دروس تمهیدیه فی القواعد الفقهیه جلد 2

ghaemiyeh.com

اشارة

سرشناسه:ایروانی، باقر، 1328 -

عنوان و نام پديدآور:دروس تمهیدیه فی القواعد الفقهیه/ به‌قلم باقر الایروانی

مشخصات نشر:قم: موسسه الفقه، للطباعه و النشر، 1417ق. = 1375.

مشخصات ظاهری:2 ج.

شابک:7000ریال(بهای‌هرجلد) ؛ ج.1، چاپ دهم‌978-964-499-039-7 : ؛ ج.2،چاپ نهم‌978-964-499-040-3 :

يادداشت:عربی.

يادداشت:ج. 1 و 2 (چاپ دوم 1420ق. = 1378)؛ 7000 ریال هر جلد

يادداشت:ج.1(چاپ دهم: 1399 ) (فیپا) .

يادداشت:ج.2 (چاپ نهم: 1399 ) (فیپا) .

یادداشت:کتابنامه به‌صورت زیرنویس.

موضوع:فقه -- قواعد

Islamic law -- *Formulae

رده بندی کنگره:BP169/5/الف‌9د4 1375

رده بندی دیویی:297/312

شماره کتابشناسی ملی:م‌78-18886

اشارة

الجزء الثاني

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين. و الصلاة و السلام على اشرف الخلق محمد و على اهل بيته الطيبين الطاهرين.

قاعدة القرعة و الاستخارة

اشارة

1 - مضمون القاعدة 2 - مدرك القاعدة 3 - عموم القاعدة لما لا تعين له واقعا 4 - عموم القاعدة لغير باب التنازع و القضاء 5 - القرعة أصل أو أمارة 6 - اختصاص القرعة بالامام 7 - القرعة رخصة أو عزيمة 8 - مورد القرعة 9 - كيفية القرعة 10 - الاستخارة بين نصوص أهل البيت عليهم السّلام و المتشرّعة 11 - تطبيقات لقاعدة القرعة

من القواعد التي تعرّض لها الأعلام في الاصول تارة و الفقه اخرى قاعدة القرعة، فالشيخ النراقي في كتابه عوائد الأيّام(1)تعرّض للقاعدة المذكورة ضمن نقاط و بحث مسهب. و جاء بعده تلميذه الشيخ الأعظم في الرسائل(2)فتعرّض لها في أواخر مبحث الاستصحاب بشكل مختصر و ضمن ثلاثة أسطر تحت عنوان ان الاستصحاب إذا اجتمع مع القرعة فأيّهما المقدّم. و تبعه على ذلك بقية الاصوليين فتعرّضوا لها من الزاوية المذكورة و بشكل مختصر في الموضع المذكور.

هذا في الاصول.

و أمّا في الفقه فتعرّضوا لها في مناسبات مختلفة و بشكل عابر من قبيل ان العبد الذي يجوز له الزواج بأربع اماء بالعقد الدائم لو كانم.


1) عوائد الأيام: 222.

2) الرسائل: 422 الطبع القديم.

عنده أربع اماء و صار حرّا فعليه طلاق ثنتين اما بتعيين ذلك من خلال اختياره - على احتمال - أو من خلال القرعة على احتمال آخر. و حينما ابرز احتمال مرجعية القرعة أخذوا بالبحث العابر عنها و من الزاوية التي يهمهم التعرّض لها في المسألة المذكورة. امّا البحث بشكل متكامل أو شبه متكامل فلم نعثر عليه في الكتب الفقهية و الاصولية.

و روايات القرعة تذكر في كتب الحديث في أبواب متعدّدة و بمناسبات مختلفة. و حاول الحر العاملي ان يجمع شطرا كبيرا منها في كتاب القضاء في الباب (12) من أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوى. هذا بالنسبة الى القرعة.

و امّا بالنسبة الى الاستخارة فهي - كما سنوضّح - مصداق من مصاديق القرعة أو قريبة من ذلك. و ليس لها تعرض في الكتب الاصولية و انّما تذكر في الكتب الفقهية في كتاب الصلاة عند البحث عن أقسام الصلاة المستحبة التي منها صلاة الاستخارة.

و قد ذكر الحر العاملي الأحاديث المرتبطة بذلك في كتاب الصلاة في المورد المذكور.

و على أي حال يقع البحث عن القاعدة المذكورة ضمن النقاط التالية: -

1 - مضمون القاعدة.

2 - مدرك القاعدة.

3 - عموم القاعدة لما لا تعين له واقعا.

4 - عموم القاعدة لغير باب التنازع و القضاء.

5 - القرعة أصل أو أمارة.

6 - اختصاص القرعة بالامام.

7 - القرعة رخصة أو عزيمة.

8 - مورد القرعة.

9 - كيفية القرعة.

10 - الاستخارة بين نصوص أهل البيت عليهم السّلام و المتشرّعة.

11 - تطبيقات لقاعدة القرعة.

1 - مضمون القاعدة

لعل مضمون القاعدة واضح، و هو ان الواقع إذا أشكل في مورد و لم يمكن تشخيصه من خلال أمارة أو أصل فيمكن المصير في تعيينه إلى الاقتراع و ذلك بكتابة قطع متعددة و سحب واحدة منها.

2 - مدرك القاعدة

قد يستدل على حجية القرعة بالكتاب العزيز تارة و بالسنّة الشريفة ثانية و بسيرة العقلاء ثالثة.

اما الاجماع فهو و ان ادعي إلاّ ان ثبوته بنحو يكشف عن موافقة المعصوم عليه السّلام قابل للتأمّل بعد احتمال الاستناد إلى المدارك الثلاثة المتقدّمة.

و عليه فالمهمّ هو المدارك الثلاثة المتقدّمة.

امّا الكتاب الكريم فقد استدل منه بآيتين:

الاولى: قوله تعالى: وَ إِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ

الْمَشْحُونِ * فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (1).

و قد ورد ان يونس لما لم يجبه قومه إلاّ بالتكذيب و الرد دعا عليهم بالعذاب و أوعدهم بنزوله عليهم و خرج من بينهم الى ساحل البحر و إذا بسفينة مشحونة فركب فيها و لم تتمكن السفينة من مواصلة سيرها اما لاعتراض الحوت لها و عدم اندفاعه الا بالقاء واحد لها لتلتقمه أو لزيادة وزنها الذي تحتاج معه الى القاء أحد الركّاب منها. ثمّ تمّ الاتفاق على الاقتراع و خرجت القرعة باسم يونس و كان بذلك من المدحضين، أي المغلوبين. و ذلك ممّا يدلّل على حجيّة القرعة.

و قد يعترض على الاستدلال المذكور بالاعتراضين التاليين:

أ - ان الآية الكريمة تنقل قصّة وقعت في زمن غابر اشتملت على الاقتراع، و ذلك لا يدلّ على امضاء ما وقع فيها من أحداث حتى في تلك الشريعة فضلا عن شريعتنا.

و فيه: ان الآية الكريمة صريحة في اشتراك يونس - الذي هو نبي معصوم - في عملية المساهمة. مضافا الى ان السكوت عن تأنيب الفعل يستفاد منه الامضاء.

ب - ان الحكم المذكور لعلّه خاص بالشريعة السابقة و لا دليل على امضائه في شريعتنا.

و فيه: مضافا الى دلالة السكوت المتقدّمة يمكن التمسّك باستصحاب حكم الشريعة السابقة و عدم نسخه.

اذن الاعتراضان المذكوران غير تامّين.1.


1) الصافات: 139-141.

الثانية: قوله تعالى: وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (1)فانّه ورد في الأخبار ان «حنة» و «اشياع» كانتا اختين تزوجت الاولى بعمران أحد زعماء بني اسرائيل و لم تنجب أولادا فدعت اللّه سبحانه ان يرزقها مولودا فاستجاب دعاءها و أوحى سبحانه إلى عمران انّه سيهبه ولدا يشفي المرضى الذين لا يمكن علاجهم و يحيي الموتى بإذن اللّه. و حينما حملت حنة ظنّت انّه ذلك المولود فنذرته محرّرا لخدمة بيت المقدس. و حينما وضعته انثى قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى... وَ لَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَ إِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ (2)و حينما حملتها إلى بيت المقدس أخذ علماء بني إسرائيل بالتنافس في الفوز بتربيتها لكونها من اسرة آل عمران المعروفة و اتفقوا على الاقتراع و ألقوا أقلامهم - أي السهام أو الأقلام التي كانوا يكتبون بها الكتاب المقدّس - في النهر و غطس جميعها الا قلم زكريا فإنّه طفا، و ذلك ممّا يدل على حجيّة القرعة.

و الاعتراضان السابقان يردان هنا أيضا. و الجواب هو الجواب.

و الصحيح في الاعتراض على الآيتين الكريمتين ان يقال: انهما لا تدلاّن على حجيّة القرعة بمعنى كونها المرجع المتعين من قبل الشرع المقدّس بحيث لا يمكن الحياد عنه إلى غيره عند تمشكل الأمر بل لعل ذلك من باب تسالم الخصوم على الرجوع لها و الأخذ بمضمونها نظير ما إذا تمّ الاتفاق على الأخذ بحكم شريف العشيرة أو ما يشبه ذلك. ان هذا محتمل في الآيتين، و معه لا يمكن التمسّك بهما لإثبات حجية القرعة6.


1) آل عمران: 44.

2) آل عمران: 36.

و كونها المرجع الشرعي المتعيّن عند تمشكل الأمر.

و ممّا يؤكد ما أشرنا إليه من الاعتراض ان الآية الكريمة عبّرت بالادحاض حيث قالت فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ، و مثل هذا التعبير لا يتناسب و الأخذ بوظيفة شرعية عينت من قبل الشرع للسير على طبقها عند تمشكل الأمر بخلاف ما إذا فرضنا ان الأخذ بها كان من باب تباني الخصوم عليها فان مثله لا حزازة فيه.

هذا مضافا الى انها حتى لو دلّت على حجّية القرعة و تعينها من قبل الشارع كمرجع عند تمشكل الأمر فهي خاصة بموردها و ليس لها اطلاق تدل بواسطته على مرجعية القرعة في غير موردها.

و عليه فالاستدلال بالآيتين الكريمتين على المطلوب غير ممكن.

و اما السنّة الشريفة فيمكن ان يدعى بلا مبالغة تواتر الأخبار الدالّة على حجيّة القرعة، بيد ان تواترها معنوي لا لفظي.

و يمكن تصنيفها إلى أخبار عامّة و أخبار خاصّة.

اما الأخبار العامّة فيمكن ان نمثّل لها بصحيحة محمّد بن حكيم:

«سألت أبا الحسن عليه السّلام عن شيء فقال لي: كلّ مجهول ففيه القرعة. قلت له: ان القرعة تخطئ و تصيب. قال: كل ما حكم اللّه به فليس بمخطئ»(1).

و دلالتها على العموم واضحة فانه و ان لم يحدّد فيها المقصود من كلمة «شيء» و من المحتمل اختصاصه بمورد معين الا ان ذلك لا يمنع من استفادة العموم منها فان العبرة بعموم الجواب و لا يضر بذلك اختصاص السؤال بمورد معين.1.


1) وسائل الشيعة باب 13 من أبواب كيفية الحكم حديث 11.

و اما ما ورد على لسان الفقهاء من ان القرعة لكل أمر مشكل أو مشتبه فليس عليه رواية صحيحة. أجل في دعائم الإسلام قال: عن أمير المؤمنين و أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهم السّلام: انّهم أوجبوا الحكم بالقرعة فيما اشكل(1).

و لكن الرواية المذكورة ضعيفة السند و لا أقل من جهة الإرسال.

و اما صحيحة محمّد بن حكيم فقد عبّر عنها في كلمات الاعلام بالرواية الذي هو مصطلح عادة للرواية الضعيفة، إلاّ انّه يمكن تصحيحها، فانّها بطريق الشيخ الطوسي و ان كانت ضعيفة ب «علي بن عثمان» لعدم ورود توثيق في حقّه إلاّ انّها بطريق الشيخ الصدوق صحيحة.

أجل يمكن التأمّل في محمّد بن حكيم نفسه باعتبار ان الشيخ و النجاشي و ان ذكراه و لكنّهما لم يوثقاه.

الا انّه يمكن توثيقه من خلال ما نقله الكشي بطريق صحيح عن حماد: «كان أبو الحسن عليه السّلام يأمر محمّد بن حكيم ان يجالس أهل المدينة في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و ان يكلّمهم و يخاصمهم حتى كلّمهم في صاحب القبر فكان إذا انصرف إليه قال له: ما قلت لهم و ما قالوا لك و يرضى بذلك منه»(2)فإنّه ليس من المناسب للإمام عليه السّلام ان يأمر شخصا بتمثيل المذهب الجعفري و التحدّث عن لسانه الا إذا كان له وثوق كامل به.

و اما الأخبار الخاصة فهي كثيرة تذكر كمثال لذلك صحيحة ابراهيم5.


1) مستدرك الوسائل باب 11 من أبواب كيفية الحكم حديث 1.

2) رجال الكشي رقم 315.

بن عمر عن أبي عبد اللّه عليه السّلام «رجل قال: أوّل مملوك أملكه فهو حر فورث ثلاثة قال: يقرع بينهم فمن أصابه القرعة اعتق. قال: و القرعة سنّة»(1).

هذا و بالامكان عدّها من الاخبار العامة بقرينة التعبير في الذيل:

«و القرعة سنة».

و اما السيرة العقلائية فلا اشكال في انعقادها على العمل بالقرعة في الامور المشكلة و الأمثلة في حياتنا الاجتماعية اليوم كثيرة فيقرع بين الطلاب في المدارس إذا زاد عددهم عن الحدّ المقرّر للقبول و بين من تقدّم بطلب الحج إذا زاد العدد، و هكذا في أمثلة اخرى.

و هذه السيرة حيث لا نحتمل حدوثها جديدا و لم يرد عنها ردع بل ورد ما يدل على الامضاء - من قبيل جملة «و القرعة سنة» في الصحيحة السابقة - فتكون حجّة.

3 - عموم القاعدة لما لا تعين له واقعا

الشيء المجهول تارة يكون متعيّنا واقعا و مبهما ظاهرا، و اخرى لا يكون له تعين حتى واقعا.

فمن اعتق عبدا معيّنا من عبيده ثم اشتبه عليه بعد ذلك فهو من النحو الأول بينما لو اعتق من البداية عبدا غير معيّن من عبيده فهو من النحو الثاني.

و القدر المتيقن من أدلّة حجية القرعة ما إذا كان الشيء متعينا واقعا و طرأ عليه الابهام ظاهرا.


1) وسائل الشيعة باب 13 من أبواب كيفية الحكم حديث 2.

اما إذا كان الشيء مبهما واقعا أيضا فقد وقع الخلاف بين الاعلام في شمول عموم أدلّة حجية القرعة له. فالشيخ العراقي مثلا في نهاية الأفكار(1)استدل على عدم الشمول بالقصور في المقتضي بتقريب ان عنوان «المجهول» الوارد في أدلّة حجية القرعة لا يصدق عرفا إلاّ على ما هو متعيّن واقعا و اشتبه و خفي ظاهرا و اثباتا.

و زاد في المستمسك ان بعض الأحاديث الشريفة و ان ورد فيما لا تعين له واقعا الا انّه خاص بمورده و لا عموم له، فصحيحة ابراهيم السابقة مثلا و ان كان موردها ذلك الا انّها خاصة بموردها و هو حرية أول مملوك و لا يمكن استفادة التعميم منها(2).

و من الغريب انّهم في الموارد الاخرى يستعينون بضم مقدّمة خارجية و هي عدم القول بالفصل بينما في المقام لم يجروا على سيرتهم المذكورة.

و المناسب الحكم بالتعميم، فان السيرة العقلائية لها عموم من هذه الناحية، و الأمثلة المتقدّمة التي ذكرناها للسيرة العقلائية هي ذات واقع غير متعيّن في نفسه، بل ان في نصوص أهل البيت عليهم السّلام ما يدل على التعميم، فصحيحة ابراهيم المتقدّمة مثلا و ان كانت واردة في عتق أوّل مملوك و تختص بذلك الا ان ذيلها المعبر فيه «و القرعة سنّة» يفهم منه التعميم و عدم الخصوصية لموردها.

و من الملفت للنظر اختلاف رأي السيد الخوئي قدّس سرّه فبينما اختار في4.


1) نهاية الأفكار 104:4.

2) مستمسك العروة الوثقى 104:14.

مصباح الاصول الاختصاص اختار في مباني العروة الوثقى التعميم فلاحظ(1).

4 - عموم القاعدة لغير باب التنازع و القضاء

المورد المشكل الذي يراد فيه الرجوع الى القرعة تارة يكون مشتملا على التنازع و يحتاج في رفعه إلى القضاء الشرعي و اخرى لا يكون كذلك.

فمثلا إذا اختلف شخصان في طفل كلّ منهما يدّعي انّه ولده و أقام البيّنة على ذلك أو اختلفا في دار كل منهما يدّعيها و لا يدله عليها رجعنا إلى القرعة لرفع الخصومة و النزاع و كان ذلك مثالا للأول. اما إذا فرض في مثال الطفل ان كل واحد من الشخصين لا يقول هو ولدي بل يقول لا أدري هو ولدي أو لا مع علمهما بأنّه لا يعدوهما و هو ابن احدهما جزما كان ذلك مثالا للثاني.

و القدر المتقين من دليل حجية القرعة هو المورد الأوّل الذي فيه نزاع و خصومة و انما الكلام في عمومه للمورد الثاني.

و قد يفهم من تمسك الفقهاء في موارد مختلفة من باب القضاء بالقرعة اختصاصها بذلك و عدم حجيتها في غيره.

و الصحيح هو التعميم فان بناء العقلاء لا يختص بذلك و هكذا صحيح محمد بن حكيم المتقدّم الذي ورد فيه: «كل مجهول ففيه القرعة» مطلق من هذه الناحية. بل ان صحيح ابراهيم بن عمر المتقدّم


1) مصباح الاصول 343:3، مباني العروة الوثقى 189:1.

الوارد في حرية أوّل مملوك يملكه يختص بحالة عدم النزاع و الخصومة و ناظر للمورد المذكور، و تعبير الامام عليه السّلام في الذيل «القرعة سنة» يدل على حجية القرعة فيما شابه المورد المذكور من الموارد التي ليس فيها نزاع و لا يختص به.

5 - القرعة أصل أو أمارة

نحن نعرف الفارق بين الأمارة و الأصل فان ما جعله الشارع حجّة من جهة قوّة كاشفيته هو امارة و الا فهو أصل. و قد وقع الخلاف في القرعة و انها أمارة أو أصل. و كأن بعض الأخبار يوحي بكونها أمارة ففي صحيحة أبي بصير عن أبي جعفر عليه السّلام عن النبي صلّى اللّه عليه و آله:

«... ليس من قوم تقارعوا ثمّ فوّضوا أمرهم الى اللّه إلاّ خرج سهم المحق»(1)فانّه قد يستفاد منها كاشفيتها الظنّية بل القطعية عن الواقع.

و هذا البحث لا نرى له ثمرة مهمّة فان القرعة حتى لو كانت امارة لا تتقدّم على غيرها امارة كان أو أصلا بل جميع القواعد الاخرى من امارات و اصول تتقدّم على القرعة باعتبار ان موضوع حجية القرعة هو الأمر المجهول و مع وجود قاعدة شرعية تحدّد الموقف الشرعي لا تبقى جهالة في المورد ليرجع الى القرعة.

أجل يمكن ظهور الثمرة بناء على حجيّة الامارة في لوازمها غير الشرعية - كما هو رأي المشهور من أعلام الاصوليين - فان القرعة لو كانت امارة و دلّت على شيء كانت حجّة في لوازمها غير الشرعية


1) وسائل الشيعة باب 13 من أبواب كيفية الحكم حديث 6.

بخلاف ما لو كانت أصلا.

و المناسب كون القرعة أصلا فان السيرة لو لاحظناها وجدنا ان العقلاء يأخذون بالقرعة لا من باب كاشفيتها بل من باب انّها الموقف العملي الأخير لحلّ المشكلة حيث لا حلّ غيره.

و اما الصحيحة السابقة فلا دلالة لها على الأمارية إذ هي لا تدلّ على ان جعل الشارع الحجية لها ناشئ من كاشفيتها بل لعل المقصود انّها أصل و لم تعتبر الحجية لها من جهة الكشف غايته ان المتقارعين إذا أجروا القرعة و توكلوا على اللّه سبحانه فهو من جهة انّهم أوكلوا أمرهم إليه يقرّر لها اصابة الواقع نظير من يدخل في عملية اصلاح بين طرفين طالبا بذلك رضا اللّه عزّ و جلّ فإنّه يسدّده و يجعل كلامه مؤثّرا و مواقفه مصيبة للواقع.

و الصحيحة نفسها تدلّ على ان تقدير اصابة الواقع لها مختص بحالة تفويض الأمر الى اللّه سبحانه، و هل يحتمل التفصيل و ان القرعة امارة في حالة تفويض الأمر الى اللّه عزّ و جلّ و أصل في غير الحالة المذكورة!

6 - اختصاص القرعة بالامام

هناك كلام في ان القرعة هل هي من الوظائف الخاصة بالامام عليه السّلام بحيث لا تحق لغيره أو تعمّ نوّابه المجتهدين أو تعمّ غيرهما أيضا؟ اختار الشيخ النراقي في عوائده(1)كونها


1) عوائد الأيّام: 228.

وظيفة للإمام عليه السّلام و نوّابه.

و المناسب التفصيل بين ما اذا كان هناك نزاع يحتاج حلّه الى قضاء الحاكم الشرعي و بين ما اذا لم يكن ذلك، ففي الأوّل تكون وظيفة للحاكم كسائر ما يستعين به الحاكم في باب القضاء من البيّنة و القسم و في الثاني لا يكون وظيفة له.

و الوجه فيما ذكرناه: ان حلّ الخصومة بما انّه مطلوب شرعا و لا يحتمل اختصاص مطلوبيته بزمان حضور الامام عليه السّلام فلا معنى معه لاحتمال كونها وظيفة خاصة بالامام عليه السّلام بل ينبغي ثبوت ذلك لحكام الشرع أيضا كسائر ما يستعان به لحلّ النزاع.

و اما إذا لم يكن هناك نزاع فلا موجب للاختصاص بالامام عليه السّلام و لا بنوّابه و تكفينا عمومات حجية القرعة من بناء العقلاء و اطلاق القرعة سنة و انّها لكل أمر مجهول.

أجل ورد في مرسلة حمّاد عمّن ذكره عن أحدهما عليهما السّلام: «القرعة لا تكون إلاّ للإمام»(1)و في رواية يونس: «رجل كان له عدّة مماليك فقال: أيّكم علّمني آية من كتاب اللّه فهو حرّ فعلّمه واحد منهم ثم مات المولى و لم يدر أيّهم الذي علّمه انّه قال: يستخرج بالقرعة. قال:

و لا يستخرجه إلاّ الامام لأنّ له على القرعة كلاما و دعاء لا يعلمه غيره»(2).

الا ان المرسلة مضافا الى ضعف سندها بالارسال يمكن ان تكون ناظرة الى باب النزاع و الخصومة و انّه مع وجوده تكون عملية1.


1) وسائل الشيعة باب 13 من أبواب كيفية الدعوى حديث 9.

2) وسائل الشيعة باب 24 من أبواب العتق حديث 1.

الاقتراع خاصة به، انّها ناظرة الى ذلك و الا فهل يحتمل عدم حجية القرعة في مثل زماننا و ابقاء الخصومة و النزاع على ما هما عليه؟!

و اما رواية يونس فمضافا الى ضعف سندها باسماعيل بن مرار الذي لم يرد في حقّه توثيق الا بناء على وثاقة جميع رجال كامل الزيارات، و مضافا الى كون الرواية مقطوعة بمعنى ان المسؤول هو يونس دون الامام عليه السّلام يمكن ان يقال بظهورها في الاستحباب بقرينة التعليل المذكور فيها فان الدعاء ليس لازما عند الاقتراع جزما، و لو كان لازما يلزم اختصاص القرعة بزمان حضور الامام عليه السّلام و هو أمر غير محتمل كما تقدّم.

7 - القرعة رخصة أو عزيمة

وقع البحث في ان عملية الاقتراع في موارد تمشكل الأمر لازمة بحيث ليس للمكلف الحياد عنها أو جائزة يمكنه تركها. و بكلمة اخرى:

هل عملية الاقتراع رخصة أو عزيمة؟

و لعل السبب الباعث على ذلك ان أدلّة مشروعية القرعة لا يفهم منها الالزام و الحتمية فقولهم عليهم السّلام: «القرعة سنّة» أو «ليس من قوم تقارعوا ثم فوّضوا أمرهم الى اللّه إلاّ خرج سهم المحق» لا يستفاد منه إلاّ الرجحان و المشروعية لا أكثر.

و التساؤل السابق يأتي نفسه في نتيجة القرعة، فلو تقارع الطرفان و عينت القرعة إحدى النتيجتين فهل يتحتم الأخذ بذلك؟ و المناسب في الجواب عن كلا التساؤلين ان يفصّل بين ما إذا كان اتخاذ القرار على طبق القرعة لازما - كما إذا تنازع شخصان في طفل

كل منهما يدّعي أنّه ولده أو كالمولود الذي ليس له فرج الذكور و لا فرج الاناث - فيكون الأخذ بها و بنتيجتها لازما و إلاّ فلا. هذا هو المناسب.

و ليس من المناسب التفصيل بين وجود واقع مجهول يراد تعيينه - كمثال الطفل المتنازع فيه - فيكون الأخذ بالقرعة و بنتيجتها لازما و بين ما إذا لم يكن واقع مجهول - كمن قال أوّل عبد أملكه حر - فلا لزوم.

و الوجه في وهن ما ذكر: ان الواقع قد يكون له تعين مجهول و بالرغم من ذلك لا يكون الأخذ بالقرعة لازما كالدار التي اختلف في ملكيتها شخصان و تصالحا على تقسيمها نصفين أو تنازل أحدهما للآخر عنها.

و قد لا يكون تعين للواقع و بالرغم من ذلك يلزم الأخذ بالقرعة، كما لو نذر المكلّف اكرام أوّل داخل عليه فدخل عليه ثلاثة و هو لا يستطيع اكرام أكثر من واحد فان الأخذ بالقرعة لازم عليه بالرغم من عدم تعين الواقع.

8 - مورد القرعة

و المورد الذي تجري فيه القرعة هو كل موضوع فقد القواعد الشرعية القابلة لتعيين الحال فيه، فانّا لو أخذنا سيرة العقلاء بنظر الاعتبار وجدنا ان العقلاء انّما يتمسكون بالقرعة في خصوص المورد المذكور، و لا أقل هي دليل لبي يقتصر فيه على القدر المتيقن و هو ما ذكرناه. و لو أخذنا النصوص بنظر الاعتبار وجدناها تحدّد موضوع

القرعة بالمجهول و هو لا يصدق مع امكان تعيين الحال من خلال قاعدة شرعية.

و بهذا يتّضح ان الشبهات الحكمية لا يمكن تطبيق القرعة فيها، فلو شككنا في حرمة التدخين أو نحو ذلك فلا يمكن الرجوع إليها لأنّه في مورد الشبهات الحكمية لا بدّ من وجود قاعدة تحدّد الموقف امّا بالبراءة فيما إذا كان الشك في أصل التكليف أو بالاحتياط فيما إذا كان الشك في المكلّف به أو بالتخيير فيما إذا كان الدوران بين المحذورين أو بالاستصحاب فيما إذا كان الشك في بقاء الحالة السابقة.

و هكذا لا تجري القرعة في الشبهة الموضوعية التي يمكن تحديد الحال فيها من خلال قاعدة شرعية، كما لو شككنا في ان الدار المتنازع فيها هي لزيد أو لعمرو و كان أحدهما صاحب يد أو بيّنة.

و عليه فينحصر مورد القرعة بالشبهات الموضوعية الفاقدة للقاعدة التي يمكن تحديد الموقف من خلالها، كما لو اختلف شخصان في دار و لكل منهما بيّنة بلا يد.

و بهذا تتضح عدّة امور:

أ - التأمّل في صحّة ما ذكره الشيخ العراقي في نهاية الأفكار(1)من ان القرعة انّما لا تجري في الشبهات الحكمية من جهة ظهور عنوان المجهول و المشتبه في كونه وصفا لذات الشيء المردّد بين الأشياء و ليس وصفا لحكمه، و من الواضح ان الاشتباه في موارد الشبهات الحكمية ليس في ذات الشيء بل في حكمه، فنحن نعلم مثلا ان هذا لحم4.


1) نهاية الأفكار 105:4.

الأرنب و انّما نشك في حكمه و انّه يحرم أكله أو يحل.

و وجه التأمّل: ان تحديد الاشتباه بخصوص ما ذكر أوّل الكلام و عهدته عليه.

و كان بامكانه التمسك لإخراج الشبهات الحكمية عن دليل القرعة بما ذكرناه من عدم صدق عنوان المجهول بعد امكان الاستعانة بقاعدة من القواعد الشرعية.

ب - ان الاستصحاب و غيره من القواعد و الاصول متقدّم على القرعة بالورود، بمعنى انّها بجريانها ترفع عنوان المجهول الذي هو موضوع حجيّة القرعة.

ج - ورد في كلمات غير واحد من الاصوليين ان دليل القرعة لا يمكن التمسّك بعمومه في مورد إلاّ بعد الانجبار بعمل الأصحاب و ذلك من جهة كثرة التخصيصات الطارئة عليه، و حيث ان كثرة التخصيص أمر مستهجن فيكشف ذلك عن كون الموضوع لحجية القرعة معنى خاصا لا يلزم منه كثرة التخصيص، و بما ان ذلك المعنى الخاص مجهول لنا فنبقى غير قادرين على التمسّك بعموم دليل القرعة.

قال الشيخ الأعظم في الرسائل: «ذكر في محله ان أدلّة القرعة لا يعمل بها بدون جبر عمومها بعمل الأصحاب أو جماعة منهم»(1).

و وجه النظر: ان محذور التخصيص الكثير غير وارد بعد اختصاص موضوع القرعة بالمجهول الذي لا يصدق مع امكان تطبيق أي قاعدة من القواعد الشرعية فان المورد المذكور نادر و قليل و لا يلزم3.


1) الرسائل الطبع القديم: 423.

من التزام القرعة فيه أي محذور.

9 - كيفية القرعة

ورد في بعض الروايات كيفيات خاصّة للقرعة و قراءة دعاء خاص عندها، ففي صحيحة الفضيل بن يسار: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن مولود ليس له ما للرجال و لا له ما للنساء. قال: يقرع عليه الامام أو المقرع يكتب على سهم عبد اللّه و على سهم أمة اللّه ثم يقول الامام أو المقرع: اللّهمّ أنت اللّه لا إله إلاّ أنت عالم الغيب و الشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. بيّن لنا أمر هذا المولود حتى يورث ما فرضت له في الكتاب. ثم يطرح السهمان في سهام مبهمة ثم تجال السهام على ما خرج ورث عليه»(1).

الا ان الذي يقرأ النصوص يفهم ان الغرض لا يتعلّق بكيفية خاصة كما و ان الدعاء ليس أمرا لازما. أجل الدعاء وسيلة مهمّة للتسديد و الوصول الى الهدف في حياة المؤمن خصوصا في هذا المجال و به يتحقق استمداد العاجز من القادر على كلّ شيء ف «ليس من قوم تقارعوا ثم فوّضوا أمرهم إلى اللّه إلاّ خرج سهم المحق».

10 - الاستخارة بين نصوص أهل البيت عليهم السّلام و المتشرّعة

من الجدير في البداية تعرّف معنى الاستخارة في اللغة ثم في نصوص أهل البيت عليهم السّلام.


1) وسائل الشيعة باب 4 من أبواب ميراث الخنثى حديث 2.

الاستخارة لغة تعني طلب الخيرة(1). و استخير اللّه أي: أطلب من اللّه الخير(2).

و اما النصوص فقد وردت الاستخارة فيها في معنيين:

الأوّل: المعنى اللغوي المتقدّم نفسه. و قد دلّت على ذلك عدّة روايات. و بعضها دل على رجحان ان يكون ذلك بعد صلاة ركعتين، ففي صحيحة عمرو بن حريث: «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: صلّ ركعتين و استغفر اللّه فو اللّه ما استخار اللّه مسلم إلاّ خار له البتة»(3).

و هذه نكتة مهمة في باب الآداب الاسلامية، فالمؤمن متى ما أقدم على عمل كدرس أو تدريس أو زواج أو شراء دار أو ما شاكل ذلك طلب من اللّه سبحانه ان يقدّر له الخير و الصلاح فيه ليكون بذلك لائقا و معدا لمدّ يد المعونة إليه.

و في حديث الصدوق باسناده عن هارون بن خارجة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «إذا أراد أحدكم أمرا فلا يشاور فيه أحدا من الناس حتى يبدأ فيشاور اللّه تبارك و تعالى. قال: قلت: جعلت فداك و ما مشاورة اللّه؟ قال: تبتدأ فتستخير اللّه فيه أوّلا ثم تشاور فيه فانّه إذا بدأ باللّه أجرى له الخيرة على لسان من يشاء من الخلق»(4)

و سند الشيخ الصدوق الى هارون و ان كان ضعيفا ب «محمّد بن علي الكوفي» المعروف بالصيرفي و بأبي سمينة لكنها صحيحة بطريق البرقي.

.

و من الراجح للمؤمن ان يكرّر الاستخارة - بمعنى طلب الخيرة -ي.


1) الخيرة على وزن عنبة.

2) لسان العرب 258:4-259.

3) وسائل الشيعة باب 1 من أبواب صلاة الاستخارة حديث 1.

4) المصدر السابق باب 5 حديث 2.

خصوصا في الامور المهمّة، ففي حديث ناجية عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«كان إذا أراد شراء العبد أو الدابة أو الحاجة الخفيفة أو الشيء اليسير استخار اللّه فيه سبع مرّات فاذا كان أمرا جسيما استخار اللّه مائة مرّة»(1)

و الرواية ضعيفة بناجية نفسه لعدم ثبوت وثاقته.

.

الثاني: الاستخارة بمعنى طلب المشورة من اللّه سبحانه، فالمؤمن إذا أقدم على عمل معين و هو لا يعرف ان فيه مصلحة أو لا يستشير اللّه عزّ و جلّ ليتعرّف من خلال ذلك وجود المصلحة و عدمها.

اما كيف تتحقق الاستشارة من اللّه سبحانه؟ ذلك اما من خلال الرقاع أو المصحف الشريف أو بالقبض على مقدار من خرز المسبحة و ما شاكل ذلك.

و قد ورد في غالب الطرق المذكورة روايات تتسم بشكل عام بضعف السند. و يمكن مراجعة تلك الروايات في كتاب وسائل الشيعة(2).

و قد قام صاحب الجواهر و الحدائق(3)باستعراض مجموعة من تلك الطرق بل و ألّف السيّد رضي الدين بن طاوس رسالة خاصّة في هذا المجال سمّاها برسالة الاستخارات.

و نلفت النظر الى ان مسألة الاستخارة لم تختص بها معاجم الحديث الشيعية بل وردت في معاجم حديث العامة أيضا، ففي كنز3.


1) وسائل الشيعة باب 5 من أبواب صلاة الاستخارة حديث 1.

2) وسائل الشيعة. كتاب الصلاة. أبواب صلاة الاستخارة و ما يناسبها.

3) جواهر الكلام 155:12-176. الحدائق الناضرة 524:10-533.

العمّال عن النبي صلّى اللّه عليه و آله: «إذا هممت بأمر فاستخر ربّك فيه سبع مرّات ثم انظر الى الذي يسبق إلى قلبك فان الخير فيه»(1).

و في مستدرك الحاكم عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «من سعادة ابن آدم استخارته الى اللّه، و من شقاوة ابن آدم تركه استخارة اللّه»(2).

الا انها كما ترى ناظرة الى الاستخارة بالمعنى الأوّل.

و بعد هذه اللمحة الموجزة عن الاستخارة نطرح تساؤلات ثلاثة:

التساؤل الأوّل

كيف نثبت اعتبار الاستخارة بشكلها المتداول اليوم بين المؤمنين؟ يمكن الاستعانة بالطريقين التاليين:

1 - التمسك بروايات القرعة، ففي صحيحة محمد بن حكيم: «كل مجهول ففيه القرعة»(3)، فانّها باطلاقها تشمل كل مجهول بما فيه المورد الذي يقدم عليه المؤمن و يشك في وجود المصلحة و عدمها.

و قد تقدّم ان القرعة لا تنحصر بكيفية معينة بل يمكن ان تتحقق من خلال المسبحة و غيرها.

بل ان روايات القرعة الاخرى الناظرة الى حالة وجود التنازع من قبيل صحيحة أبي بصير: «... ليس من قوم تقارعوا ثم فوّضوا أمرهم الى اللّه إلاّ خرج سهم المحق»(4)يمكن التمسك بها بعد الغاء خصوصية


1) كنز العمال 813:7.

2) مستدرك الحاكم 518:1.

3) وسائل الشيعة باب 13 من أبواب كيفية الحكم حديث 11.

4) المصدر السابق حديث 6.

النزاع، فانّه يمكن ان يفهم منها ان تمام النكتة تمكن في وجود حق مجهول يراد تعرّفه، و بتفويض الأمر الى اللّه سبحانه يمكن الوصول الى ذلك الحق المجهول - و هو وجود المصلحة و عدمها في المقام - من خلال الاقتراع الذي له أنحاء متعددة من جملتها الاستعانة بالمسبحة.

2 - نحن لسنا بحاجة في اثبات مشروعية الاستخارة بأشكالها المتداولة اليوم إلى قيام دليل خاص بل تكفينا أدلّة الحث الشديد على الدعاء و التي تجعل منه عبادة بأسمى معانيها وَ قالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ (1)اذ من الواضح ان الذي يقبض المسبحة و نحوها من وسائل الاستخارة يأخذ بالدعاء و الالحاح على اللّه سبحانه في تشخيص واقع الأمر المجهول عليه، و أي محذور في ان يطلب المؤمن أثناء دعائه تشخيص الواقع المجهول له من خلال المسبحة و غيرها؟ ان المسألة ما دامت مسألة دعاء فهي لا تحتاج بعد ذلك الى دليل خاص يدل على المشروعية و تكفي أدلّة مشروعية الدعاء و رجحانه.

كما ان المسألة بعد هذا لا تبقى منحصرة بالمسبحة و بطريقة خاصة بل من حق المؤمن الاستعانة بأي وسيلة شاء - سواء كانت هي المسبحة أو القرآن الكريم أو الرقاع الخاصة أو أي وسيلة اخرى - ما دام هو يدعو اللّه سبحانه و يطلب منه من خلال تلك الوسيلة الخاصة تشخيص الواقع المجهول له.

و أيضا ما دامت القضية ترجع الى كونها مصداقا من مصاديق0.


1) غافر: 60.

الدعاء فمن الراجح اختيار الوقت المناسب و المكان المناسب و الالحاح عليه سبحانه في اراءة الطريق من خلال المسبحة أو غيرها من الوسائل.

و الأجدر بالمؤمن ان يجمع بين كلا معنيي الاستخارة، فاذا أراد الاقدام على قضية معينة و كان شاكّا في سلامة نتائجها استخار بالمعنى الثاني من خلال المسبحة أو غيرها فاذا تشخص له الموقف الذي يلزمه اتخاذه استخار اللّه سبحانه بالمعنى الأوّل بمعنى طلب تقدير الخير و الموفقية في الموقف الذي صمم على اتخاذه.

و ينبغي الالتفات الى ان من أحسن وسائل الاستخارة بالمعنى الثاني و أقواها ان يدعو اللّه عزّ و جلّ أوّلا بتقدير الموفقية و الخير فيما سوف يتخذه من موقف و يدعو منضما الى ذلك بأن يلهم سبحانه قلبه بما هو سداد فيفكر و يهتدي في تفكيره الى ذلك أو يسترشد بعض اخوانه فيوفقون في ارشاده الى ذلك.

ان هذا الطريق كما هو عقلائي في نفسه و يدخل تحت مصداقية الدعاء قد دلّت عليه بعض الروايات، ففي رواية هارون السابقة:

«... تبتدأ فتستخير اللّه فيه أوّلا ثم تشاور فيه فانه إذا بدأ باللّه أجرى له الخيرة على لسان من يشاء من الخلق»(1).

و في حديث الامام الصادق عليه السّلام: «إذا عرضت لأحدكم حاجة فليستشر اللّه ربّه فان أشار عليه اتبع و ان لم يشر عليه توقف. قال:

قلت: يا سيدي كيف أعلم ذلك؟ قال: يسجد عقيب المكتوبة و يقول: اللّهمّ2.


1) وسائل الشيعة باب 5 من أبواب صلاة الاستخارة حديث 2.

خر لي مائة مرّة ثم يتوسّل بنا و يصلّي علينا و يستشفع بنا ثم تنظر ما يلهمك تفعله فهو الذي أشار عليك به»(1).

و ينبغي ان لا يغيب علينا ان الاستخارة بالمعنى الثاني بعد دخولها في مصداقية الدعاء فمن المناسب الاقتصار فيها على الحدود العقلائية للدعاء، فكما لا يليق للعاقل ان يدعو بنزول مائدة عليه من السماء بل اللائق ان يدعو بالموفقية في سعيه و طلبه للرزق كذلك من المناسب اقتصاره في الاستخارة بالمعنى الثاني على مثل ذلك فيستخير عند تحيره و عدم معرفته بالمصلحة و عدم وجود من يمكنه الاستعانة به في مقام الاستشارة.

و إذا قيل: بناء على ادخال الاستخارة بالمعنى الثاني في مصداقية الدعاء ينبغي الحكم باستحبابها كما يحكم باستحباب الدعاء.

كان الجواب: ان الطلب من اللّه سبحانه بأن يرزق عبده أموالا و أولادا دعاء جزما فاذا حكم باستحباب مثله فليحكم باستحباب الاستخارة بالمعنى الثاني أيضا و اذا لم يحكم باستحباب مثل ذاك لم يحكم باستحباب الاستخارة أيضا.

التساؤل الثاني

هل من الصحيح ايكال أمر الاستخارة الى شخص ثان و عدم تصدي صاحب القضية نفسه لها كما هو المتداول بين المتشرعة من المؤمنين يومنا هذا؟ أجاب صاحب الجواهر عن ذلك بأولوية استخارة المؤمن نفسه لنفسه لخلو النصوص من الاشارة الى فكرة النيابة بل


1) المصدر السابق باب 4 حديث 3.

لعل الأصل يقتضي عدم مشروعية ذلك لأنّها من المستحبات المشتملة على التضرّع و الدعاء ممّا لا يجري الاستنابة فيه و ان تعارف في زماننا هذا بل و ما تقدّمه بين العلماء فضلا عن العوام الاستنابة في ذلك(1).

هذا و المناسب الجزم بجواز ذلك لأنّ القضية ما دامت ترجع الى مصداقية الدعاء فما أجدر ان يكون الدعاء للمؤمن بلسان لم يرتكب به ذنبا فيدعو المؤمن لأخيه المؤمن من خلال المسبحة أو غيرها بارشاده الى طريق الصواب و الموفقية.

بل لعل الأجدر من زاوية هو النيابة حيث توحي بأن الشخص لا يرى لنفسه اللياقة في التحدث و طلب الحاجة من اللّه سبحانه. و قد جرت العادة في ان طالب الحاجة من السلطان العظيم لا يتقدّم إليه بنفسه بل بواسطة شفيع. و هو سبحانه و ان كان كما ورد في الدعاء:

«الحمد للّه الذي اناديه كلّما شئت لحاجتي و أخلو به حيث شئت لسري بغير شفيع فيقضي لي حاجتي» الا ان تقديم الشفيع أكثر تأدّبا و احتراما.

و بعد هذا البيان لإثبات جواز الاستنابة في الاستخارة لا نبقى بحاجة الى ما ذكره البعض من التمسك بأدلّة رجحان قضاء حاجة المؤمن بتقريب ان المؤمن إذا طلب من أخيه الاستخارة له فمن باب رجحان اجابة دعوته تشرع الاستخارة له.

التساؤل الثالث

قد يعترض على مشروعية الاستخارة بالنهي عن الاستقسام


1) جواهر الكلام 175:12.

بالأزلام في قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَ الْمُنْخَنِقَةُ وَ الْمَوْقُوذَةُ وَ الْمُتَرَدِّيَةُ وَ النَّطِيحَةُ وَ ما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ وَ ما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ... (1)حيث قيل ان المراد به النهي عمّا كان متداولا زمن الجاهلية من الضرب بالسهام لاستعلام الخير و الشر في الأفعال و تمييز النافع من الضار، فمن يريد سفرا أو زواجا أو ما شاكل ذلك يضرب بالسهام لتشخيص ما فيه الخير فيعمل به، و الاستخارة المتداولة يومنا هذا من خلال الرقاع أو غيرها لتمييز ما فيه المصلحة عمّا ليس فيه ليست إلاّ كالاستقسام بالأزلام المنهي عنه.

و من الغريب تسليم المحقّق الأردبيلي في كتابه زبدة البيان بهذا الاعتراض و حكمه بحرمة بعض أقسام الاستخارة المشابهة للاستقسام بالأزلام(2).

و هكذا قد يعترض على مشروعية الاستخارة بالنهي عن التفؤل بالقرآن الكريم الوارد في رواية الشيخ الكليني عن عدّة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن محمّد بن عيسى عن بعض رجاله عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «لا تتفأل بالقرآن»(3).

هكذا قد يعترض على الاستخارة.

و يمكن مناقشة الاعتراض الأوّل بأن المقصود بالاستقسام بالأزلام هو الميسر الذي قيل عنه بأنّه عبارة عن شراء جزور2.


1) المائدة: 3.

2) زبدة البيان في أحكام القرآن: 626.

3) وسائل الشيعة باب 38 من أبواب قراءة القرآن حديث 2.

و تقسيمها الى عشرة أقسام سبعة ذات نصيب و ثلاثة بلا نصيب و يكتب ذلك على سهام عشرة، و من خرج له أحد السهام السبعة دفعت له حصّة من الجزور بلا ثمن مقابل، و من خرج له أحد السهام الثلاثة تكفّل بدفع ثلث قيمة الجزور من دون ان يحصل على شيء من اللحم.

ان المقصود من الاستقسام بالأزلام هو ما ذكر دون التفسير المتقدّم بقرينة سياق الآية فان جميع ما ذكر فيها هو من أقسام اللحوم المحرّمة.

هذا مضافا الى ان انطباق جملة «و ان تستقسموا بالأزلام» على المعنى الثاني الذي ذكرناه واضح و ليس فيه أي عناية لأنّه تطلب قسمة الجزور من خلال الأزلام و بواسطتها، و هذا بخلافه على المعنى الأوّل فانه و ان كانت فيه استعانة بالأزلام و لكن ليس فيه استقسام و لا قسمة و لا طلب للأقسام.

ثم انّه لو تنزلنا عن كلتا هاتين القرينتين فيكفينا الشك و احتمال ارادة المعنى الثاني لأننا أثبتنا فيما سبق مشروعية الاستخارة بواسطة أدلّة مشروعية القرعة و أدلّة مشروعية الدعاء، و بعد ثبوت المقتضي للمشروعية يشك في وجود المانع و المعارض، و حيث انّه مجمل و ذو احتمالين فلا يمكن التمسّك به و تبقى أدلّة المشروعية بلا معارض.

كما و يمكن مناقشة الاعتراض الثاني بأن الرواية الناهية عن التفؤل بالقرآن الكريم مضافا الى ضعف سندها بالارسال لا بدّ من حملها على النهي عن التفؤل بمعنى محاولة تعرّف الحوادث المستقبلية من سرور و خيرات من دون تعميم للاستخارة بمعنى محاولة تعرّف

وجود مصلحة أو مفسدة في ايقاع فعل معين بقرينة رواية اليسع القمي التي تحث على الاستخارة بالقرآن الكريم بلسان: «و افتتح المصحف فانظر الى أوّل ما ترى فيه فخذ به إن شاء اللّه»(1).

مناقشة ابن إدريس

رفض ابن إدريس بعض أقسام الاستخارة و اقتصر على الاستخارة ذات الصلاة و الدعاء بعدها. و استند في ذلك الى ان رواة بقيّة الأقسام فطحية لا يعتمد على روايتهم(2).

و وافقه على ذلك المحقق الحلّي قائلا: «اما الرقاع فيتضمن افعل و لا تفعل و في خبره الشذوذ فلا عبرة بها»(3).

و قد اتضح لنا من خلال ما تقدّم اننا في غنى عن خبر صحيح لإثبات كل نوع من أنواع الاستخارة بعد كونها جميعا من مصاديق الدعاء و التوجه الى اللّه سبحانه في جعل الرقاع و نحوها وسيلة لتعرّف وجدان الفعل الذي يراد الاقدام عليه للمصلحة أو المفسدة.

11 - تطبيقات لقاعدة القرعة

1 - إذا اختلط مال شخص بمال آخر فما هو الحكم؟ 2 - شخص عقد على امرأة معينة ثم حصل له التردّد فيها بين ثنتين فما هو الحكم؟ 3 - الامارة مقدّمة على الأصل إلاّ في مورد واحد. و لما ذا؟


1) وسائل الشيعة باب 6 من أبواب صلاة الاستخارة حديث 6.

2) السرائر 314:1.

3) المعتبر 376:2.

4 - قطيع من الغنم تحقق وط‌ء واحد منها من دون امكان تشخيصه فما هو حكمه؟ 5 - لو علم المكلف بأنّه نذر شيئا و لا يدري ما هو فما هو حكمه؟ 6 - إذا علم بنجاسة أحد انائين فلما ذا لا يستعان بالقرعة لتشخيصه؟ 7 - إذا وجد شخص مقتول و ادّعى اثنان ان كل واحد منهما هو القاتل و هكذا لو تحقّقت سرقة و ادّعاها اثنان فما هو الحكم؟ 8 - إذا كان لدينا اناءان احدهما نجس و الآخر طاهر و علمنا بوقوع نجاسة في أحدهما فهل يمكن تطبيق قاعدة القرعة؟ و لما ذا؟

قاعدة الطهارة

اشارة

1 - مضمون القاعدة 2 - مدرك القاعدة 3 - عموم القاعدة للشك في النجاسة الذاتية 4 - عموم القاعدة لمورد استصحاب النجاسة 5 - شمول القاعدة لموارد الشبهة الحكمية 6 - قاعدة الطهارة حكم ظاهري أو واقعي 7 - شرطية الطهارة أو مانعية النجاسة 8 - تطبيقات

من القواعد المسلمة التي لم يقع فيها خلاف في الجملة قاعدة الطهارة، و لئن كان هناك تشكيك فهو في سعتها و حدودها لا في أصلها.

و لم يبحثها الاعلام بشكل تفصيلي و مستقل بل يمرون عليها مرّ الكرام.

فمثلا السيد اليزدي في العروة الوثقى بعد ان أنهى استعراض النجاسات ذكر في المسألة الثانية ما نصّه: «كل مشكوك طاهر سواء كانت الشبهة لاحتمال كونه من الأعيان النجسة أو لاحتمال تنجسه مع كونه من الأعيان الطاهرة» و اكتفى الاعلام في مقام التعليق بأن قاعدة الطهارة مسلمة لموثقة عمّار و غيرها من دون فرق بين أقسام الشبهة، و الحال ان صاحب الحدائق في المقدّمة الحادية عشرة أشار الى وجود خلاف في الشبهة الحكمية كما سيأتي إن شاء اللّه توضيحه.

و اذا كان للفقه قواعد تدور عليها رحاه فمن تلك قاعدة الطهارة.

و الكلام عنها يقع ضمن النقاط التالية:

1 - مضمون القاعدة.

2 - مدرك القاعدة.

3 - عموم القاعدة للشك في النجاسة الذاتية.

4 - عموم القاعدة لمورد استصحاب النجاسة.

5 - شمول القاعدة لموارد الشبهة الحكمية.

6 - قاعدة الطهارة حكم ظاهري أو واقعي.

7 - شرطية الطهارة أو مانعية النجاسة.

8 - تطبيقات.

1 - مضمون القاعدة

ان مضمون القاعدة واضح، و هو الحكم بطهارة كل شيء يشك في طهارته و تحتمل نجاسته بنحو الحكم الظاهري المغيى بالعلم بالنجاسة، فمتى ما تحقق العلم بالنجاسة ارتفع الحكم بالطهارة و متى لم يتحقق لم يرتفع و كان باقيا.

إذن ليس المقصود الحكم على الأشياء بالطهارة في مرحلة الواقع بل الحكم عليها بذلك في مرحلة الظاهر، أي ما دام لا يعلم بالطهارة و النجاسة واقعا، و متى ما علم اما بالطهارة واقعا أو بالنجاسة واقعا كان المدار على ذلك العلم دون قاعدة الطهارة.

2 - مدرك القاعدة

يمكن الاستدلال على القاعدة المذكورة بأمور أربعة:

1 - التمسك بموثقة عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «كلّ شيء نظيف

حتى تعلم انّه قذر، فاذا علمت فقد قذر، و ما لم تعلم فليس عليك»(1).

و دلالتها واضحة. و هي أهم ما يمكن التمسّك به.

2 - التمسّك ببعض الروايات الخاصة التي قد يتصيد من مجموعها القاعدة الكلية.

من قبيل معتبرة حمّاد بن عثمان: «الماء كلّه طاهر حتى يعلم انّه قذر»(2).

و موثقة حفص بن غياث عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السّلام: «ما ابالي أبول أصابني أو ماء إذا لم أعلم»(3)، فان قوله: «إذا لم أعلم» يدل على كفاية الشك و عدم العلم في الحكم بالطهارة، و هذا ليس الا عبارة اخرى عن مضمون قاعدة الطهارة.

و صحيحة علي بن جعفر: «سألته عن الفأرة و الدجاجة و الحمام و أشباهها تطأ العذرة ثم تطأ الثوب أ يغسل؟ قال: ان كان استبان من أثره شيء فاغلسه و إلاّ فلا بأس»(4)، فان الحكم بعدم وجوب الغسل عند عدم الاستبانة لا وجه له إلاّ الاستناد الى قاعدة الطهارة.

و في موثقة عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «رجل يجد في انائه فأرة و قد توضأ من ذلك الاناء مرارا أو اغتسل منه أو غسل ثيابه و قد كانت الفأرة متسلخة فقال: ان كان رآها في الاناء قبل ان يغتسل أو يتوضأ أو يغسل ثيابه ثم يفعل ذلك بعد ما رآها في الاناء فعليه ان يغسل ثيابه3.


1) وسائل الشيعة باب 37 من أبواب النجاسات حديث 4.

2) المصدر السابق باب 1 من أبواب الماء المطلق حديث 5.

3) المصدر السابق باب 37 من أبواب النجاسات حديث 5.

4) المصدر السابق حديث 3.

و يغسل كلّ ما أصابه ذلك الماء و يعيد الوضوء و الصلاة، و ان كان انّما رآها بعد ما فرغ من ذلك و فعله فلا يمس من ذلك الماء شيئا و ليس عليه شيء لأنّه لا يعلم متى سقطت فيه. ثم قال: لعلّه ان يكون انّما سقطت فيه تلك الساعة التي رآها»(1)فان ابراز احتمال السقوط تلك الساعة انّما ينفع بناء على تمامية قاعدة الطهارة. إلى غير ذلك من الروايات الخاصة.

و الاستدلال بالروايات الخاصّة المذكورة على قاعدة الطهارة يتم بشرطين: الغاء خصوصية المورد بتنقيح المناط و إلاّ بقيت خاصة بموردها، و انحصار المستند في الحكم بالطهارة بقاعدة الطهارة و عدم وجود مدرك آخر كاستصحاب الطهارة.

و لئن تم الشرط الأوّل فالثاني غير تام لاحتمال أن يكون حكم الامام عليه السّلام بالطهارة في رواية «الماء كلّه طاهر حتّى...» مستندا الى استصحاب طهارة الماء الثابتة في بداية تولده. و ان يكون عدم مبالاة أمير المؤمنين عليه السّلام في الرواية الثانية مستندا الى استصحاب الطهارة الثابتة قبل احتمال اصابة البول. و ان يكون عدم لزوم الغسل عند عدم استبانة شيء من الأثر في الثوب مستندا الى استصحاب طهارة الثوب أو عدم اصابة النجاسة له(2)

و الوجه في عدم المعارضة: أنّ الغرض من استصحاب بقاء النجاسة في رجل الحيوان ان كان مجرّد إثبات بقاء النجاسة في رجل الحيوان و لو لم تكن مصيبة للثوب فذلك لغو و بلا فائدة، و ان كان الغرض من ذلك إثبات تحقّق اصابة النجاسة للثوب فذلك لا يتمّ إلاّ بناء على حجيّة الأصل المثبت، إذ لا دليل شرعي يدلّ على أنّ النجاسة إذا كانت باقية في رجل الحيوان فهي مصيبة للثوب و انّما ذلك ثابت بالملازمة العادية.

. و ان يكون عدم غسل الثياب في موثقة

1) وسائل الشيعة باب 4 من أبواب الماء المطلق حديث 1.

2) و لا يعارض استصحاب عدم اصابة النجاسة للثوب باستصحاب بقاء النجاسة في رجل الحيوان إلى حين الاصابة.

عمّار مستندا الى استصحاب طهارة الماء ما دام لم يتيقّن بوقوع الفأرة فيه من البداية.

ثم انّه لو تنزلنا و سلّمنا بتمامية الشرطين المتقدّمين و من ثمّ تسليم امكان اقتناص قاعدة الطهارة من الموارد المذكورة فيمكن أن يقال ان المستفاد من الموارد المذكورة ثبوت قاعدة الطهارة في الجملة و لا يمكن استفادة التعميم لموارد الشك في الطهارة بنحو الشبهة الحكمية أو لموارد الشك في النجاسة الذاتية، و هذا بخلافه على المستند الأوّل فانّه يمكن التمسك باطلاقه.

3 - التمسك بدعوى ان عادة الشارع قد جرت على بيان النجاسات و لم تجر على بيان الامور الطاهرة، فهو يقول: هذا نجس أو ذاك نجس، و لا يقول: هذا طاهر أو ذاك طاهر فان بيان الامور الطاهرة غير ممكن لعدم انحصارها بخلاف الامور النجسة.

و نظير هذا ما قيل في باب اصالة البراءة من ان عادة الشارع قد جرت على بيان المحرمات دون المباحات، فمن عدم بيانه لحرمة شيء يفهم كونه مباحا، و هكذا الحال في المقام.

بل ان الشك في النجاسة يرجع أحيانا إلى الشك في الحرمة - كما لو اريد أكل شيء مشكوك النجاسة - فيجري أصل البراءة بلا حاجة الى اجراء أصل الطهارة.

و إذا اريد الصلاة أو الطواف في الشيء المشكوك أمكن اجراء البراءة عن تقيد الصلاة الواجبة و الطواف الواجب بعدم لبس المشكوك،ة.

كما هو الحال في لبس ما يشك في كونه من أجزاء ما لا يؤكل لحمه، فكما تجري البراءة عن تقيد الصلاة أو الطواف بعدمه - باعتبار ان المانعية انحلالية بعدد افراد المانع، و الصلاة مقيّدة بعدم كل واحد من الموانع، و الشك في نجاسة المشكوك شك في حدوث مانع جديد و من ثمّ شك في حدوث تقييد جديد، و أصل البراءة يقتضي عدمه - كذلك تجري في المقام.

هذا هو المدرك الثالث.

و هو و ان كان وجيها و لكنّه خاص بما إذا كان الشك في الطهارة بنحو الشبهة الحكمية بأن شك في ان العصير العنبي إذا غلى هل حكم الشارع عليه بالنجاسة أو لا، و الأرنب هل حكم الشارع عليه بالنجاسة أو لا، و هكذا، و لا يتم في الشبهات الموضوعية، كما لو شك في ان هذا الثوب طاهر أو نجس و ذاك الماء طاهر أو نجس، و هكذا.

4 - التمسك بالاستصحاب بأن يقال ان النجاسة نشك في جعلها للشيء المشكوك، و مقتضى الأصل عدم جعلها.

و هذا الطريق ينفع في الموارد التي تكون النجاسة فيها مانعا دون الموارد التي تكون فيها الطهارة شرطا فانّه بالأصل يمكن نفي مانعية النجاسة و لا يمكن اثبات شرطية الطهارة.

هذه مدارك أربعة لإثبات قاعدة الطهارة، و المهم منها كما عرفنا هو الأوّل.

و اما التسالم فلا يمكن الاستناد إليه لاحتمال مدركيته بل يجزم بذلك.

الاشكال في سند موثقة عمّار

عرفنا ان المدرك المهم لقاعدة الطهارة هو موثقة عمار. و الموثقة المذكورة طويلة و لم تذكر في الوسائل مجموعة بل ذكرت مقطّعة في أبواب مختلفة و انما ذكرت مجموعة في التهذيب(1)و ذكر في آخرها الجملة المتقدّمة: «كلّ شيء نظيف...».

و ذكرت قطعة منها في الاستبصار(2)من دون أن تشتمل على الجملة المتقدّمة.

كما ذكرت قطعة منها في الكافي(3)من دون أن تشتمل على ما ذكر.

و ذكرت بشكل مرسل في الفقيه(4)من دون أن تشتمل على ما ذكر أيضا.

اذن ما يشتمل على الجملة المذكورة ليس إلاّ التهذيب. و اذا لا حظنا سند الرواية فيه وجدناه بالشكل التالي: محمّد بن أحمد بن يحيى عن أحمد بن يحيى عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال عن عمرو بن سعيد عن مصدق بن صدقة عن عمّار الساباطي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام.

و لا مشكلة في رجال السند بل كلّهم ثقات ما خلا أحمد بن يحيى المتوسط بين محمد بن أحمد بن يحيى و أحمد بن الحسن فانه لم


1) تهذيب الأحكام 284:1.

2) الاستبصار 25:1.

3) فروع الكافي 9:3.

4) من لا يحضره الفقيه 10:1.

يعرف من هو. و يوجد بهذا الاسم أشخاص بعضهم ثقة و بعضهم ليس كذلك.

و هذا الشخص «أحمد بن يحيى» موجود في سند التهذيب فقط و لا يوجد في سند الاستبصار و الكافي. و لكن ذلك غير مجد بعد عدم وجود الجملة المطلوبة فيهما.

و يمكن التغلب على المشكلة المذكورة بأن السند المذكور - محمد بن أحمد بن يحيى عن أحمد بن الحسن عن عمرو بن سعيد عن مصدق بن صدقة عن عمّار - قد تكرّر من الشيخ في التهذيب و الاستبصار عشرات المرّات(1)

و يدعم ذلك أيضا ان سند الاستبصار و الكافي لا يشتمل على الشخص المتوسط المذكور.

و في الكل ذكر من دون توسط أحمد بن يحيى بين محمد بن أحمد بن يحيى و أحمد بن الحسن و انّما ذكر متوسطا فقط في هذا المورد لا غير، و هذا ممّا يحصّل الاطمئنان بأن ذكره قد حصل اشتباها.

و بهذا البيان نفسه يمكن التغلب على المشكلة لو قيل بأن جامع أحاديث الشيعة قد أشار الى ان بعض نسخ التهذيب قد ذكر فيها الشخص المتوسط باسم «محمد بن يحيى» بدل «أحمد بن يحيى»، و محمد بن يحيى هو المعاذي شيخ محمد بن أحمد بن يحيى، و هو ممّن لم يوثق بل قد استثني من رجال نوادر الحكمة.ر.


1) كما في الجزء الأوّل من التهذيب حديث رقم 1011، 1352، 1373، و التهذيب، الجزء الثاني حديث 1421، 1466، 1548، و التهذيب، الجزء الثالث حديث 460، 470، 701، 788، 834، 836، 872،...

ان الجواب عن ذلك: ان محمد بن يحيى و ان كان شيخا لمحمد بن أحمد و يروي عنه إلاّ انّه يمكن حصول الاطمئنان بأن ذكره هنا قد حصل اشتباها لنفس ما ذكر سابقا خصوصا و انا لو رجعنا الى الموارد التي يروي فيها محمد بن أحمد عن محمد بن يحيى لوجدنا ان محمد بن يحيى لا يروي عن أحمد بن الحسن بل كل مورد ذكر فيه أحمد بن الحسن فهو متصل بمحمد بن أحمد بن يحيى من دون توسط شخص بينهما.

3 - عموم القاعدة للشك في النجاسة الذاتية

النجاسة المشكوكة تكون عارضة تارة و ذاتية اخرى. فاذا شككنا في تنجس الماء أو الثوب أو البدن و ما شاكل ذلك بملاقاة البول و نحوه كان ذلك شكّا في النجاسة العارضة، اما إذا شككنا في نجاسة الحديد أو الخمر أو الكافر و ما شاكل ذلك كان ذلك شكّا في النجاسة الذاتية إذ شكنا في النجاسة لم يحصل من جهة احتمال طرو نجاسة عارضة بل لاحتمال كون الشيء نجسا في نفسه.

و لم يطرح في الكلمات تشكيك في عموم القاعدة لكلا النحوين إلاّ انّه قد يشكك في شمولها للشك في النجاسة الذاتية و يبرز احتمال اختصاصها بالشك في النجاسة العارضة بتقريب ان من المحتمل كون كلمة «قذر» فعلا ماضيا، و المعنى: كل شيء نظيف حتى تعلم انّه تقذر، و بناء عليه تختص القاعدة بالأشياء التي يحتمل طرو القذارة عليها بعد ان لم تكن قذرة في نفسها.

و يكفي مجرد ابراز هذا الاحتمال لصيرورة الرواية مجملة

و سقوطها عن قابلية الاستدلال بها في موارد الشك في النجاسة الذاتية.

و فيه: ان المقابلة لكلمة «نظيف» تستدعي أن تكون كلمة «قذر» اسما لا فعلا، بمعنى ان المتكلم لو كان يقصد الفعلية احتاج ذلك الى تحريك للحروف بشكل ملفت للسامع - قذر - بحيث لو كان ذلك ثابتا حقّا لنقله الراوي لنا تحفّظا منه على نقل كل ما هو ملفت للسامع.

4 - عموم القاعدة لمورد استصحاب النجاسة

حالة المشكوك سابقا تارة يفرض هي الطهارة و يشك في عروض النجاسة عليه بعد ذلك، و اخرى يفرض العكس، بأن تكون حالته السابقة هي النجاسة ثم يشك في عروض الطهارة عليه، و ثالثة يفترض الجهل بالحالة السابقة.

اما الحالة الاولى و الثالثة فهما القدر المتيقن من مورد قاعدة الطهارة. و اما الحالة الثانية - و التي هي مورد لاستصحاب النجاسة - فقد يشك في شمول القاعدة لها، كما لو فرض ان الماء المتغيّر بالنجاسة زال تغيّره من قبل نفسه، أو فرض ان ثوبنا المتنجس شككنا قد غسل و طهّر أو لا.

و منشأ التشكيك ما أشرنا اليه في البحث السابق، فان من المحتمل كون كلمة «قذر» فعلا، أي كل شيء طاهر حتى تعلم انه قد تقذر، و واضح انه في مقامنا حيث يعلم ان الشيء قد تقذر سابقا فيلزم أن لا يكون محكوما عليه بالطهارة.

و الجواب: ما أشرنا إليه سابقا.

و قد تقول: ما هي الثمرة لهذا البحث بعد عدم امكان التمسّك

بقاعدة الطهارة عند كون الحالة السابقة هي النجاسة باعتبار ان استصحاب النجاسة مانع بالاتفاق من التمسك بقاعدة الطهارة؟

و فيه: ان الثمرة تظهر فيما اذا لم يمكن جريان الاستصحاب من جهة المعارضة، كما لو فرض ان الشيء قد طرأت عليه سابقا حالتان الطهارة و النجاسة و لا يميّز المتقدّم عن المتأخّر فان الاستصحاب حيث لا يمكن جريانه للمعارضة فيبقى المجال مفتوحا لقاعدة الطهارة فتجري بناء على شمولها لموارد النجاسة المعلومة سابقا و إلاّ فلا.

ثم انّه قد يقال بأن قاعدة الطهارة لو كانت تشمل موارد اليقين بالنجاسة سابقا فلما ذا علل الامام عليه السّلام في صحيحة عبد اللّه بن سنان - الواردة فيمن أعار ثوبه الذمي و هو يشرب الخمر و يأكل لحم الخنزير - عدم وجوب تطهير الثوب عند استرجاعه بقوله: «انّك أعرته إيّاه و هو طاهر و لم تستيقن انّه نجسه»(1)، ان التعليل بكون الحالة السابقة هي الطهارة لا داعي له بعد جريان قاعدة الطهارة في موارد النجاسة السابقة بل المناسب التعليل بأنك ما دمت تشك في نجاسته بالفعل فاحكم بطهارته بلا حاجة الى ملاحظة حالته السابقة لأن في ملاحظتها اعمالا لعناية زائدة لا حاجة اليها.

و هكذا الكلام يأتي في صحيحة زرارة الثانية المذكورة في باب الاستصحاب حيث ان الامام عليه السّلام علل عدم وجوب اعادة الصلاة في حق من ظن اصابة النجاسة لثوبه قبل الصلاة ثم رآها بعد الصلاة بقوله:

«لأنّك كنت على يقين من طهارتك فشككت و ليس ينبغي لك أن تنقض1.


1) وسائل الشيعة باب 74 من أبواب النجاسات حديث 1.

اليقين بالشك أبدا»(1)فان اصالة الطهارة لو كانت تجري مع كون الحالة السابقة هي النجاسة فلا وجه لأخذ اليقين بالطهارة السابقة بعين الاعتبار.

و فيه: ان أقصى ما يدل عليه العدول الى الاستصحاب انّه مع وجود حالة سابقة معلومة لا تصل النوبة الى قاعدة الطهارة، و لعل ذلك ليس من جهة عدم وجود المقتضي لها بل من جهة وجود الحاكم و هو الاستصحاب.

5 - شمول القاعدة لموارد الشبهة الحكمية

الشك في الطهارة و النجاسة تارة يكون بنحو الشبهة الحكمية - بمعنى كون الشك متعلقا بالحكم الشرعي الكلي كما اذا شك في تنجس الماء المضاف البالغ كرا أو اكرارا بملاقاة النجاسة له بمقدار رأس الابرة - و اخرى بنحو الشبهة الموضوعية، بمعنى كون الشك متعلّقا بالموضوع و الحكم الجزئي، كما لو حكمنا بتنجس المضاف بملاقاة النجاسة القليلة له و لكن شككنا في تحقق الملاقاة و عدمها.

و قد نقل في المقدّمة الحادية عشرة من المقدّمات المذكورة في بداية الحدائق ان الأمين الأسترآبادي في فوائده المدنية قد اختار عدم جريان القاعدة إذا كان الشك بنحو الشبهة الحكمية و مال الشيخ يوسف نفسه الى ذلك.

و استدل له بان المتيقن من الموثقة ان احتمال اصابة النجاسة


1) وسائل الشيعة باب 42 حديث 2.

للشيء الطاهر لا يعتنى له دفعا للوساوس الشيطانية و الشكوك النفسانية، و امّا تطبيقها في حالات الجهل بالحكم الشرعي فلا يخلو من الاشكال و الجرأة(1).

و فيه: ان اطلاق الموثقة حجة تنتفي معه الجرأة و الاشكال.

6 - قاعدة الطهارة حكم ظاهري أو واقعي

المعروف لدى الأصحاب ان قاعدة الطهارة تثبت طهارة ظاهرية عند الشك. هذا و لكن صاحب الحدائق اختار كون الطهارة واقعية لا ظاهرية(2)، بمعنى ان من لا يعلم بكون الشيء نجسا واقعا فهو طاهر في حقّه واقعا لا ظاهرا فقط.

و يترتب على ذلك ان من تناول النجس و هو لا يعلم بنجاسته ثم اطلع على ذلك فلا يلزمه تطهير فمه و ملابسه و بدنه لأن ذلك النجس محكوم بالطهارة واقعا فترة عدم العلم.

و استدل قدّس سرّه على ذلك بلزوم العسر و الحرج و مخالفة ظواهر الأخبار لو كان المجهول نجسا واقعا. هذا مضافا الى التمسك بظاهر قوله عليه السّلام: «فاذا علمت فقد قذر» الدال على ان القذارة تثبت عند العلم بها.

و كان من المناسب ان يتمسّك بظاهر قوله عليه السّلام: «كل شيء نظيف» فان كل وصف اخذ في القضية يحمل على إرادة الواقع منه دون الظاهر، خصوصا ان المقابلة في المقام تستدعي ذلك أيضا فان وصف


1) الحدائق الناضرة 135:1.

2) المصدر نفسه: 136.

القذر حيث يراد به القذر واقعا فالمناسب ان يراد من وصف النظيف ذلك أيضا.

و فيه:

أ - ان الموثقة قالت: «حتى تعلم انّه قذر»، و هذا يدل على ان الشيء قذر واقعا و العلم يتعلّق بما هو قذر واقعا، و اذا كان الشيء قذرا واقعا فكيف يحكم عليه بكونه نظيفا واقعا، انه تناقض واضح.

أجل لو كانت كلمة «قذر» ملحوظة بنحو المرآتية الى الأعيان النجسة - بأن كان المقصود منها الاشارة الى البول و المني مثلا - لم يتحقّق بذلك تناقض و لكن حمل الوصف المذكور على ذلك خلاف الظاهر، خصوصا ان كلمة «نظيف» لم يقصد منها المرآتية فمن المناسب ان لا يقصد ذلك من كلمة «قذر» أيضا.

ب - ان لازم كون الحكم بالطهارة واقعيا ان الدم مثلا طاهر واقعا في حق شخص و هو الشاك و نجس واقعا في حق آخر و هو العالم، و التفكيك الواقعي المذكور خلاف ما هو المرتكز لدى المتشرعة.

ج - ان الموثقة قالت بعد ذلك «و ما لم تعلم فليس عليك شيء» و لم تقل: و ما لم تعلم فليس بقذر، و هذا ممّا يدل على ان القذارة قد تكون ثابتة واقعا و لكنّها ليست منجزة على المكلف ما دام لا يعلم بها.

د - ان للرأي المذكور لازما لا يمكن الالتزام به، و هو ان قطرة بول لو أصابت ماء قليلا مثلا و لم نعلم بالاصابة حين تحققها بل بعد فترة فلا يحكم عليه بالتنجس لا قبل الالتفات الى الاصابة و لا بعد ذلك.

اما عدم التنجس قبل الالتفات فلأجل ان قطرة البول آنذاك طاهرة واقعا فلا تكون موجبة للتنجس.

و اما عدم التنجس بعد ذلك فلأنّه بعد الالتفات لا تتحقق اصابة جديدة للبول، بل ان الاصابة قبل ذلك كانت اصابة للطاهر الواقعي و بعد ذلك لا اصابة جديدة لتوجب التنجس، و من ثمّ يلزم جواز شرب ذلك الماء و غسل الثياب المتنجسة به حتى بعد الالتفات.

7 - شرطية الطهارة و مانعية النجاسة

هناك كلام في ان الامور المشروطة بالطهارة كالصلاة و غيرها هل تكون الطهارة فيها شرطا أو ان النجاسة مانع؟

ربما يظهر من السيّد الخوئي في مصباح الاصول(1)عند بحثه عن دلالة الصحيحة الثانية لزرارة على حجية الاستصحاب عدم الثمرة في النزاع المذكور.

و ربما يوجّه ذلك بأن اصالة الطهارة بناء على تماميتها تثبت الطهارة إذا كانت شرطا و تنفي النجاسة إذا كانت مانعا، و معه فلا ثمرة من هذه الناحية.

و فيه: ان بالامكان تصور الثمرة في موارد تقدّمت الاشارة الى بعضها. فمثلا في موارد الشك في النجاسة الذاتية إذا قلنا بعدم شمول قاعدة الطهارة لمثلها فباستصحاب عدم تشريع النجاسة يمكن نفي المانع و هو النجاسة و من ثمّ تجوز الصلاة مع الشيء المشكوك و يجوز تناوله، بينما بناء على شرطية الطهارة لا يمكن احراز الشرط بالاستصحاب و من ثمّ لا تجوز الصلاة معه و لا تناوله فان استصحاب


1) 55:3.

العدم ينفي تشريع الطهارة و لا يثبتها.

و اذا سألت: أي واحد من الاحتمالين هو الصحيح فهل الطهارة شرط أو النجاسة مانعة؟ كان الجواب: ان تحقيق ذلك يقع على ذمّة الفقه عند البحث عن شرطية الطهارة في الصلاة أو جواز التناول.

8 - تطبيقات

1 - كيف يمكن توجيه جواز تناول الأدوية المستوردة من بلاد الكفّار؟

2 - هل يجوز تناول الحليب و مشتقاته إذا استورد من بلاد الكفار؟ و ما الفرق بينه و بين اللحوم التي لا يجوز تناولها؟ 3 - يسأل بعض من يذهب الى البلاد الكافرة عن ان مقاعد السيارات أيّام الشتاء تكون مبللة فهل يحكم بتنجسها؟ 4 - قد يذهب الشخص الى المرافق لقضاء الحاجة و يجد الماء واقفا على الأرض فما حكم ذلك الماء؟

5 - إذا شك في اعتبار تعدد الغسل في الثوب المتنجس أو شك في اعتبار العصر فعند غسله مرّة أو بدون عصر سوف يشك في حصول الطهارة له فهل يمكن التمسك آنذاك بقاعدة الطهارة؟ 6 - إذا كان عندنا اناءان علمنا بوقوع النجاسة في احدهما فتارة يفترض ان الحالة السابقة في كليهما مجهولة و اخرى يفرض كونها معلومة و ثالثة يفترض كونها معلومة في احدهما مجهولة في الآخر.

و السؤال هل يمكن التمسّك بقاعدة الطهارة في الحالات المذكورة؟

قاعدة الالزام

اشارة

1 - مضمون القاعدة

2 - قاعدتا الالزام و الامضاء

3 - مدرك القاعدة

4 - اباحة أو صحة واقعية

5 - عموم القاعدة لسائر ذوي الأديان

6 - مصاديق لقاعدة الالزام

7 - تطبيقات

قاعدة الالزام هي من القواعد التي لم يتعرّض لها في الفقه و لا في الاصول ببحث مستقل، بل و لا توجد اشارة لها سوى في بعض التفريعات المذكورة في مسائل الطلاق و الميراث.

أجل قد نقرأ في تراجم بعض الاعلام كتابة بحث خاص عنها، و لكنّه مع الأسف لم يخرج الى عالم الطبع و بقي حبرا على ورق.

و إذا كانت هناك إشارة مستقلة لها قد برزت إلى عالم الطبع فهي في الكتب المعدّة لبحث القواعد الفقهية لا غير.

و القاعدة المذكورة و ان لم تكن من القواعد المهمّة التي يحتاج إليها الفقيه في مواطن متعدّدة بل في مواطن نادرة و معدودة كما سوف نلاحظ و لكن الاطلاع عليها و بحثها ضروري.

و البحث عنها يقع ضمن النقاط التالية:

1 - مضمون القاعدة.

2 - قاعدتا الالزام و الامضاء.

3 - مدرك القاعدة.

4 - اباحة أو صحة واقعية.

5 - عموم القاعدة لسائر ذوي الأديان.

6 - مصاديق لقاعدة الالزام.

7 - تطبيقات.

1 - مضمون القاعدة

يقصد بالقاعدة المذكورة ان غير الشيعي إذا قام بفعل معين يعتقد بصحته - أو كان له معتقد لا يرتبط بالفعل كما ستأتي أمثلة ذلك إن شاء اللّه تعالى - و كان الشيعي لا يعتقد بصحته فله الحق في ترتيب الآثار التي هي في صالحه بالرغم من عدم اعتقاده بصحته الزاما للطرف المقابل بما يقتضيه اعتقاده.

فالزواج مثلا بلا اشهاد عادلين صحيح عندنا و باطل عندهم - حيث انّهم يشترطون الاشهاد في الزواج و لا يشترطونه في الطلاق على العكس منّا تماما - فلو فرض ان عاميّا تزوج بلا اشهاد فهو باطل في معتقده و صحيح في معتقدنا، و ما دام باطلا في معتقده فلنا الزامه بذلك و ترتيب آثار البطلان عليه التي منها جواز التزوج بتلك المرأة.

و هكذا الطلاق بلا اشهاد صحيح عندهم و باطل عندنا، فلو طلّق غير الامامي زوجته فالطلاق و ان كان باطلا بنظرنا و هي بعد باقية زوجة له إلاّ انّه من باب الزامه بمعتقده يصح لنا الزواج بتلك التي طلقها بلا اشهاد.

و الطلاق ثلاثا بلفظ «أنت طالق ثلاثا» باطل عندنا و صحيح

عندهم، فلو طلّق العامي زوجته كذلك صحّ منّا الزواج بها الزاما لهم بذلك.

و هكذا الحال في أمثلة اخرى تأتي الإشارة إليها إن شاء اللّه تعالى.

2 - قاعدتا الالزام و الامضاء

و نلفت النظر الى ان قاعدة الالزام هذه تغاير قاعدة امضاء ما لدى كل ذوي دين من احكام و قوانين، و تلك القاعدة غير هذه.

فالكتابي إذا تزوج على طبق ما لديهم من قوانين حكم بصحّة ذلك الزواج و لم يحق لنا التزوّج بزوجته و تعاملنا معها معاملة ذات البعل.

و ليس ذلك لقاعدة الالزام بل لقاعدة الامضاء.

و هكذا إذا طلّق الكتابي زوجته على طبق ما لديهم من قوانين امضي الطلاق و حكمنا بجواز زواجها من كتابي آخر لو تحاكموا إلينا.

و الفرق بين القاعدتين هو انّه في قاعدة الالزام يفترض ان الامامي يطبق القاعدة لينتفع من تطبيقها و ليكون ذلك في صالحه بخلاف ذلك في قاعدة الامضاء فان نتيجة تطبيقها ليست في صالحه.

فغير الامامي إذا تزوج بغير الامامية بزواج هو باطل عندنا و صحيح عندهم فليس بالامكان تطبيق قاعدة الالزام بل لا بدّ من تطبيق قاعدة الامضاء، و يلزم من ذلك الحكم بصحّة الزواج و من ثمّ لا يجوز للإمامي التزوج بها. و هي نتيجة في غير صالحه.

بينما لو فرض في المثال المذكور نفسه ان الزواج المجرى كان باطلا عندهم و صحيحا عندنا فبالامكان تطبيق قاعدة الالزام و تزوج

الامامي بتلك المرأة. و هي نتيجة في صالحه.

3 - مدرك القاعدة

ذكر الحرّ العاملي مجموعتين من الروايات التي تصلح أن تشكّل مدركا للقاعدة احداهما: في باب الطلاق، و ثانيتهما: في باب الارث. و هي و ان كانت متعددة إلاّ ان ما يدل منها على القاعدة الكليّة هو كما يلي:

1 - ما رواه الشيخ الطوسي بسنده الى الحسن بن محمد بن سماعة عن عبد اللّه بن جبلة عن غير واحد عن علي بن أبي حمزة انّه سأل أبا الحسن عليه السّلام: «المطلقة على غير السنّة(1)أ يتزوّجها الرجل؟ فقال: الزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم و تزوجوهنّ فلا بأس بذلك»(2).

2 - روى الصدوق عن محمّد بن علي ماجيلويه عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى عن جعفر بن محمّد الأشعري عن أبيه عن الرضا عليه السّلام: «من كان يدين بدين قوم لزمته أحكامهم»(3).

و لربما يفهم من هذه الرواية النظر الى القاعدة الثانية، أي امضاء ما لدى كل ذوي دين من قوانين.

3 - روى محمّد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عمر بن اذينة عن عبد اللّه بن محرز قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام:

«رجل ترك ابنته و اخته لأبيه و أمّه فقال: المال كلّه لابنته و ليس للأخت


1) أي المطلقة بطلاق فاقد للشرائط الشرعية اللازمة.

2) وسائل الشيعة باب 30 من أبواب مقدّمات الطلاق حديث 5.

3) المصدر السابق حديث 10.

من الأب و الامّ شيء. فقلت: فانا قد احتجنا الى هذا و الميت رجل من هؤلاء الناس و اخته مؤمنة عارفة قال: فخذ لها النصف خذوا منهم كما يأخذون منكم في سنتهم و قضاياهم. قال ابن اذينة: فذكرت ذلك لزرارة فقال: ان على ما جاء به ابن محرز لنورا»(1). و هذه تدل على ثبوت حق المقاصة النوعية و انه ما دام هم يأخذون منكم فأنتم خذوا منهم بالمقابل أيضا.

4 - ما رواه الشيخ عن علي بن الحسن بن فضال عن السندي بن محمد البزاز عن العلاء بن رزين القلاء عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام: «سألته عن الأحكام قال: تجوز على أهل كل ذوي دين ما يستحلون»(2). أي ان كل ما يرونه حلالا و صحيحا يكون ممضيا عليهم.

و لا بد من الوقفة القصيرة عند اسناد الروايات المذكورة.

اما الرواية الاولى ففيها مشكلتان: الارسال عن غير واحد، و علي بن أبي حمزة البطائني.

اما المشكلة الاولى فيمكن التغلّب عليها بناء على ان التعبير المذكور يدل على ثلاثة فما زاد و اجتماع العدد المذكور على الكذب في نقل مثل الحكم المذكور بعيد جدّا و يحصل الاطمئنان بعدمه.

و اما البطائني فهو الرجل المشهور بالوقف. و قد ذكره الشيخ و النجاشي بدون توثيق بل روى الكشي عن ابن فضال انّه كذّاب4.


1) وسائل الشيعة باب 4 من أبواب ميراث الاخوة و الاجداد حديث 1.

2) وسائل الشيعة باب 4 من أبواب ميراث الاخوة و الاجداد حديث 4.

ملعون. و في مورد آخر: كذاب متهم(1).

و روي عن الامام الرضا عليه السّلام ان البطائني بعد موته أقعد في قبره فسئل عن الأئمة عليهم السّلام فاخبر بأسمائهم حتى انتهى إليّ فسئل فوقف فضرب على رأسه ضربة امتلأ قبره نارا(2).

هذا الا ان بالامكان توثيقه بالبيان التالي: ان البطائني كان وكيلا للإمام الكاظم عليه السّلام في حفظ أمواله و أمينا عليها. و الانسان العاقل لا يقدم على جعل شخص أمينا على أمواله إلاّ إذا كان لديه في أعلى درجات الوثاقة. و لو كان غير ثقة في مجال الأحاديث فقط فليس من المناسب للإمام عليه السّلام الركون الى مثله و جعله أمينا على أمواله.

اذن الانحراف الذي حصل يلزم أن يكون قد تجدد بعد الوثاقة الكاملة. و لازم ذلك أن تكون الروايات المنقولة عنه قد نقلت عنه قبل انحرافه إذ مثل هذا الانحراف العظيم يحقّق سببا لنفرة الخط المعتدل عنه، فنقل الثقات عنه كاشف عن حصول ذلك قبل انحرافه.

و ممّا يؤكّد وثاقته الثقات عنه ممّن قيل عنه انّه لا يروي الاّ عن ثقة كابن أبي عمير و صفوان. و قد نقل الشيخ في العدة عمل الطائفة برواياته إذا لم يكن لها معارض.

و اما انّه كذّاب متهم أو ملعون فيمكن حمله على فكرة الوقف التي حصلت منه و خيانته في الأموال المودعة لديه من قبل الامام الكاظم عليه السّلام.

و اما الرواية الثانية فتصحيح سندها صعب فان ماجيلويه و انه.


1) اختيار معرفة الرجال 705:2. طبع مؤسسة آل البيت عليهم السّلام.

2) المصدر نفسه.

أمكن توثيقه من خلال شيخوخة الاجازة الا ان جعفر بن محمد الأشعري و والده مجهولان.

و اما الرواية الثالثة فقد يشكل في سندها من ناحية عبد اللّه بن محرز فانه لم يوثق الا ان تعبير زرارة بان على رواية عبد اللّه بن محرز نورا يمكن أن يسهّل الأمر من هذه الناحية.

و اما الرواية الرابعة فهي صحيحة السند.

4 - اباحة أو صحّة واقعية

اذا طلّق غير الشيعي زوجته بدون اشهاد فطلاقه صحيح في نظره و يجوز للشيعي ترتيب آثار الطلاق الصحيح عليه و ذلك بالتزوج بها. و السؤال: لو فرض ان غير الشيعي استبصر فهل تعود بذلك زوجيته السابقة أو لا؟

و من الطبيعي يختص السؤال بحالة ما اذا لم تتزوج المطلقة، و اما لو تزوجت فلا يحتمل عود الزوجية باستبصاره إذ المفروض ان الزواج الثاني صحيح، و لازم صحته زوال الزوجيّة الاولى، و مع زوالها فعودها يحتاج الى عقد جديد.

و انما الكلام فيما اذا لم تتزوج المطلقة حتى استبصر زوجها فاذا استبصر فهل يحق له الرجوع اليها بدون عقد جديد؟ و أوضح من ذلك ما إذا فرضنا ان الزوجة استبصرت أيضا.

و قد طرح هذا كسؤال على السيد الحكيم قدّس سرّه أيّام حياته فأجاب

بأنّها باقية زوجة له(1)بينما أجاب الشيخ حسين الحلي بالنفي(2). و قد نسب الأوّل الى الشيخ حسن صاحب أنوار الفقاهة أيضا(3).

و منشأ الاختلاف في الجواب يرجع الى الاختلاف فيما هو المستفاد من الروايات فهل المستفاد منها ان الطلاق الفاقد للشرائط باطل غايته ان الشيعي يباح له ترتيب آثار الصحة أو ان المستفاد منها صحة الطلاق واقعا ما دام صاحبه يعتقد بصحته فكأن الاعتقاد بالصحة يقلب الواقع من البطلان الى الصحة كالاضطرار الذي يقلب الحرام الى مباح واقعا.

و المناسب هو الأوّل فان مقتضى أدلّة شرطية الاشهاد في الطلاق ان الطلاق بلا اشهاد باطل، و هذا من دون فرق بين كون الطلاق صادرا من امامي أو من غيره.

اذن مقتضى القاعدة الأولية بطلان الطلاق بلا اشهاد حتى في حقّ غير الامامي، و الخروج عن مقتضى القاعدة المذكورة يحتاج الى دليل.

و اذا كان ذلك الدليل مجملا و يحتمل أن يكون المراد منه صحة الطلاق بلا اشهاد من غير الامامي واقعا و ان يكون المراد منه مجرّد ترتيب آثار الصحة من دون أن يكون صحيحا واقعا فلا بدّ من التمسك بمقتضى القاعدة المذكورة.

و باتضاح هذا نرجع الى روايات قاعدة الالزام لنلاحظ هل تدل على الصحة الواقعية أو على مجرّد ترتيب آثار الصحة.7.


1) مستمسك العروة الوثقى 524:14.

2) بحوث فقهية: 274.

3) المصدر السابق: 277.

اما الرواية الاولى فأقصى ما تدل عليه هو حق الالزام و ترتيب آثار الصحة إذ كلمة الالزام يفهم منها عرفا ان الطلاق باطل واقعا و لكنّه يجوز ترتيب آثار الصحة عليه الزاما. له، ان هذا هو معنى «الزمه» عرفا.

و مع التنزل عن هذا الظهور فلا أقل من اجمال الرواية و كونها ذات احتمالين: الصحة واقعا و مجرّد ترتيب آثار الصحة. و مع اجمال الرواية يلزم الرجوع الى مقتضى القاعدة القاضي بالبطلان واقعا.

و هكذا الحال في الرواية الثالثة إذ الوارد فيها «خذوا منهم كما يأخذون منكم»، و تعبير «خذوا منهم» يرادف تعبير «الزموهم» و لا فرق بينهما فيأتي فيه ما ذكرناه في الرواية الاولى.

و اما الرواية الثانية فقد توحي بالصحة الواقعية حيث قالت:

«... لزمته أحكامهم» و لزوم الأحكام غير الالزام بها و لذلك قلنا يحتمل كون المقصود منها قاعدة الامضاء دون قاعدة الالزام. و لكنها مضافا الى ضعف سندها يحتمل كون المقصود من اللزوم الالزام فانّه لا حزازة عرفا في استعمال «لزمته أحكامهم» بمعنى الزموهم بأحكامهم.

و مع وجود كلا الاحتمالين في الرواية تعود مجملة، و بذلك يلزم الرجوع الى مقتضى القاعدة القاضي ببطلان الطلاق.

و اما الرواية الرابعة فقد توحي بالصحة الواقعية أيضا لأنّها عبّرت بكلمة «تجوز»، أي ان ما يرونه حلالا يمضي عليهم، و ظاهر المضي المضي واقعا و كون الطلاق ماضيا و صحيحا واقعا.

و لكن من المحتمل كون المقصود الحلية للغير عليه لا له على الغير، أي ان الطلاق ماض عليه و ملزم به لا انه ماض له واقعا، و مع كون الرواية ذات احتمالين يتعين التمسك بمقتضى القاعدة.

و اذا قيل: إذا لم يكن الطلاق صحيحا واقعا فكيف يجوز للشيعي الزواج بالمرأة التي لم يتحقق طلاق الزوج لها؟ و هل يجوز الزواج بذات البعل!

كان الجواب: ان من المحتمل ان الشيعي متى ما تزوج تحقق الطلاق من حين وقوعه و كان التزوج كاشفا عن ذلك.

هذا مضافا الى ان عدم جواز التزوج بذات البعل ليس من الأحكام العقلية حتى لا تقبل التخصيص بل هو حكم شرعي قابل للاختصاص بغير موارد الالزام.

و بنفس هذا نجيب عن مثل موثق عبد الرحمن البصري عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قلت له: امرأة طلّقت على غير السنّة. فقال: تتزوج هذه المرأة، لا تترك بغير زوج»(1). فان الأمر بتزوج المرأة قد يوحي بصحة الطلاق الواقع على غير السنّة. و لكن الجواب عنه ما تقدّم من التمسك بفكرة الانكشاف أو التخصيص.

5 - عموم القاعدة لسائر ذوي الأديان

و هل تعم القاعدة سائر ذوي الأديان؟ فلو فرض ان الكتابي طلّق زوجته طلاقا فاقدا للشروط عندنا فهل يجوز لنا الزواج بها؟ نعم لوجهين:

1 - ان المسلم من غير الشيعة إذا كان يلزم بذلك فبالاولى الزام غير المسلم.


1) وسائل الشيعة باب 30 من أبواب مقدّمات الطلاق حديث 3.

2 - ان صحيحة محمّد بن مسلم قالت: «يجوز على أهل كل ذوي دين ما يستحلون»، و هذا يعمّ الجميع.

6 - مصاديق لقاعدة الالزام

1 - لا يرى الامامية اعتبار الاشهاد في النكاح. و بعض العامة وافق الامامية في ذلك، و كثير منهم ذهب الى فساده، و بعض منهم ذهب الى فساده على تقدير عدم الاعلان عنه، فالمدار عنده على الاعلان و عدمه لا على الاشهاد و عدمه.

و على هذا فلو تزوّج رجل من العامة الذين يعتقدون بفساد العقد بدون اشهاد بامرأة من دون اشهاد فمن السائغ للإمامي الزواج بها تطبيقا لقاعدة الالزام حيث يرى الزوج فساد العقد بدون اشهاد.

2 - لا يرى العامة جواز الجمع بين العمة و ابنة أخيها و هكذا بين الخالة و ابنة اختها بل متى ما تقارن العقدان فسدا معا و متى ما تقدّم أحدهما بطل المتأخّر.

و اما الامامية فترى ان ادخال العمة و الخالة عليهما لا محذور فيه و يصح العقدان، و اما ادخال بنت الاخ و الاخت على العمة و الخالة فلا يصح إلاّ برضا العمة و الخالة.

و على هذا فلو تزوج العامي بالعمة أو الخالة على بنت الأخ أو الاخت أو بالعكس أو تقارنا جاز للإمامي الزواج بالعمة و الخالة بدون شرط و هكذا جاز له الزواج ببنت الأخ أو الاخت بشرط اذن العمة و الخالة لو كان عقدهما - العمة و الخالة - متقدّما، كل ذلك لقاعدة الالزام.

3 - المطلقة إذا كانت يائسة أو صغيرة لا تجب عليها العدّة مع

الدخول بها لدى الامامية بينما تجب عند العامة.

و على هذا فلو كانت الزوجة شيعية أو تشيّعت(1)فلها حق المطالبة بالنفقة أيّام العدّة باعتقادهم.

و اذا كان الزوج شيعيا و الزوجة المطلقة من غير الشيعة فله الحق في الرجوع إليها الزاما لها بالعدّة و بأحكامها التي منها جواز الرجوع إليها فيها.

4 - يرى الامامية ان التركة اذا فضل منها شيء عن السهام المقررة المفروضة ردّ الفاضل على ذوي السهام بينما العامة ترى رده على عصبة الميت(2)كالأخ أو الاخت أو العم.

و هذا معنى بطلان التعصيب لدى الامامية، أي يرد الفاضل على ذوي السهام.

و على هذا فلو خلّف الميت أخا و بنتا فعلى رأي الامامية يدفع النصف الى البنت بالفريضة و الباقي يرد عليها، و اما على رأي العامة فيدفع النصف الباقي الى الاخ.

و يترتب على هذا ان الأخ إذا كان من الامامية و البنت من غيرهم أخذ الأخ الباقي بمقتضى قاعدة الالزام.

و هكذا لو ترك الميت بنتا و عمّا فانّه لو كان العم إماميّا و البنت ليست كذلك جاز له أخذ النصف بالتعصيب طبقا لقاعدة الالزام.ب.


1) و التقييد في منهاج الصالحين للسيّد الخوئي 424:1 بما اذا تشيّعت لا نعرف له وجها.

2) قال في مجمع البحرين: عصبة الرجل بالتحريك جمع عاصب ككفرة جمع كافر، و هم بنوه و قرابته لأبيه. و الجمع «العصاب». قال الجوهري: و انما سمّوا عصبة لأنّهم عصبوا به، أي أحاطوا به، فالأب طرف، و الابن طرف و الأخ جانب و العم جانب.

5 - في باب ارث الزوجة يرى الامامية انها ترث من الأموال المنقولة، و اما الأموال غير المنقولة - و هي الأرض و ما ثبت عليها من بناء و أشجار - فلا ترث من الأرض شيئا و ترث ممّا ثبتت عليها من قيمته دون عينه. هذا رأي الامامية. و اما العامة فيرون انها ترث من جميع التركة بدون تفصيل.

و على هذا فلو كانت الزوجة من الشيعة بينما بقية الورثة من غيرهم فلها أخذ الربع أو الثمن من جميع التركة بقاعدة الالزام.

7 - تطبيقات

1 - اذا تزوج الامامي بامرأة من العامة بدون اشهاد أثناء العقد فما هو الحكم اتجاه نفقتها و ارثها لو مات زوجها أو أحد أولادها؟

2 - اذا فرض العكس بأن تزوجت الامامية بغير الامامي بدون اشهاد فما هي الأحكام المترتبة بمقتضى قاعدة الالزام؟

3 - إذا كان الزوج اماميا و له زوجة من العامة و طلّقها ثلاثا في مجلس واحد الذي هو باطل عندنا فهناك أحكام تثبت بمقتضى قاعدة الالزام و أحكام تثبت بقطع النظر عنها. أوضح كلا القسمين من الأحكام.

4 - الامامي إذا تزوج بامرأة عامية بدون اشهاد فهل يجوز له الزواج باختها تطبيقا لقاعدة الالزام؟

5 - اذا طلّق غير الامامي زوجته التي ليست هي بامامية أيضا فتارة نفترض ان شخصا ثالثا غير امامي أراد الزواج بها و اخرى نفترض ان الثالث امامي. ففي الحالة الاولى يجوز زواج الثالث طبقا لأي قاعدة؟ و هكذا في الحالة الثانية يجوز زواج الثالث طبقا لأي قاعدة؟

6 - إذا تزوج غير الامامي بغير الامامية بعقد نفترضه تارة صحيحا عندهم و اخرى باطلا. و في الحالة الاولى لا يجوز للإمامي الزواج بتلك المرأة بينما في الحالة الثانية يجوز ذلك. اوضح وجه الفرق.

7 - هناك أشياء لا يجوز بيعها لحرمة أكلها كالسمك الجري مثلا، و لكن حيث يستحلها غير الامامي فهل يمكن الحكم بجواز بيعها عليه تطبيقا لقاعدة الالزام؟

قاعدة سوق المسلمين

اشارة

1 - مضمون القاعدة

2 - مدرك القاعدة

3 - يد المسلم

4 - السوق امارة

5 - تحليل نكتة امارية السوق

6 - لا فرق بين فرق المسلمين

7 - مصنوع أرض الإسلام

8 - تطبيقات

قاعدة سوق المسلمين من القواعد المهمّة التي ينتفع بها كثيرا في مجال تعايش المسلمين بعضهم مع البعض الآخر. فمن دون حجية القاعدة المذكورة لا يمكن شراء اللحم من الأسواق و الأكل منها لاحتمال عدم تذكيتها.

و يشير الفقهاء عادة إلى هذه القاعدة عند بحثهم عن النجاسات فان احدها هو الميتة التي يراد بها كل حيوان زهقت روحه بدون تذكية شرعية. و بهذه المناسبة يذكرون مسألة اخرى و هي ان الحيوان الذي يشك في تذكيته محكوم بحرمة تناول لحمه إلاّ إذا اخذ من سوق المسلمين فإنّه محكوم بالحل. و بهذه المناسبة أيضا يأخذون بالبحث عن القاعدة المذكورة بشكل مختصر و من بعض الجوانب.

و نمنهج البحث عنها ضمن النقاط التالية:

1 - مضمون القاعدة.

2 - مدرك القاعدة.

3 - يد المسلم.

4 - السوق امارة.

5 - تحليل نكتة امارية السوق.

6 - لا فرق بين فرق المسلمين.

7 - مصنوع أرض الإسلام.

8 - تطبيقات.

1 - مضمون القاعدة

يقصد من القاعدة المذكورة الحكم بامارية السوق على التذكية، فان الحيوان إذا لم يذك لم يجز تناول لحمه و لا الصلاة مع جلده، و اذا شك في تذكيته حكم عليه بعدمها تمسّكا باستصحاب عدمها فان الحيوان حالة حياته لم يكن مذكى فاذا شك في حصولها له عند زهاق روحه استصحب ذلك العدم. و هذا الاستصحاب حجّة و يحكم على الحيوان بعدم التذكية و من ثمّ بعدم جواز تناول لحمه و لا الصلاة في جلده بل و في رأي المشهور يحكم بنجاسته و تنجس اليد و الملابس باصابتها له مع الرطوبة.

و هذا الاستصحاب محكّم و لا يجوز تجاوزه إلاّ إذا كان ذلك مأخوذا من سوق المسلمين فانه محكوم بالتذكية و من ثمّ بحلية تناول اللحم و جواز الصلاة مع الجلد و الطهارة.

اذن امارية سوق المسلمين تختص بهذا المجال و هو اثبات التذكية، و اما اثبات الملكية و الطهارة فذلك أجنبي عن امارية السوق، فلو فرض ان شخصا أراد شراء شيء من سوق المسلمين و هو لا يدري

ان ذلك الشيء ملك للبائع أو لا، أو شك في طهارته و عدمها فليس له جعل السوق امارة على الملكية أو الطهارة بل الملكية تثبت بقاعدة اليد و لو لم تكن يد مسلمة، و الطهارة تثبت بقاعدة الطهارة و لو لم تكن اليد مسلمة أيضا.

2 - مدرك القاعدة

يمكن الاستدلال على القاعدة المذكورة بالوجوه الثلاثة التالية:

الأوّل: التمسك بسيرة المتشرّعة، فاننا نذهب الى السوق و نشتري اللحم و نتعامل معه معاملة المذكى بالرغم من ان القصاب الذي نشتري منه ذلك لا نجزم بتذكيته للحيوان بل نحتمل اما انّه لم يذكه رأسا أو ذكّاه لا على الوجه الشرعي المضبوط، و من تحرّج عن الشراء و الأكل عدّ منحرفا عن الاتجاه العام الذي يسير عليه المسلمون قاطبة.

و هذه السيرة لا نحتمل كونها متجددة و حاصلة في العصر المتأخّر، كيف و هل يحتمل ان المسلمين في عصر الأئمة عليهم السّلام لم يكونوا ليشتروا اللحم من السوق، أو هل يحتمل انهم كانوا يجزمون بأن جميع القصابين في ذلك العهد يجرون التذكية على وجهها الشرعي المضبوط من دون احتمال تخلّف أحدهم عن ذلك؟!

و اذا سلمنا بانعقاد هذه السيرة فلا نحتاج الى اثبات حجيتها بفكرة الامضاء من خلال عدم الردع - كما نكون بحاجة الى ذلك في السيرة العقلائية - بل هي حجة بدون ذلك لأن افتراض كونها سيرة متشرّعة نفسه يستبطن افتراض كونها متلقاة من الشرع المقدّس و إلاّ لم تكن سيرة متشرعة.

الثاني: ان لازم عدم حجية سوق المسلمين اختلال النظام إذ يلزم ان يذبح كل فرد مسلم الحيوان لنفسه و لا يجوز له شراء اللحم من السوق و الأكل منه لأن احتمال عدم التذكية ما دام موجودا فبالاستصحاب يثبت عدم تذكية الحيوان المشكوك و من ثمّ عدم جواز تناوله.

الثالث: التمسك بالروايات. و قد وردت في هذا المجال عدّة روايات نذكر المهم منها:

أ - صحيحة فضيل و زرارة و محمد بن مسلم حيث سألوا أبا جعفر عليه السّلام عن شراء اللّحوم من الأسواق و لا يدرى ما صنع القصّابون فقال: «كل إذا كان ذلك في سوق المسلمين و لا تسأل عنه»(1).

و الرواية واضحة الدلالة و صحيحة السند حيث يرويها الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عمر بن اذينة عن فضيل و زرارة و محمّد بن مسلم. و الكل ثقات.

ب - موثقة إسحاق بن عمّار عن العبد الصالح عليه السّلام: «لا بأس بالصلاة في الفراء اليماني و فيما صنع في أرض الإسلام. قلت: فان كان فيها غير أهل الإسلام؟ قال: إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس»(2).

و الدلالة و السند جيّدان فان الشيخ الطوسي يرويها بسنده الى سعد عن ايوب بن نوح عن عبد اللّه بن المغيرة عن اسحاق. و الكل ثقات.

و طريق الشيخ الى سعد صحيح أيضا.

ج - صحيحة البزنطي: «سألته عن الرجل يأتي السوق فيشتري5.


1) وسائل الشيعة باب 29 من أبواب الذبائح حديث 1.

2) وسائل الشيعة باب 50 من أبواب النجاسات حديث 5.

جبّة فراء لا يدري أذكية هي أم غير ذكية أ يصلّي فيها؟ فقال: نعم ليس عليكم المسألة، ان أبا جعفر عليه السّلام كان يقول: ان الخوارج ضيّقوا على أنفسهم بجهالتهم، ان الدين أوسع من ذلك»(1).

و هي تدل على ذم السؤال و الفحص حذرا من ايقاع المؤمن نفسه في المشقة. و هي صحيحة السند أيضا لأن الشيخ يرويها بسنده الصحيح إلى ابن محبوب عن أحمد بن محمد(2)عن البزنطي. و الكل ثقات.

و اذا قيل: ان الرواية مضمرة و لعل المسؤول ليس هو الامام عليه السّلام.

قلنا: ان البزنطي حيث انّه من أجلّة الأصحاب الذين لا يليق بهم الرواية عن غير الامام عليه السّلام فيتعيّن أن يكون المسؤول هو الامام عليه السّلام.

هذا مضافا الى امكان تطبيق البيان العام الذي ذكرناه سابقا لحجية جميع المضمرات(3).

و هناك روايات اخرى في هذا المجال يمكن ملاحظتها في الباب (50) من أبواب النجاسات في كتاب وسائل الشيعة.

3 - يد المسلم

اللحم تارة نأخذه من سوق المسلمين، و هذا كما عرفنا محكوم بالتذكية، و اخرى نأخذه من يد شخص مسلم بهدية أو شراء من دون أن يمرّ ذلك الأخذ بسوق المسلمين، كما لو أخذناه


1) وسائل الشيعة باب 50 من أبواب النجاسات حديث 3.

2) أي أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري الثقة الجليل.

3) راجع الجزء الأوّل: 42.

منه في البلاد الكافرة.

و هل يد المسلم كسوق المسلمين امارة على التذكية؟

اننا لو رجعنا الى الروايات نجدها تعبّر بكلمة السوق إلاّ انّه بالرغم من ذلك يمكن الحكم بالايجاب باعتبار ان الامارية التي ثبتت لسوق المسلمين لا نحتمل اعتبارها له بما هو بناء خاص يشتمل على محلات معدودة و انما اعتبرت له من جهة كونه المحل الذي يضم المسلمين و الكاشف عن كون اليد المأخوذ منها يدا مسلمة.

اذن الامارة على التذكية - في ضوء هذا - هي يد المسلم دون السوق نفسها و انما السوق امارة على الامارة.

4 - السوق امارة

من يقرأ الروايات السابقة يفهم منها بوضوح ان السوق ليس امارة تعبدا و لا لنكتة عقلائية بل هو امارة لنكتة عقلائية و هي كاشفيته عن كون البائع مسلما، و كاشفية يده عن كونها تطبق الشرائط الشرعية للتذكية بدقة و بالكامل.

و كلتا الكاشفتين تستند الى نكتة الغلبة، فانّه لما كان الغالب في السوق تواجد المسلمين فيه فوجود المحل في السوق يكشف عن كون صاحبه مسلما، و لما كان الغالب على المسلمين التحفّظ على الشروط الشرعية للتذكية فالأخذ من اليد المحكوم بإسلامها يكشف عن تحقق الشروط.

اذن السوق يكشف عن كون اليد المأخوذ منها يدا مسلمة لأجل الغلبة، و الأخذ من اليد المسلمة يكشف عن تحقّق الشروط الشرعية

لأجل الغلبة أيضا.

و يتفرّع على كون حجية السوق من الناحية المذكورة و ليس لنكتة تعبدية الامور التالية:

أ - ان السوق لا يكون امارة على التذكية إلاّ إذا كان الطابع العام على أصحاب السوق الإسلام بحيث كان الكل أو الأغلب من المسلمين.

اما إذا كان الكل أو الأغلب من غير المسلمين فلا يكون امارة.

و الوجه في ذلك واضح - بالرغم من اطلاق كلمة السوق في صحيحة البزنطي - فان السوق بما هو سوق و بقطع النظر عن كونه سوق المسلمين لا يحتمل اماريته على التذكية.

و بقطع النظر عن ذلك يمكن أن نستفيد اعتبار غلبة المسلمين من خلال التصريح بالتقييد المذكور في الرواية الاولى و الثانية.

ب - و يترتب على ذلك أيضا ان السوق الإسلامي إذا كان يستورد بعض الأحزمة و الأحذية المصنوعة من جلود الحيوانات من بعض الدول الكافرة مع الجزم بعدم مبالاة المسلم المستورد بقضية التذكية بل تمام همّه تحصيل الأرباح لا غير فلا يجوز شراؤها استنادا إلى امارية السوق لأنّ السوق لا امارية له بعد ضعف المبالاة بتعاليم الإسلام أو انعدامها.

ج - و يترتب على ذلك أيضا ان السوق الاسلامي لو كنّا نجزم باشتمال بعض المحلاّت فيه على لحوم غير مذكاة و ليس بامكاننا تشخيص ذلك المحل عن غيره فلا بدّ من هجر الشراء من تلك المحلات لسقوط السوق عن الامارية بعد العلم باشتماله على غير المذكى فان السوق امارة عند الشك في التذكية لا عند الجزم بعدمها.

و بتسليم سقوط السوق عن الامارية فيما يجزم بعدم تذكيته نقول: ان بقاء السوق على الحجية و الامارية بلحاظ جميع المحلات باطل للعلم بسقوطه عن الحجية بلحاظ بعضها و هو ما يجزم باشتماله على غير المذكى، و بقاؤه على الامارية بلحاظ بعض دون آخر ترجيح بلا مرجح فيلزم سقوطه عن الاعتبار بلحاظ أي فرد من المحلات.

هذا ما تقتضيه القاعدة.

بيد انّه قد يستفاد من موثقة إسحاق بن عمار المتقدّمة كفاية غلبة المسلمين في الحكم بالحلية إذ ورد فيها: «لا بأس بالصلاة في الفراء اليماني و فيما صنع في أرض الإسلام. قلت: فان كان فيها غير أهل الإسلام؟ قال: إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس».

د - و يترتب على ذلك أيضا ان يد المسلم انّما تكون امارة على التذكية فيما لو كان يتعامل مع ما هو تحت يده التعامل الخاص بالمذكى كعرض الجلود للبيع أو لبسها في الصلاة أو مسّها برطوبة و ما شاكل ذلك، اما إذا لم يكن له هذا التعامل، كما إذا احتمل ان احتفاظه باللحم لأجل الالقاء في المزبلة أو الاحراق فلا تكون يده حجّة لفقدان الامارية في مثل الحالة المذكورة.

5 - تحليل نكتة امارية السوق

من الواضح ان سوق المسلمين بما هو سوق المسلمين و بقطع النظر عن ضم نكتة اخرى لا عبرة به.

و بكلمة اخرى: لا نحتمل ان حجية سوق المسلمين قضية تعبدية بشكل بحت و إلاّ يلزم ان اللحم المشكوك تذكيته إذا كان بيد الكافر فهو

محرم و لكن بمجرّد أن يدفعه الكافر الى المسلم - غير المبالي بتعاليم الشريعة الاسلامية - يصير حلالا، فعملية النقل من هذه اليد إلى تلك توجب الحلية بالرغم من الجزم بعدم تحقيق اليد الثانية المسلمة عن قضية التذكية.

و على هذا الأساس لا بدّ من وجود نكتة عقلائية على أساسها تثبت الحجية لسوق المسلمين. و في تلك النكتة العقلائية احتمالات ثلاثة:

أ - ان يكون ذلك لما أشرنا إليه سابقا من ان تواجد المسلمين في السوق لما كان هو الطابع العام كان ذلك كاشفا عن كون يد البائع يدا مسلمة، و اليد المسلمة بدورها و لأجل الغلبة تكشف عن تحقق شروط التذكية.

و السوق على هذا الأساس يكون امارة على الامارة.

ب - ان يكون السوق كاشفا ابتداء عن تذكية الحيوان - بلا توسط الكاشفية عن اليد المسلمة - باعتبار ان الغالب فيما يتداول في سوق المسلمين كونه مذبوحا على الطريقة الاسلامية.

و الثمرة بين هاتين النكتتين تظهر فيما لو كان صاحب أحد المحلات في سوق المسلمين كافرا، فانه على النكتة الاولى لا يمكن الحكم بتذكية اللحم المشترى منه لأنّ السوق امارة على اسلام الذابح حالة الشك في كونه مسلما و المفروض الجزم بكفره بينما على النكتة الثانية يمكن الحكم بالتذكية لأنّ السوق بحكم غلبة تواجد المذكى فيه يكشف عن تذكية اللحم المشكوك الموجود فيه حتى و لو كان بيد الكافر.

ج - أن يكون السوق كاشفا عن مرور مشكوك التذكية بيد المسلم من خلال البيع و نحوه، و الانتقال إلى يد الكافر - ان كان - قد تم من خلال المرور باليد المسلمة لأن الكافر ما دام أحد الأفراد في السوق المسلمة فلا بدّ ان يكون وصول الدجاج و نحوه إلى يده قد تمّ من خلال الانتقال إليه من المذابح المسلمة.

فالسوق المسلمة على هذا كاشفة بنحو الاجمال عن وجود يد مسلمة قد مرّ الحيوان بها، و تلك اليد المسلمة المعلومة بنحو الاجمال هي الامارة على تحقق التذكية.

و السوق على هذه النكتة امارة على الامارة كما هو الحال على النكتة الاولى و لا فرق بينهما من هذه الناحية.

و الثمرة بينهما تظهر فيما لو كان البائع في السوق المسلمة كافرا و لكن كنّا نحتمل ان اللحم الموجود عنده قد مرّ باليد المسلمة فإنّه على النكتة الاولى لا يحكم بالتذكية لأنّ حجية السوق - بناء عليها - باعتبار كاشفيته عن اسلام البائع و المفروض في المقام الجزم بعدم اسلامه، بينما على النكتة الثالثة يحكم بالتذكية لكاشفية السوق عن مرور الحيوان باليد المسلمة.

و يبقى بعد هذا الفرق بين النكتتين الأخيرتين واضحا إذ في مثال البائع الكافر يحكم بكون اللحم المأخوذ منه مذكى على النكتة الثانية حتى و لو علم بعدم سبق يد المسلم عليه بينما على النكتة الثالثة لا يحكم بذلك إلاّ مع احتمال سبق ذلك.

و بعد هذا الاستعراض لنكتة امارية سوق المسلمين يمكن الحكم بترجيح النكتة الاولى اما لأنّها هي المفهومة عرفا من خلال قراءة

النصوص أو لأنّه بعد اجمالها و عدم تعين الاولى ينبغي الاقتصار على القدر المتيقن و هو الاولى لأنّه بناء عليها يلزم اعتبار كون البائع مسلما و لا يكون السوق حجّة في صورة العلم بعدم إسلام البائع بخلافه على الأخيرتين، و مقتضى الاقتصار في مخالفة استصحاب عدم التذكية على المقدار المتيقن هو عدم الحكم بالتذكية إلاّ مع اسلام البائع.

6 - لا فرق بين فرق المسلمين

و هل الحكم بامارية سوق المسلمين على التذكية يختص بما إذا كان مسلمو السوق من الامامية؟ كلا، بل يعمّ ما إذا كانوا من الفرق الاخرى - بالرغم من ذهاب كلّهم أو جلّهم إلى القول بطهارة جلد الميتة بالدبغ و حلية ذبائح أهل الكتاب - و ذلك لوجهين:

أ - اطلاق النصوص و عدم تقييد كلمة «المسلمين» فيها بفرقة دون اخرى.

ب - ان الطابع العام على سوق المسلمين عصر صدور النصوص احتواؤها على الطوائف الاخرى غير الامامية، و تخصيصها بهم دون غيرهم يلزم منه تخصيص الأكثر الذي هو مستهجن عرفا.

اذن ذهاب الفرق الاخرى من غير الامامية الى القول بطهارة جلد الميتة بالدبغ أو بحلية ذبائح أهل الكتاب لا يمنع من امارية سوق المسلمين للوجهين المتقدّمين خلافا لما ينسب الى العلاّمة الحلّي من عدم الحكم بالامارية.

و قد يستشهد له - العلاّمة الحلي - برواية أبي بصير قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الصلاة في الفراء فقال: كان علي بن الحسين عليه السّلام

رجلا صردا(1)لا يدفئه فراء الحجاز لأنّ دباغها بالقرظ(2)فكان يبعث الى العراق فيؤتى ممّا قبلكم بالفرو فيلبسه فاذا حضرت الصلاة ألقاه و ألقى القميص الذي يليه فكان يسأل عن ذلك فقال: ان أهل العراق يستحلون لباس الجلود الميتة و يزعمون ان دباغه ذكاته»(3).

و رواية عبد الرحمن بن الحجاج قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: «اني أدخل سوق المسلمين أعني هذا الخلق الذين يدعون الإسلام فاشتري منهم الفراء للتجارة فأقول لصاحبها: أ ليس هي ذكية؟ فيقول: بلى فهل يصلح لي أن أبيعها على انّها ذكية؟ فقال: لا، و لكن لا بأس أن تبيعها و تقول قد شرط لي الذي اشتريتها منه انّها ذكية. قلت: و ما أفسد ذلك؟ قال:

استحلال أهل العراق للميتة و زعموا ان دباغ جلد الميتة ذكاته ثم لم يرضوا ان يكذبوا في ذلك إلاّ على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله»(4).

و لكن يرد الاولى ضعفها الدلالي - باعتبار ان القاء الامام عليه السّلام للفرو فعل و هو مجمل إذ لعل ذلك صدر منه من باب الرجحان دون اللزوم - و السندي لاشتمال الطريق على جملة من المجاهيل كما يتضح من خلال المراجعة(5).

و يرد الثانية ضعفها الدلالي أيضا - لأن أقصى ما تدل عليه عدمر.


1) الصرد بفتح الصاد و كسر الراء: من يجد البرد سريعا.

2) القرظ بالتحريك: ورق السلم يدبغ به الأديم.

3) وسائل الشيعة باب 61 من أبواب لباس المصلي حديث 2.

4) المصدر السابق باب 61 من أبواب النجاسات حديث 4.

5) فان الكليني رواها عن شيخه علي بن محمد عن عبد اللّه بن إسحاق العلوي عن الحسن بن علي عن محمد بن سليمان الديلمي عن عيثم بن أسلم النجاشي عن أبي بصير. فان الكل مجاهيل ما عدا علي بن محمد و أبي بصير.

جواز الشهادة و التعهد بكون المشكوك مذكى و لا تدل على الحكم عليه بعدم كونه مذكى - و السندي(1).

7 - مصنوع أرض الإسلام

قد يعيش المسلم أحيانا في بلاد كافرة و يجد الأحزمة أو الأحذية المصنوعة من الجلود في أسواقها، ان أمثال تلك محكوم عليها بمقتضى استصحاب عدم التذكية بكونها غير مذكاة و من ثمّ بنجاستها - على رأي المشهور - و تنجس الرجل عند ملاقاتها لها مع الرطوبة.

بيد انّه نستثني من ذلك ما إذا كان قد كتب على الجلد بأنّه قد صنع في تركيا مثلا التي هي من البلدان الاسلامية، انّه في مثل هذه الحالة إذا لم يحصل الاطمئنان الكامل بصدق الكتابة و حقانيتها فلا يجوز الاتكال عليها، و اما إذا حصل ذلك جاز الاتكال عليها و الحكم بالتذكية و من ثمّ الطهارة إذ يثبت بذلك كونه مصنوعا في أرض الإسلام، و هو كاف في الحكم بالتذكية و لا يتوقف الحكم بها على الأخذ من سوق المسلمين.

و المستند في ذلك موثقة إسحاق بن عمار المتقدّمة عند بيان مدرك القاعدة إذ ورد فيها: «لا بأس بالصلاة في الفراء اليماني و فيما صنع في أرض الإسلام...» فانّها تدل على المدعى بوضوح.

الخلاصة

و المتحصل من مجموع كل هذا العرض: ان الجلد أو اللحم الذي


1) لأن الشيخ الطوسي رواها بسنده عن الحسن بن علي عن محمد بن عبد اللّه بن هلال عن عبد الرحمن بن الحجاج. و محمد بن عبد اللّه بن هلال مجهول.

يشك في تذكيته محكوم بعدم التذكية استنادا الى استصحاب عدم التذكية. و هذا الاستصحاب لا يجوز تجاوزه إلاّ إذا قامت امارة شرعية على خلافه. و الامارة ذات أفراد ثلاثة: سوق المسلمين، و يد المسلم، و الصنع في أرض الإسلام.

8 - تطبيقات

1 - تباع الجلود - كالأحزمة و الأحذية - في محلات البلدان الكافرة.

و نحن تارة نطمئن بسبق يد المسلم عليها و اخرى نظن بذلك و ثالثة نحتمل ذلك. ما هو الحكم في الحالات الثلاث المذكورة؟

2 - ما حكم الأسماك التي تباع في أسواق البلاد الكافرة أو معلبات السمك التي تجلب منها و تباع في أسواق البلاد الاسلامية؟

3 - المسلمون في لندن كثيرون في هذه الفترة فهل يجوز الاستناد بعد هذا إلى أسواقها و الحكم بالتذكية؟

4 - إذا كان بلد يشتمل على سوقين أحدهما مسلم و الآخر ليس كذلك و لم نميّز هذا عن ذاك فهل يجوز الشراء من أحدهما؟

5 - اشترينا أحزمة من بلاد اسلامية و لكن لا ندري هي مصنوعة فيها أو مستوردة من بلاد كافرة فما هو الحكم في مثل ذلك؟

6 - بعض البلاد المسلمة يباع في مطاعمها الدجاج المستورد من البلاد الكافرة هل يجوز لنا التناول منه؟

7 - بلاد كافرة فيها سوق كبير صاحب أحد المحلات فيه مسلم - و هو المحل الوحيد الذي صاحبه مسلم - و هو يبيع اللحوم فهل يجوز لنا الشراء منه؟ و ما هي القاعدة التي نستند إليها في الجواز ان حكمنا به؟

8 - شخص له محل في شارع معين و ليس في السوق و لا ندري هو مسلم أو لا، و الطابع العام على البلاد الإسلام. ما حكم شراء اللحوم منه و لأي قاعدة؟

9 - الاجبان أو الزبدة أو الحليب التي تباع في سوق البلاد الكافرة هل يجوز شراؤها و تناولها؟ و لما ذا؟

10 - تباع معلبات الباذنجان و غيرها في أسواق البلاد الكافرة هل يجوز تناولها؟

11 - إذا اشترينا طعاما من البلاد الكافرة و هو يشتمل على مادة لا ندري هي من قسم اللحوم أو لا هل يجوز تناوله؟ و لما ذا؟

12 - يوجد في بعض الدول الكافرة سوق للمسلمين و لكن المسيطر عليه و صاحب القوّة و النفوذ هم أشخاص من اليهود فهل يحكم بالتذكية على المشترى من ذلك السوق؟

قاعدة السلطنة

اشارة

1 - مضمون القاعدة

2 - مدرك القاعدة

3 - المحتملات في قاعدة السلطنة

4 - حدود قاعدة السلطنة

5 - التسلّط على الحقوق

6 - التسلّط على النفس و الأعضاء

7 - السلطنة و الضرر

8 - تطبيقات

من القواعد المسلمة لدى الفقهاء و التي يذكرونها عادة في باب المعاملات قاعدة السلطنة و لكنّهم كعادتهم في بقية القواعد يكتفون بمجرّد الإشارة إليها و المرور عليها بلا بحث مستقل.

ففي مسألة ان المعاطاة تفيد الملك دون الاباحة ذكر الشيخ الأعظم في المكاسب ان من الوجوه التي قد يستدل بها على ذلك قاعدة الناس مسلّطون على أموالهم. و هكذا أشار الى امكان الاستدلال بها في مسألة ان الأصل في الملك عند الشك في كونه جائزا أو لازما هو اللزوم.

و هناك موضع آخر يشار فيه الى القاعدة المذكورة و هو مسألة لا ضرر عند بحثهم عن حدودها و تفاصيلها، فان أحد الأبحاث هناك مسألة تعارض قاعدة لا ضرر مع قاعدة السلطنة، كما لو أراد شخص أن يحدث حماما في داره و لكنّه كان موجبا لتضرّر جاره، فان قاعدة لا ضرر تنفي جواز الاضرار بالجار بينما قاعدة السلطنة تقضي بجواز

ذلك و ان لزم تضرّر الجار لأنّ ذلك مقتضى سلطنة المالك على ملكه، و عند التعارض المذكور ما ذا يكون الموقف؟ و لكنهم في هذا الموضع و سابقه يكتفون بالاشارة الى قاعدة السلطنة من دون بيان مدركها و حدودها و ما يرتبط بها من أبحاث.

و حديثنا عن القاعدة المذكورة يقع ضمن النقاط التالية:

1 - مضمون القاعدة.

2 - مدرك القاعدة.

3 - المحتملات في قاعدة السلطنة.

4 - حدود قاعدة السلطنة.

5 - التسلّط على الحقوق.

6 - التسلّط على النفس و الأعضاء.

7 - السلطنة و الضرر.

8 - تطبيقات.

1 - مضمون القاعدة

يقصد بقاعدة السلطنة ان كل مالك لشيء هو مسلّط على التصرّف فيه بما يشاء ضمن الحدود الشرعية، فله الحق في بيعه و اهدائه و ايجاره و أكله إلى غير ذلك من التصرّفات التي لم يثبت من الشريعة صدور منع عنها.

هذا هو المقصود من قاعدة السلطنة. و ليس المقصود منها ان المالك لشيء لا يحق لغيره التصرّف فيه بدون رضاه و طيب نفسه فان ذلك ليس تمام المقصود من قاعدة السلطنة بل المقصود منها أوسع

من ذلك و هو ان المالك لشيء له حق التصرّف فيه بأي شكل شاء، و لازم ذلك ان الغير لا يحق له التصرف فيه بدون رضاه.

2 - مدرك القاعدة

المدرك المهم للقاعدة المذكورة أمران:

أ - السيرة بكلا قسميها: سيرة العقلاء و سيرة المتشرّعة.

امّا سيرة العقلاء فمن الواضح انعقادها على ذلك بحيث لو منع أحدهم من التصرف في ماله لهبّ العقلاء منددين بالمنع و رافضين لذلك التضييق للسلطنة. بل ان حكمهم بسلطنة كل انسان على ما يملكه يكاد يكون من البديهيات الأولية عندهم.

و حيث ان السيرة المذكورة لا نحتمل حدوثها بعد عصر المعصوم عليه السّلام، كما و لا نحتمل الردع عنها فيثبت بذلك امضاؤها.

و اما سيرة المتشرعة فانعقادها بينهم و بشكل متصل بزمن المعصوم عليه السّلام أمر لا يقبل التشكيك.

و حيث انها سيرة متشرعة بما هم متشرعة فيكفي نفس افتراض ذلك لحجيتها بلا حاجة إلى افتراض فكرة الامضاء المستكشفة بعدم الردع - على خلاف سيرة العقلاء حيث تحتاج إلى ذلك - لأنّ نفس افتراض كونها سيرة متشرعة يستبطن تلقيها يدا بيد من المعصوم عليه السّلام.

ب - النصوص الدالة على ان الانسان ما دام حيّا فله الحق في أن يصنع بماله ما شاء من قبيل موثقة سماعة: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن عطية الوالد لولده فقال: اما إذا كان صحيحا فهو ماله يصنع به ما شاء،

و اما في مرضه فلا يصلح»(1)، فان ظاهر «يصنع به ما شاء» ان له الحق في كلّ تصرّف شاء بلا اختصاص لذلك بالعطية.

هذا هو الدليل على قاعدة السلطنة.

و قد يستدل على ذلك أيضا بالإجماع أو بالحديث المشهور «الناس مسلّطون على أموالهم» أو بالنصوص الدالّة على عدم جواز التصرّف في أموال الآخرين بدون رضاهم.

من قبيل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ (2)، فانّه يدل على اعتبار التراضي في صحّة التجارة فلا تصح التجارة بأموال شخص بدون رضاه.

و من قبيل قوله تعالى: وَ آتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْ‌ءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (3)، فانّه يدل على عدم جواز أكل مهور النساء بلا طيب أنفسهن.

و من قبيل الحديث المشهور: «لا يحل مال امرئ مسلم إلاّ عن طيب نفسه»(4).

هذا و الكل قابل للتأمّل.

امّا الاجماع فلأنّه بعد انعقاد السيرة العقلائية فمن المحتمل قريبا استناد المجمعين الى السيرة المذكورة و ليس ذلك لوصول الحكم لهم9.


1) وسائل الشيعة باب 17 من أبواب الوصايا حديث 11.

2) النساء: 29.

3) النساء: 4.

4) عوالي اللآلي 113:1 حديث 309.

من الامام عليه السّلام يدا بيد.

و امّا الحديث المشهور فهو ضعيف السند لأنّه لم يروه إلاّ الشيخ المجلسي في بحاره(1)عن عوالي اللآلي. و إذا رجعنا الى المصدر الأصلي وجدنا ابن أبي جمهور الاحسائي صاحب العوالي يروي الحديث في مواضع أربعة: تارة عن بعض كتب الأصحاب و اخرى عن بعض كتب الشهيد و ثالثة عن الفاضل المقداد و رابعة عن ابن فهد الحلي(2).

و الواسطة بين المنقول عنه و الامام عليه السّلام حيث انّها مجهولة فتسقط الرواية عن الاعتبار.

و قد روي الحديث في كتبنا الفقهية الاستدلالية و لكن بشكل مرسل أيضا فقد رواه العلاّمة الحلّي في المختلف(3)و التذكرة(4)و الأردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان(5)و الشهيد الثاني في مسالك الافهام(6)و فخر المحققين في إيضاح الفوائد(7).

و هو في جميع الموارد المذكورة روي بشكل مرسل عن النبي صلّى اللّه عليه و آله.

و عليه فالحديث ضعيف السند لإرساله، و لا طريق لتصحيحه2.


1) بحار الأنوار 272:2.

2) عوالي اللآلي 222:1، 457، و 138:2، و 208:3.

3) مختلف الشيعة 278:6.

4) تذكرة الفقهاء 489:1.

5) مجمع الفائدة و البرهان 358:9.

6) مسالك الافهام 28:6، 135، 314.

7) إيضاح الفوائد 594:2.

سوى دعوى انجباره اما بالشهرة الروائية أو بالشهرة الفتوائية، و لكن ذلك قابل للتأمّل.

اما انجباره بالشهرة الروائية فباعتبار عدم تحقّق الشهرة المذكورة لأنّها انّما تتحقق بشهرة نقل الرواية في كتب الحديث و ذلك لم يتحقق لأنّها لم تنقل في شيء من كتب الحديث سوى عوالي اللآلي الذي هو معروف بالضعف لنقل الأحاديث فيه بشكل مرسل.

و اما انجباره بالشهرة الفتوائية فباعتبار ان ذلك موقوف على عمل الطبقة المتقدّمة من اعلامنا به و لا يكفي اشتهار العمل به بين الطبقة المتأخرة كالعلاّمة الحلي و من بعده فان الكاشف عن حقانية الرواية و صدورها هو عمل الطبقة المتقدّمة المقاربة لعصر صدور النص و لا يكفي عمل الطبقة المتأخرة.

و امّا النصوص الدالّة على اعتبار الرضا في جواز التصرف في أموال الآخرين فهي أجنبية عن المقام أو غير وافية بالمطلوب إذ أقصى ما تدل عليه ان غير المالك لا يجوز له التصرف في املاك غيره إلاّ برضاه و لا تدل على ان المالك يحق له التصرّف في ملكه بأي نحو شاء.

و الخلاصة: ان مهم المستند على قاعدة السلطنة هو السيرة و النصوص الدالّة على ان الإنسان ما دام حيّا له الحق أن يصنع بماله ما شاء.

3 - المحتملات في قاعدة السلطنة

في المراد من قاعدة «الناس مسلّطون على أموالهم» عدّة احتمالات:

أ - ان يكون المقصود اثبات السلطنة للمالك بشكل مطلق بما في ذلك السلطنة على أسباب النقل و الانتقال كالبيع و الاجارة و الهبة و... بل بما في ذلك تفاصيل أسباب النقل، فكل مالك مسلّط مثلا على بيع ماله بالعربية و بغيرها و بالقول و بالمعاطاة و بالماضوية و بغيرها و... و هكذا بالنسبة الى الهبة و الاجارة و....

و على أساس هذا الاحتمال يمكن التمسّك بالقاعدة المذكورة لإثبات صحة البيع بالمعاطاة و بغير العربية و بغير الماضوية و....

و لربما يظهر هذا الاحتمال من صاحب الجواهر حيث استدل على شرعية المعاطاة المقصود بها الاباحة بعموم سلطنة الناس على أموالهم(1).

ب - ان يكون المقصود اثبات السلطنة على أسباب النقل و الانتقال من دون نظر إلى تفاصيلها، فالمالك له حق بيع ماله و اجارته و هبته و...

و ليس لها نظر إلى تفاصيل الأسباب، فهي لا تدل على السلطنة على البيع بالمعاطاة أو بغير العربية أو بغير الماضوية و انّما تدل على السلطنة على أصل البيع و على أصل الاجارة و على أصل الهبة لا أكثر.

و هذا الاحتمال هو المختار للشيخ الأعظم حيث ذكر في مبحث المعاطاة عند الاستدلال على شرعيتها و افادتها الملك ما نصّه:

«و اما قوله صلّى اللّه عليه و آله: ان الناس مسلّطون على أموالهم فلا دلالة فيه على المدعى لأنّ عمومه باعتبار أنواع السلطنة فهو انّما يجدي فيما إذا شك في ان هذا النوع من السلطنة ثابتة للمالك و ماضية شرعا في حقّه أم لا،2.


1) جواهر الكلام 218:22.

اما إذا قطعنا بأن سلطنة خاصة كتمليك ماله للغير نافذة في حقّه و ماضية شرعا لكن شك في ان هذا التمليك الخاص هل يحصل بمجرّد التعاطي مع القصد أم لا بدّ من القول الدال عليه فلا يجوز الاستدلال على سببية المعاطاة في الشريعة للتمليك بعموم تسلّط الناس على أموالهم»(1).

ج - ان يكون المقصود نفي الحجر عن كل تصرف مشروع، فالحديث لا يدل على شرعية البيع و السلطنة عليها و لا على شرعية الاجارة و السلطنة عليها و لا على... و انّما يدل على ان البيع مثلا إذا كان مشروعا بقطع النظر عن حديث السلطنة فصدوره من المالك لا يتوقف على كسب الاجازة من الغير، فالزوجة إذا أرادت هبة بعض أموالها أو بيعها فلا يتوقف ذلك على موافقة الزوج مثلا. و هكذا الحال بالنسبة الى غير البيع.

فالحديث على هذا يدلّ على ان كل سبب ثبتت مشروعيته في نفسه فالمالك غير محجور عليه و لا يتوقف صحته على موافقة الآخرين، اما ما هي الأسباب المشروعة فذلك ساكت عنه و لا يمكن من خلاله اثبات مشروعية هذا السبب و ذاك عند الشك.

و هذا الاحتمال هو ظاهر الآخوند الخراساني في حاشيته على المكاسب(2).

د - ان يكون المقصود اثبات السلطنة بلحاظ التصرّفات غير الناقلة فيجوز للمالك ان يخيط ثوبه المملوك له و يجوز له أيضا ان4.


1) كتاب المكاسب للشيخ الأعظم الأنصاري - قسم البيع - منشورات دار الحكمة: 41.

2) حاشية المكاسب للشيخ الآخوند: 12، 14.

يضعه في هذا المكان أو ذاك و غير ذلك من التصرّفات غير الناقلة. و اما بيعه و هبته و نحو ذلك من الأسباب الناقلة فلا يدل على شرعيتها، فان عنوان «ماله» و الاضافة الخاصة المذكورة لا بدّ من انحفاظها بعد ذلك، فمثل البيع و الهبة لا يدل الحديث على شرعيتهما لأنه بذلك يزول عنوان «ماله» و الحديث لا ينظر إلى حيثية ازالة المال عن الملك بل إلى كل تصرّف بعد انحفاظ الاضافة الخاصة.

و هذا الاحتمال هو ظاهر الشيخ الايرواني في حاشية المكاسب(1).

هذه احتمالات أربعة في مفاد قاعدة السلطنة.

و لا معنى للنظر الى لفظ القاعدة و ان الظاهر منه أي واحد من الاحتمالات المذكورة فان ذلك وجيه لو كان سند القاعدة باللفظ المذكور تامّا و صادرا من المعصوم عليه السّلام، اما بعد عدم تمامية السند و كون المدرك السيرة العقلائية و الروايات الدالّة على ان الإنسان ما دام صحيحا له الحق ان يصنع بماله ما شاء فلا بدّ من ملاحظة ذلك دون لفظ حديث السلطنة.

اما السيرة فالقدر المتيقن انعقادها على الاحتمال الثالث و ان المالك ليس بمحجور عليه في التصرف في ملكه و لا تتوقف صحة تصرّفه على كسب موافقة الآخرين بعد ان كان السبب قد ثبتت شرعيته في نفسه. ان هذا ممّا يجزم بانعقاد السيرة عليه بخلاف الاحتمالين الأولين فإنّه لا جزم بانعقادها عليهما. و ينبغي الاقتصار على القدر المتيقن و هو الاحتمال الثالث عند الدوران بينه و بين الأولين.1.


1) حاشية المكاسب للشيخ الايرواني 77:1.

و اما الاحتمال الرابع فيجزم بعدم تقيد السيرة به. و هل يحتمل عدم انعقاد السيرة على جواز بيع المالك ملكه أو اهدائه.

و اما المدرك الثاني فلا يبعد نظره إلى الاحتمال الثالث أيضا - أو لا أقل هو القدر المتيقن عند اجمال النص -، أي ان كل مالك لشيء له الحق ان يصنع به ما شاء ما دام صحيحا بلا حاجة إلى كسب الاجازة من غيره كأولاده و غيرهم.

4 - حدود قاعدة السلطنة

لم تمض الشريعة الاسلامية قاعدة السلطنة على اطلاقها بل أجرت عليها بعض التعديلات بنحو التخصيص أو التخصص، و نذكر لذلك بعض الأمثلة:

أ - موارد التبذير و الاسراف، فمن حق كل انسان أن يتصرّف في أمواله ما دام لم يصل تصرّفه حدّ الاسراف و التبذير و إلاّ منع لقوله تعالى: وَ لا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ (1).

و على هذا فليس من حق المالك لشيء اتلافه بإلقائه في البحر أو احراقه بالنار و ما شاكل ذلك من التصرّفات التي يصدق عليها عنوان السرف و التبذير، و مثل المورد المذكور خارج عن قاعدة السلطنة بالتخصيص.

ب - موارد الضرائب المالية، فليس من حق المالك لأموال تتعلّق بها ضريبة الزكاة أو الخمس التصرّف فيها قبل اخراج


1) الاسراء: 26-27.

الضريبة المتعلقة بها.

و هذا يرجع اما الى تخصيص قانون السلطنة، بمعنى ان المالك للأموال المتعلق بها الضريبة هو مالك لها جميعا و لكنه ممنوع من التصرّف فيها قبل اخراج الضريبة، أو إلى التخصص، بمعنى ان المالك للأموال المتعلق بها الضريبة ليس هو مالكا لمجموعها بل هو مالك لما عدا مقدار الضريبة، فمقدار الضريبة ليس مملوكا له بل هو مملوك لأربابها، و ذلك المقدار حيث انّه مشاع فيكون المالك ممنوعا من التصرّف باعتبار ان المال المشترك لا يجوز التصرف فيه إلاّ بموافقة جميع الملاك.

ج - موارد صرف المال في المجال المحرم، فليس من حق المالك أن يشتري بأمواله خمرا أو بعض آلات اللهو و الفساد أو بعض كتب الضلال أو اقراضه و بيعه بشكل ربوي و ما شاكل ذلك، فان قانون السلطنة قد طرأ عليه التخصيص في المجالات المذكورة.

د - التصرّف بعد الموت بالمقدار الزائد على الثلث، فان من حق كل إنسان ما دام حيّا أن يهب جميع أمواله أو يوقفها أو... و اما بعد موته فله الحق في أمواله بمقدار الثلث دون ما زاد، فله الحق أن يوصي باهداء مقدار من أمواله بعد وفاته لبعض أصدقائه أو الفقراء ما دام ذلك لا يتجاوز مقدار الثلث و إلاّ توقف مضي الوصية على اجازة الورثة.

و هذا في روحه لا يرجع إلى التخصيص بل الى التخصيص، بمعنى ان الشخص بعد وفاته لا يكون مالكا إلاّ بمقدار الثلث لا انّه مالك للمجموع و يمنع من التصرّف في المقدار الزائد على الثلث.

ه - موارد مرض الموت، فان المشهور اختار ان المالك إذا تمرّض

بمرض الموت فليس من حقّه اهداء أمواله أو بيعها بأقل من ثمن المثل إلاّ إذا كان ذلك التصرّف في حدود الثلث.

و - موارد الشفعة، فان لكل مالك لدار مشتركة بينه و بين غيره بيع حصّته متى ما أحب، و لكن متى ما أراد بيعها لإنسان آخر غير الشريك فمن حق الشريك أن يعمل حق الشفعة، بمعنى الزام المالك ببيعها عليه دون غيره.

فالمالك إذا باع حصّته بثمن معيّن فمن حق الشريك متى ما اطّلع على البيع أن يقول أعملت حق الشفعة فيأخذ بذلك الحصة التي بيعت بعد دفع الثمن الى المالك.

ي - إذا أراد المالك احداث حمّام مثلا في ملكه و كان ذلك موجبا للإضرار بجاره فإنّه ليس من حقّه ذلك ما دام الجار يتضرّر بذلك و هو لا يتضرّر بترك احداث مثل ذلك.

و هذا المورد - و هكذا سابقاه - يرجع في روحه إلى التخصيص كما هو واضح.

5 - التسلّط على الحقوق

لا اشكال في ثبوت السلطنة للمالك على ما يملكه. و هل هناك سلطنة على الحقوق أيضا؟ فلو كان لشخص خيار المجلس فهل له سلطنة على اسقاطه؟ و لو ثبت له حق في مكان معيّن بسبب التحجير - فيما إذا كان من المباحات العامة - أو بسبب السبق إليه - فيما لو كان مسجدا - فهل له سلطنة على اسقاطه؟ و الزوجة لها حق النفقة و المبيت عندها هل لها سلطنة على اسقاطه؟ و العمّة و الخالة لهما الحق في أن لا

يجيزا عقد بنت الأخ و الاخت هل لهما سلطنة على اسقاطه؟ و الزوج له حق الزواج بالثانية و الثالثة و الرابعة هل له سلطنة على اسقاطه؟ إلى غير ذلك من الأمثلة.

و الجواب: ان بعض الحقوق قابل لذلك، كما في الخيار و حق النفقة و المبيت و بعضها لا يقبل ذلك كالزواج بالثانية.

و لربما يصطلح على الثاني الذي لا يقبل الاسقاط بالحكم، فجواز الزواج بالثانية حكم شرعي و ليس حقّا ليقبل الاسقاط، و هذا كما هو الحال في شرب الماء و الحليب و اشباه ذلك فان لكل انسان الحق في ذلك و لكنه لا يقبل الاسقاط، و هو لأجل ذلك يكون في الحقيقة حكما شرعيّا و ليس حقّا.

و عليه فنخرج بهذه النتيجة، و هي ان كل ما يقبل الاسقاط يكون حقّا و ما لا يقبله يكون حكما شرعيا.

و بعد هذا نعود إلى التساؤل من جديد. لما ذا صارت الحقوق قابلة للإسقاط و ما هي النكتة في ذلك؟ فهل ذلك لقاعدة السلطنة و ان كل إنسان كما هو مسلّط على أمواله مسلّط على حقوقه؟

و الجواب: انّه متى ما استظهرنا من النص الشرعي ان هذا أو ذاك حق شرعي فهذا بنفسه يستبطن افتراض قابليته للإسقاط و إلاّ لم يكن حقّا بل حكما شرعيا.

و عليه فالدليل على قابلية الحقوق للإسقاط هو نفس الدليل على تشريع الحقوق المذكورة بلا حاجة الى التماس دليل آخر من قاعدة السلطنة أو غيرها.

6 - التسلّط على النفس و الأعضاء

هل الانسان مسلّط على نفسه و أعضائه كما هو مسلّط على أمواله؟ كلا ليس مسلّطا على ذلك، فان السلطنة المذكورة لا دليل عليها، و يكفي عدم الدليل للحكم بانتفائها.

بل قد يقال بدلالة الدليل على نفي السلطنة المذكورة. فبالنسبة الى النفس دلّ قوله تعالى: وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (1)على نفي السلطنة عليها و ان الإنسان ليس له سلطنة على نفسه بإلقائها في التهلكة من خلال الانتحار و غيره.

و اما بالنسبة إلى الأعضاء - كالتبرّع بالكلية أو العين أو اليد أو الرجل - فقد يستدل على حرمة ذلك بأحد الوجوه التالية:

أ - التمسك بالسيرة العقلائية الجارية على التجنب عن كل ما يوجب الضرر. و حيث انه لم يردع عنها شرعا فتكون ممضاة.

و فيه: ان سيرة العقلاء و ان جرت على ما ذكر إلاّ انّها ليست بنحو الالزام بل قد يقدمون عليه إذا كان لداع عقلائي، كالتبرع بالكلية لمن كان بحاجة ماسة إلى ذلك.

و كيف يقال بلزوم التجنب عمّا يوجب الضرر و الحال ان لازم ذلك حرمة الأكل الزائد أو الجماع الكثير أو الخروج من المكان الدافئ إلى البارد و ما شاكل ذلك.

ب - التمسك بحديث نفي الضرار حيث ورد في الحديث الشريف:


1) البقرة: 195.

«لا ضرر و لا ضرار»(1)، و حيث ان إرادة النهي عن الاضرار من الفقرة الثانية «و لا ضرار» أمر قريب جدّا فيلزم الحكم بحرمة الاضرار.

و فيه: ان المنصرف إليه النهي المذكور تحريم الاضرار بالآخرين دون الاضرار بالنفس.

ج - التمسّك بما دلّ على حرمة الجناية على النفس و ظلمها بتقريب ان قطع مثل اليد أو الرجل نحو ظلم لها فيحرم لقوله تعالى: وَ ما ظَلَمْناهُمْ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (2).

و فيه: ان صدق عنوان ظلم النفس فرع حرمة مثل قطع اليد في المرحلة السابقة، و المفروض فقدان ذلك.

و التأمّل في صدق عنوان الظلم أوضح لو فرض ان الداعي للقطع كان عقلائيا كالتبرّع بالكلية للحفاظ على نفس محترمة.

د - التمسّك بما دلّ على ان علّة تحريم الخمر اضرارها - كما قال تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنافِعُ لِلنّاسِ وَ إِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما (3)- فانّه بعد ضمّ ما دل على «ان اللّه حرّم الخمر بعينها فقليلها و كثيرها حرام»(4)الى ذلك يثبت ان كل ما كان مضرّا فلا فرق بين كثيره و قليله في التحريم.

و فيه: ان هذا حكم خاص بالخمر و لا يمكن التعدّي منه إلى غيره لاحتمال وجود خصوصية فيه.4.


1) راجع الحديث في الجزء الأول عند البحث عن قاعدة لا ضرر.

2) النحل: 118.

3) البقرة: 219.

4) وسائل الشيعة باب 15 من أبواب الأشربة المحرّمة حديث 4.

ذ - التمسك ببعض الروايات الدالة على ان علّة تحريم بعض المحرمات اضرارها ببدن الإنسان، من قبيل رواية المفضل بن عمر:

«قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: لم حرّم اللّه الخمر و الميتة و الدم و لحم الخنزير؟ قال: ان اللّه تبارك و تعالى... علم ما يضرّهم فنهاهم عنه و حرّمه عليهم...»(1)بتقريب ان علّة تحريم المحرّمات إذا كان هو الاضرار بالنفس فيلزم حرمة كل ما يوجب الضرر كقطع اليد أو الرجل و إلاّ لما صلح ان يكون علّة لتحريم المحرّمات.

و فيه: ان الحديث و ان دلّ على حرمة الاضرار بالنفس و لكن لم يبين ان الضرر بأي درجة يكون محرّما، و ليس له اطلاق من هذه الناحية ليتمسك به، و لعل المحرم حصّة خاصّة من الضرر.

بل ان بعض الأحاديث يستفاد منها عدم حرمة الاضرار بالنفس كالأحاديث التي ترشد الى رجحان عدم تناول بعض الأطعمة لكونها مضرّة.

و من خلال هذا كلّه يتضح عدم تمامية دليل على حرمة مطلق الاضرار بالنفس ليثبت من خلاله حرمة قطع الانسان بعض أعضائه.

و المناسب ان يقال: ان الاضرار بالنفس إذا كان بحدّ يعلم بمبغوضية الشارع له - كقطع الانسان يديه و رجليه مثلا - فهو محرّم، و إذا لم يكن بالحدّ المذكور - كإخراج الدم من بعض الأعضاء أو التسبيب الى طرو الحمى - فيكون جائزا لا من باب التمسك بقاعدة السلطنة بل لأصل البراءة عن حرمة مثل ذلك.1.


1) وسائل الشيعة باب 1 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث 1.

اذن الاضرار بالنفس إذا لم يكن بالدرجة التي يعلم بمبغوضيتها شرعا فارتكابه جائز لا من باب سلطنة الانسان على نفسه و أعضائه، فان السلطنة المذكورة لم تثبت، بل لأننا ما دمنا نشك في حرمة مثل ذلك فمقتضى أصل البراءة الجواز.

7 - السلطنة و الضرر

قد تتعارض أحيانا قاعدة السلطنة مع قاعدة نفي الضرر فما هو الموقف في مثل ذلك؟

فمثلا إذا أراد المالك أن يحدث في ملكه حمّاما أو بالوعة و كان ذلك موجبا للإضرار بالجار فسوف تتعارض قاعدة حرمة الاضرار بالجار مع قاعدة تسلّط المالك على ملكه، فان مقتضى قاعدة السلطنة جواز احداث المالك للحمام أو البالوعة في ملكه بينما مقتضى قاعدة نفي الضرر عدم جواز مثل ذلك. و معه فأي من القاعدتين هو المقدّم؟

و المناسب أن يقال: تارة يفترض ان المالك لا يتضرّر من عدم احداث الحمام و البالوعة و اخرى يتضرّر.

فعلى الأوّل يكون المناسب عدم جواز احداث ذلك لحرمة الاضرار بالآخرين.

و لا يعارض ذلك بقاعدة السلطنة لقصورها عن شمول مثل الحالة المذكورة فان السلطنة الثابتة للمالك بالسيرة العقلائية قاصرة عن الشمول لما إذا كان اعمال السلطنة مستلزما للإضرار بالآخرين.

و هكذا موثقة سماعة الدالة على ان المالك ما دام حيّا صحيحا فله

أن يصنع بماله ما شاء(1)قاصرة عن الشمول لمثل هذه الحالة فانّها ليست في مقام البيان من الجهة المذكورة، فلا تريد أن تقول ان له حقا في ان يصنع بماله ما شاء و ان استلزم ذلك الاضرار بالآخرين.

و اما إذا فرض تضرّر المالك من عدم احداثه للحمام و البالوعة فالمورد يدخل في تعارض الضررين: ضرر المالك و ضرر الجار. و في مثله حيث لا دليل على حرمة احداث المالك لما ذكر في ملكه فلا يعود محذور في التمسّك بأصل البراءة لإثبات جواز ذلك.

8 - تطبيقات

1 - إذا شك في حلية لحم الأرنب و كان لإنسان أرنب فهل يمكن التمسّك بقاعدة السلطنة لإثبات جواز أكله؟

2 - إذا شك في شرطية معلومية العوضين في باب البيع فهل يمكن التمسك بقاعدة السلطنة لإثبات جواز البيع في حالة عدم معلومية العوضين؟

3 - هل يمكن التمسك بقاعدة السلطنة لإثبات ان البيع المعاطاتي مفيد للتمليك دون مجرّد الاباحة؟

4 - إذا شك في لزوم البيع المعاطاتي فهل يمكن التمسّك بقاعدة السلطنة لإثبات اللزوم؟ و بأي بيان؟

5 - من حق الإنسان أن يتناول الأطعمة المباحة. هل بامكانه اسقاط الحق المذكور بقاعدة السلطنة؟


1) وسائل الشيعة باب 17 من أبواب الوصايا حديث 11.

6 - من حق الرجل الزواج بالثانية، هل بامكانه اسقاط الحق المذكور؟ و إذا لم يمكنه ذلك فما هو الطريق لتوصل الزوجة الاولى إلى عدم تزوج زوجها بزوجة ثانية؟

7 - هل يمكن التمسك بقاعدة السلطنة لإثبات جواز طلاق الزوجة نفسها إذا اشترط لها الزوج ذلك في العقد؟ و ما هي الطريقة الشرعية للتوصل إلى ذلك إذا لم يمكن التمسّك بقاعدة السلطنة؟

8 - كيف نوجّه اخراج الدم من الرأس في عزاء سيّد الشهداء عليه السّلام.

و هكذا الضرب على الظهر بالسلاسل الحديدية؟ و هل الجواز موقوف على اثبات سلطنة الإنسان على جوارحه؟

قاعدة الميسور

اشارة

1 - مضمون القاعدة

2 - مدرك القاعدة

3 - الاستصحاب و القاعدة

4 - اطلاق الأدلّة الأولية و القاعدة

5 - تطبيقات

من القواعد المهمّة التي يستفيد منها الفقيه كثيرا - على تقدير تماميتها - قاعدة الميسور. فاذا تعذّر غسل الوجه في الوضوء تعيّن الاكتفاء بالباقي من دون انتقال الى التيمم، و اذا تعذّر غسل بعض المواضع في الغسل تعيّن الاكتفاء بالباقي من دون انتقال إلى التيمم أيضا، و إذا تعذّر الامساك في تمام يوم الصوم تعيّن الاكتفاء بالباقي، و هكذا في بقية الموارد.

و قد بحث الشيخ الأعظم في الرسائل القاعدة المذكورة في مبحث الأقل و الأكثر الارتباطيين - مبحث الشك في جزئية جزء أو شرطية شرط - حيث انجر كلام الاصوليين إلى ما لو تعذّر جزء معين من أجزاء الواجب لسبب و آخر(1)فهل يلزم الاتيان ببقية الأجزاء أو لا؟

ان وجوب باقي الأجزاء و عدمه يرتبط بملاحظة ان جزئية الجزءا.


1) طبيعي لا بدّ من افتراض ذلك في غير الصلاة إذ الصلاة لا اشكال في عدم سقوط وجوبها بتعذّر بعض أجزائها.

المتعذّر هل هي مختصة بحالة امكان الاتيان بالجزء أو هي مطلقة؟ فعلى تقدير اختصاصها بحالة الامكان يلزم الاتيان بالباقي لأنّه يعد كاملا و لم ينقص منه شيء على التقدير المذكور، بينما على تقدير عدم الاختصاص لا يلزم الاتيان بالباقي لأنّه ناقص، و الناقص لم يتعلّق به الوجوب و انّما تعلّق بالكامل.

و من هنا انجر البحث إلى انّه هل يوجد أمر بالناقص بناء على كون جزئية الجزء المتعذّر مطلقة و غير خاصة بحالة التمكّن؟

و أحد الطرق التي طرحت ليثبت من خلالها الأمر بالناقص هي قاعدة الميسور. و بهذه المناسبة انجر البحث الى قاعدة الميسور.

ان الشيخ الأعظم تعرّض لقاعدة الميسور في مبحث الأقل و الأكثر الارتباطيين للمناسبة المذكورة. و أخذ بقية الاصوليين يبحثون القاعدة المذكورة في المورد المذكور بالرغم من كونها أجنبية بتمام معنى الكلمة عن علم اصول الفقه.

و قد بحث القاعدة المذكورة قبل الشيخ الأعظم استاذه الشيخ النراقي في كتابه المعروف بعوائد الأيّام(1).

هذا هو منشأ البحث عن قاعدة الميسور في علم الاصول و التسلسل التاريخي لذلك.

و نمنهج الحديث عن القاعدة المذكورة ضمن النقاط التالية:

1 - مضمون القاعدة.

2 - مدرك القاعدة.8.


1) عوائد الأيّام (العائدة 27):88.

3 - الاستصحاب و القاعدة.

4 - اطلاق الأدلّة الأولية و القاعدة.

5 - تطبيقات.

1 - مضمون القاعدة

يراد بالقاعدة المذكورة انّه لو كان لدينا واجب مركب من مجموعة أجزاء و تعذّر الاتيان ببعض تلك الأجزاء فمن اللازم الاتيان بالباقي فان الأجزاء الميسورة لا يسقط وجوبها بتعذّر الأجزاء التي تعسر الاتيان بها بالرغم من اقتضاء القاعدة الأولية لعدم وجوب الباقي لأن الأمر كان متعلّقا بالمركب الكامل التام و لم يتعلّق بالناقص، فوجوب الناقص على هذا يحتاج إلى دليل خاص لأنّه مخالف للقاعدة الأولية، و ذلك الدليل الخاص هو قاعدة الميسور فانّها تثبت الأمر بالناقص و عدم سقوطه بسقوط الأمر بالكل.

و من الطبيعي ان هذا البحث لا نحتاجه في مثل الصلاة لأنّه بتعذّر بعض أجزائها لا يسقط وجوب الباقي لقاعدة لا تسقط الصلاة بحال المستفادة من ضرورة الفقه و من بعض الروايات الخاصّة(1).

و انما نحتاج إلى هذا البحث في غير الصلاة من الواجبات الاخرى.

و ينبغي الالتفات الى ان مورد القاعدة - كما قلنا - المركب ذو الأجزاء، اما ما وجب بنحو العموم الافرادي فلا شك في عدم سقوط


1) ورد المضمون المذكور في رواية واحدة و هي صحيحة زرارة الواردة في المستحاضة حيث قال عليه السّلام: «... ثم تصلي و لا تدع الصلاة على حال فان النبي صلّى اللّه عليه و آله قال: الصلاة عماد دينكم» وسائل الشيعة باب 1 من أبواب الاستحاضة حديث 5.

وجوب الباقي بتعذر البعض، فاذا تعذّر صوم بعض الأيّام في شهر رمضان لم يسقط وجوب صوم الباقي لأنّ صوم كل يوم من أيّام الشهر واجب بوجوب مستقل، و لا مجال لتوهم سقوط الوجوب في مثله بتعذّر صوم بعض الأيّام و إلاّ كان ذلك خلف فرض الاستقلالية.

و هكذا لو وجب اكرام كل فرد من أفراد العلماء و تعذّر اكرام بعض فانّه لا يسقط وجوب اكرام الباقي لنفس النكتة المتقدّمة و بلا حاجة الى الاستعانة بقاعدة الميسور.

اذن مورد القاعدة الاجزاء الواجبة بوجوب واحد دون الافراد الواجب كل واحد منها بوجوب استقلالي.

2 - مدرك القاعدة

اشارة

قد يتصوّر ان القاعدة المذكورة بديهية لا تحتاج إلى دليل إذ من الواضح ان من تعذّر عليه قضاء قسم من دينه و تمكن من قضاء قسمه الآخر فلا يسقط وجوب قضاء الثاني بتعذّر الأوّل، و هل يحتمل احتياج اثبات مثل ذلك إلى دليل؟!

بيد ان التصور المذكور خاطئ لأن ما ذكر وجيه في الافراد الواجبة بوجوبات مستقلة، و قد أشرنا الى عدم نظر القاعدة إلى ذلك بل للمركب الذي يتألف من أجزاء متعددة وجب مجموعها بوجوب واحد من دون استقلالية، و من الجلي ان ثبوت الوجوب للناقص بعد ما لم يكن هو المتعلّق له يحتاج إلى دليل.

و المعروف الاستدلال لها بروايات ثلاث:

الرواية الاولى

ما روي عن أمير المؤمنين عليه السّلام من ان «الميسور لا يسقط بالمعسور». هكذا المشهور على الألسن إلاّ ان الوارد: «لا يترك الميسور بالمعسور»(1).

و لعل دلالة الرواية واضحة إذ هي تدل باطلاقها على ان كل ميسور بما في ذلك اجزاء المركب الواحد لا تسقط بالمعسور و لا تختص بالواجبات الاستقلالية.

و قد اشكل عليه بعدّة اشكالات:

أ - ان الرواية ناظرة إلى الافراد المتعددة الواجب كل واحد منها بوجوب مستقل لا للمركب من أجزاء متعددة التي وجبت بوجوب واحد، و المهم اثبات نظرها الى الثاني و انه بتعذّر بعض الأجزاء لا يسقط وجوب الباقي دون الأوّل.

و الوجه في كونها ناظرة الى الأوّل التعبير الوارد فيها بكلمة «يسقط» فان السقوط فرع الثبوت السابق، فمن وجب عليه صوم شهر و تعذّر عليه صوم عشرة أيّام فالعشرون الباقية يصح أن يقال عنها لا يسقط وجوبها الثابت لها سابقا، فان كلّ يوم قد ثبت له وجوب مستقل، و ذلك الوجوب المستقل لا يسقط بتعذر صوم العشرة، اما الأجزاء الواجبة بوجوب واحد فلا يصح مثل التعبير المذكور فيها لأن الأجزاء الباقية لم يثبت لها الوجوب سابقا كي يقال هو لا يسقط عنها بتعذّر بعض الأجزاء.


1) عوالي اللآلي 58:4.

أجل كانت هي واجبة سابقا بوجوب ضمني و في داخل وجوب المركب التام إلاّ ان ذلك قد سقط جزما عند سقوط الأمر بالكل لأنّه تابع له و في ضمنه، و المدعى ليس هو اثبات بقاء ذلك الوجوب الضمني فانه قد سقط و لا يحتمل بقاؤه و انما المدعى ثبوت وجوب نفسي استقلالي له، و هذا الوجوب لم يكن ثابتا سابقا كي يحكم عليه بعدم السقوط، و ما كان ثابتا قد سقط جزما.

و هذا الاشكال قد تبنّاه السيّد الخوئي(1)و على أساسه ناقش دلالة الرواية. و من قبله ناقش الشيخ النراقي بذلك(2).

و الشيخ الأعظم في الرسائل(3)قد تعرّض لهذا الاشكال و أجاب عنه بجوابين كلاهما متين:

الأوّل: ان الرواية لم تقل لا يسقط حكم الميسور بسقوط حكم المعسور ليقال ان حكم الميسور الذي يراد ابقاؤه لم يكن ثابتا سابقا و ما كان ثابتا قد سقط بل قالت نفس الميسور يبقى ثابتا.

الثاني: ان الوجوب الذي يراد اثباته و ان لم يكن ثابتا سابقا و ما كان ثابتا سابقا قد سقط جزما إلاّ ان التفرقة بين الوجوبين و ان احدهما ضمني سقط جزما و الآخر استقلالي لم يكن ثابتا سابقا مبتنية على الدقة و إلاّ فالنظرة العرفية ترى الوجوب واحدا و ترى ان الوجوب إذا لم يثبت للباقي فالتعبير عنه بأنّه قد سقط وجيه بالرغم من انّه بحسب الدقة لم يكن ثابتا سابقا.4.


1) مصباح الاصول 485:2.

2) عوائد الأيّام: 90.

3) الطبع القديم: 294.

هاتان مناقشتان للشيخ الأعظم.

و يمكن أن نضيف إلى ذلك: ان التعبير بجملة «لا يسقط» لم يثبت ورودها في الرواية و انّما ذلك متداول على الألسن بلا مستند بل الوارد:

«لا يترك الميسور بالمعسور» على ما أشرنا إلى ذلك سابقا.

ب - ما تبناه الآخوند في كفاية الاصول من احتمال نظر الرواية الى الافراد المتعددة التي وجب كل واحد منها بوجوب مستقل و ليس الى المركب من أجزاء التي وجبت بوجوب واحد(1).

و فيه: ان هذا الاحتمال لا يعتنى له بعد ثبوت الاطلاق.

ج - ما ذكر في الكفاية أيضا من ان جملة «لا يسقط» لا بدّ من حملها على الرجحان دون اللزوم لأنّ الرواية شاملة للمستحبات أيضا و لا اختصاص لها بالواجبات(2).

و فيه: ان المقصود عدم سقوط الميسور بما له من الحكم فان كان مستحبا فيبقى الاستحباب و ان كان وجوبا يبقى الوجوب.

و من كل هذا اتضح ان دلالة الرواية على المطلوب تامة إلاّ ان المشكلة تبقى في سندها فانّها لم ترو إلاّ في كتاب عوالي اللئالي عن أمير المؤمنين عليه السّلام بشكل مرسل. و الكتاب المذكور معروف بالضعف فكيف إذا اجتمع معه الارسال.

و لا يمكن التخلّص من الضعف السندي المذكور إلاّ بما ذكره الشيخ الأعظم في الرسائل و بعض من تأخّر عنه من الانجبار باشتهار التمسّك بها بين الأصحاب.ق.


1) كفاية الاصول/الجزء الأوّل/مبحث قاعدة الميسور.

2) المصدر السابق.

و تمكن المناقشة بأن الشهرة انّما تكون جابرة لو كانت ثابتة بين المتقدّمين دون ما لو كانت خاصة بالمتأخرين، فان ما يمكن أن يورث الاطمئنان بحقانية الرواية هو الشهرة بين المتقدّمين دون الشهرة بين المتأخرين، و في المقام لم يشتهر التمسك بالرواية بين المتقدّمين كالشيخ الكليني و الصدوق و الطوسي فان أول من ذكرها هو ابن أبي جمهور الاحسائي في كتاب عوالي اللآلي الذي هو من أعلام القرن التاسع و متأخر عن العلاّمة الحلّي.

الرواية الثانية و الثالثة

و استدل أيضا بالحديث الوارد عن النبي صلّى اللّه عليه و آله: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم»، و بالحديث الوارد عن أمير المؤمنين عليه السّلام:

«ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه».

و كلاهما ضعيف السند إذ لم يرويا إلاّ في كتاب عوالي اللآلي(1)بشكل مرسل لا مجال لدعوى الانجبار فيه على ما تقدّم.

و بعد ضعف السند لا تبقى حاجة إلى البحث عن تمامية الدلالة و عدمها.

3 - الاستصحاب و القاعدة

قد يحاول اثبات وجوب الاجزاء الميسورة من خلال الاستصحاب.

و قد يبدو ان التمسّك بالاستصحاب أمر غريب لأن الوجوب السابق الذي كان ثابتا للأجزاء الميسورة - و هو وجوبها الضمني


1) عوالي اللآلي 58:4.

الثابت ضمن وجوب الكل - قد سقط جزما لأنّه ثابت ضمن وجوب الكل فاذا سقط سقط ما في ضمنه، و الوجوب الذي يراد اثباته - و هو الوجوب النفسي الاستقلالي - لا ثبوت له سابقا ليستصحب.

و عليه فما كان سابقا لا يمكن استصحابه و ما يراد استصحابه لم يكن ثابتا سابقا.

و من هنا كان اجراء الاستصحاب بحاجة الى توجيه.

و يمكن في هذا المجال ذكر عدّة بيانات:

أ - اجراء الاستصحاب في كلي الوجوب الجامع بين الضمني و الاستقلالي، ببيان ان الوجوب الضمني للاجزاء الميسورة كان ثابتا لها سابقا و هو و ان سقط جزما إلاّ انّا نحتمل حلول الوجوب النفسي الاستقلالي محله فنستصحب الوجوب الكلي الجامع بين الوجوبين و لا نستصحب أحدهما بالخصوص ليقال: ان الوجوب الضمني سقط جزما و الوجوب الاستقلالي لم يكن ثابتا سابقا ليستصحب.

و فيه: ان هذا الاستصحاب هو استصحاب الكلي من القسم الثالث و هو لا يجري.

اما انّه من القسم الثالث فلأن الفرض الجزم بارتفاع الفرد الأول من الوجوب الذي يتيقن بوجود الكلي ضمنه غايته يحتمل حدوث فرد ثان مقارنا لارتفاعه، و ذلك هو ملاك القسم الثالث من استصحاب الكلي.

و اما انّه لا يجري فباعتبار ان وجود الكلي في الخارج ليس وجودا مستقلاّ و انّما هو بوجود افراده و ضمنها، و هو ما يعبر عنه بكونه موجودا بالحصص فهناك حصص من الكلي بعدد الافراد و ليس

وجوده واحدا ضمن جميع الافراد.

و عليه فالحصة من كلي الوجوب الثابتة ضمن الوجوب الضمني قد ارتفعت جزما و الحصة الثانية من كلي الوجوب الثابتة ضمن الوجوب الاستقلالي لم تكن ثابتة سابقا لتستصحب. و معه فلا يجري استصحاب الكلي لعدم تمامية أركان الاستصحاب.

و انّما تتم الأركان لو فرض ان وجوده كان واحدا ضمن جميع الافراد فانّه آنذاك يقال ان ذلك الوجود الواحد للكلي كان ثابتا سابقا جزما و الآن - أي بعد تعسّر بعض الاجزاء - يشك في بقائه فيستصحب بقاؤه.

إلاّ ان المبنى المذكور باطل - و ان كان هو المنسوب للرجل الهمداني الذي التقى به الشيخ الرئيس في مدينة همدان - لان لازمه اتصاف الشيء الواحد بالصفات المتقابلة كالموت و الحياة و البياض و السواد و العلم و الجهل و....

ب - استصحاب الوجوب النفسي الاستقلالي فانه كان ثابتا قبلا جزما و يشك في ارتفاعه بتعذّر بعض الأجزاء فيستصحب بقاؤه. و بناء على هذا يكون الاستصحاب للجزئي دون الكلي.

و فيه: ان الوجوب النفسي الاستقلالي الذي كان ثابتا للمجموع قد ارتفع جزما، و الذي هو ثابت للميسور يشك في أصل حدوثه. و اذا اريد ملاحظة الجامع بينهما صار الاستصحاب للكلي - دون الجزئي - و هو من القسم الثالث الذي تقدّم عدم جريانه فيه.

ج - استصحاب الوجوب الاستقلالي الثابت للصلاة فيشار الى الصلاة و يقال: سابقا كانت واجبة و هي الآن يشك في وجوبها، فانه

بنقصان بعض الأجزاء - فيما إذا كان المتعذّر قليلا و غير مقوم لها - تبقى الصلاة هي تلك الصلاة و يصح ان يشار إليها و يقال: كانت سابقا واجبة و الآن كذلك.

و هذا الوجه للاستصحاب جيّد شريطة كون المتعذّر قليلا و غير مقوم لمفهوم الصلاة، فانه بناء على هذا يكون موضوع الصلاة باقيا عرفا و تصح الاشارة إليه و انه كان متّصفا بالوجوب الاستقلالي سابقا و الآن كذلك.

ملاحظة مشتركة

هناك قضية لا بدّ من الالتفات إليها و هي ان الاستصحاب في هذه الوجوه الثلاثة لا يجري إلاّ إذا كان التعذّر قد طرأ بعد دخول وقت الواجب، إذ بعد دخول الوقت يمكن أن يشار الى الصلاة و يقال: كانت قبل قليل واجبة و الآن كذلك، اما إذا كان التعذر قد طرأ قبل دخول الوقت فلا يجري إذ لا تمكن الاشارة الى الصلاة و الحكم عليها بانها كانت واجبة قبلا، بل حينما يدخل الوقت يشك في أصل حدوث الوجوب فيستصحب عدمه لا وجوده و بقاؤه.

و هذه الملاحظة مشتركة و لا تختص بالوجه الثالث بل تعمّ جميع الوجوه الثلاثة.

4 - اطلاق الأدلّة الأوّلية و القاعدة

ان قاعدة الميسور لو تمّت فلا يصح التمسّك بها إلاّ بعد فقدان الاطلاق في الأدلة الأولية، فمثلا إذا دلّ دليل وجوب الحج على ان الحج واجب مطلق، بمعنى انه ثابت حتى في حالة تعذّر بعض الاجزاء فيلزم

الأخذ باطلاق دليل الواجب المذكور و يثبت بذلك وجوب الحج في حالة تعذر بعض الاجزاء بدون أن تصل النوبة الى قاعدة الميسور.

كما انه إذا كان لدليل جزئية الجزء المتعذر اطلاق يثبت من خلاله ان الجزئية مطلقة و ثابتة حتى في حالة التعذر فالمناسب الأخذ بالاطلاق المذكور و يثبت بذلك سقوط وجوب الواجب و عدم لزوم الاتيان بالميسور بدون أن تصل النوبة الى قاعدة الميسور.

و إذا كان الاطلاق ثابتا في كل من الدليلين: دليل الواجب و دليل الجزء فالمناسب الأخذ باطلاق دليل الجزء و الحكم بعدم وجوب الميسور فان دليل الجزء بمثابة المقيّد لدليل الواجب الذي هو بمثابة المطلق، و كما ان أصل المقيّد مقدّم على المطلق بقانون الجمع بالتقييد كذلك اطلاق الدليل المقيّد مقدّم على اطلاق الدليل المطلق بنفس الملاك و النكتة.

اذن وصول النوبة إلى قاعدة الميسور يختص بحالة فقدان الاطلاق في دليل الواجب و دليل الجزء.

5 - تطبيقات

1 - إذا كان الغسل يضرّ المكلف فهل بالامكان تطبيق قاعدة الميسور بناء على تماميتها لإثبات وجوب اراقة الماء على الملابس بدلا من اراقته على البدن؟ و بناء على عدم تماميتها هل يمكن اجراء الاستصحاب لإثبات ذلك؟

2 - هل يمكن تخريج وضوء الجبيرة على طبق قاعدة الميسور بحيث تكفينا القاعدة المذكورة لإثبات مشروعيته بلا حاجة إلى دليل

خاص يدل على ذلك؟

3 - من كان على بعض بدنه قطعة قير لا يمكنه إزالتها فما هي الوظيفة بلحاظ غسله و وضوئه؟

4 - الميت يجب تغسيله بماء السدر أوّلا ثم بماء الكافور ثم بالماء القراح فإذا تعذّر السدر أو الكافور فما هي الوظيفة؟ و إذا كان الماء المطلق مفقودا فهل تصل النوبة الى التغسيل بالماء المضاف؟

5 - شخص لم يصم عصيانا فترة طويلة من عمره ثم رجع و تاب و لم يمكنه قضاء تلك الفترة الطويلة أو التكفير عنها فما هو حكمه؟

قاعدة على اليد

اشارة

1 - مضمون القاعدة

2 - مدرك القاعدة

3 - حكم وضعي أو تكليفي

4 - ضمان المنافع و الاعمال

5 - المثل أو القيمة و بدل الحيلولة و اجرة الرد

6 - عموم القاعدة للجاهل و الصغير

7 - استثناء يد الامانة و الاحسان

8 - أسباب اخرى للضمان

9 - تطبيقات

هناك قواعد تداولها الفقهاء في باب الضمان بصفتها مستندات لإثباته من قبيل «من أتلف مال الغير فهو له ضامن»، و قاعدة الغرور، و قاعدة الاقدام على الضمان، و قاعدة الأمر بالاتلاف.

و من جملة تلك القواعد بل من أهمّها قاعدة على اليد التي هي من القواعد المشهورة و يتداول ذكرها في مبحث الغصب و مبحث المقبوض بالعقد الفاسد و مبحث تعاقب الأيدي و عند التعرض لقاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده و ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده.

ففي مبحث الغصب يتعرّض الى ان الغاصب و كل من تعاقبت يده على المغصوب ضامن له لقاعدة على اليد.

و على المنوال المذكور يتعرض لها في مبحث المقبوض بالعقد الفاسد باعتبار انّه باق على ملك مالكه السابق فكل من تعاقبت يده عليه يكون ضامنا له لقاعدة على اليد.

و في قاعدة ما يضمن... يتعرّض إلى قاعدة على اليد بصفتها مدركا لها.

و قد تكرّر من الشيخ الأعظم قدّس سرّه في مكاسبه الاشارة إليها في بعض الأبحاث المذكورة، و لكننا لا نقرأ في الكتاب المذكور و لا غيره من الكتب الفقهية أو الاصولية بحثا مستقلاّ و متكاملا عنها بالرغم من شدّة الحاجة إليها و كثرة التمسّك بها. أجل تعرض لها الشيخ النراقي في عوائده(1)ببحث مختصر لا يشفي الغليل.

و نمنهج الحديث عنها ضمن النقاط التالية:

1 - مضمون القاعدة.

2 - مدرك القاعدة.

3 - حكم وضعي أو تكليفي.

4 - ضمان المنافع و الاعمال.

5 - المثل أو القيمة و بدل الحيلولة و اجرة الرد.

6 - عموم القاعدة للجاهل و الصغير.

7 - استثناء يد الامانة و الاحسان.

8 - أسباب اخرى للضمان.

9 - تطبيقات.

1 - مضمون القاعدة

يقصد من قاعدة على اليد ان كل من استولى على مال غيره و وقع


1) عوائد الأيّام: 108.

تحت يده كان ضامنا له و ان لم يتلف أو تلف عند غيره.

فاذا ركب شخص سيارة غيره من دون كسب موافقته كان ضامنا لها و ملزما بإرجاعها إليه سالمة. فاذا تعيّب بعض أجهزتها أو سرقت منه و لو مع تحفظه الكامل عليها أو حدث زلزال فتلفت أو... كان ضامنا لها في كل الحالات المذكورة.

و طبيعي في حالة اتلافها عن قصد و تعمّد يكون الضمان ثابتا لها بالاولى و لكن لا من باب القاعدة المذكورة بل لقاعدة اخرى يصطلح عليها قاعدة الاتلاف، أي ان من أتلف مال الغير فهو له ضامن.

اذن دائرة قاعدة على اليد تنحصر بما اذا لم يفرض تحقّق الاتلاف من قبل المستولي على العين عن قصد و تعمّد و إلاّ كان مدرك الضمان قاعدة الاتلاف دونها.

كما ينبغي الالتفات الى انّه في حالة تعاقب الأيدي على العين تكون كل واحدة منها ضامنة لقاعدة على اليد، و من حق المالك الرجوع على كل واحدة منها و ان كان التلف متحققا عند غيرها. فلو فرض ان الأيدي المتعاقبة كانت ثلاثا و تحقق التلف عند الثالثة فمن حق المالك الرجوع على الاولى أو الثانية أيضا فضلا عن الثالثة لتحقق الضمان باليد في حق كل واحدة منها.

كما انه في حالة بقاء العين سالمة عند الأول يكون ملزما بارجاعها و عليه كامل نفقات الارجاع لقاعدة على اليد.

و بهذا كلّه اتضح الفارق بين قاعدة على اليد و قاعدة الاتلاف.

يبقى علينا أن نستوضح الفارق بين قاعدة على اليد و قاعدة اليد التي تقدّمت الاشارة إليها في أبحاث سابقة.

ان الفارق هو انّه في قاعدة اليد لا يراد اثبات الضمان بل يراد اثبات امارية اليد على الملكية و ان من كانت له يد على شيء فذلك امارة على كونه مالكا له، و هذا بخلافه في قاعدة على اليد فانه يراد اثبات ان المستولي على مال غيره هو ضامن له.

و عليه توجد لدينا قواعد ثلاث: قاعدة على اليد و قاعدة اليد و قاعدة الاتلاف، و قد اتضح الفارق بين كل واحدة و الاخرى.

2 - مدرك القاعدة

المدرك المعروف للقاعدة المذكورة هو الحديث المشهور عن النبي صلّى اللّه عليه و آله: «على اليد ما أخذت حتى تؤدي».

و ليس للحديث المذكور أثر في معاجمنا الحديثية المعروفة. و أوّل من سجّله هو الاحسائي في عواليه(1)، و من ثم نقله عنه المحدّث النوري في مستدركه(2).

أجل هو ممّا يستشهد به فقهاؤنا كثيرا في كتبهم الفقهية الاستدلالية. و أوّل من وجدناه يتمسّك به الشيخ الطوسي في خلافه(3)ثم تابعه على ذلك من تأخّر عنه.

و الظاهر ان المصدر الأصلي للحديث هو المعاجم الحديثية للجمهور فقد رواه كثير منهم كأحمد بن حنبل في مسنده و الحاكم في مستدركه و ابن ماجه في سننه و البيهقي في سننه و الترمذي في


1) عوالي اللآلي 224:1 حديث 106.

2) مستدرك الوسائل 88:17.

3) الخلاف: كتاب الغصب: مسألة 22.

صحيحه و ابي داود السجستاني في سننه(1)و غيرهم.

و الكل رواه بسند ينتهي الى الحسن عن سمرة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله.

و المقصود من الحسن هو الحسن البصري المعروف بالعداء لأمير المؤمنين عليه السّلام، فابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة ينقل:

كان الحسن البصري يبغض عليّا عليه السّلام و يذمّه و من المخذلين عن نصرته و قد أنكر على أمير المؤمنين عليه السّلام إراقته الدماء الكثيرة فقال له: أو ساءك ذلك؟ قال: نعم، فقال أبو الحسن عليه السّلام: لا زلت مسوءا، فما رؤي الحسن البصري بعد هذا إلاّ مهموما عابسا إلى أن مات(2).

و اما سمرة بن جندب فهو عامل زياد على البصرة المعروف بالشقاء و الوقوف في وجه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في قصة العذق و الأنصاري المشتملة على قضية «لا ضرر و لا ضرار» حيث قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله اترك هذا العذق و لك بدله عذق في الجنّة الدال على ضمان النبي صلّى اللّه عليه و آله لأمرين:

دخوله الجنة و حصوله على عذق فيها و لكنه لشقائه أبى حتى ضمان النبي صلّى اللّه عليه و آله له دخول الجنّة.

و هو الخارج لحرب الامام الحسين عليه السّلام و المتنازل أمام دراهم معاوية مقابل ادّعاء نزول بعض آيات الوعيد في حقّ أمير المؤمنين عليه السّلام و بعض آيات الوعد في حق ابن ملجم لعنه اللّه تعالى.

و اضافة الى هذا يوجد تشكيك في أصل سماع الحسن من سمرةى.


1) مسند أحمد بن حنبل 8:5، 12، 13. مستدرك الحاكم 13:2، سنن ابن ماجه 802:2 حديث 2400، سنن البيهقي 95:6، صحيح الترمذي بشرح ابن العربي 21:6، سنن أبي داود السجستاني 296:3.

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 368:1 طبعة مصر الاولى.

فقيل لم يسمع منه غير حديث واحد و هو حديث العقيقة.

و بعد كون سند الحديث بهذه المنزلة لا يبقى إلاّ أن يقال بانجبار ضعفه بالشهرة كما قال الشيخ النراقي: «ان اشتهارها بين الأصحاب و تداولها في كتبهم و تلقيهم لها بالقبول و استدلالهم بها في موارد غير عديدة يجبر ضعفها و يكفي عن مئونة البحث في سندها»(1).

بيد انّه أشرنا عند البحث عن قاعدة السلطنة ان المقصود من الشهرة ان كان هو الروائية فهي غير محققة لعدم تواجد الرواية في المعاجم الحديثية، و ان كان هو الفتوائية فهي جابرة لو كانت بين القدماء - حيث انّهم الطبقة المقاربة لعصر صدور النصوص - و لا يكفي تحققها بين المتأخرين فقط. و الشهرة في المقام هي بين المتأخرين فقط لأنّه لم يستند الى الرواية من المتقدّمين سوى الشيخ قدّس سرّه، و المقدار المذكور لا يحقق شهرة الفتوى على طبق الرواية بين المتقدمين.

بل ان عمل الشيخ في الخلاف برواية لا يكشف عن صحتها حتى في نظر الشيخ لاحتمال ان يكون تمسكه بها من باب الزام العامة برواياتهم و قواعدهم لان كتاب الخلاف مؤلف لبيان موارد الخلاف بين الشيعة و غيرهم.

هذا مضافا الى احتمال أن يكون استناد من استند اليها لا لأجل الوثوق بصدورها بل لكون مضمونها مضمونا عقلائيا مسلّما لا يحتاج الى رواية صحيحة.

و عليه فالتمسك لإثبات القاعدة بالحديث المذكور أمر قابل للتأمل.9.


1) عوائد الأيام: 109.

و المناسب الاستدلال عليها بالسيرة العقلائية فانّها انعقدت على ان كل من استولى على مال غيره فهو ضامن له.

و نحن و ان سلمنا بمضمون الحديث السابق من خلال السيرة إلاّ ان الثمرة تظهر في بعض تعابير الحديث التي قد يستفاد منها بعض الأحكام بخلافه بناء على السيرة فان تلك الأحكام قد لا يمكن اثباتها كما سيتضح ذلك خلال ما يأتي إن شاء اللّه تعالى.

و هل يمكن الاستدلال على القاعدة بما دلّ على احترام أموال المسلم من قبيل صحيحة الحلبي و محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«هل تجوز شهادة أهل ملة من غير أهل ملتهم؟ قال: نعم، إذا لم يوجد من أهل ملّتهم جازت شهادة غيرهم انّه لا يصلح ذهاب حق أحد»(1)، فان التعليل في الذيل يدل على الاحترام المطلوب اثباته.

و من قبيل صحيحة أبي بصير عن أبي جعفر عليه السّلام: «سباب المؤمن فسوق... و حرمة ماله كحرمة دمه»(2).

و من قبيل صحيحة ابي اسامة زيد الشحام عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله وقف بمنى حتى قضى مناسكها في حجّة الوداع...

فقال: أي يوم أعظم حرمة؟ فقالوا: هذا اليوم، فقال: فأي شهر أعظم حرمة؟ فقالوا: هذا الشهر، قال: فأي بلد أعظم حرمة؟ قالوا: هذا البلد، قال: فان دماءكم و أموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم2.


1) وسائل الشيعة باب 20 من أحكام الوصايا حديث 3.

2) اصول الكافي 359:2 باب السباب حديث 2.

هذا في بلدكم هذا الى يوم تلقونه فيسألكم عن أعمالكم، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللّهمّ اشهد، ألا من كانت عنده أمانة فليؤدها الى من ائتمنه عليها فانه لا يحل دم امرئ مسلم و لا ماله إلاّ بطيبة نفسه و لا تظلموا أنفسكم و لا ترجعوا بعدي كفّارا»(1).

و الاستدلال بذلك قابل للتأمّل، إذ الحديث الأوّل و الثاني يدلان على ان المال لو تلف فلا بدّ من ضمانه و لا يمكن تحقق التلف بدون ضمان لأنّه يلزم ذهاب الحق هدرا و هو مناف لحرمة مال المؤمن، و هذا المقدار أضيق بكثير من المضمون الذي يراد اثباته بقاعدة اليد، فان المراد اثباته بها تحقق الضمان بمجرّد وضع اليد و ان لم يتحقق تلف أو تحقق عند انسان آخر.

و الحديث الثالث ناظر الى الحكم التكليفي و ان التصرف لا يجوز بدون طيب نفس صاحب المال و ليس ناظرا الى الحكم الوضعي، و هو الضمان.

و عليه فالمدرك منحصر بالسيرة العقلائية الممضية بسبب عدم الردع. و لا بدّ في كل مورد من ملاحظة حدود السيرة لا حدود الحديث و ألفاظه.

3 - حكم وضعي أو تكليفي

لا اشكال في ان المراد من اليد في القاعدة الكناية عن الاستيلاء و ان من استولى على شيء فهو عليه الى ان يتحقق منه الردّ الكامل.


1) وسائل الشيعة باب 1 من أبواب القصاص في النفس حديث 3.

و انّما عبّر باليد لأنّها الوسيلة عادة لتحقق الاستيلاء.

و المهم تحقيق المقصود من التعبير ب «على اليد» فما المقصود من كونه عليها؟ فهل المقصود الاشارة بذلك الى الحكم التكليفي أو الى الحكم الوضعي؟

ظاهر الشيخ النراقي في عوائد الايام احتمال كون المقصود هو الحكم التكليفي، أي على اليد حفظ ما أخذت إلى زمان ادائه، و معه فلا يكون الحديث ناظرا الى الحكم الوضعي، و هو الضمان.

و كأن الشيخ الأعظم قدّس سرّه في مبحث المقبوض بالعقد الفاسد ناظر الى ذلك حينما ذكر ان الحمل على إرادة الحكم التكليفي وجيه لو كانت النسبة الى فعل من أفعال المكلف بأن قيل هكذا: على اليد حفظ ما أخذته، انّه في مثل ذلك يتولّد ظهور في ارادة الحكم التكليفي، بخلاف ما لو كانت النسبة إلى نفس المال - كما هو الحال في الحديث - فان الكلام يكون ظاهرا آنذاك في إرادة الضمان، فحينما يقال: عليك دينار فالمراد: انّك ضامن و مشغول الذمّة بدينار(1).

هذا ما أفاده الشيخ الأعظم قدّس سرّه.

و المناسب ان يقال: بعد ان حصرنا المدرك بالسيرة العقلائية فليس لنا الا الرجوع اليها، و هي تقتضي الضمان لا مجرّد الحكم التكليفي، فمن استولى على سيارة غيره مثلا و دفعها إلى ثان جاز لدى العقلاء رجوع صاحبها الى الأوّل و مطالبته بها.ة.


1) كتاب المكاسب: 180، منشورات دار الحكمة.

4 - ضمان المنافع و الاعمال

وقع البحث في ان قاعدة على اليد هل تشمل المنافع و الاعمال أو لا؟ فمثلا لو استولى شخص على سيارة غيره بدون اذنه و أرجعها بعد يوم دون حدوث أي نقصان فيها و لكنه انتفع منها بركوبها في مسافة قصيرة فهل يمكن التمسك بقاعدة على اليد لإثبات ضمان المنفعة في الفترة المذكورة؟

و يصطلح على مثل المنفعة المذكورة بالمنفعة المستوفاة في مقابل ابقاء السيارة بلا انتفاع منها طيلة الفترة.

و يصطلح على المنافع التي يمر الزمن دون استفادة منها بالمنافع غير المستوفاة.

و قد وقع البحث في ان قاعدة على اليد هل تدل على ضمان المنافع المستوفاة و غير المستوفاة أو لا؟

و هكذا الكلام بالنسبة إلى الأعمال، فلو فرض ان شخصا قدّم قطعة قماش إلى خيّاط فخاطها ثم انكشف انّها ليست له و قد اشتبه في تقديمها إلى الخيّاط. ان الاجارة في مثل ذلك فاسدة، و لكن هل يمكن اثبات ضمان عمل الخيّاط بقاعدة على اليد؟

استشكل في شمول القاعدة لمثل ذلك اما لأنّ عنوان الأخذ لا يصدق إلاّ بالنسبة الى الاعيان دون المنافع و الاعمال أو لأن الذيل المذكور في القاعدة هو «حتى تؤدي»، و الاداء حيث لا يمكن تحققه بالنسبة الى غير الاعيان فتختص القاعدة بها.

و نعود هنا من جديد لنقول: ان المناسب الرجوع الى السيرة

العقلائية دون القاعدة بألفاظها الخاصة لضعف سند الحديث. و إذا رجعنا الى السيرة فلا يبعد قضاؤها بالضمان في المنافع لأنها مال فوّت على صاحبه. و هكذا في الأعمال باعتبار تحقق الأمر بعمل الخياطة، و الأمر بالعمل بنفسه موجب من موجبات الضمان في نظر العقلاء كما ستأتي الإشارة إليه.

5 - المثل أو القيمة و بدل الحيلولة و اجرة الرد

لا اشكال في ان العين المأخوذة من الغير بدون كسب موافقته يلزم ردّها كاملة إليه. و لو تلفت فبناء على قاعدة على اليد و قاعدة لا يصلح ذهاب حق أحد هدرا لزوم ضمان التالف. و هل يلزم الضمان بالمثل أو بالقيمة؟

قد يقال المناسب لقاعدة على اليد ضمان المثل فان تعذّر فالقيمة.

ثم انّه على تقدير تعذر المثل فهل المدار على قيمة العين يوم الاستيلاء عليها أو يوم تعذر المثل أو يوم المطالبة أو يوم الدفع و الاداء؟

قد يقال: المناسب لقاعدة على اليد كون المدار على قيمة يوم الاداء لأن العين بالاستيلاء عليها بدون اذن تكون بنفسها ثابتة في الذمّة حتى مع تعذر المثل، فان القاعدة تقول: على اليد ما أخذت، أي ان نفس ما أخذته ثابت في الذمّة و تنشغل به الى ان تؤديه فهو باق في الذمة حتى بعد تعذر المثل و لا ينتقل الى القيمة إذ لا موجب لذلك فان مقتضى اطلاق على اليد ما أخذت بقاء ما استولي عليه في ذمّة المستولي حتى بعد تلفه بل و حتى بعد تعذّر المثل، أجل عند تلف العين

و تعذر مثلها لا بدّ من الانتقال الى القيمة آنذاك لأنّها البديل الممكن فتثبت قيمة المثل حين المطالبة و ارادة الدفع.

كما ان هناك سؤالا آخر، و هو ان العين لو كانت موجودة و ليست بتالفة و لكن تعذر الوصول اليها كالخاتم الذي يقع في البحر فهل يلزم ضمان بدل الحيلولة، بمعنى ان المستولي على الخاتم بلا اذن صاحبه هل يلزمه دفع خاتم مماثل للسابق كبديل عن الحيلولة الحاصلة في فترة يوم أو يومين إلى ان يخرجه الغواصون؟

و بكلمة اخرى: نفترض ان العين لم يتحقق تلفها و بالامكان ردّها بعد يوم أو يومين فهل يلزم دفع البديل في الفترة المذكورة؟

و لربما يستدل بقاعدة على اليد على ضمان بدل الحيلولة.

و هناك تساؤل ثالث أو رابع و هو ان العين إذا كانت موجودة و بالامكان ردّها و لكن كان ردّها يحتاج الى اجور فهل الاجور على المستولي بلا اذن؟

قد يقال: نعم هي عليه لقاعدة على اليد.

و بالجملة: ان قاعدة على اليد قد يتمسك بها لإثبات وجوب المثل مع وجوده أو القيمة مع عدمه. و هكذا قد يتمسك بها لإثبات وجوب بدل الحيلولة و اجور الردّ.

هذا و المناسب في ضوء ما ذكرناه الرجوع إلى السيرة العقلائية و هي تقتضي وجوب المثل مع امكانه و القيمة مع عدمه. و لا يبعد انها تقتضي اعتبار قيمة يوم الدفع و تقتضي أيضا تعلّق الاجور بالمستولي على العين.

و اما بدل الحيلولة ففي اقتضائها لذلك تأمل، و مع الشك يرجع الى البراءة.

6 - عموم القاعدة للجاهل و الصغير

بعد وضوح ضمان من وضع يده على مال الغير إذا كان عالما بالغا قد يتساءل عن الضمان لو كان جاهلا بكونه مال الغير أو كان غير بالغ فهل يكون ضامنا أيضا أو لا؟

قد يجاب بأن الأحكام حيث تختص بالعالم البالغ فمن المناسب عدم استقرار الضمان في المقام.

و ما ذكر قابل للتأمّل لأن الحكم بالضمان حكم وضعي و هو لا مانع من شموله للجاهل و الصغير و انما الذي لا يشملهما هو الحكم التكليفي بالخصوص.

و عليه فوجوب الرد مثلا لا يشمل غير البالغ بخلاف الضمان لو تحقق التلف عنده فانه لا محذور في شموله له، غايته يكون المكلف بالدفع من أموال الصبي هو وليه.

و هكذا الحال فيمن وضع يده على مال الغير و هو جاهل بذلك متخيلا انّه ملكه فانّه ضامن له لو تلف عنده بل و لو لم يتلف أيضا، كل ذلك للسيرة العقلائية و ليس لحديث على اليد لعدم تمامية سنده.

7 - استثناء يد الامانة و الاحسان

ان كل من استولى على مال غيره كان ضامنا له اما لحديث على اليد أو للسيرة العقلائية. و يستثنى من ذلك نحوان من اليد:

يد الأمانة و يد الاحسان.

اما يد الأمانة فلا اشكال في عدم ضمانها حتى مع تحقق التلف عندها، و ذلك اما لأن السيرة العقلائية التي هي المدرك لضمان اليد ضيقة من الأول و محدودة من البداية بحدود اليد غير الامانية، فان العقلاء إذا ائتمنوا شخصا و أودعوا عنده مالا و تلف لديه فلا يحكمون عليه بالضمان إلاّ إذا فرّط و تعدى.

أو للروايات الخاصة القاضية بأن يد الأمانة لا تكون ضامنة إلاّ مع التعدي و التفريط كما في صحيحة مسعدة بن زياد عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السّلام: «انّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: ليس لك ان تتهم من قد ائتمنته...»(1).

و الصحيحة المذكورة تدل بوضوح على الضمان مع تحقق التعدي و التفريط.

ثم ان الأمانة تارة تكون مالكية و اخرى شرعية.

و المراد بالاولى الأمانة التي يقوم بها مالك الشيء نفسه، و بالثانية الأمانة التي يقوم بها الشارع من قبل المالك، كما هو الحال في اللقطة، فان الشارع ما دام قد جوّز التقاط الشيء الضائع فلازم ذلك جعله الملتقط أمينا على الشيء و من ثمّ تكون أمانته من قبل الشارع امانة شرعية.

و الأمين في كلتا الحالتين لا يكون ضامنا ما دام لم يفرط.

هذا كلّه في يد الامانة.0.


1) وسائل الشيعة باب 4 من أحكام الوديعة حديث 10.

و اما يد الاحسان فهي ليست ضامنة أيضا لقوله تعالى: ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ (1).

أجل يد الاحسان هي في واقعها مصداق من مصاديق يد الامانة و ليست شيئا مغايرا لها. و ذكرها بالخصوص لأجل اشارة الآية الكريمة لها بالخصوص.

و الذي ينبغي الالتفات إليه ان اليد لا يصدق عليها كونها محسنة إلاّ إذا كان التصرف مأذونا به من قبل المالك، فمن اودع عنده مال و أخذ يتاجر به لغرض تحصيل الأرباح للمالك من دون ان يأذن المالك بذلك و خسر في تجارته يكون ضامنا بالرغم من كون غرضه الاحسان لصاحب المال، و ليس ذلك إلاّ لعدم صدق عنوان الاحسان بعد عدم اذن المالك.

ثم انّه بعد استثناء يد الامانة و الاحسان يبقى تحت القاعدة كل يد لم تكن من أحد القسمين حتى و ان لم تكن يد غصب كاليد التي تستولي على شيء جهلا بكونه لغيرها.

و بذلك يتضح عدم اختصاص الضمان باليد العدوانية، بل قد يصطلح على كل يد غير امانية باليد العدوانية.

8 - أسباب اخرى للضمان

للضمان أسباب متعددة كانت من جملتها اليد. و هناك أسباب اخرى له يجدر الالتفات إليها من جملتها:


1) التوبة: 91.

أ - الاتلاف، فان من أتلف مال غيره فهو له ضامن حتى لو لم يكن صاحب يد عليه، كمن رمى زجاجة الغير بحصاة و كسرها فإنّه ضامن لها لإتلافها و ليس لليد لعدم تحققها.

و المستند في ذلك ليس حديث «من أتلف مال الغير فهو له ضامن» فان ذلك لم يثبت كونه حديثا حتى على سبيل الارسال بل المستند المهم لذلك السيرة العقلائية الممضاة بعدم الردع.

ب - الأمر بالعمل، فان من أمر غيره بعمل معيّن و لم يتبانيا على التبرع فهو ضامن متى ما قام الغير بالعمل، فلو فرض ان شخصا قال للبنّاء: ابن داري أو قال للحمّال: احمل متاعي الى البيت أو قال للخيّاط:

خط ثوبي أو قال للطبيب: عالج ولدي المريض و ما شاكل ذلك كان ذلك موجبا لضمان الآمر حتى و لو لم تتحقق اجارة و نحوها.

و المستند في ذلك هو السيرة العقلائية أيضا الممضاة بعدم الردع.

و هذا السبب للضمان قد لا نجد له اشارة في كلمات الاعلام خصوصا المتقدّمين منهم و لكن الأمر كما ذكرنا للسيرة العقلائية.

ج - الاقدام على الضمان. و قد نقل الشيخ الأعظم في المكاسب هذا السبب للضمان كتوجيه لقاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفساده، فالبيع إذا كان صحيحا فيه ضمان، بمعنى انّه لو تلف المبيع عند المشتري يكون تلفه من كيسه و لا حقّ له في الرجوع على البائع حتى و لو لم يكن التلف عن تفريط، و كذلك الحال لو اتضح فساد البيع لسبب و آخر فان تلف المبيع يكون على المشتري و لو لم يكن عن تفريط.

و لكن لما ذا ذلك و الحال ان المبيع مع افتراض فساد البيع ليس ملكا للمشتري ليكون تلفه منه بل هو ملك البائع؟

ان سبب ذلك على ما ذكر الشهيد الثاني في المسالك(1)و الشيخ الطوسي في المبسوط(2)هو التمسك بقاعدة الاقدام على الضمان.

هذا و لكن القاعدة المذكورة على ما أشار إليه الشيخ الأعظم:

«مطلب يحتاج الى دليل»(3). و السيرة العقلائية لم يثبت انعقادها على الضمان بمجرّد الاقدام من دون تحقق الاتلاف أو اليد أو الأمر بالعمل.

د - الغرور، بمعنى ان من غرّ غيره و أوقعه في الضمان يكون هو الضامن و يستقر عليه. فلو فرض ان شخصا قدّم طعاما إلى غيره موحيا له انّه ملكه و قد أباح له أكله فاذا أكله و اتضح بعد ذلك انّه لغير من قدّمه فمن حقّ المالك الرجوع على الآكل لقاعدة الاتلاف و لكن الآكل بدوره له الحق في الرجوع على من قدّمه له لقاعدة الغرور.

و يأتي البحث عن هذه القاعدة بشكل مستقل إن شاء اللّه تعالى.

ه - التسبيب لخسارة الغير. و يأتي التحدّث عن ذلك ضمن قاعدة الغرور.

9 - تطبيقات

1 - لو دفعت قطعة قماش الى خيّاط فتجاوز الحد المقرّر له اشتباها و تحقق منه تلف القماش بمعنى نقصان قيمته فهل يكون ضامنا بعد الالتفات الى كون يده يد أمانة؟

2 - شخص دفع الى غيره خمسا باعتقاد انّه متعلّق بذمّته ثم


1) مسالك الافهام 233:1.

2) المبسوط 126:2، 85:3، 89.

3) كتاب المكاسب: منشورات دار الحكمة، 191.

اتضح اشتباهه و عدم تعلّقه بذمّته. و في مثل ذلك تارة نفترض بقاء الخمس و اخرى نفترض تلفه، و على كلا التقديرين تارة نفترض علم المدفوع إليه بواقع الحال و اخرى نفترض جهله. ما هو الحكم من حيث الضمان في الحالات المذكورة؟

3 - إذا دخل شخص بيته فرأى فيه طعاما فأكله باعتقاد انّه راجع إليه ثم اتضح انّه لغيره فهل يكون ضامنا و لما ذا؟

4 - شخص دفعت إليه أموال كأجور لعبادات استيجارية و سرقت منه بعد ان وضعها في بيته، على من تكون الخسارة؟

5 - شخص تعلّق بذمّته الخمس و فرزه في مال معين، و في الطريق سرق منه قبل ايصاله الى مصرفه أو يفرض انّه دفعه لشخص ثقة ليوصله الى مصرفه و فرض سرقته من ذلك الثقة فعلى من الخسارة في الحالتين المذكورتين؟

6 - إذا غصب شخص شيئا من غيره و انتقل ذلك الشيء الى شخص ثان، من هو الضامن في الحالة المذكورة؟

7 - لو فتح شخص باب دار غيره و دخل سارق و أخذ ما فيها، على من يكون الضمان؟

8 - لو غصب شخص أرضا و زرع فيها حبّا فلمن يكون الناتج و ما ذا يستحق صاحب الأرض.

9 - إذا كان لشخص دين على آخر و امتنع من ادائه و صرف في سبيل تحصيله مقدارا من المال فعلى من تكون خسارة ذلك المقدار؟

10 - إذا دفع الغاصب الشيء الذي غصبه لشخص ثان، و هذا الثاني دفعه بدوره الى الشخص الأوّل الغاصب فالمالك يرجع على من؟

قاعدة الغرور

اشارة

1 - مضمون القاعدة

2 - مدرك القاعدة

3 - قاعدة التسبيب

4 - اعتبار الجهل في صحة التمسك بالقاعدة

5 - تطبيقات

من القواعد التي يشار إليها في الفقه و يتمسك بها بصفتها مدركا للضمان في موارد محدودة و قليلة قاعدة الغرور و التي قد يعبّر عنها أيضا بقاعدة المغرور يرجع على من غرّه، فيشار إليها في باب النكاح في مسألة ما لو زوّج شخص امة غيره من شخص آخر جاهلا بكونها لغيره و أولدها طفلا، فان الزوج يضمن لمولى الامة لأجل الدخول بها عشر قيمتها ان كانت بكرا و نصف العشر ان كانت ثيبا، كما يضمن قيمة الولد، و يرجع الزوج بكلتا الغرامتين اللتين غرمهما للمولى على ذلك الشخص الغار لقاعدة الغرور(1).

كما يشار إليها في باب الغصب في مسألة ما لو قدم الغاصب الطعام المغصوب لغيره موحيا له انّه ملكه، فان المالك إذا رجع على الآكل لقاعدة الاتلاف أو على اليد رجع هو بدوره على0.


1) العروة الوثقى، كتاب النكاح، فصل نكاح العبيد و الاماء، مسألة: 20.

الغاصب لقاعدة الغرور(1).

ان قاعدة الغرور ذكرت في هذين الموردين و ما شاكلهما من دون اشارة إلى تفاصيلها و ما يرتبط بها من أبحاث.

و لو تمّت القاعدة المذكورة مدركا حصلنا على سبب آخر للضمان مضافا الى أسبابه الاخرى و هي: اليد، الاتلاف، الأمر بالعمل، و الاقدام على الضمان في رأي، و التسبيب لخسارة الآخرين.

بيد انها محل اختلاف بين الفقهاء فمنهم من قبلها كسبب من أسباب الضمان و منهم من رفض ذلك.

و نمنهج الحديث حول القاعدة ضمن النقاط التالية:

1 - مضمون القاعدة.

2 - مدرك القاعدة.

3 - قاعدة التسبيب.

4 - اعتبار الجهل في صحة التمسك بالقاعدة.

5 - تطبيقات.

1 - مضمون القاعدة

يقصد بالغرور الخديعة. يقال غرّه غرورا بمعنى خدعه خدعة.

و ينبغي عدم الخلط بين الغرور و الغرر، فالأوّل يراد به الخديعة بينما الثاني يراد به كل جهالة تشتمل عليها المعاملة.

و المقصود من القاعدة - على هذا - ان كل من خدع غيره و أوقعه


1) جواهر الكلام 145:37.

في الخسارة ضمن تلك الخسارة، فالغاصب إذا قدّم الطعام المغصوب لغيره ضمن ذلك الغير الآكل قيمة الطعام لصاحبه لقاعدة على اليد أو الاتلاف و لكنه بدوره يرجع على الغاصب الغار لقاعدة الغرور.

و لا ينبغي ان نفهم من هذا ان قاعدة الغرور ترادف القاعدة الثانية المعروفة بقاعدة التسبيب إلى الضمان، كلا ان القاعدتين و ان التقتا في كثير من مواردهما إلاّ انّهما قد يفترقان في بعض الموارد الاخرى، كما لو فرض ان الطبيب وصف للمريض علاجا خاصّا اشتباها و تضرّر بذلك المريض، انّه في مثل ذلك لا يمكن التمسّك بقاعدة الغرور لأن الطبيب ما دام مشتبها فلا يصدق عليه عنوان الغار و لكنّه سبّب الخسارة و الضرر على المريض فتشمله قاعدة التسبيب و يحكم بضمانه لأجلها - بناء على تماميتها - دون قاعدة الغرور.

و هكذا لو فرض ان انسانا نجّس مسجدا أو المصحف الشريف و احتاج التطهير الى بذل اجرة معينة، ان تلك الاجرة يجب بذلها على من يتمكن منها. و السبب في خسارتها هو ذلك الشخص المنجّس، فبناء على تمامية قاعدة التسبيب و كون المثال مصداقا لها يلزم ضمانه لأجلها و ليس لقاعدة الغرور.

و هكذا لو فرض ان انسانا نجّس فرش الغير و احتاج تطهيره الى اجرة معينة، فان ضمانها لو ثبت على المنجس فهو لقاعدة التسبيب و ليس لقاعدة الغرور.

و هكذا لو فرض ان تاجرا استورد بضاعة معينة بمقدار كبير أوجب خسارة بقية التجار الذين لديهم تلك البضاعة، ان ضمان الخسارة المذكورة لو ثبت فهو لقاعدة التسبيب دون قاعدة الغرور.

و بهذا ننتهي إلى ان قاعدة التسبيب قد تصدق من دون قاعدة الغرور، و العكس ليس بصحيح، فان قاعدة الغرور لا تنفك عن قاعدة التسبيب عادة، فالنسبة بينهما على هذا هي العموم و الخصوص المطلق.

و دعوى ان بالامكان صدق قاعدة الغرور دون قاعدة التسبيب، كما لو مدح شخص امرأة فتزوجها آخر اغترارا بالمدح، فانه في مثل ذلك لا تصدق قاعدة التسبيب لأن المادح لم يصدر منه التزويج بينما تصدق قاعدة الغرور، و معه تكون النسبة هي العموم من وجه.

مدفوعة: بان نفس المدح نحو تسبيب عرفا لزواج الآخر

2 - مدرك القاعدة

اشارة

أهم ما يمكن التمسك به للقاعدة و جهان:

الوجه الأوّل

التمسك بالسيرة العقلائية بدعوى انها منعقدة على ضمان الغار، و حيث انه لم يرد ردع عنها شرعا فتكون ممضاة.

و دعوى السيرة مقبولة في الجملة و ليس في جميع موارد القاعدة.

انها مقبولة في مثل الغاصب الذي قدّم الطعام المغصوب للغير و أكله ايحاء بأنه ملكه أو في مثل من ركب سيارة باعتقاد انها سيارته التي يضعها في مكانها المقرّر و إذا بها سيارة شخص آخر وضعت مكان الأوّل عن قصد و عمد.

و ليست مقبولة فيما إذا قال شخص لآخر: ان التجارة الفلانية مربحة فتاجر بها و إذا الأمر بالعكس، أو فرض ان شخصا عنده بضاعة

معينة بكمية كبيرة لم يفصح عنها و أوهم الآخرين عدم وجود تلك البضاعة عنده فلما استورد الآخرون تلك البضاعة إذا به يعرضها في السوق، الأمر الذي يوجب خسارة ذلك المستورد، انه في المثالين المذكورين و لا أقل الثاني لا يحكم العقلاء بضمان الغار.

و عليه فليس بامكاننا ان نستفيد من السيرة العقلائية الضمان بشكل مطلق في موارد الغرور بل يختلف ذلك باختلاف الموارد.

الوجه الثاني

التمسك بالأحاديث العامة و الخاصة.

اما الحديث العام فهو ما اشتهر بلسان «المغرور يرجع على من غرّه». و قد نسب بعض الفقهاء ذلك الى النبي صلّى اللّه عليه و آله، كما في جواهر الكلام و حاشية الارشاد و مستمسك العروة الوثقى و غيرها(1).

بيد انه باللسان المذكور لا توجد رواية منسوبة الى النبي صلّى اللّه عليه و آله حتى في معاجم الحديث للعامة فضلا عن الخاصة. أجل يوجد بألسنة اخرى منسوبا الى غير النبي صلّى اللّه عليه و آله كما سيتضح.

و عليه فدعوى انجبار ضعف سند الحديث بعمل الأصحاب كما يتراءى من المستمسك و غيره ضعيفة باعتبار ان الجملة المذكورة لم يثبت كونها حديثا ليتم انجبارها بناء على تمامية كبرى الانجبار و احراز الصغرى و ان الأصحاب استندوا إلى ما ذكر و هو معتمدهم في مقام الفتوى، و هذا غير ثابت أيضا.

نعم ورد ما يقرب من مضمون الجملة السابقة منسوبا الى أمير


1) جواهر الكلام 145:37. و قد نقل في هامش الجواهر ذلك عن حاشية الارشاد للمحقق الثاني. مستمسك العروة الوثقى 350:14.

المؤمنين عليه السّلام، فالبيهقي في سننه نقل عن الشافعي عن علي عليه السّلام: في المغرور يرجع بالمهر على من غرّه(1).

بيد ان الحديث المذكور على تقدير تمامية سنده خاص بخصوص المهر و لا يعمّ غيره.

و اما الأحاديث الخاصة فكثيرة. و المهم منها:

1 - صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «امرأة شهد عندها شاهدان بأن زوجها مات فتزوجت ثم جاء زوجها الأوّل. قال: لها المهر بما استحل من فرجها الأخير، و يضرب الشاهدان الحد، و يضمنان المهر بما غرّا الرجل، ثم تعتد و ترجع الى زوجها الأوّل»(2)، بتقريب ان الباء في جملة «بما غرّا الرجل» سببية، أي: يضمنان بسبب انّهما غرّا الرجل فيتمسك بعموم التعليل و يثبت بذلك ان مطلق الغرور يوجب الضمان.

و هي تامّة السند أيضا، فان كلاّ من الصدوق و الشيخ رواها بطريقه الخاص. و كلا الطريقين و لا أقل طريق الصدوق تام، إذ رواها بسنده إلى إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام.

و طريق الصدوق الى إبراهيم صحيح على ما في المشيخة. و إبراهيم و أبو بصير من ثقات أصحابنا.

أجل يبقى ان صاحب الوسائل روى جملة «بما غرّا» بعنوان نسخة، و لكن إذا رجعنا إلى المصدر الأصلي، و هو الفقيه و التهذيب رأيناها ثابتة في كليهما فلا مشكلة من هذه الناحية.2.


1) السنن الكبرى للبيهقي 219:7 باب من قال يرجع المغرور بالمهر على الذي غرّه.

2) وسائل الشيعة باب 13 من أبواب الشهادات حديث 2.

2 - ما رواه رفاعة بن موسى: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام... عن البرصاء، فقال: قضى أمير المؤمنين عليه السّلام في امرأة زوّجها وليّها و هي برصاء ان لها المهر بما استحل من فرجها و ان المهر على الذي زوّجها، و انّما صار عليه المهر لأنّه دلسها...»(1).

و دلالتها واضحة، فانّها تدل بعموم التعليل على ان كل مدلس - الذي هو تعبير آخر عن الغار - ضامن.

إلاّ ان سندها يشتمل على سهل الذي وقع محلاّ للكلام. و لكنها تصلح على أي حال لدعم الصحيحة الاولى.

3 - ما رواه إسماعيل بن جابر: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل نظر الى امرأة فأعجبته فسأل عنها فقيل: هي ابنة فلان، فأتى أباها فقال: زوجني ابنتك فزوّجه غيرها فولدت منه فعلم بها بعد انها غير ابنته و انّها امة. قال: ترد الوليدة على مواليها، و الولد للرجل، و على الذي زوّجه قيمة ثمن الولد يعطيه موالي الوليدة كما غرّ الرجل و خدعه»(2).

و دلالتها واضحة. إلاّ ان سندها يشتمل على محمّد بن سنان الذي وقع محلاّ للكلام أيضا. و لكنها تصلح للدعم كما تقدّم.

و بهذا يتّضح ان ثبوت الضمان بقاعدة الغرور أمر صحيح.

و يتضح أيضا ان مناقشة السيّد الخوئي قدّس سرّه للقاعدة باعتبار ان المدرك المهم لها هو رواية إسماعيل و رفاعة، و كلتاهما ضعيفة السند(3)قابلة للتأمّل.2.


1) وسائل الشيعة باب 2 من أبواب العيوب و التدليس حديث 2.

2) المصدر السابق باب 7 من أبواب العيوب و التدليس حديث 1.

3) مباني العروة الوثقى 132:2.

و وجه التأمّل: ان صحيحة أبي بصير تام الدلالة و السند فلا يضر بعد ذلك ضعف الروايتين.

على ان اتفاق روايات ثلاث - بل أكثر - و بلسان متقارب على مطلب واحد قد يورث للفقيه الاطمئنان بحقانية المطلب.

و يتضح بهذا أيضا ان التمسك بالإجماع لإثبات القاعدة أمر غير وجيه لأن حجيته هي باعتبار كاشفيته عن رأي المعصوم عليه السّلام يدا بيد، و مع احتمال المدرك له - و هو السيرة و الروايات - لا يمكن الجزم بكاشفيته عن رأي المعصوم عليه السّلام.

3 - قاعدة التسبيب

هناك قاعدة باسم قاعدة التسبيب - و يعبّر عنها على لسان القدماء بقاعدة السبب أقوى من المباشر - وقع الكلام في حجيتها.

و مضمونها ان شخصا لو سبب لثان الوقوع في خسارة فهو ضامن لتلك الخسارة.

مثال ذلك: ما لو نجّس شخص قطعة فرش لغيره و كانت طهارتها أمرا ضروريا و احتاج التطهير إلى اجرة معينة، فبناء على تمامية قاعدة التسبيب يلزم المنجس ضمان تلك الاجرة كما و يلزمه ضمان النقص الطارئ على العين بسبب التطهير لو فرض نقصان قيمتها بذلك.

هذا و لكن السيّد الخوئي قدّس سرّه رفض الضمان بتقريب ان سبب الضمان منحصر بأمرين: الاتلاف و اليد، و كلاهما غير متحقق، إذ بالتنجيس لم يتحقق اتلاف قطعة الفرش و لا الاستيلاء عليها ليلزم ضمان اجرة التطهير أو قيمة النقص الطارئ.

هذا لو لم يفرض ان قيمة الفرش قد نقصت بالتنجيس نفسه، اما إذا نقصت بالتنجيس نفسه و قبل ان يغسل ثبت الضمان لقاعدة الاتلاف حيث تم اتلاف وصف كمالي من أوصاف الفرش بعملية التنجيس نفسها.

و بالجملة: إذا لم تنقص قيمة الفرش بالتنجيس نفسه و احتاج تطهيره الى اجرة أو فرض نقصان القيمة على تقدير التطهير فلا ضمان لتلك الاجرة و لا لذاك النقصان لعدم صدق اليد و لا الاتلاف، و سبب الضمان لا يعدو أحد هذين الأمرين اما اليد أو الاتلاف.

ثم أضاف قدّس سرّه قائلا:

و امّا التسبيب فهو ليس سببا مستقلاّ للضمان في مقابل السببين المذكورين بل هو يوجب الضمان لو صدق عنوان المتلف على السبب.

و عليه فينبغي التفصيل في موارد التسبيب بين ما إذا صدق على السبب انه متلف و بين ما إذا لم يصدق عليه ذلك، ففي الأوّل يضمن لقاعدة الاتلاف دونه في الثاني.

مثال صدق ذلك: ما لو أرسل شخص دابته و اتلفت زرع الغير أو أعطى شخص سكينا بيد صبي و أمره بضرب شخص، فانه يصدق على الشخص المذكور عنوان المتلف و ينسب إليه اتلاف زرع الغير و جرح الشخص، باعتبار ان المباشر اما لا إرادة له أو ذو إرادة ضعيفة بحيث يعدّ آلة بيد السبب، و ينسب العرف بنحو الحقيقة الاتلاف إليه لا إلى المباشر.

و مثال عدم صدق ذلك: ما لو توسطت في البين الارادة التامة للمباشر، كما لو أمر شخص شخصا آخر كبيرا باتلاف زرع الغير أو

جرحه و قام بتنفيذ ذلك. ان الاتلاف في مثل ذلك ينسب الى المباشر - باعتبار توسط إرادته التامّة - و ليس إلى السبب. هذا ما أفاده قدّس سرّه في هذا المقام(1).

و هناك مسألة ثانية بحثها الفقهاء ترتبط بالمسألة المتقدّمة، و هي ان زيدا لو نجّس المصحف الشريف أو المسجد - اللذين يجب تطهيرهما فورا - و احتاج تطهيرهما إلى بذل اجرة معينة فهل يختص ضمانها بزيد أو يعم كل فرد مسلم؟

انه بناء على تمامية قاعدة التسبيب يمكن الحكم بضمان زيد للأجرة، بتقريب ان زيدا صار بفعله سببا لخسارة الآخرين قيمة التطهير، فاذا تصدّى بعض الناس للتطهير جاز له الرجوع عليه للقاعدة المذكورة.

بل و يمكن الحكم بضمانه للخسارة حتى بناء على انكار قاعدة التسبيب و حصر سبب الضمان بالاتلاف و اليد، بتقريب ان الآخر المتصدي للتطهير و ان تصدّى بإرادته إلاّ انّه لما كان ملزما من قبل الشارع بالتطهير فإرادته تصبح إرادة مغلوبة و في حكم العدم، و بذلك يسند الاتلاف عرفا الى السبب و يكون استقرار الضمان عليه دون غيره.

و لا ينقض على ذلك بما ذكره السيّد الخوئي قدّس سرّه من ان لازم ذلك ان المعسر لو تزوج و أولد أطفالا و هو عاجز عن القيام بنفقتهم و فرض ان المسلمين قاموا بالانفاق عليهم من باب وجوب حفظ النفس2.


1) التنقيح 323:2.

المحترمة على كل مسلم، ان لازم ذلك ضمان ذلك المعسر المتزوّج بما ينفقه الناس على أطفاله، و الحال ان ذلك لا يمكن التزامه(1).

و هكذا لا ينقض بما لو فرض ان شخصا ابرأ شخصا آخر من دين مانع من الاستطاعة فترتب على ذلك تحقق عنوان الاستطاعة للحج في حقّه و وجوبه عليه، فبناء على عدّ الإرادة المغلوبة بحكم العدم يلزم ضمان المبرأ لنفقات الحج، و هو بعيد أيضا.

ان هذين النقضين و أمثالهما قابلان للدفع، باعتبار ان العرف يفهم من حكم الشارع بجواز زواج المعسر و ابراء المديون عدم كونهما ضامنين. و هذه الدلالة الالتزامية العرفية هي المانع من الحكم بالضمان، و هذا بخلافه في مثال تنجيس المسجد أو المصحف الشريف فإنّه لا توجد مثل هذه الدلالة.

و على أي حال ان قاعدة التسبيب لها نتائج تظهر في الأمثلة المذكورة و غيرها، و قد أنكرها بعض الأعلام بدعوى عدم تمامية دليل عليها، و من ثمّ أنكر الثمرات المترتبة عليها في الأمثلة السابقة، كضمان قيمة تطهير الفرش و قيمة النقص الطارئ بسبب التطهير و اجور تطهير المسجد و المصحف.

إلاّ ان من القريب جدّا دعوى انعقاد السيرة العقلائية عليها و الحكم بضمان المسبب لخسارة الآخرين فيما إذا كان تسبيبه تسبيبا غير مأذون به شرعا. و حيث ان السيرة المذكورة لم يثبت ردع عنها فتكون ممضاة.2.


1) التنقيح 321:2.

4 - اعتبار الجهل في صحة التمسك بالقاعدة

قد يفرض ان الشخص الغار عالم بما يترتب على فعله من الخديعة و وقوع الغير في الخسارة و قد يكون جاهلا بذلك. و هكذا الحال بالنسبة إلى الشخص المغرور قد يفرض جهله بواقع الحال و قد يفرض علمه.

فان فرض علم الغار و جهل المغرور فذلك هو القدر المتيقن من قاعدة الغرور.

و اما إذا فرض علم المغرور فلا اشكال في انتفاء عنوان الغرور سواء كان الطرف الآخر عالما أو جاهلا.

و اما إذا كانا جاهلين معا فقد ادعى البعض صدق عنوان الغرور، بدعوى ان عناوين الأفعال ليست متقومة بقصد تلك العناوين، فمن قام أو قعد يصدق عليه عنوان القائم أو القاعد و ان لم يكن قاصدا لذلك بل كان غافلا، فمن قدّم طعام الغير إلى آخر يصدق عليه انّه غار و لو لم يكن ملتفتا لكونه طعام الغير بل معتقدا بكونه طعام نفسه(1).

و هناك من قال بأن عنوان الغرور لا يصدق مع جهل الغار بيد ان قاعدة الغرور تشمل مثل ذلك ملاكا و ان لم تشمله عنوانا(2).

و كلتا الدعويين كما ترى.

اما الاولى فلتقوّم صدق الغرور عرفا بعلم الغار و جهل المغرور.

و اما الثانية فلأن ملاك الضمان في باب الغرور ليس إلاّ التسبيب


1) القواعد الفقهية للسيد البجنوردي 225:1.

2) القواعد الفقهية للشيخ ناصر مكارم الشيرازي 295:2.

للخسارة، و معه فان تمّت قاعدة التسبيب كانت هي بنفسها دليلا على الضمان، و ان لم تتم و أنكرنا انعقاد السيرة العقلائية عليها فلا معنى للحكم بالضمان من باب صدق قاعدة الغرور ملاكا لأن ملاكها بقطع النظر عن صدق عنوان الغرور ليس سببا للضمان حسب الفرض.

و عليه فالمناسب في حالة جهلهما معا عدم التمسك بقاعدة الغرور لإثبات الضمان بل بقواعد اخرى، كقاعدة الاتلاف أو اليد أو التسبيب حسب اختلاف الموارد.

5 - تطبيقات

1 - إذا دفع شخص للخيّاط قطعة قماش و قال له: ان كانت تكفي قميصا فقصّها فلما قصّها اتضح العكس فهل يضمن؟

2 - شخص أراد الزواج و مدح له ثان أخلاق امرأة معينة فلما تزوجها ظهر له سوء أخلاقها فهل يكون المادح غارّا و يلزمه ضمان المهر؟

3 - الطبيب إذا عالج المريض و أخطأ في علاجه فتارة يفرض انّه يعالج المريض مباشرة باجراء عملية له و اخرى يصف له الدواء و يسبب له بعض المضاعفات فهل يكون ضامنا في الحالتين المذكورتين؟ و ما هو التوجيه الفني لذلك؟

4 - الختّان إذا أخطأ و سبّب ضررا للمختون فهل يكون ضامنا و لما ذا؟

5 - إذا مدح البائع سلعته فلما اشتراها المشتري اتضح له الخلاف و سبّب ذلك له بعض الخسائر فهل يضمن البائع ذلك و لما ذا؟

6 - شخص قدّم طعاما للغير باعتقاد انّه له ثم اتضح انّه لغيره فهل يكونان ضامنين؟ و لما ذا؟

7 - شخص دعي لمأدبة فاصطحب معه شخصا آخر فهل يكون ضامنا لما أكله الآخر؟

8 - إذا قال شخص لآخر توجد في معرض الكتاب كتب تباع بسعر زهيد فسافر إليه فلم يجد الأمر كما أخبر فهل يجوز تغريمه اجور السفر؟

9 - شخص له قطعة فرش فرشها في الشارع الذي تمرّ به السيارات لينزل منها ما التصق بها من تراب فمرت سيارة مثقلة بالحديد فشقت قطعة الفرش فهل يكون صاحب السيارة ضامنا؟

قاعدتا الاقرار

اشارة

1 - مضمون القاعدتين

2 - قاعدة واحدة أو قاعدتان

3 - مدرك القاعدتين

4 - استثناءات من قاعدة قبول الاقرار

5 - الاقرار بالدلالة الالتزامية

6 - التفكيك في الاقرار الواحد

7 - اختصاص القبول بموارد السلطنة الفعلية

8 - تطبيقات

هناك قاعدتان تداول ذكرهما على لسان الاعلام في باب الاقرار و المسائل المرتبطة بذلك احداهما باسم «اقرار العقلاء على أنفسهم جائز»، و ثانيتهما باسم «من ملك شيئا ملك الاقرار به».

اما القاعدة الاولى فهي الأصل الأساسي الذي تعتمد عليه مسائل كتاب الاقرار، فانا لو ألقينا نظرة على تلك المسائل لرأيناها بشكل عام تعتمد على قاعدة «اقرار العقلاء على أنفسهم جائز».

و اما القاعدة الثانية فنادرا ما تذكر على لسان الفقهاء، فنجد ذكرها في كلمات الشيخ الطوسي قدّس سرّه في مسألة العبد المأذون في التجارة، فقد ذكر ان العبد المذكور لو أقرّ بمال يتعلّق بالتجارة بأن قال مثلا هذا يستحق عليّ ثمن المبيع في هذا البيع و أمثال ذلك قبل اقراره لأن من ملك شيئا ملك الاقرار به(1).ي.


1) رسالة من ملك شيئا ملك الاقرار به الملحقة بآخر المكاسب للشيخ الأنصاري.

و بقي ذكرها مستمرا على لسان من جاء بعد الشيخ من الفقهاء، فقد أشار إليها المحقّق الحلّي في الشرائع في مسألة العبد المأذون أيضا.

و أشار لها الشهيد الأوّل في قواعده بعنوان «كل من قدر على إنشاء شيء قدر على الاقرار به»(1).

و حينما وصل الأمر الى الشيخ الأعظم الأنصاري نراه قد ألّف رسالة في القاعدة المذكورة ذكر في مقدّمتها: «اشتهر على ألسنة الفقهاء من زمان الشيخ قدّس سرّه إلى زماننا قضية كليّة يذكرونها في مقام الاستدلال بها على ما يتفرّع عليها كأنها بنفسها دليل معتبر أو مضمون دليل معتبر، و هي ان من ملك شيئا ملك الاقرار به...»(2).

و يبدو ان هناك كلاما في ان القاعدتين المذكورتين هل هما قاعدة واحدة أو ان الاولى مستند للثانية أو هما متباينتان و لا ربط لإحداهما بالاخرى غايته قد تلتقيان في بعض الموارد. و سيتضح إن شاء اللّه تعالى ان الاحتمال الثالث هو الصحيح.

و الذي نريد ان نفهمه من هذا الخلاف ان قلّة التعرض لقاعدة من ملك صار سببا لأن ينتابها شيء من الغموض و من ثمّ صار سببا لتوهم انّها و الاولى قاعدة واحدة أو ان الاولى مدرك للثانية.

و نمنهج الحديث حول القاعدتين ضمن النقاط التالية:

1 - مضمون القاعدتين.

2 - قاعدة واحدة أو قاعدتان.ي.


1) القواعد و الفوائد 279:2.

2) الرسالة الملحقة في آخر المكاسب للشيخ الأنصاري.

3 - مدرك القاعدتين.

4 - استثناءات من قاعدة قبول الاقرار.

5 - الاقرار بالدلالة الالتزامية.

6 - التفكيك في الاقرار الواحد.

7 - اختصاص القبول بموارد السلطنة الفعلية.

8 - تطبيقات.

1 - مضمون القاعدتين

المقصود من قاعدة «اقرار العقلاء على أنفسهم جائز» ان كل عاقل إذا اعترف بشيء هو في غير صالحه كان ملزما باعترافه، فلو اعترف بأن الدار التي اسكن فيها ليست هي لي بل لزيد اخذ باعترافه و كان ملزما به.

و هكذا لو قال: اني لم أدفع المهر لزوجتي و هو بعد في ذمّتي كان ذلك منه اعترافا على نفسه و كان ملزما به.

اما إذا قال: الدار التي يسكن فيها زيد ليست هي له بل قد غصبها منّي لم يكن ذلك منه مقبولا بل احتيج في تصديقه إلى اثبات بالبينة لأنّه ليس اعترافا على نفسه بل هو ادّعاء في صالح نفسه و نفعها، و الادّعاء المقبول هو ما كان في ضرر المدعي و لم يكن في صالحه لا ما كان في صالحه.

و منه يتضح ان كلمة «على» المذكورة على لسان القاعدة يراد بها الاشارة الى حيثية كون الادّعاء في ضرر المدّعي، فهو عليه و ليس له.

كما اتضح ان المقصود من كلمة «جائز» الواردة على لسان

القاعدة هو الجواز بمعنى النفوذ و الالزام و ليس بمعنى الاباحة، فالاقرار على النفس جائز يراد به ان الاقرار على النفس نافذ و تكون ملزمة به.

هذا بالنسبة الى القاعدة المذكورة.

و اما قاعدة «من ملك شيئا ملك الاقرار به» فالمقصود منها ان كل من كان من حقّه القيام بتصرف معيّن فمتى ما أخبر عن تحقق ذلك التصرف قبل اخباره من دون مطالبة باثبات ذلك، فلو اخبر الزوج الذي من حقّه طلاق زوجته متى ما شاء: انّي طلقت زوجتي قبل منه الاخبار المذكور و حكم بتحقق طلاق الزوجة بلا ان يطالب باثبات ما اخبر عنه من خلال البينة.

و هكذا الحال لو أوكلنا تصرّفا معينا إلى شخص فقلنا لأحد أصدقائنا: أنت وكيلي في شراء الدار الفلانية فجاء بعد فترة مخبرا باني اشتريتها بسعر كذا قبل منه ذلك بلا ان يطالب بالاثبات.

و من هذا يتجلى ان المقصود من جملة: «ملك شيئا» السلطنة على التصرف المعين. كما و ان المقصود من جملة: «ملك الاقرار به» نفوذ الاخبار عن تحقق ذلك التصرف المعين بلا مطالبة بالحجة على تحققه.

و اتضح أيضا من خلال كل ما ذكرناه ان معنى كلمة الاقرار في القاعدة الاولى و القاعدة الثانية متغاير، ففي القاعدة الاولى يراد منها الاعتراف في غير صالح النفس بينما في القاعدة الثانية يراد منها الاخبار عن تحقق التصرّف المعيّن.

2 - قاعدة واحدة أو قاعدتان

من خلال ما ذكرناه في معنى القاعدتين يتضح ان القاعدتين

لا ترجعان إلى قاعدة واحدة بل لكل واحدة معنى يغاير المعنى المقصود من الثانية.

و بعد المغايرة بينهما لا وجه أيضا لدعوى ان قاعدة اقرار العقلاء هي مستند لقاعدة من ملك.

ان هاتين الدعويين قد نقلهما الشيخ الأنصاري عن بعض(1). و قد اتضح التأمل في كل منهما.

و المناسب ان يقال: إن القاعدتين متغايرتان مفهوما بيد انّهما قد يلتقيان موردا.

فاذا اخبر شخص بانّي قد أوقفت داري على الفقراء أو اوصيت بها إليهم قبل منه و كان ذلك موردا لكلتا القاعدتين.

و إذا قال: اني سرقت أو قتلت فلانا كان ذلك موردا لقاعدة اقرار العقلاء و لم يكن موردا لقاعدة من ملك لأن السارق و القاتل ليسا مسلّطين على القتل و السرقة.

و اذا اخبر الوكيل عن شخص في بيع داره بتحقق بيعها قبل ذلك منه لقاعدة من ملك دون قاعدة اقرار العقلاء لأن الاخبار المذكور من الوكيل ليس اخبارا على نفسه بل هو اخبار عن قضية ترتبط بغيره.

و عليه فالنسبة بين القاعدتين من حيث المورد هي العموم من وجه.ب.


1) رسالة من ملك شيئا ملك الاقرار به الملحقة بآخر المكاسب.

3 - مدرك القاعدة

بالنسبة إلى قاعدة «اقرار العقلاء على أنفسهم جائز» قد يستدل عليها بالأدلة الأربعة.

اما الكتاب الكريم فلقوله تعالى: أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا (1)، و قوله: وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ (2)، و قوله: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى (3)، و قوله: كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلّهِ وَ لَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ (4).

و اما السنّة الشريفة فيكفي الحديث المشهور عن النبي صلّى اللّه عليه و آله:

«اقرار العقلاء على أنفسهم جائز»(5).

و اما العقل فباعتبار ان العاقل لا يكذب على نفسه بما يضرّه فاذا أقرّ على نفسه حصل القطع بصدق المضمون المقرّ به.

و اما الاجماع فواضح إذ لا مخالف في المسألة.

و الكل كما ترى.

اما الآيات الكريمة فلأن المهم منها هو الآية الأخيرة - و إلاّ فما قبلها أجنبي عن المقام - و هي تدل على ان الانسان يجب ان يشهد بالحق و لو كان ذلك في غير صالح نفسه، و غاية ما يقتضيه هذا ان ما ثبت كونه


1) آل عمران: 81.

2) التوبة: 102.

3) الاعراف: 172.

4) النساء: 135.

5) وسائل الشيعة باب 3 من أبواب الاقرار حديث 2.

حقّا تلزم الشهادة به، و بالالتزام العرفي تدل على وجوب قبوله، و لا تدل على انه لو شهد شخص على نفسه بشيء و احتملنا كونه مشتبها يلزم قبول ذلك أيضا.

و بكلمة اخرى: هي تدل على ان الحق إذا شهد به يلزم قبوله، و هذا أمر مسلّم غير قابل للشك و إلاّ لم يكن الحق حقّا، و لا تدل على ان كل ما شهد به ما دام هو على النفس يلزم قبوله حتى و لو لم يحرز كونه حقّا.

و امّا الحديث المشهور فهو كما قال صاحب الوسائل رواه جملة من علمائنا في كتبهم الاستدلالية من دون ان يعرف له مستند غير ذلك(1).

أجل رواه الاحسائي في كتابه عوالي اللآلي ناسبا له للنبي صلّى اللّه عليه و آله(2)، و الكتاب المذكور ليس موردا للاعتماد.

و اما شهرة العمل به - على تقدير كونه حديثا - فهي لو تمّت كبرى و صغرى فلا يمكن التعويل عليها في المقام لاحتمال ان استنادهم إليه ليس لثبوت حجيته لديهم كحديث بل لأن مضمونه مضمون عقلائي لا يحتاج إلى رواية.

و اما حكم العقل فهو غير ثابت بعد احتمال اشتباه المقرّ في اقراره. على انه لا ينفع في موارد تراجع المقر و ادّعائه الخطأ في اقراره.

و اما الاجماع فلأنّه محتمل المدرك - بل جزمي المدرك - لاحتمال استناد المجمعين إلى المدارك السابقة، و هو انّما يكون حجّة من باب كاشفيته يدا بيد عن موافقة المعصوم عليه السّلام، و مع احتمال المدرك لا يجزم بكاشفيته المذكورة لاحتمال استناد المجمعين إلى المدرك - و معه يجب3.


1) وسائل الشيعة باب 3 من أبواب الاقرار حديث 2.

2) مستدرك الوسائل 369:13 باب 3 من أبواب بيع الحيوان حديث 3.

تقييم المدرك في نفسه بقطع النظر عن دعوى الاجماع - و ليس الى المعصوم عليه السّلام.

و المناسب ان يتمسك لتوجيه حجية الاقرار على النفس بالسيرة العقلائية المنعقدة على قبول الاقرار المذكور و الزام المقرّ به حتى مع تراجعه، و حيث انه لم يردع عنها فيستكشف امضاؤها.

هذا كلّه بالنسبة إلى مدرك قاعدة اقرار العقلاء.

و اما قاعدة من ملك شيئا فقد ملك الاقرار به فقد يستدل عليها بما يلي:

1 - ما ذكره الشيخ العراقي من ان السلطنة على ايقاع الشيء واقعا تلازم السلطنة على اثباته و الاخبار عنه، فالمسلط على بيع داره مثلا مسلّط على اثبات ذلك بالاخبار عن تحققه(1).

و فيه: ان الملازمة المذكورة ليست ثابتة عقلا - لإمكان التفكيك في نظر العقل - و لا شرعا.

أجل غاية ما يمكن ادعاؤه هو الملازمة العقلائية، بمعنى ان العقلاء يرون ان الشخص إذا كان من حقّه ثبوتا بيع داره فمن حقّه اثبات ذلك من خلال الاخبار عنه.

و هذا شيء له وجاهة و لكنّه بالتالي يرجع الى التمسّك بالسيرة العقلائية و ليس إلى الملازمة المذكورة.

2 - التمسك بما دلّ على عدم جواز اتهام الامين، كما في صحيحة مسعدة بن زياد عن جعفر بن محمّد عن أبيه عليهما السّلام: «ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله1.


1) القواعد الفقهية للسيد البجنوردي 7:1.

قال: ليس لك ان تتّهم من قد ائتمنته...»(1).

و فيه: ان ما ذكر يتم في مثل الوكيل الذي قد ائتمنه الموكل على القيام بتصرف معين و لا يتم في مثل الزوج إذا أخبر عن طلاق زوجته.

3 - التمسك بالسيرة العقلائية الجارية على ان الوكيل إذا أوكل إليه بيع دار أو طلاق زوجة و ما شاكل ذلك ثم جاء بعد فترة و أخبر بتحقق ذلك قبل منه. و هكذا إذا أخبر الزوج بطلاق زوجته أو صاحب الدار ببيعها أو وقفها أو هبتها قبل ذلك منه بلا مطالبة بالبيّنة. و هكذا الحال في كل من كان من حقه ايقاع تصرّف معين فانّه يقبل منه اخباره عن تحققه.

و فيه: ان السيرة المذكورة و ان كانت مسلمة في الجملة إلاّ انّها لا تدل على المطلوب، فان القبول في باب الوكالة يحتمل ان يكون اما من باب ان الوكيل تفترض وثاقته عادة و إلاّ لما اوكل إليه الأمر و من ثمّ يكون القبول من باب حجية خبر الثقة، أو من باب انّه قد ائتمن، و ليس لك ان تتهم من قد ائتمنته كما ورد في الصحيحة السابقة.

و هكذا الحال في اخبار الشخص عن طلاق زوجته أو الوصية بماله فانّه يقبل منه اما لوثاقته أو لكون المورد من موارد الاقرار على النفس.

و من ثمّ لا يمكن ان نخرج بنتيجة كليّة، و هي ان كل من ملك شيئا ملك الاقرار به، فان السيرة العقلائية لو تمّت - و لم نحتمل استناد العقلاء إلى قواعد اخرى - فهي خاصة بموارد خاصة و لا يمكن التعميم0.


1) وسائل الشيعة باب 4 من أبواب الوديعة حديث 10.

إلاّ بمقدار ما انعقدت عليه السيرة.

4 - و قد يتمسك بالإجماع المنعقد على التمسك بالقاعدة. قال الشيخ الأنصاري: «الانصاف ان القضية المذكورة في الجملة اجماعية، بمعنى انه ما من أحد من الأصحاب ممّن وصل إلينا كلامهم إلاّ و قد عمل بها في بعض الموارد بحيث يعلم انّه لا مستند سواها»(1).

و فيه: انه محتمل المدرك - لاحتمال استناد المجمعين الى السيرة أو غيرها من المدارك المتقدّمة - بل ان أصل تحققه غير محرز، فان أول من تمسك بالقاعدة في حدود علمنا هو الشيخ الطوسي و لا يعلم بتمسك من قبله بها.

و النتيجة التي نخرج بها هي ان ثبوت القاعدة المذكورة بنحو القضية الموجبة الكلية أمر غير ثابت بل لا بدّ من الاقتصار على المتيقن من السيرة العقلائية.

4 - استثناءات من قاعدة قبول الاقرار

تقدّم ان قاعدة اقرار العقلاء على أنفسهم جائز هي من القواعد التي انعقدت عليها سيرة العقلاء بيد انه يستثنى من ذلك بعض الموارد، كموارد الاتهام، كما لو فرض ان شخصا أقرّ بكونه سارقا و احتملنا ان غرضه من وراء ذلك قطع يده و من ثمّ اعفاؤه عن الخدمة العسكرية، ان الاقرار في مثل ذلك لا يكون نافذا لأن مدرك حجيته على ما تقدّم هو السيرة العقلائية، و هي خاصة بموارد عدم الاتهام.


1) رسالة من ملك الملحقة بآخر المكاسب.

كما و يستثنى من ذلك باب الزنا فان من أقرّ على نفسه بالزنا لا يحكم عليه به بل لا بدّ من اقراره بذلك أربع مرّات للروايات الخاصة في المجال المذكور.

5 - الاقرار بالدلالة الالتزامية

تارة يكون الاقرار بالدلالة المطابقية، كأن يقول شخص: الدار التي أسكنها هي لزيد، و اخرى يكون بالدلالة الالتزامية، كأن يقول الشخص. الدار التي أسكنها اشتريتها من زيد، فان ذلك يتضمن الاعتراف بكونها لزيد غايته يدّعي انتقالها منه إليه فيكون كلامه المذكور من الناحية الاولى حجّة عليه و ملزما به.

و هكذا لو قال أحد المتخاصمين للآخر في مال معين: بعنيه، فانه يستبطن الاعتراف بكونه للآخر فيكون ملزما بذلك.

و الوجه في الالزام بالاقرار التضمني في الحالات المذكورة هو السيرة العقلائية التي هي المدرك لحجية الاقرار فانها لا تفرق بين وجوه الاقرار.

6 - التفكيك في الاقرار الواحد

إذا ادّعى شخص ان المرأة الفلانية هي زوجتي فهذه الدعوى تستبطن من ناحية الاعتراف بوجوب الانفاق عليها و بحرمة التزوّج باختها و امّها و بنتها و بحرمة التزوّج بزوجة اخرى اضافة إليها لو كانت رابعة. هذا من ناحية. و من ناحية اخرى يتضمن الادّعاء المذكور وجوب تمكين نفسها منه و جواز النظر إليها و بحرمة الزواج بزوج آخر

غيره و ما شاكل ذلك.

و اللوازم المذكورة من الناحية الاولى تعدّ اقرارا من الشخص على نفسه بينما هي من الناحية الثانية تعدّ اقرارا منه لنفسه و ليس على نفسه.

و عليه يكون الشخص المذكور ملزما باللوازم المذكوره من الناحية الاولى لقاعدة «اقرار العقلاء على أنفسهم جائز» بينما لا يكون له الحق في تطبيقها من الناحية الثانية لعدم وجود المثبت لها، فان المثبت ليس إلاّ قاعدة الاقرار، و هي تختص بما يتضمن الاقرار على النفس دون ما يتضمن الاقرار للنفس.

و المستند في التفكيك المذكور هو السيرة العقلائية المنعقدة على التمسك بالقاعدة فانّها تفكك بين الآثار بالشكل الذي ذكرناه.

أجل يمكن ان يقال بالنسبة الى الانفاق بعدم الزامه به لأنّه ثابت في مقابل تمكين الزوج من نفسها فاذا لم يحصل التمكين لم يجب عليه الانفاق.

و من هذا القبيل أيضا ما لو قال شخص: زيد له عليّ ألف دينار كثمن للدار التي اشتريتها منه، فان هذا الكلام يتضمن ادعاءين: ادّعاء اشتغال ذمّته لزيد بألف دينار و ادّعاء عدم ملكية زيد للدار بالفعل، و هو من الناحية الاولى اقرار على النفس فيقبل و يلزم بدفع ألف دينار بينما من الناحية الثانية ليس هو اقرارا على النفس بل للنفس فلا يكون حجّة.

و يمكن ان يقال بأن زيدا ما دام لا يلزم بتسليم الدار إلى المدّعي فلا يكون المدّعي بدوره ملزما بتسليم الثمن بل له حق الامتناع من باب المقاصة.

7 - اختصاص القبول بموارد السلطنة الفعلية

لو فرض انّا قبلنا القاعدة الثانية، أي قاعدة من ملك و سلمنا انعقاد السيرة العقلائية عليها فلا بدّ من تخصيصها بموارد تحقق السلطنة فعلا، فلو فرض ان الزوج بعد انتهاء عدّة زوجته ادّعى اني رجعت قبل انتهائها لم يقبل ذلك منه لأنّه في هذه الحالة ليس مسلّطا فعلا على الرجوع ليقبل منه اخباره عن تحققه قبلا. و السيرة العقلائية ان لم يجزم بعدم انعقادها على القبول في هذه الحالة فلا أقل من الشك، و ينبغي الاقتصار على القدر المتيقن في موارد الدليل اللبي كما هو واضح.

و هكذا الحال بالنسبة الى الوكيل في بيع الدار مثلا فانه إذا اخبر بعد عزله عن الوكالة ببيعه للدار قبل العزل لم يقبل منه ذلك لما تقدّم نفسه.

8 - تطبيقات

1 - إذا ادّعى المسلم انّه أعطى الذمام للكافر فهل يمكن الحكم بلزوم تصديقه؟ و لما ذا؟

2 - إذا أقرّ شخص بكون شيء معيّن بيده ملكا لزيد ثم عقّبه بكونه ملكا لعمرو فما هو الموقف في الحالة المذكورة؟

3 - لو قال شخص لفلان عليّ مال و لم يشخّص ذلك المال فما هو موقف الحاكم في الحالة المذكورة؟

4 - لو قال شخص فلان يستحق عليّ درهما ثم تراجع عن اقراره

و ادّعى كونه مخطئا أو فسّره بما يخالف الظاهر فما هو الموقف في الحالة المذكورة؟

5 - لو دخلنا بيت شخص و قال: هذا المكان نجس فهل نصدّقه و لما ذا؟ و إذا قال: هذا طاهر فهل نصدّقه و لما ذا؟

6 - إذا كان شخص يسكن دارا و ادّعاها شخصان فتارة يكذبهما و يقول: هي لي، و اخرى يصدق احدهما، و ثالثة يقول: ليست هي لي من دون ان يقول هي لهما، و رابعة يقول: هي لهما، فما هو الموقف في الحالات المذكورة؟

7 - إذا قال شخص قد وهبت داري لزيد سابقا فلأي قاعدة يقبل قوله المذكور؟

8 - إذا قال شخص داري بعتها لزيد بألف دينار مثلا و قال زيد:

نعم يستحق عليّ الشخص المذكور ألف دينار مقابل الدار صدّقا في ذلك، و لكن هل يحتاج في تصديقهما إلى بيّنة أو يمين و لما ذا؟

9 - إذا رأينا رجلا و امرأة في خلوة و ادّعيا الزوجية بينهما فهل يصدّقان و لما ذا؟

10 - إذا قال شخص: هذا الكتاب الذي بيدي هو لزيد و قال: زيد ليس هو لي فما هو الحكم في هذه الحالة؟

قاعدة الفراش

اشارة

1 - مضمون القاعدة

2 - مدرك القاعدة

3 - ألفاظ حديث الفراش و معناه

4 - بم يتحقق الفراش

5 - مصاديق متعددة للفراش

6 - الدوران بين الفراشين

7 - القيافة و قاعدة الفراش

8 - أبو حنيفة و بعض آرائه

9 - تطبيقات

من القواعد المشهورة التي تسالم عليها جميع المسلمين قاعدة الفراش المستندة للحديث المشهور عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: «الولد للفراش و للعاهر الحجر».

و يشار إلى القاعدة المذكورة عادة في موردين: باب النكاح و باب اللعان.

اما باب النكاح فيذكر فيه ان الزوجة إذا تحقق منها الزنا أو وط‌ء الشبهة فالولد المتكوّن بعد ذلك يبقى ملحقا بالزوج و لا يجوز نفيه عنه لقاعدة الفراش.

و اما باب اللعان فيذكر فيه ان من ولد له ولد و كان يشك في نسبته إليه فلا يجوز له نفيه عنه لقاعدة الفراش و لكن لو جزم بأنّه ليس منه باعتبار انّه لم يواقعها طيلة الفترة فيلزمه نفيه عنه لئلاّ يلتحق بنسبه ما ليس منه، و لكن لا يحكم الحاكم بالانتفاء عنه ظاهرا إلاّ بعد اللعان، بأن يقول أمام الحاكم: أشهد باللّه اني لمن الصادقين فيما قلت

من نفي ولدها، مكررا ذلك أربع مرّات، ثم يقول بعد ذلك مرّة واحدة:

لعنة اللّه عليّ إن كنت من الكاذبين.

و إذا تمّت صورة اللعان هذه حكم بانتفاء الولد عن الزوج ظاهرا، و لا يتحقق بينهما بعد ذلك توارث و تنفسخ الزوجية و يزول الفراش.

هذا كلّه لو أمكن التحاق الولد به تطبيقا لقاعدة الفراش، اما إذا لم يمكن الالتحاق به - كما لو فرض ان الزوج كان في مكان و الزوجة في مكان آخر و ثبت لدى الحاكم عدم تحقق شيء بينهما سوى العقد - تحقق الانتفاء بدعواه بلا حاجة إلى لعان.

انه في هذين الموردين تذكر قاعدة الفراش و يتمسك بها و لكن كما هي العادة لا يشار إلى تفاصيلها و حدودها.

و نمنهج الحديث حولها ضمن النقاط التالية:

1 - مضمون القاعدة.

2 - مدرك القاعدة.

3 - ألفاظ حديث الفراش و معناه.

4 - بم يتحقق الفراش؟

5 - مصاديق متعددة للفراش.

6 - الدوران بين الفراشين.

7 - القيافة و قاعدة الفراش.

8 - أبو حنيفة و بعض آرائه.

9 - تطبيقات.

1 - مضمون القاعدة

يقصد بالقاعدة المذكورة ان الزوجة متى ما اولدت ولدا و لم يجزم بانتفائه عن الزوج فهو ملحق به و لا يحق له نفيه عنه لمجرّد عدم مشابهته له أو لغير ذلك من الأسباب. فكما ان الزوج لا يحق له نفي الولد عنه في صورة الجزم بكونه ولده كذلك لا يحق له ذلك حالة الشك و احتمال انّه ولده.

و بهذا يتّضح ان قاعدة الفراش هي كسائر القواعد المقررة حالة الشك، فكما ان قاعدة الطهارة تتضمن الحكم بالطهارة على كل شيء حالة الشك في طهارته كذلك قاعدة الفراش تحكم بالحاق الولد بالزوج حالة الشك في انتسابه له.

و لا ينبغي ان يفهم من القاعدة المذكورة الحكم بالحاق الولد بالزوج حتى في حالة عدم امكان الالتحاق به - كما إذا فرض تحقق العقد فقط و غياب الزوج عن الزوجة غيابا كاملا أو فرض ولادة الطفل قبل مضي فترة أقل الحمل أو بعد مضي أقصى فترة الحمل - كما ينسب ذلك إلى أبي حنيفة على ما سيأتي بل المقصود الحكم بذلك حالة الشك و امكان الانتساب.

2 - مدرك القاعدة

تستند القاعدة المذكورة الى الحديث المشهور عن النبي صلّى اللّه عليه و آله:

«الولد للفراش و للعاهر الحجر». و الحديث المذكور متفق بيننا و بين العامة على روايته عنه صلّى اللّه عليه و آله.

و قد روي عندنا في نصوص متعدّدة، كصحيحة سعيد الأعرج عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن رجلين وقعا على جارية في طهر واحد لمن يكون الولد؟ قال: للذي عنده لقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: الولد للفراش و للعاهر الحجر»(1).

و المقصود من قوله عليه السّلام: «للذي عنده»: المولى المالك للجارية، كما نبّه على ذلك الفيض الكاشاني في كتابه الوافي(2).

و في صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «ايّما رجل وقع على وليدة قوم حراما ثم اشتراها فادّعى ولدها فانه لا يورث منه شيء، فان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: الولد للفراش و للعاهر الحجر...»(3).

هذه بعض الأمثلة في رواياتنا.

و اما في أحاديث العامة فقد روى مسلم بسنده إلى عائشة:

«اختصم سعد بن أبي وقّاص و عبد بن زمعة في غلام فقال سعد: هذا يا رسول اللّه ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إليّ انّه ابنه، انظر إلى شبهه. و قال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول اللّه ولد على فراش أبي من وليدته، فنظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى شبهه فرأى شبها بيّنا بعتبة فقال: هو لك يا عبد، الولد للفراش و للعاهر الحجر...»(4).

و قد نقل أحمد بن حنبل في مسنده عن عبادة بن الصامت قسما7.


1) وسائل الشيعة باب 58 من أبواب نكاح العبيد و الاماء حديث 4.

2) الوافي 1407:23.

3) وسائل الشيعة باب 8 من أبواب ميراث ولد الملاعنة حديث 1. و لعل الأنسب في كلمة «شيء» ان تكون منصوبة أي «شيئا».

4) صحيح مسلم، كتاب الرضاع، باب 10 الولد للفراش و توقي الشبهات، حديث: 1457.

كبيرا من أقضية النبي صلّى اللّه عليه و آله، حيث قال ما نصّه: «ان من قضاء رسول اللّه ان المعدن جبار و البئر جبار و العجماء جرحها جبار... الى ان قال:

و قضى ان الولد للفراش و للعاهر الحجر...»(1).

و نصوصهم التي تنقل قاعدة الفراش كثيرة. و ما ذكرناه مثال لها.

و قصّة الطعن على معاوية على القائه الحديث المذكور في سلّة المهملات مشهورة، فان مطاعن الشخص المذكور و ان كان يصعب حصرها إلاّ ان أشهرها أربعة: حربه لأمير المؤمنين عليه السّلام، و قتله حجرا الذي هو من خيار أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله، و استخلافه ولده من بعده، و استلحاقه زيادا بأبي سفيان هاجرا بذلك حكم النبي صلّى اللّه عليه و آله بكون الولد للفراش و للعاهر الحجر(2).

و لا يراد بهذا الحكم أن زيادا ولد زنا ليقال كيف اذن نصّبه أمير المؤمنين عليه السّلام فترة خلافته أميرا على بعض بلاد الإسلام الأمر الذي يستلزم امامته لجماعة المسلمين في صلاتهم التي لا تجوز لولد الزنا، كلا لا يراد الحكم بأنّه ولد زنا و لا يمكن الحاقه بأبي سفيان ما دام ولد زنا و انّما يراد ان يقال ان مقتضى قاعدة الفراش الحاقه بوالده و زوج امّه لأنّه صاحب الفراش دون من زنا بها كأبي سفيان فان ذلك خلاف القاعدة المذكورة.

و بالجملة: الحديث المذكور يقطع بصدوره عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و لا حاجة للبحث عن سنده و ان كان تامّا أيضا اتفاقا.م.


1) قاعدة لا ضرر لشيخ الشريعة الاصفهاني: 19.

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد/فصل «أخبار متفرقة عن معاوية» 131:5 الطبعة المحقّقة من قبل محمّد أبي الفضل إبراهيم.

هذا هو المدرك للقاعدة المذكورة.

و اما الاجماع فلا يمكن التمسك به بعد كونه مستندا للحديث المذكور كما هو واضح.

3 - ألفاظ حديث الفراش و معناه

تطلق كلمة «الفراش» بالكسر على المرأة باعتبار ان الرجل يفترشها و لكن المقصود منها في الحديث صاحب الفراش، و هو الزوج أو المولى.

و العاهر هو الزاني من العهر بمعنى الزنا.

و المقصود من ثبوت الحجر للعاهر الكناية عن الخيبة و عدم ثبوت شيء له، فان العرب تقول: فلان له التراب أو الحجر تقصد بذلك الكناية عن خيبته و عدم ثبوت شيء له.

و ربما يحتمل كون المقصود الكناية عن الرجم و انه في حالة الزنا و الشك في انتساب الولد يلحق بصاحب الفراش و الزاني يرجم بالحجارة.

إلاّ ان المعنى الأوّل أرجح باعتبار ان حكم الزاني ليس هو الرجم بالحجارة دائما بل يختص ذلك بما إذا كان محصنا، و اما غير المحصن فحكمه الجلد.

4 - بم يتحقق الفراش

لا اشكال في كون المقصود من الفراش هو الزوج، و لكن بم يتحقق كونه فراشا و متى يصدق ذلك؟ فهل يكفي في تحقق ذلك مجرّد

تحقق العقد أو يلزم تحقق الدخول؟

ان في ذلك احتمالات:

أ - تحققه بمجرّد العقد و ان لم يتحقق بعده الدخول، فنفس العقد بمجرده كاف في تحقق عنوان الفراش و يوجب الحاق الولد بالزوج.

و ربما ينسب ذلك الى أبي حنيفة، فقد ذكر العيني في عمدة القارئ الذي هو شرح لصحيح البخاري: شذّ أبو حنيفة فيما إذا عقد شخص على امرأة و طلّقها عقيب النكاح من غير امكان الوط‌ء فاتت بولد لستّة أشهر من وقت العقد حيث ألحقه بالزوج. و هذا خلاف ما جرت به عادة اللّه من ان الولد انّما يكون من ماء الرجل و المرأة(1).

ب - تحقّقه بالعقد و امكان الوط‌ء. و ربما ينسب ذلك إلى الشافعي و احمد.

ج - تحققه بالعقد و الدخول بالفعل. و ينسب ذلك الى مذهب ابن تيمية(2).

هذا و الأنسب ان يقال: ان المدار في تحقّق الفراش على العقد و امكان تحقّق الحمل من الزوج، فلو فرض ان الزوج لم يدخل بزوجته و لكنه أراق منيّه على فرجها كفى ذلك في تحقق الفراش و الحاق الولد به.

و الوجه في ذلك: ان كلمة الفراش و ان كان يراد بها الزوج، و مقتضى اطلاق الحديث كفاية تحقق العقد في الالحاق بالزوج كما هو المنسوب إلى أبي حنيفة إلاّ ان من الواضح ان القاعدة المذكورة قاعدة7.


1) عمدة القارئ 110:11.

2) زاد المعاد على هامش شرح الزرقاني لابن القيم 363:7.

شرّعت في حالات الشك في الانتساب، إذ مع الجزم بالانتساب الى الزوج فلا معنى لأن يعبّدنا الشارع بالالحاق به لأنّه تعبّد بما هو معلوم بالوجدان، و هكذا لا معنى للتعبّد مع الجزم بعدم امكان الالتحاق بالزوج - لكونه في حبس أو مكان بعيد لا يمكن ان يصل معه إليها - إذ لا يمكن التعبّد بما يجزم ببطلانه، فانّه تعبّد مرفوض عقلا و عقلائيا فيتعيّن بذلك كون المقصود التعبّد بالالحاق بالزوج في الحالات التي يمكن فيها الانتساب إليه، و من الواضح أن إمكان الالتحاق بالزوج لا يكفي فيه مجرّد العقد كما لا يلزم فيه تحقق الدخول بل يكفي امكان حصول التلقيح من ماء الرجل و لو مع الجزم بعدم تحقّق الدخول.

5 - مصاديق متعددة للفراش

لا اشكال في تحقق الفراش بالعقد الدائم، و ذلك هو القدر المتيقن منه. و لكن ليس ذلك هو المحقق الوحيد له بل يتحقق أيضا بالعقد المنقطع و بالملك، فان عنوان الفراش يصدق في الحالتين المذكورتين حقيقة.

هذا مضافا الى صحيحة سعيد الأعرج المتقدّمة حيث دلّت على ان الجارية المملوكة لمولاها إذا وطئها اثنان في طهر و حملت كان الطفل لمولاها التي هي عنده.

و هل يكفي في تحقق الفراش تحليل المولى جاريته لشخص فترة؟ نعم ذلك وجيه باعتبار ان التحليل سبب لحلية الجارية كالعقد و الملك و لا فرق بينهما، فكما يتحقق الفراش و يصدق بهما كذلك يتحقق بالتحليل.

و قد تسأل عن وط‌ء الشبهة هل يكفي في تحقق عنوان الفراش؟

و الجواب: تارة يفرض ان المرأة لها زوج و وطئها فترة الزوجية شخص آخر شبهة، و اخرى يفترض عدم وجود زوج لها و وطئها شخصان أحدهما شبهة و الآخر بالزنا.

اما في الحالة الاولى فالولد ملحق بالزوج دون الواطئ شبهة لأن عنوان الفراش صادق على الزوج دون الواطئ شبهة.

و إذا قيل: ان حديث الولد للفراش يريد الحاق الولد بالزوج في الحالات التي يكون فيها أمر الولد مرددا بين كونه متولّدا من الزوج أو متولّدا من الزنا و ليس بناظر لحالة دوران أمره بين كونه من الزوج أو من الواطئ شبهة.

و القرينة على نظر الحديث لما ذكر تعبيره في الجملة الثانية بجملة «و للعاهر الحجر»، فان المراد من العاهر خصوص الزاني و لا يعمّ الواطئ بالشبهة.

قلنا: هذا صحيح و لكن المفهوم من الحديث ان الولد متى ما أمكن الحاقه بالفراش يلزم الحاقه به سواء كان المقابل هو احتمال التولد من الزاني أو احتمال تولده من الواطئ بالشبهة و لا يفهم العرف الخصوصية لكون الاحتمال المقابل هو التولد من الزنا.

و اما في الحالة الثانية فيمكن ان يقال بلزوم الاقتراع لتشخيص انتساب الولد لان احتمال تولده من كل منهما موجود، و عنوان الفراش لا يصدق على أحدهما.

نعم إذا فرض صدق عنوان الفراش على الواطئ شبهة الحق به، كما لو فرض ان امرأة كان لها زوج فترة سنوات و بعد ذلك اتضح انّه

اخوها من الرضاع فلا يبعد صدق عنوان الفراش عليه و يكون الولد ملحقا به عند زنا شخص بتلك المرأة.

6 - الدوران بين الفراشين

إذا فرض ان امرأة طلّقها زوجها الأول و تزوجت بآخر بعد انتهاء العدة و ولدت طفلا بعد زواجها بالثاني فهل يلحق الطفل بزوجها الأوّل أو بزوجها الثاني؟ ان لذلك أربع صور:

الاولى: ان يفترض امكان الحاقه بالأول و لا يمكن الحاقه بالثاني، كما إذا كانت ولادتها لأقل من ستة أشهر من حين وط‌ء الثاني مع عدم تجاوز أقصى فترة الحمل من حين وط‌ء الأول.

انه في مثل ذلك يلزم الحاقه بالأول لفرض عدم امكان الحاقه بغيره و يستكشف بطلان نكاح الثاني لوقوعه في العدة إذ تكون المرأة المذكورة حاملا من الأوّل حين تزوّجها بالثاني، و عدّة الحامل تنقضي بالولادة و من ثمّ يكون تزوجها بالثاني زواجا في العدة، و العقد على ذات العدّة مع الدخول موجب لحرمتها المؤبدة و لو مع الجهل.

الثانية: ان لا يمكن الحاقه بالأوّل بينما يمكن الحاقه بالثاني عكس الصورة السابقة، كما إذا فرض ان الولادة تحققت بعد مضي أقصى فترة الحمل من حين وط‌ء الأوّل، بينما يفترض الفترة من حين وط‌ء الثاني ليست أقل من فترة أقل الحمل و لا أكثر من فترة أقصى الحمل.

و في مثل ذلك يتعيّن الالحاق بالثاني بعد عدم امكان الالحاق بالاول.

الثالثة: ان لا يمكن الحاقه باحدهما، كما إذا كانت الفترة بين الولادة و وط‌ء الأول أزيد من فترة أقصى الحمل و بينها و بين وط‌ء الثاني أنقص من فترة أقل الحمل.

و في مثل ذلك يكون منتفيا عنهما معا لعدم امكان الحاقه بهما.

و لكن ذلك لا يعني كونه من زنا لاحتمال دخول المني فيها بشكل آخر و هي لا تدري فتكون هي امّا له بلا أب.

الرابعة: ان يفترض امكان الحاقه بهما. و في مثله يكون المناسب سقوط القاعدة في حقهما للمعارضة.

إلاّ انّه قد يقال بالالحاق بالثاني لأن ظاهر جملة «الولد للفراش» كونه تابعا للفراش الفعلي، و حيث ان الفراش الفعلي هو الثاني فيلزم الالحاق به.

و فيه: ان الظهور المذكور مسلّم إلاّ ان المدار في فعلية الفراش على فعليته حين تحقق الوط‌ء لا حين تحقق الولادة، و من الواضح انه في زمان وط‌ء الأوّل كان هو الفراش الفعلي و في زمان وط‌ء الثاني كان هو الفراش الفعلي.

و عليه فالالحاق بالثاني من هذه الجهة مشكل.

و الأنسب التمسك لذلك بموثق أبي العباس قال: «إذا جاءت بولد لستة أشهر فهو للأخير و ان كان لأقل من ستة أشهر فهو للأوّل»(1).2.


1) وسائل الشيعة باب 17 من أبواب أحكام الأولاد حديث 12.

7 - القيافة و قاعدة الفراش

القيافة تعني ملاحظة وجوه الشبه بين اثنين في اليد أو الرجل و نحوهما ليحكم بأن هذا ابن ذاك أو أخوه مثلا.

و المشهور بين الفقهاء حرمتها فيما إذا قصد ترتيب أحكام النسب بعد ملاحظة وجوه الشبه.

و يكفي لإثبات حرمتها ان العمل على طبقها يستلزم طرح قاعدة الفراش التي جعلها الشارع الميزان الوحيد في الحكم بالنسب عند الشك.

هذا و لكن توجد روايات قد يفهم منها جواز القيافة نذكر منها روايتين:

الاولى: ما ورد في قصة استسلام الامام الرضا عليه السّلام للقافة في قضية ولده الامام الجواد عليه السّلام، فقد روى الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه و علي بن محمد القاساني جميعا عن زكريا بن يحيى بن النعمان الصيرفي قال: «سمعت علي بن جعفر يحدّث الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين فقال: و اللّه لقد نصر اللّه أبا الحسن الرضا عليه السّلام فقال له الحسن: إي و اللّه جعلت فداك لقد بغى عليه اخوته فقال علي بن جعفر:

اي و اللّه و نحن عمومته بغينا عليه، فقال له الحسن: جعلت فداك كيف صنعتم فاني لم أحضركم؟ قال: قال له اخوته و نحن أيضا: ما كان فينا امام قطّ حائل اللون؛ فقال لهم الرضا عليه السّلام: هو ابني، قالوا: فان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قد قضى بالقافة فبيننا و بينك القافة، قال: ابعثوا أنتم اليهم فامّا أنا فلا و لا تعلموهم لما دعوتموهم و لتكونوا في بيوتكم. فلما جاؤوا

أقعدونا في البستان و اصطفّ عمومته و اخوته و اخواته و أخذوا الرضا عليه السّلام و ألبسوه جبّة صوف و قلنسوة منها و وضعوا على عنقه مسحاة و قالوا له: ادخل البستان كأنّك تعمل فيه، ثم جاؤوا بأبي جعفر عليه السّلام فقالوا: ألحقوا هذا الغلام بأبيه فقالوا: ليس له هاهنا أب و لكن هذا عمّ أبيه و هذا عمّ أبيه و هذا عمّه و هذه عمّته و ان يكن له هاهنا أب فهو صاحب البستان فان قدميه و قدميه واحدة فلما رجع أبو الحسن عليه السّلام قالوا: هذا أبوه...»(1).

و لأجل هذا الخبر خالف صاحب الحدائق المشهور في مسألة القيافة و اختار جوازها باعتبار انّه عليه السّلام أجابهم إلى ما سألوا و لو كان ذلك محرّما لما أجابهم إلى ذلك، و كيف يجيب عليه السّلام الى محرم، مضافا الى انّهم نقلوا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قضاءه بالقافة و هو عليه السّلام لم يكذّبهم بل قررهم على ذلك(2).

الثانية: ما روي في كتب العامة مكرّرا عن عائشة: «ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله دخل عليّ مسرورا تبرق أسارير وجهه فقال: أ لم تري ان مجزّزا نظر آنفا الى زيد بن حارثة و اسامة بن زيد فقال: ان بعض هذه الأقدام لمن بعض»(3).

و كأن الوجه في التشكيك في نسبة اسامة إلى زيد ان زيدا أبيضم.


1) اصول الكافي 322:1.

2) الحدائق الناضرة 183:18.

3) صحيح مسلم باب 11 من كتاب الرضاع حديث 1459 و البخاري في باب القائف من كتاب الفرائض 105:4 و أبو داود السجستاني في كتاب الطلاق من سننه 280:2 و غيرهم.

اللون بينما اسامة شديد السواد لأنّ امه أم أيمن كانت حبشية سوداء.

و استرّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لأنّ شهادة مجزز القائف الذي كان يجزّ ناصية الاسراء في الجاهلية - و من هنا سمّي بمجزّز - أزالت ذلك.

و السرور المذكور و ركونه صلّى اللّه عليه و آله الى شهادة القائف يدل على جواز القيافة و الاستناد إليها.

و كلتا الروايتين كما ترى.

اما الاولى فلأنّها ضعيفة بزكريا الصيرفي الراوي لها فانّه مجهول الحال. و مضمونها لا يمكن قبوله إذ كيف يحتمل وصول المستوى بأعمام الامام عليه السّلام و اخوته الى حدّ لا وازع لهم من ابراز مخدراتهم - بنات النبوّة و الامامة - أمام القائف ناظرا في أرجلهن.

و كيف يحتمل ذلك في حق علي بن جعفر الذي كان يقدّس مقام الامامة إلى حدّ بعيد، فقد روى الكليني بسنده إلى محمّد بن الحسن بن عمار: «كنت عند علي بن جعفر بن محمّد جالسا بالمدينة و كنت أقمت عنده سنتين أكتب عنه ما يسمع من أخيه - يعني أبا الحسن عليه السّلام - إذ دخل عليه أبو جعفر محمد بن علي الرضا عليه السّلام المسجد - مسجد الرسول صلّى اللّه عليه و آله - فوثب علي بن جعفر بلا حذاء و لا رداء فقبّل يده و عظّمه فقال له أبو جعفر عليه السّلام: يا عم اجلس رحمك اللّه فقال:

يا سيدي كيف أجلس و أنت قائم، فلما رجع علي بن جعفر الى مجلسه جعل أصحابه يوبّخونه و يقولون: أنت عمّ أبيه و أنت تفعل به هذا الفعل، فقال: اسكتوا إذا كان اللّه عزّ و جلّ - و قبض على لحيته - لم يؤهّل هذه الشيبة و أهّل هذا الفتى و وضعه حيث وضعه انكر فضله! نعوذ باللّه ممّا

تقولون بل أنا له عبد»(1).

و اما الرواية الثانية فلو ثبت صحّة سندها و فرض نزول تحريم القيافة تلك الفترة فيمكن ان يقال: ان سرور النبي صلّى اللّه عليه و آله كان للنتائج التي توصّل اليها مجزز، و هي نفي التشكيك عن نسب اسامة و ذلك ليس فيه أي دلالة على امضاء القيافة و فعل القائف.

8 - أبو حنيفة و بعض آرائه

عرفنا فيما سبق ان قاعدة الفراش شرعت أمارة حالة الشك في الانتساب و لم تشرّع لإثبات الانتساب الى الزوج تعبّدا حتى مع الجزم بعدم الانتساب إليه.

هذا و لكن المنسوب الى أبي حنيفة ان حيثية الفراش تتحقق بمجرّد العقد و لو لم يتحقق دخول و أنتج ذلك نتائج غريبة التزم بها و بنى عليها اشار الى بعضها ابن قدامة في المغني منها:

أ - إذا غاب الزوج غيبة طويلة و بلغ الزوجة خبر وفاته فاعتدت ثم تزوّجت بآخر و جاءت منه بأولاد ثم جاء زوجها الأول فالعقد الثاني باطل و يلحق الأولاد بالأول لأنّه صاحب الفراش.

ب - لو تزوج مشرقي بمغربية و لم يجتمعا أصلا و جاءت بولد لستة أشهر من حين العقد الحق بالزوج حتى لو طلّقها عقيب العقد بلا فاصل.

ج - لو تزوج رجلان اختين و زفت كل واحدة الى زوج الاخرى


1) اصول الكافي 322:1.

اشتباها و وطئ كلّ منهما من زفّت إليه و حملت فالولد للزوج الأصلي تطبيقا لقاعدة الفراش(1).

و الانتهاء الى مثل هذه النتائج ليس بغريب بعد ما نقل ابن حزم في المحلى: من عجائب الدنيا ابطال أبي حنيفة الحج بوط‌ء الرجل امرأته ناسيا لإحرامه و قد صح ان اللّه تعالى لا يؤاخذ بالنسيان ثم لا يبطل الحج بتعهد القصد إلى ان يلوط في احرامه أو يلاط به، فهل في الفضائح و القبائح أكثر من هذه المعصية و أعجب شيء دعواهم الاجماع عليه(2).

و فتواه في عدم لزوم قتل اللائط متأوّلا في ذلك الأحاديث الدالّة على لزوم قتل الفاعل و المفعول به بحملها على المستحل أو على أمر سياسي قد تناقلتها كتب علماء الحنفية(3).

9 - تطبيقات

1 - امرأة متزوجة زنا بها شخص و ولدت طفلا يشابه الزاني تماما و اجريت الفحوصات و تحاليل الدم فلوحظ الشبه الكامل في الدم و غيره بين الزاني و الطفل فبمن يلحق؟

2 - امرأة لها زوج لا ينجب زرّقت بحيامن شخص آخر و حملت بمن يلحق الطفل؟


1) المغني لابن قدامة 431:7.

2) المحلى لابن حزم 186:7 مسألة 850.

3) كالبحر الرائق 16:5، و فتح القدير 150:4، و بدائع الصنائع 35:7، و الميزان للشعراني 135:2.

3 - شخص لم يجامع زوجته من القبل و زرّقت لها حيامن شخص آخر أو زنا بها آخر و حملت بمن يلحق الحمل؟

4 - شخص كان يجامع زوجته عازلا عنها المني أو كان يستعمل الكيس أو تتناول هي الاقراص و حملت فلمن الحمل بعد افتراض ان شخصا زنا بها أو وطئها شبهة؟

5 - شخص أجرى لنفسه عملية جراحية منعته بعد ذلك من الانجاب فلو حملت زوجته بعد ذلك - بعد فرض زنا شخص آخر بها - فبمن يلحق الطفل؟

6 - إذا وطئ شخصان بالشبهة امرأة فولدت فبمن يلحق الطفل؟


تمّ بتوفيق اللّه سبحانه مراجعة كتابنا المذكور في مدينة قم المقدّسة يوم 26 /ذي الحجّة/ 1417 ه. و نسأله تعالى أن يتقبّل ذلك منّا بلطفه و كرمه انّه الجواد الكريم.

باقر الايرواني