ghaemiyeh.com
سرشناسه : نایینی، محمدحسین، ۱۲۳۹-۱۳۱۵.
عنوان و نام پديدآور : کتاب الصلاه/ من افادات محمدحسین الغرویالنائینی؛ تالیف محمدعلی الکاظمی الخراسانی.
مشخصات نشر : قم: لجماعه المدرسین فی الحوزه العلمیه بقم، موسسه النشر اللاسلامی، ۱۴۱۱ق.= ۱۳۷۰.
مشخصات ظاهری : ج.
فروست : موسسه النشرالاسلامی، التابعه لجماعهالمدرسین. بقم؛ ۳۹۳، ۳۹۴.
شابک : ۲۰۰۰ ریال (ج.۱) ؛ ۱۹۰۰ ریال (ج.۲)
يادداشت : عربی.
يادداشت : ج.۲ (چاپ دوم: ۱۴۱۶ق.=۱۳۷۴).
یادداشت : کتابنامه.
موضوع : فقه جعفری -- قرن ۱۴
موضوع : نماز
شناسه افزوده : کاظمی خراسانی، محمدعلی، ۱۸۹۱ - ۱۹۴۶م.
شناسه افزوده : جامعه مدرسین حوزه علمیه قم. دفترانتشارات اسلامی
رده بندی کنگره : BP۱۸۶/ن۱۶ک۲ ۱۳۷۰
رده بندی دیویی : ۲۹۷/۳۵۳
شماره کتابشناسی ملی : م۷۰-۵۸۲۷
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
و الأثر المهمّ الذي ينبغي البحث عنه في مكان المصلّي إنّما هو من حيث الإباحة و الطهارة، و حيث كان المعتبر في الطهارة هو خصوص المسجد ليس إلّا، أو هو مع سائر المواضع السبعة- كما سيأتي تحقيقه- كان البحث عن المكان من حيث الإباحة بمعنى آخر غير المعنى الذي يبحث عنه من حيث الطهارة، و من عرّف المكان من الفقهاء من أنّه الفراغ الشاغل، فإنّما يكون مراده المكان من حيث الإباحة، و لا يمكن تعريف المكان الذي يعتبر فيه الإباحة مع المكان الذي يعتبر فيه الطهارة بأمر واحد و معنى فأرد، إذ لا جامع بينهما.
و على كلّ حال فقد عرّف المكان كما عن الإيضاح: بما يستقرّ عليه المصلّي و لو بوسائط و ما يلاقي بدنه و ثيابه و ما يتخلّل بين مواضع الملاقاة من موضع الصلاة كما يلاقي مساجده و يحاذي بطنه و صدره (1). و عرّف أيضا: بأنّه الفراغ الذي يشغله بدن المصلّي أو يستقرّ عليه و لو بوسائط. و هذا هو الأولى لأنّ الظاهر أنّ المكان الذي يعتبر فيه الإباحة عند الفقهاء هو المكان الذي يكون عند الحكماء،
1) إيضاح الفوائد: ج 1 ص 86.
الذي هو عندهم الفراغ الشاغل،
الأول: اعتبار الإباحة في الفراغ الذي يشغله بدن المصلّي، الثاني: اعتبار الإباحة فيما يستقرّ عليه الشيء و لو بوسائط:
فلا إشكال في اعتبار الإباحة في الفراغ الشاغل لبدن المصلّي في حال صلاته و إن كان ما يستقرّ عليه مباحا، فإنّ إباحة المكان لا يلازم إباحة الفضاء و الفراغ، فربّما يكون المكان الذي يستقرّ عليه الشيء ملكا أو مباحا و كان الفضاء غصبا، كما لو وقف على الجناح الخارج إلى الدار المغصوبة، مع كون الجناح ملكا للمصلّي أو مباحا له، فإنّ الهواء الذي شغله الجناح مع الهواء الذي تحته إلى أرض الدار المغصوبة و الذي فوقه إلى عنان السماء أو مقدار ما يساعد عليه العرف و العادة كلّ ذلك يكون غصبا بغصب الدار، فالواقف على الجناح المملوك في الفرض المذكور يكون الهواء و الفضاء الشاغل له غصبا، و لكن ينبغي أن يعلم أنّ ما يقال: من أنّ من ملك أرضا فقد ملكها من تخوم الأرض إلى عنان السماء، فهو ممّا [لم] يقم عليه دليل، و لم يساعد عليه العرف أيضا، و إن ادّعي على ذلك الإجماع إلّا أنّ الظاهر عدم ثبوته، فالأولى إرجاع ذلك إلى العرف، و العرف لم يساعد على أنّ المالك للأرض يملكها من التخوم إلى عنان السماء، بل الذي يساعد عليه أنّ مالك الأرض يملك تبعا مقدارا من جهة التحت و الفوق الذي جرت العادة عليه، و ربّما يختلف ذلك باختلاف الأمكنة و الأشخاص، بل ربّما يقال بعدم ملكية ذلك المقدار أيضا، بل الثابت إنّما هو حقّ الأولوية و الاختصاص.
و بالجملة: في المسألة احتمالات أو أقوال ثلاثة: الأول: أنّه مالك من تخوم
الأرض إلى عنان السماء، و يتفرّع عليه بطلان الصلاة عند غصبية الفضاء و الفراغ و إن بلغ ما بلغ، كما إذا فرض أنّه وقف على جناح مملوك خارج على فضاء دار الغير المغصوبة و كان بينه و بين أرض الدار ألف ذراع أو أزيد.
الثاني: أنّه مالك تبعا مقدارا يساعد عليه العرف و جرت العادة به، فلو كان الجناح فوق ذلك المقدار صحّت الصلاة و لو كان دونه بطلت.
الثالث: عدم ملكه ذلك المقدار أيضا بل له حق أولوية، و يتفرّع عليه بناء على عدم قدح غصب الحقّ في صحّة الصلاة هو صحّة الصلاة، و لو كان دون ذلك المقدار، و حيث كان الأقوى أنّ غصب الحقّ كغصب الملك، فلا تظهر ثمرة بين القولين الأخيرين فيما نحن فيه، و إن كان الأقوى هو التبعية الملكية.
ثمّ إنّ المراد بالفضاء الذي يعتبر إباحته إنّما هو الفضاء الذي يكون بدن المصلّي شاغلا له من حيث الكون الصلاتي المختلف باختلاف أفعال الصلاة من القيام و الركوع و السجود، فالعبرة إنّما هو بكون القيام في الفضاء المغصوب، فلا بأس إذا كانت يده في الفضاء المغصوب، أو كان أطراف ثيابه مثلا فيه أو كان مقدار من رأسه الذي لا يضرّ بصدق القيام في المباح واقعا في الفضاء المغصوب، و بالجملة، العبرة إنّما هو صدق القيام في المغصوب و كذا الركوع و السجود فكلّ ما صدق هذا المعنى تبطل الصلاة و كلّ ما لا يصدق صحّت و إن وقع بعض بدنه أو ثيابه في المغصوب، و كذا لا يضرّ وقوع الأجزاء المندوبة في الفضاء المغصوب إذ غاية ما يلزم هو بطلان الأجزاء المندوبة فقط، و لا يسري بطلانها إلى بطلان الصلاة، فلو فرض أنّ خصوص جلسة الاستراحة وقعت في المغصوب لم تبطل الصلاة، بل و كذا لو وقعت الأجزاء الواجبة مع تداركها و فعلها ثانيا في المباح، هذا كلّه في الصلوات الواجبة و أمّا الصلاة المستحبّة، فربّما يقال بعدم قدح وقوعها جميعا في الفضاء و المكان المغصوب، لعدم اعتبار كون فيها بعد جواز فعلها
ماشيا موميا للركوع و السجود، هذا و لكنّ الأقوى أنّها كالصلاة الواجبة في اعتبار الإباحة في مكانها، و دعوى عدم اعتبار كون فيها واضحة الضعف، بداهة أنّه ليس الكون الصلاتي إلّا عبارة عن أفعالها من القيام و الركوع و السجود و غير ذلك و هذا ممّا يشترك فيه الصلوات الواجبة و المستحبّة غايته أنّ المكلّف مخيّر في المستحبّ منها من فعلها ماشيا أو مستقرّا، هذا كلّه في المقام الأول من إباحة الفضاء.
و أمّا إباحة ما يستقرّ عليه و لو بوسائط فالظاهر أيضا أنّه ليس بهذا التعميم و إن قيل به بل العبرة إنّما هو على صدق التصرّف في المغصوب عرفا و العرف يأبى عن صدقه كذلك فلو كان بعض قوائم الأبنية مغصوبا و المصلّي واقف على البناء فالعرف لا يرى ذلك تصرّفا في المغصوب، و كذا الواقف على الساباط و الأرجوحة مع غصبية قوائمها، و كذا لو كان في السفينة لوح مغصوب و لم يكن المصلّي واقفا عليها بل واقف على اللوح المباح فإنّ الظاهر أنّ في جميع ذلك لا يعدّ تصرّفا في المغصوب، فلا مانع حينئذ من صحّة الصلاة كذلك و بالجملة حيث لا دليل في المقام سوى مسألة اتّحاد الغصب للكون الصلاتي و صدق التصرّف عليها و هذا أمر عرفي و مجرّد كون لبنة في قوائم البيت مغصوبة لا يعدّ الصلاة في البيت تصرّفا في المغصوب و على كلّ تقدير الصلاة في الأماكن كلّها جائزة لقوله صلّى اللّٰه عليه و آله: جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا (1). لكن بشرط أن يكون المكان مملوكا له أو مأذونا في الكون فيه عموما أو في خصوص الكون الصلاتي من دون فرق بين
1) عوالي اللئالي: ج 2 ص 14 ح 27.
أن يكون الإذن بعوض كاجرة أو بإباحة و من دون فرق في الإباحة بين كونها صريحة كقوله صلّ أو بالفحوى كإذنه بشيء تكون الصلاة أولى بالإذن بها أو بشاهد الحال على وجه يقطع برضا المالك أو قيام أمارة شرعية على ذلك، و قد أطيل الكلام في تعريف الفحوى و شاهد الحال إلّا أنّ الظاهر أنّ الشخص أبصر بمعرفة الفحوى و شاهد الحال و بالجملة: العبرة إنّما هو بالقطع بالرضا أو ما يقوم مقام القطع من الأمارات الشرعية.
نعم الظاهر قيام السيرة على الصلاة في الأراضي المتّسعة مع عدم القطع برضا المالك كقيام السيرة على الوضوء بالمياه و الأنهار الجارية و غير الوضوء من الشرب و قضاء الحوائج و التزوّد بل السيرة في المياه أقوى و أشدّ من السيرة في الأراضي فإنّ الظاهر قيام السيرة في المياه مع العلم بكراهة المالك بل لا يعتنى بمنعه صريحا و يخطّئون المالك بالمنع. و هذا بخلاف السيرة في الأراضي فإنّ الطاهر عدم قيامها مع منع المالك أو كراهته بل المتيقّن منها هو صورة عدم العلم بالكراهة و المناقشة في اعتبار هذه السيرة في غير محلّها بداهة القطع باستمرار هذه السيرة إلى زمن المعصوم عليه السّلام بل السيرة في المقام و في المياه من أقوى السير فلا بأس بالعمل بها.
و على كلّ حال لا إشكال في بطلان الصلاة في غير الأراضي المتّسعة مع عدم إذن المالك و رضاه و علم المصلّي بذلك و أمّا في صورة الجهل حكما أو موضوعا قصورا أو تقصيرا فقد تقدّم الكلام فيه مفصّلا عند البحث عن لباس المصلّي فلا حاجة في إعادته نعم ينبغي الكلام عن حكم من توسّط أرضا مغصوبة و صحّة صلاته في حال الخروج مع ضيق الوقت.
اعلم أنّ فساد صلاته في حال الخروج مبنيّ على وقوع الخروج منه مبغوضا عليه و منهيّا عنه بالنهي السابق الساقط، فلو قلنا بوقوع الخروج منه مبغوضا عليه كان اللازم فساد صلاته و إن قلنا بعدم كونه مبغوضا عليه بل يقع منه محبوبا
كان اللازم صحّة صلاته مع ضيق الوقت و أمّا مع سعته فعلى كلّ تقدير تفسد صلاته لتمكّنه من الصلاة التامّة و وقوع الخروج محبوبا أو مبغوضا مبنيّ على أنّ الخروج عن الدار المغصوبة عند الدخول فيها اختيارا هل يكون من صغريات الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار ملاكا و عقابا و إن كان ينافيه خطابا أو أنّ الخروج ليس داخلا تحت هذه الكبرى بل يكون الخروج واجبا على كلّ تقدير و إن حرمت مقدّماته من الدخول فيكون واجبا على تقدير فعل محرّم و لا غرر في أن يكون الشيء واجبا على تقدير محرّم؟ فلو قلنا إنّ الخروج من صغريات الامتناع بالاختيار كان اللازم وقوع الخروج منه مبغوضا عليه فلا تصحّ الصلاة حاله، و لو قلنا إنّه واجب على تقدير محرّم كان الخروج محبوبا و تصحّ الصلاة حاله، و الأقوى أنّه واجب فلا مانع من الصلاة و تفصيل الكلام موكول إلى محلّه في مسألة اجتماع الأمر و النهي.
ثمّ إنّه قد عرفت بطلان الصلاة في المغصوب مع عدم إذن صاحبه و علم المصلّي بذلك و صحّة الصلاة مع الإذن، فهنا
فلا ينبغي الإشكال في وجوب قطع الصلاة لعدم تمكّنه من إتمامها و الحال هذه و إن كانت قبل العلم صحيحة واقعا إلّا أنّ صحّة الأجزاء السابقة واقعا لا تنفع بعد عدم تمكّنه من إتمامها لفقدان شرطها من إذن المالك عند علم المصلّي بالغصب بداهة أنّ إذن المالك شرطا للصحّة حدوثا و بقاء و ذلك واضح.
فالحكم كما سبق من وجوب قطعها بل هو من صغريات ما سبق من دون فرق بين ان حصل اعتقاده الإذن من الخارج أو من كلام صدر من المالك و تخيّل أنّه أذن و بعد ذلك انكشف الخلاف و تبيّن أنّ كلامه ذلك لم يكن إذنا.
فالحكم كما سبق أيضا.
بأن علم أنّ إذنه كان بالأعم حقيقة و واقعا فهل له الرجوع عن إذنه بعد الشروع في الصلاة أو ليس له الرجوع فيه خلاف بين الأعلام و نظير المقام ما إذا أذن في الدفن فأراد الرجوع بعد الدفن أو أذن في الرهن بل أعار ملكه للرهن و بعد الرهن أراد الرجوع أو بذل للحجّ و بعد الإحرام أراد الرجوع و الضابط في الكلّ أنّه لو أذن في شيء يستتبعه حكم شرعي من تكليف أو وضع كحرمة إبطال الصلاة في مثال الصلاة و حرمة النبش في مثال الدفن و حرمة قطع الحجّ في مثال الحجّ و لزوم العقد في مثال الرهن فهل له الرجوع عن إذنه و يكون رجوعه نافذا فلا تحرم قطع الصلاة و الحجّ و لا نبش القبر و عدم لزوم الرهن أو أنّه ليس له الرجوع و لا يكون نافذا فيحرم إبطال الصلاة و قطع الحجّ و نبش القبر و يبقى عقد الرهن على لزومه؟
و تحقيق الكلام في ذلك هو أنّ في مثال الرهن الظاهر أنّه لا إشكال في أنّه ليس له الرجوع عن إذنه و لا ينفذ إذا رجع بل يبقى المرهون على رهانته بل الظاهر أنّه ممّا انعقد الإجماع عليه و ذلك لأنّه بعد فرض جواز رهن مال الغير بإذن صاحبه و لا يشترط في الرهن أن يكون من مال المديون و المفروض أنّ عقد الرهن أيضا من العقود اللازمة فإذنه في رهن مال نفسه يكون إذنا في موضوع حكمه الشرعيّ اللزوم و عدم طروّ الفسخ له إلّا بما جعله الشارع سببا له و لازم ذلك عدم نفوذ الرجوع عن إذنه بعد تحقّق عقد الرهانة إذ ليس له رفع الحكم الشرعي عن موضوعه، نعم له رفع الموضوع و المفروض أنّ الموضوع في المقام هو وقوع الرهن على مال الغير بإذن صاحبه و هذا المعنى قد تحقّق بالإذن السابق فيستتبعه حكمه من اللزوم فلا يؤثّر رجوعه عن إذنه بعد عدم انقلاب الموضوع عمّا هو عليه. و أمّا مثال الحجّ فإن قلنا إنّ من تلبّس بالإحرام يجب عليه إتمام الحجّ و لو مع فوات
الاستطاعة الشرعية و لا يعتبر بقاؤها إلى آخر الحجّ بل بمجرّد الإحرام يجب عليه الإتمام و لو متسكّعا، فيخرج المثال عمّا نحن فيه إذ على فرض رجوع الباذل عن بذله بعد تلبّسه بالإحرام لا يلزم منه شيء و لا رفع حكم عن موضوعه إذ على كلّ تقدير يجب عليه إتمام الحجّ فلا ملزم لبقائه على بذله من هذه الجهة، و إن قلنا إنّه لا يجب عليه الإتمام بل يحرم عليه القطع على فرض بقاء الاستطاعة فيكون مثال الحجّ كمثال الصلاة و الدفن.
و مجمل الكلام في ذلك هو أنّه اختلفت كلمات الأعلام في جواز الرجوع عن إذنه بعد تلبّس المأذون في الصلاة بها أو بعد دفن الميّت في الأرض مع إذنه بالدفن فقيل: إنّه له الرجوع، فيجب عليه قطع الصلاة و نبش القبر و قيل: إنّه ليس له فلا يجوز نبش القبر و قطع الصلاة و الأقوى هو الثاني الذي عليه المشهور بل حكي عليه الإجماع و ذلك لأنّه لا إشكال في أنّ المالك لو أذن في استيفاء شيء من ملكه أرضا كان أو دارا أو غيرهما و كان ما استوفاه المأذون له موضوعا لحكم شرعيّ لكان رجوعه عن إذنه كلا رجوع و لم يؤثّر رجوعه شيئا أصلا إذ المالك إنّما يكون له الرجوع بالنسبة إلى ما يأتي ممّا لم يستوفه المأذون له و أمّا بالنسبة إلى ما مضى ممّا استوفاه فليس له الرجوع لأنّ المفروض أنّه وقع بإذن منه و الشيء عمّا وقع لا يتغيّر و في المقام حرمة قطع الصلاة أو نبش القبر إنّما هو من آثار ما مضى و مترتّب على ما سبق إذ الموضوع لحرمة الإبطال إنّما هو الصلاة التي قد شرع فيها على وجه صحيح. و كذا موضوع حرمة النبش إنّما هو الدفن على وجه صحيح و المفروض أنّ الشروع في الصلاة و الدفن إنّما وقعا على وجه صحيح بإذن من المالك و كان استيفاء المصلّي لما مضى من صلاته واقعا بإذنه و استيفاء ما مضى من الصلاة على هذا الوجه يكون موضوعا لحرمة الإبطال فليس للمالك الرجوع عن إذنه لأنّه يكون من الرجوع في شيء قد استوفاه المالك قبل رجوعه،
و منه يعلم الفرق بين ما نحن فيه و بين ما سبق من أنّه لو شرع في الصلاة باعتقاد الإذن فبان في الأثناء عدمه حيث قلنا: بأنّ له عدم الإذن في الإتمام و يجب عليه قطع الصلاة لأنّه و إن شرع على وجه صحيح لكون الجهل في المقام عذرا إلّا أنّه حيث كان الذي استوفاه ممّا مضى من صلاته لم يكن بإذن من المالك حسب الفرض كان المالك غير ملزم بشيء إذ لم يصدر منه إذن حتّى يكون ملزما به، و هذا بخلاف المقام حيث كان ما استوفاه ممّا مضى من صلاته بإذن منه فيكون ملزما بإذنه إلّا أن يكون ذلك ضررا عليه و يكون عدم نفوذ رجوعه عن إذنه موجبا لوقوعه في الضرر فلا يكون حينئذ ملزما بإذنه لحكومة أدلّة «لا ضرر» و إذنه في الصلاة ليس اقداما منه في الضرر كما لا يخفى.
و فيه فصول:
اعلم أنّه لا ينبغي الإشكال في ثبوت أذان الإعلام و مشروعيّته و استحبابه و عظم أجره كما استفاضت به النصوص، و كذا لا ينبغي الإشكال أنّ أذان الإعلام غير أذان الصلاة بل هما وظيفتان لا ربط لأحدهما بالآخر كما لا يخفى على من راجع نصوص الباب، و كذا لا إشكال أيضا في ثبوت الأذان و الإقامة للصلاة الخمس اليومية عند فعلها في وقتها أداء و أمّا لقضاء الصلوات اليومية فإن كانت المقضية صلاة واحدة فلا إشكال أيضا في ثبوت الأذان و الإقامة لها و لو فرض فعلها عقيب صاحبة الوقت و قد أذّن و أقام لها لإطلاق ما دلّ على أنّه لكلّ صلاة أذان و إقامة كما سيأتي و أمّا إذا تعدّدت الصلاة المقضية بأن فاتته صلوات متعدّدة و أراد قضاءها في مجلس واحد ففي ثبوت الأذان و الإقامة لكلّ صلاة صلاة أو عدم ثبوت الأذان و الإقامة إلّا للأولى و في البقية يقيم فقط بلا أذان وجهان بل قولان: فالمحكي عن المشهور هو ثبوت الأذان و الإقامة لكلّ صلاة صلاة بل الأفضل ذلك، و إن كان له الاقتصار بالإقامة فقط فيما عدا الأولى إلّا أنّه يكون دونه في الفضل قال في الشرائع فقاضي الصلاة الخمس يؤذّن لكلّ واحدة و يقيم
و لو أذّن للأولى من ورده ثمّ أقام للبواقي كان دونه في الفضل (1)انتهى و حكي عن المجلسي- قدّس سرّه- أنّه لم يثبت الأذان و الإقامة إلّا للأولى و أمّا البواقي فالإقامة فقط و قد استدلّ للمشهور بوجوه:
الأول: الاستصحاب فإنّ كلّ صلاة أراد قضاءها كان الأذان ثابتا لها و مشروعا في حقّها عند فعلها أداء وجوبا أو استحبابا على ما يأتي تفصيل ذلك إن شاء اللّٰه فيستصحب مشروعيّته لتلك الصلاة عند فعلها قضاء هذا و لا يخفى عليك فساد هذا الوجه بداهة أنّ هذا الاستصحاب يكون من الاستصحاب التعليقي الذي لا نقول بحجّيته.
الوجه الثاني: الإطلاقات و العمومات الواردة في مشروعية الأذان لكلّ صلاة من غير تفصيل بين الأداء و القضاء كقوله عليه السّلام في موثّقة عمّار: لا صلاة إلّا بأذان و إقامة (2)فإنّ إطلاقه يشمل الأداء و القضاء هذا، و لكن لا بدّ من تقييد الإطلاق و تخصيص العموم بما في صحيحة محمّد بن مسلم: في الرجل يغمى عليه ثمّ يفيق يقضي ما فاته يؤذّن في الاولى و يقيم في البقية (3)و في معناها عدّة من الروايات (4)الظاهرة في ثبوت الإقامة فقط فيما عدا الاولى فيكون مقيّدا لقوله عليه السّلام: لا صلاة إلّا بأذان و إقامة. فإن قلت: إنّه لا وجه للتقييد بعد البناء على استحباب الأذان لما تقرّر في باب المطلق و المقيّد من عدم حمل المطلقات على المقيّدات في باب المستحبّات قلت: أولا: ذلك مقصور في المطلق و المقيّد و المقام
من العام و الخاص لا المطلق و المقيّد فإن قوله: «لا صلاة إلّا بأذان و إقامة» يكون عامّا لكلّ صلاة إذ النكرة في سياق النفي تفيد العموم فتكون صحيحة محمّد بن مسلم مخصّصة لذلك و ثانيا: أنّ عدم حمل المطلقات على المقيّدات في باب المستحبّات إنّما هو فيما إذا لم يكن دليل المقيّد نافيا للحكم عن بعض أفراد المطلق و في المقام يكون دليل المقيّد نافيا للحكم عن بعض أفراد المطلق بداهة ظهور قوله في صحيحة محمّد بن مسلم «و يقيم في البقية» هو عدم ثبوت الأذان فيها فتأمّل جيّدا.
الوجه الثالث: خصوص خبر عمّار أنّ الصادق عليه السّلام سئل عن رجل إذا أعاد الصلاة هل يعيد الأذان و الإقامة؟ قال: نعم (1). بناء على حمل الإعادة على الأعم من القضاء و في هذا الوجه أيضا نظر أمّا أولا: فلمعارضته بمكاتبة موسى ابن عيسى قال: كتبت إليه: رجل يجب عليه إعادة الصلاة أ يعيدها بأذان و إقامة؟
فكتب: يعيدها بإقامة (2). و ثانيا: أنّ ظاهره وحدة الصلاة المعادة، و قد تقدّم أنّ مع وحدة الصلاة لا إشكال في ثبوت الأذان و الإقامة. و ثالثا: أنّ الخبر أجنبي عن المقام فإنّ الظاهر أن يكون جهة السؤال فيه أنّه لو صلّى بأذان و إقامة ثمّ تبيّن فساد صلاته فهل كان ذلك موجبا لفساد الإقامة و الأذان بمعنى أنّ الفصل بالصلاة الفاسدة الواقعة فيما بين أذانه و إقامته و بين إعادته الصلاة هل يوجب بطلان أذانه و إقامته أو لا يوجب بطلانهما فأجاب الإمام عليه السّلام: نعم، أي يوجب بطلانهما و أين ذلك ممّا نحن فيه من قضاء الصلوات التي لم يؤذّن و لم يقم لها أصلا و بما ذكرنا من جهة السؤال يظهر وجه الجمع بين خبر عمّار و مكاتبة
موسى بن عيسى (1)فإنّه بناء على هذا يكون طريق الجمع بينهما هو بطلان هذا الفصل للإقامة قطعا حيث اتفقت الروايتان على إعادتها و أمّا الأذان فهو لم يبطل بهذا الفصل و إن كان الأفضل أيضا إعادته فتأمّل جيّدا.
فتحصّل من جميع ما ذكرنا أنّه بعد لم يظهر لنا ما يدلّ على فتوى المشهور من ثبوت الأذان للصلوات المقضية فضلا عن أفضليّته نعم يمكن أن يقال: إن المقام يكون من صغريات الجمع بين الصلاتين التي سيأتي الكلام فيه من أنّ سقوط الأذان للصلاة الثانية هل يكون رخصة أو عزيمة و على كلّ حال لا إشكال في عدم ثبوت الأذان و الإقامة لبقية الصلوات المفروضة و المندوبة كما يدلّ عليه نصوص الباب.
اعلم أنّ للاعلام في الأذان أقوالا ثلاثة الأول: وجوبه في خصوص صلاة الجماعة دون الفرادى. الثاني: وجوبه في صلاة الصبح و المغرب و لو صلّيتا فرادى. الثالث: عدم وجوبه مطلقا في جميع الصلوات جماعة و فرادى و في الإقامة قولان قول بالوجوب مطلقا و قول بالعدم مطلقا و نسب القول بعدم الوجوب مطلقا بالنسبة إلى كلّ من الأذان و الإقامة إلى المشهور و لا بدّ من ذكر أدلّة الأقوال أولا ثمّ نعقبه بما هو المختار عندنا.
فممّا استدلّ به للقول الأول و هو وجوب الأذان في الجماعة عدّة من الروايات منها خبر أبي بصير سأل أحدهما أ يجزي أذان (2)واحد قال عليه السّلام: إن صلّيت
جماعة لم يجز إلّا أذان و إقامة و إن كنت وحدك تبادر أمرا تخاف أن يفوتك تجزيك إقامة إلّا الفجر و المغرب فإنّه ينبغي أن يؤذّن فيهما و تقيم من أجل أنّه لا يقصّر فيهما كما يقصّر في سائر الصلوات (1). و منها موثّق عمّار: عن الرجل يؤذّن و يقيم ليصلّي وحده فيجيء رجل فيقول له نصلّي جماعة هل يجوز أن يصلّيا بذلك الأذان و الإقامة فقال عليه السّلام: لا، و لكن يؤذّن و يقيم (2). و منها مفهوم صحيح الحلبي عنه عليه السّلام: أنّ أباه كان إذا صلّى وحده في البيت أقام إقامة واحدة و لم يؤذّن (3). و منها مفهوم آخر لابن سنان (4)، هذه جملة ما يمكن أن يستدلّ به لوجوب الأذان في الجماعة، و لم يعلم المراد من القائل بالوجوب هو الوجوب التعبّدي النفسي أو الوجوب الشرطي، و على تقدير أن يكون مراده الوجوب الشرطي فهل هو شرط للصحّة أو شرط لفضيلة الجماعة؟ و على جميع التقادير هل هو واجب مطلقا حتّى مع سماع أذان الغير أو أنّه مقصور بصورة عدم سماع أذان الغير و على كلّ حال، الأقوى في النظر هو عدم الوجوب مطلقا لا نفسيّا و لا شرطيّا لا للصحّة و لا للفضيلة مع سماع أذان الغير و عدمه و إن كان الأفضل عدم تركه في الجماعة، و ذلك لعدم دلالة الأخبار المتقدّمة على الوجوب بجميع فروضه.
أمّا خبر أبي بصير فلعدم دلالة قوله عليه السّلام «لم يجز إلّا أذان و إقامة» على الوجوب إذ عدم الإجزاء أعم من الوجوب فإنّ معنى كون الشيء مجزيا هو كونه مجزيا عن أمره ندبا كان أو واجبا و في مقابله عدم الإجزاء فإنّ معناه عدم الإجزاء عن أمره من دون أن يكون له دلالة على أنّ أمره كان للوجوب.
و بالجملة: لفظة الإجزاء و عدم الإجزاء في كلّ مورد وردت لا دلالة لها على الوجوب، فقوله «لم يجز إلّا أذان و إقامة» معناه أنّه لا يسقط الأمر الأذاني في باب الجماعة بالإقامة فقط بل لا بدّ من الأذان أيضا و في مقابلة الاجتزاء بالإقامة في غير الجماعة و معنى الاجتزاء بالإقامة فقط في غير الجماعة ليس سقوط الأمر الأذاني بالإقامة، و كون مصلحة الإقامة مشتملة على مصلحة الأذان فإنّ ذلك ضروري البطلان بداهة أنّ الإقامة إنّما تكون مسقطة لأمرها لا لأمر الأذان و إنّما تكون مشتملة على مصلحتها فقط مع بقاء الأذان على ما كان عليه من المصلحة في غير موارد المستثنيات على ما يأتي تفصيلها و إلّا لم يكن معنى للأمر بالأذان في كلّ صلاة صلاة، و ليست هذه الأخبار مخصّصة لقوله عليه السّلام لا تصلّ إلّا بأذان و اقامة.
و الحاصل: أنّه ليس معنى الاجتزاء بالإقامة في غير الجماعة هو سقوط الأمر الأذاني بها كما ربّما يتخيّل في بادي النظر بل معناه أنّ الوظيفة التي شرّع الأذان و الإقامة لأجلها و هي تهيّؤ العبد للوقوف بين يدي ربّه للصلاة و تقديم هدية و تحية قبل ذلك كما ربّما يشعر بذلك بعض أخبار تشريع الأذان و الإقامة لا تتأدّى في باب الجماعة إلّا بالأذان و الإقامة و في غير باب الجماعة تتأدّى بالإقامة فقط، و إن كان يستحبّ له ذلك الأذان و مأمور به لمزيد التهيّؤ، و على كلّ حال فقد ظهر لك أنّ معنى قوله عليه السّلام «لم يجز إلّا أذان و إقامة» معناه عدم تأدّي الوظيفة في باب الجماعة إلّا بالأذان و الإقامة و أين ذلك من الدلالة على الوجوب بجميع تقاديره.
و أمّا موثّق عمّار (1)فقوله عليه السّلام فيه «لا و لكن يؤذّن و يقيم» ليس معناه
1) الوسائل: ج 4 ص 655 باب 27 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 1.
أنّه مع تركه الأذان قد فعل محرّما نفسيّا أو غيريّا بل الجواز يستعمل بمعنيين الأول:
بمعنى الرخصة مقابل الحرمة. الثاني: بمعنى المضيّ و التجاوز (أي ترتّب الأثر المقصود من الشيء) مقابل الوقوف و السكون (أي عدم ترتّب الأثر) فيكون عدم الجواز أعم من الحرمة إذ يحتمل أن يكون بمعناه الثاني و يكون المراد من قوله:
«لا و لكن يؤذّن و يقيم» عدم ترتّب أثر الأذان و الإقامة بذلك الأذان و الإقامة أي لم تتأدّى الوظيفة المطلوب منهما و يتّحد حينئذ معنى عدم الجواز مع عدم الاجتزاء.
فإن قلت: هذا خلاف ظاهر لا يجوز فإنّ لا يجوز لو لم يكن معناه الحرمة فلا أقل من ظهوره الإطلاقي في ذلك و لذا لم يتوقّف أحد في ظهور قوله لا يجوز شرب الخمر و قوله لا يجوز الصلاة في الحرير في الحرمة النفسية أو الشرطية المساوقة للمانعية.
قلت: تارة يرد قوله عليه السّلام لا يجوز لمقام تشريع الحكم و هذا ممّا لا ينكر ظهوره الإطلاقي في الحرمة و اخرى يرد بعد تشريع الحكم كما في المقام حيث إنّه بعد ما ثبت شرعية الأذان و الإقامة و الأمر بهما في الشريعة وقع السؤال عن أنّه هل يجوز الصلاة بذلك الأذان و الإقامة أي هل يكتفي بهما عن أمرهما فقال عليه السّلام «لا» أي لا يكتفي بهما بل لا بدّ من تجديد الأذان و الإقامة بعد ما انقلبت الصلاة الفرادى إلى الجماعة، و أين هذا من الدلالة على الوجوب، ثمّ إنّه لم يظهر من الرواية كون اللاحق هو الإمام أو السابق فإن كان اللاحق مأموما و السابق إماما فقطعا لا يعتبر تجديد الأذان و الإقامة، و ممّا انعقد عليه الإجماع فلا بدّ من حملها بصورة كون اللاحق هو الامام.
و أمّا مفهوم صحيحة الحلبي (1)فعدم دلالته على الوجوب أظهر كما لا يخفى فالأقوى أنّ الجماعة كالفرادى لا يجب فيها الأذان و ان كان أفضل للأخبار المتقدمة
1) الوسائل: ج 4 ص 622 باب 5 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 6.
و أمّا وجوب الأذان في المغرب و الصبح فقد استدلّ له بعدّة من الروايات:
منها: رواية زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قال: أدنى ما يجزي من الأذان أن تفتتح الليل بأذان و إقامة و تفتتح النهار بأذان و إقامة و يجزيك في سائر الصلوات الإقامة بغير أذان (1).
و منها: رواية صفوان عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال: الأذان مثنى مثنى و الإقامة مثنى مثنى و لا بدّ في الفجر و المغرب من أذان و إقامة في الحضر و السفر لأنّه لا يقصّر فيهما في حضر و لا سفر و تجزيك إقامة بغير أذان في الظهر و العصر و العشاء الآخرة و الأذان و الإقامة في جميع الصلوات أفضل (2).
و منها: رواية سماعة قال: قال أبو عبد اللّٰه عليه السّلام: لا تصلّ الغداة و المغرب إلّا بأذان و إقامة و رخّص في سائر الصلوات الإقامة و الأذان أفضل (3).
و منها: رواية أبي بصير (4)المتقدّمة، و منها غير ذلك (5). إلّا أنّ ما ذكرناه أظهر دلالة على ذلك. هذا و لكنّ الإنصاف أنّ شيئا من هذه الروايات لا دلالة لها على الوجوب إذ ما من رواية إلّا و فيها قرينة على الاستحباب كقوله عليه السّلام في رواية صفوان «و الأذان و الإقامة في جميع الصلوات أفضل» و كذا رواية سماعة، و لفظة «ينبغي» في رواية أبي بصير و لفظة [يجزي] في رواية زرارة (6)قد عرفت الكلام فيها و أنّها لا دلالة لها على الوجوب.
1) الوسائل: ج 4 ص 623 باب 6 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 1.
2) الوسائل: ج 4 ص 623 باب 6 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 2.
3) الوسائل: ج 4 ص 624 باب 6 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 5.
4) الوسائل: ج 4 ص 624 باب 6 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 7.
5) الوسائل: ج 4 ص 624 باب 6 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 3 و 4.
6) الوسائل: ج 4 ص 623 باب 6 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 1.
هذا كلّه مضافا إلى رواية عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد اللّٰه عن إقامة بغير أذان في المغرب فقال: ليس به بأس و ما أحب أن يعتاد (1). فإنه صريح في عدم وجوب الأذان في المغرب و قوله عليه السّلام و ما أحب أن يعتاد يكون شاهدا على أنّ النهي عن ترك الأذان في المغرب محمول على الكراهة.
و اما وجوب الإقامة في مطلق الصلاة اليومية فقد استدل له بطوائف من الاخبار: منها ما دل على أنّ من صلّى بأذان و إقامة فقد صلّى خلفه صفّان من الملائكة و من صلّى بإقامة فقط صلّى خلفه صفّ من الملائكة و قد ورد بهذا المضمون عدّة من الروايات و قد عقد لذلك باب (2)في الوسائل إلا أنّ دلالتها على وجوب الإقامة ضعيفة جدّا بل نفس لسان هذه الطائفة من الأخبار ينادي بالاستحباب كما لا يخفى. و منها ما دلّ على أنّه يجزي إقامة واحدة في السفر أو في الحضر أيضا و هي عدّة من الروايات أيضا، و قد عقد لها في الوسائل باب (3)على حدة إلّا أنّها لا تدلّ أيضا على الوجوب لما عرفت الكلام فيما يتعلّق بلفظة يجزي فلا نعيده. و منها ما تقدّم من الروايات الدالّة على وجوب الأذان و الإقامة في المغرب و الصبح و الإقامة فقط في سائر الصلوات و قد عرفت الجواب عنها. و منها ما دلّ على أنّ الإقامة جزء للصلاة و يبطلها كلّ ما يبطل الصلاة كقول الصادق عليه السّلام لأبي هارون المكفوف: يا أبا هارون الإقامة من الصلاة فإذا أقمت فلا تتكلّم و لا تؤم بيدك (4)، هذا.
و لكنّ الإنصاف أنّه لا دلالة لهذه الطائفة على الوجوب أيضا، فإنّه- مضافا إلى أنّه لا بدّ من حملها على خلاف ظاهرها، لما استفاضت النصوص به، من أنّ
أول الصلاة التكبير و آخرها التسليم (1)، فلا يمكن القول بجزئية الإقامة للصلاة- لا دلالة لها على الوجوب إذ لا ملازمة بين الجزئية و الوجوب كما لا يخفى. فالأقوى عدم وجوب الإقامة أيضا في مطلق الصلوات نعم استحبابها آكد من الأذان للنصوص المتقدّمة.
و فيه أبحاث (2).
البحث الأول: في سقوط الأذان فقط اعلم أنّه قد ذكر الأعلام موارد يسقط فيه الأذان، ثمّ اختلفوا في أنّ سقوطه هل هو عزيمة أو رخصة؟ و قبل ذكر الموارد لا بدّ من بيان المراد من الرخصة و العزيمة فنقول:
إنّ المراد من العزيمة هو عدم مشروعية الأذان في هذه الموارد بمعنى أنّه لا يجوز التعبّد به و فعله بداعي الأمر كما هو الشأن في كلّ عبادة لم تكن مشروعة و أمّا معنى الرخصة فليس المراد منها الرخصة في الترك الذي هو لازم الأمر الاستحبابي فإنّ الرخصة بهذا المعنى لا يختصّ بهذه الموارد الخاصّة بل بعد البناء على استحباب الأذان و الإقامة يكون الشخص مرخصا في تركهما في جميع الموارد و إلّا خرجا عن كونهما مستحبّين، فالرخصة بمعنى جواز ترك المستحبّ قطعا ليس بمراد في المقام و كذا ليس المراد من الرخصة الإباحة بمعنى تساوي الطرفين إذ العبادة لا يمكن
تساوي طرفيها فلا بدّ من أن يكون المراد من الرخصة هو أقلّية الفضل بالنسبة إلى ما عدا هذه الموارد لا بمعنى أن يكون تركهما في موارد سقوطهما أفضل من فعلهما بأن ينطبق عنوان على الترك يكون أفضل من الفعل نظير العبادات المكروهة التي لا بدل لها فإنّ ذلك بعيد في المقام. بل الأقرب في المقام هو أن يراد من الرخصة أقلّية الفضل من سائر الموارد و إن كان فعلهما في هذه الموارد فيه الفضل من دون أن يكون تركهما أفضل، و لكن لا يخفى عليك أنّ ثبوت الرخصة بهذا المعنى يحتاج إلى قيام الدليل عليه و إلّا الأصل يقتضي أن يكون السقوط عزيمة إذ ما دلّ على السقوط في هذه الموارد يكون مخصّصا للعمومات و الإطلاقات الدالّة على مشروعية الأذان و الإقامة و استحبابهما كما سيأتي بيانه. ثمّ إنّ كلمات العلماء في موارد السقوط و كونه عزيمة أو رخصة مضطربة غاية الاضطراب و تطبيقها على الدليل في غاية الإشكال. فالأولى الاقتصار على ما أفاده شيخنا الأستاذ- دام ظلّه- في المقام فنقول:
موارد سقوط الأذان هو موارد الجمع بين الصلاتين و لكنّ الجمع بين الصلاتين تارة يكون مستحبّا و اخرى يكون عدم الجمع و التفريق مستحبّا و ثالثة يكون كلّ من الجمع و التفريق متساويان من دون أن يكون بينهما تفاوت في الفضل، و قبل بيان الأقسام و أحكامها لا بدّ من بيان معنى الجمع و التفريق فنقول:
المراد من الجمع هو الجمع بين الصلاتين بالنسبة إلى الوقت بأن يأتي بالأولى في وقت الثانية أو الثانية في وقت الاولى من دون فصل بينهما عرفا و في كون الفصل بالنافلة مخلّا بالجمع كلام يأتي بيانه و المراد من التفريق تفريق الصلاتين على أوقاتهما مع الفصل بينهما عرفا و لا يكفي مجرّد التفريق على الأوقات من دون الفصل العرفي كما إذا صلّى الظهر في آخر وقت فضلها و العصر في أول وقت فضلها فإنّ ذلك يكون من الجمع لعدم الفصل العرفي بينهما، ففي التفريق لا بدّ
من كلا القيدين التفريق على الأوقات و الفصل العرفي، ثمّ إنّ الجمع بين الصلاتين تارة يكون أفضل من التفريق كما في يوم الجمعة و عرفة بالنسبة إلى الظهرين و المزدلفة بالنسبة إلى العشاءين غايته أنّ في يوم الجمعة و يوم عرفة يستحبّ فعل الثانية في وقت الاولى و في المزدلفة يستحبّ فعل الاولى و هي المغرب في وقت الثانية و اخرى يكون التفريق أفضل كما في سائر الأيام إذ يستحبّ تفريق الصلوات على أوقاتها و ثالثة يتساوى الجمع و التفريق كقضاء الصلوات إذ لا يتفاوت فيه بين الجمع و التفريق.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الذي يقتضيه الجمع بين الروايات هو أنّه لو كان الجمع أفضل فأذان الثانية ساقط عزيمة إن لم يتنفّل بين الصلاتين و رخصة أن تنفّل و لو كان التفريق أفضل فعند الجمع مع التنفّل في البين يسقط أذان الثانية رخصة و مع عدم التنفّل يكون السقوط عزيمة إلّا أن يكون إجماع على خلافه و لو تساوى كلّ من الجمع و التفريق كان السقوط أيضا عزيمة، و ليس في هذا مظنّة الإجماع على كون السقوط رخصة كما كان مظنّته في موارد استحباب التفريق فجمع بلا تنفّل كما يشعر إليه كلام الشهيد- رحمه اللّٰه- في اللمعة (1).
و ينبغي حينئذ ذكر الأخبار حتّى يعلم انطباقها على ما قلناه فنقول: منها خبر غياث: الأذان الثالث يوم الجمعة بدعة (2). و بهذا الخبر قد استدلّ على سقوط أذان العصر في يوم الجمعة لأنّ الأذان الأول في يوم الجمعة هو أذان الصبح و الأذان الثاني أذان الظهر فيكون الثالث أذان العصر هذا، و لكنّ الظاهر أن يكون المراد من الأذان الثالث الأذان الثاني لصلاة الجمعة الذي أبدعه عثمان أو معاوية
حيث إنّه كان يفعل لصلاة الجمعة أذانين قبل الخطبتين و بعدهما و يدلّ على ذلك لفظ البدعة.
و منها: صحيح عبد اللّٰه بن سنان: السنّة في الأذان يوم العرفة أن تؤذّن و تقيم للظهر ثمّ تصلّي ثمّ تقيم للعصر بغير أذان و كذلك المغرب و العشاء بمزدلفة (1).
و في معناه عدّة من الروايات (2)، و هو بظاهره يدلّ على أنّ الأذان للعصر في يوم عرفة و للعشاء في المزدلفة ليس من السنّة بل هو عزيمة، فيكون دليلا على سقوط الأذان عزيمة في موارد استحباب الجمع، و هو بإطلاقه و إن كان يعمّ ما إذا تنفّل بينهما فيدلّ بإطلاقه على عدم مشروعية الأذان في موارد استحباب الجمع و لو تنفّل بين الصلاتين إلّا أنّ في موثّق محمّد بن حكيم عنه عليه السّلام: الجمع بين الصلاتين إذا لم يكن بينهما تطوّع فإذا كان بينهما تطوّع فلا جمع (3). و هذا الموثّق و إن كان ظاهره نفي أصل الجمع مع التطوّع و يكون دليلا على عدم سقوط الأذان لا رخصة و لا عزيمة مع التطوّع إلّا أنّه ورد أيضا أنّ التطوّع في البين لا ينافي الجمع المسقط للأذان كما في خبر أبان بن تغلب قال: صلّيت خلف أبي عبد اللّٰه المغرب بالمزدلفة فلمّا انصرف أقام الصلاة فصلّى العشاء الآخرة لم يركع بينهما، ثمّ صلّيت معه بعد ذلك بسنة فصلّى المغرب ثمّ قام فتنفّل بأربع ركعات ثمّ أقام فصلّى العشاء الآخرة (4). فهذا الخبر يدلّ على أنّ التنفّل غير مانع عن الجمع المستحبّ في المزدلفة و عن سقوط الأذان أيضا.
1) الوسائل: ج 4 ص 665 باب 36 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 1.
2) الوسائل: ج 4 ص 665 باب 36 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 2 و ج 3 ص 167 باب 32 من أبواب المواقيت، ح 1 و ج 10، ص 9 باب 9 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة، ح 1.
3) الوسائل: ج 3 ص 163 باب 33 من أبواب المواقيت، ح 3.
4) الوسائل: ج 3 ص 163 باب 33 من أبواب المواقيت، ح 1.
و نحن لو خلّينا و أنفسنا لقلنا إنّ سقوط الأذان عزيمة مطلقا و لو تنفّل بينهما إلّا أنّه ورد في خبر زريق عن الصادق عليه السّلام: أنّه ربّما كان يصلّي يوم الجمعة ركعتين إذا ارتفع النهار و بعد ذلك ستّ ركعات أخر و كان إذا ركدت الشمس في السماء قبل الزوال أذّن و صلّى ركعتين فما يفرغ إلّا مع الزوال ثمّ يقيم لصلاة الظهر و يصلّي بعد الظهر أربع ركعات ثمّ يؤذّن و يصلّي ركعتين ثمّ يقيم و يصلّي العصر (1). و هذا يدلّ على عدم سقوط الأذان مع التنفّل بين الصلاتين، فيكون مقتضى الجمع بين الروايات هو أنّه في موارد استحباب الجمع كيوم الجمعة و عرفة و المزدلفة يسقط الأذان للصلاة الثانية عزيمة إن لم يتنفّل بينهما و رخصة أن تنفّل، فتأمّل جيّدا. هذا كلّه في موارد استحباب الجمع.
و أمّا في موارد استحباب التفريق كسائر الأيام فإن جمع بين الصلاتين مع التنفّل بينهما فلا يبعد دعوى كون السقوط أيضا رخصة للأولوية فإنّه لو كان التنفّل في موارد استحباب الجمع موجبا لكون السقوط رخصة ففي غير موارد استحباب الجمع يكون السقوط رخصة مع التنفّل أولى.
و أمّا مع عدم التنفّل بينهما فمقتضى القاعدة كون السقوط عزيمة لعدم دليل لفظي يدلّ على ثبوت الأذان مع ما ورد من فعل الأئمّة و النبي صلّى اللّٰه عليه و آله من ترك الأذان مع الجمع في عدّة من الروايات (2).
و دعوى أنّ مجرّد عدم فعلهم عليهم السّلام للأذان لا يوجب تخصيص المطلقات الدالّة على استحباب الأذان لكلّ صلاة لجواز تركهم المستحبّ أو كان تركهم لبيان ذلك فاسدة فإنّ تركهم المستحبّ لم يعهد عنهم و بيانهم لجواز الترك
لا ينحصر بالفعل إذ يمكن البيان بالقول فلا معنى لتركهم المستحبّ لمجرّد بيان جواز الترك فتأمّل جيّدا. و كذا القول فيما لا يستحبّ فيه الجمع و التفريق كقضاء الصلوات بل كون السقوط في ذلك عزيمة أولى لقيام الدليل اللفظي على السقوط كما تقدّم.
و فيه فصول:
و أنّها كيف يمكن أخذها في متعلّق التكليف مع كونها هي الداعي إلى إرادة الفاعل نحو الفعل و تنبعث الإرادة عنها؟ فهي واقعة فوق دائرة الإرادة و ما كان فوق الإرادة لا يمكن أن يرد الإرادة عليه و يكون تحت دائرتها بحيث تتعلّق الإرادة بها نحو تعلّقها بالفعل الصادر عن الفاعل فإذا لم يكن تعلّق إرادة الفاعل بها لا يمكن تعلّق إرادة الآمر بها بحيث يطالب بها نحو طلبه بما يقع تحت إرادة الفاعل من الفعل الصادر عنه لأنّ إرادة الآمر إنّما تتعلّق بما يتعلّق به إرادة الفاعل لأنّ الإرادة الآمرية هي المحرّكة للإرادة الفاعلية فلا يمكن أن يكون متعلّق إرادة الآمر أوسع من متعلّق إرادة الفاعل. و هذا الاشكال وارد على اعتبار النية و كونها متعلّقة للطلب على جميع الوجوه و التفاسير حتّى لو قلنا: إنّ النية و القربة المعتبرة في العبادات عبارة عن إتيان الفعل للّٰه تعالى، مضافا إلى ما يرد على التفاسير الأخر من كونها عبارة عن قصد الأمر و قصد الوجه و غير ذلك من لزوم الدور، و أنّ ما لا يأتي إلّا من قبل الأمر كيف يمكن أخذه في المتعلّق، فإنّ الدور يختصّ بما إذا قلنا: إنّها عبارة عن قصد الأمر و ما يشبه ذلك و أمّا لو قلنا: إنها عبارة عن إتيان
الفعل للّٰه تعالى فلا دور، إلّا أنّه يرد عليه ما تقدّم من الإشكال فإنّ الإشكال المتقدّم وارد على كلّ حال كما لا يخفى.
، و البحث عن الجهة الأولى راجع إلى مسألة أصولية، و عن الجهة الثانية إلى مسألة فقهية، و المقصود في المقام إنّما هو البحث عن الجهة الثانية، و فيه مباحث:
حقيقة النية ليس إلّا الإرادة الباعثة على الفعل، و لكن في العبادات تتقوّم بأمرين، الأول: القصد إلى المأمور به الذي به يكون الفعل اختياريّا و صادرا عنه بالإرادة و يمتاز عن فعل النائم و الساهي و الغافل. الثاني: انبعاث هذا القصد عن الداعي المقرّب إليه تعالى دون سائر الدواعي الذي به يمتاز العبادة عن غيرها فحقيقة النية في العبادة إنّما هي متقوّمة بهذين الأمرين و كان كلّ منهما ركنا في النية و إن كان الثاني في طول الأول و ربّما يطلق النية على خصوص الثاني أي ما يمتاز به العبادة عن غيرها و على كلّ حال لا بدّ في كلّ عبادة من تحقّق هذين الركنين فلا بدّ من التكلّم في كلّ منهما على حدة.
التي بها يمتاز عمّا عداه و بعبارة أخرى لا بدّ من القصد إلى واقع المأمور به بحيث يحمل عليه بالحمل الشائع الصناعي أنّه هو فلا يكفي القصد إلى مفهوم الصلاة و الصيام بل لا بدّ من القصد إلى العنوان الذي أمر به سواء انحصر ما في ذمّته في واحد معيّن أو لم ينحصر فإنّ الانحصار و عدم الانحصار لا دخل له بما نحن بصدده من القصد إلى المأمور به الذي قد عرفت أنّ بذلك يكون الفعل اختياريّا و يمتاز عن فعل النائم و الساهي.
و الحاصل أنّ الفعل الاختياري هو ما كان عن قصد و إرادة فأيّ مقدار من الفعل دخل تحت القصد و تعلّقت به الإرادة يكون الفعل بذلك المقدار اختياريّا فلو تعلّق القصد بذات الفعل و القدر المشترك بين الأنواع و الأصناف كان الاختياري هو ذلك القدر المشترك دون الخصوصيّات المنوّعة و المصنّفة و ذلك واضح غايته.
و حينئذ لو كان المأمور به نوعا خاصا من صوم الكفّارة و صلاة الظهر و أمثال ذلك فلا بدّ من القصد إلى ذلك النوع و يكون هو متعلّق الإرادة بوجه من الوجوه، و لا يكفي القصد إلى القدر المشترك من القصد إلى الصيام المطلق و الصلاة كذلك عن قصد الكفّارة و الظهر و إن لم يكن في ذمّته إلّا ذلك فإنّ انحصار ما في الذمّة في خصوص صوم الكفّارة أو صلاة الظهر لا يوجب وقوع صوم الكفّارة و صلاة الظهر من دون أن تتعلّق الإرادة بهما و القصد إليهما بل يقع باطلا حينئذ لعدم القصد إلى ما هو المأمور به حقيقة، و قد عرفت أنّ القصد إلى حقيقة المأمور به ممّا لا بدّ منه.
و بذلك يظهر أنّه لو نوى القصر (1)مقام التمام أو نوى الجمعة بدل الجنابة و العصر بدل الظهر يقع باطلا و إن اعتقد أنّ ذلك هو المأمور به، و ليس ذلك من الخطأ في التطبيق لأنّ مورد الخطأ في التطبيق إنّما هو بعد القصد إلى حقيقة المأمور به، و حقيقة الأمر على ما سيأتي في الركن الثاني، و بعبارة أخرى موقع الخطأ في التطبيق إنّما هو الخصوصيّات الخارجة عن حقيقة المأمور به و عن حقيقة الأمر من الأداء و القضاء و الوجوب و الاستحباب، و أمّا الخصوصيّات التي لها دخل في حقيقة المأمور به أو في حقيقة الأمر فلا بدّ من القصد إليها و لمعرفة أنّ أيّ خصوصية تكون داخلة في حقيقة المأمور به و أيّ خصوصية تكون خارجة عنه مقام آخر لا بدّ من استظهار ذلك من الأدلّة و الغرض في المقام مجرّد بيان الفرق بين
1) سيأتي أنّ نية القصر و التمام ممّا لا تعتبر و لكن نيّة الخلاف ممّا يضر. «منه».
الخصوصيّتين و بيان مورد الخطأ في التطبيق.
و حاصل الكلام أنّ القصد إلى واقع المأمور به ممّا لا بدّ منه و لا يكفي القصد إلى مفهوم المأمور به إذ المفهوم ليس متعلّق التكليف بل متعلّق التكليف هو ما يحمل عليه بالحمل الشائع الصناعي أنّه مأمور به و الحاجة إلى قصد المأمور به ممّا لا يحتاج إلى إقامة برهان عليه بل نفس تصوّره يغني عن إقامة البرهان عليه، بداهة أنّه لو لم يقصد حقيقة المأمور به لما كان الفعل اختياريّا له و لما امتاز عن فعل الساهي و القصد إلى الجنس لا يكون قصدا إلى المأمور به بعد ما كان المأمور به هو نوع خاص من الصيام مثلا أو الصلاة أو الغسل و لا يتوهّم كفاية قصد الأمر عن قصد المأمور به إذا لم يكن في ذمّته إلّا واحد فإن قصد الأمر متأخّر عن قصد المأمور به إذ لا بدّ من فعل المأمور به بقصد أمره فقصد الأمر لا يكون إلى قصد المأمور به إلّا إذا كان قصد الأمر ملازما لقصد المأمور به كما إذا نوى في الوقت المختصّ للظهر صلاة أربع ركعات بداعي أمرها الفعلي فإنّ القصد إلى ذلك قصد لما هو المأمور به حقيقة نعم لو لم يكن المأمور به إلّا الصلاة ركعتين بلا عنوان كالصلوات المبتدأة لا يحتاج إلى أزيد من القصد إلى صلاة ركعتين إذ ليس حقيقة المأمور به إلّا الصلاة ركعتين، و كذلك في صوم يوم الغدير و أيّام البيض مثلا لا يحتاج إلى أزيد من قصد صوم الغد، و أمّا قصد كونه من غدير أو أيام البيض فهو ممّا لا يحتاج إليه لأنّ الخصوصية الزمانية تدور مدار واقعها من دون أن تحتاج إلى القصد و منه يظهر عدم اعتبار قصد الأداء و القضاء لأنّ الأداء ليس إلّا عبارة عن فعل الشيء في وقته و يقابله القضاء و هذا يدور مدار الواقع فإن كان الفعل واقعا في الوقت فهو أداء لا محالة و لو نوى ضدّه و هذا بخلاف القصر و التمام و الظهر و العصر و نافلة الصبح و فريضتها و أمثال ذلك من العناوين المنوّعة للمأمور به فإنّه لا بدّ من القصد و ليس شيئا منها مورد الخطأ في التطبيق كما تقدّمت الإشارة إليه
و يأتي توضيحه إن شاء اللّٰه.
بجملته بما له من الأجزاء و القيود فلا يكفي القصد إلى كلّ جزء مستقلّا و بنفسه إذ لم يكن كلّ جزء مستقلا مأمورا به، و قد عرفت أنّ القصد إلى المأمور به ممّا لا بدّ منه. نعم لو قصد كلّ جزء بما له من الجزئية و بوصف كونه جزء صحّ لأنّ قصده كذلك يرجع إلى قصد الجملة في الحقيقة. و الحاصل أنّه بعد ما عرفت من اعتبار قصد المأمور به بهويّته و حقيقته فلا محيص من اعتبار قصد المركّب بما له من الأجزاء نعم لا يعتبر العلم بتفاصيل الأجزاء حال النية بل يكفي القصد إليها إجمالا كما لو صلّى الجاهل بها مع علمه بتعليم من يعلمه كلا منها في موقعه و محلّه لأنّ عدم العلم بها تفصيلا لا يخلّ بالنية إليها، فلو علم إجمالا أنّ الصلاة مشتملة على عدّة من الأجزاء و الشرائط مع عدم علمه بها تفصيلا و لكن نوى الصلاة بما لها من الأجزاء و القيود صحّ مع معرفة تلك الأجزاء في محالّها.
إذا تعدّد ما في ذمّته من نوع واحد كما إذا كان عليه صوم كفّارة رمضان و كفّارة الظهار إذ مع عدم التعيين لا يقع عن واحد منهما بعد صلاحية كلّ منهما لأن ينطبق على المنوي و بالجملة: لو تعدّد ما في الذّمة على وجه كان المأتي ممكن الانطباق على كلّ واحد ممّا في الذمّة بحسب الزمان و الخصوصيّات كان قصد التعيين ممّا لا بدّ منه لأنّ وقوع المأتيّ على أحدها ترجيح بلا مرجّح فلو لم يعيّن يبطل و لا يقع عن واحد منها، فلو كان أجيرا من شخصين لا بدّ في مقام العمل من تعيين المنوب عنه و إلّا لم يقع عن واحد منهما. نعم لو كان المتعدّد ممّا في الذّمة من صنف واحد من دون أن يكون له جهة تعيين سوى الزمان كما إذا كان عليه قضاء يومين من رمضان فلا يحتاج إلى قصد التعيين بل يكفي قصد صوم القضاء عن رمضان و لا يحتاج إلى
تعيين كونه من اليوم الأول أو الثاني فإنّ ما اشتغلت ذمّته ليس إلّا صوم يومين قضاء عن رمضان فلو صام يومين كذلك فرغت ذمّته كما إذا اشتغلت ذمّته بدرهمين على التدريج و أعطى كلّ يوم درهما فإنّه لا يحتاج إلى تعيين كون هذا الدرهم عوضا عن الدرهم الأول الذي اشتغلت ذمّتي به. و كذلك لو كان أحد ما في ذمّته يحتاج إلى القصد دون الآخر كما إذا كان عليه قضاء من نفسه و قضاء عن غيره فإنّ الذي يحتاج إلى القصد هو القضاء عن الغير و أمّا القضاء عن نفسه فلا يحتاج إلى القصد إذ صرف الفعل الذي باشره الفاعل عن نفسه و جعله عن الغير يحتاج إلى القصد و إلّا الفعل بحسب طبعه يقع للمباشر حتّى لو لم تشتغل ذمّة المباشر بالفعل يقع باطلا إلّا إذا صرفه عن نفسه و قصد الغير به فالتحمّل و النيابة هي التي يحتاج إلى القصد.
فتحصّل ممّا ذكرنا أنّ اشتغال الذمّة بالمتعدّد يكون على أقسام ثلاثة أحدها: احتياج كلّ من المتعدّد إلى قصده بخصوصه و إلّا لم يقع الفعل عن واحد من المتعدّد و ذلك كما إذا كان متحمّلا عن اثنين أو كان عليه صوم كفّارتين من متعدّد النوع، و السرّ في احتياج هذا القسم إلى القصد واضح لأنّ تعيين وقوع الفعل عن أحدهما يكون بلا معيّن و ينحصر المعيّن في القصد و التعيين. ثانيها: عدم احتياج كلّ من المتعدّد إلى القصد و التعيين و ذلك كما إذا كان عليه صوم يومين عن رمضان واحد بل رمضانين، و السرّ في عدم الحاجة إلى التعيين في هذا القسم أيضا واضح لأنّ ما اشتغلت به ذمّته ليس إلّا صوم يومين قضاء عن رمضان و قد عرفت أنّ الخصوصية الزمانية ممّا لا تحتاج إلى القصد. ثالثها: احتياج واحد من المتعدّد إلى القصد دون الآخر و ذلك كما إذا كان المتعدّد عن نفسه و عن غيره فإنّ الذي يحتاج إلى القصد هو كونه عن الغير دون كونه عن نفسه.
و قد ظهر أيضا ممّا ذكرنا أنّ الخصوصيّات المأخوذة في المأمور به تختلف
بحسب اعتبار قصدها و عدم اعتباره فمنها ما لا يعتبر قصدها مطلقا كالخصوصيّات الزمانية من صوم الغدير و أيام البيض و المبعث و نوافل شهر رمضان و نصف شعبان و أمثال ذلك، و من ذلك الأداء و القضاء إلّا إذا توقّف قصد النوع المأمور به أو بعينه عليه، و منها ما يعتبر القصد إليها مطلقا و هي كلّ خصوصية تكون مميّزة لنوع المأمور به و حقيقته كقصد الظهر و العصر و القصر و التمام، و منها ما يعتبر القصد إليها إذ تعدّد اشتغال الذمّة دون ما إذا انحصر و هي كلّ خصوصية توجب تعيين المأتي و تطبيقه على أحد ما اشتغلت الذمّة به. و من ذلك يظهر الفرق بين الخصوصيّات التي إذا لم تكن مقصودة يوجب عدم القصد إلى نوع المأمور به و بين ما يوجب ذلك عدم تعيين المأمور به، و حكي عن بعض إرجاع ما يرجع إلى النوع إلى التعيين و جعل اعتبار القصد إلى الخصوصية لأجل التعيين الذي قد عرفت أنّ مورده صورة تعدّد اشتغال الذمّة و ألقى اعتبار القصد إلى نوع المأمور به مع انحصار ما في الذّمة فتأمّل في المقام جيّدا. هذا كلّه فيما يعتبر في الركن الأول من النية و هو القصد إلى المأمور به.
و ينحصر ذلك بقصد امتثال الأمر و ما يقوم مقامه كما ستعرف.
، و معلوم أنّ ما يكون مقرّبا إليه تعالى ليس إلّا العبادة و الفعل بنفسه لا يكون عبادة إلّا في مثل السجود له تعالى حيث إنّه بذاته عبادة له تعالى، لما فيه من الخضوع و التذلّل. و أمّا غير السجود من سائر الأفعال فلا يكون بذاته عبادة مقرّبا لديه سبحانه بل ينحصر عبادية الفعل بإتيانه بداعي الأمر و الامتثال فلا محيص من انتهاء العبادة إلى قصد الأمر و الامتثال غايته أنّه تارة يكون الأمر بنفسه باعثا و محرّكا نحو الفعل و يكون
هو الغاية القصوى و المقصود بالأصالة من دون نظر إلى ما تستتبع فعلها من الدرجات و ما يستتبع تركها من الدركات بل كان النظر هو نفس امتثال الأمر حيث إنّه تعالى أهل لأن يمتثل أمره كما قال عليه السّلام: ما عبدتك خوفا من نارك .. إلخ. و اخرى يكون الأمر باعثا بمعونة الغايات القربية من سلسلة علل الأمر كالمصالح و المفاسد و سلسلة معلولاته كالثواب و العقاب مطلقا دنيويّا كان أو أخرويّا.
و الحاصل: أنّه بعد ما كان المقرّب هو الفعل العبادي لا ذات الفعل فلا بدّ في العبادة من قصد امتثال الأمر إذ بذلك يكون الفعل عباديّا ثمّ إنّ باعثية الأمر و محرّكيّته نحو الفعل لا بدّ و أن يكون له جهة تقع جوابا لسؤال من يسأل لم قصدت الأمر و كان باعثا لك نحو الفعل إذ لا يمكن أن يكون نفس الأمر بما هو أمر باعثا و إلّا كان ينبغي أن يكون كلّ أمر صادر من كلّ أحد باعثا فلا بدّ في باعثية الأمر من أن يعلّل بعلّة تقع جوابا لقول القائل لم صار الأمر باعثا لك نحو الفعل فهذه العلّة و الجهة تارة تكون أهليّته تعالى لأن يمتثل أمره و استحقاقه للعبودية فيكون أمر اللّٰه تعالى من حيث إنّه أمر صادر ممّن يكون أهلا لأن يمتثل أمره هو المحرّك بالأصالة و الغاية المقصودة من دون أن يكون هناك نظر إلى سلسلة علل الأمر و معلولاته بل كانت العبادة أقصى غاية أمله و هذا المعنى هو المعنيّ بقوله عليه السّلام «بل وجدتك أهلا لذلك» بداهة أنّ الأمير عليه السّلام إنّما كان يعبد اللّٰه تعالى لكونه أهلا للعبادة. و قد عرفت أنّ عبادة اللّٰه إنّما تكون بقصد امتثال الأمر الذي به يتحقّق العبادة و ليس مراد الأمير عليه السّلام أنّي ما كنت قاصدا لامتثال الأمر بل كان المحرّك لي على العمل هو أهليّتك فإنّ كون الأهلية بنفسها تكون محرّكة للعمل بلا توسيط قصد الأمر إنّما يكون فيما إذا كان ذلك العمل بنفسه و بذاته مقرّبا لديه تعالى و هو منحصر بالسجود و أمّا في غيره
فلا بدّ من توسيط قصد الأمر الذي به يكون العمل عبادة و اخرى تكون العلّة و الجهة التي يكون الأمر باعثا نحو العمل غير الأهليّة من الفوز برضاه و الأمن من سخطه و أمثال ذلك ممّا كان معلولا للأمر. و بذلك ظهر فساد ما في بعض الكلمات من جعل قصد الأمر في عرض قصد التخلّص من العقاب أو نيل الثواب حتّى أنهى بعض نية التقرّب إلى عشرة و جعل كلّ واحد منها مناطا لعباديّة العمل. وجه الفساد هو أنّ التخلّص من العقاب و النيل إلى الثواب معلول لقصد الأمر و في طوله و ما كان في طول الشيء لا يمكن أن يكون في عرضه بل لو قصد التخلّص من العقاب بلا توسيط قصد الأمر كان عمله باطلا إذ التخلّص من العقاب ليس من لوازم نفس العمل بل من لوازم العبادة و العبادة لا بدّ فيها من قصد الأمر بحيث يكون هو الباعث و المحرّك و سيأتي مزيد توضيح لذلك إن شاء اللّٰه (1). و على كلّ حال لا بدّ من أن يكون الباعث هو الأمر إمّا بنفسه و إمّا بأثره و معلوله. و أمّا إذا لم يكن الأمر بنفسه باعثا و لا بمعلوله كان العمل باطلا كما إذا كان الباعث هو الأجرة و المال الذي يبذله الباذل لمن صلّى صلاة الليل مثلا بداعي امتثال أمرها.
و تصحيح بعض الأعلام ذلك و جعله من باب الداعي [إلى] الداعي سخيف غايته صغرى و كبرى، أمّا الصغرى فلأنّ داعي الداعي إنّما يصحّ فيما إذا كان الداعي الأول الذي أوجب داعي الأمر من معلولات الأمر و من الآثار المترتّبة عليه شرعا كالثواب و العقاب و لو كان دنيويّا بوعد من الشارع. و أمّا إذا لم يكن الداعي واقعا في سلسلة معلولات الأمر بل كان أمرا أجنبيا عن الأمر
1) و سيأتي أيضا ان الأقوى ما صنعه بعض الاعلام من عدّ الجميع في عرض واحد و كفاية قصد التخلّص من العقاب و النيل إلى الثواب في صحّة العبادة و لو من دون توسيط قصد الأمر «منه».
كالأجرة و المال الذي يبذله الباذل فلا يصلح لأن يكون داعيا لقصد امتثال الأمر بل لا يكون هناك إلّا قصد أخذ المال و لا يمكنه قصد الأمر حقيقة و شتّان ما بين الثواب و العقاب و بين أخذ الأجرة فإنّ الثواب و العقاب حيث كان معلولا للأمر و كان من آثار قصد الأمر أمكن أن يكون التخلّص عن العقاب أو النيل إلى الثواب داعيا إلى قصد الأمر بعد العلم بأنّ التخلّص و النيل لا يحصل إلّا بفعل العبادة المتوقّفة على قصد الأمر و أمّا الأجرة فهي ليست من الآثار المترتّبة على قصد الأمر شرعا بل كان الترتّب لبذل باذل لها و كان أخذ المال هو الغاية المقصودة و هو المحرّك له نحو العمل حقيقة فكيف يمكن أن يكون داعيا إلى قصد الأمر و هل يكون قصد الأمر في مثل هذا إلّا مجرّد التصوّر و الخطرات القلبية من دون أن يكون له حقيقة.
و بالجملة: من راجع وجدانه يعلم أنّه لا يمكن أن يكون قصد أخذ المال داعيا حقيقة إلى قصد الأمر و أمّا الكبرى فعلى فرض تسليم إمكان كون أخذ الأجرة يصير داعيا إلى قصد الأمر إلّا أنّ مجرّد ذلك لا يكفي في العبادة، بل يعتبر في عباديّة العبادة أن يكون قصد الأمر هو المقصود بالأصالة و الغاية القصوى و لو بأثره و لا يكفي توسيط قصد الأمر مع كون المقصود بالأصالة أخذ المال، إذ ليس لنا إطلاق يدلّ على أن مجرّد قصد الأمر يكفي في العبادة مع كون المقصود بالأصالة أخذ المال بل البحث في المقام بعد قيام الدليل على اعتبار نية القربة يكون عقليّا، و الذي يحكم به العقل هو أن يكون المقصود بالأصالة قصد الامتثال و الأمر و لا يكفي مجرّد توسيط ذلك مع كون المقصود بالأصالة أخذ المال و سيأتي أنّ قصد الثواب و العقاب و لو كان دنيويّا لا ينافي كون المقصود بالأصالة هو قصد الأمر.
و أمّا الأجرة فعلى كلّ تقدير تكون هي المقصود بالأصالة، نعم لو لم يكن لأخذ المال دخل في تأثير إرادته قصد الامتثال و كان قاصدا للأمر على كلّ حال
سواء كان هناك باذلا أو لم يكن صحّ عمله و كان عبادة و جاز له حينئذ أخذ المال إن كان بذله إباحة مجّانية و إن لم يكن مجّانيا بل على نحو المعاوضة حرم أخذ المال و فسدت المعاوضة لأنّه يعتبر في عقد المعاوضة أن يكون المعوّض ممّا يمكن حصوله للباذل فإن كان من الأعيان ينتقل إليه و يصير ملكه و إن كان من الأعمال كما فيما نحن فيه يصير عمله و يكون في الحقيقة هو العامل للعمل لا بنفسه بل بنائبه أو وكيله أو أجيره و لا يكفي في صحّة المعاوضة أن يكون الباذل ممّن ينتفع بعمل الأجير إذ مجرّد الانتفاع لا يكفي في صحّة الإجارة بل لا بدّ من أن يكون العمل ممكن الحصول للمستأجر و في المقام ليس العمل ممكن الحصول للمستأجر إذ العمل الذي يعمله العامل إنّما يقع لنفسه و لا يقع للباذل، فلا تصحّ المعاوضة بالإجارة و لا بالجعالة بناء على كونها من عقود المعاوضة.
فتحصّل من جميع ما ذكرنا أنّه إن كان لأخذ الأجرة تأثير في فعل العبادة فالعبادة باطلة و يحرم أخذ تلك الأجرة و إن لم يكن له تأثير فالعبادة صحيحة، و حلّ أخذ الأجرة أيضا إن كان دفعها على وجه المجّانية و إن كان على وجه المعاوضة حرم أخذ الأجرة لأنّه يكون من أكل المال بالباطل لعدم حصول عوض الأجرة لباذلها. و قد ظهر ممّا ذكرنا أنّ تصحيح أخذ الأجرة على العبادات الواجبة على فاعلها أو تصحيح العبادة المستأجر عليها الواجبة على المنوب عنه بإرجاعها إلى باب داعي الداعي ضعيف جدّا، بل لا يصحّ أخذ الأجرة على ما كان واجبا على فاعله مطلقا عباديّا كان أو غيره إلّا إذا كان من الواجبات النظامية كالصناعات و تصحيح أخذ الأجرة فيما كان واجبا أو مستحبّا على المنوب عنه و صحّة وقوعه عبادة إنّما يكون بوجه آخر غير باب داعي الداعي قد أشرنا إليه في كتاب القضاء.
بأن لا تكون نيّته مشوبة بالرياء
بوجه من الوجوه. فلو أدخل في النية أدنى شائبة الرياء بطلت عبادته مضافا إلى كونه من الكبائر الموبقة ثمّ الظاهر أنّه لا إشكال في بطلان العبادة إذا كان الرياء تمام الداعي بحيث لم يقصد بالعبادة وجه اللّٰه تعالى، و لو كان الرياء جزء الداعي فقد يتوهّم عدم بطلان العبادة بذلك و إن عصى نظرا إلى أنّه لا يعتبر في صحّة العبادة أزيد من قصد الأمر و لا يعتبر الخلوص بحيث يكون الأمر تمام الداعي بل يكفي توسيط قصد الأمر و لو كان على نحو الجزئية، هذا. و لكنّ الظاهر من أدلّة اعتبار الخلوص هو خلوص النية عن جميع الشوائب على وجه لا يريد بالعبادة غير وجه اللّٰه تعالى فلو أدخل في نيّته غير وجه اللّٰه تعالى و لو على وجه التبعية و الضميمة بطلت العبادة فضلا من أن يكون قصد الغير جزء الداعي بحيث لو لم يضمّ إليه قصد الأمر لاستقلّ بالداعوية كما هو الشأن في العلل المجتمعة.
و بالجملة: الذي يظهر من الأخبار هو بطلان العبادة بأدنى شائبة الرياء سواء كان في جزئها أو شرطها أو وصفها واجبا كان أو مستحبّا حتّى في مثل وصف الجماعة بل في مثل التحنّك و غير ذلك ممّا له دخل في العبادة بوجه من الوجوه.
كلّ ذلك لصدق أنّه أدخل فيه رضا أحد من الناس كما في قوله عليه السّلام في رواية زرارة: لو أنّ عبدا عمل عملا يطلب به وجه اللّٰه و الدار الآخرة و أدخل فيه رضا أحد من الناس كان مشركا (1). و غير ذلك من الأخبار الدالّة على بطلان العبادة بأدنى شائبة الرياء، فتأمّل فيما ورد من الأخبار في المقام جيّدا. هذا كلّه في الرياء.
و أمّا غير الرياء فلو ضمّ إلى الصلاة أمر آخر فلا يخلو إمّا أن يكون ذلك الأمر من سنخ أفعال أو أقوال الصلاة و إمّا أن لا يكون من سنخ أفعال و أقوال الصلاة بل كان أمرا آخرا أجنبيا و ذلك الأمر الآخر إمّا أنّ يكون مباحا و إمّا أن يكون
1) الوسائل: ج 1 ص 49 باب 11 من أبواب مقدمة العبادات، ح 11.
راجحا، فلو ضمّ إلى الصلاة ممّا كان من سنخ أفعال الصلاة كانت الصلاة باطلة، و إن لم يقصد بذلك الفعل الجزئية لصدق أنّه زاد في صلاته، و إن كان من سنخ أقوال الصلاة من الدعاء و الذكر فإن كان ذلك محرّما كقراءة العزيمة بطلت صلاته أيضا سواء اقتصر عليها أو قرأ سورة أخرى أيضا لأنّه كلام منهيّ عنه، فهو إمّا من كلام الآدمي موضوعا و إمّا ملحق به حكما، بداهة أنّ الخارج من مطلق الكلام في الصلاة هو الدعاء و الذكر الغير المنهي عنه فيبقى الذكر المنهي عنه تحت إطلاقات مبطلية مطلق الكلام من غير تقييد بكلام الآدمي كقوله عليه السّلام في رواية أبي بصير: إن تكلّمت أو صرفت وجهك عن القبلة فأعد الصلاة (1). و دعوى انصرافه إلى كلام الآدمي ممنوع. و إن لم يكن الذكر منهيّا عنه فإن لم يقصد به الجزئية فلا بأس و صحّت صلاته، و إن قصد به الجزئية بطلت، لصدق الزيادة فيدخل في قوله عليه السّلام «من زاد في صلاته ..
إلخ» (2). و إن كانت الضميمة أجنبيا عن سنخ أفعال الصلاة و أقوالها فإن لم ينوها مع الصلاة بأن لم تكن تلك الضميمة جزء الداعي و المحرّك لفعل الصلاة فلا بأس به، و إن كانت جزء الداعي فقد حكي التفصيل بين كونها مباحة أو راجحة فإن كانت مباحة فالصلاة باطلة، لعدم استقلال الأمر الصلاتي للداعوية، و إن كانت راجحة فلا بأس، هذا. و لكنّ الظاهر عدم الفرق بين الضميمة الراجحة و المباحة و الأقوى البطلان فيهما جميعا لما ذكر من عدم استقلال الأمر الصلاتي للداعوية إلّا أن تكون الضميمة على وجه التبعية بحيث لو لم تكن لكان الأمر الصلاتي محرّكا له نحوها فتأمّل في المقام، فإنّه يحتاج إلى بسط من الكلام لا يسعنا،
و لعلّه يأتي في بعض المباحث الآتية إن شاء اللّٰه.
، فهذا ممّا لا إشكال في صحة العبادة و كفايته في المقربيّة، سواء كان نفس الامتثال هو المقصود بالأصالة، حيث يراه جلّ شأنه أهلا للعبادة، أو يكون الوصول إلى الغايات المترتّبة عليه موجبا للانبعاث عن الأمر بحيث يكون الموجب للانبعاث عن الأمر الوصول إلى ما أوعده اللّٰه تعالى للمطيع من الثواب و العقاب، أخرويّين كانا أو دنيويين.
و الملاك في صحّة العبادة، خصوصا مع سقوط الأمر عن العبادة بواسطة مزاحمتها للأهم- كما في موارد التزاحم- مع أهمّية أحد المتزاحمين، حيث إنّ الأمر عن المهمّ يسقط فلا يكفي فعل المهمّ بداعي المحبوبية الذاتية و لا يوجب عباديّته، بل لا بدّ في وقوع الشيء عبادة من قصد الأمر، و غاية ما يمكن أن يوجّه ذلك هو أن يقال: إنّ في صورة سقوط الأمر بالمزاحم الأهمّ لا سبيل لنا إلى إحراز الجهة و الملاك و الحسن الذاتي حتّى تكون هي الداعي، بداهة أنّ الكاشف عن الملاك إنّما هو الأمر، إذ لا طريق لنا لإحرازه سوى الأمر، و بعد سقوط الأمر بالمزاحمة لا يمكن القول ببقاء الملاك، لاحتمال أن تكون للقدرة دخل في الملاك، و يكون الشارع قد اكتفى عن أخذها في لسان الدليل بحكم العقل باعتبارها لقبح مطالبة العاجز.
و حاصل الكلام: أنّ سقوط الأمر عن المزاحم المهمّ إنّما هو لأجل عدم قدرة
المكلّف على فعله مع فعل مزاحمة الأهم، و عدم إمكان الجمع بينهما، و دعوى أنّ سقوط الأمر لأجل عدم القدرة على متعلّقة لا يوجب ارتفاع الملاك إلّا إذا أخذت القدرة شرطا شرعيّا، و المفروض في باب التزاحم عدم أخذها شرطا شرعيّا، بل الأمر بالنسبة إليها مطلق و التقييد بها إنّما هو لحكم العقل بقبح مطالبة العاجز بما لا يقدر عليه، و القدرة العقلية ممّا لا دخل لها بالملاك، دون إثباتها خرط القتاد، إذ لا مانع من أن يكون للقدرة العقلية دخل في الملاك كالقدرة الشرعية، فمن أين يمكن إحراز الملاك في موارد سقوط الأمر بالمزاحمة.
و دعوى انّ إطلاق الأمر و عدم تقييده بصورة القدرة يكشف عن عدم دخل القدرة في الملاك، و وجوده في كلتا صورتي القدرة و عدمها، إذ لو كانت القدرة العقلية ممّا لها دخل في الملاك لكان اللازم تقييد الأمر بها (1)فإطلاق الأمر يكشف عن وجودها، ففيها أنّ إطلاق الأمر لا يكشف عن عدم دخلها في الملاك، فإنّ إطلاق الأمر إنّما يكشف عن عدم كون شيء قيدا إذا لم يكن القيد ممّا استقلّ العقل الضروري به، و مع استقلال العقل به يكون بمنزلة المخصّص و المقيّد المتّصل، و التقييد بالقدرة في المقام ممّا استقلّ العقل به لقبح مطالبة العاجز بما لا يقدر عليه، و هذا الحكم الضروري العقلي لو لم يكن قرينة على تقييد الأمر شرعا بصورة القدرة، فلا أقل من صلاحيّته للقرينية، و مع صلاحيّته لذلك لا يمكن استكشاف بقاء الملاك مع سقوط [الأمر] و لا يكون إطلاق الأمر كاشفا عنه، و حينئذ لا يمكن تصحيح العبادة بقصد الملاك عند سقوط الأمر في باب التزاحم، بل لا يمكن تصحيحها بالأمر الترتّبي أيضا لأنّ الأمر الترتّبي على القول به إنّما هو بعد إحراز الملاك و مع عدم إحرازه كما أوضحناه لا يمكن القول بالأمر
1) مع أنّ تقييد الأمر بها يوجب خروجها عن كونها قدرة عقليّة و تكون حينئذ شرعيّة كما لا يخفى «منه».
الترتّبي هذا و لا بدّ لكلّ من قال بصحّة العبادة في باب التزاحم إمّا بالملاك و إمّا بالأمر الترتّبي من دفع هذا الإشكال، هذا.
و قد أفاد شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- في دفع الإشكال بما حاصله: أنّ حكم العقل بقبح مطالبة العاجز لا يمكن أن يكون حينئذ ثبوتا ممّا له دخل في الملاك، بل هو واقع لا محالة في المرتبة المتأخّرة عن الملاك، و كذا لا يمكن أن يكون هذا الحكم العقلي إثباتا مقيّدا لإطلاق الأمر بحيث يصلح أن يمنع كاشفية إطلاق الأمر عن وجود الملاك في كلتا صورتي القدرة و عدمها، فهذا الحكم العقلي لا يصلح للقرينية فضلا عن كونه قرينة.
أمّا عدم إمكان أن تكون القدرة العقلية ممّا لها دخل في الملاك ثبوتا، فلأنّ حكم العقل بقبح مطالبة العاجز إنّما هو من شرائط حسن الخطاب، فهو واقع في مرتبة المانع، و معلوم أنّ رتبة المانع متأخّرة عن رتبة المقتضي، فلا بدّ أن يكون المقتضي في حدّ نفسه تاما بحيث يمكن أن يستتبعه الخطاب، فعند ذلك العقل يمنع عن توجّه الخطاب نحو العاجز، و يحكم بقبح مطالبته فهذا الحكم العقلي دائما يمنع عن توجّه الخطاب بعد أن تمّ مقتضيه، إذ مع عدم تمامية المقتضي يستند عدم الخطاب إلى عدم مقتضيه لا إلى عدم القدرة على متعلّقه.
و حاصل الكلام: أنّه قد مرّ منّا مرارا أنّ رتبة المانع متأخّرة عن رتبة المقتضي، و عدم الشيء إنّما يستند إلى المانع بعد وجود المقتضي، و المانع دائما يزاحم المقتضي في تأثيره، و حينئذ نقول: إنّ حكم العقل باعتبار القدرة و قبح مطالبة العاجز إنّما هو واقع في رتبة المانع، و هو يتوقّف على تمامية المقتضي و ما هو ملاك الحكم، و السرّ في ذلك هو ما أشرنا إليه من أنّ حكم العقل باعتبار القدرة إنّما هو من شرائط حسن الخطاب، فلا بدّ من أن يكون المقتضي للخطاب موجود، بحيث يقتضي بنفسه استتباع الخطاب حتّى تصل النوبة إلى منع العقل عند عجز
المكلّف، لكي يستند عدم الخطاب حينئذ إلى عدم القدرة فلو لم يكن المقتضي للخطاب تاما كان عدم الخطاب مستندا إلى عدم المقتضي لا إلى عدم القدرة على متعلّقة، فحكم العقل بقبح مطالبة العاجز لا يعقل أن يكون في مرتبة الملاك و المقتضي، حتّى يمكن توهّم دخله في الملاك بل هذا الحكم العقلي دائما متوسّط بين الملاك و بين الخطاب رتبته تكون متأخّرة عن الملاك و مقدّمة عن الخطاب كما لا يخفى.
و أمّا عدم إمكان صلاحيّة حكم العقل باعتبار القدرة للقرينية في مرحلة الإثبات، و عدم منعه عن كاشفيّة إطلاق الأمر لثبوت الملاك في كلتا صورتي العجز و عدمه، فلأنّ الخطاب إمّا أن يكون مقيّدا بالقدرة و إمّا أن لا يكون، فإن كان مقيّدا بالقدرة، فهذه القدرة حينئذ تكون شرعية لا عقلية، إلّا أن يكون التقييد لتقرير حكم العقل و لا إشكال في دخل القدرة الشرعية في الملاك كسائر القيود الشرعية إلّا أنّ هذا خارج عمّا نحن فيه، و الكلام في القدرة العقلية، و إن لم يكن الخطاب مقيّدا بالقدرة فإن كان الدليل مجملا و دار الأمر بين أن يكون مشروطا بالقدرة الشرعية و أن لا يكون فالمتيقّن منه الاشتراط، كما هو الشأن في كلّ ما دار الأمر بين الإطلاق و الاشتراط، و إن لم يكن الدليل مجملا فلا يمكن أن يكون حكم العقل بقبح مطالبة العاجز مانعا عن الإطلاق الكاشف لعدم دخل شيء في الملاك، لأنّ حكم العقل بقبح مطالبة العاجز إنّما هو بعد إطلاق الدليل و عدم اشتراطه بالقدرة، و إلّا لما كان حاجة إلى هذا الحكم العقلي، فهذا الحكم العقلي فرع ثبوت الإطلاق فكيف يكون مانعا عنه.
و حاصل الدعوى: إنّما هي صلاحية حكم العقل الضروري بقبح مطالبة العاجز لتقييد إطلاق الدليل و جعله على حدّ ما إذا كان مقيّدا بالقدرة صريحا في اللفظ، و كما أنّ في صورة التقييد بالقدرة لفظا لا يمكن القول ببقاء الملاك عند
سقوط الأمر بالعجز كما في باب الحجّ فكذلك ما هو بمنزلة التصريح بالتقييد بها لفظا، و هو حكم العقل بقبح مطالبة العاجز.
و حاصل دفعها: أنّ هذا الحكم العقلي لا يمكن أن يكون مقيّدا للدليل بصورة القدرة على حدّ تقييده لفظا، لأنّ العقل إنّما يحكم بقبح مطالبة العاجز، إذا كان الدليل مطلقا و شاملا لكلتا صورتي العجز و عدمه، فإنّه عند ذلك العقل يستقل بقبح مطالبة العاجز، و قصر الحكم بصورة القدرة، فإذا كان هذا الحكم العقلي متأخرا رتبة عن إطلاق الدليل، فكيف يمكن أن يمنع عنه، إذ المنع عن الإطلاق معناه، أن يجعل اللفظ مجملا صالحا لأن يكون مقيّدا بالقدرة، فيكون كما إذا كان اللفظ من أول الأمر مجملا، الذي قد عرفت أنّ المتيقّن منه هو اشتراطه بالقدرة، و قد عرفت أنّه إنّما تصل النوبة إلى حكم العقل بقبح مطالبة العاجز، إذا كان اللفظ مطلقا و لم يحتفّ به ما يصلح لتقييده بالقدرة، فكيف يمكن أن يدّعى أنّ نفس هذا الحكم العقلي ممّا هو محتفّ باللفظ و صالح للتقييد، و هل يستلزم ذلك إلّا الدور فتأمّل في المقام جيّدا.
فالإنصاف أنّ إطلاق الأمر بنفسه كاشف عن ثبوت الملاك في كلتا صورتي العجز و عدمه، و يترتّب عليه حينئذ بقاء الملاك عند سقوط الأمر بالمزاحمة.
فإنّ قلت: إنّ التمسّك بالإطلاق إنّما هو لأجل مقدّمات الحكمة، و من مقدّمات الحكمة أنّه لو لم يكن الإطلاق بمراد للزم إيقاع المكلّف على خلاف المراد و الواقع، و هذه المقدّمة فيما نحن فيه مفقودة، إذ لم يلزم من الإطلاق عند عدم إرادته محذور وقوع المكلّف على خلاف الواقع، إذ على فرض أن لا يكون الإطلاق بمراد، و كان في الواقع الأمر مقيدا بصورة القدرة، فالمكلّف لا يقع في مخالفة الواقع، إذ عند العجز هو تارك للمتعلّق لا محالة، فالإطلاق و عدمه سيّان فيما نحن فيه، و معه لا يمكن التشبّث بالإطلاق و القول بكشفه عن ثبوت الملاك مطلقا.
قلت: أوّلا: ليس من مقدّمات الحكمة أنّه لو لم يكن الإطلاق بمراد يلزم إيقاع المكلّف على خلاف الواقع، بل مقدّمة الحكمة إنّما هي عبارة عن أنّ الآمر حيث كان بصدد بيان ماله دخل في غرضه و مراده، فلا بدّ من أن يكون الإطلاق هو تمام المراد، سواء وقع المكلّف بخلاف الواقع أو لم يقع، و ثانيا: أنّه يلزم فيما نحن فيه وقوع المكلّف بخلاف الواقع، كما في باب التزاحم، فتأمّل جيّدا (1).
فقد ظهر لك وجود الملاك عند سقوط الأمر بالمزاحم الأهمّ و عليه يستقيم الأمر الترتّبي. إذا عرفت ذلك فلنعد إلى ما كنّا فيه، فنقول: إنّه قد حكي عن الجواهر- قدّس سرّه- عدم كفاية قصد الجهة و الملاك في صحّة العبادة، بل لا بدّ من قصد الأمر، و قد حكي عن الشيخ- قدّس سرّه- بأنّ قصد الجهة أدخل في العبادة و أقوى من قصد الأمر في صدق الإطاعة، كما يتّضح ذلك بمراجعة ديدن العقلاء في مقام إطاعة العبيد لمواليهم العرفية، فإنّه لو أمر المولى بالماء لجهة رفع عطشه، فالعبد تارة يجيء بالماء لأنّ المولى أمره بذلك، و اخرى يجيء به لكثرة حبّه لمولاه، و اشتياقه إليه، و تألّمه من عطشه، بحيث يكون الداعي إلى العبد هو رفع عطش المولى، حيث لا يقدر أن يرى مولاه عطشانا، و لا إشكال في أنّ رتبة مثل هذا العبد عند المولى أعلى من رتبة من كان قصده امتثال الأمر، و كان هذا العبد أقوى إطاعة من ذلك، هذا.
و قد أشكل على ذلك شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- بما حاصله: أنّه تارة تكون
1) إذ إطلاق الأمر بالمهمّ و عدم تقييده بالقدرة يوجب إيقاع المكلّف على خلاف الواقع، لو كانت القدرة في الواقع شرطا و قيدا، فان المكلّف من إطلاق الأمر يستكشف إطلاق الملاك و وجوده في صورة سقوط الأمر بالمزاحمة، فيأتي به بداعي الملاك بعد عصيانه الأهمّ، و يكتفي به و لم يأت به ثانيا عند عود الأمر به، لضيق وقته أو لفوات الأهمّ و ارتفاع موضوعه، مع أنّه لو كانت القدرة شرطا لكان ما أتى به أوّلا خاليا عن الملاك و كان لغوا و كان اللازم فعله ثانيا، فإطلاق الأمر هو الذي أوقع المكلّف في خلاف الواقع، و أوجب عدم إتيان المكلّف به ثانيا، بحسبان أنّه قد أتى بما هو مشتمل على الملاك الذي استفاده من إطلاق الأمر فتأمّل. «منه».
الجهة و الملاك معلومة لدى العبد تفصيلا، كالعطش في المثال المتقدّم، و اخرى لا تكون كذلك، بل يعلم إجمالا أنّ هناك جهة باعثة للآمر تكون محبوبة عنده، كما هو الشأن في غالب الأوامر الشرعيّة بالنسبة إلى أغلب الناس، حيث لا يعلمون الملاك تفصيلا، و القدر المسلّم في أقوائية الإطاعة و الأدخلية في العبادة هو ما إذا كانت الجهة معلومة بالتفصيل، و يكون داعيه تحصيل تلك الجهة لكثرة الاشتياق و المحبّة، و هذا لا يتّفق إلّا للأوحدي. و أمّا لو كانت الجهة معلومة إجمالا، فكونها أدخل و أقوى في الطاعة و العبادة ممنوعا، نعم يمكن أن يقال: إنّ الفعل لا يؤمر به على وجه العبادية إلّا إذا كانت هناك جهة تقتضي العبادية، و إن لم تكن تلك الجهة معلومة لنا بالتفصيل، فالمعيار في العبادية إنّما هي تلك الجهة، و قصد الأمر إنّما يكفي في وقوع الفعل عبادة، لأنّه يكون قصد إجمالي إلى تلك الجهة التي يدور عليها العبادة، فقصد نفس تلك الجهة إجمالا يكون أولى في وقوع الفعل عبادة، و حينئذ لا ينبغي الإشكال في أنّ قصد الجهة يكفي في صحّة العبادة، ككفاية قصد الأمر فتأمّل جيّدا.
، كالفوز برضاه تعالى، أو النيل إلى الثواب، و الأمن من العقاب، و أمثال ذلك بدون توسيط قصد الأمر، ففي كفايته في الصحّة إشكال. و قد حكي عن العلامة (1)- قدّس سرّه- المنع عن كفايته، و تبعه غير واحد، و قد يوجّه ذلك، بأنّ الأمن من العقاب، و النيل إلى الثواب، لا يترتّب على ذات العمل، إذ ذات الصلاة بما هي هي لا يترتّب على فعلها ثواب، و لا على تركها عقاب، بل الذي يترتّب الثواب و العقاب عليه إنّما هو العبادة، و الصلاة الواقعة على وجه العبادة،
1) التذكرة: ج 1 ص 111 البحث الثاني في النية.
و بعبارة أخرى: الثواب إنّما يترتّب على فعل العبادة، و العقاب يترتّب على ترك العبادة فلا يمكن أنّ يكون النيل إلى الثواب، و الأمن من العقاب موجبا لعبادية الشيء، بل لا بدّ من قصد الأمر الذي به يكون الشيء عبادة.
و من هنا أشكل على من عدّ قصد النيل إلى الثواب و الأمن من العقاب في عرض قصد الأمر، و جعل كلّ منهما موجبا للعبادة بما حاصله: أنّ قصد الثواب و العقاب في طول قصد الأمر، لما عرفت من أنّهما مترتّبان على العبادة المتوقّفة على قصد الأمر، و معه لا يمكن أن يكونا في عرض قصد الأمر، فلا بدّ في العبادة من توسيط قصد الأمر، إلا إذا كان الشيء بنفسه عبادة، كالسجود للّٰه، و قد تقدّم شطر من الكلام في ذلك في أوائل مباحث النية، هذا.
و قد اختار شيخنا الأستاذ مدّ ظلّه كفاية قصد ذلك في صحّة العبادة، و ذلك لأنّ الكلام في المقام بعد الفراغ عن إشكال كيفية اعتبار الداعي في العبادة، و أنّه كيف يمكن الأمر بالعبادة، مع أنّ العبادة متوقّفة على الإتيان بالدواعي القربية، و الدواعي لا يمكن أخذها في متعلّق الأمر، لأنّها لا تتعلّق بها إرادة الفاعل، و ما لا يتعلّق به إرادة الفاعل لا يمكن أن يتعلّق به إرادة الآمر، و قد عرفت أنّ الإشكال مطّرد في جميع الدواعي القربية، من دون خصوصية لقصد الأمر، مضافا إلى ما يرد من أخذ خصوص قصد الأمر في المتعلّق من المحاذير الأخر، على ما أوضحناه في باب التعبّدي و التوصّلي. و بالجملة: الكلام في المقام في تعداد الدواعي القربية، مع قطع النظر عن الإشكال الوارد في وجه اعتبارها في العبادة المأمور بها. فدعوى أنّ الأمن من العقاب و النيل إلى الثواب لا يترتّبان على ذات العمل، بل على ما هو عبادة، فلا يعقل أن يكون الشيء عبادة بهما، هي بعينها ترجع إلى الإشكال في كيفيّة أخذ الدواعي في متعلّق العبادة، و ليس إشكالا آخر كما لا يخفى وجهه، على المتأمّل. و قد عرفت أنّ كلامنا في المقام
متمحّض لما يصلح أن يكون داعيا بعد دفع ذلك الاشكال بوجه على ما بيّناه في محلّه، فحينئذ نقول:
أولا: أنّه بعد العلم بتعلّق الأمر بالشيء يكون قصد الأمن من العقاب، و النيل إلى الثواب، مع كونهما من الغايات المترتّبة على الامتثال قصدا للأمر إجمالا، و لا ينفكّ قصدهما عن قصده لا محالة.
و ثانيا: على فرض أنّه يمكن التفكيك بينهما و أنّ قصدهما لا يكون قصدا إلى الأمر إجمالا، نقول: إنّ قصد الأمر لم يرد في آية و لا رواية حتّى يقال بانحصار صحة العبادة فيه، بل الذي دلّت عليه الروايات هو الإتيان بالفعل للّٰه تعالى، و ابتغاء لوجهه الأعلى و لمرضاته، فكلّما كان الفعل للّٰه كان العمل صحيحا، و قصد التخلّص من عقابه تعالى، أو النيل إلى ثوابه يوجب صدق هذا المعنى العام، و هو كون الفعل للّٰه و بذلك يستقيم ما صنعه بعض من عدّ ذلك في عرض قصد الأمر.
و بالجملة: ليس فيما بأيدينا من الأدلّة ما يدلّ على انحصار صحّة العبادة بقصد الأمر أو وجه الأمر، بل الذي يدلّ عليه الأدلّة هو أن تكون العبادة للّٰه و ابتغاء وجهه الأعلى، و معنى العبادة للّٰه و ابتغاء وجهه الأعلى، و إن لم نعرفه تفصيلا إلّا أنّه يكفي في صحّة العبادة هو هذا المعنى العام، فتأمّل جيّدا.
، فلا يخلو الأمر إمّا أن يكون ذلك الغرض الدنيوي ممّا أوعد به اللّٰه تعالى، و إمّا أن لا يكون، و الثاني إمّا يكون بوعد من غيره تعالى، و إمّا أن لا يكون بوعد، بل كان ذلك من الخواص المترتّبة على الشيء، كما لو جرّب أنّ صلاة الليل موجبة للتوسعة في الرزق، فقصد من صلاة الليل مجرّد التوسعة، من دون أن يكون ذلك بوعد منه تعالى، ثمّ ما كان موعودا منه تعالى فتارة يكون الداعي هو نفس ذلك الغرض الدنيوي الموعود منه بلا توسيط قصد الأمر، و اخرى يكون ذلك من
باب داعي الداعي، بأن كان غرضه من قصد الأمر هو الوصول إلى ذلك الغرض، فهذه جملة الأقسام المتصوّرة في المقام.
فإن لم يكن الغرض موعودا منه تعالى، فلا ينبغي الإشكال في بطلان العبادة، إذا كان غرضه منها هو الوصول إلى ذلك الغرض الدنيوي، سواء كان ذلك موعودا من غيره تعالى أو كان من الخواصّ المجرّبة، إذ لم يقصد بالعبادة لا الأمر و لا جهته و لا ذلك المعنى العام الذي اخترناه في صحّة العبادة. و كذا لو كان الغرض الدنيوي موعودا منه تعالى، و لكن كان الداعي إلى فعل العبادة هو الوصول إلى ذلك الغرض، من دون نظر إلى الأمر و لا يكون قصده قصدا إليه إجمالا (1). فإنّ هذا لم يأت بالعبادة للّٰه بل أتى بها لسعة الرزق فقط.
و أمّا لو كان داعيه ذلك بتوسيط قصد الأمر، فالأقوى فيه الصحّة، و إن حكي عن بعض الخلاف فيه، فإنّ نفس الوعد منه تعالى إيجادا للداعي إلى التقرّب بها و يكون من غايات الامتثال، و إلا لغا الوعد منه تعالى كما لا يخفى، و شتّان ما بين أن يكون الوعد منه تعالى و ما بين أن يكون من غيره، من بذل باذل، فإنّه لو كان الداعي هو الوصول إلى ما يبذله الباذل لكان الغاية القصوى و المقصد الأعلى هو غير اللّٰه تعالى، و لو أمكن توسيط قصد الأمر أيضا و الحاصل: أنّه قد تقدّم أنّه لو كان الداعي هو الأجرة و أمكن أن يكون من باب الداعي [إلى] الداعي، و إن كان ذلك ممنوعا جدّا، على ما عرفت، كان توسيط قصد الأمر ممّا لا أثر له: بعد ما كان المقصود بالأصالة هو أخذ الأجرة، و هذا بخلاف ما إذا كان الداعي هو ما أوعده اللّٰه تعالى، فإنّه بالأخرة يرجع إلى اللّٰه و يكون مقرّبا كما
1) و إن كان يمكن أن يقال: إنّ قصد التوصّل إلى غرض موعود منه تعالى لا ينفكّ عن قصد الأمر و لو إجمالا كما تقدّم ذلك في قصد الثواب و العقاب فتأمّل «منه».
لا يخفى، فتأمّل جيّدا.
قد عرفت أنّ المعتبر في النيّة أمران: قصد هويّة المأمور به و قصد أمره الواقعي، و بعد تحقّق هذين الأمرين لا يجب القصد إلى شيء من أوصاف المأمور به الخارجة عن حقيقته، و أوصاف الأمر الذي يراد امتثاله، فمثل الأداء و القضاء و الوجوب و الندب ممّا لا يعتبر القصد إليها، بل لو نوى أحدهما مكان ضدّه صحّ، إلّا إذا كان ذلك منافيا لليقين أو مغيّرا للنوع. و تفصيل ذلك هو أنّه قد تقدّم أنّ الخصوصيّات في كلا ناحية الأمر و المأمور به مختلفة، إذ منها ما تكون داخلة في هوية الأمر أو المأمور به، و منها ما تكون خارجة عنها، و الذي لا محيص عن قصده هو الخصوصيّات الداخلة في هوية المأمور به أو الأمر، سواء تعدّد ما في الذمّة أو اتّحد، و أمّا الخصوصيّات الخارجة عن الهوية فلا يعتبر القصد إليها كالوجوب و الندب و الأداء و القضاء، سواء أخذ وصفا في ناحية الأمر أو في ناحية المأمور به، فلا يعتبر قصد الصلاة الواجبة لأمرها الوجوبي، بل لو قصد أحد هذه الخصوصيّات مكان ضدّه، كأن قصد في مكان الأمر الوجوبي الندبي أو في مكان الصلاة الواجبة الصلاة المندوبة صحّ أيضا، سواء كان جهلا حتّى يكون من الخطأ في التطبيق، أو علما تشريعا إذا لم يؤخذ الوصف قيدا لكي يرجع إلى عدم قصد الأمر أو المأمور به.
نعم ربّما يكون قصد الضدّ مغيّرا للنوع المأمور به، أو يكون عدم قصد الخصوصية منافيا للتعيين.
أمّا الأول: فكالقصر و الإتمام، فإنّ الخصوصية القصرية و التمامية و إن كانت من الخصوصيّات المنوعة لحقيقة المأمور به، إلا أنّها لا يعتبر القصد إلى تلك
الخصوصية مع وحدة ما في ذمّة المكلّف، إلّا أنّ قصد أحدهما مكان الآخر يوجب البطلان، لعدم القصد إلى ما هو المأمور به، بداهة تضادّ الصلاة ركعتين مع الأربع، فيكون قصد الضدّ مغيّرا للنوع. و الظاهر انحصار المثال في خصوصية لا يعتبر القصد إليها ابتداء، إلّا أنّ قصد ضدّها يوجب تغيير النوع بمثل خصوصية القصرية و النوعية. و لعلّ السرّ في ذلك هو أنّ خصوصية القصرية و التمامية ليست إلّا عبارة عن قلّة الأجزاء و كثرتها، و قد تقدّم أنّ القصد إلى الأجزاء تفصيلا ممّا لا يعتبر بل يكفي القصد إليها إجمالا و إن لم يعرفها تفصيلا، فيكفي القصد إلى صلاة الظهر مثلا بداعي أمرها الفعلي و إن جهل بكونها قصرا أو تماما، و لكن أتى بما هو المأمور به من القصر و التمام بأن سلّم على الركعتين لو كان القصر هو المأمور به، و على الأربع لو كان التمام هو المأمور به، و لكن لو قصد القصر مكان التمام أو العكس و لو جهلا لكان موجبا لعدم القصد إلى ما هو المأمور به واقعا، و يكون قد قصد نوعا لم يكن بمأمور به واقعا.
و أمّا الثاني: و هو ما إذا كان عدم قصد الخصوصية منافيا للتعيين، فكالوجوب و الندب و الأداء و القضاء.
التي هي أول أفعال الصلاة و من أجزائها، و بها يحرم كلّ ما كان يحلّ قبلها من منافيات الصلاة،
التي توجب نقصها أو زيادتها بطلان الصلاة، و لو كان ذلك عن سهو و نسيان، أمّا في صورة النقص فالظاهر أنّه لا إشكال فيه و قد حكي الإجماع مستفيضا على بطلان الصلاة بترك تكبيرة الإحرام عمدا أو سهوا. و يدلّ عليه قبل ذلك الأخبار المستفيضة كقوله عليه السّلام «يعيد» في رواية زرارة بعد ما سئل عن الرجل ينسى تكبيرة الافتتاح (1). و في معناها عدّة من الروايات (2)المصرّحة بإعادة الصلاة عند ترك التكبيرة سهوا.
نعم ورد في جملة من الأخبار ما ظاهره الصحّة و عدم بطلان الصلاة بذلك، كرواية زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قال: قلت له: الرجل ينسى أول تكبيرة
من الافتتاح، فقال عليه السّلام: إن ذكرها قبل الركوع كبّر ثمّ قرأ ثمّ ركع، و إن ذكرها في الصلاة كبّرها في قيامه في موضع التكبير قبل القراءة و بعد القراءة.
قلت: فإن ذكرها بعد الصلاة؟ قال: فليقضها و لا شيء عليه (1). و في معناها عدّة من الروايات (2)على اختلاف يسير بينها.
و قد رام بعض الأعلام تطبيقها على القاعدة، و جعلها من باب الخطأ في التطبيق، بتقريب أنّ الناسي لتكبيرة الإحرام يتخيّل أنّه قد سقط عنه الأمر بها و يكبّر للركوع، بتخيّل أن تكبيرة الركوع هي المأمور بها فعلا، مع أنّ في الواقع ما هو المأمور به تكبيرة الإحرام، فهو يقصد المأمور به الفعلي غايته أنّه يتخيّل أنّه تكبيرة الركوع، و يكون حينئذ من قبيل قصد القضاء مع كون المأمور به هو الأداء و بالعكس. فكما أنّ قصد القضائية يلغو و تصحّ صلاته، فكذلك قصد كون التكبيرة للركوع يلغو و تحسب تكبيرة الإحرام، غايته أنّه يكون ناسيا للقراءة و هو ليس بمحذور، هذا.
و لكن لا يخفى عليك ما فيه فإنّه قد عرفت في مبحث النية أنّ مورد الخطأ في التطبيق إنّما هو الأوصاف الخارجة عن حقيقة الأمر و المأمور به، كالوجوب و الاستحباب و الأداء و القضاء على ما تقدّم تفصيله، و لا إشكال أنّه تفترق تكبيرة الإحرام عن تكبيرة الركوع بالحقيقة و الهوية و إن اشتركا في الصورة، فإنّ تكبيرة الإحرام متقوّمة بالقصد، و ليس هي عبارة عن تكبيرة بل لا بدّ من القصد إلى كونها إحراما و افتتاحا، لا نقول: إنّه يعتبر القصد إلى الإحرامية و الافتتاحية، بل نقول: إنّه لا بدّ من القصد إلى أنّه بها يدخل في الصلاة، و يكون بها شروعا فيها
الذي بذلك تمتاز عن سائر التكبيرات الافتتاحية المستحبّة، و عن تكبيرة الركوع و السجود.
و الحاصل: أنّ دعوى اتّحاد تكبيرة الإحرام مع سائر التكبيرات بالهوية و الحقيقة و الصورة و أن الإحرامية و الافتتاحية من الأوصاف الخارجة عن الحقيقة التي لا يعتبر القصد إليها بل لا يضرّ قصد خلافها كما هو الشأن في مثل وصفي الأداء و القضاء، بعيدة جدّا. بل ينبغي القطع بخلافها، و على تقدير التسليم و قلنا باتّحاد الحقيقة فلا بدّ أيضا من القصد إليها و تعيينها، لما تقدّم في مبحث النية، من أنّه إذا تعدّد ما في ذمّة المكلّف من متّحد الحقيقة، فلا بدّ في مقام الامتثال من التعيين و لو بالأوصاف الخارجة عن الحقيقة، كما في مثل نافلة الصبح و فريضتها فراجع، و المقام يكون حينئذ من ذلك القبيل فتأمّل.
فالأولى طرح الأخبار المخالفة و حملها على التقية كما عليه المعظم، هذا كلّه في نقصان التكبيرة سهوا. و أمّا زيادتها فلا إشكال في البطلان في صورة العمد. و أمّا في صورة السهو فقد ادّعي الإجماع على البطلان أيضا و لم ينقل الخلاف عن أحد، فإن تمّ الإجماع فهو و إلّا فالبطلان بالزيادة السهوية يكون خاليا عن الدليل مع أنّ الأصل لا يقتضيه، كما بيّن في محلّه. و إطلاقات أدلّة الزيادة من مثل قوله عليه السّلام: «من زاد في صلاته فعليه الإعادة» (1)مقصورة بصورة العمد أو الأركان حسب ما يقضيه الجمع بين أدلّة الزيادة و حديث «لا تعاد» (2)، و الكلام بعد في ركنية تكبيرة الإحرام.
و بالجملة: ليس مطلق الزيادة مبطلة للصلاة، بل المبطل حسب ما يقتضيه
الجمع بين الأدلّة- على ما يأتي تفصيله في محلّه إن شاء اللّٰه- هي الزيادة العمدية، أو الزيادة في فرض اللّٰه، كما ورد في المسافر الذي أتمّ أنّ عليه الإعادة لأنّه زاد في فرض اللّٰه (1). و كما في حديث «لا تعاد» (2)في أنّ الركوع و السجود فرض اللّٰه، فيظهر من ذلك أنّ كلّ ما كانت الزيادة في فرض اللّٰه فالصلاة باطلة و إن كانت الزيادة سهوية، و تكبيرة الإحرام إن كانت من فرض اللّٰه فزيادتها السهوية أيضا مبطلة، و تكون من الركن بالمعنى المصطلح، و هو ما يوجب زيادته و نقصانه العمدية و السهوية البطلان. و إن لم تكن من فرض اللّٰه فزيادتها السهوية غير مبطلة، و الكلام بعد في كونها من فرض اللّٰه، اللّٰهم إلّا أن يستشعر ذلك ممّا ورد من مثل تحريمها التكبير (3)، و أنّه لا صلاة بلا افتتاح (4)، و أمثال ذلك، و لا ينافي عدم ذكر التكبيرة في حديث «لا تعاد» بعد دلالته على البطلان في كل ما كان من فرض اللّٰه، و إن أبيت عن ذلك كلّه كان المستند في المسألة هو الإجماع، فالأقوى أنّ الزيادة السهوية كالنقيصة مبطلة.
ثمّ إنّه إن كانت الزيادة عمدية فلا إشكال في اقتضائها البطلان، و الاحتياج إلى تكبيرة ثالثة بها تنعقد الصلاة، و لا يمكن انعقادها بتلك التكبيرة لكونها منهيّا عنها، فلا تصلح وقوعها تكبيرة الإحرام، إلّا إذا قلنا ببطلان الصلاة بمجرّد قصد التكبيرة الزائدة، بتوهّم أنّه يكون من القصد المنافي الهادم للاستدامة الحكمية، فحينئذ لا مانع من انعقاد الصلاة بالتكبيرة الثانية، لبطلان الصلاة قبل ذلك بالقصد. و بطلان الصلاة بمجرّد قصد المنافي مع عدم وقوع فعل صلاتي منه في
ذلك الحال محلّ تأمّل، إلّا إذا قلنا بالجزء الصوري و الهيئة الاتّصالية، حتّى يكون ذلك القصد واقعا في حال الجزء الصلاتي، و قد استقصينا الكلام عن الجزء الصوري و ما فيه في الأصول، فتأمّل جيّدا.
و أمّا الزيادة السهوية، فاقتضاؤها البطلان كما عرفت، و أمّا عدم انعقاد الصلاة بها فمحلّ بحث، بل ربّما مال إلى الانعقاد بعض الأعلام، بدعوى أنّه لا مانع من انعقاد الصلاة بها بعد كونها عن سهو فتبطل بها التكبيرة الاولى و تنعقد بها أيضا الصلاة، و لكن يدفعه أنّه لا تبطل الأولى إلّا بعد تمام التكبيرة الثانية إذ الركن عبارة عن مجموع التكبيرة، فمع عدم إتمامها لم يزد ركنا فلا موجب لبطلان الاولى، و إذا كان بطلان الاولى لا يتحقّق إلّا بعد إتمام الثانية فكيف ينعقد بها الصلاة أيضا، فتأمّل جيّدا. و قد تنظّر الشيخ- قدّس سرّه- في ذلك في صلاته.
و هي «اللّٰه أكبر» و لا تنعقد بما يرادفها من اللغة العربية، فضلا عن سائر اللغات. و قد أطالوا الكلام في البحث عن صورة التكبيرة، إلّا أنّ الكلّ واضح فراجع.
نعم ينبغي البحث عمّا نسب إلى المشهور، من أنّه يعتبر عدم وصل التكبيرة بما قبلها من الأدعية و غيرها، بحيث تسقط همزة «اللّٰه» في الكلام. و كذلك يعتبر الوقف على راء «أكبر» بلا وصلها بالبسملة أو الاستعاذة، و ربّما استدلّ على ذلك بما ورد من الأمر بالتكبيرة مترسّلا الذي هو بمعنى التأني المناسب للقطع، و فيه نظر، و ليس في المسألة دليل يعتمد عليه، فلا بدّ من الرجوع إلى الأصل الجاري في المسألة و الذي يقوى في بادي النظر هو كون الأصل في المقام البراءة، لأنّ المقام من صغريات دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطي، أو من دوران الأمر بين التخيير و التعيين. و لكن ما دل شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- في المقام إلى أنّ الأصل فيه هو الاشتغال، و إن قلنا بالبراءة في الأقل و الأكثر، و سبقه الى ذلك الشيخ
و هذا في الجملة ممّا لا إشكال و لا خلاف فيه، إنّما الكلام في تعيين تكبيرة الإحرام منها و المحتملات، بل الأقوال خمسة: أحدها: تعيين جعلها الاولى. ثانيها: تعيين جعلها الأخيرة.
ثالثها: التخيير بين جعلها أيّ منها من الاولى و الأخيرة و ما بينهما. رابعها: جعلها جملة تكبيرة الإحرام. خامسها: عدم لزوم تعيينها، بل هي تتعيّن في الواقع من جملة السبعة بحسب علم اللّٰه، و لا يجب على المصلّي تعيينها.
أمّا الأخير فضعيف غايته لما تقدّم من لزوم القصد إلى تكبيرة الإحرام، و ليست هي من الأمور الواقعية بحيث تقع قهرا عليه. و أمّا الأقوال الأخر فمنشؤها اختلاف الأنظار فيما يستفاد من الأخبار، و لا بأس بالإشارة إلى جملة منها: فمنها:
ما رواه البختري عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال: إنّ رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله كان في الصلاة و إلى جانبه الحسين بن علي عليهما السّلام فكبّر رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله فلم يحر الحسين عليه السّلام بالتكبير ثم كبّر رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله فلم يحر الحسين عليه السّلام التكبير فلم يزل رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله يكبّر و يعالج الحسين فلم يحر حتّى أكمل سبع تكبيرات فأحار الحسين عليه السّلام التكبير في السابعة فقال أبو عبد اللّٰه عليه السّلام: فصارت سنّة (1). و في معناها رواية أخرى (2). و قد استدلّ بها من قال بلزوم كون الأولى تكبيرة
الإحرام، و لكن لا يخفى عليك ضعف الاستدلال بذلك، إذ لا دلالة فيها على لزوم تعيين الأولى لتكبيرة الإحرام، إذ غاية ما يمكن تسليمه هو كون النبي صلّى اللّٰه عليه و آله جعل الأولى تكبيرة الإحرام و كان ذلك أيضا قبل تشريع التكبيرات الافتتاحية، نعم لو كان دأبه صلّى اللّٰه عليه و آله على جعله الأولى تكبيرة الإحرام بعد تشريع التكبيرات، و استدام على ذلك، لكان فيه دلالة على ذلك. مع أنّه أيضا يمكن منعه، خصوصا بعد ملاحظة الأخبار الأخر، هذا مضافا إلى ما قيل:
من معارضة هذه الرواية بما ورد (1)من كون علّة التشريع هو أنّه صلّى اللّٰه عليه و آله في ليلة المعراج كبّر عند كلّ حجاب تكبيرة واحدة و كانت الحجب سبعة، فلذلك صارت التكبيرات الافتتاحية سبعة. هذا و لكنّ الإنصاف أنّه لا معارضة بينهما، لإمكان أن يكون ما صدر عنه صلّى اللّٰه عليه و آله في ليلة المعراج علّة للتشريع في الواقع و عالم الباطن، و ما صدر عنه عليه السّلام في قضية الحسين عليه السّلام علّة للتشريع في عالم الظاهر.
و منها: خبر أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال: إذا افتتحت الصلاة فكبّر، إن شئت بواحدة و إن شئت ثلاثا و إن شئت خمسا و إن شئت سبعا، و كلّ ذلك مجز عنك غير أنّك إذا كنت إماما لم تجهر إلّا بتكبيرة (2). و قد استدلّ بهذه الرواية من قال بحصول تكبيرة الإحرام بالمجموع. و فيه أنّه لو لم يكن قوله في الذيل غير أنّك إذا كنت إماما .. إلخ، لكان استظهار ذلك في محلّه. إلّا أنّه ذيله يدلّ على كون تكبيرة الإحرام واحدة، و يكون فائدة الإجهار بها علم المأمومين بدخول الإمام في الصلاة، لأن لا يحرموا قبل الإمام، فهذه الرواية على القول بالتخيير أدلّ
كما لا يخفى، هذا مضافا إلى أنّه لم ينقل القول بذلك إلّا عن والد المجلسي (1)- رحمه اللّٰه- و قد ادّعي الإجماع على خلافه، و إن حكي عن بعض المتأخّرين الميل إليه.
و منها: صحيحة الحلبي فإذا كنت إماما يجزيك أن تكبّر واحدة تجهر فيها و تستر ستّا (2). و في معناها عدّة من الروايات (3). و الإنصاف أنّ هذه الروايات قويّة الدلالة على القول بالتخيير، و في غاية القوّة من الظهور.
و منها: رواية أبي بصير و فيها بعد ذكر الدعاء بعد التكبيرات الثلاث بقوله اللّٰهم أنت الملك الحقّ المبين .. إلخ، و الدعاء عقيب الاثنين بقوله لبّيك و سعديك .. إلخ، و عقيب السادسة بقوله يا محسن قد أتاك المسيء قال عليه السّلام: ثمّ تكبّر للإحرام.
و منها: الرضوي: و اعلم أنّ السابعة هي تكبيرة الإحرام. و قد استدلّ بذلك على لزوم تعيين كون الأخيرة تكبيرة الإحرام، و ظهورها في ذلك ممّا لا ينكر، إلّا أن أخبار التخيير أقوى ظهورا منها، و حينئذ لا بدّ من رفع اليد عن ظهورها في الوجوب و حملها على الأفضليّة و الرجحان الذي هي بالنسبة إلى ذلك نصّ، بخلاف دلالتها على الوجوب فإنّها بالإطلاق و يصير حاصل الفتوى هو التخيير مع أفضليّة جعلها الأخيرة. فعليك بالتأمّل في سائر ما ورد من الأخبار في المقام. هذا تمام الكلام فيما يهمّ من مباحث تكبيرة الإحرام، و سائر مباحثها ممّا لا يهمّنا التعرّض لها.
و فيه مباحث:
لا إشكال في وجوبه في الصلاة بل هو من القطعيّات التي دلّ عليها الكتاب و السنّة مستفيضا، إنّما الكلام في أنّه واجب مستقلّ في الصلاة في حال القراءة و غيرها، أو أنّه شرط لصحّة القراءة، و لا يخفى الثمرة بين الوجهين، كما ربّما يأتي بيانه. هذا في غير القيام في حال التكبيرة، و القيام المتّصل بالركوع.
و أمّا فيهما فقد قيل بركنيّتهما، و قد عرفت أنّ الركن ما أوجب نقصه و زيادته عمدا و سهوا بطلان الصلاة على كلام في طرف الزيادة، فينبغي البحث في كلّ من طرف النقيصة و الزيادة، و إن كان البحث في طرف النقيصة ممّا لا ثمرة فيه، إذ القيام المتّصل بالركوع، إمّا أن نقول بركنيّته، و إمّا أن نقول بكونه شرطا شرعيّا لصحّة الركوع، و إمّا أن نقول بكونه داخلا في حقيقة الركوع و مقوّم له، على ما سيأتي بيانه. و على جميع التقادير، بفواته يفوت الركن من الركوع، أو القيام المتّصل به، لو قلنا إنّه أيضا ركن، فيلزم في صورة النقص فوات ركن على كلّ حال.
نعم في طرف الزيادة ربّما يترتّب عليه أثر عملي. و على كلّ حال قد منع بعض الأعلام ركنية القيام المتّصل بالركوع، و جعل الهوي من القيام إلى الركوع
مقدّمة عقلية محضة، كما أفاده الطباطبائي في منظومته بقوله «إذ الهوي فيهما مقدّمة» (1)و لا بدّ قبل بيان الحال من تمهيد مقدّمة و هي:
أنّه تارة يكون متعلّق الطلب و التكليف و ما يقوم به الغرض هو الأثر الحاصل من فعل المكلّف بمعناه الاسم المصدري، من دون أن يكون لجهة الإصدار بمعناه المصدري دخل في الغرض، بل كان الإصدار مقدّمة عقلية لحصول ذلك الأثر الذي يستحيل حصوله بدون ذلك، كما هو الشأن في غالب الواجبات التوصّلية.
و اخرى ينعكس الأمر و يكون متعلّق الطلب و ما يقوم به الغرض هو حيثية الإصدار بمعناه المصدري، من دون أن يكون الأثر الحاصل منه متعلّق التكليف و إن كان لا ينفكّ عنه، و لا يبعد أن يكون باب الواجبات النظامية من هذا القبيل، حيث إنّ المطلوب فيها عدم الاحتكار بالعمل مع بقاء الأثر الحاصل منه على ملكية العامل، و من هنا جاز أخذ الأجرة عليها كما بيّناه في محلّه.
و ثالثة: يكون كلّ من الإصدار و الأثر الحاصل منه مورد التكليف و متعلّق الغرض، بأن تكون المصلحة قائمة بكلّ من جهة الإصدار و الأثر الحاصل منه، و الغالب في باب الأوامر هو كون الأثر متعلّق التكليف، إلّا أنّ الأمر بالركوع حيث كان المطلوب منه التذلّل و الخضوع الذي يعبّر عنه بالفارسية «سر فرو بردن و كرنش كردن» كان لجهة الإصدار دخل في متعلّق الطلب و التكليف، و المراد من جهة الإصدار هو الانحناء عن قيام الذي هو معنى «سر فرو بردن» بالفارسية.
لا نقول: إنّ الانحناء له دخل في حقيقة الركوع و هويّته، فإنّ ذلك واضح البطلان بداهة صدق الركوع بهويّته على الهيئة المخصوصة و إن لم يكن عن انحناء.
بل نقول: إنّ الانحناء أيضا مطلوب في الركوع كمطلوبية الهيئة، فيكون المطلوب
1) الدرة النجفية: ص 123 في الركوع.
في باب الركوع ركنين: الانحناء من قيام، و الهيئة الحاصلة منه. و يكون المأمور به شرعا كلّ من الأمرين.
و حاصل الكلام أنّ الركوع هو عبارة عن الهيئة بحيث تصل أطراف أصابعه أو باطن كفّيه إلى الركبتين ليس إلّا، إلّا أنّ المقصود من الركوع حيث كان الخضوع و التذلّل، و بقول أهل الفرس «كرنش نمودن و سر فرو بردن» كان الانحناء من القيام أيضا مطلوبا، و يكون المطلوب في باب الركوع هو الهيئة الحاصلة عن ذلك الانحناء، و حيث كان الانحناء لا يعقل تحقّقه إلّا بالقيام، حيث إنّ الانحناء من قيام كان مطلوبا كان القيام المتّصل بالركوع ممّا يتوقّف عليه تحقّق الانحناء المأمور به عقلا، إذ لا يمكن الانحناء لا عن قيام و إن أمكن تحقّق الهيئة لا عن قيام، إلّا أنّه قد عرفت أنّ الهيئة وحدها لم تكن مطلوبة في باب الركوع. فقول الفقهاء إنّ القيام المتّصل بالركوع ركن، يريدون به هذا المعنى، لا أنّ القيام هو بنفسه ركن مستقلّ، و لا أنّه ممّا يتوقّف عليه هويّة الركوع إذ لم يدلّ على ركنية القيام بنفسه دليل. و قد عرفت أنّ صدق هويّة الركوع لا تتوقّف على الانحناء عن قيام، فكيف يكون القيام مقوّما للركوع، بل القيام مقوّم للانحناء الذي يكون هو الركن بمعنى أنّه يكون أيضا مطلوبا في باب الركوع، و يتوقّف الركوع الشرعي عليه.
فظهر ضعف القول بأنّ الهوي إلى الركوع مقدّمة عقلية محضة ليس له جهة مطلوبية، كما عرفت من العلّامة الطباطبائي.
و على كلّ حال قد ظهر لك أنّ فوات القيام المتّصل بالركوع موجب لفوات الانحناء المطلوب في الركوع، و بفوات الانحناء يفوت الركوع المطلوب شرعا.
و الذي يدلّ على مطلوبية الانحناء عن قيام، مضافا إلى ما عرفت من أنّ المطلوب في باب الركوع التذلّل الذي يحصل به الإجماع المدّعى في المقام، من
بطلان صلاة من ركع لا عن قيام كمن هوى إلى السجود ناسيا للركوع، ثمّ تذكّر قبل وضع الجبهة على الأرض، فقام إلى الركوع من دون أن ينتصب، بل لا بدّ له من القيام متقوّسا إلى أن ينتصب فيركع عن قيام، و ليس ذلك إلّا لكون الانحناء مطلوبا في باب الركوع، و لا بدّ في الانحناء المطلوب أن يكون بقصد الركوع من مبدئه إلى أن يصل إلى حدّ الركوع، من دون أن يتخلّل في أثناء انحنائه أمر آخر غير الركوع، كمن هوى إلى الركوع ثمّ بدا له في الأثناء قبل وصوله إلى حدّ الراكع عدم الركوع، ثمّ عدل عن ذلك و بدا له الركوع، فإنّ مثل هذا الانحناء المتقطّع ممّا لا عبرة به، بل لا بدّ من أن يكون الانحناء مبدأ و منتهى للركوع إذا عرفت ما ذكرنا، فيمكن حينئذ أن يقال بالفرق بين طرف النقيصة و الزيادة في باب الركوع.
و توضيح ذلك هو أنّه بعد ما عرفت من أنّ الانحناء عن قيام خارج عن حقيقة الركوع و هويّته، لما تقدّم من أنّ الركوع هو الهيئة الحاصلة من وضع اليد على الركبة. فيمكن أن يقال: إنّ زيادة تلك الهيئة و إن لم تحصل من انحناء مبطلة لأنّها ركوع حقيقة، فيكون مشمولا لما دلّ من أنّ زيادة الركوع مبطلة، و ذلك يصدق بزيادة تلك الهيئة، كمن هوى إلى السجود بعد الركوع ثمّ عاد إلى هيئة الراكع من دون أن ينتصب قبل وضع الجبهة على الأرض، و لا يحتاج في طرف الزيادة أن يقوم منتصبا ثمّ ينحني و يركع، هذا بالنسبة إلى زيادة الركوع. و أمّا من طرف نقصان الركوع، فلا يمكن أن يتحقّق إلّا بفوات القيام المتّصل به، إذ لا يعقل تحقّق القيام المتّصل بالركوع مع نقص الركوع كما لا يخفى.
و على كلّ حال كان ينبغي تنقيح هذا البحث عند البحث عن الركوع.
فالأولى ذكر ما يهمّ في المقام من ركنيّة القيام المتّصل بالركوع. و قد عرفت أنّ الكلام فيه تارة يقع في طرف الزيادة و اخرى في طرف النقيصة.
أمّا في طرف النقيصة فاستكشاف ركنيّته إنّما هو من حيث قيام الإجماع على ذلك، و أنّه من ركع لا عن قيام تبطل صلاته، مضافا إلى ما ذكرناه من الوجه.
و أمّا الركنية من طرف الزيادة فهو بحسب الثبوت بمكان من الإمكان، و لا يلتفت إلى ما يقال من أنّ زيادته لا يعقل إلّا بزيادة الركوع، فالبطلان حينئذ إنّما يستند إلى زيادة الركوع لا إلى زيادة القيام المتّصل به، و ذلك لأنّ مجرّد عدم إمكان زيادته إلّا بزيادة الركوع لا يوجب عدم ركنيّته، لإمكان أن يكون البطلان مستندا إلى ترك الركوع و القيام معا، بل اسناد البطلان إلى ترك القيام أولى لسبقه بالرتبة إذ الركوع إنّما يتحقّق عنه، و الشيء إنّما يستند إلى أسبق علله.
و لا يلتفت إلى أنّ القيام المتّصل بالركوع بوصف كونه متّصلا بالركوع لا يتحقّق إلّا بعد انضمام الركوع إليه فلا يكون سابقا في الرتبة عنه، و ذلك لأنّ مرجع ركنية القيام المتّصل بالركوع إلى ركنية القيام المتعقّب بالركوع، و إضافة التعقّب متحقّقة بالفعل إذا كان الركوع في علم اللّٰه يتحقّق بعد ذلك، كما يقال الآن قبل مجيء عمرو: إنّ مجيء زيد متعقّب بمجيء عمرو إذا كان عمرو يجيء بعد ذلك.
و الحاصل: أنّه قد ذكرنا عند البحث عن الشرط المتأخّر أنّ الشرط المتأخّر غير معقول، و ليس عدم معقوليّته من باب استحالة تأثير المعدوم في الموجود، و كون المعلول يوجد قبل وجود علّته كما توهّم، ذلك فإنّ استحالة تأثير المعدوم في الموجود إنّما هو في الأمور الخارجية التكوينية، و أمّا في باب الشرعيّات فليست الموضوعات علّة للأحكام، حتّى يقال باستحالة تقدّم المعلول- الذي هو عبارة عن الحكم- عن علّته- الذي هو عبارة عن الموضوع- إلّا إذا قلنا بأنّ المجعول في باب الأحكام هو السببية، فحينئذ يستقيم تعليل امتناع الشرط المتأخّر بأنّه يلزم تقدّم المعلول على علّته. و لكن نحن حيث أنكرنا هذا المبنى الفاسد، و قلنا إنّ المجعول في باب
الأحكام هي المسبّبات عند وجود أسبابها، كما أوضحناه في محلّه، فلا يستقيم تعليل امتناع الشرط المتأخّر بذلك، بل امتناع الشرط المتأخّر في الشرعيّات إنّما هو للزوم الخلف، فإنّ بعد فرض كون الشيء شرطا أي ممّا له دخل في الموضوع و ما به قوامه لا يعقل تقدّم الحكم عليه، إذ معنى الموضوع هو أنّ الحكم يوجد عند وجوده، فوجود الحكم قبل وجود موضوعه يكون تناقضا بيّنا. و تفصيل ذلك إن شاء اللّٰه في محلّه.
و على كلّ حال، بعد البناء على امتناع الشرط المتأخّر لا بدّ حينئذ فيما ورد في الشرعيّات ممّا يوهم ذلك من التصرّف و التأويل، إمّا بالالتزام بوصف التعقّب، و هذا فيما إذا ساعد الدليل و الاعتبار على دخل وصف التعقّب في الحكم، و ذلك كما في التدريجيّات التي لها اعتبار وحدة كالصلاة، فإنّ اعتبار الوحدة ليس معناها إلّا كون كلّ جزء ممّا يتعقّبه الجزء الآخر، و إمّا بالالتزام بالكشف الحكمي كما في الإجازة في باب الفضولي حيث إنّ الاعتبار و العقل لا يساعد على أنّ العقد المتعقّب بالإجازة يكون سببا لحلّية أكل مال الغير مع عدم رضاه بالفعل، و بالجملة العقل يأبى عن انتقال الملك عن مالكه فعلا من دون رضاه، لأنّه يكون ممّا يرضى فيما بعد، ففي مثل ذلك لا بدّ من الالتزام بالكشف الحكمي، و تفصيله في محلّه.
و على كلّ حال باب القيام المتّصل بالركوع يكون من باب التدريجيّات التي يساعد الاعتبار على مدخلية وصف التعقّب، فيكون الركن هو القيام المتعقّب بالركوع، و القيام بهذا المعنى يكون سابقا في الرتبة على الركوع، فاستناد البطلان إليه حينئذ يكون أولى من استناد البطلان إلى الركوع المتأخّر في الرتبة، فمجرّد عدم إمكان زيادة القيام المتّصل بالركوع أو نقصانه إلّا بزيادة الركوع و نقصانه لا يمنع عن ركنيّته. نعم مجرّد الإمكان أيضا لا ينفع بل لا بدّ من قيام الدليل على
ركنيّته في كلّ من طرف الزيادة و النقيصة، و قد عرفت الدليل في طرف النقيصة من الإجماع.
و أمّا في طرف الزيادة فلم يقم على ركنيّته دليل فزيادة القيام المتّصل بالركوع لا يكون من زيادة الركن القيامي، بل يكون من زيادة الركوع و البطلان يكون حينئذ مستندا إليه بل يمكن أن يقال: إنّه لا دليل لنا على ركنيّة القيام المتّصل بالركوع مطلقا لا من حيث الزيادة، و لا من حيث النقيصة، إذ غاية ما يمكن استفادته من الوجه المتقدّم، و من الإجماع على بطلان من ركع عن جلوس هو اعتبار القيام في الجملة، و أمّا كونه ركنا فلا، بل يمكن أن يكون شرطا شرعيّا لصحّة الركوع و إن لم يكن داخلا في هويّته و حقيقته.
و بذلك يندفع ما ربّما يتوهّم من أنّ ركنية القيام يلازم استناد البطلان إليه في صورة نقصه و زيادته، إن قلنا بركنيّته مطلقا، أو في خصوص نقصه إن قلنا بركنيّته في خصوص النقيصة لسبقه بالرتبة على الركوع كما تقدّم مع أنّ ظاهر الأدلّة خلافه لإسناد البطلان فيها إلى الركوع كقوله عليه السّلام «لا تعاد الصلاة إلّا من خمس» (1)و ليس فيما بأيدينا من الأدلّة من أسند البطلان إلى القيام فتأمّل في المقام جيّدا.
يعتبر في القيام أمور بعضها يكون مقوّما لحقيقة القيام و داخلا في هويّته بحيث ينتفي بانتفائه و بعضها يكون خارجا عن حقيقته و لكنّه معتبر في القيام شرعا.
أمّا الأول: فكالاستقامة المقابلة للانحناء، و الاستقامة المقابلة للاعوجاج،
1) الوسائل: ج 3 ص 227 باب 9 من أبواب القبلة، ح 1.
و الميل إلى طرف اليمين و اليسار، و الاستقرار المقابل للجري و المشي لا للسكون، و عدم الحركة المقابل للاضطراب، فإنّه خارج عن حقيقة القيام و إن كان معتبرا فيه كما سيأتي، و عدم التفريج الفاحش بين الرجلين بحيث يخرج عن كونه قائما عرفا، فهذه الأربعة ممّا يعتبر في حقيقة القيام و هويّته.
و أمّا الثاني: فكالوقوف على الرجلين، و الاستقرار المقابل للاضطراب، و الاستقلال المقابل للاستناد و الاعتماد، بل قيل: إنّ هذا داخل في هوية القيام.
و على كلّ حال ما كان من مقوّمات القيام و محقّقا له فنفس أدلّة اعتبار القيام تكفي في اعتباره، و لا حاجة إلى التماس دليل آخر. و أمّا ما لم يكن داخلا في حقيقة القيام فلا بدّ من إقامة الدليل على اعتباره و إلّا فالأصل يقتضي البراءة عنه.
أمّا اعتبار الاستقلال و عدم الاعتماد على شيء فيدلّ عليه عدّة من الروايات:
منها: صحيحة ابن سنان عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال عليه السّلام:
لا تمسك بخمرك و أنت تصلّي، و لا تستند إلى جدار إلّا أن تكون مريضا (1).
و منها: رواية عبد اللّٰه بن بكير المحكية عن قرب الأسناد قال: سألت أبا عبد اللّٰه عن الصلاة قاعدا أو متوكئا على عصى أو حائط قال عليه السّلام: لا، ما شأن أبيك و شأن هذا ما بلغ أبوك هذا بعد (2).
و المراد من قوله «ما شأن أبيك» أي ليس التوكّؤ من شأن أبيك مع أنّه أكبر سنّا منك، فكيف تريد أن تتوكّأ.
نعم في صحيحة علي بن جعفر ما ينافي ذلك، إذ فيها: عن الرجل هل يصلح
أن يستند إلى حائط المسجد و هو يصلّي أو يضع يده على الحائط من غير مرض و لا علّة فقال عليه السّلام: لا بأس، و عن الرجل يكون في صلاة فريضة فيقوم في الركعتين الأوليتين هل يصلح له أن يتناول حائط المسجد فينهض يستعين به على القيام من غير ضعف و لا علّة قال: لا بأس (1). و في موثّقة ابن بكير: لا بأس بالتوكّي على عصا و التوكّي على الحائط (2).
و لكن لا يخفى عدم معارضة ذلك لما تقدّم، لإمكان حمل موثّقة ابن بكير على المريض و أمّا صحيحة علي بن جعفر فهي غير معمول بها عند الأصحاب، بل قيل:
إنّها محمولة على التقيّة لموافقتها لمذهب الجمهور، بل ربّما قيل: إنّ عدم الاستناد مأخوذ في هوية القيام و حقيقته و إن كان ذلك لا يخلو عن إشكال. نعم لا يبعد دعوى انصراف القيام إلى الغير المعتمد، و ليس هذا الانصراف لمجرّد غلبة الوجود بل لمكان التشكيك في الصدق، فتأمّل (3).
و أمّا اعتبار القيام على الرجلين، فقد ادّعي الإجماع على ذلك، مضافا إلى أنّ دعوى الانصراف في المقام قريبة جدّا فالأقوى اعتباره. و يؤيده ما ورد في تفسير قوله تعالى «طه مٰا أَنْزَلْنٰا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقىٰ» (4)أنّها نزلت في شأن النبي صلّى اللّٰه عليه و آله حيث كان يصلّي على قدم واحد (5). و في رواية على رءوس الأصابع (6). و في دلالة ذلك ما لا يخفى فلا يصلح جعله دليلا. و كذا لا ينبغي
1) الوسائل: ج 4 ص 702 باب 10 من أبواب القيام، ح 1.
2) الوسائل: ج 4 ص 702 باب 10 من أبواب القيام، ح 4.
3) نعم ظاهر ذيل رواية علي بن جعفر جواز الاستناد في حال النهوض و هو أخصّ من المطلقة الدالّة على عدم جواز الاعتماد و قد أفتى بذلك بعض و قال بجواز الاعتماد في المقدّمات من الهويّ و النهوض، و لكن توقّف شيخنا الأستاذ في ذلك من حيث عدم معلومية العمل برواية علي بن جعفر صدرا و ذيلا فتأمّل جيّدا. «منه».
4) سورة طه: الآية 1.
5) الوسائل: ج 4 ص 695 باب 3 من أبواب القيام، ح 4.
6) الوسائل: ج 4 ص 695 باب 3 من أبواب القيام، ح 2.
الإشكال في اعتبار الوقوف على أصل القدمين و لا يكفي الوقوف على الأصابع لما عرفت من الانصراف الذي هو في المقام أقرب ممّا تقدّم.
ثمّ إنّ ما قلناه من اعتبار الوقوف على القدمين معناه أن يكون الاعتماد عليهما، فلا يكفي الاعتماد على أحدهما مع مماسّة الآخر الأرض، إذ لا يصدق الوقوف على القدمين في مثل هذا. نعم لا يعتبر تساوي القدمين في الاعتماد.
و أمّا اعتبار الاستقرار فقد عرفت أنّ الاستقرار المقابل للمشي داخل في حقيقة القيام، مضافا إلى ما ورد من عدم المشي في الإقامة معلّلا بأنّ الآخذ في الإقامة كالداخل في الصلاة (1). و مضافا إلى ما ورد: من أنّه إن تقدّمت القدم فلا تكبّر في حال المشي. و أمّا المقابل للاضطراب، فإن كان على وجه بحيث يميل يمنة و يسرة فهو ممّا يكون مخالفا لحقيقة القيام أيضا و أمّا إذا كان على وجه ينافي الطمأنينة، فاعتبار هذا ممّا لا يختصّ بالقيام، بل هو معتبر في جميع أفعال الصلاة كما يدلّ عليه المنع عن الصلاة في المحمل و السفينة الخفيفة الحمل (2). و قد تقدّم شطرا من الكلام في ذلك في بعض المباحث المتقدّمة.
ثمّ إنّه حكي الخلاف في تقديم الصلاة قاعدا على الصلاة ماشيا عند عدم تمكّنه من الوقوف، و دار الأمر بين القعود و المشي، مع أنّه نقل الاتّفاق على أنّ من تعذّر عليه الاستقامة و غيرها، ممّا هو داخل في حقيقة القيام، لا ينتقل إلى الجلوس، بل ينتقل إلى ما يمكنه من مراتب القيام.
فيبقى في المقام سؤال الفرق بين المشي و سائر ما يتقوّم به القيام، فإنّه كما لا ينتقل إلى الجلوس من تعذّر عليه الاستقامة، كذلك لا ينتقل إلى الجلوس من
تعذّر عليه الوقوف، هذا.
و لكن يمكن أن يقال إنّه فرق بين القيام المقابل للمشي و القيام المقابل للاستقامة و غيرها، إذ المشي في حال الصلاة ينافي الصورة و الهيئة المعتبرة في حال الصلاة، و هذا بخلاف الاعوجاج و عدم الانتصاب، فإنّه لا ينافي الصورة و الهيئة، و حيث كان حفظ الصورة و الهيئة أهمّ قدّم القعود على الصلاة ماشيا، و أمّا فيما عدا المشي فلا موجب للانتقال إلى الجلوس، بل مقتضى قاعدة الميسور هو عدم الانتقال إليه إلّا بعد العجز عن جميع مراتب القيام، مضافا إلى دعوى الإجماع على ذلك، هذا كله إذا دار الأمر بين القعود و بين انتفاء ما هو مقوم لحقيقة القيام و أمّا لو دار الأمر بين انتفاء ما يكون مقوّما للقيام و ما يكون شرطا شرعيّا له، فلا إشكال في تقدّم ما كان مقوّما له. كما أنّه لا إشكال في أنّه لو دار الأمر بين نفس الأمور المقوّمة للقيام قدّم ما هو أقرب إلى حقيقة القيام، و لا يبعد أن يكون الانتصاب أقرب من غيره فلو دار الأمر بين الانحناء المفوّت للانتصاب و التفريج بين الرجلين على وجه يخرج عن هيئة القائم مع كونه منتصبا قدّم التفريج على الانحناء، فتأمّل جيّدا.
لو لم يتمكّن من القيام بمراتبه في تمام الركعة و دار الأمر بين القيام في أول الركعة و الجلوس في آخرها، فيكون ركوعه حينئذ عن جلوس، و بين الجلوس في أول الركعة و القيام في آخرها ليكون ركوعه عن قيام، فربّما قيل: بالتخيير، و ربّما قيل: بتعيين القيام في أول الركعة، و ربّما قيل: بتعيّنه في آخرها.
و توضيح الحال يستدعي رسم مقدّمة و هي:
أنّه قد ذكرنا في باب التزاحم، أنّه لو تزاحم الواجبان فإن كان أحدهما أهم
قدّم على غيره، و إن لم يكن أهم و تساويا في الملاك فإن لم يكن بينهما ترتّب علّية و معلولية أو ترتّب زماني محض كان الحكم هو التخيير، و إن كان بينهما ترتّب بأحد الوجهين تعيّن تقديم ما هو السابق بالرتبة و الزمان، و ليس له صرف قدرته إلى المتأخّر، و ذلك كما لو توقّف واجب على مقدّمة محرّمة أو توقّف امتثال واجب على ترك واجب آخر سابق عليه في الزمان، فإن كانت ذي المقدّمة أو الواجب المتأخّر أهم من المقدّمة و الواجب المتقدّم زمانه يقدّم و سقط خطاب حرمة المقدّمة و وجوب ذلك الواجب، و إن تساويا انعكس الأمر و سقط وجوب ذي المقدّمة و الواجب المتأخّر، و لا تصل النوبة إلى التخيير إلّا إذا كانا في عرض واحد من حيث الأهميّة و الرتبة و الزمان، كالضدّين المتساويين في الملاك.
و السرّ في ذلك هو أنّ كلّ واجب لا يمكن سقوط وجوبه إلّا بالعجز التكويني أو العجز المولوي، حيث إنّ المانع الشرعي كالمانع العقلي، و أمّا مع عدم العجز التكويني و المولوي فالوجوب بعد باق على حاله و لا موجب لسقوطه. و حينئذ إن كان أحد المتزاحمين أهم في نظر الشارع فمن أهمّيته يتولّد خطاب مولوي و هو احفظ قدرتك، و هذا الخطاب صالح للتعجيز المولوي عن المزاحم الآخر، من غير فرق بين أن يكون الأهم من حيث الرتبة و الزمان مساويا لغير الأهم أو متأخّرا عنه رتبة و زمانا، و من غير فرق أيضا بين أن يكون الزمان المتأخّر شرطا للواجب أو شرطا للوجوب، و من غير فرق أيضا بين أن يكون المتزاحمان واجبين نفسيّين أو كانا واجبين غيريّين، كلّ ذلك لما أشرنا إليه من أنّ خطاب الأهم لأهمّيته صالح لأن يكون تعجيزا مولويّا عن الآخر، حيث إنّه يجب حفظ القدرة عليه و ليس له صرفها على ما عداه.
فلو فرض أنّه من أول النهار زاحم واجب للصلاة التي لم يأت بعد زمان وجوبها، بحيث لا يمكنه الجمع بين ذلك الواجب و الصلاة، كان اللازم عليه عدم
صرف قدرته لذلك الواجب إن كانت الصلاة أهم، و حفظها للصلاة و إن لم يأت بعد زمان وجوبها لأنّ القدرة العقلية لا دخل لها في الملاك و كان ملاك الصلاة تمام في حدّ نفسه عند مجيء زمان وجوبها، فصرف القدرة على الواجب الغير الأهم يوجب تفويت ملاك الصلاة الذي فرضنا أهمّيته. و من هنا قلنا بعدم جواز إهراق الماء قبل الوقت، و كذلك سائر المقدّمات المفوتة، هذا إذا كان هناك أهمّية.
و أمّا إذا لم يكن في البين أهمّية. فإن كان المتزاحمان في عرض واحد من حيث الزمان و الرتبة كالضدّين كان الحكم هو التخيير، و ليس التخيير فيه لمكان سقوط أصل الخطابين و استكشاف العقل خطاب تخيير لمكان تمامية الملاك كما توهّم، بل الساقط هو إطلاق كلّ من الخطابين لصورتي فعل الآخر و عدمه، كما أوضحناه في محلّه.
و إن كان أحد المتزاحمين سابقا من حيث الرتبة و الزمان، فحيث إنّ القدرة عليه حاصلة بالفعل. بخلاف القدرة على المتأخّر، حيث إنّها متوقّفة على عدم صرف القدرة على المتقدّم، كان السابق في الرتبة و الزمان هو المتعيّن، إذ عدم صرف القدرة عليه يكون بلا موجب، لأنّ المفروض عدم أهمّية المتأخّر حتّى يتولّد منه خطاب (احفظ قدرتك)، فسقوط الخطاب عن المتقدّم يكون بلا وجه بعد القدرة عليه فعلا. و هذا بخلاف سقوط خطاب المتأخّر، لعدم القدرة عليه فعلا و عدم اقتضائه حفظ القدرة و عدم صرفها في الواجب المتقدّم، إذ ليس هو أهم منه، و ما لم يقتض ذلك لا يكون مقدورا عليه في زمانه، فيسقط خطابه لا محالة. و هذا بخلاف سقوط خطاب المتقدّم، فإنّه كما عرفت يكون بلا موجب.
و بالجملة: ليس الغرض في المقام تفصيل ذلك و إنّما له محلّ آخر بل الغرض في المقام مجرّد بيان المبني من أنّ المتزاحمين إذا كان أحدهما أهم قدّم على غيره
مطلقا كان بينهما اختلاف في الرتبة و الزمان أو لم يكن. و إن لم يكن بينهما أهمّية فإن كان في عرض واحد من حيث الرتبة و الزمان كالضدّين كان الحكم هو التخيير و إن لم يكونا في عرض واحد، بل كان أحدهما مقدّما من حيث الرتبة و الزمان قدّم ما هو المقدّم. إذا عرفت ذلك فنقول في المقام.
إنّه لو دار الأمر بين القيام في أول الركعة و القيام في آخرها فلا سبيل إلى القول بالتخيير. بل إن قلنا بأن القيام المتّصل بالركوع أهم، لمكان ركنيّته كما قوّيناه كان اللازم هو الجلوس في أول الركعة لحفظ القدرة على القيام المتّصل بالركوع، و إن لم نقل بأهمّيته كان اللازم هو القيام في أول الركعة لحصول القدرة عليه فعلا، فيكون جلوسه بلا موجب.
و ممّا ذكرنا ظهر الحال فيما إذا دار الأمر بين القيام و الإيماء للركوع و السجود و بين الصلاة عن جلوس و فعل الركوع و السجود جالسا، و أنّه يتعيّن عليه الصلاة عن جلوس لأهمّية الركوع و السجود، كما يدلّ عليه أنّ «ثلث الصلاة الطهور و ثلثها الركوع و ثلثها السجود» (1).
و توهّم أنّه يفوت منه حينئذ القيام الركني من المتّصل بالركوع و حال التكبيرة فاسد، إذ الواجب على المكلّف هو الركوع عن الحالة التي هو عليها فإن كان قائما فالواجب عليه الركوع عن قيام و إن كان جالسا فالواجب عليه الركوع عن جلوسه، و كذا الحال في تكبيرة الإحرام.
لو لم يتمكّن من القيام بمراتبه صلّى جالسا بلا خلاف. و قد تضافرت به
1) الوسائل: ج 1 ص 256 باب 1 من أبواب الوضوء، ح 8.
النصوص. و لو لم يتمكّن من الصلاة عن جلوس اضطجع و صلّى على الطرف الأيمن، فإن لم يتمكّن فعلى الأيسر، فإن لم يتمكّن استلقى، كما هو المشهور بين الأصحاب، و ليس له الاستلقاء مع التمكّن من الاضطجاع على الأيمن و الأيسر، و يدلّ على ما ذكرنا من الترتيب ما روي مرسلا «المريض يصلّي قائما، فإن لم يستطع صلّى جالسا، فإن لم يستطع صلّى على جنبه الأيمن، فان لم يستطع صلّى على جنبه الأيسر، فإن لم يستطع استلقى و أومى إيماء، و جعل وجهه نحو القبلة، و جعل سجوده أخفض من ركوعه» (1)و في معناها رواية أخرى (2).
و ما ورد من أنّ المريض يصلّي قائما فإن لم يقدر على ذلك صلّى جالسا فإن لم يقدر أن يصلّي جالسا صلّى مستلقيا (3). لا بدّ من تقيده بما إذا عجز عن الاضطجاع يمنة و يسرة لمخالفة ذلك لفتوى الطائفة، مع أنّ الصناعة تقتضي ذلك، لما بينهما من الإطلاق و التقييد.
من كان فرضه الاضطجاع أو الاستلقاء تعيّن عليه الإيماء للركوع و السجود، كما استفاضت به النصوص (4). و هل يجب عليه وضع الجبهة على ما يصحّ السجود عليه، أو وضعه على الجبهة مضافا على الإيماء، أو لا يجب شيء من ذلك؟ الظاهر أنّه لا يجب إلّا إذا أمكنه وضع الجبهة على ما يصحّ السجود عليه فحينئذ يجب و يكون هذا إيماؤه، و أمّا إذا لم يمكنه ذلك اكتفى بالإيماء و لا يجب عليه وضع شيء
على جبهته. و الأولى ذكر بعض الأخبار الواردة في المقام:
فمنها: موثّقة سماعة سأله عن المريض لا يستطيع الجلوس قال عليه السّلام:
فليصلّ و هو مضطجع و ليضع على جبهته شيئا إذا سجد فإنّه يجزي عنه و لن يكلّف اللّٰه ما لا طاقة له به (1).
و منها: الصحيح عن الصادق عليه السّلام سأله عن المريض إذا لم يستطع القيام و لا السجود قال عليه السّلام: يومي برأسه إيماء و ان يضع جبهته على الأرض أحبّ إليّ (2). و هذا الصحيح خارج عمّا نحن فيه، إذ الظاهر منه هو وضع الجبهة على الأرض لمن كان فرضه الجلوس لا الاضطجاع، غايته أنّه لا يتمكّن من السجود التام، و من كان فرضه ذلك يتعيّن عليه رفع المسجد و وضع الجبهة عليه إجماعا، لأنّ هذا هو المقدور منه من السجود، و لا يجزيه الإيماء.
و لا ينافي التعيين قوله عليه السّلام: «أحبّ إليّ» إذ لا يراد منه معنى التفضيل، و لا ينافيه أيضا قوله عليه السّلام: «يومي إيماء» لأنّ إيماء من كان فرضه ذلك هو وضع الجبهة على الأرض. و في معنى هذه الرواية عدّة روايات (3)أخر قد استدلّ بها من قال بوجوب وضع الجبهة على الأرض لمن كان فرضه الاضطجاع، مع أنّها بمعزل عن ذلك بل هي ظاهرة فيمن كان فرضه الجلوس، فراجع و تأمّل. نعم الموثّق الأول ظاهر فيمن كان فرضه الاضطجاع، و ظاهره وجوب وضع شيء على الجبهة و حمله على من لم يتمكّن من الإيماء حمل على فرض نادر. فرفع اليد عن أخبار الإيماء مشكل، مع عمل المشهور بها، و أنّها أكثر عددا ممّا يدلّ على وضع شيء على الجبهة. فالعمل على أخبار الإيماء فتأمّل جيّدا.
الظاهر أنّه لا ينبغي الإشكال في اعتبار القصد إلى كون هذا الإيماء هو إيماء الركوع و السجود، إذ بذلك يمتاز عن سائر الإيماءات الواقعة في الصلاة، بل لا بدّ من القصد في نفس المبدل إذ امتياز الانحناء الركوعي عن غيره من الانحناء لقتل العقرب إنّما هو بالقصد، فإذا كان هذا حال المبدل فكيف بحال البدل.
من حيث كونه مبطلا عمدا و سهوا. و دعوى أنّ ذلك من أحكام الركوع و السجود التام، ضعيفة بعد ما كان ركوع المضطجع هو الإيماء.
، بحيث يمتاز إيماء كلّ منها عن الآخر، كما دلّ عليه النصوص.
، فلو عجز عن القيام جلس و سكت في حال الهويّ وجوبا و لم يقرأ حتّى يستقرّ جالسا حفظا للاستقرار الواجب الذي هو مقدّم على الصلاة قائما في حال المشي كما تقدّم، فالقول بأنه يقرأ في حال الهويّ وجوبا ضعيف غايته.
كبدلية التيمّم عن الوضوء، أو أنّه ليس بدلا بل مجرّد السقوط، و يكون الجلوس واجبا آخر، غايته أنّه في طول القيام كالترتيب بين الخصالات المترتّبة؟ ثمّ بناء على كونه من السقوط فهل السقوط رخصة أو عزيمة؟ و لا يخفى عليك الثمرة بين الوجوه، فإنّه بناء على البدلية يكون القيام خاليا عن الملاك في حقّه عند العجز عنه، فلو تحمّل المشقّة و قام كانت صلاته باطلة بخلاف ما إذا قلنا بالسقوط إذ السقوط لا يرفع الملاك، غايته أنّه لو قلنا إنّه عزيمة كان القيام في موضع الجلوس محرّما شرعا
بخلاف ما إذا قلنا بكونه رخصة، فتأمّل (1).
و هذا البحث مطّرد في سائر المراتب المتأخّرة عن الجلوس هذا، و لا يخفى عليك ظهور الأدلّة في البدلية كما يظهر ذلك للمتأمّل، إلّا أنّ الالتزام ببطلان صلاة من تحمّل المشقّة و قام في موضع الجلوس مشكل، يأباه الذوق الفقهي. و ربّما يتوهّم أنّ أدلّة نفي العسر و الحرج حيث وردت في مقام الامتنان كان المستفاد منها هو الرخصة، و أنّ المنفي هو خصوص الإلزام مع بقاء الملاك على حاله بل الإذن أيضا و لا يخفى ضعفه، إذ بعد البناء على حكومة أدلّة نفي العسر و الحرج على الأدلّة الواقعية و كونها مخصّصة لها لا يبقى مجال لهذا التوهّم، إذ يكون حالها حال المخصّص اللفظي فلا يبقى محلّ لاستكشاف بقاء الملاك. و مجرّد ورودها مورد المنّة لا يقتضي ذلك، إذ ذلك بمنزلة حكمة التشريع، و ليس المقام مقام تفصيل ذلك و لكنّ الذي يسهّل الخطب ورود رواية السكوني عن قرب الأسناد في المقام من أنّ سقوط القيام يكون على وجه الرخصة.
1) وجه التأمّل هو أنّه يمكن أن يقال إنّ نتيجة السقوط على وجه العزيمة مع البدلية متّحدة و أنّه لا ملاك على تقدير كون السقوط عزيمة فتأمّل جيّدا.
[القول في القراءة] من جملة أفعال الصلاة القراءة، يجب في الصلاة قراءة الفاتحة بلا إشكال، و كذا السورة على ما يأتي تفصيله.
بناء على وجوبها كما هو الأقوى، بل يجب تعلم سائر الأذكار الواجبة في الصلاة من التسبيحات و ذكر الركوع و السجود. و لا يختصّ الوجوب بما بعد حضور وقت العمل، بل يجب قبل حضوره لمن خاف عدم التمكّن من التعليم بعد الوقت، بل يجب قبل البلوغ لمن خاف عدم التمكّن منه بعد البلوغ، كما هو الشأن في تعلّم سائر الأحكام الشرعيّة، بل هو الشأن في سائر المقدّمات المفوّتة، حيث يجب تحصيلها قبل الوقت لمن لم يتمكّن منها بعد الوقت.
و بالجملة: في وجوب التعلّم لا يشترط بحضور وقت العمل أو البلوغ، بداهة أنّ الحاكم بوجوب التعلّم في الأحكام و فيما نحن فيه هو العقل، و إن دلّ عليه بعض الأخبار أيضا كقوله: «هلّا تعلمت» (1)إلّا أنّ العقل مستقلّ بوجوب معرفة
1) أمالي الطوسي: ج 1 ص 8 و فيه «أ فلا».
الأحكام و ما يتوقّف امتثال التكاليف عليه، و العقل لا يرى تفاوتا بين حضور وقت العمل و قبل حضوره، أو بعد البلوغ و قبله بالنسبة إلى المراهق، إذ ليس وجوب المعرفة وجوبا مقدّميا حتّى يتوقّف على وجوب ذيها، بل وجوب نفسي تهيّئي. فالتعلّم واجب نفسي، غايته أنّه لا لذاته بل للغير لا أنّه واجب بالغير كما هو شأن وجوب المقدّمة. فإذا كان وجوب التعلّم وجوبا نفسيّا للغير فلا يتفاوت الحال فيه بين حضور وقت العمل و قبله، إذا احتمل عدم التمكّن منه بعده، و كذا الحال بالنسبة إلى ما قبل البلوغ إذا كان مميّزا قابلا لتوجيه الخطاب نحوه. و لا يدور حكم العقل بوجوب التعلّم قبل الوقت مدار عدم التمكّن منه واقعا بعد الوقت، بل يكفي في مناط حكم العقل مجرّد احتمال عدم التمكّن منه احتمالا عقلائيّا كما لا يخفى. و هذا ممّا لا ينبغي الشكّ فيه، إنّما الإشكال في أنّه هل تجب تعلّم القراءة عينا، كما هو ظاهر إطلاق الأصحاب أو أنّه مخيّر بينه و بين الائتمام أو متابعة القارئ كما اختاره الشيخ (1)- قدّس سرّه- في صلاته و إن وافق الأصحاب في الرسائل العملية؟
ربّما يتوهّم أنّه لا وجه للوجوب العيني بعد عدم وجوب الصلاة فرادى عينا، بداهة أنّه لا يتعيّن على المكلّف الصلاة فرادى بل هو مخيّر بينها و بين الصلاة جماعة، سواء قلنا بالتخيير العقلي أو الشرعي مع عدم خلوّ الواقع عن أحدهما، إذ لا يمكن أن يقال بعدم كون الصلاة جماعة من أحد فردي التخيير بل هي مسقطة للواجب لا أنّها واجبة، إذ لا إشكال في اشتمال الصلاة جماعة على المصلحة الصلاتي و ليست من الأمور الأجنبية الخارجة المسقطة للواجب بل هي من أفضل أفراد الصلاة، و معه لا محيص في عالم الثبوت من أن تكون أحد فردي التخيير
1) كتاب الصلاة: ص 107.
الشرعي أو العقلي. و حينئذ لا يمكن أن يكون وجوب التعلّم عينيّا مع كونه مقدّمة لامتثال الصلاة فرادى التي لم تجب هي عينا. و منه يظهر ما في كلام الجواهر (1)حيث قال: بوجوب التعلّم عينا مع اعترافه بأنّ الصلاة فرادى لم تكن واجبة عينا، هذا.
و لكن يمكن أنّ يقال: بالوجوب العيني بتقريب: أنّ الحاكم بوجوب التعلّم ليس هو إلّا العقل كما عرفت، و عرفت أيضا أنّ حكم العقل لا يدور مدار التمكّن الواقعي و عدمه بل يدور مدار احتمال عدم التمكّن، و لا عبرة بالأمور الاتّفاقية و الاحتمالات الخارجة عن العادة، فكما أنّ احتمال التمكّن من التعلّم في الوقت كما إذا احتمل بضرب من الاتّفاق وجود معلّم في الوقت- لا يضرّ بحكم العقل بلزوم التعلّم قبل الوقت لاحتمال عدم التمكّن منه في الوقت كذلك التمكّن من الجماعة إنّما يكون بضرب من الاتّفاق. فإنّ محتملات عدم التمكّن كثيرة من عدم الإمام، أو موته في أثناء القراءة، أو نسيانه لها، أو حدثه و غير ذلك من المحتملات. فترك تعلّم القراءة اعتمادا على الائتمام مع كثرة احتمالات عدم التمكّن منه ممّا يأباه العقل و يستقلّ بقبح ترك التعلّم و الحال هذه. و هذا هو المراد من الوجوب العيني أي يتعيّن عليه تعلّم القراءة و ليس له تركه اعتمادا على الائتمام و هذا لا ينافي صحّة الصلاة عند ترك التعلّم و اتّفاق الصلاة جماعة كما لا يخفى. و أمّا الإثم و العقاب فهو مبنيّ على أن يكون العقاب على نفس ترك التعلّم كما هو ظاهر الجواهر، لا على الواقع و لا عليه عند مصادفة الواقع و لتحقيق الكلام في ذلك محلّ آخر. و الغرض في المقام هو أنّ صحّة الصلاة جماعة لا ينافي تعيّن تعلّم القراءة و لا الإثم و العقاب على تركه، و دعوى أنّه يمكن الوثوق
1) جواهر الكلام: ج 9 ص 301.
و الاطمئنان بالائتمام فلا يستقلّ العقل بقبح ترك التعلّم حينئذ عهدتها على مدّعيها. و كيف يمكن الوثوق مع ما عرفت من كثرة محتملات عدم التمكّن من الائتمام، فتأمّل جيّدا.
و على كلّ حال فإن لم يتعلّم القراءة إلى أن ضاق الوقت، فإن كان عدم تعلّمه لأجل قصور فيه، كما إذا لم يتمكّن ذاتا من أداء بعض الحروف، أو كان عدم تعلّمه لأجل عدم وجدان من يعلّمه و أمثال ذلك، فهذا ممّا لا ينبغي الإشكال في عدم وجوب الائتمام عليه بل يقرأ ما يحسنه من القراءة أو من غيرها على تفصيل يأتي، لإطلاق ما دلّ على «أنّ من لم يحسن القراءة قرأ ما يحسنه» (1)بل يظهر من قوله صلّى اللّٰه عليه و آله «سين بلال شين» (2)جواز الاقتداء به، و أجزاء قراءته عن الغير، إذا كان عدم تعلّمه لأجل عدم إمكان تأدية الحروف من مخارجها و لا يتوقّف صحّة صلاته بضيق الوقت، كما كان أذان بلال مجزيا عن الغير و مسقطا عنه.
و إن كان عدم تعلّم القراءة لأجل التقصير، و أنّه عمدا باختياره أخّر التعليم إلى أن ضاق الوقت، فربّما يتوهّم وجوب الائتمام عليه و عدم إجزاء ما يحسنه من القراءة بل ربّما يتوهّم بقاء الطلب بالتعليم و القراءة بالنسبة إليه لأنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، فلا تصحّ منه الصلاة بما يحسنه من القراءة إذا لم يأتمّ و يجب عليه القضاء عند التعلّم، هذا. و لكن لا يخفى عليك ضعفه بداهة أنّ قضية الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار- إنّما هو من حيث العقاب لا الخطاب و الطلب، فإنّه ينافيه أشدّ المنافاة، و كيف يعقل الطلب من العاجز الغير القادر مع استحالة التكليف بما لا يطاق فإذا لم يكن مكلّفا بالقراءة حينئذ و المفروض أنّ
الصلاة لا تسقط بحال كان اللازم عليه قراءة ما يحسنه من القراءة و إن كان معاقبا على ترك التعلّم و لا يتعيّن عليه الائتمام لاندراجه تحت إطلاق ما دلّ على أنّ «من لم يتمكّن من الفاتحة قرأ ما يحسنه».
فإن قلت: أ ليست الجماعة أحد فردي التخيير و من المعلوم أنّه لو تعذّر عليه أحد فردي التخيير تعيّن عليه الفرد الآخر، و في المقام حيث تعذّر عليه الصلاة فرادى مع القراءة التامّة تعيّن عليه الفرد الآخر من فردي التخيير و هو الائتمام من غير فرق بين أن يكون التعذّر بسوء الاختيار أو لا، فاللازم عليه حينئذ هو الائتمام سواء كان عدم تعلّمه للقراءة عن قصور أو تقصير.
قلت: ليست الجماعة أحد فردي التخيير لخصوص الصلاة فرادى مع القراءة التامّة بل هي فردة التخيير للصلاة فرادى بمراتبها. و بعبارة أوضح: كما أنّ الصلاة جماعة فردة التخيير للصلاة مع القراءة التامّة كذلك هي فردة التخيير للصلاة مع ما يحسنه من القراءة فلا يتعيّن عليه الائتمام.
فإن قلت: أ ليس قد نزّل قراءة الإمام منزلة قراءة المأموم، فالمصلّي جماعة لم تفت عنه القراءة بل هو قار بقراءة الإمام، فالمتمكّن من الجماعة متمكّن من القراءة التنزيلية فلا ينتقل تكليفه إلى المراتب الأخر.
قلت: ليست قراءة الإمام نازلة منزلة خصوص القراءة التامّة للمأموم بل قراءة الإمام نازلة منزلة ما يحسنه المأموم من القراءة، بمعنى التنزيل هو أنّ كلّ ما كان تكليف المأموم قراءة عند الصلاة الفرادى على اختلاف أحواله، فقراءة الإمام عند الصلاة جماعة بمنزلة قراءته المكلّف بها في الحالة التي هو عليها فتأمّل جيّدا.
فتحصّل من جميع ما ذكرنا: أنّ الأقوى عدم وجوب الائتمام على من لم يتعلّم القراءة قصورا أو تقصيرا.
بنفسه من
دون أن يحتاج إلى قصد القرآنية، ك «اهْدِنَا الصِّرٰاطَ الْمُسْتَقِيمَ» و أمثال ذلك، فلا إشكال في وجوب قراءته. و في التعويض عن الفائت كلام يأتي لقوله عليه السّلام: «الميسور لا يصدق بالمعسور» (1).
و إن كان ما يحسنه ممّا لا يصدق عليه القرآن بنفسه، بل كان قرآنيّته متوقّفا على القصد كالبسملة و كالحمد للّٰه و أمثال ذلك، ففي وجوب قراءته أيضا مع التعويض عن الباقي أو بدونه على ما يأتي أو وجوب قراءته غير ما يحسنه من الفاتحة من سائر القرآن وجهان: يشهد للأول قاعدة الميسور، و للثاني خبر عبد اللّٰه بن أبي أوفى قال: إنّ رجلا سأل النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله فقال: إنّي لا أستطيع أن أحفظ شيئا من القرآن فما ذا أصنع؟ فقال صلّى اللّٰه عليه و آله له: قل سبحان اللّٰه و الحمد للّٰه (2).
وجه الدلالة: هو أنّه لو وجب قراءة ما يحسنه من الفاتحة و إن لم يصدق عليه القرآنية بنفسه لأمره بقراءة الحمد للّٰه التي هي إحدى الكلمتين اللتين علّمهما النبي صلّى اللّٰه عليه و آله إيّاه مع كونها بعضا من الفاتحة، بل لأمره بقراءة البسملة التي يبعد عدم معرفته بها، فيظهر منه أنّه لو لم يحسن من الفاتحة ما يصدق عليه القرآنية بنفسه كان تكليفه قراءة غير ما يحسنه من الفاتحة من سائر القرآن أو الذكر، هذا. و لكن حيث إنّ الخبر عامّي لم يستدلّ الأصحاب به في المقام و إن استند إليه بعض كان الوجه الأول أقوى، إلّا إذا ثبت ارتباطية أجزاء الحمد على وجه إذا سقط بعضها بالتعذّر سقط البعض الآخر الميسور، نظير ارتباطية أجزاء الوضوء، و لم يثبت هذا المعنى. فقاعدة الميسور توجب تعيّن قراءة ما يحسنه من الفاتحة
ثمّ إنّ في وجوب التعويض عمّا لا يحسنه من الفاتحة أو الاكتفاء بما يحسنه وجهان: من أنّ ما دلّ على البدلية عند تعذّر الجمع يدلّ على اعتبار البدلية عن كلّ جزء من الفائت، إذ ليس المراد البدلية عن الجميع من حيث الجميع على نحو العام المجموعي، بل البدلية عن كلّ جزء جزء على نحو العام الاستغراقي، فما دلّ على وجوب التعويض عن جميع الفاتحة عند عدم التمكّن منه يدلّ على وجوب التعويض عن بعض الفاتحة عند عدم التمكّن منه، و من أنّ ظاهر قوله عليه السّلام: إذا أمرتكم بشيء فاتوا منه ما استطعتم (1). هو الاجتزاء بما استطاع من الفاتحة من غير تعويض، و الوجه الأول لا يخلو عن قوّة. و قد يؤيّد بقوله تعالى «فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ» (2)و فيه: بعد تقييده بالفاتحة، حيث إنّه لم يجب من القرآن إلّا الفاتحة، أو هي مع السورة في خصوص الصلاة أنّ غاية دلالته وجوب الفاتحة، و أين هذا من وجوب التعويض عنها؟ و لو قطع النظر عن التقييد فلا يدلّ على الوجوب، بداهة أنّه لا يجب قراءة كلّ ما تيسّر من القرآن و لو في غير حال الصلاة، و ربّما يستدلّ له أيضا عليه السّلام بما في العلل: (إنّما أمر الناس بالقراءة في الصلاة لئلا يكون القرآن مهجورا، إلى أن قال: و إنّما بدأ بالحمد دون غيرها لأنّه جمع فيه جوامع الكلم .. إلخ) (3). فإنّ ظاهره يدلّ على أنّ ماهية القراءة مطلوبة في نفسها لحكمة عدم هجر القرآن و خصوصية الفاتحة لحكمة اخرى، ففقد الخصوصيّة لا يوجب سقوط الماهيّة. و فيه نظر: فإنّ سقوط القيد إنّما لا يوجب سقوط المقيّد على القول به إذا لم يكن القيد من قبيل الفصل كالإيمان بالنسبة إلى الرقبة، و أمّا إذا كان من قبيل الجنس و الفصل كالناطق بالنسبة إلى
الحيوان، فلا إشكال في سقوط الجنس بسقوط القيد، فتأمّل جيّدا.
ثمّ على القول بوجوب التعويض، فهل يتعيّن تكرار ما يحسنه من الفاتحة إلى أن يبلغ قدرها أو يتعيّن التعويض من غير ما يحسنه؟ وجهان: استدلّ للأول بأنّه أقرب إلى الفائت. و فيه نظر، إذ آيات الفاتحة متباينة و ليس بعضها أقرب إلى الآخر من سائر آيات القرآن، مع أنّ مجرّد الأقربية ممّا لا تصلح وجها. فالأقوى هو الثاني لأنّ الشيء الواحد لا يكون أصلا و بدلا و لقوله تعالى «فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ» (1)و لقول النبي صلّى اللّٰه عليه و آله: «إن كان معك قرآن فاقرأ به و إلّا فاحمد اللّٰه .. إلخ» (2)و غير ذلك من الوجوه التي استدلّ بها في المقام و هي و إن لا تخلو عن نظر إلّا أنّه ينبغي المصير إليه.
ثمّ إنّه بعد البناء على وجوب التعويض و ليس له تكرار ما يحسنه، فهل يتعيّن عليه التعويض من القرآن أو يتخيّر بينه و بين الذكر كما هو ظاهر الشرائع (3)و الشيخ في المبسوط؟ (4)و الأقوى هو الأول للنبوي «إن كان معك قرآن فاقرأ به و إلّا فاحمد اللّٰه .. إلخ». و صحيحة ابن سنان «لو أنّ رجلا دخل في الإسلام و لا يحسن أن يقرأ القرآن أجزأه أن يكبّر و يسبّح» (5). و لما تقدّم من أنّ الظاهر مطلوبيّة القرآنية و عدم سقوطه بسقوط الخصوصية من الفاتحة، و بعد لم يظهر لنا وجه للقول بالتخيير.
ثمّ إنّه هل يجب مساواة العوض للمعوّض في الآيات و الكلمات و الحروف أو لا يعتبر؟ أو يعتبر في الآيات دون الحروف و الكلمات؟ وجوه: من لزوم كون
البدل مساويا للمبدل منه و إلّا لم يكن بدلا و من أنّ البدلية لا تقتضي المساواة في الحروف و الكلمات و من ظهور قوله تعالى «وَ لَقَدْ آتَيْنٰاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثٰانِي» (1)هو مطلوبية سبع آيات.
و الإنصاف أنّ المسألة خالية عن الدليل، فلا يترك الاحتياط بالنسبة إلى الآيات، و أمّا الحروف فلا عبرة بها خصوصا مع أنّ التكليف بالمساواة بالحروف عسر جدّا لمن لا يحسن الفاتحة، كما هو المفروض. هذا كلّه فيما إذا كان المتعذّر بعض الفاتحة و أمّا إذا لم يحسن من الفاتحة شيء أصلا، فحكمه حكم ما تقدّم من وجوب الإبدال من سائر القرآن و إلّا فمن الذكر.
ثمّ إنّه هل يعتبر في الذكر إذا وصلت النوبة إليه أن يكون هو التسبيحات الأربع أو يكفي مطلق الذكر؟ الظاهر هو الأول، لثبوت بدليّته عن الفاتحة في الجملة و لو في الأخيرتين، و لا يبعد أن يكون قوله عليه السّلام «و إلّا فاحمد اللّٰه» على اختلاف في الروايات، من حيث ذكر التهليل و التسبيح و التكبير، إشارة إلى التسبيحات الأربع.
ثمّ إنّ في كفاية الأربع أو يعتبر اثنا عشر بتكرير التسبيحات ثلاثا؟ وجهان مبنيّان على كفاية الأربع في الأخيرتين و عدم كفايته، فتأمّل في المقام جيّدا، فإنّ غالب هذه الفروع ممّا لم يقم عليها برهان قاطع و إنّما يكون إثباتها بالاستحسانات و الاعتبارات (2).
فيه روايتان متعارضتان إحداهما: الصحيح عن الصيقل سأل الصادق عليه السّلام: ما تقول في الرجل يصلّي و هو ينظر في المصحف يقرأ فيه يضع السراج قريبا منه قال عليه السّلام: لا بأس بذلك (1)ثانيهما خبر علي بن جعفر المروي عن قرب الأسناد سأل أخاه موسى عليه السّلام عن الرجل و المرأة يضع المصحف أمامه ينظر فيه يقرأ و يصلّي قال عليه السّلام: لا يعتدّ بتلك الصلاة (2). و قد حمل الصحيح على النافلة الليلية بقرينة ذكر السراج، حيث إنّ الغالب عدم الحاجة إلى السراج في مثل صلاة المغرب و خصوصا بعد استحباب قراءة السور الطوال في صلاة الليل التي لا يحفظها غالب الناس، فتأمّل. و على كلّ حال لا ينبغي ترك الاحتياط بالقراءة من ظهر القلب مع التمكّن.
، و يدلّ عليه عدّة من الروايات (3)،
لقوله عليه السّلام في خبر ابن سنان: يجوز للمريض أن يقرأ في الفريضة فاتحة الكتاب وحدها (4).
لقوله عليه السّلام في صحيح الحلبي: لا بأس بأن يقرأ الرجل في الفريضة بفاتحة الكتاب في الركعتين الأولتين إذا ما أعجلت به حاجة أو تخوّف شيئا (5). و السقوط في هذين الموضعين رخصة لا عزيمة فيجوز قراءتها إذا تحمّل صعوبة المرض، أو رفع اليد عن حاجته لأنّ الحكم
1) الوسائل: ج 4 ص 780 باب 41 من أبواب القراءة في الصلاة، ح 1.
2) قرب الاسناد: ص 90 س 17.
3) الوسائل: ج 4 ص 740 باب 7 من أبواب القراءة في الصلاة، ح 4. و ص 744 الباب 10 منهاج 10 و ج 3 ص 39 الباب 13 من أبواب أعداد الفرائض ح 24.
4) الوسائل: ج 4 ص 734 باب 2 من أبواب القراءة في الصلاة، ح 5.
5) الوسائل: ج 4 ص 734 باب 2 من أبواب القراءة في الصلاة، ح 2.
بالسقوط فيها إنّما يكون للإرفاق.
و كذا إذا لم يوجب انتقال فرضه إلى صلاة الخوف بل يلحق بالخوف سائر أنحاء الضرورة الموجبة لسقوط سائر الواجبات، غايته أنّ في الصلاة لو دار الأمر بين ترك السورة أو جزء آخر لمكان الخوف و الضرورة قدّم ترك السورة لخفّتها، حيث جاز تركها لمطلق الحاجة.
، و السقوط في هذين الموضعين عزيمة لا رخصة، أمّا في الأول: فلأنّ الأدلّة الدالّة على رفع الحكم عند الضرر و الضرورة تكون حاكمة على أدلّة الأحكام من النفسيّات و القيود، و مخصّصة لها بما عدا الضرورة و الضرر، و بعد التخصيص يكون فعلها زيادة مبطلة. و أمّا في الثاني: فإن كان الضيق على وجه لو قرأ السورة لم يدرك شيئا من الوقت حتّى الركعة، فهذا ممّا انعقد الإجماع على سقوط السورة حينئذ، مضافا إلى دلالة بعض الأخبار من عدم جواز قراءة ما يفوت الوقت بقراءته على أهمّية الوقت و جعله في صحيحة «لا تعاد» (1)من الأركان الموجب فواته نسيانا لإعادة الصلاة.
و أمّا إذا أوجب قراءة السورة لوقوع شيء من الصلاة خارج الوقت، فربّما يستشكل حينئذ في تقديم الوقت، و جواز ترك السورة نظرا إلى أنّه يكون المقام من باب التزاحم، و من المقرّر في باب التزاحم أنّه لو كان لأحد المتزاحمين بدلا شرعيا.
أو عقليا و لم يكن للآخر بدلا كذلك، قدّم ما لا يكون له بدل، و انتقل التكليف عمّا له البدل إلى بدله. و فيما نحن فيه حيث إنّ للوقت بدلا و هو إدراك الركعة لقوله عليه السّلام: من أدرك ركعة من الصلاة (2).. إلخ. و ليس للسورة بدل،
فمقتضى القاعدة في باب التزاحم هو قراءة السورة و انتقال التكليف بالوقت إلى بدله، كما أنّ قاعدة باب التزاحم تقتضي فيما لو دار الأمر بين الطهارة المائية و بين إدراك الوقت التخيير أو تقديم الطهارة المائية لأهمّيتها، و ذلك لأنّ كلّا من الطهارة المائية و الوقت ممّا له البدل، فالقاعدة تقتضي التخيير لو لم يكن في البين أهم و مهمّ، هذا.
و لكن لا يخفى عليك ضعفه و ذلك لأنّه لو وصلت النوبة إلى الترجيح بالبدلية و اللابدلية، كان الأمر كما ذكر، إلّا أنّ في المقام أمرا آخرا رتبته فوق رتبة البدلية، و هو أنّه من المقرّر في باب التزاحم أيضا أنّه لو كان أحد المتزاحمين مشروطا بالقدرة الشرعية و لم يكن الآخر مشروطا بها قدّم ما لا يكون مشروطا بها على ما يكون مشروطا بها، لأنّ غير المشروط يوجب سلب القدرة عن المشروط و قابل للتعجيز المولوي، و المانع الشرعي كالمانع العقلي و هذا بخلاف المشروط، فإنّه غير صالح لسلب القدرة عن غير المشروط إلّا على وجه دائر كما حقّقناه في محلّه، و المقام يكون من هذا القبيل. أمّا الطهارة المائية فتقيّدها بالقدرة الشرعية واضح لقوله [تعالى] «فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا» (1)حيث أخذ عدم الوجدان قيدا في الدليل لوجوب التيمّم فيعلم من ذلك أن الوضوء مقيّد بالوجدان لأنّ التفصيل قاطع للشركة، و هذا بخلاف الوقت إذ لم يكن اعتباره مشروطا بالقدرة الشرعية، بل اعتباره مطلق غير مقيّد إلّا بما يعتبره العقل في سائر التكاليف من التمكّن العقلي، لقبح التكليف بما لا يطاق، و مجرّد جعل البدل للوقت و كون إدراك الركعة في الوقت يقوم مقام إدراك جميع الوقت لا يوجب (2)
فلازم البدلية هو تقيّد المبدل بالقدرة الشرعية و حينئذ يعود الإشكال المتقدّم من أنّ كلا من الوقت و الطهارة المائية مشروطة بالقدرة الشرعية فعند الدوران لا وجه لتقديم الوقت هذا.
و لكن يمكن أن يقال: إنّ الأمر و إن كان كما ذكر من أنّ كلا من الوقت و الطهارة المائية مشروط بالقدرة الشرعيّة إلّا أنّه فرق بين الاشتراطين، فإنّ الطهارة المائية مشروط بالقدرة الشرعية في لسان الدليل بقول مطلق و لذا كلّ واجب غير مشروط بالقدرة يزاحمها و يقدّم عليها و هذا بخلاف الوقت فإنّه مشروط بالقدرة الشرعية بالنسبة إلى خصوص أفعال الصلاة و من هنا لا يزاحم غير أفعال الصلاة الموقتة عند الدوران بل خصوص أفعال الصلاة تزاحم الوقت لأجل أنّها لا بدل لها، و أمّا الطهارة المائية فإن حفظ وجوبها و صارت كالأجزاء أمكن أن تزاحم الوقت حينئذ و تقدّم كالأجزاء على الوقت، إلّا أنّ الشأن في حفظ وجوبها بعد ما كان لها بدل. و بعبارة أخرى: إذا صارت نسبة الطهارة إلى الوقت كنسبة الأجزاء إليه كانت مقدّمة على الوقت و لكنّ نسبتها ليست كنسبة الإجزاء حيث إنّ الأجزاء ممّا ليس لها بدل و الطهارة لها بدل، و الحاصل: أنّه بعد ما كان الوقت مشروط بالقدرة الشرعية بالنسبة إلى خصوص الصلاة ليس إلّا فلا يمكن أن يزاحمه الطهارة المائية، فتأمّل جيّدا «منه».
اشتراط الوقت1) سورة النساء: الآية 43.
2) قد ذكرنا في محلّه أنّ نتيجة جعل البدل شرعا هو الاشتراط بالقدرة الشرعية، بداهة أن معنى جعل البدل هو أن وجوب المبدل ليس مطلقا بحيث يسقط بلا بدل عنه عند عدم التمكّن منه، كما هو شأن الواجب المطلق، بل وجوبه مشروط بالتمكّن منه. فلازم جعل البدل هو اشتراط المبدل بالتمكّن و معلوم أنّ المراد بالتمكّن غير التمكّن العقلي، إذ اشتراط الوجوب بالتمكّن العقلي لا يختصّ بما إذا كان له البدل بل كلّ واجب يكون مشروطا بالتمكّن لقبح التكليف بما لا يطاق، فلو كان المبدل منه مشروطا بالقدرة العقلية كان جعل البدل ممّا لا معنى له، إذ مع عدم التمكّن منه يسقط قهرا. فلو ثبت مع ذلك وجوب أمر آخر كان ذلك واجبا آخر مستقلا لا ربط له بذلك الساقط و لا معنى لتسميته بدلا.
بالقدرة الشرعية، بل التكليف بالوقت بعد باق على إطلاقه بالنسبة إلى القدرة الشرعية، غايته أنّه نزّل الشارع إدراك الركعة في الوقت منزلة إدراك جميع [الوقت] لمن لم يدرك جميع الوقت حقيقة و أين هذا من التقييد بالقدرة. فحينئذ لا تصل النوبة إلى البدلية و اللابدلية بل الوقت يقدّم على الطهارة المائية، لإطلاق التكليف به، و اشتراط الطهارة بالقدرة الشرعية. فالتكليف بالوقت يصلح أن يكون تعجيزا مولويّا عن الطهارة المائية دون العكس، فما يظهر من بعض الأعلام من التخيير بين الطهارة المائية و إدراك ركعة من الوقت، و بين إدراك جميع الوقت و الطهارة الترابية أو تعيّن الطهارة المائية ممّا لا وجه له، هذا بالنسبة إلى الطهارة المائية.
و أمّا بالنسبة إلى ما نحن فيه و هو السورة فالأمر فيه أوضح، فإنّه و إن لم يقيّد
وجوب السورة بالقدرة الشرعية في لسان الدليل إلّا أنّ من سقوطها بالاستعجال و عند كلّ حاجة عقلائية و لو كانت دنيوية يستفاد أزيد ممّا إذا قيّد بالقدرة الشرعية. و كيف لا يستفاد ذلك مع أنّ الحاجة الدنيوية تزاحم وجوب السورة و توجب سقوطها، فما ظنّك بالواجبات الشرعية خصوصا مثل الوقت الذي عدّ من الأركان في صحيحة «لا تعاد» (1)و لا أقل من أن يكون إدراك الوقت من جملة الحوائج العقلائية الموجبة للسقوط، و أيّ حاجة عقلائية أعظم من الوقت.
فإن قلت: إذا أدرجتم إدراك الوقت في مسألة الاستعجال و جعلتموه من جملة الحوائج التي يخاف فوتها كان اللازم جواز قراءة السورة لما تقدّم من أنّ السقوط للاستعجال إنّما يكون على وجه الرخصة لا العزيمة، مع أنّ المفروض خلافه.
قلت: حاجة إدراك الوقت إنّما أوجبت سقوط الوجوب عن السورة، و من المعلوم أنّ غير الواجب لا يزاحم الواجب و المفروض أنّ إدراك الوقت واجب فلا يجوز فعل السورة لأنّه يوجب تفويت الواجب.
فإن قلت: لو أدرجتم مسألة دوران الأمر بين الطهارة المائية و إدراك الوقت أو دوران الأمر بين السورة و إدراك الوقت في صغرى باب التزاحم كان اللازم هو القول بصحّة الوضوء أو الصلاة مع السورة لو خالف تكليفه من ترك الوضوء و السورة، أمّا بالملاك و إمّا بالأمر الترتّبي على القولين في باب التزاحم، مع أنّكم لا تقول بصحّة الوضوء أو الصلاة عند المخالفة و إن نسب إلى بعض القول به.
قلت: تصحيح العبادة بالملاك أو بالأمر الترتّبي في باب التزاحم إنّما هو مقصور بالتكاليف النفسيّة و أمّا التكاليف الغيرية من القيود المأخوذة في العبادة فلا يجري فيها ذلك البحث، و لا يمكن تصحيح العبادة بعد سقوط القيد لمكان
1) الوسائل: ج 3 ص 227 باب 9 من أبواب القبلة، ح 1.
المزاحمة، إذ ليس هناك تكاليف متعدّدة و كان لمتعلّق كلّ تكليف ملاك يخصّه كما في النفسيّات، بل لم يكن هناك إلّا ملاك واحد قائم بعدّة أجزاء فإذا سقط وجوب جزء و لو لمكان المزاحمة لجزء آخر أهمّ، كان الملاك قائما بالمركّب الفاقد لذلك الجزء الواجد لذلك الجزء الأهمّ، فيكون المركّب الواجد للجزء الساقط بالمزاحمة الفاقد للجزء الأهمّ خاليا عن الملاك، إذ لا طريق إلى استكشافه بعد سقوط الأمر عن الجزء كما أوضحناه في محلّه.
فتحصّل من جميع ما ذكرنا: أنّ القاعدة تقتضي سقوط الطهارة المائية و السورة عند ضيق الوقت من غير فرق بين إدراك الركعة و غيره، بل لو أوجب فعل السورة أو الطهارة المائية وقوع التسليم في خارج الوقت كان اللازم سقوطهما.
نعم لو زاحم الوقت ما عدا السورة و الطهارة من سائر الأجزاء و الشرائط كان اللازم عدم سقوط الأجزاء و الشرائط و انتقال الوقت إلى بدله من إدراك الركعة لأنّ ماله البدل يؤخّر عمّا ليس له بدل، فلو دار الأمر بين ترك الفاتحة و إدراك جميع الوقت أو فعل الفاتحة و إدراك ركعة من الوقت تعيّن حينئذ قراءة الفاتحة، و ليس له تركها لأنّ الفاتحة ليس لها بدل بخلاف الوقت حيث إنّ إدراك الركعة بدل عن الجميع، و من المقرّر في باب التزاحم تقديم ما لا بدل له عمّا له البدل كما أنّ اللازم عند دوران الأمر بين الطهارة المائية (1). و السورة هو ترك السورة، لأنّ إدراك مصلحة الطهارة المائية من أهم الحوائج الموجبة لسقوط السورة، فتأمّل فيما ذكرناه جيّدا. هذا كلّه إذا أمكن له إدراك جميع الوقت بترك السورة.
و أمّا إذا لم يدرك جميع الوقت على كلّ حال و لكن لو ترك السورة يدرك من
1) إلّا أنّ اختار شيخنا الأستاذ في وسيلته بتقديم الطهارة المائية و ذكر في وجه ذلك هو أنّ ما دلّ على ترك السورة عند الاستعجال لا يصدق في الفرض لعدم تحقّق الاستعجال قبل الصلاة، بل الظاهر من أدلّة الاستعجال هو أنّه لو عرض له في أثناء الصلاة حاجة تفوته جاز له ترك السورة، فتأمّل جيّدا.
الوقت أزيد ممّا يدركه عند فعل السورة ففي سقوط السورة حينئذ نظر، من عدم إدراك جميع الوقت على كلّ حال و إدراكه الركعة منه حسب الفرض فلا وجه لسقوط السورة. و من أنّ إدراك جميع الوقت ليس على وجه الارتباطية، بحيث كان إدراك الزائد على الركعة مع عدم إدراك الجميع خاليا عن المصلحة، و يكون إدراكه و عدمه سيّان بل المصلحة الوقتية منتشرة في جميع الأجزاء على وجه يكون وقوع كلّ جزء في الوقت مطلوبا و مشتملا على المصلحة ففعل السورة يوجب تفويت الوقت عن بعض الأجزاء و هذا هو الأقوى.
و على كلّ حال قد عرفت أنّه لا يجوز قراءة ما يفوت الوقت بقراءته و يدلّ عليه مضافا إلى أنّ القاعدة تقتضيه قول الصادق عليه السّلام في خبر أبي بكر الحضرمي: «لا تقرأ شيئا من ال (حم)» (1)و خبر عامر: «من قرأ شيئا من ال (حم) في صلاة الفجر فاته الوقت» (2). و معلوم أنّ قوله عليه السّلام «فاته الوقت» إنّما هو لبيان الحكم الشرعي بمقدّمة مطوية معلومة عند المخاطب، و هي عدم جواز تفويت الوقت لا أنّه في مقام بيان الأمر العادي، فإنّه لا يناسب منصب الإمام عليه السّلام، فلو قرأ ما فات الوقت بقراءته عن علم و عمد بطلت صلاته، لعدم انطباق المأمور به على المأتي به.
و لا يتوقّف القول بالبطلان على مسألة الضدّ كما يوهمه بعض العبائر، بداهة أنّ نتيجة النهي عن قراءة ما يفوت الوقت به هو البطلان، كما هو الشأن في سائر النواهي المتعلّقة بالقيود، فإنّه يوجب تخصيص القيدية بما عدا مورد النهي و يكون المأمور به الصلاة بلا سورة أو مع سورة قصيرة، فالصلاة مع السورة الطويلة المفوّتة
للوقت تكون مغايرا للمأمور به و لا ينطبق المأمور به عليها، بل لو لم يرد نهي في المقام لكانت القاعدة تقتضي البطلان أيضا، لمكان المزاحمة للوقت الذي قد عرفت أهمّيته، و أنّ المزاحمة في باب القيود تقتضي سقوط غير الأهم خطابا و ملاكا.
و لا يمكن تصحيحه بالملاك و ليس كباب النفسيّات، فالبطلان فيما نحن فيه لا يتوقّف على مسألة الضدّ الممنوعة عندنا، بل الأقوى البطلان بمجرّد الشروع فيها لأنّها زيادة عمدية مبطلة، بل لو كان من نيّته قراءة ما يفوت الوقت به من أول الأمر لم تنعقد صلاته من رأس، لأنّه يكون من نية المبطل.
و لا فرق فيما ذكرنا من بطلان الصلاة بقراءة ما يفوت الوقت به إذا كان عن عمد و علم بين الركعة الاولى و الركعة الثانية، و مجرّد إدراكه الركعة الاولى لا يوجب صحّة الصلاة بعد ما كان غير مأمور بالسورة لإدراك جميع الوقت أو الزائد عن الركعة فتكون السورة زيادة مبطلة على كلّ حال، هذا كلّه في صورة العمد و العلم بعدم سعة الوقت.
و أمّا لو قرأ ما يفوت الوقت به عن سهو و غفلة، فإن تذكّر قبل خروج الوقت لزمه المبادرة إلى قطعها و قراءة سورة قصيرة إن وسع الوقت لها، و إلّا صلّى بلا سورة و كان ما قرأه في حال الغفلة زيادة مغتفرة، و إن تذكّر بعد خروج الوقت.
فإن كان ذلك في الركعة الأولى بحيث لم يدرك ركعة من الوقت بطلت صلاته، لعدم انطباق المأمور به على المأتيّ به لأنّه كان مأمورا بالصلاة الأدائية، حيث كان الوقت واسعا لها و لم تحصل له لعدم إدراكه بقراءة ما فات الوقت به و الأمر القضائي ما كان متوجّها عليه فلا موجب لصحّة صلاته. و دعوى أنّ الأمر القضائي و إن لم يكن متوجّها عليه من أول الصلاة لبقاء الوقت بعد حسب الفرض إلّا أنّه توجّه عليه من حين خروج الوقت فتكون صلاته مركّبة من أداء و قضاء بعيدة جدّا، فتأمّل.
و إن كان تذكّره بعد خروج الوقت في الركعة الثانية بحيث أدرك ركعة من الوقت فالأقوى صحّة صلاته حينئذ لإدراكه الوقت بالركعة الاولى، و لكن لا يعتدّ بالسورة التي أوجب قراءتها فوات الوقت من الركعة الثانية، بل يجب عليه استئناف سورة أخرى للركعة الثانية لأنّه ما قرأها من السورة لم تكن مأمورا بها لإيجابها تفويت الوقت، و إن كان فعلها مغتفرا لأجل الغفلة، إلّا أنّ اغتفار فعلها لا يوجب الاعتداد بها بعد ما لم تكن مأمورا بها فلا بدّ من قراءة سورة أخرى للركعة الثانية من غير فرق بين أن يكون تذكّره في أثناء السورة التي أوجبت فوات الوقت أو بعد إكمالها، بل لو تذكّر في أثنائها لزمه القطع لأنّ إكمالها يكون زيادة عمدية إلّا إذا أتمّها بقصد القرآنية. فإنّه لا بأس به حينئذ، بل جعل شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- في وسيلته الإتمام بقصد القرآنية أحوط. و بعد لم يظهر لنا وجه هذا الاحتياط إلّا أن يكون ذلك خروجا عن خلاف من قال بالاعتداد بتلك السورة المفوّتة للوقت.
بل يكفي فيه الوثوق و الاطمئنان، بل يكفي فيه مجرّد الاحتمال المثير للخوف. فيجب عليه ترك السورة عند خوف الضيق إلّا إذا كان هناك استصحاب يوجب رفع أثر الخوف.
و تفصيل ذلك هو أنّه تارة يعلم مقدار الوقت الباقي و أنّه ربع ساعة مثلا و لكن يشكّ في سعة ذلك المقدار من الوقت للصلاة، و اخرى لا يعلم مقدار ما بقي من الوقت و أنّه ربع ساعة أو نصف ساعة. فإن كان يعلم مقدار ما بقي من الوقت و يشكّ في سعته للصلاة ففي مثل هذا لا إشكال في سقوط السورة و الطهارة المائية، إذ لا يجري فيه استصحاب الوقت بداهة أنّه يعلم مقدار الباقي من الوقت و إنّما كان شكّه في سعته للصلاة فلا مساس لاستصحاب الوقت حينئذ، بل مقتضى
الاستصحاب عدم وقوع الصلاة في ذلك المقدار من الوقت. و أمّا إذا لم يعلم مقدار ما بقي من الوقت و أنّه ربع ساعة أو نصف ساعة ففي مثل هذا استصحاب بقاء الوقت يجري بلا إشكال (1)، و يلزمه قراءة السورة و الطهارة المائية.
فإن قلت: هب أنّ استصحاب بقاء الوقت يجري إلّا أنّ ذلك لا يوجب زوال الخوف الذي هو من الأمور الوجدانية، كما أنّ استصحاب عدم المرض لا يوجب زوال الخوف المجوّز للإفطار في باب الصوم أو الانتقال إلى التيمّم في باب الوضوء و الغسل، فإذا لم يرفع الاستصحاب صفة الخوف فلا موجب لجواز قراءة السورة أو الطهارة المائية، مع أنّه أخذ في موضوعهما عدم خوف الضيق.
قلت: استصحاب بقاء الوقت و إن لم يوجب رفع نفس الخوف إلّا أنّه رفع أثره من سقوط السورة و الطهارة، بداهة أنّه بعد حكم الشارع ببقاء الوقت الراجع إلى أنّه يسع صلاتك و تنطبق على ما بقي من الوقت يكون الموضوع للتكليف محرزا بمقتضى التعبّد، إذ الموضوع للتكليف ليس إلّا إيجاد الصلاة في قطعة من الوقت الذي يسعها، و هذا المعنى يحرز بالاستصحاب، فلا أثر للخوف حينئذ، و ليس المقام كاستصحاب عدم المرض في باب الصوم إذ العبرة في باب الصوم هو أن لا يكون الصوم مضرّا و هذا ليس مجرى الاستصحاب لعدم الحالة السابقة، و استصحاب عدم المرض لا يثبت عدم مضرّية الصوم، فتأمّل فإنّ في باب الصوم يمكن أن يقال بأخذ الخوف موضوعا، لكن إذا كان الخوف عن منشإ عقلائي، و لذا لو قامت البيّنة على عدم مضرّية الصوم لم يجز الإفطار مع بقاء احتمال الضرر المثير للخوف، و ليس ذلك إلّا لكون الخوف حينئذ لم يكن عقلائيّا، و هذا
1) لكن قد ذكرنا في مبحث الأصول أنّ استصحاب بقاء الزمان و الوقت و إن كان يجري إلّا أنّه لا يثبت الظرفية من كون الصلاة وقعت في الوقت فراجع و تأمّل «منه».
بخلاف سقوط السورة عند خوف ضيق الوقت، فإنّه لم يؤخذ في لسان دليل أصلا، و إنّما قلنا بالسقوط به لأجل أنّ الاقتصار على العلم أو البيّنة يوجب التعسّر و الوقوع في خلاف الواقع كثيرا. فإذا ثبت بالاستصحاب بقاء الوقت و سعته للصلاة فلا موجب حينئذ للخوف و لا أثر له، إلّا أنّ يقوم دليل على أنّ صفة الخوف بما هو هو موجب للسقوط، فتأمّل جيّدا.
و يدلّ عليه مضافا إلى الإجماع عدّة من الأخبار:
منها: حسنة زرارة عن أحدهما: لا تقرأ في المكتوبة بشيء من العزائم فإنّ السجود زيادة في المكتوبة (1).
و في كتاب علي بن جعفر سألته عن الرجل يقرأ في الفريضة سورة و النجم أ يركع بها أو يسجد ثمّ يقوم فيقرأ بغيرها؟ قال عليه السّلام: يسجد ثمّ يقوم فيقرأ بفاتحة الكتاب و يركع، و ذلك زيادة في الفريضة، و لا يعود يقرأ في الفريضة بسجدة (2). و منها عدّة روايات أخر ظاهرة الدلالة في المنع عن قراءة العزائم في الفريضة، فلا إشكال في الحكم،
و قد تكرّر منّا الكلام في أنّ الأصل في النهي و إن كان هو الحرمة التكليفية إلّا أنّ في خصوص المركّبات يكون النهي فيها لبيان المانعية كما أنّ الأمر فيها إنّما يكون لبيان الجزئية و الشرطية، فحينئذ النهي بنفسه يدلّ على الفساد و مانعية قراءة العزائم، فلا حاجة إلى استفادة الفساد من أنّ النهي عن جزء العبادة يوجب تضييق دائرة المكلّف به و تقييده بما عدا
المشتمل على ذلك الجزء المنهي عنه، بداهة أنّه لا يمكن بقاء المكلّف به على إطلاقه مع النهي عن جزئه لاجتماع الأمر و النهي بذلك الجزء و هو محال، فالنهي عن الجزء لا محالة يوجب تقييد المأمور به بما عداه، و حينئذ لو اقتصر على قراءة السورة العزيمة يلزم النقصان و خلوّ الصلاة عن السورة، و لو قرأ غيرها أيضا يلزم الزيادة العمدية و على كلا التقديرين تبطل الصلاة أمّا في صورة النقصان فواضح.
و أمّا في صورة الزيادة فلأنّ الزيادة المباحة العمدية تكون موجبة للبطلان إذا أتى بها بقصد الجزئية، فما ظنّك بالزيادة المحرّمة العمدية، مضافا إلى أنّه يستلزم القران حينئذ و هو موجب آخر للبطلان، هذا.
و لكن يمكن أن يقال: إنّ القران بين السورتين على تقدير كونه مبطلا كما سيأتي الكلام في ذلك فإنّما هو القران بين السورتين الكاملتين لا بين سورة و بعض من سورة، و المدّعى في المقام هو بطلان الصلاة و لو بقراءة بعض من السور العزائم، و أمّا ما ذكر من أنّ النهي عن الجزء يوجب تضييق دائرة المأمور به و تقييده بما عداه فهو حقّ، إلّا أنّه قد عرفت أنّه لا حاجة إلى ذلك بعد ما كان مفاد النهي في المقام هو الفساد بمدلوله الأولي، مع أنّه يمكن أن يقال: إنّ التقييد بما عدا الجزء المنهي عنه لا يستلزم البطلان مطلقا فإنّه لو قرأ العزيمة لا بقصد الجزئية بل بقصد القرآنية و قرأ سورة أخرى أيضا كان اللازم عدم بطلان الصلاة حينئذ و إن فعل محرّما، لعدم الإخلال بأجزاء الصلاة حيث قرأ سورة أخرى و عدم الزيادة العمدية أيضا (1)، إذ لم يقرأ العزيمة بقصد الجزئية حتّى يوجب الزيادة. و هذا بخلاف ما إذا قلنا: بأنّ المستفاد من النهي مانعية قراءة العزيمة فالبطلان حينئذ لا يتوقّف
1) و لكن يمكن أن يقال: إنّه و إن لم يقصد الزيادة حينئذ إلّا أنّه بعد ما كان قراءة العزيمة محرّمة و لو بقصد القرآنية كان قراءتها حينئذ ملحقا حكما بكلام الآدمي فتبطل من هذه الجهة. «منه».
على قصد الجزئية بل يكون حاله حال سائر الموانع.
(1)و ربّما يستشكل في معناه فإنّ التعليل بظاهره لا يستقيم، إذ لو كان العلّة في المنع عن قراءة العزيمة هو استلزامه زيادة السجدة كان اللازم عدم الحكم بالبطلان بمحض قراءة العزيمة، إذ بعد لم يتحقّق السجدة الزائدة المستلزمة للبطلان، بل لو فرض عدم فعله السجدة و لو عصيانا كان اللازم الحكم بصحّة الصلاة، لعدم فعله الزيادة المبطلة، بل لو كان قراءة العزيمة بنفسها غير مبطل. و كان البطلان دائرا مدار السجدة كان اللازم هو عدم السجدة و انتقال التكليف إلى الإيماء أو القضاء بعد الصلاة، كما في صورة السهو أو الاستماع و السماع كما يأتي. و بالجملة: التعليل بظاهره لا يستقيم إلّا أن يقال: إنّ التعليل إنّما هو بيان حكمة التشريع لا علّة الحكم فيكون المعنى حينئذ أنّه لا يقرأ شيئا من العزائم و يكون قراءته ذلك من الموانع المبطلة للصلاة، كما استظهرناه من أنّ النهي في باب المركّبات لبيان المانعية، و الحكمة في جعل قراءة العزيمة مانعا هو أنّه يقع المكلّف في أحد المحذورين إمّا من ترك السجدة الواجبة عليه عند قراءة العزيمة، و إمّا من فعله الزيادة إذا سجد، و حيث إنّ أحد هذين الأمرين كان محذورا عند الشارع فصار ذلك حكمة لتشريع الحكم و جعل مانعية قراءة العزائم.
و الحاصل: أنّه بناء على أنّ يكون قوله عليه السّلام: «فإنّ السجود زيادة في المكتوبة» حكمة لتشريع المانعية لا علّة الحكم يستقيم التعليل.
و أمّا بناء على كونه علّة الحكم فقد يتكلّف في توجيهه بما حاصله: أنّ قراءة العزيمة تكون علّة و سببا لحكم الشارع بالسجدة الزائدة المبطلة و لا يمكن الأمر
1) الوسائل: ج 4 ص 779 باب 40 من أبواب القراءة في الصلاة، ح 1.
حينئذ بالإتمام و الصحّة مع تعقّبه بأمر الشارع بالمبطل. أو يقال: إنّ قراءة العزيمة حيث كانت علّة و سببا لزيادة السجدة و لو بأمر الشارع فيكون الأمر بالسجدة سببا توليديّا من قراءة العزيمة، و قد ذكرنا في باب المسبّبات التوليديّة أنّ المسبّب يكون عنوانا لنفس السبب و يكون الإلقاء مثلا معنونا بالإحراق، فتكون نفس قراءة العزيمة في المقام معنونة بالزيادة لتولّد الأمر بالسجدة الزائدة منها، فتكون نفس قراءة العزيمة حينئذ زيادة في الصلاة فتبطل بمحض الشروع فيها، فتأمّل، فإنّ ذلك كلّه لا يستقيم، و لا محيص عن إرجاع التعليل إلى أنّه حكمة التشريع (1).
هذا كلّه في بيان ارتباط التعليل بالحكم.
بقي الكلام في أصل معنى كون السجود زيادة في المكتوبة. فنقول: لو لم يكن لنا هذه الرواية لكان مقتضى القاعدة عدم بطلان الصلاة بفعل سجدة تلاوة العزيمة و عدم شمول أدلّة الزيادة لها، لما بينّا في محلّه من أنّ زيادة ما كان من سنخ أفعال الصلاة و إن كان صدق الزيادة عليها لا يتوقّف على القصد بأنّها من الصلاة إلّا أنّه قصد عدم كونها من الصلاة يوجب عدم صدق الزيادة كمن انحنى لقتل الحية، و أمثال ذلك. و لازم ذلك هو عدم صدق الزيادة على سجدة العزيمة أو سجدة الشكر و أمثال ذلك ممّا يكون من سنخ أفعال الصلاة مع قصد عدم كونها من الصلاة هذا.
و لكن يمكن أن يقال: إنّ سجدة العزيمة تارة تكون لمكان قراءة المصلّي سورة العزيمة، و اخرى تكون لمكان الاستماع أو السماع من دون أن يكون المصلّي بنفسه مباشرا لقراءة العزيمة، فإن كان المصلّي هو المباشر لقراءة العزيمة فكانت السجدة حينئذ من توابع صلاته و ملحقات الركعة التي قرأ فيها العزيمة، إذ قراءة
1) سيأتي في بعض المباحث الآتية مزيد توضيح ذلك.
العزيمة في الركعة هي التي أوجبت السجدة عليه، فتكون من توابع الركعة. و بهذا الاعتبار يمكن صدق الزيادة على السجدة إذ يصدق عليه لمكان فعله في الصلاة ما أوجب السجدة أنّه زاد في صلاته، فتشمله أدلّة الزيادة. و أمّا إذا لم يكن المصلّي هو المباشر لقراءة العزيمة بل كان إيجاب السجدة عليه لمكان السماع أو الاستماع فلا يأتي التوجيه المتقدّم، إذ لم يفعل في الركعة ما يوجب السجدة عليه حتّى يقال: إنّ السجدة تكون حينئذ من لواحق الركعة و يصدق عليها الزيادة بهذا الاعتبار، بل كان إيجاب السجدة عليه لمكان قراءة الغير، فحينئذ لا يصدق الزيادة على مثل هذه السجدة، و لكن بعد ورود قوله عليه السّلام: «لأنّ السجود زيادة في المكتوبة» (1)يستظهر أنّ فعل ما يكون من سنخ أفعال الصلاة يكون زيادة في الصلاة مطلقا و إن قصد عدم كونه من الصلاة.
و لكن هذا أيضا ليس على إطلاقه، بل غاية ما يمكن أن يستظهر من الرواية هو أنّ كلّ فعل يكون من سنخ أفعال الصلاة و لم يكن له صورة نوعية و حافظ وحدة يكون فعله في أثناء الصلاة مبطلا كالسجدة الواحدة للعزيمة أو للشكر. و أمّا إذا كان المأتيّ به في أثناء الصلاة ممّا له عنوان مستقلّ و حافظ وحدة كفعل صلاة الآيات في أثناء الصلاة بل فعل سجدتي السهو في أثنائها، فلا يصدق على مثل ذلك أنّه زاد في صلاته، بل يقال: إنّه صلّى في أثناء صلاته أو سجد سجدتي السهو فيها، بداهة أنّ اشتمال سجدتي السهو على التشهّد و التسليم يوجب لها عنوانا مستقلا و حافظ وحدة تخرج بذلك عن صدق الزيادة، فلا يقال: إنّه زاد في صلاته سجدتي السهو فمن حيث الزيادة لا توجب البطلان. نعم من حيث إخلالها بالموالاة كلام ذكرنا تفصيله في الأصول. و لعلّه يأتي بعد ذلك أيضا
1) الوسائل: ج 4 ص 774 باب 40 من أبواب القراءة في الصلاة، ح 1.
إن شاء اللّٰه.
و الحاصل: أنّ استظهارنا من روايات الباب بطلان الصلاة بزيادة السجدة الواحدة للعزيمة لا يوجب التعدّي عن ذلك إلى كلّ ما كان من سنخ أفعال الصلاة مع عدم قصد كونه منها ممّا كان له حافظ وحدة.
الأمر الثالث: قد عرفت أنّ جملة من الروايات (1)ظاهرة الدلالة في عدم جواز قراءة العزائم في الفريضة
، فمقتضى الصناعة حمل ما دلّ بإطلاقه على جواز قراءة العزيمة على النافلة لما دلّ على جواز قراءتها في النافلة، فالأولى ذكر جملة من أخبار الباب ليتّضح كيفية الجمع بينها، فمنها: ما تقدّم من حسنة زرارة (2). و منها:
ما تقدّم أيضا من رواية علي بن جعفر (3). و منها: رواية عمّار عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال: في الرجل يسمع السجدة في الساعة التي لا تستقيم الصلاة فيها قبل غروب الشمس و بعد صلاة الفجر. فقال عليه السّلام: لا يسجد. و عن الرجل يقرأ في المكتوبة سورة فيها سجدة من العزائم. فقال عليه السّلام: إذا بلغ موضع السجدة فلا يقرؤها و إن أحبّ أن يرجع فيقرأ سورة غيرها و يدع التي فيها السجدة فيرجع إلى غيره (4).
و هذه الرواية و إن دلّت على عدم جواز قراءة آية السجدة لكن لا تدلّ على عدم جواز قراءة السورة التي فيها آية السجدة بل يستفاد من ذيلها جواز الاكتفاء بها و لا يجب عليه قراءة سورة أخرى. و لكن يشكل العمل بها من جهة دلالتها حينئذ على الاكتفاء بها من دون قراءة آية السجدة، فتكون حينئذ من أدلّة جواز
قراءة بعض السورة في الصلاة و عدم وجوب سورة كاملة و بالجملة: هذه الرواية غير ظاهرة في الكراهة كما قيل، بل لو تمّت دلالتها لكانت دالّة على الجواز من غير كراهة، فإنّ قوله عليه السّلام: «و إن أحبّ أن يرجع» لا يدلّ على رجحان الرجوع. نعم لو كان التعبير فإنّي أحبّ أن يرجع لدلّت على الكراهة. و لعلّه من سوء تعبير عمّار الذي قلّ في رواياته ما يكون خاليا عن سوء التعبير.
و منها: رواية سماعة قال: من قرأ اقرأ باسم ربّك فإذا ختمها فليسجد إلى أن قال: و لا تقرأ في الفريضة اقرأ في التطوّع (1). و هذه الرواية ظاهرة الدلالة في عدم الجواز في الفريضة و الجواز في النافلة.
و منها: ما رواه الحلبي عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام: أنّه سئل عن الرجل يقرأ بالسجدة في آخر السورة قال عليه السّلام: يسجد ثمّ يقوم فيقرأ فاتحة الكتاب ثمّ يركع و يسجد (2).
و هذه الرواية بإطلاقها تدلّ على الجواز مطلقا في الفريضة و النافلة إلّا أنّه لا بدّ من حملها على النافلة بقرينة ما تقدّم، و يكون أمره عليه السّلام بإعادة الفاتحة لأجل استحباب أن يكون ركوعه عن قراءة، و حيث تخلّل السجدة العزيمة بين الركوع و القراءة فأمر عليه السّلام بإعادة الفاتحة ليكون ركوعه عن قراءة، و هذا الأمر يكون للاستحباب لقول علي عليه السّلام: إذا كان آخر السورة السجدة أجزأك أن تركع بها (3)ثمّ إنّ استحباب إعادة الفاتحة إنّما هو إذا كانت آية السجدة في آخر السورة، كسورة «اقرأ باسم ربّك» و سورة «و النجم»، و أمّا إذا كانت في أثناء السورة فلا يعيد الفاتحة، إذ لا يكون ركوعه لا عن قراءة بل يكون
ركوعه عن قراءة لقراءته بعد سجدة العزيمة بقية السورة.
و على كلّ حال مقتضى الجمع بين هذه الروايات عدم جواز قراءة العزيمة في الفريضة. نعم في رواية علي بن جعفر (1)المتقدّمة ما يدلّ على جواز قراءة العزيمة في الفريضة و لكن ذيل الرواية تدلّ على عدم الجواز لقوله عليه السّلام: «و ذلك زيادة في الفريضة و لا يعود يقرأ في الفريضة بسجدة» و يمكن حمل صدرها على التقية لإشعار جملة من روايات الباب على ذلك فتأمّل فيها جيّدا.
و على كلّ حال لا ينبغي التوقّف في عدم الجواز سواء استظهرنا من النهي المانعية أو الحرمة التكليفية، و تكون قراءتها مبطلة على كلّ تقدير سواء قلنا: إنّ قوله عليه السّلام: «فلأنّ السجود زيادة في المكتوبة» (2)علّة التشريع أو علّة الحكم، و لا يدور البطلان مدار فعل السجدة خارجا بل بنفس قراءته العزيمة تبطل الصلاة، أمّا بناء على المانعية و كون العلّة حكمة التشريع فواضح، و أمّا بناء على كونها علّة الحكم فالبطلان حينئذ من أمر الشارع بالسجدة المبطلة لما تقدّم من أنّه لا يجتمع الصحّة و الأمر بالمضيّ مع الأمر بفعل المبطل بل تبطل الصلاة بنفس الشروع بقراءة العزيمة على بعض الصور. و لا بأس بذكر الأقسام المتصوّرة في المقام حتّى يعلم أنّ أيّا منها يندرج تحت أخبار الباب و أيّا منها لا يندرج.
فنقول: إمّا أن يكون هو المباشر لقراءة العزيمة، و إمّا أن يكون باستماع لقراءة غيره، و إمّا أن يكون بسماع. و على تقدير المباشرة إمّا أن يكون عن عمد، و إمّا أن يكون عن نسيان، و على التقديرين إمّا أن يقرأ السورة بقصد الجزئية، و إمّا أن يقرأها بقصد القرآنية. و على كلا التقديرين إمّا أن يكون قاصدا إلى الإنهاء إلى
آية السجدة، و إمّا أن يكون قاصدا عدم الإنهاء، و إمّا أن يكون لا قصد.
ثمّ إنّه إمّا (1)أن نقول: بدلالة النهي على المانعيّة، و إمّا أن نقول: بدلالته على الحرمة التكليفية. و على تقدير المانعية فإمّا أن نقول باختصاص المانعيّة بما إذا جعلها في مكان الجزء بأن يكون المانع جعلها جزء في الصلاة في مكان السورة المأمور بها، و إمّا أن نقول بالمانعيّة مطلقا بمعنى أن قراءة العزيمة في الصلاة تكون من الموانع في أيّ مكان حصل و لو في القنوت.
ثمّ إنّه إمّا أن نقول إنّ المنهي عنه خصوص آية السجدة، و إمّا أن نقول مجموع السورة و لو بملاحظة آية السجدة بأن تكون السورة منهيّا على جهة المانعيّة أو التكليف لجزئها لا لنفسها. و على جميع التقادير إمّا أن نقول بأنّ قوله عليه السّلام:
«فإنّ السجود زيادة في الفريضة» (2)حكمة التشريع و إمّا أن نقول إنّه علة الحكم.
فهذه جملة الأقسام المتصوّرة في فعل المكلّف و الاحتمالات المتصوّرة في أخبار الباب.
فإن قلنا: إنّ المانعيّة أو الحرمة مقصورة بما إذا أتى بها بعنوان الجزئية فقراءة العزائم بعنوان القرآنية كلّا أو بعضا بقصد الإنهاء إلى آية السجدة أو عدم القصد أو قصد العدم ممّا لا مانع عنه حينئذ، و يكون خارجا عن أخبار الباب، إلّا أنّ قصر المانعيّة أو الحرمة بصورة الجزئية محلّ منع بعد إطلاقات الأخبار، و دعوى انصرافها إلى خصوص قصد الجزئية ممنوع، بل ظاهر قوله عليه السّلام: لا تقرأ شيئا من العزائم (3). يعمّ قصد الجزئية و القرآنية فيكون مخصّصا لما دلّ على جواز
قراءة القرآن في الصلاة، كما كان مخصّصا لما دلّ على الاكتفاء بأيّ سورة.
و لا موجب للتخصيص بخصوص قصد الجزئية إلّا دعوى الانصراف إليه، و منشأ الانصراف ليس إلّا غلبة جعل العزيمة في مكان السورة المأمور بها، و مثل هذا الانصراف الناشئ عن غلبة الوجود ممّا لا عبرة به، فالأقوى عموم المانعيّة أو الحرمة لما إذا قصد القرآنية أيضا، و بعد ذلك نقول:
إنّ الظاهر من النهي عن قراءة العزيمة بضميمة التعليل و مناسبة الحكم و الموضوع هو كون المانع أو المحرّم هو خصوص آية السجدة، فمع عدم القصد إلى الإنهاء إلى آية السجدة سواء قصد العدم أو كان لا قصد لا موجب للحرمة و لا للبطلان، بل يختصّ البطلان بما إذا قصد الإنهاء إلى آية السجدة، و بعد القصد لا يتوقّف البطلان على تحقّق آية السجدة خارجا، بل بمجرّد الشروع في السورة مع القصد تبطل الصلاة و يكون فاعلا للمحرّم، نظير تصوير ذوات الأرواح حيث إنّ الشروع في التصوير مع قصد الإنهاء إلى تمام الصورة يكون محرّما و يكون من أول الأمر فاعلا للمحرّم. و السرّ في ذلك هو صدق قراءة العزيمة أو التصوير مع القصد المذكور بمحض الشروع.
ثمّ إنّه لا فرق فيما ذكرنا بين أن نقول: إنّ المستفاد من الأدلّة هو المانعيّة كما هو أظهر الوجهين، أو نقول: إنّ المستفاد منها هو الحرمة، إذ بناء على الحرمة أيضا تبطل الصلاة سواء قرأ العزيمة بقصد الجزئية أو قرأها بقصد القرآنية، غايته أنّه لو قرأها في مكان السورة الواجبة يكون المقام من صغريات النهي عن جزء العبادة، و قد قلنا في محلّه ببطلان العبادة. و إن قرأها بقصد القرآنية يكون ملحقا حكما بكلام الآدمي المبطل و إن لم يكن هو موضوعا، و يأتي بيان ذلك إن شاء اللّٰه في محلّه.
كما أنّه لا فرق فيما ذكرنا بين أن نقول بأنّ العلّة علّة للحكم أو علّة للتشريع،
إذ بناء على كونها علّة للحكم قد عرفت أنّه لا يدور البطلان مدار فعل السجود خارجا بل مدار أمر الشارع بالسجود المبطل، حيث إنّ الأمر بالمبطل لا يجتمع مع الأمر بالمضيّ. نعم بناء على أن تكون العلّة علّة التشريع لا يتوقّف البطلان على قراءة آية السجدة، بل بمحض الشروع في السورة بقصد الإنهاء إلى آية السجدة تبطل، و هذا بخلاف ما إذا كانت علّة الحكم فإنّ الأمر بالسجود المبطل إنّما يتحقّق بعد قراءة آية السجدة فقبلها لا أمر بالمبطل حتّى لا يجتمع مع الأمر بالمضيّ. هذا كلّه في صورة تعمّد قراءة العزيمة.
و أمّا في صورة النسيان فالكلام فيه يقع من جهتين الاولى: في حكم ما قرأه من العزيمة. الثانية: في حكم سجود العزيمة.
أمّا الكلام في الجهة الاولى: فلا إشكال في أنّه لو شرع في العزيمة نسيانا و تذكّر قبل آية السجدة يجب عليه العدول إلى سورة أخرى على كلا تقديري المانعيّة و الحرمة، و لا يضرّ ما أتى به في حال النسيان لأنّه زيادة سهوية مغتفرة، و ليس من مسألة القران أيضا. و أمّا إذا تذكّر بعد آية السجدة ففي وجوب إتمامها و الاكتفاء بها بدل السورة الواجبة عليه أو وجوب إبدالها بسورة أخرى وجهان مبنيّان على أنّ المانعيّة هل معلولة للنهي حتّى ترتفع بارتفاع النهي بسبب النسيان و تكون سورة العزيمة حينئذ من أفراد مطلق السورة المأمور بها، أو أنّ النهي و المانعيّة كلاهما معلولين لعلّة ثالثة و هي الملاك فبارتفاع النهي بسبب النسيان لا يرتفع ما هو ملاك المانعيّة فلا تصلح سورة العزيمة أن تقع جزء للصلاة و لا بدّ حينئذ من إتيان سورة أخرى غايته أنّ ما قرأه نسيانا يكون زيادة مغتفرة بمقتضى حديث «لا تعاد» (1)، و لو لا الحديث لقلنا بالبطلان أيضا لما فيه من ملاك المانعيّة؟ و هذا
1) الوسائل: ج 3 ص 227 باب 9 من أبواب القبلة، ح 1.
هو الأقوى، لأنّ معلوليّة المانعيّة للنهي يبتني على كون ارتفاع أحد الضدّين مقدّمة لوجود الآخر، و قد ذكرنا في مبحث الضدّ بطلان المقدمية كما ذكرنا في تنبيهات الأقل و الأكثر وجه الابتناء فراجع.
و قد جعل شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- في وسيلته الإتمام بقصد القرآنية أحوط، و لم يظهر وجه هذا الاحتياط إلّا خروجا عن المخالفة لمن قال بالاكتفاء بها. و على كلّ حال الأقوى وجوب قراءة سورة أخرى سواء تذكّر قبل إكمال سورة العزيمة أو بعده.
و أمّا الكلام في الجهة الثانية: فيقع الكلام فيها أولا: من حيث ما تقتضيه القاعدة. و ثانيا: من حيث ما يستفاد من أخبار الباب.
أمّا الحيثية الأولى: فالقاعدة تقتضي وجوب السجود عليه في أثناء الصلاة، و ذلك لأنّ السجود للعزيمة بنفسه لم يكن زيادة في الصلاة حتّى تشمله أدلّة الزيادة، إذ لم يأت به بقصد كونه من الصلاة بل قصد عدم كونه من الصلاة، و مع قصد العدم لا يصدق عليه الزيادة، و مقتضى ما دلّ على فورية السجود هو وجوب السجود في الأثناء و على فرض كون السجود للعزيمة زيادة في الصلاة كما هو مقتضى التعليل نقول: إنّ هذه الزيادة ملزم بها شرعا بمقتضى ما دلّ على فورية السجود، فهو مقهور عليها شرعا. و قد قلنا في محلّه إنّ حديث «لا تعاد» (1)و إن كان مخصوصا بصورة النسيان و لا يعمّ الجاهل فضلا عن العامد، إلّا أنّ القهر الشرعي ملحق بالنسيان و يشمله حديث «لا تعاد» لأنّ كلّ ما كان يلزم منه إعادة الصلاة فحديث «لا تعاد» يكون حاكما فيما عدا الأركان. فكلّ واجب فوري إذا عرض في أثناء الصلاة كان اللازم فعله في الأثناء من دون أن يستلزم
1) الوسائل: ج 3 ص 227 باب 9 من أبواب القبلة، ح 1.
بطلان الصلاة إلّا إذا أوجب خللا في الأركان، و من هنا قلنا بوجوب صلاة الآيات في أثناء الصلاة، إذ لا يلزم من ذلك إلّا فوات الموالاة بين الأجزاء و هي ليست من الأجزاء الركنيّة حتّى تدخل في عقد المستثنى في حديث «لا تعاد» (1)و فورية صلاة الآيات يوجب عدم بطلان الصلاة بفوات الموالاة بمقتضى حديث «لا تعاد».
و الحاصل: أنّ كلّ واجب فوري يجوز فعله في أثناء الصلاة ما لم يخلّ بالأركان و إن كان من سنخ أفعال الصلاة، و لا يضرّ زيادته في الصلاة، فإنّ الإلزام الشرعي ملحق بالنسيان في شمول «لا تعاد» له، و في المقام يجب عليه السجود للعزيمة في أثناء الصلاة و لا يكون مبطلا للصلاة بمقتضى حديث «لا تعاد».
و بذلك يظهر ضعف ما صدر عن بعض الأعلام في المقام من معاملة التعارض بين حرمة إبطال الصلاة و بين وجوب فوريّة السجود، و تقديم حرمة الإبطال للأهمّية أو غيرها، فإنّ السجود للعزيمة لا يستلزم البطلان حتّى يقع التعارض بينهما.
و بما ذكرنا يظهر أنّ مقتضى القاعدة في صورة الاستماع أو السماع هو ذلك أيضا أي فعل السجود في أثناء الصلاة من دون أن يستلزم ذلك بطلان الصلاة من غير فرق بين أن نقول بحرمة الاستماع أو لم نقل على ما يأتي بيانه. هذا كلّه حسب ما تقتضيه القاعدة.
و لكن مقتضى ما يستفاد من التعليل هو بطلان الصلاة بزيادة السجود، بداهة أنّ قوله عليه السّلام: «لأنّ السجود زيادة في المكتوبة» بمنزلة قوله إنّ السجود يبطل الصلاة. و ليس المراد صدق الزيادة على السجود من غير تعرّض
1) الوسائل: ج 3 ص 227 باب 9 من أبواب القبلة، ح 1.
لحكم الزيادة و إلا كان التعليل بذلك لغوا، مضافا إلى دعوى الإجماع على عدم جواز فعل السجود في الأثناء، كما حكاه الشيخ عن بعض مشايخه و إن نقل خلاف ذلك عن كاشف الغطاء (1)، و مضافا إلى ما سيأتي في بعض الأخبار (2)من الأمر بالإيماء هذا.
و لكنّ الإنصاف أنّ المسألة بعد في غاية الإشكال. و منشأ الإشكال هو التعليل المذكور في الروايات (3)حيث إنّه لم يظهر لنا بعد كونه علّة للحكم أو علّة التشريع، فلو كانت علّة للتشريع كان اللازم هو فعل السجود إذا قرأ العزيمة نسيانا إذ الزيادة حينئذ تكون حكمة لعدم جواز قراءة العزيمة، و في صورة النسيان لا يكون نهي. و قد عرفت أنّ القاعدة حسب ما يقتضيه حديث «لا تعاد» (4)عدم البطلان بمثل هذه الزيادة إلّا أنّ ذلك أيضا يتوقّف على وجوب الفوريّة في سجود العزيمة. و قد حكي أنّه لا دليل على وجوب الفورية إلّا الإجماع و هو مفقود في المقام، بل قد عرفت أنّ الإجماع محكيّ على خلافه و لو كانت العلّة علّة للحكم كان زيادة السجود مطلقا مبطلا فلا يجوز فعله في الأثناء كما لا يخفى. فالعمدة معرفة كون العلّة علّة الحكم أو التشريع. و الانصاف أنّ الكلام من هذه الجهة مجمل و لا أقل من احتفافه بما يصلح للقرينية، أي يصلح لأن يكون علّة الحكم و التشريع.
ثمّ إنّه ربّما قيل بحرمة الاستماع. و لعلّ وجهه هو كونه موجبا لتأخير الواجب الفوري من السجود لو أخّر السجود إلى ما بعد الصلاة أو إبطاله للصلاة إذا فعله في
الأثناء، فهو سبب للوقوع إلى أحد المحذورين لا محالة، فتأمّل.
و على كلّ حال الأقوى في جميع صور المسألة هو عدم فعله للسجود في الأثناء و استلزامه للبطلان.
و عليه فهل يؤخّره إلى ما بعد الصلاة أو يومي إليه في الأثناء؟
ظاهر بعض الأخبار هو الثاني، و هو ما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السّلام: قال: سألته عن الرجل يكون في صلاة في جماعة فيقرأ إنسان السجدة كيف يصنع؟ قال عليه السّلام: يومي برأسه (1). قال: و سألته عن الرجل يكون في صلاة فيقرأ آخر السجدة؟ قال: يسجد إذا سمع شيئا من العزائم إلّا أن يكون في فريضة فيومئ برأسه إيماء (2). و في معناه روايات أخر (3)، إلّا أنّ الذي ذكرناه أظهر دلالة كما لا يخفى على المراجع لاحتمال التقية في البواقي.
و الإشكال في الإيماء من حيث [انه] بدل عن السجود و هو في حكم المبدل فتكون زيادته مبطلة أيضا ضعيف غايته، لأنّ البدلية في المقام ثبتت بالخصوص دفعا لمحذور الزيادة فهو اجتهاد في مقابل النص. نعم لا بدّ من إحراز العمل بهذه الروايات و الأحوط هو الجمع بين الإيماء و السجود بعد الصلاة، فتأمّل في المقام جيّدا، فإنّ المسألة بعد غير خالية عن شوائب الإشكال.
فلا يكفي مجرّد حركة اللسان و الشفة.
من قواعد الصرف و النحو و كيفية التلفّظ بها على ما جرى عليه أسلوب الكلام، فلا يجوز إخراج الحرف من غير مخرجه و لا تبديله بحرف آخر و إن كان ذلك بتبديل الضاد بالظاء. و في حكم الحروف الإعراب و التشديد و غير ذلك ممّا هو مذكور في المفصّلات. نعم في الوقف بالحركة أو الوصل بالسكون إشكال، و الاحتياط لا يترك خصوصا في الأول.
و البحث عن تواتر القراءات السبع و جواز القراءة بكلّ واحدة و عدم التجاوز عنها أو جوازه إلى القراءات العشر كلام مذكور في المفصّلات، فراجع.
في مثل الجار و المجرور و المضاف و المضاف إليه و اللام مع مدخولة. و أمّا الموالاة فيما عدا ذلك من المعطوف و المعطوف عليه فضلا عن الآيتين فهو ليس شرطا للقراءة بل هو شرط للصلاة في حال القراءة على ما يأتي بيانه إن شاء اللّٰه.
و تظهر الثمرة بين الوجهين فيما لو أخلّ بالموالاة سهوا أو بقهر قاهر، فإنّه بناء على أن يكون شرطا للقراءة لزم إعادتها ما لم يدخل في الركوع على وجه تحصل الموالاة، و لو كانت شرطا للصلاة في حال القراءة فقد فات محلّها، و لا يجب عليه إعادة القراءة، بل لا يجوز لاستلزامه الزيادة. هذا كلّه في الإخلال بالموالاة سهوا و أمّا لو أخلّ بها عمدا كان ذلك موجبا للبطلان مطلقا كما لا يخفى.
بتقديم الاولى على الثانية، فلو خالف الترتيب بأنّ قدّم السورة فإن كان ذلك عن عمد بطلت صلاته، للزيادة العمدية إن أتى بها في محلّها، و للنقصان أيضا إن لم يأت بها، بل لو كان من نيّته ذلك من أول الأمر لم تنعقد صلاته كما لا يخفى. و لو كان ذلك عن سهو فإن تذكّر قبل الركوع أتى بها بعد قراءة الفاتحة و لزمه سجدتا السهو
لزيادة السورة، بناء على وجوب سجدتي السهو لكلّ زيادة و نقيصة.
و دعوى أنّه لا موجب لإعادة السورة في محلّها بعد ما كان التقديم لنسيان، إذ لم يخلّ إلّا بالترتيب و هو شرط للصلاة، و بعد قراءة الفاتحة لم يبق محلّ للترتيب، لاستلزامه زيادة السورة فهو كالإخلال بالموالاة المعتبرة في الصلاة، حيث إنّ الإخلال بها نسيانا بعد الدخول في الجزء اللاحق لا يوجب العود إلى ما يحصل الموالاة فالإخلال بالترتيب نسيانا لا يوجب العود إلى ما يحصل معه الترتيب، فلا موجب لإعادة السورة، واضحة الفساد. إذ المحلّ المضروب للسورة شرعا إنّما هو بعد الفاتحة بالنسبة إلى الذاكر للفاتحة القارئ لها، فلو لم يأت بالسورة بعد قراءة الفاتحة لم يكن آتيا للمأمور به.
و بالجملة: بعد ما تذكّر قبل الدخول في الركوع أنّه قدّم السورة وجب عليه فعلها بعد الفاتحة و كان ما قدّمه زيادة سهويّة لعدم إتيانه بأصل المأمور به لا أنّ ما قدّمه يكون هو المأمور به و كان الفائت محض الترتيب كما توهّم.
و إنّما قلنا إنّ محلّ السورة بعد الفاتحة لخصوص الذاكر دفعا لما ربّما يتوهّم من أنّه لو قرأ السورة نسيانا و دخل في الركوع من دون قراءة الفاتحة بتخيّل قراءتها كان ذلك من نسيان السورة و الفاتحة معا، أمّا الفاتحة فبالوجدان، و أمّا السورة فلعدم فعلها في محلّها المضروب لها شرعا و هو ما بعد الفاتحة و السورة التي قرأها لم تحسب جزء من الصلاة لعدم وقوعها بعد الفاتحة، فيلزمه سجدتا السهو لكلّ من السورة و الفاتحة.
وجه الدفع: هو أنّ الفرض إنّما يكون من ناسي الفاتحة فقط و ليس من ناسي السورة، لأنّ المفروض قراءتها و إنّما اعتبر فعلها بعد الفاتحة لمن كان متذكّرا لها قارئا لها، و على ما توهّم يلزم أن لا يتصوّر نسيان الفاتحة فقط و هو كما ترى.
و الحاصل: أنّ السورة التي قدّمها تكون مراعى فإن تذكّر قبل الركوع كانت
زيادة مغتفرة و إن تذكّر بعد الركوع مع عدم قراءة الفاتحة كانت جزء و كانت الفاتحة منسيّة فقط. لأنّ «لا تعاد» (1)أسقط جزئية الفاتحة، فالسورة تقع في محلّها، و إلى هذا الفرض- أي فرض عدم قراءة الفاتحة- نظر شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- في وسيلته حيث قال: إنّ ذلك من نسيان الفاتحة- على ما صرّح به في مجلس البحث- و إن كانت العبارة لا تخلو عن شيء.
بقي في المقام فرع لم يتعرّض له شيخنا في وسيلته و هو ما إذا قدّم السورة سهوا و قرأ الفاتحة بعدها و ركع. و حكمه الصحّة و تكرار سجدتي السهو للزيادة و النقيصة، أمّا النقيصة فلعدم قراءة السورة المأمور بها بعد الفاتحة، و أمّا الزيادة فلما قدّم من السورة. ثمّ لا يخفى عليك أنّ عبارة الوسيلة في المقام لا تخلو عن إيهام على خلاف ما هو المقصود.
، بناء على أن تكون جزء من كلّ سورة لا جزء من الصلاة عند افتتاح السورة، فإنّ هذا خلاف ما يقتضيه التدبّر في بعض الأخبار. فإذا كانت جزء من كلّ سورة فلا بدّ من تعيينها إذ لا مائز بين البسملات المشتركة بين جميع السور سوى القصد، بداهة أنّ صيرورة البسملة جزء للإخلاص دون الجحد إمّا بالقصد و إمّا بشرط تعقّبها بالإخلاص على نحو الشرط المتأخّر، و الثاني و إن كان ممكنا إلّا أنّه بعيد، لأنّ وصف التعقّب لا بدّ له من لحاظ و عناية زائدة مفقودة في المقام، فلم يبق إلّا القصد.
و قياس أجزاء السورة بأجزاء المركّبات الخارجية حيث إنّ الأجزاء السابقة تصلح لانضمام الأجزاء اللاحقة لها و تأليف المركّب من المجموع مع وقوع الأجزاء
1) الوسائل: ج 3 ص 227 باب 9 من أبواب القبلة، ح 1.
السابقة بلا قصد أو بقصد عدم ذلك المركّب في غير محلّه. و ذلك لأنّ اللازم هو قراءة سورة من السور التي نزلت على قلب سيّد المرسلين صلّى اللّٰه عليه و آله، و من المعلوم أنّه كانت لكلّ سورة بسملة شخصية، فاللازم في مقام الامتثال من قصد حكاية تلك السورة بتلك البسملة، و إلّا لم يكن قراءة لتلك السورة، فتأمّل جيّدا.
نعم لا يلزم القصد تفصيلا بل يكفي الإجمالي منه المرتكز في الذهن الناشئ عن الاعتياد، لأنّ الاعتياد يوجب الجري على اللسان و لو مع عدم التفاوت إليه تفصيلا إلّا أنّ القصد المرتكز في الذهن يكفي، بل لو كان معتادا لسورة خاصّة و لكن جرى على لسانه بسملة و سورة أخرى من دون قصد إليها كفى أيضا، إلّا إذا كان قاصدا لما اعتاده أو غيره فنسي و جرى على لسانه غير ما قصده، لأنّ جري البسملة مع السورة على اللسان يكشف عن وقوعهما عن مبدأ واحد و إرادة واحدة و إن لم يلتفت إليها تفصيلا. و هذا بخلاف ما إذا جرى على لسانه البسملة فقط، فإنّ ذلك لا يوجب تعيّنها لما يقع بعدها من السورة، بل لا بدّ من قراءة بسملة أخرى بقصد سورة خاصّة، فتأمّل في المقام فإنّه لا يخلو عن كلام.
فالمشهور بين المتقدّمين على ما حكي عنهم هو عدم الجواز، و المشهور بين المتأخّرين هو الجواز. و منشأ الاختلاف هو اختلاف الأخبار.
فممّا يدلّ على عدم الجواز ما رواه محمّد بن مسلم عن أحدهما قال: سألته عن الرجل يقرأ السورتين في الركعة فقال عليه السّلام: لا، لكلّ سورة ركعة (1)، و ما رواه المفضّل بن صالح عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال: لا تجمع بين السورتين
1) الوسائل: ج 4 ص 740 باب 8 من أبواب القراءة في الصلاة، ح 1.
في ركعة إلّا الضحى و ألم نشرح و الفيل و لإيلاف (1). و غير ذلك من الأخبار (2)الظاهرة في المنع.
و ممّا يدلّ على الجواز ما رواه علي بن يقطين قال: سألت أبا عبد اللّٰه عن القران بين السورتين في المكتوبة و النافلة قال عليه السّلام: لا بأس (3). و قد حمل المتأخّرون أخبار المنع على الكراهة في خصوص الفريضة دون النافلة، لما ورد من جواز القران فيها، كما في رواية علي بن محبوب عن أبي جعفر عليه السّلام: إنّما يكره أن يجمع بين السورتين في الفريضة و أمّا النافلة فلا بأس (4). و المتقدّمون حملوا أخبار الجواز على التقية لموافقتها لمذهب العامّة، خصوصا مع كون الراوي للجواز مثل علي بن يقطين الذي هو في زمان شدّة التقية، هذا.
و لكنّ الإنصاف أنّ مقتضى [الجمع] هو ما صنعه المتأخّرون، لأنّ الترجيح بالجهة متأخّر عن الترجيح الدلالي، مضافا إلى ما قيل من أنّ الجواز ليس مذهب عموم العامّة بل هو خصوص مذهب الشافعيّة، التي لم يظهر أمرها في زمان الصادقين بمثابة يوجب الاتّقاء عنهم، بل المذهب الشائع في زمانهما هو مذهب الحنفيّة، هذا. و لكن مع ذلك في النفس شيء، من جهة عدم عمل القدماء بأخبار الجواز، و المنع عن شهرة القدماء على المنع مخالف للوجدان كما لا يخفى على المراجع. كما أنّ طعن القدماء بعدم عثورهم على روايات الجواز من حيث عدم تنقيح الأصول الأربعمائة في زمانهم خلاف الإنصاف لأنّ بناء المتقدّمين على المنع حتّى من كان زمانه متأخّرا عن تدوين الكتب و الجوامع الأربع.
و الحاصل: أنّ العمدة في المسألة هو أنّ عدم عمل القدماء على أخبار الجواز هل هو إعراض عنها بحيث يوجب ضعفها أو لا؟
فالإنصاف أنّه لا يمكن الجزم بأحد طرفي المسألة فالاحتياط لا ينبغي تركه.
ثمّ إنّه على كلّ من الحرمة أو الكراهة فهل يختصّ المنع بالسورتين الكاملتين أو يعمّ سورة و بعض من أخرى، أو يعمّ تكرار بعض من الاولى؟ و على كلا التقديرين فهل يختصّ المنع بما إذا كان من نيّته أولا القران بينهما أو يعمّ ما إذا عرض له ذلك بعد قراءة السورة؟ و على جميع التقادير فهل يختصّ المنع بما إذا أتى بالسورتين بقصد الجزئية أو يعمّ ما إذا أتى بهما بقصد القرآنية؟
أمّا الجهة الأولى: فظاهر بعض الأخبار و إن كان هو الاختصاص بالسورتين الكاملتين، إلّا أنّ مقتضى خبر منصور بن حازم من قوله عليه السّلام: لا تقرأ بأقل من سورة و لا بأكثر (1). هو التعميم.
و أمّا الجهة الثانية: فالظاهر اختصاص الباب بما إذا كان القران بين سورتين متغايرتين، فلا يعمّ تكرار السورة الواحدة أو بعض منها، فتأمّل جيّدا.
و أمّا الجهة الثالثة: فمقتضى إطلاق أدلّة الباب هو عدم الفرق بين ما إذا كان من نيّته ذلك من أول الأمر أو عرض له ذلك بعد قراءة السورة نعم ربّما ينافيه أخبار العدول (2)قبل تجاوز النصف بناء على تعميم القران لمطلق الزيادة كما هو المختار (3).
و أمّا الجهة الرابعة: فإطلاق أخبار الباب يقتضي التعميم لما إذا قصد
القرآنية أيضا فلا اختصاص لها بصورة قصد الجزئية كما اختاره في الجواهر (1)و لا اختصاص لها أيضا بصورة قصد القرآنية كما نسب إلى المحقّق الكركي (2)زعما منه أنّ محل الكلام هو هذا. و أمّا إذا قصد الجزئية فلا إشكال في البطلان لاستلزامه الزيادة العمدية المبطلة، و لا يخفى عليك فساده للمنع عن صدق الزيادة في الفرض.
و تفصيل ذلك هو أنّه يعتبر في صدق الزيادة في باب الأجزاء أحد أمرين.
الأول: ما إذا أخذ العدد في الجزء كما إذا قيل يجب ركوع واحد أو سجدتان فإنّ في مثله يكون الزائد عن ذلك العدد زيادة في العدد.
الثاني: ما إذا أخذ بلحاظ صرف الوجود حيث إنّه يصدق الزيادة بعد ما إذا تحقّق صرف الوجود. و هذا أيضا ليس على إطلاقه، بل إنّما هو إذا كان الوجود الثاني محدودا بحدّ من وجودية مغاير لما حدّ به الأول، و يكونا من المتباينين بالهوية و إن جمعهما الطبيعة كالسورتين، حيث إنّ السورة الثانية إنّما توجد بعد انتهاء السورة الأولى بحدودها، ففي مثل هذا لو كان المطلوب في السورة هو صرف الوجود كانت السورة الثانية زيادة، و أمّا إذا لم يكن المطلوب صرف الوجود بل القدر المشترك بين الزائد و الناقص هو الذي تعلّق به الطلب، كما في التخيير بين الأقلّ و الأكثر. أو كان المطلوب صرف الوجود و لكن لم يكن للوجود الثاني حدّ وجودي مغاير للوجود الأول، بل كان المائز بين الوجودين هو الحدّ العدمي. فمع عدم تخلّل العدم لا يصدق الزيادة كالخطّ حيث إنّه ما لم يتخلّل العدم لم يكن هناك إلّا خطّ واحد و إن وصل إلى ما لا نهاية له، و لا يصدق الزيادة، و إن كان المطلوب منه صرف الوجود، إذ تمام الخطّ المستطيل صرف وجود واحد بلا زيادة فيه
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ ظاهر الأدلّة الأولية التي اعتبرت السورة في الصلاة هو أن يكون اعتبارها على نحو صرف الوجود، إذ اعتبارها على نحو القدر المشترك بين الزائد و الناقص يحتاج إلى عناية مفقودة، و حيث إنّ لكلّ سورة حدّا وجوديا كان الزائد عن سورة واحدة زيادة و تندرج مع قطع النظر عن أخبار الباب (1)في أدلّة الزيادة الموجب عمدها للبطلان هذا ما يقتضيه القاعدة الأولية.
و أمّا بعد ملاحظة أخبار الباب فإنّ قلنا: إنّ المستفاد منها هو الحرمة و المانعيّة فتكون أخبار الباب من جملة ما دلّ على بطلان الصلاة بالزيادة، و لا يستفاد منها حينئذ حكم وراء ما يستفاد من أدلّة الزيادة. و إن قلنا إنّ المستفاد منها هو الكراهة، فتكون هذه الأخبار كاشفة عن أنّ اعتبار السورة في الصلاة لا على وجه صرف الوجود بل على وجه القدر المشترك بين الزائد و الناقص، و إن كان الناقص أفضل كما دلّ عليه أخبار الباب، و لا محذور فيه أيضا. و على كلّ حال إطلاق أدلّة الباب يقتضي عدم الفرق بين قصد الجزئية و القرآنية، كما أنّ إطلاقها يقتضي عدم الفرق بين ما إذا كان قاصدا للجزئية من أول الأمر بكلا السورتين، أو قصد أولا الجزئية بالسورة الاولى و بعد ذلك أيضا قصد الجزئية بالثانية، بأن جعل كلّا من السورتين جزء مستقلا، فتأمّل، فإنّه ربّما ينافي هذا مع كون المطلوب هو القدر المشترك بين الزائد و الناقص، و لكن مع ذلك يمكن توجيهه بما لا ينافي ذلك.
ثمّ إنّ المنع من القران بين السورتين إنّما هو فيما عدا سورة الضحى و ألم نشرح، و ما عدا الفيل و لإيلاف، إذ فيها يتعيّن الجمع بين السورتين، و لا يجوز الاقتصار على واحد منهما لتضافر النصوص بذلك التي منها ما تقدّم في رواية المفضّل بن
1) الوسائل: ج 4 ص 740 باب 8 من أبواب القراءة في الصلاة.
صالح (1)، مضافا إلى دعوى الإجماعات المستفيضة، فلا إشكال من حيث الحكم، إنّما الإشكال في اتّحاد السورتين موضوعا، و كذا الكلام في وجوب الفصل بينهما بالبسملة، و لكنّ بعض الأخبار شاهد على الاتّحاد الموضوعي، مضافا إلى أنّ مناسبة المعنى يقتضي الاتّحاد أيضا.
نعم في وجوب الفصل بينهما بالبسملة إشكال، و ربّما حكي عن بعض الأعلام عدم الفصل و لكنّ ذكرها في المصاحف ربّما يدلّ على وجود البسملة، و على كلّ حال الأحوط ترك قراءة السورتين في الصلاة من جهة الاختلاف في وجوب الفصل بالبسملة و على تقدير قراءتهما الأحوط قراءة البسملة بقصد القربة المطلقة.
، و قبل بيان ذلك ينبغي بيان ما هو الأصل في المسألة حتّى يكون عليه المعوّل عند الشكّ. اعلم أنّ التخيير في قراءة أي سورة من سور القرآن ما عدا العزائم إمّا أن يكون من قبيل التخيير الشرعي و إمّا أن يكون من قبيل التخيير العقلي.
فإن كان من قبيل التخيير الشرعي فجواز العدول و عدم جوازه يدور مدار كون التخيير ابتدائيّا أو استمراريّا، بمعنى أنّه لو اختار أحد فردي التخيير الشرعي فله العدول عن ذلك الفرد و رفع اليد عنه في الأثناء إلى فرد آخر أو ليس له ذلك بل يتعيّن عليه بمحض الشروع في أحد الفردين ما لم يعرض ما يبطله و تعيّن ذلك الفرد عليه يتوقّف على أمرين: (الأول): عدم كون الإعراض عن الشيء مبطلا.
(الثاني): كون الامتثال في التدريجيّات تدريجيا لا دفعيا، أو و لو كان دفعيا إلّا أنّ اقتضاء الخطاب للباعثية و المحرّكية يبطل بالنسبة إلى ما فعله من الأجزاء.
1) الوسائل: ج 4 ص 744 باب 10 من أبواب القراءة في الصلاة، ح 5.
و توضيح الأمرين هو: أنّ الإعراض عن العمل في الأثناء تارة يكون مبطلا كما في باب الصوم، حيث [إنّ] الإعراض يوجب وقوع جزء من الإمساك بلا نيّة و لو آنا ما و هو مبطل، لاعتبار استدامة النية في جميع آنات الإمساك و اخرى لا يكون مبطلا، كما في باب الوضوء، إلّا إذا تعقّب الإعراض وقوع فعل من أفعال الوضوء بلا نيّة، و إلّا فنفس الإعراض غير موجب للبطلان، فلو أعرض عن الوضوء في الأثناء فله العود و إتمام وضوئه. و أمّا في باب الصلاة فإن قلنا بأنّ للصلاة هيئة اتّصالية المعبّر عنها بالجزء الصوري. فالإعراض عنها في الأثناء يوجب فوات الاستدامة الحكمية المعتبرة في الأثناء، حيث إنّه بناء على هذا يعتبر استدامة النية في جميع الكون الصلاتي و لو مع عدم الاشتغال بأفعالها، و إن لم نقل بالجزء الصوري في باب الصلاة فالإعراض عنها من دون أن يوجب وقوع فعل بلا نيّة غير موجب للبطلان كما في باب الوضوء، لكنّ هذا بالنسبة إلى الإعراض عن الصلاة، و أمّا الإعراض عن السورة الذي هو محلّ كلامنا فهو غير موجب للبطلان لا للصلاة و لا للسورة، أمّا الصلاة فلعدم الإعراض عنها، و أمّا السورة فلعدم الدليل على أنّ الإعراض موجب لبطلانها هذا بالنسبة إلى الأمر الأول.
و أمّا الأمر الثاني: فتوضيحه أنّه لا إشكال في أنّ الغرض و الملاك في الارتباطيّات لا يحصل إلّا بعد الفراغ عن العمل بتمام أجزائه المعتبرة فيه، إلّا أنّ الشأن في تصوير حال الأمر، فإنّ العمل لو كان تدريجيّا كالصلاة فبعد الإتيان ببعضه لا يعقل بقاء ذلك الأمر كما كان، إذ يلزمه استئناف العمل دائما، إذ الصلاة عبارة عن مجموع الأفعال التي أولها التكبير و آخرها التسليم، فلو كان الأمر بالصلاة باقيا بعد الإتيان بركعة أو انقص كان اللازم هو استئناف الصلاة من رأس دائما. و من هنا التزم بعض الأعلام أنّ امتثال الأمر في التدريجيّات إنّما يكون على وجه التدريج حسب تدرّج العمل، بمعنى أنّ فعل كلّ جزء يوجب
حصول مقدار من امتثال الأمر حسب تعلّقه بذلك الجزء، و يخرج ذلك الجزء عن تحت دائرة الطلب كخروجه عن الإرادة في التكوينيّات، بداهة أنّه من أراد بناء الدار مثلا فعند فعل كلّ جزء من أجزاء الدار يخرج ذلك الجزء عن الإرادة.
و حيث أشكل هذا المعنى على بعض الأعلام من حيث ارتباطية العمل فلا معنى للامتثال التدريجي التزم بأنّ الأمر و إن لم يسقط بعد، إلّا أنّ اقتضاءه للداعوية و المحرّكية و الباعثية يسقط بالنسبة إلى الأجزاء المأتي بها، و هذا أيضا و إن لا يخلو عن إشكال فإنّ سقوط اقتضاء الأمر لا يكون إلّا بالامتثال، إلّا أنّه لا محيص عن الالتزام بأحد المسلكين، لما عرفت من أنّه لا يعقل بقاء الأمر على ما كان عند فعل بعض أجزاء المركّب.
إذا عرفت ذلك فنقول: إنّه بعد ما كان الإعراض غير موجب للبطلان و بعد سقوط الأمر عمّا كان عليه بعد قراءة بعض السورة، فلا معنى حينئذ لبقاء الأمر التخييري و استدامته إلى الفراغ، بل لا محيص عن القول بعدم بقاء الأمر التخييري، فيتعيّن حينئذ إتمام السورة، و ليس له العدول لاستلزامه الزيادة بعد ما لم يبطل الإعراض ما قرأه من السورة.
و دعوى- أنّ الأمر في التدريجيّات و إن لم يبق على ما هو عليه عند فعل بعض الأجزاء إلّا أنّ الملاك لم يحصل إلّا بالفراغ عن العمل بتمام أجزائه و عليه يكون الملاك الذي اقتضى وجوب السورة على حاله و بعد بقاء الملاك لا موجب لتعيّن تلك السورة عليه، فله العدول إلى سورة أخرى لأنّ الملاك يحصل بأحد الأمرين إمّا بإتمام ما بدأ به و إمّا باستئناف سورة أخرى، فتعيين الإتمام بلا موجب- ضعيفة. فإنّ الملاك أيضا لا يمكن بقاؤه على ما كان و إلّا لاقتضى بقاء الأمر على ما كان، لتبعيّة الأمر للملاك، فلا بدّ من القول بسقوط الملاك أيضا بمقدار دخل الأجزاء المأتي بها فيه، فتأمّل في المقام، فإنّ ارتباطية العمل ربّما ينافي ما ذكرناه.
ثمّ إنّ ما ذكرنا من عدم بقاء الأمر على ما كان عليه لا يختصّ بالتخيير الشرعي بل يجري في التخيير العقلي أيضا، و إن كان التخيير الشرعي أوضح فحينئذ يكون الأصل عدم جواز العدول مطلقا سواء قلنا بأنّ الأمر بالسورة من باب التخيير الشرعي أو العقلي.
الاولى: لا إشكال في جواز العدول من كلّ سورة إلى (1)الجحد و التوحيد، فيما عدا الجمعة و المنافقين
في يوم الجمعة على ما يأتي بيانه إن شاء اللّٰه. و يدلّ على ذلك عدّة من الروايات التي منها ما رواه عمر بن أبي نصر في الصحيح عن الصادق عليه السّلام: في الرجل يقوم في الصلاة يريد أن يقرأ سورة فيقرأ قل هو اللّٰه أحد و قل يا أيّها الكافرون فقال عليه السّلام: يرجع من كلّ سورة إلّا «قل هو اللّٰه أحد» و «قل يا أيّها الكافرون» (2). و غير ذلك من الروايات (3)الظاهرة الدلالة في جواز العدول عن كلّ سورة.
بعد اتّفاقهم على عدم جوازه إذا تجاوز ثلثي السورة بل يتعيّن عليه إتمام تلك السورة فقيل: يجوز العدول إلى أن يبلغ ثلثي السورة و هو المنسوب إلى كاشف الغطاء (4)و يدلّ عليه رواية عبيد بن زرارة في الموثّق في الرجل يريد أن يقرأ السورة، فيقرأ غيرها فقال عليه السّلام: له أن يرجع ما بينه و بين أن يقرأ ثلثيها (5)
و قيل: بجواز العدول إلى أن يبلغ النصف، فإذا بلغ النصف فليس له العدول و هو الذي نسبه الشهيد (1)إلى الأكثر.
و يدلّ عليه ما في الفقيه الرضوي قال العالم عليه السّلام: لا يجمع بين السورتين في الفريضة. و سئل عن الرجل يقرأ في المكتوبة نصف السورة، ثمّ ينسى فيأخذ في الأخرى حتّى يفرغ منها ثمّ ذكر قبل أن يركع قال عليه السّلام: لا بأس (2).
و تقرأ في صلاتك كلّها يوم الجمعة و ليلة الجمعة سورة «الجمعة» و «المنافقون» و «سبح اسم ربّك الأعلى» و إن نسيتها أو واحدة فلا إعادة عليك فإن ذكرتها من قبل أن تقرأ نصف سورة فارجع إلى سورة الجمعة و إن لم تذكرها إلّا بعد ما قرأت نصف سورة فامض في صلاتك (3).
و عن دعائم الإسلام أيضا عن جعفر بن محمّد عليه السّلام أنّه قال: من بدأ بالقراءة في الصلاة بسورة، ثمّ رأى أن يتركها و يأخذ في غيرها فله ذلك ما لم يأخذ في نصف السورة الأخرى (4). و المراد من السورة الأخرى أي السورة التي بيده الذي يريد الرجوع إلى غيرها و المراد من الأخذ هو البلوغ، فهاتان الروايتان تدلان على عدم جواز العدول عند بلوغ النصف.
و قيل: بجواز العدول ما لم يتجاوز النصف و نسب هذا القول أيضا إلى الأكثر و يدلّ عليه عدّة من الروايات كرواية البزنطي عن أبي العبّاس في الرجل يريد أن يقرأ السورة في الصلاة فيقرأ في أخرى قال عليه السّلام: يرجع إلى التي يريد و إن بلغ النصف (5)، هذا.
و لكن لا يخفى عليك ضعف القول الأول لإعراض الأصحاب عن رواية عبيد ابن زرارة (1)و لم يعمل بها سوى كاشف الغطاء. نعم ترجيح أحد القولين الأخيرين على الآخر مشكل، لقوّة دليلهما، و الإشكال في اعتبار فقه الرضا، و دعائم الإسلام في غير محلّه، كما تكرّر منّا الكلام في ذلك. فالاحتياط لا ينبغي تركه.
، و قد تضافرت النصوص (2)بذلك أيضا كما تقدّم بعض منها، بل الأحوط عدم العدول عن هاتين السورتين إلى غيرهما بمجرّد إرادة قراءتهما و إن لم يشرع بعد فيهما على ما في وسيلة شيخنا الأستاذ، و لم يظهر لنا بعد وجه الاحتياط.
بلا خلاف ظاهرا، و يدلّ عليه رواية علي بن جعفر عن أخيه عليه السّلام قال: و سألته عن القراءة في الجمعة بما يقرأ؟ قال: سورة الجمعة و «إذا جاءك المنافقون» و إن أخذت في غيرها و إن كان «قل هو اللّٰه أحد» فاقطعها من أولها و ارجع إليها (3). و هذه الرواية و إن دلّت على جواز العدول من خصوص قل هو اللّٰه أحد إلى الجمعة و المنافقين و لم تتعرّض لجواز العدول من الجحد إليهما إلّا أنّ الظاهر اتّحاد حكم السورتين في ذلك، مضافا إلى ما قيل من أهمّية «قل هو اللّٰه أحد» من سورة الجحد، كما يستفاد ذلك عن «إن» الوصلية في الرواية حيث إنّها بيان للفرد الخفي فالعدول من الجحد إليهما يكون أولى بالجواز كما لا يخفى.
و إن كان سورة التوحيد و الجحد لإطلاق ما في خبر دعائم الإسلام روينا عن جعفر بن محمّد عليه السّلام أنّه قال: من بدأ بالقراءة في الصلاة بسورة إلى أن قال: و كذلك سورة الجمعة و المنافقين في الجمعة لا يقطعهما إلى غيرهما (1). الخبر، مضافا إلى ما قيل: من الأولوية و هي بالنسبة إلى ما عدا التوحيد و الجحد مقطوعة، بداهة أنّه إذا جاز العدول من كلّ سورة إلى أخرى إلّا التوحيد و الجحد فإنّه لا يجوز العدول منهما إلى غيرهما و مع ذلك جاز العدول منهما إلى الجمعة و المنافقين، فعدم جواز العدول منهما إلى غيرهما يكون أولى. نعم الأولوية بالنسبة إلى العدول إلى التوحيد و الجحد تكون ظنّية، فتأمّل.
أو يعمّ صلاة الظهر أيضا في يوم الجمعة أو يعمّ العصر بل الصبح أيضا؟ ظاهر غير واحد هو الاختصاص، لكنّه بالنسبة إلى صلاة الظهر ممّا لا وجه له إلّا دعوى انصراف الجمعة في الأخبار إلى صلاة الجمعة، و هو ممّا لا وجه [له] مضافا إلى ثبوت يوم الجمعة في بعض الأخبار، و هو يعمّ صلاة الظهر بل صلاة العصر و الصبح، إلّا أنّه حيث كان جواز العدول إليهما لأجل استحبابهما في خصوص صلاة الجمعة و الظهر في يوم الجمعة، حتّى توهّم وجوبهما فيها، و هذا الاستحباب بهذه المثابة لم يثبت في صلاة العصر و الصبح، اختار بعض عدم جواز العدول من التوحيد و الجحد إليهما في العصر و الصبح، هذا.
و لكن لا يخفى عليك أنّ مجرّد الاستحباب لا يكفي في جواز العدول مضافا إلى استحباب قراءة السورتين في الصبح و العصر من يوم الجمعة أيضا، فالمتّبع هو
1) دعائم الإسلام: ج 1 ص 161.
الدليل، و لا يبعد انسباق خصوص صلاة الجمعة و الظهر من يوم الجمعة، مع أنّ الأصل عدم جواز العدول على ما تقدّم فتأمّل.
، أو لم يبلغ النصف على الخلاف المتقدّم؟ نسب إلى المشهور الاختصاص، و روايات الباب مطلقة، نعم قيّد في رواية الفقه الرضوي المتقدّمة (1)بعدم بلوغ النصف و هذا قرينة على اعتبار الكتاب حيث لم يكن لما نسب إلى المشهور دليل صالح إلّا الرواية.
، و المسألة بعد تحتاج تأمّل تام في الأخبار.
، و قد تقدّم أنّ الأصل عدم العدول إلّا ما قام الدليل عليه.
، لأنّ ذلك لازم ما تقدّم من لزوم تعيين البسملة و البسملة التي قرأها أولا إنّما عيّنها للسورة المعدول عنها فلا يجوز الاكتفاء بها للسورة المعدول إليها.
و الإخفات في أوليي الظهر و العصر في غير يوم الجمعة، على ما هو المشهور بين الأصحاب، و لم ينسب الخلاف إلّا إلى الإسكافي و المرتضى (2)رحمهما اللّٰه. و يدلّ على المشهور صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قلت له: رجل جهر بالقراءة فيما لا ينبغي أن يجهر فيه أو أخفى فيما لا ينبغي الإخفاء فيه فقال عليه السّلام: أيّ ذلك فعل متعمّدا فقد نقض صلاته و عليه الإعادة، و إن فعل ذلك ناسيا
أو ساهيا أو لا يدري فلا شيء عليه (1)و دلالتها على ما ذهب إليه المشهور واضحة سواء قرأ نقص بالصاد المهملة أو نقض بالمعجمة، مضافا إلى التصريح بوجوب الإعادة.
أو لا ينافيه عدم استفادة الوجوب من لفظ لا ينبغي في السؤال بعد ما كان العبرة بالجواب مضافا إلى استبعاد سؤال مثل زرارة عن حكم المسألة لو كان حكم المسألة هو الاستحباب الذي يجوز تركه، و حينئذ لا ينبغي الإشكال في وضوح دلالة الرواية على الوجوب، و في معناها رواية أخرى لزرارة (2)مضافا إلى ما يستفاد ذلك من جملة الأخبار الواردة في حكمة تشريع الصلوات الجهرية و الإخفاتية، كما لا تخفى على الملاحظ.
نعم ربّما يعارض ذلك بما في صحيح علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السّلام قال: سألته عن الرجل يصلّي من الفرائض ما يجهر فيه بالقراءة هل عليه أن لا يجهر؟ قال عليه السّلام: إن شاء جهر و إن شاء لم يجهر (3)، هذا.
و لكن لا يخفى عليك عدم مقاومة هذا الصحيح للمعارضة، أمّا أولا: فلإجماله لأنّ قوله «هل عليه أن لا يجهر» بعد فرض السؤال عمّا يجهر فيه ممّا لا يستقيم إلّا بضرب من التأويل إمّا بحمل «عليه» بمعنى «له» و إمّا بتقدير «شيء» فيكون المعنى هل عليه شيء ان لا يجهر أي إذا لم يجهر، أو يحمل قوله «هل عليه أن لا يجهر» على غير ما يجهر فيه، فيصير المعنى هل عليه أن لا يجهر في سائر الأذكار، و لا يخفى بعد هذه المحامل خصوصا الأخير، و على كلّ حال لا تخلو الرواية عن إجمال. و ثانيا: فلموافقتها للتقية، لأنّ المحكي عن الجمهور (4)عدم وجوب الجهر،
فالأقوى ما ذهب إليه المشهور، هذا كلّه في غير يوم الجمعة.
و أمّا في يوم الجمعة فإن صلّيت جمعة فظاهر الأصحاب استحباب الجهر فيها، و ربّما يظهر من بعض التعبيرات وجوبه، حيث إنّ المحكي عن بعض الأعلام هو التعبير ب «يجهر» على وفق تعبير الأخبار. و على كلّ حال ظاهر الأخبار الواردة في الباب هو الوجوب، إلّا أنّه حكي الإجماع على عدم وجوبه، فلا ينبغي ترك الاحتياط بالجهر، إذ احتمال وجوب الإخفات ليس في البين لا من حيث الأخبار و لا من حيث الأقوال، أمّا الأخبار فلم يرد في المقام ما يدلّ على المنع عن الجهر، و أمّا الأقوال فقد عرفت أنّ للأصحاب في المسألة قولين لا ثالث لهما: إمّا الوجوب و إمّا الاستحباب، فمن الغريب بعد ذلك احتياط الشيخ- قدّس سرّه- بالإخفات، على ما يظهر من حاشيته على نجاة العباد، حيث قال فيها: و الأحوط فيهما الإخفات. و المراد من «فيهما» صلاة الظهر و صلاة الجمعة. و لكن في بعض النسخ «فيها» بلا تثنية الضمير، و الظاهر أن يكون هذا هو الصحيح و يكون التثنية من نسخ الكتّاب، إذ لم نجد خبرا و لا قولا يدلّ على الإخفات مع بذل الوسع في ذلك، فمقتضى الاحتياط هو الجهر.
و أمّا إن صلّيت ظهرا فالمشهور أيضا هو استحباب الجهر، و لكن عن بعض الأعلام تعيّن الإخفات، و الإنصاف أنّ المسألة لا تخلو عن إشكال، لتعارض الأخبار في المقام، فإنّ ظاهر روايتي الحلبي و خبر محمّد بن مسلم و محمّد بن مروان هو الوجوب.
إذ في رواية الحلبي سألت أبا عبد اللّٰه عن القراءة في الجمعة إذا صلّيت وحدي أربعا أجهر بالقراءة؟ فقال: نعم (1).
1) الوسائل: ج 4 ص 819 باب 73 من أبواب القراءة في الصلاة، ح 3.
و في خبر محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال لنا: صلّوا في السفر صلاة الجمعة جماعة بغير خطبة و اجهروا بالقراءة فقلت: إنّه ينكر علينا الجهر بها في السفر فقال اجهروا (1).
و في رواية ابن مروان سألت أبا عبد اللّٰه عليه السّلام عن صلاة الظهر يوم الجمعة كيف نصلّيها في السفر؟ فقال: تصلّيها في السفر ركعتين و القراءة فيها جهر (2).
و المناقشة في ظهور هذه الروايات في الوجوب ممّا لا وجه لها بعد الأمر بالجهر في رواية محمّد بن مسلم هذا. و ظاهر خبر جميل و خبر محمّد بن مسلم أيضا هو الحرمة، إذ في خبر جميل سألت أبا عبد اللّٰه عن الجماعة يوم الجمعة في السفر فقال:
يصنعون كما يصنعون في غير يوم الجمعة في الظهر، و لا يجهر الإمام فيها بالقراءة إنّما يجهر إذا كانت خطبة (3). و في معناه خبر محمّد بن مسلم (4). و لا يخفى ظهور الخبرين في المنع عن الجهر.
و ربّما نقل عن بعض التفصيل بين الإمام و غيره فيجهر الإمام دون غيره و لعلّ مستنده ما عن قرب الأسناد عمّن صلّى العيدين وحده و الجمعة هل يجهر فيهما؟
قال: لا يجهر إلّا الإمام (5)هذا. و لكن يمكن الخدشة في دلالته على التفصيل، لاحتمال أن يكون المراد من «لا يجهر إلّا الإمام» أي لا يجهر إلّا إذا صلّيت جمعة، بقرينة ذكر العيدين، و عليه يكون الخبر من أدلّة المنع المطلق و يوافق رواية
جميل و خبر محمّد بن مسلم لو لم يكن الخبر ظاهرا في ذلك، فلا بدّ من حمله على ما ذكرنا للتصريح بالمنع عن جهر الإمام في رواية جميل (1)، و محمّد بن مسلم (2).
و حينئذ يقع التعارض بين الأخبار تعارضا تباينيّا، إذ هي بين طائفتين طائفة تدلّ على وجوب الجهر في ظهر يوم الجمعة، و طائفة تدلّ على المنع فيها، هذا.
و نقل عن شيخ الطائفة- قدّس سرّه- حمل أخبار المنع على التقية و الخوف، لبناء الجمهور على تعيّن الإخفات في صلاة الظهر يوم الجمعة، كما نقل حكاية ذلك في مفتاح الكرامة عن بعض كتب العلامة (3).
و يدلّ على أنّ مذهب الجمهور ذلك قوله في رواية محمّد بن مسلم السابقة «أنّه ينكر علينا الجهر بها» و لا ينافيه قوله بعد ذلك: اجهروا، إذ لعلّ إنكارهم لم يكن بمثابة يصل إلى حدّ الخوف المجوّز لترك الجهر، و حينئذ تبقى أدلّة وجوب الجهر بلا معارض، و يبقى حينئذ وجه حمل المشهور الأخبار على الاستحباب. مع أنّ ظاهرها الوجوب إلّا أن يكون وجه ذلك هو كون الأمر في المقام واردا في مقام توهّم الحضر فلا يدلّ على الوجوب، فتأمّل، فإن المسألة غير خالية عن شوائب الإشكال، فلا ينبغي الاحتياط بالإخفات بعد وجود القول بتعيّنه و الإجماع على عدم الوجوب و الجمع بين الجهر و الإخفات أولى و أحوط، كما حكي أنّ عمل بعض الأعلام كان على ذلك.
بقي في المقام حكم القراءة في الركعتين الأخيرتين و لا إشكال في جواز قراءة كلّ من الفاتحة و التسبيحات الأربع، و كذا لا إشكال في وجوب الإخفات إذا قرأ الفاتحة للإجماع على ذلك، إنّما الإشكال فيما إذا اختار التسبيحات، و لم يقم
دليل واضح على وجوب الإخفات فيها سوى دعوى اتّحاد حكمها مع الفاتحة كما يدلّ عليه بدليّتها عنها، و لكن لم يثبت البدلية من جميع الجهات حتّى في الجهر و الإخفات، و إن ادّعي الإجماع على البدلية من جميع الجهات و لكن لم يعلم تحقّق الإجماع على ذلك أيضا، فالمسألة خالية عن الدليل.
و ربّما استدلّ لها بما في صحيح علي بن يقطين سأل أبا الحسن عليه السّلام عن الركعتين اللتين يصمت فيهما الإمام أ يقرأ فيهما بالحمد و هو إمام يقتدي به؟ فقال عليه السّلام: إن قرأ فلا بأس و إن صمت فلا بأس (1). هذا.
و لكن ينبغي عدّ هذه الرواية من المحملات لأنّ حمل الصمت على الإخفات خلاف الظاهر، بل الظاهر منه هو السكوت و هو يناسب مذهب بعض العامّة من القول بعدم وجوب قراءة شيء في الركعتين الأخيرتين، فيحتمل ورودها مورد التقيّة فالمسألة حينئذ تخلو عن الدليل. و لذا اختار بعض الأعلام عدم وجوب الإخفات في التسبيحات و إن جعله أحوط، بل حكي عن المجلسي (2)دلالة بعض الأخبار على رجحان الجهر، و لم نعثر على ما يدلّ على ذلك.
نعم قيل إنّه يحتمل أن يكون مراد المجلسي من بعض الأخبار ما في خبر رجاء ابن ضاحك من أنّه صحب الرضا من المدينة إلى مرو فكان يسبّح في الأخراوين بقول سبحان اللّٰه (3). و ما في خبر أحمد بن علي من أنّه صحب الرضا فكان يسمع ما يقوله في الأواخر من التسبيحات (4)و هاتان الروايتان بضميمة ما قيل من أنّه يعتبر في الإخفات أنّه لا يسمع غيره يدلان على أنّه عليه السّلام كان يجهر
بالتسبيحات، هذا. و لكن سيأتي ما في تحديد الإخفات بذلك، بل ذكر شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- أنّه ينبغي جعل رواية أحمد بن علي من أدلّة الإخفات، حيث إنّ التعبير بأنّه كان يسمع ما يقوله، إنّما يناسب الإخفات، إذ مع أنّه عليه السّلام كان يجهر لا يقال سمعت، قراءته كما لا يخفى، فتأمّل جيّدا.
، لا يخفى عليك أنّه ليس في الأخبار تحديد للجهر و الإخفات على خلاف المعنى اللغوي و العرفي، كما يتّضح ذلك بعد المراجعة، و كذلك ليس في المقام إجماع تعبّدي على خلاف ذلك، و تحديد الأعلام الجهر بسماع القريب و الإخفات بسماع نفسه لا ينافي معناهما العرفي فإنّ تحديد الإخفات بذلك إنّما هو لبيان أقلّ مراتبه، إذ لو لم يسمع نفسه خرج عن كونه قراءة و كان من مجرّد حركة الشفة كما يشهد بذلك ذيل عبارة التذكرة من قوله:
و لأنّ ما لا يسمع لا يعدّ كلاما و لا قراءة (1).
و بالجملة: التأمّل في كلمات الأعلام ممّا يوجب القطع بأنّ المراد من تحديد الإخفات بذلك إنّما هو لبيان أقل مراتبه، لا لبيان أنّه يعتبر في حقيقة الإخفات عدم سماع الغير، حتّى لا يرجع التحديد بذلك إلى بيان أقلّ مراتبه، و إن أوهم ذلك بعض التعبيرات، كالعبارة المحكيّة عن ابن إدريس (2).
و على كلّ حال الظاهر أنّ الجهر هو عبارة عن إظهار جرسية الصوت الملازم لسماع القريب، و الإخفات عبارة عن الإسرار بالصوت و عدم إظهار جرسية الصوت سواء سمعه الغير أو لم يسمعه، نعم يعتبر سماعه نفسه لما عرفت من أنّه لا يعدّ قراءة مع عدم سماعه و هذا المعنى من الجهر و الإخفات هو المعنى الذي يطابق عليه العرف و اللغة، مع عدم انعقاد إجماع على خلافه، و عبارة التذكرة
و غيرها ينطبق على ما ذكرناه. فلا وجه للتوقّف في المسألة لتوهّم انعقاد الإجماع على اعتبار عدم سماع الغير في الإخفات، كما يظهر من صاحب الجواهر (1)- قدّس سرّه.
و بما ذكرنا يظهر أنّ التقابل بين الجهر و الإخفات تقابل التضادّ لا السلب و الإيجاب، بدعوى أنّ الإخفات عبارة عن عدم إظهار جرسية الصوت، فإنّ الإخفات أمر وجودي الذي هو عبارة عن الإسرار بالصوت المعبّر عنه بالفارسية ب «يواش» و «آهسته»، المقابل لإظهار الصوت المعبّر عنه بها ب «بلند»، و لا أن يكون بينهما العموم من وجه، بدعوى أن ما يسمعه الغير من دون أن يكون فيه جرسية الصوت يصدق عليه الجهر و الإخفات معا، لما عرفت من أنّ ذلك لا يكون جهرا بل هو إخفات ليس إلّا، فالتقابل بينهما يكون تقابل التضادّ.
نعم في كونهما ممّا لا واسطة بينهما أو كان بينهما واسطة إشكال، و إن اختار شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- ثبوت الواسطة، بدعوى أنّ ما يكون كالمبحوح لا يسمّى لا جهرا و لا إخفاتا هذا. و لكنّ الظاهر عدم الواسطة، و ما جعله شيخنا من الواسطة ليس كذلك بل هو داخل في الإخفات موضوعا، نعم ينبغي خروجه منه حكما لانصراف الأدلّة إلى غير ذلك، فتأمّل جيّدا.
لرواية علي بن جعفر سأل أخاه موسى عليه السّلام عن النساء هل عليهنّ جهر بالقراءة قال عليه السّلام: لا إلّا أن تكون امرأة تؤمّ النساء فتجهر بقدر ما تسمع قراءتها (2)و ظاهر الذيل و إن كان وجوب الجهر إذا كانت إماما إلّا أنّه لم يحك عن أحد الوجوب، مضافا إلى أنّ
الأمر في المقام وارد مورد توهّم الحظر فلا دلالة فيه على الوجوب، نعم قيل باستحباب الجهر عليهنّ في هذه الصورة.
و على كلّ حال ظاهر بعض الأعلام تقييد استحباب الجهر أو جوازه عليهن بما إذا لم يسمع الأجنبي صوتها و إلّا حرم و أبطل الصلاة، و هذا التقييد- كما ترى- ممّا لا يتحصّل لنا معناه فإنّه لم يقم دليل على كون صوت المرأة عورة يحرم عليها إظهارها مع قيام السيرة المستمرّة على خلافه، و مع ما ورد من مكالمة أهل بيت الوحي مع الأجانب من دون أن يكون هناك ضرورة مبيحة لذلك، فدعوى كون صوت المرأة عورة يحرم عليها إظهارها دون إثباتها خرط القتاد. مع انه لو سلّم كونه عورة، فدعوى كونه مبطلا للصلاة محل منع، لعدم اندراج المقام في باب النهي عن العبادة، إذ لم يرد النهي في خصوص الصلاة حتى تكون القراءة منهيّا عنها لو صنعها بل مطلقا يعم الصلاة و غيرها، فيكون بين أدلّة وجوب القراءة و حرمة إظهار الصوت العموم من وجه.
نعم ربما يتوهم اندراج المقام في باب اجتماع الأمر و النهي و هو أيضا محلّ منع. لأنّه يعتبر في باب اجتماع الأمر و النهي اتّحاد متعلّق الأمر إيجادا و وجودا على وجه لا يتميّز أحدهما عن الآخر و لا يمكن الإشارة إليه حسّا و عقلا و هذا بخلاف المقام، فإنّ الجهر وصف من أوصاف القراءة مغاير لها قابل بالتحليل العقلي الإشارة إلى كلّ منهما و يكون ما بحذاء أحدهما عند العقل غير ما بحذاء الآخر، فالجهر بالنسبة إلى القراءة أشبه شيء بالمقارنات و المتلازمات الاتفاقية، و حينئذ فلا يقتضي حرمة الجهر البطلان، فتأمّل في المقام جيّدا.
و على كلّ حال قد عرفت أنّه ليس على النساء جهر في الصلوات الجهرية بل تتخير بينهما، فهل الحكم في الإخفاتية كذلك أو أنّه يتعيّن عليها الإخفات؟
حكي عن بعض القول بالتخيير مطلقا في الصلوات الجهرية و الإخفاتية نظرا
إلى أنّ أدلّة وجوب الإخفات مختصّة بالرجال فلا تعمّ النساء فتبقى النساء على الأصل الأولي من عدم تعيّن الجهر و الإخفات و يلزمه التخيير، و قد أشكل ذلك بإطلاق بعض الأدلّة و عدم ذكر الرجال فيها. مع أنّه لو سلّم اختصاص الأدلّة بالرجال فقاعدة الاشتراك في التكليف تقتضي ثبوت حكم الرجال للنساء إلّا ما خرج بالدليل، كوجوب الجهر حيث اختصّ بالرجال لقوله عليه السّلام: ليس على النساء جهر (1). هذا و لكنّ قاعدة الاشتراك في التكليف إنّما يكون مع اتّحاد الصنف، فإذا كان أحد الصنفين واجدا لخصوصية كان الآخر فاقدا لها و احتملنا قريبا دخل تلك المزية في الحكم، فلا يمكننا التمسّك بقاعدة الاشتراك. و في المقام يحتمل قريبا اختصاص الحكم بالرجال من حيث نفي الجهر عليهنّ، لاحتمال أن يكون نفي الجهر لأجل خروج المرأة عن مقسم الجهر و الإخفات و اختصاصه بالرجال، و حينئذ لا تتمّ قاعدة الاشتراك هذا. و لكنّ مقتضى مطلوبية التستر من المرأة هو اشتراكها مع الرجال في الصلوات الإخفاتية و يكون الحكمة في عدم وجوب الجهر عليها هو ذلك، فحينئذ لا مانع من التمسّك بقاعدة الاشتراك على فرض اختصاص الأدلّة بالرجال، فتأمّل جيّدا.
عالما بطلت صلاته و إن كان ذلك لجهل أو نسيان أو غفلة صحّت صلاته و لا يوجب إعادتها، كما هو صريح صحيحة زرارة (2)الواردة في المقام، التي تقدّمت سابقا.
و تفصيل البحث عن ذلك و إن كان يأتي في باب الخلل إلّا أنّه لا بأس
بذكره في المقام أيضا، فنقول قبل ذكر الأقسام المتصوّرة في المقام: إنّ ظاهر الأخبار و الروايات كون الجهر و الإخفات شرطا للصلاة في حال القراءة لا شرط لنفس القراءة و لا تخفى الثمرة بين الوجهين، فإنّ ما كان شرطا للصلاة في حال الجزء فبمجرّد الخروج عن ذلك الجزء يفوت محلّ الشرط، و لا يمكن تداركه بعد ذلك و إن تذكّر و لم يدخل بعد في الركن لأنّ تداركه يستلزم تكرار الجزء و هو موجب للزيادة العمدية، و هذا بخلاف ما إذا كان شرطا لنفس الجزء، فإنّ محلّه باق إلى أن يدخل في الركن و مع عدم الدخول في الركن لا بدّ من تداركه و لو استلزم تكرار نفس الجزء، لأنّ الجزء الفاقد للشرط وجوده كعدمه، فيجب عليه إتيان الجزء ثانيا واجدا للشرط، نعم لو لم يتذكر إلى أن دخل في الركن فقد فات محلّه، و يكون مندرجا في حديث «لا تعاد»، إذ وصف الجزء لا يزيد حكمه عن أصل الجزء، فكما أنّ نفس الجزء إذا لم يأت به في محلّه نسيانا، و لم يتذكّر إلى أن دخل في الركن فات محلّه، و صحّت صلاته فكذلك وصف الجزء، هذا إذا علم كون الشرط من أيّ القبيلين و أمّا إذا شكّ و لم يعلم أنّه من شرائط نفس الجزء أو من شرائط الصلاة في حال الجزء. فإن كان لدليل اعتبار الجزء إطلاق كان مقتضى الإطلاق هو عدم اشتراط الجزء بذلك الوصف، و إن لم يكن له إطلاق فمقتضى الأصل العملي أيضا هو عدم اشتراط الجزء به لرجوع الشكّ فيه إلى الشكّ في وجوب تداركه قبل الدخول في الركن، و الأصل يقتضي عدم الوجوب.
كما أنّ حديث الرفع يقتضي عدم اشتراط الجزء به، و لا يعارض بأصالة عدم اشتراط الصلاة به، فإنّه ليس المقام من دوران الأمر بين المتباينين حتّى يقع المعارضة بين الأصلين، بل من باب دوران الأمر بين الأقل و الأكثر، إذ كلّ ما كان شرطا للجزء فهو شرط للصلاة أيضا و لا عكس، فحينئذ شرطية ذلك الشيء للصلاة معلوم، و أمّا الشكّ في شرطيّته للجزء، و قد عرفت أنّ مقتضى
الأصل اللفظي و العملي هو عدم اشتراط الجزء به، و سيأتي توضيح ذلك أيضا في محلّه إذا عرفت ذلك فنقول في المقام:
ظاهر تقسيم الصلوات إلى الجهرية و الإخفاتية في الأخبار هو كون الجهر و الإخفات شرطين للصلاة في حال القراءة مضافا إلى إطلاق أدلّة القراءة الظاهر في عدم اشتراطها بهما، و على تقدير الشكّ، فقد عرفت أنّ مقتضى الأصل العملي أيضا هو عدم اشتراط القراءة بهما، فمقتضى القاعدة هو أنّه لو ترك الجهر و الإخفات نسيانا لم يجب عليه العود إلى القراءة و تدارك الجهر أو الإخفات، و إن تذكّر قبل الدخول في الركوع و مضى في صلاته و لا شيء عليه بمقتضى حديث «لا تعاد» (1)، نعم لو قلنا إنّهما شرطان للقراءة كان اللازم هو التفصيل بين التذكّر قبل الركوع فيجب العود، و بعد الركوع فلا يجب العود. كما تقدّم، هذا بحسب ما تقتضيه القاعدة الأولية مع قطع النظر عن صحيحة زرارة الواردة في المقام، و لكنّ مقتضى إطلاق الصحيحة هو عدم وجوب العود إلى القراءة مطلقا و لو تذكّر قبل الركوع فيسقط حينئذ البحث عن كون الجهر و الإخفات شرطين للصلاة أو شرطين للقراءة، لعدم فائدة للبحث عن ذلك. إلّا أن يقال بعدم إطلاق الصحيحة لذلك كما حكي عن بعض، و لكنّ منع إطلاق الصحيحة في غير محلّه، فمقتضى إطلاق الصحيحة هو عدم وجوب التدارك، و لو تذكّر بمجرّد الخروج عن الكلمة التي أجهر أو أخفت فيها.
إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ الأقسام المتصوّرة في ترك ما وجب عليه من الجهر و الإخفات كثيرة، و يجمعها أنّ الترك إمّا أن يكون عن عمد و علم بالحكم و المفهوم و المحلّ، كما إذا علم بوجوب الجهر عليه في الركعتين الأوليين من صلاة
1) الوسائل: ج 3 ص 227 باب 9 من أبواب القبلة، ح 1.
المغرب و علم أيضا معنى الجهر، و مع ذلك أخفت فيهما مع التفاته أنه في الركعتين الأوليين، و إمّا أن يكون عن سهو و نسيان، و إمّا أن يكون عن جهل، و في كلّ منهما إمّا أن يكون في الحكم بأن يكون جاهلا بأصل وجوب الجهر و الإخفات في الشريعة، أو كان ناسيا له بعد علمه، و إمّا أن يكون في المحلّ كما إذا جهل وجوب الإجهار في صلاة المغرب مع علمه إجمالا بثبوت الجهر و الإخفات في الشريعة، و لكن تخيّل ثبوت الإخفات في المغرب أو نسي و أخفت غفلة فيها، و إمّا أن يكون في المفهوم كما إذا كان جاهلا بمعنى الإخفات و الجهر و تخيّل أنّ مطلق سماع الغير من الجهر، و لو مع عدم جرسية الصوت فقرأ كذلك في صلاة المغرب، و إمّا أن يكون في المحلّ بمعنى أنّه تخيّل كونه في الركعتين الأخيرتين الذي يجوز أو يجب فيها الإخفات فأخفت، و بعد ذلك تبيّن كونه في الركعتين الأوليين، ثمّ إنّ مخالفة الجهر و الإخفات تارة يكون في الركعتين الأوليين و اخرى يكون في الركعتين الأخراوين، و على التقديرين إمّا أن تكون المخالفة في الوظيفة المجعولة بأصل الشرع، و إمّا أن تكون في الوظيفة العارضية كالمأموم بناء على وجوب الإخفات عليه، و كالمرأة عند سماع الأجنبي لها بناء على الحرمة، فهذه جملة الأقسام المتصوّرة في المقام.
أمّا الانقسام بالنسبة إلى ما كان في الركعتين الأوليين و غيرهما فالظاهر عدم الفرق بينهما لإطلاق الصحيحة (1)من دون أن يكون فيها انصراف إلى الركعتين الأوليين فلا وجه لاختصاص الحكم بهما كما حكي عن بعض.
و أمّا الانقسام الأخير و هو ما كان باعتبار الوظيفة الأصلية و الوظيفة العارضية، فلا يبعد دعوى الانصراف إلى خصوص ما كان باعتبار الوظيفة
1) الوسائل: ج 4 ص 766 باب 26 من أبواب القراءة في الصلاة، ح 1.
الأصلية، فلا يعمّ العارضية فلو أجهر المأموم فيما يجب الإخفات عليه لا يكون مندرجا تحت الصحيحة بل لا بدّ من إعمال القواعد الأولية فيه، و أولى بالانصراف المرأة إذا كان وظيفتها الإخفات، لأجل سماع الأجنبي على القول به، فإنّ وجوب الجهر (1)عليها حينئذ لأجل أمر خارج عن الصلاة، فلا يندرج في الصحيحة لأنّ ظاهر السؤال عن الجهر فيما ينبغي الإخفات فيه و بالعكس هو الجهر و الإخفات الذين يكون من الوظيفة الصلاتي فلا يعمّ ما إذا كان لأمر آخر من سماع الأجنبي و غيره، فلو منع دعوى الانصراف في المأموم، كما هو ليس ببعيد، فدعواه في المرأة في محلّه، لكن في خصوص الجهر في موضع الإخفات للعارض.
و أمّا الجهر في الركعتين الأخيرتين الذي يكون الإخفات فيهما من الوظيفة الصلاتية فهو مندرج في إطلاق الصحيحة لعدم الفرق في ذلك بين الرجل و المرأة.
و أمّا الانقسامات السابقة على الانقسام الأخير فقد حكي عن بعض أنّ الظاهر من قوله: «لا يدري» هو الجهل بأصل وجوب الجهر و الإخفات في الشريعة، فلا يعمّ ما إذا علم بوجوب الجهر و الإخفات في الجملة و كان جاهلا بمحلّهما أو بمفهومهما، هذا و لكنّ الظاهر أنّه لا وجه لها فإنّ الشرطية الثانية في تلك الصحيحة تابعه في العموم و الخصوص للشرطية الاولى، و هو قوله عليه السّلام:
«أيّ ذلك فعل متعمّدا فقد نقض صلاته .. إلخ» (2). و الشرطية الثانية و هي قوله عليه السّلام: «و إن فعل ذلك ناسيا .. إلخ» نقيض للشرطية الأولى، فكلّ مورد صدق فيه أنّ ذلك فعل متعمّدا يكون خارجا عن الشرطية الثانية، و كلّ
مورد لم يصدق يكون مندرجا تحتها، و من المعلوم أنّ صدق التعمّد بالجهر و الإخفات في الصلاة يتوقّف على العلم بالحكم و المحل و المفهوم، فإذا انتفى أحد هذه الأمور ينتفي التعمّد و يكون مندرجا في قوله «لا يدري»، بداهة أنّ الجاهل بالمحلّ أو المفهوم لا يصدق عليه أنّه تعمّد في مخالفة التكليف من الجهر في موضع الإخفات و الإخفات في موضع الجهر فالأقوى عموم الحكم بالنسبة إلى جميع الأقسام. و شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- و إن قوّى في وسيلته وجوب الإعادة في الجاهل بالمفهوم إلّا أنّ في بحثه قوّى عدمه، فتأمّل جيّدا.
و هذا في الجملة ممّا لا إشكال فيه، بل استفاض نقل الإجماع عليه كاستفاضة الأخبار به، إنّما الإشكال في تعيين التسبيح الذي يكون بدلا عن الفاتحة، فإنّه قد اضطربت فيه الأخبار و اختلفت فيه كلمات الأعلام، و تحقيق القول في ذلك على ما بيّنه شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- أنّ الاخبار الواردة في المقام على طوائف.
منها: ما دلّ على كفاية مطلق الذكر كرواية علي بن حنظلة عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال سألته عن الركعتين الأخيرتين ما أصنع فيها؟ فقال عليه السّلام:
إن شئت فاقرأ فاتحة الكتاب و إن شئت فاذكر اللّٰه فهو سواء .. (1)إلخ.
و منها: ما دلّ على تعيين ذكر خاصّ و هو أيضا على طوائف.
(منها) ما دلّ على إجزاء فصول ثلاثة من الفصول الأربعة و هي سبحان اللّٰه و الحمد للّٰه و لا إله إلّا اللّٰه و اللّٰه أكبر كرواية أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال: أدنى ما يجزي من القول في الركعتين الأخيرتين ثلاث تسبيحات أن تقول سبحان اللّٰه سبحان اللّٰه سبحان اللّٰه (2). و كرواية الحلبي التي قيل إنّها أصحّ أخبار
الباب عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام: إذا قمت في الركعتين الأخيرتين لا تقرأ فيهما فقل الحمد للّٰه و سبحان اللّٰه و اللّٰه أكبر (1).
و (منها) ما اشتمل على ثلاثة فصول مع زيادة الدعاء كرواية زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قال: عشر ركعات، إلى أن قال عليه السّلام: فزاد النبي صلّى اللّٰه عليه و آله سبع ركعات هي سنّة ليس فيهنّ قراءة إنّما هو تسبيح و تهليل و تكبير و دعاء (2).
و (منها) ما دلّ على كفاية فصلين من الفصول الأربع مع زيادة الاستغفار كرواية عبيد بن زرارة قال سألت أبا عبد اللّٰه عليه السّلام عن الركعتين الأخيرتين من الظهر قال عليه السّلام: تسبّح و تحمد اللّٰه و تستغفر لذنبك (3)الخبر.
و (منها) ما دلّ على وجوب الفصول الأربع كرواية زرارة قال قلت لأبي جعفر عليه السّلام ما يجزي من القول في الركعتين الأخيرتين قال: أن تقول سبحان اللّٰه و الحمد للّٰه و لا إله إلّا اللّٰه و اللّٰه أكبر و تكبّر و تركع (4).
و (منها) ما دلّ على وجوب تكرار الفصول الأربع ثلاثا، كما في الفقه الرضوي (5)، و كرواية زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام أنّه قال: لا تقرأ في الركعتين الأخيرتين، إلى أن قال عليه السّلام: إذا كنت إماما أو وحدك فقل سبحان اللّٰه و الحمد للّٰه و لا إله إلّا اللّٰه و اللّٰه أكبر ثلاث مرّات ثمّ تكبّر و تركع (6).
1) الوسائل: ج 4 ص 793 باب 51 من أبواب القراءة في الصلاة، ح 7.
2) الوسائل: ج 4 ص 782 باب 42 من أبواب القراءة في الصلاة، ح 6.
3) الوسائل: ج 4 ص 781 باب 42 من أبواب القراءة في الصلاة، ح 1.
4) الوسائل: ج 4 ص 782 باب 42 من أبواب القراءة في الصلاة، ح 5.
5) فقه الرضا: ص 105 ط آستانة.
6) الوسائل: ج 4 ص 791 باب 51 من أبواب القراءة في الصلاة، ح 1.
و (منها) ما دلّ على وجوب التسع بتكرار الفصول الثلاثة ثلاثا كرواية حريز عن زرارة أيضا على ما حكي عن مستطرفات السرائر عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام فقل: سبحان اللّٰه و الحمد للّٰه و لا إله إلّا اللّٰه ثلاث مرّات كما عن المستطرفات (1)، أو تكمّله تسع تسبيحات ثمّ تكبّر و تركع. كما عن الصدوق (2). هذا مجمل الأخبار الواردة في المقام.
و أمّا الأقوال فهي و إن كانت كثيرة حتّى أنهاها بعض إلى خمس عشر إلّا أنّ أصولها ستّة الأول: كفاية مطلق الذكر. الثاني: كفاية فصول ثلاث.
الثالث: كفاية الفصول الأربع. الرابع: كفاية الفصول التسع بإسقاط التكبير.
الخامس: كفاية الفصول العشر بإثبات التكبير أخيرا. السادس: اعتبار تكرار الأربع ثلاثا ليصير المجموع اثنى عشر، و ربّما قيل بوجوب الاستغفار أيضا مع الأربع أو التسع أو الاثنى عشر، فتصير الأقوال سبعة و قد اعتمد صاحب كلّ قول على طائفة من الأخبار المتقدّمة.
و الأقوى في النظر في مقام الجمع بين الأدلّة هو كفاية ثلاث فصول و الأحوط ذكر الرابع أيضا، و أمّا الزائد على ذلك فمستحب ليس إلّا، و ذلك لأنّ الطائفة الاولى من الأخبار، و هي ما اشتملت على كفاية مطلق الذكر، فمع انّها في مقام بدلية الذكر عن الفاتحة و عدم تعيّن الفاتحة، فلا إطلاق فيها، لا بدّ من تقييد إطلاقها بما دلّ على وجوب ذكر خاص كالطائفة الثانية فإنّها واضحة الدلالة، في أنّ أقل ما يجزي فصول ثلاث، فلا يكفي مطلق الذكر، و أمّا ما دلّ على كفاية الفصلين، فكذلك أيضا أي لا بدّ من تقييده بفصل آخر، إذ لا يزيد هو عن
الإطلاق القابل للتقييد، و أمّا ما دلّ على وجوب الأربع فهو بالنسبة إلى نفي الزائد صريح، و أمّا بالنسبة إلى نفي الناقص فهو و إن فيه ظهور و كان مقتضى الصناعة تقييد ما دلّ على كفاية الفصول الثلاث به إلّا أنّ ما دلّ على كفاية الثلاث أظهر، فإنّ قوله «أدنى ما يجزي» كالصريح في كفاية الثلاث بخلاف قوله «ما يجزي» في رواية الأربع، فإنّه ليس فيه إلّا إجزاء الأربع، و أمّا عدم كفاية الأقل فإنّما يستفاد منه لأجل الإطلاق، و رواية كفاية الفصول الثلاث تصلح للتقييد، فصناعة الإطلاق و التقييد تقتضي العكس فتأمّل جيّدا. نعم هو بالنسبة إلى نفي الزائد صريح، فلا بدّ من حمل ما دلّ بظاهره على وجوب الزائد من التسع أو الاثني عشر على الاستحباب مع أنّ ثبوت الدليل على ذلك محلّ منع، فإنّه قد اختلف القول في رواية حريز الراوي للاثني عشر و الراوي للتسع، فإنّه قيل إنّها رواية واحدة رويت بوجهين، مع ما في التسع من اختلاف الألفاظ حيث إنّه روي بلفظ «تكمّله تسع» كما عن الصدوق، أو ثلاثا كما عن المستطرفات، و بالجملة رواية زرارة عن حريز مضطربة جدّا، فلا يمكن التمسّك بها للزائد فلم يقم دليل واضح على الاثني عشر إلّا ما في الفقه الرضوي (1)، و هذا مع ما في الكتاب من الكلام قد روى الرواية بإثبات الثلاث تارة و بإسقاطها أخرى، فتأمّل في أخبار الباب جيّدا.
ثمّ إنّ بعض (2)الروايات قد اشتملت على الاستغفار و جعله أحد الفصول و لكن نقل الإجماع على عدم وجوبه فالأقوى عدم عدّه من الفصول.
فتحصّل من جميع ما ذكرنا أنّ الأقوى بحسب الأدلّة هو كفاية الفصول
الثلاث و إن كان الرابع أحوط، كما أنّ الأحوط عدم كون الفصول الثلاث من جنس واحد كأن يقول سبحان اللّٰه ثلاثا و إن كان صريح الرواية الاجتزاء به، و لكن لم يظهر لنا عمل الأصحاب بها من هذه الحيثية، هذا. و لكن يعتبر في الفصول على كلّ حال من أن تكون من هذه الفصول المذكورة في الأخبار من التكبير و التهليل و التحميد و التسبيح فلا يجزي من غيرها، إلّا إذا قلنا بكفاية مطلق الذكر. و على كلّ تقدير ظهر لك أنّ الزائد على الفصول الثلاث أو الأربع ليس بواجب بل هو مستحب، و ليس من فردي التخيير حتّى يكون الزائد أيضا متّصفا بالوجوب ليكون المقام من التخيير بين الأقل و الأكثر و ذلك لأنّ عناية التخيير بين الأقل و الأكثر عناية زائدة لا بدّ في الحكم بها من قيام دليل على ذلك أو ساعد عليها الاعتبار بحسب المرتكزات الذهنية، و ليس في كلّ مقام قام الدليل على الأمر بكلّ من الأقل و الأكثر يكون من التخيير بين الأقل و الأكثر، إذ التخيير بين الأقل و الأكثر مع كون الأقل لا بشرط ممّا لا يمكن، و يستحيل بل لا بدّ من لحاظ الأقل بشرط لا فلو كان الأقل و الأكثر اللذين تعلّق بهما أمر اعتبارا، مع قطع النظر عن تعلّق الأمر بكلّ منهما على نحو يرجعان إلى التباين، كان الأمر الذي تعلّق بهما بعد امتناع الأخذ بظاهره من التعيين لا محالة من التخيير بين الأقل و الأكثر، و لا يصلح الأمر المتعلّق بالأكثر أن يحمل على الاستحباب. و أمّا إن كان الأقل و الأكثر اللذين تعلّق بكلّ منهما أمر لم يعتبرا على نحو التباين، مع قطع النظر عن هذا الأمر، بل كانا مع قطع النظر عنه على ما هما عليه، و ما يقتضيه الأصل فيهما من كون الأقل لا بشرط ففي مثل هذا لا بدّ من حمل الأمر المتعلّق بالأكثر بعد امتناع حمله على ظاهره من الوجوب التعييني على الاستحباب، و لا يصلح لجعله من التخيير بين الأقل و الأكثر.
و الحاصل: أنّ الأقل إن كان في حدّ نفسه معتبرا على نحو البشرط اللائية كان
تعلّق الأمر بكلّ منه و من الأكثر بعد امتناع الأخذ بظاهره من الوجوب التعييني من باب التخيير بين الأقل و الأكثر. و لا يصح حمل الأمر المتعلّق بالأكثر على الاستحباب، و إن كان الأقل في حدّ نفسه معتبرا على نحو اللابشرطية كان الأمر المتعلّق بالأكثر بعد امتناع حمله على ظاهره من الوجوب العيني محمولا على الاستحباب ليس إلّا.
مثال الأول: ما إذا ورد أمر بصلاة القصر و أمر آخر بصلاة التمام فإنّه بعد امتناع الأخذ بظاهر الأمرين من الوجوب العيني لا بدّ من حمل الأمر على الوجوب التخييري لأنّ صلاة القصر مع قطع النظر عن هذين الأمرين إنّما اعتبرت بشرط لا و كانت الزيادة مبطلة، و من هنا قلنا إنّ القصر و الإتمام حقيقتان متباينتان، فحينئذ حمل الأمر المتعلّق بالأكثر على الاستحباب يقتضي إلقاء البشرط اللائيّة عن صلاة القصر و جعلها لا بشرط.
و بعبارة أخرى حمل الأمر على الاستحباب يقتضي تصرّفا زائدا عن حمله على الوجوب التخييري لأنّه يستدعي أولا جعل صلاة القصر لا بشرط و إخراجها عن حقيقتها، ثمّ حمل الأمر المتعلّق بالأكثر على الاستحباب و طرح ظاهره من الوجوب. و هذا بخلاف ما إذا حملنا الأمر على التخيير، فإنّه لا يستدعي إلّا حمل الأمر على خلاف ظاهره من الوجوب العيني مع بقاء صلاة القصر على حقيقتها، فلا بدّ من العمل على ما يستدعي قلّة التصرّف.
و مثال الثاني: ما نحن فيه فإنّه مع قطع النظر عن تعلّق الأمر بكلّ من التسبيح الأربع و الاثني عشر كان التسبيح الأربع معتبرا لا بشرط و لم يعتبر في حقيقته بشرط لا بأن يكون التسبيح الأربع مع الاثني عشر مباينا بالهويّة كمباينة القصر للتمام، و بعد تعلّق الأمر بكلّ منهما لا يصلح إلّا حمل الأمر المتعلّق بالأكثر على الاستحباب لأنّ حمله على الوجوب التخييري يوجب زيادة تصرّف، لأنّه يقتضي
أولا التصرّف في الأربع و جعلها بشرط لا، و بعد ذلك يتصرّف في الأمر، و رفع اليد عن ظاهره من الوجوب العيني و حمله على الوجوب التخييري، و هذا بخلاف حمله على الاستحباب، فإنّه لا يستدعي إلّا تصرّفا واحدا في ظاهر الأمر، و حمله على الاستحباب فلا يكون المقام من التخيير بين الأقل و الأكثر، فتأمّل جيّدا.
، فلا بأس بتقديم التهليل أو التحميد على التسبيح، فإنّ ظاهر صحيحة زرارة (1)و إن كان هو تقديم التسبيح، إلّا أنّ ظاهر صحيحة الحلبي (2)المتقدّمة هو تقديم التحميد، فيظهر من هذا الاختلاف عدم وجوب ترتيب خاص بين الأخبار فيتخيّر، و إن كان الأحوط اختيار ما في صحيحة زرارة من تقديم التسبيح.
، فلو اختار الفاتحة يبني عليها و لا يعدل إلى الذكر و بالعكس، فراجع ثمّة و تأمّل.
، أو التفصيل بين الإمام و غيره، أو ناسي الفاتحة في الأوليين و غيره، و غير ذلك من التفاصيل التي يقف عليها المتتبّع. و قد اختار شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- أفضلية التسبيح مطلقا إلّا إذا نسي القراءة في الركعتين الأولتين فتكون القراءة في أحد الركعتين الأخيرتين أفضل، و الحاصل أنّ الفضل هو عدم خلوّ صلاته عن القراءة، فلو قرأ في الركعتين الأولتين أو في أحدهما كان
الأفضل في حقّه التسبيح و لو نسيها فيهما أجمع كان الأفضل في أحد الركعتين الأخيرتين هو القراءة، و في الأخرى التسبيح أيضا، و جعل المستند في ذلك التوقيع المبارك حيث قال عليه السّلام فيه بعد السؤال عن اختلاف الروايات فيما هو الأفضل من التسبيح و القراءة: قد نسخت قراءة أمّ الكتاب التسبيح و الذي نسخ التسبيح قول العالم: كلّ صلاة لا يقرأ فيها فهي خداج (1).
و تقريب الاستدلال بها هو أنّه قد بيّنا في محلّه إمكان وقوع النسخ من الأئمّة عليهم السّلام و لا يختصّ بزمن النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و المراد من قول العالم هو العسكري عليه السّلام، فيصير محصّل الرواية أنّ التسبيح و إن كان أفضل، إلّا أنّ قول العسكري كلّ صلاة لا يقرأ فيها فهي خداج قد نسخ تلك الأفضلية و صارت القراءة أفضل، و لكن لا مطلقا بل إذا استلزم ترك القراءة خلوّ الصلاة عن القراءة رأسا، و هذا- كما ترى- يختصّ بالناسي لها في الأوليين، فتدلّ هذه الرواية على أنّ الأفضل عدم خلوّ الصلاة عن القراءة رأسا. و من هنا قال بعض يتعيّن على الناسي لها في الأوليين القراءة في الأخيرتين كما هو ظاهر بعض روايات الأخر، و لأجل ذلك قال شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- الأحوط عدم ترك القراءة للناسي لها في الأوليين، هذا.
و لكن ربّما يظهر من بعض الأخبار خلافه حيث قال عليه السّلام بعد السؤال عن نسيان القراءة في الأوليين إنّي أكره أن أجعل آخر صلاتي أولها (2)فإنّ ظاهره استحباب ترك القراءة للناسي لها في الأوليين قال في الجواهر- قدّس سرّه- يمكن المناقشة فيها بأنّ المراد منها الردّ على أبي حنيفة القائل بأنّ المأموم إذا أدرك الإمام
في الركعتين الأخيرتين، جعل ما أدركه آخر صلاته كالإمام، ثمّ يستقبل بعد ذلك الأول (1)هذا.
و لكن لا يخفى عليك أنّه لا شاهد في الرواية على ذلك إذ لم يقع السؤال فيها عن حال المأموم، نعم يحتمل ذلك في صحيحة ابن الحجّاج سألت أبا عبد اللّٰه عليه السّلام عن الرجل الذي يدرك الركعتين الأخيرتين من الصلاة كيف يصنع بالقراءة فقال عليه السّلام: اقرأ فيهما فإنّهما لك الأوّلتان و لا تجعل أول صلاتك آخرها (2)، فتأمّل في المقام جيّدا، فإنّ أخبار الباب مضطربة جدّا.
فإنّ منها: التصريح بالتسوية بين التسبيح و الفاتحة في الفضل كما في رواية علي بن حنظلة عن الصادق عليه السّلام سألته عن الركعتين الأخيرتين ما أصنع فيهما؟ فقال: إن شئت فاقرأ فاتحة الكتاب و إن شئت فاذكر اللّٰه فهو سواء، قال:
قلت: فأيّ ذلك أفضل؟ فقال: هما و اللّٰه سواء إن شئت سبّحت و إن شئت قرأت (3).
و منها: ما هو ظاهر في أفضلية القراءة للإمام كرواية معاوية بن عمّار سأل الصادق عليه السّلام عن القراءة خلف الإمام في الركعتين الأخيرتين فقال عليه السّلام: الإمام يقرأ بفاتحة الكتاب و من خلفه يسبّح فإذا كنت وحدك فاقرأ فيهما و إن شئت فسبّح (4).
و منها: ما هو ظاهر في عدم الفرق بين الإمام و غيره و أفضلية التسبيح مطلقا لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قال: لا تقرأنّ في الركعتين الأخيرتين
من الأربع الركعات المفروضات شيئا إماما كنت أو غير إمام قال: قلت: فما أقول فيهما؟ قال: إذا كنت إماما أو وحدك فقل: سبحان اللّٰه و الحمد للّٰه و لا إله إلّا اللّٰه ثلاث مرّات تكمّله تسع تسبيحات ثمّ تكبّر و تركع (1).
و منها: ما ظاهره أفضلية القراءة مطلقا للإمام و غيره كما في رواية محمّد بن حكيم سأل أبا الحسن أيّما أفضل القراءة في الركعتين الأخيرتين أو التسبيح؟ فقال عليه السّلام: القراءة أفضل (2). و غير ذلك من الأخبار المختلفة و لكنّ لمّا كان أخبار أفضلية التسبيح أكثر عددا و أصحّ سندا على ما قيل و كانت الأخبار الأخر موافقة لمذهب العامّة في الجملة، فالأقوى أفضلية التسبيح مطلقا إلّا ناسي القراءة في الأوليين فإنّ الأفضل في حقّه القراءة كما اختاره الشيخ- قدّس سرّه- في المبسوط (3). هذا تمام الكلام فيما هو المهم من مباحث القراءة و الحمد للّٰه أولا و آخرا و قد وقع الفراغ من تسويده ليلة الأربعاء 16 ج 2 سنة 1345.
و تنقيح البحث فيه يستدعي رسم أمور:
بل و لا حقيقة متشرعية بل هو باق على معناه العرفي المطابق لمعناه اللغوي، الذي هو عبارة عن الخضوع و الانحناء و تطأطؤ الرأس، و اعتبار بعض الخصوصيّات شرعا فيه لا يستلزم الحقيقة الشرعية، كما أنّ الحال في الركوع كان كذلك.
ثمّ الظاهر أنّه يعتبر في حقيقة السجود عرفا وضع شيء من الوجه على الأرض و لو بواسط، و لا يعتبر في تحقّق معناه العرفي وضع خصوص الجبهة بل و يكفي وضع أحد الخدّين أو الحاجبين أو الذقن كما يدلّ على ذلك قوله تعالى يَخِرُّونَ لِلْأَذْقٰانِ سُجَّداً (1)، و لكنّ الشارع حدّده و عيّنه في خصوص وضع الجبهة كتحديده للركوع ببلوغ أطراف الأصابع إلى الركبة، مع أنّ معناه العرفي كان أعم من ذلك، و كذا لا يعتبر في حقيقة السجود عرفا أن يكون الانحناء و التقوّس على وجه يساوي المسجد للموقف في العلوّ أو لا يتجاوز الاختلاف مقدار لبنة، بل يكفي في معناه العرفي
1) الإسراء: الآية 107.
مقدار من الانحناء و التقوّس و إن اختلف المسجد للموقف في العلوّ بأكثر من لبنة، و لكن الشارع اعتبر أن لا يزيد الاختلاف في ذلك من مقدار لبنة.
ثمّ إنّه لا إشكال في أنّ ما اعتبره الشارع مضافا إلى ذلك من وضع الجبهة على ما يصحّ السجود عليه و وضع المواضع الستّة الأخر غير الجبهة على الأرض يكون خارجا عن حقيقة السجود و ليس ركنا فيه، بحيث يدور السجود مداره، بل هو من واجبات السجود. و هذا بخلاف وضع الجبهة فإنّه يتوقّف تحقّق السجود عليه شرعا، بحيث يدور أحكام السجود من الزيادة و النقيصة و غير ذلك مداره، فلا يكون مثلا من زيادة السجود وضع أحد الخدين أو الحاجبين. و هذا لا ينافي كون معناه العرفي الأعم بعد ما حدّده الشارع بذلك، فإنّه بعد التعيين الشرعي تدور الأحكام مدار ما عيّنه، و لا يلتفت إلى أنّ معناه العرفي الأعم كما تدور أحكام الركوع مدار بلوغ [السقط من نسخة الأصل] الركبة مع أنّ معناه العرفي كان أعم من ذلك، فلو وضع أحد خدّيه على الأرض [السقط من نسخة الأصل] لزمه رفع الرأس و وضع خصوص الجبهة على الأرض، و لا يتوهّم تحقّق الزيادة [السقط من نسخة الأصل] أو لا لم يكن من السجود حتّى يتوهّم ذلك. و أمّا مسألة عدم اختلاف المسجد للموقف بأكثر من مقدار لبنة، فالمحكي عن بعض الأعلام عدم كونه من محقّقات السجود شرعا، كما هو لم يكن من محقّقاته عرفا بل هو من الشرائط الشرعية، إلّا إذا كان الاختلاف على وجه لا يصدق عليه السجود عرفا، و لازم ذلك هو أنّه لو وضع جبهته على مكان يزيد في العلوّ للموقف عن مقدار لبنة كان الواجب عليه جرّ الجبهة و وضعها على ما يساوي الموقف أو لا يزيد عن مقدار لبنة، و ليس له رفع الرأس و وضعه على ما يساوي ذلك، للزوم زيادة السجود حينئذ، كما إذا وضع جبهته على ما يصحّ السجود عليه و ليس ذلك إلّا لأجل عدم كون الاختلاف ركنا في السجود، و حينئذ يتوجّه سؤال الفرق بين
هذا الشرط و بين اشتراط وضع خصوص الجبهة حيث صار وضع الجبهة ركنا في السجود بحيث دارت أحكام السجود مداره بخلاف مسألة المساواة حيث جعلوه خارجا عنه، و لم يكن من مقوّمات ركنيّته مع اشتراكهما في الخروج عن المعنى العرفي و عدم توقّفه على شيء منهما، و اشتراكهما أيضا في الاعتبار الشرعي، فكيف صار أحدهما ركنا دون الآخر، و الحاصل: أنّه كما لا يعتبر في السجود عرفا وضع خصوص الجبهة، بل يكفي وضع أحد أجزاء الوجه من الخدّين و الحاجبين و الذقن كذلك لا يعتبر في السجود عرفا تساوي المسجد للموقف في العلوّ، بل يكفي مقدار من الانحناء و التقوس و إن زاد الاختلاف عن مقدار لبنة. و كما أنّ الشارع حدّد السجود بوضع خصوص الجبهة و جعل وضع ما عداها خارجا عن السجود كذلك حدّد الشارع السجود بكون الانحناء و التقوّس على وجه لا يزيد اختلاف المسجد للموقف بأكثر من مقدار لبنة، و يلزم ذلك عدم تحقّق السجود شرعا إذا كان الاختلاف بأكثر من ذلك المقدار، فكيف يفرّق بينهما بما عرفت، و من أين جاء هذا الفرق (1).
هذا و قد أجاب شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- عن هذا السؤال بما حاصله: أنّ السجود إنّما هو من مقولة الوضع و الانحناء و التقوّس خارجان عن هويّته و حقيقته عند العرف و إنّما يكونان عند العرف ممّا يتوقّف عليه الوضع على الأرض إذ لا يمكن الوضع إلّا بالانحناء و التقوّس، فالانحناء إنّما يكون ممّا يتوقّف عليه
1) و كذا يبقى سؤال الفرق بين اعتبار ما يصحّ السجود عليه، و بين اعتبار وضع الجبهة مع أنّ كلا منهما بتعيين شرعي غايته أنّ أحدهما تعيين للموضوع و الآخر تعيين لما يوضع عليه، فكيف صار الأول ركنا و الثاني واجبا غير ركني، كما يظهر من وجوب الجرّ عند وضع الجبهة على غير ما يصحّ السجود عليه، بداهة انه لو كان الوضع على ما يصحّ السجود عليه ركنا لكان يجوز له رفع الجبهة و لم يتعيّن عليه الجرّ لعدم استلزام الرفع زيادة ركن. اللّٰهم إلّا أن يقال من أدلة وجوب الجرّ و عدم جواز الرفع يستفاد عدم ركنيّته، و لو لا ذلك لقلنا بركنيّته أيضا كوضع الجبهة فتأمّل جيّدا «منه».
السجود لا أنّه داخل في حقيقته، فيكون الانحناء عند العرف ....
شرائط، و لذلك امتاز ما اعتبره الشارع في ناحية الوضع عمّا اعتبره في ......
لمّا كان من مقوّمات السجود و داخلا في هويّته كان التصرّف .......
و الركنية و صار ما اعتبره الشارع في ناحيته من الأركان، و هذا بخلاف الانحناء، فإنّه لمّا كان عند العرف خارجا .......
(1)، صار ما اعتبر الشارع في ناحيته من الشرائط الخارجة على طبق نظر العرف، فتأمّل (2). فإنّ ما أفاده- مدّ ظلّه- لا يخلو عن شيء و على كلّ حال لا إشكال في أنّه يعتبر في تحقّق السجود الذي يكون موردا للأحكام الشرعية وضع خصوص الجبهة، و لا يكفي وضع سائر أجزاء الوجه من الخدّ و الذقن، من غير فرق في ذلك بين سجود الصلاة و غيره من سجود الشكر و التلاوة و غيرهما. و توهّم أنّ تحديد السجود بذلك إنّما هو في خصوص الصلاة و أمّا في غيرها فهو باق على معناه العرفي من كفاية وضع أيّ جزء من أجزاء الوجه، فاسد. إذ الظاهر أن يكون وضع خصوص الجبهة معتبرا في مطلق السجود حيث إنّ الشارع حدّد السجود العرفي بذلك، نعم في خصوص حرمة السجود لغير اللّٰه تعالى يمكن أن يقال بالعموم و حرمة وضع أيّ جزء من أجزاء الوجه، إذا كان على وجه التعظيم و الخضوع كما مال إلى ذلك شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- و إن كان ذلك أيضا لا يخلو عن إشكال.
ثمّ لا يخفى عليك أنّ مثل تقبيل الأعتاب المقدّسة لم يكن من السجود بداهة
1) البياض الموجود من نسخة الأصل.
2) و هذا و لكن قد عدل عن هذا لمّا وصل إلى محلّ تعرّض اعتبار المساواة و قال في ذلك المقام بركنيّة عدم ارتفاع موضع الجبهة بأزيد من مقدار لبنة و لازم ذلك عدم وجوب الجرّ عليه إذا وضعها على مرتفع أزيد من ذلك بل تعيّن عليه الرفع لإحداث السجدة و لا يلزم زيادة سجدة إذ ما أتى بها لم يكن سجودا شرعا فتأمّل «منه».
عدم صدق السجود على ذلك فهل ترى أنّه لو انكبّ أحد لتقبيل ابنه يقال إنّه سجد لابنه نعم ما يفعله بعض العوام من وضع الجبهة و الخدّين على وجه الخضوع و التذلّل في الأعتاب المقدّسة لا يبعد صدق السجود عليه فاللازم ترك مثل ذلك.
ثمّ إنّه ربّما يفرّق بين وضع الجبهة و بين وضع سائر أجزاء الوجه، بدعوى أنّ في وضع الجبهة لا يحتاج إلى قصد السجود بل هو بنفسه سجود، إلّا إذا قصد عنوانا يغاير السجود، و هذا بخلاف وضع سائر أجزاء الوجه فإنّه يعتبر فيها القصد إلى السجود، و إلّا فهي بنفسها ليست من السجود. و ربّما مال إلى ذلك شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه.
، بحيث تبطل الصلاة بالإخلال بهما معا عمدا و سهوا من غير فرق بين الركعة الاولى و غيرها، و إن خالف في غير الاولى بعض إلّا أنّه سيأتي في أحكام الخلل ضعفه و هما معا ركن في الصلاة، فلا تبطل الصلاة بنقصان سجدة واحدة أو زيادتها سهوا بل يدور البطلان مدار نقصانهما معا أو زيادتهما معا، و هذا ممّا لا إشكال فيه. نعم في المقام إشكال و هو أنّ الأعلام قد أجروا على السجدة الواحدة بعض لوازم الركن، حيث إنّه نسب إلى المشهور أنه من نسي الركوع حتّى دخل السجود تبطل صلاته و كذا حكي الاتّفاق على أنّه لو نسي واجبات الركوع .....
مضى في صلاته، و لا يلزمه العود إلى تدارك [السقط من نسخة الأصل] ..
يستقيم مع القول بعدم ركنية السجدة الواحدة لإطباقهم على بقاء محلّ الاجز [السقط من نسخة الأصل] يدخل في الركن اللاحق فإذا دخل في الركن اللاحق، فإن كان المنسي جزء غير ركني مضى في صلاته، و إن كان جزء ركنيا بطلت صلاته لاستلزام العود إلى المنسي زيادة الركن، و استلزام المضي في الصلاة نقصان الركن، فلو لم تكن السجدة الواحدة ركنا، لكان اللازم العود إلى الركوع
المنسي لبقاء محلّه، و عدم استلزام العود إليه زيادة الركن، و كذا الكلام في سائر الأجزاء المنسية من الركوع، فالقول بعدم العود إليها لا يستقيم إلّا مع البناء على ركنية السجدة الواحدة، حتّى يكون الدخول في السجود دخولا في الركن، و المفروض أنّهم لم يقولوا بركنية السجدة الواحدة و لا يمكن القول به، لتضافر النصوص بعدم بطلان الصلاة مع زيادة سجدة واحدة أو نقصانها، فالجمع بين القول بعدم إعادة الصلاة عند نسيان السجدة الواحدة و زيادتها و بين القول بفوات محلّ الركوع المنسي، و كذا الأجزاء الأخر بالدخول بالسجدة الاولى، يكون من الجمع بين المتناقضين، هذا، و سيأتي إن شاء اللّٰه في أحكام الخلل تفصيل حل الاشكال.
و حاصله: أنّ مقتضى القاعدة الأولية المستفادة من حديث «لا تعاد الصلاة إلّا من خمس» (1)هو ركنية السجدة الواحدة بحيث تبطل الصلاة بنقصانها و زيادتها، و كان الدخول بالسجدة من الدخول في الركن الذي يوجب فوات محلّ تدارك الأجزاء المنسية، هذا حسب ما يقتضيه حديث «لا تعاد» و لكن قام الدليل أيضا على أنّه لو اتّفقت زيادة سجدة (2)أو نقصانها (3)نسيانا أو ما يلحق بالنسيان كالخطإ (4)لم تبطل الصلاة و لا تجب عليه إعادتها، فلا بدّ من الجمع بين هذا و بين ما يستفاد من حديث «لا تعاد» فنقول: إنّ ما دلّ على عدم إعادة الصلاة من سجدة واحدة يكون أخص من حديث «لا تعاد» لأنّ الحديث يشمل السجدتين و السجدة الواحدة، و هذا مختصّ بالسجدة الواحدة، فيكون مخصّصا للحديث، لكن لا بدّ من الاقتصار على مقدار التخصّص، و المقدار الذي ثبت هو
صورة اتّفاق زيادة السجدة أو نقصانها لمكان النسيان أو الخطأ، و أمّا صورة التعمّد إلى زيادة السجدة و إن كان منشأ الغمد هو نسيان الجزء السابق فهي بعد باقية في حديث «لا تعاد» و صورة نسيان الركوع أو الواجبات الأخر حتّى سجد تكون من صور تعمّد فعل السجدة، غايته أنّ وجه العمد إليها هو نسيان إلخ .........
فتكون هذه الصورة مندرجة في حديث «لا تعاد الصلاة إلّا من خمس .. (1)إلخ» و المستفاد من حديث .... أنّ بمجرّد الدخول في السجود يفوت محلّ الأجزاء المنسية السابقة كما يأتي بيانه في الخلل، فتأمّل جيّدا ......
إشكال آخر قد أطالوا الكلام في توجيهه و جوابه و هو أنّ الركن لو كان هما السجدتان ..... (2)وصف الاجتماع، فاللازم فوات الركن بفوات سجدة، لأنّ المركّب ينتفي بانتفاء بعض أجزائه، و لو كان الركن هو السجدة الواحدة كان اللازم هو زيادة الركن عند زيادة سجدة واحدة، مع أنّه لم يلتزموا بذلك، هذا.
و لكنّ الإنصاف أنّه لا وقع لهذا الإشكال، و ذلك لأنّ الركنية ليست هي إلّا منتزعة عن الأدلّة المتكفّلة للإجزاء و الامتثال، و ليست هي منتزعة عن مرحلة تعلّق التكليف بأجزاء المركّب، لأنّ تعلّق التكليف بأجزاء المركّب على حدّ سواء، و لا يمكن انتزاع الركنية من نفس تعلّق التكليف، لاستواء الكلّ في تعلّق التكليف به من غير فرق بين الأركان و غيرها، فالركنية إنّما تنتزع عن الأدلّة المتكفّلة لمرحلة الإجزاء و الامتثال، حيث إنّه لو قام دليل على أنّ نسيان بعض الأجزاء و زيادتها لم يوجب البطلان، فينتزع من ذلك عدم ركنية تلك الأجزاء.
و لو قام دليل على أنّ نسيان بعض الأجزاء أو زيادتها موجب للبطلان، فينتزع من ذلك ركنية تلك الأجزاء، و حينئذ لا بدّ من ملاحظة الأدلّة الواردة في مرحلة إجزاء السجود و امتثاله، إذ الصور المتصوّرة في السجود بعد تعلّق الأمر به تكون على أنحاء، فإنّه يمكن أن لا يأتي بسجود أصلا، و يمكن أن يأتي بسجدة واحدة، و يمكن أن يأتي بسجدتين، و يمكن أن يأتي بثلاث سجدات، و يمكن أن يأتي بأربع فما زاد، و نحن لو خلّينا و حديث «لا تعاد» لقلنا ببطلان الصلاة ما عدا صورة الإتيان بسجدتين فقط. و لكن بعد قيام الدليل على أنّ السجدة الواحدة زيادتها و نقيصتها لا يضرّ نستكشف أنّ العبرة ببطلان الصلاة هما السجدتان معا في كلّ من طرف الزيادة و النقيصة، فقولنا إنّ السجدتين معا ركن عبارة عن أنّ زيادة السجدتين و نقصانهما عمدا و سهوا يوجب البطلان لأنّ هذا هو المستفاد من مجموع أدلّة الباب و نسمّي ما هو المستفاد منها ركنا فأين الإشكال حتّى نتعب النفس في الجواب عنه.
و كأنّ منشأ توهّم الإشكال هو تخيّل أنّ التكليف إنّما تعلّق بمجموع السجدتين على نحو العام المجموعي، فيشكل بانتفاء المجموع عند انتفاء السجدة الواحدة، و لكن قد عرفت أنّ التكليف بالسجدتين على حدّ التكليف بسائر الأجزاء، و إنّما نستفيد خصوصية السجدتين من أدلّة الإجزاء و الامتثال فتأمّل.
الجبهة، و الكفّين و الركبتين و الإبهامين، و قد عرفت أنّ وضع الجبهة يكون ركنا في السجود، و عليه يدور الزيادة و النقيصة [السقط من نسخة الأصل] وضع سائر الأعضاء فإنّها من واجبات السجود، و لا يدور السجود مدار تحقّقها.
و على كلّ حال لا إشكال في وجوب وضع الجبهة إنّما الإشكال في أنّه يعتبر وضع خصوص الجبهة أو يكفي وضع أحد الجبينين أيضا، و ينبغي أنّ يعلم أنّ الجبهة قد تطلق و يراد بها مجموع ما بين الصدغين على وجه يدخل فيها الجبينان،
و قد تطلق و يراد بها خصوص ما كان في مقابل الأنف على وجه يخرج عنها الحاجبان، و لمكان هذين الإطلاقين للجبهة ربّما يستشكل اعتبار وضع خصوص الجبهة بمعناه الأخص، لو لا الإجماع على اعتبار ذلك كما حكي، بدعوى أنّه لا شاهد على إرادة خصوص هذا فيما ورد في المقام من الأخبار، هذا. و لكنّ الإنصاف أنّ في بعض أخبار الباب دلالة على إرادة الجبهة بمعناها الأخص، كما في رواية عمّار الساباطي و مروان بن مسلم قال عليه السّلام: ما بين قصاص الشعر إلى طرف الأنف مسجد أيّ ذلك أصبت به الأرض أجزأك (1). و في معناها رواية أخرى (2). و لا يخفى ظهورها في اعتبار خصوص النقطة المقابلة للأنف فيخرج عنها الجبينان لعدم مقابلتهما للأنف، بل مقابلان للحاجبين و العينين، فالأقوى اعتبار وضع خصوص الجبهة بمعناها الأخص، و لا يلزم الاستيعاب بل يكفي وضع شيء منها كما يدلّ عليه قوله عليه السّلام: «أيّ ذلك أصبت به الأرض أجزأك» (3)نعم الأفضل الاستيعاب كما يأتي إن شاء اللّٰه. هذا كلّه في وضع الجهة.
و أمّا وضع الكفّين فلا إشكال في اعتبار وضع خصوص الكفّين على وجه يخرج عنهما الزندان و ما فوقهما، و ما ورد في بعض الأخبار من وضع اليدين يراد به خصوص الكفّين، كما يقتضيه صناعة الإطلاق و التقييد، و في وجوب استيعاب الكفّين، أو كفاية وضع شيء منهما، وجهان، الأقوى لزوم الاستيعاب.
و هي على قسمين: منها: ما تكون قاطعة عمدا و سهوا. و منها: ما تكون قاطعة عمدا فقط.
فإنّه يقطع الصلاة عمدا و سهوا و لو قبل التشهّد من الركعة الأخيرة، أو بعده قبل التسليم، و الأخبار بذلك مستفيضة. و ما دلّ من عدم قاطعيته بل يتطهّر و يبني و لا يجب عليه الاستئناف فمطروح، لإعراض الأصحاب عنه و موافق للتقية، فهو ممّا اعطى من جراب النورة. و لا ينبغي الإشكال في المسألة.
، و لا إشكال في قاطعيّته في الجملة إنّما الإشكال في تعيين ما هو القاطع، اعلم أنّ الالتفات عن القبلة إمّا أن يكون عن عمد، و إمّا أن يكون عن سهو، و على كلّ منهما إمّا أن يكون بكلّ البدن، و إمّا أن يكون بالوجه خاصّة، و على جميع التقادير إمّا أن يكون الالتفات إلى ما دون اليمين و اليسار، و إمّا أن يكون إلى نفس اليمين و اليسار، و إمّا أن يكون إلى الخلف.
فالأقسام اثنى عشر. و كأنّ نظر الجواهر (1)إلى إنهاء الأقسام إلى ستّة عشر هو جعل كلّ من الالتفات إلى اليمين و الالتفات إلى اليسار قسما برأسه، و لكن لا موجب لذلك: بعد ما لم يختلف الحكم بالنسبة إلى اليمين و اليسار، و كان الالتفات إلى اليمين متّحدا في الحكم مع الالتفات إلى اليسار، و لو لا لحاظ الاتّحاد في الحكم لتكثّرت الأقسام باعتبار ما يمكن من الالتفات.
و على كلّ حال ينبغي إخراج الالتفات بالوجه خاصّة إلى الخلف بكلا قسميه من العمد و السهو عن القسمة لاستحالة ذلك ظاهرا على وجه يكون البدن إلى القبلة و الوجه إلى الوراء، فالذي ينبغي بيانه هو الأقسام العشرة الأخر، و ينبغي أولا الإشارة إلى أخبار الباب فنقول:
إنّ أخبار الباب على طوائف: منها: ما دلّ بقاطعية مطلق الالتفات، و منها:
ما دلّ على قاطعية الالتفات الفاحش، و منها: ما دلّ على قاطعية الالتفات إلى الخلف، و منها: ما دلّ على فساد الصلاة بقلب الوجه.
فمن الأول: ما رواه زرارة أنّه سمع أبا جعفر عليه السّلام يقول: الالتفات يقطع الصلاة إذا كان بكلّه (2). و في معناه عدّة روايات أخر (3).
و من الثاني: ما رواه في الخصال عن علي عليه السّلام: الالتفات الفاحش يقطع الصلاة .. الخبر (4). و في معناه أيضا روايات أخر.
و من الثالث: ما رواه البزنطي عن الرضا عليه السّلام: عن الرجل يلتفت في صلاته هل يقطع ذلك صلاته قال عليه السّلام: إذا كانت الفريضة و التفت إلى
خلفه فقد قطع صلاته فيعيد ما صلّى و لا يعتدّ به، و إن كانت نافلة فلا يقطع ذلك صلاته و لكن لا يعود (1).
و من الرابع: ما رواه زرارة عنه عليه السّلام ثمّ استقبل القبلة بوجهك و لا تقلب وجهك عن القبلة فتفسد صلاتك .. الخبر (2). فهذه جملة أخبار الباب.
و قد يترجّح في بادي النظر أنّ النسية بين أخبار الباب العموم المطلق، لأنّ ما دلّ على قاطعية الالتفات الفاحش أخص مطلقا ممّا دلّ على قاطعية مطلق الالتفات، كما أنّ ما دلّ على قاطعية الالتفات الفاحش أعم مطلقا ممّا دلّ على قاطعيّة الالتفات إلى الخلف، كصحيحة البزنطي، فتكون نتيجة الجمع هو قاطعيّة الالتفات إلى الخلف بكلّ البدن ليس إلّا، لأنّ ما دلّ على فساد الصلاة بتقليب الوجه فالمراد منه أيضا قلب البدن لا خصوص الوجه، لأنّ الظاهر من قلب الوجه في هذه المقامات هو قلب البدن كما ربّما يشعر بذلك ذيل الخبر المتقدّم، حيث استدلّ الإمام بقوله [تعالى] «فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ» (3)و معلوم أنّ المراد من الآية هو تولية البدن لا خصوص جارحة الوجه، فيكون مفاد لا تقلّب وجهك عن القبلة مفاد قوله «لا تلتفت»، و بعد حمل الالتفات إلى الالتفات إلى الخلف حسب ما تقتضيه صناعة الإطلاق و التقييد يتحصّل أنّ الالتفات إلى ما دون الخلف مطلقا عمدا و سهوا غير مبطل، لأنّ أدلّة قاطعية الالتفات لا اختصاص لها بالعمد و لا بالسهو. و لا منافاة بين بطلان الصلاة إلى غير القبلة عمدا و لو يسيرا على وجه يخرج عن الحدّ الذي يتسامح فيه، و بين عدم قاطعية الالتفات إلى ذلك عمدا، لأنّ القبلة إنّما اعتبرت شرطا لأجزاء الصلاة،
فوقوع جزء من أجزاء الصلاة إلى غير القبلة موجب للبطلان لفوات الشرط، بل لو لا قيام الدليل على عدم بطلان الصلاة إلى ما بين اليمين و اليسار إذا كان ذلك عن عذر من اجتهاد أو نسيان، لكان اللازم القول بالبطلان مطلقا حتّى في صورة العذر، قضية للشرطية، و هذا بخلاف قاطعية الالتفات فإنّه إنّما اعتبر قاطعا في خصوص الأكوان الصلاتي.
و من هنا قلنا باستحالة جعل شرطية الشيء مع مانعية عدمه للزوم اللغوية في الجمع بالجعل فلا بدّ من جعل أحدهما بخلاف جعل شرطية شيء و قاطعية عدمه، لاختلاف محلّ الشرط و القاطع، حيث إنّ الأول اعتبر بالنسبة إلى الأجزاء، و الثاني اعتبر بالنسبة إلى الأكوان، و من هنا صار قاطعا و لو في حال السكونات و عدم الاشتغال بالأجزاء. و حينئذ فيمكن أن يكون الالتفات عمدا إلى ما دون الخلف غير قاطع و غير مبطل للصلاة، و أدلّة شرطية القبلة لا تفي بالبطلان إذا كان الالتفات في حال السكونات، و كلامنا في قاطعية الالتفات إنّما هو في ذلك الحال لا في حال الاشتغال بالأجزاء إذ لا كلام في البطلان في ذلك الحال، لمكان فوات شرط القبلة.
فتحصّل أنّ مقتضى الجمع بين الأدلّة هو قاطعية الالتفات إلى الخلف عمدا و سهوا، و عدم قاطعية الالتفات إلى ما دون ذلك كذلك عمدا و سهوا بكلّ البدن فضلا عن خصوص الوجه، هذا. و لكنّ الذي يقتضيه صحيح النظر عدم ذلك فإنّ ما ذكرناه مبني على ثبوت المفهوم لصحيحة البزنطي (1)، حيث خصّ البطلان فيها بالالتفات إلى الخلف، و مقتضى المفهوم عدم البطلان إذا لم يكن الالتفات إلى الخلف، و هو أخص مطلقا ممّا دلّ على البطلان في مطلق الالتفات.
1) الوسائل: ج 4 ص 1249 باب 3 من أبواب قواطع الصلاة، ح 8.
و لكنّ الكلام في إثبات المفهوم للصحيحة، أمّا [أولا:] فلاحتمال أن يكون الشرط مسوقا لبيان حكم الفريضة فيكون قوله عليه السّلام في الذيل: و إن كانت في النافلة .. إلخ. بيانا لمفهوم الشرطية الاولى، من دون أن تكون الشرطية الأولى مسوقة لبيان التفصيل بين الخلف و بين غيره، و يكون حينئذ ذكر الخلف لمكان أنّه أحد مصاديق الالتفات، لا انحصار الالتفات المبطل بذلك، فتأمّل جيّدا.
و أمّا ثانيا فلأنّه لم يعلم من الأصحاب العمل بإطلاق المفهوم، بحيث يكون الالتفات إلى نفس اليمين و اليسار و لو عمدا غير مبطل كما يقتضيه إطلاق المفهوم، و إن حكي ذلك عن بعض، بل لم يظهر من الأصحاب التفصيل بين النافلة و الفريضة، و قد راجعت كلمات الأصحاب في ذلك فلم أجد مصرّحا بالتفصيل إلّا صاحب المستند (1)، حيث أفاد أنّ القول بعدم قاطعيّة الالتفات في النافلة أجود.
بل ظاهر كلام الجواهر هو عدم الفرق بين الفريضة و النافلة، حيث أفاد في مسألة قاطعيّة الأكل و الشرب ما لفظه: فلا فرق في سائر ما تقدّم من الموانع بين الفريضة و النافلة إلّا في المقام (2)، انتهى. أي مقام مانعية الأكل و الشرب، حيث يجوز في صلاة الوتر.
و بالجملة الخروج عن مطلقات قاطعيّة الالتفات على كثرتها بمثل مفهوم صحيحة البزنطي مشكل، بل ينبغي أن يقال بضرس قاطع: إنّه لا عبرة بذلك المفهوم، فتأمّل. و عليه، يكون المعوّل هو مطلقات الباب، و مقتضاها بطلان الصلاة بمجرّد الالتفات عن القبلة و ما بحكمها ممّا يتسامح فيه على ما تقدّم تفصيله في القبلة مطلقا، سواء كان ذلك عن عمد أو سهو. و المراد من الالتفات الفاحش ليس إلّا الالتفات على وجه يخرج عن القبلة و ما بحكمها إذ لو التفت عن القبلة
زائدا عمّا يتسامح فيه يصدق عليه الالتفات الفاحش، بل أفاد شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- أنّ المراد من الالتفات في الأخبار الدالّة على قاطعيّته بلا تقييده بالفاحش ليس مطلق الالتفات، بل الالتفات على وجه يخرج عمّا يتسامح فيه في باب القبلة، لأنّ الالتفات بمقدار يتسامح فيه ليس بقاطع قطعا، فلا بدّ من أن يكون المراد من قاطعية الالتفات هو الالتفات الزائد عن ذلك المقدار، و لا يلزم من ذلك أن يكون تقييد الالتفات بالفاحش لغوا، حيث كان المراد من الالتفات الالتفات الخارج عن المقدار المتسامح فيه، و المراد من الفاحش أيضا صار ذلك حسب ما تقدّم، فيلزم لغوية التقييد بالفاحش، و ذلك لأنّ تقييد الالتفات بكونه خارجا عمّا يتسامح فيه تقييدا عقليّا، لمكان أنّ الصلاة إلى ما يتسامح فيه من مقدار أربع أصابع لا يوجب البطلان، فعدم قاطعية الالتفات بطريق أولى، و ليس التقييد بذلك مأخوذا في مدلول لفظ الالتفات، بل مدلول لفظ الالتفات مطلق يعمّ جميع الصور حتّى صورة الالتفات إلى ما يتسامح فيه، فتقييده بالفاحش حينئذ لا يكون لغوا لأنّه تقييد لمدلول اللفظ، و المفروض أنّ مدلول لفظ الالتفات أعم، فتأمّل.
و على أيّ حال لا إشكال في صدق الفاحش على الالتفات بكلّ البدن عن المقدار الذي يتسامح فيه، و يلزم القول حينئذ بقاطعية الالتفات بكلّ البدن مطلقا عمدا و سهوا إلى الخلف و ما دونه. هذا حسب ما يقتضيه مطلقات أدلّة الباب.
و لكن قد تقدّم منّا في مسألة القبلة ما يدلّ على صحّة الصلاة إلى ما بين اليمين و اليسار إذا كان ذلك عن عذر من اجتهاد أو نسيان، و ليس عليه الإعادة في الوقت فضلا عن القضاء في خارجه، و لازم ذلك هو أنّ الالتفات إلى ما بين اليمين و اليسار غير موجب للبطلان، إذا كان عن نسيان، بداهة أنّ وقوع جميع الصلاة إلى ما بين اليمين و اليسار إذا كان غير موجب للبطلان فوقوع الالتفات في الأثناء
إلى ذلك يقتضي أن لا يوجب البطلان بطريق أولى، لأنّ الصلاة إلى ذلك مستلزم للالتفات إلى ذلك و ما زاد، كما لا يخفى.
و كذلك قد تقدّم منّا أنّ الصحّة إلى نفس اليمين و اليسار لعذر موجب للإعادة في الوقت خاصّة دون خارجه، يلزمه أيضا بمقتضى الأولوية المذكورة أنّ الالتفات إلى اليمين و اليسار نسيانا موجب لعدم القضاء لو تذكّر في خارج الوقت، و أمّا لو تذكّر في الوقت فيقتضي الإعادة حسب مطلقات أخبار الباب. و لو لا الأولوية المذكورة لكان مقتضى مطلقات الباب القضاء في خارج الوقت أيضا و أمّا الالتفات إلى الخلف فهو موجب للبطلان و مندرج تحت مطلقات الباب، سواء تذكّر في الوقت أو خارجه، كما أنّ الصلاة إلى الخلف كان موجبا للبطلان حسب ما دلّ عليه مرسلة الشيخ على ما تقدّم.
و حاصل الكلام أنّ اللازم علينا هو الأخذ بمطلقات أخبار الباب من قاطعية الالتفات مطلقا إلى أيّ جهة كان، إلّا إذا قام الدليل على أنّ الصلاة إلى تلك الجهة غير موجب للبطلان، فيلزمه عدم موجبية الالتفات له بمقتضى الأولوية المذكورة، و قد عرفت موارد قيام الدليل على عدم بطلان الصلاة، فبذلك المقدار نقول به في المقام، فتصير نتيجة المسألة بعد رفع اليد عن مفهوم صحيح البزنطي أنّ الالتفات نسيانا إلى ما بين اليمين و اليسار غير مبطل، و الالتفات نسيانا إلى نفس اليمين و اليسار موجب للإعادة إن تذكّر في الوقت دون القضاء إن تذكّر خارج الوقت، و الالتفات إلى الخلف نسيانا موجب للبطلان مطلقا. كما أنّ الالتفات العمدي مطلقا و لو إلى ما بين اليمين و اليسار موجب للبطلان إذا كان بكلّ البدن لأنّ جميع صور العمد مندرج في أخبار الباب من دون أن يكون هناك مخرج، لأنّ تعمّد الصلاة إلى غير القبلة موجب للبطلان مطلقا أيضا.
فتبيّن حال الصور الستّ من الصور العشر من أقسام الالتفات، و هي
الالتفات بكلّ البدن إلى ما بين اليمين و اليسار، و إلى نفس اليمين و اليسار، و إلى الخلف عمدا أو سهوا، فهذه الصور الستّ بقي صور الالتفات بالوجه خاصّة، و قد عرفت استحالة الالتفات بالوجه خاصّة إلى الوراء عمدا و سهوا و أمّا الالتفات إلى ما دون الوراء بالوجه فالأقوى فيه الصحّة، بجميع صوره من عمدها و سهوها. نعم يكره ذلك عمدا، و ذلك لعدم قيام دليل على بطلان الصلاة بالالتفات بالوجه، إذ ما ورد فيه لفظ الوجه كصحيح زرارة (1)السابق فالمراد منه البدن لتداول الاستعمال كذلك عند العرف، و المسألة [فيها] شبهة الإجماع، إذ لم نعثر على من صرّح بالبطلان في صورة الالتفات بالوجه خاصّة، و عليه يحمل ما ورد من عدم البأس في الالتفات مع دلالة بعضها على الكراهة، و إشعار الآخر بها، إذ ليس المراد منه الالتفات بكلّ البدن، لمعلومية أنّه مبطل، بل المراد الالتفات بالوجه بل لو أمكن الالتفات بالوجه إلى الخلف لكان حكمه كذلك أيضا، و إن ذهب بعض إلى البطلان فيه، نظرا إلى صدق الالتفات الفاحش عليه و في الصدق نظر، فتأمّل.
ثمّ هل يلحق بصورة النسيان القهر و الإكراه أو لا يحلق؟ ما شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- إلى الإلحاق، فلو أكره للالتفات إلى ما بين اليمين و اليسار صحّت صلاته و ليس عليه الإعادة و القضاء، و لو اكره على نفس اليمين فعليه الإعادة في الوقت، إن ارتفع العذر فيه، دون القضاء إن استمرّ العذر إلى خروج الوقت. و لو اكره على الالتفات إلى الخلف فعليه الإعادة و القضاء، هذا و لكنّ إلحاق القهر بالنسيان مشكل، إلّا إذا قلنا بذلك في شرطيّة القبلة أيضا، أي قلنا بالصحّة في صورة الإكراه إلى الصلاة إلى ما بين اليمين و اليسار، ففي المقام نقول بها أيضا للأولوية المذكورة. و شيخنا الأستاذ و إن مال إلى ذلك أيضا إلّا أنّ الإنصاف أنّه مشكل
1) الوسائل: ج 3 ص 227 باب 9 من أبواب القبلة، ح 3.
لعدم مساعدة الدليل عليه، فإنّ ما دلّ على صحّة الصلاة إلى ما بين اليمين و اليسار مختصّ بالعذر الغير الشامل للإكراه، كما لا يخفى على المراجع. فمقتضى إطلاقات الباب هو إلحاق الإكراه بالعمد هذا تمام الكلام في قاطعيّة الالتفات.
اعلم أنّ الفعل الكثير و كذا القليل لم يرد في أخبار الباب، و إنّما ورد المنع عن بعض الأفعال و الرخصة في بعض آخر، و لأجل ذلك قيّد الفعل الكثير بما كان ماحيا لصورة الصلاة المرتكزة في أذهان المتشرّعة على وجه لا يعدّ الشخص مصلّيا، و هذا المعنى مبني على أن تكون للصلاة صورة اتّصاليّة، و تكون تلك الصورة ممّا يلزم حفظها. و شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- في بحثه الأصول أنكر كلّ ذلك. و لكن في المقام اعترف بأنّ للصلاة صورة اتّصالية. و لكنّ كونها متعلّقة للتكليف و الطلب محلّ منع و عليه يبتني عدم جريان الاستصحاب عند الشكّ في قاطعية شيء.
و الحاصل: أنّ الاستصحاب مبني على تعلّق الطلب بالصورة، و هو محلّ منع.
و أمّا أصل الصورة فلا يمكن إنكارها، لأنّ القواطع تنادي بأعلى صوتها أنّ للصلاة صورة بحيث كلّما يقع في أثنائها و لو بين السكونات و عدم الاشتغال بالأفعال كان ذلك واقعا في الصلاة، و حينئذ يلزم حفظ تلك الصورة و عدم إعدامها، إمّا بما جعله الشارع قاطعا كالحدث و الالتفات و القهقهة، و أمثال ذلك، و إمّا بإعدامها تكوينا كالفعل الكثير الماحي للصورة. و نحن و إن لم نساعد على ما ذكره شيخنا في هذا المقام، بل ربّما يختلج بالبال التناقض بين القول بعدم تعلّق التكليف بتلك الصورة كما اعترف به في المقام أيضا و بين القول بلزوم حفظها عن غير ما جعله الشارع قاطعا فتأمّل جيّدا.
و على كلّ حال يكفي في المسألة انعقاد الإجماع ظاهرا على عدم جواز الفعل الكثير على وجه يمحو الصورة الصلاتية، بل يكون مبطلا عمدا و سهوا امّا عمدا
فواضح، و امّا سهوا فلعدم شمول مثل حديث «لا تعاد الصلاة إلّا من خمس» (1)لأنّ شمولها فرع انحفاظ الصلاة حتّى يصح أن يقال تعاد أو لا تعاد، و المفروض أنّ الفعل الكثير على ذلك الوجه موجب لعدم صدق الصلاة و خروج المصلّي عن كونه مصلّيا، فهو من القواطع العمدية و السهوية كالحدث. ثمّ إنّ سنخ الأفعال تختلف، فمنها ما لا يحتاج في صدق الكثرة الماحية للصورة إلى تكرّره، بل يكفي أول وجوده كالوثبة الفاحشة و الجلوس على المائدة للأكل و الشرب و منها ما يحتاج إلى التكرّر كحركة اليد، فإنّ نفس حركة اليد لا يكون من الفعل الكثير إلّا بالتكرر على وجه يصدق ذلك، بل ربّ فعل لا يكون من الكثير على ذلك الوجه حتّى مع التكرّر كحركة الأصابع فإنّها لا توجب محو الصورة، و إن وقعت من أول الصلاة إلى آخرها. و بالجملة لا إشكال في اختلاف الأفعال من حيث السنخ فكلّما علم أنّه من الكثير الماحي للصورة بأول وجوده أو بتكرّره أو علم أنّه لم يكن من الكثير فهو. و أمّا إذا شكّ في كونه من أيّ القسمين، فهو مبني على جريان الاستصحاب عند الشكّ في القاطع هذا كلّه في الفعل.
في كونه قاطعا عمدا و سهوا، و اخرى لا يطول على ذلك الوجه و إنّما يوجب فوات الموالاة العرفية و المتابعة المعتبرة بين الأجزاء، الذي تقدّم سابقا أنّها من الشرائط فهذا إن وقع عمدا فهو موجب للبطلان، و إن وقع سهوا أو ما يلحق بالسهو من القهر و الإكراه فغير موجب للبطلان، لأنّ حديث «لا تعاد» يرفع شرطية الموالاة في هذا الحال كما هو الشأن في سائر الشرائط و الأجزاء، غير الأركان، و اخرى يكون السكوت غير موجب لا لهذا و لا لذلك فهو غير مبطل مطلقا.
1) الوسائل: ج 3 ص 227 باب 9 من أبواب القبلة، ح 1.
ثمّ إنّ ما ذكرنا من أنّ الفعل الكثير قد يكون ماحيا للصورة و قد لا يكون فإنّما هو فيما إذا لم يكن من سنخ أفعال الصلاة كالوثبة و الأكل و الشرب و غير ذلك، و أمّا إذا كان من سنخ أفعال الصلاة فهو غير موجب لمحو الصورة بلغ ما بلغ. نعم يوجب فوات الموالاة و التتابع بين الأجزاء إذا بلغ حدّ ذلك كما إذا قرأ دعاء أبي حمزة مثلا في أثناء الفاتحة و ما شابه ذلك من الأذكار التي توجب فوات الموالاة العرفية (1)و من جملة ذلك الصلاة الواقعة في أثناء صلاة فإنّها أيضا لا توجب محو الصورة، و إنّما توجب فوات الموالاة، فينبغي التفصيل بين صورة العمد و السهو.
و حيث انجرّ الكلام إلى ذلك فلا بأس بالإشارة إلى حكم الصلاة في أثناء صلاة من حيث الصحة و الفساد و التفصيل بين صورة العمد و السهو فنقول:
إنّ افتتاح صلاة في أثناء صلاة لا يخلو الحال فيه إمّا أن يكون ذلك عن عمد و إمّا أن يكون عن سهو و نسيان، و على كلّ تقدير إمّا أن تكون الصلاة الثانية المفتتحة مترتّبة على الصلاة الأولى كالظهر و العصر، أو غير مترتّبة كالحاضرة و الفائتة بناء على عدم الترتيب فيهما و كاليومية و الآيات، ثمّ ما كان عن عمد إمّا أن تكون الصلاة الثانية ملزما بها شرعا في الحال لمكان ضيق وقتها كالآيات إذا ضاق وقتها في أثناء الصلاة اليومية أو العكس، و إمّا أن لا يكون كذلك كما إذا كان في سعة من وقتها، فإن كان افتتاح صلاة في أثناء صلاة عن عمد و اختيار من دون أن يكون هناك ملزم شرعي بالنسبة إلى الصلاة الثانية في الحال، فلا ينبغي الإشكال في بطلان كلّ من الصلاة الاولى و الثانية، أمّا الأولى فلمكان فوات الموالاة بين أجزائها، و أمّا الثانية فلمكان النهي عنها من حيث كونها مفوّتة
1) بل يمكن منع كون الدعاء مفوّتا للموالاة مطلقا، و كذلك القرآن كما ربّما يشعر بذلك بعض الأخبار في تكراره عليه السّلام بعض آيات الفاتحة سبعين مرّة «منه».
للموالاة عن الاولى، و الظاهر أنّه لا يحتاج في فوات الموالاة فعل مقدار من الصلاة الثانية، بل يصدق فوات الموالاة عرفا بمجرّد الشروع في الثانية. فالأقوى أنّ بمجرّد الشروع في الثانية تبطل الاولى، لفوات شرطها من الموالاة و الثانية لحرمتها.
و إن كان الافتتاح عن سهو و نسيان و كانت الثانية مترتّبة على الاولى كالظهر و العصر فيما إذا شرع في العصر نسيانا في أثناء صلاة الظهر، فربّما قيل: بالبطلان أيضا لمكان زيادة ركن في الاولى من تكبيرة الإحرام و الركوع و السجود إذا لم يتذكر حتى أتى بالركوع و السجود الثانية، بل يكفي في البطلان مجرد التكبيرة لأنها من الأركان، و لكن الأقوى ان ذلك ليس من زيادة الركن لما تقدّم هنا و يأتي في محلّه إن شاء اللّٰه انّه يعتبر في صدق الزيادة القصد إليها، بأن يأتي بشيء في أثناء الصلاة بقصد أنّه من تلك الصلاة و أمّا مع عدم قصد ذلك فلا يصدق عليه الزيادة. و في المقام بعد ما كان التكبير بقصد أنّه من صلاة أخرى، فلا يصدق عليه أنّه زاد في الصلاة الاولى فلا يندرج المقام في عقد المستثنى من حديث «لا تعاد» بل إنّما يندرج في عقد المستثنى منه، حيث إنّه فات من الأولى الموالاة و هي ليست من الأركان، فلا موجب لبطلان الاولى، و كذا لا موجب لبطلان الثانية، إذ لم يفت منها إلّا الترتيب بين ما أتى منها من الأجزاء و بين ما سبق من أجزاء صلاة الاولى و شرطية الترتيب كشرطية الموالاة ليست من الأركان، فتشملها حديث «لا تعاد» فإلى آن التذكّر لم يحصل خلل لا في الصلاة الاولى و لا في الصلاة الثانية، و أمّا فيما بعد التذكّر فيقع الكلام حينئذ في أنّ شرطية الترتّب هل هو على نحو العام المجموعي بأن تكون مجموع أجزاء الصلاة الثانية من حيث المجموع مترتّبا على الصلاة الأولى، بحيث لو لم يقع الترتيب في جزء من الصلاة الثانية و لو في أول جزئها لكان ذلك موجبا لفوات الترتيب من أصله، لصدق عدم وقوع المجموع عقيب الأولى، فحينئذ يلزمه إتمام الثانية. ثمّ بعد ذلك إتمام الأولى لأنّ فوات الترتيب إنّما كان بالنسيان و فوات
الموالاة من الأولى أيضا كان بالنسيان فرفع اليد عمّا بيده و الإخلال بالموالاة بين أجزائها يكون بلا موجب، لأنّ العود إلى الاولى ثمّ بعد ذلك إتمام الثانية يكون موجبا لفوات الموالاة بين أجزاء الثانية بلا ملزم شرعي بعد عدم إمكان تدارك الترتيب، لأنّ المفروض أنّه كان على نحو العام المجموعي الذي فات بأول جزء من الثانية. فالأقوى بناء على هذا لزوم إتمام الثانية ثم بعد ذلك إتمام الأولى، هذا إذا قلنا إنّ شرطية الترتيب على نحو العام المجموعي، و إن قلنا إنّ شرطية الترتيب على نحو العام الأصولي بأن يكون كلّ جزء من صلاة العصر مترتّب على صلاة الظهر، فيلزمه حينئذ أنه متى تذكّر رجع إلى صلاة الظهر و أتمّها ثمّ بعد ذلك يتمّ صلاة العصر، لأنّه يتمكّن من إدراك الترتيب بين ما بقي من أجزاء صلاة العصر، غايته أنّه يفوت منه الموالاة بين أجزاء صلاة العصر و لا بأس به بعد ما كان ذلك مقتضى الجمع بين حديث «لا تعاد» المسقط لاعتبار الترتيب فيما فعل من أجزاء صلاة العصر، و بين ما دلّ على اعتبار الترتيب بين ما بقي من الأجزاء، بناء على كون اعتباره من باب العام الأصولي. و لازم ذلك هو أنّه لو شرع في العشاء نسيانا قبل المغرب و دخل في ركوع الركعة الرابعة، يلزمه متى تذكّر فعل صلاة المغرب، ثمّ فعل ما بقي من أجزاء صلاة العشاء لإدراك الترتيب بين ما بقي من أجزاء صلاة العشاء، غايته أنّه يفوت منه الموالاة بين أجزاء صلاة العشاء، و لا بأس به بعد ما كان ذلك مقتضى الجمع بين الأدلّة على حذو ما تقدّم من صلاة الظهر و العصر هذا. و لكنّ الظاهر أنّه لا يلتزمون بذلك في صلاة العشاء بل بين مفت بالبطلان نظرا إلى أنّه بعد التذكّر يلزم مخالفة الترتيب بين ما بقي من أجزاء صلاة العشاء عمدا و هو موجب للبطلان، و بين مفت بالصحّة و إتمام صلاة العشاء ثمّ فعل المغرب، نظرا إلى أنّه الأجزاء الواقعة حين النسيان على خلاف الترتيب كانت مندرجة تحت حديث «لا تعاد» و لازم شمول «لا تعاد» للأجزاء
السابقة على التذكّر إسقاط الترتيب بالنسبة إلى الأجزاء الباقية بعد التذكّر.
قلت: لا ملازمة في ذلك، لإمكان بقاء الترتيب في الأجزاء الباقية و سقوطه في الأجزاء السابقة، نعم لا بدّ من سقوط الموالاة بين أجزاء صلاة العشاء على ما تقدّم، هذا.
و يمكن أن يقال: إنّ الأمر يدور بين أحد أمرين إمّا من سقوط الترتيب بين الأجزاء الباقية من صلاة العشاء أو صلاة العصر بأنّ يتمّ الصلاة ثمّ يتمّ صلاة الظهر أو يشرع في صلاة المغرب، و بين سقوط الموالاة بالنسبة إلى أجزاء صلاة العصر أو العشاء. فيقع التزاحم بين هذين الأمرين و لا مرجّح فلا بدّ من القول بالتخيير. بل يمكن القول بالترجيح إتمام ما بيده، ثمّ الرجوع إلى الأولى، لأنّ رفع اليد عمّا بيده و تفويته للموالاة بين الأجزاء يكون بلا ملزم شرعي، إذ غايته التخيير بين أحد الأمرين و التخيير لا يكون ملزما شرعيّا. فإذا كان رفع اليد بلا ملزم شرعي كان اللازم عدم جواز رفع اليد و تفويته للموالاة و سيأتي مزيد بيان لذلك. و لكنّ هذا كلّه على كون اعتبار الترتيب على نحو العام الأصولي، و هو خلاف المختار بل المختار كما تقدّم في آخر المواقيت أنّ اعتبار الترتيب إنّما يكون على نحو العام المجموعي كما هو الظاهر من قوله عليه السّلام: «إلّا أنّ هذه قبل هذه» (1)حيث إنّ ظاهره أنّ مجموع الصلاة الذي هذه يكون إشارة إلى ذلك قبل مجموع تلك الصلاة، و اعتبار العام على نحو المجموعي و إن كان خلاف الظاهر و يحتاج إلى عناية و إلّا مقتضى ظاهر العام هو العام الأصولي، إلّا أنّ تلك العناية في المقام موجودة لمكان اسم الإشارة الظاهر في كونه إشارة إلى المجموع فبناء عليه لا إشكال في المسألة و أنّه يلزمه إتمام ما بيده لسقوط الترتيب من أصله بمجرّد الشروع في الثانية نسيانا في أثناء الأولى، أو بمجرّد الدخول في ركوع
1) الوسائل: ج 3 ص 92 باب 14 من أبواب المواقيت، ح 5.
الركعة الرابعة في صلاة العشاء، حيث يفوت محلّ العدول حينئذ بل لو لا أخبار العدول لكان اللازم هو إتمام ما بيده و لو لم يشرع بعد في الأولى إذا كان في الوقت المشترك، فتأمّل في المقام جيّدا. هذا كلّه إذا كانت الصلاة الثانية التي شرع فيها نسيانا في أثناء صلاة الأولى مترتّبة على الصلاة الاولى.
و أمّا إذا لم تكن مترتّبة كما إذا شرع في الفائتة في أثناء الحاضرة و بالعكس بناء على عدم الترتيب بينهما، أو شرع في الآيات في أثناء اليومية و بالعكس مع كون وقت كلّ منهما موسّعا، إذ لو كان وقت أحدهما مضيّقا، فسيأتي الكلام فيه فمقتضى ما ذكرنا صحّة كلّ من الاولى و الثانية لفوات الموالاة عن الاولى نسيانا، فيندرج تحت حديث «لا تعاد» ثمّ إن لم يتذكّر حتّى أتمّ الثانية فلا إشكال في المسألة و أنّه يعود إلى الأولى، فيتمّها و لا شيء عليه و إن تذكّر في الأثناء، ففي إتمام الثانية ثمّ العود إلى الأولى أو العود إلى الاولى و إتمامها ثمّ العود إلى الثانية و إتمامها، أو التخيير في ذلك وجوه.
أمّا وجه الأخير فحاصله: أنّ الموالاة بالنسبة إلى الصلاة الاولى و إن سقطت لمكان الشروع في الصلاة الثانية نسيانا، و لكن بعد التذكّر يدور الأمر بين أن يرجع إلى الأولى لإحراز ما يمكنه من الموالاة بين أجزائها، إذ سقوط الموالاة في الجملة لا يوجب سقوط القدر الباقي المتمكّن منها، و بين إتمام الثانية لإحراز الموالاة بين أجزائها. و بعبارة أخرى: حين التذكّر أمره يدور بين امتثال أحد الواجبين اللذين لا يتمكّن من الجمع بينهما امّا امتثال وجوب القدر الممكن من موالاة الاولى، و امّا امتثال وجوب الموالاة في الثانية. و لا بدّ من سقوط أحد الواجبين و حيث لا ترجيح فالتخيير.
و أمّا وجه الثاني: فلأنّ الأمر بإتمام الأولى كان سابقا بحسب الزمان فالترجيح لإتمام الاولى لسبق أمره.
و أمّا وجه الأول: فحاصله أنّه و إن كان المقام من باب التزاحم، إلّا أنّ رفع اليد عمّا بيده و الرجوع إلى الأول يكون بلا ملزم شرعي لأنّ في هذا الحال قد توجّه عليه الأمر بإتمام الثانية و حفظ موالاتها، و دعوى أنّ الأمر بإتمام الأولى كان سابقا في الزمان كما هو مبنى الوجه الثاني، فهو ممّا لا أثر له، بعد ما اجتمع الأمر بإتمام الثانية أيضا. فغاية ما يمكن أن يقال هو التخيير و لكنّ رفع اليد عمّا بيده من دون ملزم شرعي ممّا لا يجوز لأنّ التخيير لا يمكن أن يكون ملزما شرعيّا، فإذا لم يكن له ملزم شرعي و لم يصلح الأمر بإتمام الأولى لأن يكون تعجيزا مولويا عن إتمام الثانية، فيلزمه إتمام الثانية، لأنّ قدرته مصروفة لتحصيل الموالاة في أجزاء الثانية، فالإعراض عنها و رفع اليد عن صرف القدرة إليها بصرفها في تحصيل ما يمكن من الموالاة الاولى يكون نظير عدم صرف القدرة في القيام في الركعة الاولى، و صرفها في الركعة الثانية، الذي قلنا في محلّه: إنّ ذلك لا يجوز لأنّه متمكّن من القيام في الركعة الاولى، فلا يسوغ له الجلوس إلّا أنّه كان هناك ملزم شرعي، و المفروض أنّه لم يكن لأنّ الأمر بالقيام في الركعة الثانية ليس في مرتبة الأمر بالقيام في الركعة الأولى، فإذا لم يكن في مرتبته كان المتعيّن عليه صرف قدرته في القيام في الركعة الاولى، و ما نحن فيه من هذا القبيل إذ رفع اليد عمّا بيده، و صرف قدرته على تحصيل القدر الباقي من موالاة الأولى بلا تعجيز مولوي ممّا لا يجوز، و مجرّد الأمر به لا يوجب التعجيز إذا لم يتعيّن لأهمّية، أو غيرها.
و المفروض أنّه لا تعيين له، فلا يصلح للتعجيز فإذا يتعيّن عليه إتمام الثانية التي قدرته مصروفة إليها فعلا.
و حاصل الكلام: أنّ التخيير في أمثال المقام ممّا لا يمكن، لأنّ التخيير فرع التكافؤ المفقود في المقام، لمكان اشتغاله بالثانية التي لا يجوز تفويت موالاتها بلا ملزم شرعي، هذا حاصل ما أفاده شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- في المقام، و بنى على
هذا الوجه. و لكن بعد في النفس من ذلك شيء، أمّا أولا فلإمكان أن يقال إنّ الموالاة في الأولى سقطت، و ليس لها قدر باق حتّى يقال يجب تحصيله، لأنّ الموالاة أمر بسيط هي عبارة عن التتابع بين الأجزاء، و المفروض فوات التتابع بسبب الشروع في الصلاة الثانية، و ليس التتابع ذي مراتب حتّى يقال فات بعض مراتبه و بقي الآخر فيجب إحراز ما بقي بعد التذكّر، بل المرتبة المتأخّرة عن الموالاة هي محو الصورة التي فرضنا أنّ الصلاة في أثناء صلاة لا توجب محو الصورة، فإذا سقطت الموالاة في الاولى و لم يقم دليل على وجوب التتابع بين الأجزاء فورا ففورا، فلم يبق في المقام إلّا التتابع في أجزاء الثانية التي يمكن تحصيلها، فليس المقام من باب التزاحم، بل ليس هناك إلّا أمر واحد و هو الموالاة في الثانية، و أمّا ثانيا فلو سلّم أنّ اعتبار التتابع يكون فورا ففورا، فلا محيص من القول بالتخيير. و قياس المقام بالقدرة على القيام في الركعة الأولى أو الثانية، حيث يتعيّن عليه صرف قدرته في القيام في الركعة الأولى ممّا لم يظهر لنا وجهه، لأنّ في مسألة القيام إنّما وجب صرف قدرته في الركعة الأولى لمكان تقدّم زمان امتثال وجوب القيام فيها. و هذا بخلاف المقام حيث إنّ زمان امتثال كلّ من تحصيل الموالاة في الثانية و القدر الممكن من موالاة الأولى واحد لا تقدّم لأحدهما على الآخر، فتأمّل في المقام جيدا. هذا كله إذا شرع في الصلاة الثانية نسيانا.
، كما إذا تضيّق وقت الآيات في أثناء الصلاة و بالعكس، و لا ينبغي الإشكال في وجوب فعل ما تضيّق وقتها من دون استلزام ذلك بطلان ما بيده من الصلاة، و السرّ في ذلك هو اندراجه في حديث «لا تعاد». و توضيح ذلك هو أنّ مفاد «لا تعاد» أنّ كلّ ما استلزم وجوبه في حال الصلاة إعادة الصلاة بحيث كان الخطاب المتوجّه إليه في ذلك الحال الإعادة، فحديث «لا تعاد» يعمّه، و يدلّ على عدم وجوب
الإعادة إذا كان ذلك الشيء غير الأركان، و من هنا قلنا بعدم شمول «لا تعاد» للعامد و الجاهل مقصّرا كان أو قاصرا، إذ هو في ذلك الحال مخاطب بأصل الصلاة، لا بإعادة الصلاة لتمكّنه من فعل ما تركه عن عمد أو جهل، و المفروض أنّ الأحكام لا تختصّ بالملتفت العالم، فوجوب الجزء المتروك عن جهل لا يلازم خطاب إعادة الصلاة، فلا يعمّه حديث «لا تعاد» و هذا بخلاف ما إذا كان ترك الجزء عن نسيان، فإنّه لا يعقل إيجاب ذلك الجزء عليه في حال النسيان، فوجوب ذلك الجزء عليه مساوق للأمر بإعادة الصلاة، و حديث «لا تعاد» ينفي وجوب الإعادة، فتصحّ صلاته. فإذا كان مفاد «لا تعاد» ذلك، فلا فرق بين أن يكون ترك الجزء أو الشرط عن نسيان، أو كان لمزاحمته بما هو أهم و أولى بالرعاية من رعاية ذلك الجزء كما في مفروض الكلام، حيث إنّ رعاية الموالاة بين أجزاء الصلاة التي بيده يوجب فوات الواجب الشرعي المضيّق وقته، بحيث لا يتمكّن من فعله إذا توالى بين أجزاء الصلاة فلا بدّ من فعل الواجب المضيّق. و حينئذ إذا كانت الموالاة واجبة عليه و الحال هذه لكان يلزمه إعادة الصلاة، و حديث «لا تعاد» ترفع وجوبها.
فتحصّل أنّ عروض ما يكون واجبا مضيّقا عليه في حال الصلاة موجب لسقوط شرطية الموالاة بمقتضى حديث «لا تعاد» و يؤيّد ذلك ما ورد (1)من فعل صلاة الآيات في أثناء اليوميّة، ثمّ البناء عليها من دون حاجة إلى إعادتها، فإنّه يمكن أن يكون ذلك لمكان اقتضاء القاعدة له لا أنّه تعبّد محض. و من هنا نقل عن العلامة (2)- قدّس سرّه- التعدّي عن مورد الرواية إلى عكسه من فعل صلاة اليومية في أثناء صلاة الآيات إذا تضيّق وقت اليومية. و ربّما يقال إنّه من هذا القبيل ما إذا
تذكّر عدم فعل صلاة الاحتياط التي اقتضتها الصلاة السابقة، أو تذكّر عدم إتيانه بالأجزاء المنسية من الصلاة السابقة في أثناء الصلاة الأخرى، فيلزمه حينئذ فعل صلاة الاحتياط أو الجزء المنسي، ثمّ البناء على ما بيده من دون حاجة إلى إعادة الصلاة هذا.
و لكن يمكن أن يقال إنّ فعل صلاة الاحتياط أو الأجزاء المنسية، لمكان أنّها جزء من الصلاة السابقة كما هو أقوى الوجهين في الأجزاء المنسية، و أوجه الوجهين في صلاة الاحتياط، فيلزمه فعلها في أثناء الصلاة لمكان أنّ ما بيده تكون مرتّبة على صلاة الاحتياط و الأجزاء المنسية، لكونهما جزء من الصلاة السابقة و الترتيب في الكلّ يقتضي الترتيب في الجزء أيضا، غايته أنّه إلى الآن كان الترتيب ساقطا لمكان النسيان، و أمّا بعد التذكّر فيلزمه تحصيل الترتيب بالمقدار الممكن. فليس صلاة الاحتياط مندرجا فيما ذكرنا من القاعدة و هي سقوط الموالاة أو شرط آخر عند توجّه تكليف مضيّق عليه في أثناء الصلاة، هذا. و لكن إذا كان فعل صلاة الاحتياط أو الأجزاء المنسيّة لمكان تحصيل الترتيب، لكان اللازم بناء على ما اخترناه من أنّ اعتبار الترتيب على نحو العام المجموعي لا الأصولي، هو تأخير صلاة الاحتياط و الأجزاء المنسيّة إلى ما بعد الصلاة، لسقوط الترتيب بالكلّية بين ما بيده و بين صلاة الاحتياط أو الجزء المنسي بمجرّد الشروع فيما بيده نسيانا. نعم بناء على اعتبار الترتيب على نحو العام الأصولي اتّجه ما ذكر من فعل صلاة الاحتياط و الجزء المنسي في أثناء ما بيده، ثمّ البناء على ما بيده.
ثمّ إنّه هل يلحق بالواجب الموقّت المضيّق كلّ واجب فوري في وجوب فعله في أثناء الصلاة و سقوط شرطية الموالاة بين أجزائها أو لا يلحق؟ فلو تذكّر أنّ عليه من الصلاة السابقة سجدتي السهو في أثناء الصلاة فهل يلزمه فعلها في الأثناء من دون اقتضاء ذلك بطلان ما بيده أو لا؟ مقتضى القاعدة أنه لا يلزمه ذلك بل يلزمه تأخيرها إلى ما بعد الفراغ عن الصلاة لأنّ احتمال الجزئية في سجدتي السهو
بالنسبة إلى الصلاة التي وقع موجبها فيها ممّا لا يتطرّق، كما كان في صلاة الاحتياط و الأجزاء المنسية. و مجرّد وجوبها الفوري لا يقتضي سقوط الموالاة بين أجزاء الصلاة لأنّها واجبة فورا ففورا، فلا يلزم من تأخيرها فواتها بالمرّة كما لزم من رعاية الموالاة فيما إذا كان الواجب العارض في أثناء الصلاة موقّتا مضيّقا فوات الواجب بالمرّة فحينئذ رفع اليد عمّا بيده و صرف قدرته إلى سجدتي السهو يكون بلا ملزم شرعي و بلا تعجيز مولوي على ما تقدّم بيانه، هذا. و لكنّ الأحوط فعل سجدتي السهو متى تذكّر و البناء على ما بيده بإتمامها ثمّ إعادتها، فتأمّل جيّدا.
هذا تمام الكلام فيما يقطع الصلاة عمدا و سهوا. و قد عرفت أنّه ثلاثة الحدث، و الالتفات، و السكوت الطويل. أو الفعل الكثير الماحي للصورة.
، أمّا الشكّ في فوات الموالاة فتارة يكون لأجل الشبهة المفهومية، كما إذا شكّ في أنّ هذا المقدار من السكوت مفوّت للموالاة عرفا أو غير مفوّت لأجل عدم اتّضاح المفهوم و تردده بين الأقل و الأكثر كما هو الشأن في غالب المفاهيم العرفية. و اخرى يكون لأجل الشبهة المصداقية، كما إذا علم أنّ مقدارا من السكوت مفوّت للموالاة قطعا، و لكن شكّ في مقدار سكوته و أنّه كان نصف ساعة مثلا، حتّى يكون موجبا لفوات الموالاة أو ربع ساعة حتّى لا يكون موجبا لذلك. فإن كان الشكّ لأجل الشبهة المفهومية فلا إشكال في الرجوع إلى البراءة. لأنّ مرجع الشكّ إلى الشكّ في تقيّد الصلاة بالمشكوك، و أصالة البراءة تنفي التقيّد. و إن كان الشكّ من جهة الشبهة المصداقية فالظاهر أنّ المرجع فيه هو الاشتغال، للشكّ في حصول شرطية الموالاة، كما هو الشأن في الشكّ في وجود كلّ شرط. و لا مجال هنا لاستصحاب الموالاة لأنّ الموالاة عبارة عن التتابع بين الجزءين، و المفروض الشكّ في حدوثها، لاحتمال أن يكون قد سكت نصف ساعة، و أصالة عدم بلوغ السكوت نصف
ساعة لا تنفع، لأنّ الأثر مترتّب على الأمر الوجودي و هي الموالاة، لا الأمر العدمي فأصالة عدم حدوث ما يوجب تفويت الموالاة لا يثبت الموالاة، لأنّه يكون من إثبات أحد الضدّين بنفي الآخر، فتأمّل جيّدا.
و أمّا الشكّ في فوات الصورة، فإن قلنا بمقالة الشيخ- قدّس سرّه- من تعلّق الطلب بالصورة الصلاتية، فلا إشكال في جريان استصحاب بقاء تلك الصورة عند الشكّ في حدوث ما يسقطها، و إن لم نقل بمقالة الشيخ كما تقدّم فاستصحاب بقاء الصورة ممّا لا أثر له، لأنّها ليست متعلّق التكليف و لا موضوع لحكم شرعي، بل الذي تعلّق التكليف به هو عدم تخلّل تلك القواطع، فيقع الكلام حينئذ في أنّ عدم تخلّل القاطع على وجه السلب الكلّي الذي يكون مجرى للاستصحاب يكفي في الصحّة، و إن لم يثبت حال ما شكّ في قاطعيّته بل الشكّ في قاطعيّته بعد باق على حاله، نظير استصحاب الطهارة. أو عدم تحقّق الحدث عند الشكّ في حدثيّة المذي و الوذي. أو أنّ ذلك لا يكفي بل لا بدّ من إزالة الشكّ عمّا شكّ في قاطعيّته. و الاستصحاب على النحو السلب الكلّي لا يزيل الشكّ هذا. و الذي يتخيّل في بادي النظر هو كفاية الاستصحاب على وجه السلب الكلّي، و لكنّ المقام بعد يحتاج إلى مزيد تأمّل.
سواء كانا موضوعين لمعنى أو كانا مهملين.
و الظاهر أنّه ممّا انعقد الإجماع على أنّ التكلّم بحرفين فما زاد مبطل للصلاة إذا كان عن عمد، إنّما الإشكال في وجه التقييد بحرفين، مع أنّ الموضوع في الأدلّة هو مطلق التكلّم الصادق لغة على الحرف الواحد، لأنّ الكلام في اللغة موضوع لمطلق
التكلّم، فلا موجب لتقييده بحرفين. اللّٰهم إلّا أنّ يوجّه بالانصراف، و أنّ الكلام منصرف إلى الصوت المشتمل على الحرفين فما زاد، و صدق الكلام لغة على الحرف الواحد لا ينافي عدم الصدق العرفي، لمكان الانصراف إلى غيره، هذا. مضافا إلى أنّ المسألة غنيّة عن إقامة البرهان عليها، لانعقاد الإجماع ظاهرا على عدم مبطليّة التكلّم بحرف واحد، و لكنّ هذا فيما إذا كان الحرف الواحد مهملا غير مفيد للمعنى. و أمّا الحرف الواحد المفيد كفعل الأمر من الملفوف ك «ق» و «ع»، فلا ينبغي الإشكال في كونه مبطلا لأنّه كلام لغة و عرفا مشتمل على موضوع و محمول و نسبة، فلا يمكن سلب الكلام عنه، و خلوّه عن هاء السكت لا يوجب خروجه عن الكلام، غايته أنّه يكون كلاما ملحونا لاعتبار إلحاق هاء السكت في آخره لئلا يلزم الوقف بالحركة، إلّا أنّ هاء السكت لا دخل لها في المعنى، و إنّما المفيد للمعنى هو نفس الحرف، فالتكلّم بفعل الأمر من الملفوف مبطل، و إن كان حرفا واحدا نعم يعتبر القصد إلى كونه كذلك لأنّ المائز بين كون «ق» حرفا واحدا مهملا بلا معنى أو كونه له معنى و فعل أمر من الملفوف إنّما يكون بالقصد بعد الاشتراك بالصورة.
فتحصّل أنّ التكلّم بحرفين مطلقا كانا مفيدين للمعنى أو لم يكونا أو التكلّم بحرف واحد مفيد للمعنى مبطل للصلاة إن كان عن عمد. و كذلك إذا تولّد من الإشباع حرف، فإنّ الحرف المتولّد من الإشباع مع ما قبله يكون مبطلا لصدق أنّه تكلّم بحرفين. نعم مدّ الحرف الواحد و إن طال غير موجب للبطلان لأنّه لا يخرجه عن كونه حرفا واحدا. و المدّ و الإطالة كيفية في الصوت لا أنّها حروف متوالية كما هو كذلك في الإشباع، فتأمّل، فإنّ كثيرا ما يعبّر عن الإشباع بالمدّ، فأشكل على من عبّر بذلك بأنّ المدّ لا يوجب تولّد الحرف منه، فكيف يقال بالبطلان بمدّ الحرف الواحد، و لكنّ المراد من المد هو الإشباع، و لا إشكال في تولّد
الحرف من الإشباع.
، لأنّه لم يكن من مقولة الكلام، بل هو صوت غير مشتمل على الحروف المارّة بمخارجها. نعم حكاية التنحنح بلفظه موجب للبطلان لأنّه من مقولة الكلام، و كذا حكاية الأنين، بل نفس الأنين إذا كان على وجه يشتمل على ألف و هاء، بحيث يعدّ من التكلّم بحرفين. نعم لا بأس بالأنين الخالي من الحروف المارّة على مخارجها.
فإن كان لأمر دنيوي فلا ينبغي الإشكال في عدم جوازه و قطعه للصلاة، و إن كان لخوف من اللّٰه بتذكّر ذنوبه و ما أعدّه اللّٰه للمذنبين من دركات النار، فإن كان ذلك في ضمن دعاء، كبعض فقرأت دعاء أبي حمزة المشتمل على لفظ آه، فلا إشكال في جوازه و عدم اندراجه في الكلام المبطل. و إن كان مجرّدا عن الدعاء بل مجرّد التأوّه لكن كان ذلك لخوف من اللّٰه فلا يبعد القول بجوازه أيضا، امّا لمكان دعوى اندراجه في الدعاء مناطا و إن لم يكن منه موضوعا، أو لمكان دعوى انصراف الكلام المبطل إلى غير ذلك، فتأمّل جيّدا.
كما يدلّ على ذلك قوله عليه السّلام: إنّما صلاتنا هذه دعاء و ذكر و قرآن ليس فيها شيء من كلام الآدميّين (1)إلّا أنّ الخارج إنّما هو القرآن و الدعاء و الذكر الجائز المحلّل، و أمّا القرآن و الدعاء المحرّم، فهو و إن لم يندرج في كلام الآدميّين، إلّا أنّه يكفي في قاطعيّته عمومات قاطعية التكلّم التي لم تقيّد بخصوص الآدميّين. و من المعلوم أنّ الدعاء و القرآن المحرّم مندرج في التكلّم، مع عدم شمول ما دلّ على جواز القرآن و الدعاء للقرآن و الدعاء المحرّم، لانصرافه إلى المحلّل كما لا يخفى وجهه.
1) عوالي اللئالي: ج 1 ص 196 ح 4 قريب منه.
ثمّ إنّ مخاطبة النّبي صلّى اللّٰه عليه و آله و الأولياء ملحق بمخاطبة اللّٰه تعالى من حيث إنّهم وسائل النعم، فلا بأس بمخاطبة الأئمّة عليهم السّلام في أثناء الصلاة و لا يخرج ذلك عن كونه دعاء بل في بعض الروايات ما يدلّ على ذلك كما ورد:
أنّه لا بأس بذكر اللّٰه و النبي صلّى اللّٰه عليه و آله في الصلاة (1)على ما رواه في الوسائل. ففي مثل قول «يا رسول اللّٰه» و أمثال ذلك، بل في مثل السلام عليه و على الأئمّة لا بأس به، و لا يندرج في كلام الآدميّين لانصرافه إلى غير ذلك. و أمّا مخاطبة غير الأئمّة كقولك «رحمك اللّٰه يا زيد» و ما شابه ذلك فجوازه لا يخلو عن إشكال لقوّة اندراجه حينئذ في كلام الآدميّين و إن اشتمل على الدعاء، إلّا أنّ المخاطبة ربّما تلحقه بكلام الآدميين، بخلاف ما إذا لم يشتمل على الخطاب كقولك «رحم اللّٰه زيدا» فإنّه متمحّض في الدعائية. و منه يظهر وجه الإشكال في تسميته العاطس فالأحوط ترك ما كان مشتملا على المخاطبة لغير اللّٰه و الأئمّة عليهم السّلام. ثمّ إنّ شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- قد- تعرّض لأحكام ردّ السلام في الصلاة في هذا المقام فلا بدّ لنا من أنّ نقتفي أثره فنقول: إنّه لا إشكال في كراهة السلام على المصلّي كما يظهر من بعض الأخبار (2)إلّا أنّه لو سلّم أحد على المصلّي خاصّة أو على جماعة منهم المصلّي يجب على المصلّي ردّ التحية عينا في الأول و كفاية في الثاني. و ذلك ممّا لا إشكال و لا خلاف فيه، إنّما الإشكال في كيفية الردّ، و أنّه هل يعتبر المماثلة في الجواب، أو أنّه لا يعتبر بل يجوز بكلّ صيغة، أو أنّه يعتبر صيغة خاصّة؟ و ينبغي أولا ذكر بعض أخبار الباب.
فمنها ما رواه محمّد بن مسلم قال: دخلت على أبي جعفر عليه السّلام و هو في الصلاة فقلت: السلام عليك فقال: السلام عليك فقلت: كيف أصبحت
فسكت فلمّا انصرف قلت: أ يردّ السلام و هو في الصلاة قال عليه السّلام: نعم مثل ما قيل له (1).
و منها: صحيح منصور بن حازم عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال: إذا سلّم عليك الرجل و أنت في الصلاة تردّ عليه خفيّا كما قال (2).
و منها: رواية سماعة عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال: سألته عن الرجل يسلّم عليه و هو في الصلاة قال: يردّ سلام عليكم و لا يقل و عليكم السلام، فإنّ رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله كان قائما يصلّي، فمرّ به عمّار بن ياسر، فسلّم عليه عمّار فردّ عليه هكذا (3).
و منها رواية محمّد بن مسلم أنّه سأل أبا جعفر عن الرجل يسلّم على القوم في الصلاة، فقال: إذا سلّم عليك مسلم و أنت في الصلاة فسلّم عليه، تقول: السلام عليك و أشر بإصبعك (4). و منها غير ذلك ممّا لا تخفى على المراجع.
و لا يخفى أنّ هذه الأخبار بظاهرها متعارضة، فإنّ مقتضى إطلاق رواية المثلية هو وجوب المماثلة مطلقا بأيّ صيغة كانت التحية، فلو قال المسلّم: سلام عليك يجب الجواب ب «سلام عليك» و لو قال: «السلام عليك» بالألف و اللام يجب الجواب كذلك و كذا لو قال: «سلام عليكم»، أو «السلام عليكم» يجب الجواب بمثل ما قال. و مقتضى رواية سماعة هو تعيّن الجواب ب «سلام عليكم» مطلقا بأيّ صيغة كانت التحية. و مقتضى رواية محمّد بن مسلم تعيّن السلام عليك بالألف و اللام مع إفراد ضمير المخاطب، سواء كانت التحية بذلك أو
بغيرها، هذا. و لكن لا يخفى أقوائية ظهور ما دلّ على اعتبار المماثلة مطلقا، لإمكان حمل ما عداها على ما إذا كانت التحية بذلك خصوصا في رواية سماعة، حيث إنّ الغالب في التحية و ما تعارف عليه الناس هو قول «سلام عليكم» فلذا قال عليه السّلام: «تردّ سلام عليكم على حسب ما قال». لمكان التعارف.
و بالجملة: لا ينبغي الإشكال في أقوائية ظهور أخبار اعتبار المماثلة، هذا إذا كان السلام بأحد الصيغ الأربع و هي «سلام عليكم» و «السلام عليكم» و «سلام عليك» و «السلام عليك».
و أمّا إذا كان السلام بغير هذه الصيغ كقوله «سلام» بلا ضمّ شيء معه، أو «عليكم السّلام» ففي وجوب الردّ إشكال خصوصا في مثل «عليكم السّلام» الذي لم يتعارف التحية بذلك، بل إنّما يقال في مقام ردّ التحية، نعم لا يبعد أن يكون «سلام» من صيغ التحية، كما ربّما يدلّ على ذلك قوله تعالى «فَقٰالُوا سَلٰاماً قٰالَ سَلٰامٌ» الآية (1). فلا ينبغي ترك الاحتياط في الردّ بأحد الصيغ القرآنية بقصد القرآنية. و كذا لو ألحن في التحية فإنّ اللحن في التحية مادّة و إعرابا لا يوجب سلب اسم التحية عنها، خصوصا بعض أقسام الملحون، فيندرج في إطلاق قوله تعالى «وَ إِذٰا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ» الآية (2)فيجب الردّ. و لكن لا يلزم المماثلة لها في اللحن بل لا بدّ في الردّ أن يكون صحيحا. و الأحوط الردّ بأحد الصيغ القرآنية بقصد القرآنية، و قصد القرآنية لا يوجب الخروج عن كونه ردا للتحية، إذ لا يعتبر في ردّ التحية القصد إلى كونها تحية.
و لو كان المسلّم صبيّا مميّزا، ففي وجوب الرد إشكال، و ربّما يبنى على شرعية عبادات الصبي و تمرينيّتها. و لكنّ الظاهر عدم الابتناء على ذلك، بل العبرة في
صدق التحية على تحية الصبي لكي يندرج في إطلاق قوله تعالى «وَ إِذٰا حُيِّيتُمْ» الآية (1). و لا يبعد صدق ذلك و لكنّ الأحوط الجواب بأحد الصيغ القرآنية.
، إذا كان مقصودا بالتحية مستقلا أو في ضمن جماعة، و لم يسقط عنه بقيام الغير به. و السرّ في ذلك واضح.
، بحيث لا يقع فصل بين التحية و الردّ بما يخرجه عن كونه ردّا، خلافا لبعض الأعلام حيث قال: بلزوم الردّ و إن وقع في البين فصل طويل، بل قال: بلزوم السفر لردّ التحية مع توقّف الردّ عليه، كما لو سافر المحيّي قبل الردّ أو سافر هو، فإنّه يلزمه الرجوع عن سفره لردّ التحية و لكن لا يخفى ضعفه، إذ الواجب هو ردّ التحيّة بحيث يرتبط الردّ بالتحية، فلا يجب الردّ مع الفصل الطويل المجرد عن ذلك. نعم لو شكّ في بقاء مجال الردّ و عدمه، كان مقتضى القاعدة وجوب الردّ لرجوع الشكّ فيه إلى الشكّ في المسقط كما لا يخفى.
كان الواجب عليه ردّ التحيّة، لرجوع الشكّ فيه إلى الشكّ في المسقط.
، كما إذا كانت بصيغ السلام، أو كانت لا على هذا الوجه، كما في سائر صيغ التحية، مثل «صبّحكم اللّٰه بالخير» و ما شابه ذلك، فمقتضى البراءة عدم وجوب الردّ، فإذا لم يجب الردّ لا يجوز في الصلاة، لأنّه كلام آدمي، و لم يعلم اندراجه في المخصّص من ردّ التحيّة. و توهّم أنّ الشبهة في المقام تكون مصداقية لاحتمال أن يكون في الواقع من أفراد ردّ التحيّة، فلا يجوز التمسّك بعمومات قاطعية التكلّم بعد خروج ردّ
1) النساء: الآية 86.
التحية عنها، يدفعه أنّ خروج ردّ التحية إنّما هو لمكان أهمّية ردّ التحية في نظر الشارع، لمكان عدم هتك المؤمن، فإذا فرض أنّه لم يجب الردّ و لو ظاهرا لمكان أصالة البراءة، فلا مانع حينئذ من التمسّك بعمومات قاطعية مطلق التكلّم.
و بعبارة أخرى: مناسبة الحكم و الموضوع في المقام يقتضي أن يكون الخارج عن العمومات هو ما إذا تنجّز التكليف بوجوب الردّ، فتأمّل في المقام.
فسبق الصبي بردّ التحية ففي السقوط عن الباقين إشكال. و ربّما تبنى المسألة على شرعيّة عبادة الصبي و تمرينيتها فإن قلنا: بالشرعية يسقط الباقين لا محالة و هذا البحث سيّال في جميع الواجبات الكفائية عند فعل الصبي لها. و قد اختار شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- عدم السقوط مطلقا، أمّا بناء على التمرينية فواضح، و أمّا بناء على الشرعية، فلأنّ السقوط يتوقّف على أن يكون فعل الصبي واجدا لتمام الملاك، بحيث يكون فعله لا يقصر عن فعل البالغين من حيث الملاك، و لا طريق لنا إلى إثبات ذلك، إذ أدلّة شرعيّة عباداته لا تفي بذلك، و قد تقدّم شطر من الكلام في ذلك في مبحث المواقيت فراجع، و المسألة محلّ إشكال تحتاج إلى زيادة تأمّل.
ثمّ إنّه بقي في المقام بعض الفروع المتعلّقة بالتحية و ردّها بالنسبة إلى المصلّي و غيره قد تعرّض لها شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- في المقام، و نحن قد طويناها لمكان وضوحها.
و من جملة القواطع التكفير، و لا ينبغي الإشكال في قاطعيّته للأخبار (1)الناهية المستفاد منها المانعية كما هو الأصل في النواهي المتعلّقة بباب المركّبات.
1) الوسائل: ج 4 ص 1264 باب 15 من أبواب قواطع الصلاة.
و محلّ الكلام إنّما هو في الخلل الواقع في الأجزاء الداخلية للصلاة، دون الأجزاء الخارجية من الشرائط و الموانع، إذ الخلل الواقع في كلّ منها قد تقدّم في بابه، فلا موجب لإعادته. فالكلام في المقام مقصور بالخلل الواقع في الأجزاء. ثمّ إنّ الخلل إمّا مقطوع الوقوع في الصلاة، و إمّا مشكوك الوقوع، فيقع البحث في مقامين:
، و إمّا أن يكون عن جهل به قاصرا أو مقصّرا، و إمّا أن يكون عن سهو و نسيان.
أمّا الخلل العمدي فلا كلام في بطلان الصلاة به، و لا إشكال فيه إذ لو لا البطلان به يلزم خروج الجزء عن كونه جزء و هذا خلف فبطلان الصلاة بالخلل العمدي من توابع جعل الجزئية.
و أمّا الخلل الواقع عن جهل بالحكم، فكذلك. و إنّما قيّدنا الجهل بكونه بالحكم. لأنّ الجهل بالموضوع مع تبيّن الحكم بالنسبة إلى نفس متعلّق التكليف
ممّا لا يمكن، و إن أمكن بالنسبة إلى الشرائط و الموانع كالجهل بكون الشيء ممّا يؤكل أو كونه حريرا و غير ذلك من موارد الجهل بموضوعات الشروط و الموانع.
و هذا بخلاف الجهل بنفس المتعلّق فإنّه غير معقول إذ بعد العلم بوجوب الفاتحة السقط من نسخة الأصل و تبيّن مفهومها لا يمكن الجهل بها. فالضابط الكلّي هو أنّ الجهل إمّا أن يتعلّق بالحكم الشرعي، و إمّا أن يتعلّق بموضوع التكليف فيما إذا كان للتكليف تعلّق بموضوع خارجي، و فيما عدا ذلك لا يمكن الجهل إلّا إذا رجع الجهل إلى الجهل في المحصّل، لا في نفس متعلّق التكليف، كما تقدّم الكلام في ذلك عند البحث عن اللباس المشكوك، فراجع. و على كلّ حال الجاهل بالحكم يكون حكمه حكم العامد، إلّا في مواضع الجهر و الإخفات و القصر و الإتمام، على ما تقدّم تفصيل الكلام في ذلك في مبحث القراءة.
و السرّ في ذلك هو أنّ الأحكام يشترك فيها العالم و الجاهل، حسب ما قام عليه الإجماع، و نطقت به الأدلّة، من غير فرق في ذلك بين الجاهل القاصر و المقصّر. و إن كان القاصر معذورا لا عقاب عليه، إلّا أنّه ليس الكلام في المقام في العقاب، بل الكلام في الصحّة و البطلان.
و بالجملة: لا إشكال في أنّ الأحكام بنتيجة الإطلاق تعمّ العالم و الجاهل إلّا في الموضعين المتقدّمين حيث إنّها بنتيجة التقييد تختصّ بالعالم، كلّ ذلك لقيام الدليل على ذلك، إذ نفس أدلّة جعل الأحكام لا يمكن أن تتكفّل لبيان ذلك، فإنّ العلم و الجهل من الانقسامات اللاحقة للأحكام بعد [جعلها]، و الإطلاق و التقييد اللحاظي إنّما يتصوّر في الانقسامات السابقة دون الانقسامات اللاحقة، للزوم الدور كما بيّناه في محلّه. إلّا أنّه مع ذلك الإهمال الواقعي لا يمكن، إذ المصلحة التي اقتضت جعل الحكم على طبقها، إمّا أن تكون محفوظة في كلا حالتي العلم و الجهل، و إمّا أن تكون مقصورة بصورة العلم. فإن كانت على الوجه
الأول فلا محيص من نتيجة الإطلاق، و إن كانت على الوجه الثاني فلا محيص من نتيجة التقييد. و من المعلوم أنّ استفادة كون المصلحة على هذا الوجه، أو ذلك الوجه، إنّما يكون بدليل خارج، و حيث قام الدليل على صحّة صلاة الجاهل بالجهر و الإخفات، و الإتمام في مواضع القصر. فاستفدنا من ذلك اختصاص الحكم بالعالم على ما فيه من الكلام الطويل كما بيّناه في الأصول. و أمّا فيما عدا ذلك، فحيث لم يقم دليل على اختصاصها بالعالم، إلّا ما ربّما يتوهّم من شمول حديث «لا تعاد» (1)للجاهل، و سيأتي فساده، بل قام الدليل من الإجماع و الأدلّة على الاشتراك، فلا بدّ من نتيجة الإطلاق و ثبوت الحكم بالنسبة إلى الجاهل فلا بدّ من أن يكون حكم الجاهل حكم العامد في بطلان عباداته عند وقوع الخلل فيها.
، و ما يلحق به من النسيان و الخطأ، و ينبغي أولا ذكر القواعد التي تسالم عليها الفقهاء في الخلل الواقع في باب الصلاة، و ما يصلح أن يكون مستندا لها، فنقول قبل ذلك:
إنّ الخلل الواقع إمّا أن يكون في أجزاء الصلاة، و إمّا أن يكون في شرائط الأجزاء كالجهر و الإخفات، بناء على أن يكونا شرطا للقراءة لا شرطا للصلاة في حال القراءة، و إمّا أن يكون في شرائط الصلاة المعتبرة في حال الأجزاء، كالمثال المتقدّم بناء على الاحتمال الآخر.
ثمّ إنّ الأجزاء إمّا أن تكون أجزاء ركنية، و إمّا أن تكون أجزاء غير ركنية.
فهذه جملة الأقسام المتصوّرة في الخلل في الصلاة. و بعد هذا نقول:
إنّه قد تسالموا على أنّ الخلل إن كان واقعا في الاجزاء الركنيّة فهو موجب للبطلان و إعادتها، و إن كان واقعا في الأجزاء الغير الركنية فهو غير موجب
1) الوسائل: ج 3 ص 227 باب 9 من أبواب القبلة، ح 1.
للبطلان و يجب المضيّ عليها، و لكن ليس مطلق ترك الركن في محلّه المضروب له شرعا موجبا للبطلان، بل تركه مطلقا حتّى من محلّه السهوي موجب للبطلان، كما أنّه ليس مطلق ترك الجزء الغير الركني من محلّه المضروب له موجبا لوجوب المضيّ، و عدم الالتفات إلى ذلك الجزء المنسي وقوعه في محلّه، بل العبرة في ذلك إنّما هو محلّه السهوي لا محلّه العمدي.
و تفصيل ذلك هو أنّ لكلّ جزء من أجزاء الصلاة محلّ عمدي و محلّ سهوي و المراد من المحلّ العمدي هو ما إذا أوجب تركه في ذلك المحلّ عمدا بطلان الصلاة، و ذلك عبارة عن المحلّ الذي أعدّ له شرعا بحسب تأليف أجزاء الصلاة بوضعها الأوّلي، ككون التكبيرة قبل الحمد، و الحمد قبل السورة، و السورة قبل الركوع، و الركوع قبل السجود، و هكذا. فلو أخلّ بأحد هذه الأجزاء في محلّها عمدا فقد بطلت صلاته، كما إذا قدّم السورة على الحمد و السجود على الركوع، و هكذا.
و أمّا المحلّ السهوي فتختلف حال الأجزاء في ذلك.
و بيان ذلك هو أنّه لو كان المتروك ركنا فمحلّه السهوي يبقى إلى الدخول في الركن الآخر، فإذا دخل في الركن الآخر فقد بطلت صلاته في غير الركعة الأخيرة، و أمّا في الركعة الأخيرة فسيأتي الكلام فيها.
و أمّا لو كان المتروك جزء غير ركني كالحمد و السورة، فكذلك محلّه باق إلى الدخول في الركن، فإذا دخل في الركن مضى في صلاته، و ليس عليه الإعادة.
و لو كان المتروك شرطا للجزء لا للصلاة في حال الجزء، فحكمه حكم ترك الجزء في أنّ محلّه السهوي باق إلى الدخول في الركن، فإذا دخل في الركن مضى في صلاته.
و أمّا لو كان المتروك شرطا للصلاة في حال الجزء، فبمجرّد الخروج عن ذلك الجزء يخرج محلّه، و لا يتوقّف على الدخول في الركن. و كذا لو كان المتروك شرطا للركن، فإنّ محلّه يخرج بمجرّد الخروج عن الركن، و لا يتوقّف على الدخول
في الركن الآخر.
و حاصل الكلام: هو أنّه يتّحد حكم ما كان شرطا للصلاة في حال الجزء الغير الركني، و ما كان شرطا في حال الجزء الركني في فوات محلّه، بمجرّد الخروج عن ذلك الجزء الركني و الغير الركني، هذا كلّه في غير الركعة الأخيرة.
و أمّا في الركعة الأخيرة فمجمل القول فيها: هو أنّه تارة يكون المنسي نفس السلام، و اخرى يكون المنسي غير السلام من التشهّد و السجدة الواحدة أو السجدتين. أمّا إذا كان المنسي غير السلام فمحلّه السهوي يبقى إلى السلام، و بمجرّد السلام يخرج محلّه. فلو كان المنسي السجدتين معا فقد بطلت صلاته و عليه الإعادة. و إن كان المنسي هو السجدة الواحدة أو التشهّد فقد صحّت صلاته، و ليس عليه الإعادة. هذا هو المختار و قيل إنّ محلّها يبقى إلى أن يأتي بما ينافي الصلاة عمدا و سهوا، فمع عدم المنافي يرجع إلى فعل السجدتين إن كانا هما المنسيّين، أو إلى السجدة و التشهّد، و أمّا إذا أتى بالمنافي فلو كان المنسي السجدتين بطلت صلاته، و إلّا صحّت. و سيأتي ضعف هذا القول. هذا إذا كان المنسي غير السلام، و أمّا إذا كان المنسي نفس السلام، فمحلّه يبقى إلى فعل ما ينافي الصلاة عمدا و سهوا كالحدث، فإذا فعل ما ينافي ذلك بطلت صلاته، و عليه الإعادة، و إذا فعل ما ينافيها سهوا فقط كالتكلّم عاد إلى التسليم، و صحّت صلاته. و قيل: صحّت صلاته و كان ذلك من نسيان التسليم، و هو جزء غير ركني نسيانه غير موجب للبطلان، كسائر الأجزاء الغير الركنية و سيأتي ضعف هذا القول أيضا. هذه جملة القواعد المذكورة في باب الخلل. و الظاهر أنّ القواعد المذكورة ممّا تسالم عليه الإعلام إلّا في الركعة الأخيرة، فإنّ فيها خلافا على ما عرفت، و إن كان بناء المعظم هو ما اخترناه فيها. و عمدة الدليل على هذه القواعد حديث «لا تعاد»، و إن كان بالنسبة إلى بعضها قام دليل خاص أيضا،
إلّا أنّ الذي يكون وافيا بجميع القواعد هو حديث «لا تعاد». فالمهمّ في المقام هو البحث عن مفاد «لا تعاد» و مقدار شموله. فنقول: هذا الحديث الشريف يتحمّل معنيين:
الأول: هو أن يكون مفاد «لا تعاد الصلاة إلّا من خمس» (1)هو أنّه يمضي في صلاته، إذا ترك أيّ جزء من أجزائها، ما عدا الأجزاء الركنية، و ليس عليه شيء و لا يعيدها، سواء تركه عن عمد أو جهل أو نسيان. و معلوم أنّه بناء على هذا لا بدّ أن يكون أجزاء الصلاة من باب الواجب في واجب، فيكون الواجب الارتباطي هو خصوص الأركان، و ما عداها يكون واجبا في واجب. إذ لا يعقل كونها أجزاء مع أنّ تركها العمدي لا يوجب شيئا من بطلان و إعادة، فلا محيص بناء على هذا المعنى من أن تكون الأجزاء من قبيل الواجب في الواجب. و عليه يحصل التعارض بين حديث «لا تعاد» و بين ما دلّ على اعتبار الأجزاء على نحو الجزئية ك «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» (2)، و غير ذلك من أدلّة الأجزاء و الشرائط.
و يخرج الحديث عن كونه حاكما على تلك الأدلّة بل يكون معارضا لها تعارضا تباينيا، و هذا- كما ترى- ممّا لا يمكن الالتزام به، لأنّ نفس سياق الحديث يأبى عن ذلك، فإنّ لسانه لسان الحكومة كما يظهر من صدره، حيث إنّه ظاهر في أنّ سؤال زرارة إنّما هو بعد الفراغ عن كونها أجزاء، لا واجبا في واجب، فراجع الحديث. فظهر أنّ ذهاب بعض- إلى أنّ حديث «لا تعاد» لا يختصّ بالناسي، بل يشمل الجاهل و العامد أيضا، غايته أنّ العامد خرج بالإجماع، حيث قام على
بطلان صلاته، فيبقى الجاهل و الناسي تحته- ممّا لا وجه له، و لا يمكن الالتزام به:
أمّا (أولا) فلما عرفت من أنّ شموله للعامد و الجاهل لا يمكن إلّا بذلك المعنى، الذي يكون الحديث معارضا لكثير من الأدلّة، و قد عرفت أنّ صدر الحديث يأبى عن ذلك.
و أمّا (ثانيا) فلأنّ الإجماع كما انعقد على خروج العامد كذلك انعقد على خروج الجاهل أيضا، إلّا في الجهر و الإخفات و القصر و الإتمام، كما يظهر ذلك للمتتبّع.
الوجه الثاني: من المعنى الذي يتحمّله الحديث، هو أنّ لسان الحديث لمّا كان بلسان عدم الإعادة، فلا بدّ من أن يلاحظ في أنّ في أيّ مورد يلزم من جزئية الشيء الحكم بإعادة الصلاة، و في أي مورد لا يلزم منه ذلك. و معلوم أنّ الحكم بإعادة الصلاة إنّما يكون فيما إذا لم يكن التكليف بذلك الجزء لمكان تعذّره، و إلّا لو أمكن التكليف بذلك الجزء في حال تركه لمكان عدم تعذّره و القدرة على فعله، فلا موجب للحكم بإعادة الصلاة، بل نفس التكليف بذلك الجزء بعد باق على حاله. و على هذا الوجه لا محيص عن القول باختصاص الحديث بالناسي و لا يعمّ العامد و الجاهل، لعدم تعذّر التكليف بالجزء بالنسبة إلى العامد و الجاهل، للقدرة على فعله في حال عمده و جهله، لأنّ الجهل لا يوجب سلب قدرة الجاهل عن فعل الجزء. و هذا بخلاف الناسي، فإنّ الناسي في حال نسيانه لا يعقل تكليفه بالجزء المنسي، لعدم قدرة الناسي على فعل المنسي في حال نسيانه، فلا بدّ من خروج ذلك الجزء عن تحت دائرة الطلب و التكليف.
و حينئذ لو لم يكن لنا حديث «لا تعاد» (1)كان مقتضى القاعدة بطلان
1) الوسائل: ج 3 ص 227 باب 9 من أبواب القبلة، ح 1.
الصلاة، و خروج تلك القطعة عن الزمان الذي وقعت الصلاة الفاقدة للجزء فيه عن دائرة سعة التكليف، و وقوع التكليف فيما عدا ذلك الزمان، لأنّ المطلوب صرف الوجود. و المكلّف متمكّن من صرف الوجود بعد التذكّر و سعة الزمان.
هذا ما تقتضيه القاعدة الأولية، و لكن بعد ورود حديث «لا تعاد» و حكومته على أدلّة الاجزاء و الشرائط، يكون مقتضى القاعدة صحّة الصلاة و عدم وجوب الإعادة، إذا كان المنسي غير الأركان لأنّ بقاء الجزء المنسي على جزئيته يستلزم الحكم بإعادة الصلاة و «لا تعاد» تنفي الإعادة، فلا بدّ من سقوط ذلك الجزء عن كونه جزء فحديث «لا تعاد» بلازمه ينفي جزئية المنسي و يكون مخصّصا لما دلّ على جزئيّته بقول مطلق، حتّى في حال النسيان و يجعلها مقصورة بحال العمد، و ما يلحق به من الجهل. كلّ ذلك لأجل حكومة «لا تعاد» على الأدلّة الأولية، و معلوم أنّ نتيجة كلّ حكومة هي التخصيص.
فتحصّل من جميع ما ذكرنا أنّ كلّ جزء أو شرط لزم من جزئيّته أو شرطيّته إعادة الصلاة ف «لا تعاد» تنفيه، و كلّ ما لا يلزم منه ذلك فهو باق على حاله، و غير مشمول لحديث «لا تعاد» فهذا هو الضابط الكلّي لمعرفة ما يندرج في حديث «لا تعاد» و ما لا يندرج.
إذا عرفت ذلك، فينبغي تطبيق ما قدّمناه من القواعد على الضابط المذكور فنقول: إذا نسي جزء غير ركني في غير الركعة الأخيرة، فإمّا أن يتذكّر قبل الدخول في الركن، و إمّا أن يتذكّر بعد الدخول في الركن. فإن تذكّر قبل الدخول في الركن، كمن نسي الفاتحة و قرأ السورة قبلها، و تذكّر قبل الركوع، ففي مثل هذا يعود إلى الفاتحة فيقرأها، ثمّ يقرأ السورة بعدها. كلّ ذلك لحديث «لا تعاد» لأنّ من إيجاب الفاتحة عليه في هذا الحال لا يستلزم إعادة الصلاة، غايته أنّه يستلزم زيادة السورة سهوا، و هي أيضا مغتفرة بمقتضى حديث «لا تعاد».
و حاصل الكلام: أنّه عند فعل السورة قبل الحمد، لمكان نسيان الحمد، لا يحكم عليه بشيء. و لا يمكن أن يقال: إنّ تلك السورة زائدة أو غير زائدة بل تكون مراعى، فإن لم يتذكّر إلى أن دخل في الركوع كانت تلك السورة واقعة في محلّها، و كان ذلك من نسيان الفاتحة، و إن تذكّر قبل الركوع فمقتضى ما ذكرناه من معنى حديث «لا تعاد» هو لزوم إتيان الفاتحة و بعدها السورة، و تكون تلك السورة زيادة مغتفرة. و ذلك لأنّه لا يلزم من جزئية الفاتحة مع تذكّره قبل الركوع إعادة الصلاة، فإذا لم يلزم ذلك يكون محلّ الفاتحة باقيا، فإذا كان محلّ الحمد باقيا يجب عليه فعلها و فعل السورة بعدها، لأنّه إذا كان محلّ الحمد باقيا كان محلّ السورة أيضا باقيا، لأنّ محلّها بعد الحمد، و بعد الحكم ببقاء محلّ الحمد بمقتضى ما يستفاد من حديث «لا تعاد» يحكم على تلك السورة التي قرأها أولا بأنّها وقعت زيادة، و لكن لمّا لم يتعمّد بزيادتها لا تضرّ زيادتها لجريان حديث «لا تعاد» بالنسبة إليها أيضا.
فتحصّل أنّه يجب أولا الحكم ببقاء محلّ الحمد، ثمّ بعد ذلك يحكم بأنّ السورة زيادة غير مبطلة، إذ لو لا بقاء محلّ الحمد لما كان مجال لدعوى زيادة السورة، إذ الحكم بزيادتها يكون بلا موجب، بل السورة تكون واقعة في محلّها أو تكون الفاتحة منسيّة، كما هو الشأن فيما إذا لم يتذكّر إلى أن دخل في الركوع.
فالحكم بزيادة السورة لا يصحّ إلّا بعد الحكم ببقاء محلّ الفاتحة، و الحكم ببقاء محلّها لا يكون إلّا لمكان حديث «لا تعاد»، حيث إنّ من بقاء الفاتحة على جزئيّتها لا يستلزم إعادة الصلاة، فينتج بقاء محلّها فينتج زيادة السورة.
و لا يتوهّم أنّ «لا تعاد» كما يمكن أن يكون مقتضاه زيادة السورة، كذلك يمكن أن يكون مقتضاه سقوط الترتيب بين الحمد و السورة، فلا موجب للحكم بزيادة السورة، بل يمكن القول بالاكتفاء بتلك السورة مع قراءة الفاتحة. و ذلك
لأنّه نحن لم نحكم بزيادة السورة إلّا بعد الحكم ببقاء محلّ الفاتحة، كما عرفت و بعد الحكم ببقاء محلّ الفاتحة لا بدّ له من فعل السورة، لأنّ محلّها بعد الحمد المفروض بقاء محلّه، بل معنى الحكم ببقاء محلّ الفاتحة هو أنّ السورة الواقعة قبلها وجودها كعدمها، فلا موجب لسقوط الترتيب، فتأمّل في المقام، فإنّه لا يخلو عن دقّة. هذا كلّه إن تذكّر قبل الركوع.
و أمّا إن تذكّر بعد الركوع فيلزم من بقاء الفاتحة على جزئيّتها إعادة الصلاة، لأنّه لا يمكن العود إليها لاستلزامه زيادة الركن المبطل بمقتضى عقد المستثنى في حديث «لا تعاد» (1)، فلا بدّ من سقوط جزئية الفاتحة، لما عرفت من أنّ كلّ جزء يلزم من بقاء جزئيّته إعادة الصلاة فجزئيّته تسقط. هذا إذا كان الجزء المنسي من غير الركعة الأخيرة.
و أمّا إذا كان من الركعة الأخيرة فتارة يكون هو التسليم، و اخرى يكون غير التسليم. فإن كان غير التسليم فإن تذكّر قبل التسليم عاد إلى الجزء المنسي، كما إذا نسي السجدتين أو السجدة الواحدة و تذكّر بعد التشهّد، و ذلك لأنّ من بقاء الجزء المنسي على جزئيّته لا يستلزم إعادة الصلاة، فإذا لم يستلزم إعادة الصلاة كان محلّ الجزء المنسي باقيا، و يكون ما أتى به قبل الجزء المنسي زيادة مغتفرة، على حذو ما عرفت في السورة و الفاتحة. و إن تذكّر بعد التسليم فمقتضى ما دلّ على أنّه «إذا قلت: السلام علينا و على عباد اللّٰه الصالحين، فقد انصرفت» (2). هو خروجه عن الصلاة بمجرّد التسليم، غايته أنّه قام الدليل على أنّه لو سلّم قبل الركعة الأخيرة، كان سلامه في غير محلّه و مضى في صلاته، و لكنّ هذا الدليل
مقصور بما إذا سلّم قبل الركعة الأخيرة. و أمّا إذا سلّم بعد الدخول في الركعة الأخيرة فهو باق تحت ما دلّ على أنّ السلام مخرج و مصرف. و مقتضى ذلك هو خروجه عن الصلاة بمجرّد السلام، و لو كان ذلك قبل السجدتين من الركعة الأخيرة، أو قبل سجدة واحدة، أو قبل التشهّد.
و حينئذ يلزم من جزئيّة المنسي إعادة الصلاة، فإن كان المنسي السجدتين معا بطلت صلاته. لاندراجه في عقد المستثنى، و إن كان سجدة واحدة أو التشهّد صحّت صلاته، لاندراجه في عقد المستثنى منه بضميمة قوله عليه السّلام: في رواية أخرى «لا تعاد الصلاة من سجدة» (1)و لو لا ذلك لكان مقتضى الحديث بطلان الصلاة بنقصان سجدة واحدة أو زيادتها، لصدق السجود عليها فيشملها عقد المستثنى، و لكن لمّا قام الدليل على عدم إعادة الصلاة من سجدة واحدة، فيكون هذا مخصّصا للحديث، و يكون المراد من السجود فيه خصوص السجدتين أو بعد مقامات السجدة الواحدة، على ما سيأتي بيانه. و على كلّ حال العبرة ببقاء محلّ المنسي في الركعة الأخيرة هو التسليم، لأنّ بالتسليم يخرج عن الصلاة فلا يبقى محلّ لها.
و توهّم أنّ التسليم وقع في غير محلّه، فلا يتحقّق به الخروج عن الصلاة، فيكون محلّ الأجزاء المنسية باقية، إلّا أن يفعل ما ينافي الصلاة عمدا و سهوا، و بعبارة أخرى: كما يمكن رفع جزئية المنسي بحديث «لا تعاد» إذا كان المنسي جزء غير ركني كذلك يمكن رفع جزئية التسليم، و أنّه به يتحقّق الانصراف، فيأتي بالجزء المنسي لبقاء محلّه و أنّه بعد في الصلاة، ففي غاية السقوط. إذ لا يوجب لجعل التسليم في غير محلّه، بعد ما قام الدليل على أنّه بالتسليم ينصرف عن الصلاة.
1) الوسائل: ج 4 ص 938 باب 14 من أبواب الركوع، ح 2 باختلاف يسير.
و الحاصل: أنّه ليس لنا في الأدلّة عنوان النسيان و السهو أو المحلّ السهوي و العمدي، بل نحن و حديث «لا تعاد» و قلنا: إنّ المستفاد من الحديث هو أنّ كلّ جزء يلزم من جزئيّته إعادة الصلاة، فالحديث ينفي جزئيّته، إذا لم يكن من الأركان. و كلّ جزء لم يلزم منه ذلك فهو باق على جزئيّته. و من ذلك نستخرج بقاء محلّ الجزء المنسي و عدم بقائه. و حينئذ المنسي هو السجدتان أو السجدة الواحدة لا التسليم فإن كان المنسي السجدتين فهو بنفسه مندرج في عقد المستثنى، و إن كان السجدة الواحدة أو التشهّد فهو مندرج في عقد المستثنى منه. و لا موجب حينئذ لرفع اليد عمّا دلّ على أنّ بالتسليم ينصرف عن الصلاة، فتأمّل في المقام جيّدا. هذا إذا كان المنسي غير التسليم.
و أمّا إذا كان المنسي نفس التسليم، فمحلّه يبقى إلى فعل ما ينافي الصلاة عمدا و سهوا، كالحدث، و بعد ذلك تبطل صلاته، لأنّه ما لم يتحقّق منه التسليم فهو بعد في الصلاة، فيكون الحدث واقعا في الصلاة فتبطل. نعم لو فعل ما ينافي الصلاة عمدا لا سهوا كالتكلّم عاد إلى التسليم و صحّت صلاته لأنّ غايته وقوع التكلّم منه في الصلاة سهوا و هو غير مانع.
و من الغريب أنّه قال بعض: بصحّة الصلاة عند نسيان التسليم و فعل ما ينافي الصلاة عمدا و سهوا لأنّ التسليم جزء غير ركني فنسيانه لا يضرّ بمقتضى حديث «لا تعاد» (1). و قال أيضا: ببقاء محلّ التسليم عند فعل ما ينافي الصلاة عمدا لا سهوا و الجمع بين هذين القولين جمع بين المتنافيين لأنّ بنسيان التسليم إمّا أن يكون بعد في الصلاة، و إمّا أن يكون قد خرج عن الصلاة. فإن كان بعد في الصلاة، كما هو لازم قوله ببقاء محلّه عند فعل ما ينافي الصلاة عمدا لا سهوا، كان
1) الوسائل: ج 3 ص 227 باب 9 من أبواب القبلة، ح 1.
الفعل المنافي العمدي و السهوي واقعا في الصلاة، فتبطل لا محالة. و إن كان بنسيان التسليم قد خرج عن الصلاة، فلا موجب لبقاء محلّ التسليم عند فعل ما ينافي الصلاة عمدا لا سهوا. فلا يمكن الجمع بين القولين. هذا تمام الكلام في نسيان الأجزاء المنسيّة الغير الركنية من الركعة الأخيرة، و من غيرها.
و أمّا نسيان الجزء الركني فمحلّه السهوي باق إلى أن يدخل في ركن آخر.
و ذلك لأنّه إن تذكّر قبل الدخول في الركن لا يلزم من جزئيّته إعادة الصلاة، غايته أنّه يلزم زيادة بعض الأجزاء الغير الركنية و هي مغتفرة بمقتضى حديث «لا تعاد».
و أمّا إن لم يتذكّر إلى أن دخل في الركن، فلا يمكن أن يبقى على جزئيّته، لأنّ بقاءه على جزئيّته في هذه الصلاة يستلزم إمّا زيادة الركن و إمّا نقصانه، إذ لو عاد إلى تدارك الركن المنسي بدعوى بقاء محلّه، فإمّا أن يأتي بالركن اللاحق له ثانيا، و إمّا أن لا يأتي، فإن أتى به يستلزم زيادته و إن لم يأت به يستلزم نقيصته. لأنّ ما أتى به أولا قبل تدارك المنسي وقع في غير محلّه، و على كلّ يندرج الفرض في عقد المستثنى من أنّها تعاد من الركن، فلو نسي الركوع إلى أن دخل في السجود فقد بطلت صلاته.
و توهّم أنّ مجرّد الدخول في السجود لا يستلزم زيادة الركن أو نقيصته، لأنّ الركن هو السجدتان معا، و في الفرض لا يستلزم إلّا زيادة سجدة واحدة، و هي مغتفرة حسب قوله عليه السّلام «لا تعاد الصلاة من سجدة» (1)فهو فاسد لما عرفت من أنّه لم يؤخذ السجدتان في حديث «لا تعاد»، بل مفاد حديث «لا تعاد» هو إعادة الصلاة من مجرّد السجود الصادق على الواحدة، غايته أنّه قام
1) الوسائل: ج 4 ص 938 باب 14 من أبواب الركوع، ح 2.
الدليل على أنّه لو زاد سجدة سهوا كما إذا سجد ثلاث سجدات، بتخيّل أنّه سجد سجدة واحدة فاتى بالأخرى، أو نقص سجدة سهوا، بتخيّل أنّه سجد السجدتين، فهو غير مبطل و لا يجب إعادة الصلاة فهذا الدليل يكون مخصّصا لحديث «لا تعاد»، و لكنّ المقدار الذي خصّص هو ما إذا زاد سجدة أو نقص سهوا.
و سيأتي مزيد توضيح لذلك مع ذكر الأخبار الخاصّة الواردة في المقام.
و أمّا زيادة السجدة عمدا لتدارك جزء منسي- كما هو مفروض الكلام- فهو بعد مندرج في حديث «لا تعاد» فالسجدة الواحدة تكون متوسّطة بين الركنية و عدمها ففي مقام لا تكون ركنا، كما إذا زادها أو نقصها سهوا. و في مقام تكون ركنا، إذا ترك جزء ركنيّا أو غير ركني نسيانا و دخل في السجود. ففي مثل هذا يترتّب عليها أحكام الركنيّة لاندراج الفرض في حديث «لا تعاد» و عدم اندراجه في المخصّص، فتأمّل في المقام جيّدا. هذا تمام الكلام في نسيان الجزء الركني.
فإن كان الشرط مقوّما للركن، كوصول أطراف الأصابع إلى الركبة في الركوع، فحكمه حكم نسيان نفس الركوع. و إن كان غير مقوّم للركن كالطمأنينة، أو وضع المساجد الستّة في السجود، فبمجرّد الخروج عن الركن يفوت محلّه، لأنّ العود إليه يستلزم زيادة الركن، و هو موجب للبطلان.
فبقاء الشرط الغير المقوّم على شرطيّته يوجب إعادة الصلاة فتنفى الشرطية بحديث «لا تعاد» (1).
فحكمه حكم نسيان الجزء من بقاء محلّه إلى الدخول في الركن، لأنّ بفوات شرط الجزء ينتفي الجزء، فيعود الكلام في نسيان الجزء.
و أمّا إذا كان شرطا للصلاة في حال الجزء فبمجرّد الخروج عن الجزء يفوت محلّه،
1) الوسائل: ج 3 ص 227 باب 9 من أبواب القبلة، ح 1.
لأنّ المفروض أنّ الجزء قد تحقّق و حصل امتثاله، و لا يمكن فعله ثانيا في هذه الصلاة بوصف الجزئية، فلو لم يسقط ما هو الشرط في الصلاة في حال الجزء، لكان يقتضي إعادة الصلاة، و «لا تعاد» تنفي ذلك. هذا تمام الكلام في القواعد المستفادة من حديث «لا تعاد».
بقي في المقام شيء ينبغي التنبيه عليه و هو أنّ الحديث الشريف لم يذكر من الأركان سوى الركوع و السجود و أهمل ذكر التكبيرة و القيام لها و القيام المتّصل بالركوع مع أنّها من الأركان كما تقدّم تفصيل ذلك، هذا. و لكنّ إهمال القيام المتّصل بالركوع، لمكان التلازم بين نقصه و نقص الركوع على ما عرفت تفصيل ذلك في مبحث القيام.
(فأولا) أنّ مجرّد إهمالها لا يقتضي عدم ركنيّتها، بعد قيام الدليل على ركنيّتها، كما عرفت في مبحث التكبيرة، فيقيّد به إطلاق «لا تعاد» حيث إنّ إطلاقه يقتضي عدم الإعادة بنسيان التكبيرة.
(و ثانيا) أنّ الحديث إنّما دلّ على عدم إعادة الصلاة، و المفروض أنّه لا صلاة عند نسيان التكبيرة، لأنّ افتتاحها تكون بذلك، فمع عدم التكبيرة لا موضوع لإعادة الصلاة و عدم إعادتها. و حينئذ لا يمكن نفي ركنيّة التكبير بالإطلاق حتّى نحتاج إلى دليل مقيّد بل الحديث من حيث ركنيّة التكبيرة و عدمها ساكت لا أنّها ينفيها الإطلاق، هذا ما يتعلّق في شرح الحديث المبارك.
فنقول:
قال في الشرائع بعد قوله «فمن أخلّ بشيء من واجبات الصلاة عامدا، فقد أبطل صلاته» (1): و أمّا السهو فإنّ أخلّ بركن أعاد، كمن أخلّ بالقيام حتّى
1) شرائع الإسلام: ج 1 ص 113.
نوى، أو بالنيّة حتّى كبّر، أو بالتكبير حتّى قرأ أو بالركوع حتّى سجد، أو بالسجدتين معا حتّى ركع فيما بعد. و قيل: يسقط، و يأتي بالفائت و يبني، و قيل:
يختصّ هذا الحكم بالأخيرتين، و لو كان في الأوليين استأنف. و الأول أظهر، انتهى (1).
أقول: أمّا جعل الإخلال بالقيام حال النية من الأركان، فهو مبني على جعل النية عبارة عن الإخطار، و جعلها جزء ركنيّا للصلاة، حتّى يكون القيام حال النيّة كالقيام حال التكبير شرطا ركنيّا، بحيث ينتفي الركن بانتفائه، و لكنّ كلتا المقدّمتين ممنوعة فلا النية عبارة عن الإخطار، و لا أنّها جزء للصلاة بل هي شرط للصلاة، و ليس شرطيّتها على حدّ سائر الشرائط ممّا يتعلّق بها الأمر الغيري، بل ليس هي إلّا عبارة عن الداعي الذي لا يخلو الإنسان عنه عند قيامه إلى الفعل اختيارا.
و بالجملة: لا يعتبر القيام حال النيّة أبدا، فالفرع الأول المذكور في عبارة الشرائع ممّا لا أساس له أصلا.
و أمّا الفرع الثاني- و هو الإخلال بالنية حتّى كبّر- فهو موجب للبطلان، لا لمكان ركنية النية بل لمكان وقوع التكبير بلا نيّة، هذا إذا وقع التكبير بلا سبق داع، و أمّا وقوع التكبير بلا إخطار فممّا لا يضرّ.
و أمّا الفرع الثالث- و هو الإخلال بالتكبير حتّى قرأ- فهو ممّا لا إشكال فيه، للإخلال بالركن، و قد عرفت أنّ خلوّ صحيحة «لا تعاد» (2)عن ذكر التكبير لا يضرّ بركنيّته. و كذا الحال لو أخلّ بالقيام حال التكبير، لما عرفت من ركنية
القيام حال التكبيرة، و إن لم يكن ركنا حال القراءة.
و توهّم أنّ المحلّ السهوي للركن باق إلى الدخول في الركن الآخر- على ما تقدّم تفصيله- فلا وجه للحكم ببطلان الصلاة بنسيان التكبير إلى أن قرأ، بل يقتضي الحكم بالبطلان بنسيانه إلى أن يركع، و لا أثر للقراءة لبقاء محلّه السهوي. ففساده غنيّ عن البيان، لأنّ ما ذكرناه من بقاء المحلّ السهوي للركن إلى الدخول في الركن اللاحق فهو بالنسبة إلى غير التكبير كالركوع و السجود، و أمّا التكبير فلا ينتظر في بطلان الصلاة بنسيانه الدخول في الركوع، لعدم انعقاد الصلاة بدون التكبير فهو غير داخل في الصلاة حتّى يقال ببقاء محلّه أو عدم بقاء محلّه.
و الإشكال بأنّه لا موجب حينئذ للتقييد بالقراءة، فلا معنى لأنّ يقال: إنّه لو نسي التكبير حتّى قرأ، لأنّ التقييد بالقراءة ممّا لا أثر له بعد ما لم يكن في الصلاة، فهو في غير محلّه، إذ مع عدم القراءة لا يصدق عليه نسيان التكبير لأنّه لم يأت بشيء بعد حتّى يقال نسي التكبيرة، نعم لا يعتبر في صدق النسيان إتمام القراءة بل يكفي الشروع فيها، بل يكفي الشروع بمقدّماتها حتّى الاستعاذة.
و أمّا الفرع الرابع- و هو ما إذا نسي الركوع حتّى سجد- فقد تقدّم الكلام فيه.
و حيث كانت المسألة خلافية فينبغي بسط الكلام في ذلك فنقول: إنّ الخلاف في المسألة واقع في مقامين: (المقام الأول) في أنّ محلّ الركوع هل يفوت بمجرّد الدخول في السجود، أو أنّ فوات محلّه يتوقّف على الدخول في السجدة الثانية، و لا عبرة بالدخول في السجدة الأولى. (المقام الثاني) في أنّ نسيان الركوع هل هو موجب لبطلان الصلاة في الجملة، و لو بعد الدخول في السجدة الثانية، أو الأولى على الخلاف، أو أنّه غير موجب للبطلان مطلقا، و لو بعد الدخول في السجدة الثانية، بل يحذف ما فعله من السجود و يرجع إلى الركوع. و بعبارة
اخرى: يلقي ما بيده من الركعة التي نسي ركوعها و يجعلها كأن لم يكن، فيعود إلى أول الركعة، و يتمّ صلاته و لا شيء عليه. و ربّما فصّل بين نسيان الركوع من الركعة الأولى فتبطل، و من سائر الركعات فلا تبطل، و ربّما فصّل بين الركعتين الأوليين فتبطل، و بين الركعتين الأخيرتين [فلا تبطل].
أمّا الكلام في المقام الأول: فالمشهور على فوات محلّ الركوع بمجرّد الدخول في السجدة. و خالف في ذلك بعض المتأخّرين، و قال: بعدم فوات محلّه إلى أن يدخل في السجدة الثانية. و نظر هذا المخالف إلى أمرين:
الأول: قوله عليه السّلام: «لا تعاد الصلاة من السجدة و لكن تعاد من سجدتين» (1)فإنّ العود إلى تدارك الركوع فيما لم يدخل في السجدة الثانية، لا يلزم منه إلّا زيادة سجدة واحدة، و هي غير موجبة للإعادة.
الأمر الثاني: بعض الأخبار الواردة في المقام كخبر أبي بصير عنه عليه السّلام «إذا أيقن الرجل أنّه ترك ركعة من الصلاة، و قد سجد سجدتين و ترك الركوع، استأنف الصلاة» (2).
و كخبر رفاعة سألته عن رجل نسي أن يركع حتّى يسجد و يقوم قال عليه السّلام: يستقبل (3). هذا، و لكن لا يخفى عليك ما في كلا الأمرين.
أمّا في الأمر الأول، فلما تقدّم من أنّ قوله عليه السّلام: «لا تعاد الصلاة من سجدة» (4)لا يشمل المقام، بل هو مقصور بما إذا زاد أو نقص سجدة سهوا، و عن غير التفات، بتخيّل أنّه سجد سجدتين مع أنّه لم يسجد إلّا واحدة، أو سجدة
سجدة واحدة فأضاف إليها أخرى، مع أنّه كان قد سجد السجدتين، كما يدلّ على ذلك قوله عليه السّلام في رجل استيقن أنّه زاد سجدة: «لا يعيد الصلاة من سجدة» (1)فإنّ الظاهر من السؤال أنّه استيقن بعد وقوع الزيادة منه غفلة، و الجواب منزّل على هذه الصورة، فلا يشمل ما نحن فيه من زيادة السجدة عمدا، لتدارك الركوع المنسي. و المفروض أنّ صحيحة «لا تعاد» (2)يشمل المقام لأنّ المأخوذ فيه جنس السجود الشامل على الواحدة، فتأمّل جيّدا.
و أمّا في الأمر الثاني: فقد أشكل عليه في الجواهر بأنّ مفهوم خبر أبي بصير من لم ييقن أنّه ترك ركعة، لا أنّه أيقن أنّه ترك الركوع. مع فعله السجدة الواحدة (3)، و كأن نظر الجواهر في هذا إلى أن اليقين أخذ موضوعا، حتّى يكون مفهومه من لم ييقن. و أمّا لو أخذ اليقين طريقا كما هو الظاهر منه، فيكون اليقين ملقى، و يكون من لم يسجد السجدتين مع أنّه ترك الركوع مندرجا في المفهوم، و أنّه لا يجب عليه الاستئناف، فتأمّل. فالأولى أن يقال: إنّ الأصحاب لم يعملوا بخبر أبي بصير لأنّ بناء المعظم عدا بعض المتأخّرين على بطلان الصلاة بمجرّد الدخول في السجود.
لا يقال: إنّه كيف لم يعمل الأصحاب بخبر أبي بصير، مع أنّ منطوقه مطابق لفتوى الأصحاب من بطلان الصلاة عند نسيان الركوع، و قد سجد السجدتين، فلا يتحقّق الإعراض عن الخبر مع وقوع العمل بمنطوقه.
فإنّه يقال: إنّ مجرّد تطابق فتوى الأصحاب لمنطوق الخبر، لا يوجب العمل به، بعد ما كان لفتوى الأصحاب مستند آخر، و هو صحيحة «لا تعاد» فإنّ الحكم بالإعادة في صورة الدخول في السجدة الأولى، يستلزم الحكم بالإعادة في
صورة الدخول في السجدتين بطريق أولى. فليس مستند فتوى الأصحاب منطوق خبر أبي بصير (1). و أمّا خبر رفاعة (2)فمع أنّه يحتمل أن يكون المراد من «يقوم» يقوم من السجدة الاولى، و إن كان هذا خلاف الظاهر، لا دلالة فيه على اعتبار القيام من السجدتين، إذ ليس هو واقع في كلام الإمام، بل فرض فرضه السائل، فلا يكون دليلا في المقام، مع أنّ القيام من السجدة الأخيرة ممّا لا يعتبر إجماعا، فالأقوى ما عليه المعظم من فوات محلّ الركوع بمجرّد الدخول في السجود.
و أمّا الكلام في المقام الثاني: فقد عرفت أنّ الأقوال فيه ثلاثة: قول بالتفصيل بين الركعة الاولى و سائر الركعات. و قول بالتفصيل بين الأوليين و الأخيرتين.
و القول الثالث عدم التفصيل مطلقا، و أنّه لو نسي الركوع و لم يتذكّر حتّى سجد السجدتين حذف السجدتين، و جعل ما بيده من الركعة كأن لم يكن، فإن كانت هي الركعة الأولى رجع و ركع و سجد و يجعلها هي الاولى، بل في الجواهر (3)أنّ من يقول بذلك يقول بأنّه يرجع من أول الركعة فيقرأ الفاتحة أيضا، لأنّ ما قرأه من الفاتحة في الركعة التي نسي ركوعها قد بطل بنسيان الركوع، فيعود من أول الركعة و إن كان من الركعة الثانية حذف السجدتين و قام إليها و يجعلها ثانية، و هكذا.
و على كلّ حال ينبغي أولا ذكر ما ورد في الباب من الأخبار فنقول:
روى محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام في رجل شكّ بعد ما سجد أنّه لم يركع قال عليه السّلام: فإن استيقن فليلق السجدتين اللتين لا ركعة لهما فيبني على صلاته على التمام و إن كان لم يستيقن إلّا بعد ما فرغ و انصرف فليقم فليصلّ ركعة و سجدتين و لا شيء عليه (4). و لعلّ هذه الرواية هي مستند القول المطلق من
عدم التفصيل بين الاولى و غيرها.
و في الرضوي: و إن نسيت الركوع بعد ما سجدت من الركعة الأولى، فأعد صلاتك، لأنّه إذا لم تصلح لك الاولى لم تصلح لك صلاتك، و إن كان الركوع من الركعة الثانية أو الثالثة فاحذف السجدتين و اجعلها- أي الثانية- الاولى و الثالثة ثانية و الرابعة ثالثة (1). و لعلّ هذا مستند التفصيل بين الاولى و سائر الركعات. و أمّا التفصيل بين الأوليين و الأخيرتين، فلم نعثر له على مستند، إلّا أن يتمسّك بما دلّ على أنّ الأوليين لا يدخلهما الشكّ، و هو أجنبي عن المقام، كما لا يخفى.
و حيث كانت هذه الأقوال في غاية الشذوذ و الأخبار التي استدلّوا لها ممّا قد أعرض عنها الأصحاب، مع أنّه يمكن منع دلالتها كما لا يخفى على المتأمّل، فلا يهمّ إتعاب النفس في ردّها، فالأقوى بطلان الصلاة بنسيان الركوع بمجرّد الدخول في السجود فضلا عن الدخول في الثانية.
نعم ربّما ينافي ذلك قول الصادق عليه السّلام في خبر عبد اللّٰه بن سنان: إن نست شيئا من الصلاة ركوعا أو سجودا أو تكبيرا ثمّ ذكرت فاصنع الذي فاتك سواء (2). و لكن فيه، مع أنّه معارض بموثّقة إسحاق بن عمّار سألت أبا إبراهيم عن الرجل ينسى أن يركع قال عليه السّلام: يستقبل حتّى يضع كلّ شيء موضعه (3)، أنّ النسبة بينه و بين صحيحة «لا تعاد» (4)هو العموم و الخصوص، لأنّ خبر عبد اللّٰه بن سنان أعم من التذكّر قبل الدخول في السجود أو بعده،
و صحيحة «لا تعاد» مخصوصة بما إذا تذكّر بعد السجود بالنسبة إلى عقد المستثنى- على ما تقدّم تفصيله- فيخصّص عموم خبر ابن سنان بالصحيحة، و يكون الخبر حينئذ مقصورا بما إذا تذكّر قبل السجود. كما أنّ النسبة بين صحيحة «لا تعاد» و موثّقة إسحاق هو ذلك أيضا هو العموم و الخصوص، فإنّ موثّقة إسحاق أعم من التذكّر قبل السجود أو بعد السجود، فيخصّص بما إذا تذكّر بعد السجود بمقتضى صحيحة «لا تعاد» بالنسبة إلى عقد المستثنى منه، حيث تدل على الصحّة لو تذكّر قبل السجود- على ما تقدّم تفصيله أيضا- و يرتفع التعارض حينئذ بين الأخبار لانقلاب النسبة، فتأمّل، جيّدا.
ثمّ إنّه حكي عن بعض أنّ حكم نسيان السجدتين حكم نسيان الركوع، بمعنى أنّه لو ركع من الركعة التي بيده، و نسي السجدتين عاد إليهما، و لو كان قد دخل في الركوع الركعة اللاحقة، على حذو ما سبق في نسيان الركوع. و لعلّ مستند ذلك هو خبر عبد اللّٰه بن سنان. و قد عرفت أنّ الخبر لا بدّ من تخصيصه، بما إذا لم يدخل في الركن اللاحق، لأنّ النسبة بينه و بين صحيحة «لا تعاد» أخص مطلقا. هذا تمام الكلام في حكم نسيان الركن.
فالكلام فيه الكلام في نقيصته، من استلزامه بطلان الصلاة لاندراجه في عموم قوله «لا تعاد الصلاة إلّا من خمسة» (1)فإنّ «من» في قوله «من خمسة» نشوية. فلا فرق بين الزيادة و النقيصة، و عدم تصوّر الزيادة في بعض الخمسة كالطهور و الوقت و القبلة، لا يوجب اختصاص الحديث بالنقص فيما يمكن فيه
1) الوسائل: ج 3 ص 227 باب 9 من أبواب القبلة، ح 1.
النقص و الزيادة كالتكبيرة و الركوع و السجود، بل الزيادة في كلّي الشرائط ممّا لا يتصوّر، و إنّما تتصوّر في خصوص الأجزاء كما لا يخفى.
و لا فرق في البطلان بين زيادة الركوع فقط، أو هو مع السجود كمن زاد ركعة في الصلاة، فإنّه موجب للبطلان سواء جلس بمقدار التشهّد و تشهّد أيضا، أو لم يجلس. أو جلس و لم يتشهّد. فإنّه ما لم يتحقّق منه التسليم لم يخرج من الصلاة، فتكون الزيادة واقعة في الصلاة فتبطل. و خالف في ذلك جماعة و ذهبوا إلى عدم البطلان بزيادة الركعة استنادا إلى جملة من الأخبار المصرّحة في عدم البطلان عند جلوسه في الرابعة بمقدار التشهّد (1). و ربّما يقال: إنّ المراد من الجلوس بمقدار التشهّد هو نفس التشهّد لصحة التعبير عن ذلك بذلك، كما لا يخفى على العارف بأساليب الكلام.
و على كلّ حال لمّا كان بناؤنا على وجوب التسليم و جزئيّته للصلاة كان المتّجه بطلان الصلاة بزيادة الركعة، لحصول زيادة الأركان في الصلاة. و ما دلّ من الأخبار على عدم البطلان بزيادة الركعة عند الجلوس بمقدار التشهّد، فهي و إن كانت أخص مطلقا ممّا دلّ على بطلان الصلاة بالزيادة فيها نسيانا، كقوله عليه السّلام «من استيقن أنّه زاد في صلاته المكتوبة لم يعتدّ بها .. (2)إلخ»، حيث إنّه أعم من زيادة الركعة و عدمها، و الجلوس بمقدار التشهّد و عدمه، إلّا أنّ الأصحاب لم يعملوا بها و أعرضوا عنها لموافقتها للعامّة، و الترجيح بالجهة و إن كان متأخّرا عن الترجيح بحسب الدلالة بالعموم و الخصوص- كما بيّن في محلّه- إلّا أنّ ذلك فرع العمل بالخاص و عدم الإعراض عنه، بل في نفس هذه الأخبار
ما يستشمّ منه رائحة التقية.
و بالجملة: أخبار الباب إمّا أن تكون من جملة ما دلّ على عدم وجوب التسليم، و أنّ بالتشهّد يخرج عن الصلاة. و إمّا أن تكون صادرة مورد التقية. و على كلا التقديرين لا يصحّ الاعتماد عليها. و بعد ذلك لا يهمّنا تنقيح الأقوال في المسألة مع أنّها مضطربة جدّا، فراجع و تأمّل.
و على كلّ حال لا يتمّ القول بالصحّة لو زاد ركعة، و لو مع القول بندبية التسليم. إذ غايته على هذا القول أنّ الخروج من الصلاة لا يتوقّف على التسليم إلّا أنّه لا بدّ من مخرج، و لو كان فعل ما ينافي الصلاة عمدا و سهوا، و مجرّد القيام إلى الركعة الزيادة لا يكون خروجا، و إلّا لكان اللازم عدم العود إلى التشهّد المنسي لو تذكّر قبل الدخول في الركوع، لخروجه عن الصلاة بالقيام، غايته أنّه فات منه التشهّد و هو جزء غير ركني، و هذا- كما ترى- لم يقل به أحد فلا محيص عن القول ببطلان الصلاة بزيادة الركعة أو الركوع أو السجدتين.
ثمّ إنّه حكي عن جماعة أنّه لو شكّ في الركوع فركع، ثمّ ذكر أنّه ركع أرسل نفسه من دون أنّ ينتصب، و هذا القول يبتني على أحد وجهين: إمّا من التزام أنّ الانتصاب من الركوع مقوّم للركن. و إمّا من التزام أنّ الطمأنينة مقوّمة للركن.
بناء على حمل فتوى الجماعة على صورة عدم تحقّق الطمأنينة، بل ذكر عند وصوله إلى حدّ الراكع من دون أن يحصل له الطمأنينة. و على ذلك حمل شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- فتواهم و إن كان لا يساعد عليه كلام الجواهر، حيث وجّه كلام الجماعة بأنّ الهوي كان واجبا عليه للسجود، فلم يزد في البين إلّا الطمأنينة، و هي واجب غير ركني زيادتها سهوا لا يضرّ (1). و هذا- كما ترى- كالصريح في
1) جواهر الكلام: ج 10 ص 84.
حصول الطمأنينة منه.
و لكنّ الإنصاف أنّه لا يستقيم كلام الجماعة على كلّ حال، لأنّ دعوى دخل القيام في ركنيّة الركوع ممّا لا شاهد عليها، لوضوح أنّ الركن هو عبارة عن الانحناء إمّا مطلقا أو مع كونه عن قيام إلى وصول أطراف أصابعه إلى الركبة. و أمّا القيام عنه فهو من الواجبات الغير الدخيلة في الركن. و كذا دعوى دخل الطمأنينة فيه، فإنّ الطمأنينة أيضا من الواجبات الخارجة عن الركن.
و أمّا ما وجّه به صاحب الجواهر كلام الجماعة فهو ممّا لا يستقيم أصلا، لوضوح أنّ الهوي إنّما يكون مقدّمة عقلية للسجود لا واجب شرعي و المفروض أنّه قد هوى بقصد الركوع.
و بالجملة لا ينبغي التأمّل في بطلان الصلاة في مفروض المسألة، سواء حصل منه الطمأنينة أو لم يحصل، لأنّه قد زاد ركوعا على كلّ حال، و هو موجب للبطلان عمدا و سهوا. هذا كلّه في زيادة الركعة أو الركوع.
و أمّا نقصان الركعة بأن سلّم على الثلاث نسيانا فإن تذكّر قبل فعل ما ينافي الصلاة عمدا و سهوا قام و أتى بها و صحّت صلاته، و إن ذكر بعد ذلك بطلت صلاته. و قد تقدّم الكلام في ذلك، و أنّ التسليم لا يكون مخرجا عن الصلاة إذا كان قد نقص ركعة فما زاد، حسب ما دلّ عليه الدليل، فإذا لم يخرج بالتسليم عن الصلاة فإن فعل ما ينافي الصلاة عمدا و سهوا ك «الحدث»، فقد وقع ذلك في أثناء الصلاة و هو مبطل. و إن وقع منه ما ينافي الصلاة عمدا ك «التكلّم» فلا موجب للبطلان، لأنّ غايته زيادة التسليم سهوا، و هو ليس بركن و التكلّم السهوي أيضا غير مبطل، هذا إذا سلّم على نقصان الركعة فما زاد.
و أمّا إذا سلّم على ما دون ذلك. و عن جامع المقاصد أنّ نقصان الركعة
المذكورة في عبارة المحقّق- قدّس سرّه- يشمل نقصان الركوع أيضا (1)و لم يظهر لنا وجه ذلك. و ما وجّه به صاحب الجواهر (2)- من أنّ ذلك مبني على أنّ الدخول في السجدة الاولى، لا يوجب فوات محلّ الركوع، و حينئذ لو سلّم مع إتيانه بسجدة واحدة من الركعة يندرج تحت نقصان الركعة، لأنّه لم يأت بالركوع، و لم يدخل في السجدة الثانية حتّى يلزم فوات محلّ الركوع، فتبطل صلاته. و حينئذ يلحق ذلك بنقصان الركعة من وجوب التدارك عند عدم فعل ما ينافي الصلاة عمدا و سهوا، و بطلان الصلاة عند فعله ذلك، على ما مرّ من نقصان الركعة- ممّا لا يستقيم حتّى بناء على ذلك المبنى الفاسد، و ذلك لأنّ بقاء محلّ التدارك للركوع فرع عدم كون السلام الذي أتى به مخرجا عن الصلاة، و عدم مخرجيّته للصلاة فرع بقاء محلّ التدارك.
لا يقال: إنّ إطلاق قوله عليه السّلام «لا تعاد الصلاة من سجدة» (3)الذي هو مبني ذلك القول يقتضي بقاء محلّ التدارك لشموله لما بعد التسليم أيضا.
فإنّه يقال: لا يكفي قوله «لا تعاد الصلاة من سجدة» في بقاء محلّ تدارك الركوع، بل يحتاج ضمّ قوله «لا تعاد الصلاة إلّا من خمسة» إلى ذلك فإنّ غاية ما يدلّ عليه قوله «لا تعاد الصلاة من سجدة» هو أنّ السجدة الواحدة غير موجبة لبطلان الصلاة، و أمّا أنّه يلزم العود إلى الركوع و أنّ محلّه باق، فهو إنّما يكون بدلالة قوله «لا تعاد الصلاة إلّا من خمسة» (4)و قد تقدّم منّا أنّ «لا تعاد الصلاة إلّا من خمسة» لا يكون حاكما على أدلّة مخرجيّة التسليم، فتأمّل في المقام. هذا تمام الكلام في فوات الأركان.
كما لو دار الأمر بين فوات
السجدتين من ركعة واحدة أو ركعتين،
أنّ الفقهاء و إن عنونوا البحث في السجدتين، إلّا أنّه لا اختصاص له بذلك، بل يجري في غير السجدتين من سائر الأركان أيضا، كما لو دار الأمر بين فوات الركوع أو التشهّد، بل لا اختصاص له بذلك، و يجري في كلّ ما دار الأمر بين المبطل و غيره، كما لو دار الأمر بين الحدث و التكلّم ناسيا.
لمّا كان البحث في المقام يقع عمّا يقتضيه العلم الإجمالي فلا بدّ من أن يكون العلم الإجمالي واجدا لشرائط التنجيز من ثبوت تكليف في كلا طرفيه، فإذا لم يكن لأحد طرفيه أثر شرعي، كان وجود العلم الإجمالي كعدمه، لا يوجب شيئا. كما لو علم إجمالا إمّا بالحدث، و إمّا بالتكلّم ناسيا، بناء على أنّ التكلّم ناسيا لا يوجب سجدتي السهو. فيكون أحد طرفي العلم الإجمالي ممّا لا أثر له.
و هذا بخلاف ما إذا قلنا بوجوب سجدتي السهو في التكلّم السهوي، فإنّه يعلم إجمالا إمّا بوجوب إعادة الصلاة على تقدير صدور الحدث منه، و إمّا بوجوب سجدتي السهو على تقدير صدور التكلّم السهوي منه، فيكون العلم الإجمالي واجدا لشرائط التنجيز.
لا يخفى أنّ لكلّ واحد من أركان الصلاة جهتين: جهة توقّف صحّة الصلاة على وجوده، و جهة توقّف صحّة الأجزاء اللاحقة عليه. و بعبارة أخرى:
كما أنّ لكلّ ركن دخلا في الصلاة، كذلك لكلّ ركن دخل في لحوق الأجزاء اللاحقة عليه، و يكون هو بالنسبة إليها نسبة الموضوع. و كما أنّ دخله في الصلاة يكون شرعيّا كذلك دخله من الجهة الأخرى أيضا يكون شرعيّا، أي موضوعيّته للأجزاء اللاحقة إنّما يكون بالجعل الشرعي، و ليس ذلك كموضوعية الحياة للعدالة، حيث يكون عقليّا لمكان توقّف العدالة على الحياة عقلا. و من هنا كان استصحاب الحياة لا ينفع في ترتّب العدالة، لو شكّ في العدالة من جهة الشكّ في
الحياة، نعم استصحاب العدالة على تقدير الحياة يجري، لأنّ المجعول الشرعي إنّما هو العدالة على تقدير الحياة. و قد أوضحنا البحث في ذلك في رسالة الاستصحاب عند تعرّض الشيخ- قدّس سرّه- (1)له. و ليس الأمر في المقام من ذلك القبيل، لأنّ موضوعية الركن للأجزاء اللاحقة إنّما تكون شرعية، و ليست كموضوعية الحياة للعدالة. و حينئذ يكون الأصل الجاري في الركن مثبتا له من كلتا الجهتين، من جهة توقّف الصلاة عليه، و من جهة موضوعيّته للأجزاء اللاحقة، لما عرفت من أنّ كلتا الجهتين شرعية تقبل التعبّد الشرعي، و لا يكون من الأصل المثبت. فلو كان كلّ من الركن و الجزء اللاحق مشكوكا، كانت قاعدة الفراغ أو التجاوز في الجزء اللاحق جارية كجريانها في الركن، و لا يتوهّم عدم جريان قاعدة التجاوز في الجزء اللاحق مع كون الركن مشكوكا، لأجل الشكّ في موضوعه، حيث إنّ الركن يكون بمنزلة الموضوع للجزء اللاحق لما عرفت من أنّ الأصل الجاري في الركن يثبت موضوع الجزء اللاحق كإثباته لنفسه، فيجري الأصل في الجزء اللاحق أيضا، و يقع المعارضة بينهما في موارد العلم الإجمالي. إذا عرفت هذه الأمور فلنشرع في حكم المسألة،
و حيث إنّ الأعلام جعلوا عنوان البحث السجدتين، فينبغي لنا أن نقتفي أثرهم و يعلم بحكم سائر الصور منه فنقول:
لو علم أنّه فات منه سجدتان و لم يعلم أنّهما من ركعة أو ركعتين، فالصور ثلاث: فإنّه تارة يعلم ذلك مع بقاء المحلّ العمدي لأحد طرفي العلم الإجمالي، كما إذا علم إجمالا بفوات سجدتين من هذه الركعة، أو من الركعة السابقة و هو جالس قبل دخوله في التشهّد، فإنّ محلّ السجدتين من هذه الركعة باق. و اخرى يعلم مع فوات المحلّ العمدي و السهوي كليهما، كما إذا علم إجمالا بذلك بعد الفراغ، أو في
1) فرائد الأصول: ص 697 الأمر الثاني من خاتمة شروط جريان الاستصحاب.
الركعة الرابعة، أو بعد الدخول في ركوع الثالثة، و كان طرفا علمه الإجمالي الركعة الاولى و الثانية، حيث إنّه لم يبق محلّ لتدارك السجدتين في هذه الصلاة على كلّ حال. و ثالثة يعلم مع بقاء المحلّ السهوي لأحد طرفي العلم، لا العمدي، فهذه أصول ما يتصوّر في المقام.
أمّا الصورة الاولى: و هي بقاء المحلّ العمدي لأحد طرفي العلم، فلا ينبغي الإشكال في انحلال العلم الإجمالي، لجريان قاعدة التجاوز من أحد الطرفين، و قاعدة الشكّ في المحلّ من الطرف الآخر، فينحلّ لما بيّناه في محلّه، من أنّه لو كان في أحد طرفي العلم الإجمالي أصل مثبت للتكليف موافق للعلم الإجمالي، و كان في الطرف الآخر أصل ناف له، لكان العلم الإجمالي ممّا لا أثر له لانحلاله. و المقام يكون كذلك، لأنّ قاعدة الشكّ في المحلّ تقتضي إتيان السجدتين و تلزم بها، فتكون القاعدة مثبتة للتكليف، فلا مانع حينئذ من جريان قاعدة التجاوز بالنسبة إلى السجدتين اللتين فات محلّهما، و ذلك واضح.
و أمّا الصورة الثانية: و هي ما إذا فات المحلّ العمدي و السهوي من كلا طرفي العلم الإجمالي. فالأصول من الطرفين تكون متعارضة لأنّ قاعدة التجاوز من سجدتي الركعة الاولى و من أحد سجدتيها متعارضة بقاعدة التجاوز من سجدتي الركعة الثانية، و من أحد سجدتيها، لفوات محلّهما على جميع التقادير. و إذا تعارضا قاعدتا التجاوز من الطرفين يرجع إلى الأصول العدمية، و الأصول العدمية أيضا من الطرفين متعارضة، و إن كانت موافقة للعلم الإجمالي، بناء على المختار من عدم جريان الأصول المحرزة في أطراف العلم الإجمالي، و لو كانت مثبتة للتكليف و موافقة للعلم الإجمالي- كما ذكرنا ذلك في رسالة الاستصحاب.
و حينئذ تسقط الأصول العدمية أيضا بالتعارض، كسقوط الأصول الوجودية من قاعدة التجاوز و الفراغ بالتعارض، فأصالة عدم إتيان السجدتين من الركعة
الأولى معارضة بأصالة عدم إتيان السجدتين من الركعة الثانية، و أصالة عدم إتيان السجدة الواحدة من الركعة الأولى، و أصالة عدم إتيان السجدة الواحدة من الركعة الثانية، فجميع هذه الأصول معارضة بعضها مع بعض. فتصل التوبة حينئذ إلى الأصول الحكمية من البراءة و الاشتغال.
و حينئذ يكون مقتضى الشكّ في الخروج عن عهدة التكليف بالصلاة هو إعادة الصلاة، مع كون الشكّ في الوقت. و أمّا بالنسبة إلى قضاء السجدة من الركعة الاولى و الركعة الثانية، على تقدير فوات سجدة واحدة من كلّ ركعة، كما هو أحد أطراف العلم الإجمالي، فالأصل يقتضي البراءة لرجوع الشكّ فيه إلى الشكّ في التكليف. فينحلّ العلم الإجمالي لأنّ في أحد أطرافه أصلا مثبتا للتكليف و هو قاعدة الشكّ في الوقت المقتضية لإعادة الصلاة، و هذا من غير فرق بين حصول العلم الإجمالي بعد الفراغ من الصلاة، أو حصوله في الأثناء مع فوات المحلّ العمدي و السهوي من جميع أطراف العلم، كما مثّلنا به سابقا، فلا يجب عليه إتمام الصلاة لو حصل العلم في الأثناء و الحال هذه أي حال فوات المحلّ العمدي و السهوي، لانحلال العلم الإجمالي ببركة جريان قاعدة الاشتغال في بعض الأطراف، و هو فوات الركن، لأنّ قاعدة الاشتغال بالوقت يوافق فوات الركن. فيبقى الطرف الآخر و هو احتمال فوات السجدة الواحدة من كلّ ركعة بعد سقوط الأصول العدمية و الوجودية فيه مجرى للبراءة، فله قطع الصلاة و استئنافها، إذ ليس له ملزم شرعي في الإتمام بعد احتمال بطلان الصلاة بفوات الركن، و بعد انحلال العلم الإجمالي، فتأمّل في أطراف المسألة جيّدا.
نعم بناء على جريان الأصول المثبتة للتكليف و لو كانت مخالفة للعلم الإجمالي حيث لم يلزم منها مخالفة قطعية ينبغي البناء على وجوب قضاء السجدتين، مضافا إلى وجوب الإعادة. لأنّ أصالة عدم إتيان السجدتين من
الركعة الاولى و الثانية يقتضي إعادة الصلاة، و أصالة عدم إتيان السجدة من كلّ ركعة يقتضي قضاء السجدتين. و لا منافاة بين الأصلين، لعدم لزوم مخالفة عملية من اجتماعهما. غايته أنّه يعلم بكذب مؤدّى أحد الأصلين، و هو غير مانع من جريانهما. و لكنّ هذا خلاف التحقيق عندنا من عدم جريان الأصول المتكفّلة للتنزيل في أطراف العلم الإجمالي، و لو لم يلزم منها مخالفة عملية فالأصول العدمية تسقط بالمعارضة، و تصل النوبة إلى الأصول الحكمية. و قد عرفت مقتضاها.
بقي الكلام في حكم الصورة الثالثة: و هي ما إذا علم بذلك مع بقاء المحلّ السهوي لأحد أطراف العلم الإجمالي، كما إذا حصل العلم قبل الدخول في ركوع الركعة الثالثة، و ينبغي أن يعلم أولا أنّ مقتضى القاعدة الأولية في المحلّ السهوي هو وجوب العود إليه للتدارك، أو عدم وجوب العود. فإن قلنا بعدم وجوب العود كان حكمها حكم صورة فوات المحلّ العمدي و السهوي، من جواز قطعها و وجوب الإعادة و انحلال العلم الإجمالي.
و بيان ذلك هو: أنّ قاعدة التجاوز من سجدتي الركعة الاولى و سجدتها، معارضة بقاعدة التجاوز من سجدتي الركعة الثانية و سجدتها، فيتساقطان. و تصل النوبة إلى الأصول العدمية، و هي أيضا متعارضة، و يرجع الأمر بالأخرة إلى قاعدة الاشتغال المقتضية للإعادة في الوقت، و أصالة البراءة من العود للتدارك و إتمام الصلاة. على حذو ما تقدّم في الصورة الثانية.
و دعوى أنّ الأصل الجاري في طرف الركن ليس في عرض الأصل الجاري في غير الركن حتّى يتعارضا، لما عرفت من أنّ نسبة الركن إلى غيره نسبة الموضوع، فلا معنى لمعارضة الأصل في طرف الركن مع الأصل في الطرف الآخر.
فهي فاسدة، لما عرفت من أنّ دخل الركن في الأجزاء اللاحقة إنّما تكون شرعيّة، فجريان قاعدة التجاوز من الركن كما يثبت أصل وجوده، كذلك يثبت حيثية
دخله في الجزء الغير الركني، و بعد ذلك تجري قاعدة التجاوز في الجزء الغير الركني. مثلا لو علم بفوات إمّا ركوع الركعة الاولى، و إمّا سجدة الركعة الثانية، و هو في حال القيام إلى الركعة الثالثة، فقاعدة التجاوز من الركوع تعارض قاعدة التجاوز من السجدة الواحدة، و لا يلتفت إلى أنّ السجدة الواحدة ليست مجرى لقاعدة التجاوز، للشكّ في موضوعها و هو ركوع الركعة السابقة، إذ قاعدة التجاوز في الأجزاء إنّما تجري بعد الفراغ عن صحّة الصلاة من غير ناحية المشكوك، و المقام ليس كذلك للشكّ في صحّة الصلاة من غير ناحية السجدة الواحدة التي يراد إجراء قاعدة التجاوز فيها، و هو الشكّ في الركوع الركعة السابقة، فلا تجري قاعدة التجاوز في السجدة الواحدة و يبقى قاعدة التجاوز في ركوع الركعة السابقة سليمة عن المعارض، و ذلك لما عرفت من أنّ الأصل المثبت للركن مثبت له من حيث دخله في الصلاة، و من حيث دخله في الجزء اللاحق. و ليس ذلك كاستصحاب الحياة الغير المثبت للعدالة، لأنّ موضوعية الحياة للعدالة إنّما تكون عقليّة و في المقام شرعية. فالأصل الجاري فيه مثبت لكلتا الجهتين، و يكون الجزء اللاحق حينئذ أيضا مجرى لقاعدة التجاوز، و يتعارضان لمكان العلم الإجمالي بالخلاف، و تصل النوبة حينئذ إلى الأصول العدمية، و هي أيضا متعارضة من الطرفين. فإنّ أصالة عدم الركوع من الركعة السابقة معارضة بأصالة عدم السجدة من الركعة اللاحقة، و يتعارضان.
و لا يتوهّم أيضا أنّ أصالة عدم الركن توجب عدم جريان أصالة عدم غير الركن، لارتفاع موضوع الأصل الثاني بالأصل الجاري في طرف الركن، إذ عدم الركن يوجب بطلان الصلاة، فلا يبقى أثر لأصالة عدم السجدة الواحدة، إذ الأثر الذي يراد ترتّبه من ذلك هو قضاء السجدة، و ذلك إنّما هو إذا كانت الصلاة صحيحة من غير ناحية السجدة، و المفروض أنّ أصالة عدم الركن يوجب بطلان
الصلاة من أصلها، و ذلك لأنّ أصالة عدم الركن إنّما تجري بالنسبة إلى نفس وجود الركن. و أمّا بالنسبة إلى حيثية دخله في الجزء اللاحق، فقاعدة التجاوز تجري فيه لأنّها من هذه الحيثية لا معارض لها، غايته أنّه يلزم التفكيك بين المتلازمين، و هو ليس بعزيز الوجود في الأصول.
و حاصل الكلام أنّ سقوط قاعدة التجاوز بالنسبة إلى نفس الركن من حيث وجود نفسه، لا يلازم سقوط قاعدة التجاوز بالنسبة إلى من حيث دخله في ترتّب الجزء اللاحق، فأصالة العدم في الجزء اللاحق تجري. و تعارض أصالة العدم في الركن و يتساقطان، فتصل النوبة إلى الأصول الحكمية من البراءة و الاشتغال، فتأمّل.
و حيث كان الشكّ في الوقت موجبا لإعادة الصلاة كان العلم الإجمالي ممّا لا أثر له، و تجري البراءة بالنسبة إلى وجوب العود للتدارك، لانحلاله بسبب جريان الأصل المثبت للتكليف في طرف الركن، و هو لزوم الإعادة لقاعدة الاشتغال، من حيث كون الشكّ في الوقت، و حينئذ لا يجب عليه العود لتدارك السجدتين اللتين فات محلّهما العمدي فقط دون السهوي، و لا يجب عليه الاحتياط بإتمام الصلاة للشكّ في صحّتها، مع عدم ثبوت طريق محرز لها، و لا مجال حينئذ للتشبّث بحرمة الإبطال لاحتمال الانبطال.
فتحصّل أنّ الأقوى أنّه لا أثر لبقاء المحلّ السهوي، و أنّ حكمه حكم فوات المحلّ السهوي و العمدي من انحلال العلم الإجمالي و عدم لزوم الاحتياط في جميع أطرافه. لكنّ هذا مبنيّ على أنّ القاعدة الأوليّة مع قطع النظر عن كلّ شيء لا تقتضي وجوب العود عند بقاء المحلّ السهوي.
و أمّا إذا قلنا إنّ القاعدة تقتضي ذلك، كان اللازم الجري على ما يقتضيه العلم الإجمالي من لزوم العود و التدارك و إتمام الصلاة، ثمّ إعادتها. و ذلك لأنّ بعد تعارض قاعدة التجاوز و تعارض الأصول العدمية، تصل النوبة إلى قاعدة
الاشتغال و قاعدة الاشتغال بالنسبة إلى الركن الذي فات محلّه العمدي و السهوي تقتضي الإعادة، و بالنسبة إلى ما فات محلّه العمدي فقط أيضا تقتضي العود إليه و تداركه و إتمام الصلاة. نعم بالنسبة إلى قضاء السجدة بعد الصلاة تجري أصالة البراءة فالعلم الإجمالي على هذا التقدير ينحلّ بالنسبة إلى خصوص قضاء السجدة.
و أمّا بالنسبة إلى إعادة الصلاة و إتمامها بعد العود إلى تدارك ما بقي محلّه السهوي، فهو باق على حاله من لزوم الاحتياط، و ذلك واضح. و إنّما الشأن في إثبات ما تقتضيه القاعدة الأولية عند بقاء المحلّ السهوي دون العمدي، و الظاهر أنّ القاعدة لا تقتضي وجوب العود، لأنّ المحلّ السهوي إنّما استفدناه من حديث «لا تعاد» (1)و حديث «لا تعاد» يختص بصورة العلم بالفوات لا الشكّ، و المفروض أنّ في المقام يشكّ في فوات السجدتين أو السجدة الواحدة من الركعة التي قام عنها، لاحتمال فواتهما من الركعة السابقة عليها. فالمقام لا يكون مشمولا لحديث «لا تعاد» المقتضي لوجوب التدارك و حينئذ لم يبق لنا دليل على وجوب العود إلّا لكونه طرفا للعلم الإجمالي المنحلّ ببركة قاعدة الشكّ في الوقت على ما تقدّم. هذا تمام الكلام في الشكّ بين السجدة و السجدتين أو العلم بالسجدتين، و الشك في كونهما من ركعة أو ركعتين، و قس على ذلك جميع موارد تردّد الأمر بين الركن و غير ذلك، إذ المناط في الجميع واحد. و إنّما التفاوت في كثرة أطراف العلم الإجمالي و قلّته، حيث إنّه عند دوران الأمر بين السجدة و السجدتين يكون للعلم طرفان، و إن دار الأمر بين السجدتين من ركعة أو ركعتين مع العلم بفوات السجدتين يكون للعلم أطراف ثلاثة، كما لا يخفى. فتأمّل
1) الوسائل: ج 3 ص 227 باب 9 من أبواب القبلة، ح 1.
في أطراف المسألة حتّى لا يختلط عليك الأمر. هذا كلّه لو حصل العلم في الوقت، سواء علم بعد الفراغ من الصلاة، أو في أثنائها، على التفصيل المتقدّم.
و أمّا لو علم في خارج الوقت، فالأصول النافية و المثبتة في جميع الأطراف متعارضة. و لم يكن هناك أصل مثبت التكليف غير معارض فلا بدّ له حينئذ من الأخذ بالاحتياط، و العمل بأطراف العلم الإجمالي من قضاء الصلاة و قضاء السجدة أو السجدتين، مع سجود السهو. إذ قاعدة الشكّ بعد الوقت المقتضية لعدم القضاء مع أصالة البراءة عن القضاء يتعارضان مع أصالة البراءة عن قضاء السجدة، لأنّه لا فرق في تعارض الأصول بين أن يكون في كلّ طرف أصل واحد، أو يكون في بعض الأطراف أصول متعدّدة متوافقة في المؤدّى، فإنّ الأصل الواحد يعارض ألف أصل مع التوافق في المؤدّى، و على تقدير تسليم المنع عن ذلك نقول:
إنّ أصالة البراءة عن وجوب القضاء معارض بأصالة البراءة عن قضاء السجدة، و حينئذ يبقى في قضاء الصلاة قاعدة الشكّ بعد الوقت المقتضية لعدم القضاء. و لكنّ مجرّد بقاء ذلك لا ينفع في انحلال العلم، لأنّ العلم لا ينحلّ إلّا بأصل مثبت للتكليف يحتمل انطباق المعلوم بالإجمال عليه. و أمّا مجرّد ثبوت أصل ناف للتكليف غير معارض بمثله لا ينفع في انحلال العلم، كما أوضحناه في محلّه.
و بذلك يندفع ما ربّما يتوهّم في المسألة السابقة و هي ما إذا كان الشكّ في الوقت من أنّه بعد تعارض الأصول يرجع إلى أصالة صحّة الصلاة السليمة من المعارض. و ربّما حكي عن بعض الميل إلى ذلك، و لكنّ فيه (أولا) أنّه لا نعقل معنى لأصالة الصحّة في الصلاة سوى قاعدة التجاوز و الفراغ.
(و ثانيا) أنّها على تقدير كونها أصلا على حدة فغايته أنّه بالنسبة إلى فوات الركن يتحقّق أصلان يقتضيان عدم فواته، من قاعدة التجاوز و الفراغ، و من أصالة الصحّة، و هما يعارضان قاعدة التجاوز في غير الركن.
(و ثالثا) هب أنّه تبقى أصالة الصحّة سليمة عن المعارض إلّا أنّها لمّا كانت من الأصول النافية للتكليف، فلا أثر لها في انحلال العلم الإجمالي ما لم يكن في الطرف الآخر أصل مثبت للتكليف يوافق المعلوم بالإجمال، فتأمّل جيّدا.
هذا تمام الكلام في فوات الأركان و ما يتردّد بين فواتها و فوات غيرها، فيقع الكلام حينئذ في فوات غير الأركان، و قد قسّم المحقّق- قدّس سرّه- في الشرائع ذلك على أقسام ثلاثة: (الأول) ما لا يوجب فواته شيئا لا تداركه و لا سجدتي السهو. (الثاني) ما يوجب التدارك من دون سجدتي السهو. (الثالث) ما يوجب التدارك و سجدتا السهو معا (1).
، فإنّ نسيانها لا يوجب شيئا. و يدلّ على ذلك قوله عليه السّلام «قد تمّت صلاته و لا شيء عليه» (2)عند السؤال عن نسيان الفاتحة.
فإنّ الظاهر منه عدم إيجاب نسيان الفاتحة شيئا. و دعوى أنّ قوله عليه السّلام «يسجد سجدتي السهو لكلّ زيادة و نقيصة» (3)يعمّ نسيان الفاتحة، و يكون مقتضى الجمع بين الأدلّة هو حمل «لا شيء عليه» في نسيان الفاتحة على نفي القضاء فقط، و حينئذ يجب عليه سجدتا السهو، فهي فاسدة لما سيأتي من عدم عمل الأصحاب بهذا العموم، كما حكي عن الشهيد- قدّس سرّه- ذلك (4). مضافا إلى ما قيل من أظهريّة نفي الشيء في عدم وجوب سجدتي السهو، بعد قيام الإجماع على عدم وجوب قضاء الفاتحة [على] من يسجد سجدتي السهو لكلّ زيادة
و نقيصة الشامل بعمومه نقص الفاتحة. و على كلّ حال الظاهر أنّه لا إشكال في المسألة.
، فإنّ نسيانها لا يوجب شيئا، من غير فرق بين أن تذكر قبل الركوع أو بعد الركوع، لا لأنّ الجهر و الإخفات من شرائط الصلاة حال القراءة، حتّى يقال بفوات محلّها بمجرّد الخروج عن القراءة، بل بمجرّد الخروج عن الكلمة التي نسي الجهر بها أو الإخفات بها، لأنّ كون الجهر و الإخفات من شرائط الصلاة حال الفاتحة محلّ إشكال، لاحتمال كونهما من شرائط نفس الفاتحة. فالعمدة في المقام هو ما دلّ على عدم البأس عند نسيان الجهر و الإخفات أو الجهل بهما الشامل بإطلاقه ما تذكّر قبل الركوع و قد تقدّم البحث منّا في ذلك في مبحث القراءة.
، أو الذكر فيه أو في السجود لأنّ كلّ ذلك من الواجبات الخارجة الغير المقوّمة للركنيّة، فبمجرّد الخروج عن الركن يفوت محلّها، لاستلزام العود زيادة الركن. و قد تقدّم البحث عن جميع ذلك عند البحث عن مفاد صحيحة «لا تعاد» (1)فلا يهمّنا إعادة الكلام فيه.
و يجمع هذا القسم- أي القسم الأول الذي ذكر في الشرائع و هو ما لا يستلزم فواته التدارك و سجدتي السهو- أمور ثلاثة: (الأول) ما كان جزء للصلاة، و قد دخل في الركن اللاحق. (الثاني) ما كان شرطا للصلاة في حال الجزء، و قد خرج عن ذلك الجزء. (الثالث) ما كان واجبا في الركن، و لكن غير مقوّم لركنيّته، فالأول كالفاتحة، و الثاني كالجهر و الإخفات على أحد المحتملين فيهما، و الثالث كالذكر و الطمأنينة في حال الركوع و السجود، فإنّ فوات جميع ذلك لا يستلزم شيئا.
1) الوسائل: ج 3 ص 227 باب 9 من أبواب القبلة، ح 1.
و تذكّر قبل الدخول في الركوع، فإنّه يلزم العود إلى قراءة الفاتحة و إعادة السورة أيضا، فإنّ السورة التي قرأها كانت في غير محلّها، فيلزمه سورة أخرى بعد قراءة الحمد. و في لزوم إعادة تلك السورة التي قرأها وجهان: من احتمال تعيّنها عند إرادة فعلها، غايته أنّه فعلها وقع في غير محلّه، و لكنّها بالإرادة تعيّنت عليه، كما حكى شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- دلالة بعض الآخر على تعيين السورة عند إرادتها، و ليس له العدول عمّا أراد حيث إنّ إطلاق ذلك يشمل ما نحن فيه، فتأمّل. و من استصحاب بقاء التخيير الثابت قبل قراءة السورة، مع أنّه على فرض تعيّن السورة بالإرادة نمنع كون مثل هذه الإرادة الواقعة قبل الفاتحة موجبا للتعيين.
، فإنّه يلزمه العود لتدارك الركوع و هو ممّا لا إشكال فيه إنّما الإشكال في كيفية العود، و أنّه هل يلزمه الانتصاب ثمّ الركوع. أو يعود منحنيا إلى حدّ الراكع، أو التفصيل بين ما إذا نسي الركوع بعد ما هوى بقصده فلا يلزمه الانتصاب أو لا بهذا القصد فيلزمه الانتصاب؟ وجوه قد تقدّم البحث عن ذلك في مبحث القيام. و الأقوى من هذه الوجوه هو لزوم الانتصاب مطلقا. لأنّه لم يتحقّق منه الركوع عن قيام، و قد تقدّم أنّه لا بدّ من أن يكون الركوع عن قيام بحيث يكون التقوّس من مبدئه إلى وصوله إلى حدّ الراكع للركوع، فلو لم يكن تقوّسه لذلك بل لغرض آخر، أو كان بعض تقوّسه لغرض آخر، كما إذا نسي الركوع بعد أن هوى بقصده قبل الوصول إلى حدّ الراكع لم يتحقّق منه الركوع عن قيام، إذ ليس هناك واجبان قيام و ركوع حتّى يقال إنّه كان قائما. فلا يعتبر عند نسيان الركوع الانتصاب بل يكفي العود منحنيا إلى حدّ الراكع، بل الواجب هو الركوع من قيام، بحيث لم يتخلّل بين الركوع
و القيام شيء بل مطلق عدم التخلّل لا يكفي، بل يعتبر أن يكون من مبدأ تقوّسه إلى آخره بقصد الركوع، و حينئذ لا فرق بين لزوم الانتصاب عند نسيان الركوع بين نسيانه من مبدأ التقوّس، كما إذا هوى للسجود بتخيّل أنّه قد ركع، أو نسي ذلك في أثناء التقوّس. نعم لو كان نسيانه بعد الوصول إلى حدّ الركوع كان ذلك من نسيان الطمأنينة و الذكر، و خرج من مفروض الكلام من نسيان الركوع.
للركعة اللاحقة، فإنّه يلزمه العود للتدارك. و ما يظهر من بعض الكلمات من الفرق بين السجدة الواحدة فيعود للتدارك، و بين السجدتين فلا يعود بل تبطل صلاته، فليس له مستند إذا كان محلّ التدارك باقيا، كما يدلّ عليه صحيحة «لا تعاد» (1)فلا فرق بين السجدة و السجدتين، و إن لم يكن باقيا فلا فرق أيضا و ذلك واضح.
، فإنّه يلزمه العود لتدارك التشهّد.
ثمّ إنّ شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- قد تعرّض في المقام لفرع من فروع قاعدة الشكّ بعد المحلّ، و هو أنّه لو نسي التشهّد و قام و بعد ما قام شكّ في فوات سجدة واحدة أو سجدتين فهل هذا يكون من الشكّ بعد تجاوز المحلّ حتّى لا يكون له الاعتناء بالشكّ فيعود و يتشهّد فقط، أو أنّه ليس من الشكّ بعد المحلّ، بل يلزمه العود إلى المشكوك ثمّ التشهّد؟ و المسألة مبنية على أنّ القيام الذي يجب هدمه لتدارك التشهّد هل هو مندرج في الغير الذي يعتبر في قاعدة التجاوز، أو أنّه غير مندرج في ذلك؟ و ينبغي أن يعلم أولا أنّه ليس مطلق الغير محقّقا لقاعدة التجاوز، بل لا بدّ من أن يكون ذلك الغير من الأجزاء المترتّبة على المشكوك،
1) الوسائل: ج 3 ص 227 باب 9 من أبواب القبلة، ح 1.
سواء كان من الأجزاء الواجبة أو المستحبّة على ما سيأتي بيانه. فلو قام لغرض غير صلاتي كقتل عقرب مثلا ثمّ شكّ في السجود أو التشهّد، فليس ذلك من الغير المحقّق لقاعدة التجاوز قطعا.
إذا عرفت ذلك فنقول في المقام: إنّه تارة يعلم أولا بنسيان التشهّد ثمّ يشكّ في فعل السجود، و اخرى يتقارن العلم و الشكّ في زمان واحد. و ثالثة يتأخّر العلم بنسيان التشهّد عن الشكّ في السجود.
أمّا الأول فلا ينبغي الإشكال في عدم جريان قاعدة التجاوز بعد المحلّ، لأنّ الشكّ إنّما حصل بعد حكم الشارع بهدم القيام، و أنّ هذا القيام لغو، و ليس من أجزاء الصلاة، على ما عرفت في معنى حديث «لا تعاد» و أنّه ما لم يدخل في الركن يكون محلّ التشهّد باقيا، فهذا القيام بعد العلم بنسيان التشهّد كقيامه لقتل العقرب ممّا لا عبرة به، و غير محقّق لقاعدة التجاوز.
و يلحق بهذا القسم الثاني: و هو ما إذا عرض العلم و الشكّ في زمان واحد و إن لم يكن بذلك الوضوح، إلّا أنّه عند التأمّل مثله، و ذلك لأنّ حال الشكّ في السجود هو حال حكم الشارع بهدم القيام، فلا عبرة بالقيام الذي لم يكن من أجزاء الصلاة، و لا يكون «مندرجا في الغير الذي يكون محقّقا لقاعدة التجاوز.
و أمّا القسم الثالث فربّما يتوهّم جريان قاعدة التجاوز فيه، لأنّه شكّ قبل العلم بالنسيان، و قد حكم عليه شرعا بعدم الاعتناء بالمشكوك، غايته أنّه بعد العلم بنسيان التشهّد يحكم عليه بوجوب الرجوع إلى التشهّد. و لكنّ هذا لا يوجب عود محلّ المشكوك بعد ما حكم عليه الشارع بتجاوز محلّه، هذا. و لكن مع ذلك لا يستقيم لما عرفت في معنى حديث «لا تعاد» من أنّه لو نسي جزء و أتى بالجزء المترتّب عليه يكون أمر ذلك الجزء مراعى، فإن تذكّر قبل الركوع يلغى ذلك
الجزء و لا يحكم عليه بأنّه جزء الصلاة، بل يستكشف من تذكّره قبل الركوع أنّه حال وقوعه لم يقع على صفة الجزئية. و إن لم يتذكّر حتّى دخل في الركن يقع ذلك الجزء جزء للصلاة، و يستكشف أنّه حال وقوعه كان جزء للصلاة.
و حينئذ نقول في المقام: إنّ القيام الواقع بعد نسيان التشهّد لا يحكم عليه بكونه جزء للصلاة إلى حال الدخول في الركوع، و المفروض أنّه علم بنسيان التشهّد قبل الدخول في الركوع، فيستكشف أنّ القيام لم يكن في محلّه، و كان خارجا عن أجزاء الصلاة، فلا يكون من الغير المحقّق لقاعدة التجاوز. و حكم الشارع بتجاوز المحلّ بمجرّد الشكّ قبل العلم بنسيان التشهّد إنّما يكون ظاهريّا، قد كشف خلافه بالعلم بنسيان التشهّد.
فالأقوى في جميع الأقسام الثلاثة هو وجوب تدارك المشكوك، و عدم اندراجه في قاعدة الشكّ في المحلّ فتأمّل في المقام جيّدا.
و على كلّ حال قد عرفت أنّ نسيان التشهّد أو السجدة الواحدة لا يوجب بطلان الصلاة بل إن تذكّر قبل الركوع عاد إليهما، و إن تذكّر بعد الركوع مضى في صلاته و يلزمه قضاؤهما مع سجدتي السهو. أمّا سجدتا السهو فسيأتي البحث عنهما في محلّه مفصّلا إن شاء اللّٰه.
و أمّا القضاء بعد الصلاة فهو ممّا لا إشكال فيه، و ليس في الأجزاء المنسية قضاء سوى التشهّد و السجدة الواحدة. نعم في بعض الأخبار ما يدلّ على لزوم قضاء كلّ جزء فات و إن كان غير التشهّد و السجود كخبر عبد اللّٰه بن سنان: إن نسيت شيئا من الصلاة ركوعا أو سجودا أو تكبيرا، ثمّ ذكرت فاصنع الذي فاتك (1)أو فاقض الذي فاتك. على اختلاف النسخ، و خبر حكم بن حكيم في
1) الوسائل: ج 5 باب 26 من أبواب الخلل، ح 1، اضافة كلمة (سواء) في آخر الحديث.
رجل نسي من صلاته ركعة أو سجدة أو شيء منها ثمّ يذكر بعد ذلك قال:
يقضي ذلك بعينه قلت: أ يعيد الصلاة؟ قال: لا (1).
فإنّ إطلاق ذلك يشمل التشهّد و السجدة و غيرهما هذا. و لكن مع ما في خبر عبد اللّٰه بن سنان من اضطراب المتن من حيث إنّه نقل فاصنع و نقل فاقض الذي فاتك سواء أو سهوا على اختلاف النقل أيضا، لا يمكن العمل بإطلاق ذلك لعدم عمل الأصحاب به، بل بناء الأصحاب على عدم قضاء الأجزاء المنسية، ما عدا التشهّد و السجدة الواحدة.
و على كلّ حال يدلّ على لزوم قضاء السجدة الواحدة صحيح إسماعيل بن جابر عن الصادق عليه السّلام في رجل نسي أن يسجد السجدة الثانية حتّى قام فذكر و هو قائم أنّه لم يسجد. قال: فليسجد ما لم يركع، فإذا ركع فذكر بعد ركوعه أنّه لم يسجد فليمض على صلاته حتّى يسلم، ثمّ يسجدها فإنها قضاء (2). و في معناه عدّة من الروايات التي تدلّ على قضاء السجدة الواحدة بعد الصلاة، و في ذيل بعضها ما يدلّ على نفي سجود السهو و سيأتي الكلام في ذلك في محلّه.
و على كلّ حال لا ينبغي الإشكال في لزوم قضاء السجدة، و عدم لزوم إعادة الصلاة من أجلها، خلافا للمحكي عن المعاني و ثقة الإسلام من القول بفساد الصلاة لخبر المعلّى بن خنيس سألت أبا الحسن الماضي في الرجل ينسى السجدة من صلاته. فقال: إذا ذكرها قبل ركوعها سجدها و بنى على صلاته ثمّ سجد سجدتي السهو بعد انصرافه، و إن ذكرها بعد ركوعه أعاد الصلاة و نسيان السجدة في الأولتين و الأخيرتين سواء (3).
و لكن لا يخفى عليك أنّه لا يمكن الاعتماد بخبر المعلّى لعدم عمل الأصحاب به في المقام. مع احتمال أن يكون المراد من السجدة جنس السجدة المنطبق على السجدتين، و إعادة الصلاة حينئذ يكون على القاعدة.
ثمّ إنّه لا فرق في عدم بطلان الصلاة بنسيان السجدة الواحدة بين نسيانها من الركعتين الأوليتين أو الركعتين الأخيرتين خلافا للمحكي عن المفيد (1)- رحمه اللّٰه- و غيره من لزوم استقبال الصلاة إذا كانت السجدة من الأوليتين، اعتمادا على صحيح البزنطي عن أبي الحسن عليه السّلام سألته عن رجل صلّى ركعة ثمّ ذكر- و هو في الثانية و هو راكع- أنّه ترك سجدة من الاولى فقال عليه السّلام: كان أبو الحسن يقول: إذا تركت السجدة في الركعة الاولى و لم تدر واحدة أم اثنتين استقبلت الصلاة- كما عن الكافي- أو استقبلت- كما عن التهذيب- حتّى يصحّ لك أنهما اثنتان (2). و زاد في التهذيب: و إذا كان في الثالثة و الرابعة فتركت سجدة بعد أن تكون قد حفظت الركوع أعدت السجود (3). هذا.
و لكن لا يمكن الاعتماد على هذا الصحيح للقول ببطلان الصلاة إذا كان المنسي سجدة واحدة من الركعتين الأوليتين و ذلك لاضطراب متنه، و عدم تبيّن المراد منه. فإنّ السائل إنّما فرض ترك سجدة واحدة و لم يفرض صورة تردّده بين كونها واحدة أو اثنتين، فما معنى قوله عليه السّلام: «و لم تدر واحدة أم اثنتين» و ربّما حمل ذلك على صورة الشكّ في الركعة، و أنّه لم تدر صلّيت ركعة أو ركعتين، و لكن يبعد هذا فرض السائل كونه في الركعة الثانية و على كلّ حال لا تخلو الرواية عن الإشكال و الاضطراب. لأنّه يحتمل أن يكون المراد الشكّ في الركعة الأولى
و الثانية، كما يحتمل أن يكون المراد الشكّ في السجدة الواحدة و الاثنتين.
و لا مرجّح لأحد الاحتمالين و معه لا يجوز رفع اليد عمّا دلّ على عدم البطلان بنسيان السجدة بل في بعضها التصريح بالركعتين الأوليتين، كما في ذيل خبر معلّى بن خنيس. و كما في رواية محمّد بن منصور سألته عن الذي ينسى السجدة الثانية من الركعة الثانية أو شكّ فيها فقال عليه السّلام: إذا خفت أن لا تكون وضعت جبهتك إلّا مرّة واحدة فإذا سلّمت سجدت سجدة واحدة و تضع جبهتك مرّة [واحدة] و ليس عليك سهو (1).
و بذلك يقيّد إطلاق ما دلّ على سلامة الصلاة بسلامة الأولتين، حيث إن إطلاقه يدلّ على اعتبار السلام في الأولتين بقول مطلق، من حيث الأجزاء و من حيث الركعات. و لكن بعد ورود الدليل على أنّ نسيان السجدة الواحدة لا يضرّ بسلامة الصلاة، يجب حمل ذلك على أنّ المراد بالسلامة السلامة في الركعات، فيوافق ما دلّ على أنّ الأولتين لا يدخلهما شك. و أنّه لا بدّ من إحرازهما.
ثمّ إنّ ظاهر الأخبار وجوب كون قضاء السجدة بعد التسليم و الانصراف.
و بذلك يقيّد ما دلّ بإطلاقه على جوازها في أثناء الصلاة، و ظهور بعض في خصوص الأثناء لا عبرة به، لعدم العمل به. كما أنّ التفصيل بين السجدة من الركعة الاولى و غيرها بجواز قضائها في الأثناء دون غيرها، ممّا لا دليل عليه. هذا تمام الكلام في نسيان السجدة.
و أمّا نسيان التشهّد فيجب أيضا قضاؤه بعد الصلاة، و يدلّ عليه خبر علي بن أبي حمزة قال أبو عبد اللّٰه: إذا قمت في الركعتين الأولتين و لم تتشهّد، فذكرت قبل أن تركع، فاقعد و تشهّد و إن لم تذكر حتّى تركع فامض في صلاتك كما أنت،
1) الوسائل: ج 4 ص 970 باب 14 من أبواب السجود، ح 6، و فيه وجهك بدل جبهتك.
فإذا انصرفت سجدت سجدتين لا ركوع فيهما ثمّ تشهّد التشهّد الذي فاتك (1).
و لا يضرّ ما اشتمله من تقديم سجدتي السهو على قضاء التشهّد الذي لا نقول به للاستدلال به على وجوب قضاء التشهّد.
ثمّ إنّ الظاهر أنّه لا فرق بين التشهّد الأول و الثاني. فإنّه إذا نسي التشهّد الثاني و سلّم و أتى بما ينافي الصلاة عمدا و سهوا، ثمّ تذكّر وجب عليه قضاء التشهّد. و الظاهر أنّه لا يفصّل بين التشهّد الأول و الثاني، إلّا ما يحكى عن بعض.
ثمّ إنّ في وجوب قضاء أجزاء التشهّد كالصلاة على النبي صلّى اللّٰه عليه و آله لو كان هو المنسي وحده إشكال. من حيث عدم شمول أدلّة قضاء التشهّد له، لأنّه اسم للمجموع فلا يعمّ الأجزاء. و توهّم دلالة خبري عبد اللّٰه بن سنان و حكم بن حكيم السابقين على وجوب قضاء الأجزاء، لاندراجها تحت عموم الشيء المذكور فيهما، فليس بشيء. أمّا خبر عبد اللّٰه بن سنان فقد عرفت الاضطراب في متنه، و أمّا خبر حكم بن حكيم فلوهنه بلزوم تخصيص الأكثر، حيث إنّه لا يبقى تحت الشيء المذكور فيه سوى التشهّد و أجزائه، لأنّ السجدة الواحدة مذكورة فيه صريحا، و سائر الأجزاء المنسية لا يجب قضاؤها إجماعا، فيبقى أن يكون المراد من الشيء خصوص التشهّد و أجزائه و هو- كما ترى- فإنّ العموم الذي هذا شأنه لا يصحّ الاعتماد عليه. فالأقوى عدم وجوب قضاء أجزاء التشهّد خصوصا الصلاة على محمّد و آله صلوات اللّٰه عليهم. هذا تمام الكلام في حكم الخلل المقطوع وقوعه في الصلاة.
1) الوسائل: ج 5 ص 341 باب 26 من أبواب الخلل ح 2.
و أمّا الخلل المشكوك وقوعه فيها، فتفصيل القول فيه هو أنّ الشكّ، إمّا أن يكون في الأجزاء و إمّا أن يكون في الركعات. و على الثاني إمّا أن يكون في الركعتين الأخيرتين من الرباعية، و إمّا أن يكون في أولييها أو في الصلاة الثنائية أو الثلاثية. ثمّ الثنائية إمّا أن تكون نافلة بالأصل و بالفعل، و إمّا أن تكون نافلة بالأصل دون الفعل و هي النفل الذي طرأ عليه الفرض بالنذر و شبهه، و إمّا تكون نافلة بالفعل دون الأصل، و هو الفرض الذي طرأ عليه النفل كالمعادة جماعة، و كالعيدين على إشكال فيهما، يأتي الإشارة إليه إن شاء اللّٰه تعالى.
و الكلام في المقام إنّما هو في الشكّ في الركعات دون الأجزاء، لأنّ البحث عن ذلك يأتي فيما بعد. و قد عرفت أنّ الشكّ في الركعات إمّا أن يكون في الرباعيّة، و إمّا أن يكون في غيرها من الثنائية و الثلاثية. و ما كان في الرباعية إمّا أن يكون في الأوليين، و إمّا أن يكون في الأخراوين. إذا عرفت ذلك فنقول: إنّه لا إشكال في بطلان الصلاة بالشكّ في الأوليين من الرباعية و في الثنائية كالصبح و الثلاثية كالمغرب، لاستفاضة الروايات بذلك و هي على طوائف: منها: ما دلّت على أنّ العشر ركعات التي فرضها اللّٰه ليس فيها وهم و لا شكّ و هي كثيرة. و منها ما دلّ على بطلان صلاة الجمعة بالشكّ فيها معلّلا بأنّها ركعتان. و منها ما دلّ على بطلان صلاة المغرب و الصبح بالشكّ، و ما دلّ على عدم بطلان صلاة المغرب و الصبح بالشكّ في ركعاتها فمطروح، لموافقته للتقيّة، بل يستشمّ من نفسه رائحة التقيّة كما لا يخفى على المراجع المتأمّل فالمسألة ممّا لا إشكال فيها.
ثمّ إنّ مقتضى التعليل الوارد في ذيل صلاة الجمعة هو أنّ كلّ صلاة ثنائية تبطل بالشكّ فيها، و القدر المتيقّن خروجه عن عموم العلّة هي النافلة فعلا
و أصالة، فيندرج في العموم ما طرأ عليه النفل أو ما طرأ عليه الفرض.
نعم في خصوص صلاة العيدين إشكال من حيث إنّها نافلة في زمان الغيبة، و لكن كونها كذلك أصالة حتّى يكون زمان الحضور و الغيبة من قبيل السفر و الحضر منوّعا لصلاة العيدين، و تخرج عن كونها فرضا طرأ عليها النفل محلّ إشكال. و المحكي عن ظاهر الفقهاء أنّهم بنوا على أنّها فرض طرأ عليها النفل، لا أنّها بالأصالة نوعان، فرض و هو ما كان في زمان الحضور، و نفل و هو ما كان في زمان الغيبة. و على أنّها نوعان فالشك فيها في زمان الغيبة غير مبطل، لأنّها نفل بالأصالة و بالفعل.
و إن قلنا إنّها فرض طرأ عليها النفل، فالشكّ فيها مبطل، لما عرفت من أنّ الخارج عن عموم التعليل الوارد في ذيل بطلان صلاة الجمعة بالشكّ فيها، هو ما كان نفلا أصالة و عارضا، كما يقتضيه مناسبة الحكم و الموضوع أيضا، لمكان التسهيل في النافلة، مضافا إلى أنّ خصوص عنوان صلاة الصبح و المغرب و الجمعة منصوص، و طروء النفل على ذلك باستحباب الإعادة أو غير ذلك، لا يوجب خروجها عن العنوان الذي علّق عليه الحكم، إذا تمهّد هذا فيقع
بين أن يقع الشكّ في طرف النقيصة، كالركعة و الركعتين، أو في طرف الزيادة كالاثنتين و الثلاث في الصبح، و الثلاث و الأربع في المغرب، لأنّ الظاهر ممّا دلّ على لزوم حفظهما أو إحرازهما، هو لزوم الحفظ من كلا طرفي الزيادة و النقيصة. و أمّا الركعتان من الرباعية، فالمعتبر هو حفظهما من طرف النقيصة لا الزيادة، لما دلّ على أنّ الشكّ بين الاثنتين و الثلاث فيها غير موجب للبطلان، بل يبني على الثلاث، و يحتاط بركعة على ما سيأتي بيانه.
، حيث إنّ الطريقية ذاتية لليقين و قائمة به، و المتبادر منه عند إطلاقه هو ذلك، فاعتباره على نحو الصفتية يحتاج إلى عناية زائدة، و إلّا هو بنفسه يقتضي الطريقية. و هذا هو الأصل في كلّ مورد اعتبر اليقين فيه، حتّى في مثل الشهادة التي ورد فيها قوله عليه السّلام: «إن كان مثل هذا فاشهد» (1).
و حينئذ تقوم الطرق و الأمارات و الأصول المحرزة مقامه كما بيّناه في محلّه، فالظنّ يقوم مقام اليقين في الثنائية و الثلاثية و أوليي الرباعية. نعم الاستصحاب لا يقوم مقامه في المقام، و إن كان يقوم مقامه في سائر المقامات و ذلك لإلغاء الشارع الاستصحاب في باب الصلاة، بل الظاهر من قوله عليه السّلام:
«لا يدخلهما الشكّ». هو أنّ الشكّ مبطل لهما و المفروض أنّ الشكّ في باب الاستصحاب أخذ موضوعا، و الحكم الذي رتّب على نفس الشكّ لا يمكن أن يجري الاستصحاب فيه، لأنّ الاستصحاب إنّما يجري بالنسبة إلى الآثار المترتّبة على الواقع عند الشكّ، و في المقام الشكّ تمام الموضوع للحكم بوجوب الإعادة، فلا يجري فيه الاستصحاب، فتأمّل جيّدا (2).
، إذ لا إشكال في أنّه لو تبدّل شكّه باليقين صحّت صلاته، و لو كان حدوثه مبطلا لما كان وجه لذلك، بل يعتبر في بطلان الشكّ استقراره، و بعد استقراره ليس الجري و المضيّ في جزء من أجزاء حال كونه شاكّا، و إن علم زوال شكّه بعد ذلك، كما إذا كان في السجود و شكّ في أنّ ما بيده هي الأولى أو الثانية، و كان هناك مصلّ في جنبه قد
شرع معه في الصلاة، و يعلم أنّه لو رفع رأسه من السجود يتبيّن حاله من أنّ ما بيده هي الأولى أو الثانية، باعتبار المصلّي الذي في جنبه، و مع ذلك ليس له رفع الرأس من السجود، لأنّ هذا مضى على شكّه. و قد منع عنه في الأخبار كما في صحيحة ابن أبي يعفور: إذا شككت فلم تدر في ثلاث أنت، أم في اثنتين، أم في واحدة، أم في أربع، فأعد و لا تمض على الشكّ (1)، فتأمّل.
، لتعسّر ذلك بل تعذّره، بل المراد أنّ في كلّ آن التفت إلى حاله، كان على يقين من عدد الركعتين غير شاكّ فيهما. و الحاصل:
أنّه لا ينافي غيبوبة المعنى عن الذاكرة مع بقائه في الحافظة عند الالتفات، و إنّما المنافي هو غيبوبة المعنى عن الحافظة أيضا، بحيث لو التفت إلى حاله لم يحصل له الجزم بأحد الطرفين، و بقي متردّدا لا يدري ما فعل.
، حتّى يكون حدوثه مبطلا، بل لا بدّ من استمرار الشكّ و استقراره. و حينئذ فهل يجب عليه التروّي أو لا يجب، بل يجوز له قطع الصلاة و استئنافها؟ الظاهر نعم، لاحتمال تمكّنه من الإتمام بزوال شكّه، و مع احتمال التمكّن يجب الفحص، كما هو الشأن في جميع موارد الشكّ في القدرة، غايته أنّ الفحص يختلف بحسب الموارد، فالفحص في سائر المقامات عبارة عن النظر إلى الخارج، و التجسّس في مظانّ وجود الشيء و الفحص في المقام عبارة عن النظر إلى الباطن، و التجسّس في مظان وجود المعنى في القوّة الحافظة، حتّى يحصل له اليأس عن زوال شكّه. مع أنّ مقتضى الاستصحاب حرمة القطع بعد كون الشكّ بنفسه غير مبطل. و ليس
1) الوسائل: ج 5 ص 328 باب 15 من أبواب الخلل، ح 2.
إطلاق يقتضي جواز القطع فتأمّل (1).
ثمّ إنّ حدّ الفحص هو اليأس من زوال شكّه، كما أنّ ذلك هو الحدّ في جميع موارد وجوب الفحص. و بعد حصول اليأس يرفع اليد عن صلاته، و لا يحتاج إلى السكوت الطويل، بحيث يحصل محو الصورة، كما في بعض الكلمات. إذ بعد حصول اليأس تبطل صلاته قهرا لعدم طريق له إلى الإتمام، فلا موجب لانتظار مبطل آخر، فما عن بعض الأعلام من الاحتياط لا وجه له.
، فإن كان قد نوى التمام فلا إشكال في الصحّة، و البناء على عمل الاحتياط. و إن لم ينو شيئا لا التمام و لا القصر بناء على جواز ذلك، فلا إشكال في أنّه عند عروض الشكّ ينوي التمام، و تصحّ صلاته، بل يجب عليه نية التمام لتمكّنه من إتمام الصلاة بذلك، فيتحقّق موضوع حرمة القطع، و إن نوى القصر ثمّ عرض له الشكّ بين الاثنين و الثلاث. فإن قلنا: بأنّ القصر و التمام نوعان متباينان و حقيقتان مختلفتان كالظهر و العصر، فينبغي بطلان صلاته حينئذ، لأنّ المفروض أنّه قد نوى القصر، فتكون صلاته حينئذ من الثنائية التي لا يدخلها الشكّ.
فإن قلت: هب أنّهما نوعان متباينان، إلّا أنّه يجوز العدول من القصر إلى التمام في مواضع التخيير- كما يأتي بيانه في محلّه- و بعد جواز العدول يجب عليه العدول لتمكّنه من الإتمام، و إرجاع الشكّ إلى الشكّ في الرباعية، كما إذا لم ينو القصر. قلت: مجرّد أنّه يجوز العدول عند عدم الشكّ، لا يوجب وجوب العدول عند الشكّ، لأنّ العبرة في إمكان الإتمام هو إمكان إتمام ما بيده من الحقيقة، و أمّا إرجاع تلك الحقيقة إلى حقيقة أخرى، فهذا ليس من إمكان إتمام ما بيده.
1) فإن في جريان الاستصحاب اشكالا. «منه».
و بالجملة: يكون جواز العدول حينئذ على خلاف القاعدة، لأنّ إبطال حقيقة و إرجاعها إلى حقيقة أخرى، يحتاج إلى دليل قويّ. و ما قلنا من أنّه يجب الإتمام عند التمكّن منه، فإنّما هو فيما أمكنه إتمام ما بيده. فالمقام يكون كمن شكّ في المغرب بين الاثنين و الثلاث و كان عليه فائتة ظهرية، فإنّه لا يجوز له العدول إلى الظهر بتوهّم أنّه يمكنه الإتمام، فيجب. و السرّ في ذلك هو ما عرفت، من أنّ إمكان الإتمام إنّما يلاحظ بالنسبة إلى ما بيده من الصلاة، و أمّا إبطالها و العدول إلى صلاة أخرى، فليس ذلك من إتمام الصلاة، هذا إذا قلنا: إنّ القصر و التمام نوعان متباينان، و أمّا إذا قلنا: إنّهما مندرجان في نوع واحد و حقيقة فأرده، فلوجوب العدول إلى التمام وجه، و لا ينافي اندراجهما تحت نوع واحد كون التخيير بينهما شرعيّا، لأنّ كون التخيير شرعيّا إنّما هو لمكان عدم جامع قريب عرفيّ بينهما، إذ لا جامع بين الشيء بشرط لا و الشيء بشرط شيء، فهما من هذه الجهة متباينان و إن كانا نوعا واحدا و حقيقة فأرده، من حيث إنّ كلا منهما صلاة ظهر و ليسا كصلاة الظهر و العصر.
و هذا الوجه هو الأقوى و عليه يجب العدول إلى التمام، كما إذا لم ينو القصر من أول الأمر هذا. و لكنّ لازم ذلك هو وجوب نية الإقامة على المسافر الذي شكّ في صلاته القصرية بين الاثنين و الثلاث، لتمكّنه من إتمام الصلاة بنية الإقامة و العدول إلى أربع ركعات، فتأمّل في أطراف المسألة جيّدا.
، فتارة يكون شكّه على وجه يرجع إلى الشكّ في عدد الركعات، كما إذا شكّ في الركوع الخامس أو السادس بحيث كان أحد طرفي شكّه الركوع الخامس و الآخر السادس فإنّ الشكّ على هذا الوجه يرجع إلى الشكّ في الركعة الأولى أو الثانية، و اخرى لا يرجع شكّه إلى ذلك كما إذا شكّ في الركوع الأول و الثاني، أو الثاني و الثالث، أو
الثالث و الرابع، أو الرابع و الخامس أو السادس و السابع، و هكذا. فإن رجع شكّه إلى الشكّ في عدد الركعات، فلا إشكال في البطلان لأنّها صلاة ثنائية يبطلها الشكّ. و إن لم يرجع شكّه إلى ذلك، فالأولى رعايته قاعدة الشكّ في المحلّ و خارجه، فإن كان شكّه في المحلّ أتى به و إن كان شكّه في خارج المحلّ لم يلتفت إليه، كما إذا شكّ بين الرابع و الخامس و هو في السجود، أو التاسع و العاشر كذلك. و الظاهر أنّه لا يتصوّر الشكّ خارجا إلّا في هاتين الصورتين كما لا يخفى، هذا. و لبعض الأصحاب تفصيل في صلاة الآيات عند الشكّ في الركوعات، فراجع و تأمّل فيه. فإنّ الظاهر أنّ تفصيله لا يرجع إلى محصّل، إذ هو تفصيل و تلفيق بلا دليل كما لا يخفى على المراجع. هذا تمام الكلام في الشكّ في عدد الثنائية و الثلاثية و أوليي الرباعية.
ثمّ إنّ الأصحاب عطفوا على ذلك صورة عدم علم المصلّي بأنّه كم صلّى، و الظاهر أنّهم تبعوا في ذلك عنوان الأخبار، حيث ورد هذا العنوان في خبر صفوان عن أبي الحسن عليه السّلام قال: إن كنت لم تدر كم صلّيت و لم يقع وهمك على شيء فأعد الصلاة (1). و لم يظهر لنا وجه لإفراد هذا البحث بالعنوان، لأنّه من صغريات المسألة المتقدّمة لأنّه لو لم يدر كم صلّى فهو شاكّ في الأوليين حتّى يكون لم يدر صلّى واحدة أو اثنتين أو ثلاثة أو أربع. اللّٰهم إلّا أن يقال: إنّه يمكن أن لا يعلم كم صلّى، و مع هذا لم يكن الأوليتان طرف شكّه، كما إذا لم يعلم أنّه صلّى أربعا أو خمسا أو ستّا أو سبعا أو عشرا و هكذا، هذا. و لكنّ الظاهر عدم إرادة هذا المعنى من الخبر، لأنّه خلاف المتعارف، بل المتعارف إنّما هو الشكّ على الوجه الذي ذكرنا، أو الشكّ بين الثلاث و الأربع و الخمس، و غير ذلك من
1) الوسائل: ج 5، ص 327 باب 15 من أبواب الخلل، ح 1.
الصور المتعارفة المحكوم عليها بالصحّة فيما عدا ما ذكرناه من وقوع الأوليين أيضا طرفا لشكّه، إذ هذا هو الذي يحكم عليه بالبطلان، و أمّا ما عدا ذلك من الصور المتعارفة فلا يحكم عليها بالبطلان.
و أمّا وقوع الشكّ على وجه لا يحكم عليه بالصحّة و لا كون الأوليين طرفا لشكّه- كالمثال المتقدّم- فبعيد عن منصرف الخبر، لأنّه خلاف المتعارف. نعم يمكن أنّه لا يدري صلّى شيئا أو لم يصلّ، كما إذا شاهد نفسه في حال القيام بعد التكبير، و لكن يشكّ أنّه هل هذه الركعة الأولى بحيث لم يصلّ بعد شيئا أو الركعة الثانية.
و إلى ذلك أشار خبر علي بن جعفر عليه السّلام عن أخيه موسى عليه السّلام قال:
سألته عن الرجل يقوم في الصلاة فلا يدري صلّى شيئا أم لا قال عليه السّلام:
يستقبل (1). و على كلّ حال يندرج هذا العنوان فيما قدّمناه من الكبرى من بطلان الصلاة إذا كانت الأوليتان طرفا للشكّ.
ثمّ لا يخفى عليك أنّ قوله عليه السّلام: في خبر صفوان «و لم يقع وهمك على شيء» يكون دليلا على اعتبار الظنّ في الأوليين. و ليكن ذلك على ذكر منك حتّى يأتي البحث عنه في محلّه. هذا تمام الكلام في الشكّ في عدد الثنائية و الثلاثية و أوليي الرباعيّة.
و أمّا لو شكّ في الركعتين الأخيرتين من الرباعية بعد إتمام الأوليّتين، فلا إشكال في الصحّة، و العمل بمقتضى الاحتياط. و قبل ذلك ينبغي بيان ما به يتمّ الركعتان الأوليتان و أنّه بم يتحقّق إتمامهما حتّى يكون شكّه من الشكوك الصحيحة، فنقول: فيما به يتمّ الركعتين الأوليتين وجوه، أو أقوال أربعة.
الأول: أنّ إكمال الركعة يحصل بالركوع. لإطلاق الركعة على الركوع في جملة
1) الوسائل: ج 5 ص 328 باب 15 من أبواب الخلل، ح 5.
من النصوص: منها: صلاة الآيات (1)التي أطلق عليها عشر ركعات باعتبار ما فيها من عشر ركوعات. و لكن يرد على هذا الوجه أنّ إطلاق الركعة على الركوع لا يلازم كون الركعة عبارة عن الركوع فقط، لوضوح أنّ الركعة اسم لمجموع ما اعتبر فيها من الأجزاء و لا يمكن القول بأنّ السجود خارج عن واجبات الركعة.
الثاني: أنّ إكمال الركعة يحصل بوضع الجبهة في السجدة الثانية حيث إنّ الذكر من الواجبات التي لا يضرّ فواتها نسيانا و لكن يرد عليه أنّه بعد ما كان الذكر من واجبات السجود فكيف يمكن القول بإكمال الركعة مع عدم الإتيان بواجباتها و مجرّد أنّ نسيانه لا يضرّ لا يلازم عدم كونه من أجزاء الركعة كما أنّ نسيان السجدة الواحدة أيضا لا يضرّ مع أنّها من أجزاء الركعة قطعا.
الثالث: هو تحقّق الإكمال بالذكر الواجب في السجدة الثانية، إذ به يتمّ أجزاء الركعة حيث إنّه آخر واجبات الركعة. فلو شكّ بعد الذكر الواجب يصدق عليه أنّه شكّ بعد إحراز الأوليين، الذي هو الموضوع في أخبار الباب.
و أمّا القول الرابع: و هو اعتبار رفع الرأس من السجدة الثانية، فممّا لا وجه له، لوضوح أنّ رفع الرأس ليس من واجبات السجدة، بل إنّما هو حدّ عدمي فاصل بين الركعة السابقة و الركعة اللاحقة، و لو فرض أنّه واجب فهو من واجبات الصلاة و ليس من واجبات السجود قطعا.
و دعوى أنّه ما لم يتحقّق الرفع منه لا يصدق عليه إكمال الركعة، بل هو بعد في السجود و لو تحقّق منه الذكر الواجب لوضوح أنّه مهما طال سجوده، فهو بعد في السجود و يلزمه أن يكون بعد في الركعة، فيصدق عليه أنّه شكّ و هو بعد في الركعة فلا بدّ من رفع الرأس ليتحقّق الإكمال، فهي واضحة الفساد. إذ لم يقم دليل
1) الوسائل: ج 5 ص 149 باب 7 من أبواب الخلل.
على أنّ الشكّ إذا حصل و هو بعد في الركعة الثانية تبطل صلاته، حتّى يقال:
ما لم يتحقّق منه رفع الرأس عن السجدة الثانية، فهو بعد في الركعة الثانية، بل الذي قام عليه الدليل هو أنّه لا بدّ من إحراز الركعتين الأوليتين، و أنّه لا يتعلّق الشكّ بهما، و هذا إنّما يكون إذا تعلّق الشكّ فيهما قبل فعل أجزائها الواجبة، و أمّا بعد فعل ذلك الذي يتحقّق بالذكر الواجب في السجدة الثانية من الركعة الثانية فيصدق عليه أنّه أحرز الأوليتين، فلا عبرة برفع الرأس حينئذ.
و ممّا ذكرنا يظهر أنّه لا مجال لاستصحاب بقاء الركعة قبل رفع الرأس، فإنّه إن أريد من استصحاب ذلك إثبات كونه بعد في الركعة الثانية، فهذا ممّا لا يحتاج إلى الاستصحاب، للقطع بأنّه بعد في الركعة الثانية، و لكن مجرّد ذلك لا أثر له كما عرفت. و إن أريد إثبات أنّ رفع الرأس من أجزاء السجود و الركعة الثانية، فهذا ممّا لا يمكن إثباته بالاستصحاب كما لا يخفى. فتحصّل أنّ العبرة في إكمال الركعة الثانية بفعل الذكر الواجب. نعم هنا رواية ظاهرها اعتبار وقوع الشكّ بعد ما قام إلى الركعة الثالثة (1)، و هذا يقتضي أنّ رفع الرأس لا يكفي، فضلا عن الذكر الواجب، إلّا أنّه لم يعمل أحد بظاهر الرواية. و يمكن أن يكون القيام إلى الثالثة كناية عن إحراز الأوليتين، فلا ينافي حينئذ ما اخترناه من أنّ العبرة بإتمام الذكر الواجب.
و على كلّ لو حصل الشكّ بعد إكمال الأوليتين في عدد الركعات الرباعية، فلا إشكال في عدم البطلان سواء لم يتعلّق شكّه من طرف الزيادة عن الأربع، أو تعلّق شكّه في طرف الزيادة أيضا كما لو شكّ بين الأربع و الخمس، و سواء كان لشكّه طرفان فقط كما إذا شكّ بين الثلاث و الأربع، أو بين الأربع و الخمس، أو
1) الوسائل: ج 5 ص 319 باب 9 من أبواب الخلل، ح 1.
كان لشكّه أطراف ثلاثة أو أربعة كما إذا شكّ بين الثلاث و الأربع و الخمس، أو شكّ بين الاثنين و الثلاث و الأربع، و الخمس، فهذه مجمل ما يتصوّر في عدد الركعات الرباعية.
فإن لم يتعلّق شكّه في طرف الزيادة، بل كان شكّه مقصورا في العدد المعتبر في الصلاة، فالصور المتصوّرة فيه أربع، لأنّه إمّا أن يشكّ بين الاثنين و الثلاث، و إمّا أن يشكّ بين الثلاث و الأربع، و إمّا أن يشكّ بين الاثنين و الأربع، و إمّا أن يشكّ بين الاثنين و الثلاث و الأربع. فهذه صور أربع لا خامس لها. و الحكم في جميع هذه الصور الأربع هو البناء على الأكثر، و الاحتياط بما يحتمل نقصه، و عليه إجماع الإمامية، بل يعدّ من ضروريّاتهم الذي يمتازون به عن مخالفيهم القائلين بالبناء على الأقل. و كلّ واحدة من هذه الصور الأربع و إن كان فيه نصّ خاصّ، إلّا أنّه يدلّ على ذلك أيضا المطلقات الواردة في الباب و هي موثّقات عمّار:
منها قوله عليه السّلام: يا عمّار إلا أجمع لك السهو كلّه في كلمتين. متى ما شككت فخذ بالأكثر، و إذا سلّمت فأتمّ ما خلت أنّك نقصته (1).
و قوله عليه السّلام: أيضا إلا أعلمك شيئا إذا فعلته ثمّ ذكرت أنّك أتممت أو نقصت، لم يكن عليك شيء، قلت: بلى قال: إذا سهوت فابنه على الأكثر، فإذا فرغت و سلّمت فقم و صلّ ما ظننت أنّك نقصت، فإن كنت قد أتممت لم يكن عليك في هذه شيء، و إن ذكرت أنّك نقصت كان ما صلّيت تمام ما نقصت (2).
و في معنى ذلك عدّة روايات أخر. و ينبغي حينئذ التنبيه على مقدار ما يستفاد من هذه المطلقات، ثمّ نذكر الأدلّة الخاصة الموافقة لما يستفاد منها أو
المخالفة، فنقول: يستفاد من هذه المطلقات أمور أربع:
الأول: لا إشكال في اختصاص هذه المطلقات بما إذا كان الشكّ راجعا إلى أحد الصور الأربع المتقدّمة. و لا تشمل صورة وقوع الشكّ في الزيادة عن العدد المعتبر في الصلاة، كالشكّ بين الأربع و الخمس، لأنّ هذه المطلقات إنّما وردت في مقام العلاج و تصحيح الصلاة و البناء على الأكثر، و في صورة الشكّ في الزيادة ينافي التصحيح، حيث انّه يوجب البطلان، مضافا إلى دلالة ذيل المطلقات و هو فعل ما احتمل نقصه، على أنّه لا بدّ و أن لا يكون شكّه في العدد الزائد، لأنّه لا يحتمل هذا الشكّ في ذلك النقص إلّا إذا كان شكّه ذا أطراف ثلاثة.
و بالجملة: اختصاص المطلقات بصورة عدم الشكّ في الزيادة ظاهر.
الأمر الثاني: مقتضى هذه المطلقات هو اعتبار أن يكون صلاة الاحتياط على وفق ما احتمل نقصه في الصلاة من حيث الكميّة، و لازم ذلك هو تعيّن الركعة من قيام، لأنّ المحتمل نقصه هو ذلك، و لا يكفي الركعتان من جلوس مع قطع النظر عن الأخبار الخاصّة الدالّة على كفاية ذلك كما سيأتي.
الأمر الثالث: مقتضى هذه الأخبار هو اعتبار أن يكون الاحتياط على وجه يمكن جبر النقص بها بحيث أن تلصق بالناقص و حينئذ ينبغي أن لا يفصل بين الصلاة و الاحتياط ما ينافي الصلاة عمدا و سهوا كالحدث، إذ مع الفصل بذلك لا تلصق صلاة الاحتياط بالصلاة الناقصة. و سيأتي الكلام في بيان ذلك.
الأمر الرابع: الظاهر من قوله عليه السّلام «فابنه على الأكثر» (1)هو أنّ المجعول في هذه الأخبار هو البناء العملي، فيكون مفادها مفاد الأصول العملية، حيث إنّ المجعول فيها هو الجري العملي، و لا مجال لتوهّم أنّ اعتبار البناء على
1) الوسائل: ج 5 ص 318 باب 8 من أبواب الخلل، ح 3.
الأكثر من حيث الأمارية و الطريقية، لأنّه أخذ في موضوع البناء على الأكثر الشكّ. و قد ذكرنا في محلّه أنّه كلّما أخذ الشكّ في موضوعه فهو أصل عملي، و لا يكون من الأمارات. و على كلّ حال لا ينبغي الإشكال في أنّ مفاد البناء على الأكثر هو الحكم الظاهري المجعول في باب الأصول العملية. نعم الحكم الذي تكفّله ذيل المطلقات من قوله «قم و صلّ ما ظننت أنّك نقصت .. إلخ» إنّما هو حكم واقعي ليس فيه انكشاف الخلاف، بمعنى أنّ البناء على الأكثر و إن كان حكما ظاهريّا، و لازم ذلك هو أنّه لو انكشف الخلاف و تبيّن مخالفة بنائه للواقع، و أنّه كانت صلاته ناقصة، عمل على طبق ما يقتضيه الواقع من إعادة الصلاة كما هو الشأن في كلّ حكم ظاهري انكشف خلافه، إلّا أنّ الشارع لم يوجب عليه الإعادة، بعد البناء على الأكثر و العمل بالاحتياط، و اكتفى بذلك عن الواقع، و لكنّ ذلك لا ينافي كون مفاد البناء على الأكثر مفاد الأصل العملي.
و تظهر الثمرة في إثبات اللوازم و الملزومات، و تفصيل ذلك يحتاج إلى تمهيد مقال، و هو أنّه قد بيّنا في الأصول أنّ المثبت يكون على قسمين:
الأول: ما كان باعتبار مؤدّى الأصل، كما إذا كان لمؤدّي الأصل لوازم و ملزومات يراد إثباتها بالأصل كإنبات اللحية المترتّبة على الحياة.
الثاني: ما كان باعتبار نفس البناء و الجعل، بأن كان هناك جعل لازم لجعل آخر، كما إذا فرض أنّه لم يترتّب على أحد الجعلين الذي لا أثر له، و أريد من جريانه إثبات الجعل الآخر الذي به يتمّ الأثر العملي، كان ذلك من الأصل المثبت الذي لا عبرة به، بل هو أردأ أنحائه. و ذلك كما إذا أريد من نفي جزئية السورة إثبات أنّ المحصّل للملاك هو الأقل الفاقد للسورة، بناء على أن يكون تحصيل الملاك لازما، و يكون الشكّ في اعتبار السورة من الشكّ في المحصّل،
على ما أوضحنا في مبحث التعبّدي و التوصّلي. فإنّ نفي جزئية السورة حينئذ بحديث الرفع لا أثر له إلا بعد إثبات جعل محصّلية الأقل. و بالجملة: نفي أحد الجعلين أو إثباته بأصل من الأصول لإثبات جعل الآخر يكون أردأ أنحاء المثبت الذي لا عبرة به، هذا.
و لكن ذكرنا أيضا في محلّه أنّ عدم اعتبار المثبت إنّما هو إذا أريد إثبات اللوازم و الملزومات أو الجعل الثانوي بالعمومات و الأدلّة التي تتكفّل اعتبار الأصول من حديث «الرفع» (1)و قوله: «لا تنقض اليقين بالشك» (2). و أمثال ذلك. و أمّا إذا ورد دليل بالخصوص على التعبّد بحياة زيد مثلا، و فرضنا أنّه لا أثر لحياة زيد إلّا ما كان مترتّبا على إثبات لحيته، أو ورد دليل بالخصوص على عدم جزئية السورة و فرضنا أنّه لا أثر له إلّا جعل محصّلية الأقل، ففي مثل هذا لا محيص من إثبات اللوازم و الملزومات و الجعل الثانوي، إذ لو لا ذلك يلزم لغوية كلام الحكيم، فحفظ كلام الحكيم من اللغوية يقتضي ذلك كما لا يخفى.
إذا عرفت ذلك فنقول في المقام: إنّ مقتضى البناء على الأكثر- على ما تقدّم- هو البناء العملي، فيشترك من هذه الجهة مع سائر الأصول العملية، نعم يفترقان في أنّ البناء على الأكثر في المقام إنّما يكون لمكان قيام دليل خاصّ عليه بالخصوص، و هذا بخلاف مفاد سائر الأصول فإنّه يثبت بالأدلّة العامّة المتكفّلة لحال الشكّ. و حينئذ لو استلزم البناء على الأكثر جعلا آخر يكون من لوازم جعل البناء على الأكثر، كان اللازم هو إثبات ذلك الجعل الآخر، و لا يكون ذلك من الأصل المثبت. و ذلك كما إذا شكّ بين الاثنين و الثلاث في حال الجلوس، و مع ذلك هو شاكّ في التشهّد في الركعة الثانية. فإنّ مقتضى البناء على الأكثر هو
فوات محلّ التشهّد و عدم وجوب تداركه، لأنّ جعل البناء على الأكثر يلازم جعل فوات محلّ التشهّد، و لا يمكن التفكيك بأنّ تجري قاعدة الشكّ في المحلّ بالنسبة إلى التشهّد و يتشهّد، و مع ذلك يبني على الثلاث، لأنّ ذلك ينافي إطلاق البناء على الأكثر. فلا معنى للتبعيض و البناء على الأكثر من جهة، أي من جهة عدد الركعات، و عدم البناء عليه من جهة أخرى، و هي بقاء محلّ التشهّد.
و كذا الحال لو علم بعدم التشهّد في الركعة الثانية، فإنّ مقتضى البناء على الأكثر، و هو الثلاث في المثال هو أنّ الثانية هي الركعة السابقة عليها، و الرابعة هي الركعة اللاحقة لها، فمقتضى البناء على أنّ ما بيده هي الثالثة هو البناء على أنّ التشهّد فات من الركعة السابقة، لا الركعة التي بيده، فيجب عليه قضاء التشهّد بعد الصلاة و ليس له التشهّد في الحال. بل يمكن أن يقال: إنّ ذلك ليس من اللوازم. بل نفس مفاد البناء على الأكثر يقتضي ذلك، إذ معنى البناء على الثلاث هو أنّ هذه ليست بثانية، و المفروض أنّ التشهّد فات من الركعة الثانية.
و الحاصل: أنّه فرق بين الصورة الاولى و الثانية، فإنّه في الصورة الاولى ليس مفاد البناء على الثلاث هو البناء على فوات محلّ التشهّد، نعم يلزمه ذلك (1). و في الصورة الثانية يكون مفاد البناء على الثلاث هو أنّ ما بيده ليست بثانية و التشهّد إنّما فات من الركعة الثانية لا الثالثة، فتأمّل في المقام جيّدا، حتّى لا تتخيّل أنّ ذلك يكون من الأصل المثبت.
نعم لو شكّ بين الثلاث و الأربع، و علم أنّه لو كانت الركعة التي بيده رابعة فقد ترك ركوع الركعة الثانية مثلا، أو الثالثة، ففي مثل هذا البناء على الأربع لما
1) و قد عدل عن ذلك شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- و قال بأنّه لا فرق بين الصورة الاولى و الصورة الثانية في كون كلّ منهما مقتضى مؤدّى الأصل و ليس ذلك من لازم الجعل بل نفس إطلاق الجعل يقتضي ذلك فتأمّل جيّدا.
كان بناء عمليّا، و لا يثبت الأربع الواقعية، فلا مانع من البناء على الأربع، و لا يلزم منه شيء، إذ البناء على الأربع لا يثبت الأربع الواقعي حتّى يقال ببطلان صلاته حينئذ للعلم بفوات الركوع من الركعة السابقة، لأنّ علمه إنّما كان على تقدير الأربع الواقعي، لا الأربع البنائي فهو شاكّ في فوات الركوع من الركعة السابقة، لاحتمال أن تكون صلاته ثلاثا فلم يتحقّق منه حينئذ فوت الركوع. و لكنّ احتمال ذلك لا ينافي البناء على الأربع فيبني على الأربع، و تجري قاعدة التجاوز بالنسبة إلى الركوع حينئذ في الركعة السابقة، للشكّ في فواته.
لا يقال: يعلم حينئذ بمخالفة مؤدّى أحد الأصلين للواقع إمّا البناء على الأكثر و إمّا قاعدة التجاوز، إذ لا يمكن الجمع بين الجعلين مع العلم بفوات الركوع من الركعة السابقة على تقدير كون ما بيده رابعة، فالبناء على الأربع مع جريان قاعدة التجاوز ينافي العلم الإجمالي. فإنّه يقال: إنّ مفاد البناء على الأربع ليس مفاد الأصل المحرز المتكفّل للتنزيل، بل هو مجرّد البناء العملي على الأربع. و قد تقرّر في محلّه أنّ جريان الأصول الغير المحرزة في أطراف العلم الإجمالي ممّا لا مانع منه، إذا لم يلزم من جريانها مخالفة عملية كما في المقام، حيث إنّ البناء على الأكثر مع جريان قاعدة التجاوز لا يلزم منه مخالفة عملية.
نعم لو كان مفاد البناء على الأكثر مفاد الأصل المحرز، و هو البناء على أنّ ما بيده هو الركعة الرابعة الواقعية، و إلقاء طرف الشكّ الآخر و هو احتمال كونها ثالثة، لتوجّه علينا الإشكال و هو العلم بمخالفة مؤدّى أحد الأصلين للواقع، و يلزم عدم جريانهما حينئذ و إن لم يلزم منه مخالفة عملية، كما بيّناه في محلّه، من عدم جريان الأصول المحرزة في أطراف العلم الإجمالي مطلقا، لأنّه لا يجتمع البناء على أنّ ما بيده هو الركعة الرابعة و إلغاء احتمال كونها ثالثة، و مع ذلك يبني على فعل الركوع في الركعة السابقة و يجري قاعدة التجاوز بالنسبة إليه. لمخالفة ذلك
للعلم بأنّه على تقدير كون ما بيده رابعة فقد فات منه ركوع الركعة السابقة، فتأمّل في المقام جيّدا فإنّ في النفس من منع كون البناء على الأكثر من الأصول المحرزة شيئا.
فتحصّل أنّ مجرّد مقارنة العلم بفوات الركوع من الركعة السابقة على تقدير كون ما بيده رابعة لا ينافي البناء على الأربع، لأنّه لا يثبت كون ما بيده رابعة واقعية، هذا إذا علم اتّفاقا بفوات الركوع من الركعة السابقة على ما في يده على تقدير كون ما بيده رابعة. و أمّا لو شكّ بين الثلاث و الأربع، و علم أنّه على تقدير كونها رابعة قد ركع لها، ففي مثل هذا ربّما يتوهّم عدم جريان قاعدة البناء على الأكثر، لأنّ مقتضى الشكّ في ركوع هذه الركعة التي بيده هو إتيان الركوع لأنّه شكّ في المحلّ، و البناء على الأربع لا يثبت الأربع الواقعي، حتّى يقال حينئذ يعلم بإتيان ركوع الركعة الرابعة، بل غايته أنّ البناء عملي، و هو لا ينافي جريان قاعدة الشكّ في المحلّ لاحتمال كونها ثالثة، فلا بدّ له من الركوع بمقتضى قاعدة الشكّ في المحلّ، و حينئذ يعلم إجمالا ببطلان صلاته إمّا لزيادة الركوع على تقدير كون ما بيده رابعة، و إمّا لنقصان ركعة على تقدير كون ما بيده ثالثة. فهو يعلم بوقوع خلل في صلاته على كلّ تقدير، هذا.
و لكن لا يخفى عليك ما فيه فإنّه لنا أولا أن نقول: لا يجب عليه الركوع و لا تجري فيه قاعدة الشكّ في المحلّ، و ذلك لأنّ معنى البناء على الأكثر هو البناء على الأكثر الذي يكون أحد طرفي الشكّ، فلو كان أحد طرفي الشكّ هو الأربع التي ركع لها، فمعنى البناء عليها هو البناء عليها بما لها من الخصوصية و على ما هي عليه، و الخصوصية التي هي عليها هي الرابعة التي ركع لها، فمعنى البناء عليها هو البناء على أنّه قد ركع لها. و ليس ذلك من اللوازم حتّى يتوهّم أنّه يكون من الأصل المثبت، بل نفس مؤدّى الأصل هو ذلك و إثبات الأصل لمؤدّاه ضروري.
و الحاصل: أنّه فرق بين ما إذا كانت الخصوصية خارجة عن المؤدّى لازمة له،
و بين ما إذا كانت الخصوصية داخلة في المؤدّى. فإنّ الأوّل يكون من الأصل المثبت، بخلاف الثاني. و المقام يكون من هذا القبيل فإنّه لو شكّ بين الثلاث و الأربع و علم أنّه على تقدير كونها أربعا قد ركع لها، فيكون أحد طرفي الشكّ متخصّصا بخصوصية كذائية، و يرجع شكّه في الحقيقة إلى الشكّ بين الثلاث و الأربع التي ركع لها. و مقتضى البناء على الأربع هو البناء على الأربع التي شكّ فيها، و ليست الأربع التي شكّ فيها إلّا الأربع التي ركع لها، فيكون الركوع مؤدّى نفس البناء على الأكثر، و لا تجري فيه قاعدة الشكّ في المحلّ، لمحكوميّتها بقاعدة البناء على الأكثر كما لا يخفى. و هذا بخلاف ما إذا لم يكن العلم داخلا في أحد طرفي شكّه كما لو علم أنّه لو كانت رابعة فقد فات منه ركوع الركعة السابقة، فإنّ في مثل هذا لا يمكن أن يقال: إنّ أحد طرفي شكّه هو الرابعة التي قد فات منها ركوع الركعة السابقة، لأنّ ركوع الركعة السابقة لا ربط له بالركعة الرابعة، فلا ترجع الخصوصية إلى أحد طرفي الشكّ حتّى تقع في مؤدّى الأصل بل تكون من اللوازم.
فظهر أنّه يمكن القول في المقام بعدم فعل الركوع، و عدم جريان قاعدة الشكّ في المحلّ، هذا أولا.
و ثانيا: على فرض جريان قاعدة الشكّ في المحلّ، و لزوم فعل الركوع مع البناء على الأكثر لا يلزم منه محذور، لأنّ غاية ما يلزم أنّه يعلم إجمالا إمّا بزيادة ركوع في الصلاة على تقدير أن تكون ما بيده رابعة، و إمّا بنقصان ركعة على تقدير كون ما بيده ثالثة، و لكنّ هذا العلم الإجمالي ممّا لا أثر له، و ذلك لأنّ نقصان الركعة مع كونه شاكّا فيها ممّا لا يوجب شيئا سوى ركعة الاحتياط، لما تقدّم من أن المستفاد من أدلّة الشكوك في باب الصلاة هو التنويع الواقعي، و أنّ الشاكّ قد تبدّل تكليفه الواقعي إلى العمل بالاحتياط، و أنّ المطلوب منه واقعا هو ذلك. فلا أثر لنقصان صلاته مع كونه شاكّا، فأحد طرفي العلم الإجمالي ممّا لا أثر له.
لا أقول إنّه لو علم تفصيلا بنقصان الركعة لا أثر له، بل أقول إنّ نقصان الركعة الواقعية مع الشكّ فيها ممّا لا أثر له، و العلم الإجمالي في المقام لا يوجب أن لا يكون شاكّا في نقصان الركعة، و مع كونه شاكّا فيه يكون تكليفه الواقعي هو الركعة المفصولة لا الركعة الموصولة.
فتحصّل: أنّه لو شكّ بين الثلاث و الأربع، و علم أنّه على تقدير الأربع قد ركع لها كان تكليفه البناء على الأربع. و لا يجب عليه الركوع، بل لا يجوز لعدم جريان قاعدة الشكّ في المحلّ، و على تقديره لا يلزم منه محذور. و لو انعكس الأمر و شكّ بين الثلاث و الأربع، مع العلم بأنّه لو كانت رابعة لم يركع لها، بخلاف ما إذا كانت ثالثة فالتي بيده مردّدة بين كونها ثالثة قد ركع لها أو رابعة لم يركع لها، ففي مثل هذا يبني على الأربع و يركع و لا إشكال فيه. على ما ذكره بعض الأجلّة و اختاره أيضا شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- و لكنّ المسألة لا تخلو عن إشكال، لأنّه يعلم حينئذ بلغوية صلاة الاحتياط، فإنّه إمّا أن يكون ما بيده ثالثة فقد زاد فيها ركوعا فتبطل، و إمّا أن تكون رابعة فتصحّ و لا شيء عليه. فلا يبقى مجال لصلاة الاحتياط حينئذ، للعلم بعدم الحاجة إليها و عدم كونها جابرة على كلّ حال.
و كذا الحال فيما لو شكّ بين الثلاث و الأربع مع علمه بأنّه لم يركع للثالثة، على تقدير كون ما بيده ثالثة. فإنّ مقتضى البناء على الأكثر هو تجاوز محلّ الركوع- كما تقدّم نظير ذلك- و حينئذ يعلم بلغوية صلاة الاحتياط. لأنّه إمّا أن تكون صلاته تامّة فلا شيء عليه، و إمّا ناقصة فتبطل. لا من جهة نقص الركعة، لما عرفت من أنّ نقص الركعة مع الشكّ فيه لا أثر له. بل لمكان فوات الركن فيعلم أنّ صلاة الاحتياط لا تكون جابرة، مع أنّ تشريع صلاة الاحتياط إنّما هو لمكان الجبر. و لكنّ شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- التزم بجميع ذلك بالصحّة و لزوم البناء على الأكثر مع صلاة الاحتياط. و علّل ذلك بأنّ العلم بلغوية صلاة الاحتياط ممّا
لا أثر له، لأنّ تشريع صلاة الاحتياط إنّما هو لمكان عدم العلم بالأكثر. و في المقام حيث لم يعلم بالأكثر يجب عليه صلاة الاحتياط، و إن كان على تقدير النقص يعلم ببطلان صلاته لفوات الركن، و لكن لمّا تجري في حقّه قاعدة التجاوز، لأنّه يشكّ في أنّ ما بيده ثالثة. فيشكّ في فوات الركوع و مقتضى البناء على الأربع هو تجاوز محلّ الركوع، و المفروض أنّه لا يعلم بأنّها رابعة و ذلك يكفي في إيجاب الاحتياط عليه فتأمّل. فإنّ المسألة لا تخلو عن إشكال، و إن التزم بها شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- و بنى على ذلك بعض الأحيان في العروة في فروع الشكّ.
و كذا الإشكال فيما لو شكّ بين الثلاث و الأربع و علم أنّه لو كانت رابعة فقد زاد فيها ركوعا. فإنّ شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- التزم بأنّه يبني على الأربع و لا يعتني باحتمال زيادة الركوع، لأنّ البناء على الأربع لم يكن من الأصول المحرزة حتّى يقال: إنّ ضمّ الوجدان بالأصل يقتضي البطلان، لأنّ البناء على الأربع يحرز الأربع الواقعي. و المفروض أنّه يعلم وجدانا بزيادة الركوع على تقدير كونها أربعا، و البناء على الأربع يثبت هذا التقدير فتبطل صلاته و لكنّ شيخنا الأستاذ لمّا التزم بعد كون الأصل محرزا قال في المقام بالصحّة، هذا.
و ربّما يختلج في البال أنّ البطلان في هذا لا يتوقّف على القول بكون الأصل محرزا، و ذلك لما عرفت من أنّه لو كانت الخصوصية واقعة في أحد طرفي الشكّ، فالبناء على الأكثر بنفس مؤدّاها يثبت تلك الخصوصية- كما تقدّم في صورة الشكّ بين الثلاث و الأربع، مع علمه بأنّه على تقدير الأربع قد ركع لها- فإنّه قلنا: إنّ نفس البناء على الأربع يقتضي البناء على الأربع التي قد ركع لها، فلا يجب عليه الركوع و لا تجري قاعدة الشكّ في المحلّ. ففي المقام نقول: إنّه مع علمه بأنّه لو كانت رابعة فقد زاد فيها ركوعا يكون مقتضى البناء على الأربع هو البناء على الأربع التي قد زاد فيها ركوعا، و يلزمه البطلان حينئذ، فلا مجال لجريان قاعدة
البناء على الأربع، لأنّها شرّعت لتصحيح الصلاة لا لبطلانها.
و على كلّ حال ينبغي التأمّل التام فيما يترتّب على البناء على الأكثر من فروع الشكّ في الركعات، فإنّه كثيرا ما وقع الخلط و الاشتباه، لمكان عدم تنقيح قاعدة البناء على الأكثر و مقدار مفادها. و قد عرفت مقدار مفادها و حاصله: أنّ
، و أنّ الشاكّ في عدد الركعات تكليفه الواقعي قد تبدّل و غير مأمور واقعا بوصل الركعات الصلاتية، بل يبني على الأكثر و يأتي بما احتمل نقصه مفصولا. و يترتّب على ذلك أنّه لو لزم من البناء على الأكثر العلم الإجمالي بنقصان ركعة أو زيادة ركن أو غير ذلك من مبطلات الصلاة، كان العلم الإجمالي ممّا لا أثر له، و لا يوجب شيئا. بل يبني على الأربع و يحتاط و لا يعتني باحتمال المبطل، لأنّ أحد طرفي العلم الإجمالي و هو نقصان الركعة ممّا لا أثر له واقعا مع الشكّ فيه، لمكان تبدّل التكليف واقعا.
، و لا يكون محرزا كالاستصحاب. و يترتّب على ذلك أنّه لو فرض ثبوت خلل في الصلاة على تقدير كونه محرزا لا يعتنى بذلك الخلل، بل تجري قاعدة البناء على الأكثر. و قد تقدّم مثال ذلك سابقا، و نزيد في المقام مثالا آخر و هو: أنّه لو علم قبل التسليم بأنّه صلّى سبع ركعات في صلاة الظهر و العصر، و لكن لم يعلم أنّه نقص من الظهر ركعة حتّى تكون ما بيده رابعة العصر، أو أنّه لم ينقص من الظهر شيئا فتكون ما بيده ثالثة العصر. فالذي ينبغي أن يقال في المقام: إنّه يبني على أنّه لم ينقص من الظهر شيئا، لجريان قاعدة الفراغ فيها، و يبني على أنّ ما بيده رابعة العصر أيضا، لأنّه شاكّ فيها بين الثلاث و الأربع، و تكليفه البناء على الأربع مع ركعة الاحتياط. و ذلك لأنّ قاعدة الفراغ في الظهر لا تثبت أنّ ما بيده
ثالثة العصر، و إن كانت قاعدة الفراغ من الأصول المحرزة، لأنّه إنّما تحرز مؤدّاها من كون صلاة الظهر أربع ركعات. و أمّا كون ما بيده ثالثة العصر، فليس من شأن قاعدة الفراغ إثبات ذلك إلّا بناء على اعتبار الأصل المثبت، أو نقول بأمارية قاعدة الفراغ. و كلّ منهما خلاف التحقيق. فإذا لم تكن قاعدة الفراغ مثبتة لكون ما بيده ثالثة العصر فيكون شاكّا فيها بين الثلاث و الأربع، و حكمه البناء على الأربع. إذ لا مانع من ذلك سوى أنّه يعلم إمّا بنقصان الركعة من صلاة الظهر أو من صلاة العصر. و حيث قد عرفت في الأمر الأول أنّ نقصان الركعة واقعا مع الشكّ فيه ممّا لا أثر له. فلا أثر لهذا العلم الإجمالي.
نعم لو قلنا بأنّ البناء على الأكثر يكون من الأصول المحرزة كان اللازم في المقام عدم جريانه بناء على المختار من عدم جريان الأصول المحرزة في أطراف العلم الإجمالي. و إن لم يلزم منها مخالفة عملية، و لكن لمّا منعنا من محرزية أصل البناء على الأكثر فلا مانع من جريانه في المقام فتأمّل.
من حيث الخصوصية التي يشتمل الأكثر عليه.
و بعبارة أخرى: توجب البناء على الأكثر بما له من الخصوصية. و يترتّب على ذلك أنّه لو شكّ بين الثلاث و الأربع مع علمه بأنّه قد ركع للرابعة على تقدير كون ما بيده رابعة، كان اللازم هو البناء على الأربع الذي ركع لها. فلا تجري في حقّه قاعدة الشكّ في المحلّ، و لا يجب عليه الركوع. لأنّ ذلك هو مؤدّى البناء على الأكثر على ما تقدّم تفصيله. فلا يكون ذلك من الأصل المثبت، كما لا يلازم ذلك كون الأصل محرزا كما لا يخفى، فتأمّل جيّدا.
و يكون ذلك أيضا مؤدّى نفس البناء على الأكثر، و يترتّب على ذلك أنّه لو شكّ بين
الثلاث و الأربع أو الاثنتين و الثلاث، و شكّ في فوات الركوع من الركعة الثالثة، أو التشهّد من الركعة الثانية. فمقتضى البناء على الأكثر هو تجاوز محلّ الركوع و التشهّد، لأنّ تجاوز محلّ المشكوك إنّما يكون بالدخول بالغير. و بعد حكم الشارع بالبناء على الثلاث أو الأربع يصدق أنّه قد دخل في الغير، و أنّه قد تجاوز محلّه، و لا يكون ذلك أيضا من الأصل المثبت، كما لا يتوقّف على كون الأصل محرزا، فتأمّل جيّدا.
فهذه جملة ما يستفاد من قاعدة البناء على الأكثر، و عليك بعد ذلك تطبيق المسائل التي تبتني على قاعدة البناء على الأكثر فراجع فروع الشكّ التي ذكرها في العروة في ختام مسائل الشكّ. و تطلع على ما فيها من الخلط و الاشتباه، إذا عرفت ذلك كلّه فلنرجع إلى مسائل الشكّ في عدد الركعات في الصلاة الرباعية،
، و حكمه البناء على الثلاث، و بعد إتمام الصلاة يحتاط بركعة من قيام أو ركعتين من جلوس. و يدلّ على الحكم الأول- و هو البناء على الثلاث- مضافا إلى الإجماعات المنقولة و الشهرة المحقّقة، الأخبار المتقدّمة من موثّقة عمّار (1)و غيرها الشاملة بعمومها للمقام، حيث حكم فيها بلزوم البناء على الأكثر في مطلق الشكّ، من غير فرق بين الشكّ في الاثنتين و الثلاث أو الثلاث و الأربع أو غيرها. مضافا إلى ما في خصوص الشكّ بين الاثنتين و الثلاث من الأخبار، و إن كان في بعضها ما يوهم خلاف ذلك. و الأولى ذكر الأخبار الواردة في المقام أولا، ثمّ نتكلّم في دلالتها.
1) الوسائل: ج 5 ص 318 باب 8 من أبواب الخلل، ح 4.
فنقول: قد روى زرارة عن أحدهما قلت له: رجل لا يدري اثنتين صلّى أم ثلاثا قال عليه السّلام: إن دخله الشكّ بعد دخوله في الثالثة مضى في الثالثة ثمّ صلّى الأخرى و لا شيء عليه (1).
و في مقطوعة محمّد بن مسلم إنّما السهو ما بين الثلاث و الأربع، و في الاثنين و الأربع بتلك المنزلة، و إن سها فلم يدر ثلاثا صلّى أم أربعا و اعتدل شكّه قال:
يقوم فيتمّ ثمّ يجلس فيتشهّد و يسلّم و يصلّي ركعتين و أربع سجدات و هو جالس .. إلخ (2). و في قرب الأسناد رجل صلّى ركعتين و شكّ في الثالثة قال:
يبني على اليقين فإذا فرغ تشهّد و قام و صلّى ركعة بفاتحة الكتاب (3). فهذه جملة ما ورد في الباب ممّا قيل بدلالتها على المقام.
أقول: أمّا دلالة خبر زرارة على المقام فهو مبني على أن يكون المراد من قوله «مضى في الثالثة» هو البناء على فعلها، و إلحاق الركعة الرابعة لها. و يكون المراد من قوله عليه السّلام «ثمّ صلّى الأخرى» هو صلاة الاحتياط. و لكنّ استظهار هذا المعنى من الرواية محلّ تأمّل، إلّا أنّه لا تكون ظاهرة أيضا في البناء على الأقل حتّى تخالف المطلقات.
و أمّا مقطوعة محمّد بن مسلم فدلالتها مبني على أن يكون المراد من قوله «فلم يدر ثلاثا صلّى أو أربع» هو الشكّ بين الاثنتين و الثلاث بقرينة قوله «يقوم ..
إلخ». لأنّ الظاهر من قوله «يقوم» هو أنّ شكّه كان في حال الجلوس، و الشكّ بين الثلاث و الأربع على هذا الوجه لا يقتضي القيام بل يتشهّد و يسلّم و لا موقع للقيام. و لا يمكن أن يقال: إنّها تكون حينئذ من الأدلّة الدالّة على وجوب البناء
على الأقل. لأنّ ذلك ينافيه الأمر بعد ذلك بصلاة الاحتياط، فلا بدّ من أن يكون المراد من الشكّ بين الثلاث و الأربع هو الشكّ بين الاثنتين و الثلاث. و يؤيّد ذلك أنّه عليه السّلام قد تعرّض لحكم الشكّ بين الثلاث و الأربع، و الاثنتين و الأربع، قبل ذلك. فلم يبق إلّا حكم الشكّ بين الاثنتين و الثلاث. فيكون المراد من قوله عليه السّلام «شكّ بين الثلاث و الأربع» هو الشكّ في أنّ ما يأتي من الركعة اللاحقة هل هي ثالثة أو رابعة. و هذا لا يكون إلّا إذا كان في الحال شاكّا بين الاثنتين و الثلاث هذا. و لكن لا يخفى عليك أنّ ذلك خلاف الظاهر، فإنّ الظاهر من قوله «صلّى» هو إحراز الثلاث، و بعد الفراغ من الركعة الثالثة، و استعمال صلّى قبل الفراغ منها في حال تلبّسه فيها خلاف الظاهر، فضلا عمّا إذا لم يتلبّس بها بعد، كما هو مقتضى الاستدلال بها في المقام. هذا مضافا إلى ما في ذيل الرواية من الوهن، حيث إنّه يظهر منه وجوب صلاة الاحتياط، مع ذهاب ظنّه إلى التمام فراجع و تأمّل.
و أمّا رواية قرب الأسناد. فدلالتها للمقام واضحة، فإنّ المراد من قوله عليه السّلام «يبني على اليقين» ليس البناء على الأقل، لأنّ ذلك ينافي الأمر بصلاة الاحتياط. بل المراد يعمل عمل اليقين و هو البناء على الأكثر، ثمّ الاحتياط، و قد عبّر [عن] هذا النحو من العمل في كثير من الأخبار باليقين فراجع. و على كلّ حال لا ينبغي الإشكال في أنّه عند الشكّ بين الاثنتين و الثلاث يبني على الثلاث.
و أمّا الحكم الثاني و هو التخيير في صلاة الاحتياط بين الركعة من قيام، و الركعتين من جلوس. فيدلّ عليه مقطوعة محمّد بن مسلم حيث أمر فيها بصلاة ركعتين من جلوس، بناء على أن تكون من أدلّة الباب مع إننا لا نحتاج إلى ذلك، فإنّه لا إشكال في ثبوت التخيير في الشكّ بين الثلاث و الأربع- على ما يأتي بيانه-
و الشكّ بين الاثنتين و الثلاث ينجرّ إلى الشكّ بين الثلاث و الأربع لا محالة عند القيام إلى الركعة الرابعة، فعلى فرض عدم قيام الدليل على التخيير في الشكّ بين الاثنتين و الثلاث، بل كان مقتضى الدليل هو لزوم الركعة من قيام كما هو ظاهر المطلقات، و صريح رواية قرب الأسناد (1)، إلّا أنّ ذلك لا ينافي التخيير عند وصوله في شكّه إلى الشكّ بين الثلاث و الأربع. و لا يكون ذلك من تعارض الأدلّة، إذ غايته عدم قيام الدليل على التخيير عند الشك بين الاثنتين و الثلاث، و هذا لا ينافي التخيير من حيث انقلاب شكّه، فتأمّل جيّدا.
الشكّ بين الثلاث و الأربع. و حكمه البناء على الأربع ثمّ الاحتياط بركعة من قيام، أو ركعتين من جلوس. و يدلّ على الأول مضافا إلى المطلقات المتقدّمة الآمرة فيها بالبناء على الأكثر، الأخبار الخاصّة الواردة في المقام:
منها ما رواه جميل من بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّٰه قال فيمن لا يدري أثلاثا صلّى أم أربعا، و وهمه في ذلك سواء، قال: فقال عليه السّلام: إذا اعتدل الوهم في الثلاث و الأربع فهو بالخيار، إن شاء صلّى ركعة و هو قائم و إن شاء صلّى ركعتين و أربع سجدات و هو جالس (2).. الحديث.
و منها ما رواه زرارة عن أحدهما عليهما السّلام في حديث قال: إذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع و قد أحرز الثلاث قام فأضاف إليها أخرى و لا شيء عليه (3).. إلخ. و المراد من أنّه أحرز الثلاث هو إحراز أنّه قد تلبّس بها، سواء كانت هي التي بيده أو السابقة عليها. و ليس المراد من إحراز الثلاث إحرازها
بآخر جزء منها، و إن كان الظاهري الأولى منه هو ذلك، حتّى تختصّ الرواية بصورة وقوع الشكّ بين الثلاث و الأربع بعد إكمال السجدتين، و لا تعمّ الصور الأخر للشكّ بينهما، كما إذا كان الشكّ في حال القيام قبل الركوع أو بعد الركوع. و بالجملة: لا فرق في الشكّ بين الثلاث و الأربع بين حدوث الشكّ بعد إكمال الثالثة أو قبله، فإنّ الحكم في الجميع هو البناء على الأربع و الاحتياط.
و ما في بعض الكلمات من التخيير بين البناء على الأكثر و عمل الاحتياط، و البناء على الأقل و إتمام الصلاة، في جميع صور الشكّ، للجمع بين ما دلّ على البناء على الأكثر، و ما دلّ على البناء على الأقل، فليس في محلّه. لأنّ ما دلّ على البناء على الأقل فهو محمول على التقية، لموافقته للعامّة و إعراض الأصحاب عنه. و منها غير ذلك من الأخبار الواضحة الدلالة على المقام.
و يدلّ على الثاني تصريح رواية جميل بالتخيير بين الركعة القيامية و الركعتين من جلوس، و به يقيّد إطلاق ما اقتصر فيها بالركعتين من جلوس. كما يقيّد به إطلاق ما دلّ على اعتبار الموافقة بين صلاة الاحتياط و ما احتمل نقصه، و هي تقتضي الاحتياط من قيام. لأنّ ما احتمل نقصه إنّما هو الركعة من قيام.
و ما في بعض الفتاوى من أنّ الأحوط في الشكّ بين الاثنتين و الثلاث هو الاحتياط من قيام، و في الثلاث و الأربع هو الاحتياط من جلوس، فلم يظهر لنا وجهه.
لو شكّ بين الثلاث و الأربع في حال القيام، و علم بفوات السجدة من الركعة التي قام عنها، فإن علم ذلك قبل الركوع، كان مقتضى القاعدة هدم القيام، للعلم بوقوع القيام في غير محلّه، و بعد هدمه يرجع شكّه إلى ما بين الاثنتين و الثلاث قبل إكمال الاثنتين، فتبطل. و إن كان بعد الدخول في الركوع، يمضي
و يبني على الأربع، و يقضي السجدة بعد الصلاة. و السرّ في ذلك هو ما تقدّم منّا سابقا، من أنّ الجزء الواقع بعد نسيان الجزء السابق يكون مراعى، و لا يحكم عليه بمجرّد وقوعه أنّه جزء الصلاة إلى أن يفوت محلّه السهوي و العمدي، و هو في مثل القيام الدخول في الركوع، فإذا تذكّر قبل الدخول في الركوع يكون زيادة مغتفرة، و لا يكون من أجزاء الصلاة و حينئذ يجب عليه هدمه و يرجع شكّه إلى ما تقدّم.
بخلاف ما إذا لم يتذكّر إلّا بعد الدخول في الركوع فإنّ القيام يكون حينئذ من الأجزاء الصلاتية، و يبقى على شكّه السابق من الثلاث و الأربع.
و حكمه البناء على الأربع و الاحتياط بركعتين من قيام. و الأخبار به مستفيضة و لا إشكال في حكم المسألة إلّا ما تقدّم عن بعض من التخيير في جميع صور الشكوك بين البناء على الأقل و الأكثر، و قد عرفت ضعفه.
، ثمّ الاحتياط بركعتين من قيام و ركعتين من جلوس، لأنّ هذه الصورة من الشكّ مركّبة من شكوك ثلاثة.
الأول الاثنتين و الأربع، و الثاني: الثلاث و الأربع، و الثالث: الاثنتين و الثلاث.
و حكم الأول الاحتياط بركعتين من قيام، و الثاني أو الثالث الاحتياط بركعتين من جلوس، أو الركعة من قيام، و لكن في المقام يتعيّن الركعتان من جلوس لما سيأتي وجهه. و قد استفاضت الأخبار في هذا الحكم. منها مرسل ابن أبي عمير عن الصادق عليه السّلام في رجل صلّى فلم يدر اثنتين صلّى أم ثلاثا أم أربعا، قال: يقوم فيصلّي ركعتين من قيام ثمّ يسلّم، ثم يصلّي ركعتين من جلوس و يسلّم، فإن كانت أربع ركعات كانت الركعتان نافلة و إلّا تمّت
الأربع (1). و منها غير ذلك.
و قد حكي عن الشهيد- قدّس سرّه- الاكتفاء بركعة من قيام و ركعتين من جلوس (2)، و قد ذكر لذلك وجها اعتباريا، و هو أنّه إن كانت صلاة اثنتين فتقوم الركعة من قيام و الركعتين من جلوس مقام الركعتين الفائتتين، و إن كانت ثلاثا تقوم إحدى الركعتين مقام الفائت، و كانت الأخرى نافلة، هذا. و لكن لا يخفى عليك ما فيه فإنّه لو كانت صلاته ركعتين فالفائت منه ركعتان متصلتان، فكيف تجبر الركعتان المنفصلتان عن المتّصلتين، فهذا الوجه الاعتباري ساقط.
نعم قد يستدل لذلك بالصحيح عن أبي إبراهيم قلت لأبي عبد اللّٰه عليه السّلام:
رجل لا يدري اثنتين صلّى أم ثلاثا أم أربعا فقال: يصلّي ركعة من قيام ثمّ يسلّم، ثمّ يصلّي ركعتين و هو جالس (3). هذا.
و لكن في بعض النسخ «ركعتين من قيام» بدل «ركعة من قيام» و قد ذكرنا في محلّه أنّ أحكام تعارض الروايتين من الترجيح و التخيير لا تجري في اختلاف النسختين و تعارضهما، و لا يمكن إلحاقهما في باب تعارض الروايتين، بل لا يلحق بذلك الباب مثل اختلاف الصفواني و النعماني الروايين عن محمّد بن يعقوب الكليني، فضلا عن إلحاق مثل اختلاف النسخ بذلك مع احتمال أن يكون الاختلاف من غلط الكتّاب. و بالجملة: لا يجري حكم التعارض إذا اختلفت الرواية من حيث النسخ، بل الرواية حينئذ تسقط عن الاعتبار و لا يصحّ الاستدلال بشيء من النسختين، مع أنّ الأصحّ في المقام هو نسخة الركعتين و ذلك لأنّ الصدوق- رحمه اللّٰه- قال بعد ذكر هذه الرواية: و قد روي أنّه يصلّي
ركعة من قيام و ركعتين و هو جالس (1). و لو كانت النسخة ركعة من قيام لم يكن وجه لما ذكره بعد ذلك. فيظهر أنّ اختلاف النسخ إنّما حصل بعد الصدوق، و أمّا ما أرسله بقوله «و روي .. إلخ» فلا اعتبار به، لأنّه يستشمّ من التعبير بقوله «و قد روي» أنّ الرواية لم تثبت عنده، و إلّا كان حقّ التعبير أن يرسلها إلى الإمام عليه السّلام بقوله: و قال الصادق عليه السّلام، أو عن الصادق عليه السّلام، و ما شابه ذلك من مراسيل الصدوق، حيث حكي عنه أنّه يسقط الأسانيد و يروي عن الإمام مرسلا، و من هنا كانت مراسيله معتبرة، مع أنّه يمكن أن يكون نظره إلى ما في الفقه الرضوي (2)حيث حكى عنه رواية ركعة من قيام. و لكنّ الكلام في اعتبار الفقه الرضوي، خصوصا إذا لم يقترن بما يدلّ على أنّ الكلام من الإمام عليه السّلام، و ليس من اجتهاد المصنّف. هذا كلّه مضافا إلى استبعاد عدم استناد الشهيد- رحمه اللّٰه- إلى الرواية و استناده إلى ذلك الوجه الاعتباري المتقدّم، مع أنّه لو كانت في البين رواية تدلّ على ذلك لكان الاستناد إليها أولى، مع أنّه حكي عنه في الذكرى (3)أنّه قال: إنّ القول بكفاية الركعة من قيام قوي من حيث الاعتبار، مرفوع من حيث النقل و الاشتهار، فيظهر من ذلك أنّ الشهيد لم يعثر على رواية تدلّ على كفاية الركعة من قيام. فالأقوى ما عليه المشهور من لزوم الركعتين من قيام و ركعتين من جلوس.
هل يتعيّن عليه الركعتان من جلوس أو يتخيّر بينها و بين الركعة من قيام؟. ربّما يقال بالتخيير، لأنّ الركعتين من جلوس إنّما هما لمكان تدارك احتمال نقص الركعة، إذ من المحتمل أن تكون صلاته ثلاثا، و الركعتين
اللتان أتى بهما من قيام لا تجبران احتمال نقصان الركعة، فلا بدّ له من جبر ذلك، و جبران الركعة كما يكون بركعتين من جلوس كذلك يكون بركعة من قيام كما في موارد الشكّ بين الاثنتين و الثلاث و الثلاث و الأربع، لا بل يمكن أن يقال: إنّ المقام من أفراد ذلك لتركّب شكّه من ذلك و من غيره كما عرفت، و قد تقدّم أنّ الحكم عند الشكّ بين الاثنتين و الثلاث أو الثلاث و الأربع هو التخيير بين الركعة القيامية أو الركعتين من جلوس، هذا. و لكن لا يخفى عليك ما فيه لأنّ ظاهر النصّ في المقام هو تعيين الركعتين من جلوس. و مجرّد كون الحكم في الشكّ بين الثلاث و الأربع هو التخيير، لا يلازم كون الحكم في المقام ذلك، بعد تركّب شكّه من ذلك و من الشكّ بين الاثنتين و الأربع، لاحتمال أن يكون تركيب الشكّ أوجب تعيّن الركعتين من جلوس. و أنّ جبر نقص الركعة لا يكون إلّا بذلك.
و بالجملة: لا دليل على التخيير في المقام، و لا يمكن التمسّك للمقام بما دلّ على التخيير عند الشكّ بين الاثنتين و الثلاث أو الثلاث و الأربع. فالأقوى تعيّن الركعتين من جلوس في المقام.
هل يتعيّن الترتيب بتقديم الركعتين من قيام على الركعتين من جلوس أو لا يتعيّن ذلك؟ ظاهر الأخبار هو التعيّن للعطف ب «ثمّ» الظاهر في الترتيب. بل يمكن أن يقال: إنّ الاعتبار أيضا يساعد على ذلك، لوضوح أنّ الركعتين من جلوس إنّما هو لأجل احتمال نقصان الركعة و جبرها بذلك، و لا تصل النوبة إلى جبر الركعة إلّا بعد إحراز ما عداها، بأن يعلم أنّه غير مطالب بالركعة الثالثة حتّى تجبر الرابعة بذلك. و هذا إنّما يكون بعد سدّ باب احتمال كون صلاته ركعتين، و أنّه نقص ركعتين. فلا بدّ من أن يأتي أولا بالركعتين من قيام لسدّ احتمال ذلك، و للعلم بأنّه لا يكون مطالب بالثالثة، لأنّه إمّا أن تكون
صلاته ركعتين فتكون ركعتا الاحتياط جابرة للنقص، و إمّا أن تكون صلاته أربعا فهو يعلم أنّه غير مطالب بالثالثة، فتصل النوبة حينئذ إلى احتمال كونه مطالبا بالرابعة لاحتمال أن تكون صلاته ثلاثا. و الركعتان اللتان أتى بهما لا يقومان مقام الركعة الرابعة، فيلزمه حينئذ جبر الرابعة بركعتين من جلوس.
فالترتيب الطبيعي يقتضي تقديم الركعتين من قيام فضلا عن كون ظاهر الأخبار ذلك. و بعد ذلك لا يلتفت إلى ظاهر ما في بعض الكلمات من التخيير حيث لم يعطفوا الركعتين من جلوس ب «ثمّ» بل أتوا بواو الجمع الذي لا يدلّ على الترتيب.
و ممّا ذكرنا ظهر فساد ما في بعض الكلمات من أنّ الشكوك المركّبة يجري عليها حكم بسائطها و مراده أنّ الشكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع يجري عليه حكم الشكّ بين الاثنتين و الثلاث، و حكم الشكّ بين الثلاث و الأربع. و لكن لم يعلم أنّ مراده من ذلك ما هو، فإنّ حكم الشكّ بين الاثنتين و الثلاث هو البناء على الثلاث و إتمامها بإلحاق ركعة بها، ثمّ الاحتياط بركعة مفصولة.
و هذا الحكم لا يمكن أن يجري في المقام، لأنّ حكمه البناء على الأربع لا الثلاث، إذ لا يمكن الجمع بين البناء على الثلاث و البناء على الأربع. فإن كان مراده من هذه القضية هو كفاية الركعة من قيام و الركعتين من جلوس فقد عرفت ما فيه، و إن كان مراده التخيير في الركعة بين الجلوس و القيام، فقد عرفت أيضا ما فيه. و بالجملة: فلم يظهر لنا معنى محصّل لهذه القضية. هذا تمام الكلام في الشكوك الأربع التي تعمّ بها البلوى المندرجة تحت قاعدة البناء على الأكثر. بقي الكلام في حكم سائر أقسام الشكوك الصحيحة التي لا تندرج تحت قاعدة البناء على الأكثر كالشكّ بين الأربع و الخمس، أو الثلاث و الأربع و الخمس، أو الأربع و الخمس و الستّ، و غير ذلك من الشكوك التي يمكن علاجها. و هذه الشكوك
بعضها منصوصة كالشكّ بين الأربع و الخمس، و الشكّ بين الأربع و الخمس و الستّ، على ما يأتي بيانه. و بعضها الآخر غير منصوصة.
فينبغي أولا البحث عمّا يقتضيه الأصل في مطلق الشكّ في عدد الركعات حتّى يكون هو المرجع في غير ما هو معلوم خروجه. و ليس لنا في المقام أصل سوى استصحاب عدم الزيادة. و قد أشكل في جريان الاستصحاب بوجهين:
الأول: أنّ المستفاد من اخبار البناء على الأكثر هو ان الشارع قد ألغى الاستصحاب في عدد الركعات، بحيث يستكشف منها مضرّية احتمال الزيادة في الركعات، و من هنا حكم بالبناء على الأكثر تحفّظا عن وقوع الزيادة الواقعية عند البناء على الأقل، فلمكان عدم وقوع الزيادة الواقعية صار الحكم في الصلاة هو البناء على الأكثر. فلا يبقى مجال لإجراء الأصل في عدد الركعات، إذ أصالة العدم لا توجب عدم وقوع الزيادة الواقعية، هذا.
و لكن يردّ هذا الوجه نفس أخبار البناء على الأقل عند الشكّ بين الأربع و الخمس، فإنّ الحكم بذلك إنّما يكون على وفق الأصل، فيظهر منه أنّ الشارع لم يلغ الاستصحاب في عدد الركعات بالمرّة، بل غايته إلغاؤه في خصوص الأربع المأمور بها. و أمّا إذا كان الشكّ في طرف الزيادة فلا مانع من جريان الأصل.
الوجه الثاني: هو أنّ الاستصحاب إمّا لا يجري لعدم الحالة السابقة، و إمّا لا أثر له، و إمّا أن يكون مثبتا. بيان ذلك هو أنّه لو شكّ مثلا بين الأربع و الخمس في أيّ حال فرض، فإمّا أن يراد من الاستصحاب استصحاب عدم الخامسة، فهذا ممّا لا أثر له، لأنّ المكلّف به هو الأربع بشرط لا كما هو واضح، فنفس عدم الخامسة لا يوجب تحقّق الأربع بشرط لا. و إن أريد من استصحاب عدم الخامسة إثبات وجود الرابعة بشرط لا، فهذا يكون مثبتا. و إن أريد استصحاب الرابعة بشرط لا فهذا ممّا لا يجري، لعدم الحالة السابقة، لأنّه متى كانت الرابعة بشرط
لا. متحقّقة حتّى تستصحب، فالاستصحاب في باب الصلاة عند الشكّ في عدد الركعات ممّا لا يجري مطلقا.
و العمدة في ذلك هو أنّ المأمور به العدد (بشرط لا) لا (لا بشرط) كما لا يخفى. و الأصل الجاري في طرف عدم الزيادة لا يثبت كون المأتي به بشرط لا، لأنّ البشرط اللائية اعتبرت قيدا في متعلّق التكليف و عنوانا له، فهو بمنزلة الوصف الوجودي له. و معلوم أنّ أصالة عدم الزيادة لا تحرز هذا العنوان إلّا على القول بالأصل المثبت، هذا. و لكن لا يخفى عليك ما فيه فإنّ مجرّد كون المأمور به هو الأربع بشرط لا، لا يقتضي أن يكون الأصل مثبتا. و ذلك لما بيّنا في محلّه من أنّ التركيب في موضوع الحكم إمّا أن يكون من العرض و محلّه، و إمّا أن يكون من غير ذلك من كونه من جوهريّين، أو عرضيّين لموضوعين، أو جوهر و عرض، فإذا كان التركيب من العرض و محلّه كعدم بياض زيد و سواد عمرو و قرشية المرأة و غير ذلك، كان الأصل الجاري في أحد جزأيه مثبتا، إذا كان مفاد الأصل العدم الأزلي فإنّ أصالة عدم وجود البياض بمفاد ليس التامّة لا يثبت عدم بياض زيد. و نفس عدم بياض زيد لم يكن له حالة سابقة حتّى يستصحب. فلا يمكن أن يقال: إنّ زيدا محرز بالوجدان و بياضه منفي بالأصل، فيلتئم الموضوع من ضمّ الأصل بالوجدان، لأنّ عدم بياض زيد لم يكن مؤدّى الأصل لعدم الحالة السابقة له بعد وجود زيد، و قبل وجوده يكون من السالبة بانتفاء الموضوع، بل مؤدّى الأصل هو عدم وجود البياض بمفاد ليس التامّة و هذا العدم لا يرتبط بزيد إلّا بناء على الأصل المثبت. و قد أشبعنا الكلام في ذلك في رسالة المشكوك.
و أمّا إذا لم يكن التركيب من العرض و محلّه ففي جميع أقسامه الأصل يجري بكلا جزأيه أو بأحد جزأيه إذا كان جزؤه الآخر محرزا بالوجدان و هذا هو مورد ضمّ الوجدان بالأصل، إذ بعد ما لم يكن التركيب من العرض و محلّه، بل كان من
جوهريّين أو عرضيّين، فحيث لا رابط بينهما إلّا الاجتماع في الزمان، لأنّه لا رابط بين المتباينات إلّا ذلك، كان ضمّ الوجدان بالأصل يحرز هذا الاجتماع. إلّا إذا أخذ الموضوع عنوانا منتزعا من هذا الاجتماع كعنوان التقارن و التقدّم و التأخّر، و حينئذ يخرج عن مفروض الكلام. لأنّ الكلام فيما إذا كان نفس المركّب موضوعا، لا العنوان المنتزع. فلو كان الموضوع لوجوب التصدّق مثلا هو وجود زيد و عدم وجود عمرو فلا مانع من جريان أصالة عدم وجود عمرو عند الشكّ فيه، إذا كان وجود زيد محرزا، و يلتئم الموضوع المركّب حينئذ من ضمّ الوجدان بالأصل و يترتّب عليه وجوب التصدّق لا محالة.
إذا عرفت ذلك فنقول في المقام: إنّ متعلّق التكليف هو الصلاة أربع ركعات بشرط عدم انضمام الخامسة، و معلوم أنّ عدم الخامسة لا يكون نعتا للأربع، بحيث يكون الأربع محلّا له حتّى كون التركيب من العرض و محلّه، إذ الأربع أمر مباين للخمس، كما هو الشأن في كلّ عدد حيث تكون مراتبها متباينة، فلا يمكن أن يكون عدم المرتبة اللاحقة نعتا للمرتبة السابقة، فإذا لم يكن عدم الخامسة نعتا للأربع، فلا مانع من استصحاب عدم الخامسة بعد إحراز الأربع، و لا نعني من كون المأمور به هو الأربع (بشرط لا) إلّا وجود الأربع مع عدم الخامسة، و هذا ما يمكن إحرازه بضمّ الوجدان بالأصل، و ليس (بشرط لا) عنوانا وجوديّا للأربع حتّى لا يمكن إحرازه بالأصل بل ليس معنى (بشرط لا) إلّا عدم وجود الزائد، و هذا ممّا يمكن إحرازه بالأصل، بل هو نفسه مؤدّى الأصل.
فإن قلت: أيّ عدم يراد استصحابه؟ فإن كان هو العدم الأزلي الثابت قبل وجود الرابعة بل قبل وجود الصلاة فهذا ممّا لا معنى لاستصحابه، لأنّه قبل وجود الرابعة لم يكن مرتبة وجود الخامسة حتّى يستصحب عدمها، بل لا بدّ من استصحاب عدم الخامسة في مرتبة وجودها و هي بعد الرابعة. فاستصحاب العدم
قبل الصلاة لا يثبت العدم بعد الرابعة الذي هو الموضوع للأثر. و إن أريد من العدم العدم بعد الرابعة، فهذا العدم ممّا لم يكن متيقّن الوجود قبل الشكّ حتّى يستصحب بقاؤه، لأنّه لو فرض أنّه شكّ بين الأربع و الخمس في حال تمامية الذكر الواجب من السجدة الثانية، فلا يخلو إمّا أن تكون هذه الركعة خامسة فقد انتقض عدم الخامسة، و إمّا أن تكون هي الركعة الرابعة فيكون هذا الحال حال عدم الخامسة و مرتبة حدوثه، فلا يتحقّق العلم بعدم الخامسة بعد الرابعة قبل زمان الشكّ حتّى يحكم ببقائه، مع أنّه لا محيص في الاستصحاب من ثبوت المتيقّن في المرتبة السابقة على الشكّ ليمكن إبقاؤه بالاستصحاب. و إن شئت قلت إنّ أمر عدم الخامسة بعد الرابعة يدور بين متيقّن الارتفاع على تقدير كون ما بيده خامسة، و بين متيقّن الحدوث في حال الشكّ على تقدير كون ما بيده رابعة، لأنّ المفروض أنّ الشكّ وقع في حال تمامية الرابعة و هو حال وجود مرتبة عدم الخامسة و يعتبر في الاستصحاب أن يكون الشكّ في البقاء و الارتفاع لا الشكّ في الحدوث و الارتفاع كما لا يخفى وجهه.
قلت: لنا أن نختار أولا استصحاب عدم الخامسة قبل الرابعة. قولكم: إنّه ليس ذلك الحال مرتبة وجود الخامسة فلا ينفع استصحابه، قلنا: نعم و إن كان الأمر كذلك، إلّا أنّه إبقاء ذلك العدم الأزلي إلى ما بعد الرابعة بالاستصحاب ينفع حيث إنّ الأثر مترتّب على عدم الخامسة بعد الرابعة، فبإبقاء عدم الخامسة إلى ما بعد ذلك يترتّب الأثر و لا يكون من الأصل المثبت، هذا. و لكنّ شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- لم يرتض ذلك و بنى على عدم الفائدة في استصحاب عدم الخامسة قبل الصلاة، فتأمّل. فإنّه يقوى في النفس كفاية مثل هذا الاستصحاب. و ثانيا نختار استصحاب عدم الخامسة بعد الرابعة. قولكم: يدور أمر العدم بين الارتفاع و الحدوث. قلنا: ذلك لا يضرّ، لأنّه لا يراد استصحاب عدم
الخامسة في هذا الحال و الآن بحيث يؤخذ الآن قيدا للمستصحب، بل المراد عدم الخامسة بعد الرابعة، و هذا متيقّن لوضوح أنّه لا يمكن وجود الخامسة في عرض وجود الرابعة، بل لا بدّ من أن يكون وجود الخامسة بعد الرابعة، فيعلم بعدم تحقّق الخامسة عند تحقّق الرابعة. و ليس لأحد إنكار هذا العلم فيستصحب ذلك العدم المتيقّن، و توهّم أنّه لعلّه يكون هذا الآن آن حدوث العدم غير ضائر. فإنّ المقصود هو هذا، أي المقصود هو إثبات عدم حدوث الخامسة بحيث لو كان الأصل المثبت حجّة لأثبتنا عدم حدوثه في الآن، و لكن لمّا لم يكن مثبتات الأصول حجّة، اكتفينا باستصحاب عدم الحدوث بقول مطلق، و هذا يكفي في الأثر المقصود في المقام. و بالجملة: يعلم علما وجدانيّا بعدم حدوث الخامسة عند وجود الرابعة، فيستصحب و لا سبيل في الخدشة بشيء من ركني الاستصحاب من اليقين و الشكّ، فتأمّل.
فتحصّل: أنّه لا مانع من استصحاب عدم الزيادة مطلقا إلّا ما قام الدليل على خلافه و هو خصوص عدم الركعات المأمور بها، حيث لا يجري الاستصحاب فيها لقيام [الدليل] على لزوم الإحراز في الركعتين الأوليتين و البناء على الأكثر في الركعتين الأخيرتين. و أمّا فيما عدا العدد المأمور من موارد الشكّ في الزيادة، فاستصحاب عدم الزيادة يجري بلا مانع.
فإن قلت: أ ليس يعتبر أن يكون التشهّد و السلام في الركعة الرابعة باستصحاب عدم الخامسة، لا يمكن إثبات أنّ ما بيده هي الرابعة، لأنّه يكون من الأصل المثبت، فبأيّ وجه توجبون عليه التشهّد و التسليم؟
قلت: لا نحتاج في وجوب التشهّد و التسليم إلى إحراز أنّ ما بيده هي الرابعة بل يكفي في وجوبها إحراز الأربع مع عدم الخامسة و هذا بعضه محرز بالوجدان و بعضه بالأصل. و إن شئت قلت: إنّ التشهّد و التسليم يجب في الركعة التي لم
يتعقّبها الخامسة، فإذا أحرز عدم الخامسة بالأصل يتحقّق موضوع وجوبها.
إذا عرفت ذلك كلّه فاعلم أنّ الشكّ في الزيادة تارة يكون مع عدم الشكّ في النقيصة. و اخرى يكون معه.
و في الأول إمّا أن يكون الشكّ بسيطا كالشكّ بين الأربع و الخمس أو الأربع و الستّ أو الأربع و السبع و هكذا، و إمّا أن يكون مركّبا كالشكّ بين الأربع و الخمس و الستّ
و هو إمّا أن يحصل بعد إكمال السجدتين، و إمّا أن يحصل في حال القيام قبل الركوع، و إمّا أن يحصل بعد الركوع قبل السجود. فإن حصل بعد إكمال السجدتين، فهذا ممّا لا إشكال في وجوب البناء على الأربع و إتمام الصلاة، و ليس عليه احتياط، و هو مورد النصّ.
و إن حصل في حال القيام قبل الركوع يجب عليه هدم القيام، و يكون شكّه بين الثلاث و الأربع و يعمل عمله من البناء على الأربع و الاحتياط بركعة. و السرّ في ذلك هو أنّه عند شكّه بين الأربع و الخمس يشكّ في أنّ الركعة ما قبل القيام كانت الثالثة أو الرابعة، و مقتضى حكمه هو البناء على الرابعة، فيكون قيامه قد وقع في غير محلّه، فيجب عليه هدمه.
و بذلك يندفع ما ربّما يتوهّم أنّه لم توجبون عليه هدم القيام، حتّى يرجع شكّه إلى ما بين الثلاث و الأربع. وجه الدفع: هو أنّ قيامه يكون في غير محلّه لأنّه الآن في حال الشكّ هو شاكّ في أنّ ما قبل القيام كان هو الثالثة أو الرابعة، و مقتضى حكم هذا الشكّ هو كون قيامه في غير محلّه، فلا بدّ من هدمه. نعم لو كان في هذا الحال مورد دليل من الأدلّة بحيث عيّن له حكم في الشريعة، كان ذلك موجبا لإلغاء حكم الشكّ بين الثلاث و الأربع. لأنّ هذا الدليل يكون بمنزلة المخصّص لحكم ذلك الشكّ، كما لو شكّ بين الأربع و الخمس بعد إكمال
السجدتين، فإنّه لا يلتفت إلى أنّه في هذا الحال يشكّ في أنّ الركعة السابقة كانت ثالثة أو رابعة. و مقتضى البناء على الأربع هو الذي يكون حكم هذا الشكّ هو زيادة ركعة، فتبطل صلاته، لأنّ تكليفه الركعة المنفصلة لا المتّصلة. و ذلك لقيام الدليل على أنّه لو شكّ بين الرابعة و الخامسة بعد السجود يبني على الرابعة، و لا شيء عليه. و مع هذا الدليل لا يلتفت إلى الشكّ بين الثلاث و الأربع بالنسبة إلى الركعة السابقة. و هذا بخلاف ما إذا شكّ بين الأربع و الخمس في حال القيام، فإنّه لمّا لم يقم دليل على بيان حكم هذا الشكّ كان مقتضى القاعدة الرجوع إلى حكم شكّه الآخر و هو الشكّ بين الثلاث و الأربع فيلزمه هدم القيام.
هذا كلّه إذا شكّ بين الأربع و الخمس في حال القيام قبل الركوع.
و أمّا لو شكّ بعد الركوع قبل إكمال السجدتين فقد حكي فيه أقوال ثلاثة:
القول بالبطلان، و القول بالصحّة مع إتمام الركعة بإتيان السجدتين و التشهّد و التسليم، و القول بالصحّة مع الاقتصار على التشهّد و التسليم بلا فعل السجدتين.
و الأقوى هو الأول، و ذلك لما عرفت من أنّ المستفاد من الأدلّة هو أنّ الشكّ في عدد الركعات المأمور بها ليس موردا لإجراء الأصل، بل لا بدّ إمّا من البطلان إذا تعلّق في الأوليتين، و إمّا من الاحتياط بالركعة المفصولة. و لا يخلو الشكّ في عدد الركعات عن أحد هذين الحكمين. و بعد ذلك نقول: إنّ الشكّ بين الأربع و الخمس بعد الركوع إن حكم فيه بالبناء على الأربع بلا ضمّ السجود- كما هو القول الثالث- اعتمادا على أصالة عدم فعل الخامسة يلزم إمّا زيادة الركن و إمّا نقصانه، كما لا يخفى. و هذا ممّا لا يمكن تصحيحه.
و إن حكم فيه بالبناء على الأربع مع ضمّ السجود إليه، يلزم الاعتماد على الأصل في عدد الركعات الأربع المأمور بها، لأنّ إيجاب السجود عليه، مع أنّ الشكّ في إيجاب السجود عليه مسبّب عن الشكّ في عدد الركعات، إنّما يكون
بجريان أصالة عدم الإتيان بسجود الركعة الرابعة، و هذا الأصل و إن لم يكن فيه محذورا لو كان الشكّ في فعل السجود من حيث هو، و من حيث كونه جزء للصلاة، لاعتبار الأصل عند الشكّ في الأجزاء، كما هو مفاد قاعدة الشكّ في المحلّ، إلّا أنّ الشكّ في السجود لمّا كان مسبّبا عن الشكّ في عدد الركعات، كان أصالة عدم فعل السجود في الركعة الرابعة موجبا للاعتماد على الأصل في عدد الركعات، و قد عرفت أنّه لا يمكن ذلك فتأمّل، فإنّ ذلك لا يخلو عن مناقشة، و إن كان شيخنا الأستاذ مصرّا عليه في البحث.
و هنا وجه آخر للبطلان و هو أنّه عند شكّه بين الأربع و الخمس يشكّ في أنّ الركعة ما قبل القيام كانت ثالثة أو رابعة، و حكمه البناء على الأربع، فيلزم زيادة القيام و الركوع، و هو موجب للبطلان، إذ لا يمكنه في المقام هدم ما بيده من الركعة- كما في الصورة السابقة- لأنّ في الصورة السابقة كان مجرّد زيادة قيام، فلا مانع من هدمه، لاغتفار زيادته بخلاف هذه الصورة، فإنّه يلزم زيادة الركوع، و زيادته غير مغتفرة. هذا تمام الكلام في الشكّ بين الأربع و الخمس بأقسامه.
، فالكلام فيه الكلام في الشكّ بين الأربع و الخمس من الصحّة إن كان بعد السجود لأصالة عدم الزيادة، و الهدم إن كان في حال القيام قبل الركوع، فيرجع شكّه إلى ما بين الثلاث و الأربع و الخمس، و حكمه البناء على الأربع ثمّ الاحتياط بركعة، كما سيأتي إن شاء اللّٰه، و البطلان إن كان بعد الركوع.
، و حكمه كما سبق من البناء على الأربع إن كان بعد السجود، اعتمادا على أصالة عدم الزيادة، و البطلان إن كان بعد الركوع، و الهدم إن كان في حال القيام فيرجع شكّه إلى الثلاث و الخمس، و يأتي حكمه إن شاء اللّٰه.
، فإن كان بعد السجود أو بعد الركوع تبطل للعلم بالزيادة، و إن كان في حال القيام يهدم، و يرجع شكّه إلى الأربع و الخمس، فيبني على الأربع و ليس عليه احتياط. و كذا الحال بين الخمس و السبع. و ربّما يتخيّل عدم جريان أصالة عدم الزيادة إذا بلغ الشكّ حدّا يخرج عن المتعارف، كالشكّ بين الأربع و العشر مثلا. ثمّ إنّ هذه المسائل الأربع إنّما كانت فيما إذا تعلّق الشكّ بين التمام و الزيادة، و أمّا لو تعلّق بين النقص و الزيادة و هو أيضا تارة يكون الشكّ بسيطا، و اخرى يكون مركّبا.
أمّا الأول: فكالشكّ بين الثلاث و الخمس أو الاثنتين و الخمس أو الثلاث و الستّ و غير ذلك ممّا يتصوّر، و ربّما يستشكل في حكم هذا الشكّ لمكان العلم الإجمالي إمّا بالزيادة أو النقيصة، و قد حكى شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- عن سيّده الأستاذ- قدّس سرّه- الميل إلى الصحّة، بالبناء على الأربع و الاحتياط بركعة، و عدم العبرة بمثل هذا العلم الإجمالي، لأنّه على تقدير الخمس و إن كانت صلاته باطلة، إلّا أنّه على تقدير الثلاث لا تبطل صلاته بل يلزمه الركعة المتّصلة إن لم يكن شاكّا فيها، و المنفصلة إن كان شاكّا، على ما تقدّم من أنّ الشاكّ قد تبدّل حكمه الواقعي إلى المنفصلة.
فإن قلت: إنّ التبديل بالمنفصلة إنّما هو فيما إذا كان شاكّا بين الثلاث و الأربع لا بين الثلاث و الخمس، فإنّه لا يحتمل الأربع حتّى يبني عليها و يأتي بركعة منفصلة، بل هو يعلم إمّا بالثلاث و إمّا بالخمس، فأين الأربع حتّى يبني عليها.
قلت: ليس المراد بالبناء هو العقد القلبي و الالتزام حتّى يقال لا يتأتّى ذلك بالنسبة إلى من يعلم بعدم الأربع، بل المراد بالبناء هو العمل على الأربع، و هذا في المقام يمكن لأنّه يكفي في ذلك احتمال الأربع و لو في ضمن احتمال الخمس،
بعد جريان أصالة عدم الخامس، هذا.
و لكنّ الإنصاف عدم تمامية هذا البيان، لأنّه و إن لم يكن المراد من البناء هو الالتزام و العقد القلبي إلّا أنّه يحتاج إلى موضوع يبني عليه، و الأربع المحتملة في ضمن الخمس لا يمكن البناء عليها، لأنّ الأربعة الكذائية مساوقة للبطلان، لمكان انضمام الخامسة إليها، و لا ينفع أصالة عدم الخامس في مثل هذا كما لا يخفى.
و بالجملة: الأربعة المحتملة في المقام هي الأربعة المنضمّة إليها الخامسة، فكيف يمكن البناء على مثل هذه الأربعة. هذا مضافا إلى أنّ الشكّ بين الثلاث و الخمس يلازم الشكّ بين الاثنتين و الأربع بالنسبة إلى الركعة السابقة، و مقتضى حكم هذا الشكّ هو البناء على الأربع، فيكون قد زاد ركعة. و ليس الشكّ بين الثلاث و الخمس مورد دليل حتّى يقال بتخصيص هذا الدليل لحكم الشكّ بين الاثنتين و الأربع، كما قام الدليل في الشكّ بين الأربع و الخمس على ما تقدّم تفصيله. و حينئذ لا محيص عن القول بالبطلان عند الشكّ بين الثلاث و الخمس بحسب القاعدة، هذا.
و لكن يمكن القول بالصحّة تمسّكا ببعض الروايات الواردة في باب الشكوك كرواية أبي بصير: إذا لم تدر أربعا صلّيت أم خمسا أم نقصت أم زدت فتشهّد و سلّم .. إلخ (1)و كمضمر أبي سماعة سألته عن الرجل صلّى العصر ستّ ركعات أو خمس ركعات قال: إن استيقن أنّه صلّى خمسا أو ستّا فليعد، و إن كان لا يدري أ زاد أم نقص فليكبّر و هو جالس ثمّ يركع ركعتين يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب في آخر صلاته ثمّ يتشهّد (2). فإنّ الظاهر من قوله «لا يدري أ زاد أم نقص» هو
الشكّ في الزيادة و النقيصة مع العلم بأحدهما و هو ينطبق على ما نحن فيه من الشكّ بين الثلاث و الخمس. و احتمال أن يكون المراد زاد أو نقص هو احتمال الزيادة فقط أو احتمال النقيصة فقط، فضعيف. لأنّ الظاهر من ذلك هو صورة الشكّ بين الزيادة و النقيصة، و لا يضرّ بالاستدلال عدم تعرّض خبر أبي بصير لركعة الاحتياط بل اقتصر على سجود السهو، لتقييد إطلاقه بمضمر أبي سماعة. كما أنّ عدم تعرّض المضمر لسجود السهو أيضا لا يضرّ لتقييده بذلك أيضا. فيتحصّل إيجاب كلّ منهما سجود السهو لاحتمال الزيادة، و ركعة الاحتياط لاحتمال النقص، هذا.
و لكن ينبغي الفحص التام لإحراز عمل الأصحاب بهذه الروايات، فإنّه لم يظهر لنا ذلك، بل ظاهر الجواهر (1)عدم العمل بها. ثمّ لو سلّم العمل بهذه الروايات فهل موردها خصوص الشكّ بين الثلاث و الخمس، أو تشمل صورة الشكّ بين الاثنتين و الخمس، أو الثلاث و الستّ، لا يبعد دعوى انصرافها إلى خصوص الثلاث و الخمس، و إن كان اللفظ يعمّ ذلك. و عليه يشكل الحكم في الشكّ بين الاثنتين و الخمس، و الثلاث و الستّ، بعد ما كانت القاعدة تقتضي البطلان، فتأمّل في أطراف المسألة جيّدا. هذا كلّه في الشكّ البسيط.
و أمّا في الشكّ المركّب كالشكّ بين الثلاث و الأربع و الخمس، فحكمه البناء على الأربع و الاحتياط بركعة. لأنّ الخمس منفي بالأصل فيبقى الشكّ بين الثلاث و الأربع و حكمه ما ذكرنا. و قس على ذلك سائر ما يتصوّر من أقسام الشكّ.
، فهل يجب عليه
1) جواهر الكلام: ج 12 ص 433.
التروّي عند الشكّ في الأخيرتين؟ الأقوى عدم الوجوب، و ذلك لأنّ وجوب التروّي في الأوليتين إنّما كان لأجل وجوب الحفظ و اليقين فيهما، و لمكان الشكّ في القدرة على الإتمام لأجل أنّه لا يدخلهما الشكّ، على ما تقدّم بيانه. و شيء من الوجهين لا يجري في الأخيرتين لعدم وجوب الحفظ فيهما. و القدرة على إتمام الصلاة بالبناء على الأكثر إذا كان الشكّ من الشكوك الصحيحة، فلا موجب للتروّي. نعم يلزمه مقدار من التروّي، لأجل إحراز أنّ الحالة التي هو عليها هل هي حالة الشكّ أو حالة الظنّ، و ليس له البناء على الأكثر بمجرّد عروض الشكّ ما لم ينظر إلى حاله ثانيا، لاحتمال أن تكون حالته حالة الظنّ. و هذا في الحقيقة ليس من التروّي الذي هو عبارة عن الفحص، فإنّ الفحص على ما بيّناه في الأصول عبارة عن تحصيل مقدّمات العلم، لا النظر في المقدّمات الحاصلة، كالنظر إلى الأفق لمن كان على السطح، فإنّ هذا لا يعدّ فحصا فالتروّي الذي نقول به في الركعتين الأخيرتين إنّما هو لأجل إحراز عنوان الموضوع، حيث إنّ موضوع البناء على الأكثر هو الشاكّ، فلا بدّ من إحراز أنّه شاك، و ذلك لا يكون إلّا بالنظر إلى حاله ثانيا. و أمّا الزائد على ذلك فلا دليل على وجوبه و النبوي «إذا شكّ أحدكم فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب» (1)لا يدلّ على اعتبار أزيد ممّا ذكرناه، فتأمّل جيّدا.
فهل الحكم في الأخيرتين كذلك، فليس له المشي على الشكّ إلّا بعد البناء على ما يقتضيه حكم الشكّ من البناء على الأكثر؟ فيه تفصيل فإنّه تارة يمشي على الشكّ قبل إحراز حاله و النظر إلى نفسه ثانيا، فهذا لا يجوز له المشي على الشكّ،
1) سنن أبي داود: ج 1 ص 268 باب إذا صلى خمسا، ح 1020 نقلا بالمعنى.
لعدم إحراز الموضوع. و اخرى يمشي على الشكّ بعد إحراز حالة نفسه و أنّه شاكّ، فتارة يعلم أو يطمئن بحصول الظنّ أو العلم لو أتى ببعض أفعال الصلاة في حال الشكّ، بحيث يتوقّف حصول الظنّ على فعل ذلك البعض. كمن شكّ و هو في السجود و توقّف حصول الظنّ على رفع الرأس منه، فهذا لا إشكال في جواز رفع الرأس منه، إذ لا طريق له سوى ذلك، و لا يجب عليه أولا أن يبني على الأكثر ثمّ يرفع الرأس، لما عرفت من أنّ المراد بالبناء ليس الالتزام القلبي بل المراد منه العمل على الأكثر. و اخرى لا يتوقّف حصول الظنّ أو العلم على فعل بعض الأجزاء، بل يحصل ذلك بدون ذلك، كما إذا شكّ و هو ساجد مع أنّه يعلم أو يطمئن بأنّه لو بقي على حاله يجيء من يخبره بحاله بحيث يحصل من قوله الظنّ أو العلم، ففي جواز رفع الرأس و الحال هذه إشكال و الأحوط عدم الرفع، فتأمّل.
اعلم أنّ الظنّ إمّا أن يتعلق بعدد الركعات، و إمّا ان يتعلّق بالأفعال. و على كلا التقديرين إمّا أن يتعلّق الظنّ بما يوجب صحّة الصلاة، و إمّا أن يتعلّق بما يوجب فسادها كمن ظنّ زيادة ركعة أو ركوع. ثمّ إنّ الظنّ بعدد الركعات إمّا أن يتعلّق بالأوليتين و إمّا بالأخيرتين، فهذه جملة الأقسام التي ينبغي البحث عنها.
القسم الأول: ما إذا تعلّق الظنّ بالركعتين الأخيرتين و كان متعلّق الظنّ ممّا يوجب صحة الصلاة، كمن ظنّ بالثلاث أو الأربع، فهذا ممّا لا إشكال في اعتبار الظنّ فيه. و قد نطقت به الأدلّة الخاصّة المتكفّلة لبيان حكم الشكّ في الأخيرتين، مضافا إلى بعض الأدلّة العامّة كما سيأتي بيانها.
القسم الثاني: ما إذا تعلّق الظنّ بالركعتين الأوليتين، ففي اعتباره خلاف.
و الأقوى اعتباره فإنّ الظاهر من اعتبار الوهم في مثل قوله عليه السّلام: إذا لم
تدر كم صلّيت و لم يقع وهمك على شيء فأعد (1). هو جهة محرزيّته و كاشفيّته عن الواقع، لا بما هو صفة قائمة في النفس، إذ اعتبار الظنّ على هذا الوجه بعيد. و حينئذ يكون المراد من قوله و لم يقع وهمك على شيء هو عدم إحراز المشكوك بالظنّ، فيكون مفهومه عدم الإعادة عند إحراز أحد طرفي الشكّ بالظنّ، و بعد هذا لا يلاحظ النسبة بين هذا المفهوم و بين ما دلّ على اعتبار الحفظ في الأوليتين، حيث إنّ مفهومه يدلّ على عدم اعتبار الظنّ و الشكّ، و هذا المفهوم يدلّ على اعتبار الظنّ مطلقا سواء تعلّق بالأوليتين أو الأخيرتين، و ذلك لحكومة ما دلّ على اعتبار الظنّ على ما دلّ على اعتبار الحفظ، لأنّ الظنّ يكون من الحفظ. و يدلّ على المختار أيضا النبوي المتقدّم و هو قوله صلّى اللّٰه عليه و آله: «إذا شكّ أحدكم فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب» (2)و دعوى ضعف النبوي لا تسمع بعد عمل المشهور به. و دعوى أنّه لم يعلم استناد المشهور القائلين باعتبار الظنّ في الأوليتين إليه، ضعيفة.
أمّا (أولا) فلأنّ عملهم به في الجملة و لو في مورد يكفي في جبره، و لا نحتاج إلى إحراز عملهم به في المقام بل العبرة في الجبر هو عدم إعراضهم عنه، و ذلك يتحقّق بالعمل به في الجملة.
و أمّا (ثانيا) فلكفاية مجرّد مطابقة فتوى المشهور لمضمونه في جبره، بعد ما لم يكن لهم مستند بيّن غيره. و لو لا ذلك لفسد علينا طريق إحراز العمل الجابر لضعف السند، إذ العبرة في الجابر هو عمل القدماء، و ليس بناء القدماء على الاستدلال بل هم من أهل المتون الخالية عن الاستدلال. و الاستدلال إنّما هو من
وظيفة الشرّاح الذين هم في الطبقة المتأخّرة التي لا عبرة بعملهم في الجبر و الكسر.
فلا بدّ من أن نكتفي في الجبر بمجرّد تطابق فتوى المشهور لمضمون خبر ضعيف، مع عدم وجود مستند لفتواهم غيره. و ليس ذلك عبارة عن حجّية الشهرة التي بنينا على عدم حجّيتها و قد استقصينا البحث في ذلك في مبحث التعادل و التراجيح.
و ربّما يستدلّ على المختار بخبر علي بن جعفر المروي في كتابه عن أخيه عليه السّلام عن الرجل يسهو فيبني على الظنّ كيف يصنع أ يفتتح الصلاة أم يقوم فيكبّر و يقرأ؟ و هل عليه أذان و إقامة؟ و إن كان قد سها في الركعتين الأخراوين و قد فرغ من قراءته هل عليه أن يسبّح أو يكبّر؟ قال عليه السّلام: يبني على ما صلّى إن كان قد فرغ من القراءة فليس عليه قراءة و ليس عليه أذان و لا إقامة و لا سهو عليه (1). و دلالته على المختار مبني على تقرير الإمام عليه السّلام البناء على الظنّ المذكور في السؤال، هذا. و لكنّ الإنصاف أنّ الرواية لا يتحصّل [فيها] المراد من السؤال و الجواب، مع أنّه في بعض النسخ «فيبني على ما صلّى» بدل «فيبني على ما ظنّ». فالرواية غير صالحة للاستدلال بها على المختار. و يكفي للدلالة على المختار ما تقدّم.
القسم الثالث: ما إذا تعلّق الظنّ بالمبطل من حيث الركعات كمن ظنّ بالخمس. و الأقوى أيضا اعتبار الظنّ فيه للنبوي المذكور، فإنّ المراد من «الأحرى إلى الصواب» هو الأخذ بالطرف الراجح مطابقته للواقع، إذ المراد من الصواب هو الواقع، فلا فرق بين تعلّق الظنّ بالمصحّح و المبطل.
و بذلك يظهر حكم القسم الرابع و هو الظنّ المتعلّق بالأفعال و التروك المعتبرة في الصلاة. فإنّ الأظهر اعتباره أيضا مطلقا سواء تعلّق بالمصحّح أو
1) الوسائل: ج 5 ص 317 باب 7 من أبواب الخلل، ح 3 باختلاف يسير.
المبطل، لدلالة النبوي عليه مضافا إلى خبر علي بن جعفر المتقدّم الذي يظهر من السؤال مفروغية اعتبار الظنّ، حيث كان جهة السؤال أمرا آخرا غير البناء على الظنّ، و ربّما تمسّك على اعتبار الظنّ في الركعات و الأفعال بوجوه أخر لا تخلو عن ضعف فمن أراد الاطّلاع عليها فليراجع ما ألحقه السيّد الجليل اليزدي- رحمه اللّٰه- بآخر حاشيته على المكاسب (1).
، فهذا لا إشكال في جريان قاعدة الفراغ في حقّه، و لا يلزمه شيء من صلاة الاحتياط و لا الإعادة.
، و لكن شكّ في متعلّقه من كون بين الاثنتين و الثلاث، أو الثلاث و الأربع، أو الاثنتين و الثلاث و الأربع، فمقتضى العلم الإجمالي هو الجمع بين الاحتياط بركعة من قيام أو ركعتين من جلوس، و ركعتين من قيام، و سجود السهو، لو احتمل أن يكون شكّه كان بين الأربع و الخمس بعد الإكمال، بناء على ما سيأتي من لزوم سجدة السهو حينئذ.
و قد حكي عن بعض الفتاوى احتياط إعادة الصلاة أيضا. و لعلّ وجهه أنّ الجمع بين الصلوات الاحتياطية لا يوجب العلم بالبراءة، لأنّ صلاة الاحتياط إنّما تكون جزء الصلاة، و ليست هي صلاة مستقلّة. على ما يأتي تفصيله إن شاء اللّٰه و حينئذ لو قدّم الركعة من قيام أو الركعتين من جلوس على الركعتين من قيام فيحتمل أن يكون شكّه كان بين الاثنتين و الأربع، و كان حكمه الركعتين من
1) حاشية المكاسب «لليزدي»: ص 192.
قيام، فتكون الركعة القيامية أو الركعتين من جلوس وقعت فيما بين الصلاة و ما هو في حكم جزئها من الركعتين من قيام، و هو موجب للبطلان. و لو قدّم الركعتين من قيام على الركعة من قيام أو الركعتين من جلوس فيحتمل أن يكون شكّه كان بين الثلاث و الأربع أو الاثنتين و الثلاث فيتحقّق الفصل أيضا، هذا.
و لكن لا يخفى عليك ضعف ذلك فإنّ أقصى ما يلزم من ذلك فوات الموالاة بين أجزاء الصلاة، و هو شرط غير ركني يسقط بحديث «لا تعاد» (1)على ما تقدّم تفصيل البحث عن ذلك في بعض مباحث القواطع، فراجع و تأمّل.
، و لكن كان أحد الشكوك المبطلة أيضا طرفا للعلم الإجمالي، كما إذا شكّ في أنّ شكّه كان بين الثلاث و الأربع أو بين الواحدة و الاثنتين. فقد يتوهّم جريان قاعدة الفراغ أو التجاوز في مثل هذا، و يبني على الصحّة و يفعل ما عليه من صلاة الاحتياط، و ليس عليه إعادة الصلاة. و لا يخفى فساد التوهّم لأنّ قاعدة الفراغ أو التجاوز لا تثبت متعلّق شكّه و أنّه لم يكن بين الواحدة و الاثنتين إلّا على القول بالأصل المثبت، و مع عدم إثباتها ذلك يكون العلم الإجمالي بحاله. و حينئذ ربّما يتوهّم اندراج ذلك في عموم قوله عليه السّلام «لا يدري كم صلّى و يلزمه إعادة الصلاة فقط» (2)و لا يلزمه الجمع بين الإعادة و صلاة الاحتياط، لأنّ الحكم في من لم يدر كم صلّى هو الإعادة، هذا.
و لكنّ ذلك على إطلاقه لا يستقيم لأنّه تارة يشكّ في أنّ شكّه السابق كان بين الواحدة و الاثنتين أو الاثنتين و الثلاث أو الثلاث و الأربع أو الأربع
و الخمس، ففي مثل هذا لا يبعد اندراجه في عموم لا يدري كم صلّى. و اخرى يشكّ في أنّ شكّه السابق كان بين الواحدة و الاثنتين أو الثلاث و الأربع، و لا يحتمل غير ذلك، فهذا لا يندرج في العموم المذكور. بل يلزمه المشي على وفق العلم الإجمالي. نعم يمكن أن يقال بكفاية الإعادة، و لا يلزمه صلاة الاحتياط.
لانحلال العلم الإجمالي بجريان البراءة عن صلاة الاحتياط، و قاعدة الاشتغال بالنسبة إلى أصل الصلاة. و قد تقدّم نظير ذلك في بعض المباحث السابقة عند دوران أمر الفائت بين أن يكون ركنا أو غير ركن.
، و أنّه كان بين الاثنتين و الثلاث قبل الإكمال أو كان بعد الإكمال؟ ففي مثل هذا يمكن أن يقال بجريان قاعدة الفراغ و التجاوز، لأنّه يعلم أنّ شكّه كان بين الاثنتين و الثلاث، و لكن لم يعلم أنّه كان قبل الإكمال حتّى تبطل صلاته، أو بعد الإكمال حتّى تصحّ. و حينئذ لا مانع من جريان قاعدة التجاوز، لأنّ مقتضى وجوب التروّي لو كان قبل الإكمال. كما تقدّم ذلك- هو شرطية التروّي للأجزاء اللاحقة، لما عرفت من عدم جواز المضيّ على الشكّ في الركعتين الأوليتين. و حينئذ مقتضى قاعدة التجاوز هو حصول ما هو الشرط للأجزاء اللاحقة من عدم المضيّ على الشكّ مع كون الشكّ قبل الإكمال. و المفروض أنّه شاكّ بين الاثنتين و الثلاث بالوجدان فيكون مقتضى هذا الوجدان بضميمة قاعدة التجاوز صحّة الصلاة، و يلزمه الاحتياط بركعة. و لا تكون قاعدة التجاوز في المقام مثبتة كما كانت في الصورة السابقة مثبتة، لأنّ الصورة السابقة لم يكن عالما بمتعلّق شكّه، و أنّه كان بين الواحدة و الاثنتين أو الثلاث و الأربع. و معلوم أنّ قاعدة التجاوز تثبت متعلّق الشكّ، و هذا بخلاف هذه الصورة لأنّ متعلّق شكّه معلوم، و هو خصوص الاثنتين و الثلاث، و إنّما الجهل كان متعلّقا بما قبل
الإكمال أو بعده.
ثمّ إنّ شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- قد ذكر في هذا المقام مسألة الشكّ في الأجزاء، و جريان قاعدة التجاوز فيها، و امتيازها عن قاعدة الفراغ.
و نحن حيث استقصينا الكلام في ذلك في الأصول لم نتعرّض لذلك في المقام و أحلناه إلى ذلك المحلّ، و لم يأت- مدّ ظلّه- في هذا المقام بشيء لم يأت به في الأصول، بل ذكر في الأصول ما لم يذكره في المقام.
فالأولى عطف عنان الكلام إلى بيان ما ذكره الأعلام من
، المعبّر عنه في بعض الكلمات بأنّه «لا سهو في السهو» كما هو مضمون الروايات (1). و إنّما تعرّضنا لذلك في هذا المقام لمناسبته للمباحث المتقدّمة من أحكام الشكوك (2)، فنقول.
إنّه قد ورد في عدّة من الروايات جملة هي «لا سهو في السهو» و في بعضها «لا سهو على السهو» (3). و هذه الجملة تتحمّل معان عديدة، من حيث إنّ السهو لغة هو غروب المعنى عن الذهن، فينطبق على النسيان و على الشكّ، لعدم انحفاظ صورة المعنى في الذهن في كلّ منهما. فيحتمل أن يكون المراد من السهو في الفقرتين الشكّ. كما أنّه يحتمل أن يكون المراد منه النسيان، و يحتمل أيضا أن يكون المراد منه الأعم، و يحتمل التفرقة، بأن يراد من الأول الشكّ و من الثاني
1) الوسائل: ج 5 ص 341 باب 25 من أبواب الخلل، ح 2.
2) لأنّ الكلام في الشكّ يقع في مقامات ثلاث الأول في الشكوك المبطلة الثاني الشكوك الصحيحة التي توجب عملا الثالث الشكوك الصحيحة التي لا توجب و قد تقدّم الكلام عن المقامين الأوليين و بقي الكلام في المقام الثالث فمن جملة الشكوك [الصحيحة التي لا توجب] الشكّ في الشكّ.
3) الوسائل: ج 5 ص 340 باب 25 من أبواب الخلل، ح 1.
السهو، و يحتمل العكس أيضا، كما أنّه يحتمل أن يكون المراد من أحدهما خصوص السهو أو الشكّ، و من الآخر الأعم. ثمّ إنّه يحتمل أن يكون المراد من السهو في الفقرتين موجب السهو بالكسر، و يحتمل أن يكون بالفتح، ثمّ إنّه يحتمل أن تكون كلمة «لا» نافية للجنس، و يحتمل أن تكون مشبّهة ب «ليس»، و يحتمل أن يكون السهو الثاني خبرا ل «لا» و الأول اسمها، و يحتمل أن يكون من متعلّقات السهو الأول و الخبر محذوف فيكون الظرف مستقرّا.
و بالجملة: المحتملات في هذه الفقرتين كثيرة، بحيث لو أريد ضرب محتملات الأول في محتملات الثاني لزادت عن ثلاثين، و لكنّ جملة منها ضعيفة جدّا بل لا يصحّ المعنى معه كما لا يخفى على المتأمّل. و أصول المحتملات هي الثمانية التي ذكرها في الجواهر (1). و لمكان كثرة المحتملات اختلف فتوى الأعلام اختلافا فاحشا، حتّى أفرط بعضهم و أخذ بجميع المحتملات الثمانية التي ذكرها في الجواهر، و أفتى بأنّه لا حكم للسهو في صلاة الاحتياط من حيث الركعات و الأفعال، و لا حكم في السهو في سجدتي السهو من حيث الوجود كما إذا شكّ في أصل فعلها، أو من حيث أفعالها كما إذا شكّ في أنّه سجد سجدة واحدة أو اثنتين، أو اثنتين أو ثلاثا، و لا حكم في السهو في الأجزاء المقضية من التشهّد و السجود، و لا حكم في الشكّ في الشكّ كما إذا لم يعلم أنّه شكّ بين الثلاث و الأربع، أو الأربع و الخمس مثلا، و لا حكم للشكّ في فعل المشكوك كما إذا شكّ في السجود و هو في المحلّ ثمّ شكّ في فعله في محلّه بعد شكّه الأول. و بالجملة:
جمع بين السهو بمعنى الشكّ و بمعنى النسيان، و جمع بين موجب السهو و موجبه فتحا و كسرا، هذا.
1) جواهر الكلام: ج 12 ص 389.
و لكنّ الإنصاف أنّ ذلك كلّه أجنبي عن معنى الحديث، و ليس السهو فيه بمعنى الشكّ و لا بمعنى النسيان و لا بمعنى الأعم، بل المراد من السهو هو المعنى المصطلح عليه في الأخبار، و هو عمل الشكّ من البناء على الأكثر و الإتيان بما احتمل نقصه منفصلا، فإنّ هذا هو الذي عبّر في الأخبار بالسهو، كما يدلّ عليه قوله عليه السّلام «ألا أجمع لك السهو كلّه في كلمتين، إلى أن قال: كلّما شككت .. (1)إلخ» فعبّر بالسهو عن عمل الاحتياط، و حينئذ يكون المراد من السهو في قوله «لا سهو في سهو» (2)هو ذلك أيضا، بل في نفس أخبار الباب ما يكون قرينة على ذلك. فإنّه في بعضها جمع بين قوله «لا سهو في المغرب و لا في الغداة و لا في النافلة و لا في المأموم- و من جملة ما ذكر في الرواية- و لا على السهو سهو» (3). فإنّ وحدة السياق تقتضي أن يكون المراد من السهو المنفي معنى واحدا، و من المعلوم أنّ بقية ما ذكر في الرواية يراد منه عمل الاحتياط، و أنّه ليس في صلاة المغرب من عمل الاحتياط عند الشكّ في ركعاتها من البناء على الأكثر و الإتيان بما احتمل نقصه، و كذا في صلاة الصبح، و في النافلة، و في صلاة الإمام و المأموم مع حفظ الأكثر، فإنّ السهو المنفي في جميع ذلك إنّما يراد منه عمل الاحتياط، من باب تسمية المسبّب باسم السبب، حيث إنّ السهو بمعنى الشكّ هو الذي يوجب عمل الاحتياط، فعبّر عن نفس مسبّب الشكّ و السهو من عمل الاحتياط بالسهو.
و حينئذ يكون المراد من السهو المنفي في قوله «لا سهو في السهو» أيضا هو عمل الاحتياط، فيكون المعنى أنّه ليس عمل الاحتياط في صلاة الاحتياط. و ينطبق
على فتوى المشهور من نفي عمل الاحتياط عند الشكّ في عدد ركعات صلاة الاحتياط، بل يبني على الأكثر من دون احتياط لو شكّ بين الواحدة و الاثنتين إذا كان احتياطه ركعتين، و على الأقل إن كانت ركعة واحدة، و كذا لو شكّ بين الاثنتين و الثلاث فإنّه يبني على الاثنتين فيأخذ بما هو الأصرف له على كلّ حال.
فكأنّ الشارع لاحظ في صلاة الاحتياط حكم النافلة من حيث نفي عمل الاحتياط.
و حاصل الكلام: أنّ السهو المنفي إنّما هو السهو المصطلح عليه في الأخبار في الشكّ في الركعتين الأخيرتين، و المراد منه هو الترفيع من البناء على الأكثر و الإتيان بما احتمل نقصه. و حينئذ يختصّ قوله «لا سهو في سهو» في خصوص الشكّ في عدد ركعات الاحتياط، و لا يعمّ الشكّ في أفعالها، فضلا عن نسيانها، فضلا عن الشكّ في سجود السهو- من حيث الوجود أو من حيث الشكّ في عدده أو نسيانه- فضلا عن الشكّ في الأجزاء التي كان يجب عليه قضاؤها من التشهّد و السجدة الواحدة، فضلا عن الشكّ في فعل المشكوك مع بقاء المحلّ، فضلا عن نسيان فعل المشكوك مع بقاء المحل الذي هذا آخر درجات الترقّي، و الالتزام بما لا يمكن الالتزام به، فإنّ في جميع ذلك لا بدّ من العمل على ما تقتضيه القاعدة.
ففي الشكّ في أفعال ركعات الاحتياط لا بدّ من العمل على ما يقتضيه الشكّ، فإن كان في المحلّ أتى به، و إن كان خارج المحلّ لم يلتفت. و كذا الحال في نسيانها فإنّه يأتي بها عند التذكّر مع بقاء المحلّ من عدم الدخول في الركن اللاحق، و مع الدخول يمضي في صلاته إن لم يكن المنسي ركنا، و إلّا بطلت على حذو ما سمعت في أصل الفريضة، و في الشكّ في سجود السهو لا بدّ من الإتيان به، إذا شكّ في أصل وجوده و أنّه فعله أو لم يفعله. و إن شكّ في عدد السجود، فإن شكّ في الزائد عن العدد المعتبر فيه فالأصل عدم الزيادة، و لا يلتفت إلى شكّه. و إن
شكّ في نفس العدد المعتبر يأتي به مع بقاء محلّه، و إلّا لم يلتفت. و إن نسي و أتى بالزائد عن العدد بأن سجد ثلاث سجدات أو سجدة واحدة لم يلتفت أيضا، لأصالة براءة ذمّته عن لزوم سجود السهو لمثل هذا السهو، فإنّ ما دلّ على لزوم سجود السهو عند فعل موجبه مقصور بالصلاة، و لا يعمّ مثل هذا السهو، فلا دليل على لزوم سجود السهو، و معه لا حاجة إلى نفيه بمثل «لا سهو في سهو» (1)الذي قد عرفت دلالته، و أنّه أجنبي عن إفادته ذلك.
و إن شكّ في الأجزاء المنسية عمل أيضا على حسب ما يقتضيه الشكّ. فإن شكّ في أصل فعلها أو نسي فعلها أتى بها، و إن شكّ أو نسي بعض ما يعتبر فيها لم يلتفت إذا خرج عن المحلّ، و أتى به مع بقاء المحلّ. و لو شكّ في فعل المشكوك كمن شكّ في السجود، ثمّ شكّ في الإتيان به لزمه الإتيان به مع بقاء المحلّ، فضلا عمّا إذا نسي فعله و تذكّر مع بقاء المحلّ. و من الغريب القول بعدم لزوم فعله تمسّكا بمثل قوله «لا سهو في السهو» الذي قد عرفت دلالته و أنّه لا ينفي إلّا الاحتياط عند الشكّ في ركعات الاحتياط.
ثمّ إنّه لو تنزّلها عمّا استفدناه من معنى الحديث و قلنا: إنّه ليس المراد من السهو ذلك، فلا بدّ من أن يكون المراد من السهو معناه الأعم من الشكّ و النسيان، إذ حمله على أحدهما بلا موجب و ليس على إرادة أحدهما قرينة. فينبغي البحث عن مقدار دلالته بناء على هذا، فنقول:
إنّ الظاهر من قوله «لا سهو في سهو» هو أنّ كلّ ما كان السهو علة لوجوده فالسهو فيه ممّا لا أثر له، و لا يوجب حكما. و بعبارة أخرى: كلّ شيء ترتّب على السهو و الشكّ في الصلاة بأن يكون السهو علّة لترتّب ذلك و تمام الموجب، فعند
1) الوسائل: ج 5 ص 341 باب 25 من أبواب الخلل، ح 2.
السهو و الشكّ في ذلك الشيء لا يترتّب شيء و لا يوجب ترتّب أحكام السهو على مثل هذا السهو. و من المعلوم أنّ الشيء الذي يكون السهو علّة تامّة له ليس إلّا صلاة الاحتياط و سجود السهو، فإنّ هذا هو الذي يثبت بالسهو في الصلاة على وجه يكون السهو فيها علّة تامّة لثبوته. و أمّا عدا ذلك حتّى قضاء الأجزاء المنسية من التشهّد و السجدة الواحدة فليس من موجبات السهو، فإنّ فعلها إنّما يكون لكونها من أجزاء الصلاة و أنّ الأمر الصلاتي يقتضي الإتيان بها، غايته أنّه آخر محلّها، و ليس كسجود السهو ممّا يكون التكليف به لأجل النسيان و الشكّ، بل التكليف بها لأجل بقائها على الجزئية. و لم تخرج عنها بسبب النسيان، و إنّما النسيان أوجب فعلها في غير محلّها.
فإذا كان هذا حال الأجزاء المنسية فما ظنّك بغيرها ممّا قالوا به في المقام كالشكّ في فعل المشكوك و هو في المحلّ أو نسيانه، فإنّ فعله ليس لأجل الشكّ و النسيان بل لأجل اقتضاء أمر الصلاة ذلك فيكون فعله على القاعدة، أمّا في صورة النسيان فواضح أنّ فعل المنسي من مقتضيات الأمر الصلاتي مع بقاء محلّه، و هو عدم الدخول في الركن اللاحق. و أمّا في صورة الشكّ فلأصالة عدم فعله المقتضية لفعله، فليس هذا من موجبات السهو حتّى ينفي بمثل قوله «لا سهو في سهو». فينحصر المنفي بما كان السهو موجبا له و علّة تامّة لثبوته و هو فعل الاحتياط و سجود السهو.
و حينئذ نقول: أمّا سجود السهو فالسهو فيه لا يقتضي سجود السهو و لو لم يكن لنا قوله «لا سهو في سهو» لعدم الدليل على ذلك، فإنّ ما دلّ على وجوب سجود السهو عند السهو مختصّ بصورة السهو في الصلاة فلا يعمّ غيرها.
و أمّا السهو في صلاة الاحتياط، فالسهو في عدد ركعاتها مندرج تحت قوله «لا سهو في سهو». و أمّا السهو في أفعالها فإن كان محلّها باقيا يلزمه فعلها، لأنّ
أصل صلاة الاحتياط من موجبات السهو لا أفعالها و أجزائها فتأمّل، و إن فات محلّها فليس عليه شيء و لا يلزمه سجود السهو، لاندراجه تحت قوله «لا سهو في سهو» بناء على هذا المعنى، لأنّ وجوب سجود السهو عليه يكون من مقتضيات نفس السهو حينئذ، فيكون منفيّا.
فتحصّل: أنّه لا تظهر الثمرة بين ما اخترناه من المعنى و بين هذا المعنى إلّا في وجوب سجود السهو عليه عند السهو في صلاة الاحتياط، بناء على ما اخترناه من المعنى، و عدم وجوبه بناء على هذا المعنى. فيكون ما أفتى به بعض في هذا المقام ممّا لا دليل عليه، فراجع كلمات القوم و تأمّل فيها.
و على كلّ حال قد عرفت أنّ الأقوى بحسب السياق هو ما اخترناه من المعنى في قوله «لا سهو في سهو» و أنّ المنفي فيه خصوص صلاة الاحتياط عند الشكّ في عدد ركعاتها، كما أنّه هو المراد من السهو المنفي في سائر الفقرات المذكورة في الرواية من قوله «لا سهو في المغرب و الصبح و النافلة و كلّ من الإمام و المأموم مع حفظ الآخر» (1)فإنّ المراد من السهو في جميع ذلك هو عمل الاحتياط. نعم لا يستفاد من الرواية أزيد من ذلك، و أمّا بطلان صلاة المغرب و الصبح بالشكّ، و عدم بطلانها به في النافلة مع التخيير فيها بين البناء على الأقل و الأكثر، و كذا عدم البطلان بالشكّ في صلاة الاحتياط و الأخذ بالصرفة، من البناء على الأقل لو شكّ في الزائد عن العدد المعتبر فيها كالشكّ بين الاثنتين و الثلاث، و البناء على الأكثر لو لم يشكّ في الزائد كالشكّ بين الواحدة و الاثنتين، فهو إنّما يكون من دليل خارج. و إلّا فنفس نفي السهو في المذكورات لا يقتضي هذا التفصيل، بل غاية ما يقتضيه نفى صلاة الاحتياط.
1) الوسائل: ج 5 ص 340 باب 24 من أبواب الخلل، ح 8 نقلا بالمعنى.
و حينئذ نقول: أمّا بطلان الفريضة بالشكّ في صلاة المغرب و الصبح فلمكان الأدلّة التي اعتبرت الحفظ فيهما، و أمّا عدم البطلان في النافلة فيمكن أن يكون ذلك لأجل مناسبة الحكم و الموضوع، و التوسعة بما لا يوسّع في الفريضة. و أمّا التخيير فيها فلمكان عدم ما يقتضي الأخذ بأحد طرفي الشكّ، فلا بدّ من التخيير.
و أمّا عدم البطلان بالشكّ في الاحتياط فلأنّ حكم الاحتياط الذي يكون بدلا عن الركعتين الأخيرتين لا يزيد عن حكم المبدل، فكيف يكون الشكّ فيه مبطلا مع عدم كونه مبطلا في الركعتين الأخيرتين. و أمّا البناء على الأقل عند الشكّ في الزائد فلأصالة عدم الزائد الذي قد عرفت جريانها في نفس الفريضة. و أمّا البناء على الأكثر إنّ لم يكن الشكّ في الزائد فلأنّ ذلك حكم المبدل، حيث كان حكم الشكّ في الركعتين الأخيرتين البناء على الأكثر مع صلاة الاحتياط. و قوله «لا سهو في سهو» نفى الاحتياط عند الشكّ في صلاة الاحتياط، و يبقى البناء على الأكثر الشامل للمقام، حيث إنّ مطلقات عمّا المتقدّمة الآمرة بالبناء على الأكثر كانت تعمّ كلّ صلاة حتّى صلاة الاحتياط، فتأمّل في أطراف ما ذكرناه.
شكّ كلّ من الإمام و المأموم مع حفظ الآخر كما في عدّة من الروايات (1)، فكأنّ الشارع جعل حفظ أحدهما حفظ الآخر، و ألغى شكّه لمكان اعتبار وحدة صلاة الإمام و المأموم، و روعي في الجماعة وحدة الصلاة في جملة من الأحكام كالقراءة و الأذان و الإقامة حيث يكتفى به من أحدهما، و من جملتها هذا الحكم حيث جعل حفظ أحدهما حفظ الآخر و عدم الاعتناء بشكّه، و هذا في الجملة ممّا لا إشكال فيه.
1) الوسائل: ج 5 ص 340 باب 24 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.
، لأنّ الاعتماد على حفظه لا على قوله و إخباره حتّى يقال: إنّه لا عبرة بإخبار الفاسق، و كذا ظاهر إطلاق النصّ أنّه لا فرق في المأموم بين أن يكون رجلا أو امرأة، و دعوى انصرافه إلى الرجل ممنوعة، بل مقتضى الإطلاق أنّه لا فرق بين أن يكون بالغا أو غير بالغ بناء على شرعية عبادات الصبي. و دعوى الانصراف إلى البالغ قد عرفت منعها.
، فإنّه المتيقّن من النصّ.
و أمّا رجوع الشاكّ إلى الظانّ فقد يتأمّل فيه، بدعوى أنّ المنصرف إليه من الحفظ هو اليقين و الحفظ العلمي لا الحفظ الظنّي، بل قد يتأمّل في إطلاق الحفظ على الظنّ، هذا. و لكنّ الإنصاف أنّه ممّا لا ينبغي التأمّل فيه، فإنّه بعد البناء على اعتبار الظنّ في الصلاة و أنّه محرز للواقع يكون الظانّ حافظا للواقع، و يكون رجوع الشاكّ إليه رجوعا إلى الحافظ، و دعوى الانصراف إلى العلم ممّا لا مساس لها، و إلّا كان اللازم أن يقال: إنّه في كلّ مورد أخذ العلم طريقا إلى الواقع لا يقوم الظنّ مقامه، لانصرافه إلى الإحراز العلمي و هو كما ترى، بل الانصراف في أمثال المقام ممّا لا معنى له، و ذلك لأنّ الانصراف إنّما يكون في الألفاظ التي تكون لها معان كلّية تحتها أفراد متواطئة بحسب الحقيقة و الهوية، و مقولة بالتشكيك بحسب الصدق على ماله من الأقسام، كانصراف الإنسان إلى ذي رأس واحد و ذي حقو واحد.
و أمّا في باب الحكومات فلا معنى للانصراف، فإنّ المفروض أنّ دليل المحكوم لا يعمّ ما تكفّله دليل الحاكم، و لا يكون من أفراد المحكوم حقيقة بل مباين له بحسب الحقيقة. و شأن دليل الحاكم هو إدخال ما لا يكون داخلا و إخراج ما لا يكون خارجا. مثلا فيما إذا أخذ العلم جزء للموضوع على وجه الطريقية،
فهذا العلم ممّا لا وجه لدعوى انصرافه إلى بعض أفراده، لأنّ المفروض أنّه ليس للعلم مراتب حتّى يدّعى أنّه منصرف إلى بعض مراتبه، و الظنّ ليس فردا للعلم حقيقة، فلا يعمّه حتّى يدّعي انصراف العلم عنه، و لكنّ دليل حجيّته يجعله علما و إحرازا. و حينئذ نقول: إنّ لفظة الحفظ في هذه الأخبار و إن لم تعمّ الظنّ حقيقة، و لكنّ دليل حجّية الظنّ في الصلاة يجعله حفظا و إحرازا. فإذا صار حفظا يعمّه أدلّة الباب من رجوع الشاكّ إلى الحافظ، و أنّ حفظ أحدهما حفظ الآخر، فلا مناص عن القول برجوع الشاكّ إلى الظانّ.
ففي رجوع الظانّ إلى القاطع نظر، الأقوى عدم الرجوع، لأنّ الظانّ حافظ كالقاطع، و لا معنى لرجوع الحافظ إلى حفظ آخر. و ما يقال من أنّ صلاة الجماعة حيث اعتبرت بمنزلة صلاة واحدة، فلا بدّ من تقدّم القاطع على الظانّ، لعدم اعتبار الظنّ مع القطع بالخلاف لو فرض محالا اجتماعهما في شخص واحد، ففي غاية السقوط. فإنّ اعتبار وحدة صلاة الجماعة ليس مطلقا بل في بعض الأحكام، مع أنّه لو فرض اعتبار الوحدة مطلقا فإنّما هو فيما يمكن من الأحكام، و معلوم أنّ اجتماع الظنّ و القطع في صلاة واحدة محال، و مع استحالته كيف يقال بأنّ الجماعة اعتبرت واحدة من هذه الجهة أيضا، إذ الكلام في المقام فيما يستفاد من الأخبار و فرض إمكان الاجتماع لا يجعله ممكنا و واقعا حتّى يقال بتسريته إلى الجماعة التي اعتبرت صلاة واحدة.
و بالجملة: لا ينبغي الإشكال في عدم جواز رجوع الظانّ إلى القاطع بعد اعتبار الظنّ في الصلاة.
لما عرفت من أنّ الظاهر من الأخبار هو تنزيل حفظ أحدهما منزلة حفظ الآخر، فيكون ذلك حاكما على ما دلّ على اعتبار
الحفظ في الركعتين الأوليتين.
، فتارة تقوم البيّنة عند شخص الظانّ، كما لو فرض أنّ المأموم كان ظانّا و قامت البيّنة عنده على خلاف ظنّه. و اخرى تقوم البيّنة عند الشاكّ، كما لو قامت البيّنة في الفرض عند الإمام. فإن قامت البيّنة عند شخص الظانّ على خلاف ظنّه، فالظاهر أنّه يكون من باب تعارض الحجّتين، لأنّ كلّا من البيّنة و الظنّ حجّة، و ليس أحدهما حاكما على الآخر، إذ لم يؤخذ في حجّية أحدهما ما يكون الآخر رافعا له حتّى تتحقّق الحكومة. فلا بدّ من وقوع التعارض بينهما و يكون حكمه حكم الشاكّ هذا بالنسبة إلى المأموم الظانّ الذي قامت البيّنة عنده على الخلاف.
و أمّا بالنسبة إلى الإمام الشاكّ الذي اطّلع على قيام البيّنة عند المأموم، فإن قلنا: إنّ قيام البيّنة عند أحد لا يوجب حجّيتها بالنسبة إلى من اطّلع عليها بل حجّية البيّنة مقصورة بمن قامت عنده أو تعقّبها حكم الحاكم فلا إشكال في المسألة. فإنّ البيّنة القائمة عند المأموم لا تكون حجة بالنسبة إلى الإمام، فيعمل الإمام على وفق ما يقتضيه شكّه. و إن قلنا: بحجيّة البيّنة حتّى بالنسبة إلى من لم تقم البيّنة عنده، فأقصاه أنّه يقع التعارض أيضا بين البيّنة و ظنّ المأموم، فإن كلّا منهما يكون حجّة في حقّ الإمام فيتعارضان في حقّه كما تعارضا في حقّ المأموم، هذا إذا قامت البيّنة عند المأموم. و أمّا إذا قامت البيّنة عند الإمام على خلاف ظنّ المأموم، فيقع التعارض أيضا بين البيّنة و بين ظنّ المأموم بالنسبة إلى الإمام، و أمّا بالنسبة إلى المأموم فمبني على حجّية البيّنة القائمة عند الإمام، فإن قلنا:
بحجّيتها في حقّه أيضا فيقع التعارض بينهما في حقّ المأموم أيضا، و إن قلنا: بعدم حجّيتها إلّا بالنسبة إلى من قامت عنده فيكون ظنّ المأموم حينئذ بلا معارض
فيعمل على وفقه.
و من هنا ظهر أنّه لو كان كلّ من الإمام و المأموم ظانّا على خلاف الآخر، و قامت البيّنة عند المأموم على خلاف ظنّه، و قلنا بعدم حجّية البيّنة في حقّ الإمام، فيبقى ظنّ الإمام بلا معارض فيعمل على وفق ظنّه.
، و أمّا لو لم يكن أحدهما ظانّا، و لكن قامت البيّنة عنده على أحد طرفي شكّه، و قلنا: بعدم اعتبار البيّنة عند الآخر الذي لم تقم عنده، فلا إشكال بالنسبة إلى من قامت البيّنة، و أنّه يعمل على وفق البيّنة، و يكون محرزا للواقع ببركة البيّنة. و حينئذ فهل للآخر الرجوع اليه بدعوى أنّه يكون حافظا فيندرج في أخبار الباب من رجوع الشاكّ إلى الحافظ، أو أنّه ليس له الرجوع بدعوى أنّه لم يكن حافظا حقيقة بمعنى أنّه لا يستند الحفظ إلى نفسه، و إنّما الحافظ هو البيّنة، غايته أنّ الشارع جعل حفظ البيّنة حفظ من قامت عنده تنزيلا. و الظاهر من أخبار الباب من رجوع الشاكّ إلى الحافظ هو أن يكون الشخص حافظا بنفسه، و لا منافاة بين عدم كونه حافظا بنفسه و بين حجّية البيّنة في حقّه، و قد اختار هذا الوجه شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- و التزم بعدم رجوع الشاكّ إلى من قامت البيّنة عنده، فتأمّل.
، فلا يخلو إمّا أن يكون الإمام ظانّا أيضا و إمّا أن يكون شاكّا، فإن كان شاكّا فلا إشكال في أنّه يلزمه العمل على وفق شكّه و لا يرجع إلى المأمومين، لأنّ اختلاف ظنّ المأمومين يكون من تعارض الحجّتين بالنسبة إلى الإمام. و أمّا المأمومون فيعمل كلّ على ظنّه، لأنّ ظنّ المأموم ليس حجّة على مأموم آخر، حتّى يكون بالنسبة إليهم أيضا من تعارض الحجّتين. و إن كان ظانّا فمقتضى القاعدة هو العمل بظنّه أيضا، سواء وافق ظنّ المأموم أو خالفه، كما لو
ظنّ الأربع مع أنّ المأمومين بعضهم ظن الثلاث و بعضهم ظنّ الاثنتين، فيعمل كلّ على ظنّه.
و ربّما يقال: إنّ الإمام لا يعمل على ظنّه إذا كان المأمومون قاطعين، و إن اختلف قطعهم بأن كان بعضهم قاطعا على أنّ الصلاة ركعتان و الآخر على ثلاثة، و كان الإمام ظانّا للثلاث أو الاثنتين، و قد استدلّ على ذلك بمرسلة يونس عن الصادق عليه السّلام سألته عن الإمام يصلّي بأربعة أنفس أو خمسة فيسبّح اثنان على أنّهم صلّوا ثلاثة و يسبّح ثلاثة على أنّهم صلّوا أربعا و يقول هؤلاء قوموا و يقول هؤلاء اقعدوا و الإمام مائل إلى أحدهما أو معتدل الوهم فما يجب عليه؟
قال عليه السّلام: ليس على الإمام سهو إذا حفظ عليه من خلفه سهوه باتّفاق منهم و ليس على من خلف الإمام سهو إذا لم يسه الإمام (1). و في بعض النسخ «بإيقان» منهم بدل «باتّفاق».
فإنّ نفي السهو عن الإمام قد علّق بصورة اتّفاق المأمومين، فيدلّ على أنّهم لو لم يتّفقوا فعلى الإمام السهو و إن كان ظانّا بحفظ أحد الطائفتين، حيث إنّ السؤال كان متضمّنا لصورة الظنّ و الشكّ. و بهذه الرواية ربّما يستدلّ على رجوع الظانّ إلى المتيقّن، فإنّ المأمومين لو كانوا كلّهم متّفقين على شيء، فالإمام يرجع إليهم مع أنّه ظانّ بالخلاف، حسب ما يدلّ عليه المفهوم، هذا. و لكن لو حمل الميل في السؤال على صورة الظنّ يلزم القول بعدم حجّية الظنّ بالنسبة إلى شخص الإمام، حيث يدلّ على ثبوت السهو في صورة عدم اتّفاقهم، و لو كان الإمام ظانّا بصدق إحدى الطائفتين، و لازمة عدم حجّية الظنّ في حقّه و هو- كما ترى- ممّا لا قائل به، فلا بدّ من حمل الميل على غير صورة الظنّ، بأن يكون المراد منه مجرّد رجحان
1) الوسائل: ج 5 ص 340 باب 24 من أبواب الخلل، ح 8.
إحدى الطائفتين في نظر الإمام من حيث العدد أو الوثاقة من دون أن يحصل له الظنّ. و إن أبيت عن ذلك فلا بدّ من طرح الرواية لعدم العمل بمضمونها.
و على كلّ حال فمقتضى القاعدة هو عمل الإمام بظنّه، سواء وافق ظنّه ظنّ المأمومين جميعا أو خالفهم أو وافق بعضا و خالف آخر.
فلا ينبغي الإشكال في رجوع الإمام إلى الظانّ إذا كان شاكّا، و لا يعتبر في الرجوع اتّفاق المأمومين في الحفظ. نعم ربّما يتوهّم دلالة مرسلة يونس السابقة على الاتّفاق، حيث إنّه عليه السّلام خصّ صورة الرجوع باتّفاق المأمومين عند اختلافهم، و لكنّ الظاهر اعتبار الاتّفاق في صورة اختلاف المأمومين في الحفظ، بأن كان بعضهم حافظا خلاف ما كان الآخر حافظا له، كما هو مورد السؤال، لا ما إذا كان بعضهم حافظا و الآخر شاكّا كما فيما نحن فيه. و ليس في الرواية إطلاق يمكن التمسّك به لما نحن فيه، مع أنّه قد عرفت أنّ في بعض النسخ «إيقان» بدل «الاتفاق» و إن كان الظاهر أنّه لا يفرّق بين لفظة الإيقان و الاتّفاق، فإنّ الظاهر من قوله «بإيقان منهم» إيقان الجميع أيضا، فيتّحد مفاده مع مفاد الاتّفاق.
فالعمدة هو أنّه لا إطلاق في الرواية يشمل ما نحن فيه فلا بدّ من رجوع الإمام إلى الظانّ أو المتيقّن من المأمومين، و أمّا الشاكّ من المأمومين فليس له الرجوع إلى المأموم الحافظ، إذ حفظ المأموم لم يجعل حجّة بالنسبة إلى مأموم آخر. و في رجوعه إلى الإمام بعد رجوع الإمام إلى الحافظ إشكال. ينشأ من تنزيل حفظ المأموم منزلة حفظ الإمام، فيكون الإمام حافظا لمكان حفظ بعض المأمومين، و حينئذ يرجع الشاكّ منهم إلى الإمام لكونه حافظا حينئذ، و من أنّ الظاهر من رجوع الشاكّ إلى الحافظ هو أن يكون الشخص حافظا بنفسه حقيقة و ليس الإمام في
المقام حافظا حقيقة، و قد تقدّم الإشكال في رجوع الشاك إلى من قامت البيّنة عنده، فتأمّل جيّدا.
فتارة يتّحد متعلّق شكّهما كما إذا كان كلّ منهما شاكّا بين الثلاث و الأربع.
و اخرى يختلف متعلّق شكّهما. و في صورة الاختلاف تارة لا يجمع شكّهما رابطة كما إذا شكّ الإمام بين الأربع و الخمس، و المأموم بين الاثنتين و الثلاث و اخرى يجمع شكّهما رابطة كما إذا شكّ الإمام بين الثلاث و الأربع، و المأموم بين الاثنتين و الثلاث، فإنّه يجتمع شكّهما في الثلاث. و كذا لو كان الشكّ المأموم بين الاثنتين و الثلاث و الأربع فإنّه أيضا تكون الثلاث رابطة بين شكّ الإمام و المأموم، و إن كان فرق بين المثالين، من حيث بساطة شكّ المأموم في أحدها و تركيبه في الآخر.
فهذه جملة الأقسام المتصوّرة في شكّ الإمام و المأموم التي وقع البحث عنها في المقام، فنقول:
أما القسم الأول: و هو ما إذا اتّحد متعلّق شكّ كلّ من الإمام و المأموم.
فلا إشكال في أنّ كلّا منهما يعمل عمل الشكّ و يأتي بالاحتياط حسب ما اقتضاه شكّه، نعم في جواز البقاء على الجماعة حتّى في صلاة الاحتياط إشكال يأتي بيانه.
و كذا لإشكال في القسم الثاني: و هو ما إذا اختلف متعلّق الشكّ و لم يجمعهما رابطة فإنّه أيضا يعمل كلّ منهما عمل شكّه و يحتاط، و في جواز الاقتداء في صلاة الاحتياط إشكال لعلّه أقوى من الاقتداء في القسم الأول و يأتي بيانه أيضا.
و أمّا القسم الثالث: و هو ما إذا جمع شكّهما رابطة، فالمحكي عن جماعة هو رجوع كلّ منهما إلى الرابطة و يلغي كلّ منهما ما انفرد به من الشكّ. فانّ كلّا منهما
يكون حافظا لما انفرد به الآخر من الشكّ، مثلا لو شكّ المأموم بين الثلاث و الأربع و الإمام بين الاثنتين و الثلاث، فيكون المأموم حافظا للثلاث شاكّا في الأربع، و الإمام حافظا لعدم الأربع و شاكّا في الثلاث. فالإمام يرجع إلى المأموم في حفظه و هو الثلاث، و المأموم يرجع إلى الإمام في حفظه و هو عدم الأربع، فيجتمعان في الثلاث.
و ربّما يفصّل بين ما إذا بقي لأحدهما شكّ بعد الرجوع إلى الرابطة و بين ما إذا لم يبق، ففي الأول لا يرجع إلى الرابطة بل يعمل كلّ على حسب ما يقتضيه شكّه، و في الثاني يرجع إلى الرابطة. مثال الأول ما إذا كان المأموم شاكّا بين الثلاث و الأربع و الإمام شاكّا بين الاثنتين و الثلاث و الأربع، فإنّ الرابطة في المقام هي الثلاث، و لكن لو رجع الإمام إلى الثلاث يبقى شكّه بالنسبة إلى الأربع بحاله، لأنّ المأموم لم يكن حافظا لعدم الأربع، لأنّ المفروض أنّ الأربع طرف شكّ المأموم فكيف يكون حافظا لها. نعم هو حافظ للثلاث و الإمام ليس حافظا لها لاحتماله الاثنتين، و أمّا بالنسبة إلى الأربع فليس أحدهما حافظا لها، و حينئذ لا يمكن الرجوع، هذا.
و لكن لا يخفى ما في أصل المسألة من الإشكال، حتّى ما لو فرض أنّ الرجوع إلى الرابطة يوجب رفع الشكّ من البين، كالمثال الأول، فإنّ أدلّة الباب الدالّة على الرجوع إلى الحافظ منصرفة عن مثل هذا الحفظ، فإنّ الحفظ ينصرف إلى اليقين أو الظنّ على وجه لا يكون الشخص شاكّا، و لا يصدق عنوان الحافظ فيما نحن فيه لا بالنسبة إلى الإمام و لا بالنسبة إلى المأموم. فحينئذ لا ينبغي ترك الاحتياط بالرجوع إلى الرابطة و إتمام الصلاة، ثمّ الاحتياط بإعادتها بالنسبة إلى من بنى على الأقل كالمأموم في المثال المتقدّم، و بركعة الاحتياط بالنسبة إلى من بنى على الأكثر كالإمام في المثال.
و توهّم أنّه لا يمكن الاحتياط في المقام لدوران الأمر بين المحذورين، لأنّ المأموم في المثال يدور أمره بين البناء على الثلاث لمكان احتمال اندراجه في أدلّة الباب، و بين البناء على الأربع لاحتمال اندراجه في أدلّة الشكّ، فلا يمكنه الاحتياط، ضعيف فإنّ ذلك فيما تساوى الاحتمالان، و المقام ليس كذلك، لقوّة احتمال اندراج ما نحن فيه في أدلّة الباب من الرجوع إلى الرابطة، لأنّه يمكن منع الانصراف و أنّه بدوي لا عبرة به، فلا ينبغي التأمّل في أنّ مقتضى الاحتياط ما ذكرناه.
الحقّ فيه التفصيل، فإنّه تارة يكون الشكّ من أحدهما لأجل احتمال التخلّف عن الآخر لموجب من زحام أو غيره. و اخرى يكون لأجل احتمال ترك الآخر الجزء المشكوك مع علمه بعدم التخلّف و ملازمته للآخر في الأفعال، مثلا لو شكّ المأموم في السجدة الأخيرة مع حفظ الإمام لها و علمه أو ظنّه بفعلها، فتارة يكون شكّ المأموم في السجدة لاحتمال تخلّفه عن الإمام و أنّه منعه الزحام مثلا عن السجود مع الإمام، و اخرى لا يحتمل ذلك بل يكون شكّه في السجدة لاحتمال عدم فعل الإمام لها نسيانا.
فإن كان شكّه على الوجه الأول فليس له الرجوع إلى حفظ الإمام بل يعمل ما يقتضيه شكّه من فعل السجدة إذا كان في المحلّ، لأنّه لا دليل على الرجوع في مثل هذا بعد ما كانت أدلّة الباب مختصّة بالشكّ في عدد الركعات، حيث إنّ المراد من قوله «لا سهو للإمام (1).. إلخ» هو نفي عمل السهو من ركعات الاحتياط على ما تقدّم تفصيله، و هو مختصّ بالشكّ في عدد الركعات.
1) الوسائل: ج 5 ص 338 باب 24 من أبواب الخلل، ح 3 نقلا بالمعنى.
و أمّا إذا كان الشكّ على الوجه الثاني فيمكن القول بالرجوع، فإنّ أدلّة الباب و إن كانت لا تعمّه لفظا إلّا أنّها تعمّه مناطا. أمّا عدم عمومها لفظا فلما عرفت من أنّ المراد من نفي السهو هو ركعة الاحتياط لا الأجزاء، و أمّا عمومها مناطا فلأنّ الظاهر من قوله عليه السّلام «ليس على الإمام سهو إذا حفظ من خلفه» (1)هو كون حفظ أحدهما هو العلّة في نفي السهو، و كأنّ حفظ أحدهما بمنزلة الأمارة لفعل الآخر، فإذا لم يكن شكّ الإمام أو المأموم من جهة التخلّف بل من جهة احتمال ترك صاحبه، و المفروض أنّ صاحبه حافظ لفعله، فكأنّ حفظه حفظ الآخر فلا يعتني بشكّه. و هذا بخلاف ما إذا كان شكّه من جهة احتمال التخلّف، فإنّ حفظه لا ربط له به و ليس موقع التنزيل. بل يمكن أن يقال بهذا التفصيل في الشكّ في عدد الركعات، فإنّ عدم العبرة بشكّ أحدهما مع حفظ أحدهما إنّما يكون فيما إذا تلازما في الركعات و شكّ أحدهما من جهة احتمال ترك صاحبه ركعة، و أمّا إذا لم يكن الشكّ كذلك، بل شكّ المأموم من جهة احتمال كونه مسبوقا بركعة أو منعه الزحام عن متابعة الإمام فليس هذا مندرجا في أخبار الباب، بل يلزم المأموم العمل على وفق شكّه و لا يفيده حفظ الإمام. هذا تمام الكلام في شكّ الإمام و المأموم.
بقي في المقام حكم السهو في كلّ منهما فنقول: السهو إمّا أن يكون من الإمام، و إمّا أن يكون من المأموم، و إمّا أن يكون من كليهما. فإن كان من الإمام وجب العمل بما يوجبه من التدارك إن كان العمل باقيا، إن لم يكن المنسي ركنا و البطلان إن كان هو، و قضاء الأجزاء التي يجب قضاؤها و سجود السهو. و هذا ممّا لا إشكال فيه. إنّما الإشكال في متابعة المأموم له عند فعل الإمام موجبات السهو،
1) الوسائل: ج 5 ص 340 باب 24 من أبواب الخلل، ح 8.
فربّما قيل: بوجوب متابعته، فلو عاد الإمام إلى السجود المنسي عاد المأموم أيضا.
و كذا تابعه في قضاء الأجزاء و سجود السهو.
و لعلّ وجهه وجوب متابعة المأموم للإمام في الأفعال و لا يخفى ضعفه. فإنّ المتابعة إنّما تجب في أفعال الصلاة، فمثل سجود السهو لا يجب المتابعة فيه، لعدم كونه من أجزاء الصلاة.
و أمّا قضاء الأجزاء المنسية و كذا العود إلى التدارك في المحلّ، فإنّها و إن كانت من أجزاء الصلاة إلّا أنّ المفروض أنّ المأموم قد أتى بها في محلّها، فلا موجب لمتابعته للإمام.
و ربّما يوجّه بأنّه لو لا المتابعة لاختلّت الهيئة و النظم المعتبر في صلاة الجماعة، فإنّه لو رجع الإمام من القيام إلى تدارك السجود المنسي و المأموم لم يتابعه و بقي قائما يلزم اختلال نظم الجماعة، و لعلّه لأجل ذلك قيل: بأنّه يرجع المأموم و لكن لا يسجد مع الإمام بل يبقى قاعدا إلى أن يسجد الإمام فيقوما معا. و لا يخفى عليك ضعفه فإنّ اعتبار الهيئة على هذا الوجه ممّا لا دليل عليه، و لذا أفتوا بأنّه لو كبّر المأموم و لم يدرك الإمام في ركوعه بقي قائما إلى أن يقوم الإمام من ركعته. نعم حكي عن بعض أنّه يتابعه في السجود.
و على كلّ حال لا دليل على وجوب متابعة المأموم للإمام في موجبات سهوه.
نعم في خصوص سجود السهو وردت رواية ظاهرها وجوب المتابعة، و هي الموثقة: عن الرجل يدخل مع الإمام و قد سبقه الإمام بركعة أو أكثر فسها الإمام كيف يصنع؟ فقال: إذا سلّم الإمام سجد سجدتي السهو و لا يسجد الرجل الذي دخل معه، و إذا قام و بنى على صلاته و أتمّها و سلّم سجد الرجل سجدتي السهو (1).
1) الوسائل: ج 5 ص 339 باب 24 من أبواب الخلل، ح 7 باختلاف يسير.
و لكنّ الظاهر عدم عمل المشهور بالرواية مع موافقتها للعامّة. فالأقوى أنّه لا يجب المتابعة حتّى في سجود السهو. هذا كلّه إذا كان السهو من الإمام.
و أمّا إذا كان من المأموم فلا إشكال في أنّه يجب عليه التدارك مع بقاء المحلّ.
و أمّا بالنسبة إلى قضاء الأجزاء المنسية و سجود السهو فقد قيل: إنّه لا يجب عليه خصوصا الثاني، بل ربّما نسب إلى المشهور تمسّكا بعدّة روايات منها الموثّق عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام سألته عن الرجل سها خلف الإمام بعد ما افتتح الصلاة، فلم يقل شيئا و لم يكبّر و لم يسبّح و لم يتشهّد حتّى سلم. فقال: قد جازت صلاته و ليس عليه شيء إذا سها خلف الإمام، و لا سجدتا السهو لأنّ الإمام ضامن لصلاة من خلفه (1). و هذا- كما ترى- ظاهر في عدم قضاء الأجزاء المنسيّة، لأنّه قد صرّح في السؤال بنسيان التشهّد، و مع ذلك حكم الإمام بأنّه لا شيء عليه، هذا.
و لكن مع معارضة هذه الروايات بروايات أخر ظاهرة الدلالة في وجوب سجود السهو على المأموم عند فعله ما يوجبه محمولة على التقية، لأنّ بناء العامّة على أنّ الإمام ضامن لصلاة المأموم مطلق و قد ورد شدّة النكير عليهم بأنّ الإمام ليس ضامنا إلّا القراءة فالأقوى أنّه يجب عليه ما يوجب السهو مطلقا. و أمّا إذا اشترك الإمام و المأموم في السهو فلا إشكال في أنّه يجب على كلّ منهما العمل بما يوجبه، و إنّما الإشكال في جواز الاقتداء و البقاء على الائتمام في قضاء الأجزاء المنسيّة، و في سجود السهو، و كذا في صلاة الاحتياط.
و قد اختار شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- جواز الاقتداء في جميع ذلك. أمّا الأجزاء المنسيّة فلأنّها لم تخرج عن كونها أجزاء للصلاة المؤتم بها، بل هي باقية على جزئيّتها
1) الوسائل: ج 5 ص 339 باب 24 من أبواب الخلل، ح 5 باختلاف يسير.
لتلك الصلاة و إن تغيّر محلّها. و أمّا سجود السهو فالأمر فيه و إن لم يكن بذلك الوضوح إلّا أنّه لا يبعد دعوى جواز الاقتداء بها، لكونها من ملحقات الصلاة المؤتم بها فيلحقها حكم الأجزاء من هذه الجهة. و لكن مع ذلك المسألة لا تخلو عن إشكال.
و أمّا صلاة الاحتياط فالأقوال فيها ثلاثة: قول بجواز الاقتداء بها مطلقا، و قول بعدم جواز الاقتداء بها مطلقا، و قول بالتفصيل بين ما إذا كان الاحتياط لأجل صلاة اقتدى بها كما هو مفروض كلامنا في المقام، و بين ما إذا لم يكن كذلك.
كما إذا كان منفردا و وجب عليه صلاة الاحتياط و أراد أن يقتدي بها بمن كان عليه صلاة الاحتياط أيضا، فالجواز في الأول و عدمه في الثاني. و القول بالتفصيل لا يخلو عن وجه. و شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- و إن تعرّض للمسألة في المقام مفصّلا، إلّا أنّه فاتني كتابتها و لعلّه يتعرّض لها ثانيا في صلاة الجماعة، و نسأل اللّٰه التوفيق لتدارك ما فات.
و المسألة في الجملة ممّا لا إشكال فيها و لا خلاف و الأخبار بها مستفيضة.
منها: ما رواه محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام قال: إذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك، فإنّه يوشك أن يدعك إنّما هو [من] الشيطان (1).
و منها: ما رواه عمّا عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام في الرجل يكثر عليه الوهم في الصلاة، فيشكّ في الركوع فلا يدري أركع أم لا، و يشكّ في السجود فلا يدري أسجد أم لا. فقال: لا يسجد و لا يركع و يمضي في صلاته حتّى يستيقن يقينا.
الحديث (2).
و منها: ما رواه حريز و أبو بصير و زرارة قالا: قلنا له: الرجل يشكّ كثيرا في صلاته حتّى لا يدري كم صلّى و لا ما بقي عليه قال: يعيد قلنا: فإنّه يكثر عليه ذلك كلّما أعاد شكّ. قال: يمضي في شكّه. ثمّ قال: لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم نقض الصلاة فتطمعوه، فإنّ الشيطان خبيث معتاد لما عوّد، فليمض أحدكم في الوهم و لا يكثرنّ نقض الصلاة، فإنّه إذا فعل ذلك مرّات لم يعد إليه الشكّ. قال زرارة: ثمّ قال: إنّما يريد الخبيث أن يطاع فإذا عصي لم يعد إلى أحدكم (1).
و منها: غير ذلك ممّا يقف عليه الناظر. و بعد ذلك نقول
و كذا لا فرق بين أن يكون الشكّ في المفسد كالشكّ بين الأربع و الخمس، أو الشكّ في الثنائية و الثلاثية و غيره. و ظاهر رواية زرارة و حريز و أبي بصير و إن كان الشكّ في المفسد، حيث إنّه تقدّم فساد صلاة من لم يدر كم صلّى، إلّا أنّ التعليل في الرواية مع إطلاق الروايات الأخر، مع التنصيص في الشكّ في الركوع و السجود في رواية عمّار، مع أنّه ليس من الشكّ المفسد يقتضي عموم الحكم لكلّ شكّ سواء تعلّق بالأفعال أو الركعات مطلقا.
كما أنّ الظاهر من المضيّ المقابل للوقوف هو عدم الاعتناء بالشكّ من حيث الشكّ، و من حيث المشكوك فيه فلا يجب عليه التدارك في المحلّ، و لا سجود السهو لو كان الشكّ موجبا له، و لا صلاة الاحتياط. و يدلّ عليه أيضا التعليل في الروايات كما لا يخفى، بل الظاهر أن يكون الحكم على جهة اللزوم و العزيمة
1) الوسائل: ج 5 ص 329 باب 16 من أبواب الخلل، ح 2.
لا رخصة، فليس له فعل المشكوك و تبطل صلاته بذلك هذا. و في المسألة أقوال أخر:
الأول: ما نسب إلى المحقّق الأردبيلي- قدّس سرّه- من القول بالتخيير بين البناء على الأكثر إلّا إذا استلزم فسادا، كالشكّ بين الأربع و الخمس، و بين البناء على مقتضى الشكّ إن فسادا ففسادا، كمن لا يدري كم صلّى، و كالشكّ في الأوليين و في الثنائية و الثلاثية. و إن احتياطا فاحتياطا كالشكّ في الأخيرتين.
فيكون حاصل مقالة الأردبيلي- رحمه اللّٰه- التخيير بين العمل بمقتضى أدلّة الشكوك المقتضية للفساد أو الصحّة مع الاحتياط، و بين العمل بمقتضى أدلّة الباب من المضيّ و عدم الالتفات (1).
القول الثاني: ما نسب إلى الشهيد- قدّس سرّه- من أنّ الحكم في المقام ليس على جهة اللزوم و العزيمة بل على جهة الرخصة، فله العمل بمقتضى الشكّ من الإتيان بالمشكوك عند بقاء العمل (2). و لعلّ الشهيد- رحمه اللّٰه- خصّ الرخصة بخصوص الشكّ في الأفعال، و لو عمّمها حتّى بالنسبة إلى الشكّ في الركعات لما حصل التقابل بين الأقوال كما لا يخفى وجهه على المتأمّل.
القول الثالث: ما نسب إلى المحقّق الثاني- قدّس سرّه- من القول بالتخيير بين البناء على الأقل و إتمام صلاته، و بين البناء على الأكثر من دون أن يكون عليه شيء (3). و كأنّ قول المحقّق مقصور بالشكّ في عدد الركعات حتّى يقابل قول الشهيد- رحمه اللّٰه- و إلّا لم تحصل المقابلة، إذ لو كان قول الشهيد بالرخصة أعم من الشكّ في الأفعال و الشكّ في الركعات، و كان قول المحقّق بالتخيير أعم من
الأفعال و الركعات، لرجع القولان إلى قول واحد. إلّا أن يكون مراد الشهيد- رحمه اللّٰه- من الرخصة على تقدير شمول قوله للشكّ في الركعات، الرخصة في البناء على الأكثر من دون احتياط، فيكون مخيّرا بين البناء على الأكثر بلا احتياط أو مع الاحتياط، لا الرخصة بين البناء على الأقل أو الأكثر.
فيحصل الفرق بين القولين حينئذ، إلّا أنّه يبقى الفرق بين مقالة الشهيد و مقالة المحقّق الأردبيلي، حيث إن مقالة الأردبيلي ترجع أيضا إلى التخيير بين العمل بمقتضى الشكّ من البناء على الأكثر و عمل الاحتياط، و بين الأخذ بأخبار الباب من البناء على الأكثر و لا شيء عليه. إلّا أن تكون مقالة المحقّق مقصورة بالشكّ في عدد الركعات المفسد دون الصحيح منه، كما حكي عن شيخنا- مدّ ظلّه- نسبة ذلك إلى الأردبيلي في الدورة السابقة. و على كلّ لا يهمّنا البحث عن تقابل الأقوال و إنّما المهمّ بيان مدرك الأقوال فنقول:
أمّا مدرك المحقّق الأردبيلي فيمكن أن يكون ما رواه حريز و زرارة و أبو بصير، بتقريب: أنّه قد حكم الإمام عليه السّلام بالإعادة بعد السؤال عن كثير الشكّ، ثمّ حكم عليه السّلام بالمضيّ بعد تكرار السؤال، و الجمع بينهما إنّما يكون بالتخيير، كما لو كان هناك روايتان على هذا الوجه، فيكون كثير الشكّ مخيّرا بين العمل بمقتضى الشكّ من الفساد الذي هو مورد السؤال و بين المضيّ، و حكي أنّ المحقّق الأردبيلي- رحمه اللّٰه- استدلّ بهذا الوجه على مقالته في شرح الإرشاد (1)، هذا.
و لكن لا يخفى عليك ضعف الاستدلال بذلك.
أمّا أولا: فلأنّه ليس المراد بالكثير المسئول عنه في صدر الرواية هو كثير الشكّ المبحوث عنه في المقام، بل المراد كثرة أطراف الشكّ بحيث لا يدري كم
1) مجمع الفائدة و البرهان: ج 3 ص 142.
صلّى كما هو مفروض السؤال، و حكم ذلك ليس إلّا الإعادة كما تقدّم. و المراد من الكثير المسئول عنه ثانيا في ذيل الرواية هو كثير الشكّ المبحوث عنه في المقام، و حكمه المضيّ في الصلاة و عدم الاعتناء. فلا تعارض بين الصدر و الذيل حتّى يحمل على التخيير. و ممّا يؤيّد كون المراد من الكثير في الصدر كثير الأطراف لا كثرة نفس الشكّ استبعاد تكرار السؤال من مثل هؤلاء الأجلّة. فالإنصاف أنّه لا يحتمل أن يكون المراد من الكثير في الصدر و الذيل معنى واحدا.
و ثانيا: سلّمنا كون المراد منهما معنى واحدا، فغاية ما يلزم من ذلك تعارض الصدر و الذيل. و الحكم فيه التساقط، فلا معنى للحمل على التخيير، و أيّ شاهد على هذا الحمل.
و ثالثا: سلّمنا جميع ذلك، فاللازم حينئذ الاقتصار على مورد الرواية من الشكّ في المفسد، و لا يمكن التعدّي عنه إلى الشكّ الغير المفسد الذي يوجب الاحتياط، مع أنّ كلام المحقّق أعم من الشكّ في المفسد على ما حكاه في الجواهر (1). نعم لا يرد عليه بناء على ان تكون مقالة المحقّق مقصورة بالشكّ في المفسد، كما حكاه شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- في الدورة السابقة. و على كلّ حال لا ينبغي التأمّل في فساد مقالة المحقّق الأردبيلي.
و أمّا مدرك مقالة الشهيد- قدّس سرّه- من كون الحكم في المقام رخصة لا عزيمة، فغاية ما يمكن أن يقال في تقريبه، هو: أنّ الحكم في المقام إنّما يكون لأجل التوسعة و التخفيف على العباد، نظير الحكم الوارد في باب الضرر و الحرج الذي ثبت كونه لأجل الامتنان. و الحكم الوارد على هذا الوجه لا يقتضي أزيد من الرخصة، نظير الأمر الوارد عقيب الحظر، و النهي الوارد عقيب الأمر، الذي لا يفيد
1) جواهر الكلام: ج 12 ص 417.
أكثر من رفع المنع من الترك أو المنع من الفعل. و في المقام لمّا كان مقتضى القاعدة لزوم العمل على ما يقتضيه الشكّ من التدارك في المحلّ، و كان المكلّف ملزما بذلك، فالأمر بالمضيّ في هذه الأخبار لا يقتضي أزيد من رفع الإلزام. و أمّا وجوب المضيّ فلا يستفاد من ذلك. و نظير هذا الكلام قد صدر من بعض في مثل «لا ضرر» و «لا حرج» حتّى أفتى أنّ مقتضاهما ليس إلّا الرخصة لا العزيمة، هذا.
و لكن لا يخفى عليك فساد ذلك فإنّ البحث عن الرخصة و العزيمة إنّما يكون في الأوامر و النواهي النفسيّة التي لا يستتبعها الوضع، كالأمر الوارد عقيب الحظر و النهي الوارد عقيب الأمر. و أمّا في مثل المقام الذي تكون أدلّته حاكمة على أدلّة الشكوك فلا معنى لكون الحكم رخصة، إذ معنى الحكومة رفع جزئية ما شكّ في فعله، و معه كيف يجوز له الإتيان مع أنّه يلزم زيادة عمدية.
و بالجملة: لا مجال للبحث عن الرخصة و العزيمة في الأدلّة الحاكمة، كأدلّة نفي الضرر و الحرج و أدلّة الباب و ما شابه ذلك، فإنّ مقتضى حكومتها هو رفع الحكم الثابت بالأدلّة الأولية، و من هنا نقول: إنّه لا يجوز له الوضوء في مورد الضرر و يبطل وضوؤه لو خالف. ففي المقام مقتضى قوله «فليمض» هو عدم الاعتناء بشكّه و أنّ الحكم المجعول للشكّ لم يكن بالنسبة إلى كثير الشكّ، و مع ذلك كيف يجوز المخالفة و الاعتناء بالشك من فعل المشكوك، و هل هو إلّا زيادة عمدية مبطلة. فالإنصاف أنّ مقالة الشهيد- رحمه اللّٰه- أيضا ممّا لا يمكن المساعدة عليها.
و أمّا مدرك مقالة المحقّق الثاني و هي القول بالتخيير بين البناء على الأقل و الأكثر فلم نعرفه، إذ لا موجب للبناء على الأقل إلّا أن يقال: إنّ أخبار الباب إنّما تكون حاكمة على أدلّة البناء، فأخبار البناء على الأكثر ساقطة، و الأمر
بالمضيّ في أخبار الباب لا يقتضي أزيد من جواز البناء على الأكثر، و أمّا تعيّنه فلا. فيكون مخيّرا بين البناء على الأكثر من دون احتياط عملا بأخبار الباب و بين البناء على الأقل بمقتضى الاستصحاب، هذا.
و لكن يظهر ضعفه ممّا مرّ، إذ بعد تسليم الحكومة لا موجب للبناء على الأقل بل يتعيّن عليه البناء على الأكثر من دون احتياط، كما عليه المشهور. و توهّم أنّ المضيّ في الصلاة مقابل الوقوف و هو لا ينافي عمل الاحتياط أو سجود السهو أو التدارك في المحل، إذ في الجميع يصدق المضيّ. ففساده غنيّ عن البيان، إذ لازم ذلك إنكار حكومة أدلّة الباب على أدلّة الشكوك، مع أنّه لو بني على ذلك لم يبق أثر لأدلّة الباب إلّا في الشكّ في المفسد. مضافا إلى تصريح بعض أدلّة الباب بعدم الاعتناء بالشكّ في الركوع و السجود، بل يمضي في صلاته من دون أن يركع أو يسجد، مع أنّ الظاهر من المضيّ هو عدم الالتفات إلى الشكّ و عدم الاعتناء به و فرضه كعدمه. و ذلك ينافي التدارك في المحلّ أو صلاة الاحتياط أو سجود السهو، هذا كلّه مضافا إلى ظهور التعليل في ذلك.
فالإنصاف أنّه لا محيص عن مقالة المشهور من غير فرق بين الشكّ في المفسد و غيره، و بين الشكّ في الأفعال و غيره، و بين الشكّ في الركعتين الأوليتين و غيرهما. فإن في جميع ذلك لا يعتني بالشكّ و يبني على الصرفة، فلو شكّ بين الثلاث و الأربع يبني على الأربع و لو شكّ بين الأربع و الخمس بعد السجود يبني على الأربع أيضا، و كذا إن كان بعد الركوع، فإنّه و إن كان مقتضى القاعدة بطلان الصلاة عند عروض الشكّ بعد الركوع كما تقدّم، إلّا أنّ ذلك في غير كثير الشكّ، و أمّا هو فتصحّ صلاته و يبني على الأربع و يتمّ صلاته. و لو عرض الشكّ بين الأربع و الخمس في حال القيام فقد حكى شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- عن تقرير الشيخ- قدّس سرّه- بأنّه يجلس و يتمّ صلاته من دون أن يحتاط.
فيكون الفرق بين كثير الشكّ و غيره في هذا الفرغ هو أنّ غير كثير الشكّ يجلس و يحتاط بركعة بعد إتمام الصلاة، لرجوع شكّه بعد الجلوس إلى الثلاث و الأربع، و أما كثير الشكّ فليس عليه ركعة الاحتياط. و يمكن أن يكون نظر الشيخ في ذلك إلى أنّ أدلّة الباب إنّما تكون حاكمة على أدلّة الشكوك، و لم يرد نصّ في الشكّ بين الأربع و الخمس في حال القيام، بل يكون هذا الشكّ باعتبار الركعة السابقة مندرجا في أدلّة الشكّ بين الثلاث و الأربع، و لذا كان يجب عليه هدم القيام على ما تقدّم تفصيله. فإذا كان هذا الشكّ مندرجا في أدلّة الشكّ بين الثلاث و الأربع و المفروض أنّ أدلّة الباب حاكمة على أدلّة الشكوك فلا بدّ من هدم القيام ليندرج في الشكّ بين الثلاث و الأربع و يتمّ صلاته بلا احتياط بمقتضى أدلّة الباب، هذا.
و لكنّ الإنصاف أنّ ذلك لا يخلو عن مناقشة. بل الذي يقتضيه أدلّة الباب هو عدم الالتفات إلى الشكّ و فرضه كعدمه، و حينئذ ينبغي له أن يبني على الأربع و يتمّ صلاته من دون أن يهدم قيامه، فإنّ ذلك معنى المضيّ المأمور به في المقام المقابل للوقوف، بل هدم القيام يوجب الاعتناء بالشكّ في الجملة، لأنّ هدم القيام إنّما هو لإرجاع الشكّ إلى الشكّ بين الثلاث و الأربع، و هذا هو بنفسه اعتناء للشكّ.
و دعوى: حكومة أدلّة الباب على أدلّة الشكوك فلا بدّ من هدم القيام، ليكون هذا الشكّ مشمولا لأحد الأدلّة. مدفوعة بأنّ الحكومة إنّما تكون فيما إذا كان الشكّ بنفسه مشمولا لأحد الأدلّة، و أمّا إذا لم يكن بنفسه مشمولا و كان بنفسه يقتضي البطلان حسب القاعدة الأولية، فمقتضى عدم الالتفات إلى كثير الشكّ هو فرض الشكّ كعدمه، فيكون ما نحن فيه كمن لم يشكّ بين الأربع و الخمس، و حكمه ليس إلّا البناء على الأربع و إتمام صلاته. ثمّ إنّه لو سلّمنا أنّه
يهدم القيام فغاية ما يلزم هو عدم صلاة الاحتياط، و أمّا سجود السهو فمقتضى القاعدة لزوم فعله، لأنّه يكون لهدم القيام و لا ربط له بكثرة الشكّ، فتأمّل.
هي: أنّ المتيقّن من أدلّة الباب أن يكون الشخص كثير الشكّ بالنسبة إلى الأجزاء، و أمّا بالنسبة إلى الشروط فإن كان شكّه فيها في أثناء الصلاة كمن كثر شكّه في أنّه مستقبل أو مع الساتر و هو في أثناء الصلاة، فكذلك لا يلتفت إلى شكّه لاندراجه في أدلّة الباب أيضا، و أمّا إن كثر شكّه فيها قبل الصلاة كمن كثر شكّه في الستر أو الاستقبال أو كثر شكّه في بعض أفعال الوضوء و الغسل و التيمّم، فإدراجه في أدلّة الباب لا يخلو عن إشكال بل منع. لاختصاص الأدلّة بباب الصلاة فلا موجب للتعدّي عنها، إلّا بدعوى شمول التعليل له، و هو مشكل. لأنّ التعليل إنّما هو من علل التشريع لا من علل الحكم حتّى يندرج في منصوص العلّة.
و دعوى أنّ الشرائط من توابع الصلاة فأدلّة الباب شاملة لها بتبع شمولها للصلاة، مشكلة فإنّ التبعية على هذا الوجه مع خروجها عن أدلّة الباب ممّا لا تظهر.
فالإنصاف أنّ التعدّي عن باب الصلاة إلى الشروط الخارجة عن الصلاة فضلا عن غير الشروط من سائر أبواب العبادات و المعاملات ممّا لا يمكن أن يلتزم به. و إن حكي عن السيّد- رحمه اللّٰه- في العروة التزامه به في باب الوضوء (1). بل نسب التعدّي إلى الوضوء إلى جملة من الأعلام. و من الغريب أنّهم لم يتعرّضوا للمسألة في الغسل و التيمّم، و إنّما تعرّضوا لها في خصوص الوضوء، و استدلّوا عليه بالتعليل و برواية ضعيفة الدلالة، مع أنّ التعليل يقتضي التعدّي إلى جميع
1) العروة الوثقى: فصل في شرائط الوضوء، مسألة 46.
الأبواب حتّى المعاملات، كما اختار ذلك كاشف الغطاء في مقدّمات كتابه (1).
فالإنصاف أنّ قصر الحكم إلى الوضوء بلا موجب و التعدّي إلى جميع الأبواب مشكل جدّا، فالمسألة بعد لا تخلو عن إشكال. و لكنّ شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- قد اختار التعدّي إلى خصوص الطهارات الثلاث، بدعوى أنّ التعليل و إن لم يكن علّة للحكم إلّا أنّه لا يبعد أن يستظهر منه إلغاء خصوصية الصلاتية على وجه يلحق بها توابعها من الطهارات، نعم التعدّي إلى سائر الواجبات فضلا عن المعاملات في غاية الإشكال.
فمن كثر نسيانه أيضا لا يلتفت إلى نسيانه، بل حكي عن الحدائق- رحمه اللّٰه- أنّ المراد بالسهو هو النسيان، و الشكّ إنّما يكون محلقا به (2)، هذا. و لكنّ الإنصاف أنّه ممّا لا يمكن الالتزام به، فإنّ دعوى كفاية الصلاة بلا ركوع بالنسبة إلى من كثر نسيان الركوع أو الصلاة ثلاث ركعات لمن كثر نسيان الركعة الرابعة- كما ترى- ممّا لا يرضى الفقيه القول به، بل لا يمكن أن يكون النسيان و الشكّ معا مندرجين في الأخبار، فإنّ الحكم بعدم الالتفات في كثير الشكّ ظاهري لا واقعي، فلو علم أنّه نقص ركوعا أو ركعة بعد الصلاة أعاد، و الحكم بعدم الالتفات في كثير النسيان واقعي مخصّص للأدلّة الواقعية، حيث تكون صلاته واقعا ثلاث ركعات أو بلا ركوع أو مع زيادة ركوع أو ركعة على حسب متعلّق النسيان، و لا يمكن الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي في كلام واحد.
و توهّم أنّ أخبار الباب طائفتان طائفة ليس فيها إلّا لفظ الشكّ فليكن المراد منها كثير الشكّ فقط، و طائفة ليس فيها إلّا لفظ السهو فليكن المراد النسيان
فقط. فلا يلزم الجمع بين الحكمين في كلام واحد، فاسد فإنّ لفظ السهو يشمل الشكّ أيضا قطعا، و لا يمكن إخراجه عنه فيلزم الجمع المذكور فتأمّل.
و ربّما حكى عنه الشهيد- رحمه اللّٰه- بأنّ المراد من عدم الالتفات هو عدم الالتفات إلى سجود السهو، لا عدم الالتفات إلى المنسي. بمعنى أنّه لا يجب على كثير النسيان سجود السهو، لا أنّه لا يجب عليه تدارك المنسي بحيث تجزي منه الصلاة الناقصة ركعة أو ركوعا، و هو على تقدير شمول السهو للنسيان حسن. بل ربّما قيل: إنّه لا معنى للحكم بعدم التفات كثير النسيان إلى نسيانه إلّا عدم فعله سجود السهو، لا عدم فعله المنسي، فإنّ سجود السهو هو الحكم المترتّب على النسيان، بحيث يكون النسيان علّة له، و أمّا فعل المنسي فهو لمكان اقتضاء الأمر بالصلاة ذلك، لا لمكان اقتضاء النسيان له حتّى قضاء الأجزاء المنسية، فإنّ فعلها بعد الصلاة ليس لمكان اقتضاء النسيان ذلك، بل لمكان قيام الدليل عليه، و إلّا كان مقتضى القاعدة البطلان لو لا «لا تعاد» (1)و مقتضى «لا تعاد» الصحّة مطلقا بلا قضاء، و لكنّ الدليل قام على لزوم القضاء.
و بالجملة: معنى أن كثير النسيان يمضي هو أنّه لا يعتني بنسيانه و لا يلتفت إليه، لا أنّه لا يعتني بالمنسي، و معلوم أنّ عدم الاعتناء بالنسيان لا يقتضي أزيد من عدم فعله ما يقتضيه النسيان و هو سجود السهو ليس إلّا، و أمّا فعل المنسي فهو ليس من مقتضيات النسيان بل من مقتضيات الأمر بالصلاة.
و من ذلك ظهر ما في نقض صاحب الجواهر- رحمه اللّٰه- بالشكّ حيث قال:
1) الوسائل: ج 3 ص 227 باب 9 من أبواب القبلة، ح 1.
الكلام بعينه يجري في الشكّ أيضا، فيقال: إنّ فعل المشكوك فيه ليس من مقتضيات الشكّ حتّى يكون منفيّا بهذه الأخبار، بل الأمر بالصلاة يقتضي ذلك. و الذي يقتضيه الشكّ هو صلاة الاحتياط فقط (1). و جهة النظر هو أنّ المفروض الشكّ في فعل المشكوك فيه، و مع الشكّ كيف يعقل أن يكون الأمر الصلاتي يقتضي فعله، مع أنّه يشكّ في بقاء الأمر، و لا يمكن شمول الشكّ لحالة الشكّ فيه ففعل المشكوك فيه إنّما هو لمكان اقتضاء الشكّ إمّا للاستصحاب و إمّا لقاعدة الاشتغال ذلك.
فالإنصاف أنّه لو شمل السهو في أخبار الباب للنسيان لكانت مقالة الشهيد متّجهة، إنّما الشأن في شمول الأخبار للنسيان، فإنّ التعليل الوارد في الأخبار مع لفظ المضيّ الذي هو مقابل الوقوف لا يناسب النسيان بل يناسب الشكّ، حيث إنّه يقتضي الوقوف بخلاف النسيان، فإنّه يأتي بالمنسي عنه بلا وقفة فتأمّل.
، فإنّ استوعب شكّه جميع أفعال الصلاة في كلّ صلاة، بأن كان في جميع صلواته يشكّ كثيرا في جميع أفعالها، كان اللازم عليه أن لا يلتفت إلى شكّه في جميع أفعال صلاته. و إن لم يستوعب شكّه ذلك، بل كان كثير الشكّ في خصوص فعل كالركوع أو السجود أو خصوص ركعة كالرابعة أو خصوص صلاة كالصبح في فعل خاصّ منها أو جميع أفعالها، كان اللازم عليه الاقتصار في خصوص ما كثر شكّه فيه و ليس له التعدّي عمّا كثر شكّه فيه إلى غيره من سائر الأفعال أو الركعات أو الصلوات بل يعمل في غير ذلك على ما يقتضيه الشكّ.
1) جواهر الكلام: ج 12 ص 419 نقلا بالمضمون.
الأول: ما نسب إلى المشهور من الرجوع في ذلك إلى العرف، ففي أيّ مورد صدق عرفا أنّه كثير الشكّ يؤخذ به.
الثاني: ما نسب إلى ابن حمزة من تحقّق الكثرة بالسهو ثلاث مرّات متوالية (1).
و لم يعلم أنّ مراده السهو في شيء واحد كالركوع مثلا، بأن يسهو في ثلاث ركوعات متوالية على وجه لا يتخلّل بينها ركوع خال عن السهو، أو أنّ مراده يسهو في فريضة واحدة ثلاث مرّات متوالية في ثلاثة أجزاء منها.
الثالث: ما نسب إلى ابن إدريس و هو أن يسهو في شيء واحد أو فريضة واحدة ثلاث مرّات و إن لم تكن متوالية (2).
الرابع: أن يسهو في ثلاث فرائض من الفرائض الخمس، هذا. و ليس في الباب إلّا صحيح ابن [أبي] عمير عن الصادق عليه السّلام قال: إذا كان الرجل ممّن يسهو في كلّ ثلاث فهو ممّن كثر عليه السهو (3). و نظر المشهور الذي أحالوا المقام إلى العرف إلى أنّ هذا الصحيح مجمل لم يتبيّن المراد منه، فيحتمل أن يكون المراد منه ما ينطبق على ما هو عند العرف، فيكون نظر العرف هو المحكّم في المقام.
و نظر الأقوال الأخر إلى هذا الصحيح على حسب ما استفادوا منه من كون المراد من الثلاث ثلاث فرائض أو ثلاث مرّات و لو في فريضة واحدة، و الذي ينبغي أن يحرّر في المقام هو أنّ هذا الصحيح هل هو مجمل أو مبيّن؟ فإن كان مجملا فالحقّ مع المشهور من الرجوع إلى العرف، و إن كان مبيّنا فلا وجه للرجوع إلى العرف فإنّه يكون حينئذ في مقام التحديد و لا بدّ من الأخذ به و إن لم ينطبق على ما هو عند العرف كما هو الشأن في سائر التحديدات الواردة من الشارع. فالعمدة بيان
ما يكون الصحيح ظاهرا فيه فنقول مع قطع النظر عن الأقوال في المسألة.
الظاهر من قوله عليه السّلام: «إذا كان الرجل ممّن يسهو في كلّ ثلاث» هو أن لا يمرّ على الرجل ثلاث صلوات إلّا و أن يسهو فيها و لو في واحدة منها، بحيث يكون ثلاث صلوات فردا من أفراد العموم، و يكون المراد أنّه لا يمضي عليه صلوات ثلاث خالية عن الشكّ، بل يشكّ فيها و لو في واحدة لا محالة على وجه يكون حاله كذلك، و يكون بمنزلة الطبيعة له، بحيث يكون منحرف المزاج و يخرج عن الاعتدال و يصير ذلك بمنزلة الملكة له. و السرّ في كون الصحيح ظاهرا في هذا المعنى هو أنّه فرق بين الفعل الماضي و الفعل المضارع، فإنّ في الأول لا يعتبر فيه الدوام و الاستمرار بل يكفي فيه مجرّد تحقّق الفعل خارجا، بخلاف الفعل المضارع فإنّه يعتبر فيه الدوام و الاستمرار. ففرق بين أن يقال: إذا كان الرجل ممّن سها في ثلاث و بين أن يقال: إذا كان الرجل ممّن يسهو في كلّ ثلاث، فإنّ في الأول يكفي تحقّق السهو منه ثلاثا في صدق عنوان كثير الشكّ، و في الثاني لا يكفي مجرّد تحقّق الثالث، بل لا بدّ من استمرار السهو في كلّ ثلاث بحيث تكون حالته كذلك. و لعلّ من اعتبر في تحقّق عنوان كثير الشكّ حصول الشكّ منه ثلاثا إمّا في فريضة واحدة أو في ثلاث فرائض أو في فعل واحد على اختلاف الأقوال المتقدّمة أخذ المضارع في الصحيح بمعنى الماضي.
و الإنصاف أنّ ذلك خلاف الظاهر، بل الظاهر من الصحيح هو أن يستمر عليه تلك الحالة، فلا عبرة بالسهو ثلاثا في فريضة واحدة أو في فعل واحد أو في فرائض ثلاث، بل لا عبرة في عشرين سهوا متوالية أو غير متوالية في فعل واحد، أو في فريضة واحدة أو في فريضتين، بل العبرة أن لا يمضي عليه ثلاث صلوات إلّا و أن يسهو فيها، بحيث يعلم من حاله الاستمرار على ذلك.
و توهّم أنّه لو كان الفعل المضارع في المقام بمعنى الاستمرار يلزم أن لا يعرف
الشخص كونه كثير الشكّ إلّا عند الممات و في آخر العمر، إذ لا طريق له إلى معرفة استمرار شكّه في كلّ ثلاث فاسد لأنّ المراد من قوله «يسهو في كلّ ثلاث» هو أن يكون حاله على وجه لا تنقضي عليه ثلاث إلّا و يسهو فيها. و معرفة الشخص كون حاله على هذا الوجه بمكان من الإمكان، فربّما يمكن معرفة ذلك بيوم أو يومين. و بالجملة: كونه مستمرّ الشكّ في كلّ ثلاث أمر عرفي يمكن معرفته، و الرجوع إلى العرف في كون حاله حال من يستمرّ شكّه في كلّ ثلاث غير الرجوع إلى العرف في أصل كونه كثير الشكّ، و ليس بين المقامين ملازمة كما حكي عن المجلسي- رحمه اللّٰه- (1)ذلك.
فتحصّل من جميع ما ذكرنا: أنّ الرواية ظاهرة الدلالة، و لا بدّ من الأخذ بظاهرها في مسألة كثير الشكّ، و لا موجب لحمل التحديد فيها على كونه بيانا لأحد المصاديق العرفية، بل هو تحديد شرعي ينبغي البناء عليه كسائر التحديدات الشرعية، فيكون الضابط في كثير الشكّ هو أن يكون حاله على وجه لا يمرّ عليه ثلاث صلوات إلّا و يسهو فيها، إمّا في فعل خاصّ منها فيكون كثير الشكّ في ذلك الفعل بالخصوص و لا يتعدّى إلى غيره، و إمّا في ركعة خاصّة، أو لا يكون لشكّه محلّ خاصّ على ما تقدّم في الجهة الرابعة.
، كما إذا كان كثير الشكّ في الركوع بعد التجاوز عن محلّه. فلو اتّفق أنّه شكّ في الركوع و هو في المحلّ لا يجري عليه حكم كثير الشكّ، بل يلزمه تدارك الركوع في المحلّ، و لا يصغى إلى دعوى أنّه كثير الشكّ في الركوع، فلا يلزمه تداركه لأنّه كان كثير الشكّ في الركوع بعد تجاوز محلّه، و هذا شكّه في محلّه فقد
1) بحار الأنوار: ج 88 ص 2 باب 87 من أبواب الشكّ و السهو.
اختلف متعلّق هذا الشكّ و الشكّ الكثير باعتبار المحلّ، و ليسا تحت جامع واحد.
و قد تقدّم في الجهة الرابعة أنّه يجب قصر الحكم في المورد الذي كثر شكّه فيه، نعم لو كان عدم الحكم لشكّ كثير الشكّ من جهة قيام أمارة على عدم الاعتناء بشكّه، كما لو فرض أنّه مواظبا لصلاة الجماعة، و مع ذلك كان كثير الشكّ في الركوع مع أنّ الإمام حافظ له، فإنّه لا حكم لشكّه مع قطع النظر عن كونه كثير الشكّ لمكان حفظ الإمام، فلو اتّفق أنّه صلّى منفردا و شكّ في الركوع الذي كان فيه كثير الشكّ فالظاهر أنّه يجري عليه حكم كثير الشكّ و لا يلتفت إلى شكّه، لاتّحاد متعلّق الشكّين و بين هذا الفرض و الفرض السابق بون بعيد. و لا يقاس أحدهما بالآخر لأنّ الركوع في الفرض الأخير هو الذي كثر شكّه فيه، غايته أنّه مع الصلاة جماعة لم يكن له حكم لمكان الأمارة من حفظ الإمام فلا حاجة إلى إجراء حكم كثير الشكّ عليه، فلو فقدت الأمارة لمكان الصلاة منفردا جرى عليه حكم كثير الشكّ و ذلك واضح.
من مرض أو هرم، أو غير ذلك. و دعوى أنّ التعليل الوارد في روايات الباب إنّما ينطبق على ما إذا كان الشكّ لأجل وسوسة الشيطان، بحيث يوجب الاعتناء بالشكّ عبادة الشيطان فضعيفة لما تقدّم من أنّ التعليلات إنّما هي من قبيل حكمة التشريع و ليست من العلّة المنصوصة بحيث تكون كبرى كلّية و عليه لا يوجب قصر دائرة الحكم و تقيّده بالمورد الذي يجري فيه الحكمة و الذي يكون موضوعا للحكم هو عنوان كثير الشكّ مطلقا أيّ قسم منه بأيّ سبب حصل.
من العدّ بالحصى أو تحويل الخاتم أو تخفيف ذكر الركوع و السجود
حتّى لا يشكّ فيه، إذ ليس في المقام ما يقتضي وجوب ذلك عليه، و الأمر بالتخفيف في بعض الروايات إنّما هو للإرشاد عن كيفية زوال وسوسة الشيطان و علاج السهو، لا أنّه لبيان الوجوب المولوي. و يشعر بذلك قوله عليه السّلام «ينبغي تخفيف الصلاة من أجل السهو» (1).
و أنّه صلّى أو لم يصلّ لخروج ذلك عن مفروض الروايات، فإنّ المفروض فيها هو الشكّ في أفعالها أو ركعاتها بعد فرض أصلها، و التعليل قد عرفت حاله و أنّه من حكمة التشريع، و ليس علّة للحكم حتّى ندور مداره و نتعدّى عن مورده.
و ما تقدّم منّا من أنّه في بعض موارد حكمة التشريع يمكن أن يستظهر منها إلغاء الخصوصية على وجه يكون الكلام ظاهرا في غير ما يكون ظاهرا فيه في حدّ نفسه لو لا التذييل بالتعليل، و لأجل ذلك تعدّينا عن الصلاة إلى توابعها من الطهارات الثلاث، فإنما هو فيما إذا كان إلغاء الخصوصية ممّا يساعد عليه الفهم العرفي، و لذا كان الفهم العرفي يساعد على إلحاق توابع الصلاة بها. و أين هذا ممّا نحن فيه من التعدّي عن الشكّ في بعض أجزاء الشيء إلى الشكّ في أصل وجود الشيء، فإنّ إلغاء الخصوصية حتى بالنسبة إلى ذلك ممّا لا يساعد عليه الفهم العرفي. نعم لو كان كثير الشكّ على وجه يلحق بالوسواس فلا عبرة بشكّه كما هو الشأن في جميع أفعال الوسواس.
، أمّا كثير القطع فلما ذكر في محلّه. من أنّه لا فرق بين قطع القطّاع و غيره، إلّا إذا فرض أخذ القطع الخاصّ موضوعا. و أمّا كثير الظنّ فإن وصل كثيرة ظنّه على وجه يوجب انصراف
1) الوسائل: ج 5 ص 335 باب 22 من أبواب الخلل، ح 2.
أدلّة اعتباره عنه، فلا عبرة بظنّه، و إن لم يصل إلى ذلك الحدّ فهو باق على اعتباره و إن كثر. هذا تمام الكلام في كثير الشكّ.
و قد تقدّم ما يدلّ على نفي السهو في النافلة، و تقدّم أيضا معنى نفي السهو و أنّ المراد منه في مصطلح الأخبار نفي الاحتياط، و لا يستفاد من مجرّد نفي السهو الوظيفة الفعلية من البطلان أو البناء على الأكثر أو غير ذلك، بل لا بدّ في استفادة ذلك من دليل خارج، كما قام الدليل على البطلان في الثنائية و الثلاثية، و على الرجوع إلى حفظ الإمام أو المأموم إن شكّ أحدهما. ففي المقام ورد في الروايات نفي السهو عن النافلة، و هذا لا يدلّ على أزيد من نفي الاحتياط. و أمّا الوظيفة ما هي فليس مبيّنا. و مع ذلك ذهب المشهور بل ادّعي الإجماع على أنّ الحكم في النافلة هو التخيير بين البناء على الأقل و البناء على الأكثر، و أنّ الأفضل هو البناء على الأقل.
و الإنصاف أنّه لم يظهر لنا دليل على ذلك. فإنّ نفي السهو لا يقتضي ذلك.
و في بعض نسخ الكافي نفي الشكّ عن الشاكّ في النافلة (1). فربّما يتوهّم أنّ نفي الشيء غير نفي السهو، فإنّ المراد من نفي السهو على ما عرفت نفي عمل الاحتياط، فلا دلالة فيه على التخيير. و أمّا نفي الشيء فهو أعم من ذلك و من تعيّن البناء على الأقل و تعيّن البناء على الأكثر، و لازم ذلك هو التخيير.
و أمّا أفضلية البناء على الأقل، فلما روي في الكافي مرسلا من أنّه يبني على الأقل (2). فيحمل ذلك على الأفضلية، هذا. و لكن فيه أنّ الظاهر من نفي الشيء هو أيضا نفي عمل الاحتياط، و أمّا نفي تعيّن أحد طرفي الشكّ فلا يستظهر منه.
و بالجملة: إتمام فتوى المشهور بالدليل مشكل. نعم يمكن أن يقال: إنّ نفي السهو
و إن لم يعيّن الوظيفة إلّا أنّ مناسبة الحكم و الموضوع و مقتضى التوسعة الثابتة في النافلة يقتضي أن لا يكون الحكم فيها البطلان، بل التخيير. و مع ذلك يبقى سؤال الوجه في أفضلية البناء على الأقل، إلّا أن يتشبّث بذيل الإجماعات المحكية في المقام.
و على كلّ حال، المبحث المهمّ هو تشخيص موضوع الحكم و أنّ المراد من النافلة ما ثبت لها الوصف فعلا و إن كانت فرضا بالأصل أو أعم من ذلك، و ما كانت نفلا بالأصل و إن طرأ عليها الفرض بالفعل، أو أنّ الموضوع خصوص ما كان نفلا أصلا و فعلا، فلا عبرة بالنفلية الأصلية مع طروء الفرض عليهما، كما لا عبرة بالنفلية الفعلية مع كونها فرضا بالأصل. و هذا هو الذي اختاره شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- و ينبغي أولا تنقيح ما يقتضيه الأصل في المقام عند الشكّ في ذلك فنقول:
إنّه لا مجال للرجوع إلى استصحاب عدم الزائد عند الشكّ في عدد الركعات في الصلاة، التي لم يعلم دخولها في النافلة التي نفي السهو عنها، لانقطاع الاستصحاب قطعا. و ذلك لأنّه لنا عمومات قاطعة للاستصحاب تدلّ على أنّ الشكّ في الصلاة الثنائية مبطل لها، كالتعليل الوارد في ذيل بطلان الجمعة بالشكّ فيها بأنّها ركعتان، فمقتضى هذا التعليل و غير ذلك هو أنّ الشكّ في الصلاة الثنائية مبطل لها مطلقا نافلة كانت أو فريضة، ثمّ ورد مخصّص بأنّ الشكّ في النافلة غير مبطل لها، و تردّد حال المخصّص بين الأقل و الأكثر من جهة المفهومية، و لم يعلم منه أنّ المراد من النافلة ما كانت نافلة مطلقا أصلا و فعلا، أو ما كانت نافلة و لو باعتبار أحد الحالتين. فالمتيقّن من تخصيصات العمومات الدالّة على بطلان الثنائية بالشكّ فيها هو ما كان نفلا أصلا و فعلا، و يبقى ما كان فرضا في أحد الحالتين مندرجا في العمومات. و لا يسري إجمال المخصّص إلى إجمال
العام حتّى لا يجوز الرجوع إليه، لأنّ المخصّص في المقام منفصل دار أمره بين الأقل و الأكثر. و على فرض تسليم سراية الإجمال إلى العام، مع أنّه لا سبيل إلى تسليمه نقول: لا يجوز الرجوع إلى الاستصحاب للعلم إجمالا باندراج المشكوك في أحد الدليلين المخالف كلّ منهما للاستصحاب، فلا يبقى مجال للرجوع إلى الاستصحاب.
و الأقوى أنّه في كلّ مورد شكّ في شمول أدلّة نفي السهو عنه، تكون مقتضى القاعدة البطلان. و لا يجوز الرجوع إلى استصحاب عدم الزائد إذا كانت الصلاة ثنائية. و إذا كانت رباعية كصلاة الأعرابي، و طرأ عليها الفرض بالنذر و شبهه فلا مانع من الرجوع إلى الاستصحاب، لو قلنا باختصاص أدلّة البناء على الأكثر بالفرائض الأصلية، أو كان منصرف إطلاقها ذلك.
و المتيقّن من النافلة التي نفي السهو عنها هي ما كانت نافلة أصلا و فعلا، فلو كانت فرضا أصلا أو فعلا تبطل بالشكّ فيها. نعم ربّما يقع الإشكال في بعض الموارد كصلاة العيدين، و صلاة الصبي المميّز، و سيأتي بيانه. و على كلّ حال لا ينبغي التأمّل في أنّ المراد من النافلة في المقام ما كانت بحسب ذاتها نافلة و ما كانت فعلا موصوفة بالنافلة، فنحتاج إلى كلا القيدين. و لا يكفي نافلة الذات فقط. و كانت فعلا موصوفة بالفرض، و لا ما كانت فريضة بالذات و كانت موصوفة بالنفل فعلا.
و السرّ في ذلك هو أنّ عمومات بطلان الصلاة الثنائية لم تكن معنونة بعنوان خاصّ، بل كلّ ما كانت ثنائية، و الخارج منها خصوص عنوان النافلة، فالمخصّص لا بدّ و أن يكون معنونا بعنوان النافلة. و لا إشكال أنّ عنوان النافلة ينصرف عمّا إذا كانت عرض لها وصف النافلة، و إن كانت بحسب الذات فريضة كالصلاة المعادة، فإنّ الظاهر من النافلة هو أن يكون إشارة إلى الذات، فكونها بحسب
الذات نافلة ممّا نحتاج إليه لا محالة. مع أنّه لو لم يسلّم الانصراف عن ذلك، فلا أقل من الشكّ في شمول عنوان النافلة لمثل ذلك، فلم يحرز عنوان المخصّص. و قد تقدّم أنّ الأصل يقتضي البطلان. هذا مضافا إلى قيام الدليل على بطلان صلاة المغرب و الصبح بالشكّ فيهما و إطلاقه يقتضي البطلان و إن عرض عليها النفل كما في صورة الإعادة، و لا يمكن رفع اليد عن هذا الإطلاق إلّا بدليل حاكم، و ليس في البين إلّا قوله «لا سهو في النافلة» (1)، و هو قاصر عن الحكومة، للشكّ في شمول النافلة لمثل ذلك، لقوّة احتمال أن يكون المراد من النافلة ما كانت ذاتا كذلك، و ليس صلاة الصبح و المغرب كذلك. هذا في الفريضة التي طرأ عليها النفل.
و أمّا النفل الذي طرأ عليها الفرض كالنذر، فهو و إن كان بحسب الذات نفلا إلّا أنّه مع ذلك يشكّ في شمول قوله «لا سهو في النافلة» له لاحتمال أن يكون المراد منه ما كان موصوفا فعلا بالنفل، أي ما كان باقيا على نفليّته الأصلية و لم يطرأ عليه وصف الفرض، فيشكّ أيضا في شمول عنوان المخصّص له. و قد تقدّم أنّ القاعدة في موارد الشكّ تقتضي البطلان.
و توهّم أنّه ما المانع من الرجوع إلى استصحاب الحكم السابق في النفل الذي طرأ عليه الفرض، حيث أنّه قبل طروّ الفرض لم يكن للشكّ فيها حكم و ما كان يقتضي البطلان، و بعد طروّ الفرض بالنذر يشكّ في تغييرها عن الحكم، و مقتضى الاستصحاب بقاؤها على ما كانت عليه، فاسد فإنّ الاستصحاب في المقام يتوقّف على أن يكون وصف النفل من الحالات التي لا يضرّ ارتفاعها في بقاء الموضوع، كارتفاع التغيّر في الماء المتنجّس، و لا يمكن إثبات ذلك، فلو لم نقل
1) الوسائل: ج 5 ص 340 باب 24 من أبواب الخلل، ح 8.
إنّ مناسبة الحكم و الموضوع يقتضي ركنيّة الوصف للموضوع، حيث إنّ الحكم يناسب وصف النافلة، فلا أقل من الشكّ في كونه من الحالات و في مثله لا يجري الاستصحاب للشكّ في بقاء الموضوع.
فتحصّل أنّ مقتضى القاعدة بضميمة مناسبة الحكم و الموضوع هو اعتبار وصف النفلية ذاتا و فعلا، فالنفل الذي طرأ عليه الفرض يجري عليه حكم الفرض، و الفرض الذي طرأ عليه النفل يجري عليه أيضا حكم الفرض.
ثمّ إنّه ربّما يعدّ من النفل الذي طرأ عليه الفرض: ما أمر الوالدان به أو استؤجر عليه، كما لو أمر الوالدان بصلاة الليل أو استؤجر عليها، و صلاة الطواف و صلاة المنذورة. و الفرض الذي طرأ عليه النفل: صلاة المتبرّع بها، و صلاة العيدين في حال الغيبة، و صلاة الكسوف قبل تمام الانجلاء حيث يستحبّ تكرارها إلى تمام الانجلاء، و صلاة الصبي بناء على شرعيّتها حيث يستحبّ له، و غير ذلك.
و لا يخفى عليك أنّ عدّ بعضها من أفراد ما طرأ عليه النفل أو الفرض ليس على ما ينبغي، لوضوح أنّ التبرّع لا يوجب نفلية الصلاة المتبرّع بها إذا كانت واجبة على المتبرّع عنه، فإنّ الاستصحاب إنّما يكون في التبرّع و إفراغ ذمّة الغير لا في نفس المتبرّع به.
و كذا عدّ ما أمر به الوالد من النفل الذي طرأ عليه الفرض لا يستقيم، لأنّ الواجب هو طاعة الوالد فيما يكون مستحبّا، و ليس أمر الوالد يوجب وجوب صلاة الليل، و لا يكون أمر الوالد كالنذر، حيث يوجب وجوب صلاة الليل، لمكان اتّحاد متعلّق النذر مع متعلّق الأمر، على ما تقدّم بيانه، هذا. و لكنّ الفرق بين أمر الوالد و النذر مشكل، و إن كان شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- جعل الفرق بينهما في كمال الوضوح.
و أمّا صلاة العيدين فيمكن أن يقال بأنّها مستحبّة ذاتا في حال الغيبة،
و ليست من الفرض الذي طرأ عليه النفل، لقوّة احتمال أن يكون حال الحضور و الغيبة منوّعا لها.
و أمّا صلاة الصبي، فإن قلنا: إنها مغايرة بالنوع لصلاة البالغ، فليست من الفرض الذي طرأ عليها النفل. و إن قلنا: إنّها متّحدة بالنوع، فيشكل الأمر فيها من جهة احتمال شمول أدلّة الشكّ في الصبح و المغرب لها، فيجري عليها حكمهما، بل يمكن أن يقال ذلك و لو قلنا بالمغايرة نوعا، لأنّها لا تخرج عن كونها صلاة صبح أو مغرب.
و أمّا صلاة الطواف فهي واجبة في مورد وجوب الطواف، و مستحبّة في مورد استحبابه.
و أمّا صلاة المستأجر عليها فهي كصلاة التي أمر الوالد بها، من حيث عدم طروّ وصف الوجوب عليها بسبب الإجارة، بل الإجارة تقع في مقابل التنزيل على ما بيّناه في محلّه، بل هي أوضح من صورة أمر الوالد كما لا يخفى وجهه. و الإنصاف أنّ المسألة بعد مشكلة و تحتاج إلى مزيد تأمّل. هذا تمام الكلام في الشكّ في عدد ركعات النافلة.
و أمّا الشكّ في أفعالها فمقتضى القاعدة أنّه لا فرق بينهما و بين الفريضة في أنّه إن كان في المحلّ يأتي به، و إن كان خارج المحلّ لا يلتفت إليه على التفصيل المتقدّم، و لا دليل على اتّحاد حكم الشكّ في الأفعال للشكّ في عدد الركعات، لأنّ نفي السهو عن النافلة قد عرفت معناه، و أنّ المراد منه نفي عمل السهو الذي هو البناء على الأكثر مع الاحتياط، فلا ربط له بالشكّ في الأفعال.
نعم، مناسبة الحكم و الموضوع بل الأولوية تقتضي عدم الالتفات إلى الشكّ في الأفعال، إلّا أنّ مناسبة الحكم و الموضوع وحدها لا تكفي، فإنّها بنفسها ليست دليلا ما لم تكن الأولوية قطعية، و لم توجب مناسبة الحكم و الموضوع انعقاد ظهور
الدليل على خلاف ما كان ظاهرا فيه لو لا المناسبة. و الحاصل: أنّ مناسبة الحكم و الموضوع إنّما نقول بها فيما إذا كان هناك دليل توجب المناسبة انعقاد ظهوره في مورد المناسبة، و إلّا هي بنفسها ليست من الأدلّة. و في المقام بعد ما كان دليل نفي السهو مختصّا بالشكّ في عدد الركعات، فلا دليل في الشكّ في الأفعال حتّى يتشبّث بمناسبة الحكم و الموضوع، فالتمسّك بها في المقام يكون أشبه شيء بالقياس.
فالعمدة في عدم تسرية الحكم إلى الشكّ في الأفعال عدم الدليل. لا أنّ فعل المشكوك فيه في المحلّ ليس من أحكام الشكّ حتّى يشمله دليل النفي، كما يظهر ذلك من الجواهر (1). فإنّه قد تقدّم أنّه يكون من مقتضيات الشكّ و لو من جهة استصحاب عدمه، و لا يمكن أنّ يكون من مقتضيات نفس الواقع. لأنّ المفروض الشكّ في بقائه، و لا يمكن أن يكون الدليل شاملا لحالة الشكّ فيه كما لا يخفى.
هذا كلّه في الشكّ في النافلة.
و أمّا السهو فيها فلو كان المراد من السهو المنفي في النافلة أعم من الشكّ و السهو أمكن أن يقال: إنّ مقتضاه نفي سجدة السهو عند فعل موجبها، أو نفي قضاء الأجزاء المنسية، بناء على كونه من مقتضيات السهو، و إنّ تقدّم الإشكال في ذلك. إلّا أنّ الشأن في شمول السهو للنسيان، لما تقدّم من أنّ المراد من السهو في مصطلح الأخبار هو عمل الشكّ من البناء على الأكثر و الاحتياط، من باب نفي المسبّب بنفي سببه، فلا يعمّ النسيان اصطلاحا و إن عمّه لغة أو اختصّ به كما قيل. فلا يمكن نفي سجدة السهو عن السهو في النافلة بهذا الدليل.
نعم يمكن أن يقال: إنّه لا دليل على وجوب سجدة السهو في النافلة،
1) جواهر الكلام: ج 12 ص 429.
و اختصاصها بالفريضة، فيكفي في نفيها عدم الدليل، فتأمّل.
ثمّ إنّه ربّما يجعل من أحكام النافلة عدم فوات محلّ الأجزاء المنسية و لو دخل في الركن اللاحق، بل يعود و يأتي بالمنسي و لا يضرّه زيادة الركن لخبر الصيقل عن الصادق عليه السّلام: في الرجل يصلّي الركعتين من الوتر فيقوم، فينسى التشهّد حتّى يركع و يذكر و هو راكع. قال: يجلس من ركوعه فيتشهّد ثمّ يقوم فيتمّ قال:
قلت: أ ليس قلت في الفريضة إذا ذكر بعد ما يركع مضى ثمّ يسجد سجدتين بعد ما ينصرف فيتشهّد فيها؟ قال: ليس النافلة كالفريضة (1).
و خبر الحلبي: سألته عن رجل سها في ركعتين من النافلة فلم يجلس بينهما حتّى قام فركع في الثالثة. قال: يدع ركعة و يجلس و يتشهّد و يسلّم ثمّ يستأنف الصلاة (2).
حيث إنّهما يدلان على عدم فوات محلّ التشهّد المنسي بالدخول في الركوع، بل محلّه باق و لا يضرّه زيادة الركوع. بل ربّما يجعل هذا دليلا على عدم [مضريّة] زيادة الركن مطلقا و لو لم يكن لتدارك المنسي، كما لو نسي أنّه ركع فركع ثانيا، هذا. و لكنّ صدر خبر الصيقل محمول على التقية، لأنّ ظاهره كون الوتر و الشفع صلاة واحدة لا يفصل بينهما بتسليم بل يأتي بها موصولة، و هذا موافق لمذهب العامّة و نحن لا نقول بذلك، إلّا أنّ ذيله- و هو قوله «أ ليس قلت إلى قوله عليه السّلام:
ليس النافلة كالفريضة»- يدلّ على أنّ فوات محلّ التشهّد المنسي بالدخول في الركوع إنّما هو في الفريضة، و أمّا في النافلة فلا يفوت محلّه، و بلازمه يدلّ على عدم مضرّية زيادة الركن.
و أمّا خبر الحلبي فدلالته أوضح، إذ ليس فيه ما يوجب وهنه من الحمل على التقية، فهو يدلّ على أنّ زيادة الركوع لا تضرّ، و أنّ محلّ الأجزاء المنسية لم يفت بالدخول في الركن بخلاف الفريضة. و بضميمة عدم الفرق بين التشهّد المنسي و غيره من الأجزاء، و عدم الفرق بين الركوع و غيره من الأركان يتمّ المقصود.
و لكنّ المتيقّن منه صورة كون زيادة الركن لأجل تدارك المنسي، و أمّا زيادته ابتداء نسيانا فليس مشمولا للأدلّة، و لا يمكن القطع بعدم الفرق، بل لا يمكن دعوى عدم مضرّية زيادة الركن لمطلق الجزء المنسي، بحيث لو تذكّر قبل التسليم أنّه نسي البسملة من الركعة الأولى رجع إليها و ألقى كلّ ما فعله من الأركان و غيرها، فإنّ ذلك بعيد غايته.
و لم يتعرض لحكم هذا القسم شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- في المقام، و لعلّه يأتي بعد ذلك.
الأول في أحكام صلاة الاحتياط. الثاني في سجود السهو. الثالث في قضاء الأجزاء المنسية.
فقيل: إنّها جزء حقيقة حتّى حكي عن بعض نفي تكبيرة الإحرام عنها و وجوب الإخفات في قراءتها قضية للجزئية، و قيل: إنّها صلاة مستقلّة ليس فيها شائبة الجزئية، و ليست هي جابرة للنقص الواقع في الصلاة على تقديره، بل تكون جابرة بملاكها و بمصلحتها القائمة بها. و تظهر الثمرة بين القولين في تخلّل المنافي بينها و بين الصلاة
المشكوك فيها فبناء على الجزئية لا يجوز فعل ما ينافي الصلاة بينهما كالحدث و الالتفات و غير ذلك من القواطع، فلو فعل شيئا من ذلك عصى و بطلت صلاته. و بناء على الاستقلالية لا يضرّ تخلّل المنافي من حيث العصيان و البطلان.
و ربّما ينقل عن بعض التفصيل بين العصيان و البطلان، و أنّ تخلّل المنافي يوجب العصيان دون البطلان، و رجّع ذلك إلى أنّ عدم تخلّل المنافي يكون تكليفا محضا من دون أن يستتبع وضعا. و لا يخفى ضعفه فإنّه ممّا لا دليل عليه، فلا ينبغي الإشكال في الملازمة بين الوضع و التكليف. إنّما الشأن في بيان جزئية صلاة الاحتياط و استقلاليّتها ليترتّب على ذلك تلك الثمرة.
و الذي يقتضيه النظر حسب ما يستفاد من الأدلّة هو أن صلاة الاحتياط متوسّط بين الجزئية و الاستقلالية بمعنى أنّ الشارع لاحظ فيها كلتا الجهتين جهة الجزئية و جهة الاستقلالية، إمّا جهة الاستقلالية فقد أوجب فيها النية و تكبيرة الإحرام و الفاتحة كما يدلّ على وجوب التكبيرة رواية زيد الشحّام (1)المتقدّمة، و على تعيّن الفاتحة بعض أدلّة الباب، و هذا كلّه من جهة لحاظ الاستقلالية لمكان أنّه لا صلاة إلّا بتكبيرة الإحرام. و أمّا لحاظ جهة الجزئية فإنّه جعلها هي بنفسها جابرة لكسر الصلاة و متمّمة لها، لا أنّها جابرة بملاكها كما يدلّ على ذلك قوله في موثّقة عمّار «كانت هي تمام ما نقصت» (2)فإنّه كالصريح في أنّها هي بنفسها متمّمة لنقص الصلاة، و معلوم أنّها لا تكون متمّمة إلّا إذا أمكن التحاقها بها و اتّصالها بالسابقة عليها، و ذلك لا يكون إلّا بعدم تخلّل المنافي بينهما، إذ مع تخلّل ذلك لا يمكن أن تتّصل بسابقها، لأنّه يكون من تخلّل المنافي في أثناء الصلاة المبطل
و بالجملة: يكفي في كون تخلّل المنافي مبطلا نفس اعتبار كونها هي المتمّم، فتكون من هذه الجهة بمنزلة الجزء. و بما ذكرنا ظهر فساد ما استدلّ به للاستقلالية و عدم البطلان عند تخلّل المنافي، من أنّ التسليم يوجب التحليل و رفع حرمة ما حرّمه تكبير الإحرام، حيث إنّ تحريمها التكبير و تحليلها التسليم. فإذا كان التسليم محلّلا فلا يضرّ تخلّل المنافي، لأنّه يكون من تخلّل المنافي بين صلاتين مستقلّتين. وجه الفساد هو أنّ الحكم بكون التسليم محلّلا ليس عقليّا بل شرعيّا، فهو يتبع مقدار حكم الشارع، و في المقام بعد حكم الشارع بأنّ صلاة الاحتياط تكون متمّمة بنفسها لنقص الصلاة يظهر أنّ هذا التسليم لا يكون محلّلا مطلقا بحيث يحلّ فعل المنافي، بل أثره ليس إلّا وجوب النية و تكبيرة الإحرام لصلاة الاحتياط، و لكن على وجه لا يضرّ باتّصالها بالسابقة و تكون جزء لها حقيقة على تقدير النقص، و يكون وجوب النية و التكبير لرعاية وقوعها نافلة على تقدير التمام.
و ممّا ذكر يظهر أنّه لا بدّ من مراعاة أحكام الجزئية مهما أمكن إلّا ما حكم الشارع بعدم مراعاته. فلا بدّ من إيقاع صلاة الاحتياط على الجهة التي أوقع فيها الصلاة المشكوك فيها فيمن اشتبه عليه القبلة و كان تكليفه الصلاة إلى أربع جهات، و غير ذلك من الأحكام الثابتة للجزء. و الضابط الكلّي هو أنّه لا بدّ من إيقاع صلاة الاحتياط على وجه يمكن اتّصالها بالصلاة المشكوك فيها، و تصلح أنّ تكون متمّمة لها في غير ما القى الشارع رعايته من عدم تخلّل التسليم و النية و التكبير بين الأجزاء، حيث حكم بوجوب التسليم و النية و التكبير و أنّ ذلك لا يضرّ بالاتّصال. و أمّا فيما عدا ذلك فلا بدّ من رعايته.
فلا يخلو إمّا أن يظهر ذلك بعد صلاة الاحتياط أو في أثنائها أو قبل الشروع فيها.
فإن ظهر بعدها فلا إشكال في أنّها تحسب نافلة، كما نطقت به أدلّة الباب، كما
لا إشكال فيما إذا ظهر قبل الشروع فيها و أنّه لا يجب عليه شيء. و لو ظهر في الأثناء فلا إشكال في جواز قطعها بناء على جواز قطع النافلة اختيارا، و هل له الإتمام من دون ضمّ ركعة إليها لو كانت ركعة واحدة؟ ربّما يتوهّم أنّه ليس له ذلك لعدم مشروعيّة الصلاة ركعة واحدة في غير الوتر، هذا. و لكنّ الأقوى جواز ذلك، لأنّ نفس تشريع ركعة الاحتياط و أنّها تحسب نافلة على تقدير عدم الحاجة إليها يكفي في جواز إتمامها كذلك.
فلا يخلو أيضا إمّا أن يظهر ذلك بعد صلاة الاحتياط، و إمّا أن يظهر قبلها، و إمّا أن يظهر في أثنائها. فإن ظهر بعدها فلا إشكال أيضا في أنّه ليس عليه شيء و صحّت صلاته، سواء كان ما أتى به من صلاة الاحتياط موافقا للنقص المعلوم من حيث الكمّ أو مخالفا له، لأنّ تشريع الاحتياط لذلك، و هذا ممّا لا إشكال فيه إذا كان ما أتى به موافقا للنقص الذي علم، بمعنى أنّه كان النقص ركعة فصلّى الاحتياط ركعة من قيام أو ركعتين من جلوس القائمة مقام الركعة، أو كان النقص ركعتين فصلّى الاحتياط ركعتين، كما في صورة الشكّ بين الاثنتين و الأربع.
و أمّا لو شكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع فقدّم الركعة من الاحتياط على الركعتين منها، فتبيّن بعد ذلك نقص ركعتين، فربّما يستشكل في ذلك، لمكان الفصل بين الصلاة و بين الاحتياط بركعتين بالركعة التي صلّاها أولا من الاحتياط، و كذلك لو قدّم الركعتين من احتياط فتبيّن نقص ركعة، هذا. و لكن قد تقدّم أنّه لا ينبغي الإشكال في ذلك، لأنّه كان مخيّرا بين تقدّم الركعة من الاحتياط أو الركعتين منها، فيكون الفصل قد وقع بحكم من الشارع، و مثل هذا الفعل لا يضرّ.
نعم لو شكّ بين الثلاث و الأربع و صلّى ركعة الاحتياط، و بعد ذلك تبيّن أنّ
صلاته كانت ركعتين من دون أن تكون الركعتان طرف الشكّ كما في الفرض الأول. أو شكّ بين الاثنتين و الأربع و صلّى ركعتي الاحتياط فتبيّن أنّ صلاته كانت ثلاث ركعات، فربّما يستشكل في صحّة الصلاة حينئذ لأنّ ما أتى به من الاحتياط لم يكن جابرا لنقص صلاته فلم يكن مأمورا به واقعا، و صلاة ركعتين بعد صلاة الاحتياط لا يوجب اتّصالهما بالصلاة الأولى حتّى يلتئم من المجموع صلاة أربع ركعات، هذا. و لكن سيأتي ما يمكن أن يكون وجها لتصحيح ذلك، و عدم مضرّية الفصل بركعة الاحتياط، لأنّه يكون من قبيل الصلاة بين صلاة الذي لا يوجب فوات شيء إلّا الموالاة التي هي ليست من الأجزاء الركنية، و سيأتي لذلك مزيد توضيح.
و على كلّ حال لا إشكال في صحّة الصلاة إذا تبيّن الحاجة إلى صلاة الاحتياط بعدها، و أمّا إذا تبيّن الحاجة قبلها فلا ينبغي الإشكال أيضا في أنّه ليس عليه صلاة و لا تجزيه لانقلاب الموضوع، فإنّ موضوع صلاة الاحتياط هو الشاكّ، و المفروض أنّه زال شكّه. و لا يتوهّم كفاية حدوث الشكّ في أثناء الصلاة في وجوب صلاة الاحتياط بعد ذلك، و إن انقلب شكّه إلى العلم. لأنّ الظاهر من الأدلّة هو أنّ الصلاة إنّما تجب في حقّ الشاك المحفوظ شكّه إلى فعل صلاة الاحتياط، كما يدلّ عليه قوله: «ثمّ صلّ ما ظننت أنّك نقصت» (1).
و معلوم أنّ هذا مع زوال الشكّ ممّا لا يجري، فاحتمال وجوب صلاة الاحتياط في حقّه ممّا لا يتطرّق.
فيدور أمره بين احتمالين: احتمال بطلان صلاته، و احتمال رجوعه إلى حكم من تذكّر النقص حتّى أنّ حكمه الإتيان بركعة موصولة بلا تكبيرة الإحرام
1) الوسائل: ج 5 ص 318 باب 8 من أبواب الخلل ح 3.
مخيّرا بين التسبيح و الفاتحة، كما هو حكم الركعات الموصولة. و الاحتمال الأول يتوقّف على مقدّمتين كلّ منهما في محلّ المنع المقدّمة الأولى: دعوى محلّلية التسليم و الخروج به من الصلاة فلا يمكن أن يتّصل ما بعد التسليم إلى ما قبلها. المقدّمة الثانية: دعوى اختصاص أدلّة من سلّم على النقص بصورة وقوع التسليم منه نسيانا، فلا تعمّ ما نحن فيه من وقوع التسليم عمدا هذا.
و لا يخفى ما في المقدّمتين من الضعف. أمّا المقدّمة الأولى ففيها ما عرفت من أنّ هذا التسليم لم يكن محلّلا مطلقا بحيث لا يقبل اتّصال ما بعده بما قبله، و كيف يكون ذلك مع أنّ ظاهر قوله عليه السّلام في بعض أخبار صلاة الاحتياط: «كانت هي تمام ما نقصت» هو اتّصال صلاة الاحتياط بما قبلها على وجه تكون هي المتمّم نفسها، فيظهر من ذلك أنّ هذا التسليم لم يكن محلّلا مطلقا، بل الأمر به ليس إلّا لعدم وقوع النية و التكبير لصلاة الاحتياط قبل أن يسلّم لصلاة الاولى.
و أمّا المقدّمة الثانية: ففيها أنّه لا وجه لاختصاص أدلّة من سلّم على النقص بخصوص الناسي بل تعمّ كلّ من كان معذورا في التسليم المقابل للعامد الغير المعذور سواء كان عذره النسيان، أو قيام البيّنة على تمام صلاته و بعد التسليم ظهر له خطأ البيّنة، أو كان أمر الشارع كما فيما نحن فيه، أو غير ذلك من صور عذره في التسليم على النقص، و لا موجب لاختصاصه بالنسيان سوى أنّ النسيان كان مورد تلك الأدلّة، و المورديّة لا توجب التخصيص.
فلا ينبغي الإشكال في أنّ ما نحن فيه يلحق بحكم التسليم على النقص في وجوب اتّصال ركعة مخيّرا فيها بين التسبيح و الحمد من غير نيّة و تكبيرة. هذا لو تذكّر النقص قبل الشروع في الاحتياط.
و أمّا لو تذكّره في أثناء صلاة الاحتياط فتوضيح حكمه بأقسامها يتوقّف على بيان مقدّمة ثالثة مضافا إلى المقدّمتين السابقتين و هما عدم محلّلية التسليم بقول
مطلق، و عدم اختصاص أدلّة من سلّم على النقص بصورة النسيان بل تعمّ ما نحن فيه.
و حاصل تلك المقدّمة الثالثة هو أنّه قد تقدّم منّا سابقا أنّ وقوع صلاة في أثناء صلاة أخرى لا يوجب البطلان لا الاولى و لا التي شرع فيها إذا تضيّق وقتها، على ما تقدّم تفصيله في بعض المباحث السابقة، إذ لا يوجب ذلك خللا في الصلاة سوى فوات الموالاة و التتابع بين الأجزاء، و هي ليست من الأجزاء الركنية التي يوجب فواتها بطلان الصلاة مطلقا، بل مقتضى حديث «لا تعاد» (1)أنّ فواتها لا يوجب البطلان، إذا عرفت هذه المقدّمات الثلاث فنقول:
إنّه لو ظهر نقصان الصلاة في أثناء صلاة الاحتياط فلا يخلو الحال إمّا أن يكون ما أتى به من الاحتياط موافقا للنقص له في الكمّ و الكيف، و إمّا أن يكون مخالفا له كمّا أو كيفا، أو كمّا و كيفا معا.
فإن كان موافقا له في الكمّ و الكيف فمقتضى ما تقدّم من المقدّمات إتمام ما بيده من الاحتياط و لا شيء عليه، فلو شكّ بين الثلاث و الأربع و بنى على الأربع و أتى بركعة الاحتياط من قيام، و في الأثناء تبيّن كون صلاته ثلاثا، و أنّه محتاج إلى ركعة الاحتياط، كان اللازم إتمام ما بيده من ركعة الاحتياط، و ذلك لأنّه لم يخلّ بشيء ممّا هو وظيفته حيث إنّ وظيفته واقعا عند الشكّ هو الإتيان بركعة مفصولة ما دام بقاء شكّه، فالتسليم و النية و التكبيرة التي فعلها كان على طبق تكليفه الواقعي، حيث كان شاكّا في حال فعلها و عند زوال شكّه يتبدّل تكليفه الواقعي، إلّا أنّه لا أثر لهذا التبدّل بعد ما كان الذي يأتي به من بقية صلاة الاحتياط بعد زوال شكّه مطابقا للنقص الفائت عنه، حيث إنّ الفائت عنه
1) الوسائل: ج 3 ص 227 باب 9 من أبواب القبلة، ح 1.
ركعة و الذي أتى به من الاحتياط أيضا ركعة و النية و التكبيرة كانت بأمر من الشارع، فلم يحصل خلل في صلاته أصلا. و الحاصل: أنّه مقتضى المقدّمات السابقة و أنّه متى تذكّر النقص يرجع إلى حكم من تذكّر النقص و تكليفه الإتيان بالناقص. و إذا كان ما بيده من الاحتياط موافقا للنقص كمّا و كيفا، فقد أتى بما هو تكليفه، و لا يضرّه النية و التكبيرة بعد ما كانت بأمر من الشارع، فلا موجب لهدم ما بيده من الاحتياط و استئناف ركعة بلا نيّة و تكبيرة. نعم لو كان تذكّره بعد تكبيرة الاحتياط قبل الشروع في القراءة، فربّما يقال: إنّ مقتضى رجوعه إلى حكم من تذكّر النقص هو التخيير بين الفاتحة و التسبيح و لا يتعيّن عليه الفاتحة و لا بأس بالالتزام به، هذا كلّه إذا كان ما بيده من الاحتياط موافقا للنقص المتبيّن كمّا و كيفا، كالمثال المتقدّم.
و أمّا لو كان مخالفا له كمّا و كيفا كما لو شكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع، فقدّم الركعتين من جلوس على الركعتين من قيام- بناء على جواز تقديمها على ما تقدّم تفصيله- و في أثناء احتياطه من جلوس ظهر أنّ صلاته كانت ركعتين، فيكون ما بيده من الاحتياط مخالفا للنقص المتبيّن كمّا و كيفا، أمّا كيفا فلأنّ الفائت عنه ركعتان من قيام، و ما بيده تكون من جلوس. و أمّا كمّا فلأنّ الركعتين من جلوس بمنزلة ركعة من قيام شرعا، و الفائت منه ركعتان.
أو كان مخالفا كمّا لا كيفا، كمن شكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع، و شرع في ركعة الاحتياط قائما مقدّما لها على الركعتين من الاحتياط، و في الأثناء تبيّن له أنّ صلاته كانت ركعتين. فإنّ ما بيده من الركعة الاحتياطية مخالف للنقص المتبيّن كمّا، حيث إنّ النقص ركعتان و ما بيده ركعة، و لكن موافق له في الكيف، حيث إنّ النقص كان عن قيام و ما بيده عن قيام. و كذا لو شرع في الركعتين من الاحتياط فتبيّن أنّ صلاته كانت ثلاث ركعات، فإنّ ما بيده
مخالف للناقص من حيث الكمّ فقط، حيث إنّ الناقص ركعة و ما بيده ركعتان.
أو كان مخالفا له كيفا لا كمّا، كمن شكّ بين الثلاث و الأربع و شرع في ركعتي الاحتياط جالسا، فتبيّن نقص صلاته بركعة، فإنّ ما بيده من الاحتياط و إن كان موافقا للنقص من حيث الكمّ، حيث إنّ الركعتين من جلوس تعدّ ركعة من قيام، إلّا أنّه مخالف له في الكيف، حيث إنّ النقص كان عن قيام و ما بيده عن جلوس، فتحصل المخالفة الكيفية.
فالحكم في جميع ذلك هو إلغاء ما بيده من الاحتياط و الرجوع إلى حكم من تذكّر النقص، فيأتي بالنقص المتبيّن من ركعة أو ركعتين بلا نية و تكبيرة، و ليس له احتساب ما بيده عن الاحتياط المخالف للنقص عوضا عن الناقص، كما أنّه لا يمنع من الرجوع إلى حكم من تذكّر النقص ما فعله من الاحتياط، و لا يوجب بطلان صلاته. أمّا عدم جواز احتسابه، فلأنّ المفروض مخالفة ما بيده للنقص المتبيّن، فلا يكون ما بيده مأمورا به واقعا، و إنّما تخيّل الأمر به.
و لا ينافي ذلك ما تقدّم منّا من تبدّل تكليف الشاكّ إلى الركعات المفصولة، فإنّ التبدّل إنّما هو مع انحفاظ شكّه. و المفروض أنّه زال شكّه و ليس ما بيده من الاحتياط موافقا للتكليف المتبدّل إليه، فإنّ تكليفه إنّما تبدّل إلى ركعتين مفصولتين على تقدير كون صلاته ركعتين، أو إلى ركعة مفصولة على تقدير كون صلاته ثلاث ركعات.
ففي صورة المخالفة الكمّية لم يتعلّق بما في يده من الاحتياط تكليف واقعا، و إنّما كان يتخيّل التكليف. نعم في صورة المخالفة الكيفية فقط قد تعلّق بما بيده من الاحتياط تكليف واقعا، حيث إنّ تكليفه الواقعي كان هو التخيير بين الركعة القيامية أو الركعتين من جلوس، فشروعه بالاحتياط من جلوس كان بأمر من الشارع واقعا و ليس من تخيّل الأمر، إلّا أنّ تكليفه إنّما كان ذلك مع انحفاظ
شكّه إلى الفراغ من الاحتياط، و المفروض أنّه زال شكّه، فليس له إتمام ما بيده.
و لا يقاس المقام بما تقدّم من صورة الموافقة الكمّية و الكيفية، حيث إنّه مع زوال شكّه قلنا بإتمام ما بيده و الاكتفاء به، فإنّه إنّما قلنا به في ذلك المقام، من جهة أنّ ما بيده من الاحتياط لم يخالف تكليفه الواقعي من رجوعه إلى حكم من تذكّر النقص عند زوال شكّه، بخلاف المقام فإنّه يخالفه من حيث الكيفية. و أمّا عدم منع ذلك من رجوعه إلى حكم من تذكّر النقص، و أنّه ظهور النقص مع مخالفة ما بيده للنقص لا يوجب بطلان الصلاة، فلما تقدّم في المقدّمة الثالثة، من أنّ الصلاة في أثناء صلاة لا توجب بطلان الصلاة الأولى، إذا لم يتعمّد ذلك بلا أمر من الشارع، حيث لا يوجب ذلك إلّا فوات الموالاة، و هي ليست من الأجزاء الركنية، فلا يضرّ فواتها مع عدم التعمّد إلى تركها، سواء كان بنسيان أو سهو أو بأمر من الشارع كما في بعض صور المسألة، و كما في صورة تضيّق وقت الصلاة اللاحقة كما في صلاة الآيات، أو بتخيّل أمر من الشارع كما في البعض الآخر.
فحينئذ يلغي ما بيده من الاحتياط و يفرضه كأن لم يكن، و يأتي بما هو وظيفة من تذكّر النقص. هذا ما تقتضيه القاعدة.
و لكن في المسألة أقوال متعدّدة مختلفة مضطربة جدّا، بحيث لا يمكن توجيه بعضها و لو بتوجيه اعتباري، فينبغي المراجعة و التأمّل التام فيها.
و من الغريب أنّ ظاهر الجواهر (1)موافقته للمختار، و شدّد النكير على من قال بعدم هدم ما بيده من الاحتياط، بل يتمّها على وجه يوافق النقص، فإن كان ما بيده ركعة أضاف إليها ركعة أخرى عند تبيّن نقص ركعتين، و إن كانت ركعتين و كان النقص ركعة سلّم على الواحدة ما لم يدخل في ركوع الركعة الثانية.
1) جواهر الكلام: ج 12 ص 376.
و إن كان ما بيده من جلوس قام من حين التذكّر و تمّمها بما يوافق النقص.
و لكن مع ذلك قد أفتى في النجاة (1)بخلاف ما اختاره في الجواهر، و التزم فيها بأنّه لو ظهر نقص ركعتين و دخل في ركعة الاحتياط أضاف إليها أخرى، و لو دخل في ركعتين و تبيّن نقص ركعة سلّم على الركعة ما لم يدخل في ركوع الركعة الثانية، و لا يرجع إلى حكم من تذكّر النقص.
و أغرب من ذلك تفصيل الشيخ- قدّس سرّه- على ما يظهر من حاشية النجاة بين ما لو ظهر نقص ركعتين و دخل في ركعة الاحتياط و بين ما لو ظهر نقص ركعة و دخل في ركعتي الاحتياط، حيث قوّى في الثاني الرجوع إلى حكم من تذكّر النقص دون الأول.
و الإنصاف أنّه لا وجه لهذا التفصيل، كما لا وجه لما في النجاة، بل القاعدة تقتضي الرجوع إلى حكم من تذكّر النقص مطلقا في جميع موارد المخالفة من حيث الكمّ أو الكيف كما تقدّم فتأمّل في أطراف المسألة جيّدا.
و كان ذلك تمام ما نقص، كما ورد في الأدلّة سواء كان الاحتياط موافقا للنقص من حيث الكمّ و الكيف أو مخالفا له. و هل الحكم مقصور بما إذا تذكّر بعد التسليم عن صلاة الاحتياط بحيث لو تذكّر الحاجة قبل التسليم لزمه ما تقدّم من الفرق بين الموافقة و المخالفة، أو أنّه يكفي في الحكم التذكّر بعد رفع الرأس عن السجدة الثانية من الركعة الأخيرة أو بعد تمام الذكر منها أو بعد الدخول في السجدة الأولى أو بعد الدخول في ركوع الركعة الأخيرة؟ وجوه، قد تقدّم الإشارة إليها في مسألة الشكّ بعد تمامية الركعتين الأوليين حيث تقدّم
1) نجاة العباد: ص 134.
الخلاف فيما يتحقّق به تمامية الركعة.
و الظاهر اتّحاد حكم المقام مع ذلك المقام من هذه الجهة، فإنّ الجبر في المقام إنّما يكون بركعات الاحتياط، و أمّا التشهّد و التسليم فهو أمر خارج عن الركعة معتبر في الصلاة. و قد تقدّم منّا أنّ تمامية الركعة إنّما تكون بتمامية الذكر الواجب من السجدة الأخيرة، و حينئذ لو احتاط بركعتين من جلوس بدل الركعة من القيام، و بعد تمامية الذكر الواجب من السجدة الأخيرة من الركعة الأخيرة تبيّن نقصان ركعة من صلاته، كان حكمه حكم ما لو تبيّن بعد التسليم و أنّه لا شيء عليه، لأنّه تذكّر بعد جبر الركعة الناقصة بركعتين من جلوس، و التشهّد و التسليم ليسا من أجزاء الجابر بل هما من أجزاء الصلاة، و الذي يكون جابرا هو الركعات. فتأمّل. و أمّا لو تبيّن قبل ذلك لزمه الرجوع إلى حكم من تذكّر النقص على ما تقدّم تفصيله.
فلا يخلو إمّا أن تكون الصلاة التي شرع فيها قد ضاق وقتها، و إمّا أن لا تكون كذلك. و على الثاني إمّا أن تكون الثانية مترتّبة على الاولى كمن دخل في العصر قبل صلاة الاحتياط التي أوجبها الشكّ في الظهر، و إمّا أن لا تكون مترتّبة. و على جميع التقادير إمّا أن يكون شرع في الثانية عمدا، و إمّا أن يكون نسيانا و سهوا. فهذه جملة الأقسام المتصوّرة في المقام. ثمّ إنّه إمّا أن نقول باستقلالية صلاة الاحتياط، و إمّا أن نقول بجزئيّتها بالمعنى المختار من الجزئية. فإن كان قد شرع فيما ضاق وقتها كصلاة الآيات التي ضاق وقتها، بحيث لو أراد فعل الاحتياط يخرج وقت الآيات، فهذا ممّا لا إشكال في وجوب إتمام الثانية، ثمّ يأتي بالاحتياط، سواء شرع فيها عمدا أو نسيانا، و سواء قلنا بالجزئية أو بالاستقلالية.
أمّا على الاستقلالية فواضح، فإنّ إتمام الثانية لا يوجب خللا لا في صلاة التي
شكّ فيها و لا في احتياطه، فإنّ الاحتياط بناء على الاستقلالية و إن كان يجب فورا، إلّا أنّ كلّ واجب فوري لا يمكن أن يزاحم الواجب الموقّت المضيّق بل يقدّم صاحب الوقت لا محالة. و أمّا بناء على الجزئية، فالخلل الحاصل ليس إلّا فوات الموالاة بين الاجزاء، و هي ليست ركنا كما تقدّم.
و أمّا إن شرع في صلاة لم يتضيّق وقتها، فإن شرع فيها عمدا بطلت مطلقا سواء كانت مترتّبة أو غير مترتّبة، و سواء قلنا بالجزئية أو قلنا بالاستقلالية، فإنّ القائل بالاستقلالية أيضا يقول: بحرمة فعل المنافي بين الصلاة و بين الاحتياط، غايته أنّه حرمة تكليفية صرفة لا تستتبع وضعا. و الصلاة التي دخل فيها قبل الاحتياط تكون مصداقا للمنافي فتحرم، فتبطل، و ليس حرمتها من جهة وجوب فعل الاحتياط فورا حتّى يقال: إنّ ذلك مبني على اقتضاء الأمر للنهي عن الضدّ، بل حرمتها من جهة حرمة النافي.
فلا ينبغي الإشكال في بطلان الصلاة التي دخل بها قبل فعل الاحتياط عمدا. و أمّا بطلان الصلاة التي شكّ فيها فمبني على الاستقلالية و الجزئية، فإن قلنا بالاستقلالية لم تبطل، و إن قلنا بالجزئية تبطل أيضا لتفويته الموالاة عمدا بلا أمر من الشارع.
و أمّا إن شرع في الثانية سهوا. فإن لم تكن مترتّبة على الاولى فلا إشكال في صحّة الثانية و كذا الاولى مطلقا [سواء] قلنا بالجزئية أو الاستقلالية، غايته أنّه بناء على الاستقلالية يجب إتمام الثانية ثمّ الاحتياط، لأنّ فعل الاحتياط قبل إتمام الثانية يوجب فوات الموالاة بين أجزاء الثانية بلا موجب. و أمّا بناء على الجزئية ففي وجوب إتمام الثانية ثمّ الاحتياط أو وجوب الاحتياط ثمّ إتمام الثانية أو التخيير وجوه، تقدّمت الإشارة إليها في بعض المباحث السابقة، و تقدّم أنّ المختار هو إتمام ما بيده، ثمّ إتمام الأولى لأنّ تفويت الموالاة عمّا بيده
بلا موجب فراجع ما تقدّم.
و إن كانت الصلاة التي شرع فيها مترتّبة على الاولى فلا إشكال أيضا في عدم بطلان الاولى، و إنّما الإشكال في جواز إتمام الثانية و عدم جوازه. و ذلك مبني على أنّ الترتيب المعتبر بين الصلاتين هل هو على نحو العام المجموعي أو على نحو العام الأصولي بحيث يكون كلّ جزء من اللاحقة مترتّبة على كلّ جزء من السابقة؟، فإن كان على نحو العام المجموعي جاز له إتمام الثانية و إن كان على نحو العام الأصولي [لم يجز] و قد تقدّم أيضا تفصيل ذلك في بعض المباحث السابقة.
ثمّ بناء على عدم جواز إتمام الثانية فهل له العدول بها إلى صلاة الاحتياط أو ليس له العدول؟ ربّما يقال: بأنّ أدلّة العدول منصرفة إلى العدول إلى صلاة مستقلّة، لا إلى مثل صلاة الاحتياط التي هي جزء للصلاة السابقة كما هو مبنى البحث، هذا. و لكن في الانصراف تأمّل.
مطلقا، أو عدم الجواز مطلقا، أو التفصيل بين صورة الاقتداء بالصلاة التي أوجب الشكّ فيها الاحتياط على كلّ من الإمام و المأموم و بين عدم الاقتداء بها، فالجواز في الأول مطلقا سواء اتّحد موجب الشكّ لكلّ من الإمام و المأموم، كما إذا شكّ كلّ منهما بين الثلاث و الأربع أو اختلف موجب الشكّ، كما إذا شكّ أحدهما بين الاثنتين و الأربع، و الآخر بين الثلاث و الأربع أو التفصيل بين صورة الاتّحاد و عدمه، فالجواز في الأول دون الثاني. و تقدّم أنّ المختار عند شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- هو التفصيل الأخير.
و حاصله: جواز الاقتداء في خصوص ما إذا كان مقتديا بالصلاة التي أوجبت الاحتياط مع ما يقتضيه الشكّ لكلّ من الإمام و المأموم، كما إذا كان كلّ منهما شاكّا بين الثلاث و الأربع. و أمّا فيما عدا ذلك فلا يجوز الاقتداء مطلقا، هذا. و لكن
في المقام احتاط في جواز الاقتداء في هذه الصورة أيضا مراعاة لجانب احتمال النفلية فتأمّل جيّدا. هذا تمام الكلام في المسائل المتعلّقة بصلاة الاحتياط.
في بيان ما يجب قضاؤه من الأجزاء المنسية، و قد تقدّم أنّ الذي يجب قضاؤه ليس إلّا السجدة الواحدة و التشهّد. و تقدّم أيضا كثير من أحكام ذلك في طيّ مباحث الخلل، كتعيين ما يتحقّق به النسيان من المحلّ الذي لا يجب بعده العود إلى المنسي، و هو الدخول في الركن اللاحق فيما عدا الركعة الأخيرة، و فيها الفراغ من التسليم الواجب، على ما سبق تفصيله. و الذي ينبغي تنقيحه في المقام هو بيان أنّه هل يعتبر عدم تخلّل المنافي بينها و بين الصلاة، بحيث لو تخلّل بطلت الصلاة، أو أنّه لا يعتبر عدم تخلّل المنافي و لا يوجب ذلك بطلان الصلاة، أو التفصيل بين ما إذا كان تذكره لنسيان السجدة أو التشهّد بعد الصلاة، و بعد فعل المنافي، فلا يوجب ذلك بطلان الصلاة، و بين ما إذا تذكّر قبل فعل المنافي فليس له فعل المنافي و إذا فعله بطلت صلاته. وجوه بل أقوال.
أمّا وجه اعتبار عدم تخلّل المنافي فلظهور الأدلّة في بقاء الأجزاء المنسية على جزئيّتها و عدم خروجها من ذلك بالنسيان، غايته أنّه تبدّل محلّها. فيكون تخلّل المنافي موجبا للبطلان لوقوعه في أثناء الصلاة. و أمّا وجه عدم الاعتبار فلظهور الأدلّة في محلّلية التسليم، و أنّ بالتسليم يخرج عن الصلاة و يكون انصرافا عنها، و لا مخصّص لتلك الأدلّة في المقام. كما كان أدلّة الاحتياط مخصّصة لها، حيث كانت ظاهرة في كون الاحتياط هو المتمّم على ما تقدّم بيانه. و أمّا في المقام فأقصى ما تقتضيه الأدلّة هو وجوب قضاء الأجزاء المنسية فورا و ذلك لا يقتضي بقاءها على جزئيّتها.
و بالجملة: ليس في المقام ما يوجب رفع اليد عن ظهور محلّلية التسليم، و أنّه به
يخرج عن الصلاة. و ذلك بضميمة «لا تعاد» يقتضي عدم بطلان الصلاة بنسيان السجدة الواحدة أو التشهّد و إن تخلّل المنافي بينها و بين قضائهما.
و أمّا وجه التفصيل فيمكن أن يكون لدلالة رواية موثّقة عمّار عليه. قال:
سألته عن الرجل نسي سجدة فذكرها بعد ما قام و ركع. قال: يمضي في صلاته و لا يسجد حتّى يسلّم، فإذا سلّم سجد مثل ما فاته. قلت: فإن لم يذكر إلّا بعد ذلك قال: يقضي ما فاته إذا ذكره (1).
و ذلك بدعوى دلالة قوله «فإذا سلّم سجد» على جزئية السجدة التي ذكر نسيانها، حيث إنّ الأوامر الواردة في باب المركّبات ظاهرة في الغيرية و أنّها لبيان الأجزاء و الشرائط و الموانع، و ليست باقية على ما يقتضيه الأصل الأوّلي من الاستقلالية فيكون قوله «فإذا سلّم سجد» لبيان جزئية السجدة، فيعتبر عدم تخلّل المنافي. و هذا بخلاف ما إذا لم يتذكّر إلّا بعد الصلاة و بعد فعل المنافي كما يدلّ على ذلك إطلاق قوله «يقضي ما فاته إذا ذكره». فإنّه بضميمة ترك الاستفصال يدلّ على عدم مضرّية تخلّل المنافي، و أنّ ذلك لا يوجب بطلان الصلاة، هذا.
و لكن يمكن أن يقال: إنّ ظهور قوله «فإذا سلّم سجد» في كونه لبيان جزئية السجدة ممنوع. بعد ظهور الأدلّة في الفراغ عن الصلاة بالتسليم، فإنّ أقصى ما يقتضيه هو وجوب السجدة بعد التسليم بلا فصل، و هذا لا يدلّ على جزئيّتها بحيث لا يكون السلام مخرجا، و يكون المخرج هو السجدة. و ما ذكر من أنّ الأوامر الواردة في المركّبات تكون ظاهرة في الغيرية مسلّم و لكن إذا ورد أمر في ظرف المركّب كقوله (اركع في الصلاة) و في المقام يكون الأمر خارج الصلاة بمقتضى
1) الوسائل: ج 5 ص 342 باب 26 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ح 4.
محلّلية التسليم.
و الحاصل: أنّه ليس في الأدلّة ما يدلّ على جزئية الأجزاء المنسية بحيث يوجب رفع اليد عن ظهور محلّلية التسليم، و أنّه به يحصل الانصراف. و كان بناء شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- قبل هذا على جزئية الأجزاء المنسية، و لكن عدل عن ذلك في هذا المقام و التزم بعدم الجزئية، و هو الحقّ لعدم قيام دليل على الجزئية، بل ظاهر رواية عمّار السابقة عدم الجزئية كما لا يخفى.
ثمّ إنّه تظهر الثمرة بين القولين في موارد:
منها: ما تقدّم من عدم مضرّية تخلّل المنافي بين الصلاة و بين الأجزاء المنسيّة، و لا يوجب ذلك بطلان الصلاة. و لكنّ ذلك لا يوجب جواز تعمّد فعل المنافي فإنّه لم يعهد من أحد جواز ذلك تكليفا، و إنّما الكلام في جوازه وضعا. فبناء على الجزئيّة لا يجوز وضعا أيضا، و بناء على الاستقلالية يجوز وضعا، و إن كان لا يجوز تكليفا، فتأمّل.
و منها: وجوب مراعاة الترتيب بين الأجزاء المنسية بناء على الجزئية، فلو كان المنسي أولا هو السجدة وجب قضاؤها أولا مقدّما على التشهّد. و لو نسي من كلّ ركعة سجدة وجب التعيين في مقام القضاء، و أنّ هذه السجدة من أيّ ركعة مقدّما للأول فالأول. و لو أشكل في وجوب تعيين ذلك، فلا أقل من أن لا يقصد خلاف الترتيب بأن ينوي قضاء السجدة من الركعة الأخيرة قبل قضاء السجدة من الركعة السابقة. و هذا بخلاف ما لو قلنا بالاستقلالية فإنّه لا يجب الترتيب، بل له قصد خلاف الترتيب.
و منها: وجوب سجدة السهو لو تكلّم مثلا نسيانا بين الصلاة و بين الأجزاء المنسية بناء على الجزئية. و كذا فعل كلّ ما يوجب سجود السهو بخلاف القول بالاستقلالية.
و منها: ما لو علم بفوات كلّ من السجدة و التشهّد و شكّ في المتقدّم و المتأخّر، فإنّه بناء على الجزئية يجب التكرار حتّى يحصل الترتيب، بخلاف القول بالاستقلالية.
و منها: غير ذلك ممّا لا يخفى على المتأمّل. و قد يتخيّل أنّ من الثمرات اعتبار الشرائط المعتبرة في الصلاة من الطهارة و الاستقبال و الستر و غير ذلك في قضاء الأجزاء المنسية بناء على الجزئية، و عدم الاعتبار بناء على الاستقلالية. و لكنّ شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- منع من هذه الثمرة، و قال: بعدم الفرق بين القولين في اعتبار الشرائط. فإنّ مقتضى التبعية و كونها قضاء لأجزاء الصلاة هو اعتبار الشرائط فيها.
في البحث عن سجود السهو. و تنقيح البحث في ذلك يستدعي رسم أمور:
اعلم أنّ الأخبار في المقام مختلفة مضطربة متعارضة جدّا. فالأولى ذكر شطر منها، و لنذكر أولا الروايات الخاصّة الواردة في الموارد الخاصّة كلّ في بابه، ثمّ نذكر الروايات العامّة، ثمّ البحث عن دلالتها، و كيفية الجمع بينها.
فما ورد في باب التشهّد ما رواه أبو بصير قال: سألته عن الرجل ينسى أن يشهّد قال: يسجد سجدتين يتشهّد فيهما (1). و في هذه الرواية اثبت وجوب التشهّد في سجدتي السهو فليكن في ذكر منك. و في باب نسيان التشهّد عدّة من الروايات تدلّ على وجوب سجدتي السهو، و في بعضها الأمر بها قبل التكلّم كرواية الحلبي عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال: إذا قمت في الركعتين من الظهر أو
1) الوسائل: ج 4 ص 996 باب 7 من أبواب التشهد، ح 6.
غيرها فلم تتشهّد فيهما إلى أن قال: و إن لم تذكر حتّى تركع فامض في صلاتك حتّى تفرغ، فإذا فرغت فاسجد سجدتي السهو بعد التسليم قبل أن تتكلّم (1).
و هذه الرواية دلّت على عدّة من الأحكام كالتفصيل في وجوب سجدتي السهو بين ما إذا تذكّر قبل الركوع، فليجلس و يتشهّد و لا شيء عليه، و بين ما إذا لم يذكر حتّى ركع، فيجب عليه سجدتا السهو. و كون السجدتين بعد الصلاة.
و كونها قبل أن يتكلّم. فليكن في ذكر منك، لأنّك تحتاج إلى ذلك فيما بعد. و في باب التشهّد جملة من روايات أخر دلّت على وجوب التشهّد في سجدتي السهو، و اعتبار وقوعهما قبل التكلّم. و في بعض أخبار التشهّد التصريح بنفي سجدتي السهو لو تذكّر نسيان التشهّد كرواية الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّٰه عليه السّلام عن الرجل يسهو في الصلاة فينسى التشهّد قال: يرجع فيتشهّد. قلت: ليسجد سجدتي السهو؟ فقال: ليس في هذا سجدتا السهو (2). و هذه الرواية تدلّ أيضا على نفي وجوب سجدتي السهو للقيام في موضع القعود، فليكن في ذكر منك أيضا.
و بعد لم نعثر في نسيان التشهّد [على] ما يدلّ على نفي سجود السهو إلّا ما ذكره الصدوق في المقنع (3)أنّه في رواية زرارة نفي الشيء عمن نسي التشهّد، و لكن الظاهر أنّه لم يعمل بتلك الرواية. فلا ينبغي الإشكال في وجوب سجود السهو عند نسيان التشهّد مع عدم التذكّر قبل الركوع.
و من الروايات الواردة في باب نسيان السجود ما رواه أحمد بن محمّد البرقي قال سئل أحدهم عن رجل ذكر أنّه لم يسجد في الركعتين الأوليين إلّا سجدة و هو
في التشهّد الأول؟ قال: فليسجدها ثمّ ينهض، و إذا ذكره و هو في التشهّد الثاني قبل أن يسلّم، فليسجدها ثمّ يسلّم ثمّ يسجد سجدتي السهو (1).
و هذه الرواية و إن تضمّنت ما لا عامل به من قضاء السجدة المنسية قبل التسليم، إلّا أنّها تدلّ على وجوب سجود السهو لنسيان السجدة. و لا يضرّ بالاستدلال عدم العمل بتلك الفقرة. و بعد لم نعثر في باب نسيان السجدة على ما يدلّ على وجوب سجود السهو غير هذه الرواية، و غير ما دلّ عموما على وجوب سجود السهو لكلّ زيادة و نقيصة. و سيأتي البحث عن هذا العموم. مع أنّه في جملة من الروايات ما يدلّ على نفي سجود السهو لنسيان السجدة. و الروايات في ذلك متعدّدة، و لكنّ الظاهر أنّه لم يعمل بها المشهور، بل عملهم على وجوب سجود السهو، و هو المتعيّن بعد عدم عمل المشهور بالروايات النافية.
و ممّا دلّ على وجوب سجود السهو عند التكلّم ناسيا، ما رواه عبد الرحمن بن الحجّاج قال: سألت أبا عبد اللّٰه عليه السّلام عن الرجل يتكلّم ناسيا في الصلاة يقول: أقيموا صفوفكم قال: يتمّ صلاته ثمّ يسجد سجدتين (2). و قد ورد أيضا في بعض أخبار الشكّ بين الاثنتين و الأربع ما يدلّ على وجوب سجود السهو عند التكلّم أيضا، و في بعض أخبار القيام موضع القعود ورد ذلك، كما سيأتي.
و قد ورد في عدّة من الروايات ما يدلّ على نفي سجود السهو في التكلّم ناسيا، منها ما رواه زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام في الرجل يسهو في الركعتين و يتكلّم، قال: يتمّ ما بقي من صلاته تكلّم أو لم يتكلّم و لا شيء عليه (3). و في معناها جملة من الروايات تنفي الشيء عن التكلّم ناسيا، و لكنّ دلالة نفي الشيء على عدم
سجود السهو إنّما يكون بالإطلاق، فلا يقاوم ما دلّ على وجوب سجود السهو عند التكلّم ناسيا. فالعمل عليه كما عليه المشهور.
و ممّا دلّ على وجوب سجود السهو عند التسليم في غير موضعه ناسيا، ما رواه عمّار عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال: سألته عن رجل صلّى ثلاث ركعات و هو يظنّ أنّها أربع فلمّا سلّم ذكر أنّها ثلاث قال: يبني على صلاته متى ما ذكر و يصلّي ركعة و يتشهّد و يسلّم و يسجد سجدتي السهو، و قد جازت صلاته (1). و في معناها رواية أخرى عن الفقيه. و قد أفتى المشهور بمضمونها، و في بعض الروايات ما يدلّ على نفي الشيء عليه، و لكنّ نفي الشيء لا ينافي وجوب السجود للسهو كما لا يخفى. فالعمل على ما هو المشهور.
و ممّا دلّ على وجوب سجود السهو عند الشكّ بين الأربع و الخمس، ما رواه عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال: إذا كنت لا تدري أربعا صلّيت أم خمسا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك، ثمّ سلّم بعدهما (2). و في معناها عدّة روايات أخر، و قد عمل بها المشهور، و لم نعثر على رواية تدلّ على خلاف ذلك، فيتعيّن العمل على ما هو المشهور. و هذه المواقع الخمس ممّا ذهب المشهور إلى وجوب سجود السهو فيها، و قد عرفت أدلّتهم مع معارضاتها.
ثمّ إن في المقام أدلّة أخر دلّت على وجوب سجود السهو في بعض الموارد الخاصّة، كالشكّ بين الثلاث و الأربع مع غلبة الظنّ بالأربع. و كالشكّ بين الاثنتين و الأربع مع اعتدال الشكّ. و غير ذلك من الموارد الخاصّة، و هي كثيرة كما لا تخفى على المراجع. إلّا أنّ المشهور أعرض عنها، و لم يعمل بها، مع ما في بعضها في المعارض.
و أمّا الأدلّة العامّة فهي على طائفتين:
طائفة تدلّ على وجوب سجود السهو للشكّ في النقص و الزيادة، كرواية زرارة قال: سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: قال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله: إذا شكّ أحدكم في صلاته فلم يدر زاد أم نقص، فليسجد سجدتين و هو جالس، و سمّاها رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله بالمرغمتين (1). و في روايات أخر ما يدلّ على ذلك أيضا.
و طائفة تدلّ على وجوبهما لكلّ زيادة و نقيصة، كرواية سفيان السمط عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال: تسجد سجدتين في كلّ زيادة تدخل عليك أو نقصان (2).
و لا يخفى ما في كلتا الطائفتين من الخلل، حيث لا يمكن الاعتماد عليها.
أمّا في الطائفة الدالّة على وجوبهما للشكّ في الزيادة و النقيصة فلإجمال أخبارها، و إعراض الأصحاب عنها، مع أنّ العمل بها بما هو أظهر معانيها يوجب فقها جديدا.
إمّا إجمالها فلاحتمالها أحد المعاني الثلاثة: الأول: أن يكون المعنى إذا شكّ في الزيادة و عدمها أو في النقيصة و عدمها فيجب سجدتا السهو لكلّ منهما. الثاني:
إذا علم إجمالا بوقوع أحدهما. الثالث: في أنّه هل وقع نقص أو زيادة أو لم يقع شيء منهما. و الرواية و إن كانت أظهر في المعنى الثاني، إلّا أنّ الالتزام به يوجب فقها جديدا. لأنّه في موارد العلم الإجمالي بالنسبة إلى الأركان طرّا، لا يمكن الالتزام بصحّة الصلاة و الاكتفاء بسجدتي السهو. و هكذا العلم الإجمالي بنقصان ركعة أو زيادتها، نعم في العلم الإجمالي بالنسبة إلى سائر الموارد الالتزام بهذا المعنى
لا محذور فيه، إلّا أنّه ينفي وجوبها عدّة من الأخبار المذكورة في محالّها من أنّه لو علم بعد الصلاة تفصيلا بنقصان الأذكار في الركوع و السجود، و بزيادتها أو علم بهما في القراءة و نحوها من القنوت، لا شيء عليه. و أمّا حملها على الشكّ في الزيادة و عدمها أو النقيصة و عدمها أو المعنى الثالث فينفي السجدتين قاعدة الفراغ و التجاوز.
و أمّا إعراض الأصحاب عنها، فلأنّه لم يذهب إلى مدلولها غير شاذّ نادر و هو العلّامة في المختلف (1). و يحكى أنّ الشيخ نقل في الخلاف عن بعض الأصحاب (2). و مال إليه الشهيد الثاني- رحمه اللّٰه- في الروض (3).
و بالجملة: إمكان حمل بعض العبائر على هذا المدلول، و ميل بعض إليه، و فتوى خصوص العلّامة- رحمه اللّٰه- في خصوص المختلف، لا يؤثّر في العمل، مع ما عرفت فيها من إجمال الدلالة، و معارضتها للأخبار الدالّة على أنّ الشكّ و اليقين في غير الأركان لا أثر له. فالحقّ عدم وجوب سجدتي السهو بأيّ معنى حملت الرواية.
و أمّا في الطائفة الثانية و هي موارد العلم بالزيادة أو النقيصة، فالرواية الدالّة على وجوب السجدتين، و إن كانت معتبرة، للإجماع على صحّة ما يصحّ عن ابن أبي عمير، بل كانت مراسيله كمسانيده، لجلالة قدره و أنّه لا يروي إلّا عن الثقات إلّا أنّه لا يمكن الأخذ بما هو ظاهرها.
أمّا أوّلا: فلأنّه لا بدّ من حملها على زيادة غير الأركان أو نقصها.
و ثانيا: يلزم إخراج جملة من الأجزاء المنسية التي تداركها في محلّها، لعدم وجوب سجدتي السهو حينئذ قطعا.
و ثالثا: يعارضها الأخبار الكثيرة الدالّة على أنّ نسيان القراءة، و ذكر الركوع، و نسيان الجهر و الإخفات، لا يوجب سجدتي السهو. لأنّ في الجميع نفي وجوب شيء على الناسي. و في بعضها قال عليه السّلام: «تمّت صلاته» فراجع الأخبار الواردة في القراءة، فإنّ الفقيه يشرف على القطع بأنّ نسيانها، و نسيان الجهر و الإخفات فيها، لا يوجب شيئا. هذا مضافا إلى أنّه لم يعمل بمضمونها إلّا من في طبقة العلامة و بعده. و العجب أنّ الشهيد- رحمه اللّٰه-، مع أنّه قال في الدروس: لم أظفر بقائله و لا بمأخذه (1)أفتى بمضمون الرواية في اللمعة (2).
ثمّ بناء على تقديم الأخبار الدالّة على أنّ نسيان ما عدا الأركان لا يوجب شيئا، لا يمكن الفتوى باستحبابهما لكلّ زيادة أو نقيصة سهوية، إلّا أن تحمل على نفي وجوب شيء و لزومه، لا على نفي مشروعية شيء.
و بالجملة: الإنصاف أنّ المسألة مشكلة بحسب الأدلّة فالفتوى بوجوبهما لكلّ زيادة و نقيصة إذا وقعتا سهوا مشكلة جدّا. و الأصل العملي نفي الوجوب.
و التمسّك بوجوبهما لهما برواية القصّاب: «أسهو في الصلاة و أنا خلف الإمام. فقال عليه السّلام: إذا سلّم فاسجد سجدتين، و لا تهب» (3). في غير محلّه. فإنّ الإمام عليه السّلام و إن لم يستفصل بين الموارد التي نقول بوجوبهما للسهو فيها و غيرها، و ترك الاستفصال يوجب العموم في المقام، إلّا أنّ هذه الرواية ناظرة إلى حيث كون الساهي خلف الإمام، و أنّ الاقتداء هل يوجب ضمان الإمام عن سهو المأموم أم لا. فالإمام عليه السّلام بصدد بيان أنّ ما عليه العامّة من أنّ الإمام ضامن لسهو من خلفه غير تام، بل ليس هو ضامنا إلّا القراءة.
و بالجملة: العموم المخصّص بتخصيص كثير لا يمكن الاتّكال إليه. مع أنّ العمل بهذين العامّين نشأ من زمان العلّامة- رحمه اللّٰه.
إنّما الكلام في أنّه لو تعدّد الموجب، و قلنا بأنّه تتعدّد السجدة سواء كان الموجب من جنس واحد أو من أجناس مختلفة- بناء على ما هو الحقّ من أصالة عدم التداخل مطلقا- فهل يجب تعيين الموجب أم لا؟ وجهان الحقّ هو الثاني.
لأنّ تعيين الموجب لازم فيما إذا كان السبب معنونا بعنوان خاصّ كعنوان الظهرية و العصرية، لا في مثل المقام، فإنّ قصده كونه للكلام أو للسلام أو نحوهما، مع أنّ نسيان المنسيّات صار موجبا للسجدتين، لا خصوصية كلّ واحد، بلا موجب.
و هكذا يجب التعيين فيما لو كان السبب متعدّدا، و كان بينهما ترتّب أو خصوصية لا يمتاز المتخصّص بها إلّا بتعيينه، كما لو كان أجيرا لأشخاص أو كان عليه أداء و قضاء.
و أمّا في مثل المقام لا خصوصية و لا ترتّب، أمّا الأول فواضح. و أمّا الترتّب فالأسباب و إن تحقّقت مترتّبة، و يقتضي كلّ سبب سابق أن يشغل المحلّ قبل إشغال المتأخّر له، إلّا أنّه مع ذلك هذا الترتيب لا يقتضي إلّا وقوع كلّ سجدتين مرتّبا عن موجبه قهرا، و ينطبق كلّ ما يؤتى به أولا في السبب السابق قهرا، من دون اعتبار قصد كون الأول للأول، و الثاني للثاني، و هكذا.
بل يمكن أن يقال: لو قصد الأول للآخر صحّ. لأنّ الترتيب بين الأسباب ليس إلّا من باب الاتّفاق، و من جهة أنّ الزماني يقع في زمان لا محالة. و لذا في قضاء الصوم لو نوى السنة المتأخّرة لإسقاط الكفّارة عن ذمّته صحّ، لأنّ الصوم أيضا لا ترتيب بين أيّامه، و إن كانت نفس الأيام مرتّبة. و بالجملة: لو قصد أولا
قضاء يوم الثلاثين و ثانيا قضاء يوم التاسع و العشرين، و هكذا يصحّ صومه، لأنّه لا يراد منه إلّا إتيان ثلاثين بدلا عن ثلاثين، فقصد خلاف الترتيب لا يضرّ بما هو مطلوب منه، فضلا عن عدم القصد.
فينسب إلى الشيخ- رحمه اللّٰه- وجوبها. و المشهور استحبابها.
و لكنّه ليس في الأدلّة ما يدلّ على وجوبها أو استحبابها سوى قضية ذي الشمالين في إحدى الروايات المتضمّنة لهذه القضية (1)، و رواية عمّار الساباطي عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال: سألته عن سجدتي السهو فيهما تسبيح و تكبير؟
فقال: لا، إنّهما سجدتان فقط، فإن كان الذي سها هو الإمام كبّر إذا سجد و إذا رفع رأسه، ليعلم من خلفه أنّه قد سها، و ليس عليه أن يسبّح، و لا فيهما تشهد بعد السجدتين (2).
و هذه الرواية صريحة في اختصاصه بالإمام، و عدم شرعية للمأموم و المنفرد.
و قضية ذي الشمالين أيضا واردة فيما كان صلّى اللّٰه عليه و آله إماما. و مع هذا فالاعتماد على هذين الدليلين للفتوى بالوجوب للإمام، مع ظهور الأخير بكونها للإعلام، مشكل. فضلا عن القول بوجوبها مطلقا. هذا مع اشتمال رواية عمّار على نفي التسبيح و التشهّد مع عدم التزام المشهور به. فالحقّ عدم استحبابها أيضا لخلوّ جميع الأخبار عنها، نعم الإتيان بها رجاء لا محذور فيه.
و يدلّ عليه صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام أنّه قال: نقول في
سجدتي السهو بسم اللّٰه و باللّه و صلّى اللّٰه على محمّد و آل محمّد. قال: و سمعته مرّة أخرى يقول: بسم اللّٰه و باللّه السلام عليك أيّها النبي و رحمة اللّٰه و بركاته (1).
و لا يعارضها مثل رواية عمّار الساباطي التي نفى التسبيح فيهما. أمّا (أولا:) فلعدم دلالة نفي التسبيح على نفي هذا الذكر الخاصّ، لأنّه ليس كالتسبيح في الركوع و السجود في الصلاة، (و ثانيا:) مع ضعف رواية عمّار و إعراض الأصحاب عن العمل بها لأنّهم لم يعملوا بما تثبته هذه الرواية و هو التكبير، و ما تنفيه و هو التشهّد.
فالأقوى وجوب الذكر فيهما. و عدم تعرّضه في الروايات لا يكشف من عدم الوجوب. لأنّها واردة مورد حكم آخر، و هو بيان الموارد التي يجب فيها سجدتا السهو، و ليست في مقام بيان ما يعتبر في سجدتي السهو. فأصل الوجوب لا إشكال فيه إنّما الكلام في أنّ المعتبر هل خصوص الصلاة أو قوله السلام عليك.
ثمّ الصلاة على قسمين مرويّ عن الحلبي ففي الفقيه (2)مثل ما ذكرنا. و في الكافي (3)مرويّ عنه اللّٰهم صلّ على محمّد و آل محمّد. و هكذا في السلام ففي الكافي مرويّ عنه كما ذكرنا، و في التهذيب (4)مرويّ عنه مع الواو. و بعضهم عامل مع هذه الاختلافات معاملة اختلاف الروايات، و أفتى بالتخيير بين إحدى هذه الأذكار الأربعة. و لكنّه لا يخفى أنّ التخيير بين الصلاة و السلام في محلّه، لأنّ الحلبي روى كليهما عن الإمام عليه السّلام. و مراده من أنّه سمعته مرّة يقول:
السلام عليك أي في جواب سؤال شخص آخر، لا أن الإمام عليه السّلام في
سجدتي السهو يقول، حتّى ينافي الإمامة.
و أمّا التخيير في السلام بين «السلام عليك» أو «و السلام عليك» بلا وجه.
لأنّ التخيير ثبت في تعارض الروايات على خلاف الأصل، و لا يمكن التعدّي عنه إلى غيرها. فالصواب إتيان السلام بلا واو. لأنّ نسخة الكافي أضبط و هي بلا واو، و التهذيب يروي إمّا عنه أو عن الفقيه، و إلّا هو بنفسه ليس له طريق آخر إلى الحلبي. فإذا لم يكن في النسختين واو فالعمل على نسخة التهذيب أو التخيير بينهما أو الجمع بينهما بلا موجب.
نعم الاحتياط هو الجمع بينهما رجاء كما أن لو أراد الساجد أن يأتي بالصلاة، فالاحتياط وجوبا هو الجمع بين اللّٰهم صلّ .. إلخ و صلّى اللّٰه لاختلاف نسخة الفقيه مع الكافي، و عدم إمكان الترجيح بينهما.
و يدلّ عليه عدّة من الروايات. و تقدّم بعضها، و هو المشهور، بل ادّعي الإجماع عليه أيضا. و لا يعارض رواية عمّار الساباطي لعدم مقاومتها سندا و عملا، للأخبار الدالّة على الوجوب، حتّى يحمل ما دلّ على الوجوب على الاستحباب، كما هو المعمول بين الأصحاب فيما ورد خبر يدلّ على الوجوب، و خبر على عدم الوجوب من جهة حمل الظاهر على النصّ. فالأقوى وجوبه.
ثمّ إنّ المراد من «الخفيف» الوارد في أخبار الباب هو الخفّة في مقابل التطويل، أي المشتمل على المستحبّات، لا قول أشهد أن لا إله إلّا اللّٰه و أشهد أنّ محمّدا رسول اللّٰه، و ذلك لأنّ المتبادر من المطلقات هو التشهّد الواجب في الصلاة، فالتقييد بالخفيف لهذا التشهّد. و أمّا إرادة التشهّد في الأذان و الإقامة فيحتاج إلى قرينة.
و هذا مضافا إلى أنّه إجماعيّ، بناء على وجوب أصل التشهّد، هو المتبادر أيضا من قولهم عليهم السّلام: «تشهّد» لما ذكرنا أنّ الظاهر من هذه الأخبار الأمر بالتشهّد الذي يجب في الصلاة، و هو علم لمجموع الشهادتين و الصلاة.
و يدلّ عليه جملة من الأخبار، و تقدّم بعضها. و الظاهر أنّه كلّما أطلق فيه السلام فهو عبارة عن «السلام عليكم». فالأقوى و الأحوط الإتيان بخصوص الصيغة، لأنّه على فرض التخيير بينهما أيضا كاف، مع احتمال كونه هو المتعيّن.
، من الطهارة و الستر و الاستقبال و نحوها من وضع الأعضاء السبعة على الأرض، و وضع الجبهة على ما يصحّ السجود عليه. لا لأنّ السجود في الشرع منصرف إلى ما كان مشتملا على هذه الشرائط، و إلّا لزم اعتبارهما في سجدة التلاوة أيضا، بل لأنّ الظاهر من الأخبار الواردة في المقام الدالّة على الفورية و المبادرة بهما بعد التسليم و قبل الكلام، مع عدم التعرّض لما يعتبر فيهما، أنّهما في الحكم كالسجدة الصلاتية. و عدم التعرّض للشرائط في أخبار الباب إنّما هو لوجودهما غالبا بعد السلام.
و لكن لا يخفى أنّ هذا مجرّد استحسان لا اعتبار به. فالأقوى بحسب الأدلّة عدم اعتبار الشرائط فيها و أنّ الأحوط ذلك.
و يدلّ عليه عدّة من الأخبار، كرواية ابن الحجّاج المتقدّمة في الكلام، و رواية عمّار المتقدّمة في السلام، و رواية فضيل المتقدّمة في التشهّد المنسي، و الروايات الواردة في الشكّ بين الأربع و الخمس، و سائر الشكوك. و تقدّم بعضها. و رواية القدّاح عن جعفر بن محمّد عن
أبيه عن عليّ عليه السّلام: قال: سجدتا السهو بعد التسليم و قبل الكلام (1).
و قيل: إنّ محلّهما قبل التسليم مطلقا، و يدلّ عليه رواية أبي الجارود قال:
قلت لأبي جعفر عليه السّلام: متى أسجد سجدتي السهو؟ قال عليه السّلام: قبل التسليم فإنّك إذا سلّمت فقد ذهبت حرمة صلاتك (2).
و قيل بالتفصيل بين مورد النقص و الزيادة. و يدلّ عليه رواية سعد الأشعري قال: قال الرضا عليه السّلام في سجدتي السهو: إذا نقصت قبل التسليم، و إذا زدت فبعده (3).
و لكن لا يخفى أنّ المتيقّن وجوبهما بعد التسليم مطلقا. لأنّ الأخبار الدالّة على وجوبهما بعده مطلقا فوق حدّ الاستفاضة، بل يمكن دعوى تواترها. فلا يمكن أن يعارضها هذان الخبران.
فما يحكى عن الذخيرة من قوله: «و يمكن الجمع بين الأخبار بالتخيير» (4).
لا يمكن الالتزام به، لأنّ التخيير فرع التكافؤ سندا و دلالة و جهة، مع ما فيهما من موافقة كلّ منهما لمذهب كثير من العامّة.
لظاهر عدّة من الأخبار و أصرح [ما] فيها رواية القدّاح، ثمّ رواية الفضيل، فإنّ قوله «إذا سلّم سجد سجدتين» ظاهر في التوقيت. ثمّ الأخبار المشتملة على لفظة «ثمّ». و بالجملة:
لا وجه للمناقشة في اعتبار الفورية. نعم لا يستفاد من الأخبار الشرطية الفورية لسجود السهو، بحيث لو أخلّ بها لم تجب بعد ذلك. و لا شرطيّتها للصلاة.
فالإخلال بالفورية عمدا لا يوجب فساد الصلاة، فضلا عن سجود السهو.
و فيه فصول:
لا إشكال في أنّه لا تجب الجماعة أصالة إلّا في الجمعة و العيدين، مع تحقّق شرائط وجوبهما المذكورة في محلّها. و قد تجب لعارض كالنذر و شبهه. و ربّما قيل بوجوبها أيضا بأمر الوالدين، و بالنسبة إلى من لم يتمكّن من القراءة إمّا لآفة في لسانه، و إمّا لجهله بها مع ضيق الوقت عن التعلّم، هذا.
و لكنّ الأقوى عدم وجوبها بذلك، أمّا أمر الوالدين فلأنّه لا دليل على وجوب متابعتهما في ذلك، بل المسلّم هو حرمة إيذائهما بالضرب و الشتم و نحوه، و أمّا وجوب متابعتهما بما يرجع إلى المال و النفس، فلم يقم عليه دليل على وجه الكلّية، و إلّا لوجب إطاعتهما عند أمرهما ببذل المال، نعم ربّما يجب إطاعتهما في بعض الأفعال، كما لو نهيا عن السفر، و ذلك يرجع إلى إيذائهما.
و أمّا من لم يتمكّن من القراءة فوجوب الجماعة عليه مبني على أن تكون الجماعة أحد فردي الواجب التخييري، و يكون الصلاة مع القراءة فرادى فرده الآخر، حتّى تجب الجماعة عينا عند تعذّر الصلاة مع القراءة، كما هو الشأن في
كلّ واجب تخييري، حيث يتعيّن بعض أفراده عند تعذّر الآخر. و لكن قد تقدّم هنا الإشكال في ذلك في مبحث القراءة، و أنّ الصلاة جماعة ليست أحد فردي الواجب التخييري، بل الواجب ليس إلّا الصلاة مع القراءة عند التمكّن.
و الجماعة إنّما تكون مستحبّة، غايته أنّه تسقط القراءة عندها، على ما تقدّم تفصيله. و حينئذ الواجب على من لم يتمكّن من القراءة ذاتا لآفة في لسانه هو فعل الصلاة حسب تمكّنه، و لا تجب عليه الجماعة. و من لم يتمكّن من القراءة لجهله بها، فهو و إن وجب عليه تعلّم القراءة، إلّا أنّه لو لم يتعلّم إلى أن ضاق الوقت فالعبرة بما يتمكّنه في ذلك الوقت، و لا تجب عليه الجماعة أيضا، و لكن لا ينبغي ترك الاحتياط في ذلك.
فتحصّل: أنّه لا تجب الجماعة إلّا فيما ذكر. و أمّا فيما عدا ذلك فهي ليست بواجبة إجماعا. نعم هي مستحبّة في الفرائض الأصلية من اليومية و غيرها، و في بعض النوافل.
أمّا استحبابها في الفرائض فيدلّ عليه صحيحة زرارة و الفضيل قالا: قلنا له:
الصلاة في الجماعة فريضة هي؟ فقال: الصلاة فريضة و ليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلّها، و لكنّه سنّة من تركها رغبة عنها و عن جماعة المؤمنين من غير علّة فلا صلاة له (1).
وجه الدلالة هو أنّ قوله عليه السّلام: «و ليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلّها» ليس المراد منه عموم السلب، بحيث لا تجب الجماعة في كلّ صلاة صلاة على نحو العام الاستغراقي الانحلالي، حتّى يكون وجوب الجماعة في الجمعة و العيدين تخصيصا لهذا العموم، بل المراد منه سلب العموم على نحو العام
1) الوسائل: ج 5 ص 371 باب 1 من أبواب صلاة الجماعة، ح 2 باختلاف يسير.
المجموعي. فيكون المعنى أنّ الجماعة ليست بواجبة في جميع الصلوات. و هذا لا ينافي وجوبها في بعض الصلوات.
و قوله عليه السّلام بعد ذلك «و لكنه سنّة» ظاهر في إثبات الاستحباب للصلوات التي نفى عنها الوجوب قبل ذلك، و هي الصلوات المفروضة. فلا تدل هذه الصحيحة على استحباب الجماعة في مطلق الصلاة، بل خصوص الصلاة المفروضة، فتدلّ على استحباب الجماعة في كلّ صلاة مفروضة، بمقتضى إطلاق الصحيحة، و عدم ذكر فريضة خاصّة فيها. و لو لا إطلاق هذه الصحيحة لأشكل إثبات مشروعية الجماعة في جميع الفرائض، إذ لم يقم دليل بالخصوص في استحبابها في كلّ فريضة فريضة، و إن قام ذلك في البعض كالصلوات اليومية، و صلوات الآيات، و صلاة الأموات. و ليس أيضا ما يدلّ بعمومه على استحبابها في جميع الفرائض إلّا إطلاق هذه الصحيحة، و فيها الغنى و الكفاية.
فلا مجال بعد ذلك للوسوسة في شرعية الجماعة في صلاة الطواف، بعد ما كانت من الفرائض الأصلية فتندرج في إطلاق الصحيحة. و مجرّد عدم نقل وقوع الجماعة في صلاة الطواف عنه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم في حجّة الوداع، مع نقل جميع ما صدر عنه صلّى اللّٰه عليه و آله في تلك الحجّة من الخصوصيّات، لا يدلّ على عدم مشروعيّتها في الطواف: إذ لعلّ عدم نقل ذلك لعدم وقوع الجماعة في صلاة الطواف اتّفاقا، من باب عدم اجتماع طائفة معه صلّى اللّٰه عليه و آله في الطواف، و كان طوافه انفراديّا، أو عدم الاهتمام بنقل وقوع الجماعة فيها، أو غير ذلك من الأسباب. و بالجملة: مجرّد عدم نقل ذلك لا يصلح أن يكون دليلا على عدم المشروعية فيها. فالأقوى استحباب الجماعة في صلاة الطواف كغيرها من الفرائض الأصلية.
و أمّا استحبابها في الصلاة التي عرض عليها الفرض بالنذر و شبهه فيشكل. من
جهة أنّ الظاهر من الفريضة في الصحيحة هو ما كان فرضا بالأصل، و ترتّب بعض أحكام الفريضة على ما طرأ عليه الفرض بالنذر كالقيام و الاستقرار و غير ذلك لا يلازم ترتّب جميع أحكام الفريضة عليه، حتّى مثل استحباب الجماعة فيه. فإنّ الأحكام تختلف بحسب مناسبة الحكم و الموضوع، فربّ حكم يقتضيه وصف النفل الفعلي بحيث لو صار فرضا لما ترتّب عليه ذلك الحكم، و ذلك مثل الاستقبال و الاستقرار و القيام و أمثال ذلك، حيث إنّ عدم اعتبارها في النافلة لمكان التوسعة في النافلة، فناسب عدم اعتبار ذلك. و أمّا إذا صارت فرضا بالنذر و شبهه فتلك المناسبة لم تبق، بل يناسب اعتبار ذلك لمكان وصف الفرض الفعلي المقتضي للتضييق، عكس ما يقتضيه النفل.
و أمّا مثل الجماعة فلا يجري فيها هذا المعنى، لعدم اقتضاء وصف النفل عدم مشروعية الجماعة فيه، بحيث يناسب النفل عدم الجماعة و الفرض الجماعة، حتّى تكون الجماعة مثل الاستقبال و الاستقرار، فيقال بمشروعيّتها عند عروض وصف الفرض على النفل بالنذر و شبهه. و إطلاق صحيحة زرارة و الفضيل قد عرفت ظهوره فيما كان فرضا بالأصل. فلم يبق ما يقتضي مشروعية الجماعة في الصلاة النافلة المنذورة.
فالأقوى ترك الجماعة فيها، و إن كان يظهر من الشهيد- رحمه اللّٰه- في الذكرى (1)كون مشروعية الجماعة في المنذورة من المسلّمات عند الإمامية، حيث عبّر بلفظ «عندنا» و لكنّ الظاهر أنّ لفظة «عندنا» لا تدلّ على كون المسألة ممّا انعقد عليها الإجماع. هذا كلّه في الفرائض.
و أمّا النوافل فلا إشكال في مشروعية الجماعة في صلاة الاستسقاء، و كذا
1) الذكرى: ص 265.
صلاة العيدين في زمان الغيبة سواء قلنا: إنّ صلاة العيدين في زمان الغيبة تكون من الفرض الذي طرأ عليه النفل. أو قلنا: إنّها نافلة بالأصل و يكون زمان الحضور و الغيبة منوّعا لها، فتكون صلاة العيدين ذات نوعين نوع واجب بالأصالة و هو ما كان في زمن الحضور، و نوع مستحبّ بالأصالة و هو ما كان في زمان الغيبة.
و لعلّ الأظهر هو الوجه الثاني كما قد تقدّمت الإشارة إليه في بعض أحكام الخلل.
و تظهر الثمرة بين الوجهين في ترتّب أحكام النافلة و عدمه و التفصيل في محلّه.
و على كلّ تقدير لا إشكال في مشروعيّة الجماعة في العيدين، و لا مجال للوسوسة في أصل مشروعية العيدين في زمان الغيبة أو زمان الحضور مع عدم بسط يد الإمام عليه السّلام أو الوسوسة في مشروعية الجماعة فيها بعد تسليم كونها مشروعة، و منشأ الوسوسة هو توهّم دلالة بعض الأخبار على ذلك كموثّقة سماعة عن الصادق عليه السّلام في صلاة العيدين قال: «لا بأس أن تصلّي وحدك و لا صلاة إلّا مع إمام» (1). و موثّقة عمّار «سئل الصادق عليه السّلام هل يؤمّ الرجل بأهله في صلاة العيدين في سطح أو البيت؟ فقال عليه السّلام: لا يؤمّ بهنّ و لا يخرجن» (2)، هذا.
و لكن لا يخفى عليك أنّه لا ظهور لهذه الأخبار في عدم مشروعيّة الجماعة في صلاة العيدين.
أمّا موثّقة سماعة فلاحتمال أن يكون المراد من «وحدك» هو في مقابل الصلاة مع الإمام عليه السّلام التي نفى الوجوب عنها في الذيل، فيكون المعنى أنّه لا بأس بأن تصلّي العيدين مع عدم الإمام عليه السّلام، فتكون الموثّقة دليلا على
مشروعية العيدين و لو مع عدم وجود الإمام، و ليس المراد من «وحدك» هو ما يقابل الجماعة.
و أمّا موثّقة عمّار فلورودها في مقام عدم وجوب صلاة العيدين على النساء، كما يشهد لذلك قوله بعد ذلك «و لا يخرجن» و ليس لها ظهور في عدم مشروعية صلاة العيدين أو عدم مشروعيّة الجماعة فيها.
فلا وجه للقول بعدم مشروعية الجماعة في صلاة العيدين بعد عدم ظهور هذه الأخبار في ذلك و ظهور- ما رواه في الإقبال عن الصادق عليه السّلام في مشروعية الجماعة في العيدين حيث إنّه سئل الصادق عليه السّلام عن صلاة الأضحى و الفطر «فقال عليه السّلام: صلّهما ركعتين في جماعة و غير جماعة» (1)بناء على أنّ قوله «في جماعة» متعلّق بقوله «صلّهما» لا بقوله «ركعتين» حتّى تكون الرواية ردّا على من يقول بأنّ صلاة العيدين تكون أربع ركعات إن صلّيت فرادى لا جماعة فلا دلالة في الرواية حينئذ على مشروعيّة الجماعة في العيدين مطلقا و لو مع عدم حضور الإمام عليه السّلام لأنّ الرواية تكون حينئذ واردة في مقام بيان حكم آخر- أجنبي عمّا نحن فيه.
و على كلّ حال لا ينبغي التوقّف في مشروعية صلاة العيدين جماعة في زمان الغيبة و عليه سيرة المسلمين كما نقل عن القطب الراوندي أنّ الإمامية يصلّون هاتين الصلاتين أي صلاة العيدين جماعة و عملهم حجّة.
ثمّ إنّه ينسب إلى المشهور مشروعية الجماعة في صلاة الغدير التي هي ركعتان قبل الزوال، و حكى في التذكرة (2)عن التقي نسبة ذلك إلى الرواية، و نقل عن النبي صلّى اللّٰه عليه و آله في يوم الغدير في حجّة الوداع أنّه أمر أن ينادى الصلاة
جامعة فاجتمعوا و صلّى ركعتين ثمّ رقى المنبر و خطب الخطبة المعروفة (1)، و لم يظهر للمشهور مستند سوى ذلك.
و لكنّ الإنصاف أنّ ذلك لا يثبت مشروعية الجماعة في صلاة الغدير، لإمكان أن يكون المراد من الركعتين التي صلّاهما صلّى اللّٰه عليه و آله في حجّة الوداع هما صلاة الظهر، إذ لم يعلم كونه صلّى اللّٰه عليه و آله [صلّى قبل] ذلك الزوال، و إن كان يظهر من بعض التواريخ أنّ نداءه كان قبل الزوال إلّا أنّ ذلك لا يلازم كون الصلاة أيضا كانت قبل الزوال، و من الممكن أيضا أن يكون مراد التقي من الرواية هو ذلك، أي فعل النبي صلّى اللّٰه عليه و آله في حجّة الوداع، كما أنّه من الممكن أن يكون وجه نسبة جواز الجماعة في صلاة الغدير إلى المشهور لمكان تجويز الشهيد- رحمه اللّٰه- الجماعة فيها في اللمعة (2)، بضميمة أنّ الشهيد- رحمه اللّٰه- لم يذكر في اللمعة إلّا ما كان مشهورا عند الأصحاب، و على كلّ حال الأقوى ترك الجماعة في صلاة الغدير.
و لا يمكن إثبات مشروعيّتها فيها بأخبار «من بلغ» (3)بناء على كون أخبار «من بلغ» توجب استحباب العمل الذي بلغ فيه الثواب و تصيّره كسائر المستحبّات كما هو أحد الوجوه في مسألة التسامح في أدلّة السنن، و ذلك لأنّ إثبات الاستحباب بأخبار «من بلغ» إنّما هو إذا لم يكن العمل الذي بلغ فيه الثواب ممّا قام الدليل على حرمته كالمقام حيث قام الدليل على حرمة الجماعة في النافلة و أنّها بدعة. و بعبارة أخرى: أخبار من بلغ توجب استحباب العمل الذي كان حرمته متمحّضا من حيث عدم قيام الدليل على مشروعيّته لا ما كان حرمته من جهة قيام الدليل الاجتهادي على الحرمة كالجماعة في النافلة فتأمّل جيّدا.
فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّ المتيقّن من النوافل التي تشرع الجماعة فيها هو صلاة الاستسقاء و صلاة العيدين، و فيما عدا ذلك لا تشرع الجماعة فيه مطلقا سواء في ذلك نوافل شهر رمضان و غيرها.
و يدلّ على ذلك المرسل عن النبي صلّى اللّٰه عليه و آله أنّه قال «لا جماعة في نافلة» (1). و ورد عين هذا المضمون عن الرضا (2)عليه السّلام.
و قول أمير المؤمنين عليه السّلام بعد منعه عن الجماعة في نوافل شهر رمضان التي أبدعها الثاني لعنه اللّٰه «و أعلمتهم أنّ اجتماعهم في النوافل بدعة» (3).
و لا يدلّ وقوع هذا الكلام في ذيل النهي عن الجماعة في نوافل شهر رمضان كون الألف و اللام في قوله «و أعلمتهم أنّ اجتماعهم في النوافل بدعة». للعهد حتّى يقال: إنّ كلام الأمير عليه السّلام لا يدل على عموم المنع لمطلق النوافل بل خصوص نوافل شهر رمضان، لأنّ هذا الكلام منه عليه السّلام إنّما وقع بعد الفراغ عن كلامه السابق فهو يدلّ على عموم المنع.
و يدلّ على العموم أيضا قوله صلّى اللّٰه عليه و آله «لن تجتمع للنافلة» (4)و مع هذه الأدلّة لا ينبغي التوقّف و الإشكال في هذا الحكم أصلا.
و لا محلّ لمناقشة المدارك (5)و الذخيرة (6)في عموم المنع، و لا يعارض الأدلّة المذكورة صحيحة عبد الرحمن عن الصادق عليه السّلام «صلّ بأهلك في رمضان
1) الوسائل: ج 5 ص 181 باب 7 من أبواب نافلة شهر رمضان، ح 6.
2) الوسائل: ج 5 ص 407 باب 20 من أبواب صلاة الجماعة، ح 6.
3) الوسائل: ج 5 ص 193 باب 10 من أبواب نافلة شهر رمضان، ح 4.
4) الوسائل: ج 5 ص 182 باب 7 من أبواب نافلة شهر رمضان، ح 6.
5) مدارك الأحكام: ص 227.
6) ذخيرة المعاد: ص 389 في ذيل قول الماتن و لا تصحّ في النوافل.
الفريضة و النافلة فإنّي أفعله» (1). و صحيحة هشام سأل عن المرأة هل تؤمّ النساء؟ قال: تؤمّهنّ في النافلة فأمّا المكتوبة فلا (2). لأنّ الصحيحة الأولى معارضة مع الأخبار الكثيرة الدالّة على المنع الحاكية لقضية عليّ، و الثانية لا تصلح أن تقاوم العمومات خصوصا مع اشتمال ذيلها على ما لا عامل به من عدم جواز اقتداء النساء بالنساء في المكتوبة، فالأقوى عموم المنع لمطلق النوافل إلّا العيدين و الاستسقاء.
و توضيح البحث عن ذلك يتمّ برسم مسائل:
و يدلّ على ذلك ما عن العيون عن الرضا عليه السّلام عن آبائه عن النبي صلّى اللّٰه عليه و آله قال: «الاثنان فما فوقهما جماعة» (3)و غير ذلك من الروايات. و لا إشكال فيه، كما لا إشكال في أنّ من آداب الجماعة أن يقف المأموم عن يمين الإمام إذا كان وحده، و إذا تعدّد المأمومون فليقفوا خلفه، و ليس ذلك شرطا للجماعة بل من آدابها و مستحبّاتها، فما يظهر من الحدائق (4)من كون ذلك شرطا في صحّة الجماعة ضعيف غايته كما يظهر وجهه للمتأمّل في الأخبار بعين الإنصاف.
و لو في التشهّد الأخير كما يدلّ عليه رواية معاوية بن شريح عن الصادق عليه السّلام قال: «إذا جاء الرجل مبادرا و الإمام راكع أجزأته تكبيرة واحدة لدخوله في الصلاة و الركوع، و من أدرك الإمام و هو ساجد كبّر و سجد معه و لم يعتدّ بها، و من أدرك الإمام و هو في الركعة الأخيرة فقد أدرك فضل الجماعة، و من أدركه و قد رفع رأسه من السجدة الأخيرة و هو في التشهّد فقد أدرك الجماعة و ليس عليه أذان و لا إقامة، و من أدركه و قد سلّم فعليه الأذان و الإقامة» (1). و قريب هذا المضمون ورد في رواية مصدّق بن صدقة.
ثمّ إنّه إن لحق بعد السجدتين فيكبّر و يقعد مع الإمام و يقوم بعد سلام الإمام و يقرأ من دون تجديد نيّته و لا تكبيرة، و لو لحقه قبل السجدتين فبعد سلام الإمام يجدّد النية و التكبيرة لئلا يلزم زيادة الركن، و لو لحقه بين السجدتين فاغتفار السجدة الواحدة غير بعيد لأنّها ليست بركن، و المسألة تحتاج إلى تفصيل لعلّه يأتي بعد ذلك.
و لو بعد الذكر و قبل رفع الرأس، و قيل (2)إنّه لا تدرك الركعة إلّا بإدراك المأموم تكبيرة الركوع بمعنى أنّه يلتحق بالإمام قبل أن يكبّر الإمام للركوع، و قيل (3)إنّ الركعة تدرك بإدراك الإمام ذاكرا و لا يعتبر إدراكه تكبيرة الركوع كما أنّه لا عبرة بإدراكه بعد الذكر و لو قبل رفع الرأس.
و الأقوى ما عليه المشهور و يدلّ عليه الأخبار الكثيرة.
منها: ما رواه الشيخ بطريقين عن سليمان بن خالد عن الصادق عليه السّلام أنّه قال: «في الرجل، إذا أدرك الإمام و هو راكع و كبّر الرجل و هو مقيم صلبه ثمّ ركع قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك الركعة» (1).
و منها المروي عن الحلبي عن الصادق عليه السّلام قال إذا أدركت الإمام و قد ركع فكبّرت و ركعت قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدركت الركعة، و إن رفع الإمام رأسه قبل أن تركع فقد فاتتك الركعة (2).
و منها: غير ذلك من الأخبار الصحيحة الصريحة الواردة في انتظار الإمام حتّى يلحق به المأموم (3)، و فيمن خاف رفع الإمام رأسه إذا لحق بالصفّ.
و سيأتي بعضها إن شاء اللّٰه في محلّه.
و مستند الشيخين الأخبار الواردة عن محمّد بن مسلم و يونس الشيباني.
فعن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «قال لي: إذا لم تدرك القوم قبل أن يكبّر الإمام للركعة فلا تدخل معهم» (4).
و عنه عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «إذا أدركت التكبيرة قبل أن يركع الإمام فقد أدركت الصلاة» (5).
و عنه عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «قال: لا تعتدّ بالركعة التي لم تشهد تكبيرها مع الإمام (6).
1) التهذيب: ج 3 ص 43 في أحكام الجماعة، ح 64.
2) التهذيب: ج 3 ص 43 في أحكام الجماعة، ح 65.
3) الوسائل: ج 5 ص 450 باب 50 من أبواب صلاة الجمعة، ح 1 و 2.
4) الوسائل: ج 5 ص 441 باب 44 من أبواب صلاة الجماعة، ح 2.
5) الوسائل: ج 5 ص 440 باب 44 من أبواب صلاة الجماعة، ح 1.
6) الوسائل: ج 5 ص 441 باب 44 من أبواب صلاة الجماعة، ح 3.
و عنه عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال: «قال: إذا لم تدرك تكبيرة الركوع فلا تدخل [معهم] في تلك الركعة» (1).
و عن يونس عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام «قال: إذا دخلت من باب المسجد فكبّرت و أنت مع إمام عادل ثمّ مشيت إلى الصلاة أجزأك ذلك فإذا الإمام كبّر للركوع كنت معه في الركعة لأنّه إذا أدركته و هو راكع لم تدرك التكبيرة لم تكن معه في الركوع» (2).
و يمكن أن يستدلّ لهذا القول برواية الحلبي قال: إذا أدركت الإمام قبل أن يركع الركعة الأخيرة فقد أدركت الصلاة و إن أدركته بعد ما ركع فهي الظهر أربع ركعات (3). بناء على عدم الفرق بين الجمعة و غيرها.
و أمّا مستند التذكرة فما رواه في الاحتجاج عن الحميري أنّه كتب إلى صاحب الزمان روحي له الفداء يسأله عن الرجل يلحق الإمام و هو راكع فيركع معه و يحتسب بتلك الركعة فإنّ بعض أصحابنا قال: إن لم يسمع تكبيرة الركوع فليس له أن يعتدّ بتلك الركعة فأجاب عليه السّلام: «إذا لحق مع الإمام من تسبيحة الركوع تسبيحة واحدة اعتدّ بتلك الركعة و إن لم يسمع تكبيرة الركوع» (4).
و لا يخفى عليك عدم مقاومة مستند القولين لمستند المشهور، أمّا مستند الشيخين فلما فيه أولا: عدم عمل المشهور بتلك الأخبار و إعراضهم عنها بل قيل حتّى الشيخ لم يعمل بها في بعض كتبه. و ثانيا: الأخبار التي اعتمد عليها المشهور
أقوى دلالة من الأخبار التي عليها الشيخان.
لأنّ الصحيحة الأولى لمحمّد بن مسلم مضافا إلى إمكان حملها على الكراهة و إن بعد يمكن أن تكون واردة في مقام الإرشاد، فإنه من الممكن أن يكون المراد من «القوم» المذكور فيها هو العامّة، و حيث إنّ الاقتداء معهم في الركوع موجب لفوات القراءة مع أنّ القراءة عند الاقتداء بالعامّة تجب أو تستحبّ سرّا، فإنّ الإمام عليه السّلام في مقام الإرشاد إلى أنّه يقتضي أن يكون المقتدي يلتحق بإمامهم قبل الركوع حتّى لا يفوت منه القراءة.
و الصحيحة الثانية له لا مفهوم لها بعد ظهور مستند المشهور في إدراك الركعة قبل رفع رأس الإمام من الركوع، فيكون المتحصّل من مستند المشهور و من الصحيحة هو أنّه تدرك الركعة بأحد الأمرين، كما هو طريق الجمع في كلّ ما تعارض شرطيّتان فيكون إدراك الركعة بإدراك التكبيرة أو بإدراك الركوع فتأمّل.
و الصحيحة الثالثة له فهي و إن كانت أقوى دلالة من سائر ما رواه محمّد بن مسلم ممّا كان مستند الشيخين لأنّ قوله عليه السّلام: «لا تعتدّ بالركعة .. إلخ» ظاهر في عدم إدراك الركعة ما لم يدرك تكبيرة الركوع إلّا أنّه يمكن أن يكون المراد من لا تعتدّ عدم الدخول، فيكون مفادها مفاد الصحيحة الرابعة له و حينئذ يمكن أن يكون النهي عن الدخول للإرشاد إلى أنّه لعلّه لو لم يدرك التكبيرة تفوته الركعة من أجل رفع رأس الإمام عن الركوع قبل أن يلتحق به المأموم، فإنّ الإمام لو كان راكعا و أراد المأموم الالتحاق به كان المأموم في مظنّة عدم اللحوق بالإمام، بخلاف ما لم يكن الإمام راكعا بعد فإنّه لو التحق به أدرك الركوع معه قطعا.
و أمّا رواية يونس فهي واردة فيمن خاف عن اللحوق بالإمام في الركوع فإنّ
قوله عليه السّلام «إذا دخلت من باب المسجد فكبّرت ثمّ مشيت» ظاهر في أنّ المشي بعد التكبير للّحوق بالصفّ، فيكون مفاد قوله عليه السّلام «إذا أدركته و هو راكع .. إلخ» أنّه لو لم تكبّر في باب المسجد لم تدرك التكبير حال ركوعه فلم تكن معه في الركوع، و هذا لا يدل على عدم درك الركعة إذا كبّر المأموم و أدرك الإمام راكعا.
و أمّا رواية الحلبي فيمكن أن يكون المراد من قوله «قبل أن يركع» قبل تحقّق الركوع منه فيكون المضارع بمعنى الماضي، و هذا و إن كان خلاف ظاهر المضارع إلّا أنّه ليس بحيث لا يمكن الحمل على ذلك في مقام الجمع بين الأخبار خصوصا بعد قوله عليه السّلام «و إن أدركته بعد ما ركع» الظاهر في إدراكه بعد تحقّق الركوع منه و انقضائه، فيكون حاصل مفاد الرواية أنّه إذا أدركت الإمام قبل تحقّق الركوع منه و انقضائه فقد أدركت الصلاة، و إن أدركته بعد انقضاء الركوع عنه فقد فاتتك الجمعة و يجب عليك صلاة الظهر. و الإنصاف أنّ هذا الحمل ليس خارجا عن قانون المحاورة بحيث يكون من المستهجن.
فتحصّل: أنّ مستند الشيخين ليس على وجه لا يقبل الحمل على الخلاف، بخلاف مستند المشهور فإنّ الأخبار التي اعتمد عليها المشهور كادت أن تكون صريحة في مدّعاهم و لا تقبل الحمل على الخلاف.
و أمّا مستند العلّامة في التذكرة فقد عرفت أنّه خبر الاحتجاج، و هو و إن كان مرسلا إلّا أنّه لمّا كان في الاحتجاج فهو بمنزلة المسند، لأنّ الاحتجاج أسقط الأسانيد، و لكن لا يقاوم مستند المشهور فإنّ النسبة بين هذا الخبر و بين مستند المشهور و إن كان العموم المطلق و كان هذا الخبر أخصّ مطلقا من تلك الأخبار إلّا أنّه لمّا كانت تلك الأخبار في مقام التحديد و لا يعامل مع التحديدات الشرعيّة معاملة الإطلاق و التقييد، بل لا بدّ من أن تكون القضية الشرطية في خبر
الاحتجاج مسوقة لفرض وجود الموضوع و ليست ذات مفهوم، إذ لو أخذ بمفهومها يلزم طرح تلك الأخبار الواردة في مقام التحديد على كثرتها و عمل المشهور بها، و لا ينافي دعوى عمل المشهور بتلك الأخبار مع ما يظهر من صدر خبر الاحتجاج من أنّ اعتبار درك المأموم تكبيرة الركوع كان معروفا عند الأصحاب في الصدر الأول لأنّ معروفية ذلك لا يلازم كون عملهم كان على طبق ذلك بل لعلّه كان مجرّد الشهرة الروائية، فتأمّل جيّدا. فإنّ شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- و إن كان ردّ خبر الاحتجاج بما ذكرنا إلّا [أنه] لا يخلو عن إشكال. فإنّ صناعة الإطلاق و التقييد محفوظة في المقام فالأولى ردّ خبر الاحتجاج بعدم عمل المشهور به.
ثمّ إنّه بعد ما عرفت من أنّ العبرة في إدراك المأموم الركعة إدراكه لركوع الإمام فلا بدّ من أن يلحق المأموم بالإمام قبل رفع الإمام رأسه من الركوع، فلا يكفي مطلق اجتماع الإمام و المأموم و لو في حدّ الركوع الشرعي بأن اجتمعا في حال هويّ المأموم و نهوض الإمام قبل خروج الإمام قبل خروج الإمام عن حدّ الركوع الشرعي، لأنّ ظاهر الأخبار هو اعتبار تحقّق الركوع من المأموم قبل رفع رأس الإمام و ما دام المأموم هاويا لا يصدق عليه تحقّق الركوع و لو وصل إلى حدّ الركوع الشرعي، لأنّ المنصرف إليه من قوله «ركع» هو تحقّق الركوع الذي يقف و يستقرّ عليه بحيث يكون وقوف المأموم راكعا قبل رفع رأس الإمام.
ثمّ إنّه بعد ما عرفت من أنّ إدراك الركعة إنّما يكون بإدراك الركوع فهل يكون إدراك الركوع شرطا في إدراك الركعة بحيث لو لم يدرك ركوع الركعة لم يكن مدركا للركعة أصلا؟ أو أنّ إدراك الركوع يكون آخر ما يدرك به الركعة فلو كان مدركا للجماعة قبل ذلك في حال القراءة فقد أدرك الركعة و لو لم يدرك الركوع مع الإمام لمانع من ازدحام أو غيره؟ و على كلا التقديرين فهل هذا الحكم مقصور بالركعة الاولى في ابتداء الجماعة بحيث لو أدرك ركوع الركعة الأولى أو
قبل الركوع منها فقد أدرك جميع ركعات الصلاة و لو لم يجتمع مع الإمام في شيء من الركعات اللاحقة، فلو نوى الجماعة في أول الركعة الاولى و اجتمع مع الإمام في حال قراءتها أو ركوعها ثمّ منعه الزحام عن الاجتماع مع الإمام إلى آخر الصلاة، فهو يبقى على جماعته و يركع و يسجد وحده إلى آخر الصلاة و يترتّب عليه أحكام الجماعة؟ أو أنّه يعمّ جميع الركعات بحيث إنّه في كلّ ركعة يعتبر أنّ يجتمع المأموم مع الإمام إمّا في حال الركوع و إمّا قبل ذلك، فلو لم يدرك من الركعة الثانية شيئا لزحام و نحوه بقي على حاله إلى أن يتمّم الإمام الركعة الثانية فيقوم معه في الثالثة و تكون بالنسبة إلى المأموم ثانية، و ليس له أن يأتي بأفعال الركعة الثانية وحده و يلتحق بالإمام في الركعة الثالثة إلّا إذا نوى الانفراد و أبطل جماعته؟
حكي عن بعض أنّ إدراك الركوع شرط في إدراك الركعة و لا عبرة بإدراكه قبل الركوع مع عدم إدراكه الركوع و لكن خصّ ذلك بالركعة الاولى، و أمّا باقي الركعات فلم يعتبر إدراكها مطلقا.
و حكي عن آخر أنّ إدراك الركوع ليس شرطا في إدراك الركعة بل آخر ما يدرك به الركعة هو الركوع، و يكفي في إدراك الركعة إدراكه قبل الركوع و لو لم يدرك الركوع، و لكن خصّ ذلك أيضا بالركعة الاولى و لم يعتبر في سائر الركعات إدراك شيء أصلا، و هو الذي يظهر من العروة (1)و النجاة.
و حكي عن المشهور أنّ آخر ما يدرك به الركعة هو الركوع لا أنّ إدراك الركوع شرط، و لكن يعتبر ذلك في جميع الركعات و لا يختصّ بالركعة الاولى، و هو الذي اختاره شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه.
1) العروة الوثقى: فصل في الجماعة- مسألة 24.
و يدلّ على أنّ إدراك الركوع ليس شرطا في إدراك الركعة بل آخر ما يدرك به الركعة عدّة روايات.
منها: ما رواه عبد الرحمن بن الحجّاج عن أبي الحسن عليه السّلام «في رجل صلّى في جماعة يوم الجمعة فلمّا ركع الإمام ألجأه الناس إلى جدار أو أسطوانة فلم يقدر على أن يركع ثمّ يقوم في الصفّ و لا يسجد حتّى رفع القوم رءوسهم أ يركع ثمّ يسجد و يلحق بالصفّ و قد قام القوم أم كيف يصنع؟ فقال: يركع و يسجد لا بأس بذلك» (1).
و منها: ما رواه أيضا عبد الرحمن بن الحجّاج قال: «سألت أبا عبد اللّٰه عليه السّلام عن الرجل يكون في المسجد إمّا في يوم الجمعة و إمّا في غير ذلك من الأيام فيزحمه الناس إمّا إلى حائط و إمّا إلى أسطوانة فلا يقدر على أن يركع و لا يسجد حتّى رفع الناس رءوسهم فهل يجوز له أن يركع و يسجد وحده ثمّ يستوي مع الناس في الصّف؟ فقال: «نعم لا بأس بذلك» (2).
و منها: ما رواه عبد الرحمن عن أبي الحسن عليه السّلام قال: «سألته عن الرجل يصلّي مع إمام يقتدي به فركع الإمام و سها الرجل و هو خلفه لم يركع حتّى رفع الإمام رأسه و انحطّ للسجود أ يركع ثمّ يلحق بالإمام و القوم في سجودهم؟ أو كيف يصنع؟ قال عليه السّلام يركع ثمّ ينحطّ و يتمّ صلاته معهم و لا شيء عليه» (3).
و هذه الروايات واضحة الدلالة على أنّه لا يعتبر إدراك الركوع في إدراك الركعة بل يكفي إدراك ما قبل الركوع، و إطلاق الرواية الأخيرة يقتضي عدم
الفرق بين الركعة الاولى و سائر الركعات في كفاية إدراك ما قبل الركوع، فما أفاده في النجاة من اعتبار إدراك الركوع ضعيف غايته.
و أمّا ما أفاده في العروة من أنّ اعتبار ذلك إنّما يكون في الركعة الأولى فقط و لا يعتبر إدراك شيء من الركعة في سائر الركعات ففيه: أنّه و إن لم يقم دليل على اعتبار إدراك شيء من الركعة في جميع الركعات إلّا أنّه لم يقم دليل أيضا على كفاية إدراك الركعة الأولى في إدراك سائر الركعات، بل إطلاق ما تقدّم من الأخبار على اعتبار إدراك الركوع في إدراك الركعة يقتضي اعتبار ذلك في كلّ ركعة، إذ الحكم في إدراك جنس الركعة قد علّق على إدراك الركوع و إن كان مورد تلك الأخبار هو الركعة الاولى في اتباع الصلاة إلّا أنّ الخصوصية الموردية ممّا لا دخل لها، مضافا إلى أنّ مناسبة الحكم و الموضوع يقتضي ذلك أيضا إذ مقتضى المناسبة الحكمية هو اعتبار إدراك المأموم شيء من ركعة الإمام. و على كلّ حال يكفي عدم قيام الدليل على كفاية إدراك الركعة الاولى في اعتبار ذلك في كلّ ركعة، فتأمّل جيّدا.
، و كان ركوع المأموم مساوقا لرفع رأس الإمام فقد قيل: بالبطلان كما في النجاة (1). و العروة (2)، لأنّ ركوعه ذلك لا يحتسب ركوعه الصلاتي فيلزم زيادة الركن، حيث إنّه لا بدّ له من أن يقوم عن ركوع ذلك سواء أراد الانفراد أو أراد الجماعة، لأنّه إن أراد الانفراد فلا بدّ له من أن يقوم للقراءة و إن أراد الجماعة فأيضا لا بدّ له من القيام ليركع مع ركوع الإمام في الركعة اللاحقة، فيلزم زيادة الركوع على كلّ حال، و هو موجب للبطلان. هذا و لكن للمنع عن اقتضاء زيادة مثل هذا الركوع للبطلان مجال، حيث إنّه ليس في
شيء من أخبار الباب إشعار بالبطلان بل الذي فيها هو أنّه قد فاتته الركعة.
نعم في بعض الأخبار التي اعتبرت إدراك تكبيرة الركوع ورد أنّه فاتته الصلاة، و لكن قد عرفت حال تلك الأخبار و عدم العمل بها، و الأخبار التي اعتبرت إدراك الركوع مفادها أنّه لو لم يدرك الركوع فقد فاتته الركعة و ليس فيها إشعار بالبطلان.
بل يمكن أن يستدلّ للصحّة بما دلّ على أنّه لو ركع المأموم قبل ركوع الإمام غفلة قام و ركع مع الإمام ثانيا، أو رفع رأسه من الركوع قبل رفع رأس الإمام غفلة عاد إلى الركوع ثانيا و صحّت صلاته. و لو لم يدرك ركوع الإمام عند عوده إلى الركوع بأنّ كان ركوعه ثانيا مساوقا لرفع الإمام رأسه (1).
و ما دلّ على أنّه لو منعه الزحام عن السجود مع الإمام في الركعة الاولى من صلاة الجمعة و بقي إلى أن سجد الإمام للركعة الثانية نوى بسجوده مع الإمام الركعة الأولى (2). فتكون ركعة المأموم ملفّقة من ركوع الركعة الأولى للإمام و السجود للثانية فلو نوى بالسجدتين الركعة الثانية أعاد السجدتين بقصد الركعة الاولى، مع أنّه يلزم زيادة السجدتين.
و المسألة و إن كانت خلافية و قد قيل بالبطلان فيها إلّا أنّه قيل بالصحّة أيضا، و ليس في الأخبار إلّا أنّه لا تحسب السجدتان له. و الغرض من ذلك الاستئناس إلى أنّه زيادة الأركان في باب الجماعة ليس موجبا للبطلان فليكن المقام كذلك.
و بالجملة: دعوى الصحّة في المقام ليست بعيدة، و الأحوط أن يقوم عن ركوعه
و ينوي الانفراد و النافلة و يبطلها لإدراك الجماعة في الركعة اللاحقة.
فهل يبقى واقفا إلى أن يقوم الإمام للركعة اللاحقة لو كانت و لم تكن الركعة الأخيرة أو أنّه يتابع الإمام في السجود غايته أنّه لا يعتني بتلك الركعة و لا يضرّه زيادة السجود- و كذا الكلام في المسألة السابقة بناء على ما قوّيناه من الصحّة- أو أنّه يتابعه في السجود و يسلّم مع الإمام إن كانت الركعة الأخيرة و يستأنف صلاته؟ وجوه بل أقوال:
قوله: بأنّه يتبعه في السجود وجوبا أو استحبابا و لا يعتني بتلك الركعة بل يقوم بعد تسليم الإمام إن كان في الركعة الأخيرة و يقرأ بلا حاجة إلى استئناف صلاته، و لا يخرج عن الصلاة بتسليم الإمام قهرا.
و قول: أنّه يتابعه في السجود و يستأنف صلاته و هو المنسوب إلى المشهور.
و قول: أنّه لا يتابعه في السجود بل يبقى المأموم واقفا إلى أن يسلّم الإمام أو يدخل معه في التشهّد بعد سجود الإمام ثمّ يقوم و يصلّي بلا حاجة إلى استئناف الصلاة.
و الأقوى من هذه الأقوال هو القول الأول لأنّ الأخبار المستدل بها للمقام كرواية معلّى بن خنيس و رواية معاوية بن شريح و رواية أبي هريرة (1)ليس في شيء منها دلالة على استئناف الصلاة بل هي دالّة على عدم الاعتداد بتلك الركعة أو بتلك السجدة.
و دعوى رجوع ضمير «لا تعتدّ بها» الواقع في تلك الأخبار إلى الصلاة حتّى يدلّ على استئناف الصلاة. بعيدة غايته. بل الظاهر رجوع الضمير إلى الركعة أو السجدة. فالأخبار تدلّ على عدم استئناف الصلاة و لو من جهة السكوت في مقام
1) الوسائل: ج 5 ص 449 باب 49 من أبواب صلاة الجماعة، ح 2، 6، 7.
البيان بل ظاهر تلك الأخبار هو وجوب المتابعة إلّا أن يجمع بين هذه الأخبار و بين ما دلّ على أنّ المأموم لا يتابع الإمام في السجود بل يثبت مكانه بعد الاقتداء بحمل الأمر في تلك الأخبار على رجحان المتابعة.
و لكن مع ذلك كلّه الأحوط أن لا يدخل في الصلاة و الحال هذه لأنّ مقتضى الأدلّة و إن كان ما ذكرنا من جواز الدخول في الصلاة و وجوب المتابعة أو رجحانها و عدم استئناف الصلاة إلّا أنّ المشهور ذهبوا إلى الاستئناف، و لم يظهر لنا مستندهم، فالأحوط ترك الدخول في الصلاة رأسا.
بل لو علم عدم إدراكه ركوع الإمام كان له ذلك و إنّما الإشكال في أنّ له الركوع و الحال هذه- أي كونه شاكّا في إدراكه لركوع الإمام- أو أن ليس له الركوع؟
فربّما يقال: بأنّ له الركوع من جهة استصحاب عدم رفع الإمام رأسه عن الركوع إلى أن يركع المأموم. و لا يخفى عليك ما فيه فإنّه:
أولا: مبنيّ على جريان الاستصحاب في المستقبل و فيه كلام و إن كان الأقوى عندنا جريانه فيه.
و ثانيا: أنّ جريان الاستصحاب مبنيّ على أن يكون الموضوع هو اجتماع المأموم و الإمام في الركوع من دون اعتبار كون ركوع المأموم قبل رفع الإمام رأسه بأن يكون العنوان القبلية دخل في الحكم بالصحّة، و سيأتي الكلام في ذلك مفصّلا إن شاء اللّٰه في المسألة الآتية.
و ثالثا: أنّ الاستصحاب لا يوجب الوثوق و الاطمئنان المعتبر في العبادة بأجزائها فإنّ الاستصحاب لا يزيل الشكّ الوجداني و لا يوجب الوثوق، و ليس الإحراز في مثل المقام أخذ على نحو الطريقية حتّى يقوم الاستصحاب مقامه بل
للإحراز دخل موضوعا ليتحقّق الوثوق و الاطمئنان فتأمّل فإنّ في النفس بعد من ذلك شيء.
ثمّ إنّ شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- لم يفرّق في هذه المسألة بين ما إذا قلنا ببطلان صلاة من ركع و لم يدرك ركوع الإمام و بين ما إذا قلنا بالصحّة على ما تقدّم في المسألة الرابعة و التزم- مدّ ظلّه- بأنّه ليس له الركوع مع الشكّ في إدراك الإمام مطلقا قلنا بالصحّة أو الفساد. و لكنّ الذي يختلج في البال هو أنّه بناء على الصحّة ينبغي القطع بجواز الركوع و الحال هذه و هو الذي يظهر من الشيخ- قدّس سرّه- في صلاته (1).
فقد يقال: إنّ المسألة تبتني على مسألة تأخّر الحادثين و تعارض الأصلين من الجانبين إن لم يكن أحدهما معلوم التاريخ و إلّا فالأصل يجري في طرف مجهول التاريخ و يعمل على مقتضاه كما في مسألة إسلام الوارث و موت المورّث، فيقال في المقام: إنّه (تارة) يعلم المأموم تاريخ ركوع نفسه كما إذا علم مثلا أنّه عند قدوم زيد كان هو راكعا و يشكّ في رفع رأس الإمام في ذلك الحال، و (اخرى) يعلم بتاريخ رفع رأس الإمام كما إذا علم أنّه عند قدوم الإمام قد رفع رأسه عن الركوع و يشكّ في وصوله إلى حدّ الراكع قبل ذلك الحال. و (ثالثة) لا يعلم لا بتاريخ ركوعه و لا بتاريخ رفع رأس الإمام بل مجرّد أنّه يرى نفسه راكعا و الإمام رافعا رأسه.
فإن علم بتاريخ ركوعه و شكّ في رفع رأس الإمام في ذلك التاريخ فيستصحب بقاء الإمام راكعا و عدم رفع رأسه عنه إلى زمان ركوعه، فيتحصّل من
1) كتاب الصلاة: ص 282.
ضمّ الوجدان بالأصل اجتماع الإمام و المأموم في الركوع و هو مقتض للصحّة.
و إن علم بتاريخ رفع الإمام رأسه عن الركوع و شكّ في وصوله إلى حدّ الراكع قبل ذلك فيستصحب عدم وصوله إلى حدّ الركوع إلى زمان رفع الإمام رأسه و يتحصّل من ضمّ الوجدان بالأصل عدم اجتماع الإمام و المأموم في الركوع و هو مقتض للبطلان.
و لو جهل تاريخ كلّ منهما فالأصول تكون متعارضة من الطرفين و تتساقط و يبقى الشكّ على حاله.
و بذلك أيضا يعلم حال المسألة السابقة و هي ما لو كان شكّه قبل الدخول في الركوع فإنّه (تارة) يعلم تاريخ وصوله إلى الركوع و أنّه متى يصلّ و يشكّ في تاريخ رفع الإمام رأسه و أنّه متى يرفعه و (اخرى) ينعكس الأمر. و (ثالثة) يشكّ في كلّ منهما و تجري الأصول على حسب ما تقدّم، هذا.
و لكنّ الأقوى أنّ المسألة ليست من مسألة تأخّر الحادثين و لا تكون من صغريات ما يحرز بعض الموضوع بالوجدان و بعضه بالأصل، و كذا المسألة التي قبلها.
و ذلك لأنّ ضابط ما يحرز بعضه بالأصل و بعضه بالوجدان هو أن يكون الموضوع مركّبا من جوهرين أو عرضين لمحلّين أو جوهر و عرض قائم بغير ذلك الجوهر بحيث لا يكون بين جزئي الموضوع رابطة سوى اجتماعهما في الزمان، و يكون نفس اجتماعهما في الزمان تمام الموضوع للحكم، فإنّ في مثل هذا يصحّ إحراز أحد الجزءين بالوجدان و الآخر بالأصل، و يتحصّل من ضمّ الوجدان بالأصل اجتماعهما في الزمان.
و أمّا لو كان الموضوع للحكم هو العنوان البسيط المتولّد من اجتماع الشيئين في الزمان و لو كان ذلك العنوان هو عنوان الحال بحيث يكون الموضوع هو وجود
أحدهما في حال وجود الآخر على وجه يكون للحالية دخل في الحكم أو كان الموضوع هو عنوان قبلية أحدهما الآخر أو بعديته أو غير ذلك من العناوين و الإضافات الوجودية المتولّدة من وجود الشيئين في زمانهما، ففي مثل هذا ضمّ الوجدان بالأصل لا ينفع، لأنّ الأصل لا يثبت تلك الإضافة و ذلك العنوان الوجودي المتولّد إلّا على القول بالأصل المثبت، و لمّا كان الحكم بإدراك الركعة في أدلّة الباب معلّقا على ركوع المأموم قبل رفع رأس الإمام فمقتضى ظاهر الأدلّة هو أنّ لعنوان القبلية دخلا في الحكم بإدراك الركعة، و أصالة عدم رفع رأس الإمام إلى زمان ركوع المأموم لا يثبت عنوان القبلية.
و دعوى أنّ المراد من القبلية هو مجرّد الاجتماع في الركوع من دون أن يكون لعنوان القبلية دخل ممّا لا شاهد لها، فإنّه تصرّف في ظاهر الأدلّة بلا شاهد بل مقتضى الجمود هو أنّ لعنوان القبلية دخلا، فتأمّل في أطراف ما ذكرناه جيّدا.
هذا تمام الكلام فيما تنعقد به الجماعة و ما يدرك به الركعة.
و الأصل في ذلك مضافا إلى الإجماعات المحكية صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام في حديث قال: «إن صلّى قوم بينهم و بين الإمام سترة أو جدار فليس تلك لهم بصلاة إلّا من كان حيال الباب، قال: و قال: هذه المقاصير إنّما أحدثها الجبارون و ليس لمن صلّى خلفها مقتديا بصلاة من فيها صلاة» (1).
1) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 386، ح 1144 ط جماعة المدرّسين، باختلاف يسير.
و المقاصير جمع مقصورة و الظاهر أن يكون المراد من المقصورة ما كان من قبيل البيت الذي يكون في طرف المسجد و له باب من الخارج بحيث كان الإمام يدخل ذلك البيت من الباب الخارج و الناس يقتدون به من وراء البيت. و على كلّ حال تنقيح
، فمثل الشبابيك التي تكون منافذها واسعة بحيث لا تمنع عن المشاهدة لا تدخل تحت عنوان السترة، نعم إذا كانت منافذها ضيّقة يصدق عليها عنوان السترة و إن فرض إمكان مشاهدة من وراءها بعد إمعان النظر.
كما إذا كان ساترا في حال الجلوس دون حال القيام، نعم ما كان حائلا في حال السجود فقط لقصر قامة الساتر كعتبة الباب مثلا لا يصدق عليه عنوان الساتر، هذا. و لكن يمكن أن يقال: إنّه ما كان حائلا في بعض الأحوال كحال الجلوس فقط و إن كان يصدق عليه عنوان السترة إلّا أنّه لم يظهر من الرواية كون كلّ سترة مانعة بل المتيقّن من السترة المانعة هي ما كانت حائلة في جميع الأحوال بحيث تكون بقدر القامة و ما يقرب من ذلك، و لكنّ الأحوط هو ما ذكرناه أولا.
فقد يقال: إنّه لا مانع عنه لعدم صدق السترة عليه، و ربّما يبتني على كون الإبصار بخروج الشعاع أو الانطباع، و لكنّ الابتناء على ذلك ضعيف غايته لعدم ابتناء الأحكام الشرعية على الأمور الحكمية العقلية.
و التحقيق في المقام هو أن يقال: إنّ مناط المنع إن كان هو السترة و الحجب و عدم المشاهدة فهو غير متحقّق لعدم كون الزجاج كذلك، و إن كان المناط هو تعدّد مجلس الإمام و المأموم و عدم صدق الجماعة مع وجود الحائل كما لا يبعد أن
يكون هو المناط في اعتبار عدم البعد بينهما بما لا يتخطّى كما سيأتي فذلك في الزجاج متحقّق لصدق تعدّد المجلس، و قد توقّف شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- في ذلك.
، نعم يعتبر أن لا يعلم بفساد صلاة المأموم الحائل لأنّه يكون من حيلولة الأجنبي، و لو شكّ في الفساد بنى على الصحّة و لو تبيّن الفساد بعد الصلاة إذ الفساد الواقعي لا أثر له في باب الجماعة، كما لو تبيّن فساد صلاة الإمام فإنّه لا يوجب بطلان الجماعة، ففساد صلاة المأموم لا يوجب البطلان بطريق أولى، هذا. و لكنّ ظاهر الجواهر في المقام هو دوران صحّة الجماعة مدار صحّة صلاة المأموم الحائل واقعا (1).
، فلو تجدّد الحائل في الأثناء بطلت الجماعة و ينفرد المأموم قهرا و بطلان الجماعة لا يوجب بطلان صلاة المأموم. و لو عدم الحائل بعد وجوده في الأثناء ففي جواز رجوع المأموم إلى نية الاقتداء وجه، مبنيّ على جواز نية الجماعة في أثناء صلاة المنفرد. و سيأتي البحث عن ذلك في محلّه إن شاء اللّٰه.
فلو اتّصلت المارّة بعضها ببعض من أول الصلاة إلى آخرها بحيث لم يشاهد المأموم إمامه في جميع أفعال الصلاة أو معظمها فهو في حكم الحائل المستقرّ و تبطل الجماعة بذلك، و أمّا إذا لم تتّصل المارّة على هذا الوجه فلا بأس لعدم صدق الحائل على مثل ذلك.
1) جواهر الكلام: ج 13 ص 159.
و المأموم و بالنسبة إلى المأمومين بعضهم مع بعض إذا لم يكن في البين ساتر و حائل أصلا بل يكفي المشاهدة اليمينية و الشمالية كالمأمومين الواقفين في جناحي الإمام، و كبعض الصفّ اللاحق إذا كان أطول من الصفّ السابق حيث إنّه لم يكن أمامه من يشاهده بل يشاهد من على يمينه أو يساره. و هذا كلّه ممّا لا ينبغي التكلّم و الإشكال فيه. و إنّما الإشكال في كفاية المشاهدة اليمينية و الشمالية إذا كان هناك حائل و ساتر يمنع عن المشاهدة القدّامية كالواقف عقيب أسطوانة المسجد المتّصل بمن يشاهد الإمام و كجناحي الواقف بحذاء باب المسجد حيث إنّ الجناحين يشاهد الواقف بحذاء الباب يمنة و يسرة من دون أن يكون أمامه من يشاهده من الإمام أو المأمومين لمنع حائط المسجد عن ذلك.
و قد اضطربت كلمات الأعلام في ذلك بحيث لا يحصّل المراد منها إلّا بعد التأمّل و التعمّق فظاهر بعض الكلمات كفاية المشاهدة اليمينية و الشمالية فيما فرضناه، و ظاهر بعض آخر عدم الكفاية و قصر الصحّة بمن كان بخصوص حيال الباب المشاهد امامه من الإمام أو المأمومين و بطلان صلاة من كان واقفا عن يمينه و يساره الذي لم يكن أمامه من يعتبر مشاهدته، و منشأ الخلاف هو الاختلاف في فهم قوله عليه السّلام: «إلّا من كان بحيال الباب» المذكور في الرواية المتقدّمة و أنّ هذا الاستثناء مقصور بخصوص من كان بحيال الباب و لا يعمّ طرفيه و كان استثناء عن حكم المقاصير المذكور في ذيل الرواية، و أنّ الحيال هو خصوص الجهة القدّامية بحيث لا يقال لمن يكون واقفا في يمين الشخص أو يساره: إنّه بحياله، أو أنّ هذا الاستثناء ليس مقصورا بخصوص من كان بحيال الباب بل يعمّ طرفيه و أنّه استثناء عن الجملة السابقة و أنّ الحيال أعم من الجهة القدّامية و اليمينية و الشمالية.
و الظاهر أنّه لا ينبغي التأمّل في أنّه لا يستفاد من الرواية اعتبار خصوص
المشاهدة القدّامية بل يكفي المشاهدة يمنة و يسرة، و أنّ الحيال ليس معناه خصوص الجهة القدّامية بل يعمّ الجهة اليمينية و الشمالية و ذلك لأنّ لكثرة استعمال الحيال في جهة اليمين و اليسار في الأخبار و في لسان العرف كما ورد في باب تكبيرة الإحرام من رفع اليد بحيال الوجه، و كذلك في السجود من وضع اليد بحيال الوجه و غير ذلك من موارد استعمال الحيال في جهة اليمين و الشمال، و قوله عليه السّلام في الرواية «إلّا من كان بحيال الباب» استثناء عن الجملة المتقدّمة و هي قوله عليه السّلام «إن صلّى قوم بينهم و بين الإمام سترة أو جدار فليس تلك لهم بصلاة إلّا من كان بحيال الباب» (1)فيصير المعنى أنّه لا بأس بالسترة و الجدار بالنسبة إلى من كان بحيال الباب أي جناحي الباب بعد ما كان مشاهدا لمن يشاهد المأموم المتقدّم أو الإمام و لا داعي إلى جعله استثناء عن حكم المقاصير المتأخّرة، مع أنّ الذي يحكي عن التواريخ أنّ المقاصير لم تكن لها باب من داخل المسجد بل لها باب أو أبواب متعدّدة من خارج المسجد، و كانت المقصورة من قبيل البيت في المسجد لها باب من خارج المسجد يدخل الإمام منه و يقف المأمومون خلف البيت داخل المسجد، و لم يكن للمقصورة باب من داخل المسجد لأنّ المقصورة إنّما أحدثها معاوية لعنه اللّٰه بعد شهادة أمير المؤمنين عليه السّلام مخافة أن يقتل في حال صلاته كما قتل أمير المؤمنين عليه السّلام فأحدث المقصورة ليقف هو داخل المقصورة و المأمومون خلفها ليأمن عن القتل، و هذا الفرض ينافي ثبوت باب للمقصورة من داخل المسجد مع أنّه لو فرض أنّ للمقصورة بابا عن داخل المسجد و كان قوله عليه السّلام «إلّا من كان بحيال الباب» استثناء عن حكم المقاصير لم يكن ذلك منافيا لما ذكرناه من كفاية المشاهدة اليمينية
1) ثم من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 386، ح 1144 ط جماعة المدرّسين.
و الشمالية بعد ما كان الحيال أعم من الجهة اليمينية و الشمالية، فالعمدة إثبات هذا المعنى، و قد عرفت موارد استعمال الحيال في جهة اليمين و الشمال.
و دعوى أنّ المراد من الموصول في قوله «إلّا من كان بحيال الباب» خصوص الشخص الذي يكون بحيال الباب لا الصفّ الذي يكون بحيال الباب فاسدة، إذ لا مانع من إرادة الصفّ من الموصول.
و الذي يؤيّد ما ذكرناه من كفاية المشاهدة اليمينية و الشمالية بل يدلّ عليه الجملة المذكورة في صدر الرواية و هي قوله عليه السّلام «إن صلّى قوم و بينهم و بين الإمام ما لا يتخطّى فليس ذلك الإمام لهم بإمام و أيّ صفّ كان أهله يصلّون بصلاة إمام و بينهم و بين الصفّ الذي يتقدّمهم قدر ما لا يتخطّى فليس تلك لهم بصلاة» (1)فإنّه يستفاد من هذه الجملة أمور ثلاثة: (الأول) أن لا يكون بين مجموع المأمومين و بين الإمام قدر ما لا يتخطّى. (الثاني) أن لا يكون بين الصفّ المتقدّم و الصفّ المتأخّر قدر ما لا يتخطّى و هذان الأمران دلّت عليهما الجملة بالمطابقة. (الثالث) أن لا يكون بين أجزاء الصفّ الواحد قدر ما لا يتخطّى. و هذا الأمر دلّت عليه الجملة بالملازمة إذ من البعيد عدم تعرّض حكم أجزاء الصفّ الواحد مع تعرّضه لحكم الصفوف مع الإمام و الصفوف بعضها مع بعض، فلا بدّ من أن يكون السكوت عن ذلك لأجل دلالة الجملة عليه بالملازمة، فيعتبر حينئذ في الصفّ الذي يكون أطول من الصفّ السابق أن لا يكون في جناحي الصفّ قدر ما لا يتخطّى بالنسبة إلى أجزاء صفّة و إن كان بين الجناحين و بين الصفّ المتقدّم قدر ما لا يتخطّى أو أكثر.
و في قوله عليه السّلام بعد ذلك «فإن كان بينهم سترة أو جدار .. إلخ» أجمل
1) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 386، ح 1144 ط جماعة المدرّسين.
حكم الأقسام الثلاثة، و كأنّه اعتمد عليها بالجملة السابقة و استفادة حكم الأقسام الثلاثة في الساتر من حكم الأقسام الثلاثة في البعد، فيعتبر في الساتر أن لا يكون بين مجموع المأمومين و الإمام ساتر و أن لا يكون بين الصفّ المتقدّم و الصفّ اللاحق ساتر و أن لا يكون بين أجزاء الصفّ الواحد ساتر، فكما لا يضرّ البعد بين جناحي الصفّ اللاحق مع الصفّ السابق إذا اتّصلت أجزاء الصفّ اللاحق كذلك لا يضرّ الستر بين جناحي الصفّ اللاحق مع الصفّ السابق إذا لم يكن بين أجزاء الصفّ اللاحق ستر. و لازم ذلك هو صحّة صلاة الصفّ الواقع بحيال الباب و إن لم يشاهد من قدّامه، فيستفاد كفاية المشاهدة اليمينية و الشمالية من الجملة السابقة. هذا كلّه مضافا إلى ما ورد من صحّة الصلاة خلف الأسطوانة، فلا ينبغي الإشكال بعد ذلك في كفاية المشاهدة اليمينية و الشمالية، فتأمّل جيّدا.
ممّن يعتبر اتّصاله به كما إذا كان هناك جدار كما إذا فصل بين هذا المأموم و سائر المأمومين جدار، و كان هذا المأموم يشاهد الإمام عن بعد و لم يشاهد المأمومين الغير البعيدين عنه بما لا يتخطّى، فهل تصحّ صلاة مثل هذا المأموم باعتبار مشاهدته للإمام و عدم بعده عن المأمومين بالمقدار المضرّ أو لا تصحّ باعتبار وجود الحائل بين من يعتبر اتّصاله؟
الظاهر هو الثاني لأنّ المشاهدة لم تؤخذ في لسان الدليل بل العبرة بعدم الساتر، و قد عرفت أنّه كما يعتبر عدم البعد بين أجزاء الصفّ الواحد كذلك يعتبر عدم الساتر بين أجزاء الصفّ الواحد حسب ما ذكرناه في آخر المسألة السابقة فتأمّل.
ربّما يقال بعدم الجدوى من جهة اعتبار قضية الحال في مسألة ما لا يتخطّى، حيث إنّ الظاهر من قوله عليه السّلام «إن صلّى قوم و بينهم و بين الإمام ..
إلخ» هو قضية الحال لمكان .. (1)و عطف عدم الساتر عليه و مقتضاه اعتبار قضية الحال فيه أيضا و أصالة عدم الساتر لا تثبت وقوع الصلاة حال عدم الساتر، فإنّ أصالة عدم الساتر إنّما يكون بمفاد ليس التامّة و الذي يترتّب عليه الأثر مفاد ليس الناقصة و في كلّ مقام كان كذلك لا يجدي فيه العدم الأزلي كما حقّقناه في محلّه، هذا. و لكن يمكن أن يقال: إنّ أخذ قضية الحال في مسألة ما لا يتخطّى لا يلازم أخذها في مسألة الساتر، و مجرّد عطف أحد الجملتين على الأخرى لا يقتضي ذلك بل يمكن منع أخذ قضية الحال حتّى في مسألة ما لا يتخطّى، لأنّه لو لم يعتبر قضية الحال فيها لكان التعبير عن اعتبار عدم البعد بمفاد ليس التامّة كذلك أي كما وقع في الرواية، فالتعبير بواو الحالية يمكن أن يكون لبيان اعتبار الحال و يمكن أن يكون لبيان مجرّد اعتبار عدم البعد بمفاد ليس التامّة.
و الحاصل: أنّه لم يظهر من الدليل أزيد من اعتبار عدم الستر بين الإمام و المأموم، فالستر إذا كان مسبوقا بالعدم يجري فيه الأصل و لا يكون من الأصل المثبت.
كما هو المشهور.
و يدلّ على ذلك- مضافا إلى إمكان دعوى اختصاص ما دلّ على اعتبار عدم الستر بالرجل و لا يعمّ المرأة، من جهة أنّ اعتبار عدم الستر ليس من التعبّد المحض بل لمكان أنّ صدق الوحدة في الجماعة يتوقّف على ذلك، إذ مع وجود الستر يتعدّد
1) هناك كلمات سقطت من نسخة الأصل.
المجلس و يوجب عدم صدق الوحدة، و لكنّ هذا في الرجال. و أمّا النساء فوجود الستر بينها و بين الرجل لا يوجب تعدّد المجلس بل يصدق وحدة المجلس و الجماعة مع الساتر، فتأمّل- المرسل الذي حكاه الحلّي و الموثّق «سألت أبا عبد اللّٰه عليه السّلام عن الرجل يصلّي بالقوم و خلفه دار فيها نساء هل يجوز لهنّ أن يصلّين خلفه؟ قال: نعم إذا كان الإمام أسفل منهنّ، قلت: فإنّ بينهنّ و بينه حائطا أو طريقا فقال: لا بأس» (1).
هذا و خصّ الحكم شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- بما إذا كان الساتر من قبيل الحائط الرقيق و لا يعمّ مثل ما إذا كان غليظا كاسطوانة بعض المساجد و جدران بعض البيوت و الربط. و لم يعلم لنا وجه الاختصاص.
و الأصل [فيه] ما تقدّم من صدر صحيحة زرارة عن الباقر عليه السّلام «إن صلّى قوم و بينهم و بين الإمام ما لا يتخطّى فليس ذلك الإمام لهم بإمام، و أيّ صفّ كان أهله يصلّون بصلاة الإمام و بينهم و بين الصفّ الذي يتقدّمهم قدر ما لا يتخطّى فليس تلك لهم بصلاة» (2). و دلالة ذلك على اعتبار هذا الشرط على وجه الوجوب و اللزوم ممّا لا يكاد ينكر، و لكنّ المشهور ذهبوا إلى استحباب ذلك و أنّه لا يعتبر في الجماعة على وجه اللزوم أزيد من الصدق العرفي سواء انطبق الصدق العرفي على قدر ما لا يتخطّى أو زاد حتّى حكي عن بعض التحديد بخمس و عشرين ذراعا و عن الشافعية بثلاثمائة ذراع.
و أمّا اعتبار أن لا يكون البعد بقدر ما لا يتخطّى فهو حكم استحبابي، و لم يظهر لنا وجه ذهاب المشهور إلى ذلك مع وضوح دلالة الصحيحة على اعتبار ذلك على وجه الوجوب، و لا استبعاد في ذلك فإنّه يكون من البعد الشرعي، و أيّ استبعاد في جعل الشارع ذلك شرطا في صحّة الجماعة، فما عن المحقّق (1)- رحمه اللّٰه- من استبعاد ذلك في غير محلّه.
نعم يمكن أن يكون الوجه في ذهاب المشهور إلى الاستحباب هو ما ورد في ذيل الصحيحة حيث قال الراوي: «و قال أبو جعفر عليه السّلام ينبغي أن تكون الصفوف تامّة متواصلة بعضها إلى بعض لا يكون بين الصفّين ما لا يتخطى يكون قدر ذلك مسقط جسد الإنسان إذا سجد» (2). فإنّ ظهور «ينبغي» في الاستحباب ممّا لا يكاد ينكر، و كأنّ المشهور فهموا من الصدر و الذيل معنى واحدا و جعلوا ظهور الذيل في الاستحباب قرينة على أنّ المراد من الصدر أيضا الاستحباب، و الحقّ معهم لو اتّحد معنى الصدر و الذيل، إلّا أنّ الشأن في إثبات الاتّحاد، فإنّه يمكن أن يقال: إنّ المراد من الذيل هو التواصل الحقيقي بحيث يساوي مسجد اللاحق لموضع قدم السابق كما هو الظاهر من قوله عليه السّلام «متواصلة بعضها مع بعض» و يحمل قوله بعد ذلك «لا يكون بين الصفّين ما لا يتخطّى» على معناه الإلزامي، و يكون قوله بعد ذلك «قدر مسقط جسد الإنسان إذا سجد» بيانا (3)للتواصل، أي يكون قدر ذلك بين الصفّين، فيستفاد من قوله «متواصلة» مع قوله «يكون ذلك قدر مسقط .. إلخ» أنّه يستحبّ أن يكون موضع سجود اللاحق ملاصقا لموضع قدم السابق، و يكون ما وقع في أثناء
الجملتين من قوله «لا يكون بين الصفّين قدر ما لا يتخطّى» بيانا للحكم الإلزامي، فلا يلزم التفكيك بين معنيي ما لا يتخطّى الواقع في الصدر و الذيل، و لا بعد في اشتمال الذيل على حكم إلزامي و هو أن لا يكون بين الصفّين ما لا يتخطّى، و حكم استحبابي و هو تواصل الصفوف، و حينئذ يختلف معنى الذيل و الصدر فلا يكون ظهور الذيل في الاستحباب قرينة على أنّ المراد من الصدر أيضا الاستحباب بل الصدر يكون على ما هو ظاهر فيه من الإلزام، فيعتبر أن لا يكون بين الصفوف قدر ما لا يتخطّى بمعنى أنّ وجود ما لا يتخطّى في جميع حالات الصلاة موجب لعدم انعقاد الجماعة، فلا بأس إذا لم يكن في حال السجود ما لا يتخطّى و كان في حال القيام ذلك لأنّه يصدق أنّه في جميع حالات الصلاة لم يكن ما لا يتخطّى، و استفادة كون ما لا يتخطّى في جميع حال الصلاة إنّما هو من قضية الحال المستفاد من الرواية، فإنّ الظاهر من قوله عليه السّلام «إن صلّى قوم و بينهم و بين الإمام ما لا يتخطّى» هو أنّ صلاتهم تكون في حال وجود ما لا يتخطّى لمكان واو الحاكية للحال، و هذه القضية لا يصدق إلّا إذا كان في جميع حالات الصلاة قدر ما لا يتخطّى فعند ذلك الإمام ليس لهم بإمام، فإذا لم يكن في جميع الحالات ذلك صحّت صلاتهم.
ثمّ إنّ الظاهر من قوله عليه السّلام «لا يتخطّى» هو عدم إمكان أن يتخطّى إذ لو أمكن أن يتخطّى و لو في مورد لم يصدق أنّه لا يتخطّى، فالبعد المضرّ بالصحّة هو ما لا يمكن أن يتخطّى و هذا لعلّه يقرب من ذراعين، فإذا لم يكن البعد بين مسجد اللاحق و موضع قدم السابق هذا المقدار صحّت الجماعة و إذا كان بهذا المقدار بطلت فتأمّل.
فلو حصل البعد في الأثناء و لو بانفراد من يعتبر الاتّصال به يتحقّق الانفراد قهرا، و لا عبرة بعود الاتّصال و لو عن قرب كما إذا عاد المنفرد إلى الجماعة فورا لأنّه بمجرّد تحقّق البعد و لو آنا ما ينفرد.
مقتضى القاعدة أنّه لا يكفي لأنّ التهيّؤ لا يوجب عدم تحقّق البعد و لكنّ شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- ادّعى السيرة على كفاية ذلك، كما يظهر ذلك بالنسبة إلى الجماعة التي تكون ذات صفوف كثيرة بحيث عادة لا يمكن إدراك الواقع في آخر الصفوف ركوع الإمام لو صبر إلى أن يتحقّق اقتداء جميع ما قبله من الصفوف فلا بدّ حينئذ من الاكتفاء بالتهيّؤ، و المسألة بعد تحتاج إلى نظر.
الثالث: ورد في جملة من الروايات (1)أنّه لو خاف الداخل للمسجد عدم إدراك ركوع الإمام
كبّر في محلّه و ركع ثمّ يمشي إلى أن يتّصل بالصفوف و الظاهر من هذه الروايات هو اغتفار البعد بالنسبة إلى الخائف فيكون تخصيصا لاعتبار عدم البعد، و المحكي عن الشيخ- قدّس سرّه- المنع عن دلالة الروايات زائدا عن القدر المغتفر من البعد في سائر الموارد.
و التحقيق أن يقال: إنّه لو اعتبرنا قدر ما لا يتخطّى و لم نحمل ذلك على الاستحباب كانت هذه الروايات تخصيصا لذلك، و كان قدر ما لا يتخطّى مغتفرا بالنسبة إلى الخائف لكن بمقدار لا يخرج عن وحدة الجماعة بأن كان قريبا من الصفوف و إطلاق الداخل للمسجد لا يعمّ ما إذا كان المسجد واسعا و كانت الجماعة في آخر المسجد بحيث يكون البعد بين الداخل و بين الجماعة كثيرا،
1) الوسائل: ج 5 ص 442 باب 46 من أبواب صلاة الجماعة.
فإنّ شمول إطلاق الروايات لمثل هذا الفرض قد منع عنه شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- خصوصا بعد ما ورد في بعض تلك الروايات من كون الشخص دون الصفوف، فإنّ الظاهر من لفظ الدون هو ما كان قريبا من الصفوف بل لا يعمّ ما لا يتخطّى، هذا. و لكنّ الظاهر أنّه لا مانع من الأخذ بالإطلاقات هذا إذا قلنا باعتبار ما لا يتخطّى.
و أمّا إن رجعنا في البعد إلى العرف و حملنا قدر ما لا يتخطّى على الاستحباب كما هو عند المشهور فكون هذه الروايات تخصيصا لذلك و اغتفار ما يكون زائدا عمّا يحكم به العرف ممّا يمكن منعه خصوصا إذا كان التحديد بمثل خمس و عشرين ذراعا، و لعلّ منع الشيخ- قدّس سرّه- عن دلالة الروايات ناظر إلى هذا الغرض، هذا. و لكنّ الاحتياط لا ينبغي تركه.
و الأصل في ذلك رواية عمّار و هي و إن كانت مضطربة المتن مختلفة النسخ إلّا أنّ ذلك لا يضرّ بمورد الاستدلال:
قال: «سألت الصادق عليه السّلام عن الرجل يصلّي بقوم و هم في موضع أسفل من موضعه الذي يصلّي فيه فقال: إن كان الإمام على شبه الدكّان أو على موضع أرفع من موضعهم لم تجز صلاتهم، و إن كان أرفع منهم بقدر إصبع أو أكثر أو أقل إذا كان الارتفاع ببطن مسيل فإن كان أرضا مبسوطة أو كان في موضع منها ارتفاع فقام الإمام في الموضع المرتفع و قام من خلفه أسفل منه و الأرض مبسوطة إلّا أنّهم في موضع منحدر فلا بأس، قال: و سئل الإمام عليه السّلام فإن قام الإمام أسفل من موضع من يصلّي خلفه قال عليه السّلام: لا بأس، و قال: إن كان رجل فوق بيت أو غير ذلك دكّانا كان أو غيره و كان الإمام يصلّي على الأرض أسفل منه جاز للرجل أن يصلّي خلفه و يقتدي بصلاته و إن كان أرفع
منه بشيء كثير» (1).
و هذه الموثّقة- كما ترى- صدرها واضح الدلالة على اعتبار عدم علوّ موقف الإمام لموقف المأموم بل مقتضى إطلاق الصدر هو اعتبار عدم العلوّ مطلقا و لو دون الشبر، و لكنّ ظاهر المشهور أنّه لا بأس بالعلوّ إذا كان دون الشبر و كأنّهم لم يفهموا من الصدر الإطلاق على هذا الوجه. و على كلّ حال مورد الاستدلال هو الصدر و هو واضح الدلالة و ليس فيه تهافت و غلق. نعم قوله «و إن كان بقدر إصبع أو أقل أو أكثر إذا كان الارتفاع ببطن مسيل .. إلخ» غير معلوم المراد و مختلف النسخ حيث إنّه في بعض النسخ «و إن كان بقدر إصبع إلى شبر» و في بعض النسخ «إذا كان الارتفاع بقدر شبر أو بقدر يسير» عوض قوله «ببطن مسيل».
و لكن على كلّ تقدير الرواية تدلّ على اعتبار عدم كون العلوّ بقدر شبر، و أمّا ما دون الشبر فالرواية ساكتة عن ذلك مع الغضّ عن إطلاق الصدر فيرجع فيما دون الشبر إلى إطلاقات الجماعة، و إن منع شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- عن وجود إطلاق في باب الجماعة يدلّ على عدم البأس بالعلوّ بما دون الشبر، و مقتضى الأصل العملي هو الاشتغال للشكّ في سقوط القراءة و اغتفار زيادة الركن و غير ذلك من أحكام الجماعة.
و بالجملة: الموثّقة قد تعرّضت لحكم الأقسام الثلاث للعلوّ الأول: العلوّ الدفعي. الثاني: العلوّ الانحداري كبطن المسيل و كسفح الجبل و في هذين الموردين من العلوّ قد منعت عنه الموثّقة. الثالث: العلو التسنيمي التدريجي و في مثل هذا العلوّ قدر خصّ فيه و إن بلغ العلوّ ما بلغ إذا كان تسنيميّا و لم يظهر للحسّ. هذا كلّه في علوّ الإمام.
1) الوسائل: ج 5 ص 463 باب 63 من أبواب صلاة الجماعة، ح 1.
و أمّا علوّ المأموم فمقتضى إطلاق ذيل الموثّقة هو أنّه لا بأس و إن بلغ ما بلغ، و لكن مع هذا الأولى و الأحوط اعتبار الوحدة العرفية إذا ربّما يصلّ العلوّ إلى حدّ تخرج الجماعة عن كونها جماعة واحدة و يمكن منع إطلاق الذيل لهذا النحو من العلوّ فتأمّل جيّدا.
مستفيضا و عدم مساواته له على الأقوى.
أمّا عدم تقدّم المأموم فلم ينقل فيه خلاف و يدلّ عليه سياق جملة من الروايات مضافا إلى السيرة المستمرّة جميع الأعصار عند جميع المسلمين.
و أمّا عدم مساواته له فهو و إن كان محلّ الخلاف بين الأعلام بل المحكي عن لمشهور جوازه إلّا أنّ الأقوى عدم جوازه لما ورد في صلاة العراة من «أنّهم يصلّون عن جلوس و الإمام يتقدّمهم بركبتيه» (1)مع أنّه شرع الصلاة عن جلوس لهم و الإيماء للركوع و السجود لئلا تبدو عوراتهم، فلو فرض جواز المساواة لما انتقل فرضهم إلى الركوع الإيمائي لأنّه لا تبدو عورتهم مع المساواة للموقف، فيظهر من ذلك أنّه لا يجوز المساواة بل لا بدّ من أن يتقدّم الإمام المأموم فينقل فرض العاري حينئذ إلى الإيماء للركوع و السجود لئلا تبدو عورته.
و بالجملة: لا ينبغي التأمّل في دلالة الروايات الواردة في صلاة العراة على اعتبار تقدّم الإمام، و بعد ذلك لا يلتفت إلى ما استدلّ به المجوّز من الوجوه الضعيفة كما لا تخفى على المراجع.
ثمّ إنّ الضابط في التقدّم هو العرف و ما ذكروه من الوجوه في كيفية التقدّم ليست بشيء بعد ما كان المرجع العرف و قد أطال البحث شيخنا الأستاذ
1) الوسائل: ج 3 ص 328 باب 51 من أبواب لباس المصلي، ح 1 نقلا بالمعنى.
ثمّ إنّه ينبغي التنبيه في المقام على أمر. و هو أنّه هل الشرائط الأربعة المتقدّمة شرائط لنفس الجماعة أو شرائط للصلاة في حال الجماعة؟ و تظهر الثمرة في بطلان الصلاة عند الإخلال بها فإنّها لو كانت للجماعة فالجماعة تبطل فقط و لا تبطل الصلاة إذا لم يخلّ بما هو وظيفة المنفرد و لو كانت شرطا للصلاة فالصلاة تبطل عند الإخلال بها و لو مع عدم الإخلال بوظيفة المنفرد.
الذي يظهر من صاحب الجواهر- قدّس سرّه- هو أنّ هذه الشرائط الأربعة بل مطلق ما اعتبر في الجماعة من الشرائط إنّما من شرائط نفس الصلاة في حال الجماعة لا أنّها شرائط للجماعة و على ذلك بنى في النجاة (1)و حينئذ لو حصل الإخلال بإحدى الشرائط فالصلاة تبطل و لو مع عدم الإخلال بما هو وظيفة المنفرد من القراءة و عدم زيادة الركن.
و شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- منع عن ذلك و التزم بأنّها هذه الشرائط بل مطلق الشرائط المعتبرة في الجماعة إنّما هي شرائط لنفس الجماعة، فالإخلال بها يوجب بطلان الجماعة فقط و لا يسري بطلانها إلى بطلان الصلاة إذا لم يحصل الإخلال بما هو من وظيفة المنفرد على إشكال في ترك القراءة كما يأتي الإشارة إليه.
و الكلام في ذلك يقع تارة من حيث القاعدة و اخرى من حيث ما يستفاد من الأدلّة.
أمّا (الأول) فدعوى أنّ الإخلال بشرائط الجماعة يوجب بطلان أصل الصلاة لا تستقيم إلّا بدعوى أنّ الجماعة منوّعة للصلاة لا من المشخّصات الفردية
1) جواهر الكلام: ج 13 ص 222 و نجاة العباد: ص 143.
كالمسجدية بل الصلاة فرادى و جماعة من قبيل القصر و الإتمام و الظهر و العصر نوعان متباينان، و على ذلك تستقيم دعوى بطلان الصلاة عند بطلان الجماعة لأنّ بطلان الجماعة على هذا مساوق لبطلان الصلاة كما هو واضح، و لكنّ الشأن في إثبات كون الصلاة- الجماعة و الفرادى- نوعين متباينين بل الظاهر أنّه لا يمكن الالتزام بذلك فإنّهما لو كانا نوعين متباينين لكان وقوع كلّ منهما في الخارج موقوف على القصد و النية كالظهريّة و العصرية و الإتمامية، حيث إنّه لا يمكن وقوع أحدهما بالخصوص إلّا بعد التعيين و القصد إليه، و في المقام وقوع الصلاة فرادى لا يتوقّف على قصد الفرادية بل نفس عدم قصد الجماعة يوجب وقوع الصلاة فرادى بلا حاجة إلى قصد وصف الفرادى، و لو كانت الصلاة فرادى متباينة بالنوع للصلاة جماعة لكان اعتبار قصد وصف الفرادى ممّا لا بدّ منه في وقوعها مع أنّه لم يعتبر ذلك، و هذا أقوى شاهد على أنّ الجماعة من الأوصاف الخارجة اللاحقة لبعض أفراد الطبيعة كالمسجدية فتكون الصلاة جماعة فردا من أفراد مطلق الصلاة غايته أنّ لهذا الفرد أحكاما تخصّه من ترك القراءة و اغتفار زيادة الركن و غير ذلك من أحكام الجماعة، و معلوم أنّ بطلان بعض المشخّصات الفردية لا يوجب بطلان أصل الطبيعة بل غايته أنّ الأثر المترتب على تلك الخصوصية الفردية لا يترتّب مع فقدان الطبيعة لتلك الخصوصية، فبحسب القاعدة بطلان الجماعة لا يوجب بطلان الصلاة.
و أمّا (الثاني) فظاهر بعض الأدلّة هو أنّ هذه الشرائط إنّما تكون للجماعة كقوله عليه السّلام في صحيح زرارة المتقدّم «إن صلّى قوم و بينهم و بين الإمام ما لا يتخطّى فليس ذلك الإمام لهم بإمام» (1)فإنّ الظاهر من قوله عليه السّلام:
1) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 386، ح 1144. ط جماعة المدرّسين.
«فليس ذلك الإمام لهم بإمام» هو أنّ عدم البعد شرط للجماعة و أنّ جماعتهم تبطل مع البعد نعم طاهر ذيل الرواية هو أنّ ذلك شرط للصلاة و هو قوله «و أيّ صفّ كان أهله يصلّون بصلاة إمام و بينهم و بين الصفّ الذي يتقدّمهم فدر ما لا يتخطّى فليس تلك لهم بصلاة» و كذا قوله عليه السّلام «فإن كان بينهم سترة أو جدار فليس تلك لهم بصلاة» فإنّ الظاهر من ذلك هو أنّ عدم البعد و الستر شرط للصلاة بحيث تبطل الصلاة مع وجودهما، هذا. و لكن يمكن أن يقال:
إنّ قوله «فليس تلك لهم بصلاة» هو أنّه ليست بصلاة جماعة بقرينة قوله «فليس ذلك لهم بإمام».