ghaemiyeh.com
سرشناسه:اصفهاني، محمدحسين، ۱۳۲۰ - ۱۲۵۷
عنوان و نام پديدآور:بحوث في الاصول يحتوي علي: ۱ - الاصول علي النهج الحديث ۲- الطب و الاراده ۳- الاجتهاد و التقليد/ تاليف محمدحسين الاصفهاني
مشخصات نشر:[قم]: جماعه المدرسين بقم، موسسه النشر الاسلامي، ۱۴۰۹ق. = ۱۳۶۸.
مشخصات ظاهري:ص ۲۰۰
فروست:(جامعه مدرسين حوزه علميه قم. دفتر انتشارات اسلامي؛ ۵۲۲- ۴)
شابك:بها:۱۶۵۰ريال
يادداشت:چاپ دوم: ۱۴۱۶ق. = ۱۳۷۴؛ بها: ۶۵۰۰ ريال
يادداشت:كتابنامه بهصورت زيرنويس
موضوع:اصول فقه شيعه
شناسه افزوده:جامعه مدرسين حوزه علميه قم. دفتر انتشارات اسلامي
رده بندي كنگره:BP۱۵۹/۸/الف۶ب۳ ۱۳۶۸
رده بندي ديويي:۲۹۷/۳۱۲
شماره كتابشناسي ملي:م۶۸-۳۵۹۸
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على خير خلقه و سيد رسله محمد و آله الطاهرين.
مقدّمة في الاجتهاد و التقليد و العمل بالاحتياط و فيها فصول ثلاثة:
و هو تحصيل الحجة على الحكم الشرعي عن ملكة دون ملكة استنباط الحكم و لو لم يستنبط فعلًا أصلًا، إذ المراد بالملكة هنا هي القوّة الحاصلة للنفس على استنباط الحكم من دليله بسبب معرفة العلوم الدخيلة في الاستنباط، و مثلها دائماً متقدمة على الاستنباط، إذ يستحيل حصوله بدونها، و ليست كسائر الملكات الحاصلة أحياناً بمزاولة الأفعال التي تعدّ من آثار تلك الملكات كالشجاعة الحاصلة أحيانا بمزاولة الحروب و الإقدام و الإحجام، و من البيّن أنّ مجرد القدرة الحاصلة للنفس بسبب معرفة جملة من العلوم النظرية ليست موضوعاً
لحكم من الأحكام المتعلقة بالمجتهد، بل الموضوع هو الفقيه أو العارف بالأحكام و الناظر في الحلال و الحرام و أشباه ذلك، و لا تصدق العناوين المزبورة في زمان الغيبة إلا على من كانت له الحجة على أحكامهم عليهم السلام كما سيجيء إن شاء اللّه تعالى.
: لا فرق في تحقق الاجتهاد بالمعنى المراد بين أفراد الحجة على الحكم سواء كان مقتضاها العلم بالحكم الشرعي الفعلي كالعلم و العلمي بناءً على جعل الحكم المماثل أم لا، كما إذا قلنا بأنّ مقتضى حجية الأمارات سنداً و دلالة تنجيز الواقع كالظنّ الانسدادي على الحكومة، لصدق العلم و المعروفة على مطلق الحجة القاطعة للعذر، فيصدق العارف بالأحكام على من كانت له الحجة على أحكامهم عليهم السلام، و قد أطلقت المعرفة على الاستفادة من الظواهر كما في قوله عليه السلام: «يعرف هذا و أشباهه من كتاب اللّه»(1).
و قوله عليه السلام: «أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا»(2)فانّ غاية ما هناك هي الاستفادة من ظاهر اللفظ أو بضميمة القرينة، مع وضوح أنّ حجية الظواهر ببناء العقلاء بمعنى تنجيز الواقع و صحة الاحتجاج بها دون جعل الحكم المماثل من العرف، و كذا الأمر لو كان دليل حجية خبر الثقة بناء العقلاء كما هو التحقيق، فقوله عليه السلام: «و عرف أحكامنا» بعد قوله:
«روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا»(3)ظاهر في أنّ منشأ المعرفة بالحكم رواية الحديث من حيث السند و النّظر في مقتضاه من حيث الدلالة، فله الحجة على الحكم سنداً و دلالة، بل الظاهر من قوله تعالى: «فسألوا أهل الذّكر إن
كنتم لا تعلمون»(1)هو الأمر بالسؤال ليعلموا بسبب الجواب لا بأمر زائد، و لذا قلنا إنّه دليل حجية الرواية أو الفتوى، و عليه فيكون المعلوم هو نفس ما سئل عنه لا الحكم المماثل للمسئول عنه، فلا يكون العلم بما سئل عنه إلا من جهة حجية الجواب، فإطلاق العلم على الحجة كثيراً مما يدل على صدق العلم و المعرفة على مجرد الحجة القاطعة للعذر.
و منه يظهر أنّه لا حاجة إلى ما تكلّفه شيخنا العلّامة(2)رفع اللّه مقامه في الجواب عن خصوص الحجة الشرعية بأنّ المجتهد عالم بموارد قيام الحجة، مع أنّ اللازم هو العلم بأحكامهم عليهم السلام لا العلم بموارد قيام الحجة على أحكامهم سلام اللّه عليهم.
كما أنّه ظهر عدم الفرق بين الحجة الشرعية و العقلية، إذ المناط في صدق المعرفة بحكمهم عليهم السلام وجود الحجة على حكمهم عليهم السلام لا وجود الحجة من قبلهم على حكمهم عليهم السلام، فإنّه بلا موجب بعد إرادة الحجة القاطعة للعذر من العلم و المعرفة و بقية الكلام في محله.
: لا فرق في الاجتهاد بين المطلق و التجزي فيما يترتب عليه بالإضافة إلى المجتهد أو مقلده. و قد وقع الخلاف في إمكان الثاني و في ترتيب الأثر عليه.
و الحق إمكانه و صحة ترتيب الأثر عليه مطلقاً.
أمّا إمكانه فقد فصّلنا القول فيه في الأصول، و ملخّصه أنّ الموهم لامتناعه أنّ الملكة بسيطة و البسيط لا يتجزأ و إلا لزم الخلف. و الجواب أنّ جميع الصفات النفسانيّة بسائط مع أنّها قابلة للاشتداد و للزيادة و النقص كما في العلم الّذي هو أجلّ الصفات النفسانيّة، و من الواضح أنّ معرفة بعض العلوم
النظرية توجب قدرة للنفس على تحصيل ما يناسبها من الأحكام كالأحكام المترتبة على المبادئ العقلية بالإضافة إلى القدرة الحاصلة من معرفتها، و معرفته لبعض آخر من العلوم توجب قدرة أُخرى على تحصيل جملة أُخرى تناسبها كالأحكام المترتبة على المبادئ اللفظية و إن كانت كل قدرة في حد ذاتها بسيطة، و النّفس لتجردها و بساطتها لا تأبى عن قيام بسائط كثيرة أو شديدة بها. و بقية الكلام في محلّه.
و أمّا صحّة ترتيب الأثر عليه بالإضافة إلى نفسه فلصحة توجه أدلة الأحكام الأُصولية إليه، لصدق عنوانها عليه، فانّه الّذي جاءه النبأ أو تيقن و شكّ، و لتمكنه من الأخذ بالخبر و دفع معارضاته و قدرته على الترجيح و التخيير، فلا موجب لاختصاصها بالمطلق القادر على أُمور أُخر لا ربط لها باستنباط طائفة من الأحكام عن مداركها.
و أمّا جواز ترتيب الأثر عليه من غيره من جواز تقليده أو نفوذ حكمه، فلأنّ قضية الفطرة و السيرة لا يعقل اختلافها بعد ما هو المعلوم من ملاكها و هو كون الشخص عالماً فيما يرجع إليه سواء علم غيره مما لا دخل لعلمه به أم لا، و أمّا الأدلة اللفظية فلا ريب في لزوم اعتبار مقدار من العلم بالأحكام بحيث يصدق عليه أنّه عالم أو فقيه سواء كان ذا ملكة مطلقة أم لا، و مع عدم العلم الفعلي رأساً أو بمقدار لا يصدق أنّه فقيه أو عالم لا يجوز تقليده و إن كان صاحب الملكة المطلقة.
و توهّم أنّ الملكة المطلقة لا تحصل عادة إلا باستنباط جملة معتد بها من الأحكام فلا محالة يصدق على المتصف بها الفقيه و العالم دون المتجزي، مدفوع بأنّ ملكة استنباط كل حكم لا بدّ من حصولها قبله، و لا يعقل أن تحصل عن استنباط الأجنبي عنه، بل تحصل عن العلوم التي هي كالمبادئ لها، فدعوى صدق الفقيه على المتمكن من استنباط الجميع دون غيره بلا وجه، لظهور كل
معنى في الفعلية، فلا تعم أدلة جواز الرجوع إلى العارف و الفقيه صاحب الملكة المطلقة العارية عن فعلية الاستنباط رأساً أو بمقدار غير معتدّ به، لعدم صدق الفقيه و العارف بالأحكام.
و عدم جواز تقليده في عمل نفسه لغيره لتمكّنه من الأخذ بالأحكام عن مداركها، فلا تعمّه أدلة جواز التقليد كما سيجيء إن شاء اللّه تعالى.
و مما ذكرنا تعرف حال المتجزي من حيث نفوذ حكمه، بل لعله الظاهر من قوله عليه السلام في مشهورة أبي خديجة حيث قال عليه السلام: «انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا ...» الخبر(1). فانّ الظاهر أن يعلم شيئاً معتدّاً به لا شيئاً واحداً لمكان صدق النكرة عليه، و بقية الكلام في محله.
: بعض الأحكام يختص بالمجتهد بما هو كجواز الإفتاء و القضاء و نحوهما، و بعضها الآخر و إن كان في حد ذاته يعم المجتهد و المقلّد لكنه أخذ في عنوانه ما يوجب عدم فعلية الحكم إلا بالنسبة إلى المجتهد، فاشتراك الحكم لا ينافى اختصاصه بحسب الفعلية لفعلية عنوان موضوعه في المجتهد، فانّه الّذي جاءه النبأ أو الخبران المتعارضان و هو المتيقن بالحكم الكلي و الشاك في بقائه، فهو المأمور فعلًا بتصديقه تعييناً أو تخييراً، و هو المكلّف بعدم نقضه و عليه إبقاؤه، مضافاً إلى اختصاصه بالتمكّن الفعلي من التمسك به ترجيحاً أو تخييراً، و من تنقيح مجاري الأُصول و له الخبرة بتطبيقها على مصاديقها. نعم بعد استفادة الحكم أيّا ما كان يشترك المجتهد و المقلد في العمل به.
فان قلت: إذا كان للخبر مثلا مساس عملًا بالمجتهد، صحّ أن يكون حجة في حقّه، لكنه لا معنى لاشتراك المقلّد معه في مدلوله، لأنّ المفروض أنّ هذا الحكم الواحد صار فعلياً بالإضافة إلى المجتهد لفعلية عنوان موضوعه فيه، و دليل
1) الوسائل: ج 18، باب 1 من أبواب صفات القاضي، ح 5.
الحجية لا يتكفل حكمين يختص أحدهما بالمجتهد و يعم الآخر المجتهد و المقلّد، بل حكماً واحداً مماثلًا لمؤدّى الخبر بعنوان تصديق العادل، و إذا لم يكن للخبر مساس عملًا بالمجتهد فلا وجه لحجيته أصلًا، أمّا بالإضافة إلى المجتهد فلفرض عدم المساس به عملًا، فلا معنى لجعل الحكم المماثل و توجيهه إلى المجتهد، و أمّا بالإضافة إلى المقلد فلفرض عدم تحقق عنوان موضوعه للمقلّد فكيف يكون الحكم بالإضافة إليه فعلياً؟.
قلت: إضافة الحجة إلى المجتهد لا توجب إضافة مدلولها إليه حقيقة، فانّ مقتضى أدلة جواز الإفتاء و الاستفتاء أنّ قيام الخبر عند المجتهد و ترجيحه أو تخيره و استفادة الحكم منه بمنزلة قيامه عند المقلد و ترجيحه أو تخيره و استفادته منه، فالمجتهد بأدلة جواز التقليد نائب عن المقلد في كلّ ذلك: فالمجتهد و إن كان بحسب عنوان الدليل هو المحكوم بالأخذ و الترجيح و التخيير، إلا أنّه كذلك من حيث النيابة عن المقلد، و الحكم العملي الّذي هو لب وجوب تصديق العادل متعلّق بالمقلد، و هكذا الأمر في وجوب إبقاء المتيقن، فانّ يقين المجتهد و شكه في بقاء الحكم الكلي بمنزلة يقين المقلّد و شكه، فهو المحكوم بالإبقاء عنواناً و المقلّد محكوم بالعمل حقيقة، و كذا الأمر بناءً على عدم جعل الحكم المماثل و كون الحجية بمعنى تنجيز الواقع، فانّ قيامه عند المجتهد بأدلة التقليد قيامه عند المقلّد، فينجز الواقع على المقلد بعد الإفتاء به.
و مما ذكرنا تبيّن حال الحجة العقلية و الأُصول العقلية، فانّ العامي حيث إنّه ليس له الخبرة بحقائقها و مجاريها و تطبيقها على مصاديقها و إمكان تصرّف الشارع في مواردها نفياً و إثباتا، فلا محالة يناط الحكم في كل ذلك بنظر المجتهد، و فرض استقلال عقل العامي بخلاف ما استقل به عقل المجتهد، كفرض قطع العامي بخلاف ما أفتى به المجتهد من الأحكام الشرعية، فانّه لا بدّ له من اتّباع عقله و قطعه، لكنه خارج عن محل الكلام، و بقية الكلام في
الأصول
: إذا تبدل رأي المجتهد فلا شبهة في لزوم ترتيب الأثر على الرّأي الجديد بالإضافة إلى الأعمال اللاحقة، و أمّا بالإضافة إلى الأعمال السابقة فهل تنتقض آثارها أم لا؟ محل الخلاف، و المسألة محررة في الأصول مستقصى.
و ملخصه أنّ الحق هو الانتقاض بمقتضى الأصول و القواعد و مقتضيات أدلة الحجج و الأمارات.
أمّا الأصول: فلاستصحاب بقاء التكليف الواقعي إلى زمان كشف الخلاف، و عدم فعلية التكليف قبل انكشاف الخلاف لا يمنع عن فعليته بوصوله بالاستصحاب، فإنّ الإنشاء بداعي البعث يكون فعليا بالوصول سواء كان مترتبا على الموضوع بذاته أم بعنوان آخر، فكما أنّ الخبر مع حكايته عن الإنشاء المزبور يبلغه إلى مرتبة الفعلية بملاحظة جعل الحكم المماثل على طبق مؤدّاه، فانّ فعلية التكليف الواقعي بالتعبّد ليست إلا بملاحظة فعلية الحكم المماثل الواصل بالحقيقة، كذلك جعل الحكم المماثل على طبق المتيقن سابقاً، فانّ نفس المجعول و إن كان مجرد الإنشاء بداعي البعث إلا أنّه بوصوله حقيقة صار فعلياً و تنسب الفعلية إلى الواقع بالعرض، فلا يتوهم أنّ التكليف الواقعي بما هو لا أثر له، فكذا مماثله، فانّ عدم الأثر بعدم الوصول، و مع وصول المماثل لا وجه لنفي الأثر عنه، و لا مجرى لاستصحاب عدم فعلية التكليف الثابت قبل انكشاف الخلاف، فانّ عدم فعليته بعدم وصوله، و بعد ثبوته بالاستصحاب و فعلية الواصل عقلا لا معنى للشك في الفعلية.
و أمّا القواعد: فلقاعدة الاشتغال، فانّ العلم بالتكليف في حال الجهل و إن لم يبلغه إلى مرتبة الفعلية حال حدوثه، لكنّه يبلغه إلى مرتبة الفعلية و التنجّز بقاءً على تقدير ثبوته واقعاً فعلًا، فيكون حال العلم حال الحجة
الشرعية القائمة على وجوب شيء واقعاً، بناء على أنّ الحجية بمعنى تنجيز الواقع، فكما أنّها تنجزه على تقدير ثبوته فيحكم العقل باستحقاق العقوبة على مخالفتها مع مصادفتها للواقع، كذلك العلم المتعلّق بالتكليف الواقعي في أول الوقت ينجّزه على تقدير ثبوته بعد كشف الخلاف، فلا مجال لتوهّم أنّه لا قطع بالحكم الفعلي في زمان ليجب تحصيل الفراغ عنه، إذ لا يقين بفعلية الأمر في زمان حدوثه، و لا يصير فعلياً بالعلم المتأخر، و لا علم بفعليته فعلًا حيث لم يعلم ثبوته فعلًا. و جوابه ما عرفت من كفاية ثبوته على تقدير في تنجّزه و حكم العقل بالفراغ عنه، بل الأمر كذلك بالدقة في سائر موارد الاشتغال، فانّها و إن امتازت عن المورد بالعلم بالحكم في زمان حدوثه إلا أنّه ليس منجزاً له بقاءً، و لو زال العلم بل المنجّز له بقاءً هو العلم المتأخر بالحكم في أول الوقت مثلًا، فكما أنّه ينجّزه على تقدير ثبوته فعلًا كذلك فيما نحن فيه، و لا حاجة في الحكم الفعلي إلى أزيد من الإنشاء بداعي جعل الداعي، فانّ مثله قابل للفعلية البعثية و التنجّز على تقدير بقائه، فتدبّر.
و كذا قاعدة لزوم تحصيل الغرض المنكشف ثبوته في الواقع من الأول المشكوك سقوطه بفعل المأمور به الظاهري، فانّ المناط في نظر العقل و إن كان فعلية الغرض إلا أنّ فعليته بفعلية دعوته للمولى إلى البعث على طبقه و المفروض حصوله واقعاً.
هذا ما تقتضيه الأُصول و القواعد في الواجبات مطلقاً.
و أمّا القضاء: فحيث إنّه مترتب على الفوت المساوق لذهاب شيء من المكلف مع ترقب حصوله منه، لكونه فرضاً فعلياً أو ذا ملاك لزومي، فهو عنوان ثبوتي فلا ينتزع من عدم الفعل في الوقت، لأنّ المفاهيم الثبوتية يستحيل انتزاعها من العدم و العدمي، فاستصحاب عدمه في الوقت المضروب له يلازم الفوت لا أنّه عينه فيكون الأصل مثبتاً بالنسبة إليه. و تمام الكلام في باب
الإجزاء في الأصول.
و أمّا في العقود و الإيقاعات و شبههما، فربما يتوهم جريان استصحاب الملكية و الزوجية و آثارهما، و يندفع بأنّه بعد انكشاف الخلاف لا يقين فعلا بالأثر قبلا، لأنّ المفروض سريان الشك، و سيجيء بقية الكلام فيها إن شاء اللّه.
و أمّا ما تقتضيه أدلة اعتبار الأمارات الشرعية: فإنّ قلنا بأنّ مفادها تنجيز الواقع أو الإنشاء بداعي تنجيز الواقع، فحالها حال القطع لها كشف الخلاف حقيقة أو حكما فيما إذا قطع بخلافها أو قامت الحجة على خلافها.
و ربما يتخيل الفرق بين القطع و الحجة الشرعية بانكشاف الخلاف في الأول دون الثاني و بأنّ الحجة اللاحقة كالسابقة، و بأنّ الحجة اللاحقة تؤثر في الأعمال المستقبلة دون الماضية، حيث لا دليل على حجيتها إلا بالإضافة إلى الوقائع المتجددة بعد قيامها.
و يندفع: بأنّ المفروض أقوائيّة الحجة اللاحقة من الحجة السابقة و اضمحلال الاجتهاد السابق، فلا أثر للحجة السابقة و إن لم ينكشف الخلاف حقيقة، و المفروض أيضا أنّ مقتضى لسان الأمارة جزئيّة السورة مثلا من دون اختصاص بزمان دون زمان، فهي حجة على مضمونها و منجّزة له، و هي و إن كانت منجّزة من حين قيامها، إلا أنّها منجّزة فعلا لهذا المضمون المطلق، و أثر تنجّز هذا المضمون المطلق فعلًا إعادة الصلاة و قضاؤها مثلًا، فكون الخبر مثلًا حجة في مضمونه بالنسبة إلى الوقائع المتجددة إن كان من جهة قصور في مضمونه فهو خلف، و إن كان لعدم معقولية تنجيز أمر متأخّر لحكم متقدّم فهو غير لازم هنا، لأنّا لا ندّعي تنجّز الجزئيّة على المصلّي قبل قيام الخبر، بل نقول إنّ تنجّز هذا المضمون المطلق فعلًا أثره وجوب الإتيان بالسورة فعلًا و تدارك ما وقع خالياً منها قبلًا، و عليه فلا موجب لقصر الحجية على الوقائع المتجددة.
و سيأتي إن شاء اللّه تعالى الفرق بين تبدل الرّأي الموجب لانتقاض الآثار
السابقة و رجوع المقلّد من الميت إلى الحي و من الحي إلى الحي حيث نقول بعدم الانتقاض هناك فانتظر.
و إن قلنا بأنّ مفاد دليل حجية الأمارات الشرعية جعل الحكم المماثل على طبق مؤدياتها كما يقتضيه ظاهر الأمر باتّباعها، فعن شيخنا و أستاذنا العلّامة(1)أعلى اللّه مقامه، بل عن غيره أيضا أنّ مقتضاها الموضوعية و صحّة العبادة و المعاملة، لأنّ المفروض أنّ مؤدّاها حكم حقيقي، فينتهي أمده بقيام حجة أخرى لا أنّه ينكشف خلافه.
لكنا قد ذكرنا في محله أنّ غاية ما يقتضيه ظهور الأمر هو البعث الحقيقي المنبعث عن مصلحة في متعلقه، و حيث إنّ المفروض تخلّف الأمارة و خلو الواقع من المصلحة، فيجب الالتزام بأنّ المصلحة في المؤدّى بعنوان آخر غير عنوان متعلقه الذاتي، أمّا أنّ تلك المصلحة مصلحة بدلية عن مصلحة الواقع فلا موجب له، و الإجزاء و عدم الإعادة و القضاء يدور مدار بدلية المصلحة لتوجب سقوط الأمر الواقعي بملاكه، فالموضوعية- بمعنى كون المؤدّى بما هو مؤدّى ذا مصلحة مقتضية للحكم الحقيقي على أي حال- لا تقتضي الإجزاء، و قد ذكرنا في محله أنّ مصلحة المؤدّى حيث إنّها في ظرف عدم وصول الواقع و في موقع التعبد، فلا مجال لأن يقال انّ المصلحتين إن كانتا تعيينيتين لزم الأمر بهما مع أنّ الأمر بتحصيلهما خلاف الإجماع، و إن كانتا تخييريتين لزم أن يكون الأمر بالواقع و الطريق تخييرياً، و هو خلاف الظاهر، بخلاف ما إذا كانتا متسانختين و كانت إحداهما بدلًا عن الأُخرى. و بما ذكرنا تبين أنّهما و إن كانتا متباينتين و تعيينيتين في حد ذاتهما، إلا أنّ مصلحة المؤدّى في موقع التعبّد و مع وصول الواقع لا موقع للتعبد بالأمارة و لا مصلحة في مؤدّاها حتى يجب الأمر بتحصيلهما
1) كفاية الأصول: ج 2، ص 122، و فيه هذا القول على الفرض.
معا. و لا فرق فيما ذكرنا بين ما إذا كان الواقع و المؤدّى متباينين أو أقل و أكثر، لأنّ فعلية الأمر بمقدار ما علم تعلّقه به لا توجب الاجزاء و لا تكشف إلا عن مصلحة ملزمة في المأتي به في هذه الحال، لا عن المصلحة الواقعية بما علم تعلّقه به بنفسها أو بما يسانخها، كما أنّ قيام الدليل- على عدم تعدد الفرض فمع فعلية الأمر لا أمر آخر- لا اختصاص له بمثل الظهر و الجمعة، بل يمكن جريانه في الأقل و الأكثر.
هذا كلّه في الواجبات مطلقاً على هذا المسلك.
و أمّا في العقود و الإيقاعات فيمكن أن يقال: إنّ الوضعيات الشرعية و العرفية، من الملكية و الزوجية و شبههما حيث إنّها- على ما حقّقناه في الأُصول- اعتبارات خاصة من الشرع و العرف لمصالح قائمة بما يسمّى بالأسباب دعت الشارع مثلًا إلى اعتبار الملكية و الزوجيّة مثلًا، فلا كشف خلاف لها، إذ حقيقة الاعتبار بسبب كون العقد الفارسي الّذي قامت الحجة على سببيته ذو مصلحة، و ليست المصلحة المزبورة استيفائيّة حتى يقال أنّ مصلحة الواقع باقية على حالها و ان مصلحة المؤدّى غير بدلية.
فالتحقيق انّ الحجية إن كانت بمعنى تنجيز الواقع يجب نقض آثار الوقائع السابقة في العبادات و المعاملات، و إن كانت بمعنى جعل الحكم المماثل وجب النقض أيضا في العبادات دون المعاملات، و مع الشك يجب ترتيب أثر النقض في الجميع إلا الموارد الخاصة التي قام الدليل الخاصّ على عدم نقضها.
: هل حقيقة التقليد هو العمل، أو الأخذ للعمل بمعنى الالتزام بالفتوى لأجل العمل، أو تعلمه لأجل العمل، أو أخذ الرسالة للعمل؟
و التحقيق هو الأول، لأنّ التقليد مفهوماً جعل الغير ذا قلادة، و منه تقليد الهدي، و هذا يناسب العمل استناداً إلى رأي الغير، فانّه جعل العمل كالقلادة في رقبة الغير، و أمّا مجرد البناء على العمل أو التعلم أو أخذ الرسالة فليس جعلًا لشيء في رقبته حتى يكون جعله ذا قلادة، فما أفاده شيخنا العلّامة الأنصاري (1)في رسالة التقليد من أنّه بمعنى الأخذ للعمل أوفق بمفهومه اللغوي، غير وجيه، كما أنّه لا موجب لسبقه على العمل كما عن شيخنا الأستاذ(2)(قدّس سرّه)، نظراً إلى أنّه لولاه لكان العمل بلا تقليد، بل التقليد عنوان للعمل استناداً إلى رأي الغير، و لا تقابل بين الاجتهاد و التقليد حتى يكون سبق الأوّل على العمل موجباً لسبق الثاني عليه، بل التقابل بين عمل المجتهد
و عمل المقلّد، فالعمل المستند إلى ما حصّله من المدرك عمل المجتهد، و العمل المستند إلى رأي الغير عمل المقلد، و التفصيل في محله. هذا ما يقتضيه مفهوم التقليد الواقع في مثل قوله عليه السلام: «فللعوام أن يقلدوه»(1). و أمّا ما يقتضيه سائر الأدلة فنقول: أمّا ما تقتضيه الفطرة فهو كما سيجيء إن شاء اللّه أجنبي عن التقليد التعبدي الّذي هو محل الكلام، بل مقتضاها رفع الجهل بعلم العالم حقيقة، و منه يظهر أنّه لا ربط له بالتعلم الّذي هو مقدمة للعمل، لأنّه لا يدور مدار حصول العلم حقيقة.
و أمّا ما يقتضيه حكم العقل على ما سيأتي فهو لزوم الامتثال استناداً إلى الحجة أو إلى من له الحجة عقلًا، و أين ذلك من الأخذ للعمل بالمعاني المتقدمة!.
و أمّا ما تقتضيه سيرة العقلاء فهو العمل بقول العارف بشيء حفظاً لنظام أُمورهم، فالانقياد قلباً أو الأخذ بالفتوى بوجودها العلمي أو الكتبي- و إن كان من المقدمات- أجنبي عن مقاصد العقلاء.
و أمّا ما تقتضيه الأدلة اللفظية، فآية النفر(2)بناءً على دلالتها على وجوب التقليد لا تدل إلا على العمل على طبق ما أنذر به المنذر، فانّه المراد من التحذر القابل لتعلّق الوجوب به، و هو الّذي يقتضيه الخوف عادة، دون الالتزام أو الأخذ بالوجود العلمي أو الكتبي. و آية السؤال (3)إن كانت مسوقة لوجوب القبول بعد الجواب، فمن البيّن أنّ المطلوب في العمليات هو القبول عملًا لا جناناً فضلًا عن الأخذ بوجوده الكتبي للعمل، و منه ظهر حال سائر الأدلّة مثل ما دلّ على جواز الإفتاء و الاستفتاء، فانّه يلازم القبول عملًا عرفاً لا سائر أنحاء
القبول، إذ المفروض أنّ موردها العمليات المطلوب فيها العمل دون عقد القلب المطلوب في باب العقائد.
: المعروف بين الأصحاب جواز التقليد، و المنسوب إلى بعضهم تحريمه، و الكلام تارة فيما يوجب حمل العامي على التقليد، و أُخرى فيما تقتضيه الأدلة و لو لم تصلح لأن تكون حاملا للعامّي، لتوقف استفادة مقتضاها على قوة الاجتهاد المفروض عدمها، أو على التقليد المفروض البحث عمّا يوجب حمل العامي عليه.
أمّا المقام الأول: فالمستند الحامل للعامّي على ما هو صريح شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) هو الفطرة و الجبلّة، و لذا قال (قدّس سرّه): إنّ جواز التقليد و رجوع الجاهل إلى العالم في الجملة يكون بديهيا فطريا جبلّيا لا يحتاج إلى دليل ...
إلخ (1).
فان أريد أن قضية جواز التقليد من القضايا الفطرية اصطلاحا فهو غير مستقيم، لأنّ القضايا الفطرية هي القضايا التي قياساتها معها ككون الأربعة زوجا لانقسامها إلى متساويين، و ما هو فطري بهذا المعنى كون العلم نورا و كمالا للعاقلة في قبال الجهل، لا لزوم رفع الجهل بعلم العالم و لا نفس رفع الجهل. و إن أريد ان جواز التقليد جبلّيّ طبعي فهو غير وجيه، لأنّ ما هو جبلّيّ طبعي شوق النّفس إلى كمال ذاتها و كمال قواها لا لزوم التقليد، بل و لا لزوم تحصيل العلم حقيقة بما هو لزوم من قبل الشارع أو العقلاء، و أما أصل ثبوت الشوق للنفس فهو وجداني لا فطري و لا جبلّيّ. فعلى أي حال ليس وجوب التقليد تعبّدا إمّا من الشارع أو من العقلاء فطريا و لا جبلّيا، مضافا إلى ما في الجمع بين البداهة و الفطرة و الجبلّة، فانّ ما هو فطري اصطلاحي يناسب
1) كفاية الأُصول: ج 2، ص 435.
البداهة دون الجبلّة، و ما هو فطري عرفي يناسب الطبع و الجبلّة دون البداهة، فتدبّر.
فالذي يمكن أن يقال مع قطع النّظر عن الأدلة هو أنّ العقل- بعد ملاحظة ثبوت المبدأ و إرسال الرسول و تشريع الشريعة و عدم كون العبد مهملا- يذعن بأنّ عدم التعرض لامتثال أوامر المولى و نواهيه خروج عن زيّ الرقّية و رسم العبودية، و هو ظلم، فيستحق به الذم و العقاب من قبل المولى. ثم إنّ كيفية امتثال أحكام المولى إمّا بتحصيل العلم بها كي يتمكّن من الامتثال العلمي بالسماع من المعصوم أو بنحو آخر، و إمّا بإتيان المحتملات الموجب للقطع بامتثالها، و مع التنزل- لعدم التمكن من تحصيل العلم بها، أو بامتثالها لمكان العسر و الحرج، أو عدم معرفة طريق الاحتياط- يذعن العقل بنصب طريق آخر في مقام فهم الأحكام و كيفية امتثالها، لئلا تلزم اللغوية و نقض الغرض من بقاء الأحكام و عدم نصب الطريق إليها، و هو منحصر في أمرين: إمّا الاجتهاد و هو تحصيل الحجة على الحكم، أو الاستناد إلى من له الحجة على الحكم و هو التقليد، بل لو احتمل حينئذ لزوم العمل بظنّه كان المتعين عقلا هو التقليد، لاحتمال تعيّنه حتى قيل إنّه من ضروريات الدين أو المذهب دون تعيّن الظنّ، فلا يقين ببراءة الذّمّة إلا بالتقليد.
و أمّا المقام الثاني: فما ينبغي التمسك به من الآيات آية النفر و آية السؤال (1)، لدلالتهما على دخل الفقه و العلم في وجوب التحذر و القبول، فهما على حجية الفتوى أدلّ منهما على حجية الرواية. و قد بيّنا في محله أنّ إطلاق وجوب الإنذار بما تفقّه فيه يقتضي حجية الإنذار بدلالة الاقتضاء، و قلنا إنّ ظاهر الآية وجوب التحذر بما أنذروا به لا بالعلم بما أنذروا به، و ذكرنا أنّ
1) سورة التوبة: الآية 122، سورة النحل: الآية 43، سورة الأنبياء: الآية 7.
الإنذار لا يصدق على الإخبار عن ترتب العقاب على شيء و لو التزاما، إلا إذا كان مقتضيا للخوف عادة، و لا يكون كذلك إلا إذا كان حجة، و إلا لم يكن مقتضيا له، لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، فالآية كاشفة عن الحجية و إن لم تكن متكفلة لها. نعم إن كان التفقه موقوفاً على إعمال النّظر كانت الآية دليلًا على حجية الفتوى و إلا فلا، و من الواضح صدق التفقه في الصدر الأول بتحصيل العلم بالأحكام بالسماع من النبي صلى اللّه على و آله أو الإمام عليه السلام، فلا دلالة لها حينئذٍ إلا على حجية الخبر فقط، و الإنذار بحكاية ما سمعوه من المعصوم عليه السلام، من بيان ترتب العقاب على شيء فعلًا أو تركاً لا ينبغي الريب فيه، بل الإفتاء و القضاء أيضا كان في الصدر الأول بنقل الخبر، فتدبّر. و أمّا آية السؤال فظاهرها و إن كان لزوم السؤال لكي يعلموا بالجواب لا بأمر زائد عليه، فيكون كاشفاً عن الحجية و وجوب القبول تعبّدا، إلا أنّ سياق الآية يقتضي السؤال من أهل الكتاب، و تفسيرها يقتضي السؤال من أهل الذّكر عليهم السلام.
و مما ذكرنا في طيّ الكلام من أنّ الإفتاء في الصدر الأول كان بنقل الخبر لا بإظهار الرّأي تعرف ما في الاستدلال بما دلّ على جواز الإفتاء و الاستفتاء كما يظهر بالمراجعة إلى موارد إطلاقاته في الأخبار، و هكذا الأمر في قوله عليه السلام: «فللعوام أن يقلّدوه» فانّ التقليد عرفا صادق على قبول ما أخبر به الغير أيضا من غير دليل على المخبر به، بل الظاهر من نفس هذه الرواية المتضمنة لهذه الفقرة هذا المعنى، فراجع.
: الظاهر من شيخنا العلّامة الأنصاري (1)(قدّس سرّه) أنّ وجوب التقليد مقدمي لا نفسي و لا شرطي شرعي، لأنّه مقدمة للامتثال الظاهري
1) مجموعة رسائل: ص 48.
للأحكام الواقعية و لا يناط به الواقع لو حصل بالاحتياط.
لكنّك بعد ما عرفت من معنى التقليد و ما سمعت في وجه وجوبه تعرف أنّ وجوبه نفسي، لأنّ التقليد هو العمل استناداً إلى فتوى المفتي، و ليس هو إلا فعل الصلاة مثلًا استناداً إلى الفتوى، فليس التقليد إلا عين الصلاة الواجبة واقعاً على تقدير الموافقة، و غيرها على تقدير المخالفة، فلا مقدمية له للواجب الواقعي على أيّ حال، و المراد بوجوبه النفسيّ انبعاث وجوبه عن نفس مصلحة الواقع الباعثة على الإيجاب الواقعي، فهو إيصال للواقع بعنوان آخر، نظير ما ذكرناه في وجوب تصديق العادل، و ما ذكرناه بناءً على استفادة وجوب التقليد من الآيات و الروايات واضح، و كذا بناءً على استفادته من طريق حكم العقل، لما مرّ من أنّ العقل يذعن بعد تلك المقدمات بنصب الطريق من الشارع، لما ذكرنا في محلّه من أنّ العاقلة لا شأن لها إلا التعقل لا البعث و الزجر، و إن حكم العقل العملي مأخوذ من مبادئ مسلمة، أو قضايا مشهورة أطبقت عليها آراء العقلاء كحكمهم بمدح فاعل العدل و ذم فاعل الظلم، فانّه مقدمة لحكم العقل العملي بأنّ الأوّل مما ينبغي أن يؤتى به و أنّ الثاني مما لا ينبغي، فما يذعن به العقل لا بدّ من انتهائه إمّا إلى العقلاء أو إلى الشارع، و لذلك رجّحنا في محله حجية الظنّ الانسدادي من باب الكشف دون الحكومة.
: هل التقليد وظيفة العامي أي من لم يبلغ درجة الاجتهاد، أو يجوز لصاحب الملكة ترك الاجتهاد الفعلي و تقليد غيره أيضا؟.
المعروف هو الأوّل، و ينسب إلى السيد (قدّس سرّه) في المناهل (1)اختيار الثاني، و إن كان هذا البحث قليل الجدوى، لأنّه بالنظر إلى ما يمكن أن يكون
1) في المناهل: كتاب القضاء، منهل جواز القضاء لغير المجتهد، إلا أنّ عبارته هكذا« و من جملة ذلك أي الأحكام التي تسقط بالحرج سقوط الاجتهاد عن المجتهد لضرورة من ضيق الوقت و نحوه و جواز التقليد له».
حاملًا للمكلف على التقليد، كالفطرة و حكم العقل لا ينبغي الريب في اختصاصهما بالعامّي العاجز، لما عرفت من أنّ الفطرة تقتضي تحصيل العلم حيث إنّه كمال للعاقلة لا الانقياد للعالم، و لما سمعت أيضا من أنّ الصحيح الاستناد إلى حكم العقل، و الاستناد إلى من له الحجة وظيفة من لم يتمكّن من الاستناد إلى الحجة، حيث لا يقين معه ببراءة الذّمّة عن الواقع بالاستناد إلى من له الحجة مع التمكن من تحصيل الحجة و الاستناد إليها، فلا يجوّز العقل التنزل من الاستناد إلى الحجة إلى الاستناد إلى من له الحجة، و أمّا بالنظر إلى الأدلة اللفظية فحيث إنّ المكلّف صاحب الملكة فالمتبع له رأيه في استنباط هذا الحكم من الأدلة لا ما يستنبطه غيره، مع أنّك قد عرفت أنّ أحد الوجوه في اختصاص أدلة مدارك الأحكام عجز العامي عن الأخذ بها و تمكن صاحب الملكة، فلا مانع من فعليتها و تنجّزها في حقّه، و حينئذ لا مجال لشمول أدلة التقليد، فانّ موردها من لا حجّة له، و المفروض أنّ المتمكن تنجّز في حقّه دليل الحكم حيث إنّه بمثابة لو راجعة لظفر به. و منه تعرف انّه لا معنى لإطلاق أدلة جواز التقليد بحيث تعمّ المتمكن، و لا حاجة إلى ما أفيد في الجواب مما يوجب الإطناب.
: المعروف بين الأصحاب بل ادّعي عليه الإجماع، أو الاتفاق في كلام جماعة، هو عدم جواز تقليد الميت.
و لا ريب في أنّ مقتضى الأصل عدم حجية رأي الميت و فتواه و قصور الدليل العقلي على التقليد عن الاقتضاء لجوازه، لأنّ العقل و إن أذعن بلزوم الاستناد إلى من له الحجة، إلا أنّه مع الدوران بين الاستناد إلى الحي و الاستناد إلى الميت لا يقضي إلّا بالاستناد إلى الحي، لليقين معه ببراءة الذّمّة دون الاستناد إلى الميت، فلا محالة يتعيّن تقليد الحي.
و منه يظهر عدم الفرق بين ما لو كان الميت أفضل من الحي أو لا، لأنّا لم
نحكم بالاقتصار على الحي من جهة أقربية قوله إلى الواقع من الميت حتى يتخيل أنّ الأفضل أقرب، بل من جهة عدم اليقين ببراءة الذّمّة عند العقل بتقليد الميت.
و لمثله أيضا نحكم بالاقتصار على تقليد الأفضل، لا للأقربية إلى الواقع، و يكفي في عدم اليقين بالبراءة دعوى الإجماع هنا و هناك على وجوب الاقتصار.
فلا تغفل، و سيجيء إن شاء اللّه الكلام في الأدلة اللفظية و إطلاقها.
و استند المجوّز إلى وجوه أوجهها وجهان:
الأوّل: استصحاب جواز تقليده الثابت في حياته.
و ردّ بزوال ظنون المجتهد و آرائه التي هي موضوع التقليد الواجب بالموت، بل عن الوحيد البهبهاني (1)(قدّس سرّه) زوالها عند النزع، و أنّها تزول بالغفلة و النسيان، فكيف بالموت الّذي يصير معه الذهن جماداً لا حسّ فيه.
و أجيب عنه بأنّ القوة العاقلة من قوى النّفس الناطقة، و قد برهن على تجردها و بقائها بعد خراب البدن، و أنّ القوّة المدركة ليست من القوى الجسمانية فضلا عن أن تكون من الأجسام، كما هو ظاهر كلام الوحيد (قدّس سرّه).
و التحقيق: أنّ الجسم بما هو جسم كل جزء منه يغيب عن الجزء الآخر فضلا عن غيره. فلا معنى لأن ينال شيئا و يدركه، فتوهم كونها جسما سخيف جدا، و أمّا كونها جسمانية أو لا، فنقول: قد برهن عليه، في محله أنّ العاقلة بما هي مدركة للكليات، و بما هي عقل بالفعل، لا تحتاج إلى مادة جسمانية لا في ذاتها و لا في فعلها، فالنفس في أول حدوثها حيث إنّها إنسان طبيعي بشري تحتاج إلى مادة جسمانية، لكنها عقل هيولاني، فإذا خرجت من القوة إلى الفعل
1) مجموعة رسائل: ص 59، نقله الشيخ الأنصاري عنه.
و من الماديّة إلى الصورية فلا محالة هي غير مرهونة بمادة، فهي بهذه المرتبة خارجة عن عالم المواد و دار الفساد، فلذا لا خراب لها بخراب البدن.
لكنّا قد ذكرنا في الأصول أنّ هذا المقدار من التجرّد للقوة العاقلة لا يجدي فيما نحن فيه، كما لا يجدي في بقاء النّفس الناقصة التي لم تخرج من القوة إلى الفعل في التعقل، و المهم هو أنّه لا يجدي فيما نحن فيه، و ذلك من وجهين:
أحدهما: أنّ القضايا الكلية التي أدركها المجتهد، و إن كانت في حدّ ذاتها قابلة للتجريد التام بحيث تدخل في الكليات المجردة القائمة بالعاقلة، لكن الأذهان المتعارفة تنتقل من الإحساس بالجزئيات إلى صورها الجزئيّة في الوهم و الخيال، فهي مجردة عن المادة فقط لا عن الخصوصيات و الهيئات الحافة بالجزئيات المحسوسة، و مجرد قبول المدركات للتجريد التام لا يجعلها مجردة داخلة في المعقولات الكلية الباقية ببقاء العاقلة، بل لا بدّ من إثبات تجرد قوتي الوهم و الخيال أيضا تجرداً برزخياً مثالياً.
ثانيهما: أنّ آراء المجتهد و إن فرضت كلية قابلة للقيام بالعاقلة، إلا أنّها غالبا منبعثة عن مدارك جزئيّة من آية خاصة أو رواية مخصوصة لا قيام لهما إلا بغير العاقلة، و تلك الآراء لا تكون حجة إلّا إذا كانت مستندة إلى المدارك بقاء كما كانت حدوثا، فكما أنّ قيامها بالمجتهد مع زوال مداركها بالمرة يخرجها عن الحجية في حال حياته، كذلك إذا زالت مداركها بزوال القوة المدركة لها، لأنّ المفروض عدم تجرد ما عدا العاقلة المدركة للكليات، فلا مناص من الالتزام بتجرد قوّتي الوهم و الخيال المدركتين للصور الجزئيّة و المعاني الجزئيّة تجرداً برزخيا، و هو و إن كان خلاف المشهور في فنّه، لكنّه مما اقتضاه البرهان، كما شيد أركانه بعض الأركان، و تمام الكلام في محلّه.
ثمّ إنّه بعد القول بتجرد قوتي الوهم و الخيال، ينبغي التفصيل بين ما إذا كانت الحجة على المقلّد ظنون المجتهد و إدراكاته للحكم الواقعي، و ما إذا
كانت الحجة قطعه بالحكم الظاهري المماثل للواقعي. فانّه على الثاني منتف قطعا، لا لفناء القوة المدركة، بل لانكشاف الواقع نفياً و إثباتا، فلا شك في الواقع فلا قطع بالحكم الظاهري، بخلاف الأول، فانّ بقاءه محتمل فيستصحب و يترتب عليه جواز تقليده، و انكشاف الواقع حينئذ غير ضائر، لأنّ انقلاب ظنّه إلى القطع خروج من حدّ الضعف إلى الشدة، و في مثله يجري الاستصحاب على التحقيق، و احتمال انقلابه إلى القطع بالخلاف لا يمنع من الاستصحاب كما عن السيد العلّامة الداماد (قدّس سرّه)، بل يؤكده و يحقّقه كما هو ظاهر.
و أمّا ما عن بعض الأعلام (1)في تقريراته لبحث شيخه المحقق الأنصاري (قدّس سرّهما) من أنّ الاعتقاد الحاصل بالكشف و الشهود من الموت لا دليل على حجيته على المقلد، فيدور أمر الرّأي بين ما هو زائل أو باق غير حجة، فمدفوع: بأنّ الكشف و الشهود الّذي لا دليل على حجيته لغير صاحبه هو الّذي يحتمل فيه الخطأ على صاحبه لا الحاصل بالموت، فالأمر دائر بين بقاء رأيه و اعتقاده بنحو موافق للواقع جزما بحيث لا شكّ فيه، أو زواله رأسا مع القطع ببقاء القوة المدركة، فلا يقاس هذا الكشف بالكشف الحاصل لبعض المرتاضين.
و من جميع ما ذكرنا تبيّن أنّه لا مانع عقلا من استصحاب جواز التقليد، نعم الحي و الميت في نظر العرف متباينان، و الحشر في نظر العرف من باب إعادة المعدوم، فالموضوع غير باق عرفا.
الوجه الثاني: إطلاقات جواز التقليد، و تقريبها أنّ الآيات (2)المقتضية
للرجوع إلى أهل الذّكر أو التحذر بإنذار المنذر، و الروايات المقتضية لتقليد من كان من الفقهاء كذا و كذا(1)، و الرجوع إلى رواة الأحاديث (2)، و الاعتماد على كلّ مسنّ في حبهم عليهم السلام (3)، و غير ذلك (4)، و إن كانت ظاهرة بل صريحة في أنّ المسئول منه و المنذر و الفقيه و المرجع حي، إلّا أنّ دعوى الإطلاق غير مبتنية على تجريد موضوعات الأدلة عن الحياة، بل مع صراحتها في حياة المعنون بتلك العناوين لا ظهور لها في توقف وجوب التحذّر و وجوب القبول بعد الجواب و الاعتماد بعد إظهار الرّأي على حياة المنذر و المجيب حال التحذر و القبول، و إن كان لها ظهور بل صراحة في الحياة حال الإنذار و الجواب و غيرهما.
فالجواب حينئذ أنّ قول القائل- اعمل على رأي فلان، أو التزم برأيه من دون تقييد و عناية- ظاهر في ثبوت الرّأي عند تعلّق العمل و الالتزام به، و إلّا كان عملا بغير الرّأي و التزاماً بغيره. نعم يقبل التقييد بأن يقال: أعمل على طبق الرّأي السابق الزائل، فان كانت الآيات و الروايات مسوقة لحجية النقل و الحكاية، فالإطلاق غير مناف للظهور المزبور، لأنّ الحكم بعد ما صار محكيا عنه لا زوال للوصف عنه أبدا، فهو محكي عنه مات الحاكي أم لا، و إن كانت مسوقة لحجية الرّأي فالإطلاق مناف للظهور المذكور، لأنّ الرّأي لا بقاء له عند تعلّق العمل به، و ليس كالحكاية حتى لا يكون له زوال، فلا يغني التمسك بالإطلاق عن استصحاب بقاء الرّأي، و هو الوجه الأوّل المقابل له، فتدبّر.
: المشهور عدم الفرق بين تقليد الميت ابتداء أو بقاء، كما هو ظاهر معاقد إجماعاتهم و استدلالاتهم.
و الوجه فيه ما ذكرنا من الأصل، و قصور حكم العقل.
و للمجوّز زيادة على ما ذكر في المسألة المتقدمة استصحاب الأحكام التقليدية، و هو- بناء على أنّ مفاد دليل اعتبار الأمارات و منها الفتوى جعل الحكم المماثل لما تؤدي إليه الأمارة- واضح. و أمّا بناء على كونه منجزا للواقع، فلا يقين بثبوت الحكم سابقا حتى يستصحب، إلّا على ما أفاده شيخنا الأستاذ(1)(قدّس سرّه) من أنّ مقتضى دليل الاستصحاب جعل الملازمة بين ثبوت الحكم في الزمان الأول واقعاً و ثبوته في الزمان الثاني تعبّدا، فالحكم بقاء مرتّب على الثبوت، و إذا كان الحكم بقاء من لوازم ثبوته سابقا فالحجة على الثبوت حجة على البقاء، لأنّ الحجة على الملزوم حجة على لازمه، فلا حاجة إلى تحقيق الثبوت قطعا.
نعم قد ذكرنا في محلّه أنّ ما أفاده (قدّس سرّه)- بناء على أنّ مفاد دليل الاستصحاب جعل الحكم المماثل مرتبا على الثبوت- في غاية المتانة، لأنّ اللازم كالملزوم قابل للتنجّز بمنجّز، و امّا إن كان كنفس دليل الأمارة بداعي تنجيز الواقع باحتمال البقاء مرتّباً على الثبوت سابقاً، فمثله لا يعقل دخوله في اللوازم القابلة للتنجّز بمنجّز الثبوت، لأنّ المفروض أنّ احتمال البقاء على تقدير الثبوت منجز، فلا حالة منتظرة لتنجيز احتمال البقاء للواقع إلا الثبوت تحقيقا، و هو ممّا لم يتحقّق بالأمارة، و ليس تنجيز الاحتمال قابلا للتنجيز بمنجّز حتى يتنجز بمنجّز الثبوت، فجعل الملازمة بين منجّزية الاحتمال و الثبوت الواقعي لا يفيد إلا في صورة إحراز الثبوت، و لذا ذكرنا في محله أنّه لا يندفع الإشكال إلّا بجعل
1) في ثاني تنبيهات استصحاب الكفاية.
الملازمة بين المنجزين، و هو جعل الاحتمال منجزا للواقع على تقدير ثبوت المنجز للثبوت، و هو أولى من ترتيبه على الثبوت، إذ لا يلزم منه إلغاء اليقين بالمرة و جعله مرآة صرفا. بل قد اعتبر بعنوان جامع و هو كونه حجة قاطعة للعذر، كما أنّ جعل منجز الثبوت منجزا للبقاء عند احتماله بدليل الاستصحاب أولى مما ذكر أخيرا أيضا، لأنّ ظاهر دليل الاعتبار هو التمسك باليقين بالجري على وفقه و عدم نقضه، لا الأخذ باحتمال البقاء الّذي هو أحد طرفي الشكّ.
و الجواب: بناء على جعل الحكم المماثل ما أفاده شيخنا الأستاذ(1)(قدّس سرّه) من أنّ الأحكام التقليدية عند العرف متقوّمة بالرأي، و ليست أحكاما لموضوعاتها بقول مطلق.
و تقريبه: أنّ موضوع الحكم الواقعي، و إن كان مثلا هو القصر أو الإتمام، إلّا أن الوجوب الفعلي لم يتعلّق به بما هو، بل بعنوان وجوب اتّباع رأي المجتهد بلسان وجوب التقليد و وجوب القبول و أشباه ذلك، فهو جعل الحكم المماثل لما يراه المجتهد حكما فعليا، فموضوعه الدليلي ما يراه المجتهد واجبا، و حيث أنّ العرف يرون المقلّد متمسكا برأي المجتهد، فلا يرونه عالما بالحكم الفعلي بقول مطلق، بل عالما بحكمه في رأي مجتهده، لا أنّه ليس بعالم مطلقا حتى ينافي فرض جعل الحكم المماثل، فالموضوع العرفي يوافق الموضوع الدليلي في الأحكام التقليدية.
و بهذا التقريب أيضا يمكن منع الاستصحاب على تقدير تنجيز الواقع، فانّ العرف يرون الحكم الواقعي منجزا بالرأي ما دام الرّأي، لا أنّ الرّأي ينجزه و إن زال بعده.
و عن شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) بعد الجواب عن الاستصحاب ما لفظه:
هذا كلّه مع إمكان دعوى أنّه إذا لم يجز البقاء على التقليد بعد زوال الرّأي
1) كفاية الأصول: ج 2، ص 445.
بسبب الهرم أو المرض إجماعا لم يجز في حال الموت بنحو أولى قطعا فتأمّل (1)، انتهى كلامه رفع مقامه.
و تقريب الأولوية ان المرض و الهرم، مع أنّه فيهما اختلال بعض القوى، إذا كانا موجبين لزوال الرّأي الموجب لعدم جواز التقليد، فالموت الّذي به يختلّ جميع القوى يوجب زوال الرّأي الموجب لعدم جواز التقليد بنحو الأولوية القطعية.
و قد ذكرنا في محله أنّ الملاك لعدم جواز التقليد في المرض و الهرم إن كان زوال الرّأي فالتحقيق عدمه فيهما و في الموت، لأنّ الإدراكات باقية في محالّها، و النّفس بسبب اشتغالها بتدبير البدن أو التوجه إلى نشأة أخرى لا يمكنها ترتيب الأثر عليها، و إلا فمن المستحيل بحسب الحكمة الإلهية و العناية الربانيّة أن تزول العلوم و المعارف الحاصلة للإنسان في مدة مديدة من العمر بعد إتعاب شديدة للقوة النظرية و مجاهدة عظيمة لتحصيل الأخلاق و الملكات الفاضلة بمجرد المرض و الهرم في آخر العمر أو بسبب الموت، مع أنّ الدنيا مزرعة الآخرة و المعرفة بذر المشاهدة، بل الصحيح أنّ علاقة النّفس مع البدن حجاب قوي و مانع شديد، فإذا زال المانع و ارتفع الحجاب كانت العلوم كلّها حاضرة لديه مشهودة عنده. نعم تزول الإدراكات بسبب التوجه الشديد إلى ما يضادها، فيعرضها نسيان شديد، بحيث لو أراد استرجاعها لاحتاج إلى الكسب كما في الابتداء.
و إن كان الملاك لعدم جواز التقليد في المرض و الهرم، عدم التمكّن من إعمال القوة النظرية، فلا يقدر بالفعل على ردّ الفرع إلى أصله، و هذا معنى زوال ملكة الاجتهاد، فمن البيّن أنّ هذا الوجه مختصّ بهما، لأنّ انقطاع علاقة النّفس و ارتفاع الشواغل المانعة عن القدرة الفعلية يوجب كون النّفس أقدر على
1) كفاية الأصول: ج 2، ص 445.
ردّ الفرع إلى أصله من حال حياته، و لعله أشار (قدّس سرّه) إلى بعض ما ذكر بالأمر بالتأمّل.
: لا يخفى أنّ حكم التقليد من الجواز و الوجوب، و الحكم المقلد فيه من وجوب القصر أو الإتمام، سنخ حكم يجتمع مع جواز العدول و حرمته، و لذا وقع النزاع في جواز العدول و حرمته بعد القول بوجوب التقليد، و هذا السنخ من الحكم هو المستصحب، فكيف يقتضي وجوب البقاء المنافي لجواز العدول بنفسه؟ فتوهم أنّ استصحاب الحكم المقلد فيه لا يجتمع مع القول بجواز العدول، لأنّ مقتضاه ارتفاع حيثية الوجوب المستصحب، و مع زوال الفصل لا مجال لبقاء جنسه، مدفوع بأنّ نفس وجوب القصر حدوثا و بقاء على وجه لا ينافي جواز العدول إلى من يفتي بوجوب الإتمام، كما يجوز للمقلد بدوا الرجوع إلى كل من المجتهدين اللذين يفتي أحدهما بوجوب القصر و الآخر بوجوب الإتمام، مع كون الحكم المفتي به في حدّ ذاته تعيينيّا، و جواز الرجوع إلى كل منهما لا يوجب انقلاب الحكمين من التعيين إلى التخيير، بل يكون عقلا مخيرا في تطبيق العمل على كل منهما.
و لا حاجة إلى ما أفاده الشيخ المحقق الأنصاري (1)(قدّس سرّه) في رسالة التقليد في دفع التوهم بما محصّله وجوب تقليد القائل بوجوب القصر تعيينا ما لم يختر غيره، فلا ينافي جواز اختيار غيره و عدمه، نظير تعيّن الإتمام ما دام حاضرا، فانّه لا ينافي جواز السفر، وجه عدم الحاجة انّه مبني على كون التقليد هو الالتزام برأي المجتهد، فمع بقائه على التزامه يجب عليه القصر تعيينا، و إن كان له
1) مجموعة رسائل: ص 65.
رفع اليد عن التزامه، و قد قدّمنا أنّ التقليد هو تطبيق العمل على رأي الغير دون الانقياد قلبا و الالتزام جنانا.
و من جميع ما مرّ ظهر أنّ الاستصحاب على فرض جريانه في الأحكام المقلّد فيها لا يقتضي وجوب البقاء بالمعنى الملازم لحرمة العدول.
و هل تشمل أدلة حرمة العدول الآتية في محلها ما نحن فيه أو لا؟ ربما يقال بعدم الشمول، لأنّ عمدة الأدلة هي الإجماع و قاعدة الاحتياط، و كلاهما لا يعمّ المقام.
أمّا الإجماع، فلأنّ المجمعين في تلك المسألة لا يقولون هنا بجواز البقاء فضلا عن وجوبه، فكيف يعمّ معقد إجماعهم مثل المقام؟ إلّا أن يقال: إنّ إجماعهم هناك من باب الإجماع على القاعدة، بمعنى أنّهم مجمعون على حرمة العدول عن كلّ تقليد صحيح و إن اختلفوا في صحة بعض أفراد التقليد كتقليد الميت حدوثا أو بقاء.
و أمّا الاحتياط، فلأنّ الأمر هنا دائر بين المحذورين حرمة البقاء و وجوبه دون مسألة العدول.
و فيه أنّ النزاع في وجوب البقاء و عدمه بعد الفراغ عن جوازه، فلا وجه لمعارضة وجوبه مع حرمة التقليد بقاء، نعم من لم يتمكّن من تنقيح المسألة جوازا و منعا، لا مناص له من الاحتياط في المسألة الفرعية بلحاظ الفتويين، فقد يقتضي الجمع بين فتوى الحي و فتوى الميت كما في القصر و الإتمام، و قد يقتضي العمل على طبق فتوى الميت بخصوصه أو الحي بخصوصه، كما قد يقتضي التخيير إذا كان كلّ منهما مخالفاً للاحتياط، فانّهما حجة على نفى الثالث.
: لو قلّد المجتهد الحي في مسألة وجوب الرجوع فمات، فرجع إلى من يفتيه بوجوب البقاء، فالكلام تارة في شمول فتوى الثالث لمسألة وجوب
الرجوع المقلّد فيها، و أخرى للمسائل العملية التي رجع فيها عن الأول إلى الثاني.
أما الأوّل فظاهر المحقق الأنصاري (1)(قدّس سرّه) في الرسالة، عدم الشمول، للزوم التناقض.
و هو في بادئ النّظر كذلك (2)، و عند التأمّل لا تناقض، لأنّ رأي الثاني و إن تعلّق بحكم كلّي و هو وجوب الرجوع من دون اختصاصه بمن سبقه بالإفتاء، لكنه ليس كل ما هو مقتضي الأدلة و متعلّق الرّأي يصح التقليد فيه، أ لا ترى أنّ مقتضى الأدلة وجوب التقليد و يراه كلّ مجتهد كذلك، مع أنّه لا يمكن التقليد في أصل وجوب التقليد، للزوم الدور و التسلسل، و كذلك تقليد الأعلم بنفس رأي الأعلم بوجوبه، أو تقليد غير الأعلم بنفس فتوى غير الأعلم بجوازه إلى غير ذلك من نظائره، كذلك لا يعقل تقليد المفتي بوجوب الرجوع حتى في الرجوع عن نفسه بعد موته، فانّ حجية رأيه و فتواه بعد موته في هذه المسألة و غيرها على حدّ سواء، فلا يعقل الاستناد إلى رأيه و لو في هذه المسألة بنفس رأيه حدوثا و بقاء، كما إذا كان فتواه وجوب البقاء، فانّ البقاء على رأيه برأيه لا معنى له، و ميزان التقليد في المسألة الكلية صحة العمل على طبقها في جميع أفرادها و إن لم يعمل إلّا في بعضها، و من الواضح عدم صحة العمل على طبقها كليا حتى في الرجوع عنه بعد موته، أو البقاء على رأيه بعد موته، فلا محالة لا يعقل حجية رأيه بوجوب الرجوع إلا بالإضافة إلى من سبقه في الإفتاء، و لا بأس حينئذ بشمول الفتوى بوجوب البقاء لهذه المسألة، فانّ معنى وجوب الرجوع عن غيره عدم جواز تطبيق العمل على رأي الغير، و البقاء على هذا الرّأي
معناه موافقة الثالث للثاني في عدم جواز تطبيق العمل على فتوى الأوّل و رأيه.
و أمّا الثاني، و هي المسائل العملية التي رجع فيها بفتوى الثاني عن الأوّل، فالإشكال فيه من حيث إنّ هناك تقليدين صحيحين لا ترجيح لأحدهما على الآخر.
و بعد ما عرفت آنفا صحة شمول فتوى الثالث بوجوب البقاء لمسألة وجوب الرجوع و عدم جواز تطبيق العمل على رأي الأول، تعرف أنّه لا يعقل تساوي نسبة وجوب البقاء إلى كلا التقليدين، بل يترجّح جانب الثاني قهرا، مضافا إلى أنّ وجوب البقاء، إن كان لأجل استصحاب الأحكام المقلّد فيها فالترجيح للثاني، لانقطاع الاستصحاب في الأوّل بالرجوع إلى الثاني، و إن كان لاستصحاب حرمة العدول فهو أيضا منقطع بجواز الرجوع إلى الثاني.
و أمّا ما عن المحقّق المتقدّم (قدّس سرّه)(1)في تقوية البقاء على رأي الثاني من أنّ تقليد الثاني و رجوعه عن الأوّل بالنسبة إلى المسائل التي رجع فيها في حال حياة الثاني وقع صحيحا فبظاهره غير مجد، لأنّ كلا التقليدين وقع صحيحا في حال حياة المجتهد، فمجرد الصحة مع تساوي النسبة لا يوجب الترجيح. و تطبيقه على ما ذكرنا- من أنّ شمول الفتوى بوجوب البقاء لوجوب الرجوع بالإضافة إلى من سبقه يخرجه عن التساوي، بل لا يعقل مع شموله له شموله للمسائل التي قلّد فيها المجتهد الأول- في غاية الإشكال.
و أمّا ما احتمله (قدّس سرّه) في وجه القول بترجيح الأوّل- من أنّ تقليد الثاني في المسائل المعدول عنها إنّما هو بتقليده في وجوب الرجوع، فإذا كان الإفتاء بالبقاء لا يشمله، فلا يشمل ما يترتّب عليه- ففيه: أنّ مصحح التقليد في العمليات ليس التقليد في وجوب الرجوع حتى تترتب صحته على صحته، بل
1) مجموعة رسائل: ص 66.
مصححه إمّا الفطرة أو حكم العقل أو السيرة، و قد عرفت أنّ وجوب الرجوع معناه عدم جواز تطبيق العمل على رأي الأوّل، و أمّا وجوب الاستناد إلى رأي الحيّ في هذه المسألة و في تطبيق العمل على رأيه، فدليله دليل التقليد في غيره، فلا إشكال بحمد اللّه تعالى في المسألة.
: هل القول بنقض الآثار السابقة بتبدّل الرّأي يلازم القول بالنقض بالرجوع عن الميت إلى الحي المخالف له في الرّأي أو لا؟ وجهان، بل عن شيخنا العلّامة الأنصاري (1)(قدّس سرّه) في بعض كلماته أن القول بالنقض في صورة تبدّل الرّأي دون صورة العدول لا وجه له ظاهرا. و التحقيق عدم الملازمة.
أمّا وجه عموم النقض في صورة التبدّل فما عرفت سابقا من أنّ الخبر مثلا حجة في مضمونه الّذي لا اختصاص له بزمان دون زمان، و الحكم المطلق و إن كان يتنجز فعلا لا قبلا إلّا أنّ أثر تنجزه فعلا تدارك ما فات منه قبلا، فلا موجب لتخصيص تأثيره بالوقائع المتجددة.
و أمّا وجه عدم العموم في صورة الرجوع عن الميت إلى الحي، و عن الحي إلى الحي، فهو أنّ متعلّق الرّأي و إن كان كمتعلّق الخبر مطلقا، إلّا أنّه لا يلازم تعلّق الرّأي بشيء حجيته على الغير رأسا كأصل وجوب التقليد و نحوه، كما أنّه لا تلازم حجيته على الغير حجيته عليه من الأول، كما إذا كان تكليف العامي الرجوع إلى من هو أعلم منه، فرجع إلى المفضول لخروج الأفضل عن مرتبة صحة التقليد لموت أو غيره، و بالجملة ليس إطلاق المضمون مناطا للنقض بل هو مع حجيته من الأوّل و إن كان تنجزه بعد الظفر به، و ليست الفتوى كذلك، بل هي حجة على المقلّد في المورد القابل من حين صحة الرجوع إلى
1) مجموعة رسائل: ص 66.
صاحبها فلا يؤثر إلّا في الوقائع المتجددة، و النقض في صورة تبدل الرّأي لا لمجرد رجوع المجتهد عن رأيه حتى يكون الرجوع إلى رأي الآخر كالرجوع إلى الرّأي الآخر، بل من جهة أنّ المفروض أنّ فتواه النقض فيجب على مقلّده النقض، فالمقايسة إنّما هي بين الخبر الّذي هو حجة المفتي و فتواه التي هي حجة المقلد.
لا يقال: كما أنّ الخبرين حجة على المجتهد، كذلك الفتويان على المقلد، فإذا كان اعتبار الفتوى من باب الطريقية فحالها حال الخبر من حيث عدم اقتضاء الإجزاء و لزوم النقض.
لأنّا نقول: اعتبار الفتوى بأدلة التقليد بعنوان تنزيل نظر المجتهد منزلة نظر العامي، و نيابة المجتهد في استفادة ما يرجع إلى المقلد لا بعنوان الطريقية للواقع، و لو كان بهذا العنوان للزم تخصيص النقض بصورة اضمحلال الحجة السابقة لأقوائيّة الحجة اللاحقة، كما إذا رجع إلى الأعلم مع أنّ القائل بالنقض في صورة الرجوع لا يفرّق بين الرجوع إلى الأعلم أو من الأعلم إلى غيره، بسبب الموت أو عروض عارض، فيعلم منه أنّ حجّية فتوى الثاني لا لاضمحلال الحجة الأولى بقيام الثانية، بل لانتهاء أمد حجيتها مثلا، فتكون الفتويان المتعاقبتان على حدّ الخبرين المتعادلين اللذين أخذ بأحدهما تارة و بالآخر أخرى، حيث لا موجب لتوهّم النقض عند الأخذ بالثاني.
و عن شيخنا المحقق الأنصاري (قدّس سرّه) في ذيل الفرع ما لفظه: فلو قلنا بوجوب رفع اليد عن آثار ما وقع عليه بالتقليد السابق قوي في الفرع السابق وجوب رفع اليد عن التقليد الثاني المترتب على فتوى الثاني بوجوب الرجوع.
فافهم (1)انتهى كلامه رفع مقامه.
و هو مبني على شمول فتوى الثاني بوجوب الرجوع للرجوع مطلقا حتى عن
1) مجموعة رسائل: ص 66.
نفسه بعد موته، حتى يقال إنّ لازمه عدم تطبيق العمل على رأيه في المستقبل و نقض ما وقع على طبق رأيه في الماضي، و قد مرّ منه (قدّس سرّه) أنّ فتوى الثالث بوجوب البقاء لا تشمل التقليد في وجوب الرجوع للزوم التناقض، مع أنّ لازم البقاء على وجوب الرجوع مطلقا رفع اليد عن التقليد الأول و التقليد الثاني، إذ لا فرق بين الرجوع عن الأوّل بفتوى الثاني بين الحدوث و البقاء، فلا يتعيّن التقليد الثاني في رفع اليد عنه، بل الأوّل كذلك، مع أنّ المفروض لزوم البقاء في المسائل العملية على تقليد أحد الميّتين، و أمّا على ما ذكرنا فالأمر أوضح.
: إذا قلد من يفتي بجواز العدول عن مجتهد إلى آخر في هذه المسألة، فمات المفتي بالجواز، فرجع إلى من يفتي بوجوب البقاء على التقليد، فهل له العدول عن الميت نظرا إلى أنّه قلّده فيه، و المفروض وجوب البقاء على ما قلّده فيه، أو لا؟ لأنّ معنى وجوب البقاء على تقليده حرمة العدول عنه، فكيف يعم جواز العدول عنه كما مرّ في مسألة الرجوع؟.
و العجب من العلّامة الأنصاري (1)(قدّس سرّه) مع وحدة المسألتين مسلكا و دليلا كيف حكم بعدم الشمول في مسألة الرجوع للتناقض و هنا احتمل عدم الشمول قويا لعين ذلك البرهان.
و الأمر في هذه المسألة عندي على ما مر. نعم ينبغي جعل التقليد هنا بمعنى الالتزام بجواز العدول مع عدم العدول، و إلّا لا معنى للرجوع بعد موت المجوّز للعدول إلى من أفتاه بالبقاء مع كونه مقلدا فعلا لمن عدل إليه.
إذا اختلف الميت و الحي المفتي بالبقاء في حقيقة التقليد من أنّه بمعنى الأخذ للعمل أو نفس العمل، فهل المدار على نظر الحي أو الميت؟
1) مجموعة رسائل: ص 67.
وجهان: من أنّ موضوع وجوب البقاء هو التقليد الصحيح، و صحته منوطة بنظر من قلّده لا بنظر المفتي بالبقاء، و لذا لا شبهة في لزوم البقاء بنظر المفتي به مع مخالفته في الفتوى للميت، و من أنّ موضوع كل حكم مفتى به منوط بنظر المفتي به، و الصلاة التي قلّد فيها الميت و إن كانت منوطة موضوعا و حكما بنظر الميت، إلّا أنّ نفس التقليد موضوع لوجوب البقاء الّذي يفتي به الحي، فيكون منوطا بنظر الحي، و لا معنى لإناطة موضوع المفتي به بنظر غير من يفتي به.
نعم حيث إنّ هذه المسألة خلافية، فإذا لم يستقل عقل العامي إلّا بمجرّد جعل رأي الغير مستندا من دون تعيين الاستناد إلى الرّأي في العمل أو الالتزام فللتقليد في تعيينه مجال، فيتحقق هناك موضوعان للتقليد. أحدهما فعل الصلاة، و الآخر جعل رأيه مستندا للالتزام بوجوبها، و صحة التقليدين منوطة بنظر المفتي المقلد فيها، و جعل الرّأي مستندا للالتزام أو للعمل ينحلّ إلى ما يحكم به العقل، و هو أصل الاستناد إلى الرّأي و إلى ما أفتى به المفتي، و هو أنّ طرفه و متعلّقه الالتزام أو العمل، و هذا الموضوع كالصلاة يكون منوطا بنظر المفتي لكونه تقليديا.
و ما ذكرنا من أنّ وجوب البقاء بحكم الحي متعلّق بما هو موضوع له بنظره، إنّما يجدي لو لم يكن المقلّد مقلّدا في موضوع هذه المسألة تقليدا صحيحا سابقا، و إلّا كان حاله حال الصلاة و حكمها من حيث الإناطة بنظر الميت الّذي قلّده فيها، و بعبارة أخرى التقليد في مسألة وجوب الصلاة و إن كان هو العمل بنظر الحي إلّا أنّ التقليد في مسألة لزوم الالتزام بوجوبها المفروض كونها تقليدية هو الالتزام استنادا إلى رأي الميت بنظر الحي و الميت، فانّ العمل فيها نفس إيجاد الالتزام، و أمّا أصل وجوب الالتزام فالعبرة فيه بنظر الميت كما عرفت، و لازم البقاء على هذا التقليد الصحيح هو البقاء على الالتزام بوجوب الصلاة المستتبع لفعلها. نعم لو كان التقليد في نظر الميت هو العمل، لم يتحقق تقليد صحيح في
هذه المسألة الخلافية بالإضافة إلى الميت حتى يجدي للبقاء بنظر الحي هذا كلّه لو كان مستند وجوب البقاء إطلاقات أدلة وجوب التقليد، فيختلف نظر الحي و الميت في حقيقة التقليد، و كذا لو كان المستند استصحاب حرمة العدول، فانه يختلف النّظر من حيث حرمة العدول عن الالتزام أو العمل. و أمّا لو كان المستند استصحاب الأحكام التقليدية فلا فرق بين الأمرين، لأنّ جريان الاستصحاب غير متوقف على شيء من الالتزام أو العمل بل الأحكام المبتلى بها المكلّف بحسب حاله فعلية في حقه التزم بها أم لا، عمل بها أم لا، بل و كذا الأمر لو كان المستند استصحاب حكم التقليد، فانّه جار سواء التزم أو عمل أم لا، غاية الأمر أنّ الميت لو كان يرى وجوب الالتزام مقدمة لامتثال الأحكام لكان هذا المعنى من جملة أحكامه الفعلية في نظر من هو المرجع له في ذلك الحين، فيؤثر استصحابه حينئذ في الالتزام فعلا بكل ما كان له حكما فعليا في ذلك الزمان و في هذا الحين، دون الالتزام بجميع فتاوى الميت و لو لم يكن ممّا له به مساس، فلا يتوهّم أنّه بعد وجوب الالتزام بجميع فتاواه لا مجال لتقليد الحي في الوقائع المتجددة فلا تغفل.
و في رسالة التقليد(1)للشيخ الأجل (قدّس سرّه) في هذا الفرع ما لا يرتبط بتفاوت نظر الحي و الميت في موضوع التقليد، حيث إنّه (قدّس سرّه) فرض الأخذ و العدول عن بعض ما أخذ تحقيقا للالتزام و العمل، و لازمه عدم التقليد الّذي يجب البقاء عليه، حيث لا عمل حتى يكون تقليدا بنظر الميت إلّا العدول الّذي لا معنى للبقاء عليه، حيث لا أثر له بنفسه، و لا أخذ إلى حين الموت حتى يبقى عليه بفتوى الحي، و كذا في عكسه و هو الأخذ و العدول إلى الغير ثم الرجوع عنه بفتوى الميت بحرمة العدول. نعم فرق بين الصورتين من حيث
1) مجموعة رسائل: ص 67.
عدم التقليد الّذي يجب البقاء عليه بنظر الحي و الميت في الصورة الأولى بخلاف الثانية فانّه لا تقليد يصح البقاء عليه، حيث لا عمل على طبق رأي الميت إلّا الرجوع بفتواه، و لا أثر له حتى يجب البقاء عليه بنظر الحي و إن كان الأخذ المحقق للتقليد في نظر الميت باقيا إلى حين موته، فلا يجري فيه وجهان بل وجه واحد كما هو واضح. و الصحيح في تحرير الفرع ما عرفت.
لو قلّد مجتهدا في حال صغره، و قلنا بصحة تقليده لصحة عباداته، ثمّ مات المجتهد قبل بلوغه، فبلغ، فهل يجب البقاء على القول بوجوب البقاء؟
وجهان بل قولان: من عموم وجوب البقاء على التقليد الصحيح، و من أنّ حرمة العدول لم تثبت في حقّ الصغير فاستصحاب التخيير في حقه باق.
و التحقيق أنّ وجوب البقاء إن كان من جهة استصحاب الأحكام التقليدية فالأمر في البالغ و غيره على السواء، إذ المفروض شرعية عبادات الصبي و إطلاق العبادة من حيث المادة، فذاك المعنى المصحح لعبادية في حال حياة المجتهد على حاله بعد موته تعبدا، بل الواجبات المعلّقة على البلوغ في حال حياة المجتهد ثابتة بعد موته بنحو الاستصحاب التعليقي، و إن كان من جهة حرمة العدول عن مجتهد إلى غيره، فالحرمة و إن لم تثبت في حق غير البالغ فعلا مطلقا لكنها ثابتة في حقه معلّقا، فالاستصحاب التعليقي بالإضافة إلى حرمة العدول مما لا بأس به، و العمدة في الشقّين هو الاستصحاب التعليقي لو كان هناك حكم إنشائي معلّق على البلوغ، و إلّا فمجرد العلم بأنّه لا حكم لغير البالغ و إن البالغ محكوم بكذا، لا يحقق حكما تعليقيا حتى يستصحب و يحكم بفعليته عند تحقق المعلّق عليه.
و منه يتضح أيضا ما في استصحاب التخيير، فانّ التخيير ليس حكما غير إلزامي حتى يقال بثبوته في حق غير البالغ فيستصحب بعد بلوغه، بل المكلف ملزم بالأخذ بأحدهما مخيّرا، و هذا الحكم الإلزاميّ كسائر الإلزاميات لا تحقق
للمطلق منها في حقه و المعلّق منها غير معلوم، و إلّا فاستصحاب مطلق المحبوبية المستفادة من إطلاق المادة المصححة للعبادة لا تجدي في وجوب البقاء.
إذا قلنا بوجوب البقاء، فهل يعمّ ما إذا كان الحي أفضل من الميت أو لا؟ و التحقيق أنّ وجوب البقاء إن كان بملاحظة استصحاب الأحكام التقليدية، فهو يقتضي عدم الفرق بين ما إذا كان الحي أفضل أو لم يكن، لما سيجيء في محله من عدم الإطلاق في وجوب تقليد الأفضل حتى يقدم على الأصل، بل القول به لقصور حكم العقل و ما ورد من النقل عن حجيّة فتوى غير الأفضل، فلا معارض للاستصحاب حينئذ.
و إن كان بملاحظة أدلة حرمة العدول عن مجتهد إلى آخر فالعمدة منها بعد استصحاب الحكم المقلّد فيه الّذي عرفت حاله قاعدة الاحتياط، و هي هنا معارضة بالمثل، إذ كما لا يقين ببراءة الذّمّة بتقليد الأعلم مع سبق تقليد غيره ميتا كان أو حيا، كذلك لا يقين ببراءة الذّمّة بتقليد الميت المفضول مع وجود الأفضل، و قد مرّ سابقا أنّ من لم يتمكن من تنقيح مسألة البقاء على التقليد نفيا و إثباتا يلزمه الاحتياط في المسألة الفرعية على النهج المتقدم في الفرع الأوّل.
لكن بناء على عدم النّظر إلى مقتضيات الأدلة و ملاحظة ما يستقل به عقل العامي لا مناص من تعيّن الرجوع إلى الأفضل و إن كان الأمر دائرا بين وجوب البقاء و وجوب الرجوع، لأنّ فتوى الأفضل بالنسبة إلى غيره معلومة الحجيّة.
و فتوى الميت مع سبق تقليده بالإضافة إلى الحي و لو في الجملة ليست معلومة الحجيّة، حيث لا خصوصية للسبق في نظر العامي حتى يكون به المسبوق معلوم الحجية، بل فتوى الحي في نفسها بالإضافة إلى الميت معلومة الحجيّة، فينتج تعيّن تقليد الأفضل بحكم العقل و لو مع سبق تقليد الميت.
و عن شيخنا العلّامة الأنصاري (1)(قدّس سرّه) في هذا الفرع استحسان العموم في صورتين:
إحداهما: ما إذا كان تقليد غير الأعلم بفتوى الأعلم من الميت و الحي، فانّ البقاء على تقليده حينئذ داخل في البقاء على تقليد الأفضل من الحي، فيلزمه البقاء على تقليد الميت المفضول بالإضافة إلى الحي.
ثانيتهما: ما إذا قلّد الميت المفضول بسبب فتوى الأفضل من الحي و الميت بحرمة العدول حتى إلى الأفضل، فانّ البقاء على هذا التقليد أيضا كالسابق بقاء على تقليد الأفضل من الحي في مسألة لازمها البقاء على تقليد المفضول بالإضافة إلى الحي، و أمّا في غير هاتين الصورتين فلا، حيث إنّه لا ينتهي إلى تقليد الأفضل من الحي المفتي بالبقاء.
و التحقيق انّ الكلام في مقتضيات الأدلة و انّها تفيد تقديم دليل وجوب تقليد الأعلم على دليل حرمة العدول و وجوب البقاء أم لا، فتصوّر جواز تقليد غير الأعلم من الأعلم أو حرمة العدول و لو إلى الأعلم من الأعلم، و إن كان يصحّح الفتوى بالبقاء من الأعلم، إلّا أنّه مستلزم للخلف بحسب ما هو المهمّ في المقام و خروج عن مورد الكلام و إن كان حكمه الشرعي ما أفاده (قدّس سرّه).
المعروف أنّ حكم صيرورة المجتهد فاسقا أو كافرا أو مخالفا أو مجنونا أو عامّيا حكم موته في وجوب العدول عنه.
و الوجه فيه مضافا إلى ما ادّعى من ظهور الإجماع المركب بل البسيط، ما ذكرنا سابقا في منع إطلاق الأدلّة لجواز تقليد الميت، و هو أنّ ظاهر الأمر بتقليد الفقيه العادل مثلا، إن كان مسوقا لوجوب اتّباع رأيه لا روايته، ثبوت
1) مجموعة رسائل: ص 67.
الرّأي المضاف إلى الفقيه العادل حال تعلّق العمل أو الالتزام به، و إلّا كان عملا بغير الرّأي أو برأي غير الفقيه أو برأي الفقيه غير العادل، و مثله غير قابل للإطلاق لصورة زوال الرّأي بالموت أو الجنون أو اختلال الفهم أو لصورة زوال الإيمان و العدالة، ضرورة أنّ المطلق لا بدّ من ثبوته في مراتب الإطلاق، و المفروض أنّ رأي الفقيه العادل هو مورد الأمر بالعمل أو بالالتزام.
نعم التحقيق أنّ الأمر في أصل الرّأي المضاف إلى الفقيه كذلك، لأنّه موضوع وجوب التقليد فزواله بالموت أو الجنون أو بزوال قوة الاجتهاد مساوق لزوال ذات المطلق، و أمّا الإيمان و العدالة الثابتان بدليل منفصل، فلا بدّ من إثبات إطلاق دليلهما في مقام التقييد. بل سيجيء إن شاء اللّه تعالى الإشكال في اعتبار العدالة في حجية الفتوى من حيث نفسها لا من حيث إظهارها، و بذاك الوجه أيضا يمكن الإشكال في اعتبار الإيمان بحيث لو فرض استنباطه من المدارك الشرعية المعمولة على حد ما يستنبطه غيره لم يكن دليل قوي يقتضي إيمانه تعبّدا. فانتظر.
و أمّا قوله عليه السلام: «لا تأخذنّ معالم دينك من غير شيعتنا ...»(1)الخبر. فلا بدّ من حمل الأخذ على معنى يناسب الحكاية و الفتوى، فلا يدل إلا على اعتبار الإيمان ابتداء لا بقاء. إلّا أن يقال إنّ الأخذ إن حمل على التعلّم فلا بقاء له، و اعتبار الإيمان ابتداء في الحكاية و الفتوى مفروغ عنه، و إن حمل على ترتيب الأثر عملا أو التزاما فله بقاء حينئذ، و الأخذ بهذا المعنى يقابل الترك المعبّر عنه في رواية أخرى بقوله عليه السلام: «ذروا ما رأوا»(2)كما سيجيء إن شاء اللّه تعالى، و حينئذ فعدم اعتباره بقاء في الحكاية ليس من
ناحية عدم البقاء للأخذ بل من ناحية متعلّق الأخذ، فانّ الحكاية ليس لها زوال و لا بقاء بمعنى وجود ثانوي، بل المضمون بمجرد الخبر عنه صار محكيا عنه مات الحاكي أو جنّ أو فسق أم لا، فالعمل حينئذ عمل على طبق حكاية الحي المؤمن العادل مثلا، بخلاف الرّأي، فان له زوالا و بقاء، فإذا كان صاحب الرّأي حال العمل به فاسقا أو مخالفا فالعمل عمل برأي الفاسق المخالف و ان كان العمل به سابقا عملا برأي الشيعي العادل، إلّا أنّ الظاهر من هذا الدليل كسائر الأدلة اعتبار الإيمان في الرواية دون الفتوى، كما أنّ ظاهره أيضا اعتباره من حيث الأمن من الخيانة و إظهار غير الواقع بعنوانه كما هو صريح ذيل الخبر، فراجع.
و أمّا قوله عليه السلام: «خذوا ما رووا و ذروا ما رأوا»(1)فمن المحتمل قريبا أن يكون أمرا باتّباع كتبهم مطلقا، لأنّها كتب الرواية، فغرضه عليه السلام أنّه لا تضرّ آراؤهم الفاسدة بالعمل بكتبهم فانّها كتب الرواية، لا أنّ كتبهم مشتملة على الرواية و الرّأي، فيجب الأخذ بما رووا دون ما رأوا، إذ من البعيد جدّاً إعمال الرّأي و النّظر في تلك الأعصار من أصحاب الأئمة عليهم السلام، و منشأ سؤال الراوي احتمال دسّ الأخبار المكذوبة بواسطة سوء عقيدتهم، فأزال الوهم بأنّ خبث آرائهم فعلا لا يضرّ بما رووه حال الاستقامة.
و بالجملة مع عدم الإطلاق في دليل المقيد فمقتضى الاستصحاب ثبوت الحكم السابق كما في البقاء على تقليد الميت، و أمّا على ما حققناه من عدم جريان الاستصحاب فمقتضى الأصل عدم جواز تقليد الفاقد للشروط ابتداء و استدامة، لعدم الإطلاق في دليل التقليد، و إن لم يكن إطلاق في دليل المقيّد أيضا.
1) الوسائل: ج 18، باب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 13.
هذا إذا قلنا بأنّ الاعتبار بالموضوع الدليلي في باب الاستصحاب كما قوّيناه في الأصول، و أمّا لو قلنا بالموضوع العرفي فيمكن الفرق بين ما نحن فيه و ما سبق، فانّ الموت من باب زوال الموضوع عرفا، بخلاف الفسق و أشباهه، فانّه عندهم من باب زوال وصف الموضوع.
لو لم يتمكّن من تقليد الحي فهل له تقليد الميت، أو يتعيّن عليه العمل بالاحتياط، أو يجب عليه الأخذ ببعض الظنون المعتبرة عند البعض، كالشهرة و الإجماع المنقول و شبههما؟.
و الكلام تارة فيما يستقلّ به عقل العامي، و أخرى في مقتضى الأدلة.
أمّا الأوّل فقد عرفت سابقا أنّ التنزل إلى الاستناد إلى من له الحجة بعد عدم التمكّن من الاحتياط، إمّا لعدم معرفة طريقه أو للزوم الحرج و نحوه، فلا معنى لجعل الاحتياط في عرض التقليد مطلقا، و لا يقتضي ذلك تقدّم رتبته على الاجتهاد أيضا، لعدم الفرق في نظر العقل بين أفراد الحجة القاطعة للعذر علما كانت أو علميا، فيدور الأمر هنا بين تقليد الميت و العمل بالظنون المعتبرة عند البعض لا بمطلق ظنون المقلّد، و حيث إنّ رأي الميت لا حجّية له في نظر العقل ابتداء و إنّما تحتمل حجيّته في هذه الحال، فالعمل بالظنون المعتبرة مقدّم على تقليد الميت لفرض اعتبارها في جميع الأحوال و لو عند البعض، بخلاف رأي الميت فانّه محتمل الحجيّة في هذا الحال. فعلم مما ذكرنا أنّ اللازم أوّلا هو الاحتياط، و مع عدم التمكن منه يجب العمل بالظنون المعتبرة، و مع عدمها أو عدم التمكّن من تحصيلها يجب تقليد الميت الأوثق فالأوثق من الأموات، و لا بدّ في تمييز الأقوى فالأقوى من الأمارات من اتّباع نظره و اجتهاده دون رأي مجتهده قبل عروض الاضطرار لو فرض سؤال العامي عنه، لأنّ بقاءه على هذا التقليد أول الكلام، إذ المفروض عدم المجتهد الحي في فرض المسألة إذا أريد عدم المجتهد الحي لموته، و أمّا إذا أريد عدم التمكن منه لبعده عن المقلّد فيمكن فرض
سؤال حكم الواقعة منه قبل البعد عنه كما هو واضح.
و أمّا الثاني و هو مقتضى الأدلة فلا يترتب على تحقيقه ثمرة عملية للعامّي، لما عرفت من فقد المجتهد في الفرض و عدم تمكّن العامي من البقاء على ما يراه الميت مقتضى الأدلّة حتى ينتفع به العامي في صورة الاضطرار إلّا على ما عرفت من بعده عنه.
و مختصر القول في مقتضى الأدلة أنّ اعتبار الحياة في المفتي لو كان بدليل منفصل من إجماع و غيره، أمكن القول بعدم إطلاق في دليل المقيّد، فيؤخذ بإطلاقات أدلّة التقليد، فلا معيّن للاحتياط كما لا مصحح للرجوع إلى الظنون المطلقة مع ثبوت الطريق الخاصّ من قبل الشارع. لكن حيث إنّ أدلّة التقليد كما عرفت سابقا قاصرة عن الشمول للميت، فلا موجب للرجوع إلى الميت فيتعيّن الاحتياط مع الإمكان و إلّا فالأمر كما مرّ، بناء على ملاحظة ما يستقل به عقل العامي.
: لو تعذّر المجتهد الجامع لشرائط الإفتاء، فهل يجوز الرجوع إلى الفاقد أو لا؟ و على تقدير الجواز، هل يقدّم الفاقد للبلوغ على الفاقد للحياة أو على الفاقد للعدالة أو الإيمان، أو يقدّم الفاقد لبعضها بالخصوص على الفاقد لبعضها الآخر، أو لا؟.
و التحقيق ما عرفت آنفا من أنّ أدلّة التقليد قاصرة عن شمولها للميت أو للعامّي أو للصغير أو للمخالف. ففي الفاقد لبعضها لا مجوّز للتقليد، و في مثل العدالة في العمل مع الوثوق بفتواه لا دليل إلّا الإجماع لو كان و هو قاصر عن شموله لصورة التعذّر و عدم الإمكان، فالدوران في الجميع إنّما يتحقق فيما إذا فرض الإطلاق لأدلة التقليد و تقييدها بأدلة منفصلة متكفّلة لاعتبار الشرائط المزبورة، و الأمر في العدالة ما عرفت، و كذا في الحياة فانّ اعتبارها بالإجماع على عدم اعتبار رأي الميت فيقتصر على المتيقّن، و كذا البلوغ. نعم اعتبار الإيمان
بقوله عليه السلام: «لا تأخذنّ معالم دينك من غير شيعتنا»(1)و لا بأس بشموله لصورتي الاختيار و الاضطرار، و عليه فيقدّم قول المؤمن على غيره و إن كان واجدا لسائر الشرائط، و أمّا تقديم قول العادل الفاقد للشرائط الأخر على الفاسق الواجد لها و كذا في سائر صور الدوران، فلا مرجّح إلّا بعد الاعتبارات التي لا اعتبار بها.
لكنّك قد عرفت أنّ مقتضيات الأدلّة لا تجدي للعامّي، و المفروض تعذّر الجامع للشرائط، فلا معنى لاتّباع رأي الميت مثلا في اتّباع رأيه أو رأي غيره عند الدوران، كما لا عبرة برأي الفاقد لشرط آخر في اتّباع رأيه أو رأي غيره، و من الواضح أنّه لا خصوصية إلّا للوثوق بالفتوى و الحياة في نظر العامي من دون خصوصية للبلوغ في رجوع الجاهل إلى العالم، و كذا الإيمان مع الأمن من الخيانة، فيقدّم قول الحي الموثوق به على غيره، نعم إن كان رأي الحي الموثوق به الّذي هو مرجع بحكم عقل العامي الرجوع إلى البالغ المؤمن، أو إلى الميت الواجد لسائر الشرائط، صحّ اتّباعه حينئذ بتقليد الميت أو غيره مثلا.
ظاهر شيخنا العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه) في الرسالة(2)التفصيل بين حكمه و قضائه، و ما يرجع إلى فعله تعالى فيمضي، و ما يرجع إلى فعله كتوكيله و استنابته و قيمومته و توليته فلا يمضي بعد الموت.
و التحقيق أنّ الأمر في التوكيل و الاستنابة كذلك، و أمّا في القيمومة على
الصغير مثلا و التولية على الوقف فينبغي أن يقال أنّ الحاكم إذا كان له إعطاء المنصب و هو جعله قيّما و متولّيا فلا يزول بموته، و يكون الفرق بينهما و بين التوكيل و الاستنابة واضحا حيث إنّ صاحب المنصب كالحاكم في كونه قيّما و متولّيا، و إن كان بجعل الحاكم كقيمومة الحاكم بجعله تعالى، بخلاف المتصرّف بالوكالة من قبل الحاكم، فالعمدة هو النّظر في إمكان إعطاء المنصب من الحاكم و عدمه، و ظاهر قوله عليه السلام: «جعلته حاكما»(1)الملزوم عرفا للولاية على نصب القيّم و جعل المتولّي ثبوت الولاية على إعطاء المنصب كما هو المرسوم في القضاة، و كذا ظاهر القيّم هو صاحب الولاية على التصرّف لا النائب و المأذون من قبل الغير، فجعل القيّم من القاضي كجعله قيّما منه تعالى، و إن كان مقتضى الأصل عدم الولاية له على إعطاء المنصب بل على مجرد التصرّف و لو بالتوكيل، فالأحوط هو استئذان القيّم من المجتهد الحي بعد موت من جعله قيّما مثلا.
: المشهور وجوب تقليد الأعلم عند الاختلاف في الفضيلة، بل ادّعي عليه الإجماع، و عن بعضهم عدم نقل الخلاف إلّا عن بعض متأخري المتأخرين. و تحقيق الكلام تارة فيما يقتضيه الأصل، و أخرى فيما تقتضيه الأدلة من النقليّة و العقلية.
أمّا المقام الأوّل: فنقول: الكلام تارة فيما يقتضيه حكم العقل مع قطع النّظر عن مراجعة الأدلة، و بعبارة أخرى فيما يستقلّ به عقل العامي، و أخرى فيما تقتضيه القاعدة بعد الالتفات إلى وجوب التقليد شرعا بلسان الأدلة.
أمّا: ما يستقلّ به عقل العامي، فالأمر دائر بين مقطوع الحجّية و مشكوكها، توضيحه أنّ الحجيّة العقلائيّة عبارة عن تنجيز الواقع و المعذّرية عن الخطأ، و فتوى
1) الوسائل: ج 18، باب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 1، بتفاوت يسير.
الأفضل منجّزة و معذّرة قطعا، لأنّها حجة إمّا تعيينا أو تخييرا، دون فتوى المفضول، إذ ليس فيها إلّا احتمال الحجّية تخييرا، فيجوز الاقتصار على فتوى الأفضل في الخروج عن تبعة الواقع و إن أخطأت، و لا يجوز الاقتصار على فتوى المفضول.
لا يقال: استحقاق العقوبة على مخالفة فتوى الأفضل بالخصوص غير ثابت، لاحتمال حجيتها تخييرا، بل العقاب على مخالفتها و مخالفة عدلها، فمع موافقة عدلها لا عقاب.
لأنّا نقول: عدم العقاب عليها بالخصوص لا يجوّز الاقتصار على غيرها، إذ لا يجوز الاقتصار إلّا على ما يقطع بأنّه معذر عند الخطأ، و ليس ذلك إلّا شأن مقطوع الحجية.
و منه تعرف أنّ أصالة البراءة عن العقوبة على مخالفة فتوى الأفضل لا تجدي في جواز الاقتصار على فتوى المفضول، لأنّ جواز الاقتصار أثر القطع بالمعذّرية لا أثر عدم العقاب على مخالفة فتوى الأفضل بالخصوص. توضيحه أنّ الواقعيات حيث إنّها منجّزة بالعلم بها، و لا يمكن امتثالها على وجه يقطع ببراءة الذّمّة عنها، فلذا حكم العقل بالتنزل إلى الاستناد إلى الحجة أو إلى من له الحجة، فتطبيق العمل على فتوى المجتهد يوجب براءة الذّمّة عن الواقع، و مع عدمه فلا عقاب إلّا على الواقع، و لذا لو أتى به من دون مراجعة المجتهد، بل و لو كان مخالفا لفتواه واقعا لم يكن عليه عقاب مخالفة الواقع، و عليه فلا عقاب على مخالفة الأفضل بما هي، بل و لا على مخالفة المفضول أيضا إذا أتى بالواقع الخارج عن فتواهما، فليس أثر القطع بعدم ترتب العقاب على مخالفة فتوى الأفضل بالخصوص براءة الذّمّة عن تبعة الواقع مع موافقة المفضول، نظرا إلى أنّ الواقع لو كان في مؤدّى فتوى المفضول فقد أتى به و إن كان في فتوى الأفضل فالمفروض البراءة عنه و إن كان خارجا عنهما فهو لا منجّز له، مع أنّ لازمه
تسليم الإشكال في صورة دوران أمر الواقع بين فتوى الأفضل أو المفضول، و هذا مدفوع بما مرّ آنفا من أنّ الواقع منجّز على أي حال، فيجب عقلا إمّا إتيانه أو إتيان ما جعل امتثالا له، و المقتصر على فتوى المفضول لم يأت بالواقع و لا بما يقطع بأنّه امتثال جعلي للواقع، فأيّة فائدة في القطع بعدم ترتب العقاب على ترك موافقة الأفضل بالخصوص. نعم لو قطع بعدم ترتب العقاب على عدم إتيان الواقع في ضمن فتوى الأفضل، و كان أمره دائرا بين أن يكون في ضمن فتوى الأفضل أو المفضول صحّ ما ذكر، لكنّه ليس كذلك، لعدم الشكّ في تنجّز الواقع، فاللازم إمّا إتيانه بنفسه أو بما هو امتثال له جعلا.
كما أنّه يتضح بالتأمّل فيما ذكرنا حال أصالة عدم اعتبار المزيّة و عدم المرجّحية و حكومتهما على أصالة عدم حجيّة المرجوح، لأنّ عدم اعتبار المزيّة و عدم المرجّحية لنفي العقاب على مخالفة فتوى الأفضل لا يجدي فيما هو المهمّ هنا، و هو جواز الاقتصار على متابعة فتوى المفضول في العذر عند الخطأ، كما أنّه لا يوجب عدم كون فتوى الأفضل مقطوعة الحجّية المترتب عليه جواز الاقتصار عليها، فانّ كونها معلومة الحجية وجداني، لتقوّمه باحتمالي الحجّية تعيينا أو تخييرا، و حجّية فتوى الأفضل تعيينا واقعا و إن كانت لأجل المزيّة الموجودة فيه شرعا، لكن المؤثر في حكم العقل بالمعذّرية قطعا كونها معلومة الحجية المتقوّم بالاحتمالين المفقود في فتوى المفضول. و منه تبيّن حال الحكومة و انّ الشكّ في حجيّة فتوى المفضول ليس مسببا عن اعتبار المزيّة الموجودة في الأفضل شرعا، بل لعدم ما يوجب حجيتها على أي تقدير.
و أمّا ما يقتضيه الأصل بعد الالتفات إلى وجوب التقليد شرعا فهو أنّ الحجّية لو كانت بمعنى جعل الحكم المماثل على طبق ما أفتى به المفتي لمصلحة فيه بهذا العنوان، فالأمر دائر بين التعيين و التخيير، أو بين المتزاحمين، أو من باب دوران الأمر بين المحذورين، و أوسطها الوسط.
بيانه: انّ حكم الشارع على أي حال تعييني لا تخييري و لا مردد بينهما، حتى يقال إنّ الخصوصية كلفة زائدة فتجري فيها البراءة، أو أنّ الطلب فعلي في المعيّن و الشكّ في الخروج عن العهدة بالآخر فيجري الاشتغال، و لا ريب أيضا على الفرض في كون الحكم المماثل في كلا الطرفين ذا ملاك ملزم لا قدرة على تحصيلهما، إمّا من جهة تضادهما ذاتا، أو من جهة تضادّ الالتزامين بحكمين، بناء على انّ التقليد بمعنى الالتزام بالحكم، و ليس في أحدهما ما يوجب العقاب على تركه بالخصوص، لأنّ احتمال الأهمية من حيث الملاك لا يوجب إلّا احتمال فعلية الطلب في محتمل الأهميّة، و هو لا يوجب احتمال العقوبة، لأنّه عقاب بلا بيان، فالأهمّية الواصلة ملاك الطلب الفعلي، فاحتمال الأهمّية لا يوجب التعيين في نظر العقل حتى يكون الطلب في محتمل الأهمّية فعليا على أي تقدير.
فان قلت: مانعية أحدهما بالخصوص عن فعلية الآخر بالخصوص محتملة، لاحتمال المزيّة، بخلاف الآخر، حيث لا تحتمل مانعيته بالخصوص عن محتمل الأهمّية، و نتيجتها حينئذ هو القطع بفعلية محتمل الأهميّة.
قلت: احتمال الأهمّية يسقط الآخر عن القطع بالمانعية لا عن احتمالها، لاحتمال عدم المزيّة، فيدور الأمر بين ما يقطع بثبوت مقتضية مع القطع بمانعه و ما يقطع بثبوت مقتضية مع احتمال مانعة، فعلى أي تقدير لا قطع بالحكم الفعلي في شيء منهما بالخصوص.
لا يقال: منشأ احتمال الأهمّية إذا كان احتمال شدة الملاك فلا تجري البراءة، لأنّ التعيينية جهة محتملة في الحكم الفعلي المقطوع و الجهة غير قابلة للرفع، و أمّا إذا كان منشؤه احتمال ملاك آخر فهو منشأ احتمال حكم فعلي تعييني زيادة على الحكم المنبعث عن الملاك المشترك فتجري فيه البراءة.
لأنّا نقول: حقيقة الحكم إن كانت هي الإرادة، فلا محالة تشتدّ بوجود ملاك شديد أو بوجود ملاكين، لاستحالة تعلّق إرادتين بمراد واحد، فلا فرق
بين تعدد الملاك و شدّته، و على أي حال الإرادة غير قابلة للرفع، حيث إنّها صفة نفسانية قهرية توجد بمبادئها لا بالاختيار، فلا وضع لها و لا رفع فضلا عن رفع شدّتها، و استصحابها بحدها الضعيف إنّما يجدي لو ترتب عليها أثر شرعي مع سبق اليقين بحدّها الضعيف و احتمال تبدله بالقوي، لا ما إذا دار الأمر بين القوي و الضعيف من الأول، و إن كان الحكم هو البعث الاعتباري المنتزع من الإنشاء بداعي جعل الداعي فهو غير قابل للشدة و الضعف، فشدة الملاك و تعدده في عرض واحد لكنه كالإرادة في عدم تعقل تعلّق بعثين بموضوع واحد، و حيث إنّ المفروض تماميّة مقتضى الحكمين الفعليين في الطرفين، غاية الأمر أنّهما حكمان فعليان يجوز ترك كل منها إلى بدل عقلا، فمع ثبوت الحكم الفعلي في المورد لا يعقل حكم فعلي آخر بملاك آخر، فمرجع احتمال الأهمية مطلقا إلى احتمال تعيينية هذا الحكم الفعلي بالخصوص، و بعبارة أخرى صيرورة الفعلي التعييني بذاته تعيينيا بالفعل لعدم المعارض، فلا يحتمل حكم فعلي حتى يرفع.
نعم رفع العقاب عن هذا المحتمل بالخصوص عقلا و نقلا أمر ممكن، و ليس المقام على الفرض مقام التوصل بالطريق في تحصيل الواقع المردد كما كان بناء على الطريقية، حتى لا تجدي أصالة البراءة في جواز الاقتصار على مشكوك الحجيّة و الطريقيّة، بل الطلب الخطابي بالإضافة إلى كلّ واحد ثابت، و فعليّتهما معا غير معقول، لعدم القدرة على امتثالهما، و أصالة البراءة عن العقوبة على ترك كلّ منهما بالخصوص محكمة، فيحكم العقل بالتخيير، لما عرفت من أنّ مجرّد احتمال الأهمية لا يخرجهما عن التساوي، لعدم احتمال العقوبة على ترك المحتمل بالخصوص. فالأقوى حينئذ هو التخيير بين تطبيق العمل على فتوى الأفضل و فتوى المفضول على خلاف المبنى الأوّل.
و عن بعض الأعلام أنّ التخيير هنا من باب التخيير بين المحذورين، إذا
كان فتوى أحدهما الوجوب و فتوى الآخر الحرمة فلا مجرى للبراءة، و حينئذ فيتوقف العقل عن الحكم بالتخيير مع احتمال التعيين. و هو غير وجيه سواء قلنا بالطريقية أم بالسببيّة:
أمّا على الأوّل، فلأنّ التخيير بين الفعل و الترك عقلا ليس بملاك لزوم الموافقة الاحتمالية، حتى يقال بتوقف العقل عن الحكم بالتخيير مع احتمال الأهمّية في أحد الطرفين، بل الموافقة الاحتمالية قهرية، و المراد من حكم العقل بالتخيير مجرد إذعان العقل و تصديقه بأنّه لا حرج في فعله و تركه، لعدم تنجّز التكليف المعلوم، لعدم القدرة على مراعاته، فالعلم بالأهمّية غير موجب للتعيّن فضلا عن احتمالها.
و أمّا على الثاني: فلأنّ المقتضي للموضوعية و السببية هنا ثبوت الملاك لكلا الحكمين، فالتخيير عقلي، لعدم القدرة على إحراز الملاكين الملزمين في ذاتهما، بخلاف دوران الأمر بين المحذورين، فانّه لا علم إلّا بتكليف واحد، حيث لا موجب لفعليتهما في حد ذاتهما، فلا مجال للتخيير العقلي بالمعنى المعروف.
ثمّ إنّ فائدة هذا الأصل بعد الأصل الأوّلي إنّما تظهر للمفتي لا للعامّي، فله أن يفتي العامي بالرجوع إلى غير الأفضل إذا لم يجد دليلا على تعيّن الأفضل.
و أمّا المقام الثاني: فقد استدل لتعيين الأفضل بوجوه: منها: مقبولة عمر بن حنظلة(1)الآمرة بالأخذ بالأفقه عند الاختلاف، و الاستدلال بها من وجهين:
أحدهما من جهة الملازمة بين الحكم و الفتوى، مع تسليم اختصاص موردها بالحكم كما ادّعاها جماعة.
و ثانيهما من جهة شمول الحكم بنفسه للفتوى، بدعوى أنّها و إن كانت في
1) الوسائل: ج 18، باب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 1.
قبال الحكم اصطلاحا إلّا أنّه يعمّها عرفا، كما في قوله تعالى: «و من لم يحكم بما أنزل اللّه ...»(1)الآية، خصوصا بملاحظة أنّ المورد شبهة حكمية، و لذا اختلف الحكمان مستندين إلى حديثين مختلفين، فالفصل انّما كان بفتويين متعارضتين لخبرين مختلفين، مضافا إلى أنّ الترجيحات المذكورة في المقبولة مناسبة للفتوى دون الحكومة بما هي، كالترجيح بالأفقهيّة و الأصدقيّة و غيرهما، فانّها لها دخل في استنباط حكم المنازعة من الأخبار.
و الجواب عن الوجه الأوّل: انّ اعتبار الأفضلية في مقام الحكومة لا يوجب اعتبارها بوجه في مورد الفتوى، مضافا إلى أنّ اعتبارها في صورة الحكم على الخلاف غير اعتبارها بمجرد الاختلاف، فكما أنّ الترجيح بموافقة الكتاب و الشهرة و مخالفة العامّة إنّما هو بعد الحكم على الخلاف لا لمجرد الاختلاف، بداهة نفوذ الحكم و إن كان فتوى غير الحاكم على خلافه مع موافقته لما ذكر من المرجحات من دون توقيف حكمه و الرجوع إلى غيره، كذلك الترجيح بالأفقهية و الأعدلية، فالكل ليست من المرجحات الابتدائيّة. و بالجملة لا موجب للملازمة في نفسها بين الحكم و الفتوى، و لذا يجوز ترافع المجتهدين إلى ثالث و لا يجوز تقليد المجتهد لغيره، كما أنّه يجوز الإفتاء بالخلاف على فتوى الآخر و لا يجوز الحكم بالخلاف على حكم الآخر، و الإجماع على الملازمة بين لزوم الرجوع إلى الأفضل و لزوم الترافع عنده غير مسلّم و عهدته على مدّعيه، و على فرض ثبوته لا دلالة للمقبولة على لزوم الترافع عند الأفضل حتى يجب تقليده بالإجماع على الملازمة.
و عن الوجه الثاني: انّ الحكم و إن كان شرعا في نفسه كذلك، إلّا أنّ الحكم في المقبولة مناسب لفصل الخصومة في مورد الترافع دون الفتوى، لوضوح إرادة
1) سورة المائدة: الآية 44، 45، 47.
الحكم بمعناه الاصطلاحي من قوله عليه السلام: «و ما يحكم له فانّما يأخذه سحتا و إن كان حقه ثابتا(1)» إلى غير ذلك من الشواهد الموجودة في المقبولة الدالة على أنّ موردها الترافع و التنازع و فصل الخصومة بالحكومة، و كون المورد شبهة حكمية لا ينافي إرادة الحكم في قبال الفتوى، و كون فصل الخصومة في الشبهة الحكمية بالفتوى غير مسلّم في الصدر الأول و لا المقبولة ظاهرة فيه، بل الظاهر فصل الخصومة بنفس نقل الرواية، و لذا أمر السائل بالتحرّي و النّظر في مستندهما بما لا يصحّ في باب الفتوى مع الاختلاف كما عرفت آنفا، و الأمر بالترجيحات ليس بملاحظة الفتوى، بل بلحاظ الرواية التي نقلت في مقام فصل الخصومة.
فان قلت: الترجيح بالأفقهية يناسب الإفتاء المترتب على الاستفادة، و حيث إنّ الحكم بالإفتاء، و الإفتاء بنقل الرواية، فلذا ناسب الترجيح بالأفقهية المناسبة للفتوى و الأصدقيّة و المرجحات الخبرية المناسبة لنقل الرواية.
قلت: لعل الترجيح بالأفقهيّة أيضا لنقل الرواية، حيث إنّها غالبا منقولة بالمعنى، فيتفاوت النقل وضوحا و خفاء بالفقاهة و الأفقهيّة، فتدبّر جيّدا.
مضافا إلى أنّ الترجيح بالأفقهيّة و غيرها في مرحلة الفتوى الصادرة في مقام رفع الخصومة لا يقتضي الترجيح في مقام آخر.
و منها: أنّ فتوى الأفضل أقرب من غيرها جزما فيجب الأخذ بها عند المعارضة عقلا.
و أجيب عنه صغرى و كبرى:
أمّا صغرى فلأنّ فتوى غيره ربما تكون أقرب لموافقتها لفتوى من هو أفضل منه من الأموات، بل ربما تكون موافقة لفتاوى جملة من الأحياء، فيكون الظنّ بها أقوى
1) أصول الكافي: ج 1، ص 67، ح 10.
من الظنّ الحاصل من فتوى الأفضل، و الأقربيّة حينئذ و إن كانت بلحاظ الأمور الخارجة عن حقيقة فتوى المفضول، إلّا أنّه لا فرق في نظر العقل بين الأقربيّة الداخلية و الخارجية.
و التحقيق انّ الفتوى إذا كانت حجّة شرعا أو عقلا لأجل إفادة الظنّ، و أنّها أقرب إلى الواقع من غيرها، فلا محالة ليس لأجل مطلق الظنّ بحكم اللّه تعالى، و لذا لا يجوز للعامّي العمل بظنّه، بل لأجل أنّه خصوص ظنّ حاصل من فتوى من يستند إلى الحجة القاطعة للعذر، فالحجة شرعا أو عقلا هو الظنّ الحاصل من الفتوى، لا الظنّ بما أفتى به المجتهد، و إن لم يحصل من فتوى المجتهد، و عليه فالفرق بين الأقربية الداخلية و الخارجية في كمال المتانة، مضافا إلى أنّ مطابقة فتوى المفضول لفتوى الأفضل من الأموات، و إن كانت تفيد ظنا أقوى من الحاصل من فتوى الأفضل، إلّا أنّه لا حجية لفتوى الميت حتى يكون الظنّ الحاصل من مطابقة المفضول له حجة أقوى (1)، فمطابقته له كمطابقته لسائر الأمارات غير المعتبرة، كما أنّ مطابقة فتوى المفضول لفتاوى جملة من الأحياء لا تفيد ظنّا أقوى، إذ المطابقة لتوافق مداركهم و تقارب أفهامهم و أنظارهم، فالمدرك واحد و الأنظار المتعددة في قوّة نظر واحد، و لا يكشف توافق آرائهم على الاستنباط من مدرك واحد أو مدارك متفرقة عن أقوائيّة مدركهم من مدرك فتوى الأفضل، و إلّا لزم الخلف، لفرض أقوائيّة نظر الأفضل من غيره في مرحلة الاستنباط بجميع جهاته.
و منه تبيّن فساد قياس ما نحن فيه بالخبرين المتعارضين المحكي أحدهما بطريق واحد و الآخر بطرق متعددة، حيث إنّه لا شبهة في ترجيح الثاني، إذ
1) لأنّ الظن الحاصل من فتوى الحي هو الحجة، فلا تكون الحجة أقوى، إلّا إذا حصل هذا الظن الأقوى من فتوى الحي. (منه قدّس سرّه).
ليست الحكايات المتعددة بمنزلة حكاية واحدة، فلا محالة توجب كل حكاية الظنّ بصدور شخص هذا الكلام من الإمام عليه السلام، و لا يلزم الخلف كما كان يلزم فيما نحن فيه، فتدبّر جيّدا. هذا هو الكلام في الصغرى نفيا و إثباتا.
و أمّا الكبرى فقد يقال إنّ ملاك حجيّة الفتوى تعبّدا و لو على الطريقية لم يعلم أنّه القرب إلى الواقع، فلعله شيء آخر يكون في الأفضل و غيره متساويا.
قلت: إنّ أريد أنّ القرب إلى الواقع لا دخل له أصلا فهو خلاف الطريقية، و إن أريد أنّه ليس بتمام الملاك فغير ضائر بالمقصود، لأنّ فتوى الأفضل و إن ساوت فتوى غيره في بعض الملاك لكنها تترجح عليها في بعضه الآخر، و هو القرب إلى الواقع، و عليه ففتوى الأفضل أقوى ملاكا من فتوى غيره.
لا يقال: كما إذا اعتبرت الكتابة و البصر في القاضي مثلا، فلا يترجّح أحد القاضيين على الآخر لكونه أجود خطّا أو أقوى بصرا من الآخر، لأنّ المعتبر صرف الكتابة و البصر، كذلك يمكن أن يكون تمام ملاك وجوب اتّباع الفتوى كون المفتي عارفا بالأحكام، فكون أحد المفتيين أعرف بالأحكام لا يوجب الترجيح على غيره، لوجود تمام ما هو الملاك في غيره من دون زيادة في الملاك بما هو ملاك في الأعرف و لا نقصان فيه بما هو ملاك في العارف.
لأنّا نقول: إن أريد بالأعلم من هو أقوى معرفة بحيث لا تزول بتشكيك المشكك لقوة مبنى عرفانه، فالأمر كما ذكر من حيث القياس بأجوديّة الخطّ و أقوائيّة البصر، و إن أريد بالأعلم- كما هو كذلك- من كان أقوى نظرا في تحصيل الحكم من مداركه الشرعية و العقلية من حيث مبادئ تحصيله و كيفية تطبيقه على مصاديقه، فالأعلم حينئذ أكثر إحاطة بالجهات الموجبة لاستنباط الحكم الغافل عنها غيره لقصور نظره، و إن كان نظره القاصر حجة عليه و على مقلده ذاتا، فحينئذ لا مجال لقياس ما نحن فيه باعتبار الكتابة و البصر، لأنّ
مآل الأمر هنا إلى التسوية بين العالم و الجاهل، لقصور نظره عما وصل إليه غيره مما يوجب الفتوى بثبوت الحكم أو نفيه.
و من هنا تبيّن تعيّن الأعلم عقلا، و إن لم نقل بأنّه أقرب إلى الواقع، فانّ العقل إنّما يذعن بتعيّن التقليد على العامي شرعا، حيث إنّه لا يقين ببراءة الذّمّة إلّا بالاستناد إلى من له الحجة لو لم يتمكن من الاستناد إلى الحجة، و رأي الأعلم و إن لم يعلم أنّه أقرب إلى الواقع لكنه أوفق بما قامت عليه الحجج الشرعية و العقلية، و لا معنى للأوفقية بها إلّا بلوغ نظره إلى ما لم يبلغ إليه نظر غيره، فيكون بالإضافة إلى القاصر نظره كالعالم بالإضافة إلى الجاهل، فيكون متعينا في مقام إبراء الذّمّة، لا لقصور العقل عن الحكم ببراءة الذّمّة في تقليد العامي للمفضول، كما قدّمناه في أول المسألة، بل لإذعانه بمقتضى فرض الأعلمية و كون الملاك كون المجتهد ذا حجة على الحكم بأنّ رأيه أوفق بمقتضيات الحجج حقيقة، فالتسوية بينه و بين غيره تسوية بين العالم و الجاهل، فتدبّر جيّدا.
و قد استدل لجواز الرجوع إلى المفضول مع وجود الأفضل بالإطلاقات، كقوله عليه السلام: «فانهم حجّتي عليكم»(1)، و قوله عليه السلام: «اعتمدا في دينكما على كلّ مسنّ في حبنا كثير القدم في أمرنا»(2)، و قوله عليه السلام:
«و أمّا من كان من الفقهاء- إلى قوله عليه السلام:- فللعوام أن يقلّدوه»(3)، و قوله عليه السلام: «انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا»(4)، و قوله عليه السلام: «انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا»(5)إلى غير ذلك
و تقريب الاستدلال بها أنّ شمولها لصورة التفاوت في الفضيلة و الاختلاف في الفتوى مما لا ينبغي إنكاره، لكثرة الاختلاف في الفتوى و وضوح التفاوت بين العلماء، و إلّا لم يكن دليل على حجية أحد المتعارضين سواء كانا متفاوتين في الفضل أم لا، و شمولها لصورة التعارض إنّما يستلزم محذورا إذا كانت حجية كل منهما تعيينية فعلية لا تخييرية و لو بحكم العقل، و مفاد الأدلة و إن كانت حجية كل فتوى تعيينا لا تخييرا، إلّا أنّ المعارضة و عدم إمكان الامتثال يمنع عن فعلية حجيتهما التعيينية لا التخييرية، أمّا على الموضوعية و السببية فواضح، حيث إنّ مقتضى الثبوت و الإثبات تام، فيحكم العقل بالتخيير في مقام الامتثال كما في الواجبين المتزاحمين، و أمّا على الطريقيّة فالتعارض يمنع عن منجّزية كليهما للواقع و معذّريتهما عنه تعيينا، لفرض مخالفة أحدهما للواقع، و لذا قلنا بالتساقط على القول بالطريقيّة في الأمارات، لكنه لا ريب في عدم سقوطهما بمقتضى الأخبار العلاجية في الأخبار و بالإجماع أو غيره في المقام، فلا بدّ من تصوّر التخيير حتى على الطريقيّة، و تقريبه: أنّ معنى منجّزية كليهما تخييرا استحقاق العقاب على مخالفة الواقع في صورة ترك موافقتهما، و معنى معذّريتهما تخييرا حصول البراءة عن الواقع بموافقة أحدهما، و لا يلزم جعل ما قطع بمخالفته للواقع منجّزا له أو معذّرا عنه، لأنّ كلا منهما ليس كذلك، و صفة المنجزية و المعذّرية له لا للمجموع، حتى يقال بأنّ لازمه جعل ما قطع بمخالفته للواقع منجزا، و هذه غاية ما يمكن من مراعاة الواقع مع عدم المقتضي لجعل الاحتياط أو وجود المانع عنه بجعل العقاب دائرا مدار مخالفتهما معا و القناعة عن الواقع بموافقة كل منهما، و إذا أمكن هذا المعنى بدليل منفصل فلا مانع من استفادته بنفس دليل الحجية، فانّ الممنوع إبقاء الحجية على الفعلية التعيينية، و أمّا رفع اليد عن التعيينية مع إبقاء الفعلية على حالها فلا مانع منه، فمع ظهور دليل الحجية في الإطلاق يؤخذ به كما هو واضح.
و أمّا ما يقال من أنّ المقبولة غير شاملة لصورة التعارض، و إلّا لم يكن وجه لسؤال السائل عما إذا اختلف الحكمان، و لكان تعيين الإمام عليه السلام للأعدل و الأفقه مخصصا لصدر الخبر، فيمكن دفعه بأنّ الإطلاق لصورة الاختلاف في الفتوى أمر، و لصورة حكم الحاكم على خلاف ما حكم به الآخر أمر آخر، و المدّعى هو الأوّل، و المسئول عنه هو الثاني و مورد الافتراق بين الاختلاف في الفتوى و الحكم على الخلاف هو القضاء، و إلّا فلا يتصور مثله في الفتوى.
و الّذي يمكن أن يقال في الجواب عن الإطلاقات أمران:
أحدهما: أنّ موردها الرواية لا الفتوى بالمعنى المصطلح، و التعبير بالإفتاء غير مجد في المقام بعد كون الإفتاء في الصدر الأول بنقل الرواية كما أن القضاء أيضا كذلك، و لذا أمر الإمام عليه السلام بالنظر في مستند الحكمين و ترجيح أحدهما على الآخر بما هو غير معهود كلية في باب القضاء، بل في باب الفتوى بغير الأعلمية و الأعدلية، و ليس كل ذلك إلّا لما ذكرنا من أنّ الإفتاء و القضاء حيث كان بنقل الخبر صحّ إعمال النّظر و الترجيح، فتدبّر.
ثانيهما: أنّ الإطلاق لصورة التفاوت في الفضل و الاختلاف في الرّأي مسلّم إلّا أن الإطلاقات متكفّلة للحجّية الذاتيّة الطبعية لا الفعلية حتى يستحيل شمولها للمتعارضين، إلّا أن يقال كما أنّ الإطلاقات لها ظهور في شمول المتعارضين كذلك في الحجية التعيينية و كذا في الحجية الفعلية، و الإنشاء بداعي بيان الملاك خلاف الظاهر، كما أنّ الإنشاء بداعي جعل الداعي طبعا لا بلحاظ العوارض و الطوارئ خلاف ما سلّم من الإطلاق لحال التعارض، فهناك ظهورات ثلاثة لا مرجّح لأحدها على الآخر.
: إذا علم أعلمية أحد المجتهدين و شكّ في اختلافهما في الفتوى، فهل
يتعيّن الأعلم أيضا أم يتخيّر بينهما؟.
لا شبهة في التعيّن بالنظر إلى ما يستقل به عقل العامي، لأنّ فتوى الأعلم مبرئة للذمة قطعا، سواء كان موافقا لغيره في الفتوى أم مخالفا، بخلاف غيره، فانّ فتواه لا تكون مبرئة إلّا على تقدير الموافقة مع فتوى الأعلم.
نعم بالنظر إلى مقتضيات الأدلة ربما يقال- كما عن المحقق الأنصاري (قدّس سرّه)- بالتخيير نظرا إلى(1):
أنّ مقتضى الاستدلال بأقوائيّة الظنّ الحاصل من فتوى الأعلم صورة مخالفة الأعلم.
و أنّ مقتضى المقبولة و نظائرها صورة الحكم بالخلاف من الأعلم، بل ظاهر صدرها جواز الرجوع إلى مطلق العارف بالأحكام.
و أنّ المقتضي لحجية كل فتوى موجود، و إعمال المرجّح بعد المعارضة.
و أنّ الفحص عن المعارض غير لازم إلّا فيما كان في معرض ورود المعارض له كالأخبار دون الفتاوى.
و أنّ أصالة عدم المعارض محكمة إلّا إذا علم إجمالا بتخالف المجتهدين بنحو الشبهة المحصورة(2)هذا ملخّص ما أفاده (قدّس سرّه).
و الجواب عن الأوّل: أنّ أقوائيّة الظنّ لا تناط بصورة المعارضة كما يوهمه ظاهر العبارة، بل توجب الترجيح عند المعارضة، و كما أنّه لا ترجيح في حكم العقل مع عدم إحراز المعارضة، كذلك لا تسوية بين الظنّين في ظرف وجدان العقل و إذعانه مع عدم إحراز الموافقة.
و عن الثاني: أنّ المقبولة المتكفلة لحكم نفوذ الحكم في صورة عدم الحكم
من الأفقه على الخلاف، كسائر الأدلة المتكفلة للأحكام الواقعية المترتبة على موضوعاتها، و إن كان فعليتها و تنجزها منوطا بالوصول و الإحراز موضوعا و محمولا، فهي مقيّدة لنفوذ الحكم بصورة عدم الحكم بخلافه من الأعلم لا بصورة العلم بالحكم بخلافه من الأعلم.
و منه تبيّن الجواب عن الثالث، فانّ الإطلاقات على فرض ثبوتها متقيّدة بعدم الحجة المعارضة لا بالعلم بها. و بالجملة فانّ لزوم إعمال المرجّح في فرض المعارضة واقعا، و إن كانت فعلية الحكم و العمل لا تكون إلّا مع إحراز المعارضة.
و عن الرابع: أنّ المفروض ثبوت فتوى من الأعلم، لكنه يشك في معارضتها لا أنّه يشك في أصل وجود المعارض، حتى يقال: انّ بناء العقلاء على عدم الفحص عنه، و دعوى سيرة الأصحاب على العمل بالفتاوى ما لم يعلم معارضها لا شاهد لها.
و منه تبيّن الجواب عن الخامس فانّه لم يعلم من العقلاء بناؤهم على عدم معارضة الموجود، بل على عدم وجود المعارض عند الشكّ في أصله، بل يمكن أن يقال: إنّ الرجوع إلى المفتي إن كان من باب سيرة العقلاء و بنائهم على الرجوع إلى أهل الخبرة، فلا محالة ليس لهم بناءان بنحو العموم و الخصوص، بل بناؤهم عملا على الرجوع إلى الأعلم من دون فحص، و على الرجوع إلى غيره بعد الفحص عن معارضة الأعلم له، فلا مقتضى للحجية في غير الأعلم إلّا بعد الفحص، فالفحص عن الأعلم ليس من جهة الفحص عن الحجة، حتى يقال:
إنّه خلاف ظاهر الأدلة، بل من جهة تمامية المقتضي لحجية غيره بناء على الحجية ببناء العقلاء.
: إذا علم اختلاف المجتهدين، و لكن شك في أعلمية كل منهما من الآخر، فالأمر أوضح مما مر.
و عن المحقق الأنصاري (قدّس سرّه) أنّه تدل عليه
الأدلة الأربعة لتعيّن الأعلم في صورة العلم (1)، و المراد من الأدلة الأربعة المذكورة في كلامه رحمه اللّه هي الإجماع و الأصل و الروايات من المقبولة و نحوها و بناء العقلاء.
لكن القدر المتيقن من الإجماع صورة العلم بالاختلاف و الأعلمية، و الأصل- و هو دوران الأمر بين التعيين و التخيير- لا مجرى له في بادئ الرّأي، إذ لا يحتمل تعيّن أحدهما فقط ليدور الأمر بين حجيته تعيينا أو تخييرا.
و بالجملة ليس أحدهما بالإضافة إلى الآخر مقطوع الحجية، كما أنّ المقبولة إذا كانت موجبة لنفوذ الحكم مطلقا إلّا مع العلم بالاختلاف، كذلك نقول إنّها مقتضية لحجية كل منهما إلّا مع ثبوت الحكم من الأعلم على خلافه، و إن كان التحقيق ما عرفت من تقيّد نفوذ الحكم بعدم الحكم من الأعلم على خلافه واقعا من دون دخل للعلم و الجهل في تقيّده و عدمه. نعم ظاهر رواية موسى بن أكيل (2)و داود بن الحصين (3)لزوم النّظر و الفحص، حيث قال عليه السلام: «ينظر إلى أفقههما و أعلمهما ... إلخ» و أما بناء العقلاء فقد عرفت حق القول فيه. لكنه إذا قيل في المسألة السابقة إنّ بناءهم على الترجيح في مقام ثبوت المعارضة في ظرف وجدانهم لا على ثبوتها الواقعي، كذلك لنا أن نقول إنّ بناء العقلاء عملا على الترجيح مع ثبوت الأعلمية في ظرف وجدانهم، و إعمال المرجّح انّما يكون تعيينيا مع ثبوت المرجّح، و لا بناء منهم على الفحص عن المرجح.
لكن كل ذلك من باب الجدل، و إلّا فالتحقيق ما عرفت حتى في الأصل، إذ لا يقين في صورة المعارضة و احتمال المرجح في أحد الطرفين بكون التمسك
بأحدهما مبرئا للذمة، فلا مناص عقلا من الفحص عن الأعلميّة.
: هل يجب مع الاتفاق في الفتوى تقليد الأعلم أيضا، بدعوى أنّ الإفتاء منصب له، و يكفي احتماله في تعيّنه حيث لا يقين بالبراءة في غيره، خصوصا بالنظر إلى ما ورد في باب القضاء عن أمير المؤمنين عليه السلام في كتابه إلى و إليه بمصر: «اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك»(1)و ما ورد من النهي عن إفتاء الشخص و في الناس من هو أعلم منه، و فحوى ما ورد في تقديم الأفضل على غيره في باب الجماعة(2)؟
و التحقيق خلافه بناء على طريقية الفتوى، إذ الواقع المنجّز الّذي لا يعذّر عن خلافه واحد حسب فتوى الأفضل و المفضول، و غيره لا منجّز له على الفرض، فلا تبعة له على فرض خطأ المفضول كالأفضل.
نعم بناء على الموضوعيّة يمكن أن يقال: إنّ العمل المستند إلى فتوى الأفضل معنون بعنوان ذي مصلحة ملزمة يتدارك بها مصلحة الواقع دون فتوى المفضول، فنفس العمل و إن كان مطابقا لكلا الفتويين، لكنّه لا بدّ من إيقاعه مستندا إلى الفتوى.
لكنك قد عرفت أنّ الأصل بناء على الموضوعية هو التخيير دون التعيين في صورة الاختلاف فضلا عن المساواة، و لا دليل يقتضي تعيّن فتوى الأفضل من باب الموضوعية، حتى يقال بلزوم التعين سواء اختلف الأفضل و المفضول أم لا.
و أمّا ما استدل به من الأخبار المسطورة هنا فهو لا ينهض لإثبات تعيّن الأفضل في صورة الاختلاف فضلا عن صورة الوفاق، لوضوح سوق الأول
مساق الاستحباب و الإرشاد، و إلّا لكان تعيّن الأفضل للحكم بين الناس مقتضيا لإرجاع الكل إلى شخص واحد لا في كل بلد إلى أفضل الرعية، بل كان اللازم تولي الوالي و هو مالك الأشتر للقضاء لكونه قطعا أفضل ممّن كان بمصر، مضافا إلى ما عرفت سابقا من عدم الملازمة بين القضاء و الإفتاء. و سياق الثاني على فرض صحته يقتضي إيكال أمر الفتوى إلى الأعلم، لكون نظره بمقتضى أعلميّته أصوب، لا لأنّ الإفتاء منصب عظيم لا يليق إلّا للأفضل و إن وافق المفضول في الرّأي. و سياق الثالث للاستحباب قطعا خصوصا مع ملاحظة أنّه يقدّم الأقرأ على الأفضل هناك (1).
: إذا اتفق المجتهدون في الفتوى مع التفاضل أو مع عدمه، فهل يجب تعيين من يستند إلى فتواه بالخصوص، أو له الاستناد إلى الجميع، أو إلى الجنس، أو لا يجب التعيين بوجه من الوجوه فيكفي مطابقة عمله لفتاواهم؟.
أمّا على الموضوعية و كون العمل المستند إلى الفتوى بهذا العنوان ذا مصلحة فلا ريب في لزوم التعيين، إلّا أنّ الشأن في إثبات الموضوعية، و على فرض الموضوعية لا ينحصر فرض مصلحة زائدة على مصلحة الواقع فيما ذكر، بل لنا أن نقول إنّ الفعل من حيث كونه مفتى به ذو مصلحة كما في مؤديات الأمارات، فمجرد تعلّق الرّأي بحكمه يوجب كون موضوع الحكم ذا مصلحة مقتضية له، فلا يجب التعيين حينئذ كما لا يجب في الأمارات.
و أمّا على الطريقية فحال الفتاوى المتوافقة حال الأخبار المتطابقة من كون منجّزيتها للواقع و معذّريتها عن الخطأ لا يوجب حدوث عنوان قصدي في العمل بحيث يجب قصده، بل نفس ما تعلّقت به الفتوى يتنجز على المكلّف و يكون فعله في الخارج معذّرا عن الخطأ و مبرئا للذمة عن تبعة الواقع، فإذا أتى به
1) الوسائل: ج 5، باب 28 من أبواب صلاة الجماعة.
المكلّف غير قاصد لكونه مفتى به فقد أتى حقيقة بما تنجّز عليه بسبب الفتوى و بما يبرئ ذمته على الفرض و إن خالف الواقع، لأنّه الّذي قامت الحجة القاطعة للعذر و المعذرة عند الخطأ عليه، لأنّ الفتوى على الفرض تعلّقت بحكم هذا الموضوع بذاته لا بحكم العمل المستند إلى الفتوى، فمفادها تنجّز هذا الحكم عليه و براءة الذّمّة بنفس موافقته لا بشيء زائد.
و يمكن أن يشكل بأنّ الاستناد إلى الفتوى و إن لم يكن دخيلا في صحة العمل فانّها تابعة للواقع، إلّا أنّ الحجة إنّما يستند إليها في مقام الاعتذار إذا استند إليها في العمل المخالف للواقع، فمع عدم الاستناد إليها في العمل لا معنى لأن يحتجّ بها على المولى عند الخطأ.
ثم على تقدير لزوم الاستناد لا ريب في عدم تعقل الاستناد إلى الواحد لا بعينه، لما حقّق في محلّه من أنّ المردد لا واقعية له ماهية و وجودا فلا يتعيّن به شيء أبدا.
و أمّا الاستناد إلى المجموع بما هو مجموع فلا معنى له، إذ المفروض أنّ كل واحدة من الفتاوى منجّزة و معذّرة، ففرض المجموع مع القطع بأنّ كل واحدة منجّزة و معذّرة لا جزء المعذّر و المنجّز خلف لا يتوجه القصد الجدي في مقام الاستناد إليه عقلا.
فان قلت: حيث إنّ الفعل واحد فلا يعقل تعدد المنجّز و المعذّر بالإضافة إليه، لاستحالة أسباب متعددة مستقلة لمسبب واحد، فلا محالة كلها في حكم سبب واحد عند اجتماعها على مسبب واحد، كما هو الشأن في غير المورد من موارد اجتماع علل متعددة على معلول واحد، فانّ ما يستقل بالعليّة عند الانفراد يكون جزء العلّة عند الاجتماع.
قلت: معنى الحجة كون الشيء بحيث يحتج به المولى على عبده و العبد على مولاه، و كون جميع الفتاوى أو الأخبار بهذه الحيثية بالإضافة إلى فعل واحد لا
مانع منه، و تضايف المنجّزية و المتنجّزية لا يستدعي التعدد إلّا في مقام الإضافة و لحاظ الشيء بالقياس إلى غيره، مثلا: إذا أضيف سقف واحد إلى ما دونه من الأجسام المترتبة في الوضع، فهو و إن كان واحدا إلّا أنّه في مقام الإضافة إلى كلّ واحد مما دونه تكون له الطرفية المصححة لانتزاع الفوقية منه و التحتية مما دونه، ففي الحقيقة ذات الفوق واحد و ذات التحت متعدد إلّا أنّ السقف في كل إضافة و قياس ملحوظ مستقلا، فكذلك الأخبار المتعددة بالإضافة إلى تكليف واحد، فالتكليف و إن كان واحدا بالذات فالمتنجز بالذات واحد، و له بالقياس إلى كلّ واحد من الأخبار ثبوت في ظرف الإضافة و الاعتبار، فليس ما نحن فيه من قبيل أسباب متعددة مجتمعة على مسبب واحد، بل من قبيل مضايف واحد بالإضافة إلى مضايفات متعددة. و أمّا سبب استحقاق العقوبة فهي مخالفة ما قامت عليه الحجة، و ذات المخالفة المعنونة بعنوان الظلم على المولى واحدة، فيكون السبب واحدا و المسبب واحدا، و أمّا كون الفعل الواحد مخالفة لحجج متعددة فهو من قبيل وحدة ذات المضايف و تعدد ذوات مضايفة لا سبب و مسبب، فتدبّره فانّه حقيق به.
و على ما ذكرنا فالصحيح، إمّا الاستناد إلى واحد بالخصوص، أو إلى الطبيعي الموجود بوجود الكل من دون نظر إلى الكثرات و المميزات، أو إلى الجميع، و لا يلزم هنا أيضا تعدد العلل مع وحدة المعلول، فانّ الداعي هو التكليف الّذي قامت عليه حجج متعددة، فلو دعاه هذا التكليف الّذي قامت عليه حجج متعددة فقد استند إلى الجميع.
: إذا اختلف المجتهدان في الورع مع التساوي في العلم، فالمشهور على تقديم الأورع، و مقتضى الأصل و عدم تيقن براءة الذّمّة إلّا بمقطوع الحجية قد مرّ مرارا.
لكن ينبغي أن يعلم أنّ ملاك الحجية أمر و شروطها أمر آخر، فانّ العلم
و المعرفة ملاك الحجية و لأجلهما يحكم العقل و العقلاء برجوع الجاهل إلى العالم، فمن كان الملاك فيه أقوى كانت حجيته أقوى، بخلاف العدالة في العمل و سائر الشرائط فانّها و إن كانت معتبرة في حجية الفتوى، لكنها ليست ملاك الحجية و مناط الطريقية، فتفاوت المجتهدين في الشرائط قوة و ضعفا لا يوجب أقوائية الحجية في فتاواهما، و عليه ففي مثل الشك في شرطية أصل العدالة و إن كان الأصل اشتراطها لعدم اليقين ببراءة الذّمّة إلّا باتّباع العادل مثلا، لكن بعد فرض شرطية العدالة بأول مرتبة منها، فلا يوجب تعارض الأعدل و العادل تقديم الأول من باب تقديم أقوى الحجتين على أضعفهما، لفرض طريقية الفتوى، و ليس ملاك طريقيّتها و حجيّتها إلّا العلم و المعرفة بالحكم، و الشرائط شرائط لا ملاكات و مقتضيات، فهي أجنبية عن مرحلة تقديم أقوى الحجتين على أضعفهما.
نعم بناء على الموضوعية ربما أمكن أن يتوهّم أنّ مجموع الأمور المعتبرة في الفتوى ملاك حجيتها، و أنّ المصلحة المقتضية لجعل الحكم المماثل قائمة بفتوى خاصة.
و منه علم حال الفرع الآخر و هو تعارض الأعلم و الأورع، فانّه بملاحظة ملاك الحجية و الطريقية لا ينبغي الريب في تقديم الأعلم، لأنّ ملاك الحجية فيه أقوى دون الأورع، و أمّا بملاحظة السببية و الموضوعية فاحتمال تعيّن كلّ من الوصفين قائم، فلا موجب لتقديم الأعلم على هذا الوجه بل اللازم هو التخيير، فتقوية تعيّن الأورع في الفرع المتقدّم آنفا و تعيّن الأعلم في هذا الفرع ليس على ما ينبغي. ثمّ إنّ الأورع إذا كان كذلك في مقام الاستنباط بحيث يبالغ في بذل جهده و وسعه أزيد من الأعلم فمرجعه إلى الخلف، لأنّا لا نعني بتقديم الأعلم تقديم من كان أقوى ملكة و لو لم يبذل مقدار وسعه و مبلغ نظره، بل من أدّى النّظر حقّه و الأعلمية وظيفتها، و عليه فبذل المفضول وسعه زيادة على
ما يبذل من في درجته بمقتضى أو رعيته لا يكاد يفيد في تقديمه على الأعلم.
: إذا رجع المقلّد بمقتضى استقلال عقله إلى الأعلم، فلا مانع من إرجاع الأعلم له إلى غيره بمقتضى رأيه و فتواه بجواز تقليد غير الأعلم.
و عن شيخنا العلّامة الأنصاري (1)(قدّس سرّه) في رسالة التقليد حكاية المنع عن بعض معاصريه، فقال (قدّس سرّه) في طريق دفعه: إنّ الكلام إن كان في جواز إفتاء الأعلم بهذه الفتوى بعد اجتهاده فيها فلا وجه لمنعه، و إن كان في صحة عمل المقلّد بها فلا إشكال في الصحة بعد جواز التقليد فيها و بعد علم المقلّد بأنّ هذه المسألة يجوز التقليد فيها، و استند (قدّس سرّه) في صحة التقليد إلى عموم أدلة جواز التقليد، و في علم المقلد إلى كون التقليد مركوزا في ذهنه من حيث رجوع الجاهل إلى العالم.
و أنت خبير بأنّه ليس كل ما تقتضيه الأدلة و يستنبطه المجتهد تقليديا، أ لا ترى أنّ مقتضى الأدلة جواز التقليد مع أنّه ليس بتقليدي، للزوم الدور أو التسلسل، فليس كل ما يستفيده المجتهد قابلا للفتوى على طبقه، كما ظهر أنّ عموم جواز التقليد لا ينافي عدم جواز التقليد في مسألة جواز التقليد، فانّ الاستناد إلى الفتوى في الصلاة و الصوم أمر و الاستناد إلى نفس الفتوى في جعلها مستندا أمر آخر، لاستلزامه المحاذير العقلية.
و منه علم أنّ علم المقلّد بجواز التقليد لما ارتكز في ذهنه غير علمه بجواز التقليد حتى في مسألة جواز التقليد، فانّ مرجعه إلى ارتكاز الخلف في ذهنه، لأنّه حينئذ مقلّد في جواز التقليد لا مستنده في جواز التقليد ما ارتكز في خاطره و استقل به عقله.
بل اللازم بيان ما يتخيّل في وجه المنع و دفعه. فنقول: كما أنّ التقليد في
1) مجموعة رسائل: ص 82.
أصل جواز التقليد و تقليد الأعلم في لزوم تقليد الأعلم و تقليد غير الأعلم في جواز تقليد غير الأعلم كله يستلزم الدور، و تقليد غير الأعلم في وجوب تقليد الأعلم يستلزم الخلف و أنّه يلزم من وجوده عدمه، كذلك لازم تقليد الأعلم في جواز تقليد غير الأعلم هو الخلف و شبهه، لأنّ المفروض وجوب تقليد الأعلم معيّنا و عدم جواز تقليد غيره، فإذا جاز تقليد الأعلم في جواز تقليد غير الأعلم لزم من وجوب تقليده معيّنا عدم وجوب تقليده معيّنا، و من حجية فتواه بالخصوص عدم حجية فتواه بالخصوص. و ببيان آخر: كما أنّ أصل التقليد لا يعقل أن يكون بالتقليد، بل لا بدّ من انتهاء التعبد إلى القطع، كذلك خصوصية المقلّد، إذ مجرد استقلال العقل بوجوب التقليد مع عدم تعيين المقلّد من الجهات المعتبرة عقلا في المقلد لا يجدي في الاستناد الفعلي، فلا بدّ من أن لا تكون الخصوصية تقليدية.
و الجواب: أنّه مع عدم استقلال العقل بالتقليد لا يعقل وجوب التقليد، و مع استقلاله به لا مجال لوجوبه و الخصوصية كأصله في ذلك، فانّه مع عدم استقلال العقل لا مجال للرجوع إلى واجدها أو فاقدها تعبّدا، و مع استقلال العقل باعتبارها لا مجال للتقليد فيها، إلّا أنّ العقل إنّما أوجب الرجوع إلى الأعلم، لا من حيث استقلاله باعتبار هذه الخصوصية في المرجعية، بل لعدم إحراز جواز الرجوع شرعا إلى فاقدها، فهو احتياط من العقل، فلم يحكم العقل بوجوب التقليد معيّنا بمعنى استقلاله بوجوبه التعييني حتى يلزم الخلف من تقليد غير الأعلم بفتوى الأعلم، بل معناه أنّه لا يستقل العقل بجواز الرجوع إلى غيره، فحيث صحّ الرجوع إلى الأعلم استنادا في أصله إلى حكم العقل استقلالا و في خصوصيته إلى الاحتياط، كانت الخصوصية قابلة للتقليد كما أنّها قابلة للاجتهاد من دون لزوم محال. نعم إنّ استقلّ عقل المقلّد بتعيّن الأعلم بحيث يرى التسوية بينه و بين غيره تسوية بين العالم و الجاهل كما قرّبناه سابقا، فلا
محالة لا مجال له لتقليد الأعلم في هذه المسألة.
: المعروف أنّه يشترط في المفتي أمور أخر، منها: الذكورة، و البلوغ و طهارة المولد، و الإسلام، و الإيمان، و العدالة.
و لو لا التسالم على الكل من الكل لأمكن المناقشة في الكل.
أمّا الذكورة فلا دليل عليها بالخصوص، و ما ورد في باب القضاء من عدم تصدّي المرأة له (1)، و كذلك في الإمامة للرجال (2)، فالحكمة فيهما ظاهرة، و هل حال الفتوى إلّا كحال الرواية، و لذا يستدل بأدلة حجية الخبر على حجية الفتوى من دون اختصاص لحجية الرواية بالرجال، مع أنّه لا ينبغي الريب في جواز العمل لها برأيها أيضا، و الكلام في مجرد العمل بفتواها لا في تصدّيها لسائر مناصب المجتهد و كذا البلوغ، فانّ عمدة أدلة حجية الخبر بناء العقلاء، كما أنّ عمدة أدلة حجية الفتوى قضية الفطرة و سيرة العقلاء، و الكل على قبول خبر الثقة، و رجوع الجاهل إلى العالم، رجلا كان أو امرأة، بالغا كان أو لا، و قوله عليه السلام:
«انظروا إلى رجل منكم»(3)في باب القضاء وارد مورد الغالب، لا أنّ كونه رجلا في قبال كونه غلاما له خصوصية، و من الواضح أنّ أمر الفتوى من حيث المنصب ليس بأعظم من النبوة و الإمامة، فليس شمول الأدلة له مع وجود سائر الشرائط أمرا مستبشعا.
و أمّا طهارة المولد فلا نصّ فيها هنا و لا في باب القضاء. نعم في إمامة الجماعة وردت الأخبار(4)بلزومها في الإمام. و كذا في باب الشهادة(5)بعدم
قبول شهادة ولد الزنا، فإن أمكن الاستدلال بالفحوى فهو، و إلّا فقد عرفت أنّ ملاك قبول رأي الغير كونه عالما، كما أنّ ملاك قبول خبره كونه ثقة.
و منه تبيّن حال الإسلام و الإيمان بحسب القاعدة، و لذا لا ريب في قبول خبر الثقة و إن كان على خلاف رأي أهل الحق، و أمّا ما ورد عنهم عليهم السلام: «لا تأخذنّ معالم دينك من غير شيعتنا»(1)فذيل الخبر شاهد على أنّ الإرجاع إلى المؤمن لعدم الأمن من خيانة غيره لا للتعبّد المحض، و عليه فلو قطع بأنّ كيفية اجتهاده و استنباطه على طريقة أهل الحق و قطع بأنّه لا يخبر إلّا عما هو رأيه و معتقده فقد أمن من خيانته من جميع الجهات.
و مثله الكلام في العدالة من حيث العمل، فانّه لا دليل عليها بالخصوص في مسألة التقليد، إلّا ما يتوهّم من الرواية المنسوبة إلى الإمام العسكري عليه السلام بقوله: «و أمّا من كان من الفقهاء صائنا لدينه- إلى قوله عليه السلام:- فللعوام أن يقلدوه»(2)لكنه بعد المراجعة إليها يفهم منها أنّ اعتبار العدالة أيضا للأمن من الكذب و الخيانة لا تعبّدا، مضافا إلى ما ذكرنا مرارا من أنّ أدلة حجية الخبر و الفتوى واحدة، و لا يعتبر في الخبر إلّا الوثوق، و عليه عمل الأصحاب أيضا فلا وجه لاعتبار الزيادة في الفتوى، و أمّا آية النبأ(3)الدالّة على طرح خبر الفاسق و قبول خبر العادل، فبمقتضى مناسبة الحكم و الموضوع لا تستدعي أزيد من اعتبار الوثوق، فانّ الفاسق طبعا لا مبالاة له بالكذب، فالاعتماد على خبره في معرض الوقوع في خلاف الواقع، بخلاف العادل و من يوثق بخبره و إن كان فاسقا بالجوارح، و بهذا تختص العلة بخبر الفاسق، مضافا إلى أنّ اعتبار العدالة من حيث الخبر لا دخل له بالاعتبار من حيث الفتوى،
فلا دليل على عدم جواز العمل بفتوى الفاسق مع القطع بصدقة في خبره عن رأيه.
و حيث انجرّ الكلام إلى مسألة اعتبار العدالة في الفتوى فلا بأس بتحقيق الحال فيها و بيان حقيقتها على وجه الإجمال ليكون عليه المدار في المسائل الآتية.
فنقول و باللَّه المستعان: العدالة في اللغة هي الاستواء أو الاستقامة أو ما أشبه ذلك مما يراد فهما أو يقاربهما مفهوما، و عند علماء الأخلاق هيئة و ملكة يقتدر بها العقل العملي على تعديل القوى الثلاث من العاقلة و الشهوية و الغضبية على حسب ما يقتضيه العقل النظريّ، فالعدالة عندهم في القلب كاعتدال المزاج في القالب.
و بالجملة فضيلة القوة المدركة هي الحكمة (1)، و فضيلة القوة الشهوية هي العفة، و فضيلة القوة الغضبية هي الشجاعة، و فضيلة النّفس الناطقة بما هي عقل عملي هي العدالة و هي أمّ الفضائل، و كما أنّ العلم و الحكم وسط بين الجربزة و البلادة، و العفّة وسط بين الشره و الخمود، و الشجاعة وسط بين التهوّر و الجبن، كذلك، العدالة وسط بين الظلم و الانظلام، فالعادل ينتصف من نفسه لغيره و من نفسه و من غيره لنفسه، فما عن السيد الصدر رحمه اللّه في شرح الوافية من أنّ الشجاعة وسط بين الظلم و الانظلام اشتباه منه رحمه اللّه أو من الناسخ، كما أنّ تفسير ملكة العدالة المعتبرة شرعا في كلامه رحمه اللّه بالعدالة الأخلاقية، ثم الإيراد بعدم لزوم مثل هذه الملكة قطعا أيضا، بلا وجه إلّا مجرد الاشتراك في الاسم، أو مجرد كون كل منهما ملكة. و سيأتي إن شاء
1) و المراد بالحكمة العلم النافع، قال في طهارة الأعراق لابن مسكويه: الحكمة وسط بين السفه و البله، و المراد بالسفه هنا استعمال القوة الفكرية فيما لا ينبغي و كما لا ينبغي، و سماه القوم بالجربزة، و أعني بالبله تعطيل القوة الفكرية و اطراحها، و ليس ينبغي أن يفهم أن البله هنا نقصان الخلقة بل ما ذكرته من تعطيل القوة الفكرية بالإرادة، انتهى. (منه قدّس سرّه).
اللّه تعالى تمام الكلام فيه.
و أمّا في الشرع، فكما أنّها ليست مطلق الاستقامة، كذلك ليست الاستقامة الأخلاقية، إذ هي قلّ ما توجد إلّا في الأوحدي في كلّ عصر و مصر، فلا يعقل أن تناط بها الموارد الكثيرة التي تعتبر فيها العدالة شرعا، كما يظهر من أخبارها أيضا، فانّها و إن اعتبرت بعنوانها في موارد كثيرة، كما في باب الطلاق (1)، و في باب الشهادات في الحقوق (2)و في الهلال (3)كما يظهر للمراجع، لكنه قد عبّر عنها بعناوين أخر في تلك الأبواب، كعنوان العفيف (4)و الصائن (5)، و الصالح (6)و الخيّر(7)، و المرضي (8)، و المأمون (9)، و من علم منه خير(10)
ج 18، باب 41 من أبواب الشهادات، ح 8 ح 5، ح 21، و ح 23 و ح 6، 18.
، و من عرف بالصلاح في نفسه (11)ج 18، باب 41 من أبواب الشهادات، ح 8 ح 5، ح 21، و ح 23 و ح 6، 18.
، و من يوثق بدينه و أمانته (12)ج 18، باب 41 من أبواب الشهادات، ح 8 ح 5، ح 21، و ح 23 و ح 6، 18.
، و من لا يعرف بفسق (13)ج 18، باب 41 من أبواب الشهادات، ح 8 ح 5، ح 21، و ح 23 و ح 6، 18.
، إلى غير ذلك (14)فيعلم من هذه التعبيرات المختلفة الصادق كل واحد منها مع فقد العدالة الأخلاقية، أنّ دائرة العدالة الشرعية أوسع من دائرة العدالة الأخلاقية، و ما ورد في تفسير حقيقة العدالة الشرعية كصحيحة ابن أبي يعفور(15)لا يقتضي اتحادهما، نظرا إلى ما في الصحيحة من اعتبار الستر و العفاف و كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان، فانّ العفاف و إن كان فضيلة القوة الشهوية، لكن1) الوسائل: ج 15، باب 10 من أبواب مقدمات الطلاق و شرائطه.
2) الوسائل: ج 18، باب 41 من أبواب الشهادات، ح 1.
3) الوسائل: ج 7، باب 10 من أبواب أحكام شهر رمضان.
4) الوسائل: ج 18، باب 41 من أبواب الشهادات، ح 10، و ح 23 و ح 9 و 19، ح 3.
5) الوسائل: ج 18، باب 41 من أبواب الشهادات، ح 10، و ح 23 و ح 9 و 19، ح 3.
6) الوسائل: ج 18، باب 41 من أبواب الشهادات، ح 10، و ح 23 و ح 9 و 19، ح 3.
7) الوسائل: ج 18، باب 41 من أبواب الشهادات، ح 10، و ح 23 و ح 9 و 19، ح 3.
8) الوسائل: ج 18، باب 41 من أبواب الشهادات، ح 10، و ح 23 و ح 9 و 19، ح 3.
9) الوسائل: ج 18، باب 41 من أبواب الشهادات، ح 10، و ح 23 و ح 9 و 19، ح 3.
10) الوسائل: ج 18، باب 14 من أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوى، ح 12 و الوسائل:
11) الوسائل: ج 18، باب 14 من أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوى، ح 12 و الوسائل:
12) الوسائل: ج 18، باب 14 من أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوى، ح 12 و الوسائل:
13) الوسائل: ج 18، باب 14 من أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوى، ح 12 و الوسائل:
14) راجع الوسائل: ج 18، باب 14 من أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوى و باب 41 و 54 من أبواب الشهادات.
15) الوسائل: ج 18، باب 41 من أبواب صفات القاضي، ح 1.
مجرد تحقق هذه الفضيلة غير تعديل القوى الثلاث بحيث يكون موجبا لاجتماع كل الفضائل النفسانيّة في الشخص، و أمّا اجتناب الكبائر بحسب الأركان منضمّا إلى كفّ النّفس بحسب الجنان، فلا يكون لازما خاصا لملكة العدالة الأخلاقية، بل ربما ينشأ كما هو الغالب في المتدينين عن خوف نفساني من العقاب المترتب على ارتكاب الكبائر لا عن فضائل نفسانية تقتضي اجتنابها، و الخوف من العقاب بما هو، ليس كمالا و فضيلة للنفس كما عليه أهله.
و أمّا كون العدالة الشرعية مجرد الاجتناب عن الكبائر، أو عن ملكة نفسانية، أو مجرد الملكة مع عدم ملاحظة تأثيرها في الاجتناب عن كبيرة، أو الإسلام مع عدم ظهور الفسق، أو حسن الظاهر فقط؟ ففيه وجوه بل أقوال.
و عن بعض الأعلام (1)رجوع الثالث إلى الثاني، لأنّ الملكة إن أخذت باعثة بالفعل كانت مساوقة للاجتناب عن ملكة، و إن أخذت بنحو الاقتضاء لزم أن لا يكون مرتكب الكبيرة مع وجود الملكة فاسقا مع أنّه فاسق عندهم بلا شبهة.
و الجواب: انّ أخذ الملكة مقتضية إنّما يضرّ لو تخلف عنها مقتضاها بسبب مغلوبيتها لقوة شهوانية و نحوها، و أمّا إذا أخذت مقتضية مع عدم ارتكاب الكبيرة أصلا، إمّا لعدم الابتلاء، كما إذا بلغ صاحب الملكة قبل أن يبتلى في أول آن بلوغه بشيء حتى يجتنبه، فانّه بناء على القول بالملكة عادل، لكونه ذا ملكة و لم يرتكب كبيرة، و إمّا لعدم الارتكاب لا للملكة الرادعة و إن كانت فيه بل لحياء من الناس و نحوه، فانّه حقيقة ذو ملكة و لم يرتكب كبيرة أصلا، فأخذ الملكة مقتضية و الاقتصار عليها ينافي ما ذكر إذا تخلف مقتضاها عنها لا مطلقا، فالمراد من الملكة المجردة هي الملكة المقتضية غير المغلوبة للقوة الشهوية
1) هو المحقق الأنصاري( قدس سرّه) رسالته في العدالة، راجع آخر المكاسب المطبوع: ص 326.
أو الغضبية، و لازمها عدم ارتكاب الكبيرة لا كون اجتنابها عن ملكة ليئول الأمر إلى أخذ الملكة باعثة بالفعل، فتدبره فانّه حقيق به.
و عنه (1)(قدّس سرّه) أيضا الإشكال في جعل الأخيرين بمعنى العدالة، نظرا إلى أنّ مقتضاه جعل العدالة من الأمور التي وجودها الواقعي عين وجودها الذهني، مع أنّ مقابلها و هو الفسق من الأمور الواقعية، و لازمه حينئذ أن يكون مرتكب الكبيرة في الواقع مع عدم ظهورها للناس عادلا في الواقع و فاسقا في الواقع.
و الجواب: انّ المتقابلين و إن كانا لا يجتمعان في موضوع واحد، إلّا أنّ القائل بهذا يقول إنّ الفسق ظهور ارتكاب الكبيرة، فارتكاب الكبيرة أمر واقعي لا مدخل للعلم و الجهل فيه، لكن ظهوره يوجب عدم قبول شهادته و المنع عن إمامته إلى غير ذلك. و منه يعلم أنّه لم يلزم كون العدالة وجودها الواقعي عين وجودها الذهني، و كذا الفسق على ما بيّنا، فانّ ظهور الارتكاب مصداق مفهوم الفسق على هذا القول و عدمه مصداق العدالة. و لا يعقل أصلا في أي مورد أن يكون وجود شيء خارجا عين وجوده الذهني، و إن أمكن أن يكون وجود شيء واقعا عين وجوده العلمي بالعلم الحضوري، كما في الموجودات الإمكانية، فانّها عين وجودها العلمي لمبدئها، فانّ ارتباطها بالذات بمبدئها عين حضورها للمبدإ بأتمّ أنحاء الحضور و ارتباطها ذاتي لوجودها الواقعي، و كذلك حضور الصفات النفسانيّة للنفس، فانّه بعين وجودها لها، فتدبّر جيّدا.
مضافا إلى ما في التعبير بكون وجودها الواقعي عين وجودها الذهني، فانّ ظهور الارتكاب و عدم ظهوره ملازم للاطّلاع عليه و لعدمه لا أنّهما عينهما، لا كما أفاد شيخنا الأستاذ(2)(قدّس سرّه) من أنّ حسن الظاهر و عدم ظهور الفسق من
الأمور الواقعية، إذ هو بمعنى عدم الارتكاب علانية و لو ارتكب سرا، و الارتكاب و عدمه علانية ربما يكون معلوما و ربما يكون مجهولا، فانّه مندفع بأنّ الظهور و عدمه بالإضافة إلى الغير أخصّ من مجرد الارتكاب علنا و عدمه، إذ من شرب الخمر في السوق الّذي هو معرض الرؤية فقد أعلن به و إن لم يكن أحد يراه، لكنّه حقيقة لم يظهر لغيره، بل الفعل في محضر الغير الملازم للاطلاع عليه و الانتقال إليه هو مناط الظهور، و عدمه ملاك عدمه.
نعم لازم القولين الأخيرين أن تكون العدالة و الفسق إضافيين يختلفان بالإضافة إلى شخص دون شخص، فمن ظهر له ارتكاب الكبيرة منه يكون المرتكب بالإضافة إليه فاسقا حقيقة دون من لم يظهر له، فانّه بالإضافة إليه عادل حقيقة و واقعا، و لا يجديه جعل الظهور و عدمه مضافا إلى النوع، فانّه لا يمكن الالتزام بأنّ من ظهر عنده ارتكاب الشخص للكبيرة أنّه عادل حقيقة يرتّب عليه آثار العدالة بملاحظة عدم ظهوره للنوع و الغالب، و هذا أيضا ليس محذورا، لأنّ من يدّعي ذلك له أن يقول إنّ العدالة التي هي موضوع الأحكام مضايقة للفسق على حدّ الأمور الإضافية المختلفة بالقياس، كما أنّ من يقول بأنّ حسن الظاهر طريق شرعا يحكم بترتّب آثار العدالة على من كان له حسن الظاهر، و إن كان المطلع على سرّه و باطنه لا يمكنه ترتيب آثارها، فاختلاف الأشخاص في ترتيب الآثار و عدمه كما يلائم الطريقية كذلك يلائم جعل حسن الظاهر بنفسه عدالة و عدمه فسقا، فلا تغفل.
ثمّ ان عمدة الكلام في المقام في اعتبار الملكة عند الاجتناب عن الكبائر و عدمه.
و استدل له شيخنا المحقق الأنصاري (1)(قدّس سرّه) في رسالة العدالة بأمور:
1) في رسالته في العدالة المطبوعة في آخر المكاسب، ص 327.
منها اعتبار الوثوق بدين إمام الجماعة و ورعه، نظرا إلى أنّ الوثوق لا يحصل بمجرد تركه المعاصي في جميع ما مضى من عمره ما لم يعلم أو يظنّ فيه ملكة الترك.
و فيه: أنّ الوثوق بنفس الترك في المستقبل ربما يحصل و لو لم يحرز فيه ملكة باعثة كما حصل بالإضافة إلى الماضي، فإن علم بمعاشرته انّه يترك الكبائر لداع نفساني مستمر في المستقبل كما ترك في الماضي، فلا محالة يصدق حينئذ أنّه واثق بتركه المعاصي بل فوق الوثوق، مضافا إلى أنّ اليقين بالترك إلى زمان يجديه الاستصحاب فيما بعده لترتيب الآثار.
و منها: اعتبار المأمونية و العفّة و الصيانة و الصلاح و غيرها من الصفات النفسانيّة في الأخبار في الشاهد الّذي لا يعتبر فيه غير العدالة.
و فيه: أمّا المأمونية فهي ليست من الصفات النفسانيّة، إذ ليس معناها إلّا كون غيره منه في أمن. نعم كون غيره آمنا منه يجري فيه ما جرى في الوثوق من أنّه يحصل الأمن منه بمجرد إحراز ترك الكبائر فيما مضى من عمره أم لا، و قد عرفت الحال فيه.
و أمّا الصيانة فلا تختصّ بالنفس ليكون المراد منها تلك الصفة النفسانيّة، بل بمجرد صون الجوارح و حفظها عن ارتكاب الكبائر يكون الرّجل صائنا.
و منه ظهر حال العفّة، فانّ كونها فضيلة نفسانية للقوة الشهوانية اصطلاح أخلاقي لا أنّ معناها اللغوي أو العرفي ذلك، بل هي بمعنى المنع و الصون و الإباء و ما يساوقها، و في الدعاء: «اللّهم حصّن فرجي و أعفّه»(1)أي صنه و احفظه و امنعه عن الحرام، و في عدة روايات (2)«من عفّ بطنه و فرجه فانّ ظاهرها
أنّه عنوان فعله لا أنّه من صفاته النفسانيّة.
و أمّا الصلاح و كونه مرضيّا أو خيّرا، فالأمر فيها أوضح، فانّ من كانت أعماله صالحة مرضيّة لا يصدر منه إلّا الخير و لا يرتكب الفساد و ما لا يرتضى و الشر فهو صالح مرضيّ خيّر بلا إشكال، و لذا لا يعدّ شيء من ذلك من فضائل القوى النفسانيّة و لا من مبادئها، و إنّما هي عناوين انتزاعية تارة من الأعمال و أخرى من الأخلاق.
و منها: صحيحة ابن أبي يعفور: قال: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام: بم تعرف عدالة الرّجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم و عليهم؟ فقال عليه السلام: أن يعرفوه بالستر و العفاف و كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان، و تعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّه عليها النار من شرب الخمر و الزنا و الرّبا و عقوق الوالدين و الفرار من الزحف و غير ذلك، و الدلالة على ذلك كله أن يكون ساترا لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين تفتيش ما وراء ذلك من عثراته و عيوبه ...» الخبر(1)، حيث اشتمل صدر الصحيحة في مقام تعريف العدالة على الستر و العفاف و الكفّ المشتمل مجموعها على الصفة النفسانيّة، فلا يجوز أن يكون أخصّ من العدالة بل لا بدّ من مساواته لها، كما يمكن أن يكون أعمّ إذا كان المعرف من المعرفات الجعلية، و توضيح ذلك: إمّا اشتمال المجموع على الصفة النفسانيّة فقد يقال بأنّ نظره رحمه اللّه إلى العفاف، فانّ المراد منه الاستحياء من اللّه تعالى، و هو من الحالات النفسانيّة الموجبة لترك المعاصي، مع إمكان استفادة الصفة النفسانيّة من الكفّ، حيث إنّه عبارة عن الترك مع وجود الداعي إلى الفعل و هو لا يكون إلّا مع ثبوت حالة تحجزه عن الفعل.
و أشكل عليه بأنّه يكفي في صدق الكفّ ثبوت خوف فعليّ يقتضي الترك ما دام
1) الوسائل: ج 18، باب 41 من أبواب الشهادات، ح 1.
موجودا، و ذلك ليس من الملكة المقصودة في المقام.
قلت: أمّا العفاف فإن أريد معناه اللغوي أو العرفي فقد عرفت أنّه ليس من الملكات، و إن أريد معناه المصطلح عليه في فنّ الأخلاق فهي فضيلة القوة البهيميّة، و هي الواسطة بين الشره و الخمود، و الحياء من توابع هذه الفضيلة، و هي الوسط بين الوقاحة و الخرف، فأين أحدهما من الآخر.
و أمّا الكفّ فهو ليس بنفسه صفة من صفات النّفس، بل مغلوبية الداعي إلى الفعل، تارة لفضيلة من فضائل النّفس تقتضي عدم الفعل، و أخرى لرذيلة من الرذائل، كمن يترك سبّ من سبّه طلبا للجاه و أن يذكر بالحلم، و أمّا أنّ الخوف الباعث على الترك ليس من الملكة المقصودة بالمقام فسيجيء الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى.
و أمّا الستر فعن شيخنا الأجل (قدّس سرّه) في رسالة العدالة(1): انّه يرادف الحياء و العفاف تمسّكا بما في الصحاح (2)، حيث قال: «رجل ستير أي عفيف» قال (قدّس سرّه): فكأن المراد بالستر هنا الاستحياء من اللّه، و بالستر فيما بعد الاستحياء من الناس. لكنّك قد عرفت آنفا عدم مرادفة الحياء و العفاف.
و أمّا الستر فلو أردنا أن نجعله من الأمور النفسانيّة فينبغي أن يقال: إنّ المراد من الستر في مقام النّفس عدم ظهور الرذائل التي هي بمقتضى القوى الحيوانية كامنة في النّفس بنحو المادية، فعدم فعليتها بالمجاهدة معنى عدم ظهورها، أو أنّ المراد ستر الأخلاق الذميمة الحاصلة بمقتضى الطباع البشرية بعدم ترتيب مقتضياتها في الخارج، فجهاده النفسانيّ يوجب ستر ما كمن فيه
بعدم إيجاد مقتضاه، و الأوّل أقرب بالصفات النفسانيّة، و الثاني أنسب بمفهوم الستر المتبادر منه وجود المستور، و هذا المعنى من الستر على أي تقدير أعمّ موردا من العفاف الّذي هو اعتدال القوة البهيمية، و بالتأمّل يظهر أنّه ليس بنفسه من الصفات النفسانيّة و الملكات الإنسانية، بل معنى ينتزع، إمّا من عدم فعلية ذمائم الأخلاق، أو من عدم فعلية مقتضياتها في الخارج، و لذا لم يعدّ في فنّ الأخلاق من الفضائل.
و بالجملة عمدة نظره (قدّس سرّه) في الاشتمال على الصفة النفسانيّة إلى العفاف كما صرّح به في باب الجماعة من كتاب الصلاة(1).
و التحقيق أنّ العفّة بالمعنى الّذي يكون من ملكات النّفس هي اعتدال القوة البهيمية، و بهذا المعنى لا يعقل أن تكون عين الملكة الباعثة على اجتناب جميع الكبائر الملاءمة لجميع القوى من البهيميّة و الغضبيّة و غيرهما، بل باعثة على عدم صدور المآثم الملاءمة مع القوة البهيمية لا غيرها، و العفّة بهذا المعنى و إن كانت من لوازم الملكة المطلقة المقصودة هنا لكنها لازم أعمّ، لإمكان اعتدال خصوص القوة البهيمية دون سائر القوى، و أمّا إذا أخذنا العفاف لا بهذا المعنى، فلا وجه لجعله من الصفات النفسانيّة فضلا عن كونه من الملكات، و كونه وصفا ثبوتيا لا يستدعي أن يكون صفة نفسانية فضلا عن أن يكون ملكة، لما عرفت من أنّ معناه الصون و الحفظ و أشباهه و ينسب إلى الجوارح أيضا كما في الدعاء: «اللّهمّ حصّن فرجي و أعفّه»(2)أي صنه و احفظه، فالفرج الّذي لم يرتكب كبيرة تناسبه يصدق عليه هذا الوصف الثبوتي: أنّه مصون محفوظ عن الكبائر، و الشخص بلحاظ عدم ارتكابه للكبائر صائن عفيف.
و الّذي يمكن أن يقال هو أنّ ترك الكبائر أجمع معلول لأحد أمرين، إمّا وجود فضائل نفسانية مضادّة للرذائل النفسيّة المقتضية لفعل ما يناسبها، و هي العدالة الأخلاقية التي يمكن دعوى القطع بعدم اعتبارها في مقام ترتيب الآثار شرعا، و إمّا الخوف مما يترتب على فعل تلك الكبائر و لو لم يكن الخائف ذا فضيلة من فضائل النّفس أصلا، و ليس هذا المعنى من الخوف هي الخشية من اللّه جلّ جلاله استشعارا بعظمته و هيبته و جلاله و كبريائه، فانّ هذه الخشية أجنبية عن مقام فعل كبيرة أو صغيرة، و لا توجد إلّا في الأوحدي، كما أنّ الاستحياء من اللّه تعالى و إن أمكن أن يكون داعيا إلّا أنّه مقام منيع لا ترتبط به العدالة الشرعية، و أمّا الحياء من الناس فهو إنّما يجدي داعيا في المعاصي الظاهرة لا الخفية، فالداعي العام ليس إلّا الخوف من العقاب، و لا دليل على اعتبار أزيد منه في اجتناب الكبائر، إذ لو كان ترك الكبائر لغير هذه الجهة فلا محالة يكون الترك لكبيرة أو رذيلة من تدليس أو رياء أو سمعة أو طلب الجاه و نحو ذلك، و أمّا ترك الكبائر جميعا واقعا فلا يكون في غير الكامل إلّا لأجل هذا الخوف الراسخ الّذي بسبب رسوخه يطلق عليه الملكة، و بهذا يمكن الجمع بين قول من يقول باعتبار الملكة و من يقول بكفاية ترك الكبائر، فإنّ ترك الكبائر جميعا واقعا ملازم للخوف الراسخ، و إلّا لم يكن ترك الكبائر أجمع، فلا حاجة بعد الالتزام بترك الكبائر جميعا باعتبار ملكة من الملكات، و صدق العدالة بمعنى الاستقامة بلحاظ استقامته على جادّة الشرع فعلا و تركا، لا باعتبار الخوف، فانّه لا معنى لاعتبار الاستقامة فيه، فالاستقامة في الأفعال و التروك كالاستقامة في باب العدالة الأخلاقية من حيث تعديل القوى الثلاث، فصحّ أن يقال إنّ العدالة الشرعيّة هي الاستقامة العملية.
لا يقال: ترك الكبائر أجمع لو كان مناط العدالة الشرعية و أنّ الخوف لمجرّد الملازمة، فلا بدّ من القول بصدقها على من لم يرتكب كبيرة لعدم الداعي أو
لعدم الابتلاء و نحوه.
لأنّا نقول: أوّلا: إذا كان عنوان الدليل هو اجتناب الكبائر أو صون الجوارح عنها فربما يستظهر كون الترك عن مدافعة للهوى و كون الشخص الّذي يجتنب من شأنه أن يرتكب لوجود القوّة و الابتلاء بالكبيرة، و أمّا مع عدمهما فلا يصدق عرفا أنّه مجتنب و متجنّب و صائن و نحوها.
و ثانيا: أنّ مناط الاستقامة على جادة الشرع و عدم الانحراف عنها هو عدم ارتكاب الكبائر سواء كان بعدم المقتضي أم بعدم الابتلاء أم بالخوف المانع عن تأثير الهوى.
و أمّا ما يقال من أنّه لو لا ملكة الخوف و نحوها لا يوثق بأنّه لا يرتكب كبيرة، فمن ترك لعدم الابتلاء لا وثوق بأنّه لا يرتكب عند الابتلاء إلّا إذا أحرز أنّه ذو ملكة باعثة على ترك الكبائر فيما سيأتي كما فيما مضى، فالجواب عنه: انّ عدم الوثوق بأنّه لا يرتكب ليس منافيا لعدالته بالفعل، بل يوجب عدم الوثوق ببقاء عدالته، كما إذا لم يثق ببقاء ملكته فيما بعد مع القطع بوجودها فعلا. مضافا إلى أنّ القائل بالملكة يجعل العدالة هي الملكة الباعثة بالفعل لا المقتضية للبعث، و إلّا للزم كون صاحبها عادلا مع صدور الكبيرة، حيث إنّ تخلّف المقتضى عن المقتضي لا يوجب زوال المقتضي، بل عدم فعلية التأثير، فكما لا يعتبر على الملكة إلّا إحراز الملكة الباعثة بالفعل، كذلك لا يعتبر على القول بأنها نفس عدم ارتكاب الكبائر إلّا إحراز عدمه بالفعل و هو على الفرض حاصل.
نعم الإنصاف ما ذكرناه أوّلا من أنّ مناط الاستقامة العملية ترك الكبائر ممن له الابتلاء بها و الداعي طبعا إليها، فانّ الاستقامة على الجادة من أوصاف السالك فيها، فانّ السالك هو الّذي يوصف بالاستقامة تارة و بضدها و هو الانحراف أخرى، و أمّا غير السالك فلا هو مستقيم و لا منحرف، فلا بعد في أن
يكون غير المبتلى لا عادلا و لا فاسقا، فكل حكم يترتب على العادل فلا يترتب عليه، كما أنّه إذا فرض ترتب حكم على الفاسق بعنوانه لم يرتّب عليه أيضا.
فان قلت: إذا كانت العدالة بمعنى الاستقامة العملية و كان مناط الاجتناب الفعلي الابتلاء بالواقعة، فمن لا يبتلى بالكبائر يمتنع اتصافه بالعدالة مع أنّه ربما يكون أكمل الناس أخلاقا، بخلاف ما لو جعلناها بمعنى الملكة، فانّه و إن اعتبرنا فيها البعث الفعلي لئلا تصدق العدالة مع صدور الكبيرة من صاحب الملكة، إلّا أنّ المراد من الفعلية في قبال الاقتضاء هو أنّ الملكة بحيث لا ينفكّ عنها مقتضاها عند الابتلاء في قبال ما لو كانت مقتضية لعدم الانفكاك، فالاقتضاء عند صدور الكبيرة محفوظ لكنها سقطت عن تلك الحيثية التي كانت معقولة مع الابتلاء و عدمه، فمن علم فيه ملكة بحيث لا تنفك عن البعث الفعلي عند الابتلاء عادل و لو مع عدم الابتلاء، و لا يتصور مثله في طرف القول بأنّ العدالة نفس الاجتناب الفعلي عند الابتلاء، إذ لا حيثية هناك قبل الابتلاء.
قلت: كما يقال علي الملكة انّها بحيث لا تنفك عن مقتضاها، كذلك يقال علي هذا المسلك أنّ الشخص إذا كان يجتنب عند الابتلاء بحيث لا ينفك عنه الاجتناب كان عادلا و لو قبل الابتلاء، و ملاك هذه الحيثية كون حاله بحيث يخاف من تبعات الكبائر خوفا لا ينفك عن مقتضاه.
لا يقال: لا خوف مع عدم الابتلاء وجدانا، فما تلك الحالة التي لا تنفك عن الخوف في موقع الابتلاء.
لأنّا نقول: حبه لنفسه هو الموجب لهربه مما لا يلائم نفسه و هو أمر فطري جبلّي، فإذا علم من حال إنسان أنّه يحب نفسه محبة صادقة، فقد علم منه أنّه بحيث إذا ابتلي بما يترتب عليه ما ينافي و ينافر نفسه يجتنب عنه قطعا، فهو مستقيم عملا اقتضاء كما أنّه صائن كذلك و عفيف كذلك و خائف كذلك،
و الظاهر من هذه الأوصاف إذا أطلقت على شيء كون الصدق و الإطلاق بلحاظ الاقتضاء، كما في قولنا: النار محرقة، و الشمس مشرقة، و السنا مسهل، و السمّ قاتل، إلى غير ذلك من الإطلاقات.
ثمّ إنّ الصحيحة المتقدّمة(1)قد اشتملت، أوّلا على تعريف العدالة بالستر و العفاف و كفّ الجوارح الأربع، و ثانيا على قوله عليه السلام: «و تعرف باجتناب الكبائر ... إلخ» و ثالثا على قوله عليه السلام: «و الدلالة على ذلك كله أن يكون ساترا لعيوبه ... إلخ»، و قد اختلف في كون التعاريف الثلاثة تعريفا منطقيا، أو من باب المعرّف الجعلي الأصولي، أو كون الوسط متمما للمعرّف الأول، أو معرّفا للمعرّف الأوّل.
و قد أشكل على كل شق ببعض الإشكالات المذكورة في كلام الشيخ العلّامة (قدّس سرّه) في رسالة العدالة(2).
و التحقيق أنّ العدالة الشرعية هي الاستقامة المطلقة العملية على جادة الشرع، و لازم الاستقامة على الجادة اختيارا أمران، أحدهما: عدم الانحراف ذات اليمين و ذات الشمال، و ثانيهما: الكف عن الانحراف و التحفظ و الصون عنه، نظرا إلى أنّ المراد من الاجتناب ليس هو الترك و لو لعدم الابتلاء أو عدم الداعي، بل الترك مع وجود الداعي بمدافعة الهوى، و ترجيح جانب الفعل على الترك في الواجبات، و ترجيح جانب الترك على الفعل في المحرمات، فيكون حافظا لنفسه عن الوقوع في المعصية بترجيحه المزبور، فالصون و الحفظ و العفاف عنوان توليدي من ترجيح جانب الفعل على الترك و العكس، لا عنوان منتزع من نفس الفعل أو الترك، و لهذه الجهة نقول: إنّ هذه العناوين متقدمة طبعا
على الاجتناب. و حيث إنّ المراد بترك الكبائر و اجتنابها هو الترك الاختياري و الاجتناب كذلك، و هو لا يكون إلّا بما هو أقل مراتبه و هو الاجتناب عن خوف راسخ، و إلّا لم يكن ترك الكبيرة اختيارا بل متروكة بعدم الداعي و بعدم الابتلاء، أو لا يكون ترك الكبيرة بل تركها بفعل كبيرة أخرى من تدليس أو رياء أو سمعة و نحوها، فلا محالة تكون الاستقامة العملية المطلقة متلازمة بنحو المساواة مع الصيانة و الكفّ و مع اجتناب الكبائر أجمع. و من المعلوم أنّ فهم الاستقامة على الجادة بنحو الحقيقة لا يكون غالبا إلّا بفهم أحد المتلازمين، إمّا الصون و التحفظ المتقدّم بالرتبة على اجتناب الكبائر، أو عدم ارتكاب الكبيرة و هو عدم الانحراف المضاد للاستقامة. فتعريف الاستقامة المطلقة بلازمها، و هو التحفظ الاختياري عن الانحراف تارة، و بعدم الانحراف إلى الجانبين أخرى، يلائم المعرّف المنطقي، و لا يختص المعرّف المنطقي بالمتساويين مفهوما، و قد عرفت وجه تساوي المعرّف و المعرّفين.
و لعل وجه تقديم المعرف الأوّل على الثاني ما أشرنا إليه من تقدّمه الطبعي الرتبي، مع أنّ تعريف العنوان التوليدي بالعنوان التوليدي أنسب، و لذا ربما لا تراعى هذه النكتة كما في رواية أخرى (1)عن ابن أبي يعفور عن أخيه عبد الكريم بن أبي يعفور في باب شهادة النسوة، حيث قال عليه السلام: «تقبل شهادة المرأة و النسوة إذا كنّ مستورات من أهل البيوتات، معروفات بالستر و العفاف، مطيعات للأزواج، تاركات للبذاء و التبرّج للرجال في أنديتهم» فقد جمع عليه السلام في بيان العدالة المعتبرة في الشاهد بين الأوصاف المزبورة و الأفعال المناسبة للنساء، كما أنّه ربما يقتصر على أحد الأمرين، كما في شهادة الضيف قال عليه السلام: «إذا كان عفيفا صائنا»(2)و كما في مورد آخر قال
صلّى اللّه عليه و آله: «من عامل الناس فلم يظلمهم، و وعدهم فلم يخلفهم، و حدّثهم فلم يكذبهم، فهو ممن كملت مروّته و حرمت غيبته و ظهرت عدالته»(1)إلى غير ذلك.
و أمّا استبعاد المعرّف المنطقي حيث إنّ السائل لم يسأل عن حقيقة العدالة، بل عما تعرف به العدالة، فمندفع بأنّ الغرض حيث إنّه مترتب على وجود العدالة لا على فهم ماهيتها و حقيقتها فلذا لم يسأل بلسان ما العدالة، فالسؤال عمّا يعرف به ثبوت العدالة يجامع الجهل بحقيقة العدالة أيضا، بل الغالب أن يكون المنشأ هو الجهل بحقيقة ما هو موضوع الأحكام شرعا.
و أمّا قوله عليه السلام: «و الدلالة على ذلك كله ... إلى آخره» فهو في مقام جعل الأمارة على العدالة، بل يومي إلى أنّ ستره للعيوب أمارة على الاستقامة المطلقة و على صيانته و كفّه و على عدم انحرافه باجتناب الكبائر. و على أي حال فعدم ارتكاب الكبائر ظاهرا و عدم ظهور عيب منه الّذي هو معنى كونه ساترا لعيوبه أمارة و دليل شرعا على أنّه لا عيب فيه باطنا و أنّه مستقيم غير منحرف بفعل الكبائر باطنا، فالستر المذكورة في أوّل الخبر بناء على عدم مرادفته للحياء- كما عرفت- بمعنى عدم ظهور الرذائل في موطن النّفس أو عدم ظهور آثارها في موطن الخارج، و الظهور مساوق للفعلية و الثبوت، بخلاف الستر هنا، فانّه بمعنى عدم الإظهار للغير، فالاستقامة العملية ظاهرا أمارة على الاستقامة العملية باطنا، فعدم اتحاد الدليل و المدلول لا يتوقف على جعل الستر في صدر الخبر بمعنى الصفة النفسانيّة و جعل الستر في ذيله بمعنى الستر الفعلي، و لا على جعل الستر في صدر الرواية بمعنى الاستحياء من اللّه و في ذيلها بمعنى الاستحياء من الناس كما في رسالة العدالة.
1) الوسائل: ج 18، باب 41 من أبواب الشهادات، ح 15.
ثمّ إنّه لو التزمنا بما أفاده (قدّس سرّه) من أنّ العفاف صفة نفسانية، و معناه ملكة التعفف عن جميع القبائح لما كانت الصحيحة دليلا على أنّ العدالة متقومة بالملكة، و ذلك لأنّ العفاف المعرّف للعدالة، إمّا هو عينها، أو جزؤها المقوّم لها، بمعنى أن تكون العدالة هي الاجتناب المنبعث عن ملكة التعفف، أو لازمها، أو ملزومها، لا سبيل إلى الأول، ضرورة أنّ مرتكب الكبيرة فاسق و إن كان ذا ملكة التعفف، و الثاني و إن كان مفيدا و لو بانضمام الكفّ الفعلي إلى ملكة التعفف، لئلا يقال إنّ العفاف غير مقيّد بالاجتناب الفعلي، إلّا أنّه مع ذلك لا يكون دليلا على اعتبار الملكة المطلقة في العدالة الشرعية، توضيحه: إنّ الحد تارة هو مبدأ البرهان، و أخرى نتيجة البرهان، و ثالثة هو تمام البرهان، كتعريف الغضب بإرادة الانتقام على الأول، و بغليان دم القلب على الثاني، و بغليان دم القلب لإرادة الانتقام على الثالث، فإذا عرّفت العدالة بمجرد ملكة العفاف كما في المعرّف الأول كان من باب مبدأ البرهان، لأنّه تعريف للمعلول بعلّته، و إذا كان التعريف بمجموع المعرّفين بأن كان الثاني متمّما للأوّل، كان حدّا هو تمام البرهان، لاشتماله على العلّة و المعلول، و إذا كان كلّ منهما معرفا مستقلا كان الأوّل- كما مرّ- حدّا هو مبدأ البرهان، و الثاني حدّا هو نتيجة البرهان، لأنّ معلول تلك الملكة هو الاجتناب عن الكبائر، فكون التعريفين معرّفين منطقيين لا مانع منه على أي حال. نعم على أي حال لا دلالة للصحيحة على اعتبار الملكة المطلقة، لأنّ ملكة العفاف لا تناسب ترك جميع الكبائر، و الملكة المطلقة لا دخل لها بملكة العفاف فقط إلّا بانضمام فضائل سائر القوى و هي العدالة الأخلاقية. مضافا إلى أنّ تعريف العدالة بملكة العفاف يقتضي خروج العلّة عن ماهية المعلول.
و منه علم أنّ كون ملكة العفاف ملزوما للعدالة و علّة لها، إمّا غير صحيح، لعدم معقولية استناد اجتناب جميع الكبائر إلى خصوص ملكة العفّة التي هي
فضيلة القوة البهيمية، و إمّا غير سديد إذا أريد منه ملكة التعفّف عن جميع الكبائر، إذ لا أثر لهذه الملكة المطلقة في النّفس إلّا إذا أرجعت إلى العدالة الأخلاقية التي لا تعتبر في الآثار المترتبة عليها شرعا.
و أمّا كون ملكة العفاف لازما للعدالة فهو أيضا غير سديد، فانّ العدالة الأخلاقية و إن كانت تستلزم ملكة العفّة، إلّا أنّ العدالة الأخلاقية غير معتبرة شرعا، و كونها لازما للاجتناب عن جميع الكبائر لحصول الملكات غالبا بمزاولة الأعمال المناسبة لها، إلّا أنّ الملكة حينئذ معرّفة للاجتناب في ذلك الزمان لا الاجتناب في كلّ زمان، فتدبّر جيدا.
فإن قلت: كون الاجتناب عين العدالة، و كون الاستدلال من باب اللمّ ينافي قوله عليه السلام: «و تعرف باجتناب الكبائر» لأنّ الشيء لا يكون معرّفا لنفسه.
قلت: قد مرّ سابقا أنّ المراد من كون العدالة متحقّقة باجتناب الكبائر أنّها استقامة عملية لا أنّها عين الاجتناب، فتعريف الاستقامة العملية بعدم الانحراف عن الجادة و هو حقيقة اجتناب الكبائر، ليس من باب تعريف الشيء بنفسه، مع أنّ التغاير اللازم في الحدّ التام بنحو الإجمال و التفصيل متحقق هنا، لأنّ الاجتناب كالجنس، و تقيّده بخصوص المعاصي و خصوص كبائرها كالفصل، كما أنّ العدالة إن كانت بمعنى الملكة الخاصة كانت مغايرة بهذا النحو مع ملكة العفاف المنضمّ إلى الكف الفعلي، فلا تغفل.
و أمّا ما عن شيخنا المحقق الأنصاري (برّد اللّه مضجعه)- من أنّ المراد بالاجتناب المعرّف للعدالة هو الاجتناب الظاهر للناس عند معاشرته و مخالطته عن المعاصي التي تظهر للناس، مثل قتل المسلم و الإهانة بالمؤمنين و شتمهم، و قد جعله الشارع طريقا للحكم عليه بأنّه مجتنب في الواقع عن المعاصي الخفيّة، مثل الإفطار في الخلوات و نكاح الحائض و السرقة عند الفرصة و بغض المؤمنين-
فهو مناف للصحيحة من وجهين: أحدهما تفسيره عليه السلام للكبائر التي جعل الاجتناب عنها معرّفا بشرب الخمر و الزنا و عقوق الوالدين و الفرار من الزحف، فانّ شيئا من ذلك غير متمحّض في الظهور حتى الأخير. ثانيهما قوله عليه السلام «و الدليل على ذلك كلّه أن يكون ساترا لعيوبه» فانّه بناء على ما أفاده (قدّس سرّه) من عدم ارتكاب الكبائر الظاهرة في تفسير الاجتناب المعرّف يتّحد مفاده مع هذه الفقرة فلا موجب لإعادته، مضافا إلى أنّ ظاهر قوله عليه السلام: «و يعرف» كقوله عليه السلام «بأن يعرفوه» على نسق واحد، فأمّا أن يكونا من قبيل المعرّف المنطقي أو الأصولي فحمل قوله عليه السلام: «بأن يعرفوه» على المنطقي، من باب تعريف المعلول بعلّته، و حمل قوله عليه السلام: «و يعرف» على الأصولي، و لذا جعله طريقا ظاهريا إلى العدالة الواقعية، تفكيك ركيك. هذا كلّه بناء على جعل ملكة التعفّف عن جميع القبائح معرفا منطقيا للعدالة. و أمّا لو جعلت معرفا أصوليا، أي طريقا شرعيا إلى وجود العدالة، فأمّا أن تكون العدالة عين ملكة التعفّف، فكونها أمارة على نفسها غير معقول، و أمّا أن تكون ملكة أخرى فقد عرفت سابقا أنّ ملكة التعفّف عن جميع القبائح- على فرض تسليمها- مغنية عن فرض ملكة أخرى تسمّى بالعدالة، و العدالة الأخلاقية و إن كانت غيرها بل هي المنشأ لترك جميع القبائح، لمكان اعتدال جميع القوى و خلو النّفس من جميع الرذائل الداعية إلى ارتكاب القبائح، إلّا أنّها غير لازمة في تحقق العدالة الشرعية.
و مما ذكر ظهر أنّ العدالة ليست هي الاجتناب عن ملكة التعفّف، لأنّ ملكة التعفّف كما لا يمكن أن تكون أمارة على نفسها مستقلا كذلك على نفسها ضمنا، فلا مناص من جعلها أمارة على اجتناب الكبائر من باب جعل المقتضي أمارة على وجود المقتضي، فانّ ما لا يحتاج إلى تعبّد شرعي و يكون واضحا عرفا كون الملكة المؤثرة بالفعل في الاجتناب دليلا عليه، لا الملكة بما
هي مقتضية مع إمكان المانع، فدلالتها على وجود المقتضي قابلة للتعبّد.
لكن حيث إنّ نفس الاجتناب أيضا جعل أمارة على العدالة، فالصحيح ما مرّ مرارا من أنّ العدالة هي الاستقامة العملية على جادة الشريعة، فكما يصح أن تجعل الملكة المزبورة طريقا إليها من باب طريقية المقتضي إلى مقتضاه، كذلك يمكن أن يجعل الاجتناب و هو عدم الانحراف الملازم للاستقامة طريقا إليها من باب طريقية أحد المتلازمين إلى الآخر.
و على هذا فالوجه في تكثير الطرق و الأمارات تسهيل الأمر على المكلفين، فالملكة و الاجتناب طريقان للمعاشر مع الشخص، و ستره للعيوب و عدم فعل الكبيرة علنا طريق لغير المخالط معه سرّا و جهرا.
المحقق من جميع ما ذكرنا أنّ العدالة هي الاستقامة العملية بترك الكبائر و فعلها هو الانحراف المضاد للاستقامة، و أنّ الصحيحة سواء كانت العفّة من الملكات أم لا، و سواء كان المعرف من قبيل المعرف المنطقي أو الأصولي، ليست دليلا على اعتبار الملكة النفسانيّة في حقيقة العدالة الشرعية، و أنّه يكفي في ذلك انبعاث الاجتناب عن محض خوف الشخص مما يترتب على فعل الكبيرة، بل لو فرض اجتناب جميع الكبائر لا للخوف من العقاب بل لغرض آخر لا ينافى مع اجتنابه عن الكبائر جميعا أمكن القول بأنّه عدالة شرعية، و يشهد له ما ورد من أنّ «من ترك شرب الخمر لغير اللّه تعالى سقاه اللّه من الرحيق المختوم» فقال الراوي: و كيف يتركه لغير اللّه؟ قال عليه السلام: «صيانة لنفسه»(1)و بالجملة: الملاك كله اجتناب الكبائر جميعا بأي وجه اتفق.
نعم الأنسب ما ذكرنا من جعل قوله عليه السلام: «أن يعرفوه بالستر و العفاف» و قوله عليه السلام: «و تعرف باجتناب الكبائر» من قبيل المعرف
1) الوسائل: ج 17، باب 14 من أبواب الأشربة المحرّمة، ح 4.
المنطقي للاستقامة المطلقة، و جعل قوله عليه السلام: «و الدليل على ذلك كله ... إلخ» من قبيل المعرف الأصولي، لأنّ جعل العفّة إذا كانت ملكة أمارة تعبدية معقول كما ذكرنا، لكن جعل اجتناب الكبائر أمارة تعبّدية غير صحيح، لأنّ عدم الانحراف واقعا ملازم حقيقة للاستقامة الواقعية لا مجال للانفكاك بينهما حتى يمكن إعمال التعبّد فيه بجعله أمارة شرعية، فتدبّر في أطراف ما ذكرنا من الكلام فانّه مزالّ أقدام الأعلام.
: المعروف بين المتأخرين اعتبار المروّة في حقيقة العدالة.
و تحقيق الحال فيها أنّ المروّة لغة مروءة من المرء قلبت الهمزة واوا و أدغم أحد الواوين في الآخر، و حيث إنّ مادة المرء تطلق على الذّكر و الأنثى كالمرء و المرأة فليس معنى المروّة الرجولية أو كما لها بل الإنسانية و ما يقاربها، فتفسيرها بالإنسانية أولى من تفسيرها بالرجولية و الكمال فيها كما حكي عن الصحاح، و المراد من الإنسانية هنا أنّ الحيوان بما هو حيوان بهيمي أو سبعي يقتضي أمورا لا يقتضيها الإنسان بما هو إنسان، فانّ الإنسان إذا وافق قوته البهيمية بالشره و نحوه كان بهيمة بحسب المعنى، كما أنّه إذا وافق قوته الغضبية كان سبعا لا إنسانا بما هو إنسان، فالإنسانية المحضة تقتضي الاعتدال في القوة الشهوية بالعفّة، و في القوة الغضبية بالشجاعة، و في المدركة بالعلم و الحكمة، و في مقام النّفس الناطقة بالعدالة، و لذا جعل ركوب المروّة في الخارج من فضائل العدالة الأخلاقية في فنّ الأخلاق. و منه تبيّن أنّه لا اختصاص للمروّة بالعفّة التي هي فضيلة القوّة البهيميّة، كما تبيّن أنّ ركوب المروّة بهذا المعنى من فضائل النّفس و الإتيان بما ينافيها منبعث عن رذيلة نفسانية، و قد مر مرارا أنّ العدالة الأخلاقية غير العدالة الشرعية. و أمّا ما يستهجن في العادات بحسب الأشخاص و الأعصار و الأمصار،
مما لم يكن بنفسه حراما شرعا أو قبيحا عقلا، فلا موجب لاعتبار عدمه في العدالة الأخلاقية فضلا عن العدالة الشرعية. نعم إن كان بعض ما يستهجن في العادة كاشفا عن رذيلة نفسانية، كدناءة النّفس و قصر الهمّة، فهو مناف للعدالة الأخلاقية فقط دون العدالة الشرعية و توهّم- أنّه كاشف عن عدم الحياء المرادف للعفاف المعتبر في العدالة، و عن عدم المبالاة في الدين- مدفوع بأنّ الاستحياء من الناس بلحاظ ما جرت عليه عادتهم لا ربط له بالاستحياء من اللّه بلحاظ التعدّي عن حدوده تعالى، و العفاف بناء على مرادفته مع الحياء لا يراد منه إلّا الحياء باللحاظ الثاني قطعا، و أمّا عدم المبالاة في الدين فبديهي الفساد، بل غايته عدم المبالاة بعادات الناس أو عدم المبالاة بما يحسن تحصيله من الفضائل النفسانيّة دون عدم المبالاة بالأمور الدينية من الواجبات و المحرمات، فانّه بلا موجب جزما.
و عن شيخنا العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه) في رسالة العدالة بعد جملة كلام له: أنّ الأنسب أن يقال أنّ ذلك إنما يستفاد من لفظي الستر و العفاف الراجعين إلى معنى واحد، فيكون المراد بالستر ما عدّ في الحديث المشهور المذكور في أصول الكافي (1)في باب جنود العقل و الجهل مقابلا للتبرّج المفسر في كلام بعض محققي شرّاح أصول الكافي (2)بالتظاهر بما يقبح و يستهجن عند الشرع أو العرف، و لا ريب أنّ منافيات المروّة مما يستهجن في العرف، فهي منافية للستر و العفاف بذلك المعنى، و قد ذكر بعضهم في عدالة القوة الشهوية المسمّاة بالعفّة أنّ ما يحصل من عدم تعديلها عدم المروّة، و ظاهره أنّ المروّة لازمة للعفاف (3).
انتهى كلامه رفع مقامه.
مع أنّه (قدّس سرّه) ذكر أوّلا أنّ المراد بالستر صفته، و هي صفة العفاف دون الستر الفعلي المدلول عليه بقوله عليه السلام: «و الدليل على ذلك كله أن يكون ساترا لعيوبه ... إلخ» لئلا يلزم اتحاد الدليل و المدلول، و مقابل التبرّج و هو التظاهر بما يقبح و يستهجن شرعا أو عرفا هو الستر الفعلي دون صفته المرادفة لصفة العفّة، و ليس مقابل صفة العفّة إلّا صفة أخرى تعدّ من الرذائل النفسانيّة، فبين الكلامين تهافت واضح، مضافا إلى أنّه (قدّس سرّه) التزم أوّلا بأنّ المراد بالستر هو ستر العيوب الشرعية لا مطلقا، فلا وجه لجعله هنا أعم بملاحظة ما ذكره بعض المحققين في تفسير التبرّج من أنّه التظاهر بما يقبح و يستهجن عند الشرع و العرف، مع أنّ مراد المحقق المفسر مما يستهجن عند العرف ما يستهجن عندهم بما هم عقلاء، لا لمجرد جري العادة على شيء بحسب الأعصار و الأمصار، كما لا يخفى على الخبير بطريقته، و أنّه في مقام بيان فضائل الأخلاق و توابعها، و رذائل الأخلاق و لوازمها بما هي كمالات للنفس الناطقة و نقائص لها، فالعادات العرفية غير المبتنية على أصول شرعية أو عقلية أجنبية عن المقام، مع أنّ ما عدّ من المنافيات للمروّة كالأكل في السوق لغير السوقي، و كشف الرّأس في المجالس، و مدّ الرّجل بين الناس، و أشباه ذلك، لا تكون بما هي كاشفة عن عدم المبالاة أو عن عدم الحياء بلحاظ نفسها، بل الكاشف هو التظاهر بها فلو أكل في السوق مستخفيا، أو كشف الرّأس بحيث لا يلتفت إليه أحد، لم يكن هناك ما يكشف عن عدم حيائه و قلة مبالاته، فمورد التبرّج المقابل للستر هو التظاهر بما يقبح شرعا أو عقلا، فالمتظاهر به مذموم و التظاهر به مذموم أيضا، كما أنّ فعله متستّرا و إن كان مذموما أيضا إلّا أنّه غير متضمن للتبرّج الّذي هو مذموم، فهو من هذه الجهة ممدوح لكشفه عن مقدار من الحياء و عدم كونه في مقام هتك حرمة المولى، و الكلام هنا في التظاهر الّذي هو بنفسه مستهجن عند العرف فلا دخل له بالتبرّج على التفسير المذكور. و أمّا ما ذكره
أخيرا من كون المروّة من لوازم العفاف، فقد مرّ ما فيه فتذكر.
و مما فصّلنا القول فيه تبيّن عدم اعتبار المروّة في العدالة الشرعية، و انّ الإتيان بما ينافيها ليس ضائرا بها و لا موجبا بمجرده للكشف عن عدم الملكة أو عن عدم العفّة و الحياء الملازمين للملكة عندهم، و لقد أفرط من جعل الإتيان بما ينافي المروّة مرّة موجبا لزوال العدالة مع أنّه لا يقول به في المعصية الصغيرة.
و الكلام فيها من جهات:
: في انقسام المعاصي حقيقة إلى كبائر و صغائر، و الحق ذلك كما هو ظاهر القرآن، و هو قوله تعالى: «إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيئاتكم»(1)و الأخبار الصحيحة(2)صريحة في انقسام المعاصي إلى الكبائر و الصغائر، فالقول بأنّ الكبر و الصغر إضافيان و أنّ المعاصي كلها كبائر سخيف جدا و تطويل الكلام فيه بلا طائل،
في أنّ العدالة هل تدور مدار اجتناب الكبائر بخصوصها، أو مدار اجتناب مطلق المعصية كما حكي عن جماعة من القدماء؟ و يشهد للأول صحيحة ابن أبي يعفور، حيث قال عليه السلام: «و تعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّه عليها النار»(3)و يشهد للثاني ما في رواية علقمة، و هو مفهوم قوله عليه السلام: «فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا»(4)، و قولهم عليهم السلام في عدة موارد: «إذا لم يعرف بالفسق»(5)و هو في العرف مطلق الخروج عن طاعة اللّه دون ما يقابل
العدالة ليكون عمومه محل الكلام، بل قوله عليه السلام في صحيحة ابن أبي يعفور: «و الدليل على ذلك كلّه أن يكون ساترا لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين تفتيش ما وراء ذلك من عثراته و عيوبه» حيث يستفاد منه أنّ من ظهر منه عيب شرعي لم يكن بعادل، بل ورد(1)في عدم قبول شهادة سابق الحاجّ ما يدل على سعة دائرة الفسق، نظرا إلى أنّه قتل راحلته و أتعب نفسه، بل يمكن أن يقال في توجيه صحيحة ابن أبي يعفور: أنّ اجتناب الكبائر بخصوصها أمارة غالبية على اجتناب مطلق المعاصي، للملازمة الغالبية، كما في رواية أخرى، حيث قال صلّى اللّه عليه و آله: «من عامل الناس فلم يظلمهم، و حدّثهم فلم يكذبهم، و وعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروّته و ظهرت عدالته»(2)فانّ هذه الخصال الثلاث كاشفة عن استقامته على جادة الشرع في سائر الجهات، للملازمة الغالبية، لا أنّ العدالة تدور مدار اجتناب الكبائر فقط، أو مدار اجتناب الظلم في المعاملة و الكذب و خلف الوعد فقط، و كذا ما ورد في قبول شهادة النساء من أنهنّ «إذا كنّ مستورات- إلى قوله عليه السلام:- تاركات للتبرج مطيعات للأزواج ... إلى آخره»(3)فانّ ما يترقّب من خصوص النساء من المعاصي، حيث كان التبرج بزينتهنّ و معصية الأزواج، فلذا جعل عدمهما أمارة على عدالتهنّ. مضافا إلى أنّ التبرّج بالزينة ليس معدودا من الكبائر في أخبارها حتى يكون عدمه دليلا على العدالة، و لأجل ما ذكرنا ربما يقوى في النّظر دوران العدالة مدار اجتناب مطلق المعاصي.
و التحقيق أنّ اجتناب الكبائر إن كان منبعثا عن فضائل نفسانية فلا محالة
يلازم اجتناب سائر المعاصي، إذ لا فرق في مقتضيات الفضائل النفسانيّة بين معصية و معصية تناسب القوى الحيوانية، و إن كان منبعثا عن الخوف من العقوبة المترتبة على المعاصي، فحيث إنّ المعاصي متفاوتة فيما يترتب عليها من العقوبات، فيمكن أن تؤثّر شدة عقوبات الكبائر في الخوف من ارتكابها دون غيرها، فلا ملازمة أصلا.
نعم اجتناب الصغائر للخوف من عقوباتها يلازم الاجتناب عن الكبائر بل بالأولوية.
و يمكن أن يقال: إنّ إطلاق الذنب في رواية علقمة مقيد بخصوص الكبائر التي أنيطت بها حقيقة العدالة في صحيحة ابن أبي يعفور، و مثل الصحيحة بيان للفسق الّذي أنيط بمعرفته عدم قبول الشهادة و بعدمه قبولها.
و أمّا ذيل الصحيحة فهو فرع و تبع لصدرها، فانّ الستر الّذي جعل أمارة ستر تلك العيوب التي كان إظهارها فسقا و هي الكبائر، فانّ قوله عليه السلام:
«و تعرف باجتناب الكبائر» في مقام بيان حقيقة العدالة، و قوله عليه السلام:
«و الدليل على ذلك كله ... إلى آخره» في مقام بيان الأمارة على تلك الحقيقة.
و منه تبيّن الجواب عن جعل معرفة اجتناب الكبائر أمارة على اجتناب مطلق المعاصي.
و به ظهر الفرق بينها و بين ما في الرواية المذكورة آنفا من أنّ «العادل من عامل الناس فلم يظلمهم ... إلخ» فانّه لا بأس بأن تكون هذه الخصال أمارة على استقامته في سائر الأفعال، بخلاف ما أفيد في صحيحة ابن أبي يعفور في مقام شرح الحقيقة، و لا دلالة لهذه الرواية على أنّ ترك مطلق المعصية مناط العدالة، نظرا إلى أنّ خلف الوعد ليس من الكبائر، و ذلك لأنّ المرتب على هذه الخصال الثلاث كمال المروّة و ظهور العدالة، فلعل للوفاء بالوعد دخلا في كمال المروّة لا في خصوص العدالة، فلا دلالة لهذه الرواية على وجوب الوفاء
بالوعد و حرمة خلفه فضلا عن كون خلفه من الكبائر، و في الرواية إشعار أيضا بمقابلة كمال المروة للعدالة لا أنّها مأخوذة فيها فتأمّل.
و أمّا ما ورد في قبول شهادة النساء فالظاهر أنّ قوله عليه السلام:
«تاركات للتبرج مطيعات للأزواج» تفصيل لما أجمله عليه السلام في قوله:
«إذا كنّ مستورات من أهل البيوتات معروفات بالستر و العفاف» غاية الأمر أنّ التخصيص للنكتة المتقدمة من أنّهما من المعاصي المترقب صدورها منهنّ، و الظاهر من قوله عليه السلام: «تاركات للتبرّج مطيعات للأزواج» كون ترك التبرّج و إطاعة الزوج وصفا و شأنا لهنّ، فلا يضرّ خلاف ذلك منهنّ مرة بكونهنّ كذلك، فلا يدل على أنّ فعل التبرّج مرة كبيرة قادحة في عدالتهنّ.
و أمّا ما ورد في سابق الحاجّ فلا بدّ من صرفه عن ظاهره، بدعوى أنّ القدح في العدالة بلحاظ ما في الرواية من أنّه: «استخفّ بصلاته» بعد قوله عليه السلام: «قتل راحلته و أفنى زاده و أتعب نفسه»، فلعلّ المنشأ استخفافه بصلاته و عدم مبالاته بها أو غير ذلك، و اللّه أعلم.
بل يمكن أن يقال: أن مقتضى تكفير الصغائر باجتناب الكبائر كما هو ظاهر الكتاب (1)و صريح السنّة(2)هو دوران العدالة مدار خصوص اجتناب الكبائر، حيث إنّ فعل الصغيرة من المجتنب عن الكبائر دائما من باب المقتضي المقرون بالمانع فلا يؤثر شيئا، بل هو أولى من التوبة. فانّها رفع و هذا دفع، فتزول العدالة بالكبيرة و تعود بالتوبة، و لا تزول بالصغيرة، لمكان المانع المقارن لمقتضي الإزالة.
لا يقال: تكفير الصغائر باجتناب الكبائر لا يوجب عدم صدورها مبغوضة و معصية للمولى، بل يرفع عقوبتها التي كانت تقتضيها، و العدالة تضرّها نفس المعصية لا أثرها و هي العقوبة.
لأنّا نقول: الظاهر أنّ الضائر بالعدالة المعصية بما لها من البعد الحاصل بها عن المولى، و إلّا فلو كان بلحاظ نفس صدورها فالشيء لا ينقلب عما وقع عليه، فلا يعود الارتكاب اجتنابا و لا ينفعه الندم و لا يجديه العزم على العدم، فكيف تعود العدالة بالتوبة مع أنّ الملكة على حالها قبل المعصية و بعدها و الكبيرة وقعت و العدالة ارتفعت، فلا الملكة زالت لتعود و لا العدم ينقلب هنا إلى الوجود، بخلاف ما إذا كان زوال العدالة بالمعصية بلحاظ البعد الحاصل بها عن المولى، فانّ التوبة عن الكبيرة توجب القرب بعد البعد، و اجتناب الكبائر يمنع عن فعلية البعد الّذي يقتضيه فعل الصغائر، إلّا أن يقال: انّ المعصية مطلقا انحراف عن جادة الشرع، و تختلف الكبيرة و الصغيرة بزيادة الانحراف و قلّته، فلو لم يرجع إلى الجادّة في الأولى بالتوبة لم يصل إلى المقصد، بخلاف الثانية، فان الانحراف فيها يسير لا يمنع من الوصول، و عدم الانحراف الكلي يوجب غمض العين عن الانحراف الجزئي، و عدم المؤاخذة عليه لطفا من المولى بعدم المداقّة مع العبد فإذا أنيط شيء بالاستقامة المطلقة على الجادة يضرّها الانحراف يسيره و كثيره، و يكون للتوبة الموجبة للاستقامة المطلقة مجال أيضا و إن كان لا يؤاخذ عليه، و التوبة بلحاظ فعل ما لا يرضى به المولى بل يسخطه، و إن لم يرتّب عليه أثر السخط و هي العقوبة.
و ظاهر جملة من الأخبار(1)أنّ الكبيرة ما أوعد اللّه تعالى عليه النار، بل
1) الوسائل: ج 11، باب 45 و 46 من أبواب جهاد النّفس و ما يناسبه فراجع.
هو صريح رواية عبّاد بن كثير: عن الكبائر، قال عليه السلام: «كلّ ما أوعد اللّه عليه النار»(1)و لعلّ الوجه فيه مع إيعاد النار على مطلق المعاصي في الكتاب، أنّ الإيعاد على شيء بالخصوص يكشف عن شدة مبغوضيّته و أهميّة طلب تركه، و التنصيص على شيء بكونه كبيرة إخبار بكونه مما أوعد اللّه عليه بالالتزام، و إن لم يكن بحسب الظاهر إيعاد عليه في ظاهر القرآن أو السّنّة.
نعم ما دلّ على أنّ الشيء الفلاني كبيرة لثبوت عقوبة أخرى عليه بالخصوص مناف لهذا الميزان، كصحيحة عبد العظيم الحسني (2)المشتملة على الكبائر التي نطق الكتاب بعقوبات أخر غير النار على فعلها بل ربما لم يتعرّض القرآن لعقوبته و إنّما دلّ على حرمته فقط، كقوله عليه السلام في كتمان الشهادة: «أنّه كبيرة» استشهادا بقوله تعالى: «و من يكتمها فانّه آثم قلبه»(3)، بل في الصحيحة إشكال آخر، و هو أنّ السائل سأل عن معرفة الكبائر من الكتاب و أجاب الإمام عليه السلام في خصوص ترك الصلاة متعمدا، و ترك سائر الفرائض بقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله «من ترك الصلاة متعمدا فقد برء من ذمة اللّه و ذمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.
و يمكن أن يقال إنّ المراد بإيعاد النار إيعاد العذاب الأخروي مطلقا، و لعلّه المتعارف في هذا الباب، فالجنة هي النعيم الأخروي و النار هي العذاب الأخروي، و الصحيحة متكفّلة لدلالة القرآن على الكبائر و لو بإدخالها تحت عنوان دلّ الكتاب في موضع آخر على عقوبته كقوله عليه السلام في عقوق الوالدين: «أنّه كبيرة لأنّ اللّه سبحانه جعل العاقّ جبّارا شقيا»(4)لقوله
تعالى: «و لم يجعلني جبّارا شقيا» في مقام آخر(1)، و دلت آية أخرى على عقوبة الشقي، و هي: «فأمّا الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير و شهيق»(2)و لعلّه من هذا القبيل كتمان الشهادة، حيث أجاب عليه السلام بأنّ «من يكتمها آثم قلبه» كما في آية أخرى: «و لا نكتم شهادة اللّه إنّا إذا لمن الآثمين»(3)و من يبوء بالإثم من أصحاب النار لقوله تعالى: «اني أريد أن تبوء بإثمي و إثمك فتكون من أصحاب النار»(4)، و في آية أخرى: «و من يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة و يخلد فيه مهانا»(5)فانّ الآثام جزاء الإثم الّذي فصّله تعالى بعده، إلى غير ذلك من الآيات، نظير ما استدلّ به الكاظم (6)عليه السلام حين سأله المهدي العباسي عن دلالة القرآن على حرمة الخمر، حيث استدل عليه السلام على حرمة الإثم بقوله تعالى: «إنّما حرّم ربي- إلى قوله تعالى: و الإثم و البغي»(7)ثم استدل عليه السلام بآية أخرى (8)أطلق الإثم فيها على الخمر. و لعله أيضا من هذا القبيل ما أجاب عليه السلام في الصحيحة(9)عن كون شرب الخمر كبيرة بأنّه نهى عنه تعالى كما نهى عن عبادة الأوثان، فانّ مقتضى ظاهره أن يكون فعل كلّ منهي عنه كبيرة، و المظنون قويا أنّه بلحاظ الجمع بينهما في قوله تعالى (10): «إنّما الخمر و الميسر و الأنصاب» فانّ الأنصاب على ما ورد في العيون عن الباقر(11)عليه السلام
1) مريم: 32.
2) هود: 106.
3) المائدة: 106.
4) المائدة: 29.
5) الفرقان: 68.
6) الوسائل: ج 17، باب 9 من أبواب الأشربة المحرمة، ح 13.
7) الأعراف: 33.
8) البقرة: 209.
9) الوسائل: ج 11، باب 46 من أبواب جهاد النّفس و ما يناسبه، ح 2.
10) المائدة: 9.
11) بل في الخصال( باب العشرة) ص 451 كما أخرجه عنه في الوسائل: ج 16، باب 19 من أبواب الذبائح، ح 7.
في تفسير قوله تعالى: «و ما ذبح على النصب»(1)هي ما ذبحت تقربا لما كانوا يعبدونه من النيران عند المجوس، أو للأصنام كما عند مشركي العرب، فانّ الذبح بهذا العنوان عبادة للصنم، و كذا في الكافي (2): انّ الأنصاب ما ذبحوا لآلهتهم، بل في تفسير القمي (3)عن الباقر عليه السلام: انّ الأنصاب: الأوثان التي كان يعبدها المشركون، بل في آخر هذا الخبر ما لفظه: «و قرن اللّه الخمر و الميسر مع الأوثان» فيوافق هذه الصحيحة و يكون كالمفسر لها، و عليه فيدل الاقتران بينهما على مساواتهما في شدة المبغوضية و ما يترتب على عبادة الأوثان من العقوبة التي دلّ الكتاب عليها في مواضع عديدة، كما يحتمل أن يكون بلحاظ التعبير عن كليهما بالرجس، فقال تعالى: «فاجتنبوا الرجس من الأوثان»(4)، و قال تعالى في موضع آخر: «إنّما الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه»(5)، و للمناسبة الواقعية بين شرب الخمر و عبادة الوثن ورد في روايات كثيرة: «ان مدمن الخمر كعابد الوثن»(6).
و أمّا الاستدلال على كون ترك الصلاة كبيرة بقول النبي صلّى اللّه عليه و آله: «من ترك الصلاة متعمّدا فقد برئ من ذمة اللّه ... إلخ»(7)مع ان السؤال عن معرفة الكبائر من الكتاب، فلعل الوجه فيه إثبات الصغرى لما في الكتاب، و المناسب لهذه الصغرى قوله تعالى: «و نسوق المجرمين إلى جهنم وردا لا يملكون الشفاعة إلّا من اتخذ عند الرحمن عهدا»(8)فمن خرج عن ذمة اللّه
و أمانه و ضمانه لا عهد له منه تعالى، فيكون ممن يساق إلى جهنم، بخلاف المجرم الّذي عمل الصالحات، فانّه في أمان اللّه و ضمانه، فهو يملك الشفاعة و لا يساق إلى النار فانّ صدر الخبر هكذا: «من صلّى المغرب و العشاء كان في ذمة اللّه، و من ترك الصلاة متعمدا برئ من ذمة اللّه ... إلخ» فيظهر منه أنّ المصلّي في أمان اللّه و ضمانه تعالى، فهو له العهد منه تعالى، فلا يساق إلى النار بل ترجى له الشفاعة، و اللّه أعلم.
و بالجملة: فالجمع بين هذه الصحيحة الطويلة و بين ما دل على أنّ ميزان معرفة الكبائر إيعاد اللّه عليها النار يقتضي حمل النار على العذاب الأخروي، فانّه أولى من حمل العقوبات التي تضمنتها الصحيحة على خصوص التعذيب بالنار، فانّ في جملة من الكبائر لا دلالة للكتاب إلّا على أنّه لا خلاق لهم أي لا نصيب لهم من الخير، و هذا أعمّ من التعذيب بالنار، إلّا بالملازمة بين عدم النصيب الأخروي من الخير و دخول النار، و في آكل الرّبا قد استدل عليه السلام بأنّه:
«لا يقوم إلّا كما يقوم الّذي يتخبّطه الشيطان من المسّ»(1)فانّه يدل على أنّ آكل الرّبا يحشر كالمصروع، و في الغلول قد استدل عليه السلام بقوله تعالى:
«و من يغلل يأت بما غلّ يوم القيامة»(2)فانّ مجيئه يوم القيامة مع ما أخذه خفية من الغنيمة، إمّا معناه أنّه يفتضح به على رءوس الأشهاد، أو أنّه يغلّ و يطوق به بحيث يعذّب به، و على أي حال لا دخل له بالنار.
إلّا أن يقال: إنّ الصحيحة ليست في مقام إعطاء القاعدة و الميزان لمعرفة الكبائر، كما في قوله عليه السلام: «الكبائر ما أوعد اللّه عليه النار» بل في مقام استخراج الكبائر المعلوم كونها كبيرة من الكتاب، كاستخراج حرمة الخمر من خصوص الكتاب مع معلومية الحرمة من الخارج.
لكن ظاهر استدلال الإمام عليه السلام على كلّ كبيرة بقوله عليه السلام:
«لأنّ اللّه تعالى يقول كذا و كذا» أنّه عليه السلام في مقام بيان كونه كبيرة بقوله تعالى، مع أنّ مطلق العقوبة ليس مناط الكبيرة، فما ذكرناه في وجه الجمع أولى.
ثمّ إنّ الملاك هل هو إيجاب اللّه النار على شيء أو إيعاده تعالى، نظرا إلى أنّ الأوّل أعمّ من الثاني؟ و الوجه فيه: أنّ جعل العقاب من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أو الإمام عليه السلام بتفويض الأمر إليهما منه تعالى في ذلك معقول، فإثباتهما العقاب جعله تعالى على لسانهما بخلاف إيعاد العذاب المجعول، فانّ إيعاد كل منه تعالى و منهما عليهما السلام إيعاده بنفسه لا إيعاد من قبل غيره، فانّ عنوان الإيعاد و التخويف منتزع من الأخبار يترتب العذاب المجعول على فعل شيء أو تركه، و أخبار كل أحد إخباره بنفسه لا أنّه إخبار من قبل غيره، نعم الأخبار بتوعيد الغير معقول. لكن الإيعاد ظاهر في الجعل و الإنشاء لا الأعمّ منهما و من الأخبار، فإيعاده تعالى لا يقوم إلّا به تعالى، بخلاف جعل العقاب منه تعالى فانّه يقوم بمن فوّض إليه جعله. و منه تبيّن جودة فهم إيعاده تعالى في خصوص كلامه تعالى من نسبة الإيعاد إليه تعالى دون إيجابه تعالى، و المقام و إن كان لا يقتضي حمل المطلق على المقيّد، حيث لم تعلم وحدة الملاك لاحتمال التعدد، إلّا أنّ ظاهر إيجابه تعالى جعله لا مع الواسطة و إن كان قابلا للواسطة، فيوافق إيعاده تعالى. نعم إن دلّ دليل من الخارج على كون شيء كبيرة مع عدم الإيعاد منه تعالى عليه، كشف عن أحد أمرين، إمّا شمول الإيعاد للأخبار عن إيعاد اللّه تعالى بلسان النبي أو الوصي سلام اللّه عليهما، أو كونه مما أوعد اللّه تعالى في كتابه و لو بضمّ بعض الآيات إلى بعض و إن لم نفهم كيفية الاستفادة، كما أشرنا إلى بعض ما فهمناه، و اللّه أعلم.
ثمّ إنّه من جملة ما يدخل تحت ما أوعد اللّه تعالى عليه ما هو أكبر عقلا أو نقلا من بعض ما أوعد اللّه تعالى عليه، فانّه مما أوعد اللّه تعالى عليه بالفحوى، فلا يعدّ ميزانا آخر لمعرفة الكبائر، كما أنّ ورود النص بعدم قبول شهادة من عمل كذا و كذا لا يدلّ على أنّ ذلك العمل من الكبائر، كما يظهر للمراجع إلى باب الشهادات، بل الفسق أحد الموانع لا أنّه ينحصر فيه المانع، و لذا ورد المنع عن قبول شهادة السائل بكفّه (1)، مع أنّ السؤال ليس من الكبائر، و كذا في شهادة سابق الحاجّ (2)مع أنّ أصل سبقه أو إتلاف راحلته أو إفناء زاده ليس من الكبائر، و كذا في شهادة المتهم (3)مع أنّه غير فاسق، فالميزان الصحيح الّذي ورد به النص الصريح هو كون الفعل مما أوعد اللّه تعالى عليه النار بالمعنى المتقدّم.
ثمّ إنّ المناط الواقعي لكون الفعل كبيرة كونه ذا مفسدة قوية، فتنبعث منها مبغوضية شديدة، فتترتب عليها عقوبة عظيمة، إلّا أنّ إيعاد النار تارة على نفس ذلك العنوان الّذي فيه المفسدة القوية، و أخرى على العنوان الملازم للعقوبة، مثلا: عنوان الكفر رتّب عليه العقاب: فانّه عنوان ذو مفسدة، و عنوان الخسران ليس ذا مفسدة، بل بسبب فعل ما فيه المفسدة يقع في الخسران الأخروي الملازم للعقاب، و في بيان الكبائر التي أوعد عليها النار، ربما يلاحظ العنوان الأوّل، فيقال: اليأس من روح اللّه كبيرة، لأنّ اللّه تعالى يقول:
«لا ييأس من روح اللّه إلّا القوم الكافرون»(4)و الكفر بعنوانه الّذي فيه أعظم المفاسد أوعد عليه النار، و ربما يلاحظ العنوان الثاني، و يقال: الأمن من مكر
اللّه كبيرة، لأنّ اللّه تعالى يقول: «فلا يأمن مكر اللّه إلّا القوم الخاسرون»(1)و الخاسر في النار، و بهذا الاعتبار تارة جعل ترك الصلاة كبيرة، لأنّه كفر إذا كان من غير علّة، حيث إنّه لمحض الاستخفاف و هو كفر، و أخرى جعل كبيرة لأنّ تركها يوجب الخروج عن ذمّة اللّه تعالى، و ليس العنوان من العناوين ذوات المفسدة بل من العناوين الملازمة لدخول النار، فلا منافاة بين الكلامين. و بالتأمّل في أخبار الباب (2)يظهر أنّ اختلافها في العدد و المعدود من جهة دخول بعضها تحت بعض من حيث العنوان الّذي فيه المفسدة، و لذا اقتصر على بعض العناوين، و ربما يفصّل في العدد لنكتة التنبيه على ما ربما يغفل عن بعض دخوله تحت بعض العناوين الواضحة، كما أنّه ربما يكون الاقتصار لأجل أنّه في مقام بيان أكبر الكبائر، كما هو صريح بعض الأخبار(3).
و استدل له شيخنا العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه) في رسالة العدالة(4)بقوله عليه السلام: «لا صغيرة مع الإصرار، و لا كبيرة مع الاستغفار»(5)بإرجاع النفي في الكبيرة إلى ذاتها حكما و إرجاع النفي في الصغيرة إلى خصوص وصف الصغرية، و بقوله عليه السلام: «الإصرار على الذنب أمن من مكر اللّه (6)بضميمة ما ورد من أنّ الأمن من مكر اللّه من الكبائر(7)، و بقوله عليه السلام في رواية العيون
1) الأعراف: 99.
2) الوسائل: ج 11، باب 46 من أبواب جهاد النّفس و ما يناسبه.
3) الوسائل: ج 11، باب 8، 20، 35، 46 من أبواب جهاد النّفس و ما يناسبه.
4) رسالة العدالة المطبوعة في آخر كتاب المكاسب: ص 334.
5) الوسائل: ج 11، باب 48 من أبواب جهاد النّفس و ما يناسبه، ج 3.
6) تحف العقول: ص 456، و فيه: لمكر اللّه.
7) الوسائل: ج 11، باب 46 من أبواب جهاد النّفس و ما يناسبه.
بسنده الحسن إلى الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام في تعداد الكبائر:
«و الإصرار على صغار الذنوب»(1).
قلت: يمكن أن يقال في الأوّل منها برجوع النفي في الصغيرة و الكبيرة معا إلى ذاتهما حكما، لا أنّ الصغيرة بسبب المداومة و الإصرار عليها تنقلب كبيرة حتى ينتفي عنها وصف الصغرية، بل الإصرار هو من الكبائر، فانّه الّذي ينطبق عليه عنوان الأمن من مكر اللّه تعالى دون المعصية التي ليس نفس وقوعها أمنا من مكر اللّه، و بعد عدم وقوعها موصوفة بتلك الصفة لا تنقلب موصوفة بها، مع أنّ مقتضى الاعتبار أيضا ذلك، لأنّ الصغيرة تفارق الكبيرة في ضعف المفسدة و قوتها و في شدة المبغوضية و ضعفها، و لا ينقلب ما كان ذا مفسدة ضعيفة و مبغوضية خفيفة بسبب الإصرار بحيث يصير بعينه ذا مفسدة أكيدة و مبغوضية شديدة كما لا يخفى. و عليه فيحتمل أن يكون المراد و اللّه أعلم أنّ أثر الكبيرة يرتفع بالاستغفار، و أثرها الظاهر عقوبتها، و أنّ أثر الصغيرة لا يبقى مع الإصرار، فانّ الصغيرة مكفّرة باجتناب الكبائر، فلا يعاقب عليها و لا يبقى هذا الأثر مع المداومة عليها، فلا يدلّ على أنّ المعصية الصغيرة بالإصرار عليها أو نفس الإصرار عليها من الكبائر، بل غايته أنّه صغيرة لا يكون مكفّرة باجتناب الكبائر في هذه الصورة، و حينئذ فيوافق ما ورد من أنّه «ما خرج عبد من ذنب بإصرار»(2)، فانّ ظاهره أنّ الإصرار بأي معنى كان يوجب بقاء الذنب على حاله، فالكبيرة توجب العقوبة، و الصغيرة كانت في حد ذاتها مقتضية للعقوبة و كان اجتناب الكبائر مكفرا لها و مانعا عن فعلية مقتضاها، فإذا أصر عليها بقيت على حالها من الاقتضاء من دون تأثير للمانع في المانعية في هذه الصورة، و كل مقتض بلا
مانع يؤثر أثره، فلا دليل على أنّ الإصرار ذنب آخر، بل يوجب عدم الخروج من الذنب، كالتوبة على القول بعدم وجوبها شرعا.
و أمّا في الثاني منها فيمكن أن يقال: انّ الإصرار الّذي ينطبق عليه الأمن من مكر اللّه هو الإصرار على ما فيه العقوبة و المؤاخذة، فانّ المداومة عليه بأي معنى كان توجب عدم المبالاة بالمؤاخذة و الأمن من أخذه تعالى من حيث لا يحتسب، و أمّا الصغيرة فحيث إنّها مكفّرة باجتناب الكبائر فلا مؤاخذة عليها كي تكون المداومة عليها أمنا من أخذه تعالى من حيث لا يحتسب، و حينئذ فيوافق ما في الحسنة الطويلة المنقولة في رسالة العدالة(1)حيث قال عليه السلام: «و المصر لا يغفر له لأنّه غير مؤمن بعقوبة ما ارتكب»(2)فينحصر مورد مثل هذا الإصرار الّذي ينطبق عليه عنوان الأمن من مكر اللّه و عدم الإيمان بالعقوبة في الإصرار على الكبائر، فلا ربط له بما عد من الكبائر و هو الإصرار على الصغائر، و لا منافاة بين أن تكون نفس المعصية كبيرة و الإصرار عليها كبيرة أخرى بواسطة انطباق أحد عناوين الكبائر عليه، و سيجيء إن شاء اللّه تعالى تتمة الكلام.
و أمّا في الثالث منها، فالظاهر التباس الأمر عليه (قدّس سرّه)، فانّ ما في رواية العيون (3)عن الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام فيما كتبه عليه السلام إلى المأمون لعنه اللّه ليس على ما نقله قدّس سرّه هنا، بل على ما نقله رحمه اللّه في الأمر الأوّل (4)من الأمور التي يثبت بها كون المعصية كبيرة،
و هو قوله عليه السلام في آخر الرواية: «و الإصرار على الذنوب».
و أمّا هذه العبارة و هي: «الإصرار على صغار الذنوب أو صغائر الذنوب» فليست في رواية الفضل، بل في رواية الأعمش عن الصادق عليه السلام (1).
أمّا رواية الفضل المتضمنة للإصرار على الذنوب، فالذنوب و إن كانت تعمّ الكبائر و الصغائر، إلّا أنّه بملاحظة أنّ كونه كبيرة من حيث كونه أمنا من مكر اللّه، كما في رواية، أو كون المصر غير مؤمن بالعقوبة، كما في رواية أخرى، يعلم أنّ الإصرار المعدود من الكبائر هو الإصرار عليها، إذ ليس في غيرها عقوبة حتى يتحقق أحد العنوانين المزبورين، لكون الصغائر مكفّرة باجتناب الكبائر، و مع فرض عدم اجتناب الكبائر فالإصرار على الصغائر و إن كان يتعنون بالعنوانين المزبورين، لفرض ترتّب العقوبة على الصغائر مع عدم اجتناب الكبائر، لكنّه لا يجدي فيما نحن فيه، فانّه مع فرض ارتكاب سائر الكبائر لا حاجة إلى تحقيق حال الإصرار على الصغائر في ترتيب آثار العدالة و عدمه.
و أمّا رواية الأعمش ففي آخرها أنّ «الملاهي التي تصدّ عن ذكر اللّه مكروهة، كالغناء و ضرب الأوتار و الإصرار على صغائر الذنوب» فانّ تغيير السياق و التعبير عن هذه المعاصي بأنّها مكروهة بعد ما عنون الكبائر في صدر الخبر بالأمور المحرّمة يشعر بأنّها و إن كانت مبغوضة إلّا أنّها ليست على حد ما عبّر عن مبغوضيتها بكونها محرّمة، فلا دلالة في الخبر على أنّ هذه الأمور على حد ما تقدّمها في كونها من الكبائر، كما لا يخفى على من راجع (2)رواية الأعمش
1) الوسائل: ج 11، باب 46 من أبواب جهاد النّفس و ما يناسبه، ح 36.
2) فانّ رواية الأعمش هكذا: «الكبائر محرّمة و هي الشرك باللَّه و قتل النّفس ... إلى آخره» و في آخرها: «و الملاهي التي تصدّ عن ذكر اللّه مكروهة كالغناء و ضرب الأوتار و الإصرار على صغائر الذنوب» و منه يظهر أنّه عليه السلام لم يجعل الملاهي و ما بعدها داخلة في الكبائر و معدودة منها، بل هي التي أخبر عنها بأنّها محرّمة في قبال الملاهي التي حكم بأنّها مكروهة، (منه قدّس سرّه).
صدرا و ذيلا، سواء كان الإصرار معطوفا على الغناء و ضرب الأوتار ليكون من أفراد الملاهي أم معطوفا على نفس الملاهي، و ظني انّه معطوف على الغناء و ضرب الأوتار بجعله من أفراد الملاهي، بملاحظة أنّ الإصرار على الكبائر ينطبق عليه عنوان الأمن من مكر اللّه تعالى، لأنّها تترتب عليها العقوبة، فالإصرار عليها من باب عدم المبالاة بعقوبتها و أخذه تعالى من حيث لا يحتسب، بخلاف الإصرار على صغائر الذنوب، فانّه بسبب مداومته عليها و اقترافه لها يصدّه عن الإقبال على اللّه و التوجه إليه فلذا لم يكن في عداد الكبائر، فيوافق ما في رواية أخرى (1)، حيث عدّ الإصرار على الذنب من علامات الشقاء بعد ما جعل جمود العين و قسوة القلب و الحرص في طلب الدنيا من علامات الشقاء.
إلّا أن يقال: إنّ الصغيرة حيث إنّها في نفسها مقتضية للعقوبة، فالإصرار عليها داخل في الأمن من مكر اللّه تعالى في حدّ ذاته، و إلّا فربما لا يكون الإصرار على الكبيرة أيضا من باب الأمن من مكر اللّه، بل يصرّ عليها من جهة غلبة القوة الشهوية أو الغضبية بحيث لا تبقى مجالا للتأمل في ما يترتب عليها، لا من جهة الاستخفاف باللَّه و بأحكامه، و لا من جهة عدم الخوف من مؤاخذته، و حينئذ فلتحمل المقابلة في رواية الأعمش بين الكبائر و الملاهي التي جعل الإصرار على الصغائر من أفرادها أو محكوما بحكمها على تعدد المراتب للكبائر، لصراحة رواية الفضل بن شاذان (2)في كون الاشتغال بالملاهي من الكبائر، هذه نبذة من الكلام في حكم الإصرار.
و أمّا موضوعه فقد وقع الخلاف فيه، من حيث إنّه بمعنى المداومة على فعل
الصغيرة، أو الإكثار منها، سواء كانت من نوع واحد أم أنواع مختلفة، أو بمعنى فعل الصغيرة مع العزم على معاودتها، أو بمعنى فعل الصغيرة مع عدم التوبة.
و المحكي عن أهل اللغة في معناه الملازمة و المداومة، كما أنّ المروي في جملة من الروايات (1)تحقّقه بعدم الندم على الذنب، و ظنّي انّ الجامع بين موارد استعمالاته جميعا من هذه المادة باختلاف هيئاتها هو ضمّ شيء إلى شيء بنحو يلازمه الشد و اللزوم و المداومة، فكأنّ فعل شيء مرة بعد أولى و كرّة بعد أخرى مضموم بعضه إلى بعض، حتى أنّ صرير الأقلام بملاحظة ضمّ أصوات حركاتها المتعاقبة بعضها إلى بعض، و كذا الصرّة بمعنى الصيحة، فكأنّها مركبة من أصوات مضمومة، و كذا الصرّ بمعنى البرد الشديد، فكأنّه برد مركب من أفراد مضمومة، و صدقه على العزم على الشيء بعد فعله أيضا لعله بملاحظة انضمام الفاعل إلى فعله بملاحظة بقاء عزمه عليه.
إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ الصغيرة إمّا أن تصدر من المجتنب للكبائر، أو تصدر من غير المجتنب عنها، أو تصدر من غير المبتلى بها، فعلى الأوّل تكون الصغيرة بنص القرآن (2)و نصوص الأخبار(3)مكفّرة باجتناب الكبائر، و حيث إنّ فعل الصغيرة حال صدورها مقرون بالمانع عن تأثيرها في العقوبة، فلا محالة لا تؤثر في العقوبة حتى يحتاج إلى التوبة في رفعها، و على الأخيرين فلا مانع حال صدور الصغيرة من تأثيرها في العقوبة، و رافعها في الأوّل منهما منحصر في التوبة، و في الثاني منهما يمكن أن يكون هو التوبة، كما يمكن أن يكون هو اجتناب الكبائر عند الابتلاء بها، و عليه ففي الصورة الأولى من الصور الثلاث لا يتحقق الإصرار إلّا بفعل الصغيرة مرّة بعد أولى و كرّة بعد أخرى، لا
بعدم الندم، حيث إنّ الذنب مكفّر على الفرض، فيكون كما إذا تخللت التوبة المانعة من تحقق الإصرار، بخلاف الصورتين الأخريين، فانّ حال الصغيرة حال الكبيرة، فيمكن فرض تحقق الإصرار عليها بعدم الندم كما هو صريح حسنة ابن أبي عمير(1)المنقولة في رسالة العدالة(2)و غيرها من الأخبار(3)المفسرة للإصرار في قوله تعالى: «و لم يصروا على ما فعلوا»، و من الواضح أنّ مورد الآية و الرواية هي الكبائر لا الصغائر، فالإصرار في الصغائر في مثل الصورة الأولى لا يمكن أن يكون بمعنى عدم الندم و في غيرها كالكبائر، و من البيّن أنّ مورد الكلام هي الصورة الأولى، لأنّ المهمّ إمّا تحقق العدالة بأمور منها عدم الإصرار على الصغائر، أو زوال العدالة بأمور منها الإصرار على الصغائر، و هو لا ينتج شيئا إلّا بعد فرض الاجتناب عن الكبائر، و إلّا فمع فرض ارتكابها أو عدم الابتلاء بها، سواء أصرّ على الصغائر أم لا هو خارج عن العدالة أو لم تتحقق فيه، فيصحّ لنا أنّ نقول إنّ الإصرار على الصغائر فيما يهمّنا الكلام فيه، هو فعل الشيء مرة بعد أولى و كرّة بعد أخرى من دون تحقّقه بعدم الندم أو العزم على العود، و لا حاجة حينئذ إلى تقسيم الإصرار إلى حقيقي و حكمي كما عن الشهيد (قدّس سرّه) (4)، إذ لو كان الإصرار بمعنى يتحقق بعدم الندم و بالعزم على العود حقيقة أيضا فانّما هو فيما يحتاج إلى التوبة، و أمّا ما يكون مكفّرا بغير التوبة بحيث لا يعقل أن يكون للتوبة مجال لسبقه عليها، فلا محالة لا يتحقق
1) كتاب التوحيد: ص 408 باب 63، ح 6.
2) رسالة العدالة المطبوعة في آخر كتاب المكاسب: ص 335.
3) الوسائل: ج 11، باب 48 من أبواب جهاد النّفس و ما يناسبه، ح 4.
4) القواعد: قاعدة في الكبائر، ص 102، و إليك عبارته: «و الإصرار إمّا فعلي و هو الدوام على نوع واحد من الصغائر بلا توبة، أو الإكثار من جنس الصغائر بلا توبة، و إمّا حكمي و هو العزم على فعل تلك الصغيرة بعد الفراغ منها».
الإصرار فيه إلّا بفعله ثانيا و ثالثا، فيكون حال الإصرار مع التكفير باجتناب الكبائر حاله مع التكفير بالتوبة، فكما لا معنى لتحقق الإصرار مع تخلّل التوبة كذلك مع اجتناب الكبائر.
نعم الإصرار في غير هذه الصورة يمكن أن يتحقق بعدم الندم كما هو مقتضى النصوص.
و هل هو قول بوجوب التوبة شرعا، بل بحيث يكون تركها من الكبائر، لفرض كون عدم الندم إصرارا معدودا من الكبائر؟.
التحقيق فيه أنّ عدم الندم من حيث ذاته لا يقتضي إلّا عدم رفع عقوبة المعصية، و نقيضه و هو أدنى مراتب التوبة لا يكون حينئذ إلّا واجبا عقليا سيجيء الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى.
و أمّا من حيث اندراجه تحت الأمن من مكر اللّه تعالى، أو عدم الإيمان بالعقوبة فهو من الكبائر بل من أكبرها، لكن ليس عدم الندم بل العزم على العود دائما كذلك.
ثمّ إنّه تبيّن ممّا ذكرنا من الصور الثلاث لفعل الصغائر أنّ القول بوجوب التوبة مطلقا، و عدم الفرق بين الكبائر و الصغائر غير ضائر بالفرق بين الكبائر و الصغائر، نظرا إلى أنّ مجرد الإخلال بالتوبة بعد فعل الصغيرة يوجب تحقق الإصرار، فلا ثمرة إلّا فيما إذا صدرت منه صغيرة فنسيها، فانّه لا إصرار حينئذ، فلا تقدح الصغيرة في العدالة حينئذ. لكنّك بعد ما عرفت الصور المتقدّمة تعرف أنّ المهمّ من الصور و هي الصورة الأولى كثيرة الوقوع، و كفى بها ثمرة للفرق بين الكبائر و الصغائر، و لا يوجب اختصاص التوبة بالكبائر بل لها مجال في الصغائر في الصورتين الأخريين اللتين هما أيضا كثيرتا الوقوع، و لا سبق للتوبة على اجتناب الكبائر و الأعمال الصالحة المكفّرة، بل الصغيرة إذا صدرت من المجتنب عن الكبيرة لم يكن مجال للتوبة، لأنّها كالمقتضي المقرون بالمانع فلا
مجال للرافع.
و منه تبيّن الفرق بين اجتناب الكبائر المكفّر للصغائر و الأعمال الصالحة المكفّرة، فانّ مقارنة الأوّل كما عرفت معقولة دون الثانية.
ثم إنّ الإصرار على الصغيرة على القول بتحقّقه بمجرد العزم على العود، أو فيما يتحقق بالعزم على العود، هل يعتبر فيه اتحاد المعصية سنخا و نوعا أو لا؟.
ظاهر شيخنا العلّامة الأنصاري (1)(قدّس سرّه) التفصيل بين ما إذا كان العزم مستمرا من حين ارتكاب الصغيرة فلا يعتبر الاتحاد، و ما إذا حدث بعد فعلها قبل التوبة فيعتبر الاتحاد، و لعلّه لأجل أنّ الإصرار لا بدّ فيه من نحو من الاتحاد، إمّا اتحاد المعزوم عليه مع المأتي به، أو استمرار العزم و وحدته الاتصالية من المتلبّس بالمعصية.
قلت: إن أريد من المعصية التي ينسب إليها الإصرار ما هو بالحمل الشائع معصية أي ذات الزنا و القمار و أشباههما، فمن البديهي أنّ العزم على القمار بعد فعل الزنا ليس إصرار على أحدهما لا عرفا و لا شرعا، أمّا عرفا فواضح، إذ ليس العزم على القمار مداومة و لو عزما على الزنا، و أمّا شرعا فلأنّ غاية ما ورد في النصوص: انّ من أذنب ذنبا و لم يندم عليه كان مصرّا(2)و العزم على القمار أجنبي عن الندم على الزنا و عدمه، و ملاحظة استمرار العزم على القمار من حين ارتكاب الزنا لا يجدي شيئا، لكون أحدهما أجنبيا عن الآخر، فالتلبّس بمعصية أجنبية عن المعصية الأخرى لا يحقق الإصرار بالإضافة إلى استمرار العزم على ذاتها حال التلبس بالأولى.
و إن أريد من المعصية التي يضاف إليها الإصرار نفس طبيعة المعصية بما
هي معصية، فالإصرار متحقق بالعزم و لو لم يكن مستمرا من الأول، فهو و إن لم يكن مصرّا على الزنا إلّا أنّه مصرّ على معصية اللّه تعالى بما هي معصية، و من الواضح كما عرفت من النصوص المفسّرة للإصرار بعدم الندم على ما فعل أنّ ظاهره الندم على ذات ما فعل، لا بعنوان المعصية و إن كان لأجل كونه معصية.
لا يقال: هذا إذا أمكن التبعيض في التوبة، و إلّا فالندم على المعصية بما هي معصية لا يجامع العزم على معصية من المعاصي.
لأنّا نقول أوّلا: لا مانع من الالتزام به، لأنّ الإشكال إن كان في أنّ التوبة عن بعض المعاصي لا ترفع البعد الحاصل له عن ربه، فهو بعد على بعده، و البعد أمر بسيط لا يتبعض. ففيه: أنّ البعد و القرب له مراتب فبكل معصية يحصل له مقدار من البعد، و بالتوبة عنها يرتفع ذلك المقدار من البعد الحاصل له من قبل تلك المعصية، فيصحّ التندّم و التحزّن على هذا الفعل الموجب لذلك المقدار من البعد دون مقدار آخر.
و إن كان بلحاظ أنّ الندم على المعصية من حيث قبحها، و هو مشترك بين المعاصي، فلا يعقل منه الندم على بعضها دون بعض. ففيه: أنّه بلحاظ انّ بعض المعاصي لكمال موافقته لقوته الشهوية الغالبة على خوفه مما يترتب عليه، يمنع عن انقداح التندّم دون بعضها الآخر الّذي ليس بهذه المثابة بل خوفه يكون غالبا، فبعد سكون الشهوة بفعله مرة لا يبقى للقوة الشهوية مقاومة لخوفه، فيحصل فيه الحزن و التأسف مما صدر منه، و أمّا الندم على الكبيرة دون الصغيرة، لشدة عقوبة الأولى التي لا تتحمل دون الأخرى، ففي غاية المعقولية.
و ثانيا: ليس الكلام هنا في التوبة عن معصية دون معصية أخرى، بل التوبة عن معصية و العزم على معصية أخرى، و ليس العزم عليها موجبا للبعد حتى ينافي ارتفاع البعد الحاصل بالتوبة.
فتحصّل من جميع ما ذكرنا أنّ الصغيرة إذا صدرت من المجتنب عن الكبائر، فالإصرار عليها بفعلها مرة بعد أولى و كرّة بعد أخرى، و إذا صدرت من غير المجتنب عن الكبائر، فالإصرار عليها بمقتضى النصوص بعدم الندم عليها الملازم غالبا للعزم على العود إليها، لا العزم على فعل معصية أخرى، فانّ العزم الملازم لعدم الندم على ما فعل هو العزم على المعاودة إلى ما فعل لا العزم على ما لم يفعل، نعم لو فرض عدم الندم و عدم العزم على العود لقضاء وطره بفعله مرة واحدة، فصدق الإصرار عرفا غير معلوم، و إن كان ظاهر النصوص المقتصرة في تفسير الإصرار على مجرد عدم الندم خصوصا بلحاظ انّ المصرّ غير مؤمن بالعقوبة، هو تحقق الإصرار به.
و حيث إنّ الصحيح من الأقوال في العدالة أحد معنيين: إمّا كونها بمعنى الملكة الباعثة بالفعل على الاجتناب، أو كونها بمعنى الاجتناب الفعلي و لو لا عن ملكة، فلا معنى لعودها بالتوبة، بل تعود حقيقة بلا توبة، لأنّ الاجتناب الفعلي عن الكبائر الّذي هو عين العدالة أو مقوّمها يتحقّق بنفس التجنّب عن الكبائر بعد الفراغ من المعصية حقيقة، سواء تاب عن المعصية الصادرة منه أم لا، و دخل التوبة في عود العدالة لا معنى له إلّا بأحد الوجوه التي كلّها خلاف التحقيق.
منها: أنّ التوبة واجبة شرعا وجوبا مولويا، بحيث يكون تركها من الكبائر في نفسه أو باعتبار كون المداومة على تركها إصرارا على الصغيرة، فيكون بهذا العنوان من الكبائر، فترك التوبة من الكبائر التي يجب التجنّب عنه في تحقّق العدالة بعد زوالها، فعود العدالة بالتوبة حقيقي واقعي لا حكمي تعبّدي.
و هو خلاف التحقيق، فإنّها غير واجبة بوجوب شرعي مولوي يترتب على تركها عقاب زائد على عقاب المعصية الصادرة منه، بل وجوبها عقلي عندهم
لدفع الضرر المترتب على فعل الكبيرة، نعم بناء على أنّ عدم الندم إصرار كما في بعض الأخبار(1)المفسّرة للإصرار في قوله تعالى «و لم يصروا على ما فعلوا» و كون الإصرار أمنا من مكر اللّه و هو من الكبائر، فترك التوبة بلحاظ هذا العنوان الطارئ من الكبائر، فلا يتحقق معه الاجتناب عن الكبائر مطلقا.
و منها: انّ العدالة و إن كانت بمعنى الاستقامة العملية و لو عن ملكة نفسانية، إلّا أنّها بعد صدور المعصية لها معنى زائد، و هي تلك الاستقامة الفعلية مع تدارك الانحراف الحاصل له بالتوبة.
و فيه: إن كان الانحراف بنحو يحتاج حصول الاستقامة الفعلية إلى تداركه بحيث لو لم يتداركه كان منحرفا فعلا، فهو خلف، لفرض الاستقامة العملية فعلا، و إن كان لمجرد رفع العقوبة على الانحراف المتقدّم، فلا وجه لاعتباره، و إلّا لزم أن يكون معنى العدالة بعد صدور المعصية مباينا لمعناها قبله، و هو بيّن الفساد.
و منها: انّ التوبة غير دخيلة في عود العدالة حقيقة بل في عود أثرها و حكمها، فلا تقبل شهادة هذا الشخص و لا تجوز إمامته مثلا إلّا بعد التوبة.
و فيه: أنّه خلاف ظاهر الأدلة المتكفلة للآثار المترتبة على العدالة بعنوانها، و لا يعتبر في الإمام و الشاهد قطعا غير العدالة، و هي على الفرض متحقّقة، فمثل هذا الشخص عادل حقيقة و إن كان معاقبا على ما سلف منه.
و التحقيق: انّ عدم الندم على ما صدر منه، تارة لعدم الإيمان بالعقوبة، فهو حينئذ من أكبر الكبائر، فالتجنب عن جميع الكبائر معه خلف واضح، مضافا إلى أنّه مع عدم الإيمان بالعقوبة لا معنى لتحقّق الملكة الرادعة عن الكبائر، لعدم انحصارها فيما يستقلّ العقل بقبحه، حتى يكون تركه من مقتضيات الفضائل النفسانيّة و فعله من آثار الرذائل النفسانيّة، حتى يجتمع مع عدم
1) الوسائل: ج 11، باب 48 من أبواب جهاد النّفس و ما يناسبه، ح 4.
الإيمان بالعقوبة، و أخرى من جهة عدم سكون فوران القوة الشهوية أو الغضبية، و معه لا معنى للندم و العزم على العدم، فملكة التعفّف عن جميع الكبائر عند القوم، أو الخوف الراسخ من العقوبة عند التحقيق، مغلوبة للقوتين المزبورتين، و مع فرض فعلية رادعية الملكة بأحد المعنيين لا معنى لعدم الندم أو عدم العزم على العدم، إذ بعد سكون الفوران الملازم لغلبة الملكة و مع الإيمان بالعقوبة، كما يحصل التجنّب الفعلي كذلك يتحقق الندم عمّا سلف منه، و كذا إذا أثّر الخوف من العقوبة في التجنّب عمّا تترتب عليه العقوبة، كذلك يؤثّر في التحزّن و الأسف على ما سلف، إذ لا فرق بين العقوبتين و المفروض عدم مغلوبيّة الخوف منها، ففرض غلبة الملكة بأي معنى كانت يلازم الندم و العزم على العدم، لا أنّ التوبة لها دخل في عود العدالة واقعا أو تعبّدا فافهم جيّدا.
نعم ربما يشكل في ما إذا تفاوتت المعاصي بحسب غلبة القوة و الشوق إليها فيمكن فرض غلبة الملكة بالإضافة إلى جميع المعاصي ما عدا المعصية الصادرة منه، فهو فعلا ذو ملكة مانعة بالفعل عن جميع المعاصي ما عدا هذه المعصية، و المفروض أنّها بعد صدورها منه في حيّز العدم و إن كان له الشوق التام إلى إيجادها، إلّا أنّ العزم ليس من المعاصي.
لكنّه لا بأس بالالتزام بأنّه مثله غير موصوف بالعدالة، لأنّ المراد من الملكة المانعة بالفعل أنّها بحيث لو ابتلي بالمعصية كانت غالبة على القوّة المقتضية لها، و هذا ليس كذلك بالإضافة إلى خصوص هذه المعصية، فعدم الندم و إن كان يجتمع مع هذه الملكة لكن هذه الملكة ليست ملكة العدالة المطلقة، و اللّه أعلم.
أمّا حقيقة التوبة فهي لغة بمعنى الرجوع، و تضاف إلى اللّه تعالى و إلى
العبد، فتوبة العبد رجوعه من الذنب إلى ربه، و من البعد عنه إلى قربه، و توبة اللّه تعالى رجوعه بالمغفرة و الرحمة على عبده، و لذا لا تتعدّى التوبة المضافة إليه تعالى إلّا بحرف الاستعلاء، لتضمّنه الرحمة و ما يقاربها معنى.
ثمّ إنّ التوبة كما عليه أهل المعرفة علم و حال و عمل، و الكل نحو من الرجوع، فتارة تطلق التوبة على الكل، و أخرى يختصّ بعض مراتبها باسم التوبة، و بعضها الآخر باسم الاستغفار.
فالمرتبة الأولى منها هو الرجوع من الجهل و الغرور إلى العلم و الإقرار قلبا، فانّه ما لم يعلم عظمة الرب و عظمة عصيانه و شدة عقابه لا يكون له رجوع حالي أو عملي، فإذا حصل هذا العلم بأسبابه فقد حصل له الرجوع علما، و إلى مثل هذه المرتبة، أشير في الخبر: «من أذنب ذنبا كبيرا كان أو صغيرا و هو يعلم أنّ لي أن أعذّبه أو أعفو عنه عفوت عنه»(1)و في خبر آخر: «انّ من لم يندم فهو ليس بمؤمن بالعقوبة»(2)، و في خبر آخر: «ما خرج عبد من ذنب إلّا بالإقرار»(3).
و المرتبة الثانية هو الرجوع من المسرّة إلى ضدها، و هو أن تسوءه سيئته بعد أن كانت تسرّه، و إليه أشير في الخبر «ما من مؤمن أذنب ذنبا إلّا ساءه ذلك»(4)و قال عليه السلام: «من سرّته حسنته و ساءته سيّئته فهو مؤمن، و من لم يندم على ذنبه فهو ليس بمؤمن»(5)، و كما أنّ أول مرتبة تنشأ من الجهل حب المعصية و السرور بها، كذلك أول مرتبة تنشأ من العلم هو بغضها و أن تسوءه
1) الوسائل: ج 11، باب 82 من أبواب جهاد النّفس و ما يناسبه، ح 6.
2) الوسائل: ج 11، باب 47 من أبواب جهاد النّفس و ما يناسبه، ح 11 هو صحيحة ابن أبي عمير و ذيلها.
3) الوسائل: ج 11، باب 82 من أبواب جهاد النّفس و ما يناسبه، ح 3.
4) الوسائل: ج 11، باب 47 من أبواب جهاد النّفس و ما يناسبه، ح 11.
5) الوسائل: ج 11، باب 47 من أبواب جهاد النّفس و ما يناسبه، ح 11 بتفاوت ما.
المعصية.
و المرتبة الثالثة الرجوع من الفرح بالظفر بالمعصية إلى التحزّن و التأسّف على صدورها منه، و إليه ينظر قوله عليه السلام: «كفى بالندم توبة»(1)، و قوله صلّى اللَّه عليه و آله: «الندامة توبة»(2)، و في خبر آخر: «ما من عبد أذنب ذنبا فندم عليه إلّا غفر اللّه له قبل أن يستغفر»(3).
و المرتبة الرابعة الرجوع من العزم على فعل المعصية إلى العزم على عدم العود إليها أبدا، و إليه ينظر قوله عليه السلام: «التوبة النصوح هو أن يتوب الرّجل من ذنب و ينوي أن لا يعود إليه أبدا»(4)، و في خبر آخر في مقام بيان حقيقة التوبة قال عليه السلام: «تصديق القلب و إضمار أن لا يعود إلى الذنب الّذي استغفر منه»(5)و لا يخفى عليك انّ العزم و البناء غير القصد و الإرادة التي لا تتحقق إلّا بعد إجماع الرّأي و الوثوق بصدور الفعل منه، لئلا يقال انّ الوثوق ربما لا يحصل له لمكان غلبة قوته الشهوية و الغضبية، فلا يثق من نفسه حتى يعزم على عدم العود.
و المرتبة الخامسة الرجوع من طلب المعصية إلى طلب مغفرة اللّه و عفوه عنها طلبا قلبيا يعبّر عنه بحقيقة الاستغفار المنبعث عنها الاستغفار الإنشائي، و الإشارة إلى هذه المرتبة في الآيات و الأخبار كثيرة فتأمّل.
و ما عدا المرتبة الأولى كلّها من مراتب التوبة الحالية.
و المرتبة السادسة هو الرجوع من فعل المعصية إلى تركها في الحال، و بعبارة
1) الوسائل: ج 11، باب 83 من أبواب جهاد النّفس و ما يناسبه، ح 6.
2) الجامع الصغير للسيوطي: ج 2، ص 189، و فيه: الندم.
3) الوسائل: ج 11، باب 83 من أبواب جهاد النّفس و ما يناسبه، ح 4.
4) الوسائل: ج 11، باب 87 من أبواب جهاد النّفس و ما يناسبه، ح 3.
5) الوسائل: ج 11، باب 87 من أبواب جهاد النّفس و ما يناسبه، ح 5.
أخرى: الرجوع من الانحراف إلى الاستقامة، و إليه الإشارة في الخبر: «المقيم على الذنب و هو مستغفر منه كالمستهزئ»(1)مع أنّك قد عرفت أنّ الندم و العزم على العدم مع فعل المعصية في الحال لا يجتمعان.
و المرتبة السابعة هو الرجوع عن التقصير بالتدارك و التلافي لما فات من قضاء أو إيفاء للحقوق و غير ذلك، كما أشير إليه في الخبر المروي عن أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة(2)في شرح الاستغفار الصادق على جميع مراتب التوبة.
و ربما يجعل بعض هذه المراتب مقدمة للتوبة و بعضها الآخر ثمرة لها، فمثل العلم و إساءة الذنب كالمقدمة للندم و العزم على العدم، و مثل طلب المغفرة و ترك المعصية في الحال و تدارك ما ينبغي تداركه كالثمرة للندم و العزم على العدم.
و التحقيق انّ الغرض من التوبة إن كان ما يسقط عقوبة ما صدر منه، فما عدا المرتبتين الأخيرتين يصلح لصدق هذا الاسم و إن كانت جملة منها متلازمة، فانّ العلم بالمعنى المتقدّم لا ينفكّ عن بغض السيئة و الندم، و الندم لا ينفكّ عن العزم على العدم، و قد عرفت كفاية كل مرتبة من هذه المراتب في إسقاط العقاب، بخلاف المرتبتين الأخيرتين، فانّ ترك المعصية في الحال و تدارك ما فات في الاستقبال لا يسقط عقاب ما صدر منه في الماضي أو ما فوّته فيه و أخّره عن وقته أو حسبه عن صاحبه مثلا.
و إن كان ما يصدق عليه الرجوع حقيقة، فالرجوع الحقيقي هو الرجوع العملي، و هو الرجوع عن الانحراف إلى الاستقامة، و لعله المراد بالتوبة الواقعة
عقيب الاستغفار، فانّ ما عدا الرجوع العملي مقدّم بالرتبة على طلب المغفرة قلبا أو المنبعث عنه، فلا يناسب قوله تعالى «و استغفروا ربكم ثم توبوا إليه»(1)بل المراد و اللّه أعلم هو الرجوع العملي الّذي هو تمام التوجه و الإقبال على اللّه تعالى، بل الظاهر من قوله عليه السلام: «كفى بالندم توبة»(2)انّه أدنى المراتب و أقلّ ما يجزئ في الرجوع إلى اللّه، و أعلاها الرجوع العملي.
هذه نبذة مما يتعلّق بموضوع التوبة.
و أمّا حكمها فحيث إنّها لدفع عقاب المعصية الصادرة، فهي بهذا العنوان لا معنى لأن يكون لها وجوب شرعي مولوي، بل كما عن شيخنا العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه) في رسالة العدالة: انّها تجب عقلا عند كلّ من قال بالتحسين و التقبيح العقليين (3)، و حكي عن تجريد العلّامة الطوسي (قدّس سرّه): انّها دافعة للضرر فتجب (4).
لكنّا قد بيّنا في محلّه أنّ دفع الضرر الأخروي و هو العقاب غير داخل في مورد قاعدة التحسين و التقبيح العقليين، لوجهين:
أحدهما: أنّ الإقدام على الذمّ و العقاب إحداثا أو إبقاء، كما فيما نحن فيه ليس موردا لذمّ آخر أو لعقاب آخر من العقل و الشارع، و إلّا لتسلسل و لا معنى للحسن و القبح العقليين هنا إلّا كون الفعل ممدوحا عليه عند العقلاء أو مذموما عليه عندهم.
و ثانيهما: انّ قاعدة التحسين و التقبيح العقليين الحاكمة باستحقاق المدح و الذمّ داخلة في القضايا المشهورة المذكورة في الصناعات الخمس من علم
الميزان، و هي عبارة عن القضايا التي تطابقت عليها آراء العقلاء حفظا للنظام و إبقاء للنوع، فانّ أول موجبات البقاء و دوافع اختلال النظام بناؤهم عملا على مدح فاعل بعض الأفعال و قدح فاعل بعضها الآخر، كحسن العدل و الإحسان و قبح الظلم و العدوان المنتهية إليهما سائر القضايا، فمعصية العبد لسيده حيث إنّها خروج عن زيّ الرّقّية و رسم العبودية ظلم منه عليه، فيستحق الذمّ و العقاب، لأنّ الظلم بنوعه يؤدّي إلى اختلال النظام و بتركه يبقى النظام محفوظا، و من الواضح أنّ الإقدام على العقوبة الأخروية ليس إقداما على ما يرتبط بهذا النظام حتى يلزم منه الاختلال و فساد النوع، بل لو ترتب هذا الضرر لترتب في عالم آخر، فافهم و تدبّر.
فالتحقيق في حكم التوبة أنّ بعض مراتبها كالإيمان بالعقوبة المنبعث منه الندم من المعارف الواجبة سواء صدرت منه معصية أم لا، بل يجب التصديق بمعاقبة الكفار و العصاة و إن لم يكن المصدّق منهم، و أمّا حبّ المعصية و بغضها بما هي معصية فحكمه معلوم لا يتفاوت فيه المعاصي و غيره، و أمّا حب ذات المعصية لا بما هي معصية فليس بأقوى من العزم عليها، و لا شيء على العزم عليها فلا يحرم شرعا و إن كان من مساوي الأخلاق.
و أمّا المرتبتان الأخيرتان فهما واجبتان شرعا، لا من حيث إسقاط العقاب، بل ترك المعصية في الحال كتركها في الماضي واجب، و كذا القضاء كالأداء واجب شرعا، و هكذا إيفاء حقوق الناس في كلّ آن لازم و حبسها عنهم في كلّ آن حرام، لا من حيث إسقاط العقاب.
فبقي التندّم و العزم على العدم و طلب المغفرة، و هذه الأمور بذواتها و بما هي مسقطة لعقاب المعصية غير واجبة شرعا و لا عقلا بملاك التحسين و التقبيح، بل مما لا بدّ منه في النجاة من العقاب و الخلاص من العذاب، فكل عاقل ملتفت محبّ لنفسه تحصل فيه هذه الحالات قهرا، و من كان محتاجا إلى تهيئة أسباب
و تمهيد مقدمات لإيجاد هذه الأحوال حبا لنفسه و هربا من العقوبة، فلا محالة أيضا يقوم بصدد تمهيد المبادئ المؤدية إلى حصولها، فالمحرك جبلّي لا جعلي شرعي أو عقلي.
بقي الكلام في سرّ سقوط العقوبة بالتوبة و يتفرّع عليه الملازمة بين التوبة الصحيحة و قبولها، و وجه كونها دافعة للعقاب واقعا لا جعلا بناء على أنّ العقوبات لوازم الأعمال و نتائج الملكات و الأحوال واضح، لأنّ المعاصي و المآثم إمّا بنفسها أمور قلبية و أفعال نفسية، كأضداد المعارف و العقائد اللازمة و الأخلاق الذميمة المضادة للأخلاق الكريمة، فلا محالة إذا تبدّلت بمقابلاتها من الإيمان من جميع الجهات و الفضائل النفسانيّة فلا شيء حينئذ في مرتبة النّفس حتى يلزمه نحو من المؤلمات في النشأة الآخرة، فذلك المقدار من البعد أو الاحتراق بنار الكفر أو التألّم بالأخلاق الذميمة حين ظهورها بصورة مؤلمة مؤذية فرع وجودها في أفق النّفس، و إمّا ليست بنفسها أمورا نفسانية بل أعمال جسدانية لكنها تنبعث أيضا عن رذيلة نفسانية و تؤثر أيضا في تأكّدها أو في رذيلة أخرى توجدها، و التندّم و العزم على العدم في قوّة إخماد لهب تلك القوّة، و بعد فرض خمودها و عدم مصدريتها لعمل من الأعمال لا تكون ملزومة لعقوبة و أذيّة إلّا بالمقدار الّذي يترتّب على الأخلاق الذميمة مع عدم ظهور آثارها في الخارج بتكلّف شديد من صاحبها، فانّ لوازم الأخلاق الذميمة غير متخلفة عنها، و لا ترفعها التوبة إلّا بإزالتها بإيجاد ما يقابلها بالطريق المذكورة في فن الأخلاق. وفّقنا اللّه تعالى بفضله و كرمه لذلك، فانّه ولي ذلك.
و هي بعد العلم الحاصل من المعاشرة و الصحبة المتكررة و غيرها أمور: منها: شهادة العدلين، من دون أن تكون موردا لحكم الحاكم، أو في مورد حكم الحاكم، لعموم بعض أدلتها عموما، و لجملة من أدلة الباب خصوصا.
فمن الأولى قوله عليه السلام في رواية مسعدة بن صدقة: «و الأشياء كلها على هذا حتى يستبين أو تقوم به البينة»(1)و قوله عليه السلام في الجواب عن حال الجبن: «حتى يجيئك شاهدان»(2)إلخ.
و من الثانية ما استدل به شيخنا العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه)(3)لأصل ثبوت العدالة بالشهادة، و هو ما ورد من فعل النبي صلّى اللّه عليه و آله، حيث كان يبعث رجلين من أصحابه لتزكية الشهود المجهولين فيعمل بقولهما تعديلا و جرحا(4)، و ما ورد في القابلة إذا سئل عنها فعدلت (5)، و فحوى ما ورد من اعتبارها في الجرح، مثل قوله عليه السلام: «من لم تره بعينك يرتكب معصية، و لم يشهد عليه شاهدان، فهو من أهل الستر و العدالة»(6).
و في الكل مناقشة:
أمّا الأوّل بعد ثبوته، فقبول شهادة المعدل و الجارح هنا في مورد حكم الحاكم بل مورد لحكم الحاكم أيضا، فانّ إجازة شهادة المجهولين بعد تعديلهما بشهادة العدلين من أصحابه صلّى اللّه عليه و آله مرتبة على ثبوتها عنده صلّى اللّه عليه و آله. و بالجملة هذا و إن كان نافعا لأصل ثبوت العدالة بشهادة العدلين، لكنه لا يجدي للإطلاق المدّعى في مورد الكلام.
و أمّا الثاني: فلا ذكر فيه للسبب و أنّه بشهادة العدلين أو الواحد أو الشياع المفيد للقطع، بعد القطع بعدم إرادة إظهار عدالتها من قوله: «فعدلت» بأي
وجه كان، بل حاصله ثبوت عدالتها حقيقة بتعديلها، و لا يكون إلّا بالقطع أو بما هو مفروغ عنه من حيث حجيته، و قبول شهادة العدلين أو الواحد مطلقا أوّل الكلام.
و أمّا الثالث: فإن أريد من الفحوى أنّ العدالة إذا ثبتت بمجرد عدم شهادة الشاهدين بفسقه فبشهادتهما بعدالته تثبت بالأولويّة، ضرورة أنّ من قامت البيّنة على عدالته فهو واجد لعدم قيام البيّنة على فسقه و زيادة، و المفروض كفاية عدم قيام البيّنة على فسقه في ثبوت العدالة ففيه: انّ الأصل ليس مجرد عدم قيام البيّنة على فسقه، بل منضمّا إلى عدم رؤية المعصية، و المراد منه عدم الاطلاع بعد المعاشرة المقتضية لرؤية المعصية منه لو كان من أهلها، و أمّا غير المعاشر له فليس موردا للرؤية حتى يتصوّر عدمها منه، فانّه من قبيل العدم بالنسبة إلى الملكة، و إلّا كان بنحو السالبة بانتفاء الموضوع. هذا إذا كانت الجملة الثانية معطوفة على الأولى بالواو كما في الرسالة، و أمّا إذا كانت معطوفة ب «أو» كما في نسخة الوسائل الموجودة عندي (1)فلا دلالة للرواية أيضا على كفاية مجرد عدم قيام البينة على فسقه في الحكم بعدالته حتى تصح الفحوى، فانّها كالأخبار(2)الدالة على كفاية عدم معرفته بالفسق، فانّ المراد ليس الحكم بعدالة مجهول الحال بما هو مجهول الحال من دون اعتبار طريق إلى عدالته، بل المراد عدم معروفيته بالفسق عند المعاشرين له لمكان كونه ساترا لعيوبه، فكذلك هنا، فانّ الغرض انّ من عاشرته فلم تر منه ذنبا أو عاشره الناس فلم ير منه ذنبا من تعتبر رؤيته و شهادته فهو من أهل العدالة، فيوافق أخبار(3)طريقية حسن الظاهر، و لا ملازمة بين اعتباره طريقا و اعتبار البينة
على عدالته طريقا فضلا عن الأولوية.
و إن أريد من الفحوى أنّ شهادة الشاهدين على أنّه من أهل المعصية مقبولة بمقتضى هذه الرواية فشهادتهما في التعديل بالأولوية، لموافقتها للأصل من حيث إنّ الفسق غالبا أمر وجودي، و لظاهر الإسلام الّذي ربما يكتفي به منضما إلى عدم ظهور الفسق في تحقق أصل العدالة ففيه: منع الفحوى، نظرا إلى أنّ الفسق حيث إنّه غالبا أمر وجودي فلا بأس باعتبار البينة فيه، دون ترك جميع الكبائر خصوصا عن ملكة رادعة نفسانية، فانّه يصعب الاطلاع عليه، فاعتبار البينة فيه لا يكون مساويا لاعتبار البينة على فسقه فضلا عن الأولوية. و لكن في بعض الإطلاقات منضمّا إلى نفي الخلاف و الاستقراء القطعي المدّعى في كلامه (قدّس سرّه) كفاية.
و إنّما الكلام في جهات:
الأولى: هل البينة حجة مع إفادة الظن بمضمونها أو مع عدم الظنّ بخلافها أو مطلقا حتى مع الظنّ بخلافها؟ وجوه مبنية على دعوى إطلاق أدلتها أو انصرافها إلى صورة الظنّ بالوفاق أو لا أقل من عدم الظنّ بالخلاف.
و عن شيخنا الأجل (قدّس سرّه) في رسالة العدالة(1)التفصيل بين ما إذا كان احتمال خلافها مستندا إلى احتمال تعمّد الكذب، فلا يعتنى به و إن كان مظنونا، و ما إذا كان مستندا إلى احتمال الخطأ، فيعتبر عدم الظنّ بالخلاف، بل يجب كون احتماله موهوما فينتج لزوم الظنّ بالوفاق.
و استند (قدّس سرّه) في الشق الأوّل إلى ظهور أدلة تصديق العادل (2)بل المؤمن في نفي تعمّد الكذب، فانّ العدالة و الإيمان يقتضيان عدم تعمّد الكذب
فقط لا عدم الخطأ، خصوصا بلحاظ التعليل الفارق بين الفاسق و العادل في آية النبأ(1)، و لذا التزم (قدّس سرّه) بلزوم قبول خبر الفاسق لو قطع بعدم تعمّده الكذب إذا كان مستند حجية خبر العادل آية النبأ و أشباهها.
و استند في الشق الثاني إلى اقتضاء أصالة عدم الخطأ عند العقلاء لنفي احتمال الخطأ لندرته، فهو مما ينفيه ظاهر حال المخبر المعتبر هذا الظهور عند كافة العقلاء، فلا مجرى للأصل حينئذ فيمن يظنّ منه الخطأ لعدم ندور صدوره منه.
قلت: أمّا ما استند (قدّس سرّه) إليه في الشق الأوّل فهو و إن كان صحيحا من حيث حجيّة الخبر مطلقا، إلّا أنّ اللازم الّذي التزم به (قدّس سرّه) انّما يصح إذا فهم من الأدلة دوران الردّ و القبول مدار احتمال تعمّد الكذب و عدمه و هو غير واضح، و التعليل في آية النبأ غير واف به، بل لنا أن نقول كما مرّ سابقا: إنّ الفاسق بطبعه لا مبالاة له بالكذب فخبره في معرض خلاف الواقع، دون العادل فليس خبره في هذه المعرضية، و من الواضح انّ كون خبر الفاسق في معرض خلاف الواقع ذاتا و طبعا صفة لا تنفكّ عنه و إن قطع بعدم تعمده الكذب شخصا، و التعليل أيضا لا يقتضي أزيد من معرضية خبر الفاسق.
و بعبارة واضحة: ليس مناط الردّ و القبول احتمال تعمّد الكذب فعلا كي ينتفي بالقطع بعدم تعمّده الكذب، بل المناط كون خبره في معرض احتمال تعمّد الكذب، و المعرضيّة الطبعية لا تنتفي بانتفاء احتمال تعمّد الكذب فعلا، و عليه فلا يلزم منه قبول شهادة الفاسق مع القطع بعدم تعمّده الكذب، و الطريقيّة المستفادة من التعليل في آية النبأ ليست بأزيد من ذلك، فالمعرّضية علة لعدم الحجية لا احتمال الكذب فعلا تعمّدا، بداهة أنّ الفسق مقتض لعدم
1) الحجرات: 6.
المبالاة لا علة تامة له، لأنّ الكذوب قد يصدق، فخبره من حيث اقتضاء صفة المخبر في معرض الاحتمال لا أنّه علة له، و صفة الاقتضاء كالمعرضية ثابتة و إن لم يكن المقتضي فعليا.
و لا يخفى أنّ ما سلكناه في اختصاص الآية بحجيّة خبر العادل و إلغاء خبر الفاسق مطلقا أولى مما يقال من أنّ الآية في مقام الحجيّة من جميع الجهات، فالنهي عن العمل بخبر الفاسق الّذي قطع بعدم تعمّده الكذب راجع إلى الردع عن بناء العقلاء على عدم الخطأ في الفاسق. و فيه: انّ التفصيل بين العادل و الفاسق، و التعليل بإصابة القوم بجهالة من حيث الاعتماد على خبر الفاسق أجنبيّ بالمرّة عن جهة خطأ الفاسق، لأنّ الخطأ ليس من شئون الفسق و لو اقتضاء حتى يكون ذلك ردعا عن بناء العقلاء على عدم خطأه، بخلاف عدم المبالاة بالكذب اقتضاء، فانّه يوجب وقوع خبره في معرض احتمال خلاف الواقع، و كون الآية في مقام الحجيّة الفعلية لا ينافي عدم النّظر إلى حيثية الخطأ، فإنّ المراد حجية خبر العادل فعلا لمكان وجود سائر الأصول المربوطة بخطئه و بظهور كلامه و كون مضمونه عن جدّ إلى غير ذلك مما يرتبط جميعها بالحجيّة الفعليّة.
و أمّا ما استند (قدّس سرّه) إليه في الشقّ الثاني فيمكن أن يقال: أوّلا: انّ ظهور الحال في عدم الخطأ كظهور اللفظ الّذي بنى العقلاء على حجيته، أو ظهور حال المتكلّم الشاعر في إرادة معناه جدّاً، من دون اشتراط شيء منهما بالظنّ بالوفاق أو الظنّ بعدم الخلاف. و الشاهد عليه عدم صحة اعتذار العبد بأنّي ظننت خطأك فضلا عن احتماله احتمالا مساويا. و بالجملة كما أنّ الظهور الذاتي و النوعيّ هناك مبنى عمل العقلاء فكذلك هنا، و إلّا فلا ضابطة للظنّ الفعلي من كلّ أحد، فيختلّ بإناطة الحكم به و دورانه مداره نظام امتثال العبيد لمواليهم، و ليس من الشارع ردع عن هذا البناء العملي مع عدم الظنّ بالوفاق أو
مع الظنّ بالخلاف.
و ثانيا: أنّ التعبير عن مورد بناء العقلاء بظهور حال المخبر لا يخلو من مسامحة، إذ ليس الخطأ من أحوال المخبر الصادرة عن اختياره حتى يقال بأنّ ظاهر حال العاقل أو المسلم أو العادل ان لا يفعل كذا، بل الخطأ في الحسّ الّذي هو مورد بناء العقلاء على عدمه لآفة في طبيعة تلك الحاسة من السامعة أو الباصرة أو اللسان أو غيرها، و جري الشيء على خلاف مجراه الطبيعي حيث إنّه خلاف العادة و الطبيعة فلا يعتني به إلّا بعد ثبوته علما أو علميا فلا معنى لظهور حال المخبر بما هو مخبر هنا، و الأمر فيه سهل.
الثانية: هل يجوز تعديل الشخص بمجرد قيام البينة على عدالته كسائر الآثار الأخر أو لا؟
ربما أمكن القول به هنا بالخصوص و إن لم نقل به عموما، لظاهر جملة من النصوص:
منها: قوله عليه السلام في صحيحة ابن أبي يعفور: «و لو لا ذلك لم يكن لأحد أن يشهد لأحد بالصلاح»(1)فيظهر منه أنّ مجرد لزوم الجماعة كاف في الشهادة بالصلاح.
و منها: قوله عليه السلام في الصحيحة أيضا- بعد قوله عليه السلام:
«و الدليل على ذلك أن يكون ساترا لعيوبه» إلخ-: «و يجب عليهم تزكيته و إظهار عدالته».
و منها: قوله عليه السلام في المروي في الخصال: «ثلاث من كنّ فيه أوجبت له أربعا على الناس: إذا حدّثهم فلم يكذبهم، و إذا وعدهم فلم يخلفهم، و إذا عاملهم فلم يظلمهم، وجب عليهم أن يظهروا في الناس عدالته»
1) الوسائل: ج 18، باب 41 من أبواب الشهادات، ح 1.
إلخ (1).
و منها: ما ورد من إرسال النبي صلّى اللّه عليه و آله رجلين من أصحابه لتحقيق حال الشهود من أهل محلّتهم و قبيلتهم، و قبوله صلى اللَّه عليه و آله منهما إذا رجعا بخير(2)، مع أنّ مستند المعدّلين ليس إلّا الشياع الظنّي.
فيفهم من المجموع عدم لزوم استناد المعدّل إلى العلم، و شهادة العدلين أقوى الطرق الشرعيّة.
و يمكن أن يقال: حيث أنّ دليل حجية الخبر و البينة مفاده التعبّد بالواقع و بآثاره، و ليس جواز الإخبار عن الواقع و الشهادة به من آثاره، و إلّا كان تجويزا للقول بغير علم و هو قبيح، بل من آثار إحراز الواقع، فلا بدّ من دليل آخر يتكفّل تنزيل نفس الطريق منزلة العلم، لا مجرد تنزيل مؤدّاه منزلة الواقع، و عليه نقول: إنّ تنزيل مشاهدة الصلاح في المهمّ من أفعال الشخص منزلة مشاهدة الصلاح المطلق، أو مشاهدة آثار الشيء منزلة مشاهدة نفس الشيء لا يقتضي بوجه تنزيل كل طريق منزلة مشاهدة الشيء، فلا أقوائيّة للبيّنة بحسب مناسبة المورد من مشاهدة استقامته العملية في الجملة، بل لا مساواة من حيث عنوان شهود شيء و شهود آثاره، و كذا الأمر في استناد المبعوثين من قبل النبيّ صلى الله عليه و آله، فانّ اعتمادهما لم يكن على الشياع الظنّي بما هو أخبار جماعة يفيد الظنّ بالعدالة، بل على حسن الظاهر عند المعاشرين، فالمستند إليه أيضا حسن الظاهر لا كل طريق مفيد للظنّ.
نعم لنا أن نقول بعدم الحاجة إلى تنزيل البينة منزلة العلم في الشهادة بالعدالة أو بغيرها، بتقريب أنّ دليل حجيّة الخبر مثلا يفيد تنزيل مؤدّاه منزلة
الواقع في جميع آثاره، فتكون العدالة الواقعيّة المخبر عنها عدالة شرعيّة تترتب عليها آثارها، فيصح لمن قام عنده الخبر- مثلا- الشهادة بالعدالة الشرعية، للعلم بها، فإذا شهد بها فقد أخبر عن موضوع شرعي ذي حكم، فيعمّه دليل حجيّة الخبر و الشهادة، من دون حاجة إلى مجوّز جديد للشهادة بها، و لا إلى دليل على حجيّة الخبر عنها، و أمّا الشهادة بالعدالة الواقعيّة فلا ملزم بها، و لا الدليل يجوّزها، لأنّ الشهادة بها قول بغير علم، و لا يعقل أن يجوّزه دليل إلّا بعنوان الشهادة بالموضوع التعبّدي، و قد عرفت أنّه لا يحتاج إلى دليل.
و منه تعرف صحّة الشهادة المستندة إلى العلمي كالمستندة إلى العلم.
نعم يصحّ تقييد فصل الخصومة في باب الحكومة بالبيّنة المستندة إلى العلم فقط، لأنّ فصل الخصومة لا يدور مدار إحراز الواقع بل مدار موازين خاصّة، و أمّا مطلق البيّنة لا في مورد الحكومة فلا وجه لتقييدها بالبيّنة المستندة إلى خصوص العلم، و شهادة العدلين بعدالة البيّنة القائمة على المدّعى به و إن كان لها تعلّق بمورد الحكومة و فصل الخصومة، إلّا أنّها ليست بنفسها ميزانا لفصل الخصومة، و لا يمكن عدم الاعتناء بإحراز الواقع حتى في مقام التعديل أيضا، للزوم انتهائه إلى إحراز الحاكم، فالواقع إنّما لا يفيد إحرازه بالإضافة إلى مورد الدعوى لا بالإضافة إلى كلّ ما له تعلّق به.
الثالثة: هل الشهادة الفعليّة كالقوليّة في ترتيب آثار العدالة، فيكون اقتداء العدلين بشخص شهادة فعلية بعدالته فتثبت بها عدالته أو لا؟ وجهان.
حكي الجزم بالأوّل عن الشهيد (قدّس سرّه) في الدروس (1)، و استدل له شيخنا العلامة الأنصاري (قدّس سرّه) في رسالة العدالة(2)بعموم ما دلّ على
وجوب تصديق العادل، بل المؤمن الشامل لتصديق قوله و فعله، مثل قوله تعالى: «يؤمن باللَّه و يؤمن للمؤمنين»(1)و أيّده بعدم تأمّل أحد من العلماء في تعديلات أهل الرّجال المكتوبة في كتبهم من أجل أنّ الخبر و النبأ لا يصدق على الكتابة، مع ذهاب أكثرهم إلى أنّ التعديلات من باب الشهادة، و كذا لم يتأمّل أحد في العمل بالأخبار المودعة في كتب الحديث من دون سماعها مشافهة من المحدّث، و قد شاع منهم الاستدلال على ذلك بأدلّة حجيّة الخبر و النبأ، و يعتبرون العدالة في الجامع مستندين فيه إلى آية النبأ و نحوها.
قلت: أمّا صدق التصديق و التكذيب بالإضافة إلى القول و الفعل فواضح، بل يصدق بالإضافة إلى الظنّ و الاعتقاد أيضا، قال اللّه تعالى: «و لقد صدّق عليهم إبليس ظنّه»(2)بل بالإضافة إلى الرؤية و السماع أيضا حتى في الرؤيا، فيقال: رؤيا صادقة، قال تعالى: «قد صدّقت الرؤيا»(3)و لكن اتّصاف الفعل بالصدق و الكذب فقط لا يجدي إلّا مع صدق الخبر و النبأ على الفعل ليكونا مساوقين للدلالة، و إلّا فعموم التصديق يقتضي التصديق في الرّأي و الاعتقاد، مع أنّه لم يتمسّك أحد لحجيّة الفتوى و الرّأي بقوله تعالى: «و يؤمن للمؤمنين» و لا توهّم أحد شموله لحجيّة رأي المؤمن، مع أنّ ما فيه عنوان التصديق كهذه الآية مما لا ريب في عدم دلالته على حجيّة الخبر قولا فضلا عن الفعل كما قرّر في محلّه، و كذا قوله عليه السلام: «إذا شهد عندك خمسون قسامة على أنّه قال قولا، و قال: لم أقله، فصدّقه و كذّبهم»(4)فانّ المراد من التصديق و التكذيب غير ما يراد هنا، و إلّا لما قدّم عليه السلام مؤمنا واحدا على خمسين
قسامة و هي البيّنة العادلة، مضافا إلى أنّ مورده القول لا مطلقا.
نعم قوله عليه السلام: «كذّب سمعك و بصرك»(1)أعمّ، لكنه بمعنى آخر.
و بالجملة: إن أريد مجرّد الاتصاف بالصدق و الكذب فهو صحيح، و إن أريد حجيّة الفعل كالقول فلا عموم يدلّ عليه، بل اللازم دعوى صدق الخبر و النبأ على الفعل كالقول، فلا حاجة إلى شمول عنوان التصديق للفعل. و لا يخفى أنّ الأخبار و النبأ بمفهومه اللغوي بل العرفي و إن كان صادقا على الحكاية و الدلالة بالفعل، بل ربما يصدق عنوان القول على الدلالة بلسان الحال بعد تنزيل الشيء منزلة من يعقل و يتكلّم، كقوله تعالى: «قالتا أتينا طائعين»(2)كما يصدق الكلام على الموجود باعتبار دلالته على ما في الغيب المكنون، بل كلامه تعالى فعله كما في خطبة الأمير عليه السلام، لكنه لا يجدي بعد اعترافه (قدّس سرّه) في الرسالة بانصراف أدلّة وجوب التصديق إلى القول.
و قوله رحمه اللّه بعد تسليم الانصراف:- إنّ إرادة تصديقه في كلّ ما يدلّك و ينبئك عليه و يرشدك إليه واضح ... إلخ- لا محمل له إلّا دعوى المناط، و كونه قطعيا غير واضح، أو دعوى كون الانصراف بدويّا زائلا بالتأمّل، و هو خلاف ظاهر كلامه رحمه اللّه.
و أمّا حديث تعديلات أهل الرّجال و صحّة العمل بكتب الحديث فمجمل القول فيه: إنّ عنوان الخبر و الحديث و النبأ و إن قلنا بأنّه ينتزع من قول مخصوص، إلّا أنّ المنتزع حاله حال المنتزع منه، و له أنحاء من الوجود كالخارجي و الذهني و اللفظي و الكتبي، و صدق العناوين المزبورة على الأوّل بديهي، و على الثاني أيضا كثير، كقولهم عليهم السلام في عدة روايات: «من
حفظ من أمتي أربعين حديثا»(1)و ما في الحافظة ليس إلّا الحديث بوجوده الذهني، و كذا على الثالث، لصحّة استعمال اللفظ في لفظ آخر بأنحائه، و نقل الرواية لا يكون إلّا باستعمال الراوي ما يتلفّظ به في الفرد المماثل و هو شخص المسموع، فالمسموع و هو شخص اللفظ بما له من معناه المنتزع عنه عنوان الحديث و الخبر وجد بوجوده اللفظي على لسان الراوي و الحاكي، و كذا على الرابع، فانّ من نظر إلى جوامع الأخبار و ما ورد فيها من إطلاقات الرواية و الخبر و الحديث على القول المخصوص بوجوده الكتبي يصدّقنا فيما ندّعيه، و كفاك ما اشتهر من قوله عليه السلام: «خذوا ما رووا و ذروا ما رأوا»(2)بعد السؤال عن كتب بني فضّال، فانّه صريح في صدق الرواية على ما كتبوه في كتبهم، و عليه فالكتابة حيث إنّها نقش القول المخصوص بما له من المعنى فهي خبر و رواية و نبأ بوجودها الكتبي، فإذا علم من الأدلّة أنّ الخبر و لو بهذا النحو من الوجود حجّة بعد كونه نحوا من وجوده، كيف يصحّ التعدّي إلى سائر الأفعال التي ليست وجودا للخبر و الحديث، بل هي دالة على المعنى فقط، و المفروض أنّ عنوان الخبر و الحديث عنوان للقول المخصوص لا للمعنى، و الغرض أنّ الالتزام بأنّ الخبر و النبأ لا يصدق إلّا على القول المخصوص لا ينافي صدقه على الكتابة، فانّها نحو من وجود طبيعي اللفظ بما له من المعنى، و هذا الطبيعي في نفسه منشأ انتزاع الخبرية و الرواية، غاية الأمر أنّه وجد هنا بوجوده الكتبي، و ليس اقتداء العدلين مثلا وجودا لطبيعي القول المخصوص حتى بالعناية، بل غايته الدلالة على المعنى، و ليس كلّ دالّ على المعنى خبرا و حديثا.
مضافا إلى ما في ذهاب الأكثر إلى أنّ التعديلات الرجالية من باب
الشهادة، مع ابتنائها على اجتهادات و أنظار، كما يظهر بالمراجعة إلى كتب الرّجال، فيكون حالها حال آراء المجتهد لا يصحّ التعبد بها إلّا لمقلّده، فلا تغفل.
مع أنّ الحكاية بالفعل كاقتداء العدلين بمقتضى كونهما عادلين ملتفتين إلى اشتراط الائتمام بالعدالة لا تكون إلّا عن اعتقادهما بالعدالة، فانّ عدالتهما لا تقتضي أزيد من ذلك، و ليس الفعل كالقول دالا على معنى تحته حتى يقال إنّه ظاهر في الواقعي، لوضع الألفاظ لنفس المعاني الواقعيّة، بل لو صرّح و قال:
أعتقد عدالة فلان، كان الاعتقاد طريقيّا، بل شهادة بلازمه و هو المعتقد بالدلالة الالتزاميّة، فلا يقاس الفعل في كيفيّة الدلالة على نفس المعنى بالقول، فلا يكون الفعل حينئذ دالا على أمر ذي أثر بحسب المورد، لأنّ جواز الاقتداء و أشباهه مرتّب على العدالة لا على اعتقاد المخبر بالعدالة.
و أمّا ما أفاده (قدّس سرّه)(1)في آخر الكلام من أنّ هذا كله بعد فرض ثبوت صحة الاستناد في الشهادة إلى كلّ ما يصحّ أن يعمل على طبقه، كمفاد الاستصحاب و قاعدة اليد و البينة و قول العدل، و مع عدم ثبوتها لا إشكال أنّ صلاة عدلين لا توجب الحكم بالعدالة فكلام مجمل لا بدّ من أن يحمل على عدم ترتب جميع الآثار حتى جواز الشهادة بالعدالة استنادا إلى اقتداء العدلين، و إلّا فيرد عليه أنّ الكلام في ترتيب آثار العدالة باقتداء العدلين، و هو أمر و الاستناد إليه في التعديل أمر آخر، فانّ ذلك لا اختصاص له بالشهادة الفعلية، بل القولية أيضا كذلك، مع أنّه لا شبهة في ترتيب آثار العدالة بالشهادة القولية، مضافا إلى ما سمعت من صحة التعديل استنادا إلى البيّنة بحسب القاعدة و في خصوص المقام أيضا.
و منها: شهادة العدل الواحد.
1) رسالة العدالة المطبوعة في آخر كتاب المكاسب: ص 337.
و يمكن الاستناد في قبولها إلى إطلاق آية النبأ(1)، و موردها أيضا هو الموضوع دون الحكم، و كذا بناء العقلاء، فانّه لا فرق عندهم في قبول خبر الثقة بين الحكم و موضوع ذي حكم، و ما ورد في أبواب الفقه، من قبول خبر البائع في استبراء الأمة(2)، و قبول خبر الثقة بعزل الوكيل (3)، و قبول خبر الثقة بدخول الوقت (4). و لا ينافيه إناطة فصل الخصومة في الماليات بشهادة العدلين، فانّها أخصّ مما ندّعيه هنا.
نعم قد ورد في غير مورد الدعوى دوران القبول مدار شهادة العدلين، مثل ما تقدّم من رواية مسعدة بن صدقة(5)، و رواية الجبن (6)، حيث أناط حرمته بإخبار شاهدين بأنّ فيه الميتة، و بها يقيّد ما ورد مطلقا(7)بأنّه حلال إلى أن يجيء من يخبرك بأنّ فيه الميتة، و روايات باب العدالة على ما قدّمناها(8)، و ما ورد في الهلال (9)من أنّه لا يثبت إلّا برجلين عدلين، و في الشهادة على شهادة(10)رجل واحد من أنّها لا تثبت إلّا بشهادة العدلين، إلى غير ذلك (11).
1) الحجرات: 6.
2) الوسائل: ج 14، باب 6 من أبواب نكاح العبيد و الإماء.
3) الوسائل: ج 13، باب 2 من كتاب الوكالة، ح 1.
4) الوسائل: ج 4، باب 3 من أبواب الأذان و الإقامة.
5) الوسائل: ج 12، باب 4 من أبواب ما يكتسب به، ح 4.
6) الوسائل: ج 17، باب 41 من أبواب الأطعمة المباحة، ح 2.
7) الوسائل: ج 17، باب 33 من أبواب الأطعمة المباحة، ح 1.
8) على ما قدّمناه في ص 51- 66.
9) الوسائل: ج 7، باب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان.
10) الوسائل: ج 18، باب 44 من أبواب الشهادات، ح 4.
11) الوسائل: ج 18، ص 303، باب 51 من أبواب الشهادات، ح 1 و 2.
و عليه فيشكل الاتكال على آية النبأ و بناء العقلاء. و الاحتياط لا يترك.
و منها: حسن الظاهر المستنبط من عدة روايات:
منها مرسلة يونس: «إذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته و لا يسأل عن باطنه»(1).
و منها صحيحة ابن أبي يعفور: «و الدليل على ذلك كلّه ان يكون ساترا لعيوبه حتى يحرم على المسلمين تفتيش ما وراء ذلك من عثراته و عيوبه»(2).
و منها ما في تلك الصحيحة أيضا: «و يكون منه التعاهد للصلوات الخمس إلى قوله عليه السلام: فإذا سئل عنه أهل محلّته و قبيلته قالوا: ما رأينا منه إلّا خيرا مواظبا للصلوات متعاهدا لأوقاتها في مصلّاه، فانّ ذلك يجيز شهادته و عدالته بين المسلمين»(3)الخبر.
و منها رواية علقمة: «فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل الستر و العدالة»(4).
و منها ما في الخصال: «من عامل الناس فلم يظلمهم و حدّثهم فلم يكذبهم و وعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروته و ظهرت عدالته»(5).
و منها ما في عدة روايات: «إذا لم يعرف بالفسق»(6)إلى غير ذلك ممّا يطّلع عليه المتتبع.
و الكلام فيه، تارة في موضوعه، و أخرى في كونه طريقا تعبّديا لا يشترط فيه
الظنّ بحسن الباطن فعلا، أو يشترط الوثوق، أو يكتفي بمجرد الظنّ بحسن باطنه.
أمّا الأول فربما يشكل فيه بأنّ حسن الظاهر له عرض عريض تتصل أول مرتبته بمجهول الحال و آخر مرتبته بالعصمة، فأية مرتبة منها طريق إلى العدالة، كما يشكل بأنّ الظاهر و الباطن إضافيان، فالظاهر لأهل البلد باطن بالنسبة إلى غيرهم، و الظاهر لأهل المحلّة باطن بالنسبة إلى باقي أهل البلد، و الظاهر للجيران باطن لباقي أهل المحلّة، و الظاهر لزوجته باطن لغيرها، فالعبرة بأي ظاهر من تلك الظواهر؟.
و تحقيق القول فيه: أن كون الشخص بالإضافة إلى المعاشر له و المخالط معه فاعلا لما افترض اللّه عليه، تاركا لما حرّمه عليه فيما يظهر في نفسه عند المعاشرة و المخالطة معه، هو معنى حسن ظاهره المعبّر عنه تارة بكونه ساترا لعيوبه حيث لم يظهر منه للمعاشر معه عيب شرعي من ترك واجب أو فعل حرام، و أخرى بكون ظاهره ظاهرا مأمونا، فيكون المعاشر له في أمن منه من حيث عدم ظهور ما يوجب الخيانة شرعا عند المخالطة معه، و ثالثة بالتعاهد للصلوات الخمس في الجماعات، حيث كان المتعاهد لها في الصدر الأوّل داخلا في جماعة المسلمين و له ما لهم و عليه ما عليهم، بخلاف المنحرف عنهم التارك لحضور جماعاتهم من غير علّة، فانّه كان علامة خروجه من زمرة المسلمين دون هذه الأزمنة، و رابعة بكونه ممن لم تره بعينك يرتكب ذنبا أي عند المعاشرة التي هي معرض الرؤية أو عند معاشرة غيرك معه التي هي معرض رؤيته منه و شهادته عليه بالذنب لو صدر منه. و هذا المعنى من حسن الظاهر طريق إلى العدالة في أي مورد حصل، فلو حصل للمعاشر له كان طريقا له، و لو أحرزه غير المعاشر له كان إحرازا منه للطريق المعتبر، فلو كان الشخص ممن لا مخالطة له إلّا مع أهل بيته، و كان عند مخالطته لهم و معاشرته إيّاهم بحيث لم يظهر منه عيب ينبغي ظهوره منه عند
المعاشرة لو كان ذا عيب، كان هذا الظاهر الحسن عند المعاشر و عند من أحرزه لمعاشره حجّة شرعية على عدالته، و أمّا لو ظهر لأحد منه عيب شرعي كان طريقا إلى فسقه أيضا عند المعاشر له و عند كلّ من أحرز صدوره منه معاشرا كان أو لا و إن كان له حسن الظاهر عند الكل، فانّ الطريق حجّة مع عدم تبيّن خلافه، فكون حسن الظاهر ذا عرض عريض أو أمرا إضافيا لا يوجب محذورا أصلا.
نعم ينبغي أن تكون المعاشرة بحدّ يوجب ظهور العيب لو كان من أهله، و أمّا كون المعاشر جميع الناس أو جميع أهل البلد أو قبيلته و أهل محلّته أو جيرانه أو أهل بيته، فلا موجب لاعتبار شيء منه، و لا دليل على تعيّن شيء من مراتبه.
و أمّا الثاني فظاهر أخبار الباب كفاية حسن الظاهر بمجرّده و لو لم يفد الظن الفعلي بحسن باطنه فضلا عن الوثوق به، فانّ قوله عليه السلام: «و لا يسأل عن باطنه»(1)تارة يقال في مقام ظهور باطنه بنحو الوثوق أو الظنّ الفعلي فلا موقع للسؤال عن باطنه، و أخرى يقال في مقام عدم الاعتبار بباطنه و أنّه كان ما كان فلا يلتفت إلى الباطن بعد حسن ظاهره فلذا لا يسأل عنه.
و الظاهر هو الثاني، و منه يظهر المراد من قوله عليه السلام: «إذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا»(2)فانّ المراد كون غيره في أمن من ظاهره لا في أمن من باطنه، فانّ الموصوف بالمأمونية هو الظاهر دون الباطن، و معنى مأمونية ظاهره ما تقدّم من عدم ظهور الخيانة منه، فأفعاله الظاهرة أفعال غير موصوفة بالخيانة بل بضدّها، لا أنّ المراد كون ظاهره موجبا للوثوق بباطنه، فانّ الباطن حينئذ مأمون لا الظاهر.
و كذا الأمر في قوله عليه السلام في صحيحة ابن أبي يعفور: «حتى يحرم على المسلمين التفتيش عما وراء ذلك من عثراته و عيوبه»(1)فانّ ظاهره أنّه لا عبرة بعيوبه الباطنة بل يحرم الفحص عنها، لا أنّ ساتريّته حيث أفاد الوثوق أو الظنّ بعدم العيب فلا عيب فيه حتى يتفحص عنه، فانّه خلاف الظاهر جدا.
و كذا قوله عليه السلام في رواية علقمة: «من لم تره بعينك يرتكب ذنبا»(2)فانّ ظاهره عدم رؤية من كان من شأنه الرؤية و هو المعاشر ما كان من شأنه الرؤية و هي المعاصي الظاهرة، فالعبرة بعدم رؤية العيوب و الذنوب الظاهرة، فلا معنى حينئذ لاعتبار الوثوق و الظنّ الفعلي بعدم ارتكابه للذنوب الخفيّة، و لذا قال عليه السلام: «فهو من أهل الستر و العدالة و إن كان في نفسه مذنبا»(3)بل قوله عليه السلام: «من صلّى الخمس في جماعة فظنّوا به خيرا أو كلّ الخير»(4)لا يدلّ إلّا على أنّ اعتبار هذه الأسباب لكونها مظنّة الخير، و هو غير المدّعى، و إلّا فلو كان اعتبارها لإفادتها الظن الفعلي لما أمر بترتيب الأثر بعنوان الأمر بتحصيل الظنّ الظاهر في عدم حصوله بحسب هذا الفرض و الاعتبار.
فهذه الرواية في عدم إناطة حسن الظاهر بإفادة الظنّ الفعلي أظهر من غيرها.
و العجب أنّ شيخنا العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه) في كتاب الصلاة(5)جعلها على خلاف المطلوب أدلّ.
و أمّا دعوى تقييد الإطلاقات الواردة في حسن الظاهر بما دلّ على اعتبار الوثوق، مثل قوله عليه السلام «لا تصلّ إلّا خلف من تثق بدينه و ورعه»(6)
1) الوسائل: ج 18، باب 41 من أبواب الشهادات، ح 1، ح 13، ح 13.
2) الوسائل: ج 18، باب 41 من أبواب الشهادات، ح 1، ح 13، ح 13.
3) الوسائل: ج 18، باب 41 من أبواب الشهادات، ح 1، ح 13، ح 13.
4) الوسائل: ج 18، باب 41 من أبواب الشهادات، ح 12. و الوسائل: ج 5، باب 11 من أبواب صلاة الجماعة، ح 3.
5) كتاب الصلاة للشيخ الأنصاري: ص 250.
6) الوسائل: ج 5، باب 10 من أبواب صلاة الجماعة، ح 2.
كما عن شيخنا الأجلّ (قدّس سرّه) في غير مورد(1)، فمدفوعة بأنّ الوثوق إن اعتبر من باب الموضوعية في مسألة الائتمام بالإمام فالأمر كما ذكر، لكنّه مختصّ بالائتمام و خارج عن مورد الكلام، و إن اعتبر من باب الطريقيّة فأدلّة حسن الظاهر كسائر أدلّة الطريق و الأمارات حاكمة عليه.
و ما ذكره (قدّس سرّه) من الفرق بين مرسلة يونس (2)، فلا حكومة لها على ما اعتبر في موضوعه الوثوق، و غير المرسلة، فله الحكومة عليه مبني على استظهار الوثوق بالباطن من قوله عليه السلام في المرسلة: «فإذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا»(3)لكنّك قد عرفت أنّ المأمونيّة وصف للظاهر لا الباطن، و ضدّها كون أفعاله الظاهرة على وجه الخيانة، فلا فرق بين المرسلة و غيرها في الحكومة على مثل قوله عليه السلام: «لا تصلّ إلّا خلف من تثق» إلخ.
فالتحقيق انّ حسن الظاهر طريق تعبدي لا يعتبر فيه إفادة الوثوق أو الظن الفعلي بحسن الباطن.
و أمّا جواز التعديل مستندا إلى حسن الظاهر، فقد عرفت (4)أنّ القدر المتيقن من أخبار الباب في وجوب التزكية و إظهار العدالة هو الاستناد إلى حسن الظاهر فراجع.
و منها: الشياع الظنّي، و هو إخبار جماعة يفيد الظنّ بالعدالة.
و يستدلّ عليه عموما بما رواه يونس مرسلا عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: «سألته عن البينة إذا أقيمت على الحق، أ يحلّ للقاضي أن يقضي بقول البينة من غير مسألة إذا لم يعرفهم؟ قال: فقال عليه السلام: خمسة أشياء يجب
الأخذ فيها بظاهر الحكم: الولايات و المناكح و الذبائح و المواريث و الشهادات، فإذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا، جازت شهادته و لا يسأل عن باطنه»(1)و في بعض نسخ التهذيب (2)على ما حكي «ظاهر الحال» بدل «ظاهر الحكم» بتقريب أنّ المراد من الحكم هي النسبة الخبرية، فإذا شاعت هذه النسبة الحكمية الخبرية و ظهرت بين الناس في هذه الأمور الخمسة، جاز الأخذ بهذا الظهور الخبري المعبّر عنه بالشياع و الاستفاضة.
و يورد عليه بأنّ المراد من الحكم هي النسبة دون الخبريّة فقط، و ظهور النسبة و شيوعها و استفاضتها المساوق لظهور الحال أمر، و شيوع الخبر عنها أمر آخر، فربما تكون ولديّة زيد لعمرو و زوجية هند لبكر ظاهرة و إن لم يكن الخبر عنها شائعا، كما أنّه ربما يخبر عنها جماعة كثيرة سرّا و لكن لا ظهور لها عند الناس، و الشاهد على إرادة ظهور النسبة لا شيوع الخبر عنها قوله عليه السلام بعد ذلك: «فإذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته و لا يسأل عن باطنه»(3)فانّه ظاهر في أنّ الظاهر في قبال الباطن لا في قبال عدم الشياع الخبر، بل مورد المرسلة أيضا يوافق ما ذكر، فانّه كما سمعت هكذا أ يحلّ للقاضي أن يقضي بقول البيّنة من غير مسألة إذا لم يعرفهم»(4)فان فرض قيام البيّنة فرض شهادة العدلين عند الناس لكن القاضي لا يعرفهما، فأجاب عليه السلام بأنّ ظهور صلاحهما عند الناس كاف في قبول شهادتهما من دون مسيس الحاجة سؤالا و جوابا إلى فرض شيوع الخبر عن عدالتهما و عدمه.
و أضعف من الاستدلال المزبور الاستدلال بصحيح حرير(5)، و فيه
حكاية إسماعيل بن الإمام أبي عبد اللّه الصادق عليه السلام و من جملة مضامينه ما لفظه: «فقال إسماعيل: يا أبت إنّي لم أره يشرب الخمر إنّما سمعت الناس يقولون، فقال عليه السلام: يا بني إنّ اللّه يقول في كتابه: (يؤمن باللَّه و يؤمن للمؤمنين) يقول: يصدّق للّه و يصدّق للمؤمنين. فإذا شهد عندك المؤمنون فصدّقهم» الخبر. بتقريب أنّ الإمام عليه السلام رتّب آثار الواقع على مجرد قول الناس و هو الشياع كما يظهر مما بعد هذه الفقرة، حيث قال عليه السلام: «و لا تأتمن شارب الخمر».
و الجواب أنّه عليه السلام لم يرتّب جميع آثار الواقع، بل ما ينفع المخبر إليه و لا يضرّ المخبر عنه لموافقته للاحتياط، كما فعل خلاف ذلك في خبر آخر(1)، حيث قال عليه السلام: «كذّب سمعك و بصرك عن أخيك المؤمن، فإذا شهد عندك خمسون قسامة أنّه قال قولا و قال لم أقله فصدّقه و كذّبهم» إلخ. أ لا ترى أنّه أمر بتكذيب خمسين بيّنة عادلة فيما يضرّ المخبر عنه و لا يجدي المخبر إليه، فكيف يأمر بتصديق ما هو أدون من بيّنة عادلة واحدة في ترتيب جميع آثار الواقع؟.
و أضعف من الكلّ ما عن الشهيد(2)(قدّس سرّه) حيث استدل بالأولويّة، نظرا إلى أنّ الظنّ الحاصل من الشياع أقوى من الحاصل من البيّنة العادلة.
و فيه أنّه لا ظنّ بأن ملاك حجيّة البيّنة إفادتها الظنّ، بل المقطوع خلافه لحجيّتها و إن لم تفد الظنّ الفعلي، مع أنّ لازمه حجيّة الخبر الواحد إذا أفاد من باب الاتفاق ظنّا أقوى من الظنّ الحاصل من البيّنة، مع أنّه على فرض الظنّ
بأنّ ملاك الحجيّة هو الظنّ فكون الشياع أولى بالحجيّة أولوية ظنيّة، و لا دليل على حجّيتها إلّا مع جريان الانسداد في الظنّ أصولا و فروعا، و لا وجه لإجراء دليل الانسداد بالخصوص في أمثال النسب و المناكح و الذبائح و الولايات و الشهادات و الأوقاف، نظرا إلى تعسر العلم القطعي، و قلّة البينة العادلة، و لزوم الوقوع في خلاف الواقع كثيرا من إجراء أصالة عدم النسب أو عدم الزوجيّة أو عدم التذكية أو عدم الولاية أو عدم العدالة، و تعذّر الاحتياط و تعسّره. و لا يخفى أنّ هذه المقدّمات لا تنتج حجيّة الظنّ إلّا بعد ضمّ مقدّمة أخرى، و هي أنّ الوقوع في خلاف الواقع كثيرا في أمثال هذه الموارد الخاصة مناف لغرض الشارع، لاحتمال أن يكون حالها حال باب الطهارة و النجاسة، حيث يعلم بالوقوع في خلاف الواقع كثيرا من إجراء أصالة الطهارة في تمام أفراد مشكوك الطهارة.
و يستدلّ خصوصا لاعتبار الشياع في مسألة العدالة كما عن شيخنا الأجلّ (قدّس سرّه) في كتاب الصلاة(1)بذيل صحيحة ابن أبي يعفور(2)، و هو و قوله عليه السلام: «فإذا سئل عنه أهل محلّته و قبيلته قالوا ما رأينا منه إلّا خيرا».
و بما روي (3)من أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كان يبعث رجلين لتحقيق حال الشهود من أهل محلّتهم و قبيلتهم، و كان صلّى اللّه عليه و آله يقبل قولهما إذا رجعا بخير. إلخ.
و أيّده بقوله عليه السلام: «من ولد على الفطرة و عرف بالصلاح»(4)إلخ.
و بالسيرة المستمرة الجارية في ترتيب آثار العدالة على الشخص بمجرد التسامع و التظافر، فانّ الخلق الكثير يقتدون بالإمام في الصلاة و لم يشهد عند كلّ واحد عدلان على عدالة الإمام، بل لم يحصل لهم إلّا الظنّ بالتسامع و نحو ذلك.
أقول: أمّا ذيل صحيحة ابن أبي يعفور فاللازم ذكر تمام الفقرة حتى يتّضح حاله، قال عليه السلام: «و يكون منه التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهنّ و حفظ مواقيتهنّ بحضور جماعة من المسلمين، و أن لا يتخلّف عن جماعتهم في مصلّاهم إلّا من علّة، فإذا كان كذلك لازما لمصلّاه عند حضور الصلوات الخمس، فإذا سئل عنه في قبيلته و محلّته قالوا: ما رأينا منه إلّا خيرا مواظبا على الصلوات متعاهدا لأوقاتها في مصلّاه، فانّ ذلك يجيز شهادته و عدالته بين المسلمين» إلخ. فانّ ظاهر هذه الفقرات أنّه اعتبر التعاهد لحضور الجماعات ليكون له حسن الظاهر بين المسلمين، و هو الّذي يجيز شهادته و يثبت عدالته، لا قولهم: ما رأينا منه إلّا خيرا. فالمراد أنّه إذا تعاهد الصلوات صار بحيث إذا سئل عنه قالوا: ما رأينا منه إلّا خيرا، فانّ كونه كذلك عندهم هو الّذي يجيز شهادته، فقوله عليه السلام حينئذ: «فانّ ذلك يجيز شهادته» جواب لقوله عليه السلام «فإذا كان كذلك لازما لمصلّاه» لا لقوله عليه السلام: «فإذا سئل عنه قالوا ما رأينا» بل قوله عليه السلام «فإذا سئل» غاية مترتبة على لزومه لمصلّاه و تعاهده لحضور الجماعات، فتدبّر جيّدا.
و أمّا الثاني و هو ما ورد من فعل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، فإن أريد استناده صلّى اللّه عليه و آله إلى البيّنة و استناد البيّنة في تعديلها إلى الشياع، كما استدلّ به (قدّس سرّه) سابقا لحجيّة البيّنة القائمة على العدالة، فهو أجنبي عمّا نحن فيه في الجملة، حيث إنّ الكلام في ترتيب آثار العدالة بالشياع لا في التعديل بالشياع إلّا بالفحوى كما لا يبعد، و إن أريد استناده صلى اللّه عليه
و آله في ترتيب آثار عدالة الشهود إلى الشياع الثابت بالبيّنة، فتكون شهادة المبعوثين من قبله صلّى اللّه عليه و آله من قبيل الشهادة على الشهادة، فهو إنّما يصحّ إذا كان المخبر به من المبعوثين إخبار القبيلة بنحو الاستفاضة و الشيوع، مع أنّ الظاهر من الرواية إخبار المبعوثين بعد الرجوع بالثناء الجميل و الفضل و الذّكر الصالح، و هو عبارة أخرى عن حسن الظاهر عند القبيلة، و في الرواية:
أنّه صلّى اللّه عليه و آله كان يحضر الشهود و يقول: إنّ فلان بن فلان جاءني عنكم بنبإ جميل و ذكر صالح. فانّ ظاهرها أنّ المأتي به هو الجميل الّذي يتّصف النبأ به بالعرض، لا أنّ الغرض إخبارهما بإخبار القوم بالجميل، فتكون الرواية على ما استظهرناه منها كقوله تعالى: «إن جاءكم فاسق بنبإ»(1)و قوله تعالى: «و جئتك من سبإ بنبإ يقين»(2)فتدبّر. مع أنّ الرواية ضعيفة كما لا يخفى.
و أمّا ما أيّده (قدّس سرّه) به من قوله عليه السلام «و عرف بالصلاح» ففيه: إنّ أريد معرفة من يريد ترتيب الآثار فظاهره العلم أو ما نزل منزلته، و كون الشياع كذلك أول الكلام، و إن أريد كونه معروفا بين الناس بالصلاح، ففيه أنّ ظهور الصلاح غير ظهور الخبر عنه كما سمعت سابقا، و الظاهر من كونه معروفا بالصلاح ظهور صلاحه بين الناس لا شيوع الخبر عنه فقط.
و أمّا ما ادّعاه (قدّس سرّه) من السيرة المستمرّة فيمكن تصديقه في المورد، فانّ الاقتداء بسبب حسن الظاهر المحرز عندهم بالتسامع و التظافر، و أمّا في غير المورد فلا موجب لتصديقه مع أنّ أمثال هذه السيرة غالبا مبنية على قلّة المبالاة
في الدين.
و منها: الوثوق بالعدالة.
و يمكن الاستدلال له عموما بأنّ الوثوق و الاطمئنان علم عادي في نظر العرف و العقلاء.
و هو بمجرده غير مجد، إذ الحكم إن كان مرتّبا على الموضوع المعلوم صحّ أنّ يدّعي أنّ المراد من العلم و المعرفة عرفا ما يعمّ الوثوق و الاطمئنان، و أمّا إذا كان الحكم مرتبا على الواقع فالتوسعة في مفهوم العلم غير مجدية في إحراز موضوع الحكم حقيقة، بل لا بدّ من دليل على تنزيل ما يوثق به منزلة الواقع، و لا دليل عليه إلّا ما يدّعى من السيرة المستمرة على ترتيب آثار الواقع على ما يوثق به، و بناء العقلاء على المعاملة مع الوثوق و الاطمئنان معاملة العلم الحقيقي، و الأوّل راجع في الحقيقة إلى الثاني، حيث لم تعلم سيرة من المتشرعة بما هم كذلك بل بما هم عقلاء، و الالتزام بالثاني لا يخلو من تأمّل، و إلّا لزم القول به في جميع الموارد، فيكتفي به في تنجّز كلّ حكم لم تقم عليه حجة شرعية أو عقليّة بل كان مما يوثق به، و يكتفي به في الخروج عن عهدة ما تنجّز و لو مع التمكّن من العلم الحقيقي في كلا المقامين هذا.
و يمكن الاستدلال له خصوصا بقوله عليه السلام: «لا تصلّ إلّا خلف من تثق بدينه و أمانته»(1).
فإن قلت: لا إطلاق له، فلعلّه الوثوق الخاصّ الحاصل من البينة، أو من حسن الظاهر.
قلت: لازمه إمّا لغويّة التنزيل، أو تقييد أدلّة البيّنة و حسن الظاهر بصورة إفادة الوثوق، إذ مع إطلاق اعتبار البيّنة و حسن الظاهر لا معنى لتنزيل الوثوق
1) الوسائل: ج 5، باب 11 من أبواب صلاة الجماعة، ح 2.
الحاصل منهما مع أنّهما بمجرّدهما كافيان في ترتيب آثار الواقع.
نعم من يقيّد أدلّة حسن الظاهر و البيّنة بصورة إفادة الوثوق يمكن الإشكال عليه بعدم إطلاق الوثوق من حيث الأسباب.
فيرد الإشكال على مثل الشيخ الأجل (قدّس سرّه)(1)الملتزم بتقييد اعتبار حسن الظاهر بإفادة الظنّ أو الظنّ القوي، و أمّا نحن فلا بدّ لنا من القول بإطلاقه من حيث الأسباب، إلّا أنّه من حيث المورد مختص بصلاة الجماعة، فلا دليل على اعتبار الوثوق في جميع موارد اعتبار العدالة، خصوصا بناء على احتمال موضوعيّة الوثوق بالعدالة لصحة الاقتداء.
و أمّا سائر ما استدل به الشيخ الأجل (قدّس سرّه)(2)لاعتبار الوثوق، مثل قوله عليه السلام: «إذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا»(3)و قوله صلّى اللّه عليه و آله: «من عامل الناس فلم يظلمهم» الخبر(4)، و ما ورد(5)في تفسير قوله تعالى: «ممن ترضون من الشهداء»(6)فلا دلالة لشيء منها على اعتبار الوثوق: أمّا توصيف الظاهر بالمأمونيّة فقد عرفت حاله سابقا، و أمّا قوله: صلّى اللّه عليه و آله «من عامل» إلخ فلا يستفاد الوثوق منه إلّا بملاحظة ذيله، و هو قوله صلّى اللّه عليه و آله «وجبت أخوّته» نظرا إلى أنّه لا تجب إخوة غير الثقة المعتمد المظنون به حسن حال الباطن كما أفاد (قدّس سرّه) في كتاب الصلاة في باب الجماعة(7)، لكنه استظهار ضعيف، إذ لا مانع من إيجاب إخوة من
1) كتاب الصلاة: ص 257- 258.
2) في صلاته: ص 250، رسالة العدالة: ص 333.
3) الوسائل: ج 18، باب 41 من أبواب الشهادات، ح 3.
4) الوسائل: ج 18، باب 41 من أبواب الشهادات، ح 15.
5) الوسائل: ج 18، باب 41 من أبواب الشهادات، ح 23.
6) البقرة: 282.
7) كتاب الصلاة: عند البحث عن اشتراط العدالة في امام الجماعة، ص 250.
كان له حسن الظاهر خصوصا بتلك الأوصاف التي لها دخل في حسن المعاشرة، مع أنّ لازمه تقيّد اعتبار حسن الظاهر بإفادة الوثوق لا اعتبار مطلق الوثوق، و الكلام في الثاني، و أمّا كون الشاهد مرضيّا فلا يلازم الوثوق بباطنه، بل من كانت أعماله الظاهرة عند المخالطة و المعاشرة مرضيّة غير منكرة يصح أن يوصف بأنّه مرضيّ.
و منها: مطلق الظنّ بالعدالة.
نظرا إلى تعسّر العلم بل تعذّره، و لزوم إبطال الحقوق، و تعطيل الجماعات و الأسواق من إجراء الأصل و عدم العمل بالظنّ.
و فيه: منع واضح بعد هذه التوسعة من الشارع بجعل حسن الظاهر طريقا إلى العدالة.
و أجود ما يمكن الاستدلال به قوله عليه السلام: «من صلّى الخمس في جماعة فظنّوا به كلّ خير»(1)و في خبر آخر: «فظنّوا به خيرا و أجيزوا شهادته»(2)لا لما أفاد الشيخ الأجل (قدّس سرّه) في باب الجماعة في تقريبه، حيث قال: دلّ على أنّ ظنّ الخير بالمصلّي جماعة ظنّ في موقعه، و المقصود الأصلي ليس مجرد ظنّ الخير و انّما هو ترتيب آثار الخير بعد الظنّ به (3). انتهى كلامه (قدّس سرّه)، لما سمعت سابقا من أنّ ظاهر الخبر الأمر بترتيب الأثر بعنوان الأمر بتحصيل الظنّ، فالمفروض ترتيب الأثر مع فرض عدم حصوله.
و إلّا لما أمر بتحصيله، بل التقريب الصحيح أنّ الأمر بترتيب الأثر بعنوان الأمر بتحصيل ظنّ الخير يدل على أنّ ظنّ الخير له أثر، و لذا أمر بترتيبه بعنوان الأمر بتحصيل موضوعه.
لكن حيث إنّ ترتيب الأثر لا يدور على الفرض مدار حصول الظنّ، بل مدار ما هو بطبعه سبب لظنّ الخير في نظر الشارع، فيمكن أن يقال: إنّ الأشياع متفاوتة في نظر الشارع من حيث الصلاحية لظنّ الخير و عدمها، فلعل الظنّ الحاصل من غير حسن الظاهر ظنّ في غير موقعه، و المفروض عدم دوران الحكم مدار الظنّ الفعلي بالخير حتى يجب ترتيب الأثر بمجرد حصوله، بل مدار ما هو صالح لإفادة ظنّ الخير في نظر الشارع، و لم يحرز أنّ كل سبب نوعي لظنّ الخير سبب في نظر الشارع و أنّ حصول ظنّ الخير منه في موقعه، فتدبّر جيّدا.
: هل يجوز العدول عن مجتهد حي إلى مجتهد حي آخر أو لا؟ قولان:
حكي التصريح بجوازه عن المحقق و الشهيد الثانيين (قدّس سرّهما) في الجعفرية و المقاصد العليّة(1)تبعا للمحكي عن النهاية و ظاهر المحكي عن التهذيب و شرحه و الذكرى (2)عدم الجواز، و اختاره شيخنا العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه) في رسالة الاجتهاد و التقليد(3).
و الظاهر في نظري القاصر هو الأول. و توضيحه يتوقف على تنقيح ما يقتضيه الأصل في المسألة.
فنقول و من اللّه التوفيق فانّه غاية المأمول: حجّية فتوى المجتهد على المقلّد إمّا من باب الطريقيّة أو من باب الموضوعيّة.
فإن كانت من باب الطريقيّة فالصحيح منها كون فتوى المجتهد منجّزة للواقع على تقدير الإصابة و معذّرة عنه على تقدير الخطأ، و مع فرض التعارض لا معنى لمنجّزيّة كلّ منهما، لعدم احتمال الإصابة في كليهما، فالتقدير غير محقق إلّا
في إحداهما.
لكن كون كلّ منهما معذّرة و مبرئة للذمة و مسقطة لعقاب الواقع لا مانع منه، بل لا بدّ من القول به هنا، للإجماع و غيره على عدم تساقط الفتويين و الرجوع إلى غير فتوى المجتهد مع فرض انحصار الطريق للمقلّد في اتّباع فتوى المجتهد، كما نقول بعدم التساقط في الخبرين المتعارضين، للأخبار العلاجية الآمرة بالأخذ بأحدهما تعيينا تارة و تخييرا أخرى، بل قد مرّ منّا سابقا أنّ هذا المعنى بعد فرض معقوليته لا مانع من استفادته من نفس دليل الحجيّة، لأنّ التعارض يمنع عن تصديق دليل الحجيّة من حيث منجّزيّة الطريقين للواقع حيث لا واقع في الاثنين، و لا يمنع عن تصديقه من حيث معذّرية كلّ منهما و كونه مبرئا للذمة، و قد مرّ سابقا أنّ صفة الحجيّة ليست لكليهما من حيث المجموع حتى يقال: جعل ما يقطع بمخالفته للواقع منجّزا و معذّرا لا معنى له، بل صفة المعذّرية مثلا لكلّ منهما تخييرا بمعنى القناعة عن الواقع بموافقة أحدهما.
و عليه فإن كان معنى حجيّة كلّ من الفتويين كون كلّ منهما معذّرة مع دوران عقاب الواقع مدار مخالفتهما معا، فإذا شك بعد العمل بإحدى الفتويين في تعيّن ما أخذ به عليه أم كلّ منهما على ما كانت عليه من المنجّزيّة و المعذّريّة شرعا، كان مقتضى الاستصحاب بقاءهما على تلك الصفة المجعولة شرعا، و منه تعلم أنّ استصحاب الحكم المأخوذ سابقا لا يوجب تعيّنه، لأنّه كان ثابتا سابقا و لم يكن ثبوته مانعا عن ثبوت الآخر فكيف يمنع عن ثبوته بقاء.
فلا حاجة إلى ما أفاده الشيخ الأجل (قدّس سرّه) في الجواب، من حكومة استصحاب التخيير على استصحاب الحكم المختار، بل بناء على هذا المسلك و عدم الالتزام بجعل الحكم المماثل على طبق كلّ من الفتويين ليس هنا حاكم و محكوم و لا حكم شرعي فعلي، بل الثابت منجّزيّة الفتويين و معذّريتهما، و من
الواضح أنّ منجّزيّة الفتوى المعمول على طبقها و معذّريتها لا تمنع عن منجّزيّة الأخرى و معذّريتها، و كلّ منهما في عرض الأخرى، و ليس هناك حكم بنحو التخيير من الشارع غير هذين الحكمين أعني الحجيّة الثابتة لكلّ منهما، بل الأمر كذلك لو قلنا بأنّ الطريقيّة جعل الحكم المماثل على طبق الموافق للواقع، فمع فرض بقاء الحكم في صورة التعارض يكون الحكم المماثل على طبق الراجح أو على طبق كلّ منهما تخييرا، فكما أنّ مرجع الأمر بالأخذ بالأعدل جعل الحكم على طبقه فعلا، كذلك مرجع الأمر بالتخيير بقوله عليه السلام: (إذن فتخيّر)(1)إلى جعل الحكم على طبق كلّ من الخبرين تخييرا، فلا حاكم و لا محكوم أيضا، كما أنّ استصحاب الحكم المختار لا يوجب تعيّنه بوجه.
نعم إن قلنا بلزوم الالتزام بالحكم، فالحكم بالالتزام بهذا أو ذاك أمر، و وجوب القصر أو وجوب الإتمام أمر آخر، فيتحقق هناك حاكم و محكوم، إلّا أنّ وجوب الالتزام بالحكم لو ثبت فانّما هو في مسألة التقليد لا في العمل بالخبرين أيضا، مع ما عرفت سابقا من أنّ التقليد كما تقتضيه أدلته هو العمل لا الالتزام، مضافا إلى أنّه لا معنى للالتزام إلّا بالحكم الفعلي، و لا يعقل أن يكون كلا الحكمين بنحو التعيين فعليّا، لمكان المعارضة، فلا محالة تحقيقا للالتزام بهذا أو ذاك يجب أن يكون الحكمان فعليين تخييريين، و عليه فاستصحاب الحكم المختار لا يوجب تعيّنه بوجه، بل مقتضى الاستصحاب بقاء كلّ من الحكمين على ما هو عليه، مضافا إلى أنّ فرض الحكومة الاصطلاحية هنا لا يخلو من إشكال و إن تكرر ذكرها في كلماته (قدّس سرّه) فقها و أصولا، و ذلك لأنّ جواز الالتزام بالحكم المفتي به بالإضافة إلى الحكم المأخوذ كالحكم بالإضافة إلى موضوعه، و ليس الحكم المأخوذ مترتبا شرعا على
1) مستدرك الوسائل: ج 3، باب 9 صفات القاضي، ح 2.
جواز الالتزام حتى يقال: إنّ بقاء الحكم المأخوذ على حاله حتى بعد رفع اليد عنه و الالتزام بالآخر من آثار عدم جواز الالتزام بنحو التخيير، و عدمه من آثار بقاء جواز الالتزام بنحو التخيير، و بعبارة أخرى: بقاء الحكم المختار حتى بعد اختيار غيره، و هو معنى تعيّنه شرعا، من آثار عدم بقاء جواز تقليد الآخر، و عدمه من آثار بقائه، و بعد ما عرفت من عدم ترتب الحكم المأخوذ على جواز الالتزام بل الأمر بالعكس، تعرف أنّه لا حكومة أصلا.
نعم لو كانت فعليّة الحكم المفتي به مترتبة شرعا على جواز الالتزام بالفتوى و فعلية الالتزام، صحّ أن يدّعى أنّ بقاء هذا الحكم الفعلي و عدم ارتفاعه بمجرد رفع اليد عن الالتزام به مترتّب على ارتفاع جواز الالتزام بنحو التخيير، و عدم بقائه بعد رفع اليد عنه مترتّب على بقاء جواز الالتزام تخييرا. و بعبارة أوضح:
انّ فتوى أحد المجتهدين هو وجوب القصر تعيينا، و فتوى الآخر وجوب الإتمام تعيينا، و يتعيّن العمل بكل منهما بعد الالتزام به الّذي هو معنى تقليده للمجتهد، فإن كان العدول بلا أثر يتعيّن العمل بما أخذ به بمجرد الالتزام به، و إلّا كان الحكم تعيينيّا ما دام باقيا على التزامه و لم يلتزم بالآخر، فتعيّن العمل على طبق ما أخذ فرع عدم بقاء جواز الالتزام بكل من الفتويين، و عدم تعيّنه فرع بقاء جواز الالتزام.
و الجواب انّ مقتضى الالتزام بالحكم التعييني تعيّن العمل على طبقه عقلا لا شرعا، و أمّا كون الحكم تعيينا حسب ما يراه المفتي فلا يدور مدار الالتزام به و لا مدار جواز الالتزام به. نعم ما لم يلتزم به لا يجب امتثاله عقلا عينا، لجواز الالتزام من الأوّل بالآخر. فافهم و تدبّر.
لا يقال: اللازم هو الالتزام بما أفتى به المفتي لا بالحكم الفعلي حتى تكون الفعليّة و التعيّن سابقا على الالتزام، بل لازم وجوب الالتزام شرعا جعل الحكم المماثل على طبق ما أفتى به المفتي، فالحكم المماثل متفرع على وجوب الالتزام
بما أفتى به المفتي.
لأنّا نقول: حيث إنّ الالتزام مقدمة للعمل على طبق ما يلتزم به، فلا بدّ من صلاحية الملتزم للبعث نحو العمل، فدليل وجوب الالتزام بدلالة الاقتضاء يدل على جعل الحكم المماثل على طبق الملتزم به، و التبعيّة في الاستفادة من الدليل غير التبعيّة في مدلولي الدليلين، و من الواضح أنّ وجوب الالتزام بشيء تعيينا يقتضي فعليّة الملتزم به كذلك، و وجوب الالتزام تخييرا يقتضي الفعليّة التخييريّة، فلا تعيّن للحكم المختار شرعا، بل و كذلك عقلا، إذ لزوم الامتثال العقلي من حيث التعيين و التخيير فرع كيفيّة الحكم الشرعي تعيينا و تخييرا، فلا معنى للتعيّن عقلا بعد عدم التعيّن شرعا.
هذا كلّه إن كانت الحجيّة من باب الطريقيّة.
و إن كانت من باب الموضوعيّة بجعل الحكم المماثل على طبق كل من الفتويين، فحال الحكمين حال الواجبين المتزاحمين.
فإن فرض تخيير من قبل الشارع مولويا لا إرشاديا إلى ما حكم به العقل، فالصحيح منه جعل الحكم المماثل على كلّ منهما بنحو التخيير، فيجب القصر و الإتمام مثلا بنحو التخيير، فاستصحاب الحكم المختار بل القطع به لا ينافى استصحاب الحكم غير المختار و القطع به، و لا حكم آخر يكون استصحابه حاكما عليه كما تقدّم.
و الكلام في كون الحكم بالتخيير بمعنى وجوب الالتزام بهذا أو ذاك قد تقدّم مع ما فيه.
و إن لم يكن تخيير من الشارع فلا مجال لاستصحاب التخيير العقلي، كما لا يمنع استصحاب الحكم المأخوذ عن ثبوت الحكم الآخر، لأنّ حكم العقل بالتخيير بين تطبيق العمل على هذا أو ذاك لا يوجب تصرفا في الحكم الشرعي، و كلّ منهما ثابت نحو ثبوت لا ينافي ثبوت الآخر على الفرض، و لذا
صحّ تطبيق العمل على كلّ منهما، فاستصحاب المختار منه لا ينافي استصحاب غير المختار منه.
و أمّا الكلام في موضوع التخيير حتى يصحّ استصحابه فملخّصه: أنّه تارة يلاحظ موضوع أدلّة التقليد غير اللفظيّة كالفطرة و السيرة و دليل الانسداد، و أخرى يلاحظ موضوع الأدلة اللفظيّة.
أمّا الأوّل فموضوع قضيّة الفطرة و الجبلّة هو الجاهل، و من المعلوم أنّه لم يرتفع جهله حقيقة بالرجوع إلى العالم بل هو على حاله و انّما صار منقادا له فيما يراه، و كذا موضوع السيرة العقلائيّة. و أمّا الموضوع لحكم العقل بلحاظ الانسداد على الوجه المتقدّم في أوّل مباحث التقليد فهو من لم يتمكّن من الاستناد إلى الحجّة و الأخذ بها، دون من لا حجة له حتى يقال إنّ العامي بعد الأخذ بالفتوى ممن له الحجّة، و انّما جعلنا الموضوع ذلك حتى يخرج صاحب الملكة الّذي لم يستنبط بعد، فانّه يحرم التقليد عليه.
و أمّا الثاني و هو موضوع الأدلّة اللفظيّة، فمثل آية النفر(1)إنّما تدل على حجّيّة الفتوى إذا كان التفقّه موقوفا على إعمال النّظر، و إلّا كانت دليلا على حجّيّة الخبر، و من الواضح أنّ مقابل الفقيه بهذا المعنى الّذي يجب الرجوع عليه إلى الفقيه هو من ليس له قوة إعمال النّظر، و أمّا مع صدق الفقيه بمجرد تعلّم الأحكام و لو من المفتي فالآية خارجة عن محل البحث.
و أمّا آية السؤال (2)فموضوع وجوب السؤال و إن كان هو الجاهل في قبال العالم بالحكم الفعلي، لما مرّ منّا من أنّ ظاهرها هو السؤال لكي يعلموا بالجواب لا بأمر زائد عليه، و بعد حصول العلم الشرعي بسبب الجواب لا موضوع
لوجوب السؤال، و مقتضاه عدم جواز العدول، لعدم دليل على تقليد الغير بعد تقليد الأوّل، إلّا أنّ دقيق النّظر يقتضي خلافه، لأنّ موضوع وجوب السؤال و إن كان هو الجاهل بذلك المعنى، لكن موضوع وجوب التقليد عملا كان أو التزاما هو العالم بعد السؤال، و لذا لو سأل شخصين من أهل الفتوى كان له العمل بفتوى أيّ واحد منهما، و هذا الموضوع باق بعد العمل و إن لم يكن موضوع السؤال كذلك، و وجوب السؤال مقدمة للتقليد لا أنّ السؤال عينه كما هو واضح.
و أمّا مثل قوله عليه السلام: «فللعوام أن يقلّدوه»(1)فمن الواضح أنّ العامي في قبال ما فرضه مرجعا و هو الفقيه، فحاله حال آية النفر إشكالا و جوابا.
و مما ذكرنا يظهر حال أدلّة التخيير بين الخبرين المتعارضين، فانّ موضوعها من جاءه خبران متعارضان، و أمّا عنوان المتخيّر و من ليس له طريق إلى مقصده، و من لم يختر، و من لم يأخذ بشيء فكلّها عناوين انتزاعيّة باجتهاد منّا في تنقيح موضوع الحكم بالتخيير ببعض المناسبات المقتضية لثبوت الحكم بالترجيح و التخيير، لا دخل لها بما أخذ شرعا في موضوع الدليل فضلا عن الموضوع العرفي.
هذا تمام الكلام فيما يقتضيه الأصل في المسألة، و قد عرفت أنّ مقتضاه جواز العدول.
و أمّا الأدلة اللفظية فلا تقتضي الجواز إلّا بالإطلاق، و منعه و إن كان خفيف المئونة إلّا أنّ الإنصاف أنّه كسائر الإطلاقات التي يتمسّك بها في غير المقام. و احتمال تعيّن الحكم بمجرد الأخذ بأحد الخبرين أو إحدى الفتويين
1) الوسائل: ج 18، باب 10 من أبواب صفات القاضي، ح 20.
كسائر الاحتمالات التي لا يعتنى بها في رفع اليد عن الإطلاق، و الّذي يقر به هو أنّه لا شبهة في إطلاق أدلة الترجيح و التخيير لما إذا أخذ بأحد الخبرين فيما إذا جاءه خبر فعمل به ثم جاءه آخر أرجح أو ما يعادله و يساويه، فكما لا شبهة في الحكم بالترجيح و التخيير هناك من دون احتمال الإهمال من حيث العمل بالخبر الأوّل، فكذلك هنا، مضافا إلى أنّ مصلحة التخيير كما في الخبر(1)هو التسليم لما ورد عنهم عليهم السلام، و مصلحة التسليم لا تختصّ بحال دون حال كما أفاد شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه)(2)و نعم ما أفاد. و بالجملة: ففي الأصل كفاية للمجوّز و لو منعنا الإطلاق مع أنّه بلا وجه وجيه.
و أمّا أدلة المانعين:
فمنها: استصحاب الحكم المختار، و مقتضاه وجوب القصر مثلا حتى بعد رفع اليد عنه.
و فيه ما عرفت من عدم اقتضائه التعيّن بوجه من الوجوه مع أنّه لا حكم ليستصحب بناء على بعض وجوه الطريقيّة فراجع. و مع قطع النّظر عن ذلك لا مانع من استصحاب التخيير، لما عرفت من بقاء موضوعه، فلا موقع لاحتمال عدم بقائه كما عن الشيخ الأجل (قدّس سرّه)(3).
و أمّا ما يتخيّل في دفعه من أنّ احتمال ارتفاعه يضرّ باستصحاب التخيير و لا يضرّ باستصحاب بقاء موضوعه، فيترتب عليه التخيير تعبّدا فمندفع بأنّ موضوعه الواقعي حيث إنّه مردد بين ما هو مقطوع الارتفاع و ما هو مقطوع البقاء، فالاستصحاب الشخصي لا معنى له، و استصحاب الفرد المردّد بما هو
مردّد غير معقول، و استصحاب الكلي لا أثر له، إذ المفروض ترتب الأثر على أحد الخاصّين بما هو، فاستصحاب بقاء موضوع التخيير مع احتمال ارتفاعه بلا وجه، بل الصحيح ما قدّمناه.
و منها: قاعدة الاشتغال، لدوران الأمر بين التعيين و التخيير، من حيث إنّ تكليف العامي متعلّق بالتقليد السابق أو مردّد بينه و بين تعلّقه بالتقليد اللاحق.
و توضيح الحال فيها: انّا لو قلنا بحجيّة الفتوى من باب الموضوعية فالأمر بدوا من باب دوران الأمر بين الواجبين المتزاحمين، إلّا أنّ احتمال التعيّن ناشئ من احتمال الأهميّة بسبب الأخذ بإحدى الفتويين معيّنا، و قد مرّ في مسألة تقليد الأعلم أنّ هذا الاحتمال لا يمنع عقلا من التخيير، إلّا بتوهّم أنّ مانعيّة أحدهما بالخصوص عن فعليّة الآخر محتملة دون العكس، و نتيجتها القطع بفعليّة محتمل الأهميّة، لتساويهما في جميع الاحتمالات المتمانعة إلّا هذا الاحتمال المختصّ بأحدهما، و دفعناه هناك بأنّ احتمال مانعيّة أحدهما بالخصوص يسقط الآخر عن القطع بالمانعيّة، و لا يسقطه عن احتمال المانعية، لاحتمال عدم المزيّة واقعا، فيدور الأمر بين ما يقطع بثبوت مقتضية مع القطع بثبوت مانعة و ما يقطع بثبوت مقتضية مع احتمال مانعة، فلا قطع بالحكم الفعلي في أحد الطرفين بالخصوص، و احتمال الفعليّة بالخصوص يوجب احتمال العقوبة عليه بالخصوص، و هي مرفوعة بأدلة البراءة عقلا و نقلا، و أمّا رفع الحكم الفعلي فيدور مدار احتمال حكم آخر فعلي من قبل الشارع على طبق محتمل التعيّن، فيرفع بمثل حديث الرفع (1)، أو احتمال فعليّة نفس محتمل التعيّن بمعنى صيرورة الفعلي التعييني بذاته تعيينيا بالفعل لعدم المعارض
1) الوسائل: ج 11، باب 56 من أبواب جهاد النّفس، ح 1.
و المزاحم، فلا حكم غير هذا الحكم المعلوم أصله حتى يرفع، و لا معنى لرفع فعلية تعيّنية الحكم المعلوم، إلّا بمثل قوله عليه السلام: «الناس في سعة ما لم يعلموا»(1)بناء على شموله لكل كلفة و ضيق. و الصحيح من الاحتمالين هو الثاني، إذ كما لو قطعنا بأهميّة أحد الحكمين نقطع بفعليته بالخصوص و سقوط الآخر عن المزاحمة من دون ترقب حدوث خطاب آخر من الشارع، كذلك إذا احتملنا الأهميّة، فمرجعه إلى احتمال صيرورة التعييني بذاته تعيينيّا بالفعل، فهذا هو الوجه في القطع بعدم حكم فعليّ آخر، لا امتناع اجتماع الفعليين، لأنّ فعليّة محتمل الأهميّة نحو فعليّة لا تمنع عن فعلية أخرى، و لذا لم يوجب سقوط مزاحمه عمّا له من الفعليّة، بل الممتنع اجتماع الفعليّين من جميع الجهات بحيث يكون كل منهما منشأ لانتزاع البعث و جعل الداعي بقول مطلق.
كما لا وجه للفرق بين اشتداد الملاك و حدوث ملاك آخر، بدعوى أنّ الاشتداد و الزيادة جهة في الملاك، فيحدث جهة التعيينيّة في الحكم، و الجهة غير قابلة للرفع، بخلاف حدوث ملاك آخر، فانّه لا يوجب الاشتداد في المبدأ كي يوجب جهة في الحكم، بل يصلح للمبدئيّة لنفس الحكم، فاحتمال حكم آخر مجرى البراءة. و قد مرّ في محلّه أنّه لا فرق بين الاشتداد و حدوث الملاك، فانّ حقيقة الحكم إن كانت الإرادة و الكراهة فهي قابلة للاشتداد، و لا بدّ من اشتدادها سواء قوي ملاكها أم حدث لها ملاك آخر، فانّ تعلّق إرادتين بمراد واحد محال. و إن كانت بمعنى البعث و الزجر فهما أمران اعتباريّان عقلائيّان، و لا يجري الاشتداد و الخروج من حدّ إلى أحد في الأمور الاعتبارية و إن أمكن اعتبار بعث شديد من أول الأمر، لكون نفس المعتبر في حدّ ذاته معنى قابلا للاشتداد، فيمكن اعتبار هذه المرتبة من التحريك و البعث. فبناء على
1) الوسائل: ج 16، باب 38 من أبواب الذبائح، ح 2 و الوسائل: ج 17، باب 23 من أبواب اللقطة، ح 1 و فيه:« هم في سعة حتى يعلموا».
الأوّل لا مجال إلّا للاشتداد، و على الثاني لا مجال إلّا لإنشاء حكم آخر. لكن حيث إنّ تعلّق حكمين بموضوع واحد محال، فلا بدّ من سقوط أحد الخطابين. لكنّك قد عرفت حال الحكمين في المتزاحمين هنا من حيث جريان البراءة فيهما، هذا كلّه على الموضوعية.
و أمّا على الطريقيّة: فإن كان الشكّ في ترتّب العقاب على محتمل التعيّن بالخصوص، فأدلة البراءة عقلا و نقلا مجدية في دفعه.
و إن كان الشك في جواز الاقتصار على طرف محتمل التعيّن، فقد مرّ مرارا أنّه ما لم يحرز كون الشيء مبرئا للذمّة و مسقطا لعقاب الواقع لا يجوز الاقتصار عليه عقلا، و قد مرّ أيضا أنّ جريان البراءة في محتمل التعيّن لا يوجب كون الآخر مبرئا للذمّة بوجه، إلّا بتوهّم أنّ الواقع لو كان في مؤدّى مشكوك الحجيّة فقد أتى به، و إن كان في محتمل التعيّن فقد جرت فيه أدلّة البراءة الرافعة لعقابه، و إن كان خارجا عنهما فلا منجّز له حتى يعاقب عليه. و دفعناه فيما تقدّم بأنّ الواقع منجّز على أي حال بسبب العلم الإجمالي بالأحكام، فيجب عقلا إمّا إتيانه أو إتيان ما جعل امتثالا له و مبرئا للذمّة عنه، و المقتصر على مشكوك الحجّية لم يأت بالواقع و لا بما يسقط عقاب الواقع، فراجع. فلا مناص حينئذ من إثبات كونه مبرئا للذمة بالفعل باستصحاب كونه مبرئا للذمة من أوّل الأمر. فيكون معلوم الحجية شرعا في ثاني الحال كالآخر.
و منها: لزوم المخالفة القطعية، فانا لو فرضنا أنّه قلّد في صلاة الظهر مثلا من يقول بتعيين القصر في أربعة فراسخ، و في صلاة العصر من قال بتعيين التمام، فيقطع بعد الصلاتين بأنّه مطلوب في الواقع بإحدى الصلاتين، فيجب عليه إمّا فعلهما احتياطا أو فعل واحدة منهما مرددة. هكذا في رسالة الاجتهاد و التقليد لشيخنا العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه)(1)و غرضه (قدّس سرّه) مما ذكره في
1) مجموعة رسائل: ص 88.
مقام الاحتياط ليس الاحتياط التّام و حفظ الواقع على جميع التقادير، بل إيجاد العمل على طبق إحدى الفتويين بنحو لا يستلزم مخالفة قطعية و إن لم تحصل به الموافقة القطعية للواقع، و إلّا لا تكاد تحصل مراعاة الواقع على أي تقدير بتلك الكيفية المزبورة.
و الجواب عنه: انّ موافقة الفتوى الثانية إن كانت مصحّحة للدخول في القصر، فلا قطع بعد الصلاتين بمخالفة التكليف الفعلي بل بمخالفة ما لا تجب مراعاته، و إن لم تكن مصحّحة للدخول، للزوم مراعاة الواقع، فلا أمر بصلاة العصر قطعا، إمّا لكونها قصرا كالظهر، أو لعدم الترتيب، حيث إنّ الفرض ظهرا و عصرا هو التمام.
و تحقيق الحال: إنّا لو قلنا بموضوعية الفتوى و باشتمال كلّ منهما على مصلحة تتدارك بها مصلحة الواقع، فلا يحصل بعد الصلاتين القطع بالمخالفة، بل يقطع بإدراك مصلحة الواقع إمّا بنفسه أو ببدله، و ليس الكلام في عدم المقتضي في مثل الفرض حتى يقال: لم يعلم اشتمال الفتوى الثانية على المصلحة حتى بعد فعل المكلّف على طبق الفتوى الأولى، بل الكلام في مانعية المخالفة القطعية، و بعد فرض المقتضي لا قطع بالمخالفة المضرّة.
و إن قلنا بالطريقيّة و كون عقاب الواقع دائرا مدار مخالفة الفتويين معا و سقوط عقابه دائرا مدار موافقة إحداهما، فلا محالة لا يقطع بعد العمل على طبقهما في الصلاتين بالمخالفة الموجبة للعقاب، بل يقطع بسقوط عقاب الواقع، لفرض استناده في كلّ عمل إلى ما يبرئ ذمّته و يعذّره عن مخالفة الواقع، و الشاهد عليه أنّه لو وجب الرجوع بعد فعل صلاة الظهر قصرا إلى من يفتي بوجوب العصر تماما لموت المجتهد الأوّل أو جنونه مثلا، كان تطبيق العمل على فتواه معذّرا و مبرئا للذمّة، فيعلم منه أنّ القطع بمخالفة الواقع لا أثر له هنا.
نعم لو كان هناك واقع منجّز بالعلم الإجمالي و أراد العمل على طبقه،
لوجبت عليه رعاية الواقع عقلا و حرمت عليه المخالفة القطعية دفعية كانت أو تدريجية بخلاف ما إذا لم يكن واقع منجّز، فانّ المخالفة القطعية التدريجية لا أثر لها، كما في دوران الأمر بين المحذورين، أو كان هناك واقع منجّز لكن كان تنجّزه بمعنى دوران عقابه مدار مخالفة الفتويين، ففي هاتين الصورتين لا أثر للمخالفة القطعية التدريجية.
لا يقال: يقطع عند صلاة العصر تماما بمخالفتها لكلتا الفتويين من حيث التمامية النّظر إلى فتوى المجتهد الأوّل. و من حيث الترتيب، لعدم ترتبها على ظهر تماما بالنظر إلى فتوى الثاني.
لأنّا نقول: حيث إنّ الحق- كما سيجيء إن شاء اللّه تعالى و مرّ سابقا- عدم نقض الآثار السابقة بسبب العدول، فالعصر في نظر الثاني صحيحة من حيث الترتيب، لترتّبها على ظهر صحيحة غير محكومة بالإعادة أو القضاء في نظر الثاني، و صحّة العصر منوطة بنظره على الفرض.
و من جميع ما ذكرنا تبيّن أنّه لا فرق بين البناء من الأوّل على العدول و عدمه، فتسليم الإشكال في الأوّل كما عن شيخنا الأجل رحمه اللّه في الرسالة(1)لا وجه له.
و منها: انّ العدول يستلزم إمّا التبعيض في المسألة الكليّة، و لا دليل على صحة مثل هذا التقليد، أو يستلزم نقض آثار الأعمال السابقة إذا قلّد الثاني في المسألة الكلية.
و التحقيق في دفعه هو الالتزام بالشقّ الثاني و عدم لزوم لازمه. و أمّا الشق الأوّل فالوجه في صحّته و متانته أنّ رأي المجتهد متعلّق بالحكم الكلّي لكلّي الواقعة، و هو الّذي يجب الالتزام به أو الاستناد إليه في مقام العمل، و ليس له
1) مجموعة رسائل: ص 88.
رأي متعلّق بالجزئيّ حتى يقلّد فيه.
و أمّا ما أفاده الشيخ الأجل رحمه اللّه في الرسالة(1)في دفعه، من أنّه قبل الابتلاء بالواقعة لا أمر له، فلا معنى للتقليد الّذي هو مقدمة لامتثال أحكام اللّه الواقعية، فانّما يجب الرجوع إلى المجتهد في خصوص الواقعة المبتلى بها دون الأعم منها و من غيرها، فمندفع بأنّ عدم الأمر قبل الابتلاء و عدم موقع للتقليد قبله أمر، و لزوم الالتزام برأيه الكلّي مقدمة للعمل، أو الاستناد إلى رأيه الكلّي عند العمل أمر آخر، فلا مساس لرأيه الكلّي الّذي ليس له غيره بالمكلّف قبل الابتلاء، لكن بعد الابتلاء يجب الالتزام به و الاستناد إليه، فلا ملازمة بين شخصية الواقعة المبتلى بها و كون الرّأي الملتزم به أو المستند إليه جزئيّا كما لا يخفى.
فالصحيح هو الالتزام بالشق الثاني و دفع اللازم بأنّ كلّية رأي المفتي لا تقتضي حجّيته على المقلّد قبل رجوعه إليه، بل ربما يكون رأي الغير و هو الأعلم منه حجّة عليه، فحيث إنّه حجّة عليه من حين رجوعه إليه فلا تؤثر الفتوى الكلّية إلّا في الوقائع المتجددة دون الماضية.
و الفرق بين الفتويين بالنسبة إلى المقلّد و الخبرين بالإضافة إلى المجتهد، حيث نقول بالنقض في الثاني و بعدمه في الأوّل من وجهين:
أحدهما: انّ الخبر حجّة على المجتهد من الأول و إن ظفر به فيما بعد فيظهر أثر تنجّزه فيما قبل من حيث التدارك، بخلاف الفتوى، فانّه و إن علم بها المقلّد لا يجب أن تكون حجّة، بل ربما تكون الحجّة عليه غيرها كفتوى الأفضل.
و ثانيهما: انّ الثاني إنّما يوجب نقض الآثار السابقة من حيث إطلاق مضمونه و اضمحلال الحجّة السابقة بناء على الطريقيّة، لفرض أقوائيّته من
1) مجموعة رسائل: ص 89- 90.
الخبر الأوّل، بخلاف الفتوى الثانية، فانّها و إن شاركت الخبر في إطلاق المضمون، لكن لا توجب اضمحلال الفتوى الأولى، بل ينتهي أمد حجّيتها إذا وجب الرجوع لموت المفتي أو جنونه، فتكون الفتويان المتعاقبتان كالخبرين المتعادلين اللذين أخذ المجتهد بأحدهما تارة و بالآخر أخرى، فانّه لا موجب لتوهّم نقض الآثار، لفرض عدم اضمحلال أحدهما بقيام الآخر.
و ممّا ذكرنا تبيّن أنّ ما أفاده الشيخ الأعظم (قدّس سرّه)(1)في هذه المسألة أخيرا، من أنّ الفرق بين تبدّل الرّأي الموجب للنقض و العدول غير الموجب له غير ظاهر، بل لا بدّ إمّا من القول بالنقض فيهما معا أو بعدمه فيهما معا، ليس في محلّه.
تنبيه: لو أخذ بقول المجتهد و لم يعمل به فهل يجب البقاء عليه أو لا؟
الظاهر في بدو النّظر و إن كان ابتناء المسألة على أنّ التقليد بمعنى الالتزام فيجب أو بمعنى العمل فلا، لكن حيث إنّ عنوان التقليد لم يؤخذ في موضوع شيء من أدلة المنع عن العدول فلا ابتناء على ما ذكر، بل بعض أدلة المنع مثل لزوم المخالفة القطعية العملية، و لزوم نقض آثار الأعمال السابقة، يختصّ بصورة العمل على طبق فتوى الأوّل، و مثل الإجماع حيث إنّه دليل لبّي فالمتيقّن منه صورة العمل، و مثل أصالة عدم الحجيّة، و استصحاب بقاء الحكم المختار، و قاعدة الاشتغال، حيث إنّ موضوعها الشكّ، فهو يتحقق بمجرد الالتزام و إن لم يعمل.
: هل يجوز التبعيض في مسألة واحدة في زمان واحد بأن يقلّد مجتهدين
1) مجموعة رسائل: ص 90- 91.
في واقعتين من مسألة واحدة، كأن يكون عنده ماءان ملاقيان لما اختلف في طهارته و نجاسته و احتاج إلى تطهير ثوبه من الخبث و التطهّر من الحدث، فيقلّد القائل بالنجاسة في أحد الإناءين فيصير كالمعدوم، و يقلّد القائل بالطهارة في الآخر فيصير كالمنحصر، فيصرفه في إزالة الخبث ثم يتيمّم و يصلّي، أو لا يجوز مطلقا، أو يفصّل بين ما إذا لزمت منه مخالفة قطعية مطلقا أو في خصوص الواقعة كالمثال المذكور، حيث يقطع بفساد صلاته إمّا لبقاء حدثه أو خبثه، و بين ما إذا لم يلزم؟.
قلت: فرض التبعيض بحيث يباين مسألة العدول موضوعا يتوقف على جعل التقليد بمعنى الالتزام، حتى يكون الالتزام برأي كلّ من المجتهدين في فرد من المسألة الكلية تبعيضا في الالتزام برأيهما الكلي في حد نفسه، سواء كان الالتزامان دفعة أم تدريجا، فيباين العدول من حيث رفع اليد عن أحد الالتزامين فيه، دون ما نحن فيه، بل يجتمعان حدوثا أو بقاء، و كذا لو قلنا بأنّ التقليد هو العمل عن التزام برأي المجتهد، فانّ العمل على طبق كلا الرأيين سواء كان دفعة أم تدريجا يلازم الالتزامين المجتمعين في زمان واحد. و أمّا إذا كان التقليد هو العمل على طبق رأي المجتهد من دون اعتبار الالتزام الّذي هو أمر جناني، فلا تتصور مباينة العدول مع التبعيض إلّا إذا وقع العملان دفعة لا متعاقبين، و إلّا لم يكن فرق بين العدول و التبعيض حينئذ، إذ ليس العدول بناء على أنّ التقليد هو العمل المجرد عن الالتزام إلّا عمل مخالف للعمل الأوّل على طبق رأي مخالف للرأي الأوّل، و هو هنا موجود بعينه.
إذا عرفت موضوع البحث فنقول: لا ريب كما تقدّم في أنّ رأي المجتهد متعلّق بكلّي الحكم لكلّي الواقعة، فانّه المستنبط من الأدلّة، فلا رأي متعلّق بالجزئي كي يلتزم به أو يعمل على طبقه، و أمّا الرأيان الكلّيان فالالتزام بهما دفعة أو على التعاقب مع بقاء الأوّل في زمان الثاني محال، لأنّ العمل على
طبقهما كليا محال، فلا بدّ من رفع اليد عن أحدهما كما في مسألة العدول، و كذلك العمل الملازم للالتزام بالرأي، لعين ما تقدّم من حيث الالتزام بالرأي الكلّي المنافي للالتزام بالرأي الآخر حدوثا أو بقاء، و منه تعرف أنّ نفس الالتزام بالرأي الجزئيّ لا معنى له، حيث لا رأي كذلك للمفتي، و الالتزام بالرأيين الكلّيين جدّاً غير معقول، لا أنّه لا دليل على شرعية مثل هذا التقليد، أو أنّ استصحاب التخيير غير جار. إلّا أنّ ثمرة القول بالتبعيض في مثل المثال مترتبة على فرض جواز العدول، فانّه يصحّ منه الالتزام برأي القائل بالطهارة كليّة، فيطهّر ثوبه بأحدهما ثم يرفع اليد عن التزامه و يلتزم برأي القائل بالنجاسة فلا يتطهّر بالآخر بل يتيمم، و ليس فيه إلّا ما ذكر في العدول من محذور لزوم المخالفة القطعية تارة و لزوم نقض آثار الأعمال السابقة أخرى. و قد عرفت الجواب عنهما. فليس لهذا الفرع ثمرة عملية بل ثمرته علمية محضة. نعم إن قلنا كما هو المعروف بأنّ الطهارة و النجاسة من الموضوعات الواقعيّة التي كشف عنها الشارع، لا من الأحكام الاعتبارية الجعلية، كان الثوب المغسول بالماء الطاهر بنظر الأوّل باقيا على نجاسته بنظر الثاني، فلا تجوز الصلاة معه بعد الالتزام برأي الثاني أو الرجوع إليه في تطبيق عمله على رأيه. لكنه ليس من مفاسد التبعيض بل في مورد العدول أيضا كذلك، فمثله كما لا يجوز التبعيض في مورده كذلك لا يجوز العدول فيه، و لا ينافي عدم نقض آثار الأعمال السابقة، بل هذا موضوع للعمل اللاحق، و لذا لو صلّى معه سابقا نقول بعدم تداركها، لكنّه لا تجوز الصلاة فعلا فيه على رأي الثاني. و منه يعلم أنّ التقليد لو كان بمعنى العمل فقط لا مانع من العملين على طبق الرأيين الكلّيين دفعة و إن لم يكن عدولا، إلّا هذا الوجه المشترك بين العدول و غيره.
: اعلم إنّه لا فرق في التبعيض بين أن تكون نسبة الأمرين إلى الرّأي الكلّي نسبة الفردين إلى الطبيعي، كالماءين بالإضافة إلى رأيه الكلّي بنجاسة
الماء الكذائي أو طهارته، أو تكون نسبتهما نسبة الحصص إلى الطبيعي، كنجاسة اليهودي و نجاسة النصراني بالإضافة إلى رأيه بنجاسة الكافر لو استنبط من الأدلّة نجاسة الكافر بما هو كافر، و لو من الموارد المتفرّقة الواردة في اليهودي تارة و في النصراني أخرى و في المجوسي ثالثة. و عليه فالالتزام بنجاسة اليهودي على رأي مجتهد، و الالتزام بطهارة النصراني على رأي الآخر داخل في التبعيض الّذي عرفت حكمه.
كما أنّه لو علم من الأدلّة نجاسة هذه العناوين الخاصة بما هي لا بما هي مندرجة تحت الكافر، لا يكون الالتزامان المتخالفان داخلين تحت عنوان التبعيض و إن انتزع من تلك الموارد جامع انتزاعي أضيف إليه الرّأي، إذ المستفاد من الأدلّة ليست نجاسة هذا لجامع بما هو، بل بمطابقاته الخاصة بما هي لا بما هي مطابقات، و إن عبّر عنها الإمام عليه السلام أو المفتي بعنوان جامع اختصارا بنحو الإشارة إلى الموضوعات الكلية المتعددة بالحقيقة. هذا بحسب اللبّ و الواقع. و أمّا بحسب الظاهر فظاهر عبارة المفتي كظاهر عبارة الإمام عليه السلام متّبع من حيث العموم و الخصوص، فلا يعتني باحتمال الاختصار و الجمع في التعبير لو عبّر بنجاسة الكافر، كما لا يعتني باحتمال بيان المصداق لو عبّر بنجاسة اليهودي أو النصراني.
: في حكم المسألتين المرتبطتين من حيث رجوعهما إلى مسألة واحدة و عدمه، فلا يجوز التفكيك في التقليد على الأوّل، و يجوز على الثاني، و تفصيل القول فيه: انّ الرأيين الكلّيين المختلفين، تارة يردان على موضوع واحد و حيثيّة واحدة، و أخرى يردان على موضوعين مختلفين و حيثيّتين متباينتين، فالأوّل كما إذا أفتى أحد المفتيين باستحباب صلاة الغفيلة بين العشاءين، و الآخر بحرمة إيقاع النافلة في وقت الفريضة، فانّ الرّأي الأوّل وارد على الحيثيّة إيقاع الغفيلة في وقت العشاء، و هذه الحيثيّة بعينها مورد الحرمة بحسب الرّأي الثاني، فلا
اثنينيّة بحسب اللبّ حتى يأخذ المقلّد بأصل الاستحباب على رأي الأوّل، و بحرمة إيقاعها وقت العشاء على رأي الثاني، فيأتي بها بعد العشاء، بل حيثيّة إيقاعها بين العشاءين هي مورد الرأيين، لا استحباب ركعتين من الصلاة بأي وجه كانت، و الثاني كما إذا أفتى أحدهما بوجوب صلاة الجمعة مع القول بوجوب السورة في الصلاة مطلقا، و أفتى الآخر بعدم وجوب السورة في الصلاة مطلقا مع القول بعدم وجوب الجمعة، فانّ حيثيّة وجوب الجمعة غير حيثية وجوب السورة و إن اتفق التلازم بين القول بوجوب الجمعة و وجوب السورة، فهناك رأيان مستقلّان لكل من المجتهدين، يأخذ بأحدهما من أحدهما، و بالآخر من الآخر، فيأتي بالجمعة خالية من السورة.
و لا محذور فيه إلّا ما عن شيخنا العلّامة الأنصاري رحمه اللّه في آخر كلامه في هذا المقام (1)، من أنّ القائل بوجوب الجمعة يقول بوجوب موضوع خارجي مركب من السورة و الطمأنينة و غيرهما، فالفاقد لهما غير واجب عنده و لا عند من يقول بحرمة صلاة الجمعة، و أيضا فالتقليد في المفهوم راجع إلى التقليد في الحكم، فإذا قلّد من يقول بعدم جزئيّة السورة لمفهوم الصلاة، فقد قلّد القائل باستحباب الجمعة لأنّ مفهومها عند القائل بوجوب الجمعة مركب من السورة و غيرها. هذا ملخص ما أفاده (قدّس سرّه).
و الوجه الأوّل راجع إلى أنّ المأتي به غير موافق لأحد الرأيين و لا يقع صحيحا على أي حال، إمّا لعدم وجوبه من رأس، أو لفقد الجزء الواجب عند من يقول بوجوب أصله.
لكنّك بعد ما عرفت اختلاف الجهات و الحيثيّات، و أنّ الملازمة اتفاقيّة لا عن مدرك يقتضي التلازم، تعرف أنّ مطابقة الصلاة المأتي بها بجملتها لفتوى
1) مجموعة رسائل: ص 94.
خاصة غير لازم، بل اللازم مطابقة الصلاة بأجزائها و شرائطها لفتاوى صحيحة، لأنّ جزئيّة كلّ جزء و شرطية كلّ شرط مدركا و دليلا لا ارتباط لها بالأخرى، فكذا بحسب الرّأي و الفتوى فكذا بحسب الالتزام و العمل.
و الوجه الثاني راجع إلى المناقضة و الخلف بين التقليدين لأنّ تقليد المفتي في عدم جزئيّة السورة تقليد لمن يقول باستحباب الجمعة، لأنّ هذا الموضوع الخالي من السورة لا حكم له بنظره إلّا الاستحباب، مع أنّ المفروض أنّه مقلّد للمفتي بوجوب الجمعة.
و يندفع أيضا بما عرفت من اختلاف الحيثيّات و عدم توارد الرأيين على حيثيّة واحدة ليلزم الخلف و المناقضة، فانّ تقليد المفتي بعدم جزئيّة السورة ليس تقليدا له في خصوص صلاة الجمعة، بل في الصلوات الواجبة كلية، فلا يناقض تقليد القائل بوجوب الجمعة بما هي جمعة لا بما هي ذات سورة، و إن كان رأيه الآخر متعلّقا بكون الصلاة الواجبة مطلقا ذات سورة، فلا مناقضة بين الالتزام بوجوب الجمعة بما هي جمعة لا بما هي ذات سورة بحسب هذا الرّأي، و الالتزام بعدم جزئيّة السورة للصلاة الواجبة بما هي صلاة واجبة، لا بما هي جمعة.
و عنه (قدّس سرّه)(1)إرجاع التقليد في حرمة الغناء بالإضافة إلى مجتهد، و التقليد في موضوعه بالإضافة إلى مجتهد آخر لا يقول بحرمته، إلى القسم الأوّل.
نظرا إلى تقوّم الحكم بموضوعه، بحيث لو فرض أنّ الغناء عنده شيء آخر، أمكن أن لا يقول بحرمته.
و إلى أنّ المفتي إنّما أفتى بتحريم ذلك المعنى الخارجي لا كلّ ما قدّر أنّه مفهوم اللفظ في متن الواقع.
و إلى أنّه سلّمنا تعلّق الفتوى بمفهوم اللفظ، لكن تعيين المفهوم ليس بنفسه مما
1) مجموعة رسائل: ص 94.
يجوز فيه التقليد، بل التقليد في مفهوم اللفظ راجع إلى التقليد في الحكم، و المفروض انه مقلّد في الحكم، فيلزم تقليد مجتهدين في حكم واحد.
و يمكن الجواب عن الأوّل بأنّ تقوّم الحكم بموضوعه و إن كان أشدّ من تقوّم الموقّت بوقته كما في القسم الأوّل، إلّا أنّ الاختلاف هناك كان راجعا إلى حيثيّة واحدة و هي إيقاع الغفيلة في وقت العشاء، بخلاف الاختلاف هنا، فانّ القول بالتحريم يقابل القول بعدمه، لا أنّه يقابل القول بأنّ الغناء هو الصوت المطرب، بل مقابله أنّه الصوت اللهوي أو مع الطرب مثلا.
و دعوى أنّ القائل بالحرمة لعله لا يقول بحرمة الصوت المطرب لو فرض أنّه غناء، لا وجه لها بعد فرض ترتّب الحرمة في الأدلّة على الغناء بما هو غناء، لكن حيث إنّ اجتهاده في موضوعه قد انتهى إلى أنّه الصوت المطرب اللهوي، فلذا لا يقول بحرمة الصوت المطرب فقط.
و منه تعرف الجواب عن الثاني و أنّ فتواه بحرمة ذلك المعنى الخارجي من حيث إنّه مطابق مفهوم اللفظ لا بما هو هو، و إن فرض أنّ مطابقه شيء آخر في متن الواقع.
و الجواب عن الثالث: إنّ تقليد الشخص في الموضوع لا يصح إلّا باعتبار انتهائه إلى حكم شرعي مترتب عليه، أمّا أنّه يجب ترتّبه عليه بنظر هذا المفتي بحقيقة الموضوع فلا، فيكون نظير متابعة قول اللغوي في معنى الصعيد لترتيب حكمه الشرعي الكلّي المأخوذ من الإمام عليه السلام أو من المجتهد عليه، فهو كما لو قطع المقلّد بأنّ الغناء موضوعا هو الصوت المطرب، فانّه لا ريب في ترتيب الحرمة المأخوذة من مجتهده عليه و إن لم يعتقد المجتهد أنّه غناء، لفرض حرمة الغناء بما هو غناء على رأيه، فيجوز حينئذ اتّباع رأي المتّبع رأيه في موضوع الغناء، و إن لم يعتقد حرمته مطلقا باعتبار ترتب الحكم على الغناء بما هو غناء من مجتهد آخر.
: فيما إذا كان عمل العامي موافقا للاحتياط، فتارة يكون بعنوان الاحتياط لا بعنوان التقليد و إن كانت الفتوى بما يطابق الاحتياط، و أخرى بعنوان
التقليد في الاحتياط اللازم المفتي به بعنوانه، و ثالثة بعنوان التقليد في الاحتياط الّذي لم يعلم حاله من حيث الوجوب و الاستحباب.
أمّا الصورة الأولى فصريح شيخنا العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه)(1)أنّه يجوز تقليد غيره فيه، لعدم سبق التقليد حتى يكون من موارد العدول المتنازع فيه.
لكنّك قد عرفت سابقا أنّ شيئا من الأدلّة المانعة من العدول لم يؤخذ في موضوعه عنوان التقليد حتى ندور مدار وجوده و عدمه بعنوانه، بل لا بدّ من النّظر إلى الأدلّة المانعة من حيث الشمول لما نحن فيه و عدمه.
فنقول: أمّا لزوم المخالفة القطعية و لزوم نقض آثار الأعمال السابقة فلا مجال لهما هنا، لا لعدم التقليد، بل لأنّ المفروض موافقة العمل للاحتياط، فلا يلزم من تعقيبه بتقليد مناف له القطع بالمخالفة، لفرض موافقة الأوّل للاحتياط، فلا نقض لها بحيث لو عمل بهذه الفتوى الموافقة للاحتياط أيضا تقليدا لم يكن مجال للاستدلال بهذين الدليلين أيضا.
و أمّا قاعدة الاشتغال من حيث دوران الأمر بين التعيين و التخيير فلا مجال لها أيضا، لا من حيث عدم التقليد، بل من حيث إنّ الفتوى مطابقة للاحتياط، فهي من حيث المطابقة له مبرئة للذمّة قطعا، لا من حيث العمل على طبقها و الاستناد إليها، فلا أثر للدوران هنا من حيث التقليد، بل قبل التقليد أيضا كذلك.
نعم عدم جريان أصالة عدم الحجّية و استصحاب الحكم المختار لعدم التقليد الموجب للشكّ في الحجيّة و التعيّن، فلا مجال لهما، لعدم الشكّ المنحصر سببه هنا في التقليد، لا لدخل عنوان التقليد في مجراهما.
و أمّا الصورة الثانية: فصريحه (قدّس سرّه) أنّه تقليد يترتب عليه ما يترتب على غيره (2)و هو فيما إذا كان الاحتياط لازما شرعا لا بأس به.
و أمّا إذا كان لازما عقلا فمورد الإشكال، لأنّ إجراء الاحتياط كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى، و إن كان تقليديا لما عرفت كليّة سابقا في الأصول العقليّة من أنّ العامي- حيث لا خبرة له بحقائقها و تطبيقها على مصاديقها و تعيين مواردها، لإمكان تصرّف الشارع فيها نفيا و إثباتا- لا مناص له من الرجوع إلى المجتهد، إلّا أنّ ذلك لا يقتضي جعل حكم مماثل على طبق الاحتياط حتى يتعبّد به العامي، ليكون نفس العمل الاحتياطي موردا للتقليد، لئلا يصحّ العدول عنه.
بل غاية الأمر أن المجتهد يرى أن الشارع لم يتصرف في المورد بنفي و لا إثبات، فيتمحّض المورد للاحتياط اللازم عقلا، و الالتزام بهذا الرّأي لا يمنع عن العدول، و لذا ترى أنّ أرباب الفتوى يجوّزون الرجوع إلى غيرهم في موارد الاحتياطات اللازمة من دون تفصيل بين العمل على طبق هذا الاحتياط اللازم بنظرهم برهة من الزمان و عدمه.
لا يقال: و إن لم تكن هذه الصورة من موارد العدول من حيث نفس العمل الاحتياطي، لكنه من حيث الالتزام الّذي بلحاظه كان تقليديا تكون من موارده، فبعد الالتزام بعدم تعبّد من الشارع في مرحلة الظاهر على خلاف ما يقتضيه الاحتياط، لا يصح له الالتزام بتعبّد منه كذلك بحسب رأي من يفتي بخلاف الاحتياط اللازم في نفسه.
لأنّا نقول: ليس لهذا الالتزام أثر عملي حتى يجب من باب المقدّمة كما في غير مورد الاحتياط، حيث إنّ العمل لو لم يكن عن استناد إلى رأي المجتهد لا يكون مبرئا للذمّة، بخلاف ما نحن فيه، حيث إنّ العمل احتياط لا حاجة في كونه مبرئا إلى التزام و استناد إلى المجتهد. و إنّما كان عدم تصرّف الشارع في المورد من قبيل عدم المانع عن كون المورد مورد لزوم الاحتياط عقلا، فكون المجتهد أو المقلد ملزما عقلا بالفعل بالاحتياط منوط بعدم تعبّد الشارع في الظاهر، لا أنّ الالتزام واجب مقدّمي للعمل حتى يمنع عن العدول عنه كما في غيره.
و أمّا الصورة الثالثة: فظاهر الشيخ الأعظم (قدّس سرّه)(1)عدم حرمة العدول، لعدم ثبوت كونه تقليدا حتى يترتب عليه أثره.
و هذا يشعر بأنّ المستحب ليس موردا لأصل التقليد، و حيث إنّه يحتمل استحباب الاحتياط فلم يثبت أنّ العمل على طبقه تقليد، مع أنّه المستحب كغيره في مورديّته للتقليد، لكن حكمه ينافي حرمة العدول، فانّ المستحب لا يخرج عن كونه مستحبا بالعمل على طبقه.
و يمكن أن يكون غرض الشيخ (قدّس سرّه) أنّه ليس تقليدا لزوميا ليكون أثره حرمة العدول.
لكنّك عرفت في الصورة الثانية عدم المانع عن العدول في مورد الاحتياط اللازم فضلا عن الصورة الثالثة.
: إذا اختلف اعتقاد المقلد مع رأي المجتهد من حيث العموم و الخصوص فله صورتان:
: ما إذا اعتقد أنّ رأي مجتهده نجاسة خصوص اليهودي مع أنّ فتواه نجاسة مطلق الكافر، فالتزام بنجاسة خصوص اليهودي، ثم تبيّن له أنّ مجتهده يرى نجاسة مطلق الكافر. و الكلام فيه تارة من حيث تحقق أصل التقليد بحيث لو لم يتحقق لكان له الالتزام بطهارة اليهودي على رأي مجتهد آخر، و أخرى من حيث إنّه تقليد يمنع عن التبعيض فلا يصح له الالتزام بطهارة النصراني على رأي مجتهد آخر.
أمّا الكلام من الجهة الأولى، فالوجه في عدم تحقق التقليد رأسا، أنّ نجاسة اليهودي بما هو يهودي ليست متعلّقة لرأي المجتهد واقعا، فلم يتعلّق الالتزام بما هو متعلّق الرّأي، و ما تعلّق به ليس متعلّقا لرأي المجتهد. و الوجه في تحققه: أنّ الرّأي حيث كان واقعا متعلّقا بنجاسة كل كافر بنحو العموم لا بنحو الإهمال، فنجاسة اليهودي أيضا متعلّق الرّأي، و إن كانت لجهة جامعة بين اليهودي و النصراني، إلّا
1) مجموعة رسائل: ص 95.
إذا فرض الالتزام بنجاسة اليهودي بما هو يهودي بحيث لو علم أنّه من حيث كونه كافرا نجس لم يلتزم بها، و هو بعيد من المقلّد المنقاد لمقلّده.
و أمّا الكلام من الجهة الثانية فالوجه في المنع عن التبعيض: إنّا و إن صحّحنا أصل التقليد من حيث إنّ نجاسة اليهودي متعلّق الرّأي في ضمن رأيه بنجاسة كلّ كافر بنحو العموم، لكنه حيث إنّه رأي واحد بالإضافة إلى حكم عمومي واحد مستفاد من حيث العموم من مدرك واحد و الاستفادة واحدة، فلا يصح له تبعيض هذا الواحد بلحاظ أفراد متعلّقه و أصنافه، لعدم الدليل على صحته، بل التحقيق عدم إمكان التبعيض في التقليد، فانّ المقلّد إذا التزم بنجاسة اليهود بما هم يهود، فهي غير متعلّقة لرأي المجتهد بهذا العنوان أصلا، و إن التزم بنجاستهم لا بهذا العنوان بل بعنوان أنّهم كفرة، فالطرف للالتزام بالمطابقة و إن كان نجاسة اليهود، إلّا أنّه بالالتزام التزام بنجاسة سائر الكفرة، و إن التزم بنجاستهم بما لهم من العنوان الدخيل في نجاستهم في نظر المجتهد، و إن زعم في مقام التطبيق أنّ ذلك العنوان عنوان اليهوديّة و التهوّد، فهو خطأ في التطبيق، و هو في الواقع ملتزم بنجاستهم بما هم كفرة، فالالتزام بنجاسة النصراني على رأي مجتهد آخر عدول لا تبعيض، ففي الحقيقة عنوان التبعيض مناف لعنوان التقليد، فامّا ان لا يتحقق التقليد أو لا يتصوّر التبعيض. و منه ظهر الوجه في تحقق أصل التقليد، و أنّه ليس كون نجاسة اليهودي متعلّقة للرأي ضمنا، فانّه لو انحلّ الرّأي حقيقة إلى آراء متعددة بحسب تعدد الأحكام المنحلّ إليها الحكم العمومي، لم يكن في الحقيقة تبعيضا بين أفراد الكلّي المتعلّق لرأي واحد، بل السبب تحقق الالتزام، و لو بالالتزام بالإضافة إلى نجاسة كلّ كافر بسبب الالتزام بنجاسة اليهود بالتقريب المتقدّم.
: ما إذا اعتقد أنّ رأي مجتهده نجاسة مطلق الكافر فالتزم بها، فظهر أنّ فتواه نجاسة خصوص اليهودي. و ظاهر الشيخ الأعظم (قدّس سرّه)(1)أنّه تقليد في الخاصّ.
1) مجموعة رسائل: ص 95.
و لعلّ الوجه فيه أنّ الالتزام بنجاسة مطلق الكافر بالتضمّن التزام بنجاسة اليهودي، فيدخل متعلّق الرّأي في ضمن ما التزم به، و إن اعتقد أنّ ما التزم به بتمامه متعلّق رأي مجتهده، و ليس كالصورة السابقة المتوقفة على انحلال الرّأي إلى آراء متعددة ليمنع عنه، نعم لا بدّ من جعل الالتزام بنجاسة الكافر بما هو كافر من باب الخطأ في التطبيق، و إلّا لم ينفع التضمّن، إذ متعلّق الرّأي نجاسة اليهودي بخصوص عنوانه، و لم يتعلّق الالتزام بهذا العنوان بل بعنوان لم يتعلّق به الرّأي.
: لو نسي فتوى من قلّده فيها، ففيه جهات من الكلام:
: في وجوب الفحص و السؤال عنها حتى يتذكّرها و يعلمها.
و استدل عليه الشيخ الأعظم (قدّس سرّه)(1)بأنّ وجوب البقاء عليها مطلق فيجب تحصيل مقدماته.
و لا يخفى عليك أنّ معنى وجوب البقاء و حرمة العدول ليس إلّا تعيّن ذلك الحكم المماثل المجعول على طبق المفتي به، لا وجوب البقاء و حرمة العدول زيادة على ذلك الحكم المماثل، و كذا بناء على الطريقيّة المحضة ليس حرمة العدول إلّا تعيّن الفتوى المأخوذة بها في كونها مبرئة للذمة في ثاني الحال، و لا حكم شرعي غيرها حدوثا و بقاء، و عليه فمعرفة الحكم بما له من الموضوع الكلي حدوثا و بقاء على نهج واحد من حيث وجوبها نفسا أو بحكم العقل أو بنحو آخر.
: لو يئس عن تذكّرها على وجه القطع فهل يكتفي بالظن أو لا؟
و عن الشيخ الأعظم (قدّس سرّه)(2)تقوية العدم لوجهين:
أحدهما: أنّ تلك الفتوى إنّما أمر بالعمل بها لكونها طريقا لامتثال الواقع، فإذا تعذّر الامتثال عن ذلك الطريق تعيّن الرجوع إلى طريق آخر مجعول من الشارع عند
عدم القدرة على الأوّل.
ثانيهما: أنّ مدرك وجوب البقاء من قاعدة الاشتغال و الإجماع غير جار هنا.
و الثاني واضح، حيث إنّ المتيقّن من موارد الإجماع غير هذه الصورة، و أمّا الأوّل فلأنّه لا قطع بالفتوى حتى يقال إنّها مقطوعة الحجية و الفتوى الأخرى مشكوكة الحجيّة.
قلت: أمّا الوجه الأوّل ففيه:
أوّلا: أنّ مقتضى القاعدة بعد تعذّر العلم بالطريق المعتبر هو الاحتياط، فلو دار أمر فتوى المقطوعة حجيّة فتاواه بين شيئين يجب الاحتياط بالجمع بينهما تحصيلا لامتثال الطريق المعتبر، لا التنزّل إلى الظنّ و لا إلى طريق آخر، و ليس الاحتياط هنا كالاحتياط في مطلق الطريق كي يكون متعذّرا أو متعسّرا.
و ثانيا: أنّ المفروض في موارد العدول أنّ الطريق الآخر بعد العمل بهذا الطريق مشكوك الحجيّة، فما لم يسقط هذا الطريق المنسي بالكليّة لا يرتفع الشكّ عن حجيّة الفتوى المقابلة لها، و من الواضح دوران الأمر حينئذ بين مظنون الطريقيّة و المبرئيّة للذمّة و مشكوك الطريقيّة، لأنّ الظنّ بأن هذا هو المفتي به بوجوب الظنّ بأنّه مبرئ للذمة، و لا يوجب التنزّل إلى الطريق المشكوك الحجيّة مع وجود مظنونها.
و أمّا الوجه الثاني فقد عرفت الحال في قاعدة الاشتغال، فانّه و إن لم يقطع بالفتوى لكن الظنّ بها يوجب الدوران بين المظنون و المشكوك.
: إذا يئس عن المنسي على وجه جاز له الرجوع إلى غيره فرجع فتذكر الأوّل، فهل يرجع إلى الأوّل أو يبقى على الثاني؟.
و عن الشيخ الأعظم (قدّس سرّه)(1)حكاية الرجوع إلى الأوّل عن بعض
1) مجموعة رسائل: ص 96.
معاصريه، نظرا إلى أنّ نسيان الحكم لا يغيّره و لا يرفعه و انّما يعذّر في الرجوع، فإذا ارتفع العذر عاد الحكم.
و أورد عليه الشيخ الأعظم (قدّس سرّه)(1)بأنّ النسيان الّذي لا يغيّر الحكم نسيان نفس الحكم، لا نسيان الموضوع الموجب لعدم التمكن من الامتثال، فهو من العجز الرافع للتكليف الواقعي فعوده يحتاج إلى دليل.
و لا يخفى عليك أنّ تخصيص النسيان هنا بالموضوع بملاحظة أنّ وجوب العمل بالفتوى غير منسي، و إنّما المنسي متعلّق هذا الوجوب و هي الفتوى، و أمّا بناء على ما عرفت غير مرّة من أنّ معنى وجوب العمل بالفتوى في الحقيقة إيجاب العمل الخاصّ من صلاة و غيرها، فإن كان التقليد مما يتحقق بنفس العمل على طبق الفتوى فالحكم الخاصّ هو المنسي، و إن كان لا يتحقق إلّا بصدور العمل عن التزام أو استناد إلى الفتوى فللنسيان مساس بمتعلّق الحكم أيضا، لأنّ الفتوى أخذت في متعلّق موضوع الحكم، و على أي حال فالنسيان غير متمحّض في الموضوع، بل إمّا متمحّض في الحكم أو يعمّه و متعلّقه. مضافا إلى أنّ عدم القدرة على الفعل إذا كان بلحاظ طبع الفعل يمنع عن أصل توجه البعث و الزجر واقعا، و أمّا إذا كان بلحاظ الجهل و النسيان فهو يمنع عن فعليّة البعث و الزجر، لأنّ المتعلّق على الفرض مقدور بذاته، فجعل الداعي إليه في حدّ ذاته معقول، و عروض الجهل و النسيان سواء كان بالإضافة إلى الحكم أم إلى موضوعه الكلي أم إلى متعلّقاته، يمنع عن فعلية البعث و الزجر، لعدم إمكان فعليّة الدعوة حينئذ، و حيث إنّ عدم فعليته بسبب الجهل و النسيان عقلي، فلا محالة يصير التكليف فعليّا بالعلم و التذكر، و لا يقاس بموارد الاجزاء من حيث احتمال سقوط التكليف الواقعي بسقوط ملاكه، لأنّ الكلام بالإضافة إلى
1) مجموعة رسائل: ص 96.
ما بعد العلم و التذكر لا حال الجهل و النسيان، فلا ينبغي الشكّ في عدم سقوط التكليف الواقعي، كما لا ينبغي الريب في فعليّة التكليف الواقعي بالعلم و التذكر. هذا بناء على جعل الحكم المماثل. و أمّا بناء على الطريقيّة المحضة فالأمر أوضح، لبقاء القطع بمبرئيّة العمل بفتوى هذا المفتي على حاله حتى بعد نسيانها، غاية الأمر أنّه لا يتمكن من الأخذ بالمبرئ لا أنه سقطت الفتوى عن المبرئيّة عن الواقع، ففي صورة التذكر أيضا يدور الأمر بين ما هو مقطوع المبرئيّة و مشكوك المبرئيّة للشكّ في بقاء الفتوى الثانية على حالها من المبرئيّة، فيعود موضوع مسألة العدول منعا و جوازا إشكالا و جوابا، و استصحاب مبرئيّة الفتوى الثانية بعينه استصحاب التخيير الّذي تصورناه على الطريقيّة المحضة نعم بناء على جعل الحكم المماثل و الشكّ في سقوط التكليف الواقعي في طرف المنسي لا بدّ من استصحابه، فيكون واصلا بالأصل فيصير فعليا، كما أنّ التكليف الفعلي في الطرف الآخر أيضا مشكوك البقاء فيستصحب، فينتج التخيير كما في الابتداء، و لا مجرى لأصالة عدم فعليّة التكليف الثابت في حال النسيان، حيث لا شكّ في فعليته بعد تذكّره إلّا احتمال سقوطه واقعا و عدم ثبوته إلى زمان التذكر، و مع ثبوته و بقائه إلى حال التذكر لا ريب في فعليته.
ثمّ إنّ الشيخ الأعظم (قدّس سرّه)(1)ذكر في تتمة البحث: ما إذا أخذ رسالة المجتهد و بنى على العمل بما فيها بناء على أنّ ذلك تقليد، فتعذّرت عليه مسائل تلك الرسالة كلا أو بعضا، فانّه يرجع إلى الغير و لا يعود إلى الأوّل بعد رفع العذر. و جعل (قدّس سرّه) عدم الرجوع إليه هنا أوضح من صورة النسيان.
و لعل الوجه تمحّض هذه الصورة في عدم القدرة على امتثال وجوب البقاء
1) مجموعة رسائل: ص 96.
على ما بنى على العمل به من دون أن يستند عدم القدرة إلى النسيان.
لكنّك خبير أنّ تعذّر مسائل تلك الرسالة ليس بمعنى سقوط متعلّقاتها عن حيز القدرة في ذاتها، بل ضياع الرسالة أو حدوث آفة أخرى بها يوجب الجهل بفتاوى مجتهده، و لأجل الجهل بها يمتنع الأخذ بها عملا، فيعود حكم الجهل و النسيان بتمامه، فتدبّر.
: هل يجوز العدول إلى الأعلم من غيره بناء على حرمة العدول في نفسه أو لا؟
قد مرّ بعض الكلام في مسألة البقاء على تقليد الميت. و نقول هنا:
أمّا بالنظر إلى ما يستقلّ به عقل العامي فليس لسبق التقليد في نظره خصوصية، بخلاف الأعلميّة فلا يقطع ببراءة الذّمّة إلّا بالعدول، و فتوى غير الأعلم بحرمة العدول لا تجديه شيئا، لأنّ حجّيّة فتواه بقاء كحجّيتها حدوثا لا يعقل أخذها منه، و فتوى الأعلم بحرمة العدول عن غيره مجدية، إلّا أنّه في الحقيقة بقاء بتقليد الأعلم، و عليه فيتعيّن على العامي العدول إلى الأعلم.
و أمّا بالنظر إلى مقتضيات الأدلّة فقاعدة الاحتياط معارضة بالمثل، لكون كلّ من الفتويين ذات خصوصيّة يحتمل معها التعيّن، و الإجماع لا إطلاق له بحيث يعمّ ما نحن فيه، لكونه دليلا لبّيا، و سائر الأدلّة على فرض صحتها تعم العدول إلى الأعلم و غيره. و أمّا أدلة تعيّن الأعلم فقد عرفت حال الإطلاقات في حد ذاتها، فضلا عن شمولها لما نحن فيه. و أمّا حكم العقل بتعيّن الأعلم فالتقريب المعروف غير مفيد، لأنّ تعيّنه بملاحظة قصور حكم العقل بمبرئيّة فتوى غيره، فلا يعارض الدليل على مبرئيتها و إن كان أصلا. و أمّا بناء على ما قرّبناه أخيرا فهو لا يعقل الفرق فيه بين سبق التقليد لغيره و عدمه. لأنّ التسوية بين العالم و الجاهل قبيحة، سواء كان هناك سبق تقليد لمن هو جاهل بالإضافة إليه أم لا.
: في ما إذا علم المكلّف بصدور أعماله السابقة عن تقليد لكنّه يشكّ في صدورها عن تقليد صحيح أم لا.
و مقتضى العنوان أنّ المشكوك حيثيّة صحّة تقليده لا صحة عمله بعد فرض صحّة تقليده.
و منشأ الشكّ في صحة تقليده، تارة الشكّ في استجماع من قلّده لشرائط الإفتاء سواء كان مقلّده معروفا بعينه و يشكّ في استجماعه للشرائط أم تردد بين المستجمع و غيره، و أخرى الشكّ في أنّ استناده إلى المستجمع هل كان بميزان شرعي أو بلا ميزان.
و مرجع الشكّ في الصورة الأولى إلى أنّ تكليفه الفعلي هل هو على طبق فتوى من قلّده فيها أو لا، و من هذه الجهة لا يكون مجرى قاعدة الفراغ لتصحيح العمل أو التقليد، إذ لا شكّ في موافقة العمل للفتوى، بل في موافقة تكليفه الفعلي لعمله، و لا يحرز تكليفه الفعلي بإجراء قاعدة الفراغ المقتضية لصحة العمل إذا شكّ في إتيانه على وجه يطابق تكليفه الفعلي أم لا، لا ما إذا شكّ في أنّ تكليفه الفعلي ما ذا، و أنّه كان موافقا لعمله المعلوم بحدّه أم لا؟
لكنّه إذا كان تقليد المشكوك حاله فعلا بميزان شرعي في تلك الحال، فلا ينبغي الشكّ في صحّة تقليده و ما صدر منه من الأعمال، سواء قلنا بالموضوعيّة أم بالطريقيّة. أمّا على الأولى فواضح. و أمّا على الثانية فلأنّ المفروض أنّ مقتضى الطريقيّة كون موافقة الطريق مبرئة للذمة و معذّرة عن مخالفة الواقع.
و إذا لم تكن بميزان شرعي فلا مصحح لعمله، لأنّ قاعدة الفراغ بالإضافة إلى موافقة تكليفه للفتوى التي استند إليها غير مجدية، و استناده أيضا معلوم الفساد، لفرض صدوره عن غير ميزان شرعي، و أمّا عمله فلا شكّ فيه من حيث إتيانه بحدّه الموافق للفتوى، إنّما الشكّ في موافقة الحكم الفعلي له.
و أمّا الصورة الثانية فحيث إنّ الالتزام بالفتوى و الاستناد إليها عمل من
أعماله يشكّ في إيقاعه على وجه صحيح، فهو مجرى قاعدة الفراغ، لكنه إذا تمحّض الشكّ في هذه الحيثيّة لم تكن صحة العمل منوطة به بوجه، لأنّ المفروض مطابقة العمل لفتوى من يجب عليه اتّباع فتواه، و الاستناد و الالتزام ليس من شرائط صحة العمل، و لا يناط به توجّه التكليف الفعلي به، بل يفيد الاستناد في مقام مخالفة الفتوى للواقع فانّه معذّر حينئذ. نعم تصحيح الالتزام و الاستناد يفيد فيما يترتب على عنوان التقليد من البقاء و العدول و أشباه ذلك لو كان كذلك.
و مما ذكرنا يعلم حال الصورة المركبة من الصورتين، و هي ما إذا كان منشأ الشكّ في الصحّة الشكّ في استجماع المفتي للشرائط، و الشكّ في الاستناد بوجه شرعي، فانّ قاعدة الفراغ و إن اقتضت صحة الاستناد، لكنّه يترتب على صحته آثار نفس الاستناد شرعا من البقاء و العدول و شبهه، و ليس من آثاره شرعا استجماع المفتي للشرائط، و المبرئيّة للذمة ليست من آثار الاستناد الصحيح شرعا حتى تترتب عليه، بل من آثار الفتوى الصحيحة، و الاستناد إلى الحجة الشرعيّة مبرئ عقلا.
: إذا شكّ في صدور أعماله السابقة عن تقليد صحيح، فهل يبني فيه على صدورها صحيحة أو لا؟.
و مختصر القول: انّ التقليد إن كان مجرد تطبيق العمل على فتوى صحيحة، فالشكّ فيما نحن فيه راجع إلى الشكّ في موافقة عمله لفتوى صحيحة أم لا، و من هذه الحيثيّة مجرى قاعدة الفراغ، لتمحّض الشكّ على الفرض في موافقته لتكليفه الفعلي.
و إن كان التقليد هو الالتزام بفتوى صحيحة، أو العمل عن التزام و استناد إلى فتوى صحيحة فيتصور فيه أقسام:
أحدها: ما إذا شكّ في أصل الالتزام و الاستناد من دون شكّ في صحته
من حيث صدوره عن ميزان شرعي و إضافة إلى فتوى صحيحة على تقدير وجوده.
ثانيها: ما إذا شكّ في وجوده و في صحته، فيرجع الشكّ إلى الشكّ في وجوده الصحيح من دون شكّ في صحّة عمله من حيث نفسه و من حيث مطابقته لفتوى صحيحة، و قد عرفت سابقا أنّه بعد فرض مطابقة العمل لتكليفه الفعلي لا أثر للاستناد ذاتا و صفة في صحّة العمل بل في أمر آخر.
ثالثها: ما إذا شكّ في موافقة عمله لتكليفه الفعلي من جهة الشكّ في الاستناد بوجه صحيح إلى فتوى صحيحة، فإنّ موافقة العمل للفتوى و إن لم تكن منوطة بالالتزام و الاستناد إلى الفتوى، إلّا أنّ تطبيق العمل على الفتوى الصحيحة لا يكون إلّا بتمسك صحيح بفتوى صحيحة.
و جريان قاعدة الفراغ في العمل في هذه الصورة لا شبهة فيه كما أنّ عدم جريانها في العمل في الصورتين المتقدّمتين أيضا لا ينبغي الريب فيه. و أمّا في وجود الالتزام من حيث أثر نفسه أو في صحته أو في وجوده الصحيح فمبني على عموم القاعدة للشكّ في الوجوب و في الصحة، أو إرجاع الشكّ في الصحة إلى الشكّ في الوجود الصحيح.
: في أنّ العمل بالاحتياط هل هو تقليدي أو لا؟
ربما يقال بأنّه تقليدي، لأنّ المسألة خلافية.
لكنّه لا يخفى أنّ مجرد كون المسألة خلافية نظرية اجتهادية لا يقتضي أن تكون تقليدية، أ لا ترى أنّ أصل التقليد خلافي جوازا و منعا و مع ذلك لا يقتضي أن يكون تقليديا، و كذلك تقليد الأعلم خلافي و مع ذلك ليس بتقليدي، إلى غير ذلك من النظريات و الخلافيات، بل كونه تقليديا يتبع أن يكون على طبق المورد حكم مماثل يمكن أن يكون العامي متعبّدا به و منشأ لحركته على طبقه، فلو لم يكن هناك حكم مماثل أو كان و لكن لم يكن منشئيته لحركة العامي للزوم المحال، فلا محالة لا يكون تقليديا.
نقول: للاحتياط حيثيتان:
إحداهما: الحيثية العارضة للاحتياط بعنوانه من وجوب شرعي حقيقي أو طريقي، أو حرمة نفسيّة بملاحظة انطباق عنوان مبغوض عليه.
ثانيتهما: الحيثيّة المخرجة للاحتياط عن كونه احتياطا، لأنّ الشارع لو
تصرّف في مورده بنفي أو إثبات تعيّن أحد الطرفين شرعا فلا مورد للاحتياط عقلا.
أمّا بلحاظ الحيثيّة الأولى فالمسألة تقليديّة بلحاظ العارض و الحيثيّة، لا بلحاظ المعروض و المتحيّث، فترتّب الأثر المترقب من العمل الاحتياطي غير منوط بالتقليد، و إن كان كونه فاعلا للواجب أو تاركا للحرام قابلا للاستناد إلى فتوى المجتهد.
و أمّا بلحاظ الحيثيّة الثانية فالمسألة تقليديّة من حيث نفس عنوان الاحتياط، لعدم تمكّن العامي من استنباط تمحّض المورد للاحتياط، و عدم تصرّف الشارع فيه بنفي أو إثبات إلّا بالرجوع إلى من له الخبرة بذلك و هو المجتهد، و لذا ذكرنا أنّ إجراء الأصول العقليّة منوط بنظر المجتهد، لعدم الخبرة للعامّي بتمحّض المورد لها بلحاظ إمكان تصرف الشارع في مواردها.
و التحقيق: إنّ حرمة الاحتياط نفسيّا و عدمها مهمة في مقام حصر طريق الامتثال في الاجتهاد و التقليد و عدمه، بل المهم ترتب الأثر المترقب من المعاملة و العبادة على الاحتياط، و حيث إنّ فرض الاحتياط حقيقة هو فرض ترتب أثر الواقع، فلا محالة يؤول البحث إلى البحث عن تحقق العبادة كالمعاملة بالاحتياط و عدمه لأجل خصوصيّة مأخوذة في العبادة بحيث لا تتحقق إلّا بالامتثال التفصيليّ عن اجتهاد أو تقليد كقصد الوجه على القول بأنّه كذلك، فهو في الحقيقة بحث عن قبول العبادة للاحتياط و عن التمكّن منه في العبادة، و كونه كذلك لا يعلم إلّا بالاجتهاد و التقليد، فمعنى التقليد حينئذ التعبّد بعدم تلك الخصوصيّة شرعا، و لازمه إمكان الاحتياط، لا التعبّد بإمكانه و لا التعبّد بجوازه شرعا في قبال حرمته نفسا، كما أنّ معنى التقليد في مقام إجراء قاعدة الاحتياط اللازم بحكم العقل هو التعبّد بعدم الحكم شرعا نفيا أو إثباتا، بحيث لا يكون مجرى للقاعدة الملزمة بالاحتياط عقلا لا التعبّد به شرعا.
: هل للمكلّف الاكتفاء بالاحتياط في إحراز الواقع، أو لا بدّ فيه من الاجتهاد أو التقليد حتى يتمكّن من الامتثال التفصيليّ؟.
و ما ذكر في وجه المنع أمور، أوجهها وجوه:
أحدها: الإجماع المدّعى على بطلان صلاة من لا يعلم أحكامها خصوصا إذا استلزم التكرار، فعن الشيخ الأعظم (قدّس سرّه)(1)عدم الخلاف في عدم صحته، بل المعلوم من طريقة الشرع عدم مشروعيته.
ثانيها: إخلاله بقصد الوجه المعتبر عقلا، و لو لاحتماله الّذي لا يدفع بإطلاق دليل المأمور به، و يكون مقتضى الأصل فيه الاشتغال كما في محلّه.
ثالثها: كونه لعبا بأمر المولى مع التمكّن التام من إتيانه بعينه تفصيلا خصوصا إذا استلزم التكرار كرارا، فانّه عبث محض، فيكون العمل حينئذ منبعثا عن داع شيطاني لا عن داع إلهي.
و يندفع الجميع:
أمّا الأوّل: فلأنّه غير ناظر إلى مقام إحراز الصلاة الواقعيّة بالاحتياط، بل الاكتفاء بفعل صلاة لا يعلم أحكامها لا ما يعلم اشتماله على جميع أجزائها و شرائطها و لم يتميّز الواجب من المستحب منها، كما في قولهم: عمل العامي بلا اجتهاد و لا تقليد باطل. فانّه غير ناظر إلى الاحتياط بل إتيان مجرد فعل لا يدرى موافقته للمأمور به لا اجتهادا و لا تقليدا، فانّ الفعل حينئذ لا يكون مطابقا للمأمور به بحسب العادة إلّا باجتهاد أو تقليد، فلا يصح الاقتصار عليه، لا أنّه باطل بحسب الواقع و لو ظهر موافقته له أو للفتوى كما سيجيء مفصّلا إن شاء اللّه تعالى. مضافا إلى أنّه نقل الإجماع و هو غير مفيد في مورد النزاع.
و أمّا الثاني: فيدفع أوّلا: بمنع اعتبار قصد الوجه، إمّا لعدم دخله في الإطاعة بنظر
1) مجموعة رسائل: ص 50.
العقلاء، فيرجع في دفعه إلى إطلاقات أدلة الإطاعة كما عن الشيخ الأعظم (قدّس سرّه)(1)، و إمّا لأنّ اللازم في باب الإطاعة عقلا هو التخلص من عقاب مخالفة التكليف. و عدم اعتباره في التخلّص المذكور مقطوع، لحصول الموافقة اللازمة بموافقة الأمر من حيث متعلّقه كما عن غيره رحمه اللّه، و إمّا لأنّ قصد الوجه لو اعتبر لكان معتبرا في الغرض الباعث على التكليف، و مع احتماله و إن كان اللازم عقلا تحصيله، لكنه ليس كالقربة مما يتنبه له العامة حتى يكون مجرد احتماله عندهم كافيا في لزوم تحصيله ليصح الاتكال من الشارع في الإلزام بتحصيله على حكم عقولهم بلزوم تحصيله، فلا بدّ من تنبيه الشارع عليه و ليس منه عين و لا أثر في الآيات و الروايات، فهذه مقدّمات القطع بعدم دخله في الغرض و إلّا لزم الإخلال بالغرض.
و هذه الوجوه و إن لم تكن خالية من بعض المناقشات كما يظهر بالمراجعة إلى محلّها، لكنّه لا شبهة في عدم اعتباره كما حرّر مفصّلا في الأصول.
و ثانيا: بإمكانه في موارد الاحتياط بناء على اعتباره، فلا يلزم الإخلال به، أمّا في المتباينين فلا مكان قصده غاية و توصيفا، فيأتي بالصلاتين لوجوب تلك الصلاة الواجبة واقعا، أو يقصد تحصيل الصلاة الواجبة بما هي واجبة بفعل الصلاتين، فلا إخلال بقصد الوجوب، بل الإخلال بالتمييز، حيث لا يعلم أنّ أيّا من الفعلين يقع واجبا و موجّها بهذا الوجه واقعا، و قصد التمييز ليس في الاعتبار على حد قصد الوجه. و أمّا في الأقلّ و الأكثر فالأمر أوضح، نظرا إلى انطباق الواجب النفسيّ على المأتي به و إن لم يكن المأتي به بتمامه مطابق الواجب النفسيّ.
لا يقال: قصد الوجه إنّما يعتبر لأنّ الوجه الشرعي محاذ للوجه العقلي، فيكون إتيان الفعل بعنوانه و بوجهه الشرعي إتيانا للفعل بوجهه العقلي، فيصدر منه حسنا في الخارج، فانّ العناوين المحسنة ما لم تقصد لا تقع الأفعال معنونة بها
1) مجموعة رسائل: ص 50.
في الخارج، لأنّها من الأمور القصدية، و حيث لا يعلم بكون الأكثر واجبا نفسيا فلا يمكن إتيانه خارجا معنونا بهذا العنوان ليقع الوجه الشرعي بحذاء الوجه العقلي ليصدر العنوان الواقعي بالقصد و الاختيار.
لأنّا نقول: ليس الوجوب و أشباهه كما بيّناه في محلّه من عناوين الأفعال الخارجية كالعناوين المحسّنة و المقبّحة، فهي في حدّ ذاتها لا تكون عناوين الأفعال الخارجيّة، فلا يضرّ عدم قصد الأفعال معنونة بها، بل المقدار اللازم من قصد الوجه إيجاد الفعل بداعي وجوبه بما هو وجوب، لا بما هو أمر مع قطع النّظر عن كونه وجوبا أو ندبا، و من الواضح وجود الوجوب النفسيّ و وجود الواجب النفسيّ في ضمن الأكثر، فتدبّر.
و مما ذكرنا من محاذاة الوجه الشرعي للوجه العقلي تبيّن أنّ عدم تمييز الجزء الزائد المشكوك من حيث الوجوب و الاستحباب غير ضائر، إذ اللازم قصد الوجه النفسيّ لا الوجه الغيري أو الجزئيّة الانتزاعيّة، لأنّ الفعل بما هو معنون بعنوان حسن واحد واجب بوجوب نفسي واحد و إن كان كلّ جزء لا بلحاظ هذا الوجوب النفسيّ حسنا في نفسه، فحيث إنّ الوجه النفسيّ الشرعي واحد على الفرض، فذلك الوجه العقلي المحاذي له الواجب قصده بقصد ما يحاذيه أيضا واحد، فلا يجب قصد غير الوجه النفسيّ فانّ ما يحاذيه ليس ملاك هذا الوجوب اللازم امتثاله بنحو يقع في الخارج معنونا بعنوانه الحسن، فلا تغفل.
و أمّا الثالث: فالجواب عنه: أنّ اللعب إمّا يكون ضائرا بداعي الأمر بحيث لا يصدر الفعل عن داعي الأمر، أو يضرّ به بحيث يكون تشريكا في الداعي، أو يكون عنوانا للفعل فيكون الفعل معنونا بعنوان قبيح. و الكل باطل.
أمّا صدور الفعل لا عن داعي الأمر فهو خلف، لأنّ المفروض أنّ المحرّك الأصلي نحو الصلاة الواجبة واقعا هو الأمر بها، غاية الأمر اختيار هذه الكيفيّة من الامتثال على غيرها لداع آخر.
و منه تبيّن بطلان تشريك شيء في داعي الأمر، بل اختيار هذه الكيفيّة لهذا الداعي، و عليه فلا فرق بين أن يكون عقلائيّا أو غير عقلائي، إذ لو كان تشريكا بطلت العبادة و لو كان الدخيل داعيا عقلائيّا، و لو لم يكن تشريكا صح العمل و إن كان الداعي غير عقلائي.
و أمّا كونه عنوانا لفعل الصلاة فلا وجه له، لأنّ اللعب يحصل بالتكرير لا بالعمل المكرر، فالصلاة المكرّرة ليست مصداقا للعب بل تكريره للصلاة لعب، و بعبارة أخرى: الإطاعة اليقينيّة تحصل بأحد نحوين، إمّا بالامتثال التفصيليّ العلمي أو عن اجتهاد و تقليد، و إمّا بإتيان صلاتين أو أكثر، فكل من النحوين محصّل لليقين بإطاعة الأمر، و من هذه الحيثيّة ليس شيء منهما لغوا و عبثا، لكن مع إمكان الأوّل و عدم ترتّب غرض عقلائي على تحصيل اليقين بإطاعة الأمر بالنحو الثاني يكون هذا النحو بهذه الخصوصيّة لا من حيث المحصّلية لليقين عبثا بلا فائدة، لا أنّ الصلاة الواقعيّة الموجودة في ضمن الصلوات المتكررة توصف باللغوية و العبثيّة، فالعبثيّة و اللغويّة وصف المجموع بما هو، حيث لا فائدة فيه من حيث خصوصيته، فلم يلزم وصف عنواني قبيح في الصلاة المأتي بها موافقة لأمرها في ضمن المجموع. هذا كلّه فيما إذا تمكّن من الامتثال التفصيليّ علما.
و أمّا الامتثال عن اجتهاد أو تقليد، فلا يلازم تركه اللغوية، لإمكان تعلّق الغرض بإتيان الواقع بما هو، لاشتماله على المصلحة و لخلوصه عن شوب احتمال الإعادة و القضاء بتبدّل الرّأي و شبهه، بل تقدّم الامتثال التفصيليّ العلمي إنّما يكون إذا أمكنه بسهولة، و إلّا فلو كان في تحصيل العلم بالحكم الواقعي صعوبة، صح تحصيل اليقين بالامتثال بالاحتياط بداعي كونه أسهل و أخف مئونة منه و كفى به داعيا و عقلائيّا.
: إذا ترك العامي التقليد و الاحتياط معا قصورا أو تقصيرا، و أتى بعمل اتفق مطابقته للواقع صح العمل، و هو من القضايا التي قياساتها معها، فلا يحتاج إلى
البرهان بل إلى التنبيه، إذ المفروض أنّ الأثر مترتب على أمر مطابق بحدوده و قيوده للمأتي به، فإعادته أو تداركه خلف، كما أنّ عدم ترتب أثره عليه عبادة كانت أو معاملة خلف، و حيث إنّ المفروض قصور المكلّف و عدم تنبّهه لوجوب التقليد و غفلة المكلّف حال العمل عنه و لو مع فرض تنبّهه و تقصيره فيه، فلا محالة يتأتى منه قصد القربة المنوط به العبادة. و أمّا مع تنبّهه حال العمل فالظاهر عدم تأتي قصد القربة منه، إلّا إذا أتى به رجاء لموافقته لرأي المجتهد و بنائه على المراجعة إليه في استكشاف حال ما أتى به، فانّ التقرب به حينئذ أمر معقول.
ثمّ إنّ هذا كلّه إذا انكشف مطابقته للواقع حقيقة علما. و أمّا إذا انكشف مطابقته لرأي المجتهد، فهل العبرة برأي المجتهد في حال العمل أو في حال التنبّه؟
وجه الأوّل: أنّ العامي مكلّف في حال العمل بالرجوع إلى المجتهد، و قد مرّ مرارا أنّ معنى وجوب التقليد إيجاب ما يراه واجبا و تحريم ما يراه حراما، فالواجب عليه في تلك الحال هو القصر مثلا، و قد أتى به على الفرض و إن لم يتنبّه لما وجب عليه في رأي مجتهده، و كذا على القول بوجوب التقليد مقدمة لامتثال الأحكام الواقعيّة كما عن الشيخ الأعظم (قدّس سرّه)(1)فانّ مقتضاه وجوب الالتزام بفتوى مجتهده مقدمة لامتثال الأحكام الواقعيّة، و المفروض موافقة عمله لفتواه المنوط بها امتثال الأحكام الواقعيّة.
و وجه الثاني: انّ وجوب التقليد ليس مقدّميّا كما يراه الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) لما مرّ في محلّه من أنّه عين العمل، فان وافق الواقع كان هو هو، و لا اثنينية كي تتحقق المقدميّة، و إن خالفه كان بينهما الغيرية لا المقدميّة، و كذا ليس نفسيا بمعنى انبعاثه عن مصلحة أخرى غير مصلحة الواقع كسائر الواجبات النفسيّة، بل نفسي بمعنى انبعاثه عن نفس مصلحة الواقع إيصالا
1) مجموعة رسائل: ص 48.
للواقع بعنوان آخر، فإيجابه بداعي إيصال الواقع بعنوان تطبيق العمل على ما يفتي به المفتي، أو طريقي بمعنى إيجابه بداعي تنجيز الواقع عند الموافقة و الاعذار عنه عند المخالفة. و مثل هذا الإيجاب النفسيّ بهذا الداعي أو مثل الإيجاب الطريقي بذاك الداعي لا يكون فعليا و محققا بوجوده الحقيقي، إلّا إذا صلح لأن يكون إيصالا للواقع أو منجّزا له. و ليس ذلك إلّا شأن وجوده الواصل دون ما لم يصل، و عليه فليس فتاوى المجتهد في حال الغفلة أحكاما فعليّة على المقلّد الّذي كانت وظيفته الرجوع إلى ذلك المجتهد مع تنبّهه لوجوب التقليد، خصوصا إذا استندنا في وجوب التقليد إلى حكم العقل بوجوب الاستناد إلى من له الحجة في مقام تفريغ الذّمّة من الواقعيّات المنجّزة، فانّه لا يحكم العقل به إلّا بالإضافة إلى المتنبه دون الغافل.
و التحقيق ما مرّ مرارا من أنّ الفتوى حجة على العامي و منجّزة لتكاليفه من حين وجوب رجوعه إلى ذلك المفتي، فتؤثّر في الوقائع المتجددة و الأعمال المستقبلة. و وجوب القضاء و عدمه هنا و إن كان مربوطا بالأعمال المستقبلة لكنه فرع بطلان العمل و صحته المنوطين بنظر من كانت وظيفة العامي الرجوع إليه و الأخذ منه، و هو أعلم عصره حال العمل دون هذا المفتي، بل ربّما لا وجود له في تلك الحال أو لم يكن بمجتهد أو كان مفضولا بالإضافة إلى غيره.
و أمّا ما ذكر من أنّ وجوب التقليد حيث إنّه بداعي إيصال الواقع أو تنجيزه فلا فعليّة له قبل وصوله، فقد ذكرنا في محلّه أنّ حال الأحكام الحقيقية المسوقة لجعل الداعي أيضا كذلك، إذ لا يتصف الإنشاء بداعي جعل الداعي بكونه باعثا و محركا و داعيا إلّا بعد وصوله بنحو من أنحاء الوصول، فانّ التكليف الواقعي و إن كان في غاية القوة لا يمكن أن يكون داعيا إلّا بعد التنبّه و الوصول، و عليه فالفعليّة بمعنى تحقق جعل الداعي و إيصال الواقع و تنجيز الواقع متقومة بالوصول عقلا فلا اختصاص لها بالأخيرين، و أمّا الفعليّة من
قبل الآمر و المولى فهو الإنشاء بداعي جعل الداعي أو بداعي إيصال الواقع، فانّه الّذي يتمكّن منه المولى و يتحقق منه، و هو وظيفته و تمام ما بيده، و وصوله لا دخل له في تحققه من قبله، فمناط الصحة و البطلان و القضاء و عدمه هذا المقدار من التكليف الفعلي. و هو فيما نحن فيه موجود، لوجوب التقليد و الرجوع إلى أعلم عصره عليه حقيقة من قبل المولى و إن لم يتنبّه له أصلا، فضلا عن المقصر الّذي تنبّه له، و إن غفل عنه حال العمل. هذا كلّه في العبادات.
و أمّا في المعاملات فكذلك بل الأمر أوضح، حيث لا واقع لاعتبار الملكيّة إلّا نفسه، فليس له بعد قيام الحجة على سببيّة شيء له كشف الخلاف، بخلاف الحجة على وجوب شيء، فانّه على الطريقيّة المحضة لها كشف الخلاف، و على الموضوعيّة المقتضية لوجود المصلحة في الشيء بعنوانه الثانوي أيضا لها كشف الخلاف، إلّا إذا علم بدلية المصلحة عن مصلحة الواقع، و أمّا المعاملات فليست مصالحها لازمة الاستيفاء حتى يقال انّ مصلحة الواقع باقية على حالها لم يعلم استيفاؤها باستيفاء مصلحة مؤدى الطريق، بل مصالحها باعثة على اعتبار الملكية عند وجود العقد الفارسي، فمعه يثبت حقيقة الاعتبار فلا معنى لكشف الخلاف.
نعم لو كان مفاد حجيّة الطريق في المعاملات جعل الحكم التكليفي المماثل كان حالها حال غيرها من قصره على صورة المصادفة، لكنّه خلاف الظاهر.
و أمّا ما عن الفاضل النراقي (قدّس سرّه) من التفصيل بين المعاملة الاتفاقيّة و الخلافيّة فترتب الأثر عليها في الأولى غير منوط باجتهاد أو تقليد، بخلاف الثانية، فترتب الأثر عليها منوط بالاجتهاد و التقليد، فالمعاملة الخلافية الصادرة عن غير تقليد مثلا محكومة بعدم الصحة، و إن كانت فتوى المجتهد الّذي يجب عليه الرجوع إليه بصحتها، فيمكن توجيهه بأنّ اعتبار الملكية في
المعاملة الاتفاقيّة التي لا موقع للاجتهاد و التقليد فيها مترتب على ذات السبب، فمع التسبب به إليه يحصل قهرا، لفرض السببية و المسببيّة و لو كانت جعليّة و في المعاملة الخلافيّة مترتب على السبب الّذي يراه المجتهد سببا بما هو كذلك، فالتسبب بذات السبب لا مصلحة فيه تدعو الشارع إلى اعتبار الملكيّة، بل التسبب بما يراه المجتهد بما هو كذلك سببا، و حيث إنّه لم يقلّد فلا يعقل حصول هذا النحو من التسبب منه، فلذا لا مجال لتصحيحه بفتوى المجتهد في حال العمل أو في حال التنبّه.
و أمّا ما ذكره (قدّس سرّه) من أنّ الواقع ملغى بالإضافة إلى الجاهل لعدم السبيل إليه فيمكن توجيهه بأنّ فرض الكلام حيث إنّه في المعاملة الخلافية فلا سبيل إلى الواقع حتى يرتب عليه أثره إلّا بالخلف.
نعم يندفع أصل ما ذكره رحمه اللّه بالتوجيه المتقدّم بأنّ غاية ما تقتضيه المصلحة الداعية إلى اعتبار الملكية عند تحقق السبب الكذائي هو دخل تعلّق الرّأي بسببيته في صيرورته ذا مصلحة، لا في تعلّق قصد المتسبب به بعنوانه حتى يقال إنّه مع عدم التقليد محال، بل حاله حال العبادات بناء على موضوعيّة الحجج و الأمارات، فانّ قيام الخبر على وجوب صلاة الجمعة يوجب صيرورة صلاة الجمعة بسبب قيامه على وجوبها ذات مصلحة، و لا يقتضي اعتبار قصد المصلّي لفعل صلاة الجمعة بما هي متعلّق خبر العادل من حيث حكمها في صيرورتها ذات مصلحة، حتى لا تقع مصداقا للواجب إذا لم يقصدها بهذا العنوان.
ثمّ إنّ هذا كلّه من حيث الصحّة و البطلان.
و أمّا من حيث استحقاق العقوبة عند مخالفة العمل للواقع، ففي القاصر لا شبهة في عدمه، لفرض قصوره و عدم تنبّهه لوجوب التقليد و إتيان الواقع على طبق فتوى المجتهد، و أمّا تنبّهه للواقع مع عدم تنبّهه لكيفيّة امتثاله بنحو الاحتياط
أو بنحو التقليد، فلا يجدي في استحقاق العقوبة على مخالفة الواقع.
و أمّا الجاهل المقصر المفروض تنبّهه و التفاته إلى كيفيّة الامتثال فالوجه فيه أحد أمور:
منها: العلم الإجمالي بوجود واجبات أو محرمات فتتنجّز عليه مع إمكان امتثالها بالاحتياط أو التقليد.
و هو إنّما يفيد مع عدم انحلاله بالظفر بالمقدار المعلوم أو بخروج بعض الأطراف عن محلّ الابتلاء بحيث لا يكون له علم إجمالي بتكاليف فعلية في موقع ابتلائه.
و منها: وجوب تحصيل المعرفة من باب المقدّمة.
و هو في الواجبات المطلقة مما لم يستشكل فيه أحد، و انّما أشكلوا في الواجبات المشروطة، حيث لا تكليف فعلي قبل حصول شرطه، و لذا التزم شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه)(1)بفرضها معلّقة على نحو لا تتصف بالوجوب المقدّمي إلّا المعرفة، بأنّ تؤخذ ما عدا المعرفة بنحو خاص، بأن يؤمر بالصلاة عن الطهارة التمكن منها بطبعه في الوقت، فالإلزام بتحصيلها قبل الوقت مناف لشرطيّة حصولها بالطبع على تفصيل ذكر في محلّه.
و التحقيق انّ تعلّم الصلاة من مقدّمات وجودها في الخارج، و هو غير معرفة وجوبها و معرفة ماهيتها. و أمّا معرفة الحكم فلا يعقل أن تكون من المقدّمات التي تتوسط بين الحكم و وجود موضوعه في الخارج، حتى يكون البعث إلى إيجاد الصلاة بالملازمة بعثا إلى معرفة البعث إلى الصلاة. و ذلك لأنّ معرفة وجوب الصلاة مثلا ليست من المقدّمات الجعليّة الشرعيّة، فلو كانت مقدّمة لكانت مقدّمة واقعيّة، و من الواضح أنّها ليست علّة فاعليّة لوجود الصلاة، لأنّ فاعلها
1) في تعليقته على الرسائل: بحث اشتراط البراءة بالفحص، ص 154.
المصلّي، و لا شرطا عقليّا، لأنّ مصحح فاعليّة الفاعل للصلاة علمه بحقيقتها و إرادته و قدرته عليها، و هي على الفرض بسبب إمكانها الذاتي و الوقوعي تامة القابليّة، فالمعرفة لا علّة فاعليّة و لا شرط بمعنى مصحح فاعليّة الفاعل أو متمم قابليّة القابل، و عدم كونها علّة معدّة واضح، بل المعقول شرطيّة المعرفة لتأثير البعث في الانبعاث نحو الصلاة، حيث لا يدعو الأمر إلّا بعد معرفته.
فان قلت: إنّ شرط تأثير الشيء لا يعقل أن يكون معلولا له بلا واسطة أو معها، مع أنّ البعث النفسيّ علّة للبعث المقدّمي و البعث المقدّمي علّة لمتعلّقه و هي المعرفة فهي معلولة للبعث النفسيّ بواسطة، و الحال أنّ المفروض كونها شرطا لتأثيره و مصححا لعليّته بالفعل، فينتهي الأمر إلى عليّة الشيء لنفسه.
قلت: الوجوب الغيري الّذي هو علّة وجود المعرفة معلول لنفس الوجوب النفسيّ لا للوجوب النفسيّ المؤثر في إيجاد متعلّقه، فلا منافاة بين شرطيّة شيء لتأثير شيء في شيء و كونه معلولا له من حيث نفسه لا من حيث تأثيره.
هذا إذا جعلنا معرفة البعث شرطا لتأثيره في انبعاث المكلّف. و أمّا بناء على ما مرّ من أنّ حقيقة البعث متقوّمة بالوصول بنحو من الأنحاء، فوجوده موقوف على الوصول و حينئذ لا يعقل وجوب المعرفة حقيقة إلّا بعد تحقق وجوب الصلاة حقيقة، و المفروض أنّ تحققه حقيقة منوط بوصوله و معرفته.
مضافا إلى أنّ فرض وجوب المعرفة بالوجوب المقدّمي بالإضافة إلى الغرض المهمّ هنا لغو محض، إذ مع فرض العلم بالوجوب النفسيّ و لو إجمالا كان العلم المفروض منجّزا له من دون لزوم تحصيله، و مع فرض عدمه يكون احتمال الوجوب النفسيّ مستلزما لاحتمال وجوب المعرفة مقدميّا، و احتماله لا ينجّز نفسه فضلا عن تنجيز الوجوب النفسيّ، لتفرّع الوجوب المقدّمي على الوجوب النفسيّ فعليّة و تنجّزا، و ترك الواجب بترك مقدمته إنّما يوجب العقاب مع تنجّزه لا لمجرد كون تركه بالاختيار.
و منها: وجوب تحصيل العلم و المعرفة بحكم العقل استقلالا، لا من حيث حكمه بالملازمة بين وجوب شيء و وجوب مقدمته، حتى يرد إشكال الاختصاص بالواجب المطلق، أو يرد محذور مقدميّة المعرفة بأحد تقريبين ذكرناهما في لزوم الفحص عقلا قبل إجراء البراءة العقليّة:
إمّا لعدم ثبوت موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، نظرا إلى أنّ المراد بالبيان ما يصلح لقطع عذر العبد في مخالفة التكليف، و هو مما لا يعلم عادة إلّا بالفحص عنه، فمع احتمال وجوده بحيث لو تفحص عنه لظفر به لا يصح دعوى عدم البيان كي يرتّب عليه حكمه، فليس مطلق الدليل الواقعي بيانا، بل ما لو تفحص عنه لظفر به.
و إمّا لأنّ المكلّف بعد التفاته إلى مولويّة المولى و عبوديته، و أنّ مقتضى المولويّة أن لا يكون مهملا بل له وظائف لا يصح أن يتعدّاها، و أنّ تلك الوظائف مما لا تعلم بحسب العادة إلّا بالفحص و البحث عنها، لو اقتحم في الفعل و الترك من دون فحص و بحث كان خارجا عن رسم العبوديّة و طريقة المملوكيّة، فيكون ظالما على مولاه و الظالم يستحق الذمّ و العقاب.
و نتيجة كلا الوجهين لزوم تحصيل المعرفة عند احتمال الأمر و النهي عقلا، لكن الفرق بينهما استحقاق العقوبة على مخالفة التكليف مع عدم الفحص، حيث لا مؤمّن عقلا من احتمال العقوبة، لعدم جريان القاعدة على الفرض بناء على الوجه الأوّل، و عدم استحقاق العقوبة على مخالفة التكليف على الثاني، لتماميّة موضوع القاعدة، بل يستحقّ العقاب على ظلمه بترك الفحص.
و عليه فالعقاب من المولى على ترك موافقة الحكم المجهول ظلم من المولى، كما أنّ ترك الفحص ظلم من العبد، فلكل حكمه.
و الوجه الثاني أوجه من الأوّل، إذ الحاجة إلى المؤمّن من العقاب بعد فرض المقتضي لاستحقاق العقاب، و مع عدم الحجة على التكليف عقلا أو شرعا لا
مقتضي للاستحقاق، و ليس الدليل الواقعي الّذي لو تفحّصنا عنه لظفرنا به بيانا مصححا للعقوبة حتى يكون احتماله مانعا عن جريان قاعدة قبح العقاب، إذ لو كان وجوده الواقعي بيانا، لصح العقاب حتى مع عدم احتماله و هو محال، بل قيام الحجة المتقوّمة بالوصول هو المصحح للعقوبة، فانّها توجب أن تكون مخالفة التكليف ظلما من العبد فيستحق عليها الذم و العقاب، هذا.
إلّا أنّ هذا الوجه لا يجدي في الواجبات المشروطة بالوقت أو بغيره، حيث لا وجوب بالفعل قبل حصول الشرط، فلا معنى لاستحقاق العقاب على مخالفته أو على ترك الفحص عنه، أو حيث لا تنجّز له قبل حصول الشرط أي عدم كونه بحيث يجب البدار إلى امتثاله، كما يراه الشيخ الأعظم (قدّس سرّه)(1)و جلّ أجلّاء تلامذته (قدّست أسرارهم)(2)في تحقيق الواجب المشروط على ما بيّناه في محلّه، بل الأمر كذلك حتى في الموقّت الّذي لا يتمكّن من معرفته بعد دخول وقته، لأنّ المفروض أنّ الوقت شرط فعليّة الحكم أو شرط تنجّزه، فلا يكون ترك الفحص إلّا من قبيل إيجاد المانع عن فعليّة التكليف أو عن تنجّزه عند حصول شرطه. و لا دليل على قبحه و استحقاق العقوبة به، و إنّما يكون ترك الفحص في زمان ظلما على المولى فيما إذا كان التكليف بعد الفحص عنه في ذلك الزمان صالحا للدعوة و الباعثيّة، لا ما إذا لم يكن كذلك، لفرض اشتراطه مع قطع النّظر عن الفحص و عدمه بشيء آخر غير حاصل. و بقيّة الكلام في محلّه.
و منها: وجوب العلم و المعرفة نفسيّا، لما دلّ عليه من الآيات (3)و الروايات (4)و خصوص ما ورد في ذمّ التارك بقوله عليه السلام: «هلا
تعلّمت»؟ (1)و المراد بوجوبه النفسيّ مجرد عدم انبعاث وجوبه الفعلي عن وجوب غيره بالفعل، لا ما كان فيه غرض نفسي أصيل، ضرورة أنّ الغرض منه صيرورة الإيجاب المتعلّق بعمل ذي غرض نفسي صالحا للتأثير و التحريك، و عنوان التهيّؤ عنوان مقدّمي ليس من العناوين الحسنة.
لكنّ إيجابه نفسيّا لهذا الغرض أيضا يوجب اختصاصه بالواجبات المطلقة المتوقف تأثيرها على معرفتها، دون المشروطة التي لا تؤثّر فعلا و لو بعد معرفتها، إلّا في المشروط الّذي لا يسع الزمان إلّا لفعله بعد حصول شرطه، و لا يسع للتعلم و العمل معا، فانّ مقتضى التحفظ على غرضه من الإيجاب إيجاب تعلّمه و معرفته قبل حصول شرطه أيضا.
فهذا الوجه بهذا المقدار أوسع دائرة من الوجه المتقدّم.
هذا آخر ما صدر من قلمه الشريف في هذه الرسالة. و الحمد للّه أوّلا و آخرا و ظاهرا و باطنا.
1) تفسير البرهان: ذيل قوله تعالى «فلله الحجة البالغة» ج 1، ص 560- أمالي المفيد. آخر المجلس، 27، ص 228 فيها: «أ فلا تعلّمت حتى تعمل».