کتاب الصلاه جلد 1

ghaemiyeh.com

اشارة

سرشناسه : نایینی، محمدحسین، ۱۲۳۹-۱۳۱۵.

عنوان و نام پديدآور : کتاب الصلاه/ من افادات محمدحسین الغروی‌النائینی؛ تالیف محمدعلی الکاظمی الخراسانی.

مشخصات نشر : قم: لجماعه المدرسین فی الحوزه العلمیه بقم، موسسه النشر اللاسلامی، ۱۴۱۱ق.= ۱۳۷۰.

مشخصات ظاهری : ج.

فروست : موسسه النشر‌الاسلامی، التابعه لجماعه‌المدرسین. بقم؛ ۳۹۳، ۳۹۴.

شابک : ۲۰۰۰ ریال (ج.۱) ؛ ۱۹۰۰ ریال (ج.۲)

يادداشت : عربی.

يادداشت : ج.۲ (چاپ دوم: ۱۴۱۶ق.=۱۳۷۴).

یادداشت : کتابنامه.

موضوع : فقه جعفری -- قرن ۱۴

موضوع : نماز

شناسه افزوده : کاظمی خراسانی، محمدعلی، ۱۸۹۱ - ۱۹۴۶م.

شناسه افزوده : جامعه مدرسین حوزه علمیه قم. دفترانتشارات اسلامی

رده بندی کنگره : BP۱۸۶/ن‌۱۶ک‌۲ ۱۳۷۰

رده بندی دیویی : ۲۹۷/۳۵۳

شماره کتابشناسی ملی : م‌۷۰-۵۸۲۷

اشارة

آية اللّٰه الكاظمي رائد العلم و الاجتهاد

اشارة

عاش هذا الرائد الفذ، و هو يتسنّم هذه المكانة المرموقة في حاضرة النجف الأشرف عاصمة العلم و الدين، و معقل الجهاد و الاجتهاد.

و ظلّت تثقل هذه الحاضرة الإسلامية ميّزتان لم تتميّز بها حاضرة علمية أخرى في العالم الإسلامي كلّه.

إحداهما: أنها مدفن الإمام علي- عليه السّلام- و مزاره، و عتبته المقدسة، و سدّته العالية.

و أخراهما: إنها موطن العلم، و معقل الدين، و مطمح أنظار المسلمين.

أما الميزة الأولى: فلأنها مهبط الخير و البركة، و الأمان و الإيمان، و البقعة التي يستلهم منها المسلمون نهج الهداية و الحق، و السبيل الأقوم إلى الدين.

و أما الميزة الأخرى: فلأنها كعبة الرواد و المتعطشين، ممن قيض اللّٰه فيهم روح الاجتهاد في العلم، و نزعة التفقه في الدين، ليكونوا مصابيح للهداية، و نذرا للحق، حتى يرجع المسلمون إليهم في معالم دينهم، و هم حفظة التراث، و حملة الشريعة، و خزّان العلم، و الأمناء على القيادة الإسلامية.

حاضرة النجف الأشرف:

و قد اختار السلف الصالح من العلماء هذه المدينة المقدسة عاصمة للعلم، و معقلا للجهاد و الاجتهاد، إذ كان الراقد فيها باب مدينة علم الرسول- صلّى اللّٰه عليه و آله- و قائد جهاده، و إمام أمته، و قد سدّت الأبواب إلّا بابه، ذلك الذي يؤتى منه الوحي و الرسالة، و العلم و الحكمة.

و على هذا الصعيد الطيب برز علماء أفذاذ، انتهت إليهم المرجعية و القيادة الإسلامية العامة، تحولت- بجهدهم- علوم الشريعة، حتى بلغت ذروة الكمال و الإبداع، و الحركة المفتوحة الدائية، التي ظلت تواكب الحياة و تسايرها، و تعالج مشاكلها، و تستجيب الى متطلّباتها، كما ظلّت طريقها الأمثل الى الهداية و الايمان.

و كان هذا الاجتهاد المتجدد في الشريعة من شأنه أن يصلح حياة المسلمين بالمعايير الشرعية، و يقم شئونها على معرفة ما أحلّ اللّٰه و ما حرّم، و على ما يجب الاجتناب منه، و ما يلزم الأخذ به، و هو ينير معالم الطريق، و يرشد المسلمين الى صوابهم، و يجنّبهم متاهات الضلالة، لئلا يسلكوها، كما سلكها غيرهم من الأمم و الشعوب، و حتى لا يفقدوا شخصيتهم و قدسيتهم، و حياتهم الحرّة الكريمة التي خططها لهم الإسلام، و لئلا ينحرفوا عن مسيرتهم إلى السعادة الأبدية، و الى الزلفى من اللّٰه.

ميزة الدراسة الحرّة:

و لضمان هذه المسيرة الإسلامية، ذات القيادة الرائدة: عهد الى الحوزة العلمية أن تقوم برسالة التفقه في الدين، و الاجتهاد في الشريعة.

و من هذا المنطلق تميّزت أروقة هذه الحوزة بطلب العلم للعلم، و التفقه في الدين للدين، كما تميّزت بالدراسة الحرّة ذات العمق و الأصالة، و التجرّد عن الأغراض، حتى درج طلابها على أن يؤثروا الفقر على الغنى، و الهجرة عن الأوطان، تفرّغا للتحصيل و طلبا للعلم في سبيل إعلاء كلمة الإسلام.

و كانت واقعته هذه الدراسة الحرّة أن امتاز أسلوبها بالجدل و النقاش، و تقضي الحقائق و الوجوه المختلفة التي تحتملها المسائل العلمية المطروحة، ثم اختيار ما هو الأحرى بالدليل، و الألجن بالحجة، و الأصلح بالأخذ و الاعتبار.

و هكذا يمضي الطالب في تحصيل العلم، تنمو مواهبه، و تتفتح آفاقه، لا يغفل عن قول أو احتمال، يستعرض الحقائق العلمية بجهد متواصل، يسير غورها،

و يسكنه دقائقها، الأمر الذي كان يدفع بالحوزة العلمية- دائما- إلى الجدّة و التحوّل، و الإبداع في فهم الشريعة جديدا بجديد، وفق تطور الحياة، و مستلزماتها الزمنية.

تقييم الفقه الإسلامي:

و واضح من أن الفقه الإسلامي هو القانون الإلهي، الذي يستوعب جميع مدارج الحياة، على مستوى التعامل مع اللّٰه عبادة و طاعة، و التعامل مع المجتمع تعايشا و مسالمة و على هذا الأساس فإن الاهتمام في تحرّي الحقائق الفقهية دقة و إحاطة ممّا تدفع إليه الضرورة القصوى في متابعة العمل بها من جانب المسلمين.

إذ لا يمكن لفقيه عادل أن يفتي من جراب النورة، أو أن يستحسن حكما من دون حجة شرعية، أو مبرّر فقهي، حتى يكون ذلك منجزا في حقّ المكلّفين، و معذرا للمفتين، إن أصاب فله أجران: أجر الإصابة و أجر الاجتهاد، و ان أخطأ فله أجر واحد هو أجر الاجتهاد. يتحرّى المجتهد هذه المحاولة في رعاية الحجج و الذرائع، تلك الشي‌ء أجاز الشارع ممارستها في الوصول الى حكم اللّٰه تعالى.

و ممّا تجدر الإشارة إليه، أنه ليس معنى الاجتهاد إصابة واقع معيّن محفوظ في اللوح المحفوظ، و إلّا للزم أن يتحد المجتهدون في إصابة حكم اللّٰه الواقعي و هم يختلفون في الفتيا و القول بالتصويب أيضا يستلزم أن تكون الأحكام الإلهية تابعة لآراء المجتهدين و ظنونهم. و وظيفة المجتهد ان يلتمس الطرق و الأمارات، و يتبنى الأصول العامة الموضوعة من قبل الشارع. فإذا ما حكم ذلك فيما توصّل إليه من حكم فهو حكم اللّٰه تعالى في حقّ المكلّفين من عباده.

مقومات هذه الشخصية العملاقة:

و في هذه الحاضرة المتميزة لمع آية اللّٰه العظمى الكاظمي، و نبغ في الفقه و الأصول، حتى أصبح رائدا للعلم و الاجتهاد، و أسوة للكمال و الفضيلة.

و كان حقا أحد العلماء المتفكرين، و القادة الهداة المبدعين، بما استطاع ان يقدّم

لروّاد العلم من مقوّمات الاجتهاد، و قد خلّف وراءه آثارا فريدة، من مبان للعلم، و حملة للفقه.

قال المحقّق آقا بزرگ الطهراني- قدّس سرّه-: هو الشيخ محمّد علي بن الشيخ حسن بن الشيخ محمّد الجمالي القابچي الخراساني الكاظمي عالم كبير و مدرس جليل.

كان جده الشيخ محمّد ممن له شرف الخدمة في مرقد الإمامين الكاظمين و من أسره تعرف ب «آل الجمالي» ظهر فيها بعض أهل الفضل و العلم منهم الشيخ عباس الذي كان مشتغلا في سامراء برهة و في الكاظمية و النجف أيضا، و كان من قدماء أصدقائنا، و هو والد الدكتور محمّد فاضل الجمالي الذي هو من رجال التربية ثم السياسة المعروفين في العراق. كان الشيخ حسن من أجلاء علماء عصره و قد تقدم ذكره في ص 435 و كان له ثلاثة أولاد الميرزا مهدي و هو كبيرهم، و المترجم له و هو الأوسط، و الحاج محمّد جواد و هو الأصغر. و كلهم من العلوية الجليلة حفيده العلامة السيد صادق الطباطبائي المعروف بالسنگلجي صاحب المقبرة المشهورة في مشهد عبد العظيم الحسني عليه السّلام بالري، كما حدّثني به المرحوم المترجم له.

ولد كما أخبرني به نقلا عن خط والده في سامراء في سنة 1309 ه. و نشأ على أبيه الجليل فمال الى طلب العلم دون أخويه، فلازم خدمة والده سفرا و حضرا، و اقتبس من معارفه كثيرا، و أكمل الأوليات في مشهد الرضا عليه السّلام، ثم حضر في سطوح الفقه و الأصول على السيد آقا حسين القمي و الميرزا محمّد ابن شيخنا الكاظم الخراساني، و بعثه والده بعد ذلك الى النجف الأشرف للتكميل فوصل كربلاء في أوائل سنة 1338 و بقي فيها شهرين لازم فيهما بحث الشيخ محمّد تقي الشيرازي، ثم هبط النجف فحضر حلقة درس كل واحد من مشاهير علمائها أياما للاختبار، فلم يرق له منها إلا ما كان رجحه له والده و أشار به عليه، و هو درس الحجة الميرزا محمّد حسين النائيني، فلازم تمام دروسه في مباحث الأصول و الفقه ليلا و نهارا، و كان يكتب تقريرات دروسه كلها، و تقدم في الفضل و سطع نجمة،

و كثر فضله و نما علمه، و أشير إليه بين تلامذة النائيني، و لم يكن فيهم غير أفاضل المشتغلين و أجلاء المحصلين إلا عددا يسيرا، و كان الغالب فيهم و الظاهر عليهم التأثر باستاذهم الأجل المقدّس من الجمع بين العلم و العمل، في تلك المدرسة المثلي نشأ المترجم له، و على ذلك العالم الفحل تخرّج، و بين أولئك الأعلام نبغ و تفوّق، و تفتحت مواهبه و قابلياته، و عرف بالتحقيق و عمق الفكر و دقة النظر، و حلاوة المنطق، و حسن البيان و التحرير، فأخذ يقرر تقريرات أستاذه لغيره من تلامذة الشيخ و من دونهم في الفضل، و صار مدرّسا مشهورا على عهد أستاذه، و عالما مبرزا له في الأوساط العلمية مكانه الرفيع و احترامه اللائق.

و انتقل إلى رحمة اللّٰه و رضوانه ذلك العبد الصالح و الحبر البحر، و فجع به الإسلام و خسر به العلم و الدين دعامة من أكثر و أرسخ دعائمه، فبرز المترجم له و اتجهت أنظار الطلاب و المحصّلين المجدّين اليه فاستقلّ بالتدريس و انصرف إليه بكله، و تهافت عليه المشتغلون تهافت الفراش على النور لميزاته التي أشرنا إليها سابقا، و لما كانوا يرونه من رعاية أستاذه له و عنايته به و اعتماده عليه، و كان مجلس درسه من أكبر مجالس الدرس في النجف و أميزها كمية و كيفية، و اشتغل بالتدريس ليلا و نهارا، و كان دائم المذاكرة و المحاورة أينما حلّ، فما استقرّ به المجلس في مكان ما إلّا و سارع الى تحرير مسألة و دخل مع العلماء في النقاش، و كان مواظبا على الحضور في مقبرة أستاذه النائيني في الليالي مع جمع آخر من أفاضل تلامذة الشيخ و يطرحون فيما بينهم بعض الفروع المهمّة و يستمرّون على الخوض و الكلام في أطراف الموضوع الى أن يحين وقت غلق أبواب الصحن فيتفرقون.

قضى المترجم له بعد وفاة أستاذه عشر سنين على هذا المنوال من خدمة العلم و التضحية بالنفس في سبيله مواصلا العمل دون ملل أو كلل، و دون انقطاع و استراحة حتى ابتلي بالسكتة القلبية من كثرة الاجهاد و أخذت النوبات تعاوده و قضت عليه في المرة الثالثة عصر يوم الخميس الحادي عشر من ربيع الأول سنة 1365 ه، فكانت خسارة العلم به جسيمة و المصاب كبيرا، و غسّله تلميذه و وصيه

الفاضل السيد جعفر بن محمّد المرعشي و دفن في مقبرة أستاذه النائيني، و أرخ وفاته السيد محمّد حسن آل الطالقاني بقوله:

شريعة الحق أصيبت و الهدى أركانه الراسخة اليوم هوت

قضى علي فالعلوم بعده راياتها حزنا عليه نكست

(فرد) به الكل أصيب فالورى بفقده أرخته قد خسرت

و في قوله «فرد .. إلخ» إشارة إلى اضافة الى مجموع أرقام التاريخ.

و آثاره قيمة فقد كتب من تقريرات أستاذه تمام دورة الأصول، و طبع منها في حياته و على عهد أستاذه في سنة 1349 مجلّدان باسم «الفوائد الأصولية» أحدهما في القطع و الظن، و الثاني في الأصول العملية كما ذكرناه في (الذريعة) ج 4 ص 380 و عليه تقريظ أستاذه و ثناؤه عليه، و طبع بعد ذلك الجزء الثالث في مباحث الألفاظ و به تمت دورة الأصول (1). و أعيد طبع بعضها، و نشرت له ترجمة في مقدّمته بقلمي (2)

ما قيل حول الكتاب:

قال المحقّق الآقا بزرگ الطهراني- رحمه اللّٰه-:

«قد كتب في الفقه تمام تقريرات أستاذه في (كتاب الصلاة) فقد هذّبه و نقحه و عزم على طبعه و لم يمهله الأجل، و كتب من تقريراته أيضا كثيرا من كتاب التجارة لكنه لم يتمّه و له «رسالة في الصلاة و اللباس المشكوك فيه» مستقلّة غير ما هو تقرير أستاذه، و غير ذلك (3).

أولاده:

و قد أعقب آية اللّٰه الكاظمي أولادا عديدين نخصّ بالذكر منهم حجة الإسلام و المسلمين الشيخ عباس الجمالي، و هو اليوم يقوم بالتدريس في السطوح العالية و إقامة الجماعة في طهران.


1) و قد وفّقنا لطبع الدورة الكاملة للأصول- مباحث الألفاظ و الأصول العمليّة- في 3 مجلدات و هي منقّحة

2) نقباء البشر: ج 4 ص 1386- 1390.

3) المصدر السابق: ص 1390.

بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم و به نستعين كتاب الصلاة [و فيه أربعة مقاصد:]

[المقصد الأوّل] [في أقسام الصلاة]

و قبل الدخول في المقصود ينبغي تمهيد مقال يشتمل على مقدّمتين:

الاولى

أنّه و ان قد أطالوا الأعلام في البحث في شرح لفظة الصلاة و بيان معانيها اللغوية و العرفية إلّا أنّ الظاهر أنّه لا ثمرة مهمّة في ذلك بعد معلومية المراد منها، و أنّه صلّى اللّٰه عليه و آله استعملها في أول زمان البعثة في هذه العبادة الموظّفة المخترعة الإلهية التي هي رأس كل عبادة و ميزان كلّ عمل. فكلّما وردت هذه اللفظة في الكتاب و السنّة فالمراد منها هذا المعنى الذي نتعبّد به صباحا و مساء إلّا أن تقوم قرينة على أنّ المراد منها ليس هذا المعنى، و لا حاجة إلى إتعاب النفس و إثبات أنّ هذه العبادة كانت في الشرائع السابقة بزيادة و نقصان و أنّها كانت

تسمّى بهذه اللفظة حتّى تكون حقيقة لغوية إذ- مع أنّ إثبات ذلك لا يهمّنا- لا طريق لنا إلى إثباته، إذ تسمية تلك العبادة التي كانت في تلك الشرائع بلفظ الصلاة غير معلوم، و على تقدير العلم بذلك لم يعلم أنّ إطلاق لفظ الصلاة على ما كانوا يتعبّدون به في الشرائع السابقة بأيّ عناية كان، إذ من المحتمل أن يكون إطلاق الصلاة عليه بعناية معناها اللغوي و هو الدعاء لا من باب كونها وظيفة خاصّة إلهية و عبادة مخترعة شرعية كما هو كذلك في شرعنا، فإنّ ما وظّف في الشرائع السابقة لم يعلم ما هو، فلعلّه كان سنخ من الدعاء، فإطلاق الصلاة عليه من باب المعنى اللغوي، و هذا بخلاف الإطلاق في شرعنا، فإنّه ليس من ذلك الباب قطعا، و إنّما لفظ أطلق على موضوع خاصّ و معنى مخصوص مغاير للمعنى اللغوي.

و كيف كان فقد عرفت أنّ إطلاق لفظ الصلاة على هذه العبادة الخاصّة كان من أول الأمر و أول البعثة كما يظهر ذلك من بعض التواريخ و الأخبار، فلا بدّ من حمل لفظة الصلاة على هذا المعنى كلّما وردت في الكتاب و السنّة، و لكن بعد اشتهارها في ذلك في لسانه صلّى اللّٰه عليه و آله و لسان تابعيه إلّا أن يقوم دليل على خلافه.

المقدّمة الثانية

قد اختلفت كلمات الأصحاب في أعداد الصلوات المفروضة، فربّما أنهاها بعض إلى تسعة و آخر إلى سبعة و غير ذلك ممّا يظهر للمتتبّع، هذا و لكن لا بدّ أن يكون التقسيم باعتبار اختلاف القيود و الخصوصيّات المأخوذة فيها الموجبة لاختلافها في نوعها بحسب الجعل الشرعي.

و أمّا الخصوصية الموجبة للاختلاف في الصنف و الفرد فلا يكون ميزانا للتقسيم و إلّا لزادت الأقسام إلى ما لا يمكن إحصاؤها.

فحينئذ نقول: هكذا ينبغي تقسيمها بأن يقال: هذه العبادة المخترعة الشرعية التي تسمّى صلاة إمّا أن تكون مفروضة و إمّا أن تكون مسنونة، ثمّ المفروضة إمّا أن تكون مفروضة بحسب الجعل الأولي و إمّا أن يعرض لها وصف الفرض.

فالمفروضة بحسب الأصل و الجعل الأولي على أنواع أربع:

الأوّل، الصلاة اليومية: و منها الجمعة فإنها بدل عن الظهر في يومها و ليست هي مباينة لليومية في نوعها حتّى تعدّ قسما آخر في قبالها كما عن بعض، بل هي داخلة في اليومية حقيقة، و لا فرق في اليومية بين الأداء و القضاء من الوليّ و غيره، فإنّ القضاء هي الصلاة اليومية، غايته أنّه في خارج الوقت و ليس خصوصية الوقتية منوّعة بحيث تكون صلاة الظهر في وقتها مباينة لها في خارج الوقت في نوعها كما لا يخفى.

النوع الثاني، صلاة العيدين: فإنّها باعتبار اشتمالها على خصوصيّات و قيود تحفّها من الكيفية و الوقت تكون مباينة في نوعها لسائر الصلوات.

النوع الثالث، صلاة الآيات: أعمّ من الخسوف و الكسوف و الزلزلة و كلّ آية، فإنّها بجميع أقسامها نوع واحد مباين لسائر أنواع الصلاة، غاية الأمر يكون الاختلاف في سبب الوجوب فإنّه تارة يكون الخسوف و اخرى يكون غيره.

النوع الرابع، صلاة الطواف: فإنّها و إن كانت بحسب الصورة كصلاة الصبح إلّا أنّه باعتبار أخذ زمان و مكان خاصّ فيها تكون مباينة في نوعها لباقي الصلوات.

فهذه الأنواع الأربع مفروضة بحسب الأصل.

و أمّا المفروضة بالعارض فكالمستأجر عليها و المنذورة و ما شابهها، و لكن

ينبغي أن يعلم أنّه ليست المفروضة بالعارض مباينة بالنوع للمفروضة بالأصل أو المسنونة بل هي متّحدة بالنوع لسائر الصلاة، و إنّما الاختلاف نشأ من سبب الوجوب كما تقدّم، فلو نذر صلاة الظهر أو صلاة الليل أو استؤجر عليها لم يخرج المنذور عن حقيقته قبل النذر بل هو باق على ما كان عليه من النوع، غاية الأمر أنّه عرض له وصف الوجوب بعد ما كان فاقدا له، و يلحقه بعض أحكام الصلاة الواجبة من وجوب الاستقبال و الاستقرار، و غير ذلك على ما يأتي تفصيله فيما بعد إن شاء اللّٰه.

فعلم أنّ أنواع الصلاة المفروضة منحصرة في هذه الأربع، و صلاة الأموات لا ينبغي عدّها من هذه العبادة الخاصّة و الوظيفة المخصوصة بل هي أشبه شي‌ء بالصلاة بمعناها اللغوي. و ينبغي حينئذ أن نرتّب كتاب الصلاة على فصول أربع، يبحث في كلّ فصل عن نوع من هذه الأنواع الأربع مع ما يلحقه من الأحكام و اللواحق.

الفصل الأول في الصلوات اليومية

اشارة

و فيه أركان، و ينبغي أولا تعداد ركعاتها و نوافلها، فنقول:

لا إشكال و لا خلاف في أنّ عدد ركعاتها سبعة عشر في الحضر و إحدى عشر في السفر بإسقاط الركعتين الأخيرتين من الرباعيّات الثلاث، بل ربّما كاد أن يكون ذلك من ضروريّات الدين.

و أمّا النوافل فالمشهور المعروف بين الأعلام أنّها أربعة و ثلاثون ركعة، و لكن قد وردت طوائف من الأخبار أنّها ثلاثة و ثلاثون بإسقاط الوتيرة (1)، أو تسعة و عشرون (2)بإسقاط أربع من نافلة العصر أيضا أو سبعة و عشرون بإسقاط ركعتين من نافلة المغرب أيضا (3)هذا و لكن حيث كانت هذه الطوائف ممّا أعرض عنها الأصحاب و إن كان يوجد بينها من الصحاح فلا بدّ إمّا من طرحها أو تأويلها بما لا ينافي ما عليه المشهور بل كاد أن يكون من المجمع عليه بل هو كذلك في هذه


1) الوسائل: ج 3 ص 32 باب 13 من أبواب أعداد الفرائض ح 5

2) الوسائل: ج 3 ص 42 باب 14 من أبواب أعداد الفرائض، ح 2.

3) الوسائل: ج 3 ص 42 باب 14 من أبواب أعداد الفرائض، ح 1.

الأعصار و يمكن حملها على زيادة مزية و تأكّد استحباب في سبعة و عشرين بحيث لم تكن تلك المزية في الساقط، لا أنّ الساقط لم يكن من النوافل المرتّبة و لعلّه يشعر إلى ذلك بعض الأخبار كقوله عليه السّلام لا تصلّ أقلّ من أربع و أربعين ركعة (1).. إلخ.

بقي الكلام في صلاة الغفيلة و الوصية اللتين بين المغرب و العشاء و صلاة أربع ركعات بعد العشاء فهل هي من الرواتب الموظّفة في هذه الأوقات أو ليست كذلك، بل ربّما احتمل بعض عدم مشروعيّتها، و لكنّ الإنصاف أنّ صلاة الغفيلة في غاية الاعتبار، لأن الشيخ- رحمه اللّٰه- ذكرها في مصباحه (2)الذي هو متأخّر عن التهذيب و الاستبصار و كان عليه العمل، فهو في غاية القوّة، و لا يصغى إلى مناقشة بعض في مشروعيّتها أو عدّها من نافلة المغرب.

و أمّا الوصية فإنّها و إن لم تكن بتلك المثابة من الاعتبار على ما ذكره شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- في بحثه إلّا أنّه ليس كذلك، فإنّها قد ذكرها الشيخ- رحمه اللّٰه- أيضا في مصباحه (3)فهي في الاعتبار كالغفيلة.

و أمّا أربع ركعات بعد العشاء فقد وردت رواية (4)أنّ الصادق عليه السّلام كان يصلّيها بعد العشاء، و نقل عن بعض الأعلام العمل بها و مداومتها سفرا و حضرا، و لا بأس به بعد جبر ضعف الرواية لو كان بعمل بعض الأصحاب و بعد التسامح في أدلّة السنن. نعم جعلها من الرواتب الموظّفة الليلية مشكل، و الأمر في ذلك سهل.

ثمّ إنّه لا إشكال في سقوط نافلة الظهر و العصر في السفر في غير مواطن التخيير


1) الوسائل: ج 3 ص 43 باب 14 من أبواب أعداد الفرائض، ح 4.

2) مصباح المتهجّد: ص 94.

3) مصباح المتهجّد: ص 94.

4) الوسائل: ج 3 ص 43 باب 14 من أبواب أعداد الفرائض، ح 4.

و عدم سقوط نافلة المغرب و الصبح، إنّما الكلام في سقوط نافلة العشاء فيه و سقوط نافلة الظهر و العصر في مواطن التخيير و سقوط أربع ركعات التي تزاد في نافلة الظهر يوم الجمعة في السفر.

أمّا سقوط نافلة العشاء في السفر فالمشهور على سقوطها بل ادّعي الإجماع عليه، للأخبار المستفيضة الدالّة على أنّ كلّ صلاة مقصورة في السفر تسقط نافلتها و في بعضها أنّ الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شي‌ء إلّا المغرب (1)و لإشعار خبر أبي يحيى الحنّاط قال: سألت الصادق عليه السّلام عن صلاة النافلة بالنهار في السفر، فقال: يا بنيّ لو صلحت النافلة بالنهار في السفر تمّت الفريضة (2). فإنّه يشعر بأنّ التمامية علّة لثبوت النافلة، و منه يعلم إشعاره بأنّ القصرية علّة للسقوط، فيدور الثبوت و السقوط مدار التمامية و القصرية.

و عن بعض الأعلام عدم سقوطها لرواية فضل بن شاذان عن الرضا عليه السّلام: إنّما صارت العشاء مقصورة و ليس تترك ركعتاها لأنّها زيادة في الخمسين تطوّعا ليتمّ بها بدل كلّ ركعة من الفريضة ركعتان من التطوّع (3). و في خبر ابن الضحّاك أنّه كان الرضا عليه السّلام يصلّي الوتيرة في السفر (4)و بهذين الخبرين لأخصّيتهما و اشتمال الأول على التعليل خصوصا مع التسامح في أدلّة السنن لو كان فيهما ضعف يقوى في النظر عدم السقوط و إن ذهب شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- إلى السقوط عملا بتلك المطلقات.

و أمّا سقوط نافلة الجمعة في السفر فالأقوى سقوطها، للأخبار المستفيضة من


1) الوسائل: ج 3 ص 60 باب 21 من أبواب أعداد الفرائض، ح 3 و فيهما اختلاف يسير.

2) الوسائل: ج 3 ص 60 باب 21 من أبواب أعداد الفرائض، ح 4 و فيهما اختلاف يسير.

3) الوسائل: ج 3 ص 70 باب 29 من أبواب أعداد الفرائض، ح 3.

4) الوسائل: ج 3 ص 61 باب 21 من أبواب أعداد الفرائض، ح 8 نقلا بالمعنى.

سقوط النافلة النهارية، و هي منها. و من هنا يعلم أنّه لو قلنا بأنّ النوافل إنّما هي للوقت لا للفريضة على أضعف الاحتمالين كان الأقوى أيضا السقوط، لأنّ الأخبار مصرّحة في سقوط النوافل النهارية في السفر، سواء كانت للوقت أو للفريضة. و أمّا سقوط النوافل في مواضع التخيير كالحرمين فهل تسقط مطلقا سواء أتمّ أو قصّر أو أنّها لا تسقط مطلقا أو يفصّل بين الإتمام فلا تسقط و بين التقصير فتسقط؟ وجوه بل أقوال.

أمّا وجه السقوط مطلقا فلأنّ الصلاة في السفر بحسب الجعل الأولي مقصورة، و أنّ الإتمام في المواطن الأربعة رخصة، فإذا كانت بحسب الجعل مقصورة فلا بدّ من أن تسقط نافلتها، لما عرفت من الأخبار من أنّ كلّ صلاة مقصورة تسقط نافلتها.

و بعبارة اخرى: أنّه لا إشكال في أنّ الصلاة في الحضر قد أخذت بالنسبة إلى الركعتين الآخرتين بشرط الانضمام، و في السفر في غير المواطن الأربعة بشرط لا، و في المواطن الأربعة لا بشرط، و معنى كونها لا بشرط أنّه للمكلّف إيقاعها تماما، و حينئذ يقع الكلام في أنّ الأخبار الدالّة على الملازمة بين القصر في الفريضة و سقوط نافلتها هل تدلّ على الملازمة فيما يجب التقصير و يتحتّم أو الأعمّ من ذلك و ممّا يجوز التقصير؟

فإن قلنا بالأول فلا تكون دالّة على سقوط النافلة في مواطن التخيير لعدم تحتّم القصر فيها، فلا بدّ من الرجوع إلى عمومات مشروعية النافلة. و إن قلنا بالثاني فلا بدّ من سقوط لجواز التقصير في المواطن الأربعة، و لا يبعد استفادة هذا المعنى من الأخبار. و حاصله: أنّ النافلة تدور مدار تمامية الصلاة، بحيث كلّما وجبت الصلاة تماما فالنافلة تشرع. و ربّما قيل بأنّ النافلة تدور مدار فعل الصلاة تماما، فإذا أتمّ في المواطن الأربعة فلا تسقط النافلة، و إن قصّر فتسقط. و ربّما

يشعر إلى ذلك خبر أبي يحيى الحنّاط (1)المتقدّم، فتأمّل.

و على أيّ حال، الركن الأول من الفصل الأول في مقدّمات الصلاة التي يجب أو يستحبّ تحصيلها قبل فعل الصلاة، و فيه أبحاث:


1) الوسائل: ج 3 ص 60 باب 21 من أبواب أعداد الفرائض، ح 4.

البحث الأول في المواقيت

اشارة

و فيه مقامات:

المقام الأول في تعيين المواقيت من الوقت الاشتراكي و الاختصاصي للظهر و العصر
اشارة

فاعلم أنّه لا إشكال في أنّ أول وقت الظهر هو الزوال بل الإجماع منعقد عليه، و ما ورد من الأخبار من القدمين (1)و المثل (2)و أمثال ذلك محمول على وقت الفضيلة للمتنفّل، و ربّما يأتي الإشارة إليه، و كذلك لا إشكال و لا خلاف في صحّة فعل العصر عقيب فعل الظهر خلافا للعامّة، و كذا في العشاءين يدخل وقت المغرب بأول ذهاب الحمرة المشرقية، و يصحّ فعل العشاء عقيبها و إن لم يذهب الشفق نعم نقل عن بعض الأعلام لزوم تأخير العشاء إلى ذهاب الشفق كما هو كذلك عند العامّة أيضا، و لكن قد تواتر الأخبار بصحّتها قبل ذلك فلا ينبغي الشكّ فيه، و كذلك لا إشكال في امتداد وقت الظهر إلى مقدار أداء العصر قبل


1) الوسائل: ج 3 ص 102 باب 8 من أبواب المواقيت، ح 1 و 2.

2) الوسائل: ج 3 ص 109 باب 8 من أبواب المواقيت، ح 33.

الغروب، و صحّة فعل المغرب إلى مقدار أداء العشاء قبل الانتصاف أو قبل الفجر، على تفصيل يأتي في محلّه. إنّما الخلاف و الإشكال في أنّ ما بين الزوال و الغروب وقت لمجموع الظهرين، و كذلك ما بين المغرب و انتصاف الليل وقت لمجموع العشاءين، أو أنّه يختصّ من أول الوقت بمقدار أداء الظهر كما أنّه يختصّ من آخر الوقت بمقدار أداء العصر، و كذلك في طرف العشاءين. و الأقوال في المسألة ثلاثة على ما يظهر من الكلمات:

قول بأنّ ما بين الزوال و الغروب وقت لمجموع الفريضتين، غاية الأمر أنّه يجب فعل الظهر قبل العصر، و لازم هذا القول أنّه لو نسي الترتيب و صلّى العصر في أول الزوال صحّت صلاته بمقتضى حديث «لا تعاد» (1)و قول بأنّه يختصّ من أول الوقت بمقدار أداء الظهر كما يختصّ من آخره بمقدار أداء العصر، بحيث لا تصحّ الشريكة فيه بحال من الأحوال، حتّى أنّه لو فرض أنّه صلّى الظهر قبل الزوال على وجه صحيح، كما إذا دخل الوقت و هو بعد لم يفرغ منها- على ما يأتي تفصيله إن شاء اللّٰه- لا تصحّ فعل العصر قبل مضيّ مقدار أربع ركعات من الزوال، و كذلك لو صلّى العصر قبل فعل الظهر على وجه يصحّ- على ما يأتي أيضا- لا يصحّ فعل الظهر في الوقت الاختصاصي لها، و هذا القول هو الاختصاص المطلق.

و قول- و لعلّ أن يكون عليه المعظم- هو الاختصاص في الجملة، بمعنى أنّه لو لم يصلّ الظهر على وجه صحيح لا تصحّ فعل العصر مطلقا و لو نسيانا في الوقت الاختصاصي للظهر، و كذلك في آخر الوقت لو لم يصلّ العصر على وجه صحيح لا يصحّ فعل الظهر في الوقت الاختصاصي للعصر. و أمّا لو فرض أنّه قد صلّى


1) الوسائل: ج 4 ص 770 باب 29 من أبواب القراءة في الصلاة، ح 5.

الظهر على وجه صحيح قبل الزوال، و كذا صلّى العصر على وجه صحيح قبل فعل الظهر تصحّ فعل العصر عقيبها و إن وقعت في الوقت المختصّ للظهر، و كذلك تصحّ الظهر في الفرض الثاني و إن وقعت في الوقت الاختصاصي للعصر، و هذا القول هو المعتمد و عليه تنطبق الأخبار بعد تقييد مطلقاتها و تحكيم نصوصها، فلا بدّ أولا من ذكر الأخبار الواردة في المقام حتّى يتّضح حقيقة الحال، و هي على طوائف أربع:

منها: ما دلّ على أنّ بمجرّد الزوال يدخل وقت الظهرين، كرواية محمّد بن علي ابن الحسين بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قال: إذا زالت الشمس دخل الوقتان الظهر و العصر، فإذا غابت الشمس دخل الوقتان المغرب و العشاء الآخرة (1)و قد ورد بهذا المضمون عدّة روايات بأسانيد مختلفة.

و منها: ما دلّ على هذا المعنى بزيادة قوله عليه السّلام «إلّا أنّ هذه قبل هذه» كرواية محمّد بن يعقوب عن علي بن محمّد و محمّد بن الحسن جميعا عن سهل بن زياد عن إسماعيل بن مهران قال: كتبت إلى الرضا عليه السّلام: ذكر أصحابنا أنّه إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر و العصر، و إذا غربت دخل وقت المغرب و العشاء الآخرة، إلّا أنّ هذه قبل هذه في السفر و الحضر، و أنّ وقت المغرب إلى ربع الليل، فكتب عليه السّلام: كذلك الوقت غير أنّ وقت المغرب ضيّق (2)، الحديث.

و منها: ذلك أيضا بزيادة قوله عليه السّلام «ثمّ أنت في وقت منهما جميعا حتّى تغيب الشمس» كرواية عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّٰه عليه السّلام عن


1) الوسائل: ج 3 ص 91 باب 4 من أبواب المواقيت، ح 1.

2) الوسائل: ج 3 ص 95 باب 4 من أبواب المواقيت، ح 20.

وقت الظهر و العصر فقال: إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر و العصر جميعا، إلّا أنّ هذه قبل هذه، ثمّ أنت في وقت منهما جميعا حتّى تغيب الشمس (1).

و منها: ما دلّ على اختصاص أول الوقت بالظهر و آخر الوقت بالعصر، و كذا العشاءان، كرواية داود بن فرقد عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال: إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر حتّى يمضي مقدار ما يصلّي المصلّي أربع ركعات، فإذا مضى ذلك فقد دخل وقت الظهر و العصر، حتّى يبقى من الشمس مقدار ما يصلّي المصلّي أربع ركعات، فإذا بقي مقدار ذلك فقد خرج وقت الظهر و بقي وقت العصر حتّى تغيب الشمس (2)و بهذا التفصيل ذكر وقت العشاءين في تتمّة هذا الحديث.

فهذه جملة الأخبار الواردة في المقام، فينبغي أن يعلم ما يتحصّل من مجموعها و ما يستفاد منها فنقول:

أمّا الطائفة الأولى فهي كالصريحة في أنّ بمجرّد الزوال يدخل الوقتان، بحيث يصلح هذا الزمان لوقوع أيّ من الصلاتين فيه، فتدلّ على صحّة العصر في أول الزوال، سواء كان قد صلّى الظهر أو لم يصلّها، فدلالتها على صحّة العصر في أول الوقت في الجملة بالصراحة، و إن كان بالنسبة إلى فعل الظهر و عدمه يكون بالإطلاق و الظهور، إذ لو لم تصحّ العصر في أول الوقت بوجه من الوجوه و حال من الأحوال لم يبق مورد لقوله عليه السّلام «إذا زال الزوال دخل الوقتان» و ذلك واضح.

و أمّا الطائفة الثانية و هي المشتملة على قوله عليه السّلام «إلّا أنّ هذه قبل


1) الوسائل: ج 3 ص 92 باب 4 من أبواب المواقيت، ح 5.

2) الوسائل: ج 3 ص 92 باب 4 من أبواب المواقيت، ح 7.

هذه» فلا إشكال في أنّها ليست في مقام شرطية الترتيب من دون تصرّف في الوقت، فإنّه لا وجه لذكر خصوص الترتيب من بين الشرائط، فينبغي حينئذ أن يعدّ سائر الشرائط أيضا كالقبلة و الطهور و أمثال ذلك، مع أنّه يلزم- بناء على هذا- أن يكون الاستثناء منقطعا، إذ لو كان في مقام بيان شرطية الترتيب فقط من دون تعرّض للوقت لا تكون جملة قوله عليه السّلام «إلّا أنّ هذه قبل هذه» مرتبطة بما قبلها و هو قوله عليه السّلام «إذا زال الزوال دخل الوقتان» فإنّ عقد المستثنى منه إنّما سيق لبيان الوقت المضروب للصلاة، و المفروض أنّ عقد المستثنى- بناء على هذا- يكون لبيان شرطية الترتيب، و شرطية الترتيب لا دخل لها بالوقت المضروب للفعل، فيكون الاستثناء منقطعا، و هو خلاف الأصل كما بيّن في محلّه، فلا بدّ من أن يكون قوله عليه السّلام «إلّا أنّ هذه قبل هذه» في بيان جعل مقدار من الوقت للأولى و يرتبط حينئذ بما قبله، فكأنّه أراد عليه السّلام بهذه الجملة تقييد ما أطلقه أولا من قوله عليه السّلام: «إذا زال الزوال دخل الوقتان» و بيان أنّ أول الوقت إنّما هو للصلاة الاولى، و لذا عقّبه عليه السّلام بما في الطائفة الثالثة و هو قوله «ثمّ أنت في وقت منهما جميعا حتّى تغيب الشمس».

فالطائفة الثالثة أقوى دليل على أنّ المراد من قوله عليه السّلام: «إلّا أنّ هذه قبل هذه» لبيان تخصيص أول بالأولى، و إلّا لم يكن معنى لقوله عليه السّلام «ثمّ أنت في وقت منهما» إذ لو لم تكن الجملة لبيان تعيين الوقت و تخصيصه، بل لبيان شرطية الترتيب فقط، فالمكلّف من أول الوقت في وقت منهما جميعا و الترتيب شرط في تمام الوقت، فلا معنى لقوله عليه السّلام حينئذ «ثمّ أنت في وقت منهما جميعا» لأنّ التعقيب بكلمة «ثمّ» بعد بيان شرطية الترتيب لا موقع له إلّا لإفادة سقوط الترتيب و هو- كما ترى- ضروري البطلان، فالتعقيب ب «ثمّ» إنما يصلح إذا كان ما قبلها و هو قوله عليه السّلام «إلّا أنّ هذه قبل هذه» لبيان

تخصيص الوقت و جعله أوله للأولى، فينطبق على ما في الطائفة الرابعة، و هي رواية داود بن فرقد و أمثالها ممّا دلّ على اختصاص أول الوقت بالظهر.

و ظهر ضعف القول الأول و هو أنّ ما بين الزوال و الغروب وقت لمجموع الصلاتين، بحيث لو نسي الظهر و صلّى العصر في أول الزوال تقع صحيحة بمقتضى حديث «لا تعاد» (1)لأنّ قوله عليه السّلام «إلّا أنّ هذه قبل هذه» لا تدلّ على أزيد من اشتراط الترتيب، و هو كسائر الشرائط عند النسيان يسقط، و رواية داود بن فرقد الدالة على الاختصاص ضعيف السند، لا يقاوم ما دلّ من المطلقات من أنّه إذا زال الزوال دخل الوقتان (2). وجه الضعف: ما تقدّم من أنّ قوله عليه السّلام «إلّا أنّ هذه قبل هذه» يدلّ على الاختصاص بالبيان المتقدّم، و أمّا رواية داود بن فرقد فهي- مع كونها معتبرة في نفسها كما يظهر بالمراجعة- يكفي في جبرها عمل المعظم بها.

بقي الكلام فيما استفاده المعظم من أنّ الاختصاص إنّما هو فيما إذا لم يصلّ صاحبة الوقت، و أمّا إذا كان قد صلّاها بوجه صحيح تصحّ الشريكة في الوقت الاختصاصي، في مقابل من يقول بالاختصاص المطلق بحيث لم تصحّ الشريكة في الوقت المختصّ بحال من الأحوال و إن كان قد صلّى صاحب الوقت قبله بوجه صحيح، و الحقّ أنّهم قد أجادوا فيما استفادوه من الأخبار، و لا محيص عن استفادة ذلك منها.

بيانه: أنّ رواية داود بن فرقد إنّما تدلّ على الاختصاص المطلق بالإطلاق، فإنّ قوله عليه السّلام فيها «فإذا مضى ذلك فقد دخل وقت الظهر و العصر حتّى


1) الوسائل: ج 4 ص 770 باب 29 من أبواب القراءة في الصلاة، ح 5.

2) الوسائل: ج 3 ص 91 باب 4 من أبواب المواقيت، نقلا بالمضمون.

يبقى .. إلخ» إنّما يدلّ على عدم دخول وقت العصر حتّى يمضي مقدار أربع ركعات من أول الوقت، سواء قد صلّى الظهر قبل ذلك على وجه صحيح أو لم يصلّها، فدلالتها على عدم دخول وقت العصر عند فعل الظهر قبل الزوال على وجه صحيح، كما إذا ظنّ بدخول الوقت فشرع في الصلاة و دخل عليه الوقت و هو بعد في الصلاة و لو قبل التسليم- بناء على اعتبار الظنّ في باب الوقت- انّما يكون بالإطلاق، مع أنّ دلالة قوله عليه السّلام «إذا زال الزوال فقد دخل الوقتان» بعد تقييده بقوله «إلّا أنّ هذه قبل هذه» على صلاحية فعل العصر في أول الوقت في الجملة إنّما يكون بالنصوصية، إذ لو لم تصحّ العصر في وقت الظهر بحال من الأحوال لم يبق مورد لقوله «دخل الوقتان» فحينئذ لا بدّ من تقييد إطلاق رواية داود بن فرقد بما إذا لم يصلّ الظهر على وجه صحيح قبل دخول الوقت، و يبقى الصورة الأخرى و هي ما إذا صلّى الظهر قبل ذلك داخلة في قوله عليه السّلام «إذا زال الزوال دخل الوقتان» و هذا بخلاف ما إذا أخذنا بإطلاق رواية داود، فإنّه لم يبق مورد حينئذ لقوله «دخل الوقتان» فمن باب تحكيم النصّ على المطلق يستفاد ما أفاده المعظم من أنّ الاختصاص إنّما هو فيما إذا لم يؤدِّ صاحبة الوقت.

و بعبارة أوضح: أنّ النسبة بين قوله عليه السّلام «إذا زال الزوال دخل الوقتان» و بين ما في رواية داود بن فرقد و إن كان هو التباين، لأنّ إطلاق قوله «إذا زال الزوال دخل الوقتان» يشمل فيما إذا لم يصلّ الظهر، فهو بإطلاقه دالّ على دخول وقت العصر و إن لم يكن قد صلّى الظهر، و كذا إطلاق رواية داود بن فرقد الدالّة على الاختصاص يدلّ على عدم دخول وقت العصر قبل مضيّ مقدار أربع ركعات من أول الزوال مطلقا سواء صلّى الظهر أو لم يصلّها، فالروايتان متعارضتان بإطلاقهما.

و لكن بعد تقييد قوله عليه السّلام «إذا زال الزوال دخل الوقتان» بقوله

عليه السّلام عقيب ذلك كما في بعض الروايات «إلّا أنّ هذه قبل هذه» فيخرج صورة عدم فعل الظهر عن إطلاقه، و يبقى صورة فعل الظهر قبل الزوال على وجه صحيح مشمولا لقوله «إذا زال الزوال دخل الوقتان» لعدم دخول هذه الصورة تحت المقيّد، و هو قوله «إلّا أنّ هذه قبل هذه» لأنّ هذه الجملة إنّما تصحّ فيما إذا كان الفرضان بعد باقيين في ذمّة المكلّف، إذ لو لم يبق في ذمّة المكلّف إلّا فرض واحد لم يكن معنى لقوله «هذه قبل هذه» فالمقيّد إنّما يخرج صورة عن تحت الإطلاق و هي ما إذا لم يفعل الظهر، و تبقى الصورة الأخرى و هي ما إذا فعل الظهر على الوجه الصحيح مشمولة لقوله عليه السّلام «إذا زال الزوال دخل الوقتان».

و حينئذ تنقلب النسبة بين قوله «إذا زال الزوال دخل الوقتان» و بين ما في رواية داود بالأعمّ و الأخصّ المطلق بعد ما كانت بالتباين، فإنّ قوله عليه السّلام «إذا زال الزوال دخل الوقتان» يختصّ بعد التقييد بصورة واحدة، و هي دخول وقت العصر في أول الزوال فيما إذا صلّى الظهر بوجه صحيح قبل الزوال، و رواية داود أعمّ من هذه، فإنّ مفادها أنّه- سواء صلّى الظهر أو لم يصلّها- وقت العصر لا يدخل، فيقيّد إطلاقها بقوله «إذا زال الزوال دخل الوقتان» الذي هو يكون بعد التقييد كالنصّ في دخول وقت العصر على تقدير صلاة الظهر، فتأمّل جيّدا، هذا كلّه في أول الوقت.

و أمّا آخر الوقت فرواية داود بن فرقد و إن كانت قد دلّت على اختصاص مقدار أربع ركعات من الغروب للعصر خاصّة، سواء كان قد صلّى الظهر قبل ذلك أو لم يصلّها، و لازم ذلك عدم صحّة الظهر في هذا الوقت لو كان قد صلّى العصر قبل ذلك على وجه صحيح، كما إذا خاف الضيق فصلّى العصر بظنّ أنّه لم يبق من الوقت إلّا مقدار أدائها فتبيّن خلافه و أنّ الوقت بعد باق، فإطلاق رواية داود بن فرقد يدلّ على خروج وقت الظهر حينئذ فلا يصحّ إيقاعها أداء،

إلّا أنّه مع العلم بعدم الفرق بين أول الوقت و آخره و عدم القول به يقيّد ذلك الإطلاق بما في رواية الحلبي، قال: سألته عن رجل نسي الاولى و العصر جميعا ثمّ ذكر ذلك عند غروب الشمس، فقال: إن كان في وقت لا يخاف فوت أحدهما فليصلّ الظهر ثمّ يصلّي العصر، و إن هو خاف أن تفوته فليبدأ بالعصر و لا يؤخّرها فتفوته فيكون قد فاتتاه جميعا، و لكن يصلّي العصر فيما قد بقي من وقتها ثم ليصلّ الاولى على أثرها (1).

فهذه الرواية صدرها و إن كان من أدلّة الاختصاص إلّا أن قوله عليه السّلام في ذيلها «ثمّ ليصلّ الاولى على أثرها» بإطلاقه يشمل ما إذا تبيّن بقاء الوقت، إذ لم يفرض الإمام عليه السّلام زائدا عن خوف الضيق و هو ممكن التخلّف، فالرواية تدلّ بإطلاقها على صحّة فعل الظهر في وقت العصر، و بعد تقييدها بما دلّ على التوسعة في القضاء تكون مختصّة بما إذا انكشف بقاء الوقت بمقدار فعل الظهر، فتكون أخصّ مطلقا من رواية داود بن فرقد و يرتفع المحذور، فتدبّر.

بقي الكلام في تحديد مقدار الوقت الاختصاصي للفريضة، مع اختلافها سفرا و حضرا و خوفا، و كذلك اختلافها باعتبار اشتمالها على المستحبّات و عدمه، و اختلاف المصلّي باعتبار واجديّته للمقدّمات من الطهارة و الستر و غير ذلك، و باعتبار خفّة لسانه و بطئه و غير ذلك من الاختلاف، و المسألة لم تكن محرّرة في كلمات الأصحاب حقّ التحرير، و قد اختلفت كلماتهم في التعبير عن الوقت الاختصاصي، فبعضهم عبّر عن ذلك ب «مقدار مضيّ أربع ركعات» كما عبّر به في رواية داود بن فرقد، و بعضهم عبّر عنه ب- «بعد الفراغ عن صلاة الظهر» كما عبّر به أيضا في رواية الفضل عن العلل (2)أو «بعد أن صلّيت الظهر» كما في


1) الوسائل: ج 3 ص 94 باب 4 من أبواب المواقيت، ح 8 و فيه اختلاف يسير.

2) علل الشرائع: ج 1 ص 263 باب 182 علل الشرائع و أصول الإسلام قطعة من ح 9.

رواية أخرى نقل عن المستند (1)، فالمهمّ إنّما هو بيان ما يستفاد من الأخبار فنقول:

ربّما يتوهّم أنّ قوله عليه السّلام «بعد الفراغ عن صلاة الظهر» أو «بعد أن صلّيتها» ظاهر في الفراغ الفعلي بما لها من المقدّمات فتكون المقدّمات داخلة فيها تبعا، و يعتبر حينئذ في دخول وقت العصر مضيّ زمان من أول الوقت بحيث يفي بصلاة الظهر مع ما لها من المقدّمات، فلو صلّى العصر قبل ذلك تقع في الوقت الاختصاصي للظهر، بل ربّما يدّعى أظهرية هذه الأخبار عمّا في رواية داود بن فرقد (2)من اعتبار مضيّ خصوص مقدار أربع ركعات الظاهرة في عدم دخول المقدّمات فيها، فيكون قوله عليه السّلام «عند الفراغ من الصلاة التي قبلها» في تحديد وقت العصر كما في رواية العلل (3)قرينة على أنّ المراد من «مضيّ مقدار أربع ركعات» كما في رواية داود مضيّ الأربع بما لها من المقدّمات، هذا.

و لكنّ الإنصاف أنّ هذه الدعوى لا تستقيم.

أمّا أولا: فلمنع أظهرية قوله عليه السّلام «عند الفراغ» في دخول المقدّمات تبعا عن قوله عليه السّلام «مقدار مضيّ أربع ركعات» الظاهر في أنّ المدار على مضيّ هذا المقدار من الزمان خاصّة بلا دخل للمقدّمات فيها، بل ربّما يقال بأظهرية ما في رواية داود الظاهر في التحديد بالزمان عن قوله «عند الفراغ» الظاهر في التحديد بالفعل كما لا يخفى على المتأمّل، فدعوى الأظهرية ممنوعة جدّا.

و أمّا ثانيا: فلأن ليس كلّ أظهرية توجب التصرّف في الظاهر، بل لا بدّ في الأظهرية من أن تكون على وجه لو القي الأظهر و الظاهر إلى العرف و اتّصلا في الكلام، يفهم منه المراد بلا تأويل و من غير أن يقع المخاطب في حيرة، بل بمجرّد


1) مستند الشيعة: كتاب الصلاة ج 1 ص 236.

2) الوسائل. ج 3 ص 92 باب 4 من أبواب المواقيت، ح 7.

3) علل الشرائع: ج 1 ص 263 باب 182 علل الشرائع و أصول الإسلام قطعة من ح 9

صدورهما عن المتكلّم يحمل الظاهر على الأظهر و يستفاد منه المراد كما إذا لم يكن هناك إلّا كلام واحد ظاهر في معنى واحد، فلو كانت الأظهرية بهذه المثابة تكون حينئذ قرينة على التصرّف في الظاهر و حمله على ما لا ينافي الأظهر، و أمّا لو كانت هناك مجرّد أظهرية من غير أن تصل إلى هذه المرتبة فلا تكون قرينة على التصرّف و الحمل و لا يخرجه عن كونه تبرّعيا، ففي المقام نقول:

إنّ مجرّد أظهرية قوله «عند الفراغ» في دخول المقدّمات تبعا- على تقدير تسليمها- ليس بتلك المثابة من الأظهرية بحيث يوجب التصرّف في قوله «حتّى يمضي مقدار أربع ركعات» و حمله على ما لا ينافي دخول المقدّمات، و الشاهد على ذلك أنّه لو جمع الفقرتين في كلام واحد، كأن يقال: لا يدخل وقت العصر حتّى يمضي مقدار أربع ركعات من أول الزوال فإذا فرغت من الصلاة يدخل وقت العصر، لا يفهم العرف أنّ المراد من المضيّ إنّما هو المضيّ بما للركعات من المقدّمات و يحكّم أظهرية «إذا فرغت» على ذلك.

و أمّا ثالثا: فلأنّ ما استدلّ به من الأخبار على دخول المقدّمات، كقوله «عند الفراغ من الصلاة التي قبلها» (1)و أمثال ذلك أجنبية عن المقام، فلأنّها ليست بصدد بيان تحديد الوقت الاختصاصي و أنّ مقدار فعل الظهر و الفراغ عنها يختصّ بها و ليس للشريكة فيه حظّ و نصيب، بل تلك الأخبار إنّما هي بصدد إفادة أمر آخر، و هو الردّ على العامّة حيث يوجبون تأخير العصر إلى ما يزيد على المثلين، فقوله عليه السّلام «عند الفراغ من الصلاة الأولى» إنّما هو للردّ عليهم و أنّه ليس الأمر كما زعموا، بل يجوز فعل العصر عند الفراغ من الظهر و لا يجب تأخيرها إلى المثل كما في بعض الروايات، أو المثلين (2)كما في بعضها الآخر المحمولة على


1) الوسائل: ج 3 ص 117 باب 10 من أبواب المواقيت، ح 11.

2) الوسائل: ج 3 ص 105 باب 8 من أبواب المواقيت، ح 13.

إرادة بيان الفضل للمتنفّل و أنّه المثل أو المثلان- على ما سيأتي تفصيله- و كذا لا يجب تأخيرها بما يزيد على ذلك كما يفعله العامّة.

فالروايات إنّما هي بصدد بيان جواز فعل العصر عقيب الفراغ من الظهر، من دون انتظار المثل أو المثلين أو أزيد، كما يشعر إليه قوله عليه السّلام في رواية العلل «و لم يكن للعصر وقت معلوم مشهور مثل هذه الأوقات الأربعة، فجعل وقتها عند الفراغ من الصلاة التي قبلها» (1)الحديث، فهذه الأخبار أجنبية عمّا نحن فيه من تحديد الوقت الاختصاصي.

فتحصّل: أنّ هذه الأخبار لا تقاوم ظهور رواية داود (2)في أنّ مقدار الوقت الاختصاصي إنّما هو مقدار مضيّ أربع ركعات خاصّة من غير دخول المقدّمات من جهات. فالأقوى أنّ وقت العصر يدخل بمجرّد مضيّ ذلك المقدار مطلقا سواء كان المكلّف واجدا للمقدّمات أو فاقدا لها، هذا بالنسبة إلى دخول المقدّمات و خروجها عن تحديد الوقت الاختصاصي.

و أمّا بالنسبة إلى خفّة لسان المكلّف و بطء حركاته، و اشتمال الفريضة على المستحبّات و عدمه، فلا يبعد ملاحظة ما هو الوسط عند نوع المصلّين، فلا يقتصر على أقلّ الواجب و لا على اشتمال الفريضة بأكثر المستحبّات، و كذا بالنسبة إلى الخفّة و البطء بل يلاحظ في ذلك ما هو الوسط، فلو مضى من أول الزوال مقدار أربع ركعات متوسّطات في اشتمالها على المستحبّات و عدمه و في الخفّة و البطء فقد دخل وقت المشترك، كما هو الشأن في غالب التقديرات الشرعية، حيث إنّها محمولة على ما هو المعتاد و المتعارف عند الأواسط.


1) الوسائل: ج 3 ص 117 باب 10 من أبواب المواقيت، ح 11.

2) علل الشرائع: ج 1 ص 263 باب 182 علل الشرائع و أصول الأحكام قطعة من ح 9.

بقي الكلام في تحديد الوقت الاختصاصي بالنسبة إلى الحاضر و المسافر، و أمثال ذلك من صلاة الخوف و المطاردة، فقد يقال: إنّ قوله عليه السّلام في رواية داود بن فرقد «حتّى يمضي مقدار أربع ركعات» (1)محمول على المثال و لا خصوصية للأربع، بل هو كناية عن مضيّ مقدار الفريضة على اختلافها بالنسبة إلى أشخاص المكلّفين و غير ذلك، فيدخل وقت الاشتراكي بالنسبة إلى الحاضر مقدار مضيّ أربع ركعات من أول الزوال، و بالنسبة إلى المسافر مقدار مضيّ ركعتين، و هكذا بالنسبة إلى الخائف مقدار صلاته.

و لكنّ الإنصاف أنّ الحمل على ذلك ممّا لا شاهد [له] و إن كان ليس ببعيد، إذ من المحتمل قريبا أن يكون لمضيّ مقدار أربع ركعات خصوصية، بحيث لا يدخل وقت المشترك إلّا بعد مضيّ ذلك المقدار من الوقت و لو كان الشخص مسافرا أو خائفا، فالحمل على المثالية تحتاج إلى دليل، و على تقدير الشكّ في ذلك فهل الأصل يقتضي الرجوع إلى المطلقات من قوله عليه السّلام إذا زال الزوال دخل الوقتان» (2)أو إلى استصحاب عدم دخول وقت العصر؟ وجهان، لا يخلو الأول من قوّة بعد ما كان الشكّ في المخصّص راجعا إلى الأقل و الأكثر، فتأمّل.

ثمّ إنّ الثمرة بين ما اخترناه من عدم دخول المقدّمات في الوقت الاختصاصي، و بين ما اختاره بعض الأعلام من دخولها في ذلك، إنّما تظهر فيما إذا لم يؤدّ صاحبة الوقت، و أمّا إذا أدّاها فوقت العصر يدخل مطلقا بناء على كلا القولين، لما تقدّم من أنّ أدلّة الاختصاص مختصّة بما إذا لم يؤدّ صاحبة الوقت


1) الوسائل: ج 3 ص 92 باب 4 من أبواب المواقيت، ح 7.

2) الوسائل: ج 3 ص 91 باب 4 من أبواب المواقيت، نقلا بالمضمون.

كما تقدّم تفصيله، و حينئذ نقول:

تظهر الثمرة بين القولين فيما إذا صلّى العصر نسيانا قبل الظهر بعد مضيّ مقدار أربع ركعات من الوقت أو أكثر، بحيث كان من أول الوقت مشغولا بتحصيل المقدّمات إلى مضي ذلك المقدار، و بعد تحصيلها نسي عن فعل الظهر و صلّى العصر، فبناء على ما اخترناه تصحّ العصر، لأنّها وقعت في الوقت المشترك، و حديث «لا تعاد». (1)يرفع الترتيب عند النسيان، و أمّا بناء على القول الآخر فينبغي الحكم ببطلانها، لأنّها وقعت في الوقت الاختصاصي، فانّ الوقت الاختصاصي- بناء على هذا القول- إنّما هو مقدار تحصيل المقدّمات مع فعل الفريضة، و المفروض أنّ العصر وقعت قبل ذلك فتبطل.

و إنّما قيّدنا بما إذا كان المكلّف مشغولا بتحصيل المقدّمات من أول الزوال إلى مضيّ ذلك المقدار فلأنّه لو كانت المقدّمات حاصلة له قبل الزوال، أو كانت متعذّرة عليه مطلقا، فلا ثمرة أيضا بين القولين، فإنّ من يقول بدخول المقدّمات فإنّما يقول به إذا كان المكلّف فاقدا لها و مكلّفا بها، و أمّا لو كان واجدا لها أو غير مكلّف بها- إمّا لتعذّرها و إمّا لنسيانها- فوقت الاختصاصي حينئذ يكون بمقدار مضيّ أربع ركعات فقط.

نعم لو فرض أنّ نسيانه المقدّمات إنّما كان بتبع نسيان الظهر، بحيث لو لم يكن ناسيا للظهر لما كان ناسيا للمقدّمات- و إن بعد الفرض- لكان اللازم على هذا القول هو الالتزام ببطلان صلاة العصر أيضا، لو وقعت قبل مضيّ مقدار من الوقت بحيث لو كان متذكرا لكان يمكنه فعل الفريضة مع المقدّمات، فانّ نسيان المقدّمات حيث كان بتبع نسيان الظهر فالتكليف لا يسقط عنها لعدم سقوطه عن


1) الوسائل: ج 4 ص 770 باب 29 من أبواب القراءة في الصلاة، ح 5.

الظهر، فيلزم وقوع العصر في الوقت الاختصاصي، فتأمّل (1)

نعم المقدّمات المنسية بالنسبة إلى صلاة العصر على تقدير صحّتها تكون ساقطة لجريان حديث «لا تعاد» بالنسبة إليها. و أمّا صلاة الظهر فحيث إنّها منسية من رأسها لا تكون مشمولة لحديث «لا تعاد» فلا تكون مقدّماتها المنسية ساقطة، و يلزم على هذا وقوع العصر في الوقت الاختصاصي للظهر بناء على دخول المقدّمات فيه، فتبطل من جهة وقوعها في غير وقتها، فتأمّل. «منه».

.

و الحاصل: أنّ الظاهر من كلمات من يقول بدخول المقدّمات في الوقت الاختصاصي، إنّما هو في المقدّمات التي يجب تحصيلها، بحيث يكون المكلّف فاقدا لها و كان ممّا يمكنه تحصيلها بعد دخول الوقت، لا أنّه يدّعي بدخول المقدّمات في الوقت الاختصاصي مع كون المكلّف واجدا لها، أو غير مكلّف بها للتعذّر أو النسيان أو غير ذلك من أسباب العذر، حتّى يلزمه القول ببطلان العصر لمن أتى بها ناسيا للظهر بعد مضيّ مقدار أربع ركعات فقط مطلقا سواء كان المكلّف واجدا لها أو فاقدا، فانّ ذلك بعيد من كلماتهم بل المصرّح به خلاف ذلك.

فتحصّل: أنّ الثمرة بين القولين إنّما تحصل فيما إذا مضى مقدار من الوقت لا يفي بتحصيل المقدّمات مع فعل الفريضة و صلّى العصر ناسيا للظهر، فإنّه بناء على ما اخترناه تصحّ، و بناء على القول الآخر لا تصحّ، هذا كلّه فيما إذا مضى مقدار أربع ركعات من الزوال و صلّى العصر ناسيا للظهر.


1) وجهه هو أنّ الأقوى أنّ نسيان المقدّمات مطلقا سواء كان بتبع نسيان الفريضة أو لم يكن بل كان نسيانها مستقلا لا يوجب سقوطها، لأنّ العمدة في سقوط المقدّمات المنسية إنّما هو «لا تعاد الصلاة» و حديث «لا تعاد» (الوسائل: ج 4 ص 770 باب 29 من أبواب القراء في الصلاة، ح 5.) إنما يستفاد منه عدم إعادة الصلاة عند نسيان مقدّماتها أو أجزائها غير الخمسة، فمع عدم الصلاة رأسا- كما فيما نحن فيه حيث نسي الظهر- فلا وجه لسقوط مقدّماتها عند نسيانها و لو لم يكن نسيانها بتبع نسيان الفريضة.

و أمّا إذا لم يمض مقدار ذلك، فإن وقعت العصر بتمام أجزائها في الوقت الاختصاصي للظهر، بحيث لم يدخل الوقت المشترك قبل الفراغ منها فلا إشكال في بطلانها على كلا القولين، نعم لو لم نقل بالوقت الاختصاصي، و قلنا: إنّ قوله عليه السّلام «إلّا أنّ هذه قبل هذه» (1)لبيان إفادة مجرّد شرطية الترتيب، و أعرضنا عن رواية داود بن فرقد (2)، لكانت الصلاة صحيحة، لاغتفار الترتيب عند النسيان كسائر الشرائط، و أمّا لو لم نقل بهذه المقالة- كما هو المختار و عليه المعظم- فاللازم بطلان صلاة العصر لو وقعت في الوقت الاختصاصي، و لا تحسب لا عصرا و لا ظهرا.

أمّا عدم احتسابها عصرا فواضح، لأنّه من ثمرات القول بالاختصاص، و أمّا عدم احتسابها ظهرا فلأنّ الشي‌ء لا ينقلب عمّا وقع عليه، فإذا لم تصحّ عصرا- مع أنّها هي المنوي- فكيف تقع ظهرا؟

نعم وردت هنا رواية صحيحة عن زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام مشتملة على جملة من الأحكام، و منها أنّه قال عليه السّلام: إذا نسيت الظهر حتّى صلّيت العصر فذكرتها و أنت في الصلاة أو بعد فراغك فانوها الاولى ثمّ صلّ العصر، فإنّما هي أربع مكان أربع، و إن ذكرت أنّك لم تصلّ الاولى و أنت في صلاة العصر و قد صلّيت منها ركعتين فانوها الاولى، ثمّ صلّ الركعتين الباقيتين و قم فصلّ العصر (3)الحديث.

و قد عمل بهذه الصحيحة بعض المتأخرين و أفتى بإطلاقها، و قال: إنّه لو صلّى العصر ناسيا للظهر في الوقت الاختصاصي، بحيث لم يدخل الوقت


1) الوسائل: ج 3 ص 92 باب 4 من أبواب المواقيت، ح 5.

2) الوسائل: ج 3 ص 92 باب 4 من أبواب المواقيت، ح 7.

3) الوسائل: ج 3 ص 211، باب 63 من أبواب المواقيت، ح 1.

المشترك و هو فيها بل وقعت بتمام أجزائها في الوقت الاختصاصي صحّت الصلاة و وقعت ظهرا، و بعد ذلك يصلّي العصر على اختلاف في تعبيراتهم من وقوعها ظهرا قهرا عليه و إن لم ينو ذلك، أو أنّه يعتبر احتسابها ظهرا بأن يجعلها في نيّته ظهرا و يحتسبها كذلك بعد الفراغ عند التذكّر، هذا.

و لكنّ الإنصاف أنّ العمل بهذه الرواية و الفتوى على طبقها في غاية الوهن و السقوط.

أمّا أولا: فلأنّ الرواية و إن كانت في الدرجة العليا من الصحّة، و قد أفتى المشهور بما اشتملت عليه من الأحكام و عمل بها، إلّا في خصوص هذا الجزء، و هو صحّتها عند التذكّر بعد الفراغ و احتساب العصر ظهرا، فإنّ المشهور قد أعرض عنه و أفتى ببطلان الصلاة لو وقعت بتمام أجزائها في الوقت الاختصاصي، و لا تحسب لا ظهرا و لا عصرا، و لو وقعت في الوقت المشترك و لو جزء منها تصحّ عصرا، فإعراض المشهور عن خصوص هذا الجزء مع الأخذ بسائر ما اشتملت عليه من الأحكام أقوى شاهد على وهن هذا الجزء و وقوع الخلل فيه.

و أمّا ثانيا: فلعدم إطلاق في الرواية بحيث تشمل ما إذا وقعت العصر بتمام أجزائها في الوقت الاختصاصي، إمّا لندرة نسيان الظهر في أول وقتها بحيث يشرع في أول وقت الظهر في العصر ناسيا لها كما في الجواهر (1)، و إمّا لظهور قوله عليه السّلام في الرواية «إذا نسيت الظهر حتّى صلّيت العصر» في امتداد النسيان و لو في الجملة، فإنّه لو شرع في العصر في أول وقت الظهر لا يقال: إنّه نسي الظهر حتّى شرع في العصر، بل يقال: نسي الظهر و صلّى العصر، فكلمة «حتّى» تدلّ على امتداد النسيان و لو في الجملة، فتقع العصر و لو جزء منها في


1) جواهر الكلام: ج 7 ص 86.

الوقت المشترك، و لا يمكن أن يقال: إنّ كلمة «حتّى» إنّما هي لبيان امتداد النسيان إلى الفراغ من العصر، لمنافاته لقوله عليه السّلام عقيب ذلك «فذكرتها و أنت في الصلاة» أو «بعد فراغك» فالإنصاف أنّ الرواية لا إطلاق فيها بحيث تشمل ما نحن فيه.

و أمّا ثالثا: فلأنّه على فرض إطلاق الرواية لا بدّ من تقييدها بأدلّة الاختصاص الدالّة على عدم صحّة العصر في الوقت المختصّ و عدم صلاحيّته لذلك، فلأنّه بعد تقييد أدلّة الاختصاص بما إذا لم يؤدّ صاحبة الوقت على ما تقدّم بيانه، فتكون حينئذ نصّا في عدم صلاحية الوقت لوقوع العصر فيه عند عدم فعل الظهر، و لا مورد لها سوى هذه الصورة، فلو أخذنا بإطلاق تلك الرواية و قلنا: إنّه متى ما صلّيت العصر قبل الظهر ناسيا لها تقع ظهرا فلا يبقى للاختصاص مورد حينئذ.

لا يقال: إنّ أدلّة الاختصاص إنّما هي لبيان عدم صحّة الصلاة عصرا في الوقت المختصّ، و أما عدم وقوعها ظهرا فلا يستفاد من أدلّة الاختصاص.

فإنّه يقال: بعد فرض الأخذ بإطلاق الرواية، و قلنا: إن الصلاة متى ما وقعت فإنّما هي تقع ظهرا سواء كان ذلك في الوقت الاختصاصي أو في الوقت المشترك، فأيّ فائدة في جعل وقتين وقت اختصاصي و وقت اشتراكي؟ و هل ثمرة ذلك إلّا عدم صحّة العصر في الأول لو وقعت نسيانا الدالّة عليه أدلّة الاختصاص بالنصوصية و صحّتها في الثاني؟ فلا بدّ من تقييد إطلاق الرواية بما إذا وقعت العصر و لو جزء منها في الوقت المشترك بناء على العمل بها.

و أمّا رابعا: فلأنّ قوله عليه السّلام في الرواية «فانوها الاولى» كالصريح في عدم وقوعها ظهرا قهرا، بل يحتاج إلى نية العدول و احتسابها ظهرا، فلو أنّ أحدا صلّى العصر نسيانا في أول وقت الظهر، و لم يتذكّر إلى أن مات فتقع العصر

باطلة، و لا بدّ من قضاء الوليّ عنه الظهر و العصر، و لا يمكن للوليّ أن ينوي ما وقع من الميّت ظهرا، فالأقوى أنّ هذا الجزء من الرواية ساقط من أصله و لا يمكن الفتوى به (1)، هذا كلّه إذا لم يتذكّر حتّى فرغ من العصر.

و امّا لو تذكّر في الأثناء، فإن كان تذكّره بعد دخول وقت المشترك فلا بدّ من نية العدول و إتمامها ظهرا، و يدلّ عليه أخبار العدول (2)، و أمّا لو تذكّر و هو


1) هذا إذا وقعت العصر بتمام أجزائها في الوقت المختصّ بالظهر، و أمّا إذا وقع جزء منها في الوقت المشترك، و لم يتذكّر حتّى فرغ منها فالأقوى صحّتها عصرا كما نسب إلى المشهور، لإطلاق رواية إسماعيل بن رياح عن أبي عبد اللّٰه قال: إذا صلّيت و أنت ترى أنّك في وقت و لم يدخل الوقت فدخل الوقت و أنت في الصلاة فقد أجزأت عنك (2). الشامل لدخول الوقت المشترك في أثناء صلاة العصر و لو قبل التسليم.

2) هذا إذا وقعت العصر بتمام أجزائها في الوقت المختصّ بالظهر، و أمّا إذا وقع جزء منها في الوقت المشترك، و لم يتذكّر حتّى فرغ منها فالأقوى صحّتها عصرا كما نسب إلى المشهور، لإطلاق رواية إسماعيل بن رياح عن أبي عبد اللّٰه قال: إذا صلّيت و أنت ترى أنّك في وقت و لم يدخل الوقت فدخل الوقت و أنت في الصلاة فقد أجزأت عنك (2). الشامل لدخول الوقت المشترك في أثناء صلاة العصر و لو قبل التسليم.

بعد في الوقت الاختصاصي فالذي يظهر من بعض الأعلام، كالبيان (1)و المقاصد العلية (2)و جامع المقاصد (3)و المدارك (4)و غيرها- على ما نقل- أنّه يعدل و يتمّمها ظهرا.

و لكن يشكل ذلك بأنّ أخبار العدول لا يستفاد منها ذلك، فإنّها في مقام إحراز الترتيب بعد الفراغ عن أنّ ما وقع منه أولا كان جامعا لشرائط الصحّة سوى فوات الترتيب و بالعدول يحرز الترتيب، و أمّا لو فرض أنّ ما وقع منه أولا كان باطلا من أصله فبأخبار العدول لا يمكن تصحيحه، إذ ليست في مقام تصحيح الباطل، و حينئذ نقول: إنّه لو تذكّر و قد دخل عليه الوقت المشترك، فحيث إنّ دخول الوقت المشترك مصحّح لما وقع منه أولا في غير الوقت لكان مقتضى القاعدة المستفادة من الأخبار- مع قطع النظر عن أخبار العدول- تتميمها عصرا و اغتفار فوات الترتيب كما لو لم يتذكّر إلى الفراغ، و بعد ملاحظة أخبار العدول يجب العدول و تتميمها ظهرا، و أمّا لو تذكّر و هو بعد في الوقت الاختصاصي، فحيث إنّ ما وقع من الصلاة كان في غير وقتها و بعد لم يدخل عليه الوقت المشترك فلا بدّ من وقوعه باطلا، و قد عرفت أنّ أخبار العدول ليست بصدد تصحيح ما وقع باطلا، فتأمّل.

فروع
الأول: لو صلّى العصر ناسيا للظهر و تذكر بعد الفراغ منها

، و لكن شكّ في


1) البيان: باب أوقات الصلاة ص 50 س 5.

2) لا يوجد لدينا هذا الكتاب.

3) جامع المقاصد: ج 2 ص 33 أوقات الصلاة.

4) المدارك: ص 49 الرابع: الفرائض اليومية ..

أنّه هل دخل عليه الوقت المشترك قبل فراغه منها حتّى تصحّ عصرا، أو أنّه لم يدخل و وقعت بجميع أجزائها في الوقت الاختصاصي فلا إشكال في عدم جواز التمسّك بإطلاق قوله عليه السّلام «إذا زال الزوال دخل الوقتان» (1)لتصحيحها، لأنّ المفروض أنّه قد قيّد هذا الإطلاق بمقدار مضيّ أربع ركعات، و الشبهة في المقام مصداقية لا يجوز التمسّك فيها بالعام، و هذا ممّا لا شبهة فيه.

إنّما الإشكال في أنّ قاعدة الفراغ تجري أو لا؟ و الأقوى أنّه لا موقع لقاعدة الفراغ في المقام، بل استصحاب عدم دخول الوقت المشترك محكّم، فتكون الصلاة واقعة في غير وقتها.

بيان ذلك: أنّه سيمرّ عليك إن شاء اللّٰه في بعض المباحث الآتية أنّ مورد قاعدة الفراغ إنّما هو الشكّ في فقدان شرط أو جزء كان مراعاته بيد المكلّف و بعد الفراغ شكّ في مراعاته، إمّا على النحو الشكّ الساري بحيث يشكّ الآن بأنّه هل راعى الشرط أو الجزء في موطنه، أو أنّه غفل عن مراعاته على أحد الاحتمالين في قاعدة الفراغ، و إمّا على نحو لا يرجع الشكّ إلى الشكّ الساري، كما إذا شكّ بعد الفراغ في إتيان الجزء أو الشرط بعد العلم بأنّه كان ملتفتا إليه في موطنه، كما هو أقوى الاحتمالين في قاعدة الفراغ.

و لكن على كلا الاحتمالين يعتبر أن يكون الشي‌ء المشكوك ممّا بيد المكلّف مراعاته، و أمّا لو لم يكن من هذا القبيل، بأن كان من الأمور الخارجة عن قدرة المكلّف، بحيث لو كان الشي‌ء المشكوك واقعا في الخارج لكان وقوعه من باب المصادفة الاتّفاقية بلا دخل لمراعاته فلا مورد لقاعدة الفراغ فيه. ففيما نحن فيه الشكّ إنّما هو في دخول الوقت المشترك في أثناء الصلاة، و هذا


1) الوسائل: ج 3 ص 91 باب 4 من أبواب المواقيت. نقلا بالمضمون.

كما ترى- لا دخل لمراعاة المكلّف فيه، فإنّ دخول الوقت و عدم دخوله من المصادفات الاتّفاقية الخارجة عن قدرة المكلّف و مراعاته.

نعم ما هو بيد المكلّف إنّما هو مراعاة أنّ صلاته هذه كانت قبل الظهر أو بعدها، و هذا ممّا يقطع بعدم مراعاته، لأنّ المفروض القطع بوقوع العصر قبل الظهر، فما هو بيد المكلّف مراعاته يقطع بعدم المراعاة، و لا مجرى لقاعدة الفراغ بالنسبة إليه، و ما هو ليس بيد المكلّف مراعاته كدخول الوقت و عدم دخوله أجنبيّ عن قاعدة الفراغ، فلا محيص عن استصحاب عدم دخول الوقت و الحكم ببطلان الصلاة.

لا يقال: لو شكّ بعد الفراغ من صلاة الظهر و بعد دخول الوقت (1).

أن الظهر هل وقعت بتمام اجزائها قبل الوقت أو بعده و لو جزء منها، فلا إشكال في جريان قاعدة الفراغ و الحكم بصحّتها، مع أنّ المشكوك هو دخول الوقت و عدم دخوله، و هو خارج عن قدرة المكلّف و مراعاته، فما الفرق بين هذا و بين ما نحن فيه؟ و الحاصل: أنّه لا نجد فرقا بين الشكّ بعد الفراغ في دخول الزوال أثناء صلاة الظهر، حيث تسالموا على الحكم بصحّتها لأجل قاعدة الفراغ، و بين الشكّ بعد الفراغ في دخول الوقت المشترك في أثناء صلاة العصر، حيث قلتم بعدم جريان قاعدة الفراغ.


1) و إنّما قيّدنا ببعد دخول الوقت فإنّه لو كان بعد الفراغ شاكّا في دخول الوقت أيضا لما كان محلّ لقاعدة الفراغ، فإنّها من القواعد الممهّدة لمرحلة الامتثال و الخروج عن عهدة التكليف، و ذلك فرع ثبوت التكليف و اشتغال الذمّة به، فلو كان بعد الفراغ عالما بدخول الوقت الآن و إن شكّ في وقوع الظهر خارجه، فحيث إنّه الآن عالم باشتغال ذمّته بالظهر و توجّه التكليف عليه كان موردا لقاعدة الفراغ. و أمّا لو كان بعد الفراغ الآن أيضا شاكا في دخول الوقت فهو الآن بعد شاكّ في اشتغال ذمّته بصلاة الظهر و توجّه التكليف إليه، فكيف تجري القاعدة مع كونها من الأصول المجعولة في مقام الخروج عن عهدة ما اشتغلت الذمّة به و امتثاله؟ فتأمّل جيّدا «منه».

فإنّه يقال: الفرق واضح، فإنّه في مسألة صلاة الظهر و إن كان دخول الوقت و عدم الدخول ليس بيد المكلّف، إلّا أنّه قبل فعل الظهر كان يمكنه مراعاة الوقت و أنّ الزوال تحقّق أو لم يتحقّق، فباعتبار أنّ مراعاة الوقت قبل فعل الظهر كان بيد المكلّف، فلو شكّ بعد فعل الظهر أنّه هل راعى الوقت أو لم يراع، على وجه لا يرجع إلى الشكّ الساري أو يرجع على الاحتمالين، فقاعدة الفراغ لا مانع منها، فجريان قاعدة الفراغ ليس لأجل الشكّ في دخول الوقت و عدمه في الأثناء، حتّى يقال: إنّه خارج عن قدرة المكلّف و مراعاته، بل جريانها إنّما لأجل الشكّ في مراعاته الوقت قبل فعل الظهر أو عدم مراعاته.

و لذا لو قطع بعدم المراعاة و علم أنّه دخل في الصلاة غافلا، و لكن شكّ بعد الفراغ في دخول الوقت في الأثناء قهرا لما كان موردا لقاعدة الفراغ، و هذا بخلاف ما نحن فيه، فإنّ الشكّ فيه متمحّض في دخول الوقت المشترك عليه قهرا في الأثناء و عدم دخوله، و ليست هناك جهة أخرى للشكّ كانت بيد المكلّف مراعاتها و شكّ في مراعاتها حتّى تجري قاعدة الفراغ بالنسبة إليها.

نعم لو أمكن رجوع الشكّ في المقام إلى الشكّ في مراعاته قبل فعل العصر أنّ الوقت المشترك دخل أو لم يدخل لكان لتوهّم جريان القاعدة وجه، إلّا أنّه لا يمكن رجوع الشكّ في المقام إلى ذلك، لأنّ هذا المراعاة قبل فعل العصر لا يكون إلّا مع التفاته إلى عدم فعل الظهر، و إلّا لا يمكن منه تحقّق هذا المراعاة، و مع التفاته إلى ذلك يخرج الفرض عمّا نحن فيه، لأنّ كلامنا إنّما فيما إذا نسي فعل الظهر و صلّى العصر و بعد الفراغ تذكّر و شكّ في دخول الوقت المشترك في الأثناء، فجهة الشكّ في المقام متمحّضة إلى ما ليس بيد المكلّف مراعاته، و قد عرفت أنّه لا يكون حينئذ موردا لقاعدة الفراغ، فتأمّل جيّدا. هذا كلّه إذا كان تذكّره و شكّه في دخول الوقت المشترك بعد الفراغ من الصلاة.

و أمّا لو تذكّر في أثناء الصلاة عدم فعل الظهر، و شكّ في دخول الوقت المشترك حتّى يكون له العدول- بناء على ما اخترناه من أنّ العدول مختصّ بما إذا تذكّر في الوقت المشترك- فعدم جريان قاعدة الفراغ حينئذ في غاية الوضوح، و لا بدّ من استصحاب عدم دخول الوقت المشترك، و يرتفع به موضوع العدول.

الفرع الثاني: لو خاف ضيق الوقت إلّا عن صلاة العصر فلا إشكال في وجوب تقديمها و تأخير الظهر

الفرع الثاني (1): لو خاف ضيق الوقت إلّا عن صلاة العصر فلا إشكال في وجوب تقديمها و تأخير الظهر

، كما صرّحت به رواية الحلبي (2)المتقدّمة.

ثمّ إنه لو تبيّن مطابقة خوفه للواقع، و أنّه لم يبق من الوقت بعد فعل العصر شي‌ء فلا إشكال في خروج وقت الظهر و صيرورتها قضاء، و أمّا لو تبيّن بقاء الوقت بحيث يمكن فعل الظهر فيه ففي المقام وجوه بل أقوال، قول ببطلان العصر و يجب فعلها ثانيا، و هذا القول مبنيّ على أنّ قبل الوقت الاختصاصي للعصر بمقدار فعل الظهر يختصّ بالظهر أيضا كما في أوّل الوقت، و حينئذ تكون العصر


1) فائدة: قد ذكر الأصحاب قاعدتين ربّما يتوهّم المنافاة بينهما، الاولى: أنّه لو خاف الضيق صلّى العصر مقدّما على الظهر. الثانية: أنّه لو شكّ في بقاء الوقت استصحب الوقت و صلّى الظهر مقدّما على العصر. و لعلّه يتوهّم أنّه لا يمكن الجمع بين القاعدتين.و لكن يمكن الجمع بينهما أنّ مورد الخوف إنّما هو ما إذا علم مقدار الوقت كربع ساعة، و لكن شكّ في سعته لفعل الظهر و العصر، فهنا يقدّم العصر لأنّه لا استصحاب بالنسبة إلى الوقت بعد العلم به، و بالنسبة إلى سعته لفعل الصلاتين ليس له حالة سابقة حتّى تستصحب.و مورد الاستصحاب إنّما هو فيما إذا لم يعلم المقدار الباقي من الوقت، و أنّه هل هو نصف ساعة حتّى يسع للصلاتين أو ربع ساعة حتّى لا يسع، فهنا يستصحب بقاء الوقت و يرتفع به موضوع الخوف بعد حكم الشارع بأنّ الوقت باق، و أنّه يسع للصلاتين بمقتضى التعبّد بالاستصحاب، فتأمّل «منه».

2) الوسائل: ج 3 ص 94 باب 4 من أبواب المواقيت، ح 18.

واقعة في الوقت المختصّ للظهر فتبطل. و قول بصحّتها ظهرا و وجوب فعل العصر بعدها، لقوله عليه السّلام «إنّما هي أربع مكان أربع» (1)و قول بصحّتها عصرا و عدم جواز فعل الظهر فيما بقي من الوقت لا أداء و لا قضاء، لأنّ الوقت المختصّ بالعصر غير صالح لوقوع الشريكة فيه مطلقا، كعدم صلاحية وقوع غير صوم رمضان في رمضان. و ربّما قيل: عدم صحّة الظهر فيما بقي من الوقت أداء و أمّا قضاء فلا مانع منه، لأنّه لا ينقص عمّا بعد الغروب. و قول بصحّتها و وجوب فعل الظهر فيه أداء، و هذا هو المختار و عليه المشهور.

أمّا صحّة ما فعله أولا عصرا فلدلالة رواية الحلبي (2)عليه من قوله «و إن هو خاف أن تفوته فليبدأ بالعصر و لا يؤخّرها» و لا يمكن أن يقال: إنّ الخوف أخذ فيها طريقا و بعد انكشاف الخلاف لا وجه للإجزاء و صحّتها عصرا، بل مقتضى القاعدة البطلان و عدم الإجزاء كسائر موارد تخلّف الطرق، فإنّه لا معنى لأخذ الخوف طريقا، إذ ليس له جهة كاشفية و طريقية حتّى يمكن اعتباره من جهة الطريقية، بل إنّما هو حالة نفسانية للمكلّف كالشكّ إذا وجد لا يعقل انكشاف الخلاف فيه، فلا بدّ من أخذه موضوعا، و لازم ذلك الإجزاء كما في جميع الموارد التي أخذ الخوف موضوعا للحكم، كخوف الضرر في باب الصوم و الوضوء و أمثال ذلك، فإنّ في جميع هذه الموارد مقتضى القاعدة الإجزاء.

و أمّا وجوب فعل الظهر فيما بقي من الوقت أداء فلما تقدّم من أنّ الاختصاص إنّما هو فيما إذا لم يؤدّ صاحبة الوقت على وجه صحيح، و أمّا إذا أدّاها فالوقت صالح لوقوع الشريكة فيه، خصوصا بعد قوله عليه السّلام «ثمّ أنت في وقت منهما إلى غروب الشمس» (3)و ممّا يدلّ على صحّة فعل الظهر في الوقت الاختصاصي


1) الوسائل: ج 3 ص 211 باب 63 من أبواب القراءة في الصلاة، ح 1.

2) الوسائل: ج 3 ص 94 باب 4 من أبواب المواقيت، ح 18.

3) في الوسائل هكذا: متى تغيب الشمس.

للعصر خصوصا قوله عليه السّلام في آخر رواية الحلبي «ثمّ صلّى الظهر على أثرها» (1)فإنّه و إن كان مطلقا بالنسبة إلى بقاء الوقت و خروجه، إلّا أنّه بعد تقييده بما دلّ على التوسعة في القضاء يكون نصّا فيما إذا بقي من الوقت مقدار فعل الظهر، و به يخصّص حينئذ إطلاق رواية داود بن فرقد (2)، الدالّة بإطلاقها على اختصاص مقدار أربع ركعات من الغروب للعصر خاصّة، سواء صلّاها قبل ذلك على وجه صحيح أو لا، و قد تقدّم تفصيل ذلك فراجع.

فتحصّل: أنّ مقتضى القواعد و الجمع بين الأدلّة هو صحّة فعل الظهر فيما بقي من الوقت أداء على تقدير فعل العصر قبل ذلك على وجه صحيح.

و بذلك يظهر ضعف سائر الأقوال، أمّا القول الأول فلأنّ دعوى اختصاص الظهر من آخر الوقت كأوله بمقدار أدائها خالية عن الشاهد.

و لعلّه توهّم ذلك من وجوب الترتيب. و فيه- مع أنّ الترتيب لا يختصّ بآخر الوقت، بل هو واجب من أوله إلى مقدار أربع ركعات إلى الغروب، فلازم ذلك الحكم ببطلان صلاة العصر لو خاف الضيق، أو نسي الظهر لو وقعت عقيب الزوال بنصف ساعة مع أنّه لم يقل به أحد- أنّ مسألة شرطية الترتيب أجنبية عن مسألة الاختصاص، و لا يمكن استفادة الاختصاص منها.

و ربّما يوجّه هذا القول بأنّ بطلان العصر ليس من جهة وقوعها في الوقت المختصّ بالظهر بل لأجل فوات الترتيب، و المتيقّن من سقوطه إنّما هو ما لو نسي عن الظهر، و أمّا لو كان ملتفتا إلى عدم فعله الظهر و لكن خاف الضيق- كما هو مفروض المسألة- فلا وجه لسقوطه، و ينبغي حينئذ بطلان العصر.


1) في الوسائل هكذا: ليصلي الأولى بعد ذلك.

2) الوسائل: ج 3 ص 92 باب 4 من أبواب المواقيت، ح 7.

و فيه ما لا يخفى، بعد ورود النصّ (1)بأنّه عند خوف الضيق يقدّم العصر و يؤخر الظهر الدالّ على الإجزاء كما تقدّم.

و أمّا القول الثاني فلما تقدّم من عدم عمل المشهور بقوله عليه السّلام «إنّما هي أربع مكان أربع» (2).

و أمّا القول الثالث مع ما يتلوه من القول، فلأنّه مبنيّ على الاختصاص المطلق و الأخذ بإطلاق رواية داود بن فرقد (3)، و قد تقدّم فساده و أنّه مناف لمقتضى الجمع بين الأدلّة. فالأقوى عند انكشاف الخلاف لزوم فعل الظهر أداء، كما هو ظاهر المشهور.

الفرع الثالث: لو بقي من الوقت مقدار خمس ركعات فلا ينبغي الإشكال في لزوم فعل الظهر ثمّ العصر

، لأنّه قد أدرك من الوقت مقدار ركعة فيجب فعل الظهر، لما ورد من أنّ «من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت جميعا» (4). فمن أدرك ركعة من الظهر في الوقت المشترك يجب عليه فعلها و إن وقع الباقي منها في الوقت المختصّ بالعصر، لأنّ قاعدة «من أدرك» توسّع دائرة الوقت و تجعل ما وقع من الظهر في وقت المختصّ بالعصر وقتا للظهر، و تكون حاكمة على أدلّة الاختصاص.

لا يقال: إنّ الظاهر من قاعدة «من أدرك» إنّما هو التوسعة في الوقت، بمعنى أنّها تجعل ما ليس بوقت مضروب شرعا بعنوانه الأولي وقتا، فلسانها إنّما هو تنزيل


1) الوسائل: ج 3 ص 94 باب 4 من أبواب المواقيت، ح 18.

2) الوسائل: ج 3 ص 211 باب 63 من أبواب المواقيت، ح

3) الوسائل: ج 3 ص 92 باب 4 من أبواب المواقيت، ح 7.

4) الوسائل: ج 3 ص 157 باب 30 من أبواب المواقيت، مع تفاوت في اللّفظ.

خارج الوقت منزلة الوقت، كما إذا أدرك من صلاة العصر ركعة، بحيث يقع الباقي منها في وقت المغرب الذي لم يضرب بعنوانه الأولي وقتا للعصر، بل إنّما هو ضرب وقتا للمغرب، و بالعنوان الثانوي ببركة قاعدة «من أدرك» يصير وقتا للعصر، و ما نحن فيه ليس من هذا القبيل، فإنّ الوقت الاختصاصي للعصر بالنسبة إلى صلاة الظهر ليس من قبيل خارج الوقت كالمغرب بالنسبة إلى العصر، بل هو وقت للظهر أيضا، بمعنى صلاحيّته بحسب الضرب و التشريع لوقوع الظهر فيه، كما يدلّ عليه قوله عليه السّلام «ثمّ أنت في وقت منهما إلى الغروب» (1)فليس ما وقع من صلاة الظهر في الوقت المختصّ بالعصر من قبيل ما وقع من صلاة العصر في وقت المغرب، فإنّ في الثاني لم يكن الوقت صالحا لها بحسب التشريع بخلاف الأوّل، و قد عرفت أنّ قاعدة «من أدرك» إنّما هي لتنزيل خارج الوقت منزلة الوقت، فلا تشمل القاعدة ما نحن فيه، و تبقى أدلّة الاختصاص على حالها من عدم صحّة الشريكة فيه إذا لم يكن مؤدّى صاحبة الوقت، و لازم ذلك عدم صحّة فعل الظهر في مفروض المسألة.

فإنّه يقال:- مع إمكان دعوى الأولوية القطعية للصحّة فيما نحن فيه عمّا إذا وقعت بقية صلاة العصر في وقت المغرب كما لا يخفى- إنّه لا فرق في شمول القاعدة بين المقامين، فإنّ القاعدة في مقام تنزيل خارج الوقت منزلة الوقت، سواء كان خروجه من جهة عدم المقتضي، كمقدار من وقت الغروب بالنسبة إلى صلاة العصر، أو كان ذلك لأجل المانع مع كون الوقت بحسب الاقتضاء صالحا، كمقدار من وقت العصر بالنسبة إلى صلاة الظهر.

و الحاصل: أنّ القاعدة كما تنزّل ما ليس فيه اقتضاء الوقتية منزلة الوقت،


1) الوسائل: ج 3 ص 92 باب 4 من أبواب المواقيت، ح 5، و فيه اختلاف يسير.

كذلك تنزّل ما كان له مانعا عن الوقتية من جهة ابتلائه بصاحبته مع وجود المقتضي فيه منزلة الوقت.

و بعبارة واضحة: أنّ القاعدة كما توجد المقتضي لخارج الوقت و تجعله وقتا، كذلك ترفع المانع عنه. فالأقوى أنّ من أدرك من الظهر مقدار ركعة يجب عليه، و إن وقع الباقي منها في الوقت المختصّ بالعصر، لعموم قاعدة «من أدرك» الحاكم على أدلّة الاختصاص. هذا تمام الكلام في وقت الظهرين من المختصّ و المشترك، و ما يتفرّع عليهما من الفروع.

نعم بقي الكلام في معرفة الزوال، الذي هو أول وقت الظهرين. و طريق معرفة ذلك إنّما هو زيادة الظلّ بعد نقصانه، فيما كان عرض البلد مخالفا لميل الشمس في المقدار إلى جهة الشمال، أو حدوث الظلّ بعد انعدامه فيما كان موافقا للميل الأعظم، أو أنقص منه إلى جهة الجنوب.

و توضيح ذلك، على وجه الإجمال: هو أنّه لا إشكال في حركة الشمس بالنسبة إلى الفصول الأربعة تختلف، من حيث كونها في الشتاء و الخريف تكون في البروج الجنوبية، و في الصيف و الربيع تكون في البروج الشمالية، و البعد بين تمام ميلها إلى البروج الجنوبية الذي هو أول الجدي، و بين منتهى ميلها إلى البروج الشمالية الذي هو في أول السرطان مقدار أربع و عشرين درجة، فالبلاد الواقعة بين هذين الميلين لا محالة الظلّ ينعدم فيها في كلّ سنة يومين، في حال صعودها إلى البرج الشمالي، و في حال نزولها إلى البرج الجنوبي، فإنّه في مثل هذه البلاد تسامت الشمس في كلّ سنة يومين على رءوس أهل البلد، و يختلف ذلك اليومان باعتبار اختلاف البلاد في قربها إلى الميل الأعظم و بعدها، فربّ بلد ينعدم الظلّ فيه يومين، يوم قبل السرطان و يوم بعد السرطان، لقربه عن الميل الأعظم، و ربّ بلد يكون الانعدام فيه بعشرة أيّام أو عشرين يوما قبل ذلك،

كما قيل: إنّه ينعدم الظلّ في مكّة قبل السرطان بستّة و عشرين يوما، ثمّ يحدث بعد ذلك ظلّ إلى أن ينتهي الميل الأعظم للشمس، و تأخذ في النزول، فإذا مضى من السرطان أيضا ستّة و عشرون يوما ينعدم الظلّ فيها أيضا يوما واحدا.

و الحاصل: أنّ اليومين يختلفان باعتبار قرب البلد و بعده عن خطّ الاستواء الذي يكون تحت الميل الأعظم، و أمّا البلاد الواقعة تحت خطّ الاستواء المساوي للميل الأعظم- كمدينة الرسول على ما قيل- فيعدم الظلّ فيه يوما واحدا في كلّ سنة، و هو اليوم [الذي] ينتهي ميل الشمس إلى البرج الشمالي و هو أول السرطان، لأنّ في ذلك اليوم تكون الشمس مسامتة لرءوس أهل البلد الموافق في العرض للميل الأعظم، و بعد ذلك اليوم لا محالة يحدث ظلّ، لخروج الشمس عن المسامتة، ففي هذين الطائفتين من البلاد الظلّ ينعدم لا محالة إمّا يوما أو يومين.

و أمّا إذا لم يكن البلد بين الميلين و لا كان مساويا للميل الأعظم، بل كان خارجا عنه إلى جهة الشمال كالعراق، فالظلّ لا ينعدم فيه أصلا، لعدم اتّفاق مسامتة الشمس لرءوس أهل البلد في طول السنة، نعم يختلف الظلّ الباقي عند الزوال زيادة و نقصانا بحسب اختلاف بعد البلد إلى جهة الشمال عن الميل الأعظم كما هو واضح، و أمّا الأراضي الواقعة في منتهى ميل الشمس إلى جهة الجنوب، فحيث لم تكن مسكونة لا يهمّنا التعرّض عنها.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ علامة الزوال إنّما هي حدوث ظلّ الشاخص المنصوب على سطح الأرض نصبا مستقيما بعد انعدامه، في البلاد التي ينعدم فيها الظلّ يوما أو يومين، و زيادة الظلّ بعد نقصانه في غير تلك البلاد، أو فيها في غير اليوم و اليومين، و لكنّ هذه العلامة إنّما تظهر للحسّ بعد مضيّ مقدار من الزوال ممّا يزيد على نصف ساعة، فلم تكن علامة لمعرفة أول الزوال حقيقة، فإن أردت أن تعرف أوله الحقيقي فلا بدّ من إعمال الدائرة الهندية المجعولة لذلك.

و طريق معرفتها هو أن تدير على أرض مسطّحة دائرة، و تنصب على مركزها مقياسا محدّد الرأس مخروطيّ الشكل يكون طوله قد ربع الدائرة، و لا بدّ من أن يكون ذلك النصب نصبا مستقيما، ثمّ إنّ الشمس لا محالة إذا طلعت يحدث للمقياس ظلّ مستطيل إلى جهة المغرب، و لا يزال ينقص كلّما ارتفعت الشمس حتّى يصل الظلّ إلى رأس الدائرة، فإذا وصل إلى ذلك اجعل له علامة، ثمّ لا يزال الظلّ أيضا ينقص حتّى ينتهي نقصانه أو ينعدم على اختلاف البلاد، و بعد ذلك يأخذ في الزيادة و ينقلب الظلّ إلى جهة المشرق، و كذلك يزيد إلى أن يتجاوز عن الدائرة، فإذا وصل رأس الظلّ إلى منتهى الدائرة و أراد الخروج عنها اجعل له أيضا علامة، ثمّ تصل ما بين العلامتين بخطّ مستقيم و تنصّف ذلك الخطّ، ثمّ تصل ما بين مركز الدائرة و منتصف ذلك الخطّ بخطّ، و ذلك خطّ نصف النهار، فإذا أردت معرفة الزوال في غير يوم العمل تنظر إلى ظلّ المقياس، فمتى وصل إلى هذا الخطّ كانت الشمس في وسط السماء، فإذا ابتدأ رأس الظلّ يخرج عنه فقد زالت.

و يعرف الزوال أيضا بميل الشمس إلى الحاجب الأيمن ممّا يلي الأنف لمن يستقبل نقطة الجنوب، سواء كانت قبلة له كالموصل و من والاها أو لم تكن قبلة له، ضرورة عدم التفاوت في ذلك، بل المدار على استقبال نقطة الجنوب، فإنّ الشمس عند الزوال تحاذي نقطة الجنوب، و تكون الشمس بين الحاجبين لمن استقبل النقطة، فإذا مالت إلى الحاجب الأيمن يعرف تحقّق الزوال، فحصر هذه العلامة بمن كانت نقطة الجنوب قبلة له- كما في بعض المتون- ممّا لا وجه له. نعم هذه العلامة أيضا لا تظهر للحسّ إلا بعد مضيّ مدّة من الزوال.

المقام الثاني في بيان وقت المغرب و العشاء
اشارة

اعلم أنّه قد اتّفق الأصحاب على أنّ أول وقت صلاة المغرب هو غروب الشمس، و لكن وقع الخلاف في تعيين الغروب، و أنّه هل هو استتار القرص عن أفق المصلّي، أو أنّه ذهاب الحمرة المشرقية و تجاوزها عن قمّة الرأس. و منشأ الاختلاف في ذلك هو اختلاف الأخبار، و قبل ذكرها

ينبغي تقديم أمور:
الأول: أنّ الجمع بين الدليلين بالإطلاق و التقييد لا ينحصر فيما إذا كان المقيّد من أفراد المطلق

، كقوله (أعتق رقبة) و (أعتق رقبة مؤمنة) إذ ليس كلّ مطلق يوجب التوسعة، حتّى يكون المقيّد موجبا للتضييق و خروج بعض ما لولاه لكان داخلا في المطلق، فإنّه ربّ إطلاق يوجب التضييق، و التقييد يوجب التوسعة، كما يقال: إطلاق العقد يوجب التعجيل أو نقد البلد و غير ذلك، و كما يقال:

إطلاق الأمر يوجب النفسية و العينية و التعيينية، فإنّ مثل هذا الإطلاق يوجب التضييق، بداهة تخصيص العقد بنقد البلد أو التعجيل، و كذا تخصيص الأمر التعييني يوجب الضيق، بخلاف ما لو قيّد هذا الإطلاق بعدم لزوم نقد البلد أو التعجيل، أو قيّد الواجب بعدم التعيينية، فإنّ هذا التقييد يوجب التوسعة.

فمن هنا يعلم أنّه ليس التقييد منحصرا بما كان المقيّد من أفراد المطلق، بداهة أنّ غير نقد البلد أو الواجب التخييري لم يكن من أفراد نقد البلد أو الواجب التعييني الذي اقتضياهما الإطلاقان، ففي المثالين لو قام الدليل على إرادة الأعمّ من نقد البلد أو غير الواجب التعييني، لم يعامل ما بينه و بين ما دلّ على خصوص نقد البلد أو الواجب التعييني بالإطلاق معاملة المتعارضين بالتباين، بل يكون

هذا الدليل مقيّدا لذلك الإطلاق و بمنزلة القرينة له، و يعامل معهما معاملة المطلق و المقيّد، و إن لم يكن المقيّد من أفراد المطلق، و ذلك واضح.

الثاني: أنّه ربّما يكون الدليل بحسب ظهوره الإطلاقي لا يعمّ غير شخص ما تعلّق به

، و لكن يرد دليل آخر على دخول التوابع و الملحقات بما تعلّق به ذلك الدليل الذي لم يعمّ بحسب ظهوره الإطلاقي تلك التوابع و الملحقات، و حينئذ لا يعامل مع الدليلين معاملة المتعارضين بالتباين، بل يقدّم ما دلّ على دخول التوابع و يقيّد به ذلك الإطلاق، و إن لم تكن تلك التوابع داخلة في المطلق، لما عرفت في الأمر الأول من أنّه لا يعتبر في المقيّد من أن يكون من أفراد المطلق و داخلا فيه لو لا التقييد.

مثلا لو قال (جاء زيد) فهذا القول بحسب ظهوره يدلّ على أنّ الجائي شخص زيد، من غير شمول زيد لمواليه و توابعه، و لو قال بعد ذلك أنّ مرادي من (جاء زيد) ليس شخص زيد فقط بل هو مع توابعه، لم يكن هذا القول معارضا للقول الأول، بل يكون حاكما عليه، و مقدّما على ذلك الظهور، و مقيّدا لذلك الإطلاق، من غير استلزام المجازية، كما لا يخفى.

الثالث: أنّ التحديدات الشرعية الواردة في بيان تحديد الموضوعات العرفية

الظاهرة في خلاف ما حدّده الشارع لا يعامل معها معاملة التعارض، مثلا لو ورد أنّ المسافر حكمه كذا، و المقيم حكمه كذا، و ماء الكثير حكمه كذا، فلو لم يرد من الشارع تحديد كان ما يفهمه العرف من هذه الموضوعات هو المتّبع، فربّما لا يرى العرف صدق الماء الكثير على الكرّ، و كذا لا يرى صدق السفر و الإقامة على ثمانية فراسخ أو إقامة عشرة أيّام.

و لكن بعد تحديد الشارع الماء الكثير بالكرّ، و السفر بثمانية فراسخ، و الإقامة بعشرة أيّام، لا يعامل مع هذا التحديد معاملة المعارض، لمّا أخذ نفس الماء الكثير

و السفر و الإقامة موضوعا، و إن كان ظاهر ما يتراءى من الموضوع منافيا لهذا التحديد، فإنّ هذا الظهور إنّما يكون متّبعا إذا لم يرد تحديد للشارع لبيانه، و بعد ورود التحديد يؤخذ به و يطرح ذلك الظهور، فإنّه يكون نظير التخطئة في المصداق، و ذلك أيضا واضح.

الرابع: أنّه لو لم يكن بين المتعارضين جمع دلالي

، كالإطلاق و التقييد و النصّ و الظاهر، تصل النوبة حينئذ إلى المرجّحات السندية، و تكون مقدّمة على موافقة العامّة و مخالفتهم كما بيّن في محلّه، لكن هذا إذا لم يكن في أحد الدليلين ما يوجب الظهور في صدوره تقية، أو كان مضمون أحد الدليلين ممّا تفرّدت به العامّة، بحيث صار شعارا لهم و كانوا يعرفون بذلك، كمعرفة الخاصّة بما تضمّنه الدليل الآخر. و الحاصل: أنّ ملاحظة المرجّحات السندية إنّما يكون بعد جريان الأصول الجهتية، من أصالة الصدور لبيان الحكم الواقعي، و أصالة عدم صدوره تقية، و أمّا مع عدم جريان الأصول الجهتيّة، إمّا لاحتفاف أحد الدليلين بما يوجب القطع أو الظنّ العقلائي على كونه صادرا تقية، و إمّا لكون ما تضمّنه أحد الدليلين من المعنى كان يعدّ في زمان الصدور من شعار العامّة و كانوا يعرفون به، عكس ما تضمّنه الدليل الآخر من كونه كان شعارا للخاصّة و يعرفون به، فلا تصل النوبة إلى المرجّحات السندية.

إذا عرفت هذه الأمور فلنشرع في ذكر الأخبار، و هي و إن كانت من الجانبين كثيرة إلّا أنّا نقتصر بما هو صريح أو ظاهر الدلالة، ثمّ نعقبه بما يقتضيه النظر الصحيح في الجمع بينها، فنقول: أمّا ما دلّ على أنّ الغروب إنّما هو بذهاب الحمرة المشرقية عن قمّة الرأس و لا يكفي استتار القرص فهي على طوائف أربع:

منها: ما تدلّ على أنّ وقت استتار القرص و غيبوبة الشمس إنّما هو ذهاب الحمرة المشرقية، و في بعضها تقييد الذهاب بتجاوزها عن قمّة الرأس.

ففي مرسلة ابن أبي عمير عن الصادق عليه السّلام: وقت سقوط القرص و وقت الإفطار من الصيام أن تقوم بحذاء القبلة و تتفقّد الحمرة التي ترتفع من المشرق، فإذا جازت قمّة الرأس إلى ناحية المغرب فقد وجب الإفطار و سقط القرص (1).

و ما رواه الكليني عن الباقر عليه السّلام قال: إذا غابت الحمرة من هذا الجانب- يعني من ناحية المشرق- فقد غابت الشمس من شرق الأرض و غربها (2).

و في المحكيّ عن فقه الرضا عليه السّلام: أنّ وقت المغرب سقوط القرص- إلى أن قال:- و الدليل على غروب الشمس ذهاب الحمرة من جانب المشرق (3)..

إلخ.

و في رواية أخرى عن ابن أبي عمير عن القاسم بن عروة عن بريد بن معاوية العجلي قال: سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: إذا غابت الشمس من هذا الجانب- يعني ناحية المشرق- فقد غابت الشمس في شرق الأرض و غربها (4).

و معلوم أنّ المراد من غيبوبة الشمس من ناحية المشرق غيبوبتها بتوابعها و ملحقاتها من الشعاع و الحمرة، لا أنّ المراد خصوص غيبوبة جرم الشمس، إذ لا يكون حينئذ معنى لقوله عليه السّلام «من ناحية المشرق» فإنّ جرم الشمس إذا غاب يغيب من المشرق و المغرب لا خصوص المشرق، فيعلم من ذلك أنّ المراد منه غيبوبتها بتوابعها و لوازمها، و قد عرفت في الأمر الثاني صحّة إطلاق اللفظ و إرادة الأعمّ منه و من توابعه و ملحقاته إذا كانت هناك قرينة متّصلة أو منفصلة تدلّ


1) الوسائل: ج 3 ص 127 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 4.

2) الوسائل: ج 3 ص 126 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 1.

3) المستدرك: ج 1 ص 190 باب 13 من أبواب المواقيت، ح 3.

4) الوسائل: ج 3 ص 126 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 1، و فيه اختلاف يسير.

على إرادة الأعمّ، و إن كان اللفظ مع تجرّده عن تلك القرينة يكون ظاهرا في شخص ما وضع له و لا يعمّ التوابع.

و في معناها روايات أخر ظاهرة الدلالة من أنّ مغيب الشمس و استتار القرص إنّما يكون بذهاب الحمرة المشرقية.

و منها: ما تدلّ على أنّ وقت المغرب إنّما هو ذهاب الحمرة المشرقية، أو ما يقرب من هذا التعبير، مثل رؤية الكوكب و أمثال ذلك، من غير بيان أنّ استتار القرص أو غيبوبة الشمس يتحقّق بذلك.

ففي مرسلة ابن أشيم عن الصادق عليه السّلام قال: سمعته يقول: وقت المغرب إذا ذهبت الحمرة من المشرق (1)، الحديث.

و ما رواه محمّد بن علي بن الحسين بإسناده عن بكر بن محمّد عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام أنّه سأله سائل عن وقت المغرب، فقال: إنّ اللّٰه يقول في كتابه لإبراهيم: فلمّا جنّ عليه الليل رأى كوكبا فقال هذا ربّي (2)، و هذا أول الوقت، و آخر ذلك غيبوبة الشفق (3).. إلخ.

و معلوم أنّ ذهاب الحمرة ملازمة لرؤية الكوكب لغالب الناس المتعارفة في البصر، فلا عبرة بمن يراه قبل ذلك. و في معناها أيضا عدّة روايات أخر لا تخفى على المتتبّع.

و منها: ما تدلّ على ثبوت الفصل بين مغيب الشمس و صلاة المغرب.

ففي رواية أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد اللّٰه عليه السّلام: أيّ ساعة كان رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله يوتر؟ فقال: على مثل مغيب الشمس إلى صلاة


1) الوسائل: ج 3 ص 126 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 3.

2) الأنعام: 76.

3) الوسائل: ج 3 ص 127 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 6.

المغرب (1). بداهة ظهوره في ثبوت الفصل في الجملة بينهما، و معلوم أنّ الفصل في الجملة يلازم ذهاب الحمرة المشرقية هذا، مع عدم القول بالفصل.

و منها: ما تدلّ على الأمر بالمساء بصلاة المغرب، و أنّ فعلهم عليهم السّلام لها عند استتار القرص، إنّما كان لأجل التقية.

ففي رواية جارود قال: قال لي أبو عبد اللّٰه عليه السّلام: يا جارود ينصحون فلا يقبلون، و إذا سمعوا بشي‌ء نادوا به، أو حدّثوا بشي‌ء أذاعوه، قلت لهم: مسّوا بالمغرب قليلا فتركوها حتّى اشتبكت النجوم، فأنا الآن أصلّيها إذا سقط القرص (2).

و لا يخفى ظهور قوله عليه السّلام أخيرا «فأنا الآن أصلّيها إذا سقط القرص» في التقية لأن لا يعرف بما أذاعوه و نادوا به كما يدلّ على ذلك صدرها، فحينئذ يكون قوله عليه السّلام «مسّوا بالمغرب قليلا» بمعنى التأخير عن استتار القرص في الجملة، حتّى لا ينافي ظهور فعله عليه السّلام (3)لها عند الاستتار إنّما كان لأجل التقية، لكنّ التأخير لا على وجه يوجب اشتباك النجوم كما صنعه أبو الخطّاب و أصحابه، و قد عرفت أنّ التأخير عن الاستتار في الجملة يلازم القول بذهاب الحمرة.

هذا ما أردنا ذكره من الأخبار الدالّة على أنّ وقت المغرب إنّما هو ذهاب الحمرة المشرقية، و في معناها أخبار أخر كثيرة ظاهرة الدلالة في ذلك، و لكن أسقطناها للاستغناء بما ذكرناه.


1) الوسائل: ج 3 ص 127 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 5.

2) الوسائل: ج 3 ص 129 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 15.

3) إذ لو كان المساء بمعنى فعلها عند الاستتار لما كان فعله عليه السّلام لها في ذلك الوقت لأجل التقية و هذا مناف لظاهرة، فتأمّل جيّدا «منه».

فلنذكر الآن الأخبار الدالّة على أنّ وقت المغرب إنّما هو استتار القرص، و نقتصر أيضا على ما هو ظاهر الدلالة في ذلك، و هي أيضا طوائف:

منها: ما دلّ على أنّ وقت المغرب إنّما هو غيبوبة الشمس أو استتار القرص، من غير ذكر شي‌ء آخر فيها.

ففي رواية محمّد بن علي بن الحسين قال: قال أبو جعفر عليه السّلام: وقت المغرب إذا غاب القرص (1). قال: و قال الصادق عليه السّلام: إذا غابت الشمس فقد حلّ الإفطار و وجبت الصلاة (2).

و في رواية جابر عن أبي جعفر عليه السّلام قال: قال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله إذا غاب القرص أفطر الصائم و دخل وقت الصلاة (3).

و في رواية داود بن أبي يزيد قال: قال الصادق عليه السّلام: إذا غابت الشمس فقد دخل وقت المغرب (4).

و غير ذلك ممّا علّق دخول وقت المغرب بمجرّد غيبوبة الشمس و استتار القرص، و هي كثيرة.

و منها: ما دلّ على منع الإمام عليه السّلام أن يمسي بالمغرب، و أنّه كان يصلّي عليه السّلام إذا غربت الشمس.

ففي رواية عبيد اللّٰه بن زرارة عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال: سمعته يقول:

صحبني رجل كان يمسي بالمغرب و يغلس بالفجر، و كنت أنا أصلّي المغرب إذا غربت الشمس، و أصلّي الفجر إذا استبان، فقال الرجل: ما يمنعك أن تصنع مثل ما أصنع؟ فإنّ الشمس تطلع على قوم قبلنا و تغرب عنّا و هي طالعة على قوم


1) الوسائل: ج 3 ص 130 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 18.

2) الوسائل: ج 3 ص 130 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 19.

3) الوسائل: ج 3 ص 130 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 20.

4) الوسائل: ج 3 ص 131 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 21.

آخرين بعد، فقلت له: إنّما علينا أن نصلّي إذا غربت الشمس عنّا و إذا طلع الفجر عندنا (1)، الحديث.

و منها: ما دلّ على فعل الصادق عليه السّلام صلاة المغرب عند غيبوبة الشمس، مع التصريح فيه بأنّ شعاع الشمس بعد موجود في الأفق.

ففي رواية أبان بن تغلب و أبان بن أرقم و غيرهم، قالوا: أقبلنا من مكّة حتّى إذا كنّا بوادي الأخضر إذا نحن برجل يصلّي، و نحن ننظر إلى شعاع الشمس، فوجدنا في أنفسنا فجعل يصلّي و نحن ندعو عليه و نقول هو شباب من شباب أهل المدينة، فلمّا أتيناه إذا هو أبو عبد اللّٰه جعفر بن محمّد عليه السّلام، فنزلنا فصلّينا معه و قد فاتتنا ركعة، فلمّا قضينا الصلاة قمنا إليه، فقلنا له: جعلنا فداك هذه الساعة تصلّي؟ فقال: إذا غابت الشمس فقد دخل الوقت (2).

و منها: ما دلّ على أنّ وقت المغرب إنّما هو بغيبوبة القرص، مع زيادة تحديده بأنّه إذا نظرت إليه لم تره، كما في رواية علي بن الحكم عن أحدهما أنّه سئل عن وقت المغرب، فقال: إذا غاب كرسيّها، قلت: و ما كرسيّها؟ قال: قرصها، فقلت: متى يغيب قرصها؟ قال: إذا نظرت إليه فلم تره (3).

و منها: ما دلّ على امتداد وقت المغرب من حين غيبوبة الشمس إلى أن تشتبك النجوم أو سقوط الشفق.

فعن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال: وقت المغرب من حين تغيب الشمس إلى أن تشتبك النجوم (4).


1) الوسائل: ج 3 ص 131 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 22 و فيه اختلاف يسير.

2) الوسائل: ج 3 ص 131 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 23 و فيه اختلاف يسير.

3) الوسائل: ج 3 ص 132 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 25.

4) الوسائل: ج 3 ص 132 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 26.

و في رواية أخرى عنه أيضا عليه السّلام قال بعد سؤاله عن وقت المغرب:

وقت المغرب ما بين غروب الشمس إلى سقوط الشفق (1).

هذا ما أردنا ذكره أيضا من الأخبار الدالّة على أنّ وقت المغرب إنّما هو غيبوبة الشمس.

و الذي يقتضيه النظر الصحيح في الجمع بينها هو الأخذ بما دلّ على اعتبار ذهاب الحمرة المشرقية، فإنّ ما دلّ على خلافها من كون العبرة بغيبوبة الشمس و القرص لا يقاومه من جهات.

أمّا الطائفة الأولى الدالّة على دخول الوقت بغيبوبة الشمس و استتار القرص بقول مطلق من غير ضميمة فهي محكومة بالطائفة الاولى من تلك الأخبار، التي حدّدت استتار القرص و غيبوبة الشمس بذهاب الحمرة المشرقية.

و قد تقدّم في الأمر الثالث أنّه لا يعامل في ما ورد من التحديدات الشرعية للموضوعات العرفية معاملة المعارض، بل تكون حاكمة على الظاهر الأوّلي من الموضوع، و مقيّدة لإطلاقه، و مبيّنة للمراد منه.

و كيف يعامل معاملة التعارض بين ما دلّ على دخول الوقت بغيبوبة الشمس بقول مطلق، و بين ما دلّ على أنّ غيبوبة الشمس إنّما يتحقّق بذهاب الحمرة المشرقية؟ و هل يتوقّف أحد في كون الثاني مفسّرا للأول و مبيّنا له؟ و لا بعد في إرادة ذهاب الحمرة أيضا من استتار القرص، و لم يكن الكلام خارجا عن المتعارف لأنّ الحمرة من توابع القرص و ملحقاته، و قد عرفت في الأمر الثاني من أنّ إرادة التوابع أيضا من لفظ المتبوع لا يستلزم المجازية، فضلا عن خروج الكلام عمّا هو المتعارف، فالطائفة الاولى من هذه الأخبار محكومة طرّا بالطائفة الأولى


1) الوسائل: ج 3 ص 133 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 29.

من تلك الأخبار.

و أمّا الطائفة الثانية من هذه الأخبار المشتملة على فعله عليه السّلام صلاة المغرب عند غيبوبة الشمس مع منعه من أن يمسي بالمغرب فبعد ما عرفت من أنّ غيبوبة الشمس قد فسّرت بذهاب الحمرة بمقتضى الطائفة الاولى من تلك الأخبار- فلا دلالة فيها على كون فعله عليه السّلام إنّما كان عند غياب الشمس مع عدم ذهاب الحمرة، بل مقتضى التفسير أنّ فعله كان بعد ذهاب الحمرة، و لا ينافيه المنع من أن يمسي بالمغرب، إذ لعلّ المراد ب «يمسي» هو فعلها بعد سقوط الشفق.

و لعلّ المصاحب كان من أصحاب أبي الخطاب، و احتمال ذلك يكفي في سقوط الاستدلال بها، و لا ينافي أيضا ما ذكرنا من أنّ المراد بقوله عليه السّلام «إنّما علينا أن نصلّي إذا غربت الشمس» في غروبها مع ذهاب الحمرة، ما في ذيل الرواية «و على أولئك أن يصلّوا إذا غربت الشمس عنهم» (1)بداهة أنّه ربّما تذهب الحمرة عن مكان، بل يسقط الشفق أيضا، مع عدم غيبوبة الشمس في مكان آخر، فهذه الطائفة أيضا غير معارضة لما دلّ من اعتبار ذهاب الحمرة.

و أمّا الطائفة الثالثة الدالّة على فعل الصادق عليه السّلام لها مع بقاء شعاع الشمس فلا بدّ من حملها على التقية، لأنّ في نفس الرواية دلالة على أنّ فعل الصلاة في ذلك الوقت كان من شعار العامّة بحيث كانوا يعرفون به، حتّى أنّ القوم قبل معرفة الإمام عليه السّلام كانوا يدعون عليه، و يتخيّلون أنّه شابّ من شباب المدينة، فما هذا شأنه كيف يمكن الاستدلال به؟ فلا بدّ من حمل جميع ما ورد بالتحديد بغيبوبة الشمس على التقية.


1) الوسائل: ج 3 ص 131 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 22.

و يؤيّد ذلك الطائفة الرابعة حيث عبّر فيها باستتار الكرسي تارة و باستتار القرص أخرى، فإنّه يعلم منه أنّ الإمام عليه السّلام كان بصدد الطفرة عن الجواب حتّى أنّ السائل كرّر سؤاله، فالتجأ الإمام عليه السّلام بتحديد استتار القرص بأنّه إذا نظرت إليه لم تره، مع احتمال أن يكون ضمير «إليه» راجعا إلى القرص بتوابعه من الحمرة، و إن كان خلاف الظاهر.

و أمّا الطائفة الخامسة فلا دلالة فيها أيضا، لأنّ قوله عليه السّلام «وقت المغرب ما بين غروب الشمس إلى سقوط الشفق» (1)أو «اشتباك النجوم» (2)بعد تحديد غيبوبة الشمس في تلك الأخبار بذهاب الحمرة، لا يكون له ظهور في كون غروب الشمس غروب نفس الجرم، و لو كان له هذا الظهور مع قطع النظر عن ذلك التحديد. نعم لو لم يكن بين ذهاب الحمرة و سقوط الشفق أو اشتباك النجوم فصل لما أمكن حمل الغروب على ذهاب الحمرة، إلّا أنّ الأمر ليس كذلك.

فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّه لا معارضة بين الأخبار حتّى تصل النوبة إلى المرجّحات السندية، لأنّ ما دلّ على التحديد بغروب الشمس أو استتار القرص، إمّا محكومة بما دلّ على أنّ الغيبوبة إنّما تحصل بذهاب الحمرة و هي أكثرها، و امّا محمولة على التقية، لاشتمالها على قرينة تدلّ على ذلك، و قد تقدّم في الأمر الرابع أنّ ملاحظة المرجحات إنّما هو بعد الفراغ عن جريان الأصول الجهتية.

و لو أغمضنا عن ذلك كلّه و قلنا بالمعارضة فلا إشكال أيضا في أنّ الترجيح على ما دلّ على اعتبار ذهاب الحمرة، لا من جهة الأكثرية و الأشهرية، بل من جهة


1) الوسائل: ج 3 ص 133 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 29.

2) الوسائل: ج 3 ص 132 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 26.

مخالفتها للعامّة، بخلاف ما دلّ على أنّ العبرة باستتار القرص، فإنّها موافقة للعامّة و يجب طرحها.

و ما ذكرنا من أنّ رتبة الموافقة و المخالفة للعامّة متأخّرة عن المرجّحات السندية صحيح إلّا أنّه ليس في المقام من المرجّحات شي‌ء، لأنّ في كلتا الطائفتين من الصحاح ما لا يخفى، و العدالة و الوثاقة متحقّقة في كليهما، و لا أشهرية في البين لأنّ كلتا الطائفتين مشهورتان عند الرواة و الشهرة العملية ما لم تصل إلى حدّ الإعراض عن الأخرى لا اعتبار بها، مع أنّ الشهرة العملية في تلك الطائفة، لأنّه لم ينسب القول باستتار القرص من الطبقة الأولى التي هي العبرة في كون عملهم جابرة و كاسرة، إلّا عن الكاتب و الصدوق و المرتضى و الشيخ و سلار و القاضي (1)، مع أنّ عبارات بعضهم- على ما نقل- غير صريحة في ذلك، بل نقل عن بعضهم خلاف ما نسب إليه، فلا إشكال في أنّ الشهرة أو الأشهرية في تلك الطائفة.

فليس في ما دلّ على اعتبار استتار القرص من المرجّحات لو لم تكن في مقابلها، و لا محالة تصل النوبة إلى موافقة العامّة و مخالفتهم، و لا إشكال في موافقة ذلك للعامّة بحيث كانوا يعرفون به كما سمعت، و لا أظنّ بعد ما ذكرنا التوقّف في الحكم ممّن له أدنى رويّة في الجمع بين الأخبار.

فالأقوى أنّ أول وقت المغرب إنّما هو ذهاب الحمرة المشرقية عن قمّة الرأس، كما صرّحت به بعض الروايات المتقدّمة، و به يقيّد ما دلّ على اعتبار الحمرة من غير تقييد بتجاوزها عن ذلك الحدّ.

و أمّا آخره فالمشهور أنّه يمتدّ إلى مقدار أربع ركعات من نصف اللّيل مطلقا و لو للمختار. و قيل إلى ثلثه. و قيل: إلى سقوط الشفق، و ما بعد ذلك إلى انتصاف


1) جواهر الكلام: ج 7 ص 107.

اللّيل يكون وقتا للمضطرّ. و قيل: إنّ وقت الاضطراري يمتدّ إلى الطلوع. و ربّما تكون في المسألة أقوال أخر، هذا بالنسبة إلى المغرب.

و أمّا العشاء فالمشهور أيضا أنّ أول وقتها إنّما هو بعد فعل المغرب، و آخر وقتها للمختار إلى انتصاف اللّيل. و قيل: إنّ وقتها إنّما هو غيبوبة الشفق، و آخر وقتها للمختار ثلث اللّيل، و ما بعد ذلك إلى نصف اللّيل وقت للمضطرّ. و ربّما تكون في المسألة أيضا أقوال أخر.

و ليس هذا الاختلاف مختصّا بالعشاءين، بل في الظهرين أيضا اختلفت كلمات الأصحاب، فالمشهور على أنّه يمتدّ وقت الظهرين إلى الغروب اختيارا، كما أنّ المشهور هو دخول وقت العصر بمجرّد فعل الظهر، بل مجمع عليه، و إن كان يظهر من بعض العبائر وقوع الخلاف فيه. و قيل: إنّ آخر وقت الظهر هو القدمان، و آخر وقت العصر هو أربعة أقدام للمختار، و بعد ذلك وقت للمضطرّ إلى الغروب. و قيل: إنّ آخر وقت الظهر هو المثل، و آخر وقت العصر هو المثلان للمختار. و قيل غير ذلك أيضا.

و بالجملة: اختلفت كلمات الأصحاب بالنسبة إلى آخر وقت الظهر و العصر، بعد اتّفاقهم ظاهرا على أول وقت الظهرين، و كذا اختلفت كلماتهم بالنسبة إلى آخر وقت العشاءين و أول وقت العشاء، بعد اتّفاقهم على أول وقت المغرب و هو الغروب، و إن وقع الخلاف في ما يتحقّق به الغروب، و أنّه هل هو الاستتار أو ذهاب الحمرة على ما تقدّم بيانه، و كذلك اختلفت كلماتهم في آخر وقت صلاة الفجر، بعد اتّفاقهم أيضا- على الظاهر- في أوله و أنّه هو الفجر الصادق.

و لكنّ المشهور بين الأعلام هو امتداد وقت الظهرين إلى الغروب مطلقا و لو للمختار، و امتداد وقت العشاءين إلى نصف اللّيل مطلقا، و دخول وقت العشاء

بمجرّد فعل المغرب، و امتداد وقت الصبح إلى طلوع الشمس أيضا مطلقا و لو للمختار، هذا هو المشهور، و في مقابله أقوال أخر لا تخفى على المتتبّع، و لعلّها تمرّ عليك في طيّ الاستدلال لما ذهب إليه المشهور.

فينبغي التكلّم في مقامات ثلاث:
اشارة

الأول: في امتداد وقت الظهرين للمختار إلى الغروب. المقام الثاني: امتداد وقت العشاءين إلى نصف اللّيل حتّى للمختار، و ندرج فيه دخول وقت العشاء بمجرّد فعل المغرب. المقام الثالث:

امتداد وقت صلاة الفجر إلى طلوع الشمس للمختار أيضا.

أمّا المقام الأول:
اشارة

فقد علمت أنّه المشهور، و هو الأقوى في النظر، و بيان ذلك يتوقّف على ذكر ما ورد من الأخبار في وقت الظهرين، و هي على طوائف:

منها: المطلقات الدالّة على امتداد وقت الظهرين إلى الغروب.

كقوله عليه السّلام «ثمّ أنت في وقت منهما إلى غروب الشمس» (1)و هي كثيرة جدّا، و قد تقدّم شطر منها في أول بحث المواقيت.

و منها: ما دلّ على امتداد وقت الظهر إلى أربعة أقدام.

كخبر الكرخي قال: سألت أبا الحسن عليه السّلام متى يدخل وقت الظهر قال: إذا زالت الشمس، فقلت: متى يخرج وقتها؟ فقال: من بعد ما يمضي من زوالها أربعة أقدام، و إنّ وقت الظهر ضيّق ليس كغيره (2).. إلخ.

و في معناه رواية أخرى وردت في باب طهر الحائض بعد أربعة أقدام من الزوال، حيث قال عليه السّلام: إنّها تصلّي العصر فإنّ وقت الظهر قد خرج (3).


1) الوسائل: ج 3 ص 92 باب 4 من أبواب المواقيت، ح 5 و فيه اختلاف يسير.

2) الوسائل: ج 3 ص 109 باب 8 من أبواب المواقيت، ح 32.

3) الوسائل: ج 2 ص 598 باب 49 من أبواب الحيض، ح 2 من كتاب الطهارة نقلا بالمضمون.

و قد أفتى بعض بمضمون هذا الخبر مع زيادة امتداد وقت العصر إلى ثمانية إقدام مع أنّه ليس في الخبر ذلك، بل فيه امتداد وقت العصر إلى غروب الشمس، حيث قال: قلت: فمتى يدخل وقت العصر؟ فقال: إن آخر وقت الظهر هو أول وقت العصر، فقلت: متى يخرج وقت العصر؟ فقال: وقت العصر إلى أن تغرب الشمس (1).

و منها: ما دلّ على امتداد وقت الظهر إلى المثل و العصر إلى المثلين.

ففي خبر محمّد بن حكيم قال: سمعت العبد الصالح و هو يقول: إنّ أول وقت الظهر زوال الشمس و آخر وقتها قامة من الزوال، و أول وقت العصر قامة و آخر وقتها قامتان (2).

و في معناه روايات أخر.

و قد أفتى بمضمونها بعض لكن بعد تقييده بالمختار، لما دلّ من امتداد الوقت لصاحب العذر إلى الغروب.

و منها: ما دلّ على أنّ وقت الظهر هو القدمان (3)أو القدم (4)أو الذراع (5)، و وقت العصر أربعة أقدام (6)أو ذراعان (7)من غير تعرّض أنّ ذلك آخر وقت الفرضين، بل في بعضها دلالة على أنّ ذلك أول وقتها، و مع ذلك ذهب بعض إلى أنّ ذلك آخر وقت الفرضين للمختار، و لعلّه توهّم أنّ تلك الأخبار في مقام تحديد


1) الوسائل: ج 3 ص 109 باب 8 من أبواب المواقيت، ح 32.

2) الوسائل: ج 3 ص 108 باب 8 من أبواب المواقيت، ح 29.

3) الوسائل: ج 3 ص 102 باب 8 من أبواب المواقيت، ح 1 و 2.

4) الوسائل: ج 3 ص 110 باب 8 من أبواب المواقيت، ح 34.

5) الوسائل: ج 3 ص 43 باب 14 من أبواب أعداد الفرائض، ح 6.

6) الوسائل: ج 3 ص 102 و 111 باب 8 و 9 من أبواب المواقيت، ح 1.

7) الوسائل: ج 3 ص 102 و 111 باب 8 و 9 من أبواب المواقيت، ح 2.

آخر الوقت، مع أنّ ظاهر الأخبار يأباه، و أنّ ذلك أول الوقت لخصوص المتنفّل، فراجع.

و منها: ما دلّ على امتداد وقت العصر للمختار حتّى يصير الظلّ ستّة أقدام.

كما في خبر سليمان بن خالد: العصر على ذراعين، فمن تركها حتّى تصير على ستّة أقدام فذلك المضيّع (1).

و في معناه رواية أخرى (2)، و قد أفتى بمضمونه بعض.

و في المسألة أيضا أقوال خالية عن الشاهد، إذ الأخبار الواردة في الباب هي ما ذكرناها، و قد عرفت أنّ هذه الأخبار المفصّلة بين المثل و المثلين و الأقدام و غير ذلك كلّها مقيّدة بصورة الاختيار، لما ورد من أنّ وقت المضطرّ ممتدّ إلى الغروب أو إلى اصفرار الشمس على اختلاف في ذلك أيضا، و الأخبار المقيّدة أيضا كثيرة لا تخفى على المراجع، كما في صحيح ابن سنان عن الصادق عليه السّلام في حديث: لكلّ صلاة وقتان، و أول الوقت أفضلهما، و لا ينبغي تأخير ذلك عمدا، و لكنّه وقت من شغل أو نسي أو نام، و ليس لأحد أن يجعل آخر الوقتين وقتا، إلّا من عذر أو علّة (3).

إذا عرفت ذلك فيقع الكلام حينئذ في موضعين: الموضع الأول: في الجمع بين هذه الأخبار المفصّلة الدالّة على عدم امتداد الوقت إلى الغروب للمختار بمقتضى الأخبار المقيّدة، و بين المطلقات الدالّة بإطلاقها على امتداد الوقت مطلقا حتّى للمختار إلى الغروب. الموضع الثاني: في الجمع بين نفس هذه الأخبار


1) الوسائل: ج 3 ص 111 باب 9 من أبواب المواقيت، ح 2.

2) الوسائل: ج 3 ص 111 باب 9 من أبواب المواقيت، ح 4.

3) الوسائل: ج 3 ص 87 باب 3 من أبواب المواقيت، ح 4، و فيه اختلاف يسير.

المفصّلة، حيث إنّها بنفسها متعارضة من حيث اعتبار المثل و المثلين و أربعة أقدام و الذارعين و غير ذلك ممّا تقدّم.

أمّا الكلام في الموضع الأول

فالمشهور على حمل الأخبار المفصّلة على بيان مراتب وقت الفضيلة، و حمل المطلقات على بيان وقت الإجزاء، من غير فرق بين المضطرّ و المختار، و في مقابله الأقوال الأخر، حيث حملوا المطلقات على الوقت الاضطراري، و الأخبار المفصّلة على الوقت الاختياري، هذا.

و مقتضى القواعد الأصولية- مع قطع النظر عن القرائن الخارجية- هو حمل المطلقات على الوقت الاضطراري، و تقيدها بما دلّ على عدم امتداد الوقت للمختار إلى الغروب، فإنّ المطلقات بإطلاقها تشمل المختار و المضطرّ في امتداد الوقت إلى الغروب، و أخبار القدم و القدمين و المثل و المثلين الظاهرة في خروج الوقت بذلك بعد تقييدها بالمختار تكون مقيّدة لتلك المطلقات. فيكون الغروب وقتا للمضطرّ.

و هذا الجمع بحسب القواعد مقدّم من حمل الأخبار المفصّلة على الاستحباب و الفضيلة كما صنعه المشهور، لما تبيّن في باب المطلق و المقيّد من أنّ ما دلّ على التقييد يكون حاكما و مبيّنا للمراد من المطلق، فالأصول اللّفظية الجارية في المقيّد من ظهور أمره في الوجوب تكون حاكمة على الأصول الجارية في المطلق من ظهوره في الإطلاق، و إن كان ظهور الأمر في الوجوب في المقيّد يكون أضعف بمراتب من ظهور المطلق في الإطلاق، لأنّ الشكّ في إطلاق المطلق يكون مسبّبا عن الشكّ في كون الأمر في المقيّد للوجوب، و بعد جريان أصالة ظهور الأمر فيه في الوجوب يرتفع موضوع الشكّ في المطلق، و من المعلوم أنّ الأصل الجاري في السبب يكون مقدّما على الأصل الجاري في المسبّب، و لا يلاحظ أقوائية الظهور كما صنعه بعض الأعلام، فظهور أمر (أعتق رقبة مؤمنة) حاكم على ظهور المطلق في الإطلاق و إن

كان ذلك من أضعف الظهورات و هذا من أقواها.

و السرّ في ذلك ما عرفت من أنّ الشكّ في المطلق مسبّب عن الشكّ في المقيّد، و لا يمكن العكس بأن يقال: إنّ الشكّ في كون الأمر في المقيّد للوجوب مسبّب عن الشكّ في إطلاق المطلق، و بعد الأخذ بأصالة الإطلاق في المطلق يرتفع موضوع الشكّ في كون الأمر في المقيّد للوجوب، و لا بدّ حينئذ من حمله على الاستحباب، و ذلك لأنّ دليل المطلق غير متعرّض للمقيّد، غاية الأمر أنّه لو بقي على إطلاقه يكون معارضا للمقيّد.

و هذا بخلاف دليل المقيّد، فإنّه بمنزلة القرينة للمطلق ك (يرمي) في قولنا (أسد يرمي) فإنّ ظهور يرمي في رمي النبال يكون قرينة على أنّ المراد من الأسد هو الرجل الشجاع، و لا يمكن أن يقال: إنّ ظهور أسد في الحيوان المفترس يكون قرينة على أنّ المراد من يرمي هو رمي التراب، و هذا واضح لا سترة فيه، و قد ذكرناه في باب المطلق و المقيّد مفصّلا، فراجع.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ مقتضى ما عرفت- من حكومة الأصول الجارية في المقيّد على الأصول الجارية في المطلق- هو لزوم حمل المطلقات الواردة في امتداد وقت الظهرين إلى الغروب على المقيّدات الظاهرة في خروج الوقت بالأقدام و المثلين للمختار، و لا تصل النوبة إلى حمل أوامر المقيّدات على الفضيلة و الاستحباب، كما صنعه المشهور.

و لكنّ هذا إنّما يتمّ لو لم يكن هناك قرينة على إرادة وقت الفضيلة من الأوامر المقيّدة، و أمّا مع ثبوت القرينة في ذلك ينهدم ظهور الأمر في الوجوب في المقيّدات، و تبقى المطلقات على حالها من امتداد الوقت للمختار إلى الغروب.

و الإنصاف أنّ ملاحظة مجموع الأخبار الواردة في هذا الباب ممّا يشرف

الفقيه القطع بإرادة وقت الفضيلة من الأقدام و المثلين، و لو لم يكن في أخبار الباب إلّا رواية أحمد بن يحيى لكفى شاهدا في أنّ تلك الأخبار محمولة على تحديد وقت الفضل، و فيها قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي الحسن عليه السّلام: روي عن آبائك القدم و القدمين و الأربع و القامة و القامتين و ظلّ مثلك و الذراع و الذراعين، فكتب عليه السّلام: لا القدم و لا القدمين، إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين، و بين يديها سبحة و هي ثمان ركعات، فإن شئت طوّلت و إن شئت قصّرت، ثمّ صلّ الظهر، فإذا فرغت كان بين يدي الظهر و العصر سبحة و هي ثمان ركعات، إن شئت طوّلت و إن شئت قصّرت، ثمّ صلّ العصر (1).

فيظهر من السؤال و الجواب أنّ الراوي تخيّل أنّ تلك الأوقات أوقات للوجوب فسأل عمّا هو الواجب، فنفى الإمام عليه السّلام الوجوب و أنّه ليس القدم و القدمان و المثل و المثلان و غير ذلك ممّا ورد عن آبائي عليهم السّلام وقتا للوجوب، بل إذا زال الزوال دخل الوقتان، فالإمام عليه السّلام و إن ذكر في الجواب أول الوقت و لم يتعرّض لآخره و أنّ امتداده إلى متى إلّا أنّ جوابه عليه السّلام كالصريح في أنّ التحديد بتلك الأوقات المروية عنهم عليهم السّلام لم يكن تحديدا للوقت الواجب بحيث لا يجوز التقديم و التأخير عنه، فهذه الرواية أقوى شاهد على ما ذهب إليه المشهور من أنّ التحديد بذلك إنّما هو لبيان وقت الفضل لا الإجزاء.

و ممّا يدلّ على ذلك أيضا قوله عليه السّلام في صحيحة زرارة: أحبّ الوقت إلى اللّٰه عزّ و جلّ أوّله، حين يدخل وقت الصلاة فصلّ الفريضة، فإن لم تفعل فإنّك


1) الوسائل: ج 3 ص 98 باب 5 من أبواب المواقيت، ح 13 و فيه اختلاف يسير.

في وقت منهما حتّى تغيب الشمس (1). ضرورة أنّه كالصريح في امتداد الوقت إلى الغروب، و إن كان أوله أفضل لأنّه أحبّ إلى اللّٰه، خصوصا بعد قوله «فإن لم تفعل» الظاهر في عدم الفعل اختيارا، إذ لا يحسن التعبير ب «إن لم تفعل» فيما إذا كان معذورا من الفعل، بل حقّ التعبير حينئذ أن يقال: فإن لم تتمكّن، أو لم نقدر، أو كنت معذورا، و أمثال ذلك ممّا يدلّ على الاضطرار.

هذا مضافا إلى أنّ في نفس هذه الأخبار ما يدلّ على ذلك، كقوله عليه السّلام في صحيحة ابن سنان في حديث: لكلّ صلاة وقتان و أول الوقت أفضلهما، و لا ينبغي تأخير ذلك عمدا، و لكنّه وقت من شغل أو نسي (2)، الحديث. بداهة ظهور «لا ينبغي» في كون آخر الوقت أيضا وقتا للإجزاء و إن كان التأخير مرجوحا، و قوله عليه السّلام «أوّله رضوان اللّٰه و آخره عفو اللّٰه» (3)و أمثال ذلك من التعبيرات الدالّة بنفسها على جواز التأخير اختيارا، و إن كان أوّله أفضل.

هذا كلّه مع أنّ بعض الأخبار الدالّة على خروج الوقت إذا صار الظلّ أربعة أقدام لا بدّ من حملها على التقية أو طرحها، فإنّ ما ورد من أنّ الحائض إذا طهرت بعد مضى أربعة أقدام من الزوال تصلّي العصر لخروج وقت الظهر بذلك (4). ممّا لا يمكن الالتزام به، بل هو مجمع على بطلانه، بداهة أنّ الحيض من أوضح مصاديق العذر و الاضطرار فلا بدّ من طرحها أو حملها على التقية.

و بالجملة: لا حاجة إلى إطالة الكلام في ذلك، فإنّ ملاحظة الأخبار تكفي في


1) الوسائل: ج 3 ص 87 باب 3 من أبواب المواقيت، ح 5.

2) الوسائل: ج 3 ص 87 باب 3 من أبواب المواقيت، ح 4 و فيه: «أوّل الوقتين»

3) الوسائل: ج 3 ص 90، باب 3 من أبواب المواقيت، ح 16

4) الوسائل: ج 2 ص 598، باب 49 من أبواب الحيض، ح نقلا بالمضمون.

حمل الأخبار المفصّلة على الفضيلة، هذا تمام الكلام في الموضع الأول.

بقي الكلام في الموضع الثاني:

و هي الجمع بين نفس الأخبار المحدّدة المفصّلة، فإنّه قد عرفت اختلافها في ذلك أيضا، فبعضها تحديد بالمثل للظهر و المثلين للعصر، و هو منتهى ما ورد من التحديد، و بعضها تحديد الظهر بالقدم و العصر بالقدمين، و هو أقلّ التحديدات، و ما بينهما من القدمين و الأربعة و الستّة متوسّطات، و لا يبعد حمل هذا الاختلاف على بيان مراتب الفضل و أنّ أوله بل أول الزوال- كما ورد أنّ أول الظهر زوال الشمس و آخر وقتها قامة (1)، الحديث- القدم للظهر و القدمان للعصر، و آخره المثل للظهر و المثلان للعصر و أنّ الأول أفضل، و لا بأس بالتزام عدم دخول وقت فضيلة العصر قبل القدمين و إن فرغ من الظهر قبل ذلك.

بل يمكن أن يستشعر من بعض الأخبار أنّ ما شرع أولا إنّما هو التفريق بين الظهرين و ان الجمع رخصة، كما يظهر ذلك ممّا ورد في نزول جبرئيل عليه السّلام في اليوم الأول بوقت كذا و في اليوم الثاني بوقت كذا (2). فراجع.

و حاصل الكلام: أنّ الأخبار في الباب مضطربة غاية الاضطراب، فإنّ في بعضها نفي التحديد رأسا، كقوله عليه السّلام بعد السؤال عن اختلاف الأخبار المروية عن آبائه عليهم السّلام «لا القدم و لا القدمين .. إلخ» (3)و في بعضها تحديد الظهر بالقدم و العصر بالقدمين، كما في قوله عليه السّلام «و النصف من ذلك أحبّ إليّ» بعد السؤال عنه عن فعل الظهر بالقدمين و العصر بأربعة أقدام، و بعضها التحديد بالقدمين للظهر و أربعة للعصر، و في بعضها التحديد بالمثل


1) الوسائل: ج 3 ص 108، باب 8 من أبواب المواقيت، ح 29 و فيه اختلاف يسير.

2) الوسائل: ج 3 ص 114، باب 10 من أبواب المواقيت، ح 5.

3) الوسائل: ج 3 ص 98، باب 5 من أبواب المواقيت، ح 13.

و المثلين على اختلاف بينها في أنّ ذلك منتهى الوقت كما في أكثر روايات المثل و المثلين، أو أول الوقت كما في بعضها الآخر، و في بعضها تحديد العصر بستّة أقدام في طرف الانتهاء، و غير ذلك من الاختلافات.

و الإنصاف أنّ هذه الاختلافات أقوى شاهد على أنّ التحديد بذلك ليس للوقت الإجزائي، بل إنّما هو لبيان مراتب الفضل.

و لكنّ المتحصّل من مجموع الأخبار- على ما عليها من الاختلاف-: هو أنّ آخر وقت فضيلة العصر المثلان، و آخر وقت فضيلة الظهر المثل، و ما دلّ على أمر الإمام عليه السّلام لزرارة من فعل الظهر بعد المثل و العصر بعد المثلين (1)فمحمول على أنّ ذلك كان لمصلحة اقتضت إلى عدم فعل زرارة الظهر و العصر في وقت الفضيلة.

و على كلّ حال لا يمكن القول بأنّ وقت الفضيلة إنّما هو بعد المثل و المثلين، لمخالفته للإجماع و صريح عدّة من الروايات بأنّ ذلك آخر الوقت لا أوّله، فما ورد في بعض الأخبار من أنّ أول الوقت هو بعد ذلك مطروح أو مؤوّل.

و أمّا أول الوقت للمتنفّل هو القدم للظهر و القدمان للعصر، فإنّ ذلك أقلّ ما ورد من التحديد، بل يمكن أن يقال: إنّ أول وقت الفضل هو ذلك لغير المتنفّل أيضا، و إنّ ما ورد من التعليل بأنّ التحديد إنّما كان من جهة النافلة فمحمول على أنّ ذلك إنّما هو لبيان حكمة التشريع لا علّته، بحيث يكون أول الزوال أول وقت الفضيلة لغير المتنفّل.

و لكن ينافي ذلك ما ورد من أنّ أول الزوال هو أول الوقت في خصوص يوم


1) الوسائل: ج 3 ص 105، باب 8 من أبواب المواقيت، ح 13.

الجمعة و المسافر (1). فإنّ ذلك يشعر بأنّ الفضل لغير المتنفّل هو فعله في أول الوقت، و الوجه في تخصيص المسافر و يوم الجمعة إنّما هو لمكان سقوط النافلة في ذلك.

و على أيّ حال، المراد من المثل أو المثلين و القدم و القدمين إنّما هو بملاحظة الظلّ الحادث بعد انعدامه أو انتهاء نقصانه، و أنّ المراد ملاحظة مجموع الظلّ من الباقي و الحادث، بداهة عدم إمكان إرادة ذلك، فإنّه ربّما يكون الظلّ الباقي بقدر المثل باعتبار اختلاف الأمكنة و الأزمنة، فيلزم أن لا يكون حينئذ للظهر وقت فضيلة، فتأمّل جيّدا. و عليك بملاحظة الأخبار الواردة في الباب، فإنّ المقام لا يسع أزيد من ذلك.

المقام الثاني: في بيان آخر وقت المغرب و العشاء، و أول وقت العشاء
اشارة

، فنقول: أمّا أول وقت العشاء فالمشهور أنّه بعد الفراغ من المغرب، و إن كان قبل سقوط الشفق المفسّر في الأخبار بذهاب الحمرة المغربية، لا البياض المعترض بالأفق، فإنّه يبقى تقريبا إلى ثلث اللّيل. و قيل: إنّ أول وقت العشاء إنّما هو بعد سقوط الشفق، فلا يجوز تقديمها عليه إلّا لصاحب العذر، للأخبار الدالّة بظاهرها على ذلك، كما في خبر نزول جبرئيل بصلاة المغرب قبل ذهاب الشفق، و بصلاة العشاء بعده (2). و مفهوم قوله عليه السّلام «لا بأس بأن تعجّل العتمة في السفر قبل أن يغيب الشفق» و غير ذلك ممّا يظهر منه عدم دخول وقت العشاء للمختار قبل ذهاب الشفق.


1) الوسائل: ج 3 ص 105، باب 8 من أبواب المواقيت، ح 11 نقلا بالمعنى.

2) الوسائل: ج 3 ص 114، باب 10 من أبواب المواقيت، ح 3.

و الأقوى ما عليه المشهور من دخول وقتها قبل ذلك، و ان كان الأفضل تأخيرها عن ذلك، و ذلك لما ورد في عدّة من الروايات من فعله صلّى اللّٰه عليه و آله المغرب و العشاء قبل سقوط الشفق من غير علّة و لا عذر، كما هو صريح الروايات (1)به، و علّل في بعضها بأنّ فعله ذلك ليتّسع الوقت على أمّته.

و لرواية زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السّلام و أبا عبد اللّٰه عليه السّلام عن الرجل يصلّي العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق، فقالا: لا بأس به (2).

و غير ذلك ممّا دلّ بالخصوص على دخول وقت العشاء قبل سقوط الشفق، مضافا إلى العمومات و الإطلاقات الواردة في صلاة العشاءين، كقوله عليه السّلام «إذا غربت الشمس دخل وقت الصلاتين، إلّا أنّ هذه قبل هذا» (3).

و حينئذ لا بدّ من حمل ما ورد على فعل العشاء بعد الشفق على الأفضلية، و أنّ الأفضل هو تأخير العشاء عن ذلك إلى ربع اللّيل أو ثلثه.

و أمّا آخر وقت العشاءين فالمشهور أنّه يمتدّ إلى النصف مطلقا حتّى بالنسبة إلى المختار. و قيل: إنّ آخر وقت المغرب هو سقوط الشفق للمختار، و أمّا المضطرّ فيمتدّ وقته إلى الربع أو الثلث أو النصف أو إلى ما قبل طلوع الفجر بمقدار فعل العشاء على اختلاف الأقوال في ذلك، و كذا الأقوال في طرف العشاء، فقيل: إنّ آخر وقته للمختار الربع أو الثلث على اختلاف القولين في ذلك، و من الربع إلى الثلث أو النصف أو الطلوع، و كذا من الثلث إلى النصف أو الطلوع وقت للمضطرّ.


1) الوسائل: ج 3 ص 162، باب 32 من أبواب المواقيت، ح 8.

2) الوسائل: ج 3 ص 148، باب 22 من أبواب المواقيت، ح 5.

3) الوسائل: ج 3 ص 132، باب 16 من أبواب المواقيت، ح 24.

و الأقوى ما عليه المشهور من امتداد الوقت مطلقا إلى النصف، و لا بدّ من حمل الأخبار الواردة على أنّ آخر وقت المغرب هو سقوط الشفق أو ربع اللّيل أو ثلثه، و كذا ما دلّ على أنّ آخر وقت العشاء هو المثلث أو الربع على بيان وقت الفضيلة و مراتبها لا الإجزائي، لعين ما تقدّم في الظهرين.

و حاصله: أنّه و إن كان مقتضى القواعد الأصولية هو حمل المطلقات الدالّة على امتداد الوقت إلى النصف على خصوص المضطرّ، من جهة المقيّدات الدالّة على أنّ آخر وقت المغرب لغير صاحب العذر هو سقوط الشفق أو الربع أو الثلث، و على أنّ آخر وقت العشاء هو الربع أو الثلث لغير ذلك أيضا، إلّا أنّ في المقام قرائن تدلّ على أنّ المراد من المقيّدات المحدّدة إنّما هو الوقت الفضيلي لا الإجزائي، و أنّ تلك التحديدات إنّما هي مراتب الفضل، و ذلك لما ورد في عدّة من الروايات على جواز تأخير المغرب عن الشفق بلا عذر، و كذا تأخير العشاء عن الثلث أو الربع.

و لنذكر بعض الأخبار الواردة في المقام ليتّضح حقيقة الحال، ففي رواية حريز عن زرارة و الفضيل قالا: قال أبو جعفر عليه السّلام: إنّ لكلّ صلاة وقتين، غير المغرب فإنّ وقتها واحد، و وقتها وجوبها، و وقت فوتها سقوط الشفق (1).

و في معناها عدّة روايات ظاهرة الدلالة في أنّ آخر وقت المغرب هو سقوط الشفق لكن مع تقييدها بغير علّة، كقوله عليه السّلام: من أخّر المغرب حتّى تشتبك النجوم من غير علّة فأنا إلى اللّٰه منه بري‌ء (2). و قد أفتى بمضمونها بعض الأصحاب، و في رواية عمر بن يزيد قال: قال أبو عبد اللّٰه: وقت المغرب في السفر


1) الوسائل: ج 3 ص 137، باب 18 من أبواب المواقيت، ح 2.

2) الوسائل: ج 3 ص 138، باب 18 من أبواب المواقيت، ح 8.

إلى ثلث الليل (1). و في روايته أيضا قال: قال أبو عبد اللّٰه: وقت المغرب في السفر إلى ربع الليل (2). و قال الكليني: إنّه روي أيضا إلى نصف الليل (3).

فيفهم من هذه الروايات أنّ آخر وقت المغرب للمضطرّ- بناء على حمل السفر على المثال و أنّ المقصود مطلق العذر- هو الربع، و به روايات عديدة، و قد أفتى بمضمونها بعض، أو النصف كما عن الكليني (4)، و قال به أيضا قوم، هذا في طرف المغرب.

و أمّا العشاء ففي رواية عن صاحب الأمر عجّل اللّٰه فرجه أنّه قال: ملعون ملعون من أخّر العشاء إلى أن تشتبك النجوم (5).. إلخ. و هذه الرواية بظاهرها تدلّ على أنّ آخر وقت العشاء هو اشتباك النجوم الذي هو قريب من سقوط الشفق، و لكنّ الظاهر أنّه لم يعمل بها أحد، و في مضمر معاوية بن عمّار: أنّ وقت العشاء الآخرة إلى ثلث اللّيل (6). و يقرب منها رواية الحلبي عن الصادق (7)، و أفتى بمضمونها بعض، و قد ورد في عدّة من الروايات أنّ رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله قال: لو لا أنّي أخاف أن أشقّ على أمّتي لأخّرت العشاء إلى ثلث اللّيل (8). و في بعض منها أنّه قال صلّى اللّٰه عليه و آله: و أنت في رخصة منها إلى نصف اللّيل (9).

و في رواية أنّه قال صلّى اللّٰه عليه و آله: لو لا أنّ أشقّ على أمّتي لأخّرت العشاء


1) الوسائل: ج 3 ص 141، الباب 19 من أبواب المواقيت، ح 1.

2) الوسائل: ج 3 ص 141، الباب 19 من أبواب المواقيت، ح 2.

3) الوسائل: ج 3 ص 141، الباب 19 من أبواب المواقيت، ح 3.

4) الوسائل: ج 3 ص 141، باب 19 من أبواب المواقيت، ح 3.

5) الوسائل: ج 3 ص 147، باب 21 من أبواب المواقيت، ح 7.

6) الوسائل: ج 3 ص 146، باب 21 من أبواب المواقيت، ح 4.

7) الوسائل: ج 3 ص 135، باب 17 من أبواب المواقيت، ح 9.

8) الوسائل: ج 3 ص 146 باب 21 من أبواب المواقيت، ح 2.

9) الوسائل: ج 3 ص 135 باب 17 من أبواب المواقيت، ح 7 و فيه اختلاف يسير.

إلى نصف اللّيل (1). و روى الكليني إلى ربع اللّيل (2)أيضا.

فهذه جملة الأخبار الواردة في المقام، و أنت إذا نظرت في هذه الأخبار على اختلافها تعرف أنّها ليست بصدد بيان الوقت الإجزائي، بل إنّما هي لبيان وقت الفضل، كما يدلّ عليه قوله صلّى اللّٰه عليه و آله في ذيل قوله «لو لا أني أخاف أن أشقّ» «و أنت في رخصة منها إلى نصف اللّيل» فإنّه يشعر بأنّ التأخير إلى الثلث ليس من جهة أنّه أول الوقت، كما يوهمه ظاهر قوله صلّى اللّٰه عليه و آله «لأخّرت العشاء إلى ثلث اللّيل» بل لمكان أنّ آخر الوقت الفضيلي هو الثلث و أنّه أفضل من أوّله، كما يشعر إليه أنّ تقديمها على ذلك الوقت إنّما هو لمكان خوف المشقّة، و إلّا فالصبر إلى الثلث أفضل، و إن كان الوقت ممتدّ إلى النصف.

فيتحصّل من هذه الرواية أمور ثلاثة: الأول: أنّ الوقت ممتدّ إلى النصف بقرينة قوله صلّى اللّٰه عليه و آله «و أنت في رخصة .. إلخ». الثاني: أنّ وقتها يدخل قبل الثلث. الثالث: أنّ الثلث آخر وقت الفضيلي و أنّه أفضل من غيره، و لا مانع من أن يكون آخر وقت الفضيلي أفضل من أوّله، فتكون هذه الرواية مخصّصة لما دلّ على أنّ أول الوقت أفضل مطلقا في جميع الفرائض.

فظهر أنّ هذه الرواية بنفسها تكفي في المطلوب من امتداد وقت العشاء مطلقا إلى النصف، و أنّ ما ورد من الثلث و الربع محمول على الوقت الفضيلي، هذا بالنسبة إلى العشاء، و قد عرفت أنّ قوله صلّى اللّٰه عليه و آله «و أنت في رخصة منها إلى نصف اللّيل» كاد أن يكون صريحا في الامتداد إلى ذلك مطلقا حتّى للمختار، ضرورة أنّه لو كان ذلك مخصوصا بالمضطرّ لما كان معنى لقوله صلّى اللّٰه عليه و آله «و أنت في رخصة» لعدم مناسبة الرخصة مع كونه مضطرا في التأخير،


1) الوسائل: ج 3 ص 146، باب 17 من أبواب المواقيت، ح 5.

2) الوسائل: ج 3 ص 146، باب 17 من أبواب المواقيت، ح 5.

فإنّ الرخصة إنّما تستعمل في مقام التوسعة و القدرة على الفعل قبل ذلك.

اللّٰهم إلّا أن يقال بتعميم الاضطرار إلى ما لا ينافي ذلك، فتأمّل فإنّ التعميم يلازم القول بالامتداد إلى النصف اختيارا، هذا كلّه مضافا إلى المطلقات التي كادت أن تكون متواترة و الشهرة المحقّقة.

و أمّا المغرب فامتداد وقته إلى النصف من جهة عدم القول بالفصل بينه و بين العشاء، فكلّ من قال بامتداد وقت العشاء إلى النصف اختيارا قال به في المغرب أيضا، هذا.

مضافا إلى الأدلّة الخاصة من جواز تأخير المغرب عن الشفق اختيارا، كما في رواية عمّار عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال: سألته عن صلاة المغرب إذا حضرت هل يجوز أن تؤخّر ساعة؟ قال: لا بأس إن كان صائما أفطر ثمّ صلّى، و إن كانت له حاجة قضاها ثمّ صلّى (1). فإنّ إطلاق الحاجة و عدم تقييدها يدلّ على جواز التأخير لأيّ حاجة، و هذا- كما ترى- يساوق جواز التأخير اختيارا.

و في رواية داود الصرمي قال: كنت عند أبي الحسن الثالث عليه السّلام يوما، فجلس يحدّث حتّى غابت الشمس، ثمّ دعا بشمع و هو جالس يتحدّث، فلمّا خرجت من البيت نظرت فقد غاب الشفق قبل أن يصلّي المغرب (2)، الحديث.

و في رواية إسماعيل قال: رأيت الرضا و كنّا عنده لم يصلّ المغرب حتّى ظهرت النجوم، ثمّ قام فصلّى بنا على باب دار ابن أبي محمود (3).

و إذا جاز التأخير عن الشفق اختيارا فلا محالة يكون ممتدّا إلى النصف، لضعف القائل بالتفصيل، فحينئذ يجب حمل الأخبار المحدّدة في طرف المغرب


1) الوسائل: ج 3 ص 143، باب 19 من أبواب المواقيت، ح 12.

2) الوسائل: ج 3 ص 143، باب 19 من أبواب المواقيت، ح 10.

3) الوسائل: ج 3 ص 143، باب 19 من أبواب المواقيت، ح 9.

و العشاء إلى بيان وقت الفضيلة و أنّ أول وقت الفضل للمغرب هو ذهاب الحمرة، كما يدلّ عليه المطلقات من أفضلية أول الوقت، و دونه في الفضل الربع، و دونه الثلث، و كذا أول وقت فضيلة العشاء سقوط الشفق، و آخره الثلث، لكن هنا التأخير إلى الثلث أفضل عكس المغرب و الظهرين فإنّ أول أوقاتها يكون أفضل. هذا كلّه بالنسبة إلى جواز تأخير العشاءين عن الربع و الثلث إلى النصف اختيارا.

و أمّا جواز تأخيرها عن النصف إلى الطلوع إمّا اختيارا كما نسب إلى بعض، أو اضطرارا كما عن المعتبر (1)و المدارك (2)، فمجمل القول فيه: أنّه قد وردت عدّة من الروايات- و فيها الصحاح- أنّ وقت العشاءين ممتدّ إلى الطلوع لكن في خصوص النائم و الناسي و الحائض.

ففي الصحيح عن الصادق عليه السّلام أنّه قال: إن نام الرجل و لم يصلّ صلاة المغرب و العشاء أو نسي فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما يصلّي كلتيهما فليصلّيهما، و إن خشي أن تفوته أحدهما فليبدأ بالعشاء الآخرة (3).

و في خبر عبد اللّٰه بن سنان: إذا طهرت المرأة قبل غروب الشمس فلتصلّ الظهر و العصر، و إن طهرت من آخر اللّيل فلتصلّ المغرب و العشاء (4). و في طريق آخر: إن طهرت قبل الفجر (5).

و في رواية عبيد اللّٰه بن زرارة: لا تفوت صلاة النهار حتّى تغيب الشمس،


1) المعتبر في شرح المختصر: ص 138، س 15 من كتاب الصلاة.

2) مدارك الاحكام: ص 119، س 25 من كتاب الصلاة.

3) الوسائل: ج 3 ص 209، باب 62 من أبواب المواقيت، ح 3، و فيه اختلاف يسير.

4) الوسائل: ج 2 ص 600، باب 49 من أبواب الحيض، ح 10

5) الوسائل: ج 2 ص 599 و 600 باب 49 من أبواب الحيض، ح 7 و 12 نقلا بالمضمون.

و لا صلاة اللّيل حتّى يطلع الفجر، و لا صلاة الفجر حتّى تطلع الشمس (1).

و مقتضى إطلاق الرواية الأخيرة هو امتداد الوقت إلى الفجر مطلقا و لو اختيارا، خصوصا بعد قوله عليه السّلام «لا تفوته صلاة النهار حتّى تغيب الشمس» بل يمكن أن يقال: إنّ الظاهر من خبر طهر الحائض هو ذلك أيضا، بقرينة قوله عليه السّلام «إذا طهرت المرأة قبل غروب الشمس فلتصلّ الظهر و العصر» بداهة جواز تأخير الظهر و العصر إلى الغروب و إن طهرت قبله بكثير، فينبغي أن يكون العشاءين كذلك، لأنهما جعلا في الرواية على نسق واحد، فتأمّل.

و لعلّ هذا أوجب القول بامتداد وقت العشاءين مطلقا إلى الغروب، و إن قال في الجواهر من أنّه لم يعرف قائله (2)، و الإنصاف أنّه ينبغي أن لا يعرف قائله، فإنّ القول بذلك في غاية السقوط، لتصريح جملة من الأخبار في أنّ منتهى وقت العشاءين هو النصف، فلو أخذنا بإطلاق هذه الرواية من امتداد الوقت إلى الطلوع اختيارا تكون معارضة لتلك الأخبار بالتباين، و لا يريب أحد في ترجيح تلك الأخبار لكثرتها، بل ربّما يدّعى تواترها، و شهرتها بين الرواة، و عمل الأصحاب عليها، مع أنّه قد عرفت أنّه لم يعلم القائل بامتداد الوقت إلى الطلوع اختيارا.

فلا إشكال في سقوط هذا القول، و سقوط ما يمكن التمسّك به له، أمّا رواية عبيد اللّٰه بن زرارة فلضعف سندها، على ما في الجواهر (3)، و أمّا رواية الحائض فلأنّ موردها هو الاضطرار، فليس فيها إطلاق بالنسبة إلى غير الاضطرار، و مجرّد ذكر الظهرين قبله لا يكون قرينة على ذلك، مع أنّه- على فرض صحّة السند في


1) الوسائل: ج 3 ص 116، باب 10 من أبواب المواقيت، ح 9.

2) جواهر الكلام: ج 7 ص 156.

3) جواهر الكلام: ج 7 ص 158.

الأولى و صحّة الدلالة في الثانية- لا بدّ من طرحها لموافقتها للعامّة لكن في خصوص العشاء، لأنّ المغرب لا يمتدّ عندهم إلى الطلوع بل وقته عندهم ضيّق و أنّ آخره سقوط الشفق، فتأمّل جيّدا.

بقي الكلام في ما ينقل عن المعتبر (1)و المدارك (2)بل الشيخ في الخلاف (3)من امتداد الوقت إلى الطلوع بالنسبة إلى المضطرّ، و مستندهم ما تقدّم من قول الصادق عليه السّلام «إن نام الرجل و لم يصلّ صلاة العشاء و المغرب (4).. إلخ» و هو و إن كان مخصوصا بالنوم و النسيان، إلّا أنّه بعد إلقاء الخصوصية يكون الحكم عامّا لمطلق المضطرّ، و به يقيّد ما دلّ على النصف من المطلقات الشاملة بإطلاقها المضطرّ و المختار.

و لا يمكن أن يقال بأنّ غاية ما يدلّ عليه الصحيح هو فعل العشاءين قبل الفجر لو استيقظ أو تذكّر بعد الانتصاف و هو أعمّ من الأداء و القضاء، فلعلّ أن تكون العشاءين بعد الانتصاف قضاء و لكن يجب قضاؤهما قبل الفجر، غاية الأمر أنّه يكون من الأدلّة الدالّة على تعجيل القضاء بالنسبة إلى خصوص النائم و الناسي، فتكون المطلقات حينئذ أخصّ من هذا الصحيح، لأنّ المطلقات تدلّ على خروج الوقت بعد الانتصاف و تكون الصلاة قضاء، و هذه الصحيحة تدلّ على وجوب فعل العشاءين قبل الفجر و لا تعرّض لها للأدائية و القضائية، فلا بدّ من حملها على صورة القضاء كما هو الشأن في صناعة الإطلاق و التقييد، و ذلك لأنّ قوله عليه السّلام في آخر الصحيحة «و إن خشي أن تفوته أحدهما فليبدأ


1) المعتبر في شرع المختصر: ص 138 س 15 من كتاب الصلاة.

2) مدارك الاحكام: ص 119 س 25 من كتاب الصلاة.

3) الخلاف: ج 1 ص 264 مسألة 8 من كتاب الصلاة، طبع مؤسّسة النشر الإسلامي- قم.

4) الوسائل: ج 3 ص 209 باب 62 من أبواب المواقيت، ح 3.

بالعشاء الآخرة» ينفي هذا المعنى، بداهة أنّه لو كانت قضاء لم يكن وجه لسقوط الترتيب و فعل العشاء قبل المغرب، و دعوى سقوط الترتيب في القضاء في هذا المورد بعيد جدّا.

فالإنصاف أنّ الصحيحة في حدّ نفسها ظاهرة الدلالة في امتداد الوقت للناسي و النائم إلى الطلوع، و لا يمكن الحمل على التقية لأنّ الحمل على التقية فرع التعارض و عدم الجمع الدلالي، و في المقام ليس كذلك لأنّ الجمع الدلالي ممكن، لما عرفت من أخصية هذه الصحيحة بالنسبة إلى المطلقات، و في كلّ مورد كان أحد الدليلين أخصّ مطلقا من الآخر يجمع بينهما بحمل المطلق على الخاصّ و لا تصل النوبة إلى ملاحظة التقية، اللّٰهم إلّا أن يكون الخاصّ بنفسه مشتملا على قرائن التقية، و هذا في المقام مفقود أيضا، فلا يمكن الخدشة في دلالة الرواية على ما ذهب إليه في المعتبر (1)و المدارك (2)و الشيخ (3)على احتمال إلّا من حيث تعميم الاضطرار، مع أنّ في الرواية لم يذكر إلّا خصوص النوم و النسيان.

و الإنصاف أنّ إلقاء الخصوصية ليس بذلك البعد، بل في رواية زرارة التصريح بذلك قال: و قال الصادق عليه السّلام: لا تفوت الصلاة من أراد الصلاة، لا تفوت صلاة النهار حتّى تغرب الشمس، و لا صلاة اللّيل حتّى يطلع الفجر و ذلك للمضطرّ و العليل و الناسي (4).

نعم هذه الصحيحة لها معارض في خصوص النوم، و هو مرفوعة ابن مسكان عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال: من نام قبل أن يصلّي العتمة فلم يستيقظ حتّى


1) المعتبر في شرح المختصر: ص 138 س 15 من كتاب الصلاة.

2) مدارك الأحكام: ص 119 س 25 من كتاب الصلاة.

3) الخلاف: ج 1 ص 264 مسألة 8 من كتاب الصلاة.

4) الوسائل: ج 3 ص 91 باب 4 من أبواب المواقيت، ح 3، و فيه اختلاف يسير.

يمضي نصف اللّيل فليقض صلاته و ليستغفر اللّٰه (1).

و دعوى أعمّية القضاء من فعل الشي‌ء في خارج الوقت ممّا لا شاهد عليها بعد ما كان الظاهر منه هو ذلك، خصوصا بعد قوله «فلم يستيقظ حتّى يمضي نصف اللّيل» إذ لو كان القضاء بمعنى فعل الشي‌ء و لو في وقته لم يكن وجه لهذا التقييد كما لا يخفى، فدلالة هذه الرواية على خروج الوقت بعد النصف بالنسبة إلى النائم في غاية الوضوح، فتكون معارضة مع أحد جزئي تلك الصحيحة، و لا إشكال في ترجيحها على الصحيحة، لموافقتها للمطلقات و مخالفتها للعامّة.

و حينئذ ينهدم ما ذكرناه من استفادة التعميم لمطلق العذر من جهة إلغاء الخصوصية مع قطع النظر عن رواية زرارة (2)، إذ لم يبق في الصحيحة إلّا مورد واحد و هو النسيان، و مجرّد ورود دليل على امتداد الوقت للناسي إلى الطلوع أو هو و الحيض- مع قطع النظر عن الإشكال الوارد فيما يدلّ عليه كما تقدّم- لا يمكن استفادة العموم و تسرية الحكم لكلّ عذر. فالقول بامتداد الوقت إلى ذلك بالنسبة إلى كلّ مضطرّ خال عن الدليل، و ما في رواية زرارة يحتمل إرادة النافلة منه، فتأمّل فإنّه بعيد، هذا.

مع ما قيل من إعراض المشهور عن هذه الأخبار و عدم العمل بها، و موافقتها للتقية، و لكن مع ذلك لا ينبغي ترك الاحتياط بعدم التعرّض لنية الأداء و القضاء، و إن أخّر العشاءين إلى ذلك عمدا، فضلا عن صورة العذر و خصوصا الناسي، فتأمّل جيّدا.


1) الوسائل: ج 3 ص 156 باب 29 من أبواب المواقيت، ح 6.

2) الوسائل: ج 3 ص 91 باب 4 من أبواب المواقيت، ح 3.

تنبيه:

لا يخفى أنّ ما ذكرنا من امتداد الوقت إلى النصف يراد النصف من الغروب إلى طلوع الفجر لا النصف باعتبار طلوع الشمس، فإنّ ما بين الطلوعين لا يعدّ من اللّيل لا في اللّغة و لا في الشرع، و لم ينقل القول به أيضا من أحد إلّا من الأعمش، و مخالفته لا تضرّ بتحقّق الإجماع المحكي و المحقّق.

و قد ورد في غير مورد من الكتاب و السنّة إطلاق النهار و اليوم على ما بعد طلوع الفجر، كإطلاق اللّيل على ما قبل ذلك، بل نقل عن البحار (1)وجود مائة خبر يدلّ على أنّ ما بين الطلوعين ليس من ساعات اللّيل، فلا يحتاج إلى ذكر الأدلّة و تفصيلها، فإن المسألة أوضح من ذلك، و إن أردت أن تستحضر عن تفصيلها فعليك بمراجعة الجواهر في باب المواقيت (2)، فإنّه قد أطال الكلام في ذلك، و أتى بما يغني عن غيره.

المقام الثالث:

في بيان أول وقت صلاة الصبح و آخره أمّا أوّله فالظاهر قيام الإجماع من الخاصّة على أنّه هو طلوع الفجر الثاني المعترض على الأفق كالقبطية البيضاء، و هو المعبّر عنه بالفجر الصادق، في مقابل الفجر الكاذب الذي يظهر قبل ذلك و هو كذنب السرحان، مضافا إلى تواتر الأخبار بذلك من غير أن يوجد لها معارض، سوى ما ربّما يتوهّم من خبر ابن مهزيار قال: كتب أبو الحسن الحصين


1) بحار الأنوار: ج 80 ص 74 باب 1 من أبواب النجاسات و المطهرات و أحكامها.

2) جواهر الكلام: ج 7 ص 71.

إلى أبي جعفر الثاني عليه السّلام معي: جعلت فداك اختلف مواليك في صلاة الفجر، فمنهم من يصلّي إذا طلع الفجر الأول المستطيل في السماء، و منهم من يصلّي إذا اعترض في أسفل الأفق و استبان، و لست أعرف أفضل الوقتين فأصلّي فيه، فإن رأيت أن تعلمني أفضل الوقتين و تحدّه لي، و كيف أصنع مع القمر و الفجر لا يتبيّن معه حتّى يجهر و يصبح، و كيف أصنع مع الغيم، و ما حدّ ذلك في السفر و الحضر، فعلت إن شاء اللّٰه. فكتب بخطّه و قرأته: الفجر يرحمك اللّٰه هو الخيط الأبيض المعترض، و ليس هو الأبيض صعدا، فلا تصلّ في سفر و لا حضر حتّى تبيّنه (1)، الحديث.

فإنّ ظاهر السؤال المفروغية عن أنّ الفجر الأول كان وقتا لصلاة الصبح و كانت بعض الموالي تصلّيها فيه، و إنّما سأل عن أفضل الوقتين، و لكنّ هذا لا يصلح للمعارضة بعد جوابه عليه السّلام و تعيينه الفجر بالفجر الصادق، فلعلّ صلاة بعض الموالي في الفجر الكاذب كان من أجل التقية، إمّا من عند أنفسهم، و إمّا من حيث أمرهم بذلك، و إن لم يوجد فيما بأيدينا من الأخبار أمر الموالي بالصلاة في الفجر الكاذب و على أيّ لا إشكال و لا خلاف في أنّ الميزان هو الفجر الصادق، بل هو من ضروريات المذهب.

إنّما الإشكال في آخره، فالمشهور على أنّه يمتدّ إلى طلوع الشمس اختيارا، و إن كان الفضل عدم تأخيرها من طلوع الحمرة المشرقية و أنّ ذلك آخر وقت فضيلتها.

و قيل: إنّ الامتداد إلى ذلك إنّما هو للمضطرّ، و أمّا المختار فآخر وقتها هو طلوع الحمرة المشرقية.

فممّا يدلّ على المشهور قول أبي جعفر عليه السّلام: وقت صلاة الغداة ما بين طلوع


1) الوسائل: ج 3 ص 153 باب 27 من أبواب المواقيت، ح 4، و فيه: حتّى يحمرّ و يصبح.

الفجر إلى طلوع الشمس (1). كما في رواية زرارة. و في حديث عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال: لا تفوت صلاة الفجر حتّى تطلع الشمس (2).

و هذا و إن كان مطلقا بالنسبة إلى المختار و المضطرّ إلّا أنّه ليس في المقام ما يصلح للتقييد، فإنّ ما ورد من التحديد بطلوع الحمرة المشرقية لغير صاحب العذر الذي تمسّك به القول الآخر المقابل للمشهور ظاهر في إرادة الوقت الفضيلي لا الإجزائي، و لا بأس بذكر بعضها ليعلم حقيقة الحال.

ففي رواية أبي بصير المكفوف قال: سألت أبا عبد اللّٰه عليه السّلام عن الصائم متى يحرم عليه الطعام؟ فقال: إذا كان الفجر كالقبطية البيضاء، قلت: فمتى تحلّ الصلاة؟ فقال: إذا كان كذلك، فقلت: أ لست في وقت من تلك الساعة إلى أن تطلع الشمس؟ فقال عليه السّلام: لا، إنّما نعدّها صلاة الصبيان، ثمّ قال: إنّه لم يكن يحمد الرجل أن يصلّي في المسجد ثمّ يرجع فينبّه أهله و صبيانه (3).

و في صحيحي ابن سنان (4)و الحلبيّ (5)عن الصادق عليه السّلام: لكلّ صلاة وقتان و أول الوقت أفضلهما، و وقت صلاة الفجر حين ينشقّ الفجر إلى أن يتجلل الصبح السماء، و لا ينبغي تأخير ذلك عمدا، و لكنّه وقت من شغل أو نسي أو سها أو نام.

و في الموثّق في الرجل إذا غلبته عينه أو عاقه أمر أن يصلّي المكتوبة من الفجر إلى أن تطلع الشمس (6).


1) الوسائل: ج 3 ص 52 باب 26 من أبواب المواقيت، ح 6، و فيه: صلاة الغداة.

2) الوسائل: ج 3، ص 52 باب 26 من أبواب المواقيت، ح 8.

3) الوسائل: ج 3 ص 55 باب 28 من أبواب المواقيت، ح 2.

4) الوسائل: ج 3 ص 151 باب 26 من أبواب المواقيت، ح 5، و فيه: و أول الوقتين.

5) الوسائل: ج 3 ص 151 باب 26 من أبواب المواقيت، ح 1.

6) الوسائل: ج 3 ص 152 باب 26 من أبواب المواقيت، ح 7، و فيه اختلاف يسير.

و لو سلك أحد مسلك الإنصاف يقطع بأنّ هذه الأخبار ليست بصدد بيان الوقت الاضطراري و أنّ الوقت الاختياري لا يمتدّ إلى الطلوع، كما يشعر إليه قوله عليه السّلام «و لا ينبغي تأخير ذلك عمدا» و قوله عليه السّلام «إنّما نعدّه صلاة الصبيان» و قوله عليه السّلام بعد ذلك «و إنّه لم يكن يحمد الرجل» فإنّ الظاهر من هذه التعبيرات هو مرجوحية التأخير إلى طلوع الشمس و أنّ الفضل تقديمها على ذلك، مضافا إلى التصريح بالأفضلية في الصحيحين المتقدّمين، نعم ليس في الأخبار ما يدلّ على امتداد وقت الفضيلة إلى طلوع الحمرة المشرقية، بل الموجود فيها «إلى أن يتجلّل الصبح السماء» أو «يسفر» و كأنّهم فهموا منه ذلك و أنّ تجلّل الصبح و اسفراره يكون مقارنا لظهور الحمرة (1)في طرف المشرق.

فظهر أنّ الأقوى امتداد وقت صلاة الصبح إلى طلوع الشمس مطلقا حتّى للمختار، و أنّ الأخبار المحدّدة كلّها لبيان وقت الفضل، بل الإنصاف أنّ ظهور الأخبار المحدّدة في صلاة الصبح في بيان وقت الفضيلة أقوى بمراتب من ظهور الأخبار المحدّدة في الظهرين و العشاءين و ظهر أيضا أنّ آخر وقت فضيلة الصبح هو طلوع الحمرة المشرقية، و إن كان أول الفجر أفضل كما صرّحت به الصحيحتان، و لا عبرة بالحمرة المغربية على تقدير عدم مقارنتها لطلوع الشمس، كما يدلّ عليه رواية دعائم الإسلام عن الصادق عليه السّلام: إنّ أول وقت صلاة الفجر اعتراض الفجر في أفق المشرق، و آخر وقتها أن يحمرّ أفق المغرب، و ذلك قبل أن


1) بل في بعض الروايات ما يدلّ على ذلك كما في صحيحة ابن يقطين سألت أبا الحسن عليه السّلام الرجل لا يصلّي الغداة حتّى يسفر و تظهر الحمرة و لم يركع ركعتي الفجر (الوسائل: ج 3 ص 193 باب 51 من أبواب المواقيت، ح 1.)، الحديث. فإنّ الظاهر أنّ عطف و تظهر الحمرة على الإسفراء من باب عطف التفسير فتأمّل جيّدا «منه».

يبدو قرن الشمس من أفق المشرق بشي‌ء لا ينبغي تأخيرها إلى هذا الوقت لغير عذر، و أول الوقت أفضل (1). و نحوه المحكي عن فقه الرضا (2)عليه السّلام. و هذا كما ترى يدلّ على أنّ آخر وقت الفضل أو آخر وقت الإجزاء هو احمرار أفق المغرب لغير المضطرّ.

لكنّ الظاهر أنّه لم يعمل به أحد من الأصحاب، لانعقاد الإجماع على أنّ آخر وقت الفضل أو الإجزاء هو احمرار أفق المشرق، هذا مضافا ما عن البحار من أنّ اعتبار احمرار المغرب غريب، و قد جرّبت أنّه إذا وصلت الحمرة إلى أفق المغرب يطلع قرن الشمس (3). مع أنّ الرواية صريحة بخلافه، و على أيّ حال لا إشكال في سقوط هذا الجزء من الرواية لعدم العمل بها. هذا تمام الكلام في أوقات الفرائض اليومية.

المقام الثالث في أوقات النوافل اليومية

فالمشهور أنّ وقت نافلة الظهر من الزوال إلى القدمين، و وقت نافلة العصر إلى أربعة أقدام. و قيل: إنّ الظهر إلى المثل، و العصر. إلى المثلين الذي هو آخر وقت فضيلة الفريضتين. و قيل: يمتدّ وقت النافلة بامتداد وقت الفريضة.

و الأقوى ما ذهب إليه المشهور، و يدلّ عليه عدّة روايات، ففي رواية ابن مسكان عن زرارة قال: قال لي أبو جعفر عليه السّلام: أ تدري لم جعل الذراع


1) دعائم الإسلام: ج 1 ص 139، و فيه «و لا ينبغي».

2) فقه الرضا: ص 74.

3) بحار الأنوار: ج 83 ص 74 باب وقت صلاة الفجر و نافلتها.

و الذراعان؟ قال: قلت: لم؟ قال: لمكان الفريضة، لك أن تتنفّل من زوال الشمس إلى أن يبلغ ذراعا، فإذا بلغ ذراعا بدأت بالفريضة و تركت النافلة (1).

و في معناها عدّة روايات أخر.

و أمّا امتداد وقت النافلة إلى المثل و المثلين فلم يدلّ عليه دليل، سوى ما يتوهّم من دلالة الأخبار المفسّرة للذراع بالقامة عليه، و هي عدّة من الروايات.

ففي رواية زرارة (2)و عبد اللّٰه بن سنان (3)عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام: كان حائط مسجد رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله قامة، فإذا مضى من فيئه ذراع صلّى الظهر، و إذا مضى من فيئه ذراعان صلّى العصر.

و هذا بظاهره يدلّ على أنّ القامة غير الذراع، بقرينة «من» الظاهرة في التبعيض، و لكن بعد البناء على أنّ الحائط- بقرينة ما ورد من تفسير القامة بالذراع- كان ذراعا يتمّ المطلوب، فإنّه يصير المعنى حينئذ أنّ الحائط كان قدر ذراع، فإذا صار الفي‌ء بذاك المقدار- يعني ساوى الظلّ مقدار ذي الظلّ- كان صلّى اللّٰه عليه و آله يصلّي الظهر، و إذا صار الظلّ مقداري ذي الظلّ صلّى العصر، فيكون العبرة بالمثل و المثلين و لا بدّ حينئذ من رفع اليد عن ظهور «من» في التبعيض.

و يجري بهذا المجرى جميع الأخبار الواردة في القامة و القامتين، مع ما ورد عن تفسيرها بالذراع و الذراعين، و يكون الذراع حينئذ كناية عن قامة الشاخص بقرينة التفسير، فيكون العبرة بصيرورة الظلّ بمقدار ذي الظلّ، و هو المراد من المثل و المثلين.


1) الوسائل: ج 3 ص 106 باب 8 من أبواب المواقيت، ح 20، و فيه اختلاف يسير.

2) الوسائل: ج 3 ص 108 باب 8 من أبواب المواقيت، ح 27.

3) الوسائل: ج 3 ص 104 باب 8 من أبواب المواقيت، ح 7.

و فيه: أنّ مبنى الاستدلال إنّما هو على حائط المسجد كان ذراعا، حتّى يكون المراد من قوله عليه السّلام «فإذا مضى من فيئه ذراع» هو صيرورة الظلّ بقدر ذي الظلّ، و هذا المعنى لم يثبت بل الثابت خلافه، و أنّ الحائط كان قدر قامة الإنسان كما هو المحكي عن فقه الرضا (1)عليه السّلام، و يدلّ عليه أيضا نفس ما في رواية زرارة و عبد اللّٰه بن سنان المتقدّمتين، فإنّ الظاهر من كلمة «من» هو التبعيض، و هو لا يستقيم إلّا إذا كان مقدار الحائط أكثر من ذراع، و كذا يظهر من صدر الروايتين أيضا، فإنّ الظاهر من لفظ القامة في قوله عليه السّلام «كان حائط مسجد رسول اللّٰه قامة» هو قامة الإنسان، فإنّ هذا هو المنساق من إطلاقها.

و الحاصل: أنّ تمامية الاستدلال موقوف على أن يكون حائط مسجد رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله قدر ذراع، و هذا مع أنّه لم يثبت في نفسه، ينفيه صدر الرواية و ذيلها، فإنّ المنساق من إطلاق القامة- التي في صدر لرواية- هو قامة الإنسان، و ظهور لفظة «من»- التي في الذيل- في التبعيض، فرواية زرارة و عبد اللّٰه ابن سنان أدلّ على اعتبار القدمين و الأربعة من اعتبار المثل و المثلين و ما ورد من تفسير القامة بالذراع لا شهادة فيها على أنّ الحائط كان قدر ذراع، إذ المستفاد من مجموع الأخبار انّه كان في ذلك الزمان اصطلاح خاصّ و هو التعبير عن الذراع بالقامة، كما يظهر من الصادق عليه السّلام: القامة و القامتان الذراع و الذراعان في كتاب علي عليه السّلام (2)، و قوله عليه السّلام عند سؤال أبي بصير كم القامة؟

فقال: ذراع (3).. إلخ.


1) فقه الرضا: ص 76.

2) الوسائل: ج 3 ص 107 باب 8 من أبواب المواقيت الحديث 26 نقلا بالمضمون.

3) الوسائل: ج 3 ص 106 باب 8 من أبواب المواقيت، ح 16.

و لكنّ هذا لا يدلّ على أن كلّما استعملت القامة في أي مورد يراد منها الذراع حتّى إذا كانت هناك قرينة على الخلاف، فلفظ القامة في رواية زرارة و عبد اللّٰه ابن سنان الواردتين في حائط مسجد رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله يراد منها قامة الإنسان بقرينة الذيل و ما ورد من استحباب أن يكون حائط (1)قامة أو أكثر- على ما قيل- و بقرينة المحكي عن فقه الرضا (2). فمن مجموع هذا يستفاد أنّ الحائط كان قدر قامة الإنسان، و هذا لا ينافي أن يكون المراد من القامة عند إطلاقها هو الذراع، كما ورد التفسير بذلك في عدّة من الروايات، و يكون حينئذ جميع ما ورد من تحديد وقت الظهر و العصر بالقامة و القامتين محمول على القدمين و أربعة أقدام المتساويان للذراع و الذراعين.

فإن قلت: لو حملتم لفظ القامة الواردة في الروايات بالذراع، فبم تستدلّون على امتداد وقت فضيلة فريضة الظهر و العصر بالمثل و المثلين؟ و يكون حينئذ القول بالامتداد إلى ذلك خال عن الدليل.

قلت: بل يستدلّ على ذلك بما ورد من التحديد بالمثل و المثلين، كما في قول الصادق عليه السّلام لسعيد بن هلال: قل لزرارة إذا كان ظلّك مثلك فصلّ الظهر، و إذا كان ظلّك مثليك فصلّ العصر (3). و في معناها رواية أخرى (4)، و لا ملازمة بين أن يكون المراد من القامة هو الذراع و بين أن يكون المراد من المثل ذلك أيضا، بل المراد من المثل هو مثل الشاخص (5)

مضافا إلى أنّ الظاهر من الرواية هو كون المثل و المثلين أول وقت الفريضة لا آخر، مع أنّه ما تضمّنته رواية زرارة قضية شخصية لا يمكن التمسّك بها.

فالإنصاف أنّه بناء على كون المراد من القامة الذراع يكون القول بامتداد وقت فضيلة الفريضة إلى المثل و المثلين خال عن الدليل، فتأمّل «منه».

كما هو واضح.

1) هكذا في الأصل، و الظاهر سقوط كلمة «المسجد» بعد كلمة «حائط».

2) فقه الرضا: ص 76.

3) فقه الرضا: ص 76.

4) الوسائل: ج 3 ص 110 باب 8 من أبواب المواقيت، ح 33.

5) لكنّ الظاهر من رواية زرارة هو بلوغ الظل الأعمّ من الباقي و الحادث بعد الزوال مقدار المثل، و هذا لا يستقيم في بعض الأزمنة و الأمكنة، فإنّه ربّما يكون الظلّ الباقي أكثر من المثل، فيلزم أن يكون وقت الفريضة قبل الزوال، و لا يمكن حملها على خصوص الظلّ الحادث، لأنّ قوله عليه السّلام «إذا كان ظلّك مثلك .. إلخ» ينافي ذلك، فإنّه لو كان المراد خصوص الظلّ الحادث لكان حقّ التعبير أن يقال: إذا صار ظلّك مثلك، كما لا يخفى، هذا.

فتحصّل: أنّه لا يمكن الاستدلال على امتداد وقت نافلة الظهرين إلى المثل و المثلين بما ورد من أنّ حائط المسجد كان قامة، و كان صلّى اللّٰه عليه و آله إذا مضى من فيئه ذراع يصلّي الظهر (1). إذ الاستدلال بذلك إنّما يتمّ بعد حمل القامة على الذراع، و قد عرفت عدم إمكان ذلك، و قد استدلّوا عليه أيضا بأمور أخر غير خالية عن المناقشة.

فالأقوى ما عليه المشهور من امتداد وقت النافلة إلى القدمين و أربعة أقدام.

و أمّا القول بامتداد وقت النافلة إلى آخر وقت الفريضة فلم يظهر القائل به، و ربّما نسب إلى الحلي- رحمه اللّٰه- إلّا أنّه- على تقدير صدق النسبة- لم يكن قولا آخر في المسألة، لأنّ بناء الحلّي- على ما حكي- هو أنّ آخر وقت الفريضة عنده هو المثل و المثلان للمختار، و لم ينقل تصريح منه على امتداد وقت النافلة إلى آخر وقت الاضطراري للفريضة.

و على أيّ حال لا شاهد على هذا القول من الأخبار أصلا، سوى ما يتوهّم من دلالة الأخبار على عدم وقت للنافلة، و أنّها بمنزلة الهدية كلّ وقت صالح لها على ذلك.

و فيه: مع أنّ هذه الأخبار أعمّ من المدّعى، سيأتي التكلّم فيها إن شاء اللّٰه.

و بناء على المشهور لو لم يصلّ من نافلة الزوال شي‌ء إلى أن صار الظلّ قدمين و كذا لم يصلّ من نافلة العصر شي‌ء إلى أن صار الظلّ أربعة أقدام،


1) الوسائل: ج 3 ص 108 باب 8 من أبواب المواقيت، ح 27.

فلا إشكال في خروج وقت النافلة.

و أمّا لو تلبّس منها و لو بركعة زاحم بها الفريضة، لقاعدة «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة كلّها» كما في النبوي (1)الشاملة للفريضة و النافلة بتنزيل صلاة النافلة منزلة صلاة واحدة فتأمّل و لرواية عمّار عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام في حديث قال: وقت صلاة الجمعة شراك أو نصف، و قال: للرجل أن يصلّى الزوال ما بين زوال الشمس إلى أن يمضي قدمان، و إن كان قد بقي من الزوال ركعة واحدة أو قبل أن يمضي قدمان أتمّ الصلاة حتّى يصلّي تمام الركعات، فإن مضى قدمان قبل أن يصلّي ركعة إذا زالت الشمس بدأ بالأولى، و لم يصلّ الزوال إلّا بعد ذلك (2)، الحديث. فإنّ الرواية و إن كانت لا تخلو عن إغلاق و إشكال إلّا أنّ دلالتها على المقصود ظاهرة.

و لا فرق فيما ذكرنا بين أن يعلم قبل الشروع في النافلة أنّه لم يبق من وقتها إلّا ركعة، أو لا يعلم ذلك بأن دخل في النافلة بظنّ بقاء وقتها، أو كان غافلا و بعد ما صلّى ركعة ظهر خروج وقتها، لإطلاق القاعدة، لكن على أيّ حال يعتبر أن تقع ركعة منها قبل القدمين.

ثمّ لا يخفى أنّ ما قلنا من امتداد وقت النافلة إلى القدمين هو امتدادها إلى رأس القدمين لا إلى أن يبقى من القدمين مقدار أداء الفريضة، لأنّ الظاهر من الأدلّة هو امتداد الوقت إلى نفس القدمين كما هو واضح.

بقي في المقام شي‌ء يجب التنبيه عليه و هو أنّه ربّما قيل بعدم وقت للنافلة بل جميع النهار صالح لها، و إن كان إيقاعها من الزوال إلى القدمين للظهر و الأربعة


1) الوسائل: ج 3 ص 158 باب 30 من أبواب المواقيت، ح 30.

2) الوسائل: ج 3 ص 178 باب 40 من أبواب المواقيت، ح 1، و فيه اختلاف يسير.

للعصر أفضل، و قد استدلّ على ذلك بعدّة من الروايات، بعضها ظاهرة الدلالة في ذلك. و ربّما قيل أيضا بجواز فعل النافلة قبل الزوال لكن لا مطلقا. بل لمن علم أنّه شغله شاغل من فعلها في وقتها. و يدلّ عليه أيضا عدّة من الروايات.

فمما يدلّ على الأول ما رواه علي بن الحكم عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال: قال لي: صلاة النهار ستّ عشرة ركعة صلّها أيّ النهار شئت، إن شئت في أوله، و إن شئت في وسطه، و إن شئت في آخره (1). و عن القاسم بن وليد الغسّاني عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال: قلت له: جعلت فداك صلاة النهار النوافل في كم هي؟ قال: ستّ عشرة ركعة، في أي ساعات النهار شئت أن تصلّيها صليتها، إلّا أنّك إذا صلّيتها في مواقيتها أفضل (2). و عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام أيضا قال: صلاة التطوّع بمنزلة الهدية متى ما أتي بها قبلت، فقدّم منها ما شئت و أخّر منها ما شئت (3).

و قد استدلّ على ذلك أيضا بروايات أخر لا تخلو عن المناقشة، كما أنّ الرواية الأخيرة التي ذكرناها لا تخلو عنها أيضا، لأنّ صلاة التطوّع أعمّ من النوافل اليومية المرتّبة، بل ربّما قيل بظهور التطوّع في التطوّع الابتدائي فلا يشمل النافلة.

فالعمدة هو ما ذكرناه من الروايتين الأولتين، فإنّ الإنصاف كونهما ظاهرتي الدلالة في ذلك، و آبية عن حملهما على القضاء أو غيره جدّا، فلو خلّينا و أنفسنا لكان يلزمنا القول بذلك، و يحمل ما ورد من تحديد النافلة بالقدمين و الأربعة على بيان وقت الفضيلة، و أنّ فعلها عند ذلك يكون أفضل الأوقات.


1) الوسائل: ج 3 ص 36 باب 13 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها، ح 17.

2) الوسائل: ج 3 ص 36 باب 13 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها، ح 18، و فيه اختلاف يسير. و فيه: ابن وليد الغفاري.

3) الوسائل: ج 3 ص 170، باب 37 من أبواب المواقيت، ح 8.

إلّا أنّ الظاهر أنّه لم يعمل بهما على الإطلاق، بل ربّما ادّعي الإجماع على خلاف ذلك، فتأمّل جيّدا.

و ممّا يدلّ على الثاني ما رواه في الكافي (1)و التهذيب (2)عن الباقر عليه السّلام من جواز تعجيل نافلة الزوال إذا علم أنّه يشتغل عنها. و في خبر إسماعيل بن جابر قال قلت لأبي عبد اللّٰه عليه السّلام: إنّي اشتغل، قال: فاصنع كما نصنع، صلّ ستّ ركعات إذا كانت الشمس في مثل موضعها من صلاة العصر يعني ارتفاع الضحى الأكبر، و اعتدّ بها من الزوال (3). و قد استدلّ على ذلك أيضا بروايات أخر لا تخلو عن المناقشة.

و ما ذكرناه ظاهر الدلالة في ذلك، فلو خلّينا و أنفسنا أيضا لكان ينبغي العمل بهذه الروايات مع عدم العمل بالطائفة الأولى، لأنّ بين هذه الروايات و بين ما دلّ على تحديد الوقت بالقدمين و أربعة أقدام أعمّ أخص مطلقا، لأنّ هذه الروايات مخصوصة بمن يشتغل عنها في وقتها، فمقتضى صناعة الإطلاق و التقييد هو حمل الأخبار المحدّدة على من لم يشغله عن النافلة في وقتها شي‌ء.

و لكن أيضا قيل بعدم العمل بها، إلّا أنّ الظاهر خلافه، لما نقل عن التهذيب و جمع آخر من الأساطين العمل بمضمونها. فالإنصاف أنّ القول به لا يخلو عن قوّة، هذا تمام الكلام في وقت نافلة الظهرين.

و أمّا وقت نافلة العشاءين فأول الوقت لنافلة المغرب هو بعد فعل الفريضة، و يمتدّ إلى ذهاب الحمرة المغربية بمقدار أداء الفريضة، هذا هو المشهور، و قد نقل الإجماع عليه. و ربّما مال بعض إلى امتداد وقت نافلة المغرب بامتداد وقت


1) الكافي: ج 3 ص 450 باب تقديم النوافل و تأخيرها و قضائها و صلاة الضحى، ح 1.

2) التهذيب: ج 2 ص 268 باب 13 من أبواب المواقيت، ح 104.

3) الوسائل: ج 3 ص 169 باب 37 من أبواب المواقيت، ح 4، و فيه اختلاف يسير.

الفريضة إلى ما قبل انتصاف اللّيل.

و قد استدلّ للمشهور بوجوه:

منها: أنّ المعهود من فعل النبي صلّى اللّٰه عليه و آله هو ذلك (1).

و منها: الأخبار الناطقة بأنّ المفيض إلى عرفات إذا صلّى المغرب في المزدلفة يؤخّر النافلة إلى ما بعد العشاء (2).

و منها: النهي عن التطوّع في وقت الفريضة (3).

و لكنّ الكلّ لا يخلو عن مناقشة، أمّا فعل النبي صلّى اللّٰه عليه و آله- فعلى تقدير ثبوته- لا دلالة له على خروج وقتها بعد الحمرة، إذ لعلّ فعله في ذلك الوقت كان من باب أنّه كان أفضل أوقاتها.

و أمّا أخبار المفيض من عرفات فهو إنّما لمكان استحباب الجمع بين العشاءين في ذلك المكان كما ذكره الأصحاب.

و أمّا النهي عن التطوّع في وقت الفريضة فإنّما هو عند تضيّق وقت الفريضة، لا أنّ التطوّع في وقت فضيلة يكون منهيّا عنه.

فلم يقم دليل على ما ذهب إليه المشهور إلّا بالتشبّث بعدم ثبوت وقت للنافلة زائدا عن ذهاب الحمرة، و لا بدّ في العبادة من الاقتصار على القدر المتيقّن من التوظيف الواصل، فتأمّل.

و يمكن الاستيناس للمشهور بامتداد وقت نافلة الظهرين إلى آخر وقت فضيلتهما بمقدار أدائهما، و بامتداد وقت نافلة الصبح إلى آخر وقت فضلها بمقدار أدائها، فيستأنس من ذلك أنّ آخر نافلة المغرب هو آخر وقت فضيلتها الذي هو


1) الوسائل: ج 10 ص 40 باب 6 من أبواب الوقوف بالمشعر، ح 3.

2) الوسائل: ج 10 ص 40 باب 6 من أبواب الوقوف بالمشعر، ح 2.

3) الوسائل: ج 10 ص 40 باب 6 من أبواب الوقوف بالمشعر، ح 3.

ذهاب الحمرة المغربية.

ثمّ إن الكلام في مزاحمة نافلة المغرب لفريضة العشاء هو الكلام في مزاحمة نافلة الظهر لفرضها و نافلة العصر لفرضها، و إن كان بينهما فرق من جهة أنّ المزاحمة في الظهرين إنّما كان بين النافلة و ذيها، و المزاحمة في المغرب إنّما يكون بين نافلة المغرب و فريضة العشاء.

و الأقوال في مسألة مزاحمة نافلة المغرب للعشاء ثلاثة، قيل بعدم المزاحمة و لو فرض أنّه صلّى منها ثلاث ركعات، فلو دخل وقت صلاة العشاء و هو في الركعة الرابعة من النافلة يهدمها. و قيل بالمزاحمة لو صلّى منها ركعة بل أقلّ. و قيل بالمزاحمة في خصوص الصلاة التي بيده بمعنى أنّه لو دخل عليه الوقت و هو في الركعتين الأولتين أتمّها خاصّة و ليس له بعد ذلك الشروع في الركعتين الأخيرتين، و إن كان في الأخيرتين أتمّها أيضا.

و منشأ الاختلاف إنّما هو من حيث عدم النصّ في المسألة، و مقتضى القاعدة الأولية هو عدم المزاحمة مطلقا، و لكن لا بأس بالتمسّك لها بقاعدة «من أدرك» (1)بناء على شمولها للنافلة و كون الأربعة ركعات بمنزلة صلاة واحدة.

و أمّا وقت نافلة العشاء فهو ممتدّ بامتداد وقت الفريضة إلى الثلث أو النصف أو الطلوع على الأقوال فيها.

و أمّا وقت صلاة اللّيل فهو بعد انتصافه، و إن كان تأخيرها إلى السحر و هو الثلث الأخير أو السدس على الاحتمالين فيه أفضل، للأخبار المستفيضة (2)على أنّ أول وقتها هو النصف و آخر وقتها هو طلوع الفجر الثاني، و لا يجوز تقديمها على


1) الوسائل: ج 3 ص 157 باب 30 من أبواب المواقيت.

2) الوسائل: ج 3 ص 181 باب 44 من أبواب المواقيت.

الانتصاف إلّا لعذر، و لو تلبّس منها بأربع زاحم بها فريضة الصبح، كلّ ذلك للأخبار و عليه المشهور، فلا حاجة إلى إطالة الكلام في ذلك.

وقت نافلة الصبح هو طلوع الفجر الأول إلى طلوع الحمرة المشرقية بمقدار أداء الفريضة على المشهور، و قد دلّ عليه الأخبار (1).

المقام الرابع في الأحكام المتعلّقة بالمواقيت
اشارة

و فيه مسائل:

الاولى: في جواز التطوّع في وقت الفريضة.
اشارة

فاعلم أنّ هنا مقامين للتكلّم الأول في التطوّع في وقت الفريضة. الثاني التطوّع لمن عليه فريضة، و إن خلط بعض الأعلام بين المقامين و جعلهما من واد واحد، إلّا أنّ الحقّ أنّه لا ربط لأحدهما بالآخر.

أمّا التكلّم في المقام الأول فمجمله أنّه قد وردت عدّة من الروايات ظاهرها المنع عن التطوّع في وقت الفريضة، و قد أفتى بمضمونها جمع من الأعلام، و وردت أيضا عدّة اخرى ممّا ظاهرها الجواز ما لم يتضيّق وقت الفريضة، فلا بدّ أولا من ذكر الأخبار الواردة من الطرفين، ثمّ نجمع بينهما على ما يقتضيه النظر الصحيح فنقول:

أمّا ما دلّ على المنع فمنها: الأخبار الواردة في تحديد الذراع و الذراعين لنافلة


1) إلّا أنّ الإنصاف عدم قيام دليل معتدّ به في امتداد وقت النافلة إلى طلوع الحمرة و إن ذهب المشهور إليه، فراجع. «منه».

الظهرين، معلّلا في بعضها أنّ التحديد بذلك لأجل عدم وقوع التطوّع في وقت الفريضة، كقول الباقر عليه السّلام: أ تدري لم جعل الذراع و الذراعان؟ قلت: لم؟

قال: لمكان الفريضة لئلا يؤخذ من وقت هذه و يدخل في وقت هذه (1). و في معناه روايات أخر.

و منها: ما ورد في ركعتي الفجر من صحيح زرارة عن أبي جعفر قال: سألته عن ركعتي الفجر قبل الفجر أو بعد الفجر؟ فقال: قبل الفجر، إنهما من صلاة اللّيل ثلاث عشرة ركعة صلاة اللّيل، أ تريد أن تقايس لو كان عليك من شهر رمضان أ كنت تتطوّع إذا دخل عليك وقت الفريضة فابدأ بالفريضة (2). و قد ورد النهي عن ركعتي الفجر بعد الفجر أو بعد قول المؤذّن قد قامت الصلاة في روايات أخر أيضا.

و منها: ما رواه زرارة أيضا- على ما حكي من حبل المتين- قال: قلت لأبي جعفر: أصلّي نافلة و عليّ فريضة أو في وقت فريضة؟ قال: لا؛ إنّه لا يصلّي نافلة في وقت فريضة، أ رأيت لو كان عليك من شهر رمضان كان لك أن تتطوّع حتّى تقضيه؟ قال: قلت: لا، قال: فكذلك الصلاة، قال: فقايسني و ما كان يقايسني (3).

و ربّما احتمل أنّ هذه الرواية هي التي وردت في ركعتي الفجر التي ذكرناها قبيل هذه و إنّما نقلها حبل المتين أو غيره بالمعنى، و يؤيّده أنّه لم تكن في الكتب الأربعة المعتبرة- على ما حكي.


1) الوسائل: ج 3 ص 107 باب 8 من أبواب المواقيت، ح 21.

2) الوسائل: ج 3 ص 192، باب 50 من أبواب المواقيت، ح 3. و فيه «ثلاثة عشرة»

3) الحبل المتين: الفصل السابع من المقصد الثالث فيما يتعلق بأوقات القضاء و حكم التنفل في وقت الفريضة ص 150 س 13.

و منها: موثّق ابن مسلم عن أبي جعفر قال: قال لي رجل من أهل المدينة:

يا أبا جعفر ما لي لا أراك تطوّع بين الأذان و الإقامة كما يصنع الناس؟ قال: قلت:

إنّا إذا أردنا أن نتطوّع كان تطوّعنا في غير وقت فريضة، فإذا دخل الفريضة فلا تطوّع (1).

و منها: خبر أبي بكير عن جعفر بن محمّد عليه السّلام: إذا دخل وقت الصلاة مفروضة فلا تطوّع (2).

و في خبر أديم: لا يتنفّل الرجل إذا دخل وقت فريضة- إلى أن قال:- إذا دخل وقت فريضة فابدأ بها (3).

و غير ذلك من الأخبار الناهية أو النافية عن الدخول في النافلة قبل المكتوبة، أو الآمرة بالبدأة بالفريضة قبل النافلة ممّا ظاهره الوجوب.

و أمّا ما دلّ على الجواز فمنها: الموثّقة المروية في الكتب الثلاثة- على ما حكي- عن الرجل يأتي المسجد و قد صلّى أهله، أ يبتدأ بالمكتوبة أو يتطوّع؟ فقال: إذا كان في وقت حسن فلا بأس بالتطوّع قبل الفريضة، و إن كان خاف الفوت من أجل ما مضى من الوقت فليبدأ بالفريضة و هو حقّ اللّٰه، ثمّ ليتطوّع بما شاء، الأمر موسّع أن يصلّي الإنسان في أول وقت دخول وقت الفريضة النوافل، إلّا أن يخاف فوت الفريضة و الفضل إذا صلّى الإنسان وحده أن يبدأ بالفريضة إذا دخل وقتها ليكون فضل أول الوقت للفريضة، و ليس بمحظور عليه أن يصلّي النوافل من أول الوقت إلى قريب من آخر الوقت (4).


1) الوسائل: ج 3 ص 165 باب 35 من أبواب المواقيت، ح 3، و فيه اختلاف يسير.

2) الوسائل: ج 3 ص 166 باب 35 من أبواب المواقيت، ح 7، و في سنده «عن أبي بكر» و فيه اختلاف يسير.

3) الوسائل: ج 3 ص 165 باب 35 من أبواب المواقيت، ح 6.

4) الكافي: ج 3 ص 288 باب التطوع في وقت الفريضة، ح 3 من كتاب الصلاة، و فيه اختلاف يسير.

و منها: رواية ابن مسلم قال قلت للصادق عليه السّلام: إذا دخل وقت الفريضة أتنفّل أو أبدأ بالفريضة؟ قال: إنّ الفضل أن تبدأ بالفريضة (1)، الحديث.

و منها: رواية عمّار: إذا أردت أن تقضي شيئا من الصلاة مكتوبة أو غيرها فلا تصلّ شيئا حتى تبدأ فتصلّي قبل الفريضة التي حضرت ركعتين نافلة، ثمّ اقض ما شئت (2).

و منها: خبر يزيد سأل الصادق عن الرواية التي يروون أنّه لا ينبغي أن يتطوّع في وقت فريضة، ما حدّ هذا الوقت؟ قال: إذا أخذ المقيم في الإقامة، فقال له: إنّ الناس يختلفون في الإقامة، قال: المقيم الذي تصلّي معه (3). و في نسخة الوسائل التي عندي لفظة «لا ينبغي» لم تكن، و قد أثبتها في الجواهر، و لعلّ نسخة الوسائل التي عندي غلط، أو كانت الرواية متعدّدة.

و منها: خبر إسحاق بن عمّار قلت: أصلّي في وقت فريضة نافلة؟ قال: نعم في أول الوقت إذا كنت مع إمام يقتدى به، فإذا كنت وحدك فابدأ بالمكتوبة (4).

و منها: رواية أبي بصير عن الصادق عليه السّلام: إن فاتك شي‌ء من تطوّع النهار و اللّيل فاقضه عند زوال الشمس، و بعد الظهر عند العصر، و بعد المغرب، و بعد العتمة، و من آخر السحر (5). و غير ذلك ممّا يظهر منه الجواز.

و لا يصغى إلى المناقشة في أسانيد كلتا الطائفتين، فإنّ في كلّ منهما صحاح و موثّقات و معمول به.


1) الوسائل: ج 3 ص 167 باب 36 من أبواب المواقيت، ح 2.

2) الوسائل: ج 3 ص 207 باب 61 من أبواب المواقيت، ح 5، و فيه اختلاف يسير.

3) الوسائل: ج 3 ص 166 باب 35 من أبواب المواقيت، ح 9، و فيه اختلاف يسير.

4) الوسائل: ج 3 ص 165، باب 35 من أبواب المواقيت، ح 2.

5) الوسائل: ج 3، ص 201 باب 57 من أبواب المواقيت، ح 10. و فيه «من تطوع الليل و النهار».

و كذا لا يصغى إلى ما عن الرياض (1)من حمل الأخبار المجوّزة على التقية، فإنّ فيه- مضافا إلى أنّ ذلك فرع عدم إمكان الجمع الدلالي بين الأخبار و سيأتي إمكان ذلك إن شاء اللّٰه- أنّ في بعض الأخبار المانعة ما يشعر منه عدم كون الأئمة عليهم السّلام استعملوا التقية في هذه المسألة، كما يظهر بالتأمّل في رواية زرارة (2)الواردة في ركعتي الفجر المشتملة على المقايسة و رواية ابن مسلم (3)المتقدمتين، فإنّ الظاهر من قوله عليه السّلام «أ تريد أن تقايس لو كان عليك من شهر رمضان .. إلخ» هو تعليم زرارة طريق المحاجّة و المخاصمة مع من يرى جواز التطوّع في وقت الفريضة، و ليس المراد من قوله عليه السّلام «أ تريد أن تقايس» بيان القياس في حكم الإمام عليه السّلام بعدم جواز ركعتي الفجر بعد الفجر، و أنّ الإمام عليه السّلام هو بنفسه قاس عدم جواز ذلك على عدم جواز التطوّع بالصوم لمن عليه قضاء رمضان، حتّى يصير المعنى أنّه يا زرارة كما لا يجوز التطوّع بالصوم كذلك لا يجوز التطوّع بالنافلة في وقت الفريضة، فإنّ ذلك- بعد معلومية عدم جواز القياس في الشريعة و استبعاد حكم الإمام عليه السّلام بالقياس- خلاف الظاهر، بل الظاهر من الرواية (4)المستدرك: ج 1 ص 195 باب 46 من أبواب المواقيت، ح 3، من دون الإسناد إلى حبل المتين.

(5).


1) رياض المسائل: ج 1 ص 111 س 29 من كتاب الصلاة.

2) المستدرك: ج 1 ص 195، باب 46 من أبواب المواقيت، ح 3.

3) الوسائل: ج 1، ص 315، باب 35 من أبواب المواقيت، ح 3.

4) و ما يظهر من رواية حبل المتين

5) من أنّ الإمام عليه السّلام بنفسه قاس المقام بذلك المقام فقد عرفت احتمال وحدة الرواية، مع أنّه على تقدير التعدّد فلا بدّ من حملها، لأنّه ليس من شأنه القياس فيما يقوله من الأحكام، مع أنّه هو بنفسه يمنع عنه و يحثّ في عدمه، فلا بدّ من حملها على ما لا ينافي ذلك «منه».

هو تعليم زرارة طريق إلزام الخصم القائل بالقياس، فكأنّه عليه السّلام قال لزرارة قل لهم كيف جوّزتم أنتم النافلة في وقت الفريضة مع عدم تجويزكم التطوّع بالصوم لمن عليه قضاء رمضان مع أنّ مذهبكم القياس، و هذا- كما ترى- يظهر منه أنّ الإمام حكم في هذه المسألة بمرّ الحقّ و كان بصدد عدم استعمال التقية، و مع هذا كيف يمكن حمل أخبار الجواز على التقية.

و كذا يظهر ذلك من رواية ابن مسلم (1)، فإنّ الظاهر من قوله عليه السّلام «إنّا إذا أردنا أن نتطوّع كان تطوّعنا في غير وقت الفريضة» مداومة الأئمة عليهم السّلام على عدم فعل التطوّع في وقت الفريضة، فيظهر منه أنّه لم يكن بناء الأئمّة عليهم السّلام في هذه المسألة على التقية، هذا كلّه مع أن الحمل على التقية إنّما يكون عند الضرورة، كما اعترف هو- قدّس سرّه- بذلك، و لا ضرورة في المقام، لإمكان حمل أخبار المنع على الكراهة و الأقلّية في الثواب بعد تخصيصها بغير الموارد الخاصّة التي ورد فيها استحباب بعض النوافل في أوقات الفرائض، كالغفيلة و الوصية الواردتان بين المغرب و العشاء، و كالنافلة في ليلة الجمعة و ليال شهر رمضان، و غير ذلك ممّا لا يحصى كثرة.

و ممّا يدلّ على أنّ المراد من النهي أو النفي هو أقلية الثواب و المرجوحية في رواية سماعة المتقدّمة «و الفضل إذا صلّى الإنسان وحده أن يبدأ بالفريضة و هو حقّ اللّٰه» (2)و قوله عليه السّلام في رواية ابن مسلم «إنّ الفضل أن تبدأ بالفريضة» (3)فإنّ ذلك كالصريح في مفضولية التطوّع في وقت الفريضة و أنّ الأرجح تركها، بل يظهر من رواية سماعة أنّ المرجوحية مختصّة بما إذا صلّى


1) الوسائل: ج 1 ص 165 باب 35 من أبواب المواقيت، ح 3.

2) الوسائل: ج 3 ص 164 باب 35 من أبواب المواقيت، ح 1.

3) الوسائل: ج 3 ص 167 باب 36 من أبواب المواقيت، ح 2.

الإنسان وحده، و أمّا لو صلّى جماعة فلا مرجوحية أيضا في أن يتطوّع إلى أن تنعقد الجماعة.

و احتمال كون قوله «و الفضل .. إلخ» ليس من قول الإمام عليه السّلام بل من الكليني بعيد غايته و إن لم يذكره في التهذيب.

و يظهر هذا المعنى أيضا- أي كون المرجوحية مختصّة بالمنفرد- من روايات أخر، مثل صحيحة ابن يزيد المتقدّمة «سأل الصادق عليه السّلام عن الرواية التي يروون أنّه لا ينبغي أن يتطوّع في وقت فريضة (1).. إلخ» فإنّ الإمام عليه السّلام خصّص الرواية التي يروونها بما إذا أخذ المقيم في الإقامة في الجماعة، فإنّه يدلّ على عدم البأس في التطوّع قبل انعقاد الجماعة و لو فرض أنّ الجماعة انعقدت بعد دخول وقت الفريضة بمدّة، فيظهر منه عدم مرجوحية التطوّع في وقت الفريضة لمن كان منتظرا فضل الجماعة، و يكون الحكم بالمرجوحية مختصّ بالمنفرد أو بعد انعقاد الجماعة، هذا.

و لكنّ الظاهر أنّ الرواية غير متعرّضة لحكم المنفرد و أنّه بالنسبة إليه مرجوح أو غير مرجوح، بل الرواية تكون مختصّة بمسألة الجماعة، و أنّ ما روي من أنّه لا ينبغي التطوّع في وقت الفريضة إنّما هو مخصوص بما إذا أخذ المقيم الذي تريد أن تصلّي معه في الإقامة، و أمّا التطوّع قبل ذلك لمثل هذا الشخص فلا مرجوحية فيه.

و على كلّ حال، التأمّل في الروايات يعطي عدم كون النهي فيها للحرمة، بل يستفاد من مجموعها أنّ الإنسان لو لم ينتظر ما يوجب الفضل في التأخير كالجماعة كان الأرجح أن لا يتطوّع بل يبدأ بالمكتوبة، بخلاف ما إذا كان منتظرا لذلك.


1) الوسائل: ج 3 ص 166 باب 35 من أبواب المواقيت، ح 9، و فيه اختلاف يسير.

و ربّما يشعر إلى ذلك قوله عليه السّلام «لا قربة في النوافل إذا أضرّت بالفرائض» (1)بناء على أن يكون المراد من الإضرار بالفريضة هو الإضرار بوقت فضيلتها لا الإضرار بوقتها الإجزائي، فيصير حاصل المعنى: أنّ النافلة إذا أضرّت بفضيلة الوقت فلا قربة فيها، و يستفاد منها أنّه لو زاحم بفضيلة الوقت ما هو أقوى منها كانتظار الجماعة و أمثال ذلك فلا مانع من النافلة فتأمّل. هذا كلّه في التطوّع في وقت الفريضة.

و أمّا التطوّع لمن عليه فريضة فمجمل القول فيه: أنّه و إن ذهب إلى التلازم بينهما بعض- كما نسب إلى الرياض (2)حيث حكي عنه عدم الفرق بين المسألتين- إلّا أنّ الظاهر أنّه لا ربط لأحد المسألتين بالأخرى دليلا و قولا.

أمّا قولا فلاعترافه بأنّ بعض من قال بعدم الجواز في المسألة الاولى- و هي التطوّع في وقت الفريضة- قال بالجواز في هذه المسألة، نعم من قال بالمضايقة في القضاء يلزمه أن لا يفرّق بين المسألتين، فتأمّل.

و أمّا دليلا فلأنّ ما استدلّ به على عدم جواز التطوّع لمن عليه فريضة في غاية الضعف، إذ ليس هو إلّا المرسل: لا صلاة لمن عليه صلاة (3). و إلّا رواية زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام أنّه سئل عن رجل صلّى بغير طهور أو نسي صلوات لم يصلّها أو نام عنها، فقال: يقضيها إذا ذكرها في أيّ ساعة ذكرها- إلى أن قال:- و لا يتطوّع بركعة حتّى يقضي الفريضة (4). و إلّا خبر يعقوب بن شعيب (5)،


1) الوسائل: ج 3 ص 208 باب 61 من أبواب المواقيت، ح 7.

2) رياض المسائل: ج 1 ص 112 س 3 من كتاب الصلاة.

3) المستدرك: ج 1 ص 195 باب 46 من أبواب المواقيت، ح 2.

4) الكافي: ج 3 ص 292 باب من نام عن الصلاة أو سها عنها، ح 3، و فيه اختلاف يسير.

5) الوسائل: ج 3 ص 206 باب 61 من أبواب المواقيت، ح 4.

المتضمّن للأمر بالبدء بالفريضة المقضية قبل قضاء النوافل.

و الاستدلال بمثل هذا لما نحن فيه في غاية الضعف، أمّا المرسل- فمضافا إلى كونه مرسلا، و لم يثبته الأصحاب في الكتب المعتبرة، و إنّما ذكره الشيخ رحمه اللّٰه في كتابي المبسوط (1)و الخلاف (2)و لم يذكره في التهذيب و الاستبصار الذي عليهما المعوّل- لم يوجد أحد أفتى بعمومه، فإنّ لازمة عدم جواز التطوّع لمن نذر أن يصلّي ركعتين في مدّة سنة، أو آجر نفسه لذلك، و هذا- كما ترى- لم يقل به أحد و لا يمكن القول به.

و أمّا رواية زرارة (3)فمع معارضتها بعدّة من الروايات الدالّة على استحباب التطوّع بركعتين قبل قضاء الفريضة- يمكن حمل النهي فيها على المرجوحية أو نفي الكمال، كما يمكن حمل الأمر الوارد في خبر يعقوب بن شعيب (4)بالبدأة بالفريضة على الأفضلية، لما دلّ من الروايات الصحيحة الصريحة في جواز التطوّع لمن عليه فريضة خصوصا و عموما، كما ورد في تقديم قضاء ركعتي الفجر على قضاء صلاة الصبح، و تقديم صلاة اللّيل لمن كان عليه دين من صلاة، و غير ذلك من الأخبار.

و من هنا قيل: لا مرجوحية في فعل النافلة لمن عليه فريضة، و إن قلنا بالمرجوحية في وقت الفريضة، فتأمّل فإنّه ليس بعيدا، لقوّة أدلّة الجواز.

بل يظهر من بعضها أنّ ما ورد في حكم التطوّع كراهة مقصور بما إذا كان في وقت الفريضة، و أمّا مسألة التطوّع لمن كان عليه فريضة فهو خارج عن ذلك، ففي


1) المبسوط: ج 1 ص 127 من كتاب الصلاة.

2) الخلاف: ج 1 ص 386 من كتاب الصلاة.

3) الكافي: ج 3 ص 292 باب من نام عن الصلاة أو سها عنها، ح 3.

4) الوسائل: ج 3 ص 206 باب 61 من أبواب المواقيت، ح 4.

الرواية المشتملة على قصّته مع الحكم بن عتيبة و أصحابه، حيث أخبره في العام السابق عن قول أبي جعفر عليه السّلام: إذا دخل وقت صلاة مكتوبة فلا صلاة نافلة حتّى تبدأ بالمكتوبة، و أخبره في العام الآخر قضية نوم النبي صلّى اللّٰه عليه و آله عن صلاة الصبح فقضاها حين استيقظ بعد قضاء نافلتها، فقال له الحكم:

قد نقضت حديثك عام أول، فحكى زرارة ذلك لأبي جعفر عليه السّلام، فقال عليه السّلام له: ألا أخبرتهم أنّه قد فاته الوقتان جميعا، و أنّ ذلك كان قضاء عن رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله (1). بداهة أنّه بعد حمل النهي في قوله عليه السّلام «إذا دخل وقت صلاة مكتوبة فلا صلاة نافلة» على الكراهة- كما تقدم الشواهد على ذلك- فيكون الظاهر من قوله عليه السّلام «ألا أخبرتهم إلى آخره» أنّ ما قلت لك في العام السابق من كراهة التطوّع، فإنّما هو في وقت الفريضة، لا ما إذا كان عليه فريضة، و مسألة قضاء النبي صلّى اللّٰه عليه و آله إنّما تكون من قبيل الثاني لا الأول، فتأمّل في الأخبار، فإنّ الأخبار المجوّزة في غاية الصراحة، فلا يمكن رفع اليد عنها بما تقدّم من أخبار المنع، فالأقوى أنّه لا مانع من التطوّع في وقت الفريضة و لمن عليه فريضة، و إن كان الأرجح تأخير التطوّع عن أداء الفريضة.

فرع:

لو نذر التطوّع فهل يصحّ إيقاعه في وقت الفريضة بناء على خروجه بالنذر عن موضوع التطوّع، أو لا يصحّ لأنّه يعتبر في متعلّق النذر أن يكون راجحا مع قطع النظر عن تعلّق النذر به، و المفروض أنّ التطوّع في وقت الفريضة لا رجحان فيها، بناء على الحرمة فلا بدّ من خروج هذا الفرد من التطوّع عن متعلّق النذر لو كان


1) الوسائل: ج 3 ص 207 باب 61 من أبواب المواقيت، ح 6، نقلا بالمضمون.

نذره مطلقا، أو بطلانه من أصله لو قيّده بذلك الوقت؟

الأقوى هو الأول، و بيان وجهه يستدعي بسطا من الكلام، فنقول: إنّه لا إشكال في أنّه يعتبر في متعلّق النذر من الرجحان، كما أنّه يعتبر في متعلّق العهد و اليمين عدم المرجوحية، فيكون الرجحان من قبيل القيود المعتبرة في المتعلّق، و لا إشكال أيضا في اعتبار تقدّم المتعلّق بجميع ماله من القيود على الحكم، بحيث يؤخذ المتعلّق بماله من الشرائط مفروض التحقّق حتّى يرد الحكم عليه، فكلّ قيد لا يتأتّى إلّا من قبل الحكم لا يعقل أخذه في متعلّقه، كمسألة القربة و العلم و الجهل و أمثال ذلك ممّا هو مسطور في الأصول، و حيث كان الرجحان مأخوذا في متعلّق النذر فلا بدّ و أن يكون سابقا على النذر، حتّى يرد النذر على المتعلّق الراجح، و لا يكفي الرجحان الجائي من قبل النذر كما يوهمه بعض العبائر، لتوقّف صحّة النذر على كونه راجحا، فلو توقّف الرجحان على النذر يلزم الدور.

و ما ورد (1)من صحّة نذر بعض المحرّمات، كالإحرام قبل الميقات، و كالصوم في السفر، فليس ذلك من باب الاكتفاء بالرجحان الجائي من قبل النذر، و لا من باب تخصيص ما دلّ على اعتبار الرجحان في متعلّق النذر بغير هذا المورد، بل ورود الدليل بصحّة مثل هذا النذر يكشف عن تقييد الحرام الواقعي من الصوم في السفر و الإحرام قبل الميقات بما إذا لم يتعلّق النذر به.

و الحاصل: أنّ النذر من العناوين الطارئة القابلة لتغيّر الواقع عمّا هو عليه من المصلحة و المفسدة، كالضرر و الاضطرار و أمثال ذلك، فإذا ورد دليل بالخصوص على صحّة نذر الحرام فلا محالة يكشف عن تقييد الحرام واقعا بما إذا لم يقع نذر على خلافه، و هذا- كما ترى- لا ربط له بما نحن فيه من عدم إمكان


1) الوسائل: ج 16، ص 203، باب 20 و ص 196 باب 13 من أبواب النذور و العهد.

الاكتفاء بالرجحان الجائي من قبل النذر، و مجرّد ورود دليل بالخصوص في بعض الموارد لا يمكن تسريته إلى جميع الموارد، إذ يلزمه القول بصحّة نذر جميع المحرّمات، و هذا- كما ترى- بديهي البطلان، فالنذر كالشرط فكما أنّه لا يمكن القول بصحّة الشرط المخالف للكتاب بأدلّة وجوب الوفاء بالشرط فكذلك لا يمكن القول بصحّة نذر المرجوح بأدلّة وجوب الوفاء بالنذر، فلا بدّ من ورود النذر على الموضوع الراجح، و لا أظنّ أحدا خالف ما ذكرناه.

نعم هنا أمر آخر وقع التكلّم فيه من بعض الأعلام، و هو أنّه هل يكفي في صحّة النذر الرجحان حال النذر و إن صار مرجوحا حال الفعل، أو لا يكفي بل يعتبر بقاء الرجحان إلى حال صدور الفعل؟

و معنى الرجحان حال النذر هو أن يكون الفعل حال تعلّق النذر به راجحا، كما إذا نذر زيارة الحسين عليه السّلام في كلّ ليلة جمعة، ثمّ طرأ في بعض ليالي الجمع ما يقتضي المرجوحية، كما إذا حصلت له الاستطاعة للحج، فربّما يقال:

إنّ الفعل حيث كان في زمان صدور النذر راجحا فالنذر انعقد صحيحا لوجود ما اعتبر فيه من رجحان المتعلّق، و بعد انعقاد النذر المرجوحية الطارئة غير موجبة لانحلاله، ففي المثال المتقدّم الاستطاعة العارضة لا تكون موجبة لانحلال النذر، لأنّه لم تكن الاستطاعة حين انعقاده، فإذا لم تكن موجبة لانحلاله فلا يكون الشخص مستطيعا للحج، و لم يكن واجبا عليه، لاشتغال ذمّته بواجب آخر مقدّم عليه سببا.

و من هنا نقل عن الشيخ صاحب الجواهر- رحمه اللّٰه- أنّه كان عند اشتغاله بكتابة الجواهر، ينذر زيارة الحسين عليه السّلام ليلة العرفة حتّى لا يجب عليه الحجّ لو حصلت له الاستطاعة في الأثناء، و ربّما أفتى بذلك بعض المتأخّرين، هذا.

و لكنّ الظاهر أنّه يعتبر في صحّة النذر و بقائه من ثبوت الرجحان حال صدور

الفعل، و لا يكفي الرجحان حال النذر كما لا تكفي القدرة على المتعلّق حال التكليف بل يعتبر القدرة حال العمل، فكما أنّ كلّ تكليف مشروط ببقاء القدرة إلى زمان صدور الفعل فكذلك الرجحان في متعلّق النذر لا بدّ و أن يكون باقيا حال العمل، و إن كان بينهما فرق من حيث إنّ اعتبار القدرة عقلي و اعتبار الرجحان شرعي، لكنّ الغرض مجرّد التنظير.

و الحاصل: أنّ الرجحان حال النذر لا أثر له في بقائه، بل لو فرض أنّه كان حال النذر مرجوحا و لكن حال العمل كان راجحا لكان نذره صحيحا بلا إشكال، ففي المثال المتقدّم لا محيص عن القول بانحلال نذره بمجرّد طروء الاستطاعة، و يجب عليه الحجّ لصيرورة زيارة الحسين عليه السّلام حينئذ مرجوحة، و لا يمكن العكس بأن يقال: الحجّ يصير مرجوحا بعد تعلّق النذر بالزيارة، فتصير الزيارة واجبة لسبق سببه و يرتفع حينئذ موضوع الاستطاعة، و ذلك لأنّ الكلام بعد في انعقاد النذر بالنسبة إلى الزيارة التي حصلت الاستطاعة قبل مجي‌ء زمانها، و مجرّد سبق النذر لا يكفي في ذلك بعد ما كان بقاؤه مشروطا ببقاء الرجحان، فالرجحان حال النذر ممّا لا أثر له.

بل يمكن أن يقال: إنّ الرجحان حال النذر كلمة لا معنى لها، و لا يعقل في مثل المثال أن يقال بالرجحان حال النذر، فإنّه لا إشكال في أنّ زيارة عرفة إنّما تكون راجحة عند مجي‌ء وقتها، و لا يعقل أن يقال: إنّ زيارة عرفة راجحة قبل مجي‌ء وقتها الذي هو وقت النذر، فزيارة عرفة كصلاة الظهر، فكما لا يمكن أن يقال: إنّ صلاة الظهر قبل الزوال راجحة فكذلك لا معنى للقول برجحان زيارة عرفة حين النذر الذي يكون قبل مجي‌ء وقتها، بناء على ما هو الحقّ من عدم معقولية الواجب المعلّق و الشرط المتأخّر، فلو نذر أحد قبل أشهر الحرم زيارة الحسين عليه السّلام في يوم عرفة، فانعقاد هذا النذر يكون موقوفا ثبوتا بثبوت

رجحان الزيارة في ظرف وقوعها، فإذا استطاع الشخص قبل ذلك فتكون الزيارة في وقتها مرجوحة لسبق الاستطاعة، فلا يبقى موضوع للنذر، و لا محيص عن انحلاله، فتأمّل و الحاصل: أنّ النذر كالشرط، فكما لو شرط على المشتري ضيافة زيد في كلّ شهر مثلا أو في شهر خاصّ، و اتّفق ارتداد زيد و كفره في بعض الشهور أو في ذلك الشهر الخاص، بحيث حرم ضيافته إمّا لوجوب قتله و إما لحرمة موادّته كان الشرط ملغى، و لا يجب الوفاء به بعموم المؤمنون عند شروطهم (1).

و السرّ في ذلك أنّه يعتبر في الشرط حدوثا و بقاء عدم مخالفته للكتاب، فكذلك لو نذر زيارة الحسين عليه السّلام في كلّ شهر أو في شهر خاصّ، و اتّفق حصول الاستطاعة في بعض الشهور أو في ذلك الشهر الخاصّ، بحيث وجب عليه المسير للحج، كان النذر ملغى و ينحل قهرا، لاعتبار الرجحان في متعلّق النذر حدوثا و بقاء.

فظهر ضعف تعليل بعض الأعلام صحّة نذر التطوّع في وقت الفريضة بارتفاع مرجوحيّتها بنفس النذر، قال: و لا يرد أنّ متعلّق النذر لا بدّ أن يكون راجحا، و على القول بالمنع لا رجحان فيه فلا ينعقد نذره، و ذلك لأنّ الصلاة من حيث هي راجحة، و مرجوحيّتها مقيّدة بقيد يرتفع بنفس [النذر] (2)، و لا يعتبر في متعلّق النذر الرجحان قبله و مع قطع النذر عنه، حتّى يقال بعدم تحقّقه في المقام، انتهى.

و ظاهر هذه العبارة لا تستقيم من أنّه لا عبرة بالرجحان الجائي من قبل النذر، بل لا بدّ و أن يكون الرجحان متحقّقا قبله، بل لا يعقل ذلك كما عرفت، فتعليل صحّة نذر التطوّع في وقت الفريضة بهذا غير سديد، بل الأقوى في التعليل هو أن


1) الوسائل: ج 15 ص 30 باب 20 من أبواب المهور، ح 4.

2) ما بين المعقوفتين لم توجد في النسخة و أثبتناه لاقتضاء السياق.

يقال: إنّ ما هو المحرّم التطوّع في وقت الفريضة بوصف التطوع، و ليست ذات صلاة جعفر مثلا محرّمة، بل المحرّم إنّما هو التطوّع بصلاة جعفر و فعلها بداعي الاستحباب و التنفّل، و صلاة جعفر بهذا الوصف لم يتعلّق النذر بها، بل لا يمكن أن يتعلّق بها مقيّدة بهذا الوصف، لأنّه يعتبر في متعلّق النذر القدرة عليه، و صلاة جعفر بوصف كونها مستحبّة غير مقدورة بعد تعلّق النذر بها لصيرورتها واجبة، فلو فرض أنّ أحدا نذر فعل صلاة جعفر بوصف كونها مستحبّة، كان نذره باطلا و لا ينعقد أصلا، فالنذر دائما يكون متعلّقا بذات العمل، و ذات صلاة جعفر مع قطع النظر عن استحبابها لم تكن محرّمة في وقت الفريضة، بل المحرّم إنّما هو التطوّع بها، فإذا لم تكن ذات العمل منهيّا عنه فلا مانع من تعلّق النذر به، و يصير بذلك واجبا و يخرج موضوعا عن كونه تطوّعا في وقت الفريضة، بل يكون فريضة في وقت فريضة.

فإن قلت: هب أنّ ذات العمل لم يكن منهيا عنه، إلّا أنّ مجرّد ذلك لا يكفي في صحّة النذر، لما تقدّم من اعتبار الرجحان في متعلّقه، و لا يكفي مجرّد عدم المرجوحية، و ذات العمل في وقت الفريضة حيث لم يتعلّق به أمر استحبابي و لا وجوبي لا يمكن الحكم برجحانه، فإنّ ذلك يكون رجما بالغيب.

و الحاصل: أنّ رجحان الشي‌ء لا بدّ و أن يستكشف من تعلّق الأمر، إذ لا طريق لنا إلى معرفته سوى ذلك، و صلاة جعفر في وقت الفريضة بعد ما لم يتعلّق بها أمر استحبابي و لا وجوبي حسب الفرض فمن أين يحكم برجحانها حتّى يصح نذرها، فتكون واجبة و تخرج موضوعا عن كونها تطوّعا في وقت الفريضة، فلا محيص إمّا عن القول ببطلان النذر و إمّا عن القول بالاكتفاء بالرجحان الآتي من قبل النذر، و قد تقدّم عدم معقولية الثاني، فلا بدّ من الأول و هو بطلان النذر.

قلت: يكفي في إثبات الرجحانية نفس العمومات الدالّة على مشروعية صلاة

جعفر في نوعها، و كذا العمومات الدالّة على أنّ الصلاة قربان كلّ تقي (1)، و معراج المؤمن (2)، و سقوط الأمر بها في وقت الفريضة لا يلازم سقوط الرجحانية المستكشفة من تلك العمومات.

و الحاصل: أنّ القدر الثابت إنّما هو سقوط الأمر بالنوافل في وقت الفريضة، و أمّا سقوط الرجحان فلم يقم عليه دليل.

مضافا إلى معلومية أنّ الصلاة المشتملة على الذكر و الدعاء لم تكن مرجوحة في حدّ نفسها بل تكون راجحة، فحينئذ يصحّ تعلّق النذر بها، و بسببه تخرج عن كونها تطوّعا في وقت الفريضة.

و لا يقاس ذلك بما إذا نذر أن يصلّي خمس ركعات متّصلة، حيث يكون نذره باطلا بالإجماع مع اشتمالها على الدعاء و الذكر، و ذلك لأنّ الصلاة المشتملة على خمس ركعات لم تكن مشروعة في نوعها، و هذا بخلاف صلاة جعفر و غيرها من النوافل لمشروعيّتها في نوعها، و إن سقط أمرها من جهة مزاحمتها لوقت الفريضة فتحصّل: أنّ الرجحان المعتبر في متعلّق النذر حاصل في المقام سابقا على النذر و مع قطع النظر عن تعلّق النذر به، فلا حاجة إلى الالتزام بتلك المقالة الفاسدة من كفاية الرجحان الجائي من قبل النذر، فتأمّل فيما ذكرناه فإنّه بعد للنظر فيه مجال، إذ لمانع أن يمنع ثبوت الرجحان بعد تخصيص تلك العمومات الدالّة على مشروعية الصلاة بغير وقت الفريضة.

نعم لو كان سقوط الأمر بالنوافل في وقت الفريضة من باب المزاحمة لا التخصيص لكان القول بثبوت الرجحان في محلّه، إلّا أنّ إثبات ذلك مشكل،


1) الكافي: ج 3 ص 265 باب فضل الصلاة، ح 6.

2) الظاهر أن هذا مستفاد من الخبر لا أنّه بنفسه خبر مستقل، راجع بحار الأنوار: ج 82 ص 248.

و لا يسعنا التكلّم في ذلك بأزيد ممّا ذكرناه، فعليك بالتأمّل.

فإن قلت: سلّمنا جميع ما ذكرته من تعلّق النذر بذات الصلاة لا بوصف التطوّع، و من ثبوت الرجحان لها مع قطع النظر عن تعلّق النذر بها، إلّا أنّه لا إشكال في أنّ الأمر بالوفاء بالنذر توصلي لا يعتبر في سقوطه قصد التقرّب و امتثال الأمر، و المفروض أنّ ذات الصلاة في وقت الفريضة لم تكن مأمورا بها بأمر عبادي، فمن أين تقولون يعتبر في صحّة مثل هذه الصلاة المنذورة من قصد التقرّب و الأمر، بحيث لو لم يأت بها بهذا القصد كانت الصلاة باطلة، و لم يبرأ من نذره، مع أنّه لم يكن في البين أمر عبادي يقصد؟

و الحاصل: أنّ الأمر النذري لو اتّحد مع الأمر العبادي في المتعلّق، بأن تعلّق الأمر النذري بعين ما تعلّق به الأمر العبادي، لاكتسب الأمر النذري التعبّدية من الأمر التعبّدي لاتّحادهما.

و ذلك كما لو نذر صلاة اللّيل، فحيث إنّ النذر إنّما يتعلّق بذات صلاة اللّيل لا بوصف كونها مستحبّة، و إلّا لكان النذر باطلا لعدم القدرة عليه من حيث صيرورة صلاة اللّيل بعد النذر واجبة، فلا يمكن إتيانها بوصف كونها مستحبّة، فالنذر- لا محالة- يتعلّق بذات صلاة اللّيل، و المفروض أنّه قد تعلّق بذات الصلاة أمر استحبابي عبادي، فيتّحد متعلّق النذر مع متعلّق الأمر الاستحبابي، و حيث لا يمكن اجتماع الوجوب و الاستحباب في متعلّق الواحد فلا محالة يكتسب الأمر النذري التعبّدية من الأمر الاستحبابي و ينخلع عمّا كان عليه من التوصّلية، كما أنّ الأمر الاستحبابي يكتسب من الأمر النذري الوجوب و ينخلع عمّا كان عليه من الاستحباب، فيتّحد الأمران و يحصل من ذلك أمر وجوبي عبادي، لكنّ هذا إنّما يكون بعد تعلّق الأمر العبادي بصلاة اللّيل.

و أمّا فيما نحن فيه فالمفروض أنّه لم يتعلّق بذات صلاة جعفر في وقت الفريضة

أمر عبادي، و الأمر النذري لا يكون إلّا توصّليا، فمن أين يكتسب التعبّدية حتّى يكفي قصده في وقوع الصلاة عبادة مقرّبة؟

قلت: قد علم من مذاق الشارع أنّ الصلاة وظيفة شرّعت لأن يتعبّد بها، فلو تعلّق بها أمر لكان الأمر لا محالة عبادي يعتبر في سقوطه من قصد الامتثال، و حيث إنّ النذر تعلّق بصلاة النافلة بذاتها، و المفروض اجتماع هذا النذر لشرائط الصحّة من الرجحان و غيره، فلا محالة يتعلّق الأمر النذري بذات الصلاة، و إذا تعلّق بها أمر- و إن كان من قبل النذر- فلا بدّ و أن يكون عباديا.

و بالجملة: الأمر النذري يختلف باختلاف ما تعلّق به، فلو تعلّق بأمر عبادي بمعنى أنّه لو تعلّق به أمر لكان أمره عباديا، لكان الأمر النذري عباديا لا يسقط إلّا بقصد الامتثال، و لو تعلّق بأمر غير عبادي يكون توصّليا لا يعتبر في سقوطه ذلك، فتأمّل فإنّ للنظر في ذلك أيضا مجال.

هذا كلّه بناء على حرمة التطوّع في وقت الفريضة، و قد عرفت أنّ الأقوى صحّة النذر مطلقا، و جواز فعل المنذور في وقت الفريضة، لصيرورته واجبا سواء كان نذره مطلقا أو قيّده بخصوص وقت الفريضة، و إن كان الصحة في المطلق أوضح كما لا يخفى وجهه.

و أمّا لو قلنا بالكراهة من باب أقلّ الثواب- كما هو الشأن في كراهة العبادات- فلا ينبغي الإشكال في صحّة النذر، لأنّ الكراهة في العبادات تجتمع مع الرجحان و الأمر كليهما، و يكون جميع أركان النذر متحقّقا بلا أن يدخله ريب، فتأمّل جيّدا.

و لو آجر نفسه لصلاة الزيارة مثلا في وقت الفريضة فالأقوى أيضا هو الصحّة، لصيرورتها بالإجارة واجبة و تخرج عن موضوع التطوع، بل الصحّة في الإجارة أوضح منها في النذر، لإمكان الإشكال في النذر من حيث الرجحان المعتبر في

متعلّقه، و يتوهّم أنّ ذات الصلاة التي هي متعلّقة للنذر مع كونها غير مأمور بها لا رجحان فيها، و هذا بخلاف الإجارة فإنّ متعلّقها هي الصلاة المأمور بها بالأمر المتوجّه على المنوب عنه، فهذا الوصف داخل في متعلّق الإجارة.

نعم هنا صورة إشكال، و هو أنّه يعتبر في متعلّق الإجارة أن يكون العمل المستأجر عليه ممّا يباح على الأجير فعله بحيث لا يكون العمل محرّما عليه، و وجه اعتبار ذلك واضح، و في المقام لو كان متعلّق الإجارة هو الصلاة بوصف كونها مأمورا بها بالأمر الاستحبابي فالأجير لا يمكنه فعلها بهذا الوصف، لأنّ المفروض حرمة التطوّع في وقت الفريضة، فإذا لم يمكن للأجير فعلها فكيف يصير أجيرا على فعلها؟

هذا مضافا إلى أنّه يعتبر في متعلّق الإجارة أيضا أن يكون المستأجر قادرا على العمل، بحيث يكون المستأجر ممّا يمكنه الفعل إذا أراد المباشرة به، فإذا كان الفعل محرّما عليه شرعا لما جاز الإجارة عليه، لأنّ فعل الأجير فعل المستأجر و يكون في الحقيقة هو العامل ببدنه التنزيلي، و في المقام لو وقعت الإجارة في وقت فريضة المستأجر لكان مقتضى القاعدة بطلان الإجارة.

و الحاصل: أنّه لو وقعت الإجارة في وقت فريضة الأجير لزم الإشكال الأول، و لو وقعت في وقت فريضة المستأجر لزم الإشكال الثاني، و لو وقعت في وقت فريضة كلّ منهما لزم الإشكالان جميعا، هذا.

و لكن يدفع الأول بأنّ ما يحرم على الأجير إنّما هو فعل التطوّع لنفسه في وقت فريضة، لا فعل ما هو مستحبّ على الغير في وقت فريضة نفسه بالإجارة، فإنّ ذلك لا مانع عنه في حدّ نفسه و لا دليل على حرمته، نعم التبرّع عن الغير فيما يستحبّ عليه لا يخلو عن إشكال، لصدق التطوّع في وقت الفريضة على مثل هذا، مع أنّ ذلك أيضا لا يخلو عن نظر، فإنّ التبرّع إنّما هو في جهة النيابة لا في نفس الفعل، فالمتبرّع

إنّما يفعل ما هو مستحبّ على الغير نيابة عنه بقصد المجّانيّة و القربة، فيثاب على هذا المعنى أي على فعله نيابة لا على أصل الفعل، ففعل الصلاة نيابة عن الغير لا يدخل في عنوان حرمة التطوّع في وقت الفريضة، سواء كان بالتبرّع أو بالإجارة، و إن كان بالإجارة أوضح و أبعد عن الإشكال، و أمّا التبرّع فبعد يحتاج إلى مزيد تأمّل.

و يدفع الثاني بأنّ ما هو حرام على المستأجر إنّما هو المباشرة بالتطوّع، و أمّا لو كان ذلك بالنيابة فلا، و لا ملازمة بين حرمة المباشرة و حرمة النيابة، كما يظهر ذلك من جواز إجارة الحائض الغير للطواف مع حرمة الطواف عليها مباشرة، و كذا اجارة الجنب الغير لدخول المسجد، و غير ذلك من الموارد كما يظهر للمتتبّع، فلا إشكال من هذه الجهة أيضا، و لكن مع ذلك بعد في النفس من صحّة الإجارة شي‌ء، فتأمّل.

المسألة الثانية: لو حصل للمكلّف أحد الأعذار المانعة عن التكليف،

كالحيض و الجنون و أمثال ذلك، فإن مضى من الوقت مقدار فعل الصلاة التامّة الأجزاء و الشرائط، من الطهارة المائية و تحصيل الساتر و غير ذلك من الشرائط التي كان فاقدا لها قبل الوقت ثمّ طرأ عليه العذر، فلا إشكال و لا خلاف في وجوب القضاء عليه، كما لا إشكال و لا خلاف فيما إذا طرأ عليه العذر في أول الوقت في سقوط القضاء، إنّما الإشكال و الخلاف فيما إذا مضى من الوقت أقلّ من ذلك المقدار، فهل يجب عليه القضاء أو لا؟ و كذا الكلام بالنسبة إلى آخر الوقت لو زال العذر قبل آخره بمقدار لا يتمكّن من فعل الفريضة مجتمعة للشرائط و الأجزاء، مع تمكّنه منها فاقدة للشرائط مع الطهارة المائية، أو بدونها أيضا بحيث لم يكن متمكّنا إلّا من الصلاة مع الطهارة الترابية فقط دون سائر الشرائط و دون الطهارة المائية، فهل يجب عليه فعلها و لو خالف كان عليه القضاء، أو لا يجب إلّا إذا زال العذر

قبل آخره بمقدار فعل الفريضة مجتمعة لجميع الشرائط؟

و لنقدّم الكلام في أول الوقت ثمّ نعقّبه بآخره إذ ربّما يكون بينهما تفاوتا بحسب الدليل، فنقول.

مقتضى القاعدة أنّه لو طرأ عليه أحد الأعذار المسقطة للتكليف قبل مضي مقدار من الوقت يمكنه فعل الفريضة تامّة للأجزاء و الشرائط هو عدم وجوب القضاء عليه و لا الأداء، إذا علم في أول الوقت بطروّ العذر بعد ذلك.

أمّا عدم وجوب الأداء فلأنّ المفروض عدم تمكّنه من فعل الصلاة التامّة، و لا دليل على سقوط الشرائط بالنسبة إلى مثل هذا الشخص، فإنّ ما دلّ على سقوط الشرائط في حال الاضطرار إنّما هو مختصّ بما إذا كان الشخص غير متمكّن في حدّ نفسه من فعل الشرط، لا ما إذا كان في حدّ نفسه متمكّنا من فعل الشرط و لكن طرأ عليه ما يوجب سقوط التكليف، كما فيما نحن فيه.

و الحاصل: أنّ العذر عن فعل الشرط في زمان لا يكفي في سقوط التكليف عنه ما لم يتعذّر في جميع الوقت كما هو التحقيق في ذوي الأعذار، بل يحتاج في سقوط التكليف عن الشرط هو ثبوت العذر في تمام الوقت، و لذا لا يجوز لذوي الأعذار البدار إلى فعل الصلاة الفاقدة للشرائط ما لم يعلم بعدم زوال العذر، إلّا أن يقوم دليل شرعي على تنزيل العذر في زمان منزلة العذر في تمام الوقت، كما لا يبعد ثبوت ذلك بالنسبة إلى خصوص الطهارة المائية، حيث يجوز عليه البدار مع الطهارة الترابية و إن لم يعلم باستيعاب العذر لتمام الوقت، على ما يأتي بيانه إن شاء اللّٰه، و أمّا ما عدا الطهارة من سائر الشرائط فيحتاج في سقوط التكليف عنها بحسب القاعدة إلى استيعاب العذر لتمام الوقت، و لا يكفي العذر في بعض الوقت لسقوط التكليف بالشرط، و ما نحن فيه لم يستوعب العذر تمام الوقت بل إنّما طرأ عليه ما يوجب سقوط التكليف من الحيض و الجنون و غير ذلك.

فإن قلت: أما قلتم إنّ العذر إذا استوعب تمام الوقت كان التكليف بالنسبة إلى الشرط المعذور فيه ساقطا و كان يجب عليه الصلاة فاقدة لذاك الشرط، فما الفرق بين ما نحن فيه و بين ذلك، فإنّ الوقت بالنسبة إلى من تحيض عقيب نصف من الزوال هو هذا المقدار من الزمان، و المفروض أنّ في هذا المقدار من الزمان غير متمكّن من الشرائط، فهو كما إذا استوعب عذره تمام الوقت؟

قلت: ليس الأمر كذلك، فإنّ طروء الحيض لا يوجب تضييق في الوقت المضروب للصلاة، بل الوقت المضروب إنّما هو باق على حاله، غاية الأمر أنّ الشخص غير متمكّن من فعل الصلاة في وقتها من جهة عروض المسقط.

و الحاصل: أنّه فرق بين أن يستوعب العذر تمام الوقت المضروب للصلاة من الزوال إلى الغروب و بين أن يعرض المسقط في أثناء الوقت، فإنّ عروض المسقط لا يجعله آخر الوقت، فلا بدّ في القول بوجوب الأداء على مثل هذا الشخص من قيام دليل بالخصوص على تنزيل العذر في بعض الوقت بمنزلة العذر في تمام الوقت.

و القول بأنّ وقت هذا الشخص هذا المقدار من الزمان حتّى يدخل في موضوع من استوعب عذره تمام الوقت خال عن الدليل، بل هو قياس محض، فتأمّل فإنّه بعد للتأمّل فيه مجال.

ثمّ لا أقلّ من الشكّ في كون هذا المقدار من العذر المتعقّب بالمسقط موجبا لسقوط التكليف عن الشرط فقط حتّى يجب عليه الصلاة الفاقدة، كما إذا استوعب العذر إلى تمام الوقت، فأصالة البراءة محكّمة، لأنّ انعدام المشروط عند انعدام شرطه ممّا لا يدخله ريب، و المفروض الشكّ في شمول تلك الأدلّة الدالّة على سقوط خصوص الشرائط بالنسبة إلى مثل من يعرضه المسقط، إذ لا أقلّ من كون المتيقّن منها هو ما إذا لم يكن الشخص في حدّ نفسه قادرا على الشرط في مجموع

الوقت، فبالنسبة إلى مثل هذا شاكّ في توجّه التكليف إليه و الأصل البراءة، فالأقوى هو عدم وجوب الأداء على من علم بطروّ المسقط قبل تمكّنه من فعل الصلاة تامّة الأجزاء و الشرائط، فتأمّل.

ثمّ على تقدير وجوب الأداء عليه لا وجه لوجوب القضاء عليه لو عصى و خالف، و ذلك لأنّ تبعيّة وجوب القضاء على الأداء إنّما هو فيما إذا لم يقم دليل على سقوط القضاء، و فيما نحن فيه قام الدليل على سقوط القضاء، فإنّ ما دلّ على أنّ ما فوّته الحيض و الجنون لا قضاء عليه شامل لما نحن فيه، فإنّ الصلاة التامّة الأجزاء و الشرائط قد فوّته الحيض فلا قضاء لها، و القول بقضاء الصلاة الفاقدة بديهي الفساد بعد تمكّن المكلّف من الصلاة التامّة.

و الحاصل: أنّ الصلاة التامّة للشرائط لا قضاء لها من جهة أنّها فاتت بسبب الحيض، و الأدلّة ناطقة بعدم وجوب قضاء ما فات بالحيض، و قضاء الصلاة الناقصة ضروري الفساد و لم يدّعه أحد، و لا يقاس ما نحن فيه بما إذا كان مكلّفا بالصلاة الناقصة ففوّتها عصيانا حيث يجب عليه قضاء الصلاة التامّة بلا إشكال، لأنّ التمامية و الناقصية إنّما هي من حالات المكلّف كالجهر و الإخفات تدور مدار حال المكلّف من التمكّن و عدمه، ففي الوقت حيث لم يكن متمكّنا إلّا من الناقصة كانت هي الواجبة ليس إلّا، و أمّا في خارج الوقت فحيث إنّه متمكّن من التامّة كانت هي الواجبة أيضا ليس إلّا، و ذلك لأنّ كون التمامية و الناقصية من حالات المكلّف مسلّم، إلّا أنّ العصيان لم يكن مسقطا للقضاء كما كان الحيض مسقطا له.

و الحاصل: أنّ الفرق بين العصيان و الحيض هو قيام الدليل على عدم قضاء ما فات بالحيض. فالأقوى أنّه و إن قلنا بوجوب الأداء على من علم بطروّ المسقط لا يجب عليه القضاء، فتأمّل. هذا كلّه بالنسبة إلى أول الوقت.

و أمّا آخر الوقت فيمتاز عن أوله أنّه إذا أدرك مقدار خمس ركعات مع سائر الشرائط كان يجب عليه الأداء قطعا لقاعدة «من أدرك» و إن خالف كان عليه القضاء أيضا قطعا، و هذا بخلاف أول الوقت، فإنّه لا بدّ في وجوب الأداء و القضاء من إدراك ثمان ركعات من سائر الشرائط، لعدم جريان قاعدة «من أدرك» بالنسبة إلى أول الوقت، لاختصاص أدلّتها بآخره كما لا يخفى.

و أمّا لو أدرك من آخر الوقت دون ذلك فالكلام فيه الكلام في أوله أداء و قضاء، أمّا عدم وجوب القضاء عليه لو خالف فلجريان عين ما ذكرناه في أول الوقت فيه أيضا بلا تفاوت، و أمّا عدم وجوب الأداء عليه، فلأنّه و إن لم تجر العلّة التي ذكرناها في أول الوقت فيه، لأنّ من أفاق في آخر الوقت بمقدار لا يمكنه فعل الصلاة مجتمعة للشرائط أو طهرت الحائض كذلك فقد استوعب عذره تمام الوقت، فيكون مشمولا لتلك الأدلّة الدالّة على سقوط الشرائط عند عدم التمكّن منها في مجموع الوقت، و إن كان يمكن أن يدّعى أنّ تلك الأدلّة مقصورة بما إذا كان الشخص غير متمكّن من فعل الشرط في حدّ نفسه في مجموع، لا ما إذا كان متمكّنا منه و كان جهة عذره من جهة انتفاء ما هو شرط التكليف من العقل و الخلوّ عن الحيض، إلّا أنّ الإنصاف أنّ قصر تلك الأدلّة بذلك مشكل.

نعم يمكن أن يقال: إنّ الشرائط المأخوذة في لسان الأدلّة شرط للتكليف، كالعقل و البلوغ و الخلوّ عن الحيض، لها دخل في الملاك و ما هو جهة التكليف من المصالح و المفاسد، فحينئذ الصلاة التامّة للشرائط لا ملاك لها مع استيعاب الحيض و الجنون إلى قريب من آخر الوقت، و لا دليل على ثبوت الملاك في الصلاة الناقصة، فلا طريق إلى إثبات وجوب الأداء على مثل هذا، فتأمّل فإن هذا أيضا لا يتمّ إلّا بعد القول بعدم شمول تلك الأدلّة الدالّة على ثبوت التكليف بالناقص

مع عدم التمكّن من التام، كقوله عليه السّلام «الصلاة لا تترك بحال» (1)و أمثال ذلك لما نحن فيه، و عليه لا حاجة إلى هذا البيان، و أمّا بعد الاعتراف بشمول تلك الأدلّة له فنفس تلك الأدلّة تكفي في ثبوت الملاك و التكليف بالناقص، فتأمّل فتأمّل (2)فإنّ المسألة مشكلة، و على أيّ حال على تقدير القول بوجوب الأداء على مثل هذا الشخص لا دليل على ثبوت القضاء عليه بالبيان المتقدّم في أول الوقت.

و لا فرق فيما ذكرنا بين الطهارة المائية و سائر الشرائط، فكما أنّه يعتبر في آخر الوقت القدرة على الطهارة المائية، كما ورد به النصّ في باب الحيض و اعترف به الخصم، كذلك يعتبر القدرة على سائر الشرائط.

بل يمكن أن يستدلّ على اعتبار القدرة على جميع الشرائط في آخر الوقت بمصححة عبيد بن زرارة: أيّما امرأة رأت الطهر و هي قادرة على أن تغتسل في وقت صلاة معيّنة ففرّطت فيها حتّى تدخل وقت صلاة اخرى كان عليها قضاء تلك الصلاة التي فرّطت فيها، و إن رأت الطهر في وقت صلاة فقامت في تهيئة ذلك فجاز وقت الصلاة و دخل وقت صلاة أخرى فليس عليها قضاء (3). بناء على أن يكون المراد من قوله «قامت في تهيئة ذلك» هو القيام في تهيئة مقدّمات الصلاة لا خصوص الغسل، و إن كان ربّما يأباه صدره، فتأمّل.

بل يمكن أن يقال بدلالة رواية محمّد بن مسلم على اعتبار التمكّن من جميع الشرائط في أول الوقت أيضا، فإنّ فيها عن أحدهما عليهما السّلام قال قلت:

المرأة ترى الطهر عند الظهر، فتشتغل في شأنها حتّى يدخل وقت العصر، قال:

تصلّي العصر وحدها، فإن ضيّعت فعليها صلاتان (4).


1) الوسائل: ج 3 ص 175 باب 39 من أبواب المواقيت، ح 4.

2) هكذا في الأصل و الظاهر ان الثانية زائدة.

3) الوسائل: ج 2 ص 598 باب 49 من أبواب الحيض، ح 1، و فيه اختلاف يسير.

4) تهذيب الأحكام: ج 1 ص 89 باب 19 من أبواب الحيض و الاستحاضة و النفاس، ح 23.

بتقريب أن يقال: إنّ المراد من دخول وقت العصر هو دخول الوقت الاختصاصي لها، فيصير المعنى حينئذ أنّ المرأة إذا طهرت من حيضها في أول الزوال فقامت تشتغل في شأنها من الغسل و تهيئة سائر الشرائط، فلم يسع وقت صلاة الظهر لجميع ذلك حتّى دخل وقت صلاة العصر، فقال عليه السّلام: لا يجب عليها إلّا صلاة العصر وحدها، فيستفاد منه أنّه يعتبر في تكليفها بصلاة الظهر أن يسع الوقت لتهيئة جميع الشرائط التي كانت فاقدة لها، فلو لم يسع الوقت لذلك لم تكن مكلّفة بالصلاة.

و الاستدلال بهذا أيضا مبنيّ على أن يكون المراد من الاشتغال بشأنها هو الاشتغال بالغسل و سائر الشرائط، لا خصوص الغسل أو هو مع طهارة بدنها من لوث الحيض، و أن يكون المراد من دخول وقت صلاة العصر هو الوقت الاختصاصي لها لا الوقت الفضلي كما هو الظاهر منه، إذ يبعد أن يطول زمان الاشتغال بشأنها إلى الوقت الاختصاصى للعصر مع أنّها رأت الطهر في أول الوقت، كما هو الظاهر من قول السائل «رأت الطهر عند الظهر» و عليه يسقط الاستدلال بالرواية بالكليّة لعدم العمل بها، بداهة أنّه مجرّد دخول وقت الفضلي للعصر لا يوجب عدم تكليفها بالظهر إلّا بناء على القول بأنّ آخر وقت الإجزائي للظهر هو المثل، فالرواية تنطبق على هذا المذهب، فتأمّل فإنّ الاستدلال بالرواية لما نحن فيه لا يخلو عن شي‌ء.

إلّا أنّه لا حاجة إلى هذه الروايات، فإنّا في غنى عنها بعد ما ذكرنا من أنّ عدم وجوب الأداء و القضاء عليها إنّما هو مقتضى القاعدة، فللخصم من إقامة الدليل على الوجوب و هو مفقود، و إن كان ربّما يستدلّ له بإطلاق بعض الأخبار، كخبر ابن الحجّاج عن امرأة طمثت بعد ما تزول الشمس و لم تصلّ الظهر، هل

عليها قضاء تلك الصلاة؟ قال: نعم (1). فإن إطلاق السؤال يعمّ ما إذا لم يمض من الوقت بمقدار فعل الصلاة التامّة، و لكنّ الإنصاف انصرافه إلى مضي ذلك المقدار، فتأمّل.

ثمّ إنّه لا فرق فيما ذكرنا بين الحيض و البلوغ و الجنون و غير ذلك من شرائط التكليف.

نعم هنا كلام آخر في خصوص البلوغ ينبغي التنبيه عليه، و هو أنّه لو بلغ في أثناء الصلاة أو بعدها في سعة الوقت و قلنا بشرعية عبادة الصبي، فهل يجب عليه الإتمام في الأولى بلا إعادة و الاجتزاء في الثانية، أو لا يجزي بل يجب عليه إعادة الصلاة فيما إذا بلغ بعد الصلاة و استئنافها فيما إذا بلغ في أثنائها؟ و هنا احتمال آخر و هو إتمام الصلاة التي بيده وجوبا أو ندبا ثمّ إعادتها.

و تنقيح البحث هو أنّ الكلام في المقام إنّما هو بعد الفراغ عن شرعية عبادة الصبي و استحبابه، إذ لا موضوع لهذا البحث بناء على التمرينية، فإنّه لا إشكال في عدم الاجتزاء بها، سواء بلغ في الأثناء أو بعد الفراغ، و ليس له إتمامها إذا بلغ في الأثناء و إن احتمله بعض لفوات موضوع التمرين بالبلوغ، و ينقلب موضوع التمرين إلى الوجوب و تصير الصلاة واجبة عليه، فلا سبيل إلى القول بإتمامها تمرينا.

ثمّ إنّه اختلفت كلمات الأصحاب في الحجّ و في باب الصلاة و الصيام، ففي باب الحجّ ذهب المشهور إلى أنّه لو بلغ الصبي بعد تلبّسه بالحج قبل الوقوف بالمشعر أجزأه عن حجة الإسلام، و لا يحتاج إلى إعادة الأفعال السابقة، و أمّا في باب الصلاة فقد ذهب المشهور إلى خلاف ذلك، و قالوا: إنّه لو بلغ الصبي في


1) الوسائل: ج 2 ص 597 باب 48 من أبواب الحيض، ح 5 و فيه اختلاف يسير.

الأثناء فلا يعتدّ بالأفعال السابقة و يجب عليه استئنافها.

فقد يتخيّل أنّه لا وجه لهذا التفصيل مع كون البابين من واد واحد، إلّا أنّ الإنصاف أنّه ليس كذلك، و يختلف باب الحجّ عن باب الصلاة، فإنّ في باب الحجّ بعد ما لوحظ كلّ فعل فيه على جهة الاستقلالية، و لذا يحتاج إلى تجديد النية عند كل فعل، و بعد كون حجة الإسلام ليست من الأمور القصدية كالظهرية و العصرية، بل هي تدور مدار اجتماع شرائط حجّة الإسلام على المكلّف، فلو كان واجدا لها يكون حجة حجة الإسلام، و إن كان فاقدا لها لا تكون حجّة الإسلام، و بعد ورود النصّ في أنّ العبد إذا أعتق قبل الوقوف بالمشعر أجزأه عن حجة الإسلام (1)، و فهم وحدة المناط بين اشتراط الحرّية و اشتراط البلوغ و ليس ذلك من باب القياس، يكون الاجتزاء بالحجّ الذي بلغ في أثنائه عن حجّة الإسلام على القاعدة، بخلاف باب الصلاة فإنّ تطبيقه على القاعدة يحتاج إلى مئونة اخرى سيأتي التعرّض لها.

و الحاصل: أنّه فرق بين باب الحجّ و بين باب الصلاة، فإنّ في باب الحجّ بعد ورود النصّ الصحيح بأنّ العبد إذا أعتق قبل الوقوف أجزأ حجّه عن حجّة الإسلام، و بعد اتحاد المناط في العبد و الصبي كما فهمه الأصحاب يكون الحكم كما ذكره المشهور، فإنّ ما أوقعه الصبي قبل بلوغه و لو كان على جهة الندبية إلّا أنّه ندبية البعض لا ينافي وجوب الآخر و هو سائر أفعال الحجّ التي تقع منه بعد البلوغ، لعدم ارتباطية الأفعال بعضها مع بعض من هذه الجهة، فمجرّد وقوع الإحرام مثلا ندبا لا ينافي وقوع الوقوف مثلا وجوبا، و كذا وقوع الإحرام لا عن حجّة الإسلام لا ينافي وقوع الإحرام عنه بعد ما لم تكن حجة الإسلام من


1) الوسائل: ج 8 ص 35 باب 17 من أبواب وجوب الحجّ، ح 1 و 4 من كتاب الحج.

العناوين القصدية، و حينئذ لو قام الدليل على عدم لزوم اجتماع شرائط الوجوب عند أول فعل من أفعال الحجّ بل يكفي اجتماعها عند الوقوف، كان اللّازم هو القول بالصحّة و الاكتفاء به عن حجّة الإسلام كما قاله المشهور.

و هذا بخلاف باب الصلاة، لأنّ المفروض ارتباطية أفعالها بعضها مع بعض، و فقدان النصّ على كفاية تحقّق شرائط الوجوب في بعضها، كان مقتضى القاعدة هو البطلان و عدم الاجتزاء بها إلّا بعناية أخرى، و هي أن يقال: إنّ ما هو الملاك في تكليف البالغ بالصلاة و إلزامه بها هو الموجب لتكليف الغير البالغ بالصلاة استحبابا من دون أن يكون تفاوت بينهما في ذلك، فالمصلحة القائمة بصلاة الظهر لا تختلف بحسب الكمّية، سوى أنّها في غير البالغ تقتضي الاستحباب و في البالغ تقتضي الوجوب و الإلزام.

و حينئذ يمكن أن يقال بأنّه لو بلغ الصبي في أثناء الصلاة بما لا يوجب نقض الطهارة لكان اللّازم عليه تتميم الصلاة بلا حاجة إلى الاستئناف و الإعادة، و كذا لو بلغ بعد الصلاة، أمّا إذا كان بلوغه بعد الصلاة فواضح، فإنّ تمام ما هو المصلحة القائمة في صلاة الظهر قد استوفاها، فلا يبقى حينئذ موضوع للأمر الوجوبي بالصلاة ثانيا، فلو قيل مع ذلك بوجوب الصلاة عليه ثانيا لكان مساوقا للقول بالتكليف بشي‌ء بلا أن يكون هناك ما يوجب التكليف به، و أمّا إذا بلغ في الأثناء فكذلك أيضا، لأنّ المفروض أنّه لم يتبدّل حقيقة المأمور به بالبلوغ و لا حقيقة الأمر، بل إنّما تبدّل صفة الأمر، لا سقوط أمر عن ملاك و ثبوت أمر آخر عن ملاك آخر، فحينئذ الركعتان اللّتان أتى بهما إلى الآن بوصف الاستحباب تكون تامّة في المصلحة كما إذا كانت واجبة من أول الأمر، و عند انضمام الركعتين الأخيرتين إليهما يسقط الأمر.

و الحاصل: أنّ مبنى القولين في المسألة من إتمام الصلاة التي بيده إذا بلغ في

أثنائها و الاكتفاء بها و عدم إعادة الصلاة التي بلغ بعدها، و من عدم وجوب الإتمام و لزوم الاستئناف إذا بلغ في الأثناء و إعادة الصلاة إذا بلغ بعدها، إنّما هو كون الملاك الذي أمر لأجله بالصلاة هل هو متّحد في البالغ و الصبي، و يلزمه وحدة الأمر و المأمور به و أنّ التفاوت إنّما هو في صفة الأمر من الوجوب و الاستحباب، أو تغاير الملاك فيهما و أنّ المصلحة التي اقتضت أمر الصبي بالصلاة استحبابا مغايرة للمصلحة التي اقتضت أمر البالغ بالصلاة وجوبا، و يلزمه سقوط الأمر الاستحبابي عند البلوغ لسقوط ملاكه و ثبوت أمر آخر وجوبيا عنده لثبوت ملاكه؟

فلو قلنا بوحدة الملاك و أنّ التغاير إنّما هو في الصفة فقط كان اللازم هو القول بعدم إعادة الصلاة لو بلغ بعدها و إتمام الصلاة إذا بلغ في أثنائها، لاستيفاء الغرض و المصلحة فلا يكون هناك ما يوجب تجدّد الأمر الوجوبي بالإعادة و الاستئناف، و لو قلنا بتغاير الملاك كان اللّازم هو إعادة الصلاة و استئنافها، لسقوط ما هو الموجب للاستحباب و ثبوت ما هو الموجب للوجوب، و لا يمكن القول حينئذ بالاجتزاء بالركعتين اللّتين صلّاهما استحبابا، لأنّ ملاك الاستحباب لا يمكن أنّ يكون مسقطا لما هو ملاك الوجوب، و الأمر الوجوبي الذي يتوجّه عليه في أثناء الصلاة إنّما هو الأمر بتمام الصلاة من التكبيرة إلى التسليمة، إذ ليس هناك أمر سوى قوله تعالى أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ (1)و أمثال ذلك، و الصلاة اسم لمجموع الأفعال لا خصوص الركعتين اللّتين بلغ عندهما كما هو واضح، هذا.

و لكن الإنصاف أنّه و إن قلنا بوحدة الملاك- كما هو ليس بكلّ البعيد- لا يلزمنا القول بسقوط الإعادة لو بلغ بعدها و لزوم إتمام الصلاة التي بلغ في


1) الروم: الآية 31.

أثنائها، و ذلك لأنّه لا إشكال في امتياز صلاة البالغ مع غيره و لو باعتبار تبدّل صفة الأمر و تأكّد الطلب بالنسبة إلى البالغ، و حينئذ فمن المحتمل أن يكون لهذه الصفة دخل في استئناف الصلاة التي بلغ في أثنائها و إعادة الصلاة التي بلغ بعدها.

و بعبارة أخرى: لا ريب في نقصان صلاة الصبي عن غيره و إن اشتملت على الملاك و اتّحدت مع غيره في ذلك، إلّا أنّ المراد من اتّحاد الملاك هو عدم تباين الملاكين بحيث لم يكن بينهما جهة جامعة أصلا، لا أن يكون المراد منه هو اشتمال عبادة الصبي بتمام ما اشتملت عليه عبادة البالغ بحيث تكون وافية بتمام الغرض، فإنّه لا إشكال في أنّ للبلوغ دخلا و لو في تبدّل صفة الأمر و حينئذ فمن المحتمل في عالم الثبوت أن يكون المقدار الباقي من المصلحة التي تشتمل عليه عبادة البالغ باعتبار عروض صفة الوجوب لازمة التحصيل أيضا، بحيث يمكن استيفاؤها مع فعل الصبي الصلاة الناقصة و يمكن أن لا يكون قابلا للاستيفاء، و هذا البحث سيّال في جميع الناقص مع الكامل، كالصلاة بالطهارة الترابية، و الصلاة بالطهارة المائية، و غير ذلك من أفراد الناقص و الكامل.

و حينئذ فإن كان في مقام الإثبات ما يعيّن أحدهما فهو، و إلّا كان المتّبع هو إطلاقات الأدلة، إذ لا إشكال في شمول قوله تعالى أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ لعموم البالغين سواء فعلوا ما هو وظيفتهم في حال الصباوة من الصلاة أو لم يفعلوا، فحينئذ يلزم على الصبي البالغ أن يمتثل هذا الأمر و إن امتثل الأمر الاستحبابي قبل ذلك، و لازم ذلك هو استئناف الصلاة لو بلغ في أثنائها و إعادتها لو بلغ بعدها، فتأمّل. فإنّ التمسّك بالإطلاقات بعد الاعتراف باتّحاد حقيقة المأمور به و أن صلاة الصبي بناء على الشرعية متّحدة بالهوية مع صلاة البالغ، و كذا اتّحاد الأمر و أنّ التبدّل إنّما هو في الصفة فقط، لا يخلو عن إشكال فإنّه لا موضوع حينئذ

لتلك المطلقات، فتأمّل فإنّ المسألة بعد لا تخلو عن إشكال، هذا كلّه في الصلاة.

و أمّا الصيام فلا إشكال في عدم وجوب الإتمام لو بلغ بعد الفجر و لو بلحظة، لاعتبار اجتماع شرائط التكليف من أول الوقت، و لم يقم دليل على الاجتزاء لو حصلت في بعض الوقت كما ورد في باب الحجّ.

بقي الكلام في الطهارة و أنّه لو تطهّر الصبي ثمّ بلغ فهل له الصلاة بتلك الطهارة أو يجب إعادتها؟ الظاهر أنّه لا ينبغي الإشكال أيضا في عدم لزوم الإعادة، لأنّ المفروض أنّه تكفي الطهارة المستحبّة لأجل الغايات المستحبّة في فعل الصلاة الواجبة بها و لا يحتاج إلى إعادتها، لأنّ الطهارة المستحبّة كالطهارة الواجبة رافعة للحدث، و لا يشترط في الصلاة أزيد من رفع الحدث، و طهارة الصبي بناء على الشرعية تكون كسائر الطهارات المستحبّة في رافعيّتها للحدث، و البلوغ لم يكن من الأحداث الرافع للطهارة فلا يحتاج إلى إعادتها بعد البلوغ، إذ الطهارة حينئذ تكون كسائر الشرائط الحاصلة له قبل البلوغ من الساتر و غيره، فتأمّل جيّدا.

المسألة الثالثة: لا إشكال في أنّ مقتضى القاعدة الأولية هو لزوم تحصيل العلم بالوقت مع إمكانه

، و لا يكتفي بالظن لأصالة حرمة العمل به إلّا أن يقوم دليل على اعتباره إمّا مطلقا أو في الجملة، و حيث إنّ العلم بدخول الوقت ممكن و لو بالصبر إلى أن يعلم أنّه قد زال الزوال أو صار المغرب، و ليس الوقت كسائر الموضوعات الأخر التي يمكن تعذّر العلم بها، كالقبلة مثلا فإنّ الشخص يمكن أن لا يحصل له العلم بالقبلة أبدا، و هذا بخلاف الوقت فإنّه يبعد أن لا يحصل العلم به إلى أن يخرج الوقت، فتحصيل العلم بالوقت ممكن لعامّة الناس و لو بالصبر، فمقتضى القاعدة هو لزوم الصبر إلى أن يحصل العلم بدخول الوقت و عدم الاعتماد على الظنّ، خصوصا إذا أمكنه تحصيل العلم به في أول الوقت بلا حاجة إلى

الصبر، فإنّ الظاهر قيام الإجماع على عدم جواز التعويل بالظنّ المطلق من أيّ سبب كان.

و إن كان ربّما نسب الخلاف إلى بعض الأعلام- على ما في الجواهر- (1)إلّا أنّ عبارات من نسب إليه الخلاف لا تدلّ على جواز العمل بالظنّ مطلقا حتّى مع إمكان تحصيل العلم به في أوله، فراجع الجواهر.

نعم قد تردّد في الذخيرة- على ما نقل- في المسألة، لخبر ابن رياح عن الصادق عليه السّلام قال: إذا صلّيت و أنت ترى أنّك في وقت، و لم يدخل الوقت فدخل و أنت في الصلاة، فقد أجزأت عنك، بدعوى إرادة الظنّ من لفظ «ترى» لكونه معناه (2).

و أنت خبير بفساده، لأنّ ترى مأخوذ من الرؤية، و هو أقرب إلى العلم من الظنّ، بل ربّما يدّعى ظهوره في العلم، و على تقدير عدم ظهوره في ذلك فلا أقلّ من صلاحيّته لذلك، فلا يمكن دعوى ظهوره في الظنّ.

و بالجملة: بعد لم يقم دليل على اعتبار مطلق الظنّ في معرفة الوقت مع التمكّن من تحصيل العلم من غير صبر، و لم يعلم به قائل أيضا.

نعم ذهب بعض الأعلام على اعتبار خصوص أذان الثقة العارف بالوقت، لجملة من الأخبار الظاهرة أو الصريحة في جواز التعويل بأذان الثقة التي بإطلاقها تشمل صورة التمكّن من تحصيل العلم، فمنها: قول الصادق عليه السّلام في الصحيح: صلّ الجمعة بأذان هؤلاء، فإنّهم أشدّ شي‌ء مواظبة على الوقت (3)و منها: خبر محمّد بن خالد القسري قال له أيضا: أخاف أن أصلّي الجمعة قبل أن


1) جواهر الكلام: ج 7 ص 265 س 13 من كتاب الصلاة.

2) ذخيرة المعاد: ص 208 س 30 من كتاب الصلاة.

3) الوسائل: ج 4 ص 618 باب 3 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 1

تزول الشمس، فقال: إنّما ذلك على المؤذنين (1). و منها: قولهم عليهم السّلام:

المؤذّن مؤتمن (2)، و المؤذّنون أمناء (3). و أمثال هذه التعبيرات الظاهرة في اعتبار أذانه، كاعتبار أقوال سائر الأمناء في سائر المقامات.

و إطلاق هذه الأخبار مع جملة أخرى لم نذكرها تدلّ على جواز الاعتماد بقول المؤذّن في باب الوقت، حتّى مع التمكّن من تحصيل العلم من دون صبر، و حتّى مع عدم حصول العلم من أذان المؤذّن.

بل في بعضها يقرب من التصريح باعتبار الأذان مع عدم حصول العلم به، كالرواية المتقدّمة قال له: أخاف أن أصلّي الجمعة قبل أن تزول الشمس، فقال عليه السّلام: إنّما ذلك على المؤذنين. فإنّ ظاهره اعتبار الأذان حتّى مع الخوف و الشكّ، فحمل هذه الأخبار على صورة حصول العلم بالوقت بأذان المؤذّن بعيد في الغاية. مع أنّه بناء على هذا لا يكون خصوصية في الأذان بل هو كسائر الأسباب المفيدة للعلم، فتخصيص الأذان بالسؤال و الجواب يكون بلا وجه، و هذا مبعّد آخر على الحمل المذكور.

فالإنصاف أنّ دلالة هذه الأخبار على اعتبار أذان المؤذّن في غاية القوّة.

نعم في خبر عليّ بن جعفر عن أخيه عليه السّلام ما يدلّ على عدم العبرة بأذان المؤذّن حتّى يحصل له العلم، فإنّ فيه في الرجل يسمع الأذان، فيصلّي الفجر و لا يدري أ طلع الفجر أم لا، غير أنّه يظنّ لمكان الأذان أنّه طلع، قال عليه السّلام:

لا يجزيه حتّى يعلم أنّه طلع (4). فهذا الخبر بظاهره يعارض تلك المطلقات بالأعمّ


1) الوسائل: ج 4 ص 618 باب 3 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 3، و فيه اختلاف يسير.

2) الوسائل: ج 4 ص 618 باب 3 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 2.

3) الوسائل: ج 4 ص 619 باب 4 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 6، و فيه اختلاف يسير.

4) الوسائل: ج 3 ص 203 باب 58 من أبواب المواقيت، ح 4. و فيه اختلاف يسير.

المطلق، بل يعارض مع بعضها بالتباين.

و حمل الخبر على ما إذا لم يكن المؤذّن بمؤتمن و غير عارف بالوقت ممّا لا شاهد له، كما أنّه يبعد تقييد تلك المطلقات بمثل هذا الخبر لقوّة تلك المطلقات في الغاية، مع أنّه قد عرفت أنّ في بعضها ما يأبى عن التقييد، فيدور الأمر بين طرح تلك المطلقات و الأخذ بهذا الخبر و الفتوى بمضمونه من أنّه لا بدّ من تحصيل العلم مع التمكّن كما نسب إلى المشهور، بل ربّما ادّعى عليه الإجماع على ما نقل، أو طرح هذا الخبر و الأخذ بتلك المطلقات و الفتوى بمضمونها من اعتبار أذان المؤذّن مطلقا حتّى مع التمكّن من تحصيل العلم كما قال به بعض الأعلام، و لم يعلم حال الطبقة الاولى من العلماء الذي يكون عملهم هو الجابر و الكاسر، و أنّهم هل أفتوا بمضمون المطلقات و طرحوا الخبر أو بالعكس، و من هنا استشكل شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- في هذه المسألة و لم يرجّح أحد الطرفين، و لكنّ الإنصاف أنّ العمل بالمطلقات لا يخلو عن قوّة.

ثمّ إنّ هذه الأخبار إنّما دلّت على اعتبار أذان المؤذّن فقط، و أمّا قول المؤذّن و إخباره بدخول الوقت من دون أذان فلا يبعد إلحاقه بالأذان، و دعوى القطع بعدم خصوصية في الأذان ليست بتلك المثابة من البعد، و إن استشكل في ذلك أيضا شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- هذا كلّه في الأذان.

و أمّا البيّنة فلا ينبغي الإشكال في اعتبار ها و أنّها في عرض العلم، لعموم قوله عليه السّلام: و الأشياء كلّها على ذلك حتّى تستبين أو تقوم به البيّنة (1).

و دعوى أنّ المشار إليه في ذلك إنّما هو خصوص الحلّية و الحرمة، فلا يعمّ ما نحن فيه و ما شابهه من الشرائط و الأجزاء و غير ذلك من الموضوعات، ضعيفة


1) الوسائل: ج 12 ص 60 باب 4 من أبواب ما يكتسب به، ح 4 و فيه اختلاف يسير.

جدّا، فإنّ المراد من المشار إليه في ذلك ليس خصوص الحلّية و الحرمة النفسيّان، بل المراد منه هو الأصل الجاري في الشي‌ء لو لا العلم و قيام البيّنة على الخلاف، فيصير المعنى أنّ الأشياء كلّها على ما يقتضيه الأصل فيها إلّا مع العلم على الخلاف أو قيام البيّنة عليه.

و مجرّد كون الأمثلة المذكورة في صدر الرواية من موارد الحلّية و الحرمة النفسيّان لا يقتضي اسم الإشارة بذلك، فتأمّل جيّدا.

فالأقوى حجيّة البيّنة لو قامت على أيّ موضوع من الموضوعات التي يتعلّق به حكم شرعي، سواء في ذلك الوقت و غيره.

و أمّا العدل الواحد فالأقوى عدم حجّيته في الموضوعات مطلقا، إلّا أن يقوم دليل خاص في مورد بالخصوص على اعتباره، فإنّ ما دلّ على اعتبار خبر العدل مخصوص بالأحكام و لا يشمل الموضوعات، سوى مفهوم آية النبإ (1)، و في دلالة آية النبإ على اعتبار خبر العدل محلّ تأمّل كما ذكر في محلّه، و على فرض دلالتها و عمومها للموضوعات تكون مخصّصة- كغيرها من الأدلّة على تقدير عمومها أيضا- بما دلّ على اعتبار التعدّد في الموضوعات، كقوله عليه السّلام «و الأشياء كلّها على ذلك حتّى .. إلخ» فإنّه حصر طريق إثبات الموضوعات بالعلم أو البيّنة، فلا عبرة بخبر الواحد فيها.

فتحصّل من جميع ما ذكرناه: أنّه مع التمكّن من تحصيل العلم بالوقت من غير صبر لا بدّ من تحصيل العلم، و لا يقوم شي‌ء من الظنون مقامه سوى البيّنة و سوى أذان المؤذّن على إشكال في الأخير تقدّم وجهه.

و أمّا مع عدم التمكّن من تحصيل العلم إلّا بالصبر، فتارة يكون عدم التمكّن من


1) الحجرات: الآية 6.

جهة وجود العذر العامّ كالغيم، و اخرى من جهة العذر الخاصّ كالعمى و الحبس، فلو كان العذر عامّا فربّما قيل بالاكتفاء بمطلق الظنّ و لا يلزمه الصبر إلى أن يعلم، بل ربّما نسب ذلك إلى المشهور، بل ربّما ادّعى الإجماع عليه.

و قد استدلّ عليه بما ورد من اعتبار صياح الديك في يوم لا يرى فيه الشمس و القمر أو في يوم غيم، كما ورد التعبير بذلك في الأخبار، ففي حسن الفرّاء كالصحيح قال: قال رجل من أصحابنا للصادق عليه السّلام: إنّه ربّما اشتبه علينا الوقت في يوم غيم، فقال عليه السّلام: تعرف هذه الطيور التي تكون عندكم بالعراق يقال لها الديوك؟ فقال: نعم، قال: إذا ارتفعت أصواتها و تجاوبت فقد زالت الشمس، أو قال: فصل (1). و في معناه خبران آخران.

و من المعلوم أنّ أقصى ما يفيده صياح الديك هو الظنّ، و بعد إلغاء الخصوصية من الظنّ المستفاد من صياح الديك، و إلغاء خصوصية الغيم و أنّ ذكره إنّما كان من جهة كونه عذرا لا يمكن معه تحصيل العلم، يتمّ ما أفاده المشهور من جواز الاعتماد على مطلق الظنّ مع عدم التمكّن من العلم، سواء كان ذلك من جهة الغيم أو العمى أو الحبس أو غير ذلك من الأعذار.

و أنت خبير بما في دعوى القطع بعدم الخصوصية في صياح الديك و تسرية الحكم إلى كلّ ظنّ من المجازفة. و كذا في دعوى القطع بعدم الخصوصية في الغيم و تسرية الحكم إلى كلّ عذر و لو لم يكن عامّا كالعمى و الحبس.

فالأقوى على ما اختاره شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- من الاقتصار على اعتبار خصوص صياح الديك في خصوص العام، و اما فيما عداه فيلزمه الصبر حتّى يحصل له العلم بدخول الوقت، فتأمّل فإنّ ما ذهب إليه المشهور لا يخلو عن قوّة.


1) الوسائل: ج 3 ص 125 باب 14 من أبواب المواقيت، ح 5. و فيه اختلاف يسير.

و ربّما يستدلّ للمشهور بأمور أخر لا تخلو عن ضعف و إن صلحت للتأييد، فراجع الكتب المبسوطة و تأمّل فيها.

ثمّ إنّه لو تبيّن فساد ظنّه فيما جاز التعويل عليه أو تبيّن خطأ قطعه فمقتضى القاعدة الأولية هو فساد الصلاة و لزوم الإعادة و لو وقعت تكبيرة الإحرام في خارج الوقت، فضلا عن وقوع تمام الصلاة أو معظم الأجزاء في خارجه.

و هذا بناء على ما اخترناه في الأصول من عدم اقتضاء الأمر الظاهري للإجزاء في غاية الوضوح، فإنّ أقصى ما دلّ على اعتبار الظنّ أو القطع من النصّ و العقل هو جواز الصلاة، و أمّا الإجزاء و عدم لزوم الإعادة لو وقع جزء منها في خارج الوقت فلا دلالة فيه على ذلك، فلا بد في القول بالإجزاء من التماس دليل يدلّ على ذلك.

نعم من قال باقتضاء الأمر الظاهري للإجزاء يلزمه القول بالصحّة و عدم لزوم الإعادة لو وقعت تمام الصلاة في خارج الوقت، فضلا عن وقوع بعض منها فيه، و لا بدّ له من التماس دليل يدلّ على عدم الإجزاء على عكس ما اخترناه.

إلّا أنّ هذا إنّما يتمّ في خصوص ما إذا اعتمد في الوقت على الحجة الشرعية من البيّنة و أذان المؤذّن و صياح الديك و أمثال ذلك، و أمّا لو اعتمد على قطعه فمقتضى القاعدة- حتى بناء على اقتضاء الأمر الظاهري للإجزاء- هو فساد الصلاة و لزوم الإعادة عند تبيّن الخطأ و وقوع بعض الصلاة في خارج الوقت، فضلا عن وقوع تمامها فيه، إذ لا أمر ظاهري في صورة القطع حتّى يقتضي الإجزاء كما لا يخفى.

و الحاصل: أنّه بناء على عدم اقتضاء الأمر الظاهري للإجزاء لا يفرّق الحال بين ما إذا كان اعتماده على القطع أو الظنّ المعتبر، و أنّ في الجميع القاعدة تقتضي الإعادة لو وقعت الصلاة في خارج الوقت أو بعض منها و لو التكبيرة، و لا بدّ من

قيام دليل يدلّ على الإجزاء إمّا مطلقا أو في بعض الفروض، و أمّا بناء على اقتضاء الأمر الظاهري للإجزاء ففي صورة الاعتماد على الظنّ مقتضى القاعدة هو الإجزاء لو وقعت الصلاة في خارج الوقت بتمامها أو بعض منها، و لا بدّ من قيام دليل حينئذ على عدم الإجزاء إمّا مطلقا أو في بعض الفروض، و أمّا في صورة الاعتماد على القطع فمقتضى القاعدة أيضا عدم الإجزاء مطلقا، هذا ما يقتضيه القاعدة الأولية.

و لكن ما عليه العمل و فتوى المشهور هو الإعادة و القضاء لو وقعت تمام الصلاة في خارج الوقت، و أمّا لو وقع جزء منها في الوقت و لو التسليم- بناء على كونه جزء- فلا إعادة و لا قضاء، من غير فرق بين أن يكون قد اعتمد على الظنّ المعتبر أو القطع في كلا الفرضين.

و ربّما يظهر من بعض التفصيل بين الظنّ و القطع، و أنّ في صورة الاعتماد على الظنّ تصحّ الصلاة لو وقع جزء منها في الوقت دون ما إذا وقع تمامها في خارجه، و أمّا في صورة الاعتماد على القطع فالصلاة فاسدة مطلقا و لو وقع جزء منها في الوقت.

و ليس في المسألة نصّ سوى خبر ابن رياح المتقدّم عن الصادق عليه السّلام قال: إذا صلّيت و أنت ترى أنّك في وقت، و لم يدخل الوقت فدخل و أنت في الصلاة فقد أجزأت عنك (1). و هذا إنّما يدلّ على الإجزاء في خصوص ما إذا دخل الوقت في أثناء الصلاة و لو قبل التسليم، و أمّا إذا لم يدخل الوقت حتّى فرغ من الصلاة فهذا الخبر بنفسه يدلّ على عدم الإجزاء فضلا عن اقتضاء القاعدة ذلك، بداهة أنّ تخصيصه عليه السّلام الإجزاء بصورة دخول الوقت في الأثناء يدلّ على


1) الوسائل: ج 3 ص 150 باب 25 من أبواب المواقيت، ح 1، و فيه اختلاف يسير.

عدم الإجزاء عند عدم الدخول، فللقائل باقتضاء الأمر الظاهري للإجزاء أن يستدلّ بهذا الخبر أيضا على عدم الإجزاء لو لم يدخل الوقت في أثناء الصلاة.

و أمّا لو دخل في الأثناء فلو قلنا إنّ قوله عليه السّلام «ترى» ظاهر في خصوص الظنّ- كما تقدّم عن بعض- فيكون دليلا على القول الأخير من التفصيل بين القطع و الظنّ، و أنّ في صورة الاعتماد على القطع يلزم الإعادة و لو وقع جزء منها في خارج الوقت، بخلاف ما إذا اعتمد على الظنّ.

و أمّا بناء على ما قوّيناه سابقا من أنّ لفظة «ترى» مأخوذة من الرؤية فهي مقصورة بصورة العلم، أو الاعتقاد الراجح الشامل للعلم و الظنّ، فيكون الخبر دليلا على ما ذهب إليه المشهور، فإنّ دخول صورة القطع في الخبر بناء على ما اخترناه ظاهر.

و أمّا الظنّ فربّما يتوهّم خروجه لعدم صدق «ترى» عليه، إلّا أنّ الإنصاف أنّه لو كان الظنّ من الظنون المعتبرة- كما هو مفروض الكلام- فلفظة «ترى» شاملة له أيضا، لصدق «ترى» عند الاعتماد على البيّنة مثلا، فالأقوى ما ذهب إليه المشهور، و المناقشة في سند الرواية ممّا لا وجه له بعد عمل المشهور بها.

هذا كلّه لو دخل في الصلاة قاطعا لدخول الوقت أو ظانّا له بالظنّ المعتبر.

أمّا لو دخل في الصلاة عامدا عالما بعدم دخول الوقت، أو جاهلا بشرطية الوقت، أو ناسيا لها أو للوقت، فمقتضى القاعدة البطلان لو وقع جزء منها في خارج الوقت، و أمّا لو وقعت تمام الصلاة في الوقت فالأقوى الصحّة في الجميع إن تمشّي منه قصد القربة، و إن كان حصول ذلك في صورة التعمّد مشكل، و ذلك لأنّ الوقت ليس من الخصوصيات القصدية التي يعتبر قصدها في الصلاة، بل ما هو المعتبر في تحقّق قصد المأمور به إنّما هو قصد الصلاة في هذا الوقت و الزمان، و أمّا مطابقة الزمان للزوال فهو أمر خارج عن تحت قدرته و إرادته بل هو يدور

مدار واقعه، و في المقام أبحاث مهمّة قد فاتني كتابتها لبعض عوائق الزمان، فنسأل أن يوفّقنا لكتابتها بعد ذلك.

مسألة: لا إشكال في لزوم الترتيب بين الفرائض و وجوب فعل الظهر قبل العصر و المغرب قبل العشاء، إلّا أنّ هذا الترتيب ليس شرطا واقعيا تبطل الصلاة بفواتها سهوا بل إنّما هو شرط ذكري، فلوسها و قدّم العصر على الظهر و كان ذلك في الوقت الاشتراكي أو دخل و هو فيها صحّت صلاته و وقعت عصرا لا ظهرا، و أمّا لو وقعت في الوقت الاختصاصي فالأقوى البطلان و لا تحتسب لا ظهرا و لا عصرا، و قد تقدّم الوجه في ذلك.

و حكم العشاءين كالظهرين، نعم بينهما فرق و هو أنّه لو شرع في العشاء في أول وقت المغرب نسيانا و لم يتذكّر حتّى فرغ منها فلا محالة يقع ركعة منها في الوقت الاشتراكي فتصحّ، هذا كلّه إذا لم يتذكّر حتّى فرغ من الصلاة.

و أمّا إذا تذكّر في الأثناء عدل بنيّته إلى السابقة إن كان محلّ العدول باقيا، و هو في الظهرين إلى ما قبل التسليم، و أمّا في العشاءين فإلى قبل الدخول في ركوع الركعة الرابعة على الأظهر، و لا يضرّ زيادة القيام في العدول لأنّه من قبيل الزيادة السهوية، كما لا يخفى وجهه على المتأمّل.

و أمّا إذا دخل في الركوع فقد أفتى بعض بالبطلان، لعدم إمكان العدول حينئذ و عدم سقوط الترتيب في الأجزاء اللاحقة لتذكّره، فلا يمكنه تتميم هذه الصلاة عشاء فتبطل، هذا.

و لكنّ الأقوى أيضا الصحّة و تتميمها عشاء، و ذلك لأنّ الترتيب المعتبر بين الصلاتين هو الترتيب بين مجموع الصلاتين من حيث المجموع، بحيث يقع مجموع إحدى الصلاتين قبل الأخرى، و هذا المعنى بمجرّد الشروع في الصلاة اللّاحقة نسيانا قبل الاولى يسقط، فشرطية الترتيب تكون حينئذ مقصورة بما إذا كان

متذكّرا له قبل الصلاة، و أمّا لو شرع في الصلاة نسيانا ثمّ تذكّر في الأثناء و لو في الركعة الأولى فالترتيب يسقط بالنسبة إلى الأجزاء اللّاحقة، لأنّ الترتيب في الأجزاء السابقة سقط بمقتضى النسيان و حديث «لا تعاد» (1)و المفروض أنّ الترتيب إنّما اعتبر بين مجموع الصلاتين، و هذا المعنى ممّا يستحيل حصوله بعد وقوع بعض الأجزاء على خلاف الترتيب، لفوات المجموع بفوات بعض الأجزاء، فمقتضى القاعدة- لو لا أخبار العدول- هو أنّه لو شرع في الصلاة اللّاحقة نسيانا و تذكّر في الأثناء صحّت صلاته و أتمّها على ما افتتحت، غايته أنّ أخبار العدول دلّت على لزوم العدول فيما أمكن، و المفروض فيما نحن فيه عدم إمكان العدول فلا بدّ من تتميمها عشاء، فتأمّل جيّدا.

مع أنّه لو فرض أنّ الترتيب اعتبر في كلّ جزء جزء من اللّاحقة و السابقة على نحو العامّ الأصولي، فيمكن أن يقال أيضا بالصحّة بالملازمة بين الصحّة في الاجزاء السابقة بمقتضى حديث «لا تعاد» و الصحّة في الأجزاء اللّاحقة، و ذلك لأنّ المفروض أنّ الأجزاء السابقة على التذكّر مشمولة لحديث «لا تعاد» لأنّ المفروض وقوعها قبل السابقة نسيانا، فالترتيب ساقط بالنسبة إليها و يشملها حديث «لا تعاد» و إذا لم يجب إعادة الأجزاء السابقة فبالملازمة تدلّ على صحّة الأجزاء اللّاحقة، و إلا لزم لغوية شمول «لا تعاد» للأجزاء السابقة، فتأمّل جيّدا فإنّه لا يخلو عن دقّة.

هذا تمام الكلام في المواقيت، و قد وقع الفراغ منها في الليلة الرابعة و العشرين من شهر محرّم الحرام سنة 1343.


1) الوسائل: ج 3 ص 227 باب 9 من أبواب القبلة، ح 1.

[البحث الثاني] الكلام في القبلة

اشارة

و فيه أبحاث:

المبحث الأول فيما يجب استقباله في حال الصلاة و الدفن و غير ذلك.
اشارة

و قد اختلفت كلمات الأصحاب في ذلك، فقيل: القبلة عبارة عن نفس الكعبة و البناء لمن كان في المسجد، و المسجد قبلة لمن كان في الحرم، و الحرم قبلة لمن كان في خارجه من أهل الدنيا. و قد استدلّ على ذلك بعدّة من الأخبار.

و قيل: القبلة للقريب هو نفس الكعبة، و للبعيد الجهة بمعنى السمت و الطرف.

و قيل: إنّ القبلة هي عبارة عن نفس الكعبة للقريب و البعيد و المشاهد و غير المشاهد، لكن مع تعميم الكعبة من تخوم الأرض إلى عنان السماء، و إن اختلفت كيفية المحاذاة و الاستقبال، فإنّ القريب المشاهد إنّما يحاذي نفس البناء و البيت، و البعيد الغير المشاهد إنّما يحاذي الفضاء و الخط الخارج من البيت إلى عنان السماء.

و هذا هو الحقّ الذي ينبغي المصير إليه، و ذلك للأخبار المستفيضة التي ادعى في الجواهر (1)تواترها، الدالّة على أنّ القبلة هي الكعبة. و هي و إن كانت ظاهرة في


1) جواهر الكلام: ج 7 ص 322.

نفس البيت و البناء إلّا أنّه قد ورد عنهم صلوات اللّٰه عليهم أجمعين (1)

«منه».

أنّ الكعبة إنّما هي ممتدّة إلى عنان السماء، مع وضوح أنّه لا يمكن استقبال نفس البناء للبعيد مع كروية الأرض، بداهة أنّه على ذلك إمّا أن يكون البعيد فوق الكعبة و البيت أو تحتها، فالتكليف باستقبال نفس البناء محال كما هو واضح، فالعبرة في استقبال البعيد إنّما هو استقبال الخطّ الخارج من البيت الممتدّ إلى عنان السماء، بحيث لو أخرج خطّ من جبهة المصلّي لكان يمرّ على ذلك الخط الخارج من البيت لا محالة.

و القول بأنّ قبلة البعيد إنّما هو الجهة و السمت و إن لم يصل خطّ من المصلّي إلى الفضاء المحيط بالبيت خال عن الدليل و الشاهد، و كيف يمكن القول بذلك مع تضافر الأخبار بأنّ القبلة هي الكعبة و البيت؟

و الحاصل: أنّه يعتبر في كلّ مصل أن يستقبل نفس الكعبة و البناء أو الخطّ الخارج منها إلى عنان السماء، و لا يكفي فيه استقبال السمت و الجهة من دون ذلك، كما أنّه لا يعتبر استقبال نفس البناء بل ذلك كما عرفت محال من جهة كروية الأرض، كما أنّه لا يكفي استقبال المسجد أو الحرم لمن كان خارجا عنهما مع عدم اتّصال خطّ من جبهة المصلّي إلى الكعبة أو الخطّ الخارج منها، كما إذا وقف على أحد أضلاع المسجد بحيث يعلم عدم اتّصال خطّ منه إلى الكعبة، بل لم يعلم من صاحب هذا القول الاكتفاء بذلك.


1) ففي موثقة ابن سنان: صلّيت فوق أبي قبيس العصر، فهل يجزي ذلك و الكعبة تحتي؟ قال: نعم، إنّما هي قبلة من موضعها إلى السماء (الوسائل: ج 3 ص 247 باب 18 من أبواب القبلة، ح 1.) و في رواية أخرى: أساس البيت من الأرض السابعة إلى السماء العليا (الوسائل: ج 3 ص 248 باب 18 من أبواب القبلة، ح 3 و فيه اختلاف.).

و من هنا احتمل بعض أن يكون النزاع لفظيّا، بمعنى أنّه من قال بأنّ المسجد قبلة لمن كان في الحرم لا يريد أنّ المسجد قبلة لذلك و لو مع عدم مواجهة البيت بوجه من الوجوه بحيث لم يتّصل خطّ من المصلّي إليه، بل المراد أنّه لو استقبل المسجد يكفي من جهة استلزامه غالبا لاتّصال خطّ منه إلى البيت أو الفضاء المتّصل به، و هو كذلك بناء على ما سيأتي من معنى استلزام زيادة البعد لزيادة المحاذاة.

و بذلك يمكن إرجاع ما دلّ من الأخبار على أنّ المسجد قبلة لأهل الحرم، و الحرم قبلة لأهل الدنيا (1)، إلى ذلك، بمعنى أنّ مستقبل المسجد لمن كان في الحرم و مستقبل الحرم لمن كان خارجا منه يكون مستقبلا للكعبة أيضا و لو للخطّ الخارج منها إلى عنان السماء، كما أنّه يمكن إرجاع من قال بالسمت و الطرف إلى ذلك أيضا، و إن أبت بعض عباراتهم عن ذلك.

و الحاصل: أنّه يمكن أن يكون مراد الجميع من الأقوال و الأخبار أنّ البعيد إذا توجّه نحو الطرف الذي تكون القبلة فيه أو نحو المسجد و الحرم فلا محالة يتّصل منه خط إلى الخطّ الخارج من البيت غالبا، و هذا لا ينافي بطلان صلاة من علم بعدم ذلك كالمصلّي نحو أحد أضلاع المسجد.

فالحريّ إنّما هو بيان اتّصال الخطّين، فإنّه ربّما يتوهّم أنّ ذلك محال من جهة صغر جرم البيت، فالمصلّي لو فرض أنّه صلّى في أماكن متعدّدة بحيث يعلم بزيادة سعة الأمكنة التي صلّى فيها عن جرم البيت، فكيف يمكن اتّصال خطّ من المصلّي من جميع هذه الأمكنة إلى البيت، أو الى الخط الخارج منه الى عنان السماء؟

و كذا الإشكال في الصفّ المستطيل، فيلزم بناء على اعتبار اتّصال الخطّين هو بطلان صلاة بعض الصفّ، أو بطلان بعض الصلوات بالنسبة إلى الشخص


1) الوسائل: ج 3 ص 220 باب 3 من أبواب القبلة ح 1 و 2 و 3 و 4.

الواحد المصلّي في الأمكنة المتعدّدة، و هذا- كما ترى- ممّا لا يقول به أحد و بالجملة: القول بأنّ القبلة نفس الكعبة بناء و فضاء يلازم القول ببطلان صلاة الصفّ المستطيل، هذا و لكن لا يخفى عليك فساد التوهّم، و توضيح ذلك يحتاج إلى بيان مقدّمة، و هي أنّ سعة دائرة رأس الإنسان ممّا يقرب ثلاثين إصبعا و هذه الدائرة بهذا الضيق يكون كلّ جزء منها محاذيا لجزء من الدائرة المحيطة بالعالم، بحيث لو أخرجت خطوط من الدائرة المحيطة إلى دائرة رأس الإنسان فلا محالة جميع تلك الخطوط تتّصل إلى دائرة رأس الإنسان، كما يشاهد إنّ الدائرة الصغيرة المرسوم فيما يقرب من قطب الرحى يكون كلّ جزء منها محاذيا لجزء من الدائرة الوسيعة المرسومة في مبتدإ الرحى.

ثمّ إنّ القدر المعتبر في الاستقبال و مواجهة شخص لشخص إنّما هو مقدار ثمن دائرة الرأس تقريبا، و هو مقدار أربعة أصابع من مقدّم الرأس الذي يكون بين الحاجبين، و لا يعتبر في صدق الاستقبال المواجهة بكلّ ما بين الحاجبين، بل يكفي في صدق الاستقبال عرفا أن يكون مواجها بجزء ممّا بين الحاجبين، بحيث لو اخرج خطّ من المستقبل بالكسر من أي جزء من أجزاء جبهته لكان ذلك الخطّ متّصلا إلى المستقبل إليه، و لا يحتاج أن تكون جميع الخطوط الخارجة من الجبهة متّصلة بالمستقبل إليه، كما لا يخفى.

و حينئذ نقول: إنّه لا إشكال في كون مقدار ما بين الحاجبين قوسيا، و يكون

محاذيا لقطعة قوسية من دائرة محيط العالم، و إن كان سعة تلك القطعة من دائرة المحيط تزداد عن سعة الجبهة بأضعاف مضاعف، لما عرفت من أنّ الدائرة الصغيرة تحاذي الدائرة الكبيرة بتمام أجزائها، فقوس الجبهة تحاذي مقدارا من قوس دائرة المحيط مع كثرة سعته بالنسبة إلى قوس الجبهة، بحيث لو أخرج خطوطا من قوس الدائرة لاتّصلت الخطوط بأجمعها بقوس الجبهة فالجبهة مع صغر سعتها تحاذي أضعاف مضاعف منها بآلاف ألوف، و ذلك ليس إلّا من جهة بعد موقف الإنسان عن دائرة المحيط، و إذا كان الشخص مواجها لقطعة من قوس دائرة المحيط فلا محالة يكون مواجها لكلّ ما كان بينه و بين قوس الدائرة من البلدان و الجبال و الأنهار و غير ذلك.

و هذه المواجهة ليست تظهر للحسّ من دون أن يكون لها واقع بل مواجهة حقيقية واقعية، و الشاهد على ذلك أنّه لو أخرج خطوطا من قوس الجبهة مستقيمة معتدلة لكانت الخطوط مارّة بجميع ما كان بينه و بين قوس المحيط، بداهة اتّصال خطوط الجبهة بالقوس يستلزم مرورها على ما كان متوسّطا بينها و بين القوس، فظهر معنى ما يقال من أنّ زيادة البعد توجب زيادة المحاذاة، و أنّ الإنسان مع صغر حجمه يكون مواجها بقوس الجبهة لكلّ ما كان بينه و بين محيط العالم من الأودية و الأبنية و منها الكعبة المعظّمة لو توجّه نحوها.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ الصفّ المستطيل كيف ما فرضت استطالته لا محالة يكون مواجها للكعبة مع بعده عنها و مع اتحاد جهة أهل الصفّ بحسب

القبلة، بحيث لو فرض خروج خطّ من جبهة كلّ واحد من المصلّين لكان مارّا على الخطّ الخارج من الكعبة الممتدّ إلى عنان السماء، نعم لو اعتبرنا في الاستقبال أن يكون الخطّ خارجا من بين العينين، و لا يكفي خروجه من أحد جانبيها لامتنع اتّصال خطوط الصفّ المستطيل إلى الخطّ الخارج من الكعبة، إلّا أنّه قد تقدّم عدم اعتبار ذلك في صدق الاستقبال، بل يكفي الاستقبال بأحد طرفي الجبهة.

و الحاصل: أنّ الدوائر المرتسمة بين موقف الشخص و بين محيط العالم على كثرتها يكون الشخص مواجها لقوس منها بقوس جبهته، و كلّما فرض بعد الدائرة عن دائرة الموقف يكون القوس المواجه إليه منها أوسع من القوس المواجه إليه من الدائرة التي دونها التي تكون أقرب إلى موقف الشخص منها.

فالشخص يكون مواجها لمقدار شبر من الدائرة التي ترتسم بقرب منه، و يكون مواجها لمقدار شبرين من الدائرة التي ترسم فوق تلك الدائرة، و هكذا يزداد المحاذاة و المواجهة بمقدار بعد الدائرة إلى أن تصل إلى الدائرة المحيطة بالعالم، فتتّسع المحاذاة بمقدار اتّساع ما يحاذيه من قوس الدائرة، و عليه يكون الإنسان محاذيا و مواجها لكلّ ما كان بينه و بين المحيط.

فإذا توجّه الإنسان نحو القوس الذي تكون الكعبة فيه فلا محالة يكون مواجها للكعبة و لو لفضائها الممتدّ إلى السماء، و هذه المواجهة تزداد كلّما ازداد الإنسان بعدا عنها، فربّما يكون الشخص مواجها لجزء يسير من الكعبة إذا كان قريبا منها، و ربّما يكون مواجها لتمامها إذا بعد عنها، و هكذا يزداد المواجهة حتّى تصلى المواجهة إلى مرتبة يكون الشخص مواجها لتمام الحرم و ما زاد، حتّى أنّه لو فرض أنّ الشخص وقف فيما يقرب القطب الجنوبي أو الشمالي يكون مواجها لثمن الدنيا بحسب نسبة الجبهة إلى دائرة الرأس، و قد عرفت أنّ هذه المواجهة ليس مواجهة وهمية بل مواجهة واقعية حقيقية.

و حينئذ الصفّ الذي يكون متّحد الجهة في القبلة كلّما فرض بعده عن مكّة يمكن زيادة استطالته، و يكون كلّ من أهل الصفّ محاذيا لنفس الكعبة أو الخطّ الخارج و لو بجزء من الجبهة. مثلا لو فرض أنّ الصفّ انعقد في مسجد الحرام فغاية ما يمكن من استطالته بحيث يكون مواجها للكعبة هو أنّ يكون بمقدار سعة المسجد بل أقلّ، و أمّا لو فرض انعقاده في الحرم يمكن زيادة استطالته على وجه يكون الجميع مواجها لها، و هكذا كلّما فرضت بعد مكان الصفّ عن الكعبة يزداد في استطالته، حتّى قيل: إنّ في العراق يمكن فرض استطالة الصفّ على وجه يزيد عن عشرين فرسخا، و يكون الجميع مواجها للخطّ الخارج من الكعبة إلى عنان السماء، بحيث لو فرض خروج خطوط مستقيمة من مواقف الصفّ فلا محالة من كلّ شخص يمرّ خطّ من جبهته إلى الخطّ الخارج من الكعبة، و لا يعتبر في الخطوط الخارجة من المواقف أن تكون متوازية بحيث يتساوى بعد ما بين الخطّين من مخرجهما إلى منتهاهما، بداهة أنّه لو اعتبرت الخطوط هكذا لامتنع اتّصال الخطوط من الصفّ إلى الخط الخارج من الكعبة، لصغر حجم الكعبة بالنسبة إلى الصف و لعلّ منشأ النقض بالصفّ المستطيل على من قال باعتبار مواجهة الكعبة سواء في ذلك القريب و البعيد هو هذا، أي تخيّل اعتبار أن تكون الخطوط متوازية، و لمّا رأى استحالة ذلك في الصفّ المستطيل نقض على صاحب هذا القول بأنّه يلزمه القول ببطلان صلاة بعض الصفّ.

و أنت خبير بأنّه لا نحتاج في المواجهة أن تكون الخطوط متوازية، بل المدار على صدق المواجهة و الاستقبال، و ذلك يتحقّق باستقامة الخطوط الخارجة من دون حاجة إلى توازيها، فتأمّل جيّدا في كلمات الأعلام حتّى تعرف حقيقة الحال، و أنّ المراد من الجهة في كلماتهم هو هذا المعنى، لا الجهة بمعنى السمت و الطرف مع عدم اتّصال خطّ من المصلّي إلى الخطّ الخارج عن الكعبة، فإنّ ذلك

ضروري البطلان، و كيف يمكن الالتزام بذلك مع تواتر الأخبار على وجوب استقبال الكعبة؟ فلا محالة يعتبر في صحّة الصلاة من اتّصال خطّ من أحد أجزاء جبهته إلى الخطّ الخارج من الكعبة الممتدّ إلى عنان السماء، فإنّ الذي يمكن في حق البعيد هو هذا، و هذا المعنى بمكان من الإمكان، و لو فرض أنّه صلّى في أمكنة متعدّدة بحيث تزداد سعة الأمكنة عن الكعبة فإنّ من كلّ مكان يتّصل خط إليها بعد معرفة السمت التي تكون الكعبة فيه بالأمارات المنصوبة لذلك على ما سيأتي.

ثمّ لا يخفى عليك أنّ الدائرة المرسومة عند مسجد المصلّي المحيطة بالمكان الذي يشغله في حال الصلاة تكون أوسع من دائرة رأس المصلّي، فإنّ دائرة الرأس تقرب ثلاثين إصبعا كما تقدّم، و دائرة المسجد تقرب ذلك المقدار شبرا، فالقوس المواجه لجبهة المصلّي من دائرة المسجد يزيد على شبرين، و عليه لو كان الخطّ الخارج من الكعبة محاذيا لأحد الجانبين من الجبهة كما إذا كان في طرف اليمين مثلا يجوز الانحراف عمدا إلى أن يقع ذلك الخطّ في طرف الشمال، و ذلك يكون بمقدار شبر، فيجوز الانحراف عن القبلة لو كانت في مسجد المصلي عمدا يمينا و شمالا إلى حدّ يقع خطّ القبلة في أحد جانبي الجبهة، لما عرفت سابقا من صدق الاستقبال من أيّ جزء من أجزاء الجبهة، فتأمّل جيّدا.

ثمّ إنّ الظاهر من الاستقبال هو الاستقبال بالوجه مع مقاديم البدن، فلا يكفي المواجهة بالوجه مع اعوجاج مقاديم البدن كلّا أو بعضا، إلّا أن يكون البعض ممّا لا يضرّ بالصدق العرفي كاعوجاج أصابع الرجلين مثلا، و لا فرق في اعتبار ذلك بين القريب و البعيد.

نعم يختصّ القريب بأمر آخر، و هو أنّه هل يكفي مواجهة بعض البدن كالنصف مثلا للبيت، أو أنّه يعتبر مواجهته بجميع البدن، فلا يكفي الوقوف مواجها لأحد أضلاع البيت، بحيث يكون نصف البدن مواجها للبناء و نصفه

الآخر خارجا عنه؟ الظاهر هو الثاني لعدم صدق الاستقبال كذلك، فتأمّل.

و إنّما قلنا: إنّ ذلك يختصّ بالقريب لأنّ البعيد لا يتصوّر فيه ذلك بعد ما كان قبلته الجهة بالمعنى المتقدّم، فإن المعتبر في مواجهته أن يكون خطّا خارجا من أحد أجزاء جبهته و أصلا إلى الخطّ الخارج من الكعبة الممتدّ إلى عنان السماء، بحيث يحدث منهما زوايا قوائم، و هذه المواجهة إمّا أن تكون و إمّا أن لا تكون، و لا يمكن التبعيض و المواجهة بنصف البدن كما لا يخفى.

فرع: الظاهر أنّ حجر إسماعيل خارج عن البيت

و إن وجب إدخاله في الطواف، فلا يكفي استقباله كما ورد به النصّ الصريح، و هو ما رواه معاوية بن عمّار أنّه سأل الصادق عليه السّلام عن الحجر أمن البيت هو؟ فقال: لا، و لا قلامة ظفر، و لكنّ إسماعيل عليه السّلام دفن امّه فيه، فكره أن يوطأ فجعل عليه حجرا، و فيه قبور أنبياء (1). و بمضمونه أخبار أخر (2).

و إدخاله في الطواف لا يكون قرينه على كونه من البيت مع تعليل الإمام عليه السّلام ذلك بأنّ إسماعيل دفن امّه في ذلك المكان، فوجب إدخاله في الطواف لئلا يوطأ، و أين هذا من جواز استقباله في الصلاة؟ فقياس بعض الأعلام الصلاة بالطواف في غير محلّه.

تنبيه:

قد ظهر ممّا ذكرنا أنّ القبلة هي محل البناء و الفضاء لا نفس الأبنية


1) الوسائل: ج 9 ص 429 باب 30 من أبواب الطواف، ح 1 نقلا بالمعنى.

2) الوسائل: ج 9 ص 429 باب 30 من أبواب الطواف.

و الجدران، و عليه يجوز الصلاة في جوف الكعبة و لو إلى بابها المفتوحة، و كذا على سطح الكعبة اختيارا و إن لم يكن هناك ضرورة، و تقييد بعض بها في غير محلّه، نعم يشترط أن يبرز بين يديه شيئا من السطح حتّى لا يكون سجوده على منتهى السطح ليكون مستقبل القبلة في جميع أحوال الصلاة، و كذا يجوز الصلاة على جبل أبي قبيس أو جبل آخر أو في سرداب منخفضا عن الكعبة، لما تقدّم من أنّ الكعبة من تخوم الأرض إلى عنان السماء.

المبحث الثاني في بيان ما يعرف به قبلة كلّ إقليم
اشارة

من العلامات المذكورة في الكتب المبسوطة. فاعلم أنّ معرفة قبلة كلّ البلاد يتوقّف على معرفة طول البلاد و عرضها، و نسبة طول كلّ بلد و عرضه إلى طول و عرض مكّة حتّى يعرف قبلة كلّ بلد.

و كان القدماء من علماء الهيئة يجعلون مبدأ طول البلاد من جزائر خالدات، و عرضها من خطّ الاستواء الذي هو مارّ بنقطتي المشرق و المغرب تحت دائرة المعدّل، و لكنّ المتجدّدين من علماء الهيئة في هذا الزمان يجعلون مبدأ الطول من قرية قريبة بدار سلطنة الإنجليز لندن، بل أهل كلّ مملكة يجعل مبدأ طول البلاد دار سلطنة تلك المملكة، كطهران في إيران و باريس في فرانسة و كذا سائر الممالك، و على أيّ حال لا يختلف الحال في ذلك، فإنّ من أيّ مكان جعل مبدأ الطول لا بدّ من ملاحظة نسبة طول البلد و عرضه إلى طول مكّة و عرضها.

و الأقسام المتصوّرة في المقام ثمانية، فإنّ الاختلاف إمّا أن يكون في الطول و العرض معا و إمّا أن يكون في أحدهما، و لا يعقل اتّفاق بلد مع مكّة في الطول و العرض معا كما لا يخفى، ثمّ إنّ الاختلاف في الطول تارة يكون البلد في غربي مكّة و اخرى يكون في شرقيّها، و كذا الاختلاف في العرض تارة يكون البلد في

جنوب مكة و اخرى يكون في شمالها، فهذه أقسام أربعة فيما إذا كان الاختلاف في الطول فقط أو في العرض فقط، و أربعة أقسام أخر حاصلة من الاختلاف في كليهما، و هي ما إذا كان البلد في غربي مكّة و عرضه في جنوبها أو في شمالها فهذا قسمان، و القسمان الآخران هو ما إذا كان البلد في شرقي مكّة و عرضه في جنوبها أو شمالها، فهذه أقسام ثمانية تختلف قبلة البلاد حسب هذا الاختلاف، و ليس المقام مقام التعرّض لطول البلاد و عرضها و النسبة بينها، فإنّ ذلك موكول إلى محلّه و مطلوب من أهله من علماء الهيئة.

و لعلّ استخراجات أهل هذا العصر من أهل الفنّ يكون أضبط و أتقن من استخراجات القدماء، و لذلك (1)لسهولة أسباب الاستخراج في هذا الزمان، حتّى أنّه يمكن معرفة قبلة عامّة البلاد بتوسّط القوّة البرقية من التلكراف، و ذلك لأنّ الشمس في كلّ سنة تسامت رءوس أهل مكّة بيومين، و هما اليوم الثامن من الجوزاء و الثاني و العشرين من السرطان- على ما نقل- فالشمس في هذين اليومين هي فوق الكعبة، و لذا يعدم الظلّ فيها في هذين اليومين كما تقدّم في باب المواقيت، فلو عرف أول الزوال في مكّة و هو آن انعدام الظلّ فيها يكون الظلّ الشاخص في كلّ بلد من البلاد في ذلك الآن مواجها للكعبة لا محالة، بحيث لو اخرج من ذلك الظلّ خطّا مستقيما لاتّصل بالكعبة.

فالمعيار في قبلة كلّ بلد هو المواجهة إلى ظلّ ذلك البلد في آن زوال مكّة في يوم يعدم فيها الظلّ، و معرفة آن زوال مكّة في كلّ بلد بمكان من الإمكان بتوسّط القوّة البرقية من التلكراف، و هذا المعنى أضبط شي‌ء في معرفة القبلة في جميع الأقاليم و البلدان.


1) هكذا في الأصل، و الصحيح «و ذلك».

و في المقام طريق آخر لا يحتاج إلى القوّة البرقية إذا علم مقدار تفاوت البلد مع مكّة في الطول، كما استخرجه المحقّق الطوسي- قدّس سرّه- على ما نقل، و حاصله:

أنّ اليوم الذي يعدم الظلّ فيه في مكّة تكون الشمس في أول الزوال في دائرة نصف النهار، و التفاوت بين نصف النهار في كلّ بلد و نصف نهار مكّة بقدر الفصل بين طوليهما، لأنّ كلّ بلد كان طوله أقلّ من مكّة يتأخّر الظهر فيه عن مكة، و كلّ بلد كان طوله أكثر من مكّة يتقدّم الزوال فيه عن مكّة، لأنّه يكون حينئذ أبعد عن المغرب و أقرب إلى المشرق، فإذا علم مقدار طول البلد و مقدار طول مكّة فالتفاوت بينهما بكلّ درجة مقابل لمقدار أربع دقائق، لأنّه لو قسّم ثلاثمائة و ستّين درجة على أربع و عشرين ساعة فلكلّ خمس عشرة درجة ساعة و لكلّ درجة أربع دقائق.

و على هذا فلو كان طول مكّة عشرين درجة و طول البلد خمسة و عشرين فيصير زوال البلد عشرين دقيقة قبل زوال مكّة، فبعد مضي عشرين دقيقة من زوال البلد إذا جعل المصلّي ظلّ الشاخص بين قدميه و توجّه إليه يكون متوجّها إلى القبلة لا محالة، لأنّ الشمس في هذا الآن- أي عند مضي عشرين دقيقة من زوال البلد- تكون مسامتة لرءوس أهل مكة و فوق الكعبة، فالمتوجّه إلى الظلّ يكون متوجّها إلى الكعبة.

و لو انعكس الفرض بأن كان طول البلد عشرين و طول مكة خمس و عشرين، فيصير زوال البلد بعد زوال مكّة بعشرين دقيقة، فالعبرة حينئذ بمواجهة الظلّ في ذلك الحال، فتأمّل تعرف.

و على كلّ تقدير العبرة إنّما هو بمعرفة القبلة بأيّ طريق ممكن،

و معرفة ذلك لها طرق متعدّدة.
منها: محراب صلّى فيه معصوم عليه السّلام

كأحد المحاريب للمساجد الأربعة،

و لكن بشرط العلم ببقاء المحراب على هيئته التي جعلها المعصوم عليه السّلام من دون أن يتغيّر، و هذا الشرط مفقود في هذا الزمان لكثرة التغيّرات، خصوصا في محراب مسجد الكوفة على ما نقل.

و منها: قبر المعصوم عليه السّلام

بالشرط المذكور.

و منها: العلائم المنصوبة لذلك من مهرة أهل الفنّ

، كوضع الجدي كذا و وضع سهيل كذا، و أمثال ذلك ممّا هو مذكور في الكتب المبسوطة، فإنّ الإنصاف أنّ هذه العلائم علائم متقنة استخرجها مهرة أهل الفنّ، فهي إن لم تكن مفيدة للعلم فلا أقلّ من إفادتها الاطمئنان الملحق بالعلم المعبّر عنه بالعلم العادي في بعض الكلمات.

ثمّ لا يخفى عليك أنّه ليس في الأخبار علامة تعبّدية لمعرفة القبلة، و إنّما ورد بعض الأخبار في خصوص الجدي، كقوله عليه السّلام في بعضها: اجعله على يمينك، و إذا كنت في طريق مكّة فاجعله بين كتفيك (1). و قوله عليه السّلام في آخر: ضع الجدي في قفاك و صلّ (2).

و لكن من المعلوم أنّه لا يمكن الأخذ بإطلاق هذه الأخبار، فإنّ جعل الجدي على القفا لا يكون مطّردا في جميع البلدان، بل هو مقصور بما إذا كان قبلة البلد نقطة الجنوب، و كذا قوله عليه السّلام «و إذا كنت في طريق الحجّ فاجعله بين كتفيك».

و بالجملة: ليس فيما بأيدينا من الأخبار ما يدلّ على جعل الشارع شيئا خاصّا علامة للقبلة تكون مطّردة في جميع البلدان، فلا بدّ حينئذ من الرجوع إلى العلامات المستخرجة من الهيئة، و قد عرفت أنّها أمور مضبوطة من شأنها أن تفيد


1) الوسائل: ج 3 ص 222 باب 5 من أبواب القبلة، ح 2، و فيه اختلاف يسير.

2) الوسائل: ج 3 ص 222 باب 5 من أبواب القبلة، ح 1، و فيه اختلاف يسير.

العلم، و على تقدير عدم إفادتها للعلم فلا أقلّ من إفادتها الظنّ، و سيأتي أنّه حجّة عند تعذّر العلم.

لا يقال: كيف يمكن التعويل على العلامات المذكورة في كتب القوم مع أنّها بنفسها مختلفة لا يمكن الجمع بينها؟ و الاختلاف في ذلك يكون أقوى شاهدا على اشتباههم، و كيف يتصوّر الجمع بين جعل الجدي خلف المنكب الأيمن مع جعل المغرب و المشرق الاعتداليّان على اليمين و الشمال؟ فإنّ جعل المشرق و المغرب كذلك يقتضي مقابلة نقطة الجنوب، و جعل الجدي كذلك يقتضي الانحراف عنه إلى المغرب بما يقرب من اثني عشرة درجة.

فإنّه يقال: إنّ هذا الاختلاف إنّما هو لأجل ما ذهبوا إليه من التوسعة في جهة القبلة بحيث لا يضرّ هذا المقدار من الزيادة و النقيصة في الانحراف، و الشاهد على ذلك أنّه جمع بين هذين العلامتين من هو أستاذ الفنّ الذي لا يمكن في حقّه الاشتباه كالعلّامة- على ما حكي عنه- فيعلم من هذا أنّ ذلك لا يكون إلّا من جهة التوسعة في جهة القبلة عندهم، و هذا المقدار من التفاوت لا يوجب الخروج عن الجهة بالمعنى الذي ذكرناه، و لا يكون شاهدا على أنّ المراد من الجهة هو السمت و الطرف مع عدم اتّصال خطّ من المصلّي إلى الكعبة، فتأمّل جيدا.

و على أيّ حال لا بدّ من الرجوع إلى العلائم التي ذكرها أهل الهيئة لمعرفة القبلة، فإنّ هذا هو المتيسّر للبعيد، نعم حيث كان قدماء أهل الهيئة مختلفين مع المتجدّدين في تشخيص طول البلاد و عرضها و مقدار الانحراف، حتّى نقل أنّ القدماء ذهبوا إلى انحراف قبلة النجف الأشرف من الجنوب إلى المغرب بمقدار اثني عشرة درجة، و المتجدّدون ذهبوا إلى أنّ الانحراف بمقدار ثمانية درجات، فلا بدّ حينئذ من الأخذ بالاحتياط و المتوسّط بين القولين.

و قد عرفت سابقا أنّ العلامات المنصوصة في الأخبار لا يمكن الأخذ بإطلاقها

و حملها على التعبّد طابقت الكعبة أو لم تطابق، و ما ورد في صحيح زرارة عن الباقر عليه السّلام لا صلاة إلّا إلى القبلة قال: قلت: أين حدّ القبلة؟ قال: ما بين المغرب و المشرق قبلة كلّه (1). لا يكون صريحا في جواز التوجّه إلى أيّ نقطة ممّا بين المغرب و المشرق اختيارا، لاحتمال أن يكون السؤال عن حدّ القبلة هو الحدّ الذي إذا صلّى الإنسان فيه تكون صلاته صحيحة و لو في الجملة و في بعض الأوقات، كما إذا تبيّن له الخطأ بعد الجهد و أنّ صلاته لم تكن على جهة القبلة، فإنّ في هذا الحال تصحّ الصلاة إذا كانت بين المشرق و المغرب و لم يكن مستدبرا للقبلة، كما هو رأي المعظم.

و الحاصل: أنّه يمكن أن يكون السؤال عن حدّ القبلة هو الحدّ الذي يجوز إيقاع الصلاة فيه اختيارا، و يمكن أن يختصّ ببعض الأحوال.

و ممّا يبعد المعنى الأول هو أنّه من المستبعد جدّا أن يختفي لمثل زرارة حدّ القبلة مع وروده في الكتاب العزيز بقوله تعالى فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ (2). فمن المحتمل أن يكون جهة السؤال هو المعنى الثاني، فتأمّل. كما أنّه يمكن أن يكون المعنى أنّ ما بين المغرب و المشرق قبلة كلّه لكن لا لكلّ أحد بل تختلف الأشخاص في ذلك، فربّ شخص تكون قبلته منحرفة عن المغرب بقليل، و ربّ شخص يكون انحرافه أزيد و كذا إلى أن يصل إلى حدّ يكون قبلة الشخص ممّا تقرب المشرق، و هذا الاختلاف إنما ينشأ من اختلاف البلدان في الطول و العرض، فما بين المغرب و المشرق كلّه قبلة على حسب اختلاف البلاد، فتأمّل و على كلّ تقدير لا يمكن الأخذ بإطلاق الصحيحة و القول بجواز استقبال أيّ نقطة ممّا بين المغرب و المشرق، هذا مع أنّه يمكن أن يدّعى الإجماع على خلافه،


1) الوسائل: ج 3 ص 228 باب 10 من أبواب القبلة، ح 2.

2) البقرة: الآية 143.

و إن نسب الخلاف إلى من لا يضرّ بالإجماع.

ثمّ إنّ العلّامة- قدّس سرّه- جعل من جملة العلامات لأهل العراق جعل القمر ليلة السابع عند الغروب على العين اليمنى، و جعله كذلك عند انتصاف اللّيل في اللّيلة الرابع عشر، و جعله كذلك أيضا عند الفجر في اللّيلة الإحدى و العشرين (1)و لكن قال شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه-: إنّي جرّبت ذلك في اللّيلة السابعة فرأيت في ذلك اختلافا بحسب اختلاف الشهور بالنقص و التمام، فلاحظ.

و كيف كان لا بدّ من معرفة القبلة و العلم بها مع التمكّن كما هو الشأن في جميع الشرائط، و لا يعتبر في العلم حصوله من سبب خاصّ بل من أيّ سبب حصل، و مع عدم التمكّن من العلم لا بدّ إلى التنزّل إلى الظنّ.

و لكن يقع الكلام في أنّه مع التعذّر من تحصيل العلم هل يجوز التعويل على مطلق الظنّ، أو أنّ مرتبة الأخذ بالعلامات المنصوبة المستخرجة من الهيئة مقدّمة رتبة على الظنّ المطلق على تقدير عدم إفادتها للعلم؟

فربّما يقال: إنّ العلامات مع عدم إفادتها للعلم تكون في عرض الظنّ المطلق و لا وجه لتقدّمها عليه. و لكنّ الإنصاف أنّه ليس كذلك، فإنّ العلامات على فرض تسليم عدم إفادتها للعلم ليست في رتبة الظنّ المطلق، إذ لا إشكال في كونها منضبطة في نوعها مستخرجة من أساس مستحكم مفيدة للاطمئنان غالبا، فهي مقدّمة على الظنّ المطلق كتقدّم البيّنة عليه أيضا، لما عرفت من عموم حجّية البيّنة في باب المواقيت، و أنّها لا تختصّ بباب الترافع و ما كان الشكّ فيه من جهة الحلّية و الحرمة الذاتيّان، كما ربّما يتوهّم من قوله عليه السّلام: و الأشياء كلها على ذلك حتّى يستبين أو تقوم به البيّنة (2). إلّا أنّه قد تقدّم أنّ ورودها في ذلك لا يوجب الاختصاص


1) منتهى المطلب: ص 219 في القبلة.

2) الوسائل: ج 12 ص 60 باب 4 من أبواب ما يكتسب به، ح 4، و فيه اختلاف يسير.

فالأقوى أنّ البيّنة في عرض العلم مقدّمة في الرتبة على الظنّ المطلق، لأنّ الظنّ متأخّر عن العلم، و المفروض أنّ البيّنة في عرض العلم لعدم تقييد في دليل حجّيتها، فيكون الظنّ متأخّرا عن البيّنة أيضا، و لا يعقل أن يكون ما في طول الشي‌ء في عرضه.

و بعبارة اخرى: أنّ من قامت عنده البيّنة يكون عارفا بالقبلة بالتعبّد، فيخرج عن موضوع «من لا يعلم» الذي أخذ موضوعا لحجّية الظنّ.

نعم في خصوص المقام إشكال و هو أنّ حجّية البيّنة في الموضوعات كحجّية الخبر الواحد في الأحكام مقصورة بما إذا كان الإخبار عن حسّ و شهود لا الحدس و الاجتهاد، و هذا المعنى في باب الإخبار عن القبلة منسدّ، لأنّ مستند الشهود إمّا الاجتهاد و هو حدسي، و إمّا العلامات المنصوبة المأخوذة من الهيئة و هي أيضا حدسية، فلا يجوز التعويل على البيّنة في أمثال المقام (1)، هذا.

و لكن لا يخفى عليك ضعف الإشكال، فإنّ العلامات المستخرجة من الهيئة ليست حدسية، لأن الضابط في الأمور الحدسية هو أن يكون ذلك بإعمال نظر و اجتهاد، و استعمال المقدّمات النظرية و الأقيسة الاجتهادية لاستنتاج المطالب، كاستنتاج الفقيه الحكم الشرعي من الأدلة بحسب ما يفهمه منها، و من المعلوم أن علم الهيئة ليس من هذا القبيل، بل هو كعلم الحساب مأخوذ من مبادئ حسّية و مقدمات مشهورة، بداهة أن معرفة طول البلاد و عرضها من الأمور الحسية التي يعرفها كلّ من كان أهلا لها، و مجرّد عدم معرفة كلّ أحد لها لا يخرجها عن الحسّية، فهو من قبيل معرفة الصائغ مقدار الغش في الذهب و معرفة المقوّم مقدار


1) و يمكن أن يقال: إنّ اعتبار البيّنة في أمثال المقام إنّما هو من باب اعتبار قول أهل الخبرة، لا من باب الشهادة حتّى يقال: إنه يعتبر أن تكون عن حسّ و الحسّ مفقود في مثل المقام فتأمّل فإنه لو كان اعتبار ذلك من باب أهل الخبر لم يكن وجه لاعتبار التعدّد، فتأمّل. «منه».

قيمة الدار، و هل يمكن ان يدّعي أحد أنّ معرفة الصائغ مقدار الغشّ يكون حدسيّا و الحاصل: أنّ الضابط في الحسّيات أن تكون مأخوذة من مباد حسّية و إن احتاجت إلى إعمال نظر في استخراجات المحسوسات، إذ ليس كلّ محسوس مشاهدا بالبصر، بداهة أنّ معرفة هذا الحامض و أنّه من ماء النارنج أو الحصرم يحتاج إلى إعمال نظر مع أنّه من المحسوسات، فالقول بأنّ علم الهيئة مبنيّ على الحدسيّات في غاية الوهن و السخافة.

و عليه لا إشكال في حجّية البيّنة إذا كان مستندها العلائم المنصوبة المستخرجة من الهيئة، نعم لو كان مستندها أمورا أخر اجتهادية تكون حينئذ في عرض الظنّ المطلق إذا أفاد من قولها الظنّ، و لا وجه حينئذ لتقدّمها عن الظنّ الحاصل باجتهاد نفس المكلّف كما لا يخفى.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا: أنّ العلم و العلائم و البيّنة تكون في عرض واحد و مقدّمة على الظنّ المطلق، كما أنّها مقدّمة على الامتثال الإجمالي من الصلاة إلى أربع جهات، بناء على أنّ الامتثال التفصيلي مقدّم على الامتثال الإجمالي كما بيّن في محلّه، و كما أنّ البيّنة تكون مقدّمة على الامتثال الإجمالي كذلك الظنّ الحاصل بالاجتهاد في مورد اعتباره يكون مقدما على الامتثال الإجمالي، لأنّ الظنّ يكون حينئذ حجة شرعية، و الامتثال به يكون امتثالا تفصيلا فيقدّم على الامتثال الإجمالي و ما يظهر من خبر خراش (1)من نفي اعتبار الاجتهاد و أنّ الحكم عند تعذّر


1) و هو أنّه قال للصادق عليه السّلام: جعلت فداك إنّ هؤلاء المخالفين علينا يقولون إذا أطبقت السماء علينا أو أظلمت فلم نعرف ممّا كنّا و أنتم سواء في الاجتهاد، فقال عليه السّلام: ليس كما يقولون، إذا كان ذلك فليصلّي إلى أربع وجوه (الوسائل: ج 3 ص 226 باب 8 من أبواب القبلة، ح 5 و فيه اختلاف يسير.). «منه».

العلم هو الصلاة إلى أربع جهات فمأوّل أو مطروح، لما سيمرّ عليك إن شاء اللّٰه من صراحة الأخبار في أنّ الحكم عند تعذّر العلم هو التحرّي و الاجتهاد و العمل بما أدى إليه اجتهاده، و هذه الأخبار- مع صراحتها و صحّتها و عمل المشهور عليها، لا يمكن طرحها لأجل خبر يحتاج العمل به إلى جابر مفقود في المقام.

مع أنّه ليس بصريح في نفي الاجتهاد و الأخذ بالظنّ عند تعذّر العلم، بل لا ظهور فيه لاحتمال أن يكون المراد من قوله عليه السّلام «ليس كما يقولون إذا كان ذلك فليصلّ إلى أربع وجوه» هو أنّه ليس كما يزعمون من أنّه لو غمت عليه الأمارات و لم يمكن الاجتهاد و التحرّي صلّى إلى أيّ جهة شاء، بل يعتبر أن يصلّي حينئذ إلى أربع جهات، و يحتمل أن يكون المراد من الاجتهاد في كلام السائل هو العمل بالرأي و الاستحسان من دون أن يكون ذلك بتحرّي و استناد إلى أمارة مفيدة للظنّ، و هذا المعنى من الاجتهاد ليس بمعتبر عندنا، و لا يجوز التعويل عليه عند فقد العلم، بل لا بدّ حينئذ من الصلاة إلى أربع جهات.

و الحاصل: أنّه لا بدّ إمّا من طرح الخبر و إمّا من تأويله، لعدم مقاومته لما دلّ من أنّ الحكم عند تعذّر العلم هو التحرّي و الاجتهاد، و أنّ ذلك مقدّم على الصلاة إلى أربع جهات، كقوله عليه السّلام في صحيح زرارة: يجزي التحرّي أبدا إذ لم يعلم أين وجه القبلة (1). و كموثق سماعة سألته عن الصلاة باللّيل و النهار إذا لم ير الشمس و القمر و لا النجوم، فقال عليه السّلام: اجتهد رأيك و تعمّد القبلة جهدك (2). و غير ذلك من النصوص الدالّة على اعتبار الاجتهاد.

ثمّ إنّه لا يخفى عليك أنّه لا فرق فيما ذكرناه من وجوب التحرّي و الاجتهاد عند


1) الوسائل: ج 3 ص 223 باب 6 من أبواب القبلة، ح 1

2) الوسائل: ج 3 ص 224 باب 6 من أبواب القبلة، ح 3 و فيه اختلاف يسير.

فقد العلم بين الأعمى و غيره، و ما في بعض الكلمات من أنّ الأعمى يقلّد ليس المراد منه التقليد الاصطلاحي الذي هو عبارة عن الأخذ بقول الغير تعبّدا و بلا دليل، بل المراد منه هو أنّ الأعمى إذا لم يتمكّن من تحصيل العلم و كان المورد مورد الاجتهاد و التحرّي يسأل عن الغير و يأخذ بقوله، لكن لا مطلقا بل إذ حصل له الظنّ من قوله، لأنّ هذا هو التحرّي الممكن في حقّ الأعمى غالبا، فإنّه لا دليل على اعتبار التقليد في الموضوعات.

و ما ورد (1)في بعض الروايات من أنّ الأعمى إذا لم يعرف القبلة يرى من يسدّده إليها و يوجّهه نحوها ليس المراد من التقليد، بل المراد منه أنّه يرى من يعرّفه القبلة حتّى يصلّي نحوها، فهذه الروايات تدلّ على وجوب تحصيل العلم على الأعمى إذا كانت القبلة معلومة مشخّصة عند الناس، و هذا ممّا لا كلام فيه، فإنّه لو كانت القبلة معلومة- كما إذا كان في مسجد الحرام- يجب على الأعمى تحصيل العلم بها و لو بالسؤال، و ليس في مثل هذا موقع للاجتهاد و التحرّي، لأنّ الظاهر من أخبار التحرّي إنّما هو فيما إذا لم تكن القبلة معلومة مشخصّة كيوم غيم و أمثال ذلك، و أمّا إذا كانت القبلة معلومة غاية الأمر أنّ الأعمى لخصوص عماه لم يعرف القبلة فليس هذا مورد التحرّي و الاجتهاد، بل يجب عليه أولا السؤال حتّى يحصل له العلم، و مع فرض عدم حصوله يصلّي إلى أربع جهات و لا عبرة بالظنّ حينئذ، بل غير الأعمي أيضا كذلك.

و الحاصل: أنّ في المقام دعويين: (الاولى) أنّ الحكم عند فقد العلم هو الاجتهاد و التحرّي، سواء في ذلك الأعمى و غيره، و لا عبرة بالتقليد و لا دليل عليه (الثانية) أنّ مورد الاجتهاد و التحرّي إنّما هو فيما إذا لم تكن القبلة معلومة، كما إذا


1) الوسائل: ج 3 ص 225 باب 7 من أبواب القبلة، ح 1 و 2 و 3.

كان يوم غيم بحيث لم ير الشمس و القمر كما هو مورد الأخبار (1)، و أمّا إذا كانت القبلة معلومة و لم يكن مانع من ملاحظة العلامات المنصوبة لمعرفتها فليس هذا مورد الاجتهاد و التحرّي، بل اللّازم- في مثل هذا- العلم، و مع التعذّر لمانع شخصي كالعمى فالصلاة إلى أربع جهات، و لا فرق في ذلك أيضا بين الأعمى و غيره.

فتحصّل من جميع ما ذكرناه: أنّ لمعرفة القبلة مرتبتين (الاولى) العلم و ما يلحق به من الأمارات و البيّنة (الثانية) التحرّي و الاجتهاد و الأخذ بالأحرى.

و لو فقد المرتبتان جميعا فاللّازم هو الصلاة إلى أربع جهات كما عليه المعظم، و يدلّ عليه- مضافا على الإجماع المحكيّ في عدّة من كتب الأصحاب- مرسل خداش (2)المتقدّم، و هو و إن اشتمل على ما لا يقول به المشهور من نفي الاجتهاد إلّا أنّه قد عرفت الجواب عن ذلك، مع أنّ المشهور أخذوا به فيما نحن فيه، إذ الظاهر أنّه ليس لهم مستند في الصلاة إلى أربع جهات سواه، و إن حكي عن الكافي و الفقيه أنّهما قالا: روي أنّ المتحيّر يصلّي إلى أربع جوانب كما عن الأول (3)، و أنّه قد روي فيمن لا يهتدي إلى القبلة في مفازة أن يصلّي إلى أربع جوانب كما عن الثاني (4)، و قد استفاد بعض الأعلام أنّ هاتين الروايتين غير مرسل خداش و ليس بكلّ البعيد، و على أيّ حال يكفي دليلا لما نحن فيه مرسل خداش بعد جبره بعمل المشهور.

و بذلك يكون مقدّما على ما دلّ من أنّ الحكم عند التحيّر هو الصلاة إلى جهة


1) الوسائل: ج 3 ص 223 باب 6 من أبواب القبلة.

2) الوسائل: ج 3 ص 226 باب 8 من أبواب القبلة، ح 5.

3) الكافي: ج 3 ص 286 ح 10 من كتاب الصلاة.

4) الفقيه: ج 1 ص 278 باب القبلة ذيل ح 854.

من الجهات حيث شاء، كما في مرسل ابن أبي عمير عن زرارة: سألت أبا جعفر عن قبلة المتحيّر، فقال: يصلّي حيث يشاء (1). و في صحيحة زرارة: يجزي المتحيّر أبدا أينما يتوجّه (2).

و قد أطنب في الجواهر (3)في مقام الجواب عن هذه الروايات و ضعفها و أنّها مجعولة أو محرّفة، و لكنّ الإنصاف أنّه لا حاجة إلى هذا التطويل، فإنّ نسبة هذه الروايات مع مرسل خداش (4)بالأعم و الأخص المطلق، فإنّ الموضوع في خبر خداش هو المتمكّن من الصلاة إلى أربع جهات، و هذه الأخبار أعم من ذلك، فيجب حملها على من لا يتمكّن من الصلاة إلى أربع جهات على قواعد باب التعارض بالأعم المطلق، فتأمّل.

بقي في المقام أمور ينبغي التنبيه عليها.
الأول: أنّه يعتبر أن تكون الصلوات الأربع إلى جهات أربع

متساوية النسبة تقريبا، و لا يكفي صلاتها إلى جهة واحدة أو جهتين، لأنّ المتبادر من قوله عليه السّلام في خبر خداش «فليصلّ إلى أربع وجوه» هو ذلك كما لا يخفى، مضافا إلى أنّ الصلاة إلى أربعة وجوه متساوية النسبة أمّا محصّلة للقبلة و إمّا أن لا يبلغ الانحراف عنها إلى اليمين و الشمال، و هو مجز أيضا في الجملة و في بعض الأحوال، و هذا بخلاف ما إذا صلّى الأربع إلى جهة واحدة أو جهتين، فإنّه ربّما يكون الانحراف إلى ما وراء اليمين و الشمال، و هو لا يجزي في حال من الأحوال.

و ما يقال من أنّه بناء على هذا يمكن الاكتفاء بثلاث صلوات على ثلاث جهات متساوية، لأنّ الانحراف على تقديره أيضا لا يبلغ اليمين و الشمال، فلا وجه


1) الوسائل: ج 3 ص 226 باب 8 من أبواب القبلة، ح 3.

2) الوسائل: ج 3 ص 26 باب 8 من أبواب القبلة، ح 2.

3) جواهر الكلام: ج 7 ص 412.

4) الوسائل: ج 3 ص 226 باب 8 من أبواب القبلة، ح 5.

للالتزام بأربع صلوات. ففساده غنيّ عن البيان بعد ورود النصّ بأربع صلوات، مضافا إلى أنّه لو خلّينا و أنفسنا لكان اللّازم هو الصلاة بمقدار يعلم بوقوع أحدها إلى القبلة، كما هو الشأن في جميع الموارد التي يحكم فيها بلزوم الإتيان بالمقدّمات العلمية، غاية الأمر أنّه بالنصّ أسقطنا الزائد على أربع صلوات، و تبقى الأربع على حالها من لزوم الإتيان بها من باب المقدّمة العلمية، فلا وجه للاكتفاء بثلاث صلوات.

و ما يتوهّم من أنّه بعد سقوط الزائد على الأربع لا تكون الأربع حينئذ مقدّمة علمية حتّى يلزم الإتيان بها لذلك، لعدم كونها محصّلة للعلم بالصلاة إلى القبلة.

فليس بشي‌ء فإنّه- مضافا إلى أنّ سقوط بعض مقدّمات العلمية لا يوجب سقوط بعضها الآخر كما بيّن في الأصول، و عليه بنينا بوجوب (1)بما أمكن من المحتملات في الشبهة الوجوبية الغير المحصورة- يمكن أن يقال: إنّه من ورود النصّ بأربع صلوات يستكشف أنّ الشارع وسّع القبلة في هذا الحال إلى ربع الفلك، و جعل المواجهة إلى ربع الدائرة التي تكون الكعبة فيها مجز في هذا الحال، و عليه يكون الصلوات إلى أربع جهات من باب المقدّمة العلمية لإحراز المواجه إلى ربع الدائرة التي تكون القبلة فيها، فتأمّل جيّدا.

الأمر الثاني: هل يعتبر أن يستوفي أولا محتملات الظهر ثمّ يعقبه بمحتملات العصر

، أو لا يعتبر ذلك بل له أن يصلّي الظهر و العصر معا إلى جهة و هكذا إلى أن يستوفي محتملاتهما معا، نعم ليس له أن يستوفي محتملات العصر قبل استيفاء محتملات الظهر، و كذا ليس له أن يصلّي العصر إلى جهة مغايرة لصلاة الظهر، بل لا بدّ أن يصلّي العصر إلى الجهة التي صلّى الظهر إليها؟


1) سقط من هنا كلمة «الإتيان».

أقول: هذه المسألة مبنية على أنّ الامتثال الإجمالي هل هو في عرض الامتثال التفصيلي أو في طوله، فلو قلنا بالأول فلا يعتبر أن تقع محتملات العصر عقيب جميع محتملات الظهر، و لو قلنا بالثاني فيعتبر ذلك.

و تفصيل ذلك هو أنّه لا إشكال في اشتراط الترتيب بين الظهر و العصر، و لا بدّ من إحراز وقوع العصر عقيب الظهر كسائر الشرائط التي لا بدّ من إحرازها في مقام الامتثال، و هذا ممّا لا كلام، إنّما الكلام في أنّه يعتبر في حسن الامتثال من إحراز الترتيب حين فعل العصر بحيث يكون حين اشتغاله بالعصر محرزا لوقوع الظهر حتّى يكون محرزا للترتيب في ذلك الحال، أو أنّه يكفي في تحقّق الامتثال و حسنه إحراز الترتيب و لو بعد فعل العصر؟ فلو قلنا بكفاية الإحراز البعدي فله فعل الظهر و العصر معا إلى جهة واحدة، لأنّ حين فعل العصر و إن لم يعلم بالترتيب و وقوع العصر عقيب الظهر لاحتمال أن لا تكون القبلة في تلك الجهة إلّا أنّه بعد استيفاء جميع المحتملات يعلم بالترتيب و وقوع العصر بعد الظهر، و لو قلنا بلزوم العلم بالترتيب حين فعل العصر فاللّازم تأخير محتملات العصر عن محتملات الظهر، لأنّه يعلم حينئذ بفراغ ذمّته عن الظهر حين اشتغاله بمحتملات العصر.

فإنّ قلت: حين فعل كلّ واحد من محتملات العصر لا يعلم أيضا بوقوع العصر عقيب الظهر، لاحتمال أن لا تكون القبلة في تلك الجهة فلا تكون هذه الصلاة عصرا واقعيّا، و المعتبر من الترتيب هو وقوع العصر الواقعي عقيب الظهر الواقعي لا مطلقا، و لا يمكن العلم بهذا حين فعل كلّ واحد من محتملات العصر، فبالأخرة ينتهي الأمر إلى حصول العلم بالترتيب بعد استيفاء جميع المحتملات، و يرتفع الفارق بين القولين.

قلت: الفرق بينهما في غاية الوضوح، فإنّه لو صلّى العصر عقيب جميع

محتملات الظهر يعلم إجمالا حين فعل كلّ واحد من محتملات العصر أنّ هذه الصلاة التي بيده واقعة عقيب الظهر الواقعي، فهو من جهة تكليفه الظهري فارغ الذمّة، و إن كان لا يعلم بأنّ هذه الصلاة التي بيده عصرا واقعيّا لاحتمال أن لا تكون إلى القبلة، إلّا أنّ هذا الجهل، لأجل الجهل بالقبلة لا الجهل بالترتيب، و هذا بخلاف ما إذا صلّى الظهر و العصر معا إلى جهة واحدة، فإنّه كما يكون جاهلا بأنّ صلاته العصري واقعة إلى القبلة كذلك يكون جاهلا بفراغ ذمّته عن الظهر، ففي الفرض يكون جاهلا بكلّ من القبلة و الترتيب معا، و بناء على أن يكون الامتثال التفصيلي مقدّما على الامتثال الإجمالي يجب عليه رفع جهله بالنسبة إلى الترتيب، لأنّه يتمكّن من ذلك بتأخير محتملات العصر عن محتملات الظهر مع الإمكان، و إن لم يتمكّن رفع جهله بالنسبة إلى القبلة و لا ملازمة بينهما، فما نحن فيه نظير ما إذا كانت القبلة و اللّباس كلاهما مشتبهين، و يمكنه رفع اشتباهه بالنسبة إلى اللّباس و امتياز الطاهر منه عن النجس، و لا يمكنه رفع اشتباهه بالنسبة إلى القبلة، فهل يمكن أن يتوهّم أحد بناء على تقدّم الامتثال التفصيلي على الإجمالي أنّه لا يلزم عليه رفع اشتباهه بالنسبة إلى اللّباس لكونه مشتبه القبلة و يصلّي في كلّ واحد من الثوبين إلى أربع جهات؟

فإن قلت: فرق بين ما نحن فيه و المثال، فإنّ في المثال عند عدم رفع اشتباهه عن اللّباس يلزم زيادة في المحتملات و لزوم تعدّد الصلاة في كلّ واحد من الثوبين إلى كلّ واحدة من الجهات الأربع، و هذا بخلاف ما نحن فيه، فإنّه سواء صلّى الظهر و العصر معا إلى جهة أو عقّب محتملات العصر عن محتملات الظهر لا يلزم زيادة في المحتملات، و لا يلزمه أكثر من صلاة الظهر أربع إلى أربع جهات و كذلك العصر، و من المعلوم أنّ تقدّم الامتثال التفصيلي على الإجمالي- على القول به- إنّما هو فيما إذا استلزم من الامتثال الإجمالي التكرار، و عند استلزام التكرار

يكون الامتثال التفصيلي في عرض الامتثال الإجمالي كما ثبت في محلّه.

قلت: ليس التكرار بنفسه محذورا، بل إنّما منع من التكرار لأنّه امتثال إجمالي و هو متأخّر رتبة عن الامتثال التفصيلي، و هذا المحذور بعينه يأتي فيما نحن فيه و إن لم يلزم منه زيادة في المحتملات، و الحاصل: أنّ تأخّر رتبة الامتثال الإجمالي عن التفصيلي أوجب لمنع التكرار، لا أنّ لمنع التكرار أوجب تأخّر رتبة الامتثال الإجمالي عن التفصيلي.

إذا عرفت ما ذكرنا من ابتناء المسألة على تلك المسألة فاعلم أنّ شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- حيث اختار في تلك المسألة تأخّر رتبة الامتثال الإجمالي عن التفصيلي- كما ذكرنا وجه ذلك في حجّية القطع مفصّلا- فذهب في هذه المسألة إلى لزوم تأخّر محتملات العصر عن محتملات الظهر، و كذا الكلام فيما كان من هذا القبيل كموارد الجمع بين القصر و الإتمام و أمثال ذلك، فتأمّل جيّدا.

الأمر الثالث: لو ضاق الوقت عن استيفاء جميع محتملات الظهر و العصر

كما إذا لم يسع الوقت إلّا لسبع صلوات، فهل يدخل النقص على الظهر أو على العصر أو يتخيّر؟ وجوه:

أمّا الوجه الأول فهو تخيّل شمول أدلّة الاختصاص لما نحن فيه، بدعوى أنّ مقدار أربع صلوات من آخر الوقت مختصّ بالعصر، لأنّ مقدّمات العلمية كمقدّمات الصحّة مشمولة لأدلّة الاختصاص. و لكن قد تقدّم سابقا أنّ مقدّمات الصحّة غير داخلة في أدلّة الاختصاص فكيف بالمقدّمات العلمية، فالوجه الأول ضعيف جدّا.

و أمّا وجه التخيير فهو تخيّل أنّ ما نحن فيه إنّما يكون من باب التزاحم، فإنّ التكليف بالظهر و العصر معا فعليّ و إنّما المتأخّر هو زمان الامتثال، و حيث لم يكن في البين أهمّ و مهمّ فاللازم هو التخيير على قواعد باب التزاحم. و هذا

التخيّل أيضا فاسد، فإنّ ما نحن فيه و إن كان من باب التزاحم إلّا أنّه حيث كان فعل العصر مشروطا شرعا بفعل الظهر لأدلّة الترتيب فاللّازم هو استيفاء محتملات الظهر، لأنّ فعل الظهر غير مشروط بشرط فما نحن فيه نظير ما إذا عجز عن القيام في ركعة من ركعات الصلاة، و دار الأمر بين ترك القيام في الركعة الأولى أو في الركعة الثانية، فإنّه كما يجب القيام في الركعة الأولى لقدرته فعلا عليه و القعود في الركعة الثانية لعجزه عنه، و لا يمكنه العكس إذ لا موجب للقعود في الركعة الاولى مع كونه قادرا على القيام فيها، فكذلك فيما نحن فيه يجب فعل الظهر إلى أربع جهات لقدرته على تحصيل القبلة فيها، و يدخل النقص على العصر لعجزه عنها عند فعلها.

بل ما نحن فيه أولى من المثال، لأنّ ترتّب الركعة الثانية على الاولى ليس بشرعي بل هو أمر تكويني، و هذا بخلاف ترتّب العصر على الظهر فإنّه أمر شرعي، و صحّة العصر مشروطة شرعا بفعل الظهر.

و حاصل الكلام: أنّه قد تحرّر في باب التزاحم أنّه كلّ أمرين مترتّبين إذا وقع التزاحم بينهما يجب صرف القدرة على الأول منهما، لعدم اشتراط الأول بشرط غير القدرة و هي حاصلة بالفرض، بخلاف الثاني فإنّه مشروط بكونه عقيب الأول سواء كان شرط الوجوب أو شرط الواجب، فلا بدّ من ملاحظة القدرة حين تحقّق شرطه و المفروض أنّه لا قدرة له في ذلك الحين.

نعم لو كان المتأخّر أهمّ في نظر الشارع، كالقيام الركني في المثال المتقدّم لكان اللّازم صرف قدرته إلى المتأخّر، لأنّ الأهمية موجبة لتولّد خطاب احفظ قدرتك إلى الأهم، فتأمّل فإنّ المقام لا يسع أكثر من ذلك و تفصيله موكول إلى محلّه.

فظهر أنّ الأقوى من الوجوه هو الوسط.

الأمر الرابع: لو ضاق الوقت إلّا عن ثلاث أو اثنتان

، فهل يجب فعلها أو يقتصر على واحدة منها إلى أيّ جهة شاء؟ ربّما يتوهّم أنّه لا يجب عليه فعل ما تمكّن من الجهات بعد عدم إمكان الأربع، لأنّ المفروض عدم التمكن من الصلاة إلى القبلة أو ما بحكمها من استقبال ربع الفلك، فتخرج الجهات الباقية عن كونها مقدّمة علمية، نعم لمّا كانت الصلاة لا تسقط بحال يجب عليه صلاة واحدة إلى أي جهة شاء، هذا.

و لكن لا يخفى عليك ضعفه، لأنّ سقوط بعض المقدّمات العلمية لا يوجب سقوط الباقي، فهو كما إذا اضطرّ إلى بعض أطراف الشبهة المحصورة، فكما أنّ الاضطرار إلى بعض الأطراف لا يوجب جواز فعل الباقي في الشبهة التحريمية و ترك الباقي في الشبهة الوجوبية- كما بيّن في محلّه- فكذلك فيما نحن فيه.

فإن قلت: نعم الأمر و إن كان كذلك و أنّ مقتضى القاعدة عند سقوط بعض المقدّمة العقلية عدم سقوط الباقي، إلّا أنّ في المقام حيث ورد الدليل على أنّ المتحيّر يكفيه الصلاة إلى أي جهة شاء، غاية الأمر أنّه رفعنا اليد عنه في صورة التمكّن من الأربع لرواية (1)خداش، فيبقى باقي الصور داخل تحت ذلك الدليل، فلا وجه حينئذ لإيجاب الثلاث أو الاثنان عليه.

قلت: لا وجه لهذا الإشكال بعد ملاحظة الأدلّة الواردة في المقام و ملاحظة الجمع بينهما، و تفصيل ذلك هو أنّه بعد ورود اعتبار كون الصلاة إلى القبلة و أنّه أينما كنتم فولّوا وجوهكم شطر المسجد الحرام، و بعد ورود أنّ ما بين المشرق و المغرب قبلة (2)، و بعد ورود (3)ان غير المتمكّن يصلّي إلى أربع جهات، لا بدّ من


1) الوسائل: ج 3 ص 226 باب 8 من أبواب القبلة، ح 5.

2) الوسائل: ج 3 ص 287 باب 2 من أبواب القبلة، ح 9.

3) الوسائل: ج 3 ص 225 باب 8 من أبواب القبلة.

ملاحظة ما يتحصّل منها، فنقول:

إنّ مقتضى القاعدة الأولية هو أنّه عند المتمكّن من معرفة القبلة يجب الصلاة إليها، بمقتضى قوله تعالى فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ (1)، و قوله عليه السّلام في موثّق عمّار- بعد السؤال عن رجل صلّى على غير القبلة فيعلم و هو في الصلاة قبل أن يفرغ من صلاته- قال عليه السّلام: إن كان متوجّها فيما بين المغرب و المشرق فليحوّل وجهه إلى القبلة ساعة يعلم (2)، الخبر. فإنّ الظاهر منه أنّه لو علم جهة القبلة فاللّازم عليه هو الصلاة نحوها و لا يكفيه غيرها.

ثمّ إنّه قد ورد أيضا أنّ ما بين المغرب و المشرق قبلة كما في رواية زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قال: لا صلاة إلّا إلى القبلة، قال: قلت: اين حدّ القبلة؟

قال ما بين المشرق و المغرب قبلة كلّه (3). و هذه الرواية و إن حملناها سابقا على ما إذا تبيّن له بعد الصلاة- كما في عدّة من روايات أخر- إلّا أنّه لا داعي إلى هذا الحمل بعد عموم اللّفظ و شموله إلى ما قبل الصلاة.

و طريق الجمع بين هذه الرواية و ما دلّ من وجوب استقبال عين الكعبة هو أنّ استقبال العين إنّما هو للمتمكّن من معرفتها، بداهة أنّ التكليف بالتوجّه نحوها إنّما هو فرع الإمكان فهو مخصوص قهرا بالمتمكّن، و أمّا قوله عليه السّلام «ما بين المشرق و المغرب قبلة كلّه» فلا بدّ من حمله بما إذا لم يتمكّن من معرفة القبلة، كما ربّما يشعر به قوله في السؤال «أين حدّ القبلة» أي أين حدّ القبلة التي يجزي الصلاة إليها في الجملة أي في صورة عدم التمكن من استقبال العين، فقال عليه السّلام «ما بين المشرق و المغرب قبلة» أي مع عدم معرفة القبلة يجزيه الصلاة إلى ما بين


1) البقرة: 144.

2) الوسائل: ج 3 ص 229 باب 10 من أبواب القبلة، ح 4.

3) الوسائل: ج 3 ص 217 باب 2 من أبواب القبلة، ح 9، و فيه اختلاف يسير.

المشرق و المغرب، فلو علم جهة المشرق و المغرب فهو، و إن لم يعلم جهتيهما فلا بدّ من إحراز كون صلاته واقعة بينهما، و ذلك إنّما يكون بالصلاة إلى ثلاث جهات على نحو التثليث، فإنّه حينئذ يجوز كون صلاته واقعة بينهما و لا يكفيه الصلاة إلى ثلاث جهات على نحو التربيع، لعدم إحراز البينونية حينئذ كما لا يخفى.

ثمّ إنّه لو خلّينا و أنفسنا لكان اللازم عند التحيّر و عدم معرفة القبلة هو الاكتفاء بثلاث صلاة على جهة التثليث، و لكن بعد ورود الدليل على أنّه يصلّي إلى أربع جهات فلا بدّ مع التمكّن من الأربع من الصلاة إلى أربع، و يبقى صورة عدم التمكّن من الأربع و التمكّن من الثلاث تحت إطلاق قوله «ما بين المشرق و المغرب قبلة» فلا بدّ من الصلاة إلى ثلاث جهات على جهة التثليث لإحراز البينونية، و لا يجوز الاكتفاء بواحدة.

نعم يبقى في المقام صورة ما إذا لم يتمكّن إلّا من صلاتين، فإنه خارج عن تحت دليل الأربع و خارج عن «ما بين المغرب و المشرق» فيمكن أن يقال حينئذ بالاكتفاء بصلاة واحدة، لإطلاق قوله عليه السّلام «صلّى إلى أيّ جهة شاء» (1)و لكن مع ذلك يمكن أن يقال: إنّه بعد خروج المتمكّن من الأربع و الثلاث من ذلك الإطلاق فيصير إطلاقه موهونا و يكون المتيقّن منه هو ما إذا لم يتمكّن إلّا من جهة واحدة، و يبقى المتمكّن من الاثنين باقيا على حكمه الأصلي من وجوب الإتيان بالمقدّمات العلمية مهما أمكن.

هذا حاصل ما أفاده شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- في هذا المقام، و لكن بعد للنظر فيه مجال، فتأمّل.

الأمر الخامس: أنّه لا إشكال في عدم الإعادة و القضاء على من صلّى أربع

ثمّ


1) تهذيب الاحكام. ج 2 ص 45 باب 5 من أبواب القبلة، ح 143 نقلا بالمضمون.

تبيّن الخلاف و أنّ القبلة لم تكن على نفس الجهة التي صلّى نحوها بل كانت بيمينها و يسارها، لأنّه مضافا إلى أنّ الحكم بالصلاة إلى الأربع و سقوط الزائد لم يكن من قبيل الحكم الظاهري الذي يمكن انكشاف الخلاف فيه، بل هو حكم واقعي جعل للمتحيّر، فقبلة المتحيّر في الحقيقة في هذا الحال هي ربع الفلك، أنّ صلاته تكون حينئذ فيما بين المغرب و المشرق، و قد ورد النصّ على أنّ الصلاة لو وقعت بينهما لا إعادة و لا قضاء (1).

و منه يعلم أيضا الحكم فيما إذا لو صلّى إلى ثلاث جهات فيما إذا كان تكليفه ذلك و أنّه لا إعادة عليه و لا قضاء، لان ما بين المغرب و المشرق قبلة له في هذا الحال حقيقة.

و أمّا لو صلّى إلى جهة واحدة فيما كان تكليفه ذلك فربّما يتوهّم وجوب الإعادة و القضاء لو كان مستدبرا، و وجوب الإعادة فقط لو كان إلى جهة المشرق و المغرب، و عدم وجوب شي‌ء لو كان بينهما إلى جهة القبلة، لما سيمرّ عليك من الأخبار الدالّة على ذلك. و لكن يدفعه أنّ تلك الأخبار مقصورة بمن أحرز جهة القبلة فتبيّن الخطأ، لا من لم يحرز القبلة لعدم معرفتها و كان تكليفه الواقعي الصلاة إلى أيّ جهة شاء كما فيما نحن فيه. فالأقوى عدم الإعادة و القضاء عليه أيضا، و إن أشكل شيخنا الأستاذ بالنسبة إلى الإعادة.

نعم يبقى صورة واحدة و هو ما إذا صلّى إلى جهتين فيما كان تكليفه ذلك، فإنّه خارج عمّا بين المغرب و المشرق و خارج عن إطلاق الصلاة إلى أيّ جهة شاء، فمقتضى القاعدة في صورة انكشاف الخلاف أن يكون عليه الإعادة و القضاء، و إن كان بعيدا من المذاق حيث إنه من صلّى إلى جهة واحدة لا يكون


1) الوسائل: ج 3 ص 229 باب 10 من أبواب القبلة، ح 5 نقلا بالمضمون.

عليه إعادة و لا قضاء و من صلّى إلى جهتين يكون عليه الإعادة و القضاء، فتأمّل.

الأمر السادس: لا فرق في عدم التمكّن فيما ذكر له من الأحكام بين أن يكون ذلك لضيق الوقت أو لأمر آخر

، لإطلاق الدليل.

الأمر السابع: لو حصل له الظنّ إلى أنّ القبلة في أحد هاتين الجهتين

فهل يلحق هذا الظنّ بالظنّ إلى القبلة في الاعتبار بحيث لا يجب عليه الصلاة إلى أربع، أو لا يلحق بذلك بل يجب عليه الصلاة إلى أربع؟

ربّما يتوهّم ابتناء المسألة على أنّ اعتبار الظنّ بالقبلة هل يلازم اعتبار الظنّ بالنفي و أنّ القبلة لم تكن في هذه الجهة أو لا يلازم، فإن قلنا بالملازمة فلا يجب عليه الصلاة إلى أربع، لأنّ الظنّ بكون القبلة في أحد هاتين الجهتين يلازم الظنّ بعدم القبلة في الجهتين الباقيتين، و المفروض اعتبار الظنّ بالنفي كالإثبات، فلا تجب الصلاة إليهما. و إن لم نقل بالملازمة فتجب، لأنّ الظنّ بعدم القبلة في الجهتين وجوده كعدمه، هذا و لكن لا يخفى عليك عدم ابتناء المسألة على ذلك، فإنّه و إن قلنا بالملازمة بين اعتبار الظنّ بالإثبات و بين اعتباره بالنفي لكنّ هذه الملازمة إنّما هي فيما إذا كان الظنّ بالإثبات معتبرا، و الظنّ في كون القبلة في أحد هاتين الجهتين لم يقم دليل على اعتباره، لخروجه عن موضوع الأخبار التي [دلّت] (1)على اعتبار الظنّ بالقبلة، فإنها ظاهرة في الظنّ في جهة خاصّة لا مردّد بين جهتين، كما هو الظاهر من قوله عليه السّلام «فتحرّى و تعمّد القبلة جهدك» (2)فإذا لم يكن مثل هذا الظنّ معتبرا فكيف يقال باعتبار الظنّ بالنفي؟ فلا بدّ له حينئذ من الصلاة إلى أربع مع الإمكان، فتأمّل، جيّدا.


1) ما بين المعقوفتين لم توجد في النسخة و أثبتناه لاقتضاء السياق.

2) الوسائل: ج 3 ص 223 باب 6 من أبواب القبلة.

هذا تمام الكلام في أحكام الجاهل بالقبلة و المتحيّر بها.

المبحث الثالث
اشارة

لا يجوز صلاة الفريضة على الراحلة اختيارا إلّا مع الضرورة، اعلم أنّ هنا مسائل ينبغي التعرّض لها.

الأولى: الصلاة على الراحلة و ما يجري مجراها من المحمل و الأرجوحة و القجاوة و ما شابهها. و الإشكال فيها من جهتين، من جهة الاستقبال و من جهة الاستقرار.

و المعروف الذي عليه المعظم أنّه لا يجوز أن يصلّي الفريضة على الراحلة إلّا لضرورة، و أمّا النافلة فيجوز مطلقا و لو اختيارا. و هذا لا إشكال فيه في الجملة، لدلالة جملة من الأخبار عليه كما سيمرّ عليك بعضها.

إنّما الإشكال فيما إذا طرأ على الفرض النفل كالصلاة المعادة، أو طرأ على النفل الفرض كما لو نذر النافلة، فهل العبرة على الأصل في كلّ من الطرفين بأن يلاحظ في المعادة و ما شابهها حكم الفريضة و يلاحظ في المنذورة حكم النافلة، أو أنّ العبرة على الوصف الطارئ أيضا في كلّ من الطرفين، أو يفصّل بين نقل عرض له الفرض فيلحقه أحكام الفرض و بين فرض عرض له النفل كالمعادة فيلحقه حكم النفل؟

ثمّ إنّ هذه الوجوه ليست في خصوص مسألة القبلة و الاستقرار، بل هي جارية في جميع ما يختصّ به النافلة من الأحكام، كعدم بطلان الشكّ في الثنائية منها، و جواز البناء على الأكثر و الأقل، و غير ذلك من الأحكام المختصّة بالنافلة.

و على أيّ حال قيل: إنّ العبرة إنّما هي حكم الأصل و لا يلتفت إلى العارض، سواء كان الأصل نفلا طرأ عليه الفرض كالمنذورة أو فرضا طرأ عليه النفل

كالمعادة، ففي الأول يجوز صلاتها على الراحلة اختيارا و لا يبطلها الشكّ، و في الثاني لا يجوز صلاتها على الراحلة و يبطلها الشكّ لو كانت ثنائية أو ثلاثية.

و قد استدلّ على ذلك بالاستصحاب في كلّ من الفرضين، ففي الأول استصحاب حكم النافلة إلى ما بعد النذر، و في الثاني استصحاب أحكام الفريضة إلى ما بعد صيرورتها نافلة، هذا.

و لكنّ الإنصاف أنّه لا موقع للتمسّك بالاستصحاب في كلّ من الطرفين، للشكّ في الموضوع إن لم نقل بتبدّله قطعا.

و بيان ذلك: هو أنّ الوصف العنواني الذي يؤخذ في موضوع دليل الحكم.

تارة:- بمناسبة الحكم و الموضوع- يكون المتفاهم منه عرفا أنّ للوصف العنواني دخلا في موضوع الحكم حدوثا و بقاء، كما في قوله: أعط الزكاة الفقير فإنّ العرف يرى بمناسبة الحكم و الموضوع أنّ لوصف الفقر دخلا في الحكم بإعطاء الزكاة، فلو زال الفقر يكون من باب زوال الموضوع، و كذلك قوله: قلّد المجتهد العادل و أمثال ذلك ممّا يكون للوصف في نظر العرف دخلا في الحكم.

و اخرى لا يرى العرف للوصف العنواني دخلا في الموضوع بحسب مرتكزاته و ما يراه من مناسبة الحكم و الموضوع، بل يرى الوصف معرّفا و من قبيل العلّة للحكم لا أنّه جزء موضوع له، كقوله: الماء المتغيّر نجس، فإنّ العرف يفهم أنّ معروض النجاسة إنّما هو جسم الماء لا وصف التغيّر، و إنّما أخذ التغيّر علّة لعروض هذا الحكم على نفس الماء، و من هنا يرى النجاسة باقية ببقاء الماء و إن زال التغيّر، بحيث لو فرض حكم الشارع بالطهارة عند زواله يرى من باب ارتفاع الحكم عن موضوعه مع بقائه لا ارتفاعه بارتفاعه.

و ثالثة يشكّ في أنّه من أيّ القبيلين هل للوصف العنواني دخل في الموضوع أو أنّه يكون معرّفا و علّة، و لا غرو في شكّ العرف في ذلك و تفصيله موكول إلى محلّه في

باب الاستصحاب.

ثمّ إنّه لا إشكال في عدم جريان الاستصحاب في القسم الأول، للقطع بارتفاع الموضوع. و كذلك لا إشكال في جريان الاستصحاب في القسم الثاني، للقطع ببقاء الموضوع، فلو شكّ أنّ التغيّر هل علّة الحدوث فقط حتّى تبقى النجاسة عند زواله، أو علّة للبقاء أيضا حتّى ترتفع بزواله، كان الاستصحاب هو المحكّم. و أمّا القسم الثالث فلا يجري فيه الاستصحاب أيضا، للشكّ في الموضوع مع أنّه يعتبر في باب الاستصحاب القطع ببقائه كما بيّن في محلّه.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ مثل جواز الصلاة على الراحلة مع فوت الاستقبال و الاستقرار، و مثل أنّ الشكّ في الثنائية لا يبطل، و مثل جواز البناء على الأقل و الأكثر، و غير ذلك من الأحكام المترتبة على النافلة، حيث إنّها كانت أحكاما تسهيلية و جعلها إنّما هو لأجل التوسعة فهي إنّما تناسب النافلة لأنّه يتسامح فيها ما لا يتسامح في الفريضة، فمن القريب جدّا أن يكون لوصف التنفّل دخل في موضوع هذه الأحكام، لأنّ مناسبة الحكم و الموضوع يقتضي أن تكون جعل مثل هذه الأحكام المبتنية على التسامح و التسهيل إنّما هو لأجل النافلة، لخلاف ما يقابلها من الأحكام من عدم جواز الصلاة على الراحلة، و بطلان الشكّ في الثنائية و الثلاثية، و لزوم البناء على الأكثر، و أمثال ذلك من الأحكام المبتنية على التضيق و عدم المسامحة، فإنّها تناسب وصف الفرض، فمن القريب أيضا جدّا أن يكون لوصف الفرض دخل في مثل هذه الأحكام.

و المنذورة حيث عرض لها وصف الفرض فتناسب أن يلحقها أحكام الفرض، فلو ادّعى أحد القطع بأنّ لوصفي الفرض و النفل دخلًا في موضوع هذه الأحكام لما كان مجازفا و كانت دعواه في محلّه، فيكون المقام من قبيل القسم الأول الذي يكون للوصف العنواني دخل في متعلّق الحكم مثل أعط الزكاة الفقير، ففي

مثل النفل الذي عرض له الفرض ممّا يقطع بارتفاع الموضوع فلا موقع للاستصحاب.

و إن أبيت عن ذلك فلا أقل من الشكّ، فيكون من القسم الثالث الذي يشكّ في الموضوع فلا يجري الاستصحاب فيه أيضا، و المنع عن الشكّ في مدخلية وصفي الفرض و النفل في الأحكام يكون خلاف الإنصاف، فالأقوى أنّه لا موقع للاستصحاب في كلّ من الطرفين.

ثمّ إنّه إن قام دليل بالخصوص على تسرية حكم النقل إلى بعد عروض الفرض و بالعكس فهو، و إلّا كان المتّبع إلى الإطلاقات و العمومات الدالّة على اعتبار الشرائط من القبلة و الاستقرار، و عموم البناء على الأكثر عند الشكّ في الرباعية، و بطلان الشكّ في الثنائية، و القدر الثابت من التخصيص هو ما كان نفلا بالفعل، لأنّ المقام يكون من إجمال المخصّص الذي يدور أمره بين الأقل و الأكثر، فلا مانع من الرجوع إلى العمومات، فتأمّل جيّدا. هذا في النفل الذي طرأ عليه الفرض.

و أمّا الفرض الذي طرأ عليه النفل كالمعادة احتياطا و جماعة فالأقوى فيه أيضا مراعاة حكم الفرض.

أمّا الصلاة المعادة احتياطا فأصل نفليّتها شرعا مشكل، بل إنّما هو لأجل حكم العقل بحسن الاحتياط من جهة احتمال الخلل، و على فرض أن يكون الإعادة مستحبّا شرعا فاستحبابه إنّما هو لأجل جبر الخلل المحتمل وقوعه في الصلاة، فلا بدّ من أن تكون المعادة واجدة لجميع الشرائط حتّى تقوم الصلاة المعادة مقام الأصل على تقدير وقوع الخلل فيها.

و أما الصلاة المعادة جماعة فهي و إن كانت مستحبّة شرعا إلّا أنّ قوله

عليه السّلام «ليختار اللّٰه أحبّهما إليه» (1)يدلّ على أنّها تكون من باب الامتثال عقيب الامتثال، فلا بدّ أن تكون أيضا واجدة لجميع الشرائط حتّى يمكن أن تكون أحبّهما إليه.

نعم يبقى الإشكال في صلاة العيدين و الجمعة في زمان الغيبة، و أنّه هل يجري عليها أحكام الفرض أو أحكام النقل؟ و لعلّه يأتي تحقيقه إن شاء اللّٰه عند التعرّض لها.

ثمّ لا يخفى عليك أنّ ما اخترناه من جريان أحكام الفرض على النافلة المنذورة إنّما هو في غير حكم الجماعة، و أمّا بالنسبة إلى حكم الجماعة بحيث يجوز له أن يصلّي الصلاة النافلة المنذورة جماعة، كسائر الفرائض التي تشرع فيها الجماعة دون النوافل، فأمره مشكل. و إن كان يظهر من عبارة الشهيد (2)، رحمه اللّٰه- الإجماع على جواز ذلك، حيث حكي عنه: أنّ جميع أحكام الفريضة تجري على المنذورة حتّى بالنسبة إلى الجماعة عندنا. فإنّ الظاهر من قوله «عندنا» هو دعوى الإجماع على ذلك، و إن كان في الظهور ما لا يخفى.

و على كلّ حال فالمتيقّن إنّما هو تسرية أحكام الفرض على المنذورة سوى الجماعة إلّا أن يقوم دليل على خلافه، هذا ما يقتضيه القاعدة.

و لكن في خصوص المقام وردت رواية على جواز الصلاة المنذورة على الراحلة، و هي رواية علي بن جعفر: سألته عن رجل جعل للّٰه عليه أن يصلّي كذا و كذا، هل يجزيه أن يصلّي ذلك على دابّته و هو مسافر؟ قال عليه السّلام نعم (3)


1) الوسائل: ج 5 ص 457 باب 54 من أبواب صلاة الجماعة، ح 10.

2) ذكري الشيعة: ص 265 س 16.

3) الوسائل: ج 3 ص 238 باب 14 من أبواب القبلة، ح 6.

و النسبة بين هذه الرواية و ما دلّ (1)على عدم جواز الفريضة على الراحلة إلّا لضرورة إنّما بالعموم من وجه، لأنّ هذه و إن كانت ظاهرة في خصوص النافلة كما لا يخفى وجهه إلّا أنّها أعمّ من حيث الضرورة و عدمها، و تلك الروايات و إن كانت في خصوص الفريضة إلّا أنّها أعمّ من حيث كونها منذورة أو غيرها، فلا بدّ من رفع اليد عن عموم أحدهما، إمّا بتخصيص الفريضة بغير المنذورة، و إمّا بتخصيص المنذورة بصورة الضرورة.

و دعوى أظهرية رواية علي بن جعفر، لانصراف الفريضة في أخبار المنع إلى الفرائض الأصلية فلا تشمل المنذورة خالية عن الشاهد، لعدم الانصراف على وجه يوجب صرف اللّفظ عن ظاهره، بل إنّما هو من الانصرافات البدوية التي لا عبرة بها، فالإنصاف أنّ الفريضة في أخبار المنع ظاهرة في الأعمّ من المنذورة و الفرائض الأصلية، كما أنّ ما دلّ على جواز فعل المنذورة على الراحلة ظاهر في الأعمّ من الضرورة و غيرها.

بل ربّما يدّعى أنّ رواية علي بن جعفر أظهر، لأنّ الظاهر من السؤال أنّ المنذورة هل هي كالفرائض لا يجوز أن يصلّيها على الراحلة أو أنّها كالنافلة يجوز، فكأنّه كان المرتكز في ذهن السائل أنّ حكم النافلة هو جواز صلاتها اختيارا على الراحلة، و كان جهة السؤال في أنّ النذر يوجب تغيير الحكم أو لا يوجب، فقوله عليه السّلام «نعم» بمنزلة قوله إنّ النذر لا يوجب تغيير الحكم و بعد يجوز صلاتها اختيارا على الراحلة، فتأمّل فإنّ هذا أيضا كدعوى الانصراف في تلك الأخبار لا يخلو عن مناقشة، فالأظهرية في البين في كلّ من الطرفين لم يكن، و عليه لا بدّ من رفع اليد عن ظهور أحدهما، هذا. و لكن بعد لم يعلم عمل الأصحاب على


1) الوسائل: ج 3 ص 236 باب 14 من أبواب القبلة.

رواية علي بن جعفر عليه السّلام، فالقول بأنّه لا يجوز صلاة المنذورة على الراحلة اختيارا لا يخلو عن قوّة.

ثمّ إنّ هنا مقامين للتكلّم (الأول) في جواز الصلاة على الراحلة مع فوات بعض الشرائط و الأفعال من القبلة و الركوع و الاستقرار و أمثال ذلك. (الثاني) جواز الصلاة على الراحلة مع عدم فوات شي‌ء من الشرائط و الأجزاء.

أمّا المقام الأول:

فالمعروف بين الأصحاب عدم جواز الفريضة على الراحلة اختيارا و جوازه عند الضرورة، و أمّا النافلة فيجوز مطلقا، و يدلّ عليه عدّة من الأخبار، كصحيح عبد الرحمن عن الصادق عليه السّلام: لا يصلّي على الدابّة الفريضة إلّا مريض يستقبل القبلة، و تجزيه فاتحة الكتاب، و يضع بوجهه في الفريضة على ما أمكنه من شي‌ء، و يومئ في النافلة إيماء (1). و في موثّق عبد اللّٰه بن سنان قلت: لأبي عبد اللّٰه عليه السّلام: أ يصلّي الرجل شيئا من المفروض راكبا؟ قال: لا، إلّا من ضرورة (2).

و في بعض الروايات (3)تقييد الضرورة بالشدّة، و معلوم أنّه ليس المراد من الشدّة البالغة حدّ القدرة، بل المراد منها ما يعسر معه النزول و الركوب.

و ينبغي ان يعلم أنّه في مورد جاز الصلاة على الراحلة لا بدّ من ملاحظة الشرائط و الأفعال مهما أمكن، لأنّ الضرورات تتقدّر بقدرها، فيستقبل القبلة و لو بالتكبيرة مع عدم التمكّن من غيرها، و يراعي سائر الشرائط بقدر القدرة، و لا يعتبر


1) الوسائل: ج 3 ص 236 باب 14 من أبواب القبلة، ح 1، و فيه اختلاف يسير.

2) الوسائل: ج 3 ص 237 باب 14 من أبواب القبلة، ح 4.

3) الوسائل: ج 3 ص 236 باب 14 من أبواب القبلة، ح 5 و 11.

أن يصبر إلى ضيق الوقت كما يظهر من الشرائع (1)، بل يجوز له البدار لكن بشرط اليأس عن زوال العذر، كما هو الشأن في جميع دوي الأعذار، على ما يأتي بيانه إن شاء اللّٰه في محلّه.

و حكم الصلاة على الراحلة [حكم] (2)الصلاة ماشيا فيجوز عند الضرورة دون الاختيار، و ادّعي على ذلك الإجماع، و الظاهر أنّه لو دار الأمر بين الصلاة راكبا و بين الصلاة ماشيا فالحكم فيه التخيير، لأنّ في كلّ منهما جهة لم تكن في الآخر، فإنّ في الركوب تفويتا للقيام مع استقرار المصلّي بنفسه و إن كانت دابّته متحرّكة، و في المشي تفويت استقرار المصلّي مع ثبوت القيام له، و لم يعلم أهمية أحد الجهتين، فلا محيص عن التخيير كما هو الشأن في كلّ متزاحمين لم يكن أحدهما أهمّ.

و ربّما يستدلّ على التخيير بقوله تعالى فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجٰالًا أَوْ رُكْبٰاناً (3). و في الاستدلال ما لا يخفى، لأنّ المراد من رجالا أو ركبانا هو الحال المتلبس به المكلّفين، فيصير المعنى إن خفتم العدوّ فصلّوا سواء كنتم راكبين أو راجلين، و أين هذا من التخيير؟ هذا.

و لكن يمكن أن يقال بتقديم المشي لأهمية القيام خصوصا الركني منه، فتأمّل.

المقام الثاني:

في جواز الصلاة على الراحلة مع عدم فوات شي‌ء من الشرائط و الأجزاء، كما إذا كانت الدابّة معقولة و كان في كجاوة أو سرير يمكنه استيفاء الركوع و السجود


1) شرائع الإسلام: ج 1 ص 66 في القبلة.

2) ما بين المعقوفتين لم توجد في النسخة و أثبتناه لاقتضاء السياق.

3) البقرة: الآية 239.

و غير ذلك من الشرائط و الأجزاء. و في جواز الصلاة كذلك إشكال، فإنّ الظاهر من قوله عليه السّلام «لا يصلّي على الدابّة الفريضة إلّا المريض .. إلخ» هو عدم جواز الصلاة على الدابّة مطلقا سواء كانت واقفة أو سائرة، فيكون نفس الكون على الدابّة مانعا عن الصلاة عليها كمانعية غير المأكول عن الصلاة فيه.

و كون المنع عن الصلاة على الدابّة إنّما هو لأجل أنّ الغالب عدم إمكان استيفاء جميع الافعال عليها فيكون الحكم واردا مورد الغالب- كما في الجواهر- (1)ممّا لا يمكن المساعدة عليه، لأنّ النفي في قوله عليه السّلام «لا يصلّي .. إلخ» لم يرد إلّا لبيان مانعية الدابّة عن الصلاة عليها، و ليس له نظر إلى حيثية الأجزاء و الشرائط و أنّه مطلق بالنسبة إلى إمكان استيفائها و عدمه، حتّى يمنع إطلاقه بالنسبة إلى ذلك بدعوى أنّ الغالب عدم إمكان الاستيفاء فالحكم وارد مورد الغالب، لما عرفت من أنّ قوله عليه السّلام «لا يصلّي على الدابة» كقوله «لا يصلّي في الحرير» ظاهر في شرطية عدم الدابّة و أنّه وارد لمجرّد بيان ذلك، فليس النفي متعرّضا لحال الأفعال حتّى يبحث عن إطلاقه بالنسبة إلى ذلك و عدم إطلاقه.

نعم بالنسبة إلى مانعية الدابّة يكون مطلقا من حيث كونها واقفة أو سائرة، غاية الأمر أنّا نقطع بأنّ الدابّة من حيث كونها دابّة ليس لها خصوصية تمنع عن الصلاة عليها، و إنّما المانع هو عدم القرار الذي نسب إلى المشهور اعتباره في الصلاة زائدا على الاستقرار، و المراد من القرار هو أن يكون المصلّي مستقرّا على الأرض و لو بواسطة أو ما بحكمها كالماء على ما سيأتي من جواز الصلاة في السفينة.

و تنقيح البحث في المقام يستدعي بسطا في الكلام فنقول: إنّ المصلّي تارة


1) جواهر الكلام: ج 7 ص 420.

يكون مستقرّا في مكان بحيث لم يكن له حركة عينية خارجية و إن كان له حركة تبعية عرضية، كجالس السفينة في الأنهار الصغار التي لم يكن لها تموّج و اضطراب لسكون الماء.

و اخرى لا يكون مستقرّا في مكان بل متحرّكا بحركة عينية خارجية و لو كان بتبع حركة الغير، كالراكب على الدابّة في حال سيرها، و كالراكب في الشمندفر و إن كان حركته دون حركة الدابّة إلّا أنّه مع ذلك له حركة حسّية خارجية.

و ثالثة لا يكون مستقرّا في مكان و لم يكن له حركة أيضا، كراكب الدابّة الواقفة سواء كان في محمل أو سرير أو غيره، و هذا أيضا يمكن على نحوين، فإنّ الدابّة تارة تكون معقولة بحيث يؤمن من حركتها، و اخرى لا تكون معقولة و تكون في معرض الحركة، و قس على الدابّة غيرها ممّا يكون معلّقا في الهواء.

فهذه مجمل أقسام المصلّي باعتبار حالاته من حيث المكان و الاستقرار.

و أمّا حكمها فالقسم الأول ممّا لا شبهة في صحّة صلاته، على خلاف في السفينة يأتي بيانه إن شاء اللّٰه و كذا لا شبهة في عدم صحّة الصلاة في القسم الثاني، لفوات القرار و الاستقرار معا فيه فهو المتيقّن من أخبار المانعة عن جواز الصلاة على الراحلة.

و أمّا القسم الثالث فهو بكلا قسميه يمكن أيضا دخوله في الأخبار المانعة، بناء على ما استظهرناه منها من أنّ المنع إنّما هو لبيان مانعية نفس الراحلة من جهة فوات القرار، و قد بنى شيخنا الأستاذ على ذلك. و لكنّ الإنصاف أنّ استظهار ذلك من الأخبار في غاية الإشكال، لإمكان دعوى أنّ المنع عن الصلاة على الراحلة إنّما هو لأجل فوات الاستقرار و غيره من الشرائط و الأجزاء كما هو الغالب.

و دعوى أنّ الحكم لم يرد لبيان ذلك لا تخلو عن إشكال، و على فرض التسليم و أنّ المنع إنّما يكون واردا لبيان مانعية نفس الدابّة فيمكن أن يقال: إنّ جهة

السؤال عن الصلاة على الراحلة إنّما هو من جهة حركتها و سيرها، فالحكم إنّما يكون منزّلا على حال حركتها و سيرها كما هو الغالب، فلا يشمل ما إذا كانت معقولة.

و بالجملة: القول ببطلان الصلاة على المحمل و السرير المحمول على الدابّة المعقولة المطمئنّ من حركتها، أو التخت المعلّق في الهواء بحيث لا يتحرّك في حال الصلاة لا يخلو عن تأمّل بل منع، للشكّ في دخوله في أخبار المنع، و الأصل فيه البراءة لرجوع الشكّ فيه إلى الشكّ في مانعية الراحلة عن الصلاة فيكون من باب الأقلّ و الأكثر الارتباطيين، و قد حرّر في محلّه أنّ الأصل فيه هو البراءة لا الاشتغال على الأقوى.

نعم يعتبر أن يكون المصلّي مطمئنّا بعدم حركة الدابّة في حال الصلاة حتّى يمكنه الجزم بالنية، إذ مع عدم الاطمئنان يكون حال الصلاة عليها كحال الصلاة في مواضع الزحام من حيث عدم تحقّق الجزم بالنية، و أصالة عدم طروّ المانع في الأثناء لا يوجب حصول الجزم بالنية كما لا يخفى.

و لا ينتقض بصلاة ذات العادة التي تحتمل طروّ الحيض في أثنائها. لأنّ القدر المتمكّن منها هو الصلاة باحتمال عدم طروّ الحيض فلا يمكنها الجزم بالنية، فلا بدّ لها من الامتثال الاحتمالي، لأنّ صبرها يوجب تأكّد احتمال طروّ المانع، و هذا بخلاف المقام لأنّ المفروض هو تمكّنه من الصلاة على الأرض، فهو متمكّن من الامتثال القطعي و عليه لا يجوز له الصلاة بالامتثال الاحتمالي، و سيأتي مزيد توضيح لذلك في باب النية إن شاء اللّٰه.

بقي الكلام في حكم الصلاة في السفينة في حال سيرها

، و لا بدّ أولا من ذكر بعض الأخبار الواردة في الباب ممّا ظاهره التعارض و التنافي.

فمنها: ما رواه الحلبي أنّه سأل أبا عبد اللّٰه عن الصلاة في السفينة، فقال

يستقبل القبلة و يصفّ رجليه، فإذا دارت و استطاع أن يتوجّه إلى القبلة و إلّا فليصلّ حيث توجّهت به، و إن أمكنه القيام فليصلّ قائما و إلّا فليقعد ثمّ يصلّي (1).

و منها: رواية جميل بن درّاج أنّه قال لأبي عبد اللّٰه عليه السّلام: تكون السفينة قريبة من الجدد فأخرج و أصلّي؟ قال: صلّ فيها أما ترضى بصلاة نوح عليه السّلام (2).

و في رواية يونس بن يعقوب أنّه سأل أبا عبد اللّٰه عن الصلاة في الفرات و ما هو أصغر منه من الأنهار في السفينة، فقال: إن صلّيت فحسن و إن خرجت فحسن (3). قال: و سأله عن الصلاة في السفينة و هي تأخذ شرقا و غربا فقال:

استقبل القبلة ثمّ كبّر ثمّ در مع السفينة حيث دارت (4).

و منها: رواية علي بن إبراهيم قال: سألته عن الصلاة في السفينة، قال:

يصلّي و هو جالس إذا لم يمكنه القيام في السفينة، و لا يصلّي في السفينة و هو يقدر على الشطّ (5).

و في رواية حمّاد بن عيسى قال: سمعت أبا عبد اللّٰه عليه السّلام يسأل عن الصلاة في السفينة، فيقول: إن استطعتم أن تخرجوا إلى الجدد فاخرجوا، فإن لم تقدروا فصلّوا قياما، فإن لم تستطيعوا فصلّوا قعودا، و تحرّوا القبلة (6).

و منها: ما في تفسير العيّاشي عن زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّٰه عليه السّلام:

الصلاة في السفر في السفينة و المحمل سواء؟ قال: النافلة كلّها سواء، تومئ إيماء


1) الوسائل: ج 3 ص 233 باب 13 من أبواب القبلة، ح 1.

2) الوسائل: ج 3 ص 233 باب 13 من أبواب القبلة، ح 3.

3) الوسائل: ج 3 ص 233 باب 13 من أبواب القبلة، ح 5.

4) الوسائل: ج 3 ص 234 باب 13 من أبواب القبلة، ح 6.

5) الوسائل: ج 3 ص 234 باب 13 من أبواب القبلة، ح 8.

6) الوسائل: ج 3 ص 235 باب 13 من أبواب القبلة، ح 14.

أينما توجّهت دابّتك و سفينتك، و الفريضة تنزل لها عن المحمل إلى الأرض إلّا من خوف فإن خفت أومأت، و أمّا السفينة فصلّ فيها قائما و توخّ القبلة بجهدك، فإنّ نوحا قد صلّى الفريضة فيها قائما متوجّها إلى القبلة و هي مطبقة عليهم، قال:

قلت: و ما كان علمه بالقبلة فيتوجّهها و هي مطبقة عليهم؟ قال: كان جبرئيل عليه السّلام يقوّمه نحوها، قال: قلت: فأتوجّه نحوها في كلّ تكبيرة؟ قال: أمّا في النافلة فلا، إنّما تكبّر على غير القبلة اللّٰه أكبر، ثمّ قال: كلّ ذلك قبلة للمتنفّل، أينما تولّوا فثمّ وجه اللّٰه (1).

فهذه جملة من الأخبار التي أردنا ذكرها، و هي- كما ترى- على طوائف:

منها ما يدلّ على كيفية الصلاة في السفينة من استقبال القبلة و صفّ الرجلين و القيام مع التمكّن، من دون أن يكون متعرّضا لأصل حكم الصلاة في السفينة من الجواز مطلقا في حالتي الاختيار و الاضطرار و هي رواية الحلبي (2)، فإنّ الظاهر من قوله «سأل عن الصلاة في السفينة» بقرينة الجواب هو أن يكون السؤال عن أصل الكيفية، فهو من جهة الجواز مطلقا مهمل غير ناظر إليه، فلو فرض أنّه ورد في عدم الجواز اختيارا و إنّما الجواز مختصّ بصورة الاضطرار لا يقع التعارض بينهما كما لا يخفى.

و منها: ما دلّ على جواز الصلاة في السفينة، و هو بإطلاقه يشمل صورتي الاختيار و الاضطرار، بل ظاهر في خصوص الاختيار كالرواية الثانية، فإنّ الظاهر من قوله «تكون السفينة قريبة من الجدد» هو عدم المشقّة في الخروج منها و عدم الاضطرار بالصلاة فيها، خصوصا مع قوله «فأخرج و أصلّي» فقوله


1) تفسير العياشي: ج 1 ص 56 ح 81.

2) الوسائل: ج 3 ص 233 باب 13 من أبواب القبلة، ح 1.

عليه السّلام في الجواب «صلّ فيها» في قوّة التصريح بجواز الصلاة فيها اختيارا.

و يقرب من ذلك في التصريح بالجواز في صورة الاختيار رواية يونس بن يعقوب حيث قال عليه السّلام: إن خرجت فحسن و إن صلّيت فحسن إذ في صورة الاضطرار لا يكون محلّ لقوله «و إن خرجت فحسن».

نعم السؤال مختصّ بالأنهار الصغار فلا يشمل السفينة في البحر المتلاطم، و أمّا قوله في تتمّة هذه الرواية قال: و سأله عن الصلاة في السفينة تأخذ شرقا و غربا، فلا يدلّ على جواز الصلاة في السفينة المضطربة اختيارا، لأنّ الظاهر منه بقرينة الجواب هو أن يكون السؤال عن كيفية الصلاة في السفينة المضطربة لا عن أصل الجواز، فلا ينافي اختصاصه بصورة الاضطرار كما لا يخفى.

و أمّا رواية على بن إبراهيم فالظاهر منها أيضا أن يكون السؤال عن كيفية الصلاة في السفينة بقرينة قوله عليه السّلام «يصلّي و هو جالس إذا لم يمكنه القيام» و أمّا قوله عليه السّلام في ذيل هذه الرواية «و لا يصلّي في السفينة و هو يقدر على الشطّ» فغير معارض لما دلّ من جواز الصلاة في السفينة اختيارا، لأنّ الظاهر من قوله عليه السّلام «و لا يصلّي في السفينة» هو أن يكون في صورة عدم التمكّن من استيفاء جميع أفعال الصلاة في السفينة، بقرينة قوله عليه السّلام في صدر الرواية «يصلّي و هو جالس إذا لم يمكنه القيام» فيختصّ المنع في هذه الصورة لا فيما إذا تمكّن من استيفاء جميع الأفعال حتّى الاستقرار فيما إذا لم تكن السفينة مضطربة.

نعم ربّما يدّعى ظهور رواية حمّاد بن عيسى في المنع عن الصلاة في السفينة في صورة الاختيار و التمكّن من الخروج، لأنّ الظاهر من قوله «إنّ استطعتم أن تخرجوا إلى الجدد فاخرجوا فإن لم تقدروا فصلّوا قياما» هو أنّه مع التمكّن من الصلاة في السفينة تامّة الأجزاء و الشرائط يجب عليه الخروج مع القدرة عليه، هذا.

و لكن لا ملازمة بين التمكّن من القيام و التمكّن من استيفاء سائر أفعال الصلاة، فيمكن أن يكون المنع لأجل فوات الاستقرار كما ربّما يدّعى أنّه الغالب أو فوات القبلة، فتأمّل جيّدا.

و منها: رواية العيّاشي و الإنصاف أنّها صريحة في جواز الصلاة في السفينة اختيارا مع التمكّن من استيفاء الأفعال و تكون شاهد جمع بين الأخبار، فإنّ التفصيل في الفريضة بين الراحلة و السفينة، و أن في الراحلة لا يجوز إلّا في صورة الاضطرار و في السفينة يجوز مطلقا سواء قدر على الخروج أو لم يقدر يكون نصّا في الجواز، نعم يختصّ الجواز بصورة التمكّن من استيفاء الأفعال بقرينة قوله عليه السّلام «فصلّ فيها قائما و توخّ القبلة» و كذا يختصّ بصورة التمكّن من الاستقرار و عدم اضطراب السفينة بقرينة كون السائل زرارة و هو عراقي، و السفن السارية في أنهار العراق من الفرات و الدجلة لا تكون مضطربة غالبا.

فتحصّل: أنّ المستفاد من مجموع الأخبار بعد تحكيم النصّ و الأظهر على الظاهر هو أنّه لو كانت السفينة غير مضطربة، و تمكّن المصلّي من استيفاء جميع أفعال الصلاة من القيام و القبلة و غير ذلك فالصلاة فيها اختيارا تصحّ مع التمكّن من الخروج، و إن لم يتمكّن من استيفاء الأفعال فجواز الصلاة مختصّ بصورة عدم التمكّن.

و قد انقدح أيضا حال الصلاة على الراحلة، و أنّه في الفريضة لا يجوز إلّا مع الاضطرار و عدم التمكّن من النزول، و أمّا في النافلة فيجوز مطلقا و لا يعتبر القبلة و لو مع التمكّن فيها، بل يتوجّه حيثما توجّهت الدابّة، كما صرّحت به رواية العيّاشي المتقدّمة.

فما عساه يظهر من بعض الأخبار من اعتبار الاستقبال في حال الركوع و السجود و التكبير أو في خصوص حال التكبير، كقول الصادق عليه السّلام في

حسن معاوية بن عمّار: لا بأس أن يصلّي الرجل صلاة اللّيل في السفر و هو يمشي، و لا بأس إن فاتته صلاة اللّيل أن يقضيها بالنهار و هو يمشي يتوجّه إلى القبلة ثمّ يمشي و يقرأ، فإذا أراد أن يركع حوّل وجهه إلى القبلة و ركع و سجد ثمّ مشى (1). و كصحيح عبد الرحمن قال فيه: سألت أبا الحسن عليه السّلام عن الصلاة في اللّيل في السفر في المحمل، فقال عليه السّلام: إذا كنت على غير القبلة فاستقبل القبلة ثمّ كبّر و صلّ حيث ذهب بك بعيرك (2)، الخبر. لا بدّ من حمله على الأفضلية، لعدم مقاومته لجملة من الأخبار المصرّحة بعدم اعتبار القبلة في النافلة إذا صلّيت على الدابّة، أو في حال المشي مطلقا حتّى في حال التكبير المعلّلة في جملة منها بقوله تعالى فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ (3)، و أنّها نزلت في النافلة في السفر.

و حاصل الكلام: أنّ في صلاة النافلة جهات من البحث:

الاولى: في أصل جوازها اختيارا على الراحلة و في حال المشي.

الثانية: في عدم اعتبار القبلة فيها مطلقا و لو في حال التكبير.

الثالثة: في أنّ جواز الصلاة على الراحلة هل هو مختصّ بالسفر أو يعمّ الحضر أيضا؟

الرابعة: في أنّه هل يعتبر الركوع و السجود فيها لو صلّيت ماشيا أو على الراحلة و لو بأن ينزل لهما، أو لا يعتبر ذلك بل يجزي الإيماء لهما مع جعل إيماء السجود أخفض؟

الخامسة: في أنّه لو قلنا بعدم اعتبار القبلة فيها، فهل ذلك يختصّ بما إذا


1) الوسائل: ج 3 ص 244 باب 16 من أبواب القبلة، ح 1.

2) الوسائل: ج 3 ص 241 باب 15 من أبواب القبلة، ح 13.

3) البقرة: 115.

صلّيت على الراحلة أو في حال المشي دون ما إذا صلّيت في حال الاستقرار على الأرض مطمئنا، أو لا يختصّ بذلك بل يعمّ حال الاستقرار أيضا؟

أمّا الجهة الأولى فقد تقدّم البحث عنها، و أنّ أصل الجواز ممّا لا إشكال فيه و لا خلاف، و قد تواترت الأخبار (1)على ذلك.

و أمّا الجهة الثانية فقد تقدّم أيضا أنّه لا يعتبر الاستقبال في حال من الأحوال، و أنّ ما ورد من اعتبار ذلك في بعض الأحوال فمحمول على الأفضلية، و إن خالف فيه بعض الأعلام على ما هو المحكي.

و أمّا الجهة الثالثة فالظاهر عدم اختصاص الجواز بالسفر بل يعم الحضر، لصحيح عبد الرحمن بن الحجّاج سأل أبا عبد اللّٰه عليه السّلام عن الرجل يصلّي النوافل في الأمصار و هو على دابّته حيث ما توجّهت به، قال: لا بأس (2). و في حكم الراكب الماشي، و هو و إن لم يدلّ عليه بالخصوص دليل إلّا أنّه يكفي إطلاقات جواز الصلاة ماشيا من غير تفصيل بين السفر و الحضر، فما يظهر من بعض الأعلام من الإشكال في جواز الصلاة على الراحلة حضرا ممّا لا وجه له.

و أمّا الجهة الرابعة فالظاهر أنّ النزول من الدابّة للركوع و السجود ممّا لا يعتبر في الفريضة في مورد جواز أن يصلّيها على الدابّة فضلا عن النافلة، بل لا يجوز ذلك لأنّه فعل كثير يمحو صورة الصلاة، و إن مال إليه في الجواهر (3)في الفريضة بدعوى أنّ الصعود و النزول من مقدّمات فعل الركوع و السجود فلا يضرّ، و لا يخفى ما فيه.

و أمّا الماشي فالظاهر عدم اعتبار ذلك أيضا، بل يكفي الإيماء لهما مع جعل إيماء السجود أخفض، و ما تقدّم في رواية معاوية بن عمّار من أنّ الماشي يركع


1) الوسائل: ج 3 ص 239 و 244 ب 15 و 16 من أبواب القلة.

2) الوسائل: ج 3 ص 239 باب 15 من أبواب القبلة، ح 1.

3) جواهر الكلام: ج 7 ص 427.

و يسجد فمحمول على الأفضلية، لصراحة جملة من الأخبار بكفاية الإيماء لهما.

و أمّا الجهة الخامسة فمقتضى الإطلاقات الواردة في الكتاب و السنّة هو اشتراط النافلة بالقبلة، كقوله تعالى فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ (1)و كقوله عليه السّلام:

لا صلاة إلّا إلى القبلة (2). و هذا بنفسه شامل للفريضة و النافلة. و القول بأنّ قوله «فَوَلُّوا» أمر و هو للوجوب و النافلة لا وجوب لها ففساده غني عن البيان، لأنّ الأمر في مثل هذا إنّما هو لبيان شرطية القبلة كسائر الأوامر الواردة في بيان الأجزاء و الشرائط فيعمّ النافلة أيضا. و بالجملة: مقتضى الأوامر الواردة في الكتاب و السنّة هو اشتراط النافلة بجميع. شرائط الفريضة إلّا ما خرج فالعمدة هو ملاحظة المخرج.

و ما ورد في بعض الأخبار (3)من أنّ الآية إنّما نزلت في الفريضة لا ينافي ذلك أيضا، لأنّ مورد النزول لا يوجب التخصيص كما هو الشأن في غالب الآيات الواردة في الكتاب. نعم لو دلّ دليل بأنّ الحكم بتولية الوجه شطر المسجد مختصّ بالفريضة لكان اللازم خروج النافلة عنه، إلّا أنّ ظاهر الخبر ليس كذلك، فإنّ فيه قال عليه السّلام: استقبل القبلة بوجهك و لا تقلب وجهك من القبلة فتفسد صلاتك، فإنّ اللّٰه عزّ و جلّ يقول لنبيّه صلّى اللّٰه عليه و آله في الفريضة فَوَلِّ وَجْهَكَ .. إلخ.

و هذا- كما ترى- لا يدلّ على أنّ الحكم مختصّ بالفريضة، بل أقصاه أنّ الآية نزلت عليه صلّى اللّٰه عليه و آله و هو في الفريضة، كما ورد (4)التفسير بذلك حيث كان صلّى اللّٰه عليه و آله في صلاة العصر و هو مستقبل لبيت المقدس، فنزلت هذه


1) البقرة: الآية 144 و 150.

2) الوسائل: ج 3 ص 217 باب 2 من أبواب القبلة، ح 9.

3) الفقيه: ج 1 ص 278 باب القبلة، ح 856.

4) مجمع البيان: ج 1 ص 223، البرهان: ج 1 ص 158. و فيهما «قد صلّى من الظهر ركعتين».

الآية فحوّل وجهه صلّى اللّٰه عليه و آله نحو الكعبة، فمن هذه الجهة لا يمكن الخدشة في إطلاق الآية، مع أنّ في إطلاق السنّة كفاية، فتأمّل.

فلا بدّ حينئذ من ملاحظة المخرج فنقول: قد ثبت بمقتضى الأدلّة السابقة جواز فعل النافلة إلى غير القبلة في حال الركوب و المشي، و بعد لم يقم دليل على جواز فعلها إلى غير القبلة في حال الركون و الاستقرار على الأرض، و ما ورد في عدّة من الروايات (1)من أنّ قوله تعالى فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ نزلت في النافلة.

لا يدلّ على ذلك أيضا لتقييدها في جميعها أو غالبها بأنّها نزلت في النافلة في السفر، و معلوم أنّ المراد من السفر هو حال التلبّس به من الركوب و المشي، فلا يعمّ حال الاستقرار في منازل السفر، فتأمّل.

فالأقوى أنّ النافلة لو صلّيت على الأرض مستقرّا يعتبر فيها كلّ ما يعتبر في الفريضة من الأجزاء و الشرائط إلّا ما استثني من الترخيص بالقعود فيها و ترك السورة. هذا كلّه لو صلّيت على الأرض مستقرّا.

و أمّا لو صلّيت في السفينة فالظاهر عدم اعتبار القبلة فيها كما لو صلّيت على الراحلة، للتصريح بسقوط القبلة فيها في رواية العيّاشي (2)المتقدّمة، مضافا إلى الأخبار (3)الواردة في أنّ قوله تعالى فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا .. إلخ نزلت في النافلة في السفر الذي تعمّ الصلاة في السفينة أيضا كما لا يخفى.

المبحث الرابع في الخلل الواقع في القبلة:
اشارة

فاعلم أنّ الخلل الواقع في الصلاة من جهة القبلة


1) الوسائل: ج 2 ص 242- 243 باب 15 من أبواب القبلة، ح 18 19 و 33.

2) تفسير العياشي: ج 1 ص 56 ص ح 81.

3) الوسائل: ج 2 ص 242- 243 باب 15 من أبواب القبلة، ح 18 و 19 و 33.

تارة يكون عن عمد و علم بالحكم و الموضوع، و اخرى يكون عن جهل بالحكم قصورا أو تقصيرا، و ثالثة يكون عن نسيان كما إذا نسي و صلّى إلى غير القبلة، و رابعة يكون عن غفلة، و خامسة يكون عن خطأ في الاجتهاد و التحرّي فيما كان تكليفه ذلك.

ثمّ إنّ الخلل الواقع تارة يكون منحرفا عن القبلة و لم يبلغ اليمين و اليسار، و اخرى يكون بالغا لهما بأن صلّى إلى نفس النقطتين، و ثالثة يكون متجاوزا منهما و لم يبلغ الاستدبار، و رابعة بلغ الاستدبار، فهذه جملة الأقسام المصوّرة في الخلل الواقع في القبلة، و لا بدّ من تنقيح كلّ منها على وجه الاختصار، فنقول:

لا إشكال في بطلان الصلاة إذا وقع الخلل عن عمد في جميع الأقسام، سواء كان إلى بين النقطتين أو إلى نفسهما أو تجاوز عنهما بلغ إلى الاستدبار أو لم يبلغ، و السرّ في ذلك واضح لأن لازم جعل القبلة شرطا في الصلاة هو ذلك كما لا يخفى.

و أمّا لو كان الخلل واقعا عن جهل فإن كان عن تقصير فكذلك أيضا، للإجماع على أنّ الجاهل المقصّر في حكم العامد خطابا و عقابا إلّا في القصر و الإتمام و الجهر و الإخفات، فهو مكلّف بالتوجّه إلى القبلة الواقعية فلا تعمّه الأخبار الآتية المصحّحة للصلاة إذا وقعت بين المغرب و المشرق المعلّلة بأنّ ما بين الشرق و المغرب قبلة، لأنّ توسعة القبلة إلى هذا الحدّ إنّما يكون في مورد سقوط الخطاب بالقبلة الواقعية، فتكون ما بين المغرب و المشرق قبلة في طول القبلة الواقعية لا في عرضها، و إلّا لصحّ التوجّه إلى ما بينهما عمدا و اختيارا، و قد عرفت أنّ ذلك خلاف التحقيق، و إن قيل به فمورد هذه الأخبار إنّما هو فيما إذا لم يتمكّن المكلّف من التوجّه إلى القبلة الواقعية بحيث يوجب سقوط خطابها، و الخطاب عن الجاهل المقصّر غير ساقط إجماعا.

و بهذا البيان يمكن خروج الجاهل القاصر أيضا عن عموم الأخبار الآتية،

لأنّ الساقط عن الجاهل القاصر ليس إلّا العقاب و أمّا الخطاب فغير ساقط عنه لتمكّنه من التوجّه إلى القبلة، و الجهل بالحكم لا يوجب سلب قدرته عنه، لعلمه بموضوع القبلة و كان جاهلا في حكمها، كما إذا كان الجاهل في نفس مسجد الحرام المشاهد للكعبة، بداهة أنّه يمكنه التوجّه إلى القبلة، فهو عن عمد و اختيار لم يوقع صلاته نحوها و إن كان ذلك لجهله بالحكم، فحينئذ لا وجه لسقوط خطاب القبلة عن الجاهل القاصر و إن كان معذورا من حيث العقاب، فإذا لم يسقط خطاب القبلة عنه فلا تعمّه الأخبار الآتية، لأنّ موردها الغير المتمكّن من التوجّه إليها الموجب لسقوط خطابها، هذا ما أفاده شيخنا الأستاذ في هذا المقام، فتأمّل جيّدا.

و أمّا لو كان الخلل الواقع في القبلة من جهة النسيان أو الغفلة أو الخطأ في الاجتهاد فهو داخل في عموم الأخبار، و اختصاص بعضها بصورة الخطأ في الاجتهاد لا ينافي إطلاق الباقي و عمومها للناسي و الغافل. و الاولى ذكر جملة من

الأخبار الواردة في المقام و هي على طوائف ثلاث:
منها: ما دلّ على عدم وجوب الإعادة لا في الوقت و لا في خارجه

، كصحيح ابن عمّار عن الصادق عليه السّلام قلت له: الرجل يقوم في الصلاة ثمّ ينظر بعد ما فرغ فيرى أنّه قد انحرف يمينا و شمالا، فقال له: قد مضت صلاته و ما بين المغرب و المشرق قبلة (1).

و كموثّق عمّار عنه عليه السّلام أيضا في رجل صلّى على غير القبلة فيعلم و هو في الصلاة قبل أن يفرغ من صلاته، قال: إن كان متوجّها فيما بين المغرب و المشرق فليحوّل وجهه إلى القبلة ساعة يعلم، و إن كان متوجّها إلى دبر القبلة


1) تهذيب الاحكام: ج 2 ص 48، ح 25.

فليقطع صلاته ثمّ يحوّل وجهه إلى القبلة ثمّ يفتح الصلاة (1).

و المروي عن قرب الأسناد: من صلّى إلى غير القبلة و هو يرى أنّه على القبلة ثمّ عرف بعد ذلك فلا إعادة عليه فيما بين المغرب و المشرق (2).

و في رواية الراوندي من صلّى على غير القبلة فكان إلى غير المشرق و المغرب فلا يعيد الصلاة (3).

و قول أبي جعفر عليه السّلام في صحيح زرارة: لا صلاة إلّا إلى القبلة، قال:

قلت: أين حدّ القبلة؟ قال: ما بين المغرب و المشرق قبلة كلّه (4)، الخبر.

و في معناها عدّة من الأخبار الأخر.

و هذه الأخبار- كما ترى- ظاهرة أو صريحة في أنّه لو وقعت الصلاة بين لمغرب و المشرق فلا إعادة، و هي و إن كانت مطلقة بالنسبة إلى الوقت و خارجه- بناء على شمول الإعادة لفعل الشي‌ء في خارج الوقت أيضا- و كانت النسبة بينها و بين ما يأتي من الأخبار الظاهرة في وجوب الإعادة في الوقت دون خارجه بالعموم من وجه، لأنّ هذه الأخبار أعمّ من التذكّر في الوقت و خارجه و إن كانت في خصوص ما بين المغرب و المشرق، و الأخبار الآتية أعمّ ممّا إذا كانت الصلاة بين المغرب و المشرق و ما إذا كانت ما وراء ذلك، لكنّها أخصّ من حيث كونها مختصّة بصورة التذكّر في خارج الوقت، فلكلّ منهما جهة عموم و جهة خصوص.

و كما أنّه يمكن حمل الأخبار الآتية على خصوص ما إذا كانت الصلاة واقعة فيما وراء المغرب و المشرق أو إلى نفس النقطتين، كذلك يمكن حمل هذه الأخبار المتقدّمة على خصوص التذكّر في خارج الوقت. و قد حكي عن صاحب


1) الوسائل: ج 3 ص 229 باب 10 من أبواب القبلة، ح 4 و فيهما اختلاف يسير.

2) الوسائل: ج 3 ص 229 باب 10 من أبواب القبلة، ح 5 و فيهما اختلاف يسير.

3) بحار الأنوار: ج 84 ص 69 باب القبلة و أحكامها، ح 26، و فيه: فكان الى المشرق و المغرب.

4) الوسائل: ج 3 ص 227 باب 9 من أبواب القبلة، ح 2.

الحدائق (1)- رحمه اللّٰه- الميل إلى ذلك، و التزم بوجوب الإعادة في الوقت مطلقا.

و لا يرد عليه ما أورده الجواهر (2)- رحمه اللّٰه- من أنّ معاملة العموم من وجه إنّما هو فيما إذا كان بين موضوعي الحكمين لا بين الموضوع و الحكم كما في المقام، حيث إنّ أعمّية هذه الأخبار بالنسبة إلى عدم وجوب الإعادة في الوقت و في خارجه إنّما تكون في الحكم لا في الموضوع، و هذا بخلاف الأعمّية في الأخبار الآتية لأنّها تكون في الموضوع و هو المصلّي ما بين المغرب و المشرق و المصلّي إلى ما وراء ذلك.

و بالجملة: أنّ الموضوع في الأخبار الآتية هو الصلاة إلى غير القبلة الأعمّ ممّا بين المغرب و المشرق و ما وراء ذلك، و الموضوع في الأخبار المتقدّمة هو خصوص الصلاة ما بين المغرب و المشرق الأعمّ في الحكم و عدم وجوب الإعادة في الوقت و في خارجه، و في مثل هذا لا يعامل معه معاملة التعارض من وجه، كما لا يعامل معاملة التعارض من وجه في مثل (اضرب الجهّال في اللّيل لا في النهار) و (لا تضرب زيدا) و ليس ذلك إلا من جهة أنّ العموم في اضرب الجهّال إنّما هو في الموضوع و هو الجهّال الشامل لزيد و لغيره، و العموم في لا تضرب زيدا في الحكم الشامل للّيل و النهار الذي يكون ظرف النفي.

و ذلك للفرق بين المثال و أخبار الباب، فإنّ في المثال أعمّية لا تضرب زيدا لا يصلح إلّا في طرف الحكم، و هذا بخلاف أخبار الباب فإنّ الموضوع فيها ليس إلّا المصلّي إلى غير القبلة، و هذا الموضوع في الأخبار المتقدّمة يكون أعمّ من المتذكّر في الوقت و في خارجه، و في الأخبار الآتية يكون أعمّ ممّا بين المغرب و المشرق و غيره، كما أنّ الموضوع في الأول يكون خاصّا في خصوص المصلّي ما بين المغرب و المشرق، و في الثاني يكون خاصّا في المتذكّر في خارج الوقت، فالإنصاف


1) الحدائق الناضرة: ج 6 ص 437 من كتاب الصلاة.

2) جواهر الكلام: ج 8 ص 26 من كتاب الصلاة.

أنّ النسبة بينهما- كما ذكره في الحدائق- بالعموم من وجه.

إلّا أنّه مع ذلك لا بدّ من القول بعدم الإعادة مطلقا في الوقت و في خارجه إذا كانت الصلاة بين المغرب و المشرق، لقوله عليه السّلام في عدّة من الأخبار (1)المتقدّمة: إنّ ما بين المغرب و المشرق قبلة. و هذا يكون حاكما على الأخبار الآتية و مفسّرا لموضوعها و أنّ الصلاة إلى غير القبلة إنّما هي الصلاة التي لم تكن بين المغرب و المشرق لأنّ ما بينهما يكون قبلة، و مع هذه الحكومة لا مجال لملاحظة النسبة و أنّها تكون بالعموم من وجه.

و بالجملة: أنّ هذه الأخبار كما تكون حاكمة على قوله عليه السّلام: لا تعاد الصلاة إلّا من خمس (2)و عدّ منها القبلة فإنّ هذه الأخبار توسّع دائرة القبلة، كذلك تكون حاكمة على قوله عليه السّلام في الأخبار الآتية «من صلّى إلى غير القبلة» فلا محيص عن القول بعدم وجوب الإعادة مطلقا إذا كانت الصلاة بين المشرق و المغرب.

الطائفة الثانية: من الأخبار

هي الأخبار المفصّلة بين التذكّر في الوقت فالإعادة و خارجه فلا إعادة.

كصحيح عبد الرحمن عن الصادق عليه السّلام: إذا صلّيت و أنت على غير القبلة و استبان لك أنّك صلّيت و أنت على غير القبلة و أنت في وقت فأعد، و إن فاتك الوقت فلا تعد (3).

و كخبر يعقوب بن يقطين قال: سألت عبدا صالحا عليه السّلام عن رجل صلّى في يوم سحاب على غير القبلة، ثمّ طلعت الشمس و هو في وقت، أ يعيد


1) الوسائل: ج 3 ص 227 باب 9 من أبواب القبلة، ح 2 و ص 228 باب 10، ح 1 و 2.

2) الوسائل: ج 3 ص 227 باب 9 من أبواب القبلة، ح 1.

3) الوسائل: ج 3 ص 229 باب 11 من أبواب القبلة، ح 1.

الصلاة إذا كان قد صلّى على غير القبلة؟ و إن كان قد تحرّى القبلة بجهده أ تجزيه صلاته؟ فقال: يعيد ما كان في الوقت، فإذا ذهب الوقت فلا إعادة (1).

و في معناهما عدّة من أخبار (2)أخر.

و هذه الأخبار و إن كانت مطلقة بالنسبة إلى ما كانت الصلاة بين المغرب و المشرق و ما وراء ذلك حتّى الاستدبار، إلّا أنّه لا بدّ من تقييدها بغير ما كانت بين المغرب و المشرق للأخبار المتقدّمة، كما لا بدّ من تقييدها بغير صورة الاستدبار لما يأتي من دلالة بعض الأخبار (3)على لزوم الإعادة عند الاستدبار مطلقا في الوقت و في خارجه.

الطائفة الثالثة:

ما دلّت على وجوب الإعادة مطلقا في صورة الاستدبار، و نحن و إن لم نعثر على خبر يدلّ بالصراحة على ذلك سوى ما أرسله الشيخ- قدّس سرّه- في النهاية (4)من «أنّه رويت رواية أنّ من صلّى إلى استدبار القبلة ثمّ علم بعد خروج الوقت وجب عليه إعادة الصلاة. و هذا هو الأحوط و عليه العمل» و ظاهر قوله أخيرا «و عليه العمل» أنّ عمل الصحابة كان على ذلك لا عمل نفسه، خصوصا بعد قوله «و هذا هو الأحوط». إلّا أنّه يمكن الاستدلال على ذلك أيضا بما دلّ من بطلان الصلاة عند الالتفات إلى ما وراء القبلة.

و بيان ذلك: هو أنّه و إن كان بين هذه المسألة التي نحن فيها و مسألة الالتفات التي تأتي في قواطع الصلاة إن شاء اللّٰه فرق، من جهة أنّ الالتفات إنّما اعتبر قاطعا للصلاة و ذلك لا يكون إلّا في أثناء الصلاة، و هذا بخلاف القبلة


1) الوسائل: ج 3 ص 230 باب 11 من أبواب القبلة، ح 2.

2) الوسائل: ج 3 ص 230 و 231 باب 11 من أبواب القبلة، ح 4 و 5 و 6 و 8 و 9.

3) الوسائل: ج 3 ص 229 باب 10 من أبواب القبلة، ح 4 و ص 231 باب 11، ح 10.

4) النهاية: ص 64.

حيث إنّها اعتبرت شرطا في الصلاة، و لا بدّ من تحقّق الشرط من ابتداء الصلاة إلى آخرها، و بعبارة أخرى: الالتفات إنّما يكون قاطعا للهيئة فاعتباره إنّما يكون في أكوان الصلاة من غير دخل له في أفعالها، و القبلة إنّما تكون شرطا لأفعال الصلاة، إلّا أنّه لو وقعت بعض أفعال الصلاة في أثنائها إلى غير القبلة يصدق الالتفات أيضا، لأنّه يكون حينئذ التفاتا و زيادة.

و الحاصل: أنّه يمكن أن يتحقّق الالتفات القاطع من دون إخلال بما هو الشرط في أفعال الصلاة من القبلة، كما إذا التفت إلى ما ورائه ثمّ رجع من دون أن يأتي بشي‌ء من أفعال الصلاة، و لكن لا يمكن العكس بأن يأتي بشي‌ء من أفعال الصلاة إلى دبر القبلة من دون أن يكون هناك التفات كما لا يخفى.

إذا عرفت ذلك فنقول

الاستدلال على بطلان الصلاة الواقعة على دبر القبلة بالأخبار الدالّة على بطلان الصلاة عند الالتفات إلى ما وراء القبلة في أثناء الصلاة يتوقّف على أمور:
الأول: أنّ أخبار الباب الدالّة على أنّ من صلّى إلى غير القبلة يعيد في الوقت

لا في خارجه تعمّ الناسي أيضا و لا تختصّ بالمجتهد المتحرّي كما قدّمناه، و كذا الأخبار الدالّة على أنّ الالتفات مبطل تعمّ الناسي أيضا و لا تختصّ (1)

و من الغريب دعوى صاحب الجواهر (جواهر الكلام: ج 8 ص 35.) بأنّ المتيقّن من أخبار الالتفات صورة العمد، فراجع و تأمّل. «منه».

بالعامد الملتفت كما لا يخفى على من راجعها.

1) بل يمكن أن يكون مساقها الاختصاص بصورة النسيان، لأنّ أخذ قيد الالتفات بكلّه أو إلى الخلف كما في بعض أخبار الالتفات إنّما يناسب صورة النسيان و لا يعمّ العامد، إذ في صورة العمد لا يحتاج إلى الالتفات بالكلّ أو الخلف بل تبطل الصلاة بأقلّ من ذلك، و نفس الأدلّة الأولية الدالّة على شرطية القبلة تكفي في بطلان الصلاة عند التعمّد و لا يحتاج إلى أخبار الالتفات، فأخبار الالتفات سؤالا و جوابا إنّما تكون مسوقة لصورة النسيان كما لا يخفى.

الأمر الثاني: أنّه لا إشكال في صدق الصلاة على غير القبلة

فيما إذا وقعت ركعتين أو ركعة منها إلى غير القبلة، و لا تختصّ بما إذا وقعت الصلاة من أولها إلى آخرها إلى غير القبلة، فمن كبّر إلى القبلة ثمّ أوقع باقي الصلاة إلى غير القبلة يصدق أنّه صلّى إلى غير القبلة، و ذلك واضح أيضا.

الأمر الثالث:

أنّه لا إشكال في أولوية الصلاة الواقعة بتمام أجزائها إلى غير القبلة بالبطلان من الصلاة الواقعة ركعتين منها مثلا إلى غير القبلة لو قام الدليل على بطلانها كذلك، بداهة أنّه لو كان وقوع بعض أفعال الصلاة إلى غير القبلة موجبا لبطلانها لكان وقوعها بتمام أجزائها إلى غير القبلة أولى بالبطلان.

الأمر الرابع:

أنّه لو قام الدليل على عدم بطلان الصلاة لو وقعت إلى ما بين المغرب و المشرق، و لا تحتاج إلى الإعادة لا في الوقت و لا في خارجه، أو عدم القضاء فقط لو وقعت إلى نفس النقطتين، فالالتفات إلى ما بين المغرب و المشرق يكون أولى بعدم البطلان، و كذا الالتفات إلى نفس النقطتين يكون أولى بعدم القضاء، لما عرفت من الملازمة بين وقوع الصلاة إلى غير القبلة مع تحقّق الالتفات إلى غيرها و لا عكس، فلو كانت الصلاة إلى ما بين المغرب و المشرق صحيحة و غير موجبة للإعادة و القضاء لكان الالتفات المجرّد عن فعل الصلاتي إلى ما بين المغرب و المشرق أولى بالصحّة كما لا يخفى.

إذا عرفت هذه الأمور فاعلم أنّ في أخبار الباب و في أخبار الالتفات مطلقات ينبغي ملاحظتها و ما يستفاد منها، أمّا مطلقات الباب فهي ما ذكرناه من الطائفة الثانية الدالّة على عدم وجوب القضاء لمن صلّى على غير القبلة، فإنّها تعمّ صورة الاستدبار و عدمه، و أمّا مطلقات باب الالتفات فهي ما دلّت على وجوب الإعادة و القضاء. على من التفت إلى غير القبلة، كقول الصادق عليه السّلام في

خبر أبي بصير: إن تكلّمت أو صرفت وجهك عن القبلة فأعد (1). فإنّها تعمّ صورة الالتفات على وجه الاستدبار أو دون ذلك إلى طرف المغرب و المشرق و ما بينهما، هذا.

و لكن بعد ما كان الصلاة إلى ما بين المغرب و المشرق غير موجب للإعادة و القضاء، و كان الصلاة إلى نفس النقطتين غير موجب للقضاء فقط لكان اللّازم هو عدم وجوب الإعادة و القضاء لو التفت إلى ما بين المغرب و المشرق نسيانا، لما عرفت من أنّ الصلاة إلى ما بينهما يلازم الالتفات أيضا، فإذا لم تكن الصلاة إلى ذلك موجبة للإعادة و القضاء فالالتفات الخالي عن فعل الصلاة بطريق أولى يكون غير موجب لذلك، فلا يبقى في مطلقات باب الالتفات إلّا صورة واحدة و هي صورة الاستدبار، فتكون نصّا في بطلان الصلاة عند الالتفات إلى الاستدبار.

و لا يعارضه أخبار الباب الدالّة على عدم وجوب القضاء عند الصلاة إلى غير القبلة، لأنّ شمول هذه الأخبار للاستدبار إنّما يكون بالإطلاق و الظهور، و مقتضى تحكيم النصّ على الظاهر هو حمل مطلقات الباب على غير صورة الاستدبار و هو ما إذا كانت الصلاة على نفس النقطتين، فصورة الاستدبار تكون خارجة عن تحت هذه المطلقات، و حينئذ يتمّ الاستدلال بأخبار باب الالتفات لما نحن فيه من بطلان الصلاة في صورة الاستدبار لبعض المقدّمات السابقة، لأنّه لو كان الالتفات إلى الاستدبار موجبا للبطلان فالصلاة إلى ذلك و لو في الأثناء أولى بالبطلان، و لو كان الصلاة في الأثناء إلى دبر القبلة موجبا للبطلان فالصلاة التامّة الواقعة إلى دبر القبلة نسيانا أولى بالبطلان، و بعد ملاحظة المقدّمات السابقة لا محيص عن القول بذلك.


1) الوسائل: ج 3 ص 227 باب 9 من أبواب القبلة، ح 4 مع اختلاف يسير.

نعم لو قلنا بأنّ أخبار الباب مختصّة بصورة التحرّي و الاجتهاد و لا تعمّ الناسي- كما اختاره صاحب الجواهر قدّس سرّه- لكانت أخبار الالتفات أجنبية عن المقام و لا يمكن الاستدلال بها فيه، إلّا أنّ دعوى اختصاصها بذلك ممّا لا وجه لها، مع أنّ صاحب الجواهر (1)- رحمه اللّٰه- اعترف بأنّ الطائفة الاولى من أخبار الباب الدالّة على عدم وجوب الإعادة و القضاء لو وقعت الصلاة إلى ما بين المغرب و المشرق تعمّ الناسي أيضا، و إنّما قال بالاختصاص في خصوص الطائفة الثانية، و لكن الإنصاف أنّه لم يظهر وجه للتفرقة بين الطائفتين، فتأمّل (2).

و كذا لا يمكن الاستدلال بأخبار باب الالتفات لما نحن فيه، لو منعنا الأولوية و أنّه لا ملازمة بين بطلان الصلاة إلى دبر القبلة لو كان ذلك في الأثناء و بطلانها لو وقعت من أول الأمر إلى دبر القبلة، أو قلنا بعدم صدق الصلاة إلى دبر القبلة لو كان في الأثناء، أو قلنا بأن أخبار الالتفات تختصّ بالعامد و لا تعمّ الناسي.

و لكنّ منع الملازمة بين الأول و الأثناء و عدم صدق الصلاة إلى غير القبلة لو كان ذلك في الأثناء و اختصاص الالتفات بصورة العمد كلّ ذلك مشكل بل لا سبيل إليه، فالأقوى القول ببطلان الصلاة لو وقعت إلى دبر القبلة، كما عليه عمل الأصحاب حسب ما يستفاد من عبارة الشيخ (3)- رحمه اللّٰه- المتقدّمة في ذيل المرسل الذي حكاه، فتأمّل فيما ذكرناه فإنّ الاستدلال بأخبار الالتفات لما نحن فيه لا يخلو من إعمال لطف.


1) جواهر الكلام: ج 11 ص 42.

2) سيأتي وجه التفرقة بين الطائفتين في آخر البحث فانتظر و راجع.

3) النهاية: ص 64- و قد عدل شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- عن هذا التقريب عند البحث في القواطع في مسألة قاطعية الالتفات، و قوى في نظره عدم ثبوت المفهوم لصحيحة البزنطي (الوسائل: ج 4 ص 1249 باب 3 من أبواب قواطع الصلاة، ح 8.)، و هذا التقريب مبني على ثبوت المفهوم فتأمّل. «منه».

و يمكن تقريب الاستدلال بوجه آخر، و هو أنّه في أخبار باب الالتفات ما يكون أخصّ من مطلقات هذا الباب، و هو صحيح البزنطي: سألت الرضا عليه السّلام عن الرجل يلتفت في صلاته هل يقطع ذلك صلاته؟ قال: إذا كانت الفريضة و التفت إلى خلفه فقد قطع صلاته، فيعيد ما صلّى و لا يعتدّ به (1)، الخبر. و في معناه رواية أخرى.

وجه كون ذلك أخصّ من مطلقات الباب واضح، فإنّ قوله عليه السّلام «من صلّى إلى غير القبلة يعيد في الوقت لا في خارجه» (2)يعمّ صورة الاستدبار و غيرها، و ما في صحيح البزنطي في أخبار الالتفات مختصّ بصورة الاستدبار كما هو الظاهر من الخلف، فتكون النسبة بينهما أعمّ أخصّ مطلقا.

و لا يتوهّم أنّ صحيح البزنطي أعمّ من جهة التذكّر في الوقت و في خارجه فتكون النسبة بينهما بالعموم من وجه. و ذلك لأنّ الإعادة عند التذكّر في الوقت ممّا اتّفق عليه كلتا الطائفتين من أخبار الباب و صحيح البزنطي، فلا تعارض بينهما بالنسبة إلى ذلك، و إنّما التعارض في صورة التذكّر في خارج الوقت، فإنّ صحيح البزنطي يوجب القضاء عند الالتفات إلى خصوص الاستدبار، و أخبار الباب تنفي القضاء عند الاستدبار أيضا لكن بالعموم الشامل له و لغيره، فتكون النسبة أعمّ مطلقا لا من وجه.

و حينئذ لا بدّ من تقييد أخبار الباب بما في صحيح البزنطي، و خروج صورة الصلاة على وجه الاستدبار عن تحت قوله عليه السّلام «من صلّى إلى غير القبلة» و ذلك بعد ما تقدّم من أولوية بطلان الصلاة على وجه الاستدبار من البطلان عند


1) الوسائل: ج 4 ص 1249 باب 3 من أبواب قواطع الصلاة، ح 8.

2) الوسائل: ج 3 ص 229 باب 11 من أبواب القبلة، نقلا بالمضمون.

الالتفات إلى الخلف الخالي عن الصلاة واضح لا شبهة فيه، فإذا خرجت صورة الاستدبار عن عموم قوله «من صلّى على غير القبلة، و خرجت صورة الصلاة إلى ما بين المغرب و المشرق عن عمومه أيضا بما تقدّم من الأخبار (1)الدالّة على أنّ ما بين المشرق و المغرب قبلة، فلا يبقى حينئذ تحت قوله عليه السّلام «من صلّى إلى غير القبلة» إلّا صورة واحدة و هي الصلاة إلى نفس النقطتين و ما يلحق بذلك على ما يأتي بيانه.

و تكون النسبة حينئذ بين أخبار الباب مع مطلقات باب الالتفات بالأعم المطلق، لأنّ قوله عليه السّلام في الخبر المتقدّم «إن تكلّمت أو صرفت وجهك عن القبلة فأعد» (2)يعمّ صورة الاستدبار و غيره، و هذا بخلاف أخبار الباب فإنّها بعد التخصيص بما عرفت تكون مختصّة بصورة الصلاة إلى نفس النقطتين و ما يلحق بذلك، فتكون النسبة بينهما بالأعم المطلق، و إن كان قبل تخصيص أخبار الباب بما عرفت تكون النسبة بالعموم من وجه، و لكن بالتخصيص تنقلب النسبة، فلا بدّ من حمل مطلقات باب الالتفات الدالّة على فساد الصلاة عند الالتفات بغير صورة الالتفات إلى النقطتين، لما تقدّم أيضا من أنّ الصلاة إلى ذلك لو كان غير موجب للقضاء، فالالتفات لا يكون موجبا له بالأولوية القطعية.

و على كلّ حال لا بدّ في الاستدلال بأخبار الالتفات لما نحن فيه من شمول قوله عليه السّلام «من صلّى إلى غير القبلة» لصورة النسيان و عدم اختصاصه بالمتحرّي، فإنّه لو لا ذلك لكان باب الالتفات أجنبيّا عن المقام كما تقدّم في شمول قوله عليه السّلام: «من صلّى إلى غير القبلة» لصورة النسيان نوع خفاء،


1) الوسائل: ج 3 ص 228 باب 10 من أبواب القبلة، ح 1 و 2.

2) الوسائل: ج 3 ص 227 باب 9 من أبواب القبلة، ح 4.

لأنّ نسبة قوله عليه السّلام: «من صلّى إلى غير القبلة» مع قوله عليه السّلام «لا تعاد الصلاة إلّا من خمس و منها القبلة» (1)إنّما تكون بالعموم من وجه، و ذلك لأنّ «لا تعاد الصلاة إلّا من خمس» مقصور بصورة النسيان كما يأتي بيانه إن شاء اللّٰه في باب الخلل، لأنّ عقد المستثنى منه و هو عدم الإعادة في غير الخمس إنّما يكون مختصّا بمورد النسيان و لا يعمّ العامد و غيره، فيكون عقد المستثنى و هو الإعادة من الخمس أيضا مقصورا بصورة النسيان.

و هذا لا ينافي وجوب الإعادة في الخمس في غير صورة النسيان أيضا، لأنّ كون الحكم كذلك خارجا لا يلازم أعمّية عقد المستثنى لغير صورة النسيان، فإنّ المستثنى تابع للمستثنى منه، فإذا كان المستثنى منه مختصا بصورة النسيان فيكون المستثنى أيضا كذلك.

و عليه تكون النسبة بين حديث «لا تعاد» و بين قوله «من صلّى إلى غير القبلة» بالعموم من وجه، فإنّ الموضوع في «لا تعاد» و إن كان يشمل صورة وقوع الصلاة على نفس النقطتين و على الاستدبار و على ما بين المغرب و المشرق و لكن يختصّ بصورة النسيان، و هذا بخلاف قوله عليه السّلام «من صلّى إلى غير القبلة» فإنّه و إن كان مختصّا بصورة وقوع الصلاة إلى نفس النقطتين و ما بحكمه- حسب ما تقدّم- إلّا أنّه أعمّ من جهة النسيان و غيره من الغافل و المتحرّي فتكون النسبة بالعموم من وجه، و كما يمكن تخصيص حديث «لا تعاد» بغير صورة الصلاة إلى النقطتين كذلك يمكن تخصيص قوله «من صلّى إلى غير القبلة» بغير صورة النسيان.

و لعلّه إلى هذا كان نظر صاحب الجواهر (2)- رحمه اللّٰه- حيث ذهب إلى عدم


1) الوسائل: ج 3 ص 227 باب 9 من أبواب القبلة، ح 1.

2) جواهر الكلام: ج 8 ص 35.

شمول قوله «من صلّى إلى غير القبلة» لصورة النسيان و كونه مختصّا بالمتحرّي، و هذا بخلاف قوله «ما بين المغرب و المشرق قبلة» فإنّه و إن كان النسبة بينه و بين حديث «لا تعاد» بالعموم من وجه أيضا إلّا أنّه حيث كان لسان «ما بين المغرب و المشرق قبلة» لسان الحكومة يقدّم على حديث «لا تعاد» و لا تلاحظ النسبة و هذا بخلاف «من صلّى إلى غير القبلة» فإنّه لا يكون حاكما على حديث «لا تعاد» بل معارضا له بالنسبة إلى خارج الوقت، و أمّا في الوقت فلا تعارض بينهما لاتّفاقهما على وجوب الإعادة فيه، هذا.

و لكن مع كون النسبة بينهما بالعموم من وجه يمكن أن يقال بأظهرية قوله «من صلّى إلى غير القبلة» في شموله لصورة النسيان من شمول «لا تعاد» إلى الصلاة إلى النقطتين و ما بحكمه.

و بيان ذلك: هو أنّه ليس المستفاد من عقد المستثنى في حديث «لا تعاد» إلّا قضية جزئية و هو إعادة الصلاة من القبلة في الجملة، و ليس لها إطلاق بالنسبة إلى جميع الأحوال، بداهة أنّ حديث «لا تعاد» إنّما سيق لبيان حكم المستثنى منه و هو عدم إعادة الصلاة من غير الخمسة، و لم يرد لبيان حكم الإعادة من الخمسة، فلا يمكن أن يقال: إنّ فوات كلّ واحد من الخمسة موجب لبطلان الصلاة مطلقا، بل المستفاد منه ليس إلّا البطلان في الجملة، لأنّ رفع السلب الكلّي الذي دلّ عليه عقد المستثنى منه إنّما يصدق بالإيجاب الجزئي الذي هو مفاد عقد المستثنى، فالقول ببطلان الصلاة مطلقا و في جميع الأحوال لا يستفاد من حديث «لا تعاد» إلّا بمعونة مقدّمات أخر من أنّ الإيجاب الجزئي في قوّة الإهمال، و خروج عقد المستثنى عن الفائدة مع كون المتكلّم بصدد البيان، و غير ذلك من مقدّمات الحكمة.

و هذا بخلاف الإطلاق المستفاد من قوله «من صلّى إلى غير القبلة» فإنّ

الإطلاق و شمول النسيان إنّما يستفاد من نفس القضية، لأنّ الصلاة إلى غير القبلة نسيانا ليس بمثابة يكون اللّفظ منصرفا عنه.

و بالجملة: الإنصاف أنّ إطلاق قوله عليه السّلام «من صلّى إلى غير القبلة» و شموله لصورة النسيان يكون أقوى من إطلاق حديث «لا تعاد» و شموله لبطلان الصلاة على نفس النقطتين.

بل قد عرفت أنّه لا إطلاق في عقد المستثنى في حديث «لا تعاد» بل هو نظير المفهوم المستفاد من قوله عليه السّلام «إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجّسه شي‌ء» (1)فإنّ مفهومه ليس إلّا أنّ الماء إذا لم يبلغ قدر كرّ ينجّسه شي‌ء، و لا يستفاد منه انّه ينجّسه كلّ شي‌ء إلّا بضمّ مقدّمات أخر من الخارج، و ليس ذلك إلّا لأجل أنّ القضية لم تسق إلّا لبيان مطهّرية الكرّ و لم تسق لبيان نجاسة غيره، فتأمّل فإنّ المقام لا يسع زيادة على ذلك من الكلام.

بقي الكلام في معنى الاستدبار الموجب لبطلان الصلاة مطلقا

في الوقت و في خارجه. و الظاهر أن يكون المراد منه مقدار ثلث الدائرة الذي يكون مقابلا للثلث الذي تكون القبلة فيه، بحيث؛ لو قسّمنا الدائرة التي يكون المصلّي فيها إلى ثلاثة أثلاث يكون ثلث منها بطرف القبلة و ما بحكمها ممّا بين المغرب و المشرق الذي تصح الصلاة فيه و غير موجب للإعادة و القضاء، و يكون ثلث آخر منها في طرف المغرب و المشرق (سدس للمغرب و سدس للمشرق) و الثلث الآخر يكون في دبر القبلة.

و بالجملة: دائرة الاستدبار تكون أوسع من دائرة الاستقبال، فإنّ المعتبر في الاستقبال إنّما هو ما بين الجبينين- على ما تقدّم تفصيله- و هذا يكون قريبا من عشر


1) الوسائل: ج 1 ص 117 باب 9 من أبواب الماء المطلق، ح 1 و 2 و 6 و فيه: إذا كان الماء .. إلخ.

الدائرة، و أمّا الاستدبار فالمعتبر منه هو الخلف و ما بين التكفين، و هذا يكون قريبا من ثلث الدائرة، إذ الظاهر صدق الاستدبار و الخلف إلى هذا المقدار، فتأمّل جيدا.

هذا كلّه لو ظهر الخطأ بعد إتمام الصلاة.

و أمّا لو ظهر في الأثناء فلو كان ما بين المغرب و المشرق استقام و لا استئناف، و لو كان إلى نفس النقطتين فإن تذكّر في خارج الوقت، بأن كانت صلاته في آخر الوقت بحيث لم يدرك منه إلّا ركعة، و في الركعة الثانية التي وقعت في خارج الوقت تذكّر أنه أخطأ في القبلة، و كانت صلاته إلى نفس النقطتين فكذلك أيضا استقام بلا استئناف، لأنّ تذكّره كان في خارج الوقت الذي لا يوجب القضاء إذا وقعت الصلاة بتمامها إلى نفس النقطتين، فعدم وجوب القضاء لو وقعت ركعة منها كذلك يكون أولى.

و لو تذكر في الوقت فالظاهر وجوب الاستئناف، لأنّ التذكّر في الوقت موجب للإعادة إذا كان بعد الصلاة فكذلك لو كان في الأثناء، لأنّ ما هو شرط الكلّ شرط للبعض أيضا، فتأمّل.

و لو كان إلى دبر القبلة فالظاهر أيضا وجوب الاستئناف مطلقا في الوقت و في خارجه، لأنّ ما هو المبطل للكلّ مبطل للبعض أيضا، مضافا إلى دلالة بعض الروايات عليه.

بقي الكلام في بعض الفروع التي تعرض لها في الشرائع،

و الظاهر أنه لا ثمرة مهمّة في ذكرها، فالأولى عطف عنان الكلام إلى ما هو الشرط الثالث في الصلاة و هو الساتر و حيث كان البحث عن الساتر يشتمل على أمور مهمّة أفردنا بجزء مستقل، فراجع.

[البحث الثالث] لباس المصلّي و بحث المكان

القول في لباس المصلّي: و يعتبر فيه أمور:
الأول: أن لا يكون من جلد الميتة و غيره من سائر أجزائها
اشارة

سواء دبّغ أو لا، و سواء كان مأكولة اللّحم أو لا، و سواء كانت ممّا لها نفس سائلة أو لا، كلّ ذلك لإطلاق الأدلّة على تأمّل في الأخير يأتي الإشارة إليه إن شاء اللّٰه. و اعتبار ذلك في اللّباس ممّا انعقد عليه الإجماع ظاهرا و استفاضت به النصوص فلا كلام فيه، و لكن

يقع الكلام في مقامين:
الأول: في بيان الحال عند الشكّ في كون الجلد جلد ميتة

، و أنّه هل يجوز الصلاة فيه أو لا. ربّما يقال بابتناء المسألة على كون التذكية شرطا أو الموت مانعا، فإن قلنا بالأول فلا بدّ من إحرازها و لا يجوز الصلاة عند الشكّ فيها، كما هو الشأن في كلّ ما اعتبر شرطا، و لو قلنا بالثاني فيمكن دفعه بالأصل عند الشكّ في تحقّقه، كما هو الشأن أيضا في كلّ ما اعتبر مانعا، هذا.

و لكنّ الظاهر عدم ابتناء المسألة بذلك، و أنّه لا يجوز للصلاة في المشكوك مطلقا سواء قلنا بشرطية التذكية أو مانعية الموت، لأنّ الأصل عند الشكّ هو عدم التذكية و معه لا يبقى مجال لدفع المانع بالأصل.

نعم لو منع عن جريان أصالة عدم التذكية- كما نسب ذلك إلى الفاضل التوني- قدّس سرّه (1)لكان ابتناء المسألة على شرطية التذكية أو مانعية الموت في محلّه، إلّا أنّه لا سبيل إلى المنع عن ذلك. و ما ذكره الفاضل التوني- قدّس سرّه- في وجه المنع- على ما حكاه الشيخ قدّس سرّه (2)في تنبيهات الاستصحاب عند بيان أقسام الاستصحاب الكلّي- يرجع إلى أحد وجهين كلّ منهما لا يخلو عن نظر.

أمّا الوجه الأول فحاصله: أنّ ما هو الموضوع في الأدلّة و ما أخذ مانعا عن جواز الصلاة ليس إلّا الموت حتف الأنف الذي يكون ضدّا وجوديّا للتذكية، و بأصالة عدم التذكية لا يمكن إثبات الموت حتف الأنف، لأنّه يكون إثباتا لأحد الضدّين الوجوديّين بنفي الآخر.

الوجه الثاني: هو أنّ عدم التذكية في حال حياة الحيوان أمر مغاير لعدم التذكية في حال موته، و الذي ينفع هو عدم التذكية في حال الموت، و هذا العدم لم يكن له حالة سابقة حتّى يستصحب فهو مشكوك الحدوث، و العدم الثابت في حال الحياة لم يؤخذ مانعا حتّى يستصحب، مع أنّه قطعيّ الارتفاع لأنّ المفروض عدم حياة الحيوان.

و الحاصل: أنّ عدم التذكية من اللّوازم الأعمّ للحيوان من حال حياته و من حال مماته، و ما هو المانع عن الصلاة هو العدم المقارن للموت لا العدم في حال


1) الوافية: ص 91، س 13 القسم السادس من الشرط الرابع للعمل بالاستصحاب.

2) فرائد الأصول: ص 641 التنبيه الأول.

الحياة، فاستصحاب عدم التذكية الثابت في حال حياة الحيوان لا ينفع في إثبات عدم التذكية في حال موت الحيوان الذي يكون هو المانع.

و هذان الوجهان و إن لم يصرّح بهما في كلامه، إلّا أنّه يمكن تطبيق كلامه عليه، فراجع. و على كل حال ما يمكن أن يكون مانعا عن جريان أصالة عدم التذكية في المشكوك هو هذان الوجهان.

و لكن لا يخفى عليك ما في كلا الوجهين من النظر.

أمّا الوجه الأول ففيه: أنّه لم يؤخذ في شي‌ء من الأدلّة الموت حتف الأنف موضوعا للنجاسة و لا اعتبر مانعا عن الصلاة، بل الموضوع للنجاسة و الحرمة و المانع عن الصلاة هو الميتة، و هي عبارة عن عدم التذكية و عدم ورود فعل الذابح على الحيوان.

و الحاصل: أنّه ليس التقابل بين التذكية و الميتة تقابل التضاد، بل التذكية هي أمر شرعي يعتبر في تحقّقها أمور من الذبح بالحديد و فري الأوداج و التسمية و الاستقبال، فإذا انتفى أحد هذه الأمور يكون الحيوان ميتة، بداهة أنّه لو انتفى أحد هذه الأمور لا يكون الحيوان مذكّى و إلّا خرج الشرط عن كونه شرطا، و إذا لم يكن مذكّى فلا بدّ من أن يكون ميتة إذ لا واسطة بينهما.

مع أنّ في بعض الأدلّة رتّب الحلّية و الطهارة و جواز الصلاة على نفس التذكية، كقوله تعالى إِلّٰا مٰا ذَكَّيْتُمْ (1)، و قوله عليه السّلام في ذيل موثّقة ابن بكير الآتية «إذا كان ذكيّا ذكّاه الذابح» و غير ذلك، فبانتفاء التذكية تنتفي هذه الأحكام كما دلّ عليه قوله تعالى وَ لٰا تَأْكُلُوا مِمّٰا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّٰهِ عَلَيْهِ (2)، و لا فرق في انتفاء التذكية بين العلم به أو قيام طريق معتبر عليه و لو كان أصلا. و ليس المقصود من أصالة عدم التذكية إثبات الموت حتف الأنف حتّى يقال: إنّه


1) المائدة: الآية 3.

2) الأنعام: الآية 121.

لا يمكن إثبات أحد الضدّين بنفي الآخر، بل المقصود هو مجرّد عدم ورود التذكية على الحيوان، و هذا بنفسه كاف في إثبات النجاسة و الحرمة و عدم جواز الصلاة في جلده. فظهر أنّه لا مانع من جريان أصالة عدم التذكية عند الشكّ فيها، و لا حاجة إلى إثبات الموت حتف الأنف.

و أمّا الوجه الثاني ففيه: أنّ التذكية لو كانت عبارة عن فعل الذابح و ما هو الصادر عنه، من دون اعتبار قابلية المحلّ فيها جزء أو شرطا- على ما سيأتي بيانه- فعند الشكّ في تحقّقها تكون مسبوقة بالعدم، بداهة أنّ فعل الذابح أمر حادث مسبوق بالعدم الأزلي، و هذا العدم الأزلي مستمر من قبل وجود الحيوان إلى زمان تحقّق موته و إزهاق الروح عنه، غايته أنّ عدم التذكية قبل وجود الحيوان يكون عدما محموليّا منتف بانتفاء موضوعه و هو الحيوان، و بعد وجود الحيوان يكون عدما نعتيّا و هو عدم تذكية هذا الحيوان الموجود، و هذا العدم النعتي مستمر إلى زمان زهوق الروح عنه و بعده، من دون أن ينقلب ذلك العدم الثابت في حال الحياة إلى عدم آخر في حال الممات بل هو هو، غاية الأمر أنّ عدم التذكية الثابت في حال حياة الحيوان لم يكن موضوعا لأثر شرعي، لأنّ موضوع الحرمة و النجاسة و عدم جواز الصلاة مركّب من أمرين: زهوق الروح مع عدم التذكية، فعدم التذكية في حال الحياة لم يكن لها أثر، و لكنّ بقاء ذلك العدم إلى تحقّق الجزء الآخر- الذي هو عبارة عن زهاق الروح- يكون ذا أثر شرعي من النجاسة و الحرمة و عدم جواز الصلاة في جلده، و المفروض تحقّق زهوق الروح وجدانا فيستصحب عدم التذكية الثابتة في حال الحياة إلى زمان زهوق الروح، و يلتئم حينئذ كلا جزئي المركّب الذي يكون موضوعا للنجاسة و غيرها من الأحكام، غايته أنّ أحد جزئي المركّب يكون محرزا بالوجدان و الجزء الآخر بالأصل.

و حاصل الكلام: أنّ معروض التذكية التي هي عبارة عن فعل الذابح إنّما

هو الجسم، و هذا الجسم في حال الحياة لم يكن مذكّى و لم يرد عليه فعل الذابح بالعدم النعتي فيستصحب إلى زمان زهوق الروح، و الأثر في المقام مترتّب على نفس هذا العدم النعتي المستمرّ، و ليست حياة الحيوان من مقوّمات هذا العدم و قيدا للموضوع حتّى يقال بتبدل ذلك العدم إلى عدم آخر لانقلاب الموضوع و فوات الحياة عن الحيوان، بل ليست الحياة إلّا من حالات الموضوع الذي عبّر عنها الشيخ- قدّس سرّه- بالوجودات المقارنة، و الموضوع هو الجسم الثابت في كلا الحالين، فلا الموضوع تبدّل و لا العدم انقلب.

فالإنصاف أنّه لو قلنا: إنّ التذكية هي عبارة عن فعل الذابح فقط من دون أخذ قابلية المحل جزء لها، بل هي شرط آخر للنجاسة و غيرها من الأحكام مغايرة للتذكية، فلا مجال للمنع عن جريان أصالة عدم التذكية عند الشكّ فيها، و كذا لو قلنا: إنّ قابلية المحلّ داخل في التذكية و جزء لها و لكن كان المشكوك من الحيوانات القابلة للتذكية بأن لا يكون من الحشرات- بناء على أنّ كلّ حيوان قابل للتذكية سوى الحشرات- أو لم يكن من المسوخ أيضا- بناء على أنّه لا يقبل التذكية أيضا.

و بالجملة: لسنا في مقام تنقيح الضابط بين ما يقبل التذكية و ما لا يقبل، بل هو موكول إلى محلّه، و إن كان لا يبعد القول بان كل حيوان قابل للتذكية [سوى] (1)الحشرات، و على كلّ حال بعد إحراز قابلية المحلّ- كما هو مفروض الكلام- تكون أصالة عدم التذكية جارية عند الشكّ فيها، سواء قلنا بأنّ قابلية المحل جزء للتذكية أو لم نقل.

نعم لو قلنا بأنّ قابلية المحل جزء أو شرط لتحقّق التذكية- و إن لم يمكن القول


1) ما بين المعقوفتين لم توجد في النسخة و أثبتناه لاقتضاء السياق.

بذلك لأنّ التذكية تعرّض المحل القابل فلا يمكن أخذ القابلية في مفهومها- لما كان لأصالة عدم التذكية مجال أصلا عند الشك في قابلية المحل لها و لو فرض العلم بتحقّق ما هو فعل الذابح، لأنّ فعل الذابح بنفسه على هذا القول لم يكن تذكية، بل هي مركّب من فعله و من قابلية المحل، و قابلية المحل ليست لها حالة سابقة حتّى تستصحب، فإنّ الحيوان إمّا أن يوجد قابلا للتذكية و إمّا أن يوجد غير قابل، فلا مجرى لأصالة عدم التذكية حينئذ كما لا يخفى، هذا.

و لكن حتّى على هذا القول لو شكّ في ورود فعل الذابح على الحيوان المشكوك القابلية لكان أصالة عدم التذكية تجري أيضا، لأنّه بناء على هذا القول تكون التذكية معنى حاصلا من فعل الذابح و من قابلية المحل، و هذا المعنى البسيط الحاصل من ذلك مقطوع العدم عن هذا الجسم في حال حياته فيستصحب إلى حال الممات.

و الحاصل: أنّ نفس قابلية الحيوان للتذكية و إن لم يكن لها سابقة إلّا بالعدم المحمولي الثابت قبل وجود الحيوان، إلّا أنّ التذكية الحاصلة منها و من فعل الذابح يكون مسبوقا بالعدم في حال حياة الحيوان، فتجري أصالة عدم التذكية عند الشكّ في حصولها، فانقدح أنّه عند الشكّ في تذكية الحيوان تكون أصالة عدم التذكية محكّمة، من غير فرق بين أن نقول: إنّ التذكية عبارة عن نفس فعل الذابح و كان قابلية المحل شيئا آخر معتبرا في تأثير التذكية للطهارة و الحلّية، أو نقول: إنّ التذكية هي عبارة عن معنى بسيط منتزع عن مجموع الأمرين، و إنّما تظهر الثمرة بين القولين فيما إذا علم بتحقّق ما هو فعل الذابح، فإنّه بناء على أنّ التذكية عبارة عن نفس فعل الذابح فالتذكية تحقّقت قطعا و يرجع إلى قابلية المحل عند الشكّ فيها إلى أصالة الحلّ و الطهارة سواء كانت الشبهة حكمية أو موضوعية، و أمّا بناء على القول الآخر فأصل التذكية مشكوكة، فتأمّل جيّدا.

و على كلّ حال قد ظهر ممّا حقّقناه انه عند الشكّ في التذكية لا مانع من جريان أصالة العدم، و عليه لا تظهر الثمرة بين شرطية التذكية أو مانعية الموت، فلا حاجة في إتعاب النفس لإثبات أحد الأمرين، و إن كان القول بمانعية الموت لا يخلو عن قوّة، لظاهر النواهي الدالّة على المنع عن الصلاة في أجزاء الميتة، فإنّ النهي المتعلّق بإجزاء العبادة و شرائطها ظاهر في المانعية لا الحرمة التكليفية، كما أنّ الأمر المتعلّق بها ظاهر في الجزئية و الشرطية لا الوجوب النفسي.

و ما قيل من أنّ الظاهر من قوله عليه السّلام في صحيحة ابن بكير (1)«و إن كان ممّا يؤكل لحمه فالصلاة في وبره و شعره و بوله و ألبانه و كلّ شي‌ء منه جائزة إذا علمت أنّه ذكي قد ذكّاه الذابح» و قوله عليه السّلام في خبر أبي حمزة «لا تصل فيها إلّا ما كان ذكيّا» (2)هو شرطية التذكية لا مانعية الموت، فيمكن منعه لاحتمال أن يكون المراد بالذكي عدم الميتة، و التعبير بالذكي من باب أنّه إذا لم يكن ميتة فلا محالة يكون ذكيّا لانتفاء الواسطة، فتأمّل جيّدا.

المقام الثاني: بعد ما تبيّن أنّ المرجع عند الشكّ في التذكية هو أصالة العدم
اشارة

، فيقع الكلام

في بيان ما هو المخرج عن هذا الأصل، و هو أحد أمور:
الأول: المأخوذ من المسلم

، فإنّ يد المسلم قد جعلها الشارع أمارة على التذكية، سواء أخبر ذو اليد بها أو لم يخبر.

و ممّا يدلّ على اعتبار يد المسلم ما رواه إسماعيل بن عيسى قال: سألت


1) الوسائل: ج 3 ص 250 باب 2 من أبواب لباس المصلّى، ح 1.

2) وسائل الشيعة: ج 3 ص 251 باب 2 من أبواب لباس المصلي، ح 6.

أبا الحسن عليه السّلام عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل، أ يسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلما غير عارف؟ قال عليه السّلام: عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين. يبيعون ذلك، و إذا رأيتم يصلّون فيه فلا تسألوا عنه (1).

و هذه الرواية- كما ترى- كالصريحة في اعتبار يد المسلم، و ما ربّما يظهر منها من اعتبار أمر زائد على اليد، من استعمال المسلم له كالصلاة فيه، فالظاهر أنّه غير معتبر عند الأصحاب.

الأمر الثاني: الاشتراء من سوق المسلمين

و إن لم يعلم إسلام البائع، و لكن بشرط عدم العلم بكفره بأن كان مجهول الحال- كما سيأتي- و الذي يدلّ على اعتبار سوق المسلمين ما رواه أبو نصير عن الرضا عليه السّلام قال: سألته عن الخفّاف يأتي السوق فيشتري الخفّ لا يدري أ ذكي هو أم لا، ما تقول في الصلاة فيه و هو لا يدري أ يصلّي فيه؟ قال عليه السّلام: نعم أنا اشتري الخفّ من السوق و يصنع لي و أصلّي فيه و ليس عليكم المسألة (2).

و إطلاق هذه الرواية تدلّ على اعتبار السوق و إن لم يعلم إسلام البائع، و لا يمكن دعوى انصرافه إلى ما كان البائع مسلما لغلبة وجود أهل الذمّة في سوق المسلمين في ذلك الزمان، فدعوى الانصراف ممّا لا وجه له.

الأمر الثالث: ما إذا كان الجلد أو غيره من أجزاء الحيوان مطروحا في أرض الإسلام.

و قد استدلّ على اعتبار ذلك بما رواه السكوني عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام سئل عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة لكثير لحمها و خبزها و جبنها و بيضها و فيها سكّين، فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: يقوّم ما فيها


1) الفقيه: ج 1 ص 258 باب لباس المصلّي، ح 792 و فيه «رأيتموهم يصلّون» طبع جامعة المدرّسين بقم.

2) الوسائل: ج 2 ص 1072 باب 50 من أبواب النجاسات، ح 6 و فيه أحمد بن محمّد بن أبي نصر.

ثمّ يؤكل لأنّه يفسد و ليس له بقاء، فإذا جاء طالبها غرموا له الثمن، قيل له:

يا أمير المؤمنين عليه السّلام لا يدري سفرة مسلم أم سفرة مجوسي، فقال عليه السّلام: هم في سعة حتّى يعلموا (1).

و ربّما يستدلّ عليه أيضا بما رواه عمّار عن العبد الصالح عليه السّلام أنّه قال:

لا بأس بالصلاة في الفراء اليماني و فيما صنع في أرض الإسلام، قلت: فإن كان فيها غير أهل الإسلام؟ قال عليه السّلام: إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس (2).

و الاستدلال بذلك على اعتبار المطروح في أرض الإسلام، بحيث يكون نفس كونه في أرض الإسلام أمارة على التذكية قاطعة لأصالة العدم مشكل، و إن قال به جماعة من الأساطين لكن بعد تقييده بما إذا كان عليه أثر الاستعمال، بأن يكون على المطروح أثر يستفاد منه أنّه كان مستعملا فيما لا يجوز استعماله على تقدير كونه ميتة، كاللّحم الموضوع في السفرة كما في الخبر المتقدّم، حيث إنّه يستفاد من وضعه في السفرة أنّه وضع فيها لأجل الأكل الذي لا يجوز على تقدير كونه من ميتة، و هذا بخلاف الجلد المطروح في الأرض الذي لا يكون عليه أثر الاستعمال.

و استفادة هذا القيد إنّما يكون من خبر السفرة، و لا بأس باستفادته إلّا أنّ الكلام في أصل اعتبار المطروح في أرض الإسلام من دون أن يكون في يدهم أو سوقهم، فإنّ ما استدلّ به على اعتبار ذلك من الخبرين لا يخلو عن مناقشة.

أمّا خبر السفرة فالظاهر منه أنّه ليس السؤال عن التذكية و عدمها، بل جهة السؤال عن الطهارة و النجاسة، فإنّ الظاهر من قوله «لا يدري سفرة مسلم أو سفرة مجوسي» هو أنّه لا يعلم طهارة ما في السفرة و نجاستها، فأجاب عليه السّلام:

بأنّهم في سعة ما لا يعلمون، أي محكوم بالطهارة حتّى يعلم خلافه، و لا يمكن


1) الوسائل: ج 2 ص 1073 باب 50 من أبواب النجاسات، ح 11.

2) الوسائل: ج 2 ص 1072 باب 50 من أبواب النجاسات، ح 5.

التمسّك بإطلاق السؤال و الجواب لصورة الشكّ في التذكية و عدمها، لأنّ السؤال و الجواب لم يسق لهذه الجهة، و على فرض التسليم فغايته أن يكون مفاد هذا الخبر كمفاد المطلقات الآتية من الحكم بحلّية ما لا يعلم كونه ميتة، و سيأتي أنّه لا يمكن الأخذ بإطلاقها.

و بالجملة: دلالة هذا الخبر على أنّ نفس كون الشي‌ء في أرض المسلمين مع عدم العلم بسبق يد مسلم عليه أمارة شرعية، بحيث تكون قاطعة لأصالة عدم التذكية مشكل.

و أمّا خبر عمّار فهو أجنبي عمّا نحن فيه، فإنّ حلّية ما صنع في أرض الإسلام لا يلازم حلّية المطروح في أرض الإسلام، بل الظاهر منه أنّ المصنوع في أرض الإسلام من الفراء و غيره و إن كان فيها غير الإسلام يجوز استعماله و التصرّف فيه من الصلاة و غيرها، و هذا لا ينافي اعتبار أخذه من السوق أو من يد المسلم، بل الظاهر من الخبر هو كون المصنوع في أرض الإسلام الذي يباع و يشترى في أسواقهم يجوز الصلاة فيه و إن لم يعلم كون صانعه مسلما، فيكون مساق هذا الخبر مساق الأخبار الدالّة على اعتبار السوق، و أين هذا من الدلالة على اعتبار المطروح في بلاد المسلمين.

و الحاصل: أنّه بعد لم يظهر لنا دليل يدلّ على أمارية الطرح في أرض الإسلام في مقابل اليد و السوق، فالأقوى الاقتصار في مخالفة الأصل على اليد و السوق.

نعم هنا جملة من الأخبار يظهر منها أنّ كلّ ما لم يعلم كونه ميتة فهو محكوم بالتذكية، و قد أخذ بإطلاقها بعض الأساطين، فلو تمّ هذا لكان ذلك تخصيصا لحجّية الاستصحاب، و تكون أصالة عدم التذكية ساقطة من أصلها و لو أخذ من يد كافر فضلا عن الأخذ من مجهول الحال في غير سوق المسلمين، و لكنّ الكلام في إطلاق هذه الروايات أوّلا، و في إمكان الأخذ به ثانيا.

و لا بأس أوّلا بذكر بعض الأخبار، ثمّ نعقبه بما هو المستفاد منها.

ففي موثّقة سماعة عن الصادق عليه السّلام سألته عن تقليد السيف في الصلاة فيه الفراء و الكيمخت، فقال عليه السّلام: لا بأس ما لم يعلم أنّه ميتة (1).

و في صحيحة الحلبي حدّثني علي بن أبي حمزة أنّ رجلا سأل أبا عبد اللّٰه عليه السّلام و أنا عنده عن الرجل يتقلّد السيف و يصلّي فيه، قال: نعم، قال الرجل: إنّ فيه الكيمخت، فقال: و ما الكيمخت فقال: جلود الدوابّ منه ما يكون ذكيّا و منه ما يكون ميتة، فقال عليه السّلام: ما علمت أنّه ميتة فلا تصلّ فيه (2).

و في رواية محمّد بن يونس أنّ أباه كتب إلى أبي الحسن عليه السّلام سأله عن الفرو و الخفّ ألبسه و أصلّي فيه و لا أعلم أنّه ذكي، فكتب عليه السّلام: لا بأس به (3).

و في معناها أخبار (4)أخر دلّت بإطلاقها على الحكم بالتذكية ما لم يعلم أنّه ميتة، هذا.

و لكنّ الإنصاف عدم إمكان التمسّك بها.

أما أولا: فلأنّ الظاهر أن يكون جهة السؤال في جميع الأخبار الواردة في هذا الباب هو أنّه لمّا كان- في زمن الأئمّة- أهل الذمّة يبيعون و يشترون في أسواق المسلمين، و كانت العامّة تحلّ ذبائح أهل الكتاب و يعاملون معها معاملة ذبائح المسلمين، و كذلك كانت تحلّ الميتة بالدبغ، و حيث كانت الشيعة كثير التردّد


1) الوسائل: ج 2 ص 1073 باب 50 من أبواب النجاسات، ح 12.

2) الوسائل: ج 3 ص 332 باب 55 من أبواب لباس المصلي، ح 2.

3) الفقيه: ج 1 ص 258 باب لباس المصلّي، ح 793.

4) الوسائل: ج 2 ص 1071 باب 50 من أبواب النجاسات، ح 2 و باب 61 من أبواب لباس المصلّي، ص 337، ح 1 و باب 50 من أبواب النجاسات ص 1073، ح 11.

مع العامّة و مخالطون لهم و يعاملون معهم في البيع و الشراء، فمن أجل هذا أوجب الضيق على الشيعة، حيث كانوا يدخلون السوق و يشترون ما لا يعلم أنّه من ذبيحة المسلم أو ذبيحة أهل الذمّة، و كذا لم يعلم أنّه ميتة دبغ أولا، فكثر السؤال من الأئمّة عليهم السّلام، و أنّ هذه المعاملات التي تقع في الأسواق بيننا و بين العامّة- مع ما هو المعلوم من طريقتهم- كيف حالها، و أنّه يجوز أن يعامل مع المأخوذ معاملة المذكّى أو لا، فأجابوا عليهم السّلام بعدم البأس، و أنّه يعامل معه معاملة المذكّى.

فجميع ما صدر عنهم عليهم السّلام جوابا في هذه الأخبار إنّما سيق لبيان حكم المعاملات الواقعة بين الشيعة و بين أهل السوق، و عليه لا يبقى مجال لتوهّم الإطلاق فيما دلّ على حلّية ما لم يعلم كونه ميتة، بل هو منزّل على ما كان متعارفا في ذلك الزمان، و يكون مساقها مساق الأخبار الدالّة على اعتبار اليد و السوق.

و أمّا ثانيا: فعلى فرض تسليم الإطلاق فلا بدّ من تقييده بما إذا لم يؤخذ من يد الكافر، أو من يد مجهول الحال في غير سوق المسلمين، و ذلك لصراحة بعض الأخبار بوجوب السؤال و الفحص عمّا أخذ من يد المشركين.

ففي خبر إسماعيل بن موسى عن أبيه سألت أبا الحسن عليه السّلام عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل، أ يسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلما غير عارف؟ قال عليه السّلام: عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك (1).. إلخ. و مع هذا التصريح كيف يمكن الأخذ بإطلاق ما دلّ على حلّية ما لم يعلم كونه ميتة و لو أخذ من يد الكافر؟

فالإنصاف أنّه لا قاطع لأصالة عدم التذكية إلّا يد المسلم أو سوق المسلمين


1) الوسائل: ج 2 ص 1072 باب 50 من أبواب النجاسات، ح 7 و فيه. عن سعد عن أبيه إسماعيل بن عيسى.

و لو كان المأخوذ منه مجهول الحال، لإطلاق أدلّة اعتبار السوق خرج منه ما إذا علم كفر المأخوذ منه، فتأمّل جيّدا.

بقي في المقام أمور ينبغي التنبيه عليها.
الأول: في أنّه هل يد الكافر أمارة على عدم التذكية

كما كانت يد المسلم أمارة على التذكية، أو أنّه ليس يد الكافر أمارة على عدم التذكية، بل مجرّد كونها غير أمارة على التذكية و ممّا لا أثر لها و غير موجبة لرفع اليد عن أصالة عدم التذكية الجارية في المشكوك؟

ربّما قيل بأنّ يد الكافر أمارة على عدم التذكية كما أن يد المسلم أمارة على التذكية. و قد استظهر ذلك من قوله عليه السّلام في خبر إسماعيل (1)المتقدّم «إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك» و من قوله عليه السّلام في خبر عمّار (2)المتقدّم أيضا «إذا صنع في أرض الإسلام». و في الاستظهار من ذلك نظر واضح كما لا يخفى.

و الإنصاف أنّه لم يظهر من الأدلّة ما يستفاد منه أمارية يد الكافر على عدم التذكية، بل غاية ما يستفاد منها عدم الأمارية في مقابل جعل أمارية يد المسلم.

ثمّ إنّ الثمرة بين القولين إنّما تظهر فيما إذا اشتركا يد الكافر و يد المسلم في جلد الحيوان أو غيره، فبناء على الأمارية يقع التعارض بين الأمارتين، و نحتاج في ترجيح يد المسلم على يد الكافر إلى بعض الوجوه الاعتبارية، ككون يد المسلم أقوى أمارة من يد الكافر، و غير ذلك من الوجوه التي لا دليل على اعتبارها، و أمّا بناء على ما قلناه من عدم أمارية يد الكافر فلا تعارض في البين.

و ربّما قيل بظهور الثمرة أيضا فيما إذا سبقت يد الكافر على يد المسلم، فيقع


1) الفقيه: ج 1 ص 258 باب لباس المصلي، ح 792.

2) الظاهر أنّ المراد خبر إسحاق بن عمّار المذكور في الوسائل: ج 2 ص 1072 باب 50 من أبواب النجاسات،

التعارض أيضا و يقدّم يد المسلم للأقوائية و اللحوق و غير ذلك، هذا. و لكنّ تمامية هذه الثمرة موقوفة على كون يد المسلم أمارة على التذكية و لو مع العلم بسبقها بيد الكافر، و سيأتي الإشكال في ذلك.

الأمر الثاني: في أنّ أمارية يد المسلم على التذكية هل مطلقة

و لو مع العلم بسبق يد الكافر عليه، أو أنّها مقيّدة بما إذا لم يعلم ذلك؟

فنقول: ذهب بعض الأساطين إلى الأول، نظرا إلى إطلاق الأدلّة الدالّة على اعتبار يد المسلم، كقوله عليه السّلام في ذيل خبر إسماعيل (1)المتقدّم «و إذا رأيتم يصلّون فيه فلا تسألوا عنه» حيث إنّ إطلاق ذلك يقتضي اعتبار يد المسلم و لو مع العلم بأخذه من يد الكافر، هذا.

و قد استشكل شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- في ذلك، و مال إلى عدم اعتبار يد المسلم مع العلم بسبقها بيد الكافر إلّا على وجه تأتي الإشارة إليه.

و حاصل ما أفاده- مدّ ظلّه- في وجه الإشكال يحتاج إلى تمهيد مقدّمة، و هي أنّ الأدلّة المتكفّلة لبيان الأحكام الشرعية تارة تكون على نحو القضايا الحقيقية و مبيّنة للكبريات التي يتألّف منها الأقيسة لاستنتاج الأحكام الجزئية، كقوله عليه السّلام «إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجّسه شي‌ء» (2)و أمثال ذلك، و اخرى تكون على نحو القضايا الخارجية، كما إذا سئل المعصوم عليه السّلام عن فعل شي‌ء أو ترك شي‌ء فأجاب عليه السّلام بالبأس أو عدم البأس، فإنّ هذا لا يكون على نحو الكبرى الكلّية، بل قضية خاصّة وردت في مورد خاص، و من هنا يعبّر عنها في كلمات الفقهاء بأنّها قضية في واقعة.


1) الفقيه: ج 1 ص 258 باب لباس المصلّي، ح 792.

2) الوسائل: ج 1 ص 117 باب 9 من أبواب الماء المطلق، ح 1.

و قد حقّقنا ذلك في مبحث «لا ضرر» و قلنا في ذلك المورد: إنّه ليس كلّ ما صدر عنهم عليهم السّلام جوابا عن سؤال خاصّ يكون على نحو القضية الخارجية، بل ربّما يستفاد منه كبرى كلّية، و قد حرّرنا الضابط بينهما على وجه لا مزيد عليه.

و الغرض في المقام مجرّد بيان أنّ الجواب يمكن أن يكون على نحو القضية الخارجية، كما أنّه يمكن أن يكون على نحو الكبرى الكلّية، فإن كان على نحو الكبرى الكلّية فلا إشكال في استفادة الإطلاق أو العموم منها لو كان في مقام البيان، و أمّا إذا كان على نحو القضية الخارجية فلا يمكن استفادة الإطلاق منها إلّا بضميمة ترك الاستفصال في الموارد التي تكون محلّا للاستفصال مع القطع بعدم خصوصية المورد، فلو لم يكن المحلّ محلا للاستفصال، أو لم يحصل القطع بعدم خصوصية المورد، لا يمكن استفادة الإطلاق من الجواب كما لا يخفى.

إذا عرفت هذا فنقول: إنّ غالب ما صدر عنهم عليهم السّلام في هذا الباب إنّما هو جواب عمّا سألوا عنه الأصحاب ممّا كانوا مبتلين به من معاملتهم مع أهل السوق الذي يكون فيهم من يستحلّ ذبائح أهل الذمّة و طهارة الميتة بالدبغ، و من المعلوم أنّ في مثل هذا لا يمكن أن يتمسّك بإطلاق الجواب، لأنّه جواب عمّا وقع في الخارج.

و لا يمكن القول بالإطلاق من باب ترك الاستفصال، لما عرفت من استفادة الإطلاق من ترك الاستفصال إنّما يكون في المحلّ القابل للاستفصال، و من المعلوم أنّ الصحابة في ذلك الزمان لم يكونوا مبتلين بما نحن مبتلون به الآن، من حمل مال التجارة من الجلود و غيرها من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، بحيث نعلم أنّ ما وقع في يد المسلم إنّما هو مسبوق بيد الكافر و حمل من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، و هذا المعنى لم يكن معهودا في ذلك الزمان، فليس المقام مقام ترك

الاستفصال، فلا يمكن القول بالإطلاق من هذه الجهة.

و كذلك لا يمكن القول بالإطلاق بدعوى القطع بعدم الفرق بين ما نحن مبتلون به الآن من سبق يد الكافر على يد المسلم، و ما كانوا مبتلين به في ذلك الزمان من المعاملة مع من يستحلّ ذبيحة أهل الذمّة، لأنّ المأخوذ في ذلك الزمان من يد المسلم العارف أو غير العارف حيث لم يعلم كونه من ذبيحة أهل الذمّة و لم يعلم سبقه بيد الكافر، فجعل الشارع يد المسلم أمارة على التذكية، و أين هذا من المأخوذ في هذا الزمان ممّا يعلم سبقه بيد الكافر؟ فدعوى القطع بعدم الخصوصية عهدتها على مدّعيها.

و الحاصل: أنّه بعد ما كان الصادر عنهم عليهم السّلام في هذا الباب إنّما هو جواب عن قضايا خارجية، و لم يرد في هذا الباب ما يكون كبرى كلّية يستفاد منه اعتبار يد المسلم على الإطلاق حتّى لو كانت مسبوقة بيد الكافر، و قد عرفت أنّ استفادة الإطلاق و الكبرى الكلّية من الجواب عن القضية الخارجية لا يمكن إلّا بترك الاستفصال مع القطع بعدم خصوصية للمورد، و كلاهما ممنوعان في مثل المقام كما لا يخفى، فالأقوى عدم اعتبار يد المسلم إذا كانت مسبوقة بيد الكافر.

نعم لو احتمل احتمالا عقلائيّا أنّ المسلم و إن أخذها من يد الكافر لكن بعد تحقيقه الحال عن تذكية المأخوذ و عدمها لكان يده بضميمة أصالة الصحة في فعل المسلم أمارة على التذكية، إلّا أنّ هذا ممّا يقطع بعدمه في هذا الزمان، للقطع بأنّ المسلمين في هذا الزمان يجلبون مال التجارة من بلاد الكفر من دون تحقيق للحال و السؤال عن التذكية و عدمها.

هذا حاصل ما أفاده شيخنا الأستاذ في هذا المقام في وجه الإشكال في اعتبار يد المسلم على الإطلاق، و قد عرفت أنّ الإشكال في ذلك إنّما هو لأمرين: الأول:

عدم ابتلاء الصحابة في ذلك بما ابتلينا نحن الآن من حمل مال التجارة من بلاد

الكفر إلى بلاد الإسلام. الثاني: أنّ ما صدر عنهم جوابا في هذا الباب إنّما يكون على نحو القضايا الخارجية و ليس لبيان الكبرى الكلّية فتأمّل جيّدا فإنّ كلا الأمرين لا يخلو عن تأمّل و ربّما يمكن استفادة الإطلاق من قوله عليه السّلام و لو لا ذلك لما قام للمسلمين سوق (1)فتأمّل

الأمر الثالث: هل يعتبر في أمارية يد المسلم أن يكون المسلم مستعملا للجلد أو غيره

فيما لا يجوز استعمال الميتة فيه كعرضه للبيع و الشراء و الصلاة فيه و أمثال ذلك، أو أنّه يكفي مجرّد كونه في يده و تحت استيلائه و إن كان مطروحا في بيته أو دكانه؟ وجهان مبنيّان على أنّ أمارية يد المسلم على التذكية هل هي من باب أماريّتها على الملك و حيث إنّ الميتة لا تملك فيد المسلم كاشفة عن الملك الملازم للتذكية، أو أنّ أماريّتها من باب حمل فعل المسلم على الصحّة، فلو قلنا بالأول فنفس كون الجلد تحت يده و سلطانه يكفي في ترتيب آثار التذكية عليه، لأنّ نفس الاستيلاء كاشف عن الملكية الملازمة للتذكية، و إن قلنا بالثاني فلا بدّ من استعماله له على وجه لا يجوز الاستعمال لو كان ميتة حتّى تجري قاعدة حمل فعل المسلم على الصحّة، بداهة أنّه لا موضوع للقاعدة إلّا في صورة الاستعمال، فلا يكفي مجرّد كونه في داره مع عدم استعماله له في ترتيب آثار التذكية عليه (2)


1) الوسائل: ج 18 ص 215 باب 25 من أبواب كيفية الحكم، ح 2 نقلا بالمضمون.

2) لا يقال: لا وجه لاعتبار قيد الاستعمال زائدا على الاستيلاء، فإنّ نفس استيلاء المسلم على شي‌ء أمارة على الملكية و الملكية تلازم التذكية و مثبتات الأمارة حجّة فلا وجه لاعتبار الاستعمال.فإنّه يقال: يد المسلم إنّما تكون أمارة على الملك فيما إذا أحرز قابلية ما في يده للتملّك، فلو كان هناك في يده شي‌ء لم يعلم كونه ترابا غير قابل للتملّك أو نحاسا قابلا له فمن مجرد كونه في يده لا يحكم كونه نحاسا، و كذا لو كان في يده لحم لا يحكم كونه من مذكّى ما لم يستعمله فيما يستعمل فيه الذكي، فالمخرج عن أصالة عدم التذكية ليست اليد فقط بل هي مع الاستعمال، و هذا هو المتيقّن من أدلّة الباب، و من هنا يعلم أنّ المبنى الأول من المبنيين الذي ذكرناهما فاسد من أصله فتأمّل «منه».

و الأقوى هو الوجه الثاني أي كون أماريّتها من باب حمل فعل المسلم على الصحّة، لأنّ الظاهر من أدلّة الباب سؤالا و جوابا هو ما إذا كان هناك استعمال من المسلم على وجه ينافي كون ما في يده ميتة كالبيع و الشراء و أمثال ذلك. و يدلّ عليه قوله عليه السّلام «و إذا رأيتم يصلّون فيه فلا تسألوا عنه» (1)و معلوم أنّ الصلاة أخذت في المقام كناية عن مطلق الاستعمال على وجه ينافي كونه ميتة، فمجرّد ثبوت جلد أو لحم بيد المسلم مع احتمال أن يكون ذلك في يده من جهة إرادة إعدامه لا استعماله لا يحكم عليه بالتذكية.

الأمر الرابع: لو كان الشي‌ء مسبوقا بيد المسلم و لو كان الآن بيد الكافر

كما إذا اشتراه اليهودي من مسلم، فهل العبرة على اليد الفعلي و يحكم عليه بعدم التذكية، إمّا من جهة أمارية يد الكافر عليها و إمّا من جهة اقتضاء الأصل ذلك على الوجهين المتقدّمين، أو أنّ العبرة على اليد السابق و يحكم عليه بالتذكية إمّا مطلقا و لو قلنا بأمارية يد الكافر على عدم التذكية، و إمّا في خصوص ما إذا منعنا عن ذلك و قلنا بأنّ الموجود في يد الكافر بعد باق على أصالة عدم التذكية من دون أن تكون يده أمارة على العدم؟

و الأقوى من هذه الوجوه هو الوسط أي كون العبرة على اليد السابقة و لا أثر لليد الفعلي للكافر أصلا، أمّا لو قلنا بعدم كون يد الكافر أمارة على العدم فواضح، فلأن المفروض ثبوت يد المسلم على هذا الشي‌ء. و هي أمارة على التذكية، و مجرّد انتقاله إلى يد الكافر التي ليس هي أمارة على العدم لا يوجب سلب الشي‌ء عمّا كان محكوما به من التذكية بمقتضى يد المسلم، و كذلك الحال لو قلنا بأمارية يد الكافر على عدم التذكية، بداهة أنّه بعد ما كان الشي‌ء بيد


1) الفقيه: ج 1 ص 258 باب لباس المصلي، ح 792.

المسلم فقد حكم عليه بالتذكيّة، و ما هو مذكّى لا يمكن أن ينقلب إلى غير المذكّى، فلا يعامل معهما معاملة تعارض الأمارتين.

و ليس المقام مثل تعارض أمارة الطهارة مع أمارة النجاسة، بداهة أن الظاهر يمكن أن ينقلب إلى النجاسة و النجس ينقلب إلى الطهارة و كذلك الملك يخرج عن الملكية، و هذا بخلاف المقام فإنّ المذكّى لا يصير غير المذكّى، فيد الكافر المسبوقة بيد المسلم ساقطة عن الأمارية و لا أثر لها، فتأمّل هذا في صورة سبق يد المسلم على يد الكافر، و أمّا في صورة العكس فقيه الكلام المتقدّم.

الأمر الخامس: في أنّ المنع عن الصلاة في الميتة هل يعمّ جميع أقسام الميتة

ممّا كان لها نفس سائلة أو لم يكن، أو يختصّ بما إذا كانت لها نفس سائلة؟ و بعبارة أخرى: هل المنع عن الصلاة فيها من جهة نجاستها، أو أنّ المنع عنها من جهة مانعية نفس الموت من دون دخل للنجاسة في ذلك، و إن اجتمعت الجهتان فيما كان لها نفس سائلة؟ وجهان بل قولان.

الأقوى هو الأول أي مقصور بما إذا كان لها نفس سائلة، لما عرفت من أنّ أغلب أخبار الباب إنّما هي جوابا عن سؤالات خاصّة في موارد خاصّة كانت الصحابة مبتلين بها من شراء الجلود و الفراء و أمثال ذلك، و معلوم أنّ مثل هذه الأشياء لم يعهد صناعتها من الميتة التي ليس لها نفس سائلة، فلا إطلاق في الأدلّة تعمّ جميع أقسام الميتة.

و ما ورد في بعض الأخبار (1)من المنع عن الصلاة في الميتة بقول مطلق فمنصرف أيضا إلى الميتة التي يعهد اتّخاذ اللّباس و غيره من جلودها و سائر أجزائها، و ذلك في الميتة التي تكون لها نفس سائلة من غير فرق في ذلك بين أن


1) الوسائل: ج 3 ص 249 و 250 باب 1 و 2 من أبواب لباس المصلّي.

نقول بشرطية التذكية أو مانعية الموت.

و ما يتوهّم من أنّه بناء على شرطية التذكية لا بد من إحرازها من غير فرق بين ما كان له نفس سائلة و غيره، و عليه لا يجوز الصلاة في مطلق الميتة و إن لم يكن لها نفس سائلة لفقد الشرط.

ففيه: أنّه و إن قلنا بشرطية التذكية لكنّ شرطيّتها مقصورة في الحيوان الذي له نفس سائلة، فإنّ ما دلّ على اعتبار التذكية ليس إلّا صحيح ابن بكير (1)و خبر ابن أبي حمزة (2)، و في كليهما اعتبرت التذكية فيما كان له نفس سائلة، فإنّ الظاهر من قوله عليه السّلام في الأول «إذا علمت أنّه ذكّي قد ذكّاه الذبح» هو أنّ التذكية معتبرة في الحيوان الذي يقبل الذبح، و الذبح لا يطلق إلّا فيما كان له نفس سائلة، فتأمّل. و الخبر الثاني يكون أظهر من ذلك، فراجع.

و الحاصل: أنّه بعد لم يظهر من الأدلّة كون مطلق الموت مانعا و إن كان الميتة طاهرة لم يكن لها نفس سائلة.

فالأولى إن لم يكن أقوى هو الاقتصار في المانعية بالميتة النجسة، و عليه لا تكون عدم الميتة شرطا آخر في الصلاة، بل هو من صغريات اشتراط الطهارة في لباس المصلّي، فالأحكام المذكورة في ذلك الباب من جواز الصلاة في المشكوك مع عدم ثبوت حالة سابقة له تقتضي نجاسته، و من صحّة الصلاة في النجس إذا وقع ذلك جهلا مع عدم سبق العلم به و غير ذلك من الأحكام كلّها جارية في باب الميتة.

فلو شكّ في حيوان من حيث ثبوت نفس سائلة له و عدمه يجوز الصلاة في


1) الوسائل: ج 3 ص 250 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 1.

2) الوسائل: ج 3 ص 252 باب 3 من أبواب لباس المصلّي، ح 3.

أجزائه، و كذا لو صلّى جهلا بكونه ميتة صحّت صلاته، فتأمّل جيّدا فإنّ ذلك لا يخلو عن إشكال، فإنّ من قال منّا بطهارة الميتة بالدبغ قال بعدم جواز الصلاة فيها، فيظهر من ذلك أنّ الموت بنفسه مانع عن الصلاة، و إن كان مانعيّته مقصورة بالميتة النجسة حسب ما استظهرناه من أدلّة الباب، إلّا أنّ ذلك لا يقتضي جريان أحكام الطهارة و النجاسة فيها أيضا.

الأمر السادس: في أنّه هل يشترط في أمارية يد المسلم على التذكية كونه غير مستحلّ للميتة بالدبغ، أو لا يشترط ذلك؟

و قد اختلفت كلمات الأصحاب في ذلك فقد حكي من بعض عدم جواز الصلاة في المأخوذ من مستحل الميتة بالدبغ، بل زاد بعض المنع ممّن يتّهم بذلك سواء في ذلك أخبر و ضمن بالتذكية أو لا، و حكي من آخر المنع إلّا إذا أخبر بالتذكية أو ضمن بها.

و لكنّ المشهور الذي عليه العمل هو الجواز مطلقا و لو علم بكونه ممّن يستحلّ الميتة بالدبغ فضلا عن المتّهم سواء في ذلك الضمان و الإخبار و عدمه، لإطلاق النصوص الواردة في الباب، بل قد عرفت أنّ تكثّر السؤال عنهم عليهم السّلام عن الشراء ممّا هو في السوق كان لأجل ذلك- أي وجود من يستحلّ الميتة بالدبغ.

بل في بعض الأخبار ما يقرب التصريح بذلك، و هو خبر إسماعيل بن موسى (1)المتقدّم فإنّ فيه: سألت أبا الحسن عليه السّلام عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل، أ يسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلما غير عارف؟ فأجاب عليه السّلام: بعدم السؤال إذا كان البائع مسلما. و هذا مع معروفية استحلال الميتة بالدبغ عند العامّة يكون كالصريح في اعتبار يد المسلم و سوقه مطلقا.


1) الفقيه: ج 1 ص 258 باب لباس المصلّي، ح 792.

و ما ورد من أنّ عليّ بن الحسين كان ينزع الفرو المأخوذ من أرض العراق في وقت الصلاة، معلّلا بأنّ أهل العراق يستحلّون الميتة بالدباغ (1). فليس فيه دلالة على خلاف ما ذهب إليه المشهور و إن استدلّ به صاحب القول الأول، فإنّ نفس أخذه عليه السّلام و لبسه و إن كان في غير حال الصلاة دليل على أنّه ما كان يعامل معه معاملة الميتة، بداهة أنّه لو كان المأخوذ ممّن يستحلّ الميتة بالدبغ ممّا لا يحكم عليه بالتذكية و كان بحكم الميتة لما جاز لبسه و استعماله في حال من الأحوال، فنفس استعماله و لو في غير حال الصلاة أقوى شاهد على أنّه بحكم المذكّى.

و ذلك لا ينافي نزعه في حال الصلاة، فإنّ ذلك كان للتنزيه و شدّة الاحتياط لإحراز الواقع الذي ينبغي البناء عليه لكلّ أحد فضلا عن المعصوم عليه السّلام، و الاحتياط في الموضوع لا ينافي مرتبة العصمة، فتأمّل.

و كذلك لا ينافي ما ذهب إليه المشهور خبر الأشعري قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر عليه السّلام: ما تقول في الفرو نشري من السوق؟ فقال عليه السّلام: إذا كان مضمونا فلا بأس (2). و إن استدلّ به صاحب القول الثاني بناء على حمل الضمان على ضمان البائع، فيدلّ بمفهومه على عدم جواز الشراء عند عدم ضمان البائع ذكاته، فإنّ أقصى ما يفيده المفهوم هو ثبوت البأس عند عدم الضمان، و ذلك غير صريح و لا ظاهر في المنع عن الشراء، فلا يمكن أن يقاوم ما تقدّم من الأدلّة الصريحة على جواز الشراء من السوق و لو علم أنّ البائع كان ممّن يستحلّ الميتة بالدبغ.


1) الوسائل: ج 2 ص 1081 باب 61 من أبواب النجاسات، ح 3.

2) الوسائل: ج 2 ص 1073 باب 50 من أبواب النجاسات، ح 10 و فيه اختلاف يسير.

و ربّما يستدلّ للتفصيل المزبور بما رواه عبد الرحمن قلت لأبي عبد اللّٰه عليه السّلام: إنّي أدخل سوق المسلمين أعني هذا الخلق الذين يدّعون الإسلام فأشتري منهم الفراء للتجارة فأقول لصاحبها هي ذكية فيقول بلى فهل يصلح لي أن أبيعها على أنّها ذكية فقال عليه السّلام: لا و لكن لا بأس أن تبيعها و تقول قد شرط الذي اشتريتها منه أنّها ذكية فقلت: و ما أفسد ذلك قال عليه السّلام:

استحلال أهل العراق الميتة و يزعمون أنّ دباغ الجلد ذكاته (1).. إلخ. فإنّ ظاهر التعليل هو المنع عن الأخذ ممّن يستحلّ الميتة بالدبغ مطلقا حتّى مع الإخبار بالتذكية، غاية الأمر أنّ صدر الرواية دلّت بالصراحة على جواز الشراء عند الإخبار بالتذكية، و إن منع عن بيعها على أنّها ذكية، فيبقى صورة عدم الإخبار داخل في التعليل.

و فيه: أنّ التعليل إنّما سيق لأجل المنع عن بيعها على أنّها ذكية لا لأصل المنع عن الشراء، فليس في الرواية ما يدلّ على المنع عن الشراء عند عدم الإخبار، بل المتحصّل من الرواية هو أنّه حيث كان أهل العراق يستحلّون الميتة بالدبغ فليس للمشتري منهم أن يبيع ما اشتراه على أنّه ذكيّ، لأنّ ظاهر الاشتراط هو الإخبار عن الذكاة و أنّه عالم به مع أنّه لم يعلم به، فإنّ أخذه ممّن يستحلّ ذلك يوجب عدم العلم بالذكاة، و إخبار البائع الأول لا يوجب العلم به فليس للبائع الثاني الإخبار على سبيل الجزم بذكاته، و أين هذا من الدلالة على التفصيل المزبور؟

و بالجملة: بعد لم يظهر لنا دليل يدلّ على خلاف ما ذهب إليه المشهور، و على تقدير ثبوته فهو مؤوّل أو مطروح، لعدم مقاومته لما تقدّم من الأدلّة الدالّة على اعتبار يد المسلم مطلقا و لو كان ممن يستحلّ الميتة بالدبغ، فالأقوى ما عليه المشهور


1) الوسائل: ج 2 ص 1081 باب 61 من أبواب النجاسات، ح 4 و فيه اختلاف يسير.

الأمر السابع: مقتضى إطلاق الأدلّة هو عدم جواز الصلاة في الميتة مطلقا،

سواء كان ممّا تتمّ الصلاة فيه أولا، و سواء كان نعلا أو خفّا أو غيره.

و ما ورد (1)في (2)بعض الأخبار من نفي البأس عن النعال و الخفاف إذا لم تكن من أرض المسلمين فمحمول أو مطروح، بداهة عدم مقاومته لمطلقات الباب، مع أنّه معارض لصريح بعض الأخبار الوارد في خصوص الخفاف من المنع عن الصلاة فيها إذا كانت من ميتة، و هو ما رواه الحلبي قلت لأبي عبد اللّٰه: الخفاف عندنا في السوق فنشتريها فما ترى في الصلاة فيها؟ فقال عليه السّلام: صلّ فيها حتّى يقال لك إنّما ميتة بعينها (3)فاحتمال جواز الصلاة في الخفاف المصنوعة من الميتة ضعيف غايته، كضعف احتمال جواز الصلاة في خصوص النعال، لما ورد (4)في عدّة من الأخبار من أنّ نعل موسى عليه السّلام الذي أمر بخلعه كان من جلد ميتة، فيظهر منه جواز لبس النعل من الميتة، و إذا جاز لبسه جاز الصلاة فيه.

وجه الضعف هو أنّه أولا: مجرّد جواز لبس ذلك في شريعة موسى عليه السّلام لا يثبت جوازه في شريعتنا، مع ما ورد (5)من المنع عن استعمال الميتة بقول مطلق الشامل للنعل، بل لم يعلم جواز ذلك حتّى في شريعة موسى عليه السّلام، لأنّه كان لبسه و الأمر بخلعه قبل تلبّسه بمرتبة النبوّة على ما هو المحكي.


1) الوسائل: ج 3 ص 310 باب 38 من أبواب لباس المصلّي، ح 3.

2) هو ما رواه الهاشمي، قال: سألت أبا عبد اللّٰه عليه السّلام عن لباس الجلود و الخفاف و النعال و الصلاة فيها إذا لم يكن من أرض المسلمين، فقال عليه السّلام: أمّا النعال و الخفاف فلا بأس بها. «منه».

3) الوسائل: ج 3 ص 310 باب 38 من أبواب لباس المصلّي، ح 2 نقلا بالمضمون.

4) الوسائل: ج 3 ص 249 باب 1 من أبواب لباس المصلّي، ح 3 و 4.

5) الوسائل: ج 16 ص 368 باب 34 من كتاب الأطعمة و الأشربة.

و ثانيا: قد روي (1)عن الحجّة عليه السّلام تكذيب ذلك، و أنّه لم يكن نعل موسى عليه السّلام من جلد الميتة، بل المراد من خلع النعل الذي أمر به اللّٰه تعالى هو خلع محبّة الأهل الذي كان في قلب موسى.

و بالجملة: لا يمكن رفع اليد عن المطلقات بمثل هذا، فالأقوى عموم المنع حتّى من حمل أجزاء الميتة كما ربّما يشعر به رواية (2)تقليد السيف المتقدّم، بناء على كون تقليد السيف من باب المحمول، لا من باب كونه ملبوسا و إلّا كان دالّا على عدم جواز الصلاة فيما لا تتمّ الصلاة فيه، فتأمّل جيّدا.

هذا تمام الكلام في الأمر الأول من الأمور المعتبرة في لباس المصلّي.

الأمر الثاني: أن لا يكون من أجزاء غير مأكول اللّحم و إن ذكّي و كان قابلا للتذكية
اشارة

، فإنّ التذكية فيما كان قابلا لها إنّما توجب جواز سائر الاستعمالات ما عدا الصلاة.

و لسنا الآن في بيان ما يقبل التذكية من الحيوانات فإنّ لبيان ذلك مقاما آخر، و إن كان الأقوى قبول كلّ حيوان مأكول و غير مأكول للتذكية حتّى المسوخات، لما حكاه شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- من ورود بعض الأدلّة على قبول بعض المسوخات للتذكية، و إذا ثبت في البعض ثبت في الكلّ لعدم القول بالفصل.

بل ربّما يستفاد قابلية كلّ حيوان للتذكية من قوله عليه السّلام في ذيل صحيح ابن بكير (3)الآتي «ذكّاه الذابح أو لم يذكّه» بداهة ظهوره في أنّ التذكية


1) الوسائل: ج 3 ص 249 باب 1 من أبواب لباس المصلّي، ح 4.

2) الوسائل: ج 2 ص 1072 باب 50 من أبواب النجاسات، ح 4.

3) الوسائل: ج 3 ص 250 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 1.

هي عبارة عن نفس الذبح و كلّ حيوان قابل للذبح، فيستفاد من ذلك كبرى كليّة و هي قابلية كلّ حيوان للتذكية إلّا ما خرج كالحشرات، فتأمّل.

و على كلّ حال المهمّ في المقام هو البحث عن مانعية غير المأكول للصلاة.

و تنقيح البحث عن ذلك يستدعي رسم أمور:
الأول: لا إشكال و لا خلاف في مانعية غير المأكول للصلاة

و فسادها إذا وقعت فيه، و هذا في الجملة ما قد تواترت به النصوص، إنّما الكلام في أنّ ذلك على نحو الكبرى الكلّية و أن كلّ غير مأكول لا تجوز الصلاة فيه عدا ما استثنى من الخز و السنجاب، أو ليس ذلك على نحو الكبرى الكلّية بل المانعية مقصورة بما يأكل اللّحم ممّا له ناب و مخلب؟

و لا بدّ أولا من ذكر بعض ما ورد في الباب من الأدلّة، ثم نعقبه بما هو المستفاد منها فنقول:

روى ابن أبي عمير عن ابن بكير قال: سأل زرارة أبا عبد اللّٰه عليه السّلام عن الصلاة في الثعالب و الفنك و السنجاب و غيره من الوبر، فأخرج كتابا زعم أنّه إملاء رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله أنّ الصلاة في وبر كلّ شي‌ء حرام أكله فالصلاة في وبره و شعره و جلده و بوله و روثه و كلّ شي‌ء منه فاسد لا تقبل تلك الصلاة حتّى يصلّي في غيره ممّا أحلّ اللّٰه أكله، ثمّ قال: يا زرارة هذا عن رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله فاحفظ ذلك يا زرارة، فإن كان ممّا يؤكل لحمه فالصلاة في وبره و بوله و شعره و روثه و ألبانه و كلّ شي‌ء منه جائز إذا علمت أنّه ذكّي و قد ذكّاه الذبح، و إن كان غير ذلك ممّا قد نهيت عن أكله و حرم عليك

أكله فالصلاة في كلّ شي‌ء منه فاسد ذكّاه الذبح أو لم يذكّه (1).

و في رواية جعفر بن محمّد عن آبائه في وصية النبي صلّى اللّٰه عليه و آله لعليّ عليه السّلام قال: يا علي لا تصلّ في جلد ما لا يشرب لبنه و لا يؤكل لحمه (2).

و في رواية ابن أبي حمزة قال: سألت أبا عبد اللّٰه عليه السّلام و أبا الحسن عليه السّلام عن لباس الفراء و الصلاة فيها، فقال: لا تصلّ فيها إلّا ما كان منه ذكيا، قال: أو ليس الذكيّ ممّا ذكّي بالحديد؟ قال: نعم (3)إذا كان ممّا يؤكل لحمه، قلت: و ما لا يؤكل لحمه من غير الغنم؟ فقال: لا بأس بالسنجاب فإنّه دابّة لا تأكل اللّحم، و ليس هو ممّا نهى عنه رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله، إذ نهى عن كلّ ذي ناب و مخلب (4).

و في رواية محمّد بن إسماعيل بإسناده يرفعه إلى أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال:

لا تجوز الصلاة في شعر و وبر ما لا يؤكل لحمه، لأنّ أكثرها مسوخ (5).

و في الباب روايات أخر صريحة الدلالة في المنع عن الصلاة فيما لا يؤكل لحمه إلّا أنّها واردة في موارد خاصّة كالثعلب و الأرنب و السمور و أمثال ذلك، و فيما ذكرناه غنى و كفاية. إذا عرفت ذلك فيقع الكلام حينئذ فيما هو المستفاد منها، فنقول:

مقتضى رواية ابن بكير (6)هو عموم المنع عن كلّ ما لا يؤكل لحمه، و يستفاد


1) الوسائل: ج 3 ص 250 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 1.

2) الوسائل: ج 3 ص 251 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 6.

3) و في بعض النسخ «و ما يؤكل لحمه من غير الغنم» بإسقاط كلمة (لا) «منه». راجع الكافي: ج 3 ص 397، ح 3.

4) الوسائل: ج 3 ص 252 باب 3 من أبواب لباس المصلّي، ح 3.

5) الوسائل: ج 3 ص 251 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 7.

6) الوسائل: ج 3 ص 250 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 1.

منها الملازمة بين غير المأكول و فساد الصلاة، كما أنّه يستفاد منها الملازمة بين المأكول و الصحّة، فهذه الرواية بنفسها تدلّ على كبرى كلّية، و هي صحيحة السند و معمول بها عند الأصحاب، و إن كان ابن أبي بكير في نفسه ملعونا، كما يظهر من سوء تعبيره في الرواية بقوله «زعم أنّه إملاء رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله» هذا، مع ما ذكر في حالاته من الذمّ، و على أيّ حال كونه مذموما في نفسه لا يضرّ بصحّة روايته، فلا إشكال من هذه الجهة، كما لا إشكال في دلالتها على الكبرى الكلّية.

نعم مقتضى التعليل في ذيل رواية ابن أبي حمزة (1)هو عدم المنع في خصوص ما إذا لم يكن آكل اللّحم و لم يكن له ناب و مخلب، فمقتضى القاعدة- لو لم يكن في المقام شي‌ء آخر- هو تخصيص الكبرى الكلّية المستفاد من رواية ابن بكير بما في ذيل رواية ابن أبي حمزة.

و لكنّ مقتضى التعليل الوارد في ذيل رواية محمّد بن إسماعيل (2)و هو قوله عليه السّلام «لأنّ أكثرها مسوخ» هو عموم المنع أيضا (3)

و تقريبه هو أنّ قوله عليه السّلام «لأنه لا يأكل اللّحم» قد اشتمل على عقد إيجابي و هو جواز الصلاة فيما لا يأكل اللّحم، و عقد سلبي و هو عدم جواز الصلاة فيما يأكل اللّحم، و النسبة إنّما تلاحظ بين كلا العقدين من الإيجابي و السلبي مع قوله «لأنّ أكثرها مسوخ».

و حينئذ يكون قوله عليه السّلام «لأنّ أكثرها مسوخ» أخصّ مطلقا من التعليل الآخر، لأنّ العقد الإيجابي و السلبي يعم جميع أصناف الحيوانات، بداهة أنّه كلّ حيوان في الدنيا إمّا أن يكون آكل اللّحم و إمّا أن لا يكون، فكلّ حيوان لا بدّ و أن يكون داخلا في أحد العقدين، و هذا بخلاف قوله «لأنّ أكثرها مسوخ» فإنّه مختصّ بصنف خاصّ من الحيوان و هو ما كان مسوخا، و حينئذ يكون دلالة قوله عليه السّلام «لأن أكثرها مسوخ» على مانعية الحيوان المسوخ و إن لم يكن أكل اللّحم أظهر لأخصّيته، و يخرج قوله عليه السّلام «لأنّه لا يأكل اللّحم» عن العلّية.

ثمّ على تقدير كون النسبة بين التعليلين بالعموم من الوجه لا بدّ أيضا من أنّه بكلا العلّتين، و ذلك لأنّه لو قصرنا المانعية بخصوص آكل اللّحم و ما كان له ناب أو مخلب يلزم أن يبقى قوله عليه السّلام «لأنّ أكثرها مسوخ» بلا مورد، و ذلك لأنّ المسوخ إما آكل اللّحم و إما غير آكل، فإن كان آكل اللّحم فمانعيته عن الصلاة انما يكون من جهة آكليته للحم، بمقتضى مفهوم قوله عليه السّلام «لأنّه لا يأكل اللّحم» لا من جهة مسوخيته، إذ المسوخية مع كونه آكل اللّحم ممّا [لا] أثر لها، و إذا خرج هذا القسم من المسوخ عن قوله «لأن أكثرها مسوخ» فلا يبقى له إلّا مورد واحد و هو المسوخ الغير الآكل، فلو خصّ المانعية بخصوص الآكل يخرج قوله عليه السّلام «لأن أكثرها مسوخ» عن العلّية و يبقى بلا مورد و هذا ممّا لا يجوز، لأنّ كلّ عامّ بالنسبة إلى بعض موارده نص في الجملة، فتأمل.

ثم إن هذا كلّه على تقدير اشتمال الرواية على كلمة «لا» و أما بناء على ما في بعض نسخ الصحاح من سقوط كلمة «لا» فيكون التعليل حينئذ أجنبيا عن المقام كما لا يخفى وجهه على المتأمّل، فتأمّل جيّدا. «منه».

فالحري هو ملاحظة النسبة

1) الوسائل: ج 3 ص 252 باب 3 من أبواب لباس المصلّي، ح 3.

2) الوسائل: ج 3 ص 251 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 7.

3) و قد أفاد شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- أن النسبة بين التعليلين إنما هي بالأعم الأخص المطلق، و ان قوله عليه السّلام «لأن أكثرها مسوخ» أخص من قوله عليه السّلام «لأنّه لا يأكل اللّحم».

بين التعليلين و ما يستفاد منهما.

و الظاهر أن تكون النسبة بينهما هي العموم من وجه، فإنّ مقتضى التعليل في رواية ابن أبي حمزة (1)هو علّية عدم آكل اللّحم و لم يكن له ناب و مخلب للجواز سواء كان من المسوخ أو لم يكن، و مقتضى التعليل في رواية محمّد بن إسماعيل (2)هي علّية المسوخ سواء كان ذي ناب و مخلب أو لم يكن، فيقع التعارض بينهما في المسوخ الذي لم يكن له ناب و مخلب، فإنّ مقتضى التعليل في رواية ابن أبي حمزة هو جواز الصلاة فيه، و مقتضى التعليل في رواية محمّد بن إسماعيل هو عدم جواز الصلاة فيه، هذا.

و لكن من المعلوم أنّ دلالة ذيل رواية ابن أبي حمزة على انحصار علّة المنع في آكل اللّحم ممّا كان له ناب و مخلب إنّما هو بالإطلاق، إذ ليست العلّية بنفسها موضوعة للعلّة المنحصرة، بل الانحصار إنّما يستفاد من الإطلاق و عدم ذكر علّة أخرى، و هذا بخلاف دلالة ذيل رواية محمّد بن إسماعيل، فإنّها تدلّ على علّية


1) الوسائل: ج 3 ص 252 باب 3 من أبواب لباس المصلّي، ح 3.

2) الوسائل: ج 3 ص 251 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 7.

المسوخية بالنصوصية، فلا بدّ من رفع اليد عن إطلاق ما في رواية ابن أبي حمزة و عدم دلالته على الانحصار.

فيتحصّل من مجموع الذيلين علّية كلّ من المسوخية و كون الحيوان ذي ناب و مخلب للمنع و عدم جواز الصلاة في شي‌ء منها.

و إذا ثبت المنع عن المسوخ و إن لم يكن ذي ناب و مخلب فيثبت في غير المسوخ أيضا ممّا حرم أكله، لأنّ قوله عليه السّلام «لأنّ أكثرها مسوخ» علّة لعموم المنع، و أنّ المنع عن غير المأكول بجميع أقسامه إنّما هو من جهة أكثرية المسوخ فيها، فمقتضى هذا التعليل هو عموم المنع لكلّ ما لا يؤكل.

مع أنّ الظاهر أن يكون قوله عليه السّلام «لأنّ أكثرها مسوخ» علّة للتشريع لا علّة للحكم، و من المعلوم أنّ الحكم في باب علل التشريع لا يدور مدارها بل يطّرد و لو في غير موردها، و عليه يرتفع التعارض بين العلّتين أيضا، فإنّ التعليل في ذيل رواية ابن أبي حمزة (1)إنّما يكون علّة للحكم، و في ذيل رواية محمّد بن إسماعيل (2)إنّما يكون علّة للتشريع.

الأمر الثاني:

بعد ما ثبت عموم المنع عن كلّ حيوان غير مأكول اللّحم سواء في ذلك السباع و غيره، فهل يختصّ المنع بخصوص ما إذا كان له نفس سائلة كما استظهرنا ذلك في مانعية الميتة، أو يعمّ المنع لكلّ حيوان و إن لم يكن له نفس سائلة؟ مقتضى إطلاقات أدلّة الباب هو عموم المنع لكلّ حيوان.


1) الوسائل: ج 3 ص 252 باب 3 من أبواب لباس المصلّي، ح 3.

2) الوسائل: ج 3 ص 251 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 7.

و لا يقاس المقام بما تقدّم في الميتة، فإنّ في باب الميتة حيث إنّ ما دلّ على المنع عنها إنّما كان غالبا جوابا عمّا فرضه السائل من الجلود و الفراء و غيره، و لم يعهد أخذ مثل ذلك ممّا لا نفس له، فكان المنع عنها منصرفا إلى ذلك، لأنّ نجاسة الميتة هي التي كانت مرتكزة في الأذهان، و ذلك هو الذي أوجب السؤال عن المشكوك أخذه من الميتة، فالمنع عن الميتة مقصور بالميتة النجسة و هي التي تكون لها نفس سائلة.

و هذا بخلاف المقام فإنّ قوله عليه السّلام في صحيح ابن بكير «إنّ الصلاة في وبر كلّ شي‌ء حرام أكله (1).. إلخ» عامّ يشمل كلّ حيوان محرّم الأكل و إن لم يكن له نفس سائلة، و كذلك قوله صلّى اللّٰه عليه و آله لعليّ في وصيّته «لا تصلّ في جلد ما لا يشرب لبنه و لا يؤكل لحمه» (2)يعمّ كلّ حيوان.

و دعوى انصراف ذلك إلى خصوص ما كان له نفس سائلة ممّا لا شاهد عليها، خصوصا في قوله «كلّ شي‌ء حرام أكله» كما في الصحيحة، فإنّ لفظة «كلّ» موضوعة للعموم فيعمّ جميع أصناف الحيوانات.

فإن قلت: نعم و إن كان لفظة «كلّ» عامّ للجميع إلّا أنّ قوله عليه السّلام في ذيل الصحيحة «ذكّاه الذابح أو لم يذكّه» يوجب تخصيص ذلك العموم بما إذا كان تذكيته بالذبح، و ذلك مقصور بما إذا كان للحيوان نفس سائلة، بداهة أنّ تذكية ما لا نفس له ليس بالذبح.

قلت: ذلك لا يصلح للتخصيص، فإنّ المقسم في قوله عليه السّلام «ذكّاه الذابح أو لم يذكّه» هو الحيوان القابل للتذكية بالذبح و عدمه، فما لا نفس له


1) الوسائل: ج 3 ص 250 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 1.

2) الوسائل: ج 3 ص 251 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 6.

خارج عن المقسم و غير متعرّض له في هذا التقسيم، إلّا أنّ ذلك لا يوجب خروجه عن عموم قوله عليه السّلام «و كلّ شي‌ء حرام أكله».

مع أنّه يمكن أن يقال: إنّ الذبح في الرواية إنّما يكون كناية عن مطلق ما يتحقّق به التذكية لا خصوص فري الأوداج، و إنّما كان التعبير بالذبح لأنّ غالب ما يتحقّق به التذكية هو الذبح، و حينئذ يصير المعنى أنّ كلّ ما حرم أكله فالصلاة فيه فاسدة سواء ذكّي بما يذكّى به أو لم يذكّ و حينئذ يعمّ ما لا نفس له لأنّ ما لا نفس له له تذكية، غايته أنّ تذكيته ليس بالذبح بل بالخروج من الماء مثلا كما في السمك. و الحاصل: أنّ مقتضى العموم هو عموم المنع لكلّ حيوان.

و يؤيّد ذلك بل يدلّ عليه استثناء خصوص الخزّ مع كونه ممّا لا نفس له، بناء على ما ذكره الشهيد- قدّس سرّه- من أنّ الحيوانات البحرية كلّها ممّا لا نفس لها إلّا التمساح، و حينئذ يكون استثناء الخزّ مع كونه بحريّا لا نفس له دليلا على عموم المنع لكلّ حيوان، فتأمّل جيّدا.

نعم لا يعمّ ما كان غير قابل للأكل لعدم لحم فيه كالقمل و البراغيث و الزنبور و أمثال ذلك، فإنّ الموضوع في غالب الأدلّة هو ما لا يؤكل لحمه، فما لا لحم له خارج عنها، و ما في بعض الأدلّة من التعبير بحرمة الأكل كما في صحيح ابن بكير (1)فالمراد منه أيضا ما حرم أكل لحمه لانصرافه إلى ذلك، بل ربّما يستدلّ على الجواز بالسيرة القطعية و غير ذلك كما لا يخفى على المتتبّع، فالظاهر خروج ما لا لحم له عن عنوان الأدلّة.

كما أنّ الظاهر خروج الإنسان عنه أيضا لانصرافه إلى غير الإنسان، فلا بأس بالصلاة مصاحبا لشعر الإنسان و ريقه، و يدلّ على ذلك ما في الصحيح كتبت إلى


1) الوسائل: ج 3 ص 250 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 1.

أبي الحسن عليه السّلام هل يجوز الصلاة في ثوب يكون فيه شعر من شعر الإنسان و أظفاره من قبل أن ينفضه و يلقيه عنه؟ فوقّع بالجواز (1). و كذلك يدلّ على ذلك ما ورد من جواز وصل المرأة شعر غيرها بشعرها.

فالأقوى أنّ الإنسان خارج عن عنوان الأدلّة، و عليه لو فرض نسج ثوب من شعر الإنسان فلا بأس بلبسه و الصلاة فيه.

ثمّ إنّ في عموم المنع لما كان محرّم الأكل بالعارض كالموطوء و الجلال يأتي الإشارة إليه.

هذا كلّه في الحيوان الذي يتّخذ منه اللّباس و غيره، و قد عرفت مقدار المانعية من حيث عموم الحكم لكلّ حيوان محرّم الأكل و عدم العموم.

بقي الكلام في مقدار المانعية من حيث ما يتّخذ من الحيوان من اللّباس و غيره فنقول:

لا إشكال في عموم المنع لكلّ لباس تتمّ الصلاة فيه سواء كان ساترا أو لم يكن، فلو كانت جبّته الملبوسة فوق الساتر متّخذة من غير المأكول فالصلاة فيها فاسدة. و بالجملة: لا كلام في عموم الحكم لكلّ ما تتمّ الصلاة فيه، إنّما الكلام في عموم الحكم لما لا تتمّ الصلاة فيه كالتكّة و الجورب و القلنسوة.

و مقتضى صحيحة ابن بكير (2)هو عموم المنع لذلك أيضا، فإنّ قوله عليه السّلام «و كلّ شي‌ء حرام أكله فالصلاة في وبره .. إلخ» بإطلاقه شامل لما لا تتمّ الصلاة فيه بعد صدق كونه صلّى فيه.

مضافا إلى ما ورد في خصوص الجورب و التكّة من المنع إذا كانت من وبر


1) الوسائل: ج 3 ص 277 باب 18 من أبواب لباس المصلّي، ح 2.

2) الوسائل: ج 3 ص 250 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 1.

ابن بكير على ما لا يتأتى فيه الظرفية الحقيقية من ذكر الروث و اللّبن، بداهة أنّ الروث و اللّبن سواء كان في ثوب المصلّي أو بدنه لا يكون إلّا كون الصلاة معه لا فيه، مع أنّ الإمام عليه السّلام جعل مساق الروث و اللّبن مساق اللّباس و عبّر في الجميع بكلمة «في».

و من هنا التجأ بعض الأعلام إلى جعل كلمة «في» بمعنى المصاحبة و المعية، و على ذلك بنى عدم جواز الصلاة في الشعر الملقاة و في المحمول.

و ردّه في الجواهر (1)بما حاصله: أنّ مجرّد ثبوت الروث و اللّبن في الرواية لا يوجب رفع اليد عمّا يقتضيه ظاهر كلمة «في» من الظرفية و جعلها بمعنى «مع» في جميع ما ذكر في الرواية من الوبر و الشعر و الجلد، إذ جعل كلمة «في» بمعنى «مع» في مثل هذه الأمور بلا موجب، لإمكان تحقّق معنى الظرفية فيها كالصلاة في الثوب المعمول من الوبر أو الشعر أو الجلد، غايته أنّ في خصوص الروث و اللّبن لا بدّ من التصرّف بعد عدم إمكان إبقاء كلمة «في» بمعناها من الظرفيّة فيهما لعدم تحقّق معنى الظرفية في ذلك.

و التصرّف كما يكون بجعل كلمة «في» بمعنى «مع» كذلك يمكن أن يكون المراد من الصلاة في اللّبن و الروث الصلاة في الثوب المتلطّخ بهما، فتكون كلمة «في» بمعناها من الظرفية في جميع ما ذكر في الرواية، غايته أنّ في خصوص اللّبن و الروث يحتاج إلى تجوّز في الكلام، و من هنا استشكل في الجواهر (2)في مانعية الشعر الملقاة و في المحمول، لعدم شمول الأدلّة لهما بعد عدم جريان الظرفية فيهما، هذا.

و لكنّ الإنصاف أنّه لا يمكن المساعدة على ما في الجواهر (3)من إبقاء كلمة


1) جواهر الكلام: ج 8 ص 77.

2) جواهر الكلام: ج 8 ص 79.

3) جواهر الكلام: ج 8 ص 77.

الأرانب، كما في خبر عليّ بن مهزيار كتب إليه إبراهيم بن عقبة عندنا جوارب و تكك تعمل من وبر الأرانب، فهل تجوز الصلاة في وبر الأرانب من غير ضرورة و لا تقية؟ فكتب: لا تجوز الصلاة فيها (1). و من المعلوم أنّه لا فرق بين وبر الأرانب و غيرها و لا بين التكّة و القلنسوة، فالأقوى عموم المنع.

و ما في خبر ابن عبد الجبّار (2)من جواز الصلاة في القلنسوة و التكّة إذا كانت من وبر الأرانب فلا بدّ من حمله على التقية أو طرحه، لعدم مقاومته للأدلّة الدالّة بالإطلاق و بالخصوص على عموم المنع.

بل ذكر شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- أنّ في نفس خبر ابن عبد الجبّار ما يظهر منه أنّ الحكم كان لأجل التقية، فإنّ فيه قال: كتبت إلى أبي محمّد عليه السّلام هل يصلي في قلنسوة عليها وبر ما لا يؤكل لحمه أو تكّة حرير أو تكّة من وبر الأرانب؟

فكتب عليه السّلام: لا تجوز الصلاة في الحرير المحض و إن كان الوبر ذكيّا حلّت الصلاة فيه. فإنّ نسبة التذكية إلى نفس الوبر يشعر (3)بالتقية، فتأمّل فإنّ في الأشعار ما لا يخفى، و على أيّ حال الأقوى ما عليه المعظم من عموم الحكم.

بقي الكلام في الشعر الملقاة على لباس المصلّي أو بدنه و في حكم المحمول. أمّا الشعر الملقاة فالظاهر أيضا عدم جواز الصلاة معها، و ذلك لأنّ كلمة «في» الواقعة في أخبار الباب و إن كانت ظاهرة في الظرفية على نحو تكون الصلاة واقعة في الشي‌ء نحو ثبوت الشي‌ء في المكان أو الزمان، و هذا المعنى من الظرفية مفقود في الشعر الملقاة على الثوب أو البدن، لعدم كون الصلاة واقعة فيه بل معه، إلّا أنّه لا بدّ من رفع اليد عمّا يقتضيه الظاهر الأولي من الظرفية، من جهة اشتمال موثّقة


1) الوسائل: ج 3 ص 258 باب 7 من أبواب لباس المصلّي، ح 3.

2) الوسائل: ج 3 ص 273 باب 14 من أبواب لباس المصلّي، ح 4.

3) لأنّ الوبر ليس ممّا تحلّه الحياة حتى يعتبر فيه التذكية «منه».

«في» في غير الروث و اللّبن على معناها الأولي من الظرفية الحقيقية، و التجوّز في خصوص اللّبن و الروث بعد ما ذكر الجميع في الرواية على مساق واحد، كما لا يمكن المساعدة على ما أفاده بعض الأعلام من جعل كلمة «في» بمعنى «مع» لأنّه خروج عمّا تقتضيه كلمة «في» بلا موجب.

فالأولى إبقاء كلمة «في» على معناها من الظرفية، و لكنّ ذكر الروث و اللّبن في الرواية يكون قرينة على أنّ المراد من الظرفية ليس هو معناها الأولي الظاهر من كلمة «في» من ثبوت الشي‌ء في المكان أو الزمان، بل المراد منها معنى أوسع من ذلك بحيث يشمل مثل اللّبن و الروث الواقع على بدن المصلّي أو لباسه و يصدق أنّه صلّى فيهما و لو بنحو من التوسعة في الظرفية.

و هذا المعنى من التوسعة موجود في الشعر الملقاة على لباس المصلّي بل على بدنه، بل و كذا المحمول إذا كان مع المصلّي بلا واسطة وعاء كما إذا كان في جيب المصلّي، و أمّا لو كان في وعاء كما إذا فرض جعل بعض أجزاء ما لا يؤكل لحمه في قارورة أو وعاء آخر و كانت القارورة مع المصلّي فصدق الظرفية على مثل هذا المحمول مشكل.

و حاصل الكلام: أنّ أدلّة الباب و إن اشتملت على كلمة «في» الظاهرة في الظرفية إلّا أنّه لا محيص عن القول بالتوسعة في الظرفية على نحو يعمّ الشعر الملقاة على اللّباس و البدن و المحمول بلا واسطة، فإنّ في الجميع يصحّ إطلاق (الصلاة فيه) بنحو من التسامح و التوسعة، و الشاهد على ذلك إطلاق الظرفية في مثل الروث و اللّبن الذي لا يكون ذلك إلّا بعد التوسعة في معنى الظرفية.

نعم في المحمول مع الواسطة جميع مراتب الظرفية مفقود، و إنّما الظرفية تكون في الوعاء المشتمل على المحمول، فيقال: صلّى في قارورة فيها عظم ما لا يؤكل مثلا، و لا يقال: صلّى في عظم ما لا يؤكل، و هذا بخلاف ما إذا كان العظم مع

المصلّي بلا واسطة لصدق الظرفية فيه، و صحّ أن يقال: صلّى في عظم ما لا يؤكل، هذا حاصل ما أفاده شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- في هذا المقام فتأمّل فيه فإنّه لا يخلو عن تأمّل خصوصا في التفرقة بين قسمي المحمول.

و على كلّ حال الظاهر عموم المنع للشعر الملقاة على لباس المصلّي لصدق الظرفية على مثل ذلك كما تقدّم فيشمله الإطلاقات، مضافا إلى خصوص خبر الهمداني كتب إليه: يسقط على ثوبي الوبر و الشعر ممّا لا يؤكل لحمه من غير تقية و لا ضرورة فكتب: لا تجوز الصلاة فيه (1). و تضعيف الجواهر (2)سنده ممّا لا وجه له بعد ما كان معمولا به.

فإن قلت: إنّ ذلك معارض بما في رواية ابن عبد الجبّار (3)المتقدّمة، فإنّ قوله عليه السّلام فيها «و إن كان الوبر ذكيّا حلّت الصلاة فيه» جوابا عمّا سأله السائل من التكّة المعمولة من وبر الأرانب و من القلنسوة التي عليها وبر ما لا يؤكل، و المعلوم أنّه لا فرق بين الوبر الملقى على القلنسوة و بين الوبر الملقى على الثوب كمعلومية عدم الفرق بين الوبر و الشعر فيكون معارضا لرواية الهمداني.

قلت: رواية ابن عبد الجبّار قد اشتملت على جزءين (أحدهما) جواز الصلاة في القلنسوة الملقى عليها وبر ما لا يؤكل لحمه (و ثانيهما) جوار الصلاة في التكّة المعمولة من وبر الأرانب. و كلّ من الجزءين له معارض بعد إلقاء الخصوصية عن القلنسوة و الوبر.

أمّا الجزء الأول فهو معارض برواية الهمداني حيث دلّت على المنع عن الصلاة في الشعر الملقاة.


1) الوسائل: ج 3 ص 251 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 4.

2) جواهر الكلام: ج 8 ص 78.

3) الوسائل: ج 3 ص 273 باب 14 من أبواب لباس المصلّي، ح 4.

و أمّا الجزء الثاني فهو معارض برواية ابن مهزيار (1)المتقدّمة، حيث دلّت على المنع عن الصلاة في التكك المعمولة من وبر الأرانب، فيكون المقام نظير العامّ المخصّص بمخصّصين المستوعبين لأفراد العام، و يدور الأمر بين الأخذ بالعام و طرح المخصّصين أو الأخذ بالمخصّصين و طرح العام، و المتعيّن في المقام هو طرح العام، لما تقدّم من عدم عمل المعظم برواية ابن عبد الجبّار (2)، مع أنّ فيها شائبة التقية فتأمّل جيّدا.

بقي الكلام في حكم ما استثناه المعظم من جواز الصلاة في الخزّ و السنجاب.

أمّا السنجاب فقد نسب إلى المشهور استثناؤه لدلالة جملة من الأخبار على جواز الصلاة فيه المعلّلة بعضها بأنّه لا يأكل اللّحم (3). بل ربّما يظهر من بعض الأخبار حلّية أكل لحمه أيضا، كما في رواية ابن أبي حمزة (4)بناء على بعض النسخ من إسقاط كلمة «لا» على ما تقدّم، لكنّ الظاهر عدم ثبوت قول معتدّ به بين الأصحاب في حلّية لحمه و إن قالوا بجواز الصلاة فيه.

و لكن مع ذلك أشكل شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- تبعا لبعض الأصحاب في جواز الصلاة فيه، نظرا إلى ورود بعض الأخبار (5)في المنع عنه، و عدم ثبوت شهر القدماء التي تكون هي العبرة في كسر الأخبار و جبرها في العمل بأخبار المجوّزة، مع احتمال التقية فيها، فتأمّل جيّدا.

و أمّا الخزّ فالظاهر قيام الإجماع على استثنائه وبرا على ما هو المحكي، و إن نقل


1) الوسائل: ج 3 ص 258 باب 7 من أبواب لباس المصلّي، ح 3.

2) الوسائل: ج 3 ص 273 باب 14 من أبواب لباس المصلّي، ح 4.

3) الوسائل: ج 3 ص 252 باب 3 من أبواب لباس المصلّي، ح 2 و 3.

4) راجع ص 220 من هذا الكتاب.

5) مستدرك الوسائل: ج 1 ص 201 باب 4 من أبواب لباس المصلّي، ح 1.

الخلاف بالنسبة إلى جلده و لكن خلاف ضعيف لا يعتدّ به، فالأقوى جواز الصلاة في وبره و جلده لدلالة جملة من الأخبار (1)على ذلك من غير معارض.

نعم قال شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- إنّ الظاهر كون هذا الخزّ المعروف في هذا الزمان غير الخزّ الذي كان يعمل منه الألبسة في عصر الأئمّة عليهم السّلام و ما تأخّر عنه إلى ما قبل زمان الشهيد- رحمه اللّٰه- فإنّ الخزّ الذي كان في ذلك العصر كان ينسج من وبره الألبسة الفاخرة التي كانت تباع بأغلى القيم، و هذا الخزّ المعروف في هذا الزمان ممّا لا يمكن أن يعمل من نفس وبره منفصلا عن جلده شي‌ء أصلا و ما في الجواهر (2)من التمسّك على اتّحاد هذا الخزّ للخزّ السابق بأصالة عدم النقل منظور فيه، لأنّه إن أريد من أصالة العدم أصالة عدم نقل معنى ذلك الخزّ الذي كان في السابق فهو ممّا لا يثبت كون هذا الخزّ الموجود في هذا الزمان هو ذلك الخزّ، و إن أريد من أصالة عدم النقل على نحو القهقراء فهو ليس بحجّة عندنا. و بناء على هذا يشكل الصلاة في هذا الخزّ إن ثبت كونه من محرّم الأكل، و إلّا فالجواز مبني على الجواز في المشكوك كما لا يخفى.

ثمّ إنّه يعتبر في الخزّ- بناء على جواز الصلاة فيه- أن يكون خالصا، فلا يجوز في المغشوش منه بوبر الأرانب و الثعالب و غير ذلك ممّا لا يجوز الصلاة فيه منفردا.

نعم في تعيين معنى الخلوص و أنّه هل هو عبارة عن عدم خلطه بشي‌ء مطلقا و لو كان الغشّ قليلا جدّا بحيث لا يراه العرف غشّا، أو أنّه ليس الأمر كذلك فلا بأس بالغشّ القليل الذي لا يراه العرف غشّا، وجهان مبنيّان على أنّ الخلوص هل هو عند العرف معنى يجامع الغشّ القليل جدّا بحيث لا ينافي ذلك مع ما هو حقيقة معناه المرتكز في ذهن العرف، نظير مفهوم الماء الصادق حقيقة بما له


1) الوسائل: ج 3 ص 260 باب 8 من أبواب لباس المصلّي

2) جواهر الكلام: ج 8 ص 91.

من المعنى على الماء المغشوش بقليل من التراب، أو أنّ الخلوص هو عبارة عن الخلوص الحقيقي بمعناه الساذج الخالص من كلّ شي‌ء، و أنّ إطلاق العرف الخالص على ما كان الغشّ قليلا من باب التسامح من حيث إنّ الغشّ لا يراه غشّا، نظير الزيادة و النقيصة القليلة في التحديدات كالكرّ مثلا.

فإن كان الخلوص هو المعنى الأول فلا ينافيه الغشّ القليل، و إن كان المعنى الثاني فالغشّ القليل ينافيه، و أنّه لا عبرة بتسامح العرف و إطلاق الخالص عليه، كما لا عبرة بإطلاق الكرّ على ما نقص منه قليلا، و حيث قلنا بأنّ هذا الخزّ غير الخزّ المستثنى في الأخبار فلا طائل في تنقيح معنى الخلوص و أنّ أيّ المعنيين صحيح، فإنّه لا موضوع لهذا البحث حينئذ فتأمّل جيّدا.

ثمّ إنّه ربّما استثنى بعض تبعا لبعض الأخبار (1)الحواصل و السمور و الفنك، و لكنّ الظاهر ذهاب المشهور على خلافه و معارضة أخبار المجوّزة لصراحة جملة من الأخبار الدالّة على المنع، فلا بدّ من حمل أخبار الجواز على التقية.

الأمر الثالث: في تحقيق الحال في شرطية المأكولية أو مانعية غير المأكولية
اشارة

، و ينبغي أولا من تمهيد مقدّمة ربّما يظهر منها فساد بعض ما قيل في المقام، و هي أنّه قد حقّق في محلّه من أنّ الشرطية و الجزئية و المانعية و السببية غير قابلة لأن تنالها بأنفسها يد الجعل، سواء في ذلك شرطية التكليف أو شرطية المكلّف به (2).


1) الوسائل: ج 3 ص 254 باب 4 من أبواب لباس المصلّي.

2) و كذلك شرطية الوضع كما في باب العقود و الإيقاعات، و كذلك في باب الطهارة و النجاسة و أمثال ذلك، و بالجملة: المدّعى هو أنّ الشرطية و الجزئية و المانعية و السببية غير قابلة للجعل في أي باب من الأبواب، سواء كان في باب التكليف أو في باب المتعلّق و المكلّف به أو في باب الوضع، لأنّ ملاك استحالة الجعل في الجميع واحد كما لا يخفى وجهه، فتأمّل جيّدا «منه».

و السرّ في ذلك واضح، فإنّ ما هو فعل الآمر و الصادر عنه في مقام التشريع ليس إلّا تصوّر عدّة أمور تكون موافقة لغرضه و قيام المصلحة بها، و بعد ذلك يجمعها في قالب الطلب و ينشئها على طبق ما تصوّره، فعند ذلك ينتزع من القيود الوجودية الجزئية و الشرطية على اختلاف بينهما في كيفية الاعتبار من جعل الشي‌ء داخلا في الماهية بحيث يتألّف منه و من غيره المركّب فيكون جزء، و من جعله خارجا عنها على نحو التقيّد داخل و القيد خارج فيكون شرطا، و ينتزع من القيود العدمية المانعية، و إلّا فنفس الشرطية و المانعية و الجزئية ليس لها ما بحذاء في وعاء، و ليس لها ثبوت و تحقّق لا في عالم التكوين و لا في عالم الاعتبار و التشريع.

بل تكون الشرطية و أخواتها أسوأ حالا من وجوب المقدّمة اللازم من وجوب ذيها، فإنّ وجوب المقدّمة أمر ثابت في عالم الاعتبار و متصوّر في عالم التشريع و تتعلّق بها إرادة آمرية، غاية الأمر إرادة تبعية تترشح من إرادة ذيها و خطابها لازم خطاب ذيها، و هذا بخلاف الشرطية و ما شابهها فإنّها أمور انتزاعية صرفة غير متأصّلة في عالم الاعتبار، و غير متعلّقة لإرادة أصلا و لو بإرادة تبعية، و ليس لها نحو ثبوت و تحقّق لا في عالم التصوّر السابق على الجعل و لا في عالم الجعل و الإنشاء، لما عرفت من أنّ الثابت في عالم التصوّر ليس إلّا لحاظ أمور متعدّدة متباينة يجمعها قيام المصلحة بها و موافقتها للغرض، ثمّ بعد ذلك. يجعلها في معرض الإنشاء و قالب الطلب.

ففي عالم التصوّر لم يتصوّر إلّا ذات الشرط و الجزء من حيث دخله في الغرض و نفس المانع من حيث منعه عنه، لا شرطية الشرط و جزئية الجزء و مانعية المانع، فإنها لم يقع التصوّر عليها و لم تدخل في عالم اللّحاظ، بل المتصوّر و الملحوظ هو

ذوات هذه الأشياء، و عند ذلك تنتزع الشرطية و الجزئية و المانعية عن المتصوّر، ففي عالم التصوّر ليس لهذه الأشياء ما بحذاء و لم يكن لها تحقّق، فإذا لم يكن لها في عالم التصوّر نحو ثبوت و تحقّق ففي عالم الجعل و الإنشاء تكون أيضا كذلك، بداهة أنّ الجعل و الإنشاء إنّما يكون على طبق المتصوّر، و لا يعقل أن يتحقّق في عالم الجعل شي‌ء ليس له تحقّق في عالم التصوّر، ففي عالم الجعل أيضا ليس للشرطية و أخواتها نحو ثبوت و تحقّق فلا يتعلّق بها جعل، بل لو فرض أنّ بعد الجعل ألف مرّة قال: جعلت هذا الشي‌ء جزء للمجعول أو شرطا له فهو غير قابل لأن يصير جزء أو شرطا له إلّا بالنسخ و تغيير المجعول عمّا جعل، و ذلك واضح إلى النهاية فلا حاجة إلى إطالة الكلام فيه.

ثمّ إنّه قد عرفت أنّ منشأ انتزاع الشرطية غير منشأ انتزاع المانعية، فإنّ منشأ انتزاع الشرطية إنّما هو تعلّق الطلب بالخصوصية الوجودية التي لها دخل في تحقّق الملاك، و هذا بخلاف منشأ انتزاع المانعية فإنّه ليس هو إلّا عبارة عن اعتبار عدمه في المتعلّق من جهة مضادّة وجوده لتحقّق الملاك.

إذا عرفت ذلك فيقع الكلام حينئذ في إمكان الجمع في الجعل بين ما هو منشأ انتزاع شرطية أحد الضدّين و مانعية الآخر، بحيث يكون وجود أحد الضدّين شرطا و الآخر مانعا، فنقول:

الظاهر عدم إمكان ذلك، و أنّه من المستحيل أن يكون لوجود أحد الضدّين دخل في الملاك و المصلحة مع مانعية الضدّ الآخر عن تحقّق الملاك، و كذلك من المستحيل أيضا جعل أحد الضدّين شرطا و الآخر مانعا، و كذلك من المستحيل أيضا ثبوت أثر و تحقّق فائدة في الجمع بين شرطية أحدهما و مانعية الآخر، فالجمع بينهما من المستحيل في جميع هذه العوالم الثلاثة من عالم الملاك و الجعل و الأثر.

و تفصيل ذلك هو أنّه لا إشكال في تقدّم رتبة الشرط على وجود المانع كتقدّم

رتبة المقتضي على وجود الشرط، فإنّ المانع هو الذي يزاحم المقتضي في تأثيره و يصادم أثره، فرتبة وجود المانع متأخّر عن وجود المقتضي، إذ مع عدم المقتضي لا معنى لمانعية المانع و كان وجوده كعدمه، و لا يستند عدم الشي‌ء إلى وجود المانع بل يستند إلى عدم وجود مقتضيه، لأنّ انتفاء الشي‌ء إنّما يكون بانتفاء أول جزء علّته و ليس هو إلّا المقتضي، فمع عدم المقتضي لا معنى لإطلاق المانع على الشي‌ء كما يشاهد ذلك بالوجدان، فإنّ مع عدم وجود النار في المكان المقتضية للإحراق لا يصحّ إطلاق المانع على البلل الموجود في المكان إلّا على نحو التعليق و الاشتراط، و ذلك بمكان من الوضوح لا حاجة إلى إطالة الكلام فيه.

فإذا ثبت تأخّر رتبة وجود المانع عن وجود المقتضي فلا محالة يكون رتبة وجوده متأخّرا عن رتبة وجود ما هو شرط لتأثير المقتضي، لما عرفت من أنّ المانع هو ما صادم تأثير المقتضي و زاحم رشحه و إفاضته الوجود لمعلوله، فلا بدّ أولا من وجود المقتضي بما له من الشرائط المعتبرة في تأثيره حتّى تصل النوبة إلى المانع، و إلّا فمع عدم وجود الشرط لا يستند عدم الشي‌ء إلّا إلى عدم شرطه لا على وجود مانعة، فإنّ المانع- كان أو لم يكن- وجوده و عدمه سيّان بعد عدم وجود ما هو الشرط لتأثير المقتضي، كما هو واضح أيضا إلى الغاية.

و إذا ظهر تأخّر رتبة وجود المانع عن رتبة وجود الشرط فلا محالة يكون رتبة عدم المانع متأخرا أيضا عن وجود الشرط، لأنّ عدم المانع هو القيد الأخير لوجود العلّة التامّة المستتبعة لوجود المعلول، فلا محالة يكون متأخّرا في الرتبة عن وجود المقتضي و الشرط كما لا يخفى.

إذا عرفت ذلك فنقول: بعد ما كان الشرط في العلل التكوينية مقدّما في الرتبة عن المانع، كان الشرط الشرعي من حيث دخله في الملاك و كشفه عن المصلحة- بناء على أصول العدلية- مقدما في الرتبة عن دخل عدم المانع في الملاك

و ما هو مصلحة الحكم، و ذلك لأنّ دخل الشروط و عدم الموانع الشرعية في الملاكات إنّما هو من الأمور الواقعية التكوينية، و لا يكون ذلك بتصرّف شرعي و جعل مولوي، بداهة أنّ مدخلية شي‌ء في الملاك و تسبّب الملاك عنه أو عدم التسبّب من الأمور الواقعية التكوينية و قد كشف الشارع عنه.

فإذا كان مدخلية الشروط و عدم الموانع الشرعية في الملاكات من الأمور الواقعية التكوينية، كان من المستحيل أن يكون لوجود أحد الضدّين دخل في تحقّق الملاك و شرط لثبوته، مع مدخلية عدم الضدّ الآخر في ثبوت الملاك أيضا بحيث يكون وجوده مانعا، بداهة أنّه عند وجوده لا يكون عدم الملاك مستندا إليه حتّى يكون مانعا، لأنّ وجوده مساوق لعدم الضدّ الآخر لاستحالة اجتماع الضدّين في الوجود، فإذا ساوق وجوده لعدم الآخر المفروض شرطيته في الملاك كان عدم الملاك مستندا إلى عدم شرطه لا إلى وجود هذا الضدّ المفروض مانعيته، لما تقدّم من تقدّم رتبة الشرط على وجود المانع، فإذا لم يكن عدم الملاك مستندا إلى وجوده لم يكن لعدمه دخل في الملاك و هو المطلوب.

و حاصل الكلام: أنّه حيث كان وجود أحد الضدّين دائما مساوقا لعدم الآخر فلا يعقل أن يكون وجود أحد الضدّين شرطا في تحقّق الملاك مع كون الضدّ الآخر مانعا عنه، لأنّه عند وجود الضدّ المفروض كونه مانعا لا يكون عدم تحقّق الملاك من أجل وجوده و مستندا إليه، بل يكون من أجل انعدام الضدّ الآخر الذي يكون وجوده شرطا في الملاك السابق وجوده في الرتبة عن وجود المانع كما تقدّم، فلا يصلح أن يكون وجود هذا الضدّ مانعا، فلا يكون لعدمه دخل في الملاك كما لا يخفى. فظهر استحالة اجتماع شرطية أحد الضدّين مع مانعية الآخر في الملاك و المصلحة المبتنية عليها الأحكام.

و أمّا استحالة اجتماعهما في الجعل فمضافا إلى لزوم خلوّ أحد الجعلين عن

الملاك، و هو مناف للأصول العدلية من تبعية الأحكام للملاكات، يلزم لغوية جعل المانع.

بل يكون من باب تحصيل الحاصل، لأنّه بنفس جعل أحد الضدّين شرطا يكون الآخر مانعا، فهو منجعل قهرا لاستحالة اجتماع الضدّين في الوجود، فلا يعقل استقلال الجعل بالنسبة إلى كلّ منهما، لأنّ جعل المانع بعد جعل شرطية أحد الضدّين يكون من قبيل جعل ما هو حاصل، لما عرفت من أنّ مانعية الضدّ و تقيّد المطلوب بعدمه لازم جعل شرطية الضدّ الآخر، و حيث كان وجود الشرط مقدّما في الرتبة على وجود المانع- كما تقدّم- فلا محالة يكون تصوّر الشرط في مقام الجعل مقدّما على جعل المانع، فيكون رتبة جعل الشرط سابقة عن جعل المانع، و إذا كان الأمر كذلك يكون جعل مانعية أحد الضدّين بعد جعل شرطية الآخر تحصيلا للحاصل، لأنّه منجعل بنفس جعل شرطية الضدّ الآخر السابق في الرتبة عليه كما لا يخفى.

و أمّا استحالة اجتماعهما في الأثر فهو أيضا أوضح من أن يخفى، لأنّه بعد جعل شرطية أحد الضدّين لا يعقل أن يترتّب أثر عملي على جعل مانعية الآخر، لأنّ وجود أحد الضدّين دائما ملازم مع عدم الآخر، و عليه يكون الانبعاث عن الجعل المتكفّل لشرطية أحد الضدّين هو بنفسه انبعاثا عن إيجاد الضدّ الآخر المفروض مانعيّته، كما أنّ عصيان خطاب الشرط يكون باتحاد ضدّه.

و الحاصل: أنّه لا يترتّب بعد جعل أحد الضدّين شرطا أثر عملي من إطاعة و عصيان على جعل مانعية الضدّ الآخر، لأنّ إطاعته و عصيانه إنّما هو بإطاعة و عصيان الشرط السابق رتبة عليه، و الأثر المترتّب على الجعل ليس إلّا الإطاعة و العصيان، فإذا انتفيا انتفى الجعل كما هو واضح.

و إذا ظهر لك استحالة الجمع بين شرطية أحد الضدّين و مانعية الآخر ملاكا

و خطابا و أثرا بما لا مزيد عليه، فلو قام هناك دليل على شرطية أحد الضدّين، و قام دليل آخر على مانعية الضدّ الآخر، كان الدليلان متعارضين و لا بدّ من إعمال باب المعارضة عليهما، فإنّ الضابط في باب التعارض هو التنافي و امتناع ثبوت مدلولي الدليلين في نفس الأمر، سواء كان ذلك من أجل مناقضة نفس الدليلين كما في أكرم زيدا و لا تكرم زيدا، أو كان من أجل قيام الإجماع و الضرورة على وحدة المجعول في الواقع، مع أنّ كلّا من الدليلين متكفّل لجعل مغاير لما تكفّله الآخر من الجعل، كما في مسألة وجوب صلاة الظهر و الجمعة، فإنّه مع قطع النظر عن الإجماع الخارجي القائم على وحدة الفريضة في يوم الجمعة لم يكن بين الدليلين تعارض، بل كان اللازم الأخذ بكلا مدلوليهما من وجوب الظهر و الجمعة، و لكن بعد قيام الإجماع على ذلك يعامل مع كلّ من الدليلين معاملة التعارض، أو كان من أجل استحالة أن تنالهما معا يد الجعل، كما فيما نحن فيه من شرطية أحد الضدّين و مانعية الآخر، فإنّ في جميع هذه الأقسام الثلاثة يعامل مع الدليلين معاملة التعارض.

فظهر فساد ما ربّما ينسب إلى بعض من عدم معاملة التعارض مع الدليلين الدالّ أحدهما على شرطية أحد الضدّين و الآخر على مانعية الضدّ الآخر، بل لا بدّ من الأخذ بكلّ منهما.

وجه الفساد واضح بعد ما عرفت من استحالة الجمع بينهما، و عليه لا محيص من معاملة التعارض مع مثل هذين الدليلين.

إذا عرفت ذلك كلّه فلا بدّ حينئذ من ملاحظة أدلّة الباب، و ما يستفاد منها من شرطية المأكولية للصلاة أو مانعية الغير المأكولية، فنقول: إنّ أخبار الباب على طوائف.

منها: ما تضمّن النهي عن الصلاة في غير المأكول، و هي عدّة من الأخبار ربّما

تصل حدّ الاستفاضة، كما يظهر للناظر في أدلّة الباب من الأدلّة العامّة و الخاصّة الواردة في المنع عن الصلاة في مثل الثعالب و الأرانب و السمور و الفنك و غيرها.

و ظهور هذه الطائفة في مانعية غير المأكول ممّا لا يكاد يخفى، لما عرفت من أنّ منشأ انتزاع المانعية إنّما هو النواهي الغيرية الدالّة على تقيّد المطلوب بعدم تخصّصه بالخصوصية الكذائية من غير المأكول و الحرير و أمثال ذلك.

و منها: ما تضمّن عدم جواز الصلاة في غير المأكول، كما في خبر الهمداني (1)المتقدّم. و هذه الطائفة أيضا كسابقها في الدلالة على المانعية كما لا يخفى، لأنّ المراد من الجواز و عدم الجواز في أخبار الباب ليس هو الجواز و عدم الجواز التكليفي، بل المراد الوضعي منه المساوق لعدم ترتّب الأثر و عدم المضي، في مقابل الجواز بمعنى المضي و ترتب الأثر، و ظاهر أنّ عدم ترتّب الأثر و عدم المضي للصلاة الواقعة في غير المأكول إنّما هو من جهة خروج الفرد المتخصّص به عن صلاحية الانطباق على المطلوب، و ليس ذلك إلّا من جهة مانعية غير المأكول عن انطباق المتخصّص به على المطلوب.

و منها: ما دلّ على فساد الصلاة الواقعة في غير المأكول، و هي أيضا ظاهرة في المانعية، لأنّ الفساد أيضا عبارة عن عدم انطباقه على المطلوب و هو معنى المانعية كما تقدّم.

و منها: بعض التعليلات الواردة في الباب من أكثرية المسوخ و آكلية اللّحم، و هذا أيضا يدلّ على المانعية، لأنّ التعليل بذلك يدلّ على أنّ المنع عن غير المأكول لملاك مسوخية الأكثر أو آكلية اللّحم، فهو تعليل بما هو ملاك المنع.

و بالجملة: هذه الطوائف كلّها يدلّ على المانعية، و لم نعثر في أدلّة الباب على


1) الوسائل: ج 3 ص 251 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 4.

ما يدلّ على الشرطية، سوى ما قيل من ظهور روايتي ابن أبي حمزة (1)و ابن بكير (2)في شرطية المأكول.

قال في الأولى: سألت أبا عبد اللّٰه عليه السّلام و أبا الحسن عليه السّلام عن لباس الفراء و الصلاة فيها، فقال: لا تصلّ فيها إلّا فيما كان منه ذكيّا، قلت: أو ليس الذكي ما ذكّي بالحديد؟ فقال: بلى إذا كان ممّا يؤكل لحمه، قلت: و ما يؤكل لحمه من غير الغنم؟ فقال: لا بأس بالسنجاب فإنّه دابّة لا تأكل اللّحم، و ليس هو ممّا نهى عنه رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله، إذ نهى عن كلّ ذي ناب و مخلب. و في نسخة: و ما لا يؤكل لحمه من غير الغنم؟ فقال: لا بأس .. (3)إلخ.

و هذه الرواية قد استدلّ بها من قال بالشرطية، و لكنّ الاستدلال بها على الشرطية يتوقّف على أن يكون ما بعد «بلى» و هو قوله «إذا كان ممّا يؤكل لحمه» راجعا إلى صدر الرواية و هو قوله «إلّا فيما كان منه ذكيّا» و يكون قيدا له، فيصير المعنى حينئذ لا تصلّ إلّا في الذكي ممّا يؤكل لحمه، و يستفاد منه الشرطية من جهة تعلّق الطلب بأمر وجودي (4).

و أمّا لو كان ما بعد «بلى» من تتمّة الجواب عن قول السائل «أو ليس الذكي ما ذكّي بالحديد» فتكون الرواية حينئذ أجنبية عن الدلالة على شرطية المأكول، لأنّه- بناء على هذا- يكون من قوله «قلت أو ليس الذكي ما ذكّي ..

إلخ» جملة مستأنفة مشتملة على سؤال و جواب أجنبي عن باب الصلاة، فكأنّ


1) الوسائل: ج 3 ص 252 باب 3 من أبواب لباس المصلّي، ح 3.

2) الوسائل: ج 3 ص 250 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 1.

3) التهذيب: ج 2 ص 203 باب 11، ح 797.

4) و هذا أيضا لا يدلّ على شرطية المأكولية بقول مطلق، بل غايته انّه يدلّ على شرطية المأكولية فيما يعتبر فيه التذكية كالجلد و غيره ممّا تحلّه الحياة، لا مثل الوبر و الشعر و غير ذلك ممّا لا تحلّه الحياة فتأمّل «منه».

السائل بعد ما سمع جواب الإمام عليه السّلام عن مسألة الصلاة في الفراء من أنّه يجوز الصلاة فيها إذا كانت ذكية، أراد أن يعلم الذكي فسأل و قال «أو ليس الذكي ما ذكّي بالحديد» فأجابه الإمام عليه السّلام بأنّه ليس مجرّد تذكية الحيوان بالحديد يكون ذكيّا، بل يعتبر أن يكون الحيوان الذي يرد عليه التذكية ممّا يؤكل لحمه.

و بهذا استدلّ من قال بعدم قبول غير مأكول اللّحم للتذكية، و عليه لا بدّ من رفع اليد عن هذا الذيل لمعارضته لعدّة من الأخبار الصريحة الصحيحة الدالّة على قبول غير مأكول اللّحم للتذكية.

و بالجملة: لو كان قوله «إذا كان ممّا يؤكل لحمه» من تتمّة الجواب عن السؤال الثاني فتكون الرواية بمعزل عن الدلالة على شرطية المأكولية، و إنّما هو أمر آخر لا بدّ من رفع اليد عنه بما دلّ على قبول المسوخ و غيره للتذكية، و يكون الجواب عن السؤال الأول مجرّد قوله عليه السّلام «لا تصل فيها إلّا فيما كان منه ذكيّا» و هذا لا يدلّ على شرطية المأكولية، بل أقصاه أنّه يدلّ على اشتراط التذكية في لباس المصلّي إذا كان بما يعتبر فيه التذكية كالجلد و أمثاله ممّا تحلّه الحياة، لا مثل الوبر، و الشعر ممّا لا يعتبر فيه التذكية.

و الظاهر أن يكون قوله «إذا كان ممّا يؤكل لحمه» من تتمّة الجواب عن السؤال الثاني لا تقييدا للجواب الأول، لأنّ الفصل بين الجواب الأول و قيده بسؤال و جواب أجنبي بعيد غايته.

اللّٰهم إلّا أنّ يقال: إنّ ما دلّ على قبول محلّل الأكل من المسوخ و غيره يكون قرينة على رجوع ما بعد «بلى» إلى تقييد الجواب الأول، فتأمّل فإنّ أقصاه على اعتبار المأكولية في خصوص ما تحلّه الحياة كما ذكرناه في الهامش.

ثمّ إنّ هذا كلّه مع قطع النظر عمّا في ذيل الرواية، فإنّه بناء على ما في بعض

النسخ (1)من ثبوت كلمة «لا» في قول السائل «و ما لا يؤكل لحمه من غير الغنم» يكون نفس الذيل دليلا على مانعية غير المأكول، فإنّ قوله عليه السّلام في آخر الرواية «و ليس هو ممّا نهى عنه رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله إذ نهى عن كلّ ذي ناب و مخلب» يكون أقوى شاهدا على أنّ الأصل في باب الصلاة هو نهي النبي صلّى اللّٰه عليه و آله عن غير المأكول، فتكون المانعية هو الأصل في هذا الباب، و يكون التعبير في الصدر بالمأكولية من باب صحّة التعبير على اعتبار انتفاء أحد الضدّين بوجود الضدّ الآخر، من دون أن يكون خصوصية لوجوده حتّى يستفاد منه الشرطية.

نعم بناء على خلوّ السؤال عن كلمة «لا» يكون الذيل أيضا أجنبيّا عن باب الصلاة كما تقدّم.

فالإنصاف أنّ استفادة الشرطية من هذه الرواية في غاية الإشكال، و على تقدير الاستفادة فلا يمكن مقاومتها مع الأدلّة العامّة و الخاصّة الدالّة على المانعية، مع ما فيها من الصراحة و التعليل، فتأمّل جيّدا.

و أمّا رواية ابن بكير فهي ما رواه ابن أبي عمير عن ابن بكير قال: سأل زرارة أبا عبد اللّٰه عن الصلاة في الثعالب و الفنك و السنجاب و غيره من الوبر، فأخرج كتابا زعم أنّه إملاء رسول اللّٰه أنّ الصلاة في وبر كلّ شي‌ء حرام أكله فالصلاة في وبره و شعره و جلده و بوله و روثه و كلّ شي‌ء منه فاسد لا تقبل تلك الصلاة حتّى يصلي في غيره ممّا أحلّ اللّٰه أكله (2)، الخبر.

و قد استدلّ بهذه الرواية أيضا على شرطية التذكية، حيث يستفاد من قوله


1) راجع ص 237 من هذا الكتاب.

2) الوسائل: ج 3 ص 250 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 1 و فيه اختلاف يسير.

عليه السّلام «حتّى يصلّي في غيره ممّا أحل اللّٰه أكله» توقّف صحّة الصلاة على القيد الوجودي و هو وقوعها في محلّل الأكل.

و لكن يتوقّف الاستدلال بالرواية على الشرطية على جعل الجملة الفعلية و هي قوله «لا تقبل تلك الصلاة» جملة مستأنفة سيقت للتأسيس و بيان حكم مستقلّ، لا للتأكيد و توضيحا لقوله «فالصلاة في وبره و شعره و جلده و بوله و روثه و كلّ شي‌ء منه فاسد» بداهة أنّه لو كانت الجملة مسوقة للتأكيد كانت الرواية من جملة الأدلّة الدالّة على المانعية لا الشرطية كما لا يخفى.

و كذا يتوقّف الاستدلال بها على الشرطية على أن تكون الجملة الفعلية ناظرة إلى الصلاة قبل وقوعها في الخارج و قبل صدورها من المكلّف، و أمّا لو كانت الجملة ناظرة إلى الصلاة بعد وقوعها، و بيان أنّ الصلاة الواقعة في غير ما أحلّ اللّٰه أكله فاسدة و لا تجزي حتّى يصلّيها في غيره، و يكون قوله «ممّا أحلّ اللّٰه أكله» بيانا لبعض أفراد الغير الذي يعتبر أن يوقع الصلاة فيه بداهة أنّه للغير أفراد منه القطن و الكتّان و منه ما أحل اللّٰه أكله من أجزاء الحيوان، فإذا كانت الجملة ناظرة إلى الصلاة بعد وقوعها فأقصى ما تدلّ عليه الجملة حينئذ هي فساد الصلاة الواقعة في محرّم الأكل و لا بدّ من إعادتها في غيره.

و معلوم أنّه لا يعتبر أن يكون الغير هو خصوص محلّل الأكل، لقيام الضرورة على جواز الصلاة في القطن و الكتّان، فلا بدّ من حمل قوله «ممّا أحلّ اللّٰه أكله» لبيان بعض أفراد الغير لا أن يكون قيدا لذلك الغير، فإنّه لو كان قيدا لذلك الغير كان ظاهره اعتبار وقوع الصلاة في محلّل الأكل، بحيث لا تجوز الصلاة في غيره قط كما هو الشأن في جميع الشرائط الوجودية للصلاة، فإنّ معنى اعتبار وقوع الصلاة في الطاهر هو عدم جوازها في غيره، و لذا يجب عليه تحصيل الطاهر مهما أمكن، فلو كان قوله «ممّا أحلّ اللّٰه أكله» قيدا لكان اللّازم هو اعتبار وقوع الصلاة فيه

بحيث يلزم عليه تحصيله، و هذا مخالف للضرورة بداهة جواز الصلاة في القطن و الكتّان و من هنا كان للقائل بالشرطية الالتزام بأحد الأمرين، إمّا بالالتزام بأنّ ما هو الشرط في الصلاة هو أحد الخصوصيات الوجودية من القطن و الكتّان و المأكول و غيرها، و إمّا بالالتزام بأنّ في خصوص ما إذا كان اللّباس من الحيوان يشترط فيه خصوصية وجودية من كونه من مأكول اللّحم، و يكون جواز الصلاة في القطن و الكتّان من باب السالبة بانتفاء الموضوع.

و لكن حيث كان الالتزام الأول بلا موجب و لم يقم عليه دليل التزم بعض من قال بالشرطية إلى الثاني، و قال: إنّ الشرط مقصور بما إذا كان اللّباس من أجزاء الحيوان، و يكون الجواز بالنسبة إلى غير ذلك من باب السالبة بانتفاء الموضوع، مع أنّ السلب بانتفاء الموضوع خلاف القضايا المتداولة في العلوم، فإنّ الأصل في السلب أن يكون بانتفاء المحمول، و سيأتي الإشارة إليه في طيّ المباحث الآتية إن شاء الهّٰا.

و بالجملة: السلب بانتفاء الموضوع خلاف الظاهر، و لا يصار إليه إلّا من باب اللابدّية كما في المقام، بناء على قيام الدليل القطعي على شرطية المأكول، إلّا أنّ الشأن في قيام الدليل على ذلك.

و بعد لم يقم في المقام دليل على ذلك، لما عرفت من أنّ دلالة رواية ابن بكير (1)على الشرطية يتوقّف على جعل الجملة الفعلية للتأسّي، و كونها ناظرة إلى الصلاة قبل وقوعها، و كون قوله «ممّا أحلّ اللّٰه أكله» قيدا للغير لا بيانا لأحد أفراده، و في جميع هذه المقدّمات الثلاثة نظر، و على تقدير التسليم فغايته تعارض الصدر مع الذيل، فإن صدر الرواية ظاهر في المانعية و ذيلها ظاهر في الشرطية،


1) الوسائل: ج 3 ص 250 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 1.

فيتعارضان و تسقط هذه الرواية عن صلاحية التمسّك بها على كلا الطرفين من الشرطية و المانعية، و يبقى في المقام أدلّة المانعية الصريحة المعلّلة سالمة عن المعارض.

فتحصّل: أنّ أدلّة الباب مطبقة على المانعية.

إذا عرفت ذلك فيقع الكلام حينئذ في أنّ المانعية المستفادة من الأدلّة هل هي المانعية المطلقة الواقعية التي لا دخل للعلم و الجهل بها، أو أنّ مانعيّتها مقصورة بصورة العلم بالموضوع؟ و بعبارة أخرى: هل مانعية غير المأكول من الموانع الواقعية، أو من الموانع العلمية كالنجاسة، بحيث لو صلّى في غير المأكول جهلا كانت صلاته واقعا صحيحة، و هذا بخلاف ما لو كانت المانعية واقعية فإنّ مقتضى القاعدة الأولية بطلان الصلاة إلّا أن يقوم دليل على الإجزاء؟

فنقول: ربّما قيل بأنّ المانعية في المقام علميّة لا واقعية،

و أقصى ما يمكن أن يستدلّ به على ذلك أحد أمور:
الأول: هو دعوى أخذ العلم في مداليل الألفاظ وضعا و انصرافا.

و هذه الدعوى بمكان من الغرابة و الفساد، بداهة أنّ لفظ الخمر و الخلّ و المأكول و غير المأكول لم يوضع إلّا لنفس الخمر و الخلّ الواقعي من دون دخل للعلم و الجهل به، و لا وجه لانصرافه إلى المعلوم.

و بالجملة: هذه الدعوى ممّا لا يمكن المساعدة عليها، و كانت في هذا الزمان من الدعاوي المهجورة.

الثاني: دعوى دلالة رواية عبد الرحمن على ذلك

، قال سألت أبا عبد اللّٰه عليه السّلام عن رجل يصلّي و في ثوبه عذرة من إنسان أو سنور أو كلب، أ يعيد صلاته؟ قال عليه السّلام: إن كان لم يعلم فلا يعيد (1).


1) الوسائل: ج 2 ص 1060 باب 40 من أبواب النجاسات، ح 5.

وجه الدلالة هو أنّه لا إشكال في عدم الفرق بين أجزاء غير المأكول من الأجزاء النجسة و غيرها في المانعية، بل مانعية الأجزاء النجسة تكون أشدّ و أولى، فإذا كانت مانعية عذرة الكلب و السنور مقصورة بصورة العلم حسب ما دلّت عليه الرواية حيث حكم الإمام عليه السّلام فيها بعدم الإعادة عند الجهل، فمانعية غير العذرة من سائر أجزاء السنور و الكلب يكون أولى بقصرها بصورة العلم، هذا.

و لكن لا يخفى عليك أنّ الاستدلال بهذه الرواية على قصر المانعية بصورة العلم يتوقّف على دعوى عدم الفرق بين الصلاة الواقعة في غير المأكول باعتقاد عدم وقوعها فيه أو الغفلة عن ذلك، و بين الصلاة مع الشكّ في المأكولية و عدمها.

و بالجملة: هذه الرواية دلّت على عدم إعادة الصلاة عند وقوعها في غير المأكول جهلا بزعم أنّه من المأكول أو الغفلة عن ذلك، و أين هذا ممّا نحن فيه من جواز إيقاع الصلاة في المشكوك كونه من المأكول جوازا واقعيّا، بحيث لا يضرّ انكشاف الخلاف لو صلّى فيه و الحال هذه، و يكون من قبيل انقلاب الموضوع إلى موضوع آخر؟

فهذه الرواية أجنبية عمّا نحن فيه، بل لو قلنا فيما نحن فيه بالجواز من جهة اقتضاء الأصول العملية ذلك- كما هو المختار و سيأتي توضيحه- كان الإجزاء عند انكشاف الخلاف بعد الصلاة يحتاج إلى دليل آخر غير هذه الرواية، فإنّ هذه الرواية قد تضمّنت للإجزاء و عدم الإعادة بقيدين (أحدهما) انكشاف الخلاف بعد وقوع الصلاة (ثانيهما) أن يكون إيقاع الصلاة في غير المأكول بزعم أنّه من المأكول.

و ما نحن فيه من جواز إيقاع الصلاة مع الشكّ في المأكولية قبل الصلاة جوازا واقعيّا يكون كلا القيدين اللذين اعتبرا في الرواية منتفيا، و لو قلنا بالجواز الظاهري حسب ما تقتضيه الأصول العملية مع الشكّ في المأكولية قبل الصلاة،

كان عند انكشاف الخلاف القيد الثاني اللذين اعتبرا في الرواية منتفيا، فلا بدّ من التماس دليل آخر يدلّ على الإجزاء و عدم الإعادة عند انكشاف الخلاف، بناء على جواز الصلاة في المشكوك. و هذه الرواية لا تدلّ لا على أصل الجواز في المشكوك، و لا على عدم الإعادة عند انكشاف الخلاف.

فإن قلت: لو كانت الصلاة الواقعة في غير المأكول مع الجهل به مشتملة على المصلحة و ما هو ملاك الحكم، كما يكشف عنه هذه الرواية الدالّة على الإجزاء و عدم الإعادة، فما المانع من إيقاع الصلاة مع الجهل بالمأكولية و لو شكّا، لأنّه على فرض كون المشكوك من غير المأكول واقعا لا يضرّ باشتمال الصلاة على المصلحة و ما هو ملاك الأمر؟ فهذه الرواية دليل على اشتمال الصلاة على المصلحة و إن وقعت في غير المأكول جهلا، من غير فرق بين أقسام الجهل من الغفلة و اعتقاد المأكولية و الشكّ فيها، فإنّ العبرة بعدم العلم بغير المأكولية كما هو مفروض الرواية، و عدم العلم متحقّق في جميع أقسام الجهل.

قلت: نعم هذه الرواية و إن دلّت على اشتمال الصلاة الواقعة في غير المأكول جهلا على المصلحة و الملاك، إلّا أنّ مجرّد اشتمال الصلاة الواقعة امتثالا للأمر الواقعي المتعلّق بها على المصلحة لا يلازم اشتمال الصلاة على المصلحة مع الشكّ في المأكولية قبل فعلها، فإنّه لو قام الدليل على أنّ الشي‌ء الواقع في مرحلة امتثال المأمور به الذي هو متأخّر عن رتبة الأمر و في طوله مشتمل على ما هو مصلحة المأمور به في هذا الحال و بهذا الوصف- أي بوصف وقوعه امتثالا عمّا هو المأمور به- فلا يمكن التعدّي عنه و القول بأنّ ذلك الشي‌ء قبل وقوعه بوصف الامتثال مشتملا على المصلحة.

نعم لو قام دليل آخر على اشتمال الشي‌ء و لو قبل وقوعه بوصف الامتثال على المصلحة لكان الأمر كما ذكر، إلّا أنّ الشأن في قيام الدليل على ذلك، فإنّه

لم يقم دليل على اشتمال الصلاة في مشكوك المأكولية على الملاك قبل إيقاعها، حتّى يقال بالتخيير بين وقوع الصلاة في المأكول و وقوعها في مشكوك المأكولية.

و بالجملة: هذه الرواية إنّما تدلّ على اشتمال الصلاة الواقعة في غير المأكول جهلا امتثالا لأمرها على المصلحة، و هذا لا يلازم اشتمال الصلاة في مشكوك المأكولية قبل إيقاعها بوصف الامتثال على المصلحة، حتّى يقال بأنّ المانعية في المقام علمية لا واقعية.

الثالث: دعوى اختصاص أدلّة الباب بصورة العلم بغير المأكولية.

و قد نسبت هذه الدعوى إلى المحقق القميّ- قدّس سرّه- و فيه: أنّه لم يظهر وجه اختصاص الأدلّة بذلك بعد عدم أخذ قيد العلم فيها، اللّٰهم إلّا أن يكون غرضه من أدلّة الباب هي الرواية المتقدّمة، و قد عرفت أنّها أجنبية عن الدلالة على ذلك.

الرابع: دعوى عدم إطلاق أدلّة الباب بحيث يعمّ صورة العلم و الجهل.

و فيه:

أنّ رواية ابن بكير (1)و أمثالها في غاية القوّة من الإطلاق، و لم يظهر لنا في سائر أبواب الفقه إطلاق أقوى من إطلاق أدلّة الباب.

الخامس: دعوى قصر القيدية المستفادة من الخطابات الغيرية بصورة العلم.

و هذه الدعوى أيضا نسبت إلى المحقّق القميّ- قدّس سرّه- و مرجع هذه الدعوى إلى دعويين.

(إحداهما) دعوى أنّ الخطابات الغيرية المسوقة لبيان الشرطية و المانعية مشروطة بكلّ ما يشترط به الخطاب النفسي من الوجوبي و التحريمي، فكلّ شرط اعتبر في حسن الخطاب النفسي فهو معتبر في حسن الخطاب الغيري أيضا.

(ثانيهما) دعوى أنّ العلم بالموضوع من شرائط حسن الخطاب، كما أنّ القدرة على المتعلّق من شرائط حسن الخطاب، و لذا نسب إلى بعض الأعلام اشتراط


1) الوسائل: ج 3 ص 250 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 1.

القيدية المستفادة من الأوامر الغيرية بالقدرة عليها، بحيث إنّه إذا عجز عنها فالقيدية ساقطة، و يجب الإتيان بالمقيّد خاليا عن القيد، من دون أن يكون العجز عن القيد موجبا لسقوط المقيّد أيضا كما هو كذلك فيما إذا استفيدت القيدية من مثل قوله «لا صلاة إلّا بالطهور» (1)حيث إنّ العجز عن الطهور موجب لسقوط الصلاة أيضا بحسب القاعدة الأولية.

و هذا بخلاف القيدية المستفادة من مثل قوله «لا تصلّ فيما لا يؤكل» و «في الحرير» و أمثال ذلك من الخطابات الغيرية، فإنّ الخطاب الغيري كالخطاب النفسي حسنه مشروط بالقدرة على متعلّقه، فإذا عجز عن متعلّقه فالخطاب ساقط و القيدية المستفادة منه تستتبعه في السقوط و حينئذ لا موجب لسقوط المقيّد.

و كأنّ المحقّق القميّ- رحمه اللّٰه- قاس العلم على القدرة، و جعل العلم أيضا من شرائط حسن الخطاب كالقدرة، و لعلّ الذي أوقعه في هذا هو عدّ العلم من الشرائط العامّة كالقدرة، فكلّ خطاب مشروط بالقدرة فهو مشروط بالعلم أيضا، و عليه يكون المانعية المستفادة من قوله «لا تصلّ في غير المأكول» مقصورة بصورة العلم بغير المأكولية، هذا.

و لكن لا يخفى عليك ما في هذه الدعوى من المناقشة من وجوه:

(أحدها) أنّه على تقدير تسليم هذه الدعوى و الغضّ عمّا سيأتي، فأقصى ما تقتضيه هذه الدعوى هو قصر المانعية المستفادة من الخطابات الغيرية الواردة في أدلّة الباب بصورة العلم بالموضوع، و أمّا المانعية المستفادة من الوضع كقوله عليه السّلام في رواية ابن بكير «فالصلاة فيه فاسدة» (2)و أمثال ذلك فلا يمكن


1) الفقيه: ج 1 ص 33 باب وقت وجوب الطهور ح 67.

2) الوسائل: ج 3 ص 250 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 2.

قصرها بصورة العلم، فإنّه لا يكون هناك خطاب حتّى يقال باشتراط حسنه بصورة العلم.

(و ثانيها) أنّ أصل اعتبار القدرة في الأوامر الغيرية و جعلها من شرائط حسن الخطاب الغيري كالخطاب النفسي ممّا لا وجه له، بعد ما كان الخطاب الغيري في باب متعلّقات التكاليف كالخطاب الغيري في باب الوضع و الأسباب إنّما يكون لمحض الإرشاد و بيان مدخلية القيد في تحقّق الملاك في المقيّد، فليس فيه جهة بعث و مولوية حتّى يكون حسنه مشروطا بالقدرة.

و على تقدير تسليم الفرق بين الخطاب الغيري في باب متعلّقات التكاليف و الخطاب الغيري في باب الأسباب و الوضع، و أنّ الخطاب الغيري في الأول له جهة مولوية و بعث، فمن المعلوم أنّ جهة المولوية المستفادة من الخطاب إنّما هو من جهة تعلّق الطلب المولوي بالمركّب من هذا القيد المستفاد من الخطاب الغيري، و من سائر الأجزاء و القيود الأخر المستفادة من الخطابات الأخر، و إلّا فنفس هذا القيد لم يتعلّق به خطاب مولوي مستقلّ، و إلّا كان واجبا مستقلا و خرج عن كونه قيدا، فليس هناك إلّا خطاب واحد مستقل مولوي، و القدرة المعتبرة في حسن الخطاب إنّما هي القدرة على جميع المقيّد مع القيود، فاللّازم هو سقوط أصل الخطاب المولوي عند العجز عن متعلّقه و لو بواسطة العجز عن بعض قيوده، و قد أطلنا الكلام في ذلك في التنبيه الثاني من تنبيهات مبحث الاشتغال في الأصول فراجع.

(ثالثها) أنّ قياس العلم على القدرة و جعله من شرائط حسن الخطاب مما لا وجه له، و مجرّد عدّ العلم كالقدرة من الشرائط العامّة لا دلالة له على كون العلم من شرائط حسن الخطاب، بل شرطية العلم يختلف مع القدرة، فإنّ القدرة من شرائط حسن الخطاب لقبح تكليف العاجز عقلا، و أمّا العلم فإنّما هو من شرائط

تنجّز الخطاب كما لا يخفى وجهه.

و بالجملة: دعوى اختصاص القيدية المستفادة من أدلّة الباب بصورة العلم بالموضوع ممّا لا وجه لها.

السادس: دعوى دلالة إطلاقات أدلّة جواز الصلاة في كلّ لباس على جواز الصلاة في المشكوك

، و القدر الخارج منها هو صورة العلم يكون اللّباس من غير المأكول.

و فيه: (أولا) أنّه لم يظهر لنا بعد دليل يدلّ على جواز الصلاة في كلّ لباس و لو بالإطلاق. (و ثانيا) أنّ الخارج عن تحت الإطلاق- على فرض وجوده- إنّما هو عنوان غير المأكول الواقعي، فيكون التمسّك بالإطلاقات على جواز الصلاة في المشكوك من باب التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية، و قد تبيّن في محلّه فساد ذلك.

فظهر أنّه لا محيص عن القول بأنّ المانعية في المقام هي المانعية الواقعية التي لا يتفاوت الحال فيها بين العلم بالموضوع و الجهل به.

إذا عرفت ذلك فالذي ينبغي تحريره في المقام هو تحرير مرجع الشبهة، و أنّه عند الشكّ في المأكولية و عدمها هل الأصل العملي يقتضي جواز الصلاة في المشكوك، أو أنّ الأصل العملي يقتضي عدم جواز الصلاة فيه؟ و تعيين الأصل الجاري في الشبهة و أنّه أي أصل يجري و أي أصل لا يجري؟

و قبل الخوض في ذلك ينبغي تمهيد مقدّمة، و هي أنّه كلامنا في تحرير مرجع الشبهة في المشكوك إنّما هو بعد الفراغ عن جريان البراءة في باب الارتباطيّات في متعلّقات التكاليف، سواء قلنا بالبراءة العقلية و الشرعية كليهما- كما هو مختار الشيخ- قدّس سرّه- (1)أو قلنا بالبراءة الشرعية فقط- كما هو مختارنا.

و إلّا فلو قلنا في باب الارتباطيات بالاشتغال و عدم جريان البراءة الشرعية


1) فرائد الأصول: ص 460 المقصد الثالث في الاشتغال.

و العقلية فيها فينهدم أساس تحرير الأصل في المقام، و لم يبق محلّ للتكلّم عن الأصل الجاري في المشكوك، بداهة أنّه لو قلنا عند دوران الأمر بين الأقل و الأكثر في باب متعلّقات التكاليف بالاشتغال و الرجوع إلى الشكّ في الامتثال، فيكون القول بالاشتغال فيما نحن فيه- من تردّد الموضوع الخارجي بين المأكولية و عدمها- الذي يرجع إلى الأقل و الأكثر في باب موضوعات التكاليف- كما سنوضّحه إن شاء اللّٰه- أولى، و رجوع الشبهة في المقام إلى الشكّ في الامتثال أشدّ، لأنّ بعض من قال بالبراءة عند دوران الأمر بين الأقل و الأكثر في باب متعلّقات التكاليف الارتباطية قال بالاشتغال في المقام، بتخيّل الفرق بين دوران الأمر بين الأقل و الأكثر في متعلّقات التكاليف، و بين دوران الأمر بينهما في موضوعات التكاليف- كما سيأتي.

و الحاصل: أنّ كلامنا في المقام إنّما هو بعد تسليم البراءة في باب الارتباطيّات عند دوران المتعلّق بين الأقل و الأكثر، حتّى يتمحّض الكلام في المقام في بيان تحقّق الفرق بين ما نحن فيه، و بين باب متعلّقات التكاليف، و عدم تحقّق الفرق بينهما. فليكن هذا على ذكر منك حتّى لا تشكل علينا في أثناء تحرير الأصل الجاري في المشكوك بما يرجع إلى إنكار جريان البراءة في باب الارتباطيّات عند تردّد متعلّق التكليف بين الأقل و الأكثر.

و ينبغي أيضا أن يعلم أنّ السرّ في جريان البراءة في الارتباطيّات ليس إلّا أنّ وجود الارتباطية كعدمها، و أنّ ما هو مناط جريان البراءة في التكاليف الاستقلالية عند دورانها بين الأقل و الأكثر- كالدين المردّد بين أن يكون عشرة دراهم أو خمسة- هو بعينه جار في التكاليف الارتباطية أيضا.

فإنّ المناط في جريان البراءة في الاستقلاليّات ليس إلّا من جهة الشكّ في تعلّق التكليف بالأكثر، و في الارتباطيّات أيضا كذلك، فإنّ التكليف فيها و إن

كان واحدا إلّا أنّه حيث كان منبسطا على أجزاء متعلّقه و شرائطه فكان لكلّ واحد من الأجزاء و الشرائط حظّ من ذلك التكليف و حصّة يخصّه، فإذا شكّ في وجوب شي‌ء جزء كان أو شرطا أو مانعا كان باعتبار ماله من الحصّة شكّ في التكليف، فتشمله أدلّة البراءة العقلية و الشرعية بناء على مسلك الشيخ- قدّس سرّه- أو خصوص البراءة الشرعية بناء على ما هو المختار عندنا.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ

الكلام في تحرير الأصل الجاري في المشكوك يقع في مقامات ثلاث:
اشارة

الأول: في تنقيح جريان أصالة البراءة العامّة للشبهات الوجوبية و التحريمية و الحكمية و الموضوعية.

الثاني: في تنقيح جريان أصالة الحلّ المختصّة بالشبهات التحريمية الموضوعية، أو تعمّ الحكمية أيضا على وجه.

الثالث: في جريان الاستصحاب، و أنّه هل يمكن أن يكون المشكوك مجرى للاستصحاب بعد الفراغ عن كونه مجرى أصالة البراءة و أصالة الحلّ.

أمّا الكلام في المقام الأول: و هو في بيان جريان أصالة البراءة في المشكوك فتنقيحه يستدعي رسم أمور:
الأول: أنّ الأحكام الشرعية بعد ما كان لا محيص عن تعلّقها بفعل المكلّف،

و ما كان تحت قدرته و اختياره و ما هو فاعله و الصادر عنه، فإمّا أن لا يكون لها تعلّق بموضوع خارجي كالصلاة مثلا، حيث إنّ أجزاءها ليست إلّا أفعالا و أقوالا صادرة عن المكلّف من دون أن يكون تعلّق بموضوع خارجي، و كذا الكلام في الغناء و أمثال ذلك في المتعلّقات سواء كانت معروضة لحكم وجوبي أو لحكم تحريمي، و إمّا أن يكون لها تعلّق بموضوع خارجي، كوجوب إكرام العالم و حرمة شرب الخمر، و أمثال ذلك من التكاليف الوجوبية و التحريمية التي لها تعلّق

و ربط بموضوع خارجي، سواء كان الموضوع من الموضوعات التي يمكن للمكلّف إيجادها في الخارج و يجعلها في عالم الأعيان كالخمر مثلا، فإنه يمكن أن يوجده المكلّف في الخارج بأن يصنع و يعمل من التمر و الزبيب خمرا، أو كان من الموضوعات التي لا يمكن للمكلّف إيجادها في الخارج كحرمة وطء الام مثلا، إذ لا يعقل للمكلّف إيجاد ما تكون أمّا له، و كوجوب استقبال القبلة و أمثال ذلك من الموضوعات الخارجة عن تحت قدرة المكلّف و اختياره.

و لكن على كلّ حال ما هو متعلّق التكليف و المخاطب به لا بدّ و أن يكون أمرا اختياريا للمكلّف، بحيث يمكن أن ينبعث عنه و يحرّك عضلاته نحوه، ففي مثل حرمة وطء الام ما هو متعلّق الحرمة و مورد التكليف ليس إلّا وقوع الوطء على الام، و أمّا كون المرأة اما فهذا غير قابل لتعلّق التكليف به، و كذلك وجوب الصلاة عند الزوال فإنّ ما هو مورد التكليف ليس إلّا إيقاع الصلاة عند تحقّق الزوال، و أمّا زواليّة الزوال و كون هذا الوقت زوالا فهو ممّا ليس تحت قدرة المكلّف و اختياره، و لا يمكن تعلّق التكليف به كما هو واضح.

و حاصل التقسيم: هو أنّ التكليف إمّا أن يكون وجوديّا بمعنى أن يكون المطلوب هو وجود الشي‌ء، كالصلاة و الحجّ و إكرام العالم و أمثال ذلك، و إمّا ان يكون عدميّا بمعنى أن يكون المطلوب عدم تحقّق الشي‌ء في الخارج و عدم صدوره عن المكلّف، كالغناء و الغيبة و شرب الخمر و أمثال ذلك.

و كلّ منهما إمّا أن يكون له تعلّق بموضوع خارجي كإكرام العالم و شرب الخمر و أمثال ذلك، و إمّا أن لا يكون له تعلّق بموضوع خارجي كالصلاة و الغناء و أمثال ذلك.

ثمّ إنّ ما كان له تعلّق بموضوع خارجي فإمّا أن يكون الموضوع من الموضوعات التي يمكن للمكلّف إيجادها في الخارج كالخمر و العالم بناء على

إمكان جعل الشخص عالما، و إمّا أن لا يمكن كالأم و القبلة و الوقت و أمثال ذلك.

الأمر الثاني: ما كان من التكليف الذي له تعلّق و ربط بموضوع خارجي

، ففي عالم التصوّر و الثبوت يمكن أن يكون الملاك و المصلحة، التي اقتضت إنشاء الحكم و تشريعه- إنّما يثبت و يتحقّق بعد تحقّق الموضوع و وجوده في الخارج، بحيث يكون وجود الموضوع خارجا من شرائط تحقّق الملاك بحيث لا ملاك و لا مصلحة مع عدم تحقّقه خارجا.

و أمّا القدرة فإن أخذت شرطا شرعا في لسان الدليل، كما إذا قال: إن قدرت فافعل كذا فهي أيضا لها دخل في تحقّق الملاك، إذ لو لم يكن لها دخل في ذلك لكان أخذها في لسان الدليل لغوا، لاستقلال العقل بقبح تكليف العاجز.

و القول بأنّه لا مانع من أخذها في لسان الدليل مع استقلال العقل باعتبارها في التكليف، و أيّ ملازمة بين القدرة المأخوذة في لسان الدليل من أن يكون لها دخل في تحقّق الملاك، أو أيّ مانع من بيان الشارع ما يستقلّ به العقل فاسد جدّا، فإنّ الظاهر في كلّ ما أخذ في لسان الدليل أن يكون أخذه من باب أنّ بيانه من وظيفة الشارع و ما هو شأن المولى في مقام إعمال المولوية، و القدرة إذا أخذت في لسان الدليل فالظاهر يقتضي أن يكون أخذها من جهة أنّ من وظيفته بيانها، و القدرة المعتبرة عقلا في التكليف ليس من وظيفة الشارع بما أنّه شارع بيانها.

فمن نفس أخذ القدرة في لسان الدليل يستكشف أنّها غير القدرة المعتبرة عقلا. و عليه لا محالة يكون لها دخل في تحقّق الملاك، لأنّ مع عدم دخلها في الملاك يكون اعتبارها في الدليل لغوا و عبثا كما لا يخفى.

ثمّ إنّ هنا فرقا بين القدرة العقلية المعتبرة في التكليف و بين القدرة الشرعية

المأخوذة في لسان الدليل، فإنّ المعتبر في تحقّق القدرة الشرعية هو أن يكون المكلّف قادرا على الشي‌ء عرفا، بحيث يعدّ عند العرف أنّه قادر في مقابل العجز العرفي، فلو توقّف تحقّق المأمور به خارجا على مقدّمات بعيدة المسافة بحيث يعدّ في العرف أنّه عاجز، لكان المأمور به ساقطا عنه إذا قيّد بالقدرة في لسان الدليل.

و هذا بخلاف القدرة العقلية المعتبرة في التكليف، فإنّ المعتبر فيها هو إمكان تحقّق الشي‌ء من المكلّف و لو بمقدّمات بعيدة المسافة، لأنّ العقل إنّما اعتبر القدرة من حيث قبح تكليف العاجز، فمع عدم عجزه تكوينا يجب عليه فعل المأمور به، و هذا بخلاف القدرة الشرعية، فإنّ أخذها في لسان الدليل تكون كسائر القيود المعتبرة في الدليل التي يرجع في مداليلها إلى العرف، و العرف ربّما لا يرى الشخص قادرا مع كونه قادرا عقلا.

و بالجملة: القدرة إذا أخذت في لسان الدليل يستكشف منها أمران:

(أحدهما) دخلها في الملاك. (و ثانيهما) كونها عرفية، و أمّا إذا لم تؤخذ في لسان الدليل فلا إشكال في اعتبارها عقلا من جهة قبح تكليف العاجز من دون أن يكون لها دخل في الملاك، بل مع تمامية الملاك ربّما يكون الشخص عاجزا فيسقط عنه التكليف، لكن لا لسقوط ملاكه بل لعجزه كما في جميع موارد التزاحم.

نعم يبقى في المقام إشكال، و هو أنّه لم لا يجوز أن يكون للقدرة العقلية دخل في الملاك أيضا؟ و مجرّد عدم أخذها في لسان الدليل لا يكشف عن عدم دخلها في الملاك، إذ من الممكن أن تكون القدرة- كالبلوغ و العقل- ممّا لها دخل في تحقّق الملاك، غاية الأمر أنّ الشارع اكتفى عن بيانها بواسطة استقلال العقل باعتبارها، و هذا بخلاف البلوغ فإنّ العقل لا يرى قبحا في تكليف غير البالغ، فمن أجل ذلك اعتبره الشارع، و هذا بخلاف القدرة فإنّ اعتبارها من المستقلات

العقلية الضرورية فاكتفى الشارع ببيان العقل، و على كلّ حال لا طريق لإثبات القول بأنّ القدرة العقلية ممّا لا دخل لها في الملاك.

و بناء على هذا يشكل الأمر في مسألة تصحيح العبادة في باب التزاحم، سواء قلنا بالخطاب الترتّبي أم لم نقل، فإنّ الخطاب الترتّبي مبنيّ على تحقّق الملاك، كما أنّ من أنكر الترتّب و صحّح العبادة إنّما هو من أجل ذلك مع أنّه لا طريق لنا إلى إحراز الملاك، فإنّ الملاكات إنّما يستكشف من الخطابات بناء على أصول العدلية، و بعد سقوط الخطاب لأجل التزاحم و عدم القدرة لا سبيل إلى العلم بالملاك حتّى يقال بصحّة العبادة بالملاك أو الترتّب.

و على كلّ قد خرجنا عمّا هو المقصود في المقام و لكنّ الكلام يجرّ الكلام، فظهر أنّ الشرائط الراجعة إلى نفس المكلّف ممّا لها دخل في تحقّق الملاك غير القدرة.

و أمّا موضوع التكليف و الشرائط الراجعة إليه فيمكن أن يكون أيضا لتحقّقه- بما له من الشرائط- دخل في تحقّق الملاك، بحيث لا ملاك واقعا مع عدم تحقّقه خارجا، و عليه يتفرّع أنّه لا حكم واقعا إلّا بعد تحقّق الموضوع لتبعية الحكم الملاك، و عليه يتفرّع أيضا امتناع الشرط المتأخّر، لأنّ معنى الشرط أن يكون له دخل في تحقّق الموضوع بحيث لا موضوع واقعا مع عدم تحقّق شرطه، كما أنّ شرائط المكلّف من البلوغ و العقل ممّا لها دخل في تحقّق عنوان المكلّف، فإذا لم يكن الموضوع ثابتا و لو لفقدان شرطه كان الحكم منتفيا واقعا، إذ لا يعقل تحقّق الحكم مع عدم موضوعه.

و يمكن أيضا أن لا يكون لوجود الموضوع دخل في تحقّق الملاك و المصلحة المقتضية للحكم، بل كان الملاك ثابتا و لو مع عدم الموضوع، غاية الأمر أنّه مع عدم تحقّق الموضوع خارجا و عدم قدرة المكلّف على إيجاده الحكم المستتبع للملاك

يسقط من جهة انتفاء القدرة على امتثاله من دون سقوط الملاك، بل الملاك مع بقائه على ملاكيّته يفوت من المكلّف كسائر الملاكات التي تفوت من المكلّف من جهة عجزه عن استيفائها، و هذا بخلاف القسم الأول و هو ما كان لتحقّق الموضوع دخل في الملاك، فإنّ مع عدم وجود الموضوع خارجا لا ملاك واقعا حتّى يوجب فواته عن المكلّف.

و حاصل الكلام: أنّ متعلّق التكليف إذا كان له ربط بموضوع خارجي، سواء كان ممّا يمكن للمكلّف إيجاده كالخمر أم لا كالوقت و القبلة و أمثال ذلك، لا يخلو حال الموضوع من أحد أمرين لا ثالث لهما، فإنّه إمّا أن يكون للموضوع دخل في تحقّق الملاك، و إمّا أن لا يكون، فإن كان له دخل فلا محالة يكون الحكم مشروطا بوجود الموضوع، و السرّ في ذلك هو تبعية الحكم للملاك، و إن لم يكن له دخل فلا محالة يكون الحكم مطلقا غير مشروط بوجود الموضوع هذا في عالم الثبوت.

و أمّا في عالم الإثبات ففي التكاليف العدمية التحريمية طرّا تكون من القسم الأول، أي ما كان لوجود الموضوع دخل في تحقّق الملاك و المفسدة المقتضية للنهي، بداهة أنّ الخمر إذا لم يكن موجودا في الخارج فلا معنى لتحقق المفسدة في شربه و لا معنى للنهي عنه، إذ الخمر الذي لا وجود له في الخارج يكون الشرب منتركا بنفسه، فالمنهي عنه ليس إلّا الخمر الموجود، و عليه يكون التكليف مشروطا بوجود موضوعه.

و لا يمكن أن يكون التكليف بالنسبة إليه مطلقا بحيث يجب على المكلّف إيجاد الخمر مقدّمة لترك شربه، بل معنى لا تشرب الخمر إنّما هو قضية مشروطة، أي إذا وجد الخمر فلا تشربه، ففي التكاليف العدمية دائما يكون التكليف مشروطا بوجود الموضوع.

و أمّا التكاليف الوجودية المطلوب منها الوجود فكلا القسمين يمكن فيها، فإنّ في مثل قوله أكرم عالما أو صلّ في المسجد يمكن أن يكون لوجود العالم و المسجد دخل في تحقّق ملاك وجوب الصلاة، فيكون التكليف بالنسبة إليه مشروطا فلا يجب الإكرام و الصلاة عند عدم وجود العالم و المسجد، و لا يجب على المكلّف إيجادهما و لو مع تمكّنه منه، و يمكن أيضا أن لا يكون لوجود الموضوع دخل في الملاك بأن كان ملاك أكرم العالم و الصلاة في المسجد ثابتا و لو مع عدم وجودهما، و عليه يكون التكليف بالنسبة إلى الموضوع مطلقا و يجب على المكلّف إيجاده مع عدم وجوده و تمكّنه منه كسائر مقدّمات الواجب المطلق، ففي طرف الأوامر كلّ من القسمين ممكن.

نعم ظاهر القضية هو أن يكون التكليف بالنسبة إلى وجود الموضوع مطلقا، إلّا أن يعلم من خصوصية المقام خلافه، فإنّه بعد ما لم يؤخذ وجود الموضوع في القضية شرطا، و قال بقول مطلق أكرم العالم و صل في المسجد، و لم يقل إذا وجد عالم فأكرمه و إذا وجد المسجد فصلّ فيه، فالظاهر يقتضي أن لا يكون التكليف مشروطا بأزيد ممّا يعتبره العقل في مطلق التكليف من القدرة على الامتثال و إيجاد المتعلّق، فإذا تمكّن المكلّف من إكرام العالم و الصلاة في المسجد و لو بإيجاد العالم و المسجد، لكان اللازم بمقتضى إطلاق القضية و عدم أخذ الموضوع فيها مفروض الوجود، هو وجوب الإكرام و الصلاة و لو ببناء المسجد و إيجاد العالم إذا مكن له ذلك.

و الحاصل: أنّ ظاهر إطلاق القضية في طرف الأوامر إذا كان المطلوب هو صرف وجود الشي‌ء لا مطلق الوجود، كما في مثل أكرم عالما و توضأ بالماء و صلّ في المسجد و أمثال ذلك، هو أن لا يكون التكليف مشروطا بأزيد ممّا يستقلّ به العقل في جميع التكاليف من القدرة على الامتثال، فإذا تمكّن المكلّف من إكرام

العالم و الوضوء بالماء و الصلاة في المسجد- و لو بخلق الموضوع و إيجاده- كان اللازم هو امتثال التكليف، إلّا أن تقوم قرينة من حال أو مقال على اشتراط التكليف بصورة وجود الموضوع و فرض تحقّقه في الخارج.

فظهر الفرق بين باب الأوامر و النواهي، و أنّ في باب الأوامر يمكن أن لا يكون التكليف مشروطا بوجود الموضوع إذا كان المطلوب صرف الوجود، و أمّا في باب النواهي فدائما التكليف يكون مشروطا بوجود الموضوع.

ثمّ إنّ هنا فرقا آخر بين باب الأوامر و النواهي، و هو أنّه في باب النواهي لا يمكن أن يكون المطلوب صرف الوجود، بل دائما يكون المطلوب فيها هو عدم الوجود و السلب الكلّي الذي هو نقيض صرف الوجود. و هذا بخلاف باب الأوامر فإنّ كون المطلوب فيها هو صرف الوجود بمكان من الإمكان.

و السرّ في ذلك هو أنّه لمّا كان المطلوب في طرف النهي عدم الشي‌ء، و عدم الشي‌ء لا يمكن إلّا بانعدام جميع ما يفرض للشي‌ء من الوجودات العرضية و الطولية، فلا بدّ من أن يكون المتعلّق في النهي مطلق الوجود الساري في جميع الموجودات، مثلا لو قال: لا تكرم الفاسق و لا تكرم فاسقا أو لا تكرم الفسّاق فالمطلوب هو ترك إكرام مطلق الفاسق في أيّ وجود فرض له، و لا معنى لأن يكون المطلوب هو ترك إكرام الفاسق على نحو صرف الوجود بأن يكون إكرام فاسق ما متعلّق النهي، و هذا بخلاف باب الأوامر فإنّه لمّا كان المطلوب فيها وجود الشي‌ء و الشي‌ء يوجد بأول وجوده، فيمكن أن يكون متعلّق الطلب هو أول الوجود لا مطلق الوجود.

و بالجملة: في طرف الأوامر يمكن أن يكون المطلوب على أحد وجوه أربعة:

الأول: أن يكون المطلوب في طرف المتعلّق و الموضوع صرف الوجود، بأن يكون المقصود من قول أكرم عالما هو وقوع صرف وجود الإكرام على صرف وجود العالم

الثاني: أن يكون المطلوب مطلق الوجود على نحو العام الاستغراقي، بأن يكون المطلوب كلّ فرد فرد من الإكرام على كل فرد فرد من العالم.

الثالث: أن يكون المطلوب مطلق الوجود على نحو العامّ المجموعي، بأن يكون الملحوظ هو مجموع أفراد الإكرام مع مجموع أفراد العالم، و يكون المجموع من حيث المجموع مطلوبا واحدا تعلّق الأمر به.

الرابع: أن يكون المطلوب هو الطبيعة السارية في جميع الأفراد على نحو وجودها السعي، و هذا القسم مشترك مع القسم الثالث في الأثر، و إنّما التفاوت بالتعبير فإنّه تارة يرد الحكم على نفس الطبيعة السارية، و اخرى يرد الحكم على أفرادها بعد ملاحظتها على نحو العام المجموعي، هذا في طرف الأمر.

و أمّا في طرف النهي فأقسامه أيضا أربعة، فإنّه تارة يرد النهي عن الشي‌ء باعتبار مطلق وجوده على نحو العام الاستغراقي، بأن يكون المطلوب في مثل لا تشرب الخمر هو ترك كلّ فرد فرد من أفراد الشرب لكلّ فرد فرد من أفراد الخمر.

و اخرى يكون المطلوب هو ترك مجموع أفراد الشرب لمجموع أفراد الخمر على نحو العام المجموعي، بمعنى أن يكون المطلوب عموم السلب لا سلب العموم، أي يكون متعلّق النهي هو ترك مجموع أفراد الخمر، لا على نحو يكون كلّ وجود منه مبغوضا على حدة و له إطاعة و عصيان، حتّى يرجع إلى القسم الأول و هو العام الاستغراقي، و لا على نحو يكون المبغوض مجموع الموجودات بوصف المجموع على نحو سلب العموم، حتّى يكون فعل البعض مع ترك البعض غير مبغوض، كما في مثل قوله لا تأكل كلّ رمّانة في البستان، حيث يكون المقصود من النهي هو أكل جميع الرمّانات التي في البستان، بل على نحو يكون النهي عن المجموع بأن يريد أن لا يتحقّق منه فرد في الخارج، بحيث لو تحقّق فرد منه في الخارج كان عصيانا

للخطاب و كانت الأفراد الأخر غير متعلّقة للنهي، كما في مثل النذر فإنّه لو نذر ترك شرب التتن كان المقصود منه هو أن لا يتحقّق الشرب منه في الخارج، بحيث لو عصى و شرب فبأول وجوده يتحقّق الحنث و تلزمه الكفارة فله أيضا أن يشرب سائر الأفراد، إلّا أن يكون نذره تعلّق بترك كلّ فرد فرد منه مستقلا على نحو العام الاستغراقي، فإنّه في شرب كلّ فرد حينئذ يتحقّق حنث و كفّارة كما لا يخفى.

و ثالثة: يرد النهي على الطبيعة السارية، بمعنى أن يكون المقصود هو عدم تحقّق الطبيعة خارجا، و هذا مشترك أثره مع القسم الثاني و هو ما إذا كان على نحو العام المجموعي.

و رابعة: يكون النهي في التكاليف العدمية من قبيل القضية المعدولة المحمول، بأن يكون المقصود من النهي هو أن لا يكون الشخص شارب الخمر بمعنى عدم اتّصافه بهذا الوصف، كما إذا قال: كن لا شارب الخمر.

و بتقريب آخر نقول: لا إشكال في أنّ ما هو الصادر عن المكلّف و ما هو فعله مباشرة في التكاليف العدمية ليس إلّا ترك الشرب لآحاد الممكنة شربها، فإنّ ما هو فعل المكلّف ليس إلّا ترك هذا الخمر و هذا الخمر و هكذا ترك كلّ فرد فرد من أفراد الخمر، ثمّ بعد ذلك يتولّد من آحاد هذه التروك السلب المجموعي و أنّه تارك للمجموع، ثمّ بعد ذلك يتولّد أيضا عنوان آخر و هو اتّصاف الشخص بأنّه لا شارب الخمر، فهذه مراتب ثلاث مترتّبة في التولّد و الانتزاع، فأول ما يوجد من المكلّف هو ترك الآحاد، ثمّ بعد ذلك يتحقّق ترك المجموع، ثمّ بعد ذلك يتّصف الشخص بأنّه صار لا شارب الخمر.

و هذه المراتب الثلاث كلّها قابلة لتعلّق التكليف العدمي بها، فإنّه تارة يكون التكليف بما هو الصادر عن المكلّف بالمباشرة فيكون التكليف حينئذ

انحلاليّا، بمعنى أنّه يكون لكلّ فرد فرد من أفراد الخمر خطاب يخصّه، و له إطاعة و عصيان لا ربط له بالخطاب الوارد على الفرد الآخر.

و اخرى يتعلّق التكليف بالعنوان المتولّد من ترك الآحاد و هو ترك المجموع، فيكون التكليف واحدا و خطابا فاردا يتعلّق بالمجموع، و عصيانه يكون بأول وجود شرب فرد من الخمر، و كانت الأفراد الأخر حينئذ لا طاعة و لا عصيان.

و ثالثة يتعلّق التكليف بالأمر المتولّد من ترك المجموع، و هو كون الشخص لا شارب الخمر على نحو القضية المعدولة المحمول، و هذا بخلاف القسمين الأولين فإنّ القضية من السالبة المحصّلة.

الأمر الثالث:

بعد ما عرفت الأقسام المتصوّرة في طرف الأوامر و في طرف النواهي يقع الكلام حينئذ فيما هو الأصل من هذه الأقسام، و أنّ الأصل في طرف التكاليف الوجودية و في باب الأوامر أن يكون المطلوب هو صرف الوجود، أو أنّ الأصل يقتضي أن يكون المطلوب مطلق الوجود؟ ففي مثل أكرم أو صلّ في المسجد يقتضي الأصل الاكتفاء بصرف وجود إكرام العالم، أو أن الأصل يقتضي إكرام مطلق وجوده بأقسامه المتقدّمة؟

و كذا الكلام في طرف النهي و التكاليف العدمية، هل الأصل يقتضي أن يكون التكليف فيها انحلاليّا، أو يكون كلّ فرد يوجد في الخارج من أفراد الموضوع مستتبعا لفرد من الخطاب يخصّه، أو أنّ الأصل لا يقتضي ذلك؟

و الحاصل: أن الكلام في هذا الأمر يقع في أنّ طبع الأمر و التكليف الوجودي، هل يقتضي أن يكون المطلوب منه صرف الوجود، بحيث يكتفي في مقام الامتثال بأول الوجود، و كان الوجود الثاني من باب الامتثال عقيب

الامتثال، أو أنّ طبع الأمر يقتضي مطلق الوجود على نحو العام الاستغراقي أو المجموعي أو الطبيعة السارية؟

و كذا يقع الكلام في أنّ طبع النهي و التكاليف العدمية، هل يقتضي الانحلالية بحيث يكون كلّ فرد من أفراد الموضوع له خطاب و طاعة و عصيان، أو أنّ طبع النهي يقتضي السلب الكلّي على نحو العام المجموعي، أو يقتضي السلب على نحو المعدولة المحمول؟

فنقول: مقتضى التضادّ و المقابلة بين الأمر و النهي هو أن يكون المطلوب في كلّ منهما نقيض ما هو المطلوب في الآخر، فلو كان المطلوب في طرف الأمر صرف الوجود كان اللازم بمقتضى المقابلة أن يكون المطلوب في طرف النهي هو السلب الكلّي على نحو العام المجموعي، بحيث يتحقّق العصيان بأول الوجود من دون أن يكون للوجودات الأخر طاعة و عصيان، كما كان الأمر في طرف الأمر بالعكس و أنّ الإطاعة تتحقّق بأول الوجود من دون أن يكون للوجودات الأخر طاعة و عصيان.

و بالجملة: لو كان المطلوب في طرف الأمر صرف الوجود كان اللازم أن يكون المطلوب في طرف النهي السلب الكلّي، لأنّ نقيض الموجبة الجزئية السالبة الكلّية. و لو كان المطلوب في طرف الأمر مطلق الوجود على نحو العام الاستغراقي كان مقتضى المقابلة أن يكون المطلوب في طرف النهي العام الانحلالي. هذا بحسب ما تقتضيه المقابلة بين الأمر و النهى.

و لكن مع ذلك الأصل و ما هو طبع الأمر و النهي لا يقتضي ذلك، بل يقتضي أن يكون المطلوب في طرف الأمر صرف الوجود، و في طرف النهي انحلاليّا و يكون لكلّ فرد من أفراد الخمر خطاب يخصّه.

أمّا في طرف الأمر فاقتضاؤه صرف الوجود واضح، فإنّ طلب إيجاد الطبيعة

لا يقتضي أزيد من نقض العدم و تحقّق وجود الطبيعة في الخارج، و هذا المعنى يحصل بأول وجود للطبيعة، فلو كان المقصود إيجاد كلّ فرد فرد من الطبيعة على نحو العام الاستغراقي أو المجموعي لكان اللازم هو اعتبار قيد زائد في متعلّق الأمر و مئونة أخرى غير تعلّق الطلب بنفس الطبيعة، فتعلّق الأمر بنفس الطبيعة بنفسه و بطبعه لا يقتضي أزيد من صرف الوجود كما لا يخفى.

و أمّا في طرف النهي فقد عرفت أنّ محتملاته ثلاثة:

(أحدها) أن يكون النهي من باب أخذ القضية على نحو المعدولة المحمول، بأن يكون النهي عن شرب الخمر مثلا باعتبار ما يتولّد من الترك الخارجي، و يكون المقصود منه هو كون الشخص لا شارب الخمر.

و هذا الاحتمال في باب النواهي و التكاليف العدمية ساقط من أصله، فإنّ الظاهر في باب النواهي هو أن يكون النهي عن الشي‌ء لأجل أنّ لوجود المنهي عنه- و هو شرب الخمر مثلا- مفسدة، من دون أن يكون في عدم الشرب مصلحة بحيث يكون نفس العدم بما هو عدم مطلوبا و يلاحظ معنى اسميّا و يتعلّق الطلب به.

و في القضية المعدولة المحمول إنّما يكون نفس العدم محمولا و ملحوظا معنى اسميّا، فلو كان معنى قوله لا تشرب الخمر هو صيرورة الشخص لا شارب الخمر فمعناه أنّ نفس اتّصاف الشخص بهذا العدم بما هو عدم مطلوب و محبوب من دون أن يكون في شرب الخمر مفسدة، و يكون النهي عن الشرب إنّما هو لأجل كون ترك آحاد الشرب مقدّمة لتحقّق ذلك العدم في الخارج، و هذا- كما ترى- خلاف ما يقتضيه النهي، لما عرفت من أنّ ظاهر النهي عن الشي‌ء ثبوتا إنّما هو لأجل أنّ في وجود ذلك مفسدة اقتضت النهي عنه، هذا.

مع أنّه خلاف ظاهر الدليل، فإنّ الظاهر من قوله لا تشرب الخمر هو عدم

إيجاد الشرب في الخارج، فلو كان المقصود هو عدم اتّصاف الشخص بشرب الخمر كان حقّ التعبير أن يقول: كن لا شارب الخمر، لا أن يقول: لا تشرب الخمر.

و بالجملة: هذا الاحتمال في باب التكاليف العدمية ضعيف جدا.

بقي في الباب احتمالان آخران.

(أحدهما) أن يكون المقصود من النهي هو السلب الكلّي على نحو العام المجموعي، بأن يكون معنى قوله لا تشرب الخمر هو ترك مجموع أفراد الخمر من حيث المجموع، بأن كان هناك خطاب واحد تعلّق بالمجموع و يكون عصيانه بوجود أول فرد من شرب الخمر، من دون أن يكون للباقي طاعة و عصيان كما كان في النذر كذلك.

و هذا الاحتمال و إن كان ربّما يعيّنه مقابلة النهي للأمر- كما تقدّم- إلّا أنّه أيضا خلاف الظاهر، فإنّ الظاهر من قوله لا تشرب الخمر هو أن يكون مطلق وجود شرب الخمر مبغوضا، سواء في ذلك الوجود الأول و الثاني و الثالث و هكذا، لا أن يكون المبغوض هو أول الوجود كما هو لازم معنى السلب الكلّي.

و الحاصل: أنّ كون المقصود في النهي هو السلب الكلّي على نحو المجموع يحتاج إلى عناية زائدة عن تعلّق النهي بنفس الطبيعة، و هي أخذ مجموع وجودات الطبيعة أمرا و يلاحظها بلحاظ فأرد ثمّ ينهى عنها بما أنّها أمر واحد، و هذا خلاف ظاهر توجّه النهي على نفس الطبيعة، فإنّ ظاهره أن يكون لكلّ وجود من الطبيعة مفسدة لا ربط لها بالآخر.

فيتعيّن (الاحتمال الثالث) و هو الانحلالية، و أنّ في باب النواهي يكون لكلّ وجود يفرض للطبيعة خطاب برأسه و طاعة و عصيان يخصّه، و هذا الخطاب لا تحقّق له إلّا بعد تحقّق الفرد خارجا، لما عرفت من أنّ في باب التكاليف

العدمية الانحلالية يكون لوجود الموضوع دخل في تحقّق الملاك.

بل في التكاليف الوجودية الانحلالية يكون الأمر كذلك أيضا، إذ الظاهر من قوله أكرم كلّ عالم أن يكون لوجود العالم في الخارج دخل في تحقّق ما هو مناط الحكم، و يلزمه قهرا تبعية الحكم لوجود الموضوع، فلازم الانحلالية أن يكون الحكم مشروطا بوجود الموضوع، كما أنّ لازم صرف الوجود عكس ذلك، و أنّ الظاهر في مثل قوله أكرم عالما هو أن لا يكون التكليف مشروطا بأزيد ممّا يقتضيه العقل من القدرة على الامتثال كما تقدّم تفصيله.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا: أنّ الأصل في باب النواهي هو أن يكون التكليف انحلاليّا إلّا أن تقوم قرينة على خلاف ذلك، و يلزمه قهرا اشتراط التكليف بوجود الموضوع، و أنّ الأصل في باب الأوامر أن يكون المطلوب صرف الوجود و عدم اشتراطه بتحقّق الموضوع إلّا أن تقوم قرينة على خلاف ذلك.

الأمر الرابع:

بعد ما عرفت الانقسامات المتصوّرة في طرف الأمر و النهي، يقع الكلام حينئذ في بيان حال الشكّ، و أنّه في أي مورد يرجع الشكّ إلى الشكّ في التكليف، و في أي مورد يرجع الشكّ إلى الشكّ في الامتثال. و قبل بيان ذلك لا بدّ من بيان ما هو الضابط في رجوع الشكّ إلى أحد القسمين، فنقول:

انّ ضابط الشكّ في التكليف هو أن يرجع الشكّ إلى مرحلة فعل الآمر و ما هو الصادر عنه في مقام أمره و تحقّق الطلب منه، ففي كلّ مرحلة يرجع الشكّ إلى مرحلة أصل الطلب، و لو باعتبار سعة دائرة الطلب و ضيقه يكون الشكّ شكّا في التكليف، و ضابط الشكّ في الامتثال هو أن يرجع الشكّ إلى الشكّ في تحقّق الفعل و الترك المطالب به، مع تبيّن التكليف و ما هو الصادر عن الآمر.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه لو لم يكن للتكليف تعلّق و ربط بموضوع خارجي، بل كان هناك تكليف و متعلّق فقط فالشبهة المصداقية لا يمكن تحقّقها فيه، سواء في ذلك التكاليف الوجودية و العدمية، بداهة أنّه بعد تبيّن مفهوم التكليف و مفهوم التعلّق، و أنّ التكليف هو الوجوب و الحرمة و المتعلّق هو الصلاة و الغناء، و علم معنى الصلاة و الغناء، لا يمكن أن يشكّ الشخص- في حال صدور المتعلّق منه- فيما يفعله و أنّ هذا المشغول به ما هو.

نعم بعد الفعل يمكن أن يشكّ في فعله السابق، و الذي فعله في السابق هل هو صلاة أو غناء، و لكنّ هذا الشكّ في التكاليف الوجودية يرجع إلى الشكّ في الامتثال إن لم يكن هناك مثل قاعدة الفراغ التي تثبت الامتثال و في التكاليف التحريمية ممّا لا أثر له بداهة أنّه لا أثر للشكّ في أنّه هل صدر منّي غناء أو لم يصدر و على تقدير فرض الأثر فأصالة عدم صدور الغناء جارية.

ثمّ لا يخفى عليك أنّ ما قلناه- من عدم تحقّق الشبهة المصداقية في باب متعلّقات التكاليف- إنّما هو فيما إذا كان نفس الفعل الصادر عن المكلّف ابتداء متعلّق التكليف، و أمّا إذا كان الفعل الصادر عن المكلّف محصّلا و سببا لما هو متعلّق التكليف فتطرّق الشبهة المصداقية فيه بمكان من الإمكان، بداهة أنّه يمكن الشكّ في أنّ هذا الذي يفعله هل هو محصّل لما هو المكلّف به أو غير محصّل، و كلّما رجع الشكّ إلى المحصّل كان مجرى للاشتغال، لرجوع الشكّ إلى الشكّ في الامتثال و الخروج عن الفعل و الترك المطالب به، سواء كان ذلك في التكاليف الوجودية أو العدمية.

أمّا في التكاليف الوجودية فرجوع الشكّ إلى الشكّ في الامتثال واضح، كما في باب الطهارة الحدثية و الخبثية على وجه.

و أمّا في التكاليف العدمية فكذلك أيضا على ما اختاره شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه-

مثلا لو نهى عن إحراق زيد فالتكليف بحرمة الإحراق بعد العلم به قد تنجّز على المكلّف، فلو شككت في الإلقاء الكذائي هل هو محصّل للإحراق أو لا، كان اللازم بمقتضى تنجز التكليف بحرمة الإحراق هو التجنّب عن مثل هذا الإلقاء المشكوك محصّليّته، و ذلك لرجوع الشكّ فيه إلى الشكّ في العصيان، لا إلى الشكّ في التكليف بداهة العلم بالتكليف و المتعلّق كليهما، فالشكّ في ذلك لا يرجع إلى الشكّ في أحدهما، بل إلى الشكّ في تحقّق العصيان بمثل هذا الإلقاء المحتمل كونه محصّلا للإحراق، و الشكّ في تحقّق العصيان- كالشكّ في تحقّق الإطاعة- ليس من مجاري البراءة، لأنّ مجرى البراءة منحصر في الشكّ في التكليف لا في محصّله.

و الحاصل: أنّ الشكّ في محصّلية الإلقاء الكذائي للإحراق لا بدّ له من رافع و مؤمّن عقلي أو شرعي، و المفروض انتفاء المؤمّن العقلي و الشرعي في مثله، لعدم جريان قبح العقاب بلا بيان، و عدم جريان رفع ما لا يعلمون، لما عرفت من أنّ مورد البراءة الشرعية و العقلية منحصر بما إذا كان الشكّ في أصل التكليف لا في محصّله، فتأمّل جيّدا.

هذا كلّه فيما إذا لم يكن للتكليف تعلّق بموضوع خارجي.

و أمّا إذا كان له تعلّق بذلك، فيختلف حال الشكّ حسب اختلاف التكاليف الوجودية و العدميّة بأقسامها المتقدّمة.

فلو كان التكليف وجوديّا، و كان المطلوب منه صرف الوجود- كما هو الأصل في التكاليف الوجودية على ما عرفته- فقد تقدّم أنّ الظاهر من مثل قوله أكرم عالما هو أن لا يكون التكليف مشروطا بأزيد ممّا يشترط العقل في جميع التكاليف من القدرة على الامتثال، و لازمة أن لا يكون الملاك و التكليف مشروطا بوجود العالم، فاللازم حينئذ هو وجوب تحصيل العالم ليكرمه، و على تقدير الشكّ في وجود العالم أو القدرة على إيجاده فاللازم هو الفحص حتّى يعلم بعدم القدرة

و بالجملة: كلّما رجع الشكّ إلى ناحية القدرة العقلية، فمن حيث عدم دخلها في الملاك العقل يستقل بوجوب الفحص و يحكم بذلك حكما طريقيّا، نعم لو كانت القدرة شرطا شرعيّا فمن حيث دخلها في الملاك- كما تقدّم- كان الشكّ فيها شكّا في أصل التكليف، فلا يجب الفحص حينئذ إذا كان الشكّ فيه من أجل الشبهة الموضوعية كما فيما نحن فيه، إلّا أن يقوم دليل من الخارج على وجوب الفحص، أو كان الخطاب المشروط بالقدرة يقتضي الفحص، لأنّه كانت القدرة المأخوذة في الخطاب شرعا ممّا لا يمكن العلم بها بحسب العادة إلّا في الفحص كما في الاستطاعة الحجيّة، فإنّ العلم بحصولها لا يمكن عادة إلّا بالفحص عن مقدار المالية و ما يملكه.

و هذا هو السرّ في فتوى المشهور بوجوب الفحص عن الاستطاعة مع أنّ القاعدة لا تقتضي ذلك، لما عرفت من أنّه كلّما كان الشكّ في أصل تحقّق ما هو شرط التكليف و كان له دخل في الملاك كان مرجعه إلى أصل التكليف، و أصالة البراءة تنفي وجوب الفحص إذا كانت الشبهة موضوعية.

و حاصل الكلام: أنّ في التكاليف الوجودية إذا لم يكن الملاك و التكليف مشروطا بوجود الموضوع، كان اللازم هو وجوب الفحص عن تحقّق الموضوع و القدرة عليه، و قد عرفت أنّ عدم اشتراط الملاك و التكليف بوجود الموضوع ممّا يقتضيه إطلاق الخطاب إذا كان المطلوب منه صرف الوجود كما هو مقتضى طبع الأمر و الأصل فيه.

و أمّا إذا كان الملاك و التكليف مشروطا بوجود الموضوع، كما إذا قام دليل من الخارج على ذلك، كان مقتضى القاعدة عند الشكّ فيه عدم وجوب الفحص و البراءة عنه، إلّا أن يقوم دليل على وجوب ذلك، أو كان الخطاب بنفسه يقتضيه، كما في بلوغ المال حدّ الاستطاعة في الحجّ، و حدّ النصاب في

الزكاة. هذا كلّه في التكاليف الوجودية المطلوب منها صرف الوجود.

و أمّا التكاليف الوجودية المطلوب منها مطلقة، فإن كان ذلك على نحو الانحلاليّة بأن كان لكلّ موضوع يوجد في الخارج خطاب مستقل، كما في مثل أكرم العلماء إذا كان على نحو العموم الاستغراقي، فرجوع الشكّ إلى الشكّ في التكليف عند الشكّ في وجود الموضوع واضح، بداهة أنّه لو شكّ في عالمية زيد مثلا كان الشكّ في ذلك مستلزما للشكّ في وجوب إكرامه، لأنّه على تقدير أن يكون عالما كان له خطاب مستقل برأسه، فيرجع الشكّ إلى الشكّ في أصل التكليف، و واضح أنّه من مجاري البراءة.

و أمّا إذا كان المطلوب مطلق الوجود على نحو العام المجموعي، فهو و إن لم يكن هناك إلّا خطاب واحد و تكليف فأرد، إلّا أنّه لا إشكال في أنّه يختلف سعة و ضيقا حسب ما يوجد من أفراد الموضوع خارجا، بداهة أنّه لو لم يوجد من أفراد العلماء إذا اعتبر على نحو المجموعي إلّا مائة، كان سعة التكليف بمقدار المائة و له تعلّق بهذه الجملة، و لو زاد على المائة واحد اتّسعت دائرة التكليف و كان له تعلّق أيضا بذلك الواحد، و هكذا تتّسع دائرة التكليف حسب اتّساع أفراد الموضوع.

فلو شكّ في عالمية زيد مثلا فهو و إن لم يكن له خطاب مستقلّ على تقدير كونه عالما إلّا أنّه ممّا يوجب سعة دائرة التكليف، فالشكّ فيه شكّ في مقدار التكليف، و بالأخرة يرجع الشكّ إلى الشكّ في وجوب إكرام زيد، و يكون مجرى البراءة أيضا كما لا يخفى.

هذا كلّه في التكاليف الوجودية، و قد عرفت حال الشكّ فيها بأقسامه.

و أمّا التكاليف العدمية فقد عرفت أنّه ليس فيها ما يكون المطلوب منه صرف الوجود، فما ذكرناه في التكاليف الوجودية عند الشكّ في وجود الموضوع إذا كان المطلوب منه صرف الوجود ساقط في التكاليف العدمية من أصله.

نعم الاحتمالات الأخر جارية فيها أيضا مع زيادة احتمال آخر في خصوصها، و هو ما إذا كان المطلوب من التكليف العدمي العنوان المتولّد من الترك الخارجي و هو كون الشخص لا شارب الخمر، و قد عرفت أنّ هذا خلاف ما يقتضيه ظاهر النهي. و لو قام دليل على أنّ المطلوب من النهي هو ذلك فلا محيص حينئذ من ترك جميع ما يحتمل كونه خمرا، لأنّ الترك الخارجي يكون حينئذ محصّلا لذلك العنوان، فلا بدّ من القطع بحصول العنوان الذي يكون هو المطلوب، و القطع بحصول ذلك لا يتحقّق إلّا بترك جميع أفراد الخمر المعلومة و المشكوكة، بداهة أنّ شرب مشكوك الخمرية ملازم للشكّ في حصول العنوان، و الشكّ فيه يرجع إلى الشكّ في الامتثال كما هو أوضح من أن يخفى.

بقي في المقام احتمالان آخران: (أحدهما) أن يكون النهي على نحو الانحلاليّة، بأن يكون لكلّ فرد من أفراد الخمر خطاب يخصّه (ثانيهما) أن يكون على نحو المجموعية.

و الكلام فيهما عند الشكّ في الموضوع الكلام في التكاليف الوجودية بعينه، و أنّه يكون من مجاري البراءة فلا نعيده، لكنّه قد عرفت أنّ الأصل في باب الأوامر هو أن يكون على نحو صرف الوجود، و أنّ الأصل في باب النواهي أن يكون على نحو الانحلاليّة. هذا كلّه في التكاليف الوجودية و العدمية الاستقلالية.

و أمّا التكاليف الوجودية و العدمية الارتباطية التي هي المقصود بالأصالة للبحث عنها هنا، و إنّما ذكرنا حال الاستقلالية تبعا، فمجمل القول فيها: أنّ جميع الأقسام المتصوّرة في التكاليف الاستقلالية متصوّرة في التكاليف الارتباطية أيضا، فإنّ منها ما لا يكون له تعلّق بموضوع خارجي كالركوع و السجود و التكفير و قول آمين و غير ذلك من الخطابات الغيرية الوجودية و العدمية. و منها ما يكون له تعلّق بموضوع خارجي، و هذا على قسمين لأنّه إمّا أن يتعلّق به تكليف وجودي

كالاستقبال و الطهور و أمثال ذلك، و إمّا أن يتعلّق به تكليف عدمي كلبس الحرير و غير المأكول و أمثال ذلك.

فإن كان التكليف وجوديّا و كان المطلوب منه صرف الوجود، كما هو الشأن في جميع التكاليف الوجودية الارتباطية، فعند الشكّ في تحقّق الموضوع و القدرة عليه يجب الفحص كالتكاليف الاستقلالية.

و هذا هو السرّ فيما اشتهر في الألسن من أنّ الشرط يجب إحرازه و لا يكفي الشكّ في حصوله، لأنّ التكليف المتعلّق بالشرط يكون وجوديّا و المطلوب منه صرف الوجود، فلا بدّ عند الشكّ فيه من الفحص إلى أن يعلم بتعذّره.

و إن كان التكليف عدميّا كما في باب الموانع التي هي محلّ البحث في المقام، فينبغي أولا أن يتكلّم فيما هو منشأ انتزاع المانعية ثبوتا و إثباتا، فنقول:

بعد ما عرفت من أنّ رتبة تحقّق المانع و وجوده إنّما هو بعد وجود المقتضي بما له من الشرائط و الأجزاء، فلا إشكال في أنّ منشأ انتزاع المانعية بالنسبة إلى الملاكات و المصالح و المفاسد التي تبتني عليها الأحكام الشرعية- بناء على أصول العدلية- إنّما يكون أمرا واقعيّا تكوينيّا، كما أنّ مقتضيات الملاكات بما لها من الأجزاء و الشرائط تكون أمورا واقعية تكوينية، من دون أن يكون لها تعلّق بجعل شرعي و لا مساس لها بالشارع في عالم شارعيّته و جعله الأحكام، بل هي كسائر الأمور التكوينية الواقعية.

و إذا كان شأن موانع الملاكات كذلك فعند الشكّ في تحقّق المانع عن الملاك يرجع الشكّ في الحقيقة إلى الشكّ في حصول الملاك، فلو كانت الملاكات داخلة في حيّز التكليف و متعلّقة للطلب لكان الأصل عند الشكّ في المانع عن الملاك هو الاشتغال و الاحتياط، لما عرفت من أنّ الشكّ في المانع يرجع إلى الشكّ في حصول الملاك الذي فرض تعلّق الطلب به، و كلّما رجع الشكّ إلى

الشكّ في المحصّل يكون الأصل فيه هو الاشتغال و الاحتياط لا البراءة كما تبيّن في محلّه، هذا.

و لكن بعد ما بيّنا في محلّه و أوضحنا أنّ الملاكات غير داخلة في حيّز الطلب و لم يتعلّق بها أمر أصلا، و ليست من المسبّبات التوليدية لفعل المكلّف، بل ليس الفعل إلّا مقدّمة إعدادية لحصولها كان الشكّ في حصول المانع منها ممّا لا أثر له، و لا ينفع في شي‌ء من المقامات، و لا يمنع عن جريان البراءة في متعلّقات التكاليف.

بداهة أنّه في جميع موارد تردّد الواجب بين الأقلّ و الأكثر يرجع الشكّ فيها إلى الشكّ في حصول الملاك بالأقلّ، فلو كان الشكّ في حصول الملاك يمنع عن جريان البراءة في المتعلّق لكان اللازم هو القول بالاحتياط في جميع موارد تردّد الأمر بين الأقل و الأكثر. و هذا يكون هدما لما أسّسناه في أول البحث، من أنّ التكلّم فيما نحن فيه إنّما هو بعد الفراغ عن جريان البراءة في الأقل و الأكثر الارتباطي.

و الحاصل: أنّه بعد البناء على أنّ الملاكات لم تكن لازمة التحصيل و لم يتعلّق بها طلب و لا أمر، بل إنّما تكون عللا و دواعي للأمر و التكليف، كان الشكّ في حصول المانع منها ممّا لا أثر له و لا يترتّب عليه شي‌ء، فالحريّ إنّما هو ملاحظة منشأ انتزاع المانعية في باب التكاليف، و في باب متعلّقاتها، و في باب موضوعاتها، و في باب الوضع و الأسباب، كموانع باب العقود و الإيقاعات، فنقول:

إنّ المانع (تارة) يكون مانعا عن التكليف الذي هو فعل اختياري للآمر و المكلّف بالكسر.

(و اخرى) يكون مانعا عن متعلّق التكليف و المأمور به الذي هو فعل اختياري للمأمور و المكلّف بالفتح.

(و ثالثة) يكون مانعا عن تحقّق ما هو موضوع التكليف، و هذا أيضا يرجع إلى المانعية عن التكليف، بداهة اشتراط التكليف بالموضوع فالمانع عن الموضوع مانع عن التكليف.

(و رابعة) يكون مانعا عن تحقّق المسبّب الذي هو المجعول الشرعي في باب الوضع و الأسباب، كموانع تحقّق الملكية و الزوجية و أمثال ذلك من المجعولات الشرعية الإمضائية، فهذه جملة أقسام الموانع.

و حيث عرفت سابقا أنّ المانعية- كالسببية و الشرطية و الجزئية- ممّا لا تنالها يد الجعل، بل المجعول إنّما هو منشأ انتزاع هذه الأمور، فاعلم أنّ منشأ انتزاع المانعية للمأمور به و المكلّف [به] ليس هو ثبوتا إلّا تحقّق تخصّص المأمور به و تقيّده في عالم الجعل و التشريع بعدم ما فرض كونه مانعا، بداهة أنّ الإهمال النفس الأمري في عالم تحقّق الإرادة و الجعل ممّا لا يعقل بالنسبة إلى الجاعل الملتفت، ففي عالم الثبوت و الواقع لا محيص إمّا من لحاظ تقيّد المأمور به بعدم الشي‌ء، و إمّا من لحاظه مطلقا بالنسبة إلى وجوده و عدمه، و لا يمكن أن يكون لا هذا و لا ذاك، و إلّا لزم الإهمال الواقعي الذي عرفت استحالته.

و الحاصل: أنّ في مقام تأليف الماهية و تشريعها إمّا أن يلاحظها الشارع مقيّدة بأمر وجودي، و إمّا أن يلاحظها مقيّدة بأمر عدمي، و إمّا أن يلاحظها مطلقة، و لا رابع لهذه الأقسام.

و اختلاف اللحاظ بحسب هذه الأقسام إنّما يكون من أجل اختلاف الماهية بحسب انطباق الملاك عليها، فتارة يكون الملاك منطبقا عليها مطلقا بالنسبة إلى الانقسامات اللاحقة لها، و اخرى لا ينطبق الملاك عليها إلّا على وجه خاصّ من انضمام أمر وجودي إليها أو عدمي، و من المعلوم أنّ الجاعل لا بدّ في مقام اللّحاظ و الجعل من ملاحظة الماهية على الوجه الذي ينطبق عليها الملاك، و إلّا كان ذلك

نقضا لغرضه و مفوّتا لمقصوده كما لا يخفى.

فإن لاحظ الماهية مطلقة غير مقيّدة بأمر وجودي أو عدمي، فلا يعقل بعد ذلك جعل شي‌ء جزء لها أو شرطا أو مانعا، إلّا أن يكون غير ملتفت إلى أنّ الشي‌ء الفلاني شرط أو مانع، و إلّا لا يعقل أن يلاحظ الشخص الملتفت إلى الجهات الواقعية الماهية المطلقة و بعد ذلك يلاحظ شيئا آخر جزء لها أو مانعا عنها.

و إن لاحظها مقيّدة بأمر وجودي، فذلك الأمر الوجودي إمّا أن يكون جزء لها أو شرطا على اختلاف بينهما في كيفية اللّحاظ.

و إن لاحظها مقيّدة بأمر عدمي فذلك الأمر العدمي يكون مانعا لا محالة. هذا كلّه في عالم اللحاظ.

ثمّ بعد ذلك لا بدّ للجاعل و الشارع من تشريع الماهية و جعلها على طبق لحاظها، فكما أنّ في عالم اللحاظ ليس له لحاظ شي‌ء آخر جزء أو شرطا أو مانعا بعد لحاظ الماهية مطلقة، فكذلك بعد الجعل و التشريع أن يجعل أمرا شرطا أو مانعا عن مجعوله إلّا على سبيل النسخ.

و حاصل الكلام: أنّ هنا عوالم ثلاثة، عالم الملاك و عالم اللحاظ و عالم الجعل و التشريع، و منشأ انتزاع الجزئية و الشرطية و المانعية في كلّ من هذه العوالم الثلاثة مختلف، فإنّ منشأ انتزاع هذه الأمور في عالم الملاك قد عرفت أنّه أمر واقعي تكويني، و قد تقدّم أنّ الشكّ في تحقّق المنشأ و حصوله في هذا العالم ممّا لا أثر له بعد عدم كون الملاكات داخلة في حيّز الطلب و التكليف.

و منشأ انتزاع هذه الأمور في عالم اللحاظ إنّما هو عبارة عن لحاظ الطبيعة إمّا مقيدة بأمر وجودي أو بأمر عدمي، و الجزء و الشرط و المانع في هذا العالم أيضا ممّا لا أثر له، بداهة أنّ عالم اللحاظ- مع قطع النظر عن الجعل و التشريع على طبقه-

ممّا لا أثر له و لا إطاعة له و لا عصيان.

بل الإطاعة و العصيان و الأثر إنّما تترتّب على عالم الجعل و التشريع الذي هو عالم التكليف، و منشأ انتزاع المانعية و الشرطية و الجزئية في هذا العالم- أي عالم الجعل- إنّما هو جعل الطبيعة و تقييدها و تخصيصها بأمر وجودي أو عدمي، فمن تقيّدها بأمر وجودي تنتزع عنه الجزئية و الشرطية، و من تقيّدها بأمر عدمي تنتزع عنه المانعية، فلو لا تقيّد الماهية في عالم التشريع بعدم ذلك الذي فرض كونه مانعا عن تحقّق المأمور به، لا يمكن بعد ذلك أن يصير شي‌ء مانعا عنه، و لا يعقل جعله ثانيا إلّا على طريق النسخ كما عرفت.

فتحصّل: أنّ منشأ انتزاع المانعية للمأمور به ليس إلّا تقيّد المأمور به في عالم الجعل و التشريع بعدم الشي‌ء، كما أنّ منشأ انتزاع المانعية في باب الوضع و الأسباب ليس هو إلّا عبارة عن تقيّد المسبّب الذي هو المجعول الشرعي في باب الأسباب، كالملكية و الزوجية و أمثال ذلك بعدم المانع، و هكذا الحال في موانع التكليف ليس المنشأ إلّا عبارة عن اشتراط التكليف و تقيّده بعدم المانع كما لا يخفى.

هذا كلّه بحسب عالم الثبوت.

و أمّا بحسب عالم الإثبات فالنواهي الغيرية الواردة دالّة بمدلولها المطابقي على ذلك التقيّد النفس الأمري، كما أنّ الأوامر الغيرية الواردة دالّة بمدلولها المطابقي على التقيّد النفس الأمري أيضا، غايته أنّ النواهي تدلّ على التقيّد بالعدم الذي هو مساوق لمانعية الشي‌ء، و الأوامر تدلّ على التقيّد بالوجود الذي هو مساوق لجزئية الشي‌ء أو شرطيّته.

فمثل قوله «اركع أو اسجد أو صلّ مستقبلا» يدلّ على جزئية الركوع و السجود و شرطية الاستقبال، و يكشف عن تقيّد الصلاة ثبوتا في مقام الجعل و التشريع بالركوع و السجود و الاستقبال، و مثل قوله «لا تصلّ في الحرير» و «فيما

لا يؤكل» يدلّ على مانعية الحرير و ما لا يؤكل، و يكشف عن تقيّد الصلاة ثبوتا بعدم وقوعها في الحرير و فيما لا يؤكل.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ المحتملات التي ذكرناها في النواهي الاستقلالية بعينها جارية في النواهي الغيرية، فإنّ النهي الغيري يمكن أن يكون له تعلّق بموضوع خارجي، كالنهي عن الصلاة فيما لا يؤكل و في الحرير، و يمكن أن لا يكون له تعلّق بموضوع خارجي، كالنهي عن قول آمين و التكتّف.

ثمّ ما كان له تعلّق بموضوع خارجي يمكن ثبوتا أن يكون المطلوب منه هو العنوان المترتّب و السبب التوليدي الحاصل من ترك ما تعلّق به النهي، بأن يكون المطلوب من النهي عن الصلاة فيما لا يؤكل هو اتّصاف الصلاة بعدم وقوعها فيه، و كون المصلّي متّصفا بأنّه غير لابس له، بحيث يكون المقصود هو المعنى النعتي الحاصل من ترك لبس أفراد غير المأكول، فتكون القضية حينئذ من الموجبة المعدولة المحمول و تخرج عن السالبة المحصّلة، كما إذا كان المطلوب في النواهي الاستقلالية مثل لا تشرب الخمر هو كون الشخص غير متّصف بكونه شارب الخمر، و أنّه يعتبر أن لا يكون شارب الخمر.

و يمكن أن يكون المطلوب من النهي الغيري المتعلّق بموضوع خارجي هو السلب الكلّي على نحو العام المجموعي، بأن يكون المقصود من النهي عن الصلاة فيما لا يؤكل هو تركها في مجموع أفراد ما لا يؤكل، بحيث كان هناك نهي واحد و مطلوب فأرد تعلّق بمجموع الأفراد، فيكون المانع هو مجموع الأفراد على نحو عموم السلب لا سلب العموم، بحيث لو صلّى في فرد ممّا لا يؤكل اضطرارا فقد خرجت لأفراد الأخر عن المانعية و تعلّق النهي بها.

و يمكن أن يكون المطلوب من النهي الغيري هو السلب الكلّي على نحو الانحلالية، بحيث يكون لكلّ فرد من أفراد ما لا يؤكل خطاب يخصّه، و يتعدّد

المانع حسب تعدّد أفراده في الخارج، و تكون الصلاة مقيّدة بعدم وقوعها في كلّ واحد من الأفراد، و يتعدّد القيد حسب تعدّد الأفراد كتعدّد الخطابات الاستقلالية حسب تعدّد أفراد الموضوع.

و الحاصل: أنّ المحتملات في النواهي الغيرية هي بعينها المحتملات في النواهي الاستقلالية، و قد عرفت أنّ المحتملات في النواهي الاستقلالية ثلاثة ففي النواهي الغيرية أيضا كذلك، هذا بحسب الإمكان.

و أمّا بحسب الاستظهار فما استظهرناه في النواهي الاستقلالية، من كون المطلوب فيها بحسب ما يقتضيه ظاهر الدليل كونه على نحو الانحلاليّة، لا السلب الكلّي على نحو العام المجموعي، و لا الموجبة المعدولة المحمول، بعينه مستظهر في النواهي الغيرية، و أنّ الأصل فيها أيضا الانحلاليّة، و حينئذ يكون الشكّ في تحقّق الموضوع الخارجي شكّا في التكليف، كما تقدّم وجهه في النواهي الاستقلالية.

و بيان ذلك، هو أنّه لا إشكال في أنّ الظاهر من أدلّة الباب، من مثل قول عليه السّلام «لا تجوز الصلاة فيما لا يؤكل» (1)خصوصا الأخبار المعلّلة بالمسوخية و غيرها، هو أنّ جهة المنع إنّما هي لأجل خصوصية قائمة في غير المأكول أوجبت المنع عن الصلاة فيه.

و هذا المعنى ينافي كونه من باب الموجبة المعدولة المحمول، فإنّه لو كان المطلوب بالنهي هو كون الصلاة متّصفة بكونها لا فيما يؤكل لحمه، بحيث يكون نفس هذا العدم النعتي تمام المطلوب و المصلحة قائمة به، لكان اللازم هو ملاحظة العدم معنى استقلاليا، و تكون الخصوصية الموجبة لعدم صحّة الصلاة فيما لا يؤكل قائمة بنفس هذا العدم، من دون أن يكون في الحيوان الغير المأكول خصوصية


1) الوسائل: ج 3 ص 251 باب 2 من أبواب لباس المصلي ح 7.

أوجبت المنع عن الصلاة فيه، بل كانت الخصوصية قائمة بذلك الوصف العدمي القائم بالصلاة عند ترك الصلاة فيما لا يؤكل، بحيث تدور الصحّة و الفساد مدار تحقّق ذلك الوصف و عدمه، حتّى لو فرض محالا أنّ المكلّف ترك الصلاة في جميع أفراد ما لا يؤكل، و لم يتحقّق ذلك الوصف العدمي للصلاة، لكانت الصلاة فاسدة.

و هذا الفرض و إن كان محالا، لأنّ ترك الصلاة في جميع أفراد ما لا يؤكل ملازم لتحقّق العنوان العدمي للصلاة، فإنّ ذلك العنوان من قبيل المسبّب التوليدي لذلك الترك، كما عرفت وجهه في النواهي الاستقلالية، إلّا أنّ التفكيك بين المتلازمين ممّا يوجب تقريب المطلب و تسجيله.

و الحاصل: لازم كون المطلوب هو الصلاة لا فيما يؤكل على نحو القضية المعدولة المحمول، هو كون الخصوصية المستتبعة للصحّة و الفساد قائمة بنفس ذلك العدم، من دون أن يكون لأفراد غير المأكول دخل في ذلك، و لا خصوصية فيها توجب المنع عن الصلاة فيها.

و هذا- كما ترى- ينافي ظواهر الأدلّة، من كون المنع إنّما هو من أجل خصوصية قائمة في نفس الحيوان التي أوجبت حرمة أكله و عدم جواز الصلاة فيه، كما يشهد لذلك التعليل بالمسوخية و غيرها، فالمطلوب في باب النواهي الغيرية- بحسب ما يقتضيه ظاهر الأدلّة- ليس هو إلّا ترك الصلاة في أفراد ما لا يؤكل لاتّصاف الصلاة بالترك، بحيث لو فرض أيضا محالا ترك المكلّف الصلاة في جميع أفراد ما لا يؤكل، و لكن لم يتحقّق ذلك الوصف العدمي للصلاة، لمّا كان ذلك مخلّا بالصحّة أصلا.

فاحتمال أن يكون المطلوب من النهي عن الصلاة فيما لا يؤكل، هو اتّصاف الصلاة بكونها لا فيما يؤكل لحمه على نحو المعدولة المحمول ساقط من أصله، و لا ينبغي الإصغاء إليه

بقي احتمالان آخران: (أحدهما) أن يكون المطلوب من النهي هو ترك الصلاة في أفراد ما لا يؤكل على نحو العام المجموعي، بحيث يكون هناك مطلوب واحد و قيد فأرد للصلاة، و هو عدم وقوعها في مجموع أفراد ما لا يؤكل من حيث المجموع على نحو السلب الكلّي، نظير من نذر ترك أفراد شرب الدخان.

(ثانيهما) أن يكون المطلوب من النهي هو ترك الصلاة في كلّ فرد فرد من أفراد ما لا يؤكل على نحو العموم الانحلالي، بحيث يكون كلّ فرد من أفراد ما لا يؤكل متعلّقا للنهي الغيري استقلالا، و يكون عدم كلّ فرد فرد قيدا للصلاة، فتتعدّد القيدية حسب تعدّد الأفراد.

و قد تقدّم في النواهي الاستقلالية أنّ الأصل فيها الانحلاليّة، و الظاهر من مثل قوله «لا تشرب الخمر» هو انحلال الخطاب بالنسبة إلى كلّ فرد فرد من أفراد الخمر، بحيث يكون لكلّ فرد خطاب يخصّه، فهل الأمر في النواهي الغيرية أيضا كذلك، أو أنّ الأصل فيها أن يكون النهي على نحو العام المجموعي؟

ربّما يتوهّم أنّ المطلوب فيما نحن فيه لا بدّ و أن يكون على نحو السلب الكلّي لا العام الانحلالي، و ذلك لأنّه لا إشكال في عدم حصول قيد الصلاة، و ما هو المطلوب من النهي عن الصلاة فيما لا يؤكل، إلّا بترك الصلاة في مجموع أفراد ما لا يؤكل، فامتثال النهي عن الصلاة فيما لا يؤكل لا يتحقّق إلّا بالتحرّز و التجنّب عن جميع أفراد ما لا يؤكل، و هذا- كما ترى- لا يستقيم إلّا بأن يكون المطلوب فيما نحن فيه هو السلب الكلّي لا الانحلالي.

و أيضا لا إشكال في أنّه لو صلّى في أحد أفراد ما لا يؤكل لا تكون سائر الأفراد مانعة، لأنّ المسبوق بمثله لا يؤثّر، و هذا يكشف عن بطلان الانحلاليّة، لأنّه لو كان المطلوب بالنهي هو الانحلاليّة لكان اللازم اتّصاف كلّ فرد فرد من أفراد غير المأكول بالمانعية، كاتّصاف كلّ فرد فرد من أفراد الخمر بالحرمة، هذا.

و لكن لا يخفى عليك فساد هذا التوهّم، فإنّ عدم حصول القيد للصلاة إلّا بترك جميع أفراد غير المأكول لا يكشف عن كون المطلوب بالنهي هو السلب الكلّي، بل عدم حصول ذلك إنّما هو من لوازم الارتباطية، حيث إنّ الارتباطية بين أجزاء الصلاة و شرائطها و موانعها تقتضي عدم تحقّق المطلوب من الصلاة إلّا بوجدانها لجميع ما اعتبر فيها.

و ما ذكر من أنّه لو صلّى في أحد أفراد غير المأكول تخرج سائر الأفراد عن كونها مانعة، و هذا ينافي الانحلاليّة، ففساده غنيّ عن البيان، فإنّ فيه:

(أولا) نقضا أنّه لو صلّى مع فقدان بعض أجزاء الصلاة أو شرائطها، أو صلّى مع مانع آخر غير ما لا يؤكل كالحرير مثلا، فلا إشكال في أنّ غير المأكول لا يتّصف بالمانعية، فإنّه لو صلّى في ألف من غير المأكول لا يؤثّر في الفساد، بعد ما كانت الصلاة واقعة على غير ما اعتبر فيها من الأجزاء و الشرائط و الموانع، فمجرّد خروج سائر الأفراد عن المانعية إذا كانت الصلاة واقعة في فرد ممّا لا يؤكل لا يكشف عن كون القيد أخذ على نحو السلب الكلّي أو الانحلالي.

(و ثانيا) أنّ مانعية غير المأكول لم تؤخذ قيدا لأفراد الصلاة، حتّى يقال بأنّ الفرد من الصلاة الواقع في فرد من غير المأكول يوجب خروج سائر الأفراد عن المانعية، بل القيد إنّما اعتبر قيدا للطبيعة، فلو فرض أنّه صلّى ألف فرد من الصلاة في غير المأكول، لا يوجب خروج غير المأكول عن المانعية، و بعد باق على مانعيّته للطبيعة، و الأفراد الواقعة من الصلاة خارجة عن صحّة انطباقها على الطبيعة المأمور بها.

نعم لو فرض أنّه اضطرّ إلى الصلاة في فرد من غير المأكول، بحيث يوجب سقوط القيد عن القيدية، فحينئذ لو قال أحد بأنّه بعد اضطراره إلى لبس فرد من أفراد غير المأكول يجوز لبس سائر الأفراد، و لا تضرّ بصحّة الصلاة، لكشف ذلك

عن أنّ القيد إنّما أخذ على نحو السلب الكلّي، حيث جواز لبس سائر الأفراد الغير المضطرّ إليها ينافي الانحلاليّة، و أنّ كلّ فرد من أفراد غير المأكول مانع مستقلّ و تعلّق النهي الغيري به بحياله.

إلّا أنّ الشأن في جواز ذلك، فإنّ الظاهر تسالم الفقهاء- على ما حكي- أنّه لا بدّ من الاقتصار على المضطرّ إليه و لا يجوز لبس الزائد، و هذا التسالم يكشف عن الانحلاليّة لا السلب الكلّي، كما لا يخفى وجهه.

فظهر أنّ ما تخيّل وجها لأن يكون النهي في مثل «لا تصلّ فيما لا يؤكل» على نحو السلب الكلّي ليس بجيّد، و الأقوى أنّ النهي فيما نحن فيه إنّما يكون على نحو الانحلاليّة، و أنّ كلّ فرد من أفراد غير المأكول يكون مانعا بحياله و تعلّق به النهي الغيري مستقلّا.

و عليه تندرج الشبهة في مجاري البراءة، فإذا شكّ في شي‌ء أنّه من غير المأكول من جهة الشبهة المصداقية يكون الشكّ شكّا في التكليف، و يكون من باب دوران المتعلّق بين الأقل و الأكثر، بداهة أنّ الانحلاليّة توجب تعدّد القيد و النهي حسب ما يوجد من أفراد غير المأكول في الخارج، فالشكّ في فرد يوجب الشكّ في النهي و التقيّد زائدا عمّا علم من الأفراد المعلومة.

ثمّ على تقدير التنزّل و تسليم كون النهي على نحو السلب الكلّي لا الانحلالي، فالشبهة أيضا مندرجة في مجاري البراءة، ضرورة أنّه بناء على السلب الكلّي و إن كان النهي واحدا و القيد فاردا، إلّا أنّه لا إشكال في اتّساع دائرة متعلّق النهي و القيد حسب سعة ما يوجد من أفراد غير المأكول، و أنّ كلّ ما يوجد في الخارج من أفراده يوجب زيادة المتعلّق و توسعة في ناحية القيد، و هذا المقدار يكفي في اندراج الشبهة في مجاري البراءة، كما عرفت وجهه في التكاليف الاستقلالية، بداهة أنّه بناء على هذا أيضا يرجع الشكّ فيه إلى الشكّ في التكليف لا الشكّ في الامتثال.

و حاصل الكلام: أنّه بناء على أن يكون النهي عن الصلاة فيما لا يؤكل انحلاليّا، و أنّ كلّ فرد فرد من أفراد ما لا يؤكل قد تعلّق به نهي، و كان موردا للتكليف مستقلا بحيث يتعلّق بكلّ فرد يوجد في الخارج فرد من الخطاب لا ربط له بخطاب المتعلّق الآخر، يكون اندراج الشبهة في مجاري البراءة واضحا.

و لو لم يكن النهي عن الصلاة فيما لا يؤكل انحلاليّا و كان على نحو السلب الكلّي، فهو و إن كان خلاف ظاهر النهي إلّا أنّه مع ذلك تكون الشبهة مجرى للبراءة، لرجوع الشكّ في الفرد المشتبه إلى الشكّ في سعة التكليف و القيد، فإنّه لو كان الفرد المشتبه من غير المأكول واقعا لكان ذلك يوجب سعة دائرة النهي و القيد المستفاد منه، فالشكّ في الفرد يلازم الشكّ في تعلّق النهي به، و كلّما رجع الشكّ إلى الشكّ في تعلّق النهي يرجع إلى البراءة، لما عرفت من الضابط بين رجوع الشبهة إلى الشكّ في التكليف و رجوعها إلى الشكّ في الامتثال، و أنّه كلّما رجعت الشبهة إلى ناحية الطلب و ما هو فعل الآمر و المكلّف بالكسر فتكون الشبهة من مجاري البراءة في غير الشكّ في المحصّل، و كلّما رجعت الشبهة إلى تحقّق الفعل أو الترك المطالب به كانت الشبهة من مجاري الاشتغال.

و فيما نحن فيه على كلا التقديرين، سواء كان النهي انحلاليّا أو كان مجموعيّا، يكون الشكّ في الفرد المشتبه من باب الشكّ في التكليف و تردّد المتعلّق بين الأقل و الأكثر. غايته أنّه بناء على الانحلاليّة يرجع الشكّ إلى الشكّ في أصل تعلّق الخطاب المستقل في الفرد المشتبه، و بناء على المجموعية يرجع الشكّ إلى دخول الفرد المشتبه تحت دائرة الخطاب الواحد المتعلّق بمجموع الأفراد.

نعم لو كان المطلوب بالنهي هو العدم النعتي، و الوصف المسبّب من ترك الصلاة في آحاد غير المأكول، لكان الشكّ حينئذ مندرجا في مجاري الاشتغال، لرجوع الشكّ إلى الشكّ في تحقّق ذلك الوصف العدمي المطالب به، لما عرفت من

أنّه لو كان المطلوب بالنهي هو العدم النعتي على نحو الموجبة المعدولة المحمول، لكان ترك أفراد غير المأكول محصّلا لذلك العدم، و يدور أمر المحصّل حينئذ بين الأقل و الأكثر، و كلّما رجع الشكّ إلى باب المحصّل فالأصل فيه الاشتغال.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا: أنّه لا فرق بين النواهي الغيرية و النواهي الاستقلالية، فكما أنّ الأصل في النواهي الاستقلالية هو الانحلاليّة، و يكون الشكّ في الفرد المشتبه شكّا في أصل التكليف، فكذلك الأمر في النواهي الغيرية و كما أنّ المطلوب في باب النواهي الاستقلالية، لو كان على نحو السلب الكلّي و العام المجموعي، كان الشكّ أيضا راجعا إلى الشكّ في التكليف من حيث سعة دائرة التكليف و ضيقه، فكذلك الحال في النواهي الغيرية.

و كما أنّ المطلوب في باب النواهي الاستقلالية لو كان على نحو الموجبة المعدولة المحمول لكان الشكّ راجعا إلى الشكّ في الامتثال، فكذلك الحال في النواهي الغيرية حذو النعل بالنعل.

هذا كلّه بناء على المختار عندنا من مانعية غير المأكول، كما تقدّم وجهه.

و أمّا بناء على شرطية المأكول، فهو و إن كان خلاف ظاهر الأدلّة إلّا أنّه يختلف حكم الشكّ فيه، فإنّه بناء على المانعية قد عرفت أنّه لا محيص عن القول بالبراءة إلّا على تقدير تقدّم، و قد عرفت أنّ ذلك التقدير خلاف ظاهر أدلّة الباب.

و أمّا بناء على الشرطية، فإن قلنا بأنّ شرطية المأكول مقصورة بما إذا كان اللباس من حيوان، بحيث لو كان اللباس من غير الحيوان كانت الشرطية منتفية من باب عدم الموضوع- كما عرفت الوجه في ذلك فيما تقدّم- لكان اللازم حينئذ عند الشكّ في المأكولية مع العلم بأنّ اللّباس متّخذ من الحيوان هو الاحتياط، للشكّ في تحقّق ما هو الشرط، و الشكّ في الشرط يستدعي الشكّ في تحقق المشروط و هو الصلاة، فيرجع الشكّ إلى الشكّ في تحقّق الامتثال و الخروج عن

عهدة التكليف.

و أمّا لو شكّ في اتّخاذ اللّباس من الحيوان أو غيره من القطن و الكتّان، و على تقدير كونه من الحيوان فيشكّ في كونه مأكولا أو غيره، لكان اللازم حتّى على القول بالشرطية هو الرجوع إلى البراءة، لأنّ مرجع الشكّ في الفرض أيضا إلى اتّساع سعة دائرة الشرطية بحيث تشمل المشكوك.

و مجرّد العلم بشرطية المأكول لا يلازم القول بالاشتغال، فإنّ شرطية المأكول حسب الفرض مقصورة بما إذا كان اللّباس من الحيوان، فلو علم كون اللّباس من الحيوان كان اللازم هو تحصيل العلم بكونه من المأكول قضية للشرطية، و أمّا لو شكّ كونه من الحيوان- كما هو المفروض- فلا مانع من جريان البراءة للشكّ في تحقّق موضوع ما هو الشرط، و هو كون اللّباس من الحيوان، فيرجع الشكّ إلى الشكّ في اشتراط المأكولية في هذا اللّباس، فإنّه على تقدير كونه من الحيوان يشترط فيه المأكولية، و كلّما رجع الشكّ إلى الشكّ في الاشتراط فالأصل البراءة عنه، فتأمّل جيّدا.

نعم لو قلنا بأنّ الشرط ليس هو خصوص المأكولية، بل هو أحد خصوصيات الوجودية من القطن و الكتّان و منها المأكولية- كما تقدّم الوجه في ذلك أيضا- كان اللازم في الفرض المذكور هو القول بالاشتغال، للشكّ في تحقّق تلك الخصوصية الوجودية التي كانت شرطا في صحّة الصلاة، لاحتمال كون اللّباس من حيوان غير مأكول.

فتحصّل من جميع ما ذكرناه: أنّه بناء على مانعية غير المأكول كما أطبقت عليها روايات (1)الباب، و بناء على انحلاليّة القيد، و أنّ مثل قوله «لا تصلّ فيما


1) الوسائل: ج 3 ص 250 باب 2 من أبواب لباس المصلّي.

لا يؤكل» ينحلّ إلى نواهي متعدّدة حسب تعدّد أفراد ما لا يؤكل في الخارج، و يكون لكلّ فرد فرد من أفراده خطاب يخصّه و يتعلّق به بعد وجوده، كما هو الشأن في كلّ خطاب تعلّق بموضوع خارجي على نحو الانحلاليّة، كان محلّ الكلام و هو ما إذا اشتبه الشي‌ء في كونه من المأكول أو غيره- مندرجا في موارد تردّد متعلّق التكليف بين الأقل و الأكثر، من جهة الشبهة المصداقية و الموضوعية، بداهة أنّه بناء على المانعية و الانحلاليّة يرجع الشكّ في المورد المشتبه إلى الشكّ في تعلّق التكليف و الخطاب الغيري بهذا الفرد من اللّباس، و أنّه هل ورد عليه خطاب لا تصلّ فيه أو لم يرد، بعد العلم بورود الخطاب و توجّه التكليف بالنهي عن الصلاة فيما علم كونه من غير المأكول.

فيكون ما نحن فيه مثل ما إذا شكّ في خمرية مائع من جهة الشبهة الموضوعية، فكما أنّ الشكّ في الخمرية يستلزم الشكّ في تعلّق النهي به، لأنّ نسبة الموضوع إلى الحكم نسبة العلّة إلى المعلول، و الشكّ في العلّة يلازم الشكّ في المعلول، فكذلك بعينه فيما نحن فيه، سوى أنّ الخطاب في مثل لا تشرب الخمر استقلالي، و الخطاب فيما نحن فيه غيري. و سنشير إلى أنّ الفرق ليس بفارق فيما هو المناط في جريان البراءة في الشبهات الموضوعية في التكاليف الاستقلالية. هذا كلّه بناء على انحلالية الخطاب.

و أمّا بناء على عدم الانحلاليّة- و أنّ المطلوب في مثل قوله «لا تصلّ فيما لا يؤكل» إنّما هو أمر واحد، و يكون للصلاة قيد فأرد و هو عدم وقوعها في مجموع أفراد ما لا يؤكل، لا أنّها مقيّدة، بعدم وقوعها في كلّ فرد فرد، حتّى تتعدّد القيدية حسب تعدّد الأفراد كما هو لازم الانحلاليّة، بل ليس هناك إلّا نهي واحد و قيد فأرد تعلّق بمجموع الأفراد على نحو السلب الكلّي، بحيث لا يختلف النهي و الخطاب و القيد، زادت الأفراد في الخارج أو نقصت. نعم زيادة الأفراد

و نقصانها يوجب التوسعة و الضيق في دائرة متعلّق النهي و القيد، كما لو نذر انه لا يشرب ماء الدجلة مثلا، فإنّ زيادة ماء الدجلة أو نقصانه لا يوجب تعدّد النذر، و لا تعدّد النهي الجائي من قبل الوفاء بالنذر، بل الزيادة و النقيصة إنّما توجب سعة دائرة المنذور و ضيقه- فهو و إن كان خلاف ما يقتضيه ظاهر النهي الذي له تعلّق بموضوع خارجي، حيث عرفت أنّ الأصل الأولي في باب النواهي المتعلّقة بالموضوعات الخارجية هو الانحلاليّة، من غير فرق بين الاستقلالية و الغيرية، و أنّ ما تخيّل من أنّ النهي الغيري في مثل لا تصلّ فيما لا يؤكل لا يمكن أن يكون مفاده الانحلاليّة لأحد الوجهين المتقدّمين، فقد عرفت ضعفه، و أنّ ما ذكر من الوجهين لا يصلح فارقا بين النواهي الاستقلالية و الغيرية، و لا يوجب انقلاب الأصل الأولي عمّا هو عليه، إلّا أنّه بناء عليه أيضا يرجع الشكّ في المورد المشتبه إلى تردّد متعلّق التكليف بين الأقل و الأكثر.

غايته أنّه بناء على الانحلاليّة يرجع الشكّ في المورد المشتبه إلى الشكّ في أصل وجود النهي عنه و تقيّد الصلاة بعدم الوقوع فيه، و هذا بخلاف الوجه الأخير، فإنّ الشكّ [يرجع] فيه إلى الشكّ في تعلّق ذلك النهي المقطوع وجوده بهذا المشتبه، و اتّساع دائرة القيدية بعدم الوقوع فيه. و على كلّ حال يرجع الشكّ إلى الشكّ في متعلّق التكليف و تردّده بين الأقل و الأكثر.

و أمّا بناء على أن يكون المطلوب في مثل لا تصلّ فيما لا يؤكل هو النعت العدمي على نحو الموجبة معدولة محمولها، و هو اتّصاف الصلاة بعدم وقوعها فيما لا يؤكل، و أنّ المطلوب هو الصلاة لا فيما لا يؤكل، فيخرج المورد المشتبه عن كونه متعلّقا للتكليف و النهي لا استقلالا و لا ضمنا و تبعا، بل يكون متعلّق النهي حقيقة هو ذلك النعت العدمي المسبّب التوليدي من ترك الصلاة في آحاد أفراد ما لا يؤكل، فيكون ترك الأفراد محصّلا لذلك المطلوب، و يرجع الشكّ في المورد

المشتبه إلى تردّد محصّل متعلّق التكليف بين الأقل و الأكثر لا تردّد نفس المتعلق.

و لعلّ نظر المشهور على ما نسب إليهم من ذهابهم إلى المنع عن الصلاة في المشكوك و مصيرهم إلى الاحتياط إلى هذا الوجه، و أنّهم فهموا من النهي عن الصلاة فيما لا يؤكل هو أنّ المطلوب النعت العدمي، من دون أن تكون الأفراد متعلّقة للنهي، هذا.

و لكن قد عرفت أنّه لا يمكن المصير إلى هذا الوجه، لأنّ الظاهر من الأدلّة، خصوصا المعلّلة منها، هو كون الخصوصية و المفسدة التي أوجبت المنع عن الصلاة فيما لا يؤكل قائمة بنفس أفراد ما لا يؤكل، فتكون نفس الأفراد متعلّقة للنهي.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ دوران متعلّق التكليف بين الأقل و الأكثر من جهة الشبهة الموضوعية، كدوران المتعلّق بين الأقل و الأكثر من جهة الشبهة الحكمية كفقد النصّ و إجماله، و نحن بعد ما بيّنّا و أوضحنا أنّ دوران الأمر بين الأقل و الأكثر من جهة الشبهة الحكمية يكون مجرى للبراءة الشرعية لا العقلية، فكذلك دوران المتعلّق بينهما من جهة الشبهة الموضوعية من غير فرق بينهما أصلا.

و توهّم أنّ مورد الرجوع إلى البراءة العقلية و الشرعية إنّما هو فيما إذا شكّ في شي‌ء يكون بيانه من وظيفة الشارع، و ما هو جاعله و الصادر عنه في مقام التشريع، بداهة أنّ حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان إنّما هو فيما إذا كان البيان من وظيفة الشارع، و كذا قوله «رفع ما لا يعلمون» إنّما يكون فيما إذا شكّ في مجعول شرعي يكون وضعه و رفعه بيد الشارع، و هذا المعنى لا يجري في الشبهات الموضوعية، لأنّه ليس من وظيفة الشارع بيان حال الموضوع الخارجي و أنّ اللّباس من مأكول اللّحم أو غيره، بل ليس وظيفة الشارع إلّا بيان الأحكام، و أنّ حكم المأكول و غير المأكول ما هو، و المفروض أنّه علمنا حكم المأكول و غيره، و أنّه لا يجوز الصلاة في غير المأكول، فما هو من وظيفة الشارع بيانه قد علمناه، و الشكّ إنّما هو واقع فيما

لا يكون من وظيفة الشارع بيانه، فلا محلّ للبراءة العقلية و الشرعية في الشبهات الموضوعية فاسد جدّا، بداهة أنّه ليس المناط في البراءة العقلية و الشرعية أن يكون المشكوك من وظيفة الشارع بيانه، و إلّا كان اللازم عدم جريان البراءة في الشبهات الحكمية أيضا عند إجمال النصّ، كما لو تردّد الغناء المحرّم بين أن يكون هو مطلق مدّ الصوت و ترجيعه، أو ذلك مع كونه مطربا، بداهة أنّه ليس من وظيفة الشارع بيان معنى الغناء، بل معناه موكول إلى اللّغة و العرف.

بل مناط البراءة العقلية ليس إلّا قبح العقاب على الواقع المجهول الذي لم يصل إلى المكلّف بأحد أسباب وصوله من العلم به أو قيام الطريق عليه، ضرورة أنّ الانبعاث عن البعث المولوي إنّما يكون بوجوده العلمي لا بوجوده الواقعي، فإنّ الانبعاث عن الوجود الواقعي مع عدم وجوده العلمي من المحالات الأولية كما لا يخفى، فإذا كان الانبعاث يحتاج إلى الوجود العلمي فما لم يعلم بالبعث، و لم يصل إلى المكلّف بأحد أسباب وصوله كان العقاب عليه قبيحا عقلا، سواء صدر البعث عن الشارع واقعا أو لم يصدر.

بل ربّما يقال بأنّ مورد البراءة العقلية إنّما هو فيما إذا كان صادرا عن الشارع واقعا و لم يصل إلى المكلّف، و أمّا إذا لم يصدر من الشارع واقعا و كان ممّا سكت اللّٰه عنه فليس قبح العقاب على مثل هذا من باب قبح العقاب بلا بيان، بل قبح العقاب على مثل هذا إنّما هو لأجل أنّ وظيفة الشارعية ما تمّت، إذ لا معنى للعقاب عن شي‌ء لا واقع له و لا مجعول للشارع.

و بالجملة: مناط حكم العقل بقبح العقاب من غير بيان إنّما هو لأجل أنّ الانبعاث يحتاج إلى الوصول، فما لم يصل الحكم الشرعي بما اعتبر فيه كان العقاب عليه قبيحا، و إن كان في الواقع صادرا عن الشارع بما له من القيود و تمّت وظيفته، لما عرفت من أنّ مجرّد تمامية وظيفة الشارع مع عدم وصول البعث إلى

المكلّف غير مصحّح للعقاب، هذا في البراءة العقلية.

و أمّا البراءة الشرعية فمناط جريانها إنّما هو الشكّ في أمر كان بيد الشارع رفعه و وضعه، و كان في رفعه المنّة و التوسعة على العباد، فكلّما حصل الشكّ في مثل هذا تجري البراءة الشرعية.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّه بعد ما عرفت من انحلاليّة النهي، و أنّ مثل قوله «لا تشرب الخمر» أو «لا تصلّ فيما لا يؤكل» ينحلّ إلى نواهي متعدّدة، حسب تعدّد أفراد الخمر و غير المأكول في الخارج، و يستتبع كلّ فرد خطاب مستقلّ يخصّه لا ربط له بخطاب الفرد الآخر، يحتاج الوصول و الوجود العملي لمثل هذا النهي إلى أمرين: (الأول العلم بالكبرى، و هي حرمة أفراد الخمر و غير المأكول.

(الثانية) العلم بالصغرى، و هي كون هذا الشي‌ء خمرا أو غير مأكول.

فإذا وصل هذان الأمران جميعا كان البعث المولوي و النهي منجّزا، و يجب الخروج عن عهدته. و لو شكّ في أحد الأمرين أو كليهما كان البعث غير تامّ في الباعثية، و تجري البراءة العقلية فيه و كذلك البراءة الشرعية، فإنّه بعد ما كان لكلّ فرد خطاب يخصّه فالشكّ في تحقّق الفرد في الخارج شكّ في تحقّق ذلك الخطاب و هو أمر مجهول، أمر وضعه و رفعه بيد الشارع، و في رفعه المنّة فتجري البراءة الشرعية فيه، هذا في الشبهات الموضوعية.

و أمّا في الشبهات الحكمية إذا كان من جهة إجمال النصّ، فالكلام فيها الكلام في الشبهات الموضوعية إشكالا و جوابا. كما أنّ الإشكال و الجواب مطّرد أيضا في الشبهات التحريمية و الوجوبية، و قد استقصينا البحث عن ذلك في الأصول، فراجع.

هذا تمام الكلام في بيان كون الشبهة من مجاري أصالة البراءة.

المقام الثاني في توضيح كون الشبهة من مجاري أصالة الحلّ
اشارة

التي قام الدليل

على اعتبارها بالخصوص، و نطقت بها عدّة من الروايات، كرواية مسعدة بن صدقه (1)و غيرها.

و في اختصاصها بالشبهات الموضوعية أو تعمّ الشبهات الحكمية أيضا كلام ذكرنا تفصيله في الأصول، و قلنا: إنّ الأشبه اختصاصها بالشبهات الموضوعية، لأنّ الظاهر من قوله عليه السّلام «كلّ شي‌ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال ..

إلخ» هو كون الشي‌ء- الذي أخذ موضوعا- منقسما إلى القسمين فعلا، بحيث يكون له فعلا قسم حلال و قسم حرام، و إن كان التقسيم باعتبار نوعه و صنفه بأن يكون نوع منه حلالا و نوع منه حراما، كالحيوان المنقسم إلى الأرنب المحرّم الأكل و الغنم المحلّل الأكل، و ذلك إنّما يكون في الموضوعات الخارجية.

و بالجملة: الظاهر من رواية مسعدة خصوصا الأمثلة المذكورة فيها هو اختصاص أصالة الحلّ بالشبهات الموضوعية.

و على كلّ حال فقد تمسّك بأصالة الحلّ لجواز الصلاة في المشكوك جملة من الأساطين، ببيان أنّ الشكّ في جواز الصلاة في المشكوك مسبّب عن الشكّ في حلّية الحيوان المأخوذ منه اللّباس، و بعد جريان أصالة الحلّ في الحيوان يرتفع الشكّ المسبّبي، كما هو الشأن في كلّ شكّ سببي و مسبّبي، و لا يتوقّف جريان أصالة الحلّ في الحيوان [على] كون اللّحم محلّا للابتلاء فعلا، بل لو فرض أنّ لحم الحيوان كان خارجا عن مورد الابتلاء كانت أصالة الحلّ في الحيوان جارية، باعتبار جواز الصلاة في المأخوذ منه، و يكفي في جريان الأصل هذا المقدار من الأثر، فمجرّد خروج لحم الحيوان عن مورد الابتلاء غير مانع عن جريان الأصل.

كما أنّه لا يمنع عن جريان أصالة الحلّ جريان أصالة عدم التذكية في


1) الوسائل: ج 12 ص 60 باب 4 من أبواب ما يكتسب به، ح 4

الحيوان، على تقدير الشكّ فيها بناء على أخذ قابلية المحلّ جزء للتذكية، و تردّد الحيوان المأخوذ منه اللّباس بين كونه قابل للتذكية أو غير قابل، فإنّ أصالة عدم التذكية على تقدير جريانها إنّما تنفع بالنسبة إلى الأجزاء التي تحلّها الحياة، و أمّا بالنسبة إلى الصوف و الوبر و الشعر و غيرها من الأجزاء التي لا تحلّها الحياة فأصالة عدم التذكية ممّا لا أثر لها، و لا تمنع عن جريان أصالة الحلّ في الحيوان بالنسبة إلى أثر جواز الصلاة في مثل الوبر و الصوف، نعم بالنسبة إلى الأجزاء التي تحلّها الحياة تكون أصالة الحلّ محكومة بأصالة عدم التذكية في مورد جريانها.

و بالجملة: ما توهّم مانعا عن جريان أصالة الحلّ غير مانع، لا خروج اللّحم عن محلّ الابتلاء، و لا جريان أصالة عدم التذكية في الحيوان، لأنّه يكفي في جريان الأصل مجرّد ترتّب أثر شرعي عليه، و لو كان ذلك الأثر جواز الصلاة في وبره و صوفه، فالخروج عن محلّ الابتلاء لا يصلح للمانعية، كما أن أصالة عدم التذكية لا تصلح للمانعية بالنسبة إلى الأجزاء التي لا تحلّها الحياة، هذا.

و لكن مع ذلك لا يستقيم الاستدلال بأصالة الحلّ الجارية في الحيوان لجواز الصلاة في المأخوذ منه بالبيان المتقدّم، و ذلك لأنّ اللّباس المشكوك تارة يكون منشأ الشكّ فيه من جهة الشكّ بين أخذه من الحيوان المحلّل أو من الحيوان المحرّم المعلوم كلّ منهما و الممتاز في الخارج عن الآخر، كما أنّه لو فرض أنّ هناك غنما معلوم الحلّية و أرنبا معلوم الحرمة، و شكّ في أخذ الصوف مثلا من الغنم أو الأرنب، و هذا هو الغالب في اللّباس المشكوك. و اخرى يكون الشكّ فيه من جهة الشكّ في المأخوذ منه، و تردّده بين كونه محلّل الأكل أو محرّمة، كما لو فرض أنّ هناك حيوانا علم أخذ الصوف منه، و لكن تردّد الحيوان بين المحلّل و المحرّم سواء كانت الشبهة حكمية أو موضوعية.

فلو كان منشأ الشكّ من قبيل القسم الأول فلا مجال لتوهّم جريان أصالة

الحلّ في الحيوان، حتّى يكون موجبا لرفع الشك المسبّبي من جواز الصلاة في صوفه مثلا، و ذلك لأنّه ليس هناك حيوان مشكوك الحلّية و الحرمة حتّى تجري أصالة الحلّ فيه، بل المفروض أنّ أحد الحيوانين معلوم الحلّية و الآخر معلوم الحرمة، فالشكّ ليس راجعا إلى المأخوذ منه و هو الحيوان حتّى تجري أصالة الحلّ فيه، بل الشكّ راجع إلى مرحلة الأخذ، و أنّ الصوف من أي من الحيوانين أخذ.

و توهّم أنّ الشكّ في الأخذ يستلزم الشكّ في المأخوذ منه قهرا، و بهذا الاعتبار يكون المأخوذ منه مجرى لأصالة الحلّ. فاسد جدّا، فإنّه إن أريد من استلزام الشكّ في الأخذ الشكّ في المأخوذ منه تحقّق الشكّ في المأخوذ منه الخارجي، المعلوم حلّية أحدها و حرمة الآخر، فدعوى الاستلزام ممنوعة جدّا، و كيف يعقل الشكّ في المأخوذ منه الخارجي مع العلم بحلّية أحدها و حرمة الآخر؟

و إن أريد من الاستلزام مع قطع النظر عن المأخوذ منه الخارجي، بأن يقال:

إنّ الشخص الآن شاكّ في أنّ المأخوذ منه هذا الصوف حلال أو حرام، و لو باعتبار الشكّ في نحو الأخذ مع قطع النظر عن أنّ المأخوذ منه الخارجي لا ترديد فيه، بل يلاحظ نفس هذا المفهوم المنتزع عن لحاظ الاتّصاف باتّخاذ هذا الصوف منه، و يغمض العين و يقطع النظر عن الخارج، فالاستلزام و إن كان صحيحا إلّا أنّ هذا مجرّد مفهوم و محض تصوّر لا واقع له، و لا يمكن جريان أصالة الحلّ بهذا الاعتبار المبني على المغالطة و عدم ثبوت واقع له. فالإنصاف أنّ في هذا القسم من الشكّ لا مجرى لأصالة الحلّ أصلا.

و أمّا القسم الآخر، و هو ما إذا كان الشكّ في الصوف من جهة الشكّ في حلّية الحيوان المأخوذ منه و حرمته، فهو و إن كان أصالة الحلّ قاضية بحلّية الحيوان المشتبه، إذا ترتّب على الحلّية أثر شرعي يمكن إحرازه بأصالة الحلّ، و لو كان ذلك الأثر جواز الصلاة في أجزائه، إلّا أنّه مع ذلك لا جدوى لأصالة الحلّ فيما نحن فيه

و بيان ذلك هو أنّه يعتبر في كلّ شكّ سببي و مسبّبي أن يكون بين الشكّ السببي و المسبّبي ترتّب و طولية، و أن يكون ذلك الترتّب شرعي لا عادي أو عقلي، و أن يكون الأصل الجاري في الشكّ السببي رافعا لموضوع الشكّ المسبّبي و هادما له، كما في الشكّ في طهارة المغسول بماء مشكوك الطهارة و النجاسة، حيث إنّ أصالة الطهارة في الماء يوجب رفع الشكّ في نجاسة المغسول به.

و بالجملة: يعتبر في رفع الشكّ المسبّبي عند جريان الأصل في الشكّ السببي اجتماع هذه القيود الثلاثة، فلو انتفى أحد هذه القيود، إمّا بأن لا يكون بينهما ترتّب، أو كان ذلك الترتّب عاديّا أو عقليّا، أو كان الأصل الجاري في الشكّ السببي غير رافع للشكّ المسبّبي، كان الشكّ المسبّبي باقيا على حاله، و الأصل الجاري في الشكّ السببي ممّا لا فائدة له بالنسبة إلى الشكّ المسبّبي.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ الحكم المترتّب على ما يحلّ أكله و ما لا يحلّ، كعدم جواز الصلاة في أجزائه و جوازها، يمكن أن يكون على أحد وجوه ثلاث.
الأول: أن يكون الحلّية و الحرمة أخذت في موضوع الدليل لمجرّد المعرّفية إلى الذوات التي يحلّ أكلها أو يحرم

، من الغنم و الأرنب و أمثال [ذلك]، بحيث لا يكون لوصف الحلّية و الحرمة دخل في ترتّب ذلك الحكم، من جواز الصلاة في أجزائه و عدم جوازها، و حينئذ يكون جواز الصلاة فيما يؤكل و عدم جوازها فيما لا يؤكل في عرض حلّية الأكل و حرمته معروضان لذات الحيوان من دون أن يكون بينهما ترتّب و طولية، بل كانا معلولين لعلّة ثالثة.

و على هذا الوجه لا جدوى لأصالة الحلّ القاضية بحلّية الحيوان، و لا يترتّب عليها جواز الصلاة في أجزائه، إذ لا سببية و مسبّبية بين الحكمين و لا بين الشكّين، فأصالة الحلّ في الحيوان لا يوجب جواز الصلاة فيه، لأنّ إثبات أحد المتلازمين بالأصل لا يوجب إثبات اللازم الآخر، إلّا على القول بالأصل المثبت كما لا يخفى.

الوجه الثاني: أن يكون الحلّية و الحرمة أخذت في موضوع الدليل للعنوانية،

بأن يكون لوصفي الحلّية و الحرمة دخل في جواز الصلاة و عدمه، و يكونا موضوعين لذلك، لكن لا مطلق الحلّية و الحرمة، بل الحلّية و الحرمة العارضان لذوات الحيوانات في حدّ أنفسها، المحفوظان عند طروّ ما يوجب الرخصة فعلا أو المنع، كالحلّية الموضوعة للحم الغنم، و الحرمة الموضوعة للحم الأرانب، بداهة أنّ الحلّية الموضوعة للحم الغنم لا تنافي عروض المنع الشرعي عن أكله في مورد، كما إذا كان مغصوبا، فإنّ الغنم مع كونه مغصوبا محلّل الأكل في حدّ ذاته، بمعنى أنّ الغنم خلق مأكول اللّحم، كما أنّ حرمة لحم الأرانب لا تنافي الرخصة الشرعية في أكله، كما إذا كان في المخمصة، فإنّه مع ذلك الأرنب خلق غير مأكول اللّحم.

و بالجملة: يمكن أن تكون الحلّية و الحرمة الذاتيّان العارضة للحيوان موضوعا لجواز الصلاة في أجزائه و عدم جوازها.

و على هذا الوجه يكون الشكّ في جواز الصلاة في المشكوك مسبّبا عن الشكّ في حلّية الحيوان و حرمته، لأنّ المفروض أنّ حلّية الحيوان و حرمته صار موضوعا لجواز الصلاة في أجزائه و عدم جوازها، فيكون الشكّ في الجواز مسبّبا عن ذلك.

و لكنّه مع ذلك لا جدوى لجريان أصالة الحلّ في الحيوان لإحراز جواز الصلاة في أجزائه، فإنّ مفاد أصالة الحلّ ليس إلّا الحلّية الفعلية و الرخصة في المشكوك بما أنّه مشكوك، من دون أن تكون محرزة لحال الحيوان و أنّه من محلّل الأكل أو محرّمة، إذ ليست أصالة الحلّ من الأصول التنزيلية المحرزة المتكفّلة لإلغاء أحد طرفي الشكّ و الأخذ بالآخر كالاستصحاب، بل أصالة الحلّ- كأصالة الطهارة- أصل عملي موضوع لمجرّد البناء على أحد طرفي المشكوك بما أنّه مشكوك.

فالحكم الظاهري المجعول بأصالة الحلّ يكون من سنخ الواقعي المجعول في حال الاضطرار، فكما أنّ الرخصة الواقعية المجعولة في حال المخمصة لا توجب صيرورة

الحيوان محلّل الأكل في حدّ ذاته، فكذلك الرخصة الظاهرية المجعولة بأصالة الحلّ، و حينئذ يكون الشكّ في جواز الصلاة في المشكوك المسبّب عن الشكّ في الحلّية و الحرمة بالمعنى المتقدّم بعد باق على حاله، و الأصل الجاري في ناحية السبب لا يوجب رفع الشكّ المسبّبي.

الوجه الثالث: أن يكون الحلّية و الحرمة الفعليّان موضوعين لجواز الصلاة و عدمه

، بأن يكون تمام الموضوع لجواز الصلاة في أجزاءه هو الرخصة في أكل لحمه فعلا، بحيث يدور جواز الصلاة و عدمه مدار هذه الرخصة و الحلّية الفعلية، فكلّما حلّ أكل لحم الحيوان جاز الصلاة في أجزائه، و كلّما حرم لا تجوز الصلاة في أجزائه.

و على هذا الوجه تكون أصالة الحلّ في الحيوان عند الشكّ فيه مجدية، و رافعة للشكّ المسبّبي، و موجبة لجواز الصلاة في أجزائه.

و إذا تمهّد هذا فنقول: إنّ من الواضح أنّه لم تؤخذ الحلّية و الحرمة بالمعنى الأخير موضوعا لجواز الصلاة في أجزاء الحيوان، حتّى يقال بجريان أصالة الحلّ في طرف الحيوان، ليترتّب عليه جواز الصلاة في أجزائه قضية للسببية و المسبّبية، إذ أدلّة الباب بين طائفتين:

الأولى: ما رتّب الحكم بعدم جواز الصلاة على نفس الأنواع و الذوات المحرّمة، كالأرانب و الثعالب و أمثال ذلك. و من الواضح أنّ هذه الطائفة لا مساس لها لحديث السببية و المسبّبية، إذ لم يعلّق الحكم فيها على حرمة الأكل حتّى يتوهّم ذلك، بل تكون حرمة الأكل و عدم جواز الصلاة في عرض واحد، يعرضان للحيوان باعتبار ما له من الخصوصية كالمسوخية، كما ورد التعليل بذلك في بعض الأخبار.

الطائفة الثانية: ما رتّب الحكم بعدم جواز الصلاة على عنوان ما لا يؤكل

و ما هو حرام اكله. و هذه الطائفة ممّا لا يمكن إنكار ظهورها في دخل حرمة الأكل في الحكم بعدم جواز الصلاة في أجزاء الحيوان، إذ ظاهر كلّ وصف أخذ في عنوان الدليل أن يكون لذلك الوصف دخل في ترتّب الحكم.

و حمله على المعرّفية خلاف الظاهر خصوصا التفريع الوارد في موثّقة ابن بكير (1)، فإنّ الظاهر من قوله عليه السّلام فيها «و كلّ شي‌ء حرام أكله فالصلاة في وبره و شعره .. إلخ» هو أن يكون عدم جواز الصلاة متفرّعا على حرمة الأكل و مترتّبا عليه.

و بالجملة: ظهور هذه الطائفة في سببية الوصف ممّا لا ينكر.

إلّا أنّه مع ذلك يمكن أن يحمل الوصف فيها على المعرّفية بقرينة الطائفة الأولى، إذ لا شبهة في أظهرية الطائفة الأولى، باعتبار اشتمالها على التعليل بأنّ أكثرها مسوخ، و لا مانع من رفع اليد عن ظهور الطائفة الثانية، و حمل الوصف فيها على المعرّفية لمكان أظهرية الطائفة الاولى.

ثمّ على تقدير التسليم و القول بأنّ لوصف الحرمة دخلا في ترتّب الحكم بعدم جواز الصلاة في أجزائه، فغاية ما يمكن تسليمه هو أن يكون لوصف الحرمة بالمعنى الثاني دخل في الحكم، و هو الحرمة الذاتية المجعولة لذوات الأشياء في حدّ أنفسها، لا الحرمة بالمعنى الثالث التي هي عبارة عن المنع الفعلي، فإنّ الظاهر من الحرمة و الحلّية- الموصوفة بهما محرّمات الأنواع و محلّلاتها- هو الحرمة و الحلّية الذاتية، لا الحرمة و الحلّية الفعلية.

ثمّ على تقدير تسليم عدم ظهورها في ذلك، فلا محيص للفقيه من حملها على ذلك، بداهة أنّه لو لم يحمل على ذلك، و قلنا بأنّ الحلّية و الحرمة الفعليين


1) الوسائل: ج 3 ص 250 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 1.

موضوعان لعدم جواز الصلاة و جوازها، كان اللازم هو الحكم بجواز الصلاة في أجزاء ما اضطرّ إلى أكله للمخمصة من الأرانب و الثعالب، و عدم جواز الصلاة في الغنم المغصوب أو المحلوف ترك أكله. و هذا- كما ترى- باطل بالضرورة فلما كان هذا التالي الباطل لا بدّ من حمل الحلّية و الحرمة على الحلّية و الحرمة العارضين لذوات الأشياء، و عليه كان جريان أصالة الحلّ في الحيوان ممّا لا يثمر في رفع الشكّ المسبّبي من جواز الصلاة في أجزائه، لما عرفت من أنّ الحلّية الثابتة بأصالة الحلّ إنّما هي الحلّية الفعلية و الرخصة في أكل اللّحم، و جواز الصلاة و عدم جوازها لم يترتّب على هذه الحلّية، بل على الحلّية الذاتية العارضة لذوات الأنواع.

فظهر ممّا ذكرناه أنّه لا يترتّب على جريان أصالة الحلّ في الحيوان جواز الصلاة في أجزائه، و أنّ حديث السببية و المسبّبية ممّا لا مساس لها في المقام، إمّا لعدم السببيّة و المسببيّة، كما إذا كانت حلّية الأكل و جواز الصلاة كلاهما معروضين لذات الحيوان في عرض واحد، و إمّا لعدم الجدوى في السببية و المسبّبية بناء على ترتّب جواز الصلاة على الحلّية الواقعية.

و ممّا ذكرنا ظهر أيضا أنّه لو قلنا بأصالة الحرمة عند الشكّ في حلّية الحيوان و حرمته، إمّا لكون الأصل في اللّحوم الحرمة- كما حكي (1)عن المحقّق و الشهيد الثانيين- بناء على أنّ حصر المحلّلات في الطيّبات في قوله تعالى أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبٰاتُ (2)، يوجب انقلاب الأصل في المطعومات، و أنّ الأصل فيها الحرمة كما هو الشأن في كلّ حكم علّق على أمر وجودي، حيث يلزم إحرازه في ترتّب ذلك الحكم على ما هو المعروف بينهم، و إمّا لكون الأصل في كلّ شبهة تحريمية هو الحرمة- كما ذهب إليه الأخباريّون- فليس مفاد أصالة الحرمة حينئذ إلّا عكس


1) جواهر الكلام: ج 36 ص 402.

2) المائدة: الآية 4.

مفاد أصالة الحلّ، و لا يترتّب عليها عدم جواز الصلاة في أجزاء الحيوان و إن حرم أكل لحمه، لأنّ حرمة أكل لحمه المدلول عليه بأصالة الحرمة لا يصيّره محرّم الأكل ذاتا، بل هي كالحرمة الواقعية المجعولة في حال الغصب، و المفروض أنّ عدم جواز لصلاة مترتّب على الحرمة الذاتية لا الحرمة العرضية الفعلية.

و بالجملة: لا يكفي في رفع المانعية جريان أصالة الحلّ في الحيوان المتّخذ منه اللّباس، كما لا يكفي في ثبوت المانعية جريان أصالة الحرمة فيه بناء على أنّ الأصل فيه الحرمة، و كذا لا يكفي في رفع المانعية جريان أصالة الحلّ من جهة الحرمة الذاتية أو الحرمة التشريعية في الصلاة في المشكوك.

أمّا الأول فلأنّ الحرمة الذاتية ممّا لا ينبغي توهّمها في الصلاة فيما لا يؤكل و غيره من سائر القيود المعتبرة في صحّة الصلاة سوى الطهارة الحدثية، إمّا مطلقا أو في خصوص الحيض، و إن كان الأقوى أنّ الطهارة الحدثية مطلقا على حدّ سائر القيود ممّا لا حرمة ذاتية للصلاة عند اختلالها، و على كلّ حال لا مجرى لأصالة الحلّ في رفع الحرمة الذاتية، لأنّ الصلاة فيما لا يؤكل ممّا يقطع بعدم حرمتها الذاتية، فالمشكوك من أنّه ممّا لا يؤكل لا يشكّ في حرمته الذاتية و حلّيته، حتّى تجري فيه أصالة الحلّ.

و على فرض التسليم و القول بحرمة الصلاة ذاتا عند فعلها فيما لا يؤكل، فمع ذلك لا يجدي أصالة الحلّ في رفع المانعية، فإنّ غاية ما يثبت بأصالة الحلّ هو عدم الحرمة الذاتية و حلّية الصلاة في المشكوك، و أمّا كون هذه الصلاة ممّا تنطبق على المأمور به فمما لا يمكن إثباته بأصالة الحلّ إلّا على القول بالأصل المثبت، فيبقى الشكّ في الخروج عن عهدة التكليف باقيا على حاله.

فأمّا الثاني فلأنّ بمجرّد الشكّ في المشروعية ممّا يقطع بعدم المشروعية، و لا يبقى مجال لأصالة الحلّ بناء على ما هو التحقيق من أنّ حرمة التشريع لا تدور

مدار عدم المشروعية الواقعية، بل حكم العقل بقبح التشريع- المستتبع بقاعدة الملازمة لحكم الشارع بحرمته- مترتّب على الأعم من القطع بعدم المشروعية الواقعية و الظنّ و الشكّ بجامع واحد، بحيث يكون تمام الموضوع لحكم العقل هو عدم إحراز المشروعية، فبمجرّد عدم إحراز المشروعية يتحقّق تمام ما هو موضوع حكم العقل بقبح الاستناد و التشريع، فلا يبقى مجال للشكّ حتّى يتشبّث بذيل أصالة الحلّ للحلّية التشريعية.

كما أنّه بناء على هذا لا يمكن التشبّث بأصالة عدم المشروعية لإثبات الحرمة التشريعية فيما كان الحالة السابقة عدم المشروعية، لا في مثل المقام من الشكّ في انطباق الصلاة في المشكوك على ما هو المأمور به الثابت تشريعه قطعا، فإنّ في مثل هذا لا مجال للاستصحاب من جهة انتفاء الحالة السابقة.

و أمّا فيما كان حالته السابقة عدم المشروعية فلا يمكن جريان الاستصحاب لإثبات عدم المشروعية النفس الأمرية، لما عرفت من أنّ الأثر الذي يراد ترتّبه بالاستصحاب من الحرمة التشريعية غير مرتّب على عدم المشروعية النفس الأمرية، بل الأثر مترتّب على عدم إحراز المشروعية، و هذا حاصل بنفس الشكّ وجدانا و متحقّق تكوينا، و ما كان حاصلا بنفس الشكّ تكوينا لا يمكن أن تناله يد التعبّد، لأنّه تحصيل للحاصل، بل أردأ أنحائه، لأنّه يرجع إلى إحراز ما هو محرز بالوجدان بالتعبّد.

و بالجملة: بعد ما كان حرمة التشريع لا تدور مدار عدم المشروعية الواقعية، بل كان تمام الموضوع الواقعي لحرمة التشريع هو عدم إحراز المشروعية، فبنفس الشكّ بالمشروعية يقطع بعدم المشروعية، و لا مجال لأصالة الحلّ في إثبات المشروعية، و لا لأصالة عدم المشروعية في إثبات عدم المشروعية فيما كان الحالة السابقة عدم المشروعية كالحجّية مثلا، و أمّا في مثل المقام من الشكّ في الانطباق

فأصالة عدم المشروعية ممّا لا مجرى له من أصله، لانتفاء الحالة السابقة. هذا بناء على ما هو التحقيق عندنا من أنّ تمام الموضوع لقبح التشريع هو عدم العلم بالمشروعية الثابت عند القطع بالعدم و الشكّ و الظنّ.

و أمّا بناء على الاحتمال الآخر من أنّ حكم العقل بقبح التشريع إنّما هو مترتّب على عدم المشروعية الواقعية، و كان حكمه بقبح التشريع عند الشكّ في المشروعية من أجل التحرّز عن الوقوع فيما هو الموضوع الواقعي، لا لقبح التشريع و هو عدم المشروعية الواقعية، فيكون حكمه في صورة الشكّ لمحض الطريقية، كحكمه بقبح التصرّف في المال المشكوك كونه لنفسه أو لغيره، فإنّ القبيح العقلي إنّما هو التصرّف في مال الغير، لا فيما شكّ كونه مال الغير، و لكن مع ذلك يقبح التصرّف في المال المشكوك مخافة للوقوع في القبيح الواقعي، فلأصالة عدم المشروعية مجال، لأنّ المفروض أنّ الحرمة التشريعية مترتّبة على عدم المشروعية الواقعية لا على عدم العلم بها، و الشكّ في المشروعية لا يلازم ما هو الموضوع للحرمة من العدم الواقعي، و إن استقلّ العقل بالحرمة عند الشكّ من باب الطريقية، فالأصل الموضوعي المحرز لعدم المشروعية الواقعية جار و حاكم على الحكم الطريقي العقلي، كما في مثل قاعدة الطهارة و استصحابها.

و لكن مع ذلك أصالة الحلّ لا تجري، لأنّ أصالة الحلّ ليست من الأصول الموضوعية المحرزة للواقع، بل إنّما هي قاعدة مضروبة لغرض الشكّ مع حفظ الشكّ، و الحكم الطريقي العقلي بقبح التشريع عند الشكّ المستتبع بقاعدة الملازمة حكم طريقي شرعي بحرمته يكون هادما لموضوع أصالة الحلّ و رافعا له، لأنّ بمجرّد الشكّ في المشروعية يحكم العقل و الشرع بقبح و حرمة التشريع، فلا يبقى شكّ حتّى يتشبّث بذيل أصالة الحلّ، لأن جريانها موقوف على انحفاظ الشكّ، و مع هذا الحكم العقلي الطريقي لا انحفاظ له. و لا يقاس أصالة الحلّ بأصالة عدم

المشروعية حيث قلنا بجريانها، فإنّ أصالة العدم من الأصول التنزيلية المحرزة للواقع الموجبة لإلقاء الشكّ و الأخذ بأحد الطرفين على أنّه هو الواقع، فأصالة العدم يكون موجبا لرفع الشكّ في المشروعية و محرزا لعدمها الواقعية، و معها لا يبقى شكّ في المشروعية حتّى يتشبّث بذيل الحكم العقلي الطريقي بقبح الإقدام على ما لا يؤمن معه من الوقوع في التشريع الواقعي، و أين هذا من أصالة الحلّ؟ فإنّ موضوع أصالة الحلّ إنّما هو الشكّ في الحلّية و الحرمة، و الشكّ في المشروعيّة و إن كان مستتبعا للشكّ في حرمة التعبّد به و حلّيته، إلّا أنّه بنفس الشكّ في المشروعية العقل يستقلّ بقبح التعبّد به الملازم لحكم الشارع بحرمته، فلا تصل النوبة إلى أصالة الحلّ.

و بعبارة أخرى: موضوع حكم العقل بقبح التعبّد إنّما هو الشكّ في المشروعية، و موضوع أصالة الحلّ إنّما هو الشكّ في الحلّية و الحرمة المسبّبية عن الشكّ في المشروعية، و بعد جريان الأصل السببي و هو حكم العقل بقبح التعبّد عند الشكّ لا يبقى مجال للأصل المسبّبي (1). من أصالة الحلّ.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا: أنّه لو كان الشكّ في انطباق المشكوك على المأمور به

كما في مثل المقام، فلا أصالة الحلّ تجري و لا أصالة عدم المشروعية، سواء قلنا بأنّ موضوع قبح التشريع هو عدم المشروعية الواقعية، أو قلنا بأنّ موضوعه هو عدم العلم بالمشروعية. أمّا عدم جريان أصالة الحلّ، فلأنّ بمجرّد الشكّ يستقلّ العقل بقبح التشريع من باب الطريقية بناء على الأول، و من باب الموضوعية بناء على الثاني. و أمّا عدم جريان أصالة عدم المشروعية، فلأنّ


1) بل لو فرض اتحاد الموضوع و اتحاد المرتبة فلا بدّ من التخصيص، لأعمّية أصالة الحلّ و أخصّية حكم العقل «منه مدّ ظلّه».

الانطباق و عدم الانطباق ممّا لا يكون له حالة سابقة.

و أمّا لو كان الشكّ في أصل المشروعية كالشكّ في الحجّية و أمثال ذلك، فإن قلنا بأنّ الموضوع لحكم العقل و الشرع بقبح التشريع و حرمته يدور مدار عدم المشروعية النفس الأمرية، و أنّ حكمه عند الشكّ في المشروعية بقبح الاستناد و التشريع لمحض الطريقية، فأصالة عدم المشروعية تجري، و لكنّ أصالة الحلّ لا تجري أيضا، و أمّا لو قلنا بأنّ قبح التشريع لا يدور مدار عدم المشروعية النفس الأمرية، بل يدور مدار عدم إحراز المشروعية، فلا أصالة الحلّ تجري و لا أصالة عدم المشروعية، لتحقّق تمام الموضوع للقبح العقلي بنفس الشكّ وجدانا و حاصل تكوينا، و لا يمكن التعبّد بما هو محرز بالوجدان و حاصل بنفسه.

و لا ينتقض بما إذا قامت أمارة معتبرة على عدم تشريع شي‌ء، فلأنّ لازم هذا البيان هو عدم حجّية مثل هذه الأمارة، لأنّ المؤدّى حاصل بنفس الشكّ، فلا يمكن التعبّد بما هو حاصل و إن كان ذلك بالأمارة، و ذلك لعدم أخذ الشكّ في موضوع حجّية الأمارة، و إنّما كان الشكّ موردا لها من باب لغوية جعل الطريق على القاطع بذي الطريق. و الحاصل: أنّه لا يعتبر في تحقّق موضوع الأمارة الشكّ، و إنّما المعتبر هو تحقّق أثر و فائدة على مؤدّاها، و يكفي في الأثر ثبوت عدم المشروعية النفس الأمرية مع لوازمه و ملزوماته المثبتة، و أين هذا من الاستصحاب الذي أخذ الشكّ في موضوعه؟ فتأمّل جيّدا.

و على كلّ حال فقد ظهر لك أنّه لا مجال للتشبّث بأصالة الحلّ لرفع الشكّ في المشروعية، لعدم تحقّق موضوعها. و لو سلّم و أغمضنا عن جميع ما تقدّم، فغاية ما يترتّب على أصالة الحلّ هو جواز الاستناد و فعل الصلاة في المشكوك مستندا إلى الشارع، و مجرّد ثبوت هذا لا يكفي في رفع المانعية و انطباق الصلاة في المشكوك على المأمور به إلّا على القول بالأصل المثبت.

و بالجملة: فليس التمسّك بهذا الأصل مبنيّا على شي‌ء من هذه الوجوه، و إنّما بناء الاستدلال على إجرائه في نفس الشكّ في المانعية، من حيث رجوع الشكّ في ذلك إلى الشكّ في حلية الصلاة فيه و حرمته حقيقة، باعتبار منشأ انتزاع المانعية الذي هو عبارة عن تقيّد المطلوب بعدم وقوع الصلاة فيه، على ما أسلفنا الكلام فيه، فكما أن القيدية تساوق الحرمة فكذلك عدم القيدية يساوق الحلّية. فإن كانت الحلّية و الحرمة حلّية و حرمة واقعية كان معناهما ثبوت التقيّد و عدمه واقعا، و إن [كانت] الحلية و الحرمة حلّية و حرمة ظاهرية كان معناهما ثبوت التقيّد و عدمه ظاهرا، و يترتّب على الحلّية الظاهرية في المقام الصحّة و الإجزاء، كما يترتّب عليها في التكاليف الاستقلالية النفسية جواز الفعل و إباحة المنافع المقصود فيها يحكم عليه بالحلّية.

و حاصل الاستدلال: هو أنّ المراد من «الشي‌ء» في قوله عليه السّلام «كلّ شي‌ء فيه حلال و حرام» و الموصول في قوله «كلّ ما كان فيه حلال و حرام» إمّا أن يكون نفس الموضوعات الخارجية المردّدة بين الحلال و الحرام، كما هو الظاهر من لفظة الشي‌ء، و التمثيل بالثوب في رواية مسعدة (1)، و ورود الموصول بعد السؤال عن الجبن في رواية عبد اللّٰه بن سليمان (2)و إمّا أن يراد من الشي‌ء أو الموصول نفس الأفعال المشتبهة من حيث أنفسها، أو باعتبار تعلّق الأفعال بموضوعاتها المشتبهة فإن كان المراد من الشي‌ء و الموصول هو نفس الموضوعات الخارجية فيكون [المراد] من الحلّ و الحرمة المعنى الوضعي، الثابت لنفس الموضوعات الخارجية باعتبار تعلّق أفعال المكلّفين بها، إذ لا معنى لحلّية الموضوع أو حرمته في نفسه و حدّ


1) الوسائل: ج 12 ص 60 باب 4 من أبواب ما يكتسب به، ح 4

2) الوسائل: ج 17 ص 91 باب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، ح 2.

ذاته، بل إنّما يتّصف بالحلّية و الحرمة باعتبار تعلّق فعل المكلّف به، لكن لا على أن يكون واسطة في العروض بأن تكون الحلّية و الحرمة عارضين أولا و بالذات لنفس الفعل، و كان اتّصاف الموضوع بهما بالعرض و المجاز، حتّى يحتاج إلى تقدير المضاف في قولك الخمر حرام من نحو الشرب و الاستعمال و أمثال ذلك، فإنّ ذلك إنّما يكون على تقدير كون الحلّية و الحرمة الحلّية و الحرمة الاقتضائية لا الحلّية و الحرمة الوضعية، فإنّ الحلّية و الحرمة الوضعية إنّما يتّصف بهما نفس الموضوع الخارجي حقيقة، غايته أنّه لا بما هو هو بل باعتبار تعلّق فعل المكلّف به، بحيث يكون الفعل واسطة في الثبوت و مصحّحا لعروض الحلّية و الحرمة على الموضوع.

و إن أريد من الشي‌ء أو الموصول نفس الأفعال، لا بمعنى إرادة خصوص الأفعال التي ليس لها تعلّق بموضوع خارجي، حتّى يكون أصالة الحلّ أجنبية عن المقام و أمثاله ممّا كان الشكّ من جهة التردّد في الموضوع الخارجي، إذ إرادة خصوص الفعل بقيد عدم تعلّقه بموضوع خارجي ممّا لا شاهد عليها، بل المراد الأفعال بمعناها الأعم، أي سواء كان لها تعلّق بموضوع خارجي أو لم يكن.

و حاصل الكلام: أنّ المراد من الشي‌ء في لسان الدليل، إمّا أن يكون الأفعال سواء كان لها تعلّق بموضوع خارجي أو لم يكن، و إمّا أن يكون المراد منها خصوص الموضوعات باعتبار تعلّق الفعل به، و إمّا أن يراد منه خصوص الفعل الذي له تعلّق بموضوع خارجي. و الفرق بين القسمين الأخيرين من حيث نفسها، أو باعتبار تعلّقها بموضوعاتها المشتبهة، فيكون المراد من الحلّية و الحرمة حينئذ المعنى الاقتضائي العارض لأفعال المكلّفين، فعلى الأول يختصّ جريان هذا الأصل بما إذا كان الشكّ في الحلّية و الحرمة مستندا إلى تردّد موضوع خارجي بين الأمرين، و على الثاني لا يختصّ بذلك، بل يعمّ ما إذا كان الشكّ فيهما مستندا إلى تردّد المكلّف بين من يحلّ له الفعل أو يحرم كالخنثى.

ثمّ لا يخفى عليك أنّه لا يعتبر في جريان هذا الأصل من أن تكون الحرمة المحتملة الذي يراد نفيها بهذا الأصل- على تقدير ثبوتها الواقعي- عارضة للشي‌ء من جميع الجهات، بأن يكون الشي‌ء، حراما بقول مطلق لا منفعة محلّلة له أصلا، بل يكفي في جريان هذا الأصل كون الشي‌ء محتمل الحرمة من جهة خاصّة، و إن كان له منفعة محلّلة قطعية من جهة أخرى. نعم يعتبر في الجهة المحتملة تحريمها أن تكون من الجهات المقصودة من الشي‌ء ممّا يعدّ عند العرف منفعة له، فالجهة النادرة التي لا يعتني بها العقلاء خارجة عن مجاري هذا الأصل، كما لو فرض أن جميع منافع الشي‌ء المقصودة منه محلّلة قطعا، و كان هناك جهة نادرة غير مقصودة يحتمل حرمتها، فإنّ في مثل هذا لا يصحّ أن يقال: إنّ هذا الشي‌ء محتمل الحلّ و الحرمة بحيث يوصف الشي‌ء بهما حتّى يدخل في مجاري هذا الأصل.

و بالجملة: لو كان للشي‌ء جهة مقصودة عند العرف، و منفعة معتنى بها عند العقلاء و احتمل حرمتها، صحّ أن يقال: إنّ هذا الشي‌ء محتمل الحلّ و الحرمة، و لا يحتاج في جريان هذا الأصل تردّد الشي‌ء بينهما من جميع الجهات، و لا إشكال أنّ الصلاة في الشي‌ء من الجهات المعتنى بها عند العرف و المنافع المقصودة عند العقلاء، فلو تردّد الشي‌ء بين حلية الصلاة فيه و حرمتها يدخل في مجاري هذا الأصل، و إن لم تكن الجهات الأخر من مجاريه، كما إذا كانت مقطوعة الحلّية أو الحرمة.

و كذلك لا مجال لتوهّم اختصاص هذا الأصل بما إذا كان المنع و الحرمة المحتملة في موضوع أصالة الحلّ حكما نفسيّا و خطابا مستقلا ناشئا عن المبغوضية الذاتية، حتّى يختصّ موضوع أصالة الحلّ بالتكاليف الاستقلالية و الشبهات النفسية التحريمية، بل يعمّ ما إذا كان المنع و الحرمة من جهة القيدية و المنع عن وقوع الصلاة فيه، فإنّ الملاك في اتّصاف الشي‌ء بالحرمة الشرعية هو تعلّق

التكليف العدمي به، سواء كان مطلوبا لنفسه كما في التكاليف الاستقلالية، أو مطلوبا لغيره كما في التكاليف الغيرية.

و بالجملة: ليس معنى الحرمة الشرعية إلّا عبارة عن المنع عن الشي‌ء في الشريعة، و حرمان العباد عنه، و كونه واقعا في حيّز التكليف العدمي، من دون دخل الاستقلالية في ذلك.

فكما أنّ الخمر حرام شرعا، و واقع في حيّز التكليف العدمي، و حرم العباد عنه من جهة شربه، أو حرم العباد عن نفس شربه على الوجهين المتقدّمين، من أنّ المراد من الشي‌ء هو نفس الموضوعات باعتبار تعلّق أفعال العباد بها، أو الأفعال المتعلّقة بالموضوعات، فكذلك وقوع الصلاة في غير المأكول أو الحرير حرام شرعا، و واقعا في حيّز التكليف العدمي، و حرم العباد عنه باعتبار إيقاع الصلاة فيه، أو حرم العباد عن إيقاع الصلاة فيه على الوجهين.

و كما أنّ المائع المردّد بين الخلّ و الخمر مردّد بين الحلال و الحرام باعتبار تعلّق الشرب به، أو تردّد نفس الشرب بينهما، فكذلك الصوف المردّد بين ما قيّدت الصلاة بعدم الوقوع فيه و ما رخّص إيقاعها فيه مردّد بين الحلال و الحرام حقيقة، و مندرج تحت موضوع هذا الأصل بحسب حاقّ معنى الحلّ و الحرمة.

و كما أنّ مرجع جريان أصالة الحلّ في المائع المردّد إلى ترخيص ظاهري فكذلك مرجع جريان أصالة الحلّ في الصوف المردّد إلى ترخيص ظاهري من جهة إيقاع الصلاة فيه، و مرجع الترخيص في الصوف إلى إطلاق المطلوب و عدم تقيّده بعدم الوقوع فيه، و لازم ذلك هو الصحّة و الإجزاء الظاهري.

و بالجملة: الاستدلال بأصالة الحلّ لجواز الصلاة في المشكوك يتركّب من مقدّمات ثلاث.
الأولى: رجوع الشكّ في مانعية المشتبه إلى الشكّ في منع الشارع

من إيقاع

الصلاة فيه أو ترخيصه له. و رجوع الشكّ إلى ذلك موقوف على ما مهّدناه سابقا و أوضحناه، من أنّ منشأ انتزاع المانعية هو تقيّد المطلوب بعدم الوقوع فيما فرض كونه مانعا و وقوع ذلك في حيّز التكليف العدمي.

و بهذه المقدّمة يخرج الشكّ في الأجزاء و الشرائط عن موضوع هذا الأصل، إذ منشأ انتزاع الجزئية و الشرطية ليس هو إلّا عبارة عن تقيّد المطلوب بالوقوع فيه أو معه، فهو واقع في حيّز التكليف الوجودي لا العدمي، و ذلك- كما ترى- أجنبي عن موضوع أصالة الحلّ، فإنّ موضوع أصالة الحلّ- كما عرفت- إنّما هو تردّد الفعل أو الموضوع الخارجي بين الممنوع عنه شرعا و بين المرخّص فيه، و أين ذلك ممّا كان التردّد من جهة وقوعه في حيّز التكليف العدمي؟ و بالجملة: الشكّ في الأجزاء و الشرائط أجنبي عن اندراجه في موضوع هذا الأصل.

و حاصل الكلام: هو أنّ تقيّد المطلوب بعدم وقوعه في شي‌ء عبارة عن منع مولوي عن إيقاعه في ذلك الشي‌ء، كما أنّ عدم التقييد و إطلاق المطلوب بالنسبة إلى القطن و الكتّان مثلا عبارة عن الرخصة الشرعية المقابلة للمنع المذكور، و كلّ من هاتين الجهتين واضح.

أمّا رجوع التقييد إلى المنع المولوي فهو واضح بعد الانحلاليّة، و وقوع كلّ واحد من أفراد ما لا يؤكل مثلا في حيّز التكليف العدمي، و المنع المولوي عن إيقاع الصلاة فيه. نعم لو منعنا الانحلاليّة و قلنا: إنّ المطلوب هو المعنى البسيط المنتزع عن عدم وقوع المطلوب في آحاد ما لا يؤكل على نحو السالبة معدولة محمولها، كانت الشبهة فيما نحن فيه أجنبية عن مجاري هذا الأصل، إذ مرجع ذلك إلى تقيّد المطلوب بأمر وجودي على نحو تقيّده بالأجزاء و الشرائط، و قد عرفت من أنّه كلّما رجع الشكّ إلى التكليف الوجودي كان خارجا عن مجاري أصالة الحلّ.

و أمّا الجهة الثانية، و هي رجوع عدم التقييد و الإطلاق إلى الترخيص الشرعي

الذي هو أمر وجودي لا محض اللاحكمية، فلأنّ الإطلاق إنّما هو عبارة عن إرسال المولى، و إرخاء عنان العباد فيما تساوى وجود الشي‌ء و عدمه في عالم اللبّ و الإرادة. و هذا المعنى من الإطلاق يساوق الترخيص و الحلّ و الإباحة.

فدعوى أنّ الترخيص و الإباحة و الحلّية لا يساوق الإطلاق و عدم التقييد.

ممنوعة جدّا، بل الإطلاق كالترخيص أيضا أمر وجودي و أحدهما مساوق للآخر.

و هذا لا ينافي ما قلناه في باب المطلق و المقيّد من أنّ التقابل بين الإطلاق و التقييد تقابل العدم و الملكة لا تقابل التضادّ، فإنّ ما قلناه في ذلك الباب إنّما هو الإطلاق و التقييد الموصوفان بهما الألفاظ بحسب وضع الألفاظ، لا الإطلاق و التقييد النفس الأمري و في عالم اللبّ و الإرادة، فإنّه لا إشكال في أنّ الإطلاق النفس الأمري كالتقييد أمر وجودي.

فظهر فساد ما ربّما يتوهّم من أنّ الشكّ في المقام باعتبار منشأ انتزاع المانعية إنّما هو إلى تقييد المطلوب بعدم الوقوع في المشكوك أو إطلاقه، فيكون أحد طرفي الشكّ أمرا وجوديا و الآخر عدميّا، و في مثل هذا الشكّ لا يندرج في موضوع أصالة الحلّ، لأنّ موضوع أصالة الحلّ إنّما هو فيما إذا كان طرفا الشكّ أمرا وجوديّا من الحرمة و الحلّيّة الذي كلاهما أمران وجوديّان.

وجه الفساد هو أنّ الإطلاق أيضا أمر وجودي مساوق فيما نحن فيه للترخيص و الحلّية.

ثم لو سلّمنا أنّ الإطلاق أمر عدمي فنقول: إنّه لا يعتبر في موضوع أصالة [الحلّ] أن يكون طرفا الشكّ أمرين وجوديّين، فإنّ في رواية معدة: كلّ شي‌ء حلال حتّى تعرف الحرام منه بعينه (1)لم يؤخذ الشكّ في الحلّية و الحرمة موضوعا،


1) الوسائل: ج 12 ص 60 باب 4 من أبواب ما يكتسب به، ح 4، مع تفاوت يسير.

بل لو لم يكن قوله «حتّى تعرف الحرام» كان مفاد الرواية حكما واقعيّا نظير كلّ غنم حلال، و لكن بعد قوله «حتّى تعرف .. إلخ» يستفاد منه أنّه في مقام بيان إعطاء القاعدة للمشكوك، و حينئذ يكون الشكّ في الحرمة و عدمها مندرجا تحت القاعدة المستفادة من رواية مسعدة، و إن خرج عن الرواية الآخر التي أخذ الشكّ في الحرمة و الحلّية موضوعا، و مجرّد أخذ الشكّ في الحلّية و الحرمة في موضوع هذه الروايات لا يصلح لأن يكون مقيّدا لرواية مسعدة، الذي لم يؤخذ الشكّ في الحلّية و الحرمة موضوعا فيها، فتأمّل جيّدا.

المقدمة الثانية:

بعد ما عرفت من رجوع الشكّ في المانعية إلى الشكّ في منع الشارع فنقول: إنّ الحلّية و الحرمة الواردين في عنوان أدلّة أصالة الحلّ لا اختصاص لهما بالحلّية و الحرمة الناشئتين عن المبغوضية الذاتية و عدمها، حتّى يختصّ موضوع أصالة الحلّ بالتكاليف الاستقلالية، بل ليس الحرمة إلّا عبارة عن المنع الشرعي و ما حرم العباد عنه، و لو باعتبار بعض ما يتعلّق به من الأفعال كالصلاة فيه، فإنّ منع الشارع عن إيقاع الصلاة في غير المأكول و ترخيصه في إيقاعها في المأكول عبارة عن الحرمة و الحلّية الشرعية، و لم يؤخذ في حاقّ مدلول لفظة الحرام أن تكون ناشئة عن المبغوضية الذاتية، حتّى يختصّ بالاستقلاليّات. و لو سلّم انصراف لفظة الحرام إلى التكاليف الاستقلالية، فإنّما هو في لسان الفقهاء، و أمّا في لسان الشارع فلا انصراف فيه إلى ذلك.

و الذي يدلّك على ذلك استعمال لفظ الحرام في لسان الأدلّة بمعناه الأعم الناشئ عن المبغوضية الذاتية أو المنع المتعلّق بباب القيود و الروايات الواردة في ذلك و إن كانت كثيرة جدّا، إلّا أنّه نحن نقتصر على ذكر رواية واحدة رواها الفقيه مرسلا، قال: سئل أبو جعفر و أبو عبد اللّٰه عليه السّلام فقيل لهما: إنّا نشتري ثيابا يصيبها الخمر و ودك الخنزير عند حاكتها، أ فنصلّي فيها قبل أن نغسلها؟

فقالا: نعم، إنّ الشي‌ء حرم أكله و شربه و لم يحرم لبسه و مسّه و الصلاة فيه (1).

و هذه الرواية- كما ترى- كالصريحة في أنّ الحرمة الشرعية أعمّ من المنع الاستقلالي أو المنع في باب القيود من الموانع، إذ الإمام عليه السّلام استعمل لفظة الحرام بجامع واحد بين ما حرم لذاته كالمسّ و اللّبس، و ما حرم لأجل المانعية كالصلاة فيه.

و بالجملة: استعمال لفظ الحرام في باب الموانع كثير جدّا كما يظهر للمتتبّع، و عليه لا مجال للمنع عن شمول أصالة الحلّ لما نحن فيه، لأنّ هذا الصوف المردّد بين كونه من مأكول أو غيره، يشكّ في حلّية الصلاة فيه و حرمتها، باعتبار منشأ انتزاع المانعية من تعلّق التكليف العدمي به، فيدخل في مجاري هذا الأصل حقيقة.

و لا حاجة إلى تكلّف أنّ الحلّ و الحرمة في باب العبادات بمعنى الصحّة و الفساد، فيكون الصوف مردّدا بين ما تحلّ الصلاة فيه أي تصحّ، و ما تحرم أي تفسد، و بهذا الاعتبار يدخل ما نحن فيه في مجاري أصالة الحلّ، و ذلك لأنّه و إن استعمل لفظ الحلّ و الحرمة بمعنى الصحّة و الفساد (2)، كما بظهر من خبر تحف العقول (3)و غيره الوارد في باب المعاملات، إلّا أنّه معلوم أنّ المراد من الحلّية و الحرمة في أدلّة أصالة الحل هو الحلّية و الحرمة التكليفية، لا الحلّية بمعنى الصحّة و الفساد.


1) الفقيه: ج 1 ص 248 باب لباس المصلّي، ح 751 و فيه «نعم لا بأس إنما حرم اللّٰه أكله و شربه .. إلخ».

2) بل يمكن أن يقال: إنّه ما استعمل لفظ الحلّ و الحرمة في شي‌ء من الروايات بمعنى الصحّة و الفساد بل المراد من الحلّ و الحرمة في جميع الموارد حتّى في باب المعاملات هو الترخيص و المنع الشرعي غايته أنّ الترخيص و المنع الشرعي يختلف أثره باختلاف متعلّقه ففي باب المعاملات يكون الأثر هو النفوذ و عدم النفوذ و في باب العبادات يكون الأثر هو الإجزاء و الصحّة و عدمها «منه».

3) تحف العقول: ص 24 ط النجف الأشرف.

مع أنّه لو كان الحلّ و الحرمة بمعنى الصحّة و الفساد لكان اللازم اطّراد أصالة الحلّ عند الشكّ في باب القيود الوجودية من الأجزاء و الشرائط، لأنّه عند الشكّ في تحقّق الشرط يشكّ في الصحّة و الفساد أيضا، فهل يمكن أن يقال: إنّا بأصالة الحلّ نثبت الصحّة؟

و بالجملة: ليس مبنى الاستدلال على أخذ الحلّ و الحرمة بمعنى الصحّة و الفساد، بل مبنى الاستدلال أنّ الممنوع عنه في باب الموانع حقيقة داخل في حاقّ مدلول لفظ الحرام، فالمراد من الحلّ و الحرمة في موضوع أصالة الحلّ هو الحرمة التكليفية، غايته أنّه ليست الحرمة في باب الموانع ناشئة عن المبغوضية الذاتية، و قد عرفت أنّ المبغوضية الذاتية خارجة عن مدلول لفظ الحرام لغة و عرفا و شرعا، إذ ليس الحرام في اللّغة إلّا بمعنى الحرمان المطّرد في باب الموانع أيضا، و عند العرف عبارة عن المنع الشرعي.

المقدمة الثالثة: بعد ما عرفت من أنّ الترخيص و الحلّية الظاهرية المستفادة من أصالة الحلّ

، كما تقابل الحرمة الذاتية كذلك تقابل الحرمة في باب الموانع، فلا محالة يترتّب على الترخيص الظاهري في باب الشبهات الاستقلالية الترخيص و الحلّية الذاتية، بمعنى جواز الشرب و اللّبس و غير ذلك ممّا كان موردا للشبهة، و في باب الموانع يترتّب على الترخيص الظاهري الإجزاء و الصحّة الظاهرية المحفوظة عند عدم انكشاف الخلاف، و ذلك لأنّ الترخيص في كل مقام لا محالة و ان يرجع إلى الجهة المشكوك فيها، إذ لا معنى لورود الترخيص على غير تلك الجهة.

ففي باب التكاليف الاستقلالية يلاحظ الجهة المشكوك فيها فيرد الترخيص عليها، فإن كان الجهة المشكوك فيها هي الأكل مثلا، بأن كان شاكّا في حلّية الأكل، فالترخيص الظاهري المستفاد من أصالة الحلّ يرجع إلى حلّية الأكل، و إن كان الجهة المشكوك فيها هو الشرب فالترخيص يرجع إليه، و هكذا سائر

الجهات، فإنّ الترخيص يرد على نفس الجهة المشكوكة.

و في باب الموانع الجهة المشكوك فيها هي عبارة عن القيدية المستفادة من المنع عن وقوع الصلاة في المشكوك، فحقيقة الشكّ فيما نحن فيه يرجع إلى المنع المستتبع للقيدية، فالترخيص الظاهري المستفاد من أصالة الحلّ لا بدّ و أن يرد على هذه الجهة، و معنى الترخيص من هذه الجهة هو عدم المنع المساوق للتقييد عن وقوع الصلاة في المشكوك، و مرجع هذا إلى إطلاق المطلوب و عدم أخذ عدم الوقوع في المشكوك قيدا، كعدم أخذ عدم الوقوع في القطن مثلا قيدا، غايته أنّ في باب القطن إطلاق المطلوب بالنسبة إليه و عدم أخذ عدمه قيدا فيه يكون إطلاقا واقعيّا، و فيما نحن فيه يكون إطلاقا ظاهريّا، و كما أنّه يترتّب على الإطلاق الواقعي الصحّة و الإجزاء الواقعي، فكذلك يترتّب على الإطلاق الظاهري الصحّة و الإجزاء الظاهري المقيّد بعدم انكشاف الخلاف.

و بالجملة: ورود الترخيص على الجهة المشكوكة فيها فيما نحن فيه يساوق لإطلاق المترتّب عليه الصحّة و الإجزاء، فالإطلاق المستفاد من أصالة الحلّ فيما نحن [فيه] كالإطلاق المستفاد من أصل آخر موضوعي أو حكمي من استصحاب أو غيره، فكما أنّ من الاستصحاب أو حديث الرفع (1)يستفاد الإطلاق و عدم تقييد المطلوب عند الشكّ فيه و يترتّب عليه الصحّة و الإجزاء، فكذلك من أصالة الحلّ يستفاد ذلك و يترتّب عليه الصحّة و الإجزاء.

و بما ذكرنا يظهر الفرق بين جريان أصالة الحلّ في نفس الجهة المستتبعة للقيدية و المانعية، حيث قلنا بترتّب الصحّة و الإجزاء عليه، و بين جريان أصالة الحلّ من جهة الشكّ في الحرمة الذاتية أو التشريعية، حيث قلنا: إنّه لا يترتّب على


1) الوسائل: ج 11 ص 295 باب 56 من أبواب جهاد النفس، ح 1

جريان أصالة الحلّ بهذا الوجه الصحّة و الإجزاء و انطباق المأتيّ به على المأمور به إلّا على القول بالأصل المثبت، بداهة أنّ ترخيص الشارع الفعل ذاتا أو من حيث استناده إليه لا يترتّب عليه انطباق المأتي به على المأمور به، و لا يلازم رفع المانعية المشكوكة، إذ الترخيص لم يرجع على هذا الوجه إلى الجهة المستتبعة للمانعية، بل الترخيص يرجع إلى أمر آخر من الحرمة الذاتية أو التشريعية الملازم عقلا لرفع المانعية. و هذا بخلاف جريان أصالة الحلّ من الجهة المستتبعة للمانعية على ما أوضحناه، فإنّ الترخيص من هذه الجهة يساوق الإطلاق و عدم تقيّد المطلوب بما شكّ في مانعيّته، و لازم هذا لا محالة هو ترتّب الصحّة، لأنّ المأتيّ به بالأمر الظاهري مجزٍ ما لم ينكشف الخلاف. هذا تمام الكلام في تقريب التمسّك بأصالة الحلّ فيما نحن فيه.

تنبيه: لا يخفى عليك

أنّ ما قلناه من جريان أصالة الحلّ في التكليف و المنع الشرعي المستتبع للمانعية و ترتّب الصحّة عليه إنّما هو بناء على عدم تأصّل المانعية و أخواتها في الجعل، و أمّا لو قلنا بتأصّل المانعية في الجعل فيشكل التمسّك بأصالة الحلّ لما نحن فيه، فإنّ المانعية بنفسها ليست من مجاري أصالة الحلّ، لما عرفت من أنّه يعتبر في موضوع أصالة الحلّ من أن يكون الشكّ في الحلّية و الحرمة، و أمّا نفس الشكّ في المانعية فليس شكّا في الحلّية و الحرمة.

نعم التكليف المنتزع عن جعل المانعية يكون من مجاري أصالة الحلّ، فإنّ جعل المانعية يستتبع المنع الشرعي عن إيقاع الصلاة فيما فرض كونه مانعا، فالشكّ في المانعية يستتبع الشكّ في المنع الشرعي المسبّب من جعل المانعية، فالشكّ المسبّبي يكون من مجاري أصالة الحلّ إلّا أنّ جريان الأصل في الشكّ المسبّبي لا يوجب رفع الشكّ السببي و هو الشكّ في مانعية المشتبه، فالشكّ في المانعية بعد باق على حاله إلّا على القول بالأصل المثبت.

اللّٰهم إلّا ان يقال: إنّه لا حاجة لنا في رفع الشكّ السببي بعد عدم منع الشارع و ترخيصه في إيقاع الصلاة في المشتبه من الجهة الذي يلازم المانعية، فالشكّ في المانعية و إن كان بعد باق على حاله إلّا أنّ بقاءه لا يخلّ في جريان الأصل المسبّبي و ترتّب الصحّة، كما لو كان المكلّف على طهارة و خرج منه و ذي أو مذي و شكّ في ناقضية الوذي و المذي، فإنّ الشكّ في ناقضيّتهما و إن كان يستتبع الشكّ في الطهارة إلّا أنّه بجريان استصحاب الطهارة نستغني [عنه]، و إن كان الشكّ في الطهارة مسبّبا عن الشكّ في ناقضية المذي، و ناقضية المذي لم يكن مجرى لأصل. إلّا أنّه لا حاجة لنا إلى رفع الشكّ السببي بعد حكم الشارع بأنّ المكلّف متطهّر، و المفروض أنّ ما جعل شرطا للصلاة هو الطهارة، و هي حاصلة بمقتضى الاستصحاب فليبق الشكّ في ناقضية المذي إلى يوم القيامة، و بعين ذلك يمكن أن يقال فيما نحن فيه، من أنّ الشكّ في المانعية و إن كان باقيا إلّا أنّه يستغنى عنه بعد ترخيص الشارع في إيقاع الصلاة في المشتبه من الجهة المنتزعة عن المانعية لا من جهة التشريع أو الحرمة الذاتية، فتأمّل جيّدا.

و على كلّ حال بناء على تأصّل المانعية في الجعل لا تكون نفس المانعية من مجاري أصالة الحلّ و إن كانت من مجاري أصالة البراءة، إذ لا يعتبر في موضوع البراءة أزيد من أن يكون أمر المشكوك بيد الشارع رفعا و وضعا، و المانعية- بناء على تأصّلها في الجعل- تكون كذلك أمر وضعها و رفعها بيد الشارع، فلا مانع من جريان أصالة البراءة فيها، فتأمّل جيّدا.

المقام الثالث: في بيان جريان أصالة عدم المانع في المقام
اشارة

، و قد نسب إلى بعض المفروغية عن جريانها في المقام بناء على المانعية، و هو على إطلاقه ممنوع، كما سيتضح لك عن قريب إن شاء اللّٰه. نعم لو قلنا بأنّ أصالة عدم المانع أصل عقلائيّ برأسه، من دون أن يرجع إلى الاستصحاب- كما حكي عن بعض دعوى

ذلك- لتمّ التمسّك بأصالة عدم المانع في المقام على إطلاقه، و كذلك لو لم نقل بذلك و لكن قلنا باعتبار الأصل المثبت يتمّ إطلاق التمسّك بها في المقام، هذا و لكنّ الظاهر أنّه لا يمكن المساعدة على كلا الدعويين.

أمّا الدعوى الأولى فغاية ما يمكن في تقريبها هو أن يقال: إنّ الطريقة العقلائية قد استقرّت عند الشكّ في وجود شي‌ء على البناء على العدم و ترتيب آثاره عليه، و إن لم يكن ذلك العدم مسبوقا بالحالة السابقة، كما إذا كان الأثر مترتّبا على العدم النعتي لا المحمولي على ما سيأتي بيانه و بالجملة: تارة يكون بناء العقلاء عند التردّد بين الوجود و العدم هو البناء على العدم، من حيث إنّ كلّ حادث مسبوق بالعدم، فهذا يرجع إلى الاستصحاب، و اخرى يكون بناؤهم على ذلك لا من تلك الحيثية، بل من باب أنّ الممكن حيث يفتقر في وجوده إلى علّة خارجة عن ذاته فمع عدم إحراز علّة الوجود يبنون على العدم، و إن كان ذلك العدم من العدم الربطي الذي هو مفاد ليس الناقصة.

و إثبات هذه الدعوى في غاية الإشكال، فإنّ استقرار الطريقة العقلائية لا بدّ و أن يكون ناشئا عن منشإ عقلائي ارتكازي فطري، و لم نجد منشأ لاستقرار الطريقة العقلائية على ذلك، نعم في خصوص باب الأنساب قد ادّعي ذلك، و أنّ بناء العقلاء عند الشكّ في تحقّق النسب على العدم حفظا للأنساب و المواريث. و الحاصل: أنّ دعوى كون أصالة عدم المانع من الأصول العقلائية غير الاستصحاب دون إثباتها خرط القتاد.

و أمّا الدعوى الثانية و هي دعوى حجّية الأصل المثبت ففي غاية الفساد كما بيّنا في محلّه. و أمّا التمسّك بأصالة عدم المانع الراجع إلى الاستصحاب فهو على إطلاقه لا يستقيم،

و توضيح ذلك يتوقّف على بيان أمرين:
الأول: أنّ المجعول في باب الطرق و الأمارات مغاير لما هو المجعول في باب الأصول

، فإنّ المجعول الشرعي في باب الطرق إنّما هو الثبوت الواقعي المحكي بالطريق، و لذا كان مثبتاتها حجّة، و أمّا المجعول في باب الأصول- على اختلاف أنحائها- إنّما هو الجري العملي و البناء على مؤدّياتها من حيث العمل- كما حقّق في محلّه- فلا بدّ حينئذ من ترتّب أثر عملي على نفس مؤدّى الأصول إذا لم يكن المؤدّى هو بنفسه أثرا عمليّا، كما إذا كان المؤدّى حكما شرعيّا، إذ بعد ما كان المجعول هو الجري العملي فلا بدّ من أن يكون مؤدّى الأصل ممّا له جري عملي يكون بنفسه ممّا تناله يد الجعل، و لذا كان مثبتاتها غير حجّة.

ثمّ إنّه لا فرق في تحقّق الأثر العملي بين أن يكون الأصل جاريا في وادي الثبوت و مرحلة توجّه التكليف، أو جاريا في وادي السقوط و مرحلة امتثال التكليف، إذ بعد ما كان وادي السقوط و الامتثال- كوادي الثبوت و توجّه التكليف- أمرا قابلا للجعل الشرعي و تصرّف ظاهري و الحكم بتحقّق الفراغ، فلا فرق حينئذ بين كون مؤدّى الأصل راجعا إلى مرحلة الثبوت، أو إلى مرحلة السقوط و الفراغ كما هو واضح.

و كذلك لا فرق في تحقّق الأثر العملي المحتاج إليه في جريان الأصل، بين أن يكون مؤدّى الأصل تمام الموضوع لذلك الأثر، أو كان جزء الموضوع و به قوامه و لو على نحو القيدية، إذ يكفي في تحقّق الأثر هذا المقدار أي و لو بأن يكون جزء لما هو موضوع الأثر أو قيده، بحيث لو لم يجر الأصل لما كان الأثر مترتّبا، و إن كان جزؤه الآخر محرزا بالوجدان. و الحاصل: أنّه يكفي في جريان الأصل كون مؤدّاه ممّا له دخل في تحقّق الأثر، سواء كان تمام الموضوع أو جزءه، و هذا أيضا ممّا لا سترة فيه.

نعم ينبغي تعيين ما هو الضابط الكلّي لمعرفة أنّ في أي مورد يكون مؤدّى الأصل جزء ما هو الموضوع أو قيده و ما لا يكون كذلك، فإنّه ربّما يشتبه الحال في

بعض الموارد بتخيّل أنّ مؤدّى الأصل يكون جزء موضوع الأثر، مع أنّه لا يكون كذلك و كان موضوع الأثر أمرا آخر لا يمكن إثباته بمؤدّى الأصل إلّا على نحو المثبتية، و كذلك العكس فإنّه ربّما يكون المؤدّى جزء الموضوع و يتخيّل عدمه، فلا بدّ من تعيين الضابط الكلّي لذلك فنقول:

إنّه كلّما كان الأثر الشرعي المجعول مترتّبا على عدّة أجزاء داخلية أو خارجية، بحيث لو أحرزنا تلك الأجزاء و اجتماعها في عمود الزمان، سواء كان إحراز ذلك بالوجدان أو بتعبّد شرعي، لم يبق لنا شكّ في ترتّب ذلك الأثر الشرعي المجعول، و لا تردّد في حصول أمر آخر له دخل في ترتّب الأثر لم نكن محرزين إيّاه، ففي مثل هذا يكفي إحراز بعض تلك الأجزاء بالوجدان و البعض الآخر بالأصل، و ذلك لا يكون إلّا إذا كان الموضوع المركّب متألّفا من أجزاء متباينة ليس لها جامع سوى اجتماعها في الزمان، من دون أن يكون هناك أمر آخر له دخل في الموضوع منتزعا عن اجتماع هذه الأجزاء في الزمان، أو معلولا له، أو ملازما له، فإنّ في جميع هذا لا يكفي إحراز بعض تلك الأجزاء بالوجدان و الآخر بالأصل، إلّا إذا كان نفس ذلك الأمر المنتزع أو المعلول أو الملازم الذي فرض له دخل في ترتّب الأثر محرزا إمّا بالوجدان أو يكون مؤدّى الأصل هو بنفسه، و لا يكفي جريان الأصل في منشأ الانتزاع إلّا على القول بالأصل المثبت.

و حاصل الكلام: ضابط إحراز بعض الموضوع بالوجدان و الآخر بالأصل هو أن يكون الموضوع ذا أثر شرعي، و يكون ذلك الموضوع مركّبا من جزءين فصاعدا ليس بينهما جامع سوى تحقّقهما في الوعاء الذي أخذ موضوعا للأثر في ذلك الوعاء، مثلا لو كان طهارة المغسول مترتّبا على الغسل بالماء الطاهر، بحيث يكون الموضوع مركّبا من الماء و كونه طاهرا كما هو كذلك، فحينئذ لو أحرزنا الماء بالوجدان و طهارته بالأصل أو بالعكس و غسلنا في مثل هذا الماء لم يبق لنا شكّ

بعد في حصول طهارة المغسول، إذ المفروض أنّه لا يعتبر في طهارته سوى الغسل بالماء في ظرف كونه طاهرا، و قد تحقّق هذا المعنى لأنّه غسل في ماء محكوم بطهارته شرعا و لو بالأصل، و كذلك لو فرض أنّ الأثر مترتب على الصلاة عند طهارة المصلّي، فلو أحرز المصلّي طهارته بالأصل لم يبق له شكّ في ترتّب الأثر، إذ لم يعتبر في موضوع الأثر إلّا كون المصلّي طاهرا في ظرف الفعل، فلو أحرز طهارته بالأصل في ذلك الظرف و الوعاء كان تمام الموضوع للأثر متحقّقا.

و لا معنى لأن يقال: إنّ موضوع الأثر هو ارتباط الصلاة بالطهارة، و ذلك الارتباط غير محرز بمجرّد إحراز الصلاة و الطهارة. و ذلك لأنّ الارتباط ليس إلّا عبارة عن فعل الصلاة في ظرف الطهارة، و هذا حاصل و لو بضمّ الوجدان بالأصل، و لو كان المراد من الارتباط هو تقيّد الصلاة بالطهارة فهذا ليس من فعل المصلّي بل التقييد من فعل الشارع.

و بالجملة: ما هو فعل المصلّي و متعلّق التكليف ليس إلّا الصلاة في ظرف طهارته من الحدث و الخبث، و هذا محرز و لو بضمّ الوجدان بالأصل، و أمّا الارتباط و التقييد، و كذا مقارنة الشرط للمشروط بمعناها المنتزع عن اجتماع الشرط و المشروط في الزمان، فهذه كلّها خارجة عن متعلّق التكليف و موضوعه. و إن أريد من المقارنة مجرّد اجتماع الشرط و المشروط في الزمان فهذا حاصل و محرز و لو بضمّ الأصل، فجريان الأصل في طهارة المصلّي أو طهارة الماء المغسول به لم يكن من الأصول المثبتة، إذ الضابط في الأصل المثبت هو أن يكون الأثر الشرعي مترتّبا على ما هو لازم مؤدّى الأصل أو ملزومه، لا على نفس مؤدّى الأصل، و في المثالين الأثر الشرعي مترتّب على نفس مؤدّى الأصل و لو باعتبار كونه جزء الموضوع أو قيده.

نعم فيما إذا كان الأثر مترتّبا على المعنى المنتزع عن اجتماع الأجزاء في الزمان

أو معلولا له، لا يمكن جريان الأصل فيما هو منشأ الانتزاع في إثبات الأثر إلّا على القول بالأصل المثبت، و ذلك كما في استصحاب الشهر السابق بالنسبة إلى يوم الشكّ، و مع ذلك لا يترتّب أحكام أول الشهر على اليوم الذي بعد يوم الشكّ، مثلا لو شكّ في يوم الثلاثين من شعبان أنه من شعبان أولا، فلا إشكال في جريان استصحاب بقاء شعبان و جواز إفطاره، و كذلك لا إشكال في تحقّق القطع بأنّ اليوم الذي من بعده يكون من رمضان، إذ لا يمكن كون شعبان واحدا و ثلاثين يوما، و مع ذلك لا يمكن ترتّب أحكام أول الشهر على ذلك اليوم، إذ الأولية لرمضان إنّما هي عنوان ثانوي ينتزع عن وجود رمضان المسبوق بالعدم، و كذا أولية كلّ شي‌ء، لا أنّ الأولية هي عبارة عن الوجود المسبوق بالعدم حتّى يقال: إنّ الوجود ثابت بالوجدان للعلم بأنّ هذا اليوم من رمضان، و مسبوقيّته بالعدم ثابت باستصحاب بقاء شعبان في اليوم الذي قبله و هو يوم الشكّ، فيكون هذا من باب ضمّ الوجدان بالأصل.

و الأولية لو كانت بهذا المعنى فلا إشكال في ترتّب أحكام الأول على اليوم الذي بعد يوم الشكّ. و أمّا لو كانت هي عبارة عن المعنى المنتزع عن الوجود المسبوق بالعدم فضمّ الوجدان بالأصل ممّا ينفع (1)في ترتّب أحكام الأولية عليه، إذ مع هذا الوجدان و الأصل بعد شاكّين في تحقّق ما هو موضوع الأحكام من تحقّق الأولية، و لم يرتفع شكّنا بضمّ الوجدان بالأصل، و قد تقدّم أنّ الضابط في ضمّ الوجدان بالأصل هو أنّ بعد الضمّ لا يبقى لنا شكّ في تحقّق الموضوع.

و كذلك لا يكفي في ترتّب آثار نجاسة الملاقي بالكسر باستصحاب رطوبة الملاقي بالفتح مع العلم بالملاقاة، إذ تلك الآثار لم تترتّب على مجرّد تماسّ


1) هكذا في الأصل، و الظاهر «لا ينفع».

الجسمين مع رطوبة أحدهما حتّى يقال: إنّ الموضوع مركّب من أمرين: تماسّ الجسمين المحرز بالوجدان، و رطوبة أحدهما المحرز بالأصل، بل الأثر مترتّب على ما هو معلول لهذا التماسّ من انتقال الرطوبة من أحدهما إلى الآخر، فإنّ الانتقال هو المؤثّر في التنجيس لا مجرّد الملاقاة، ففي مثل هذا أيضا لا يندرج تحت قاعدة ضمّ الوجدان بالأصل.

و كذلك لا يكفي في إدراك الركعة و ترتّب أحكام الجماعة على مجرّد استصحاب بقاء الإمام في الركوع بدعوى أنّ الموضوع مركّب من ركوع المأموم في ظرف ركوع الإمام و قد أحرز المأموم ركوعه بالوجدان و ركوع الإمام بالأصل نظير استصحاب طهارة الفاعل في ظرف الصلاة و ذلك لأنّ موضوع إدراك الركعة و أحكام الجماعة ليس هو ذلك بل الموضوع في لسان الدليل إنّما هو ركوع المأموم قبل رفع رأس الإمام من ركوعه و هذه القبلية من لوازم ذلك المركّب لا أنّ الموضوع نفس المركّب حتّى يندرج في ضمّ الوجدان بالأصل.

و حاصل الكلام: أنّه كلّما كان الموضوع أمرا منتزعا أو معلولا أو ملازما أو ملزوما للأمر المركّب ممّا هو حاصل بالوجدان و ما هو حاصل بمؤدّى الأصل لا ينفع جريان الأصل في إثبات ما هو موضوع الأثر إلّا على القول بالأصل المثبت.

و منه يظهر أنّ الأثر لو كان مترتّبا على المركّب لكن لا بما أنّ أجزاءه مجتمعين في الزمان، بل باعتبار الربط الخاصّ الحاصل بين اجتماع تلك الأجزاء في الزمان لا ينفع جريان الأصل بضمّ الوجدان في إحراز ذلك الربط الخاصّ، كما لو قال: إن جاءك زيد راكبا فأكرمه، فإنّ الإكرام لم يترتّب على نفس مجي‌ء زيد و ركوبه، بل الأثر مترتّب على المجي‌ء الخاصّ، و هو حالية الركوب للمجي‌ء الذي يعبّر عنه بهيئة الحال، فإنّ في مثل هذا لو أحرزنا مجي‌ء زيد و ركوبه في زمان واحد

بحيث اجتمعا هذان الأمران في الزمان، مع ذلك لا يترتّب عليه وجوب الإكرام، لأنّ إثبات ذلك الربط الخاص بهذا الاجتماع في الزمان المحرز أحدها بالوجدان و الآخر بالأصل لا يكون إلّا على القول بالأصل المثبت، فإنّ الضابط الكلّي- على ما عرفت في كفاية ضمّ الوجدان بالأصل في ترتّب الأثر- هو أن لا يكون الموضوع إلّا نفس المركّب الذي لا جامع بين أجزائه إلّا وحدة الزمان، فتأمّل جيّدا.

الأمر الثاني: لا إشكال في رجوع كلّ وصف اعتبر في المصلّي

، أو في المكان، أو في اللّباس، أو في الزمان إلى تقييد الصلاة بذلك الوصف وجوديّا كان أو عدميّا، بداهة أنّ المطلوب هو الصلاة المتقيّدة بكون المصلّي واجدا لكذا أو فاقدا لكذا، و الصلاة المتقيّدة بكون لباس المصلّي كذا و كذا، فرجوع كلّ وصف اعتبر في أي محلّ بالأخرة إلى الصلاة ممّا لا خفاء فيه. و لكن مع ذلك المحلّ الذي اعتبر الوصف الوجودي أو العدمي فيه تارة يكون هو المصلّي، و اخرى يكون لباسه أو مكانه، و ثالثة يكون نفس الصلاة.

مثلا أ ليست الصلاة مقيّدة بعدم وقوعها في الحرير، و لكنّ محلّ الذي اعتبر هذا الوصف فيه تارة يكون المصلّي، بأن يكون المعتبر في الصلاة هو عدم كون المصلّي لابسا للحرير، و اخرى يكون معتبرا في اللّباس، بأن يكون المعتبر هو عدم كون اللّباس من الحرير، و ثالثة يكون معتبرا في نفس الصلاة، كالصلاة في غير الحرير.

و استفادة هذه الوجوه و أنّ الوصف في أي محلّ اعتبر إنّما يكون من لسان الدليل، فقد يكون لسانه اعتبار الوصف في المصلّي، و قد يكون في اللّباس، و قد يكون في الصلاة.

إذا عرفت ذلك فلا إشكال في جريان الاستصحاب فيما إذا كان المحلّ المعتبر فيه الوصف هو المصلّي، أو اللّباس.

مثلا لو كان المصلّي غير لابس للحرير، أو

كان لباسه من غير الحرير، فيشكّ في ظرف وقوع الصلاة كونه ليس الحرير أو لا، أو صار لباسه من الحرير أو لا، فلا إشكال في جريان استصحاب عدم كونه لابسا للحرير، أو عدم صيرورة اللّباس من الحرير في ظرف وقوع الصلاة، و يدخل في صغريات ما إذا كان بعض الموضوع محرزا بالوجدان و الآخر بالأصل، إذ بعد ما كان محلّ الوصف هو كون المصلّي غير لابس للحرير في ظرف الصلاة، فالموضوع هو عبارة عن نفس هذا المركّب المحرز بالوجدان و الأصل.

و كذا الكلام في الطهارة الحدثية و الخبثية الذي لا إشكال في اعتبارها في المصلّي، و كونه هو محلّ الوصف، فإنّ المعتبر في الصلاة هو كون الفاعل متطهّرا، كما يدلّ عليه قوله عليه السّلام «لأن يكون العبد طاهرا بين يدي ربّه» (1)و ما حكي عن بعض الأعلام من التفصيل بين التفاته إلى الشكّ في طهارته قبل الصلاة، و بين أن يكون قبل الصلاة غافلا و صلّى غفلة ثمّ بعد ذلك شكّ في الطهارة، فقال في الأول بكفاية استصحاب الطهارة، و يترتّب عليه جواز الدخول في الصلاة، و يكون من صغريات إحراز بعض الموضوع بالوجدان و الآخر بالأصل، و أمّا الثاني فاستصحاب الطهارة لا تثبت وقوع الصلاة مع الطهارة إلّا على القول بالأصل المثبت، فلو لا قاعدة الفراغ الحاكمة بصحّة الصلاة لا يترتّب على استصحاب الطهارة أثر الصحّة، هذا.

و لكن لا يخفى عليك ما فيه، فإنّه بعد ما كان الأثر مترتّبا على وقوع الصلاة في ظرف طهارة الفاعل فلا فرق في ذلك بين أن يكون الشكّ في الطهارة حاصلا قبل الصلاة و دخل في الصلاة باستصحاب الطهارة، و بين أن يكون الشكّ حاصلا بعد الصلاة و أحرز الطهارة في ظرف وقوع الصلاة باستصحابها بعدها، فإنّه و إن لم


1) الوسائل: ج 1 ص 257 باب 1 من أبواب الوضوء، ح 9.

يجر الاستصحاب قبل الصلاة مع الغفلة لاعتبار الشكّ الفعلي في جريانه و لا يكفي الشكّ التقديري، إلّا أنّه بعد تحقّق الشكّ و لو بعد الصلاة يجري الاستصحاب و يبني على بقاء الطهارة المتيقّنة إلى ظرف وقوع الصلاة، فيكون المكلّف قد أحرز الصلاة في ظرف طهارته، و يدخل في صغريات إحراز بعض الموضوع بالوجدان و الآخر بالأصل.

و بالجملة: لا فرق في ترتّب أثر الصحّة و الإجزاء بين جريان استصحاب الطهارة قبل الصلاة أو بعدها

، سوى أنّه لو اجري الاستصحاب قبل الصلاة كان إحراز جزء الموضوع مقدّما على إحراز جزئه الآخر المحرز بالوجدان، و لو كان جريان الاستصحاب بعد الصلاة كان إحراز ما هو محرز بالوجدان و هو فعل الصلاة مقدّما على إحراز ما هو محرز بالأصل من الطهارة، و من المعلوم أنّ سبق الإحراز الوجداني على الإحراز التعبّدي و لحوقه لا دخل له في الأثر المقصود من الصحّة و سقوط الإعادة و القضاء، هذا.

مع أنّ المراد من قوله: إنّ جريان الاستصحاب قبل الصلاة يترتّب عليه جواز الدخول في الصلاة، إن كان هو الجواز التكليفي فهذا ممّا لا أثر له في الأثر المقصود من سقوط الإعادة و القضاء، إذ الجواز التكليفي لا يلازم ذلك إلّا على القول بالمثبت، مع أنّه لا شكّ في الجواز التكليفي، إذ الصلاة مع عدم الطهارة ليست من المحرّمات الذاتية حتّى يقال: إنّ باستصحاب الطهارة يترتّب عليه الجواز التكليفي، و إن كان المراد منه الجواز الوضعي بمعنى الصحّة و المضيّ و سقوط الإعادة و القضاء فهذا ممّا لا فرق فيه بين سبق جريان الاستصحاب و لحوقه، إذ على كلّ تقدير سقوط الإعادة و القضاء مترتّب على إحراز الموضوع المركّب من طهارة المصلّي و الصلاة في ظرفها، و هذا الإحراز لا يتوقّف على جريان الاستصحاب قبل الصلاة، فالتفصيل بين الصورتين ممّا لا يستقيم و لا يمكن

المساعدة عليه، فتأمّل جيّدا. هذا كلّه فيما إذا كان محلّ الوصف هو المصلّي أو اللباس.

و أمّا إذا كان محلّ الوصف هو نفس الصلاة، فإن كان القيد الوجودي أو العدمي حاصلا من أول الشروع ثمّ يشكّ في ارتفاعه، إمّا لأجل الشكّ في فقدان الجزء أو الشرط أو عروض المانع في الأثناء، و إمّا لأجل الشكّ في مانعية الموجود سواء في ذلك الشبهة الحكمية و الموضوعية، و إمّا أن يكون مشكوك الحصول من أول الصلاة. فإن كان حاصلا في أول الأمر ثمّ طرأ الشك في ارتفاعه، فلا يخلو أيضا إمّا أن يكون محلّ القيد هو ذات الأجزاء و أفعال الصلاة، كما هو أقوى الوجهين في باب الموانع (1)، و إمّا أن يكون محلّ القيد هو الهيئة الاتّصالية القائمة بموادّ الأجزاء الحادثة بحدوث التكبيرة و المنعدمة بالتسليمة، كما هو أحد الوجهين في باب القواطع.

فإن كان محلّ القيد هو ذوات الأجزاء فالاستصحاب ممّا لا مجال له أصلا، بداهة أنّ أصالة عدم المانع لا يثبت اتّصاف الصلاة بعدمه إلّا على القول بالأصل المثبت. و كذلك استصحاب صحّة الأجزاء السابقة ممّا لا ينفع، لأنّ صحّة الأجزاء السابقة عبارة عن الصحّة التأهّلية، إذ الصحّة الفعلية بمعنى سقوط الإعادة و القضاء ممّا لا تتّصف الصلاة بها إلّا بعد الفراغ منها و إتيانها تامّة للأجزاء و الشرائط، و الصحّة التأهّلية بمعنى أنّه لو انضمّ إليها سائر الأجزاء


1) بداهة أنّ مثل مانعية الحرير أو الذهب أو النجاسة الخبثية إنّما تعتبر في نفس الأجزاء و ما هو أفعال الصلاة فلو لبس الحرير في بين السكونات و الأكوان، أو تنجّس لباسه في أثنائها، ثمّ نزع الحرير أو زال النجاسة عند اشتغاله بأفعال الصلاة لم يكن ذلك مخلا بصلاته مع عدم فوت الموالاة، و هذا بخلاف القهقهة و البكاء و الالتفات و غير ذلك من القواطع، فإنّها معتبرة في جميع الصلاة حتّى سكوناتها و أكوانها، و لذا لو وقع البكاء في أثناء السكون بطلت الصلاة «منه».

و الشرائط لكانت صحيحة فهي- مع أنّه يرجع إلى الاستصحاب التعليقي- مقطوعة البقاء حتّى عند طروّ الشكّ في وجود المانع أو مانعية الموجود. فمحلّ القيد الوجودي أو العدمي إن كان نفس أجزاء الصلاة فاستصحاب عدم تحقّق المانع ممّا لا مساس له و لا أثر له.

و إن كان محلّ القيد هو الهيئة الاتّصالية المستمرّة في الصلاة التي لا يضرّ بها تبادل الأجزاء نظير الحركة المتوسّطة، فاستصحاب بقاء الهيئة الاتّصالية عند الشكّ في طروّ القاطع أو قاطعية الموجود و إن كان له مساس، و تامّ الأركان، و اعتمد عليه الشيخ- قدّس سرّه- إلّا أنّه مع ذلك لا يفيد، فإنّ الهيئة الاتّصالية لم تكن هي بنفسها متعلّقة الطلب و التكليف، حتّى يجدي استصحابها و لو مع بقاء الشكّ في قاطعية الموجود نظير استصحاب الطهارة عند الشكّ في ناقضية المذي، حيث إنّ استصحاب الطهارة يكفي و لو مع بقاء الشكّ في ناقضية المذي، إذ ما هو متعلّق التكليف نفس الطهارة التي لا بدّ للمكلّف من إحرازها، و أمّا كون المذي ناقضا أو ليس بناقض فليس هو متعلّق التكليف، و إنّما كان وجوده منشأ للشكّ في ارتفاع ما هو متعلّق التكليف، و بعد إحراز الطهارة و لو بالأصل لا حاجة لنا إلى رفع الشكّ في ناقضية المذي، و ليكن الشكّ باق إلى يوم القيامة.

و ما نحن فيه لو كان متعلّق الطلب و التكليف هو نفس الهيئة الاتّصالية، و قلنا بأنّها أمر وجودي و فعل المكلّف، و كان تعلّق النهي بعدم وقوع تلك القواطع من باب أنّه رافع لما هو متعلّق التكليف حقيقة، لا أنّ نفس عدم القواطع أخذ قيدا في الصلاة، فجريان الاستصحاب حينئذ في محلّه، إذ بعد استصحاب ما هو متعلّق التكليف من بقاء الهيئة الاتّصالية لا حاجة لنا إلى إحراز حال القاطع، و ليبق الشكّ فيه إلى يوم القيامة، و لكنّ الأمر ليس كذلك، فإنّ نفس كون الصلاة مشتملة على أمر وجودي وراء الأجزاء و الشرائط محلّ إشكال بل منع، إذ

لا يخطر ببال المصلّي أنّ هناك وراء الأجزاء أمر آخر وجودي متعلّق للإرادة الفاعلية.

مع أنّه على فرض وجوده كونه هو بنفسه متعلّق التكليف دون تلك القواطع محلّ منع أيضا بعد ما كان ظواهر الأدلّة على خلافه، فإنّ الظاهر من أدلّة القواطع كون نفس عدم تخلّل تلك القواطع في أثناء الصلاة متعلّقا للطلب، فلا يمكن أن يقال: إنّه يكفي استصحاب بقاء الهيئة الاتّصالية، و لا حاجة لنا إلى رفع الشكّ في وجود القاطع أو قاطعية الموجود، و تنظير ما نحن فيه بالمثال المتقدّم، فإنّ معنى ذلك هو أنّ متعلّق التكليف ممّا لا نحتاج إلى إحرازه، و ما هو ليس متعلّق التكليف نحتاج إلى إحرازه، و هو كما ترى.

نعم يمكن أن يقال: إنّ متعلّق التكليف و إن كان هو نفس عدم تخلّل تلك القواطع، إلّا أنّ المحلّ الذي اعتبر ذلك العدم فيه هو الجزء الصوري و الهيئة الاتّصالية لا الأجزاء المتبادلة المتصرّمة، و حينئذ نستصحب عدم تخلّل القاطع في محلّه الذي اعتبر فيه، لا أنّه نستصحب بقاء الهيئة الاتّصالية.

و لا يرد عليه ما أوردناه في باب الموانع، فإنّ الموانع حيث إنّه كان محلّها نفس الأجزاء المتصرّمة فاستصحاب عدم تحقّق المانع في الأجزاء ممّا لا مساس له، لأنّ الأجزاء السابقة على ما هو مشكوك المانعية أو حصوله قد تصرّمت و انقضت. مع أنّه عدم حصوله في تلك الأجزاء مقطوع لا معنى لاستصحابه، و الأجزاء اللاحقة بعد لم توجد، و الجزء الذي في يده الذي شكّ في تحقّق المانع فيه لم يكن له حالة سابقة حتّى يقال: الأصل عدم وقوع المانع في هذا الجزء، إذ قبل وجوده لم يكن شي‌ء، و بعد وجوده يكون مشكوك المصاحب للمانع، فهو من أول وجوده و حدوثه مشكوك، و ليس له حالة سابقة حتّى يقال: الأصل عدم وقوع المانع في هذا الجزء، إذ متى كان الجزء و لم يكن مصاحبا لعدم المانع حتّى يستصحب.

و هذا بخلاف باب القواطع، فإنّ من أدلّة القواطع نستكشف لا محيص من أنّ هناك أمرا وجوديّا، و إن لم يكن متعلّقا لإرادة الفاعل و متعلّق الطلب و التكليف، و هذا الأمر الوجودي أمر واحد مستمرّ قائم بالأجزاء و لا يضرّه تبادلها، و قد أخذ هذا الأمر الوجودي محلّا لعدم تلك القواطع، و عند الشكّ في تخلّل القاطع في أثناء هذا الأمر الوجودي الذي اعتبر محلّا له نستصحب عدم تخلّله في محلّه الذي اعتبر فيه، و ما هو متعلّق التكليف ليس إلّا عدم وقوع القاطع في أثناء هذا الأمر الوجودي، و هذا الأمر الوجودي الذي نعبّر عنه بالجزء الصوري و الهيئة الاتّصالية قبل حصول ما يشكّ في قاطعيته لم يقع فيه قاطع، و الآن نستصحب أيضا عدم وقوعه فيه، و يكون ما هو متعلّق التكليف محرزا بالأصل، و لا محذور فيه أصلا، فتأمّل جيّدا. هذا كلّه إذا كان القيد الوجودي أو العدمي موجودا في أول الشروع ثمّ عرض الشكّ في ارتفاعه.

و إن كان مشكوك الحصول من أول الأمر، فمعلوم أنّه بالنسبة إلى القيد الوجودي لا مجرى لأصل من الأصول بعد ما كان القيد الوجودي ممّا لا بدّ في إحرازه من أول الصلاة إمّا بالوجدان و إمّا بالأصل، فمع الشكّ في وجوده من أول الصلاة الذي أخذ القيد محلّا فيها و وصفا لها- كما هو مفروض الكلام- لم يكن لاتّصاف الصلاة بهذا الأمر الوجودي حالة سابقة، إذ المفروض أنّه مشكوك الحصول من أول الصلاة، فلا مجرى للاستصحاب.

و أمّا إذا كان القيد قيدا عدميّا، ففي جريان الأصل و عدمه اضطربت كلمات القوم و الأعلام حتّى الشيخ- قدّس سرّه- و جريان الاستصحاب في هذا مبنيّ على كفاية جريان استصحاب العدم السابق على الحوادث في إحراز عدم تخصّص تلك الحوادث بالخصوصيّات المشكوكة عند حدوثها، كالصلاة فيما نحن فيه، حيث إنّها حين حدوثها مشكوكة التخصّص بخصوصية عدم المأكولية،

إذا فرض كونه وصفا للصلاة لا للّباس- كما سيأتي بيانه- ففي كفاية جريان استصحاب عدم اتّصاف الصلاة بغير المأكولية
اشارة

السابق على وجود الصلاة أو عدم كفايته خلاف بين الأعلام، و الحقّ عدم كفايته و توضيح المطلب يتوقّف على رسم أمور:

الأول: لا إشكال في جريان الاستصحابات العدمية بالنسبة إلى نفس التكاليف و موضوعاتها.

و ما يتوهّم من أنّه لا بدّ و أن يكون المستصحب من الامورات التي تنالها يد الجعل، أو كان هناك أثر مجعول مترتّب على المستصحب و إن لم يكن هو بنفسه ممّا تناله يد الجعل، و العدم الأزلي هو بنفسه ليس مجعولا، فاستصحاب عدم التكليف ممّا لا يجري. و كذلك استصحاب عدم الموضوع، فإنّ الأثر الذي يراد ترتّبه هو عدم الحكم، و إلّا نفس عدم الموضوع مع قطع النظر عن الأثر المترتّب عليه ممّا لا معنى لاستصحابه، و عدم الحكم ليس هو أمرا مجعولا حتّى يترتّب على عدم الموضوع، بداهة أنّ انتفاء الحكم عند انتفاء موضوعه ليس أمرا مجعولا، بل هو من قبيل انتفاء المعلول عند انتفاء علّته الذي لا يقبل أن تناله يد الجعل و لو تبعا، واضح الفساد، فإنّ العدم الأزلي و إن لم يكن هو بنفسه مجعولا إلّا أنّ التعبّد بالبناء عليه الذي هو المجعول في باب الأصول ممّا يمكن أن تناله يد الجعل، فإنّه كما أنّ للشارع التعبّد بالبناء على وجود الشي‌ء تكليفا كان أو وضعا أو موضوعا، فكذلك للشارع التعبّد بالبناء على عدم الشي‌ء، و لا نحتاج في مقام جريان الاستصحاب إلى أزيد من أن يكون المستصحب قابلا للتعبّد الشرعي بكلا طرفيه من وجوده و عدمه. فما ربّما ينسب إلى الشيخ من إنكاره الاستصحابات العدمية من الأوهام، فإنّ كلماته مشحونة بخلافه.

ثمّ إنّه لا فرق في المستصحب العدمي بين أن يكون تمام الموضوع للأثر أو

جزءه على ما تقدّم، كما أنّه لا فرق فيها بين أن يكون العدم هو بنفسه ذا أثر شرعي، أو كان الأثر مترتّبا على نقيضه الوجودي و يراد من استصحاب العدم هو نفي ذلك الأثر باعتبار نفي نقيضه الوجودي. مثلا تارة يكون عدم فسق زيد ذا أثر، و اخرى فسق زيد ذا أثر من حرمة الإكرام مثلا و إن لم يكن نفس عدم فسفه موضوعا لأثر أصلا، و على كلا التقديرين استصحاب عدم فسق زيد يجري إذا تمّت أركانه من اليقين السابق و الشكّ اللاحق، غايته انّه إذا كان نفس عدم فسق زيد موضوعا للأثر من وجوب الإكرام مثلا فبنفس استصحاب عدم الفسق يرتّب أثره، و إن كان فسقه موضوعا للأثر فباستصحاب عدم فسقه ينفى الأثر المترتّب على نقيضه الوجودي من الفسق، و يقال بعدم حرمة إكرامه إذا كان الفاسق موضوعا لذلك.

و بالجملة: لا فرق في الاستصحابات العدمية بين أن تكون هي بنفسها ذا أثر، أو كان نقيضها الوجودي ذا أثر. كما أنّه لا يختصّ ذلك بالاستصحابات العدمية بل يجري في الاستصحابات الوجودية أيضا، فإنّ الأثر تارة يترتّب على نفس الوجود المستصحب، و اخرى يترتّب [على] نقيضه العدمي، و يراد من استصحاب الوجود نفي الأثر المترتّب على عدمه، كما في استصحاب وجود المانع، فإنّ نفس وجود المانع ممّا لم يؤخذ موضوعا للأثر شرعا، و إنّما كان موضوع الأثر هو عدم المانع، و لكن حينئذ ذلك استصحاب وجود المانع يجري و يترتّب عليه انتفاء الأثر المترتّب على عدم المانع كما لا يخفى.

الأمر الثاني: بعد ما عرفت من أنّه لا يتوقف جريان الأصل على كون الأثر

مترتّبا على نفس مؤدّاه، بل يكفي ترتّبه على نقيضه أيضا، فنقول: إنّ المقيّد أو المخصّص النافي للحكم الوارد على العنوان المأخوذ في مصبّ العموم أو الإطلاق، كورود إلّا الفسّاق أو لا تكرم فسّاق العلماء بعد ورود أكرم العلماء، أو الفاسق

العالم بعد ورود أكرم العالم، فلا يخلو حاله عن أحد أمرين:

إمّا أن يكون المخصّص أو المقيّد الذي أخذ خصوصية وجودية فيه كالفسق في المثال واردا لمحض إفادة التخصيص أو التقييد للعام أو المطلق، من دون أن يتكفّل لإثبات حكم على الفاسق من حرمة إكرامه، بل كان وروده لمجرّد بيان أنّ العالم الذي يجب إكرامه بمقتضى العموم أو الإطلاق ليس هو مطلق العالم بل العالم الذي لم يكن فاسقا، و أمّا كون العالم الفاسق محرّم الإكرام أو لا فليس لدليل المخصّص أو المقيّد تعرّض لذلك.

و إمّا أن يكون المخصّص أو المقيّد واردا لبيان إثبات حكم على المتخصّص بالخصوصية الوجودية التي تكفّل دليل المخصّص لها، كما إذا كان قوله لا تكرم فسّاق العلماء عقيب قوله أكرم العلماء واردا لبيان إفادة حرمة إكرام الفاسق لا مجرّد عدم وجوبه.

فإن كان ورود المخصّص أو المقيّد على الوجه الأول كان مفاده مانعية الفسق عن وجوب الإكرام المستفاد من العموم أو الإطلاق، و دخل عدم تخصّص مصبّ العموم أو الإطلاق بتلك الخصوصية التي تكفّلها المخصّص، فيكون العالم الذي يجب إكرامه هو العالم الذي لم يتخصّص بخصوصية الفسق، و حينئذ لو كانت تلك الخصوصية مؤدّى الأصل، كما إذا كان مشكوك الفسق حالته السابقة عدم الفسق، كان الأثر مترتّبا على نفس إحراز عدم تلك الخصوصية بالأصل، و كان مؤدّى الأصل هو موضوع الأثر لا بعناية نقيضه، إذ المفروض أنّ الفسق لم يكن ذا أثر و لم يحكم عليه بحكم، و إنّما كان الأثر مترتّبا على نفس عدم الفسق، لأنّه هو القيد الذي تكفّل دليل المخصّص لبيان دخله في مصبّ العموم أو الإطلاق، فالأثر إنّما يترتّب على نفس إحراز عدم فسق زيد، فلو كان عالميّته محرزة بالوجدان يدخل في صغريات ما قلناه من إحراز بعض المركّب

بالوجدان و الآخر بالأصل، لأنّ موضوع وجوب الإكرام بعد ورود المخصّص يكون مركّبا من العالم الذي لم يكن فاسقا، فلو أحرز عالمية زيد بالوجدان و عدم فسقه بالأصل ترتّب عليه وجوب الإكرام كما لا يخفى.

و إن كان ورود المخصّص أو المقيّد على الوجه الثاني، بأن كان قوله لا تكرم الفاسق العالم واردا لبيان حرمة إكرام العالم الفاسق لا لمجرّد عدم وجوبه، و كان استفادة التخصيص أو التقييد لأجل امتناع ورود الحكمين المتضادّين على موضوع واحد، بأن يكون زيد مثلا ممّا يجب إكرامه لكونه عالما، و محرّما إكرامه لكونه فاسقا، فامتناع ذلك يوجب تقييد أو تخصيص الإطلاق و العموم، رجعت حينئذ نتيجة التخصيص و التقييد إلى تنويع مصبّ العموم أو الإطلاق إلى نوعين متقابلين، أحدهما العالم الفاسق الذي يحرم إكرامه، و الآخر نقيض ذلك و هو العالم الغير الفاسق الذي يجب إكرامه، و يكون تخصّص العالم بالخصوصية الوجودية من الفسق دخيلا في حرمة الإكرام، و عدم التخصّص دخيلا في وجوب الإكرام، و قوله لا تكرم العالم الفاسق دالّا على الأول، و هو دخل خصوصية الفسق في حرمة الإكرام بالمطابقة، و دخل عدم الفسق في وجوب الإكرام بالملازمة من باب امتناع توارد الحكمين المتضادّين على موضوع واحد الذي بمعونة ذلك استفدنا التقييد أو التخصيص، و إلّا نفس قوله لا تكرم العالم الفاسق لم يكن مدلوله المطابقي ذلك بل كان مدلوله المطابقي حرمة إكرام الفاسق.

و هذا القسم من المخصّص و المقيّد أي الذي يكون واردا لبيان حرمة إكرام الفاسق العالم يتّحد مع القسم الأول و هو ما كان واردا لمحض تقييد و تخصيص مصبّ العموم و الإطلاق من جهة، و يمتاز عنه من اخرى. أمّا الجهة التي يتّحد معه فهي أنّ الأثر و هو وجوب إكرام من لم يكن فاسقا الذي دلّ عليه دليل المخصّص بالملازمة مترتّب على نفس عدم تلك الخصوصية من الفسق، فإن كان عدم

الخصوصية مؤدّى الأصل ترتّب على نفس المؤدّى وجوب الإكرام. و أمّا الجهة التي يمتاز عنه فهي أنّ أثر حرمة الإكرام الذي دلّ على ذلك دليل المخصّص بالمطابقة يترتّب على إحراز عدم تلك الخصوصية بعناية نقيضه، إذ الحرمة لم تترتّب على نفس عدم تلك الخصوصية، بل رتّبت على نقيضه و هو الفسق، و على كلّ حال إذا كان عدم تلك الخصوصية مؤدّى الأصل، كما إذا كانت الحالة السابقة لزيد عدم الفسق، فبنفس إحراز عدم تلك الخصوصية بالأصل يترتّب عليه وجوب الإكرام و عدم حرمته كما لا يخفى.

ثمّ إنّ الأثر المترتّب عند عدم إكرام الفاسق العالم من عدم الحرمة، إذا كان دليل المخصّص مثبتا لها، و إن كان يترتّب على انتفاء الجملة و المركّب الذي أخذ في دليل المخصّص موضوعا أو متعلّقا للحكم، كما إذا لم يتحقّق منه إكرام العالم الفاسق بجملته، إلّا أنّه يترتّب أيضا عند انتفاء أحد أجزاء الجملة، لأنّ المركّب ينتفي بانتفاء أحد أجزائه، كما إذا تحقّق منه الإكرام و لكن لم يكن المكرم بالفتح عالما أو فاسقا، و عند انتفاء أحد الأجزاء يصدق أيضا انتفاء الجملة و المركّب.

إلّا أنّه إذا كان الشكّ في انتفاء الجملة مسبّبا عن الشكّ في انتفاء الجزء، كما إذا أكرم ما هو مشكوك الفسق، فإنّ الشكّ في تحقّق إكرام الفاسق منه بهذه الجملة مسبّب عن الشكّ في فاسقية المكرم بالفتح، فلا محالة يكون الأصل الجاري في طرف السبب- لو كان مجرى للأصل- حاكما على الأصل الجاري في ناحية المسبّب، و لا يكون الأصل المسبّبي معارضا للأصل السببي عند التخالف، و لا معاضدا له عند التوافق. فلو كان منشأ الشكّ في صدور الجملة منه و هو إكرام الفاسق العادل مسبّبا عن الشكّ في فاسقية المكرم الذي هو جزء المركّب، و كان فاسقية المكرم مجرى للأصل، بأن كان حالته السابقة الفسق أو عدم الفسق، كان الأصل الجاري في طرف الجزء هو المتّبع، و لا تصل النوبة إلى الأصل

الجاري في الجملة، فلو استصحب عدم فاسقية زيد المكرم ترتّب عليه عدم الحرمة، و لا حاجة إلى استصحاب عدم تحقّق الجملة.

و لا يمكن أن يقال: إنّ إكرام الفاسق العالم لم يعلم صدوره منه و الأصل عدمه، و كذلك لو استصحب فاسقية زيد ترتّب عليه أثر الحرمة و لا أن يعارضه بأصالة عدم صدور إكرام الفاسق العالم منه، لما عرفت من أنّ الأصل المسبّبي لا يكون معاضدا و لا معارضا للأصل السببي.

نعم لو لم يكن الجزء مجرى للأصل، كما إذا لم يعلم حالته السابقة من الفسق و عدمه، كان الأصل المسبّبي حينئذ جاريا، و صحّ أن يقال: الأصل عدم صدور إكرام الفاسق العالم منه، لأنّ هذه الجملة مسبوقة بالعدم، و يترتّب عليه حينئذ أثر عدم الحرمة، و أنّه لم يفعل حراما، و لكن لا يترتّب على هذا الأصل إكرام العالم الغير الفاسق الذي دلّ على وجوبه قوله أكرم العالم بعد تخصيصه بقوله لا تكرم الفاسق العالم، فإنّ مجرّد عدم صدور إكرام الفاسق العالم منه لا يثبت أنّه أكرم العالم الغير الفاسق، كما لا يخفى. فليس له الاكتفاء بإكرام مشكوك الفسق تعويلا على هذا الأصل، و لا يسقط به الوجوب الذي تكفّله العام بعد التخصيص و إن ترتّب على هذا الأصل عدم الحرمة، و ذلك واضح في الغاية. هذا كلّه إذا كان دليل المخصّص مثبتا لحكم من الحرمة على ما تقدّم في القسم الثاني من المخصّص.

و أمّا إذا كان دليل المخصّص من القسم الأول، و هو ما إذا كان مفاده مجرّد المانعية من دون أن يتكفّل لثبوت حكم على المخصّص، فلا يجري الأصل المسبّبي، و إن لم يكن الأصل السببي جاريا من حيث انتفاء الحالة السابقة للجزء، و ذلك لأنّه لا يترتّب على الأصل المسبّبي و انتفاء الجملة أثر أصلا، لأنّ الفاسق لم يكن محرّم الإكرام حتّى يراد من أصالة انتفاء الجملة ترتّب أثر الحرمة.

و لا يكون الأصل الجاري في الجملة محرزا لإكرام العالم الغير الفاسق الذي تكفّله العام بعد التخصيص حذو ما سمعته في القسم الأول، فلا أثر لجريان الأصل في الجملة.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا: أنّ دليل المخصّص إن كان واردا لمحض إفادة المانعية فلا فائدة في جريان الأصل في الجملة مع عدم جريانه في الأجزاء، و إن كان واردا لإفادة حكم على العنوان الذي أخذ في دليل المخصّص موضوعا للحكم، فالأصل في الجملة عند عدم جريان الأصل في الأجزاء و إن كان جاريا، إلّا أنّه لا يترتّب عليه إلّا انتفاء حكم المخصّص الذي سيق دليل المخصّص لإفادته.

و بذلك يظهر فساد ما قيل في المقام من أنّه عند الصلاة في المشكوك يجري الأصل بالنسبة إلى الجملة، و يقال الأصل عدم صدور الصلاة في غير المأكول، لأنّ الشكّ في صدور الصلاة في غير المأكول و إن كان مسبّبا عن الشكّ في الجزء، و هو الشكّ في كون اللباس من المأكول أو غيره، إلّا أنّه لمّا لم يكن الشكّ في الجزء مجرى للأصل من حيث عدم الحالة السابقة للّباس كان الأصل في الجملة المركب جاريا، و صحّ أن يقال: الأصل عدم صدور الصلاة في غير المأكول، لأنّ صدور الصلاة فيه أمر حادث مسبوق بالعدم، و يترتّب عليه وقوع الصلاة في غير غير المأكول. وجه الفساد هو أنّ الأصل الجاري في الجملة ممّا لا أثر له أصلا، بعد ما كان الدليل الدالّ على النهي عن الصلاة في غير المأكول مسوقا لمحض إفادة المانعية، من دون أن يتكفّل النهي لحكم تحريمي، بأن تكون الصلاة في غير المأكول محرّمة، فيكون أصالة عدم صدور الصلاة في غير المأكول، كأصالة عدم صدور إكرام الفاسق العالم فيما إذا كان قوله لا تكرم العالم الفاسق، مسوقا لمحض إفادة المانعية ممّا لا أثر لها أصلا.

و على تقدير أن يكون النهي عن الصلاة في غير المأكول مثبتا للحرمة، فغاية ما يترتّب على الأصل المذكور هو عدم صدور الحرام منه، لا صدور الصلاة في غير غير المأكول منه، على حذو ما سمعته من ترتّب أثر عدم الحرمة على جريان أصالة عدم صدور إكرام الفاسق العالم منه، إذا كان دليل المخصّص سيق لبيان إفادة حكم على العنوان الذي أخذ موضوعا في دليله، فتأمّل جيّدا فإنّ المطلب و إن كان واضحا إلّا أنّه لمّا كان كتابة شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- في هذا المقام مشكلة أردنا توضيحها.

الأمر الثالث: أنّ تركّب متعلّقات الأحكام أو موضوعاتها يكون تارة من العرض و محلّه
اشارة

، كما إذا كان موضوع التكليف هو زيد مع وصف فسقه، أو كان متعلّق التكليف هو الصلاة مع وصف وقوعها في غير المأكول، بأن يكون التركيب من العرض و المعروض، و اخرى يكون غير ذلك، بأن يكون التركيب من عنوانين متباينين أجنبيّ كلّ منهما من الآخر.

و هذا أقسامه كثيرة، لأنّه إمّا أن يكون التركيب من جوهريين وجودين أو عدمين أو مختلفين، كما إذا كان الموضوع مركّبا من وجود زيد و وجود عمرو، أو كان مركّبا من وجود زيد و عدم عمرو، أو كان مركّبا من عدم زيد و عدم عمرو، و إمّا أن يكون التركيب من جوهر و عرض قائم بمحلّ آخر، كما إذا كان التركيب من وجود زيد و قيام عمرو، هذا أيضا على أقسامه الثلاثة من كونهما وجوديّين أو عدميّين أو مختلفين. و إمّا أن يكون التركيب من عرضيّين كقيام زيد و قيام عمرو على أقسامه الثلاثة أيضا، و إمّا أن يكون التركيب من عرضيّين قائمين بموضوع واحد كقيام زيد و سواده بأقسامه الثلاثة أيضا. و في جميع هذه الأقسام يكون التركيب من المتباينين، و لا يعقل أن يؤخذ أحد جزأيه نعتا للآخر، بداهة أنّ وجود زيد لا يمكن أن يكون نعتا لوجود عمرو، و كذا عدمه نعتا لعدمه أو لوجوده،

و كذا لا يمكن أن يكون قيام زيد نعتا لقيام عمرو [و] بالعكس، و ذلك واضح.

و حيث إنّ في كلّ تركيب لا بدّ من اعتبار وحدة يكون جامعا بين الأجزاء المتباينة، و بدون ذلك لا يعقل التركيب كما لا يخفى، و الوحدة التي تمكن أن تكون جامعا بين المتباينات ليس إلّا الاجتماع في الزمان و وجود كلّ من الجزءين في ظرف وجود الآخر بحيث يجمعهما عمود الزمان، و حينئذ إن كان القيد وجوديّا كان التقييد راجعا إلى العدم المقارن، و كان الأثر مترتّبا على وجود زيد المقارن لوجود عمرو [و] إن كان القيد عدميّا كان التقييد راجعا إلى العدم المقارن، و كان الأثر مترتّبا على وجود زيد المقارن لعدم عمرو.

و في جميع هذه الأقسام لو كان الموضوع أو المتعلّق هو نفس هذه الأجزاء كان إحراز بعضها بالوجدان و الآخر بالأصل يكفي في ترتّب الأثر، سواء كان الأثر مترتّبا على نفس الوجود أو العدم، أو كان الأثر مترتّبا على نقيض كلّ منهما، حسب ما تقدّم من أنّه لا فرق في ترتّب الأثر بين أن يكون نفس الجزء [محرزا] بالوجدان أو مؤدّى موضوع الأثر أو كان نقيضه موضوعا لذلك. و على كلّ حال في جميع ما كان التركيب من الأجزاء المتباينة التي لا جامع بينها سوى وحدة الزمان كان داخلا في صغرى ما قدّمناه، من كفاية إحراز بعض الأجزاء [بالوجدان] و الآخر بالأصل. نعم لو كان الموضوع هو العنوان الملازم أو المنتزع أو المعلول عن تحقّق تلك الأجزاء لما كان لنفس تحقّق تلك الأجزاء حينئذ أثر، و لما كان إحراز بعضها بالوجدان و الآخر بالأصل مجديا إلّا على القول بالأصل المثبت.

و الأمثلة التي ذكرها شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- في المقام كالصلاة، و طهارة الفاعل، و الاستيلاء على مال الغير عند عدم الرخصة من الشرع أو المالك، و إسلام الوارث عند حياة مورّثه، كلّها راجعة إلى ما كان الأثر مترتّبا على نفس اجتماع

الأجزاء في الزمان، من دون أن يكون مترتّبا على العنوان الملازم، فلو أحرزت الصلاة بالوجدان و الطهارة بالأصل ترتّب عليه أثر الصحّة، و كذا لو أحرز الاستيلاء بالوجدان و عدم الرخصة بالأصل ترتّب عليه أثر الضمان، و كذا لو أحرز إسلام الوارث بالوجدان و حياة المورّث بالأصل ترتّب عليه أثر الوارثة، إذا كان إسلام الوارث معلوم التاريخ بحيث لا يكون مجرى للأصل، و لو كان مجهول التاريخ كان الأصلان من الطرفين متعارضين، و المثال الذي ذكره أخيرا بقوله «و الأوصاف المتوقّفة لزوم العقد على اتّصاف العوضين .. إلخ» راجع إلى أنّ موضوع الأثر هو العنوان الملازم، فلا يكفي إحراز العقد بالوجدان و سلامة العوضين من العيوب بالأصل في ترتّب لزوم العقد، ما لم يحرز وقوع العقد على العوض المتّصف بالسلامة، فتأمّل جيّدا. هذا كلّه فيما إذا كان التركيب من الأجزاء المتباينة.

و أمّا إذا كان التركيب من العرض و محلّه، ففي عالم التصوّر يمكن أن يلاحظ العرض القائم بمعروضه تارة بما أنّه شي‌ء بحيال ذاته، و يتصوّره بما أنّه معنى من المعاني و شي‌ء من الحوادث، كأن يلاحظ مثلا زيدا و يلاحظ أيضا عدالة زيد بلحاظ مستقلّ من دون أن يأخذه وصفا و نعتا لزيد، بل بما أنّه هو في قبال زيد شي‌ء من الأشياء، و اخرى يلاحظه بما أنّه نعتا قائم بزيد و عارض له و حاصل لموضوعه لا حق به.

فإن لاحظه على الوجه الأول لا يصحّ حمله على معروضه، لأنّ العرض بهذا الوجه يكون مبدأ الاشتقاق الذي لا يحمل على الذات، و لحاظ العرض بهذا الوجه هو الذي اصطلح على تسميته بالمحمول المقارن، سواء أخذ وجوده قيدا للموضوع و المتعلّق أو عدمه، فإن أخذ الوجود يكون القيد حينئذ هو الوجود المقارن، و إن أخذ عدمه يكون القيد هو العدم المقارن. و أخذ العرض بهذا الوجه هو الذي يصحّ

استصحاب عدمه حتّى مع وجود معروضه، بداهة أنّه لو كان القيد هو عدم عدالة زيد بما أنّه شي‌ء بحيال ذاته أو عدم فسقه فالعرض بهذا الوجه يكون كسائر الحوادث مسبوقا بالعدم، و صحّ أن يقال بعد وجود زيد: إنّ عدالة زيد أو فسقه لم يكن و الآن كما كان، و يترتّب حينئذ الأثر، و يكون أيضا من صغريات إحراز بعض الموضوع [بالوجدان] و الآخر بالأصل، فلو أحرز وجود زيد و لم يحرز وجود عدالته بمعناه الاستقلالي لترتّب الأثر حينئذ.

و إن لاحظه على الوجه الثاني صحّ حمله حينئذ على معروضه، لأنّه يكون حينئذ من المشتقّات التي يصحّ حملها على الذوات، و يقال: زيد عادل أو فاسق، و أخذ العرض بهذا الوجه هو الذي جرى اصطلاحهم في تسميته بالعرض النعتي في قبال المحمول المقارن، سواء أيضا أخذ وجوده نعتا أو عدمه، فإن أخذ وجوده نعتا يكون القيد هو وجوده النعتي، و إن أخذ عدمه يكون القيد هو العدم النعتي، و هذا العدم النعتي هو الذي لا يمكن استصحابه بعد وجود معروضه كما سنوضّحه.

هذا كلّه في عالم التصوّر.

لكن لا يخفى عليك أنّ في مقام أخذ العرض قيدا لمعروضه لا محيص عن أخذه على الوجه الثاني و هو العرض النعتي، و لا يمكن أخذه على الوجه الأول و هو العرض المقارن لا ثبوتا و لا إثباتا، أمّا عدم إمكانه في مرحلة الثبوت فيتّضح بتمهيد مقدّمتين:

الاولى: لا إشكال في استحالة الإهمال النفس الأمري في مقدّمات الأحكام و موضوعاتها بالنسبة إلى الانقسامات المنقسمة هي إليها، بداهة أنّ الغرض لا يتعلّق بمهمل، بحيث [لا يلاحظ] الآمر ما هو متعلّق غرضه أو موضوعه، مثلا لو قال: أكرم العالم فلا يخلو إمّا أن يكون الغرض قائما بإكرام العالم بالنسبة إلى جميع انقساماته، من كونه فاسقا أو عادلا أو روميّا أو زنجيّا و قائما و قاعدا و كذا بالنسبة

إلى الإكرام تعلّق الغرض بوجوده سواء وقع بالإطعام أو الإعطاء أو الضيافة و غير ذلك من الانقسامات، و إمّا أن يكون الغرض قائما به على نحو الخاصّ من فسقه و عدالته و غير ذلك، بحيث لا يتعلّق الغرض به بما أنّه مرسل، بل بما أنّه مقيّد بخصوصيّة، و إن لم تذكر الخصوصية في نفس مصبّ الإطلاق أو العموم بل اعتمد على ذكرها بدليل منفصل. و على كلّ أمر الموضوع أو المتعلّق لا يخلو عن أحد هذين القسمين، و لا يمكن أن يقوم الغرض بما لا يتساوى فيه الانقسامات و لا ما يتساوى الذي هو عبارة أخرى عن الإهمال، و ذلك واضح غايته.

و الثانية: لا إشكال أيضا في أنّ إطلاق المتعلّق و الموضوع، أو تقييده بما يقارنه في الزمان، متأخّر في الرتبة عن إطلاقه و تقييده بالنسبة إلى انقسامات نفسه، بداهة أنّ إطلاق العالم أو تقييده بالنسبة إلى ما يقارنه في الزمان، من قيام عمرو و قعود زيد و غير ذلك من المقارنات الزمانية، إنّما هو متأخّر رتبة عن إطلاق أو تقييد العالم بالنسبة إلى انقسامات نفسه من عدالته و فسقه، إذ لا يعقل أخذ العالم بالنسبة إلى عدالته و فسقه مهملا و تقييده أو إطلاقه بما يقارنه في الزمان، فإنّ معنى ذلك يرجع إلى أخذ الموضوع مهملا، و قد عرفت استحالته في المقدّمة الاولى، بل هذه المقدّمة إنّما تكون من صغريات المقدّمة الأولى.

إذا عرفت هاتين المقدّمتين يظهر لك انحصار قيدية الخصوصية العرضية لمعروضها في مرحلة الثبوت بالنعتي، و امتناع التقييد بالمقارن، بمعنى أنّه لا بدّ في مقام تأليف موضوع التكليف أو متعلّقه في العرض و محلّه من أخذ العرض بالنسبة إلى معروضه عرضا نعتيّا بالمعنى المتقدّم في العرض النعتي لا مقارنا، و ذلك لأنّه بعد ما امتنع أن يكون الموضوع أو المتعلّق مهملا بالنسبة إلى النعت الوجودي أو العدمي اللاحق من واجديّته لتلك الخصوصية أو فاقديّته لها، بمعنى أنّ العالم أو الإكرام لا يعقل أن يكون مهملا بالنسبة إلى العدالة و الفسق و الضيافة و الإعطاء

فإنّ العالم الذي أخذ موضوعا فإمّا ان يؤخذ موضوعا بوصف كونه عادلا، أو بوصف كونه غير فاسق، أو مطلقا، إذ مع عدم أخذه بهذا النحو يكون مهملا، و قد عرفت امتناعه، فحينئذ فإن أخذ في نفس الأمر مقيّدا بالعدالة أو عدم الفسق لزم عدم انقسامه إلى المقارن رأسا، فإنّه بعد ما كان الموضوع هو العالم العادل أو غير الفاسق فلا يبقى محلّ لعدالته المقارن أو عدم فسقه المقارن و لا موضوع لهذا الانقسام، و لا يمكن الإطلاق و التقييد بالنسبة إليه لارتفاع موضوعه، إذ لو قيّد العالم العادل بأن يكون عدالته موجودا و مقارنا له في الزمان يلزم لغويّة هذا التقييد، إذ بعد تقييد العالم بالعدالة لا يعقل انفكاكه عن عدالته المقارنة له في الزمان حتّى يحتاج إلى التقييد، و إذا امتنع تقييده بالوصف الموافق المقارن امتنع إطلاقه أو تقييده بالوصف المضادّ المقارن، للزوم المناقضة بين ذلك التقييد و هذا الإطلاق أو التقييد المضادّ، كما لا يخفى وجهه على المتفطّن، بداهة أنّ بعد تقييد العالم بالعدالة أو عدم الفسق لا يعقل أخذه مطلقا بالنسبة إلى عدالته المقارن له في الزمان أو عدم فسقه كذلك، إذ معنى إطلاقه بالنسبة إلى ذلك هو أنّ العالم العادل يجب إكرامه سواء قارن عدالته في الزمان أو لم يقارن، و هكذا الحال فيما إذا قيّد بالوجود أو العدم المقارن المضادّ لما قيّد به أولا.

فظهر أنّه ثبوتا لا يمكن أخذ العرض بالنسبة إلى محلّه إلّا على وجه النعتية و التوصيف و الربطية، و لا يمكن أخذه على وجه المقارن، فإذا امتنع الثبوت النفس الأمري إلّا على وجه النعتية فلا محيص من صرف الدليل في مقام الإثبات إلى ذلك لو فرض أنّه ظاهر في المقارن، فكيف إذا كان مجملا أو ظاهرا في النعتية؟

و بعد ذلك لا يبقى مجال للتكلّم في مرحلة الإثبات.

و لكن مع ذلك نقول: على فرض إمكان التقييد بالمقارن في مرحلة الثبوت و نفس الأمر، و أغمضنا عن استحالته ففي مقام الإثبات، تكون الأدلّة منطبقة

على التقييد بالنعتي لا المقارن.

و تفصيل ذلك هو أنّه لا إشكال في أنّ مفاد الدليل لو كان من أول الأمر مركّبا توصيفيا، كقوله أكرم العلماء العدول، أو قوله أكرم العالم الغير الفاسق، فهو ظاهر في كون الوجود و العدم وجودا و عدما نعتيّا لا مقارنا، بداهة ظهور قوله أكرم العالم الغير الفاسق في كون عدم الفسق أخذ قيدا للعالم على وجه النعتية، و من هنا لم يستشكل أحد في ظهور المخصّص المتّصل في النعتية.

و أمّا لو كان المخصّص من قبيل الاستثناء أو المنفصل فهو الذي وقع محلّا للكلام في استفادة النعتية أو المقارنة منه، و لكن لا محيص عن حمل الاستثناء أو المنفصل في النعتية أيضا.

و كذا لو كان دليل المخصّص مجملا، كما إذا قام إجماع على اعتبار عدم فسق العالم في وجوب إكرامه، و لم يكن له إطلاق في أخذه على وجه النعتية أو المقارنة، بل كان لمجرّد الإفادة على دخل الخصوصية من العدالة أو عدم الفسق في معروض الحكم، فلو كان دليل المخصّص مجملا فغايته أنّه يدور الأمر حينئذ بين المتباينين، إذ أخذ الخصوصية على وجه النعتية مباين لأخذه على وجه المقارنة، من دون أن يكون بينهما جامع حتّى يكون من باب دوران الأمر بين الأقل و الأكثر، بل عند إجمال دليل القيد يتردّد القيد بين المتباينين.

و مع الغضّ عن أنّه ثبوتا لا محيص عن حمل القيدية على النعتية نقول: إنّه عند دوران الأمر بين المتباينين لا جدوى لإحراز العدم أو الوجود المقارن بالأصل مع عدم إحراز النعتية منهما، إذ انتفاء العدم أو الوجود المقارن و إن كان يلازم واقعا انتفاء النعتية أيضا، بداهة أنّه مع عدم مقارن الفسق لزيد يكون زيد غير فاسق، إلّا أنّه لا جدوى للأصل الجاري في الملزوم لإحراز لازمة إلّا على القول بالأصل المثبت، فعند إجمال الدليل لا بدّ من إحراز كلّ من النعتية و المقارنة، و لا يكفي

إحراز المقارنة فقط بالأصل.

و أمّا لو كان دليل القيد من قبيل الاستثناء أو المنفصل، كما هو الغالب في التخصيصات التي بأيدينا، فلا محيص أيضا من حملها على النعتية، و ذلك لأنّه لا إشكال في استفادة التباين الكلّي بين ما هو الموضوع للكبرى الكلّية المستفادة من الإطلاق أو العموم، و بين ما أخرجه المخصّص عن تلك الكلّية بأحد الوجهين المتقدّمين، من أنّ التخصيص تارة يرد لمجرّد إفادة المانعية، أو لبيان حكم آخر، و على أيّ حال الموضوع الذي أخذ في العموم بعد التخصيص يكون مباينا للموضوع الذي أخذ في الخاصّ تباينا كلّيا، و إلّا ما فرض كونه مخصّصا لم يكن بمخصّص، و مع فرض كونه مخصّصا لا محيص في ارتفاع المناقضة بين حكم العام و المخصّص من تباين الموضوعين، و التباين الكلّي لا يكون إلّا بتنويع ما أخذ مصبّا للعموم إلى نوعين أحدهما ما أخرجه المخصّص و هو العالم الفاسق، و الآخر قسيمه و هو العالم الغير الفاسق، من دون أن يكون ثالث بين النوعين، و حينئذ يكون حكم العام أو المطلق واردا على ما هو قسيم ما أخرجه المخصّص، و هذا المقدار ممّا لا إشكال فيه، إذ معنى التخصيص و التقييد ذلك، و إذا ضممت هذه المقدّمة إلى ما تقدّم من مغايرة الانقسام اللاحق لمصبّ العام و المطلق من جهة العدم و الوجود المحمولي المقارن للانقسام اللاحق له من جهة العدم و الوجود الربطي النعتي، لما عرفت من أنّ الوجود و العدم المقارن مغاير للنعتي منهما، و حينئذ يكون العدم المقارن مباينا للوجود المقارن، كما أنّ العدم النعتي مغاير أو مباين للوجود النعتي، فالمقابل لكلّ من المقارن و النعتي هو ما يقابله بمعنى مقابلة المقارن من الوجود بالمقارن من العدم و بالعكس، و مقابلة النعتي منه بالنعتي من العدم و بالعكس، و ليس مقابل العدم النعتي الوجود المقارن إلّا بالملازمة.

و هذا هو المراد من قول شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- في رسالته: و بداهة أنّ

المقابلة بينهما بكلّ واحد من الاعتبارين إنّما هي مع ما يقابله بذلك الاعتبار دون الآخر. و حاصل مراده من هذه العبارة: هو أنّ العدم الربطي إنّما يقابل و يباين الوجود الربطي لا الوجود المقارن، كما أنّ الوجود المقارن إنّما يباين العدم المقارن لا العدم الربطي.

و إذا عرفت ذلك فحينئذ نقول: إنّه لا إشكال في أنّ ما تكفّله المخصّص بمدلوله المطابقي إنّما هو نفي الحكم الوارد على العام عن المتخصّص بالخصوصية الوجودية التي تكفّلها دليل المخصّص من استثناء أو منفصل، مثلا قوله إلّا الفاسق، أو لا تكرم الفاسق العالم، عقيب قوله أكرم العالم قد سيق لبيان إفادة أنّ الخصوصية الوجودية الربطية من فسق العالم تكون مانعة عن وجوب إكرامه، و من المعلوم أنّ الخصوصية الوجودية قد أخذت على وجه النعتية في دليل المخصّص لا المقارنة، فإنّ قوله لا تكرم العالم الفاسق كقوله أكرم العالم العادل الظاهر في أخذ الخصوصية على وجه الربطية و النعتية، و من هنا لم يقع خلاف في استفادة النعتية من المخصّص المتّصل، فإذا كانت الخصوصية الوجودية التي تكفّلها دليل المخصّص أخذت على وجه الربطية فلا محيص من أخذ ما يقابلها و يباينها من العدم الربطي و النعتي في مصبّ العموم و الإطلاق، لما عرفت من أنّ مصبّ العام بعد التخصيص و التنويع يكون مباينا كلّيا مع ما أخرجه المخصّص، و التباين الكلّي لا يحصل بينهما إلّا بذلك، أي أخذ ما يقابل و يباين الخصوصية الوجودية التي تكفّل لبيان مانعيّتها دليل المخصّص في مصبّ العموم، فإن أخذت الخصوصية فيه على وجه المقارن فلا بدّ من أخذ العدم المقارن في مصبّ العموم، و إن أخذت الخصوصية الوجودية فيه على وجه النعتية فلا بدّ من [أخذ] ما يقابله من العدم النعتي في مصبّه، و حيث إنّ الخصوصية الوجودية إنّما أخذت في دليل المخصّص على وجه النعتية، فيكون القيد المأخوذ في مصبّ العموم هو العدم النعتي لا غير،

فالباقي تحت العموم بعد التخصيص إنّما هو العالم الغير الفاسق على جهة الربطية.

و إذ قد عرفت بما لا مزيد عليه من أنّ التركيب إذا كان من العرض و محلّه فلا بدّ من أخذ العرض- وجوديّا كان أو عدميّا- على وجه يكون نعتا لمعروضه لا مقارنا له، و استحالة أخذه على وجه المقارنة ثبوتا و إثباتا، فقد ظهر لك فساد ما قيل من أنّ العام المخصّص بالمتّصل ليس كالعام المخصّص بالاستثناء أو المنفصل، فإنّ المخصّص المتّصل يوجب معنونية العام بعنوان خاص، كالعدالة في قوله أكرم العالم العادل، و أمّا العام المخصّص بالاستثناء أو المنفصل فليس معنونا بعنوان خاص، بل بكلّ عنوان لم يكن ذلك بعنوان الخاص، و حينئذ يكفي في ترتّب الأثر إحراز أيّ عنوان لم يكن ذلك بعنوان الخاص، فالشرط الذي لم يوجد مخالفته للكتاب، و المرأة التي لم يوجد انتسابها إلى قريش، مصداق للعام و ليس بمصداق للخارج قطعا، فحينئذ يكون من الباقي تحت العام بعد التخصيص، لما عرفت من أنّ الباقي تحت العام لم يكن معنونا بعنوان خاص، حتّى لا بدّ من إحرازه في ترتّب الأثر، كما في المخصّص المتّصل، حيث يوجب معنونية العام بعنوان الخاص، بل كلّ عنوان بعد باق تحت العام غير عنوان الخاص، و لا إشكال أنّ عنوان الخاص أمر حادث مسبوق بالعدم، فيجري الأصل فيه و يدخل في صغريات إحراز بعض الموضوع بالوجدان و الآخر بالأصل. هذا حاصل ما أفيد في المقام، و لكن لا يخفى عليك ما فيه.

أمّا أولا: فلأنّ المسلّم من دعوى عدم معنونية العام بالمنفصل و الاستثناء هو أنّ المنفصل أو الاستثناء لا يوجب إجمال العام عند تردّد المخصّص بين الأقل و الأكثر، و هذا بخلاف المتّصل، فإنّه يسري إجمال المخصّص إلى العام كما بيّن في محلّه، و أمّا إذا كان الخاص مبيّن المفهوم من دون إجمال فيه، فلا محيص من تنويعه العام إلى نوعين متباينين، و سقوط أصالة العموم، و إخراج العام عن كونه كبرى كلّية

و تمام الموضوع- كما هو ظاهر عمومه أولا- إلى كونه كالجزء منه، و هذا المقدار لا محيص عنه سواء في ذلك المخصّص المتّصل أو المنفصل، فإنّ تنويع العام إلى نوعين هو معنى التخصيص و التقييد الذي به يرتفع التناقض و التنافي بين عموم العام و إطلاق المطلق و المخصّص، إذ مع عدم تنويع العام إلى ذلك يكون التنافي بعد باق على حاله.

و الحاصل: أنّ معنونية العام إلى نقيض [الخاص] الخارج بالتخصيص، و جعل العالم مثلا هو العالم الغير الفاسق هو عين التخصيص و التقييد، و لو لا ذلك لما كان تخصيصا و تقييدا، و لا ارتفعت المناقضة و المضادّة من البين، و لكان اللازم هو التمسّك بالعموم في الشبهات المصداقية، لأنّه إذا لم يكن قوله لا تكرم الفاسق العالم معنونا للعام و موجبا لتنويعه بما عدا الفاسق، و كان خروج الفاسق عنه كموت بعض الأفراد، فكما أنّ موت بعض أفراد العامة لا يوجب معنونيّة العام، و كانت أصالة العموم بالنسبة إلى البقية بعد باقية على حالها كما إذا لم يكن هناك موت، فكذلك التخصيص بالفاسق بناء على عدم تنويعه العام يكون كالموت، و لا يوجب سقوط أصالة العموم في الأفراد المشكوكة، بل غاية ما يستفاد من التخصيص هو خروج الفاسق، فالفرد المشكوك مع عدم العلم بكونه من أفراد المخرج يكون باقيا تحت العموم بمقتضى أصالة العموم، فكان اللازم هو جواز التمسّك بالعموم في الشبهات المصداقية، و هو- كما ترى- لا يقول به من قال بهذه المقالة، فتنويع العام إلى نوعين متباينين من لوازم الغير المنفكّ عن التخصيص، سواء في ذلك المخصّص المتّصل أو المنفصل.

و على ذلك لا يكفي في ترتّب الأثر مجرّد إحراز عدم عنوان الخاص ما لم يحرز عنوان العام الثابت له بعد التخصيص، و لا يكفي جريان الأصل في عدم عنوان الخاص لترتب الأثر إلّا على القول بالأصل المثبت، و لا يكون من صغريات إحراز

بعض المركّب بالوجدان و الآخر بالأصل.

و أمّا ثانيا: فقوله «يكفي في ترتّب الأثر إحراز أيّ عنوان لم يكن ذلك بعنوان الخاص» ممّا لا يستقيم، فلأنّ الذي يحتاج إليه في ترتيب الأثر هو إحراز العنوان الذي أخذ في مصبّ العموم بعد تخصيصه بالخارج، فإنّ هذا هو الذي تعلّق به التكليف أو الوضع، و إحراز سائر العناوين غير ذلك العنوان الذي تعلّق به التكليف أو الوضع ممّا لا أثر [له]، و يكون من ضمّ الحجر في جنب الإنسان.

اللّهم إلّا أن يكون المراد أنّ إحراز أيّ عنوان لم يكن ذلك بعنوان الخاص يكون ملازما لإحراز عنوان العام بعد التخصيص، و هذا و إن كان ثبوتا كذلك، إلّا أنّ إحراز عنوان العام بإحراز أيّ عنوان بالأصل يكون من المثبت الذي لا يقول هو به و توهّم أنّ العام لم يكن معنونا بعنوان حتى يحتاج إلى إحرازه، بل بكلّ عنوان غاية الأمر أنّ المخصّص أخرج عنوانا خاصّا، و بقيت البواقي على ما كان عليه قبل التخصيص كما إذا مات بعض الأفراد، و على ذلك يبتني إحراز أيّ عنوان لم يكن ذلك بعنوان الخاص. ففساده غنيّ عن البيان، بداهة أنّ تعنون العام بكلّ عنوان ممّا لا يمكن، للزوم التناقض و التنافي. مع أنّ لازم ذلك هو أنّ شمول العام لما ينطبق من مصاديقه على سائر العناوين إنّما يكون بواسطة انطباق ذلك العنوان عليه، مثلا شمول أكرم العلماء للرومي يكون بواسطة انطباق عنوان الرومي عليه، و شموله للزنجي بواسطة انطباق الزنجي عليه و هكذا، و هذا كما ترى- ضروريّ الفساد، بل يكون شمول العام للرومي إنّما يكون بواسطة انطباق عنوان العام عليه، من دون أن يكون للرومية دخل في ذلك و لا الزنجية، فدعوى معنونية العام بكلّ عنوان و كفاية إحراز أيّ عنوان ممّا لا يستقيم. بل الظاهر أنّ العام غير معنون بعنوان و يتساوى وجود كلّ عنوان و عدمه بعد إحراز ما أخذ في لسان الدليل عنوان من العالم مثلا، فالذي يحتاج إليه هو إحراز عنوان

العام بعد التخصيص، من دون حاجة إلى إحراز سائر العناوين من الرومية و الزنجية مثلا.

و حاصل الكلام: أنّ ما أخذ في مصبّ العموم- مع قطع النظر عن ورود المخصّص عليه- كان يتساوى فيه وجود كلّ عنوان مع عدمه، و لم يكن معنونا بعنوان أصلا الذي هو معنى الإرسال و الإطلاق، و كان مصبّ العموم هو بنفسه كبرى كلّية و هو معنى أصالة العموم و الإطلاق، و بعد ورود التخصيص يخرج مصبّ العموم عن هذا التساوي بالنسبة إلى خصوص ما أخرجه المخصّص، و تكون الكبرى الكلّية ما عدا الخاص و تدور مدار نقيضه، و لكن بالنسبة إلى سائر العناوين بعد باق على حاله من التساوي و عدم المدخلية، و حينئذ يكون اللازم هو إحراز نقيض الخارج، و لا يكفي إحراز أيّ عنوان بعد ما كان ذلك العنوان المحرز ممّا لا دخل له في مصبّ العموم، و كان وجوده و عدمه سيّان، فقوله «العام المخصّص بالمنفصل يكون معنونا بكلّ عنوان، و يكفي في ترتّب الأثر إحراز أيّ من العنوان لم يكن ذلك بعنوان الخاص» ممّا لا يستقيم، بل لا بدّ من إحراز نقيض الخارج الذي يكون هو الموضوع للأثر بعد التخصيص، فتأمّل جيّدا.

فيكون ما في ذيل رواية محمّد بن إسماعيل (1)من التعليل في قوّة التصريح بأنّ غير المسوخ أيضا لا يجوز الصلاة فيه، نعم دلالته على المنع بالنسبة إلى جميع أفراد غير المسوخ إنّما يكون بالإطلاق، و تخصيص مثل هذا الإطلاق المؤيّد بإطلاقات أدلّة الباب و فتاوى الأصحاب بخصوص ما إذا كان الحيوان آكل اللحم بعيد غايته، مع ما عرفت من أنّ دلالة التعليل في رواية ابن أبي حمزة (2)على الجواز فيما


1) الوسائل: ج 3 ص 251 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 7.

2) الوسائل: ج 3 ص 252 باب 3 من أبواب لباس المصلّي، ح 3.

إذا لم يكن آكل اللحم إنّما هو لأجل دلالته على الانحصار المستفاد من مقدّمات الحكمة، و يكفي في عدم جريان مقدّمات الحكمة و عدم الانحصار إطلاق ما في رواية محمّد بن إسماعيل (1)فتأمّل.

و على كلّ حال فالظاهر ثبوت الملازمة بين حرمة الأكل و فساد الصلاة كما عليه المعظم، فتكون هي الأصل في المسألة إلّا أن يقوم دليل بالخصوص على خلاف ذلك، كما في السنجاب و الخزّ حيث قام الدليل على جواز الصلاة فيهما بلا معارض كما عليه المعظم أيضا، و فيما عدا ذلك فهو بعد باق على الأصل في المسألة من عدم الجواز، و قيام الدليل على الجواز بالنسبة إلى بعض الأفراد مثل الفنك و السمور فهو معارض بمثله من عدم الجواز، و على تقدير عدم المعارض فلا بدّ من حمله على التقية مع إعراض الأصحاب عنه، لأنّ الجواز في غير المأكول هو مذهب العامّة، فتأمّل جيّدا.

تنبيه:

قال شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه-: إنّ الخزّ الذي كان معمولا أخذ اللباس منه في زمن الأئمة عليهم السّلام غير الخزّ المعروف في هذا الزمان، فإنّ الذي يظهر من بعض الأخبار و التواريخ أنّ الألبسة الخزّية التي كانت في ذلك الزمان كانت تعمل من وبر الخزّ، و كان وبره أمرا نفيسا غالي القيمة، و هو في منتهى اللطافة، و كان ينسج من وبره الأقمشة كالعمامة و القباء و غير ذلك، و هذا الخزّ المعروف في هذا الزمان غير قابل لأن ينسج من وبره شي‌ء، و عليه لا يلحقه حكم الخزّ، بل هو شي‌ء آخر يلحق بالمشتبه، فإن جوّزنا الصلاة في المشتبه فهو، و لكن بعد إحراز


1) الوسائل: ج 3 ص 251 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 7.

تذكيته إن كان ممّا له نفس سائلة، و إن لم نجوّز الصلاة في المشتبه كانت الصلاة فيه فاسدة، فتدبّر. و لعلّه يأتي لبيان حكم الخزّ و السنجاب مزيد توضيح.

المشهور بين الأصحاب اعتبار الإباحة في لباس المصلّي، و قد ادّعي الإجماع على ذلك، خصوصا الساتر منه حيث تكرّر نقل الإجماع على بطلان الصلاة في الساتر المغصوب. و الظاهر أنّه لا خصوصية للساتر بل حاله في ذلك حال سائر اللباس.

و توهّم ان الستر حيث كان مأمورا به في الصلاة و شرطا لصحّتها، و ذلك لا يجامع كونه منهيّا عنه لغصبية ما يستر به، فلا بدّ من فساد الصلاة عند التستّر بالمغصوب، إمّا لاندراجه في باب النهي عن العبادة و لو لشرطها، و إمّا لاندراجه في باب اجتماع الأمر و النهي مع غلبة جانب النهي، كما هو الشأن في جميع موارد اجتماع الأمر و النهي، حيث يقدّم جانب النهي بناء على الامتناع، لأنّ إطلاق النهي يكون شموليا، و إطلاق الأمر بدليا، و كلّما دار الأمر بين الإطلاق الشمولي و الإطلاق البدلي فالإطلاق الشمولي مقدّم، كما أوضحناه في محلّه، ففساده غنىّ عن البيان.

أمّا أولا: فلأنّ ما هو الواجب و الشرط في الصلاة هو الستر بمعناه الاسمي المصدري، و هو الإضافة اللاحقة للصلاة من جهة الستر، و الأثر الحاصل من التستّر و هو كون الشخص مستورا، و ما هو المنهي عنه هو الستر بمعناه المصدري، و هو التستّر و اللبس الذي يتحقّق الغصب به، فلا يندرج التستّر بالمغصوب لا في باب النهي عن العبادة، و لا في باب اجتماع الأمر و النهي، لأنّ النهي تعلّق بأمر خارج عمّا هو الشرط في الصلاة، فلا الشرط منهيّ عنه، و لا هو متّحد مع المنهيّ عنه.

و أمّا ثانيا: فلأنّه لو سلّمنا أنّ ما هو الشرط في الصلاة هو الذي تعلّق به النهي، أو اتّحد مع المنهيّ عنه، و لكن ليس كلّ شرط تعلّق النهي به إمّا لنفسه و إمّا لاتّحاده مع المنهيّ عنه يوجب فساد الصلاة، بل ذلك مقصور بالشرط العبادي الذي يعتبر فيه قصد التقرّب و الامتثال، كالطهارات الثلاث مثلا، و أمّا الشروط

التوصّلية التي لا يعتبر فيها ذلك فتعلّق النهي بها و وقوعها على صفة التحريم لا توجب فساد العبادة المشروطة بها، غايته أنّه فعل محرّم في الصلاة مع اشتمال الصلاة على شرطها من التستّر مثلا، فلا موجب لفساد الصلاة، و لا إشكال أنّ شرطية الستر ليس من الشروط التي يعتبر فيها قصد الامتثال، بل إنّما هو من الشروط التوصّلية، و لذا يكتفي به مع وقوعه عن غير قصد و بلا نيّة، فمجرّد كون الستر شرطا في الصلاة لا يوجب له خصوصية بها يمتاز عن سائر اللباس، فينبغي عقد البحث في كلّي اللباس.

و الظاهر أنّه ليس في المقام نصّ بالخصوص يدلّ على اعتبار الإباحة في لباس المصلّي، و ما ورد في بعض الأخبار من وصية عليّ عليه السّلام لكميل: انظر فيما تصلّي و على ما تصلّي إن لم يكن من وجهه و حلّه فلا قبول (1). فلا دلالة فيه على ذلك، لعدم ظهور قوله عليه السّلام «فلا قبول» في الحكم الفقهي، حتّى يكون عدم القبول مستتبعا للإعادة و القضاء، بل هو محمول على الحكم الأخلاقي.

و بالجملة: الظاهر أنّه ليس فيما بأيدينا من الأدلّة ما يدلّ على اعتبار الإباحة في لباس المصلّي، فلا بدّ من ملاحظة ما تقتضيه القاعدة، و ليس لنا في المقام قاعدة تقتضي ذلك سوى مسألة اجتماع الأمر و النهي، فإن أمكننا إدراج المقام في باب اجتماع الأمر و النهي بالنسبة إلى أجزاء الصلاة، بأن يتّحد الجزء الصلاتي مع التصرّف في المغصوب فهو، و إلّا كان مقتضى القاعدة عدم اشتراط اللّباس بذلك، و إن ادّعي عليه الإجماع، لكنّ الإجماع موهون بنقل الخلاف.

و الذي يقتضيه النظر هو إمكان إدراج المسألة في باب اجتماع الأمر و النهي بالنسبة إلى بعض أجزاء الصلاة، و هو الجزء الركوعي و الجزء السجودي بيان ذلك


1) الوسائل: ج 3 ص 423 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 2.

هو أنّه لا إشكال- بعد البناء على ركنية القيام المتّصل بالركوع الذي معناه أن يكون الركوع عن قيام- أنّ الهويّ من القيام إلى الركوع يكون من أجزاء الركوع، و يكون الركوع حينئذ من مبدأ الانحناء إلى أن يصل إلى حدّ الراكع، لا أنّ الركوع عبارة عن نفس الهيئة و يكون الهويّ مقدّمة وجودية له، فيكون الهويّ و الانحناء خارجا عن أفعال الصلاة، كما قال به العلامة الطباطبائي (1)في منظومته «إذ الهويّ فيهما مقدّمة .. إلخ» إذ الالتزام بذلك ينافي القول بركنية القيام المتّصل بالركوع، إذ معنى ركنية ذلك- كما عرفت- هو أن يكون الركوع عن قيام، و ذلك لا يجتمع مع مقدّمية الهويّ، إذ لازم القول بمقدّمية الهويّ هو أنّه لا يعتبر الهويّ بقصد الركوع، بل لو هوى لا بقصد الركوع فلمّا وصل إلى حدّ الركوع قصد الركوع لكان ذلك مجزيا، و هذا المعنى ينافي اعتبار كون الركوع عن قيام الذي هو معنى ركنية القيام المتّصل بالركوع، فإنّ كون الركوع عن قيام هو أنّه من مبدأ تقوسه و انحنائه مشتغلا بالركوع إلى أن يصل إلى حدّ الراكع.

و بالجملة: لا محيص بعد الالتزام بركنية القيام المتّصل بالركوع- كما لا محيص عنه- من القول بأنّ الهويّ من القيام إلى الركوع من أفعال الصلاة، و ليس مقدّمة خارجة عنها. و من هنا من جمع بين ركنية القيام المتّصل بالركوع و بين مقدّمية الهويّ فقد جمع بين ما لا يمكن الالتزام به. و إذ قد ظهر أنّ الهويّ من القيام يكون من أفعال الصلاة فيكون الهويّ عند تلبّسه بالمغصوب تصرّفا في المغصوب و متّحدا معه، بحيث يحمل على هذا الهويّ بالحمل الشائع الصناعي أنّه تصرّف بالمغصوب، فيجتمع الأمر و النهي في هذا الجزء الصلاتي الذي ملاكه الاتّحاد بحسب الخارج، فيكون حال الهويّ كحال الصلاة في المكان المغصوب من حيث


1) الدرّة النجفيّة: ص 123 في الركوع.

الاتّحاد، و بعد البناء على تقديم جانب النهي في موارد اجتماع الأمر و النهي تكون الصلاة باطلة و لو باعتبار جزئها من الهويّ. هذا بالنسبة إلى الركوع.

و أمّا بالنسبة إلى السجود فإن بنينا على أنّ السجود عبارة عن نفس كون الجبهة على الأرض و الهويّ إليه، من مبدأ حدوثه إلى أن تصير الجبهة على الأرض مقدّمة خارجية، فلا اتّحاد بينه و بين التصرّف في الغصب أبدا كما لا يخفى. و إن بنينا على أنّ السجود من مقولة الفعل، الذي هو عبارة عن وضع الجبهة على الأرض لا كون الجبهة على الأرض، فبمقدار ما يتحقّق به الوضع و هو قبيل صيرورة الجبهة على الأرض يتحقّق الاتّحاد بين التصرّف في المغصوب و بين الوضع الذي يكون فعلا سجوديّا، و هذا هو الأقوى، لأنّه يعتبر في السجود وضع الجبهة على الأرض لا مطلق كون الجبهة على الأرض، ففي الجزء السجودي أيضا يتحقّق اجتماع الأمر و النهي، و تبطل الصلاة من أجله بعد البناء على تغليب جانب النهي. و هذا بالنسبة إلى الجزء الركوعي و السجودي.

و أمّا بالنسبة إلى سائر الأجزاء فلا اتّحاد فيها بين الأمر و النهي و لا اجتماع، بداهة أنّ القيام عبارة عن الهيئة الحاصلة للقائم، و هذا هو الذي يكون جزء للصلاة، و كذا الجلوس للتشهّد، و الهيئة لم تتّحد مع التصرّف في المغصوب، بل إنّما يكون التصرّف من المقارنات لها.

ثمّ لا يخفى عليك أنّ ما قلناه من الاتّحاد في الجزء الركوعي و السجودي إنّما هو موجبة جزئية و في بعض اللباس، و هو ما يتحرّك بالحركة الركوعية و السجودية، و ذلك إنّما يكون بالنسبة إلى ما على المصلّي من اللباس في النصف العالي من بدنه، فإنّ هذا المقدار هو الذي يتحرّك بالحركة الركوعية عند الهويّ إليه، و أمّا ما في أسافل بدنه كالسراويل فلا يتحرّك بالحركة الركوعية أصلا، هذا بالنسبة إلى الركوع. و أمّا بالنسبة إلى السجود، فبالنسبة إلى ما يكون في أعالي بدنه أيضا

لا يتحرّك بالحركة السجودية التي هي قُبيل وصول الجبهة إلى الأرض بالمقدار الذي يصدق عليه الوضع، بل ما يتحرّك بهذه الحركة إنّما هو مثل العمامة مثلا و ما يكون بمثابها.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا: أنّ إطلاق القول باعتبار الإباحة في لباس المصلّي ممّا لم يقم عليه دليل، و إنّما يصحّ ذلك موجبة جزئية و هو بالنسبة إلى خصوص الركوع و السجود، و ذلك أيضا ليس على إطلاقه، بل بالنسبة إلى بعض اللباس و هو ما يتحرّك بحركتهما، و لازم ذلك هو أنّه لو لبس المغصوب في الصلاة و نزعه عند إرادة الركوع و السجود لكانت صلاته صحيحة، بل لازم ذلك جواز لبس مثل السراويل و غيرها ممّا لا يتحرّك بالحركة الصلاتية مطلقا و لو في حال الركوع و السجود، هذا. و لكنّ الاحتياط لا ينبغي تركه، خصوصا بعد ذهاب المشهور على اعتبار الإباحة في اللباس، بل في المصاحب من غيره.

بقي الكلام في حكم الناسي بالموضوع، و الجاهل به، و الجاهل بالحكم تقصيرا أو قصورا وضعا أو تكليفا، و الناسي بالحكم كذلك. فنقول: المشهور هو أنّ الجاهل بالموضوع تصحّ صلاته، و كذا الناسي له على إشكال في خصوص الغاصب، يأتي بيانه إن شاء اللّٰه و أمّا الجاهل بالحكم الوضعي من بطلان الصلاة في المغصوب، و كذا الناسي له، فممّا لا أثر له، بل المدار على الجهل و العلم بالحكم التكليفي. و أمّا الجاهل بالحكم التكليفي، فإن كان عن تقصير فهو بحكم العامد العالم من بطلان صلاته، و إن كان عن قصور فهو بحكم الجاهل بالموضوع من صحّة صلاته. و أمّا الناسي بالحكم فهو ملحق بالجاهل به. هذا ما ذهب إليه المشهور على ما حكي عنهم.

و ينبغي من تقديم مقال به يتّضح الوجه فيما ذهبوا إليه، و حاصله: أنّه قد ذكرنا في محلّه من أنّ البحث عن جواز اجتماع الأمر و النهي و امتناعه يقع

من جهتين:

الاولى: البحث عن ذلك من حيث وحدة المتعلّق، و أنّه هل يلزم في مورد الاجتماع من تعلّق الأمر بعين ما تعلّق به الآخر، و سراية كلّ من الأمر و النهي إلى متعلّق الآخر، أو أنّه لا يلزم ذلك و إن تصادقا خارجا على شي‌ء واحد؟ و بعبارة أخرى: بعد تصادق الصلاة و الغصب على المجمع المأتيّ به، يقع البحث في أنّ هذا التصادق هل هو من باب التركيب الاتّحادي، حتّى يلزم تعلّق كلّ منهما بعين ما تعلّق به الآخر، أو أنّه من باب التركيب الانضمامي حتّى لا يلزم ذلك؟

الجهة الثانية: بعد الفراغ عن الجهة الاولى، و أنّ التركيب على نحو الانضمام، و عدم سراية كلّ منهما إلى متعلّق الآخر، يقع الكلام في الجهة الثانية من اعتبار المندوحة، و أنّه عند المندوحة و قدرة المكلّف على الصلاة في غير المغصوب، هل يكون مورد التصادق مأمورا به و منهيّا عنه بالفعل، أو لا يكون إلّا أحدهما؟ فإن قلنا بالامتناع من الجهة الاولى، و سراية كلّ من الأمر و النهي إلى متعلّق الآخر، فيكون مسألة اجتماع الأمر و النهي من صغريات باب التعارض، و لا ربط له بباب التزاحم، فإنّ الضابط في باب التعارض هو امتناع صدور الحكمين ثبوتا و في عالم التشريع و تعلّق إرادة المولى، من دون أن يكون لقدرة المكلّف و عدم قدرته دخل في ذلك، و الامتناع من الجهة الأولى إنّما يكون في عالم الثبوت و التشريع حيث يستحيل أن يأمر المولى بعين ما ينهى عنه، و تعلّق كلّ من إرادة الفعل و الترك بالنسبة إلى شي‌ء واحد، سواء كان هناك مكلّف أو لم يكن، قدر المكلّف على الجمع بينهما أو لم يقدر، كما هو واضح.

و حينئذ لو بنينا على الامتناع من الجهة الاولى، و قدّمنا في مقام التعارض جانب النهي- كما لا محيص عنه، لما تقدّمت الإشارة إليه من أنّ الإطلاق الشمولي الذي هو مفاد النهي مقدّم في مقام التعارض على الإطلاق البدلي الذي هو مفاد

الأمر، كتقدّم العام الاستيعابي على الإطلاق الشمولي- تكون المسألة من صغريات باب النهي عن العبادة، و يلزمه القول بفساد العبادة مطلقا حتّى مع الجهل بالموضوع أو نسيانه، و ذلك لأنّه بعد ما كانت المسألة من صغريات باب التعارض مع تقديم جانب النهي، فتكون جهة الأمر ثبوتا مغلوبة و جهة النهي غالبة، كما هو الشأن في كلّ مورد يقع التعارض بين الأمر و النهي مع تغليب جانب النهي، و إن لم يكن التعارض من باب اجتماع الأمر و النهي، بل كان التعارض لجهة أخرى غير مسألة الاجتماع، بل هذا هو الشأن في كلّ متعارضين قدّم أحدهما على الآخر و إن لم يكن التعارض بين الأمر و النهي، فإنّ تقديم أحد المتعارضين على الآخر يكشف إنّا عن غلبة ملاكه و مغلوبية ملاك الآخر، لو كان فيه ملاك مع قطع النظر عن المعارضة، و بعد ذلك لا يمكن تصحيح متعلّق المعارض المغلوب لو كان عبادة لا بالأمر و لا بالملاك، لعدم الأمر به حسب الفرض بعد تقديم النهي، و ملاكه لو كان فهو مغلوب بملاك النهي، و الملاك المغلوب بأقوى منه لا يوجب صحّة العبادة، فلا يمكن تصحيح العبادة بشي‌ء من الأمر و الملاك مع توقّف صحّة العبادة على أحدهما لا محالة.

لا يقال: إنّه عند الجهل بالموضوع أو نسيانه يسقط النهي لا محالة، فلا مانع من الصحّة حينئذ. فإنّه يقال: النهي و إن سقط بالجهل و النسيان إلّا أنّ ملاكه لم يسقط بذلك، لعدم تصرّف الجهل بالملاك في مثل ما نحن فيه ممّا كان من باب التعارض الذي ملاكه وقوع المعارضة في عالم التشريع و عالم تعلّق إرادة الآمر، الذي لا دخل لإرادة الفاعل و علمه و جهله بذلك، فإذا كان ملاك النهي باقيا فالفساد إنّما يستند إليه لا إلى النهي الساقط بالجهل، و لتفصيل الكلام محل آخر.

هذا كلّه لو بنينا على الامتناع من الجهة الاولى.

و أمّا لو بنينا على الامتناع من الجهة الثانية، فقد عرفت أنّه يكون حينئذ من

صغريات باب التزاحم و يخرج عن باب التعارض، فإنّ معنى الجواز في الجهة الاولى هو عدم سراية كلّ من الأمر و النهي إلى متعلّق الآخر، و أنّ التركيب في مورد التصادق و الاجتماع انضمامي، ففي عالم الثبوت و الإرادة لا مانع من تشريع مثل هذا الأمر و النهي، لعدم تعلّق الإرادة بفعل شي‌ء و ترك ذلك، بل تعلّقت الإرادة بفعل شي‌ء و ترك شي‌ء آخر و إن تصادقا في الخارج، ففي ناحية الثبوت لا مانع من الاجتماع فيخرج عن باب التعارض.

نعم في ناحية قدرة الفاعل، و تعلّق إرادته بفعل متعلّق الأمر و ترك متعلّق النهي، يقع التزاحم بينهما في مورد التصادق، لعدم قدرة المكلّف من امتثال كلّ من الأمر و النهي مع اتّحاد المتعلّق خارجا، لكنّ هذا مع اشتمال كلّ من الأمر و النهي على تمام ما هو ملاكه، فإنّه بعد عدم المانع من تشريع الحكمين ثبوتا يكون الملاك في كلّ منهما على حاله من دون وقوع كسر و انكسار بينهما، و قدرة المكلّف و عدمها لا توجب تصرّفا في الملاك أصلا، كما هو الشأن في كلّ متزاحمين، فتكون مسألة الاجتماع- بناء على الامتناع من الجهة الثانية و الجواز من الجهة الاولى- من صغريات باب التزاحم، و يجري فيها ما يجري في كلّيّ باب التزاحم من ملاحظة المرجّحات، و حيث كان النهي سريانيّا و الأمر صرف الوجود فلا محيص من تقديم جانب النهي، و خروج الفرد من الصلاة المبتلى بالمزاحم عن تحت إطلاق متعلّق الأمر، لأنّ النهي بسريانيّته يصلح أن يكون تعجيزا مولويّا عن متعلّق الأمر بخلاف العكس، فتأمّل جيّدا.

ثمّ إنّ من لوازم باب التزاحم هو أنّ تقديم أحد المتزاحمين على الآخر- لأحد موجباته- إنّما يكون في صورة العلم بالحكم و الموضوع، لأنّ التزاحم إنّما يقع عند ذلك، و إلّا فوجود الواقعي للحكم ممّا لا أثر له في باب التزاحم، بل لا بدّ من وجوده العلمي، مثلا لو لم يعلم بأنّ هناك غريقا آخر، لا يمكن أن يزاحم وجود

واقعي «أنقذ الغريق» للغريق الذي علم به حكما و موضوعا، بل اللازم عليه فعلا هو إنقاذ ما علم كونه غريقا ليس إلّا، و هذا بخلاف باب التعارض، لما عرفت من أنّ التعارض إنّما يكون بين الوجود الواقعي و في عالم الإرادة الآمرية و التشريع من دون أن يكون لعلم المكلّف و جهله دخل في ذلك، و لتوضيح المقال محلّ آخر، و الغرض في المقام مجرّد الإشارة إلى ما يبتني عليه مسألتنا من الصلاة في المغصوب عند الجهل و النسيان.

و إذا عرفت ما ذكرناه، ظهر لك الوجه فيما ذهب إليه المشهور من صحّة صلاة الجاهل بالموضوع، و الناسي له، و الجاهل بالحكم التكليفي قصورا، و بطلان صلاة العامد العالم، و الجاهل بالحكم تقصيرا، فإنّ ذهابهم إلى ذلك إنّما هو لبنائهم على الجواز من الجهة الأولى- كما هو المشهور بينهم أيضا على ما نسب إليهم في الأصول- و الامتناع من الجهة الثانية، و ذلك بعد الإحاطة بما قدّمناه واضح.

أمّا الصحّة عند الجهل بالموضوع و نسيانه فواضح، لما عرفت من أنّ النهي في الجهة الثانية إنّما يقدّم على الأمر بوجوده العلمي لا بوجوده الواقعي، لأنّه بوجوده الواقعي لا يزاحم الأمر بعد تمامية ملاكه، كما عرفت من أنّ ذلك من لوازم التزاحم، و أنّ مسألة الاجتماع من الجهة الثانية تكون من صغرى باب التزاحم، و الجاهل بالغصبية و إن لم يسقط النهي عنه واقعا إلّا أنّه غير منجّز عليه، فلا مانع من صحّة صلاته بعد اشتمالها على تمام الملاك، و كذا الناسي لها، بل هو أولى بالصحّة، لسقوط النهي عنه واقعا، و كذا الكلام بالنسبة إلى الجاهل بالحكم عن قصور، فإنّه كالجاهل بالموضوع من حيث كون النهي غير منجّز عليه.

و أمّا بطلانها في صورة العلم بالحكم و الموضوع، أو الجهل بالحكم فقط لكن عن تقصير، فلتنجّز النهي عليه، فتقع الصلاة منه مبغوضة، و ما وقع مبغوضا لا يمكن أن يكون مقرّبا.

فإن قلت: بعد الالتزام بأنّ مورد الاجتماع مشتمل على كلّ من ملاك الأمر و النهي، كما هو لازم باب التزاحم، و مجرّد تقديم جانب النهي لا يوجب عدم اشتمال الصلاة على ملاكها، و إلّا لخرج عن باب التزاحم و دخل في باب التعارض، و حينئذ لا مانع من تصحيح الصلاة بالملاك، و إن عوقب على فعل الغصب، كما هو الشأن في كلّ متزاحمين قدّم أحدهما على الآخر، كتقديم الإزالة على الصلاة، و لكن مع ذلك تقع صلاته صحيحة لو خالف و ترك الإزالة.

و حاصل الكلام: أنّه بعد الفراغ من الجهة الاولى و البناء على الجواز فلا معنى للقول ببطلان صلاة الجاهل المقصّر، بل و كذا العالم بعد الاعتراف بأنّ مورد التصادق مشتمل على تمام ملاك الأمر، و بعد تصحيح العبادة بالملاك كما في نظائر المقام من سائر موارد التزاحم.

قلت: نعم و إن كان مورد التصادق مشتملا على تمام ما هو ملاك الأمر، إلّا أنّ مجرّد ذلك لا يكفي في المقرّبية بعد اتّحاده و ابتلائه بما يقع فعلا من المكلّف مبغوضا عليه من التصرّف في المغصوب، و ما قلنا من تصحيح العبادة بالملاك إنّما هو فيما إذا لم يكن بهذه المثابة. و تفصيل ذلك هو أنّ التزاحم على أقسام خمسة.

الأول: تزاحم الضدّين كالتزاحم بين الإزالة و الصلاة.

الثاني: التزاحم بين المقدّمة و ذيها إذا كان أحدهما واجبا و الآخر محرّما.

الثالث: تزاحم المتلازمين في الوجود فيما إذا كان التلازم اتّفاقيّا، كما إذا فرض وجوب استقبال القبلة و حرمة استدبار الجدي مع أنّهما متلازمان في العراق و ما والاها.

الرابع: تزاحم المتّحدين في الوجود، كما فيما نحن فيه من تزاحم الصلاة و الغصب عند التصادق و الاتّحاد.

الخامس: تزاحم الواجبين في ناحية قدرة المكلّف، من دون أن يكون بينهما

تضادّ و لا اتّحاد و لا تلازم و لا مقدّميته و ذيها، و ذلك كما في تزاحم القيام في الركعة الاولى و الثانية، أو في بعض الركعة، كما إذا دار أمره بين القيام في الركعة الاولى و الجلوس في الثانية و بالعكس، أو دار أمره بين القيام في أول الركعة و الجلوس في آخرها و بالعكس.

و هذه الأقسام الخمسة بعد اشتراكها في التزاحم تختلف من حيث تصحيح العبادة بالملاك، فإنّ في القسمين الأولين، و هما التزاحم بين الضدّين و المقدّمة و ذيها، يمكن تصحيح العبادة بالملاك، فلو فرض أنّه ترك الإزالة مع كونها أهمّ من الصلاة و صلّى بداعي الملاك تقع صلاته صحيحة، و كذا لو أتى بالمقدّمة المحرّمة مع كونها أهم و فعل ذي المقدّمة الواجب بداعي الملاك صحّت و إن عصى بترك الإزالة و فعل المقدّمة.

و السرّ في ذلك هو أنّ الصلاة، و كذا ذي المقدّمة، حيث كان لها وجود استقلاليّ لا ربط له بالإزالة و المقدّمة، و مشتملة على تمام الملاك، فلا مانع عند العقل من التقرّب بها و صحّتها بداعي الملاك، و مجرّد عصيانه في ترك الإزالة و فعل المقدّمة لا يمنع عن ذلك، فهو نظير من شرب الخمر و صلّى، أو ترك الحجّ و صلّى، و مجرّد إمكان الاجتماع في الوجود- كما في الأمثلة- و عدم إمكانه- كما فيما نحن فيه- لا يصلح فارقا من الجهة التي نحن فيها، و كما يمكن تصحيح العبادة في هذا القسمين بالملاك كذلك يمكن بالأمر الترتّبي، بناء على المختار من إمكانه.

و أمّا القسم الخامس فلا يمكن تصحيح العبادة بالملاك، مثلا لو كان يجب عليه حفظ قدرته على القيام في آخر الركعة لئلّا يفوت منه القيام المتّصل بالركوع، لكونه أهمّ من القيام في أول الركعة و الجلوس في آخرها مع استلزامه فوات القيام المتّصل بالركوع، فلو خالف و قام في أول الركعة و جلس في آخرها كان مقتضى القاعدة بطلان صلاته، لأنّه زاد في أول الركعة قياما لم يكن واجبا عليه، و نقص

في آخرها قياما واجبا عليه، فهو كمن تعمّد بالقعود في آخر الركعة مع قدرته على القيام الذي لا إشكال في بطلان صلاته، ففي القسم الخامس مع كونه من باب التزاحم لا يمكن [تصحيح] العبادة بالملاك.

و أمّا القسم الثالث و هو ما إذا كان التزاحم بين المتلازمين، ففي تصحيح العبادة بالملاك إشكال، و ذلك فلأنّ أحد المتلازمين العبادي و إن كان له وجود استقلالا، و اشتمل على الملاك، و كان ما بحذائه في الخارج غير ما بحذاء ملازمه الآخر، إلّا أنّ اكتفاء العقل بالامتثال بمثل هذه العبادة التي لازمت ما يكون مبغوضا للمولى محلّ إشكال، إذ ليس لنا دليل لفظي يتمسّك بإطلاقه على أنّ كلّما تحقّق الملاك في العبادة صحّت، بل تصحيح العبادة بالملاك إنّما هو عقلي، و حكمه بصحّة أحد المتلازمين إذا كان عبادة، مع أنّ ما يلازمه مبغوضا فعليّا للمولى، و عدم انفكاك إرادة أحد المتلازمين عن إرادة الآخر غالبا و لو تبعا، غير معلوم.

فإذا كان هذا حال القسم الثالث فما ظنّك بالقسم الرابع! و هو ما إذا اتّحدت العبادة مع ما هو مبغوض للمولى فعلا، فإنّ تصحيح مثل هذا بالملاك، مع أنّ ما يصدر منه فعلا مبغوضا للمولى و معاقبا عليه، ممّا لا يمكن، و كيف يمكن ذلك مع أنّ الموجود من المكلّف في الخارج متّحد ماهية و وجودا، و قد تعلّقت به إرادة الفاعل بما هو عليه من المبغوضية الفعلية و التفاته إلى ذلك أو عدم التفاته على وجه لا يعذر فيه؟

و بالجملة: لا يمكن تصحيح هذه العبادة المتّحدة مع المبغوض الفعلي بالملاك، و لا يمكن أن تكون مقرّبة مع تعلّق إرادة الفاعل بما يصدر منه مبغوضا عليه مع ما هو عليه من الاتّحاد.

فإن قلت: نعم إرادة الفاعل و إن تعلّقت بالمبغوض الفعلي من التصرّف

بالغصب، إلّا أنّها تعلّقت بما هو مشتمل على ما يكون فيه ملاك المحبوبية أيضا من امتثال الأمر الصلاتي المتعلّق بالطبيعة دون الفرد، و تشخّص الصلاة بما يكون مبغوضا لا يوجب عدم تحقّق الامتثال بالطبيعة بعد ما كانت الخصوصيّات الفردية خارجة عن دائرة متعلّق الأمر، فليكن هذا العبد مطيعا من حيث إرادته إيجاد طبيعة الصلاة امتثالا لأمرها، و عاصيا من جهة إرادة الشخص الذي يكون مبغوضا.

قلت: لو كان إرادة الفاعل بإيجاد الطبيعة قد تعلّقت بها مستقلا، و كانت إرادته ذلك مغايرة لإرادته الشخص المبغوض، بأن كان له إرادتان مستقلّتان منحازتان، قد تعلّقت أحدهما بالطبيعة و الأخرى بالفرد، أمكن أن يقال ذلك.

مع أنّ ذلك أيضا على إطلاقه ممنوع، لما عرفت من أنّ المسلّم من تصحيح العبادة بالملاك هو ما كانت العبادة لها وجود استقلالي خارجا و إرادة من دون أن تكون ملازمة بينها و بين المبغوض، و على كلّ حال في صورة الاتّحاد لم تكن هناك إرادتان للفاعل مستقلّتان منحازتان في الخارج، بل ليس هناك إلّا إرادة واحدة قد تعلّقت بإتيان ما يكون مجمع العنوانين مع ما هو عليه من المبغوضية و الاتّحاد، فكيف يكون إرادة إيجاد مثل هذه الطبيعة مقرّبا مع أنّه أسوأ حالا من المتلازمين في الوجود الذي قد عرفت الإشكال فيه؟ مع أنّ في المتلازمين كانت إرادة أحد اللازمين مغايرة لإرادة الآخر، غايته أنّه متلازمين في الإرادة، و في المقام لم يكن الإرادة واحدة تعلّقت بالمبغوض الفعلي.

فإن قلت: إذا لم تكن إرادة الطبيعة مغايرة لإرادة المجمع، و كانت هناك إرادة واحدة قد تعلّقت بالمحبوب و المبغوض، فكيف جوّزتم الاجتماع من الجهة الاولى؟ و هل لازم ذلك إلّا تعلّق الإرادة بعين ما تعلّقت به إرادة الآخر؟

قلت: الكلام في الجهة الأولى إنّما كان في إرادة الآمر في مقام التشريع،

و حيث كان في ذلك المقام الخصوصيّات الفردية خارجة عن تعلّق إرادة الآمر بها، بل تعلّقت بالطبيعة الصلاتية و طبيعة الغصبية، فلا يلزم في مقام تعلّق إرادة الآمر من اجتماع الإرادتين و تعلّق كلّ بعين ما تعلّق به الآخر، و هذا بخلاف الكلام من الجهة الثانية، فإنّها في مقام تعلّق إرادة الفاعل، الذي لا يمكن في هذا المقام من تعلّق إرادته بالطبيعة الصرفة من دون أن تتعلّق بالفرد المبغوض.

فإن قلت: فما معنى قولهم إنّ المشخّصات الفردية خارجة عن متعلّق الإرادة و غير ملتفت إليها؟

قلت: مرادهم من ذلك الخصوصيّات اللاحقة لنفس الفرد في حال وجوده، كتشخّص الصلاة بالخصوصية الكذائية عند وجودها، و أمّا الخصوصيّات اللاحقة لنفس الطبيعة، كإيجاد الطبيعة في زمان كذا أو في مكان كذا، فممّا لا يمكن عدم تعلّق الإرادة الفاعلية بها، بل لا بدّ من تعلّق الإرادة بها.

و حاصل الكلام: أنّ إرادة الطبيعة في ضمن الفرد المحرّم ممّا لا يمكن أن يكون مقرّبا، لصدوره منه مبغوضا عليه، و بذلك ظهر أنّه ليس وجه فساد صلاة العالم بالموضوع و الحكم هو عدم إمكان تمشّي قصد القربة منه، فإنّ ذلك- مع كونه مقصورا بالعالم دون الجاهل المقصّر- على إطلاقه ممنوع، فإنّ العالم ربّما يمكن تمشّي قصد القربة منه فلا يكون هذا مانعا عن الصحّة، بل المانع ما ذكرناه من أنّه عند العلم و الجهل الذي لا يعذر فيه فلا يقع الفعل مبغوضا عليه، من جهة قصده إيجاد الطبيعة في ضمن الفرد المحرّم الفعلي. و هذا بخلاف الجاهل المعذور أو الجاهل بالموضوع و الناسي له، فإنّه لمكان عدم قصده ذلك، إمّا لعدم كونه محرّما عليه واقعا كالناسي للموضوع، و إمّا لعدم منجّزية النهي كالجاهل به أو بالحكم مع كونه معذورا، كانت عبادته صحيحة. هذا بالنسبة إلى غير الغاصب.

و أمّا بالنسبة إلى نفس الغاصب فقد يقال: إنّ نسيانه للموضوع لا يوجب

صحّة صلاته، و وجّهه بعض بأنّه غير معذور في نسيانه، إمّا لانصراف أدلّة رفع النسيان إلى غير ذلك، و إمّا لأنّه كان يجب عليه الحفظ و الذكر حتّى يرد مال الناسي إلى أهله، فبتركه الحفظ و الذكر الذي أوجب النسيان صار نسيانه ممّا لا يعذر فيه، و كان تكليف لا تغصب منجّزا عليه، فلا تصحّ منه الصلاة، هذا.

و لكن لا يخفى عليك ما في كلا الوجهين من الضعف.

أمّا دعوى الانصراف فممّا لا شاهد عليها، إذ لا موجب له.

و أمّا الوجه الثاني، فعلى فرض تسليم أنّه كان يجب عليه الحفظ و الذكر، فأقصاه أنّه فرّط في هذا الواجب و عصى بتركه، و هذا لا ينافي معذوريّته في حال النسيان، و لا يعقل أن يكون النهي منجّزا عليه في حال النسيان، فإنّ رفع التكليف عن الناسي عقلي لا يختصّ بشخص دون شخص، و حال دون حال.

و دعوى أنّ تصرّفه في المغصوب حال النسيان كتصرّفه في حال الخروج عن الدار المغصوبة يمكن أن لا يكون معذورا فيه، مع أنّه ممّا لا بدّ منه عقلا، مدفوعة (أولا) بأنّ الخروج يكون مأمورا به ليس إلّا و معذورا فيه، على ما هو المختار من أنّ الخروج لم يكن منهيّا عنه في حال من الحالات، لأنّه تخلّص عن الغصب فلا يمكن أن [يكون] منهيّا عنه. (و ثانيا) سلّمنا ذلك إلّا أنّ الخروج يمكن أن يقال منهيّا عنه بالنهي السابق الساقط، و يكون مقدورا تركه بترك الدخول، إلّا أنّه في صورة النسيان لا يمكن ذلك، لأنّ الشي‌ء في حال النسيان غير مقدور لا بنفسه و لا بالواسطة، فإنّ التحفّظ و المواظبة على الذكر لا يلازم عدم النسيان، فربّما الشخص يكون في كمال التحفّظ و المواظبة و مع ذلك ينسى لأمر غير اختياري، فلا يقاس باب النسيان بباب الخروج الذي هو مقدور دائما بترك الدخول، فتأمّل جيّدا. فالأقوى أنّه لا فرق في الصحّة بين كون الناسي هو الغاصب أو غيره.

بقي في المقام بعض الفروع المرتبطة بالمقام.
اشارة
الأوّل: لو وجب على الغاصب حفظ المغصوب

، و توقّف حفظه على الصلاة فيه، فالأقوى صحّة صلاته، لأنّ المفروض أنّ التصرّف الحاصل بالصلاة فيه ممّا يجب عليه مقدّمة للحفظ، و معه لا يمكن أن يكون التصرّف منهيّا عنه، فلا موجب للفساد.

ثمّ إنّ وجوب حفظ مال المغصوب عن التلف إنّما هو لأجل اقتضاء الضمان ذلك، فإنّه بالغصب قد ضمن العين المغصوبة بما لها من الخصوصية الشخصية، و الخصوصية النوعية التي ينتقل إليها عند تعذّر الشخصية، و ذلك كما في المثليّات، و الخصوصية المالية التي ينتقل إليها عند تعذّر الشخصية و النوعية، كما في القيميّات.

و معنى كون الخصوصية الشخصية في ضمانه هو أنّها في عهدة الغاصب إلى أن يردّها إلى صاحبها، و لا معنى لذلك إلّا وجوب ردّها، و لا معنى لضمان الخصوصية الشخصية إلّا ذلك، إذ بعد ما كانت الخصوصية المثلية و المالية ضامنا لها بنفس وضع يده على المغصوب، فلا معنى لأن يتوهّم أنّ معنى ضمان الخصوصية الشخصية هو أنّ عند تلفها ينتقل إلى المثل و القيمة، و ليس معنى ضمانها وجوب ردّها، فإنّ الانتقال إلى المثل و القيمة ليس من لوازم ضمان الخصوصية الشخصية، بل هو من لوازم وضع اليد على المال الذي يكون له خصوصية نوعية و خصوصية مالية، و إلّا فالخصوصية الشخصية إذا تلفت فقد فاتت من المالك من دون أن يحصل له بإزائها شي‌ء، فمعنى ضمان الخصوصية الشخصية ليس إلّا وجوب ردّها، فإذا وجب ردّها وجب حفظها مقدّمة لذلك، فإذا كان وجوب الحفظ من لوازم ضمان المغصوب، فلا يقتضي ضمان المغصوب حينئذ حرمة التصرّف المتوقف عليه الحفظ، فإنّ الشي‌ء لا يمكن أن يقتضي لازمين متدافعين، فتأمّل.

و يمكن أن يقال: إنّ وجوب حفظ مال المغصوب ليس من جهة ضمانه، بل من جهة أنّ وقوع مال الغير تحت اليد- و إن لم تكن اليد يدا عادية- يقتضي وجوب حفظه، كما نرى وجوب حفظ المال و لو كانت اليد يد أمانة مالكية أو شرعية، و دعوى أنّ كلّ مال وقع تحت اليد يجب حفظه ليس بكلّ البعيد. نعم دعوى أنّ كلّ مال يجب حفظه و إن لم يكن تحت اليد ممّا لا سبيل إليها. و على كلّ حال بعد وجوب حفظ المال المتوقّف على الصلاة فيه، إمّا لاقتضاء الضمان ذلك، و إمّا لوقوعه تحت اليد، لم يكن التصرّف الصلاتي منهيّا عنه، فلا وجه لفسادها.

الثاني: لو صبغ الثوب بصبغ مغصوب

، أو خاطه بخيط مغصوب، فربّما قيل:

إنّه لا مانع من الصلاة فيه، لعدّ الصبغ و الخيط تالفا و يلزمه قيمته، و يشكل ذلك بأنّ دعوى عدّ الصبغ و الخيط تالفا عند العرف ممّا لا سبيل إليها، بعد ما كان عين الصبغ و الخيط موجودا في الثوب، و مجرّد عدم إمكان ردّه إلى صاحبه لا يقتضي ذلك و لا الانتقال إلى القيمة، فليكن شريكا بنسبة قيمة الصبغ و الخيط، و ليس كلّ ما لا يمكن ردّه إلى صاحبه يعدّ تالفا عند العرف، بل التالف ما خلا صفحة الوجود عنه، إمّا حقيقة كالحرق، و إمّا عرفا كالغرق في البحر الذي يستحيل عادة إخراجه و إيصاله إلى صاحبه، و أمّا الصبغ و الخيط الذي هو موجود بالفعل، و ما بحذاء في الخارج، و ممّا يشار إليه عرفا، فلا يمكن عدّه تالفا و الانتقال إلى القيمة.

نعم فيما لو أجبر أحد على الصبغ و الخياطة مع كون الصبغ و الخيط مباحا و ملكا للمكره بالكسر أمكن أن يقال: إنّه لا مانع من الصلاة فيه، و يلزمه قيمة أجرة الخياطة و الصباغة، لأنّه عمل محترم له أجره عند العرف، بل استشكل شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- في حاشيته على العروة الصلاة فيه أيضا،

من جهة احتمال بعض الشركة في المالية في الزيادات الحكمية كالقصارة و الخياطة، فإذا كان هذا حال الزيادة الحكمية فما ظنّك في الزيادات العينية، كما إذا كان الصبغ و الخيط ملكا لغير مالك الثوب، فتأمّل جيّدا.

الثالث: لا إشكال في جواز الصلاة لو أذن المالك الصلاة في المغصوب حتّى بالنسبة إلى الغاصب

، و احتمال منع الغاصب حتّى مع إذن المالك ضعيف جدّا، و أضعف منه احتمال منع غير الغاصب أيضا، كما أنّ أضعف منه احتمال منع نفس المالك أيضا مع بقاء موضوع الغصبية، إذ ليس منشأ لهذه الاحتمالات سوى كون العين بعد مغصوبة و بالإذن لا تخرج عن الغصبية.

و لكن فيه أنّه ليس لنا إطلاق يدلّ على منع الصلاة في المغصوب حتّى يؤخذ بإطلاقه، و يقال: ما دامت العين باقية على الغصب لا يجوز الصلاة فيها و لو للمالك، بل لو كان هناك إطلاق لما كان دالّا على ذلك، لعدم شموله لصورة الإذن، أو انصرافه إلى غير ذلك، فتأمّل جيّدا. هذا تمام الكلام فيما يتعلّق باللباس المغصوب.

و ممّا قيل باعتباره في لباس المصلّي هو أن لا يصلّي فيما يستر ظهر القدم دون الساق، ذكره جماعة من الأعلام، و قد استدلّ عليه بما روي مرسلا من عدم جواز الصلاة في الشمشك بضمّ الأوليين و سكون الثالث، و النعل السندية (1).

و لعلّ قد فهموا من ذلك المثال و تعدّوا عنهما إلى كلّ ما لا يغطّي الساق، هذا.

و لكنّ الأقوى الجواز، لأنّ إثبات الحكم بمثل هذا المرسل الذي لم يعلم عمل القدماء به مشكل، و على فرض العمل به فلم يعلم أنّ المنع عنهما لمكان عدم تغطية الساق، إذ يحتمل أن يكون النهي من ذلك لأجل عدم استقرار


1) الوسائل: ج 3 ص 311، باب 38 من أبواب لباس المصلّي، ح 7.

الإبهام على الأرض بنفسه أو بحائل في حال السجود، بل يبقى الإبهام في زاوية النعل معلّقا بالهواء، كما هو المحسوس في أغلب النعول، هذا كلّه مضافا إلى ما في التوقيع المروي عن الاحتجاج أنّ محمّد بن عبد اللّٰه بن جعفر الحميري كتب إلى صاحب الزمان عليه السّلام يسأله هل يجوز للرجل أن يصلّي و في رجليه بطيط لا يغطّي الكعبين أم لا يجوز؟ فوقّع عليه السّلام جائز (1). بناء على إرادة العظمين من الكعبين فيه، و على كلّ حال الظاهر أنّه لا ينبغي الإشكال في الجواز. هذا كلّه فيما يعتبر في الساتر من اللباس.

و أمّا ما يعتبر في الستر من حيث المحلّ الذي يجب ستره. يجب على الرجل ستر عورته من القبل و الدبر و البيضتين، و لا يجب ستر ما زاد على ذلك، و لا الصلاة في ثوبين. و أمّا المرأة فيجب ستر جميع بدنها عدا الوجه و الكفّين و القدمين. و قد استدلّ على ستر جميع البدن بما ورد من أنّ نسائكم عوراتكم (2).

و لا يخفى أنّه ليس المراد منه كون المرأة جميعها عورة التي هي عبارة عن سوءة و ما يستحي منه، بل المراد من كون المرأة عورة وجوب حفظها و مراعاتها، كما هو المراد من قوله تعالى بُيُوتَنٰا عَوْرَةٌ (3).

و ربّما يدّعى الملازمة بين ما يجب ستره عن غير المحارم و ما يجب ستره في الصلاة، و هو جميع البدن عدا ما استثني. و لكنّ الإنصاف أنّه لم تثبت هذه الملازمة، و لم يدلّ عليها دليل، و النصوص الواردة في الباب ليس إلّا وجوب ليس المرأة ثوبين في الصلاة، و هي أخبار متعدّدة على اختلاف بينها من حيث جعل الثوبين في بعضها الدرع و الخمار، و في بعضها الدرع و المقنعة، و في بعضها


1) الاحتجاج: ج 2 ص 484 س 21.

2) الوسائل: ج 14 ص 173 باب 131 من أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، ح 1 إلّا أنّ فيه هكذا «أنّ النساء عيّ و عورة .. إلخ».

3) الأحزاب: الآية 13.

غير ذلك، و معلوم أنّ ذلك من باب المثال، و المقصود لبسها ثوبين أحدهما يستر أسافل البدن و الآخر أعاليه، بل يكفيها ثوب واحد إذا كان ساترا للأسافل و الأعالي، و التعبير في الثوبين إنّما هو لغلبة تحقّق ستر ذلك بهما، و ندرة الستر بثوب واحد يكون ساترا للجميع، و حينئذ ينبغي الاقتصار بما يقتضيه طبع الثوبين من الستر.

لا إشكال أنّه لو كان هناك ثوبان، سترت بأحدهما أسافل البدن و بالآخر أعاليه، فالذي يتحقّق من الستر هو ستر جميع البدن، عدا ما استثني من الوجه و الكفّين و القدمين، فما في بعض الأخبار (1)من عدم وجوب ستر الرأس مؤوّل أو مطروح، لعدم العمل به، و كذا إلحاق بعض الشعر بالوجه ممّا لا وجه له، مع أنّ المتعارف عند لبس الثوبين هو ستر الشعر أيضا، هذا مضافا إلى دعوى الإجماع و الشهرة المحقّقة على ذلك، فلا ينبغي الإشكال في ذلك، كما لا ينبغي الإشكال في عدم وجوب ستر الوجه و الكفّ و القدم، بعد ما كان المتعارف عند لبس الثوبين عدم ستر ذلك بهما، فما في بعض العبائر من وجوب ستر جميع البدن إلّا موضع السجود ممّا لا وجه له، و كذا لا إشكال في عدم وجوب ستر الرأس على الأمة، لورود النص (2)على ذلك.

بقي في المقام فروع مهمّة ينبغي التعرّض لها.
الأول: يتحقّق الستر بكلّ ما يكون ساترا بحسب نوعه و طبعه

، و لا يلزم أن يكون من جنس المنسوج، بل يكفي الجلد و الملبد و غير ذلك من أنواع الساتر، بل و كذا الحشيش و الورق و غير ذلك. نعم في كون الحشيش و الورق في عرض


1) الوسائل: ج 3 ص 297 باب 5 من أبواب لباس المصلّي، ح 5 و 6.

2) الوسائل: ج 3 ص 297 باب 29 من أبواب لباس المصلّي، ح 1 و 2.

المنسوج و الجلد إذا عمل منه ثوبا و الملبد، أو في طوله و أنّ الانتقال إلى ذلك عند تعذّر المنسوج و شبهه إشكال. فظاهر بعض هو العرضية، و ظاهر آخر الطولية، على اختلاف في كلماتهم في الطولية، و أنّ مثل الطين مثلا هل هو في عرض الحشيش أو في طوله، و غير ذلك ممّا يطّلع عليها المراجع.

و الظاهر أنّ الجميع في عرض واحد، و أنّه يجوز اختيارا التستّر بالحشيش، و إن مال شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- إلى الطولية، نظرا إلى أنّ الظاهر من الستر هو الستر بما يكون ساترا في جنسه و طبعه، و إلى صحيح علي بن جعفر سأل أخاه عن رجل قطع عليه أو غرق متاعه فبقي عريانا، و حضرت الصلاة كيف يصلّي؟ قال: إن أصاب حشيشا يستر به عورته أتمّ صلاته بركوع و سجود (1).. إلخ. فإنّ أمره عليه السّلام بالتستّر بالحشيش بعد فرض السائل عدم التمكّن من غيره، و عدم التمكّن و إن كان في كلام السائل لا في كلام الإمام عليه السّلام، إلّا أنّه يشعر بأنّه الانتقال إلى الحشيش إنّما هو عند عدم التمكّن من غيره، فتأمّل. نعم ينبغي القطع بعدم كفاية الستر باليد إلّا عند الضرورة (2).

الثاني: الستر واجب في الصلاة و إن لم يكن هناك ناظر محترم

، و ليس الستر مقصورا بما إذا كان هناك ناظر، بل الستر واجب في الصلاة مطلقا، على وجه لو كان هناك ناظر لامتنع عليه النظر إلى عورته. و يتفرّع على ذلك وجوب ستر العورة من جميع الجهات، فلو كان واقفا على سطح أو شبّاك، بحيث لو كان هناك ناظر من تحت لأمكنه النظر إلى عورته، لم يتحقّق منه الستر الواجب،


1) الوسائل: ج 3 ص 326 باب 50 من أبواب لباس المصلّي، ح 1 و فيه اختلاف يسير.

2) و سيأتي الكلام في الطين «منه».

بل كان يجب عليه الستر على وجه لا يمكن للواقف من تحت النظر إلى العورة.

نعم من كان واقفا على الأرض لم يجب عليه الستر من تحت، لتحقّق الستر بالأرض، بل يجب عليه الستر من سائر الجوانب. هذا كلّه بالنسبة إلى الستر عن الغير.

و أمّا الستر عن نفسه ففي وجوبه إشكال، فلو صلّى في ثوب واسع الجيب، بحيث لو أراد النظر إلى عورة نفسه لأمكنه و لو في بعض الأحوال، ففي الصحّة إشكال. و لا يبعد أن يقال: إنّ الشكّ في ذلك إنّما هو لأجل تردّد مفهوم الستر بين الأقل و الأكثر، لعدم العلم بأنّ الستر الواجب في الصلاة ما هو، و أنّه هل يجب الستر حتّى عن نفسه أو لا، و كلّما رجع الشكّ إلى ذلك فالأصل البراءة.

الثالث: وجوب الستر في الصلاة إنّما هو وجوب شرطي لا تكليفي محض

، كما هو ظاهر الأوامر الواردة في بيان أجزاء العبادة و شرائطها، فلا تصحّ الصلاة مع عدم الستر. و هل شرطيّته مطلقة حتّى في حال الجهل و النسيان، أو مقصورة بصورة العلم و الالتفات؟ الظاهر أنّ شرطيّته ليست مطلقة بحيث لو جهل بالستر أو نسيه في تمام الصلاة أو في بعضها تبطل.

و تفصيل ذلك هو أنّ عدم الستر، إمّا أن يكون لجهل به، كما إذا تستّر بثوب بتخيّل أنّه ساتر لعورته مع أنّ في الواقع لم يكن ساترا، و إمّا لنسيانه، كما إذا نسي التستّر و صلّى عاريا، من غير فرق بين أن يكون النسيان من أول الصلاة، أو في أثنائها، كما إذا تستّر في أول الصلاة و في الأثناء انكشفت عورته و نسي سترها ثانيا، و إمّا لقهر قاهر، كما إذا هبّ الريح في أثناء الصلاة فانكشفت عورته. و كلّ من هذه الأمور الثلاثة إمّا أن يزول المانع من الجهل و النسيان و القهر في أثناء الصلاة، كما إذا التفت أو تذكّر أو سكن الريح في

الأثناء، و إمّا أن يزول بعد الصلاة، فتكون الصور ستّة.

أمّا صورة الجهل فإن لم يلتفت إلّا بعد الصلاة فلا إشكال في الصحّة، لصحيح علي بن جعفر عن أخيه قال: سألته عن الرجل يصلّي و فرجه خارج لا يعلم به، هل عليه إعادة أو ما حاله؟ قال عليه السّلام: لا إعادة عليه، و قد تمّت صلاته (1). فإنّ المتيقّن من شموله هو صورة عدم الالتفات إلّا بعد الصلاة.

و إن التفت في الأثناء، فهو و إن كان خارجا عن مورد الرواية، إلّا أنّه لا يبعد دعوى عدم الفرق بين وقوع تمام الصلاة من غير ساتر لجهل به، أو وقوع بعضها لذلك.

لكنّ هذا إنّما يجدي بالنسبة إلى حال الجهل، بمعنى أنّ الأجزاء الواقعة في حال الجهل بعدم الستر حالها حال جميع الصلاة الواقعة كذلك، و أمّا بالنسبة إلى حال العلم بذلك، و هو آن التفاته إلى أنّه مكشوف العورة و هو عالم به؟ فبأيّ وجه يمكن القول بالصحّة مع أنّه يصدق عليه أنّه مكشوف العورة و هو عالم به؟ و لا يجديه تحقّق الستر منه بعد العلم فورا، فإنّ الكلام إنّما هو في آن العلم و الالتفات، فإنّ في هذا الآن إلى أن يتحقّق الستر منه لم يكن واجدا للشرط من الستر مع علمه بذلك، و الحال أنّ الستر شرط في جميع أكوان الصلاة، لا أنّه شرط لخصوص الأقوال و الأفعال، كما سيأتي بيانه إن شاء اللّٰه، فيشكل الأمر في هذه الصورة، و هي صورة التفاته في الأثناء.

فإن قلت: بعد البناء على أنّ الأجزاء السابقة على الالتفات، الواقعة في حال عدم التستّر مشمولة لصحيح علي بن جعفر، فبلازمه يدلّ على اغتفار


1) الوسائل: ج 3 ص 293 باب 27 من أبواب لباس المصلّي، ح 1.

عدم تحقّق الستر في حال الالتفات إلى حصول الستر، و إلّا لغا صحّة الأجزاء الواقعة في حال الجهل، فإنّ معنى اغتفار عدم تحقّق الستر مع الجهل به فيما مضى من صلاته و لو التفت في الأثناء هو اغتفار عدم الستر في حال الالتفات إلى أن يحصل الستر.

و الحاصل: أنّه لا بدّ إمّا من القول بأنّ رواية علي بن جعفر مقصورة بصورة وقوع تمام الصلاة فاقدة للستر مع الجهل، فلا تعمّ وقوع بعض الأجزاء كذلك، و هو بعيد غايته، و إمّا من القول باغتفار عدم الستر في حال الالتفات لو التفت في الأثناء.

قلت: حيث إنّ صحيح علي بن جعفر كان شموله لمحلّ البحث بالعموم و من المعلوم في محلّه أنّه لو كان هناك عموم ذو أفراد و كان شمول العام لبعض الأفراد بلا عناية و شموله لبعض آخر يتوقّف على عناية من إثبات لازم ذلك البعض، كان ذلك الفرد المتوقّف شمول العام له على عناية إثبات لازمة غير مشمول للعام من أصله لا أنّه مشمول له، نعم لو كان الدليل خاصّا بذاك الفرد لكان لا محالة مثبتا للازمه من جهة خروج الكلام عن اللغوية، و لنوضّح ذلك بمثال مثلا قوله صلّى اللّٰه عليه و آله: «رفع ما لا يعلمون» (1)عام ذو أفراد شامل لكلّ تكليف مجهول أمر وضعه و رفعه بيد الشارع كالشكّ في وجوب الدعاء و الصلاة و غير ذلك، و من التكليف المجهول الشكّ في جزئية شي‌ء للعبادة كالسورة للصلاة فيعمّه حديث الرفع و لكنّ الشكّ في جزئية ذلك الشي‌ء يلازم الشكّ في حصول الغرض و المصلحة التي اقتضت الأمر بالمركّب عند عدم فعل ذلك المشكوك، فلو قلنا إنّ تحصيل الغرض ليس بواجب بل


1) الوسائل: ج 11 ص 295 باب 56 من أبواب جهاد النفس، ح 1.

الواجب هو فعل متعلّق التكليف- كما هو المختار عندنا- كان شمول حديث الرفع للجزء المشكوك في عرض شموله لسائر التكاليف المجهولة بلا عناية أصلا.

و أمّا لو قلنا بوجوب تحصيل الغرض- كما قيل- فلا يمكن أن يعمّ حديث الرفع (1)للجزء المشكوك، لما عرفت من أنّ الشكّ فيه يلازم الشكّ في حصول الغرض و الشكّ في حصول الغرض هو بنفسه لم يكن مشمولا لحديث الرفع لأنّه من الشكّ في المحصّل الذي لا تجري البراءة فيه كما أوضحناه في محلّه، و لا يمكن أن يقال: إنّ حديث الرفع بالنسبة إلى نفس الجزء المشكوك لا مانع من شموله، لأنّه تكليف مجهول، و شموله لذلك لا يلازم إلقاء الشارع، للشكّ في المحصّل و جعله الخالي من ذلك الجزء محصّلا للغرض و إلّا لغا رفع الجزء المشكوك لأنّه دائما ملازم للشكّ في حصول الغرض، فلو لم يجعل الشارع الخالي من ذلك الجزء محصّلا للغرض لما كان معنى لقوله رفع التكليف عن الجزء المشكوك، إذ لا فائدة في رفعه، و ذلك لأنّ هذا فرع شمول حديث الرفع للجزء المشكوك الملازم لذلك اللازم من الشكّ في المحصّل، و الكلام بعد في شموله للجزء المشكوك لأنّ شموله لذلك يتوقّف على جعل آخر من إلقاء الشكّ في المحصّل و إلّا كان شموله لذلك لغوا كما قيل، و ذلك الجعل الآخر يتوقّف شمول حديث الرفع للجزء المشكوك و هذا كما ترى.

و الحاصل: أنّ حديث الرفع إنّما هو متكفّل لجعل مدلوله، فلا يمكن أن يتكفّل لجعل آخر غير مدلوله، فلو توقّف شموله لبعض أفراده على جعل آخر كان ذلك مانعا عن شموله لذلك الفرد لا أنّه يشمل و بشموله يترتّب عليه


1) الوسائل: ج 11 ص 295 باب 56 من أبواب جهاد النفس، ح 1.

ذلك الجعل الآخر، و من هنا لا نقول بالأصل المثبت، نعم لو كان حديث الرفع مختصّا بالأجزاء كان لا محالة يترتّب عليه ذلك الجعل و إلّا لغا إلّا أنّ الأمر ليس كذلك، فإنّه من عدم شموله للأجزاء لا يلزم محذور أصلا و لا يبقى العام بلا مورد، لبقاء الشكّ في التكليف غير الأجزاء تحته، و ما نحن فيه من هذا القبيل عينا، فإنّ رواية علي بن جعفر (1)إنّما هي متكفّلة لحال الجهل بعدم الساتر، و أمّا حال العلم بعدم الساتر إلى حصول الستر منه فالرواية غير متعرّضة له بالمطابقة، نعم لازم شمولها لصورة الالتفات في الأثناء هو اغتفار حال العلم أيضا، كما كان لازم شمول حديث الرفع (2)للأجزاء هو محصّلية الخالي عن الجزء المشكوك، فلا يمكن أن يقال إنّ الرواية شاملة لصورة الالتفات في الأثناء و يترتّب عليه اغتفار حال الالتفات أيضا و إلّا لغا، إذ اللغوية إنّما تلزم لو كانت الرواية مختصّة بصورة الالتفات في الأثناء، إلّا أنّ الأمر ليس كذلك لأنّ من عدم شموله لتلك الصورة لا يلزم منه محذور بقاء الرواية بلا مورد، لشمولها لصورة الالتفات بعد الصلاة فتأمّل جيدا، هذا كلّه في الجهل.

و أمّا النسيان فلو نسي الستر و لم يتذكّر إلّا بعد الصلاة، فقد حكي (3)عن الشهيد- قدّس سرّه- بطلان الصلاة، و ربّما يقال بالصحّة لعموم رفع النسيان، و قد بينا في محلّه عدم إمكان التمسّك بحديث الرفع لرفع الأجزاء و الشرائط المنسيّة، و من الغريب أنّه لم يتمسّك لما نحن فيه بحديث «لا تعاد» (4)، و دعوى


1) الوسائل: ج 3 ص 293 باب 27 من أبواب لباس المصلّي، ح 1.

2) الوسائل: ج 11 ص 295 باب 56 من أبواب جهاد النفس، ح 1.

3) جواهر الكلام: ج 8 ص 178.

4) الوسائل: ج 3 ص 227 باب 9 من أبواب القبلة، ح 1.

أنّ حديث «لا تعاد» مقصور بالأجزاء دون الشرائط، يدفعها اشتمال «لا تعاد» على الشرائط كالقبلة و الطهور، فالظاهر أنّه لا مانع من شمول حديث «لا تعاد» لصورة النسيان إلّا أنّ الجرأة على الفتوى به مشكل، بعد عدم تمسّك الأساطين به مع علمهم به في سائر المقامات، بل عليه يبتنى غالب أساس قواعد الخلل، هذا لو تذكّر بعد الصلاة.

و أمّا لو تذكّر في الأثناء فبالنسبة إلى الأجزاء الواقعة مع غير الساتر في حال النسيان لا مانع من شمول حديث «لا تعاد» لها، و أمّا بالنسبة إلى حال التذكر فالكلام فيه الكلام في حال الجهل لأنّ حال التذكّر غير داخل في «لا تعاد» إلّا بعناية دخول ملزومه من حال النسيان، و المفروض أنّ «لا تعاد» أيضا عام لا يلزم من عدم شموله لصورة التذكّر في الأثناء محذور أصلا، اللّٰهم إلّا أن يقال: إنّ ملاك شمول «لا تعاد» للنسيان السابق على التذكّر هو بعينه موجود في حال التذكّر فحال التذكّر مشمول ل «لا تعاد» في عرض شموله لحال النسيان لا أنّه لازم له، و ذلك لأنّ حديث «لا تعاد» مقصور بما إذا كان التكليف بالجزء الفائت ساقط بحيث يستحيل التكليف به إلّا بالإعادة، و لا يمكن التكليف به بدون الأمر بالإعادة، فكلّ مورد كان التكليف منحصر بالإعادة ف «لا تعاد» ترفعه، و أمّا إذا أمكن التكليف بالفائت بدون الأمر بالإعادة فلا يعمّه حديث «لا تعاد» بل مورد «لا تعاد» منحصر بما إذا كان التكليف بالفائت مساوق لقوله أعد فب «لا تعاد» تنفى الإعادة، و من هنا كان الجهل خارجا عن مورد «لا تعاد» فإن ترك الجزء أو الشرط جهلا لا يوجب سقوط التكليف به لقدرته على فعل الجزء أو الشرط خارجا، غايته أنّه لا يفعله لا أنّه لا يمكنه فعله، حتّى يسقط التكليف منه و ينحصر تكليفه بالإعادة، بل هو حال ترك الجزء مكلّف بفعله، و لا يقال له

«أعد» بل يقال له «اقرأ السورة» لتمكّنه من فعلها، و الجهل لا يوجب سقوط التكليف في شي‌ء من الموارد، و هذا بخلاف صورة النسيان، فإنّه يستحيل تكليف الناسي للجزء أو الشرط لخروجه بنسيانه عن قدرته و ينحصر تكليفه حينئذ بالإعادة، و من هنا نقول يلزم تدارك المنسيّ مع بقاء محلّه- و هو عدم الدخول في ركن- لعدم انحصار تكليفه حينئذ بالإعادة.

و بالجملة: ينحصر مورد «لا تعاد» بما إذا كان التكليف بالفائت مساوقا لقوله أعد، و هذا في صورة النسيان واضح و كذا ما بحكمه ممّا إذا لم يمكن التكليف بالفائت إلّا بالإعادة و حينئذ نقول: إنّه كما كان ترك الستر في حال النسيان مشمولا ل «لا تعاد». فكذلك ترك الستر في حال التذكّر إلى زمان يمكنه الستر مشمول ل «لا تعاد» بمناط شموله لحال النسيان، إذ ليس مناط شموله لحال النسيان إلّا امتناع تكليفه بالستر في ذلك الحال إلّا بالإعادة، فكذلك في حال التذكّر لامتناع تكليفه بالستر في ذلك الحال قبل مضيّ زمان يمكنه الستر، و ينحصر تكليفه بالإعادة لو كان الستر شرطا في ذلك الحال، فحديث «لا تعاد» (1)بمناط واحد يشمل حال النسيان و التذكّر في عرض واحد لا أنّ أحدهما لازم للآخر حتّى يتّجه عليه الإشكال المتقدّم.

و بذلك ظهر حكم ما إذا كان عدم الستر لقهر قاهر من ريح و غيره فإنّه مشمول لحديث «لا تعاد» بكلا قسميه من زوال المانع بعد الصلاة أو في الأثناء، بل يمكن أن يقال بالصحّة في الصورة الثانية أيضا، و هي ما إذا كان عدم التستّر لجهل به و قد علم به في الأثناء، غايته أنّ الصحّة فيها يكون بمجموع الدليلين من رواية على بن جعفر (2)، و من حديث «لا تعاد» فالرواية


1) الوسائل: ج 3 ص 227 باب 9 من أبواب القبلة، ح 1.

2) الوسائل: ج 3 ص 293 باب 27 من أبواب لباس المصلي، ح 1.

تدلّ على الصحّة بالنسبة إلى حال الجهل- أي عدم الستر الحاصل في حاله- و الحديث يدلّ عليها بالنسبة إلى حال العلم بمقدار يمكنه الستر، و لا حاجة إلى التمسك بالصحّة لحال العلم برواية علي بن جعفر حتّى يقال إنّ ذلك من إثبات اللازم بالعام، فتأمّل.

الرابع: الظاهر أن يكون الستر شرطا في جميع الصلاة من أجزائها و أكوانها حتّى السكونات المتخلّلة، و ليس شرطيّة الستر كشرطية الطهارة من الخبث حيث تكون شرطا في خصوص الأجزاء، و من هنا كان نجاسة البدن أو الثوب في بين السكونات مع تطهيره عند فعل الأجزاء ممّا لا يخلّ بالصحّة، لأنّ النجاسة الخبثية اعتبرت على جهة المانعية لا القاطعية، بخلاف الحدث، و الظاهر أن يكون شرطية الستر من قبيل شرطيّة الطهارة الحدثيّة و ذلك لظهور الأدلّة في ذلك، فإنّ الظاهر من اعتبار الستر في الصلاة هو اعتباره في جميع الصلاة حتّى في الهيئة الاتّصالية، و جعله من قبيل النجاسة الخبثية يحتاج إلى دليل، هذا مع أنّ مناسبة الحكم و الموضوع يقتضي ذلك، حيث إنّه لا يناسب الوقوف بين يدي الجبّار مع كونه مكشوف العورة و لو في آن من الآنات.

الخامس: قد عرفت فيما تقدّم الكلام في الستر بالحشيش

و أنّه هو في طول الستر بما يكون ساترا في نوعه كالثوب أو في عرضه و هل التستّر (1)بالطين و الدخول في الحفيرة و الماء الكدر و غير ذلك ممّا يحصل به الستر عن الناظر المحترم يكون كالتستّر بالحشيش أو لا؟ و اعلم أنّ الكلام في التستّر بالطين و ما شابهه من الحفيرة و الماء الكدر يقع من جهتين:


1) كون التستّر بالطين و الحفيرة و الماء الكدر في عرض واحد أو بينها ترتّب كلام للأصحاب، لا يخفى على المراجع، و إن اختار شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- العرضية فتأمّل «منه».

الاولى: أنّ الستر بذلك هل هو من الستر الصلاتي حتّى يجب و لو مع الأمن عن الناظر المحترم، أو أنّه ليس من الستر الصلاتي بل هو من الستر عن الناظر المحترم فلا يجب إلّا مع عدم الأمن منه؟

الثانية: بعد أن ثبت أنّ الستر بذلك إنّما يكون من الستر الصلاتي، فهل هو في طول سائر ما يحصل به الستر، حتّى يكون الانتقال إليه بعد عدم التمكّن من غيره حتّى من الحشيش الذي ثبت كونه ساترا في الجملة، أو أنّه في عرض غيره، و هذا بخلاف الكلام في الحشيش فإنّه كان متحصلا من الجهة الثانية، لأنّه لا إشكال في أنّ الستر بالحشيش كان من الستر الصلاتي، كما دلّ عليه رواية علي بن جعفر، و على كلّ حال ليس فيما بأيدينا من الأدلة ما يدلّ على وجوب الستر بهذه الأشياء سوى رواية الحفيرة، و هي رواية مرسلة أيّوب ابن نوح عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام العاري الذي ليس له ثوب إذا وجد حفرة دخلها و سجد فيها و ركع (1). و هي و إن كانت مرسلة إلّا أنّ عمل الأصحاب بها يكون جابرا لها، فمن هذه الجهة لا إشكال إنّما الإشكال فيما يستفاد منها، من أنّ النزول في الحفيرة هل هو من جهة حصول الستر الصلاتي، كما قوّاه بعض الأعلام في بعض رسائله العملية، أو من جهة الأمن عن الناظر، كما قواه صاحب الجواهر (2)- قدّس سرّه- و عليه بنى في رسالته العلمية.

و تنقيح البحث هو: أنّ هذه المرسلة صالحة لأن تكون مقيّدة لأحد الإطلاقين.

الأول: إطلاق رواية علي بن جعفر الدالّة على أنّه إن لم يجد شيئا يستر به


1) الوسائل: ج 3 ص 326 باب 50 من أبواب لباس المصلي، ح 2.

2) جواهر الكلام: ج 8، ص 212.

للصلاة حتّى الحشيش فليصلّ قائما بإيماء، فتكون هذه المرسلة مقيّدة لإطلاق قوله عليه السّلام «إن لم يجد شيئا»، فيصير المعنى حينئذ إن لم يجد شيئا يستر به حتّى الحفيرة فليصلّ قائما بإيماء، و أمّا لو وجد حفيرة فلينزلها و يصلّي مع ركوع و سجود، و على هذا يكون الستر بالحفيرة من الستر الصلاتي، و يجب حينئذ و إن أمن المطّلع.

الثاني: إطلاق ما دلّ على أنّه عند الأمن من المطّلع يصلّي قائما بإيماء، و إن كان بعض الروايات خالية عن قيد الإيماء كمرسل ابن مسكان المنجبر بالشهرة يصلّي عريانا قائما إن لم يره أحد فإن رآه أحد صلّى جالسا» (1).

فتكون المرسلة مقيّدة لهذه الطائفة من الأخبار، فيصير المعنى حينئذ إن أمن المطّلع صلّى قائما و إن لم يأمن المطّلع صلّى جالسا إلّا إذا وجد حفيرة فيدخلها و يصلّي قائما بركوع و سجود، فتخرج الرواية حينئذ عن الستر الصلاتي، و يكون النزول في الحفيرة مقصورا بما إذا لم يأمن المطّلع.

و توهّم أنّه لا مانع من تقييد كلا الإطلاقين واضح الفساد، فإنّ تقييد الإطلاق الأول يوجب رفع موضوع الإطلاق الثاني، بداهة أنّه لو كان النزول في الحفيرة من مراتب الستر الصلاتي لكان اللازم حينئذ نزولها سواء أمن المطلع أو لم يأمن.

و بالجملة: رواية الحفيرة يمكن أن تكون مقيّدة لإطلاق رواية علي بن جعفر (2)، الدالّة على أنّه عند عدم إصابة شي‌ء يستر به عورته للصلاة يصلّي قائما بإيماء، سواء وجد حفيرة أو لم يجد، و هذه المرسلة تدلّ على أنّه إن وجد حفيرة ليس له الإيماء بل يصلّي بركوع و سجود فتقيّد تلك الإطلاق و يكون


1) الوسائل: ج 3 ص 326 باب 50 من أبواب لباس المصلي، ح 3.

2) الوسائل: ج 3 ص 326 باب 50 أبواب لباس المصلي، ح 1.

النزول في الحفيرة من مراتب الستر الصلاتي، و يمكن أن تكون مقيّدة لإطلاق الروايات الدالّة على أنّه عند عدم الأمن من المطّلع يصلّي جالسا إلّا إذا وجد حفيرة فينزلها و يصلّي قائما بركوع و سجود، و الذي يوهن أن تكون المرسلة مقيّدة للإطلاق الثاني، هو أنّه لم يفرض في المرسلة عدم الأمن عن المطّلع بل هي من هذه الجهة مطلقة، و يكون التعارض بينها و بين ما دلّ على الصلاة جالسا عند عدم الأمن عن المطّلع بالعموم من وجه، فإنّ ما دلّ على الصلاة جالسا أعم من وجدان الحفيرة و عدمه، كما أنّ المرسلة أعم من الأمن عن المطّلع و عدمه، اللّٰهم إلّا أن يقال: إنّ الأمر بالنزول بالحفيرة إنّما هو لعدم الأمن عن المطّلع، و إلّا لكان النزول لغوا إلّا إذا كان من مراتب الستر الصلاتي، فحينئذ يكون الأمر به لذلك، و الذي يوهن أيضا أن تكون المرسلة مقيّدة للإطلاق الثاني هو أنّه بعد ما لم يكن النزول في الحفيرة من مراتب الستر الصلاتي، و كان لأجل الأمن عن المطّلع، فتكون حكم الصلاة في الحفيرة حكم صلاة العراة الآمنين، و سيأتي أنّ حكمها الصلاة قائما مع الإيماء من دون ركوع و سجود، و إن خالف في ذلك بعض الأعلام كصاحب الجواهر (1)حيث قال بالركوع و السجود فيها نظرا إلى هذه المرسلة، إلّا أنّه سيأتي ضعفه و هذا بخلاف ما إذا جعلنا النزول في الحفيرة من مراتب الستر الصلاتي، فإن اعتبار الركوع و السجود فيها على القاعدة و لعل من قال: بأنّ النزول في الحفيرة من مراتب الستر الصلاتي كان نظره إلى هذا، و لكن الذي يوهن أن يكون النزول في الحفيرة من مراتب الستر الصلاتي، هو استبعاد كون النزول في الحفيرة التي يمكن للشخص من الركوع و السجود فيها من مراتب الستر الصلاتي، مع كون الحفيرة بهذه السعة، إذ


1) جواهر الكلام: ج 8 ص 198.

مناسبة الحكم و الموضوع لا يقتضي ذلك.

فالإنصاف أنّه لا يمكن القول بأنّ النزول في الحفيرة من مراتب الستر الصلاتي، فتكون رواية الحفيرة حينئذ ساقطة، لأنّه بعد عدم كون النزول فيها من مراتب الستر الصلاتي يكون النزول فيها لأجل الأمن عن المطّلع، و معه لا يمكن الفتوى بمضمونها لما سيأتي، من أنّ صلاة العاري الآمن عن المطّلع إنّما هو بالإيماء لا بالركوع و السجود، مع أنّ الرواية مرسلة و لم يظهر من القدماء العمل بمضمونها، بل سيأتي أنّ نفس وجوب النزول في الحفيرة لأجل تحصيل الأمن عن المطّلع (1)إشكال، فإنّ من لم يأمن المطّلع تكليفه الجلوس، و لا يجب عليه تحصيل الأمن كما سيأتي بيانه إن شاء اللّٰه.

ثمّ إنّ في حكم النزول في الحفيرة التلطّخ بالطين، و النزول في الماء الكدر، و أنّ ذلك ليس من مراتب الستر الصلاتي، بداهة أنّه لو كان التلطّخ بالطين من مراتب الستر الصلاتي لوقع التنبيه عليه في الأخبار، كيف لا يكون كذلك مع أنّ مثل الحشيش نبّه عليه في الأخبار، و الحال أنّ التلطّخ بالطين أسهل أصابه من الحشيش، إذ قلّما يوجد أحد لا يمكنه خلط الماء بالتراب و جعله طينا و تلطيخ العورة به، و إصابة الحشيش لا يكون بهذه السهولة.

و بالجملة وقوع التنبيه بالستر بالحشيش في الأخبار و عدم وقوعه بالتلطّخ بالطين، يكشف عن أنّ التلطّخ بالطين ليس من الستر الصلاتي، بل يجب لتحصيل الأمن عن الناظر المحترم.

الفرع السادس: من لم يجد شيئا يستر به عورته للصلاة

، فإن أمن من الناظر المحترم وجب عليه الصلاة قائما، و إن لم يأمن وجب عليه الصلاة جلوسا، و هذا


1) و الأقوى وجوب تحصيل المأمن مقدّمة للقيام الواجب في الصلاة كما يأتي الإشارة إليه «منه».

ممّا لا إشكال فيه و قد تضافرت عليه النصوص، إنّما الكلام في كيفية صلاة القائم و الجالس، أمّا الجالس فالظاهر أيضا أنّه لا إشكال في أنّه لا يجوز له الركوع و السجود بل يومي إليهما، و أمّا القائم فقد اختلفت كلمات الأعلام في كيفيّتها فقيل: بأنّه يركع و يسجد و اختاره في الجواهر (1)، و قيل: بأنّه يومي لهما و هذا هو الأقوى لدلالة جملة من النصوص عليه من غير معارض إلّا رواية الحفيرة (2)التي قد تقدّم الكلام فيها، فمن ذلك قوله عليه السّلام في رواية علي ابن جعفر المتقدّمة: «و إن لم يصب شيئا يستر به عورته أومى و هو قائم» (3)، بعد تقييدها بصورة الأمن عن المطلع بقرينة الأخبار المفصّلة، و من ذلك موثّقة سماعة «في رجل يكون في فلاة من الأرض ليس عليه إلّا ثوب واحد و أجنب فيه و ليس عنده ماء قال: يتيمّم و يصلّي عريانا قائما و يومي إيماء» (4)، و في نسخة الكافي (5)«قاعدا» بدل «قائما».

ثمّ إنّه بناء على وجوب الإيماء عليه لو خالف و ركع و سجد كان مقتضى القاعدة بطلان صلاته لعدم إتيانه ما هو المأمور به في هذا الحال، و دعوى أنّ سقوط الركوع و السجود رخصة لا عزيمة فلا مانع من صحّة الصلاة كذلك ممّا لا شاهد عليها، بعد الأمر بالإيماء، و لو جمع بين الإيماء و الركوع و السجود سهوا ففي بطلان صلاته إشكال، لصدق أنّه زاد في صلاته ركنا من الركوع و السجود فتبطل، و من أنّ الركوع و السجود لم يكونا ركنا في هذا الحال،


1) جواهر الكلام: ج 8 ص 217.

2) الوسائل: ج 3 ص 326 باب 50 من أبواب لباس المصلّي، ح 2.

3) الوسائل: ج 3 ص 326 باب 50 من أبواب لباس المصلي، ح 1.

4) الوسائل: ج 2 ص 1068 باب 46 من أبواب النجاسات، ح 1.

5) الكافي: ج 3 ص 396 ح 15.

فلا موجب للبطلان و قد اختار شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- الأول، و قال بالبطلان، نظرا إلى أنّ أمره بالإيماء لا يوجب خروج الركوع و السجود عن الركنية فتأمّل جيّدا.

و كذا تبطل صلاة من كان وظيفته القيام فخالف و جلس و بالعكس لعدم إتيانه ما هو المأمور به، و دعوى أن أهمّية الستر عن الناظر المحترم أوجب سقوط القيام و الانتقال إلى الجلوس و هذا لا يوجب خروج القيام عن الملاك، فيكون المقام كسائر موارد التزاحم الذي كان لأحد المتزاحمين أهمّية أوجبت الأمر به، فإنّه لا إشكال في أنه لو خالف و أتى بالمزاحم الآخر صحّ لو كان عبادة، فليكن المقام كذلك، ممّا لا دليل عليها، و إن قال به في الجواهر، فإنّه من الممكن أن لا يكون للصلاة عن قيام في هذا الحال- أي حال عدم الأمن عن الناظر المحترم الذي تكليفه الجلوس- ملاك يقتضي الصحّة فتأمّل جيّدا.

الفرع السابع: لا إشكال في أنّه تشرع الجماعة للعراة بل تستحبّ.

لصحيح ابن سنان سألته عن قوم صلّوا جماعة و هم عراة قال: يتقدمهم الإمام بركبتيه و يصلّي بهم جلوسا (1).

و موثّق إسحاق بن عمّار قلت لأبي عبد اللّٰه: قوم قطع عليهم الطريق و أخذت ثيابهم فبقوا عراة و حضرت الصلاة كيف يصنعون قال عليه السّلام يتقدّمهم إمامهم فيجلس و يجلسون خلفه فيومئ إيماء للركوع و السجود و هم يركعون و يسجدون خلفه على وجوههم (2).

و قد عمل بهما الأصحاب و أفتوا بمضمونهما، فما في بعض الأخبار- من إيجاب التباعد و الصلاة فرادى كما عن قرب الأسناد عن الصادق فإن كانوا


1) الوسائل: ج 3 ص 328 باب 51 من أبواب لباس المصلي، ح 1.

2) الوسائل: ج 3 ص 328 باب 51 من أبواب لباس المصلي، ح 2.

جماعة تباعدوا في المجالس ثمّ صلّوا كذلك فرادى (1)- محمول أو مؤوّل، لعدم العمل به و إن كانت القاعدة تقتضيه، بداهة أنّ القيام واجب في الصلاة، و مع عدم المأمن يجب تحصيل المأمن و لو كان ذلك بالتباعد، أو النزول في الحفيرة ليمكنه القيام، فالقول بعدم وجوب التباعد و الصلاة جلوسا جماعة على خلاف القاعدة، لأنّ الجماعة مستحبّة فلا تزاحم ما هو واجب من القيام، إلّا أنّه بعد ورود النصّ الصريح على مشروعيّتها و فتوى الأصحاب بمضمونه كان الإشكال بذلك اجتهادا في مقابل النصّ.

و بالجملة: لا إشكال في مشروعية الجماعة إنّما الكلام في كيفيّتها أمّا بالنسبة إلى القيام و الجلوس، فالظاهر أيضا أنّه لا ينبغي الإشكال في تعيّن الجلوس عليهم، كما هو صريح الأخبار المتقدّمة، و الإشكال بأنّ النسبة بين هذه الأخبار و ما دلّ على أنّ الآمن عن الناظر يصلّي قائما هو العموم من وجه، فإنّ ما يدلّ على أنّ الآمن يصلّي قائما أعم من أن يكون وحده أو مع جماعة، و هذه الأخبار أعم من الآمن و غيره، إذ مجرّد كونهم جماعة لا يلازم عدم الأمن إذ من الممكن أن يكونوا في ظلمة أو فاقدين للبصر، فتكون النسبة هي العموم من وجه مندفع.

أولا: أنّ فرض الأمن عن الناظر مع كونهم جماعة نادر جدّا، تكون هذه الأخبار منصرفة عنه، بل هي مختصّة بصورة عدم الأمن، فتكون هذه الأخبار موافقة لما دلّ على أنّ غير الآمن يصلّي جالسا.

و ثانيا: فعلى فرض كون النسبة هي العموم من وجه، فالعمل على هذه الأخبار إجماعا، إذ لم ينقل من أحد أنّهم يصلّون قائما جماعة و أمّا من حيث


1) قرب الاسناد: ص 66.

الركوع و السجود، فظاهر الأخبار أنّ الإمام يومي و هم يركعون و يسجدون، و لكن اختلفت كلمات الأصحاب في ذلك، فمنهم من عمل بظاهر الأخبار من أنّ المأمومين يركعون و يسجدون و الإمام يومي، و منهم من قال بالإيماء في الجميع. و الأقوى هو الأول، لأنّ نسبة ما تقدّم من الأخبار- من أنّ الجالس يومي للركوع و السجود- مع هذه الأخبار نسبة الأعم المطلق، فيجب تخصيص تلك الأخبار بغير صورة الجماعة، و لا استبعاد فيه أصلا، إذ من الجائز أن يكون للجماعة خصوصية أوجبت عدم الانتقال إلى الإيماء، بل يمكن أن يقال: إنّ ما دلّ على أنّ الجالس يومي للركوع و السجود و لا يركع و لا يسجد إنّما كان مختصا بصورة عدم الأمن عن الناظر، و هذا المعنى مفقود في الجماعة، فإنّه مع وحدة الصفّ و التصاق بعضهم ببعض يكونوا في حال الركوع و السجود آمنين، لعدم تمكّنهم عادة من النظر إلى سوءة الآخر الملاصق له، و هذا بخلاف حال قيامهم، لإمكان نظر كلّ واحد إلى عورة الآخر، و هذا هو الذي أوجب انتقالهم من القيام إلى الجلوس.

و بالجملة: إمكان النظر إلى عورة الآخر في حال القيام و عدم إمكانه في حال الركوع و السجود أوجب إيجاب الجلوس عليهم و الركوع و السجود التام، و ما يقال: من أنّ لازم ذلك هو التعدّي إلى كلّ آمن في حال الركوع و السجود مع عدم أمنه في حال القيام و لو كان فرادى، و هذا ينافي ما دلّ على أنّ غير الآمن يجلس و يومي، من غير تفصيل بين أمنه في حال الركوع و عدم أمنه، إنّما يستقيم مع وجود الدليل على ذلك، و إلّا هو بنفسه أمر ممكن إلّا أنّه لا دليل عليه، و ما ذكرناه في الجماعة من أنّ أمنهم في حال الركوع و السجود و عدم أمنهم في حال القيام أوجب انتقالهم إلى الجلوس مع فعلهم الركوع التام و السجود كذلك، إنّما كان لمحض الاستئناس، و إلّا لم يرد التعليل بذلك في

الأخبار حتّى يتعدّى عن الجماعة إلى غيرها.

فإن قلت: القول بأنّ المأمومين يركعون و يسجدون ينافي ما ورد في بعض الأخبار من التعليل لعدم الركوع و السجود بأنّه يبدو خلفه، كما في بعض الروايات.

قلت: هذا التعليل لا يصلح أن يكون علّة للحكم يستفاد منه كبرى كلّية بل هو حكمة التشريع، كما [لا] يخفى وجهه على المتأمّل، و قد بيّنا الضابط بين ما يكون علّة للحكم و بين ما يكون حكمة التشريع فراجع.

اختلف الأصحاب في اعتبار تقدّم الرجل على المرأة في الصلاة فالمشهور بين القدماء- على ما هو المحكي عنهم- اعتبار تقدّم الرجل على المرأة بكلّه أو بعد عشرة أذرع بين الموقفين أو وجود حائل، و عن المتأخّرين عدم اعتبار ذلك، و منشأ الاختلاف هو اختلاف الأخبار، ففي عدّة من الروايات ورد النهي عن ذلك، و في عدّة اخرى ورد عدم البأس عن ذلك.

فمن الأول: ما رواه عمّار عن الصادق عليه السّلام أنه سئل عن الرجل يستقيم له أن يصلّي و بين يديه امرأة تصلّي قال عليه السّلام: لا يصلّي حتّى يجعل بينه و بينها أكثر من عشرة أذرع، و إن كانت عن يمينه و عن يساره جعل بينه و بينها مثل ذلك، فإن كانت تصلّي خلفه فلا بأس، و إن كانت تصيب ثوبه و إن كانت المرأة قائمة أو قاعدة أو نائمة في غير صلاة فلا بأس حيث كانت (1).

و خبر إدريس بن عبد اللّٰه القميّ سألت أبا عبد اللّٰه عليه السّلام عن الرجل يصلّي و بحياله امرأة قائمة على فراشها أجنبية فقال عليه السّلام: إن كانت قاعدة فلا يضرّك و إن كانت تصلّي فلا (2). و في معناه عدّة من روايات (3)أخر مشتملة


1) الوسائل: ج 3 ص 430 باب 7 من أبواب مكان المصلي، ح 1.

2) الوسائل: ج 3 ص 425 باب 1 من أبواب مكان المصلي، ح 1.

3) الوسائل: ج 3 باب 5 من أبواب مكان المصلي، ح 2 و 5.

على النفي.

و من الثاني خبر جميل عن الصادق عليه السّلام في الرجل يصلّي و المرأة تصلّي بحذاه فقال: لا بأس (1).

و خبر عيسى بن عبد اللّٰه القميّ على ما رواه في العلل سئل الصادق عليه السّلام عن امرأة صلّت مع الرجال و خلفها صفوف و قدّامها صفوف قال عليه السّلام: مضت صلاتها و لم تفسد على أحد و لا تعيد (2)، و غير ذلك من الأخبار الدالّة على الجواز.

اعلم أنّ هنا مقامات وقع البحث عنها:

الأول: في أصل اعتبار تقدّم الرجل على المرأة، و أنّه هل يعتبر ذلك في أصل صحّة الصلاة حتّى يكون عدم تقدّمه من الموانع أو لا يعتبر ذلك في الصحّة و إن كره ذلك؟

الثاني: على كلّ من تقديري المانعية و الكراهة فهل يعتبر في رفع المانعية أو الكراهة تأخّر المرأة عن الرجل بكلّه، بأن يكون موضع سجود المرأة متأخّر عن موقف الرجل أو لا يعتبر ذلك المقام؟

الثالث: لو كانت المرأة قدّام الرجل أو عن يمينه و يساره فما حدّ البعد المعتبر بينهما في زوال المانعية أو الكراهة؟

المقام الرابع: في تحديد الحائل الذي يكون رافعا للمانعية أو الكراهة.
اشارة

أمّا الكلام في المقام الأول فمجمله أنّه و إن حكي عن المشهور بين المتقدّمين ذهابهم إلى المنع، و جعل ذلك في مسلك الموانع، إلّا أنّ الأقوى هو الكراهة،


1) الوسائل: ج 3 ص 426 باب 4 من أبواب مكان المصلي، ح 4.

2) لم نعثر عليه.

و ذلك لأنّ الأدلّة المجوّزة نصّ في الجواز، لا تتحمل معنى آخر بداهة صراحة قوله عليه السّلام: «لا بأس» في خبر جميل (1)المتقدّم في الجواز و إن كان بالنسبة إلى نفي الكراهة ظاهر، فإنّ نفي البأس ظاهر في نفيه بجميع مراتبه التي منها الكراهة إلّا أنّ ظهوره في نفي الكراهة لا يصادم صراحته في الجواز، و هذا بخلاف الأدلّة المانعة، إذ غايتها ظهورها في ذلك، بداهة أنّ كلمة «لا» أو «لا تصلّي» ليس صريحا في المنع بل أقصاه ظهورها فيه، و الظهور لا يصادم النص، هذا مضافا إلى أنّ في نفس أدلّة المنع ما يظهر منه الكراهة كقوله عليه السّلام في صحيح الحلبي (2)«لا ينبغي». و الحاصل أنّ قوله عليه السّلام في أخبار المنع «لا» أو «لا تصلّي» إنّما يدلّ على المنع ظهورا، حيث إنّ النهي و النفي ظاهر في الحرمة النفسية في غير باب الأجزاء و الشرائط و الموانع في المركّبات، فإنّه يكون ظاهرا في المانعية و أمّا قوله عليه السّلام «لا بأس» كما في خبر جميل، و قوله عليه السّلام مضت صلاتها و لم تفسد على أحد» كما في خبر عيسى (3)، فلا يكون إلّا نصّا في الجواز، فلا محيص حينئذ من رفع اليد عن ظاهر النفي و النهي و حمله على الكراهة، و إلّا لزم طرح أدلّة الجواز بالمرّة. هذا مع ما عرفت من أنّ في نفس أخبار المنع ما يدلّ على الكراهة، فيكون شاهد جمع، مضافا إلى ما في الأخبار المانعة من المناقشة سندا و دلالة كما لا يخفى على المتأمّل، و مضافا إلى اختلاف الروايات المحدّدة لمقدار البعد بين الرجل و المرأة تارة بالشبر (4)، و اخرى بالذراع (5)، و ثالثة بالرحل (6)، و رابعة بكون موضع


1) الوسائل: ج 3 ص 426 باب 4 من أبواب مكان المصلي، ح 4.

2) الوسائل: ج 3 ص 431 باب 8 من أبواب مكان المصلي، ح 3.

3) لم نثر عليه.

4) الوسائل: ج 3 ص 427 باب 5 من أبواب لباس المصلي، ح 1.

5) الوسائل: ج 3 ص 427 باب 5 من أبواب لباس المصلي، ح 3.

6) الوسائل: ج 3 ص 429 باب 5 من أبواب لباس المصلي، ح 11

سجود المرأة محاذيا لركوع الرجل (1)، و غير ذلك من التحديدات، فإنّ هذا الاختلاف العظيم أقوى شاهد على أنّ الحكم استحبابي، و اختلاف التحديدات لاختلاف مراتب الاستحباب.

و أمّا الكلام في المقام الثاني فمجمله أنّه ذهب بعض في رفع المانعية أو الكراهة إلى اعتبار تأخّر المرأة بكلّها عن الرجل، بأن يكون موضع سجود المرأة متأخّرا عن موضع وقوف الرجل، و قد استدلّ على ذلك برواية عمّار حيث قال عليه السّلام فيها: «فإن كانت تصلّي خلفه فلا بأس» (2)حيث إنّ ظاهر الخلف هو التأخّر بكلّ البدن هذا، و لكنّ الأقوى عدم اعتبار التأخّر بكلّ البدن في رفع المانعية أو الكراهة، و ذلك لمنع دلالة الخلف على التأخّر بكلّ البدن، بل يصدق الخلف لو كانت المرأة واقفة عن يمين الرجل أو يساره مع تأخّرها عنه يسيرا، بأن يكون موضع سجودها متأخّرا عن موضع سجوده، مضافا إلى إشعار قوله عليه السّلام- في ذيل الرواية بعد قوله: «فإن كانت تصلّي خلفه فلا بأس»- و «إن كانت تصيب ثوبه» أنّه لا يعتبر التأخّر بكلّ البدن، فإنّ إصابة الثوب إنّما يكون غالبا عند وقوف المرأة إلى أحد جانبي الرجل، و أمّا إذا كانت متأخّرة عنه بجميع بدنها، فيبعد إصابتها ثوبه فتأمّل، مع أنّه لو أغمض عن ذلك، فأقصى ما يقتضيه لفظة الخلف هو كونه ظاهرا في التأخّر بكلّ البدن مع صدقة أيضا على ما سوى ذلك، و حينئذ لا يمكن أن يعارض الأخبار الواردة في تحديد رفع المنع بالشبر و الذراع و الرحل و غير ذلك، كما أنّه لا يمكن معاملة التعارض في نفس الأخبار المحدّدة بعد ما كان الحكم كراهية، فيقتصر في رفع الكراهة بالأقل و هو الشبر و يكون


1) الوسائل: ج 3 ص 430 باب 6 من أبواب لباس المصلي، ح 3.

2) الوسائل: ج 3 ص 430 باب 6 من أبواب مكان المصلي، ح 4.

الزائد على ذلك فضليّ، كما هو الشأن في جميع التحديد بين الأقل و الأكثر.

و حاصل الكلام: أنّه سواء قلنا بالمنع أو الكراهة لا بدّ من القول برفعهما بالشبر، فإنّ رواية الشبر (1)تنفي اعتبار الزائد، و الخلف أيضا يصدق بذلك، و إن سلّم كونه ظاهرا في التأخّر بكلّ البدن، فتحمل حينئذ رواية الذراع (2)و الرحل (3)و غير ذلك على مراتب الاستحباب و الفضل، فراجع الأخبار و تأمّل فيها.

و أمّا الكلام في المقام الثالث فقد قيل: إنّه يعتبر البعد بينهما بعشرة أذرع لو كانت المرأة قدّام الرجل أو إلى أحد جانبيه، و استدلّ لذلك برواية عمّار (4)المتقدّمة، و لكنّ الأقوى عدم اعتبار ذلك فيما كانت إلى أحد جانبيه لخبر أبي بصير: سألت الصادق عليه السّلام عن الرجل و المرأة يصلّيان جميعا في بيت المرأة عن يمين الرجل بحذاه قال: لا حتّى يكون بينهما شبر أو ذراع أو نحوه (5). و في معناه روايات أخر (6)، و هذه الروايات كما ترى، تنفي اعتبار الزائد على الشبر إذا كانت المرأة واقفة عن يمين الرجل بل في رواية أطلق الشبر و لم يقيّد بكونها واقفة عن يمينه، بل قال عليه السّلام: «إذا كان بينهما قدر شبر صلّت بحذاه» (7). و بهذا يمكن أن يقال لا يعتبر الزائد على الشبر و لو كانت المرأة واقفة قدّام الرجل، إلّا أن يمنع ذلك، بدعوى أنّ لفظة بحذاه ظاهرة في الجنب من اليمين و اليسار، و لا يشمل صورة


1) الوسائل: ج 3 ص 427 باب 5 من أبواب مكان المصلي، ح 1 و 3 و 4.

2) الوسائل: ج 3 ص 427 باب 5 من أبواب مكان المصلي، ح 3

3) الوسائل: ج 3 ص 429 باب 5 من أبواب مكان المصلي، ح 11.

4) الوسائل: ج 3 ص 430 باب 6 من أبواب مكان المصلي، ح 4.

5) الوسائل: ج 3 ص 427 باب 5 من أبواب مكان المصلي، ح 3

6) الوسائل: ج 3 ص 427 و 428 باب 5 من أبواب مكان المصلي، ح 3

7) الوسائل: ج 3 ص 427 و 428 باب 5 من أبواب مكان المصلي، ح 7

التقدّم، و على أيّ حال الظاهر أنّه لا ينبغي الإشكال في كفاية الشبر إذا كانت عن يمين الرجل أو يساره، فتحمل حينئذ رواية اعتبار العشرة (1)على الفضل، نعم يبقى الكلام فيما إذا كانت المرأة قدّام الرجل، و لا يبعد الالتزام بعشرة أذرع في رفع المنع أو الكراهة تمسّكا بتلك الرواية، و لا مانع من التفصيل بين اليمين و اليسار و بين التقدّم فتأمّل جيّدا.

و أمّا الكلام في المقام الرابع فقد قيل أيضا: إنّه يعتبر في الحائل أن يكون مانعا عن مشاهدة كلّ منهما للآخر في جميع حالات الصلاة، و ربّما يستدلّ على ذلك بصحيح الحلبي سأل الصادق عليه السّلام عن الرجل يصلّي في زاوية الحجرة و امرأته أو بنته تصلّي بحذاه في الزاوية الأخرى قال عليه السّلام: لا ينبغي ذلك إلّا أن يكون بينهما سترا (2)حيث إنّ الظاهر من الستر هو أن يكون ساترا بقول مطلق، و في جميع الحالات هذا، و لكنّ الأقوى أيضا عدم اعتبار ذلك، بل يكفي مطلق الحائل و لو في الجملة و في بعض الأحوال، لرواية علي بن جعفر سأل أخاه عن الرجل هل يصلح أن يصلّي في مسجد قصير الحائط و امرأته قائمة تصلّي و هو يراها و تراه قال عليه السّلام: إن [كان] بينهما حائط طويل أو قصير فلا بأس (3).

و في معناه روايات أخر (4)تدلّ على عدم اعتبار الستر في جميع الحالات بل ربّما يقال: إنّه يكفي في الحائل أن يكون طوله قدر ذراع بل قدر شبر لما في ذيل خبر أبي بصير المتقدّم حيث قال عليه السّلام بعد أن اعتبر الشبر: كان طول رحل رسول اللّٰه ذراعا، و كان يضع بين يديه إذا صلّى شيئا يستره ممّن يمرّ بين


1) الوسائل: ج 3 ص 430 باب 7 من أبواب مكان المصلي، ح 1.

2) الوسائل: ج 3 ص 431 باب 8 من أبواب مكان المصلي، ح 3.

3) الوسائل: ج 3 ص 432 باب 8 من أبواب مكان المصلي، ح 4.

4) الوسائل: ج 3 ص 427 باب 5 من أبواب مكان المصلي، ح 1 و 3.

يديه (1). فإنّ التعليل بذلك بعد اعتبار الشبر إنّما يناسب أن يكون الشبر الذي اعتبره أولا من جهة كونه حائلا، فيكون مقدار الشبر من حيث الطول لا من حيث المسافة، فتأمّل جيّدا.

هذا تمام الكلام في أصل المسألة. بقي في المقام فروع ينبغي التنبيه عليها:
الأول: هل يعتبر في مانعية المحاذاة أن تكون كلّ من صلاة الرجل و المرأة صحيحة من غير جهة المحاذاة أو لا يعتبر ذلك

بل يكفي في المانعية و لو كانت أحد الصلاتين فاسدة من غير جهة المحاذاة؟ و قد كثر الكلام في المقام من الأعلام، حتّى بنوا المسألة على القول بالصحيح و الأعم، و لكنّ الظاهر أنّ المسألة بمكان من الوضوح لا تحتاج إلى إطالة الكلام فيها، بداهة أنّ جميع الأدلّة التي تكون متكفّلة لبيان الأجزاء و الشرائط و الموانع إنّما تتكفّل جزئية شي‌ء أو شرطيته أو مانعيّته بعد الفراغ عن اشتمال المركّب لسائر الشرائط و الأجزاء و الموانع، إذ لا معنى لتكفّل مانعية شي‌ء مثلا و أخذه مانعا عن المركّب الأعم عن أن يكون له مانع آخر أو لا، إذ مع سبقه بمانع آخر لا يمكن أن يكون هذا الشي‌ء مانعا، فأخذ شي‌ء مانعا إنّما هو بعد فرض اشتمال المركّب على جميع ما يعتبر فيه سوى هذا الذي يراد أخذه مانعا مثلا قوله: «لا تلبس الحرير في الصلاة» إنّما يكون متكفّلا لمانعيّة الحرير للصلاة الجامعة للأجزاء و الشرائط و الموانع غير لبس الحرير، إذ لا معنى لأخذ الحرير مانعا للصلاة الأعم من كونها واجدة لسائر ما يعتبر فيها أو فاقدة لها، و قوله «لا تصلّي محاذيا للمرأة» كقوله «لا تلبس الحرير» إنّما يكون متكفّلا لمانعية المحاذاة، بناء عليها للصلاة بعد كونها جامعة لشرائط الصحّة لو لا المحاذاة، فلا محيص عن القول باعتبار صحّة الصلاتين في مانعية المحاذاة، و بذلك


1) الوسائل: ج 3 ص 427 باب 5 من أبواب مكان المصلي، ح 3

يظهر الخلل في جملة من كلمات الأعلام فراجع.

الفرع الثاني: لو علم أحدهما بفساد صلاة الآخر من غير جهة المحاذاة في أول الأمر

، فلا إشكال في صحّة صلاته و لو علم بصحّتها من غير تلك الجهة، فلا إشكال في فساد صلاته مع عدم تبيّن الخلاف، و كذا لو شكّ في الصحّة و الفساد، لأنّ الأصل هو الصحّة و لو تبيّن الخلاف و ان صلاته كانت فاسدة من غير جهة المحاذاة و كان علمه بالصحّة خطأ، فلا ينبغي الإشكال أيضا بصحّة صلاته لو تمشّى منه قصد القربة مع علمه بصحّة صلاة الآخر و لو لأجل أصالة الصحّة، لأنّ علمه بالصحّة إنّما يكون طريقيّا لا موضوعيّا و بعد تبيّن خطأ علمه و تمشّى منه قصد القربة لا مانع من صحّة صلاته، سواء علم بالفساد بعد الصلاة أو في الأثناء، نعم لو علم من أول الأمر بفساد صلاة الآخر و صلّى و بعد الصلاة أو في أثنائها تبيّن صحّتها من غير جهة المحاذاة و أنّ علمه بالفساد كان خطأ، فمقتضى القاعدة هو بطلان صلاته، لأنّ المفروض أنّه صلّى محاذيا مع صحّة صلاة الآخر واقعا و إن لم يعلم بها و اعتقد فسادها، إذ ذلك لازم أخذ العلم على وجه الطريقية، و بالجملة: العلم يكون طريقا في كلّ من طرفي الصحّة و الفساد.

الفرع الثالث: لا إشكال في أنّه لا يجب عليه الاستفسار و الاستخبار من الآخر في صحّة صلاته و فسادها عند الشكّ فيها

، لمكان أصالة الصحّة، نعم لو أخبر بالفساد فهل يكون قوله معتبرا في مقابل أصالة الصحّة أو لا يعتبر قوله؟ و قد ذكر لكلّ من الوجهين وجوه لا تخلو عن مناقشة، فالأولى ابتناء ذلك على اعتبار قاعدة ما لا يعلم إلّا من قبله، فإن قلنا باعتبار ذلك و عمومها لجميع الموارد كما يظهر من بعض إرسالها إرسال المسلّمات، فلا إشكال و يكون إخباره بالفساد فيما نحن فيه معتبرا لأنّ العلم بفساد صلاته غالبا منسدّ لغير المصلّي إلّا أنّ الشأن في اعتبار تلك القاعدة بعمومها، و بعد لم يظهر لنا ما يدلّ على اعتبارها بعمومها، نعم ورد

في بعض الموارد ما ربّما لا يخلو عن إشعار بالعموم كقوله عليه السّلام في باب المتعة:

«أ رأيت إن سألتها البيّنة هل تقدر على ذلك بعد السؤال عن اتهامها بأنّ لها زوج» (1)و كذا ورد في باب الحيض (2)و العدّة (3)و الحمل (4)أنّها مصدقات، و المسألة بعد تحتاج إلى مزيد مراجعة لعلّه يعثر على ما يدلّ على عموم القاعدة.

الفرع الرابع: لو عرض لأحد الصلاتين الفساد في الأثناء فهل هو كالفساد من أول الأمر

فتكون الصلاة الأخرى صحيحة، لعدم اشتمالها على المانع من المحاذاة لصلاة صحيحة، أو أنّه ليس كالفساد من أول الأمر فتكون الصلاة الأخرى أيضا فاسدة، لصدق أنّه صلّى محاذيا لآخر في صلاته المنعقدة على وجه الصحّة، و عروض الفساد عليها في الأثناء ممّا لا أثر له؟ و بالجملة: العبرة بالصحّة و الفساد إنّما هو في أول الأمر، فلو صلّى محاذيا لمن انعقد صلاته صحيحة بطلت صلاته، و إن عرض لها الفساد في الأثناء، و هذا الوجه هو الأقوى، كما لا يخفى وجهه على المتأمّل.

الفرع الخامس: هل مانعية المحاذاة مطلقة أو مقصورة بصورة الاختيار؟ و الالتفات

الذي ينبغي ان يقال: هو أنّ قوله عليه السّلام: «لا يصلّي» و إن لم يدلّ بهيئته و مادّته على صدور الفعل منه اختيارا أمّا المادّة فواضح، لأنّ مادّة الأفعال لم توضع إلّا للمعنى الحدثي و المصدري، و أمّا الهيئة فلأنّها إنّما وضعت لقيام المادّة بالفاعل على اختلاف أنحاء القيام، من دون أن يكون لها دلالة على صدور الفعل منه اختيارا و عن علم، إلّا أنّ في خصوص المقام لا يبعد القول باختصاص مانعية المحاذاة بصورة العلم بها، و ذلك لأنّ الظاهر من أخبار الباب و المسئول عنه هو


1) الوسائل: ج 14 ص 457 باب 10 من أبواب المتعة، ح 5، مع اختلاف.

2) الوسائل: ج 2 ص 596 باب 47 من أبواب الحيض

3) الوسائل: ج 2 ص 596 باب 47 من أبواب الحيض

4) الوسائل: ج 15 ص 441 باب 24 من أبواب العدد، ح 2.

الجهة الاختيارية، كما يظهر من قوله في السؤال: أنّ المرأة تزامل الرجل في المحلّ (1).. إلخ، و بالجملة: الظاهر أنّ المسئول عنه في الأخبار هو صلاة الرجل خلف المرأة مع الالتفات و الاختيار، و في هذا الفرض أجاب عليه السّلام: بأنّه لا يصلّي، هذا مع أنّ مناسبة الحكم و الموضوع يقتضي اختصاص المنع بذلك فتأمّل.

و يتفرّع على ذلك أنّه لو كان كلّ من الرجل و المرأة جاهلين بالآخر أمّا لظلمة أو لعمى أو غير ذلك صحّت صلاتهما جميعا، لعدم إيقاع الصلاة اختيارا مع المحاذاة، و لو كان أحدهما جاهلا بالمحاذاة و الآخر عالما بها صحّت صلاة الجاهل و فسدت صلاة العالم، لأنّ المحاذاة الاختيارية إنّما تنتسب إلى العالم دون الجاهل، و هذا بخلاف ما إذا كان كل منهما عالم بالآخر، فإنّ المحاذاة الاختيارية تنتسب إليهما جميعا فتفسد صلاتهما.

و يتفرّع على ذلك أيضا بطلان خصوص صلاة اللاحق إذا كان عالما بالسابق، دون صلاة السابق، لأنّه حينئذ المحاذاة الاختيارية إنّما تستند إلى اللاحق فتفسد صلاته، و لا أثر لعلم السابق حينئذ بالمحاذاة لانعقاد صلاة اللاحق فاسدة بسبب علمه بالمحاذاة، و قد تقدّم أنّ المحاذاة للصلاة الفاسدة لا يكون مانعا، نعم لو كان اللاحق جاهلا، فإن أمكن السابق التباعد على وجه لا تبطل صلاته بالمقدار المعتبر من التباعد وجب عليه، و إن لا يمكنه التباعد كذلك سقطت مانعية المحاذاة حينئذ، من جهة حرمة قطع الصلاة فتأمّل.

الفرع السادس: لا عبرة بالفوقية و التحتية مع صدق كون أحدهما في يمين الآخر

أو شماله أو قدّامه، نعم لو كانت الفوقية و التحتية على وجه لا يصدق ذلك، كما


1) الوسائل: ج 3 ص 433 باب 10 من أبواب مكان المصلي، ح 2.

إذا كان أحدهما في مكان مرتفع بحيث لا يقال: إنّه واقف في يمين الآخر أو شماله أو قدّامه، كما إذا كان ارتفاعه يقرب من عشرين ذراعا، لكان ذلك خارجا عن مورد الروايات، لأنّ الروايات إنّما تكفّلت لبيان الجهات الأربع فقط، ثمّ إنّه لو كان أحدهما واقفا على مكان مرتفع بحيث لا يضرّ بصدق اليمين و اليسار و القدّام، ففي كيفية اعتبار المسافة بينهما وجوه أو أقوال: أحدها اعتبارها من موقف أحدهما إلى الأساس الذي يكون الآخر واقفا على مرتفعة، فإن بلغ عشرة أذرع فهو و إلّا فلا. ثانيهما: اعتبارها من موقف أحدهما إلى الأساس و من الأساس إلى موقف الواقف على مرتفعة، فإن بلغ المجموع عشرة أذرع فهو. و إلّا فلا. ثالثها: اعتبارها من ضلع المثلّث بين الموقفين، بأن تلاحظ المسافة بين الموقفين بأن يخرج خطّا من أحد الموقفين إلى موقف الآخر فإن بلغ عشرة أذرع فهو و إلّا فلا، و لا يكفي إخراج الخطّ من الموقف إلى الأساس فقط و لا يعتبر إخراجه أيضا من الأساس إلى موقف العالي، و لا يخفى عليك الفرق بين هذه الوجوه الثلاثة، فإنّ الأول ينقص عن الضلع المثلّث الحاصل بين الموقفين، و الثاني يزيد عليه و أقوى الوجوه هو الثالث، من غير فرق بين أن يكون تسنيميّا أو انحداريّا.

الفرع السابع: لو كانا في موقف لا يمكنهما التباعد فإن كانا في ضيق الوقت صلّيا جميعا و سقط اعتبار عدم المحاذاة

و إن كان في سعة الوقت صلّيا على التعاقب مخيّرين في التقدّم و التأخّر، و إن كان الأفضل تقديم الرجل، و ما ورد في بعض الأخبار من أنّه «صلّى الرجل أولا» (1)محمول على ذلك، لا أنّ ذلك شرط لصحّة الصلاة أو أنّه واجب نفسي.

الفرع الثامن: ظاهر أخبار الباب اختصاص الحكم بالرجل و المرأة

، و لا يعمّ الصبي


1) الوسائل: ج 3 ص 433 باب 10 من أبواب مكان المصلي، ح 1 و 2.

و الصبية و إن قلنا بشرعية عبادتهما، من غير فرق بين تقدّم الصبية على الصبي أو على الرجل، أو تقدّم الصبي على المرأة. نعم ورد في بعض (1)أخبار باب الجماعة ما يظهر منه تعميم الحكم للصبي و الصبية، فراجع و تأمّل.

بقي الكلام في المعنى الثاني من المكان، و هو اعتبار الطهارة فيه: اعلم انّ الأقوال في ذلك أربعة الأول: اعتبار الطهارة في جميع مكان المصلّي، من موضع القدم إلى موضع السجود. الثاني: عدم اعتبار الطهارة فيه مطلقا حتّى موضع السجود، و هو الذي ينسب إلى الراوندي (2). الثالث: اعتبار الطهارة في خصوص المساجد السبعة. الرابع: اعتبار الطهارة في خصوص موضع الجبهة، و هو الذي ينسب إلى المشهور.

و الروايات في المقام مطلقة و هي بين ما تعتبر الطهارة مطلقا و بين ما لا تعتبرها مطلقا، و لكن حيث كانت روايات عدم الاعتبار صريحة في ذلك من حيث نفي البأس فيها و روايات الاعتبار ظاهرة في ذلك من حيث ورود النهي فيها الظاهر في المانعية كان مقتضى القاعدة حمل الروايات الناهية على الكراهة، تحكيما للنص على الظاهر، و هذا هو الذي دعا الراوندي إلى عدم اعتبار الطهارة مطلقا، حتّى في المسجد، و لا بأس بذكر بعض أخبار الباب حتّى يتّضح حقيقة الحال:

فمنها خبر ابن أبي عمير قلت لأبي عبد اللّٰه عليه السّلام أصلّي على الشاذ كونه و قد أصابتها الجنابة فقال عليه السّلام: لا بأس (3). و في معناه عدّة من روايات أخر دالّة على نفي البأس في المكان النجس الذي بإطلاقه يشمل جميع المكان.

و منها خبر ابن بكير عن الصادق عليه السّلام: في الشاذ كونه يصيبها الاحتلام


1) الوسائل: ج 5 ص 412 باب 23 من أبواب صلاة الجماعة، ح 3 و 5.

2) المعتبر: ص 124 س 4 من كتاب الطهارة.

3) الوسائل: ج 2 ص 1044 باب 30 من أبواب النجاسات، ح 4.

أ يصلّي عليها؟ قال: لا (1).

و منها موثّق عمّار: سأله عن الموضع القذر يكون في البيت أو غيره فلا تصيبه الشمس و لكنّه قد يبس الموضع القذر قال عليه السّلام: لا يصلّي عليه و أعلم موضعه حتّى تغسله .. الخبر (2).

و هذان الخبران ظاهران في المنع، إلّا أنّه لمّا كان نفي البأس صريحا في الجواز كان مقتضى القاعدة حمل النفي على الكراهة، و ليس في أخبار الباب ما يدلّ على اعتبار الطهارة في المساجد السبعة أو خصوص موضع الجبهة، و لكن لشيخنا- مدّ ظلّه- في المقام كلاما و حاصله: أنّ خبر ابن بكير و كذا موثّق عمّار ظاهر في عدم نجاسة جميع المكان الذي يصلّي فيه، بداهة أنّ إصابة الاحتلام إنّما يكون في مقدار من المكان، و كذا ظاهر الموضع القذر بقرينة «و أعلم موضعه حتى تغسله» هو قذارة مقدار قليل من البيت، بحيث لا يصلح للصلاة فيه بل يصلح للصلاة عليه في الجملة و لو في بعض حالات الصلاة، و كذا لفظة «على» ظاهرة في الاستعلاء، بحيث يكون الصلاة عليه و ذلك أخصّ من الصلاة فيه، فإنّ لفظة في يشمل جميع مكان المصلّي و إن لم يلاق بدنه له كالمواضع المتخلّلة بين المساجد في حال السجود، و هذا بخلاف لفظة «على» فإنّه [فإنها] ظاهرة في ملاقاة بدن المصلّي للموضع ليتحقّق الاستعلاء، فلفظة «على» إنّما تشمل موقف المصلّي و محلّ تشهّده و مواضع مساجده السبعة، فضمّ هاتين المقدمتين- أحدهما: كون موضع إصابة الاحتلام و القذارة قليل جدّا، بحيث لا يتحمّل إلّا لبعض حالات الصلاة. و ثانيهما: اعتبار كون ذلك الموضع ممّا يصيبه بدن المصلّي، بقرينة


1) الوسائل: ج 2 ص 1044 باب 30 من أبواب النجاسات، ح 6.

2) الوسائل: ج 2 ص 1042 باب 29 من أبواب النجاسات، ح 4.

«على» و معلوم أنّ المتيقّن من ذلك هو موضع السجود، لأنّه أحقّ بإطلاق الصلاة عليه لأنّه ركن في الصلاة مع أنّه لا يحتمل اعتبار طهارة غيره، و عدم اعتبار طهارته، و اعتبار طهارة الجميع ينافي قلّة المكان القذر ينتج ما ذهب إليه المشهور، من اختصاص اعتبار الطهارة في خصوص المسجد دون غيره، لأنّه بناء على المقدّمات المذكورة تكون الأخبار المانعة مختصّة بموضع السجود، و مقتضى صناعة الإطلاق و التقييد هو حمل الأخبار المجوّزة على ما عدا موضع السجود، لأخصّية الأخبار المانعة حينئذ فتأمّل جيّدا، فإنّه بعد في المقدّمات شي‌ء، و تتميم فتوى المشهور بغير الإجماعات المنقولة مشكل.

و على كلّ حال ظاهر المشهور عدم اعتبار الطهارة في غير محلّ السجود، نعم يعتبر أن لا يكون في المكان نجاسة متعدّية، و الظاهر أنّ اعتبار ذلك إنّما هو لمحض الطريقية لا الموضوعية، فلو كانت النجاسة ممّا يعفى عنها لقلّتها فلا بأس بتعدّيها كما هو واضح، هذا تمام الكلام فيما يعتبر في المكان.

و أمّا البحث عن مكروهات المكان فليس بمهمّ، نعم ينبغي البحث عن الصلاة في المقابر، حيث إنّه ربّما قيل ببطلان الصلاة فيها. اعلم أنّ هنا عناوين أربع: الصلاة في المقابر و الصلاة بين القبور، و الصلاة على القبر و الصلاة إلى القبر، بأن يجعل القبر قبلة له. و قد ورد المنع عن كلّ من هذه العناوين الأربع في الأخبار، و لا يخفى الفرق بين الأول و الثاني، إذ في الأول لا يعتبر فعلية القبور و لا أن تكون الصلاة بينها بل يكفي كون المكان معدّا للدفن، بحيث يطلق عليه المقبرة و إن لم يكن فيه إلّا قبر واحد. بل و إن لم يكن فيه قبر أصلا، و هذا بخلاف الثاني فإنّه يعتبر فعليّة القبور لا أقل من قبرين لعدم صدق البينية بدون ذلك، فممّا دلّ على الأول قوله في خبر المناهي، نهى رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله أن يصلّي

الرجل في المقابر و الطرق .. الخبر (1). و قوله عليه السّلام في خبر عبيد بن زرارة:

الأرض كلّها مسجد إلّا بئر غائط و مقبرة (2). و ممّا يدلّ على الثاني موثّقة عمّار سأل الصادق عليه السّلام يصلّي بين القبور قال: لا يجوز ذلك إلّا أن يجعل بينه و بين القبور إذا صلّى عشرة أذرع من بين يديه، و عشرة أذرع من خلفه، و عشرة أذرع عن يمينه، و عشرة أذرع عن يساره، ثمّ يصلّي إن شاء (3). و ممّا يدلّ على الثالث خبر يونس بن ظبيان عن أبي عبد اللّٰه أنّ رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله نهى أن يصلّى على قبر أو يقعد عليه أو يبنى (4). و ممّا دلّ على الرابع قوله في صحيحة زرارة المروية عن العلل قال: لأبي جعفر عليه السّلام الصلاة بين القبور فقال:

بين خللها و لا تتّخذوا شيئا منها قبلة .. الخبر (5)


1) الوسائل: ج 3 ص 453 باب 25 من أبواب مكان المصلي، ح 2.

2) الوسائل: ج 3 ص 423 باب 1 من أبواب مكان المصلي، ح 4.

3) الوسائل: ج 3 ص 453 باب 25 من أبواب مكان المصلي، ح 5 و فيه «سألته عن الرجل يصلي».

4) الوسائل: ج 3 ص 454 باب 25 من أبواب مكان المصلي، ح 8 و فيه اختلاف يسير

5) علل الشرائع: ص 358 باب 75، ح 1 ط بيروت، و فيه اختلاف يسير.