ لَيسَ هو الشهادةَ في الآخرةِ، و إنّما هو القَولُ بالحَقِّ(6)، و الإخبارُ بالصِّدقِ، كقَولِه(7)تَعالىٰ: (شَهِدَ اللّٰهُ أَنَّهُ لاٰ إِلٰهَ إِلّاٰ هُوَ وَ الْمَلاٰئِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ )(8)و كُلُّ مَن قالَ حقّاً فهو شاهدٌ به. و لَيسَ هذا مِن بابِ الشهادةِ التي تؤدّىٰ أو تُتحمَّلُ بسَبيلٍ ، و إن كانوا مع شهادتِهم بالحقِّ يَشهَدونَ في الآخرةِ بأعمالِ العبادِ(9)، فيَجِبُ في كُلِّ ما أَجمَعوا
1) . في التلخيص: «ممّا لو لم تكن» بدل «بما لو لم يكن».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: - «به».
3) . في «د» و الحجري: «أعمالهم و أقوالهم». و في المطبوع: «أعمالهم و أحوالهم». و في التلخيص: - «و أقوالهم».
4) . في المطبوع: «ممّا خالفهم». و ما أثبتناه مطابق للنسخ و الحجري و التلخيص.
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «فيجب تمييز خطئهم من صوابهم علينا».
6) . في المغني: «و قد قيل: إنّ قوله جلّ و عزّ: (لِتَكُونُوا شُهَدٰاءَ عَلَى النّٰاسِ ) ليس المراد بذلك أداء الشهادة في الآخرة، و إنّما المراد بذلك قول الحقّ ».
7) . في «ج، ص، ط، ف» و المطبوع و الحجري: «لقوله». و ما أثبتناه مطابق للمغني و التلخيص و «د».
8) . آل عمران (3):18. و في «د» و المطبوع و الحجري: + (قٰائِماً بِالْقِسْطِ).
9) . في المغني: + «كما تشهد الجوارح، ليكون اللطف أعظم. و إذا صحّ ذلك».
عليه قَولاً(1)أن يَكونَ حقّاً، و فِعلُهم يَقومُ مَقامَ قَولِهم، فيَجِبُ أن يَكونَ هذا حالَه؛ لأنّهم(2)إذا أَجمَعوا علَى الشيءِ فِعلاً، و أظهَروه إظهارَ ما يُعتَقَدُ أنّه حَقٌّ ، حَلَّ محَلَّ الخبرِ، و هذا يوجِبُ أنّه لا فَرقَ بَينَ الكبيرِ و الصغيرِ في هذا البابِ (3).
فغَيرُ مؤثِّرٍ فيما قَدَحنا به في الاستدلالِ بالآيةِ؛ لأنّ(4)التعلُّقَ مِن الآيةِ إنّما هو بكَونِهم عُدولاً، لا بلفظِ الشهادةِ؛ لأنّ التعلُّقَ لَو كانَ بالشهادةِ لَم يَكُن في الكلامِ شُبهةٌ؛ مِن حيثُ كانَت الشهادةُ لا تدُلُّ بنفسِها(5)علىٰ كَونِها حُجّةً كما تدُلُّ العَدالةُ ، و لَو تعلَّقَ متعلِّقٌ بكَونِهم شُهوداً و أورَدَ(6)شهادتَهم لَم يَجِدْ(7)بُدّاً مِن اعتبارِ العَدالةِ و الرجوعِ إليها. و إذا كانَت الصغائرُ لا تؤثِّرُ في العَدالةِ ، و لا يَمتنعُ وقوعُها - علىٰ مذهبِ صاحبِ الكتابِ و أهلِ مقالتِه - مِن العَدلِ المقبولِ الشهادةِ ، فما الموجِبُ مِن الآيةِ نفيَها عن الأُمّةِ؟!
و لا فَرقَ فيما ذَكرناه بَينَ أن يَكونوا شُهَداءَ في الدنيا و الآخِرةِ معاً، و بَينَ أن يَكونوا شُهَداءَ في الآخِرةِ دونَ الدنيا.
فما نَراه زادَنا في الكلامِ الذي عدَل إليه شيئاً يُنتَفَعُ به.
و ممّا تَعلَّقَ به في نُصرةِ الإجماعِ ما رُويَ مِن قَولِه عليه السلامُ : «لا تَجتَمِعُ أُمّتي علىٰ خطإٍ(1)»(2).
[1.] و هذا الخبرُ لا شُبهةَ في فَسادِ التعلُّقِ به؛ لأنّه مِن أخبارِ الآحادِ التي توجِبُ الظنَّ ، و(3)لا توجِبُ عِلماً و لا عملاً، فلا(4)يَسوغُ القطعُ بمِثلِها، و لا خِلافَ في أنّ نَقلَه إلينا مِن طريقِ الآحادِ.
[2.] و أكثرُ ما يَتعلَّقُ به الخُصومُ في تصحيحِه تقبُّلُ الأُمّةِ له، و تَركُهم الردَّ علىٰ راويهِ (5). و لَيسَ كُلُّ الأُمّةِ تَقَبَّلَته(6)، و لَو تَقبَّلَته أيضاً لَم يَكُن في تَقبُّلِها دَلالةٌ ؛
1) . المغني، ج 17، ص 18.
2) . مسند أحمد، ج 6، ص 396، ح 27267؛ سنن أبي داود، ج 2، ص 500، ح 4253؛ سنن ابن ماجة، ج 2، ص 1303، ح 3950؛ الجامع الصحيح، ج 4، ص 466، ح 2167؛ المعجم الكبير، ج 2، ص 280، ح 2171، و ج 3، ص 292، ح 3440، و ج 17، ص 239-240، ح 665 و 666؛ المستدرك على الصحيحين، ج 1، ص 200-202، ح 394-399، و ج 4، ص 598-599، ح 8664 و 8665، مع اختلاف في الألفاظ.
3) . في «د» و التلخيص: - «توجب الظنّ و».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «و لا».
5) . في «د» و الحجري: «رواته».
6) . في «د» و المطبوع و الحجري: «تقبله».
لأنّ(1)الخطأَ و دُخولَ الشُّبهةِ (2)جائزانِ عليها، و كلامُنا في ذلكَ ، و لَيسَ يَجوزُ أن يُجعَلَ المصحِّحُ للخبرِ إجماعَ الأُمّةِ الذي لا نَعلَمُ (3)صحّتَه إلّابصحّةِ الخبرِ.(4)
[3.] علىٰ أنّه لَو تُخطّيَ(5)الكلامُ في إثباتِ الخبرِ نفسِه لَم يَكُن فيه دَلالةٌ علىٰ ما ذهَبَ إليه القومُ؛ لأنّه نفىٰ أن يَجتَمِعوا(6)على خطإٍ، و لَم يُبيِّنْ ما الخطأُ الذي لا يَجتَمِعونَ عليه(7)، و لَيسَ في اللفظِ دَلالةٌ علىٰ نفيِ كُلِّ الخطإِ، و لا نفيِ بعضٍ معيَّنٍ، فالخبرُ(8)إذا كانَ كذلكَ فهو كالمُجمَلِ(9)المفتقِرِ إلىٰ بَيانٍ.
فإن تعلَّقَ متعلِّقٌ بأنّه مِن حَيثُ لَم يَكُن نَفيُ (10)بعضِ الخطإِ أَولىٰ مِن بعضٍ ، وَجَبَ أن يَكونَ نافياً للجميعِ ، فقَد سَلَفَ الكلامُ علىٰ فَسادِ هذه الطريقةِ .
[4.] و بَعدُ، فلَيسَ يَخلو قَولُه: «أُمّتي(11)» مِن أن يَكونَ عَنىٰ به جميعَ المصدِّقينَ ، أو بعضاً مِنهم و هُم المؤمنونَ المستَحِقّونَ للثوابِ .
1) . في المطبوع: «بأنّ ».
2) . في «ط»: «الشبه».
3) . في «د»: «لا يعلم».
4) . في التلخيص: «و ليس لهم أن يقولوا: إنّ الأُمّة قد تلقّتها بالقبول و عملت بها؛ لأنّا أوّلاً لا نسلّم أنّ الأُمّة كلّها تلقّتها بالقبول. و لو سلّمنا ذلك لم يكن أيضاً فيها حجّة؛ لأنّ كلامنا في صحّة الإجماع الذي لا يثبت إلّابعد ثبوت الخبر، و الخبر لا يصحّ حتّىٰ يثبت أنّهم لا يجتمعون على خطإ». تلخيص الشافي، ج 1، ص 180-181.
5) . في «د»: «لو يخطّى». و في المطبوع: «لو لحظنا».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «أن يجمعوا». و في «د»: «أن تجتمعوا».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: - «عليه».
8) . في «ج، ص»: + «من حيث هو».
9) . في «د» و المطبوع و الحجري: «المجمل» بدل «كذلك فهو كالمجمل».
10) . هكذا في «ج». و في «د، ص، ف»: «بنفي». و في «ط» و المطبوع: «ينفي».
11) . في «ج، ص، ط، ف»: «أُمّتي لا تجتمع». و في المطبوع: «لا تجتمع أُمّتي». و ما أثبتناه مطابق للحجري و «د».
فإن كانَ الأوّلَ وَجَبَ بظاهرِ الكلامِ أن لا يَختَصَّ أهلَ كُلِّ عصرٍ، بَل يَشيعَ في جميعِ المصدِّقينَ إلىٰ قيامِ الساعةِ حتّىٰ لا يَخرُجَ عنه أحَدٌ مِنهم؛ لأنّ مَذهبَ خُصومِنا في حملِ القولِ المُطلَقِ علىٰ عُمومِه يَقتَضي ذلك، و لَئن(1)جازَ لهم حَملُ الكلامِ علَى المُصَدِّقينَ في كُلِّ عصرٍ، كانَ هذا تخصيصاً بغَيرِ حُجّةٍ، و لَم يَجِدوا فَرقاً بَينَهم و بَينَ مَن حَمَلَه علىٰ فِرقةٍ مِن أهلِ كُلِّ عصرٍ. و إذا وَجَبَ حملُه علىٰ جميعِ المصدِّقينَ في سائرِ الأعصارِ، لَم يَكُن دليلاً علىٰ ما يَذهبون إليه مِن كَونِ إجماعِ أهلِ كُلِّ عصرٍ حُجّةً.
و إن كانَ عَنىٰ(2)ما ذَكرناه ثانياً بَطَلَ بمِثلِ ما أَبطَلنا به(3)الأوّلَ، مِن وجوبِ حَملِه
علىٰ كُلِّ المؤمنينَ المُستَحِقّينَ للثوابِ(4)في كُلِّ عصرٍ علىٰ سبيلِ الجَمعِ، و أنّ مَن خَصَّصَ أهلَ كُلِّ عصرٍ بتَناوُلِ(5)القَولِ له كمَن خَصَّصَ(6)فِرقةً مِن أهلِ العَصرِ.
و يَبطُلُ هذا الوجهُ(7)أيضاً بأنّ الذاهبَ إليه مُقتَرِحٌ لِما(8)لا يَقتَضيهِ اللفظُ و لا توجِبُهُ(9)الحُجّةُ ، و لَو قيلَ له: مِن أينَ لكَ أنّ لفظةَ «أُمّتي» تَختصُّ المؤمنينَ و مَن كانَ للثوابِ مُستَحِقّاً دونَ غَيرِهم ؟ لَم يَجِدْ متعلَّقاً. و لا فَرقَ بَينَ مَن اقترَح هذا
1) . في المطبوع و الحجري: «و إن».
2) . في المطبوع: «علىٰ ».
3) . في «د»: «أبطلناه». و في المطبوع و الحجري: - «به».
4) . في المطبوع: «الثواب».
5) . في «د، ص، ط»: «يتناول».
6) . في «د» و المطبوع و الحجري: «خصّ ».
7) . الذي ذكره ثانياً.
8) . في «د» و المطبوع و الحجري: «ما».
9) . في «ج، ص، ف»: «و لا يوجبه».
التأويلَ، و بَينَ مَن حمَل اللفظةَ(1)علىٰ بعضٍ مِن الأُمّةِ أو مِن المؤمنينَ مخصوصٍ.
و لَيسَ يُمكِنُ في هذا(2)الخبرِ ما أمكَنَ في الآياتِ المتقدِّمةِ مِن قَولِهم: إنّ الكلامَ يَقتَضي المَدحَ، فلا بُدَّ من إخراجِ مَن لا يَستَحِقُّه مِن جُملتِه، و تَبقيةِ مَن عَداهم.
لأنّه لَيسَ في نفيِ الاجتماعِ علَى الخطإٍ عنهم دَلالةٌ علىٰ مَدحٍ و تعظيمٍ؛ لأنّه قد يَجوزُ أن يُعلَمَ مِن حالِ جميعِهم أنّهم(3)لا يَختارونَ الاجتماعَ علَى الخطإِ، و إن كانَ(4)كُلُّ واحدٍ مِنهم يَفعَلُه متفرِّداً(5)به. و لا شُبهةَ في أنّ هذا لا يَقتَضي مَدحاً.
و قد رُويَ عن النبيّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(6)معنىٰ هذا الخبرِ بلَفظٍ آخَرَ، و هو: «لَم يَكُنِ اللّٰهُ لِيَجمَعَ أُمّتي علىٰ ضَلالٍ(7)»(8).
و كُلُّ ما ذَكرناه في اللفظِ الأوّلِ يُفسِدُ التعلُّقَ بهذا اللفظِ أيضاً. و يُمكِنُ أن يُقالَ في هذا: إنّ ظاهرَ الكلامِ يَقتَضي أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ لا يَجْمَعُ الأُمّةَ علىٰ ضَلالٍ(9)، و هذا صحيحٌ غَيرُ مدفوعٍ، و هو لا يدُلُّ (10)علىٰ أنّهم لا يَختارونَ الإجماعَ (11)علَى الضَّلالِ مِن قِبَلِ أنفُسِهم.
1) . في «ج، ص» و المطبوع و الحجري: «اللفظ».
2) . في «د» و الحجري: - «هذا».
3) . في المطبوع و الحجري: «لأنّهم».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: - «كان».
5) . في «ج، ص، ف»: «منفرداً».
6) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «عن النبيِّ صلّى اللّٰه عليه و آله».
7) . في «ص»: «على الضلال».
8) . تقدّم تخريجه في ص 46.
9) . من قوله: «و كلّ ما ذكرناه في اللفظ...» إلى هنا ساقط في المطبوع.
10) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و هو يدلّ ».
11) . في «ج، ص، ط، ف»: «الاجتماع».
فأمّا ما رَواه مِن قَولِه: «لا تَزالُ(1)طائفةٌ مِن أُمّتي ظاهرينَ علَى الحقِّ [حتّىٰ يأتيَ أمرُ اللّٰهِ](2)»(3)فما قدَّمناه يُبطِلُ الاستدلالَ به. علىٰ أنّ «الظهورَ علَى الأمرِ» في اللغةِ هو الاطّلاعُ عليه و العِلمُ به، و لَيسَ يُفيدُ التمسُّكَ به، و نفيَ فِعلِ ما يُخالفُه؛ لأنّه قد يَظهَرُ علَى الحقِّ و يَعلَمُه مَن لا يَعمَلُ به. فكانَ الخبرُ يُفيدُ أنّ طائفةً مِن الأُمّةِ لا بُدَّ مِن(4)أن تَكونَ ظاهرةً علَى الحقِّ، بمعنىٰ : مطَّلِعةٍ عليه و(5)عالِمةٍ (6)به. و هذا لا يَمنَعُ (7)
مِن اجتماعِ الأُمّةِ علَى فِعلِ الخطإ؛ لأنّه جائزٌ أن تَكونَ (8)هذه الطائفةُ المطَّلِعةُ علَى
1) . هكذا في «ج، ص، ف» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «لا يزال».
2) . ما بين المعقوفين من المغني.
3) . المغني، ج 17، ص 180؛ صحيح مسلم، ج 3، ص 1523، ح 1920 و 1921؛ سنن ابن ماجة، ج 1، ص 5، ح 10؛ الجامع الصحيح، ج 4، ص 504، ح 2229؛ المعجم الكبير، ج 19، ص 358، ح 840.
4) . في «ج، ص، ط، ف»: - «من».
5) . في المطبوع: - «و».
6) . في «د» و الحجري: «عاملة».
7) . في «ط»: «لا يمتنع».
8) . في «ج، د، ص، ط، ف» و الحجري: «أن يكون».
الحقِّ لا تَعمَلُ به، و تَفعَلُ الخطأَ و الباطلَ علىٰ عِلمٍ بالحقِّ - و هذا ممّا لا يَمتَنِعُ (1)عندَ خُصومِنا علىٰ طائفةٍ مِن الأُ مَّةِ - و يَكونَ باقي الأُمّةِ يَفعَلُ (2)الخطأَ و الباطلَ للشُّبهةِ ، فيَكونَ الاجتماعُ علَى الخطإ مِن الأُمّةِ قد حصَل مع سَلامةِ الخبرِ.
فأمّا ما رَواه مِن قَولِه عليه السلامُ: «مَن سَرَّه أن يَسكُنَ بُحبوحةَ الجَنّةِ فليَكُنْ مع الجَماعةِ»(1)، و «يَدُ اللّٰهِ علَى(2)الجَماعةِ »(3)إلىٰ غَيرِ ذلكَ مِن الأقوالِ المُرغِّبةِ في لُزومِ الجَماعةِ و تَركِ الخُروجِ عنها.
فهو ممّا يَبعُدُ التعلُّقُ به في نُصرةِ الإجماعِ؛ لأنّ لَفظةَ(4)«الجَماعةِ» مُحتَمِلةٌ، لَيسَ يَتَناوَلُ(5)بظاهرِها جميعَ الأُمّةِ، و لا فيها دَلالةٌ علىٰ تخصيصِ جَماعةٍ معيَّنةٍ مِنهم.
1) . مسند أحمد، ج 1، ص 26، ح 177؛ الجامع الصحيح، ج 4، ص 465، ح 2165؛ السنن الكبرى للنّسائيّ ، ج 5، ص 387، ح 9219 و 9220، و ص 389، ح 9226؛ المستدرك، ج 1، ص 197، ح 387، و ص 199، ح 390؛ المعجم الأوسط، ج 2، ص 184، ح 1659، و ج 3، ص 204، ح 2929، و ج 6، ص 306، ح 6483، و ج 7، ص 193، ح 7249؛ المصنّف لعبد الرزّاق، ج 11، ص 341، ح 20710.
2) . في «ج» و المطبوع: «مع». و ما أثبتناه مطابق لسائر النسخ و الحجري و التلخيص و المغني و أكثر المصادر.
3) . السنن الكبرى للنّسائيّ ، ج 7، ص 92، ح 4020؛ الجامع الصحيح، ج 4، ص 466، ح 2166 و 2167؛ المستدرك على الصحيحين، ج 1، ص 199-202، ح 391 و 392 و...؛ المعجم الكبير للطبرانيّ ، ج 1، ص 186، ح 489.
4) . في المطبوع و الحجري: «لفظ».
5) . كذا في النسخ و التلخيص، و الأصحّ : «تتناول».
و مِن مَذاهبِ خُصومِنا أنّ الألِفَ و اللامَ إمّا أن يَدخُلا لتعريفٍ أو استغراقٍ.(1)
و الاستغراقُ هاهُنا مُحالٌ؛ لأنّ في الجَماعاتِ(2)مَن لا شُبهةَ في قُبحِ الحَثِّ علَى اتّباعِه. و التعريفُ مفقودٌ في هذا المَوضِعِ؛ لأنّا ما نَعرِفُ جَماعةً يَجِبُ(3)تَناوُلُ هذه اللفظةِ(4)لَهُم علىٰ مَذاهبِ(5)مُخالِفينا. و مَن ادَّعىٰ مِنهم جَماعةً معيَّنةً تَختَصُّ(6)بهذه اللفظةِ ، كمَن ادَّعىٰ غَيرَ تلكَ الجَماعةِ .(7)
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «للتعريف أو للاستغراق». و في «د»: «لتعريف أو لاستغراق».
2) . في التلخيص: «في الجماعة».
3) . في «ج، ط، ف»: «تجب».
4) . في المطبوع و الحجري: «هذا اللفظ».
5) . في «ص»: «مذهب».
6) . هكذا في «د»، و في سائر النسخ و المطبوع: «يختصّ ».
7) . لاندراج الجميع في لفظة «الجماعة»، و ادّعاء اختصاص جماعة دون أُخرىٰ تخصيصٌ بلا مخصّص.
فأمّا ادّعاؤه(1)- في نُصرةِ الاستدلالِ بالخبرِ الذي ذَكرناه(2)- وقوعَ العِلمِ بتَداوُلِ
الصَّحابةِ و التابعينَ لِذلكَ ، و اعتمادِهم علَى الإجماعِ ، و أنّه مِمّا لا يُحتاجُ إلىٰ تتبُّعِ الألفاظِ فيه(3)، كما لا يُحتاجُ إلىٰ تتبُّعِ الألفاظِ في مِثلِه مِن الأُمورِ الظاهرةِ كأُصولِ الصلَواتِ و كثيرٍ مِن الفرائضِ .
ثُمّ قَولُه:
و الذي نَدَّعيهِ متعارَفاً ظاهراً(4)في هذا البابِ بَينَ الصحابةِ (5)إجماعُ
1) . في المطبوع: «فأمّا ما ادّعاه».
2) . لم ينصر القاضي عبد الجبّار الاستدلالَ بالخبر الأخير فقط بعمل الصحابة و التابعين، بل نصر كلَّ الأخبار المذكورة أخيراً بعمل الصحابة و التابعين، أي خبر: «لا تجتمع أُمّتي على خطإٍ»، و خبر: «لا تزال طائفة...»، و خبر: «من سرّه أن يسكن...»، و خبر: «يد اللّٰه مع الجماعة». و علىٰ هذا فالظاهر أنّ الصحيح في عبارة المتن أن يقال: «في نصرة الاستدلال بالأخبار التي ذكرناها».
3) . أي ألفاظ الأخبار الدالّة علىٰ حجّيّة الإجماع، و التي تقدّمت.
4) . في المغني: «متعارف ظاهر».
5) . في «ف»: - «بين الصحابة».
الأُمّةِ (1)، و أنّه لا يَكونُ خطأً و لا ضَلالاً؛ فهذا المعنىٰ منقولٌ معمولٌ به، و الاحتجاجُ (2)به يقعُ دونَ اللفظِ.(3)
فمِمّا(4)لَم يَزِدْ فيه علَى الدَّعوىٰ؛ لأنّا لا نَعلَمُ(5)مِن حالِ الصحابةِ ما ذَكرَه، و لا نَقطَعُ علىٰ أنّ جميعَهم كانَ يَحتَجُّ بالإجماعِ علَى الوجهِ الذي يَذهَبُ إليه صاحبُ الكتابِ و أهلُ نِحلتِه.
و لَو كانَ ما ادَّعاه في تَمسُّكِ الصَّحابةِ بالإجماعِ و احتجاجِهم به جارياً مَجرىٰ أُصولِ الصلَواتِ و الظاهرِ مِن الفرائضِ، لَوَجَبَ أن يَكونَ المخالِفُ في الإجماعِ و المُنكِرُ لتمسُّكِ الصحابةِ به و عملِهم عليه كالمُخالِفِ في أُصولِ الصلَواتِ و ما أشبَهَها، و الدافِعِ لظهورِ العملِ بها في الصدرِ الأوّلِ، و قد عَلِمنا فَرقَ(6)ما بَينَ المخالِفِ في المسألتَينِ.
و كيفَ(7)يُدَّعىٰ في هذا المَوضعِ العِلمُ الشاملُ للكُلِّ، و نحنُ نَعلَمُ كَثرةَ مَن يُخالِفُ في(8)الإجماعِ، كالشيعةِ علَى اختلافِ مَذاهبِها، و النظّامِ(9)و أصحابِه ممّن لا يَجوزُ عليه دفعُ الضروراتِ؛ لتديُّنِه بمَذهبِه، و تقرُّبِه إلَى اللّٰهِ عَزَّ و جَلَّ(10)باعتقادِه ؟!
1) . في «ج»: «احتجاج الصحابة بإجماع الأُمّة». و في «ط»: «إجماع الصحابة بإجماع الأُمّة» بدل «بين الصحابة إجماع الأُمّة».
2) . في المطبوع و الحجري: «و لا احتجاج»، و هو سهو واضح.
3) . المغني، ج 17، ص 181.
4) . جواب قوله: «فأمّا ادّعاؤه».
5) . هكذا في النسخ. و في المطبوع: «لأنّا نعلم».
6) . في «د»: «فرقاً».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «فكيف».
8) . في «ص»: «من».
9) . النظّام هو أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار بن هاني البصري، أحد أئمّة المعتزلة؛ و قد مرّت ترجمته في ج 1، ص 292.
10) . في «ط، ف»: «تعالىٰ ». و في «ج، ص»: - «عزّ و جلّ ».
فأمّا ما ظَنَّه مِن رُجوعِنا في إيجابِ أُصولِ الصلَواتِ و ما ماثَلَها إلىٰ ما نَعلَمُه مِن عملِ جميعِ الأُمّةِ بها، و أنّ ما عَلِمناه(1)مِن ذلكَ يُغني عن نقلِ(2)لفظٍ مخصوصٍ، فظاهرُ الفَسادِ.
و قد بيّنّا فيما سلَف أنّ الرجوعَ في هذه العباداتِ و إيجابِها إلىٰ ما هو أقوىٰ مِن نَقلِ الألفاظِ المخصوصةِ؛ لأنّ جميعَ المسلمينَ و غَيرِ المسلمينَ يَنقُلونَ عن أسلافِهم أنّهم خبَّروا عن أسلافِهم حتّىٰ يتَّصِلَ النَّقلُ بزَمانِ الرسولِ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه و سلّم أنّه أَوجَب هذه العِباداتِ، و أنّهم اضطُرّوا مِن قَصدِه إلىٰ إيجابِها، و عَلِموا أمرَ(3)دينِه ذلكَ كما عَلِموا سائرَ ما هو ظاهرٌ مِن أحوالِه، و لا فَقرَ بنا في العِلمِ بما ذَكرناه إلىٰ نَقلِ لفظٍ مخصوصٍ بصيغةٍ معيّنةٍ، كما لا فَقرَ بنا إلىٰ ذلك في نَقلِ وجودِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و دُعائه إلىٰ نفسِه، و تَحَدّيهِ بالقُرآنِ، إلىٰ غَيرِ ما عدَّدناه(4)مِن الأحوالِ الظاهرةِ، و إنّما نَحتاجُ(5)إلىٰ تتبُّعِ الألفاظِ فيما لَم يبلُغْ هذه المنزلةَ في الظهورِ و يَشتَرِكِ (6)الجميعُ في نَقلِه و العِلمِ به.
و لَيسَ يُمكِنُ أن يُدَّعىٰ في اعتمادِ الصحابةِ علَى الإجماعِ و عملِهم به مِثلُ هذه الطريقةِ ؛ لِما ذَكرناه آنِفاً مِن وجودِ مَن يُخالِفُ فيما ادُّعيَ علَى الصحابةِ مِن اعتقادِ صحّةِ الإجماعِ ممّن لا يَجوزُ أن يَكونَ حالُه حالَ مَن خالَفَ في أمرِ الصَّلَواتِ ، و دَفَعَ ظهورَ العملِ بها بَينَ الصحابةِ .
و بَعدُ، فلَيسَ يُدفَعُ (1)في بعضِهم أنّه كانَ يُنكِرُ الخروجَ عن الجماعةِ و مفارَقتَها
في الاعتقادِ، و أكثرُ ما نَعلَمُ مِن حالِهم في بابِ الإجماعِ هذا الذي ذَكرناه، و لَيسَ فيه دَلالةٌ علَى اعتقادِهم كونَ الإجماعِ حُجّةً و أنّ مَن خالَفَه ضالٌّ ، و غَيرُ مُمتَنِعٍ أن يَكونَ إنكارُهم علىٰ مَن فارَقَ الجماعةَ مِن حَيثُ اعتَقَدوا مِن جهةِ الدليلِ كَونَها علَى الحقِّ ، لا مِن جهةِ الإجماعِ ، كما يَعتَقِدُ الواحدُ منهم ضَلالَ مَن خالَفَه في مَذهبِه مِن حَيثُ اعتَقَدَ أنّ الدليلَ معه و في يَدِه.
فأمّا قَولُه:
و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ : إن جازَ ما ذَكرتُموه في أخبارِ الإجماعِ (2)فجَوِّزوا في كثيرٍ مِن التواتُرِ الآنَ أن يَصيرَ مِن بَعدُ آحاداً، و تجويزُ ذلكَ يؤَدّي إلىٰ أن لا تأمَنوا(3)في أُصولِ الشرائعِ مِثلَ ذلكَ (4)، بَل في القرآنِ أن يَصيرَ كذلكَ .
لأنّا(5)قد أمِنّا تجويزَ ذلكَ لوجوهٍ مِن الاشتهارِ نَعلَمُها تَتَزايَدُ علَى الأيّامِ (6)و لا تَتَناقَصُ (7)، تُفارِقُ (8)حالُها في ذلكَ حالَ [أخبارِ](9)الإجماعِ في
1) . في «ج، ص، ف»: «ندفع».
2) . و هو أنّ هذه الأخبار كانت متواترة في زمن الصحابة و التابعين و مَن قاربهم، ثمّ صارت في زماننا أخبار آحاد.
3) . في «ج، د، ص، ط، ف»: «أن لا يأمنوا».
4) . في المغني: «أن تصير كذلك» بدل «مثل ذلك».
5) . في المغني: «قيل له: إنّا».
6) . في «ج، ص، ف»: «بتزايد الأيّام».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «فلا يتناقض». و في «د»: «و لم يتناقض». و في المغني: «إن لم تتناقض».
8) . في المغني: «ففارق». و في «د»: - «تفارق».
9) . ما بين المعقوفين من المغني.
الزمَنِ الأوّلِ ؛ لأنّها لَم تَبلُغْ هذا الحَدَّ. و هذا لا بُدَّ لكُلِّ أحَدٍ(1)أن يُجيبَ بمِثلِه إذا سُئلَ عن كثيرٍ مِن أخبارِ الآحادِ في(2)الزكَواتِ ممّا صَحَّ (3)أنّ الحُجّةَ قامَت به و هو مِن بابِ الآحادِ في هذا الوَقتِ .(4)
فغَيرُ مُقنِعٍ في الفَرقِ بَينَ الأمرَينِ ؛ لأنّه لَم يَزِدْ علىٰ أنِ ادَّعىٰ أنّ خبرَ الإجماعِ لَم يَبلُغْ في الأصلِ في بابِ الشُّهرةِ مَبلَغَ الأخبارِ التي عورِضَ بها، و هذا مِن أينَ له ؟ و كيف عَلِمَ (5)أنّ أخبارَ الإجماعِ لَم تَبلُغْ في الظهورِ إلىٰ حدِّ أخبارِ الصلَواتِ؟
و بَعدُ، فلَيسَ يُخرِجُه ما ذَكَرَه من(6)المُناقَضةِ؛ لأنّه اعتَلَّ(7)في جَوازِ كَونِ أخبارِ
الإجماعِ مِن بابِ الآحادِ بَعدَ أن كانَت مِن بابِ التواتُرِ، بأنّ الإجماعَ إذا حصَل مِن الصحابةِ عليها، و ظهَر العملُ بَينَهم بها(8)، قامَ هذا مَقامَ التواتُرِ، و كانَ آكَدَ في معنَى الحُجّةِ منه. و ادَّعىٰ أنّ أخبارَ الصلَواتِ و كثيرٍ مِن العباداتِ يَجري هذا المَجرىٰ في(9)أنّ حُصولَ الإجماعِ عليها و العملِ بها أغنىٰ(10)عن التواترِ فيها. و هذه العِلّةُ قائمةٌ في جميعِ أُصولِ الشَّرائعِ(11)و في القرآنِ نفسِه؛ فما المانعُ مِن أن يَصيرَ نَقلُ كُلِّ(12)ذلكَ
1) . في المغني: + «من».
2) . في المغني: - «الآحاد في».
3) . في المغني: «يصحّ ».
4) . المغني، ج 17، ص 184.
5) . في المطبوع و الحجري: - «علم».
6) . في «د» و المطبوع و الحجري: «عن».
7) . في «د»: «اعتدل».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «فظهر بينهم العمل» بدل «و ظهر العمل بينهم بها».
9) . في «ج، ص، ط»: «و» بدل «في».
10) . في «د» و المطبوع و الحجري: «غنيّ ».
11) . في «د»: «الشريعة».
12) . في المطبوع: - «كلّ ».
مِن(1)طريقِ الآحادِ بَعدَ أن كانَ متواتِراً، و يَكونَ الإجماعُ و ظهورُ العملِ به مِن الصحابةِ مُغنيَينِ عن غَيرِهما في معنَى الحُجّةِ؟
و لَيسَ يَفرُقُ بَينَ الأمرَينِ أنّ أحَدَهما تَمادَت(2)بنَقلِه الأزمانُ ، و نُقِلَ مِن طريقِ التواتُرِ علىٰ مَرِّ الأيّامِ ، أو ظهَر في الأصلِ ظُهوراً لَم يَكُن لغَيرِه؛ لأنّ جميعَ ذلكَ تخصيصٌ للعِلّةِ ، و تَلافٍ للفارِطِ(3)في(4)إطلاقِ القَولِ .
فأمّا قَولُه: «و لا بُدَّ لكُلِّ أحَدٍ أن يُجيبَ بمِثلِ جَوابِنا إذا سُئلَ عن كَذا و كَذا»(5)، فقَد بيّنّا أنّ الجَوابَ الصحيحَ غَيرُ جوابِه، و أوضَحنا القَولَ في جهةِ حُصولِ العِلمِ بأُصولِ الصلَوات و الزكَواتِ و ما أشبَهَهما مِن العباداتِ بما يُستغنىٰ عن ذِكرِه(6).
فأمّا قَولُه:
و قد عَلِمنا أنّ الداعيَ إلىٰ نَقلِ القُرآنِ إن لَم يَقوَ علَى الأيّامِ لَم يَضعُفْ ؛ و ذلكَ لِشدّةِ (7)الحاجةِ مِن جهةِ الدِّينِ إليه، و كذلك القَولُ في أُصولِ
الدِّينِ [فلا يَجوزُ أن يَضعُفَ نَقلُه].(8)و لا يَجوزُ ذلكَ مِن جهةٍ أُخرىٰ ؛
1) . في المطبوع و الحجري: «في».
2) . تمادىٰ في فعله: إذا دام علىٰ فعله. راجع: المصباح المنير، ج 2، ص 567 (مدى).
3) . الفارط من «فرط»: الذي يتجاوز الحدّ في الأمر.
4) . في «د»: «من».
5) . في المغني: «لا بدّ لكلّ أحد من أن يجيب بمثله إذا سئل عن كثير من أخبار الزكوات...» و قدتقدّم نصّه قبيل هذا.
6) . تقدّم آنفاً في ص 56.
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «و كذلك ما اشتدّت». و في المغني: «و كذلك شدّة».
8) . ما بين المعقوفين من المغني.
لأنّ نَقلَ المُعجِزِ لا بُدَّ مِن أن يَكونَ اضطراراً؛(1)لتُعلَمَ به نُبوّتُه(2)صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و سَلَّمَ،(3)و لا يَجوزُ أن لا تُزاحَ(4)عِلّةُ المكلَّفينَ فيه أبداً، و كذلك القَولُ في أُصولِ الدِّينِ ، و الطريقةُ في نَقلِ الجميعِ إذا تَساوَت لَم يَجُزِ اختلافُ حالِها. و لَيسَ كذلكَ ما جَوَّزناه في خبرِ الإجماعِ ؛ لأنّ الطريقةَ فيه مُخالِفةٌ لِما ذَكرناه في القُرآنِ ، فغَيرُ مُمتَنِعٍ أن تَكونَ (5)الحُجّةُ في الأخبارِ المرويّةِ فيه قائمةً أوّلاً بالتواتُرِ، ثُمّ تَصيرَ الحُجّةُ فيها مِن الوجهِ الآخَرِ.(6)
فالعِلّةُ(7)التي ذكَرها فيما أَباه(8)قائمةٌ فيما التَزَمه؛ لأنّ الإجماعَ أيضاً مِن أُصولِ الدِّينِ الكِبارِ، و لَو شِئنا لَقُلنا إنّه كالأصلِ لِسائرِ(9)الأُصولِ ؛ لأنّ عليه مَدارَ عملِ مُخالِفينا، و إليه يَفزَعونَ في سائرِ الدِّينِ أو أكثَرِه. فإن كانَ نَقلُ القُرآنِ و ما أشبَهَه مِن أُصولِ الدِّينِ يَجِبُ أن يَقوىٰ (10)علَى الأيّامِ و لا يَضعُفَ ؛ لشِدّةِ الاحتياجِ مِن جهةِ
1) . في المغني: «باضطرار».
2) . في المطبوع و الحجري: «للعلم به و بنبوّته». و في «د»: «للعلم» بدل «لتعلم». و في المغني: «ليعلم» بدل «لتعلم».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «عليه السلام». و في المغني: «صلّى اللّٰه عليه».
4) . في «د» و الحجري: «لا يزاح».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «أن يكون».
6) . المغني، ج 17، ص 185. و المراد بالوجه الآخر هو عمل الصحابة بمفاد خبر الإجماع، فإنّ عملهم سيكون هو الدليل علىٰ حجيّة خبر الإجماع، بعد أن صار هذا الخبر من أخبار الآحاد في زماننا.
7) . في «ص، ط»: «و العلّة».
8) . في «د» و الحجري: «أتاه».
9) . في «ط»: «بسائر».
10) . في «ص»: + «نقله».
الدِّينِ إليه، فما تَمَسُّ (1)الحاجةُ مِن جهةِ الدِّينِ إليه أيضاً و تَشتَدُّ(2)يَجِبُ أن يَقوىٰ نَقلُه و لا يَضعُفَ ؛ فكَيفَ تَمَّ في أخبارِ الإجماعِ مع الحاجةِ الماسّةِ إليها ما تَمَّ مِن ضَعفِ نَقلِها و رُجوعِها إلَى الآحادِ بَعدَ التواتُرِ، و لَم يَجُز أن يَتِمَّ مِثلُ ذلكَ في غَيرِها؟ و هل تَعاطي الفَرقِ بَينَ الأمرَينِ إلّامَحضُ الاقتراحِ؟!
و بَعدُ، فقَد صرَّحَ صاحبُ الكتابِ في جميعِ كلامِه - الذي حَكَينا مِنه بعضاً و تَرَكنا آخَرَ(3)- بأنّ أخبارَ الصلَواتِ و الزكَواتِ و كثيرٍ مِن أُصولِ العِباداتِ انتقَلَ نَقلُها إلَى الآحادِ بَعدَ أن كانَ مُتَواتِراً؛ مِن حَيثُ أَغنَى الإجماعُ و ظهورُ العملِ عن نَقلِ الألفاظِ المخصوصةِ. ثُمّ رأَيناه يَمنَعُ في هذا المَوضعِ الذي قد انتَهَينا إليه مِن
أن يَتِمَّ في أُصولِ الدِّينِ مِثلُ ذلكَ، و يَعتَلُّ بأنّ شِدّةَ الحاجةِ مِن جهةِ الدِّينِ إلَى الأمرِ المنقولِ يَمنَعُ مِن ضَعفِ نَقلِه.
و هذا مِن أعجَبِ العَجَبِ(4)لأنّا ما نَعرِفُ شَيئاً مِن أُصولِ الدِّينِ يَفوقُ(5)في بابِ شِدّةِ الحاجةِ - مِن جهةِ الدِّينِ - إليه، الصلَواتِ و الزكَواتِ التي أقَرَّ بأنّ نَقْلَها قد ضَعُفَ بَعدَ القُوّةِ ! و لَو صَرَّحَ بذِكرِ ما امتنَعَ مِن أن يَضعُفَ نَقلُه بَعدَ القُوّةِ مِن أُصولِ الدِّينِ لَظهَر لكُلِّ أحَدٍ تحكُّمُه؛ إذ(6)جَمَعَ بَينَ ما التزَمَ جَوازَ ضَعفِ نَقلِه مِن الصلَواتِ و الزكَواتِ ، و بَينَ ما امتنَعَ مِن مِثلِ ذلكَ فيه؛ لكنّه أبهَمَ (7)الكلامَ سَتراً علىٰ نفسِه.
1) . في «ج، د» و الحجري: «يمسّ ».
2) . في «د، ط، ف»: «و يشتدّ».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «بعضاً».
4) . في «ج»: «العجيب».
5) . في «د» و حاشية الحجري: «يفرق». و في «ط»: «تفرق».
6) . هكذا في «ج»، و في سائر النسخ و المطبوع: «إذا».
7) . يقال: كلام مبهم، أي لا يُعرف له وجه و لا معنىٰ له. و استبهم عليه الكلام: استغلق. و المراد أنّه جاء بكلام لا وجه له. راجع: أساس البلاغة، ص 56 (بهم).
فأمّا الجهةُ الأُخرىٰ التي ظَنَّ أنّ نَقلَ القُرآنِ لا يَضعُفُ مِن أجلِها، فشَبيهةٌ في الضَّعفِ(1)و الفَسادِ بالأُولىٰ؛ لأنّ القُرآنَ لَو لَم يُنقَلْ علىٰ وجهِ الدَّهرِ، لَم يُخِلَّ ذلكَ بالعِلمِ بالنُّبوّةِ و كَونِه مُعجِزاً دالاًّ عليها؛ لأنّه إذا ظهَر في الأصلِ، و قامَت به الحُجّةُ، و نُقِلَ ما يَقتَضي قيامَ الحُجّةِ به مِن فَقدِ مُعارَضتِه(2)، و التسليمِ له، فقَد وَجَبَت(3)الحُجّةُ علىٰ سائرِ المكلَّفينَ الموجودينَ إلىٰ قيامِ الساعةِ بهذا القَدرِ و إن لَم يُنقَلْ(4)ألفاظُ القُرآنِ. و لَو كانَ الإخلالُ بنَقلِ القُرآنِ مُخِلاًّ بالاستدلالِ علىٰ كَونِه مُعجِزاً و دالاًّ علَى النُّبوّةِ، لَكانَ هذا حُكمَ سائرِ المُعجِزاتِ التي وقعَت في زَمَنِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و لَم تَستَمِرَّ حالاً بَعدَ حالٍ.
فإذا قيلَ في تِلكَ المُعجِزاتِ: «إنّها و إنْ لَم تَستَمِرَّ، فإنّ نَقْلَ كَونِها و وجودِها علَى الوجهِ الذي يَقتَضي خَرْقَ العادةِ بها كافٍ في إزاحةِ عِلّةِ المكلَّفِ »، قُلنا مِثلَ ذلكَ في القُرآنِ .
و إنِ ادُّعيَ وجوبُ نَقلِه لِما يَتضمَّنُه مِن الأحكامِ ، قُلنا: قد(5)يَجوزُ أن يُغنيَ عن ذلكَ إجماعُ الأُمّةِ علىٰ تِلكَ الأحكامِ و ظهورُ العملِ مِنهم(6)بها، كما أغنىٰ ما ذَكرناه مِن حالِهم عندَ صاحبِ الكتابِ عن نَقلِ أخبارِ الإجماعِ و أخبارِ الصلَواتِ و الزكَواتِ علَى الوجوهِ التي وَقَعَت في الأصلِ عليها،(7)مِن الظُّهورِ و الانتشارِ و نَقلِ الجَماعاتِ .
فأمّا قَولُه:
و اعلَمْ أنّه لا بُدَّ مِن إثباتِ ثَلاثةِ أُمورٍ ليَصِحَّ ما قدَّمناه(1):
أحدُها: صحّةُ الخبرِ عنهم أنّهم عَمِلوا بموجَبِ(2)هذا الخبرِ.
و الثاني: أنّهم تَمسَّكوا به لأجلِه(3)دونَ غَيرِه.
و الثالثُ: أنّ عمَلَهم به علىٰ هذا الحَدِّ [و تَمسُّكَهم به](4)يَدُلُّ علىٰ صِحّةِ الخبرِ، لا مِن جهةِ الإجماعِ، لكِنْ لأنّ ذلكَ طَريقةٌ(5)في صِحّةِ(6)الأخبارِ الواردةِ في أحكامِ الشريعةِ .(7)
فأمّا نَقلُ تَمسُّكِهم بالإجماعِ و ظُهورِ ذلكَ فيهم مع ذِكرِ هذه الأخبارِ فطريقُه التواتُرُ، و عِلمُنا(8)بذلكَ مِن حالِ الصَّحابةِ كعِلمِنا بأنّهم تَمسَّكوا بالرجوعِ إلىٰ أخبارِ الآحادِ، بَل العِلمُ بذلكَ أقوىٰ (9)، و الأمرُ ظاهرٌ عنهم
1) . استدلّ صاحب الكتاب هنا علىٰ ما تقدّم من تمسّك الصحابة بالإجماع و خبره، و دلالة ذلك علىٰ صحّة خبر الإجماع. و قد قدّم لذلك ثلاث مقدّمات، و سوف يقوم المصنّف بمناقشة هذه المقدّمات كلّها.
2) . في المغني: «بصحّة».
3) . أي تمسّكوا بالإجماع لأجل الخبر.
4) . ما بين المعقوفين من المغني.
5) . في «ج، د، ص، ط، ف»: «طريقه».
6) . في المغني: - «صحّة».
7) . في المغني: «الشرعيّة».
8) . في «ص»: «فعلمنا».
9) . في «د»: «لقويّ ».
أنّهم أَجرَوه(1)مَجرَى القُرآنِ و السُّنّةِ ؛ لأنّ الاجتهادَ يَنقَطِعُ عندَه....(2)
فلا شَكَّ في(3)أنّ ثُبوتَ ما ذَكرَه مِن الأقسامِ يُثبِتُ (4)الاحتجاجَ بالخبرِ، و لكنْ دونَ ثُبوتِه خَرْطُ القَتادِ!(5)
و(6)أمّا القِسمُ الأوّلُ الذي ادَّعىٰ فيه حُصولَ العِلمِ بتمسُّكِ الصَّحابةِ بالإجماعِ و الرجوعِ إليه، فقَد بيّنّا فَسادَه(7)، و أنّه مُقتَصِرٌ فيه علىٰ دَعوىً ، و ذَكَرنا حالَ مَن يُخالِفُ في الإجماعِ ممّن لا يَعتَرِفُ بصِحّةِ ما ذَكرَه، و لا هو بصورةِ مَن يَدفَعُ الضَّروراتِ (8).
و هؤلاءِ الذينَ أَشَرنا إليهم يَقولونَ : إنّ الاحتجاجَ بالإجماعِ مِمّا وَلَّدَ(9)الفُقَهاءُ الاحتجاجَ به عن قُربٍ (10)و تَبِعَهم عليه جَماعةٌ مِن المُتكلِّمينَ ، و إنّ الصَّحابةَ و مَن كانَ في الصَّدرِ الأوّلِ لَم يَعرِفوه لا سِيَّما علىٰ هذا الوَجهِ الذي يَدَّعيهِ المُخالِفونَ ،
1) . أي أجروا الإجماع.
2) . المغني، ج 17، ص 188.
3) . في «ج، ص، ط، ف»: - «في».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «ثبوت».
5) . القتاد: شجر له شوك أمثال الإبر، و الخرط: أن تقبض علىٰ أعلاه ثم تمرّ يدك إلىٰ أسفله. و المثل يضرب للشيء صعب المنال. راجع: الصحاح، ج 2، ص 521 (قتد) و ج 3، ص 1122 (خرط).
6) . في «د، ص، ط، ف»: - «و».
7) . تقدّم في ص 55.
8) . أي لا هو ممّن يعترف بعمل الصحابة بخبر الإجماع، و لا هو ممّن يدفع الضرورات.
9) . ولّده: صنعه. و ولّد كلاماً: استحدثه. راجع: أساس البلاغة، ص 688 (ولد).
10) . أي عن قريب.
و إنّما كانوا يُنكِرونَ علىٰ مَن خالَفَ الحقَّ و خَرَجَ (1)عن المَذهَبِ الذي تَعضُدُه الدلائلُ (2)، سَواءٌ كانَ ذلكَ المَذهَبُ إجماعاً أو خِلافاً.
و قد أصابَ صاحِبُ الكتابِ - و إن كانَ لَم يَقصِدِ الإصابةَ - في قَولِه: «إنّ حالَ تَمسُّكِهم بالإجماعِ كحالِ رُجوعِهم إلىٰ أخبارِ الآحادِ» لأنّ الأمرَينِ غَيرُ معلومَينِ و لا ثابتَينِ ، و المُدَّعي لكُلِّ واحدٍ مِنهما في بُعدِه عن الحَقِّ كالمُدَّعي للآخَرِ.
فأمّا قَولُه في الاستدلالِ علىٰ أنّهم تَمسَّكوا بذلكَ لأجلِ الخبرِ:
إنّ(3)شَيخَنا أبا هاشمٍ عَوَّلَ في ذلكَ علىٰ أنّه كما نُقِلَ عنهم التمسُّكُ بالإجماعِ ، فقد نُقِلَ عنهم الاحتجاجُ بهذه الأخبارِ [فيَجِبُ أن نَحكُمَ بذلكَ ؛ لأنّ الطريقةَ فيهما واحدةٌ ].(4)
فقَد بيّنّا أنّه لا نَقْلَ في الأوّلِ(5)، و لا عِلمَ حاصِلاً علَى الوَجهِ الذي ادُّعيَ(6).
فإن كانَ أبو هاشمٍ يَدَّعي نَقلاً مخصوصاً في احتجاجِ الصَّحابةِ بهذه الأخبارِ فيَجِبُ أن يُشيرَ لنا إليه(7)فإنّا ما نَعرِفُ خبَراً عن أحَدٍ مِن الصَّحابةِ بأنّه كانَ يَحتَجُّ في الإجماعِ بهذه الأخبارِ المُدَّعاةِ ، بَل قد ذَكَرنا أنّه لَم يَثبُتْ عنهم احتجاجٌ بالإجماعِ علىٰ ما يَذهَبُ إليه الخُصومُ جُملةً ، و مَن رَجَعَ إلىٰ نفسِه و راعَى النَّقلَ
عَلِمَ فَسادَ هذه الدعوىٰ مِن أبي هاشمٍ.
و إن ادَّعىٰ في احتجاجِهم بهذه الأخبارِ النَّقلَ الشائعَ العامَّ الذي يَشتَرِكُ الجميعُ فيه، و لا يَفتَقِرُ إلىٰ لفظٍ مخصوصٍ ؛ لظُهورِه و شُهرَتِه، كما ذَكَرنا(1)مِثلَ ذلكَ في الصلَوات و ما أشبَهَها(2)، فيَجِبُ لَو كانَ الأمرُ كذلكَ أن يَرتَفِعَ الخِلافُ في هذا كما ارتفَعَ في ذلكَ و يَكونَ (3)صورةُ المخالِفِ فيهما واحدةً . و هذا ممّا لا يَبلُغُ إليه محصِّلٌ .
و أمّا(4)قَولُه:
و قد ذَكرَ شَيخُنا أبو عبدِ اللّٰهِ(5)أنّه إذا ثبَت تمسُّكُهم بذلكَ و عملُهم(6)بموجَبِ هذه(7)الأخبارِ، و لَم يَظهَرْ فيما(8)بَينَهم إلّاهذه الأخبارُ، فيَجِبُ أن يُقطَعَ(9)علىٰ أنّ عملَهم بذلكَ لأجلِها دونَ غَيرِها، كما يَجِبُ أن يُقطَعَ علىٰ أنّ تَمسُّكَهم بالرَّجمِ لأجلِ الخبرِ المَرويِّ (10)في ذلكَ ، و أنّ قَطعَهم
1) . في «ص»: «ذكرناه». و في المطبوع: «ذكر».
2) . تقدّم في ص 56.
3) . في المطبوع: «و تكون».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «فأمّا».
5) . هو الحسين بن علي بن إبراهيم البصري، من أكابر علماء المعتزلة. أخذ عن أبي علي بن خلّادأوّلاً، ثمّ أخذ عن أبي هاشم، و هو أُستاذ صاحب الكتاب. و قد بلغ بجدّه و اجتهاده ما لم يبلغه غيره من أصحاب أبي هاشم، و كانت له شهرة واسعة، و له عدّة مؤلّفات هامّة. و يميل إلى أمير المؤمنين عليه السلام ميلاً عظيماً، و صنّف كتاب التفضيل و أحسن فيه غاية الإحسان. وُلد في البصرة سنة 288 ه و توفّي ببغداد سنة 367 أو 369 ه. البداية و النهاية، ج 11، ص 729؛ المنتظم، ج 7، ص 101؛ شذرات الذهب، ج 3، ص 68؛ طبقات المعتزلة، ص 105-106؛ الأعلام، ج 2، ص 244.
6) . في المغني: «و علمهم».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: - «هذه».
8) . في المطبوع: - «فيما».
9) . في «ف»: «أن نقطع».
10) . في المغني: «المنقول». و في «د» و المطبوع و الحجري: «المدّعىٰ ».
للسارِقِ (1)المُستَحِقِّ للقَطعِ و الزاني المُستَحِقِّ للجَلْدِ(2)لأجلِ الآياتِ (3)التي ذَكَروها.(4)
فشَبيهٌ في البُطلانِ بما تَقدَّمَ، و لَيسَ يَجِبُ مِن حَيثُ ظهَر عملُهم بالإجماعِ، و ظهَرَت روايةُ الأخبارِ التي ادَّعَوها - لَو سَلَّمنا هذَينِ الأمرَينِ ، علىٰ بُطلانِهما - أن يَكونَ عملُهم بالإجماعِ مِن أجلِ الأخبارِ، دونَ أن يَكونَ لأجلِ الآياتِ التي يَحتَجُّ بها مُخالِفونا في صِحّةِ الإجماع، و قد ذَكرَها صاحبُ الكتابِ و اعتمَدَها.
فأمّا عملُهم بالرَّجمِ و القَطعِ لأجلِ الآياتِ دونَ غَيرِها، فلَيسَ المَرجِعُ فيه إلىٰ ما ظَنَّه مِن أنّ عمَلَهم بذلكَ لَمّا ظهَر و كانَت الآياتُ ظاهرةً بَينَهم وَجَبَ (5)القَضاءُ بأنّهم عَمِلوا بها(6)لأجلِها، بَل المَرجِعُ في ذلكَ إلىٰ حُصولِ العِلمِ و زَوالِ الشَّكِّ (7)لكُلِّ أحَدٍ بعمَلِ القَومِ علىٰ هذه الآياتِ و مِن أجلِها، و لَيسَ يُمكِنُ أن يُدَّعىٰ مِثلُ ذلكَ في أخبارِ الإجماعِ .
فأمّا قَولُه:
و الواجِبُ (8)في الصَّحابةِ - إذا عُلِمَ أنّهم تَمسَّكوا بطَريقةٍ في الدِّينِ ،
و المُتَعالَمُ (1)مِن حالِهم أنّهم كانوا يَرجِعون فيما يَتمسَّكونَ به مِن الأحكامِ إلَى الأدِلّةِ - أن يُحمَلَ (2)تمسُّكُهم بذلكَ علَى الأمرِ الذي(3)يَظهَرُ فيما بَينَهم دونَ غَيرِه؛ لأنّ الذي له وَجَبَ (4)حَملُ تَمسُّكِهم بالحُدودِ و الأحكامِ علىٰ أنّه لأجلِ القُرآنِ و السُّنَّةِ أنّهم(5)تَمسَّكوا بذلكَ و لَم يَظهَرْ فيهم سِواه. و هذا قائمٌ فيما ذَكرناه [فالواجبُ أن نَقطَعَ بصِحّتِه].(6)
فهذا إنّما كانَ يَجِبُ لَو لَم يَظهَرْ بَينَهم إلّاما ادَّعاه مِن الأخبارِ، فأمّا و(7)ظُهورُ الآياتِ التي أَشَرنا(8)إليها بَينَهم معلومٌ ، فما المانِعُ مِن أن يَكونَ عملُهم إنّما كانَ لأجلِها، دونَ الأخبارِ؟
و ما رَأَينا أَطرَفَ (9)مِن إقدامِ صاحبِ الكتابِ علىٰ أنْ يَدَّعيَ أنّه لَم يَظهَرْ بَينَهم إلّا الأخبارُ التي ادُّعِيَت في الإجماعِ ، و تَكرارِه مَرّةً بَعدَ أُخرىٰ قَولَه: «و لَم يَظهَرْ بَينَهم(10)
ذلك فيما ذكرتم لأنّه مقطوع به، و ليس كذلك هذه الأخبار؛ لأنّكم لا تقطعون بها و بنقلها. قيل له: نقطع بثبوتها لأجل هذه الطريقة كما نقطع بما ذكرته، فالواجب...».
1) . هكذا في المطبوع و المغني. و في النسخ: «و متعالم».
2) . في المغني: «أن نحيل».
3) . في المطبوع: «أن» بدل «الذي».
4) . في «د» و المطبوع و الحجري: «وجب له».
5) . في «ص، ط، ف»: - «أنّهم».
6) . المغني، ج 17، ص 189. و ما بين المعقوفين من المصدر.
7) . في «ج»: - «و».
8) . في «ج»: «أشرت».
9) . في «د» و المطبوع: «أظرف».
10) . في «ج، ص، ط»: «عنهم».
غَيرُها»(1)مع عِلمِه(2)بأنّ القُرآنَ الذي يَتضمَّنُ الآياتِ المُتعلَّقَ بها في الإجماعِ قد كانَ ظُهورُه بَينَهم(3)أقوىٰ مِن ظُهورِ كُلِّ خبرٍ.
و بَعدُ، فَيلزَمُه علىٰ هذه الطريقةِ التي سلَكَها القَطعُ علىٰ أنّ عملَ الصَّحابةِ
بالإجماعِ إنّما كانَ للآياتِ دونَ الأخبارِ، فَضلاً عن التجويزِ لذلكَ؛ لأنّه إذا وَجَبَ(4)علىٰ ما ادَّعاه في الصَّحابةِ إذا عُلِمَ تمسُّكُهم بطَريقةٍ في الدِّينِ أن يُحكَمَ بأنّ تَمسُّكَهم إنّما كانَ لأجلِ ما يَظهَرُ بَينَهم مِن الأدلّةِ دونَ غَيرِها، فهكذا يَجِبُ إذا عُلِمَ تَمسُّكُهم بالإجماعِ، و ظهَرَ بَينَهم(5)أمرانِ لأحَدِهما علَى الآخَرِ فضلٌ عظيمٌ في الظُّهورِ و الشُّهرةِ و القُوّةِ ، أن يُقضىٰ (6)بأنّ عملَهم إنّما كانَ مِن أجلِ القويِّ العالي الرُّتبةِ في الظُّهورِ؛ لأنّ حُسنَ الظنِّ بهم هو(7)الذي يَقتَضي حَملَ أفعالِهم علَى الصِّحّةِ ، و موافَقةَ الحَقِّ و الدِّينِ يَقتَضي هذا، بَل يَجِبُ - إذا ظهَرَ عملُهم و تَمسُّكُهم و اتُّفِقَ علىٰ أمرٍ ظهَرَ بَينَهم(8)و اشتهَرَ يُمكِنُ أن يَكونوا فَعَلوا له و مِن أجلِه، و ادُّعيَ ظُهورُ أمرٍ آخَرَ بَينَهم لَم يَقَعِ الاتّفاقُ عليه و لا التسليمُ مِن جَماعةِ الأُمّةِ له - أن يُحكَمَ بأنّ تَمسُّكَهم إنّما كانَ لأجلِ المعلومِ المتيقَّنِ دونَ المشكوكِ فيه.
و هذا يوجِبُ القَطعَ علىٰ أنّ عملَهم بالإجماعِ - إن كانوا عَمِلوا به - لأجلِ (9)
الآياتِ التي قد عُلِمَ ظُهورُها بَينَهم، و اتُّفِقَ علىٰ (1)وقوفِهم عليها و معرفتِهم بها، دونَ الخبرِ الذي يَعتَقِدُ كثيرٌ مِن الأُمّةِ أنّه مُوَلَّدٌ(2)مصنوعٌ لَم تَعرِفْه الصَّحابةُ و لا سَمِعَت به.
فأمّا قَولُه:
و قد صَحَّ مِن عادةِ الصَّحابةِ و مَن بَعدَهم(3)في الأخبارِ أنّهم كانوا يَتثبَّتونَ فيما لا يَعظُمُ الوِزرُ و الخطأُ فيه(4)مِثلُ الذي رُويَ(5)عن عُمَرَ(6)في الاستئذانِ(7)و غَيرِه [و ما رُويَ عن عليٍّ عليه السلامُ أنّه كانَ يُحلِّفُ مَن
كانَ يُخبِرُه الخبرَ عن الرسولِ، إلىٰ غَيرِ ذلكَ؛](8)فكَيفَ يَصِحُّ أن يَجريَ(9)
1) . في المطبوع و الحجري: - «علىٰ».
2) . في «د»: «مؤلّف».
3) . في المطبوع و الحجري: «بعده».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «لا يعظم الوزر فيه و الخطأ».
5) . في المغني: + «فيه».
6) . في «د»: + «و غيره».
7) . رواه البخاري في صحيحه (ج 7، ص 130) في كتاب الاستئذان عن أبي سعيد الخدري، قال: كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسىٰ كأنّه مذعور، فقال: استأذنتُ علىٰ عمر ثلاثاً، فلم يؤذن لي، فرجعتُ . فَقال: ما منعك ؟ قلت: استأذنتُ ثلاثاً فلم يؤذن لي فرجعتُ ، و قال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلّم: «إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع». فقال: و اللّٰه لتقيمنّ عليه بيّنة. أ منكم أحد سمعه من النبيّ صلّى اللّٰه عليه و سلّم ؟ فقال أُبيّ بن كعب: و اللّٰه لا يقوم معك إلّاأصغر القوم. فكنتُ أصغر القوم، فقمتُ معه، فأخبرتُ عمر أنّ النبيّ صلّى اللّٰه عليه و سلّم قال ذلك.
8) . ما بين المعقوفين من المغني.
9) . في المغني: «تجري».
بمِثلِ(1)ذلكَ(2)عادتُهم لِما هُم عليه مِن الديانةِ و شِدّةِ التحرُّزِ مِن الغلطِ فيها، و مع ذلكَ يَتمسَّكونَ بالإجماعِ، و يَجعَلونَه مِن أُصولِ الدِّينِ، و يَعتَمِدونَ عليه في الأحكامِ، و يَقطَعونَ عندَه الاجتهادَ و الرأيَ لأجلِ خبرٍ ذَكَروه غَيرِ صحيحٍ عندَهم، و العادةُ الظاهرةُ عنهم أنّ ما طَريقُه الخبرُ الذي لَم يَثبُتْ(3)صحّتُه قد كانَ يَقبَلُه واحدٌ و يَرُدُّه آخَرُ، و إنّما كانوا يُطبِقونَ (4)علَى الخبرِ و العملِ به إذا جَمَعَهم علىٰ ذلكَ العِلمُ (5)بصحّةِ (6)ذلكَ ....(7)
فغَيرُ مُمتَنِعٍ في الصَّحابة أن يَتوقَّفوا في بعضِ الأخبارِ لضَعفِ الشُّبهةِ فيه، و يُمضوا غَيرَه و يَعتَقِدوا صِحّتَه لقُوّةِ الشُّبهةِ (8)إمّا(9)لأنّهم أَحسَنوا الظَّنَّ براويهِ و غلَبَ علىٰ قُلوبِهم مِن ثِقتِه و أمانتِه ما دَعاهُم إلَى اعتقادِ صِحّةِ خبرِه، أو لأنّ الخبرَ وافَقَ مِنهم اعتقاداً متقدِّماً لِمَعناه فاعتَقَدوا صِحّتَه مِن حَيثُ طابَقَ ما في نُفوسِهم، أو لأنّهم وَجَدوه مُوافِقاً للآياتِ التي يُتعلَّقُ بها في صِحّةِ الإجماعِ و كانوا مُعتقِدينَ
1) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «مثل».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: + «من».
3) . في المطبوع: «لم تثبت».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «يظهرون الإطباق» بدل «يطبقون».
5) . في المطبوع: «إذا حملهم ذلك على العلم» بدل «إذا جمعهم علىٰ ذلك العلم».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «بصحّته» بدل «بصحّة ذلك».
7) . المغني، ج 17، ص 190-191.
8) . أي تارة يكون بعض الأخبار الباطلة يشبه الحقّ شَبَهاً ضعيفاً و تكون الشبهة فيه ضعيفة، فيتوقّفون فيه، و أُخرىٰ يكون شَبَه ذلك البعض بالحقّ قويّاً و تكون الشبهة فيه قويّة، فيعتقدون صحّته علىٰ نحو الخطإ.
9) . في «ص»: - «إمّا».
فيها أنّها دالّةٌ علىٰ كَونِ الإجماعِ حُجّةً فصَدَّقوا به مِن هذا الوجهِ، إلىٰ غَيرِ ما ذَكَرناه مِن وُجوهِ الشُّبَهِ(1)و طُرُقِها، و هي كثيرةٌ .
و لَيسَ يَجِبُ إذا رَدّوا باطلاً أو(2)تَوقَّفوا في مشكوكٍ فيه أن يَفعَلوا ذلكَ في كُلِّ ما جَرىٰ هذا المَجرىٰ ؛ لأنّ المُسارَعةَ إلىٰ قَبولِ بعضِ الباطلِ قد تَقَعُ مِن العُقَلاءِ و أهلِ الدِّينِ لقُوّةِ الشُّبهةِ ، و إن(3)لَم يَجِبْ أن يُسارِعوا إلَى التصديقِ بكُلِّ (4)باطلٍ و إن ضَعُفَت شُبهَتُه.
و محصولُ كلامِ صاحبِ الكتابِ : أنّهم إذا أصابوا في شَيءٍ فلا بُدَّ أن يُصيبوا في كُلِّ شَيءٍ ، و علىٰ هذا بَنىٰ دَعواه أنّ عادَتَهم جَرَت بأنْ لا يَقبَلوا إلّاالصحيحَ .
و هذا ظاهرُ الفَسادِ(5)لأنّ المُصيبَ في أُمورٍ كثيرةٍ لا يَمتَنِعُ أن يُخطِئَ في غَيرِها، و لَيسَ هذا مِمّا يُراعىٰ فيه عادةٌ، علىٰ أنّه أيضاً مُدَّعٍ في العادةِ.
و لَو قيلَ له: مِن أينَ لكَ أنّ جميعَ ما رَدُّوه كانَ باطِلاً، و كُلَّ ما قَبِلُوه كانَ صَحيحاً؟ لَم يَجِدْ مُتعلَّقاً، و لَيسَ يَثبُتُ (6)له العادةُ التي ذَكرَها إلّابَعدَ ثُبوتِ أنّهم لَم يَقبَلوا إلّاالصحيحَ ، و لَم يَدفَعوا إلّاالباطلَ . و هذا غَيرُ مُسلَّمٍ في كُلِّ شيءٍ رَدُّوه(7)و(8)قَبِلوه.
و لا فَرقَ بَينَ المُعتَمِدِ علىٰ هذه الطريقةِ ، و بَينَ مَن قالَ في نفسِه(9)أو غَيرِه: إذا
كُنتُ أو كانَ فُلانٌ مُصيباً في كُلِّ أفعالِه و اعتقاداتِه، و متمسِّكاً بالحَقِّ، و دافِعاً للباطلِ، و كانَ هذا معلوماً و(1)مسلَّماً، وَجَبَ أن تَكونَ(2)هذه عادةً مستمِرّةً مانِعةً مِن(3)أن يُخطِئَ في شَيءٍ مِن الأشياءِ، أو يَعتقدَه باطِلاً.
فإذا كانَ هذا القائلُ عندَ جميعِ العُقَلاءِ مُبطِلاً واضِعاً للقَولِ في غَيرِ مَوضعِه(4)، و كانَ جوابُهم له: أنّ فُلاناً و إن كانَ مُصيباً عندَنا في اعتقاداتِه و أفعالِه - كَما ذَكَرتَ - فلَيسَ هذا بعاصِمٍ له مِن اعتقادِ باطلٍ تَقوىٰ(5)شُبهتُه عليه، و إنّما حَكَمنا بصَوابِ أفعالِه مِن حَيثُ عَلِمنا بالدليلِ صِحّتَها، فيَجِبُ أن يَكونَ هذا حُكمَنا في جميعِ ما يَعتقدُه و يَفعَلُه(6)، و لا نَجعَلَ(7)صَوابَه في البعضِ دَلالةً علىٰ صَوابِه في الكُلِّ.
و هذه صورةُ صاحبِ الكتابِ فيما تَعلَّقَ(8)به، فيَجِبُ أن يَكونَ جوابُه مِثلَ ذلكَ .
و نِهايةُ ما يَقتَضيهِ حُسنُ الظنِّ بالصَّحابةِ ، و حَملُ أُمورِهم علىٰ ما يُشبِهُ ما استقَرَّ في النُّفوسِ مِن تعظيمِهم و تبجيلِهم: أن يُحكَمَ (9)بأنّهم لَم يَقبَلوا الخبرَ(10)المذكورَ(11)
1) . في «ج، ص، ط، ف»: - «و».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «فيجب أن يكون».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: - «من».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «أو يعدّ باطلاً قوله، واضعاً القول في غير موضعه» بدل «أو يعتقده باطلاً. فإذا كان» إلىٰ قوله: «في غير موضعه».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «يقوىٰ ».
6) . في «د»: «ما نعتقده و نفعله».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «و لا يجعل».
8) . في «ص»: «يتعلّق».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «أن يحكموا».
10) . أي أخبار الإجماع.
11) . في «ج»: - «المذكور».
و يَعدِلوا عن رَدِّه و تكذيبِ راويهِ(1)إلّابَعدَ أن اعتَقَدوا صِحّتَه، و قَوِيَت الشُّبهةُ عليهم في أمرِه.
و هذا قد فَعَلناه، و لَيسَ يَنتَهي حُسنُ الظنِّ بهم إلىٰ أن يوجِبَ علينا القَطعَ علىٰ عصمتِهم، و أنّهم لا يَعتَقِدونَ إلّاالحَقَّ، و لا يَدفَعون إلّاالباطِلَ!!
علىٰ أنّا إذا زِدنا في حُسنِ الظنِّ - و قُلنا: إنّهم لَم يَتلقَّوْا أخبارَ الإجماعِ عن الآحادِ، بَل عن الجَماعةِ - لَم يَثبُتْ ما يُريدُه الخُصومُ؛ لأنّه جائزٌ عليهم أن يَعتَقِدوا في الجَماعةِ التي أَوردَت عليهم تلكَ الأخبارَ صفةَ المتواتِرينَ فيُصدِّقوهم و إن لَم يَكونوا في الحقيقةِ كذلكَ؛ لأنّ العِلمَ بصِفةِ الجَماعةِ المتواتِرةِ التي يَقطَعُ خبرُها العُذرَ لَيسَ يَحصُلُ ضَرورةً، بَل الطريقُ إلَى استدراكِه الاستدلالُ، الذي يَجوزُ علَى الصَّحابِة - و إنْ تَديَّنَت، و حَسُنَت طَرائقُها(2)- الغلطُ فيه.
و أرجو أنْ لا يَنتَهيَ (3)الضرورةُ بصاحبِ الكتابِ إلىٰ أن يَدَّعيَ أنّ الصَّحابةَ لا يَجوزُ عليها الغلطُ في الاستدلالِ علىٰ كَونِ الخبرِ متواتِراً، و إن كانَ ما ادَّعاه قَريباً من هذا. و متىٰ طولِبَ حامِلُ نفسِه علىٰ هذه الطريقةِ (4)بالدَّلالةِ علىٰ صِحّةِ قَولِه ظهَر عَجزُه، و بانَ أمرُه مِن قُربٍ (5).
و قَولُه في(6)خِلالِ كلامِه: «فكَيفَ يَصِحُّ أن يَفعَلوا كَذا و كَذا لأجلِ خبرٍ غَيرِ صحيحٍ عندَهم»(7)تَمويهٌ ؛ لأنّا لَم نَقُل أنّهم قَبِلوا ما هو غَيرُ صحيحٍ عندَهم، و إنّما
أَجَزنا عليهم أن يَقبَلوا ما هو غَيرُ صحيحٍ في الحقيقةِ و إنِ اعتقَدوا بالشُّبهةِ صِحّتَه.
فأمّا قَولُه:
و أمّا الطريقةُ الثانيةُ(1)فقَد ذَكرَها في «البَغداديّاتِ»(2)، و قالَ(3): و قد(4)كانَ أصحابُ النبيِّ - صَلَّى اللّٰهُ عليهِ ثُمّ رحمةُ اللّٰهِ عليهِم(5)-، مُلازِمينَ له في أكثَرِ الأزمانِ(6)إلّافي الأوقاتِ اليَسيرةِ، و(7)التعبُّدُ بما أجمَعَت عليهِ الأُمّةُ يَشمَلُ(8)الخاصّةَ و العامّةَ. فلَو قالَ لهم قائلٌ: إنّه عليهِ السلامُ(9)قالَ: «إنّ أُمّتي لا تَجتَمِعُ علىٰ ضَلالٍ »(10)و لَم يَكُن فيهم مَن سَمِعَ ذلكَ ، مع أنّ هذا القَولَ يَجري [مِنه صَلَّى اللّٰهُ عليه](11)مَجرىٰ ما تَقومُ (12)به
1) . و هي الدليل الثاني علىٰ أنّ تمسّك الصحابة بخبر الإجماع يدلّ علىٰ صحّته. و قد تقدّمت الطريقة الأُولىٰ في المغني، ج 17، ص 187، و لم يتعرّض المصنّف لمناقشتها، لكنّه سوف يشير إليها في ص 259 عند قوله: «علىٰ أنّه قد مضىٰ في كلامه...».
2) . و هي مسائل تكلّم فيها أبو هاشم الجبائي علىٰ نقض مذاهب البغداديّين من المعتزلة. الشامل في أُصول الدين، ص 258.
3) . في «ج، ص، ط، ف»: - «و قال».
4) . في المغني: «قد» بدون الواو.
5) . في النسخ و الحجري: - «ثمّ رحمة اللّٰه عليهم». و ما أثبتناه من المطبوع و المغني.
6) . في «د» و الحجري و المغني: - «في أكثر الأزمان». و في «ص، ط»: «الزمان» بدل «الأزمان».
7) . في المغني: «ثمّ ».
8) . في «ص، ط»: «يشتمل».
9) . في المغني: «صلّى اللّٰه عليه».
10) . قد تقدّم تخريج هذا الحديث فيما تقدّم.
11) . ما بين المعقوفين من المغني.
12) . في «ط»: «يقوم». و في المغني: «يقيم».
الحُجّةُ مِنه(1)علَى الناسِ ، و لَم يُخبِرْ بذلكَ إلّاواحدٌ لا يَعرفونَ صِدقَه، لقَد كانَ الواجبُ أن يَرُدّوه و يَقِفوا عندَ قَولِه؛ فلَمّا رَأَيناهم قد أذعَنوا لهذا الخبرِ و لَم يُنكِروه، عُلِمَ (2)أنّه صحيحٌ .(3)
فلَو وجَب أن يَرُدَّ الصَّحابةُ مِن الأخبارِ ما لَم يَسمَعْه جميعُهم أو أكثرُهم، لَوجَبَ رَدُّهم كُلَّ الأخبارِ المَرويّةِ أو أكثَرَها؛ لأنّ الأكثَرَ مِن الأخبارِ قد تفرَّدَ بنَقلِه جَماعةٌ
دونَ غَيرِها، و(4)آحادٌ دونَ جَماعةٍ ، و لَم يَكُن جميعُ الأصحابِ (5)مُلازِمينَ للنبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليهِ و آلِه في كُلِّ أحوالِه، بَل قد كانَ يَشهَدُ مِنهم بعضٌ و يَغيبُ آخَرُ، و لَيسَ يَمتَنِعُ علىٰ هذا أن يُخبِرَهم بهذا(6)الخبرِ جَماعةٌ لا يَكونُ مِثلُها قاطعاً للعُذرِ في الحقيقةِ إذا أُنعِمَ النظَرُ(7)في أمرِهم، فيَعتقِدوا صِحّةَ قَولِهم بالشُّبهةِ الداخلةِ مِن بعضِ الوجوهِ التي قَدَّمنا ذِكرَها(8). و لا يَكونُ لهم رَدُّ خبرِهم مِن حَيثُ لَم يَشهَدْه جميعُهم؛ لِما ذَكرناه آنِفاً مِن أنّ أكثَرَ ما نُقِلَ مِن الأخبارِ قد كانَ يَحضُرُه بعضُهم و يَغيبُ عنه سائرُهم. و لا يَكونُ لهم أيضاً رَدُّه مِن حَيثُ كانَ متضمِّناً ما يَعُمُّ فَرْضُه. و لَم يُرَدَّ مِن جهةٍ تَقطَعُ (9)العُذرَ؛ لأنّهم قد اعتَقَدوا في الخبرِ - لقُوّةِ الشُّبهةِ - أنّه قاطِعٌ للعُذرِ و إن لَم يَكُن كذلكَ .
1) . في المغني: - «منه».
2) . في المغني: + «بذلك و حاله ما ذكرناه».
3) . المغني، ج 17، ص 191.
4) . في «ج»: «أو».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «الصحابة».
6) . في «د» و الحجري و المطبوع: «هذا».
7) . أنعم النظر فيه: إذا أطال التفكّر فيه. النهاية، ج 5، ص 83؛ لسان العرب، ج 12، ص 586 (نعم).
8) . تقدّمت في ص 71.
9) . في الحجري: «يقطع».
فلَم يَبقَ إلّاأن يُقالَ : إنّ الغلطَ في الاستدلالِ لا يَجوزُ عليهِم!!
و هذا إن قيلَ عقلاً عُرِفَت صورةُ قائلِه، و إن قيلَ سَمعاً فنحنُ في الكلامِ علَى السَّمعِ المُدَّعىٰ ، و قبلَ تصحيحِه لا يجبُ القَطعُ علىٰ ذلكَ .
و قَولُه في كلامِه: «و لَم يُخبِرْ بذلكَ إلّاواحدٌ لا يَعرِفونَ صِدقَه» قد(1)مَضَى الكلامُ علىٰ مِثلِه؛ لأنّهم و إن لَم يَعرِفوا صِدقَه معتَقِدونَ له.
و قَولُه: «لقد كانَ الواجبُ أن يَرُدّوه و يَقِفوا(2)عندَ قَولِه» صحيحٌ ، غَيرَ أنّ الواجبَ يَجوزُ أن لا يَفعَلَه مَن يَجِبُ عليهِ ، و كلامُنا فيما يَجوزُ أن يَفعَلوه أو يُخِلّوا به، لا فيما يَجِبُ عليهِم. و لَيسَ يَكونُ نتيجةُ تقديمِه أنّ «الواجبَ أن يَرُدّوه و يَقِفوا عندَه»، أنّهم(3)«إذا أَذعَنوا له و لَم يُنكِروه عُلِمَ أنّه صحيحٌ »؛ بل إنّما تَكونُ (4)هذه
النتيجةَ إذا تَقدَّمَ - مع أنّ «الواجبَ أن يَرُدّوه» - أنّهم(5)«لا يَعدِلونَ عن واجبٍ و لا يُخِلّونَ به»، و(6)هَيهاتَ أن يَصِحَّ هذا.
فأمّا قَولُه:
و نَظيرُ ذلكَ (7)أن نَجِدَ إنساناً يَروي خبراً عن مَجلِسٍ حافِلٍ (8)و مَجمَعٍ عظيمٍ ، فالمعلومُ أنّه متىٰ كانَ كاذِباً أَنكَرَ عليهِ مَن يَحضُرُ ذلكَ المَجلِسَ ،
و إذا لَم يُنكِرْه(1)عُلِمَ صِدقُه في خبرِه.(2)
فباطلٌ؛ لأنّه غَيرُ مُمتَنِعٍ أن يُمسِكَ أهلُ المَجمَعِ الذي ذَكرَه عن كاذبٍ يَعرِفونَ كَذِبَه إذا كانَ هُناكَ غرضٌ لهم، أو كانَ في الإمساكِ عن تكذيبِه دَفعُ ضررٍ(3)عنهم، أو جَرُّ نَفعٍ إليهم؛ لأنّا نَعلَمُ أنّه لَو كانَت(4)لأهلِ هذا المَجمَعِ(5)ببعضِ الناسِ عنايةٌ، و كانَ شَريكاً لهم في أموالِهم، أو قَريباً إليهم في نَسَبِهم، و كانوا قد أَحَسّوا مِن بعضِ السَّلاطينِ الظَّلَمةِ يَطمَعُ في حالِه و مالِه(6)، و قامَ هذا المُخبِرُ الكاذبُ بحَضرةِ ذلكَ السُّلطانِ، أو بحَضرةِ مَن يُبلِّغُه مِن أصحابِه، فقالَ و أهلُ المَجمَعِ حُضورٌ:
هؤلاءِ يَعلَمونَ أنّ فُلاناً - و أشارَ إلَى الذي ذَكرناه أنّه شَريكٌ للقَومِ، أو هُم علىٰ عنايةٍ شديدةٍ به - فَقيرٌ لا حالَ له و لا مالَ، و أنّه حَضَرَهم في يَومِ كَذا، فسأَلَهم ما يُصلِحُ به حالَه، و يَلُمُّ به شَعَثَه(7)، لَكانَ جميعُ أهلِ المَجمَعِ (8)يُمسِكونَ عن الردِّ عليه مع عِلمِهم بكَذِبِه، بَل رُبَّما صَدَّقوه و شَهِدوا لفظاً بمِثلِ قَولِه، و مَن دفَعَ هذا كانَ مُكابِراً لعَقلِه.
1) . في المغني: «فإذا لم ينكروه».
2) . المغني، ج 17، ص 191-192.
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «ضرر يندفع» بدل «دفع ضرر».
4) . في «د» و المطبوع و الحجري: «كان».
5) . في «د»: «الجمع».
6) . الحال: التراب الليّن الذي يقال له: السهلة، و الطين الأسود. و المال في الأصل: الذهب و الفضّة، ثمّ أُطلق علىٰ كلّ ما يُقتَنىٰ و يُملك. فعليه يكون الحال و المال كلّ ما يُملك من نقد و غيره.
7) . «يَلُمُّ »، أي يجمع؛ و لَمَّ الشيءَ يَلُمُّهُ لَمّاً، أي جمعه و أصلحه. و «الشَّعَثُ » و «الشَّعْثُ »: انتشارالأمر و خَلَلُه؛ يقال: لَمَّ اللّٰهُ شَعَثَه، أي جمع ما تفرّق من أُموره و أصلحه. راجع: لسان العرب، ج 12، ص 547 (لمم)؛ و ج 2، ص 160 (شعث).
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «لكان أهل المجمع جميعهم».
علىٰ أنّ ما ضَرَبَه مِن المَثَلِ غَيرُ مُشبِهٍ لِما نحنُ فيه لَو(1)سُلِّمَ له؛ لأنّ خبرَ الإجماعِ لَم يَدَّعِه(2)الراوي علَى الصَّحابةِ، و لا استَشهَدَهم عليهِ؛ لأنّا قد بيّنّا بُطلانَ
ما ظَنَّه مِن وجوبِ حُضورِ جميعِ الصَّحابةِ كُلَّ الأقوالِ المسموعةِ مِن الرسولِ صلّى اللّٰهُ عليهِ و آلِه(3)، و أنّ المعلومَ مِن حالِهم تفرُّدُ بعضِهم بسَماعِ ما لَم يَسمَعْه الجميعُ ، و إذا صَحَّ هذا لَم يَلزَمْ أن يُكذِّبوا روايةً (4)قياساً علىٰ (5)تكذيبِ أهلِ المَجلِسِ لمَن(6)يَروي عنهم خبراً، أو يَستَشهِدُهم علىٰ ما يَعلَمونَ أنّه كاذبٌ فيه. و جَرىٰ أمرُ الصَّحابةِ و الخبرِ المرويِّ بحَضرتِها في الإجماعِ مَجرىٰ مَن يَروي خبراً في مَجلِسٍ لا يَدَّعيه عليهِم، و لا يَستَشهِدُهم علىٰ صحّتِه، و متىٰ فُرِضَ علىٰ هذا الوجهِ ، كانَ جائزاً مِنهم أن يُصدِّقوه إذا أَحسَنوا الظَّنَّ به و(7)دخَلَت عليهِم الشُّبهةُ في صِحّةِ قَولِه.
فأمّا قَولُه:
و قد يُمثَّلُ ذلكَ (8)بما هو أَوقَعُ في القَلبِ مِمّا نَعرِفُه مِن حالِ أصحابِ العالِمِ الواحدِ، الذي جَرَت عادتُهم بمعرِفةِ مَذاهبِه و أقاويلِه، و التشَدُّدِ في ذلكَ و التبَجُّحِ بالروايةِ له(9)، فغَيرُ جائزٍ و الحالُ هذه أن يَحكيَ
1) . في المطبوع: «ولو».
2) . في «د» و المطبوع: «لم يدّعيه».
3) . تقدّم آنفاً في ص 76.
4) . في «ج، ص، ط»: «راويه».
5) . في «ط»: «في».
6) . في «ص»: «بمن».
7) . في المطبوع و الحجري: «أو».
8) . أي ما تقدّم في المقطع قبل السابق المنقول من المغني، و المتعلّق بسلوك الصحابة.
9) . في «ف»: «في الرواية له». و في المغني: - «له».
الواحدُ مِنهم عنه مَذهَباً تَشتَدُّ(1)به العِنايةُ، و الباقونَ مُجتَمِعونَ(2)فيُسلِّموا له(3)، و ذلكَ المَذهَبُ(4)مِمّا لَو كانَ حَقّاً لَظهَرَ ظُهوراً لا يَختَصُّ به ذلكَ الواحدُ. و المعلومُ مِن حالِه عليهِ السلامُ(5)في أصحابِه أنّهم إنْ لَم يَزيدوا معه فيما يُبلِّغونَه(6)مِن شَرائعِه(7)و يَنقُلونَه لَم يَنقُصوا مِمّا ذَكرناه(8)فكَيفَ يَجوزُ مع كَونِ الإجماعِ أحَدَ الأُصولِ للدِّينِ(9)أن يَتمسَّكوا بِه بخبرِ(10)واحدٍ؟ مع عِلمِهم(11)أنّه عليه السلامُ لا يَجوزُ أن يَخُصَّ بذلكَ - مع أنّه مِن(12)عِلمِ الخاصِّ و العامِّ - الواحدَ و الاثنَينِ ، و أنّه في بابِه أوجَبُ إظهاراً
مِن أكثَرِ(13)أركانِ الدِّينِ ، و مَن جوَّزَ ذلكَ فقَد خرَجَ عن(14)طريقةِ (15)العاداتِ . [و لَيسَ لأحَدٍ أن يُنكِرَ صحّةَ ذلكَ بأن يَظُنَّ أنّا صَحَّحنا خبَرَ
1) . في «د، ص، ط» و الحجري: «يشتدّ».
2) . في «ج، ص»: «يجتمعون».
3) . في المغني: «و الباقون يخضعون له» بدل «و الباقون مجتمعون فيسلِّموا له».
4) . في «د»: «المذاهب».
5) . في المغني: «صلّى اللّٰه عليه». و كذا في المورد الذي يليه.
6) . في المغني: «يفعلونه».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «شريعته».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «لم ينقصوه» بدل «لم ينقصوا ممّا ذكرناه». و في المغني: «لم ينقص فيما ذكرناه».
9) . في المغني: «أُصول الدين».
10) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «به». و في المغني: «لخبر» بدل «بخبر».
11) . في «ج، ص، ط، ف»: - «علمهم».
12) . في «ج، ص، ط، ف»: «في».
13) . في المطبوع: «أكثرهم».
14) . في «ج، ص، ط، ف»: «من».
15) . في «ج، ص» و المغني: «طريق».
الإجماعِ باجتماعِهم علَى العملِ أو علىٰ تَركِ النَّكيرِ؛ و ذلكَ لأنّا اعتَمَدنا علَى العاداتِ التي تَقتَضي صِحّةَ الأخبارِ، حتّىٰ لَو لَم يَكُنِ الإجماعُ حَقّاً لَم يوثِّرْ في أنّ هذه الطريقةَ تُعرَفُ بها صِحّةُ الخبرِ، كما بيّنّاه في بابِ الأخبارِ](1).
فقَد تَقدَّمَ الكلامُ علىٰ معناه في الفَصلِ الذي خَرَجنا عنه(2)إلىٰ حِكايةِ كلامِه هذا، و بيّنّا أنّه غَيرُ مُمتَنِعٍ أن تُمسِكَ(3)الجَماعةُ عن الإنكارِ علىٰ كاذبٍ يُعلَمُ كَذِبُه و إن كانَ مُدَّعياً عليها إذا حصَلَ هُناكَ غرضٌ قويٌّ .
و القَولُ في هذا المثالِ الذي صارَ إليه كالقَولِ في المِثالِ الأوّلِ الذي ضرَبَه؛ لأنّا نَعلَمُ أنّ أصحابَ هذا العالِمِ - الذي وَصَفَ حالَه، و شِدّةَ عنايتِهم بحِفظِ مَذاهبِه و ضَبطِها - لَو كانوا(4)بحَضرةِ سُلطانٍ قاهرٍ ظالمٍ ، و كانَ له مَذهَبٌ يُخالِفُ مَذاهِبَ العالِمِ الذي يَصحَبونَه، يُعادي(5)فيه الخارِجَ عنه، و لا يؤمَنُ علىٰ مَن عرَفَه بمُخالَفتِه سَطوَتُه، حتّىٰ يَقومَ قائمٌ في المَجلِسِ الذي جَمَعَهم، و يَحكيَ عن ذلكَ العالِمِ القَولَ بالمَذهَبِ الذي يَعتَقِدُه سُلطانُهم، ثمّ طَمِعوا(6)في تمويهِ الحالِ عليه، و كَونِ ما جَرىٰ سبباً لكَفِّ شَرِّه عنه و عنهم، لَكانَت الجَماعةُ تُمسِكُ عن تكذيبِه و تُظهِرُ تصديقَه، هذا إن لَم يُقسَمْ علىٰ صِدقِه و صِحّةِ خبرِه بأغلَظِ الأَيمانِ !!
و قد بيّنّا أيضاً أنّ ذلكَ لَو لَم يَجُز علىٰ هذا الوجهِ لَجازَ علىٰ طريقِ الشُّبهةِ ،
لكِنْ لَيسَ بأن يَكونَ الحالُ علَى التقديرِ الذي قدَّرَه؛ لأنّه أدخَلَ في جُملةِ كلامِه:
«و ذلكَ المَذهَبُ مِمّا لَو كانَ حقّاً لظهَرَ ظُهوراً لا يَختَصُّ به الواحِدُ»؛ فكأنّه فرَضَ فيهم أن يَكونَ(1)كُلُّ ما لَم يَعرِفْه جَماعتُهم مَذهَباً للعالِمِ باطِلاً، و لَيسَ هذا مثالَ مسألتِنا؛ لأنّا قد مَنَعناه مِن مِثلِ(2)ذلكَ في الصَّحابةِ(3)، و أَعلَمناه أنّ كثيراً مِن المنقولِ
عن الرسولِ صلّى اللّٰهُ عليهِ و آلِه(4)لَم يَكُن جميعُ الأصحابِ شاهِداً له(5)، فكيفَ يَلزَمُ أن يَكونَ كُلُّ (6)ما لَم تَعرِفْه الجَماعةُ و تَسمَعْه باطِلاً يَجِبُ عليهم ردُّه و تكذيبُ راويهِ؟(7)
و إذا(8)لَم تَكُن(9)هذه حالَهم لَم يَكُن ما رَتَّبَه مثالاً صحيحاً فيهم، و كانَ المثالُ الصحيحُ أصحابَ عالِمٍ واحدٍ قد جَرَت عادتُه بأن يُلقيَ بعضَ مَذاهبِه إلىٰ بعضِهم(10)، و يُعوِّلَ في وصولِ البعضِ الآخَرِ إلىٰ معرفتِه علىٰ خبرِ البعضِ الذي أُلقيَ إليه.
و إذا(11)قُدِّرَت الحالُ هذا التقديرَ لَم يَجِبْ أن يُكذِّبَ هؤلاءِ الأصحابُ مَن أخبَرَهم عن العالِمِ بمَذهَبٍ لَم يَسمَعوه مِنه، بَل جائزٌ أن يُصدِّقوا هذا المُخبِرَ(12)إذا
1) . في «ص، ف»: «يكونوا». و في «ط»: «يقولوا».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: - «مثل».
3) . تقدّم في ص 76.
4) . في «ج، ص، ط»: «عليه السلام».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «جميع الصحابة مشاهدين له».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: - «كلّ ».
7) . في «د»: «رواته».
8) . في المطبوع و الحجري: «و إذ».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «لم يكن».
10) . في «د» و المطبوع: «إلى بعض».
11) . في «ج، ص، ط، ف»: «فإذا».
12) . في «ج»: «الخبر».
غلَبَ في ظَنِّهم صِدقُه، أو اعتَقَدوا ذلكَ لبعضِ الشُّبَهِ ، و إن كانَ علَى الحقيقةِ كاذباً.
و قَولُه: «فكَيفَ يَجوزُ أن يَتمسَّكوا به بخبرِ واحدٍ؟» إنّما يَكونُ حِجاجاً لِمَن قطَعَ علىٰ أنّ خبرَ الإجماعِ لَم يتَّصِلْ بهم إلّامِن جهةِ الواحدِ، و هذا ممّا لَم نَقُلْه و لا عَوَّلنا عليه، بل قد مضىٰ في كلامِنا أنّه جائزٌ أن يَكونوا تلَقَّوه مِن جَماعةٍ لا يَقطَعُ مِثلُها(1)العُذرَ، و اعتَقَدوا فيها بالشُّبهةِ أنّها تَقطَعُ العُذرَ(2). فإن كانَ ما ذَكرَه قادِحاً في أن يَكونوا عَرَفوه مِن جهةِ الواحدِ، فلَيسَ بقادِحٍ فيما ذَكرناه.
اللّهُمّ إلّا(3)أن يَقولَ: و لا يَجوزُ أن يَسمَعوه أيضاً مِن جَماعةٍ إلّاو يَجِبُ عليهم(4)تكذيبُها مِن غَيرِ نَظَرٍ(5)في حالِها، و هل يَقطَعُ أمثالُها العُذرَ أم لا؟ مِن حَيثُ لَو كانَ خبرُها صحيحاً لَعَرَفَه الكُلُّ ، و لَما اختَصَّ به جَماعةٌ دونَ جَماعةٍ .
و هذا إن قالَه أُبطِلَ بما تَقدَّمَ .
علىٰ أنّه قد مضىٰ في كلامِه عند حِكايتِه عن أبي هاشمٍ ذِكرُ الأقسامِ التي عَرَفَت
مِنها(6)الصَّحابةُ صِحّةَ الخبرِ(7)، عَطفاً علىٰ قَولِه: «إمّا أن يَكونوا عَلِموا ذلكَ لِكَذا، أو يَكونوا(8)عَلِموا ذلكَ بالاستدلالِ (9)مِن حَيثُ أخبَرَهم(10)به(11)جَماعةٌ لا يَجوزُ عليهم
1) . هكذا في «د» و الحجري. و في سائر النسخ و المطبوع: «بمثلها».
2) . تقدّم في ص 76.
3) . في «ط»: - «إلّا».
4) . في المطبوع و الحجري: «عنهم».
5) . في المطبوع و الحجري: «نظير».
6) . في «ط»: «فيها».
7) . و هذه هي الطريقة الأُولىٰ التي تقدّمت الإشارة إليها في الهامش قبل عدّة صفحات.
8) . في المطبوع: «و أن يكونوا» بدل «أو يكونوا».
9) . هكذا في «ج» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع و الحجري: «باستدلال».
10) . في «ج، ص، ط، ف» و المغني: «خبّرهم».
11) . في المطبوع: - «به».
التواطؤُ»(1). و هذا مُحقِّقٌ(2)لإلزامِنا، و ناقِضٌ لِما اعتمَدَ عليه في الفَصلِ الذي نحنُ في نَقضِه، و للمثالِ الذي(3)أَورَدَه فيه.
أمّا تحقيقُه للإلزامِ فمِن حَيثُ يُقالُ له(4): إذا أجَزتَ(5)أن يَكونوا استَدَلّوا علىٰ صِحّةِ الخبرِ مِن الوجهِ الذي ذَكرتَه، فما يؤمِنُكَ(6)مِن أن يَكونوا غَلِطوا في الاستدلالِ، و اعتَقَدوا فيمَن يَجوزُ عليهِ التواطؤُ، و لا يَقطَعُ خبرُه العذرَ، خِلافَ ما هُم عليهِ ، و هذا ممّا لا سَبيلَ إلىٰ دَفعِه.
و أمّا كَونُه ناقِضاً لكلامِه الذي أَشَرنا إليه: فلأنّه عوَّلَ فيه علىٰ أنّ المُخبِرَ إذا أخبَرَ الصَّحابةَ بما(7)لَم تَسمَعْه مِن الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليهِ و آلِه، وَجَبَ أن يَرُدّوا خبرَه إذا كان الخبرُ متضمِّناً لِما يَشمَلُ (8)وجوبُ العِلمِ به الخاصَّ و العامَّ ، و هو يَقولُ فيما حَكَيناه(9)عنه: «إنّه جائزٌ أن يَكونَ الصَّحابةُ استدَلَّت علىٰ صِحّةِ الخبرِ مِن حَيثُ خبَّرَها(10)به جَماعةٌ لا يَجوزُ عليها التواطؤُ» و لَم يوجَبْ عليهِم ردُّه مِن قِبَلِ أنّهم لَم يَسمَعوه كسَماعِهم(11)مِن الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه.
و هذانِ المَوضعانِ يَتَناقَضانِ كما تَرىٰ ؛ لأنّه إن صَحَّ وجوبُ رَدِّ ما لَم
1) . المغني، ج 17، ص 187. و نصّ عبارة المغني هكذا: «إنّ لشيخنا أبي هاشم - رحمه اللّٰه - في ذلك طريقتين: إحداهما ما ذكره في مواضع من أنّ الصحابة - رضي اللّٰه عنهم - و مَن بعدهم صحّ عنهم أنّهم احتجّوا علىٰ صحّة الإجماع بالخبر المروي في ذلك، فلا بدّ من أن عرفوا صحّته بأحد وجوه: إمّا أن يكونوا سمعوا ذلك عنه صلّى اللّٰه عليه، و اضطرّوا إلى أنّه قاله بخبر غيرهم، أو علموا ذلك بالاستدلال من حيث خبّرهم به جماعة لا يجوز عليها التواطؤ».
2) . في «ص»: «يحقّق».
3) . في «ص»: + «أشرناه الذي».
4) . في «ج، ص»: - «له».
5) . في «ج»: «أُجيز».
6) . في «د»: «نؤمنك».
7) . في المطبوع و الحجري: «ممّا».
8) . في «د»: «يشتمل».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «حكاه».
10) . في المطبوع و الحجري: «أخبرها».
11) . في «ط»: - «كسماعهم».
يَسمَعْه جميعُ الصَّحابةِ (1)أو أكثرُهم و إن كانَ المُخبِرُ جَماعةً ، بطَلَ قَولُه:
«إنّهم استَدَلّوا علىٰ صحّةِ الخبرِ بنَقلِ مَن لا يَجوزُ عليه التواطؤُ»؛ لأنّهم إذا لَم يَسمَعوه يَجِبُ علىٰ قَولِه أن يَرُدّوه، و إن كانوا قد سَمِعوه فكَيفَ يَصِحُّ أن يَستَدِلّوا عليه ؟(2)و إنّ صَحَّ استدلالُهم علَى الخبرِ بطَلَ أن يَكونَ رَدُّ ما لَم يَسمَعوه و يَعرِفوه واجباً عليهِم.
فأمّا قَولُه:
فإن قالَ: إن كانَ كذلكَ فيَجِبُ أن تَقولوا(3)بمِثلِ(4)هذه العادةِ (5)في غَيرِ أُمّتِنا(6)[أنّها بمَنزِلَتِها في أُمّتِنا في صِحّةِ التوَصُّلِ إلىٰ ثُبوتِ الأخبارِ](7)و هذا يوجِبُ عليكم أن تُثبِتوا أخبارَ النَّصارىٰ (8)في صَلبِ المَسيحِ عليهِ السلامُ ، إلىٰ غَيرِ ذلكَ .
قيلَ له: إنّا(9)عَرَفنا هذه العادةَ (10)في أُمّةِ نَبيِّنا و لَم نَعرِفْ مِثلَها(11)في
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «ما لم يسمعوه بأسرهم» بدل «ما لم يسمعه جميع الصحابة».
2) . في المطبوع و الحجري: + «و إلّاصحّ ».
3) . في «د، ص، ط، ف»: «يقولوا».
4) . في المغني: «في مثل».
5) . في «ص، ط، ف» و المطبوع: + «في امتناعها».
6) . في «ص، ط، ف»: - «في غير أُمّتنا».
7) . ما بين المعقوفين من المصدر.
8) . في «ط»: + «قبل».
9) . في «ج، ص، ط»: «إنّما».
10) . في المغني: «هنا العلّة» بدل «هذه العادة».
11) . في المغني: «فلم نعلم» بدل «و لم نعرف مثلها».
غَيرِهم، و العاداتُ إذا(1)كانَت تابِعةً للتمسُّكِ بالدِّينِ(2)لَم يَمتَنِعْ أن يَختلِفَ(3)أحوالُ أهلِ الدِّينِ فيها، و لَم يَثبُتْ عندَنا مِن حالِ سائرِ الأُمَمِ في التمسُّكِ في بابِ الدِّينِ و ما يُنقَلُ فيه مِن الأخبارِ ما ثبَتَ (4)في أُمّة نَبيِّنا [فلا يَلزَمُ أن نَقطَعَ بذلكَ ، و لَو كانَ حالُهم كحالِ أُمّةِ نَبِيِّنا كُنّا نُجوِّزُ الاتِّفاقَ فيه].(5)
و أمّا خبرُ الصَّلبِ فبَعيدٌ مِن هذا البابِ ؛ لأنّا إنّما نَذكُرُ في ذلكَ (6)ما يُنقَلُ في بابِ الدِّينِ و التمسُّكِ به [فلا وجهَ لِما أَورَدتُموه...](7).
فما نَعرِفُ لأُمّتِنا مَزِيّةً فيما ادَّعاه تَبينُ بها(8)مِن سائرِ الأُمَمِ؛ لأنّا نَعلَمُ أنّ أهلَ العَقلِ و التدَيُّنِ - مِن أيِّ أُمّةٍ(9)كانوا - لا يَجوزُ أن يَقبَلوا إلّاما يَعلَمونَ أو يَعتقِدونَ صِحّتَه، و لَيسَ يَجوزُ أن يُجعَلَ رَدُّهم لبعضِ الباطلِ - إذا زالَت عنهم الشُّبهةُ في أمرِه - دَلالةً علىٰ أنّهم لا يَقبَلونَ باطلاً و إن قَوِيَت شُبهتُه.
و المقدارُ(10)الذي استدَلَّ به علىٰ أنَّ(11)أُمَّتَنا لا تَقبَلُ (12)إلّاالحقَّ موجودٌ في كُلِّ أُمّةٍ ؛ لأنّا كما وَجَدنا أهلَ مِلّتِنا قد رَدّوا كَثيراً ممّا لَم يَصِحَّ عندَهم أو ممّا اعتَقَدوا
1) . في المطبوع و الحجري: «إن».
2) . في «د»: «في الدين».
3) . في المغني: «تختلف».
4) . في «ج، د، ط»: «ما يثبت».
5) . ما بين المعقوفين من المغني.
6) . في المطبوع: «في هذا».
7) . المغني، ج 17، ص 192-193. و ما بين المعقوفين من المصدر.
8) . تَبينُ : أي تفترق. و في المطبوع: «فيها» بدل «بها».
9) . في «ط، ف»: «ملّة».
10) . في «ج، ص»: «المقدر».
11) . في المطبوع: - «أنّ ».
12) . في المطبوع و الحجري: «لا يقبل».
بُطلانَه، فقَد وَجَدنا أيضاً جَماعةً مِن الأُممِ الخارجةِ عن المِلّةِ قد استَعمَلوا مِثلَ ذلكَ ، و رَدّوا كَثيراً ممّا لَم يَصِحَّ عندَهم.
فإن قالَ خُصومُنا: إنّهم و إن رَدّوا بعضَ الباطلِ فقَد قَبِلوا كَثيراً مِنه بالشُّبهةِ ، و قد عَلِمنا هذا مِن حالِهم، فكيفَ يَجوزُ أن يُساوِيَ حالُهم حالَ أُمّتِنا و لَم نَعثُرْ(1)مِنهم علىٰ قَبولِ باطلٍ؟
قُلنا: فقَد بطَلَ(2)إذَن ما وقَعَ مِن التعويلِ مِنكم عليهِ؛ لأنّه إذا جازَ أن يَدفَعَ بعضَ الباطلِ و لا يَتَقَبَّلَه مَن يَتقبَّلُ باطلاً آخَرَ، فما المانِعُ مِن أن يَكونَ هذه حالَ أُمّتِنا؟ فلا يَكونَ(3)ما سُلِّمَ في بعضِ المَواضعِ مِن دَفعِهم لِما لَم يَصِحَّ عندَهم دَلالةً علىٰ أنّهم مُستَعمِلونَ لهذه(4)الطريقةِ في كُلِّ ما لَيسَ بصحيحٍ.
فأمّا الدَّعوىٰ لأنّه(5)لَم يُعثَرْ مِنهم علىٰ تسليمِ باطلٍ و تقبُّلِه: فغَيرُ مُسلَّمةٍ(6)، و لا طريقَ إلىٰ تصحيحِها، و المُدَّعي لها كالمُستَسلِمِ(7)نفسَ ما وَقَعَ الخِلافُ فيه.
و أكثَرُ ما يُمكِنُ تصحيحُه في هذا الوجهِ : أنّهم رَدّوا بعضَ الأخبارِ لَمّا لَم يَقطَعوا علىٰ صِحّتِها، و قد بيّنّا أنّ ذلكَ غَيرُ موجِبٍ للقَطعِ علىٰ أنّهم لا يَتقبَّلونَ إلّاالصحيحَ .
و لَيسَ لأحَدٍ أن يُرجِّحَ حالَ أُمّتِنا في هذه العادةِ المُدَّعاةِ بما هو معلومٌ مِن حالِهم مِن شِدّةِ التمَسُّكِ بالدِّينِ ، و قُوّةِ الحِرصِ و الاجتهادِ(8)في تشييدِه؛ لأنّا نَعلَمُ
ضَرورةً مِن حالِ كثيرٍ مِن الأُممِ - مِن شدّةِ التمسُّكِ و قُوّةِ التديُّنِ و الاجتهادِ في التقرُّبِ إلَى اللّٰهِ تَعالىٰ(1)- مِثلَ ما نَعلَمُه مِن حالِ أُمّتِنا أو قَريباً مِنه(2)، و لَم يَكُن ذلكَ عاصِماً لهم مِن اعتقادِهم الباطلَ (3)مِن طريقِ الروايةِ للشُّبهةِ ، و كذلكَ (4)حالُ أُمّتِنا.
فأمّا قَولُه: «إنّ(5)خبرَ الصَّلبِ لَيسَ داخلاً في هذا البابِ؛ مِن حَيثُ لَم يَكُن مِن بابِ الدِّينِ» فطَريفٌ؛ لأنّ المُراعىٰ(6)في هذا الوجهِ اعتقادُ الناقِلينَ(7)في الشيءِ أنّه مِن بابِ الدِّينِ أو أنّه خارجٌ عنه، و نحنُ نَعلَمُ أنّ اليَهودَ تَتديَّنُ (8)بنَقلِ خبرِ الصَّلبِ و بتصديقِ ناقِليه؛ لاعتقادِها المعروفِ الذي يَقتَضي كَونَ ذلكَ عندَهم مِن أكبرِ أبوابِ الدِّينِ ، و النَّصارىٰ أيضاً في نَقلِ الخبرِ و تقبُّلِه بهذه المنزلةِ ، و إن كان تديُّنُها بنقلِه و قبولِه يُخالِفُ الوجهَ الذي مِنه تديَّنَت اليَهودُ بنَقلِه. و علَى الوجهَينِ جميعاً لا يَخرُجُ الخبرُ عندَ القَومِ مِن أن يَكونَ داخلاً في بابِ الدِّينِ .
فأمّا قَولُه:
و قد(9)ذَكرَ شَيخُنا أبو هاشمٍ في «نَقضِ الإلهام»(10)أنّ هذه الأخبارَ(11)
1) . في «ج، ط، ف»: - «تعالىٰ ».
2) . في «ص، ط، ف»: «منها».
3) . في «د»: «من اعتقاد باطل».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «فكذلك».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «في» بدل «إنّ ».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «المراعاة».
7) . في «ص، ط، ف»: «الناقل».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «يتديّن».
9) . في «ج، ص، ف»: «فقد».
10) . يعني أبا هاشم الجبّائي، و نقض الإلهام من كتبه، و قد أرجع القاضي إليه في موارد أُخرىٰ أيضاً من كتابه. راجع: المغني، ج 9 (التوليد)، ص 138؛ و ج 12 (النظر و المعارف)، ص 133.
11) . أي أخبار الإجماع.
يُعلَمُ(1)صِحّتُها باضطرارٍ؛ لأنّها متظاهِرةٌ فاشيةٌ، كما يُعلَمُ باضطرارٍ أنّه عليه السلامُ رَجَمَ، إلىٰ غَيرِ ذلكَ. و عدَلَ عن سائرِ ما ذَكرناه مِن الاحتجاجِ بالعادةِ. و هذا إذا صَحَّ فهو أحسَمُ لِلأَشاغيبِ(2)[و قد رُويَ عن الصَّحابةِ - رَضيَ اللّٰهُ عنهم - ما يُقوّي ذلكَ ، و أنّهم كانوا يَتَواصَونَ بالتمسُّكِ بالإجماعِ ، و يَذُمّونَ الشارِدَ عنهم، و يَذكُرونَ ذلكَ في العُهودِ و الكُتُبِ المتضمِّنةِ للأحكامِ ، و كُلُّ ذلكَ مُناسِبٌ في القُوّةِ ...].(3)
فلا شَكَّ أنّ ما ادَّعاه أبو هاشمٍ لَو صَحَّ كانَ حاسِماً للأشاغيبِ، غَيرَ أنّ مَرامَ(4)تصحيحِه بَعيدٌ.
و كيفَ يَستَجيزُ(5)مُتديِّنٌ أن يَدَّعيَ في صِحّةِ الأخبارِ التي يُسنِدونَ(6)إليها الإجماعَ(7)الاضطرارَ، مع كَثرةِ مَن يُخالِفُ فيها ممّن لا يَجوزُ علىٰ بعضِهم دفعُ الاضطرارِ؟ و لَم نَجِدْ أحَداً ممّن نصَرَ الإجماعَ مِن المتكلِّمينَ و الفُقَهاءِ أقدَمَ علَى ادّعاءِ الاضطرارِ في
الأخبارِ التي يَتعلَّقُ بها في صِحّتِه؛ بَل الجميعُ مُعتَرِفونَ بأنّها أخبارُ آحادٍ، و إنّما يَتوصَّلونَ إلىٰ تصحيحِها بالاستدلالِ الذي سَلَكَه صاحِبُ الكتابِ ، و بالَغَ فيه(8)إلىٰ هذا
1) . في المغني: «تعلم».
2) . الشَّغْبُ و الشَّغَبُ و التشغيبُ : تهييج الشرّ و الفتنة و الخصام. راجع: لسان العرب، ج 1، ص 504؛ تاج العروس، ج 2، ص 121 (شغب).
3) . المغني، ج 17، ص 193. و ما بين المعقوفين من المصدر.
4) . الرَّوْمُ : طلب الشيء، و المَرامُ : المطلب. كتاب العين، ج 8، ص 291 (روم).
5) . في «د» و المطبوع و الحجري: «يستحسن».
6) . في «د» و المطبوع: «يستندون».
7) . في «د»: «في صحّة أخبار الإجماع» بدل «في صحّة الأخبار التي يُسندون إليها الإجماع».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «في ذلك».
فأمّا قَولُه:
و قَولُ مَن قالَ: «المُرادُ به أنّهم لا يَجتَمِعونَ علَى الخطإ الذي هو بمعنَى السهوِ»(3)لا وجهَ له؛ لأنّ ذلكَ لا يَختَصُّ الأُمّةَ؛ لأنّ حالَ كُلِّ فَريقٍ مِنهم كحالِهم في ذلكَ ، و(4)لأنّ ذلكَ (5)ممّا لا يَقتَضي فيهم طريقةَ المَدحِ ، و لا(6)الاختصاصَ الذي يوجِبُ تميُّزَهم مِن سائرِ الأُمَمِ .(7)
فقَد بيّنّا فيما سلَفَ أنّ لفظةَ «الخطإ» كالمُجمَلةِ(8)، و أنّه لا يُستفادُ مِن ظاهرِها نَفيُ جميعِ الخطإ، و لا نَفيُ بعضٍ مِنه معيَّنٍ. و أنّ الواجبَ مع الاحتمالِ الإمساكُ عن القَطعِ، و انتظارُ الدليلِ المُنبِىَ(9)عن المُرادِ به.
و لَيسَ يَمتَنِعُ أن يُريدَ بالكلامِ نَفيَ السهوِ عنهم و إن شارَكَهم في ذلكَ سائرُ الأُمَمِ، و كانَ حُكمُ كُلِّ فَريقٍ مِنهم كحُكمِ جَماعتِهم في هذا المعنىٰ ؛ لأنّ نَفيَ السهوِ عن الأُمّةِ حُكمٌ منطوقٌ به فيهم، و لَيسَ يَدُلُّ تعليقُ (10)هذا الحُكمِ بالأُمّةِ علىٰ نَفيِه عمّن عَداهم، بَل جائزٌ أن يَكونَ حُكمُ غَيرِهم فيه كحُكمِهم(11). و هذا أصلٌ يوافِقُنا
1) . في «د، ص»: «حمله».
2) . في «د»: «عرف».
3) . في المغني: «الشبهة».
4) . في المطبوع: - «و».
5) . في «د»: - «و لأنّ ذلك».
6) . في «د»: - «لا».
7) . المغني، ج 17، ص 194.
8) . تقدّم في ص 237.
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «المبين».
10) . في «ج، ص، ف»: «تعلّق».
11) . تقدّم أنّ المصنّف كان يُنكر حجّيّة المفاهيم، و هو البحث الذي كان يُسمّىٰ : «دليل الخطاب».
عليه(1)صاحبُ الكتابِ ، إلّاأنّه رُبَّما تَناساه حَيثُ (2)يَضُرُّه التمسُّكُ به.
و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ: فالعقلُ دالٌّ علىٰ نَفيِ السهوِ عنهم، فأيُّ وجهٍ لحَملِ (3)الخبرِ علىٰ ذلكَ مع دَلالةِ العقلِ عليه ؟ و الواجبُ أن نَحمِلَه(4)علىٰ أمرٍ لا نَستَفيدُه(5)بالعقلِ ، و هو الخطأُ مِن(6)طريقِ الشُّبهةِ .
و ذلكَ: أنّ العقلَ و إن كانَ دالاًّ علىٰ ما ذُكِرَ(7)، فغَيرُ مُنكَرٍ أن يَرِدَ السمعُ به علىٰ سبيلِ التأكيدِ. و لَو أبطَلنا ورودَ السمعِ بما يدُلُّ العقلُ عليهِ(8)لَلَزِمَنا إبطالُ أكثَرِ
السمعِ ، أو كَثيرٍ منه. و إذا كانَ ورودُ السمعِ مؤكِّداً لِما في العقلِ ممّا لا يأباه أحَدٌ مِن النُّظّارِ(9)، و صَحَّ أيضاً الأصلُ الأخيرُ(10)- الذي هو أنّ تعليقَ الحُكمِ بمَوصوفٍ لا يدُلُّ علىٰ أنّ ما عَداه بخِلافِه(11)- بطَلَ سائرُ ما تعلَّقَ به في هذا المَوضعِ (12): مِن إنكارِ وُرودِ السمع بما يدُلُّ العقلُ عليهِ ، و مِن أنّ اختصاصَ اللفظِ بالأُمّةِ يَقتَضي تخصيصَها بالحُكمِ ، و يَمنَعُ مِن أن يَكونَ المُرادُ حُكماً يَشرَكُها فيه غَيرُها.
و لَيسَ في الكلامِ ما يدُلُّ علَى المَدحِ حسَبَ ما توَهَّمَه، و أكثَرُ ما فيه نَفيُ الخطإ
1) . في المطبوع: + «فيه».
2) . هكذا في «ج». و في سائر النسخ و المطبوع: «بحيث».
3) . في «د»: «يحمل».
4) . في «د» و المطبوع و الحجري: «يحمله». و في «ط»: «تحمله».
5) . في «د» و المطبوع و الحجري: «لا يستفيده».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «عن».
7) . في «ج، ف»: «ذكرناه». و في «د»: «ذكره».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «بما يدلّ عليه العقل».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «النظّارين». و النظّار: أهل النظر و الفكر.
10) . في «د» و حاشية «ف»: «الآخر».
11) . في «ج، ص، ط، ف»: «يخالفه».
12) . في «ج، ص، ط، ف»: «الأمر».
عنهم. و إذا كانَ نَفيُ الخطإ علىٰ بعضِ الوجوهِ يَكونُ مَدحاً، و علىٰ بعضِها لا يَكونُ مَدحاً، لَم يُستَفَدْ(1)مِن ظاهرِ الكلامِ ما يَقتَضي المَدحَ ، و كانَ مَن ادَّعىٰ ذلكَ مُفتَقِراً إلَى الدَّلالةِ علىٰ أنّ الخطأَ المَنفيَّ هاهُنا هو الواقعُ عن الشُّبهةِ لا عن السهوِ؛ ليَصِحَّ أن يَكونوا ممدوحينَ به(2). و هذا ممّا لا سَبيلَ إليه.
و إذا كانَ قد اعتمَدَ في الاستدلالِ علىٰ أنّ الخطأَ المُرادَ لَيسَ هو الواقعَ بالسهوِ علَى ادِّعاءِ المَدحِ ، و كانَ المَدحُ لا يَثبُتُ له إلّابَعدَ أن يَثبُتَ أنّ الخطأَ المَنفيَّ هو ما أرادَه و ادَّعاه، فقَد بانَ بُطلانُ اعتمادِه.
فأمّا قَولُه:
و قَولُهم: «إنّ المُرادَ بذلكَ أنّه تَعالىٰ لا يَجمَعُهم علَى الخطإ» يَبطُلُ بمِثلِ ما قَدَّمناه.(3)
فإنّما أرادَ به الوجهَينِ اللذَينِ ذَكرَهما(4)، و(5)أبطَلناهما:
واحِدُهما: أنّ الكلامَ يَقتَضي التخصيصَ ، و وَصْفَ الأُمّةِ بما لا يَشرَكُها فيه غَيرُها.
و الآخَرُ: أنّه مُقتَضٍ للمَدحِ ، فلا(6)يَجوزُ حَملُه علىٰ ما لا مَدخَلَ للمَدحِ فيه.
و قد(7)أَفسَدنا الوجهَينِ بما يَمنَعُ مِن تَعلُّقِه بهما أوّلاً و ثانياً.
فأمّا قَولُه:
فإن قيلَ (1): فما معنىٰ ما رُويَ مِن قَولِه: «لَم يَكُنِ اللّٰهُ لِيَجمَعَ أُمّةَ نَبيِّه علَى الخطإ؟»(2)
قيلَ له(3): المُرادُ به(4)أنّه تَعالىٰ(5)لا يَلطُفُ لهم إلّافي الحقِّ دونَ الباطلِ ، و أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ (6)يَصرِفُهم(7)عن الاستفسادِ الذي يتَّفِقون عندَه(8)علَى الخطإ، فلا يَكونُ ذلكَ مانِعاً مِن طريقةِ التكليفِ ، و مِن صِحّةِ الخبرِ الآخَرِ الدالِّ علىٰ أنّهم لا يَجتَمِعونَ علَى الخطإ باختيارِهم.(9)
فكأنّه(10)كلامُ مَن لَم يَتعلَّقْ بما حَكَيناه قُبَيلَ(11)هذا الفَصلِ ؛ لأنّه عوَّلَ «في رَدِّ إلزامِ مَن ألزَمَه أن يَكونَ الخطأُ المُرادُ بمعنَى السَّهوِ في الروايةِ الأُولىٰ » علىٰ أنّ ذلكَ لا يَقتَضي تخصيصاً لهذه الأُمّةِ مِن غَيرِها، و علىٰ أنّ الكلامَ مُقتَضٍ للمَدحِ .
1) . في المغني: «فإن قالوا».
2) . تقدّم تخريجه في ص 46.
3) . في المغني: «قيل لهم».
4) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «به».
5) . في المغني: «جلّ و عزّ».
6) . في المغني: «و أنّه». و في «ج، ص، ط، ف»: «و أنّهم».
7) . في المطبوع و الحجري: «لا يصرفهم». و في «ص، ط، ف»: + «تعالىٰ ».
8) . في المغني: «عنده يتّفقون».
9) . المغني، ج 17، ص 194.
10) . في المطبوع: «و كأنّه».
11) . في «د، ص»: «قبل».
و الوجهانِ جميعاً يَدخُلانِ علىٰ جوابِه هذا الذي نحنُ في الكلامِ عليهِ؛ لأنّه تأوَّلَ قَولَه: «لَم يَكُنِ اللّٰهُ تَعالىٰ ليَجمَعَ أُمّةَ نَبيِّه علَى الخطإ» علىٰ أنّه تَعالىٰ لا يَلطُفُ لهُم(1)في الباطلِ و لا يَستَفسِدُهم، و هذا حُكمٌ يَعُمُّ سائرَ المكلَّفينَ و جميعَ الأُمَمِ؛ لأنّ الدليلَ قد أمَّنَ مِن أن يَلطُفَ اللّٰهُ تَعالىٰ لهم(2)- أعني المكلَّفينَ - في قَبيحٍ أو يَستَفسِدَهم،(3)و لا يَفتَرِقُ(4)في هذا البابِ حُكمُ أُمّةٍ مِن أُمّةٍ.
و لا مَدْحَ أيضاً في موجَبِ تأويلِه هذا يَتعلَّقُ بالأُمّةِ؛ لأنّ نَفيَ لُطفِ اللّٰهِ تَعالىٰ لهم في القَبيحِ ممّا لَو اقتَضىٰ مَدحاً فيهم لَاقتَضاه في الفَراعِنةِ و(5)الشياطينِ و الكُفّارِ، و كُلِّ مَن قَطَعنا علىٰ أنّه لا يَجوزُ أن يَلطُفَ له في قَبيحٍ.
فإنِ اعتمَدَ صاحِبُ الكتابِ علىٰ بعضِ ما يَقتَضي مَزِيّةً - مِثلُ أن يَقولَ:
إنّ المكلَّفينَ و إن اشتَرَكوا فيما ذَكَرتُموه، فغَيرُ مُمتَنِعٍ أن يَكونَ (6)هذا القَولُ صَدَرَ مِن النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه عن(7)سببٍ يَقتَضي تخصيصَ أُمّتِه بهذا الكلامِ ؛
إمّا بأن(8)يَكونَ مُعتَقِدٌ اعتقَدَ ذلكَ فيهم، أو سائلٌ (9)سأَلَ عن ذلكَ مِن حالِهم(10)، إلىٰ
1) . في «ص»: «بهم».
2) . في «ص»: «بهم».
3) . في «د» و المطبوع و الحجري: «أن يلطف اللّٰه تعالى المكلّف في القبيح أو [أن - المطبوع] يستفسده».
4) . في «ص»: «و لا يتميّز». و في «ج»: «و لا يميّز».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «و في».
6) . في المطبوع: - «يكون».
7) . في «ص، ط، ف» و الحجري: «عند».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «أن».
9) . في المطبوع و الحجري: «و سائل».
10) . في «ج، ص، ط، ف»: «و سائل عن ذلك قد سأل من حالهم».
غَيرِ ذلكَ(1)مِن الأسبابِ - كانَ لنا أن نَعتَمِدَ في بابِ السهوِ علىٰ مِثلِ ما أَورَدَه، و نَدفَعَ (2)به كلامَه حَرفاً بحَرفٍ .
فقَد(3)وَضَحَ أنّ الذي دفَعَ به الإلزامَ عن نَفسِه في الروايةِ الأُولىٰ يُفسِدُ تأويلَه الذي اعتمَدَه في الروايةِ الأُخرىٰ ، و أنّهما لا يَجوزُ أن يَجتَمِعا في الصِّحّةِ . و لَسنا نَعلَمُ كيفَ ذهَبَ مِثلُ هذا عليهِ؟
فأمّا قَولُه:
و قَولُ مَن قالَ -: إنّ قَولَه عليه السلامُ: «لا تَجتَمِعُ(4)أُمّتي علىٰ خَطإٍ(5)» و إن كانَ بصورةِ الخبرِ فالمُرادُ به الإلزامُ، كأنّه قالَ: يَجِبُ أن لا يَجتَمِعوا(6)علىٰ خطإٍ - بَعيدٌ(7)و ذلكَ لأنّ(8)ظاهرَ الخبرِ لا يُترَكُ للمَجازِ بغَيرِ دَلالةٍ . علىٰ أنّ هذا الوجهَ يوجِبُ أن لا مَزيّةَ لهم علىٰ سائرِ الأُمَمِ ، و يَقتَضي أن لا يَلحَقَهم بذلكَ مَدحٌ . و هذا باطلٌ .(9)
فلَيسَ ما عَوَّلَ عليه في دَفعِ أن يَكونَ الخبرُ إلزاماً بشيءٍ ، و إنّما المَرجِعُ
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «غير هذا».
2) . في «ط»: «و يدفع».
3) . في «ف»: «و قد».
4) . في «ج، د، ص، ف»: «لا يجتمع». و في المغني: «لا تجمع».
5) . في المطبوع: «على الخطأ».
6) . في «ج، ص، ف»: «لا يجتمع أُمّتي». و في «ط»: «لا تجتمع أُمّتي».
7) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و المغني. و في «د» و المطبوع و الحجري: «فبعيد».
8) . في «د» و الحجري: «أنّ ». و في المطبوع: - «لأنّ ».
9) . المغني، ج 17، ص 194.
في حَملِ الكلامِ على الخبرِ أو النهيِ(1)إلى الروايةِ؛ فإن ورَدَت بتحريكِ لفظةِ «تَجتَمِعُ»(2)فالمرادُ الخبرُ، و إن ورَدَت بجَزمِها فالنهيُ(3)، و لَيسَ للمَجازِ و الحقيقةِ هاهُنا مَدخَلٌ . اللّهُمّ إلّاأن يَكونَ أجابَ بما أجابَ به عن سؤالِ مَن يَسألُه(4)مع تسليمِ حركةِ لفظةِ «تَجتَمِعُ »(5)و يُلزِمُه مع ذلكَ أن لا يَكونَ خبراً. و الجوابُ أيضاً عن هذا بما قالَه(6)غَيرُ صحيح، بَل الواجبُ في جوابِ هذا السائلِ أن يُقالَ له: لَيسَ يَجوزُ أن يُفهَمَ النهيُ مِن لفظةِ «لا تَجتَمِعُ »(7)مع الحركةِ ؛ لا حقيقةً و لا مَجازاً.
فأمّا قَولُه:
و قَولُ مَن قالَ: «إنّ الخبرَ لا يدُلُّ إلّاعلىٰ أنّ إجماعَ مَن كانَ(8)في زَمَنِه مِن أُمّتِه حُجّةٌ، فمِن أينَ أنّ الإجماعَ في سائرِ الأعصارِ حُجّةٌ؟» غلطٌ. و ذلكَ لأنّا قد بيّنّا أنّ أُمّتَه تقَعُ علىٰ مَن يَجيءُ بَعدَه(9)مِن المكلَّفينَ ، كما تقَعُ علىٰ مَن كانَ في زَمَنِه، فالكُلُّ (10)داخِلونَ فيه(11).
1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و النهي».
2) . في «ج، ص، ف»: «يجتمع».
3) . يعني إن كانت بالرفع فهو إخبار عنهم، و إن كانت بالجزم فهو نهي لهم.
4) . في «ج، ص»: «يسأل».
5) . في «ج، ص، ط، ف» و الحجري: «يجتمع».
6) . هكذا في «ف». و في «ج، ص، ط»: «بما سأله»، و في «د»: «إنّما قاله». و في المطبوع و الحجري: «ممّا قاله» كلّها بدل «بما قاله». و في حاشية «ج»: «بهذا عمّا سأله» بدل «عن هذا بما قاله».
7) . في «ج، د، ص، ط، ف» و الحجري: «لا يجتمع».
8) . في المغني: «الإجماع ممّن كان».
9) . في المغني: «من بعده».
10) . هكذا في «ج» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع و الحجري: «بل كلٌّ ».
11) . في «ج، ص»: «فيها».
علىٰ أنّ المَحكيَّ عنهم أنّهم جَعَلوا الإجماعَ حُجّةً ، فإذا كانَ إجماعُهم حُجّةً ، و ثبَتَ عنهم جَعلُهم الإجماعَ حُجّةً في كُلِّ وقتٍ (1)، فقَد صَحَّ ما ذَكرناه....(2)
فمؤكِّدٌ لِما كُنّا قدَّمناه في إبطالِ التعَلُّقِ بالخبرِ(3)لأنّ لفظةَ «أُمّتي» إذا كانَت غَيرَ مُختصّةٍ بمَن كانَ في زَمَنِه صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(4)حسَبَ ما ادَّعاه(5)، و وَجَبَ حَملُها علىٰ جميعِ مَن يأتي في المُستقبَلِ، فقَد تأكَّدَ إلزامُنا له(6)أن يَكونَ المُرادُ بالخبرِ إجماعَ سائرِ الأُممِ في جميعِ الأعصارِ علىٰ سَبيلِ الجَمعِ؛ لأنّ اللفظَ إذا أُخِذَ بعُمومِه اقتَضىٰ ذلكَ . و من ادَّعىٰ أنّ إجماعَ سائرِ الأعصارِ داخلٌ فيه علىٰ سَبيلِ البدَلِ لا الجَمعِ ، كانَ مخَصِّصاً لظاهرِ اللفظِ، و مُطرِّقاً لخَصمِه(7)أن يَجعَلَه مُختَصّاً ببعضِ أهلِ كُلِّ عصرٍ(8)دونَ جميعِهم.
و قد رَضِينا بما ذَكَره مِن(9)قَولِه: «إنّ أُمّتَه تقَعُ علىٰ مَن يَجيءُ بَعدَه(10)مِن المكلَّفينَ ، كما تقَعُ علىٰ مَن كانَ في زَمَنِه؛ فالكُلُّ داخِلونَ فيه» و فيه شاهدٌ(11)لِصحّةِ
1) . في المغني: «في كلّ وقت حجّة».
2) . المغني، ج 17، ص 195.
3) . تقدّم في ص 46-49.
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «عليه السلام».
5) . في «د، ط»: «ادّعى».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: - «له».
7) . في «ج، ص، ف»: «لظاهر اللفظ و منطوقه، و لخصمه». و مُطَرِّقاً، أي مُدخِلاً.
8) . في المطبوع: «العصر».
9) . في «ط»: «في».
10) . في «ف» و المغني: «من بعده».
11) . في «ج»: «ففيه شاهد». و في «د»: «شاهداً» بدل «و فيه شاهد». و في المطبوع و الحجري: «شاهد» بدله.
إلزامِنا(1)لأنّ وقوعَ اللفظِ علَى الكُلِّ لا يَكونُ إلّاعلَى الجَمعِ دونَ البَدَلِ.
و لَيسَ(2)ما ادَّعاه مِن جَعلِهم الإجماعَ حُجّةً في كُلِّ وقتٍ(3)بصحيحٍ؛ لأنّا لا نَعرِفُ(4)عنهم ذلكَ و لا نَتحقَّقُه. و نِهايةُ ما يُمكِنُ أن يُدَّعىٰ أنّهم كانوا يَكرَهونَ
الخُروجَ عن أقوالِهم و مَذاهبِهم(5)، و يُبدِّعونَ مَن خالَفَهم. فأمّا اعتقادُهم أنّ ذلكَ واجبٌ في كُلِّ عصرٍ و أوانٍ فغَيرُ معلومٍ . و قد صارَ صاحبُ الكتابِ - علىٰ ما نَراه - يُضيفُ ما يَتحرَّزُ(6)به مِن المَطاعِنِ في كلامِه إلَى الصَّحابةِ ، و يَجعَلُه معلوماً مِن جهتِهم، و قَلَّما يَنفَعُ ذلكَ .
الحجّة الثامنة قوله تعالىٰ : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ...)(1)
فأمّا قَولُه:
و قد استَدَلَّ الخَلقُ علىٰ صِحّةِ الإجماعِ بقَولِه تَعالىٰ : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّٰاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ تُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ )(2). في المطبوع: «منه».(3). [فوَصَفَهم بهذه الصفاتِ الموجِبةِ لِكَونِ فِعلِهم صَواباً]. و هذا إن دَلَّ فإنّما يدُلُّ علىٰ أنّ الكَبائرَ لا تقَعُ مِنهم(3)؛ لأنّ حالَ جميعِهم(4)كحالِ الواحدِ إذا وُصِفَ بهذه الصفةِ ، و قد عَلِمنا أنّ ذلكَ لا يَمنَعُ مِن وقوعِ الصغيرِ مِنهم(5)، فكذلكَ حالُ جميعِهم.
و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ : وقوعُ الصغيرِ(6)مِنهم لا يَمنَعُ مِن كَونِهم(7)حُجّةً كما لا يَمنَعُ ذلكَ في(8)الرسولِ عليهِ السلامُ .
لأنّا قد بيّنّا أنّ الذي نُجيزُه في(1)الرسولِ لا يَمنَعُ مِن تميُّزِ(2)أفعالِه و أقوالِه التي هو(3)حُجّةٌ فيها مِن الصغائرِ التي نُجيزُها عليهِ(4)، و لا طريقَ في ذلكَ يَتَمَيَّزُ به الصغيرُ مِن الكبيرِ(5)فيما يُضافُ إلَى الأُمّةِ [فتجويزُ الصغائرِ عليهم يَقتَضي تجويزَ كَبيرٍ مِن الكبائرِ ممّا لا نَعلَمُه؛ لأنّ ما يَجوزُ كَونُه صَغيراً أو كَبيراً لا دَليلَ عليهِ . و إذا كانَ كذلكَ لَم يَثبُتْ أنّهم حُجّةٌ إلّافيما لَو وَقَعَ لَكانَ كَبيراً. و الاستغناءُ في معرفةِ ذلكَ عنهم حاصلٌ ؛ للأدِلّةِ القائمةِ ، فلا يَثبُتُ مع ذلكَ كَونُهم حُجّةً في شَيءٍ ](6).
فقد سَلَكَ في الطعنِ علَى الاستدلالِ بهذه الآيةِ مَسلَكَنا(7)في الطعنِ علَى استدلالِه بقَولِه تَعالىٰ : (وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً)(8)، فصارَ ما أورَدَه هاهُنا مِن الطعنِ طَعناً في كلامِه المُتقَدِّمِ و اعتراضاً عليهِ ؛ لأنّه إذا كانَ ما تَقتَضيه(9)هذه الآيةُ هو نَفيَ الكبائرِ التي يَخرُجونَ بها مِن أن يَكونوا مؤمنينَ ، و لا حَظَّ لها في نَفيِ
1) . في المغني: «من».
2) . هكذا في جميع النسخ و المغني. و في المطبوع و الحجري: «تمييز».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «هي».
4) . في «ج، ص، ط»: «عليها». و ضمير «عليه» يرجع إلى النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله لأنّهم يجيزون عليه فعل الصغائر من الذنوب، و نحن نبرأ إلىٰ اللّٰه و إلى رسوله من هذا الاعتقاد.
5) . في «د» و المطبوع و الحجري: «الكبير من الصغير».
6) . المغني، ج 17، ص 196-197. و ما بين المعقوفين من المصدر.
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «ما سلكنا».
8) . البقرة (2):143. و قد تقدّم إشكال المصنّف في ص 233.
9) . في «ج، د، ص، ط، ف» و المطبوع: «يقتضيه».
الصغائرِ، و كانَت(1)حالُ جميعِهم كحالِ واحدِهم لَو(2)وُصِفَ(3)بهذه الصفةِ علىٰ ما
قرَّرَه(4)، فهكذا القَولُ في الشُّهَداءِ(5)لأنّ أكثَرَ ما تَقتَضيه(6)الشهادةُ نَفيُ الكبائرِ عن صاحبِها دونَ الصغائرِ، و حالُ الجميعِ في ذلكَ كحالِ الواحدِ و الاثنَينِ (7)لَو وُصِفا(8)بهذه الصفةِ . فإن خرَجَت إحدَى الآيتَينِ مِن أن تدُلَّ علىٰ صِحّةِ الإجماعِ خرَجَت الأُخرىٰ .
فإن أعادَ هاهُنا ما كُنّا حَكَيناه عنه؛ مِن أنّ تجويزَ الصغائرِ علَى الشُّهَداءِ يُخرِجُهم مِن أن يَكونوا حُجّةً في شيءٍ مِن أفعالِهم و أقوالِهم، و قد ثبَتَ بمُقتَضَى الآيةِ أنّهم حُجّةٌ ، فإذا(9)ثبَتَ ذلكَ و لَم يَكُن بعضُ أقوالِهم و أفعالِهم(10)بذلكَ أَولىٰ مِن بعضٍ ، مَنَعنا مِن وقوعِ الصغائرِ مِنهم.(11)
قيلَ له: فكيفَ أُنسيتَ هذا الضربَ مِن الاستخراجِ في هذه الآيةِ؟ و ألّاسَوَّغتَ مَن تَعلَّقَ بها أن يَعتَمِدَ مِثلَه فيَقولَ: قد ثبَتَ أنّ قَولَه تَعالىٰ: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّٰاسِ ) يَقتَضي(12)كَونَ المَوصوفِينَ بالآيةِ حُجّةً ، و لَيسَ بعضُ أقوالِهم
1) . في المطبوع: «و كان».
2) . في «ج، ص»: «إذا».
3) . في المطبوع و الحجري: «وصفت».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «قدّره».
5) . إشارة إلىٰ قوله تعالىٰ : (وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدٰاءَ عَلَى النّٰاسِ ).
6) . في «ج، ص، ط، ف» و الحجري: «يقتضيه».
7) . في «د» و المطبوع: «أو الاثنين».
8) . في «ج، ص»: «إذا وصفوا».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «و إذا».
10) . في «ج، ص، ط، ف»: «بعض أفعالهم و أقوالهم».
11) . تقدّم في ص 41-43.
12) . في المطبوع: «تقتضي».
و أفعالِهم(1)بذلكَ أَولىٰ مِن بعضٍ؛ لأنّها لا تَتميَّزُ كتَمَيُّزِ(2)أفعالِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليهِ و آلِه(3)، فيَجِبُ نفيُ الصغائرِ عنهم، و إلّاخرَجَ(4)جميعُ أقوالِهم و أفعالِهم مِن أن يَكونَ(5)حُجّةً.
و قد كُنّا أبطَلنا هذه الطريقةَ عند اعتصامِه بها في الآيةِ (6)المتقدِّمةِ و بيّنّا فَسادَها،(7)فلا حاجةَ بِنا إلىٰ إعادةِ كلامِنا عليها، و إنّما قَصَدنا بما أَورَدناه(8)هاهُنا إلزامَه تصحيحَ التعلُّقِ بالآيتَينِ ، أو اطِّراحَهما و الكشفَ عن دُخولِ ما طُعِنَ به في إحداهُما علَى الأُخرىٰ . و الصحيحُ ما بيّنّاه مِن فَسادِ التعلُّقِ بكُلِّ واحدةٍ مِنهما في صِحّةِ الإجماعِ .
فأمّا قَولُه:
علىٰ أنّ قَولَه تَعالىٰ : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّٰاسِ ) إن كانَت إشارةً إلىٰ جميعِ المُصدِّقينَ فالمُتَعالَمُ مِن حالِ كَثيرٍ مِنهم خِلافُه، و إن كانَت إشارةً إلىٰ غَيرِهم فذلكَ مجهولٌ لا يُعلَمُ به(9)حالُ جماعةٍ مخصوصةٍ يَصيرُ إجماعُها حُجّةً .(10)
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «بعض أفعالهم و أقوالهم».
2) . في المطبوع: «كتمييز بعض».
3) . في «ج، د، ص، ط، ف»: «عليه السلام».
4) . في «د» و المطبوع: «خرجت».
5) . في المطبوع: «أن تكون».
6) . في «ج»: «بالآية» بدل «في الآية».
7) . تقدّم في ص 42-44.
8) . في «ط»: «أوردنا».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «لأنّا لا نعلم به» بدل «لا يعلم به».
10) . المغني، ج 17، ص 197.
و قَولُه:
فإن قالَ : إذا أجمَعَ (1)المُصدِّقونَ علىٰ شيءٍ يُعلَمُ دخولُ هذه الجماعةِ فيهم، فيَصيرُ الإجماعُ حُجّةً ، كما ذَكَرتم في الشُّهَداءِ و المؤمِنينَ .
قيلَ له: إنّما يَصِحُّ(2)ذلكَ لأنّهم وُصِفوا بصفةٍ(3)عَلِمنا معها دُخولَهم تَحتَ المُصدِّقينَ و خُروجَهم عمّن سِواهم، و لَيسَ كذلكَ الحالُ فيما تَعلَّقتَ به مِن هذه الآيةِ؛ لأنّه يَجوزُ(4)أن يَكونَ المُرادُ بها مَن كان في عَهدِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه(5)و عندَ نُزولِ الخِطابِ؛ لأنّهم في تِلكَ الحالِ كانوا بهذه الصِّفةِ، فمِن أينَ أنّ غَيرَهم بمَنزِلتِهم(6)؟ و قَولُه تَعالىٰ: (كُنْتُمْ) يدُلُّ علىٰ ذلكَ. و يُفارِقُ في(7)هذا الوجهِ ما قَدَّمناه مِن(8)قَولِه: (وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰاكُمْ )؛ لأنّ تِلكَ الآيةَ و إن كانَت تَقتَضي الإشارةَ ففيها ما يدُلُّ علَى(9)العُمومِ ؛ و هو قَولُه: (لِتَكُونُوا شُهَدٰاءَ عَلَى النّٰاسِ ) و لَيسَ في هذه الآيةِ ما يَقتَضي هذا المعنىٰ (10).
فما نَراه يَخرُجُ - فيما يورِدُه مِن الكلامِ علىٰ مَن تَعلَّقَ بالآيةِ التي ذَكرَها - عمّا يأتي
1) . في المغني: «اجتمع».
2) . في «ف» و المغني: «صحّ ».
3) . في المغني: «بصيغة».
4) . في المطبوع و الحجري: «لأنّه لا يجوز».
5) . في «ج»: «عليه السلام».
6) . في المغني: «أنّ غيرهم تميّز بعينهم».
7) . في المطبوع: «من».
8) . في المطبوع: «و هو» بدل «من».
9) . في المغني: + «أنّ المراد».
10) . المغني، ج 17، ص 197.
علىٰ جميعِ ما اعتمَدَه في الآيةِ الأُولىٰ، حتّىٰ(1)كأنّه يُناقِضُ مَن تَعلَّقَ بالآيتَينِ معاً.
و لِمَن استدَلَّ(2)بالآيةِ التي يَضعُفُ التعَلُّقُ بها أن يَقولَ: لَيسَ المعنيُّ بها جميعَ المُصدِّقينَ، بل مَن كانَ مؤمِناً خيِّراً يَستَحِقُّ ما تَضمَّنَته الآيةُ مِن الأوصافِ، و نَعلَمُ(3)
إجماعَهم عندَ عِلمِنا بإجماعِ المُصدِّقينَ الذينَ هُم في جُملتِهم.
و ما ذَكرَه في الشُّهَداءِ و المؤمنينَ - مِن أنّهم وُصِفوا بصِفةٍ عَلِمنا معها دُخولَهم تَحتَ المُصدِّقينَ و خُروجَهم عمّن سِواهم - قائمٌ في الآيةِ الأُخرىٰ؛ لأنّها تَتضمَّنُ مِن أَوصافِ المَدحِ و التعظيمِ ما يَقتَضي كَونَ المُرادِ بها في جُملةِ المُصدِّقينَ و إن لَم يَكُن جميعَهم، و يَقتَضي أيضاً خُروجَهم عمّن سِواهم.
و تخصيصُه الآيةَ(4)بمَن كانَ في عصرِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليهِ و آلِه(5)يَلزَمُه مِثلُه في الآيةِ الأُخرىٰ، و يُقابَلُ بمِثلِ كلامِه، فيُقالُ: قَولُه تَعالىٰ: (وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدٰاءَ عَلَى النّٰاسِ) خِطابٌ لِمَن كانَ في عهدِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليهِ و آلِه(6)لأنّهم كانوا في تِلكَ الحالِ بهذه الصِّفةِ ، فمِن أينَ أنّ غَيرَهم بمَنزِلتِهم ؟
و الإشارةُ التي تَشبَّثَ بها في إحدَى الآيتَينِ مِثلُها في الأُخرىٰ ؛ لأنّ قَولَه تَعالىٰ :
(وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰاكُمْ أُمَّةً) يَجري في الإشارةِ مَجرىٰ قَولِه: (كُنْتُمْ).
و ترجيحُه الآيةَ(7)التي اعتمَدَها مع اعترافِه بالإشارةِ فيها بقَولِه(8): (لِتَكُونُوا
شُهَدٰاءَ) طريفٌ؛ لأنّ قَولَه: (لِتَكُونُوا شُهَدٰاءَ)(1)بِناءٌ علىٰ ما تَقدَّمَ مِن الكلامِ؛ فإذا كانَ قَولُه تَعالىٰ: (جَعَلْنٰاكُمْ) يَقتَضي التخصيصَ مِن حَيثُ الإشارةِ - علىٰ ما ذَكرَه في قَولِه تَعالىٰ: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ) - فما هو بِناءٌ عليهِ و متَعلَّقٌ به مِن قَولِه: (لِتَكُونُوا شُهَدٰاءَ عَلَى النّٰاسِ) جارٍ مَجراه في الخُصوصِ؛ لأنّ الاعتبارَ في العُمومِ و الخُصوصِ بما تَقدَّمَ في الكلامِ، دونَ ما هو مَبنيٌّ عليهِ.
علىٰ أنّه إن رَضِيَ لنفسِه بما ذَكرَه فليَرضَ بمِثلِه إذا قالَ له خَصمُه: و كذلكَ قَولُه تَعالىٰ : (كُنْتُمْ ) و إن كانَ فيه معنَى الإشارةِ فقَد تَلاه ما يَقتَضي العُمومَ ، و يَخرُجُ عن معنَى التخصيصِ مِن قَولِه: (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ تُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ ).
فأمّا قَولُه:
و قَولُه تَعالىٰ(2): (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ)(3)لَيسَ(4)فيه دَلالةٌ علىٰ أنّهم لا يأمُرونَ إلّابه، حتّىٰ يُستَدَلَّ(5)باتّفاقِهم علَى الأمرِ بالشيءِ علىٰ أنّه حقٌّ،(6)و إنّما بَيَّنَ(7)بذلكَ(8)أنّ هذه طريقتُهم(9)و سجيّتُهم علىٰ طريقِ
1) . في المطبوع: - «طريف؛ لأنّ قوله: (لِتَكُونُوا شُهَدٰاءَ )».
2) . في المغني: «فأمّا قوله» بدل «و قوله تعالىٰ ».
3) . في «د» و المطبوع و الحجري: + (وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ).
4) . في المغني: «فليس».
5) . في المغني: «نستدلّ ».
6) . في «ص»: + «و أنّهم أيضاً شهود بكلّ أمر».
7) . هكذا في «ص، ط، ف» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «يبيّن».
8) . في المغني: «ذلك».
9) . في «د» و المطبوع و الحجري: «هذه طريقة لهم».
المَدحِ، فلا يَمتَنِعُ(1)أن يقَعَ مِنهم خِلافُه إذا لَم يُخرِجْهم مِن طريقةِ (2)المَدحِ ، و لأنّ ذلكَ يوجِبُ تَقدُّمَ (3)المعرفةِ بالمعروفِ و المُنكَرِ، و يُخرِجُ بذلكَ أمرَهم مِن أن يَكونَ دالاًّ علىٰ أنّ المأمورَ به مِن قِبَلِهم معروفٌ ، و المَنهيَّ عنه مِن قِبَلِهم مُنكَرٌ.(4)
فكذلكَ قَولُه تَعالىٰ: (جَعَلْنٰاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدٰاءَ عَلَى النّٰاسِ) لَيسَ فيه دَلالةٌ علىٰ أنّهم خِيارٌ عُدولٌ في كُلِّ شيءٍ و في كُلِّ حالٍ، و لا أنّهم أيضاً شُهودٌ بكُلِّ أمرٍ و في كُلِّ حالٍ. و لَيسَ يَمتَنِعُ أن يَخرُجوا مِن أن يَكونوا شُهَداءَ(5)فلا يَجِبُ(6)أن يَكونوا عُدولاً.
علىٰ أنّه في هذا الكلامِ تارِكٌ لعُمومِ القَولِ بظاهِرِه(7)الذي لا يَزالُ يَتعلَّقُ به و يَعتَمِدُ عليهِ ؛ لأنّ قَولَه تَعالىٰ : (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) إذا أُخِذَ علىٰ عُمومِه(8)لَم يَسُغْ (9)ما ذَكرَه مِن التجويزِ عليهم أن يأمُروا بغَيرِ المعروفِ ؛ لأنّ تجويزَ ذلكَ تخصيصٌ للعُمومِ الذي يَقتَضيهِ إطلاقُ القَولِ علىٰ أصلِه.
1) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «فلا يمنع من».
2) . في «ج، ص»: «طريق».
3) . في «ص»: «تقديم».
4) . المغني، ج 17، ص 197-198.
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «شهوداً».
6) . في «ج، ط، ف»: «و لا يجب».
7) . في «د» و الحجري: «تارك بظاهر عموم القول» بدل «تارك لعموم القول بظاهره». و في «ص». «الظاهر» بدل «بظاهره».
8) . في «ج»: «على العموم».
9) . في «ج»: «لم يمنع». و في «د»: «لم يسمع».
و لَيسَ يَجِبُ تَقدُّمُ(1)المعرفةِ لنا بالمعروفِ و المُنكَرِ كما ظَنَّه، بَل لا يُنكَرُ أن يَكونَ المُرادُ أنّهم يأمُرونَ بالمعروفِ الذي يَعلَمُه اللّٰهُ تَعالىٰ كذلكَ، و يَنهَونَ عن المُنكَرِ علىٰ هذا السَّبيلِ ؛ فيَكونُ إجماعُهم(2)علَى الأمرِ بالشيءِ (3)دَلالةً علىٰ أنّه معروفٌ ، و نَهيُهم عنه دَلالةً علىٰ أنّه مُنكَرٌ، و لَسنا نَعلَمُ مِن أيِّ وَجهٍ (4)يَلزَمُ أن يَتقدَّمَ عِلمُنا بالمعروفِ و المُنكَرِ في هذا القَولِ؟
الحجّة التاسعة دلالة حال الأُمّة علىٰ عدم اتّفاقهم علىٰ خطإٍ(1)
فأمّا(2)قَولُه:
و أمّا التعَلُّقُ في صِحّةِ الإجماعِ - بأنّ المُتَعالَمَ مِن حالِ أُمّةِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليهِ و آلِه و سَلَّمَ(3)عُدولُهم عن الأَوطانِ(4)و اللذّاتِ علىٰ جهةِ التدَيُّنِ، و أَنَفَتُهم(5)مِن(6)الكَذِبِ ، و إظهارُهم العارَ في اتّباعِ الغَيرِ و تَقليدِه إلّابَعدَ وُضوحِ الحُجّةِ ، فكيفَ يَصِحُّ و هذه حالُهم أن يتَّفِقوا علَى الخطإ؟ - فبَعيدٌ. و ذلكَ لأنّ كُلَّ الذي ذَكَروه(7)لا يَمنَعُ مِن صِحّةِ
1) . لقد أنكر صاحب الكتاب أيضاً دلالة هذا الدليل علىٰ حجّية الإجماع.
2) . في المطبوع و الحجري: «أمّا».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «عليه السلام». و لم ترد في المغني.
4) . في «ج، ص، ف» و المغني: «الأوطار». و علّق على ذلك محقّق المغني بقوله: قد يقرأ الأصل «الأوطان» بالنون، لكن اشتباهها بالراء في خطّ الناسخ قويّ ، و ما هنا مناسب للسياق.
5) . في «ج، د، ص، ط»: «و أنفهم».
6) . في «ج»: «عن».
7) . في «ف» و الحجري: «ذكره».
اتّفاقِهم علَى الشيءِ بشُبهةٍ(1)ظَنّوا أنّها(2)دَلالةٌ؛ لأنّ هذه القَضيّةَ قائمةٌ في كَثيرٍ مِن أُمَمِ مَن تَقدَّمَ، و قد اتَّفَقوا مع ذلكَ علَى الخطإ مِن هذا الوجهِ، و هي أيضاً قائمةٌ في الجَماعةِ الكَثيرةِ مِن الأُمّةِ (3)، و لَم يَمنَعْ مِن اتّفاقِها علَى الخطإ مِن هذه(4)الجهةِ (5)، فما الذي يَمنَعُ مِن مِثلِه في إجماعِ (6)كُلِّ الأُمّةِ؟ فلا بُدَّ للتمسُّكِ بأنّ الإجماعَ حُجّةٌ مِن الرجوعِ إلىٰ غَيرِ ذلكَ .(7)
فمُبطِلٌ(8)أيضاً ما اعتمَدَه مِن قَبلُ في تصحيحِ الخبرِ؛ لأنّه إذا جازَ علَى القَومِ - مع استبدادِهم بالأوصافِ التي ذَكَرها - أن يَتَّفِقوا علَى الخطإ للشُّبهةِ، و لا يَكونَ ما هُم عليهِ مِن تَحَرّي الحقِّ و تجنُّبِ الخطإ عاصِماً مِن جوازِ ذلكَ عليهِم، فألّا جازَ أيضاً عليهم - و إن كانَت عادتُهم جاريةً بأن يَرُدّوا السقيمَ مِنَ الأخبارِ، و يَقبَلوا الصحيحَ
مِنها، و يَتَثَبَّتوا(9)في قَبولِها - أن يَقبَلوا بالشُّبهةِ خبراً غَيرَ صحيحٍ و يُجمِعوا عليه، و لا يَكونَ ما جَرَت به عادتُهم مانِعاً ممّا ذَكرناه ؟
و ما نَجِدُ(10)بَينَ (11)الطريقةِ التي اعتمَدَها و التي أبطَلَها فَرقاً يَرجِعُ إلَى المعنىٰ ،
1) . في المغني: «لشبهة».
2) . في «د»: «يظنّونها»، و في المغني: «ظنّوها»، و في «ج، ص»: «ظنّوا بها» كلّها بدل «ظنّوا أنّها».
3) . في «ج، د، ص، ط، ف»: «الأُمم».
4) . في «ج»: «من هذا الوجه».
5) . في «ج، ص»: + «و حينئذ».
6) . في المطبوع: «اجتماع».
7) . المغني، ج 17، ص 201.
8) . في المطبوع: «فبطل».
9) . في «د» و الحجري: «و يثبتوا». و في المطبوع: «ليتثبّتوا».
10) . في «ج»: «و لا نجد». و في «ص»: «و ما نجده».
11) . في «ص، ط، ف»: «من» بدل «بين».
و إن كانَ قد ذَكرَ في إحداهُما العادةَ و لَم يَذكُرْها في الأُخرىٰ، بَل أَورَدَ معناها، و جعَلَها في طريقتِه عادةً في قَبولِ الصحيحِ مِن الأخبارِ دونَ السقيمِ، و في هذا المَوضعِ عادةً في تَجنُّبِ الخطإ علىٰ سَبيلِ الجُملةِ. و لا فَرقَ بَينَ الأمرَينِ في المَعنىٰ ؛ لأنّه إذا جَوَّزَ عليهم خِلافَ المعلومِ مِنهم مِن قَصدِ الحقِّ و مُفارَقةِ الباطلِ و تَجنُّبِه علىٰ سَبيلِ الجُملةِ ، جوَّزَ عليهِم خِلافَ المعلومِ مِنهم مِن رَدِّ سَقيمِ الأخبارِ و قَبولِ صَحيحِها و ما قامَت به الحُجّةُ مِنها؛ فإنّ تجويزَ ذلكَ ضَربٌ مِن تفصيلِ الجُملةِ (1)المجوَّزةِ (2)عليهِم..
فأمّا(3)قَولُه: «و هذه القضيّةُ قائمةٌ في كَثيرٍ مِن أُمَمِ مَن تَقدَّمَ، و هي أيضاً قائمةٌ في الجَماعةِ(4)الكَثيرةِ مِن الأُمّةِ(5)» فكذلكَ(6)ما ذَكرَه مِن قَبولِ الثابتِ مِن الأخبارِ و رَدِّ المشكوكِ فيه، هو قائمٌ في الجَماعاتِ مِن أُمّتِنا و غَيرِهم مِن الأُمَمِ المُتقدِّمةِ ، و لَم يَمنَعْ (7)حُصولُه فيهم مِن الخطإ بالشُّبهةِ ، فيَجِبُ أن يَجوزَ مِثلُه علَى الكُلِّ .
انتهَى الكلامُ في الإجماعِ (8)، و نَحنُ نَعودُ إلىٰ حِكايةِ (9)كلامِه فيما يَتعلَّقُ بالإمامةِ و النقضِ عليهِ .
1) . في «ج، ص»: «الجهالة».
2) . في المطبوع و الحجري: «المجوّز».
3) . في «ص»: «و أمّا».
4) . في «د» و الحجري و المطبوع: «الجماعات».
5) . في النسخ و الحجري: «الأُمم». و ما أثبتناه من المغني، و قد تقدّم قبل قليل.
6) . في «د»: «و كذلك».
7) . في «ط، ف»: «و لن يمنع».
8) . إلى هنا انتهى ما نقله المصنّف رحمه اللّٰه من كلام القاضي عبد الجبّار في الإجماع، و قدحذف ما لا يتعلّق بمراده منه، و تجده كاملاً في المغني، ج 17 (الشرعيّات)، ص 153-204.
9) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «حكاية».
قالَ صاحبُ الكتابِ :
علىٰ أنّه لَو صَحَّ ما قالوه، كانَ لا يَجِبُ إثباتُ معصومٍ؛ لِجَوازِ أن تَكونَ(1)
الشريعةُ محفوظةً بالنَّقلِ المتَواتِرِ، كما أنّ القُرآنَ محفوظٌ بهذه الطريقةِ ، إلىٰ غَيرِ ذلكَ مِن السُّنَنِ ؛ فكانَ لا يَمتَنِعُ في كُلِّ شَرعٍ أن يَكونَ مُنقَسِماً(2)إلىٰ ما يَثبُتُ بالتواتُرِ، و إلىٰ ما يَثبُتُ بطريقةِ الاجتهادِ و القياسِ [الذي يَتمكَّنُ العُلَماءُ مِنها، فلا يَبطُلُ كَونُ الشريعةِ محفوظةً و إنْ لَم يَثبُتْ إمامٌ معصومٌ ](3).
يُقالُ له(4): قد مضَى الكلامُ علىٰ هذا؛ حَيثُ بيّنّا أنّ التواتُرَ لا يَجوزُ أن يُحفَظَ(5)به الشريعةُ (6)- و إن كانَت الحُجّةُ تَثبُتُ به(7)عندَ وُرودِه - و أنّه لا بُدَّ مِن معصومٍ يَكونُ وَراءَ الناقِلينَ .
فأمّا(1)الاجتهادُ و القياسُ فقَد بيّنّا بُطلانَهما في الشريعةِ ، و أنّهما لا يُثمِرانِ فائدةً ، و لا يُنتِجانِ (2)عِلماً و لا ظَنّاً، فَضلاً عن أن يَكونَ (3)الشريعةُ محفوظةً بِهما.(4)
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و لا بُدَّ(5)للقَومِ ممّا ذَكرناه في الطريقِ الذي يُعرَفُ به الإمامُ المعصومُ ؛ لأنّه لا بُدَّ مِن أن يَرجِعوا فيه إلَى التواتُرِ. فإذا صارَ ذلكَ محفوظاً و هو مِن أصلِ الشريعةِ ، لَم يَمتنِعْ مِثلُه فيما عَداه، و إلّاأدّىٰ ذلكَ إلىٰ إثباتِ أئمّةٍ لا نِهايةَ لهُم، [علىٰ ما تَقدَّمَ القَولُ فيه].(6)
و هذا أيضاً ممّا قد مضَى الكلامُ عليهِ؛ لأنّا قد بيّنّا أنّ المعرفةَ بوُجودِ إمامٍ معصومٍ حُجّةٍ في كُلِّ زَمانٍ لا يَفْتَقِرُ إلَى التواتُرِ و النَّقلِ؛ بل هو مُستَفادٌ بأدِلّةِ العُقولِ.(7)
فأمّا المعرفةُ بعَينِ الإمامِ، و أنّه فُلانٌ دونَ فُلانٍ، فهو و إن كانَ معلوماً بالنَّقلِ فالأمانُ
حاصِلٌ للمكلَّفينَ مِن ضَياعِه(8)لعِلمِهم(9)بوُجودِ معصومٍ في الزَّمانِ، فمتىٰ (10)لَم يَقُمِ
1) . في «ج، ص، ف»: «و أمّا».
2) . في «ص»: «و لا يثيران».
3) . في المطبوع: «أن تكون».
4) . تقدّم في ج 1، ص 430.
5) . في «د» و المطبوع و الحجري: «فلا بدّ».
6) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 80، و ما بين المعقوفين من المصدر.
7) . تقدّم في ج 1، ص 314.
8) . في «ج، ف» و حاشية الحجري: «من اشتباهه».
9) . في المطبوع و الحجري: «بعلمهم».
10) . في «ج، ط»: «حتّىٰ لو» بدل «فمتىٰ ».
الناقِلونَ بما يَجِبُ عليهم مِن النَّقلِ للنَّصِّ علىٰ عَينِ الإمامِ ، ظهَرَ الإمامُ ، و دَلَّ علىٰ نَفسِه بالمُعجِزِ. و هذا بخِلافِ (1)ما ظَنَّه صاحبُ الكتابِ (2).
قال صاحبُ الكتابِ :
و لا بُدَّ لهم مِن(3)ذلكَ(4)مِن وجهٍ آخَرَ؛ و ذلكَ أنّهم زَعَموا أنّ الإمامَ الذي يَحفَظُ الشَّرعَ لا يَلقىٰ كُلَّ المكلَّفينَ، و لا يَلقاه جميعُهم، فلا(5)بُدَّ فيما يَحفَظُه أن يُبلِغَه المُحتاجَ إليه مِنهم بطريقِ التواتُرِ. فإذا صَحَّ فيما يَحفَظُه أن يَنتَهيَ إلَى المكلَّفينَ بهذا الوجهِ، لَم يَمتَنِعْ(6)مِثلُه في شَريعةِ الرسولِ عليه السلامُ، و يُستَغنىٰ عن إثباتِ المعصومِ، [كما استُغنيَ عن إبلاغِ المعصومِ ما يَحفَظُه إليهم عن معصومٍ آخَرَ].(7)
و هذا ممّا قد تَكلَّمنا عليهِ ، و بيّنّا أنّ الشَّرعَ و إن كانَ واصِلاً إلىٰ مَن نأىٰ عن الإمامِ بالتواتُرِ، فإنّه محفوظٌ بالإمامِ (8)لِكَونِه مُراعياً له، و مُتَلافياً لِما يَعرِضُ (9)فيه مِن خطإٍ و إخلالٍ بواجبٍ .
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «خلاف».
2) . في «ج»: - «صاحب الكتاب».
3) . في المطبوع: «في».
4) . أي من القول بأنّ الشريعة يمكن أن تكون محفوظة بالتواتر.
5) . هكذا في «ج، ص، ف» و المغني، و في «د» و المطبوع و الحجري: «و لا بدّ».
6) . في المطبوع: «لم يمنع».
7) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 80، و ما بين المعقوفين من المصدر.
8) . في المطبوع: «في الإمام».
9) . هكذا في «د». و في سائل النسخ و المطبوع: «و مراقباً لتلافي ما يعرض».
فإن ألزَمَنا مُخالِفونا القَولَ بوُصولِ شَريعةِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليهِ و آلِه(1)إلينا علىٰ هذا الوجهِ التَزَمناه؛ لأنّا لا نأبىٰ أن يَكونَ (2)الشريعةُ واصلةً إلينا بنَقلٍ متَواتِرٍ يَكونُ مِن وَرائِه مَعصومٌ يُراعيهِ و يَتَلافىٰ ما يَعرِضُ فيه(3)، بَل هذا هو نَصُّ مَذهَبِنا.
و إن أرادوا إلزامَنا كَونَ الشريعةِ منقولةً إلينا و لا معصومَ وراءَها، لَم يَكُن هذا مُشبِهاً لِما نَقولُه فيما يُنقَلُ عن الإمامِ و هو حَيٌّ إلىٰ مَن نأىٰ عنه في أطرافِ البلادِ، و صارَ قَولُهم لنا: «قولوا في هذا ما قُلتُموه في ذلكَ (4)» لا معنىٰ له.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و لا بُدَّ لهم مِن ذلكَ مِن وجهٍ آخَرَ؛ لأنّ الإمامَ عندَهم قد يَكونُ مغلوباً
بالخَوارِجِ و غَيرِهم، و لا بُدَّ - مع ثَباتِ(5)التكليفِ - مِن معرفةِ الشرائعِ(6)فإذا صَحَّ أن يَعرِفوها(7)و الحالُ هذه لا مِن جهةِ الإمامِ، فلا يَمتَنِعُ في سائرِ الأحوالِ مِثلُه، و يُستَغنىٰ عن الإمامِ المعصومِ .
و لا بُدَّ مِن ذلكَ مِن وجهٍ آخَرَ؛ لأنّ الإمامَ مُنذُ زَمانٍ غَيرُ معلومٍ عَينُه، و إن كانَ له عَينٌ فغَيرُ معلومٍ مَكانُه، و غَيرُ متميِّزٍ علىٰ وجهٍ يَصِحُّ أن يُقصَدَ، و قد صَحَّ مع ذلكَ أن نَعرِفَ (8)الشرائعَ و نَقومَ (9)بها؛ فغَيرُ مُمتَنِعٍ
1) . في «ط، ف»: «عليه السلام».
2) . في المطبوع: «أن تكون».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: + «من خطأ».
4) . في «ج، ف»: «ذاك».
5) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «إثبات».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «الشرع».
7) . في الحجري: «أن يعرفوه».
8) . في «ج، ط، ف»: «أن تعرف».
9) . في «ج، د، ص»: «يقوم». و في «ط»: «تقوم». و في «ف»: «يقوم - نقوم» كلاهما معاً.
مِثلُه في سائرِ الأزمِنةِ .(1)
يُقالُ له: أمّا غَلَبةُ الخَوارِجِ فغَيرُ مانِعةٍ مِن حِفظِ الشرعِ، و أمّا معرفتُه في هذه الأحوالِ - يَعني أحوالَ غَلَبتِهم - فيَكونُ بالنَّقلِ عن صاحبِ الشرعِ، أو عمّن تَقدَّمَ إمامَ الزمانِ مِن الأئمّةِ، و يَكونُ ذلكَ النَّقلُ محفوظاً بإمامِ الزمانِ. و لَيسَ يَجوزُ أن يَنتَهيَ(2)غَلَبةُ الخَوارِجِ إلىٰ حَدٍّ يَمنَعُ الإمامَ مِن بَيانِ ما ضاعَ مِنَ الشرعِ(3)و أخَلَّ به الناقِلونَ؛ لأنّ ذلكَ لَو عُلِمَ لَما كلَّفَنا اللّٰهُ تَعالَى العملَ بالشرعِ و الثقةَ به و القَطعَ علىٰ وصولِه إلينا، و في العِلمِ بأنّا مكلَّفونَ بما ذَكرناه دليلٌ(4)علىٰ أنّ الإمامَ لا يَجوزُ أن يَنتَهيَ به غَلَبةُ الخَوارِجِ إلىٰ حَدٍّ يَمنَعُه مِن بَيانِ ما يَضيعُ مِن الشرعِ.
فأمّا حالُ الغَيبةِ فغَيرُ مانِعةٍ مِن المعرفةِ بالشرعِ، و مِن حِفظِه أيضاً علَى الوجهِ الذي بيّنّاه، و لَم نَقُلْ: «إنّا نَحتاجُ إلَى الإمامِ في كُلِّ حالٍ » لِنَعرِفَ الشرعَ ، بَل لِنَثِقَ بوُصولِه إلينا، و نحنُ نَثِقُ بذلكَ في حالِ الغَيبةِ ؛ لِعِلمِنا بأنّه لَو أخَلَّ الناقِلونَ مِنه بشَيءٍ يَلزَمُنا معرفتُه لَظهَرَ الإمامُ ، و بيَّنَ بنفسِه عنه.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و قد قال شَيخُنا أبو عليٍّ (5): إن كانَ الغرضُ إثباتَ إمامٍ في الزمانِ ، و إن لَم يُبلِّغْ (6)و لَم يَقُمْ بالأُمورِ، و صَحَّ ذلكَ ، فما الأمانُ مِن أنّه(7)جَبرَئيلُ أو
1) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 80.
2) . في المطبوع: «أن تنتهي».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «من الشريعة».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «لما ذكرناه دلالة» بدل «بما ذكرناه دليل».
5) . و هو أبو علي الجبّائي.
6) . في «ص»: «و إن لم ينفع». و في المغني: «و إن لم يقع» و هو تحريف.
7) . في «ج، ص»: «فما المانع من أن يكون» بدل «فما الأمان من أنّه».
بعضُ الملائكةِ في السماءِ، و يُستَغنىٰ(1)عن إمامٍ في الأرضِ ؛ لأنّ المعنَى الذي لأجلِه يُطلَبُ (2)الإمامُ عندَكم يَقتَضي ظُهورَه، فإذا لَم يَظهَرْ كان وُجودُه كعدمِه، و كانَ كَونُه في الزمانِ بمنزِلةِ كَونِ (3)جَبرَئيلَ في السماءِ [بَل إثباتُ جَبرَئيلَ مُتَيقَّنٌ ، و إثباتُ هذا الإمامِ مشكوكٌ فيه...].(4)
يُقالُ له: لا شَكَّ في أنّ الغرضَ لَيسَ هو وُجودَ الإمامِ فقط، بَل أمرُه و نهيُه و تَصرُّفُه؛ لأنّ بهذه الأُمورِ ما يَكونُ المكلَّفونَ مِن القَبيحِ أبعَدَ، و إلىٰ فِعلِ الواجبِ أقرَبَ، غَيرَ أنّ الظالِمينَ مَنَعوه(5)ممّا هو الغرضُ، فَاللَّومُ(6)فيه عليهِم، و اللّٰهُ المُطالِبُ لهُم(7).
و لَمّا كانَ ما هو الغرضُ لا يَتِمُّ إلّابوُجودِه أَوجَدَه اللّٰهُ تَعالىٰ، و جعَلَه بحَيثُ لَو شاءَ المكلَّفونَ أن يَصِلوا إليه و يَنتَفِعوا به لَوَصَلوا و انتَفَعوا، بأن يَعدِلوا عمّا أَوجَبَ خَوفَه و تَقيّتَه، فيقَعَ منه الظهورُ الذي أَوجَبَه اللّٰهُ تَعالىٰ عليهِ مع التمكُّنِ .
و لَمّا كانَ المانعُ مِن تصرُّفِه و أمرِه و نهيِه غَيرَ مانعٍ مِن وُجودِه، لَم يَجِبْ (8)مِن حَيثُ امتنَعَ عليه التصرُّفُ بفِعلِ الظلَمةِ (9)أن يُعدِمَه اللّٰهُ تَعالىٰ ، أو(10)أن لا يوجِدَه في
1) . في «ج»: «و نستغني».
2) . في المغني: «نطلب».
3) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و المغني. و في «د» و المطبوع و الحجري: «ككون» بدل «بمنزلة كون».
4) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 81.
5) . في «ص، ط» و الحجري: «منعوا».
6) . في «د، ص، ط» و المطبوع و الحجري: «و اللوم».
7) . في «ج»: «بهم».
8) . في «ص»: «لم يجز».
9) . في «ص»: «الظالم».
10) . في «ج»: «و».
الأصلِ؛ لأنّه لَو فعَلَ(1)ذلكَ لَكانَ هو المانِعَ حينَئذٍ للمكلَّفينَ لُطفَهم، و لَكانوا إنّما أُتوا(2)في فَسادِهم و ارتفاعِ صَلاحِهم مِن جهتِه(3)لأنّهم غَيرُ مُتَمكِّنينَ مع عدمِ
الإمامِ مِن الوصولِ إلىٰ ما فيه لُطفُهم و مصلحتُهم. فجميعُ ما ذَكرناه يُفرِّقُ بَينَ وجودِ الإمامِ مع الاستتارِ و بَينَ عدمِه.
و بما تَقدَّمَ يُعلَمُ أيضاً الفَرقُ بَينَه و بَينَ جَبرَئيلَ في السماءِ (4)لأنّ الإمامَ إذا كانَ موجوداً مُستَتِراً كانَت الحُجّةُ لِلّهِ تَعالىٰ علَى المكلَّفينَ به ثابتةً ؛ لأنّهم قادِرونَ علىٰ أفعالٍ تَقتَضي ظُهورَه، و وُصولَهم مِن جهتِه إلىٰ مَنافعِهم و مَصالحِهم، و كُلُّ هذا غَيرُ حاصلٍ في جَبرَئيل عليه السلامُ ؛ فالمعارِضُ به(5)ظاهرُ الغَلَطِ.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و متىٰ قالوا بأنّ الإجماعَ حقٌّ لِكَونِ الإمامِ فيه، أَرَيناهم أنّه لا فائدةَ تَحتَ هذا القَولِ؛ لأنّ الحُجّةَ هي قَولُ الإمامِ، فضَمُّ سائرِهم إليه لا وجهَ له، كَما لا يَجوزُ أن يُقالَ(6): إنّ (7)إجماعَ النَّصارىٰ حقٌّ إذا كانَ عيسىٰ فيهم، و قَولَ اليَهودِ حقٌّ إذا كانَ موسىٰ فيهم، و كَما لا يَجوزُ أن يُقالَ (8):
1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و لو فعل» بدل «لأنّه لو فعل».
2) . في المطبوع و الحجري: «أوتوا».
3) . في «ط، ف»: «جهتهم».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: - «في السماء».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: - «به».
6) . في «ج، ص» و المغني: «أن نقول». و في «ط، ف»: «أن يقول».
7) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «إنّ ».
8) . في «ج، ص» و المغني: «أن نقول». و في «د، ط» و الحجري: «أن يقول».
إنّ إجماعَ الكُفّارِ حقٌّ إذا كانَ رسولُ اللّٰهِ(1)عليه السلامُ فيهم؛ فقَد(2)بيّنّا مِن قَبلُ أنّه لا بُدَّ مِن مُحقِّينَ(3)في الأُمّةِ مِن الشَّهَداءِ و غَيرِهم، علىٰ ما يَقولُه(4)شَيخُنا أبو عليٍّ.
فإن رَجَعوا بهذا الكلامِ عَلَينا في الشُّهَداءِ لَم يَكُن لازِماً؛ لأنّا لا نُعيِّنُهم، و لا يَمتَنِعُ لفَقدِ التعيينِ(5)أن يُجعَلَ(6)الإجماعُ الذي هو حُجّةٌ إجماعَ المؤمنينَ، و لَو تَميَّزوا(7)لَجعَلنا إجماعَهم هو الحُجّةَ. و لَيسَ كذلكَ ما قاله القَومُ؛ لأنّ (8)الإمامَ عندَهم متميِّزٌ(9)، فالذي أَلزَمناه(10)متوجِّهٌ ، و هو عنّا(11)زائلٌ .(12)
يُقالُ له: قَولُ الإمامِ و إن كانَ بانفرادِه حقّاً، و لا تأثيرَ لضَمِّ غَيرِه إليه، فلا بُدَّ مِن أن يَكونَ جوابُ مَن سَألَ عن الإجماعِ الذي الإمامُ في جُملتِه أنّه حقٌّ ، كما يَكونُ مِثلُ ذلكَ الجوابِ لِمَن سَألَ عن عَشَرةٍ (13)في جُملتِهم نَبيٌّ .
1) . في المغني: «رسولنا».
2) . في «ج» و المغني: «و قد».
3) . في «ج، ص، ف»: «المحقّين». و في «ط»: «المحقّقين».
4) . في «ج، ص، ط»: «ما يقول».
5) . في المطبوع و الحجري: «التعيّن».
6) . في المغني: «أن نجعل».
7) . في المطبوع: «تميّز و» بدل «تميّزوا». و هو تصحيف.
8) . في المطبوع: «بأنّ ».
9) . في المطبوع: «مميّزاً». و في «د»: «مميّز».
10) . في المغني: «ألزمناهم».
11) . في «ج، ص، ط، ف»: «زائل عنّا».
12) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 81.
13) . في «ط»: «عن غيره».
فأمّا الفائدةُ في ذِكرِ غَيرِ الإمامِ معه، و الحُجّةُ هي قَولُه(1)بعَينِه، فإنّما يُسألُ(2)عنها مَن استَعمَلَ(3)هذه اللفظةَ(4)مُبتَدِئاً مع تَميُّزِ قَولِ الإمامِ، و نحنُ لا نَكادُ نَستَعمِلُها(5)في مِثلِ هذه الحالِ، و إنّما نُجيبُ بالصحيحِ(6)عندَنا فيه عندَ سؤالِ المُخالِفِ عنه.
و إن كانَ لا يَمتَنِعُ أن يَكونَ لذلك فائدةٌ، و هي أنّ قَولَ الإمامِ قد يَكونُ غَيرَ متميِّزٍ في بعضِ الأحوالِ؛ كأحوالِ الغَيبةِ و الخَوفِ التي لا يُعرَفُ قَولُ(7)الإمامِ فيها علىٰ سَبيلِ التفصيلِ(8)، فلا يَمتَنِعُ في مِثلِ هذه الأحوالِ أن يُعتبَرَ الإجماعُ؛ لعِلمِنا بدُخولِ الإمامِ فيه، كما يَقولُ خُصومُنا في الشُّهَداءِ و المؤمِنينَ؛ لأنّ إجماعَ(9)هؤلاءِ عندَهم هو الحُجّةُ، و لا(10)تأثيرَ لضَمِّ(11)غَيرِه إليه(12)، و مع ذلكَ فنَحنُ نَراهُم يَعتَبِرونَ إجماعَ الأُمّةِ؛ مِن حَيثُ لَم يَتميَّزْ عندَهم أقوالُ الشُّهَداءِ و(13)المؤمِنينَ ، و عَلِموا دُخولَها في جُملةِ أقوالِ الأُمّةِ .
1) . في «د» و الحجري: «و الحجّة هي في قوله». و في المطبوع: «و الحجّة في قوله».
2) . في «ص، ط»: «نسأل».
3) . في «ج، ص، ط»: «يستعمل».
4) . في «ج، ط، ف»: «هذا اللفظ».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «نستعمله».
6) . في «ط»: «بالتصحيح».
7) . في «د» و المطبوع و الحجري: «لا نعرف قولَ ».
8) . في «د، ط» و الحجري: «التفضيل».
9) . في «ص»: «اجتماع».
10) . في «ج، ص، ط، ف»: «فلا».
11) . في المطبوع: «بضمّ ».
12) . كذا، و الأنسب: «لضمِّ غيرهم إليهم».
13) . في «ج»: «أو».
و بهذا الجوابِ الذي ذَكرناه يَجِبُ أن(1)يُجيبَ(2)مَن سلَّمَ الخبرَ(3)- المَرويَّ في الإجماعِ(4)الذي هو قَولُه: «لا تَجتَمِعُ أُمّتي(5)علىٰ ضَلالٍ» إذا تأوَّلَه علىٰ أنّ إجماعَهم(6)حقٌّ لِمَكانِ الإمامِ المعصومِ و دُخولِه(7)في جُملتِهم - متىٰ سُئلَ فقيلَ له: إذا كانَ قَولُ الإمامِ هو الحُجّةَ بانفرادِه، فأيُّ معنىً لضَمِّ غَيرِه إليه؟! لأنّا قد بيّنّا الوجهَ في حُسنِ استعمالِ(8)ذلكَ ابتداءً، و نَبَّهنا علىٰ وجهِ(9)الفائدةِ فيه في الأحوالِ التي لا يَتميَّزُ قَولُ الإمامِ فيها، و بيّنّا أيضاً الفَرقَ بَينَ ما يَبتدئُ(10)المستَعمِلُ باستعمالِه(11)مِن الكلامِ فيَلزَمُه المطالَبةُ بفائدتِه(12)، و بَينَ ما يَتَناوَلُه(13)مِن سؤالِ خَصمِه و يُخرِجُ له الوجوهَ.
و لَيسَ يَمتَنِعُ أن يُجيبَ مَن سُئلَ (14)عن إجماعِ النَّصارىٰ إذا كانَ عيسىٰ عليه السلامُ فيهِم بأنّه حقٌّ ، و كذلكَ القَولُ في إجماعِ اليَهودِ إذا كانَ قَولُ (15)موسىٰ عليه
1) . في «ج، ص، ط، ف»: - «يجب أن».
2) . في «ص»: «نجيب».
3) . سلّم الخبر، أي عَدَّه سالماً من الطعن و الخدش.
4) . في المطبوع: «الاجتماع».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «أُمّتي لا تجتمع» بدل «لا تجتمع أُمّتي».
6) . في المطبوع و الحجريّ : «اجتماعهم».
7) . في المطبوع: «و دخولهم».
8) . في «ج»: «استعمالنا».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: - «وجه».
10) . في «ص، ط»: «مبتدئ» بدل «ما يبتدئ».
11) . في «ج، ص، ط، ف»: «استعماله».
12) . في المطبوع و الحجري: «لفائدته».
13) . في «د، ف»: «يناوله».
14) . في «ج، ص، ط»: «يسأل».
15) . في «ج، ص، ط، ف»: - «قول».
السلامُ في جُملةِ أقوالِهم؛ لأنّا إن لم نَقُلْ أنّه حقٌّ فلا بُدَّ مِن(1)أن يَكونَ باطلاً؛ و كيفَ يَكونُ باطلاً و في جُملتِهم نَبيٌّ مقطوعٌ علىٰ صِدقِه ؟!
اللّهُمّ إلّاأن يُسألَ عن الفائدةِ في الابتداءِ بهذا القَولِ (2)، فقد قُلنا: إنّه لا فائدةَ فيه إذا كانَ قَولُ عيسىٰ عليه السلامُ منفَرِداً متميِّزاً، و لَو عُدِمَ تميُّزُه في بعضِ الأحوالِ لَحَسُنَ استعمالُه، كما حَسُنَ ذلكَ في الإمامِ عندَ الغَيبةِ علىٰ مَذهبِنا(3)، و في الشُّهَداءِ و المؤمنينَ علىٰ مَذاهِبِ خُصومِنا.
فأمّا تَعاطيهِ (4)الفَرقَ بَينَ قَولِنا في الإمامِ و قَولِه في الشُّهَداءِ ؛ لأنّ الإمامَ متميِّزٌ و الشُّهداءَ غَيرُ متميِّزينَ .
فقَد بيّنّا أنّ قَولَ الإمامِ قد يَكونُ غَيرَ متميِّزٍ في بعضِ الأحوالِ ، فيَجِبُ أن يَسوغَ لنا فيه ما ساغَ له في الشُّهَداءِ .
ثُمّ يُقالُ له: لَو تعيَّنَ الشُّهَداءُ عندَكم(5)و تمَيَّزوا و سُئلتَ عن إجماعِ الأُمّةِ هل هو حقٌّ ، بأيِّ شيءٍ كُنتَ تُجيبُ؟
فإذا قالَ : أُجيبُ (6)بأنّه حقٌّ .
قُلنا: فلِمَ عِبتَ عَلَينا أن نُجيبَ بمِثلِ ذلك إذا سُئلنا عن إجماعِ الأُمّةِ؟ و ألّامنَعكَ مِن الجوابِ بأنّه حقٌّ تميُّزُ الشُّهَداءِ و(7)تعيُّنُهم، و أنّه لا تأثيرَ لضَمِّ غَيرِهم إليهم ؟
فإن قالَ: كُلُّ هذا لا يَمنَعُ مِن الجوابِ بأنّه حقٌّ إذا سُئلتُ عن ذلكَ؛ لأنّه لا بُدَّ أن يَكونَ حقّاً إذا فَرَضنا(1)هذا الفَرضَ، و إنّما المَعيبُ(2)أن أضُمَّ(3)مُبتدِئاً إلَى الشُّهَداءِ مع تعيُّنِهم و تميُّزِهم غَيرَهم، ثُمّ أقضيَ (4)بأنّ في(5)قَولِهم الحقَّ .
قُلنا: أَصَبتَ في هذا التفصيلِ ، و بمِثلِه أَجَبنا.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
شُبهةٌ أُخرىٰ لهم(1):
قالوا: إذا كانَ لا بُدَّ في شريعةِ محمّدٍ صَلَّى اللّٰهُ عليه - و هو خاتَمُ الأنبياءِ -
مِن حافِظٍ و مبلِّغٍ، و كانَ لا يَصِحُّ أن يقَعَ ذلكَ بالتواتُرِ، فلا بُدَّ مِن إثباتِ إمامٍ معصومٍ يَكونُ في كُلِّ حالٍ بمَنزلةِ الرسولِ في أنّه يُبلِّغُ(2)و يُعلِّمُ و يُرجَعُ إليه في المُشكِلِ، و يؤخَذُ عنه الدِّينُ . و كَما(3)لا يَجوزُ أن لا يَكونَ الرسولُ في كُلِّ حالٍ (4)مع الحاجةِ إلىٰ معرفةِ الشرعِ (5)، فكذلكَ لا يَجوزُ أن لا يَكونَ الإمامُ في كُلِّ حالٍ مع الحاجةِ إلىٰ ذلكَ .
و قَدَحوا في التواتُرِ بوُجوهٍ قد(1)قَدَّمنا ذِكرَها في بابِ الأخبارِ(2)واحِدُها: أنّ كُلَّ واحدٍ مِنهم إذا جازَ أن يَكتُمَ النقلَ و يَكذِبَ و يُغيِّرَ، فيَجِبُ جَوازُ ذلكَ علىٰ جميعِهم، و أن لا يَصِحَّ القَطعُ علىٰ صِحّةِ خبرِهم.(3)
يُقالُ له: هذه الطريقةُ صحيحةٌ معتمَدةٌ ، و يؤيِّدُها ما دَلَّلنا عليه مِن قَبلُ مِن(4)أنّ التواتُرَ لا يَجوزُ أن يُقتصَرَ عليهِ في حِفظِ الشرعِ و أدائه، و أنّه لا بُدَّ مِن كَونِ (5)معصومٍ وَراءَه.(6)
فأمّا القَدحُ في التواتُرِ: فمَعاذَ اللّٰهِ أن نَراه أو(7)نَذهَبَ إليه. فإن كان يَظُنُّ أنّا إذا مَنَعنا مِن أن يُحفَظَ الشرعُ به فقَد قَدَحنا فيه، فقَد أبعَدَ؛ لأنّ القَدحَ فيه إنّما يَكونُ بالطعنِ في كَونِه حُجّةً ، و طريقاً إلَى العِلمِ عند وُرودِه علىٰ شَرائطِه، فأمّا لِما ذَكرناه فلا.
و قَولُه في الحكايةِ عنّا: «إنّ كُلَّ واحدٍ مِنهم إذا جازَ أن يَكتُمَ و يَكذِبَ ، فيَجِبُ جوازُ ذلكَ علىٰ جميعِهم، و أن لا يَصِحَّ القَطعُ علىٰ صِحّةِ خبرِهم» غلطٌ طَريفٌ (8)لأنّا لا نُجيزُ الكَذِبَ علىٰ جَماعتِهم علَى الحَدِّ الذي أَجَزناه علىٰ آحادِهم، و لَو كُنّا
نُجيزُ ذلكَ لَلَحِقنا(1)بمُنكِري(2)الأخبارِ و الذاهِبينَ إلىٰ أنّها لا توجِبُ عِلماً، و المعلومُ مِن مَذهَبِنا خِلافُ هذا(3).
و أمّا(4)الكِتمانُ: فإذا جازَ علىٰ آحادِهم و جَماعاتِهم، فلَيسَ يَجِبُ أن يَكونَ مانِعاً مِن القَطعِ علىٰ صِحّةِ خبرِهم إذا وَرَدَ علَى الشرائطِ المخصوصةِ. و إنّما يَكونُ مانِعاً مِن كَونِهم حافِظينَ للشرعِ ؛ لأنّه إذا جازَ ذلكَ عليهِم لَم نَثِقْ (5)بأنّه لَم يقَعْ مِنهم إلّا بأن يُقطَعَ (6)علىٰ وُجودِ معصومٍ يَكونُ وَراءَهم(7)متىٰ وقَعَ مِنهم الكِتمانُ الجائزُ عليهِم تَلافاه و بيَّنَ عنه، فلَيسَ يَجِبُ أن يَخلِطَ صاحبُ الكتابِ جَوازَ الكِتمانِ بجَوازِ الكَذِبِ (8)، و إخراجَهم مِن أن يَكونوا حافِظينَ للشرعِ بإخراجِهم مِن أن يَكونوا حُجّةً فيما يَتَواتَرونَ به؛ فإنّ ذلكَ لا يَختَلِطُ إلّاعندَ مَن لا معرفةَ عندَه.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و اعلَمْ أنّ أمثالَ هذه الشُّبهةِ (9)لا يَجوزُ أن يَكونَ مبتدَأُها إلّامِن(10)مُلحِدٍ طاعِنٍ في الدِّينِ ؛ لأنّها إذا صَحَّت وَجَبَ بُطلانُ النبوّةِ و الإمامةِ ؛
1) . في «ف»: «ألحقنا».
2) . في «ج»: «بمنكر».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «ذلك».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «فأمّا».
5) . في «ط»: «لم يبق».
6) . في «ج»: «نقطع».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «معصوم من ورائهم» بدل «معصوم يكون وراءهم».
8) . في «ج، ص، ف»: «بجواز الكذب جواز الكتمان».
9) . في المغني: «الشُّبَه».
10) . في «ص»: - «من».
لأنّا إنّما(1)نَعلَمُ بالتواتُرِ كَونَ النبيِّ و كَونَ القُرآنِ و وقوعَ التحَدّي(2)، و أنّه(3)لَم يقَعْ مِن جهتِهم معارَضةٌ، و به نَعلَمُ(4)ثُبوتَ(5)الشرائعِ و نَسخَ المنسوخِ مِنها، و به نَعلَمُ(6)أنّه عليهِ السلامُ خاتَمُ النبيّينَ، و أنّ شَريعتَه ثابتةٌ، و أنّه لا نَبيَّ معه و لا بَعدَه [إلىٰ غَيرِ ذلكَ ](7).
فالطاعِنُ في التواتُرِ يُريدُ التشكيكَ في جميعِ ما قَدَّمناه ممّا بإبطالِه أو(8)بإبطالِ (9)بعضِه يَبطُلُ الدِّينُ ، فكيفَ (10)يُعلَمُ مع فَسادِ التواتُرِ القُرآنُ و تميُّزُه(11)مِن غَيرِه حتّىٰ يَكونَ حُجّةً؟ و هذا القَولُ أدّاهم إلىٰ جوازِ الزيادةِ في القُرآنِ و أنّها قد كُتِمَت.(12)
يُقالُ (13)له: أمّا التواتُرُ: فقَد بيّنّا أنّا(14)لا نَطعَنُ (15)عليه و لا نَقدَحُ فيه(16)، بَل هو
1) . في «ج، ص، ط، ف»: - «إنّما».
2) . في المطبوع: + «به».
3) . في «ص، ط، ف»: «و أنّهم».
4) . في «ج، ص، ط، ف» و المغني: «يعلم».
5) . في المغني: «ثبات».
6) . في «ج، ص، ط، ف» و المغني: «يعلم».
7) . ما بين المعقوفين من المغني.
8) . في «ص»: «و».
9) . في «ص، ط، ف»: «إبطال».
10) . في «ج، ص، ط، ف»: «و كيف».
11) . في المغني: «و نميّزه».
12) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 82.
13) . في الحجري: «فيقال».
14) . في «ج، ص، ط، ف»: «أنّه».
15) . في «ص، ط»: «لا يطعن».
16) . تقدّم آنفاً.
عندَنا مِن حُجَجِ اللّٰهِ تَعالىٰ علىٰ عِبادِه، و أحَدُ الطرُقِ إلَى العِلمِ ، فمَن ظَنَّ علينا خِلافَ هذا، أو رَمانا بإبطالِه، فهو مُبطِلٌ متَشَوِّقٌ .(1)
و الذي نَذهَبُ إليه مِن جوازِ الكِتمانِ و العُدولِ عن النقلِ علَى الناقِلينَ لا يَقتَضي إبطالَ التواتُرِ و تَركَ العملِ عليه إذا ورَدَ علىٰ شرائطِه؛ لأنّه إنّما يَكونُ حُجّةً إذا قامَ الرُّواةُ بأدائه و نَقلِه، فأمّا إذا لَم يَفعَلوا ذلكَ فقَد سقَطَت الحُجّةُ به(2).
و جميعُ ما ذَكرَه - و جعَلَ التواتُرَ طريقاً إليه، مِن العِلمِ بكَونِ النبيِّ و القُرآنِ و وُقوعِ التحَدّي - صَحيحٌ ، و لَيسَ بحُجّةٍ علينا؛ بل علىٰ مَن طعَنَ علَى التواتُرِ، و ذهَبَ إلىٰ أنّه لَيسَ بطريقٍ إلَى العِلمِ .
فأمّا عدمُ المعارَضةِ، و ادّعاؤه أنّ(3)الطريقَ إلىٰ فَقدِها(4)هو التواتُرُ، و إدخالُه ذلكَ في جُملةِ ما تَقدَّمَ: فطَريفٌ؛ لأنّ مِثلَ هذا لا يُعلَمُ بالتواتُرِ، و لا يَصِحُّ النقلُ فيه، و إنّما يُعلَمُ فَقدُ المعارَضةِ مِن حَيثُ عَلِمنا تَوَفُّرَ(5)دَواعي المُخالِفينَ إلىٰ نَقلِها، و حِرصَهم علىٰ ذِكرِها و الإشادةِ (6)بها لَو كانَت موجودةً ، فإذا(7)فَقَدنا الروايةَ لها مع
1) . هكذا في «د»، أي شديد الشوق إلى الباطل. و في المطبوع: «سرف». و في سائر النسخ: «متسوّف».
2) . في «د»: «بهم».
3) . في «د» و الحجري: «و أنّ ». و في «ط»: «إلى أنّ ».
4) . الضمير للمعارضة.
5) . في «ص»: «توافر».
6) . في «ط، ف» و المطبوع: «و الإشارة». و الإشادة: رفع الصوت بالسيّئ. القاموس المحيط، ج 1، ص 424 (شيد).
7) . في «ج، ص، ف»: «و إذا».
قُوّةِ الدَّواعي و شِدّةِ البَواعِثِ قَطَعنا علىٰ نَفيِها.
و أمّا(1)ثُبوتُ الشرائعِ، و الناسخِ و المنسوخِ، و ما جَرىٰ مَجراهما: فنَعلَمُ(2)مِن جهةِ التواتُرِ ما ورَدَت به الروايةُ المتَواتِرةُ، و نَعلَمُ(3)أنّ جميعَ الشرعِ واصِلٌ إلينا مِن جهتِه، و أنّه لَم يَنكَتِمْ عنّا مِنه شيءٌ بالطريقِ الذي قَدَّمناه(4)، و هو أنّ الإمامَ المعصومَ إذا كانَ موجوداً في كُلِّ زمانٍ و جَرىٰ في الشريعةِ ما قَدَّرناه(5)وَجَبَ عليه الظهورُ
و البيانُ ، و إيصالُ المكلَّفينَ إلَى العِلمِ بما طَواه الناقِلونَ ؛ فنَعلَمُ (6)بفَقدِ تنبيهِه علَى الخَلَلِ الواقعِ في الشريعةِ عدَمَ ذلكَ .
فأمّا القَولُ بأنّ في القُرآنِ زيادةً كُتِمَت و لَم تُنقَلْ(7): فلَم يَتعَدَّ الذاهِبونَ إليه ما تَناصَرَت به الرواياتُ(8)و أجمَعَ(9)عليه الرُّواةُ مِن نَقلِ آيٍ و ألفاظٍ كَثيرةٍ شَهِدَ جَماعةٌ مِن الصَّحابةِ أنّها كانَت تُقرأُ في جُملةِ القُرآنِ و هي غَيرُ موجودةٍ فيما تَضمَّنَه مُصحَفُنا. و الحالُ فيما رُويَ مِن ذلكَ ظاهرةٌ (10)، و لَيسَ
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «فأمّا».
2) . في «ج، ط، ف»: «فيعلم».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «المتواترة منه، و يعلم».
4) . تقدّم في ص 278.
5) . في «ص»: «ما قدّمنا».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «فيعلم».
7) . في الحجري: «و لم ينتقل».
8) . في «د»: «الرواية».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «و أجمعت».
10) . كرواية مسلم في صحيحه (ج 3، ص 1317، كتاب الحدود، باب رجم الثيّب في الزنى) عن ابن عباس، قال عمر بن الخطاب و هو جالس على منبر رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلّم: «إن اللّٰه بعث محمّداً صلّى اللّٰه عليه و سلّم بالحقّ ، و أنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية
المُعَوَّلُ(1)فيما جَرىٰ مَجرَى النَّقلِ علىٰ مَن لَيسَ مِن أهلِه ممّن يَدفَعُ باقتِراحٍ(2)كُلَّ ما ثَلَمَ اعتقاداً له أو خالَفَ مَذهباً يَذهَبُ إليه.
و لَيسَ يَلزَمُ لأجلِ هذا التجويزِ ما لا يَزالُ يَقولُه لنا(3)مُخالِفونا مِن إلزامِهم التجويزَ
لِأنْ يَكونَ في جُملةِ ما لَم يتَّصِلْ بنا مِن القُرآنِ فَرائضُ و سُنَنٌ و أحكامٌ؛ لأنّا نأمَنُ ذلكَ بالوجهِ الذي ذَكرناه و عَوَّلنا عليه في الثقةِ(4)بوُصولِ جميعِ الشرعِ إلينا.
و لَيسَ المُلحِدُ المشَكِّكُ في الدِّينِ هو(5)مَن لَم يَجعَلِ الأُمّةَ المختَلِفةَ المتعاديةَ(6)
الرجم قرأناها و وعيناها و عقلناها، فرجم رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلّم و رجمنا بعده، فأخشىٰ إن طال بنا الزمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب اللّٰه، فيضلّوا بترك فريضة أنزلها اللّٰه، و إنّ الرجم في كتاب اللّٰه حقّ على من زنى إذا أُحصن من الرجال و النساء إذا قامت البيّنة، أو كان الحبل، أو الاعتراف» فيكون هذا من باب ما نسخ رسمه و بقي حكمه، أو كما روي عن ابن مسعود أنّه كان إذا قرأ (وَ كَفَى اللّٰهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتٰالَ ) يتبعها: «بعليّ » فيكون هذا من باب التوضيح و تبيين سبب النزول، لا أنّها من نفس القرآن الكريم. و كلّ ما ورد من الروايات سواء كان من طريق أهل السنّة أو الشيعة مرفوضة مردودة على رواتها، لأنّ القرآن كتاب اللّٰه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، و قد تعهّد سبحانه بحفظه (وَ لَوْ كٰانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّٰهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاٰفاً كَثِيراً) و كلّ من ادّعى غير ذلك فهو مخترق أو مغالط أو مشتبه. هذا غير القراءات التي لا تغيّر مباني الكلمات التي أذن اللّٰه بها على لسان نبيّه صلّى اللّٰه عليه و آله، كما هو معروف بين المسلمين كافّة. و للمزيد من الاطلاع يراجع البيان للسيّد الخوئيّ ، و عقائد الشيعة الإمامية للمظفّر، و أصل الشيعة و أصولها لكاشف الغطاء، و مراد المصنّف رحمه اللّٰه أنّ ذلك وارد، لا أنّه يعتقد صحّته، و على كلّ حال فإجماع الأُمّة علىٰ أنّ من زعم أنّ شيئاً ممّا بين الدفّتين ليس من القرآن فهو خارج عن الملّة. و انظر الإتقان للسيوطيّ ، ج 1، ص 101 و 120؛ ج 2، ص 40 و 41.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
فإن لَم يَثبُتِ التواتُرُ، كيفَ يُعلَمُ(5)الإمامُ المعصومُ؟ لأنّه لا يُمكِنُ في إثباتِه إلّاأحَدُ طَريقَينِ: إمّا النَّصِّ أو المُعجِزِ، و لا بُدَّ في صِحّتِهما مِن التواتُرِ(6)[لأنّه لا يُمكِنُ إثباتُ النَّصِّ عندَ كُلِّ مكلَّفٍ إلّابهذا الوجهِ ، و كذلكَ القَولُ في المُعجِزِ إذا كانَ به يَتبيَّنُ الإمامُ مِن غَيرِه، و به تُعرَفُ إمامتُه. و كيفَ يُعلَمُ (7)مِن جهةِ الإمامِ ما يَتحمَّلُه(8)مِن الشرعِ و ما يَحفَظُه
1) . في «ج»: «جعل».
2) . في «د»: «حافظين».
3) . طريق مَهْيَعٌ : واسع. المحيط في اللغة، ج 2، ص 78 (هيع).
4) . في «ج، ص، ط، ف»: - «تعالىٰ ».
5) . في المغني: «و إن لم يثبت التواتر فكيف نعلم».
6) . في المطبوع: + «و كيف يعلم من جهة الإمام ما يتحمّله من الشرع».
7) . في «د»: «نعلم». و في المغني: «يعرف».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «تحمله».
و ما تَزولُ به الشُّبهةُ ، و فَقدُ الجميعِ متعذِّرٌ إن لَم يَصِحَّ التواتُرُ؟! و هذا يوجِبُ إثباتَ معصومِينَ حتّىٰ يَكونَ كُلُّ مبلِّغٍ عن الإمامِ معصوماً...].(1)
و هذا كُلُّه ممّا قد مضَى الكلامُ عليهِ مكرَّراً.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
علىٰ أنّ ذلكَ يَجري مَجرَى البَهْتِ(2)لأنّا نَجِدُ مِن أنفُسِنا أنّا نَعرِفُ أركانَ(3)الشرائعِ(4)بالتواتُرِ و إن لَم نَعرِفِ(5)الإمامَ المعصومَ [و لا نَعرفْ صِحّتَه،](6)و لا يُمكِنُهم أن يَدَّعوا علينا هذا الاعتقادَ و نحنُ نَعلَمُ مِن أنفُسِنا خِلافَه، بَل يَعلَمونَ ذلكَ مِن حالِنا. [و يَلزَمُهم علىٰ هذه الطريقةِ أن لا يَعرِفَ الشريعةَ إلّامَن يَعرِفُ الإمامَ المعصومَ ، و ذلكَ يوجِبُ عليهم في سائرِ الفِرَقِ أن لا يَعرِفوا ذلكَ ، و لَو لَم يَعرِفوه لَما عَرفَه غَيرُهم. فكيفَ يَصِحُّ ذلكَ و القَولُ بإثباتِ إمامٍ معصومٍ لَيسَ بمُتقدِّمٍ ، و إنّما حدَثَ في الأزمانِ المتقارِبةِ ، فيَجِبُ أن لا يُعرَفَ الشرعُ أصلاً؛ لأنّ مَن تَقدَّمَ لَم يَعرِفْه، و إذا لَم يَعرِفِ المتأخِّرُ إلّابنَقلِ المتقدِّمِ الذي لَم
1) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 82-83. و ما بين المعقوفين من المصدر.
2) . البَهْت: البهتان، و هو الكذب على الغير، مأخوذ من الحيرة؛ لأنّ المكذوب عليه إذا سمعه تأخذه الحيرة. راجع: لسان العرب، ج 2، ص 12-13 (بهت).
3) . في المطبوع و الحجري: «إن كان» بدل «أركان» و هو تصحيف.
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «الشريعة».
5) . في «ط» و المغني: «لم يعرف».
6) . ما بين المعقوفين من المغني.
يَعرِفْ ، فيَجِبُ أن لا يَعرِفَه أحَدٌ...](1).
يُقالُ له: هذا الكلامُ إنّما يَلزَمُ مَن يَذهَبُ إلىٰ أنّ التواتُرَ لا يُعرَفُ به صِحّةُ شَيءٍ، أو(2)إن عُرِفَ(3)به فلا بُدَّ مِن تَقدُّمِ(4)معرفةِ الإمامِ. و لَيسَ هذا ممّا نَذهَبُ إليه و لا نَراه(5)بَل قد يَتمكَّنُ مِن الاستدلالِ بالتواتُرِ مَن يَجهَلُ الإمامَ.
فإن أرادَ بقَولِه: «إنّا نَجِدُ مِن أنفُسِنا معرفةَ أركانِ(6)الشرائعِ(7)» ما ذَكرناه ممّا قد(8)تَواتَرَ الخبرُ به و قامَت حُجّتُه بالنقلِ، فقَد قُلنا: إنّ ذلكَ غَيرُ مُمتَنِعٍ.
و إن أرادَ به(9)أنّه يَعرِفُ مِن نَفسِه الثقةَ بأنّ شَيئاً مِن الشرعِ لَم يَنطَوِ عنه و لَم يَخفَ عليهِ و إن لَم يَعرِفِ الإمامَ - لِيُبطِلَ بذلكَ ما اعتَمَدناه مِن أنّ هذه الثقةَ لا تَحصُلُ إلّامُستنِدةً إلَى الإمامِ (10)- فغَيرُ مسلَّمٍ له ما ادَّعاه مِن المعرفةِ ، و عندَنا أنّه متوَهِّمٌ غَيرُ عارفٍ ، و معتَقِدٌ غَيرُ عالِمٍ (11)، و كَونُ الإنسانِ عارِفاً في الحَقيقةِ لا
1) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 83.
2) . في المطبوع و الحجري: «و».
3) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «عرفت».
4) . في «ط» و المطبوع و الحجري: «تقدمة».
5) . في «ط»: «و لا تراه».
6) . في المطبوع و الحجري: «إن كان»، و في «ص»: «إمكان» و كلاهما تصحيف واضح.
7) . في «د» و المطبوع و الحجري: «الشرع».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: - «قد».
9) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «به».
10) . في «ج، ص، ط، ف»: «إلى إمام» بدل «إلى الإمام».
11) . الاعتقاد: معنىً أعمّ من العلم و الجهل و التقليد و التبخيت. و العلم: اعتقادٌ يقتضي سكون النفس. فهو أخصّ من الاعتقاد. و المتكلّمون لا يذكرون الاعتقاد في تعريف العلم مع تصريحهم بأنّ العلم من سنخ الاعتقاد؛ و ذلك لأُمور ذكروها في كتبهم. راجع: الذخيرة، ص 154؛ الحدود، ص 88-90.
يَعلَمُه(1)الواحدُ(2)مِنّا مِن نَفسِه ضَرورةً . و لَيسَ هذه الدَّعوىٰ بأكثَرَ مِن دَعوىٰ سائرِ المُبطِلينَ ، مِن المُجْبِرةِ و غَيرِهم(3)أنّهم عارِفونَ بصِحّةِ مَذاهبِهم و عالِمونَ بها؛ فكَما أنّ ذلكَ غَيرُ مُلتَفَتٍ إليه مِنهم(4)، فكذلكَ ما ادَّعاه.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
شُبهةٌ أُخرىٰ لهم(1):
قالوا: متىٰ جَوَّزنا علَى الإمامِ أن لا يَكونَ معصوماً يؤمَنُ سَهوُه و غَلَطُه، جَوَّزنا أن يُقدِمَ علىٰ ما يوجِبُ الحَدَّ و سائرَ ما احتيجَ مِن أجلِه إلَى الإمامِ ، و ذلكَ يوجِبُ أنّه مُشارِكٌ (2)للرَّعيّةِ فيما له احتاجَت
إلَى الإمامِ ، و هذا يوجِبُ حاجتَه إلىٰ إمامٍ آخَرَ. و القَولُ فيه كالقَولِ في هذا الإمام إن لَم يَكُن معصوماً. و لا يُمكِنُ التخلُّصُ مِن ذلكَ إلّابإثباتِ معصومٍ في الزمانِ (3)علىٰ ما نَقولُه.
ثُمّ (4)قالَ :
و اعلَمْ أنّ ذلكَ يَنتَقِضُ عليهِم بالأميرِ؛ لأنّهم يجوِّزونَ عليه ما يجوِّزونَ (5)
علىٰ رَعيّتِه، و لَم يَمنَعْ ذلكَ مِن كَونِه أميراً يُقيمُ عليهِم الحُدودَ، و لا يُقيمونَها(1)عليهِ. و متىٰ قالوا في الأميرِ: إنّه متىٰ أقدَمَ علىٰ ما يوجِبُ الحَدَّ فالإمامُ يُقيمُ الحَدَّ عليهِ، لَم يَمنَعْ ذلك مِن صِحّةِ التفرقةِ بَينَه و بَينَ رَعيّتِه.
و إنّما أَرَدنا بالكلامِ(2)إبطالَ(3)قَولِهم: إنّ كَونَه غَيرَ معصومٍ يؤَدّي إلىٰ أن لا يَكونَ بَينَه و بَينَ رَعيّتِه فَرقٌ؛ لأنّه قد ظهَرَ(4)الفَرقُ بما ذَكرناه؛ فكَما يَجوزُ في الأميرِ(5)أن يَقومَ بهذه الأُمورِ و يَكونَ له المَزيّةُ عليهِم، فإذا(6)أَحدَثَ حَدَثاً وَجَبَ عَزلُه، و لَم يَقدَحْ عَزلُه في مَزيّتِه عليهِم مِن قَبلُ ، فكذلكَ القَولُ عندَنا في الإمامِ .
[و لا فَرقَ بَينَ أن يُقالَ في الأميرِ: إنّه عند الحَدَثِ مُستَبدَلٌ به، و بَينَ أن يُقالَ في الإمامِ : إنّه عندَ الحَدَثِ يُقامُ غَيرُه بَدَلاً مِنه؛ لأنَّ طَوائفَ الأُمّةِ متمكِّنةٌ مِن ذلكَ كتمكُّنِ الإمامِ مِن نَصبِ الأُمَراءِ ].(7)
فيُقالُ له(8): هذا الدليلُ مِن آكَدِ ما اعتُمِدَ عليه في عصمةِ الإمامِ مِن طريقِ العُقولِ ؛ و ترتيبُه: أنّ حاجةَ الناسِ إلَى الإمامِ إذا وَجَبَت بالعقلِ ، لَم يَخلُ مِن وَجهَينِ : إمّا أن
1) . في المغني: «و لا يقيمون».
2) . قوله «بالكلام» ساقطة من المغني، و قال محقّقه في الهامش: كلمة غير واضحة في الأصل.
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «أن نبطل» بدل «إبطال».
4) . في «ص»: «قد يظهر».
5) . في المغني: «في الإمام»، و هو سهو.
6) . في «ص، ف»: «فإن».
7) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 84.
8) . في «د، ص، ط، ف»: «يقال له».
يَكونَ ثبَتَ وجوبُها لارتفاعِ العصمةِ عنهم و جوازِ فِعلِ القبيحِ مِنهم، أو لغَيرِ ذلكَ.
فإن كانَ لغَيرِه لَم يمتَنِعْ أن يَثبُتَ(1)حاجتُهم إلَى الإمامِ مع عصمةِ كُلِّ واحدٍ منهم؛ لأنّ العِلّةَ إذا لَم تَكُن ما ذَكرناه لَم يَكُن لفَقدِها تأثيرٌ، و جازَ أن يَثبُتَ الحاجةُ بثُبوتِ مُقتَضاها؛ ألا تَرىٰ أنّ المتحرِّكَ لَمّا(2)لَم تَكُن(3)العِلّةُ في كَونِه متحرِّكاً سَوادَه، جازَ أن
يَكونَ متحرِّكاً مع عدَمِ السوادِ(4)؟
و لَو جازَ أن يَحتاجَ المكلَّفونَ إلَى الإمامِ مع عصمتِهم، لَجازَ أن يَحتاجَ الأنبياءُ إلَى الأئمّةِ(5)و الرُّعاةِ، مع ثُبوتِ عصمتِهم و القَطعِ علىٰ أنّهم لا يُقارِفونَ(6)شَيئاً مِن القَبائحِ. و هذا معلومٌ فَسادُه(7).
علىٰ أنّه لَو لَم يَكُنِ (8)العِلّةُ في حاجتِهم ارتفاعَ العصمةِ لَجازَ أن يَستَغنوا عنه مع كَونِهم غَيرَ معصومينَ ، و لَيسَ يَجوزُ أن يَستَغنوا عن الإمامِ و أحوالُهم هذه؛ لِما دَلَّلنا عليه عندَ الكلامِ في وجوبِ الإمامةِ ، و لا شَيءَ أظهَرُ في إثباتِ العِلّةِ مِن وُجودِ الحُكمِ تابِعاً لوُجودِها(9)، و ارتفاعِه بارتفاعِها.
و إن كانَت الحاجةُ إلَى الإمامِ إنّما وَجَبَت لِارتفاعِ (10)العصمةِ و جَوازِ الخطإ
1) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «أن تثبت». و كذا في المورد القادم.
2) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «لمّا».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «لم يكن».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «مع عدم سواده».
5) . في المطبوع و الحجري: «الأُمّة».
6) . قارَفَه: قارَبَه و خالَطَه. المغرب، ج 2، ص 171 (قرف).
7) . في «ج»: «الفساد».
8) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «لم تكن».
9) . في المطبوع: «لوجوده»
10) . في المطبوع: «بارتفاع».
و فِعلِ القَبيحِ(1)، لَم يَخلُ حالُ الإمامِ نَفسِه مِن وَجهَينِ: إمّا أن يَكونَ معصوماً مأموناً مِنه(2)فِعلُ القَبيحِ، أو غَيرَ معصومٍ.
فإن لَم يَكُن معصوماً وَجَبَ حاجتُه إلىٰ إمامٍ(3)بحُصولِ(4)علّةِ الحاجةِ فيه، و لَم يَخلُ إمامُه(5)أيضاً مِن أن يَكونَ(6)معصوماً أو غَيرَ معصومٍ. فإن لَم يَكُن معصوماً احتاجَ إلىٰ إمامٍ ، و اتّصَلَ ذلك بما لا نِهايةَ له.
فلَم يَبقَ إلّاالقَولُ بعصمةِ الإمامِ ، و(7)انتهاءُ الأمرِ في الرئاسةِ (8)و الإمامةِ إلىٰ معصومٍ لا يَجوزُ عليهِ فِعلُ القَبيحِ .
فإن قيلَ: قد بَنَيتم كلامَكم علىٰ أنّ المعصومَ لا يَحتاجُ إلىٰ إمامٍ(9)، و عَوَّلتم في ذلكَ علىٰ أمرِ الأنبياءِ عليهِم السلامُ، فلِمَ زَعَمتم أنّ كُلَّ مَن ثَبَتَت(10)عصمتُه لا يَحتاجُ إلىٰ إمامٍ (11)؟ و لِمَ (12)أَنكَرتم أن يَعلَمَ اللّٰهُ تَعالىٰ مِن بعضِ عِبادِه أنّه إذا نصَبَ له إماماً
1) . في «د»: «و جواز فعل القبيح» بدل «و جواز الخطأ و فعل القبيح».
2) . في «ص» و المطبوع: «من».
3) . في المطبوع و الحجري: «إلى الإمام».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «لحصول».
5) . في المطبوع: «إمام».
6) . في «ص»: + «نفسه».
7) . في «د»: «أو».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «و انتهاء أمر الرئاسة».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «فإن قال: قد بنيتم الكلام على أنّ المعصوم لا يجوز أن يحتاج إلى الإمام».
10) . في «د، ص، ط» و الحجري: «يثبت». و في «ج»: «ثبت».
11) . في «ج، ص، ط، ف»: «إلى الإمام».
12) . في «ج، ص»: - «لِمَ ».
اختارَ الامتناعَ مِن كُلِّ القبائحِ و فِعلَ جميعِ الواجباتِ؟ و متىٰ (1)لَم يَنصِبْ له إماماً لَم يَختَرْ ذلكَ ، فيَكونُ معصوماً مع أنّ له إماماً؟
قيلَ له: هذا التقديرُ الذي قدَّرتَه لَو وَقَعَ لَم(2)يَقدَحْ في قَولِنا: «إنّ المعصومَ لا يَحتاجُ إلىٰ إمامٍ مع عصمتِه»؛ لأنّ كُلَّ مَن كانَت عصمتُه بالإمامِ لَم يَحتَجْ إلىٰ إمامٍ مع عصمتِه(3)، و إنّما احتاجَ(4)إليه ليَكونَ معصوماً به، فلَم تَستَقِرَّ(5)له العصمةُ بغَيرِ الإمامِ مع حاجتِه إلَى الإمامِ(6)، و إنّما يَكونُ مُفسِداً لِما ذَكرناه(7)معارَضَتُكَ(8)لنا علىٰ معصومٍ لَم تَكُن(9)عصمتُه ثابتةً بالإمامِ، و هو مع ذلك يَحتاجُ إلىٰ إمامٍ(10).
علىٰ أنّ ما بَنَينا عليه الدليلَ يُسقِطُ هذه المُعارَضةَ؛ لأنّا عَلَّلنا وجوبَ(11)حاجةِ الناسِ إلىٰ ذلكَ(12)المعصومِ ، و قَضَينا بأنّ مَن كانَ معصوماً لا تَجِبُ (13)حاجتُه إلىٰ
1) . في «ج، ص»: «و إن».
2) . لم يرد في المطبوع قوله: «قيل له: هذا التقدير الذي قدّرته لو وقع لم». و هو سهو واضح.
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «إنّ المعصوم لا يحتاج مع عصمته إلى الإمام؛ لأنّ من كانت بالإمام عصمته لم يحتج إلى الإمام مع عصمته».
4) . في «ج»: «يحتاج». و في «ص»: «احتيج».
5) . في «د، ص، ط، ف»: «فلم يستقرّ».
6) . في «ط، ف»: «بغير الإمامة مع حاجته إلى الإمامة».
7) . في «ج، ص، ط، ف» و حاشية الحجريّ : «لما اعتمدناه».
8) . في «د، ط، ف» و الحجري: «موافقتك».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «لم تك».
10) . في «ص»: «إلى الإمام».
11) . في «ج، ص، ف»: «دلّلنا على وجوب» بدل «علّلنا وجوب».
12) . في «د»: - «ذلك».
13) . في «ط» و الحجري: «لا يجب».
إمامٍ، و تقديرُكَ هذا لَيسَ بموجِبٍ حاجةَ (1)المعصومِ إلىٰ إمامٍ (2)، و إنّما يَقتَضي - إذا صَحَّ - تجويزَ ذلك، و التجويزُ لا يَقدَحُ فيما اعتَمَدناه؛ لأنّ الحاجةَ إلَى الإمامِ (3)لا تَجِبُ للمعصومِ .
فإن قيلَ (4): و لِمَ أَنكَرتم أن يَكونَ (5)يَحتاجُ المعصومُ مع عصمتِه الثابتةِ بغَيرِ إمامٍ (6)إلىٰ إمامٍ ؛ ليَكونَ مع وُجودِه أقرَبَ إلىٰ فِعلِ الواجبِ و تَركِ القَبيحِ؟
قيلَ له: لَيسَ يَجِبُ عندَنا إذا فعَلَ اللّٰهُ تَعالىٰ ما يَعلَمُ أنّ العبدَ يَفعَلُ عندَه الواجبَ و يَترُكُ(7)القَبيحَ ، أن يَفعَلَ به جميعَ ما يَكونُ معه أقرَبَ إلىٰ فِعلِ الواجبِ و تَركِ القَبيحِ ؛ لأنّ ما فعَلَه ممّا قد عُلِمَ أنّه لا يُخِلُّ معه بالواجبِ يُغني و يَكفي. و إذا ثبَتَت(8)هذه الجُملةُ بطَلَ ما سَألَ عنه؛ لأنّ المعصومَ - الذي قد عَلِمَ اللّٰهُ تَعالىٰ أنّه لا يَختارُ شَيئاً مِن القَبائحِ عندَ ما فعَلَه به مِن الألطافِ التي لَيسَ مِن جُملتِها الإمامةُ - هو مُستَغنٍ عن إمامٍ يَكونُ عندَ وُجودِه أقرَبَ إلىٰ ما ذَكرَه(9).
1) . في «د»: «بحاجة».
2) . في «ج، ط، ف»: - «و تقديرك هذا...» إلى هنا.
3) . في المطبوع: «إلى إمام».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «فإن قال».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: - «يكون».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «بغير الإمام».
7) . في المطبوع و الحجري: «و ترك».
8) . في «ج، د، ص» و الحجريّ : «ثبت».
9) . في المطبوع و الحجري: «ما ذكر».
فإن قيلَ(1): ما ذَكَرتُموه يؤدّي إلىٰ أن يَكونَ المعصومونَ مُستَغنينَ عن تكليفِ المعرفةِ باللّٰهِ تَعالىٰ(2)بعصمتِهم(3)كما استَغنَوا بعصمتِهم عن الإمامِ، و إلّافإن وَجَبَ أن يَحتاجوا إلَى المعرفةِ مع عصمتِهم لِيَكونوا عندَها أقرَبَ إلىٰ فِعلِ المُرادِ و تجنُّبِ المكروهِ ، وَجَبَ أن يَحتاجوا إلَى الإمامِ (4)مع عصمتِهم لمِثلِ (5)ذلكَ .
قيلَ له(6): لَيسَ يُنكَرُ(7)أن يَكونَ المعصومونَ إنّما(8)كُلِّفوا المعرفةَ باللّٰهِ تَعالىٰ؛ لأنّ بها يَتكامَلُ(9)عصمتُهم، و مِن أجلِها لَم يَختاروا فِعلَ القَبيحِ، و لَو جازَ أن يَتكامَلَ(10)لهم(11)العصمةُ مِن دون تكليفِ المعرفةِ لَم يَجِبْ تكليفُهم المعرفةَ، كَما لا تَجِبُ(12)إقامةُ أئمّةٍ لهُم إذا ثَبَتَت(13)عصمتُهم مِن دونِ الإمامِ، فيَكونُ الدليلُ الدالُّ علىٰ عُمومِ تكليفِ المعرفةِ للخَلقِ(14)كاشِفاً عن وُقوعِ ما قَدَّرناه في المعصومينَ مِنهم، مِن أنّ بالمعرفةِ يَتَكامَلُ (15)عصمتُهم.
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «فإن قال».
2) . حيث إنّ معرفته تعالى واجبة لأنّها لطف في أداء الواجبات و اجتناب المقبّحات، كما يقول به القاضي عبد الجبّار في شرح الأُصول الخمسة، ص 33.
3) . في «ج»: «لعصمتهم».
4) . في المطبوع و الحجري: «إلى إمام».
5) . في «ج»: «بمثل».
6) . في «ص»: «فيقال له».
7) . في «ص، ط، ف»: «ليس ننكر».
8) . في «ص»: - «إنّما».
9) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «تتكامل».
10) . هكذا في النسخ و الحجريّ . و في المطبوع: «تتكامل».
11) . في «ط، ف»: «بهم».
12) . في «ج، ص، ط، ف»: «ليس يجب».
13) . في «ج، د، ص» و الحجري: «إذا ثبت».
14) . في «د»: «للحقّ ».
15) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «تتكامل».
فإن قيلَ(1): هذا كلامُ مَن يُجوِّزُ أن لا يُكلِّفَ اللّٰهُ تَعالىٰ معرفتَه المعصومينَ علىٰ حالٍ مِن الأحوالِ، و هي الحالُ (2)التي يَعلَمُ أنّ عصمتَهم تَحصُلُ مِن دونِ المعرفةِ .
فإذا جازَ ذلكَ عندَكم، فما الدليلُ الموجِبُ لعُمومِ تكليفِ المعرفةِ للمعصومينَ؟ و إذا كُنتُم قد أَفسَدتُم التعلُّقَ بطريقةِ (3)الأقرَبِ ، فلَم يَبقَ لكم معتَمَدٌ في عُمومِ تكليفِها.
قيل له(4): لَيسَ الأمرُ كما ظَنَنتَ مِن تَعذُّرِ(5)الدَّلالةِ علىٰ عُمومِ تكليفِ المعرفةِ علينا إذا لَم نعتَمِدْ(6)طريقَتَكَ، و عندَنا أنّ طريقةَ السمعِ هي الدالّةُ(7)علىٰ عُمومِ تكليفِها لسائرِ(8)مَن تَكامَلَت شُروطُه، و لا شُبهةَ في دَلالةِ السَّمعِ علىٰ ذلكَ؛ لأنّ الأُمّةَ مُجمِعةٌ علىٰ تَساوي أحوالِ العِبادِ في بابِ المعرفةِ؛ لأنّ مَن ذَهَبَ إلىٰ أنّها مُستَدَلٌّ(9)عَلَيها يَذهَبُ إلىٰ عُمومِ الخَلقِ بتكليفِها إذا تَكامَلَت شُروطُ(10)تَكليفِهم،
و مَن قالَ فيها(11)بالاضطرارِ يَقولُ في عُمومِها بمِثلِ ذلكَ . و لَو لَم يَكُن في هذا إلّاما يُعلَمُ ضَرورةً مِن دِينِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(12)- مِن أنّ تكليفَ معرفةِ اللّٰهِ تَعالىٰ
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «فإن قال».
2) . في «ص»: «الحالة».
3) . في «ج، ص»: «بطريق».
4) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «له».
5) . في المطبوع: «بعد» بدل «تعذّر».
6) . في «ط»: «يعتمد».
7) . في «د» و المطبوع و الحجري: «الدلالة».
8) . في «ص»: «بسائر».
9) . في «ص»: «يستدلّ ».
10) . في «د» و المطبوع و الحجري: «شروطه».
11) . في «ج، ص، ط»: «منها».
12) . في «ج، ص، ط، ف»: «إلّا ما يعلم من دين النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله ضرورة».
و معرفةِ رُسُلِه عليهم السلام عامّةٌ للعقلاءِ ، و أنّه لا تخصيصَ فيها و لا تمييزَ(1)إلّا لِمَن لَم يَتكامَلْ (2)شُروطُه(3)- لَكانَ مُقنِعاً.
و بَعدُ، فقَد عُلِمَ أيضاً مِن دِينِ محمّدٍ(4)صَلَّى اللّٰهُ عليهِ و آلِه عُمومُ وُجوبِ الصّلَواتِ (5)، و ما أشبَهَها مِن العباداتِ الشرعيّةِ ، لكُلِّ مَن تَكامَلَت(6)شُروطُه مِن المكلَّفينَ علىٰ وجهٍ لا إشكالَ فيه، و نحنُ نَعلَمُ أنّ هذه العِباداتِ لا يَصِحُّ وقوعُها قُربةً و علَى الوجوهِ التي وَجَبَت عليها ممّن هو جاهِلٌ باللّٰهِ تَعالىٰ و(7)غَيرُ عالِمٍ به؛ بل لا بُدَّ مِن تقدُّمِ معرفتِه(8)تَعالىٰ بصِفاتِه، و معرفةِ صِدقِ رَسولِه صَلَّى اللّٰهُ عليهِ و آلِه(9). و في هذا أَوضَحُ دَلالةٍ علىٰ وجوبِ المعرفةِ ؛ لأنّ ما لا يَتِمُّ فِعلُ الواجبِ إلّا به لا بُدَّ أن يَكونَ واجباً.
و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ : فهذه(10)العِباداتُ قد(11)تَسقُطُ عن بعضِ العُقَلاءِ لأعذارٍ معلومةٍ ، فيَجِبُ أن تَسقُطَ(12)المعرفةُ بسُقوطِها، حتّىٰ يُقضىٰ علىٰ كُلِّ مَن لا يَلزَمُه
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «و لا تميّز».
2) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «لم تتكامل».
3) . أي شروط التكليف.
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «من دين النبيّ ».
5) . في «ج، د»: «الصلاة».
6) . في «ج، ص، ط»: «تكامل».
7) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «أو».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: + «باللّٰه».
9) . في «ج، ص، ف»: «عليه السلام».
10) . في المطبوع و الحجري: «هذه».
11) . في «ص، ط»: - «قد».
12) . في «د» و الحجري: «يسقط».
فِعلُ شيءٍ مِن هذه(1)العِباداتِ بزَوالِ تكليفِ المعرفةِ عنه.
لأنّه غَيرُ مُمتَنِعٍ أن يُرجَعَ - في ثُبوتِها علىٰ مَن سَقَطَت عنه العِباداتُ الشرعيّةُ لبَعضِ العُذرِ - إلىٰ ضَربٍ آخَرَ مِن الاعتبارِ؛ و هو أنّ الأُمّةَ مُجمِعةٌ علىٰ أنّ سُقوطَ فَرضِ المعرفةِ غَيرُ تابعٍ(2)لسُقوطِ فَرضِ(3)هذه العِباداتِ. و هذا ما(4)لا خِلافَ فيه؛ لأنّ مَن ذَهَبَ فيها إلَى الضرورةِ لا يَجعَلُ فَرضَها ثابتاً علَى المكلَّفِ في حالٍ مِن الأحوالِ(5)، فكيفَ يَجعَلُ سُقوطَها(6)تابعاً لسُقوطِ العِباداتِ في بَعضِ الأحوالِ؟ و مَن ذَهَبَ إلىٰ أنّها اكتسابٌ مِن أهلِ الحقِّ ، لا شُبهةَ في قَطعِه علىٰ عُمومِ تكليفِها، و أنّها(7)
ممّا لا تَتبَعُ في الزوالِ العِباداتِ الشرعيّةَ . و الذاهبُ إلىٰ أنّها تَقَعُ بالطبعِ بعدَ النظَرِ لا يُخالِفُ أيضاً في هذه الجُملةِ التي هي أنّ المعرفةَ غَيرُ تابِعةٍ في الزوالِ هذه العِباداتِ .(8)
و اعلَمْ أنّا إنّما سَلَكنا في تَرتيبِ الدَّلالةِ الّتي قَدَّمناها علىٰ عصمةِ الإمامِ مَسلَكَ مَن تَقدَّمَ مِن سَلَفِنا رَضيَ اللّٰهُ عنُهم(9)، و إن كُنّا قد احتَرَزنا في إثباتِها(10)بألفاظٍ
1) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «هذه».
2) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «غير مانع».
3) . في المطبوع: - «فرض».
4) . في «ج»: «ممّا».
5) . فإنّ الأُمور الضروريّة غير الاكتسابيّة لا يتعلّق بها تكليف.
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «سقوطه».
7) . في «د»: «و أنّه».
8) . في التلخيص: «و من ذهب إلى أنّها اكتساب من أهل الحقّ ، لا شبهة في قطعه على وجودها، و أنّها لا تتبع في الزوال زوال العبادات».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «رضوان اللّٰه عليهم».
10) . في «ط، ف» و المطبوع: «أثنائها».
مُسقِطةٍ لبعضِ شُبَهِ الخُصومِ اللازِمةِ علىٰ مَن(1)يُخالفُ ترتيبَنا، و استَقصَينا الجوابَ عن قَويِّ ما يُمكِنُ إيرادُه عليها مِن المَطاعِنِ و الاعتراضاتِ .
و يُمكِنُ أن يُستَدَلَّ بمعنىٰ هذه الطريقةِ علَى الترتيبِ الذي نُرتِّبُه(2)الآنَ :
فنَقولُ(3): إذا ثَبَتَ وجوبُ الإمامةِ مِن الوجهِ الذي تَقدَّمَ بَيانُه(4)، فالطريقُ الذي به يُعلَمُ(5)وجوبُها، به يُعلَمُ جهةُ الوجوبِ و(6)المُقتَضي له؛ لأنّ الطريقَ إلىٰ وجوبِ الحاجةِ إلَى الإمامِ إذا كانَ هو كَونَه لُطفاً في ارتفاعِ القَبيحِ و فِعلِ الواجبِ(7)، و قد(8)ثَبَتَ(9)أنّ فِعلَ القَبيحِ و الإخلالَ بالواجبِ لا يَكونانِ إلّاممّن لَيسَ بمعصومٍ؛ فقَد ثَبَتَ أنّ جهةَ الحاجةِ هي ارتفاعُ العصمةِ و جَوازُ فِعلِ القَبيحِ ، و اقتَرَنَ العِلمُ بالحاجةِ بالعِلمِ بجهتِها، و(10)صارَت الحاجةُ إلىٰ وجوبِ الإمامةِ ما ثَبَتَ مِن كَونِها لُطفاً، و جِهةُ الحاجةِ إلىٰ كَونِها لُطفاً ارتفاعُ العصمةِ و جَوازُ فِعلِ القَبيحِ ؛ فالنافي(11)لجِهةِ (12)الحاجةِ و مُقتَضيها كالنافي لنَفسِ الحاجةِ .
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «ما».
2) . في «د» و المطبوع و الحجري: «رتّبته».
3) . في «د» و المطبوع و الحجري: «فيقال».
4) . تقدّم في ج 1، ص 222.
5) . في «ج»: «يعلم به» بدل «به يعلم».
6) . في المطبوع: - «و».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «و في فعل الواجب».
8) . في المطبوع: «قد» بدون الواو. و في التلخيص: «فقد».
9) . في «ج»: + «له».
10) . في «ص، ط»: «أو». و في «ج»: «إذ».
11) . في «ج، ص، ط»: «و النافي».
12) . في «ج، د، ص، ط»: «بجهة».
و جَرىٰ هذا في بابِه مَجرىٰ ما نَعتَبِرُه(1)في تَعلُّقِ أفعالِنا بنا مِن حَيثُ كانَت مُحدَثةً(2)لأنّا نَقولُ: ما دَلَّ علىٰ تَعلُّقِها بنا و حاجتِها إلينا هو بعَينِه دالٌّ علىٰ أنّها احتاجَت إلينا مِن حَيثُ كانَت مُحدَثةً؛ لأنّا إنّما أثبَتنا التعلُّقَ و الحاجةَ مِن حَيثُ وَجَبَ وقوعُها بحَسَبِ قُصودِنا(3)و أحوالِنا(4)مع السَّلامةِ، و إذا وَجَدنا الصفةَ التي تَحصُلُ عليها(5)عندَ قَصدِنا(6)هي الحدوثَ، قَطَعنا علىٰ حاجتِها إلينا في الحُدوثِ.
و مِثلَ هذا الاعتبارِ استَعمَلنا في استخراجِ جهةِ الحاجةِ إلَى الإمامِ، فلا بُدَّ علىٰ
هذا مِن أن يَكونَ الإمامُ معصوماً ليَخرُجَ(7)عن العِلّةِ المُحوِجةِ إلَى الإمامِ ، و إلّاأدّىٰ ذلكَ إلىٰ وُجودِ ما(8)لا نِهايةَ له مِن الأئمّةِ .
و متَى اعتُمِدَ في عصمةِ الإمامِ (9)هذا الترتيبُ الذي اختَرناه، سَقَطَ سائرُ ما يَعتَرِضُ به المُخالِفونَ في استخراجِ عِلّةِ الحاجةِ إلَى الإمامِ ، و خَفَّ بذلكَ شُغُلٌ كَثيرٌ.
و يَسقُطُ أيضاً ما لا يَزالونَ يَتَعَلَّقونَ به، فيَقولونَ : كيفَ (10)تَحكُمونَ بأنّ
1) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «يعتبره».
2) . في التلخيص: «حادثة».
3) . في المطبوع: «قصورنا»، و هو سهو.
4) . في «د» و المطبوع: «و أقوالنا».
5) . في «ج، ص، ط»: «علينا».
6) . في التلخيص: «قصودنا».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «فيخرج».
8) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «مَن».
9) . في «ج» و حاشية «ف»: + «على».
10) . في المطبوع: «كي». و هو سهو واضح.
المعصومَ لا تَجِبُ(1)حاجتُه إلَى الإمامِ، مع اعتقادِكم كَونَ أميرِ المؤمنينَ عليهِ السلامُ معصوماً في حَياةِ النبيِ صَلَّى اللّٰهُ عليهِ و آلِه و سَلَّمَ، و هو مع ذلكَ مُحتاجٌ إليه و مؤتَمٌّ به؟ و كذلك القَولُ في الحَسَنِ و الحُسَينِ عَلَيهما السلامُ في حَياةِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ. اللّهُمّ(2)إلّاأن تَزعُموا أنّ أميرَ المؤمنينَ عليهِ السلامُ لَم يَكُن محتاجاً إلَى النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليهِ و آلِه و سَلَّمَ فتَخرُجوا عن الدِّينِ، أو تَزعُموا أنّه لَم يَكُن معصوماً في تِلكَ الحالِ فتَترُكوا مَذهبَكم(3).
و ذلكَ أنّا إنّما مَنَعنا حاجةَ المعصومِ إلىٰ إمامٍ يَكونُ لُطفاً له في تَجنُّبِ القَبيحِ و فِعلِ الواجبِ، و لَم نَمنَعْ(4)حاجتَه إليه مِن غَيرِ هذا الوجهِ(5). ألا تَرىٰ أنّ كلامَنا إنّما كانَ(6)في تعليلِ الحاجةِ إلىٰ إمامٍ يَكونُ لُطفاً في الامتناعِ مِن المقبَّحاتِ ، و لَم يَكُن في تعليلِ غَيرِ هذه الحاجةِ؟ فإذا ثَبَتَت هذه الجُملةُ لَم يَمتَنِعِ (7)استغناءُ أميرِ المؤمنينَ عليهِ السلامُ بعصمتِه في حالِ حَياةِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليهِ و آلِه عنه(8)فيما ذَكرناه، و إن لَم يَكُن مُستَغنياً عنه في غَيرِ ذلكَ مِن تعليمٍ و توقيفٍ (9)و ما أشبَهَهما(10).
1) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «لا يجب».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: - «اللهمّ ».
3) . في «د»: «مذاهبكم».
4) . في «ص، ط» و الحجري: «و لم يمنع».
5) . في المطبوع: «هذه الوجهة».
6) . في «د» و المطبوع و الحجري: «يكون».
7) . في «ص»: «لم يمنع».
8) . في «ج، ط، ف»: - «عنه».
9) . أي أنّه يستغني بعصمته عنه بأن يكون لطفاً له في الامتناع عن القبيح، و لكنّه لا يستغني عن تعليمه - لأنّه باب مدينة علمه - و توقيفه على ما يختصّ الإمامة. و في «ط»: «توفيق» بدل «توقيف».
10) . في «د» و المطبوع و الحجري: «أشبهها».
و كذلك القَولُ في الحَسَنِ و الحُسَينِ عَلَيهما السلامُ أنّهما يَستَغنيانِ (1)بعصمتِهما عن إمامٍ يَكونُ لُطفاً لهما في الامتناعِ عن القَبيحِ ، و إن جازَت حاجتُهما إلَى الإمامِ لِلوجهِ الذي ذَكرناه.
فأمّا قَولُ بعضِهم: إنّ الإمامَ إنّما احتيجَ إليه لإقامتِه الحُدودَ، و صَلاةَ الجُمُعةِ ، و الغَزوِ بالمُسلِمينَ ، و قِسمةِ الفَيءِ .
فيَبطُلُ بما بيّنّاه(2)مِن ثُبوتِ الحاجةِ إليه مِن الوجهِ الذي ذَكرناه، و بأنّ الحاجةَ إليه عقليّةٌ و سائرَ ما ذُكِرَ(3)سَمعيٌّ، و بأنّ سائرَ ما ذُكِرَ قد يَسقُطُ عن بعضِ الأُمّةِ لأعذارٍ مع ثُبوتِ الحاجةِ إلَى الإمامِ (4).
على(5)أنّه لَيسَ يَخلو ما ذَكَروه مِن إقامةِ الحُدودِ أن يُريدوا به إقامتَها علىٰ مُستَحِقّيها، أو يُريدوا أنّ الإمامَ يُحتاجُ إليه قَبلَ استحقاقِها؛ ليَتوَلّىٰ إقامتَها عندَ استحقاقِ الجُناةِ لها.
فإن أرادوا الوجهَ الثانيَ ، فإنّا لا نُضايِقُ فيه؛ لأنّ المعنىٰ يَرجِعُ إلىٰ ما أَرَدناه؛ لأنّ مَن لَم يُقارِفْ (6)ما يوجِبُ الحَدَّ إذا احتاجَ إلىٰ إمامٍ قَبلَ مُقارَفَتِه(7)فلَم يَحتَجْ إليه إلّالِلوجهِ
الذي نَعتَبِرُه، و هو كَونُه ممّن يَجوزُ أن يَفعَلَ القَبيحَ و يُقارِفَ (1)ما يَستَحِقُّ به التأديبَ .
و إن أرادوا الوجهَ الأوّلَ بَطَلَ بأنّه مؤدٍّ إلىٰ أن يَكونَ أبرارُ الأُمّةِ و مَن كانَ مِنهم علىٰ حالِ السلامةِ غَيرَ مُحتاجينَ إلىٰ إمامٍ (2)، و أن تَكونَ الحاجةُ إليه مُختصّةً بالفُسّاقِ و مُستَحِقّي الحُدودِ. و هذا فاسدٌ بالعقلِ و السَّمعِ مَعاً.
و أمّا معارَضةُ صاحبِ الكتابِ لنا بالأميرِ(3)و قَولُه: «إذا جَوَّزتُم عليهِ ما تجوِّزونَه علىٰ رَعيّتِه و لَم يَمنَعْ ذلكَ مِن إثباتِ فَرقٍ مّا بَينَه و بَينَ رَعيّتِه، فقولوا في الإمامِ مِثلَه»(4).
فظاهرةُ(5)البُطلانِ؛ لأنّا أوّلاً لَم نَقُلْ: إنّ الإمامَ لَو لَم يَكُن معصوماً لَوَجَبَ أن لا يَكونَ بَينَه و بَينَ رَعيّتِه فَرقٌ، مِن غَيرِ تقييدٍ؛ بَل قُلنا: كانَ يَجِبُ أن لا يَكونَ فَرقٌ فيما احتاجوا مِن أجلِه إليه. و هكذا حَكاه(6)عنّا في الكلامِ الذي تَعاطَى اعتراضَه،
و لا نَدري كيفَ استَحسَنَ حكايةَ شيءٍ مِن الكلامِ و إنّما الكلامُ علىٰ غَيرِه(7)؟
و لَم نَقُلْ أيضاً: إنّه لا يَجوزُ أن يُقيمَ الحَدَّ مَن يُمكِنُ أن يَستَحِقَّ إقامتَه عليه.
و الذي قُلناه غَيرُ هذا، و قد بيّنّاه، و هو مفهومٌ .
فأمّا الأميرُ: فإنّه لَمّا لَم يَكُن معصوماً، و شارَكَ رَعيّتَه في عِلّةِ الحاجةِ إلَى الإمامةِ
1) . في «د، ط»: «و يفارق».
2) . في المطبوع و الحجري: «إلى الإمام».
3) . أي المنصوب من قِبل الإمام في بعض الجهات.
4) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 84 مع تلخيص.
5) . في «د» و المطبوع و الحجري: «فظاهر».
6) . في المطبوع و بعض النسخ: «حُكيَ ».
7) . في «د» و المطبوع و الحجري: «حكاية شيء و الكلام على غيره».
و السياسةِ، قَضَينا بحاجتِه إلىٰ إمامٍ كَما قَضَينا بحاجتِهم؛ فإمامُه(1)هو إمامُ الكُلِّ و رَئيسُ الجَميعِ(2). فيَجِبُ علىٰ صاحبِ الكتابِ إذا أَلزَمَنا حَملَ حالِ الإمامِ علىٰ حالِ الأميرِ(3)أن يَلتَزِمَ(4)كَونَ الإمامِ - إذا كانَ غَيرَ معصومٍ - مأموماً بغَيرِه قَبلَ أن يُحدِثَ ، كما كانَ الأميرُ كذلكَ قَبلَ أن يُحدِثَ (5). و لَو جازَ أن يَستَغنيَ الإمامُ - مع كَونِه مُشارِكاً لرَعيّتِه و الأُمراءِ مِن قِبَلِه في كَونِهم غَيرَ معصومينَ - عن إمامٍ إلىٰ أن يُحدِثَ ، لَجازَ أن يَستَغنيَ الأميرُ و أبرارُ الأُمّةِ عن الإمامِ إلىٰ أن يُحدِثوا. و إذا كانَ استغناءُ هؤلاءِ عنه مُحالاً وَجَبَ ما ذَكرناه فيه مِن لُزومِ الحاجةِ إلىٰ إمامٍ .
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و متىٰ قالوا بأنّ ذلكَ (6)لا يَصِحُّ لأمرٍ يَرجِعُ إلىٰ أنّ الإمامَ لا يَكونُ (7)بالاختيارِ، بيّنّا فَسادَ قَولِهم بما نَذكُرُه(8)مِن بَعدُ.(9)
يُقالُ له: الاختيارُ و إن كانَ عندَنا فاسداً بما سُنبيِّنُه بمَشيئةِ اللّٰهِ تَعالىٰ عندَ بُلوغِنا
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «و إمامه».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «إمام الجميع و رئيس الكلّ » بدل «إمام الكلّ و رئيس الجميع».
3) . في «ص»: «إذا ألزمنا حدّ حال الإمام إلى حال الأمير».
4) . في «ص، ط»: «أن يستلزم».
5) . هذا إشارة إلى عبارة المغني المتقدّمة في بداية البحث عن دليل عصمة الإمام، حيث قال القاضي هناك عند حديثه عن الأمير: «فإذا أحدث حدثاً وجب عزله...».
6) . أي عزل الإمام و استبداله بغيره. و هو إشارة إلىٰ عبارة المغني المتقدّمة و التي أضفناها إلى المتن و وضعناها بين معقوفين، حيث قال القاضي هناك: «و لا فرق بين أن يقال في الأمير: إنّه عند الحدث مستبدلٌ به، و بين أن يقال في الإمام: إنّه عند الحدث يُقام غيرُه بدلاً منه».
7) . في المغني: «لا يصحّ أن يكون».
8) . في المغني: «بما يذكر».
9) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 84.
إلىٰ كلامِكَ فيه(1)، فإنّا غَيرُ مُحتاجينَ في كَسرِ اعتراضِكَ علىٰ دليلِنا في العصمةِ إلىٰ ذِكرِه، و في بعضِ ما أَورَدناه كِفايةٌ في إبطالِه.(2)
قالَ صاحبُ الكتابِ - بَعدَ كلامٍ في الحُدودِ ذَكرَه(3)لا نَرتَضيهِ و لا نَتعلَّقُ بمِثلِه -:
علىٰ أنّ الذي ذَكروه(4)دَعوىً(5)لا دَلالةَ عليها(6)، فيُقالُ لهُم: فما(7)الذي يَمنَعُ مِن أن يَجوزَ علَى الإمامِ الحَدَثُ، و مع ذلكَ يُفارِقُ(8)حالُه
حالَ الرعيّةِ؟ لأنّه إنّما صارَ إماماً لا مِن حَيثُ لا يَجوزُ عليهِ الحَدَثُ، لكِنْ لطَريقٍ (9)مخصوصٍ حَصَلَ فيه و لَم يحصُلْ في أحَدٍ(10)مِن رَعيّتِه،
1) . يأتي في بداية الجزء الرابع من هذا الكتاب.
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «و في بعض ما قد أوردناه متقدّماً كفاية في إبطال ذلك».
3) . في المغني: «و متى قالوا: إنّ ذلك لا يصحّ لأنّه يوجب أن يتعطّل الحدّ، أريناهم خلاف ذلك من حيث إذا نصب إمام آخر أقام هذا الحدّ، كما قالوه في الأمير. على أنّا قد بيّنّا أنّ في الحدود ما يتعطّل عند العذر و غيره، فما الذي يمنع من أن يكون هذا من جملته ؟ و إذا جاز إثبات إمام معصوم عندهم و هو مغلوب بالخوارج و غيرهم و لا يقيم الحدود و لا يؤدّي إلى فساد، فما الذي يمنع ممّا يلزم مَن كان إماماً في الحدود مثله ؟ فإذا كان في هذا الزمان الحدود عندهم معطّلة و لا يؤدّي إلى فساد، فما الذي يمنع مثله فيما سألوه عنه ؟ على أنّ الذي ذكروه...». المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 84-85.
4) . هكذا في «د» و الحجري و المغني. و في «ج، ص، ط، ف»: «ذكره». و في المطبوع: «أوردتموه» مستنداً على ما في المغني، بينما الذي في المغني: «ذكروه» كما في المتن.
5) . في المطبوع: «من دعوى».
6) . يريد دعوىٰ عصمة الإمام.
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «و ما».
8) . في المغني: «تفارق». و في المطبوع و الحجري: «يقارف».
9) . في «ج، ص، ط»: «بطريق».
10) . في المغني: «حصل منه و لم يحصل من أحد».
فكانَ (1)له أن يَقومَ بالحُدودِ و الأحكامِ دونَهم؛ فإن(2)جازَ عليهِ في المُستَقبَلِ ظُهورُ الحَدَثِ ، فما الذي يَمنَعُ مِن ذلك ؟(3)
يُقالُ له: إذا جازَ عليهِ الحَدَثُ فقَد شارَكَ الرعيّةَ فيما مِن أجلِه احتاجَت إليه، و وَجَبَت حاجتُه إلىٰ إمامٍ كما وَجَبَت حاجتُهم إليه، و مُفارَقَتُه للرعيّةِ في غَيرِ ذلكَ مع مُشارَكتِه لهُم في عِلّةِ الحاجةِ لا يَمنَعُ(4)مِن حاجتِه إلىٰ إمامٍ كَحاجَتِهم.
فأمّا(5)قَولُكَ : «إنّما صارَ إماماً لا مِن حَيثُ لا يَجوزُ عليهِ الحَدَثُ » فهو صحيحٌ ، إلّا أنّه رَدٌّ علىٰ غَيرِنا؛ لأنّا لَم نَقُلْ ذلكَ و لَم نَعتَمِده(6)، و إن كانَ الإمامُ عندَنا لا بُدَّ أن يَكونَ ممّن لا يَجوزُ عليهِ الحَدَثُ ؛ للوجهِ الذي ذَكرناه، لا لأنّه إنّما صارَ إماماً لأنّ الحَدَثَ لا يَجوزُ عليه.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
فإن قالوا: لَو جازَ ذلكَ فيه لَجازَ في الرسولِ عليهِ السلامُ حتّىٰ لا يَبِينَ (7)مِن أُمّتِه و لا تَجِبَ (8)عصمتُه.
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «و كان».
2) . في «د»: «و إن».
3) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 85.
4) . في «ط»: «لا تمنع».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «و أمّا».
6) . في «ص»: «و لم نعتبره».
7) . لا يبين، أي لا يفترق.
8) . في «د، ص، ط» و المطبوع و الحجري: «و لا يجب». و في المغني: «حتّى لا يتبيّن من أُمّته و لا يوجب».
قُلنا لهم: إنّما وَجَبَ ذلكَ في الرسولِ لأنّه حُجّةٌ فيما يؤدّيهِ ، لا لِلوَجهِ الذي ذَكرتُم؛ فما الذي(1)يَمنَعُ إذا لَم يَكُن هذه حالةَ (2)الإمامِ (3)أن يَكونَ بمَنزِلتِهم في جَوازِ ذلكَ عليهِ؟ و إن كانَ قد بانَ مِنهم بأن حَصَلَ معه الطريقُ الذي له كانَ إماماً....(4)
يُقالُ له: قد بيّنّا فيما تَقدَّمَ أنّ الإمامَ حُجّةٌ فيما يؤدّيهِ مِن الشرعِ، و أنّه يَجِبُ أن يَكونَ معصوماً؛ لِنَأمَنَ مِن(5)خَطَئِه فيما يؤَدّيهِ كالرَّسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليهِ و آلِه و سَلَّمَ، و أَبطَلنا أن يَكونَ الشرعُ محفوظاً مؤدًّى(6)بالأُمّةِ بما نَستَغني(7)عن إعادتِه(8)، و هو موجِبٌ لحُصولِ العِلّةِ - التي ارتَضاها القَومُ في عصمةِ الرسولِ - في الإمامِ ، غَيرَ أنّ كلامَنا في هذا المَوضعِ هو(9)في نُصرةِ الدليلِ الذي حَكاه عنّا، و رَتَّبناه علَى الوجهِ الذي يَصِحُّ معه دَلالتُه علَى العصمةِ .
فيُقالُ له: لَو سَلَّمنا أنّ الإمامَ لَيسَ بحُجّةٍ فيما يؤَدّيهِ - تبرُّعاً و لئلّا نَخرُجَ (10)مِن دليلٍ إلىٰ غَيرِه - لَوَجَبَت عصمتُه(11)بما(12)قَدَّمنا ذِكرَه؛ لأنّ عِلّةَ الحاجةِ
1) . في «ط»: «فمن ذا الذي».
2) . في المغني: «إذا لم تكن هذه حاله».
3) . أي إذا لم يكن حجّةً فيما يؤدّيه.
4) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 85.
5) . في «ج، ص، ف»: «منه».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «و مؤدّياً».
7) . في «ج، ص، ط»: «يستغني».
8) . تقدّم في ج 1، ص 451-453.
9) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «هو».
10) . في «ص، ط»: «و لئلّا يخرج».
11) . في «ج، ص، ط، ف»: «عصمة الإمام».
12) . في المطبوع: «لِما».
إليه إذاكانَت هي(1)جَوازَ فِعلِ القَبيحِ، فلَو لَم يَكُن هو(2)معصوماً لَجازَ عليهِ فِعلُ القَبيحِ و لَاحتاجَ إلىٰ إمامٍ - لحُصولِ عِلّةِ الحاجةِ فيه - و لَاتَّصَلَ(3)ذلكَ بما لا نِهايةَ له. و لَيسَ إذا لَم يَكُنِ(4)العِلّةُ في عصمةِ الرسولِ بعَينِها حاصلةً في الإمامِ ، يَجِبُ (5)أن تُنفىٰ (6)عِصمتُه، بَل غَيرُ مُنكَرٍ أن تَثبُتَ (7)عصمتُهما جميعاً بطريقَين مختَلِفَين.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
علىٰ أنّه يُقالُ لهُم علىٰ عِلّتِهم هذه: فيَجِبُ أن لا يَكونَ في رَعيّةِ الإمامِ عندَكم مَن يُشارِكُه في العصمةِ ليَكونَ بائناً مِنهم، و إلّافإن جازَ أن يَكونَ فيهِم(8)مَن يَكونُ حالُه كحالِهم(9)، و لَم يَمنَعْ ذلكَ مِن(10)كَونِه إماماً دونَهم لِمَزيّةٍ (11)في طريقة(12)إثبات الإمامة، فما الّذي يَمنَعُ مِن مِثلِه فيما
1) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «هي».
2) . في «د»: - «هو».
3) . في «د»: «و لا يصل».
4) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «لم تكن».
5) . في «د»: «ما يجب».
6) . هكذا في «ج، د» و الحجري. و في سائر النسخ و المطبوع: «أن ننفي».
7) . في «ج، ط، ف»: «أن يثبت».
8) . في المغني: «منهم».
9) . هكذا في النسخ، و في المطبوع و الحجري: «كحاله».
10) . في «ص»: «عن».
11) . في المغني: «لمهمّة». و في المطبوع: «يلزمه».
12) . هكذا في «ج، ط» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «طريقه» بالهاء.
يُقالُ له(3): هذا الكلامُ إنّما يَلزَمُ علَى العِلّةِ التي تَظُنُّها، لا علَى العِلّةِ(4)التي حَكَيتَها
عنّا، و لا علىٰ ما رَتَّبناه؛ لأنّا لَم نَقُلْ: أنّ الإمامَ لا يَجوزُ(5)أن يُشارِكَ الرعيّةَ(6)في شَيءٍ مِن الصفاتِ، فيَلزَمَنا أن لا نُجوِّزَ(7)أن يَكونَ في رَعيّتِه معصومٌ. و الذي قُلناه و حَكَيتَ عنّا معناه هو أنّ الإمامَ لا يَجوزُ أن يُشارِكَ رَعيّتَه فيما احتاجوا مِن أجلِه إليه(8)لأنّه يؤَدّي إلىٰ ما ذَكرناه.
فأمّا قولُكَ: «فما الذي يَمنَعُ مِن مِثلِه فيما نَذهَبُ(9)إليه؟» فالذي يَمنَعُ منه: أنّا إذا أَثبَتنا في الرَّعيّةِ معصوماً مُشارِكاً للإمامِ في العصمةِ، لَم نَقضِ(10)بحاجتِه إلَى الإمامِ في الوجهِ الذي يَكونُ الإمامُ عليهِ لُطفاً في ارتفاعِ القَبيحِ؛ لحُصولِ عِلّةِ الغِنىٰ، و لَم نُناقِضْ(11).
و أنتَ إذا أثبَتَّ الإمامَ غَيرَ معصومٍ و جَوَّزتَ عليه القَبيحَ ، لَزِمَكَ أن يَكونَ له إمامٌ ؛ لحُصولِ عِلّةِ الحاجةِ ، فمتىٰ أثبَتَّ ذلكَ ناقَضتَ .
1) . في المغني: «يذهب».
2) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 85-86.
3) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «له».
4) . في «ج، ط، ف»: - «العلّة».
5) . في المطبوع و الحجري: «يجوز» بدل «لا يجوز». و في «ج، ص، ط، ف»: + «عليه».
6) . في المطبوع و الحجري: «رعيّته».
7) . في «ج، ص، ط»: «لا يجوز».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «فيما احتاجوا إليه من أجله».
9) . في «ص، ط» و المغني: «يذهب».
10) . في «د، ط»: «لم يقض».
11) . في «د، ص، ط، ف»: «و لم يناقض».
قالَ صاحبُ الكتابِ - بَعدَ كلامٍ في معنَى العصمةِ و حَدِّها لا حاجةَ بِنا إلىٰ ذِكرِه -:
فإن قالوا: إنّما نَمنَعُ مِن مُشارَكةِ الإمامِ رَعيّتَه فيما له وَقَعَت الحاجةُ إلَى الإمامِ ، و هو جَوازُ الحَدَثِ ؛ فأمّا أن يُشارِكَهم في العصمةِ فممّا لا نُنكِرُه؛ لأنّ ذلكَ بأن يَكونَ مُغنياً عن الإمامِ أَولىٰ مِن أن يَكونَ سبباً للحاجةِ إليهِ [فكيفَ يَلزَمُنا ما ذَكَرتُموه ؟](1).
قيلَ لهُم: ذلكَ لازِمٌ(2)لا مِن الوجهِ الذي ظَنَنتم(3)، لكِنْ بأن نَقولَ(4): إذا كانَ في رَعيّتِه مَن يَستَغني عنه فيما ذَكرتم و لَم يَمنَعْ ذلكَ مِن كَونِه بائِناً مِنه بطَريقِ الإمامةِ، فما الذي يَمنَعُ مِن مِثلِه فيما نَذهَبُ إليه ؟ و لا يَجِبُ أن لا يَلزَمَ (5)الكلامُ إلّاعلىٰ طريقِ المُناقَضةِ ؛ بل قد يَلزَمُ علىٰ هذا الوجهِ الذي ذَكرناه، و يَقَعُ به التنبيهُ (6)علىٰ أنّ الذي أَورَدتموه دَعوىً لا دَلالةَ عليها.(7)
يُقالُ له: و هذا كالأوّلِ في أنّه كلامٌ علىٰ غَيرِ ما اعتَمَدناه، و اعتراضٌ علىٰ غَيرِ اعتلالِنا، و قد بيّنّا عِلّتَنا و طريقَ تَوجُّهِها، و أنّا لَم نُحِلْ (8)مُشارَكةَ الإمامِ للرعيّةِ في
بعضِ الصِّفاتِ، و الذي أَحَلناه و أَبطَلناه قد أَفصَحنا عنه.
و الجوابُ عن(1)قَولِكَ: «فما الذي يَمنَعُ مِن مِثلِه فيما نَذهَبُ إليه؟» فقَد(2)تَقدَّمَ، و جُملتُه أنّكَ تُثبِتُ للإمامِ الصِّفةَ الموجِبةَ للحاجةِ و تَمنَعُ مِن حاجتِه! و نحنُ إذا أثبَتنا الصِّفَةَ(3)المُغنيةَ(4)لبعضِ الرعيّةِ لَم نَدفَعِ(5)القَطعَ علَى استغنائِه، بل قَضَينا بذلكَ علَى الوجهِ الذي تَقدَّمَ بَيانُه(6)اللّهُمّ إلّاأن تَلزَمَ(7)حاجةُ الإمامِ إلىٰ إمامٍ(8)لحُصولِ (9)عِلّةِ الحاجةِ ، كَما فَعَلنا نحنُ عَكسَ ذلكَ عندَ حُصولِ علّةِ الاستغناءِ ، و هذا إذا صِرتَ إليه أُبطِلَ بما ذَكرناه مِن أنّه يؤَدّي إلىٰ ما لا نِهايةَ له مِن الأئمّةِ .(10)
قالَ صاحبُ الكتابِ :
علىٰ أنّ القَومَ إذا اعْتَلّوا بهذه العِلّةِ عقلاً فهي غَيرُ مُسَلَّمةٍ ؛ لأنّا نُجوِّزُ في العقلِ ورودَ الشرعِ بأن يُجعَلَ (11)إقامةُ الحَدِّ إلىٰ مَن يَلزَمُه(12)الحَدُّ، كَما لا يَمتَنِعُ ورودُ الشرعِ بأن يَكونَ علَى المُقدِمِ علَى المُنكَرِ إنكارُ مِثلِه.
1) . في المطبوع: «من».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «قد».
3) . في «د» و المطبوع و الحجري: «الصفات».
4) . في «د، ص، ط»: «المعينة».
5) . في المطبوع: «لم تدفع».
6) . تقدّم في ص 136.
7) . في «ط»: «يلزم». و في «ج، ص، ف»: «يلتزم». و في الحجري: «تلتزم».
8) . في المطبوع: - «إلى إمام».
9) . في «ص»: «بحصول».
10) . تقدّم في ص 137.
11) . هكذا في «د». و في «ج»: «تُجعل». و في سائر النسخ و المطبوع: «بأن نجعل».
12) . في «ص»: «يلزم».
و إن كانوا يُعوِّلونَ في ذلكَ علَى السمعِ ، فيَجِبُ أن يُبيِّنوا طَريقَه(1)[و أن لا يَعتَمِدوا علىٰ ما أَورَدوه ممّا فيه مِن المُنازَعةِ ما ذَكرناه...].(2)
يُقالُ له: ما اعتَلَلنا بما ذَكرناه إلّاعقلاً، مِن غَيرِ رجوعٍ إلَى السّمعِ، أو تَعلُّقٍ به.
و قَولُكَ : «يَجوزُ أن يُجعَلَ (3)إقامةُ الحَدِّ إلىٰ مَن يَلزَمُه الحَدُّ»، إن أرَدتَ أنّه يُجعَلُ
إلىٰ مَن هذه حالُه مِن غَير أن يَكونَ وَراءَه راعٍ أو إمامٌ ، فهذا لا يَجوزُ؛ لأنّ مَن جُعِلَ إليه أن يُقيمَ الحَدَّ عليه، إنّما احتاجَ إلىٰ كَونِه مِن وَرائه؛ لجَوازِ وقوعِ ما يوجِبُ الحَدَّ منه. و إذا(4)كانَت هذه العِلّةُ قائمةً في المُقيمِ للحَدِّ(5)، احتاجَ إلىٰ مِثلِ نَفسِه.
و إن أرَدتَ جَوازَ إقامةِ الحَدِّ ممّن يَجوزُ أن يَستَحِقَّ الحَدَّ مع أنّ له إماماً مِن وَرائِه يُقيمُ عليه الحَدَّ(6)عندَ استحقاقِه، فهذا ممّا لا نأباه. و هذه(7)حالُ الأُمَراءِ و جميعِ خُلَفاءِ الإمامِ عندَنا(8).
1) . في المغني: «فيجب أن يثبتوا طريق ذلك».
2) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 87-88. و ما بين المعقوفين من المصدر.
3) . في المطبوع: «أن تُجعل».
4) . في المطبوع و الحجري: «فإذا».
5) . في «ج»: «في مقيم الحدّ».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «يقيمه عليه» بدل «يقيم عليه الحدّ».
7) . في «د» و المطبوع: «و هذا».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «و جميع الخلفاء للأئمّة عندنا نحن».
قالَ صاحبُ الكتابِ :
شُبهةٌ أُخرىٰ لهم(1): رُبَّما قالوا: لا بُدَّ مِن كَونِ إمامٍ معصومٍ في كُلِّ زَمانٍ؛ لأنّ أدلّةَ الشرعِ مِن كتابٍ و سُنّةٍ لا تَدُلُّ بنفسِها؛ لِاحتمالِها(2)، و لذلكَ اختَلَفوا(3)في معناها مع اتّفاقِهم في كَونِها دَلالةً؛ فلا بُدَّ مِن مُبيِّنٍ عَرَفَ معناها اضطراراً مِن الرسولِ أو مِن إمامٍ سِواه.
قالوا(4): فلَو جازَ خِلافُه كانَ لا يَمتَنِعُ أن يُنزِلَ(5)تَعالىٰ كتاباً و لا نَبيَّ في الزمانِ، فلَمّا بَطَلَ ذلكَ (6)- مِن حَيثُ لا بُدَّ مِن مبيِّنٍ للمُرادِ بالكتابِ ؛ للاحتمالِ الحاصلِ فيه -، فكذلكَ القَولُ في الإمامِ .
قالَ:
و هذا مَبنيٌّ علىٰ أنّ الكلامَ لا يَدُلُّ بظاهرِه، و قد بيّنّا فيما تَقدَّمَ أنّه يَدُلُّ ، و أبطَلنا الأقاويلَ المُخالِفةَ (1)لذلكَ ، و بيّنّا ما يَلزَمُ عليها مِن الفَسادِ [و ذلكَ يُبطِلُ هذه الشُّبهةَ ].(2)
يُقالُ له: لَسنا نَقولُ: إنّ جميعَ أدلّةِ الشرعِ مُحتَمِلةٌ غَيرُ دالّةٍ بنَفسِها، بَل فيها ما يَدُلُّ إذا كانَ ظاهرُه مُطابِقاً لحَقائقِ اللُّغةِ، و تَقدَّمَ العِلمُ للمُستَدِلِّ بأنّ المخاطِبَ به حَكيمٌ، و أنّه لا يَجوزُ أن يُريدَ خِلافَ الحقيقةِ مِن غَيرِ أن يَدُلَّ(3)عليهِ.
و لا شُبهةَ في أنّ جميعَ أدلّةِ الشَّرعِ لَيسَت بهذه الصفةِ؛ لأنّا نَعلَمُ أنّ في القُرآنِ مُتَشابِهاً(4)، و في السُّنّةِ مُحتَمِلاً(5)، و أنّ العُلَماءَ مِن أهلِ اللُّغةِ قد اختَلَفوا في المُرادِ
1) . في «ص»: «المختلفة».
2) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 88.
3) . في المطبوع و الحجري: «تدلّ».
4) . في القرآن الكريم آيات محكمات و أُخر متشابهات؛ فالمحكم هو ما عُلم المراد بظاهره من غير قرينة تقترن إليه و دلالة تدلّ على المراد به لوضوحه؛ نحو قوله تعالىٰ: (إِنَّ اللّٰهَ لاٰ يَظْلِمُ النّٰاسَ شَيْئاً) و قوله تعالىٰ: (لاٰ يَظْلِمُ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ) لأنّه لا يحتاج في معرفة المراد إلى دليل. و المتشابه ما لا يُعلم المراد بظاهره حتى يقترن به ما يدلّ على المراد منه، نحو قوله تعالىٰ: (وَ أَضَلَّهُ اللّٰهُ عَلىٰ عِلْمٍ) فإنّه يفارق قوله: (وَ أَضَلَّهُمُ السّٰامِرِيُّ ) لأنّ إظلال السامري قبيح، و إضلال اللّٰه - بمعنى حكمه بأن العبد ضالّ - ليس بقبيح بل هو حسن. كما عُرّف المحكم و المتشابه بتعاريف أُخرى أكثرها يختلف لفظاً، و يتقارب معنىً ؛ يُنظر في ذلك التبيان للشيخ الطوسي عند تفسير قوله تعالىٰ : (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتٰابَ مِنْهُ آيٰاتٌ مُحْكَمٰاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتٰابِ وَ أُخَرُ مُتَشٰابِهٰاتٌ ...) آل عمران (3):7.
5) . أي يحتمل عدّة وجوه.
بهِما، و تَوقَّفوا في الكَثيرِ ممّا لَم يَصِحَّ لهُم طريقُه، و مالوا(1)في مَواضِعَ إلىٰ طريقةِ الظَّنِّ و الأَولىٰ؛ فلا بُدَّ و الحالُ هذه مِن مُبيِّنٍ للمُشكِلِ و مُتَرجِمٍ للغامِضِ، يَكونُ قَولُه حُجّةً كقَولِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليهِ و آلِه و سَلَّمَ.
و لَيسَ يَبقىٰ بَعدَ هذا(2)إلّاأن يُقالَ: إنّ جميعَ ما في القُرآنِ إمّا معلومٌ بظاهرِ اللُّغةِ، أو(3)فيه بيانٌ مِن الرسولِ عليه السلامُ(4)يُفصِحُ عن المُرادِ به(5)، و إنّ السُّنّةَ جاريةٌ هذا المَجرىٰ.
و هذا قَولٌ نَعلَمُ(6)بُطلانَه ضَرورةً؛ لوُجودِنا مَواضِعَ كَثيرةً مِن الكتابِ و السُّنّةِ قد أَشكَلَت علىٰ كَثيرٍ مِن العُلَماءِ، و أعياهُم القَطعُ فيها علىٰ شَيءٍ بعَينِه. و لَو لَم يَكُن في القُرآنِ إلّاما لا خِلافَ في وُجودِه(7)و لا يُتَمَكَّنُ مِن دَفعِه؛ و هو المُجمَلُ الذي لا شَكَّ(8)في حاجتِه إلَى البيانِ و الإيضاحِ، مِثلُ قَولِه تَعالىٰ : (خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً )(9)و قَولِه: (فِي أَمْوٰالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ )(10)إلىٰ غَيرِ ما ذَكرناه، و هو كَثيرٌ.
1) . في «ص»: «و قالوا».
2) . في «ج، ص»: «هذه».
3) . في المطبوع: «و» بدل «أو».
4) . في المطبوع و الحجري: «صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: - «به».
6) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «يُعلم».
7) . هكذا في «د». و في «ج، ص، ط، ف» و الحجري: «ما لا خلاف فيه و في وجوده». و في المطبوع: «ما لا خلاف فيه و لا في وجوده».
8) . هكذا في «د» و الحجري. و في سائر النسخ و المطبوع: + «فيه أغنىٰ ».
9) . التوبة (9):103.
10) . المعارج (70):24.
و إذا كانَ هذا ممّا لا بُدَّ مِن تَرجَمتِه و البيانِ عن(1)المُرادِ به، فلَو سَلَّمنا أنّ الرسولَ عليه السلامُ(2)قد تَوَلّىٰ بيانَ(3)جميعِ ما يَحتاجُ إلَى البيانِ مِنه، و لَم يُخَلِّفْ(4)مِنه شَيئاً علىٰ بيانِ خَليفتِه و القائمِ بالأمرِ بَعدَه، علىٰ نِهايةِ ما يَقتَرِحُه(5)الخُصومُ في هذا المَوضِعِ، لَكانَت الحاجةُ مِن بَعدِه(6)إلَى الإمامِ في هذا الوجهِ ثابتةً؛ لأنّا نَعلَمُ أنّ بيانَه عليه السلامُ و إن كانَ حُجّةً علىٰ مَن شافَهَه به و سَمِعَه مِن لفظِه، فهو حُجّةٌ أيضاً علىٰ مَن يأتي بَعدَه ممّن(7)لَم يُعاصِرْه و يَلحَقْ زمانَه(8). و نَقْلُ الأُمّةِ لذلكَ البيانِ قد بيّنّا أنّه لَيسَ بضَروريٍّ، و أنّه غَيرُ مأمونٍ مِنهم العُدولُ عنه. و قد تَقدَّمَ استقصاءُ هذا المَوضِعِ و تَكرَّرَ.
فلا بُدَّ مع ما ذَكرناه مِن إمامٍ مؤَدٍّ لتَرجَمةِ(9)النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليهِ و آلِه مُشكِلَ القُرآنِ ، و مُوضِحٍ عمّا غَمَضَ عنّا مِن ذلكَ .
فقَد ثَبَتَت(10)الحاجةُ إلَى الإمامِ مع التسليمِ لكَثيرٍ ممّا(11)يُنازِعُ فيه المُخالِفُ .
1) . في المطبوع و الحجري: «من».
2) . في المطبوع و الحجري: «صلّى اللّٰه عليه و آله».
3) . في «ص»: «ببيان».
4) . في «د»: «و لم يخلّ ». و لم يخلّف، أي لم يترك. راجع: المحكم و المحيط الأعظم، ج 5، ص 198 (خلف).
5) . في «ج، ص»: «لم يقترح».
6) . في «ص، ط، ف»: «من بعد».
7) . في المطبوع و الحجري: «فمن».
8) . لأنّ شريعته صلّى اللّٰه عليه و آله خاتمة الشرائع، فتعمّ جميع البشر بعد وفاته، كما هي لجميع البشر في حياته.
9) . في «ج»: «من جهة»، و في «ص»: «له من جهة» بدل «لترجمة».
10) . في «ج، ص»: «فقد ثبت». و في «د»: «فقد يثبت».
11) . في «ص»: «عمّا».
قال صاحبُ الكتابِ :
و يُقالُ لهُم: إنّ الكتابَ يُعرَفُ به المُرادُ، و إذا(1)لَم يُعرَفْ ببعضِه، قارَنَه ما يُعرَفُ به المُرادُ مِن سُنّةٍ و غَيرِها؛ فَلِماذا يَجِبُ أن(2)يَحتاجَ إلىٰ مُبيِّنٍ؟ و إن كانَ ذلكَ واجباً فواجبٌ في نفسِ(3)الإمامِ أن يَعرِفَ(4)مَن غابَ عنه بكلامِه المُرادَ؛ فإذا(5)بَيَّنَ تأويلَ الآيةِ و صَحَّ أن يَعرِفَه(6)الغائبُ عنه بكلامِه، فكذلكَ (7)القَولُ في القُرآنِ .
و بَعدُ، فلَو صَحَّ ما قالَه(8)لَكانَ (9)لا يَمتَنِعُ أن يَكونَ بيانُ الرسولِ يُنقَلُ بالتواتُرِ فيُغني عن الإمامِ ، كما أنّ بيانَ الإمامِ يُنقَلُ إلَى الغائبِ عنه بالتواتُرِ و يُغني عن إمامٍ سِواه.(10)
يُقالُ له: قد بيّنّا أنّ في الكتابِ متشابِهاً لا يُقطَعُ علَى المُرادِ به، و أنّه لَم يَثبُتْ مِن السُّنّةِ ما يَكونُ مبيِّناً لذلكَ و(11)مُوضِحاً عنه(12)، و كلامُكَ في هذا الفصلِ كلامُ مَن
1) . في المغني: «و إن».
2) . في «د» و الحجري و المغني: - «يجب أن».
3) . في المغني: «تبيين».
4) . في المغني: «أن لا يعرف».
5) . في المغني: «و إذا».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «أن يعرف».
7) . في «د» و الحجري: «و كذلك». و في المطبوع: «كذلك».
8) . في «ج، ص، ط»: «قالوا».
9) . في «ج، ص، ط» و المغني: «كان».
10) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 89.
11) . في «ج»: - «و».
12) . تقدّم آنفاً في ص 159-160.
يُنازِعُ فيما ذَكرناه؛ فقَد تَقدَّمَ أنّ الدفعَ له مُكابَرةٌ ظاهرةٌ . و المِحنةُ بَينَنا و بَينَكَ إذا أنكَرتَ أن يَكونَ في القُرآنِ مِن المتشابِهِ ما هو بالمنزلةِ التي ذَكرناها؛ فإنّها تَكشِفُ (1)عن الحقيقةِ فيما اختَلَفنا فيه.
فأمّا كلامُ الإمامِ الذي عارَضتَ به و معرفةُ مَن غابَ عنه مُرادَه به، فغَيرُ مُشبِهٍ لِما نحنُ فيه؛ لأنّ الإمامَ يُمكِنُ أن يَتَكلَّمَ بكلامٍ غَيرِ مُحتَمِلٍ، فلا يَشتَبِهَ علَى السامِعِ و لا علَى المنقولِ إليه ذلكَ الكلامُ مُرادُه منه. و يُمكِنُ إذا كانَ كلامُه مُحتَمِلاً أن يَضطَرَّ السامعَ إلىٰ مُرادِه بمَخارِجِه(2)و قَرائنِه، و مَن غابَ عنه و إن لَم يَكُن مُضطَرّاً فإنّه يَعرِفُ المُرادَ بنَقلِ مَن سَمِعَه مِن(3)الإمامِ ممّن الإمامُ(4)مُراعٍ لنَقلِهم و حافِظٌ لأمرِهم؛ فمَتىٰ عَلِمَ(5)أنّهم قد أخبَروا عنه علىٰ وجهٍ لا حُجّةَ فيه أو(6)لا يُنبئُ عن مُرادِه، أردَفَهم(7)بغَيرِهم مِن النقَلةِ، أو يَتولَّى(8)الإفهامَ بنفسِه. و هذا كُلُّه مفقودٌ في القُرآنِ ؛ لِاحتمالِ (9)مَواضِعَ مِنه(10)و اشتباهِها، و لأنّ ما يَثبُتُ بالسُّنّةِ في بيانِ تلكَ المَواضِعِ لَو كانَ ثابتاً(11)
1) . هكذا في «د». و في المطبوع و الحجري و بعض النسخ: «فإنّما نكشف».
2) . في «ج، ص، ط، ف» و الحجري: «لمخارجه».
3) . في «ج، ص، ط»: «عن».
4) . في «ط»: - «ممّن الإمام».
5) . في التلخيص: «علم الإمام».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «و» بدل «أو».
7) . أردفهم: أي أتبعهم؛ و كلّ شيء تبع شيئاً فهو رِدْفه. الصحاح، ج 4، ص 1363 (ردف).
8) . في «د» و الحجري: «يُولّي».
9) . في التلخيص: «لإجمال».
10) . في «ج، ص»: «فيه».
11) . في «د» و المطبوع و الحجريّ : «لو كانت ثابتة». و في التلخيص: «لكان ثابتاً» بدل «لو كان ثابتاً».
إذا لَم يَكُن وَراءَ الناقِلينَ لها مَن يَرعاهُم - كَما أثبَتنا ورَاءَ النقَلةِ(1)عن الإمامِ مَن يَرعاهُم(2)- و يَتَلافىٰ ما يَعرِضُ فيه، لَم يؤمَنْ(3)فيه الإخلالُ و العُدولُ عن الواجبِ . و هذا(4)هو الفَرقُ بَينَ بيانِ الرسولِ عليه السلامُ (5)المنقولِ بالتواتُرِ، و بَينَ بيانِ الإمامِ المنقولِ إلَى(6)الغائبِ عنه.
و معنىٰ هذا الكلامِ كُلِّه قد تَقدَّمَ ؛ حيثُ دَلَّلنا علىٰ أنّ حِفظَ الشريعةِ لا يَجوزُ أن يَكونَ بالتواتُرِ من غَيرِ إمامٍ في الزمانِ .
قالَ صاحبُ الكتابِ :
علىٰ أنّ الإمامَ عَرَفَ(7)مِن قِبَلِ الرَّسولِ(8)، و لا بُدَّ(9)مِن أوّلٍ عَرَفَه مِن قِبَلِ اللّٰهِ تَعالىٰ ، و لا يَعلَمُ (10)مُرادَه باضطرارٍ. فإذا صَحَّ أن يُعرَفَ (11)مُرادُه بكلامِه و لا ضَرورةَ ، فما(12)الّذي يَمنَعُ مِن مِثلِه في كُلِّ زمانٍ؟ و لا
1) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «الناقلين».
2) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «من يرعاه».
3) . في «ج»: «و لم يؤمن». و في التلخيص: «من لم يؤمن».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «فهذا».
5) . في المطبوع و الحجري: «صلّى اللّٰه عليه و آله».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: - «المنقول إلى».
7) . أي عرف المراد بالكتاب.
8) . في المغني: - «الرسول».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «فلا بدّ».
10) . في المغني: «و لا نعلم».
11) . في المغني: «أن نعرف».
12) . في «د» و المطبوع و الحجري: «فمَن».
يُمكِنُه(1)التخلُّصُ مِن ذلكَ إلّابأن يوجِبَ أنّ كُلَّ أحَدٍ جاهلٌ بمُرادِ(2)اللّٰهِ تَعالىٰ ذاهبٌ عن الحقِّ : في هذا الزمانِ ، و في كُلِّ زمانٍ كانَ الإمامُ مغلوباً عليه فيه(3)فيَجِبُ مِن ذلكَ الشهادةُ علَى الكُلِّ بالجَهلِ و الكُفرِ، و أن يَلزَمَه أن لا يَكونَ هو مُحِقّاً.(4)
يُقالُ له: ما قدَّمتَه في هذا الفصلِ يدُلُّ علىٰ أنّكَ ظَنَنتَ عَلَينا أنّ المُرادَ بالكلامِ إذا لَم يُعلَمْ(5)ضَرورةً لَم يَصِحَّ أن يُعلَمَ، و أنّا نَفصِلُ بَينَ القُرآنِ في العِلمِ بالمُرادِ مِنه و بَينَ كلامِ الإمامِ، بأنّ(6)كلامَ الإمامِ يُعلَمُ(7)مُرادُه باضطرارٍ(8)، و لَيسَ كذلكَ القُرآنُ.
و هذا ظَنٌّ بعيدٌ و غلطٌ شديدٌ؛ لأنّ الذي قُلناه و ذَهَبنا إليه هو غَيرُ ما ظَنَنتَه، و إنّما أَوجَبنا في كَثيرٍ مِن القُرآنِ و السُّنّةِ الحاجةَ إلىٰ مُتَرجِمٍ للاحتمالِ و الاشتباهِ و فَقدِ الدليلِ المقطوعِ به علَى المُرادِ، لا لفَقدِ العِلمِ الضروريِّ. و لَو كانَ جميعُ القُرآنِ و السُّنّةِ مُحكَماً غَيرَ متشابِهٍ، و مفصَّلاً غَيرَ مُجمَلٍ، لَصَحَّ(9)أن يُعلَمَ المُرادُ بهِما(10).
فأمّا الأوّلُ الذي عَرَفَ (11)مِن جهةِ الإمامِ أو الرسولِ و كيفيةُ عِلمِه بمُرادِ اللّٰهِ
1) . هكذا في «ص، ط، ف» و المغني. و في «ج، د» و المطبوع: «و لا يمكن».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «لمراد».
3) . في «ج، ص، ط، ف» و المغني: - «فيه».
4) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 89.
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «لم يعرف».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «بل» بدل «بأنّ ».
7) . في «ص»: «نعلم». و في «ف»: «تعلم».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «منه ضرورة» بدل «باضطرار».
9) . في «د، ص» و المطبوع و الحجري: «يصحّ ».
10) . في «ج، ص، ط»: «بها».
11) . في «ج»: «يعرف».
تَعالىٰ: فيَصِحُّ أن يَعلَمَ(1)مُرادَه - جَلَّ اسمُه -: بأن يُخاطبَه بلُغةٍ لا مَجازَ فيها و لا احتمالَ، أو يُخاطِبَه بما ظاهرُه مُطابِقٌ(2)لحقائقِ اللغةِ و يُعلِمَه أنّه لَم يُرِدْ إلّاالظاهرَ.
و لَيسَ يُمكِنُ أن يُدَّعىٰ في جميعِ الكتابِ و السُّنّةِ مِثلُ ذلكَ.
فأمّا زمانُ(3)الغَيبةِ فلَيسَ يَجِبُ الجَهلُ بمُرادِ اللّٰهِ تَعالىٰ كما أَلزَمتَ؛ لأنّا قد عَلِمنا تأويلَ مُشكِلِ القُرآنِ و الدِّينِ (4)ببيانِ مَن تَقدَّمَ مِن الأئمّةِ صلَواتُ اللّٰهِ عَلَيهم، الذينَ لَقِيَتهم الشيعةُ و أخَذَت عنهم الشريعةَ ، فقَد بَثّوا(5)مِن ذلكَ و نَشَروا ما دَعَت الحاجةُ إليه، و نحنُ آمِنونَ مِن أن يَكونَ مِن ذلكَ شيءٌ لَم يتَّصِلْ (6)بنا؛ لكَونِ إمامِ الزمانِ مِن وَراءِ الناقِلينَ ، علىٰ ما بيّنّاه و فَصَّلناه.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و إذا جازَ أن يَقَعَ الاختلافُ في العقليّاتِ ، و المُحِقُّ يَرجِعُ إلَى الدليلِ القائمِ ، فما الذي يَمنَعُ مِن مِثلِه في الشرعيّاتِ؟ و إذا جازَ - و الإمامُ الذي هو أعظَمُ الأئمّةِ حاضرٌ(7)- أن يَقَعَ الاختلافُ الشديدُ كما وقَعَ في
1) . في المطبوع و الحجري: «أن يكون يعلم».
2) . في المطبوع و الحجري: «متطابق».
3) . في «ط، ف»: «أزمان».
4) . في «د» و المطبوع و الحجري: «مشكل الدين» بدل «مشكل القرآن و الدين».
5) . في «ص»: «فقد بيّنوا».
6) . في «د»: «لم يصل».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «و إذا جاز في الإمام الذي هو أعظم الأئمّة». و في المغني: «قائم» بدل «حاضر».
أيّامِ(1)أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ(2)و لَم يَمنَعْ ذلكَ مِن ثُبوتِ الدليلِ ، فما الذي يَمنَعُ مع الاختلافِ الشديدِ مِن أن يَدُلَّ القُرآنُ و السُّنّةُ علَى الحقِّ ، و إن ذَهَبَ بعضُهم عنه ؟ و إذا جازَ عندَهم في دليلِ الإمامةِ أن يَذهَبَ بعضُهم عنه و لا يُخرِجَه مِن أن يَكونَ دالاًّ و إن لَم يَحصُلْ فيه الاضطرارُ، فما الذي يَمنَعُ مِن مِثلِه في سائرِ الأدلّةِ؟ [و لَولا مَن يَعتَمِدُ عليه في نُصرةِ مَذاهبِهم لِمثلِ ذلكَ لَما استَحقَّ التشاغُلَ به](3).
يُقالُ له: هذا(4)كلامُ مَن لَم يُنعِمِ النظَرَ في الاستدلالِ الذي حَكاه عنّا و حقيقةِ مُرادِنا به؛ لأنّا لَم نوجِبِ الإمامةَ لأجلِ الاختلافِ الحاصلِ في الشرعيّاتِ، و لا
ذَهَبنا(5)إلىٰ أنّ الاختلافَ في الشيءِ مُزيلٌ لقيامِ الحُجّةِ به إذا كانَت الأدلّةُ عليه منصوبةً، و الطُّرُقُ إليه واضحةً مسلوكةً . و إنّما(6)أَوجَبنا الحاجةَ إلَى الإمامِ في الشرعيّاتِ لِاشتباهِ كَثيرٍ مِنها و احتمالِه و وُرودِه مُجمَلاً غَيرَ مفصَّلٍ ، و لفَقدِنا في كَثيرٍ مِنها الأدلّةَ القاطعةَ علَى المُرادِ بعَينِه، حتّى أَوجَبَ ذلكَ وُقوفَ بعضِنا في المُرادِ، و مَيلَ بعضٍ آخَرَ إلىٰ طريقةِ الظَّنِّ و الاجتهادِ. و لَو كانَ جميعُ الشرعِ
1) . في «ج، ص»: «في إمامة».
2) . قال الدكتور زكي مبارك: «أمير المؤمنين هو اللقب الاصطلاحي لعليّ بن أبي طالب، فإذا رأى القارئ هذا اللقب في كتاب قديم من غير نصّ على اسم فليعلم أنّ المراد عليّ بن أبي طالب». انظر: عبقريّة الشريف الرضيّ ، ج 2، ص 228. و القاضي عبد الجبّار عادته في المغني إطلاق هذا اللقب و لا يريد به إلّاالإمام عليّاً عليه السلام، كما يظهر ذلك بحسب مقتضىٰ كلامه.
3) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 89. و ما بين المعقوفين من المصدر.
4) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و هذا».
5) . في المطبوع: «و ذهبنا» بدل «و لا ذهبنا»، و هو سهو.
6) . في المطبوع و الحجري: - «مسلوكة. و إنّما».
نَصِلُ(1)إليه(2)بالأدلّةِ القاطعةِ كَما نَصِلُ(3)إلَى الحقِّ في العقليّاتِ بمِثلِ ذلكَ، لَما وَجَبَت الحاجةُ إلَى الإمامِ مِن هذا الوجهِ كما لَم تَجِبِ(4)الحاجةُ(5)إليه في العقليّاتِ مِن هذا الوجهِ .
و هذه الجُملةُ تُسقِطُ جميعَ كلامِه في هذا الفصلِ ، و مُعارَضتَه بالاختلافِ الواقعِ في أيّامِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ ، و في الإمامةِ نفسِها؛ لأنّه مَبنيٌّ علَى التوهُّمِ علينا إيجابَ الإمامةِ مِن حَيثُ الاختلافِ ، و الذي قَصَدناه قد أَوضَحنا(6)عنه.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
شُبهةٌ أُخرىٰ لهم:
و رُبَّما تَعلَّقوا في إثباتِ [إمامٍ](1)معصومٍ بأنّه يَجِبُ الائتمامُ به و القَبولُ مِنه(2)و الانقيادُ له، فلَو لَم يَكُن معصوماً لَم يؤمَنْ فيما يأتيهِ و يأمُرُ به أن يَكونَ قَبيحاً، و لا يَجوزُ أن يُكلَّفَ(3)الرَّعيّةُ الاقتداءَ بمَن هذه(4)حالُه، و التزامَ(5)طاعتِه، بَل كانَ لا يَمتَنِعُ إن لَم يَكُن معصوماً أن يَرتَدَّ و يَدعُوَ إلَى الارتدادِ. و فَسادُ ذلكَ يوجِبُ كَونَه معصوماً، و لَيسَ بَعدَ ثُبوتِ العصمةِ إلّاالقَولُ بأنّه لا بُدَّ مِن إمامٍ منصوصٍ عليه في كُلِّ زمانٍ .
قالَ :
و هذا بَعيدٌ؛ لأنّه لا خِلافَ فيما إلَى الإمامِ ، و عندَنا أنّ الذي إليه القيامُ
بأُمورٍ مُبيَّنةٍ في الشرعِ، و(1)الذي يَلزَمُ مِن(2)طاعتِه فيه(3)ما بيَّنَ الشرعُ أنّ ذلكَ يَحسُنُ، و لَسنا نَجعَلُه إماماً مِن حَيثُ يُتَّبَعُ في كُلِّ شَيءٍ ، بَل نَقولُ
فيه مِثلَ الذي رُويَ عن أبي بَكرٍ أنّه قالَ : «أطيعوني ما أطَعتُ اللّٰهَ ، فإذا عَصَيتُ اللّٰهَ فلا طاعةَ لي عَلَيكم». و هذه طريقةُ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ فيما كانَ يأمُرُ به.(4)
يُقالُ له: قد استَدَلَّ بهذا الوجهِ كَثيرٌ مِن أصحابِنا علىٰ عصمةِ الإمامِ، و أقوىٰ ما يُنصَرُ به أنّ الإمامَ لا بُدَّ أن يَكونَ مُقتَدىً به؛ لأنّ لَفظَ الإمامةِ مُشتَقٌّ مِن معنَى الاقتداءِ و الاتّباعِ. و الإجماعُ أيضاً حاصلٌ علىٰ هذه الجُملةِ ؛ يَعني(5)أنّ الإمامَ مُقتَدىً به، و إن كانَ الخِلافُ واقعاً في كيفيّةِ الاقتداءِ (6)و صورتِه.
و إذا ثَبَتَ وجوبُ الاقتداءِ به(7)وَجَبَ أن يَكونَ معصوماً؛ لأنّه إذا(8)كانَ غَيرَ معصومٍ لَم نأمَنْ (9)في بعضِ أفعالِه أن يَكونَ قَبيحاً، و يَجِبُ عَلَينا موافَقتُه فيه مِن حَيثُ وَجَبَ الاقتداءُ به. و في استحالةِ تَعبُّدِنا بالأفعالِ القَبيحةِ دليلٌ علىٰ
أنّ مَن أُوجِبَ عَلَينا الاقتداءُ به لا بُدَّ(1)أن يَكونَ ذلكَ مِنه مأموناً، و لا يَكونُ كذلكَ إلّا و هو معصومٌ .
فإن قالَ قائلٌ : و لِمَ (2)أنكرتم أن يَكونَ الاقتداءُ بالإمامِ إنّما يَجِبُ فيما نَعلَمُه حَسَناً، فأمّا ما نَعلَمُه قَبيحاً، أو نَشُكُّ في حالِه، فلا يَجِبُ الاقتداءُ به فيه ؟
قيلَ له: هذا(3)إسقاطٌ لمعنَى الاقتداءِ جُملةً، و إزالةٌ له(4)عن وَجهِه؛ لأنّه لَو كانَ مَن يُعمَلُ بالشيءِ لا مِن أجلِ عملِه(5)به(6)، و لا مِن حَيثُ كانَ حُجّةً فيه، مُقتَدىً به في ذلكَ الفِعلِ ، لَوَجَبَ أن يَكونَ بعضُنا مُقتَدياً ببعضٍ في جميعِ أفعالِه التي اتَّفَقنا عَلَيها(7)، و إن كُنّا لَم نَقُلْ بذلكَ القَولِ أو نَفعَلْ ذلكَ الفِعلِ مِن أجلِ قَولِ بعضِنا به أو فِعلِه له(8).
و لَوَجَبَ (9)أيضاً أن نَكونَ مُقتَدينَ باليَهودِ و النَّصارىٰ ؛ لِموافَقتِنا لهُم في
الإقرارِ(10)بنُبوّةِ موسىٰ و عيسىٰ عليهِما السلامُ ، و إن كُنّا لَم نَعتَرِفْ بنُبوّتِهما مِن أجلِ إقرارِ اليَهودِ و النَّصارىٰ بهِما.
1) . في «ج، ف»: + «من».
2) . في «ج، ص، ط، ف» و الحجري: «فلم».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: + «هو».
4) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «له».
5) . أي لا من أجل عمل الإمام به. و الضمير في «عمله» راجع إلى الاسم الموصول «مَن».
6) . في «د» و الحجري: - «به».
7) . في «د» و التلخيص: «فيه».
8) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: - «له».
9) . في «د»: «و يوجب».
10) . في المطبوع و الحجري: «بالإقرار».
و لَلَزِمَ أيضاً أن يَكونَ الإمامُ نفسُه مُقتَدياً برَعيّتِه مِن هذا الوجهِ .
و فَسادُ ما أدّىٰ إلىٰ ما ذَكرناه(1)ظاهرٌ.
فإن قالَ : لَو كانَ الإمامُ إنّما(2)يُقتَدىٰ به فيما يُعلَمُ صَوابُه به(3)، و لا يَكونُ إماماً و مُقتَدىً به فيما عُرِفَ صَوابُه بغَيرِه(4)، لَلَزِمَ مِن هذا أن لا يَكونَ الإمامُ إماماً لنا في أكثَرِ الدِّينِ ؛ لأنّ أكثَرَه معلومٌ بالأدلّةِ التي لَيسَ مِن جُملتِها قَولُ الإمامِ ، و لَلَزِمَ أيضاً أن لا يَكونَ النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه إماماً لنا فيما أكَّدَه مِن العقليّاتِ .
قيلَ له: لَيسَ الأمرُ كَما تَوهَّمتَ ؛ لأنّ الذي أَفسَدناه هو(5)أن يَكونَ الإمامُ (6)مُقتَدىً به فيما لا يَكونُ قَولُه أو(7)فِعلُه حُجّةً فيه و طَريقاً إلَى العِلمِ بصَوابِه، و لَم نُفسِدْ(8)أن يَكونَ إماماً فيما عَرَفنا صَوابَه بغَيرِه إذا كُنّا نَعرفُ به أيضاً صَوابَه(9).
فالإمامُ علىٰ هذا التقديرِ(10)حُجّةٌ في جميعِ الشرعيّاتِ و العقليّاتِ ؛ لأنّ ما عُلِمَ مِن جُملتِها(11)بأدلّتِه فقَولُ الإمامِ أيضاً حُجّةٌ فيه و طَريقٌ إلَى العِلمِ بصَوابِه، و ما كانَ
1) . في المطبوع و الحجري: «ما ذكرنا».
2) . في «د» و المطبوع و الحجري: + «كان».
3) . في «د» و المطبوع و الحجري: «منه».
4) . في «ص»: «لغيره».
5) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: - «هو».
6) . في المطبوع: «أنّ الإمام» بدل «أن يكون الإمام».
7) . في «ج، ص، ف»: «و» بدل «أو».
8) . في «ص، ط»: «و لم يفسد».
9) . في المطبوع: «أيضاً نعرف صوابه» بدل «نعرف به أيضاً صوابه».
10) . في «ج، ص، ط»: «التقرير».
11) . في «د»: «جهتها».
هو الطريقَ إليه دونَ غَيرِه فكَونُه حُجّةً فيه ظاهرٌ.
و قد ذَكرَ ابنُ الراوَنديِّ في كتابِه في الإمامةِ في نُصرةِ هذا الدليلِ شَيئاً لَيسَ بمَرضِيٍّ و لا مُستَمِرٍّ؛ لأنّه قالَ:
لَو جازَ أن يَكونَ مَن يُعمَلُ بالشيءِ لا مِن أجلِ عملِه به و فِعلِه له إماماً فيه و قُدوةً، لَجازَ أن يَكونَ مَن يُعمَلُ بالشيءِ(1)مِن أجلِ عملِه به و يُعرَفُ صَوابُه بفِعلِه له لا يَكونُ إماماً فيه.
و هذا لَيسَ بصَحيحٍ؛ لأنّ الذي قَدَّرَه إنّما يَسوغُ لَو كانَ كُلُّ واحدٍ مِن الأمرَينِ مُنفَصِلاً مِن الآخَرِ و غَيرَ مُنطَوٍ عليه، فأمّا إذا لَم يَكُن هذه حالَه لَم يَستَقِمْ ما ذَكرَه؛ لأنّ مَن عُمِلَ بالشيءِ مِن أجلِ عملِه به، أو عُرِفَ(2)صَوابُه بفِعلِه له، لا بُدَّ أن يَكونَ إماماً فيه؛ مِن حَيثُ كانَ معنَى الإمامةِ و الأمرُ الذي مِن أجلِه كانَ الإمامُ إماماً حاصِلَين فيه؛ لأنّ هذه الصفةَ - يَعني كَونَه ممّن يُعمَلُ بالشيءِ مِن أجلِ عملِه به - تَشتَمِلُ (3)علَى الأُولىٰ و(4)تَزيدُ(5)عَلَيها، فكيفَ يَجوزُ أن يَكونَ (6)مع اشتمالِها علىٰ ما له كانَ الإمامُ إماماً و زيادتِها عليه تَحصُلُ لِمَن لَيسَ بإمامٍ؟
و لا فَرقَ بَينَ ما ذَكرَه ابنُ الراوَنديِّ و بَينَ قَولِ القائلِ : لَو جازَ أن يَكونَ
الإمامُ غَيرَ نَبيٍّ لَجازَ أن يَكونَ النبيُّ غَيرَ إمامٍ، و لَو جازَ أن يَكونَ الأميرُ غَيرَ إمامٍ لَجازَ أن يَكونَ الإمامُ لا يَتَصرَّفُ (1)فيما يَليهِ الأُمَراءُ ، و لا يَشتَمِلُ وِلايَتُه علىٰ ما يَتَوَلّاهُ الأُمَراءُ .
و إذا كانَ كُلُّ هذا يَفسُدُ مِن(2)الوجهِ الذي ذَكرناه، لَحِقَ به في الفَسادِ ما اعتَبَرَه ابنُ الراوَنديِّ .
فأمّا قَولُه: «إنّ الإمامَ يُطاعُ فيما بَيَّنَ الشرعُ أنّه يَحسُنُ » فساقِطٌ بما(3)بيّنّاه في معنَى الاقتداءِ بالإمامِ ،(4)و أنّه لا بُدَّ مِن(5)أن يَكونَ مُقتَدىً به مِن حَيثُ قالَ و فَعَلَ ، و فيما يَكونُ قَولُه و فِعلُه حُجّةً فيه(6).
فأمّا قَولُه: «و لَسنا نَجعَلُه إماماً مِن حَيثُ يُتَّبَعُ في كُلِّ شَيءٍ» فيَفسُدُ بأنّ الإمامَ لا بُدَّ أن يَكونَ إماماً في سائرِ الدِّينِ ، فما خَرَجَ مِن أن يَكونَ مُتَّبَعاً فيه مِن الدِّينِ يَخرُجُ مِن أن يَكونَ إماماً فيه.
و هذه الجُملةُ لا خِلافَ فيها؛ يَعني أنّ الإمامَ إمامٌ في جميعِ الدِّينِ ، و إنّما الخِلافُ في كيفيّةِ الائتمامِ به و الاتّباعِ له في الدِّينِ . فلَيسَ لأحَدٍ أن يُنازِعَ فيها؛ لأنّ المُنازَعةَ في هذا(7)الإطلاقِ خَرقٌ للإجماعِ .
و إذا كُنّا قد بيّنّا معنَى الاقتداءِ به، و دَلَّلنا علىٰ أنّه لا بُدَّ أن يَكونَ علَى الوجهِ الذي
قَدَّرناه، ثَبَتَ أنّ الإمامَ لا بُدَّ أن يَكونَ مُتَّبَعاً و مُقتَدىً به(1)في جميعِ الدِّينِ.
علىٰ أنّه لَو تُخُطِّيَ(2)معه هذا المَوضِعُ، و سُلِّمَ (3)أنّ الإمامَ يَكونُ إماماً في بعضِ الدِّينِ ، لَم يُخِلَّ ذلكَ بما قَصَدناه مِن دليلِ العصمةِ ؛ لأنّه إذا كانَ مُتَّبَعاً في بعضِ الدِّينِ و مُقتَدىً به، و كانَ الاقتداءُ به لا بُدَّ أن يَكونَ علَى الوجهِ الذي ذَكرناه و أَفسَدنا ما عَداه، وجَبَت عصمتُه، و إلّاأدّىٰ ذلكَ إلىٰ أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ يَجوزُ أن يَتعبَّدَنا بفِعلِ القَبيحِ علىٰ وجهٍ مِن الوجوهِ .
فأمّا ما رَواه عن أبي بَكرٍ مِن الخبرِ الذي استَدَلَّ به علىٰ أنّه لَيسَ بمعصومٍ ، و أنّ طاعتَه تَجِبُ ما أطاعَ اللّٰهَ : فإنّما يَلزَمُ مَن(4)جَمَعَ (5)بَينَ القَولِ بإمامةِ أبي بَكرٍ و الاستدلالِ بالطريقةِ التي ذَكرناها، و معلومٌ أنّا لا نَجمَعُ بَينَ الأمرَينِ .
فأمّا قَولُه: «و هذه طريقةُ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ فيما كانَ يأمُرُ به» فما زادَ علَى الدَّعوىٰ، و لَم يَذكُرْ روايةً عنه عليه السلامُ تَقتَضي(6)ذلكَ ، و لا دَلالةً فنَتكلَّمَ عليها. و الذي يؤمِنُنا ممّا ظَنَّه قيامُ الدَّلالةِ علىٰ إمامتِه عليه السلامُ (7)، و قيامُها علىٰ أنّ الإمامَ لا بُدَّ أن يَكونَ معصوماً(8)مُقتَدىً به(9)في جميعِ الدِّينِ .
1) . في المطبوع و الحجري: «فيه».
2) . في المطبوع و الحجري: «نتخطّىٰ ». و في بعض النسخ: «نخطّي».
3) . في «ج، ص»: «و نسلّم».
4) . في المطبوع: «مع».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «فلا يلزم إلّامن جمع».
6) . في «د، ص، ط، ف»: «يقتضي».
7) . في «د»: «صلوات اللّٰه عليه».
8) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «معصوماً».
9) . في المطبوع و الحجري: - «به».
قالَ صاحبُ الكتابِ :
فإن قالَ: أرَأَيتم إذا دَعا قَوماً إلىٰ مُحارَبةٍ أو غيرِها(1)و هُم لا يَعلَمونَ(2)وجهَها؛ أيَلزَمُ(3)طاعتُه؟
قيلَ له: نَعَم.
فإن قالَ: فيَجِبُ أن يَكونَ معصوماً؛ لأنّه إن لَم يَكُن كذلكَ جازَ فيما يأمُرُ به أن يَكونَ قَبيحاً.
قيلَ له: إنّ ذلكَ و إن كانَ قَبيحاً فالقائلُ بقَولِه و المُطيعُ له فاعلٌ للحَسَنِ؛ لأنّه لا يَمتَنِعُ فيما حَلَّ هذا المَحَلَّ أن يَكونَ حَسَناً، و أن لا
يَتبَعَ في القَبيحِ حالُ الآمِرِ و المُتَّبَعِ(4). يُبيِّنُ ذلكَ: أنّه قد كُلِّفَ العَبدُ أن يُطيعَ مَولاه فيما لا يَعلَمُه قَبيحاً و إن كانَ لا يَمتَنِعُ أن يأمُرَه بالقَبيحِ ، لكِنّه بما يَفعَلُه(5)مُقدِمٌ (6)علىٰ حَسَنٍ مِن حَيثُ يَفعَلُه، لا علَى الوجهِ الذي يَقبُحُ .
فكذلكَ القَولُ في رَعيّةِ الإمامِ (7).
يُقالُ له: مُحالٌ أن يَقَعَ الفِعلُ قَبيحاً علىٰ وَجهٍ مِن بعضِ الفاعِلينَ ، و يَقَعَ علىٰ ذلكَ الوجهِ مِن فاعلٍ آخَرَ فلا يَكونَ قَبيحاً. فالمُحارَبةُ إذا دَعا الإمامُ إليها و فَعَلَها
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «و غيرها».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: + «في ذلك».
3) . في المغني: «وجهه، أ تلزم».
4) . في المغني: «حال الأمر و المنع». و في «ج، ص»: «حال الآمر و المبلغ». و في حاشية «ج»: «حالة» بدل «حال».
5) . في «د» و المغني: «فعله».
6) . في «د»: «تقدم». و في المغني: «يقدم».
7) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 90.
و كانَت قَبيحةً مِنه، فلَم تَقبُحْ مِنه لأنّه عالِمٌ بقُبحِها، بَل لأنّه متمكِّنٌ مِن العِلمِ بذلكَ؛ لأنّ التمكُّنَ في هذا البابِ يَقومُ مَقامَ العِلمِ. و رَعيّةُ الإمامِ إذا كانوا متمكِّنينَ مِن العِلمِ بقُبحِ المُحارَبةِ و ما يَعودُ بها(1)مِن الفَسادِ في الدِّينِ قَبُحَت(2)مِنهم و إن لَم يَعلَموا وَجهَها في الحالِ؛ لأنّ تَمكُّنَهم مِن العِلمِ بقُبحِها يَجري مَجرىٰ عِلمِهم بذلكَ، وَ لا بُدَّ(3)أن يَكونوا متمكِّنينَ؛ فكيفَ تَكونُ(4)المُحارَبةُ قَبيحةً مِنه غَيرَ(5)قَبيحةٍ مِنهم علىٰ هذا؟
و لَو سَلَّمنا جَوازَ كَونِهم غَيرَ متمكِّنينَ مِن العِلمِ بحالِ المحارَبةِ في القُبحِ(6)و الحُسنِ(7)، لَم يَكُن ذلكَ مُخِلاًّ بما قَصَدناه؛ لأنّ كلامَنا فيما تَمكَّنوا مِن العِلمِ بحالِه مِن جُملةِ ما دَعاهُم الإمامُ إلىٰ فِعلِه.
و لَو استَقامَ له أيضاً ما أرادَه في المُحارَبةِ ، لَم يَستَقِمْ له مِثلُه في غَيرِها مِن أُمورِ الدِّينِ ؛ لأنّ الإمامَ لا بُدَّ أن يَكونَ إماماً في سائرِ الدِّينِ ، و مُقتَدىً به في جميعِه(8): ما كانَ مِنه معلوماً للرَّعيّةِ وَجهُه، و ما لَم يَكُن معلوماً لهُم؛ علىٰ ما دَلَّلنا عليه مِن قَبلُ (9)فيَلزَمُ علىٰ هذا(10)أنْ لَو دَعاهُم إلىٰ غَيرِ المُحارَبةِ ممّا
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «إليها» بدل «بها».
2) . في «د، ص، ط»: «فيجب».
3) . في «د» و المطبوع و الحجري: «فلا بدّ».
4) . في «ج، د، ص، ط، ف»: «يكون».
5) . في «ج، ص، ف»: «و غير».
6) . في «د، ص»: «القبيح».
7) . في «د» و المطبوع و الحجري: «أو الحسن».
8) . في «ج، ص، ط»: «في جميع».
9) . تقدّم آنفاً في ص 174.
10) . في «ج، ص، ط، ف»: + «الوجه».
لا يُمكِنُ(1)صاحبَ الكتابِ أن يَدَّعيَ كَونَه حَسَناً مِنهم، أن يَلزَمَ(2)طاعتُه و الانقيادُ لأمرِه(3)مِن حَيثُ وَجَبَ الاقتداءُ به.
فأمّا العبدُ فلَم يُكلَّفْ طاعةَ مَولاه(4)فيما لا يَعلَمُه قَبيحاً ممّا يَتَمَكَّنُ(5)مِن العِلمِ بقُبحِه، و حُكمُ ما يَتمكَّنُ مِن العِلمِ بقُبحِه حُكمُ ما يَعلَمُه قَبيحاً. فأمّا ما لا سَبيلَ له(6)إلَى العِلمِ (7)بحالِه، فيَجوزُ أن لا يَقْبُحَ مِنه و إن قَبُحَ مِن المَولىٰ . و لَيسَ هذه حالَ الإمامِ ؛ لأنّ كلامَنا علىٰ ما أُمِرنا باتّباعِه فيه ممّا نَتمكَّنُ (8)مِن العِلمِ بحالِه، فلا بُدَّ أن يَكونَ القَبيحُ مِنه قَبيحاً مِنّا.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و قد ثَبَتَ (9)أيضاً أنّه يَلزَمُ المأمومَ في الصلاةِ أن يَتَّبِعَ الإمامَ إذا لَم يَعلَمْ صَلاتَه فاسدةً (10)، و لا يَخرُجُ مِن أن يَكونَ مُطيعاً و إن جوَّزَ في صَلاةِ الإمامِ أن تَكونَ قَبيحةً ؛ لأنّه إنّما كُلِّفَ أن يَلزَمَ اتّباعَه في أركانِ الصلاةِ ،
1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «لم يمكن».
2) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «أن تلزم».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «له» بدل «لأمره».
4) . في المطبوع: + «إلّا».
5) . في «ط، ف»: «يمكّن». و في «د» و المطبوع و الحجري: «تمكّن».
6) . في المطبوع و الحجري: - «له».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «أن يعلم» بدل «العلم».
8) . في «ص، ط»: «يتمكّن».
9) . في «ص»: «فقد بيّنّا».
10) . في «د»: «أنّه لا يلزم المأمور في الصلاة أن يتبع الإمام اذا يعلم صلاته فاسدة».
و لَم يُكلَّفْ أن يَعلَمَ باطنَ فِعلِه. فكذلكَ (1)القَولُ في الإمامِ .
و علىٰ هذه الطريقةِ يَجري الكلامُ في الفَتاوىٰ (2)و الأحكامِ و غَيرِها.(3)
يُقالُ له: أمّا إمامةُ الصلاةِ فلَيسَت بإمامةٍ حقيقةً(4)لأنّه لَم يَثبُتْ فيها معنَى الاقتداءِ الحقيقيِّ. و لَو تَبرَّعنا بتسليمِ كَونِها إمامةً علَى(5)الحقيقةِ، لَم تَخلُ(6)المعارَضةُ بها:
إمّا(7)أن تَكونَ مِن حَيثُ جازَ أن يَكونَ القَبيحُ مِن الإمامِ غَيرَ قَبيحٍ مِن المأمومِ.
فهذا إنّما جازَ فيما لا يَعلَمُه المأمومُ قَبيحاً و لا سَبيلَ له إلَى العِلمِ به، كقُصودِ إمامِ الصلاةِ و عُزومِه، و ما يَجري مَجراهُما مِن باطنِ أمرِه، و كلامُنا في الإمامِ علَى الاقتداءِ به فيما يُمكِنُ أن يُعلَمَ كَونُه حَسَناً أو قَبيحاً.
أو أن يَكونَ(8)المعارَضةُ مِن حَيثُ اقتَدَينا بمَن هو غَيرُ معصومٍ، فهذا الضربُ مِن الاقتداءِ لَيسَ هو الذي أَحَلنا أن يَثبُتَ إلّا للمعصومِ(9)، و الاقتداءُ بالإمامِ يُخالِفُ الاقتداءَ
بإمامِ الصلاةِ، بَل يُخالِفُ كُلَّ اقتداءٍ بمَن لَيسَ بإمامٍ مِن رَعيّتِه. و لَيسَ بمُنكَرٍ أن نؤمَرَ(10)بالاقتداءِ بمَن لَيسَ بإمامٍ ما لَم يَظهَرْ لنا قُبحُ (11)فِعلِه، فإذا ظَهَرَ لنا ذلكَ (12)لَم
1) . في المطبوع و الحجري: «فكذا».
2) . في المطبوع: «الفتوىٰ ».
3) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 90.
4) . في المطبوع و الحجري: «حقيقية».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «في».
6) . في الحجري: «لم يخل».
7) . في «د»: - «إمّا».
8) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «أن تكون».
9) . في «د»: «بمعصوم».
10) . هكذا في الحجري. و في «ج، ص، ف» و المطبوع: «أن يؤمر». و في «د، ط»: «أن يؤمّ ».
11) . في «ص»: «قبيح».
12) . في المطبوع: - «ذلك».
يَلزَمْنا الاقتداءُ به. و لَيسَ يَصِحُّ مِثلُ ذلكَ في الاقتداءِ بالإمامِ؛ لوجوبِ حُصولِ المَزيّةِ التي ذَكرناها.
و الذي يَدُلُّ علىٰ ذلكَ إجماعُ الأُمّةِ علىٰ سَبيلِ الجُملةِ علىٰ أنّه لا بُدَّ أن يَكونَ بَينَ الإمامِ و بَينَ رَعيّتِه و خُلَفائِه فَرقٌ و مَزيّةٌ في معنَى الائتمامِ و الاقتداءِ. و إذا ثَبَتَ ذلكَ، و لَم يُمكِنْ أن يُشارَ إلىٰ مَزيّةٍ معقولةٍ سِوىٰ ما ذَكرناه - مِن أنّ الاقتداءَ بالإمامِ يَجِبُ أن يَكونَ فيما عُرِفَ صَوابُه به(1)، و كانَ فِعلُه حُجّةً فيه، و لَيسَ كذلك الاقتداءُ بغَيرِه مِن أُمَرائه و خُلَفائه - وَضَحَّ(2)ما قَصَدنا(3)إيضاحَه.
و القَولُ في المُفتي و وُجوبِ اتّباعِه كالقَولِ في إمامِ الصلاةِ ، فيَجِبُ أن يَجريَ الكلامُ فيهِما مَجرىً واحداً.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و بَعدُ، فإنّ هذا القَولَ يوجِبُ عَلَيهم أن لا تَنقادَ(4)الرَّعيّةُ للأُمَراءِ إذا لَم يَكونوا معصومينَ؛ لِمِثلِ(5)هذه العِلّةِ التي ذَكروها. و إذا(6)لَم يَجِبْ لأجلِ ذلكَ عصمتُهم، و لَم يَمنَعْ ذلكَ مِن وُجوبِ طاعتِهم ما لَم يُعلَمْ (7)دُعاؤهم
1) . في «ج، ص، ط، ف»: - «به».
2) . هكذا في «د». و في «ط» و المطبوع و الحجري: «و صحّ » و في سائر النسخ: «صَحَّ ».
3) . في «د» و المطبوع: + «إلىٰ ».
4) . في «د، ف» و الحجري: «لا ينقاد».
5) . هكذا في «ج، ط، ف» و المغني. و في «د، ص» و المطبوع و الحجري: «بمثل».
6) . في المغني: «فإذا».
7) . في المطبوع: + «[أنّه]» هكذا بين معقوفين. و قال المحقّق في الهامش: ما بين المعقوفين يدعو إليه السياق.
إلَى المعصيةِ ، فكذلكَ القَولُ في الإمامِ ،....(1)
يُقالُ له: قد بيّنّا أنّ الاقتداءَ بالإمامِ لا بُدَّ أن يَكونَ مُخالِفاً للاقتداءِ بكُلِّ مَن هو دونَه مِن أميرٍ و قاضٍ و حاكمٍ(2)، و لأنّ(3)معنَى الإمامةِ أيضاً لا بُدَّ أن يَكونَ مُخالِفاً لمعنَى الإمارةِ ، مِن غَيرِ رجوعٍ إلَى اختلافِ الاسمِ . و إذا كانَ لا بُدَّ مِن مَزيّةٍ بَينَ الإمامِ و بَينَ (4)مَن ذَكرناه(5)مِن الأُمَراءِ و غَيرِهم في معنَى الاقتداءِ ، فلا مَزيّةَ يُمكِنُ إثباتُها إلّاما ذَكرناه.
و لَيسَ لقائلٍ أن يَقولَ : إنّ الإمامَ يُخالِفُ الأميرَ بكَثرةِ رَعيّتِه، و سَعةِ عملِه(6).
لأنّه جائزٌ أن يَستَخلِفَ الإمامُ علىٰ جميعِ أعمالِه و سائرِ رَعيّتِه خَليفةً أو(7)خُلَفاءَ، فيَجعَلَ إليهم التصرُّفَ فيما إليه التصرُّفُ فيه، مِن تدبيرِ الأُمورِ الحاضرةِ و الغائبةِ، و تَوليةِ الوُلاةِ، و استِخلافِ الخُلَفاءِ فيما نأىٰ مِن البِلادِ، إلىٰ غَيرِ ما ذَكرناه ممّا يَتَصَرَّفُ فيه الإمامُ و يَتَوَلّاه بنَفسِه؛ لأنّه إذا جازَ أن يَتَوَلّىٰ جميعَه بنَفسِه جازَ أن يَستَخلِفَ علىٰ جميعِه، كما أنّه لَمّا جازَ أن يَتولّىٰ بعضَه بنَفسِه جازَ أن يَستَخلِفَ علىٰ بعضِه.
فلَولا أنّ الحالَ في ثُبوتِ المَزيّةِ في معنَى الاقتداءِ بَينَ الإمامِ و الأميرِ علىٰ ما ذَكرناه، لَوَجَبَ أن يَكونَ ما قدَّرناه و أجَزناه - مِن استخلافِ الإمامِ علىٰ جميعِ ما إليه خَليفةً ، إذا(8)كانَ لا فَرقَ بَينَهما في معنَى الاقتداءِ بهما و الائتمامِ ، علىٰ ما يَدَّعيهِ
الخُصومُ - قادحاً في الإجماعِ علىٰ أنّ الإمامَ لا يَكونُ في الزمانِ إلّاواحداً.
و إذا وَجَبَت علينا حِراسةُ هذا الإجماعِ ، و إبطالُ ما أدّىٰ إلَى القَدحِ فيه، وَجَبَ القَطعُ علىٰ أنّ حالَ الإمامِ مُخالِفةٌ في معنَى الاقتداءِ لِحالِ خُلَفائه و الوُلاةِ مِن قِبَلِه.
و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ : إنّ الإجماعَ إنّما انعَقَدَ علىٰ أنّ الإمامَ لا يَكونُ في الزمانِ (1)إلّا واحداً؛ علىٰ معنىٰ أنّ الأُمّةَ لا تُوَلّي إلّاواحداً، أو(2)الرَّسولَ لا يَنُصُّ إلّاعلىٰ واحدٍ. فأمّا جَوازُ تَوليةِ الإمامِ خَليفةً يَكونُ حُكمُه كحُكمِه في معنَى الاقتداءِ و سَعةِ العملِ ، فلَيسَ يَمنَعُ مِنه الإجماعُ .
لأنّ هذا القَولَ مِن مُخرِجِه تخصيصٌ للإجماعِ ، و إطلاقُه يَقتَضي إبطالَ (3)هذا القَولِ و ما ماثَلَه.
و لَيسَ له أيضاً أن يَقولَ : إنّ الإجماعَ إنّما مَنَعَ مِن ثُبوتِ إمامَينِ في عصرٍ واحدٍ يَتَسَمَّيانِ بالإمامةِ و يَدَّعيانِ بها، و لَيسَ بمانعٍ مِن كَونِ أحَدِ المُتَولّيَينِ علَى الأُمّةِ مُلقَّباً بالإمامةِ ، و الآخَرِ مُلقَّباً بالإمارةِ .
لأنّ الأسماءَ لا مُعتَبَرَ(4)بها، و إنّما المعتبَرُ بالمَعاني(5)فإذا(6)ثَبَتَ معنَى الإمامةِ في الاثنَينِ (7)كانا إمامَينِ ؛ سَواءٌ لُقِّبا بالإمامةِ أو لَم يُلقَّبا(8)، و الإجماعُ مانعٌ مِن هذا.
علىٰ أنّه لَو لَم يَتَسَمَّ الواحدُ بالإمامةِ، و تَصرَّفَ فيما يَتَصَرَّفُ فيه الأئمّةُ، و حَصَلَ على الصفاتِ التي تَقتَضي كَونَ الإمامِ إماماً، لَوَجَبَ كَونُه إماماً علَى الحقيقةِ ، مِن غَيرِ اعتبارٍ بالتسميةِ و اللقَبِ (1). و كذلكَ (2)القَولُ في الاثنَينِ .
قالَ صاحبُ الكتابِ :
شُبهةٌ أُخرىٰ لَهم:
رُبَّما قالوا: قد ثَبَتَ(1)أنّ مِن حقِّ الإمامِ أن يَكونَ واحداً في الزمانِ، و أنّه يُوَلّي و لا يُوَلّىٰ(2)، و يَعزِلُ و لا يُعزَلُ، و يأخُذُ علىٰ يَدِ غَيرِه، و لا يؤخَذُ علىٰ يَدِه، و يَجِبُ علىٰ غَيرِه طاعتُه، و لا يَلزَمُه(3)طاعةُ غَيرِه؛ فحَلَّ مَحَلَّ الرسولِ . فإذا(4)وَجَبَت عصمةُ الرسولِ وجَبَت عصمةُ الإمامِ ، و إذا وَجَبَ في الرسولِ أن يَكونَ متميِّزاً مِن سائرِ الوُلاةِ فكذلكَ الإمامُ ، و لَيسَ بَعدَ صِحّةِ ذلكَ إلّاالقَولُ بأنّه لا بُدَّ مِن إمامٍ معصومٍ في كُلِّ زمانٍ (5).
قالَ :
و اعلَمْ أنّ جميعَ ما أَورَدوه لَيسَ بعِلّةٍ في عِصمةِ الرسولِ، و إنّما يَجِبُ حَملُ الإمامِ علَى الرسولِ في العصمةِ إذا بُيِّنَ عِلّةُ العصمةِ في الرسولِ، و أنّها قائمةٌ في الإمامِ، و لا يُقتَصَرُ علَى الدَّعوىٰ . و لَيسَت العِلّةُ ما ذَكروها، لكِنَّها التي ذَكرناها في كتابِنا(1)، و هو أنّه إذا كانَ حُجّةً فيما
يؤَدّيهِ عن اللّٰهِ تَعالىٰ فيَجِبُ أن لا يَجوزَ عليه ما يَنقُضُ كَونَه حُجّةً ، مِن الغلطِ و السهوِ و غَيرِ ذلكَ [و لذلكَ لَم نَقطَعْ بعصِمتِه فيما عَدا ذلكَ ، و جَوَّزنا وقوعَ بعضِ الصغائرِ مِنه إذا لَم تَكُن منفِّرةً ...].(2)
يُقالُ له: لَيسَ ما ذَكرتَه علَى الترتيبِ الذي رَتَّبتَه بدالٍّ عندَنا علىٰ وجوبِ عصمةِ الإمامِ؛ لأنّكَ إنّما(3)جَمَعتَ فيما حَكَيتَه بَينَ أشياءَ لا تأثيرَ لها جُملةً، و بَينَ أشياءَ مؤثِّرةٍ، و أُخرىٰ(4)تؤثِّرُ إذا رُدَّت(5)إلىٰ بعضِ الأُصولِ المقرَّرةِ (6)و بُنيَت عَلَيها.
و نحنُ نُفصِّلُ هذه الجُملةَ تفصيلاً يُوضِحُ عمّا قَصَدناه، ثُمّ نَعتَرِضُ جُملةَ (7)كلامِكَ الذي اعتَرَضتَ به هذه الطريقةَ ، و نُبِينُ (8)عن مَواقعِ الخَلَلِ فيه و الفَسادِ؛
1) . راجع: المغني، ج 15 (التنبّؤات و المعجزات)، ص 281، 387.
2) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 91-92. و ما بين المعقوفين من المصدر.
3) . في «د، ص، ط»: - «إنّما».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «و أُخر».
5) . في «ج، د، ف» و الحجري: «إذا زدت».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «المقدّرة».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: - «جملة».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «فنبين».
فقَد ضَمَمتَ أيضاً في الاعتراضِ علىٰ هذه الطريقةِ - التي لَم نَرتَضِ ترتيبَها، و استَضعَفنا الاستدلالَ بها علَى الوجهِ الذي حَكَيتَه - بَينَ صحيحٍ و سقيمٍ ، و قادحٍ و غَيرِ قادحٍ .
و لَيسَ لكَ أن تَقولَ : إنّني ما حَكَيتُ إلّاما اعتَمَدَه(1)أصحابُكم في كُتُبِهم.
فإنّا لا نَعلَمُ أنّ أصحابَنا اعتَمَدوا ما حَكَيتَه علىٰ ترتيبِكَ، و لَعلَّ بعضَهم إن كانَ اعتَمَدَه فعَلىٰ طريقِ التقريبِ ، و رُبَّما أَورَدوا هذا الضربَ مِن الكلامِ علىٰ طريقِ الفَصلِ بَينَ الإمامِ و الأميرِ في وجوبِ العصمةِ إذا ألزَمَهم مُخالِفوهم أن يُساووا بَينَهما. و متىٰ حُكيَ (2)هذا الكلامُ الذي حَكَيتَه علىٰ سَبيلِ الفَصلِ بَينَ الإمامِ و الأميرِ، و الفَرقِ بَينَه و بَينَه(3)، بَعُدَ عن الفَسادِ.
و لَيسَ كُلُّ ما يورَدُ(4)علىٰ سَبيلِ الفَرقِ بَينَ شَيئَينِ (5)يَحسُنُ أن يُجعَلَ اعتلالاً؛ فإنّ للاعتلالِ مَذهَباً(6)يُخالِفُ مَذهَبَ الفُصولِ بَينَ الأشياءِ و الفُروقِ ، و هذا معروفٌ عندَ أهلِ النظَرِ.
و نحنُ نَعودُ إلىٰ ما وَعَدنا به مِن التفصيلِ :
أمّا كَونُ الإمامِ واحداً في الزمانِ : فلا تأثيرَ له جُملةً في وجوبِ عصمتِه.
و أمّا(7)كَونُه يُوَلّي: فيُمكِنُ أن يَكونَ له تأثيرٌ؛ مِن جهةِ أنّه لَو لَم يَكُنِ الخطأُ عليه
مأموناً لَم يؤمَنْ أن يُوَلّيَ مَن لا يَحسُنُ وِلايتُه و مَن يَكونُ وِلايتُه(1)سبباً لهَلاكِ الدِّينِ و فَسادِ المُسلِمينَ.
فأمّا كَونُه لا يُوَلّىٰ: فلَه تأثيرٌ واضحٌ؛ لأنّه إذا كانَ المُرادُ بهذا القَولِ أنّ أحَداً مِن البَشَرِ لا يُوَلّيهِ و أنّ وِلايتَه إنّما تَكونُ مِن قِبَلِ القَديمِ - عَلّامِ الغُيوبِ تَعالىٰ - فلا بُدَّ مِن(2)أن يَكونَ معصوماً؛ لأنّ القَديمَ تَعالىٰ لا يَجوزُ أن يُوَلّيَه إلّامع العِلمِ بطهارةِ مَغيبِه؛ لأنّه - جَلَّ و عَزَّ - عالِمٌ بذلكَ. و إنّما جازَ عندَ مَن جَوَّزَ(3)اختيارَ الإمامِ أن يُختارَ علىٰ ظاهرِه؛ مِن حَيثُ لَم يَكُن للبَشَرِ سَبيلٌ إلَى العِلمِ بمَغيبِه، و لَو كانَ لهُم إلىٰ ذلكَ سَبيلٌ(4)لَما جازَ أن يُقيموا إلّامَن يَعلَمونَ مِن حالِه الطهارةَ و حُسنَ الطريقةِ و يَقطَعونَ علىٰ باطنِه، كما أنّهم لَمّا كانَ لهُم طريقٌ (5)إلىٰ غَلَبةِ الظَّنِّ فيمَن(6)يَختَصُّ بهذه الأحوالِ لَم يَجُز أن يُقيموا إلّامَن يَغلِبُ علىٰ ظَنِّهم ما ذَكرناه مِن حالِه.
فأمّا كَونُه(7)يَعزِلُ : فتأثيرُه كتأثيرِ كَونِه يُوَلّي، و قد بيّنّاه.
و أمّا كَونُه لا يُعزَلُ : فلا تأثيرَ له في عصمتِه؛ علىٰ ما ذَكرناه في اشتراطِ أن يَكونَ واحداً.
فأمّا كَونُه يأخُذُ علىٰ يَدِ غَيرِه و لا يؤخَذُ علىٰ يَدِه، و يَجِبُ علىٰ غَيرِه طاعتُه و لا يَلزَمُه طاعةُ غَيرِه: فله تأثيرٌ صحيحٌ .
أمّا كَونُه آخِذاً علىٰ يَدِ غَيرِه(1)و يَجِبُ علَى الغَيرِ طاعتُه: فيَرجِعُ تأثيرُه إلىٰ دليلِ الاقتداءِ الذي تَقدَّمَ؛ لأنّه يُقالُ: إذا ثَبَتَ(2)طاعتُه و أخذُه علَى الأيدي علَى الوجهِ
الذي يَجِبُ للأئمّةِ - و هو علىٰ جهةِ الاقتداءِ المخصوصِ الذي بيّنّاه - وَجَبَ أن يَكونَ معصوماً، و إلّاأدّىٰ إلىٰ وَجوبِ الاقتداءِ به في القَبيحِ. فإن وقَعَت المعارَضةُ بالأميرِ و وجوبِ الاقتداءِ به مع سُقوطِ عصمتِه، فالجوابُ عنه ما تَقدَّمَ(3)، و قد مضَى الكلامُ في نُصرةِ هذا الدليلِ مُستَقصىً.(4)
و أمّا كَونُه ممّن لا يَلزَمُه(5)طاعةُ غَيرِه و لا يؤخَذُ علىٰ يَدِه: فيَرجِعُ تأثيرُه إلَى الدليلِ الذي اعتبَرَنا فيه أنّه لَو لَم يَكُن معصوماً لَاحتاجَ إلىٰ إمامٍ لحُصولِ عِلّةِ الحاجةِ؛ لأنّه إذا ثَبَتَ(6)أنّه ممّن(7)لا يؤخَذُ علىٰ يَدِه و لا طاعةَ لأحَدٍ عليه، لَم يَخلُ حالُه مِن وَجهَينِ : إمّا أن يَكونَ معصوماً، أو غَيرَ معصومٍ . فإن كانَ غَيرَ معصومٍ وجَبَت حاجتُه إلىٰ مَن يأخُذُ علىٰ يَدِه؛ لحُصولِ العِلّةِ المُحوِجةِ إليه فيه. و لَو جازَ أن لا يأخُذَ(8)علىٰ يَدِه أحَدٌ(9)مع كَونِه غَيرَ معصومٍ ، لَجازَ مِثلُ ذلكَ في كَثيرٍ مِن الأُمّةِ ،
1) . سقط من المطبوع من قوله: «و لا يؤخذ علىٰ يده، و يجب علىٰ غيره طاعته...» إلىٰ هنا. و هذه العبارات موجودة في جميع النسخ و الحجري.
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «ثبتت».
3) . تقدّم في ص 179-180.
4) . تقدّم في ص 170.
5) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «لا تلزمه».
6) . في المطبوع و الحجري: «إذا أثبت».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: - «ممّن».
8) . في «ف»: «لا يكون يأخذ».
9) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و لو جاز أن لا يكون علىٰ يده آخذ» بدل «و لو جاز أن لا يأخذ علىٰ يده أحد».
بَل في جميعِهم، و قد تَقدَّمَ فَسادُ هذا؛ فلا بُدّ إذَن مِن أن يَكونَ معصوماً.
و قد سَلَفَ مِن نُصرةِ هذا الدليلِ و ذِكرِ الزياداتِ عليه ما(1)فيه كِفايةٌ .(2)
فأمّا قَولُ صاحب الكتاب: «إنّ العِلّةَ في عصمةِ الرسولِ لَيسَت ما ذَكَرتُموه، و إنّما العِلّةُ ثُبوتُ كَونِه حُجَّةً »(3)فقَد تَقَدَّمَ لنا ما يَدُلُّ علىٰ أنّ الإمامَ أيضاً حُجّةٌ في الأداءِ ، فيَجِبُ أن يَكونَ معصوماً، علَى الطريقةِ التي فَزِعَ إليها صاحبُ الكتابِ ، و ظَنّ أنّا لا نَتَمَكَّنُ مِن مِثلِها.
و أمّا(4)قَولُه أنّه يُنازِعُ(5)في كَونِ الإمامِ مِن حقِّه أن يُوَلّيَ و لا يُوَلّىٰ، و ادّعاؤه أنّه علىٰ مَذهَبِه يُوَلّىٰ و يُنصَبُ كالأميرِ(6)، و قَولُه:
و متىٰ قالوا: «إنّ الإمامةَ تَثبُتُ(7)بالنَّصِّ، فلذلكَ قُلنا أنّه لا يوَلّىٰ»، فقَد صاروا يَعتَمِدونَ في أنّه معصومٌ علَى النَّصِّ (8)، و في النَّصِّ علىٰ أنّه معصومٌ .(9)
فممّا لا يَقدَحُ في الكلامِ الذي حَكاه؛ لأنّ القَومَ بَنَوا كلامَهم علىٰ أُصولِهم، فلا
1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «ممّا».
2) . تقدّم في ص 136-137.
3) . نقل هنا كلام القاضي بمعناه. راجع: المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 92.
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «فأمّا».
5) . في «ج، ف»: «منازع».
6) . إشارة إلىٰ كلام القاضي عبد الجبّار في المغني: «و أمّا قولهم: إنّ من حقّه أن يولّي و لا يولّىٰ ، فمتنازع فيه؛ لأنّ عندنا أنّه يولّىٰ و يُنصّب كالأمير، و أنّ أهل الصلاح و العِلم ينصبونه إماماً، فكيف يصحّ مع هذا الاختلاف أن يعتمدوا عليه ؟». المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 92-93.
7) . في المغني: «قد صحّ أنّ الإمامة ثبتت».
8) . في المطبوع: - «على النصّ »، و هو سهو.
9) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 93، نقلاً بالمعنىٰ .
يَضُرُّهم خِلافُ مَن خالَفَهم في أنّ الإمامَ يُوَلّىٰ إذا رَجَعوا في فَسادِ(1)ذلكَ إلَى الدليلِ الواضحِ ، و لهُم علىٰ وجوبِ النَّصِّ و فَسادِ(2)الاختيارِ أدلّةٌ غَيرُ وجوبِ العصمةِ ، و إن كانَ دليلُ العصمةِ أقواها؛ فلَيسَ يَجِبُ تعليقُ ما ظَنَّه مِن كُلِّ واحدٍ مِن الأمرَينِ بالآخَرِ.
فأمّا قَولُه:
أ لَيسَ مَن يَنُصُّ عليه يُوَلّيهِ؟ فَلِمَ قُلتُم أنّه لا يُوَلّىٰ؟ و إنّما يُفارِقُ حالَ الأميرِ بأنّه يُوَلّىٰ بَعدَ المَوتِ ، و الأميرَ يُوَلّىٰ في حالِ الحَياةِ .(3)
فإن قالوا: إذا نَصَّ عليه الرسولُ أو الإمامُ المُتَقدِّمُ ، فهو مِن قِبَلِ اللّٰهِ تَعالىٰ ، لا أنّه يُوَلّىٰ .
قيلَ لهُم(4): لا فَرقَ بَينَكم و بَينَ مَن قالَ في الأميرِ إذا وَلّاهُ الإمامُ : إنّه مِن قِبَلِ اللّٰهِ تَعالىٰ !(5)
فظاهرُ الفَسادِ؛ لأنّ مُرادَ القَومِ بقَولِهم: «إنّه لا يُوَلّىٰ» معروفٌ، و هو أنّ البَشَرَ لا يُوَلّونَه، و لا يَكونُ (6)وِلايتُه إلّامِن قِبَلِ اللّٰهِ تَعالىٰ ؛ فيَجِبُ أن يُكلَّموا(7)علىٰ غرضِهم، و يُرجَعَ إليهم في مُرادِهم بما أَطلَقوه مِن اللَّفظِ.
1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «في إفساد».
2) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و إفساد».
3) . عبارة المغني هكذا: «و متىٰ قالوا: قد صحّ أنّ الإمامة ثبتت بالنصّ ، فلذلك قلنا: إنّه لا يولّىٰ ، و إنّما يفارق حال الأمير بأنّه يولّىٰ بعد الموت و الأمير يولّىٰ في حال الحياة».
4) . في «ج، ص، ط، ف» و المغني: «قيل له».
5) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 93.
6) . في «ط»: «و لا تكون».
7) . في «ص»: «أن تكلّموا». و في «ف»: «أن يتكلّموا».
و المعارَضةُ بالأميرِ لا تَلزَمُ(1)لأنّهم يَقولونَ: إنّ الدليلَ الدالَّ (2)علىٰ فَسادِ اختيارِ الإمامِ و وجوبِ نَصبِه مِن قِبَلِ (3)القَديمِ تَعالىٰ ، لَيسَ مِثلُه في الأميرِ.
فأمّا قَولُه:
و بَعدُ، فإنّه إذا(4)ثَبَتَ أنّه لا يُوَلّىٰ ، فمِن أينَ ثَبَتَ (5)أنّه يَجِبُ أن يكون معصوماً؟ و ما تأثيرُ هذه الصفةِ في العصمةِ حتّىٰ يَجِبَ لأجلِها ثُبوتُها؟ و هَلّا جازَ أن يَكونَ ممّن يُوَلّي و لا يُوَلّىٰ و لا يَكونَ معصوماً؟
و لَو أنّه عليه السلامُ نَصَّ علَى الإمامِ ، ما كانَ يَجِبُ أن يَكونَ معصوماً عندَنا، كَما أنّه عليه السلامُ يُوَلّي الأُمَراءَ و إن لَم يَكونوا معصومينَ .(6)
فلَيسَ يَخلو كلامُه هذا مِن أن يَكونَ علىٰ تسليمِ مُرادِنا بقَولِنا أنّه لا يُوَلّىٰ، أو علَى المُنازَعةِ في ذلكَ.
فإن كانَ مع التسليمِ، فقَد دَلَّلنا علىٰ تأثيرِ هذه الصفةِ في العصمةِ بما لا مَطعَنَ (7)عليه، و لَيسَ صاحبُ الكتابِ ممّن يُخالِفُنا في أنّ الإمامَ لَو تَوَلَّى اللّٰهُ تَعالىٰ نَصْبَه لَوجَبَ أن يَكونَ مأمونَ الباطِنِ ؛ لأنّه قد صَرَّحَ في كلامِه في هذا المَوضِعِ بذلكَ .(8)
1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «لا يلزم».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: - «الدالّ ».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «من جهة».
4) . في المغني: «فإذا» بدل «فإنّه إذا».
5) . في المغني: - «ثبت».
6) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 93.
7) . في «ج، ص، ط»: «لا يطعن».
8) . فقد قال: «... قيل له: إنّه تعالىٰ إذا ألزمنا أن لا نقيم إلّامَن يغلب على الظنّ مِن حاله أنّه صالح لا يغيّر و لا يبدّل، فلابدّ لنا - لو علمنا ما حاله ذلك بدلاً من الظنّ - أنّه كان يلزم أنْ لا نقيم إلّا مَن
و إن كانَ مُنازِعاً فيما أَرَدناه بقَولِنا أنّ الإمامَ لا يُوَلّىٰ ، فلا معنىٰ لإخراجِه كلامَه مَخرَجَ التسليمِ و إظهارِه العُدولَ عن(1)المخالَفةِ إلَى الموافَقةِ ، و مفهومُ كلامِه: أنّ الأمرَ إذا كانَ علىٰ ما ذَكرتُم، فمِن أينَ أنّه(2)يَجِبُ أن يَكونَ معصوماً؟ و قد كانَ يَجِبُ إذا كانَ مُنازِعاً أن يُقيمَ علىٰ كلامِه الأوّلِ و لا يَعدِلَ عنه.
فأمّا قَولُه:
و بَعدُ، فلَو أنّه تَعالىٰ تَعبَّدَ الإمامَ بأن يَقومَ بالحُدودِ و الأحكامِ، و لَم يُجوِّزْ له(3)أن يُوَلّيَ، كانَ لا يَمتَنِعُ أن تَكونَ (4)التَّوليةُ إلىٰ صالِحي الأُمّةِ ، فلَيسَت هذه الصفةُ بواجِبةٍ للإمامِ حَتّىٰ يَصِحَّ أن تُجعَلَ (5)عِلّةً في العصمةِ .(6)
فلَسنا نَعلَمُ مِن أيِّ وَجهٍ كانَ كلامُه هذا مُفسِداً لتأثيرِ كَونِ الإمامِ ممّن يُوَلّي(7)في العصمةِ؟
فيُقالُ له: أتُوجِبُ عصمتَه إذا كانَ له أن يُوَلّيَ ، و إن سَلَّمنا لكَ تَطوُّعاً جَوازَ رَدِّ التَّوليةِ إلىٰ صالِحي الأُمّةِ و العُدولِ بها عنه، علىٰ فَسادِ ذلكَ عندَنا؟ فإن قالَ : لا،
هذه حاله. فإذا كان تعالىٰ عالماً بذلك، لم يجُز أن يقيم إلّامَن هذه حاله...». المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 94.
قيلَ له: فلَم نَرَكَ(1)أَفسَدتَ ذلكَ بشَيءٍ أكثَرَ مِن ذِكرِ تقديرٍ لَم يَثبُتْ؛ و هو تقديرُكَ أن تَكونَ (2)الوِلايةُ إلىٰ غَيرِه، و لو ثَبَتَت(3)له(4)لَم يَبطُلْ ما قَصَدناه بالكلامِ مِن إيجابِ كَونِ الإمامِ معصوماً إذا كانَت إليه الوِلايةُ (5). و هذا مَوضِعُ الخِلاف؛ لأنّا لَم نَختَلِفْ في عصمةِ (6)مَن لا يُوَلّي، بل فيمَن له أن يُوَلّيَ .
فإن قالَ : إنّما أرَدتُ أنّها لَو كانَت عِلّةً في العصمةِ لَلَزِمَت و وَجَبَت علىٰ أصلِكم، و إذا جازَ بما قَدَّرتُه خُروجَ الإمامِ عنها بطَلَ أن تَكونَ (7)عِلّةً (8).
قيلَ له: و لِمَ لا يَكونُ عِلّةً في العصمةِ و إن لَم تَلزَمْ في كُلِّ(9)حالٍ؟ لأنّها عِلّةٌ في العصمةِ(10)مِن(11)جُملةِ عِلَلٍ ، فقَد يَجوزُ(12)أن تَزولَ ، و تَثبُتَ (13)عصمةُ الإمامِ لغَيرِها(14)ممّا لا يَجوزُ خُروجُه عنه، و لا يَمنَعُ ذلك مِن تأثيرِ العِلّةِ التي ذَكرناها في العصمةِ إذا ثَبَتَت.
1) . في «ج»: «فلم رأتك».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «أن يكون».
3) . في «ج، د، ص، ط، ف»: «و لو ثبت».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: - «له».
5) . في «ص»: «التولية».
6) . في المطبوع: «صفة».
7) . هكذا في «ج» و المطبوع. و في سائر النسخ و الحجري: «أن يكون».
8) . في المطبوع و الحجري: «علّته».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: - «كلّ ».
10) . في «د»: - «في العصمة».
11) . في «ج، ص، ط، ف»: «في».
12) . في المطبوع: «فقد أردنا».
13) . في «ج، د، ط» و الحجري: «أن يزول و يثبت».
14) . في «ج، ص، ط، ف»: «بغيرها».
و بَعدُ، فإنّ مَن اعتَلَّ بهذا الوجهِ لَم يَعتَلَّ لعصمةِ(1)الإمامِ علىٰ سائرِ الوجوهِ ، و علىٰ كُلِّ حالٍ يُقدَّرُ له و يُمكِنُ أن يَحصُلَ عليها؛ بل إنّما اعتَلَّ لعصمتِه(2)مع أنّه علَى الصفاتِ المعلومِ حُصولُها له، التي مِن جُملتِها كَونُه ممّن يُوَلّي، و في عصمةِ مَن هذه حالُه خالَفَهم خُصومُهم، فيَجِبُ أن يَفسُدَ اعتلالُهم علىٰ وجهِه، و لَم نَجِدْكَ تَعرَّضتَ لذلكَ .
فأمّا ما طَعَنَ به مِن كَونِه يَعزِلُ (3): فالكلامُ عليه فيه(4)كالكلامِ فيما طَعَنَ به في(5)كَونِه يُوَلّي؛ لأنّه طَعَنَ في الأمرَينِ بما ذَكرَه(6)مِن التقديرِ، و قد مضىٰ بيانُ فَسادِه.
فأمّا قَولُه: «[فأمّا قولُهم:](7)إنّ كَونَه(8)لا يُؤخَذُ علىٰ يَدِه و يأخُذُ علىٰ يَدِ غَيرِه(9)فغَيرُ(10)مُسلَّمٍ» - قالَ: -
لأنّ عندَنا أنّ(11)الإمامَ يأخُذُ علىٰ يَدِه العُلَماءُ و الصالِحونَ، و يُنَبِّهونَه(12)
1) . في «د، ص، ط»: «بعصمة».
2) . في «ص»: «بعصمته».
3) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 95.
4) . هكذا في «د، ط، ف» و الحجري. و في «ج، ص» و المطبوع: «عليه» بدل «عليه فيه».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «علىٰ ».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «بما ذكرناه».
7) . ما بين المعقوفين من المغني.
8) . في المغني: «إنّه» بدل «إنّ كونه».
9) . في المطبوع: «إنّ كونه يأخذ علىٰ يد غيره» بدل «إنّ كونه لا يؤخذ على يده و يأخذ على يد غيره».
10) . هكذا في المطبوع و المغني، و في النسخ و الحجري: «غير» بدل «فغير».
11) . في المغني: - «أنّ ».
12) . في المطبوع و الحجريّ : «و ينهونه».
علىٰ غَلَطِه، و يَرُدّونَه عن باطِلِه، و يُذكِّرونَه بما زَلَّ عنه.(1)
فقَد أطلَقَ في الإمامِ و رَعيّتِه ما كُنّا نَعهَدُ أصحابَه يَتَجافَونَه(2)، و يَعتَذِرونَ مِن إطلاقِه(3)، و لَم يَبقَ بَعدَ ما أَطلَقَه إلّاأن يَقولَ: «إنّ طاعتَهم عليه مُفتَرَضةٌ، و إنّهم أئمّةٌ له، و رُعاةٌ(4)لأمرِه»، و إن كانَ قد أَعطىٰ معنىٰ ذلكَ فيما صَرَّحَ به(5).
و كُلُّ هذا لَو سَلِمَ مِن الفَسادِ لَم يَكُن مُخِلاًّ بالمُرادِ في هذا المَوضِعِ؛ لأنّ رَدَّ العُلَماءِ علَى الإمامِ و تنبيهَهُم له علَى الغلطِ - عندَ مَن جوَّزَه - إنّما يَختَصُّ حالَ
الخطإ الواقعِ مِن الإمامِ ، و لا يَدَ لهُم عليه، و لا يَسوغُ لهُم مِن تنبيهِه و الأخذِ علىٰ يَدِه ما يَسوغُ له أن يَستَعمِلَه معهم، و لذلكَ لا يَلزَمُه طاعتُهم، و يَلزَمُهم(6)طاعتُه.
و هذه الجُملةُ لا خِلافَ فيها؛ لأنّ الإجماعَ مُنعَقِدٌ علىٰ أنّه لا بُدَّ مِن مَزيّةٍ ثابتةٍ بَينَ الإمام و رَعيّتِه في بابِ الطاعةِ و الأخذِ علَى اليَدِ. و كيفَ لا يَكونُ بَينَ الإمامِ و المأمومِ مَزيّةٌ فيما ذَكرناه، و نحنُ نَعلَمُ أنّ المَزيّةَ لَو ارتَفَعَت(7)حتّىٰ يَجِبُ علىٰ كُلِّ (8)واحدٍ مِن طاعةِ الآخَرِ في الشيءِ بعَينِه مِثلُ ما يَجِبُ للآخَرِ عليه، لَكانَ ذلكَ فاسداً مُستَحيلاً لا يَخفىٰ علىٰ عاقلٍ بُطلانُه ؟
و إذا ثَبَتَ ما أرَدناه مِن المَزيّةِ للإمامِ علَى الرعيّةِ في بابِ الطاعةِ و الأخذِ علَى اليَدِ،
1) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 96.
2) . يتجافونه، أي يتباعدون عنه. و في «ج، ص، ط»: «يتخافونه».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «و يعتذرون منه أن يطلقوه».
4) . في المطبوع و الحجري: «و دعاة».
5) . هكذا في «د» و الحجري. و في سائر النسخ و المطبوع: «فيما تقدّم و صرّح به».
6) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «و تلزمهم».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «و نحن نعلم أنّه لو ارتفعت المزيّة».
8) . في المطبوع: + «حال».
استَحالَ أن يَكونَ (1)العِلّةُ المُحوِجةُ إلىٰ مَن له تِلكَ المَزيّةُ حاصِلةً في الإمامِ ؛ لأنّها لَو حَصَلَت فيه كحُصولِها في رَعيّتِه لَاحتاجَ إلىٰ مِثلِه.
و قد مضىٰ هذا الكلامُ مُستَوفىً .(2)
فأمّا قَولُه:
ثمّ يُقالُ لهُم علىٰ طريقةِ الابتداءِ : إذا كانَ الذي يَقومُ به الإمامُ هو الذي يَقومُ به الأميرُ و لا مَزيّةَ له(3)، و لَم يَجِبْ في الأميرِ أن يَكونَ معصوماً، فكذلكَ (4)في الإمامِ ؛ لأنّ العصمةَ لَو وَجَبَتَ فيه(5)لَكانَ إنّما تَجِبُ لأمرٍ يَقومُ به، لا لِشَيءٍ (6)يَرجِعُ إلىٰ خِلقَتِه(7)و أَوصافِه و تَكليفِه في نفسِه.(8)
فقَد بيّنّا أنّ الذي يَقومُ به الإمامُ يُفارِقُ لِما يَقومُ به الأميرُ(9)، و أنّه لا بُدَّ مِن مَزيّةٍ بَينَ ما يَتَوَلّاهُ الإمامُ و الأميرُ، و ذَكَرنا أنّ القَولَ بتَساوي وِلايَتِهما يؤَدّي إلَى القَدحِ في الإجماعِ المُنعقِدِ علىٰ أنّه لا يَصِحُّ في زمانٍ واحدٍ كَونُ إمامَينِ .(10)
علىٰ أنّه(11)لَو كانَ الذي يَقومانِ به و يَتَوَلَّيانِه واحداً - كَما يُريدُ(12)الخُصومُ - لَم
1) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «أن تكون».
2) . تقدّم في ص 188.
3) . في «ج، ص، ط، ف»: - «له». و في المغني: «و من لا مزيّة له».
4) . في «ج، ص، ط»: «و كذلك».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «له».
6) . في «ج» و المطبوع و الحجري: «شيء» بدل «لشيء».
7) . في «د» و المطبوع: «خليقته».
8) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 96-97.
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «مفارق لما يقوم به الأُمراء».
10) . تقدّم في ص 181-183.
11) . في المطبوع: «علىٰ أنّ ».
12) . في «ج، ص، ف»: «كما أقرّ به».
يَجِبْ(1)عصمةُ الأميرِ قياساً(2)علىٰ عصمةِ الإمامِ؛ لأنّ الإمامَ لَو لَم يَكُن معصوماً
لَوَجَبَ أن يَكونَ له إمامٌ ، و قد عَلِمنا أنّه لا إمامَ له، فيَجِبُ القَطعُ علىٰ عصمتِه.
و الأميرُ إذا لَم يَكُن معصوماً و احتاجَ إلىٰ إمامٍ فلَه إمامٌ ، و هو إمامُ الجَماعةِ (3).
و لَم يَخرُجِ الأميرُ علىٰ هذا القَولِ مِن جُملةِ الرَّعيّةِ المؤتَمّينَ بالإمامِ ؛ فلا وَجهَ يَقتَضي عصمتَه.
و أمّا(4)قَولُه:
و متىٰ تَوصَّلوا بنَصِّ الرسولِ علَى الإمامِ إلَى العصمةِ ، لَزِمَهم فيمَن يُوَلّيهِ الإمامُ و وَلّاه الرسولُ في حالِ حَياتِه أن يَكونوا معصومينَ (5). و متىٰ جازَ أن يُوَلّيَ عليه السلامُ الأُمَراءَ - و هو حَيٌّ - علَى النَّواحي و لا عِصمةَ ، فما الذي يَمنَعُ لَو نَصَّ علَى الإمامِ أن لا يَكونَ معصوماً؟(6)
فرُجوعٌ مِنه إلَى التَوهُّمِ الأوّلِ الذي قد بيّنّا أنّ المَذهَبَ بخِلافِه؛ لأنّ مَن تَوصَّلَ مِنّا بنَصِّ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(7)علَى الإمامِ إلَى العصمةِ ، لَم يَذهَبْ إلىٰ أنّ ذلكَ النَّصَّ - و إن كانَ صادِراً مِن جهةِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(8)و مسموعاً
1) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «لم تجب».
2) . في المطبوع: «قياماً»، و هو سهو.
3) . يريد إمام الجميع، و هو المعصوم.
4) . في «ج، د، ص، ط»: «فأمّا».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «أن يكون معصوماً».
6) . نُقل هذا المقطع بالمعنىٰ . راجع: المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 93 و 97-98.
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «عليه السلام».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: - «صلّى اللّٰه عليه و آله».
مِن لَفظِه - واقعٌ برأيِه و راجِعٌ إلَى اختيارِه، بَل يَقولونَ : إنّه مِن جهةِ رَبِّ العالمينَ - جَلَّت عظمتُه - و إنّ الرسولَ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(1)مؤَدٍّ له و معبِّرٌ عنه.
و لَيسَ هذا بمُشكِلٍ مِن مَذهَبِهم، و غامِضٍ مِن قَولِهم، حَتّىٰ يَشتَبِهَ مِثلُه علىٰ خُصومِهم. و إذا كانوا بهذا النَّصِّ تَوصَّلوا إلَى العصمةِ لَم يَكُن ما ذَكرَه قادِحاً، و كيفَ يَجوزُ أن يُظَنَّ عَلَيهم إيجابُ عصمةِ الإمامِ لِرَدِّها إلىٰ نَصِّ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(2)الذي صَدَرَ مِن جهتِه، و ذلكَ عندَهم حُكمُ جميعِ الأُمَراءِ و الخُلَفاءِ في حَياتِه ؟
و كيفَ يَصِحُّ أن يَجمَعوا بَينَ اعتقادِ عصمةِ الإمامِ لنَصِّ الرسولِ عليه السلامُ (3)علَى الوجهِ الذي راعَيناه(4)لا لغَيرِ ذلكَ ، و اعتقادِ كَونِ الأُمَراءِ مع أنّهم منصوصٌ عَلَيهم علىٰ هذا الوجهِ غَيرَ معصومينَ؟ و هذا سُوءُ ظَنٍّ بهم(5)شَديدٌ.
الدليل الرابع عشر في بيان أنّ الإمامة مستحَقّة(1)
قالَ صاحبُ الكتابِ :
شُبهةٌ أُخرىٰ لهُم(2):
و رُبَّما أَوجَبوا الإمامةَ لِمَن هو أفضَلُ في الزمانِ بأن يَقولوا: إنّها مُستَحَقّةٌ بالفَضلِ لِما يُقارِنُها مِن التعظيمِ و الإجلالِ بنَفاذِ الأمرِ(3)و لُزومِ الانقيادِ، فلا بُدَّ مِن أن يَكونَ إماماً إذا كانَ حالُه هذا(4)، و لا يَجوزُ أن يَكونَ كذلكَ إلّا بأمرٍ يتميَّزُ به مِن نَصٍّ أو مُعجِزٍ.
قالَ (5):
و قد بيّنّا في الكلامِ في النُّبوّاتِ (6)[مِن هذا الكتابِ ](7)أنّ الرسالةَ لَيسَت
1) . لقد سقطت بداية هذا الدليل من المغني المطبوع، و لذلك بَدا للناظر أنّ صاحب الكتاب قدأورد ثلاثةَ عشر دليلاً - و التي سمّاها: شبهة -، إلّاأنّه في الحقيقة قد أورد أربعة عشر دليلاً تماماً كما هو موجود هنا في نسخ الشافي.
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «شبهة لهم أُخرىٰ ».
3) . من قوله: «شبهة أُخرى لهم» إلىٰ هنا سقط من المغني المطبوع.
4) . في «ج، ص، ط، ف» و المغني: «هذا حاله» بدل «حاله هذا».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: - «قال».
6) . المغني، ج 15 (التنبّؤات و المعجزات)، ص 70 و ما بعدها.
7) . ما بين المعقوفين من المغني.
مُستَحَقّةً، و أنّها تكليفٌ لأمرٍ تَعظُمُ(1)فيه المَشَقّةُ، و أنّه يَستَحِقُّ الرِّفعةَ لِقيامِه بذلكَ ، و تَوطينِه النفسَ علَى الصَّبرِ عندَ العَوارضِ ، [و بما يُقدِّمُ مِن طاعاتِه](2)، و دَلَّلنا علىٰ ذلكَ بوُجوهٍ كَثيرةٍ ، فيَجِبُ أن تَكونَ الإمامةُ كمِثلِها(3)، بَل هي أَولىٰ بذلكَ ؛ فإذا بُنيَ هذا(4)الكلامُ علىٰ كَونِها مُستَحَقّةً - و ذلكَ لا يَصِحُّ - فقد بَطَلَ قَولُهم(5).
و الذي نَذهَبُ إليه: أنّ الإمامةَ غَيرُ مُستَحَقّةٍ(6)، و كذلكَ الرسالةُ. و أنّ الذي يَذهَبُ إليه طائفةٌ مِن أصحابِنا مِن أنّهما يُستَحَقّانِ (7)استحقاقَ الثَّوابِ و الجَزاءِ باطِلٌ
لا شُبهةَ في مِثلِه.
و في إفسادِ كَونِهما مُستَحَقَّينِ طُرُقٌ كَثيرةٌ ، فما(8)أشارَ إليه صاحبُ الكتابِ مِن ذِكرِ المَشَقّةِ و الكُلْفةِ أحَدُها، و هو آكَدُها.
1) . في «د» و الحجري: «يعظم». و في «ج، ص، ط، ف»: «عظيم».
2) . ما بين المعقوفين من المغني.
3) . في «ص»: «مثلها». و في «د»: «كمثله». و في «ط، ف» و المغني: «كمثل».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: - «هذا».
5) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 97.
6) . اختلف الإماميّة حول أنّ النبوّة و الإمامة تفضّلٌ أو استحقاق ؟ فذهب جمهورهم إلىٰ أنّهاتفضّلٌ من اللّٰه تعالىٰ علىٰ من اختصّه بكرامته؛ لعلمه بحميد عاقبته و اجتماع الخِلال الموجِبة لتفضيله علىٰ غيره. فيما ذهب بعضهم - و منهم بنو نوبخت - إلىٰ أنّها مستحَقَّة للنبيّ و الإمام لأعمالٍ متقدّمة قاموا بها. و قد اختار المصنّف رحمه اللّٰه، و مِن قَبله الشيخ المفيد القولَ بالتفضّل. راجع: أوائل المقالات، ص 63-64؛ الذخيرة، ص 325.
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «مستحقّان».
8) . في «د» و الحجري: «ما». و في المطبوع: «فممّا».
و نحنُ و إن لَم نَقُلْ في الإمامةِ أنّها مُستَحَقّةٌ بأعمالٍ متقدِّمةٍ علَى الوجهِ الذي رَغِبنا عنه، فإنّا لا نُوجِبُها إلّاللأفضَلِ ؛ لِما سَنَذكُرُه(1)عندَ الكلامِ في المفضولِ (2).
علىٰ أنّ مَن ذهَبَ فيها إلَى الاستحقاقِ لا يَصِحُّ أن يَستَدِلَّ علىٰ وجوبِ الإمامةِ بما حَكاه؛ لأنّه قد يَجوزُ(3)أن لا يَكونَ في الزمانِ مَن بَلَغَت أعمالُه القَدرَ الذي يُستَحَقُّ(4)بمِثلِه الإمامةُ، و لَيسَ بواجبٍ أن يَكونَ في كُلِّ زمانٍ مَن تَبلُغُ(5)أعمالُه إلىٰ هذا الحَدِّ.
و لا يَصِحُّ أيضاً(6)أن يُستَدَلَّ بطريقةِ الاستحقاقِ علَى العصمةِ؛ لأنّه قد يَجوزُ أن يَستَحِقَّها بأعمالِه و كَثرةِ ثَوابِه مَن لَم يَكُن معصوماً. و غَيرُ مُمتَنِعٍ أن تَزيدَ(7)طاعاتُ مَن(8)لَيسَ بمعصومٍ علىٰ طاعاتِ المعصومِ، فيَزيدَ ما يَستَحِقُّه بها مِن(9)الثَّوابِ علىٰ ثَوابِ المعصومِ.
فلَو سَلِمَ للقَومِ(10)أنّ الإمامةَ مُستَحَقَّةٌ بالأعمالِ (11)، لَم يَثبُتْ لهُم وجوبُها علَى
1) . في المطبوع و الحجري: «سنذكر».
2) . سوف يأتي في ص 272 من هذا المجلّد، و ج 4، ص 45.
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «قد جوّز».
4) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «تُستحقّ ».
5) . في الحجري: «يبلغ». و في «ص»: «بلغ من» بدل «تبلغ».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: - «أيضاً».
7) . في الحجري: «أن يزيد».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «الطاعات ممّن» بدل «طاعات من».
9) . في المطبوع: + «الطاعات».
10) . أي لمن ذهب من الإماميّة إلىٰ أنّ الإمامة مستحقّة.
11) . في «د» و المطبوع و الحجري: «بأعمالٍ ».
الحَدِّ الذي يَذهَبونَ إليه، و لا العصمةُ أيضاً مِن الوجهِ الذي أَوضَحناه، فتَشاغُلُ صاحبِ الكتابِ مع هذا بمُنازَعتِه لهم في الاستحقاقِ لا وجهَ له مع بُطلانِ قَولِهم مِن دونِه.
و إنّما يَصِحُّ أن يَستَدِلَّ بكَونِ الإمامةِ مُستَحَقَّةً مَن يَذهَبُ (1)إلىٰ ذلكَ فيها علىٰ أنّ الإمامَ أفضَلُ أهلِ زمانِه، فيَكونُ ذلكَ وجهاً يُتعلَّقُ بمِثلِه، و إن كانَ الأصلُ الذي بُنيَ عليه(2)فاسداً.
فأمّا قَولُه:
ثُمّ يُقالُ لهم: لا فَرقَ بَينَكم في قَولِكم(3): إنّها مُستَحَقّةٌ فيُطلَبُ لها المعصومُ و الأفضَلُ ، و بَينَ مَن قالَ بمِثلِه في الإمارةِ ؛ لأنّا قد بيّنّا أنّ الذي يَقومُ به الإمامُ هو ما يَقومُ به الأميرُ ظاهراً(4)[و إنِ اختَلَفا في سَعةِ الوِلايةِ و كَثرَتِها و قِلّتِها، و بيّنّا أنّ ذلك لا يؤثِّرُ في هذا الباب. فإذا لَم يَجِبْ في الأميرِ أن يَكونَ معصوماً و أن تَكونَ إمارتُه مُستَحَقّةً ، فكذلكَ الإمامُ ].(5)
فقَد(6)بيّنّا أنّا لا نَذهَبُ في الإمامةِ إلىٰ أنّها مُستَحَقّةٌ ،(7)و لا نَجعَلُ كَونَها مُستَحَقّةً
1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «من ذهب».
2) . و هو أنّ الإمامة مستحقّة.
3) . في «د» و المغني: «لا فرق بين قولكم».
4) . في «ج، ص، ف» و المغني: «أنّ الذي يقوم به الأمير هو الذي يقوم به الإمام» بدل «أنّ الذي يقوم به الإمام هو ما يقوم به الأمير ظاهراً».
5) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 97-98. و ما بين المعقوفين من المصدر.
6) . في المطبوع: «و قد».
7) . تقدّم آنفاً.
عِلّةً فيما ذَكرَه، و فَصَّلنا فيما تَقدَّمَ بَينَ الإمامِ و الأميرِ في معنَى الوِلايةِ .(1)ثُمّ علىٰ تسليمِ تَساويهِما في الوِلايةِ لا يَلزَمُ تَساويهِما في غَيرِها؛ لِما(2)بيّنّا به أنّ ما يُوجِبُ عصمةَ أحَدِهما لا يُوجِبُ عصمةَ الآخَرِ، و تَكرارُ ذلكَ لا فائدةَ فيه.
فأمّا قَولُه:
و بَعدُ، فإنّ عِلّتَهم(3)تُوجِبُ أنّ غَيرَ الإمامِ لا يُساويهِ في العصمةِ و الفَضلِ ، و إلّاكانَ يَجِبُ أن يَكونَ إماماً، و لَما صَحَّ القَولُ (4)بأنّ الإمامَ لا يَكونُ إلّاواحداً، [فقَد بيّنّا أنّ ذلكَ لا يُمكِنُ القَطعُ عليه، بَل الدَّلالةُ مِن جهةِ السمعِ قد دَلَّت علىٰ خِلافِه].(5)
فغَيرُ لازمٍ للقَومِ الذاهِبينَ في الإمامةِ إلَى الاستحقاقِ؛ لأنّ لهُم أن يَقولوا: إنّ الاعتبارَ في استحقاقِ الإمامةِ لَيسَ بالعصمةِ وَحدَها، فيَلزَمَنا أن نَمنَعَ مِن مُساواةِ غَيرِ الإمام له في العصمةِ؛ بَل الاعتبارُ بزِياداتِ الفَضلِ و كَثرةِ الثوابِ.
و لَيسَ يَجوزُ أن يُساويَ الإمامُ عندَهم في الفَضلِ المُستَحَقِّ به الإمامةُ مَن لَيسَ بإمامٍ، و هذا نَصُّ مَذهَبِهم و صَريحُه.
و العقلُ يُجَوِّزُ ثُبوتَ عِدّةِ أئمّةٍ ، و إنّما السمعُ مَنَعَ (6)مِن ذلكَ . و عندَ مَنعِ السمعِ
مِنه قَطَعَ القَومُ علىٰ أنّه لا يَتَّفِقُ لِاثنَينِ مِن الفَضلِ ما يُستَحَقُّ به الإمامةُ، و إن جازَ أن يَكونَ ذلكَ قد اتَّفَقَ فيما مضىٰ.
و نحنُ و إن لَم نَذهَبْ في الإمامةِ إلَى الاستحقاقِ، و كانَ(1)مَذهَبُنا فيها موافِقاً لمَذهَبِ (2)صاحبِ الكتابِ ، فغَيرُ مُنكَرٍ أن نُبيِّنَ (3)فَسادَ ما قَدَّرَ أنّه يَلزَمُ القائلينَ بذلكَ و لَيسَ بِلازمٍ في الحقيقةِ ، و نُميِّزَ صحيحَ ذلكَ مِن باطلِه؛ إذ(4)كانَ الخِلافُ في الطريقةِ إلىٰ نُصرةِ المَذهَبِ رُبَّما(5)لا يَكونُ خِلافاً في المَذهَبِ نفسِه.
فأمّا قَولُه:
و يَلزَمُ القَومَ في أيّامِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ أن يَكونَ حالُ الحَسَنِ و الحُسَينِ عَلَيهما السلامُ كَحالِه في الإمامةِ؛ لأنّهما معصومانِ
فاضِلانِ. و أن لا يُمكِنَ أن يُقالَ: «إنّ له عليه السلامُ مَزيّةً في الإمامةِ»، و ذلكَ يوجِبُ ثُبوتَ أئمّةٍ في الزمانِ. و يَلزَمُهم أن لا يُصيِّروا الثانيَ إماماً عندَ تَقَضّي(6)الأوّلِ ، بَل يَجِبُ أن يَكونَ إماماً معه؛ للعِلّةِ التي ذَكَروها. بَل يَلزَمُهم أن يَكونَ أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ (7)في أيّامِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و سَلَّمَ (8)إماماً [و أن يَصِحَّ أن يَقومَ
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «فكان».
2) . في «ص»: «بمذهب».
3) . في «ص»: «أن يبيّن».
4) . في «د، ص»: «إذا».
5) . في «ط» و المطبوع و الحجري: «و ربّما».
6) . في «د، ط» و المطبوع: «عند تقصّي». و في المغني: «عند نقص».
7) . في المغني: - «عليه السلام».
8) . في «ج، ط، ف» و المغني: - «صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم». و في «ص»: «عليه السلام».
بالحُدودِ و الأحكامِ مِن غَيرِ مُراجَعةٍ...](1).
فممّا لا يَلزَمُ أيضاً؛ لأنّ الإمامةَ لَيسَ(2)تُستَحَقُّ عندَهم(3)بالعصمةِ حسَبَ ما ذَكرناه مِن(4)قَبلُ(5)، و لا بها و بضَربٍ مِن الفَضلِ غَيرِ مخصوصٍ(6)بَل إنّما تُستَحَقُّ علىٰ مَذهَبِهم بقَدرٍ مِن الفَضلِ مخصوصٍ، مَنِ(7)انتَهىٰ إليه كانَ إماماً. و عندَهم أنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ لَم يَنتَهِ في أيّامِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و سَلَّمَ(8)إلىٰ ذلكَ القَدرِ مِن الفَضلِ، و إنّما انتَهىٰ إليه في الحالِ التي وجَبَت له فيها الإمامةُ، و هي بَعدَ الرسولِ(9)صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و سَلَّمَ بلا فَصلٍ (10). و كذلكَ القَولُ في الحَسَنِ و الحُسَينِ عَلَيهما السلامُ في أيّامِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ .
و هذه أيضاً حالُ كُلِّ إمامٍ يَثبُتُ (11)له الإمامةُ بَعدَ مَن كانَ قَبلَه مِن الأئمّةِ في أنّه لا يَجِبُ أن يَكونَ إماماً في حالِ مَن كانَ إماماً قَبلَه؛ لأنّه لا يَحصُلُ له مِن الفَضلِ في تلكَ الأحوالِ القَدرُ الذي يُستَحَقُّ به الإمامةُ .
و سُقوطُ هذا عن القَومِ واضحٌ لا إشكالَ فيه.
1) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 98، و ما بين المعقوفين من المغني.
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «لا».
3) . أي عند مَن ذهب إلىٰ الاستحقاق من الإماميّة.
4) . في «ج، ص، ط، ف»: - «من».
5) . تقدّم آنفاً.
6) . في المطبوع: «المخصوص» بدل «غير مخصوص»، و هو سهو.
7) . في المطبوع و الحجري: «و مَن».
8) . في «ج، ط»: «عليه السلام».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «بعد رسول اللّٰه».
10) . في المطبوع: «بلا فاصل».
11) . هكذا في النسخ و الحجري، و في المطبوع: «تثبت».
الواجبُ أن نُقدِّمَ(1)- قَبلَ حكايةِ كلامِه و مناقَضتِه(2)- الدَّلالةَ علىٰ وجوبِ النَّصِّ ، ثُمّ نَعترضَ (3)جُملةَ ما أَورَدَه صاحبُ الكتابِ (4)في هذا الفَصلِ .
فممّا يَدُلُّ مِن طريقِ العقولِ(5)علىٰ وجوبِ النَّصِّ : أنّ الإمامَ إذا وَجَبَت عصمتُه بما قَدَّمناه مِن الأدلّةِ (6)، و كانَت العصمةُ غيرَ مُدرَكةٍ فتُستفادَ(7)مِن جهةِ الحَواسِّ ، و لَم يَكُن أيضاً عَلَيها(8)دليلٌ يوصِلُ إلَى العِلمِ بحالِ مَن اختَصَّ بها فيُتوصَّلَ إليها بالنظَرِ في الأدلّةِ ، فلا بُدَّ مع صحّةِ هذه الجُملةِ مِن وجوبِ النَّصِّ علَى الإمامِ بعَينِه(9)،
1) . في «د، ص، ط، ف»: «أن يقدّم».
2) . في «ص» و المطبوع: «و مناقضة».
3) . في «د، ف»: «يعترض».
4) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «صاحب الكتاب».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: - «من طريق العقول».
6) . تقدّم في ص 135 و ما بعدها.
7) . في الحجري و التلخيص: «فيستفاد».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «عليها أيضاً» بدل «أيضاً عليها».
9) . و هذا الدليل مرويّ عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام؛ فقد روي عن الإمام عليّ بن الحسين
أو إظهارِ المُعجِزِ - القائمِ مَقامَ النَّصِّ - عَلَيه. و أيُّ الأمرَينِ صَحَّ بَطَلَ الاختيارُ الذي هو مَذهَبُ المُخالِفِ، و مِن أجلِه تكَلَّفنا الدَّلالةَ علىٰ وجوبِ النَّصِّ . و إنّما بَطَلَ (1)مِن حَيثُ كانَ في تكليفِه مع ثُبوتِ عصمةِ الإمامِ تكليفٌ لإصابةِ ما لا دليلَ عَلَيه، و ذلكَ في القُبحِ يَجري مَجرىٰ تكليفِ (2)ما لا يُطاقُ (3).
فإن قيلَ : و لِمَ لا جازَ(4)- مع ثُبوت العصمةِ التي ادَّعَيتموها - تكليفُ الاختيارِ؟
بأن يَعلَمَ اللّٰهُ تَعالىٰ أنّ المُختارينَ للإمامِ (5)لا يَختارونَ إلّامعصوماً، و(6)لا يتَّفِقُ لهم إلّا اختيارُ المعصومِ ، فيَحسُنُ تكليفُهم الاختيارَ مع العِلمِ بما ذَكَرناه مِن حالِهم.
قُلنا: لَيسَ ما ذَكَرتموه بمُخرِجٍ هذا التكليفَ مِن اللُّحوقِ بتكليفِ ما لا يُطاقُ، و لا دليلَ عَلَيه(7). و لا مُعتبَرَ بالعِلمِ في هذا البابِ؛ لأنّ عِلمَ اللّٰهِ تَعالىٰ مِن حالِ المكلَّفِ أنّه يتَّفِقُ له اختيارُ المعصومِ، لَيسَ بدَلالةٍ (8)علىٰ عَينِ الإمامِ (9)المعصومِ ؛ فقَد آلَ الأمرُ إلىٰ أنّه تكليفٌ لِما لا دليلَ عَلَيه، و قُبحُ ذلكَ ظاهرٌ.
و قد عُورِضَ مَن أجازَ ما تَضمَّنَه هذا السؤالُ ، و أُلزِمَ إجازةَ تكليفِ اختيارِ(10)
زين العابدين عليه السلام أنّه قال: «الإمام منّا لا يكون إلّامعصوماً، و ليست العصمة في ظاهر الخلقة فيُعرف بها، و لذلك لا يكون إلّامنصوصاً». معاني الأخبار، ص 132.
1) . أي الاختيار.
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «و ذلك يجري مجرىٰ تكليف ما لا يطاق في القبح».
3) . لاتّحادهما في الملاك، و هو التكليف بغير المقدور عقلاً.
4) . في التلخيص: «و لِمَ لا يجوز».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «بأنّ المختارين» بدل «أنّ المختارين للإمام».
6) . في «د» و التلخيص: - «لا يختارون إلّامعصوماً و».
7) . أي و الحال أنّه لا دليل علىٰ عين الإمام.
8) . في «ف»: + «له».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: - «الإمام».
10) . في «ج، ص»: «التكليف باختيار».
الشرائعِ و الأنبياءِ، و الإخبارِ عمّا كانَ و يَكونُ مِن الغائباتِ، إذا عُلِمَ أنّ مَن كُلِّفَ ذلكَ يَتَّفقُ له في الشرائعِ ما فيه(1)المصلحةُ، و في الأنبياءِ مَن يَجِبُ بَعثُه(2)، و في الأخبارِ الصِّدقُ مِنها دونَ الكَذِبِ. و لا فَرقَ بَينَ مَن أجازَ اختيارَ المعصومِ و بَينَ مَن أجازَ كُلَّ ما ذَكرناه.
و في الناسِ مَن ارتَكبَ جوازَ اختيارِ الشرائعِ و الأنبياءِ ، و قد حُكيَ ذلكَ عن مُوَيسَ بنِ عِمرانَ (3). فأمّا الإخبارُ عمّا لا يَتعلَّقُ بالأحكامِ مِن الأُمورِ الكائناتِ ، فإنّه لَم يَرتَكِبْ حُسنَ تكليفِها.
و لا فَرقَ بَينَ ما ارْتَكَبَه ممّا حَكَيناه و بَينَ ما لَم يَرتَكِبْه(4)لأنّ الجَميعَ يَرجِعُ إلىٰ أصلٍ واحدٍ، و هو أنّه تكليفٌ لِما لا دليلَ عَلَيه و لا سَبيلَ إليه، و ذلكَ يَجري مَجرىٰ تكليفِ ما لا يُطاقُ .
و يُبيِّنُ ما ذَكرناه: أنّا نَعلَمُ - و كُلَّ عاقلٍ - قُبحَ تكليفِ أحدِنا غَيرَه(5)الإخبارَ عمّا
1) . في «ج، ص، ط، ف»: + «من».
2) . في «ج، ف» و التلخيص: «بعثته».
3) . في «ج، ص» و الحجري: «يونس بن عمران». و في التلخيص: «موسى بن عمران». و ما أثبتناه في المتن مطابق لنسختَي «د، ط» و مواضع متعدّدة من المغني. منها: المغني، ج 12، ص 238: «فإن قيل: أ لستم أنكرتم قول مُويس بن عمران و من تبعه في قوله: إنّ اللّٰه تعالىٰ يجوز أن يكلّف العبد أن يفعل باختياره إذا علم أنّه لا يختار إلّاالصلاح...». و ج 17، ص 372: «... و لم ينفصلوا في ذلك عمّا حُكي عن مُويس بن عمران أنّه جلّ و عزّ يجوز أن يكلّف أن يعمل العالم على ما يقع في خاطره و يختاره». و قال في طبقات المعتزلة (ص 71) عند ذكر الطبقة السابعة: «و من هذه الطبقة مويس بن عمران الفقيه، ذكر أبو الحسين أنّه واسع العلم في الكلام و الفتيا، و كان يقول بالإرجاء». و للمزيد راجع: أبكار الأفكار في أُصول الدين، ج 5، ص 87؛ طبقات المعتزلة، ص 68؛ الملل و النحل، ج 1، ص 160 و 165.
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «و لا فرق بين مَن ارتكب ما حكيناه و بين مَن لم يرتكبه».
5) . في «ج، ط، ف»: «لغيره». و في «ص»: «بغيره».
يَفعَلُه المكلِّفُ مُستَسِرّاً به،(1)و عن مَبلَغِ أموالِه التي لا طريقَ - لِمَن كلَّفه الإخبارَ عنها - إلَى العِلمِ بمَبلَغِها. و لَيسَ يُخرِجُ هذا التكليفَ مِن القُبحِ غلبةُ ظنِّ المكلِّفِ بأنّ المكلَّفَ يُصيبُ اتّفاقاً أو عِلمُه بذلكَ؛ فقد يَجوزُ أن يَعلَمَه مِن جهةِ نبيٍّ صادقٍ . و إذا قَبُحَ هذا التكليفُ ، و ظهَرَ(2)سَفَهُ مكلِّفِه لكُلِّ عاقلٍ - و لَم يَكُن العِلّةُ في قُبحِه إلّافَقدَ الدليلِ - وَجَبَ قُبحُ كُلِّ نَظيرٍ له مِن التكاليفِ .
و هذا الدليلُ آكَدُ ما اعتُمِدَ عَلَيه في وجوبِ النَّصِّ مِن طريقِ العقلِ ، بل هو الذي يَجِبُ أن يَكونَ التعويلُ عَلَيه.
و يَتلوه في القوّةِ ما استَدَلَّ به(3)كثيرٌ مِن أصحابِنا أيضاً علىٰ وجوبِ النَّصِّ، فقالوا: قد ثَبَتَ أنّ الإمامَ لا بُدَّ أن يَكونَ أفضَلَ الخَلقِ عند اللّٰهِ تَعالىٰ، و أعلاهُم مَنزلةً في الثوابِ في زَمانِه(4)و عند ثُبوتِ إمامتِه؛ لأنّه إذا كانَ إماماً للكُلِّ فلا بُدَّ أن يَكونَ أفضَلَ مِن الكُلِّ. و ستأتي(5)الدَّلالةُ علىٰ هذا المَوضعِ فيما يأتي مِن الكتابِ.(6)
و إذا ثَبَتَ كَونُه أفضَلَ ، و لَم يُمكِنِ التوَصُّلُ إليه بالأدلّةِ و لا بالمُشاهَدةِ ، وَجَبَ النَّصُّ أو المُعجِزُ، علَى الحَدِّ الذي رَتَّبناه(7)عندَ التعلُّقِ بالعصمةِ .(8)
1) . مستسرّاً به، أي مستخفياً.
2) . في «ج، ط»: «فظهر».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «ما قد استدلّ به».
4) . أحد معاني «الأفضليّة» هو كثرة الثواب، فيكون قوله: «و أعلاهم منزلة في الثواب» عطفاًتفسيرياً لِمَا قبله. راجع: رسائل الشريف المرتضىٰ ، ج 1، ص 109 و 301؛ و ج 2، ص 155.
5) . في «ج، ص، ف» و الحجري: «و سيأتي».
6) . سوف يأتي في ص 272 و ما بعدها من هذا المجلّد، و ج 4، ص 45 و ما بعدها.
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «بيّنّاه».
8) . أي في الدليل الأوّل المتقدّم.
و إذا سُئلَ علىٰ هذا الدليلِ عمّا ذَكرناه في دليلِ العصمةِ ، فالجوابُ عنه(1)ما ذَكرناه هُناكَ ؛ لأنّ مَرجِعَ الطريقَينِ إلىٰ أصلٍ واحدٍ.
و قد استُدِلَّ علىٰ وجوبِ النَّصِّ علَى الإمامِ، بكَونِه عالِماً بجَميعِ الأحكامِ حتّىٰ لا يَفوتَه شيءٌ مِنها، و أنّ كَونَه عالِماً بها لا يُمكِنُ الوصولُ إليه إلّابالنَّصِّ، و لَو
أمكَنَ الوصولُ إليه بالامتحانِ لَم يَجُز أن يَكونَ الممتَحِنُ له إلّامَن هو عالِمٌ بجميعِ الأحكامِ، و قد عَلِمنا أنّ مَن يُمكِنُه اختيارُ الإمامِ و امتحانُه مِن جَماعاتِ(2)الأُمّةِ لا يَعلَمُ ذلكَ و لا يُحيطُ به. و رُتِّبَ الكلامُ في هذه الطريقةِ تَرتيبَه في الطريقَينِ المتقدِّمَينِ.
و هذا الدليلُ لَيسَ يُرجَعُ فيه إلىٰ مُجرَّدِ العقلِ، بَل لا بُدَّ فيه مِن ثُبوتِ أمرٍ لا يَثبُتُ إلّابالسمعِ؛ لأنّ التعبُّدَ بالأحكامِ الشرعيّةِ في الأصلِ كانَ يَجوزُ في العقلِ سُقوطُه و ارتفاعُه عن المكلَّفينَ، و لا شيءَ مِن هذه الأحكامِ إلّاو العقلُ يجوِّزُ أن لا يَرِدَ التعبُّدُ به بأن لا يَكونَ فيه مصلحةٌ . و إذا كان العقلُ غيرَ موجِبٍ لثُبوتِ هذه الأحكامِ في حالٍ (3)، فكيفَ يَجِبُ فيه كَونُ الإمامِ عالِماً بها في كُلِّ حالٍ ، و يُجعَلُ عِلمُه بذلكَ مِن شُروطِ(4)إمامتِه ؟
و الذي يَقتَضيه مجرَّدُ العقلِ أنّ الإمامَ لا بُدَّ أن يَكونَ مضطَلِعاً(5)بما أُسنِدَ إليه، عالِماً بما عُوِّلَ فيه عَلَيه في التدبيرِ. فأمّا العِلمُ بالأحكامِ الشرعيّةِ الوارِدةِ مِن
1) . في «ج، ص، ف»: + «هو».
2) . في حاشية «ج»: «جميع».
3) . في «ص، ف»: «إذا كان العقل غير موجب لهذه الأحكام أن تثبت في كلّ حال».
4) . في «ص، ف»: «من شرط».
5) . في هامش المطبوع عن نسخة: «مطّلعاً». و اضطلع به، أي قوي و قدر عليه و نهض و قام به مع ثقله. راجع: النهاية، ج 3، ص 97؛ مجمع البحرين، ج 4، ص 366 (ضلع).
طريقِ (1)السمعِ فلَيسَ في العقلِ ، إلّاأنّ السمعَ إذا وَرَدَ بها عَلِمنا بالقياسِ العقليِّ أنّ الإمامَ لا بُدَّ أن يَكونَ عالِماً بجميعِها، علىٰ ما سنَذكُرُه.(2)
فأمّا قَولُه في هذا الفَصلِ:
[قد عَلِمنا](3)أنّه غَيرُ مُمتَنِعٍ أن يَعلَمَ (4)تَعالىٰ أنّ الصلاحَ أن لا يُقامَ الإمامُ أصلاً [علىٰ ما قَدَّمناه مِن قَبلُ ]، فكما يَجوزُ ذلكَ فجازَ(5)أن يَكونَ الصلاحُ إقامتَه بطريقةِ (6)الاجتهادِ إذا ثَبَتَ و بُيِّنَ (7)مَوضِعُه؛ بأن يَدُلَّ تَعالىٰ علَى الصفةِ التي إذا كانَ عَلَيها مَن يُقيمُه كانَ صَلاحاً [فيَصِحُّ التَّوَصُّلُ عندَ ذلكَ إلىٰ إقامةِ الواجبِ فيه، كما يَصِحُّ أن يَكونَ في المعلومِ أنّ الصلاحَ أن يَنُصَّ تَعالىٰ علىٰ عَينِه...].(8)
فممّا قد تَقدَّمَ فَسادُه بما دَلَّلنا به علىٰ وجوبِ الإمامةِ، و علىٰ أنّ الصِّفةَ التي لا بُدَّ مِن كَونِ (9)الإمامِ عَلَيها لا يُمكِنُ أن يُستَفادَ مِن جهةِ الاجتهادِ،(10)و أنّها ممّا لا يَقومُ
علىٰ مِثلِه دَلالةٌ ؛ فيُعلَمَ مِن طريقِ النظَرِ في الأدلّةِ . و لَو لَم يَثبُتْ مِن ذلكَ إلّاكَونُه معصوماً، لَكَفىٰ في وجوبِ النَّصِّ عَلَيه و فَسادِ اختيارِه.
1) . في «ص، ف»: «قِبل».
2) . يأتي في ص 229 و ما بعدها.
3) . ما بين المعقوفين من المغني، و هكذا في الموارد الآتية.
4) . في «ص، ف»: + «اللّٰه».
5) . في المغني: «فجائز».
6) . في المغني: «بطريق».
7) . في المغني: «و تبيّن».
8) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 99. و ما بين المعقوفين من المصدر.
9) . في «ص، ف»: «لا بدّ أن يكون».
10) . تقدّم في ج 1، ص 429 و ما بعدها.
فأمّا مُعارَضتُه لنا بالأُمَراءِ و العُمّالِ و الحُكّامِ، ثُمّ بالشُّهودِ و الأوصياءِ - و إلزامُه التسويةَ بَينَهم و بَينَ الأئمّةِ في وجوبِ النَّصِّ(1)- فغَيرُ لازمةٍ؛ لأنّ جميعَ مَن ذُكِرَ مِن هؤلاءِ لَيسَ يَجِبُ اختصاصُه بصِفةٍ لا سَبيلَ إلَى الوصولِ إليها بالامتحانِ علىٰ حَدِّ ما قُلناه في الإمامِ.
و قد فَرَّقنا بَينَ الإمامِ و أُمَرائِه - و سائرِ المُتَوَلّينَ مِن قِبَلهِ - في العصمةِ(2)بما يَقتَضي الفَرقَ بَينَهم و بَينَه(3)في وجوبِ النَّصِّ أيضاً؛ لأنّه إذا(4)كانَ ما أوجَبَ النَّصَّ عَلَيه مِن الاختصاصِ بالعصمةِ غَيرَ موجودٍ فيهم، لَم يَجِبْ مساواتُهم له في وجوبِ النَّصَّ عَلَيهم، و جازَ أن يُرجَعَ في وِلايتِهم إلَى الاختيارِ.
و القَولُ في الشُّهودِ(5)و الأوصياءِ (6)كالقَولِ في الأُمَراءِ و الحُكّامِ في أنّه لا صِفةَ
1) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 100. و نصّ عبارة المغني هكذا: «يبيّن ما ذكرناه أنّه قدثبت بالشرع أنّ الصلاح في إقامة الأُمراء و العمّال و الحكّام أن يكون على اجتهاد و اختيار بَعد معرفة الصفة، فكذلك لا يمتنع مثله في الإمام؛ لأنّ ما يمنع منه أن يثبت إلّابنصّ يوجب مثله في الأُمراء و العمّال و الحكّام».
2) . في «ص»: «بالعصمة».
3) . في «ص، ف»: «بينه و بينهم».
4) . في «ص، ف»: «إن».
5) . هذه إشارة إلىٰ قول صاحب المغني: «علىٰ أنّا قد علمنا أنّ الذي يقوم به الإمام من إقامة الحدود و تنفيذ الأحكام لا يتمّ إلّابالشهود، و قد صحّ أنّ النصّ علىٰ عينهم غير واجب، و أنّه لا يمتنع أن يكون الصلاح أن يبيّن صفتهم و يجعل الاجتهاد إلى الإمام، فما الذي يمنع من مثل ذلك في الإمام نفسه ؟». المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 101.
6) . و هذه إشارة إلىٰ قول صاحب المغني: «علىٰ أنّ الواجب على الإنسان عند حضور الموت أن يوصي بما يتعلّق بمصالح دينه و أمر مخلفيه إلىٰ غيره، و قد جعل الأمر في ذلك إلى اختياره و اجتهاده بعد ما بيّن له الصفة التي لا يجوز أن يعدل عنها، و كذلك القول في الإمام». المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 102.
لهُم يَستَحيلُ أن تُعلَمَ بالامتحانِ ، بَل الذي(1)يُعتَبَرُ فيهم مِن حُسنِ الظاهرِ و العَدالةِ المظنونةِ - دونَ المعلومةِ - يُمكِنُ الوصولُ إليه، و لا يَجري مَجرَى العصمةِ التي لا سَبيلَ إلَى العِلمِ بها بالامتحانِ و الاختبارِ.
فأمّا إلزامُه نفسَه إقامةَ الأنبياءِ بالاجتهادِ و الاختيارِ قياساً علَى الأئمّةِ، و قولُه في الجوابِ:
إنّ الذي له يَجِبُ في الرسولِ أن يَكونَ معيَّناً هو كَونُه حُجّةً فيما حَمَلَ مِن الرسالةِ، فلا بُدَّ(2)مِن أن يَكونَ تَعالىٰ قد حَمَّلَه(3)الرسالةَ بعَينِه، ثُمّ لا بُدَّ مِن أن يَدَّعيَ و يُصدِّقَه اللّٰهُ تَعالىٰ بدَلالةِ الإعجازِ لتحصيلِ البُغيةِ(4)، و ذلكَ لا يأتي(5)في الإمامِ ؛ لأنّه لَيسَ بحُجّةٍ في شيءٍ يَتَحَمَّلُه،(6)و إنّما يَقومُ بالأُمورِ التي ذَكرناها ممّا قد وَجَبَت(7)بالشرعِ [فما الذي يَمنَعُ مِن أن يَكونَ طريقُه الاختيارَ و الاجتهادَ، و أن يَحُلَّ مَحَلَّ الأُمَراءِ و العُمّالِ و ما يَجري مَجراهم ؟].(8)
1) . في المطبوع و الحجري: «بالذي» بدل «بل الذي».
2) . في المغني: «و لا بدّ».
3) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و المغني. و في «د» و المطبوع: + «من».
4) . في المغني: «البعثة».
5) . في المغني: «لا يتأتّىٰ ».
6) . في «د»: «تحمله». و في المغني: «يحمله».
7) . في المغني: «قد علمت». و في «ج، ص، ط، ف»: «قد وجب».
8) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 101. و نصّ عبارة المغني هكذا: «فإن قالوا: لو جاز ثبوت الإمام بغير نصّ يقع به التعيين، لم يمتنع مثله في النبيّ بأن يُجعل كونه نبيّاً بالاجتهاد و الاختيار؛ فإذا امتنع ذلك وجب مثله في الإمام. قيل لهم: إنّ الذي له يجب في الرسول...».
فلنا أن نَقولَ له: إذا أوجَبتَ الدَّلالةَ علىٰ عَينِ الرسولِ و أبطَلتَ اختيارَه لأجلِ كَونِه(1)حُجّةً و صادقاً فيما ادَّعاه لأنّ ذلكَ ممّا لا يُعلَمُ بطريقةِ الاختيارِ، فأَوجِبْ أيضاً في الإمامِ(2)مِثلَه؛ لأنّا(3)قد دَلَّلنا علىٰ وجوبِ عصمتِه(4)، و العصمةُ ممّا لا يُمكِنُ أن يُعلَمَ(5)بالاختيارِ. فكانَ(6)تحصيلُ السؤالِ الذي ذَكرتَ و سَألتَ نَفسَكَ عنه(7)أن يُقالَ: لَو جازَ ثُبوتُ الإمامِ مع وجوبِ عصمتِه بغَيرِ نَصٍّ لَم يَمتنِعْ مِثلُه في النبيِّ.
و إنّما عَدَلنا عن معارَضتِه بكَونِ الإمامِ حُجّةً كما أنّ النبيَّ(8)حُجّةٌ - و إن كانَت الدَّلالةُ قد سَوَّت(9)بَينَهما في معنَى الحُجّةِ عندَنا، و قد تَقدَّمَ ذِكرُها فيما مضىٰ مِن الكتابِ؛ حَيثُ دَلَّلنا علىٰ أنّ الإمامَ حافِظٌ للشرعِ و مؤدٍّ له إلينا - لأنّ دَلالةَ كَونِ الإمامِ حُجّةً علىٰ هذا الوَجهِ(10)يَرجِعُ (11)إلىٰ أمرٍ مُتعلِّقٍ بالسَّمعِ (12)، و كَلامُنا في هذا الفصلِ علىٰ ما يَقتَضيهِ مجرَّدُ العُقولِ ؛ فلا بُدَّ مِن العُدولِ عمّا لا يُعلَمُ ثُبوتُه إلّابالسَّمعِ .
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «لكونه» بدل «لأجل كونه».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «الإمامة».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «لأنّه».
4) . تقدّم في ص 135.
5) . هكذا في النسخ. و في المطبوع و الحجري: «أن تُعلم».
6) . في «د» و حاشية الحجري: «و كان».
7) . و قد نقلنا قبل قليل نصّ هذا الإشكال من المغني.
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «الرسول».
9) . في «ج»: «قد سويت».
10) . و هو كونه حافِظاً للشرع و مؤدّياً له إلينا.
11) . كذا في النسخ. و في المطبوع و الحجري: «ترجع».
12) . و هو التعبّد بالأحكام الشرعيّة، فإنّه لا يثبت إلّابالسمع. و قد تقدّم كلام المصنّف رحمه اللّٰه حول ذلك في كلامه على الدليل الثالث المتقدّم في هذا الفصل.
فأمّا قَولُه في آخِرِ الفَصلِ :
علىٰ أنّ السَّمعَ قد وَرَدَ في بابِ الإمامةِ بما ذَكرناه علىٰ ما سنُبيِّنُه مِن بَعدُ، و ثُبوتُ السَّمعِ علىٰ هذا الوجهِ يَدُلُّ علىٰ أنّ العقلَ لا يَمنَعُ مِن ثُبوتِ ذلكَ بغَيرِ النَّصِّ .(1)
فدَعوىً مِنه علَى السَّمعِ غَيرُ صَحيحةٍ، و لَيسَ يُمكِنُ أن يُدَّعىٰ سَمعٌ يَقومُ(2)بمِثلِه الحُجّةُ في بابِ الاختيارِ، و أكثرُ ما يُمكِنُ ادّعاؤه(3)في السَّمعِ ورودُه بأنّ اختياراً وَقَعَ لبعضِ مَن ادُّعيَت إمامتُه، و لَم يَثبُتْ أنّ المختارينَ كان لهم فِعلُ ما فَعَلوه، و لا أنّ الذي عَقَدوا له الإمامةَ يَثبُتُ(4)له إمامةٌ علَى الحقيقةِ. و نحنُ لَم نَمنَعْ مِن اختيارِ مَن يُدَّعىٰ(5)له الإمامةُ و لَيسَ بإمامٍ علَى الحقيقةِ ، و إنّما مَنَعنا مِن اختيارِ الإمامِ الذي تَثبُتُ إمامتُه و تَصِحُّ (6). و سَنَتكلَّمُ علىٰ ما وَعَدَ(7)بإيرادِه مِن السَّمعِ عندَ البُلوغِ إليه، بعَونِ اللّٰهِ تَعالىٰ .
فأمّا قَولُه:
و ثَبَتَ أيضاً أنّ أحَداً مِن السَّلَفِ لَم يَذكُرْ في الإمامةِ أنّها لا تَكونُ إلّا
1) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 102.
2) . كذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «تقوم».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «أن يُدّعىٰ » بدل «ادّعاؤه».
4) . كذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «تثبت».
5) . كذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «تُدّعىٰ ».
6) . في «د، ص، ط»: «يثبت إمامته و يصحّ ».
7) . هكذا في «د» و الحجري. و في سائر النسخ و المطبوع: «ما وعدنا».
بالنَّصِّ، و قد جَرَت فيها الخُطوبُ (1)، و أنّ (2)العقلَ يَقتَضي ذلكَ فيها؛ ليُصرَفَ (3)بذلكَ عمّا كانوا عَلَيه علَى(4)اختلافِ أحوالِهم.(5)
فباطلٌ؛ لأنّه لا شُبهةَ في أنّ جَماعةً مِن أجِلَّةِ(6)السَّلَفِ خالَفَت في أصلِ الاختيارِ، علىٰ ما سَنَذكُرُه مِن بَعدُ عندَ الكلامِ في إمامةِ أبي بَكرٍ، بمَشيئةِ اللّٰهِ تَعالىٰ(7).
و قد دَلَّ الدليلُ علىٰ أنّ إنكارَ هؤلاءِ كانَ لأصلِ الاختيارِ و إن لَم يُصَرِّحوا به، و اكتَفَوا بالنَّكيرِ علَى الجُملةِ. و لَو لَم يدُلَّ الدليلُ علىٰ ذلكَ لَكانَ إنكارُهم مُحتَمِلاً للأمرَينِ؛ يَعني: إنكارَ أصلِ الاختيارِ جُملةً، و إنكارَ إمامةِ المُختارِ في تلكَ الحالِ؛ و إذا كان مُحتَمِلاً بطَلَ ادّعاؤه الإطباقَ ، و أنّ أحَداً مِن السَّلَفِ لَم يقُلْ في الإمامةِ أنّها لا تَكونُ إلّابالنَّصِّ ، و صارَ مُحتاجاً إلىٰ أن يدُلَّ علىٰ أنّ الإنكارَ الواقعَ الذي بيّنّا أنّه مُحتَمِلٌ للأمرَينِ لَم يَكُنْ إلّالأحَدِهما دونَ الآخَرِ؛ و أنّىٰ له بذلكَ؟
فإن عَوَّلَ صاحبُ الكتابِ علىٰ ما لا يَزالُ أصحابُه يَعتَمِدونَه - مِن رُجوعِ مَن
1) . الخطوب، جمع «خَطْب»، و هو الأمر العظيم.
2) . في المغني: «فإنّ ».
3) . كذا في النسخ و المغني. و في المطبوع و الحجري: «لتصرف».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «من».
5) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 102.
6) . هكذا في «ج، ص». و في «د، ف»: «من جلّة». و في المطبوع و الحجري: «من جملة». و يقصد بهم أمير المؤمنين عليه السلام و المنحازين إليه يوم السقيفة، كالزبير و سلمان و المقداد و أبي ذرّ و عمّار، و خالد و أبان ابنَي سعيد بن العاص، و أبي الهيثم بن التيّهان، و سهل و عثمان ابنَي حنيف، و خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين، و أبي أيّوب الأنصاري، و أُبيّ بن كعب، و بريدة الأسلمي، و العبّاس و أولاده، بل بني هاشم كافّة و غيرهم.
7) . في «ج، ص، ط، ف»: - «تعالىٰ ».
ذَكرناه(1)مِن المُخالِفينَ، و وقوعِ الرِّضا مِنهم - فسنُبيِّنُ بُطلانَ هذا فيما بَعدُ، و ندُلُّ علىٰ أنّ الرِّضا لَم يُعلَمْ، و أكثَرُ ما عُلِمَ الكَفُّ عن النَّكيرِ المخصوصِ، و ذلكَ لا يَدُلُّ علَى الرِّضا في مِثلِ تِلكَ الحالِ .
علىٰ أنّ أحَداً مِن المُنكِرينَ لإمامةِ أبي بكرٍ، ممّن ذَكرناه، لَم يَقُلْ أيضاً: «إنّه جائزٌ
عندي مِن طريقِ العقلِ الاختيارُ(2)، و إنّما خِلافي هذا في عَينِ المُختارِ لا في أصلِ الاختيارِ» كما(3)لَم يَقُلْ عندَ إظهارِه(4)الخِلافَ : «إنّني مُخالِفٌ في أصلِ الاختيارِ و مُبطِلٌ لجميعِه، و لَيسَ خِلافي(5)خِلافَ مَن يُنكِرُ اختياراً و يُصحِّحُ آخَرَ».
فإن جازَ عندَ خُصومِنا أن يَكونَ ما ذَكرناه(6)أوّلاً مُستَقِرّاً في نُفوسِ القَومِ المُخالِفينَ في إمامةِ الرجُلِ الذي ذَكرناه - و إن لَم يُصرِّحوا به، و عَوَّلوا علىٰ ما يَرجِعُ إلَى الدليلِ فيه مِن أحوالِهم - جازَ أيضاً أن يَكونَ ما ذَكرناه أخيراً(7)كانَ في نُفوسِهم و لَم يُظهِروه؛ للعِلّةِ التي ذُكِرَت أو لغَيرِها.
و ما يُدَّعىٰ (8)في الأنصارِ مِن أنّ ظاهرَ خِلافِهم كانَ في عَينِ المُختارِ لا في أصلِ الاختيارِ، لا يُمكِنُ أن يُدَّعىٰ في غَيرِهم ممّن ذُكِرَ خِلافُه في تِلكَ الحالِ .
و أمّا الشورىٰ و ما يَدَّعونَه مِن أنّ دخولَ الجَماعةِ فيها كانَ علىٰ سَبيلِ الرِّضا بالاختيارِ، فسنُبيِّنُ أيضاً أنّه لَيسَ كُلُّ الداخِلينَ فيها كانَ راضياً بالاختيارِ، إذا انتَهَينا
إلَى الكلامِ فيما يَتعلَّقُ بالشورىٰ .(1)
علىٰ أنّ الخُطوبَ لَم تَجرِ(2)في أنّ العقلَ يدُلُّ علىٰ فَسادِ الاختيارِ أَم علىٰ صحّتِه، و إنّما جَرَت في أعيانِ المُختارينَ ، و قد خولِفَ في ذلكَ بما أقَلُّ أحوالِه أن يَكونَ مُحتَمِلاً لإنكارِ(3)أصلِ الاختيارِ كاحتمالِه لغَيرِه. و لَيسَ يَجِبُ علَى المُنكِرِ في كُلِّ حالٍ أن يبيِّنَ (4)وجهَ إنكارِه علىٰ سَبيلِ التفصيلِ و جهته، فإذا لَم يَجِبْ ذلكَ لَم يَكُن تَركُ القَومِ للتصريحِ - بأنّ إنكارَهم إنّما كانَ لأصلِ الاختيارِ دونَ فَرعِه - دالاًّ(5)علىٰ أنّهم لَم يَكونوا مُنكِرينَ لأصلِه؛ لأنّ النَّكيرَ علىٰ سَبيلِ الجُملةِ يَكفي في مِثلِ تلكَ الحالِ .
قالَ صاحبُ الكتابِ :
أحَدُ ما يَعتَمِدونَ عَلَيه: ما تَقدَّمَ القَولُ فيه؛ مِن أنّ الإمامَ لا بُدَّ أن يَكونَ حُجّةً، و مُستَودَعاً للشريعةِ، [و قيِّماً بحِفْظِها و أدائها، فلا بُدَّ مِن أن يَكونَ معيَّناً يَتميَّزُ مِن غَيرِه](1)، و أنّ ذلكَ لا يَكونُ إلّابنَصٍّ أو مُعجِزٍ.
و رُبَّما قالوا: إذا كانَ يَقومُ بمَصالِحِ الدِّينِ الّتي لا بُدَّ مِنها من إقامةِ(2)الحُدودِ و ما أشبَهَها، فلا بُدَّ مِن عصمتِه(3)، و لا يَكونُ كذلكَ إلّابالتعيينِ [الذي لا يَكونُ إلّابنَصٍّ أو مُعجِزٍ؛ إلىٰ سائرِ ما يُشاكِلُ ذلكَ ممّا قدَّمَناه].
قالَ :
و كُلُّ ذلكَ ممّا قد(4)تقدَّمَ الكلامُ عَلَيه و الجوابُ عنه(5)لأنّهم إذا بَنَوا
1) . ما بين المعقوفين من المغني.
2) . في المغني «كإقامة». و في «ج، د، ص، ط، ف»: «في إقامة».
3) . في المغني: «كإقامة الحدود، و تنفيذ الأحكام، و قسمة الفيء و الغنيمة، و جباية الخراج، إلىٰ غير ذلك، فلا بدّ من أن يكون معصوماً، لا يزلّ و لا يضلّ » بدل: «من إقامة الحدود و ما أشبهها، فلا بدّ من عصمته». فما نقله المصنّف رحمه اللّٰه إجمال للمذكور هناك.
4) . في المطبوع و المغني: - «قد».
5) . في «د» و المغني: «و كلّ ذلك ممّا تقدّم الجواب عنه».
النَّصَّ عَلَيه و قد بيّنّا فَسادَ التعلُّقِ به، فيَجِبُ أن لا يَصِحَّ إثباتُ النَّصِّ مِن جهةِ العقلِ [مِن هذا الوجهِ و ما يُشاكِلُه؛ ممّا نَبَّهنا بما أَورَدناه عَلَيه].(1)
يُقالُ له: قد تقدَّمَ كلامُنا علىٰ ما ظَنَنتَ أنّه مُفسِدٌ(2)لِما حكَيتَه عنّا، و كَشَفنا مِن بُطلانِه ما(3)لا يَدخُلُ على مُنصِفٍ فيه(4)شُبهةٌ ، فإذا(5)كنتَ معتمِداً في دفعِ استدلالِنا بما حكَيتَه علىٰ ما قدَّمتَه - و قد بيّنّا فَسادَه بما تقدَّمَ - فقَد سَلِمَ ما تَطرَّقنا به إلىٰ وجوبِ النَّصِّ ، و خلَصَ مِن كُلِّ شُبهةٍ .
قالَ صاحبُ الكتابِ :
شُبهةٌ أُخرىٰ لهُم:
و رُبَّما قالوا: لا بُدَّ لمَن يَكونُ إماماً أن يَكونَ علىٰ حالٍ و صفةٍ لا طريقَ للِاجتهادِ(1)فيها؛ فلا بُدَّ مِن(2)أن يَكونَ بنَصٍّ. و رُبَّما ذَكروا في هذه الصفةِ كَونَه معصوماً، إلىٰ سائرِ ما تقدَّمَ . و الجوابُ عنه قد سلَفَ .
قالَ :
و رُبَّما ذَكروا غَيرَه؛(3)بأن يَقولوا: لا بُدَّ مِن أن يَكونَ عالِماً بجميعِ الأحكامِ حتّىٰ لا يشُذَّ عَلَيه(4)شَيءٌ مِنها، و إلّا أدّىٰ ذلكَ إلىٰ أن يَكونَ (5)
قد كُلِّفَ القيامَ بما لا سَبيلَ له إليه(1)، و يَحُلُّ(2)مَحَلَّ تكليفِ ما لا يُطاقُ؛ فلا بُدَّ مِن نَصٍّ عَلَيه؛ لأنّه لا طريقَ للمُجتهِدينَ إلىٰ معرفةِ ذلكَ مِن حالِه؛ لأنّه إنّما يُعلَمُ(3)حالُه في استغراقِ(4)هذه العُلومِ(5)أجمَعَ، فإذا لَم يَكُن فيهم مَن يَستَغرقُ ذلكَ أجمَعَ(6)لَم يَصِحَّ(7)لهُم معرفتُه. و لأنّ معرفةَ ذلكَ لا يَصِحُّ(8)إلّابامتدادِ الأوقاتِ، و بالتجربةِ و الامتحانِ؛ فإذا لَم يُمكِنْ(9)وقوفُ أحَدٍ مِن الأُمّةِ عَلَيه، لَم يَجُز أن يكلَّفَ(10)الاجتهادَ [و الاختيارَ] في ذلكَ؛ فلا بُدَّ مِن النَّصِّ.
ثُمّ قالَ:
يُقالُ لهُم(11): أمِن جهةِ العقلِ تَعلَمونَ أنّ كَونَه عالِماً بجميعِ هذه الأحكامِ مِن شَرطِ كَونِه إماماً، أو بالسَّمعِ؟
فإن قالوا: بالسَّمعِ، قيلَ لهُم: إنّما نُكلِّمُكم في طريقةِ العقلِ، فكَيفَ يَصِحُّ أن تَلجَأوا إلَى السَّمعِ الذي يَجري مَجرَى الفَرعِ للعقلِ ، و الذي إذا ثبَتَ
1) . الضمير في «له» للإمام، و في «إليه» لما يكلّف القيام به.
2) . في المطبوع: + «ذلك».
3) . في المطبوع: + «ذلك مَن».
4) . في المطبوع: + «المعلوم من يعرف».
5) . في المغني: + «ممّن يعرف هذه العلوم».
6) . سقط من المطبوع: «فإذا لم يكن فيهم من يستغرق ذلك أجمع»، و هو سهو.
7) . في المطبوع و الحجري: «لم تصحّ ».
8) . في المطبوع و المغني: «لا تصحّ ».
9) . في «د» و المطبوع و الحجري: «لم يكن».
10) . في المغني: «أن يكلّفوا».
11) . في «د» و الحجري و المطبوع: «قال: ثمّ يقال لهم».
لَم يَدُلَّ (1)علىٰ أنّ قضيَّةَ العقلِ تَقتَضيهِ؟ [لأنّه قد ثَبَتَ بالسَّمعِ ما كانَ يَجوزُ في العقلِ خِلافُه].
فلا بُدَّ مِن(2)أن يَقولوا: إنّا عَلِمنا ذلكَ بالعقلِ ، فيُقالُ لهُم: و أيُّ دليلٍ في العقلِ يَقتَضي ما ذَكرتموه، مع عِلمِنا بأنّه قد يَجوزُ أن يَقومَ بكُلِّ ما فُوِّضَ إليه علىٰ حقِّه و إن لَم يَكُن عالِماً بجميعِ الأحكامِ؟(3)
يُقالُ له: أمّا الذي يدُلُّ علىٰ وجوبِ كَونِ الإمامِ عالِماً بجميعِ الأحكامِ، فهو أنّه قد ثبَتَ أنّ الإمامَ إمامٌ في سائرِ الدِّينِ، و متوَلٍّ للحُكمِ(4)في جميعِه؛ جَليلِه و دَقيقِه، ظاهرِه(5)و غامِضِه. و لَيسَ يَجوزُ أن لا يَكونَ عالِماً بجميعِ الدِّينِ و الأحكامِ (6)و هذه صفتُه؛ لأنّ مِن المُتقرِّرِ عندَ العُقَلاءِ قُبحَ استكفاءِ الأمرِ و تَوليَتِه(7)مَن لا يَعلَمُه و إن كانَ لِمَن وَلَّوه و استَكفَوه سَبيلٌ إلىٰ عِلمِه؛ لأنّ المعتبَرَ عندَهم كَونُ الموَلّىٰ عالِماً بما(8)وَلِيَ
1) . في المغني: «إنّما نكلّمكم في طريقة العقل بالذي إذا ثبتت لم تدلّ » بدل «إنّما نكلّمكم في طريقة العقل، فكيف يصحّ أن تلجأوا إلى السمع... و الذي إذا ثبت لم يدلّ ».
2) . في المغني: «فلا بدّ عند ذلك».
3) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 103-104. و ما بين المعقوفين من المصدر.
4) . في «ج»: «الحكم».
5) . في «ص»: «و ظاهره».
6) . في «د»: «بجميع الأحكام» بدل «بجميع الدين و الأحكام».
7) . في «ص»: «و تولّيه».
8) . في «ص»: «لما».
و مُضطَلِعاً به، و لا معتبَرَ بإمكانِ تعلُّمِه و كَونِه مُخَلًّى بَينَه و بَينَ طريقِ العِلمِ ؛ لأنّ ذلكَ و إن كانَ حاصلاً فلا يُخرِجُ (1)وِلايتَه مِن أن تَكونَ (2)قَبيحةً إذا كانَ فاقداً للعِلمِ بما فُوِّضَ إليه.
يُبيِّنُ ما ذَكرناه: أنّ المَلِكَ إذا أرادَ أن يَستَوزِرَ بعضَ أصحابِه و يَستكفيَه تدبيرَ جُيوشِه و مَملَكتِه، فلا بُدَّ أن يَختارَ لِذلكَ مَن يَثِقُ مِنه بالمعرفةِ و الاضطِلاعِ، حتّىٰ أنّه رُبَّما جرَّبَه في بعضِ ما يشُكُّ(3)فيه مِن حالِه، و فيما لا يَكونُ واثِقاً بمعرفتِه به و اضطِلاعِه(4)عَلَيه. و لَيسَ يَجوزُ أن يفوِّضَ أمرَ وِزارَتِه و(5)تدبيرَ أُمورِه و سياسةَ جُندِه إلىٰ مَن لا عِلمَ له بشيءٍ مِن ذلكَ، لكِنّه ممّن يَتمكَّنُ مِن التعلُّمِ و التعرُّفِ ، و لا
حائلَ بَينَه و بَينَ البحثِ و المسألةِ . و متَى استَكفَى المَلِكُ مَن هذه حالُه - يَعني(6)فَقدَ العِلمِ و الاضطِلاعِ - كان مقبَّحاً مُهمِلاً لأمرِ وِزارتِه(7)، واضِعاً لها في غَيرِ مَوضِعِها، و استَحقَّ مِن جميعِ العُقَلاءِ نِهايةَ اللَّومِ له(8)و الإزراءِ عَلَيه.
و هذا حُكمُ كُلِّ واحدٍ مِنّا مع مَن يَستَكفيهِ مُهِمّاً مِن أُمورِه؛ فإنّه لا يَجوزُ أن يفوِّضَ أحَدُنا ما يُريدُ أن يَصنَعَه إلىٰ مَن لا معرفةَ له(9)بتلكَ الصِّناعةِ ، لكِنّه يَتمكَّنُ مِن تعرُّفِها(10)
1) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «فلا تخرج».
2) . في الحجري: «أن يكون».
3) . في «د»: «ما شكّ ».
4) . في «ج، ط، ف»: «و اطّلاعه».
5) . في «ج، ف»: «أو».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: + «في».
7) . في حاشية «ج»: «مقبّحاً أمر وزارته، مهملاً» بدل «مقبّحاً مهملاً لأمر وزارته».
8) . في المطبوع و الحجري: - «له».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «عنده» بدل «له».
10) . في «ج، ص، ط، ف»: «معرفتها».
و تعلُّمِها، و كُلُّ مَن رأَيناه فاعلاً لذلكَ عَدَدناه في جُملةِ السُّفَهاءِ(1).
و لا فَرقَ فيما اعتَبَرناه بَينَ فَقدِ المُستَكفىٰ للعِلمِ بجميعِ ما أُسنِدَ إليه، و بَينَ فَقدِه للعِلمِ ببعضِه؛ لأنّ العِلّةَ التي لها قَبَّحَ العُقَلاءُ(2)وِلايةَ الشيءِ مَن لا يَعلَمُ جميعَه هي فَقدُه للعِلمِ بما تَولّاه، و هذه العِلّةُ قائمةٌ في البعضِ؛ لأنّه إذا كانَ حُكمُ البعضِ حُكمَ الكُلِّ في الوِلايةِ و الاستكفاءِ، ففَقدُ الموَلّىٰ للعِلمِ بالبعضِ كفَقدِه للعِلمِ بالكُلِّ.
و لَيسَ يشُكُّ العُقَلاءُ في أنّ بعضَ المُلوكِ لَو وَلّىٰ وِزارتَه أو كِتابتَه مَن لا يَعلَمُ أكثَرَ أحكامِ الكِتابةِ و الوِزارةِ أو شَطرَها(3)، لَكانَ حُكمُه في فِعلِ القَبيحِ حُكمَ مَن وَلّىٰ وِزارتَه مَن لا يَعلَمُ شَيئاً مِنها، و كذلكَ القَولُ في الكِتابةِ.
و لَيسَ تَجري(4)الوِلايةُ و الاستكفاءُ مَجرَى التكليفِ؛ فإنّ تكليفَ الشيءِ مَن لا يَعلَمُه(5)إذا كانَ له سَبيلٌ إلىٰ عِلمِه حَسَنٌ، و وِلايتَه و استكفاءَ أمرِه مَن لا يَعلَمُه(6)قَبيحانِ (7)و إن كانَ الموَلّىٰ مُتمكِّناً مِن أن يَعلَمَ .
و لِلفَرقِ أيضاً بَينَ الأمرَينِ مِثالٌ في الشاهدِ؛ لأنّ أحَدَنا يَحسُنُ مِنه أن يُكلِّفَ بعضَ غِلمانِه أو أحَدَ أولادِه(8)عِلمَ (9)بعضِ الصِّناعاتِ إذا كانَ مُتمكِّناً مِن الوصولِ
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «فاعلاً كذلك عددناه من جملة السفهاء».
2) . هكذا في «ص، ط، ف»: و التلخيص. و في «د»: «قبّح العلماء العقلاء». و في «ج» و المطبوع و الحجري: «قبّح العلماء». و في هامش المطبوع عن نسخة: «قبّح العلماء و الحكماء».
3) . شطر الشيء: نصفه، و المراد هنا القيام ببعضها. راجع: الصحاح، ج 2، ص 697 (شطر).
4) . في «د» و الحجري: «و ليس يجري»
5) . هكذا في «ص، ط، ف» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «لا يعلم».
6) . في «ف»: «لا يعلم».
7) . هكذا في «د» و الحجري. و في «ج، ص، ط، ف»: «قبيحة». و المطبوع: «قبيح».
8) . في «ج، ط»: «و أحد اولاده». و في «ف، ص»: «و خدّامه» بدله.
9) . في «ج، ص، ف»: «لأن يتعلّم» بدل «علم».
إلَى العِلمِ بها، و لا يَحسُنُ مِنه أن يوَلّيَه صِناعةً و يَجعلَه رئيساً فيها و قُدوةً و هو لا
يُحسِنُها أو(1)لا يُحسِنُ أكثَرَها.
و ممّا يوضحُ ما ذَكرناه: أنّ اعتذارَ مَن عَدَلَ عن وِلايةِ غَيرِه أمراً مِن الأُمورِ بأنّه لا يَعلَمُه و لا يُحسِنُه واضِحٌ واقِعٌ مَوقِعَه عندَ العُقَلاءِ، كما أنّ اعتذارَه في العُدولِ عنه بأنّه لا يَقدِرُ علىٰ ما عُدِلَ فيه عنه(2)أيضاً صحيحٌ واضحٌ. فلَولا أنّ وِلايةَ الشيءِ مَن لا يَعلَمُه قَبيحةٌ غَيرُ جائزةٍ ، لَم يَحسُنِ الاعتذارُ بأنّه لا يُحسِنُ و لا يَعلَمُ ، كما لا يَحسُنُ الاعتذارُ بغَيرِ ذلك ممّا لا تأثيرَ له في قُبحِ الوِلايةِ ؛ كالهَيئةِ و الخِلقةِ .
و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ : «إنّ الإمامَ إمامٌ فيما عَلِمَه مِن الأحكامِ ، دونَ ما لَم يَعلَمْه» و يَطعَنَ بذلكَ فيما اعتَمَدناه.
لأنّ الإجماعَ يَمنَعُ مِن ذلكَ، و لا خِلافَ في أنّ الإمامَ إمامٌ في سائرِ الدِّينِ و إنِ اختُلِفَ في تأويلِ معنَى الإمامةِ .
و إنّما بَنَينا الكلامَ في الدَّلالةِ علىٰ وجوبِ كَونِه عالِماً بجميعِ الأحكامِ ، علىٰ كَونِه إماماً في سائرِ الدِّينِ ، و لَو جازَ أن يَكونَ إماماً في بعضٍ مِن(3)الدِّينِ دونَ بعضٍ ، لَم يَجِبْ عندَنا أن يَكونَ عالِماً بالبعضِ الذي لَيسَ هو إماماً فيه(4).
و ممّا يدُلُّ أيضاً(5)علىٰ ذلكَ : أنّ الإمامَ قد ثَبَتَ كَونُه حُجّةً في الدِّينِ و حافِظاً
للشرعِ، بما تقدَّمَ مِن الأدلّةِ(1)، فلَو جَوَّزنا ذَهابَ بعضِ الأحكامِ عنه، لَقَدَحَ ذلكَ(2)في كَونِه حُجّةً مِن وجهَينِ :
أحَدُهما: أنّا لا نأمَنُ أن يَكونَ ما ذهَبَ عنه مِن أمرِ الدِّينِ و لَم يَكُن عالِماً به، ممّا اتّفَقَ للأُمّةِ كِتمانُه و الإعراضُ عن نَقلِه و أدائِه؛ لأنّا قد دَلَّلنا فيما مضىٰ مِن الكتابِ علىٰ جَوازِ ذلكَ عَلَيها، و إذا كُنّا إنّما نَفزَعُ فيما يَجوزُ عَلَيها مِن الكِتمانِ إلىٰ بَيانِ الإمامِ و استدراكِه(3)عَلَيها، فمتىٰ جَوَّزنا علَى الإمامِ أن يَذهَبَ عنه بعضُ الأحكامِ ، ارتَفَعَت ثِقَتُنا بوصولِ جميعِ الشرعِ إلينا، و هذا قادحٌ في كَونِ الإمامِ حُجّةً بلا شَكٍّ .
و الوجهُ الآخَرُ: أنّ تجويزَ ذَهابِ بعضِ الدِّينِ عنه و إشكالِ بعضِ الأحكامِ عَلَيه منفِّرٌ عن قَبولِ قَولِه و الانقيادِ له، و ما نفَّرَ(4)عن قَبولِ قَولِه قادحٌ في كَونِه حُجّةً .
و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ : إنّ تجويزَ ما ذَكرتموه غَيرُ منفِّرٍ، فيَجِبُ أن تدُلّوا(5)علىٰ كَونِه مُنفِّراً؛ و ما تُنكِرونَ (6)علىٰ مَن قالَ لكُم: «إنّ الذي ذَكرتموه لَو كانَ منفِّراً لَوَجَبَ أن لا يَصِحَّ ممّن جوَّزَه علَى الإمامِ قَبولُ قَولِه و الانقيادُ له، و في العِلمِ بأنّ مَن جوَّزَ ما ذَكرتموه يَصِحُّ أن يَنقادَ له و يَمتَثِلَ (7)أمرَه دَلالةٌ علىٰ بُطلانِ ما اعتَبَرتموه»؟
لأنّا لَم نَعنِ بالتنفيرِ(8)ما يَمنَعُ مِن قَبولِ القَولِ و يَرفَعُ صحّةَ الانقيادِ، و لَيسَ هذا
مُرادَ أحَدٍ مِن المحصِّلينَ بذِكرِ التنفيرِ في المَواضعِ التي يُذكَرُ فيها. و الذي أرَدناه أنّ رَعيّةَ الإمامِ لا يَكونونَ عندَ تجويزِهم عَلَيه الجَهلَ ببعضِ الدِّينِ و شَطرِه في السُّكونِ إلىٰ قَولِه و الانقيادِ له(1)و الانتهاءِ إلىٰ أوامرِه(2)، كَهُم(3)إذا لَم يجوِّزوا ذلكَ عَلَيه، و اعتَقَدوا أنّه عالِمٌ بجميعِ ما هو إمامٌ فيه.
فمَن ادَّعىٰ أنّه لا فَرقَ بَينَ الحالَينِ فيما يَقتَضي السُّكونَ و القُربَ مِن القَبولِ كانَ مُكابِراً لعقلِه، و مَن ادَّعىٰ أنّهم في الحالَينِ معاً يَصِحُّ مِنهم القَبولُ و الانقيادُ و لا يُنكِرُ(4)وقوعَهما(5)مِن جهتِهم كانَ مُحِقّاً إلّاأنّه(6)غَيرُ طاعنٍ علىٰ كلامِنا؛ لأنّا لَم نُرِدْ بالتنفيرِ رَفْعَ (7)الإمكانِ و الصحّةِ ، و إنّما أرَدنا ما ذَكرناه.
علىٰ أنّه لو أَخرَجَ ما ذَكرناه(8)مِن أن يَكونَ مُنفِّراً وقوعُ القَبولِ ممّن جوَّزَه، لَأخرَجَ تجويزَ الكبائرِ علَى الأنبياءِ قَبلَ حالِ النبوّةِ و في حالِها مِن أن يَكونَ منفِّراً وقوعُ تصديقِهم و العملِ بشرائعِهم ممّن جوَّزَها، فإذا(9)كانَ ذلكَ غَيرَ مُخرِجٍ لتجويزِ الكبائرِ مِن حُكمِ التنفيرِ - الذي هو أنّ المكلَّفينَ لا يَكونونَ عندَه مِن السُّكونِ إلىٰ قَولِ النبيِّ علَى الحَدِّ الذي يَكونونَ عَلَيه إذا أَمِنوها و وَثِقوا ببَراءتِه مِنها - فكذلكَ
1) . في «د»: - «و الانقياد له».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «أمره».
3) . هكذا في «د» و حاشية «ج، ف». و في سائر النسخ و المطبوع: «مثلهم».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «و لا ينكرون».
5) . في «ط، ف»: «وقوعها».
6) . في المطبوع و الحجري: «لأنّه» بدل «إلّا أنّه».
7) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «دفع».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «ما اعتبرناه».
9) . في «ج»: «و إذا».
القَولُ فيما حَكَمنا به مِن حُصولِ التنفيرِ عمّن جُوِّزَ عَلَيه الجَهلُ بأكثَرِ الدِّينِ ؛ لأنّا لَم نَعنِ به إلّاما عَناه مَن جَعَلَ تجويزَ الكبائرِ منفِّراً عن الأنبياءِ عليهم السلام.
و يدُلُّ أيضاً علىٰ كَونِ الإمامِ عالِماً بجميعِ الأحكامِ: ما ثبَتَ مِن وجوبِ الاقتداءِ به في جميعِ الدِّينِ، و لَيسَ يَصِحُّ(1)الاقتداءُ في الشيءِ بمَن لا يَعلَمُه.(2)
و لَيسَ للمُخالِفِ أن يَقولَ: إنّا نَقتَدي به فيما يَعلَمُه، دونَ ما لا يَعلَمُه(3)لأنّا قد بيّنّا مِن قَبلُ أنّه إمامٌ في جميعِ الدِّينِ ، و أنّ ثُبوتَ كَونِه إماماً في جميعِه يَقتَضي كَونَه مُقتدىً به في الكُلِّ .
و إذا ثبَتَ بما ذَكرناه وجوبُ كَونِه عالِماً بكُلِّ الأحكامِ استَحالَ اختيارُه، و وَجَبَ النَّصُّ عليه؛ لأنّ مَن يَقومُ باختيارِه مِن الأُمّةِ لا يَعلَمُ جميعَ الأحكامِ ، فكَيفَ يَصِحُّ أن يَختارَ مَن هذه صفتُه ؟
فأمّا حَوالةُ صاحبِ الكتابِ - في أوّلِ ما حكَيناه مِن كلامِه في هذا الفصلِ - علىٰ ما سلَفَ له في إبطالِ كَونِ الإمامِ معصوماً، فما أحالَنا عَلَيه قد بيّنّا بُطلانَه، و استَقصَينا الكلامَ عَلَيه عندَ نُصرتِنا الأدلّةَ في وجوبِ عصمةِ الإمامِ .(4)
فأمّا قَولُه فيما حَكاه عنّا مِن الاستدلالِ : «و إلّاأدّىٰ ذلكَ إلىٰ أن يَكونَ قد كُلِّفَ القيامَ بما لا سَبيلَ له إليه، و يحُلُّ محَلَّ تكليفِ ما لا يُطاقُ ».
فإنّا لا نَعتَمِدُ علىٰ ما ظَنَّه، و لا نُلزِمُه(1)إيّاه أيضاً(2)بَل الذي يؤَدّي إلىٰ ذلكَ (3)مِن الفَسادِ و فِعلِ القَبيحِ هو ما ذَكرناه(4)في صَدرِ كلامِنا هذا و أشبَعناه.(5)
و قد بيّنّا أنّ العُقَلاءَ يَستَقبِحونَ استكفاءَ الأمرِ مَن لا يَعلَمُه(6)و إن كانَ له إلىٰ عِلمِه سَبيلٌ ، و لَيسَ إذا لَم يَقبُحْ هذا(7)الفِعلُ مِن حَيثُ كانَ تكليفاً لِما لا يُطاقُ لا يَجِبُ قُبحُه؛ لأنّ جِهاتِ القُبحِ كثيرةٌ ، مِن جُملتِها تكليفُ ما لا يُطاقُ ، و قد يَجوزُ أن يَكونَ ما لَم يَقبُحْ لهذا(8)الوجهِ يَقبُحُ لغَيرِه(9).
فأمّا قَولُه: «أ مِن جهةِ العقلِ عَلِمتم أنّ كَونَه(10)عالِماً بجميعِ الأحكامِ مِن شَرطِ كَونِه إماماً، أو بالسَّمعِ؟».
فقَد بيّنّا في الفصلِ المتقدِّمِ أنّ كَونَ الإمامِ عالِماً بجميعِ الأحكامِ لَيسَ مِن صِفاتِه التي لا بُدَّ في العقلِ مِنها(11)(12)لأنّ العقلَ كان يجوِّزُ أن لا يقَعَ (13)العبادةُ بشيءٍ مِن الشرائعِ ، فكَيفَ يُجعَلُ مِن شُروطِ(14)كَونِه إماماً في العقلِ ما يَجوزُ في
1) . في «د»: «و لا يلزمه».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: - «أيضاً».
3) . في المطبوع: + «إليه».
4) . في المطبوع و الحجري: «ما ذكرنا».
5) . تقدّم في ص 229.
6) . في «ص»: «لا يعلم».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «ذلك».
8) . في «ج»: «بهذا».
9) . في «ج، ص»: «بغيره».
10) . في «ص»: «أن يكون» بدل «أنّ كَونَه».
11) . تقدّم في ص 213.
12) . في المطبوع و الحجري: «منها في العقل» بدل «في العقل منها».
13) . كذا في جميع النسخ و الحجري. و في المطبوع: «لا تقع».
14) . في «د»: «شروطه».
العقلِ ثُبوتُه و انتفاؤه معاً؟! و لَيسَ يَجري(1)هذه الصفةُ مَجرَى العصمةِ؛ لأنّ تلكَ يَجِبُ كَونُ الإمامِ عَلَيها في العقلِ و قَبلَ الشرعِ و بَعدَه. غَيرَ أنّا و إن لَم نَجعَلْ كَونَه عالِماً بجميعِ الأحكامِ مِن الشُّروطِ العقليّةِ في الإمامةِ، فإنّا(2)بَعدَ العبادةِ بالشرائعِ(3)و ثُبوتِ كَونِ الإمامِ إماماً في جميع الدِّينِ نَعلَمُ(4)بدليلِ العقلِ و قياسِه أنّه لا بُدَّ مِن أن يَكونَ عالِماً بجميعِ الأحكامِ، مِن الوجوهِ التي ذَكرناها.
فإن أرادَ صاحبُ الكتابِ بإضافةِ (5)ذلكَ إلَى العقلِ ما ذَكرناه أوّلاً، فقَد بيّنّا أنّا لا نَجعَلُ هذه الصفةَ مِن الشرائطِ العقليّةِ الواجبةِ ؛ لتجويزِ العقلِ ارتفاعَ العبادةِ بالشرائعِ .
و إن أرادَ(6)ما ذَكرناه ثانياً، فلَيسَ يُمنَعُ مِن إضافتِه إلَى العقلِ ؛ بمعنىٰ أنّا نَعلَمُ بالعقلِ و أدلّتِه بَعدَ استقرارِ الشرائعِ وجوبَ كَونِ الإمامِ عالِماً بجميعِها.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
فإن قالوا: كَيفَ يَصِحُّ أن يَقومَ بذلكَ ، و القيامُ بالعملِ لا يَصِحُّ إلّامع العِلمِ؟
قيلَ لهُم: بأن يَستَدِلَّ حالاً بَعدَ حالٍ و يَجتَهِدَ، فيَعرِفَ ما يَنزِلُ مِن النوازِلِ التي يَلزَمُه الحُكمُ فيها، و بأن يَرجِعَ في كَثيرٍ مِن ذلك(7)إلَى
1) . كذا في جميع النسخ و الحجري. و في المطبوع: «تجري».
2) . في «ج، ص، ط»: «فأمّا».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «بالشرع».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «يعلم».
5) . في «ج»: «بإضافته»، و في «ط، ف»: «بإضافية».
6) . في «د» و المطبوع و الحجري: «كان المراد» بدل «أراد».
7) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «منها» بدل «من ذلك».
الرأيِ و الاجتهادِ؛ كالجهادِ و غَيرِه.
و قد يَجوزُ أيضاً أن يَقومَ بذلكَ علىٰ حقِّه، بأن يُراجِعَ العُلَماءَ و يَستَشيرَهم، فيَحكُمَ بما ثبَتَ(1)عندَه مِن أصَحِّ الأقاويلِ.
و قد يَجوزُ أيضاً مِن جهةِ العقلِ أن يُكلَّفَ القَبولَ مِن العُلَماءِ و أن يَحكُمَ بذلكَ؛ كما يَقولُ كَثيرٌ مِن الناسِ في حُكمِ الحاكمِ، و كما نَقولُه(2)[فيما
كُلِّفَ به كَثيرٌ مِن الناسِ](3)في بابِ الفَتوىٰ.
و قد يَجوزُ أيضاً أن يَستَدرِكَ(4)عِلمَ ما فُوِّضَ إليه [مِن الأحكامِ ] بالرُّجوعِ إلىٰ أخبارِ الآحادِ، أو إلىٰ قَولِ الأُمّةِ التي قد ثبَتَ أنّها حُجّةٌ (5).
و قد يَجوزُ أن يُكلَّفَ فيما فُوِّضَ إليه أنّ ما عَلِمَه يَحكُمُ فيه، و ما لَم يَعلَمْه يَتوقَّفُ فيه(6)لأنّ جميعَ الذي ذَكرناه ممّا يَجوزُ في العقلِ ورودُ التعبُّدِ(7)به. [و إذا كانَ الأمرُ علىٰ ما ذَكرناه، فمِن أينَ أنّه يَجِبُ أن يَكونَ عالِماً بجميعِ الأحكامِ ، علَى السبيلِ الذي تَعلَّقوا به ؟](8)
يُقالُ له: هذا كلامُ مَن يَظُنُّ أنّا إنّما قَبَّحنا وِلايةَ الإمامِ و هو لا يَعلَمُ جميعَ
1) . في حاشية «ف» و المغني: «يثبت».
2) . في «ط» و المغني: «كما يقوله». و في «ص»: «كما نقول».
3) . ما بين المعقوفين من المغني، و هكذا في الموارد الآتية.
4) . في «ج»: «أن يستدلّ ». و في المغني: «أن يستند لعلم» بدل «أن يستدرك علم».
5) . في المغني: «الذي قد ثبت بالدليل أنّه حجّة». فعليه يكون مرجع الضمير في «أنّه» إلى «قول الأُمّة»، و على ما في المتن يرجع الضمير إلى «الأُمّة».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «و ما لم يعلم توقّف فيه».
7) . في المغني: «التعبير».
8) . المغني، ج 20 (القسم الأول)، ص 104-105. و ما بين المعقوفين من المصدر.
الأحكامِ مِن حَيثُ لَم يَكُن له إلَى العِلمِ بها(1)سَبيلٌ، و قد بيّنّا أنّ وجودَ السَّبيلِ في هذا المَوضِعِ كعدمِها إذا كانَ العِلمُ بما أُسنِدَ إلَى المَولىٰ مفقوداً(2)، و أنّه لا بُدَّ مِن قُبحِ هذه الوِلايةِ مع فَقدِ العِلمِ. فلا حاجةَ بنا إلَى الكلامِ علىٰ ما عدَّدتَه مِن وجوهِ العِلمِ التي يَجوزُ أن يَرجِعَ الإمامُ إليها؛ لأنّه لَو(3)ثبَتَ في جميعِها أنّه طريقٌ إلَى العِلمِ، و موصِلٌ إلَى المعرفةِ بالأحكامِ ، لَم يُخِلَّ بما اعتَمَدناه؛ فكَيفَ و أكثَرُ ما أَورَدتَه لا يوصِلُ عندَنا إلىٰ عِلمٍ بِكُنهٍ (4)و لا إلىٰ ظَنٍّ صحيحٍ !
و قد قَدَّمنا الفَرقَ بَينَ التكليفِ و الوِلايةِ (5)، فلَيسَ لمُتعلِّقٍ أن يَتعلَّقَ به.
ثُمّ يُقالُ له: فأجِزْ - قياساً(6)علىٰ ما ذَكرتَه - أن يَستكفيَ بعضُ حُكَماءِ مُلوكِنا(7)أمرَ
وِزارتِه(8)و تدبيرَ مَملَكتِه مَن لا يَعلَمُ شيئاً مِن أحكامِ الوِزارةِ و شُروطِها، أو لا يَعلَمُ جُلَّها و جُمهورَها(9)، و يَحسُنَ ذلكَ مِنه؛ مِن حَيثُ كان الوَزيرُ مُتمكِّناً مِن أن يَسألَ عمّا يَحتاجُ إليه أهلَ المعرفةِ، و يَستَفيدَ مِنهم حالاً بَعدَ حالٍ . و يَعدِلَ عن أن يوَلّيَها مَن يَثِقُ مِنه بالمعرفةِ و الكفايةِ (10)، و لا يَحتاجُ (11)في العِلمِ بشُروطِ الوِزارةِ
1) . في «ج»: - «بها».
2) . تقدّم في ص 229.
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «إن».
4) . كنه الشيء: نهايته، يقال: أعرِفُهُ كُنهَ المعرفة. الصحاح، ج 6، ص 2247 (كنه).
5) . تقدّم في ص 231.
6) . في «ص، ط، ف»: «فيما بيّنّا» بدل «قياساً».
7) . في «ص»: «بعض الحكّام بأن يكل» بدل «بعض حكماء ملوكنا».
8) . في «د، ف»: «وزرائه».
9) . جمهور الناس، أي جلّهم. المغرب، ج 1، ص 157؛ شمس العلوم، ج 2، ص 1169 (جمهر).
10) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و الهداية».
11) . في «ص»: «فلا يحتاج».
و أحكامِها إلَى استِزادةٍ و استِفادةٍ ، مع أنّ أوصافَهما و أحوالَهما فيما يُظَنُّ بهما مُتَساويةٌ إلّافيما ذَكرناه.
فإن(1)أجازَ هذا وَقَفَ مَوقِفاً لا يَشُكُّ جميعُ العُقَلاءِ في قُبحِه، و طولِبَ بالفَرقِ بَينَ ما أجازَه(2)و بَينَ سائرِ ما يَرجِعُ في قُبحِه إلَى العُقَلاءِ ؛ فإنّه لا يَجِدُ فَرقاً.
و إن منَعَ مِنه قيلَ له: و أيُّ فَرقٍ بَينَ هذا و بَينَ ما أجَزتَه في الإمامِ ، و العِلّةُ التي تَطرَّقتَ بها(3)إلىٰ حُسنِ وِلايتِه مع فَقدِه للعِلمِ بالأحكامِ حاصلةٌ فيما عارَضناكَ به، و هي إمكانُ التعرُّفِ و التعلُّمِ؟
فإن قالَ : لَيسَ يُشبِهُ ما أجزتُه في الإمامِ ما عارَضتم به؛ لأنّني لَم أُجِزْ أن يوَلَّى الإمامةَ مَن لا يَعلَمُ الأحكامَ ، و يُعدَلَ بها عمّن يَعلَمُها، و إلزامُكم تَضمَّنَ هذا الوجهَ .
قيلَ له: لا بُدَّ مِن جوازِ ذلكَ علىٰ مَذهبِكَ؛ لأنّه لَيسَ مِن شُروطِ الإمامةِ(4)عندَكَ كونُ الإمامِ(5)عالِماً بجميعِ الأحكامِ، كما أنّه لَيسَ مِن شُروطِها عندَكَ أن يَكونَ أفضَلَ الأُمّةِ و أكثَرَهم ثَواباً. و إذا لَم يَكُن ما ذَكرناه شَرطاً جازَ أن يُعدَلَ عمّن حصَلَ فيه إلىٰ غَيرِه بَعدَ أن يَكونَ ذلكَ الغَيرُ ممّن يَتمكَّنُ (6)مِن التعرُّفِ و التوصُّلِ ؛ لأنّ هذا هو الشرطُ عندَكَ ، دونَ الأوّلِ .
فإن قالَ : إنّما قَبُحَ مِن المَلِكِ أن يُوَلّيَ وِزارتَه مَن لا يَعلَمُها و يُسنِدَ أمرَ كِتابتِه إلىٰ مَن لا يُحسِنُها - و إن كانَ لهُما إلَى التعرُّفِ سَبيلٌ - مِن حَيثُ كانَ في ذلكَ ضرَرٌ
عَلَيه و تفويتٌ لمَنافعِه؛ لأنّه لا بُدَّ أن يَستضِرَّ بما يَتأخَّرُ مِن تدبيرِ(1)أمرِ مَملَكتِه، و يَتَمادىٰ مِن تنفيذِ أُمورِه. و لَيسَ هذا حُكمَ الإمامةِ (2)لأنّ الأحكامَ التي يَتوَلّاها الإمامُ لا ضرَرَ علَى اللّٰهِ تَعالىٰ في تأخُّرِها و لا علىٰ أحَدٍ، و إذا كانَت العبادةُ بها في الأصلِ غَيرَ واجبةٍ بالعقلِ ، فتأخُّرُها أَولىٰ بأن يجوِّزَه العقلُ .
قيلَ له: لَيسَ الأمرُ علىٰ ما ظَنَنتَ؛ لأنّه لَو كانَ قُبحُ هذه الوِلايةِ(3)التي قَدَّرناها يَرجِعُ إلَى استضرارِ المَلِكِ و فَوتِ مَنافعِه، لَوَجَبَ أن يَحسُنَ مِنه وِلايةُ مَن ذَكَرنا حالَه علىٰ بعضِ مَن لا يَدخُلُ عَلَيه ضرَرٌ في تأخُّرِ أمرِ تدبيرِه، و لا يَلحَقُه معه شيءٌ مِن فَوتِ مَنافعِه. و لَيسَ هذا التقديرُ بمُستَبعَدٍ؛ لأنّا نَعلَمُ أنّ رَعايا المَلِكِ قد يَختَلِفُ (4)أحوالُهم فيما يَمَسُّ المَلِكَ مِن أُمورِهم؛ فيَكونُ فيهم مَن يَستَضِرُّ بتأخُّرِ أمرِ تدبيرِهم و سياستِهم، و فيهم مَن لا يَكونُ هذا حُكمَه. و إذا كانَ جميعُ العُقَلاءِ يَستَقبِحونَ هذه الوِلايةَ و إن لَم يَعُدْ مِنها ضرَرٌ علَى المَلِكِ كاستقباحِهم الأُولىٰ (5)، عَلِمنا أنّه(6)لا مُعتبَرَ بالضرَرِ، و أنّ (7)عِلّةَ القُبحِ فَقدُ عِلمِ المُستَكفىٰ بما فُوِّضَ إليه.
و بَعدُ، فلَو قَبُحَ ما ذَكرناه في الشاهدِ لِما يَعودُ به مِن الضَّرَرِ، لَوَجَبَ أن لا يَستَقبِحَه مِن العُقَلاءِ إلّامَن عَلِمَ بحُصولِ الضرَرِ فيه علَى المُوَلّي، و لَوَجَبَ أن
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «تدبيره».
2) . في «ج، ص»: «الإمام».
3) . في «د»: «الوزارة».
4) . كذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «قد تختلف».
5) . و هي تولية من يعود الضرر بولايته على المولّي.
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «أن».
7) . كذا في جميع النسخ و الحجري. و في المطبوع: «[و أنّه ليس]»، و قال المحقّق في الهامش: «التكملة لاستقامة المعنى». و هو كما ترىٰ .
يَكونَ استقباحُهم له ممّن كَثُرَ(1)ما يَعودُ به مِن الضَررِ عَلَيه أكثَرَ، و لَومُهم له(2)أعظَمَ، حتّىٰ يَكونَ الاستقباحُ تابعاً للضرَرِ؛ يَزيدُ بزيادتِه، و يَنقُصُ بنُقصانِه؛ و كُلُّ هذا ممّا يُعلَمُ خِلافُه.
علىٰ أنّه لا فَرقَ بَينَ مَن جعَلَ قُبحَ استكفاءِ الأمرِ مَن لا يَعلَمُه و لا يَضطَلِعُ به راجعاً إلىٰ ما يَعودُ به مِن الضرَرِ، و بَينَ المُجبِرةِ إذا ادَّعَت أنّ جميعَ القَبائحِ - كالظُّلمِ و الكَذِبِ و تكليفِ ما لا يُطاقُ - إنّما استَقبَحَها العُقَلاءُ في الشاهِدِ لِما يَلحَقُ فاعليها(3)مِن الضَّرَرِ، إمّا بِاستحقاقِ العقابِ ، أو باللَّومِ و التهجينِ (4)مِن العُقَلاءِ ، و تَطرَّقَت بذلكَ إلىٰ حُسنِها مِن فِعلِ اللّٰهِ (5)تَعالىٰ مِن حَيثُ لَم يَجُز عَلَيه الاستضرارُ!
فأمّا قَولُكَ: «يَجوزُ(6)أن يُكلَّفَ القَبولَ مِن العُلَماءِ كما يُقالُ في الفَتوىٰ، و يَقولُه كَثيرٌ مِن الناسِ في حُكِم الحاكمِ».
فإنّ العامّيَّ إنّما ساغَ (7)في العقلِ أن يُكلَّفَ (8)القَبولَ مِن غَيرِه؛ مِن حَيثُ لَم يَكُن(9)مُتَولّياً للحُكمِ فيما جَهِلَه و لا منصوباً للقَضاءِ فيه، فجازَ أن يَرجِعَ فيما لا يَعلَمُه إلىٰ غَيرِه؛ لأنّ ذلكَ فَرضُه. و لَيسَ هذا حُكمَ الإمامِ ؛ لأنّه الحاكمُ في سائرِ الدِّينِ ،
1) . في المطبوع: «من كثرة» بدل «ممّن كثر».
2) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «عليه».
3) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «فاعلها».
4) . تهجين الأمر: تقبيحه. الصحاح، ج 6، ص 2217 (هجن).
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «القديم» بدل «اللّٰه».
6) . في «ص، ط، ف»: «بجواز».
7) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «إنّما يسوغ».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «فإنّ العامّيّ يسوغ له ذلك في العقل و أن يكلّف».
9) . في «ص، ط»: «لم ينكر».
و المنصوبُ للقَضاءِ في جميعِه. و لَو كانَ بمَنزِلةِ العامّيِّ (1)في سُقوطِ وِلايةِ الحُكمِ عنه، لَجازَ أن يَتَساوىٰ مَنزِلتُهما في التعبُّدِ بالرُّجوعِ إلِى العُلَماءِ .
فأمّا الحاكمُ فلَيسَ يَجوزُ(2)أن يَجهلَ شيئاً ممّا نُصِبَ للحُكمِ فيه، و مَن نصَبَ حاكماً لا معرفةَ عندَه بالحُكمِ كانَ سَفيهاً، و كُلُّ ما يَجهَلُه الحُكّامُ المُتَولّونَ مِن قِبَلِ الإمامِ فهو خارجٌ مِن وِلايتِهم، و(3)موقوفٌ علىٰ حُكمِ الإمامِ ، أو حُكمِ غَيرِه ممّن له معرفةٌ به.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
فإن قالوا: لَو جازَ في الإمامِ ما ذَكرتم، لَجازَ(4)في الرسولِ مِثلُه.
قيلَ لهُم: إنّا نُجيزُ مِن جهةِ العقلِ كَثيراً ممّا ذَكرناه، بأن يَتعبَّدَه(5)اللّٰهُ تَعالىٰ في الأحكامِ بأن يَجتَهِدَ، أو بأن يَحكُمَ بما تَقرَّرَ عندَه في عقلِه، أو بأن يَتوقَّفَ في كَثيرٍ مِن ذلكَ إلىٰ ما شاكَلَه(6)، و إنّما نَمنَعُه الآنَ لا لأنّ في(7)العقلِ كانَ لا يَجوزُ التعبُّدُ به، بَل لأنّ الدَّلالةَ في الشرعِ دَلَّت علىٰ خِلافِه....(8)
1) . في «ج، ص»: «فلو كان يجوز له ما يجوز للعامّيّ ».
2) . في «ج، ف»: + «له».
3) . في «ج»: - «و».
4) . في «ج»: «جاز».
5) . الضمير راجع إلى الرسول.
6) . في المغني: «و ما شاكله» بدل «إلىٰ ما شاكله».
7) . هكذا في جميع النسخ و الحجري و المغني. و في المطبوع: - «في». و قال المحقّق في الهامش: «في الأصل: في العقل»، و أصلحنا العبارة عن المغني». مع أنّ ما في المغني مطابق للمتن.
8) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 105.
يُقالُ له: إذا أجَزتَ ذلكَ في الرسولِ كإجازتِكَ إيّاه في الإمامِ، كانَ الكلامُ عَلَيكَ في الأمرَينِ (1)واحداً، و ما ذَكرناه(2)مِن الأدلّةِ المتقدِّمةِ يَتَناوَلُ الخِلافَ في المَوضِعَينِ ؛ لأنّ الرسولَ إذا كانَ حاكماً في سائرِ الدِّينِ ، و إماماً في جميعِه، وَجَبَ مِن كَونِه عالِماً بالأحكامِ ما أَوجَبناه في الإمامِ .
فأمّا قَولُكَ: «يَحكُمُ بما تَقرَّرَ في عقلِه، و يَتوقَّفُ في مَواضِعَ».
فإن أرَدتَ أنّه يَفعَلُ ذلكَ فيما للّٰهِ تَعالىٰ فيه حُكمٌ مشروعٌ نصَبَه للحُكمِ به و جعَلَه الإمامَ فيه، فهذا ممّا لا يَجوزُ، و هو الذي بيّنّا فَسادَه بكُلِّ الذي تَقدَّمَ .
و إن أرَدتَ أنّه يَتوقَّفُ أو يَرجِعُ (3)إلَى العقلِ فيما لَيسَ فيه حُكمٌ مشروعٌ نُصِبَ حاكماً به و مُمضياً له، بَل العبادةُ فيه هي التوقُّفُ أو الرجوعُ إلَى العقلِ ، فهذا ممّا(4)لا نأباه؛ لأنّا إنّما نوجِبُ أن يَعلَمَ جميعَ الأحكامِ المشروعةِ التي جُعِلَ إماماً فيها و حاكماً بها؛ فما(5)لا حُكمَ فيه، أو فيه حُكمٌ لَيسَ مِن جُملةِ الشرعِ الذي هو إمامٌ فيه(6)لأهلِه خارجٌ عمّا أَوجَبناه.
و إلىٰ معنىٰ هذا الجوابِ نَرجِعُ إذا سُئلنا عن سببِ ما رُويَ مِن توقُّفِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه في بعضِ الأحكامِ - كقِصّةِ المُجادَلةِ و ما أشبَهَها -؛ لأنّ الذي تَوقَّفَ (7)صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه فيه لَم يَكُن له حُكمٌ في شَرعِه فيَجِبَ عِلمُه به،
و فَرضُه فيه هو ما صنَعَه عليه السلامُ (1)مِن التوقُّفِ و انتظارِ الوحيِ . و لَيسَ هذا
حُكمَ ما أَنكرناه مِن فَقدِ عِلمِ الإمامِ بالأحكامِ المشروعةِ المُبَيَّنةِ التي هو إمامٌ فيها(2).
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و بَعدُ، فإنّه يُقالُ لهُم: أيَجِبُ في جملةِ(3)العقلِ أن لا يقَعَ مِن الإمامِ الخَطأُ فيما يَقومُ به؟
فإن قالوا بذلكَ لَزِمَهم أن يَكونَ عالِماً بالأُمورِ الباطنةِ(4)ممّا يُرفَعُ(5)إليه كما يَكونُ عالِماً بالأحكامِ؛ لأنّهم إن لَم يَقولوا بذلكَ فلا بُدَّ مِن تجويزِهم الغلطَ عَلَيه.
ثُمّ ذَكرَ إقامةَ الحَدِّ علىٰ مَن يَكذِبُ عَلَيه الشُّهودُ، و أَخْذَ المالِ مِن زَيدٍ و دَفعِه إلىٰ عَمرٍو و هو لا يَستَحِقُّه؛ قالَ:
و هذا يوجِبُ عَلَيهم أن يَكونَ عالِماً بالغَيبِ و سائرِ أحوالِ الناسِ .
و علىٰ هذا الوجهِ ألزَمَهم شُيوخُنا أن يَكونَ الإمامُ عارفاً بالصنائعِ و الحِرَفِ ، إلىٰ غَيرِ ذلكَ ممّا يَصِحُّ الترافُعُ فيه.(6)
1) . في «ج، ص»: «صلّى اللّٰه عليه و آله».
2) . في «ج، ص، ف» و الحجري: «المشروعة التي هي مبيّنة و هو إمام فيها».
3) . في المطبوع و الحجري: «في حكمة». و في المغني: - «جملة».
4) . في «د»: - «الباطنة».
5) . في «ج، ص، ط» و المغني: «يدفع».
6) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 105-106 نقلاً بالمعنىٰ ، و نصّ عبارته هكذا: «... فلا بدّ من تجويزهم الغلط عليهم بأن يعرف أنّ الحكم فيما تنازعوه إذا ثبت أنّ الحدّ واجب للّٰه
يُقالُ له: كَيفَ ظَنَنتَ أنّ العِلمَ ببَواطنِ الأُمورِ و مغيَّبِها(1)يَجري مَجرىٰ ما أَوجَبناه مِن العِلمِ بالأحكامِ؟! أَوَ ما عَلِمتَ أنّا إنّما أَوجَبنا إحاطةَ الإمامِ بالأحكامِ مِن حَيثُ كانَ للّٰهِ تَعالىٰ حُكمٌ مشروعٌ في الحَوادثِ أَوجَبَ عَلَيه إمضاءَه، و جعَلَه حاكماً به و إماماً فيه؟ فهَل للّٰهِ تَعالىٰ في باطنِ الحَوادثِ حُكمٌ يخالِفُ الظاهرَ(2)شَرَعَه و(3)أَوجَبَ(4)علَى الإمامِ العملَ به؟
و كَيفَ عَدَدتَ مِن(5)جُملةِ الغلطِ في الحُكمِ إقامةَ الحدِّ علىٰ مَن لا يَستَحِقُّه و أخْذَ المالِ ممّن هو في الباطنِ بَريءُ الذِّمّةِ مِنه ؟ و أيُّ غلطٍ في ذلكَ و هو
حُكمُ اللّٰهِ تَعالىٰ (6)في هذه الحَوادثِ الذي أَوجَبَ علَى الإمامِ إقامتَه و إمضاءَه، دونَ
و يشهد مع ذلك الشهود زوراً و كذباً، فيلزمه إقامة الحدّ، و يكون مقيماً له في غير موضعه، أو يكون آخذاً للمال من زيد، دافعاً إلى عمرو، و ليس هو في الباطن بحقّ له. فلا بدّ من أن يجوّزوا عليه هذا الغلط و يقولوا بأنّه كما يعلم الأحكام يعلم ما يجري مجرى الغيب من الفصل بين الدعوى الصحيحة و الدعوى الفاسدة و بين من يشهد بالحقّ أو بالباطل، أو بأن يعرف أنّ ما تحاكموا فيه ثابت أو ليس بثابت، أو أنّه ممّا قصر أو لم يقصر، إلى غير ذلك من بواطن هذه الأُمور. و هذا يوجب عليهم أن يكون عالماً بالغيب و بسائر أحوال الناس؛ لأنّه لا شيء يُذكر في ذلك إلّاو قد يصحّ أن تقع فيه المنازعة و يحصل فيه الترافع؛ فإذا لم يجب ذلك فغير ممتنع أن يكون عالماً بالأحكام و يكلّف الاجتهاد فيه و إن جاز معه الغلط على غير تعمّد؛ لأنّه لو وجب من جهة العقل أن يكون محروماً من ذلك لوجب مثله في سائر ما قدّمناه. و على هذا ألزمهم شيوخنا - رحمهم اللّٰه - أن يكون الإمام عارفاً بالصنائع و الحِرَف، إلى غير ذلك ممّا يصحّ وقوع الترافع فيه، و شنّعوا عليهم بما لا يلتزمه العقلاء».
الباطنِ الذي لا عِبادةَ علَى الإمامِ فيه ؟
ثُمّ يُقالُ له: ألَيسَ جائزاً عندَكَ في العقلِ أن يَكونَ للّٰهِ تَعالىٰ حُكمٌ أو(1)أحكامٌ في الشريعةِ بيَّنَها و دَلَّ عَلَيها لا يَعلَمُها الإمامُ؟
فلا بُدَّ مِن «بَلىٰ»؛ لأنّه في(2)تَعاطي نُصرةِ هذا المَذهبِ.
فيُقالُ له: فهَل للّٰهِ تَعالىٰ حُكمٌ في بَواطنِ(3)الحَوادثِ تَعبَّدَ الإمامَ به أو غَيرَه؟ كأنّه مثَلاً تعبَّدَ بمعرفةِ كَونِ المشهودِ عَلَيه مستحِقّاً للحَدِّ علَى الحقيقةِ، و أنّ الشُّهودَ صادقونَ في شهادتِهم.
فإذا قالَ: «لا»، قيلَ له: فكَيفَ (4)أَلزَمتَ مَن أَوجَبَ عِلمَ الإمامِ بالأحكامِ المشروعةِ أن يَعلَمَ ما لا شَرعَ فيه و لا عِبادةَ به ؟! و إنّما كانَ يَلزَمُ كلامُكَ علىٰ سَبيلِ المناقَضةِ أن لَو كانَ اللّٰهُ تَعالىٰ قد تعبَّدَ في الباطنِ بعباداتٍ و أحكامٍ و أَوجَبَ علَى الإمامِ العملَ بها، فأجَزنا(5)عَلَيه أن لا يَعلَمَها، و هذا(6)ممّا لم نُجِزْهُ . و الفَرقُ بَينَ ما أَنكَرناه و أَجَزناه واضحٌ .
فإن قالَ : فأنا أقولُ أيضاً: إنّ حُكمَ اللّٰهِ تَعالىٰ فيما لا يَعلَمُه الإمامُ ، و فَرْضَه عَلَيه هو الاجتهادُ و الاستدلالُ .
قيلَ له: لَيسَ الاستدلالُ هو الحُكمَ المتعبَّدَ بإمضائِه، بَل الاستدلالُ هو الطريقُ
إلَى الحُكمِ ، و الحُكمُ في نفسِه غَيرُ الطريقِ إليه؛ فإذا(1)كانَ حُكمُ اللّٰهِ تَعالىٰ في الحادثةِ التحريمَ أو(2)التحليلَ ، و الإمامُ حاكمٌ في جميعِ الدِّينِ ، فلا بُدَّ مِن أن يَكونَ عالِماً بالحُكمِ نفسِه لا بالطريقِ إليه، و إلّاأدّىٰ إلىٰ جوازِ ما ذَكرناه ممّا يَستَقبِحُه العُقَلاءُ .
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و بَعدُ، فإنّ كُلَّ ذلكَ يَلزَمُهم في الأُمَراءِ ، فيُقالُ لهُم: فيَجِبُ إذا كانوا يَقومونَ بهذه الأُمورِ أن يَكونوا عالِمينَ بكُلِّ الأحكامِ ؛ للوجهِ الذي ذَكرتم، و أن لا يَجوزَ أن يَرِدَ التعبُّدُ باختيارِ أميرٍ و حاكمٍ لا يَكونُ بهذه الصفةِ . و بُطلانُ ذلكَ يُبيِّنُ فَسادَ ما تَعلَّقوا به.
فمِن هذا الوجهِ ألزَمَهم شُيوخُنا في أُمَراءِ الإمامِ أن يَكونوا عالِمينَ بكُلِّ ما يَعلَمُه الإمامُ .(3)
يُقالُ له: لَيسَ أُمَراءُ الإمامِ و حُكّامُه بوُلاةٍ في جميعِ الدِّينِ، و لَيسَ إليهم الحُكمُ في جميعِ ما يَحكُمُ فيه الإمامُ، و لَو كانوا بهذه الصفةِ لَلَزِمَ فيهم ما أَوجَبناه في الإمامِ.
و كَيفَ يَكونونَ حُكّاماً في جميعِ(4)الدِّينِ ، و قد يَلزَمُهم في كَثيرٍ مِن الحَوادثِ و النوائبِ مُطالَعةُ (5)الإمامِ و الرُّجوعُ إلىٰ حُكمِه فيها، و يَكونُ محظوراً عَلَيهم الاستبدادُ بإمضائِها دونَه ؟
و الذي يَجِبُ في الأميرِ و الحاكمِ أن يَكونَ كُلُّ واحدٍ(1)مِنهما عالِماً بما أُسنِدَ إليه، و قَصُرَت وِلايتُه(2)عَلَيه؛ و لهذا ما(3)يَكونُ للإمامِ في البَلَدِ الواحدِ خُلَفاءُ جَماعةٌ، فيَكونُ بعضُهم خَليفةً له علىٰ تدبيرِ الجَيشِ(4)و الحَربِ و سَدِّ الثُّغورِ، و بعضُهم علَى الخَراجِ و جِبايةِ الأموالِ، و بعضُهم علَى الأحكامِ و القَضاءِ(5)بَينَ الناسِ. و يَجوزُ أيضاً أن يَكونَ له علَى الأحكامِ الشرعيّةِ جَماعةٌ(6)مِن الخُلَفاءِ؛ يَختَصُّ كُلُّ(7)واحدٍ مِنهم(8)بِولايةِ الحُكمِ في الجُزءِ الذي يُحسِنُه مِن الشريعةِ و يَقومُ به.
و كُلُّ هذا ممّا لا يُمكِنُ أن يَكونَ في الإمامِ مِثلُه؛ لأنّ وِلايتَه عامّةٌ غَيرُ خاصّةٍ، و هو إمامٌ في الكُلِّ و حاكمٌ في الجميعِ.
و في الجُملةِ(9)فالذي يَجِبُ علىٰ قياسِ قَولِنا في الإمامِ أن يَكونَ الأميرُ أو الحاكمُ(10)عالِماً بما تَوَلّاه و فُوِّضَ إليه، و هكذا نَقولُ .
علىٰ أنّ الأُمَراءَ لَو وَجَبَ فيهم العِلمُ بسائرِ الأحكامِ مِثلُ الإمامِ ، لَم يَستَحِلْ حُصولُ وِلايتِهم بالاختيارِ، و لَم يَجِبِ (11)النَّصُّ عَلَيهم علَى الحَدِّ الذي ذَكرناه
1) . في «ص»: - «واحد».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «و قصر في ولايته».
3) . في «ص»: «كما».
4) . في «د» و المطبوع و الحجري: «تدبير الجماعة».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «على القضاء و الأحكام».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «عدّة».
7) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «كلّ ».
8) . في المطبوع و الحجري: - «منهم».
9) . في المطبوع و الحجري: - «و في الجملة».
10) . في «ج، ص، ط، ف»: «و الحاكم».
11) . في «ج، ص، ط»: «و يجب».
في الإمامِ؛ لأنّا إنّما أحَلنا اختيارَ الإمامِ مع كَونِه عالِماً بكُلِّ الأحكامِ مِن جهةِ أنّ المُتَولّيَ لِاختيارِه مِن الأُمّةِ(1)لا يَعلَمُ جميعَ الأحكامِ، فلا يَصِحُّ مِنهم اختيارُ مَن هذه صفتُه. و الإمامُ يَعلَمُ سائرَ الأحكامِ، فيَجوزُ أن يَختارَ مَن يَعلَمُها، و يُفرِّقَ بَينَ العالِمِ بها و بَينَ مَن لَيسَ بعالِمٍ بالامتحانِ؛ لأنّه عالِمٌ بها و بِوَجهِ(2)المِحنةِ فيها.
و أكثَرُ ما يُمكِنُ أن يُقالَ هاهُنا: أنّ اختيارَ مَن يَعلَمُ كُلَّ الأحكامِ يَطولُ و يَتَمادىٰ أو(3)لا يُضبَطُ؛ لِاتّساعِ الأحكامِ و تفرُّعِها.
و يُمكِنُ مَن يَنصُرُ هذه الطريقةَ أن يَقولَ: إنّ الأحكامَ و إن كثُرَت فقَد ثبَتَ بالدليلِ أنّ للّٰهِ تَعالىٰ في كُلِّ شيءٍ مِنها حُكماً مبيَّناً؛ إمّا بنَصٍّ مُجمَلٍ أو مُفصَّلٍ، و قد يَجوزُ أن يُحيطَ بذلكَ عالِمٌ واحدٌ(4)، و كما يَجوزُ أن يُحيطَ به فيَجوزُ أن يَمتَحِنَ فيه بالمسألةِ عن جُملةٍ جُملةٍ،(5)و إن كانَت مُشتمِلةً علىٰ فُروعٍ كثيرةٍ(6)و أحكامٍ في أعيانٍ لا تُحصىٰ؛ فإنّ(7)ذلكَ لا يبعُدُ علَى العالِمِ بما يَمتَحِنُ فيه، لا سِيَّما إذا كانَ معصوماً مُوَفَّقاً و إن بَعُدَ علىٰ غَيرِه.
علىٰ أنّ المِحنةَ لَو تَطاوَلَت و تَمادىٰ زَمانُها و استُبعِدَت لهذا الوجهِ ، لَم يُخِلَّ بما أرَدناه بالكلامِ (8)لأنّ غرضَنا بيانُ أنّ الوجهَ الذي مِنه يَستَحيلُ اختيارُ الإمامِ و يَجِبُ
1) . في «ج، ص، ط، ف»: + «مَن».
2) . في المطبوع: «و بوجهة». و في الحجري: «و يوجّهه».
3) . هكذا في «ج، د، ص». و في سائر النسخ و المطبوع: «و».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «العالم الواحد بذلك» بدل «بذلك عالم واحد».
5) . في «د»: - «جملة» الثانية.
6) . في «ج، ص، ط، ف»: - «كثيرة».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «و إنّ ».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «من الكلام».
النَّصُّ عَلَيه غَيرُ حاصلٍ في الأُمَراءِ؛ ليَبطُلَ بذلكَ قَولُ صاحبِ الكتابِ : «فيَجِبُ أن يَكونَ الأُمَراءُ (1)عالِمينَ بكُلِّ الأحكامِ ، و أن لا يَجوزَ أن يَرِدَ التعبُّدُ(2)باختيارِ أميرٍ و حاكمٍ ؛ للوجهِ الذي ذَكرتم».
و ما ذَكرناه أوّلاً أقوىٰ و أَولىٰ بأن يَعتَمِدَه.(3)
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و يَلزَمُهم علىٰ هذا الوجهِ أن يَكونَ الإمامُ أفضَلَ حالاً في العِلمِ مِن الرسولِ؛ لأنّه لا شَكَّ في أنّه(4)عليه السلامُ لَم يَكُن يَعرِفُ كُلَّ الأحكامِ، بَل كانَ الوحيُ يَنزِلُ عَلَيه حالاً بَعدَ حالٍ، و أنّه لَم يَكُن يَعرِفُ بَواطِنَ الأُمورِ؛ فقَد ثبَتَ عنه عليه السلامُ (5)أنّه كانَ يَحكُمُ بالظاهرِ و يَتوَلَّى اللّٰهُ تَعالَى السَّرائرَ، و أنّه يَقضي بنَحوِ ما يَسمَعُ ، و أنّه إذا(6)قَضىٰ بشيءٍ لِواحدٍ لَم يَحِلَّ له أن يأخُذَه إذا عَلِمَ خِلافَه، إلىٰ غَيرِ ذلكَ ممّا رُويَ
عنه(7)في هذا البابِ . و كُلُّ قَولٍ يؤَدّي إلىٰ أنّ الإمامَ أعلىٰ رُتبةً مِن الرسولِ وَجَبَ فَسادُه.(8)
1) . في «د»: «فيجب أن يكونوا، يعني الأُمراء».
2) . من هنا إلى قوله بعد صفحتين تقريباً: «لأنّ كلّ ذلك ممّا يجوز التعبّد به» قد سقط من نسخة «ط».
3) . في «ج، ص، ف»: «و أولى أن يعتمد».
4) . في «د، ط» و المطبوع و الحجري: «لا شكّ أنّه». و في المغني: - «لا شكّ في أنّه».
5) . في «ج، ص، ف» و المغني: - «عليه السلام».
6) . في «ج»: «لو». و في «ص»: «إن».
7) . في «ص»: - «عنه».
8) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 106-107.
فُيقالُ له: كَيفَ يَلزَمُ أن يَزيدَ الإمامُ في العِلمِ علَى الرسولِ و الإمامُ مُستَمِدٌّ(1)مِن الرسولِ، و ما حَصَلَ له عِلمُه مِن أحكامِ الدِّينِ فعَنه أخَذَه، و مِن جهتِه استَفادَه؟
فأمّا معرفةُ الرسولِ بالشيءِ إذا نزَلَ به الوحيُ بَعدَ أن لَم يَكُن عارفاً به:
فلأنّ ذلكَ قَبلَ نُزولِ الوحيِ لَم يَكُن مِن شَرعِه و لا مِن جُملةِ ما هو إمامٌ فيه، علىٰ ما تَقدَّمَ في كلامِنا(2)(3)غَيرَ أنّه بَعدَ تكامُلِ الشرعِ و نُزولِ الوحيِ بجميعِ الأحكامِ لا يَجوزُ أن يَكونَ غَيرَ عارفٍ ببعضِها. و كما أنّ الرسولَ قَبلَ تكامُلِ الشرعِ لَم يَكُن عندَه العِلمُ بسائرِ الأحكامِ، كذلكَ الإمامُ قَبلَ حالِ إمامتِه لَم يَكُن عالِماً بالأحكامِ، و إنّما يَجِبُ في النبيِّ و الإمامِ معاً العِلمُ بما كانا إمامَينِ فيه، و متعبَّدَينِ بالحُكمِ به؛ فما لَم يَكُن مشروعاً خارجٌ عن هذا، و كذلكَ(4)الأحوالُ التي تَتقدَّمُ حالَ الإمامةِ .
فأمّا العِلمُ بالبَواطِنِ فممّا لا يَجِبُ (5)في النبيِّ و لا في(6)الإمامِ ، علىٰ ما قَدَّمناه(7).
و قد فَرَّقنا بَينَه و بَينَ العِلمِ بأحكامِ الحَوادثِ الظاهرةِ بما لا يَخفىٰ علىٰ مُتأمِّلٍ (8).
قالَ صاحبُ الكتابِ :
فإن قيلَ : إنّما جازَ في الرسولِ أن يَعلَمَ ذلكَ حالاً بَعدَ حالٍ لأمرٍ يَرجِعُ
إلىٰ تَمكُّنِه مِن الوحيِ و توقُّعِه(1)له، و لَيسَ كذلكَ حالُ الإمامِ ؛ لأنّ الوحيَ عنه منقَطِعٌ ، فلا بُدَّ مِن أن يَكونَ في ابتداءِ أمرِه مستغرِقاً للعُلومِ [و أن يَكونَ أوّلُ أمرِه كأمرِ الرسولِ ](2).
قيلَ لهُم: فما(3)الذي يَمنَعُ(4)في الإمامِ أن يَرجِعَ في الأحكامِ التي تَعرِضُ(5)حالاً بَعدَ حالٍ إلىٰ ما ذَكرناه(6)مِن تعرُّفِ الأخبارِ(7)، أو إلىٰ قَولِ الأُمّةِ، أو إلىٰ طريقةِ الاجتهادِ؟ لأنّ كُلَّ ذلكَ ممّا يَجوزُ التعبُّدُ به عقلاً، فسَبيلُها سَبيلُ انتظارِ الوحيِ ؛ فجَوِّزوا ذلكَ ، بَل جَوِّزوا أن يَلزَمَه الرجوعُ فيما لا يَعلَمُ إلىٰ طريقةِ العقلِ ، أو يَلزَمَه التوقُّفُ عندَ الشُّبهةِ .(8)
يُقالُ له: لَيسَ نَرتَضي السؤالَ الذي حكَيتَه، و لا نَسألُكَ عن مِثلِه؛ فقَد تَقدَّمَ القَولُ في النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و السببِ (9)الذي مِن أجلِه جازَ أن يَتوقَّفَ في بعضِ الأحكامِ ، و بيّنّا أنّه بَعدَ تكامُلِ شرعِه لا يَصِحُّ أن يَذهبَ عنه العِلمُ بشيءٍ مِن الأحكامِ ، كما لا يَصِحُّ ذلكَ في الإمامِ إذا(10)استقَرَّت إمامتُه.(11)
1) . في «د»: «و توقّفه».
2) . ما بين المعقوفين من المغني.
3) . في المغني: «ما».
4) . في «ج، ف»: «منع».
5) . في المغني: «تعترض».
6) . في المطبوع و الحجري: «ما ذكرنا».
7) . في «د»: + «له».
8) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 107.
9) . في المطبوع: «و السبيل».
10) . في «ج، ص، ط»: «إن».
11) . تقدّم هذا البحث آنفاً.
و لَم يُمنَعْ مِن أن يَكونَ الإمامُ غَيرَ عارفٍ ببعضِ الأحكامِ ، مِن جهةِ أنّه إذا لَم يَعلَمْها لَم يَكُن له سَبيلٌ إلىٰ عِلمِها، بَل مِن حَيثُ دَلَّلنا علىٰ أنّه لا يَحسُنُ أن يَكونَ والياً للحُكمِ في جميعِ الدِّينِ و هو لا يَعلَمُ بعضَه، و ضَرَبنا له الأمثالَ الواضحةَ (1)فلَو ثبَتَ في جميعِ ما ذَكرتَه(2)أنّه طريقٌ إلَى العِلمِ (3)و وُصلةٌ (4)إليه(5)لَم يُخِلَّ بصِحّةِ كلامِنا.
و قولُك: «جَوِّزوا أن يَلزَمَه الرجوعُ فيما لا يَعلَمُه(6)إلىٰ طريقةِ العقلِ(7)، أو يَلزَمَه التوقُّفُ» فقَد مضىٰ تقسيمُنا له(8)، و أنّكَ إن أرَدتَ به رجوعَه إلَى العقلِ، أو توقُّفَه فيما للّٰهِ تَعالىٰ فيه حُكمٌ مشروعٌ - يَلزَمُه القيامُ به مِن حَيثُ كانَ إماماً فيه و حاكماً به - لَيسَ(9)هو التوقُّفَ و لا(10)الرجوعَ إلَى العقلِ، فذلكَ غَيرُ جائزٍ؛ لِما تَقدَّمَ .
و إن أرَدتَ بما ألزَمتَه(11)مِن التوَقُّفِ أو الرجوعِ (12)إلَى العقلِ : أن يَستَعمِلَهما(13)
الإمامُ (14)فيما لا حُكمَ للّٰهِ تَعالىٰ فيه، و لا فَرْضَ علَى الإمامِ سِوَى التوَقُّفِ أو
1) . راجع ص 229، و 238-240.
2) . في «ص»: «ما ذكرتموه».
3) . في «د» و المطبوع و الحجري: «طريق للعلم».
4) . في «د، ف» و الحجري و المطبوع: «و وصله».
5) . في «ط، ف» و المطبوع و الحجري: «إلينا».
6) . في «ص»: «لا يعلم».
7) . في المطبوع و الحجري: «العلم».
8) . تقدّم في ص 244.
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «و ليس».
10) . في «ج، ص، ط، ف»: - «لا».
11) . في «ج، ص، ط»: «ألزمت».
12) . في «ج، ص، ط، ف»: «و الرجوع».
13) . في «ج، ص»: «أن يستعملها».
14) . في «ج، ص، ط، ف»: - «الإمام».
الرجوعِ إلَى العقلِ ، فقَد أجَبناكَ إلىٰ جوازِ ذلكَ ، و بيّنّا أنّه خارجٌ عمّا أنكَرناه.(1)
قالَ صاحبُ الكتابِ :
لأنّه إذا جازَ(2)عندَكم أن يَكونَ الإمامُ قائماً(3)في الزمانِ ، و يَصيرَ ممنوعاً مِن إقامةِ الحُدودِ و الأحكامِ و سائرِ ما فُوِّضَ (4)إليه، فما الذي يَمنَعُ مع تَمكُّنِه مِن أن يَتوقَّفَ في بعضِ ذلكَ؟ و إنّما نَذكُرُ هذه الأُمورَ مِن جهةِ العقلِ ؛ فلَيسَ لأحَدٍ أن يَعتَرِضَ عَلَينا بورودِ السَّمعِ بخِلافِه.(5)
يُقالُ له: بَينَ وِلايةِ الإمامِ و هو لا يَعرِفُ الأحكامَ التي تَولّاها و جُعِلَ حاكماً بها(6)، و بَينَ وِلايتِه و هو عالِمٌ بها مع تجويزِ أن يُمنَعَ(7)مِن إمضائها و يُحالَ بَينَه و بَينَ إقامتِها، فَرقٌ واضحٌ لا يَذهَبُ علَى المُتأمِّلِ ؛ لأنّ وِلايتَه مع الجَهلِ بما تَولّاه تُلحِقُ بمُوَلّيهِ غايةَ الذَّمِّ ؛ لِما دَلَّلنا عَلَيه مِن قَبلُ (8)، و لَيسَ هذا حُكمَ وِلايتِه مع معرفتِه بما أُسنِدَ(9)إليه و اضطلاعِه به و إن مُنِعَ مِن تنفيذِ الأحكامِ و إقامتِها؛ لأنّ الذَّمَّ
في هذه الحالِ راجعٌ إلى(1)المانعِ للإمامِ ممّا(2)تَعبَّدَه اللّٰهُ تَعالىٰ بإقامتِه، و لا لَومَ علىٰ مُوَلّيهِ (3)و جاعِلِه إماماً.
و المثالُ الذي ضَرَبناه فيما تقدَّمَ (4)يُفرِّقُ أيضاً بَينَ الأمرَينِ ؛ لأنّه لا يَقبُحُ مِن الحكيمِ مِن المُلوكِ أن يَرُدَّ أمرَ وِزارتِه إلىٰ مَن يَثِقُ مِنه بالمعرفةِ و الغَناءِ (5)و إن جَوَّزَ أن يَحولَ بعضُ رَعاياه بَينَ وزيرِه و بَينَ كَثيرٍ مِن تدبيرِه و تَصرُّفِه، و يَقبُحُ مِنه أن يوَلّيَه و هو لا يَعلَمُ أحكامَ الوِزارةِ و لا يُحسِنُها(6).
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و يُقال لهُم: ألَيسَ قد ثبَتَ عنه عليه السلامُ و عن أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ (7)أنّهما وَلَّيا مَن أَخطأَ و زَلَّ (8)عن الطريقِ؟ فلا بُدَّ(9)مِن الإقرارِ بذلكَ ؛ لتَواتُرِ الخبرِ به(10).
فيُقالُ لهُم: فإذا(11)جازَ ذلكَ و لم يوجِبْ (12)فَساداً، فما الذي يَمنَعُ مِن أن
1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «على».
2) . في «د»: «بما».
3) . في «د»: «متولّيه».
4) . تقدّم في ص 230.
5) . الغَناء - بالفتح -: النفع. الصحاح، ج 6، ص 2449 (غنى).
6) . في «ج، ص، ط، ف» و حاشية الحجري: «و لا يحسن منها شيئاً».
7) . في «د» و المغني: - «عليه السلام».
8) . في «د» و المغني: «و زال».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «و لا بدّ».
10) . في المغني: «فيه».
11) . في «ج، ص، ط، ف» و المغني: «إذا».
12) . في «د» و المطبوع و الحجري و المغني: «و لا يوجب».
لا يَكونَ (1)الإمامُ عالِماً بالأحكامِ و يَجتهدَ(2)فيما يَتوَلّاه ؟(3)لأنّه إذا جازَ أن يَجتَهِدَ فيمَن(4)يُوَلّيهِ و يَجوزَ(5)الغلطُ فيه، جازَ(6)أن يَجتهدَ فيما(7)يَتوَلّاه و إن جازَ مع ذلكَ الغلطُ(8)، و لَو منَعَ العقلُ مِن أحَدِهما لَوجَبَ أن يَمنَعَ مِن الآخَرِ.(9)
يُقالُ له(10): أمّا خطأُ مَن تَولّىٰ مِن قِبَلِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و مِن قِبَلِ الإمامِ بَعدَه فظاهرٌ في الروايةِ ، و لَو لَم يَكُن أيضاً ثابتاً بالروايةِ لكُنّا نجوِّزُه و لا نَمنَعُ مِنه، غَيرَ أنّه لَم يَثبُتْ أنّ خطأَهم كانَ عن جَهلٍ بما تَولَّوه، بَل جائزٌ أن يَكونوا تَعمَّدوا(11)ما فَعَلوه مِن الخطإ، و ذلكَ هو الصحيحُ المقطوعُ عليه(12)عندَنا؛ لأنّ الإمامَ لا يَجوزُ أن يوَلّيَ الأمرَ مَن لا يَعرِفُه(13)و يَعلَمُ أحكامَه، و إن جازَ أن يوَلّيَه فتَعمَّد(14)الخطأَ فيه.
1) . في «د» و المغني: «من أن يكون».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «و أن يجتهد».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «فيما تولّاه».
4) . في المغني: «فيما».
5) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: + «عليه».
6) . في المغني: «كان له» بدل «جاز».
7) . في «ص، ط، ف»: «فيمن»
8) . في المطبوع: «و إن جاز ذلك مع الغلط». و في المغني: - «الغلط».
9) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 107.
10) . في «ص»: «فيقال له».
11) . أي الولاة.
12) . في «ج، ص، ط، ف»: «المقطوع به».
13) . الضمير راجع إلى «الأمر».
14) . في «ط، ف»: «فيعمد». و فاعل «فتعمّد» ضميرٌ راجع إلى الوالي الذي ولّاه الإمام.
و قَولُكَ : «فما الذي يَمنَعُ مِن أن لا يَكونَ الإمامُ عالِماً بالأحكامِ؟» فالمانعُ ممّا ألزَمتَه قد تقدَّمَ و تكرَّرَ. و خطأُ الوُلاةِ مِن قِبَلِه تعمُّداً جائزٌ؛ لِما بيّنّاه مِن قَبلُ مِن أنّ عصمتَهم غَيرُ واجبةٍ .(1)
و قَولُكَ: «لأنّه إذا جازَ أن يَجتَهِدَ فيمن يوَلّيهِ و يَجوزَ الغلطُ فيه، جازَ أن يَجتَهِدَ
فيما يَتوَلّاه و إن جازَ الغلطُ» مَبنيٌّ علىٰ ظَنِّكَ أنّ الإمامَ اجتَهدَ، فظَنَّ أنّ الذي وَلّاه عالِمٌ بما أسنَدَه(2)إليه، و لَم يَكُن كذلكَ؛ لوُقوعِ الخطإ مِنه، و أنّ الغلطَ جَرىٰ عَلَيه في ذلكَ.
و هذا ظَنٌّ بَعيدٌ لا يَرجِعُ إلىٰ حُجّةٍ و لا إلىٰ شُبهةٍ؛ لأنّا قد بيّنّا أنّ الذينَ أخطأوا مِن الوُلاةِ كانوا عالِمينَ، و إنّما تَعمَّدوا الخطأَ، و لَم يَقُمْ(3)علَى الإمامِ غلطٌ في أمرِهم؛ فلَيسَ يَجِبُ ما ألزَمتَنا عَلَيه مِن جوازِ الغلطِ علَى الإمامِ في اجتهادِه فيما يَتوَلّاه.
علىٰ أنّ إلزامَكَ مُبايِنٌ في الظاهرِ لتقريرِكَ(4)لأنّه لَيسَ يَجِبُ إذا وَلَّى الإمامُ مَن وَقَعَ مِنه الخطأُ أن يَكونَ هو نفسُه غَيرَ عالِمٍ بالأحكامِ، و إنّما يَجِبُ أن يَتبَعَ هذا الإلزامُ ذلكَ التقريرَ إذا ثَبَتَ أنّ الذين وَقَعَ مِنهم الخطأُ مِن وُلاتِه لَم يَتعمَّدوا الخطأَ، بَل كانَ مِنهم عن جَهلٍ أو ارتفاعِ عِلمٍ، و لَم نَرَكَ (5)قرَّرتَ (6)ذلكَ ، و لَو قرَّرتَه لَما أجَبناكَ إليه، و لَطالَبناكَ بتصحيحِ دَعواكَ فيه.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
ثُمّ يُقالُ لهُم: ألَيسَ قد ثبَتَ أنّ أميرَ المؤمِنينَ عليه السلامُ كانَ يَرجِعُ في تعرُّفِ الأحكامِ إلىٰ غَيرِه:
نَحوُ ما ثبَتَ عنه في المَذيِ.(1)
و نَحوُ ما ثبَتَ عنه مِن رُجوعِه في مَوالي صَفيّةَ (2)عندَ اختصامِه مع
1) . مسألة المذي مرويّة في كتب الحديث مثل صحيح البخاري، ج 1، ص 71، في كتاب الغسل، باب غسل المذي و الوضوء منه، و صحيح مسلم، ج 1، ص 247 في كتاب الحيض، و في غير الصحيحين أيضاً، و إجمالها أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال: «كنت رجلاً مذّاء، فأمرت رجلاً أن يسأل النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله (و في مسلم: أنّه المقداد بن الأسود) لمكان ابنته فسأله فقال: «توضّأ و اغسل ذكرك». و المصنّف رحمه اللّٰه و إن وجّه المسألة على وجه الفرض، و لكنّ هذا محال؛ لأنّ معنى «مذّاء» أنّ تلك الحالة كانت تعاوده مرّةً بعد أُخرى، فكيف يجهل أمير المؤمنين عليه السلام حكماً يتعلّق بالطهارة التي هي شطر الإيمان و كيف كان يعمل في الأيّام التي سبقت اليوم الذي أرسل فيه المقداد؟ و كيف أهمل السؤال عن مسألة تتعلّق بالصلاة ؟ مضافاً إلى أنّ المعروف من فقه الأئمّة من أهل البيت عليهم السلام أنّ المذي إذا عُرف لا يلزم غسله، و لا يجب له الوضوء، و قد روى الشيخ قريباً من هذه الرواية في الاستبصار، ج 1، ص 92، بعدّة وجوه، و كان جوابه صلّى اللّٰه عليه و آله: «ليس بشيء».
2) . صفيّة بنت عبد المطلب بن هاشم، و أُمّها هالة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة (خالة النبيّ )، و هي شقيقة حمزة، و المقوِّم، و حَجْل؛ بني عبد المطلب. تزوّجها في الجاهلية الحارث بن حرب بن أُميّة، ثمّ خلف عليها العوام بن خويلد، فولدت له الزبير، و السائب، و عبد الكعبة. أسلمت قبل الهجرة بكثير، و هاجرت مع النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله إلى المدينة، و حضرت مع نسائه جميع غزواته. عُرفت بالشجاعة من دون نساء آل عبد المطلب. فمن شجاعتها يوم أُحد حين انهزم المسلمون: أنّها انطلقت في الميدان، و أخذت رمحاً بيدها، فأخذت تضرب في وجوه القوم، و تصيح: انهزمتم عن رسول اللّٰه، فالتفت النبيّ إلى الزبير، و أمره بإرجاعها لئلّا ترى شقيقها حمزة في وسط الميدان قتيلاً ممثَّلاً به. و من مواقفها البطولية يوم الخندق حينما قتلت
الزُّبَيرِ - و قَولِه: «نحنُ نَعقِلُهم و نَرِثُهم»، و قَولِ الزُّبَيرِ: «أنا أرِثُهم»(1)- إلىٰ عُمَرَ؛ لأنّه قالَ:(2)«حَكَمَ(3)النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(4)أنّ الميراثَ للِابنِ و العقلَ(5)علَى العَصَبةِ».
اليهودي وراء الحصن بعد أن جبن عنه حسّان بن ثابت. كانت من النساء المثريات في الجاهلية و الإسلام، حتّى كان لها من المماليك الذين يتاجرون لها ما لا يحصى عددهم، و لكنّها كانت تعتقهم و تشغلهم في التجارة. و من هنا تجيء مسألة النزاع بين أمير المؤمنين عليه السلام و الزبير في إرث مواليها المعتقين من قبلها و ذلك أنّها أعتقت عبيداً لها فمات العبيد و لم يخلّفوا، فطلب الزبير ميراثهم؛ لأنّ أُمّه أعتقتهم، فولاؤهم لها و هو وارثها، و طلب أمير المؤمنين عليه السلام ميراثهم؛ لأنّ المعتق إذا كان امرأة فولاء مولاها لعصبتها مطلقاً. و هذا الرأي منقول عن أمير المؤمنين عليه السلام في كتب الفريقين، يقول ابن رشد في بداية المجتهد، باب الولاء: «و في هذا الباب مسألة مشهورة، و هي إذا ماتت امرأة و لها ولاء و ولد و عصبة لمن ينتقل الولاء؟ فقالت طائفة لعصبتها؛ لأنّهم الذين يعقلون عنها، و لا ولاء للولد، و هو قول عليّ بن أبي طالب. و قال قوم لابنها، و هو قول عمر بن الخطّاب، و عليه فقهاء الأمصار». توفّيت صفية في خلافة عمر بن الخطّاب، و دفنت في البقيع بفناء دار المغيرة بن شعبة. الطبقات الكبرى، ج 8، ص 34، الرقم 3935؛ الاستيعاب، ج 4، ص 1873، الرقم 4008؛ أُسد الغابة، ج 6، ص 172، الرقم 7059؛ الإصابة، ج 8، ص 213، الرقم 11411؛ بداية المجتهد، ج 2، ص 365.
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «وارثهم».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «فقال». و في المغني: «لأنّه على» كلاهما بدل «لأنّه قال».
3) . في المطبوع: «إنّ » بدل «حكم».
4) . في المطبوع: + «قال».
5) . العَقَل - بفتحتين - مصدر عقل يعقل، و بابه «ضَرَبَ ». و العاقلة هم «العَصَبة» بفتحتين أيضاً. و «عصبة الرجل» أولياؤُه الذكور؛ هذا لغةً (راجع: كتاب العين، ج 1، ص 308؛ لسان العرب، ج 1، ص 605 «عصب»). أمّا في اصطلاح الفقهاء: هم الذين ليس لهم سهم مقدّر في الميراث. و التعصيب صحيح عند فقهاء العامّة، و عرّفوا العصبة بأقرب ذكر لا تتوسّط بينه و بين الميّت أُنثى، فخرج بذلك الخال و الأخ للأُمّ ؛ لأنّهما يدليان للميّت بأُنثىٰ . و لهم أدلّة على ذلك تطلب من مظانّها. و أجمع فقهاء
و ثَبَتَ عنه أيضاً(1)أنّه كانَ يَرجِعُ في السُّننِ التي لَم يَسمَعْها إلىٰ خبرِ غَيرِه، نَحوُ قَولِه: «كُنتُ إذا سَمِعتُ مِن النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عَلَيه و سلَّم حَديثاً، نَفَعَنيَ اللّٰهُ بما شاءَ مِنه(2)، و إذا حَدَّثَني(3)غَيرُه استَحلَفتُه(4)، فإذا(5)حَلَفَ لي(6)صَدَّقتُه. و حَدَّثَني أبو بَكرٍ، و صَدَقَ أبو بَكرٍ»(7).
فكَيفَ يُقالُ مع ذلك: «إنّ الإمامَ يَجِبُ أن يَكونَ (8)عالِماً بجميعِ الأحكامِ » و الإمامُ الأوّلُ الذي هو غايةُ القَومِ و(9)أعلاهم رُتبةً حالُه ما ذَكرناه(10)؟
الإماميّة على بطلان التعصيب، و قالوا: لا يستحقّ الميراث في موضع من المواضع، و إنّما يورث بالفرض المسمّى أو القربى أو الأسباب التي يورث بها من زوجيّة أو ولاء، و استثنوا من ذلك إذا كان المعتق امرأةً ، فولاء مولاها لعصبتها دون ولدها، سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً؛ عملاً برواية موالي صفيّة و روايات أُخرى، مضافاً إلى أدلّة أُخرى تطلب في مظانّها في كتبهم. راجع: بداية المجتهد، ج 2، ص 365؛ الخلاف، ج 4، ص 67، المسألة 80، و ص 81، المسألة 86؛ جواهر الكلام، ج 39، ص 221.
1) . في المطبوع: - «أيضاً».
2) . هكذا في «د» و المغني. و في «ج، ف» و المطبوع و الحجري: «نفعني اللّٰه به ما شاء». و في «ص، ط»: «نفعني اللّٰه به».
3) . في المطبوع: + «عنه».
4) . في المطبوع: «استحلفه».
5) . في المغني: «فإن».
6) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «لي».
7) . سنن أبي داود، ج 1، ص 475، ح 1521؛ الجامع الصحيح، ج 2، ص 257، ح 406، و ج 5، ص 228، ح 3006.
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «يجب كونه».
9) . في «د» و المطبوع: - «غاية القوم و».
10) . في المطبوع: «ما ذكرنا».
و ثبَتَ عنه عليه السلامُ أنّه كانَ يَجتَهِدُ فيَرجِعُ (1)مِن رأيٍ إلىٰ رأيٍ .
و كُلُّ ذلكَ يُبطِلُ تَعلُّقَهم بما ذَكروه.(2)
يُقالُ له(3): قد جمَعتَ بَينَ أشياءَ ما كُنّا نظُنُّ أنّ مِثلَكَ يَجعَلُها شُبهةً في هذا المَوضِعِ :
أمّا خبرُ المَذيِ و رجوعِ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ في الحُكمِ فيه(4)إلىٰ مُراسَلِة النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه بالمِقدادِ علىٰ ما ثبَتَت(5)به الروايةُ: فلا شُبهةَ في أنّه لَيسَ بقادحٍ فيما ذَهَبنا إليه مِن كَونِه عالِماً بجميعِ الأحكامِ ؛ لأنّا لا نوجِبُ ذلكَ في الإمامِ مِن لَدُن خَلقِه و كمالِ عقلِه، و إنّما نوجِبُه في الحالِ التي يَكونُ فيها إماماً، و سؤالُ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ في المَذيِ إنّما كانَ في زمانِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و في تلكَ الحالِ لَم يَكُن إماماً فيَجِبَ أن يَكونَ مُحيطاً بجميعِ الأحكامِ . و لا فَرقَ بَينَ حُكمِ المَذيِ الذي لَم يَعرِفْه ثُمّ عَرَفَه، و بَينَ غَيرِه مِن الأحكامِ التي استَفادَها مِن جهةِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(6)عَلِمها بَعدَ أن لَم يَكُن عالِماً بها؛ فالاقتصارُ علىٰ ذِكرِ المَذيِ (7)و حُكمُ سائرِ الدِّينِ حُكمُه لَيسَ له معنىً (8).
فأمّا القَولُ في مَوالي صَفيّةَ : فأكثَرُ ما وَرَدَت به الروايةُ أنّه نازَعَ الزُّبَيرَ في ميراثِهم،
1) . في «ص، ط، ف»: «و يرجع».
2) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 108.
3) . في «ص»: «فيقال له».
4) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «فيه».
5) . في «د، ط» و الحجري: «ما ثبت». و في «ص»: «ما يثبت».
6) . في «د»: «عليه السلام».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «و الاقتصار على حكم المذي».
8) . في «ج، ص، ف»: «لا تعرف له معنى». و في «ط»: «لا يعرف له معنى» بدل «ليس له معنى».
و اختَصَما إلىٰ عُمَرَ في استحقاقِ الميراثِ، فقَضىٰ بَينَهما بما هو مذكورٌ،
و الاختصامُ في الشيءِ لا يدُلُّ علىٰ فَقدِ عِلمِ المُخاصِمِ فيه(1)، و كذلكَ الترافُعُ إلَى الحُكّامِ لا يدُلُّ أيضاً علَى ارتفاعِ العِلمِ بحُكمِ ما وَقَعَ الترافُعُ فيه، و قد تَخاصَمَ إلَى(2)الحُكّامِ و تَرافَعَ(3)إلىٰ حُكمِهم مَن هو أعلَمُ مِنهم بالحُكمِ.
و لَيسَ يدُلُّ أيضاً قَضاءُ عُمَرَ بَينَهما بما قَضىٰ به علىٰ أنّ أميرَ المؤمِنينَ عليه السلامُ لَم يَكُن مُحِقّاً فيما ادَّعاه، و لا يدُلُّ صَبرُه تَحتَ القَضيّةِ و إظهارُه الرضا بها(4)علَى الرجوعِ عن اعتقادِه الأوّلِ؛ لأنّه لا شُبهةَ في أنّ أحَدَنا يَلتَزِمُ مِن حُكمِ الحاكمِ عَلَيه ما لا يَعتَقِدُه، و لا يَدينُ اللّٰهَ بصِحّتِه. و لَم يَرجِعْ أميرُ المؤمِنينَ عليه السلامُ إلىٰ عُمَرَ علىٰ سَبيلِ الاستفادةِ و التعلُّمِ، بَل علىٰ طريقِ(5)الحُكومةِ؛ فمِن أينَ يُظَنُّ(6)أنّه عليه السلامُ (7)لَم يَكُن عالِماً بالحُكمِ في تلكَ الحالِ الحادثةِ (8)؟ و الظاهرُ مِن مَذهَبِه عليه السلامُ أنّ عَصَبةَ المرأةِ المُعتِقةِ مِن قِبَلِ أبيها أحَقُّ بالوَلاءِ و الميراثِ مِن وَلَدِها، ذُكوراً كانوا أو إناثاً، و قد رُويَ أنّه مَذهَبُ عُثمانَ (9)أيضاً.
1) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «فيه».
2) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «إلى».
3) . في «د» و الحجري: «يخاصم» بدل «تخاصم» و «يرافع» بدل «ترافع».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «تحت القضاء و إظهاره الرضا به».
5) . في المطبوع و الحجري: «طريقة».
6) . في «ج، ط، ف»: «تظنّ ».
7) . في المطبوع: «صلوات اللّٰه عليه».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «بالحادثة».
9) . لم نعثر علىٰ رأي عثمان في المسألة، و لكن ذُكر أنّ هذا رأي أبان بن عثمان، و لا جرم أنّ المصنّف رحمه اللّٰه أدرى بما نقل، أو لعلّ «أبان بن» سقطت من نسخ الكتاب. انظر: المغني لابن قدامة، ج 6، ص 372؛ المحلّى لابن حزم، ج 9، ص 300.
فأمّا ما رَواه مِن الخبرِ في الاستحلافِ: فأبعَدُ مِن أن يَكونَ شُبهةً فيما نحنُ فيه ممّا تقدَّمَ(1)لأنّ استحلافَه عليه السلامُ لِمَن يُخبِرُه عن النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه بالأخبارِ في الأحكامِ لا يدُلُّ علىٰ أنّه غَيرُ عالِمٍ بها، بَل جائزٌ أن يَكونَ سببُ استحلافِه ليَعلَمَ عليه السلامُ أو(2)ليَغلِبَ علىٰ ظَنِّه(3)أنّ المُخبِرَ صادقٌ عن النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه فيما رَواه(4)و إن كانَ الحُكمُ بعَينِه مُستَقِرّاً عندَه. و قد(5)يُمكِنُ الشكُّ في الخبرِ المرويِّ و صِدقِ راويهِ (6)مع العِلمِ بصِحّةِ الحُكمِ الذي تَضمَّنَه(7)الخبرُ؛ لأنّ الحُكمَ و إن كانَ علىٰ ما تضمَّنَه(8)الخبرُ فجائزٌ أن يَكونَ المُخبِرُ لَم يَسمَعْ
ذلكَ الحُكمَ مِن النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و لَيسَ (9)المعرفةُ بالحُكمِ تابِعةً لتصديقِ الراوي(10)في الخبرِ.
علىٰ أنّه لَيسَ في الخبرِ تأريخُ و بيانُ الوقتِ الذي كانَ يَستَحلِفُ عليه السلامُ المُخبِرينَ فيه. و إذا(11)لَم يَكُن فيه بيانٌ للوقتِ (12)أمكَنَ أن يَكونَ استحلافُه إنّما
1) . في «ص»: «و ممّا تقدّم».
2) . في المطبوع و الحجري: «و» بدل «أو».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: - «أو ليغلب على ظنّه».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: + «أو يغلب ذلك على ظنّه».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: - «قد».
6) . في «ج، ص» و التلخيص: «رواته».
7) . في «ج، ط، ف»: «يتضمّنه». و في «ص»: «يتضمّن».
8) . في «ص»: «ما تضمّن».
9) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «فليس».
10) . في «ج، ص، ط، ف»: «الرواة».
11) . في «ج، ص، ط، ف»: «فإذا».
12) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «بيان الوقت».
وَقَعَ في أيّامِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(1)، و في تلكَ (2)الحالِ لَم يَكُن مُحيطاً بجميعِ الأحكامِ ، علىٰ ما تقدَّمَ (3). و لَيسَ بمُنكَرٍ أن يُحدَّثَ عن النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(4)في حَياتِه؛ لأنّ ذلكَ مُتَعارَفٌ بَينَ (5)الصَّحابةِ و غَيرُ مُستَنكَرٍ.
و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ : إذا كانَ عليه السلامُ عالِماً بالحُكمِ ، فأيُّ فائدةٍ في أن يَعلَمَ أو يَغلِبَ علىٰ ظَنِّه صِدقُ الراوي، و هو إذا صَدَقَ لَم يَزِدْه معرفةً؟
لأنّه و إن لَم يَزِدْه(6)معرفةً بنفسِ الحُكمِ، و أنّه مِن دِينِ الرسولِ عليه السلامُ (7)، فإنّه يَعرِفُ أو يَغلِبُ على ظَنِّه(8)أنّ الرسولَ عليه السلامُ (9)نَصَّ عَلَيه في مَقامٍ لَم يَكُن يَعلَمُ بنَصِّه عليه السلامُ فيه(10)، و يَجري ذلكَ مَجرىٰ تَكرارِ الأدلّةِ و تأكُّدِها؛ لأنّه غَيرُ مُمتَنِعٍ أن نَنظُرَ(11)في دليلٍ بَعدَ تقدُّمِ العِلمِ لنا بمدلولِه مِن جهةِ دَلالةٍ أُخرىٰ ، و أن نَنظُرَ(12)في الخبرِ هَل(13)هو صحيحٌ أو فاسدٌ و إن تَقدَّمَ لنا العِلمُ بمُخبَرِه مِن جهةٍ أُخرىٰ .
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «عليه السلام». و في التلخيص: «عليه و آله السلام».
2) . في «ص، ط»: «ذلك».
3) . تقدّم آنفاً.
4) . في التلخيص: «عليه و آله السلام».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «من» بدل «بين».
6) . في «ج، ص»: «تزد».
7) . في «د»: «صلّى اللّٰه عليه و آله». و في المطبوع و الحجري: - «عليه السلام».
8) . في «د» و المطبوع و الحجري: «في ظنّه».
9) . في المطبوع و الحجري: «صلّى اللّٰه عليه و آله».
10) . في التلخيص: «بنصّه عليه فيه» بدل «بنصّه عليه السلام فيه».
11) . في «ص، ط»: «أن ينظر».
12) . في «ص، ط» و التلخيص: «أن ينظر».
13) . في «ج، ص، ط، ف»: و التلخيص: «و هل».
فأمّا التعلُّقُ بقَولِه: «و حدَّثَني أبو بَكرٍ، و صَدَق أبو بَكرٍ» ففي غَيرِ الوجهِ الذي كلامُنا الآنَ(1)عَلَيه(2)، فيُمكِنُ أن يُقالَ فيه: إنّ تصديقَه له مِن حَيثُ سَمِعَ ما سَمِعَه علَى الوجهِ الذي سَمِعَه عَلَيه(3).
و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ: كَيفَ يَجوزُ أن يُحدِّثَه بما قد اشتَرَكا في سَماعِه؟
لأنّ ذلكَ جائزٌ؛ بأن يَكونَ أبو بَكرٍ أُنسيَ مُشارَكتَه(4)له في السَّماعِ، أو لَم يَكُن عالِماً في الأصلِ بسَماعِه عليه السلامُ(5)له جُملةً - فقَد يُمكِنُ أن يَسمَعَ الحاضِرونَ في مَجلِسٍ واحدٍ خبراً و لا يَكونَ كُلُّ واحدٍ عالِماً بمُشارَكةِ الآخَرِ له في سَماعِه؛ إمّا بأن يَكونَ بَعيداً مِنه، أو في غَيرِ جهةٍ مُقابِلةٍ له -، أو لغَيرِ ما ذَكرناه مِن الأسبابِ (6)،
و هي كَثيرةٌ .
علىٰ أنّ هذا الخبرَ الذي حَكاه، عندَنا باطلٌ لا يَرجِعُ في نَقلِه إلّاإلىٰ آحادٍ متَّهَمينَ في الروايةِ و الاعتقادِ، و مَذهَبُنا في أخبارِ الآحادِ إذا كانوا مِن ذَوي الثقةِ و العَدالةِ معروفٌ ، فكَيفَ إذا لَم يَكونوا بهذه الصفةِ؟ و بمِثلِ هذا الخبرِ لا يُعترَضُ علىٰ ما هو معلومٌ بالأدلّةِ .
و إنّما(7)لَم نُقدِّمْ ما عندَنا في بُطلانِ الخبرِ و سُقوطِه، و بَدَأنا بتأويلِه و تخريجِه(8)
علىٰ ما يَصِحُّ ؛ لأنّ طريقَ دَفعِه معلومٌ (1). و الأظهَرُ(2)في إقامةِ الحُجّةِ و حَسمِ الشُّبهةِ ما فَعَلناه، مِن التأويلِ الذي أَوضَحناه(3)أنّ الخبرَ لَو كانَ صحيحاً لَم يَكُن مُنافياً لمَذهَبِنا.
فأمّا ما ادَّعاه(4)علىٰ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ مِن الاجتهادِ(5)و الرجوعِ مِن رأيٍ إلىٰ رأيٍ: فقَد تَقدَّمَ (6)فَسادُه فيما مضىٰ (7)مِن الكلامِ ، و بيّنّا أنّ الذي تَعلَّقَ به عَلَيه صَلَواتُ اللّٰه عَلَيه(8)مِن تَوهُّمِ (9)رجوعِه عن(10)رأيٍ إلىٰ رأيٍ لا يَقتَضي ما تَوهَّمَه، فلا حاجةَ بِنا إلىٰ إعادتِه.(11)
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و لا فَرقَ بَينَ مَن قالَ: إنّ مِن جهةِ العقلِ يَجِبُ في الإمامِ أن يَكونَ عالِماً بكُلِّ(12)الأحكامِ، و بَينَ مَن قالَ : إنّه يَجِبُ (13)مِن جهةِ العقلِ في(14)
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «معروف».
2) . في المطبوع: «و إلّاظهر».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «أوضحنا به».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «فأمّا ادّعاؤه».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: + «و الرأي».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «فقد بيّنّا».
7) . تقدّم في ج 1، ص 489.
8) . في «د» و المطبوع و الحجري: «عليه السلام».
9) . في «د»: «تفاهم».
10) . في «ج، ص، ط، ف»: «من».
11) . تقدّم في ج 1، ص 442.
12) . في «ج، ص، ط، ف»: «بجميع».
13) . في المغني: «ثبت».
14) . في المغني: «أنّ » بدل «في».
كُلِّ مَن يَقومُ بأمرٍ يتَّصِلُ بمَصالحِ الدِّينِ و الدنيا ذاكَ(1)، حتّىٰ يَقولُه(2)في الأُمَراءِ و العُمّالِ و الأوصياءِ و الوُكَلاءِ.(3)
علىٰ أنّه إذا جازَ أن يَرِدَ التعبُّدُ برجوعِ العامّيِّ إلَى العالِمِ في الفتوىٰ مع تجويزِ(4)الغلطِ عَلَيه(5)، فما الذي يَمنَعُ مِثلَه في الإمامِ و الحاكمِ؟ و إنّما نَمنَعُ نحنُ الآنَ مِن ذلكَ سَمعاً، لا لأنّ (6)العقلَ كانَ يَمنَعُ مِنه.(7)
يُقالُ له(8): أمّا القَولُ في الأميرِ و الحاكمِ فقَد مضىٰ(9)، و أمّا الأوصياءُ و الوُكَلاءُ فيَجرونَ عندَنا مَجرَى الأُمَراءِ و الحُكّامِ في أنّهم يَجِبُ أن يكونوا عالِمينَ بما فُوِّضَ إليهم و مُضطَلِعينَ به. و أيُّ عاقلٍ يَخفىٰ عَلَيه أنّ أحَدَنا متىٰ أرادَ أن يوكِّلَ وكيلاً يُسنِدُ إليه تدبيرَ ضَيعتِه و أموالِه، فإنّه لا يَختارُ إلّامَن يَثِقُ مِنه بالكفايةِ و حُسنِ البصيرةِ و الاضطلاعِ ؛ و أنّه(10)متَى استَكفىٰ أمرَ وَكالتِه مَن لا معرفةَ عندَه بها أو بأكثرِها، و مَن يَحتاجُ إلىٰ أن يَتعرَّفَها و يَتعلَّمَها(11)، كانَ سَفيهاً مُهمِلاً لأموالِه، معرِّضاً(12)لها للضَّياعِ و التلَفِ؟!
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «ذلك». و في المغني: «كذلك».
2) . في المغني: «حتّى يقولوا».
3) . في المغني: + «و غيرهم».
4) . في المغني: «مع تجويزه».
5) . أي على العالم.
6) . في المطبوع و الحجري و المغني: «لأنّ » بدل «لا لأنّ ». و في «د»: «لا أنّ ».
7) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 108.
8) . في «ص»: «فيقال له».
9) . تقدّم في ص 248.
10) . في «د» و المطبوع و الحجري: «فإنّه».
11) . في «ج، ص، ط، ف»: «و يعلمها بالتعلّم» بدل «و يتعلّمها».
12) . في «ج، ص، ط، ف»: «و معرّضاً».
فأمّا(1)العامّيُّ و رجوعُه إلَى العالِمِ في الفتوىٰ، فإنّما ساغَ مِن حَيثُ لَم يَكُنِ العالِمُ مُتَولّياً للحُكمِ فيما استُفتيَ فيه، و لا له رئاسةٌ و إمامةٌ في شيءٍ مِنه. و لَيسَ هذه حالَ (2)الإمامِ ؛ لأنّهُ المنصوبُ للحُكمِ في جميعِ الدِّينِ ، فلا بُدَّ مِن(3)أن يَكونَ عالِماً به. و هذا أيضاً ممّا قد مضىٰ .(4)
علىٰ أنّا لَم نَمنَعْ في الإمامِ مِن الرجوعِ إلَى العُلَماءِ في الأحكامِ لأجلِ جوازِ الغلطِ عَلَيهم، و إنّما مَنَعناه لِما تَقدَّمَ ذِكرُنا له(5)، فلا معنىٰ للاعتراضِ عَلَينا بأنّ العامّيَّ يَرجِعُ إلَى العالِمِ في الفتوىٰ مع جوازِ الغلطِ عَلَيه.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
فإن قالوا: إذا نُصِبَ للقيامِ بهذه الأُمورِ كُلِّها(6)، فيَجِبُ في الحكيمِ (7)أن يَنصِبَه(8)علىٰ أقوَى الوجوهِ و أقرَبِها إلىٰ أن لا يَغلَطَ و يَقومَ بذلكَ علىٰ حقِّه، و ذلكَ لا يَكونُ إلّامع العِلمِ بالأحكامِ كُلِّها.
قيلَ لهُم: و لا(9)يَكونُ ذلكَ إلّامع العِلمِ ببَواطِن الأحكامِ ، و بأحوالِ مَن
يَحكُمُ له و عَلَيه، و بأحوالِ الشُّهودِ، [فَيَلزَمُكم أن يَعلَمَ كُلَّ ذلكَ .
و يَلزَمُكم مِثلُه في الأُمَراءِ و الحُكّامِ و العُمّالِ ؛ لأنّ العِلّةَ قائمةٌ ...].(1)
يُقالُ لَه(2): لَسنا(3)نَرتَضي ما حَكَيتَه عنّا مِن السؤالِ، و لا نَعتَلُّ(4)بما تضَمَّنه مِن الاعتلالِ ، و عِلّتُنا قد تَقدَّمَت. و مضىٰ أيضاً فَرقُنا بَينَ العِلمِ بالظاهرِ و(5)العِلمِ بالباطِنِ (6)، و بيّنّا أنّ الإمامَ إذا جَهِلَ بعضَ الأحكامِ المدلولِ عَلَيها المُتعبَّدِ بإقامتِها، فلا بُدَّ مِن أن يَكونَ غالِطاً، و لَيسَ كذلكَ إذا لَم يَعلَمْ بَواطِنَ الأُمورِ و مُغيَّبَ الشُّهودِ؛ فبَطَلَ قَولُكَ في جوابِ السؤالِ : «و لا يَكونُ ذلكَ إلّامع العِلمِ ببَواطِنِ الأحكامِ ، و مع العِلمِ بأحوالِ مَن يَحكُمُ له و عَلَيه».
قالَ صاحبُ الكتابِ :
شُبهةٌ أُخرىٰ لهُم:
و رُبَّما قالوا:(1)مِن حقِّ الإمامِ أن يَكونَ أفضَلَ مَن(2)في الزمانِ، و ذلكَ لا يُستَدرَكُ إلّابالنَّصِّ عَلَيه(3)لأنّه لا يُعلَمُ أنّه أفضَلُ إلّابأن يُعلَمَ سلامةُ طاعتِه(4)و ثَوابُها و أنّه أكثَرُ(5)ثَواباً مِن غَيرِه(6)، و لا مَدخَلَ للِاجتهادِ في ذلكَ؛ فيَجِبُ أن يَكونَ الإمامُ منصوصاً عَلَيه مِن جهةِ العقلِ.
فإن أَوجَبوه سَمعاً، فللكلامِ عَلَيهم مَوضعٌ سِوىٰ هذا الفَصلِ . و إن قالوا به(7)مِن جهةِ العقلِ ، قيلَ لهم: فأيُّ دليلٍ في العقلِ يَقتَضي ما ذَكرتُموه ؟(8)
1) . في «ج، ص، ط، ف»: + «إنّ ».
2) . في «ج، ص، ف»: - «مَن».
3) . في «ج، ص، ف» و المغني: - «عليه».
4) . في «ج، ط، ف»: «طاعاته».
5) . في المغني: «أكبر».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «أكثر من غيره ثواباً».
7) . في «د» و المطبوع و الحجري: «فإن قالوا: إنّه» بدل «و إن قالوا به».
8) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 109. و فيه: «... فبأيّ دليل يقتضي في العقل ما أوجبوه عقلاً؟».
يُقالُ له(1): الذي يدُلُّ علىٰ أنّ الإمامَ يَجِبُ أن يَكونَ أفضَلَ مِن رَعيّتِه في الثوابِ و العُلومِ - و سائرِ ضُروبِ الفَضلِ المُتعلِّقةِ بالدِّينِ ، الداخلةِ تَحتَ ما كانَ رئيساً فيه - ما نَعلَمُه(2)و كُلُّ العُقَلاءِ مِن قُبحِ جَعلِ المفضولِ في شيءٍ بعَينِه إماماً و رئيساً للفاضِلِ فيه. ألا تَرىٰ أنّه لا يَحسُنُ مِنّا أن نَعقِدَ(3)لِمَن(4)لا يُحسِنُ مِن الكتابةِ إلّاما
يُحسِنُه المُبتدئُ المُتعلِّمُ رئاسةً في الكتابةِ علىٰ مَن هو في الحِذقِ بها و القيامِ بحُدودِها بمَنزلةِ ابنِ مُقلةَ (5)حتّىٰ نَجعَلَه(6)حاكماً عَلَيه فيها و إماماً له في جميعِها؟!
1) . في «ص»: «فيقال له».
2) . في «ص، ط، ف»: «ما تعلمه».
3) . في «ج، ط، ف»: «أن نعتقد». و في «ص»: «أن تعتقد».
4) . في «د» و المطبوع و الحجري: + «كان».
5) . محمّد بن عليّ بن الحسين بن مقلة، أبو عليّ ، الوزير، الكاتب المشهور، اشتهر بحسن الخطّ حتى ضرب به المثل، و هو أوّل من نقل خط الكوفيين إلى الخطّ المألوف اليوم. ولي بعض أعمال فارس و تنقلت به الأعمال و الأحوال حتّى وزر للمقتدر سنة 316 ه، و لم يلبث أن غضب عليه و نفاه إلى فارس سنة 318 ه. ثمّ استوزره القاهر باللّٰه سنة 320 ه، فجيء به من فارس، و سرعان ما اتّهمه القاهر بالمؤامرة على قتله، فاختبأ سنة 321 ه. ثمّ وزر للراضي باللّٰه سنة 322 ه، ثمّ نقم عليه سنة 324 ه، فسجنه مدّة، ثمّ علم أنّه كتب إلى أحد الخارجين عليه يطمعه بدخول بغداد، فقبض عليه و قطع يده اليمنى، و كان يشدّ القلم على ساعده و يكتب به، فقطع لسانه و يده، و سجنه حتّى مات سنة 328 ه. معجم الأُدباء، ج 6، ص 2574-2576، الرقم 1085؛ وفيات الأعيان، ج 5، ص 113-116، الرقم 698؛ الوافي بالوفيات، ج 4، ص 109، الرقم 1598.
6) . في «د»: «يجعله».
و كذلكَ لا يَحسُنُ أن نُقدِّمَ رئيساً في الفِقهِ - و هو لا يَقومُ مِن علومِ الفِقهِ إلّابما يَتضمَّنُه بعضُ المُختصَراتِ - علىٰ مَن هو في الفِقهِ بمَنزلةِ أبي حَنيفةَ(1). و هذه الجُملةُ لَيسَ ممّا يَدخُلُ علىٰ أحَدٍ فيه(2)شُبهةٌ، و إن جازَ أن يَدخُلَ(3)في ضُروبٍ مِن تفصيلِها و إلحاقِ غَيرِها بها. و ما نَعلَمُ عاقلاً يَتمكَّنُ مِن دَفعِ العِلمِ(4)بقُبحِ تقديمِ مَن ذَكرناه في الكتابةِ، و مَن وَصَفنا حالَه في الفِقهِ .
و إذا كانَ ما ادَّعَيناه معلوماً مُتقرِّراً في العُقولِ ، و لَم نَجِدْ لقُبحِه(5)عِلّةً إلّاكَونَ المَرؤوسِ أفضَلَ مِن الرئيسِ في الشيءِ الذي كانَ رئيساً فيه - بدَلالةِ : ارتفاعِ القُبحِ
1) . أبو حنيفة، النعمان بن ثابت بن زوطي، مولى لبني تيم اللّٰه بن ثعلبة بن بكر بن وائل (80-150 ه). ولد في الكوفة في عهد الحجّاج بن يوسف الثقفي من أصل فارسي أو كابلي، و كان أبوه عبداً مملوكاً لرجل من بني تيم، و لذلك كان تيمي الولاء. كان في بدء حياته يتعاطى بيع الخزّ و عمله، فلذلك كان على ثروة كبيرة استطاع بها أن يستغني من جوائز الدولة. نشأ في الكوفة و تربّى على حلقاتها العلميّة. كان جريئاً في الفتيا و العمل بالقياس و الرأي إلىٰ حدّ بعيد، و تأثّر في ذلك بأستاذه حمّاد، و أستاذه هذا تأثّر بأستاذه إبراهيم النخعي (95 ه) من قبل. و لقد كان الإمام الصادق عليه السلام يؤنّبه كثيراً على عمله بالقياس و الرأي. و ربّما كان أبو حنيفة يعتزّ برأيه مقابل الإمام عليه السلام و يخالفه كثيراً. و لكنّ ذلك كلّه ما كان يؤخّره عن الاعتراف بفضل الإمام و استفادته من حضور مجلسه؛ فقد أُثر عنه قوله المشهور: «لولا السنتان لهلك النعمان» يعني السنتين اللتين كان يختلف بهما إلى مجلس الصادق عليه السلام. أراده المنصور قاضياً على بغداد، فامتنع عليه، فحبسه حتّى مات في الحبس، و دفن في بغداد بمقابر الخيزران. من آثاره: الفقه الأكبر في الكلام، المسند في الحديث، العالم و المتعلّم في العقائد، الردّ على القدريّة. راجع: الطبقات الكبرى، ج 6، ص 348، الرقم 2631؛ الفهرست لابن النديم، ص 284؛ تاريخ بغداد، ج 13، ص 325، الرقم 7297؛ أُسد الغابة، ج 4، ص 553، الرقم 5233؛ وفيات الأعيان، ج 5، ص 405، الرقم 765.
2) . في المطبوع: «فيها».
3) . في المطبوع و الحجري: «تدخل».
4) . في «ص»: «من دفعه للعلم».
5) . في «د» و المطبوع و الحجري: «بقبحه».
عندَ ارتفاعِ العِلّةِ؛ بأن يَكونَ المُقدَّمُ هو الفاضِلَ(1)و المؤَخَّرُ هو المفضولَ ، و ثُبوتِه عندَ ثُبوتِها - وَجَبَ قُبحُ كُلِّ وِلايةٍ كانَ المُتَولّي لها(2)أنقَصَ مَنزلةً في الشيءِ الذي تَولّاه مِن المُتَولّىٰ عَلَيه.
و إذا ثَبَتَ أنّ الإمامَ إمامٌ (3)لنا في جميعِ الدِّينِ و عُلومِه و أحكامِه، وَجَبَ (4)أن يَكونَ أفضَلَ مِنّا في جميعِ ذلكَ .
و في ثُبوتِ كَونِه أفضَلَ و أكثَرَ ثَواباً وجوبُ النَّصِّ عَلَيه؛ لأنّ ذلكَ ممّا لا طريقَ إلىٰ معرفتِه(5)بالاختيارِ.
فإن قالَ قائلٌ: لَيسَ يَجِبُ(6)ممّا ذَكرتُموه - لَو سَلِمَ - كَونُ (7)الإمامِ أكثَرَ ثَواباً مِن رَعيّتِه(8)، و أكثَرُ ما يَجِبُ إذا كانَ إماماً لهُم في العِباداتِ أن يَكونَ أفضَلَ مِنهم فيها؛ بمعنىٰ أنّه أحسَنُ ظاهراً و أفضَلُ حالاً فيما يَظهَرُ مِن طاعاتِه و عِباداتِه، و كَونُ تلكَ العِباداتِ ممّا يُستَحَقُّ عَلَيه أكثَرُ مِن ثَوابِنا أو ممّا عَلَيه ثَوابٌ في الجُملةِ لَيسَ بمعلومٍ و لا دليلَ عَلَيه؛ فمِن أينَ لكُم أنّ الإمامَ يَجِبُ أن يَكونَ أكثَرَ ثَواباً مِن رَعيّتِه ؟
قيلَ له: إذا وَجَبَ بما ذَكرناه أن يَكونَ الإمامُ أفضَلَ مِن رَعيّتِه في العِباداتِ التي كان إماماً لهُم فيها، و أن يَكونَ ظاهرُه أفضَلَ مِن ظاهرِهم، وَجَبَ أن يَكونَ أكثَرَهم ثَواباً؛ لأنّه لا يَخرُجُ عن أن يَكونَ أكثَرَهم ثَواباً مع فَضلِ (1)طاعاتِه و عباداتِه و كَثرَتِها(2)إلّالأنّ باطنَه يُخالِفُ ظاهرَه، و الدَّلالةُ علىٰ عصمتِه تَمنَعُ مِن ذلكَ . فإذا(3)وَجَبَ بدليلِ عصمتِه أن يَكونَ ظاهرُه كباطنِه، و كان أفضَلَ ظاهراً في العِباداتِ مِن رَعيّتِه، وَجَبَ أن يَكونَ أكثَرَهم ثَواباً.
فإن قالَ: إذا(4)كنتُم تَرجِعونَ في العِلمِ بأنّ الإمامَ أكثَرُ ثَواباً مِن رَعيّتِه إلىٰ عصمتِه، و كانَ هذا العِلمُ الذي هو عِلمٌ(5)بأنّه أكثَرُ ثَواباً لا يَثبُتُ إلّابَعدَ ثُبوتِ العصمةِ، و العصمةُ إن ثبَتَت دَلَّت بنَفسِها علىٰ وجوبِ النَّصِّ(6)فأيُّ حاجةٍ بكُم إلَى الاستدلالِ بكَونِ الإمامِ أكثَرَ ثَواباً علىٰ وجوبِ النَّصِّ ، و ذلكَ لا يُعلَمُ إلّابَعدَ العِلمِ بما يَقتَضي وجوبَ النَّصِّ ، و هو العصمةُ؟ و هذا يوجِبُ أنّ الطريقةَ الصحيحةَ هي طريقةُ العصمةِ ، و أنّ طريقةَ الفَضلِ (7)و كَثرةِ الثوابِ لا فائدةَ فيها.
قيلَ له: هذه الطريقةُ و إن كانَت مَبنيّةً علىٰ دليلِ العصمةِ ، فقد يُمكِنُ أن يَعلَمَ بها
المُستدِلُّ في الأصلِ وجوبَ النَّصِّ؛ لأنّه إذا عَلِمَ أنّ الإمامَ لا بُدَّ أن يَكونَ أفضَلَ مِن رَعيّتِه في العِباداتِ و الطاعاتِ، و أنّه لا بُدَّ أن يَكونَ سَليمَ الباطِنِ بدليلِ عصمتِه، عَلِمَ أنّه أكثَرُ ثَواباً، و هو إذا عَلِمَ أنّ الإمامَ لا بُدَّ أن يَكونَ معصوماً فلَيسَ بواجبٍ أن يَعلَمَ أنّ العصمةَ لا يُمكِنُ المعرفةُ بها مِن طريقِ الاختيارِ، و أنّه لا بُدَّ فيها مِن النَّصِّ؛ لأنّ هذا ممّا لا يُعلَمُ إلّابنظَرٍ مُستأنَفٍ، و ضَربٍ مِن الاستدلالِ مُفرَدٍ، فلَيسَ(1)يَمتَنِعُ أن يَعلَمَه معصوماً و أكثَرَ ثَواباً ثُمّ يَنظُرَ في كَونِه أكثَرَ ثَواباً؛ و هَل هو ممّا يَصِحُّ أن يُعرَفَ بالاستنباطِ، أم لا يُعرَفُ إلّابالنَّصِّ؟
فإذا عَرَفَ أنّه ممّا لا يُعلَمُ إلّابالنَّصِّ، خَلَصَ له بهذا الطريقِ العِلمُ بوجوبِ النَّصِّ، و إن كانَ لا يَعلَمُ أنّ كَثرةَ الثوابِ لا تُعلَمُ بالاختيارِ و أنّها لا تُعلَمُ إلّابالنَّصِّ إلّا بما يَعلَمُ به أنّ العصمةَ بهذه المَنزلةِ، و هذا لا يُخرِجُه مِن أن يَكونَ في الأصلِ إنّما عَلِمَ وجوبَ النَّصِّ بطريقةِ(2)كَثرةِ الثوابِ.
و بَعدَ حُصولِ العِلمِ هو مُخيَّرٌ بَينَ أن يَستَدِلَّ علَى المُخالِفِ في وجوبِ النَّصِّ بطريقةِ(3)كَثرةِ الثوابِ، و بَينَ أن يَستَدِلَّ بطريقةِ(4)العصمةِ ؛ لِاشتراكِهما في امتناعِ دُخولِ الاستنباطِ فيهما، و إن كانَ الاستدلالُ بالعصمةِ مع تَقدُّمِ العِلمِ الذي ذَكرناه أخَصَّ و أَولىٰ ؛ لأنّه يُزيحُ في الاعتمادِ عَلَيها رُتبةً مِن الكلامِ ثانيةً (5)يُحتاجُ في تصحيحِها إلىٰ ضَربٍ مِن الكُلفةِ .
و لهذا المَوضِعِ مِثالٌ في الأُصولِ صحيحٌ(1)، و هو أنّا قد(2)نَستَدِلُّ علىٰ وجودِ الفاعلِ القَديمِ - جَلَّت عَظَمَتُه(3)- تارةً بكَونِه قادراً، و تارةً بكَونِه عالِماً؛ لأنّ الطريقتَينِ (4)جميعاً مُشتَرِكتانِ (5)فيما يَقتَضي كَونَه موجوداً، و نحنُ نَعلَمُ أنّا لا نَعلَمُه عالِماً إلّابَعدَ أن نَعلَمَه قادراً، و مَنزلةُ كَونِه عالِماً في الرتبةِ تاليةٌ لكَونِه قادراً.
و لَيسَ يَصِحُّ أن يُقدَحَ في الاستدلالِ علىٰ وجودِه بكَونِه عالِماً بأن يُقالَ : إذا كنتُم لا تَعلَمونَه عالِماً إلّابَعدَ أن تَعلَموه(6)قادراً، و كانَ كَونُه قادراً يدُلُّ بنفسِه علىٰ وجودِه، فلا فائدةَ في(7)الاستدلالِ بكَونِه عالِماً.
لأنّ الذي يَبطُلُ به هذا(8)القَدحُ هو ما ذَكرناه في جوابِ السؤالِ ، أو قَريبٌ مِنه.
فإن قالَ : فيَجِبُ علىٰ ما أصَّلتُموه(9)أن يَكونَ الأُمَراءُ و الحُكّامُ و القُضاةُ و جميعُ خُلَفاءِ الإمامِ منصوصاً عَلَيهم بمِثلِ طريقتِكم(10)لأنّهُم إذا كانوا رؤَساءَ في كَثيرٍ مِن أُمورِ الدِّينِ - و إن لَم يَكونوا رؤَساءَ في جميعِه، علىٰ حَسَبِ ما تَدَّعونَه و تُفرِّقونَ
1) . في «د» و الحجري: - «صحيح».
2) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «قد».
3) . في «د» و المطبوع و الحجري: «جلّت قدرته».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «الطريقين».
5) . في المطبوع: «تشتركان». و في «ج، ص، ط، ف» و الحجري: «مشتركان».
6) . في «ف، ط»: «أن تعلمونه». و في «د» و الحجري: - «عالماً إلّابعد أن تعلموه».
7) . في «ط، ف» و المطبوع و الحجري: «من».
8) . في «ج، ص، ف»: - «هذا».
9) . في «ص»: «أقبلتموه».
10) . في «ج، ط، ف»: «طريقكم».
به بَينَهم و بَينَ الأئمّةِ (1)- فيَجِبُ أن يَكونوا أكثَرَ ثَواباً مِن رَعاياهم، و يَجِبُ النَّصُّ عَلَيهم؛ لذلكَ .
قيلَ له: الذي يَجِبُ فيمَن ذَكرتَ مِن الأُمَراءِ و الحُكّامِ أن يَكونوا أفضَلَ مِن رَعيّتِهم فيما كانوا رؤَساءَ فيه، و ما كانوا رؤَساءَ فيه(2)مِن جُملةِ الدِّينِ لا بُدَّ(3)مِن(4)أن يَكونوا أفضَلَ ظاهراً مِن رَعيّتِهم فيه، و كَثرةُ الثوابِ لَيسَ يدُلُّ عَلَيه(5)الفَضلُ في الظاهرِ، و لمّا(6)كانَت عصمتُهم غَيرَ واجبةٍ - بما تَقدَّمَ في كلامِنا(7)- لَم يَجِبْ أن يَكونوا أكثَرَ ثَواباً؛ لأنّ ذلكَ إنّما وَجَبَ في الأئمّةِ مِن حَيثُ عُلِمَ أنّ بَواطِنَهم كظواهرِهم، و استنادُه(8)إلَى العصمةِ التي لا تَجِبُ في الأُمَراءِ .
فإن قالَ : فكَيفَ السبيلُ للإمامِ الذي يَختارُ الأُمَراءَ و الحُكّامَ إلىٰ أن يَعلَمَ أنّهم أفضَلَ مِن رَعاياهم في ظاهرِ العِباداتِ ، و في العِلمِ بسائرِ ما كانوا رؤَساءَ فيه ؟ فإنّه متىٰ لَم يُثبِتوا أنّ للأئمّةِ إلَى العِلمِ بذلكَ سَبيلاً يُتوصَّلُ إليه بالاختيارِ، وَجَبَ النَّصُّ فيهم كوُجوبِه في الأئمّةِ .
قيلَ له(9): لا شُبهةَ في أنّ الأفضَلَ في الظاهرِ فيما يَتعلَّقُ بالعِباداتِ يُمكِنُ العِلمُ
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «بين الأئمّة و بينهم» بدل «بينهم و بين الأئمّة».
2) . في «د»: «فيه رؤساء» بدل «رؤساء فيه».
3) . في المطبوع: «فلا بدّ».
4) . في «د» و المطبوع: - «من».
5) . في المطبوع: «على».
6) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و إذا».
7) . تقدّم في ج 1، ص 505.
8) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و الاستناد».
9) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «له».
به مِن غَيرِ نَصٍّ واردٍ مِن جهةِ اللّٰهِ تَعالىٰ علىٰ عَينِه؛ لأنّا نَعلَمُ مِن أحَدِنا أنّه أفضَلُ
أهلِ زمانِه في بَلَدِه(1)عِبادةً، و أحسَنُهم ظاهراً، و أظهَرُهم زُهداً، حتّىٰ أنّا نُشيرُ إليه بعَينِه، و نُميِّزُه مِن غَيرِه. و إنّما المُستَحيلُ أن يُعلَمَ باطنُه و استحقاقُه للثوابِ علىٰ أفعالِه، فأمّا ما يَرجِعُ إلَى الظاهرِ فلا شَكَّ في أنّه معلومٌ لِمَن هو أَدوَنُ مَرتَبةً في المعرفةِ مِن الإمامِ.
فأمّا الأفضَلُ(2)في العُلومِ و ما يَجري مَجراها، فجارٍ مَجرىٰ ما ذَكرناه في أنّه معلومٌ أيضاً بالاستنباطِ و الاختبارِ(3)لأنّا نَعلَمُ حالَ مَن هو أفضَلُ أهلِ بَلَدِنا في العِلمِ بالفِقهِ و النحوِ و اللُّغةِ و ما جَرىٰ مَجرىٰ ما ذَكرناه مِن العُلومِ، و رُبَّما اتَّضَحَ ذلكَ حتّىٰ لا يُشكِلُ علىٰ أحَدٍ، و رُبَّما التَبَسَ؛ و في الجُملةِ(4)فحالُ المُتقدِّمينَ في ضُروبِ الفَضلِ و العُلومِ معروفةٌ عندَ مَن خالَطَهم و جاوَرَهم، و تَميُّزُهم ممّن لا يُدانيهِم في فَضلِهم و عُلومِهم ظاهرٌ. و رُبَّما عَرَفنا(5)أيضاً مِن طريقِ الخبرِ حالَ الأفضَلِ في فَنٍّ مِن العِلمِ (6)و إن نأىٰ بَلَدُه عن بَلَدِنا حتّىٰ لا نَشُكُّ في فَضلِه و(7)تَميُّزِه مِن غَيرِه و تَقدُّمِه لأهلِ بلدِه.
و إذا كانَ (8)طريقُ المعرفةِ بذَوي الفَضلِ علىٰ هذا الحَدِّ مِن الوُضوحِ ، فأيُّ حاجةٍ
1) . في «د» و المطبوع: «أفضل أهل بلده» بدل «أفضل أهل زمانه في بلده».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «فأمّا الفضل».
3) . هكذا في «د، ف». و في سائر النسخ و المطبوع: «و الاختيار».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «في الجملة» بدل «و في الجملة».
5) . في «ص»: «أعرفنا».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «من العلوم».
7) . في «ج، ص، ف»: - «فضله و».
8) . في «ج، ص، ف»: + «من».
بالإمامِ (1)في اختيارِ الأُمَراءِ و الحُكّامِ إلىٰ نَصٍّ مِن قِبَلِ اللّٰهِ تَعالىٰ و هو المعصومُ الموفَّقُ في كُلِّ (2)ما يأتي و يَذَرُ؟
فإن قالَ : إذا أَوجَبتم الإمامةَ لِمَن كانَ أفضَلَ في الشيءِ الذي كانَ إماماً فيه مِن رَعيّتِه، و ضَرَبتم لإبطالِ ما خالَفَ ذلكَ الأمثالَ التي تَقَدَّمَت، فهذا دُخولٌ في مَذهَبِ مَن قالَ في الإمامةِ بالاستحقاقِ الذي أَنكَرتموه.(3)
قيلَ له: أمّا(4)الإمامةُ إذا أُريدَ بها التكليفُ و إلزامُ الإمامِ القيامَ بالأُمورِ التي يَقومُ بها الأئمّةُ فلَيسَت مُستَحَقّةً؛ لأنّ المَشاقَّ و الكُلَفَ لا يَجوزُ أن يَكونَ(5)ثَواباً و لا جاريةً مَجرَى الثوابِ . و القَولُ في الإمامةِ علىٰ هذا الوجهِ كالقَولِ في الرسالةِ و أنّها غَيرُ مُستَحَقّةٍ .
و إن أُشيرَ بالإمامةِ إلَى الحالِ التي يَحصُلُ عَلَيها الإمامُ بَعدَ ثُبوتِ رئاستِه و إمامتِه، و تَكَفُّلِه(6)بالقيامِ بما أُسنِدَ إليه، و إلىٰ ما يَجِبُ له مِن التعظيمِ و التبجيلِ ، فذلكَ مُستَحَقٌّ ، و لا بُدَّ أن يَكونَ أفضَلَ فيه مِن رَعيّتِه؛ لِما(7)ذَكرناه. و الإمامةُ مِن هذا الوجهِ تَجري مَجرَى النُّبوّةِ إذا أُشيرَ بها إلىٰ ما يَستَحِقُّه النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه مِن الرِّفعةِ و التبجيلِ في أنّ ذلكَ لا يَكونُ إلّامُستَحَقّاً.
1) . في «ص»: «من الإمام».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «في جميع».
3) . تقدّم إنكار المصنّف رحمه اللّٰه لكون الإمامة مستحقّة في ص 200.
4) . في «د» و الحجري: - «أمّا».
5) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «أن تكون».
6) . هكذا في «ج، ف». و في سائر النسخ و المطبوع: «و تكلّفه». و تكفّل بالشيء: ألزمه نفسَه و تحمّل به. يقال: تكفّل بالدين: التزم به. راجع: المغرب، ج 2، ص 227؛ النهاية، ج 4، ص 192 (كفل).
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «بما».
و هذه(1)الطريقةُ التي سَلَكناها في الدَّلالةِ علىٰ أنّ الإمامَ يَجِبُ أن يَكونَ أفضَلَ مِن رَعيّتِه أقوىٰ ما يُعتَمَدُ في هذا البابِ، و إن كانَ لأصحابِنا - رِضوانُ اللّٰهِ عَلَيهم - طُرُقٌ معروفةٌ إلّاأنّ جميعَها مُعتَرَضٌ، و أكثَرُها يَلزَمُ(2)عَلَيه أن يَكونَ الأُمَراءُ و جميعُ خُلَفاءِ الإمامِ أفضَلَ مِن رَعيّتِهم علَى الحَدِّ الذي يوجِبونَه في الإمامِ . و لَو لا أنّ كتابَنا هذا موضوعٌ للنقضِ علَى المُخالِفِ - دونَ الاعتراضِ علَى المُوافِقِ - لَأَورَدنا جُملَةً (3)مِن الطُّرُقِ المسلوكةِ فيما ذَكرناه، و أَشَرنا إلىٰ جهةِ الاعتراضِ عَلَيها.
و لَعلَّنا أن نُفرِدَ للكلامِ في أنّ الإمامَ يَجِبُ أن يَكونَ أكثَرَ ثَواباً مِن رَعيّتِه مَوضِعاً نَستَوفيهِ إن شاءَ اللّٰهُ تَعالىٰ (4)، فلنا في تلخيصِ الدَّلالةِ علىٰ هذا المَوضِعِ نظَرٌ.(5)
و يُمكِنُ أن يُعتَمَدَ في الاستدلالِ علىٰ أنّ الإمامَ أكثَرُ ثَواباً مِن رَعيّتِه علىٰ أن يُقالَ: قد ثبَتَ أنّ الإمامَ حُجّةٌ في الشرعِ بالأدلّةِ المُتقدِّمةِ، و مَن كانَ حُجّةً فيما يَجِبُ قَبولُه مِنه و الانتهاءُ إلىٰ أمرِه فيه، فالواجبُ أن يَجتَنِبَ (6)كُلَّ ما يَكونُ معه المُكلَّفونَ مِن القَبولِ مِنه أنفَرَ، و يَكونَ علَى الأحوالِ التي يَكونونَ عندَها إليه أسكَنَ (7).
و قد عَلِمنا أنّ المُكلَّفينَ لا يَكونونَ - إذا جَوَّزوا في إمامِهم أن يَكونَ (8)كُلُّ واحدٍ
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «فهذه».
2) . في «ج، ص، ف»: «و أكثر ما يلزم».
3) . هكذا في «ج، ف». و في سائر النسخ و المطبوع: «جُمَلاً».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «نستوفيه فيه» بدل «نستوفيه إن شاء اللّٰه تعالىٰ ».
5) . راجع: الذخيرة، ص 434.
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «أن يجنَّب».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «أسكن إليه» بدل «إليه أسكن».
8) . في «ص»: «أن يكونوا».
مِنهم أكثَرَ ثَواباً عندَ اللّٰهِ مِنه، و أعلىٰ رُتبةً، و أرفَعَ مَنزلةً - فيما يَرجِعُ إلَى السُّكونِ و النُّفورِ، علىٰ ما يَكونونَ عَلَيه إذا لَم يُجوِّزوا ذلكَ، و قَطَعوا علىٰ أنّه أكثَرُهم ثَواباً و أَولاهُم بكُلِّ تعظيمٍ و تبجيلٍ.
و لَيسَ نَعني(1)بالتنفيرِ(2)هاهُنا ما يَمنَعُ مِن قَبولِ القَولِ و لا يَصِحُّ معه امتثالُ الأمرِ؛ فيُعتَرَضَ عَلَينا بمَن امتَثَلَ و انقادَ مع تجويزِه في الإمامِ أن يَكونَ أنقَصَ ثَواباً.
و الذي أرَدناه أنّ حالَهم في السُّكونِ و القُربِ إلىٰ قَبولِ القَولِ لا يَكونُ كحالِهم إذا لَم يُجوِّزوا ذلكَ، و أكثَرُ ما يَجِبُ فيما يُقضىٰ(3)عَلَيه بالتنفيرِ أن يَكونَ له حُكمُ الصارِفِ، و لَيسَ يَمتَنِعُ(4)أن يَقَعَ الفِعلُ مع ثُبوتِ بعضِ الصوارِفِ إذا غلَبَت الدَّواعي و قَوِيَت، و لا يَخرُجُ - مع هذا - الصارفُ عن حُكمِه.
و قد مُثِّلَ ما ذَكرناه بما هو معلومٌ؛ مِن أنّ قُطوبَ(5)مَن استَدعىٰ (6)قَوماً إلىٰ دَعوتِه، و عُبوسَه، لهُما(7)حُكمُ الصارفِ عن حُضورِ دَعوتِه، كما أنّ للبِشرِ(8)حُكمَ الدّاعي(9)، و مع هذا فلا يَمتَنِعُ أن يقَعَ الحُضورُ ممّن دُعيَ مع ثُبوتِ ما قَرَّرناه(10)مِن
1) . في «ج، د»: «و ليس يعنى».
2) . في المطبوع و الحجري: «بالتنفّر».
3) . في «د»: «فيما يقتضي».
4) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و ليس يُمنَعُ ».
5) . يقال: قَطَبَ بين عينيه، أي جمع بينهما، فهو رجل قَطوبٌ ، أي عابس. راجع الصحاح، ج 1، ص 204 (قطب).
6) . في «ج»: «من يستدعي».
7) . في «ص»: «لها».
8) . في «ج، ط، ف»: «لبشره».
9) . في «د»: «الدواعي»
10) . في «ج، ص، ط، ف»: «ما قدّرناه».
العُبوسِ ، و لا يَخرُجُ بوقوعِ الحُضورِ عندَه مِن أن يكونَ له حُكمُ الصارفِ .
و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ : إنّ هذه الطريقةَ التي استأنَفتُموها(1)لَيسَت مَبنيّةً علىٰ مُجرَّدِ العقلِ ؛ لأنّكم عوَّلتُم فيها علىٰ كَونِ الإمامِ حُجّةً في الشرائعِ ، و العقلُ يُجوِّزُ ارتفاعَ التعبُّدِ بجميعِها، و كلامُنا معكم إنّما هو فيما يَقتَضي مِن طريقِ العقلِ كَونَ الإمامِ أكثَرَ ثواباً.
لأنّ الأمرَ و إن كانَ علىٰ ما قالَه - مِن بِناءِ دَلالتِنا علَى العِبادةِ بالشرائعِ، و تجويزِنا في الأصلِ أن لا تَقَعَ(2)العِبادةُ بها - فلَم نَضَعِ(3)الدَّلالةَ إلّافي مَوضِعِها؛ لأنّ قَصْدَنا بها كانَ إلىٰ أنّ العقلَ يدُلُّ - بَعدَ العِبادةِ بالشرائعِ - علىٰ أنّ الإمامَ لا يَكونُ إلّا الأفضَلَ؛ بالاعتبارِ الذي ذَكرناه، مِن غَيرِ رجوعٍ في أنّه أفضَلَ - مع أنّه مؤَدٍّ للشرعِ - إلَى السَّمعِ.
فصارَ كلامُنا بهذا الاعتبارِ مُتَناوِلاً لخِلافِ(4)جميعِ مَن فارَقَ مَذهَبَنا ممّن قالَ بإمامةِ الفاضلِ و المفضولِ معاً؛ لأنّ مَن قال بإمامةِ المفضولِ لا شُبهةَ في تَناوُلِ الكلامِ له، و مَن قال بأنّ(5)الإمامَ لا يَكونُ إلّاالأفضَلَ، إنّما رجَعَ(6)في قَولِه إلَى
الإجماعِ و فِعلِ الصَّحابةِ و ما جَرىٰ مَجرىٰ ذلكَ، و لَم يَذهَبْ قَطُّ إلىٰ أنّ فيما يَقومُ به الإمامُ ما يَقتَضي(7)كَونَه أفضَلَ، فَتناوَلَ (8)كلامُنا له مِن هذا الوجهِ . و صاحبُ
الكتابِ، حَيثُ قَسَّمَ في الفَصلِ الذي حكَيناه عنه(1)الكلامَ - و هَل يَرُدُّ خُصومُه(2)الدَّلالةَ علىٰ كَونِ الإمامِ أفضَلَ إلَى السَّمعِ أو العقلِ (3)- لَم يَعنِ إلّاما بيّنّاه مِن السَّمعِ مِن الرجوعِ إلَى الإجماعِ و فِعلِ الصَّحابةِ .
و لَو قيلَ لنا مع هذه الجُملةِ التي أَوضَحناها: ما الدليلُ علىٰ أنّ مِن شُروطِ الإمامةِ و صِفاتِ الإمامِ العقليّةِ - التي يدُلُّ العقلُ علىٰ أنّ الإمامَ لا يَنفَكُّ مِنها - كَونُه أفضَلَ ، بمعنىٰ أنّه أكثَرُ ثَواباً؟ لَم نَعتَمِدْ(4)هذه الطريقةَ .
قالَ صاحبُ الكتابِ :
فإن قالوا: لأنّه يَحُلُّ محَلَّ الرسولِ؛ فإذا(5)وَجَبَ (6)فيه أن يَكونَ هو الأفضَلَ ، فكذلكَ (7)القَولُ في الإمامِ .
قيلَ لهُم: و مِن أينَ أنّ(8)ذلكَ واجبٌ في الرسولِ عَقلاً فتَقيسوا(9)عَلَيه الإمامَ؟ و مِن قَولِنا: إنّ الرسولَ يَجوزُ أن يَكونَ مفضولاً أو أن يَكونَ مساوياً لغَيرِه في الفَضلِ ، و إنّما يُرجَعُ (10)إلَى السَّمعِ في أنّه يَكونُ أفضَلَ
1) . تقدّم في ص 271.
2) . في المطبوع و الحجري: «و هل تردّ خصومة».
3) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و العقل».
4) . في «د، ص»: «لم يعتمد».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «و إذا».
6) . في «ج»: «أوجب».
7) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و كذلك».
8) . في المطبوع و الحجري: - «أنّ ».
9) . في «ج، ص، ف»: «فتقيسون». و في المغني: «لتقيسوا».
10) . في «ط» و المغني: «نرجع».
بَعدَ أن يَصيرَ رَسولاً، و لَولا السَّمعُ كُنّا نجوِّزُ أن لا يَكونَ هو الأفضَلَ و أن يَكونَ في أُمّتِه مَن يُساويهِ في ذلكَ ؛ فيَجِبُ أن يَكونَ هذا حالَ الإمامِ (1)مِن جهةِ العقلِ أيضاً.(2)
يُقالُ له(3): قد ذَكَرنا الطريقةَ المُعتمَدةَ في كَونِ الإمامِ أفضَلَ مِن رَعيّتِه(4)، و هي مُتَناوِلةٌ للرسولِ أيضاً(5)، و دالّةٌ علىٰ وجوبِ كَونِه أفضَلَ مِن أُمّتِه في جميعِ ما كانَ إماماً لهُم فيه، و لا حاجةَ بنا إلىٰ حَملِ الإمامِ علَى الرسولِ مع كَونِ الدَّلالةِ علىٰ وجوبِ الفَضلِ يَجمَعُهما.
و إن كُنتَ قد ارتَكَبتَ في كلامِكَ هذا ما كانَ يَحيدُ عنه سَلَفُكَ، و يَمتَنِعونَ مِن
إطلاقِه؛ لأنّهم كانوا إذا ألزَمَهم أصحابُنا - رِضوانُ اللّٰهِ عَلَيهم - تجويزَ كَونِ الرسولِ مفضولاً قياساً علَى الإمامِ تَعاطَوا الفَرقَ بَينَهما، و سَلَكوا في ذلكَ طُرُقاً مشهورةً، و ما عَلِمنا أحَداً مِنهم يَقبَلُ الإلزامَ و سَوّىٰ بَينَ الرسولِ و الإمامِ .
و لَم نَذكُرْ هذا و نُنَبِّهْ (6)عَلَيه(7)علىٰ سَبيلِ الاقتصارِ عَلَيه في الحُجّةِ ، بَل حُجّتُنا هي المُتقدِّمةُ ، و إنّما أرَدنا أن نُبيِّنَ مُفارَقةَ هذا القَولِ المذكورِ لِما كانَ يَظهَرُ مِن مَذهَبِ سَلَفِ خُصومِنا.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و بَعدُ، فلَو ثبَتَ في الرسولِ ما قالوه لَم يَجِبْ في الإمامِ؛ لأنّ الذي أَوجَبَ ذلكَ(1)فيه(2)[هو](3)كَونُه حُجّةً فيما يؤَدّيهِ، فلا بُدَّ مِن(4)أن تَكونَ(5)مَنزِلتُه في الفَضلِ عاليةً؛ حتّىٰ لا يقَعَ النُّفورُ عن القَبولِ عنه(6)و يقَعَ السُّكونُ إلىٰ ذلكَ ، و لَيسَ كذلكَ حالُ الإمامِ ؛ فلِماذا سَوَّيتم بَينَه و بَينَ الرسولِ؟ بَل ما أَنكَرتم أن يَكونَ بالأميرِ أشبَهَ؟ لأنّه إنّما يَقومُ بالأحكامِ التي يَقومُ بها الأميرُ و العاملُ (7)و الحاكمُ ....(8)
يُقالُ له(9): بأمثالِ هذا الفَرقِ (10)الذي ذَكرتَه كانَ يُفرِّقُ شُيوخُكَ بَينَ الإمامِ و الرسولِ ، و قد بيّنّا كَونَ الإمامِ حُجّةً فيما يؤَدّيهِ مِن الشرائعِ ، و أنّه إذا كانَ مؤَدّياً لها وَجَبَ أن يَكونَ أفضَلَ مِن رَعيّتِه؛ ليقَعَ السُّكونُ إلىٰ قَبولِ قَولِه و يَرتَفِعَ النُّفورُ، و أنّ حالَه في بابِ الأداءِ مُفارِقةٌ لِحالِ جميعِ خُلَفائه(11)فإن(12)كانَت عِلّتُكَ
1) . في المغني: - «ذلك».
2) . أي في الرسول.
3) . ما بين المعقوفين من المغني.
4) . في «د» و الحجري: - «من».
5) . هكذا في المغني. و في النسخ و المطبوع: «أن يكون».
6) . في المغني: «منه».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «و العالم».
8) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 110. و من قوله: «و يقع السكون إلى ذلك...» إلى هنا سقط من المغني، و كم في المغني من سقط لو رجع محقّقوه إلى الشافي لتلافوه.
9) . في «ص»: «فيقال له».
10) . في «ج، ص، ف»: «القول».
11) . تقدّم هذا الدليل في ص 281.
12) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و إن».
في الرسولِ صَحيحةً ففي الإمامِ مِثلُها.
هذا إذا عَمِلنا علىٰ نُصرةِ دليلِ (1)مَن(2)حَمَلَ الإمامَ علَى الرسولِ في بابِ الفَضلِ ، فأمّا إذا(3)لَم نَفعَلْ ذلكَ فالدَّلالةُ التي ذَكرناها أوّلاً تَتَناوَلُ الأمرَينِ ، و تُغني عن تَكلُّفِ غَيرِها.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
فإن قالوا: إذا لَم يَجُز عندَكم علَى الأُمّةِ المعصيةُ و الخطأُ فيما اتَّفَقَت عَلَيه؛ لأنّها تؤَدّي عن الرسولِ و تَقومُ بحِفظِ الشرعِ، فالإمامُ بذلكَ أَولىٰ؛ لأنّه يَقومُ بما كانَ يَقومُ به هو(4)عليه السلامُ.
قيلَ لهُم: إنّا لَم نَعلَمْ صحّةَ الإجماعِ عقلاً، فيَكونَ (5)لكَ بذلكَ التعَلُّقُ ؛ بَل لا يَمتَنِعُ مِن جهةِ العقلِ أن يَتَّفِقوا(6)علىٰ خَطإٍ، و إنّما رَجَعنا(7)في ذلكَ إلَى السَّمعِ ، فقُل بمِثلِه في الإمامِ .(8)
يُقالُ له(9): مِن طَريفِ الأُمورِ و بَديعِها تجويزُكَ علَى الأُمّةِ - مع أنّها مؤَدّيةٌ للشرعِ و حافظةٌ له - الاتّفاقَ علَى الخَطإ!! و اعتذارُكَ بأنّ ذلكَ يَجوزُ عَلَيها عقلاً لا سَمعاً!!
1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «كلام».
2) . في «ج، ص، ف»: + «كان».
3) . هكذا في «د». و في «ج، ص، ط، ف»: «فإذا» بدل «فأمّا إذا». و في المطبوع و الحجري: «فإنّنا إذا».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: - «هو».
5) . في «ج»: «فكيف يكون».
6) . في «د»: «أن تتّفقوا».
7) . في «د»: «رخصنا».
8) . لم نعثر على هذه العبارة في المغني، و الظاهر أنّها سقطت منه.
9) . في «ص»: «فيقال له».
و كَيفَ(1)يُمكِنُ أن تَكونَ(2)الأُمّةُ - مع كَونِها(3)مؤَدّيةً عن الرسولِ و حافِظةً لشَرعِه -(4)بهذه الصفةِ التي أَجَزتَها(5)عَلَيها؟ أم كَيفَ يَجوزُ أن يَكِلَ اللّٰهُ تَعالىٰ إليها أداءَ الشرعِ، مع جوازِ تضييعِه و إهمالِه مِنها؟ و أيُّ فَرقٍ بَينَ ما أجَزتَه و بَينَ أن يَكِلَ اللّٰهُ تَعالىٰ في الأصلِ الأداءَ عنه - جَلَّ اسمُه - إلىٰ مَن يَجوزُ عَلَيه ما جازَ علَى الأُمّةِ؟ و أيُّ عِلّةٍ يُمكِنُ أن يُذكَرَ(6)في عصمةِ النبيِّ(7)لأجلِ كَونِه مؤدّياً للشرعِ إلينا لا يُمكِنُ أن يُنقَلَ(8)إلَى الأُمّةِ إذا كانَت مؤديّةً للشرعِ؟ و هل مُستَقبَلُ هذا الأمرِ(9)إلّاكمُستَدبَرِه؟ و لَيسَ يَخفىٰ ما في هذا الكلامِ مِن الفَسادِ.
و لا يَجري الحَوالةُ في الأمانِ مِن خَطإ الأُمّةِ (10)- مع كَونِها مؤدّيةً للشرعِ - علَى السَّمعِ مَجرَى الحَوالةِ المتقدِّمةِ علَى السَّمعِ في كَونِ الرسولِ عليه السلامُ (11)أفضَلَ
مِن أُمّتِه؛ لأنّ الأوّلَ ممّا يَجوزُ أن يَخفىٰ ما يَلزَمُ عَلَيه و يَشتَبِهَ ، و الثاني لا شُبهةَ فيما يَلزَمُ عَلَيه مِن تجويزِ مِثلِ ما جازَ علَى الأُمّةِ علَى الأنبياءِ عليهم السلام.
و هذا المَوضِعُ مِن كلامِكَ يدُلُّ علىٰ أنّكَ لَم تَعنِ بالرجوعِ إلَى السَّمعِ إلّا
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «فكيف».
2) . في «د» و الحجري: «أن يكون».
3) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «مع كونها».
4) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: + «و هي».
5) . في «ج، ص»: «أجريتها».
6) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «أن تذكر».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «الرسول».
8) . هكذا في النسخ، و في الحجري و المطبوع: «أن تنقل».
9) . في «ج، ص، ف»: - «الأمر».
10) . في «ج، ص، ط، ف»: «من الخطأ على الأُمّة».
11) . في «ج، ص، ط، ف»: - «عليه السلام».
ما فَسَّرناه فيما سَلَفَ(1)مِن كلامِنا مِن الرجوعِ إلَى الإجماعِ أو ما يَجري مَجراه مِن الأُمورِ السَّمعيّةِ، و لَم تُرِد بذِكرِ السَّمعِ الرجوعَ إليه فيما يَقومُ به الإمامُ و يَتَولّاه؛ لأنّكَ لَو أرَدتَ ذلكَ لَقُلتَ في جوابِ السؤالِ: «إنّ كَونَ الإمامِ مؤَدّياً عن الرسولِ و قائماً بما كانَ يَقومُ به لَيسَ بمعلومٍ عقلاً عندَكم، و العقلُ يجوِّزُ علىٰ مَذهَبِكم وجودَ إمامٍ (2)غَيرِ مؤَدٍّ لشَرعٍ (3)، و لا ناقِلٍ عن رسولٍ (4)، و كلامُنا إنّما هو في العقلِ ».
فلمّا لَم تَقُلْ ذلكَ عَلِمنا أنّ مُرادَكَ بالسَّمعِ ما فَسَّرناه، و صَحَّ احتجاجُنا عَلَيكَ بالطريقةِ التي تَعلَّقنا فيها بكَونِ الإمامِ حُجّةً في الشرائعِ و مؤَدّياً لها؛ لأنّها غَيرُ مَبنيّةٍ علَى السَّمعِ الذي عَنَيتَه(5)و مَنَعتَ مِن الرجوعِ إليه.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و قد ثَبَتَ مِن جهةِ السَّمعِ أنّه عليه السلامُ وَلّىٰ (6)عَمرَو بنَ العاصِ و خالدَ بنَ الوَليدِ علىٰ أبي بَكرٍ و عُمَرَ و غَيرِهما مِنَ الفُضَلاءِ (7)فما الذي يَمنَعُ مِن(8)مِثلِه في الإمامِ؟!(9)
1) . تقدّم في ص 284.
2) . في «د، ص، ط، ف»: «وجود الإمام».
3) . في «ج، ص»: «للشرع».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «عن الرسول».
5) . في «د» و المطبوع و الحجري: «عيّنته».
6) . في المطبوع: «قد ولّىٰ ».
7) . السيرة النبويّة، ج 2، ص 623-624؛ الاستيعاب، ج 3، ص 1186، الرقم 1931.
8) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «من».
9) . لم نعثر على هذه العبارة في المغني، و الظاهر أنّها سقطت منه. انظر: المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 225 و 343 و 349.
يُقالُ له(1): قد تَقدَّمَ في كلامِنا أنّ وِلايةَ المفضولِ علَى الفاضلِ في غَيرِ ما كانَ الفاضلُ فاضلاً فيه لا يَمتَنِعُ.(2)و لَو ثَبَتَ أنّ أبا بَكرٍ و عُمَرَ كانا أفضَلَ مِن عَمرِو بنِ العاصِ و خالدِ بنِ الوَليدِ - في حالِ وِلايَتِهما عَلَيهما - في الدِّينِ و كَثرةِ الثوابِ، لَم يَمنَعْ ذلكَ مِن أن يُوَلَّيا(3)عَلَيهما في إمرةِ الحَربِ و سياسةِ الجَيشِ؛ فلَيسَ(4)
بمُنكَرٍ أن يَكونَ عَمرٌو و خالدٌ أفضَلَ مِنهما فيما ذَكرناه، بَل هذا هو الظاهرُ مِن أحوالِهما؛ فإنّ شَجاعةَ خالدٍ و تَقدُّمَه في معرفةِ الحَربِ(5)و تدبيرِها ممّا لا إشكالَ فيه، و دَهاءَ عَمرٍو و لَطيفَ(6)حيلتِه و خَفاءَ مَكيدتِه(7)أيضاً معروفٌ.
و قد أجابَ بعضُ أصحابِنا عن هذا الكلامِ بأن قالَ: لَيسَ يُنكَرُ(8)أن يَكونَ عَمرٌو و خالدٌ في تلكَ الحالِ التي وُلِّيا فيها علىٰ أبي بَكرٍ و عُمَرَ أفضَلَ مِنهما فيما يَرجِعُ إلَى الدِّينِ . و لَيسَ يَمنَعُ مِن هذا مانعٌ .
و(9)هذا جوابٌ صحيحٌ ، و إن كانَ الأوّلُ أقوىٰ في النفسِ ، و أبعَدَ مِن الشَّغْب(10).
1) . في «ص»: «فيقال له».
2) . تقدّم في ص 272.
3) . في «ج، ص، ف»: «أن يولّيهما».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «و ليس».
5) . في المطبوع: «الحروب».
6) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و لطف».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «مكائده».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «ليس بمنكر».
9) . في «د» و المطبوع: - «هذا مانع و».
10) . الشَّغْبُ - بسكون الغين -: تهييج الشرّ و الفتنة و الخصام. النهاية، ج 2، ص 482 (شغب).
قالَ صاحبُ الكتابِ :
شُبهةٌ أُخرىٰ لهم:
و رُبَّما سَلَكوا قَريباً مِن هذه الطريقةِ فيَقولونَ: لا يَجوزُ في العقلِ أن يُجعَلَ الإمامُ ممّن يَجوزُ أن يَكونَ كافراً مُنافِقاً جاهلاً باللّٰهِ تَعالىٰ مُلحِداً زِنديقاً إلىٰ غَيرِ ذلكَ، و متىٰ جَوَّزتم أن يَكونَ اختيارُه إلَى الأُمّةِ و هُم لا يَعلَمونَ باطنَه أدّىٰ إلىٰ ما ذَكرناه، فلا بُدَّ في إثباتِه مِن نَصٍّ مِن قِبَلِ مَن يَعرفُ الباطنَ(1).
قالَ:
و هذا كالأوّلِ في أنّه غَيرُ واجبٍ مِن جهةِ العقلِ، كما لا يَجِبُ مِثلُه في الأُمَراءِ و العُمّالِ و الحُكّامِ. و إنّما نَقولُ في الرسولِ : «إنّه مأمونُ الباطِنِ » لِكَونِه حُجّةً فيما يؤَدّيهِ عن اللّٰهِ تَعالىٰ ، علىٰ ما بيّنّاه في بابِ النُّبوّاتِ .(2)
يُقالُ له: هذا الاستدلالُ الذي حَكَيتَه عنّا هو الاستدلالُ بالعصمةِ بعَينِه، و إنّما غَيَّرتَ الآنَ العبارةَ، و المعنىٰ واحدٌ؛ لأنّ الذي يؤمِنُ مِن كَونِ الإمامِ في باطنِه علَى الصفاتِ التي ذَكرتَها هو العصمةُ، فمتىٰ ثَبَتَت(1)فلا بُدَّ مِن أن يَكونَ مأموناً منه
جميعُ ما ذَكرتَه، و إنّما تَجوزُ(2)هذه الأُمورُ عَلَيه مع فَقدِ العصمةِ ، و قد مضَى الكلامُ في دليلِ العصمةِ مُستَقصىً .(3)
فأمّا الفَرقُ بَينَ الإمامِ و الأُمَراءِ و الحُكّامِ في سَلامةِ البَواطنِ (4)فقَد مضىٰ أيضاً(5)حَيثُ فَرَّقنا بَينَهم في وجوبِ العصمةِ .
فأمّا اعتصامُكَ في سَلامةِ باطنِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(6)بكَونِه حُجّةً فيما يؤَدّيهِ فغَيرُ نافعٍ، و لا واقعٍ مَوقِعَه؛ لأنّه لا يَمتَنِعُ أن تَثبُتَ(7)سَلامةُ باطنِ الرسولِ(8)بكَونهِ حُجّةً فيما يؤَدّيهِ، و تَثبُتَ(9)سَلامةُ باطنِ الإمامِ بغَيرِ هذه العِلّةِ ، و إنّما يَصِحُّ (10)كلامُكَ لَو ثَبَتَ - مع أنّ العِلّةَ في سَلامةِ باطنِ الرسولِ ما ذَكرتَه - أن لا عِلّةَ تَقتَضي
1) . في «ص، ف» و المطبوع و الحجري: «ثبت».
2) . في «د» و الحجري: «يجوز».
3) . تقدّم في صدر هذا الجزء من الكتاب.
4) . في «د»: «الباطن».
5) . تقدّم في ص 278-279.
6) . في «د، ط»: «عليه السلام».
7) . في «ج، د، ف» و الحجري: «أن يثبت».
8) . في «ج، ف»: «سلامة الباطن للرسول عليه السلام».
9) . في «ج، د، ص، ف» و الحجري: «و يثبت».
10) . في «ج، ص، ط، ف»: «صحّ ».
سَلامةَ باطنِ أحَدٍ غَيرُها. و لَم تورِدْ(1)كلامَكَ مَورِدَ الانفصالِ و علىٰ(2)سَبيلِ الفَرقِ بَينَ الرسولِ و الإمامِ؛ لأنّكَ لَم تُلزَمْ هاهُنا حَملَ الإمامِ علَى الرسولِ، بَل أَورَدتَه علىٰ سَبيلِ الطَّعنِ في قَولِ مَن ادَّعىٰ أنّ الإمامَ لا بُدَّ أن يَكونَ سَليمَ الباطِنِ. و لَيسَ يَطعَنُ(3)في هذا المَذهَبِ ذِكرُكَ عِلّةَ عصمةِ الرسولِ؛ لأنّه لَيسَ بمُنكَرٍ أن تَكونَ (4)عِلّتُكَ صَحيحةً ، و مَذهَبُ مَن اعتَقَدَ أنّ الإمامَ لا بُدَّ مِن أن يَكونَ سَليمَ الباطنِ ، صَحيحاً لِعِلّةٍ أُخرىٰ .
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و بَعدُ، فلَو وَجَبَ أن يُقطَعَ(5)علىٰ ذلكَ ، لَكانَ إنّما يَجِبُ لأمرٍ يَرجِعُ إلَى الأُمورِ التي يَقومُ بها؛ لكَي لا يُخطئَ فيها و لا يَغلَطَ، و قد بيّنّا أنّ ذلكَ غَيرُ واجبٍ ، و أنّه إن(6)أخطَأَ في ذلكَ لَم يوجِبْ فَساداً، و لأنّ ذلكَ لَو وَجَبَ لَوَجَبَ (7)مِثلُه في الأميرِ. و قد بيّنّا أنّه لا يُمكِنُهم التعَلُّقُ بأنّه أَوسَعُ عملاً؛ لأنّه لا مُعتَبَرَ بذلكَ . و بيّنّا أنّ الأميرَ في بعضِ الأحوالِ قد يَكونُ أَوسَعَ عملاً بأن يَكونَ الإمامُ مقهوراً مغلوباً دونَه.(8)
يُقالُ له: لَيسَ الأمرُ كما تَوهَّمتَ مِن أنّ سَلامةَ باطنِ الإمامِ لَو وَجَبَت لَكانَت(9)
1) . في «د»: «و لم يورد».
2) . في المطبوع و الحجري: «أو علىٰ ».
3) . في المطبوع و الحجري: «و ليس بطعن».
4) . في «ج، د، ص، ط، ف»: «أن يكون».
5) . في «ج، ص، ف»: «أن نقطع».
6) . في «ص»: «و إن».
7) . في «ج، ص، ف» و المطبوع: «وجب» بدل «لوجب».
8) . هذا الإيراد ساقط أيضاً من المغني.
9) . في «ج، ص، ف»: «لكان».
إنّما تَجِبُ لِكَي لا يُخطئَ في الأُمورِ التي يَقومُ بها، بَل الذي له(1)وَجَبَت سَلامةُ باطنِه كَونُه معصوماً، و إنّما وَجَبَ كَونُه معصوماً لِبعضِ ما تَقدَّمَ مِن الأدِلّةِ.(2)
فأمّا الفَرقُ بَينَ الأميرِ و الإمامِ بسَعةِ العملِ(3)فممّا لا نَعتَمِدُه و لا نَرتَضيهِ.
علىٰ أنّكَ(4)قد ظَنَنتَ في «سَعةِ العملِ» خِلافَ المُرادِ بهذه اللفظةِ ؛ لأنّ المُرادَ بالعمل و سَعَتِه و ضِيقِه الأماكنُ التي لِصاحبِ العملِ أن يَتصرَّفَ فيها و يُدبِّرَ(5)أهلَها، و لَيسَ بمُنكَرٍ أن يَحولَ بَينَ صاحبِ العملِ و عملِه حَوائلُ تَقطَعُه عن التصَرُّفِ ، و لا يَخرُجَ بذلكَ العملُ (6)مِن(7)أن يَكونَ عملاً له؛ فالإمامُ و إن جازَ أن يَحولَ بعضُ الظالِمينَ بَينَه و بَينَ كَثيرٍ مِن أعمالِه و يَقطَعوه(8)عن تدبيرِ أهلِها و سياستِهم، فلَيسَ يُخرِجُ فِعلُهم تلكَ الأعمالَ مِن أن يَكونَ (9)أعمالاً له؛ مِن حَيثُ كانَ له التصرُّفُ فيها و تدبيرُ أهلِها.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
فإن قالوا: إذا(10)جَوَّزنا عَلَيه الغلطَ لَم يَصِحَّ أن تَلزَمَ (11)طاعتُه و التأسّي
1) . في «ج، ص»: «به».
2) . تقدّم في ص 135 و ما بعدها.
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «عمله».
4) . في «ج»: «على أنّ ما». و في «ص»: «علىٰ ما».
5) . في المطبوع: «أو يدبّر».
6) . في «ص»: - «العمل».
7) . في «ج»: «عن».
8) . في «ج، ف»: «و يقطعونه». و في «ص»: «و يقطعون».
9) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «أن تكون».
10) . في المطبوع: «إن».
11) . في «د، ف» و الحجري: «أن يلزم». و في «ج، ص»: «لزوم» بدل «أن تلزم».
به؛ لأنّ طاعةَ العاصي تَكونُ خطأً، و كذلكَ(1)التأسّي بالعاصي.
قيلَ لهم: أوَ لَيسَ(2)كانَ عليه السلامُ إذا أمَّرَ أميراً يوجِبُ طاعتَه و التأسّيَ به؟ أفيَجِبُ مِن ذلكَ القَطعُ علىٰ باطنِه، و ادّعاءُ كَونِه فاضلاً لا يَجوزُ أن يُغَيِّرَ و يُبَدِّلَ؟ فلا بُدَّ مِن القَولِ بأنّ ذلكَ غَيرُ واجبٍ ، فيَلزَمُهم مِثلُه في الإمامِ . و قد بيّنّا أنّ طاعتَه فيما يُعلَمُ قُبحُه لا تَجِبُ (3)، و أنّه بمَنزِلةِ الإمامِ في الصلاةِ . و بيّنّا(4)أنّ وجوبَ التأسّي به لا يَمتَنِعُ و إن كانَ عاصياً.(5)
يُقالُ له: قد مضَى الفَرقُ بَينَ الإمامِ و بَينَ(6)خُلَفائه - مِن الأُمَراءِ و العُمّالِ
و الحُكّامِ - في معنَى الاقتداءِ و التأسّي، و بيّنّا أنّ الذي يَجِبُ للأئمّةِ مِن الاقتداءِ المخصوصِ لا يَجِبُ لأحَدٍ مِن رَعيّتِهم(7)، فلَيسَ يَلزَمُ ما أَورَدتَه مِن عصمتِهم قياساً علىٰ عصمةِ الأئمّةِ .
فأمّا التأسّي بالعاصي مع كَونِ المتأسّي مُطيعاً أو غَيرَ عاصٍ : فإنّه غَيرُ صحيحٍ ؛ لأنّ التأسّيَ لا يَصِحُّ إلّامع وقوعِ فِعلِ المتأسّي علَى الوجهِ الذي وقَعَ عَلَيه فِعلُ المتأسّىٰ به، و إذا(8)كانَ لا بُدَّ مِن اعتبارِ وجوهِ الأفعالِ لَم يَصِحَّ أن يَكونَ المُطيعُ متأسّياً بالعاصي.
و ما لا يَزالُ يَقولُه(1)مَن نَصَرَ هذا المَذهَبَ مِن «أنّ المُصطَحِبَينِ في طريقٍ واحدٍ قد(2)يَكونُ أحَدُهما مُتأسّياً بصاحبِه في سُلوكِه، و إن كانَ أحَدُهما ذاهباً إلَى البِيعَةِ(3)و الآخَرُ مُتَوجِّهاً في(4)طاعةٍ أو مُباحٍ »، و قَولُهم: «إنّ زيداً قد يَتأسّىٰ بعَمرٍو، و إن كانَ (5)أحَدُهما آكِلاً مِن حِلٍّ و الآخَرُ آكِلاً مِن حَرامٍ ».
غَيرُ صَحيحٍ؛ لأنّ المُعتبَرَ في التأسّي إذا كانَ بالوجوهِ التي يَقَعُ عَلَيها الأفعالُ، لَم يَكُنِ الآكِلُ مِن حِلٍّ مُتأسّياً بآكِلِ الحَرامِ، و لا الساعي في طاعةٍ متأسّياً بالساعي إلَى البِيعةِ(6).
و لَو كانَ ما ذَكرَه(7)صَحيحاً، لَوَجَبَ أن يَكونَ كُلُّ فِعلٍ وافَقَ ظاهرُه فِعلاً(8)آخَرَ، واقعاً مِن فاعلِه علىٰ جهةِ التأسّي بالفاعلِ الآخَرِ، و هذا يوجِبُ أن يَكونَ الآخِذُ مِن غَيرِه مالاً علىٰ جهةِ الغَصبِ أو القَرضِ متأسّياً بالنبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه متىٰ أخَذَ مِثلَ مَبلَغِ ذلكَ المالِ مِنه علىٰ جهةِ الزكاةِ أو العُشرِ(9)لأنّ المُعتَبَرَ عندَ مَن نحنُ في الردِّ عَلَيه إنّما هو بظاهرِ الفِعلِ ، و قد اتَّفَقَ ظاهرُ الفِعلَينِ اللَّذَينِ ذَكرناهما في بابِ أخذِ المالِ ، فيَجِبُ أن يَثبُتَ فيه معنَى التأسّي. و هذا ممّا لا شُبهةَ في بُطلانِه.
1) . في المطبوع و الحجري: «و ما لا نزال نقوله».
2) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «قد».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «إلى البغي». و البِيعة - بالكسر -: كنيسة النصارى، و قيل: كنيسة اليهود، و الجمع: بِيَعٌ . لسان العرب، ج 8، ص 26 (بيع).
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «إلىٰ ».
5) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و كان» بدل «و إن كان».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «إلى البغي».
7) . في «د»: «ما ذكروه».
8) . في «د» و المطبوع و الحجري: «فعل».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «و العشر».
قالَ صاحبُ الكتابِ - بَعدَ أن ذَكرَ طريقتَينِ في وجوبِ النَّصِّ : إحداهما تَعودُ إلىٰ معنىٰ بعضِ ما تَقدَّمَ ، و أحالَ في الكلامِ عَلَيها علىٰ ما مضىٰ مِن كلامِه(1)و الأُخرىٰ (2)
مُتعلِّقةٌ بالاختيارِ و الكلامِ في صفةِ المُختارينَ و عَدَدِهم، و أخَّرَ الكلامَ فيها إلىٰ بابِ الكلامِ في الاختيارِ -:
شُبهةٌ أُخرىٰ لهُم(3):
قالوا: إنّ الإمامةَ(4)مِن أركانِ الدِّينِ ، فإذا لَم يَجُز في أركانِ الدِّينِ أن يَثبُتَ إلّابنَصٍّ - كالصلاةِ و الزكاةِ و الصيامِ و ما شاكَلَها - وَجَبَ مِثلُه في الإمامِ . و رُبَّما قَوَّوا ذلكَ بأنّ وجهَ الصلاحِ فيه يَعُمُّ الكُلَّ ، كما أنّ التعَبُّدَ بالصلاةِ يَعُمُّهم.(5)
قالَ:
و اعلَمْ أنّه كانَ لا يَمتَنِعُ عندَنا في الصلاةِ و الزكاةِ و الصيامِ أن يَكونَ طريقُ التعبُّدِ بها الاجتهادَ، و إنّما نَمنَعُ (1)الآنَ (2)ذلكَ لأنّ السَّمعَ بذلكَ وَرَدَ، فيَجِبُ مِثلُه في الإمامِ ؛ لأنّ كلامَنا في مُجوَّزِ العقلِ ، لا في واجبِ السَّمعِ [و الثابتِ فيه].(3)
يُقالُ له: هذه الطريقةُ التي حَكَيتَها لَيسَ يَصِحُّ الاعتمادُ عَلَيها إلّابَعدَ أن تُبيِّنَ علّةَ الجَمعِ بَينَ الإمامةِ و ما ذَكرتَه مِن الأركانِ ، و إذا(4)حَقَّقتَ العِلّةَ الجامعةَ بَينَ الأمرَينِ لَم يَكُن بُدٌّ مِن الرجوعِ إلىٰ ذِكرِ بعضِ ما تَقدَّمَ مِن صفاتِ الإمامِ - إمّا كَونِه معصوماً، أو فاضلاً، أو ما يَجري مَجرىٰ ذلكَ - ممّا لا مَجالَ للِاجتهادِ فيه(5)لأنّ العِلّةَ التي مِن أجلِها أَحَلنا ثُبوتَ الأركانِ المذكورةِ بالاجتهادِ هي قيامُ الدليلِ علىٰ أنّ جهةَ وجوبِها ما يَعودُ بها عَلَينا مِن الصلاحِ في فِعلِ الواجباتِ العقليّةِ و الامتناعِ مِن المُقبَّحاتِ ، و أنّ اختيارَ ما هذه صفتُه مِن جُملةِ الأفعالِ لا سَبيلَ إليه؛ فإذا حَمَلنا اختيارَ الإمامِ في الفَسادِ علَى اختيارِ هذه العِباداتِ
احتَجْنا إلىٰ أن نُبيِّنَ في الإمامِ صفةً لا يُمكِنُ (6)فيها الاجتهادُ، و صفاتُه التي هذه
سَبيلُها(1)قد تَقدَّمَ الكلامُ فيها.(2)
فأمّا قَولُكَ في الصلاةِ و الصيامِ: «إنّ الاجتهادَ فيهما(3)لا يَمتَنِعُ أن يَجِبَ عقلاً»، فهذا إنّما(4)بَنَيتَه علىٰ مَذهَبِك في جوازِ الاجتهادِ و صحّتِه، و قد تَقدَّمَ طرَفٌ ممّا يُبطِلُ ذلكَ . و مَن ارتكَبَ في الصلاةِ و ما أشبَهَها ما ارتَكَبَه، صارَ الكلامُ عَلَيه في الإمامةِ و هذه الأركانِ واحداً، و بَطَلَ أن يُحمَلَ (5)أحَدُ الأمرَينِ علَى الآخَرِ، فآلَ (6)الأمرُ معه إلَى الموافَقةِ علىٰ أنّ الصلاةَ و الإمامةَ تَختَصّانِ (7)بصفتَينِ لا مَجالَ للِاجتهادِ فيهما(8).
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و بَعدُ، فإنّ الصلاةَ إنّما وقَعَ النَّصُّ مِنه عليه السلامُ علىٰ صفتِها، و لذلكَ يَجوزُ في كُلِّ صلاةٍ معيَّنةٍ أن تَكونَ واقعةً علىٰ وجهِ الغلطِ و لا يَجوزُ ذلك في الصفةِ و الشرطِ؛ فكأنّه عليه السلامُ بيَّنَ صفتَها و شُروطَها، ثُمّ ألزَمَ المكلَّفَ اختيارَها علَى الوجهِ الذي يَحصُلُ معه إصابةُ صفتِها و شُروطِها(9).
1) . مثل العصمة، و العلم بجميع الأحكام، و كثرة الثواب.
2) . تقدّم في ص 209-213، و 275-276.
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «فيها».
4) . في «د» و المطبوع و الحجري: + «هو».
5) . في «ج، ص»: «فبطل حمل» بدل «و بطل أن يُحمل».
6) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و آل».
7) . في «د»: «مختصّان».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «ليس للاجتهاد فيهما مجال».
9) . في «ص، ف»: «و شرطها».
و كذلكَ نَقولُ في الإمامِ ؛ لأنّه لا يَمتَنِعُ مِنه عليه السلامُ أن يُبَيِّنَ صفتَه و شَرطَه(1)، ثُمّ يُلزِمَ المكلَّفَ علىٰ وجهٍ يُصيبُ الصفةَ و الشرطَ؛ فإن كانَت الصفةُ و الشرطُ حاصلَينِ في جماعةٍ اختيرَ الواحدُ مِنهم، كما أنّ صفةَ الصلاةِ و شُروطَها إذا صَحَّتا في أفعالٍ فهو مُخَيَّرٌ فيها.
فقد بانَ بما قَدَّمناه أنّا لَو جَعَلنا الصلاةَ أصلاً لِما نَقولُه(2)في الإمامةِ (3)لَكانَ (4)أقرَبَ ممّا ذَكَروه.(5)
يُقالُ له: إنّما جازَ ما ذَكرتَه في الصلاةِ مِن حَيثُ أمكَنَ المكلَّفَ أن يُصيبَ صفتَها و شُروطَها و يُمَيِّزَ صحيحَها مِن فاسدِها مِن جُملةِ أفعالِه، و الإمامُ لا يُمكِنُ مِثلُ
ذلكَ فيه؛ لأنّ مِن صفاتِه ما لا يُمكِنُ أن يُستدرَكَ بالاجتهادِ و الاختيارِ(6)، و لا سَبيلَ للمكلَّفِ إلىٰ (7)تَمييزِه(8).
و لَو كانَت جميعُ صفاتِ الإمامِ (9)كصفاتِ الصلاةِ في إمكانِ إصابتِها مِن جهةِ الاختيارِ، لَجَوَّزنا اختيارَ الإمامِ علَى الوجهِ الذي قَرَّرتَه(10)في اختيارِ الصلاةِ ، و مَدارُ الكلامِ علىٰ هذا المَوضِعِ (11).
1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و شروطه».
2) . في المغني: «نقول».
3) . في «ج، ص»: «في الإمام».
4) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و المغني. و في «د» و المطبوع و الحجري: «لكانت».
5) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 110.
6) . في «ف، ط»: «و بالاختيار».
7) . في المطبوع و الحجري: «في».
8) . في «ص» و المطبوع و الحجري: «تميّزه».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «جميع الصفات للإمام».
10) . في «ج، ص، ط، ف»: «قدّرته».
11) . في «ص»: «هذه المواضع».
فإن أمكَنَ الخُصومَ أن يُثبِتوا(1)أنّه لا صفةَ للإمامِ إلّاو للمكلَّفينَ سَبيلٌ إلىٰ إصابتِها و تمييزِ المُختَصِّ بها، فقَد صَحَّ مذهبُهم في جوازِ الاختيارِ، و بَطَلَ مَذهَبُنا في وجوبِ النَّصِّ. و التشاغُلُ بَعدَ أن يَثبُتَ(2)لهم ما ذَكرناه(3)بغَيرِه لا معنىٰ له؛ فإنّه إذَن لا يَنفَعُنا بَعدَ ثُبوتِ هذا المَوضِعِ لهُم شيءٌ في بابِ وجوبِ النَّصِّ و لا يضُرُّهم.
و إن لَم يَثبُتْ لهُم هذا، و كانَ الثابتُ ما نَذهَبُ إليه مِن اختصاصِ الإمامِ بصفاتٍ(4)لا سَبيلَ إلَى العِلمِ بها إلّامِن جهةِ النَّصِّ(5)، فقد وَجَبَ النَّصُّ و بطَلَ الاختيارُ، و صارَ كُلُّ ما يَتكلَّفُه الخُصومُ - بَعدَ صحّةِ ما ذَكرناه - لا يَنفَعُهم في إبطالِ وجوبِ النَّصِّ و لا يضُرُّنا في إثباتِه.
علىٰ أنّ الصلاةَ لا يُمكِنُ فيها إلّاالنَّصُّ علَى الصفةِ، دونَ العَينِ؛ لأنّها فِعلُ المكَلَّفِ، و لها أمثالٌ في مقدورِه، فلا يَتميَّزُ له(6)صحيحُها مِن فاسدِها إلّابالصفةِ و الشرطِ، و الإمامُ يُمكِنُ النَّصُّ علىٰ عَينِه علىٰ وجهٍ يَتميَّزُ به مِن غَيرِه؛ فلَيسَ يَجِبُ أن يَكونَ حُكمُ الإمامِ حُكمَ الصلاةِ، بَل الواجبُ أن تَكونَ (7)الصلاةُ مُشبِهةً للِانقيادِ للإمامِ و الاقتداءِ به في هذا الوجهِ ؛ مِن حَيثُ رَجَعَ كُلُّ ذلكَ إلىٰ أفعالِنا، فكما نُجيزُ في الصلاةِ النَّصَّ علىٰ صفتِها و شُروطِها، و نَجعَلُ (8)اختيارَ ما له تلكَ
الصفةُ إلَى المكلَّفِ ؛ فكذلكَ نُجيزُ أن يُنَصَّ للمكلَّفِ علىٰ صفةِ ما يَلزَمُه مِن الانقيادِ للإمامِ و الاقتداءِ به، و يُفَوَّضَ (1)اختيارُ ما له تلكَ الصفةُ إلَى اجتهادِه.
فإن قيلَ : النَّصُّ في الإمامِ و إن أمكَنَ علىٰ سَبيلِ التعيينِ (2)و لَم يُمكِنْ في الصلاةِ ، فما المانعُ مِن جوازِ النَّصِّ علىٰ صفةِ الإمامِ دونَ عَينِه كما جازَ في الصلاةِ ، و إن أمكَنَ في الإمامِ النَّصُّ علَى العَينِ و لَم يُمكِنْ في الصلاةِ؟
قُلنا: إنّما أَرَدنا بما ذَكرناه(3)أن نُبَيِّنَ اختلافَ حُكمِ الصلاةِ و الإمامِ في هذا البابِ، و أنّ الذي أَوَجَبَ النَّصَّ علَى الصفةِ دونَ العَينِ في الصلاةِ غَيرُ حاصلٍ في الإمامِ.
و الذي يَمنَعُ مِن أن يَكونَ(4)في الإمامِ ما جَوَّزناه في الصلاةِ - و إن كانَ مُمكِناً خِلافُه في الإمامِ - ما تَقدَّمَ ذِكرُه؛ مِن اختصاصِ الإمامِ بصفاتٍ و شُروطٍ لا تَتميَّزُ للمكلَّفِ، و لا سَبيلَ له إليها بالاجتهادِ.
علىٰ أنّ الذي ذَكرتَه يَقتَضي دخولَ الاختيارِ في جميعِ العباداتِ و الأحكامِ علَى التأويلِ الذي تأوَّلتَه؛ لأنّه لا شيءَ مِن العِباداتِ إلّاو حُكمُه حُكمُ الصلاةِ في تَناوُلِ النَّصِّ لصفتِه(5)دونَ عَينِه، و تفويضِ اختيارِ ما له تلكَ الصفةُ إلَى اجتهادِ المكلَّفِ ؛ و هذا يؤَدّي إلىٰ بُطلانِ قَولِ جميعِ المتكلِّمينَ و الفُقَهاءِ : إنّ العِباداتِ الشرعيّةَ تَنقَسِمُ قِسمَينِ : قِسمٌ (6)منصوصٌ عَلَيه، و آخَرُ مَوكولٌ إلَى الاجتهادِ.
فإن قُلتَ : إنّما صَحَّت القِسمةُ التي حَكَيتموها مِن قِبَلِ أنّ في الأحكامِ ما وَقَعَ
النَّصُّ علىٰ صفتِه و شرطِه(1)كالصلاةِ فجُعِلَ مِن بابِ النَّصِّ ، و فيها ما لَم يَحصُلْ نَصٌّ علىٰ صفتِه فجُعِلَ مِن بابِ الاجتهادِ.
قُلنا لكَ: هذا خِلافُ(2)أصلِكَ في الاجتهادِ؛ لأنّ أحكامَ الاجتهادِ عندَكَ بمَنزِلةِ ما وَقَعَ النَّصُّ علىٰ صفتِه مِن صلاةٍ و غَيرِها؛ لأنّ مِن(3)مَذهَبِكَ أنّ الصفةَ التي إذا تَعلَّقَ ظَنُّ المجتهِدِ بها لَزِمَ الحُكمُ، قد تَناوَلَها النَّصُّ، فكأنّ المكلَّفَ قد قيلَ له: إذا ظَنَنتَ شَبَهَ بعضِ(4)الفُروعِ ببعضِ الأُصولِ فقَد لَزِمَكَ الحُكمُ، و هذا نَصٌّ علىٰ صفةِ ما يَلزَمُه مِن الأحكامِ ، كما كانَ ما أَورَدتَه نَصّاً علىٰ صفةِ ما يَلزَمُه(5)مِن صلاةٍ و غَيرِها، فيَجِبُ علىٰ موجَبِ قَولِكَ أن يَكونَ جميعُ العِباداتِ الشرعيّةِ منصوصاً عَلَيها علىٰ تأويلِ أنّها منصوصٌ علىٰ صفاتِها، أو تَكونَ (6)بأسرِها مِن بابِ الاختيارِ علىٰ تأويلِ
أنّ المكلَّفَ مأمورٌ باختيارِ ما له الصفةُ التي تَناوَلَها النَّصُّ مِن جُملةِ أفعالِه، و يَبطُلَ انقسامُها علىٰ قِسمَينِ !!
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و بَعدُ، فقَد ثَبَتَ أنّه عليه السلامُ قَد نَصَّ علَى الأحكامِ علىٰ وجوهٍ مختلِفةٍ بحَسَبِ المَصلَحةِ : ففيها ما عَيَّنَه، و فيها ما خَيَّرَ المكلَّفَ (7)
فيه(1)كالكفّاراتِ، و فيها ما فَوَّضَه إلَى الاجتهادِ كالنفَقاتِ، و قِيَمِ المُتلَفاتِ ، و جَزاءِ الصَّيدِ، إلىٰ غَيرِ ذلكَ ؛ و كُلُّ ذلكَ مِن بابِ الدِّينِ ؛ فما الذي يَمنَعُ في الإمامةِ مِن أن يَكونَ طريقُها الاختيارَ(2)كالكَفّاراتِ ، أو الاجتهادَ كجَزاءِ الصَّيدِ و التوَجُّهِ إلَى الكَعبةِ [عندَ الغَيبةِ عنها] إلىٰ غَيرِ ذلكَ؟....(3)
يُقالُ له(4): لَيسَ يَمتَنِعُ(5)في الإمامةِ عقلاً أن يَجريَ النَّصُّ عَلَيها مَجرَى النَّصِّ علَى الكَفّاراتِ؛ لأنّ النَّصَّ لمّا تَناوَلَ الكَفّاراتِ الثَّلاثَ علىٰ سَبيلِ التخييرِ(6)عَلِمنا أنّ صَلاحَنا مُتعلِّقٌ بالجميعِ، و أنّ لكُلِّ واحدةٍ منها صفةَ الوجوبِ، و أنّا مُخَيَّرونَ بَينَ الثلاثِ؛ فمتىٰ فَعَلنا إحداهُنَّ سَقَطَ عنّا ما وَراءَها(7).
و مِثلُ هذا جائزٌ في الإمامةِ مِن جهةِ العقلِ؛ لأنّه غَيرُ مُمتَنِعٍ أن يَنُصَّ اللّٰهُ تَعالىٰ لنا علىٰ إمامةِ نَفسَينِ أو ثلاثةٍ ؛ بأن يُبَيِّنَ وجوبَ طاعةِ كُلِّ واحدٍ مِنهم و ما يَحصُلُ لنا مِن اللُّطفِ في الدِّينِ و المَصلَحةِ بالاقتداءِ به(8)و الانقيادِ له، و يُخَيِّرَنا في
الاقتداءِ (9)بكُلِّ واحدٍ مِن الثلاثةِ ؛ فمتَى اقتَدَينا بأحَدِهم في بعضِ الأفعالِ سَقَطَ عنّا الانقيادُ لغَيرِه و الاقتداءُ به في ذلكَ الفِعلِ .
1) . في «ج، ص، ف»: - «فيه».
2) . هكذا في «د» و الحجري و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «طريقها الاجتهاد و الاختيار».
3) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 110-111. و ما بين المعقوفين من المصدر.
4) . في «ص»: «فيقال له».
5) . في «ص، ط، ف»: «ليس يمنع».
6) . مثل كفّارة من أفطر يوماً من شهر رمضان عمداً، أو خالف عهداً.
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «ما وراء ذلك». و في المطبوع و الحجري: «وراءها» بدل «ما وراءها».
8) . في المطبوع و الحجري: - «به».
9) . في «ص»: «بالاقتداء».
و لَيسَ لكَ (1)أن تَقولَ : إنّما أُلزِمتَ أن يَكونَ طريقُ الإمامةِ الاختيارَ بمعنىٰ أن يُكلَّفَ (2)اختيارَ الإمام؛ لأنّ هذا إذا أرَدتَه لَيسَ بمُشبِهٍ لأمرِ الكَفّاراتِ .
لأنّا لَم نُكلَّفَ اختيارَ(3)ما هو مصلحةٌ لنا مِن عَرضِ الأفعالِ ليَكونَ كفّارةً، بَل نُصَّ لنا علىٰ أفعالٍ ثلاثةٍ بأعيانِها، و أُعلِمنا أنّ(4)المصلحةَ فيها، و خُيِّرنا بَينَ فِعلِ كُلِّ واحدٍ(5)و الآخَرِينَ(6). فقياسُ ذلكَ أن يُنَصَّ لنا علىٰ أئمّةٍ و نُخَيَّرَ(7)بَينَ اتّباعِ كُلِّ واحدٍ و اتّباعِ الآخَرِينَ، لا أن نُكلَّفَ(8)اختيارَ الإمامِ في الأصلِ. و إنّما أُلزِمتُ دخولَ الاختيارِ و التخييرِ في الإمامةِ(9)قياساً علَى الكَفّاراتِ، فيَجِبُ أن يَكونَ ما أُلزِمتُه مُطابِقاً لها.
و أمّا(10)الاجتهادُ في جَزاءِ الصَّيدِ و جهةِ الكعبةِ ، فإنّما ساغَ مِن حَيثُ أمكَنَ المكلَّفَ وجودُ طريقِه و كانَت(11)عَلَيه أماراتٌ لائحةٌ ، و قد بيّنّا أنّ الإمامَ يَختَصُّ بصفاتٍ لا سَبيلَ إلىٰ إصابتِها مِن جهةِ الاجتهادِ؛ لأنّه لا دَلالةَ عَلَيها و لا أمارةَ ؛ ففارَقَ حُكمُ الإمامةِ جميعَ ما ذَكرتَه.
1) . في المطبوع و الحجري: «و ليس كذلك».
2) . هكذا في «د، ط». و في «ص»: «أن تكلّف». و في سائر النسخ و المطبوع: «أن نكلّف».
3) . في حاشية «ج»: + «الإمام».
4) . في «د»: - «أنّ ».
5) . في «د، ط» و الحجري: «واحدة».
6) . في «د، ص، ط»: «والأُخرى».
7) . في «ط، ف»: «يخيّر».
8) . في «ج، ط، ف»: «لا أن يُكلّف».
9) . في «ج، ص، ف»: «في الإمام».
10) . في «ج، ص، ط، ف»: «فأمّا».
11) . في «ج، ص، ط، ف»: «إن كانت».
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و إنّما أُتِيَ القَومُ في(1)ادّعاءِ النَّصِّ مِن جهةِ العقلِ مِن الوجوهِ التي قَدَّمناها؛ و هي زَعمُهم أنّ الإمامَ حُجّةٌ للّٰهِ تَعالىٰ في الزمانِ كالرسولِ [أو أنّه يَجِبُ أن يَكونَ قيِّماً يَحفَظُ الدِّينَ الذي شَرَعَه الرسولُ](2)و أنّه(3)يَجِبُ أن يَكونَ معصوماً فيما فُوِّضَ إليه، فتَسَلَّقوا(4)بذلكَ إلىٰ أنّه لا بُدَّ مِن أن يَكونَ منصوصاً عَلَيه أو مُعَيَّناً بالمُعجِزِ. و نحنُ لا نُخالِفُ في ذلكَ لَو كانَت(5)صفةُ الإمامِ ما ذَكَروه، و إنّما يَقَعُ الكلامُ بَينَنا و بَينَهم في صفةِ الإمامِ و فيما جُعِلَ إليه.
و قد بيّنّا(6)مِن قَبلُ أنّ قائلاً لَو قالَ في الإمامِ (7): «إنّه يَجِبُ أن يَكونَ خالقَ الأنامِ »(8)لَكُنّا نُوافِقُه في أنّه يَستَحِقُّ العِبادةَ ، و يَخرُجُ الكلامُ بَينَنا و بَينَه عن الإمامةِ (9)....(10)
1) . في «ج، ص»: «بشيء من» بدل «في».
2) . ما بين المعقوفين من المغني.
3) . في المغني: «أو أنّه».
4) . في المغني: «فيتسلّقوا». و تَسلَّقَ الجِدارَ و نحوَه، و عليه: صَعِدَ عليه. راجع: المحكم و المحيطالأعظم، ج 6، ص 236؛ لسان العرب، ج 10، ص 163 (سلق).
5) . في المطبوع: «لو كان».
6) . في المغني: «و قد قدّمنا».
7) . في «ص»: «الإمامة».
8) . في «د، ص»: «خالف الإمام». و في المطبوع و الحجري: «خالق الإمام». و ما أثبتناه موافق «ج، ط، ف» و المغني.
9) . في المغني: «عن الإمام».
10) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 111.
يُقالُ له(1): قد اعتَرَفتَ بأنّ الإمامَ لَو وَجَبَ له مِن الصفاتِ ما ذَهَبنا إليه، و كانَ قيِّماً بما نَذهَبُ إلىٰ أنّه القيِّمُ به و(2)المُتَولّي له، لَوَجَبَت(3)إبانتُه(4)بالنَّصِّ أو بالمُعجِزِ(5)، و بَطَلَ اختيارُه.
و قد دَلَّلنا بحَمدِ اللّٰه فيما تَقدَّمَ علىٰ صحّةِ ما نَذهَبُ إليه في صفاتِه و ما يَقومُ به بما لا شُبهةَ فيه و لا اعتراضَ عَلَيه، فقَد وَجَبَ بإقرارِكَ النَّصُّ علَى الإمامِ أو إبانتُه بالمعجِزِ، و بَطَلَ اختيارُه.
و لهذا قُلنا قُبَيلَ(6)هذا الفَصلِ: إنّ التشاغُلَ في وجوبِ النَّصِّ أو إبطالِه يَجِبُ أن يَكونَ بالكلامِ في صفاتِ الإمامِ، و هَل في جُملتِها ما لا يُستَدرَكُ إلّامِن جهةِ النَّصِّ أم لا؟(7)
علىٰ أنّا نَقولُ لكَ: إنّما أُتيتَ (8)و أُتيَ مَن ذَهَبَ (9)إلىٰ مَذهَبِكَ - في دَفعِ النَّصِّ و القَولِ بالاختيارِ - مِن جهةِ اعتقادِكم أنّ الإمامَ يَجري مَجرَى الوكيلِ و الوصيِّ و الشاهِد، و أنّ اتّباعَه و الاقتداءَ به غَيرُ واجبَينِ ، و أنّ الذي يَجِبُ مِن الاقتداءِ به ما يَجِبُ في إمامِ الصلاةِ و مَن جَرىٰ مَجراه، فتَسلَّقتُم بإنزالِه هذه المَنزِلةَ إلىٰ تصحيحِ
اختيارِه و إبطالِ وجوبِ النَّصِّ عَلَيه، و نحنُ لا نُنكِرُ مَذهبَكم فيه لَو صَحَّ أنّه يَجري مَجرىٰ مَن ذَكَرتموه؛ كما أنّ قائلاً لَو قالَ في الإمامِ : إنّه كالأجيرِ أو العَبدِ(1)، لَكُنّا نُوافِقُه في أنّ قَولَه لَو صَحَّ في صفتِه لَم يَجِبْ عَلَينا شيءٌ مِن تعظيمِه و تبجيلِه، و لَجازَ أن يَكونَ اختيارُه مَردوداً إلَى الجُهّالِ مِن الأُمّةِ ، فَضلاً عن العُلَماءِ .
1) . في «ج، ص»: «و العبد».
الذي نَذهَبُ إليه أنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه نَصَّ علىٰ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ بالإمامةِ بَعدَه، و دَلَّ علىٰ وجوبِ فَرضِ طاعتِه و لُزومِها لكُلِّ مكلَّفٍ .
و يَنقَسِمُ النَّصُّ عندَنا في الأصلِ إلىٰ قِسمَينِ : أحدُهما يَرجِعُ إلَى الفِعلِ و يَدخُلُ فيه القَولُ ، و الآخَرُ إلَى القَولِ دونَ الفِعلِ .
فأمّا النَّصُّ بالفِعلِ و القَولِ: فهو ما دَلَّت عَلَيه أفعالُه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و أقوالُه المُبِينةُ لأميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ مِن جميعِ الأُمّةِ، الدالّةُ علَى استحقاقِه مِن التعظيمِ و الإجلالِ و الاختصاصِ بما لَم يَكُن حاصلاً لغَيرِه؛ كمؤاخاتِه له(1)عليه السلامُ(2)بنَفسِه(3)، و إنكاحِه سَيّدةَ نِساءِ العالَمينَ ابنَتَه عَلَيها السلامُ ، و أنّه لَم يُوَلِّ عَلَيه أحَداً مِن الصحابةِ (4)، و لا نَدَبَه لأمرٍ أو بَعَثَه في جَيشٍ إلّاكانَ هو الواليَ عَلَيه المقدَّمَ (5)فيه،
1) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «له».
2) . في المطبوع و الحجري: «صلّى اللّٰه عليه و آله».
3) . فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل، ج 2، ص 617، ح 1055؛ الجامع الصحيح، ج 5، ص 636، ح 3720؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 15-16، ح 4288 و 4289؛ المناقب لابن شهر آشوب، ج 2، ص 186؛ الطرائف، ج 1، ص 63، ح 62؛ كشف الغمّة، ج 1، ص 326؛ نهج الحقّ ، ص 218.
4) . في «ف»: «من أصحابه».
5) . في «ج، ص، ف»: «المتقدّم».
و أنّه لَم يَنقِمْ عَلَيه مع(1)طولِ الصُّحبةِ و تَراخي المُدّةِ شيئاً، و لا أنكَرَ مِنه فِعلاً، و لا استَبطأَه في صَغيرٍ مِن الأُمورِ و لا كَبيرٍ، مع كَثرةِ ما توَجَّهَ مِنه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(2)إلىٰ جماعةٍ مِن أصحابِه مِن العَتْبِ(3)، إمّا تصريحاً أو تلويحاً.
و قَولِه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه فيه(4): «عليٌّ مِنّي، و أنا مِنه»(5)، و «عليٌّ مع الحَقِّ، و الحَقُّ مع عليٍّ»(6)، و «اللّهُمّ ائتِني بأحَبِّ خَلقِكَ إليكَ ؛ يأكُلْ معيَ مِن هذا الطائرِ(7)»(8)إلىٰ غَيرِ ما ذَكرناه مِن الأفعالِ و الأقوالِ الظاهرةِ التي لا يُخالِفُ فيها وَليٌّ و لا عَدوٌّ، و ذِكرُ جميعِها يَطولُ .
و إنّما شَهِدَت هذه الأفعالُ و الأقوالُ باستحقاقِه عليه السلامُ الإمامةَ ، و نَبَّهَت علىٰ أنّه أَولىٰ بمَقامِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه؛ مِن قِبَلِ أنّها إذا(9)دَلَّت علَى الفضلِ العظيمِ (10)
1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «من».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «عليه السلام»، و كذا فيما بعد.
3) . في «د»: «من العيب».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: - «فيه».
5) . مسند أحمد، ج 4، ص 164-165، ح 17540 و 17545 و 17546 و 17547؛ سنن ابن ماجة، ج 1، ص 44، ح 119؛ الجامع الصحيح، ج 5، ص 636، ح 3719؛ المعجم الكبير، ج 4، ص 16، ح 3511 و 3513.
6) . تاريخ مدينة دمشق، ج 42، ص 449، الرقم 4933؛ فرائد السمطين، ج 1، ص 177، ح 140؛ مجمع الزوائد، ج 7، ص 476، ح 12031؛ الخصال، ج 2، ص 496، ح 5؛ الأمالي للطوسي، ص 548، المجلس 20، ح 4/1168؛ جامع الأخبار، ص 13.
7) . في «ج، ص، ط، ف»: - «يأكل معي من هذا الطائر».
8) . الأمالي للصدوق، ص 655، المجلس 94، ح 3؛ الخصال، ج 2، ص 555، ح 31؛ الأمالي للطوسي، ص 253، المجلس 9، ح 44/452؛ الجامع الصحيح، ج 5، ص 636، ح 3721؛ المعجم الكبير، ج 1، ص 253، ح 730، و ج 7، ص 82، ح 6437، و ج 10، ص 282، ح 10667.
9) . في «ج، ط، ف»: - «إذا».
10) . في «د» و المطبوع و الحجري: «على التعظيم» بدل «على الفضل العظيم».
و الاختصاصِ الشديدِ، فقَد(1)كَشَفَت عن قُوّةِ الأسبابِ إلىٰ أشرَفِ الوِلاياتِ؛ لأنّ مَن كانَ أبهَرَ(2)فَضلاً، و أعلىٰ في الدِّينِ مَكاناً، فهو أَولىٰ بالتقديمِ، و أقرَبُ وسيلةً إلَى التعظيمِ؛ و لأنّ العادةَ فيمَن يُرشَّحُ(3)لشَريفِ الوِلاياتِ و يؤَهَّلُ (4)لعَظيمِها أن يُصنَعَ به و يُنبَّهَ عَلَيه ببعضِ ما قَصَصناه.
و قد قالَ قَومٌ مِن أصحابِنا: إنّ دَلالةَ الفِعلِ رُبَّما كانَت آكَدَ مِن دَلالةِ القَولِ ، و أبعَدَ مِن الشُّبهةِ ؛ لأنّ القَولَ يَدخُلُه(5)المَجازُ، و يَحتَمِلُ ضُروباً مِن التأويلاتِ لا يَحتَمِلُها الفِعلُ .
و أمّا(6)النَّصُّ بالقَولِ دونَ الفِعلِ : فيَنقَسِمُ (7)إلىٰ قِسمَينِ :
أحَدُهما: ما عَلِمَ سامِعوه مِن الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه مُرادَه مِنه بِاضطرارٍ، و إن كُنّا الآنَ نَعلَمُ ثُبوتَه(8)و المُرادَ مِنه(9)استدلالاً؛ و هو النَّصُّ الذي في ظاهرِه و لفظِه التصريحُ(10)بالإمامةِ و الخِلافةِ ، و يُسمّيهِ أصحابُنا «النَّصَّ الجَليَّ » كقَولِه عليه السلامُ : «سَلِّموا علىٰ عليٍّ بإمرةِ المؤمِنينَ »(11)، و «هذا خَليفَتي فيكُم مِن
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «و قد».
2) . في «د»: «أبهم».
3) . في «د»: «توشّح».
4) . في «د»: «و تؤهّل».
5) . في المطبوع: «بدخله»، و هو سهو.
6) . في «د» و المطبوع و الحجري: «فأمّا».
7) . في المطبوع: «ينقسم».
8) . في «ج، ص، ط»: «و إن كان الآن يُعلم ثبوته».
9) . في «د»: «به».
10) . في «د» و المطبوع و الحجري: «الصريح».
11) . الكافي، ج 2، ص 20، ح 766/1 (ج 1، ص 292، ح 1، ط. الإسلامية)؛ تفسير القمّي، ج 1،
بَعدي، فاسمَعوا له و أطيعوا»(1).
و القِسمُ الآخَرُ: لا نَقطَعُ(2)علىٰ أنّ سامِعيهِ مِن الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(3)عَلِموا النَّصَّ بالإمامةِ مِنه اضطراراً(4)، و لا يَمتَنِعُ عندَنا أن يَكونوا عَلِموه(5)استدلالاً مِن حَيثُ اعتبارِ دَلالةِ اللَّفظِ، و ما يَحسُنُ أن يَكونَ المُرادُ به(6)أو لا يَحسُنُ .
فأمّا نحنُ فلا نَعلَمُ ثُبوتَه و المُرادَ به إلّااستدلالاً، كقَولِه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(7):
«أنتَ مِنّي بمَنزِلةِ هارونَ مِن موسىٰ ، إلّاأنّه لا نَبيَّ بَعدي(8)»(9)، و «مَن كُنتُ مَولاه فعَليٌّ مَولاه»(10). و هذا الضربُ مِن النَّصِّ هو الذي يُسمّيهِ أصحابُنا «النَّصَّ الخَفيَّ ».
ص 389؛ تفسير العيّاشي، ج 2، ص 268، ح 64؛ الإرشاد، ج 1، ص 48؛ روضة الواعظين، ج 1، ص 234؛ إعلام الورى، ج 1، ص 307.
1) . الأمالي للطوسي، ص 583، المجلس 24، ح 11/1206؛ إعلام الورىٰ ، ج 1، ص 322؛ المناقب لابن شهر آشوب، ج 2، ص 25.
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «و الضرب الآخر: لا يقطع».
3) . في «د، ص، ط، ف»: «عليه السلام».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «بالاضطرار».
5) . في «ج، ص، ف»: «علموا».
6) . في المطبوع و الحجري: - «به».
7) . في «د، ط»: «عليه السلام».
8) . في «ج، د، ص، ف»: - «إلّا أنّه لا نبيّ بعدي».
9) . الكافي، ج 15، ص 262، ح 14895/80 (ج 8، ص 107، ح 80، ط. الإسلامية)؛ الأمالي للصدوق، ص 46، المجلس 11، ح 4، و ص 96، المجلس 21، ح 1، و ص 174، المجلس 32، ح 7؛ الخصال، ج 1، ص 311، ح 87، و ج 2، ص 554، ح 31؛ صحيح البخاري، ج 4، ص 1602، ح 4154؛ صحيح مسلم، ج 4، ص 1870، ح 30/2404 و 31/2404 و 32/2404؛ سنن ابن ماجة، ج 1، ص 42، ح 115، و ص 45، ح 121.
10) . الكافي، ج 2، ص 8، ح 759/1، و ص 24، ح 768/3، و ج 7، ص 601، ح 6590/3 (ج 1، ص 286، ح 1، و ص 294، ح 3، و ج 4، ص 149، ح 3، ط. الإسلامية)؛ كتاب من لا يحضره
ثُمّ النَّصُّ بالقَولِ يَنقَسِمُ قِسمةً أُخرىٰ إلىٰ ضَربَينِ :
فضَربٌ مِنه تفرَّدَ بنَقلِه الشيعةُ الإماميّةُ خاصّةً ، و إن كانَ بعضُ مَن لَم يَفطَنْ بما(1)عَلَيه فيه مِن أصحابِ الحديثِ قد رَوىٰ شيئاً مِنه، و هو النَّصُّ المَوسومُ ب «الجَليِّ ».
و الضربُ الآخَرُ رَواه الشيعيُّ و الناصبيُّ و تَلَقّاه جميعُ الأُمّةِ بالقَبولِ (2)علَى اختلافِها، و لَم يَدفَعْه مِنهم أحَدٌ يُحفَلُ بدَفعِه أو(3)يُعَدُّ مِثلُه خِلافاً، و إن كانوا قد اختَلَفوا في تأويلِه و تَبايَنوا في اعتقادِ المُرادِ به(4)، و هو النَّصُّ المَوسومُ ب «الخَفيِّ » الذي ذَكرناه ثانياً.
الفقيه، ج 1، ص 229، ذيل ح 686، و ج 2، ص 559، ح 3144؛ تهذيب الأحكام، ج 3، ص 144، ح 317، و ص 263، ح 746؛ سنن ابن ماجة، ج 1، ص 45، ح 121؛ الجامع الصحيح، ج 5، ص 633، ح 3713؛ المعجم الكبير، ج 3، ص 179، ح 3049، و ج 4، ص 16، ح 3514، و ص 173، ح 4052.
و نحنُ الآنَ نَشرَعُ في الدَّلالةِ علَى النَّصِّ الجَليِّ؛ لأنّه الذي تفرَّدَ أصحابُنا به(1)، و كلامُ صاحبِ الكتابِ في هذا الفَصلِ كأنّه مقصورٌ عَلَيه.
فأمّا النُّصوصُ الباقيةُ فسيَجيءُ الكلامُ في تأويلِها و إبطالِ ما جَرَحَ المخالِفونَ فيها فيما بَعدُ بعَونِ اللّٰهِ تَعالىٰ.(2)
و الطريقُ إلىٰ تصحيحِ النَّصِّ الذي ذَكرناه: أن نبيِّنَ صفةَ الجماعةِ التي إذا أخبَرَت كانَت صادقةً ، و الشروطَ التي معها يَكونُ (3)خبرُها دَلالةً (4)و موصِلاً(5)إلَى العِلمِ بالمُخبَرِ، ثُمّ نبيِّنَ أنّ تلكَ الصفاتِ و الشروطَ حاصلةٌ في نَقلِ الشيعةِ للنَّصِّ علىٰ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ .
أمّا شُروطُ الجماعةِ التي إذا أخبَرَت أمكَنَ أن يُعلَمَ صحّةُ مُخبَرِها فثَلاثةٌ :
[1.] أحَدُها: أن يَنتَهيَ في الكَثرةِ إلىٰ حَدٍّ لا يَصِحُّ معه أن يَتَّفِقَ الكَذِبُ
عن(1)المُخبَرِ الواحدِ فيها(2).
[2.] و الشرطُ الآخَرُ: أن يُعلَمَ أنّه لَم يَجمَعْها علَى الكَذِبِ جامعٌ ؛ مِن تَواطؤٍ أو(3)ما يَقومُ مَقامَه.
[3.] و الآخَرُ(4): أن يَكونَ اللَّبسُ و الشُّبهةُ زائلَينِ عمّا خَبَّرَت عنه.
هذا إذا كانَ الكلامُ في الجماعةِ المُخبِرةِ عن المُخبَرِ بلا واسطةٍ ، فإن كانَت مُخبِرةً عن غَيرِها وَجَبَ اعتبارُ هذه الشروطِ فيمَن خَبَّرَت عنه حتّىٰ يُعلَمَ (5)أنّ الجماعاتِ التي خَبَّرَت عنها هذه الجماعةُ صفتُها فيما ذَكرناه صفةُ هذه الجماعةِ ، و به نَقطَعُ علىٰ أنّه لَم يَتوسَّطْ بَينَها و بَينَ المُخبَرِ عنه جماعةٌ لَم تَكمُلْ لها هذه الشروطُ.
فإن قالَ قائلٌ : بيِّنوا تأثيرَ الشروطِ التي ذَكَرتموها في العِلمِ بصحّةِ الخبرِ، و أنّ فَقدَها أو فَقدَ بعضِها مُخِلٌّ بالعِلمِ بصحّتِه، و وجودَها محصِّلٌ لطريقِ (6)العِلمِ ، ثُمّ بيِّنوا كَيفَ السبيلُ إلَى العِلمِ بحُصولِها؟ و ما الطريقُ إليه ؟
قيلَ له: أمّا تأثيرُ الشروطِ المذكورةِ فبيِّن:
[1.] لأنّ الجماعةَ إذا لَم تَبلُغِ الحَدَّ الذي يَستَحيلُ عَلَيها عندَ بُلوغِه الكَذِبُ عن
المُخبَرِ المخصوصِ اتّفاقاً، لَم نأمَنْ (1)مِن(2)وقوعِ الكَذِبِ مِنها علىٰ هذا الوجهِ ، كما أنّ الواحدَ و الاثنَينِ إذا أخبَرا(3)عن أمرٍ، لَم نأمَنْ (4)في خبرِهما أن يَكونَ كَذِباً؛ مِن حَيثُ كانَ ما ذَكرناه مِن اتّفاقِ الكَذِبِ غَيرَ مأمونٍ مِنهما(5).
[2.] و كذلكَ متىٰ لَم نَعلَمْ (6)أنّها لَم تَتَواطأْ(7)، أو حَصَلَ (8)منها(9)ما يَقومُ مَقامَ التواطؤِ، جَوَّزنا أن يَكونَ الكَذِبُ وَقَعَ مِنها علىٰ سَبيلِ التواطؤِ؛ لأنّا نَعلَمُ أنّ بالتواطؤِ يَجوزُ علَى الجماعةِ ما يَستَحيلُ لَولاه.
[3.] و الشُّبهةُ و وقوعُ اللَّبسِ أيضاً ممّا يَجمَعُ علَى الكَذِبِ ؛ ألا تَرىٰ إلىٰ جوازِ الكَذِبِ علَى الخَلقِ العظيمِ منَ المُبطِلينَ في الإخبارِ عن دياناتِهم و مَذاهبِهم التي اعتَقَدوها بالشُّبُهاتِ ، أو بما يَجري مَجراها مِن التقليدِ؟ و إنّما جازَ أن يُخبِروا(10)- مع كَثرتِهم - بالكَذِبِ علىٰ سَبيلِ الشُّبهةِ و إن لَم يَكُن هناكَ تَواطؤٌ؛ لأنّ الشُّبهةَ تُخَيِّلُ (11)لهُم كَونَ الخبرِ(12)صِدقاً(13)و المَذهَبِ حقّاً.
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «لم يأمن».
2) . في «د»: - «من».
3) . في «ج»: «إذا أخبرنا».
4) . في «ص، ف»: «لم يأمن».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «فيهما».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «لم يعلم».
7) . في «ص، ف»: «لم يتواطأ».
8) . في «د»: «و حصل».
9) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و الحجري: «منها». و في «د» و المطبوع: «فيها».
10) . في «ص»: + «عنه».
11) . في «د، ص»: «تحيل».
12) . في «ص»: «المخبر».
13) . في «د» و المطبوع و الحجري: «صادقاً».
فكما أنّهم إذا عَلِموه صِدقاً جازَ أن يُخبِروا عنه مع الكَثرةِ مِن غَيرِ تَواطؤٍ، و كانَ عِلمُهم بأنّه صِدقٌ يَدعوهم إلَى الخبرِ و يَقومُ مَقامَ السببِ الجامعِ، فكذلكَ إذا اعتَقَدوا فيما لَيسَ بهذه الصفةِ أنّه عَلَيها؛ لأنّ المعتبَرَ فيما يَجري هذا المَجرىٰ هو بالاعتقادِ، لا بما عَلَيه الشيءُ في نفسِه، و لهذا يَجوزُ أن يُختارَ الكَذِبُ علَى الصِّدقِ في بعضِ المَواضعِ مع تَساويهِما في المَنافعِ و دَفعِ المَضارِّ متَى اعتُقِدَ في الكَذِبِ أنّه صِدقٌ.
و لا فَرقَ فيما شَرَطناه(1)مِن ارتفاعِ اللَّبسِ و الشُّبهةِ، بَينَ أن يَكونَ المُخبَرُ عنه مُشاهَداً أو غَيرَ مُشاهَدٍ؛ لأنّ الشُّبهةَ كما يَصِحُّ دخولُها فيما لَيسَ بمُشاهَدٍ(2)كالدِّياناتِ و ما أشبَهَها، فقَد يَصِحُّ دخولُها في المُشاهَدِ علىٰ بعضِ الوجوهِ.
و لهذا نُبطِلُ(3)نَقلَ اليَهودِ و النَّصارىٰ صَلبَ المَسيحِ(4)عليه السلامُ ، و نَقولُ : إنّ نَقلَهم لَو اتّصَلَ بالمُخبَرِ عنه - مع استيفاءِ جميعِ أسلافِهم للشُّروطِ الحاصلةِ في هؤلاءِ الأخلافِ مِن الكَثرةِ و غَيرِها - لَأمكَنَ أن يَكونَ خبرُهم باطلاً مِن جهةِ الشُّبهةِ و وقوعِ الالتباسِ .
لأنّ المصلوبَ لا بُدَّ أن يَتغيَّرَ(5)حِليتُه، و تُنكَرَ(6)صورتُه، فلا يَعرفَه كثيرٌ ممّن كانَ يَعرفُه، و بُعدُه عن الناظِرينَ مُعينٌ أيضاً علىٰ دخولِ الشُّبهةِ .
و لأنّ اليهودَ الذينَ ادَّعَوا قَتلَه لَم يَكُن(1)لهُم به معرفةٌ مُستَحكَمةٌ؛ لأنّه(2)لَم يَكُن مُخالِطاً لهُم و لا مُكاسِراً(3)، و مَن هذه صورتُه لا يَمتَنِعُ أن(4)يَشتَبِهَ(5)بغَيرِه.
و قد قيلَ : إنّ اللّٰهَ سُبحانَه(6)ألقىٰ شَبَهَ المَسيحِ علىٰ غَيرِه،(7)و أنّ ذلكَ ممّا يَجوزُ علىٰ عَهدِ الأنبياءِ ، و إن كانَ غَيرَ جائزٍ في أحوالٍ أُخَرَ.
و كُلُّ هذه الوجوهِ تَرجِعُ إلَى الشُّبهةِ و اللَّبسِ ، فلذلكَ ذَكرناها، و إن كانَت كالخارجةِ عن مَقصَدِنا، فلا بُدَّ مِن اشتراطِ ارتفاعِ الشُّبهةِ في المُخبَرِ عنه، مُشاهَداً كانَ أو غَيرَ مُشاهَدٍ.
و إنّما شَرَطنا في الجماعاتِ المُتوسِّطةِ بَينَ(8)المُخبَرِ عنه مِثلَ ما شَرَطناه في
الجماعةِ التي تَلينا؛ لأنّا متىٰ لَم(9)نَعلَمْ ذلكَ، جَوَّزنا كَونَ الجماعةِ المُخبِرةِ لنا صادقةً عمّن خَبَّرَت(10)عنه و إن كانَ الخبرُ في الأصلِ باطلاً؛ فلَيسَ(11)يَصِحُّ أن يُعلَمَ كَونُ
1) . في التلخيص: «لم تكن».
2) . في «ج، ص، ط»: «و لأنّه».
3) . في «ج، د، ص، ط» و الحجري: «و لا مكابراً». و في التلخيص: «و لا مكاثراً». و المُكاسِرُ مِن الجيرانِ : القريبُ مِنكَ ، الذي كِسْرُ بيتِه إلىٰ كِسْرِ بيتِكَ . يُقال: فلانٌ مُكاسِري، أي جاري. راجع: تهذيب اللغة، ج 10، ص 31؛ المحيط في اللغة، ج 6، ص 181؛ الصحاح، ج 2، ص 806 (كسر).
4) . في «ص»: - «لا يمتنع أن».
5) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: + «الحال فيه».
6) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «تعالىٰ ».
7) . تاريخ الطبري، ج 1، 434-435؛ البداية و النهاية، ج 2، ص 110.
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «عن».
9) . في «ص»: - «لم».
10) . في التلخيص: «أخبرت».
11) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «و ليس».
الخبرِ في الأصلِ صِدقاً و المُخبَرِ عنه علَى الحَدِّ الذي تَناوَلَه الخبرُ إلّابأن تَحصُلَ(1)الشروطُ المذكورةُ في طَبَقاتِ المُخبِرينَ.
و مِن هاهُنا لَم نَلتَفِتْ(2)إلىٰ أخبارِ اليهودِ عن تأبيدِ(3)الشرعِ، و أخبارِهم و أخبارِ النَّصارىٰ عن صَلبِ المَسيحِ عليه السلامُ؛ مِن حَيثُ كانَ نَقلُهم يَنتَهي إلىٰ عَدَدٍ قَليلٍ لا يَصِحُّ أن يؤمَنَ فيه(4)التواطؤُ و غَيرُه.
و إنّما قُلنا: إنّ تكامُلَ الشروطِ التي وَصَفنا مُقتَضٍ كَونَ الخبرِ صِدقاً؛ مِن حَيثُ خبرُ الجماعةِ الموصوفةِ لمّا لَم يَخلُ(5)مِن أن يَكونَ صِدقاً أو كَذِباً، و كان وقوعُه كَذِباً لا بُدَّ أن يَكونَ إمّا اتّفاقاً(6)أو لتَواطؤٍ أو لشُبهةٍ، و قد عَلِمنا ارتفاعَ كُلِّ ذلكَ، فوَجَبَ أن يَكونَ صِدقاً؛ لأنّه لا يُمكِنُ أن يُقالَ: إنّ كَونَه كَذِباً يَقتَضي الإجماعَ (7)عَلَيه، و لا يَحتاجُ إلىٰ أحَدِ الأقسامِ التي ذَكَرتموها، كما تَقولونَ (8)في الصِّدقِ (9)لأنّا سنُبِينُ عن بُطلانِ تَساوي الصِّدقِ و الكَذِب في هذا الوجهِ .(10)
1) . في «ج، د، ص، ف» و الحجري: «يحصل».
2) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «لا يُلتفت».
3) . في «د، ص، ط» و التلخيص: «تأييد».
4) . في «د»: «لا يؤمن فيه»، و في التلخيص: «لا يؤمن منهم» بدل «لا يصحّ أن يؤمن فيه».
5) . في «ج، ص»: «لم تخل».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «لا بدّ إمّا أن يكون اتّفاقاً».
7) . هكذا في «د، ص» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «الإجتماع».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «ذكرتموها يقولون».
9) . و في التلخيص: «كما أنّ الصدق يقتضي ذلك» بدل «و لا يحتاج إلى أحد الأقسام التي ذكرتموها كما تقولون في الصدق».
10) . يأتي بعد قليل، عند قوله: «و ليس لأحد أن يقول: إذا جاز...».
و أمّا الطريقُ إلَى العِلمِ بحُصولِ هذه الشُّروطِ في الجماعةِ فواضحٌ ؛ لأنّه مُتعلِّقٌ بالعاداتِ ، و لا شيءَ أجلىٰ ممّا استنَدَ إليها.
[1.] أمّا اتّفاقُ الكَذِبِ عن المُخبَرِ الواحدِ، فكُلُّ مَن عَرَفَ العاداتِ يَعلَمُ ضَرورةً أنّه لا يَقَعُ(1)مِن الجماعةِ، و أنّ حالَ الجماعةِ فيه مُخالِفةٌ لحالِ الواحدِ و الاثنَينِ.
و لهذا يَجوزُ أن يُخبِرَ أحَدُ مَن حَضَرَ الجامعَ يَومَ الجُمُعةِ ب «أنّ الإمامَ سَها، فتَنكَّسَ(2)علىٰ رأسِه مِن المِنبَرِ» و هو كاذبٌ، و لا يَجوزُ أن يُخبِرَ جميعُ مَن حَضَرَ الجامعَ بذلكَ إلّالتَواطؤٍ أو ما يَقومُ مَقامَه.
و قد مَثَّلَ المتكلِّمونَ(3)امتناعَ وقوعِ الكَذِبِ مِنهم إذا لَم يَكُن تَواطؤٌ بامتناعِ
وقوعِ تَصرُّفٍ مخصوصٍ، و لباسٍ معيَّنٍ، و أكلِ شيءٍ واحدٍ، و نَظمِ قَصيدةٍ بعَينِها مِنهم، مِن غَيرِ أن يَكونَ لهُم(4)سببٌ جامعٌ.
و مَثَّلوه أيضاً بما هو معلومٌ مِن استحالةِ أن يُخبِرَ الواحدُ أو الجماعةُ(5)عن الأُمورِ الكثيرةِ، فيَقَعَ خبرُهم بالاتّفاقِ صِدقاً مِن غَيرِ عِلمٍ تَقدَّمَ، و بما نَعلَمُه(6)أيضاً مِن استحالةِ وقوعِ الكتابةِ المنتَظِمةِ (7)أو الصَّنعةِ المُحكَمةِ مِن الجماعةِ و هي جاهلةٌ بما وقَعَ مِنها علىٰ سَبيلِ الاتّفاقِ ، و إن كانَ كُلُّ واحدٍ مِنها يَجوزُ أن يَقَعَ مِنه كتابةُ الحَرفِ و الحَرفَينِ .
و كُلُّ الذي ذَكَروه صحيحٌ . و لَيسَ مَنزِلةُ العِلمِ بِاستحالةِ وقوعِ الكَذِب اتّفاقاً مِن
الجماعةِ الكَثيرةِ مِن غَيرِ تَواطؤٍ بأدوَنَ رُتبةً و أخفىٰ عندَ العُقَلاءِ مِن جميعِ ما ذُكِر؛ بَل مَنزِلةُ هذه العُلومِ أجمَعَ عندَ مَن خَبَرَ العاداتِ واحدةٌ، و إنّما يُحمَلُ بعضُها علىٰ بعضٍ علىٰ سَبيلِ الكَشفِ و الإيضاحِ ، و إلّافالكُلُّ علىٰ حَدٍّ واحدٍ.
و لَيسَ يُخرِجُ العِلمَ الذي ذَكرناه مِن حَيِّزِ الضَّرورةِ وقوعُه عندَ ضَربٍ مِن الاختبارِ(1)للعادةِ ؛ لأنّه غَيرُ ممتَنِعٍ في العُلومِ الضروريّةِ أن تَقَعَ (2)عندَ تَقدُّمِ اختبارٍ(3)أو غَيرِه؛ كالعِلمِ بالصَّنائعِ و وقوعِه عندَ(4)مُزاوَلتِها، و الحِفظِ الواقعِ عندَ الدَّرسِ .
و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ : إذا جازَ أن يُخبِرَ الجماعةُ الكثيرةُ بالصِّدقِ مِن(5)غَيرِ تَواطؤٍ، فألّا جازَ أن يُخبِرَ(6)الجماعةُ الكثيرةُ (7)بالكَذِبِ علىٰ هذا الوجهِ؟ و أيُّ فَرقٍ بَينَ الأمرَينِ؟
لأنّ مُفارَقةَ الصِّدقِ للكَذِبِ في هذا البابِ معلومةٌ؛ مِن جهةِ أنّ الصِّدقَ يَجري في العادةِ مَجرىٰ ما حَصَلَ فيه سببٌ جامعٌ ، و عِلمُ الجماعةِ بكَونِه صِدقاً داعٍ إليه و جامعٌ عَلَيه، و لَيسَ كذلكَ الكَذِبُ ؛ لأنّ الكَذِبَ لا بُدَّ في فِعلِه مِن أمرٍ زائدٍ و سببٍ جامعٍ .
و لِصحّةِ ما ذَكرناه ما استَحالَ في العادةِ أن يُخبِرَ أهلُ بَلَدٍ كَبيرٍ بوقوعِ حادثةٍ
عظيمةٍ و هم كاذِبونَ مِن غيرِ تَواطؤٍ أو ما يَقومُ مَقامَه(1)، و جازَ أن يُخبِروا(2)بذلكَ و هُم صادقونَ مع ارتفاعِ التواطؤِ.
[2.] فأمّا ما به يُعلَمُ ارتفاعُ التواطؤِ عن الجماعةِ، فهو أنّ التواطؤَ إمّا أن يَكونَ واقعاً بالمُلاقاةِ و المُشافَهةِ، أو بالمُكاتَبةِ و المُراسَلةِ. و رُبَّما تَكرَّرَت هذه الأُمورُ فيه بمَجرَى العادةِ، بَل الغالبُ تَكرُّرُها(3)لأنّ الجماعاتِ الكثيرةَ العَدَدِ لا يَستَقِرُّ(4)بَينَها(5)ما يُعمَلُ عليه و يُجمَعُ(6)علَى الإخبارِ به مِن أوّلِ وَهلةٍ و بأيسَرِ سببٍ.
و ما هذه حالُه لا بُدَّ أن يَظهَرَ ظُهوراً يَشتَرِكُ(7)كُلُّ مَن كانَ له اختلاطٌ بالقَومِ في المعرفةِ (8)به؛ حتّىٰ يَجِبُ عندَ عدمِ ظُهورِه القَطعُ علَى انتفائِه(9). و ظُهورُ ما يَقَعُ مِن تَواطؤِ الجماعةِ واجبٌ في الجماعةِ القليلةِ العددِ أيضاً، حتّىٰ إنّ مَن خالَطَها علىٰ قِلّةِ عَدَدِها لا بُدَّ أن يَقِفَ علىٰ ذلكَ إن وقَعَ مِنها. و إذا وَجَبَ ظُهورُ ما ذَكرناه فيمَن قَلَّ عَدَدُه مِن الجماعاتِ (10)، فهو في العَدَدِ الكَثيرِ أَوجَبُ .
علىٰ أنّ الجماعةَ رُبَّما بَلَغَت في الكَثرةِ مَبلَغاً يَستَحيلُ معه(11)عَلَيها التواطؤُ
1) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «و هم كاذبون مع تواطؤ و ما يقوم مقامه».
2) . في المطبوع: «أن يخبر».
3) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «تكرّره».
4) . في «ص، ط، ف»: «لا تستقرّ».
5) . في «ص، ط»: «منها». و في التلخيص: «نيّتها علىٰ ».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «و يُجتمع». و في التلخيص: «لا تستقرّ نيّتها علىٰ ما تعمل عليه و تجتمع».
7) . في «ط، ف»: «يشرك».
8) . في التلخيص: «بالمعرفة».
9) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «حتّى يؤدّي عند عدم ظهوره إلى وجوب القطع على انتفائه».
10) . في «ج، ص، ط، ف»: «فيمن عدده من الجماعات قليل».
11) . في «د»: «معها».
جُملةً، و يُقطَعُ(1)علىٰ تَعذُّرِه؛ لأنّا نَعلَمُ أنّ أهلَ بَغدادَ بأسرِهم لا يَجوزُ أن يُواطئوا جميعَ(2)أهلِ خُراسانَ؛ لا بِاجتماعٍ (3)و مُشافَهةٍ ، و لا بمُكاتَبةٍ و مُراسَلةٍ .
و أمّا الأسبابُ الجامعةُ علَى الأفعالِ القائمةُ مَقامَ التواطؤِ كتَخويفِ السُّلطانِ و إرهابِه، فلا بُدَّ أيضاً مِن ظُهورِها و وقوفِ الناسِ عَلَيها؛ لأنّه لَيسَ يَجمَعُ الجماعةَ علَى الأمرِ الواحدِ مِن خَوفِ السُّلطانِ إلّاما ظَهَرَ لهُم ظُهوراً شَديداً. و ما بَلَغَ في(4)الظهورِ هذا المَبلَغَ لا بُدَّ أن يَكونَ معروفاً، فمتىٰ لَم تَكُنِ (5)المَعرفةُ به حاصلةً وَجَبَ القطعُ علَى ارتفاعِه.
[3.] فأمّا ما يُعلَمُ به زوالُ(6)الشُّبهةِ و اللَّبسِ عمّا خبَّرَت عنه الجماعةُ، فهو أنّ الشُّبهةَ إنّما تدخُلُ فيما يَرجِعُ إلَى المَذاهبِ و الاعتقاداتِ، و تَخرُجُ (7)عن بابِ ما
يُعلَمُ ضَرورةً (8)علَى الوجهِ الذي ذَكرناه فيما تَقدَّمَ ، فإذا كانَ خبرُ الجماعةِ عن أمرٍ معلومٍ بالمُشاهَدةِ ضَرورةً خَرَجَ عن هذا البابِ .
و قد تدخُلُ الشُّبهةُ (9)و يَقَعُ الالتباسُ أيضاً في الأشياءِ (10)المُدرَكةِ (11)علىٰ بعضِ
1) . هكذا في «د، ط» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و نقطع».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: - «جميع».
3) . في «ص»: «لا بإجماع».
4) . في المطبوع: «من».
5) . في النسخ و الحجري: «لم يكن». و ما أثبتناه من المطبوع و التلخيص.
6) . في المطبوع و الحجري: «ارتفاع».
7) . في «ص، ط»: - «و تخرج». و في «ج، د، ف» و الحجري و المطبوع: «و يخرج». و ما أثبتناه من التلخيص.
8) . في «ص، ط»: «صدوره».
9) . في «د»: «بالشبهة».
10) . في «ج، ص»: «في الأشباه».
11) . في «د»: «المذكورة».
الوجوهِ ؛ لأنّ المُشاهِدَ(1)للشيءِ مِن بُعدٍ رُبَّما اشتَبَهَ عَلَيه أمرُه حتّىٰ يَعتَقِدَ فيه خِلافَ الحقِّ ، كما يُصيبُ مَن شاهَدَ السَّرابَ فَاعتَقَدَ(2)أنّه ماءٌ . و كذلكَ قد يُسمَعُ الكلامُ مِن بُعدٍ فيَشتَبِهُ علَى السامعِ .
إلّا أنّا نُفَرِّقُ بَينَ أحوالِ المُدرَكاتِ، و نُمَيِّزُ بَينَ ما يَصِحُّ اعتراضُ (3)الشُّبهةِ فيه و ما لا يَصِحُّ أن يَعترِضَه شُبهةٌ ؛ فمتىٰ كانَ الخبرُ مُتَناوِلاً لحالٍ لا تدخُلُ (4)الشُّبهةُ في مِثلِها، و تكامَلَت شروطُه(5)الباقيةُ ، قَطَعنا علىٰ صحّتِه.
فأمّا حُصولُ الشرائطِ(6)المذكورةِ في جميعِ الطبقاتِ ، فيُعلَمُ (7)بما يَرجِعُ إلَى العادةِ أيضاً؛ لأنّها جاريةٌ بأنّ الأقوالَ التي تَظهَرُ و تَنتَشِرُ(8)بَعدَ أن لَم تَكُن(9)كذلكَ لا بُدَّ أن يُعرَفَ (10)ذلكَ مِن حالِها، حتّىٰ يُعلَمَ الزمانُ الذي ابتَدأَت فيه بعَينِه، و الرجالُ الذينَ ابتَدَعوها(11)و تَولَّوا إظهارَها.
1) . في «ص»: «المشاهدة».
2) . في «د، ف» و المطبوع و الحجري: «و اعتقد».
3) . في «ص، ط»: «اعراض».
4) . في «د، ف»: «لا يدخل».
5) . في المطبوع و الحجري: «شروطها».
6) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «الشروط».
7) . في «ج»: «فتعلم». و في «ص، ط، ف»: «فنعلم».
8) . هكذا في «د، ف» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و تنشر».
9) . في «ج، د، ص، ط، ف»: «لم يكن».
10) . في «ج، ص، ط، ف»: «أن تعرف».
11) . في التلخيص: «أبدعوها».
و حُكمُ الأخبارِ التي يَقوىٰ فُروعُها(1)و يَرجِعُ نَقلُها إلىٰ آحادٍ أو جماعةٍ قليلةِ العَدَدِ هذا الحُكمُ، و لا بُدَّ فيمَن كانَت له خِلْطةٌ بأهلِ الأخبارِ مِن أن يَكونَ عارفاً بحالتَي ضَعفِها و قوّتِها.
بهذا جَرَت العاداتُ(2)في المَذاهبِ و الأقوالِ الحادثةِ بَعدَ أن كانَت مفقودةً، و القَويّةِ بَعدَ الضَّعفِ ، كما عَلِمناه مِن حالِ الخَوارجِ (3)و الجَهميّةِ (4)و النَّجّاريّةِ (5)
1) . في «د»: «وقوعها». و في التلخيص: «تقوى فروعها».
2) . في «ص»: «العادة».
3) . الخوارج: كلّ من خرج على الإمام الحقّ الذي اتّفقت الجماعة عليه، سواء كان الخروج في أيّام الصحابة، أو كان بعدهم. و أظهر مصاديقهم خوارج صفّين و النهروان. و فرقهم كثيرة، منها: المحكّمة الأُولى، و هم الذين خرجوا على أمير المؤمنين عليه السلام حين جرى أمر الحكمين، و اجتمعوا بحروراء من ناحية الكوفة برئاسة عبد اللّٰه بن الكوّاء، و حرقوص بن زهير البجلي المعروف بذي الثديّة و غيرهما. و منها: الأزارقة، و هم أصحاب أبي راشد نافع بن الأزرق. و منها: النجَدات العاذريّة، و هم أصحاب نجدة بن عامر الحنفي. و منها: العجاردة، و هم أصحاب عبد الكريم بن عجرد. و منها: الإباضيّة، و هم أصحاب عبد اللّٰه بن إباض... و غيرها، و لكلّ من هذه الفرق شعب و آراء كثيرة. راجع: الملل و النحل للشهرستاني، ج 1، ص 131-132؛ الفَرق بين الفِرق، ص 54-56؛ مقالات الإسلاميّين، ص 86 و ما بعدها.
4) . الجهميّة: أصحاب جهم بن صفوان السمرقندي، و هو من الجبريّة الخالصة. ظهرت بدعته بترمذ و قتله مسلم بن أحوز المازني بمرو في آخر ملك بني أُميّة سنة 128 ه. وافق المعتزلة في نفي الصفات الأزلية و زاد عليهم بأشياء: زعم أنّ الإيمان هو المعرفة باللّٰه تعالىٰ فقط و أنّ الكفر هو الجهل به فقط، و أنّ الإيمان غير قابل للتبعيض، فإيمان الأنبياء و إيمان غيرهم سواء في المرتبة، و أنّ الجنّة و النار تبيدان و تفنيان، و أنّ الأفعال في الحقيقة للّٰه تعالىٰ و الإنسان مجبور على أفعاله، و غير ذلك من آرائه. الملل و النحل للشهرستاني، ج 1، ص 97، الرقم 1؛ الفَرق بين الفِرق، ص 199.
5) . النجّاريّة: أصحاب الحسين بن محمّد بن عبد اللّٰه النجّار الرازي (م 220 ه) رأس الفرقة النجّاريّة من المجبرة. كان حائكاً، و قيل: يعمل الموازين. و هو من متكلّمي المجبرة، و له مع النظّام مطارحات و مناظرات مسجّلة في كتب الكلام. وافق أهل السنّة في مسألة القضاء و القدر،
و مَن جَرىٰ مَجراهم ممّن أحدَثَ مَقالةً لَم تَتقَدَّمْ (1)، حتّىٰ فَرَّقَ أهلُ الأخبارِ بأسرِهم بَينَ زمانِ حُدوثِ أقوالِهم و الزمانِ الذي كانَت فيه أقوالُهم مفقودةً ، و بَينَ الأحوالِ التي تَظاهَرَت فيه مَذاهبُهم و انتَشَرَت في الجماعاتِ و الأحوالِ التي كانَت فيها مقصورةً علَى العَدَدِ القليلِ .
و هذا في بابِه يَجري في وجوبِ الظهورِ مَجرىٰ ما نوجِبُه(2)مِن ظُهورِ التواطؤِ متىٰ وَقَعَ مِن الجماعاتِ .
و قد قيلَ : إنّ أحَدَ ما يُعلَمُ به استيفاءُ الجماعاتِ (3)المتوسِّطةِ في النقلِ للشروطِ أن تَنقُلَ (4)إلينا الجماعةُ التي تَلينا أنّها أخَذَت الخبرَ المخصوصَ عن جماعةٍ لها(5)مِثلُ صفتِها، و أنّ تلكَ الجماعةَ أخبَرَتها(6)بأنّها أخَذَت أيضاً الخبرَ عن جماعةٍ هذه صفتُها، حتّىٰ يَتَّصِلَ النقلُ بالمُخبَرِ عنه.
و اكتساب العباد، و الوعد و الوعيد، و إمامة أبي بكر، و وافق المعتزلة في نفي الصفات، و خلق القرآن، و نفي الرؤية. و امتاز بآراء، منها: تفصيله في مسألة خلق القرآن بين ما إذا قرئ فهو عرض، و إذا كتب فهم جسم. و منها: تعريفه الإيمان بالتصديق، و أنّ من ارتكب الكبيرة و مات عليها عوقب على ذلك و لكنّه يجب أن يخرج من النار امتيازاً له عن الكفّار الخالدين في النار. له كتب كثيرة، منها: البذل في الكلام، و المخلوق، و إثبات الرسل، و الإرجاء، و القضاء و القدر، و الثواب و العقاب، و غير ذلك. الفَرق بين الفِرق، ص 195-197؛ مقالات الإسلاميّين، ص 135؛ الملل و النحل للشهرستاني، ج 1، ص 100، الرقم 100.
1) . في «ج، د، ص، ط، ف»: «لم يتقدّم».
2) . في التلخيص: «ما يوجبه».
3) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «الجماعة».
4) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «أن ينقل». و في التلخيص: «أن تقول» بدل «أن ينقل إلينا».
5) . في «ص، ف»: + «في».
6) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «أخبرتهم».
و هذا وجهٌ؛ لأنّ العِلمَ بحالِ الجماعةِ(1)في امتناعِ التواطؤِ و الاتّفاقِ علَى الكَذِبِ فيها(2)ضَروريٌّ، يَحصُلُ لكُلِّ مَن خالَطَهم و اختَبَرَ العادةَ في أمثالِهم. و إذا كانَ العِلمُ بحالِهم ضَروريّاً - و خَبَّرَت الجماعةُ التي تَلينا عن تلكَ الحالِ، و قد عَرَفنا ثُبوتَ الشروطِ فيهم - وَجَبَ أن تَكونَ صادقةً، و جَرىٰ خبرُها عن حالِ الجماعةِ - التي نقَلَت عنها في أنّه لا يَكونُ إلّاصِدقاً - مَجرىٰ نفسِ الخبرِ الذي تَلَقَّته(3)عن(4)الجماعةِ؛ فكما لا يَجوزُ أن تَكونَ كاذبةً في أنّها تَلقَّت(5)ذلكَ عن غَيرِها و سَمِعَته(6)منه، فكذلكَ (7)لا يَجوزُ أن تَكونَ كاذبةً فيما خَبَّرَت به مِن صفتِه؛ لأنّ الأمرَينِ جميعاً يَرجِعان إلَى الضرورةِ ، و لَيسَ ممّا يَصِحُّ أن تَعتَرِضَ (8)فيه الشُّبهةُ .
و هذا يُبطِلُ قَولَ مَن اعترَضَ هذا الوجهَ ، بأن قالَ : لَعلَّهم غالِطونَ فيما خَبَّروا به مِن صفةِ الجماعةِ ، و متوهِّمونَ (9)ما لا أصلَ له.
و يُبطِلُ أيضاً قَولَه: كَيفَ السبيلُ إلَى العِلمِ بتَساوي الجماعاتِ في العَدَدِ، و هو أمرٌ غَيرُ مُنضَبِطٍ و لا مُنحَصِرٍ؟ و مِن أيِّ وجهٍ يَعلَمُ الجماعةُ التي تَليها(10)مُساواةَ مَن نَقَلَت عنه لها في الكَثرةِ و العَدَدِ؟
1) . في المطبوع: + «لها مثل صفتها و أنّ تلك الجماعة»، و هي سهو.
2) . في «ف» و حاشية «ج»: «منها».
3) . في «د»: «نقلته».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: - «عن».
5) . في «ج، ص»: «نقلت».
6) . في «ج، ص، ط»: «و سمعت».
7) . في «د»: «كذلك».
8) . في «ج، ص، ط، ف» و الحجري: «يعترض».
9) . في «ج»: «و يتوهّمون».
10) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «تلينا».
لأنّا لَم نَعتَمِدْ علىٰ ما ظَنَّه مِن تَساوي العَدَدِ و الكَثرةِ ، و إنّما اعتَبَرنا أن تُخبِرَ الجماعةُ بأنّ لِمَن نَقَلَت عنه مِثلَ صفتِها في استحالةِ التواطؤِ و الاتّفاقِ علَى الكَذِبِ ، و هذا معلومٌ ضَرورةً علىٰ ما تَقدَّمَ (1)، و لا اعتبارَ معه بزيادةِ العَدَدِ و لا بنُقصانِه(2).
فإن قالَ (3): دُلّوا علىٰ ثُبوتِ الشروطِ التي ذَكَرتموها فيمَن نَقَلَ النَّصَّ مِن الشيعةِ كما وَعَدتم(4).(5)
قيلَ له(6): لا شُبهةَ في أنّ(7)الشيعةَ في هذه الأزمانِ(8)قد بَلَغوا مِن الكَثرةِ و الانتشارِ و التفَرُّقِ في البُلدانِ إلىٰ حَدٍّ معلومٍ ضَرورةً(9)أنّه لا يَبلُغُه مَن يَجوزُ عَلَيه التواطؤُ و الاتّفاقُ علَى الكَذِبِ عن المُخبَرِ الواحدِ، و انتفاءُ ذلكَ عن جماعاتِ الشيعةِ(10)في وَقتِنا، بل عن بعضِ طوائفِهم ممّا لا يَصِحُّ أن يَشُكَّ فيه عاقلٌ خالَطَهم و كانَ عارفاً بالعاداتِ .
علىٰ أنّ التواطؤَ لَو وَقَعَ مِنهم بمُراسَلةٍ أو بمُكاتَبةٍ (11)أو علىٰ وجهٍ مِن الوجوهِ لَم
1) . تقدّم آنفاً.
2) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «و لا نقصانه».
3) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «فإن قالوا».
4) . في التلخيص: «كما زعمتم».
5) . تقدّم هذا الوعد في ص 316.
6) . في المطبوع: «قيل لهم».
7) . في المطبوع و الحجري: «بأنّ ». و في «ص»: «من أنّ ».
8) . في التلخيص: «الأوقات».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «بالضرورة».
10) . في «ج، ص، ط، ف»: «عن الجماعات من الشيعة».
11) . في «ج، ط، ف» و التلخيص: «أو مكاتبة».
يَكُن بُدٌّ مِن ظُهورِه؛ لأنّ العادةَ جاريةٌ بظُهورِ ذلكَ إذا وَقَعَ مِن الجماعةِ التي لا تَبلُغُ في الظهورِ و التفَرُّقِ مَبلَغَ الشيعةِ، لا سِيَّما مع تَتَبُّعِ مخالِفيهم الشديدِ لهُم(1)و تطَلُّبِ عَثَراتِهم.
و كذلكَ ما يَجمَعُ علَى الفِعلِ أو القَولِ - مِن إكراهِ السُّلطانِ و تَخويفِه - و لَو(2)كانَ اتَّفَقَ لهُم لَوَجَبَ ظُهورُه(3)علىٰ مَجرَى العادةِ، و إن كانَ العِلمُ بارتفاعِ إكراهِ
السُّلطانِ(4)و حَملِه علَى النَّصِّ معلوماً(5)لجميعِ العُقَلاءِ؛ لأنّ الظاهرَ مِن أحوالِ السَّلاطينِ - الذينَ نَفَذَ أمرُهم و نهيُهم، و تَمكَّنوا مِن بُلوغِ مُرادِهم، و كانوا بحَيثُ يَحمِلُ تَخويفُهم علَى الأخبارِ، و يُلجئُ إليها - دَفعُ النَّصِّ و بُلوغُ الغايةِ في قَصدِ(6)مُعتَقِدِه و راويهِ ؛ فأسبابُ الخَوفِ و الحَملِ قد حَصَلَت علىٰ ما ذَكرناه في العُدولِ عن نَقلِ النَّصِّ ، لا في نَقلِه.
و في حُصولِ العِلمِ بتَعذُّرِ(7)الإشارةِ إلىٰ زَمَنٍ بعَينِه وَقَعَ التواطؤُ فيه(8)علَى النَّصِّ - و وجوبِ ظُهورِه لَو كانَ واقعاً - دَلالةٌ علىٰ بُطلانِه.
و إذا كانَت هذه صفةُ الشيعةِ ، و وَجَدناهم يَذكُرونَ أنّهم وَجَدوا أسلافَهم - و هُم فيما ذَكرناه علىٰ مِثلِ صفتِهم - يَنقُلونَ عن أسلافِهم، و هذه صفتُهم إلىٰ أن يَتَّصِلَ
1) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «الشديد مذاهبهم».
2) . هكذا في «د، ط» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و لو».
3) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: + «عن آخره».
4) . في «د»: «بإكراه السلطان» بدل «بارتفاع إكراه السلطان».
5) . في التلخيص: «حاصلاً».
6) . في «ص، ط»: «فضل». و في «ف»: «نقد».
7) . هكذا في النسخ و الحجري و التلخيص. و في المطبوع: «بتعدّد»، و هو سهو.
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «وقع فيه التواطؤ».
النقلُ بالنبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه أنّه نَصَّ علىٰ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ بالإمامةِ بَعدَه، و استَخلَفَه علىٰ أُمّتِه بألفاظٍ مخصوصةٍ نَقَلوها؛ مِنها:
قَولُه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(1): «سَلِّموا علىٰ عليٍّ بإمرةِ المؤمِنينَ».(2)
و قَولُه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(3)- مُشيراً إليه عليه السلامُ(4)و آخِذاً بيَدِه -: «هذا خَليفتي فيكم مِن بَعدي، فاسمَعوا له و أطيعوا».(5)
و قَولُه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(6)في يَومِ الدّارِ، و قد جَمَعَ بَني عَبدِ المُطَّلِبِ و تَكلَّمَ بكلامٍ مشهورٍ، قالَ في آخِرِه: «أيُّكم يُبايِعُني - أو يؤازِرُني، علىٰ ما جاءَت به الروايةُ (7)- يَكُن(8)أخي و وَصيّي و خَليفتي مِن بَعدي ؟» فلَم يَقُم إليه عليه السلامُ
أحَدٌ(9)مِن الجَماعةِ سِوىٰ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ .(10)
1) . في المطبوع و الحجري: «عليه السلام».
2) . تقدّم تخريجه في ص 313.
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «عليه السلام». و في «د»: «صلوات اللّٰه عليه». و في التلخيص: «عليه و آله السلام».
4) . في «د، ص، ف» و المطبوع و الحجري: - «عليه السلام». و في التلخيص: «صلوات اللّٰه عليه».
5) . تقدّم تخريجه في ص 314.
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «عليه السلام».
7) . في «ط، ف»: «الروايات». و في التلخيص: «الروايتان». و في «ج، ص»: «من الروايات».
8) . في «د» و الحجري: «أن يكون».
9) . في «د»: - «عليه السلام أحد». و في التلخيص: - «أحد».
10) . مسند أحمد، ج 1، ص 159، ح 1371؛ السنن الكبرى للنسائي، ج 5، ص 125، ح 8451؛ تهذيب الآثار للطبري، ص 62، ح 127؛ كنز العمّال، ج 13، ص 114، ح 36371، و ص 133، ح 36419؛ المناقب لابن شهر آشوب، ج 2، ص 25، و ج 3، ص 49؛ الاحتجاج، ج 1، ص 89، مع اختلاف يسير.
فلَيسَ يَخلونَ فيما نَقَلوه مِن أحَدِ أمرَينِ: إمّا أن يَكونوا كاذِبينَ أو صادِقينَ.(1)فإن كانوا كاذِبينَ فيما نَقَلوه(2)- و قد تَقدَّمَ أنّ الكَذِبَ لا يُفعَلُ إلّالغرضٍ زائدٍ، و أنّه لا يَجري مَجرَى الصِّدقِ، و أنّه لا يَخرُجُ عن الأقسامِ التي قَدَّمناها؛ و هي التواطؤُ و ما جَرىٰ مَجراه، أو الشُّبهةُ(3)، أو الاتّفاقُ - فيَجِبُ إذا عَلِمنا انتفاءَ الأقسامِ الثلاثةِ عن خبرِهم أن نَقطَعَ(4)علىٰ صِدقِهم؛ لأنّه لا مَنزِلَة في الخبرِ بَينَ الصِّدقِ و الكَذِبِ.
و قد بيّنّا استحالةَ التواطؤِ و ما قامَ مَقامَه فيهم، و بيّنّا أيضاً استحالةَ وقوعِ الخبرِ مِنهم اتّفاقاً، و هذا ممّا لا يَكادُ يَشتَبِهُ علىٰ عاقلٍ؛ لأنّه معلومٌ مِن حالِهم ضَرورةً عند اختبارِها، و إنّما المشتَبِهُ غَيرُه ممّا سنوضِحُه.
فأمّا الشُّبهةُ و الالتباسُ فمعلومٌ أيضاً ارتفاعُهما(5)لأنّهم لَم يُخبِروا عن أمرٍ يُرجَعُ فيه إلَى النظَرِ و الاستدلالِ فيَصِحَّ دخولُ الشُّبهةِ عَلَيهم، بَل خَبَّروا عن أمرٍ مُدرَكٍ يُعلَمُ ضَرورةً. و لَيسَ يَصِحُّ (6)أيضاً التباسُه بغَيرِه؛ لأنّهم عارفونَ بالنبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و بأميرِ المؤمِنينَ (7)عليه السلامُ معرفةً تُزيلُ الشكَّ و تُحيلُ أن يَكونوا(8)اعتَقَدوا في القائلِ أو المَقولِ فيه(9)خِلافَ الحَقِّ ، و لَم يَكُنِ القَولُ
1) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «صادقين أوكاذبين».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: و التلخيص: - «فيما نقلوه».
3) . في التلخيص: «و الشبهة».
4) . في «ط، ف» و المطبوع و الحجري: «أن يقطع».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «فمعلوم أيضاً أنّ هذين مرتفعان».
6) . في «ص»: «ليس بصحيح».
7) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «و أمير المؤمنين».
8) . في المطبوع و الحجري: «أن يكون».
9) . في «د»: «و المقول فيه».
المسموعُ مِن بُعدٍ فيَجوزَ أن يَتوهَّموا فيه خِلافَ ما هو عَلَيه. فإذا(1)كانَت جميعُ أسبابِ الشُّبهةِ و اللَّبسِ و مَظانِّهما مرتفِعةً ، لَم يَكُن لِتجويزِ الاشتباهِ وجهٌ .
و لَم يَبقَ إلّاأن يُدَلَّ (2)علىٰ حُصولِ ما شَرَطناه(3)في أسلافِ الشيعةِ كحُصولِه في أخلافِهم. و يُعلَمُ (4)ذلكَ بالوجهَينِ اللّذَينِ قَدَّمناهما:(5)
أ حدُهما: أنّ خبرَ النَّصِّ لَو كانَ يَنتَهي في أصلِه إلىٰ فِرقةٍ قليلةِ العَدَدِ، أو آحادٍ وَلَّدوه و أحدَثوا الاحتجاجَ به بَعدَ أن لَم يَكُن معروفاً و نَشَروه في الجماعاتِ، لَوَجَبَ بمقتَضَى العادةِ أن يَظهَرَ ظُهوراً لا يُمكِنُ دَفعُه(6)، و يَشتَرِكَ كُلُّ مَن كانَت له معرفةٌ بالأخبارِ و الاختلاطِ بأهلِها في العِلمِ به، و لَكانَ الزمانُ
الذي ظهَرَ فيه النَّصُّ - بَعدَ أن لَم يَكُن ظاهراً - معروفاً، و الرجالُ الذينَ أبدَعوا(7)دَعواه - بَعدَ أن لَم يَدَّعوها(8)- معلومينَ بأعيانِهم، مُشاراً(9)إليهم بأسمائهم، علَى الوجهِ الذي وَجَبَ (10)في الفِرَقِ (11)الناشئةِ و المَذاهبِ الحادثةِ التي قَدَّمنا
1) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «و إذا».
2) . في المطبوع و الحجري: «أن ندلّ ».
3) . في «ج، ص، ط»: «ما شرحناه».
4) . في التلخيص: «و نعلم».
5) . تقدّما في ص 326-329.
6) . في «ط» و التلخيص: «رفعه».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «ادّعوا».
8) . في «ج، ص، ط»: «يدعوا».
9) . في التلخيص: «مشار».
10) . هكذا في «د، ط» و الحجري و التلخيص. و في «ج، ص، ف»: - «وجب».
11) . في «ج، ص، ط»: «في الفرقة».
ذِكرَها.(1)و في ارتفاعِ العِلمِ بشيءٍ ممّا ذَكرناه في نَقلِ الشيعةِ للنَّصِّ - و تَعذُّرِ إشارةِ مَن حمَلَ نفسَه مِن مُخالِفيها علَى ادّعاءِ ذلكَ عَلَيهم إلىٰ زمانٍ بعَينِه و رِجالٍ بأسمائهم، و اقتصارِهم علَى التظَنّي(2)و التوَهُّمِ - دَلالةٌ علىٰ سَلامةِ نَقلِهم مِن الاختلالِ.
و هذا الذي قَضَينا به في نَقلِ الشيعةِ أَوجَبُ مِنه في نَقلِ سائرِ الفِرَقِ؛ لأنّه لَم تُمنَ(3)فِرقةٌ، و لا بُليَ أهلُ مَذهبٍ بما بُليَت به الشيعةُ مِن التتَبُّعِ و القَصدِ و ظُهورِ كلمةِ أهلِ الخِلافِ، حتّىٰ أنّا لا نَكادُ نَعرِفُ(4)زماناً تَقدَّمَ سَلِمَت فيه الشيعةُ مِن الخُمولِ(5)و لُزومِ التقيّةِ، و لا حالاً عَرِيَت فيها مِن قَصدِ السُّلطان و عَصَبيّتِه و مَيلِه و انحرافِه. هذا، إلى كَثرةِ ما جَرىٰ بَينَها و بَينَ خُصومِها؛ مِن الخَوضِ(6)في النَّصِّ علىٰ مَرِّ الدَّهرِ، و اجتهادِ(7)جماعةِ مُخالِفيها(8)في الطَّعنِ عَلَيه و الثَّلمِ له و تَطلُّبِ ما يَدحَضُه(9). و بعضُ هذه الأُمورِ يَكشِفُ(10)السَّرائرَ و يُظهِرُ(11)الضَّمائرَ، و لا يَلبَثُ (12)
1) . تقدّم في ص 327-328.
2) . في «ج، ص» و التلخيص: «على الظنّ ».
3) . في التلخيص: «لم تلق». و لم تُمنَ ، أي لم تُبتَلَ . و منيت بكذا و كذا: ابتليت به. لسان العرب، ج 15، ص 292 (منى).
4) . في «ج، ص»: «أنّه» بدل «أنّا». و في «د، ص»: «لا يكاد» بدل «لا نكاد». و في «ص، ف»: «تعرف» بدل «نعرف».
5) . في التلخيص: «من الخوف».
6) . في «د» و الحجري: «من الخصوص».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «و اجتماع».
8) . في التلخيص: «مخالفينا».
9) . يدحضه، أي يبطله. الصحاح، ج 3، ص 1076 (دحض).
10) . في «د» و التلخيص: «تكشف».
11) . في التلخيص: «و تظهر».
12) . هكذا في «ص، ط» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و لا يثبت».
معها ضَعفُ الخبرِ أن يَظهَرَ، و زمانُ حُدوثِه أن يُعرَفَ، حتّىٰ لا يَشُكَّ فيه اثنانِ، و لا يَمتَري(1)لِسانانِ . و لَيسَ ما وَقَعَ مِن ذَوي العِزِّ و التمَكُّنِ و قُوّةِ السُّلطانِ و كَثرةِ
الأعوانِ - ممّا(2)حَكَمنا بظُهورِ أمثالِه في العادةِ - يَخفىٰ و يَنكَتِمُ ، فكَيفَ بما يقَعُ مِن فِرقةٍ مغمورةٍ مقهورةٍ قد(3)تَظافَرَ عَلَيها المفتَرِقونَ (4)، و اصطَلَحَ في قَصدِها المختلِفونَ؟! و مَن تأمَّلَ صورةَ الشيعةِ بعَينِ مُنصِفٍ عَلِمَ صحّةَ قَولِنا.
و الوجهُ الآخَرُ: أنّا وَجَدنا مَن يَلينا(5)مِنهم - و الشروطُ التي اعتَبَرناها حاصلةٌ بغَيرِ شَكٍّ فيهم - يَذكُرون أنّهم تَلَقَّوا خبرَ النَّصِّ(6)عمّن صفتُه في امتناعِ التواطؤِ و الاتّفاقِ كصفتِهم، فلا بُدَّ أن يَكونوا صادقينَ ؛ لأنّ تجويزَ الكَذِبِ عَلَيهم في صفةِ مَن أخَذوا الخبرَ عنه كتجويزِه في سَماعِ الخبرِ(7)لأنّا قد بيّنّا أنّ الأمرَينِ جميعاً يَعودانِ إلىٰ عِلمِ الضرورةِ .(8)
و إذا(9)ثَبَتَت(10)الجُملةُ التي قَدَّمناها فقَد وَضَحَ كَونُ خبرِ النَّصِّ صِدقاً، و وَجَبَ المَصيرُ إليه و العملُ عَلَيه.
1) . في التلخيص: «و لا يمتري فيه». و المِرْيَةُ : الشكّ ، و الامتراءُ في الشيء: الشكّ فيه، وكذلك التماري. الصحاح، ج 6، ص 2491 (مرا).
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «فيما».
3) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و قد».
4) . في المطبوع و الحجري: «المغرّقون». و في التلخيص: «المترفون». و في حاشية الحجري: «المقترفون».
5) . في التلخيص: «بيّنّا».
6) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «يذكرون أنّهم نقلوا خبر النصّ و تلقّوه».
7) . في التلخيص: «سماع نفس الخبر».
8) . تقدّم في ص 329.
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «فإذا».
10) . في «ج، ص» و الحجري: «ثبت».
فإن قالوا: لَو كانَ النَّصُّ حَقّاً، و نَقلُكم له متّصِلاً، و وقوعُه في الأصلِ ظاهراً، لَوَجَبَ أن يقَعَ العِلمُ به لكُلِّ مَن سَمِعَ الأخبارَ، علىٰ حَدِّ وقوعِه بنَصِّ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه علىٰ أنّ الكَعبةَ قِبلةٌ، و علىٰ صيامِ شَهرِ رَمَضانَ، و ما أشبَهَهما(1)مِن أركانِ العِباداتِ (2)الظاهرةِ . و يَجري في وجوبِ حُصولِ العِلمِ به مَجرىٰ تأميرِه عليه السلامُ زيدَ بنَ حارثةَ (3)و خالدَ بنَ
1) . في «ج، ص، ط» و التلخيص: «و ما أشبهها».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «العبادة».
3) . زيد بن حارثة بن شراحيل بن عبد العزّى بن زيد بن امرئ القيس الكلبي، اختُطف صغيراً في غارة لخيل بني القين بن جسر في الجاهلية، فأُتي به إلى سوق عكاظ لبيعه، فاشتراه حكيم بن حزام لعمّته خديجة بنت خويلد، فلمّا تزوّجت النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله وهبته له فعاش في كنفه مدّة حياته. شهد مع النبي صلّى اللّٰه عليه و آله عامّة غزواته. جعل له النبي صلّى اللّٰه عليه و آله الإمارة في غزوة مؤتة - أوّل الثلاثة أو ثانيها، على اختلاف المؤرّخين بينه و بين جعفر بن أبي طالب - فقاتل حتّىٰ استشهد، سنة 8 من الهجرة بعد مضيّ 55 سنة من عمره. خلّف أولاداً من عدّة زوجات، أكبرهم سنّاً أُسامة بن زيد، و هو الذي أمّره النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله على جيش المسلمين للكرّة على مؤتة في مرضه الذي توفّي فيه، و كان له من العمر يومئذ عشرون
الوليدِ(1)، إلىٰ غَيرِ مَن ذَكرناه(2)مِن وُلاتِه و قُضاتِه.
و في عِلمِنا بالفَرقِ بَينَ النَّصِّ و بَينَ هذه الأُمورِ في بابِ العِلمِ ، دليلٌ علَى الفَرقِ بَينَه و بَينَها في صحّةِ النَّقلِ و سَلامتِه.
قيلَ لهم: لَيسَ يَجِبُ إذا كانَ النَّصُّ حَقّاً و المُخبِرُ عنه صادقاً و الخبرُ به(3)مُتَواتِراً أن يَجريَ مَجرىٰ كُلِّ ما كانَ بهذه الصفةِ في عُمومِ العِلمِ به و ارتفاعِ الشكِّ فيه(4)
لأنّا و إن كُنّا عالِمينَ بمُساواةِ النَّصِّ (5)لِما(6)ذَكَرتَه(7)في الصحّةِ و سَلامةِ النَّقلِ ، فقَد عَلِمنا أيضاً أنّ النَّصَّ قد اتّفَقَ فيه ما لم يَتَّفِقْ في سائرِ ما قَصَصتَه(8)لأنّ النَّصَّ علَى الكعبةِ و إيجابِ صَومِ شَهرِ رَمَضانَ و تأميرِ فُلانٍ و فُلانٍ ممّا لَم يَدعُ أحَداً في
عاماً. معرفة الصحابة، ج 2، ص 321، الرقم 1004؛ الاستيعاب، ج 2، ص 542، الرقم 843؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 19، ص 342، الرقم 2333.
1) . خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد اللّٰه بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، من الصحابة، أسلم في السنة السابعة من الهجرة. بعثه النبيّ صلّى اللهُ عليه و آله إلىٰ مؤتة، و لمّا قُتل القوّاد الثلاثة اختاره الناس بتحيّل منه أن يحمل اللواء ليزحف بجيش المسلمين إلى المدينة. و أمّره النبيّ علىٰ قبائل «أسلم» و غيرها في فتح مكّة، و كان يرسله النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله قائداً في كثير من الغزوات. أرسله إلىٰ بني جذيمة من بني المصطلق ليأخذ صدقاتهم، فنكّل بهم و بنسائهم و أطفالهم، فبلغ النبيّ ذلك، فغضب عليه و قال: «اللّهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا فعل خالد». ثمّ بعث إليهم أمير المؤمنين عليه السلام، فآمن روعهم، و أغدق عليهم بخلقه الإسلاميّ الرفيع. أُخذ عليه قتله لمالك بن نُويرة، و البناء بزوجته في نفس الليلة. مات في حمص و دُفن فيها. راجع: الاستيعاب، ج 2، ص 427، الرقم 603؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 16، ص 216، الرقم 1922.
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «إلىٰ غير ذلك».
3) . في «ج، ص» و التلخيص: «و المخبر به».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: - «فيه».
5) . في المطبوع: «النظر». و ما أثبتناه مطابق للنسخ و الحجري و التلخيص.
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «ما» بدل «لما».
7) . في التلخيص: «لما ذكرناه».
8) . في التلخيص: «ما نصّوه».
ماضٍ و لا مُستَقبَلٍ داعٍ إلىٰ كِتمانِه(1)، و لا انعقَدَت رئاسةٌ علىٰ إبطالِه، و لا قوبِلَ راويهِ(2)في أصلِه أو فَرعِه بالتكذيبِ، أو لُقيَ بالتبديعِ(3)، بَل سلَّمَ له جميعُ الناسِ، عالِمُهم و جاهلُهم، مِلّيُّهم و ذِمّيُّهم(4)، فاتَّضَحَ لذلكَ طريقُ العِلمِ به، و ارتفَعَ كُلُّ شكٍّ فيه(5).
و لَيسَ هذه(6)حالَ النَّصِّ، فإنّ جميعَ ما عدَّدناه اتّفَقَ فيه و عرَضَ (7)في أُصولِه و فُروعِه(8)، و في اتّفاقِ بعضِه ما يَقتَضي الرَّيبَ و تَطرُّقَ الشُّبهةِ (9)، و يَمنَعُ مِن مساواةِ ما اجتُمِعَ (10)علىٰ تسليمِه و تصديقِ راويهِ ممّا تَقدَّمَ .
و ممّا يبيِّنُ أنّ حُصولَ اليقينِ بما ذَكرَه السائلُ و ارتفاعَ الشُّكوكِ عنه لَم يَكُن لأجلِ صحّتِه في نَفسِه - أو ظُهورِه في أصلِه، أو عُمومِ فَرضِه، أو لُزومِ الحُجّةِ به، علىٰ ما يَظُنُّه خُصومُنا - أنّه لَو كانَ كذلكَ لَوجَبَ حُصولُ اليقينِ و زَوالُ الشُّبهةِ في كُلِّ ما جَرىٰ مَجراه في وقوعِ النَّصِّ عَلَيه(11)، و لُزومِ الحُجّةِ به، و عُمومِ فَرضِه و ظُهورِه. و لَو كانَ ذلكَ واجباً لَكانَ عِلمُنا بكَيفيّةِ الصلاةِ و الطهارةِ و صفاتِ الحَجِّ
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «ممّا لم يدع أحداً ماضياً و لا مستقبلاً إلى كتمانه داع».
2) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «راوٍ له».
3) . «التبديع» مصدر «بدّع»، أي أحدث بدعة في الدين. راجع: القاموس المحيط، ج 3، ص 5 (بدع).
4) . يقصد بالملّي: الكافر الأصلي الحربي، و بالذمّي: أهل الكتاب من اليهود و النصارى و المجوس.
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «و ارتفع كلّ شيء يشكّ له».
6) . في المطبوع و الحجري: «هذا».
7) . في «ص، ط»: «و اتّفق فيه عرض» بدل «اتّفق فيه و عرض».
8) . في التلخيص: «و عورض أصله و فرعه».
9) . في «د»: «و الظنّ و الشبهة» بدل «و تطرّق الشبهة».
10) . في المطبوع و الحجري: «ما أجمع».
11) . في «ج، ص، ط، ف»: «في وقوعه و النصّ عليه» بدل «في وقوع النصّ عليه».
و حُدودِ الزكاةِ - إلىٰ غَيرِ ما ذَكرناه مِن العِباداتِ الشرعيّةِ(1)المنصوصِ علىٰ أحكامِها - علىٰ حَدِّ عِلمِنا بوقوعِ النَّصِّ في الجُملةِ علىٰ وجوبِها، و علىٰ حَدِّ عِلمِنا بسائرِ ما تَعدَّدَ مِن أحوالِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه الظاهرةِ، كتأميرِه أُمَراءَه، و حَجّتِه، و هِجرتِه، و غَزَواتِه المشهورةِ.
فلمّا(2)كانَ العِلمُ بسائرِ هذه الأُمورِ عامّاً لا طريقَ للشكِّ عَلَيه و لا مَجالَ للشُّبهةِ فيه، و العِلمُ بحُدودِ العِباداتِ التي ذَكرناها و كَيفيّةِ أحكامِها خاصّاً قد تَنازَعَه أهلُ
العِلمِ و تَجاذَبوه(3)- و اعتَقَدَت كُلُّ فِرقةٍ فيه مَذهَباً يُخالِفُ مَذهَبَ الأُخرىٰ، و كُلُّ مَن(4)تَمسَّكَ في ذلكَ بطريقةٍ (5)يَرىٰ أنّ الحُجّةَ هَدَته إليها، و أنّ الشُّبهةَ صرَفَت مُخالِفيه(6)عنها - بطَلَ أن يَكونَ ما اشترَكَ في وقوعِ النَّصِّ أو عُمومِ الفَرضِ (7)أو لُزومِ الحُجّةِ به(8)يَجِبُ اشتراكُه في حُصولِ العِلمِ و زَوالِ الشَّكِّ ، و ثبَتَ أنّ الاعتبارَ الذي اعتَبَرناه هو الواجبُ .
و لَيسَ يُمكِنُ أحَداً أن يَدفَعَ وقوعَ النَّصِّ علىٰ شُروطِ جميعِ ما ذَكرناه مِن العباداتِ و كَيفيّاتِها؛ لأنّه لا سَبيلَ إلَى امتثالِها إلّابَعدَ بيانِ أحكامِها و كيفيّةِ فِعلِها،
1) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: - «الشرعية».
2) . في «ج»: «و لمّا».
3) . في المطبوع و الحجري: «و تجاوبوه». و في «ص»: «و تجادلوه». و ما أثبتناه مطابق للنسخ «ج، د، ط، ف» و التلخيص.
4) . في «ص»: - «من».
5) . في «ج، ص»: «بطريق».
6) . في «ص، ط، ف»: «مخالفته». و في «د»: «مخالفه».
7) . في التلخيص: «عموم الغرض».
8) . في «ج، ص، ط، ف» و الحجري و التلخيص: - «به».
فما يوجِبُ بيانَ فَرضِها و وجوبِها علَى الجُملةِ يوجِبُ بيانَ أحكامِها؛ لأنّ ارتفاعَ أحَدِ البيانَينِ مُخِلٌّ بالامتثالِ ، و لأنّ كَثيراً مِن أحكامِ ما عدَّدناه لا طريقَ للِاجتهادِ فيه، بَل المَرجِعُ في العِلمِ به إلَى النُّصوصِ .
و لا يُمكِنُه أن يَقولَ : إنّ بيانَ أحكامِ هذه العِباداتِ وقَعَ في الأصلِ مُختَلِفاً، فنُقِلَ علَى اختلافِه، و لَم يَقَعِ العِلمُ بطريقةٍ واحدةٍ فيه كما وقَعَ بما ذُكِرَ(1)متقدِّماً.
لأنّ هذا لا يُمكِنُ أن يُقالَ في جميعِ ما اختُلِفَ فيه، و إنّما يُذكَرُ في الأذانِ؛ فإنّ(2)أذانَ مؤذِّنيه عليه السلامُ وقَعَ مختَلِفاً(3)، و إن ذُكِرَ في غَيرِه فلا بُدَّ أن يَكونَ ممّا(4)طريقُه التخييرُ، أو ممّا يَسوغُ فيه اختلافُ العملِ. و كُلُّ ذلكَ غَيرُ دافعٍ(5)للكلامِ؛ لأنّ هذه الأحكامَ إن كانَ بيانُها وقَعَ في الأصلِ(6)علىٰ وجهٍ(7)واحدٍ، فالاعتراضُ بها لازمٌ للقَومِ ظاهرُ اللزومِ. و إن كانَ وقَعَ مختَلِفاً لإباحةٍ أو تخييرٍ أو غَيرِهما، فلَيسَ هذا - أوّلاً(8)- في كُلِّ ما عارَضْنا به، و يَكفي أن يَكونَ في جُملتِه(9)«حُكمٌ واحدٌ يُخالفُ ما ذَكروه» في أنّ مُعارَضتَنا تَكونُ مُتوجِّهةً .
ثُمّ لَو سَلَّمنا وقوعَ الجميعِ مُختَلِفاً لَكانَ الكلامُ أيضاً لازِماً؛ لأنّا نَقولُ : كانَ يَجِبُ
1) . في «ج، ص، ف»: «بما ذكرناه».
2) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «و إنّ ».
3) . في فصول الأذان خلاف كثير بين المذاهب، و للمزيد راجع: الخلاف، ج 1، ص 83؛ المحلّى لابن حزم، ج 3، ص 149-163؛ عمدة القاري، ج 2، ص 625.
4) . في «ص»: «بما».
5) . في «ص، ط، ف»: «غير واقع».
6) . في «د»: «إن كان ثباتها في الأصل وقع» بدل «إن كان بيانها وقع في الأصل».
7) . في التلخيص: «على حدّ».
8) . في «ص» و التلخيص: «أولى».
9) . في «ج»: «في جملة».
أن يُعلَمَ وقوعُه علَى الوجهِ الذي وقَعَ عَلَيه مِن الاختلافِ، كما عَلِمنا سائرَ ما ذُكِرَ(1)ممّا وقَعَ متَّفِقاً؛ لأنّه لا فَرقَ «بَينَ أن يُظهِرَ بيانَ الحُكمِ و يكرِّرَه(2)متَّفِقاً، و بَينَ أن يُظهِرَه و يكرِّرَه(3)مختَلِفاً» في أنّ العِلمَ بحالِه في الاختلافِ و الاتّفاقِ يَجِبُ حُصولُه. و هذا يوجِبُ أن نَكونَ عالِمينَ «بوقوعِ الأذانِ مَثنىٰ و وقوعِه مُفرَداً(4)، و بأنّه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه قطَعَ السارقَ مِن مَواضِعَ مختَلِفةٍ، إلىٰ جميعِ ما وقَعَ الاختلافُ فيه و كانَ مَرجِعُه إلَى النَّصِّ» علىٰ حَدِّ عِلمِنا بوجوبِ الأذانِ في الجُملةِ و نَصِّه علَى الكَعبةِ و صيامِ الشهرِ المعيَّنِ. و في عَدَمِ العِلمِ بأحَدِ الأمرَينِ و دخولِ الشُّبهةِ فيه و حُصولِه في الآخَرِ و انتفائها عنه دَلالةٌ علىٰ صحّةِ قَولِنا.
و لَو سَلَّمنا لهُم ما لا يَزالونَ يَقولونَه عندَ هذه المعارَضةِ - مِن أنّ الأحكامَ التي أشَرتم إليها و وقَعَ اختلافُ الناسِ فيها، لَم يَكُن مِن الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه نَصٌّ فيها و لا(5)تَوقيفٌ عَلَيها، و إنّما وكَلَ فيها أُمَّتَه إلَى الاستدلالِ و الاجتهادِ، و إن كُنّا قد بيّنّا فَسادَه بما تَقدَّمَ - لَكانَ معنىٰ كلامِنا هذا(6)أيضاً مُبطِلاً له؛ لأنّ مِن جُملِة ما ذَكرناه مِن الأحكامِ ما عَلِمنا حُدوثَه علىٰ عهدِ الرسولِ(7)صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و أنّه قد كانَ مِنه عليه السلامُ فيه(8)فِعلٌ مخصوصٌ ، كعِلمِنا بأنّه عليه السلامُ قد كانَ يَتطهَّرُ
في كَثيرٍ مِن الأوقاتِ بَينَ أصحابِه في السفَرِ و الحَضَرِ و يُصلّي بهم بحَيثُ يُشاهِدونَه، و يؤذَّنُ له(1)في اليَومِ و الليلةِ(2)خَمسَ دَفَعاتٍ أذاناً ظاهراً، و قد قطَعَ
عليه السلامُ بعضَ السُّرّاقِ . فهَبْ أنّ للِاجتهادِ مَجالاً في تفصيلِ أحكامِ العِباداتِ و حُدودِها، ما بالُنا لا نَعلَمُ صفةَ فِعلِه عليه السلامُ لِما ذَكرناه مِن صَلاةٍ و طَهارةٍ (3)و أذانٍ و قَطعٍ؟ و كَيفَ ذَهَبت(4)الأُمّةُ عن نَقلِ ذلكَ علىٰ وجهِه إن كانَت لَم تَنقُلْه ؟ أو كَيفَ ذهَبَت عن عِلمِه إن كانَ نُقِلَ؟ و ألّا جَرىٰ عِلمُنا بصفةِ طَهارتِه و صَلاتِه و ما عَدَّدناه مِن أفعالِه مَجرىٰ عِلمِنا بنَصِّه في الجُملةِ علَى الصَّلاةِ و الطَّهورِ و كَذا و كَذا(5)؟!
و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ: إنّ ما فعَلَه النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(6)ممّا ذَكَرتموه و رُويَ عنه، لا اختلافَ في ثُبوتِ الروايةِ به، و إنّما ذهَبَ المختَلِفونَ - مع اعترافِهم بصفةِ فِعلِه - إلىٰ جوازِ خِلافِ ما فعَلَه، لتأويلِ آياتٍ أو لطُرُقٍ(7)مِن الاستدلالِ ؛ لأنّه لَم يَصِحَّ عندَهم أنّ الرسولَ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(8)حظَرَ أن يُفعَلَ في هذه العِباداتِ خِلافُ ما(9)فعَلَه كما صَحَّ (10)عندَهم صفةُ ما فعَلَه مِنها، و لأنّ وقوعَ العِلمِ بفِعلِه(11)
1) . في «ج، ط، ف» و التلخيص: «لهم». و في «ص»: «بهم».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «و في الليلة».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «من طهارة و صلاة».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «قد ذهبت».
5) . في التلخيص: «و غيرهما» بدل «و كذا و كذا».
6) . في «د»: «عليه السلام».
7) . في «ج»: «و تطرّق».
8) . في «ج، د، ص، ط، ف»: «عليه السلام».
9) . في «د» و التلخيص: - «ما».
10) . في «د» و المطبوع و الحجري: «كما يصحّ ».
11) . في «د» و التلخيص: «وقوع فعله».
علىٰ بعضِ الصفاتِ إنّما يدُلُّ علىٰ صوابِ اتّباعِه في تلكَ الصفةِ، و لا يَمنَعُ(1)مِن قيامِ دَلالةٍ أُخرىٰ علىٰ جوازِ إيقاعِه علىٰ وجهٍ آخَرَ. و الذي ورَدَت به الروايةُ(2)في طَهارتِه غَسلُ الرِّجلَينِ لا مَسحُهما، و مَسحُ جميعِ الرأسِ لا بعضِه، و في القَطعِ أنّه قطَعَ السارقَ مِن الرُّسغِ(3)، و لَيسَ يُخالِفُ في هذا عنه عليه السلامُ مَن خالَفَ في جوازِ المَسحِ علَى الرِّجلَينِ و ببعضِ الرأسِ ، و قطَعَ السارقَ مِن الأصابعِ أو المَنكِبِ (4)، مِن الوجهِ الذي ذَكرناه.
لأنّ هذا مِن قائلِه نِهايةُ المُكابَرةِ؛ لأنّا نَعلَمُ ضَرورةً أنّ مَن خالَفَ في مَسحِ
جميعِ(5)الرأسِ مِن الشيعةِ - و في غَسلِ الرِّجلَينِ بَدَلاً مِن مَسحِهما، و خالَفَ مِنهم(6)في قَطعِ السارقِ و مِن الخَوارجِ - لا يُصحِّحُ الروايةَ عن النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه
1) . في «د»: «و لا يمتنع».
2) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «الروايات».
3) . الرُّسغُ - بالضمّ و بضمّتين -: مفصل ما بين الساعد و الكفّ. القاموس المحيط، ج 3، ص 141 (رسغ).
4) . المَنْكِبُ: مجمع عظم العضد و الكتف. كتاب العين، ج 5، ص 385 (نكب).
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «في المسح لجميع».
6) . منهم أي من الإماميّة، فإنّهم يرون أنّ قطع السارق من أُصول الأصابع و تترك له الإبهام و الكفّ؛ لأنّ اسم اليد يقع على جملة هذا العضو إلى المنكب و يقع أيضاً إلى المرفق و إلى الزند و إلى الكفّ، فيجعل كلّ ذلك غايةً ؛ قال تعالى: «فَوَيْلٌ لِلَّذينَ يَكْتُبُونَ الْكِتٰابَ بِأيْديهِمْ » [البقرة (2):79]، و معلوم أنّ الكتابة بالأصابع، و قال تعالى في قصّة يوسف: «فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ وَ قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ » [يوسف (12):31] و المراد: عقرن أكفهنّ ، فحملوا اليد على أدنى ما تناولته هذه اللفظة، و هو أُصول الأصابع عملاً بما ورد في ذلك عن أئمّتهم عليهم السلام. و القطع بهذه الصورة أولى بالحكمة و أرفق بالمقطوع؛ لأنّه إذا قطع من الزند فاته من المنافع أكثر ممّا يفوته إذا قطع من الأشاجع. أمّا غير الإماميّة فيذهبون إلى قطع يد السارق من الرسغ، و الخوارج يذهبون إلى قطعها من الكتف باعتبار وقوع اسم اليد عليها. راجع: المغني لابن قدامة، ج 10، ص 261؛ المجموع شرح المهذّب، ج 20، ص 97.
بخِلافِ مَذهَبِه، و لا يُسلِّمُ أنّه عليه السلامُ فعَلَ شيئاً مِن ذلكَ إلّاعلَى الوجهِ الذي ذَهَب هو - دونَ مُخالِفيه - إليه(1).
و كَيفَ يَتوهَّمُ هذا عاقلٌ و هو يَعلَمُ أنّ الشيعةَ تُبَدِّعُ مَن مَسَحَ جميعَ رأسِه(2)أو غَسَلَ رِجلَيه، و تَقولُ : إنّ غَسلَ الرِّجلَينِ لا يُجزئُ عن مَسحِهما، و لا صَلاةَ لِمَن استعمَلَ الغَسلَ بَدَلاً مِن المَسحِ ، و كذلكَ لا صَلاةَ لِمَن مسَحَ جميعَ رأسِه مُعتَقِداً أنّ الفَرضَ لا يَتِمُّ (3)إلّابه. و عندَهم أنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه لَم يَستَعمِلْ قَطُّ في رِجلَيه إلّاالمَسحَ دونَ الغَسلِ ، و لا قطَعَ السارقَ إلّامِن حَيثُ يَقتَضي مَذهَبُهم قَطْعَه.
و بَعدُ، فإذا جازَ أن يَكونَ الروايةُ بذلكَ ظاهرةً عن النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه مُستَفيضةً مع خِلافِ الشيعةِ فيها و تديُّنِهم ببُطلانِها، جازَ أن يَكونَ النَّصُّ (4)صَحيحاً
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «الذي ذهب هو إليه، دون مخالفيه».
2) . قال الشيخ قدّس سرّه في التهذيب (ج 1، ص 60): «قد استدلّ أصحابنا بالآية على أنّ المسح في الرأس و الرجلين ببعضها؛ لأنّهم قالوا: قد ثبت أنّ الباء لها مراتب في دخولها في الكلام، فتارةً تدخل للزيادة و الإلصاق، و تارةً تدخل للتبعيض. و لا يجوز حملها على الزيادة و الإلصاق إلّالضرورة؛ لأنّ حقيقة موضع الكلام للفائدة خاصّةً إذا صدر من حكيم عالم، و بها يتميّز من كلام الساهي و النائم و الهاذي، و لأنّ الباء إنّما تدخل للإلصاق في الموضع الذي لا يتعدّى الفعل إلى المفعول بنفسه مثل قولهم: «مررت بزيد» و «ذهبت بعمرو» فالمرور و الذهاب لا يتعدّيان بأنفسهما، فدخلت الباء لِتُوصِلَ الفعلين إلى المفعولين، فأمّا إذا كان الفعل ممّا يتعدّى بنفسه، و لا يفتقر في تعديته إلى الباء، و وجدناهم أدخلوا الباء عليه، علمنا أنّهم أدخلوها لوجود فائدة لم تكن، و هي التبعيض، و قوله تعالىٰ : (وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ ) ممّا يتعدّى الفعل بنفسه. ألاترى أنّه لو قال: «امسحوا رؤوسكم» كان الكلام مستقلاًّ بنفسه مفيداً، فوجب أن يكون لدخولها في هذا الموضع فائدة مجدّدة حسب ما ذكرناه، و ليس هو إلّاالتبعيض؛ لأنّا متى حملناها على ما ذهب إليه الخصوم من الإلصاق و الزيادة كان دخولها و خروجها على حدّ سواء، و هذا عبث لا يجوز على اللّٰه تعالىٰ ».
3) . هكذا في «د، ص» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: + «له».
4) . أي النصّ الجليّ على إمامة أمير المؤمنين عليّ عليه السلام.
و الخبرُ به حَقّاً مع خِلافِ مَن خالَفَ فيه، و أيُّ شيءٍ قيلَ في خِلافِ الشيعةِ - مِن قَذفٍ لهُم بالمكابَرةِ، و دَفعِ المعلومِ، أو دخولِ الشُّبهةِ - أمكَنَ أن يَقولَ الشيعةُ مِثلَه
لِمُخالِفيهم في النَّصِّ، و كانَ لهُم أن يَقولوا أيضاً - إذا قيلَ لهُم: إنّ الروايةَ بخِلافِ(1)مَذهَبِكم في المَسحِ و غَيرِه، و لكِنَّكم ذَهَبتم عن عِلمِ ذلكَ بالشُّبهةِ -: كَيفَ أمكَنَ أن تدخُلَ الشُّبهةُ عَلَينا في هذا(2)و لَم تدخُلْ في العِلمِ بالوضوءِ علَى الجُملةِ؟ و ألّا عَلِمنا صفةَ وضوئه عليه السلامُ و مَوضِعَ قَطعِه للسارقِ (3)كما عَلِمنا(4)أنّه عليه السلامُ توضَّأَ و قطَعَ؟ و إن جازَ أن يَختَلِفَ هذانِ العِلمانِ ، جازَ أن يُخالِفَ العِلمُ بالنَّصِّ سائرَ(5)ما ذُكِرَ مِن تأميرِ الأُمَراءِ ، و النَّصِّ علَى الكَعبةِ ، و غَيرِهما.
و لَيسَ له أن يَقولَ : إنّ النَّصَّ مِن النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و إن كانَ واقعاً علىٰ أحكامِ ما ذَكَرتموه مِن العِباداتِ و تفصيلِ حُدودِها، فلَم يَقَعْ ذلكَ مِنه ظاهراً بحَضرةِ جميعِ أصحابِه، بَل اختَصَّ بمعرفةِ بيانِه عليه السلامُ لهذه الأحكامِ آحادٌ و جماعاتٌ قليلةٌ ، و لَيسَ هذا مذهبَكم في النَّصِّ ؛ لأنّكم تَدَّعونَ ظُهورَه لِجميعِ الأُمّةِ .
لأنّا نَعلَمُ وجوبَ حُدودِ العِباداتِ المذكورةِ و شُروطِها عَلَينا، و لُزومُ العملِ لنا(6)بها علىٰ حَدِّ لُزومِها و وجوبِها علىٰ مَن شَهِدَ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(7)، فلا بُدَّ أن
يقَعَ بيانُه عليه السلامُ(1)لها في الأصلِ علىٰ حَدٍّ يَنقَطِعُ به عُذرُ الحاضِرينَ(2)و الغائبينَ و مَن شَهِدَ عَصرَه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(3)و مَن لَم يَلحَقْ بعَصرِه ممّن يأتي مِن بَعدُ؛ لأنّ التكليفَ عامٌّ في كُلِّ هؤلاءِ. و لَم نوجِبْ(4)وقوعَ بيانِه عليه السلامُ لِما ذَكرناه بحَضرةِ جميعِ الأُمّةِ أو أكثَرِهم، بَل الذي نوجِبُه(5)أن يقَعَ علىٰ وَجهٍ(6)تَقومُ(7)به الحُجّةُ و يَنقَطِعُ العُذرُ، و قد يَقَعُ كذلكَ و إن اختَصَّ بحُضورِه(8)بعضُ الأُمّةِ.
و إذا كانَ ظُهورُه علىٰ وجهِ الحُجّةِ واجباً فقَد ساوىٰ ما نَقولُه في النَّصِّ؛ لأنّا لا نَذهَبُ إلىٰ أنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه نَصَّ علىٰ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ النَّصَّ الذي نُسَمّيهِ «الجَليَّ» - الذي عَلِمَ حاضِروه مُرادَه مِنه باضطرارٍ(9)- بحَضرةِ جميعِ الأُمّةِ ؛ بَل نَذهَبُ إلىٰ أنّه وقَعَ بمَشهَدٍ ممّن تَقومُ (10)الحُجّةُ بنَقلِه. فإن لَم يَجِبْ عندَ
المُخالِفِ حُصولُ العِلمِ بكَيفيّةِ ما عدَّدناه مِن العِباداتِ علىٰ حَدِّ حُصولِه بوجوبِها و لُزومِ العِبادةِ بها - مِن جهةِ أنّ بيانَ كَيفيّتِها لَم يَقَعْ بحَضرةِ جماعةِ الأُمّةِ - فكذلكَ لا يَجِبُ وقوعُ العِلمِ بالنَّصِّ علىٰ حَدِّ وقوعِه بإيجابِ الصلاةِ في الجُملةِ (11)و النَّصِّ
1) . في «ج، ص، ط، ف»: - «عليه السلام».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «العذر للحاضرين».
3) . في «ص، ف»: «عليه السلام».
4) . في «ص، ط»: «و لم يوجب».
5) . في «ص، ط»: «يوجبه».
6) . في «د» و المطبوع و الحجري: «مَن» بدل «وجه».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «يقوم».
8) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «بحضرة».
9) . في التلخيص: «ضرورة».
10) . في النسخ و الحجري: «يقوم». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و التلخيص.
11) . في «ج»: - «في الجملة».
علَى الكَعبةِ ؛ لأنّ النَّصَّ لَم يَقَعْ بحَضرةِ جماعةِ الأُمّةِ ، و إن كانَ واقعاً بحَضرةِ مَن تَقومُ (1)الحُجّةُ به(2)مِن جماعتِهم.
و لَيسَ له أن يَقولَ: إنّ النَّصَّ يُخالِفُ أحكامَ العِباداتِ ؛ لأنّ فَرْضَه عامٌّ لِكُلِّ مكلَّفٍ ، و فُروضَ العِباداتِ يَدخُلُها الاختصاصُ ؛ لأنّها بأَسرِها تَسقُطُ في كَثيرٍ مِن الأحوالِ و عندَ ضُروبٍ مِن الأعذارِ، و إنّما أَلزَمناكم عُمومَ العِلمِ بالنَّصِّ و ارتفاعَ الشُّبهةِ عنه و حُصولَه علىٰ حَدِّ الضرورةِ لعُمومِ فَرضِه، فمُعارَضَتُكم بما(3)ذَكَرتموه مِن أحكامِ العِباداتِ غَيرُ لازمةٍ .
لأنّ خُصوصَ ما ذُكِرَ مِن العِباداتِ و سُقوطَه(4)في بعضِ الأحوالِ بالعُذرِ غَيرُ مدفوعٍ، إلّاأنّه عامٌّ مِن وجهٍ آخَرَ؛ لأنّ للصلاةِ و الطهارةِ مِن العُمومِ ما لَيسَ للزكاةِ و الحَجِّ و الجهادِ، فلَيسَ(5)فيها إلّاما يدخُلُه العُمومُ و الخُصوصُ بحَسَبِ الإضافاتِ .
و العِلمُ بالنَّصِّ قد يدخُلُه الخُصوصُ علىٰ وجهٍ مِن الوجوهِ ؛ لأنّه قد يَسقُطُ(6)مع فَقدِ العقلِ (7)أو نُقصانِه عن الحَدِّ الذي يُتوصَّلُ به إلىٰ معرفتِه.
و لَو لَم يَدخُلْه الخُصوصُ جُملةً و خالَفَ سائرَ العِباداتِ الشرعيّةِ لَكانَ كلامُنا مُتَوجِّهاً أيضاً؛ لأنّه كانَ يَجِبُ أن يَعُمَّ العِلمُ بحُدودِ الصلاةِ و الطهارةِ - و ما أشبَهَهما مِن العِباداتِ - و كَيفيّتِهما جميعَ مَن عَمَّه فَرضُهما و لَزِمَه(8)العملُ
بهما(1)، حتّىٰ يَشتَرِكَ جميعُ مَن وجَبَت عَلَيه الطهارةُ و الصلاةُ في العِلمِ بما وقَعَ مِن بيانِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(2)فيهما و صفةِ فِعلِه لهما(3)، كما اشتَرَكوا في العِلمِ علَى الجُملةِ بوجوبِهما، و قد عَلِمنا خِلافَ هذا.
علىٰ أنّ العِلمَ بوجوبِ الطهارةِ و الصلاةِ قد عَمَّ مَن لَزِمَته هذه العِباداتُ و مَن لَم
تَلزَمْه؛ لأنّ مَن سقَطَ عنه فَرضُ الطهارةِ أو فَرضُ الصلاةِ لِضَربٍ مِن العُذرِ(4)فإنّه(5)يَعلَمُ وجوبَ هاتَينِ العِبادتَينِ عَلَيه(6)مِن دِينِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(7)علىٰ حَدِّ عِلمِه بسائرِ الأُمورِ الظاهرةِ، و لَم يُخرِجْه سُقوطُ فَرضِهما(8)عنه عن عُمومِ عِلمِهما(9)له، و هذا يوجِبُ أنّ عُمومَ العِلمِ غَيرُ تابعٍ لعُمومِ الفَرضِ، و يُبطِلُ اعتبارَ مَن اعتبَرَ في هذا البابِ عُمومَ الفَرضِ و فرَّقَ بَينَ النَّصِّ و بَينَ(10)العِباداتِ (11)بذلكَ ، و يُحقِّقُ (12)معارَضتَنا(13)لأنّا نَقولُ حينَئذٍ: إذا كانَ العِلمُ بعُمومِ فَرضِ الطهارةِ و الصلاةِ و ما أشبَهَهما عامّاً لكُلِّ مَن لَزِمَه فِعلُهما و مَن لَم يَلزَمْه، فألّا عَمَّ العِلمُ
1) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و كيفيّتها» بدل «و كيفيّتهما»، و «فرضها» بدل «فرضهما»، و «بها» بدل «بهما».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «عليه السلام».
3) . في «ص»: «بهما».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «لعذر» بدل «لضرب من العذر».
5) . في المطبوع و الحجري: «لأنّه».
6) . في «د»: - «عليه».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «عليه السلام».
8) . في «د، ص، ط»: «فرضها».
9) . في «د، ط، ف»: «علمها».
10) . في «د»: - «بين».
11) . في «ج، ص»: «العبادة».
12) . في «د، ص، ط، ف»: «و تحقّق».
13) . في «د»: «معارضينا».
بصفاتِ (1)هذه العِباداتِ أيضاً و أحكامِها مَن لَزِمَته و مَن لَم تَلزَمْه ؟
فإن قيلَ : إنّما عَمَّ العِلمُ بوجوبِ هذه(2)العِباداتِ التي ذَكَرتموها لِمَن سقَطَ عنه فِعلُها بالعُذرِ و مَن لَم يَسقُطْ عنه؛ مِن جهةِ أنّ (3)مَن سقَطَ عنه فَرضُ العملِ بها لَم يَسقُطْ عنه فَرضُ العِلمِ ، و عُذرَه في الإخلالِ بالعملِ لا يَكونُ عُذراً في الإخلالِ بالعِلمِ .
قُلنا: فقَد لَحِقَ (4)إذَن العِلمُ بهذه العِباداتِ و أحكامِها في العُمومِ بالنَّصِّ علَى الإمامِ ، و بطَلَ فَرقُهم بَينَ العِلمِ بها و بَينَ العِلمِ بالإمامِ بالخُصوصِ و العُمومِ (5).
و نحنُ لَم نُعارَضْ إلّابوجوبِ العِلمِ لا بوجوبِ العملِ ؛ فإذا(6)وقَعَ الاعترافُ بأنّ العِلمَ بالعِباداتِ عامٌّ - و إن سقَطَ العملُ بها في بعضِ الأحوالِ - صَحَّ حَملُ النَّصِّ عَلَيها.
فإن قيلَ : نَراكم تَذكُرونَ - فيما يَمنَعُ مِن وقوعِ العِلمِ بالنَّصِّ علىٰ حَدِّ وقوعِه بالأُمورِ الظاهرةِ التي أَلزَمناكم وجوبَ مُساواتِه لها لَو كانَ حَقّاً - أسباباً مَبنيّةً علىٰ مذهبِكم في النَّصِّ ، كقَولِكم: «إنّ النَّصَّ عدَلَ عنه الجُمهورُ، و لُقيَ راويهِ بالتكذيبِ و رُميَ بالتضليلِ (7)، و انعقَدَت الرئاساتُ علىٰ بُطلانِه» إلىٰ سائرِ ما قَدَّمتموه في
صَدرِ كلامِكم(8)، و هذا غَيرُ مسلَّمٍ لكم؛ لأنّه كالتابعِ لصحّةِ النَّصِّ ؛ فكَيفَ يَصِحُّ أن
تَجعَلوه(1)عُذراً في ارتفاعِ العِلمِ به ؟
قُلنا: قد غَلِطتَ عَلَينا غَلَطاً ظاهراً؛ لأنّا لَم نَذكُرْ في جُملةِ جوابِنا - مِن الأسبابِ المانعةِ مِن حُصولِ العِلمِ بالنَّصِّ و زَوالِ الرَّيبِ فيه - إلّاما هو معلومٌ مسلَّمٌ(2)، و إنّما الخِلافُ في كَونِه سبباً(3)مانعاً مِن العِلمِ بالنَّصِّ و مُخِلاًّ بوقوعِ العِلمِ به علَى الحَدِّ المذكورِ، أو(4)في وقوعِه علىٰ جهةِ الصوابِ و الوجوبِ؛ لأنّه لا خِلافَ في أنّ العملَ بَعدَ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(5)وقَعَ مِن أكثَرِ الأُمّةِ بخِلافِ النَّصِّ، و الرئاسةَ المُنعَقِدَةَ لِمَن انعقَدَت له في تلكَ الحالِ كانَت مَبنيّةً علىٰ رَدِّ النَّصِّ و إبطالِه، و أنّ مَن ادَّعاه و أظهَرَ التديُّنَ به في مستقبَلِ الأحوالِ عندَ التمَكُّنِ من إظهارِه، كانَ مُكذَّباً مُهَجَّناً(6)، يُصدِّقُه واحدٌ و يُكذِّبُه ألفٌ، و أنّه لَم يَتَّفِقْ - مُنذُ وَقَعَ(7)النَّصُّ و إلىٰ(8)زمانِنا هذا - وقتٌ واحدٌ سلَّمَته الأُمّةُ فيه، أو أمسَكَت عن تكذيبِ راويهِ ، أو كانَ المُسلِّمُ أو المُمسِكُ (9)أكثَرَ مِن المُكذِّبِ المُنازِعِ (10). و نحنُ نَعلَمُ أنّه لَم يَتَّفِقْ فيما عورِضنا به - مِن العِلمِ بالنَّصِّ علَى الكَعبةِ و ما جَرىٰ مَجراها - شيءٌ (11)ممّا ذَكرناه(12)، بَل
1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «أن يجعلوه».
2) . في المطبوع و الحجري: «و مسلّم».
3) . في «ص، ط»: «شيئاً».
4) . في «ج، ص، ط»: «لا» بدل «أو».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «عليه السلام».
6) . تهجين الأمر: تقبيحه. الصحاح، ج 6، ص 2217 (هجن).
7) . في «ج، د، ص، ط»: «وقوع».
8) . هكذا في «د، ط، ف» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع «إلى» بدون الواو.
9) . في «ج، ص، ط»: «المماسك».
10) . في التلخيص: «و المنازع».
11) . في المطبوع و الحجري: «بشيء».
12) . في التلخيص: «من ذلك» بدل «ممّا ذكرناه».
الحاصلُ فيه عكسُ هذه الأُمورِ و أضدادُها، مِن التسليمِ و الإجماعِ(1)و التصديقِ و وقوعِ العملِ في الأصلِ و الفَرعِ(2).
و لَيسَ يُمكِنُ أحَداً أن يَدفَعَ شيئاً ممّا عَدَّدناه، أو يُشيرَ إلىٰ خِلافٍ فيه؛ لأنّ وقوعَ العملِ بِخلافِ النَّصِّ لا يُنكِرُه أحَدٌ مِن مُخالِفي الشيعةِ، و لا أحَدٌ ممّن اختَلَطَ بأهلِ الأخبارِ مِن الخارجينَ عن المِلّةِ.
و مُخالِفو الشيعةِ يَزيدونَ في ذلكَ عَلَيهم و يَقولونَ: «إنّ العملَ بخِلافِ النَّصِّ وقَعَ مِن جميعِ الأُمّةِ، و إنّهم ما فَعَلوا مِن العملِ بخِلافِه إلّاالواجبَ الذي لهُم أن
يَفعَلوه» و(3)هذا زيادةٌ علىٰ قَولِ الشيعةِ: «إنّ الأكثَرَ عَمِلَ بخِلافِه» و إنّما اقتصَرَت الشيعةُ علىٰ ذِكرِ الأكثَرِ لِما صَحَّ عندَها(4)مِن اعتقادِ جماعةٍ مِن القَومِ صحّةَ النَّصِّ و العملِ عَلَيه باطناً.
و المُخالِفُ للشيعةِ أيضاً يَعتَرِفُ(5)بأنّ مَن ادَّعَى النَّصَّ و أظهَرَ القَولَ به في جميعِ الأزمانِ، كانَ مُكذَّباً مَرمِيّاً بالبِدعةِ و خِلافِ (6)الجماعةِ ، و إن كانَ يَقولُ :
«إنّ التهجينَ له و التكذيبَ واقعٌ مَوقِعَه» فكأنّه لا خِلافَ في حُصولِ ما ذَكرناه، و إنّما يَرجِعُ الخِلافُ إلىٰ وقوعِه صَواباً و واجباً، أو علىٰ جهةِ الخَطإ و القَبيحِ .
و لَيسَ لهُم أن يَقولوا: إنّ الذي قَرَّرتموه(7)مِن عملِ الأُمّةِ بخِلافِ النَّصِّ
و إظهارِهم ما يَقتَضي إبطالَه دالٌّ علىٰ عَدَمِ النَّصِّ ؛ لأنّه لَو كانَ حَقّاً لَما جازَ أن تَعمَلَ (1)الأُمُّة بخِلافِه.
لأنّ هذا عُدولٌ عن السؤالِ الذي أجَبنا عنه، و إنّما وقَعَ الجوابُ عن قَولِهم: لَو كانَ النَّصُّ حَقّاً لَساوَى(2)العِلمُ به العِلمَ بالنَّصِّ علَى الكَعبةِ و ما أشبَهَها. و إذ قد بيّنّا(3)الفَرقَ بَينَ الأمرَينِ ، و ما يَمنَعُ مِن تَساوي العِلمَينِ ، لَم يَكُن لهُم أن يَعدِلوا إلىٰ سؤالٍ آخَرَ لَم يَتضمَّنْ ما سَألوا عنه مَعناه(4). و سَيأتي الجوابُ عن هذه الشُّبهةِ و ما ماثَلَها فيما بَعدُ عندَ النَّقضِ علىٰ صاحبِ الكتابِ ، بعَونِ اللّٰهِ تَعالىٰ .
ثُمّ يُقالُ للقَومِ: ما بالُ العِلمِ بأنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه لَم يَنُصَّ علىٰ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ بالإمامةِ، و كَذِبِ مَن ادَّعىٰ ذلكَ غَيرَ حاصلٍ علىٰ حَدِّ حُصولِ العِلمِ بأنّه لَم يَنُصَّ بالإمامةِ علىٰ أبي هُرَيرةَ أو المُغِيرَةِ (5)بنِ شُعبةَ ، و أنّه لَم يَنُصَّ علىٰ قِبلةٍ تُخالِفُ جهةَ الكَعبةِ ، و صَومِ شَهرٍ آخَرَ غَيرِ شَهرِ(6)رَمَضانَ؟ و ما بالُ العِلمِ بنَفيِ النَّصِّ الذي ادَّعَته الشيعةُ لَم يَعُمَّ جميعَ مَن عَمَّه العِلمُ بنَفيِ الأُمورِ التي عَدَّدناها، و عندَكم أنّ انتفاءَ النَّصِّ عن الجميعِ بمَنزِلةٍ واحدةٍ؟
و إذا(7)جازَ أن يَنتَفيَ النَّصُّ عن أمرَينِ - فيَعلَمَ انتفاءَه عن أحَدِهما قَومٌ دونَ قَومٍ
و علىٰ حَدٍّ دونَ حَدٍّ، و لا يَعُمَّ (1)العِلمُ بانتفائه(2)جميعَ مَن عَمَّه العِلمُ بِانتفاءِ الآخَرِ - جازَ أيضاً(3)أن يقَعَ النَّصُّ علىٰ أمرَينِ ، فيَعُمَّ العِلمُ بأحَدِهما و لا يَعُمَّ العِلمُ بالآخَرِ، و يقَعَ العِلمُ بأحَدِهما علىٰ وجهٍ لا يقَعُ العِلمُ بالآخَرِ عَلَيه.
و إذا جَعَلتم كَونَ العِلمِ بالنَّصِّ علىٰ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ مُخالِفاً للعِلمِ بما ذَكَرتموه مِن النُّصوصِ دليلاً علىٰ بُطلانِه، و قُلتُم: «لَو كان حَقّاً لَساوَى(4)العِلمُ به سائرَ(5)ما وقَعَ النَّصُّ عَلَيه» فانفَصِلوا ممّن جعَلَ كَونَ ما يُدَّعىٰ مِن العِلمِ بانتفاءِ النَّصِّ مُخالِفاً للعِلمِ بانتفاءِ ما ذَكرناه مِن النُّصوصِ التي عَلِمنا انتفاءَها - كالنَّصِّ علىٰ أبي هُرَيرةَ و علىٰ خِلافِ الكَعبةِ - دليلاً علىٰ صحّةِ النَّصِّ و قالَ : لَو كانَ باطلاً لَساوَى(6)العِلمُ ببُطلانِه العِلمَ ببُطلانِ (7)سائرِ ما انتَفَى النَّصُّ عنه.
فإن قالوا: لَيسَ يَجِبُ ، و إن كانَ النَّصُّ الذي تَدَّعيهِ (8)الشيعةُ مُنتَفياً، أن يَعلَمَ انتفاءَه كُلُّ مَن عَلِمَ انتفاءَ غَيرِه علىٰ حَدٍّ واحدٍ؛ لأنّ هذا غَيرُ واجبٍ فيما لَم يَكُن، و إن كانَ واجباً فيما كانَ و وقَعَ مِن النُّصوصِ .
قُلنا لهُم: انفَصِلوا ممّن عكَسَ القَضيّةَ (9)و قالَ : لَيسَ يَجِبُ ، إذا كانَ النَّصُّ
1) . في «د» و المطبوع و الحجري و التلخيص: «و لا يعلم».
2) . في «ج، ص، ف»: «بانتفاء».
3) . في «د»: - «أيضاً».
4) . في «ص»: «يساوي».
5) . في «ج، ط» و التلخيص: «بسائر» بدل «به سائر».
6) . في «ج، ص»: «يساوي».
7) . في «ط» و المطبوع و الحجري: «ببطلان» بدل «ببطلانه العلم ببطلان».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «يدّعيه».
9) . في «د»: «القصّة».
الذي تَدَّعيهِ (1)الشيعةُ حَقّاً، أن يَعلَمَه كُلُّ مَن(2)عَلِمَ النَّصَّ علىٰ غَيرِه مِن الأُمورِ الظاهرةِ علىٰ حَدٍّ واحدٍ؛ لأنّ هذا لا يَجِبُ في كُلِّ ما كانَ ، و إن كانَ واجباً فيما لَم يَكُن.
فإن قالوا: فنحنُ (3)نَقولُ : إنّ (4)العِلمَ بانتفاءِ النَّصِّ الذي تَدَّعونَه(5)كالعِلمِ بانتفاءِ النَّصِّ علىٰ أبي هُرَيرةَ بالإمامةِ و سائرِ ما عَدَّدتموه، و حالَ مَن ادَّعىٰ أحَدَهما كحالِ مَن ادَّعَى الآخَرَ.
قيلَ لهُم: إذا بَلَغتم إلىٰ (6)هذا الحَدِّ بَلَغنا معكم إلىٰ مِثلِه، و قُلنا لكم: إنّ العِلمَ
بثُبوتِ النَّصِّ الذي نَذهَبُ إليه في حُصولِ اليقينِ به و زَوالِ الشُّكوكِ عنه و بَهْتِ مَن دَفَعَه، كالعِلمِ بالنَّصِّ علَى الكَعبةِ و تأميرِ زيدٍ و خالدٍ. و حالَ مَن ادَّعىٰ خِلافَه أو دَفَعَه، كحالِ مَن ادَّعىٰ خِلافَ النَّصِّ علَى الكَعبةِ ، أو دَفَعَ النَّصَّ عَلَيها.
فإن قالوا: كَيفَ يُقالُ هذا فيما يُخالِفُ فيه أمثالُنا؟
قيلَ لهُم: و كَيفَ يَصِحُّ ما قُلتُموه فيما يُخالِفُ فيه أمثالُنا؟ و فينا الكَثرةُ التي لا يَصِحُّ عَلَيها دَفعُ مِثلِ ما ذَكَرتموه(7)، مع عِلمِكم بتَديُّنِ أكثَرِنا بمَذهَبِه ضرورةً و تَقرُّبِه(8)باعتقادِه إلىٰ رَبِّه جَلَّ و عَزَّ(9).
1) . هكذا في التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «يدّعيه».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «أحد» بدل «من».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «نحن».
4) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: - «إنّ ».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «يدّعونه».
6) . في «ج، ص»: - «إلى».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «ما ذكرتم».
8) . في المطبوع: «و تقرّباً».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «عزّ و جلّ ».
و هذه المُعارَضةُ لا مَخلَصَ مِنها للقَومِ الدافِعينَ للنَّصِّ و المُعتَمِدينَ علىٰ ما تَضمَّنَه السؤالُ .
و رُبَّما سَألوا فقالوا: لَو كانَ الخبرُ مُتَواتِراً بالنَّصِّ لَوقَعَ العِلمُ الضروريُّ به لِكُلِّ مَن سَمِعَه؛ لأنّ الخبرَ إذا ورَدَ مِن كَثرةٍ لها(1)الشُّروطُ التي تَدَّعونَها فلا بُدَّ مِن وقوعِ العِلمِ الضروريِّ عندَه.
و الجوابُ عن السؤالِ المُتقدِّم(2)الذي شَرَحناه و أَحكَمناه هو جوابٌ عن هذا السؤالِ؛ لأنّ معناهما مُتَشابِهٌ، و إن كانَ يُحتاجُ عندَ ذِكرِ الضرورةِ(3)علىٰ هذا الوجهِ إلىٰ ضَربٍ مِن التفصيلِ و نَوعٍ مِن الكلامِ لا يُحتاجُ إليه فيما تَقدَّمَ، و نحنُ نَستَوفيهِ عندَ النَّقضِ علىٰ صاحبِ الكتابِ؛ فقَد تَعلَّقَ به.(4)
و نُجيبُ أيضاً عن جميعِ ما يَسألونَ(5)عنه، مِثلُ قَولِهم: «لَو كانَ النَّصُّ حَقّاً لَما كتَمَته الأُمّةُ و أظهَرَت خِلافَه، و لَطالَبَ به أميرُ المؤمِنينَ عليه السلامُ و نازَعَ القَومَ فيه، و لَما دخَلَ في الشورىٰ، و لا فعَلَ كَذا و كَذا(6)»(7)، و مِثلُ قَولِهم: «أيُّ فَرقٍ بَينَ ادّعائكم للنَّصِّ (8)...
1) . في «ص»: «في كثرة بها» بدل «من كثرة لها».
2) . تقدّم في ص 337.
3) . في «ج، ص، ف»: «الضروريّ ».
4) . يأتي في الصفحة القادمة و ما بعدها.
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «عمّا يسألون» بدل «عن جميع ما يسألون».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: - «و كذا».
7) . سوف يأتي في ص 449-452، و 460-462.
8) . في «ص، ط، ف»: «النصّ ».
و دَعوَى البَكريّةِ و العَبّاسيّةِ(1)للنَّصِّ(2)علىٰ صاحِبَيهما(3)؟(4)» إلىٰ غَيرِ ذلكَ مِن شُبَهِهم؛ فقَد ذكَرَ صاحبُ الكتابِ مِنها طَرَفاً نحنُ (5)نُجيبُ عنه عند الانتهاءِ إليه، و نَستَوفي ذِكرَ ما أخَلَّ به مِن زيادةٍ قَويّةٍ .
و إذ(6)قد انتَهىٰ ما أرَدنا تقديمَه مِن «الكلامِ في النَّصِّ »، فنحنُ نَعودُ إلىٰ حِكايةِ كلامِ صاحبِ الكتابِ في الفَصلِ ، و النَّقضِ عَلَيه:
قالَ صاحبُ الكتابِ - بعدَ أن ذَكرَ الخِلافَ في النَّصِّ ، و ما يُمكِنُ أن يَنقَسِمَ إليه قَولُ مُدَّعيهِ مِن ضَرورةٍ أو اكتسابٍ -:
و الذي(7)يدُلُّ علىٰ بُطلانِ النَّصِّ علىٰ وجهٍ يُعلَمُ مُرادُه عليه السلامُ فيه باضطرارٍ: أنّ ذلكَ لَو كانَ ثابتاً لَكانَ كُلُّ مَن عَلِمَ صحّةَ نُبوّتِه عليه السلامُ يَعلَمُ ذلكَ حَتّىٰ لا يَصِحُّ أن يَشُكَّ فيه.
يبيِّنُ ذلكَ : أنّه لمّا كانَ العِلمُ بوجوبِ الصلاةِ و صَومِ شَهرِ رمضانَ (8)و تحريمِ الخَمرِ إلىٰ غَيرِ ذلكَ ضَروريّاً علَى الحَدّ(9)الذي ذَكرناه، لَم يَجُز أن
1) . البكريّة: القائلون بأنّ النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله نصّ على أبي بكر بالإشارة، و العبّاسيّة: القائلون بأنّه صلّى اللّٰه عليه و آله نصَّ على عمّه العبّاس كذلك، و قد انقرضت هاتان الفرقتان.
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «النصّ ».
3) . في «ج، د، ف»: «صاحبهما». و في «ص، ط»: «صاحبها».
4) . يأتي في ص 383-384، و 405.
5) . في «ج»: - «نحن».
6) . في «د»: «و إذا».
7) . في المغني: «فالذي».
8) . في المغني: + «و حجّ البيت».
9) . في المغني: «الخبر»، و هو تصحيف.
يَشُكَّ فيه أحَدٌ يَعلَمُ نُبوّتَه، حَتّىٰ إنّا نَجعَلُ إظهارَ(1)الشكِّ في ذلكَ أو(2)شيءٍ مِنه دَلالةَ الكُفرِ و تكذيبِ الرسولِ عليه السلامُ(3)، [علىٰ ما بيّنّاه مِن قَبلُ](4).
و لَو كانَ الأمرُ كذلكَ لَوَجَبَ أن نَعلَمَ(5)هذا النَّصَّ و لا نَشُكَّ(6)فيه، و كذلكَ سائرُ أهلِ القِبلةِ؛ بَل كانَ يَجِبُ أن لا يَشُكَّ في ذلكَ مَن يَعتَقِدُ صحّةَ نُبوّتِه و إن لَم يَعلَمْها؛ لأنّ ذلكَ مُمتَنِعٌ(7)في(8)الاعتقادِ(9)و إن كانَ امتناعُه في العِلمِ أقوىٰ.
و بُطلانُ ذلكَ يبيِّنُ فَسادَ هذا القَولِ.
و لا يُمكِنُهم أن يَدَّعوا عَلَينا أنّا نَعرِفُ ذلكَ؛ لأنّا نَعرِفُ(10)باضطرارٍ خِلافَ
ذلك مِن أنفُسِنا، بَل يَعلَمونَ مِن حالِنا أنّا نَعتَقِدُ خِلافَ ذلكَ . و لأنّه قد ثبَتَ أنّ الجَمعَ العَظيمَ لا يَجوزُ أن يَجحَدوا ما يَعلَمونَ أو يُظهِروا خِلافَه، و قد بيّنّا صحّةَ هذه الطريقةِ في بابِ المَعارفِ ....(11)
1) . في المغني: - «إظهار».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: + «في».
3) . في المطبوع: «صلّى اللّٰه عليه و آله و سلَّم».
4) . ما بين المعقوفين من المغني.
5) . في «د»: «أن يعلم».
6) . في المغني: «و أن لا نشكّ ». و في «د، ص، ط»: «و لا يشكّ ».
7) . في المغني: «يمتنع». و في «ج، ص، ط، ف»: «يمنع».
8) . في «ج، ص، ف»: «من».
9) . الاعتقاد في اصطلاح المتكلّمين أعمّ من العلم، فالعلم هو ما اقتضىٰ سكون النفس، و الاعتقاد قد يكون علماً بشروط مذكورة في محلّها، و قد يكون تقليداً أو تبخيتاً أو جهلاً. راجع: الحدود، ص 88-90.
10) . في «ج، ص»: «نعلم».
11) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 113-114. و باب المعارف في الجزء الثاني عشر من المغني.
يُقالُ له: قد بيّنّا في صَدرِ كلامِنا ما نَذهَبُ إليه في النَّصِّ(1)، و ذَكَرنا أنّ طَريقَ العِلمِ به و بالمُرادِ مِنه(2)لِمَن(3)لَم يَسمَعْه مِن الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه هو الاستدلالُ دونَ الاضطرارِ، و إن كانَ مَن سَمِعَه مِنه عليه السلامُ مُضطَرّاً إلىٰ مُرادِه.(4)
و لَيسَ نَقطَعُ(5)في شيءٍ مِن الأخبارِ علىٰ حُصولِ العِلمِ الضَّروريِّ عندَه؛ لأنّا نجوِّزُ أن يَكونَ العِلمُ بإيجابِ الصلاةِ و تحريمِ الخَمرِ و سائرِ ما ذَكرتَه و بالبُلدانِ أيضاً واقعاً عن ضَربٍ مِن الاستدلالِ قَريبٍ، و أن لا يَكونَ مِن فِعلِ اللّٰهِ تَعالىٰ فينا، و إن كُنّا(6)لا نَشُكُّ في مُفارَقةِ «العِلمِ بهذه الأُمورِ في طَريقِه(7)، و امتناعِ دُخولِ الشُّكوكِ (8)و الشُّبهاتِ فيه» لغَيرِه مِن العُلومِ بمُخبَرِ(9)الأخبارِ التي لا يَجري(10)مَجراه؛ لأنّ امتناعَ اعتراضِ الشُّبهةِ و دُخولِ الشكِّ في بعضِ العُلومِ لَيسَ يَجِبُ أن يَكونَ دَلالةً علىٰ أنّه مِن فِعلِ اللّٰهِ تَعالىٰ .
و لنا في هذا البابِ - يَعني(11)في(12)هَل العِلمُ بالبُلدانِ و ما أشبَهَها ضَروريٌّ
1) . يعني النصّ الجليّ .
2) . في «د» و المطبوع: «معه».
3) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «بمن».
4) . تقدّم في ص 313-314.
5) . هكذا في «ج، ص، ف» و التلخيص. و في «د، ط» و المطبوع و الحجري: «يقطع».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «كان».
7) . كذا، و العبارة فيها غموض.
8) . في «ج، ص، ط، ف»: + «فيه».
9) . في «ص»: «بمجرّد».
10) . في التلخيص: «لا تجري».
11) . في «ج، ص، ف»: «أعني».
12) . في «ج»: + «أنّه».
أم لا؟ - نظَرٌ.(1)فأمّا العِلمُ بالنَّصِّ فلا نَظَرَ لنا في(2)أنّ العِلمَ به الآنَ مِن طريقِ الاستدلالِ و الاكتسابِ.
علىٰ أنّا لَو تَخطَّينا الخِلافَ في هذا المَوضِعِ(3)، و سَلَّمنا لكَ أنّ العِلمَ بالبُلدانِ و ما ماثَلَها ضَروريٌّ(4)، لَأمكَنَ أن نَقولَ لكَ: بمَ(5)تَدفَعُ(6)أن يَكونَ إيجابُ الصلاةِ و الصومِ و ما ذَكرتَه مِن العباداتِ إنّما عَلِمَه كُلُّ مَن عَلِمَ صحّةَ نُبوّتِه عليه السلامُ اضطراراً - و لَم يَصِحَّ أن يقَعَ شكٌّ فيه؛ مِن قِبَلِ أنّ أحَداً لَم يَعتَرِضْه بتكذيبٍ و رَدٍّ
في وقتٍ مِن الأوقاتِ - و أن يَكونَ خبرُ النَّصِّ ممّا يَصِحُّ أن يُعلَمَ المُرادُ مِنه باضطرارٍ لَو(7)سَلِمَ مِن تكذيبِ الجماعاتِ به و سَبقِهم إلَى الاعتقاداتِ الباطلةِ فيه، فلمّا لَم يَسلَمْ(8)مِن ذلكَ لَم يَقَعِ العِلمُ به ضرورةً كما وَقَعَ بسائرِ ما عَدَّدتَه؟
و لَيسَ يُمكِنُكَ أن تُحيلَ هذا الإلزامَ أو تَستَبعِدَه؛ لأنّ العِلمَ الضروريَّ عندَ خبرِ المُخبِرينَ إذا كانَ عندَكَ مِن فِعلِ اللّٰهِ تَعالىٰ و متعلِّقاً بالعادةِ ، جازَ أن يُجريَ (9)العادةَ فيه بأن يَفعَلَه إذا لَم يَقَعْ تكذيبٌ مِن الجماعاتِ به و سَبقٌ إلَى اعتقادِ فَسادِه، و متىٰ
1) . ذهب معتزلة البصرة إلى أنّ العلم بالبلدان و الوقائع و الحوادث الكبار علمٌ ضروريّ مِن فِعل اللّٰه تعالىٰ بالعادة، و ذهب معتزلة بغداد إلى أنّه علم مكتسَب و مستدَلّ عليه، فيما توقّف المصنّف رحمه اللّٰه في هذه المسألة و لم يجزم بأنّه علم ضروريّ أو مكتسَب، و قام بمناقشة أدلّة كلا الفريقين من المعتزلة و ردّ عليها. راجع: الذخيرة، ص 345 و ما بعدها.
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «فيه».
3) . في «ص»: «المواضع».
4) . فإنّ صاحب المغني من معتزلة البصرة و يرىٰ رأيها.
5) . في «ج، ص»: «لِمَ ».
6) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «ندفع».
7) . في «ص، ط» و التلخيص: «و لو». و في «ج»: «فلو».
8) . في «ص»: «لم يسلمه».
9) . في «ط، ف» و التلخيص: «أن تجري».
وَقَعَ ذلكَ لَم يَفعَله كما جازَ أن يَفعَلَه عندَ خبرِ عَدَدٍ دونَ عَدَدٍ، و عندَ خبرِ المُضطَرّينَ إلىٰ ما أُخبِروا عنه دونَ المستَدِلّينَ .
و لَيسَ لكَ أن تَقولَ : لَو كانَ المعتَبَرُ في وجودِ(1)العِلمِ الضروريِّ بمُخبَرِ(2)الأخبارِ و ارتفاعِه بالتكذيبِ ، لَوَجَبَ أن لا يَقَعَ عِلمٌ بشيءٍ مِن مُخبَرِ(3)الأخبارِ؛ لأنّ السُّمَنِيَّةَ (4)تُكذِّبُ بالجميعِ .
لأنّا نَقولُ لكَ : إنّما يؤثِّرُ تكذيبُ مَن عُلِمَ وجودُه و عُرِفَ تكذيبُه مِن العُقَلاءِ ، و نحنُ لَم نَرَ سُمَنيّاً قَطُّ، و إنّما نَسمَعُ بذِكرِهم خبراً.
و يُمكِنُ أن يُقالَ : إنّه لا مُعتبَرَ في ارتفاعِ العِلمِ الضروريِّ بتكذيبِ الواحدِ و الاثنَينِ ، بَل بِرَدِّ الجماعاتِ و تكذيبِها.
و هذا إذا كانَ المَرجِعُ فيه إلَى العادةِ جَوَّزنا ما ذَكرناه فيه و لَم يُستَنكَرْ(5).
و لَيسَ لكَ أن تَقولَ: لَو كانَ التصديقُ شَرطاً في صحّةِ وقوعِ العِلمِ لَم يَخلُ التصديقُ مِن أن يَكونَ عن معرفةٍ، أو عن غَيرِ معرفةٍ؛ فإن كانَ عنها لَم تَخلُ (6)المعرفةُ مِن أن تَكونَ (7)إذَن لَم تَحصُلْ (8)عن مُشاهَدةٍ واقعةٍ (9)بهذا
1) . في «ج، ص، ط»: «وجوب».
2) . في «ص، ط»: «لمخبر».
3) . في التلخيص: «مخبرات».
4) . السُّمَنِيَّة - بضمّ السين و فتح الميم -: فرقة من عبدة الأصنام تقول بالتناسخ، و تنكر وقوعَ العلم بالأخبار. الصحاح، ج 5، ص 2138 (سمن).
5) . في التلخيص: «و لم يُستبعد».
6) . في «د، ص، ف» و التلخيص: «لم يخل».
7) . في «ط، ف»: «أن يكون».
8) . في «ج، د، ص، ط، ف»: «لم يحصل».
9) . في التلخيص: «و واقعة».
الخبرِ أو(1)بغَيرِه(2)ممّا يَجري(3)مَجراه. فإن كانَت حاصلةً عن(4)هذا الخبرِ أو
عمّا(5)جَرىٰ مَجراه فقَد صَحَّ أن نَعلَمَ (6)صحّةَ الخبرِ و إن لَم يَقَعْ تصديقٌ متقدِّمٌ ، و إذا جازَ هذا فيهم جازَ في غَيرِهم و استُغنيَ عن تَقدُّمِ التصديقِ .
لأنّا نَقولُ لكَ: إنّا لَم نُلزِمْكَ كَونَ التصديقِ شَرطاً في وقوعِ العِلمِ(7)، و إنّما أَلزَمناكَ أن يَكونَ (8)تكذيبُ الجماعةِ بالخبرِ مانعاً مِن حُصول العِلمِ الضروريِّ ، و ارتفاعُ هذا التكذيبِ مُصحِّحاً لوجودِه؛ فتَشاغُلُكَ بالتصديقِ لا معنىٰ له.
فأمّا نَفيُكَ عن نفسِكَ و أصحابِكَ العِلمَ بالنَّصِّ فصَحيحٌ ، و لَيسَ ذلك ممّا يَدَّعيهِ عَلَيكَ عاقلٌ فتُفسِدَه.
فإن قُلتَ : إنّما كلامي علىٰ مَن أَوجَبَ العِلمَ الضروريَّ بالنَّصِّ لكُلِّ مَن سَمِعَه، و ادَّعىٰ علَى الجميعِ الاضطرارَ إلىٰ صحّتِه، و لَم يُثبِتْ مانعاً مِن العِلمِ به.
قُلنا لكَ : فكلامُكَ إذَن علىٰ مذهبٍ لا يَذهَبُ إليه عاقلٌ ؛ فإنّنا(9)لا نَعرِفُ أحَداً هذا قَولُه.
1) . في المطبوع و الحجري: «و» بدل «أو».
2) . في «د»: «لغيره».
3) . في «ص، ط، ف»: «جرىٰ ».
4) . في التلخيص: «في».
5) . في التلخيص: «ممّا».
6) . في «د» و التلخيص: «أن يعلم». و في «ص»: «أن تعلم».
7) . هكذا في «د، ط» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: + «الضروريّ ».
8) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ: + «التكذيب أعني». و في المطبوع و الحجري: + «التكذيب عن».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «فإنّا».
قالَ صاحبُ الكتابِ - بَعدَ كلامٍ يَتضمَّنُ الردَّ علىٰ مَن ادَّعىٰ عَلَيه و(1)علىٰ أصحابِه العِلمَ الضروريَّ بالنَّصِّ، لا حاجةَ بنا إلىٰ ذِكرِه؛ لأنّا لا نَدَّعي ذلكَ عَلَيهم -:
و متىٰ قالوا: «يُعتبَرُ(2)ذلكَ لأنّ التواتُرَ لا يَضطَرُّ عندَنا، و إنّما يُعلَمُ(3)به الشيءُ مِن جهةِ الاكتسابِ»، فقَد نَقَضوا نَفسَ الأصلِ الذي تَكلَّمنا عَلَيه؛ لأنّا إنّما نُريدُ إبطالَ قَولِ مَن يَدَّعي الاضطرارَ في ذلكَ ، و لأنّا قد بيّنّا مِن قَبلُ أنّ الصحيحَ في التواتُرِ أنّه(4)يَقتَضي العِلمَ الضَّروريَّ ، و أنّه لَيسَ بطريقٍ إلَى الاستدلالِ (5)، و أَوضَحنا القَولَ في ذلكَ .(6)
يُقالُ له: قد مضىٰ ما نَقولُه في العِلمِ بالنَّصِّ، و أنّه واقعٌ الآنَ مِن جهةِ الاستدلالِ ، لا مِن جهةِ الاضطرارِ.(7)
و قَولُكَ : «إنّ كلامي علىٰ مَن قالَ بالاضطرارِ» إن أَرَدتَ به مَن يَدَّعي الاضطرارَ علَى الكُلِّ و لا يُشيرُ إلىٰ مانعٍ يَمنَعُ مِنه، فقَد قُلنا: إنّ هذا لَيسَ بمذهبٍ لعاقلٍ في النَّصِّ . و إن أَرَدتَ أنّه ممّا يُعلَمُ باضطرارٍ و إن جازَ ثُبوتُ مانعٍ مِنه، فقَد تَكلَّمنا علىٰ هذا الوجهِ ، و أَلزَمناكَ ما لا انفِصالَ لكَ عنه(8).
فأمّا قَولُكَ أنّكَ قد بَيَّنتَ أنّ التواتُرَ يوجِبُ العِلمَ الضروريَّ، فما وَجَدناكَ بَيَّنتَ ذلكَ بشيءٍ في المَوضِعِ(1)الذي أشَرتَ إليه مِن كتابِكَ، و لَم نَرَكَ قَد(2)عَوَّلتَ إلّاعلى أنّ خبرَ الجماعةِ إذا انتَهىٰ إلىٰ حَدٍّ يُمكِنُ معه أن يُستَدَلَّ(3)علىٰ صِدقِهم، فلا بُدَّ مِن وقوعِ العِلمِ الضروريِّ عندَ خبرِهم. و هذه دَعوىً مِنكَ لا بُرهانَ عَلَيها.
و لنا أن نَقولَ لكَ: هذا مِن أينَ قُلتَه؟ و ما أنكَرتَ(4)مِن أن يُجريَ اللّٰهُ تَعالَى(5)العادةَ بأن يَفعَلَ العِلمَ الضروريَّ عندَ خبرِ الجماعةِ إذا انتَهَوا إلىٰ عَدَدٍ معلومٍ، و يَكونَ مَن لَم يَبلُغْ عَدَدَهم مِن الجماعاتِ لا يَقَعُ العِلمُ الضروريُّ عندَ خبرِهم و إن أمكَنَ الاستدلالُ به علىٰ صِدقِهم ؟ أوَ لَيسَ قد حَكَيتَ عن أبي هاشمٍ في كتابِكَ هذا أنّه قالَ في بعضِ المَواضِعِ : «لا يَمتَنِعُ أن يُستَدَلَّ بخبرِ الجماعةِ علىٰ صِدقِهم و إن لَم يَقَعِ العِلمُ الضروريُّ بخبرِهم؛ بأن لا يَكونوا بَلَغوا المَبلَغَ الذي أجرَى اللّٰهُ تَعالَى العادةَ بأن يَفعَلَ عندَه العِلمَ الضروريَّ »؟ و لَو لَم يَقُل ما حَكَيتَه أبو هاشمٍ (6)أيضاً(7)لَكانَ القياسُ يَقتَضيه.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
فإن قيلَ : إنّا نَدَّعي هذا الجِنسَ مِن الاضطرارِ لِمَن فَتَّشَ عن الأخبارِ
و أزالَ عن قَلبِه الشُّبهةَ و لَم يَسبِقْ إلَى اعتقادٍ فاسدٍ. فأمّا مَن حَصَلَ فيه بعضُ هذه الوجوهِ لَم تَحصُلْ (1)له الضرورةُ ، و لذلكَ يَحصُلُ الاضطرارُ لِطَوائفِ الشيعةِ و لا يَحصُلُ للمُخالِفينَ .
قيلَ لهُم(2): إذا كانَ ذلكَ (3)هو الحُجّةَ و قد أقرَرتم أنّه لا يَحصُلُ للمُخالِفينَ (4)، فيَجِبُ أن يَكونوا في أَوسَعِ العُذرِ في مُخالَفتِكم، و أن لا يَلحَقَهم الذَّمُّ بذلكَ .
فإن قالوا: إنّما نَذُمُّهم مِن حَيثُ اعتَقَدوا إمامةَ غَيرِ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ بِشُبهةٍ (5).
قيلَ لهُم: فيَجِبُ أن لا يَلحَقَ مَن شَكَّ في ذلكَ و تَوقَّفَ(6)الذَّمُّ، و يَكونَ(7)معذوراً في ذلكَ(8)، و ذلكَ يَنقُضُ أصلَهم في الإمامةِ ؛ لأنّهم يَجعَلونها مِن أعظَمِ أركانِ الدِّينِ ، و أصلاً لسائرِ الشرائعِ ، [فكَيفَ يَصِحُّ أن لا يَعلَمَها مَن خالَفَهم مع عِلمِه بفُروعِ الدِّينِ التي هي الصلاةُ و الصيامُ و غَيرُ ذلك ؟](9)
1) . هكذا في المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «لم يحصل».
2) . في «ج، ص، ط، ف» و المغني: «قيل له».
3) . في «ج»: - «ذلك».
4) . في «د» و المطبوع و الحجري و المغني: «للمخالف».
5) . في «د» و المطبوع و الحجري و المغني: «لشبهة».
6) . في المغني: «و نوقف»، و هو غلط.
7) . في المغني: «و أن يكون».
8) . في «د» و المغني: - «في ذلك».
9) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 115. و ما بين المعقوفين من المصدر.
يُقالُ له(1): قد بيّنّا أنّا لا نَدَّعي عِلمَ الضرورةِ(2)في النَّصِّ(3)، لا لأنفُسِنا و لا علىٰ مُخالِفينا، و ما نَعرفُ أحَداً مِن أصحابِنا صرَّحَ بادِّعاءِ ذلكَ، و لكِنّا نُكَلِّمُكَ علىٰ ما يَلزَمُكَ(4)، دونَ ما نَذهَبُ إليه و نَعتَقِدُه حَقّاً:
أمّا ادّعاؤكَ «أن يَكونَ المُخالِفُ لنا في أَوسَعِ العُذرِ إذا لَم يَعرِفِ النَّصَّ ضرورةً» فباطلٌ لا يَدخُلُ في مِثلِه شُبهةٌ علىٰ مِثلِكَ؛ لأنّا إنّما أَلزَمناكَ أن يَرتَفِعَ العِلمُ الضروريُّ عنهم بالنَّصِّ علىٰ وجهٍ كانوا فيه هُم المانِعينَ لأنفُسِهم(5)مِنه، و هُم مع كَونِهم مانِعينَ مِن وقوعِه مُتمكِّنونَ مِن إزالةِ المانعِ(6)، و الخُروجِ عمّا ارتفَعَ مِن أجلِه العِلمُ(7)بالنَّصِّ؛ مِن الشُّبهةِ أو السَّبقِ إلَى الاعتقادِ، و لَو شاؤوا لَفارَقوا ذلكَ فَوَقَعَ لَهُم العِلمُ الضروريُّ؛ فكَيفَ يَجِبُ علىٰ هذا أن يَكونوا معذورينَ؟
و هل إقامةُ العُذرِ لهُم و هذه حالُهم إلّاكإقامةِ العُذرِ لِمَن نظَرَ في الدليلِ ، و قد
سبَقَ إلَى اعتقادٍ فاسدٍ؛ إمّا بتقليدٍ أو شُبهةٍ (8)، فامتنَعَ عَلَيه لذلكَ حُصولُ العِلمِ مِن جهةِ الدليلِ؟
فلمّا كانَ مَن هذه حالُه غَيرَ معذورٍ - و إن كانَ لا يَصِحُّ حُصولُ العِلمِ له(9)مِن
جهةِ الدليلِ مع الشُّبهةِ(1)و الاعتقادِ الذي قَدَّرناه - مِن حَيثُ كانَ مُتمكِّناً مِن إزالةِ ما منَعَ مِن حُصولِ العِلمِ بالنظَرِ في الدليلِ و مُفارَقتِه، فكذلكَ حالُ مَن لم يَقَعْ له العِلمُ بالنَّصِّ مِن المُخالِفينَ.
و يُمكِنُ أن يَكونَ الذَّمُّ لاحِقاً لهُم مِن وجهٍ آخَرَ؛ و هو أنّهُم - و إن كانوا كالمانِعي أنفُسَهم من العِلم الضروريِّ - قادرونَ(2)علىٰ إصابةِ العِلمِ الاستدلاليِّ، بأن يَنظُروا في أحوالِ الجماعةِ المُخبِرةِ بالنَّصِّ، و يَستَدِلّوا علىٰ كَونِهم صادقينَ. و إذا كانَ هذا طريقاً إلَى العِلمِ و هُم مُتمكِّنونَ(3)مِنه، ضاقَ عُذرُهم و تَوجَّهَ الذَّمُّ إليهم.
و لَيسَ يُجعَلُ ذَمُّهم مِن حَيثُ اعتَقَدوا إمامةَ غَيرِ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ بالشُّبهةِ، حسَبَ ما سَألتَ عنه نَفسَكَ . و إن كانَ ما ذَكرتَه وجهاً يَلحَقُ الذَّمُّ مِن أجلِه، إلّاأنّه لا يَكونُ ذَمّاً مُستَحَقّاً مِن جهةِ الإخلالِ بالنَّصِّ ؛ لأنّه كانَ يَجِبُ لَو تَوقَّفوا و شَكّوا(4)و لَم يَعتَقِدوا إمامةَ الغَيرِ أن لا يَلحَقَهم الذَّمُّ ، و قد بيّنّا أنّه لاحِقٌ لهم مِن الوجهَينِ اللّذَينِ قَدَّمناهما، و هو أيضاً لاحِقٌ لهُم مِن حَيثُ اعتَقَدوا الباطلَ في إمامةِ مَن لَيسَ بإمامٍ .
قالَ صاحبُ الكتابِ :
علىٰ أنّ هذه الطريقةَ توجِبُ عَلَيهم أن يُجوِّزوا في سائرِ ما يُعلَمُ (5)مِن دِينِه(6)
عليه السلامُ ضَرورةً أن يَختَصَّ(1)به قَومٌ دونَ قَومٍ و إن اشتَرَكَ الكُلُّ في معرفةِ نُبوّتِه، و بُطلانُ ذلكَ يبيِّنُ فَسادَه.
و لا يَجوزُ أن يَمتَنِعَ مِثلُ هذا الاضطرارِ لأجلِ الشُّبهةِ؛ لأنّ العِلمَ الضروريَّ يُزيلُ الشُّبهةَ، و لأنّ الشُّبهةَ إنّما تَصِحُّ(2)في طُرُقِ(3)الأدِلّةِ،
و هذا العِلمُ يَقَعُ مِن غَيرِ دليلٍ و نَظَرٍ.
و لا يؤثِّرُ في ذلكَ أيضاً السَّبقُ إلَى الاعتقادِ، بَل يَجِبُ أن يَزولَ الاعتقادُ به(4)كما نَقولُه في سائرِ الضروريّاتِ.
و إنّما تَجوزُ(5)الشُّبهةُ في الضروريّاتِ علىٰ جهةِ الجُملةِ؛ بأن يَشتَبِهَ علَى العالِمِ التفصيلُ ، كما نَقولُه(6)في الذي يَعرِفُ (7)قُبحَ الظُّلمِ باضطرارٍ أنّه قد يَشتَبِهُ عَلَيه ما هو غَيرُ ظُلمٍ و يَعتَقِدُه ظُلماً(8)[كالخَوارجِ و غَيرِهم؛ لأنّ الشُّبهةَ تَناوَلَت التفصيلَ ، و الضروريَّ تَناوَلَ الجُملةَ ].(9)
يُقالُ له(10): قد كانَ يَجوزُ أن يَشتَبِهَ سائرُ ما ذَكرتَه مِن المعلومِ مِن دِينِه عليه
1) . في المغني: «لم يختصّ » بدل «أن يختصّ ».
2) . في المغني: «و لأنّ النسخ إنّما يصحّ ».
3) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و المغني. و في «د» و المطبوع و الحجري: «في طريق».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: - «به».
5) . هكذا في «ط، ف» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «يجوز».
6) . هكذا في «ج، ص» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «تقوله».
7) . في المغني: «فيمن يعلم» بدل «في الذي يعرف».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «ما هو ظلم فيعتقده حسناً». و في المغني: «ما هو ظلم بعينه فيعتقده عدلاً».
9) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 115-116. و ما بين المعقوفين من المصدر.
10) . في «ص»: «فيقال له».
السلامُ مع العِلمِ بنُبوّتِه - و يَختَصَّ بالعِلمِ(1)به قَومٌ دونَ قَومٍ - لَو جَرىٰ فيه ما جَرىٰ في النَّصِّ مِن السَّبقِ إلَى الاعتقادِ أو الشُّبهةِ.
فأمّا قَولُكَ: «العِلمُ الضروريُّ(2)يُزيلُ الشُّبهةَ»، فلا شكَّ في أنّه يُزيلُها إذا وَقَعَ، فمِن أينَ أنّه لا بُدَّ أن يَحصُلَ حتّىٰ يُزيلَها؟ و قد جَعَلنا ارتفاعَها شَرطاً، و حُصولَها كالمانعِ ، و رَدَدناه إلَى العادةِ .
و لَم نَقُل: إنّ الشُّبهة تَقَعُ في الضرورةِ ، فتَقولَ لنا: إنّها تَختَصُّ الأدِلّةَ (3)، بَل لا يَمتَنِعُ أن يَسبِقَ قَومٌ بشُبهةٍ أو تقليدٍ إلَى اعتقادِ بُطلانِ ما يَرِدُ به الخبرُ، فلا يَقَعَ به العِلمُ الضروريُّ إذا كُنّا قد فَرَضنا أنّ ارتفاعَ التكذيبِ به و اعتقادِ بُطلانِه شَرطٌ في صحّةِ وقوعِه.
و قولُكَ : «يَجِبُ أن يَزولَ الاعتقادُ به» كالأوّلِ في أنّه لَو وقَعَ لَزالَ به، و الذي أَلزَمناكَ أن لا يَقَعَ إذا كانَت الحالُ هذه.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و علىٰ هذا الوجهِ يَجوزُ أن يَشتَبِهَ علىٰ أحَدِنا نُبوَّةُ نَبيِّنا عليه السلامُ (4)فلا يَكونَ عالِماً بصحّةِ هذه الأُمورِ، فأمّا مع عِلمِه بصحّةِ نُبوّتِه فغَيرُ جائزٍ فيما يُعلَمُ مِن دِينِه باضطرارٍ(5).
يبيِّنُ ذلكَ: أنّ كُلَّ ما هذه(1)حالُه مِن الشرعِ فالتكليفُ فيه عامٌّ للكُلِّ؛
فكَيفَ يَصِحُّ أن يَحصُلَ(2)العِلمُ بذلكَ لبَعضِهم دونَ بعضٍ؟ خاصّةً و مَن يَسلُكُ هذه الطريقةَ يَجعَلُ الإمامَ حُجّةً في الزمانِ كالرسولِ، و يَقولُ: مَن لَم يَعرِفْ إمامَه فهو كافرٌ، و يَروي(3)أنّ «مَن ماتَ و لا يَعرِفُ(4)إمامَه ماتَ مِيتةً جاهليّةً»(5)فلا بُدَّ مِن أن تَحصُلَ(6)الضرورةُ للكُلِّ، أو أن يُقالَ: مَن لَم يَحصُلْ عارفاً بذلكَ (7)فلَيسَ بمكلَّفٍ أصلاً، أو لَيسَ (8)بمكلَّفٍ للإمامةِ و معذورٌ فيها(9)، كما يَقولُه(10)أهلُ المَعارفِ في سائرِ الدياناتِ .
و لَو جازَ لهُم أن يَقولوا أنّ طائفتَهم تَعرِفُ ذلكَ دونَ مَن خالَفَهم، لَجازَ
1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «هذا».
2) . في المغني: «أن يجعل».
3) . في المغني: «و روىٰ ».
4) . في «ص» و المغني: «و لم يعرف». و في «ج، ط، ف»: «و هو لا يعرف».
5) . الكافي، ج 2، ص 264-265، ح 978/1-980/3 (ج 1، ص 376-377، ح 1-3، ط. الإسلامية)؛ قرب الإسناد، ص 351؛ المحاسن، ج 1، ص 92، ح 46، و ص 154، ح 78؛ بصائر الدرجات، ج 1، ص 259، ح 5؛ كفاية الأثر، ص 296؛ الغيبة للنعماني، ص 129، ح 6؛ ثواب الأعمال، ص 205؛ عيون أخبار الرضا، ج 2، ص 58، ح 214؛ كمال الدين، ج 2، ص 412، ح 10 و 11، و ص 413، ح 15؛ مسند أحمد، ج 2، ص 83؛ مجمع الزوائد، ج 5، ص 218-219؛ حلية الأولياء، ج 3، ص 224؛ سنن البيهقي، ج 8، ص 156؛ تفسير ابن كثير، ج 1، ص 517؛ كنز العمّال، ج 3، ص 200، مع اختلاف في الألفاظ.
6) . هكذا في «ط» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «أن يحصل».
7) . في المغني: «و أن يقال: إن لم تحصل غير عارف بذلك».
8) . في المطبوع و الحجري: «و ليس».
9) . في المغني: «و أنّه معذور فيه».
10) . في «ج، ص، ف» و المغني: «يقول».
مِثلُ ذلكَ في سائرِ أركانِ الدِّينِ ، و لَجازَ لليَهودِ أن يَقولوا: «أنتم تَعرِفونَ (1)أنّه لا نَبيَّ بَعدَ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(2)، و أنّ ذلكَ دِينُه، دونَنا» إلىٰ غَيرِ ذلكَ مِن نَظائِره.
و قد(3)بيّنّا أنّ طريقةَ الاضطرارِ لا تَختَصُّ (4)مع المُخالطَةِ إذا كُنّا نَسمَعُ مِن الأخبارِ كما(5)يَسمَعونَ و نَختَلِطُ بهم، فكَيفَ يَقَعُ العِلمُ بما ذَكَروه لهُم دونَنا؟(6)
يُقالُ له: أمّا دَعواكَ أنّ الاشتباهَ فيما يُعلَمُ مِن دينِه لا يَجوزُ مع العِلمِ بالنُّبوّةِ، فهي الدَّعوَى المُتقدِّمةُ، و قد مضىٰ ما يَلزَمُكَ عَلَيها(7)، و دَلَّلنا علىٰ جوازِ اشتباهِ جميعِ ما ذَكرتَه علىٰ بعضِ الوجوهِ بأن يَعرِضَ فيه بعضُ ما عرَضَ في النَّصِّ.
فأمّا تَعجُّبُكَ مِن اختصاصِ العِلمِ مع كَونِ التكليفِ عامّاً فغَيرُ واقعٍ مَوقِعَه؛ لأنّه غَيرُ مُنكَرٍ أن لا يَعُمَّ العِلمُ الضروريُّ الكُلَّ و إن كانَ التكليفُ عامّاً لهُم(8)، مِن حَيثُ
لَم يَحصُلْ شُروطُ وقوعِ العِلمِ الضروريِّ . و إذا جازَ(9)أن يَكونَ في الكُلِّ مَن أخرَجَ نَفسَه مِن شَرطِ حُصولِ العِلمِ له، لَم يَجِبْ أن يَعلَمَ ضَرورةً ، و لا وَجَبَ (10)أن
1) . في المغني: «تعترفون».
2) . في «ج، ط»: «عليه السلام». و في المغني: «صلّى اللّٰه عليه».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «فقد».
4) . في «ج، د، ص، ط، ف»: «لا يختصّ ».
5) . في المغني: «ما».
6) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 116-117.
7) . تقدّم في المقطع السابق.
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «لهم عامّاً».
9) . في «ج، ص، ط»: «و إن جاز».
10) . في «ص»: «و لا يوجب».
يَكونَ معذوراً و لا خارجاً عن تكليفِ العِلمِ(1)بالإمامةِ؛ لأنّه يَتمكَّنُ مِن ذلكَ مِن الوجهَينِ المُتقدِّمَينِ.(2)
فأمّا المُعارَضةُ باليَهودِ في دَفعِهم العِلمَ(3)بنَفيِ النُّبوّةِ عن أنفُسِهم: فنحنُ نَعلَمُ ضَرورةً أنّهم يَعلَمونَ مِن ذلكَ ما نَعلَمُه(4)، و هُم مُعتَرِفونَ لنا بالعِلمِ به، و إن كانوا يُخالِفونَ في كَونِ الخبرِ به(5)صِدقاً و ما عُلِمَ مِن دِينِه عليه السلامُ مِنه حَقّاً، و يُجرونَ ما يَعلَمونَه مِن(6)نَفيِ النُّبوّةِ بَعدَه مَجرىٰ ما يَعلَمونَه مِن شَرائعِه(7)الظاهرةِ و ما دَعا إليه و أَوجَبَه في أنّ العِلمَ بجميعِ ذلكَ حاصلٌ، و إن كانَ كَونُ ما أَوجَبَه واجباً(8)في الحقيقةِ و ما نَفاه مُنتَفياً(9)فيه الخِلافُ و النِّزاعُ. و لَو سَبقَت اليَهودُ في نَفيِ النُّبوّةِ إلَى الردِّ و التكذيبِ لَجازَ أن لا يَعلَموه. فإن(10)قَدَّرتَ حالاً لهُم(11)أُخرىٰ غَيرَ التي نَعلَمُهم عَلَيها، فما أَلزَمتَنا تجويزَه عَلَيهم نحنُ نُجوِّزُه إذا اختَلَفَت الحالُ ، و إن أَشَرتَ إلىٰ حالِهم هذه(12)فلَيسَت علىٰ ما ذَكرتَ ؛ فإنّهم لا يُكذِّبونَ بنَفيِ النُّبوّةِ علَى الوجهِ الذي قَرَّرناه.
1) . في «ص»: + «الضروريّ ».
2) . تقدّما في ص 366-367.
3) . في «ص»: + «الضروريّ ».
4) . في «ص»: «ما نعلم».
5) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: - «به».
6) . في «د»: «في».
7) . في «د، ف»: «شرائطه».
8) . في «ص، ط»: - «واجباً».
9) . في «ج، ص، ف»: «متّبعاً».
10) . في «ج، ص، ط، ف»: «و إن».
11) . في «ج، ص، ط، ف»: - «لهم».
12) . في «ج»: «هذا».
و قَولُكَ : «إنّ طريقةَ الأخبارِ لا تَختَصُّ »(1)هي الدَّعوَى التي وقَعَ الخِلافُ فيها، فلِمَ زَعَمتَ أنّه لا شَرطَ إلّاالمُخالَطةُ؟ و لِمَ دَفَعتَ أن يَكونَ شَرطُنا أيضاً لا بُدَّ مِن قيامِه ؟
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و بَعدُ، فإن لَم يَقَعْ لنا العِلمُ مع وقوعِه لَهُم، لَم يَخلُ حالُنا مِن وجهَينِ: إمّا أن لا نُكَلَّفَ في الإمامةِ شيئاً، أو نُكَلَّفَ.
فإن لَم نُكَلَّفْ فلا وجهَ للمُناظَرةِ في هذا البابِ، و لَيسَ ذلكَ بقَولٍ لأحَدٍ.
و إن كُلِّفنا ذلكَ - و غَيرُ جائزٍ أن نُكلَّفَ ما قد تَعذَّرَ طريقُه عَلَينا -
فيَجِبُ أن نَكونَ مُصيبينَ(2)فيما نَعتَقِدُه في الإمامةِ إذا بيّنّا الطريقَ فيه.
و هذا خُروجٌ من(3)الإجماعِ؛ لأنّه يوجِبُ أنّ الحَقَّ في الإمامةِ في المَذاهبِ المُختَلِفة.
فإن قالوا: إنّ ثُبوتَ الإمامةِ لأميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ و إن كانَ طريقُه الاضطرارَ، ففيه طُرُقٌ سِواه تَدُلُّ علىٰ صحّتِه، فمَن لَم تَحصُلْ (4)له طريقةُ الضرورةِ فهو مَحجوجٌ بما عَداها.
قيلَ لهُم: الكلامُ (5)علىٰ مَن يَزعُمُ (6)أنّ هذا طريقُه و حكَمَ بذلكَ فيه،
1) . كذا، و قد تقدّم في عبارة المغني: «أنّ طريقة الاضطرار لا تختصّ ».
2) . في «ص» و حاشية «ج»: «مضلّين».
3) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و المغني. و في «د» و المطبوع و الحجري: «عن».
4) . هكذا في المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «لم يحصل».
5) . هكذا في «د». و في المغني: «إنّما كان الكلام» و في سائر النسخ و المطبوع: «إذا الكلام».
6) . في «ج، ص، ط»: «زعم».
و قَد(1)بانَ فَسادُه، و نحنُ نَتكلَّمُ (2)مِن بَعدُ علىٰ سائرِ الطُّرُقِ .(3)
يُقالُ له: قد أعلَمناكَ(4)أنّ التكليفَ لا يَجِبُ سُقوطُه و إن كانَ العِلمُ الضروريُّ مُرتَفِعاً عن بعضِ(5)المكلَّفينَ؛ لأنّ السبيلَ إلَى العِلمِ قائمةٌ واضحةٌ مِن الوجهَينِ اللّذَينِ أشَرنا إليهما.(6)
و قولُكَ: «كلامي علىٰ مَن يَزعُمُ أنّ هذا طريقُه» غَيرُ لازمٍ أيضاً؛ لأنّ مَن يَذهَبُ إلىٰ أنّ الطريقةَ في النَّصِّ هي الضرورةُ دونَ الاكتسابِ لا يَجِبُ أن يَكونَ المُخالِفُ عندَه معذوراً مِن حَيثُ لَم يَحصُلْ له العِلمُ؛ لأنّه عندَه مُتمكِّنٌ مِن إزالةِ ما منَعَ مِن حُصولِ العِلمِ.
اللّهُمّ إلّاأن تَقولَ (7): «كلامي علىٰ مَن(8)نَفَى العِلمَ مِن جهةِ الدليلِ و أثبَتَه(9)ضَروريّاً، و قَضىٰ بأنّ مَن لَم يَحصُلْ له العِلمُ بشُبهةٍ (10)أو غَيرِها غَيرُ مُتمكِّنٍ مِن مُفارَقةِ ما ارتفَعَ لأجلِه(11)العِلمُ » فهذا ممّا لا يَجوزُ أن يَكونَ مذهبَ عاقلٍ مِن مُخالِفيكَ فتُوجِّهَ كلامَكَ إليه؛ لأنّ المعلومَ أنّهم يَذهَبونَ إلىٰ أنّ مُخالِفَهم في الإمامةِ
1) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «فقد».
2) . في المغني: «و لم نتكلّم» بدل «و نحن نتكلّم».
3) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 117.
4) . في «ص»: «فيقال له: قد علّمناك».
5) . في «د»: - «بعض».
6) . تقدّما في ص 366-367
7) . في «ط، ف»: «أن يقول».
8) . في «ص»: - «من».
9) . في المطبوع و الحجري: «و أثبت».
10) . في «د» و المطبوع و الحجري: «لشبهة».
11) . في «ج، ص، ط، ف»: «من أجله».
«مكلَّفٌ» مع التجويزِ عَلَيه خِلافَ الحَقِّ(1)، و لَيسَ منهُم مَن يَقولُ (2)بتكليفِ ما لا يُطاقُ فيَذهَبونَ إلىٰ ما ظَنَنتَه.
و إن لَم يَكُن كلامُكَ هذا علىٰ مَذهَبٍ متقرِّرٍ، و إنّما هو بحَسَبِ ما توجِبُه(3)القِسمةُ ، فقَد كان يَجِبُ أن لا تُطنِبَ فيه هذا الإطنابَ و تُردِّدَه(4)هذا التَّردادَ(5)،
و تَجعَلَ العنايةَ بالردِّ علىٰ مُخالِفِكَ (6)و علَى(7)المَذهَبِ المستَقِرِّ له(8)، دونَ ما لا يَصِحُّ أن يَذهَبَ (9)إليه.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و بَعدُ، فإنّ هذه الطريقةَ(10)إن كانَت مَصلحةً لبعضِ الأُمّةِ حتّىٰ إنّ الصلاحَ أن يَعلَمَ(11)الإمامةَ مِن هذا الوجهِ، فكذلكَ سائرُ الأُمّةِ؛ لأنّه لا خِلافَ أنّ مَصالِحَ الأُمّةِ في مِثلِ ذلكَ لا تَختَلِفُ (12)كما لا تَختَلِفُ (13)في
1) . في «د»: «مع الخلاف للحقّ » بدل «مع التجويز عليه خلاف الحقّ ».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «و ليس هم ممّن يقول».
3) . في «د»: «ما يوجبه».
4) . في «ج، ص»: «و تردّد».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «التردّد».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «مخالفيك».
7) . في «ج، ف» و المطبوع و الحجري: «على» بدون الواو.
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «لهم».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «أن يذهبوا».
10) . أي طريقة إثبات إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بالاضطرار.
11) . في المغني: «أن نعلم».
12) . هكذا في المطبوع و المغني. و في النسخ: «لا يختلف».
13) . هكذا في المغني. و في النسخ و المطبوع: «لا يختلف».
الشرائعِ؛ لأنّ طريقَ إثباتِ الشرعِ قد يَكونُ كالشرعِ في أنّه قد يَختَصُّ (1)الصلاحُ بوجهٍ مِنه دونَ وجهٍ .(2)
يُقالُ له(3): العِلمُ الضروريُّ و إن كانَ مَصلحةً لِسائرِ الأُمّةِ، فغَيرُ مُمتَنِعٍ أن يَكونَ مَصلحةً بشَرطِ أن لا يَسبِقَ المكلَّفُ إلَى اعتقادِ بُطلانِه، كما لا يَمتَنِعُ عندَكَ(4)في كَونِ العِلمِ مَصلحةً أن يَتعلَّقَ بشَرطِ وجودِ عَدَدٍ مخصوصٍ علىٰ صفاتٍ مخصوصةٍ. فمتىٰ خَلا المكلَّفونَ مِن الاعتقادِ الذي ذَكرناه و سَمِعوا الخبرَ، فعَلَ فيهم العِلمَ الضروريَّ و إن(5)كانَ مَصلحةً لهم، و متىٰ لَم يَخلوا مِن ذلك لَم يَفعَلْ فيهم، و لَم يَخرُجْ مِن كَونِه مَصلحةً لهم إذا فَعَلوا ما هُم قادرونَ عَلَيه مِن مُفارَقةِ الاعتقادِ.
و يَجري هذا مَجرىٰ(6)ما نَعلَمُه(7)مِن كَونِ الصلاةِ مَصلحةً للمُحدِثِ و المتَوَضّي معاً و إن كانَ المُحدِثُ غَيرَ حاصلٍ علىٰ شَرطِها مِن الطهارةِ ، و لا يَخرُجُ مِن أن يَكونَ (8)مَصلحةً له(9)مِن حَيثُ لَم يَحصُلْ شَرطُها؛ لأنّه قادرٌ علىٰ إزالةِ الحَدَثِ و فِعلِ الطهارةِ التي هي الشرطُ.(10)
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «في كونه يختصّ » بدل «في أنّه قد يختصّ ».
2) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 117. و فيه: «قد يختصّ موجبه فيه بغير وجه» بدل «قد يختصّ الصلاح بوجه منه دون وجه».
3) . في «ص»: «فيقال له».
4) . في «ج، ط، ف»: «كما لم يمتنع عندكم».
5) . كذا، و لعلّ الصحيح زيادة: «إن».
6) . هكذا في «د، ص». و في سائر النسخ و المطبوع: «المجرى».
7) . في «ص»: «ما تعلم».
8) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «و لا تخرج من أن تكون».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: - «له».
10) . في «ج، ص، ط، ف»: «هي شرطها».
علىٰ أنّ المَصالحَ قد(1)تَترتَّبُ(2)و تدخُلُها(3)الأبدالُ(4)علىٰ بعضِ الوجوهِ؛ ألا تَرىٰ أنّ مَن لَزِمَته(5)الصلاةُ و كانَ واجِداً مِن الماءِ قَدرَ كِفايتِه للطهارةِ، كانَ(6)مِن مَصلحتِه أن يُصلّيَ متوَضّياً، فلَو أنّه أراقَ الماءَ(7)و ضيَّعَه حتّىٰ صارَ في حُكمِ الفاقدِ للماءِ
المتعذِّرِ عَلَيه وجودُه، لَم يَكُن مَصلحتُه أداءَ الصلاةِ علَى الوجهِ الأوّلِ، بَل قامَ التيَمُّمُ في فَرضِه و مَصلحتِه مَقامَ الوُضوءِ، و صارَت صَلاتُه متيَمِّماً هي المَصلحةَ.
فلَو كانَ مَن فَقَدَ العِلمَ الضروريَّ بالنَّصِّ لا يُمكِنُه تَلافي ما منَعَ مِن حُصولِ العِلمِ الضروريِّ(8)له(9)، لَجازَ أن يَنتَقِلَ(10)مَصلحتُه إلَى العِلمِ الاستدلاليِّ ، و لا يَكونُ معذوراً في الإخلالِ بالعِلمِ ، بل مُطالَباً به مِن هذا الوجهِ ، و مَلوماً علَى اقترافِ ما حصَلَ كالمانعِ مِن العِلمِ الضروريِّ علَى الحَدِّ الذي ذَكرناه في المُضَيِّعِ لِماءِ الطهارةِ .
قالَ صاحبُ الكتابِ :
فإن قيلَ: إنّ هذا الاضطرارَ واجبٌ في الأصلِ ؛ لأنّه عليه السلامُ نَصَّ
1) . في «ط، ف»: - «قد».
2) . في «ج، د، ص»: «يترتّب».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «و يدخلها».
4) . الأبدال جمع بَدَل، أي العوض.
5) . في «ص، ط، ف»: «لزمه».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «فإنّ ».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: - «الماء».
8) . هكذا في «ج». و في سائر النسخ و المطبوع: - «الضروريّ ».
9) . في المطبوع و الحجري: «به».
10) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «تنتقل».
علىٰ إمامةِ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ(1)علىٰ هذا الوجهِ ، فاضطَرَّ به الخَلقَ إلَى المعرفةِ بإمامتِه، ثُمّ بَعدَ(2)ذلكَ تَغيَّرَ النَّقلُ لأغراضٍ مختَلِفةٍ للناقِلينَ و لتَعصُّبٍ دخَلَ (3)في قُلوبِ المُخالِفينَ ، و استَمَرَّ هذا النَّقلُ لطائفتِنا فحصَلَ لنا العِلمُ باضطرارٍ، و لَم يَستَمِرَّ في طائفتِكم لِما ذَكرناه فضَعُفَ نَقلُكم؛(4)فلذلكَ عَلِمناه(5)مِن هذا الوجهِ ، دونَكم.
قيلَ له: إن كانَت(6)الحُجّةُ بهذه الطريقةِ تَقومُ، فلأيّةِ عِلّةٍ لَم يُنقَلْ(7)إلينا يَجِبُ أن نَكونَ معذورينَ(8)لأنّ اختلافَ العِلَلِ في زوالِ الحُجّةِ لا يَمنَعُ مِن وجوبِ ما ذَكرناه مِن زوالِ التكليفِ و حُصولِ العُذرِ.
و بَعدُ، فإنّ مَن خالَفَهم يُخالِطُهم و يَسمَعُ مِنهم(9)أخبارَهم، فكَيفَ يَصِحُّ أن لا تَقومَ (10)الحُجّةُ بهذا النَّقلِ عَلَيهم ؟ و كَيفَ يَصِحُّ أن تَقومَ (11)الحُجّةُ بذلكَ علىٰ مَن يدخُلُ في مذهبِهم و يَنقَطِعُ إلىٰ طائفتِهم(12)و يَبلُغُ مَبلَغَ
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «نصّ علىٰ أمير المؤمنين عليه السلام بالإمامة».
2) . في «د» و المطبوع و الحجري: «من بعد».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: + «في الدين».
4) . في المغني: «نقله».
5) . في «د»: «علمنا».
6) . في المطبوع و الحجري: «إن كان».
7) . في المطبوع و الحجري: «لم تنقل».
8) . في المغني: «إن كانت الحجّة بهذه الطريقة تقوم و لا علّة لم تنقل إلينا، فنحن معذورون».
9) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «منهم».
10) . في «ط، ف» و الحجري: «أن لا يقوم».
11) . في النسخ و الحجري: «أن يقوم». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و المغني.
12) . في المغني: «إلى طاعتهم».
التكليفِ مِن أولادِهم، و لا تَقومَ (1)علَىٰ مُخالِفيهم ؟
و لا فَرقَ بَينَ مَن تَعلَّقَ بذلكَ في الإمامةِ ، و بَينَ مَن تَعلَّقَ مِن اليَهودِ بمِثلِه في نَقلِ المُعجِزاتِ و التَحَدّي إلىٰ غَيرِ ذلكَ .(2)
يُقالُ له(3): الصحيحُ في جوابِ هذا السؤالِ أن يُقالَ(4): إنّ الاضطرارَ حصَلَ في الأصلِ، ثُمّ تَغيَّرَ النَّقلُ و اختَصَّ بقَومٍ، فصارَ طريقُ العِلمِ به الاستدلالَ.
و إذا أَورَدتَ (5)السؤالَ علىٰ ما رَتَّبتَه لا علىٰ ما قَرَّرناه، فلا بُدَّ أن يُقالَ فيه: فحَصَلَ لنا العِلمُ بِاضطرارٍ(6)لمّا خَلَونا مِن اعتقادِ بُطلانِ مُخبَرِ الخبرِ، و لَم يَحصُلْ لكم ذلكَ لمُفارَقتِكم لنا في هذه الصفةِ .
و إنّما أَوجَبنا هذه الزيادةَ لأنّه مُحالٌ أن يَجِبَ العِلمُ الضروريُّ للشيعةِ بنَقلِ أسلافِهم و لا يَجِبَ لمُخالِفيهم مع المُخالَطةِ و السَّماعِ (7)و حُصولِ سائرِ الشرائطِ.
و لَيسَ يَجِبُ أن لا يَقَعَ العِلمُ الضروريُّ للأخلافِ إلّابنَقلِ أسلافِهم، دونَ نَقلِ مُخالِفيهم؛ بل يَجِبُ أن يَقَعَ عندَ الخبرِ الذي عندَ مِثلِه يَجِبُ العِلمُ ؛ سَواءٌ كانَ الناقِلُ مُخالِفاً أو موافِقاً(8).
فأمّا العُذرُ: فقد بيّنّا ارتفاعَه عن مُخالِفينا؛ لأنّ الخبرَ و إن لَم يَنقُلْه أسلافُهم
1) . هكذا في المغني. و في النسخ و المطبوع: «و لا يقوم».
2) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 117-118.
3) . في «ص»: «فيقال له».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «الصحيح في هذا السؤال أن يقال لك».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «أردت».
6) . في «د» و المطبوع و الحجري: «يحصل لنا العلم بالاضطرار».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «و السمع».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «سواء كنّا على خلاف الناقل أو موافقته».
فقَد نقَلَه أسلافُنا، فالحُجّةُ (1)قائمةٌ به علَى الكُلِّ ، و لَو(2)لَم يَسبِقِ المُخالِفونَ إلَى الاعتقادِ الذي ذَكرناه بالشُّبهةِ أو غَيرِها لَحصَلَ (3)لهُم العِلمُ كحُصولِه لغَيرِهم، و إذا فَعَلوا ذلكَ فالتكليفُ غَيرُ ساقطٍ عنهم؛ لِما تَقدَّمَ .(4)
فأمّا قَولُكَ: «كَيفَ يَصِحُّ أن لا تَقومَ(5)الحُجّةُ عَلَينا و تَقومَ(6)علىٰ مَن يدخُلُ(7)في مذهبِهم و يَنقَطِعُ إلىٰ طائفتِهم و يَبلُغُ(8)مَبلَغَ التكليفِ مِن أَولادِهم؟».
فإن أَرَدتَ بالحُجّةِ العِلمَ الضروريَّ(9)، فإنّما لَم يَحصُلْ لِمُخالِفي(10)الشيعةِ علىٰ حَدِّ حُصولِه لهُم؛ للوجهِ الذي تَقدَّمَ و تَكرَّرَ. علىٰ أنّه(11)لَيسَ كلُّ(12)مَن نَشأَ مِن أَولادِهم يَحصُلُ له هذا العِلمُ؛ لأنّه رُبَّما سبَقَ إلَى الاعتقادِ الذي سبَقَ إليه المُخالِفُ، فلَم يَحصُلْ له العِلمُ و لَحِقَ بالمُخالِفينَ في الجَهلِ .
و إن(13)أَرَدتَ بالحُجّةِ ما يَلزَمُ مِن التكليفِ ، فالحُجّةُ قائمةٌ علَى الكُلِّ مِن غَيرِ
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «و الحجّة».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «فلو».
3) . في «ص»: «يحصل». و في «ط»: «ليحصل».
4) . تقدّم في ص 366-367.
5) . في النسخ و الحجري: «لا يقوم».
6) . في «د» و الحجري: «و يقوم».
7) . في «د»: «تدخل».
8) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «و تبلغ»، و هو سهو.
9) . في «د»: - «الضروريّ ».
10) . في «ج، ص، ط، ف»: «لمخالف».
11) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «على أن».
12) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «كلّ ».
13) . في «د» و المطبوع و الحجري: «فإن».
اختصاصٍ، و يَلزَمُ المُخالِفَ الفاقِدَ للعِلمِ مِن مُفارَقةِ ما يَمنَعُ(1)مِنه مِثلُ ما يَلزَمُ غَيرَه.
فقَولُكَ علىٰ هذا الوجهِ: «كَيفَ جازَ أن تَقومَ(2)الحُجّةُ علىٰ هؤلاءِ دونَ هؤلاءِ؟» غلطٌ بيِّنٌ.
فأمّا تَعلُّقُ اليَهودِ بمِثلِ ما ذَكَرنا(3)في نَقلِ المُعجِزاتِ و التحَدّي: فغَيرُ مُشبِهٍ لمَسألتِنا؛ لأنّا لا نَدَّعي علَى اليَهودِ في المُعجِزاتِ - التي هي سِوَى القُرآنِ - الاضطرارَ، و إنّما حُجّتُنا عَلَيهم فيها طريقةُ الاستدلالِ.
فأمّا التحَدّي الذي نُثبِتُه(4)و نُعَلِّقُ(5)الحُجَّةَ به: فاليَهودُ لا تُنكِرُه(6)و لا أحَدٌ مِن العُقَلاءِ ممّن سَمِعَ الأخبارَ، و إنّما يُنكِرونَ أن يَكونَ النبيُّ(7)صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه تَحَدّىٰ بالقُرآنِ العَرَبَ(8)- علىٰ معنىٰ تقريعِه لهُم مُشافَهةً بالعَجزِ عنه - و قصَدَ مَحافِلَهم و مَجالِسَهم للِاحتجاجِ به عَلَيهم(9)، إلىٰ غَيرِ ذلكَ مِن التفصيلِ الذي ورَدَت بأكثَرِه الرواياتُ و(10)الأخبارُ. و هذا ممّا يُمكِنُ أن يَكونوا غَيرَ مُضطَرّينَ إليه، و خِلافُهم فيه غَيرُ مؤثِّرٍ؛ لأنّه ثبَتَ (11)بالدليلِ ، و لَو لَم يَكُن إلىٰ إثباتِه بالدليلِ
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «ما منع».
2) . في النسخ و الحجري: «أن يقوم». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و المغني.
3) . في «ط»: «ما ذكرناه».
4) . في «ج، ص»: «بيّنه».
5) . هكذا في «ج». و في سائر النسخ و المطبوع: «و تعلّق».
6) . في «د»: «لا ينكره».
7) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «النبيّ ».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «للعرب».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «عليهم به» بدل «به عليهم».
10) . في «د»: - «الروايات و».
11) . في «ج، ص، ط، ف»: «يثبت».
علَى التفصيلِ سَبيلٌ لَكانَ ما هو معلومٌ ضَرورةً لكُلِّ أحَدٍ - مِن أنّه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(1)جعَلَ القُرآنَ عَلَماً علىٰ نُبوّتِه، و حُجّةً في صِدقِه(2)، و وارِداً عَلَيه مِن جهةِ المَلائكةِ رُسُلِ ربِّه تَعالىٰ - كافياً في الحُجّةِ . و مَن دفَعَ ما ذَكرناه مِن اليَهودِ و غَيرِهم عُرِفَت صورتُه، و ظهَرَت مُكابَرَتُه، و إن كانَ في(3)المتكلِّمينَ مَن استَعمَلَ معهم في الدَّلالةِ علىٰ صحّةِ التحَدّي بالقُرآنِ عندَ هذه المُدافَعةِ ضَرباً مِن الاستدلالِ هو مذكورٌ في الكُتُبِ .
قالَ صاحبُ الكتابِ :
علىٰ أنّ في شُيوخِنا مَن عارَضَهم في ذلكَ بإمامةِ أبي بَكرٍ و قالَ(1): جَوِّزوا صحّةَ ما قالَته البَكريّةُ مِن النَّصِّ القاطعِ فيها، و إن كنتم لا تَعلَمونَ(2)لبعضِ هذه الوجوهِ.
و متىٰ قالوا في هذه الطائفةِ(3)أنّها طائفةٌ(4)قليلةٌ [فلا يَجوزُ ذلكَ فيها](5)، قيلَ لهُم في طائفتِهم مِثلُه؛ لأنّ شُيوخَنا(6)ادَّعَوا - بل بَيَّنوا - أنّ مَن ادَّعَى النَّصَّ علىٰ هذا الوجهِ(7)عَدَدُهم عَدَدٌ(8)قليلٌ، و إنّما تَجاسَرَ علىٰ ذلكَ ابنُ الراوَنديِّ(9)و أبو عيسَى الوَرّاقُ(10)، و قَبلَهم هِشامُ بنُ
1) . في «ص»: «و قالوا».
2) . كذا، و الأنسب: «لا تعلمونه» أي النصّ .
3) . أي البكريّة.
4) . في «ج، د، ص، ط، ف»: - «طائفة».
5) . ما بين المعقوفين من المغني.
6) . في المغني: «شيوخهم».
7) . أي الوجه الجليّ ، فإنّ هذا الإشكال موجَّه إلى النصّ الجليّ . (راجع: الذخيرة، ص 464).
8) . في الحجري: - «عدد».
9) . هو أبو الحسن أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندي، و قد تقدّم ذكره في المجلد الأوّل.
10) . هو أبو عيسىٰ محمّد بن هارون الورّاق، من متكلّمي الإماميّة، له كتب، و توفّي سنة 247 ه. و قد تقدّم ذكره في المجلّد الأوّل.
الحَكَمِ (1)- علَى اختلافِ الروايةِ عنه فيه -(2)فمَن(3)يَدَّعي(4)النَّصَّ مِن طائفتِهم علىٰ هذا الوجهِ دونَ مَن يَدَّعي النَّصَّ مِن البَكريّةِ و غَيرِهم.
و لا يُمكِنُهم الفَصلُ بَينَ طريقتِهم و طريقةِ البَكريّةِ؛ لأنّ (5)لسَلَفِهم خَلَفاً كثيراً(6)و طائفةً عظيمةً ، و لَيسَ كذلكَ حالُ البَكريّةِ .
لأنّ المُعارَضةَ في ذلكَ إنّما تَقَعُ (7)علىٰ أصلِ النَّقلِ ، و ذلكَ إنّما يُعتَبَرُ بِمَن(8)تَقدَّمَ دونَ مَن تأخَّرَ، فكَثرتُهم كقِلّتِهم في ذلكَ .(9)
يُقالُ له:(10)الذي يدُلُّ علىٰ فَسادِ النَّصِّ علىٰ أبي بَكرٍ - و بُعدِ المُعارَضةِ لِمُدَّعيهِ - وجوهٌ :
مِنها: أنّا نَجِدُ هذا المَذهَبَ حاصلاً في جماعةٍ لا تَثبُتُ بمِثلِهم(11)الحُجّةُ و لا
1) . هو أبو محمّد هشام بن الحكم الشيباني، من أجلّاء تلامذة الإمام الصادق عليه السلام، و قدتقدّم ذكره في المجلّد الأوّل.
2) . الضمير في «عنه» لهشام، و في «فيه» للنصّ .
3) . في المغني: «ممّن».
4) . هكذا في «د، ط» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «فمن أين يدّعي».
5) . هكذا في النسخ و المغني، و في المطبوع و الحجري: «بأنّ ».
6) . في المغني: «لأنّ سلفهم خلق كثير».
7) . في «ج، ص، ط، ف» و الحجري: «يقع».
8) . هكذا في «ج، ص، ط». و في المغني: «مَن». و في سائر النسخ و المطبوع: «لمَن».
9) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 118. و فيه: «دون من تأخّر منهم، فليس بينهما فرق في ذلك».
10) . في «ص»: «فيقال له».
11) . هكذا في التلخيص. و في المطبوع: «لا تثبت بهم». و في النسخ و الحجري: «لا يثبت بمثلهم».
يَنقَطِعُ العُذرُ، و إنّما حَكَى المتكلِّمونَ هذه المَقالةَ في جُملةِ المَقالاتِ، و أضافوها
في الأصلِ إلىٰ جماعةٍ قليلةِ العَدَدِ، معلومٍ حُدوثُها و كَيفيّةُ ابتداعِها لمَقالتِها، كما حَكَوا في جُملةِ المَقالاتِ قَولَ الشُّذّاذِ و الأغفالِ(1)مِن ذَوي النِّحَلِ المُبتَدَعةِ، و المَقالاتِ المعلومِ سَبقُ الإجماعِ إلىٰ خِلافِها.
ثُمّ إنّا لا نَجِدُ في وقتِنا هذا ممّن لَقيناه أو أُخبِرنا(2)عنه مِنهم إلّاالواحدَ و الاثنَينِ، و لَعلَّ أحَدَنا يَمضي عَلَيه عُمُرُه كُلُّه(3)لا يَعرِفُ فيه بَكريّاً بعَينِه. و لَو كانَ إلىٰ إحصاءِ مَن ذهَبَ إلىٰ هذه المَقالةِ - في العِراقِ كُلِّه، و ما والاه و جاوَزَه مِن البُلدانِ - سَبيلٌ لَما بلَغَ عِدّتُهم خَمسينَ إنساناً، و لَيسَ يُمكِنُ فيما كانَ طريقُه الوجودَ إلّا الإشارةُ و التنبيهُ(4).
فالاعتراضُ بمَن وَصَفنا حالَه، و ادّعاءُ مُساواتِه للشيعةِ - مع تَفرُّقِها في البِلادِ، و(5)انتشارِها في الآفاقِ ؛ فإنّه(6)لا يَخلُو كُلُّ بَلَدٍ(7)، بَل كُلُّ قَريةٍ (8)، بَل كُلُّ مَحَلّةٍ ، مِن جماعةٍ كَثيرةٍ منهم. هذا: إلىٰ ما نَعلَمُه(9)مِن غَلَبتِهم علىٰ كَثيرٍ مِن كُوَرِ(10)البِلادِ؛ حتّىٰ إنّ مُخالِفَهم(11)في تلكَ المَواطِنِ يَكونُ (12)شاذّاً مغموراً،
1) . الأغفال: ذوو الغفلة.
2) . في «د»: «ممّن لقينا أو أخذنا».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: - «كلّه».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «و التبيين».
5) . هكذا في «د» و الحجري. و في سائر النسخ و المطبوع: + «مع».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: و التلخيص: «و أنّه».
7) . في «ج، ص، ف»: + «من أحد منهم».
8) . في المطبوع و الحجري: - «بل كلّ قرية».
9) . في «ج، ط»: «ما نعلمهم».
10) . «كُوَر» جمع «كُورَة»: المدينة و الصُّقع. الصحاح، ج 2، ص 810 (كور).
11) . في «د، ص» و الحجري: «مخالفيهم».
12) . في الحجري: «يكونون».
و إلىٰ(1)ما نَعلَمُه(2)مِن كَثرةِ العُلَماءِ فيهم(3)و المتكلِّمينَ و الفُقَهاءِ و الرُّواةِ، و مَن صنَّفَ الكُتُبَ، و لَقيَ الرِّجالَ ، و ناظَرَ الخُصومَ ، و استُفتيَ في الأحكامِ - في نِهايةِ البُعدِ، و المُعوِّلُ عَلَيه علىٰ (4)غايةِ الظلمِ .
و لَيسَ لأحدٍ أن يَقولَ : كيفَ يَصِحُّ أن تُضعِّفوا هذه المقالةَ ، و أصحابُ الحديثِ أو أكثرُهم داخلونَ فيها؟!
لأنّ هذا القولَ غفلةٌ مِن قائلِه، و تكثيرٌ(5)في المَذهَبِ بمَن(6)هو خارجٌ عن جُملتِه؛ لأنّ أصحابَ الحديثِ كُلَّهم يُنكِرونَ النصَّ علىٰ أحدٍ بَعدَ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(7)، و يُثبِتونَ إمامةَ أبي بَكرٍ مِن طريقِ الاختيارِ و إجماعِ المسلمينَ(8)، و لَيسَ يَذهبُ مِن جُملتِهم إلَى النصِّ علىٰ أبي بكرٍ مَن ذهَبَ إليه مِن حَيثُ كانَ صاحبَ حديثٍ(9)، و إنّما يَذهبُ إلَى النصِّ مِن حيثُ ارتَضاه مَذهَباً يَتميَّزُ به مِن(10)
جُملةِ أصحابِ الحديثِ ، و يَلحَقُ (11)بأهلِ المقالةِ (12)المخصوصةِ التي أخبَرنا عن
1) . في «د، ط» و المطبوع: «إلىٰ » بدون الواو.
2) . في «ج، ص»: «ما نعلم».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «منهم».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «في».
5) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و تكثّر».
6) . في «د» و المطبوع و الحجري: «المذاهب لمن» بدل «المذهب بمن».
7) . في «ج، د، ص، ط، ف»: «عليه السلام». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و الحجري و التلخيص.
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «و الإجماع» بدل «و إجماع المسلمين».
9) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «صاحب الحديث».
10) . في المطبوع و الحجري: «عن».
11) . في «ج، ص، ف»: «و لحق». و في التلخيص: «و لحقوا».
12) . أي مقالة البكريّة.
و منها: أنّ الذي تَرويه(4)هذه الفرقةُ و تَحتَجُّ به للنصِّ علىٰ أبي بكرٍ لَيسَ في صريحِه و لا فَحواه(5)نصٌّ علىٰ إمامتِه؛ هذا.
علىٰ أنّ طريقَه كُلَّه الآحادُ. و لَو سُلِّمَ لِراويهِ(6)و لَم يُنازَع في صحّتِه، لَما أمكَنَ المعتمِدَ عَلَيه أن يُبيِّنَ فيه وَجهاً للنصِّ بالإمامةِ(7)و ذلكَ مِثلُ تعلُّقِهم بالصلاةِ و تقديمِه فيها، و بما يَروونَ مِن قولِه: «اقتدُوا باللّذَينِ مِن بَعدي أبي بَكرٍ و عُمَرَ»(8)،
1) . أي: و قلّة عدد القائلين بها.
2) . في التلخيص: «فالتكثّر».
3) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «بأهل الحديث».
4) . في «ص، ط، ف»: «يرويه».
5) . في «ط» و الحجري: «و لا في فحواه».
6) . في «د»: «الرواية» بدل «لراويه».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «في الإمامة» بدل «بالإمامة». و لم ترد كلمة «للنصّ » في «ج، ص».
8) . المعجم الأوسط، ج 4، ص 140، ح 3816؛ مسند الحميدي، ج 1، ص 214، ح 449؛ مسند الشاميّين، ج 2، ص 57، ح 913؛ حلية الأولياء، ج 9، ص 109؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 41، ص 422، الرقم 4883؛ و ج 44، ص 227، الرقم 5206؛ تاريخ الخلفاء، ص 22. و حديث الاقتداء لم يصحّحه العلماء من السنّة و الشيعة؛ قال ابن حزم في الفصل في الملل و الأهواء و النحل (ج 4، ص 108): «لو أنّنا نستجيز التدليس و الأمر الذي لو ظفر به خصومنا طاروا به فرحاً أو أبلسوا أسفاً لاحتججنا بما روي: «اقتدوا باللذين بعدي أبي بكر و عمر». و لكنّه لم يصحّ و يعيذنا اللّٰه من الاحتجاج بما لا يصحّ ». و قال الذهبي في ميزان الاعتدال (ج 1، ص 105) في أحمد بن صليح عن ذي النون المصري عن مالك عن نافع عن ابن عمر بحديث «اقتدوا...»: «و هذا غلط، و أحمد لا يعتمد عليه». و رواه في (ج 3، ص 610) من طريق محمّد بن عبد اللّٰه بن عمر بن القاسم عن مالك عن نافع عن ابن عمر، و قال:
و «إنّ الخِلافةَ بَعدي ثَلاثونَ»(1). و قد ذُكرَ في غيرِ مَوضعٍ الكلامُ علىٰ هذه الأخبارِ
و بُطلانُ دَلالِتها علىٰ نصٍّ بإمامةٍ.
فشَتّانَ بَينَ قولِهم و قولِ الشيعةِ؛ لأنّ الشيعةَ تَدَّعي نصّاً(2)صريحاً لا مَجالَ للتأويلِ عليه، و ما تَدَّعيه مِن النصوصِ التي يُمكنُ أن تدخُلَ الشبهةُ(3)في تأويلِها(4)قد(5)بَيَّنوا كيفيّةَ دَلالتِها علَى النصِّ، و بُطلانَ ما قدَحَ به خُصومُهم فيها؛ و سنَذكُرُ ذلك في مَواضعِه. و كُلُّ هذا غيرُ موجودٍ في البَكريّةِ (6).
«العمري - يعني محمّد بن عبد اللّٰه المذكور - يحدّث عن مالك بالأباطيل». و قال في (ج 1، ص 142) في ترجمة أحمد بن محمّد بن غالب الباهلي: «و من مصائبه: حدّثنا محمّد بن عبد اللّٰه العمري عن مالك عن نافع عن ابن عمر: قال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلّم: «اقتدوا... الحديث» فهذا ملصق بذلك، و قال أبو بكر النقّاش: و هو واه». و مثله في ميزان الاعتدال، ج 1، ص 188.
1) . صحيح مسلم، ج 3، ص 1452، ذيل حديث 1821؛ المعجم الكبير، ج 1، ص 89، ح 136، و ج 7، ص 83، ح 6443. و هذا الخبر يردّه الواقع؛ لأنّه لو صحّ أنّ رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله قاله فاللازم أنّ الثلاثين سنة لا تزيد و لا تنقص حتّى يكون هذا الخبر كسائر الأخبار المعدودة من أعلام النبوّة؛ لأنّ سنيّ الخلافة من يوم بيعة أبي بكر إلى استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام تزيد على الثلاثين سنة شهوراً، و إذا ضُمّت إليها أيّام الإمام الحسن عليه السلام قبل الصلح فإنّها تكون أزيد، و وجود الزيادة كوجود النقصان في إخراج الخبر من أن يكون صدقاً. مضافاً إلى أنّه يخالف الخبر الصحيح المروي في البخاري و مسلم و غيرهما في حصر الخلافة في اثني عشر خليفة. و قد قيل: إنّ هذا الخبر مرويّ عن سفينة مولىٰ رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله، و إنّه موقوف عليه، و ما كان كذلك لا يكون حجّة.
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «النصّ ».
3) . في المطبوع و الحجري: «شبهة».
4) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «أن تدخل الشبهة فيها و في تأويلها».
5) . في التلخيص: «فقد».
6) . أي فيما تدّعيه من النصّ .
و منها: ظهورُ أقوالٍ و أفعالٍ - ممّن ادَّعَوا النصَّ عليه(1)و مِن غيرِه - يُنافي النصَّ و يُبطِلُ(2)قولَ مُدَّعيهِ؛ مِثلُ احتجاجِ أبي بكرٍ علَى الأنصارِ لمّا نازَعَت في الأمرِ و رامَت جَرَّه إليها، بقَولِه عليه السلامُ(3): «الأئمّةُ مِن قُرَيشٍ» و عُدولِه عن ذِكرِ النصِّ، و قد عَلِمنا أنّ النصَّ عليه(4)لَو كانَ حَقّاً - كما تَدَّعيه البكريّةُ - لَما جازَ مِن أبي بكرٍ مع فِطنتِه و معرفتِه بمَواقعِ الحُجّةِ أن لا يَحتَجَّ به، و يُذكِّرَ الأنصارَ سَماعَه إن كانوا(5)سَهَوا عنه أو نَسُوه(6)أو أظهَروا تَناسيَه، أو يُفيدَهم(7)إيّاه إن كانوا لَم يَسمَعوا به - و إن كانَ ذلكَ بَعيداً - كما أفادَهم حَصرَ «الأئمّةُ مِن قُرَيشٍ» و هُم لم يَسمَعوه(8)إلّامِن جهتِه(9)، فيَقبَلُه مَن يَقبَلُه(10)منهم حُسنَ ظَنٍّ به.
و نحنُ نَعلَمُ أنّ الاحتجاجَ بالنصِّ في ذلكَ المَقامِ أَولىٰ و أَحرىٰ(11)لأنّ
الاحتجاجَ به يَتضمَّنُ (12)حَظْرَ ما رامَته الأنصارُ في الحالِ ؛ لأنّ المنصوصَ عليه إذا(13)
1) . في المطبوع: «ظهور أفعال و أقوال من ادّعي النصّ عليه».
2) . في المطبوع: «تنافي النصّ و تبطل».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: - «عليه السلام». و في التلخيص: «صلّى اللّٰه عليه و آله».
4) . في «ج، ص، ط، ف» و الحجري: - «عليه».
5) . في «ص»: «أن لو كانوا».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «و أنسوه». و في التلخيص: «و نسوه».
7) . في «ج، ص، ف»: «و يفيدهم».
8) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و هم لا يسمعوه». و في التلخيص: «و لا يسمعوه».
9) . الضمير في «جهته» لأبي بكر.
10) . في «ج، ص، ط، ف»: «فيتقبّله من يتقبّله».
11) . في «ط، ف»: «و أجدىٰ ».
12) . في «ج، ص»: «تضمّن».
13) . في المطبوع: «إن».
كانَ أبا بكرٍ لَم يَجُز لأحدٍ مِن الأنصارِ(1)في تلكَ الحالِ الإمامةُ (2)، و يَتضمَّنُ أيضاً تخصيصَ الإمامةِ فيمَن(3)خَصَّه الرسولُ بها.
و لَيسَ لأحدٍ أن يَجعلَ الحُجّةَ بالخبرِ الذي احتَجَّ به أبو بكرٍ أثبَتَ ؛ مِن جهةِ أنّ فيه إخراجاً لكُلِّ مَن عَدا قُرَيشاً مِن الإمامةِ ، و لَيسَ مِثلُه في ذِكرِ النصِّ علىٰ أبي بَكرٍ.
لأنّه و إن كانَ كذلكَ، ففي الاحتجاجِ بغيرِ النصِّ(4)إخلالٌ بتعيينِ(5)مَوضعِ الإمامةِ الذي عيَّنه الرسولُ(6)صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(7)، و أَوجَبَ علىٰ مَن أشارَ إليه باستحقاقِه(8)القيامَ به و الذبَّ عنه؛ فلا أقَلَّ مِن أن يَجِبَ ادّعاؤه و إمرارُه علىٰ سَمعِ الحاضرينَ .
و إذا(9)لَم يَسُغ الاقتصارُ علَى الاحتجاجِ بالخبرِ الذي رَواه لِما بيّنّاه مِن الإخلالِ ، و(10)لَم يَسُغ أيضاً الاقتصارُ علىٰ ذِكرِ النصِّ لِما ذَكَروه و سَلَّمناه تبرُّعاً، فالواجبُ أن يَجمَعَ (11)بَينَ الأمرَينِ في الاحتجاجِ ؛ ليَكونَ أخذاً(12)للحُجّةِ بأطرافِها، و مُزيلاً للشُّبهةِ في أنّه لَيسَ بمنصوصٍ عليه.
1) . في «ج، ص»: «من الأخيار».
2) . في التلخيص: «دعوى الإمامة».
3) . في التلخيص: «بمن».
4) . في «ج، ص»: «بغيره».
5) . في «د، ص»: «بتعيّن».
6) . في المطبوع و الحجري: «رسول اللّٰه».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «عليه السلام».
8) . في «د، ف» و المطبوع و الحجري: «باستحقاق».
9) . في المطبوع: «و إن».
10) . هكذا في «ج، ص، ف» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «و».
11) . في «د» و المطبوع و الحجري: «الجمع» بدل «أن يجمع».
12) . في التلخيص: «آخذاً».
و لَيسَ لهُم أن يَقولوا: مِثلُ هذا لازمٌ لكم؛ مِن قِبَلِ أنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ مع أنّه منصوصٌ عليه عندَكم لَم يَحضُرِ السقيفةَ ، و لا احتَجَّ بالنصِّ عليه علىٰ مَن رامَ دَفْعَه عنه(1)في ذلكَ المَوطِنِ (2)، و لا في غيرِه مِن المَواطِنِ كالشُّورىٰ و غَيرِها.
لأنّ الفَرقَ بَينَ قولِنا و قولِهم في هذا المَوضعِ ظاهرٌ(3)واضحٌ؛ مِن قِبَلِ أنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ أوّلاً لَم يَحضُرِ السقيفةَ، و لا اجتَمَعَ مع القومِ، و لا جَرىٰ بَينَه و بَينَهم في الإمامةِ خِصامٌ و لا حِجاجٌ(4)، و أبو بكرٍ حضَرَ و خاصَمَ و نازَعَ و احتَجَّ و استَشهَدَ.
و عُذرُ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ - إذا قيلَ: فما بالُه لَم يَحضُرْ(5)و يُحاجَّ(6)القَومَ و يُنازِعْهم(7)؟ - ظاهرٌ لائحٌ (8)لأنّه عليه السلامُ رأىٰ مِن إقدامِ القَومِ علَى الأمرِ و اطِّراحِهم للعهدِ(9)فيه و عَزمِهم علَى الاستبدادِ به - مع البِدارِ منهم إليه و الانتهازِ(10)
له - ما آيَسَه مِن الانتفاعِ بالحُجّةِ ، و قوّىٰ في نفسِه صَلَواتُ اللّٰهِ عليه(11)
1) . في المطبوع و الحجري و التلخيص: - «عنه».
2) . في «د»: «المواطن».
3) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: - «ظاهر».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «حجاج و لا خصام».
5) . في «ج، ص»: «إذا قيل له: لِمَ لم يحضره».
6) . في «ج، ف»: «و تحاجّ ».
7) . في «ج، ص، ف»: «و تنازعهم».
8) . في التلخيص: - «لائح».
9) . في «ج، ص» و حاشية «ف»: «للعمل». و في «ط»: «العمل».
10) . في «د»: «و الابتهاز».
11) . في «ج، ص، ط، ف»: «عليه السلام».
ما تَعقُبُه(1)المُحاجّةُ لهُم مِن الضرَرِ في الدِّينِ و الدُّنيا.
هذا، إلىٰ ما كانَ متشاغِلاً به مِن أمرِ رسولِ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و أنّه عليه السلامُ لَم يَفرُغْ مِن بعضِ ما وَجَبَ عليه مِن تجهيزِه و نقلِه إلىٰ حُفرتِه حتَّى اتّصَلَ به تَمامُ الأمرِ، و وقوعُ العقدِ، و انتظامُ أمرِ(2)البيعةِ.
و لَيسَ هذا و لا بعضُه في أبي بكرٍ؛ لأنّه لَم يَشغَلْه عن الحُضورِ و المنازَعةِ شاغلٌ، و لا حالَ بَينَه و بَينَ الاحتجاجِ حائلٌ، و لا كانَت عليه مِن القومِ تَقيّةٌ؛ لأنّه كانَ في حيِّزِ المهاجِرينَ الذينَ لهُم القِدَمُ(3)و(4)التقدُّمُ و فيهم الأعلامُ، ثُمّ انحازَ(5)إليه أكثَرُ الأنصارِ، فكُلُّ(6)أسبابِ الخَوفِ و الاحتشامِ(7)عنه زائلةٌ؛ لا سِيَّما و عندَ جماعةِ مُخالِفينا: أنّ القومَ الحاضرينَ بالسقيفةِ (8)إنّما حَضَروا للبحثِ و التفتيشِ و الكشفِ عمَّن يَستحِقُّ الإمامةَ (9)ليَعقِدوها له، و لَم يكُن حضورُهم لِما تَدَّعيهِ (10)الشيعةُ مِن إزالةِ الأمرِ عن مُستَحِقِّه(11)، و العُدولِ به عن وَجهِه.
1) . في «د» و الحجري: «ما يعقبه».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: - «أمر».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «الذين كانت لهم القدمة». و في الحجري: «القديمة» بدل «القدم».
4) . في «د» و التلخيص: - «القدم و».
5) . في «ج، ص»: «ألجأ».
6) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و كلّ ».
7) . الحِشمَة: الانقباض من أخيك في المطعَم و طلبِ الحاجة، اسمٌ من الاحتشام؛ يقال: احتَشمه و احتَشم منه: إذا انقبض منه و استحيا. المغرب، ج 1، ص 204 (حشم).
8) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «للسقيفة».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «الأمر».
10) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «يدّعيه».
11) . في المطبوع و الحجري: «مستحقّيه».
فأيُّ(1)عُذرٍ لِمَن لَم يُذكِّرْ مَن(2)حالُه - في الإنصافِ و طلبِ الحقِّ - هذه(3)بعَهدِ الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(4)و نَصِّه عليه؟! و هذا أوضَحُ مِن أن يُحتاجَ إلىٰ زيادةٍ في كَشفِه.
فأمّا المانعُ لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ مِن الاحتجاجِ بالنصِّ في الشورىٰ فهو المانعُ الأوّلُ، مع أنّه كانَ(5)في تلكَ الحالِ قد ازدادَ شِدّةً و استحكاماً؛ لأنّ مَن حضَرَ الشورىٰ مِن القومِ (6)كانَ معتقِداً لإمامةِ المتقدِّمَينِ ، و بُطلانِ النصِّ علىٰ غيرِهما، و أنّ حضورَهم إنّما كانَ للعَقدِ(7)مِن جهةِ الاختيارِ؛ فكيفَ يَصِحُّ أن يُحتَجَّ علىٰ مِثلِ هؤلاءِ بالنصِّ الذي لا شُبهةَ في(8)أنّ الاحتجاجَ به تظليمٌ للمتقدِّمَينِ ، و تضليلٌ لكُلِّ مَن دانَ بإمامتِهما(9)و امتثَلَ حدودَهما. و لَيسَ بنا حاجةٌ إلىٰ ذِكرِ ما كانَ عليه صلواتُ اللّٰهِ عليه في ذلكَ ؛ لظهورِه.
و ممّا يدُلُّ مِن أقوالِه(10)علىٰ بُطلانِ النصِّ عليه:
[1.] قولُه مُشيراً إلىٰ أبي عُبيدةَ و عُمَرَ في يومِ السقيفة: «بايِعوا أيَّ الرجُلَينِ (11)شئتُم»(12).
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «و أيّ ».
2) . في حاشية الحجري: - «من».
3) . في «ج»: «هذا».
4) . في «ج، ص، ط»: «عليه السلام».
5) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «كان».
6) . في «ص»: - «من القوم».
7) . في «د»: «إنّما هو العقد». و في التلخيص: «إنّما هو للعقد».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «فيه».
9) . كذا في جميع النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «بإقامتهما».
10) . أي أبو بكر.
11) . في «د»: «أيّ الرجل».
12) . صحيح البخاري، ج 3، ص 1341، ح 3467، و ج 6، ص 2503، ح 6442؛ المصنّف لعبد الرزّاق، ج 5، ص 439، ح 9758؛ تاريخ الطبري، ج 3، ص 209، مع اختلاف يسير.
و لَيسَ هذا قولَ مَن لَزِمَه فرضُ الإمامةِ و وَجَبَ عليه القيامُ بها؛ لأنّه قد عرَّضَ بهذا القولِ عَقْدَ رسولِ اللّٰهِ (1)صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه للحَلِّ و أمْرَه للردِّ. و لَيسَ يَجوزُ هذا عندَ مُخالِفينا علىٰ أبي بكرٍ جُملةً ، و لا عندَنا فيما يَختَصُّ به و يَرجِعُ إليه.
[2.] و قولُه في خِلافتِه(2)لِجماعةِ المسلمينَ (3): «أَقيلوني، أَقيلوني(4)».(5)و لَيسَ يَجوزُ أن يَستَقيلَ الأمرَ مَن لَم يَعقِدْه(6)له و لا تَوَلّاه مِن جهتِه.
[3.] و قولُه عندَ وفاتِه: «وَدِدتُ أنّي(7)كُنتُ سألتُ رَسولَ اللّٰهِ صَلّى اللّٰهُ عَلَيه و آلِه عن هذا الأمرِ فيمَن هو؟ فكُنّا لا نُنازِعُه أهلَه».(8)و هذا قولٌ صريحٌ في إبطالِ النصِّ عَلَيه.
و يدُلُّ أيضاً علىٰ ذلكَ :
[1.] قولُ عُمَرَ: «كانَت بَيعةُ أبي بَكرٍ فَلتةً (9)وَقَى اللّٰهُ المسلمينَ شَرَّها، فمَن عادَ
إلىٰ مِثلِها فاقتُلوه»(10)....
1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «الرسول» بدل «رسول اللّٰه».
2) . في «د» و التلخيص: - «في خلافته».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «الناس».
4) . في المطبوع و الحجري: - «أقيلوني» الثانية.
5) . المعجم الأوسط، ج 8، ص 267، ح 8597؛ كنز العمّال، ج 5، ص 631، ح 14112؛ الإمامة و السياسة، ج 1، ص 31؛ تذكرة الخواصّ ، ص 65، مع اختلاف يسير.
6) . في «د» و المطبوع و الحجري و التلخيص: «لم يعتقده».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «أنّني».
8) . الإمامة و السياسة، ج 1، ص 37؛ تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 137؛ تاريخ الطبري، ج 3، ص 431؛ مروج الذهب، ج 2، ص 302، مع اختلاف.
9) . في «ص»: «فتنة».
10) . صحيح البخاري، ج 8، ص 25، باب رجم الحبلىٰ من الزنا؛ مسند أحمد، ج 1، ص 55؛ تاريخ
و لَيسَ يَصِحُّ (1)أن يوصَفَ ما عقَدَه(2)الرسولُ و عَهِدَ فيه بأنّه فَلتةٌ (3).
[2.] و قولُ عُمَرَ أيضاً لمّا حضَرَته الوفاةُ : «إنْ أستَخلِفْ فقَد استَخلَفَ مَن هو خَيرٌ منِّي» يَعني أبا بَكرٍ «و إنْ أترُكْ فقَد ترَكَ مَن هو خَيرٌ مِنّي»(4)يَعني رسولَ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه.
و مِثلُ هذا لا يَجوزُ أن يَقولَه عُمَرُ و هو يَعلَمُ بحالِ النصِّ علىٰ أبي بَكرٍ، و لَو قالَه بحَضرةِ المسلمينَ لَما جازَ أن يُمسِكوا عن ردِّه لَو كانَ النصُّ علىٰ أبي بكرٍ(5)حَقّاً(6).
[3.] و قولُه لأبي عُبيدةَ: «امدُدْ يدَكَ أُبايِعْكَ» حتّىٰ قالَ له أبو عُبيدةَ: «ما لَكَ في الإسلامِ فَهَّةٌ (7)غيرُها»(8)لأنّ النصَّ علىٰ أبي بكرٍ لَو كانَ حَقّاً لَكانَ عُمَرُ به أعلَمَ ، و لَو
الطبري، ج 3، ص 200؛ تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 158؛ أنساب الأشراف، ج 1، ص 584، و ج 5، ص 500؛ سيرة ابن هشام، ج 4، ص 238؛ الكامل لابن الأثير، ج 2، ص 135؛ الرياض النضرة، ج 1، ص 175؛ البدء و التاريخ، ج 5، ص 190؛ الإمامة و السياسة، ج 1، ص 14، مع اختلاف يسير.
1) . في «ص»: «بصحيح».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «ما قد عقده». و في التلخيص: «ما عقد».
3) . في «ص»: «فتنة».
4) . مسند أحمد، ج 1، ص 46، ح 322؛ صحيح البخاري، ج 6، ص 2638، ح 6792؛ صحيح مسلم، ج 3، ص 1454، ح 1823، مع اختلاف يسير.
5) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: - «علىٰ أبي بكر».
6) . في «د» و المطبوع و الحجري من قوله «و قول عمر أيضاً لمّا حضرته الوفاة» إلىٰ هنا، وقع بعد قوله الآتي: «في الجواب أولىٰ و أشبه بالحال». و ما أثبتناه مطابق للتلخيص و «ج، ص، ط، ف».
7) . أراد بالفَهَّة السقطة و الجهلة. يقال: فَهَّ الرجل يَفَهُّ فَهاهَةً و فَهَّةً : إذا جاءت منه سقطة من العيّو غيره. النهاية، ج 3، ص 482 (فهه).
8) . مسند أحمد، ج 1، ص 35؛ أنساب الأشراف، ج 1، ص 579؛ تاريخ الإسلام، ج 3، ص 9؛ النهاية لابن الأثير، ج 3، ص 482؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 2، ص 25، مع اختلاف يسير في المصادر.
عَلِمَه لَم يَجُز مِنه أن يَدعوَ غيرَه إلَى العملِ بخِلافِه، و لا حَسُنَ مِن أبي عُبيدةَ أيضاً ما رُويَ عنه(1)مِن الجوابِ ؛ لأنّ المرويَّ : «ما لَكَ في الإسلامِ فَهَّةٌ غيرُها؛ أتَقولُ (2)هذا و أبو بكرٍ حاضرٌ؟!» علىٰ سبيلِ التفضيلِ لأبي بكرٍ و التقديمِ له علىٰ نفسِه، و ذِكرُ النصِّ علىٰ أبي بكرٍ - لَو كاَن حَقّاً - في الجوابِ أَولىٰ و أشبَهُ بالحالِ .
و منها: أنّه لَو كانَ النصُّ عليه حَقّاً لَوجَبَ أن يقَعَ العِلمُ به لكُلِّ مَن سَمِعَ الأخبارَ علىٰ حدِّ وقوعِه بما كانَ مِنه مِن النصِّ علىٰ عُمَرَ، و بما(3)وقَعَ مِن نصِّ عُمَرَ علىٰ أصحابِ الشورىٰ ، إلىٰ غيرِ ما ذَكَرناه مِن الأُمورِ الظاهرةِ . و في عِلمِنا بمفارَقةِ ما يُدَّعىٰ مِن النصِّ علىٰ أبي بكرٍ لِما عدَّدناه(4)دليلٌ علَى انتفائه.
و إنّما أَوجَبنا وقوعَ العِلمِ به علَى الحدِّ الذي نَعَتناه(5)مِن حيثُ كانَت جميعُ الأسبابِ - الموجِبةِ لخَفاءِ ما تَدَّعيهِ (6)الشيعةُ مِن النصِّ علىٰ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ - عنه مُرتَفِعةً (7)، و جميعُ ما يَقتَضي الظهورَ و(8)ارتفاعَ الشكِّ و الشُّبُهاتِ فيه حاصلاً(9)
لأنّ الرئاسةَ بَعدَ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(10)له انعقَدَت، و فيه حصَلَت، و لَم
1) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: - «عنه».
2) . في «ج، ط»: «تقول»، و في «ص، ف»: «يقول» بدل «أ تقول».
3) . في التلخيص: «و كما».
4) . في «د»: «ما ذكرناه» بدل «لما عدّدناه».
5) . في «ج، ص، ط»: «بيّنّاه».
6) . في «ج، ص، ف»: «يدّعيه».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «مرتفعاً».
8) . في «ص»: - «و».
9) . في «د، ص» و التلخيص: «حاصل».
10) . في «ط، ف»: «عليه السلام».
يَكُن بَعدَ استقرارِ إمامتِه مِن أحَدٍ خِلافٌ عليه(1)و لا رغبةٌ عنه، ثُمّ استمَرَّت وِلايتُه علىٰ هذا الحَدِّ، و تَلاها(2)مِن الوِلاياتِ ما كانَت كالمَبنيّةِ(3)عليها و المَشيدةِ لها، فلا سببَ يَقتَضي خَفاءَ النصِّ عليه و انكِتامَه؛ لأنّه إذا ارتفَعَت - فيما يَقتَضي الكتمانَ - أسبابُ الخَوفِ و دَواعي الرغبةِ و الرهبةِ و قامَت دَواعي الإظهارِ و الإشاعةِ ، فلا بُدَّ مِن الظهورِ.
و كَيفَ يَجوزُ أن لا يَدَّعيَ النصَّ - لَو كانَت له حقيقةٌ - أبو بكرٍ نفسُه في طولِ وِلايتِه و في حالِ العَقدِ لنفسِه(4)، و يَقولَ لِمَن قصَدَ إلىٰ أن(5)يَعقِدَ(6)الإمامةَ له و يوجِبَها مِن طريقِ الاختيارِ: لا حاجةَ بي إلَي اختيارِكم(7)إيّايَ إماماً و قَد اختارَني رسولُ اللّٰهِ (8)صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه لكم(9)، و رَضيَني للتقدُّمِ عليكم.
و كَيفَ يَجوزُ أن يُمسِكَ - مع سَلامةِ الحالِ ، و زَوالِ كُلِّ سببٍ للخَوفِ و التقيّةِ - عمّا ذَكَرناه، و في إمساكِه عن ذلكَ تضييعٌ لِما لَزِمَه، و إغفالٌ لتنبيهِ القومِ علىٰ مَوضعِ النصِّ عليه(10)، و أقَلُّ الأحوالِ أن يَكونَ الإمساكُ موهِماً لِارتفاعِ النصِّ
1) . في المطبوع و الحجري: - «عليه».
2) . في «ط» و التلخيص: «تلتها». و في «ج، ص، ف»: «يليها».
3) . في حاشية الحجري: «كالمرتّبة».
4) . في «د»: «بنفسه».
5) . في التلخيص: - «قصد إلىٰ أن».
6) . في «د» و التلخيص: «يعتقد».
7) . في المطبوع و الحجري: - «بي». و في التلخيص: «لا حاجة لي إلى اختيارك».
8) . في «ط، ف» و التلخيص: «الرسول».
9) . في «ص» و التلخيص: - «لكم».
10) . في «ج»: «على موضع في النصّ عليه». و في «ص، ف»: «على موضع الخلاف في النصّ عليه».
و موقِعاً للشُّبهةِ(1)؟!
و كَيفَ يَجوزُ أيضاً إذا لَم يَدَّعِ ذلك هو(2)لنَفسِه أن لا يَدَّعيَه له أحدٌ في طولِ(3)أيّامِه و أيّامِ عُمَرَ التي تَجري مَجرىٰ أيّامِه(4)و لا يَذكُرَه ذاكرٌ؟ و نحنُ نَعلَمُ يقيناً أنّ الرؤَساءَ و ذَوي السُّلطانِ و المالِكينَ للأمرِ و النهيِ و الرفعِ و الوضعِ يُتقرَّبُ إليهم في الأكثرِ بما يَقتَضي تعظيمَهم و تبجيلَهم و إن كانَ باطلاً، تُصنَعُ فيهم(5)الأخبارُ، و توضَعُ(6)لهُم المدائحُ. و إذا كانَت هذه العادةُ مستقِرّةً، فكَيفَ يَجوزُ أن يَعلَموا
بفَضيلَةٍ تَجري(7)مَجرَى النصِّ بالإمامةِ ، فلا يَذكُرونَها و يُشيدونَ (8)بها، و لا تَقيّةَ عليهم و لا مانعَ لهم ؟! و هذا أظهَرُ مِن أن يَخفىٰ .
و لَيسَ لأحدٍ أن يَقولَ: إنّكم جَعَلتم حصولَ الأمرِ في أبي بَكرٍ و إجتماعَ (9)الناسِ عليه سبباً لظهورِ النصِّ ، و هو بالضدِّ ممّا ذَكَرتموه(10)لأنّه و إن كان انعقَدَ(11)له فإنّما انعقَدَ بالاختيارِ لا بالنصِّ ، فكَيفَ يَكونُ حصولُ ضدِّ الشيءِ سبباً لظهورِه ؟
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «و وقوع الشبهة» بدل «و موقعاً للشبهة».
2) . في «د» و التلخيص: - «هو».
3) . في التلخيص: - «طول».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «إ مامة أبي بكر» بدل «أيّامه».
5) . في «ج»: «تصنع لهم». و في «ص»: «يضع لهم». و في المطبوع: «توضع فيهم».
6) . في «د، ص» و المطبوع و الحجري: «و يوضع».
7) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «تفضيله الذي يجري» بدل «بفضيلة تجري».
8) . هكذا في «ج، د، ص، ف» و التلخيص. و في «ط» و المطبوع و الحجري: «و يشدّون».
9) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و إجماع».
10) . في التلخيص: «و هذا بالضدّ لما ذكرتموه».
11) . في «د، ص، ط»: «العقد».
و ذلكَ(1)أنّ الأمرَ و إن كان جارياً علىٰ ما ذَكَره هذا المعترِضُ، ففيه أوضَحُ دَلالةٍ علىٰ بُطلانِ النصِّ؛ لأنّ وقوعَ العقدِ له(2)مِن جهةِ الاختيارِ، و(3)لَو كانَ هناكَ نصٌّ عليه لَم يَجُز أن يقَعَ مِن تلكَ الجهةِ؛ لأنّه إذا كانَ القومُ الذينَ عَقَدوا له لَم يَرغَبوا عنه، و لا عَدَلوا إلىٰ غيرِه، و لا هَمَّت نفسُ أحدِهم بجَرِّ الأمرِ إليها و الاستبدادِ به، فلا بُدَّ مِن امتثالِهم النصَّ لَو كانَت(4)له حقيقةٌ، و العملِ عليه دونَ غيرِه، اللّهمّ إلّاأن يَكونَ القومُ إنّما كانَ قَصدُهم خِلافَ الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عَلَيه و آلِه(5)مجرَّداً؛ لأنّهم غيرُ متَّهَمينَ بقَصدِ المنصوصِ عليه، و قد عَقَدوا له و اجتَمَعوا معه و ناضَلوا مَن خالَفَه حتَّى استَوسَقَ(6)الأمرُ له(7)و انتظَمَ، فلَم يَبقَ(8)في عُدولِهم عن ذِكرِ النصِّ و امتثالِه(9)- مع ارتفاعِ التُّهمَةِ عنهم فيما يَرجِعُ(10)إلَى المنصوصِ عليه - إلّاأن يَكونوا قَصَدوا إلىٰ (11)خِلافِ الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه الذي وقَعَ النصُّ منه. و لَيسَ القومُ عندَ مُخالِفينا و لا عندَنا بهذه الصفةِ .
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «و ذاك».
2) . في «ج، ص»: + «تأثير». و في حاشية «ج»: + «ناش».
3) . هكذا في «ج، ف» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع و الحجري: - «و».
4) . في «ج، ص»: «لو كان».
5) . في «ج، د، ص، ط، ف»: «عليه السلام».
6) . استوسق لك الأمرُ: إذا أمكنك. تهذيب اللغة، ج 9، ص 187 (وسق).
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «له الأمر».
8) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و لم يبق».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «و إمساكه».
10) . في «د» و المطبوع و الحجري: «رجع».
11) . في «ج، ص، ط، ف»: - «إلىٰ ».
و منها: اتّفاقُ الكُلِّ علَى ارتفاعِ العصمةِ عن أبي بَكرٍ، و إذا كُنّا قد دلَّلنا فيما تقدَّمَ علىٰ أنّ الإمامَ لا بُدَّ من(1)أن يكونَ معصوماً(2)، وَجَبَ نفيُ الإمامةِ عمّن عَلِمنا انتفاءَ العصمةِ عنه، و وَجَبَ علينا القضاءُ ببطلانِ النصِّ عليه؛ لأنّ النصَّ مِن الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه لا يَجوزُ أن يقَعَ علىٰ مَن لا يَصلُحُ أن يَكونَ إماماً.
ثمّ يُقالُ لِمَن عارَضَنا بالبَكريّةِ و ادَّعىٰ أنّ نَقلَهم مساوٍ لنقلِنا: بأيِّ شيءٍ تَنفصلُ ممّن عارضَكَ و جماعةَ المسلمينَ - فيما تَدَّعيهِ مِن نَقلِ مُعجِزاتِ(3)الرسولِ و أعلامِه و بيّناتِه صَلّى اللّٰهُ عليهِ و آلِه - بنَقلِ الحَلّاجيّةِ(4)و البَنانيّةِ (5)- أصحابِ بَنانٍ - و الخَطّابيّةِ (6)
1) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «من».
2) . تقدّم في ص 135 و ما بعدها.
3) . في «ج، ص، ط، ف»: + «التي ظهرت علىٰ يد».
4) . «الحلّاجيّة»: أصحاب الحسين بن منصور الحلّاج. و قد اختُلف في بلده، فقيل من خراسان، و قيل من الريّ . صحب الجنيد و أبا الحسين النوري و عمرو المكّي و الفوطي و غيرهم. كان قليل الأكل، كثير الصلاة، يتظاهر بالتشيّع و الصوفيّة، و له آراء خاصّة فاسدة كادّعاء حلول اللّٰه فيه. و كثر الخلاف حوله لاختلاف سلوكه. ردّه أكثر المشايخ و نفوه. له كتب كثيرة تناهز الخمسين بأسماء عجيبة، مثل «طاسين الأزل» و «الظلّ الممدود» و «قرآن القرآن» و غير ذلك، و أغلبها في التصوّف و الزهد. قتل ببغداد بباب الطاق في ذي القعدة من سنة 306 ه. الفهرست لابن النديم، ص 269؛ طبقات الصوفيّة للسلمي، ص 236، الرقم 53؛ تاريخ بغداد، ج 8، ص 112، الرقم 4232.
5) . «البنانيّة»: أصحاب بنان بن سمعان التميمي الذي ادّعى إلهيّة أمير المؤمنين عليه السلام و الأئمّة من ولده، و إليه تُنسب الطائفة البنانيّة أو البيانيّة. قال: إنّ أمير المؤمنين عليه السلام إله و حلّ فيه جزء إلهيّ اتّحد بناسوته. التعريفات للجرجاني، ص 21؛ اللباب في تهذيب الأنساب، ص 195؛ الوافي بالوفيات، ج 10، ص 327، الرقم 4838.
6) . «الخطّابيّة»: أصحاب أبي الخطّاب محمّد بن أبي زينب الأسدي الأجدع مولى بني أسد، و هو الذي عزا نفسه إلى أبي عبد اللّٰه جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام فلمّا وقف الصادق على
فأمّا قَولُ صاحبِ الكتابِ : «و متىٰ قالوا في هذه الطائفةِ - يعنَي البَكرِيّةَ -: إنّها
غلوّه الباطل في حقّه تبرّأ منه و لعنه. فلمّا اعتزل ادّعى الإمامة لنفسه. زعم أبو الخطّاب أنّ الأئمّة أنبياء ثمّ آلهة. و لمّا وقف عيسى بن موسى صاحب المنصور على خبث دعوته قتله بسبخة الكوفة. و افترقت الخطّابيّة بعده فرقاً؛ منها «المعمريّة»، زعموا أنّ الإمامة انتقلت من أبي الخطّاب إلى رجل اسمه «معمر»، و لهم آراء و مسائل تافهة. و منها: «البزيغيّة» أصحاب بزيغ. و منها: «العجليّة» أصحاب عمير بن بيان العجليّ ، إلى غير ذلك. مقالات الإسلاميّين، ص 10؛ الملل و النحل للشهرستاني، ج 1، ص 210؛ التعريفات للجرجاني، ص 44.
1) . «المانويّة»: أصحاب ماني بن فاتك الذي ظهر في زمان سابور بن أردشير، و قتله بهرام بن هرمز بن سابور، و ذلك بعد عيسى بن مريم عليه السلام. أحدث ديناً بين المجوسيّة و النصرانيّة. و كان يقول بنبوّة عيسى عليه السلام و لا يقول بنبوّة موسى عليه السلام. زعم أنّ العالم مصنوع مركّب من أصلين قديمين، أحدهما نور، و الآخر ظلمة، و أنّهما أزليّان لم يزالا و لن يزالا. الملل و النحل للشهرستاني، ج 1، ص 290، الرقم 1؛ شرح المواقف، ج 8، ص 43.
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «تدّعيه».
3) . في التلخيص: «تمييز».
4) . في «د» و المطبوع و الحجري: «ما».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «فرقاً بينها و بين البكريّة في النقل». و في التلخيص: «فرقاً بين نقلهاو بين نقل البكريّة».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «فليتعاطاه». و في التلخيص: «فليتعاط».
7) . في «د» و المطبوع و الحجري: «صدق».
قَليلةٌ، قيلَ لهم في طائفتِهم مِثلُه؛ لأنّ شُيوخَنا قالوا كَيتَ و كَيتَ».(1)
فقَد بيّنّا أنّ مَن يَدَّعي النصَّ مِن البَكريّةِ لا يَجوزُ أن يَتوَهَّمَ عاقلٌ مُساواتَهم في هذه الأزمانِ لفِرقةٍ مِن فِرَقِ الإماميّةِ، بَل لأهلِ مَحلّةٍ مِنهم، فَضلاً عن أن يُقالَ: إنّ حالَهم كحالِهم. و مَن دَعَته الضرورةُ إلىٰ أن يُسوّيَ (2)بَينَ مَن يَدَّعي النصَّ علىٰ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ و بَينَ مَن يَدَّعيه لأبي بَكرٍ(3)في هذه الأزمانِ كانَت صورتُه معروفةً ؛ اللّهمَّ إلّاأن يَدَّعيَ في أصلِ نَقلِ الشيعةِ الشُّذوذَ و القِلّةَ و مساواةَ البَكريّةِ في ذلكَ . و هذا إذا ادُّعيَ كانَ أقرَبَ مِن الأوّلِ .
و قد بيّنّا فيما سلَفَ أنّ أوّلَ الشيعةِ في نَقلِ النصِّ كآخِرِهم(4)، بما لا حاجةَ بِنا إلىٰ تَكرارِه.(5)
فأمّا قولُه: «إنّ أوّلَ مَن تَجاسَرَ علىٰ ذلكَ ابنُ الراونديِّ، و أبو عيسىٰ، و هِشامُ بنُ الحَكَمِ »، فما قَدَّمناه يُبطِلُه.
علىٰ أنّه لَو كانَ ما ادَّعاه حَقّاً(6)لَوجَبَ أن يقَعَ لنا العِلمُ و لكُلِّ (7)مَن سَمِعَ الأخبارَ
1) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 118. و قد جاء في المغني: «... لأنّ شيوخنا ادّعوا بل بيّنوا أنّ من ادّعى النصّ علىٰ هذا الوجه عددهم قليل» و قد اختصر المصنّف رحمه اللّٰه العبارة؛ لأنّه نقلها قبل هذا في ص 383.
2) . في «ف»: «سوّى».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «على أبي بكر».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «و آخرهم سواء» بدل «كآخرهم».
5) . تقدّم في ص 334-336.
6) . في التلخيص: «ما ذكر صحيحاً».
7) . في «د» و التلخيص: «أن يقع العلم لكلّ ».
و(1)خالَطَ أهلَها - مِن مِلّيٍّ و ذِمّيٍّ و شيعيٍّ و ناصبيٍّ - بأنّ ادِّعاءَ النصِّ لَم يَتقَدَّمْ زَمَنَ هؤلاءِ المَذكورينَ، و أنّه لَم يُعرَفْ قَبلَهم، كما عَلِمَ(2)كُلُّ مَن سَمِعَ الأخبارَ أنّ قَولَ الخَوارجِ لَم يَتقَدَّمْ(3)زَمانَ حُدوثِهم، و كذلكَ قَولُ الجَهميّةِ و النَّجّاريّةِ، إلىٰ سائرِ الفِرَقِ التي نَشأَت و أحدَثَت أقوالاً لَم يُسبَقْ إليها. و في عِلمِنا باختلافِ الأمرَينِ في بابِ العِلمِ و أنّ مَن خالَفَنا لا يُحيلُ فيما يَدَّعيهِ - مِن كَونِ النصِّ مُبتَدَأً في زَمانِ مَن ذَكرَه - إلّاعلىٰ التظَنّي و التوَهُّمِ و الأشبَهِ و الأليَقِ دليلٌ علىٰ بُطلانِ دَعوَى القَومِ.
فإنِ ارتكَبَ منهم مُرتكِبٌ أنّه يَعلَمُ حدوثَ النصِّ في زَمَنِ مَن ذَكَرَه كما يَعلَمُ(4)ما ذَكَرناه لَم يَجِدْ فَرقاً بَينَه و بَينَ الشيعةِ إذا ادَّعَت أنّها تَعلَمُ أنّ النصَّ مُتقدِّمٌ لزَمانِ ابنِ الراوَنديِّ و هِشامٍ كما تَعلَمُ (5)أنّ القَولَ بالعَدلِ و المَنزلةِ بَينَ المَنزلتَينِ مُتقدِّمٌ لزَمانِ النَّظّامِ و أبي الهُذَيلِ ، و أنّ مَن ادَّعىٰ كَونَ النصِّ موقوفاً علىٰ زَمَنِ (6)ابنِ الراوَنديِّ عندَها(7)بمَنزلةِ مَن ادَّعىٰ كَونَ القَولِ بالعَدلِ و الوَعيدِ موقوفاً علىٰ زمَنِ النَّظّامِ .
و بَعدُ، فمَن ارتكَبَ ما حَكَيناه في(8)نفسِه و ادَّعاه(9)عليها، لا يُمكِنُه أن يَدَّعيَه
1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «إذا» بدل «و».
2) . في التلخيص: «عرف».
3) . في التلخيص: «أنّ أقوال الخوارج لم تتقدّم».
4) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «تعلم».
5) . هكذا في «د». و في «ج، ص، ط، ف»: «يعلم». و في المطبوع و الحجري: «نعلم».
6) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «زمن».
7) . في التلخيص: «أو هشام عندنا» بدل «عندها». و في «د»: «و عندها». و في المطبوع و الحجري: «و عندنا».
8) . في «د»: «من».
9) . في المطبوع: + «علينا».
علىٰ سائرِ الناسِ(1)السامِعينَ للأخبارِ و المُخالِطينَ لأهلِها. و إذا كُنّا لا نَجِدُ غيرَه يَعلَمُ ما ادَّعىٰ عِلمَه، وَجَبَ أن نَقطَعَ علىٰ بُطلانِ دَعواه؛ لأنّ ما يوجِبُ تَساويَ الناسِ في العِلمِ بسائرِ الأُمورِ الظاهرةِ و حدوثِ المَذاهبِ الحادثةِ يَقتَضي تَساويَهم في هذا العِلمِ إن كانَ صحيحاً.
و لَيسَ يَجِبُ أن يَكونَ القولُ مقصوراً علىٰ مَن صَنَّفَ الكلامَ في نُصرتِه و جمَعَ الحِجاجَ في تشييدِه، بل قد يكونُ القولُ معروفاً ظاهراً فيمن لا يَعرفُ الحِجاجَ و النظَرَ و لا يَقدِرُ علىٰ تصنيفِ الكتُبِ.
و إذا صَحَّ هذا بطَلَتِ الشُّبهةُ في كَونِ النصِّ مُبتَدَأً مِن جهةِ هِشامٍ(2)أو مِن جهةِ ابنِ الراوَنديِّ ؛ لأنّها إنّما دَخَلَت علَى المخالِفينَ مِن حَيثُ لَم يَجِدوا للشيعةِ كلاماً مجموعاً في نُصرةِ النصِّ و تهذيبِ طُرُقِ الحِجاجِ فيه متقدِّماً لزَمَنِ (3)مَن أشاروا إليه، و ذلكَ لَو صَحَّ - علىٰ ما فيه(4)- لَم يَكُن(5)فيه شُبهةٌ ؛ لِما بيّنّاه مِن أنّ التصنيفَ و الجَمعَ لا يَكونانِ دَلالةً علَى ابتداءِ القولِ فيه(6)مِن المصنِّفِ .
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و بَعدُ، فلَو(1)جازَ حصولُ النصِّ علىٰ هذه الطريقةِ، و يَختَصُّ بمعرفتِه قومٌ دونَ قومٍ علىٰ بعضِ الوجوهِ، لِيَجوزَنّ ادّعاءُ النصِّ علَى العبّاسِ و غيرِه، و إنِ(2)اختَصَّ بمعرفتِه قومٌ دونَ قومٍ (3)ثُمّ انقطَعَ النقلُ ؛ لأنّه إن جازَ انقطاعُ (4)النقلِ فيما يعُمُّ تكليفُه عن بعضٍ دونَ بعضٍ جازَ انقطاعُه عن جميعِ المكلَّفينَ كذلكَ ؛ لأنّ ما أوجَبَ إزاحةَ العِلّةِ في كُلِّهم يوجِبُ إزاحةَ العِلّةِ في بعضِهم.(5)
يُقالُ له(6): إنّ المعارَضةَ بما يُدَّعىٰ مِن النصِّ علَى العبّاسِ أبعَدُ عن(7)الصوابِ مِن المعارَضةِ بالنصِّ علىٰ أبي بَكرٍ.
و الذي يبيِّنُ بُطلانَ هذه المَقالةِ - و الفَرقَ بَينَها و بَينَ ما يَذهَبُ (8)إليه الشيعةُ في النصِّ علىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ - وجوهٌ :
منها: أنّا لا نَسمعُ بهذه المَقالةِ إلّاحكايةً، و ما شاهَدْنا قَطُّ و لا شاهَدَ مَن أخبَرَنا ممّن لَقيناه قوماً يَدينونَ بها. و الحالُ في شُذوذِ أهلِها أظهَرُ مِن الحالِ في شُذوذِ البَكريّةِ؛ فإنّ البَكريّةَ - و إن كُنّا لَم نَلقَ منهم إلّاآحاداً(1)لا تَقومُ(2)الحُجّةُ بمِثلِهم - فقَد وُجِدوا علىٰ حالٍ و عُرِفَ في جُملةِ الناسِ مَن يَذهَبُ إلَى المَقالةِ المَرويّةِ عنهم.
و لَيسَ هذا في العَبّاسيّةِ، و لَولا أنّ الجاحِظَ صَنَّفَ كتاباً حَكىٰ فيه مَقالَتَهم(3)و أورَدَ فيه ضَرباً مِن الحِجاجِ نَسَبَه(4)إليهم، لَما عُرِفَت(5)لهم شُبهةٌ و لا طريقةٌ تُعتمَدُ(6)في نُصرةِ قولِهم. و الظاهرُ أنّ قوماً ممّن أرادَ التسَلُّقَ(7)و التوَصُّلَ(8)إلىٰ مَنافعِ الدُّنيا تَقَرَّبَ(9)إلىٰ بعضِ خُلَفاءِ وَلَدِ العبّاسِ بذِكرِ هذا المَذهَبِ و إظهارِ اعتقادِه(10)، ثُمّ انقرَضَ أهلُه، و انقطَعَ نظامُ القائلينَ به؛ لِانقطاعِ الأسبابِ و الدَّواعي لهم إلىٰ إظهارِه. و مَن جعَلَ ما يُحكىٰ مِن هذه المَقالةِ الضعيفةِ الشاذّةِ مُعارَضةً لقَولِ الشيعةِ في النصِّ، فقَد خرَجَ عن الغايةِ في البَهتِ (11)و المُكابَرةِ .
1) . في «د» و الحجري: «أحداً».
2) . في «د، ف» و الحجري: «لا يقوم».
3) . في رسالة سمّاها «العبّاسية»، و هي من كتب الجاحظ في الإمامة، بعنوان «إ مامة ولد العبّاس» أو «العبّاسيّة في تأييد الشيعة الراونديّة و أنصار بني العبّاس» و قد ألّفه إرضاءً للعبّاسيين، مع أنّ مضمونه لا ينسجم مع عقائده الخاصّة. آل نوبخت، ص 111، الرقم 11.
4) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «و نسبه».
5) . في المطبوع و الحجري: «عرف».
6) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «يعتمد».
7) . في «د» و حاشية «ج»: «التشوّق».
8) . في التلخيص: «و التوسّل».
9) . في «د، ص»: «بقرب».
10) . في التلخيص: «فذكر هذا المذهب و أظهر اعتقاده».
11) . بهت الرجلَ : قال عليه ما لم يفعله. كتاب العين، ج 4، ص 36؛ لسان العرب، ج 2، ص 12 (بهت).
و منها: أنّ الذي يُحكىٰ عن(1)هذه الفِرقةِ التي أخبَرنا(2)عن شُذوذِها و انقراضِها مخالِفٌ أيضاً لِما تَدينُ به الشيعةُ مِن النصِّ؛ لأنّهم يعوِّلونَ فيما يَدَّعونه مِن النصِّ علىٰ صاحبِهم(3)- رحمةُ اللّٰهِ عليه(4)- علىٰ أخبارِ آحادٍ لَيسَ في شيءٍ منها تصريحٌ بنَصٍّ و لا تعريضٌ به(5)، و لا دَلالةَ عليه مِن فحوىً و لا ظاهرٍ؛ و إنّما يَعتمِدونَ علىٰ أنّ العَمَّ وارِثٌ، و أنّه يَستحِقُّ وِراثةَ المَقامِ كما يَستحِقُّ وِراثةَ المالِ، و علىٰ ما رُويَ
مِن قولِه عليه السلامُ: «رُدّوا عَلَيَّ أبي(6)»(7)و ما أشبَهَ هذا مِن الأخبارِ التي إذا سُلِّمَ نقلُها، و صَحَّت الروايةُ المتضمِّنةُ لها، لَم يَكُن فيها دَلالةٌ علَى النصِّ و لا أمارةٌ .
و لا اعتبارَ بمَن يَحمِلُ نفسَه مِن مخالِفينا علىٰ أن يَحكيَ عنهم القولَ بالنصِّ الجَليِّ الذي يوجِبُ العِلمَ و يُزيلُ الرَّيبَ كما تَقولُ (8)الشيعةُ ؛ لأنّ هذا القولَ مِن(9)قائلِه لا يُغني عنه شيئاً، مع(10)العِلمِ بما حُكيَ مِن مَقالةِ هذه الفِرقةِ و سُطِرَ في(11)احتجاجِها و استدلالِها. و لَو لَم يُرجَعْ في ذلكَ إلّاإلىٰ ما صنَّفَه الجاحظُ لهم، لَكانَ
1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «من».
2) . في «د»: «خبّرنا».
3) . يعني العبّاس.
4) . في «ج، ص، ط، ف»: - «رحمة اللّٰه عليه».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: - «به».
6) . أي العبّاس بن عبد المطّلب.
7) . المصنّف لابن أبي شيبة، ج 8، ص 532، ح 4؛ كنز العمّال، ج 10، ص 527، ح 30195، و ج 14، ص 584، ح 39655.
8) . في «د، ط، ف» و الحجري: «يقول».
9) . في «ج، ص، ف»: «عن».
10) . في «ج، ص، ط، ف»: «من».
11) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «من». و في التلخيص: «و ما نظّم» بدل «و سطر».
فيه أكبرُ(1)حُجّةٍ و أوضَحُ دَلالةٍ. و ما(2)وَجَدناه - مع توَغُّلِه و شدّةِ توَصُّلِه إلىٰ نُصرِة هذه المَقالةِ(3)- أقدَمَ علىٰ أن يَدَّعيَ علَى الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه نَصّاً صَريحاً بالإمامةِ، بل الذي اعتمَدَه هو ما قَدَّمنا ذِكرَه و ما يَجري مَجراه:
مِثلُ قولِ العبّاسِ رضيَ اللّٰهُ عنه(4)- و قد خطَبَ رسولُ اللّٰهِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه خُطبتَه المشهورةَ في الفَتحِ(5)و انتَهىٰ(6)إلىٰ قولِه: «إنّ مَكّةَ حَرامٌ حَرَّمَها اللّٰهُ يَومَ خلَقَ السَّماواتِ و الأرضَ، لا يُختَلىٰ خَلاها(7)، و لا يُعضَدُ شَجَرُها» -: إلّاالإذخِرَ(8)يا رَسولَ اللّٰهِ؟ فأطرَقَ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه و قالَ : «إلّا الإذخِرَ».(9)
و مِثلُ ما رُويَ مِن تشفيعِه عليه السلامُ له(10)في مُجاشِعِ بنِ مسعودٍ السُّلَميِّ (11)
1) . في «د، ص»: «أكثر».
2) . في «ج، ص، ف»: «فما».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «هذا المذهب».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: - «رضي اللّٰه عنه».
5) . و ذلك في شهر رمضان سنة 8 من الهجرة.
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «فانتهىٰ ».
7) . الخَلىٰ : الرطب من الحشيش. المصباح المنير، ص 181؛ لسان العرب، ج 14، ص 243 (خلا).
8) . الإذخِر: حشيشة طيّبة الرائحة تسقّف بها البيوت فوق الخشب. النهاية، ج 1، ص 33؛ المصباح المنير، ص 207 (ذخر).
9) . صحيح البخاري، ج 1، ص 452، ح 1284، و ج 2، ص 651، ح 1736 و 1737، و ص 736، ح 1984، و ج 4، ص 1567، ح 4059؛ صحيح مسلم، ج 2، ص 986، ح 445/1353؛ سنن النسائي، ج 5، ص 211، ح 2892، مع اختلاف يسير.
10) . في المطبوع و الحجري و التلخيص: - «له».
11) . مجاشع بن مسعود بن ثعلبة بن وهب السلمي. من بني يربوع بن سمّال بن عوف بن امرئ القيس. صحابي. استخلفه المغيرة بن شعبة على البصرة في خلافة عمر. روى عنه أبو عثمان النهدي، و كليب بن شهاب، و عبد الملك بن عمير. و قتل يوم الجمل بالبصرة مع عائشة قبل القتال الأكبر. و دفن بداره في بني سدوس بالبصرة. الاستيعاب، ج 4، ص 1457، الرقم 2515؛ أُسد الغابة، ج 4، ص 284، الرقم 4662؛ الإصابة، ج 5، ص 569، الرقم 7737.
و قد التمَسَ البَيعةَ علَى الهِجرةِ بَعدَ أن قالَ عليه السلامُ: «لا هِجرةَ بَعدَ الفتحِ»
فأجابَه عليه السلامُ إلىٰ ذلكَ.(1)
و مِثلُ ادّعائه سَبْقَه الناسَ إلَى الصلاةِ علىٰ رسولِ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه عندَ وفاتِه، و تعلُّقِه بحديثِ الميزابِ(2)و حديثِ اللَّدودِ.(3)
إلىٰ غيرِ ما ذَكَرناه ممّا هو مسطورٌ في كتابِه(4)، و مَن تصفَّحَه عَلِمَ أنّ جميعَ ما اعتمَدَه لا يخرُجُ عمّا حَكَمنا فيه بخُلوِّه مِن الإشارةِ إلَى النصِّ أو الدلالةِ عليه(5).
1) . صحيح البخاري، ج 3، ص 1025، ح 2631، و ص 1040، ح 2670، و ص 1119، ح 3686، و ج 4، ص 1567، ح 4057؛ صحيح مسلم، ج 2، ص 986، ح 1353، و ج 3، ص 1486-1487، ح 1862 و 1863؛ الجامع الصحيح، ج 4، ص 148، ح 1590.
2) . إجمال خبر الميزاب أنّ رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله لمّا أمر بسدّ الأبواب الشارعة إلى المسجد عدا باب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام طلب العبّاس من رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آلِه أن تبقى بابه شارعةً كما بقيت باب أمير المؤمنين، فقال صلّى اللّٰه عليه و آله: «ليس إلىٰ ذلك سبيل»، فقال: فميزاب أتشرّف به، فترك له الميزاب، و قال صلّى اللّٰه عليه و آله: «إنّ اللّٰه قد شرّف عمّي بهذا الميزاب»، فلمّا كان في أيّام عمر صعدت جارية على السطح تغسل ثوباً للعبّاس - و كان العبّاس يومئذٍ مريضاً - فجرت الغسالة إلى المسجد، فلمّا نظر عمر إلى ذلك غضب و أمر غلامه أن يصعد و يقلع الميزاب، فلمّا علم العبّاس ذلك شكاه إلى أمير المؤمنين عليه السلام، و كان عمر قد حلف أن لا يعاد و هدّد من يعيده، فأقبل أمير المؤمنين و معه قنبر مولاه و أمره أن يعيده، و هدّد من يقلعه و حلف على ذلك، فلمّا جاء عمر إلى المسجد وجد الميزاب مكانه، فسأل: مَن أعاده ؟ قيل: عليّ . و نقل إليه كلامه فقال: لا يُغضِب أحد أبا الحسن، و نحن نكفّر عن اليمين. بحار الأنوار، ج 3، ص 362-365؛ أنساب الأشراف، ج 4، ص 12؛ الطبقات الكبرى، ج 4، ص 14؛ المنفق، ص 41، مع اختلاف.
3) . مسند أحمد، ج 6، ص 53، ح 24308، و ص 118، ح 24914؛ صحيح البخاري، ج 5، ص 2159، ح 5382، و ج 6، ص 2527، ح 6501؛ الفائق في غريب الحديث، ج 3، ص 198؛ النهاية، ج 4، ص 245؛ لسان العرب، ج 3، ص 390 (لدد).
4) . المراد بكتابه رسالته «العبّاسيّة».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «إلى نصّ أو دلالة عليه».
و قد عَلِمنا عادةَ الجاحظِ فيما يَنصُرُه مِن المَذاهبِ أنّه(1)لا يَدَعُ غَثّاً و لا سَميناً، و لا يغفُلُ عن إيرادِ ضعيفٍ و لا قويٍّ ، حتّىٰ إنّه رُبَّما خرَجَ إلَى ادّعاءِ ما لا يُعرَفُ ، و دَفعِ ما يُعرَفُ ؛ فلَو كانَ لِمَن ذهَبَ إلىٰ مَذهَبِ العبّاسيّةِ خبرٌ يَنقلونَه يَتضمَّنُ نَصّاً صَريحاً علىٰ صاحبِهم، لَما جازَ أن يَعدِلَ عن ذِكرِه، مع تعلُّقِه بما حَكَينا بعضَه و اعتمادِه علىٰ أخبارِ آحادٍ أكثرُها لا يُعرَفُ .
و منها: قولُ العبّاسِ رَحِمَه اللّٰهُ لأميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ : «امدُدْ يدَكَ أُبايِعْكَ حتّىٰ يَقولَ الناسُ : عمُّ رسولِ اللّٰهِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه بايَعَ ابنَ عمِّه، فلا يَختلِفَ عليكَ اثنانِ »(2).
و هذا القولُ منه - و الحالُ حالُ سَلامةٍ لا تقيّةَ فيها(3)، و لا خَوفَ و لا إكراهَ - دَلالةٌ (4)واضحةٌ علىٰ أنّه لَم يَكُن منصوصاً عليه.
و منها: ما قَدَّمناه في فَسادِ النصِّ علىٰ أبي بَكرٍ،(5)و هو أنّ الإمامَ إذا دَلَّت العقولُ علىٰ أنّه لا بُدَّ أن يَكونَ معصوماً وَجَبَ نفيُ النصِّ عمّن عَلِمناه غيرَ معصومٍ ، و قد
أجمَعَتِ (1)الأُمّةُ علىٰ أنّ العبّاسَ لَم يَكُن معصوماً، فوجَبَ نفيُ النصِّ عليه.
و منها: أنّ الإمامَ - علىٰ ما دلَّلنا عليه مِن قَبلُ(2)- يَجِبُ أن يَكونَ عالِماً بجميعِ الدِّينِ ، دَقيقِه و جَليلِه، حتّىٰ لا يَشِذَّ عنه منه شيءٌ ، و قد أطبَقَت الأُمّةُ علىٰ أنّ العبّاسَ - رضيَ اللّٰهُ عنه - لَم يَكُن بهذه الصفةِ . و زادَ جميعُ مخالِفي الشيعةِ - مِن المُعتزلةِ و غيرِهم - علىٰ هذا، حتّىٰ ذَهَبوا إلىٰ أنّه لَم يَكُن مُحيطاً مِن العلومِ بالقَدرِ الذي يَحتاجُ إليه الإمامُ عندَهم، و هو التوسُّطُ في علومِ الدِّينِ و مُساواةُ أهلِ الاجتهادِ و الفتوىٰ فيها.
و يَكفي في بُطلانِ النصِّ عليه عندَنا أن لا يَكونَ عالِماً بالكُلِّ و مُضطَلِعاً بالجميعِ .
فأمّا قولُ صاحبِ الكتابِ : «لِيَجوزَنَّ ادّعاءُ النصِّ علَى العبّاسِ و يَختَصَّ بمعرفتِه قومٌ ثُمّ يَنقَطِعَ النقلُ ؛ لأنّه إن جازَ انقطاعُه عن البعضِ جازَ انقطاعُه(3)عن الكُلِّ ».
فطَريفٌ؛ لأنّ انقطاعَ النقلِ عن الكُلِّ يُسقِطُ الحُجّةَ و يَرفَعُ الطريقَ إلَى العِلمِ، و لَيسَ كذلكَ (4)انقطاعُه عن البعضِ . و النصُّ الذي نَعتَقِدُه(5)، و إن لَم يَنقُلْه جميعُ الأُمّةِ ، فقَد نقَلَه عندَنا مَن يَقومُ الحُجّةُ بنقلِه.
علىٰ أنّ القولَ إذا ظهَرَ ثُمّ انقطَعَ ، فبانقطاعِه يَصيرُ(6)الإجماعُ منعقِداً علىٰ خِلافِه،
و يَقتَضي ذلكَ اطِّراحَه جُملةً (1)، و إذا(2)كانَ القولُ ظاهراً في بعضِ فِرَقِ الأُمّةِ دونَ بعضٍ لَم يَكُن هذا حُكمَه.
فأمّا إزاحةُ العِلّةِ فقَد بيّنّا أنّ حُكمَ الجميعِ فيها واحدٌ، و إن لَم يَنقُلِ النصَّ إلّا فِرقةٌ مِن فِرقِ الأُمّةِ دونَ الباقينَ .
قالَ صاحبُ الكتابِ :
علىٰ أنّ ما جَرَت عليه أحوالُ الصحابةِ يَمنَعُ مِن ادّعاءِ هذا النصِّ في الأصلِ؛ لأنه لَو كانَ صحيحاً لَكانَ إنّما يَجوزُ أن يَختَلِفَ حالُ النقلِ(1)فيه - إن جازَ ذلكَ(2)- في عصرِ التابِعينَ أو بَعدَ ذلكَ، فأمّا في عصرِ الصحابةِ فغَيرُ جائزٍ ذلكَ، و كانَ(3)يَجِبُ أن يَكونَ معلوماً لجميعِهم.
و لَو(4)كانَ كذلكَ لَكانَت الأُمورُ التي جَرَت في الإمامةِ لا تَجري علَى الحَدِّ الذي جَرَت عليه، بَل كانَ يَجِبُ أن يَكونوا مُضطَرّينَ إلىٰ معرفةِ إمامةِ أميرِ المؤمِنينَ كاضطرارِهم إلىٰ أنّ صلاةَ الظُّهرِ واجبةٌ، و صَومَ شَهرِ رَمَضانَ واجبٌ ، و حَجَّ البَيتِ واجبٌ . و لَو(5)كانَ كذلكَ ما(6)صَحَّ ما قد ثبَتَ عنهم مِن مَواقفِ الإمامةِ و المنازَعةِ فيها، إلىٰ غيرِ ذلكَ . و هذا
في أنّا نَعلَمُ بُطلانَه باضطرارٍ بمَنزلةِ ما نَعلَمُه(1)مِن أنفسِنا؛ لأنّا كما نَعلَمُ أنّا لا نَعلَمُ(2)في الإمامةِ ما ادَّعَوه باضطرارٍ(3)و نَعتقِدُ خِلافَه، نَعلَمُ ذلكَ مِن حالِ الصحابةِ و أنّهم كانوا يَعتقِدونَ خِلافَ ذلكَ، و لا يُمكِنُ بَعدَ ذلكَ إلّانِسبةُ جميعِهم إلَى الارتدادِ و النفاقِ، و أنّهم لذلكَ صَحَّ أن يُخالِفوا.
و ذلكَ ممّا لا يَحِلُّ الكلامُ فيه؛ لأنّه طريقُ الشُّبَهِ(4)القادِحةِ(5)في النبوّاتِ، و إنّما ألقاه المَلاحِدةُ(6)الذينَ طريقتُهم(7)معروفةٌ؛ لأنّ اختصاصَ الرسولِ عليه السلامُ بأكابرِ(8)الصحابةِ، و مَن يُدَّعىٰ لهم الإمامةُ، و ما تواتَرَ مِن تعظيمِه لهم و إكرامِه، إلىٰ غيرِ ذلكَ ، يقارِبُ ما تواتَرَ مِن(9)الخبرِ في أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ و غيرِه.
فمَن يجوِّزُ فيهم الشِّركَ و النِّفاقَ فإنّما طعَنَ علَى الرسولِ عليه السلامُ .
و إذا تعَلَّقوا في مِثلِ (10)ذلكَ بالتقيّةِ صارَ(11)الكلامُ فيه أعظَمَ ممّا تقدَّمَ ؛
1) . في «ص»: «ما نعلم».
2) . في «ص» و التلخيص: - «أنّا لا نعلم».
3) . في المغني: «باضطرارهم».
4) . في التلخيص: «الشبهة». و في «ج، ص»: «الشيعة».
5) . في المغني: «القادمة».
6) . في «ص، ط، ف» و التلخيص و المغني: «الملحدة».
7) . في «د»: «طريقهم».
8) . في المغني: «و أكابر».
9) . في المغني: - «من».
10) . في «ج، ص، ط، ف»: - «مثل».
11) . في المغني: «كان».
لأنّ تجويزَ التقيّةِ علَى الرسولِ عليه السلامُ يشكِّكُ(1)فيما يؤدّيهِ عن اللّٰهِ تَعالىٰ(2)، و نحنُ(3)لا نجوِّزُ عليه التقيّةَ في ذلكَ (4)، و لَو جَوَّزنا(5)لكُنّا إنّما نجوِّزُ عندَ الأماراتِ الظاهرةِ ، و عند الإكراهِ (6)، فأمّا مع سَلامةِ الحالِ فغَيرُ جائزٍ ذلكَ .(7)
يُقالُ له(8): الذي يَذهَبُ(9)إليه أصحابُنا هو(10)الذي أشارَ إليه أبو جعفرٍ بنُ قِبةَ رحمهُ اللّٰهُ في كتابِه المعروفِ ب «الإنصافِ»:
أنّ الناسَ بَعدَ رسولِ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه لَم يَكونوا بأسْرِهم دافِعينَ(11)للنصِّ(12)و عامِلينَ (13)بخِلافِه مع عِلمِهم الضروريِّ به، و إنّما
1) . هكذا في «د» و التلخيص و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «يشكل».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «عزّ و جلّ ».
3) . في «ج، ط» و التلخيص: «فنحن». و في «ص»: «فيمن». و في «ف»: «ممّا».
4) . في المغني: «ممّن لا يجوز عليه الشبه في ذلك» بدل «و نحن لا نجوّز عليه التقيّة في ذلك».
5) . في المغني: «و لو جوّزوا». و في التلخيص: «فلو جوّزنا».
6) . في المغني: «و عند الدلالة».
7) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 119-120.
8) . في «ص»: «فيقال له».
9) . في «ط، ف»: «تذهب».
10) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: «و هو».
11) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص، و في «د» و المطبوع: «دافعين بأسرهم».
12) . في «ج، ص، ط، ف»: «النصّ ».
13) . في المطبوع و الحجري: «و عالمين».
بادَرَ قومٌ مِن الأنصارِ لمّا قُبِضَ رسولُ اللّٰهِ(1)صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه إلىٰ طلبِ الإمامةِ، و اختَلَفت كلمةُ(2)رؤَسائهِم بَينَهم.
و اتّصَلَت حالُهم بجَماعةٍ مِن المهاجِرينَ، فقَصَدوا السقيفةَ عامِلينَ(3)علىٰ إزالةِ الأمرِ عن مستحِقِّه و الاستبدادِ به. و كانَ الداعي لهم إلىٰ ذلكَ و الحاملُ عليه(4)رغبتَهم في عاجلِ الرئاسةِ، و التمكُّنَ مِن الحَلِّ و العقدِ. و انضافَ إلىٰ هذا الداعي ما كانَ في نفسِ جماعةٍ منهم مِن الحسدِ لأميرِ
المؤمِنينَ عليه السلامُ و العَداوةِ له؛ لِقَتلِ مَن قتَلَ مِن آبائهم و أقارِبِهم، و لِتقدُّمِه و اختصاصِه بالفَضائلِ الباهرةِ، و المَناقبِ الظاهرةِ(5)، التي لَم يَخلُ مَن اختَصَّ ببعضِها مِن حسدٍ و غِبطةٍ(6)و قَصدٍ بَعداوةٍ ، و آنَسَهم - بتَمامِ ما حاوَلوه بعضَ الأُنسِ - تَشاغُلُ بَني هاشمٍ بمصيبتِهم، و عُكوفُهم علىٰ تجهيزِ نبيِّهم صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(7)، فحَضَروا السقيفةَ ، و نازَعوا في الأمرِ، و قَوَوا علَى الأنصارِ، و جَرىٰ (8)ما هو مذكورٌ.
فلمّا رأَى الناسُ فِعلَهم - و هُم مِن(9)وجوهِ الصحابةِ ممّن(10)يحسُنُ الظنُّ
1) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «الرسول».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «و اختلف كلام».
3) . في المطبوع و الحجري: «عالمين».
4) . هكذا في التلخيص. و في «ج، ص، ط، ف»: «و الحامل لهم عليه». و في «د» و المطبوع و الحجري: «غلبة» بدل «و الحامل عليه».
5) . في «د» و المطبوع و الحجري: «بالفضائل الظاهرة و المناقب الباهرة».
6) . في «ج، ص، ف»: - «و غبطة».
7) . في «د» و المطبوع و الحجري: «عليه السلام».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: + «بينهم».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: - «من».
10) . في «ج، ص، ف»: «و من». و في التلخيص: «و ممّن».
بمِثلِه و تدخُلُ(1)الشُّبهةُ بفِعلِه - توهَّمَ أكثرُهم(2)أنّهم لَم يَتلبَّسوا بالأمرِ و لا أقدَموا فيه علىٰ ما أقدَموا عليه إلّابعُذرٍ يسوِّغُ لهم ذلكَ و يجوِّزُه، فدخَلَت عليهم الشُّبهةُ، و استَحكَمَت في(3)نُفوسِهم، و لَم يُنعِموا النظَرَ في حَلِّها، فمالوا مَيلَهم، و سَلَّموا لهم.
و بقِيَ العارِفونَ بالحَقِّ و الثابِتونَ عليه غيرَ متمكِّنينَ مِن إظهارِ ما في نُفوسِهم، فتكلَّمَ بعضُهم(4)، و وَقَعَ منهم(5)مِن النزاعِ ما قد أتَت به الروايةُ (6)، ثُمّ
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «و يدخل».
2) . في المطبوع و الحجري: + «لا».
3) . في «د»: - «في».
4) . في «د» و المطبوع و الحجري: «بعض».
5) . في «ط، ف» و التلخيص: «منه».
6) . في الاحتجاج للطبرسي عن أبان بن تغلب، قال: قلت لأبي عبد اللّٰه جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام: جعلت فداك، هل كان أحد في أصحاب رسول اللّٰه أنكر على أبي بكر فعله و جلوسه مجلس رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله ؟ قال: «نعم، كان الذي أنكر على أبي بكر اثني عشر رجلاً؛ من المهاجرين: خالد بن سعيد بن العاص - و كان من بني أُميّة -، و سلمان الفارسي، و أبو ذرّ الغفاري، و المقداد بن الأسود، و عمّار بن ياسر، و بريدة الأسلمي. و من الأنصار: أبو الهيثم بن التيّهان، و سهل و عثمان ابنا حنيف، و خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، و أُبيّ بن كعب، و أبو أيّوب الأنصاري» إلى قوله: «فسار القوم حتّى أحدقوا منبر رسول اللّٰه - و كان يوم الجمعة - فلمّا صعد أبو بكر المنبر فأوّل من تكلّم خالد بن سعيد بن العاص، ثمّ باقي المهاجرين، ثمّ بعدهم الأنصار. فقام إليه خالد بن سعيد بن العاص، و قال: اتّق اللّٰه يا أبا بكر، فقد علمت أنّ رسول اللّٰه قال - و نحن مُحتَوِشُوه يوم بني قريظة حين فتح اللّٰه له و قد قتل عليّ بن أبي طالب يومئذٍ عدّة من صناديد رجالهم و أُولي البأس و النجدة منهم -: «يا معاشر المهاجرين و الأنصار، إنّي موصيكم بوصيّة فاحفظوها، و مودعكم أمراً فاحفظوه، ألا إنّ عليّ بن أبي طالب أميركم بعدي و خليفتي فيكم، بذلك أوصاني ربّي، ألا و إنّكم إن لم تحفظوا فيه وصيّتي و تؤازروه و تنصروه اختلفتم في أحكامكم، و اضطرب عليكم أمر دينكم، و وليكم
عادوا(1)عندَ الضَّرورةِ إلَى الكَفِّ و الإمساكِ و إظهارِ التسليمِ مع إبطانِ (2)الاعتقادِ للحقِّ . و لَم يَكُن في وُسعِ هؤلاءِ (3)إلّانقلُ ما عَلِموه و سَمِعوه(4)مِن النصِّ إلىٰ أخلافِهم و مَن يأمَنونَه علىٰ نفُوسِهم، فنَقَلوه، و تواتَرَ الخبرُ به(5)عنهم.
و قد ذَكرَ أبو جعفرٍ رحمهُ اللّٰهُ (6):
أنّ وَجهَ دخولِ الشُّبهةِ علَى القومِ (7): أنّهم لمّا سَمِعوا الروايةَ عن الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(8)في قولِه:
«الأئمّةُ مِن قُرَيشٍ » ظَنّوا أنّ ذلكَ إباحةٌ للِاختيارِ(9)، و أنّ الأخذَ بهذا القولِ العامِّ أَولىٰ مِن الأخذِ بالقولِ الخاصِّ المسموعِ في يومِ الغديرِ و غيرِه.
شراركم؛ ألا و إنّ أهل بيتي هم الوارثون لأمري، و العالمون لأمر أُمّتي من بعدي؛ اللّهمّ و من أساء خلافتي في أهل بيتي فاحرمه الجنّة التي عرضها كعرض السماء و الأرض». (الاحتجاج، ج 1، ص 75-76). و هكذا تستعرض الرواية احتجاج الباقين بهذا و شبهه من تذكير لأبي بكر بالروايات التي سمعوها من النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله في حقّ أمير المؤمنين عليه السلام الدالّة بالنصّ و المضمون على أحقّيته بالخلافة، دون غيره.
1) . في «د، ص» و التلخيص: «عاد». و في «ج، ط، ف»: «حاد».
2) . في «ج، ص»: «إبطال».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: + «القوم».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «ما سمعوه و علموه».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «و تواتر به الخبر».
6) . يعني ابن قِبة.
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «عليهم» بدل «على القوم».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «عليه السلام».
9) . في «د» و المطبوع و الحجري: «الاختيار».
و قالَ رحمه اللّٰه:
إنّ النصَّ يَنقسِمُ علىٰ (1)قِسمَين: نصٌّ وقَعَ بحضرةِ جماعةٍ مِن الصحابةِ (2)قليلةِ العَددِ، و النصُّ الآخَرُ وقَعَ بحضرةِ الخَلقِ الكثيرِ.
فأمّا النصُّ الذي وقَعَ بحضرةِ الجماعةِ القليلةِ العَددِ، فيُمكِنُ كِتمانُه، و يَجوزُ نِسيانُه.
و أمّا النصُّ الذي وقَعَ بحضرةِ العَددِ الكثيرِ، فإنّما كانَ يومَ الغَديرِ، و كُلُّهم كانوا ذاكِرينَ لكَلامِه عليه السلامُ ، غيرَ أنّهم ذَهَبوا عنه بتأويلٍ فاسدٍ؛ لأنّهم لمّا دخَلَت عليهم الشُّبهةُ توَهَّموا أنّ لذلكَ الكَلامِ ضَرباً مِن التأويلِ يَجوزُ معه للرؤَساءِ - إذا وقَعَت الفتنةُ و اختلَفَت الكلمةُ - أن يَختاروا إماماً.
هذه ألفاظُه(3)بعَينِها، و إن كُنّا في صدرِ كلامِنا في هذا الفصلِ توَخَّينا(4)إيرادَ معنىٰ كلامِه و كثيرٍ مِن ألفاظِه، و لَم نأتِ بالجميعِ علىٰ وجهِه.
و هذه طريقةٌ حسَنةٌ ، غيرَ أنّه يُمكِنُ - مع هذا التقسيمِ لأحوالِ الصحابةِ و التنزيلِ - أن لا يفرَّقَ (5)بَينَ «النصِّ الجَليِّ » و «النصِّ الواقعِ في يومِ الغَديرِ» في الوقوعِ (6)
1) . في «ج، ص، ط، ف»: - «على».
2) . في «د» و التلخيص: «بحضرة جماعة». و في المطبوع و الحجري: «بحضرة الصحابة».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «هذه ألفاظ أبي جعفر بن قِبة».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «و إن كنّا قد توخّينا في صدر كلامنا في هذا الفصل».
5) . في المطبوع و الحجري: «أن لا نفرّق».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: - «في الوقوع».
بحَضرةِ الأكثَرِ، و يُسَوّىٰ(1)بَينَ النصَّينِ في كَثرةِ(2)السامِعينَ به(3)و الشاهِدينَ له(4)لأنّه لا يَمتنِعُ علىٰ هذا أن يَكونَ النبيُّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه أسمَعَ النصَّ الجَليَّ سائرَ مَن أسمَعَه خبرَ يومِ الغَديرِ؛ غيرَ أنّه لمّا وقَعَت الفتنةُ، و اختَلَفَت الكلمةُ، و وَقَع ممّن حضَرَ السقيفةَ(5)مِن المهاجِرينَ و الأنصارِ ما وقَعَ للعِلَلِ و الأسبابِ التي ذَكَرنا بعضَها، و رأَى الناسُ صنيعَهم، اعتقَدَ كثيرٌ منهم(6)- مع العِلمِ بالنصَّينِ و الذِّكرِ لهما - أنّ القومَ الذينَ راموا(7)الأمرَ و عَقَدوه لأحدِهم لَم يَفعَلوا ذلكَ إلّابعهدٍ مِن الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه خاصٍّ إليهم و قولٍ منه تأخَّرَ عمّا عَلِموه مِن النصِّ، و كانَ كالناسخِ له.
و ذهَبَ عليهم: أنّه لَو كانَ في ذلكَ عهدٌ يُنافي النصَّ الظاهرَ الذي عَرَفوه لَما جازَ أن يَكونَ خاصّاً، و أنّ النسخَ في مِثلِه لا يَقَعُ؛ لأنّه موجِبٌ للبَداءِ (8)، إلىٰ غيرِ هذا
مِن الوجوهِ المُبطِلةِ لهذه الشُّبهةِ .
و لَيسَ ما ذَكَرناه ممّا لا يَشتَبِهُ علىٰ مَن لَم يُنعِمِ النظَرَ فيه، بل معلومٌ اشتباهُه، و أنّ الحَقَّ فيه(9)لا يوصَلُ إليه إلّابثاقبِ (10)النظَرِ الصحيحِ .
1) . في التلخيص: «و نسوّي».
2) . في المطبوع و الحجري: «و كثرة» بدل «في كثرة».
3) . هكذا في «د» و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «له». و في «ج، ص، ط، ف»: - «به».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: - «له».
5) . في المطبوع و الحجري: - «و وقع ممّن حضر السقيفة»، و هو سهو.
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «اعتقدوا أو كثير منهم».
7) . في «د» و المطبوع و الحجري: «ركبوا». و رامَه، أي طلبه؛ من الرَّوْم، و هو الطلب. راجع: الصحاح، ج 5، ص 1938 (روم).
8) . أي البداء المستلزم للجهل، فهو باطل.
9) . في المطبوع و الحجري: + «بل».
10) . في التلخيص: «بتعاقب».
و إذا جازَ أن يدخُلَ(1)علَى القومِ الشُّبهةُ، حتّىٰ يَعتقِدوا أنّ القولَ العامَّ - الذي هو أنّ «الأئمّةَ مِن قُرَيشٍ» - أَولىٰ بأن يُعمَلَ عليه مِن القولِ الخاصِّ الواقعِ في يومِ الغَديرِ مع عِلمِهم بالمُرادِ مِن خبرِ يومِ الغَديرِ؛ لأنّهم لا بُدَّ أن يَكونوا قد عَلِموا المُرادَ به، إن لَم يَكُن ضرورةً فمِن طريقِ الدليلِ ؛ إذ كانوا مِن أهلِ اللُّغةِ و ممّن(2)لا يَجوزُ أن يَشتَبِهَ عليه(3)ما يَرجِعُ إليها و يُبنىٰ (4)في(5)دَلالتِه عليها؛ فدُخولُ الشُّبهةِ عليهم فيما ذَكَرناه و علَى الوجهِ الذي بيّنّاه أجوَزُ و أقرَبُ (6).
فكانَ حالُ القومِ يَنقسِمُ في هذا الوجهِ أيضاً إلَى الأقسامِ الثلاثةِ المتقدِّمةِ (7): فيَكونُ بعضُهم قصَدَ إلَى الكِتمانِ و الخِلافِ مع العِلمِ و زَوالِ الشُّبهةِ للأغراضِ التي ذَكَرناها، و بعضٌ آخَرُ(8)دخَلَت عليه الشُّبهةُ مِن الجهةِ التي تقدَّمَت، و بعضٌ آخَرُ أقامَ علَى الحقِّ مُبطِناً(9)له و نقَلَ ما عَلِمَه مِن النصِّ علَى الوَجهِ الذي تمكَّنَ مِن نقلِه(10)عليه.
و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ: لَو كانَ ما قَدَّرتموه صحيحاً لَوجَبَ أن يَنقُلَ الذينَ دخَلَت عليهم الشُّبهةُ (11)بفِعلِ الأكابِرِ النصَّ ، و لا يَعدِلوا عن ذِكرِه جُملةً ؛ لأنّ الشُّبهةَ
1) . في التلخيص: «أن تدخل».
2) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و مَن».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «و من لا يجوز عليهم أن يشتبه عليهم».
4) . في «ط» و التلخيص: «و يبتني».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: - «في».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «أقرب و أجوز».
7) . في كلام ابن قِبة المتقدِّم.
8) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «آخر».
9) . في «ج، ف»: «مبطلاً».
10) . في المطبوع و الحجري: «من النقل».
11) . في المطبوع: + «جملة».
المانِعةَ لهم مِن العملِ بموجَبِه غيرُ مقتضيةٍ للعُدولِ عن نقلِه، كما أنّهم عندَكم لمّا اشتبَهَ عليهم المُرادُ بخبرِ يومِ الغَديرِ و ما جَرىٰ مَجراه - حتَّى اعتَقَدوا بالشُّبهةِ أنّه غيرُ مقتضٍ للنصِّ - لَم يوجِبْ (1)ذلكَ عُدولَهم عن نقلِه و روايتِه.
لأنّه غيرُ ممتنِعٍ أن يَعدِلوا عن نقلِه بالشُّبهةِ كما عَدَلوا عن العملِ به و عَمِلوا بخِلافِه بالشُّبهةِ؛ لأنّهم إذا كانوا قد اعتَقَدوا أنّ القومَ الذينَ أحسَنوا الظنَّ بهم لَم يَقَعْ منهم ما وقَعَ إلّابعَهدٍ إليهم، أو شَرطٍ، أو ما جَرىٰ مَجرَى العهدِ و الشرطِ يسوِّغُ ما فَعَلوه؛ فقَد بطَلَ عندَهم حُكمُ الخبرِ، و صارَ ممّا لا فائدةَ في نقلِه. و خبرُ الغَديرِ
مفارِقٌ للنصِّ الجليِّ؛ لأنّه إذا اشتبَهَ عليهم إيجابُه للنصِّ فغيرُ مشتَبِهٍ إيجابُه للفضيلةِ، فيَكونُ نقلُهم له لِمَكانِ فائدتِه(2).
علىٰ أنّهم إذا وَجَدوا القومَ الذينَ بفِعلِهم قَوِيَت الشُّبهةُ و وقَعَ الاغترارُ، قد أضرَبوا عن(3)ذِكرِ هذا النصِّ و التلفُّظِ به، و تَناسَوه، و وَجَدوا مَن عَداهم مِن أهل الحَقِّ قد أخفَوه للتقيّةِ ، و عَدَلوا عن التظاهُرِ بنقلِه و ذِكرِه، و لَم يَجِدوا هذا في خبرِ الغَدير و ما ماثَلَه، فقَد صارَ هذا شُبهةً أُخرىٰ في العُدولِ عن نقلِ النصِّ الجَليِّ (4)دونَ الواقِعِ في يومِ الغَديرِ، و يَجوزُ أن يَعتقِدوا عندَها أنّ ذِكرَه غيرُ جائزٍ كما أنّ العملَ به غيرُ جائزٍ(5)، و أنّه جارٍ مَجرىٰ ما نُسِخَ حُكمُه و لفظُه مِن الكتابِ .
و أيُّ الطريقَينِ - اللذَينِ سَلَكناهما في حالِ القومِ و(6)دخولِ الشُّبهةِ علىٰ
بعضِهم في النصَّينِ (1)معاً أو في أحدِهما - صَحَّ و ثبَتَ ، فقَد سقَطَ به ما ألزَمَناه صاحبُ الكتابِ (2)، و قَصَدَ التشنيعَ به علينا مِن نسبةِ (3)جميعِهم إلَى الارتدادِ و النِّفاقِ و عِنادِ الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(4).
فإن قيلَ: إن كانَ(5)الأمرُ في كِتمانِ أهلِ المِلّةِ للنصِّ علىٰ ما ذَكَرتم، فألّا نقَلَه اليهودُ و النَّصارىٰ و مَن جَرىٰ مَجراهم مِن طوائفِ أهلِ الخِلاف للمِلّةِ؟ و قد عَلِمنا أنّ جميعَ الدواعي - الموجِبةِ للأغراضِ التي ذَكَرتموها في أهلِ المِلّةِ - عنهم مرتفعةٌ، و أنّهم قد نَقَلوا مِن أحوالِ الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(6)الظاهرةِ - كتأميرِه(7)الأُمراءَ ، و نصِّه علَى الأحكامِ (8)، و حُروبِه(9)للأعداءِ (10)، إلىٰ غيرِ ذلكَ - ما(11)حالُ النصِّ عندَكم في الظهورِ كحالِه(12)، و الداعي(13)إلىٰ نقلِه لهم داعٍ إلىٰ نقلِ النصِّ .
1) . يعني بالنصّين النصّ الجليّ و نصّ الغدير، و قد أوضحهما في المتن.
2) . في التلخيص: «صحّ و ثبت ما به يسقط ما ألزمناه».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «و قصد التشنيع علينا به من نسب».
4) . في «ج، ص، ف»: «عليه السلام». و في التلخيص: «عليه و آله السلام».
5) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «إذا كان».
6) . في «ج، ص»: «عليه السلام». و في التلخيص: «عليه و آله السلام».
7) . في «ج، ص»: «كتأمير».
8) . في «ص»: «و نصبه على الحكّام».
9) . في «ج، ص، ط»: «و خروجه».
10) . في «د»: «الأعداء».
11) . في «ج»: «ممّا».
12) . في «ج، ص، ط، ف»: «كحاله في الظهور». و في التلخيص: «في ظهوره كحاله».
13) . في «ج، ص، ط، ف»: «و الدواعي».
مع أنّ للنصِّ مزيّةً ظاهرةً عندَهم؛ لأنّهم إذا نَقَلوه مع ما جَرىٰ مِن الناسِ(1)مِن العملِ بخِلافِه، كانَت(2)فيه لهم حُجّةٌ علىٰ أهلِ الإسلامِ واضحةٌ، و مَعيَرَةٌ(3)ظاهرةٌ؛
مِن حَيثُ خالَفوا فيه عهدَ نبيِّهم، و أقدَموا علَى اطِّراح أمرِه.
و لَيسَ يَجوزُ أن يَمتَنِعوا مِن نقلِ النصِّ الجَليِّ(4)للخَوفِ مِن المُتَآمِرينَ في تلكَ الأحوالِ ؛ لأنّه(5)لَو كانَ خَوفُهم مِن النقلِ يَمنعُهم منه و يَقطَعُ نِظامَه، لَكانَ يَجِبُ أن يَمتَنِعوا مِن نقلِ مَذاهبِهم و دياناتِهم المُخالِفةِ لرأيِ المسلمينَ و مَذاهبِ أئمّتِهم، و يَعدِلوا عن نقلِ سائرِ ما يَكرَهُه(6)المسلمونَ منهم، مِن الخِلافِ لهم، و التكذيبِ للرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(7)، إلىٰ سائِر ما تَمحَّلوه(8)مِن الطُّعونِ ، كالهِجاءِ و السَّبِّ و ما هو أضعفُ منهما. فكما(9)أن(10)لَم يَمنَعِ الخَوفُ مِن جميعِ ما عَدَّدناه، وَجَبَ أن لا يَمنَعَ مِن نقلِ النصِّ لَو كانَت(11)له حقيقةٌ .
قُلنا: لَو نَقَلَ مَن ذَكَرتَه مِن مُخالِفي الإسلامِ النصَّ لَكانوا إنّما يَنقُلونَه
1) . في «ج، ص»: «للناس».
2) . في «ج، ص، ط»: «فكانت».
3) . مَعيَرة: موضع عار، و هو السُّبّة و التوبيخ.
4) . في «د»: - «الجليّ ».
5) . في «د» و المطبوع و الحجري: «لأنّهم».
6) . في «د»: «ما يذكره».
7) . في «ج، ص، ف»: «عليه السلام». و في التلخيص: «عليه و آله السلام».
8) . في «ج، ص»: «ما عجلوه». و تمحّلوه، أي احتالوا في توجيهه.
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «لما».
10) . في التلخيص: - «أن».
11) . في «ج»: «لو كان».
للوجهِ الذي له يَنقُلونَ(1)الحَوادِثَ العجيبةَ و الأُمورَ البَديعةَ الظاهرةَ، و معلومٌ - فيما كانَ سببُ نقلِه مِثلَ هذا - أنّ الخَوفَ اليَسيرَ يَمنعُ منه، و يَقتَضي العدولَ عنه.
و لَيسَ يَحمِلُ نفسَه عاقلٌ (2)علىٰ تحمُّلِ الضَّرَرِ و الخِطارِ(3)بالنفسِ فيما جَرىٰ هذا المَجرىٰ .
و رُبَّما كانَ الخَوفُ الشَّديدُ سبباً لِانقِطاعِ نقلِ ما يَرجِعُ إلَى الدياناتِ - فَضلاً عمّا(4)لا يَرجِعُ إليها - و لا يَعتَقِدُ المُعرِضُ عن نقلِه أنّه قد ضيَّعَ بإعراضِه فَرضاً، أو أهمَلَ (5)واجباً.
و إذا(6)كانَ في نقلِ النصِّ و إشاعتِه(7)و تداوُلِه شهادةٌ علىٰ أئمّةِ القومِ بالانسلاخِ عن الدِّينِ ، و المخالَفةِ للرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(8)، و علىٰ كُلِّ تابعٍ لهم و مقتَدٍ بهم، ففي تعرُّضِ اليهودِ و أهلِ الذِّمّةِ له(9)فَسخٌ لذِمّتِهم، و نَقضٌ لعَهدِهم(10). و لَيسَ يَنشَطُ هؤلاءِ مع بَقاءِ عُقولِهم أن يَسفِكوا دِماءَهم و يُبيحوا حَريمَهم بما لا يُجدي عليهم نفعاً، و لَيسَ في تعييرِ المسلمينَ بخِلافِهم لنبيِّهم
1) . هكذا في «د» و الحجري و التلخيص. و في «ج، ص، ط، ف»: - «له». و في المطبوع: «لم ينقلوا» بدل «له ينقلون».
2) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «عامل».
3) . الخطار بالنفس: المخاطرة بها، بأن يعرّضها لما فيه هلاكها. راجع: كتاب العين، ج 4، ص 214 (خطر).
4) . هكذا في «ط» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «علىٰ ما».
5) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و أهمل».
6) . في «ج، ص»: «و إن».
7) . هكذا في النسخ و الحجري و التلخيص. و في المطبوع: «و إشاعاته».
8) . في «ج، د»: «عليه السلام». و في التلخيص: «عليه و آله السلام».
9) . في المطبوع و الحجري: «لهم».
10) . في «ج، ص»: «لهدنتهم».
صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(1)مِن النفعِ لهم ما يَفي ببعضِ الضرَرِ المتخَوَّفِ (2)مِن جهتِهم.
و لا يُشبِهُ هذا ما يَنقُلونَه مِن دياناتِهم و مَذاهبِهم و طُعونِهم في الإسلامِ ؛ لأنّ جميعَ ذلكَ لا خَوفَ عليهم مِن المسلمينَ فيه؛ لأنّ ذِمّتَهم عليه انعقَدَت، و لَم تَجرِ(3)عادةُ أحدٍ مِن وُلاةِ أُمورِ(4)المسلمينَ بأن يَحظُرَ علىٰ أهلِ الذِّمَمِ إظهارَ مَذاهبِهم و إن كَرِهَها. و قد كانَت(5)عادتُهم(6)جاريةً بأن لا يُقِرّوا أحداً منهم علىٰ غَضٍّ مِن مُسلمٍ أو طَعنٍ علىٰ مؤمنٍ بتظليمٍ أو تكفيرٍ خارجٍ عمّا يَقتَضيه دينُهم و استقَرَّت عليه ذِمّتُهم، فكَيفَ لهم(7)إذا تَجاوَزوا إلَى الطَّعنِ علَى الخُلَفاءِ و تظليمِ الأُمَراءِ؟!
و لأنّ الخَوفَ لَو كانَ عليهم - فيما يَنقُلونَه مِن مَذاهبِهم و دياناتِهم و في نقلِ النصِّ - واحداً، و لَم يَفتَرِقِ الأمرانِ مِن حَيثُ ذَكَرنا، لَوجَبَ العُدولُ عن ذِكرِ النصِّ دونَ ما يَتعلَّقُ بالدِّينِ ؛ لأنّ لِداعي الدِّينِ (8)مِن القوّةِ ما لَيسَ لغَيرِه، و قد يَجوزُ أن يُتحمَّلَ فيه ما لا يُتحمَّلُ في غيرِه.
فأمّا قولُه: «بَل كانَ يَجِبُ أن يَكونوا مُضطَرّينَ إلىٰ معرفةِ النصِّ ، و لَو كانَ ذلكَ (9)
1) . في «ج، ص، ف»: «عليه السلام».
2) . في المطبوع و الحجري: «و المتخوّف». و في التلخيص: «المخوّف».
3) . في «د، ط» و الحجري: «و لم يجر».
4) . في التلخيص: «أمر». و في «ج، ص، ط، ف»: - «أُمور».
5) . في «د»: «و إن كان».
6) . في «د» و المطبوع و الحجري: «عاداتهم».
7) . في التلخيص: «بهم».
8) . في «د»: «للداعي إلى الدين».
9) . في التلخيص و المغني: - «ذلك».
كذلكَ لَما صَحَّ ما قد ثبَتَ عنهم مِن مَواقفِ الإمامةِ».
فهذا إنّما يُقالُ فيما يَتَنافىٰ و لا يَصِحُّ ثُبوتُه علَى الاجتماعِ، و قد كانَ يَجِبُ أن يبيِّنَ مِن أيِّ وجهٍ يَجِبُ إذا كانوا يَعلَمونَ النصَّ أن لا يَقِفوا في أمرِ الإمامةِ تلكَ المَواقِفَ؟ و قد بيّنّا أنّ جميعَهم لَم يَدفَعِ الضرورةَ في النصِّ، و لا عَمِلَ بخِلافِه علىٰ جهةِ التعمُّدِ، و أنّهم يَنقَسِمونَ إلَى(1)الأقسامِ الثلاثةِ التي ذَكَرناها.(2)
و إذا كانَ الذي أجَزنا(3)عليه تَعمُّدَ الكِتمانِ للنصِّ مع العِلمِ به و تَعَمُّدَ العملِ بخِلافِه(4)جماعةً قليلةَ العَددِ، فكَيفَ يَصِحُّ أن يُقالَ: إنّ النصَّ لَو كانَ حقّاً لَم يَجرِ مِن القَومِ(5)ما جَرىٰ؟
و لَم يَبقَ إلّاأن يُقالَ: لا يَجوزُ علَى الجماعةِ القليلةِ أن تَعملَ بخِلافِ ما تَعلَمُه و تَدفعَ ما تَعرفُه لبعضِ الأغراضِ القويّةِ.
و هذا ممّا إذا قيلَ عُرِفَت صورةُ قائلِه؛ فإنّ خُصومَنا لا يَمنَعون ما ذَكَرناه في
الجماعةِ القليلةِ، و إن مَنَعوه في الجماعاتِ(6)الكثيرةِ التي تَبلُغُ إلىٰ حَدٍّ مخصوصٍ و تَختَصُّ(7)بصِفاتٍ معيَّنةٍ. و كُلُّ(8)مَن لَم تَثبُتْ (9)عصمتُه، أو ما يَجري مَجرىٰ
1) . في التلخيص: - «إلى».
2) . تقدّم ذكرها في ص 415-421.
3) . في «ف» و التلخيص: «أحلنا».
4) . في التلخيص: «و تعمّد الخلاف له».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «من القول».
6) . في التلخيص: «في الجماعة».
7) . في «ف، ط»: «و يختصّ ».
8) . في «د» و المطبوع و الحجري: «فكلّ ».
9) . في «د» و المطبوع و الحجري: «لم يثبت».
عصمتِه - مِن دَلالةٍ تؤمِنُ(1)مِن وقوعِ مِثلِ(2)ما ذَكَرناه منه - فهو جائزٌ عليه، و لا مانعَ يَقتَضي امتناعَه منه.
و قد جَرَت العاداتُ - التي لا يَتمكَّنُ أحدٌ مِن دَفعِها - بعملِ الجماعاتِ بخِلافِ ما تَعلَمُه(3)لبعضِ الأغراضِ، و كِتمانِ ما تَعرفُه(4)لمِثلِ ذلكَ.
و قد نطَقَ الكتابُ(5)بمِثلِه؛ قالَ اللّٰهُ تَعالىٰ(6)مُخبِراً عن أهلِ الكتابِ: (يَعْرِفُونَهُ كَمٰا يَعْرِفُونَ أَبْنٰاءَهُمْ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ)(7)، و قالَ جَلَّ ذِكرُه: (وَ جَحَدُوا بِهٰا وَ اسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا)(8).
و قد عَلِمنا مِن جهةِ القُرآنِ أيضاً و الأخبارِ ما وقَعَ مِن ضَلالِ قومِ موسىٰ عليه السلامُ عندَ دُعاءِ السامريِّ لهم إلىٰ عبادةِ العِجلِ، و كَثرةِ مَن اغتَرَّ به و مالَ إلىٰ قَولِه، مع قُربِ عهدِهم بنبيِّهم عليه السلامُ، و كَثرةِ ما تَكرَّرَ علىٰ أسماعِهم مِن بَيّناتِه(9)و حُججِه التي يَقتَضي جميعُها توَقّيَ الشُّبهةِ بنَفيِ التشبيهِ (10)عن رَبِّه تَعالىٰ .
1) . هكذا في التلخيص. و في النسخ و المطبوع: «يؤمن».
2) . في «ج، ص، ط»: - «مثل».
3) . هكذا في «ج، د، ص، ف» و التلخيص. و في «ط»: «يعلمه». و في المطبوع و الحجري: «نعلمه».
4) . هكذا في «د» و التلخيص. و في «ج، ف»: «تعلمه». و في «ط»: «يعلمه». و في «ص»: «تعلم». و في المطبوع و الحجري: «نعرفه».
5) . في التلخيص: «القرآن».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «سبحانه و تعالىٰ ».
7) . البقرة (2):146.
8) . النمل (27):14. و في «ط، ف»: + (فَانْظُرْ كَيْفَ كٰانَ عٰاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ).
9) . في «د» و المطبوع و الحجري: «من بيانه».
10) . في «د» و التلخيص: «التي يقتضي جميعها نفي التشبيه». و في «ج، ص، ط، ف»: «و نفي» بدل «بنفي».
و لَعلَّ مَن ضَلَّ بعِبادةِ العِجلِ مِن قومِ موسىٰ عليه السلامُ كانوا أكثَرَ مِن جميعِ المسلمينَ الذينَ كانوا في المَدينةِ لمّا قُبِضَ رسولُ اللّٰهِ(1)صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و إذا جازَ الضَّلالُ و العُدولُ عن المعلومِ علىٰ أُمّةٍ(2)مِن الأُمَمِ فهو علىٰ جَماعةٍ مِن جُملةِ أُمّةٍ أجوَزُ.
و الذي يَقولُه المخالِفونَ عندَ احتجاجِنا بقِصّةِ السامِريِّ - مِن أنّ ضَلالَ قومِ موسىٰ بعِبادةِ(3)العِجلِ إنّما كانَ للشُّبهةِ، لا علىٰ طريقِ التعمُّدِ و العِنادِ، و قولَكم في النصِّ يُخالِفُ هذا؛ لأنّه كانَ معلوماً لهم عندَكم، فعَدَلوا عنه و عَمِلوا بخِلافِه - غيرُ صحيحٍ.
لأنّ القومَ الذينَ ضَلّوا بالسامِريِّ قد كانوا مِن أُمّةِ موسىٰ عليه السلامُ و ممّن قد(4)سَمِعَ حُججَه و بَيّناتِه، و عرَفَ شَرعَه و دِينَه و ما كانَ يَدعو إليه. و نحنُ نَعلَمُ
أنّ المعلومَ مِن دِينِ موسىٰ (5)لهم(6)نفيُ التشبيهِ عن خالِقِه(7)، و أنّه دَعاهم إلىٰ عِبادةِ مَن لا يُشبِهُ الأجسامَ و لا يَحُلُّها(8). و إذا كانوا عارِفينَ بهذا مِن دِينِه ضَرورةً ، فلَيسَ تدخُلُ عليهم شُبهةٌ فيه، إلّامِن حَيثُ شَكّوا في نُبوّتِه، و اعتَقَدوا أنّ ما دَعاهم إليه لَيسَ بصَحيحٍ . و لَم يَكُن القومُ الذينَ ضَلّوا بالسامِريِّ ممّن أظهَرَ الشكَّ في نُبوّةِ
موسىٰ عليه السلامُ و الخروجَ عن دِينِه، بَل الظاهرُ عنهم أنّهم كانوا مع عِبادتِهم له متمسِّكينَ بشَريعتِه، و لهذا قالَ لهم السامِريُّ : (هٰذٰا إِلٰهُكُمْ وَ إِلٰهُ مُوسىٰ )(1)مُشيراً إلَى العِجلِ ، فلَم يَبقَ - مع ضَلالِهم بالعِجلِ و عِبادتِهم له - إلّاالعملُ بخِلافِ المعلومِ لبعضِ الأغراضِ .
علىٰ أنّ قولَه: «كانَ يَجِبُ أن لا يَجريَ منهم في الإمامةِ ما جَرىٰ» إنّما يُحمَلُ علىٰ(2)حُسنِ الظنِّ بالقومِ، و لَيسَ لحُسنِ الظنِّ مَجالٌ حيثُ يقَعُ العِلمُ. و إذا كُنّا قد دَلَّلنا علىٰ صحّةِ النصِّ بأدلّةٍ تَقتَضي العِلمَ، فلا معنىٰ لدَفعِها بما يُرجَعُ فيه إلىٰ حُسنِ الظنِّ .
علىٰ أنّ جميعَ ما يَقتَضي حُسنَ الظنِّ بالقومِ - الدافعينَ للنصِّ و القائمينَ مَقامَ المنصوصِ عليه عليه السلامُ - مِن الصُّحبةِ للنبيِّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه و ظهورِ الفَضلِ قد حصَلَ لغَيرِهم أو أكثَرُه، و لَم يَكُن ذلكَ نافياً عنه الضَّلالَ ، و العملَ بخِلافِ الحقِّ مع العِلمِ به؛
ألا تَرىٰ أنّ طَلحةَ و الزُّبَيرَ - مع صُحبتِهما، و كَثرةِ فَضلِهما في الظاهرِ، و مَقاماتِهما في الدِّينِ - قد بايَعا أميرَ المؤمِنينَ عليه السلامُ طائعَينِ غَيرَ
مُكرَهَينِ ، ثُمّ عادا ناكثَينِ لبَيعتِه، مُجلِبَينِ (3)عليه، ضاربَينِ لوَجهِه و وجوهِ أنصارِه
بالسَّيفِ ، ثُمّ حمَلَهما خَطَؤهما القَبيحُ علىٰ أن نَسَبا إليه عليه السلامُ مِن المُشارَكةِ في دَمِ عُثمانَ ما هو بَريءٌ مِنه، و هما مُنغَمِسانِ (1)فيه(2)؟!
و هذه عائشةُ - و(3)قد جمَعَت إلَى الصُّحبةِ الاختصاصَ و الالتصاقَ بالرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(4)و سَماعَ الوحيِ النازلِ في بيتِها و المتكرِّرِ علىٰ سَمعِها - قد
1) . في المطبوع و الحجري: «مسبّبان».
2) . يشهد لذلك جوابه عليه السلام لابن عبّاس - و قد حمل إليه رسالةً من عثمان و هو محصور يسأله فيها الخروج إلىٰ ماله بيَنبُعَ -: «يا ابن عبّاس، ما يريد عثمان إلّاأن يجعلني جملاً ناضحاً بالغَرب، أقبل و أدبر، بعث إليّ أن أخرج، ثمّ بعث إليّ أن أقدم، ثمّ هو الآن يبعث إليّ أن أخرج؛ و اللّٰه لقد دفعت عنه حتّى خشيت أن أكون آثماً». (شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 13، ص 296). و أخرج البلاذري من طريق أبي خلدة أنّه سمع عليّاً عليه السلام يقول - و هو يخطب - فذكر عثمان فقال: «و اللّٰه الذي لا إله إلا هو ما قتلته، و لا مالأت على قتله، و لا ساءني». (أنساب الأشراف، ج 5، ص 592). و روى المدائني في كتاب الجمل، قال: لمّا قتل عثمان كانت عائشة بمكّة، و بلغ قتله إليها و هي بشراف، فلم تشكّ في أنّ طلحة هو صاحب الأمر، و قالت: بُعداً لنعثل و سحقاً، إيه ذا الإصبع، إيه أبا شبل! إيه يا بن عمّ ، لكأنّي أنظر إلى إصبعه و هو يبايع له، حثّوا الإبل و دعدعوها. قال: و قد كان طلحة حين قتل عثمان أخذ مفاتيح بيت المال، و أخذ نجائب كانت لعثمان في داره، ثمّ فسد أمره فدفعها إلى عليّ بن أبي طالب. (شرح نهج البلاغة، ج 6، ص 215). و عن ابن أبي الحديد: كان طلحة من أشدّ الناس تحريضاً عليه (أي عثمان)، و كان الزبير دونه في ذلك، و روى الناس الذين صنّفوا في واقعة الدار أنّ طلحة كان يوم قتل عثمان مقنّعاً بثوب قد استتر به عن أعين الناس يرمي الدار بالسهام، و رووا أيضاً أنّه لمّا امتنع على الذين حصروه الدخول من باب الدار حملهم طلحة إلى دار لبعض الأنصار، فأصعدهم إلىٰ سطحها و تسوّروا منها على عثمان داره فقتلوه. (شرح نهج البلاغة، ج 9، ص 35). و روى البلاذري أنّه كان الزبير و طلحة قد استوليا على الأمر، و منع طلحة عثمان من أن يدخل عليه الماء العذب، فأرسل عليّ إلى طلحة - و هو في أرض له علىٰ ميل من المدينة - أن دع هذا الرجل فليشرب من مائه و من بئره - يعني بئر رومة - و لا تقتلوه من العطش. أنساب الأشراف، ج 5، ص 582.
3) . في «ج، ص، ط، ف»: - «و».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «عليه السلام».
وقَعَ منها مِن حَربِ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ - مع عِلمِها بفَضلِه، و كَثرةِ سَوابقِه، و رِوايَتِها فيه ما يَزيدُ علىٰ كُلِّ تعظيمٍ و تبجيلٍ - ما شارَكَت فيه طَلحةَ و الزُّبَيرَ و زادَت عليهما.(1)
و هذا سَعدُ بنُ أبي وَقّاصٍ و مُحمّدُ بنُ مَسْلَمةَ (2)يَمتَنِعانِ مِن بَيعَتِه عليه السلامُ مع انتفاءِ كُلِّ عُذرٍ يُمكِنُ أن يُقامَ لهما(3).
1) . في حين أنّها تروي عن النبيّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آله تأنيبها في ذلك؛ قال ابن قتيبة في حديث قصّة الجمل: فلمّا انتهوا إلى ماء الحوأب في بعض الطريق - و معهم عائشة - نبحها كلاب الحوأب، فقالت لمحمّد بن طلحة: أيّ ماء هذا؟ قال: هذا ماء الحوأب، فقالت: ما أراني إلّاراجعة. قال: و لِمَ؟ قالت: سمعت رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلّم يقول لنسائه: «كأنّي بإحداكنّ قد نبحها كلاب الحوأب، و إيّاك أن تكوني أنت يا حميراء». فقال لها محمّد بن طلحة: تقدّمي رحمك اللّٰه، و دعي هذا القول. و أتىٰ عبد اللّٰه بن الزبير، فحلف لها باللّٰه لقد خلفته أوّل الليل. و أتاها ببيّنة زور من الأعراب، فشهدوا بذلك، فزعموا أنها أوّل شهادة زور في الإسلام. (الإمامة و السياسة، ج 1، ص 82). و بهذا المضمون في كثير من مصادر أُخرى. راجع: تاريخ الطبري، ج 4، ص 457؛ الكامل لابن الأثير، ج 3، ص 210؛ الأنساب للسمعاني، ج 4، ص 298-299؛ معجم البلدان، ج 2، ص 314؛ تاريخ ابن خلدون، ج 2، ص 608-609؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 6، ص 225؛ تذكرة الخواصّ ، ص 68.
2) . محمّد بن مسلمة بن خالد بن عديّ الأنصاري الأوسي الحارثي، يكنّىٰ أبا عبد الرحمن، و قيل: أبو عبد اللّٰه. شهد بدراً و أُحداً و المشاهد كلّها مع رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله إلّاتبوك. امتنع من بيعة أمير المؤمنين و اعتزل في حروبه. توفّي بالمدينة سنة 43 و قيل: 46 ه. الطبقات الكبرى، ج 3، ص 338، الرقم 96؛ معرفة الصحابة، ج 1، ص 165، الرقم 11؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 55، ص 250، الرقم 6996؛ الاستيعاب، ج 3، ص 1377، الرقم 2344؛ أُسد الغابة، ج 4، ص 336، الرقم 4761.
3) . قال ابن أبي الحديد: و بايعه المسلمون بالمدينة إلّامحمّد بن مسلمة، و عبد اللّٰه بن عمر، و أسامة بن زيد، و سعد بن أبي وقّاص، و كعب بن مالك، و حسّان بن ثابت، و عبد اللّٰه بن سلام. إلى أن قال: ثمّ أتي بسعد بن أبي وقّاص، فقال له: «بايع»، فقال: يا أبا الحسن، خلّني، فإذا لم يبق غيري بايعتك، فواللّٰه لا يأتيك من قبلي أمر تكرهه أبداً. فقال: «صدق، خلّوا سبيله». ثمّ
و هذا معاويةُ و عَمرُو بنُ العاصِ - مع صُحبتِهما أيضاً - قد جَرىٰ منهما مِن حَربِ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ و إظهارِ عَداوتِه و لَعنِه في قُنوتِ الصَّلَواتِ، ما شُهرتُه(1)تُغني عن ذِكرِه(2)، و هم يَسمَعونَ النبيَّ صَلّى اللّٰهُ عَلَيه و آلِه يَقولُ:
«حَربُكَ يا عليُّ حَربي، و سِلمُكَ سِلمي»(3)، و قَولَه: «اللّهُمَّ والِ مَن والاه،
و عادِ مَن عاداه، و انصُرْ مَن نصَرَه، و اخذُلْ مَن خذَلَه»(4)، و قَولَه: «عليٌّ مع الحَقِّ، و الحَقُّ مع عليٍّ ؛ يَدورُ حَيثُما دارَ»(5)، إلىٰ (6)غيرِ ما ذَكَرناه(7)مِن الأقوالِ و الأفعالِ التي تدُلُّ علىٰ نِهايةِ الإعظامِ و الإكرامِ ، و غايةِ الفَضلِ و التقدُّمِ ، و أقَلُّ أحوالِها أن تَقتَضيَ
بعث إلى محمّد بن مسلمة، فلمّا أتاه قال له: «بايع»، قال: إنّ رسول اللّٰه أمرني إذا اختلف الناس و صاروا هكذا - و شبّك بين أصابعه - أن أخرج بسيفي فأضرب به عُرض أحد، فإذا تقطّع أتيت منزلي، فكنت فيه لا أبرحه حتّى تأتيني يد خاطية، أو منيّة قاضية. فقال له عليه السلام: «فانطلق إذَن، فكن كما أُمرت به». شرح نهج البلاغة، ج 4، ص 9.
1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و ما شهرته».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «ما يغني شهرته عن روايته».
3) . مسند أحمد، ج 2، ص 442، ح 9696؛ الجامع الصحيح، ج 5، ص 699، ح 3870؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 161، ح 4713 و 4714؛ المعجم الكبير، ج 3، ص 40، ح 2620 و 2621، و ج 5، ص 184، ح 5031، مع اختلاف.
4) . مسند أحمد، ج 1، ص 118-119، ح 950 و 961 و 964، و ص 152، ح 1310؛ سنن ابن ماجة، ج 1، ص 43، ح 116؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 118، ح 4576، و ص 126، ح 4601؛ المعجم الكبير، ج 2، ص 357، ح 2505، و ج 3، ص 180، ح 3052، و ج 4، ص 16، ح 3514، و ص 173، ح 4053؛ المصنّف لابن أبي شيبة، ج 7، ص 499، ح 28 و 29.
5) . الخصال، ج 2، ص 496، ح 5؛ الأمالي للطوسي، ص 548، المجلس 20، ح 4/1168؛ جامع الأخبار، ص 13؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 42، ص 449، الرقم 4933؛ فرائد السمطين، ج 1، ص 177، ح 140؛ مجمع الزوائد، ج 7، ص 476، ح 12031. و مع اختلاف في المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 134، ح 4628؛ المعجم الأوسط، ج 5، ص 135، ح 4880.
6) . في المطبوع: «و إلى».
7) . في «ج، ص، ت»: «ما ذكرنا».
المَنعَ مِن حَربِه و لَعنِه، و مظاهَرَتِه بالعَداوةِ .
و نحنُ نَعلَمُ أنّه لَيسَ فيمَن ذَكَرناه ممّن ضَلَّ عن الحَقِّ و عدَلَ عن سَنَنِه(1)إلّامَن كانَت له صُحبةٌ و ظاهرُ فَضلٍ ، إن لَم يُساوِ فيه القومَ - الذينَ يُشارُ إليهم بدَفعِ النصِّ و التواطؤِ علىٰ إزالتِه عن مُستحِقِّه - فهو مُقارِبٌ له. و لَيسَ فَرقُ (2)ما بَينَ الفَضلَينِ ممّا(3)يَقتَضي أن يَجوزَ علىٰ هؤلاءِ مِن الضَّلالِ و العِنادِ ما لا يَجوزُ علىٰ أُولئكَ .
و لَيسَ للمخالِفِ أن يَقولَ : إنّ جميعَ مَن ذَكَرتم(4)ممّن حارَبَ أميرَ المؤمِنينَ عليه السلامُ و قعَدَ عن بَيعَتِه إنّما تَمَّ (5)الخطأُ عليه(6)بالشُّبهةِ ، دونَ التعمُّدِ.
لأنّ هذا مِن قائلِه يدُلُّ علىٰ غَفلةٍ شديدةٍ و قِلّةِ عِلمٍ بحالِ القومِ الذينَ وقَعَ منهم ما عدَّدناه.
و أيُّ شُبهةٍ يَصِحُّ أن تدخُلَ (7)علىٰ طَلحةَ و الزُّبَيرِ - مع بَيعَتِهما له عليه السلامُ طَوعاً و إيثاراً، و عِلمِهما باختصاصِه عليه السلامُ مِن الفَضائلِ و السَّوابقِ و العُلومِ بما يَزيدُ علىٰ ما يَحتاجُ إليه الأئمّةُ أضعافاً مُضاعفةً - حتّىٰ يَنكُثا بَيعَتَه، و يَضرِبا وجهَه بالسَّيفِ ، و يُسفَكَ (8)مِن دِماءِ المسلمينَ بسبَبِهما ما سُفِكَ؟!
و هذه حالُ عائشةَ في امتناعِ دخولِ شُبهةٍ عليها في قِتالِه و خَلعِ طاعتِه و مطالَبتِه بما قد عَلِمَت و عَلِمَ كُلُّ أحَدٍ بَراءتَه منه(1).
و أيُّ عُذرٍ لسَعدِ بنِ أبي وَقّاصٍ و ابنِ مَسلَمةَ في الامتناعِ عن بَيعَتِه، و قد بايَعا مَن لَم يَظهَرْ مِن فَضلِه و عِلمِه و دِينِه و زُهدِه ما ظهَرَ منه عليه السلامُ؟! هذا، و قد شاهَدا الناسَ قد اجتَمَعوا عليه و رَضُوا بإمامتِه كما اجتَمَعوا علَى الثلاثةِ المتقدِّمينَ؛ فلَم يَبقَ للشُّبهةِ طريقٌ.
و كَيفَ يَشتَبِهُ علىٰ مُعاويةَ و عَمرٍو و أشياعِهما أمرُ حَربِه و لَعنِه، و هُما يَعلَمانِ ضَرورةً - و كُلُّ مسلمٍ - مِن دِينِ الرسولِ(2)صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(3)ما يَمنَعُ مِن ذلكَ فيه، مع ما عَلِموه مِن ثُبوتِ إمامتِه و رِضا المسلمينَ به؟!
و إن جازَ أن تدخُلَ الشُّبهةُ علىٰ مَن ذَكَرناه - مع أنّا لا نَعرِفُ لدُخولِها وجهاً - فليَجوزَنّ(4)أن تدخُلَ (5)الشُّبهةُ (6)علىٰ جميعِ مَن عَمِلَ بخِلافِ النصِّ علىٰ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ و عقَدَ الأمرَ لغيرِه و عدَلَ عن ذِكرِ النصِّ و نقلِه، حتّىٰ يَكونَ جميعُ مَن فعَلَ ذلكَ لَم يَفعَلْه إلّابالشُّبهةِ . و هذا ما(7)لا فَصلَ فيه و لا مَحيصَ عنه.
و قد كُنّا ذَكَرنا فيما مَضىٰ مِن هذا الكتابِ ما يُمكِنُ أن يعارَضَ به هاهنا(8)
1) . في التلخيص: «ببراءته منه». و في «د» و المطبوع و الحجري: «منه براءته».
2) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «من دين المسلمين و الرسول».
3) . في «ج، ص، ف»: «عليه السلام».
4) . في «د»: «و ليجوّزنّ ».
5) . في «د» و الحجري: «أن يدخل».
6) . في «ج، ص»: - «الشبهة».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «ممّا».
8) . تقدّم في ج 1، ص 130-131.
حيثُ قُلنا لصاحبِ الكتابِ : إذا جازَ أن يَكونَ النبيُّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه قد بيَّنَ صفاتِ الإمامِ التي مِن جُملتِها أن يَكونَ مِن قُرَيشٍ ، و صِفاتِ العاقِدينَ للإمامةِ ، ثُمّ حضَرَ الأنصارُ مع ذلكَ طالِبينَ للأمرِ(1)و منازِعينَ فيه، فألّا جازَ عليهم و علىٰ مَن طَلَبَ الأمرَ مِن المهاجِرينَ أن يَطلُبوه مع عِلمِهم بالنصِّ ؛ للوجهِ الذي له طَلَبَتِ الأمرَ(2)الأنصارُ؟
و بيّنّا(3)أنّه إن قالَ: إنّ الأنصارَ لَم تَسمَعِ(4)النصَّ (5)علىٰ صِفاتِ الإمامِ و صِفاتِ العاقِدينَ (6)، مع أنّهم مِن أهلِ الحَلِّ و العَقدِ و ممّن قد خوطِبَ بإمامةِ الإمامِ .
قيلَ له: فأجِزْ أيضاً أن يَكونَ النصُّ لَم يَسمَعْه القومُ الذينَ استَبَدّوا بالخِلافةِ(7)و تَمالَؤوا(8)علىٰ جَرِّها إليهم(9).
و قد أشبَعنا هذه المعارَضةَ فيما مضىٰ، و يُمكِنُ (10)أن يُذكَرَ(11)في هذا المَوضعِ مقابَلةٌ لكلامِه المبنيِّ علىٰ حُسنِ الظنِّ بالقومِ ؛ حيثُ يقولُ : «لَو كانَ ما يَقولونَه(12)في النصِّ حَقّاً لَما فَعَلوا كَذا و كَذا».
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «الأمر» بدل «للأمر».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: - «الأمر».
3) . تقدّم في ج 1، ص 365-369.
4) . في «د، ص» و الحجري: «لم يسمع».
5) . في التلخيص: «بالنصّ ».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: + «له».
7) . في «د» و المطبوع و الحجري: «بالخلاف».
8) . في التلخيص: «تمالوا».
9) . في «د» و التلخيص: «إلى جهتهم».
10) . هكذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «و نتمكّن».
11) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «أن نذكر».
12) . في «ج، ص، ف»: «ما تقولونه».
فيُقالُ له: و(1)لَو كانَ ما تَدَّعيه مِن النصِّ علىٰ صفاتِ الإمامِ و العاقِدينَ حَقّاً لَما جَرىٰ مِن الأنصارِ ما جَرىٰ مِن المنازَعةِ .
فأمّا قولُه: «و هذا(2)في أنّا نَعلَمُ بُطلانَه باضطرارٍ بمَنزلةِ ما نَعلَمُه مِن أنفُسِنا؛ لأنّا كما نَعلَمُ أنّا لا نَعلَمُ في الإمامةِ ما ادَّعَوه باضطرارٍ و نَعتقِدُ خِلافَه، نَعلَمُ ذلكَ مِن حالِ الصحابةِ ».
فطَريفٌ؛ لأنّه لا سَبيلَ إلَى العِلمِ بما كانَ يَعتقِدُه القومُ باطناً في النصِّ، و أكثَرُ ما يدُلُّ عليه حالُهم كَونُهم مُظهِرينَ لِاعتقادِ خِلافِه، و ما سِوىٰ(3)ذلكَ غيرُ معلومٍ . و لَو كانَ ما ذَكَره معلوماً باضطرارٍ له و لأصحابِه، لَوجَبَ أن تَعلَمَه(4)الشيعةُ كعِلمِهم؛ لأنّه(5)لَيسَ يُمكِنُ أن يُدَّعىٰ فيه طريقٌ يَختَصُّ . و لا فَصلَ بَينَ مَن ادَّعىٰ ذلكَ مِن المخالِفينَ و بَينَ مَن ادَّعىٰ مِن الشيعةِ أنّه يَعلَمُ ضَرورةً أنّ القومَ كانوا يَعتقِدونَ النصَّ و يَعلَمونَه، و إن كانوا عامِلينَ في الظاهرِ بخِلافِه.
و لَيسَ يُشبِهُ ما يَعلَمُه(6)الإنسانُ مِن نفسِه ما يَعلَمُه مِن غيرِه؛ لأنّه يَجِدُ نفسَه معتقِداً للشيءِ ضَرورةً ، ثُمّ يَفصِلُ بَينَ أن يَكونَ معتقِداً لبعضِ المَذاهبِ و بَينَ أن لا يَكونَ كذلكَ ، و لا سَبيلَ له إلىٰ أن يَعلَمَ أنّ غيرَه معتقِدٌ لبعضِ المَذاهبِ إلّا
علىٰ شُروطٍ، بأن(1)يَظهَرَ القولُ بالمَذهبِ(2)منه في أحوالٍ قد عُلِمَ أنّه لا داعيَ يَدعو إلىٰ إظهارِه إلّاالاعتقادُ و التديُّنُ، و يُقطَعَ(3)علَى انتفاءِ كُلِّ أمرٍ يُمكِنُ(4)صَرفُ الإظهارِ إليه، و هذا ممّا له خصائصُ و شرائطُ تدُلُّ(5)عليها الأحوالُ و مَشاهِدُها(6)، فكَيفَ يُمكِنُ أن يُدَّعَى العِلمُ باعتقادٍ غائبٍ لا سَبيلَ فيه إلىٰ هذه الطريقةِ؟ و يَجوزُ أن يَكونَ ما أظهَرَه مِن الاعتقادِ لأسبابٍ و أغراضٍ كثيرةٍ لَيسَت للتديُّنِ.
علىٰ أنّ المعلومَ مِن مَذهَبِ مخالِفينا أنّهم لا يَقطَعونَ علىٰ بَواطنِ الصَّحابةِ إلّا فيمَن عَلِموا بالدليلِ موافَقةَ باطنِه لظاهرِه، و أنّهم(7)يجوِّزونَ أن يَكونوا مُبطِنينَ بخِلافِ(8)ما هم له(9)مُظهِرونَ ؛ فكَيفَ يُدَّعَى العِلمُ باعتقادِهم في النصِّ و القَطعُ علىٰ باطنِهم فيه دونَ غيرِه، و أحوالُهم في الكُلِّ متساويةٌ؟ و نحنُ نَعلَمُ أنّ إظهارَهم
لاعتقادِ(10)خِلافِ النصِّ كإظهارِهم جميعَ دياناتِهم و مَذاهبِهم، بَل إظهارُهم لِما عَدا الاعتقادَ في النصِّ آكَدُ و أظهَرُ؛ فتجويزُ مخالَفةِ باطنِهم لظاهرِهم في أحدِ الأمرَينِ كتجويزِه في الآخَرِ(11).
1) . هكذا في «ط، ف» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: - «و بأن».
2) . في «ج، ص»: «بالمذاهب».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «و نقطع».
4) . في التلخيص: «يحتمل».
5) . في النسخ و الحجري: «يدلّ »، و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و التلخيص.
6) . هكذا في «د». و في التلخيص: «و مشاهداتها». و في سائر النسخ و المطبوع: «و مشاهدتها».
7) . في التلخيص: «فإنّهم».
8) . في «د» و المطبوع و الحجري: «لخلاف».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: - «له».
10) . في التلخيص: «لاعتقادهم». و في «ج، ص، ط، ف»: «اعتقاد».
11) . في المطبوع و الحجري: «الأُخرىٰ ».
علىٰ أنّ المُدَّعيَ للعِلمِ بباطنِ الصحابةِ في هذا الوجهِ لا يَجِدُ فَصلاً بَينَه و بَينَ مَن ادَّعىٰ مِن الحَشويّةِ(1)و أصحابِ الحديثِ العِلمَ(2)بباطنِ مَن بَقيَ مِنَ(3)الصحابةِ و التابِعينَ إلىٰ عَصرِ معاويةَ في اعتقادِ إمامتِه(4)و تصويبِه و الرِّضا بأحكامِه بَعدَ مَوتِ الحَسَنِ بنِ عليٍّ عليهما السلامُ؛ فإنّه لَم يوجَدْ في تلكَ الأحوالِ إلّامُظهِرٌ(5)لِما ذَكَرناه، و يَقولُ مِثلَ قولِ صاحبِ الكتابِ: إنّني(6)كما أعلَمُ مِن نفسي اعتقادَ إمامةِ معاويةَ و تصويبِه في أحكامِه، فهكذا أنا مُضطَرٌّ إلىٰ أنّ جماعةَ المسلمينَ و وجوهَ الصحابةِ و التابعينَ في الأحوالِ التي أشَرنا إليها كانوا معتقِدينَ لمِثلِ (7)ذلكَ . و لَيسَ يَجِدُ صاحبُ الكتابِ مَهرَباً مِن هذه المعارَضةِ (8)، و لا يَتعلَّقُ بشيءٍ يَجعَلُه فَصلاً إلّاو يُمكِنُنا أن نُقابِلَه بمِثلِه فيما ادَّعاه.
1) . «الحشويّة»: هم المشبّهة و المجسّمة و أهل الظاهر الذين لا يسلكون سبيل التأويل للمتشابه من القرآن. و سمّيت الحشويّة حشويّة، لأنّهم يحشون الأحاديث التي لا أصل لها في الأحاديث المرويّة عن رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله، أي يدخلونها فيها و ليست منها. و قالت الحشويّة و أبو بكر الأصمّ و من قال بقولهم: إنّ عليّاً و طلحة و الزبير لم يكونوا مصيبين في حربهم، و إنّ المصيبين هم الذين قعدوا عنهم، و إنّهم يتولّونهم جميعاً و يتبرّؤون من حربهم و يردّون أمرهم إلى اللّٰه تعالىٰ . الملل و النحل للشهرستاني، ج 1، ص 98؛ الحور العين، ص 204؛ شرح المواقف، ج 8، ص 264.
2) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و بين من ادّعى العلم من الحشويّة و أصحاب الحديث».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: - «مَن بقي مِن».
4) . في المطبوع: «و التابعين في عفّة معاوية و اعتقاد إمامته». و ما أثبتناه مطابق لنسخة «د» و التلخيص و بعض النسخ. و الضمير في «إ مامته» راجع إلىٰ معاوية.
5) . كذا في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «مظهراً».
6) . كذا في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «إنّي».
7) . في «ص»: «بمثل».
8) . لقد أورد المصنّف رحمه اللّٰه هذه المعارضة على القاضي؛ لأنّ القاضي لم يكن يؤمن بإمامة معاوية.
فأمّا تَعلُّقُه بإكرامِ الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه للقومِ و تعظيمِه لهم و أنّ الخبرَ بذلكَ متواتِرٌ: فممّا لا يؤثِّرُ فيما ذَهَبنا إليه؛ لأنّ جميعَ ما رُويَ مِن التعظيمِ و الإكرامِ (1)- إذا صَحَّ - فلَيسَ يَقتَضي أكثَرَ مِن حُسنِ الظاهرِ و سَلامتِه في الحالِ ، فأمّا أن يَنفيَ ما يَقَعُ منهم في المستَقبَلِ مِن قَبيحٍ فغَيرُ متوَهَّمٍ . و إذا كانَ دَفعُ النصِّ و العملُ بخِلافِه إنّما وَقَعَ بَعدَ الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، فكَيفَ يكونُ مَدحُه في حياتِه لهم و إكرامُه يُنافيهِ و يَمنَعُ منه ؟
فإن قالَ : إنّما عَنَيتُ أنّ الإكرامَ و المَدحَ و الإعظامَ (2)يَمنَعُ مِن وقوعِ النِّفاقِ في تلكَ الحالِ .
قيلَ له: لَيسَ يَجِبُ بما(3)وقَعَ منهم مِن دَفعِ النصِّ أن يَكونوا في حياةِ الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(4)علىٰ نِفاقٍ؛ لأنّ فيمَن يَقطَعُ علىٰ أنّ دَفْعَ النصِّ كُفرٌ مِن فاعلِه مَن لا يَمنعُ مِن وقوعِه بَعدَ الإيمانِ الواقعِ علىٰ جهةِ الإخلاصِ، فأمّا مَن ذهَبَ إلَى «المُوافاةِ »(5)فإنّه يَحتاجُ في مَنعِ وقوعِ الإيمانِ متقدِّماً، إلىٰ أن يَثبُتَ له كَونُ دفعِ النصِّ كُفراً، و أنّه يُخرِجُ عن مَنزلةِ الفِسقِ و يُلحِقُ بمَنزلةِ الكُفرِ، ثُمّ يُثبِتَ أنّ فاعِلَه(6)فارَقَ الدُّنيا عليه؛ لأنّه إن لَم يَثبُتْ له ذلكَ لَم يَمتنِعْ علىٰ مَذهبِه تقدُّمُ الإيمانِ .
1) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «من تعظيم و إكرام».
2) . في التلخيص: «أنّ الإكرام و الإعظام و المدح».
3) . في «ج، ص، ط»: «ممّا».
4) . في «ج، ص، ف»: «عليه السلام».
5) . الموافاة: هي النظريّة القائلة بأنّ الإيمان لا يتعقّبه الكفر، و أنّ المؤمن لا بدّ أن يوافىٰ بإيمانه، و أنّ مَن علمنا موته علىٰ كفره قطعنا علىٰ أنّه لم يؤمن باللّٰه طرفة عين، و أنّ الذي كان يُظهره من الطاعات إنّما هو نفاق. الذخيرة، ص 521؛ رسائل الشريف المرتضى، ج 1، ص 336.
6) . أي الفاعل لدفع النصّ .
علىٰ أنّه غيرُ ممتنِعٍ عقلاً أن يَكونَ الرسولُ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(1)غيرَ عالِمٍ ببَواطنِ أصحابِه(2)و سَرائرِهم مِن خَيرٍ و شَرٍّ(3)، فيَكونَ مَدحُه لهم(4)علَى الظاهِرِ.
و إذا انقطَعَ العُذرُ بالسمعِ الواردِ - بأنّه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(5)كانَ يَعرِفُ بَواطِنَ بعضِهم - أمكَنَ أن يُقالَ : إنّه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(6)عَلِمَ بذلكَ في حالٍ لَم يَكُن منه بَعدَها مَدحٌ و لا تعظيمٌ لِمَن عَلِمَ سوءَ باطنِه؛ فإنّ الحالَ بعَينِها غيرُ مقطوعٍ عليها و يُمكِنُ أن يَكونَ (7)قَبلَ وفاتِه عليه السلامُ (8)بزَمانٍ يَسيرٍ.
و قد قيلَ: إنّه غيرُ ممتنِعٍ أن يَمدَحَ النبيُّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه مَن عَلِمَ خُبثَ باطنِه إذا كانَ مُظهِراً للحَقِّ و الدِّينِ ، كما أنّه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(9)مع عِلمِه بالمنافِقينَ و تمييزِه(10)لهم مِن جُملةِ أصحابِه قد كانَ يُجري عليهم أحكامَ المؤمِنينَ (11)، و لا يُخالِفُ بَينَهم في شيءٍ منها، إلّافيما نطَقَ به الكتابُ (12)مِن تَركِ الصلاةِ علىٰ أحدِهم عندَ(13)مَوتِه و القيامِ علىٰ قَبرِه. و إجراءُ أحكامِ
1) . في «ج، ص، ف»: «عليه السلام».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «الصحابة».
3) . في «د» و التلخيص: - «من خير و شرّ».
4) . في التلخيص: «إيّاهم».
5) . في جميع النسخ و التلخيص: «عليه السلام».
6) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «عليه السلام».
7) . كذا في «د» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع و الحجري: «و يمكن أن يقال: إنّ ذلك» بدل «و يمكن أن يكون».
8) . في «ج، ص، ف»: - «عليه السلام».
9) . في النسخ و التلخيص: «عليه السلام».
10) . في «ط» و التلخيص: «و تميّزه».
11) . في «ج، ص، ط، ف»: «المؤمن».
12) . في «ج، ص، ط، ف»: «نطق الكتاب به».
13) . في المطبوع و الحجري: «عنه»، و هو سهو.
المؤمِنينَ (1)عليهم و دعاؤهم في جُملتِهم ضَربٌ مِن المَدحِ و التعظيمِ (2)فلئن(3)جازَ هذا جازَ الأوّلُ .
و لَيسَ يُمكِنُ أن يُقالَ: «إنّ النبيَّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه لَم يَكُن يَعرفُ المنافِقينَ
بأعيانِهم»؛ لأنّ القرآنَ يَشهَدُ بأنّه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(4)قد كانَ يَعرِفُهم؛ قالَ اللّٰهُ تَعالىٰ: (وَ لاٰ تُصَلِّ عَلىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مٰاتَ أَبَداً وَ لاٰ تَقُمْ عَلىٰ قَبْرِهِ)(5). في «ج، ص، ف»: «و التميّز».(6)و لَيسَ يَصِحُّ (7)أن تَتوَجَّهَ (8)إليه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(9)هذه العبارةُ فيهم إلّامع المعرفةِ و التمييزِ(9). و قالَ جَلَّ و عَزَّ(10): (وَ لَوْ نَشٰاءُ لَأَرَيْنٰاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمٰاهُمْ وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ )(11). و في هذا تصريحٌ بأنّه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(12)كانَ يَعرفُهم.
و كُلُّ ما ذَكَرناه واضحٌ لِمَن تَدَبَّرهُ (13).
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «المؤمن».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «من التعظيم و المدح».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «فإن». و في التلخيص: «و إذا».
4) . في النسخ و التلخيص: «عليه السلام».
5) . التوبة
6) :84.
7) . في المطبوع و الحجري: «و ليس بصحيح».
8) . في «ج، د، ص، ط، ف»: «أن يتوجّه».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «عليه السلام».
10) . في «ج، ص، ط، ف»: «و قال سبحانه».
11) . محمّد (47):30.
12) . في «ج، د، ص، ط» و التلخيص: «عليه السلام».
13) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع و الحجري: «لمن يتدبّره».
قالَ صاحبُ الكتابِ :
فإن قيلَ (1): إنّ طريقَ الإمامةِ و إن كانَ ما ذَكَرناه، فإنّ النقلَ انقطَعَ للكِتمانِ (2)لأنّا نجوِّزُ علَى الخَلقِ العظيمِ أن يَكتُموا.
قيلَ له: قد بيّنّا أنّ الحُجّةَ لا تَقومُ إلّامِن هذا الوجهِ، و المَصلَحةُ للأُمّةِ أن لا تَعلَمَ الإمامةَ إلّامِن هذا الوجهِ، فلا بُدَّ لأمرٍ يَرجِعُ إلىٰ(3)حِكمةِ المكلِّفِ(4)مِن أن يَمنَعَ (5)ممّا يَقطَعُ هذا النقلَ (6). و لو(7)جازَ(8)الكِتمانُ بالعادةِ علىٰ ما ذَكَرتموه لَوجَبَ أن يُقطَعَ (9)فيما هذه(10)حالُه أنّه لَم يَقَعْ ،
1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «فإن قالوا». و في المغني: «فإن قال».
2) . في المطبوع و الحجري: «بالكتمان».
3) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و المغني. و في «د» و المطبوع و الحجري: «إليه».
4) . في المغني: «و لا بدّ أن يرجع الأمر إلىٰ حكمة المكلِّف».
5) . في المغني: «أن نمنع».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «أن يمنع ممّا نقطع على انقطاع هذا النقل».
7) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع و الحجري: «فلو».
8) . في المغني: «كان».
9) . في المغني: «أن نقطع».
10) . في «د» و المطبوع و الحجري: «هذا».
فكَيفَ و الكِتمانُ في ذلكَ لا يَصِحُّ كما لا يَصِحُّ في سائرِ الأُمورِ الظاهرةِ !
و بَعدُ، فإنّ ذلكَ إن صَحَّ أوجَبَ كَونَنا معذورينَ علىٰ ما قَدَّمناه، بَل يوجِبُ أنّ الحُجّةَ كما لَم تَقُم عَلَينا لَم تَقُم عَلَيهم.(1)
يُقالُ له(2): قد بَنَيتَ السؤالَ علىٰ ما لا يُسألُ(3)عنه؛ لأنّكَ إنْ أشَرتَ بانقطاعِ النقلِ
مِن أجلِ الكِتمانِ إلَى انقطاعِه مِن جميعِ الأُمّةِ حتّىٰ إنّه لَم يوجَدْ في طائفةٍ مِن طوائفِها، فهذا(4)ممّا يُعلَمُ أنّا لا نَذهبُ إليه، و كَيفَ يُتوهَّمُ علينا مِثلُه و نحنُ نُحاجُّ خصومَنا بنقلِنا للنصِّ، و نُلزِمُهم أن يَتأمَّلوه و يَستدِلّوا علىٰ صحّتِه ليَعلَموا مِن النصِّ ما عَلِمناه؟
و إنْ أرَدتَ أنّ نَقْلَ بعضِ الأُمّةِ انقطَعَ مِن أجلِ كِتمانِ أسلافِهم و عُدولِهم عن إلقاءِ النصِّ إليهم، فلَيسَ يَجِبُ إذا أرَدتَ هذا أن تَمنَعَ(5)حِكمةُ المكلِّفِ مِن انقطاعِ النقلِ؛ لأنّه إذا انقطَعَ هذا الضربُ مِن النقلِ (6)لَم تَبطُلِ (7)الحُجّةُ به علىٰ جماعةِ المكلَّفينَ ، و إنّما يَجِبُ أن تَمنَعَ الحِكمةُ (8)مِن انقطاعِ النقلِ علَى
1) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 120.
2) . في «ص»: «فيقال له».
3) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «ما لم تسأل».
4) . في «ج، ص، ف»: «و هذا».
5) . في النسخ و الحجري: «أن يمنع». و ما أثبتناه من المطبوع.
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «من الانقطاع».
7) . في «د»: «لم يتّصل».
8) . في «ص» و الحجري: «أن يمتنع الحكم».
الوجهِ الأوّلِ الذي تَزولُ(1)معه الحُجّةُ.
و أمّا(2)كِتمانُ الأُمورِ الظاهرةِ: فلَو اتّفَقَ في أُصولِها ما اتّفَقَ في النصِّ، و طمِعَ طامِعونَ في تَمامِ كِتمانِها و اندِفانِ(3)خبرِها لبعضِ الدَّواعي - كما جَرىٰ في النصِّ -، لَكانَت الحالُ واحدةً .
فأمّا(4)قيامُ العُذرِ للمخالِفِ (5)و سُقوطُ الحُجّةِ عنه في بابِ النصِّ فقَد(6)تَقدَّمَ بُطلانُه(7)، و بيّنّا أنّ الحُجّةَ به قائمةٌ علَى الجميعِ ، و أنّه لا عُذرَ لِمَن جَهِلَه.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و قد ذَكرَ شَيخُنا أبو هاشِمٍ في بُطلانِ هذه الطريقةِ جُملةً حسَنةً نحنُ نورِدُها بلفظِه أو بقَريبٍ مِن لفظِه؛ قالَ:
«إنّ مَن تَقدَّمَ مِن الإماميّةِ إنّما ادَّعَى النصَّ بالأخبارِ التي تَعلَّقوا بها ممّا طريقُه طريقُ النظَرِ، و يَدخُلُ (8)في مِثلِه الشُّبهةُ (9)، و حدَثَ بَعدَهم قومٌ لَم يَكُن(10)منهم في(11)هذا القولِ تديُّنٌ (12)،
1) . في «د، ط» و الحجري: «يزول».
2) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «فأمّا».
3) . انفعالٌ من الدفن.
4) . هكذا في «د، ط». و في سائر النسخ و المطبوع: «فإنّ ».
5) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «قيام الحجّة و العذر للمخالف».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «قد».
7) . تقدّم في ص 366-367.
8) . هكذا في النسخ و الحجري و المغني. و في المطبوع: «و تدخل».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «شبهة».
10) . في «ج، ص، ط، ف»: «لمّا يكن».
11) . في المغني: «و حدث بعدهم قوم لم يلزمهم».
12) . في المغني: «بدين». و في «ج، ص، ط، ف»: «تدبّر».
و إنّما كانَ قَصدُهم المغالَبةَ، و رأوا أنّ تَعَلُّقَهم بهذه الأخبارِ لا يُقنِعُ، فادَّعَوا أنّه عليه السلامُ أخَذَ(1)بيَدِ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ(2)و قالَ له:
«أنتَ الإمامُ(3)بَعدي»(4)، و ادَّعَوا أنّه(5)نَقَلَ ذلكَ جَمعٌ عن جَمعٍ قد حصَلَ إلىٰ أن يَبلُغَ إلَى النبيِّ عليه السلامُ(6)، و أنّه قد وُجِدَ في ذلكَ النقلِ شرطُ التواتُرِ(7)، حتَّى ادَّعَوا علىٰ مخالِفيهم أنّهم يَعلَمونَ(8)صحّةَ قولِهم باضطرارٍ، فطرَّقوا(9)بهذا لمخالِفيهم(10)المعارَضةَ بأُمورٍ(11)لا أصلَ لها، مِثلُ أن يَدَّعوا(12)التواتُرَ في أنّه عليه السلامُ(13)أخَذَ بيَدِ أبي بكرٍ فقالَ (14): «هذا إمامُكم بَعدي» إلىٰ غيرِ ذلكَ ، و خرَجَ الكلامُ بَينَهم و بَينَ مخالِفيهم(15)عن الموضوعاتِ ، و خَرَجوا جميعاً - أعني هُم
1) . في المطبوع: «فادّعوا عنه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم أنّه أخذ».
2) . في «ج، ص» و المغني: - «عليه السلام».
3) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و المغني. و في «د» و المطبوع و الحجري: + «مِن».
4) . الأمالي للصدوق، ص 46، المجلس 11، ح 4؛ روضة الواعظين، ج 1، ص 239، ح 9/217؛ كمال الدين، ج 1، ص 261؛ الاحتجاج، ج 1، ص 69 و 114؛ نظم درر السمطين، ص 182.
5) . في «ط، ف» و المغني: «أنّ ».
6) . هكذا في المغني. و في جميع النسخ و المطبوع: «صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم».
7) . في «د» و المغني: - «و أنّه قد وجد في ذلك النقل شرط التواتر».
8) . في «ج، ص، ط، ف» و المغني: «على مخالفهم أنّه يعلم».
9) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و المغني. و في «د» و المطبوع و الحجري: «و طرّقوا».
10) . في «ج، ص، ط، ف» و المغني: «لمخالفهم».
11) . في «ج، ص، ط، ف»: «بالأُمور التي».
12) . في «ج، ص، ط، ف»: «أن ادّعوا».
13) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و المغني. و في «د» و المطبوع: «صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم».
14) . في «ج، ص، ط، ف»: «و قال». و في المغني: «فقال له».
15) . في المغني: «مخالفهم».
و مخالِفيهم(1)- إلَى الكلامِ عن الموضوعاتِ (2)التي نَتكلَّمُ (3)علىٰ مِثلِها، إلىٰ أن ادُّعيَ تكذيبُ البعضِ للبعضِ ».(4)
يُقالُ له(5): قد دَلَّلنا علىٰ إثباتِ سَلَفِ الشيعةِ رَحِمَهم اللّٰهُ في النصِّ الجَليِّ (6)، و أبطَلنا قولَ مَن رَماهم بابتداعِه و قُربِ إحداثِه،(7)و بيّنّا أنّ طريقَ العِلمِ بالمُرادِ مِن هذا النصِّ الجَليِّ أيضاً لِمَن غابَ عن زَمانِ الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(8)الاستدلالُ ، دونَ الاضطرارِ، و كذلكَ الطريقُ إلىٰ إثباتِ النصِّ نفسِه.(9)
فأمّا اللفظُ الذي حكَيتَه مِن قولِه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(10): «أنتَ الإمامُ بَعدي» فحُكمُه عندَنا حُكمُ سائرِ الألفاظِ المنقولةِ في أنّا نَستَدِلُّ علىٰ إثباتِها و علَى المُرادِ بها. و لَسنا نَعلَمُ إلىٰ مَن يُومئُ (11)مِنّا بِادّعاءِ الاضطرارِ علىٰ مخالِفيه إلىٰ صحّةِ قولِه ؟ فما نَعرِفُ أحَداً مِن أصحابِنا المتقدِّمينَ و المتأخِّرينَ رحمهم اللّٰهُ (12)ادَّعىٰ ذلكَ .
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «و مخالفوهم».
2) . لم ترد في «د» و المغني قوله: «و خرجوا جميعاً» إلى قوله: «الموضوعات». و في «ج، ص، ط، ف»: «الموصوفات» بدل «الموضوعات».
3) . في «د»: «يُتكّلم».
4) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 120-121. و الظاهر أنّ كلّ ما تقدّم كان من كلام أبي هاشم.
5) . في «ص»: «فيقال له».
6) . تقدّم في ص 334.
7) . تقدّم في ص 402.
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «عليه السلام».
9) . تقدّم في ص 313 و 359.
10) . في النسخ: «عليه السلام».
11) . في «ج، ص»: «و لسنا نعلم أنّ من يرمي».
12) . في «ج»: «رحمة اللّٰه عليهم أجمعين».
و هذا ابنُ الراوَنديِّ (1)- و هو الذي تَدَّعونَ أنّ النصَّ مِن جهتِه ابتَدَأ، و أنّه لَم يُسبَقْ
إلَى ادّعائه - لَم يَسلُكْ في كتابِه عندَ نُصرةِ القولِ بالنصِّ إلّاطريقةَ الدليلِ دونَ الضرورةِ ، و لا ادَّعىٰ علىٰ مخالِفيه أنّهم يَعلَمونَ صحّةَ قولِه(2)باضطرارٍ.
فأمّا قولُه في الحكايةِ عن صاحبِه أبي هاشمٍ: «إنّهم طرَّقوا لِمخالِفيهم المعارَضةَ بكَذا» فذلكَ اعترافٌ منه بإيرادِ هذه المعارَضةِ علىٰ طريقِ المقابَلةِ مِن غيرِ أن يَكونَ لها(3)حقيقةٌ في نفسِها. و مِن هاهنا قُلنا: إنّ الذي تَدَّعيهِ(4)البَكريّةُ مِن النصِّ علىٰ صاحبِهم يخالِفُ ما تَذهبُ(5)إليه الشيعةُ، و إنّ مَن حمَلَ نفسَه علىٰ أن يُسوّيَ بَينَ القولَينِ و الدَّعويَينِ فقَد كابَرَ، و كَيفَ يَصِحُّ أن يعارَضَ ما يَذهبُ (6)إليه فِرقةٌ معلومٌ كَثرةُ (7)عَددِها في هذه الأزمانِ و ما والاها بغَيرِ خِلافٍ بقَولٍ لَم يَذهبْ إليه أحَدٌ و لا ادَّعاه عاقلٌ؟ يَعترِفُ المُعارِضُ بذلكَ فيه، و يَعتذِرُ(8)بإيرادِه علىٰ سَبيلِ المعارَضةِ .
و لئن جازَ هذا لِيَجوزَنّ لبعضِ مخالِفي الإسلامِ أن يَقولَ : قد صَحَّ عندي أنّ جميعَ ما يَدَّعيه المسلمونَ مِن معجِزاتِ نبيِّهم(9)صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه لا أصلَ له،
1) . هو أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندي، و قد تكرّر ذكره.
2) . في «د»: «قولنا».
3) . في «ج، ص»: «له».
4) . في «د» و الحجري: «يدّعيه».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «ما يذهب».
6) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «ما تذهب».
7) . في «د»: «كثيرة».
8) . في «ج، ص، ف»: «و يعتدّ».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «من المعجزات لنبيّهم».
و إنّما هو شيءٌ مولَّدٌ مصنوعٌ . و لا فَرقَ بَينَ دَعواهم(1)و بَينَ دَعوىٰ مَن أثبَتَ مِن مخالِفيهم نبيّاً في تلكَ الأحوالِ ، و روىٰ عنه مِن المعجِزاتِ و الآياتِ أكثَرَ ممّا رَوَوه و أبهَرَ(2)، و ادَّعىٰ أيضاً عليهم أنّ قرآنَهم قد عورِضَ بما يَجري في الفَصاحةِ مَجراه أو يَزيدُ عليه. و يَقولَ (3): إنّ هذا هو الذي طَرَّقوه علىٰ نفُوسِهم لِمخالِفيهم مِن حَيثُ ادَّعَوا ما لا أصلَ له، فقوبِلوا بمِثلِه.
فإن قيلَ : كَيفَ يعارَضُ نقلُ المسلمينَ للمعجِزاتِ - و هو مسموعٌ معلومٌ - بأمرٍ غيرِ معلومٍ ، و لا ذهَبَ إليه أحدٌ مِن مخالِفي الإسلامِ؟
قيلَ له: و(4)كَيفَ يعارَضُ نقلُ الشيعةِ - و هو أيضاً معلومٌ مسموعٌ يَتديَّنُ به الخَلقُ الكثيرُ - بدَعوىً تُضافُ إلَى البَكريّةِ ، لَم يَعتقِدْها بَكريٌّ قَطُّ و لا عاقلٌ؟
قالَ صاحبُ الكتابِ :
ثُمّ قالَ - يَعني أبا هاشِمٍ -: الذي يدُلُّ علىٰ بُطلانِ هذه الدعوىٰ أنّ هذا الأمرَ لَو كانَ صحيحاً لَم يَخلُ (5)مِن أن يَكونَ القولُ منه عليه السلامُ كانَ بحَضرةِ جميعِ الأُمّةِ (6)، أو نفَرٍ يَسيرٍ.
فإن كانَ بحَضرةِ نفَرٍ يَسيرٍ كَتَموه أو نقَلَه مَن لَم تَقُمِ الحُجّةُ به، فلَيسَ علينا أن نَعلَمَ (7)ذلكَ .
و إن كانَ بِحضرةِ(1)جَمعٍ عظيمٍ(2)تَواطَؤوا علىٰ كِتمانِه، فسَبيلُهم سَبيلُ مَن وَصَفنا حالَه.
علىٰ أنّ كِتمانَ ذلكَ علىٰ جماعةِ الأُمّةِ لا يَجوزُ؛ لأنّها لا تَجتمِعُ(3)علىٰ كِتمانِ ما يَجِبُ إظهارُه كما لا تَجتَمِعُ علىٰ خطإٍ. و علَى الجَمعِ العظيمِ لا يَصِحُّ - فيما طريقُه الاضطرارُ مِن جهةِ العادةِ - كِتمانُ ما هذه حالُه.
و إن كانوا لَم يَكتُموا(4)و لَم يَتَواطَؤوا علىٰ تَركِ إظهارِه، فكَيفَ يَجوزُ أن يقَعَ الخِلافُ بَعدَه عليه السلامُ حتّىٰ يَقولَ الأنصارُ: «مِنّا أميرٌ و مِنكم أميرٌ» مع معرفتِهم بهذا النصِّ الظاهرِ؟
و كَيفَ كانَ(5)يَجوزُ أن يُسَمّوا أبا بَكرٍ مُدّةَ حياتِه «خَليفةَ رسولِ اللّٰهِ » و(6)لا يَدفَعَ ذلكَ دافعٌ؟
و كَيفَ نُقِلَ عن الحُسَينِ (7)عليه السلامُ أنّه ذَهَبَ إلىٰ أبي بَكرٍ و هو علَى المِنبَرِ فقالَ له(8): «انزِلْ عن مِنبَرِ أبي»(9)، و نُقِلَ ما كانَ مِن
1) . في المطبوع: - «و إن كان بحضرة»، و هو سهو. و من قوله: «جميع الأُمّة أو نفر يسير» إلى هنا سقط من المغني.
2) . في المغني: «جمع كثير».
3) . في المغني: «لا تجمع» في الموضعين.
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «كتمان ما هذا سبيله. فإن كانوا لم يكتموه».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: - «كان».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: - «و».
7) . في المغني: «عن الحسن».
8) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «له».
9) . الطبقات الكبرى، ج 1، ص 300، الرقم 256، و ص 394، الرقم 8؛ تاريخ بغداد، ج 1، ص 152، الرقم 3؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 14، ص 175-176، الرقم 1566؛ تذكرة الخواصّ ،
فاطمةَ عليها السلامُ في أمرِ فَدَكَ(1)، و ما كانَ مِن(2)أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ و الزُّبَيرِ مِن التأخُّرِ عن البَيعةِ أيّاماً(3)، و ما كانَ مِن
تأخُّرِ خالدِ بنِ سَعيدٍ(4)عن البَيعةِ مُدّةً ، و ما كانَ مِن أبي سُفيانَ و قولِه لأميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ : «أ رَضيتم يا بَني عَبدِ مَنافٍ أن يَليَ عليكم تَيمٌ؟ أُمدُدْ يدَكَ أُبايِعْكَ ، فَلأملأنَّها علىٰ أبي فَصيلٍ (5)خَيلاً و رَجِلاً»(6)؟
ص 211؛ كنز العمّال، ج 5، ص 616، ح 14084 و 14085، و ج 13، ص 654، ح 37664 و 37665؛ الأمالي للطوسي، ص 703، ح 1504؛ كشف الغمّة، ج 2، ص 42؛ بحار الأنوار، ج 3، ص 51، ح 2.
1) . مسند أحمد، ج 1، ص 4، ح 9، و ص 6، ح 25، و ص 9، ح 55، و ص 10، ح 58؛ صحيح البخاري، ج 3، ص 1126، ح 2926، و ج 4، ص 1481، ح 3810، و ص 1549، ح 3998، و ج 6، ص 2474، ح 6346؛ صحيح مسلم، ج 3، ص 1380، ح 52/1759، و 53/1759، و 54/1759؛ سنن أبي داود، ج 2، ص 157-158، ح 2968 و 2969؛ الجامع الصحيح، ج 6، ص 335، ح 1706؛ المعجم الأوسط، ج 4، ص 104، ح 3718.
2) . في «د»: + «أمر».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: - «أيّاماً».
4) . خالد بن سعيد بن العاص بن أُميّة بن عبد شمس، يكنّى أبا سعيد، أسلم قديماً. هاجر إلى أرض الحبشة مع امرأته الخزاعيّة و ولد بها ابنه سعيد بن خالد و ابنته أُمّ خالد. شهد مع النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله فتح مكّة و حنيناً و الطائف و تبوك، و بعثه رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله عاملاً على صدقات اليمن، فتوفّي النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و هو عليها. ثمّ استعمل أبو بكر خالداً على جيش من جيوش المسلمين حين بعثهم إلى الشام فقتل بمرج الصفر في عهد أبي بكر. الطبقات الكبرى، ج 4، ص 70، الرقم 360؛ الاستيعاب، ج 2، ص 420، الرقم 599؛ أُسد الغابة، ج 1، ص 574، الرقم 1365.
5) . في المغني: «أبي فصل».
6) . أنساب الأشراف، ج 1، ص 558؛ إمتاع الأسماع، ج 2، ص 100؛ الفتوح، ج 2، ص 559؛ الكامل لابن الأثير، ج 2، ص 325-326، مع اختلاف يسير.
و كَيفَ رُوِيَ(1)عن العبّاسِ: «أُمدُدْ يدَكَ أُبايِعْكَ و أجِئْ بهذا الشيخِ مِن قُرَيشٍ - يَعني أبا سُفيانَ - فإذا قيلَ: إنّ عَمَّ رسولِ اللّٰهِ بايَعَ(2)ابنَ عمِّه لم يُخالِفْ(3)علينا أحَدٌ مِن قُرَيشٍ، و الناسُ تَبَعٌ لقُرَيشٍ »؟
فكَيفَ (4)رُويَ كُلُّ ذلكَ و لَم يُروَ عن أحَدٍ أنّه قالَ في تلكَ المَجامعِ و المَقامات: أينَ المَذهبُ عن أميرِ المؤمِنينَ و هو الإمامُ الذي أقامَه النبيُّ صَلّى اللّٰهُ عليه(5)بالأمسِ (6)و نَصَّ عليه و أشارَ إليه ؟! و ما كانَ حاجةُ العبّاسِ و أبي سُفيانَ إلىٰ ما تَكلَّما به(7).
يُقالُ له(8): قد أخَلَّ أبو هاشِمٍ - فيما حَكيتَ عنه مِن الأقسامِ - بالقِسمِ الصحيحِ الذي نَذهبُ إليه؛ لأنّه أفسَدَ أن يَكونَ النصُّ وقَعَ بحضرةِ نَفَرٍ يَسيرٍ فكَتَموه، و أفسَدَ أن يَكونَ بمَحضَرٍ مِن جَمعٍ كَثيرٍ فكَتَموه أيضاً و لَم يَنقُلْه أحَدٌ منهم، و أفسَدَ أن يَكونوا لَم يَكتُموه جُملةً و لا تَواطَؤوا علىٰ تَركِ إظهارِه، و بَقيَ القِسمُ (9)الصحيحُ ؛ و هو أن يَكونَ بعضُهم كتَمَه و بعضُهم نقَلَه(10).
1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «يُروى».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «قد بايع».
3) . في المغني: «لم يختلف». و في «د» و المطبوع و الحجري: «لن يخالف».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «و كيف».
5) . هكذا في المغني. و في النسخ و المطبوع: + «و آله».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «بالأمر».
7) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 121-122.
8) . في «ص»: «فيقال له».
9) . في المطبوع: - «القسم».
10) . في «ج، ص، ط، ف»: «بعض كتمه و بعض نقله».
فأمّا نفيُه الكِتمانَ عن جماعةِ الأُمّةِ و عن الجَمعِ العظيمِ فيما طريقُه الاضطرارُ:
فممّا(1)لا نَحتاجُ إلىٰ مضايَقَتِه فيه؛ لأنّ كلامَنا يَتِمُّ مِن دونِه؛ مِن حَيثُ لَم نَجعَلِ(2)الأُمّةَ بأسرِها كاتمةً للنصِّ، و الجماعةُ الكثيرةُ التي كتَمَته قد جَعَلنا أكثَرَها كاتِماً بالشُّبهةِ ، و بعضَها علىٰ سَبيلِ التعمُّدِ و مع العِلمِ و اليقينِ ؛ إمّا بمواطأةٍ أو ما يَقومُ مَقامَها.(3)
و لَيسَ هذا بمُستَنكَرٍ عندَ أبي هاشِمٍ و أصحابِه؛ يَعني أن يَكتُمَ الجماعةُ الكثيرةُ للشُّبهةِ (4)، و أن يَكتُمَ النفَرُ القليلُ بالمواطأةِ .
فأمّا قولُه: «و إن كانوا لَم يَكتُموه، فكَيفَ يَجوزُ أن يقَعَ كَذا و يَجريَ كَذا؟!»، فلَيسَ يُحتاجُ في إبطالِ أنّهم لَم يَكتُموا النصَّ - علىٰ وجهٍ مِن الوجوهِ - إلىٰ شيءٍ ممّا ذَكرَه؛ لأنّه لَو لَم يَكتُمْه أكثَرُهم إمّا لشُبهةٍ أو عن عِلمٍ لَوجَبَ أن يقَعَ العملُ مِن الكُلِّ عليه دونَ غيرِه، و لَكانَ العِلمُ به كالعِلمِ بسائرِ الأُمورِ الظاهرةِ التي لَم يَجُز فيها كِتمانٌ؛ فالتغَلغُلُ(5)في إبطالِ هذا الوجهِ إلىٰ سائرِ ما ذَكرَه مِن العَبَثِ .
و إذا كانَ إنّما أورَدَ جميعَ ما عدَّدَه مِن الأفعالِ و الأقوالِ (6)رَدّاً علىٰ مَن قالَ : «إنّ أحَداً لَم يَكتُمِ النصَّ و لا عَدَلَ عن نقلِه(7)و إظهارِه» و كُنّا(8)لا نَذهبُ إلىٰ ذلكَ ؛
1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «فيما».
2) . في «د، ص، ط، ف»: «لم يجعل».
3) . تقدّم ذلك في ص 415-419.
4) . في «د»: «يعني أنّ الجماعة الكثيرة يكتم للشبهة».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «و التغلغل».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «من الأقوال و الأفعال».
7) . في «ج، ص، ف»: «عن تعلّمه». و في «ط»: «عن تعليمه».
8) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «فكنّا».
فلَيسَ يَلزَمُنا الكلامُ علىٰ ما أورَدَه و بيانُ الوجهِ فيه.
اللّهمّ إلّاأن يُقالَ: كَيفَ يَجوزُ إذا كانوا قد كَتَموا - علىٰ ما تَذهبونَ إليه - أن يَنقُلوا سائرَ ما ذَكَرناه، و الداعي إلىٰ كِتمانِ الجميعِ واحدٌ.
و هذا إذا قيلَ فالجوابُ عنه: أنّ في نقلِ النصِّ شهادةً علىٰ مَن عَمِلَ بخِلافِه بالضَّلالِ و الخِلافِ للرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و لَيسَ في نقلِ ما جَرىٰ مِن المنازَعاتِ و الخِلافِ في العَقدِ شيءٌ مِن ذلكَ ؛ لأنّ كُلَّ مَن نقَلَ مِن مخالِفينا كلاماً
أو خِلافاً جَرىٰ ، نَقَلَ انقطاعَه و حصولَ الرِّضا بَعدَه(1)و التسليمِ ؛ فلَيسَ في نقلِ شيءٍ ممّا ذُكِرَ ما في النصِّ ، فكَيفَ يَلزَمُ أن يَكونَ الداعي إلىٰ كِتمانِ الأمرَينِ جميعاً واحداً؟!
و أمّا تسميةُ أبي بَكرٍ ب «خَليفةِ رَسولِ اللّٰهِ»، و قولُ الأنصارِ: «مِنّا أميرٌ و مِنكم أميرٌ» فهو مطابِقٌ لكِتمانِ النصِّ ، و لا حاجةَ (2)بنا إلىٰ تأويلِه و تخريجِ وجهِه، و إنّما أورَدَه رَدّاً علىٰ مَن قالَ : إنّ النصَّ لَم يَكتُمْه أحَدٌ مِن الأُمّةِ .
فأمّا ما نُقِلَ عن الحُسينِ عليه السلامُ مِن قولِه لأبي بَكرٍ: «انزِلْ عن مِنبَرِ أبي» فلَيسَ يَنقُلُه مِن مخالِفينا مَن يَنقُلُ (3)تأخُّرَ مَن تأخَّرَ عن البيعةِ ، و كلامَ مَن تَكلَّمَ فيها؛ فأكثَرُهم(4)بَل جميعُهم يكذِّبُ به و يَقولُ : إنّه ممّا صنَعَته(5)الشيعةُ .
و إن رجَعَ مخالِفونا إلىٰ ما ورَدَ مَورِدَ هذا الخبرِ و نُقِلَ كنَقلِه، وَجَدوا شيئاً كثيراً ممّا ادَّعَوا فَقْدَه؛ مِن تظلُّمِ أميرِ المؤمِنينَ و التظلُّمِ له(6):
كقَولِه عليه السلامُ: «اللّهمَّ إنّي أستَعديكَ علىٰ قُرَيشٍ؛ فإنّهم ظَلَموني حَقّي و مَنَعوني إرثي»(1).
و قولِه عليه السلامُ في روايةٍ أُخرىٰ: «اللّهمَّ إنّي أستَعديكَ علىٰ قُرَيشٍ؛ فإنّهم ظَلَموني الحجَرَ و المدَرَ»(2).
و قولِه عليه السلامُ: «لَم أزَلْ مظلوماً مُنذُ قُبِضَ رَسولُ اللّٰهِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه»(3).
إلىٰ غيرِ ما ذَكَرناه مِن الرواياتِ عنه عليه السلامُ و عن شيعتِه و خاصّتِه رحمهم اللّٰه التي ذِكْرُ جميعِها يَطولُ ، و هي موجودةٌ في الكُتُبِ .(4)
1) . الجمل، ص 123. و مع اختلاف في نهج البلاغة، ص 246، الخطبة 172، و ص 336، الخطبة 217.
2) . المناقب لابن شهر آشوب، ج 2، ص 115؛ بحار الأنوار، ج 41، ص 51.
3) . الجمل، ص 123 و 171؛ الأمالي للطوسي، ص 726، المجلس 44، ح 1/1526؛ الصراط المستقيم، ج 3، ص 150.
4) . ما أكثر الروايات عن الفريقين في تظلّم أمير المؤمنين عليه السلام بعد غصب حقّه، و حسبنا من ذلك خطبته الشقشقيّة المشهورة، و قوله عليه السلام في بعض خطبه: «اللّهمّ إني أستعديك على قريش و من أعانهم، فإنّهم قد قطعوا رحمي، و أكفؤوا إنائي، و أجمعوا على منازعتي حقّاً كنتُ أولى به من غيري، ثمّ قالوا: ألا إنّ في الحقّ أن تأخذه، و في الحقّ أن تمنعه، فاصبر مغموماً أو مت متأسّفاً، فنظرت فإذا ليس لي رافدٌ و لا ذابٌّ و لا مساعد إلّاأهل بيتي، فضننتُ بهم عن المنيّة، فأغضيتُ على القذى، و جرعت ريقي على الشجا، و صبرتُ من كظم الغيظ على أمَرَّ من العلقم، و آلم للقلب من وَخْزِ الشِّفار». (نهج البلاغة، ص 336، الخطبة 217). و قال ابن قتيبة في حديثه عن بيعة أبي بكر: ثمّ قام عمر، فمشى معه جماعة حتّى أتوا باب فاطمة عليها السلام فدقّوا الباب، فلمّا سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها: «يا أبت، يا رسول اللّٰه، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطّاب و ابن أبي قحافة» فلمّا سمع القوم صوتها و بكاءها انصرفوا باكين، و كادت قلوبهم تنصدع و أكبادهم تنفطر، و بقي عمر و معه قوم، فأخرجوا عليّاً، فمضوا به إلى أبي بكر، فقالوا له: بايع، فقال: «إن أنا لم أفعل فمه ؟». قالوا: إذَن و اللّٰه الذي لا إله إلّاهو، نضرب عنقك. قال: «إذَن تقتلون عبد اللّٰه و أخا رسوله». قال عمر: أما عبد اللّٰه فنعم، و أمّا
و لَيسَ لهم أن يَقولوا: إنّ هذه الرواياتِ غيرُ معروفةٍ ، و إنّما يَنفرِدُ بِادّعائها الشيعةُ .
لأنّا قد بيّنّا أنّ الخبرَ عن الحُسَينِ عليه السلامُ يَجري مَجراها، و كانَ غرضُنا إسقاطَ قولِهم: كيفَ نُقِلَ كذا و لَم يُنقَلْ كذا؟
و ليس لهم أيضاً أن يقولوا: إنّ(1)جميعَ ما رَوَيتموه لَيسَ فيه تصريحٌ مِن أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ بالنصِّ ، و قد يُمكِنُ أن يَكونَ تظلُّمُه مصروفاً إلىٰ ما كانَ يَعتقِدُه عليه السلامُ مِن أنّه أحَقُّ بالأمرِ و أَولىٰ بالتقدُّمِ (2)فيه، و قد كانَ يَعتقِدُ أيضاً فيه ذلكَ جماعةٌ (3).
لأنّ ظاهرَ الأقوالِ المَرويّةِ يَقتَضي خِلافَ هذا التأويلِ الفاسدِ؛ لأنّ الظُّلْمَ لا يُطلِقُه أحَدٌ مِن أهلِ اللُّغةِ - لا سِيَّما مِثلُ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ - إلّافي غَصبِ الحقوقِ الواجبةِ ، فإذا انضافَ إلىٰ ذلكَ التصريحُ بذِكرِ مَنعِ الإرثِ و الحَقِّ علىٰ جهةِ الاستعداءِ ، لَم يَبقَ شُبهةٌ في فَسادِ تأويلِ المخالِفِ .
فإن قيلَ: فما الوجهُ في قولِ العبّاسِ رحمه اللّٰه لأميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ :
«أُمدُدْ يدَكَ أُبايِعْكَ »؟ أوَ لَيسَ هذا(4)ظاهرَ القولِ يَقتَضي بُطلانَ النصِّ؟ لأنّ
أخو رسوله فلا - و أبو بكر ساكت لا يتكلّم - فقال له عمر: ألا تأمر فيه بأمرك ؟ فقال: لا أُكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه. فلحق عليّ بقبر رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله يصيح و يبكي و ينادي: (قٰالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كٰادُوا يَقْتُلُونَنِي) [الأعراف (7):150]. الإمامة و السياسة، ج 1، ص 14.
المنصوصَ عليه لا يَحتاجُ إلَى البَيعةِ .
قيلَ : عن هذا جَوابانِ :
أحدُهما: أنّ العبّاسَ رحمه اللّٰه لمّا بلَغَه فِعلُ أهلِ السقيفةِ و قَصدُهم الأمرَ مِن جهةِ الاختيارِ، أرادَ أن يَحتجَّ عليهم بمِثلِ حُجّتِهم، فسألَ أميرَ المؤمِنينَ عليه السلامُ بَسْطَ يدِه للبَيعةِ ليُبايِعَه، فيَكونَ آخِذاً للحُجّةِ مِن جميعِ جهاتِها، و مُضيِّعاً(1)لعُذرِهم فيما صَنَعوه؛ مِن حَيثُ كانَت حالُهم لا تَعدو(2)أمرَينِ : إمّا أن يَرجِعوا إلَى الحَقِّ و يُسلِّموا الأمرَ إلىٰ مَن عقَدَه له الرسولُ (3)صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، فيَكونَ الأَولىٰ و الأَوجَبَ . أو يَتمسَّكوا بالاختيارِ و يَحتَجّوا به، فيَكونَ ما فعَلَه العبّاسُ رضي اللّٰه عنه مِن البَيعةِ في مُقابَلَتِه.
و الجَوابُ الآخَرُ: أنّ البَيعةَ لا تُنافي النصَّ، و لا تدُلُّ علىٰ بُطلانِه؛ لأنّه غيرُ ممتنِعٍ(4)أن تقَعَ(5)البَيعةُ مع تقدُّمِ النصِّ، و يَكونَ الغرضُ في إيقاعِها القيامَ بالنُّصرةِ و الذبِّ عن الأمرِ، و دَفْعَ مَن نازَعَ فيه.
و لَو كانَ الأمرُ علىٰ ما ظَنُّوه مِن دَلالةِ البَيعةِ علىٰ صحّةِ الاختيارِ، لَوَجَبَ أن
يَكونَ(6)مبايَعةُ النبيِّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه الأنصارَ(7)لَيلةَ العَقَبةِ (8)و مبايَعةُ المهاجِرينَ
1) . في «ج، ص، ف»: «و مضيّقاً».
2) . في «د»: «لا يعدو».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «رسول اللّٰه».
4) . في «ج»: «لا يمتنع».
5) . في «ط، ف» و الحجري: «أن يقع».
6) . في التلخيص: «أن تكون».
7) . كذا، و الأنسب: «مبايعة الأنصارِ النبيَّ » أو «مبايعة النبيِّ من قِبَل الأنصار».
8) . و يقصد العقبة الأُولى في طريق مكّة بعد جهر النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله بالنبوّة، وافاه
و الأنصارِ بَيعةَ الرِّضوانِ عندَ الشجَرةِ (1)دَلالةً علىٰ ثُبوتِ نُبوّتِه و فَرضِ طاعتِه مِن جهةِ الاختيارِ، و لَساغَ لقائلٍ أن يقولَ : ما الحاجةُ إلَى البَيعةِ مع تقدُّمِ النبوّةِ و وجوبِ فَرضِ الطاعةِ؟ و لَوَجَبَ أيضاً أن يَكونَ نصُّ أبي بَكرٍ علىٰ عُمَرَ بالخِلافةِ يُغنيهِ عن البَيعةِ ؛ و قد رأَيناه - مع نصِّ أبي بكَرٍ عليه(2)- حمَلَ الناسَ علىٰ بَيعتِه
من الأنصار اثنا عشر رجلاً، فبايعوه بيعة النساء أي من غير قتال، و ذلك قبل أن تفرض الحرب عليهم، و كان في طليعتهم عبادة بن الصامت الأنصاري، قال: كنت فيمن حضر العقبة الأُولى، و كنّا اثني عشر رجلاً، فبايعنا رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله على بيعة النساء - و ذلك قبل أن تفترض الحرب - على أن لا نشرك باللّٰه شيئاً، و لا نسرق، و لا نزني، و لا نقتل أولادنا، و لا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا و أرجلنا، و لا نعصيه في معروف، فإن توفّيتم فلكم الجنّة، و إن غشيتم من ذلك شيئاً فأمركم إلى اللّٰه عزّ و جلّ ، إن شاء عذّب و إن شاء غفر. ثمّ تلاحقت القبائل للبيعة على ذلك كبني النجّار، و بني زريق، و بني عوف، و بني سالم، و بني سلمة، و بني سواد، و الأوس، و بني عمرو، و بعد أن تمّت البيعة بعث النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله مصعب بن عمير، و أمره أن يقرئهم القرآن، و يعلّمهم الإسلام و يفقّههم في الدين، فكان يسمّى «المقرئ بالمدينة: مصعب» و كان منزله على أسعد بن زرارة بن عدس. السيرة النبويّة، ص 430-434؛ أنساب الأشراف، ج 1، ص 239-241؛ البداية و النهاية، ج 3، ص 150-153.
1) . و ذلك أواخر سنة 6 من الهجرة؛ فعن ابن هشام في سيرته: أنّ رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلّم بعث عثمان بن عفّان رسولاً إلى قريش في مكّة يخبرهم أنّه لم يأت للحرب و إنّما جاء لتعظيم حرمة البيت. فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلّم إليهم: إن شئت أن تطوف بالبيت...، و احتبسته قريش عندها. قال ابن إسحاق: إنّ رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلّم قال - حين بلغه أنّ عثمان قد قتل -: «لا نبرح حتّى نناجز القوم» فدعا رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلّم إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فكان الناس يقولون: بايعهم رسول اللّٰه على الموت، و كان جابر بن عبد اللّٰه يقول: إنّ رسول اللّٰه لم يبايعنا على الموت، ولكن بايعنا على أن لا نفرّ، فبايع رسول اللّٰه الناس، و لم يتخلّف عنه أحد من المسلمين ممن حضرها. السيرة النبويّة، ج 2، ص 315-316؛ تاريخ الطبري، ج 2، ص 631-634؛ البداية و النهاية، ج 4، ص 167-168.
2) . في «ج، ص، ط، ف»: - «عليه».
و دَعاهم إليها فبايَعوه، و لَم يَمنَعْ تقدُّمُ النصِّ مِن(1)البَيعةِ .
فسقَطَ بجميعِ ما ذَكَرناه ما توَهَّموه.
فأمّا قولُه: «كَيفَ رُويَ كُلُّ ذلكَ ، و لَم يُروَ عن أحَدٍ أنّه قالَ في تلكَ المَجامعِ : أينَ المَذهبُ عن أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ و هو الإمامُ الذي أقامَه الرسولُ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه بالأمسِ و نَصَّ عليه ؟».
فالجوابُ عنه: أنّ ذلكَ لَم يُروَ لأنّه لَم يَكُنْ، و السببُ في أنّه لَم يَقَعْ في تلكَ المَجامعِ أمثالُ هذا القولِ: أنّ القومَ الحاضِرينَ للسَّقيفةِ قَصَدوا في الأمرِ طريقَ التغلُّبِ و الاستبدادِ؛ لأنّهم تفَرَّدوا بتدبيرِه مِن غيرِ مشاوَرةٍ لبَني هاشِمٍ و خاصّتِهم و المنضَمّينَ(2)إليهم فيه(3)، و لا مطالَعةٍ لواحِدٍ(4)منهم به.
و لمّا ظهَرَت كلمتُهم علَى(5)الأنصارِ بمَيلِ مَن مالَ إليهم مِن جُملتِهم بادَرَ
أحَدُهم، فصفَقَ علىٰ يدِ أبي بَكرٍ بالبَيعةِ، و قالوا: بايَعَه المسلمونَ، و اجتمَعَ عليه الأنصارُ و المهاجِرونَ ، و حُمِلَ الناسُ علَى المبايَعةِ حَملاً، و أُخِذوا بها أخذاً؛ حتّىٰ وُطئَ (6)سَعدُ بنُ عُبادةَ ، و وُجئَ عُنُقُ عَمّارٍ، و كُسِرَ سَيفُ الزُّبَيرِ، و روسِلَ أميرُ المؤمِنينَ عليه السلامُ و مَن كانَ في جهتِه بالدُّعاءِ إلَى البَيعةِ مُراسَلةَ مَن يَرىٰ أنّ
البَيعةَ قد لَزِمَته، و أنّ التأخُّرَ عنها خَلعٌ للطاعةِ و خِلافٌ علَى الجماعةِ ، و ضَمُّوا إلىٰ ذلكَ ضَرباً مِن التوَعُّدِ و التهدُّدِ. و كُلُّ ما ذَكَرناه قد ذَكرَه الرُّواةُ و شَرَحوه، فأيُّ كلامٍ يَبقىٰ لمتكلِّمٍ؟ و أيُّ حُجّةٍ تثبُتُ لمُحتجٍّ؟
و في بعضِ ما جَرىٰ عُذرٌ واضحٌ و مانعٌ ظاهرٌ لِمَن أمسَكَ عن مواقَفةٍ (1)أو إيرادِ حُجّةٍ .
قالَ صاحِبُ الكتابِ حِكايةً عن أبي هاشِمٍ:
و كَيفَ جازَ أن يَقولَ له العبّاسُ و رسولُ اللّٰهِ صَلّى اللّٰهُ عليه(2)عَليلٌ: «سَلْه(3)عن هذا الأمرِ؛ فإنْ كانَ لنا بَيَّنَه، و إنْ كانَ لغَيرِنا وَصّىٰ(4)بنا» مع هذا البَيانِ المتقدِّمِ؟
و كَيفَ ساغَ لأبي بَكرٍ أن يَستخلِفَ عُمَرَ؟
و كَيفَ جَرَى الأمرُ في بَيعةِ أبي بَكرٍ علىٰ ما جَرىٰ عليه ؟
و كَيفَ لَم يبيِّنْ أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ أمْرَ نفسِه علىٰ زَعمِهم للتقيّةِ ، مع أنّ غيرَه قد أظهَرَ كَراهةَ (5)ما فعَلَه أبو بَكرٍ، حتّىٰ إنّ طَلحةَ قالَ له في عهدِه إلىٰ عُمَرَ: «ولَّيتَ علينا فَظّاً غَليظاً»؟
و كَيفَ رَضيَ أميرُ المؤمِنينَ عليه السلامُ أن يَكونَ في الشُّورىٰ ، مع ما تردَّدَ(6)فيه مِن القولِ حالاً بَعدَ حالٍ؟
و كَيفَ جازَ أن لا يُنكِرَ علىٰ عُمَرَ قولَه: «إنْ وَلِيتَ مِن أُمورِ الناسِ(1)شيئاً فلا تَحمِلْ بَني هاشِمٍ علىٰ رِقابِ الناسِ»؟ و هَلّا قالَ له: أنا إمامُ المسلمينَ، و قد عَرَفتَ النصَّ علَيَّ و الإشارةَ إليَّ، و لَيسَت بي حاجةٌ إلىٰ أن أُوَلّىٰ(2)؟
و كَيفَ لَم يَذكُرْ هذا النصَّ الظاهرَ فيعُدَّه(3)في مَناقبِه حينَ(4)صارَ الأمرُ إليه، و في وقتِ الحاجةِ، مع أنّه كانَ يعُدُّ مَناقبَه في المَحافلِ و المَشاهدِ في أيّامِ معاويةَ و قَبلَه؟
و كَيفَ صَحَّ مع ذلكَ أن يعاضِدَ(5)أبا بَكرٍ و عُمَرَ و عُثمانَ و يَنتَهيَ إلىٰ آرائهم(6)في إقامةِ الحُدودِ و غيرِها، علىٰ ما نُقِلَ؟
و كُلُّ ذلكَ يدُلُّ مِن حالِ الصحابةِ علىٰ بُطلانِ هذه الدعوىٰ علَى النصِّ(7)، كما دَلَّت أحوالُها و أحوالُ الأُمّةِ علىٰ أنّه عليه السلامُ لَم يُقِمِ العبّاسَ إماماً؛ لأنّ الدليلَ علىٰ نفيِ هذه الأُمورِ الجاريةِ (8)هذا المَجرىٰ لَيسَ حصولَ الروايةِ أنّ ذلكَ لَم يَكُن، و إنّما يَكونُ الدليلُ علىٰ ذلكَ كَونَ أشياءَ كانَت لا تَكونُ لَو كانَ هذا النصُّ صحيحاً، أو فَقْدَ أشياءَ
1) . في المطبوع و الحجري: «من أمر الناس». و في المغني: «من أمر المسلمين».
2) . في «د»: «ولى».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «فيعتدّ به». و في المغني: «فيعتدّه». و في التلخيص: «بعده».
4) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «حيث». و في المغني: «حتّىٰ ».
5) . في المغني: «يعاقد».
6) . في «د» و المغني: «رأيهم».
7) . في «د»: «على بطلان هذا النصّ ». و في المغني: «على بطلان هذا القول».
8) . في المغني: «يجري».
كانَت تَكونُ لَو كانَ هذا النصُّ صحيحاً، فلمّا(1)عَلِمنا أنّه لا يَجوزُ أن يَكونَ عليه السلامُ يَنُصُّ بالإمامةِ علىٰ رجُلٍ معيَّنٍ علىٰ رُؤُوسِ الأشهادِ و يَظهَرَ ذلكَ عندَ الجَمعِ العظيمِ، فلا يَدَّعيَ له ذلكَ(2)مُدَّعٍ و لا يَدَّعيَه هو لنفسِه، و تَجريَ(3)أحوالُه علىٰ ما عَلِمناه مِن حالِ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ مع سائرِ الصحابةِ؛ فقَد صارَ كُلُّ ذلكَ دليلاً علىٰ أنّه عليه السلامُ لَم يُقِمْه إماماً.
و الذي حُكيَ عن الحسَنِ البَصريِّ - مِن أنّه عليه السلامُ استَخلَفَ أبا بَكرٍ في الصلاةِ ، فكانَ استخلافاً له علَى الأُمّةِ (4)- أقوىٰ في الشُّبهةِ مما يَدَّعيهِ هؤلاءِ القومُ ؛ لأنّه تعلُّقٌ باستخلافِه إيّاه في الصلاةِ التي هي مِن أجَلِّ الشريعةِ ، و جَعلُ الإمامةِ مِثلَها، و إن كانَ لَيسَ في ذلكَ أجمَعَ ما يدُلُّ علَى النصِّ عندَنا.(5)
يُقالُ له(6): أمّا سؤالُ العبّاسِ رضي اللّٰه عنه النبيَّ(7)صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه عن بَيانِ
الأمرِ مِن بَعدِه، فهو خبرُ واحدٍ غيرُ مقطوعٍ عليه، و مَذهبُنا في أخبارِ الآحادِ - التي
1) . في المغني: «فكما».
2) . في «د» و المغني: «ذلك له».
3) . في «ج، ص، ط، ف» و الحجري: «و يجري».
4) . قوله: «في الصلاة فكان استخلافاً له على الأُمّة» ساقط من «د» و المغني.
5) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 122-123.
6) . في «ص»: «فيقال له».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «للنبيّ ». و في المطبوع و الحجري: - «النبيّ ».
لا تَكونُ متضمِّنةً(1)لِما يَعترِضُ علَى الأدلّةِ و الأخبارِ المتَواتِرةِ المقطوعِ عليها - معروفٌ، فكَيفَ بما يَعترِضُ ما ذَكَرناه مِن أخبارِ الآحادِ؟ فمَن جعَلَ هذا الخبرَ المَرويَّ عن العبّاسِ دافعاً لِما تَذهبُ(2)إليه الشيعةُ مِن النصِّ - الذي قد دَلَّلنا علىٰ صحّتِه و بيّنّا استفاضةَ الروايةِ به - فقَد أبعَدَ.
علىٰ أنّ الخبرَ - إذا سَلَّمناه و صَحَّت الروايةُ به - غيرُ دافعٍ للنصِّ، و لا مُنافٍ له؛ لأنّ سؤالَه رحمه اللّٰه يَحتملُ أن يَكونَ عن حصولِ الأمرِ لهم و ثُبوتِه(3)في أيديهِم، لا عن استحقاقِه و وجوبِه.
و(4)يَجري ذلكَ مَجرىٰ رجُلٍ نحَلَ بعضَ أقاربِه نَحْلاً، و أفرَدَه بعَطيّةٍ بَعدَ وفاتِه، ثُمّ حضَرَته الوفاةُ، فقَد يَجوزُ لصاحبِ النِّحلةِ أن يَقولَ له: أتَرىٰ ما نَحَلتَنيهِ (5)و أفرَدتَني به يَحصُلُ (6)لي مِن بَعدِكَ ، و يَصيرُ إلىٰ يَدي، أم يُحالُ بَيني و بَينَه، و يَمنَعُ مِن وصولِه إليَّ ورَثَتُكَ؟
و لا يَكونُ هذا السؤالُ دليلاً علىٰ شكِّه في الاستحقاقِ ، بَل يَكونُ دالاًّ(7)علىٰ شكِّه في حصولِ الشيءِ الموهوبِ له و مصيرِه(8)إلىٰ قَبضَتِه(9).
1) . في «ص» و التلخيص: «منضمّة».
2) . في «د» و الحجري و التلخيص: «يذهب».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «و عن ثبوته».
4) . في المطبوع و الحجري: - «و».
5) . في التلخيص: «أنحلتنيه».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «أيحصل».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «دليلاً».
8) . في المطبوع و الحجري: - «و مصيره».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «قبضه».
و الذي يُبِينُ عن(1)صحّةِ تأويلِنا و بُطلانِ ما توَهَّموه: قولُ النبيِّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه في جَوابِ العبّاسِ علىٰ ما ورَدَت به الروايةُ : «إنّكم المقهورونَ » و في روايةٍ أُخرىٰ : «إنّكم المظلومونَ »(2).
فأمّا قولُه: «و كَيفَ ساغَ لأبي بَكرٍ أن يَستَخلِفَ عُمَرَ؟» فطَريفٌ؛ لأنّ الذي سوَّغَ(3)له ذلكَ هو الذي سوَّغَ له الانتصابَ في الأمرِ، فأيُّ حُجّةٍ تَلزَمُنا باستخلافِه عُمَرَ؟ و إنّما يَكونُ استخلافُه حُجّةً علينا لَو سَلَّمنا كَونَه مصيباً في سائرِ أفعالِه و أنّ الخَطأَ و الزلَلَ(4)لا يَدخُلانِ(5)في شيءٍ منها. و هذا ممّا لا نسلِّمُه.
اللّهمَّ إلّاأن يُقالَ: لَو كانَ استخلافُه لعُمَرَ مُنكَراً لأَنكَرَه المسلمونَ، و لَما اجتمَعَ عليه الأنصارُ و المهاجِرونَ.
و هذا إذا قيلَ هو(6)غيرُ ما اعتمَدَه أبو هاشِمٍ ؛ لأنّه لَم يتعَلَّقْ إلّاباستخلافِ أبي بَكرٍ لعُمَرَ مِن غيرِ ذِكرِ إجماعٍ (7)أو اختلافٍ (8)، و علىٰ ذلكَ تكَلَّمنا، و منه عَجِبنا. و إذا تعلَّقَ
بالإجماعِ و(9)وجوبِ الإنكارِ، فالكلامُ عليه ما تقدَّمَ و ما سيَجيءُ في مَواضعِه.
1) . في المطبوع و التلخيص: - «عن».
2) . الأمالي للمفيد، ص 351، المجلس 42، ح 2؛ الأمالي للطوسي، ص 122، المجلس 5، ح 3/190؛ الصراط المستقيم، ج 3، ص 159. و مع اختلاف في مسند أحمد، ج 6، ص 339، ح 26918؛ الطبقات الكبرى، ج 8، ص 218، الرقم 4225؛ أنساب الأشراف، ج 1، ص 551، الرقم 1120.
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «يسوّغ».
4) . في «د»: «و الخلل».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «لا يدخل».
6) . في الحجري: «فهو». و في «ج، ص، ف»: «و هو».
7) . في «د»: «لإجماع».
8) . في المطبوع: «و اختلاف».
9) . في المطبوع و الحجري: - «و».
فأمّا(1)ما جَرَى الأمرُ(2)عليه في بَيعةِ أبي بَكرٍ: فلَيسَ فيه ما يَقتَضي بُطلانَ النصِّ، و لا يَدفَعُ صحّتَه؛ لأنّا قد بيّنّا - باقتصاصِ(3)الحالِ و تصويرِها، و ما جَرىٰ فيها مِن المبادَرةِ و تَركِ المشاوَرةِ لبَني هاشِمٍ و مَن كانَ في جُملتِهم - ما هو بأن يدُلَّ علىٰ ثُبوتِ النصِّ أَولىٰ و أَحرىٰ.
و لَيسَ يَجري بَيانُ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ أمرَ نفسِه و تصريحُه بأنّه الإمامُ المنصوصُ عليه مَجرىٰ قولِ طَلحةَ لأبي بَكرٍ: «ما تَقولُ لربِّكَ إذا ولَّيتَ علينا فَظّاً غَليظاً؟»؛ لأنّ طَلحةَ بالقولِ المرويِّ عنه لَيسَ بقادحٍ في إمامةِ أبي بَكرٍ، و لا في دِينِه، و لا في شيءٍ مِن أحوالِه، و إنّما أخرَجَ قولَه مَخرَجَ الاستِزادةِ(4)و الشكوىٰ، و شَتّانَ بَينَ هذا القولِ و بَينَ موافَقتِه علىٰ تَعدّيهِ في الإمامةِ(5)عهدَ الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه و انتصابِه المَنصِبَ الذي غيرُه أحَقُّ به؛ فكَيفَ يُجعلُ ما جَرىٰ مِن طَلحةَ - مع كَونِه بالصفةِ التي ذَكَرناها - مسوِّغاً للموافَقةِ علَى النصِّ، و في الموافَقةِ عليه ما هو معلومٌ؟
علىٰ أنّ أبا بَكرٍ لَم يَرضَ مِن طَلحةَ بقَولِه، مع أنّه لا مَطعَنَ عليه في نفسِه به(6)، و لمّا سَمِعَ قولَه قالَ: «أجلِسوني، أجلِسوني»؛ لأنّه كانَ مُستَلقياً، ثُمّ قالَ: «باللّٰهِ تخوِّفونَني(7)؟ أقولُ : يا رَبِّ ، وَلَّيتُ عليهم خَيرَ أهلِكَ »(8). فمَن أزعَجَه قولُ طَلحةَ
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «و أمّا».
2) . في المطبوع و الحجري: - «الأمر».
3) . في «ج، ص»: «باختصاص».
4) . هكذا في «ج، ص» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «الاسترادّة». و استزاد فلان فلاناً: إذا عَتَبَ عليه في أمرٍ لم يرضه. لسان العرب، ج 6، ص 123 (زيد).
5) . في «ص»: + «على».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: - «به».
7) . في «ج، ص، ط»: «تخوّفوني». و في التلخيص: «تخوّفني».
8) . المصنّف لابن أبي شيبة، ج 7، ص 485، ح 46؛ الطبقات الكبرى، ج 3، ص 149؛ الإمامة
و حَرَّكَه حتّىٰ أظهَرَ الغضَبَ منه و الامتعاضَ - و هو قولٌ قد جَرَت عادةُ الرعيّةِ بأن يَستعمِلوه مع رؤَسائهم و أُمَرائهم - كَيفَ يَكونُ حالُه لَو قيلَ له: «لَستَ بإمامٍ ، و الإمامُ غيرُكَ ، و أنتَ مخالِفٌ للرسولِ عليه السلامُ فيما صَنَعتَه و توَلَّيتَه»؟
فأمّا دخولُ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ في الشُّورىٰ : فقَد ذَكرَ أصحابُنا رحمهم اللّٰه فيه وجوهاً:
[1.] أحَدُها: أنّه عليه السلامُ إنّما دخَلَها(1)ليَتمكَّنَ(2)مِن إيرادِ النُّصوصِ عليه، و الاحتجاجِ بفَضائلِه و سَوابقِه، و ما يدُلُّ علىٰ أنّه أحَقُّ بالأمرِ و أَولىٰ . و قد عَلِمنا أنّه لَو لَم يَدخُلْها لَم يَجُز مِنه أن يَبتدئَ بالاحتجاجِ و لَيسَ هناكَ مَقامُ احتجاجٍ و بحثٍ (3)، فجعَلَ (4)عليه السلامُ دخولَها(5)ذَريعةً إلَى التنبيهِ علَى الحقِّ بحَسَبِ الإمكانِ علىٰ ما ورَدَت به الروايةُ ؛ فإنّها وَرَدَت بأنّه عليه السلامُ عدَّدَ في ذلكَ اليومِ جميعَ فَضائلِه و مَناقبِه أو(6)أكثَرَها(7).
و السياسة، ج 1، ص 37؛ المنتظم، ج 4، ص 126؛ أنساب الأشراف، ج 10، ص 88-89؛ أُسد الغابة، ج 3، ص 665.
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «دخل فيها».
2) . في «ص»: + «فيها».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «الاحتجاج و البحث».
4) . في «ج، ص»: «فيجعل».
5) . في «د» و المطبوع و الحجري: «دخوله».
6) . هكذا في جميع النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «أو ذكّر بها» بدل «أو أكثرها».
7) . قال أبو الطفيل عامر بن واثلة: كنت على الباب يوم الشورى مع عليّ عليه السلام في البيت و سمعته يقول لهم: «لأحتجّنّ عليكم بما لا يستطيع عربيّكم و لا عجميّكم تغيير ذلك؛ أنشدكم
(7) اللّٰه أيّها النفر جميعاً، أفيكم أحد وحّد اللّٰه قبلي؟» قالوا: لا، قال: «فأنشُدُكم اللّٰه، هل منكم أحد له أخ مثل جعفر الطيّار في الجنّة مع الملائكة؟»، قالوا: اللهمّ لا، قال: «أنشدكم باللّٰه، هل فيكم أحد له عمّ كعمّي حمزة أسد اللّٰه و أسد رسوله سيّد الشهداء غيري؟» قالوا: اللهمّ لا، قال: «أنشدكم اللّٰه، هل فيكم أحد له زوجة مثل زوجتي فاطمة بنت محمّد سيّدة نساء أهل الجنّة غيري؟»، قالوا: اللهمّ لا، قال: «أنشدكم اللّٰه، هل فيكم أحد له سبطان مثل سبطي الحسن و الحسين سيّدي شباب أهل الجنّة غيري؟»، قالوا: اللهمّ لا، قال: «فأنشُدكم اللّٰه، هل فيكم أحد ناجى رسول اللّٰه عشر مرّات، قدّم بين يدي نجواه صدقة قبلي؟»، قالوا: اللهمّ لا، قال: «فأنشُدكم اللّٰه، هل فيكم أحد قال له رسول اللّٰه: من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ وال من والاه و عاد من عاداه، و انصر من نصره؛ ليبلغ الشاهد الغائب، غيري؟» قالوا: اللهمّ لا، قال: «فأنشُدكم اللّٰه، هل فيكم أحد قال له رسول اللّٰه: اللهمّ إئتني بأحبّ خلقك إليك و إليّ، و أشدّهم لك حبّاً و لي حبّاً، يأكل معي من هذا الطير، فأتاه و أكل معه غيري؟»، قالوا: اللهمّ لا، قال: «فأنشُدكم اللّٰه، هل فيكم أحد قال له رسول اللّٰه: لأُعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ اللّٰه و رسوله و يحبّه اللّٰه و رسوله، لا يرجع حتّى يفتح اللّٰه على يده - إذ رجع غيري منهزماً - غيري؟»، قالوا: اللهمّ لا، قال: «فأنشدكم اللّٰه، هل فيكم أحد قال فيه رسول اللّٰه لوفد بني وليعة: لتؤمننّ أو لأبعثنّ إليكم رجلاً نفسه كنفسي، و طاعته كطاعتي، و معصيته كمعصيتي، يقتلكم بالسيف غيري؟» قالوا: اللهمّ لا، قال: «فأنشُدكم اللّٰه، هل فيكم أحد قال فيه رسول اللّٰه: كذب من زعم أنّه يحبّني و يبغض هذا، غيري؟»، قالوا: اللهمّ لا، قال: «فأنشُدكم باللّٰه هل فيكم أحد سلّم عليه في ساعة واحدة ثلاثة آلاف ملك من الملائكة، منهم جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل، حيث جئت بالماء إلى رسول اللّٰه من القَليب، غيري؟»، قالوا: اللهمّ لا، قال: فأنشُدكم اللّٰه، هل فيكم أحد قال له جبرئيل: هذه هي المواساة، فقال له رسول اللّٰه: إنّه منّي و أنا منه، و قال جبرئيل: و أنا منكما، غيري؟»، قالوا: اللهمّ لا، قال: «فأنشُدكم اللّٰه، هل فيكم أحد نودي من السماء: لا سيف إلّاذو الفقار، و لا فتى إلّاعليّ، غيري؟»، قالوا: اللهمّ لا، قال: «فأنشُدكم اللّٰه، هل فيكم أحد قال له رسول اللّٰه: تقاتل الناكثين و القاسطين و المارقين على لسان النبيّ ، غيري ؟»، قالوا: اللهمّ لا، قال: «فأنشُدكم اللّٰه، هل فيكم أحد قال له رسول اللّٰه: إنّي قاتلت على تنزيل القرآن، و تقاتل على تأويل القرآن غيري ؟»، قالوا: اللهمّ لا، قال: «فأنشُدكم اللّٰه، هل فيكم أحد ردّت عليه الشمس حتّى صلّى العصر في وقتها غيري ؟»، قالوا: اللهمّ لا، قال: «فأنشُدكم اللّٰه، هل كان فيكم أحد أمره رسول اللّٰه أن يأخذ
[2.] و مِنها: أنّه عليه السلامُ جوَّزَ أن يسلِّمَ القومُ الأمرَ له(1)، و يُذعِنوا - لِما يورِدُه مِن الحُججِ عليهم - بحَقِّه، فجعَلَ الدُّخولَ في الشُّورىٰ توَصُّلاً إلىٰ حَقِّه(2)و سبباً إلَى التمكُّنِ(3)مِن الأمرِ و القيامِ فيه بحُدودِ اللّٰهِ تَعالىٰ، و للإنسانِ أن يَتوصَّلَ إلىٰ حَقِّه و يَتسبَّبَ إليه بكُلِّ أمرٍ لا يَكونُ قَبيحاً.
براءةً من أبي بكر، فقال أبو بكر: يا رسول اللّٰه، أ نزل فيّ شيء؟ فقال: إنّه لا يؤدّي عنّي إلّاعليّ، غيري؟»، قالوا: اللهمّ لا، قال: «فأنشُدكم اللّٰه، هل فيكم أحد قال له رسول اللّٰه: لا يحبّك إلّامؤمن، و لا يبغضك إلّاكافر، غيري؟»، قالوا: اللهمّ لا، قال: «فأنشُدكم اللّٰه، أ تعلمون أنّه تعالىٰ أمر بسدّ أبوابكم و فتح بابي، فقلتم في ذلك، فقال رسول اللّٰه: ما أنا سددت أبوابكم، و لا فتحت بابه، بل اللّٰه سدّ أبوابكم و فتح بابه؟»، قالوا: اللهمّ، نعم، قال: «فأنشُدكم اللّٰه، أ تعلمون أنّه صلّى اللّٰه عليه و آله ناجاني يوم الطائف دون الناس، فأطال ذلك، فقلتم: ناجاه دوننا، فقال: ما أنا انتجيته، بل اللّٰه انتجاه»، فقالوا: اللهمّ نعم. قال: «فأنشُدكم اللّٰه، أ تعلمون أنّ رسول اللّٰه قال: الحقّ مع عليّ و عليّ مع الحقّ، يدور الحقّ مع عليّ كيفما دار؟»، قالوا: اللّهمّ نعم. قال: «فأنشُدكم اللّٰه، أ تعلمون أنّ رسول اللّٰه قال: إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّٰه و عترتي أهل بيتي، لن تضلّوا ما إن تمسّكتم بهما، و لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض؟»، قالوا: اللهمّ، نعم. قال: «فأنشُدكم اللّٰه، هل فيكم أحد قال له رسول اللّٰه حين هرب من المشركين: من يفديني بنفسه؟ ففداه بنفسه واضطجع في مضجعه، غيري؟»، قالوا: اللهمّ، لا. قال: «فأنشُدكم اللّٰه، هل فيكم أحد بارز عمرو بن عبدودّ العامري - حيث دعاكم إلى البراز - غيري؟»، قالوا: اللهمّ، لا. قال: «فأنشُدكم اللّٰه، هل فيكم أحد أنزل اللّٰه فيه آية التطهير حيث قال: (إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) غيري»، قالوا: اللهمّ، لا، قال: «فأنشُدكم اللّٰه، هل فيكم أحد قال له رسول اللّٰه: أنت سيّد العرب غيري ؟»، قالوا: اللهمّ ، لا. قال: «فأنشُدكم اللّٰه، هل فيكم أحد قال له رسول اللّٰه: ما سألت اللّٰه شيئاً إلّاسألت لك مثله، غيري ؟»، قالوا: اللهمّ ، لا. و هذا الحديث يسمّى حديث المناشدة. المناقب للخوارزمي، ص 301؛ الاستيعاب، ج 3، ص 1098، الرقم 1855؛ فرائد السمطين، ج 1، ص 314؛ ينابيع المودّة، ج 1، ص 343 و 434.
[3.] و مِنها: أنّ السببَ في دُخولِه عليه السلامُ كانَ التقيّةَ و الاستصلاحَ؛ لأنّه عليه السلامُ لمّا دُعيَ(1)إلَى(2)الدخولِ في الشورىٰ أشفَقَ مِن أن يَمتنِعَ فيَتسبَّبَ منه الامتناعُ إلَى المظاهَرةِ و المكاشَفةِ، و إلىٰ أنّ تأخُّرَه عن الدخولِ(3)في الشورىٰ إنّما كانَ لاعتقادِه أنّه صاحبُ الأمرِ دونَ مَن ضُمَّ إليه، فحمَلَه علَى الدخولِ ما حمَلَه في الابتداءِ علىٰ إظهارِ الرِّضا و التسليمِ.
فأمّا المانعُ له مِن أن يَقولَ لعُمَرَ - عندَ قولِه: «إن وَلِيتَ مِن أُمورِ المسلمينَ شيئاً فلا تَحمِلْ بَني هاشِمٍ علىٰ رِقابِ الناسِ» -: «أنا إمامُ المسلمينَ، و قد عَرَفتَ النصَّ عليَّ» حسَبَ ما ألزَمَناه أبو هاشِمٍ، فهو المانعُ الأوّلُ الذي منَعَه مِن أن يَقولَ مِثلَ
ذلكَ لأبي بَكرٍ طولَ أيّامِه، و لعُمَرَ في ابتداءِ وِلايتِه، ثُمّ مُدّةَ أيّامِه.
و الحالُ عندَ مَصيرِ الأمرِ إليه - و في زَمانِ حَربِه معاويةَ و غيرَه: في استمرارِ المانعِ - كالحالِ فيما تَقدَّمَ ؛ لأنّ جُلَّ أصحابِه(4)و جُمهورَهم كانوا معتقِدينَ إمامتَه بالاختيارِ، و مِن الوجهِ الذي اعتَقَدوا منه(5)إمامةَ الثلاثةِ المتقدِّمينَ عليه، و كانوا يُنكِرونَ الخِلافَ لسُنّتِهم و العُدولَ عن طريقتِهم في أكثَرِ الأمرِ، حتّىٰ إنّهم كانوا يطالِبونَ في كَثيرٍ مِن الأحوالِ بأنْ يُحمَلوا علىٰ سيرةِ الشيخَينِ ، فكيف يُقابَلُ هؤلاءِ - و حالُهم هذه - بما يَقتَضي تظليمَ القومِ و القَدْحَ في أحوالِهم ؟ و هل المُلزِمُ (6)لذلكَ إلّامُتعنِّتٌ مُجازِفٌ؟
و لَيسَ ما ذَكَرناه مانعاً مِن ذِكرِ مَناقبِه و فَضائلِه؛ لأنّه لَم يَكُن في أصحابِه أحَدٌ يُنكِرُ فَضلَه(1)، و لا يَستبدِعُ مَنقَبةً له.
فأمّا تَعلُّقُه بالمعاضَدةِ و الانتهاءِ إلىٰ رأيِ القومِ: فما نَعرفُ معاضَدةً وقَعَت منه عليه السلامُ يُشارُ إليها تَقتَضي ما يَدَّعيهِ المخالِفونَ، و الظاهرُ المعلومُ أنّه عليه السلامُ لَم يَتولَّ لهم وِلايةً قَطُّ، و لا شارَكَهم في وِلايتِهم علىٰ جهةِ(2)المعاوَنةِ.
و أكثَرُ ما وقَعَ منه عليه السلامُ - ممّا يَجعَلُه المخالِفونَ شُبهةً(3)- دَفعُه عليه السلامُ عن المدينةِ في بعضِ الأوقاتِ.(4)
و لَيسَ في ذلكَ حُجّةٌ و لا شُبهةٌ ؛ لأنّه عليه السلامُ إنّما ذَبَّ عن نفسِه و أهلِه و حَرَمِ رسول اللّٰهِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه. و هذا يَجري عندَه مَجرَى الأمرِ بالمعروفِ و النهيِ عن المُنكَرِ الذي لا بُدَّ مِن إقامتِه مع التمكُّنِ . و لَو كانَ قَصدُه
عليه السلامُ بما فعَلَه المعاضَدةَ و المعاوَنةَ (5)لَكانَ الواجبُ أن يَنفُذَ في بُعوثِهم، و يَخرُجَ في جُيوشِهم، و يَحميَ عن سائرِ بُلدانِهم علىٰ سَبيلِ المعاضَدةِ (6). فإذا(7)لَم
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «فضائله».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «علىٰ وجه».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «حجّة».
4) . و ذلك بعد وفاة رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله لمّا هاجم المرتدّون المدينة، و إلى هذا أشار عليه السلام بقوله: «فلمّا مضى عليه السلام تنازع المسلمون الأمر من بعده... فأمسكتُ يدي حتّى رأيت راجعةَ الناس قد رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محق دين محمّد صلّى اللّٰه عليه و آله، فخشيتُ إن لم أنصُرِ الإسلام و أهله أن أرى فيه ثَلْماً أو هَدْماً تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم التي إنّما هي متاع أيّام قلائل...». نهج البلاغة، ص 451، الكتاب 62؛ تاريخ الطبري، ج 3، ص 244 و ما بعدها؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 17، ص 152 و ما بعدها.
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «المعاونة و المعاضدة».
6) . في «ج، ص»: - «على سبيل المعاضدة».
7) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «و إذا».
نَجِدْه عليه السلامُ فعَلَ ذلكَ ، عَلِمنا أنّ الوجهَ في حَربِه عن المدينةِ ما ذَكَرناه.
فأمّا تنبيهُه عليه السلامُ لهم(1)علَى الأحكامِ فيما كانوا يَستَفتونَه فيه: فلا شُبهةَ أيضاً(2)فيه؛ لأنّ المأخوذَ عليه أن يُفتيَ بالحَقِّ علىٰ كُلِّ وجهٍ (3)و لكُلِّ أحَدٍ، و ينبِّهَ عليه مع(4)التمكُّنِ ، فلَم يَكُن يَسَعُه عليه السلامُ أن يُشاهِدَ حُكماً للّٰهِ (5)تَعالىٰ قد عُدِلَ به عن الحَقِّ ، يَتمكَّنُ مِن تغييرِه و الكلامِ فيه، فلا يَذكُرَ ما عندَه في أمرِه.
و قولُه: «و يَنتَهيَ إلىٰ آرائهم(6)في إقامةِ الحُدودِ و غيرِها» عجيبٌ؛ لأنّا ما نَعرِفُ(7)نحنُ و لا أحَدٌ أنّه عليه السلامُ رجَعَ إلىٰ رأيِهم في شيءٍ مِن الأحكامِ ، بَل المعلومُ الظاهرُ أنّهم كانوا يَرجِعونَ إليه و يَستَفتونَه في المُعضِلاتِ ، و يَقولُ عُمَرُ: «لا عِشتُ لِمُعضِلةٍ لا يَكونُ لها أبو حَسَنٍ »(8).
فأمّا إقامةُ الحُدودِ: فلَم يُقِمْ عليه السلامُ حَدّاً علىٰ أحَدٍ بإذنِهم و مِن قِبَلِهم، و إنّما
1) . في «ج، ص، ط، ف»: - «لهم».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: - «أيضاً».
3) . في التلخيص: «كلّ حال».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «عند».
5) . في «ج، ص، ط»: «حكم اللّٰه».
6) . في التلخيص و المغني: «رأيهم».
7) . في «ج»: «لا نعرف».
8) . تجد هذا التعبير أو «لولا عليّ لهلك عمر» أو «اللّهمّ لا تبقني لمعضلة ليس لها ابن أبي طالب» أو ما هو قريب من ذلك في عامّة كتب السنّة في مناسبات كثيرة. راجع: الطبقات الكبرى، ج 2، ص 258؛ فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل، ج 2، ص 803؛ أنساب الأشراف، ج 2، ص 99-100؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 25، ص 369، الرقم 3047، و ج 42، ص 406، الرقم 4933؛ الاستيعاب، ج 3، ص 1103، الرقم 1855؛ المناقب للخوارزمي، ص 81، ح 65؛ كفاية الطالب، ص 227 و 334؛ ينابيع المودّة، ج 1، ص 227؛ ذخائر العقبى، ج 1، ص 395؛ الرياض النضرة، ج 3، ص 161؛ فرائد السمطين، ج 1، ص 344؛ تذكرة الخواصّ ، ص 134 و 137؛ البداية و النهاية، ج 7، ص 35.
أقامَ الحَدَّ علَى الوَليدِ بنِ عُقبةَ عندَ امتناعِ عُثمانَ مِن إقامتِه عليه، و قالَ عليه السلامُ :
«لا يَضيعُ للّٰهِ حَدٌّ و أنا حاضرٌ»(1)فكيفَ يُجعَلُ إقامتُه للحَدِّ دَليلاً علَى المساعَدةِ و المؤازَرةِ؟
فأمّا ما دَلَّ علىٰ نفيِ النصِّ على العبّاسِ (2): فلَيسَ هو ما ظَنَّه مِن اعتبارِ أحوالِ الصحابةِ و أفعالِها، لكنّه ما قَدَّمناه و شَرَحناه(3)، و قد بيّنّا أنّ جميعَ ما تَوهَّمَ أنّ في ثُبوتِه أو انتفائه انتفاءَ النصِّ باطلٌ ، و أنّ جميعَ ما اعتقَدَ منافاتَه للنصِّ مِن الأفعالِ و الأحوالِ (4)غيرُ مُنافٍ له.
و قولُه: «إنّه لا يَجوزُ أن يُنَصَّ بالإمامةِ علىٰ رجُلٍ معيَّنٍ على رُؤوسِ الأشهادِ، فلا يَدَّعيَ له ذلكَ مُدَّعٍ، و لا يَدَّعيَه هو لنفسِه» لا يُشبِهُ (5)حالَ النصِّ ؛ لأنّ النصَّ علىٰ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ قد ادَّعَته له جماعةٌ كثيرةٌ و ادَّعاه(6)هو عليه السلامُ لنفسِه، و لَو لَم يَدَّعِ ذلكَ علىٰ وجهٍ لَما عَلِمناه، و لا كانَ لنا سَبيلٌ إلىٰ معرفتِه. اللّهمّ إلّا أن يُريدَ نَفيَ الادّعاءِ علىٰ سَبيلِ الإظهارِ و الإعلانِ ، فإذا(7)أرادَ ذلكَ فقَد بيّنّا مِن الأسبابِ المانعةِ منه ما فيه كفايةٌ .
1) . لم نعثر على مصادره بهذا اللفظ، و لكنّه منقول بلفظ آخر، و هو «و اللّٰه لا يُعطَّل للّٰه حدّ و أنافي الإسلام». الأحكام ليحيى بن الحسين، ج 2، ص 268.
2) . في المطبوع و الحجري: - «على العبّاس».
3) . تقدّم في ص 405 و ما بعدها.
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «من الأحوال و الأفعال». و في المطبوع: «من الأفعال و الأقوال».
5) . في المطبوع و الحجري: «و لا يشبهه».
6) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و ادّعى».
7) . في «د، ف» و المطبوع و الحجري: «و إذا».
فأمّا ما استَقواه مِن شُبهةِ البَكريّةِ في استخراجِهم مِن تقديمِ أبي بَكرٍ للصلاةِ النصَّ عليه: فمعلومٌ وجهُه و الباعثُ علَى ادّعائه. و بإزاءِ ذلك أنّ ما تَدَّعيهِ(1)البَكريّةُ مِن النصِّ بخبرِ الصلاةِ عندَنا مِن أضعَفِ الشُّبَهِ و أرَكِّها، حتّىٰ إنّه لَيَغلِبُ علىٰ ظَنِّ أكثَرِنا(2)استحالةُ اعتقادِ النصِّ بهذه الطريقةِ(3)علىٰ أحَدٍ مِن المحصِّلينَ، و يُنسَبُ إظهارُها ممّن تعلَّقَ بها إلَى الغَفلةِ و قِلّةِ التحصيلِ، أو اعتمادِ المدافَعةِ و المقابَلةِ مِن غيرِ أن يَكونَ الاعتقادُ مطابِقاً للقولِ.
و قد بَيَّنَ أصحابُنا رحمهم اللّٰه في غيرِ مَوضعٍ الكلامَ علىٰ خبرِ(4)الصلاةِ المنسوبةِ إلىٰ أبي بَكرٍ، و دَلُّوا علىٰ(5)أنّه لا نِسبَةَ بَينَ الصلاةِ و الإمامةِ؛ و جُملةُ ما أَورَدوه أنّ خبرَ الصلاةِ أوّلاً خبرُ واحدٍ.(6)
ثُمّ إنّ الأمرَ بها و الإذنَ فيها واردٌ مِن جهةِ عائشةَ ، و لَيسَ بمُنكَرٍ أن يَكونَ الإذنُ صدَرَ مِن جهتِها، لا مِن جهةِ الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه.(7)
و قد دَلَّ أصحابُنا علىٰ ذلكَ بشَيئَينِ :
1) . في «ج، ط، ف»: «ما يدّعيه».
2) . في المطبوع و الحجري: «أكثرها».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «بهذا الطريق».
4) . في التلخيص: - «خبر».
5) . في التلخيص: «بأن بيّنوا» بدل «و دلّوا على».
6) . في التلخيص: + «و لا يُرجع في مثل هذه المسألة إلى خبر واحد».
7) . في تاريخ الطبري في حوادث سنة 11 ه. عن ابن عبّاس: قال رسول اللّٰه: «ابعثوا إلى عليّ ، فادعوه»، فقالت عائشة: لو بعثت إلى أبي بكر، و قالت حفصة: لو بعثت إلى عمر. تاريخ الطبري، ج 2، ص 439.
أحَدُهما: قَولُ النبيِّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه - علىٰ ما أتَت(1)به الروايةُ - لمّا عرَفَ تقدُّمَ أبي بَكرٍ في الصلاةِ و سَمِعَ قِراءتَه في المِحرابِ: «إنّكُنَّ كصُوَيحِباتِ(2)يوسُفَ»(3).
و [ثانياً:](4)بخُروجِه عليه السلامُ - متَحامِلاً مِن الضَّعفِ، معتمِداً علىٰ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ و الفضلِ بنِ العبّاسِ - إلَى المسجِدِ(5)، و عَزلِه لأبي بَكرٍ عن المَقامِ و إقامةِ (6)الصلاةِ ، و تَقدُّمِه عليه(7)بنفسِه في الصلاةِ (8).
و هذا يدُلُّ دَلالةً واضحةً علىٰ أنّ الإذنَ (9)في الصلاةِ لَم يَتعدَّ عائشةَ إلَى الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(10).
و قد قالَ بعضُ المخالِفينَ : إنّ السببَ في قولِه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه: «إنّكُنَّ كصُوَيحِباتِ يوسُفَ » أنّه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه لمّا أُوذِنَ بالصلاةِ قالَ : «مُروا أبا بَكرٍ
1) . في التلخيص: «جاءت».
2) . في «د» و التلخيص: «لصويحبات». و هكذا أيضاً في الموضعين الآتيين.
3) . مسند أحمد، ج 4، ص 412، ح 19715؛ و ج 5، ص 361، ح 23110؛ صحيح البخاري، ج 1، ص 240، ح 646 و 647، و ص 241، ح 650، و ص 251، ح 680 و 681؛ صحيح مسلم، ج 1، ص 311، ح 94/418 و 95/418، و ص 316، ح 101/420؛ سنن ابن ماجة، ج 1، ص 389، ح 1232، و ص 390، ح 1234؛ الجامع الصحيح، ج 5، ص 613، ح 3672؛ سنن النسائي، ج 2، ص 99، ح 833.
4) . ما بين المعقوفين أضفناه من التلخيص.
5) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «إلى المسجد».
6) . في التلخيص: «بإقامة».
7) . في التلخيص: «و تقدّمه صلّى اللّٰه عليه و آله».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «و إقامة الصلاة بنفسه» بدل «و إقامة الصلاة و تقدّمه عليه بنفسه في الصلاة».
9) . في التلخيص: «أنّ الأمر».
10) . في «ج، ص، ط، ف»: «عليه السلام» في الموارد الثلاثة، و كذا في بعض المواضع الآتية.
ليُصلّيَ(1)بالناسِ». فقالَت له عائشةُ: «إنّ أبا بَكرٍ رجُلٌ أسِيفٌ(2)حَزينٌ(3)لا يَحتمِلُ قلبُه أن يَقومَ مَقامَكَ في الصلاةِ، و لكِنْ تأمُرُ عُمَرَ أن يُصلّيَ بالناسِ ». فقالَ عليه السلامُ عندَ ذلكَ : «إنّكُنَّ كصُوَيحِباتِ يوسُفَ »(4).
و هذا لَيسَ بشيءٍ؛ لأنّ النبيَّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه لا يَجوزُ أن يَكونَ أمثالُه إلّا وَفقاً(5)لأغراضِه، و قد عَلِمنا أنّ صوَيحباتِ يوسُفَ لَم يَكُن منهنَّ خِلافٌ علىٰ يوسُفَ، و لا مراجَعةٌ له في شيءٍ أمَرَهنَّ به، و إنّما افتُتِنَّ بأَسرِهنّ بحُسنِه، و أرادَت كُلُّ واحدةٍ منهنَّ (6)منه(7)مِثلَ ما أَرادَته صاحبتُها؛ فأشبَهَت حالُهنَّ حالَ عائشةَ في تقديمِها أباها للصلاةِ طلَباً(8)للتجمُّلِ (9)و التشرُّفِ بمَقامِ الرسولِ (10)صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و لِما يَعودُ بذلكَ عليها و علىٰ أبيها مِن الفَخرِ و جَميلِ الذِّكرِ.
و لا معتبَرَ بمَن(11)حمَلَ نفسَه مِن المخالِفينَ علىٰ أنْ يَدَّعيَ أنّ الرسولَ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه لمّا خرَجَ إلَى المسجِدِ لَم يَعزِلْ أبا بَكرٍ عن الصلاةِ و أقَرَّه في مَقامِه.
لأنّ هذا مِن قائلِه غلَطٌ فظيعٌ ؛ مِن حَيثُ يَستحيلُ أن يَكونَ النبيُّ صَلّى اللّٰهُ عليه
1) . في التلخيص: «ليصلّ ».
2) . في «د»: «أسِف». و الأسيف: السريع البكاء و الحزن. كتاب العين، ج 7، ص 311 (أسف).
3) . في «ج، ص، ط، ف»: - «حزين».
4) . نفس المصادر السابقة.
5) . في التلخيص: «وقفاً».
6) . في «ج، ص، ط»: - «منهنّ ».
7) . في التلخيص: - «منه».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: - «طلباً».
9) . في التلخيص: «للتحمّل» بدل «طلباً للتجمّل».
10) . في «ج، ص، ط، ف»: «رسول اللّٰه».
11) . في التلخيص: «لمن».
و آلِه - و هو الإمامُ المتّبَعُ في سائرِ الدِّينِ - متّبِعاً مأموماً في حالٍ مِن الأحوالِ.
و كَيفَ يَجوزُ أن يَتقدَّمَ النبيَّ(1)صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه غيرُه في الصلاةِ، و قد دَلَّت الدَّلالةُ علىٰ أنّه لا يَتقدَّمُ فيها إلّاالأفضَلُ علَى الترتيبِ و التنزيلِ المعروفِ(2)؟
و ممّا يدُلُّ علىٰ بُطلانِ دعواهم هذه(3): أنّه عليه السلامُ لَو لَم يَعزِلْه عند خروجِه عن الصلاةِ لَما كانَ لِما(4)ورَدَت به الروايةُ مِن الاختلافِ - في أنّه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه لمّا صلّىٰ بالناسِ ابتَدأَ مِن القُرآنِ(5)مِن حَيثُ ابتَدَأَ أبو بَكرٍ، أو مِن حَيثُ انتَهىٰ - معنىً.
علىٰ أنّا لا نَعلَمُ(6)- لَو تَجاوَزنا عن جميعِ ما ذَكَرناه - وجهاً يَكونُ منه خبرُ الصلاةِ شُبهةً في النصِّ، مع تسليمِ أنّ النبيَّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه أمَرَ بها(7)أيضاً؛ لأنّ الصلاةَ وِلايةٌ مخصوصةٌ في حالٍ مخصوصٍ (8)لا تعلُّقَ لها بالإمامةِ ؛ لأنّ الإمامةَ تَشتمِلُ علىٰ وِلاياتٍ كثيرةٍ مِن جُملتِها الصلاةُ ، ثُمّ هي مُستمِرّةٌ في الأوقاتِ كُلِّها؛ فأيُّ نِسبةٍ مع ما ذَكَرناه بَينَ الأمرَينِ؟
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «على النبيّ ».
2) . الكافي، ج 6، ص 330، ح 5260/5 (ج 3، ص 376، ح 5، ط. الإسلامية)؛ تهذيب الأحكام، ج 3، ص 31-32، ح 113؛ سنن ابن ماجة، ج 1، ص 313، ح 980؛ سنن أبي داود، ج 1، ص 214، ح 582؛ صحيح مسلم، ج 1، ص 465، ح 291/673؛ مسند أحمد، ج 4، ص 118، ح 17104، و ص 121، ح 17133.
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «بطلان هذه الدعوى».
4) . في التلخيص: «فيما».
5) . في «ج»: «بالقرآن».
6) . في «د» و التلخيص: «ما نعلم». و في المطبوع و الحجري: «نعلم» بدل «لا نعلم».
7) . في المطبوع و الحجري: «أمرها» بدل «أمر بها».
8) . في «ج، ص، ف»: «في حالة مخصوصة». و في «ط» و التلخيص: - «في حال مخصوص».
علىٰ أنّه لَو كانَت وِلايةُ(1)الصلاةِ دالّةً علَى النصِّ، لَم تَخلُ(2)مِن أن تَكونَ دالّةً(3)
مِن حَيثُ كانَت تقديماً في الصلاةِ، أو مِن حَيثُ اختَصَّت - مع أنّها تقديمٌ فيها(4)- بحالِ المرضِ.
فإن دَلَّت مِن الوجهِ الأوّلِ وَجَبَ أن يَكونَ جميعُ مَن قدَّمَه الرسولُ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه في طولِ حياتِه للصلاةِ إماماً للمسلمينَ، و قد عَلِمنا أنّ الرسولَ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه قد ولَّى الصلاةَ جَماعةً لا يَجِبُ شيءٌ مِن هذا فيهم.
و إن دَلَّت مِن الوجه الثاني، فالمرضُ لا تأثيرَ له في إيجابِ الإمامةِ. و لَو دَلَّ تقديمُه في الصلاةِ في حالِ المرضِ علَى الإمامةِ، لَدَلَّ علىٰ مِثلِه التقديمُ في حالِ الصحّةِ . و لَو كانَ للمرضِ تأثيرٌ، لوَجَبَ أن يَكونَ تأميرُه أُسامةَ بنَ زيدٍ و تأكيدُه أمرَه في حالِ المرضِ - مع أنّ وِلايتَه تَشتمِلُ علَى الصلاةِ و غيرِ الصلاةِ (5)- موجِباً له الإمامةَ (6)لأنه لا خِلافَ في أنّ النبيَّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه كانَ يَقولُ إلىٰ أن فاضَت نفسُه الكريمةُ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه: «نَفِّذوا جَيشَ أُسامةَ »(7)و يكرِّرُ ذلكَ و يردِّدُه.
فإن قيلَ : لَم تدُلَّ الصلاةُ علَى الإمامةِ مِن الوجهَينِ اللذَينِ أفسَدتموها(8)، لكِنْ مِن
1) . في «ج، ص، ف» و التلخيص: - «ولاية».
2) . هكذا في «ج». و في سائر النسخ و المطبوع: «لم يخل».
3) . في التلخيص: «من أن يكون ذلك».
4) . في «ج، ص، ف»: - «فيها».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «و غيرها».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «موجباً للإمامة».
7) . المعجم الكبير، ج 3، ص 130، ح 2891؛ كنز العمّال، ج 10، ص 576، ح 30266، و ص 581، ح 30270؛ أنساب الأشراف، ج 1، ص 384؛ البدء و التاريخ، ج 5، ص 59 و 152؛ تاريخ الإسلام، ج 3، ص 19؛ تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 113؛ الطبقات الكبرى، ج 4، ص 50، الرقم 357.
8) . في التلخيص: «أخذتموها».
حَيثُ كانَ النبيُّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه مؤتَمّاً بأبي بَكرٍ في الصلاةِ و مُصَلّياً خَلفَه.
قُلنا: قد مَضىٰ ما يُبطِلُ هذا الظنَّ(1)، فكَيفَ يُجعَلُ ما هو مُستَحيلٌ في نفسِه حُجّةً؟
علىٰ أنّ النبيَّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(2)عندَ مخالِفينا قد صَلّىٰ خَلفَ عبدِ الرحمنِ بنِ عَوفٍ (3)، و لَم يَكُن ذلكَ موجِباً له الإمامةَ ، و خبرُ صلاةِ عبدِ الرحمنِ بنِ عَوفٍ أثبَتُ عندَهم و أظهَرُ فيهم مِن خبرِ(4)صلاتِه خَلفَ أبي بَكرٍ؛ لأنّ الأكثَرَ منهم يَعترِفُ بعَزلِه عن الصلاةِ عندَ خروجِه عليه السلامُ ، و قد بيّنّا أنّ المرضَ لا تأثيرَ له؛ فلَيسَ لهم أنْ يفرِّقوا بَينَ صلاتِه خَلفَ عبدِ الرحمنِ و بَينَها خَلفَ أبي بَكرٍ بذِكرِ المرضِ (5).
قالَ صاحبُ الكتابِ فِي الحكايةِ(6)عن أبي هاشِمٍ:
و ممّا يبيِّنُ بُطلانَ قولِهم: أنّه لا يَجوزُ أن يَقدَمَ جماعةٌ مِن أهلِ(7)البصرةِ لا يَجوزُ علىٰ مِثلِهم التواطؤُ فيُخبِروا(8)عن أسعارِ الأمتِعةِ و لا يُخبِروا بدخولِ القَرامِطةِ ؛ فإذا(9)وَجَدناهم لَم يُخبِروا بذلكَ مع إخبارِهم بالأسعارِ و أشباهِها، دَلَّ ذلكَ علىٰ أنّ القَرامِطةَ لَم تَدخُلِ البصرةَ ، أو لَم يَقِفوا علىٰ ذلكَ مِن أمرِهم. و لَو جازَ أن لا يُخبِروا بالعظيمِ ، و يُخبِروا
1) . تقدّم آنفاً في ص 473-476.
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «الرسول عليه السلام».
3) . مسند أحمد، ج 4، ص 247، ح 18182؛ الطبقات الكبرى، ج 3، ص 95، الرقم 38؛ أنساب الأشراف، ج 10، ص 33.
4) . في «ج، ص، ط، ف»: - «خبر».
5) . في «ج، ص، ف»: «للمرض» بدل «بذكر المرض».
6) . في «ج، ف»: «حكايةً » بدل «في الحكاية». و في «ص»: - «في الحكاية».
7) . في المغني: - «من». و في جميع النسخ: - «أهل».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «فيخبرونا».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «و إذا». و في المغني: «فإن».
بما هو دونَه، لَجازَ أن يقَعَ في الجامعِ حَربٌ(1)و قَتلٌ و يَجيئَنا منهم قومٌ لا يُخبِرونَ بذلك، و إذا(2)كانَ مِثلُ ذلكَ باطلاً و قد عَلِمنا أنَّ جَعْل النبيِّ عليه السلامُ(3)عليّاً(4)إماماً و إشارتَه إليه و نصَّه عليه مِن أعظَمِ ما تَحتاجُ(5)الأُمّةُ إليه و(6)إلىٰ معرفتِه(7)، فلَو كانَ قد نصَبَه لهم لَما جازَ أن يَتَكاتَموا أمرَه مِن غيرِ تواطؤٍ و هم يُخبِرونَ(8)بالكَثيرِ ممّا هو دونَ ذلكَ في الحاجةِ (9)، بل يُخبِرونَ بكثيرٍ ممّا لا يُحتاجُ إليه، و لا هو في الظهورِ مثلُ إقامةِ الإمامةِ (10). و لَو تواطَؤوا علىٰ ذلكَ مع أنّهم جماعةٌ عظيمةٌ لَم يَخفَ ذلكَ علينا؛ لأنّ ذلكَ إنّما يَكونُ بأُمورٍ تَظهَرُ(11)، و كَيفَ (12)يَجوزُ أن يَتواطَؤوا علىٰ كِتمانِ ذلك(13)حتّىٰ لا يَدَّعيَه مُدَّعٍ في مَشهَدٍ و لا مَقامٍ؟
علىٰ أنّ ذلكَ لَو صَحَّ - علىٰ ما يَدَّعونَ (14)- ما كانَت الحُجّةُ قائمةً علينا،
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «حروب».
2) . في المغني: «فإذا».
3) . هكذا في المغني. و في النسخ و المطبوع: «صلّى اللّٰه عليه و آله».
4) . في المغني: - «عليّاً».
5) . في النسخ و الحجري: «يحتاج». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و المغني.
6) . في المطبوع و الحجري: - «و».
7) . في «د» و المغني: «الأُمّة إلى معرفته».
8) . في «د» و المطبوع و الحجري: «مخبرون».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: - «في الحاجة».
10) . في «ص»: «مثل إمامة الأُمّة».
11) . في «ج، ص، ط، ف»: «بأمر يظهر».
12) . في المغني: «فكيف».
13) . في «ج، ص، ط، ف»: + «مع ظهوره».
14) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و المغني. و في «د» و المطبوع و الحجري: «يدّعونه».
يُقالُ له: الذي يَجِبُ إذا قَدِمَت جماعةٌ مِن البصرةِ(4)لا يَجوزُ عليهم التواطؤُ، و أخبَرونا عن أسعارِ الأمتِعةِ و لَم يُخبِروا(5)بدخولِ(6)القَرامِطةِ، و عَلِمنا أنّه لا داعيَ لهم إلىٰ كِتمانِ دخولِ القَرامِطةِ، و لا صارِفَ لهم عن الإخبارِ بحالِهم(7)، أن
يُعلَمَ بهذا الشرطِ أنّهم لَم يَدخُلوها. فأمّا مع التجويزِ لحصولِ دَواعٍ(8)إلَى الكِتمانِ و صَوارِفَ عن الإظهارِ، فلا يَجِبُ القطعُ؛ بل لا يَمتنِعُ أن يُخبِروا(9)بالأسعارِ و بما هو أدوَنُ حالاً(10)مِن الأسعارِ و لا يُخبِروا بشأنِ القَرامِطةِ .
و كذلكَ القولُ في الوارِدِينَ علينا مِن الجامعِ (11)ألا تَرىٰ أنّه لا يَمتنِعُ أن تَعتقِدَ(12)هذه الجماعةُ الواردةُ مِن البصرةِ ، لأُمورٍ ظَهَرَت مِن سُلطانِ بَغدادَ، أنّه متىٰ عثَرَ علىٰ مُخبِرٍ عن دخولِ القَرامِطةِ البصرةَ (13)ضَرَبَ عنقَه و نَكَّلَ به، أو
1) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: - «به».
2) . في المغني: «لم يقمه».
3) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 123.
4) . في «ج، ص، ط، ف»: - «من البصرة».
5) . في «ج» و التلخيص: «و لم يخبرونا».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «عن دخول».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «عن حالهم».
8) . في «ج، ص»: «الداعي». و في «ط، ف»: «الدواعي».
9) . في التلخيص: «أن يخبرونا».
10) . في «د»: «دون حال».
11) . أي بحسب المثال الذي تقدّم.
12) . في النسخ و الحجري: «أن يعتقد». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و التلخيص.
13) . في التلخيص: «عن أحوال القرامطة».
يَكونَ (1)بَينَ هذه الجماعةِ و بَينَ جماعةٍ مِن تُجّارِ بَغدادَ معامَلاتٌ و مضارَباتٌ فيَعتقِدوا(2)أنّهم متىٰ أنذَروهم(3)بدخولِ القَرامِطةِ البصرةَ كانَ ذلكَ سبباً داعياً لهم إلَى الامتناعِ مِن دفعِ تجاراتِهم إليهم، و حَملِها في صُحبتِهم إشفاقاً عليها، و خَوفاً مِن امتدادِ الأيدي إليها.
و نحنُ نَعلَمُ أنّهم(4)متَى اعتَقَدوا أحَدَ ما ذَكَرناه و تَقَرَّرَ في نُفوسِهم، لَم يَجُز أن يُخبِروا بدخولِ القَرامِطةِ البصرةَ ، مع إخبارِهم بصغيرِ(5)الحوادثِ .
و لَيسَ لهم أن يَقولوا: إنّ هذه الجماعةَ التي ذَكَرنا حالَها إذا خافَت مِن أن تُخبِرَ بدخولِ القَرامِطةِ مِن السُّلطانِ ، فإنّه لا بُدَّ أن يَخافَ منها(6)قومٌ فيُمسِكوا، و يُغَلِّبَ آخَرونَ السَّلامةَ فيُخبِروا(7)، ثُمّ لا يَلبَثُ أمرُهم أن يَظهَرَ، و(8)حالُ القَرامطةِ في دخولِهم البصرةَ أن يُعلَمَ .
لأنّ ذلك إذا صَحَّ لَم يَكُن قادِحاً في قولِنا و لا مُعترِضاً علىٰ طريقتِنا؛ لأنّ الخَوفَ أوّلاً رُبَّما انكتَمَ معه الخبرُ ما دامَ الخَوفُ قائماً، لا سِيَّما إذا لَم يَحمِلِ المخبِرينَ علَى الخبرِ داعٍ مِن دَواعي الدِّينِ ، أو داعٍ يَرجِعُ إلَى الدُّنيا يَجري في
1) . في التلخيص: «أو تكون».
2) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «فيعتقدون».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «أخبروهم».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «أنّه».
5) . في «ص»: «بصغر».
6) . في «ج، ص، ط»: «فيها».
7) . في التلخيص و بعض النسخ: «أن يخاف منها قوم فيمسك (تلخيص: فتمسك) و يغلب (تلخيص: و يطلب) آخر السلامة فيخبر (تلخيص: فتخبر)».
8) . في المطبوع و الحجري: «أن يظهروا» بدل «أن يظهر و».
القوّةِ مَجرىٰ داعي الدِّينِ. و إذا أخبَرَ منهم مُخبِرٌ لقوّةِ الدَّواعي(1)، فلا يَكونُ إخبارُه إلّا علىٰ أخفىٰ ما يَكونُ مِن الوجوهِ و أستَرِها(2). هذا إذا حمَلَ نفسَه علَى الخطرِ و رُكوبِ الغَرَرِ(3).
و مِثلَ هذا نَعنيه في النصِّ؛ لأنّ الدَّواعيَ التي دَعَت إلىٰ كِتمانِه لَم تعُمَّ جميعَ الأُمّةِ، بَل اختَصَّ قومٌ بالنقلِ و آخَرونَ بالكِتمانِ، و مَن نقَلَ فإنّما وقَعَ نقلُه لقوّةِ الداعي الدِّينيِّ(4)علىٰ جهةِ الخَفاءِ و المساتَرةِ(5).
و نحنُ نَعلَمُ أنّه لا يُمكِنُ أحَداً مِن مخالِفينا أن يَقولَ: إنّ السُّلطانَ متىٰ خوَّفَ مِن ذِكرِ خبرِ القَرامِطةِ، فإنّ مَن نقَلَ(6)خبرَهم مع هذا الخَوفِ الشديدِ - و حَمَلَ نفسَه علَى النقلِ تغليباً للسَّلامةِ، و طمَعاً(7)في النَّجاةِ - فإنّ نَقلَه يَقَعُ ظاهراً مكشوفاً، كما يَقَعُ نَقلُه لِسائرِ(8)ما لا خَوفَ فيه مِن جهةِ السُّلطانِ.
فقَد ثبَتَ علىٰ كُلِّ حالٍ ما أرَدناه، و بطَلَ ما ادَّعاه أبو هاشِمٍ مِن استحالةِ كِتمانِ دخولِ القَرامِطةِ البصرةَ علَى الجماعةِ الكثيرةِ ؛ لأنّه إذا سُلِّمَ أنّ الكِتمانَ لا يَجوزُ أن يعُمَّ جميعَ الجماعاتِ الواردةِ ، بَل لا بُدَّ أن يُخبِرَ منهم بما قَرَّرناه مخبِرٌ، فلَيسَ بواجبٍ أن يقَعَ (9)الإخبارُ مِن هذه الجماعةِ حتّىٰ لا يَبقَى الكِتمانُ إلّافي الطائفةِ
1) . في «ج، ص، ط، ف» و الحجري: «لقوّة الداعي».
2) . في «ج، ط»: «و أسرّها».
3) . في «ج» و التلخيص: «الضرر».
4) . في التلخيص: «بقوّة دواعي الدين».
5) . في حاشية «ج»: «و المسارّة».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «من ذكر».
7) . في «ج، ص»: «و ظنّاً».
8) . هكذا في «ج، ط، ف» و التلخيص. و في «د، ص» و المطبوع و الحجري: «بسائر».
9) . هكذا في جميع النسخ و الحجري و التلخيص، و في المطبوع: «أن تقع».
اليسيرةِ التي يَجوزُ عليها التواطؤُ، بَل العادةُ تَقتَضي بعَكسِ هذا؛ لأنّ الخبرَ إذا وقَعَ مِن بعضِهم فلَيسَ يَقَعُ إلّامِن الآحادِ الذين يخالِفونَ الحَزمَ، و يَطرَحونَ العَواقبَ ، و يُغلِّبونَ الطمعَ في النَّجاةِ . و الكِتمانُ مع ثُبوتِ الخَوفِ هو الأعَمُّ الواجبُ في الجماعةِ ، و هذا معلومٌ بالعادةِ ضَرورةً .
فإن قيلَ : ما ذَكَرتموه يوجِبُ أن تجوِّزوا(1)دخولَ القَرامِطةِ البصرةَ علىٰ وجهٍ ظاهرٍ لجميعِ أهلِها، و إن انكتَمَ ذلكَ علىٰ أهلِ بَغدادَ جُملةً (2)مع امتدادِ الزمانِ ، بأن يتَّفِقَ لجميعِ الوارِدِينَ مِن البصرةِ مِن الدَّواعي إلَى الكِتمانِ أمثالُ ما وَصَفتموه.
قُلنا: لَيسَ يَجِبُ إذا جَوَّزنا أمراً تَشهَدُ بجَوازِه العادةُ(3)، و يَقضي بصحّتِه التعارُفُ، أن يَلزَمَ(4)ما يَستَحيلُ فيهما(5)لأنّا نَعلَمُ أنّ الخَوفَ مِن السُّلطانِ و إنِ اقتَضىٰ حصولَ الكِتمانِ مِن الجماعةِ و(6)الجماعاتِ الواردةِ، فلَيسَ يَجوزُ أن يَستمِرَّ
ذلكَ في كُلِّ جماعةٍ تَرِدُ حتّىٰ لا يُخبِرَ منها نفَرٌ و إن قَلَّ عَددُهم مع الخَوفِ علَى السبيلِ التي ذَكَرناها في تغليبِ السَّلامةِ. ثُمّ ذلكَ إن(7)جازَ و عَمَّ الجماعةَ علىٰ بُعدِه، فلَيسَ (8)يَصِحُّ أن تَستَمِرَّ(9)أسبابُ الخَوفِ مع امتدادِ الزمانِ ، بل لا بُدَّ مِن أن تَرتفِعَ (10)
1) . في «ط، ف» و التلخيص: «أن يجوّزوا».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: - «جملة».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «العادات».
4) . في التلخيص: «أن نلتزم». و في المطبوع و الحجري: «أن نُلزَمَ ».
5) . في «ج، ص، ف»: «فيها».
6) . في «ج»: «أو».
7) . في التلخيص: «إذا». و في «د» و المطبوع و الحجري: «و إن».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «فلن».
9) . في «ج، ط، ف»: «أن يستمرّ». و في «د» و المطبوع و الحجري: «استمرار» بدل «أن تستمرّ».
10) . في «ج، ص، ط، ف»: «أن يرتفع».
دواعي الخَوفِ أو تَضعُفَ؛ إمّا بِزَوالِ أمرِ السُّلطانِ(1)الذي كانَ الخَوفُ منه، أو بضَعفِه.
يبيِّنُ ما ذَكَرناه عِلمُنا بأنّ الناسَ في أيّامِ السُّلطانِ القاهرِ - الذي تُخافُ(2)سَطوَتُه، و جَرَت عادتُه بالتخويفِ(3)مِن إفشاءِ أسرارِه و أخبارِه، و المبالَغةِ في عِقابِ مَن يُقدِمُ علىٰ مخالَفتِه - قد يَشُكّونَ كَثيراً في أخبارِ بُعوثِه و جُيوشِه و ما يَجري عليهم(4)مِن هَزيمةٍ و قَتلٍ و ما أشبَهَهما، و لا يَقطَعونَ بإمساكِ مَن يَرِدُ مِن الجهةِ التي ذلكَ الجَيشُ (5)فيها - و إن كانوا جماعةً - علَى انتفاءِ وقوعِ الهَزيمةِ بالجَيشِ أو ما أشبَهَها مِن المكروهِ ، و يجوِّزونَ أن يَكونَ إمساكُ الوارِدِينَ عن الخبرِ إنّما هو لعِلّةِ الخَوفِ مِن السُّلطانِ - و هذه حالُ الناسِ كانَت في أيّامِ عَضُدِ الدَّولةِ (6)- غيرَ أنّ
1) . في المطبوع و الحجري: «أو لزوال إمرة السلطان».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «يخافون». و في «د» و الحجري: «يخاف».
3) . في التلخيص: «بالتحرّز».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «بينهم».
5) . في المطبوع: «تلك الجيوش».
6) . عضد الدولة هو فنا خسرو بن الحسن الملقّب ركن الدولة ابن بويه الديلمي، أبو شجاع، تولّى ملك فارس، ثمّ ملك الموصل و الجزيرة، و هو أوّل من خُطب له على المنابر بعد الخليفة. قال الزمخشري في ربيع الأبرار (ج 3، ص 457): وصف رجل عضد الدولة فقال: «وجه فيه ألف عين، و فم فيه ألف لسان، و صدر فيه ألف قلب». كان شديد الهيبة و كان عالماً بالعربيّة و ينظم الشعر. و من آثاره تجديد حرم أمير المؤمنين عليه السلام في النجف الأشرف، و بنى سوراً حول مدينة الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله، و أنشأ ببغداد البيمارستان العضدي (أي المستشفى العضدي)، و عمّر القناطر و الجسور. توفّي ببغداد سنة 372 ه. و حمل إلى النجف الأشرف و دفن فيها، و قبره في جهة باب الطوسي من الصحن الشريف، ولكن طمست معالمه، و ضاع في جملة ما ضاع من آثار عاصمة الدين و مثوى أمير المؤمنين عليه السلام. و قد ذكر أخبار عضد الدولة كثير من المؤرّخين. الكامل لابن الأثير، ج 8، ص 328 و 482 و 516؛ يتيمة الدهر، ج 2، ص 257-259، الرقم 110؛ وفيات الأعيان، ج 4، ص 50-55، الرقم 532.
الأمرَ لا بُدَّ أن يَنكشِفَ علَى الأيّامِ مِن بعضِ الوجوهِ التي ذَكَرناها.
هذا إذا كانَ الداعي إلَى الكِتمانِ الخَوفَ .
فأمّا إذا كانَ ما تَقَدَّمَ مِن إشفاقِ بعضِ التُّجّارِ مِن أن يُخبِروا بدخولِ القَرامِطةِ فيَمتنِعَ شُرَكاؤهم مِن تسليمِ الأمتِعةِ إليهم، فهو(1)أبعَدُ مِن الاستمرارِ؛ لأنّ هذا الغرضَ و إن جَوَّزناه في بعضِ الجماعاتِ الواردةِ فمُحالٌ أن يَكونَ حاصلاً لكُلِّ واردٍ مِن البصرةِ ؛ لعِلمِنا بأنّ أكثَرَ مَن يَرِدُ لا تِجارةَ له، فلا بُدَّ أن يَظهَرَ ذلكَ ممّن لا غرضَ له في الكِتمانِ .
علىٰ أنّ مَن أعرَضَ عن ذِكرِ دخولِ القَرامِطةِ مِن التُّجّارِ للغرضِ الذي ذَكَرناه، لا يَجوزُ أن يَطمَعَ في استمرارِ استتارِ دخولِهم عن شُرَكائه(2)مِن أهلِ بَغدادَ، و هم يَعلَمونَ أنّ شُرَكاءَهم متىٰ لَقوا غيرَهم مِن الوارِدِينَ عَلِموا دخولَ القَرامِطةِ مِن جهتِهم، و إنّما يَجعَلونَ الكِتمانَ لذلكَ و الإعراضَ عن ذِكرِه طريقاً لتعجُّلِ ما يَتسلَّمونَه(3)من جهتِهم و تحصيلِه. و متى واقَفَهم(4)الشُّرَكاءُ بَعدَ أن يَعرِفوا ما كَتَموه مِن جهةِ غيرِهم، جازَ أن يُكذِّبوا بذلكَ إن تَمكَّنوا أو يَقولوا(5): لَعلَّ دخولَهم كانَ بَعدَ خروجِنا.
و هذه أُمورٌ تَجوزُ في أحوالٍ و تَمتنِعُ في أُخرىٰ علىٰ حَسَبِ الأطماعِ و الظُّنونِ و الدَّواعي. و مَن سَبَرَ العاداتِ عَلِمَ أنّ الشيءَ قد يَتِمُّ و يَقصِدُه الجماعةُ ، و في
أمثالِه في الظاهرِ ما يَبعُدُ تَمامُه و قَصدُ العُقَلاءِ له؛ لِما يَختَصُّ به(1)كُلُّ واحدٍ مِن الأمرَين مِن الأسبابِ الباعثةِ و الصارفةِ .
ثُمّ يُقالُ لصاحبِ الكتابِ: ألَيسَ قد ذَكَرتَ في «بابِ الأخبارِ» مِن كتابِكَ هذا عندَ الكلامِ في الكِتمانِ: «أنّ(2)الجَمعَ العظيمَ إذا عرَفَ أمراً تَدعو الدَّواعي إلىٰ نقلِ مِثلِه، فغَيرُ جائزٍ أن يَكتُمَه و لا يُظهِرَه، إلّابمواطأةٍ، أو بشُبهةٍ جامعةٍ(3)علىٰ ذلكَ، أو خِيفةٍ، أو رَهبةٍ، إلىٰ ما شاكَلَه».
ثُمّ قُلتَ: «و متىٰ لَم تَحصُلْ هذه الأُمورُ، و لا حصَلَ ما يَقومُ مَقامَ نقلِها و إظهارِها، فالكِتمانُ غيرُ جائزٍ عليهم(4)»؟
و هذا الكلامُ يُناقِضُ ما حَكيتَه عن أبي هاشِمٍ؛ لأنّه أطلَقَ أنّ الجماعةَ الوارِدةَ مِن البصرةِ إذا أخبَرَت عن كَذا و أمسَكَت عن كَذا، دَلَّ إمساكُها علىٰ أنّ الذي أمسَكَت عنه لَم يَكُن، و لَم يَستَثنِ شيئاً ممّا ذَكَرتَه. و قد كانَ يَجِبُ أن يَقولَ علىٰ مُقتَضىٰ كلامِكَ : متىٰ لَم يَكونوا علىٰ كَذا و كَذا(5)، حتّىٰ يَشترِطَ سائرَ ما عدَّدتَه مِن الأسبابِ الموجِبةِ للكِتمانِ . فإن كانَ ذلكَ لا يَجِبُ أن يَشتَرِطَه - لأنّه مُستَحيلٌ (6)أن يَكتُمَ هؤلاءِ دخولَ القَرامِطةِ علىٰ وجهٍ مِن الوجوهِ ، و إنّما تُذكَرُ(7)أسبابُ الكِتمانِ في
مَواضِعَ أُخَرَ(1)يَسوغُ فيها(2)الكِتمانُ - فقَد كانَ يَجِبُ أن لا تُطلِقَ أنتَ جَوازَ الكِتمانِ علَى الجماعةِ العظيمةِ إذا اتّفَقَ لها أحَدُ الأسبابِ التي ذَكَرتَها، و تَستَثنيَ الوارِدِينَ مِن البصرةِ و مَن جَرىٰ مَجراهم، و تبيِّنَ أنّهم ممّن لا يَجوزُ عليه الكِتمانُ علىٰ وجهٍ و إن جازَ علىٰ غيرِهم لبعضِ تلكَ الأسبابِ .
فلا بُدَّ إذَن مِن أحَدِ أمرَينِ : إمّا الاعترافِ بالخَطَإ فيما أطلَقتَه في بابِ الأخبارِ، أو صَرفِ الخَطَإ إلىٰ كلامِ أبي هاشِمٍ الذي استَحسَنتَه و حَكَيتَه إعجاباً به و اعتقاداً له.
فإن قالَ : ألَيسَ قد ذَكَرتَ في بابِ الكلامِ في الكِتمانِ أنّ الجَمعَ العظيمَ إذا اختَصَّ بوجهٍ يَقتَضي الكِتمانَ ، فإنّ ذلك الوجهَ لا يَجوزُ أن لا يَنكشِفَ ، بَل لا بُدَّ أن يَظهَرَ، ثُمّ يَحصُلَ النقلُ به ؟
قيلَ له: قد ذَكَرتُ ذلكَ، و هو غيرُ عاذِرٍ لأبي هاشِمٍ فيما أطلَقَه مِن الكلامِ ، و لا مانعٍ ممّا حَكَمنا به مِن غَلَطِه؛ لأنّه لَم يجوِّزْ(3)أن يَكتُمَ الوارِدونَ مِن البصرةِ أمرَ القَرامِطةِ لأحَدِ الأسبابِ التي تَقتَضي الكِتمانَ ، ثُمّ يوجِبْ ظهورَها و ظهورَ ما كَتَموه فيما بَعدُ، بَل مَنَعَ الكِتمانَ منهم(4)جُملةً .
فأمّا ظهورُ ما تكتُمُه الجماعةُ علىٰ وجهٍ مِن الوجوهِ إذا كانَ ممّا تَمَسُّ الحاجةُ إليه و تَدعو الدَّواعي إلىٰ نقلِه، و وقَعَ في الأصلِ ظاهراً: فقد بيّنّا أنّه ممّا لا بُدَّ منه في العادةِ ، غيرَ أنّ ذلكَ غيرُ موجِبٍ لظهورِ أسبابِ الكِتمانِ و الوقوفِ عليها
بعَينِها(1)في كُلِّ حالٍ؛ لأنّ الأسبابَ الداعيةَ إلَى الكِتمانِ علىٰ ضَربَينِ:
أحَدُهما: يَجِبُ ظهورُه بالعادةِ و الوقوفُ عليه بعَينِه، كما يَجِبُ ظهورُ نفسِ الشيءِ المكتومِ إذا كانَ بالصفةِ التي تقدَّمَت.
و الضربُ الآخَرُ: لا يَجِبُ هذا فيه.
فأمّا الأوّلُ: فهو أن يَكونَ الكِتمانُ وقَعَ مِن الجماعةِ الكثيرةِ لِتَواطؤٍ عليه، أو لإكراهٍ مِن سُلطانٍ قاهرٍ؛ لأنّ العادةَ تَقتَضي ظهورَ ما ذَكَرناه، و الوقوفَ عليه بعَينِه، و أنّه ممّا لا يَكادُ يَخفىٰ و يَلتَبِسُ.
و الثاني: أن تَكونَ أسبابُ الكِتمانِ أُموراً تَختَصُّ(2)الجماعاتِ(3)، و تَرجِعُ إلَى اعتقاداتِها؛ كالعَداوةِ و الحَسَدِ و الشُّبَهِ و اعتقادِ الضرَرِ في الدِّينِ(4)أو الدُّنيا. فهذه الأسبابُ متَى اقتَضَت الكِتمانَ لَم يَجِبْ ظهورُها كوجوبِ ظهورِ ما تَقدَّمَ، لا سِيَّما إذا وقَعَ الكِتمانُ لأُمورٍ منها مختَلِفةٍ، و لَم يَكُن الداعي إليه واحداً بعَينِه، فإنّ الدَّواعيَ إلَى الكِتمانِ رُبَّما اختلَفَت في جنسِها و إن كانَت متَّفِقةً في اقتضائها للكِتمانِ(5)فهي إذا كانَت بهذه الصفةِ أبعَدُ مِن الظهورِ، و أقرَبُ إلَى الخَفاءِ.
و الذي يَكشِفُ عن صحّةِ ما ذَكَرناه أنّه لَو جمَعَ بعضُ السَّلاطينِ أهلَ بَلَدٍ عظيمٍ كثيرِ الأهلِ أو جماعةً منهم كثيرةً لا يَجوزُ عليها التواطؤُ، فذَكرَ بحَضرتِهم رجُلاً مِن بَلَدِهم بذِكرٍ جَميلٍ ، و قالَ فيه أقوالاً تَقتَضي(6)تفضيلَه و تعظيمَه(7)و الرفعَ منه، لَجازَ
1) . في «ج، ص، ط»: - «بعينها».
2) . هكذا في «ج، ط» و التلخيص. و في «ص، ف»: «يختصّ ». و في «د»: «يخصّ ». و في المطبوع و الحجري: «تخصّ ».
3) . في التلخيص: «بالجماعات».
4) . في التلخيص: «بالدين».
5) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «الكتمان».
6) . في «ج، د، ص، ط، ف»: «يقتضي».
7) . في التلخيص: «ثم تعظيمه» بدل «و تعظيمه».
مِن القومِ أن يَنصرِفوا فيُمسِكَ أكثرُهم عن نقلِ ما جَرىٰ و إعادتِه. و تَكونُ(1)دَواعيهم إلَى الكِتمانِ مختَلِفةً: فمنهم مَن دَعاه إليه العَداوةُ، و آخَرونَ حمَلَهم عليه الحَسَدُ، و بعضٌ(2)اعتقَدَ أنّ في نقلِه ضَرَراً في الدِّينِ أو الدُّنيا، و بعضٌ آخَرُ دخَلَت عليه شُبهةٌ مِن غيرِ هذه الوجوهِ. و لا يَجِبُ - و إن ظُهِرَ(3)علىٰ ما جَرىٰ مِن بعضِ الجهاتِ - أن يُظهَرَ علَى الأسبابِ (4)الموجِبةِ لكِتمانِ الجماعةِ له حتّىٰ تُعرَفَ بأعيانِها و يميَّزُ بَينَها و بَينَ غيرِها. و لا يَجري وقوعُ الكِتمانِ علىٰ هذا الوجهِ و لهذه الأسبابِ مَجرىٰ أن يَكونوا تَواطَؤوا عليه و تَوافَقوا علىٰ أن يُمسِكوا عن النقلِ ، أو وقَعَ مِن سُلطانٍ إكراهٌ لهم علَى الكِتمانِ ؛ لأنّا نَعلَمُ أنّه متىٰ وقَعَ لِما ذكرناه ثانياً وَجَبَ ظهورُ أسبابِه، و إن لَم يَجِبْ ذلكَ في الأوّلِ .
فإن قالَ(5): إذا جازَ أن يقَعَ الكِتمانُ مِن الجماعةِ الكثيرةِ (6)، فتَخفىٰ أسبابُه(7)علىٰ بعضِ الوجوهِ ، فلِمَ لا يَجوزُ(8)وقوعُ الافتعالِ (9)للأخبارِ أيضاً مِن الجماعةِ الكثيرةِ العَددِ، و تَخفىٰ (10)أسبابُه للعِلّةِ التي لها خَفيَت أسبابُ الكِتمانِ؟
1) . في «ج، د» و التلخيص: «و يكون».
2) . في «ج»: «و بعضهم».
3) . في المطبوع و الحجري: «و إن ظهرت».
4) . في التلخيص: «أن تظهر الأسباب».
5) . في التلخيص: «فإن قيل».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «الكثيرة العدد».
7) . في «ج، د، ص، ط، ف»: «فيخفى» بدل «فتخفى أسبابه».
8) . في «د» و المطبوع و الحجري: «لا جاز».
9) . الافتعال: الاختلاق.
10) . في «ج، د، ص، ف» و الحجري: «و يخفى».
و إذا(1)أجَزتم الكِتمانَ علَى الجماعاتِ للأسبابِ التي ذَكَرتموها، فأجيزوا الافتعالَ علىٰ مِثلِهم لمِثلِ تلكَ الأسبابِ؛ فإنّ ما استَشهَدتم به مِن العادةِ لا يَفرُقُ بَينَ الأمرَينِ ؛ لأنّ الناسَ كما قد تَحمِلُهم العَداوةُ و الحَسَدُ علَى الكِتمانِ ، فكذلكَ قد تَحمِلُهم المَحبّةُ و قوّةُ العَصَبيّةِ علَى الافتعالِ و تَخرُّصِ المُحالِ . و هذا يُبطِلُ طريقتَكم في النصِّ ، بل هو مُبطِلٌ لِسائرِ الأخبارِ.
قيلَ له: قد بيّنّا أنّ الكِتمانَ(2)رُبَّما وَجَبَ ظهورُ أسبابِه و رُبَّما لَم يَجِبْ، و فَرَّقنا بَينَ الأسبابِ التي متىٰ دَعَت إلَى الكِتمانِ ظهَرَت و وُقِفَ عليها، و بَينَ الأسبابِ التي لا يَجِبُ أن يُظهَرَ عليها.(3)
و لَيسَ يَجري الافتعالُ هذا المَجرىٰ؛ لأنّه إن أُريدَ به افتعالُ أخبارٍ مختَلِفةٍ في
اللفظِ و المعنىٰ ، أو مختَلِفةٍ في الصورةِ و اللفظِ و إن كانَت متّفِقةً في المعنى، فإنّا نجوِّزُ أن يَدعوَ إليه مِن الأسبابِ ما لا يَجِبُ ظهورُه و الوقوفُ عليه بعَينِه حسَبَ ما نَقولُه في الكِتمانِ و أسبابِه.
و إن(4)أُريدَ به افتعالُ خبرٍ واحدٍ متّفِقٍ في صورتِه و صفتِه و معناه - حتّىٰ يقَعُ مِن الجماعاتِ الكثيرةِ الخبرُ الذي هذه صفتُه، و تَنكتِمُ أسبابُ افتعالِه - فذلكَ لا يَجوزُ؛ لأنّ الخبرَ متىٰ كان بالصفةِ التي ذَكَرناها، لَم يَجُز أن يَجمَعَ (5)الجماعةَ عليه إلّا التواطؤُ أو حَملٌ ظاهرٌ مِن سُلطانٍ ، و لَم يَصِحَّ أن يَجتَمِعوا عليه للأسبابِ التي ذَكَرناها في الكِتمانِ .
أ لا تَرىٰ أنّ العَداوةَ و الحَسَدَ - و جميعَ ما عدَّدناه مِن الأسبابِ المقتَضيةِ للكِتمانِ في العادةِ - لا يَصِحُّ أن يَكونَ أسباباً تَجمَعُ(1)علَى افتعالِ خبرٍ بلفظٍ و معنىً واحدٍ، حتّىٰ يَصِحَّ مِن الجماعةِ العظيمةِ التي تُعادي رجُلاً أن تَفتعِلَ في ذَمِّه خبراً متّفِقاً في لفظِه و معناه، أو تَهجوَه بأَسرِها بقَصيدةٍ مِن الشِّعرِ متّفِقةِ اللفظِ و المعنىٰ مِن غيرِ تَواطؤٍ. و قد يَصِحُّ في العادةِ علىٰ هذه الجماعةِ أن تَكتُمَ(2)ما يَظهَرُ(3)لها(4)مِن فَضلِ مَن تُعاديهِ(5)لهذه الأسبابِ التي تقدَّمَت مِن غيرِ تَواطؤٍ و اتّفاقٍ؟(6)
فمِن هاهنا أوجَبْنا ظهورَ أسبابِ الافتعالِ متىٰ كانَت صفةُ الخبرِ المفتعَلِ(7)علىٰ ما ذَكَرناه، و لَم نوجِبْ(8)ظهورَ أسبابِ الكِتمانِ.
و لَيسَ بمُنكَرٍ عندَنا أن يَحمِلَ الناسَ المَحبّةُ و العَصَبيّةُ علَى الافتعالِ، كما قد يَحمِلُهم(9)علَى الكِتمانِ الحَسَدُ و العَداوةُ، غيرَ أنّ الافتعالَ الذي تَدعو(10)إليه المَحبّةُ لا يَجوزُ أن يَكونَ متّفِقاً في الصورةِ (11)و المعنىٰ ؛ لأنّ ما دَعا إلىٰ معناه لا يَجوزُ أن يَكونَ (12)
1) . في «د، ف» و المطبوع و الحجري: «يجمع».
2) . في «ص، ط، ف»: «أن يكتم».
3) . في التلخيص: «ما ظهر».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «له».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «ممّن يعاديه».
6) . علامة الاستفهام إنّما وُضعَت لوجود همزة الاستفهام في قوله: «أ لا تَرىٰ ».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «الذي افتعل» بدل «المفتعل».
8) . هكذا في النسخ و التلخيص. و في المطبوع و الحجري: «لم يوجب».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «و ليس يمكنكم أن تقولوا: المحبّة و العصبيّة تحمل الناس على الافتعال كما تحملهم».
10) . في «د، ص، ط، ف»: «يدعو».
11) . في «د» و المطبوع و الحجري: «في الصيغة».
12) . في «ج، ص، ط، ف»: «لا يكون» بدل «لا يجوز أن يكون».
داعياً إلىٰ إيرادِه علىٰ صورةٍ واحدةٍ.
يبيِّنُ ذلكَ: أنّه غيرُ ممتنِعٍ(1)أن يَقصِدَ جماعةٌ يوالونَ رجُلاً و يَجتمِعونَ علىٰ مَحبّتِه و التقرُّبِ إليه إلَى افتعالِ مَدحٍ فيه، غيرَ أنّا نَعلَمُ أنّ الذي جمَعَهم علَى المدحِ
مِن جهةِ الافتعالِ لا يَكونُ جامعاً علىٰ نوعٍ مِن المَدحِ مخصوصٍ حتّىٰ يُطبِقوا بأَسرِهم(2)مِن غيرِ تَواطؤٍ علىٰ مَدحِه بعِلمِ الكلامِ، أو علىٰ وصفِه(3)باستخراجِ مَسائلِ الفَرائضِ؛ بل لا بُدَّ(4)أن يَتصرَّفوا في ضُروبِ المَدحِ و فُنونِها، فيورِدَ كُلُّ واحدٍ أو كُلُّ(5)نفَرٍ فَنّاً مِن المدحِ. فإن كانوا بجَماعتِهم يَعلَمون أنّه يُريدُ مِن المَدحِ و يُعجِبُه مِن ضُروبِه نوعاً مخصوصاً، جازَ أن يَجتمِعوا علىٰ مَدحِه بضَربٍ مخصوصٍ؛ لأنّ عِلمَهم بما ذَكَرناه يَجمَعُهم علَى الفَنِّ(6)الواحدِ، غيرَ أنّه لا يَجوزُ مع هذا العِلمِ أن تَتّفِقَ صورةُ ما يورِدونَه و تَتماثَلَ(7)لأنّا(8)إذا قَدَّرنا أنّ الذي افتَعَلوه له(9)و عَلِموا مَيلَه إليه مِن ضُروبِ المَدحِ هو العِلمُ بالكلامِ ، لَم يَجُز أن يَتخرَّصوا بأَسرِهم مِن غيرِ تَواطؤٍ أنّه ناظَرَ أحذَقَ المتكلِّمينَ (10)في مسألةٍ مِن الكلامِ مخصوصةٍ ، و يَحكوا ما دارَ بَينَهما بعبارةٍ مخصوصةٍ حتّىٰ يَنتَهوا إلىٰ مَوضعٍ مِن المسألةِ يَشهَدون علَى
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «لا يمتنع» بدل «غير ممتنع».
2) . في «ج، ص، ط»: «حتّى بأسرهم يطبقوا».
3) . في «ج، ص، ط»: «على معرفته».
4) . في «ج، ط، ف»: + «من».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «و كلّ ».
6) . في «ج، ص»: «على الضرب».
7) . في «ج، ص، ط، ف» و الحجري: «أن يتّفق» بدل «أن تتّفق»، و «يتماثل» بدل «تتماثل».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «لأنّه».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: - «له».
10) . في التلخيص: «أنّه ناظر واحداً من المتكلّمين».
المتكلِّمِ الحاذِقِ بالانقطاعِ فيه، و تَقَعَ(1)هذه الحكايةُ مِن الجميعِ علىٰ وجهٍ واحدٍ.
و كذلكَ إذا كانوا يَعلَمون منه المَيلَ إلَى الوصفِ بالكَرَمِ، لَم يَجُز أن يَمدَحوه بقَصيدةٍ واحدةٍ متّفِقةِ الوزنِ و القافيةِ و المَعنىٰ، و يَصِفوه(2)فيها بإعطاءِ أموالٍ مخصوصةٍ لأقوامٍ بأعيانِهم؛ بل الجائزُ أن يَصِفَه كُلُّ واحدٍ بعِلمِ الكلام أو بالكَرَمِ علىٰ وجهٍ يخالِفُ الوجهَ(3)الذي يقَعُ عليه وصفُ صاحبِه.
و لَيسَ مِثلُ هذا في الكِتمانِ؛ فإنّ الجماعةَ الكَثيرةَ التي تُبغِضُ رجُلاً و تُعاديهِ يَجوزُ أن تَكتُمَ الفَضيلةَ الواحدةَ مِن فَضائلِه الواقعةِ علىٰ وجهٍ مخصوصٍ، و تَجمَعَ العَداوةُ علىٰ جَحدِها و الإعراضِ عن ذِكرِها، و لا يُحتاجُ فيما يَجمَعُ علىٰ كِتمانِ تلكَ الفَضيلةِ إلىٰ أكثَرَ مِن العَداوةِ.
فقد بانَ الفَرقُ في هذه الجهةِ بَينَ الكِتمانِ و الافتعالِ، و لَم يَلزَمْنا إبطالُ طريقةِ الاستدلالِ علَى النصِّ؛ لأنّ الشيعةَ نقَلَته بألفاظٍ مخصوصةٍ و صِيَغٍ متّفِقةٍ، و أشارَت(4)إلىٰ أحوالٍ وقَعَ فيها معيَّنةٍ، فلَم يَجُز أن يَكونوا افتَعَلوه لِلمَيلِ و المَحبّةِ مِن غيرِ تَواطؤٍ.
و لَو كانَت الشيعةُ نقَلَت معنَى النصِّ بألفاظٍ مختَلِفةٍ ، و علىٰ وجوهٍ متَبايِنةٍ ، لَساغَ الطَّعنُ الذي تَضمَّنه السؤالُ ، و احتاجَ مِن الجوابِ إلىٰ غيرِ ما تَقدَّمَ (5).
و لَيسَ له أن يَقولَ : ألَيسَ الشيعةُ قد نقَلَت النصَّ الجليَّ بألفاظٍ مختَلِفةٍ؟ فتارةً
بلفظِ: «هذا خَليفَتي عليكم مِن بَعدي»(1)، و تارةً بلفظِ: «هذا إمامُكم»(2)، إلىٰ غيرِ هذه الألفاظِ، و هي كثيرةٌ مختَلِفةٌ .
لأنّ هذه الألفاظَ و ما أشبَهَها مِن ألفاظِ النصِّ و إن اختلَفَت فالكُلُّ ناقلٌ(3)لها، و كُلُّ لفظٍ منها ينقُلُه جميعُ الشيعةِ أو الجماعةِ التي لا يَجوزُ عليها التواطؤُ منهم.
و لَم نُرِدْ بوقوعِ اللفظِ مختَلِفاً مِن الجماعةِ التي تَقصِدُ إلَى(4)الافتعالِ(5)هذا الوجهَ، و إنّما أرَدنا أنّ كُلَّ واحدٍ منهم إذا لَم يواطئْ صاحبَه لا بُدَّ(6)أن يورِدَ الخبرَ مخالِفاً لِما يورِدُه الآخَرُ عليه في لفظِه و جهتِه، حتّىٰ لا يَتّفِقَ منهم علَى اللفظِ المتشابِهِ(7)الصورةِ خَمسةُ أنفُسٍ، بَل رُبَّما لَم يَتَّفِقِ اثنانِ . و لَيسَ هذه(8)حالَ المُخبِرين عن النصِّ ؛ لأنّا قد بيّنّا أنّ جميعَهم نقَلَ الألفاظَ المختَلِفةَ ، و اتّفَقوا مع كَثرتِهم علىٰ نقلِها.
و يَجِبُ أن يُعلَمَ أنّ غرضَ المخالِفِ في إلزامِنا ظهورَ أسبابِ الكِتمانِ و معرفتَها
1) . الأمالي للصدوق، ص 584، المجلس 86، ح 1؛ عيون أخبار الرضا، ج 2، ص 13، ح 30؛ كمال الدين، ج 2، ص 435، ح 2؛ الاحتجاج، ج 2، ص 450؛ تحف العقول، ص 459؛ مسند أحمد، ج 1، ص 330، ح 3062؛ المعجم الكبير، ج 12، ص 97، ح 12593؛ السيرة الحلبية، ج 1، ص 406، مع اختلاف يسير.
2) . الأمالي للصدوق، ص 541، المجلس 80، ح 7؛ الخصال، ج 2، ص 465، ح 4؛ معاني الأخبار، ص 372، ح 1؛ الاحتجاج، ج 1، ص 78؛ روضة الواعظين، ج 1، ص 228.
3) . في التلخيص: «ناقلون».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: - «إلى».
5) . في التلخيص: + «علىٰ ».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «فلا بدّ».
7) . في «د» و المطبوع و الحجري: «المشابه».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «هذا».
بعَينِها أن نَلتزِمَ ذلكَ، فيوجِبَ علينا أن تَكونَ(1)الأسبابُ الموجِبةُ لكِتمانِ النصِّ علىٰ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ ظاهرةً لكُلِّ أحَدٍ، علىٰ وجهٍ لا تدخُلُ (2)فيه الشُّبهةُ ، و يَتطرَّقَ (3)بانتفاءِ ظهورِها و وقوفِ الناسِ عليها إلىٰ نفيِ الكِتمانِ الذي نَدَّعيه(4).
و قد(5)مضَى الكلامُ فيما يَجِبُ مِن ظهورِ أسبابِ الكِتمانِ و ما لا يَجِبُ .(6)
و يُمكِنُ أن يُقالَ للقومِ: ما الذي تُريدونَ بإلزامِكم ظهورَ أسبابِ الكِتمانِ؟
أ تُريدونَ أنّ ظهورَها واجبٌ علىٰ حَدٍّ لا يَصِحُّ دخولُ الشُّبهةِ معه علىٰ أحَدٍ؟
أم تُريدونَ أنّه لا بُدَّ أن يَقومَ عليها(7)دليلٌ مِن الأدلّةِ و تُعرَفَ(8)مِن وجهٍ مِن الوجوهِ و إن صَحَّ أن يَشتبِهَ الأمرُ فيها علىٰ مَن لَم يُنعِمِ النظَرَ؟
فإن أرَدتُم الأوّلَ، فقَد بيّنّا أنّه غيرُ واجبٍ في العادةِ، و ضَرَبنا له الأمثالَ.(9)
و إن أرَدتُم الثانيَ ، فهو غيرُ مُنكَرٍ؛ و قد دَلَّ الدليلُ عندَنا علَى الأسبابِ المقتَضيةِ لكِتمانِ النصِّ ، و عرَفَت الشيعةُ مِن حالِ النفَرِ(10)الذينَ تَواطَؤوا علىٰ إزالةِ الأمرِ عن مستَحِقِّه، و رَوَوا خبَرَ الصحيفةِ المكتوبةِ بَينَهم(11)، و مَيَّزوا بَينَ مَن دفَعَ النصَّ للحَسَدِ و العَداوةِ ، و بَينَ مَن دفَعَه للشُّبهةِ و حُسنِ الظنِّ بدافِعيهِ (12)، حتّىٰ إنّهم
1) . في جميع النسخ و الحجري: «أن يكون». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و التلخيص.
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «لا يدخل».
3) . في المطبوع: «و تتطرّق».
4) . هكذا في «د، ف» و التلخيص. و في «ج، ص، ط»: «يدّعيه». و في المطبوع و الحجري: «تدّعيه».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «فقد».
6) . تقدّم في ص 487.
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «عليه».
8) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «و يُعرف».
9) . تقدّم في ص 487-489.
10) . في «ج، ص، ط، ف»: - «النفر».
11) . إرشاد القلوب، ج 2، ص 321-343؛ بحار الأنوار، ج 28، ص 86-114، ح 3؛ الغدير، ج 1، ص 10 و ما بعدها.
12) . في «د، ص» و الحجري: «بدافعه». و في المطبوع: «بدفعه».
يُشيرونَ إلىٰ كُلِّ واحدٍ بعَينِه. و هذا مشهورٌ مِن اعتقادِهم و مَذهبِهم. و لَم يَبقَ إلّاأن يُطالَبوا بالدَّلالةِ عليه، فيَدُلّوا.
فقد عُرِفَت إذَن الأسبابُ في كِتمانِ النصِّ و دَلَّ الدَّليلُ عليها، و إن لَم يَجِبْ أن يَعلَمَها كُلُّ واحدٍ، و تَنتَفيَ (1)الشُّبهةُ فيها عن كُلِّ ناظرٍ، كما يَجِبُ ذلكَ فيما ظهَرَت أسبابُه ممّا تَقدَّمَ ذِكرُه.
و أمّا قولُه في الفصلِ الذي كلامُنا عليه: «فلَو كانَ قد نصَبَه لهم لَما جازَ أن يَتَكاتَموا أمرَه مِن غيرِ تَواطؤٍ»:
فإن أشارَ بالتكاتُمِ إلىٰ جميعِ الأُمّةِ الذين قد(2)نُصِبَ لهم، فذلك ممّا لَم يَقَعْ فيُحتاجَ إلىٰ تعليلِه و هل كانَ لتَواطؤٍ أو لغَيرِه(3)لأنّا قد بيّنّا أنّه كما كَتَمَ فَريقٌ فقد(4)نقَلَ فَريقٌ ، و إن لَم يُساوُوهم في الكَثرةِ .
و إن أرادَ: لَما جازَ أن يكتُمَه مَن وقَعَ الكِتمانُ منه مِن جُملةِ الأُمّةِ لغَيرِ(5)تواطؤٍ، فهذا(6)أيضاً باطلٌ ؛ لأنّا قد دَلَّلنا علىٰ أنّ الكِتمانَ قد يقَعُ مِن الجماعةِ لغَيرِ تَواطؤٍ، و ذَكَرنا أسبابَه - التي مِن جُملتِها العَداوةُ و الحَسَدُ و اعتقادُ الضرَرِ في الدِّينِ أو الدُّنيا، و الشُّبهةُ (7)- و ضَرَبنا أمثالاً تَشهَدُ بصحّتِها العادةُ .(8)
1) . في «ج، د، ط، ف» و الحجري: «و ينتفي».
2) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «قد».
3) . في «ج، ط، ف»: «للتواطؤ أو غيره».
4) . في «د» و المطبوع و الحجري: «قد».
5) . في «ج»: «من غير». و في «ص، ط»: «بغير».
6) . في «د» و المطبوع و الحجري: «فهو».
7) . في المطبوع و الحجري: «أو الشبهة».
8) . تقدّم في ص 487.
و مضىٰ أيضاً(1)فيما سلَفَ مِن كلامِنا أنّه غيرُ ممتنِعٍ أن يَكونَ التواطؤُ في كِتمانِ النصِّ وقَعَ مِن جماعةٍ قليلةٍ(2)، و اتّبَعها الباقونَ لدَواعٍ مختَلِفةٍ؛ مِنها حُسنُ الظنِّ
و دخولُ الشُّبهةِ ، و منها كَراهةُ إمرةِ المنصوصِ عليه، و إن كانَت أسبابُ الكَراهيةِ (3)أيضاً مختلِفةً فيهم(4).
و كُلُّ ذلكَ يُبطِلُ ما ظَنَّه(5)مِن أنّ (6)التواطؤَ في الكُلِّ أنّه لا بُدَّ منه.
فأمّا(7)قولُه: «و هُم يُخبِرونَ بالكَثيرِ ممّا هو(8)دونَ ذلك في الحاجةِ » فالصحيحُ أنّهم لَم يُخبِروا بشيءٍ ممّا أشارَ إليه لظهورِه في أصلِه أو لمَكانِ الحاجةِ في الدِّينِ إليه؛ بَل لأنّه لَم يَدعُهم داعٍ إلىٰ كِتمانِه(9)، و لَم يَعتقِدوا أنّ نقلَه يَعقُبُهم ضَرَراً و لا يَحرِمُهم رئاسةً .
و قولُه: «و لَو تَواطَؤوا علىٰ ذلكَ مع أنّهم جماعةٌ عظيمةٌ لَم يَخفَ علينا» صحيحٌ، و لَيسَ بطاعِنٍ علىٰ(10)طريقتِنا؛ لأنّا لَم نَذهَبْ إلىٰ أنّ الجميعَ تَواطَؤوا علَى الكِتمانِ ، بَل خَصَّصنا بالتواطؤِ نفَراً منهم، و لا شُبهةَ في أنّه لا يَجِبُ مِن ظهورِ تَواطؤِ النفَرِ ما يَجِبُ مِن ظهورِ تَواطؤِ الجماعةِ العظيمةِ ؛ و لهذا قالَ : «و لَو تَواطَؤوا مع أنّهم جماعةٌ عظيمةٌ لَوَجَبَ كَذا».
1) . في «ج، ص، ط، ف»: - «أيضاً».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: - «قليلة».
3) . في «ج، ط، ف»: «الكراهة».
4) . تقدّم في ص 415-419.
5) . في «ج، ص، ط»: «ما قلته».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: - «أنّ ».
7) . في المطبوع: «و أمّا».
8) . في «د» و الحجري و المطبوع: - «هو».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «أو لمكان الحاجة إليه في الدين؛ بل لأنّه لم يدعهم إلى كتمانه داع».
10) . في «ج، ص، ط، ف»: «في».
فأمّا قولُه: «إنّ الذي تَدَّعيهِ لَو صَحَّ لَما كانَت الحُجّةُ قائمةً عليه(1)» فقَد تَقدَّمَ بُطلانُه، و بيّنّا أنّ الحُجّةَ قائمةٌ مع ثُبوتِ قولِنا و صحّتِه علىٰ جميعِ مخالِفينا في النصِّ (2)مِن حَيثُ كانَ لهم مع وقوعِ الكِتمانِ ممّن آثَرَه سَبيلٌ (3)إلىٰ إصابةِ الحَقِّ .
قالَ صاحبُ الكتابِ حاكياً عن أبي هاشِمٍ:
قالَ: علىٰ(4)أنّ إقامةَ الإمامةِ عندَهم مِن أعظَمِ الشرائعِ، و ممّا لا تَصِحُّ(5)الشريعةُ إلّامعه؛ لأنّ [عندَهم أنّ] بالإمامِ تَحِحُّ الشرائعُ(6)مِن حَجٍّ و صلاةٍ، و أنّه يَقومُ بحِفظِ الدِّينِ علىٰ ما يَقولونَ؛ فلَو جازَ أن يَكتُموا
أمرَه مع أنّ النصَّ الذي وقَعَ طريقُه(7)الاضطرارُ، لَجازَ أن ينُصَّ عليه السلامُ علىٰ صلاةٍ و قِبلةٍ و شَريعةٍ(8)و لا يُنقَلَ، و إن كانَ النصُّ في الأصلِ بالاضطرارِ عُلِمَ.
قالَ: و قد يَجوزُ أن لا يُنقَلَ بعضُ الأشياءِ و إن نُقِلَ غيرُه، إذا كانا متقاربَينِ ، أو يَكونُ المنقولُ منهما أعظَمَ في النفسِ و الحاجةُ إليه أشَدَّ. فأمّا أن يَكونَ المتروكُ نقلُه هو الأعظَمَ ، و الحاجةُ إليه أشَدَّ، فلا يَجوزُ؛
1) . في «ج»: «الحجّة عليه قائمة». و في «د» و المطبوع و الحجري: «الحجّة قائمة به عليه».
2) . تقدّم في ص 366، و 374، و 380.
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «مع وقوع هذا الكتمان سبيل».
4) . هكذا في «ج، ص، ط» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: - «علىٰ ».
5) . في «د» و المطبوع و الحجري: «لا يصحّ ».
6) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «لأنّ الإمام يصحّح الشرائع».
7) . في المغني: «و طريقُه».
8) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «و فريضة».
ألا تَرىٰ أنّه لا يَجوزُ أن لا يُنقَلَ عن الجامعِ خبرُ حَربٍ و فِتنةٍ، و يُنقَلَ ما خَطَبَ به الأميرُ(1)و قَرأَ(2)به في الصلاةِ؟ و إن كانَ قد يَجوزُ أن يَنقُلوا خبرَ الحَربِ و الفِتنةِ، و لا يَنقُلوا كيفيّةَ الخُطبةِ. و إذا كانَت الإمامةُ مِن أعظَمِ الأُمورِ و أجَلِّها خَطَراً علىٰ مَذهبِهم، فكَيفَ يَجوزُ أن لا يُنقَلَ(3)و يُنقَلَ ما هو دونَه، مع أنّ سائرَ الشرائعِ متعلِّقةٌ به؟ و ذلكَ يوجِبُ أنّ الأصلَ لا يُنقَلُ و يُكتَمُ، مع أنّ ما يَجري مَجرَى الفَرعِ لا مَحالةَ يُنقَلُ .
[قالَ : و لَيسَ ذلكَ بمَنزلةِ الحَوادثِ الواقعةِ في الأُمَمِ المتقدِّمةِ ؛ لأنّ تَطاوُلَ العَهدِ إذا لَم يَنقُلِ الأعظَمَ مِن الأُمورِ، فبأنْ لا يَنقُلَ الأخَفَّ أَولىٰ ].(4)
يُقالُ له: لَو اتّفَقَ في سائرِ ما ذَكرتَه ما اتّفَقَ في النصِّ مِن الأسبابِ و قوّةِ الأطماعِ و الدَّواعي، لَجازَ الكِتمانُ علَى الوجهِ الذي أجَزناه عليه في النصِّ ، غيرَ أنّه(5)مُستَبعَدٌ فيما ذَكرتَه؛ لأنّ الأعداءَ لا داعيَ لهم إلىٰ كِتمانِ فَرائضِه و شَرائعِه عليه السلامُ - مِن حَيثُ لَم تَكُن مؤثِّرةً في شيءٍ مِن أُمورِهم - و أهلَ المِلّةِ أيضاً لَيسَ (6)منهم مَن يَفوتُه بنقلِ الفرائضِ و السُّننِ و الشرائعِ أمَلٌ أو يَستَنزِلُ (7)به عن رئاسةٍ حسَبَ ما يَقتَضيه نقلُ النصِّ فيمَن عَمِلَ بخِلافِه. و إذا انتَفَت دَواعي الكِتمانِ ، و كانَت دَواعي
النقلِ التي مِن جُملتِها التديُّنُ باعثةً عليه، لَم يَقَعِ الكِتمانُ. و معلومٌ أنّ كِتمانَ الفَرائضِ و ما أشبَهَها لَو وقَعَ مِن قاصدٍ إليه لَما اشتَبَهَ أمرُه علىٰ أحَدٍ، و لَظهَرَ انسلاخُه عن الإسلامِ ، و لَفاتَه بكِتمانِ ذلكَ ما قصَدَه و أجرىٰ (1)إليه بكِتمانِ غيرِه، و نحنُ نَعلَمُ أنّ (2)العادةَ جاريةٌ بأنّ بعضَ الأشياءِ لا يُتمكَّنُ مِن كِتمانِه إلّابإظهارِ غيرِه، حتّىٰ لَو جُمِعَ بَينَهما في الكِتمانِ لَفاتَ الغرضُ و ظهَرَ الأمرُ، و قد قالَ بعضُهم: «إنّي لَأصدُقُ في اليَسيرِ ممّا يَضُرُّني؛ لِأكذِبَ في الكثيرِ ممّا يَنفَعُني».
فإن قيلَ : فيَجِبُ علىٰ ما ذَكَرتموه أوّلاً أن تَشُكّوا في حصولِ أسبابٍ داعيةٍ إلىٰ كِتمانِ الفَرائضِ ، و تجوِّزوا أن يَكونَ اتّفَقَ فيها ما اتّفَقَ في النصِّ .
قُلنا: قد مضَى الفَرقُ بَينَ الأمرَينِ، و دَلَّلنا علَى استحالةِ ثُبوتِ أسبابِ كِتمانِ النصِّ فيما أُلزِمْناه.
و ممّا يُبطِلُ هذا الاعتراضَ: أنّا نَعلَمُ - و كُلُّ عاقلٍ - عِلماً لا يُخالِجُنا فيه شكٌّ و لا يعارِضُنا رَيبٌ، أنّه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه لَم ينُصَّ علىٰ قِبلةٍ و صلاةٍ مخالِفةٍ لقِبلتِنا و صلاتِنا، و لا يَجوزُ أن يَعتقِدَ عاقلٌ خِلافَ ما اعتَقَدناه، حتّىٰ إنّا نَنسِبُ مَن أظهَرَ لنا خِلافَ ما ذَكَرناه مِن الاعتقادِ إلَى الاختلالِ و نُقصانِ العقلِ أو المعانَدةِ. فلَو كانَ حُكمُ النصِّ علىٰ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ حُكمَ النصِّ علىٰ صلاةٍ أُخرىٰ ، لَوجَبَ أن يَكونَ العِلمُ بانتفائه كالعِلمِ بانتفاءِ النصِّ علَى الصلاةِ التي تَقدَّمَ ذِكرُها، و يَكونَ حالُ مَن أظهَرَ لنا اعتقادَ أحَدِ الأمرَينِ كحالِ مَن أظهَرَ اعتقادَ الآخَرِ. و في العِلمِ بتَبايُنِ الأمرَينِ و بُعدِ ما بَينَهما دليلٌ (3)علىٰ بُطلانِ إلزامِنا تجويزَ وقوعِ النصِّ علىٰ
فَرائضَ لَم تُنقَل(1)قياساً علىٰ ما نَذهَبُ إليه في النصِّ.
علىٰ أنّه إذا قيلَ لنا: جوِّزوا أن يَتَّفِقَ في كِتمانِ ما عارَضناكم به مِن الفَرائضِ ما اتّفَقَ في كِتمانِ النصِّ.
كانَ جوابُنا أن نَقولَ: فكانَ(2)يَجِبُ - إذا اتّفَقَ في أحَدِ الأمرَينِ ما اتّفَقَ في الآخَرِ - أن يَنقُلَ ناقِلٌ مِن جُملةِ الأُمّةِ النصَّ علىٰ هذه الفَرائضِ المُدَّعاةِ، كما قد نَجِدُ ناقِلينَ يَنقُلونَ النصَّ .
و إذا قيلَ : أجيزوا أن لا يَنقُلَ ذلكَ أحَدٌ مع ظهورِه؛ قياساً علَى النصِّ .
لم يَكُن ذلكَ معارَضةً ، و لا إلزاماً صحيحاً.
فأمّا قولُه: «فأمّا أن يَكونَ المتروكُ نقلُه هو الأعظَمَ، و الحاجةُ إليه أشَدَّ، فلا يَجوزُ»، فإنّما يَجِبُ ما ذَكَرَه(3)إذا كانَت الحالُ حالَ سَلامةٍ. فأمّا مع ثُبوتِ (4)دَواعي الكِتمانِ ، و اعتقادِ الكاتِمينَ (5)أنّ في نقلِ ما بالناسِ إليه حاجةٌ من جهةِ الدِّينِ - و هو أعظَمُ في نفسِه - ضَرَراً عليهم، و في كِتمانِه نَفعاً لهم، فلا يَجِبُ ما قدَّرَه.
و القولُ فيما ضَرَبَ به المثَلَ كالقولِ فيما تَقدَّمَ (6)لأنّ أهلَ الجامعِ لَو اعتَقَدوا أنّ
بانتفاء النصّ على الصلاة التي تقدّم ذكرها، يكون حال من أظهر لنا اعتقاد أحد الأمرين كالآخر، و بعد ما بينهما دليل» بدل قوله: «فلو كان حكم النصّ على...» إلى هنا.
في إخبارِهم بالفتنةِ (1)ضَرَراً عظيماً يَلحَقُهم، لَجازَ أن لا يُخبِرَ أكثرُهم بحالِها، و إن أخبَروا بقِراءةِ الإمامِ .
قالَ صاحبُ الكتابِ في تَمامِ الحكايةِ عن أبي هاشِمٍ:
قالَ: و لا يُمكِنُ أن يُفصَلَ بَينَ الإمامةِ و غيرِها بأن يُقالَ: إنّ مَن تَولَّى الإمامةَ و سلَبَ الإمامَ حَقَّه كانَ يَقصِدُ إلىٰ أن يُعفّيَ(2)علىٰ أخبارِ النصِّ، فلذلكَ ضَعُفَت و قَلَّت.
و ذلكَ لأنّ(3)الأمرَ لَو كانَ كما قالوا لَكُنّا نحنُ و هُم شَرعاً واحداً، فكان يَجِبُ إذا لَم يَتّصِلْ بنا أن لا يَتّصِلَ بهم، فكَيفَ يَصِحُّ و الحالُ هذه أن يَدَّعوا العِلمَ بهذا النصِّ؟ و إن كانَ ضَعفُ نَقلِه لَم يَقدَحْ في معرفتِهم، فكَيفَ يَقدَحُ في معرفتِنا؟
علىٰ أنّه إن أثَّرَ في معرفتِنا(4)فقَد سقَطَ عنّا التكليفُ فيها.
علىٰ أنّا قد بيّنّا بما ذَكَرناه مِن الأحوالِ المنقولةِ عن الصحابةِ أنّه لَم يَكُن هناكَ النصُّ الذي ادَّعَوه.
علىٰ أنّ مَن عادىٰ أميرَ المؤمِنينَ عليه السلامُ بَعدَ ما بويِعَ له و صارَ إماماً، فمُعاداتُه له أظهَرُ ممّن تَقدَّمَ ؛ فكَيفَ (5)ضَعُفَ نقلُ النصِّ و لم
يَضعُفْ نقلُ رِضا الناسِ به و جَعلِهم إيّاه إماماً؟
قالَ: و هذه الدَّعوىٰ يُعلَمُ(1)أنّها وقَعَت مِن متأخِّريهم بالأخبارِ المنقولةِ. و قد رُويَ عن السيّدِ(2)
سمّاك قومك سيّداً، صدقوا به أنت الموفّق سيّد الشعراء
اختيار معرفة الرجال، ص 288-289، ذيل الحديث 507.
أنّه قالَ: ما لأميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ فَضيلةٌ إلّاو لي فيها قَصيدةٌ و شِعرٌ. و لَيسَ في أشعارِه ادّعاءُ مِثلِ هذا النصِّ(3)، و إنّما ذَكرَ فيها الأخبارَ المرويّةَ.و يُقالُ : إنّ أوّلَ مَن جَسَرَ علىٰ هذه الدَّعوَى ابنُ الراوَنديِّ و مَن جَرىٰ مَجراه.
قالَ : و كَيفَ وَقَعَ نقلُ فَضائلِه و مَقاماتِه المحمودةِ في الحُروبِ (4)و غيرِ
1) . هكذا في «د» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «نعلم».
2) . في هامش المغني: «مَن هذا السيّد؟». و قد خفي على الأُستاذ المحقّق و الدكاترة المشرفين بما فيهم طه حسين الذي طبع جزء الإمامة من المغني بإشرافه: أنّ المراد بالسيّد هو السيّد إسماعيل بن محمّد الحميري الشاعر المشهور الذي ملأ لقبه هذا كتب الأدب و الشعر و التراجم، و إليك نماذج من ذلك: ففي الأغاني (ج 7، ص 236): «عن عبد اللّٰه بن إسحاق الهاشمي: جمعت للسيّد ألفين و ثلاثمائة قصيدة». و قال أبو الفرج في (ج 7، ص 256): «كان السيّد يأتي الأعمش سليمان بن مهران، فيكتب عنه فضائل عليّ بن أبي طالب». و سمّاه صاحب العقد الفريد بالسيّد في أكثر من موضع، منها. (ج 5، ص 404 و 406). و قال ابن المعتزّ في طبقات الشعراء (ص 32): «كان السيّد أحدق بسوق الأحاديث و المناقب و الأخبار في الشعر، لم يترك لعليّ بن أبي طالب عليه السلام فضيلة معروفة إلّانقلها». و في رجال الكشّي: إنّ أبا عبد اللّٰه الصادق عليه السلام لقي السيّد الحميري، فقال: «سمّتك أُمّك سيّداً، و وُفّقت في ذلك، و أنت سيّد الشعراء»، فقال السيّد في هذا المعنىٰ : و لقد عجبت لقائل لي مرّةً علّامة فهم من الفقهاء
3) . في المغني: «و ليس في أشعاره أنّه ادّعى النصّ مثل هذا».
4) . هكذا في النسخ و المغني. و في المطبوع و الحجري: «الحروف».
ذلكَ و لَم يَتَكاتَموها، و تَكاتَموا إمامتَه، مع أنّ حالَها أظهَرُ و أشهَرُ؟
و كَيفَ يَصِحُّ ذلكَ و قد رَوَوا أشياءَ كَثيرةً لا يُصحِّحُها أهلُ النقلِ ؛ مِثلُ حَملِه بابَ خَيبَرَ و كانَ لا يُقِلُّه إلّاأربَعونَ رَجُلاً فرَمىٰ به أربَعينَ ذِراعاً، إلىٰ غيرِ ذلكَ (1)؟ فبأن يَرووا حَديثَ النصِّ أَولىٰ .
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و هذه الجُملةُ مِن كلامِه(2)يُمكِنُ أن يُتعلَّقَ بها في إبطالِ النصِّ الضروريِّ (3)، و بكَثيرٍ منها في إبطالِ النصِّ علىٰ غيرِ هذا الوجهِ أيضاً [و نحنُ نبيِّنُ بَعدَ ذلكَ الكُلَّ في مَواضعِه].(4)
يُقالُ له: لَيسَ المُرادُ بقَولِ مَن قالَ : «إنّ أخبارَ النصِّ ضَعُفَت» للوجهِ الذي ذَكرتَه أنّها خرَجَت مِن أن تَكونَ (5)حُجّةً و دَلالةً ، و إنّما المُرادُ أن ناقِليها قَلَّ عَددُهم،
1) . و في مسند أحمد، عن أبي رافع مولى رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله - بعد وصفه قتل أمير المؤمنين عليه السلام لمرحب -: «ألقاه من يده - يعني الباب - فلقد رأيتني في نفر من سبعة أنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه». مسند أحمد، ج 6، ص 8، ح 23909؛ المصنّف لابن أبي شيبة، ج 7، ص 507، ح 76؛ كنز العمّال، ج 13، ص 136، ح 36431؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 42، ص 111؛ الرقم 4933؛ الرياض النضرة، ج 3، ص 151؛ البداية و النهاية، ج 4، ص 190، و ج 7، ص 224؛ تاريخ الإسلام، ج 2، ص 412، و ج 3، ص 626؛ المسترشد، ص 344؛ روضة الواعظين، ج 1، ص 293، ح 76/297؛ المناقب لابن شهر آشوب، ج 2، ص 295؛ إرشاد القلوب، ج 2، ص 384.
2) . الضمير في «كلامه» راجع إلى أبي هاشم.
3) . في المغني: «في إبطال الضرورات».
4) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 124-125.
5) . في النسخ و الحجري: «أن يكون».
و إن كانَت الحُجّةُ فيهم، و نَقَلوا علىٰ وجهِ الخَفاءِ في كَثيرٍ مِن الأحوالِ التي تَقدَّمَت(1). و لَيسَ يَجِبُ إذا كانَ ما وقَعَ - ممّن قصَدَ إلىٰ أن يعفّيَ خبَرَ النصِّ - سبباً في ضَعفِ نقلِه علَى الوجهِ الذي فَسَّرناه(2): أن يَكونَ سبباً(3)في بُطلانِه و سُقوطِ الحُجّةِ به؛ لأنه إنّما ضَعُفَ مِن حَيثُ (4)اغتَرَّ قومٌ فكَتَموا(5)، و اشتبَهَ علىٰ آخَرينَ فعَدَلوا. و لَم يعُمَّ هذا كُلَّ الأُمّةِ ؛ لأنّ مَن نفَذَت بَصيرتُه و قَويَت في الدِّينِ عَزيمتُه لَم تدخُلْ عليه شُبهةٌ و لا اغتَرَّ بشيءٍ جَرىٰ ، و نقَلَ علَى الوجهِ الذي تَمكَّنَ منه.
و قولُه: «فكانَ يَجِبُ إذا لَم يَتّصِلْ بنا أن لا يَتّصِلَ بهم» إن أرادَ به السَّماعَ للخبَرِ، فنحنُ و هُم سَواءٌ فيه. و إن أرادَ العِلمَ و عمومَه للجميعِ ، فلا يَجِبُ ما ظَنَّه؛ لأنّا إنّما عَلِمناه مِن حَيثُ نَظَرنا في دَليلِه، و سَلَكنا الطريقَ المُفضيَ إلَى العِلمِ ، و مخالِفُنا عدَلَ عن النظَرِ الصحيحِ للشُّبهةِ و غيرِها.
فضَعفُ نقلِ النصِّ لَم يَقدَحْ في معرفتِنا؛ مِن حَيثُ نَفَينا عن أنفُسِنا الشُّبَهَ (6)، و أثبَتنا الحَقَّ مِن وجهِه. و المخالِفُ قصَّرَ، فقدَحَ تقصيرُه في معرفتِه.
و مَن خالَفَ في هذه الجُملةِ كانَت المِحنةُ بَينَنا و بَينَه.
فأمّا سقوطُ التكليفِ عن المخالِفِ فقَد مضىٰ ما فيه(1)، و قد قُلنا: إنّ المخالِفَ و إن قدَحَ تقصيرُه في معرفتِه و أثَّرَ فيها، فله طريقٌ إلَى المعرفةِ، و إنّما عدَلَ عنها بالشُّبهةِ و التقصيرِ، و هي مُمكِنةٌ مُعرَضةٌ ؛ فلَيسَ يَجِبُ ما ظَنَّه مِن سقوطِ التكليفِ .
و قد مضىٰ أنّ (2)الذي اعتبَرَه مِن أحوالِ الصحابةِ لا دَلالةَ فيه علىٰ ما اعتقَدَه مِن بُطلانِ النصِّ .(3)
فأمّا إلزامُه أن يَضعُفَ نقلُ رِضا الناسِ به عليه السلامُ لأجلِ عَداوةِ مَن عاداه بَعدَ مَصيرِ الأمرِ إليه: فالذي(4)يُشبِهُ أن يَكونَ عَنىٰ بذلكَ مُعاويةُ و مَن كانَ في حَيِّزِه.
و كَيفَ يَتِمُّ لمعاويةَ كِتمانُ رِضا الناسِ بإمامتِه عليه السلامُ و الحالُ في رِضاهم مُشاهَدةٌ موجودةٌ؟ و إنّما يَتِمُّ الكِتمانُ علىٰ بعضِ الوجوهِ فيما تَقدَّمَ وقوعُه و تَقَضّىٰ (5)وجودُه.
هذا، مع عِلمِنا بأنّ جميعَ مَن بَقيَ إلىٰ تلكَ الحالِ مِن الصحابةِ و وجوهِ التابعينَ كانَ مُظهِراً مِن نفسِه الرضا بإمامتِه عليه السلامُ و الاجتماعَ عليه، و ناقِلاً لِما انعقَدَت عليه إمامتُه عليه السلامُ في ابتدائها مِن وقوعِ الرضا و التسليمِ مِن الجماعةِ ؛ فأيُّ تأثيرٍ(6)لكِتمانِ ما يَجري هذا المَجرىٰ؟
و لَيسَ يُشبِهُ ذلكَ حالَ النصِّ؛ لأنّه في الحالِ التي وَجَبَ أن يقَعَ(1)فيها العملُ به و عليه وقَعَ بخِلافِه؛ للأسبابِ(2)التي تَقدَّمَ ذِكرُها، و كانَ الناسُ فيه بَينَ رجُلَينِ:
مُظهِرٍ للعملِ بخِلافِه و مُبطِنٍ مِثلَ ذلكَ، و آخَرَ مُظهِرٍ للعملِ بخِلافِه و مُبطِنٍ للعملِ به(3). فشَتّانَ بَينَ النصِّ و ما اتّفَقَ فيه، و بَينَ نقلِ الرضا بإمامتِه عليه السلامُ، و الحالُ في أحَدِ الأمرَينِ بالعكسِ منها في الآخَرِ.
علىٰ أنّه غيرُ مُنكَرٍ أن يَتِمَّ لمُعاويةَ و أشياعِه مِن التلبيسِ و التمويهِ - علىٰ بعضِ أغتامِ(4)أهلِ الشامِ، و مَن لا معرفةَ عندَه منهم و لا بَصيرةَ - في كَثيرٍ مِن فَضائلِ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ و مَقاماتِه المحمودةِ و رِضا الناسِ به و إطباقِهم عليه ما يَقتَضي الشُّبهةَ.
أ لا تَرىٰ إلىٰ (5)ما رُويَ مِن قولِ بعضِهم - و قد سُئلَ عن مُعاداتِه لأميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ و محارَبتِه له و سببِهما(6)-: «بلَغَني أنّه لا يَصومُ و لا يُصلّي»(7)، و ما رُويَ عن محمّدِ بنِ الحَنَفيّةِ رضي اللّٰه عنه مِن قولِه: «حَمَلتُ يومَ الجَمَلِ علىٰ رجُلٍ برُمحي، فلمّا غَشِيتُه قال: أنا علىٰ دِينِ عُمَرَ بنِ أبي طالبٍ ، فعَلِمتُ أنّه يُريدُ عليّاً، فأمسَكتُ عنه»(8)؟
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «أن يقطع».
2) . في «ج، ص»: «الأسباب».
3) . في «ج، ص، ف»: «بين رجلين: مظهر للعمل بخلافه، و مبطل للعمل به».
4) . هكذا في «ج، ط، ف». و في سائر النسخ و المطبوع و الحجري: «أعتام». و «أغتام» جمع «أغتَم» و هو الذي لا يُفصح شيئاً. تهذيب اللغة، ج 8، ص 98؛ المغرب، ج 2، ص 98 (غتم).
5) . في المطبوع و الحجري: - «إلىٰ ».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «و سببها».
7) . وقعة صفّين، ص 354؛ تاريخ الطبري، ج 5، ص 43؛ الكامل لابن الأثير، ج 3، ص 313؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 8، ص 35-36، مع اختلاف.
8) . المعيار و الموازنة، ص 19؛ الدرّ النظيم، ص 34، مع اختلاف يسير.
غيرَ أنّ هذا إنّما يَجوزُ و يَلتبِسُ علىٰ مَن شمَلَته(1)الغَفلةُ ، و غَمَرَه(2)الجَهلُ ، و لَيسَ يُشبِهُ في جوازِ دخولِ الشُّبهةِ و تَمامِ الحيلةِ حالَ النصِّ .
فأمّا تعلُّقُه(3)بخُلوِّ شِعرِ السيّدِ مِن ذِكرِ النصِّ الجَليِّ فلا شُبهةَ فيه؛ لأنّ السيّدَ أوّلاً أحَدُ مَن لَم يُضبَطْ شِعرُه مِن الشُّعَراءِ ، و لَم يُحصَ (4)ديوانُه منهم، و قد ذَكرَه الناسُ و عَدُّوه في جُملةِ مَن كانَت هذه صفتُه مِن الشُّعَراءِ . و إذا لَم يَكُن شِعرُه مضبوطاً، فكَيفَ يُقطَعُ علىٰ خُلوِّه مِن شيءٍ دونَ شيءٍ؟
علىٰ أنّ السيّدَ رحمه اللّٰه قد صرَّحَ في كَثيرٍ مِن شِعرِه بما يدُلُّ علَى النصِّ الجَليِّ و إضافتِه(5)إلَى الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه؛ كقَولِه أنّه جعَلَه أميراً، و أوجَبَ الإمامةَ له(6)، و الخِلافةَ بَعدَه. و قد تَكَرَّرَ في شِعرِه أمثالُ هذه الألفاظِ.(7)
و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ: إنّه لَيسَ في هذه الألفاظِ تصريحٌ بالنصِّ الجَليِّ ، بل مُرادُ السيّدِ بها ما كانَ يَعتقِدُه مِن دَلالةِ الأخبارِ علَى النصِّ (8)كخبرِ الغَديرِ و أمثالِه.
لأنّ هذا تَحكُّمٌ مِن قائلِه بغَيرِ حُجّةٍ، و أقَلُّ أحوالِ الألفاظِ التي ذَكَرناها أن تَكونَ محتَمِلةً للكنايةِ عن النصِّ الجَليِّ و عن النصِّ الخَفيِّ. و إذا كانَت محتَمِلةً ، لَم يُقطَعْ
1) . في «ص، ط، ف»: «قد شملته».
2) . في المطبوع: «و غرّه».
3) . في «ج»: «و أمّا تمسّكه».
4) . في «د»: «و لم يحصر».
5) . في «ج، ص، ط»: «و الإضافة».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «له الإمامة».
7) . ديوان السيّد الحميري، ص 94 و 101 و 104 و 106 و 209 و 214 و 227.
8) . في المطبوع: + «الجليّ ». و في «ج، ص، ط، ف»: - «على النصّ ».
علىٰ خُلوِّ شِعرِه مِن النصِّ الجَليِّ .
و بَعدُ، فغَيرُ ممتَنِعٍ أن يَكونَ السيّدُ معتقِداً للنصِّ الخَفيِّ دونَ الجَليِّ ، علىٰ ما تَذهبُ إليه الزَّيديّةُ و شُذّاذٌ مِن الإماميّةِ ، فإنّه لَم يَكُن معصوماً و يَجوزُ(1)عليه دخولُ الشُّبهةِ ؛ فيَكونُ الوجهُ في عُدولِه عن ذِكرِه شَكَّه فيه.
و لَيسَ يَجِبُ أن يُعجَبَ مِن قولِنا و يُقالَ : كَيفَ يَصِحُّ أن يشُكَّ السيّدُ في النصِّ الجَليِّ و هو يُضمِّنُ شِعرَه مِن(2)بَدائعِ الأخبارِ و صُنوفِ الدَّعاوىٰ للمُعجِزاتِ و الآياتِ ما لا يَصِحُّ أن يُقِرَّ به مَن يشُكُّ (3)في النصِّ؟!
لأنّ الاستبعادَ لِما ذَكَرناه هو البَعيدُ؛ مِن قِبَلِ أنّه غيرُ مُمتنِعٍ أن تدخُلَ الشُّبهةُ في بعضِ الأشياءِ، و لا تدخُلَ في أمثالِه، و لا فيما هو أغمَضُ منه، بحسَبِ ما عليه الناظرُ مِن الأسبابِ و الدَّواعي المقرِّبة إلىٰ قَبولِ (4)الشُّبهة و المُبعِدةِ مِنها، و قد عَلِمنا أنّ مَن شَكَّ مِن الإماميّةِ في النصِّ الجَليِّ هو مُصدِّقٌ بجميعِ ما صدَّقَ به السيّدُ مِن الفَضائلِ و المُعجِزاتِ ، و(5)لَم يَكُن تصديقُه بجميعِ ذلكَ عاصماً له مِن دخولِ الشُّبهةِ عليه في النصِّ الجَليِّ .
فأمّا إضافةُ ادّعاءِ النصِّ إلَى ابنِ الراوَنديِّ و مَن يَجري مَجراه: فقَد تَقدَّمَ الكلامُ عليه مُستَقصىً .(6)
و أمّا التعلُّقُ بنَقلِ الفَضائلِ التي مِن جُملتِها حَملُه(1)بابَ خَيبَرَ، و الإلزامُ لنا مُساواتَها النصَّ(2)في وجوبِ الكِتمانِ أو الإظهارِ(3): فالفَرقُ بَينَ ما رُويَ مِن الفَضائلِ و بَينَ النصِّ واضحٌ؛ لأنّ نقلَ الفَضائلِ لَم يَكُن شاهداً علَى القومِ بارتكابِ القَبيحِ، و مُخالَفةِ الرسولِ، إلىٰ غيرِ ما ذَكَرناه مِن الأحوالِ المعلومِ شهادةُ نقلِ النصِّ بها.
و قد قُلنا فيما تَقدَّمَ : أنّ نقلَ بعضِ الأشياءِ رُبَّما جُعِلَ ذَريعةً إلىٰ كِتمانِ غيرِه، و لَو لَم يَنقُلِ القومُ الفَضائلَ إلّاليَقولَ قائلٌ : «لَو كانَت العَداوةُ و الحَسَدُ و المُنافَسَةُ (4)هي المانعةَ مِن نقلِ النصِّ لَكانَت مانعةً مِن نقلِ الفَضائلِ » لَكانَ وجهاً.
فأمّا نقلُ حَملِ(5)بابِ خَيبَرَ - مع أنّه كانَ لا يُقِلُّه إلّاأربَعونَ رجُلاً، و أنّه عليه السلامُ رَمىٰ به أربَعينَ ذِراعاً - فلَم يَنقُلْه أيضاً إلّامُختَصّونَ(6)مِن النقَلةِ . و الدَّلالةُ علىٰ ذلكَ قولُ أبي هاشمٍ : «و قد رَوَوا أشياءَ كَثيرةً لا يصحِّحُها أهلُ النقلِ ؛ مِثلُ حَملِه بابَ خَيبَرَ». و قد نقَلَ النصَّ الذي نَذهبُ إليه أضعافُ عَددِ(7)مَن نقَلَ حَملَ بابِ خَيبَرَ.
و إلزامُه هذا يدُلُّ علىٰ أنّه يَعتقِدُ أنّا نَذهبُ إلىٰ أنّ النصَّ كُتِمَ حتّىٰ لَم يَنقُلْه أحَدٌ، و إلّاكَيفَ يَصِحُّ قولُه: «فبأن يَرووا النصَّ أَولىٰ»؟
و لَيسَ يَخلو أن يُريدَ بقَولِه: «بأن يَرووه أَولىٰ» مَن رَوىٰ حَملَ بابِ خَيبَرَ، أو جميعَ الرُّواةِ.
فإن أرادَ الأوّلَ، فهو يَعلَمُ أنّ مَن ادَّعَى الروايةَ مِن الشيعةِ في حَملِ البابِ(1)علَى
الشرائطِ المذكورةِ - التي يَزعُمُ أنّ أهلَ النقلِ لا يُصحِّحونَها - يَدَّعي روايةَ النصِّ، و يَجمَعُ بَينَ الأمرَينِ في النقلِ.
و إن أراد الثانيَ، فلَيسَ ذلكَ فيما ذَكَرَه مِن حَملِ بابِ خَيبَرَ الذي(2)استَشهَدَ به و ألزَمَ عليه؛ لأنّا قد بيّنّا أنّه لَم يُجمِعْ عليه كُلُّ الرُّواةِ.
فقَد انكشَفَ بجُملةِ(3)كلامِنا بُطلانُ ما حَكاه مِن شُبَهِ(4)أبي هاشِمٍ، و وَضَحَ (5)أنّ جميعَ ما أورَدَه غيرُ طاعنٍ علىٰ ضُروبِ النصِّ الذي نَذهبُ إليه، جَليِّها و خَفيِّها؛ و المِنّةُ للّٰهِ تَعالىٰ .
تتمّة: 3. فصل في الكلام على اعتراضه علىٰ ما حكاه من أدلّتنا في...... 7
الكلامُ في الإجماعِ ... 9
مناقشة الحجج التي أقامها صاحب الكتاب لإثبات حجّية الإجماع... 9
الحجّة الأُولىٰ : قوله تعالىٰ : (وَ مَنْ يُشٰاقِقِ الرَّسُولَ ...)... 9
عدم التلازم بين النهي عن اتّباع غير سبيل المؤمنين، و...... 16
توجيه معنى الآية بناء علىٰ رفض دلالتها علىٰ وجوب اتّباع سبيل المؤمنين... 21
عدم التلازم بين اتّباع غير سبيل المؤمنين، و بين الخروج عن سبيلهم... 23
عدم وجوب ثبوت مؤمنين في كلّ عصر... 26
إبطال دلالة الآية علىٰ حجّيّة إجماع كلّ عصر... 30
الحجَّة الثانية: قوله تعالىٰ : (وَ اتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنٰابَ إِلَيَّ )... 32
الحجّة الثالثة: قوله تعالىٰ : (وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً)... 34
عدم دلالة الآية علىٰ نفي الصغائر عن الشهداء العدول، بناءً علىٰ ...... 41
الحجّة الرابعة: خبر: «لا تجتمع أُمّتي علىٰ خطإٍ»... 46
الحجّة الخامسة: خبر: «لا تزال طائفة من أُمّتي ظاهرين...»... 50
الحجّة السادسة: خبر: «مَن سرّه أن يسكن بحبوحة الجنّة...»... 52
الحجّة السابعة: سيرة الصحابة و التابعين... 54
نفي أن يكون جميع الصحابة قد اعتمدوا على الإجماعِ و خبرِه... 54
بطلان الفرق الذي ذكره صاحب الكتاب بين أخبار الإجماع و أخبار العبادات... 57
شدّة الحاجة إلى الإجماعِ - عند المخالفين - و إلىٰ معرفةِ العبادات... 59
عدم إخلال انقطاع نقل القرآن بكونه معجزاً... 62
مناقشة ما استدلّ به صاحب الكتاب علىٰ عمل الصحابة بالإجماع و غيره... 63
مناقشة المقدّمة الأُولىٰ : عدم تمسّك الصحابة بالإجماع و خبره... 64
إشارة إلىٰ حدوث العمل بالإجماع و عدم تقدّمه... 64
مناقشة المقدّمة الثانية: عدم تمسّك الصحابة بالإجماع لأجل الخبر... 65
إلزام صاحب الكتاب بأنّ عمل الصحابة بالإجماع كان لأجل...... 67
مناقشة المقدّمة الثالثة: جواز خطإ الصحابة في التمسّك ببعض...... 70
عدم رواية جميع الصحابة لجميع الأخبار أو أكثرها... 75
مساواة حال أُمّتنا لسائر الأُمم في قبول الأخبار الصحيحة و الباطلة... 85
بطلان دعوى الاضطرار في معرفة صحّة أخبار الإجماع... 88
عَودةٌ إلىٰ حَديثِ «لا تَجتَمِعُ أُمّتي علىٰ خطإٍ»... 90
بيان المصنّف حول دلالة الحديث... 90
تهافت كلام صاحب الكتاب في تأويل ألفاظ الحديث المختلفة... 93
بيان المرجع في دلالة قوله: «لا تجتمع» على الخبر أو النهي... 95
بيان دلالة الحديث علىٰ حجيّة إجماع أهل عصر واحد أو...... 96
الحجّة الثامنة: قوله تعالىٰ : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ...)... 99
تهافت كلام صاحب الكتاب في استدلاله ببعض الآيات علىٰ ...... 100
الحجّة التاسعة: دلالة حال الأُمّة علىٰ عدم اتّفاقهم علىٰ خطإٍ... 108
تجويز الخطأ على الأُمّة لورود شبهة عليها... 108
عدم حفظ الشريعة بواسطة التواتر و القياس... 111
إشارة إلىٰ كيفيّة معرفة الإمام... 112
في بيان الحاجة إلى الإمام، حتّىٰ مع كون الشريعة واصلة بالتواتر... 113
عدم مانعيّة غلبة الخوارج أو وقوع الغيبة، من حفظ الإمام للشرع... 114
بيان الفرق بين وجود الإمام الغائب و بين عدمه، و...... 115
في بيان أنّ الاستدلال بالإجماع إنّما يصحّ عند عدم تميّز الإمام... 117
الدليل التاسع: في بيان أنّ الحافظ للشرع هو الإمام لا التواتر... 123
في بيان اعتبار التواتر و حجّيّته... 124
في بيان ما يثبت بالتواتر و ما لا يثبت... 127
جواز الاعتماد على التواتر من دون معرفة الإمام... 131
الدليل العاشر: لزوم التسلسل عند نفي عصمة الإمام... 134
التقرير الأوّل لدليل عصمة الإمام... 135
عدم المنافاة بين ثبوت معصومٍ تكون عصمتُه بالإمام، و بين القول...... 137
في بيان استغناء المعصوم عن الإمام... 139
شمول التكليف بالمعرفة للمعصومين... 140
التقرير الثاني لدليل عصمة الإمام... 143
تجويز حاجة المعصوم إلىٰ إمام في غير فعل الطاعات و تجنّب المقبّحات... 145
نفي انحصار الحاجة إلى الإمام في أمور أُخرىٰ غير كونه لطفاً في...... 147
بيان الفرق بين الإمام و الأمير في الحاجة إلىٰ إمامٍ و عدمها... 148
إعادة مختصرة لدليل عصمة الإمام، و بيان أنّ الإمام...... 150
إثبات عصمة الإمام حتّىٰ مع فرض عدم كونه حجّةً فيما يؤدّيه... 151
جواز مشاركة الإمام لرعيّته في بعض الصفات، دون...... 153
الدليل الحادي عشر: الحاجةُ إلَى الإمامِ لبَيانِ دَلالةِ الكتابِ و السُّنّةِ ... 158
اختلاف أدلّة الشرع من حيث الدلالة، و بيان الحاجة إلى الإمام... 159
بيان الفرق بين بيان الرسول المتواتر و بيان الإمام لمن غاب عنه... 163
بيان كيفيّة المعرفة بمراده تعالىٰ في الكتاب... 164
بيان أنّ الحاجة إلى الإمام ناشئة من وجود الاحتمال في الشرعيّات...... 166
الدليل الثاني عشر: لزوم عصمة الإمام للزوم الاقتداء به... 169
تقرير المصنّف لدليل عصمة الإمام... 170
بيان معنى الاقتداء... 171
بيان أنّ الإمام حجّة في جميع الشرعيّات و العقليّات... 172
نقد كلام ابن الراوندي... 173
بيان الفرق بين الإمامة و إمامة الصلاة... 178
ضرورة وجود مزيّة بين الإمام و مَن هو دونه... 180
الدليل الثالث عشر: في بيان أنّ الإمام يولّي و لا يولّىٰ ، و...... 184
تفصيل المصنّف لدليل عصمة الإمام... 185
دلالة كون الإمام ممّن يولّي، على العصمة... 192
ضرورة وجود مزيّة بين الإمام و الرعيّة في باب الطاعة... 194
ضرورة وجود مزيّة بين الإمام و الأمير في باب الولاية و العصمة... 196
كيفيّة دلالة نصّ الرسول على عصمة الإمام... 197
الدليل الرابع عشر: في بيان أنّ الإمامة مستحَقّة... 199
نفي أن تكون الإمامة مستحقّة... 200
ما يدلّ عليه الاستحقاق و ما لا يدلّ ... 201
دفاع المصنّف عن القائلين بالاستحقاق من الإماميّة... 203
مقدّمة في بيان الأدلّة علىٰ وجوب النصّ عقلاً... 209
الدليل الأوّل... 209
الدليل الثاني... 212
الدليل الثالث... 213
بيان الفرق بين الإمام و الأُمراء و غيرهم المستلزم لوجوب النصّ ... 215
بيان التسوية بين النبيّ و الإمام في بطلان الاختيار:... 216
نفي ورود السمع علىٰ صحّة الاختيار في باب الإمامة... 218
مخالفة جماعة من أجلّة السلف في أصل الاختيار و...... 218
الدليل الأوّل: كونُ الإمام حجّةً و قائماً بمصالح الدين... 225
الدليل الثاني: كونُ الإمام علىٰ صفةٍ لا طريق للاجتهاد فيها كالعصمة و...... 227
الأدلّة العقليّة علىٰ ضَرورةِ كَونِ الإمامِ عالِماً بجميعِ الأحكامِ ... 229
الدليل الأوّل... 229
الدليل الثاني... 232
الدليل الثالث... 235
قبح الإمامة مع فَقْد العلم، سواء كان هناك سبيل لتحصيل العلم، أم لا... 237
ضرورة كون الرسول عالماً بجميع الأحكام... 243
ضرورة علم الإمام بالأحكام، دون بواطن الأُمور... 245
بيان الفرق بين علم الإمام و علم الأُمراء... 248
نفي أفضلية الإمام على الرسول في العلم... 251
الفرق بين ولاية الإمام مع جهله بالأحكام، و بين ولايته مع...... 255
في بيان أنّ خطأ الولاة المنصوبين من قِبَل المعصومين كان عمديّاً... 256
تأويل ما دلّ بظاهره علىٰ جهل أمير المؤمِنين عليه السلام ببعض الأحكام... 259
لزوم علم الأوصياء و الوكلاء بما فُوّض إليهم... 267
وجه جواز رجوع العامّي إلى العالِم في الفتوىٰ ، مع تجويز الغلط عليه... 269
الدليل الثالث: أفضليّة الإمام... 271
الأدلّة علىٰ أفضليّة الإمام... 272
الدليل الأوّل... 272
دلالة العصمة علىٰ أفضليّة الإمام... 274
عدم الاستغناء بدليل العصمة عن دليل كثرة الثواب علىٰ ...... 275
عدم لزوم أن يكون الأُمراء و الحكّام أكثر ثواباً... 277
بيان الطريق لمعرفة أفضليّة الأُمراء و الحكّام... 278
الدليل الثاني... 281
شمول الدليل المعتمَد علىٰ أفضليّة الإمام للرسول أيضاً... 284
بطلان كون الأُمّة حافظة للشرع، مع تجويز الاتّفاق على الخطأ عليها... 287
عدم دلالة تولية بعض الصحابة علىٰ بعض، علىٰ ...... 289
الدليل الرابع: عصمة الإمام... 291
جواز إثبات سلامة باطن الرسول و الإمام بدليلَين منفصلَين... 292
بيان سبب لزوم سلامة باطن الإمام... 293
الدليل الخامس: أنّ الإمامة من أركان الدين... 297
تقرير المصنّف للدليل الخامس... 298
بيان الفرق بين الصلاة و الإمام في باب الاختيار و النصّ ... 299
بيان الفرق بين الإمامة و الكفّارات في باب النصّ ... 303
إلزام صاحب المغني القول بوجوب النصّ على الإمام... 306
الكلام في النصّ و أقسامه... 311
الكلام في النصّ الجليّ ، و الطريق إلى إثبات تواتره... 316
شروط الخبر المتواتر... 316
تأثير الشروط المذكورة في العلم بصحّة الخبر... 317
اشتراط توفّر شروط التواتر في الجماعات المتوسّطة... 320
الطريق إلى العلم بحصول شروط التواتر في الجماعة المخبرة... 322
الطريق إلى العلم بحصول شروط التواتر في جميع الطبقات... 326
ثبوتُ شروط التواتر في نقل الشيعة للنصّ الجليّ ... 330
ثبوت شروط التواتر في جميع طبقات الشيعة... 334
الكلام في حصول العلم بالنصّ ... 337
عدم لزوم عموم العلم بالنصّ المتواتر... 337
عدم لزوم حصول العلم الضروريّ بالنصّ المتواتر لكلّ مَن سمعه... 356
في بيان حصول العلم الضروريّ بالنصّ الجليّ أو عدم حصوله... 357
نفي حصول العلم الضروريّ من التواتر دائماً... 364
عدم معذوريّة المنكرين للنصّ ... 364
اشتراط العلم الضروريّ بعدم السبق إلى الاعتقاد و عدم الشبهة... 367
جواز اختصاص العلم الضروريّ مع عموم التكليف... 369
عدم سقوط التكليف و العذر مع ارتفاع العلم الضروريّ بالنصّ ... 373
جواز اختصاص العلم الضروري ببعض الأُمّة، و إن كان مصلحة لسائر الأُمّة... 375
بيان شرط حصول العلم الضروريّ بالنصّ و عدم معذوريّة مخالفه... 377
الكلام في النَّصِّ علىٰ إمامةِ أبي بَكرٍ... 383
الوجوهُ الدالّةُ علىٰ فَسادِ النَّصِّ علىٰ أبي بَكرٍ... 384
الوجه الأوّل... 384
الوجه الثاني... 387
الوجه الثالث... 389
علّة عدم احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام بالنصّ ... 391
أقوال للشيخين دالّة على بطلان النصّ علىٰ أبي بكر... 393
الوجه الرابع... 396
الوجه الخامس... 400
عدم مساواة البكريّة للإماميّة من حيث العدد... 401
إبطال دعوىٰ أنّ النصّ الجليّ ابتدعه أشخاص معروفون... 402
الكلام في النصّ علىٰ إمامة العبّاس... 405
الوجوه الدالّة علىٰ فساد النصّ على العبّاس... 405
الوجه الأوّل... 406
الوجه الثاني... 407
الوجه الثالث... 410
الوجه الرابع... 410
الوجه الخامس... 411
الكلام في موقف الصحابة من النصّ ... 413
بيان سبب إنكار بعض الصحابةِ النصَّ علىٰ أمير المؤمنين عليه السلام... 415
الوجه الأوّل... 415
الوجه الثاني... 418
تجويز التسوية بين النصّ الجليّ و نصّ الغدير في كثرة السامعين... 419
جواز العدول عن نقل النصِّ الجليِّ للشبهة... 421
بيان الوجه في عدم نقل أهل الملل النصَّ الجليَّ ... 423
جواز اجتماع العلم بالنصِّ ، و المنازعة في الإمامة... 426
نماذج من مخالفة سلوك بعض الصحابة للنصوص الدالّة علىٰ ...... 430
نفي دخول الشبهة على الصحابة المخالفين لأمير المؤمنين عليه السلام... 434
عدم جواز القطع علىٰ بواطن الصحابة... 437
عدم دلالة التعظيم و الإكرام على السلامة في جميع الأحوال... 440
الكلام في كتمان النصّ، و مناقشة ما نقله القاضي عن أبي هاشم...... 443
جواز انقطاع نقل النصّ من قِبَل بعض الأُمّة... 444
نفي حصول الاضطرار من النصِّ الجليّ... 447
بيان الفرق بين دعوى الشيعة و البكريّة للنصِّ... 448
بيان الاحتمال الصحيح من بين الاحتمالات الموجودة في نقل النصّ... 452
عدم ورود ما ذكره أبو هاشم - حول كتمان النصّ - علىٰ مختار المصنّف... 453
عدم دلالة البيعة علىٰ بطلان النصّ... 456
بيان الوجه في عدم الاحتجاج بالنصِّ ... 459
جواب ما ذكره أبو هاشم من شواهد لأجل إبطال النصّ ... 462
بيان وجوه دخول أمير المؤمنين عليه السلام في الشُّورىٰ ... 466
في بيان عدم دلالة صلاة أبي بكر علىٰ إمامته... 473
ما يستحيل كتمانُه على الجماعة الكثيرة و ما لا يستحيل... 480
تناقض كلام القاضي مع ما نقله عن أبي هاشم حول كتمان النصّ ... 486
ما يجب ظهورُه مِن أسباب الكتمان و ما لا يجب... 487
الفرق بين أسباب الكتمان و أسباب الافتعال من حيث الظهور و الخفاء... 489
بيان الفرق بين كتمان الفرائض و الشرائع و كتمان النصّ... 498
جواب ما أورده أبو هاشم الجبّائيّ من إشكالات على النصّ... 502
بيان أنّ معنىٰ «ضَعف أخبار النصّ » قلّة ناقليها لا عدم حجّيّتها... 504
بيان أنّ ضعف نقل النصّ لا يمنع من حصول العلم به... 505
عدم سقوط تكليف المخالف بسبب عدم علمه بالنصّ ... 506
بيان الفرق بين نقل رضا الناس بإمامة أمير المؤمنين عليه السلام...... 506
النصّ الجليّ في شعر السيّد الحميريّ ... 508
الفرق بين نقل الفضائل و نقل النصّ من حيث الكتمان و الإظهار... 510
الفرق بين نقل حديث باب خيبر و نقل النصّ ... 510